text
stringlengths 3
743k
| meta
dict |
|---|---|
أمستردمسكي، ستيفان (تطور العلم) مجلة ديوجين، ع٣٢، فبراير ١٩٧٦م. بول فيتي، الأيديولوجية في رأي ماركس ونيتشة/ديوجين، ع ٤٣، نوفمبر ١٩٧٨م. ريدنيك، ما هي ميكانيكا الكم؟ دار مير، موسكو، ١٩٧١م. شیخاوات فيرندرا، بعض الاتجاهات الإبستمولوجية في فلسفة العلم، ديوجين، ع٧٢، ١٩٨٩م.
|
{
"chapter": "قائمة المصادر والمراجع",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "على طريق توماس كون: رؤية نقدية لفلسفة تاريخ العلم في ضوء نظرية توماس كون",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84942494/15/"
}
|
ما إن يقترب فصل الربيع بشمسه الدافئة، وخُضرته الواسعة، وأزهاره الكثيرة، حتى ترَوني أطير قريبًا منكم، منتقلًا من زهرة إلى أخرى، فرحةً مسرورةً وسط هذه الطبيعة الخلَّابة التي يزيدها جمالًا ضحكاتكم البريئة، وصيحاتكم العذبة، وأنتم تتراكضون خلفي محاولين الإمساك بي، وأجدها فرصةً سعيدةً للمرح معكم. أُناور في حركاتي تارةً لليمين وتارةً لليسار، وتارةً أرتفع عاليًا كلما اقتربتم مني، وتارةً أخفِّف من سرعة طيراني وارتفاعي؛ لأبقى أطير على مقربة منكم في الحدائق والبساتين على ارتفاعاتٍ منخفضة، قريبًا من أزهار النباتات التي أحطُّ عليها أمتصُّ رحيقها، أو أضع بيوضي على أوراقها. تشاهدوني كثيرًا على مدار العام من شهر شباط، وحتى شهر تشرين الثاني، فأنا من أكثر أنواع الفراشات شيوعًا وانتشارًا في كثير من بلدان العالم. أتواجد في السهول، والحقول والمروج، وفي القرى، والضواحي، وحدائق المدن، وأمتاز بقدرة فائقة على الطيران. أحببتُ من النباتات العائلةَ الصليبية التي تضمُّ الملفوفَ والقرنبيط واللِّفت والكُرُنب والفُجل والخَردَل والجرجير والشوندر؛ ولذلك ارتبط اسمي بأسماء هذه النباتات. اختارت لي أمي نبات الملفوف لتضع بيوضها الصفراء المنتظمة على الوجه السفلي لورقاته الغضة، في مجموعات يتراوح عدد البيوض فيها من ٢٠ إلى ١٠٠ بيضة. وما إن يمر من أربعة إلى ثمانية أيام حتى تفقس هذه البيوض عن يرقات صغيرة جائعة، ذات لون أخضر، يستر جسمها جلد ناعم، تغطِّيه في منطقة الظَّهر خطوط صفراء مستمرِّة، أو متقطِّعة، مع بُقَع سوداء. تخرج يرقاتي هذه من البيوض، وتروح تتسابق في الْتهام تلك الأوراق الطرية اللذيذة بشهية. تزداد شهية اليرقات للغذاء مع تقدُّمها في العمر، حيث تتغذَّى على الوجه السفلي للورقة خلال الأسبوع الأول، ثم تنتقل إلى الوجه الثاني للورقة في الأسبوع الثاني. ومع نمو جسمها وازدياد تغذيتها يتم القضاء على أوراق النبات المضيف فلا يبقى منها إلا تفرُّعاتها. وتمتَد أضرار اليرقات يومًا بعد آخر على النبات كلِّه من خلال الثقوب العديدة التي تُحدثها في رأس الملفوف، والفضلات التي تتركها داخله، وما يؤدِّيه ذلك إلى نمو الفطريات عليه، وتعفُّنه، وتلف المحصول، وعدم صلاحيته لاستهلاك البشر، الأمر الذي يؤدِّي إلى نقمة المزارعين علينا، واعتبارنا آفةً اقتصادية تدمِّر المحاصيل. فتراهم يستخدمون المُبيدات من السموم الكيميائية، والعضوية. يرشُّون بها أوراق النباتات التي تتغذَّى عليها اليرقات، فتنتقل مع الغذاء إلى جهازها الهضمي، مؤدِّيةً إلى تسمُّمها، أو تنتقل بالملامسة إلى جهازها العصبي، مؤدِّيةً إلى شللها وموتها. أو يُطلقون أعداءنا الحيوية، حيث يضعونها على النباتات التي تتغذَّى عليها اليرقات، فتتطفَّل عليها، أو تضع بيوضها داخلها، وعندما تفقس بيوض الطفيل تخرج يرقاته فتتغذَّى على يرقاتنا. لم يكن قصد اليرقات إتلاف المحصول؛ فقد وضعتها أمها الفراشة على أوراق تلك النباتات لتتغذَّى عليها، فينمو جسمها ويكبر ليصل طوله ٢سم، وخلال فترة النمو هذه يتسلَّخ جلدها خمس مرات خلال طورها اليرقي الذي يستمر قرابة ١٨ يومًا. ثم تدخل في طَور العذراء، والذي قد يستمرُّ في سُباتٍ طول فصل الشتاء حتى الربيع القادم؛ حيث تخرج من طَور العذراء فراشة بيضاء جميلة تطير في الحقول وتتابع دورة حياتها في التزاوج ووضع البيوض على نباتاتها المفضَّلة. أمَّا في الجو الحار فبعد ٣٠–٤٥ يومًا من فقس البيوض، تتحوَّل اليرقات إلى فراشاتٍ فتيةً ذات أجنحة بيضاء رائعة جميلة تساعدها على الطيران بجواركم، فتلاعبكم، وتلهو معكم، وتجلب لكم البهجة والسرور، وتزيد الطبيعة جمالًا على جمال. يدعونني الفراشة البيضاء الكبيرة؛ حيث يبلغ طولي بحدود ٦ سنتيمترات، تمييزًا لي عن فراشة أخرى تشبهني ولكنها أصغر حجمًا. تُزين أجنحتَنا نحن الفراشات الإناث بقعتان كبيرتان ذات لون أسود. تُميِّزنا عن إخوتنا الذكور؛ حيث تكون أجنحتهم بيضاء بدون تلك البقع السوداء. نمتاز عن غيرنا من الفراشات بصفات مميزة لعشيرتنا؛ فقرون الاستشعار لدينا صولجانية، وأجنحتنا تتوضَّع بشكل عمودي على الجسم حين الراحة والتوقُّف فترةً طويلة، وننشط في ساعات النهار، والعذارى لدينا عارية، وألوانها زاهية، أمَّا يرقاتنا فيصل طولها إلى ٤ سنتيمترات. ولدينا في السنة ثلاثة أجيال، مدة كل منها ٣٠–٤٠ يومًا، وقد تزيد عن ذلك أو تنقص حسب مكان إقامتنا، وظروف المناخ السائدة فيه، ووفرة الغذاء، ومناسبة الأجواء. وقبل أن أغادركم أصدقائي الأطفال أُذكِّركم بنفسي؛ أنا صديقتكم الفراشة البيضاء. أجمل فراشات الكوكب وأكثرها انتشارًا. تسمياتي عديدة؛ فأنا أبو دقيق الملفوف، وأنا الفراشة البيضاء الكبيرة، وفراشة الكرنب البيضاء كبيرة الحجم. أنتمي إلى فصيلة أبو الدقيق الأبيض في رتيبة صولجانيات القرون، وتحت رتبة أبي الدقيقات في رتبة حرشفيات الأجنحة التي تحتوي ٧٦ جنسًا و١١٠٠ نوع من صف الحشرات، شعبة مفصليات الأرجل، وينتهي نسَبي إلى مملكة الحيوان.
|
{
"chapter": "فراشة الملفوف الكبيرة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "فراشة الملفوف الكبيرة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/38591395/1/"
}
|
مع أنَّ مارجريت كانت شبهَ فاقدةٍ للوعي، استمعَت لوقع أقدام الرجال الأربعة الثابتة وهم يبتعدون سريعًا. كانت الطبيعة كلُّها ساكنةً جدًّا لدرجة أن مارجريت استطاعت، وهي ممدَّدةٌ وأذنها قريبةٌ من الأرض، أن تتتبَّع خطواتهم وهم ينعطفون أخيرًا إلى الطريق، وسرعان ما أخبرها الصدى الخافتُ لقعقعة عجَلات العربة القديمة، والمشية العَرجاء للحصان الهزيل بأن عدوَّها صار على بُعد ربع فرسخٍ منها. لم تعرف كم مضى عليها وهي مُمدَّدةٌ هناك. كانت قد فقدَت إحساسها بالوقت، ورفعت نظرها بشكلٍ حالمٍ إلى السماء المضاءة بالقمر، واستمعَت إلى صوت الأمواج الرتيب. كانت رائحة البحر المنعِشةُ رحيقًا لجسدها المنهَك، وكان الفضاء الفسيح للجروف المنعزلة صامتًا وخياليًّا كالحلم. لم يكن عقلُها واعيًا إلا بعذابه المتواصِل بعدم اليقين الذي لا يُطاق. لم تكن تدري! … لم تكن تدري ما إن كان بيرسي الآن، في هذه اللحظة بالضبط، واقعًا في قبضة جنود الجمهورية يُكابد تهكُّمَ عدوِّه اللدود وسخريتَه، كما كابدَتْهما هي. ومن ناحيةٍ أخرى، لم تكن تدري ما إن كانت جثةُ أرماند الهامدةُ ممدَّدةً هناك، في الكوخ، في حين أن بيرسي قد هرَب، فقط ليسمع أن يدَي زوجته قد وجَّهَتا كلابَ التَّعَقُّب البشرية إلى قتل أرماند وأصدقائه. كان الألم الجسديُّ الناتجُ عن هذا الإرهاق التامِّ شديدًا جدًّا، لدرجة أنها تمنَّت من أعماق قلبها أن ينام جسدُها المتعَب إلى الأبد، بعد كل تلك الاضطرابات والانفعالات والمَكايد في الأيام القليلة الأخيرة؛ هنا تحت تلك السماء الصافية، بين ثنايا صوت البحر، ونسيمُ الخريف العليل يهمس لها تهويدةً أخيرة. كان المكان كلُّه خاويًا جدًّا، وصامتًا جدًّا، مثل أرض الأحلام. حتى آخِر صدًى خافتٍ للعربة البعيدة كان قد تلاشى منذ وقتٍ طويل. وفجأةً … كُسِر الصمتُ الكئيب المخيِّم على الشاطئ بصوت … أغرب صوتٍ سمِعَته هذه الجروف المنعزلة في فرنسا على الإطلاق بلا ريب. صوتٌ غريبٌ جدًّا لدرجة أن النسيم الرقيق توقَّف عن الهمهمة، والحصى الصغير توقفَ عن التدحرج أسفل المنحدر! غريبٌ جدًّا لدرجة أن مارجريت، مع أنها كانت منهَكةً ومجهدة، ظنَّت أن حالةَ فقدان الوعي المفيدة التي تسبق الموتَ كانت تُخادع حواسَّها شبهَ النائمة بحيلةٍ غريبة محيرة. كان صوتًا قال «اللعنة!» بنطقٍ سليم مُتَمَاسِك وإنجليزيٍّ تمامًا. استيقظَت النَّوارس في أعشاشها ونظرَت حولها بدهشة؛ وأطلقَت بومةٌ بعيدةٌ وحيدةٌ نَعيقًا في منتصف الليل، وعبَسَت الجروفُ الشاهقة بعظمةٍ مَهيبة تجاه هذا اللفظِ النابي الغريب الذي يُدنِّس حرمتَها لأول مرَّة. لم تَثِق مارجريت بأذنَيها. رفَعَت جسدها قليلًا بالاتِّكاء على يدَيها، ثم بذلَت كلَّ ما بوُسعها لترى أو تسمع، لتعرف معنى هذا الصوتِ الدُّنيوي جدًّا. كان كل شيء ساكنًا مجددًا لمدة ثوانٍ قليلة، وعاد الصمتُ نفسُه يُخيِّم مجددًا على البراح الشاسع الخاوي. كانت مارجريت قد سمعت ذلك الصوتَ كما لو كانت شبه فاقدةٍ للوعي، وشعرت بأنها تحلم تحت تأثير ضوء القمر المغناطيسيِّ البارد في الأعلى، ثم سمعَت الصوتَ مجددًا، وهذه المرة توقَّف قلبها، ونظرت حولها بعينَين كبيرتَين متَّسِعتَين وهي لا تجرؤ على الثقة بحواسِّها الأخرى. «سحقًا! يا ليت هذَين الرجلَين اللعينَين لم يضربا بكلِّ تلك القوة العنيفة!» كان الصوتُ هذه المرةَ واضحًا تمامًا بما لا يدعُ مجالًا للخطأ في معرفة هُويَّة صاحبه؛ إذ لا توجد سوى شفتَين بريطانيتَين للغاية تستطيعان أن تنطقا هذه الكلمات، بنبرةٍ ناعسةٍ متباطئةٍ متكلَّفة. كرَّرَت هاتان الشفَتان البريطانيَّتان أنفسُهما بنبرةٍ مشدَّدة: «اللعنة! سحقًا! لكني ضعيفٌ كجرذ!» هبَّت مارجريت واقفةً على قدَمَيها فورًا. هل كانت تحلم؟ هل كانت تلك الجروفُ الصخرية الشاهقة هي أبوابَ الجنة؟ هل نتَجَت رائحةُ النسيم العطرة فجأةً من رفرفة أجنحة الملائكة التي جاءت حاملةً معها بُشرى بأفراحٍ سَماوية بعد كلِّ معاناتها، أم أن فقدان وعيها وتعبها جعَلاها فريسةً للهذَيان؟ أنصتَت مجددًا، ومرةً أخرى سمعت ذاك الصوتَ الدنيوي الذي ينطق بلكنةٍ إنجليزية سليمة أصيلة، ليست شبيهةً إطلاقًا بهمساتٍ من الجنة أو رفرفةِ أجنحة الملائكة. نظرَت حولها بلهفةٍ إلى الجروف الشاهقة، والكوخ المهجور، والساحل الصخريِّ الواسع الممتد. ففي مكانٍ ما هناك، في الأعلى أو الأسفل، خلف صخرةٍ أو داخلَ حفرة، لا بد أن يوجد صاحبُ ذاك الصوت الذي كان يُزعجها في الماضي، لكنه الآن سيجعلها أسعدَ امرأةٍ في أوروبا لو استطاعَت تحديد مكانه فقط، لكنه ما زال خفيًّا عن عينَيها المشتاقتَين المنفعلتَين. صرَخَت بهستيريا معذَّبةٍ بين الشك والأمل: «بيرسي! بيرسي! أنا هنا! تعالَ إليَّ! أين أنت؟ بيرسي! بيرسي! …» قال الصوت الناعس المتباطئ نفسُه: «من السهل جدًّا أن تُناديني يا عزيزتي! ولكن سحقًا، لا يمكنني المجيءُ إليكِ، فهذان الفرَنسيان اللعينان قد أوثقاني كإوزَّةٍ على سيخ، وأنا ضعيفٌ كفأر … لا يُمكنني أن أفلت.» لم تفهم مارجريت بعد. وظلَّت هكذا نحو عَشْر ثوانٍ أخرى إلى أن أدركَت مصدر ذلك الصوت، المتباطئ جدًّا، والعزيزِ عليها جدًّا، لكنه — مع الأسف! — كان ممزوجًا بلهجةٍ غريبة تنمُّ على الضعف والمعاناة. لم يكن يوجد أحدٌ في نِطاق بصرها … ما عدا ذاك الموجود بجانب تلك الصخرة … يا رباه! … اليهودي! … هل جُنَّت أم أنها كانت تحلم؟ كان ظهره مواجهًا لنورِ القمر الباهت، وكان شِبهَ منبطحٍ على الأرض، يُحاول عبثًا أن يرفع نفسَه على ذِراعَيه الموثقتَين بإحكام. ركضَت مارجريت إليه، وأخذت رأسَه بين يدَيها الاثنتَين … ونظرَت مباشرةً إلى عينيه الزرقاوين الوُدِّيتَين، بل والمستمِعتَين قليلًا، وهما تلمَعان من خلال قناع اليهودي الغريب المشوَّه. قالت لاهثةً وهي تكاد تفقدُ وعيها من شدةِ الفرح: «بيرسي! … بيرسي! … زوجي! أشكر للرب! أشكر للرب!» ردَّ مازحًا: «عجبًا يا عزيزتي! كلانا سيفعل هذا حالًا، إذا كنتِ تظنِّين أنكِ تستطيعين فكَّ هذه الحبال اللعينة، وتخليصي من وضعيتي غيرِ اللطيفة.» لم تكن تملكُ سكينًا، وكانت أصابعُها خدرةً وضعيفة، لكنها استخدمَت أسنانها، بينما سالت دموعُ الترحيب الشديد من عينَيها على تلك اليدَين المسكينتين المربوطتين. وبعد جهودٍ مَحمومةٍ منها، بدا أنَّ الحبال تنقطع أخيرًا، وعندئذٍ قال: «سحقًا! أتساءل عمَّا إذا كان أيُّ سيدٍ إنجليزيٍّ قد سمَح من قبل لأجنبيٍّ لَعين بأن يضربَه، دون أن يبذل أيَّ محاولةٍ لردِّ الصاع بمثله.» كان من الواضح جدًّا أنه كان مُنهَكًا من الألم الجسديِّ الشديد، وعندما انقطع الحبل أخيرًا، تكوَّم مستندًا إلى الصخرة. نظرَت مارجريت حولها بعجز. صاحَت في عذابٍ وهي ترى أنه على وشك أن يفقد وعيَه مجددًا: «أوه! يا ليتني أجدُ قطرة، قطرةَ ماءٍ على هذا الشاطئ الفظيع!» تمتمَ وهو يبتسمُ مازحًا: «لا يا عزيزتي، أنا شخصيًّا أُفضِّل قطرةً من البراندي الفرنسي! إن وضعتِ يدَكِ في جيب هذا الثوب القديم القذر، فستجدين قنِّينتي. فأنا لا أستطيع التحرُّك إطلاقًا.» عندما شرب بعض البراندي، أجبر مارجريت على فِعل المثل. قال وهو يتنهَّد برِضًا: «رباه! الوضع أفضلُ الآن! أليس كذلك! أيتها السيدة الصغيرة؟ وا أسَفاه! هذه ثيابٌ شاذة على السير البارون بيرسي بليكني … ولا يليق به أن تجده زوجتُه، بنفسها، وهو مُرتدٍ إياها.» أضاف وهو يُمرر يده على ذقنه: «يا إلهي! لم أحلق منذ نحوِ عشرين ساعة، لا بد أنني أبدو كشيءٍ مقرف. أما هذه الخصلات المتموجة …» وخلع، ضاحكًا، الشعر المستعار والخصلات المتموجة التي كانت تُشوِّه شكله الحقيقيَّ، ومدَّد أطرافه الطويلة التي كانت مُتشنِّجةَ العضلات من تأثير تحدُّبِه المتعمَّد طوال ساعات. ثم انحنى إلى الأمام وحدَّق طويلًا إلى عينَي زوجته الزرقاوين. همسَت بينما تورَّدَت وجنتاها الرقيقتان ورقبتها الجميلة تورُّدًا عميقًا: «بيرسي، ليتك تعرف …» قال بلطفٍ بالغ: «أعرف يا عزيزتي … كل شيء.» «وهل يمكن أن تغفر؟» «لا يوجد ما أغفره يا حبيبتي؛ فشَجاعتُكِ وإخلاصكِ — اللذان لا أستحقُّهما مع الأسف! — كفَّرا عن الحادثة المؤسفة في الحفل وزيادة.» همَسَت قائلةً: «إذن فقد كنتَ تعرف؟ … طَوال الوقت …» أجاب بلُطف: «أجل! كنت أعرف … طَوال الوقت. لكن، يا إلهي! لو أنني كنتُ أعرف حقيقةَ قلبِكِ النبيل، يا مارجو يا حبيبتي، كنتُ سأثق بكِ بقدرِ ما تستحقِّين، وما كنتِ لتعيشي المآسيَ الفظيعة التي مرَرتِ بها في الساعات القليلة الماضية، لِتُهرَعي خلف زوجٍ ارتكب الكثيرَ مما يستدعي الغفران.» كانا يجلسان متجاوِرَين مستنِدَين إلى صخرة، وقد أراح هو رأسَه المتألم على كتفها. من المؤكد أنها الآن كانت تستحقُّ لقب «أسعد امرأةٍ في أوروبا». قال بابتسامته المازحة المعهودة: «إننا بمنزلةِ شخصٍ أعمى يُساعد شخصًا أعرَج، أليس كذلك يا حبيبتي؟ سحقًا! لا أدري أيُّهما الأشدُّ تألُّمًا؛ كتفاي أم قدماكِ الصغيرتان.» انحنى إلى الأمام ليُقبِّلَهما لأنَّهما ظهَرَتا من خلال جواربها الممزقة، وكانتا شاهِدتَين بشكلٍ مثيرٍ للشفقة على تحمُّلِها وإخلاصها. قالت برعبٍ وندم مفاجئَين: «لكن أرماند …» كما لو أنها، في خِضَمِّ سعادتها، قد رأت في مخيلتِها الآن صورة الأخ المحبوب الذي ارتكبَت إثمًا فادحًا من أجله. قال برقَّة: «أوه! لا تقلقي إطلاقًا على أرماند يا حبيبتي، ألم أتعهَّدْ لكِ بشرفي أنه سيكون بخير؟ إنه مع تورناي والبقية على متن «داي دريم» الآن بالفعل.» قالت شاهقةً: «لكن كيف؟ لا أفهم.» قال بضحكته المميزة التي تمزج بين الخجَل والبلاهة: «لكن الأمر بسيطٌ جدًّا يا عزيزتي. اسمعي! عندما عرَفتُ أن ذاك البهيم شوفلان ينوي الالتصاقَ بي كعلَقةٍ، ارتأيتُ أن أفضل تصرفٍ ممكن، بما أنني لا أستطيع التخلص منه، هو أن آخُذَه معي. كان عليَّ أن أصلَ إلى أرماند والبقيةِ بطريقةٍ ما، وكل الطرق كانت تحت الحراسة، والجميع يبحثون عن خادمِكِ المتواضع. كنتُ متيقنًا عندما انسللتُ من بينِ أصابع شوفلان في نزل «القط الرمادي»، من أنه سيبقى بانتظاري هنا أيًّا ما كان الطريق الذي أسلُكه. أردتُ أن أراقبه وأراقب أفعاله، والرأس الإنجليزي بارعٌ بقدر الفرنسي دائمًا.» بل ثبتَ أنه أفضل بقدر لا متناهٍ، وكان قلبُ مارجريت مفعمًا بالفرح والإعجاب، بينما واصل بيرسي سرْدَ الطريقة الجريئة التي انتشل بها المطارَدين وأنقذَهم أمام عينَي شوفلان نفسه. قال مبتهجًا: «تنكَّرتُ في هيئة اليهودي المسن القذر؛ لأنني كنتُ أعرف أنني يجب أن أُخفِيَ هُويَّتي. كنت قد التقيتُ بروبن جولدشتاين في كاليه باكرًا هذا المساء. ومقابلَ بِضع قطعٍ ذهبيَّة، أعطاني هذا اللباس، وتعهَّدَ بإبعاد نفسه عن أنظار الجميع، بينما أعارني عرَبته وحصانه الهزيل.» قالت لاهثةً بحماس: «لكن لو أن شوفلان كان قد اكتشفَك … صحيحٌ أن تنكُّرَك كان متقنًا … لكنه ذكيٌّ جدًّا.» ردَّ بهدوء: «سحقًا! كانت اللعبة ستنتهي عندئذٍ بالتأكيد. لم يكن بوسعي سوى المخاطرة. صرتُ أعرف الطبيعة البشرية جيدًا الآن»، وأضاف بنبرةِ حزنٍ تتخلَّلُ صوتَه المبتهج الشاب: «وأعرف هؤلاء الفَرنسيِّين تمام المعرفة. سيشمئزُّون من رجلٍ يهودي اشمئزازًا شديدًا جدًّا، لدرجة أنهم لن يقتربوا منه أبدًا أكثرَ من بِضْع ياردات، ويا إلهي! أتصور أنني تمكَّنتُ من جَعْل مظهري مُنفِّرًا بأقصى قدرٍ يمكن تخيلُه.» سألَت بلهفة: «أجل! … وبعد؟» «تبًّا! … بعدها بدأتُ تنفيذ خُطتي الصغيرة؛ وهذا يعني أنني في البداية كنتُ عازمًا على ترك كلِّ شيءٍ للصدفة، لكنني عندما سمعت شوفلان يُملي الأوامر على الجنود، ارتأيتُ أنني أنا والقدر سنتعاون معًا في النهاية. اعتمدتُ على الطاعة العمياء لدى الجنود. فشوفلان هدَّدَهم بالقتل إن تحركوا قبل أن يأتيَ الإنجليزي الطويل. كان ديجا قد رمى بي مُكوَّمًا على مقربة شديدة من الكوخ، لم ينتبه الجنودُ إلى اليهوديِّ الذي أوصل المواطن شوفلان إلى هذا المكان. استطعتُ تحريرَ يديَّ من الحبال التي قيَّدني بها ذاك البهيم؛ ودائمًا ما أحمل معي قلمَ رصاصٍ وورقةً أينما أذهب، فكتبتُ بِضعة تعليمات مهمة على قصاصة ورقية في عُجالة، ثم نظرتُ حولي. زحفتُ إلى الكوخ تحت أنظار الجنود، الذين انتظروا مختبئين بلا حركةٍ كما أمرهم شوفلان، ثم رميتُ ورقتي الصغيرة في الكوخ من خلال صدع في الجدار، وانتظرتُ. في تلك القصاصة أخبرتُ المطارَدين بأن يخرجوا من الكوخ بهدوء وينزلوا الجروف، ويلزموا الجانب الأيسرَ حتى يصلوا إلى أول خليجٍ ثم يُطلِقوا إشارةً معينة، حينها سيأتي مركب «داي دريم» الذي كان ينتظرهم على مسافةٍ غير بعيدة في البحر ليأخذهم. أطاعوا التعليماتِ بحذافيرها، من حُسن حظهم وحظي. وكذلك فالجنود الذين رأَوْهم كانوا مُطيعين بالقدر نفسِه لأوامر شوفلان. لم يتزحزحوا قِيدَ أَنمُلة! انتظرتُ نحوَ نصف الساعة، وحين عرَفتُ أن المطارَدين صاروا في مأمن، أعطيتُ الإشارة التي سبَّبَت الكثيرَ من الاضطراب.» وتلك هي القصة كلها. بدت بسيطةً جدًّا! ولم يسَعْ مارجريت سوى أن تتعجبَ من العبقرية المذهلة، والجسارة والجُرأة اللامحدودتَين اللتَين تطوَّرتا وساعدَتا في تنفيذ هذه الخطة الجريئة. قالت، وهي تشهق برعبٍ، عندما تذكَّرَت الإذلال المخيف: «لكن هذين المتوحشَين ضرباك!» قال بلُطف: «حسنًا، لم يكن من الممكن تجنبُ ذلك؛ ففي حين أن مصير زوجتي الصغيرة لم يكن واضحًا، كان عليَّ أن أبقى هنا إلى جوارها.» وأضاف بمرحٍ: «سحقًا! لا تقلقي أبدًا! سينال شوفلان ما يستحقه، أعِدُك بهذا! انتظري حتى ألتقيَه عندما يعود إلى إنجلترا! … رباه! سيدفع ثمنَ الضربات التي أعطاني إياها بفائدةٍ مضاعفة، أعِدُكِ.» ضحِكَت مارجريت. كان من الرائع جدًّا أن تكون إلى جواره، أن تسمع صوته المبتهج، أن تُشاهد ذاك الالتماع الجذل في عينَيه الزرقاوين، وهو يمدُّ ذراعَيه القويتين شوقًا لذلك العدو وترقبًا لعقابه المستحَق. لكنها انتفضَت فجأة؛ وزال الاحمرارُ السعيد عن وجنتيها، وانطفأ نورُ البهجة في عينيها؛ إذ سمعت وقْعَ أقدام تقترب خلسةً من الأعلى، وتدحرجَ حجر صغير من فوق الجرف إلى الشاطئ في الأسفل. همسَت برعبٍ وارتياع: «ما كان ذلك؟» تمتم بضحكةٍ جذلة: «أوه، إنه لا شيء يا عزيزتي. مجرد شخصٍ تافه تصادف أنكِ نسيتِه … صديقي فولكس …» قالت بشهقةٍ: «السير أندرو!» بالفعل، كانت قد نسيَت تمامًا الصديقَ والرفيق المخلص، الذي وثق بها ووقَف إلى جانبها خلال كلِّ تلك الساعات من القلق والعذاب. تذكَّرَته الآن متأخرًا وبغُصةٍ من تأنيب الضمير. قال السير بيرسي بمرح: «أجل! لقد نسيتِه، أليس كذلك يا عزيزتي؟ من حُسن الحظ أنني التقيتُ به غيرَ بعيدٍ عن «القط الرمادي»، قبل أن أحظى بمأدُبةِ العشاء الشائقة مع صديقي شوفلان. سحقًا! لدي دَينٌ سأسوِّيه مع ذاك الشاب المتهور! لكن إلى أن يحينَ ذلك، أخبرتُه عن طريقٍ طويل جدًّا ومُلتوٍ جدًّا، لن يَشكَّ به رجال شوفلان أبدًا، سيُحضِره إلى هنا بحلول الوقت الذي نكون فيه مستعدِّين له، أليس كذلك، أيتها الصغيرة؟» سألت مارجريت باندهاشٍ تام: «وأطاع؟» «بلا كلمةٍ أو سؤال. انظري، ها هو قادم. لم يقف في طريقي عندما لم أكن أحتاجُ إليه، والآن وصَل في الوقت المناسب بالضبط. آه! سيكون زوجًا رائعًا ومنظمًا جدًّا لسوزان الصغيرة الجميلة.» في هذه الأثناء، كان السير أندرو فولكس قد شقَّ طريقه بحذرٍ إلى أسفل الجروف، توقفَ بضع مرات منصتًا للهمسات التي من شأنها أن تُرشِدَه إلى مخبأ بليكني. وأخيرًا تجرأ على أن يقول بحذر: «بليكني! بليكني! أنتَ هناك؟» وفي اللحظة التالية أتى من حول الصخرة التي كان السير بيرسي ومارجريت يستندان إليها، وعندما رأى الهيئةَ الغريبة ما زالت مكسوَّةً بالسترة اليهودية الطويلة، توقفَ فجأةً في حيرةٍ تامة. لكن بليكني كان قد وقف على قدَمَيه بصعوبة. قال بضحكته البلهاء المميزة: «ها أنا يا صديقي، ما زلتُ حيًّا! مع أنني أبدو كفزَّاعةٍ بشعة في هذه الأسمال اللعينة.» أطلق السير أندرو شتيمةً من شدة اندهاشه عندما تعرَّف قائده: «اللعنة! من بين كل اﻟ…» رأى الشابُّ مارجريت، فابتهج وكبحَ الألفاظ النابيةَ التي صعدت إلى شفتَيه عند رؤية السير بيرسي المتأنِّقِ المتغندِر مكتسيًا بزيِّه الغريب المتَّسخ. قال السير بليكني بهدوء: «أجل! من بين كل اﻟ… إحم! … يا صديقي! لم يُتَح لي من قبلُ أن أسألك عمَّا تفعله في فرنسا، بينما أمرتُك بالبقاء في لندن؟ تمرَّدتَ؟ أليس كذلك؟ انتظر حتى يخفَّ ألمُ كتفي وأقسم بالرب أنك سترى العقابَ الذي ستناله.» قال السير أندرو بضحكةٍ مسرورة: «سحقًا! سأتحمَّله؛ لأنك حيٌّ تمنحُني إياه. هل كنتَ ستسمح لي بأن أترك الليدي بليكني تخوض الرحلةَ وحدها؟ لكن بحقِّ السماء يا رجل، من أين جئتَ بهذه الملابس العجيبة؟» ضحك السير بيرسي بمرح قائلًا: «يا إلهي! إنها قديمةٌ وطريفة قليلًا، أليس كذلك؟» وأضاف بجِدِّية مفاجئةٍ ونبرة سلطوية: «لكن سحقًا! الآن بما أنك قد جئت يا فولكس، يجب ألَّا نُضيع المزيد من الوقت؛ فذاك البهيم المتوحش شوفلان قد يُرسل أحدًا للبحث عنا.» كانت مارجريت سعيدةً للغاية، كان بإمكانها البقاءُ هنا إلى الأبد؛ تسمع صوته، وتطرح مائة سؤال. ولكن عندما ذُكر اسمُ شوفلان، انتفضَت سريعًا بذُعر، خوفًا على الحياة الغالية التي كانت مستعدَّةً للموت من أجل إنقاذها. قالت شاهقة: «لكن كيف يمكننا أن نعود؟ الطرق مليئةٌ بالجنود بيننا وكاليه، و…» قال: «لن نعود إلى كاليه يا حبيبتي. ولكن إلى الجانب الآخر من رأس جريس نيز، يبعد أقلَّ من نصفِ فرسخٍ عن هنا. مركب «داي دريم» سيُلاقينا هناك.» «مركب «داي دريم»؟» قال بضحكةٍ مرحة: «أجل! حيلةٌ بسيطةٌ أخرى من حِيَلي. كان ينبغي أن أُخبرَكِ سلفًا بأنني، عندما دسستُ تلك الرسالة في الكوخ، أضفتُ واحدة أخرى لأرماند، وأخبرتُه بأن يتركها خلفه، وهذه هي التي أرسلَت شوفلان ورجاله عائدين إلى نزل «القط الرمادي» خلفي، لكن الرسالة الأولى كانت تحوي توجيهاتي الحقيقية، من بينِها تلك الموجَّهة إلى بريجز العجوز. لديه أوامر مني بأن يبتعدَ في البحر، ثم يتوجَّه نحو الغرب. وعندما يختفي تمامًا عن أنظار كاليه، سيُرسل القادس إلى خليجٍ صغير نعرفه أنا وهو، على الجانب الآخَر من رأس جريس نيز مباشرة. سيترقَّب الرجال وصولي، لدينا إشارةٌ متفَقٌ عليها سلفًا، وسنكون جميعًا على سطحه آمِنين، بينما شوفلان ورجاله عاكفون بكل جديةٍ على مُراقبة الخليج «المقابل مباشرة ﻟ «القط الرمادي»».» «الجانب الآخَر من رأس جريس نيز؟ لكن أنا … لا أستطيع المشي يا بيرسي»، تأوَّهَت بعَجزٍ وهي تُحاول الوقوف على قدمَيها بصعوبة، ووجدَت أنها غيرُ قادرة على الوقوف حتى. قال ببساطة: «أنا سأحملك يا عزيزتي؛ الأعمى يقود الأعرج، كما تعرفين.» كان السير أندرو مُستعدًّا، هو الآخر، للمساعدة في حمل هذا الحمل الثمين، لكن السير بيرسي ما كان لِيَعهَد بحبيبته إلى ذراعين غيرِ ذراعَيه. قال لرفيقه الشاب: «عندما تكون أنت وهي آمِنَين على متن «حلم اليقظة»، وأشعر بأن عينَي الآنسة سوزان لن تستقبلَني في إنجلترا بنظراتٍ مؤنِّبة، فسيَحينُ دَوري للراحة.» وبذراعيه، اللتين كانتا لا تزالان قويَّتَين رغم الألم والمعاناة، طَوَّقَ جسد مارجريت المسكين المرهق، ورفعَها بلُطفٍ كما لو كانت ريشة. ثم ابتعد السير أندرو عنهما لئلا يَسمع ما يقولانه في لفتةٍ تنم على حَصافته ومُراعاته للآخَرين، وهنا تبادَلا الكثير من الكلمات — أو بالأحرى الهمسات — التي لم يسمَعْها حتى نسيمُ الخريف؛ لأنه كان قد سكَن. نسي بيرسي كلَّ تعبه، صحيحٌ أن كتِفَيه كانتا تؤلمانه جدًّا؛ لأن الجنديَّين ضرَباه بشدة، لكن عضلات الرجل بدَت مصنوعةً من حديد، ومقدرته كادت تكون غيرَ طبيعية. كانت رحلةً شاقَّة ومرهِقة على الأقدام، نصف فرسخٍ على طول الجانب الصخري من الجروف، لكنَّ عزمه لم يَلِنْ ولو لحظة، ولم تُذعِن عضَلاتُه للإرهاق. واصل المشيَ بخطواتٍ ثابتة، محتضِنًا الحِمْل الثمين بذِراعَيه، و… كانت مارجريت مستلقيةً في هدوءٍ وسعادة، وكانت تُهدهِد أحيانًا إلى أن يغلبها نُعاسٌ مؤقَّت، وأحيانًا أخرى كانت تتأمَّلُ الوجه الجذَّاب ذا العينَين الزرقاوَين الناعستَين المتراخيتَين المرحتَين دائمًا، والمشرقتَين دومًا بابتسامةٍ ودودة، خلال ضوءِ الفجر المتجمِّع ببُطء، ومن المؤكد أنها في تلك الأثناء همسَت له بالكثير من الأشياء، التي ساعدَت في تقصير الطريق المرهِق، وهدأَت أوتاره المتألمة كالبلسم. كان ضوء الفجر بألوانه العديدة يبزغ في الشرق، عندما وصَلوا أخيرًا إلى الخليج الواقع خلفَ رأس جريس نيز. كان القادس في الانتظار، واقترب منهم استجابةً لإشارةٍ من السير بيرسي، وتشرَّف بحَّاران إنجليزيان قويان بأن يحملا السيدة إلى متن القارب. وبعد ذلك بنصف ساعةٍ، كانوا على متن «داي دريم». لم يُفاجَأ أفرادُ الطاقم، الذين كانوا يعرفون أسرارَ سيدهم حتمًا، والذين كانوا مخلِصين له قلبًا وروحًا، برؤيته يصلُ متنكرًا في هذه الهيئة العجيبة جدًّا. كان أرماند سان جوست وبقية المطاردين متلهِّفين لقدوم مُنقذِهم الشجاع، الذي لم يبقَ لسماع عبارات امتنانهم، بل ذهب إلى مقصورته الخاصة بأسرعِ ما يمكن، تاركًا مارجريت سعيدةً جدًّا بين ذراعَي أخيها. كان كلُّ شيء على متن «داي دريم» مجهزًا بتلك الفخامة الممتازة المحبَّبة جدًّا إلى قلب السير بيرسي بليكني، وبحلول الوقت الذي هبَطوا فيه جميعًا في دوفر، كان قد وجد متَّسَعًا من الوقت لارتداء بعضِ الملابس الفخمة التي كان يُحبُّها، ويحتفظ بمؤنةٍ منها على متن مركبه دائمًا. غيرَ أن الصعوبة كانت تكمن في توفير حذاءٍ لمارجريت، وكانت فرحةُ ضابط الصف البحريِّ الصغير عظيمةً عندما وجَدَت السيدة أنها يمكن أن تطأ بقدمها الشاطئَ الإنجليزي مرتديةً أفضل حذاءٍ لديه. أما بقية الأحداث، فكانت صمتًا! … صمتًا وفرحًا لدى أولئك الذين تحمَّلوا الكثيرَ من العذاب، لكنهم وجَدوا أخيرًا سعادةً عظيمةً دائمة. لكن من المشهود به أن أجمل امرأة في الحفل المتألق الذي شهد زفافَ السير البارون أندرو فولكس والآنسة سوزان تورناي دي باسيريف، والذي حضَره صاحبُ السمو أمير ويلز وكلُّ نخبة المجتمع الأنيق العصري، كانت بلا شك هي الليدي بليكني، بينما كانت ملابسُ السير بيرسي بليكني حديثَ شبَّان لندن المتأنِّقين الأثرياء عدةَ أيام. ومن الحقائق الثابتة أيضًا أن السيد شوفلان، موفد حكومة الجمهورية الفرنسية المعتمَد، لم يكن حاضرًا في تلك المناسبة، أو أيِّ مناسبةٍ اجتماعية في لندن بعد تلك الأمسية التي لا تُنسى في حفل اللورد جرينفل.
|
{
"chapter": "الهروب",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "سكارليت بيمبرنِل",
"url": "https://www.hindawi.org/books/30473582/31/"
}
|
في فترةِ ما بعد الظهيرة عندما عاوَد كارادين الظهور في غُرفة المستشفى كان جرانت قد سار نحو النافذة وعاد إلى سريره، وكان مُبتهجًا من ذلك كثيرًا، حتى إن المُمرِّضة القزمة شعرت بالحاجة لتذكيره بأن هذا شيءٌ يمكن لطفل في عمر ثمانية عشر شهرًا أن يفعله. لكن لم يكن يمكن لأي شيء أن يكبت جرانت اليوم. صاح بتبجُّح قائلًا: «ظننتم أنكم ستُبقونني هنا لأشهُر، أليس كذلك؟» فقالت بتحفظ: «نحن مسرورون كثيرًا لرؤيتك تتحسَّن بهذه السرعة»، ثم أضافت: «وبالطبع، مسرورون كثيرًا أيضًا لأننا سنستعيد سريرك.» وراحت خطواتها تُطقطِق في المَمر وهي تبتعد، بشَعرها الأشقر المُموَّج وقامتها المشدودة. استلقى جرانت على سريره، ونظر إلى غُرفة السجن الصغيرة بشعورٍ يكاد يقترب من المحبة. إن رجلًا وقف على حافة أحد القطبَين أو رجلًا وقف على قمَّة جبل إفرست لا يتفوَّقان بشيء على رجلٍ وقف بجوار نافذة بعد أسابيع من كونه على بُعدِ اثنَي عشر حجرًا فقط من العَوَز. أو هكذا شعرَ جرانت. غدًا سيعود إلى البيت. سيعود إلى البيت لتعتنيَ به السيدة تينكر. سيَتحتَّم عليه أن يقضيَ نصف يومه في السرير، ولن يكون قادرًا على المشي إلا بمساعدة عصاه، لكنه سيعود رجلًا مستقلًّا. لن يكون تحت رحمة أحد. لن يكون تحت رعاية امرأة مُجِدَّة قصيرة، ولن تعطف عليه امرأةٌ مِعطاءةٌ ضخمة. كان هذا استشرافًا لمستقبلٍ رائع. كان بالفعل قد أمطر السيرجنت ويليامز — الذي كان قد أولى عناية بإنهاء مَهامِّه الروتينية في إسكس — بكل تعبير لديه عن الامتنان، وكان حينئذٍ يَتُوق إلى أن تأتيَ مارتا من أجل أن يتباهى أمامها برجولته المُكتشَفة حديثًا. كان ويليامز قد سأله: «كيف كان تعاملك مع كتب التاريخ؟» «على أفضلِ نحو. لقد أثبتُّ أنها جميعًا خاطئة.» ابتسَم ويليامز. وقال: «أظن أنه يوجد قانونٌ ضد ذلك.» وتابَع: «لن يَرُوق هذا لوكالة الاستخبارات والأمن الداخلي. قد يتحوَّل الأمر إلى خيانة أو ازدراء للذات الملكية أو شيء من هذا القبيل. لا يمكن للمرء أن يتوقَّع شيئًا في هذه الأيام. سأحترس لو كنت مكانك.» «أُقسمُ أنني لن أعود أبدًا ما حيِيتُ لتصديق أي شيء أقرؤه في كتب التاريخ.» فأشار ويليامز بمنطقه الصارم: «سيتعيَّن عليك أن تستثنيَ بعض الحالات.» وأضاف: «فالملكة فيكتوريا كانت حقيقية، وأظنُّ أن يوليوس قيصر قد غزا بريطانيا بالفعل. ولديك عام ١٠٦٦.» «بدأت تُساوِرني شُكوكٌ هائلة بشأن عام ١٠٦٦. أرى أنك أتممت مهمة إسكس. كيف يبدو تشامي؟» «إنه آفةٌ صغيرةٌ شعواء. كان يُعامَل بِلِين طوالَ حياته منذ بدأ يسرق فكَّة النقود من أمه وهو في عمر التاسعة. ربما كان ضرْبه بالحزام وهو في الثانية عشرة من عمره سيُنقِذ حياته. الآن سيُشنَق قبل أن يُزهِر اللوز. سيأتي الربيع مُبكِّرًا هذا العام. كنت أعمل طيلة مساء كل يوم في الحديقة في الأيام القليلة الماضية، بعدما صار النهار يمتد. ستُسَرُّ باستنشاق الهواء العليل مُجدَّدًا.» كان ويليامز قد غادَر باسمًا رصينًا مُتزنًا، كما يليق برجل كان يُضرَب بالحزام في صِباه من أجل مصلحته. وهكذا كان جرانت يَتُوق لزائرٍ آخرَ من العالم الخارجي الذي سيُصبح جزءًا منه عما قريب، وكان مسرورًا حين سمع النقر المُتردِّد المألوف على بابه. فنادى يقول في ابتهاج: «ادخُل يا برينت!» فدخل برينت. لكنه لم يكن برينت نفسه الذي غادَره آخرَ مرة. كان ابتهاجه قد ولَّى. كان عرض صدره المُكتسَب حديثًا قد ولَّى. لم يَعُد كارادين الرائد السبَّاق. كان مجردَ شابٍّ نحيل يرتدي مِعطفًا فوقيًّا طويلًا جدًّا وواسعًا جدًّا. بدا كارادين صغيرًا ومصدومًا ومفجوعًا. راقَبه جرانت في حيرةٍ وجزع وهو يجتاز الغُرفة بمشيته الخاملة غير المُتناسِقة. لم تكن توجد مجموعة أوراق بارزة من جيبه الذي يُشبِه كيس البريد. أوه، حسنًا، فكَّر جرانت بطريقةٍ فلسفية؛ كان الأمر مُمتعًا ما دام مستمرًّا. كان من المُحتَّم أن تطرأ عقبة في مرحلةٍ ما. فلا يمكن للمرء أن يُجريَ أبحاثًا جادَّة بطريقة الهُواة البريئة تلك ويأمُل أن يُثبت شيئًا من خلالها. لا يمكن للمرء أن يتوقَّع أن يدخل شابٌّ هاوٍ سكوتلاند يارد ويحلَّ قضيةً أعجزت المُحترِفين؛ فلماذا ظنَّ نفسه أذكى من المُؤرِّخين. كان يريد أن يُثبت لنفسه أنه كان مُحقًّا في قراءته للوجه في البورتريه؛ أراد أن يمحوَ عارَ وضعِه أحد المجرمين في موضع القضاة بدلًا من أن يضعه في قفص الاتهام. لكن كان سيَتحتَّم عليه أن يتقبَّل خطأه ويُرحِّب به. لعله كان يتمنى ذلك. لعله، في أعماق أعماقه، كان يزداد سرورًا واغتباطًا بنفسه لبراعته في قراءة الوجوه. «مرحبًا، يا سيد جرانت.» «مرحبًا، برينت.» في الواقع كان الأمر أسوأ على الصبي. كان في عمرٍ يتوقَّع فيه حدوث المعجزات. كان لا يزال في عمرٍ يتفاجأ فيه من انفجار بالون. قال جرانت للشاب مُمازحًا: «تبدو حزينًا.» وأردف: «حدث شيءٌ غير مُتوقَّع.» «كل شيء.» جلس كارادين على الكرسي وحدَّق في النافذة. سأل في عبوس: «ألا تُصيبك هذه العصافير اللعينة بالإحباط؟» «ما الأمر؟ هل اكتشفت في نهاية المطاف أنه كانت توجد شائعةٌ متداولة عن الصبيَّين قبل موت ريتشارد؟» «أوه، بل أسوأ من ذلك بكثير.» «أوه. أهو شيءٌ مكتوب؟ خطاب مثلًا؟» «لا، ليس الأمر على ذلك النحو على الإطلاق. إنه شيءٌ أسوأ بكثير. شيءٌ جوهري … جوهري للغاية. لا أعرف كيف أُخبرك.» أخذ كارادين يُحملِق في سخط في العصافير المُتناحرة. وقال: «اللعنة على هذه الطيور. لم يَعُد بإمكاني إطلاقًا أن أكتب ذلك الكتاب، يا سيد جرانت.» «ولمَ لا، يا برينت؟» «لأن هذا الأمر ليس جديدًا على أي أحد. كان الجميع يعرفون كل تلك الأشياء طيلة الوقت.» «يعرفون؟ يعرفون ماذا؟» «أن ريتشارد لم يقتل الصبيَّين، وكل ذلك.» «كانوا «يعرفون»؟ منذ متى؟!» «أوه، منذ مئات ومئات من السنين.» «تماسَكْ يا صديقي. لم يمرَّ على هذا الأمر سوى أربعمائة عام فحسب.» «أعرف. لكن هذا لا يُشكِّل أي فارق. كان الناس يعرفون أن ريتشارد لم يفعلها منذ مئات ومئات …» «هلَّا تتوقَّف عن هذا العويل وتتحدث بالمنطق. متى كانت أول مرة بدأ فيها رد الاعتبار هذا؟» «بدأ؟ أوه، من أول لحظة مُمكِنة.» «ومتى كان ذلك؟» «ما إنْ رحل آل تيودور وكان من المأمون أن يتكلم الناس.» «تقصد في عهد ستيوارت؟» «أجل، أظن ذلك … أجل. رجل يُدعى باك كتبَ تبرئةً في القرن السابع عشر. وكتب عنها هوراس والبول في القرن الثامن عشر. وشخص يُدعى مارخام في القرن التاسع عشر.» «ومَن كتب عنه في القرن العشرين؟» «لا أحد على حد علمي.» «إذَن ما المشكلة في أن تفعل أنت هذا؟» «لكن الأمر لن يكون سواءً، ألا ترى؟ لن يكون اكتشافًا عظيمًا!» قالها بتشديد. «اكتشافًا عظيمًا». ابتسَم له جرانت. وقال: «أوه، بحقك! لا يمكن أن تتوقَّع أن تتوصل إلى «اكتشافاتٍ عظيمة» في منطقةٍ خالية من الأجمات. إن لم تستطع أن تكون سبَّاقًا، فما المشكلة في أن تقود حملةً عظيمة؟» «حملة عظيمة؟» «بالتأكيد.» «علامَ؟» «على الزيف والوقائع المُزيَّفة مثل أحداث تونيباندي.» اختفى التبلُّد من وجه الفتى. وفجأةً ظهَر عليه الاستمتاع، وكأنه شخصٌ رأى مزحة لتوِّه. وعلَّق قائلًا: «هذا أسوأ الأسماء وأسخفها، حقًّا!» «إن كان الناس ظلوا طوال ثلاثمائة وخمسين عامًا يُشيرون إلى أن ريتشارد لم يقتل ابنَي أخيه، ولا يزال بوسع كِتاب مدرسي أن يقول بكلماتٍ صريحة مباشرة ومن دون تحفُّظ إنه فعل، فيبدو لي أن تزييف التاريخ، ومثال عليه أحداث تونيباندي، مُتقدِّم عليك منذ وقت طويل. حان الوقت لكي تنشغل بالمَهمَّة.» «لكن ماذا يُمكِنني «أنا» أن أفعل في حين أن أشخاصًا مِثل والبول وأمثاله قد فَشِلوا؟» «يوجد مَثلٌ قديم عن المياه المستمرَّة الجريان وتأثيرها على الحجر.» «سيد جرانت، أشعر الآن بشيء من الهُزال والوهن الشديد.» «لا بد لي أن أقول إنك تبدو كذلك فعلًا. لم أرَ من قبلُ مثلَ هذا الشعور بالشفقة على الذات. وتلك ليست حالةً مزاجية مناسبة للبدء في مناطحة الشعب البريطاني. سوف تفقد الكثير من ثِقَلك فعلًا.» «أتقصد لأنني لم أكتب كتابًا من قبل؟» «لا، هذا لا يُهمُّ على الإطلاق. إن أفضل كتاب لدى معظم الكُتَّاب هو كتابهم الأول؛ فهو أكثر كتاب أرادوا كتابته. لا، أقصد أن كل الأشخاص الذين لم يقرءوا كتابَ تاريخ مُطلَقًا منذ تركوا المدرسة سيشعرون بأنهم مُؤهَّلون لإصدار الأحكام على ما كتبت. سيَتَّهمونك بمحاولة تبييض صفحة ريتشارد، ولكلمة «تبييض» مسحةٌ من ازدراء أو انتقاص لا تجدها في كلمة «تبرئة»؛ لذا سيُطلِقون لفظ «تبييض» على ما تفعل. قلة منهم سيبحثون في الموسوعة البريطانية، وسيشعرون بأنهم جديرون ومؤهَّلون للتعمُّق أكثر قليلًا في المسألة. وهؤلاء سيقتلونك بدلًا من أن يسلخوك. ولن يُزعِج المؤرِّخون الجادون أنفُسَهم حتى بملاحظتك.» فقال كارادين: «قسمًا بالرب لأحمِلنَّهم على ملاحظتي!» «أحسنت! تبدو تلك الروح أقرب إلى الروح التي ظفِرَت بالإمبراطورية.» قال كارادين يُذكِّره: «ليس لدينا إمبراطورية.» فقال جرانت بنبرةٍ صارمة: «أوه، كلَّا، لديكم.» وأضاف: «لكن الفارق الوحيد بين إمبراطوريتنا وإمبراطوريتكم أن إمبراطوريتكم اقتصادية، في نطاقٍ واحد، بينما إمبراطوريتنا على شكل قِطع وأجزاء في سائر أنحاء العالم. هل كنت قد كتبت أي شيء في الكتاب قبل أن تصطدم بحقيقة عدم أصالته المريعة؟» «أجل، كنت قد أنهيت فصلَين.» «ماذا فعلت بهما؟ لم تتخلص منهما، أفعلت؟» «لا. كِدت أفعل. كِدت أرمي بهما في نار المدفأة.» «ما الذي منعك؟» قال كارادين: «كانت مدفأةً كهربائية.» ثم مدَّ ساقَيه الطويلتين في حركةٍ تنمُّ عن الاسترخاء، وأخذ يضحك. ثم تابَع قائلًا: «إنني أشعر بتحسُّن بالفعل، يا أخي. لا أُطيق الانتظار حتى أُوجِّه ضربةً ساحقة إلى فم الشعب الإنجليزي مباشرةً باستخدام بضع حقائق عن بلدهم. إن روح كارادين الأول تغلي في عروقي.» «تبدو تلك حماسةً خبيثة.» «كان كارادين الأول وغْدًا عجوزًا لا يعرف الهوادة في قطع الأخشاب. بدأ حياته حطَّابًا، وانتهى به الحال إلى امتلاك قلعة على طِراز عصر النهضة ويخْتَين وسيارة خاصة. سيارة تسيرُ على السكة الحديدية. كان بالسيارة ستائر من الحرير الأخضر المُزركَش، وكانت مُرصَّعة بأعمالٍ خشبية يتعين على المرء رؤيتها ليُصدِّق أنها موجودة. يوجد افتراضٌ شائع، لا سيَّما من قِبَل كارادين الثالث، أن دماء آل كارادين آخذة في الوهَن. لكنني الآن أشعر تمامًا كأني كارادين الأول. أعرف تمامًا كيف كان شعور ذلك العجوز حين أراد شراء غابة بعينها وأخبره أحدهم أنه لن يستطيع الحصول عليها. سأُنجز الأمر بكل حماسة يا أخي.» فقال جرانت بنبرةٍ مُعتدِلة: «هذا رائع.» وأضاف: «كنت أتطلَّع إلى ذلك الإهداء.» ثم أخذ لوحَ الكتابة من فوق الطاولة وأمسك به. وقال: «كنت عاكفًا على تلخيصٍ يُشبِه ما يقوم به رجال الشُّرطة. ربما سيكون ذا عونٍ لك حين تصل إلى مرحلة النهاية في الكتاب.» أخذ كارادين التلخيص وراح ينظر فيه بإمعان واحترام. «اقطع الورقة وخذها معك. لقد انتهيت منه.» فقال كارادين في حزن: «أظن أنك في غضون أسبوع أو اثنَين ستكون مُنشغلًا كثيرًا بتحقيقاتٍ حقيقية، ولن يكون لديك وقت للاعتناء بتحقيقٍ أكاديمي.» قال جرانت بنبرةٍ صادقة: «لن أستمتع أبدًا بأي تحقيق بقدرِ ما استمتعت بهذا.» ثم نظر بطرْفِ عينه إلى البورتريه الذي كان لا يزال مُستندًا إلى الكتب. واستطرد: «كنتُ مُحطَّمًا أكثرَ مما يمكن أن تُصدِّق حين أتيتَ وقد تمكَّن منك القنوط، وكنت أظنُّ أن الكتاب باء بالفشل.» ثم عاوَد النظر إلى البورتريه وقال: «تظنُّ مارتا أنه يُشبِه لورينزو دي ميديشي قليلًا. ويظنُّ صديقها جيمس أنه وجه قدِّيس. ويظنُّ طبيبي الجرَّاح أنه وجهُ مُعاق. ويظنُّ السيرجنت ويليامز أنه يبدو كقاضٍ عظيم. لكنني أظنُّ أن رئيس المُمرِّضات هو الأقرب إلى الصواب.» «وماذا تقول؟» «تقول إنه وجهٌ تعجُّ ملامحه بأشد صور المعاناة وأفظعها.» «أجل. أجل، أظن أنه كذلك. وما كان المرء ليَعجَب من ذلك في نهاية المطاف.» «أجل. أجل، لم يهنأ الرجل إلا قليلًا. لا بد أن آخر سنتَين في حياته كانتا ثقيلتَين مُفاجئتين كانهيارٍ ثلجي. كان كل شيء يسير على خيرِ ما يُرام. وكانت إنجلترا في حالة استقرار أخيرًا. والحرب الأهلية تتلاشى من الأذهان، وحكومة قوية صارمة تُحافِظ على السلام، وتجارة رائجة تُحقِّق الرخاء. لا بد أن المشهد عند النظر من ميديلهام عبر وينسليديل كان يبدو مُبشِّرًا بمستقبلٍ رائع. وفي غضون عامَين، فقدَ زوجته وابنه والسلامَ الذي حقَّقه.» «أعرف أمرًا واحدًا لم يُصِبه.» «وما هو؟» «معرفة أن اسمه سيُمثِّل موضع استهجان وسخرية على مر القرون.» «أجل. كانت تلك ستُصبح الضربة القاصمة. أتعرِف الشيء الذي أجده من وجهةِ نظرٍ شخصيةٍ الأمرَ «الأكثر» إقناعًا في مسألة براءة ريتشارد من أي تخطيط لاغتصاب العرش؟» «لا، ما هو؟» «حقيقة أنه تعيَّن عليه أن يرسل في طلب تلك القوات من الشمال حين أذاع ستيلينجتون أخباره. لو كان يعرف مسبقًا ما كان ستيلينجتون سيقوله، أو حتى كانت لديه أي خُطط لتلفيق قصة بمساعدة ستيلينجتون، لكان قد أتى بتلك القوات معه. إن لم يكن إلى لندن فإلى المقاطعات الرئيسية حيث كانت ستصبح عونًا له. إن إرساله على عَجل أولًا إلى يورك ثم إلى أقاربه من آل نيفيل لهو دليل على أن اعتراف ستيلينجتون أخذه على حين غِرَّة تمامًا.» «أجل. لقد أتى بصحبة حاشيته من السادة مُتوقِّعًا أن يتسلَّم العرش. فجابه أخبار اضطرابات آل وودفيل حين أتى إلى نورثهامبتون، لكن ذلك لم يُزعزِعه. فاجتثَّ شوكة الألفَي شخص من آل وودفيل، وتابَع طريقه إلى لندن كأنَّ شيئًا لم يكن. وكان لم يزل أمامه سوى تتويج تقليدي بحدِّ علمه. ولم يرسل في طلب قوات تابعة له إلا حين اعترف ستيلينجتون أمام المجلس. وكان عليه أن يرسل خطابًا إلى شمال إنجلترا في مثل هذه اللحظة الحرِجة. أجل، أنت مُحقٌّ بالطبع. لقد أُخِذ على حين غِرَّة.» ثم عدَّل بسبَّابته ذراعَ نظارته بحركته المعهودة، وقدَّم دليلًا مُصاحبًا. «أتعرِف ما الذي أجده أكثر إقناعًا في قضية جُرم هنري؟» «ماذا؟» «الغموض.» «الغموض؟» «الغموض. التكتُّم. الأعمال القذرة التي تتم بسِرِّية.» «أتقصد أن هذا من سِماته الشخصية؟» «لا، لا، لا شيء ماكر بقدرِ الغموض. ألا ترى؛ لم يكن ريتشارد بحاجة لأي غموض، لكن قضية هنري برُمَّتها تعتمد على أن تكون نهاية الصبيَّين غامضة. لم يستطِع أحد قطُّ أن يتوصَّل إلى مُبرِّر لهذه الطريقة القذرة والسِّرية التي من المُفترَض أن ريتشارد قد استخدمها. كان ارتكاب الجريمة بهذه الطريقة ضربًا من الجنون. ولم يكن يمكنه أن يأمُل في أن ينجوَ بفَعلته. إذ كان سيَتحتَّم عليه إن عاجلًا أو آجلًا أن يُفسِّر سبب عدم وجود الصبيَّين. وبقدرِ عِلمه كانت أمامه فترةٌ طويلة من الحكم. ولم يستطِع أحد قطُّ أن يُفكِّر في سبب اختياره لهذه الطريقة الصعبة الخطيرة، في حين أنه كان أمامه أساليب وطُرقٌ أكثر بساطة. لم يكن عليه سوى أن يخنق الصبيَّين، ويُرقِدهما في نعشهما بينما تمرُّ عليهما لندن بأَسرِها وتنتحب على صبيَّين ماتا قبل أوانهما بسبب الحُمَّى. كانت تلك هي الطريقة التي كان «من شأنه» أن يُنجِز الأمر بها، أيضًا. يا إلهي، كانت «الغاية» من قتلِ ريتشارد الصبيَّين أن يمنع قيام أي انتفاضة من أجلهما، ولكي يحصل على أي نفع من القتل كان عليه أن يُعلِن نبأ وفاتهما على العامة، وبأسرعِ ما يمكنه. لو لم «يعرف» الناس بموت الصبيَّين فمن شأن هذا أن يُقوِّض خُطته برُمَّتها. أما هنري فكان مُختلفًا. كان «يتعيَّن» على هنري أن يجد طريقة ليُبعدهما عن الأنظار. «تعيَّن» على هنري أن يكون غامضًا. «تعيَّن» على هنري أن يخفيَ حقيقة توقيت وفاتهما وكيفيتها. كان هنري يعتمد في «القضية برُمَّتها» على عدم معرفة أحد بما حدث بالضبط للصبيَّين.» قال جرانت مُبتسمًا في وجه المستشار اليافع المُتحمِّس: «هذا صحيح يا برينت، صحيح بكل تأكيد.» وتابع: «ينبغي لك أن تكون في سكوتلاند يارد يا سيد كارادين!» فضحكَ برينت. وقال: «سأكتفي بالبحث في تزييف الحقائق التاريخية مِثل أحداث تونيباندي.» وأضاف: «أُراهن أنه يوجد الكثير من الوقائع المُماثلة التي لا نعرف عنها شيئًا. أُراهن على أنَّ كتب التاريخ مليئة بها.» قال جرانت: «بالمناسبة، حريٌّ بك أن تأخذ كتاب السير كوثبرت أوليفانت معك.» ثم أخرج المجلَّد الضخم المهيب من الدُّرج. وقال: «ينبغي أن يُلزَم المؤرِّخون بدراسة علم النفس قبل أن يُسمح لهم بالكتابة.» «هه. لن يُفيدهم ذلك بأي شيء. إن الشخص الذي يهتمُّ بالأشياء التي تجعل الناس يتصرفون بسلوكٍ مُعيَّن لا يكتب التاريخ. إنما يكتب الروايات، أو يصبح طبيبًا نفسيًّا، أو قاضيًا …» «أو مُحتالًا.» «أو مُحتالًا. أو عرَّافًا. إن الرجل الذي يفهم طبائع الناس لا يتوق على الإطلاق لكتابة التاريخ. فالتاريخ بمثابة دُمَى جنود.» «أوه، بحقك. ألا ترى أنك مُتزمِّت بعض الشيء في رأيك هذا؟ إن التاريخ مجالٌ واسع للتثقيف والاطلاع على …» «أوه، لم أقصد ما فهِمتَه. أقصد أنه عبارة عن تحريك دُمًى صغيرة هنا وهناك على رقعةٍ مُسطَّحة. إنه منتصف الطريق إلى الرياضيات، حين تُفكِّر في الأمر.» فقال جرانت بمكرٍ فجأةً: «إذَن لو كان فيه من سمات الرياضيات فليس للمُؤرِّخين الحق في أن يُقحِموا فيه الأخبارَ القائمة على الشائعات والنميمة.» ما برِحَت ذكرى مور المعظم تُزعِجه. أخذ يُقلِّب في صفحات كتاب السير كوثبرت الضخم المهيب يُطالعه مطالعةَ المودِّع. وحين وصل إلى الصفحات الأخيرة، تباطأت سرعة تقليبه للصفحات حتى توقَّفت. وقال: «غريب هو مدى استعدادهم لمنح رجل صفةَ الشجاعة في المعركة. ليس لديهم سوى مرويَّات تراثية، ومع ذلك لا أحدَ منهم يتشكك في أمرها. بل في الواقع، لا أحدَ منهم يَقصُر عن التأكيد عليها.» فقال كارادين مُذكِّرًا إياه: «كانت هذه إشادة من عَدُو. إذ بدأت المرويات التراثية بقصيدةٍ قصصية كتبَها الجانب الآخر.» «أجل. على يد رجل من آل ستانلي. «ثم قال فارس إلى الملك ريتشارد» إنها هنا في مكانٍ ما.» قلَّب صفحة أو صفحتَين من الكتاب حتى وجد ما كان يبحث عنه. وأضاف: «كان ذلك الفارس هو «السير ويليام هارينجتون الصالح». ذلك هو الفارس المعني.» «لن ينجوَ رجُل من ضرباتهم؛ فقوَّات ستانلي قوية جدًّا (أولئك الخونة الملاعين!)» يمكنك أن تعود مع مدٍّ آخر؛ إذ أظنُّ أنك بقيت هنا طويلًا، جوادك مستعدٌّ طوع إشارتك، وربما يكون النصر حليفك في يومٍ آخر، وتعود وتحكم بسُموٍّ ملكي، وتضع تاجك وتكون مليكنا. «لا، أعطِني فأس الحرب في يدي، وضَعْ تاجَ إنجلترا عاليًا على رأسي. أُقسمُ بمن بسطَ الأرض ولجَّ البحر، لَأمُوتنَّ اليوم ملِكًا لإنجلترا. لن أفرَّ ولو خطوةً واحدة ما دام بين ضلوعي نفَسٌ يتردد.» «وحدث ما قاله؛ إذا كان فقدَ حياتَه فقدْ مات ملِكًا.» قال كارادين يُفكِّر: ««ضعْ تاجَ إنجلترا على رأسي.»» واستطرد: «ذلك كان التاج الذي عُثِر عليه في أجَمة هوثورن بعد ذلك.» «أجل. أُخِذ غنيمةً على الأرجح.» «اعتدتُ أن أتصوَّره أحد تلك الأشياء الفخمة التي تُوِّج الملك جورج فيها، لكن يبدو أنه كان مجرد حَلْقة ذهبية.» «أجل. كان يمكن ارتداؤها على خوذة المعركة.» فقال كارادين فجأةً: «يا إلهي، من المُؤكَّد أنني كنت سأكره أن أرتديَ هذا التاج لو كنت مكان هنري! من المؤكد أنني كنت سأكرهه!» ثم صمت قليلًا، وقال: «أتعرف ما كتبته مدينة يورك — كُتِب في سجلاتهم — عن معركة بوسوورث؟» «لا.» «كتبوا: «في هذا اليوم قُتِل ملِكُنا الصالح ريتشارد، أُصيبَت هذه المدينة بحزنٍ عظيم».» كان صوت زقزقة العصافير عاليًا أثناء الصمت. فقال جرانت أخيرًا بنبرةٍ جافَّة للغاية: «هذا ليس نعيَ مُغتصِبٍ مكروه.» قال كارادين: «لا، لا.» ثم أخذ يُكرِّر: «أُصيبَت هذه المدينة بحزنٍ عظيم» ببطء، وأخذ يُقلِّب العبارة في ذهنه. واستطرد: «اهتمُّوا كثيرًا بما حدث لدرجة أنهم، حتى مع وجود نظام جديد يلوح في الأفق ومستقبلٍ لا يمكنهم توقُّعه، كتبوا في سجلات المدينة رأيهم؛ وهو أن ما حدث كان اغتيالًا، وعبَّروا عن حزنهم تجاهه.» «لعلهم كانوا قد سمِعوا بالتمثيل الذي ارتُكِب بحق جثة الملك وشعروا بالاشمئزاز قليلًا.» «أجل. أجل. فالمرء لا يُحبُّ أن يتخيَّل رجلًا أحبه وأكنَّ له الإعجاب مطروحًا مجردًا من ثيابه، ويتأرجح على ظهرِ مُهرٍ كحيوانٍ ميت.» «لا يُحبُّ المرء أن يتخيَّل حتى عدوَّه بهذا الشكل. لكن رقة الشعور ليست صفةً يمكن للمرء أن يبحث عنها بين عُصبة هنري ومورتون.» فقال برينت، مُتلفِّظًا بالكلمة كأنه يبصقها لمذاقها السيئ: «هه. مورتون!» واستطرد: «لم يكن أحد «حزينًا» حين مات مورتون، صدِّقني. أتعرِف ما كتب عنه المؤرِّخ؟ أقصد مؤرِّخ لندن. كتب يقول: «في زمننا لم يكن يوجد له مثيل يُقارَن به في كل شيء؛ رغم أنه عاش وسط كراهية العامة في هذه الأرض وازدرائهم الكبير تجاهه».» التفت جرانت لينظر إلى الصورة التي رافقته لأيام وليالٍ عديدة. ثم قال: «أتعرِف، مع كل نجاحاته ومع منصب الكاردينال الذي تولَّاه، أظن أن مورتون كان هو الخاسر في تلك المعركة مع ريتشارد الثالث. رغم هزيمة ريتشارد والتشهير به طويلًا، كان هو من خرج بحالٍ أفضل من بين هذين الاثنين. كان محبوبًا في عهده.» فقال الفتى في رصانة: «هذا الرثاء ليس سيئًا.» فقال جرانت وهو يُغلِق كتاب أوليفانت للمرة الأخيرة: «لا. ليس رثاءً سيئًا على الإطلاق.» «ما كان رجالٌ كثيرون سيَرغبون في أفضل من ذلك.» ثم سلَّم الكتاب إلى مالكه. وقال: «قلةٌ فقط من استحقُّوا هذا القدر.» وحين غادَر كارادين، بدأ جرانت يُفرِز الأشياء الموجودة على طاولته؛ استعدادًا لعودته إلى المنزل في اليوم التالي. يمكن للروايات الأنيقة غير المقروءة أن تذهب إلى مكتبة المستشفى لتُدخِل السرور على صدورٍ أخرى غير صدره. لكنه سيحتفظ بالكتاب الذي به صور الجبال. وعليه أن يتذكَّر أن يُعيد إلى «الأمازونية» كتابَي التاريخ. بحثَ عنهما حتى يُعطيَها إياهما حين تأتيه بوجبة العشاء. وقرأ مرةً أخرى، للمرة الأولى منذ أن بدأ بحثه عن حقيقة ريتشارد، حكاية الكتاب المدرسي عن شرِّه وطغيانه. كانت القصة الشائنة ماثلةً أمامه بحروفٍ سوداء لا لَبْس فيها على صفحاتٍ بيضاء. من دون «لعل» أو «ربما». من دون تساؤلات أو تحفظات. وبينما كان على وشك أن يُغلِق أكبر الكتابَين وقعت عينه على فترة حكم الملك هنري السابع، فقرأ: «كانت سياسة آل تيودور المستقرة والمعتبرة هي أن يتخلَّصوا من كل مُنافسيهم على العرش، خاصةً أولئك الورثة من آل يورك الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة عند جلوس هنري السابع على العرش. وقد نجحوا في ذلك، رغم أن هنري الثامن كان قد تبقَّى له أن يتخلَّص من آخرهم.» حدَّق جرانت في هذا البيان الصريح. هذا القَبول المُسالِم بعمليات القتل الكثيرة. هذا الاعتراف البسيط بعملية إبادة أُسرة. لقد نُسِب لريتشارد الثالث القضاء على ابنَي أخيه، وكان اسمه مُرادفًا للشر. أما هنري السابع، الذي كانت «سياسته المستقرة والمعتبرة» هي القضاء على أُسرة بأكملها، فكان يُنظَر إليه باعتباره ملِكًا داهيةً بعيدَ النظر. ربما لم يكن محبوبًا جدًّا، لكنه كان ذا هدف ومُثابرًا بالإضافة إلى كونه ناجحًا جدًّا. هنا استسلم جرانت. كان التاريخ يُمثِّل له شيئًا لن يمكنه أن يفهمه أبدًا. كانت القيم لدى المؤرِّخين مختلفة اختلافًا كبيرًا وجَذريًّا عن أي قيم كان يعرفها، لدرجةِ أنه لم يكن يأمُل قطُّ أن يجتمع معهم على أي أرضية مشتركة. سيعود إلى سكوتلاند يارد، حيث كان القتلة قتلة، وما كان يسري على واحد كان يسري على قَدمِ المساواة على الآخر. وضع جرانت الكتابَين معًا بطريقةٍ مُنمَّقة، وحين أتت «الأمازونية» بالخوخ المفروم المطهو أعطاها إياهما مع كلمات شكر وعِرفان. كان يشعر بالامتنان فعلًا تجاه «الأمازونية». لولا أنها كانت تحتفظ بكتب دراستها لما شرع في طريقه الذي قاده إلى معرفته بريتشارد بلانتاجانت. بَدت «الأمازونية» مُرتبِكةً مُندهِشة من أسلوبه اللطيف، وتساءل جرانت في نفسه عما إن كان فظًّا للغاية أثناء مرضه حتى إنها لم تتوقَّع منه سوى الانتقاد. كانت هذه الفكرة مُهينة ومُخزية له. قالت: «سنفتقدك»، وبدا كأن عينَيها الكبيرتين كانتا على وَشْك أن تذرفا. أضافت: «لقد اعتدنا وجودَك هنا. بل إننا حتى اعتدنا ذاك.» وحرَّكت مِرفقها في اتجاه البورتريه. برزت في رأسه فكرة. فسألها: «هلا تفعلين شيئًا من أجلي؟» «بالطبع. أي شيء بوسعي فِعله.» «هلَّا تأخذين تلك الصورة باتجاه النافذة وتنظرين إليها في ضوءٍ جيد لنفس المدة التي تستغرقينها لقياس نبض أحدهم؟» «أجل بالطبع، إن كنت تريد مني أن أفعل ذلك. ولكن لماذا؟» «لا عليكِ. فقط افعلي هذا من أجلي. سأحسب لكِ الوقت.» فالتقطت الصورة وتحرَّكت نحو الضوء الآتي من النافذة. راح يَرقُب عقرب الثواني في ساعته. تركها مدة خمس وأربعين ثانية، ثم قال: «حسنًا؟» وإذ لم يجد منها إجابةً فورية، قال ثانيةً: «حسنًا؟» فقالت: «غريب.» وأضافت: «حين تنظر إليها قليلًا تجد أنه وجهٌ لطيف حقًّا، أليس كذلك؟»
|
{
"chapter": "الفصل السابع عشر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ابنة الزمن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/35759391/17/"
}
|
لقد حُبِست وأُبعِدت عن العالم؛ تلك المرأة ذات الجمال الفاضل الراسخ والشَّعر المُذهَّب. تساءل جرانت للمرة الأولى، لماذا كان مُذهَّبًا. لعله كان فِضيًّا مُذهَّبًا؛ كانت شقراء مُتألِّقة. كان من المُؤسِف أن كلمة «شقراء» تدنَّت إلى درجةِ أنها كادت تحمل مدلولًا مُحقَّرًا. لقد حُبِست لتقضيَ بقيَّة أيامها حيث لا يمكن أن تُمثِّل مشكلةً أو مصدرَ إزعاج لأحد. كانت تُرافِقها دوَّامة من المتاعب طَوال حياتها. كانت إنجلترا قد اهتزَّت بزواجها من إدوارد. وكانت هي الوسيلة المُستتِرة التي تسبَّبت في دمار ورويك. وتسبَّب لطفها مع عائلتها في إقامة فصيل جديد تمامًا في إنجلترا، ومنع ارتقاء ريتشارد إلى العرش في سلام. كان وقوع معركة بوسوورث أمرًا أدَّى إليه ضمنيًّا ذلك الاحتفال الصغير البسيط في براري نورثهامبتونشير حين أصبحت زوجة إدوارد. ولكن لم يبدُ أن أحدًا حمل نحوها ضغينة. فحتى ريتشارد الذي أخطأت في حقه سامحها على الفظائع المُترتِّبة على علاقاتها. لم يحمل أحدٌ نحوها ضغينة، حتى جاء هنري. لقد اختفت في غموض. إليزابيث وودفيل. الملِكة الأرملة التي كانت أم ملكة إنجلترا. أم أميرَي البرج، التي عاشت بحُرية وفي رغد في ظل حكم ريتشارد الثالث. كان ذلك خرقًا غريبًا في النمط، أليس كذلك؟ أبْعَد جرانت عن تفكيره مسألةَ تاريخ الأشخاص، وبدأ يُفكِّر بطريقةٍ شُرطية. كان الوقت قد حانَ كي يُرتِّب أوراق قضيَّته. كان الوقت قد حانَ كي ينظمها من أجل عرضها. من شأن هذا أن يُساعِد الشاب في كتابه، والأفضل من ذلك أنه سيُساعده في تصفية ذهنه. ستكون الأمور بالأبيض والأسود حسبما يراها. مدَّ جرانت يده نحو لوح الكتابة والقلم، وكتب مُدخلًا مُنمَّقًا: القضية: هي اختفاء صبيَّين (إدوارد أمير ويلز، وريتشارد دوق يورك) من برج لندن عام ١٤٨٥، أو في وقت مُقارِب لذلك. تساءل إن كان من الأفضل أن يُدوِّن أسماء المُشتبَه بهما في عمودَين مُتوازيَين أم واحدًا تِلو الآخر. ربما كان من الأفضل أن ينتهيَ من ريتشارد أولًا. لذا دوَّن عنوانًا مُنمَّقًا آخر، وبدأ في تلخيصه: السجل السابق: جيد. لديه سجلٌّ مُمتاز في الخدمة العامة، ويتمتع بسمعةٍ طيبة في حياته الخاصة. السمة البارزة كما تُشير إليها أفعاله هي المنطق السليم. كانت استفادته مُستبعَدة؛ إذ كان يوجد تسعة ورثة آخرين من آل يورك، من بينهم ثلاثة ذكور. لا يوجد اتهامٌ معاصر. استمرَّت أمُّ الطفلَين على علاقتها الودية به حتى وفاته، وكانت بناتها يَحضرن حفلات القصر. لم يُظهِر خوفًا من ورثة آل يورك الآخرين، فأنفق بسخاء على معيشتهم، وكفلَ لكلٍّ منهم وضعه الملكي. كان حقُّه في التاج لا يقبل الجدال؛ إذ صادَق عليه قانونٌ برلماني وتزكيةٌ عامة؛ فكان الصبيَّان خارج نطاق وراثة العرش، ولم يكونا يُمثِّلان خطرًا عليه. لو افتُرِض أنه كان قلِقًا من عدم الولاء، فإن الشخص الذي كان يتعيَّن عليه أن يتخلَّص منه لم يكن الصبيَّين، وإنما الشخص الذي كان سيَخلُفه على العرش، وهو ورويك الصغير. وهو الذي أعلن على الملأ أنه وريثه حين مات ولده. السجل السابق: مُغامر، عاش في بلاط ممالك أجنبية. ابن لأمٍّ طموحة. لا شيء سلبيَّ معلوم فيما يتعلق بحياته الخاصة. لم يتولَّ منصبًا أو عملًا عامًّا. الصفة البارزة كما تُشير أفعاله هي الدهاء. كان من المهم له كثيرًا ألا يعيش الصبيَّان. بإبطاله للقانون الذي يُقرُّ بعدم شرعية الصبيَّين، جعل الصبي الأكبر منهما ملِكًا على إنجلترا، والأصغر وريثه. في القانون الذي قدَّمه أمام البرلمان من أجل إدانة ريتشارد، اتهم ريتشارد بالطغيان والقسوة المعتادَين، لكنه لم يذكر مسألة الأميرَين الصغيرين. والاستنتاج الحتمي هنا أن الصبيَّين كانا على قيد الحياة، وكان مكانهما معروفًا. حُرِمت أمُّ الصبيَّين من دخلها، وأُودعت ديرًا للراهبات بعد مرور ثمانية عشر شهرًا من جلوسه على العرش. اتَّخذ تدابير عاجلة من أجل أن يأمن جانب ورثة العرش الآخرين، وأودعهم الحبس المؤقَّت حتى تمكَّن من التخلص منهم بأدنى قدرٍ من الفضيحة. لم يكن لديه أدنى حق في الجلوس على العرش. منذ وفاة ريتشارد، كان ورويك الصغير هو الملك «الشرعي» لإنجلترا. خطر لجرانت للمرة الأولى، وهو يكتب هذا، أنه كان بمقدور ريتشارد أن يُضفيَ الشرعية على ابنه غير الشرعي، جون، ويفرضه على الأمة. لم يكن ثَمة افتقار إلى سابقة في مثل هذا المسعى. في نهاية المطاف، كانت عشيرة بوفورت بأَسرِها (بما في ذلك أمُّ هنري) تنحدر، ليس من اتحادٍ غير شرعي وحسب، وإنما من سِفاحٍ مُزدوج. لم يكن يُوجَد ما يمنع ريتشارد من جعل ذلك الصبي، «النَّشِط الحسن التصرُّف» الذي كان يعيش في رفاهة في منزله، مُستحقًّا شرعيًّا للعرش. كان من المُؤكَّد بناءً على تدابير ريتشارد أن هذا المسار لم يكن قد تبادر إلى ذهنه. كان قد عيَّن ابن أخيه وريثًا له. كان المنطق السليم هو السمة الغالبة عليه حتى في أشد أوقات حزنه. المنطق السليم والمشاعر الأسرية. لم يكن ابنه غير الشرعي ليجلس على كرسي آل بلانتاجانت بغضِّ النظر عن مدى نشاطه وحُسن تصرُّفه ما دام ابن أخيه موجودًا، ويمكن له أن يشغل الكرسي. كان من اللافت للنظر كيف مدى تَغلغُل هذا الجو الأُسري في الحكاية بأكملها. من رحلات سيسيلي بصحبة زوجها، وحتى اعتراف ابنها الطوعي بابن أخيه جورج وريثًا له. وخطرَ بباله للمرة الأولى أيضًا وبقوةٍ كبيرة كيف أن هذا الجو الأُسري قد أضفى القوة على حُجة براءة ريتشارد. إن الصبيَّين اللذين من المُفترَض أنَّ ريتشارد قتلهما كما لو كان يقتل مُهرَين توءمًا كانا ابنَي إدوارد، كانا طفلَين لا بد أنه عرَفهما معرفةً شخصية وجيِّدة. أما هنري، على الجانب الآخر، فكان الصبيَّان لا يُمثِّلان له إلا رمزَين. عقبتَين في طريقه. ربما حتى لم تكن عيناه قد وقعت عليهما. وبغضِّ النظر عن جميع المسائل المتعلقة بالشخصية، فإن الاختيار بين هذين الرجلين باعتبارهما مُشتبَهًا بهما قد يتقرَّر على هذا الأساس وحده تقريبًا. كان من المُهدِّئ للذهن تمامًا أن يرى القضية مُنظَّمة ومُرتَّبة على هيئة «أ» و«ب» و«ج». لم يُلاحظ من قبلُ كيف أنَّ سلوك هنري كان مُثيرًا للرِّيبة والشك بصورةٍ مُضاعَفة حيالَ قانون اللقب الملكي. وإن كانت مطالبة ريتشارد بالعرش عبثية كما أصرَّ هنري، فمن المُؤكَّد أن التصرف البديهي كان إعادة قراءة القانون على العامة وإثبات زيفه. لكن هنري لم يفعل أي شيء من هذا القبيل. بل كابَد عناءً لا مُتناهيًا من أجل محو أي ذكرى لذلك القانون. كانت النتيجة النهائية محسومة، وهي أن حق ريتشارد في العرش كما هو مُبيَّن في قانون اللقب الملكي كان لا جدال فيه.
