This Is It لقد تمكن المخرج كيني أورتيجا من تقديم فيلم تاريخي عن ملك البوب والأسطورة الراحل مايكل جاكسون سيخلده في ذاكرة تاريخ عشرة أجيال قادمة. نعم الفيلم تسجيلي، وهو فقط عن كواليس جولة جاكسون الغنائية لحفلاته الخمسين التي كان من المقرر أن يقيمها في ساحة "أوه تو" بلندن بدءاً من يوليو 2009، ولكنه توفى في 25 يونيو 2009 قبل أن يبدأ أي منها، أي أن الفيلم عن تحضيره للحفلات فقط وليس عن حياته. ولكن في الحقيقة، هذه الكواليس أظهرت للناس جانب من حياة جاكسون لم يعلمه جمهوره عنه مهما كانوا شاهدوا له لقاءات تليفزيونية أو شاهدوا حفلات حية أو مسجلة له، لقد شعرت أن هذا الفيلم يظهر جاكسون فعلاً كما لم نراه أو نعرفه من قبل، وأنه لم يكن مجرد كلام دعائي للفيلم. فهو بالرغم من أن موضوعه واحد وهو كواليس الحفل، وأماكن التصوير مقتصر معظمها على مكان واحد وهو المسرح، لكن ما تم تسجيله أظهر لنا عبقرية هذا الفنان الموسيقية التي جعلته يحمل منذ بداية سنواته العشرين لقب "ملك البوب" من ناحية، وجانب شخصي وإنساني له في حياته الشخصية لم يعرفه إلا من تعامل معه بشكل مباشر من ناحية أخرى. عبقريته الفنية تشعر بها وتراها وتسمعها عندما تجده أمامك مهتم بأدق تفاصيل الحفل دون كلل أو ملل، مهتم بكل نوتة ونغمة ستلعبها كل آلة معه، مهتم بأن يشعر باللحظة المناسبة التي لابد من أن يظهر فيها على المسرح دون حاجته إلى أن يعطيه أحد علامة أو إشارة! وهو ما تعجبت له جدا بصراحة! الموقف هو عندما كان المخرج أورتيجا يعرض على الشاشة الكبيرة الموضوعة بعرض المسرح الفيلم القصير الذي سيدور قبل خروج مايكل وظهوره على المسرح، لكن المشكلة تكمن في أن مايكل سيكون أمام الشاشة منذ البداية بظهره، أي أنه لن يرى ما يحدث ولن يعلم متى يتوقف الفيلم، فسأله المخرج ما هى الإشارة التي يريد أن يعطيها له لكي يصعد على المسرح، فيجد أن مايكل يجيبه بكل عفوية وبساطة و"اقتناع شارد بعض الشئ": "لا داعي للإشارة، لابد من أن أشعر بتلك اللحظة، أكيد سأشعر بها من نفسي"! طبعاً المجهود المبذول في التفكير المبتكر تلك الجولة، والشكل الذي كان من المفترض أن تظهر به، والتكلفة التي تتوقعها لهذا العمل الضخم جعلتني مبهورة ومخطوفة الأنفاس طوال ساعتين مدة عرض الفيلم. لأنني أري أمام عيني المعنى الحقيقي والمجسم لكلمة "نجم"، وما يتطلبه هذا اللقب من جهد وعمل مضني من الفنان نفسه قبل فريق العمل الذي يحيط به. أورتيجا نفسه كمخرج أبهرني أداءه الراقص وخفته خلال إخراجه لفيلم "هاي سكول ميوزيكال" High School Musical، واعتقد أنه سيكون له شأن كبير في تغيير معالم الحفلات الغنائية بعد هذا الفيلم. الجانب الإنساني الذي أبهرني في الراحل مايكل هو معاملته مع من حوله، كيف يعامل الجميع بكل بساطة وحب وأدب، كيف يقول طوال الوقت لكل منهم "بارك الله فيك" God Bless You، إلى الدرجة التي جعلت المخرج يمزح معه قائلاً: "أشعر أننا في كنيسة الروك آند رول". أذكر أن مايكل كان في بروفة لإحدى أغانيه، وبدأت الموسيقى في العزف، وبدأ الكورال في الغناء، ومايكل يسير على خشبة المسرح يمينا ويسارا وهو واضع في أذنه سماعه صغيرة لكي يسمع بشكل مباشر الموسيقى ويتابعها بغناءه، فيحاول الغناء ثم يتوقف ناظرا إلى الأمام في خجل وهو يبتسم، ثم يسير بعض خطوات أخرى ويحاول الغناء من جديد ولكن هناك ما يمنعه، وابتسامته الخجلة توضح ذلك. فينتبه أورتيجا لتردد مايكل ويسأله عما يزعجه، فيجيب بكل حرج وخجل: "أنا آسف لكن بهذه السماعة أشعر وكأن هناك من يضع يديه في أذني ويضغط عليها بشدة، أنا أحاول أن أغني ولكني لم اتحمل الصوت"، فيسأله المخرج عما إذا كان خفض صوت الموسيقى في أذنه سيكون كاف، فيرد مايكل: "نعم من فضلك اخفضوا صوت الموسيقى قليلاً، أشكركم كثيراً، بارك الله فيكم". إيه الأدب ده، فعلاً كان راجل أخلاق، هنا في مصر إذا حدث نفس الموقف مع أي من فنانينا المحترمين تجده وقد رسم كل المعالم الشيطانية على وجهه، وخرجت من فمه أبشع وأقذر الألفاظ للكبير قبل الصغير الموجودين في المكان لعدم رعايتهم لأذنه الفنية المرهفة الرقيقة! مايكل كان مهتم بمن يظهر معه مثل اهتمامه بظهوره هو شخصيا، فلقد كانت هناك فتاة تلعب الجيتار معه في البروفات وهى تبدو وكأنها في العشرين من عمرها، ورغم صغر سنها الشديد إلا أنها موهوبة جداً. تجد مايكل يقف بجانبها في وصلة العزف التي ستنفرد فيها بالضوء وحدها، ويقول لها: "يلا دي لحظتك .. اعزفي كده" ويعزف لها صوت الجيتار بصوته لكي تؤدي تلك النغمة على أوتار جيتارها، ويعيد عليها مرة ثانية وثالثة كيف تعزف لتبهر الحاضرين، كيف تتألق في اللحظة الخاصة بها، أخذ من وقته ومجهوده، وهما ليسا من السهل اهدارهما، لكي يعلم فتاة في العشرين من عمرها كيف تتألق في اللحظة التي ستنفرد فيها بالضوء وحدها وتسرقه منه! أنا في رأيي الفيلم ترفيهي تسجيلي تعليمي تثقيفي، لأنك في ساعتين فقط ستتعلم الكثير عن فن إحياء الحفلات الغنائية بشكل مبتكر، وستتعلم كيف تتعامل مع من حولك رغم كونك نجم "السنين" في مجالك، ليس شرط أن تكون فنان، وستتعلم المعنى الحقيقي للنجومية، وستـُقدر أن هذا اللقب ليس من المفروض أن يقال إلا على من يستحقه فعلاً. وهو تعليمي ومفيد ليس لجيلنا فقط، بل للعشرة أجيال المقبلة على الأقل. فعلاً مايكل جاكسون يستحق لقب "الأسطورة" و"ملك البوب"، ويستحق الرثاء على خسارته وفراقه إلى الأبد. التقييم العام:5