عسل أسود أفضل ما بالفيلم أنه لم يقدم حلولا غير منطقية أو مقترحات ساذجة لإصلاح مشكلات البلد، فقط عرض المشكلة كما هي، وهو ما يجسد المعنى الحقيقي لرسالة السينما، العرض وليس الإصلاح. فالعاملون بتلك الصناعة من منتجين وممثلين ومخرجين وكُتاب ليسوا مطالبين بالبحث عن حلول للمشكلات التي تعاني منها البلد، ولكن يكفيهم تقديم عمل فني محترم يلمس أوضاع سيئة يعيشها ملايين. وهو ما ركز عليه المؤلف خالد دياب من بداية السيناريو وحتى نهايته، ليقدم لخالد مرعي مادة مميزة أحسن الأخير استغلالها للغاية. فكرة "عسل إسود" ليست بالجديدة، فقد اعتمد أكثر من فيلم قديم على فكرة الشخص العائد من الخارج الذي يصطدم بالواقع السيء الذي يعيشه أبناء بلده، ولكن تناول الفيلم الجديد للفكرة جاء مختلفا. فنحن لم نشاهد، على السبيل المثال، أحمد حلمي يظهر مثل شكري سرحان بفيلم "قنديل أم هاشم"، والذي يقابل ما يراه من سلوكيات خاطئة بعصبية شديدة وسخرية، ولكن جاء حلمي أكثر هدوءا لأنه بدا وكأنه غير مستوعبا في الأصل ما يحدث أمامه. وهو ما يُحسب للثنائي خالد دياب وخالد مرعي، فمن تلك الفكرة جاءت كوميديا الفيلم، والتي اعتمدت على "كوميديا الفكرة" وليس "كوميديا الموقف"، فقد تجد كثيرا من المشاهد متشابهة بفكرتها، ولكنك ستضطر للضحك مع كل مشهد بفضل موهبة أحمد حلمي. أيضا من مميزات الفيلم بالجانب الكوميدي أنه لم يعتمد على أحمد حلمي فقط لالتقاط الابتسامة من وجه المُشاهد كما يحدث في أغلب الأفلام الكوميدية، وأيضا لم يعتمد على ممثل أو اثنان آخرين للقيام بنفس المهمة كما يحدث في بعض الأفلام، ولكن أكثر مشاهد الفيلم كوميديا كان أبطالها "كومبارس"، وهو الشيء الذي فعله حلمي من قبل بفيلم "ألف مبروك". ويكشف ذلك حُسن اختيار أحمد حلمي للسيناريو الجيد الذي يعتمد على فكرة كوميدية معينة تستمر طوال مشاهد الفيلم، وليس مجرد سيناريو يضم عدد من الأفيهات المستهلكة. الحديث عن أحمد حلمي "الممثل" لن يحتاج للكثير من الكلام، فالنجم الكوميدي أثبت أنه "الأنجح" بالساحة الفنية على الإطلاق، وليس كفنان كوميدي فقط. فحلمي منذ أن قام بمرحلة "تغيير الجلد" بفيلم "كدة رضا" وهو يقدم سينما راقية مُبهرة كوميدية نظيفة، وهي الخلطة التي فشل كثيرين في تكوينها والاستمرار بها. ظهر حلمي في "عسل إسود" أكثر هدوءا وثقة أكثر من أي فيلم مضى، وهو ما استمده من نجاحات أفلامه السابقة، وليس من الضروري عقد مقارنة بين "عسل إسود" وأي فيلم آخر لحلمي في الثلاث سنوات الماضية، فجميعها أفلامه وجميعها أبدع فيها. وجاء ظهور كل من إدوارد وإيمي سمير غانم مميزا للغاية، بالإضافة للفنانين الكبار لطفي لبيب ويوسف داود وإنعام سالوسة. وكالعادة، احتلت موسيقى الموسيقار الكبير عمر خيرت مكانة مميزة بأحداث الفيلم، ونجح خيرت في وضع موسيقى ملائمة للأحداث خاصة عند عودة حلمي لمصر. الفيلم نجح في تقديم تجربة واقعية يصطدم بها كثيرون ويعاني منها ملايين، ومن يتهم صُناع الفيلم "بنشر الغسيل القذر" في أحداثه يتحدث بشكل غير منطقي، فالتلوث والسرقة والفساد وانهيار التعليم "وقلة الأدب" ليست أشياء سرية تحتاج لفيلم سينمائي ليفضحها. "عسل إسود" واحدا من أكثر الأفلام رُقي خلال السنوات الأخيرة، فعندما يدفعك فيلما للضحك الشديد في بعض مشاهده، ثم يصيبك بأعراض اكتئاب بمشاهد أخرى، يكون بالتأكيد فيلما مميزا نجح في توصيل فكرته كاملة للمشاهد. التقييم العام : 4