|
{
"chapter": "الفصل السادس عشر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ابنة الزمن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/35759391/16/"
}
|
في ذلك الوقت الذي كانت فيه حكاية الحمامة قد استولت عليه تمامًا لتنغِّص حياته يومًا بعد يوم؛ كان «جوناثان نويل» الذي تخطَّى الخمسين من العمر يستطيع أن يُلقي نظرة على العشرين سنة الأخيرة من حياته، فيجدها خالية من الأحداث، ولم يكن يتوقع حدوث أيِّ شيء مهم .. باستثناء الموت ذات يوم. معظم تلك الأحداث — والحمد لله — كان كامنًا هناك في سنوات طفولته وصباه البعيدة .. المبهَمة .. تلك السنوات التي لم يعُد لديه رغبة في تذكُّرها. وعندما كان يفعل؛ كان ذلك يحدث على مضضٍ شديد وكره منه. بعد ظهيرة أحد أيام صيف عام ١٩٤٢، في «شارنتون» أو بالقرب منها، وهو عائد من صيد السمك — كانت هناك عاصفة رعدية مصحوبة بأمطار غزيرة بعد موجةِ حرٍّ شديدة — في طريقه إلى المنزل؛ خلع حذاءه ليسير على أسفلْت الشارع الدافئ المُبتَلِّ حافي القدمين يبطش في الماء باستمتاع لا حدود له، كان عائدًا من الصيد حينذاك، واندفع إلى المطبخ متوقعًا أن يجِدَ أمَّه هناك تقوم بإعداد الطعام، ولكنها لم تكن موجودة في أيِّ مكان، كل ما رآه هو مريلة المطبخ معلَّقة على ظهر الكرسي. قال له والده: إنَّ أمه ذهبت، كان لا بدَّ من أن تذهب في رحلة تستغرق زمنًا طويلًا. وقال الجيران إنهم أخذوها. أخذوها أولًا إلى «فيلا دروم دي هايفر»، ثم إلى أحد المعسكرات، ومن هناك إلى الشرق .. من حيث لا يعود أحد. لم يفهم «جوناثان» شيئًا من ذلك الحدث الذي أربكه تمامًا .. وبعد أيام قليلة اختفى والده أيضًا. وفجأة وجدَ «جوناثان» وأخته نفسيهما في قطار يتجه ناحية الجنوب، وبعد ذلك اقتادهما غرباء عبر مروج وغابات ليضعوهما مرة أخرى في قطار آخر يتجه ناحية الجنوب .. بعيدًا .. بعيدًا .. أبعد مما يفهمان. وهناك تسلَّمهما عمٌّ لهما لم يرياه من قبل في «كافليون»، وأخذهما إلى مزرعته بالقرب من قرية «بوجيت» في وادي «دورانسى»، وخبَّأهما هناك حتى انتهت الحرب. بعد ذلك جعلهما يعملان في حقول الخضراوات لديه. في أوائل الخمسينيات — وكان «جوناثان» قد بدأ الاعتياد على حياة العامل الزراعي — طلب منه عمُّه أن يذهب لأداء الخدمة العسكرية؛ فسمعَ كلامه بكلِّ طواعية، وذهب «جوناثان» ليقضي هناك ثلاث سنوات. في السنة الأولى كان مشغولًا بالاعتياد على منغِّصات العيش في ثكنة عسكرية وسط الآخرين، وفي السنة الثانية حملته سفينة إلى الهند الصينية، أمَّا معظم السنة الثالثة فأمضاه في المستشفى يُعالَج من طلقة في قَدمه وأخرى في ساقه، ومن حالة دوسنتاريا أميبية. وعندما عاد إلى «بوجيت» في ربيع عام ١٩٥٤ كانت أخته قد اختفت؛ هاجرت إلى «كندا» كما عرَفَ من الناس. طلبَ العمُّ من «جوناثان» أن يتزوج على وجه السرعة من فتاة اسمها «ماري باكوشي» من قرية «لوريس» المجاورة. أمَّا «جوناثان» الذي لم يكن قد سبق له رؤية الفتاة؛ ففعل كما أمره عمُّه. والحقيقة أنه فعله بفرح؛ إذ رغم عدم وجود مفهوم كامل لديه عن الحياة الزوجية، إلا أنه كان يتمنَّى أن يجدَ نفسه أخيرًا في حالة سكون رتيبة خالية من الأحداث، وهي الحالة الوحيدة التي كان يتُوق لها في الواقع. ولكن .. بعد أربعة شهور وَلدتْ «ماري» طفلًا، وفي الخريف نفسه هربت مع تاجر فاكهة تونسي من مرسيليا. بسبب كل تلك الأحداث؛ وصل «جوناثان» إلى قناعة بأنه لا يمكن الاعتماد على الناس، وأنك لا تستطيع أن تعيش في سلام إلا بالابتعاد عنهم، ولأنه كان قد أصبح أضحوكة القرية — لم يكن الضحك عليه هو الذي يُزعجه، وإنَّما التفات الأنظار إليه — اتخذ لأول مرة في حياته قرارًا من تلقاء نفسه: ذهب إلى بنك التسليف الزراعي، سحَبَ مدخراته، حزم حقيبته، وشدَّ الرحال إلى باريس. ثم حدثت له ضربة حظ مزدوَجة؛ إذ وجد وظيفةً كحارس لأحد البنوك في شارع «سيفرس»، ووجد مسكَنًا في مكان يطلَق عليه «شامبر دي بون» في الدور السابع من بناية في شارع «لابلانش»: غرفة تصل إليها عن طريق الفناء الخلفي، وسُلَّم الخدم الضيِّق، ومدخل ضيِّق أيضًا لا ينيره سوى شبَّاك صغير وحيد بضوء قليل لا يكشف شيئًا. مجموعة من الغرف الصغيرة فوق كل منها رقم مكتوب بطِلاء رمادي اللون؛ متجاورة على جانبي الممر، وفي نهايته كانت توجد الغرفة رقم ٢٤ .. غرفة «جوناثان»، طولها سبعة أقدام وبوصتان، وعرضها سبعة أقدام وثلاث بوصات، وارتفاعها ثمانية أقدام وبوصتان، وكل محتوياتها: سرير، وطاولة، وكرسي، ولمبة، ومِشجب للملابس .. ولا أكثر .. حتى الستينيات لم يكن ممكِنًا عمل توصيلات كهربائية لتركيب سخان للطهي مثلًا أو مدفأة، كما أنَّ التوصيلات الصحية كان قد أُعيد تركيبها؛ لتزويد الغرفة بحوض غسيل، وسخان للماء. وحتى ذلك الحين؛ كان سكان تلك الأسطح يتناولون وجباتهم باردةً — هذا إن لم يستخدم أحدهم موقد كحول بالمخالفة للقانون — وينامون في غرف باردة، ويغتسلون ويغسلون جواربهم وصحونهم القليلة بماءٍ بارد في حوضٍ واحد، يوجد في الصالة بجوار باب الحمَّام المشترَك، دائمًا. ولم يُضايق «جوناثان» أيُّ شيء من ذلك بالمرة؛ فهو لم يكن يبحث عن الراحة، وإنَّما عن مسكَنٍ آمِن يخصُّه؛ مسكَن له وحده، يحميه من مفاجآت الحياة غير السارة، مسكَن لا يمكن لأحد أن يطرده منه مرة أخرى. وعندما دخل الغرفة رقم ٢٤ لأول مرة؛ عرَفَ في الحال: هذه هي .. هذا ما كنت تريده .. هذه هي الغرفة التي ستعيش فيها (بنفس الطريقة التي تحدُث للآخرين، أو هكذا يقولون؛ ما يطلَق عليه الحبُّ من أول نظرة، عندما يدرك المرء في لمحة أنَّ امرأة لم يسبق له رؤيتها من قبل هي امرأة حياته .. وأنه سوف يتملَّكها حتى آخر العمر). استأجر «جوناثان» تلك الغرفة بخمسة آلاف فرنك (بالعملة القديمة) في الشهر، في كل صباح يغادرها إلى عمله في شارع «سيفرس» القريب، ويعود في المساء بالخبز ولحم الخنزير والتفاح والجبن، يأكل وينام .. وكان سعيدًا. يوم الأحد لا يغادر الغرفة بالمرة، يقوم بتنظيفها ويفرِد مُلاءات نظيفة على السرير، وهكذا كان يعيش في سلام وراحة بال عامًا بعد عام، عقدًا بعد عقد. خلال تلك الفترة؛ تغيرت أشياء معينة ولكنها ليست مهمة: قيمة الإيجار مثلًا، نوع المستأجرين … في الخمسينيات كان معظم سكان الغرف الأخرى من الخادمات، والمتزوجين حديثًا، وقلة من أرباب المعاشات. فيما بعد؛ كان يمكن أن ترى إسبانيين وبرتغاليين وعددًا من أبناء الشمال الأفريقي؛ يدخلون ويخرجون. ومنذ نهاية الستينيات وما بعدها؛ أصبح معظم السكان من الطَّلَبة. وفي الفترة الأخيرة؛ لم تكن كل الغرف الأربعة والعشرين مشغولة، بقي معظمها خاليًا، أو كان يُستخدم للتخزين وأحيانًا لإقامة ضيوف أصحاب الشقق الفاخرة في نفس البناية. بمرور السنوات كانت غرفة «جوناثان» رقم ٢٤ قد أصبحت مسكَنًا مُريحًا نسبيًّا؛ اشترى لنفسه سريرًا جديدًا، وقام بتركيب خزانة، وفرشَ سجادة رمادية على أرضية الغرفة التي تبلغ مساحتها ٨١ قدمًا مربعًا، ولصق ورَقَ حائط في الفجوة الموجودة بالمدخل، والتي يستخدمها للطهي والغسيل. امتلك راديو وتلفزيونًا ومكواة. لم يعُدْ يعلِّق مئونته خارج النافذة في أكياس، بل أصبح يحتفظ بها في ثلاجة صغيرة تحت حوض الغسيل، الآن لم تعُد «الزبدة» تذوب، ولا لحم الخنزير يجفُّ .. حتى في شهور الصيف شديدة الحرارة. وبفضل نظام إضاءة ساذج؛ كان يستطيع أن يجلس لقراءة جريدته في ثلاثة أماكن في الغرفة — عند رأس ونهاية السرير، وعند الطاولة — بوضوح، ودون أن يسقط ظلُّه على الصحيفة، ونتيجةً لكل تلك المقتنيات أصبحت الغرفة أصغر حجمًا، كانت تنمو للداخل مثل محارةٍ تَضيق باللؤلؤة. وبكل تلك التركيبات والتجهيزات المعقدة؛ أصبحت تبدو مثل قمرة السفينة، أو كابينة عربة بولمان فاخرة، أكثر منها غرفة بسيطة في «شامبر دي بون»، إلا أنها كانت محتفظة بشخصيتها الفريدة على مدى تلك السنوات؛ كانت وستظل جزيرة الأمان بالنسبة لجوناثان .. واحة سلام في عالمٍ غير آمن .. هي الملجأ والملاذ .. وهي الحبيبة .. نعم! لأنها كانت تستقبله بحضن دافئ عندما يعود كلَّ مساء، توفِّر له الحماية وتمنحه الأمان، وتنعش جسده وروحه .. وهي دائمًا هناك عندما يريدها .. لم تتخلَّ عنه أبدًا. كانت هي الشيء الوحيد الذي يمكن فعلًا الاعتماد عليه في حياته؛ ولذلك لم يفكر لحظةً في أن يتركها .. حتى الآن؛ رغم أنه قد تجاوز الخمسين .. ويجِدُ صعوبةً أحيانًا في صعود ذلك العدد الكبير من دَرَج السُّلَّم، ورغم أنَّ راتبه كان يمكِّنه الآن من استئجار شقة مستقلة بملحقاتها .. مطبخ .. حمَّام .. تواليت … ظلَّ مخلِصًا لمحبوبته، يُقوِّي من روابطه بها وروابطها به، كان يريد أن يجعلها علاقة غير قابلة للقطع طول العمر؛ بأن يشتريها .. وكان قد وقَّع عقدًا بالفعل مع مالكة العقار مدام «لاسال»، وذلك يكلِّفه ٥٥ ألف فرنك (بالعملة الجديدة). دفع منها حتى الآن ٤٧ ألفًا، أمَّا المبلغ المتبقِّي فيُستحق في نهاية العام، وأخيرًا تصبح مِلكًا له، ولن يستطيع أيُّ شيء في العالم أن يفرِّق بينهما — «جوناثان» وغرفته المحبوبة — حتى يفعلها الموت! كانت تلك هي الحال في أغسطس من عام ١٩٨٤ عندما حدثت حكاية الحمامة صباح يوم جمعة. ••• كان «جوناثان» قد استيقظ لتوِّه، وكما يفعل كل صباح وضعَ قَدمه في الشبشب، والروب على كتفيه؛ لكي يذهب إلى الحمَّام المشترَك قبل أن يحلق ذقنه. وقبل أن يفتح الباب وضعَ أذنه على الشراعة، وراح يتنصَّت ليعرف إن كان أحد في الصالة؛ لم يكن يستريح لمقابلة أيِّ ساكن آخر وهو بالبيجامة أو الروب، وبخاصة عندما يكون في طريقه إلى الحمام، ولم يكن لطيفًا أن يجدَ الحمَّام مشغولًا .. أمَّا فكرة مقابلة أيِّ ساكن آخر عند باب الحمام؛ فليست أقلَّ من كابوس أو إزعاجٍ شديد، وقد حدث ذلك الموقف له مرة واحدة في صيف ١٩٥٩، قبل خمس وعشرين سنة. وعندما تذكَّر ذلك أصابته رِعدة شديدة؛ صدمة كل منهما في نفس الوقت عند رؤية الآخر .. الانكشاف المتزامن للستر أثناء مهمة تحتاج إلى خصوصية تامة .. الإقدام والإحجام في نفس اللحظة .. تبادل عبارات المجاملة: تفضَّل .. بعد سيادتك .. لا لا .. بَعدك .. أرجوك .. لستُ في عَجَلة .. أنت أولًا … كلُّ ذلك وأنتَ بالبيجامة! «جوناثان» لا يريد أن يمرَّ بنفس التجربة مرة أخرى؛ ولم يحدث أن مرَّ بها مرة أخرى، وذلك بفضل الوقاية التي تحقِّقها له أذنه عندما يضعها على الباب ويَسترِق السمع. بذلك التنصُّت يمكنه أن يرى من خلال الباب ما يدور في الصالة، كان يعرف كل صوت على الأرض، يستطيع أن يُميِّز الطقطقة من القرقعة من الرقرقة من الخرير من الحفيف .. يعرف الصمت ذاته، والآن عرف وأذنه على الباب للحظتين فقط؛ عرف وتأكَّد له أن لا أحد في الصالة، وأنَّ الحمَّام خالٍ وأنَّ الجميع نيام. أدار قفل الباب بيده اليسرى، وباليُمنى أدار الأُكرة فانزلق اللسان، وجذب الباب بهدوء فانفتح. بمجرد أن وضعَ قَدمه على العتبة رفعَ قدمه، القدم اليسرى. كانت القدم في حالة الخطو .. عندما رآها! قابعة أمام الباب، على مسافة لا تزيد عن ثماني بوصات من العتبة، قابعة في ضوء الفجر الشاحب القادم منعكسًا من النافذة الوحيدة، منكمشة هناك، قَدَماها بمخالبها الحمراء على بلاط الصالة الأحمر، قابعة بريشها الصقيل الأزرق الرمادي: الحمامة! مُميلة رأسها على جانب، وتُحدِّق في «جوناثان» بعينها اليسرى، هذه العين قرصٌ صغير مستدير، بنِّي اللون، مركزه أسود، وكانت نظراتها مرعبة، زِرٌّ صغيرٌ مثبَّتٌ في ريشِ الرأس، لا رموش ولا حواجب .. عينٌ عارية تمامًا .. تنظر إلى العالم بجرأة عارية .. مفتوحة على نحو مخيف .. فيها حذرٌ ومراوغة، وفي نفس الوقت تبدو كأنها ليست مفتوحة ولا حَذِرة ولا مراوِغة .. كأنها بلا حياة .. كأنها عدسة كاميرا تبتلع كل الضوء الخارجي، ولا تسمح لأي شيء بأن يلمع خارج أجزائها الداخلية .. لا رونق ولا وميض ولا لمعان .. عين بلا بصر .. وكانت تحدِّق في «جوناثان». خاف لدرجة