45 يوم لابد من أن المخرج أحمد يسري استجمع كثير من الشجاعة وروح المغامرة لكي يختار فيلم "45 يوم" كبداية في مشواره السينمائي ، فالفيلم به من الحزن والكآبة ما قد ينفر مشاهدي السينما المصرية وخاصة في بداية الموسم الصيفي ، بل يؤكد يسري على ذهابه بالمغامرة إلى أقصى الحدود باختياره طاقم عمل معظمه من الشباب ، وعلى رأسهم أحمد الفيشاوي صاحب التجربة السينمائية الوحيدة "الحاسة السابعة". وإن كان أداء الفيشاوي عامل أمان يدعم مغامرة يسري ، فالشاب الذي شاهدناه كوميدياً في شهر رمضان الماضي مع مسلسل "تامر وشوقية" لم ترتسم البسمة على وجهه إلا في مشهد قليل ، وعلى استحياء ، واستطاع الوصول بأداءه إلى منطقة جديدة لم يطرقها من قبل ، وإن كان المحيط الذي وفره يسري للشخصية زاد من صعوبة المهمة أكثر من تسهيلها عليه. البداية التي اختارها يسري كانت رائعة وخاطفة ، وأدخلتنا في جو الفيلم بسرعة ، إلا أن البطء في سير الأحداث فيما بعد فتح الباب للملل سريعاً ، ولم تنجح في كسرها الدقائق التي رسمت العلاقة بين الشاب أحمد المتهم بقتل والديه والطبيب النفسي المسئول عن معرفة ما إذا كان مجرم أم مريض نفسي ، فهشام سليم بقدراته الفنية التي لا يختلف عليها إثنان لم يتمكن من عكس الحيرة التي من المفترض وقوعه فيها عند مواجهته لشخصية مثل أحمد. وما زاد من صعوبة مهمة سليم هي المشاهد المملة التي عرضت جوانب حياته المختلفة ، فحياة الطبيب النفسي كانت أشبه بفيلم هامشي ، ولم يكن هناك ما يربطه بالفيلم الأصلي أي قصة أحمد ، ولم نر تأثيراً لحياة أحمد على هشام أو العكس ، وحتى العلاقة المطلقة وتطورها بينهما لم تكن منطقية ، فمعاملة الطبيب لأحمد لم تختلف قبل موافقة الشاب على التحدث من بعده ، كما أن اللحظة التي أقنع فيها الطبيب مريضه بالتحدث لم تختلف عن غيرها ، ولم يكن هناك مبرراً لكي يوافق أحمد الآن تحديداً على الحديث إلا إرادة المخرج. العلاقة بين أحمد وأخته كانت الأكثر حظاً وسط علاقات الشخصيات غير المحكمة ، فالحب والارتباط الذي أوضحه يسري بين الشقيق وشقيقته جاء في صورة عميقة وجميلة ، ولم يحتج الكثير من السرد لتوضيح هذا الحب ، وكانت الممثلة اللبنانية الجديدة مريانا مناسبة بشدة للدور بملامحها الهادئة البسيطة ، وبقدرتها على توضيح أهمية الشخصية لدى بطل الفيلم. العلاقة بين أحمد ووالده والتي تعد أساس الفيلم لم تتكشف أسرار شذوذها عن العلاقة الطبيعية إلا مع نهاية الفيلم ، وهو ما جعل كثيرون يرفضون تعصب الأب غير المبرر تجاه الطفل ، والذي كلما شب أتى بأفعال خاطئة قد تبرر عنف الأب في العقاب ، لكنها لا تبرر التجهم الزائد عن الحد من عزت أبو عوف ، والمشكلة هنا أن يسري عندما قرر كشف كره الأب للابن وتفريقه في المعاملة عن نهال أخته لم يقدم سره بالشكل الناجح. فإذا كان الشك في نسب الابن الأكبر هو ما أحاله حياته إلى جحيم ، فلماذا يصبح متأكداً من كون الفتاة من صلبه ليعاملها بحنية ، كما أنه إذا كان الأب تلقائياً يرفض قبول أحمد كابن ، لماذا بكى في محادثتهما النهائية وهو يقول له "أنا بحبك" ، أيحبه أم يكرهه ، وبعيداً عن منطقية علاقة الأب بابنه ، فأن تمكن أبو عوف من تقديم الشخصية لا يحتاج إلى برهان ، إلا أنك ستشعر وكأن الفنان الكبير "زودها شوية" وأعطى الأمر أكثر من حده من الكآبة والتجهم فانقلب إلى ضده. العلاقة بين أحمد وأمه كانت غير مباشرة ، كلاهما يشترك في حب عز الدين الأب والزوج القاسي ، وكلاهما يعانيان من نقص هذا الحب ، وكلاهما مجرد ضحية ، ولهذا سنرى أن حب وخوف الأم على ابنها جاء دائماً من بعيد ، في أداء تميزت به غادة عبد الرازق ، وإن كانت المساحة وقلة الحوار لم يسمحا لها بالتألق بشكل أكبر. نأتي إلى أحمد الفيشاوي ، والذي قد يكون تقويمه أداءة لرؤية الفيلم ، فإذا سألك أحد أصدقاءك عن رأيك في الفيلم لن تتردد طويلاً عن قول "فيلم جامد .. الفيشاوي عامل فيه كام مشهد تحفة" ، وهو ما أشهد به ، فمشهد مشاجرة أحمد في البار وسط أصدقاءه بعصبية زائدة كان رائعاً ، وركز فيه الفيشاوي في انفعالاته بدقة تجعل نظرة عينيه الغاضبة تجذب انتباهك وسط الصورة كثيرة التفاصيل. وكذلك عند تعرفه على فتاة العجمي وتقربه منها ، كان الفيشاوي موفقاً في التعبير عن شعاع الضوء الموجود في شخصية أحمد السوداء ، بابتسامة هادئة مترددة ، وكأنه لا يحمل من الأمل ما يجعله مؤمناً بهذه السعادة الطارئة. مروراً بمشهد مواجتهته لأخته قبل إعدامه ، وتعبيراته الصامتة للرد عليها ، انتهاءً بانهياره في طريقه إلى حبل المشنقة. القصة والسيناريو في الفيلم جيدين ، إلا أن استخدام الفلاش باك بكثرة لم يكن في محله ، خاصة عند المزج بين الأحداث التي يعلمها الراوي وهو في هذه الحالة أحمد ، والأحداث التي لم يكن التقييم العام:3