The Departed "إنها أمة من الوشاة!!" ، جملة نطقها أحد رجال العصابات الأيرلنديين في فيلم "المنحرفون" The Departed في وصفه للأمة الأمريكية ، وهي جملة اتفق معها بشكل أو بآخر مخرج الفيلم مارتن سكورسيزي في مشهد الختام ، حيث تركز الكاميرا على فأر يهرول على غير هدى في شرفة إحدى الشقق ، والمعروف أن الواشي يسمى في اللهجة العامية الأمريكية بـ"الفأر" Rat. حينما انتهى سكورسيزي من وضع عمله الضخم "عصابات نيويورك" Gangs of New York عام 2002 ، كان جليا أن شغفه بتصوير عالم العصابات بخباياه وأحداثه وشخوصه غير التقليدية لم ينتهي بعد ، وأنه لا يزال يملك في جعبته الكثير ليقدمه لنا ، وقد كان .. إذ خرج علينا هذا العام بفيلم "المنحرفون – حسب الترجمة المصرية للفيلم والتي لا تمت لقصة الفيلم بأي صلة!!". عند التعامل مع نص سينمائي، يكون أمام المخرج أحد الطريقين ليسلكهما ، إما أن يقف أمام النص أو خلفه ، والمقصود بهذا هو إما أن يقوم المخرج باستعراض كل قدراته الإخراجية ليصبح المخرج في النهاية هو المحور الرئيسي في الفيلم وليست القصة ، وهناك من المخرجين من يملك من الشجاعة ما يجعله يتراجع عن تقديم رؤية إخراجية محددة الملامح والسمات ليقف وراء القصة ويصبح تكنيكه مسخرا لتدعيم القصة وإظهارها في أفضل صورة ممكنة. ما فعله سكورسيزي - وهو ما لم يعد معتادا عليه في الفترة الأخيرة - هو وقوفه خلف القصة ، إذ أنه تخلى هنا عن سمات تميز بها تكنيكه في فيلميه الأخيرين "عصابات نيوروك" و"الطيار" Aviator فلا زوايا تصوير غير معتادة ، ولا إنتاج مبهر يظهر من خلال الممثلون "الكبار" على الشاشة ، ما نراه في هذا الفيلم هو بساطة مخرج يقف في الظل ليقدم لنا نصا ليس بالسهل تتبّعه ليحوله إلى قصة سلسة وسهلة لا ترهق المشاهد ، فلو تتبعنا مثلا عمل مايكل مان في فيلم "الدخيل" The Insider أو أوليفر ستون في فيلم "جيه. إف. كيه." JFK سنجد أن كلا المخرجين لم يتخلى عن صفاته المميزة ليخدم القصة ، فزاد كلا القصتين تعقيدا على تعقيدهما وأرهق المشاهد ، إلا أن سكورسيزي استطاع بخبرة وحنكة ، وتواضع ذكي أيضا ، أن يقدم لنا فيلما يمكن لك أن تراه ولا تتوقع أبدا أن هذا فيلم لسكورسيزي ، وأعتقد أن هذه كانت أذكى وأفضل خطوة قام بها المخرج الكبير في تقديمه لتلك القصة ، وليست نقطة ضعف على الإطلاق كما قد يتوقع البعض. من السهل تحميل الفيلم مضامين سياسية عدة ، وتشبيه شخوصه وما يدور بينها من علاقات شديدة التشابك وما يصدر منها من تصرفات تتباين ما بين الخسة والنذالة أحيانا والنبل والتضحية أحيانا أخر ، يمكن تشبيه كل هذا بما يدور في المجتمع الدولي الآن وما تلعبه الولايات المتحدة من دور مشين في العالم ، إلا أنني لست من أنصار تحميل الأفلام الروائية بنظريات سياسية لم يقلها الفيلم صراحة ، إلا أنني أتوقع أن يتم إغراق الفيلم بمثل تلك التحليلات خاصة عند استعراضنا لشخصية جاك نيكلسون والذي يمكن أن يمثل رؤية البعض للولايات المتحدة كعجوز متغطرس تملك منه الجبروت. للأسف شابت القصة بعض نقاط الضعف التي أصبحنا نعتاد عليها في السينما الأمريكية (وغيرها) اليوم ، فالنقاط غير المنطقية والتي دائما ما تخرجك عن سياق الفيلم تعددت في هذا الفيلم ، حيث نرى الكثير من التصرفات غير المبررة أو الواضحة المعالم ، كذلك لم نرى عمقا للشخصيات يمكنا من فهم دوافعها ، ورغم أن الحياة المزدوجة التي تعيشها العديد من الشخصيات في الفيلم كانت من الممكن أن تعطيها ثراءً دراميا كبيرا ، إلا أن هذه المنطقة لم نشاهدها بالتفصيل على الإطلاق. أسلوب جديد تميز به هذا النص السينمائي وهو بدء كل أحداثه - خاصة علاقة شخوصه بعضها ببعض - من نقطة وسط ، أي أنه لا يأتي لنا بأصول كل علاقة أو حدث ، بل يبدأ من وسطه تماما ، فتحاول أنت كمشاهد أن تستنج ما لم يحكى من أحداث. وربما كانت هذه حسنة في بعض الأحيان إلا أنها أدت إلى الاختزال الشديد في الكثير من الأحداث التي احتاجت إلى التوضيح أو إلى خلق مبررات درامية لها فأدت إلى حدوث نوع من الخلل في فهم منطقية قرارات وردود أفعال الشخصيات. لن أمضى وقتا طويلا في الكتابة عن العملاق جاك نيكلسون هنا ، وذلك لأنه باختصار لا يمكن لشخص الكتابة عن تمثيل نيكلسون ، اذهب وشاهده بنفسك ، تلك هي النصيحة التي أقدمها لك ، لا تفوت على نفسك فرصة مشاهدة أحد أعلام التمثيل في تاريخ السينما العالمية ، خاصة حينما يكون قد وصل إلى هذه المرحلة من النضج والعبقرية. بهذا الفيلم يكون دي كابريو قد أتم ثلاثية مع سكورسيزي ، ويمكن لأي متابع لدي كابريو أن يتأكد من مدى استفادته من تلك العلاقة ، فدي كابريو الذي رأيناه في "تايتانك" و"الشاطيء" هو ممثل مختلف تماما عن ذلك الذي نراه في "المنحرفون" ، فمن الواضح أن سكورسيزي - الذي اعتبره< التقييم العام : 5