الموت — كان يمكن أن يصِفَ اللحظة هكذا فيما بعد — ولكن ذلك لن يكون صحيحًا؛ لأن الخوف لم يأتِ إلا بعد ذلك، كان بالأحرى مذهولًا حتى الموت. توقَّف عند عتبة الباب، ربما لمدة خمس أو ست لحظات — بدت له دهرًا — وكأنه قد تجمَّدت يده على الأُكرة، قدم مرفوعة لكي يخطو خارجًا، ولكنه لا يستطيع الحركة إلى الأمام أو إلى الخلف .. ثم حدثت حركة صغيرة .. ربما تكون الحمامة قد نقلت ثِقْلها من على قدم إلى الأخرى؛ فقد نفشت ريشها قليلًا، وعبَرَتْ جسدَها رعشةٌ سريعة قصيرة على أيَّة حال، وفي نفس اللحظة انطبق الجفنان .. أحدهما من أسفل والآخر من أعلى، لا يُشبهان الأجفان الحقيقية .. إنهما جناحان من المطاط ابتلعا العين، شفتان ظهرتا من اللامكان للحظة .. واختفت العين. الآن فقط شقَّ الخوف طريقه داخل «جوناثان»، وقَفَ شَعره من الرعب، وبِوَثبةٍ واحدة إلى الخلف عاد إلى غرفته، وصفقَ الباب قبل أن تفتح الحمامة عينها. أحكم القفل، ترنَّح الخطوات الثلاث إلى السرير، جلس يرتعد وقلبه يدقُّ بعنف، كان جبينه في برودة الثلج، ومن خلف رقبته وبامتداد عموده الفقري كان يشعر بتدفق العَرَق غزيرًا. كانت أول فكرة تضرب رأسه؛ هي أنه سيصاب بأزمة قلبية .. أو سكتة .. أو على الأقل سيفقد الوعي .. وكان في سِنٍّ ملائمة لذلك كله. راح يفكر؛ بعد الخمسين من الممكن أن يحدث أيُّ شيء من ذلك ببساطة. ترك نفْسَه يسقط على جنبه فوق السرير، وجذب البطانية على كتفيه الباردتين، وراح ينتظر تقلُّصات الألم والطعنة القادمة في منطقة الصدر والكتفين (كان قد قرأ مرة في قاموس الجيب الطبي أنَّ تلك هي الأعراض الأكيدة للأزمة القلبية) أو الغياب التدريجي للوعي. ولكنَّ شيئًا من ذلك لم يحدث. هدأت دقات القلب، وعاد الدم يتدفق منتظمًا في دماغه وأطرافه، ولم تظهر أيَّة علامات أو بوادر للشلل كَتِلك التي تصاحب الأزمة. «جوناثان» يستطيع أن يحرك أصابع يديه وقدميه وأجزاء وجهه، وهذا دليل على أنَّ كل شيء في موضعه من الناحيتين العضوية والعصبية. وبدلًا من ذلك كان رأسه يصطخب بزحام من المخاوف العشوائية، مخاوف أشبه بسِربِ غربانٍ سوداء، صُراخ ورفرفة .. الغربان تنعب: «لقد أُصِبْتَ بها، أنت كبير السِّن وقد أُصِبْتَ بها، تركت نفسك تخاف حتى الموت من الحمامة، هكذا تجعل الحمامة تُعِيدك مندفِعًا إلى غرفتك، تهزمك، تأسرك. ستموت يا «جوناثان»، إن لم يكن الآن فبَعد قليل .. حياتك كلها كانت أكذوبة، خربتها لأنها انتهت على يد حمامة .. لا بدَّ من أن تقتلها، ولكنك لا تستطيع، لا يمكنك قتل ذبابة أو … انتظر! .. نَعَم .. ذبابة ممكن .. وممكن بعوضة .. بَقَّة صغيرة … ولكنك لا تستطيع أبدًا أن تقتل شيئًا له دم دافئ .. كائنًا ذا دم دافئ مثل حمامة لا يزيد وزنها عن رطل .. يمكنك أن تقتل إنسانًا بمسدس .. طاخ .. طاخ … هكذا بسرعة .. مجرد ثقب صغير بحجم ربع بوصة .. هذا مقبول ومسموح به في حال الدفاع عن النفس .. ممكن .. المادة الأولى من التعليمات الخاصة بأفراد الحراسة والأمن المسلَّحين، هذا مطلوب ولا أحد يلومك حقيقةً إذا رميتَ شخصًا، وربما العكس .. لكن حمامة؟! كيف يمكن أن ترمي حمامة؛ إنها تُرفرِف .. الحمامة تفعل ذلك، ولذلك من السهل أن تخطئها، عملٌ شرير أن تقتل حمامة .. ممنوع .. ذلك معناه مصادرة سلاحك .. سلاح الخدمة .. معناه أن تفقد وظيفتك، وينتهي بك المطاف إلى السجن إن أنت قتلت حمامة .. لا .. لا يمكن أن تقتلها! ولكنك لا يمكن أن تعيش معها .. أبدًا .. مستحيل .. لا يمكن لأي إنسان أن يعيش مع حمامة في نفس المنزل؛ الحمامة مثال على الفوضى، فجأةً تَهدِل حولك، حمامة تُنشِب مخالبها فيك، تنقر عينيك. حمامة لا تكفُّ عن إسقاط فضلاتها، ونشرِ رَوْثها، وتوزيع خراب البكتريا والتهاب السَّحايا. حمامة لا تبقى وحيدة؛ لأنها سرعان ما تُغوي غيرها، وهذا بدوره سوف يُؤدي إلى ممارسة جنسية ويتكاثر الحمام .. بسرعة مخيفة .. حمام كثير سيحاصرك، ولن يكون باستطاعتك أن تخرج من غرفتك مرة أخرى .. ستموت جوعًا، وتختنق بِبِرازِك؛ ويكون عليك أن تلقي بنفسك من النافذة، وتسقط محطَّمًا على الرصيف .. لا! أنت جبان .. ستظل حبيس غرفتك وتصرخ طلبًا للنجدة، ستصرخ وتطلب الإطفائية؛ لكي يُحضروا سُلَّمًا لإنقاذك .. من حمامة؟! ستصبح أضحوكة البناية .. أضحوكة الحيِّ كله .. سوف يهتفون وهم يشيرون إليك بالأصابع: «انظروا كيف يبدو مسيو «نويل»! .. انظروا، لقد أنقذوا مسيو «نويل» من حمامة!» وسوف يُدخِلونك مصحةً نفسية: آه يا «جوناثان»! .. «جوناثان»! .. حالتك ميئوس منها .. وأنت إنسان ضائع يا «جوناثان».» .. كانت تلك هي الصرخات والتشوُّش والنعيب الذي يصطخب في رأسه، وكان «جوناثان» في حيرة ويأس وبؤس لدرجةٍ جعلتْه يأتي شيئًا لم يأتِه منذ الطفولة: وهو في تلك الحال من الكرب العظيم؛ شبَّك ذراعيه وراح يُصلِّي .. صلَّى: «يا إلهي .. لماذا تخلَّيت عني؟ لماذا تُعاقِبني هكذا يا رب؟ أبانا الذي في السماء .. أنقذني من هذه الحمامة .. آمين.» لم تكن تلك صلاةً بالمعنى المعروف، ما قاله كان أشبه بلَعثمةٍ وخليط وبقايا عِباراتٍ استدعاها من تعليمه الديني الباكر، ورغم ذلك فَقَدْ ساعدته؛ لأنها كانت تتطلَّب قَدرًا من التركيز الذهني، وهكذا طردَ تشوُّشَ أفكاره. شيء آخر ساعده بدرجةٍ أكبر؛ لم يَكَدْ يُكمل صلاتَه حتى شعر بحاجة ملِحَّة للتبول، عندما اكتشف أنه سيُوسِّخ السرير الذي يرقد عليه والمرتبة الجميلة أو السجادة الرمادية إذا لم ينجح في أن يجِدَ وسيلة أخرى في خلال لحظات .. أعاده ذلك لنفسه تمامًا، فقامَ وهو يئِنُّ .. نظرَ ناحية الباب نظرةً يائسة؛ فهو لا يستطيع أن يمرَّ منه، حتى ولو كان ذلك الطائر الملعون قد مضى؛ لن يستطيع أن يذهب إلى الحمام .. خطا في اتجاه الحوض، فتحَ الروب، أنزل الجزء الأسفل من البيجامة، فتح الحنفية وتبوَّل في الحوض. لم يكن قد فعل شيئًا كهذا من قبل، الفكرة في حد ذاتها كانت مرعبة .. أن يتبوَّل في حوض الغسيل الأبيض الجميل الذي يُستخدم للنظافة الشخصية وغسيل الصحون! لم يَدُر بفكره ولا بخياله أبدًا قبل ذلك أنه سيهبط إلى هذا الدَّرْك، لم يفكر أبدًا أنه سيجد نفسه يومًا ما مُجبَرًا على إتيان مثل ذلك الفعل الدنِس! ولكنه .. وهو يراقب بَوْلَه ينساب الآن، ويتدفَّق بسلاسة، ودون أيَّة صعوبة، مختلطًا بماء الصنبور، ويُقرقِر في ماسورة الصرف؛ كان يشعر بالتخفُّف اللذيذ من ضغط مثانته، وفي نفس الوقت كانت الدموع تَطفِر من عينيه خجلًا مما يحدث .. وبعد أن قضى حاجته؛ ترك الماء ينساب لبعض الوقت، ثم غسل الحوض جيدًا بسائل مُطهِّر قادر حتى على إزالة كل ذَرَّة من الحماقة التي ارتكبها .. وتمتمَ لنفسه: «مرةً واحدة لا تُعتبر شيئًا.» وكأنه يعتذر لحوض الغسيل وللغرفة، أو لنفسه: «مرة واحدة .. بسيطة! لا يهمُّ .. فقد كان ظرفًا طارئًا .. ولن يحدث مرة أخرى .. بالتأكيد.» هو الآن أكثر هدوءًا، الجهد الذي بذَلَه في التنظيف وفي إعادة زجاجة المُطهِّر إلى مكانها وعَصْر السجادة — وجميعها مهارات مُدرَّب عليها — أعاد إليه الروح العملية. نظر إلى ساعته؛ كانت قد تجاوزت السابعة والربع بقليل. في السابعة والربع عادةً يكون قد انتهى من حلاقة ذقنه وترتيب السرير. ولكن التأخير؛ في الحدود المسموح بها. كما أنه يمكنه تعويض ذلك بالاستغناء عن الإفطار، ولو أنه استغنى عن الإفطار — هكذا حسب الوقت — يمكن أن يكون هناك قبل موعده المعتاد بسبع دقائق. أهم شيء هو أن يغادر الغرفة في الثامنة وخمس دقائق على الأكثر؛ ليكون في البنك في الثامنة والربع .. ولكن كيف يفعل ذلك؟ لا يعرف بَعدُ. ولكنَّه على أيَّة حال؛ أمامه خمس وأربعون دقيقة .. وهذا وقتٌ كافٍ. خمس وأربعون دقيقة .. وقتٌ طويل؛ عندما تكون قد قابلتَ الموت عينًا لِعَينٍ لِتَوِّك، ونجوتَ من أزمة قلبية بصعوبة، الوقت يصبح طويلًا عندما لا تكون تحت ضغطِ مثانةٍ على وشْك الانفجار! القرار الأول إذن هو أن يتصرَّف كأنَّ شيئًا لم يكن، أن يستمرَّ في أداء طقوسه الصباحية المعتادة .. ملأ حوض الغسيل بالماء الساخن، وحلقَ ذقنه، وبينما هو يحلق كان مشغولًا بأفكار مرهِقة؛ قال لنفسه: «جوناثان نويل! .. لقد حاربتَ في الهند الصينية لمدة عامين، وواجهتَ مواقف خَطِرةً كثيرة هناك، لو أنك استجمعتَ كل شجاعتك وذكاءك الفطري، لو سلَّحتَ نفسك كما ينبغي، ولو حالفك الحظ؛ سوف تنجح في الخروج من الغرفة، ولكن ماذا لو نجحتَ؟! ماذا حتى لو انتصرتَ على ذلك الطائر المرعِب الرابض عند بابك، ومضيت إلى السُّلَّم دون أن يُصيبك أذًى، ووجدت نفسك بعيدًا عن طريق الضرر؟ ستذهب إلى عملك، ستُمضي اليوم دون متاعب، ثم ماذا بعدُ؟ أين ستذهب في المساء؟ وأين ستقضي ليلتك؟» ولأنه نجا مرة؛ لا يريد أن يواجه الحمامة مرة أخرى، لن يعيش مع تلك الحمامة تحت سقفٍ واحد أبدًا، ولا يومًا واحدًا، ولا ليلةً واحدة .. ولا ساعةً واحدة .. كان ذلك قد تقرَّر وبشكل نهائي، عليه إذن أن يكون مستعدًّا لقضاء الليلة وربما الليالي التالية في مكان آخر .. مكان يؤويه .. في بيت يقدِّم الطعام والمَنامة بمقابل، معنى ذلك أنه لا بدَّ من أن يحمل معه ماكينة الحلاقة وفرشاة الأسنان وغيارًا داخليًّا … إلى جانب أنه قد يحتاج إلى دفتر الشيكات ودفتر التوفير أيضًا من باب الاحتياط، كان يوجد في حسابه الجاري مبلغ ١٢٠٠ فرنك، وهو مبلغ يكفي أسبوعين .. هذا إذا وجد فندقًا رخيصًا. وإذا كانت الحمامة ما زالت تعترض طريقه إلى غرفته؛ فسيكون عليه أن يلجأ إلى مدخراته. في دفتر التوفير ستة آلاف فرنك، مبلغ كبير، يمكن أن يقيم في فندق عدة شهور بالاعتماد على ذلك. إلى جانب أنه سيظل يتسلَّم راتبه الشهري، وقدره ثلاثة آلاف وسبعمائة فرنك في الشهر؛ ويحصل على بيت. من ناحية أخرى عليه أن يدفع لمدام «لاسال» ثمانية آلاف فرنك في نهاية العام، وهو القسط الأخير من ثَمَن هذه الغرفة، هذه الغرفة التي لن يعيش فيها بعد ذلك؛ كيف يمكن أن يشرح لمدام «لاسال» رجاءه بتأجيل هذا القسط الأخير؟ لا يمكن أن يقول لها: «مدام .. لا أستطيع أن أسدِّد القسط الأخير، وقدره ثمانية آلاف فرنك؛ حيث إنني أُقيم في أحد الفنادق منذ عدة شهور؛ لأن الغرفة التي أنوي أن أشتريها منكِ تُحاصِرها حمامة!» .. صعب جدًّا أن يقول ذلك. هل يستطيع أن يقول ذلك؟ ثم تذكَّر أنه ما زال لديه خمس قطع ذهبية .. نابليون، قيمة كلٍّ منها ستمائة فرنك تقريبًا، كان قد اشتراها خوفًا من التضخم أثناء الحرب الجزائرية في سنة ١٩٨٥؛ يجب ألَّا ينسى بأيَّة حال من الأحوال أن يأخذها معه. ولديه سوار كان لأمِّه، وكذلك الراديو الترانزستور، وقلم حبرٍ جاف مطلي بالفضة كان قد حصل عليه هدية مثل كل عملاء البنك بمناسبة عيد الميلاد. لو باع كل تلك الكنوز الثمينة؛ يمكنه — إذا اقتصد في إنفاقه جيدًا — أن يُقيم في فندق حتى نهاية العام، ويدفع لمدام «لاسال» الثمانية آلاف فرنك. بعد الأول من يناير سيكون أفق التوقعات أفضل؛ فالغرفة ستكون قد أصبحت مِلكًا له، ولن يكون مطالَبًا بدفع إيجار، وربما تموت الحمامة قبل حلول الشتاء. تُرى كم عمر الحمامة؟ سنتان؟ ثلاث؟ عشر سنوات؟ وماذا لو كانت حمامة عجوزًا؟ ربما ماتت هذا الأسبوع! ربما اليوم! ربما لم تأتِ إلى هنا إلا لكي تموت! بمجرد الانتهاء من حلاقة ذقنه صرفَ ماء الحوض، ثم نظَّفه، ثم ملأه مرة أخرى وغسلَ جذعه وقدميه ونظَّف أسنانه بالفرشاة، ثم صرفَ ماء الحوض ومسحَه بقطعة قماش، بعد ذلك رتَّب السرير. كانت تحت الخزانة حقيبة من الكرتون، يضع فيها ملابسه المستعملة التي يحملها إلى المغسلة مرة كل شهر، جذبها، أفرغ محتوياتها على السرير، نفْس الحقيبة التي كان قد سافر بها من «شارنتون» إلى «باريس» في سنة ١٩٤٥. والآن عندما رأى تلك الحقيبة نائمة على سريره، وعندما بدأ يحشوها بثيابه النظيفة وليس المستعملة .. حذاء، ملابس داخلية، المكواة، دفتر الشيكات، وكل كنوزه الثمينة، كأنه ذاهب في رحلة؛ طفرت الدموع من عينيه، لم تكن هذه المرة دموع الخجل .. كانت دموع اليأس التام. بدا له الأمر وكأنه قد ارتدَّ — بقوة — ثلاثين عامًا إلى الخلف، كأنه فقدَ ثلاثين عامًا من عمره. عندما انتهى من تعبئة الحقيبة؛ كانت الساعة قد أصبحت الثامنة إلا ربعًا. ارتدى أولًا زِيَّه الرسمي: البنطلون الرمادي، القميص الأزرق، والجاكت الجِلد، وحزام جلد به قِراب مسدس، وقبعته الرسمية الرمادية؛ بعد ذلك تسلَّح لمواجهة الحمامة. أكثر ما كان يُقزِّزه فكرة أيِّ احتكاك جسدي، أيِّ تلامس بينهما .. كأنْ تنقر رجله، أو تُرفرِف بالقرب منه وتضرب يديه أو رقبته بجناحيها، أو ربما حطَّت فوقه بقدميها المُفلطَحتين اللَّتَينِ تشبهان المخالب؛ لذلك لم يلبس حذاءه الخفيف، بل ذلك الحذاء الثقيل المبطَّن بالصوف، والذي كان يلبسه عادةً في شهري يناير وفبراير، ثم دثَّر نفسه بجاكت شتوي، وأحكم أزراره من أعلى إلى أسفل، ولفَّ حول رقبته كُوفيَّة تُغطِّي ذقنه، وحمى كفَّيه بقفازٍ جلدي مبطَّن، وحملَ في يده اليُمنى مظلَّة. وفي الساعة الثامنة إلا سبع دقائق — وهكذا بدا مُجهَّزًا — كان يقف مستعِدًّا لمحاولة التجرُّؤ والخروج من غرفته. خلعَ القبعة الرسمية، ووضعَ أذنه على الباب؛ لا يسمع شيئًا. وضعَ القبعة على رأسه ثانيةً، ثبَّتها جيدًا فوق جبينه، حملَ حقيبته ووضَعَها بالقرب من الباب؛ لكي تكون جاهزة. ولكي تبقى يده اليُمنى حرَّة؛ علَّق المظلة على معصمه. أمسك الأُكرة بيده اليُمنى، والقفل بيُسراه، وأزاح المزلاج، ووارب الباب، ثم نظر بحذر؛ لم تكن الحمامة جاثمة أمام الباب على البلاط. وفي نفس المكان الذي كانت رابضة فيه؛ لا يرى سوى بقعة خضراء في لون الزُّمُرُّد لها حجم قطعة الخمس فرنكات، وريشة بيضاء من الزغب الدقيق اهتزَّت قليلًا بفعل التيار الذي أحدثته فُرْجَة الباب. ارتجف «جوناثان» متقزِّزًا، كان بِوُدِّه أن يُغلق الباب .. يصفقه .. كانت غرائزه تنسحب عائدةً إلى أحضان الأمان .. إلى غرفته بعيدًا عن الرعب الموجود خارجها، ولكنه لاحظ أنها لم تكن بقعة واحدة .. هناك غيرها كثير .. في كل القطاع الذي يمكن أن يُغطِّيه بصره من الصالة .. كانت تلك البقع اللامعة .. الخضراء كالزُّمُرُّد؛ متناثرةً في كل الأنحاء. لكن ما حدث على وجه الدِّقة؛ هو أنَّ اشمئزاز «جوناثان» لم يتزايد. على العكس؛ شعر بالاضطرار إلى المقاومة. ربما كان قد فكَّر في الانسحاب قبل رؤية البقعة الأولى وتلك الريشة الوحيدة، وكان يمكن أن يُغلق الباب وينتهي الأمر، إلا أنَّ تلويث الحمامة لكل الصالة — انتشار هذه الظاهرة الملوثة — حشَدَ شجاعته، ففتح الباب على مصراعيه. والآن رأى الحمامة، كانت جاثمة ناحية اليمين على بُعد خمسة أقدام تقريبًا .. عند نهاية الممر .. مُنكمِشةً على نفسها في ركن، كان ضوء خفيف يسقط على البقعة. وألقى «جوناثان» نظرة سريعة إلى تلك الناحية، ولكنه لم يتأكد إن كانت الحمامة نائمة أم مستيقظة، وإن كانت عينها مفتوحة أو مُغمَضة .. ولم يكن يريد أن يعرف. كان قد قرأ ذات مرة في كتابه عن الحيوانات الاستوائية أنَّ هناك حيوانات معيَّنة غير أنواع القردة العليا؛ يمكن أن تُهاجمك لمجرد أنك نظرت إليها، أمَّا إذا تجاهلتها فإنَّها تتركك في حالك، وربما كان ذلك ينطبق على الحمام أيضًا. على أيَّة حال؛ قرَّر «جوناثان» أن يتصرَّف وكأنَّ الحمامة ليست موجودة .. أو على الأقل لا ينظر إليها أكثر من ذلك. زحزح الحقيبة ببطء إلى الممر، كان يحركها بين البقع بحذر وانتباه، ثم فتح المظلة، وأمسك بها بيده اليسرى أمام صدره ووجهه مثل الدرع الواقية. تقدَّم في الممر وهو يُناور ويُحاذر من البقع الخضراء المتناثرة أمامه على الأرض .. ثم جذب الباب خلفه وأغلقه. ورغم كل نواياه بأن يتصرَّف وكأن شيئًا لم يكن، إلا أنَّ الخوف عاد إليه وراح قلبه يدقُّ بشدَّة في حلقه. وعندما عجز عن أن يُخرج المفتاح بسرعة من جيبه بإصبعه المغطَّاة بالقفاز؛ بدأ يرتعد من التوتر، لدرجة أنَّ المظلَّة سقطت من يده، وعندما حاول أن يمدَّ يده اليُمنى لكي يلتقطها ويُعلِّقها على كتفه وخدِّه؛ وقع المفتاح على الأرض بجوار بقعة خضراء، لا يفصله عنها بالكاد إلا شعرة، وكان عليه أن ينحني ليأخذه. وبمجرد أن قبض عليه بشدة؛ كان مرتبِكًا لدرجة أنه حاول ثلاث مرات أن يضعه في ثُقب الباب، وأخطأ في المرات الثلاث .. حتى نجح أخيرًا في أن يضع المفتاح في الثقب وأداره دورتين. في تلك اللحظة، خُيِّل إليه أنه قد سمع رفرفةً خلفه .. أم تراها كانت المظلة وهي تحفُّ بالحائط؟ ولكنه عندما سمعها مرة أخرى؛ بكل تأكيد .. رفرفة أجنحة .. أصابه الفزع، انتزع المفتاح من الثقب، وانتزع الحقيبة، وعدا مُسرِعًا. كانت المظلة المرفوعة تحكُّ بالحائط، والحقيبة ترتطم بأبواب الغرف الأخرى. وفي وسط الصالة كان غطاء النافذة مفتوحًا؛ فاصطدم به في طريقه، ومرَّ من المكان الضيق جاذبًا المظلة بعنف، لدرجة أنَّ القماش المفتوح تمزَّق، ولكنه لم يعبأ بذلك — لا شيء يهمُّ — كان يريد أن يخرج من هنا .. يخرج فقط .. ولا أكثر! عندما وصل إلى بسطة السُّلَّم توقَّف لحظةً ليقفل تلك المظلة المعوِّقة، ويُلقي نظرةً خلفه: أشعة شمس الصباح اللامعة تأتي من النافذة حافرة، كتلة من الضوء حادة الحواف في الظلال المُعتِمة للممر؛ كان من الصعب أن يرى من خلالها. وعندما حدَّق فقط وأجهد عينيه لكي يرى .. اكتشف أنَّ الحمامة — وكانت على يمينه مباشرة — قد انتقلت من الركن المظلم، وتقدَّمت بخطوات قليلة سريعة إلى الأمام، ثم استقرت ثانية .. أمام باب غرفته مباشرة. استدار، جسمه كله تلتهمه قشعريرة، نزل على السُّلَّم، في تلك اللحظة كان متأكدًا أنه لن يستطيع العودة. ••• مع كل درجة من درجات السُّلَّم كان يزداد هدوءًا، على بسطة الدور الثالث أطلقت موجةٌ حارَّة مفاجِئة عِنان وَعْيه بأنه كان يرتدي جاكت شتويًّا وكُوفِيَّة وحذاء مُبطَّنًا بالفراء. وفي أيَّة لحظة قد تخرج خادمة؛ تكون في طريقها للتسوُّق من أيِّ باب خلفي من الأبواب المُوصِلة بين مطابخ الشقق الأنيقة والسُّلَّم، أو أن يكون المسيو «ريجو» يضع زجاجات النبيذ الفارغة، أو — وهذا هو الأسوأ — أن تكون مدام «لاسال» نفسها قد استيقظت لسبب ما، وهي عادةً تستيقظ مبكرًا، وها هي رائحة القهوة على السُّلَّم، وقد يكون الباب الخلفي لمطبخها مفتوحًا، وقد يجِدُ «جوناثان» نفسه واقفًا أمامها على السُّلَّم، في تلك الحالة الشتوية الغريبة .. في ضوء شمس أغسطس القوية. وهو لن يستطيع أن يخرج من الموقف المُحرِج الذي يسبِّبه هذا المنظر الغريب .. لا بدَّ أن يجِدَ تفسيرًا لذلك .. ولكن كيف؟ لا بدَّ من أن يخترع كذبة .. لكن أيَّة كذبة؟ لن يكون هناك أيُّ تفسير لظهوره في تلك الهيئة .. سوف يعتقد الناس أنه مخبول، ربما كان مخبولًا بالفعل! وضع حقيبة ملابسه على الأرض، أخرج منها الحذاء الخفيف، وبمنتهى السرعة .. القفاز والجاكت والكُوفِيَّة، لبس الحذاء الخفيف، وضع الحذاء الثقيل والقفاز والكُوفِيَّة في الحقيبة، وألقى الجاكت على ذراعه. والآن؛ فإنَّ وجوده — كما يعتقد — يمكن أن يكون مبرَّرًا أمام أيِّ إنسان، وعند الضرورة يمكن أن يزعم أنه كان يحمل ثيابه المستعمَلة إلى المغسلة، والجاكت للتنظيف الجاف، ومع شعور شديد بالارتياح .. واصل نزول السُّلَّم. في الفناء الخلفي قابل حارسة البناية المسئولة عن نظافتها وهي تدفع صناديق القمامة الفارغة على عربتها الصغيرة، فجأةً شعر بأنه قد اكتُشف متلبِّسًا. ترنَّحتْ خطواته، لم يستطع أن يختبئ في بئر السُّلَّم؛ فقد رأته بالفعل .. ولذا لا بدَّ أن يستمر. قالت وهو يمرُّ من أمامها بخطوات سريعة متعمَّدة: «نهارك سعيد يا مسيو نويل.» ردَّ: «نهارك سعيد يا مدام «روكار».» لم يُخاطِبَا بعضهما بأكثر من ذلك أبدًا على مدى عشر سنوات — طوال حياته في هذا المبنى — لم يقل لها أكثر من «نهارك سعيد يا مدام.» أو «شكرًا يا مدام.» عندما كانت تُسلِّمه بريده. لم يكن لديه أيُّ شيء ضدها، وهي لم تكن شخصًا سيئًا، لم تكن تختلف عن سابقتها في شيء .. ولا عن السابقة على سابقتها. ومثل جميع البوابين؛ لم يكن من السهل تحديد عمرها: كانت بين أواخر الأربعينيات وأواخر الستينيات. ومثل جميع البوابين؛ كانت مِشيتها متثاقلة، هيئتها بدينة، ملامح وجهها دوديَّة، ورائحتها عفنة. عندما لا تكون مشغولة بنقل صناديق القمامة لتفريغها أو إعادتها، أو بتنظيف السُّلَّم، أو تشتري شيئًا بسرعة؛ كانت تجلس في ضوء لمبة فلورسنت في غرفتها في الممر بين الشارع والساحة تاركةً جهاز التلفزيون مفتوحًا، تَخيط شيئًا، أو تكوي، أو تطبخ. وتسكر بنبيذٍ أحمر رخيص، كما يفعل كل البوابين. لم يكن لديه أيُّ شيء ضدها، كان في نفسه شيء من كل البوابين بشكلٍ عام؛ وذلك لأنهم يقومون بمراقبة الآخرين لأسبابٍ مهنية. ومدام «روكار» — على نحوٍ خاص — كانت شخصًا يقوم بمراقبته بصفة دائمة .. تراقب «جوناثان» بالتحديد .. كان من المستحيل أن تمرَّ أمامها دون أن تلحظ ذلك .. ولو كان ذلك لِلَمحةٍ خاطفة .. حتى عندما كانت تجلس في غرفتها وهي نائمة على الكرسي — كما كان يحدث في الساعات الأولى بعد الظهيرة وبعد وجبة العشاء — كان أقلُّ صريرٍ يَصدر عن باب المدخل يكفي لإيقاظها؛ لكي تلحظ الشخص الذي يمر. لم يراقب أحد في العالم مسيو «جوناثان» غالبًا، وبدِقَّةٍ مثل مدام «روكار»، لم يكن لديه أصدقاء، يمكن أن نقول: إنه كان في البنك جزءًا من الموجودات .. من العُهْدة .. كان العملاء يعتبرونه ديكورًا .. وليس شخصًا. في السوبر ماركت، في الشارع، في الباص (ولكن متى كان في الباص؟) يبقى مجهولًا بسبب الزحام من حوله. الاستثناء الوحيد هو مدام «روكار» التي كانت تعرفه، وتتفحَّصه، وتوليه اهتمامًا جادًّا مرتين على الأقل في اليوم الواحد؛ وهكذا كانت قادرة على الحصول على معلومات شخصية ومهمَّة عن أسلوب معيشته: الملابس التي يرتديها، كم مرةً يُغيِّر قميصه في الأسبوع؟ إن كان قد غسل شعره، ماذا أحضر معه للعشاء؟ .. هل وصلته خطابات؟ .. ومِمَّن؟ ورغم أنَّ «جوناثان» — كما قلنا — لم يكن يحمل أيَّ شيء ضد مدام «روكار»، ورغم أنه كان يعرف جيدًا أنَّ نظراتها الحمقاء لم تكن نابعة من أيِّ فضول، وإنَّما من شعور بواجب مهني؛ إلا أنه كان يشعر بتلك النظرات تنزل عليه مثل تقريعٍ أو تأنيبٍ أخرس. وفي كل مرة يمرُّ أمامها — حتى بعد كل تلك السنوات — كان يشعر بالضيق والضجر. لماذا، بحقِّ الجحيم، تراقبني هكذا؟ لماذا تتفحَّصني هكذا ثانيةً؟ لماذا لا تتركني مرةً واحدةً لشأني ولا تتأمَّلني؟ لماذا فضول البشر؟ ولأنه كان في هذا اليوم شديد الحساسية وضَجِرًا — مع أخذ كل ما حدث في الاعتبار — فإنه كان يعتقد أيضًا أنَّ قمة البؤس هو أن يراه أحدٌ وهو يحمل تلك الحقيبة، وذلك الجاكت الشتوي .. أمَّا نظرات مدام «روكار» فكانت موجِعة على نحو خاص. وفوق كل شيء فإنَّ تحيَّتها له «نهارك سعيد يا مسيو نويل.» كانت تبدو له قمةَ السخرية. انفجرت ثورة الغضب التي كانت حتى الآن مكبوحة بداخله؛ فأتى شيئًا غير مسبوق: توقَّف بمجرد أن مرَّ من أمام مدام «روكار»، وقَفَ، وضَعَ الحقيبة، وضَعَ الجاكت عليها واستدار .. استدار بحِدَّة وهو يحاول أن يواجه صفاقة نظرتها وتحيَّتها بشكلٍ نهائي. لكنه لا يعرف ماذا يمكن أن يفعل أو يقول وهو متَّجِهٌ نحوها؟ كل ما يعرفه هو أنه لا بدَّ أن يفعل شيئًا .. أن يقول شيئًا. تكسَّرت موجة شجاعته وحَمْلته نحوها .. كانت شجاعة بلا حدود، أمَّا هي فكانت قد انتهت من إعادة صناديق القمامة إلى أماكنها، وعلى وشك التوجُّه نحو غرفتها عندما وجدها أمامه في وسط الفناء، توقَّفا .. وبينهما مسافة قدمين تقريبًا، لم يكن قد سبق له أن رأى وجهها بملامحه الدودية من على هذا القرب: جلد خدَّيها المنتفخين يبدو ناعمًا ورقيقًا مثل الحرير القديم الرقيق، والعينان بنِّيتان، تنظر إليهما عن قرب فلا تجِدُ فيهما أيَّ أثرٍ للفضول .. وبدلًا من ذلك؛ تكشفان عن إحساسٍ ناعم، فيه خَفَرُ العذارى. ولكن «جوناثان» لم يسمح لتلك التفاصيل — التي كانت تتعارض مع صورة مدام «روكار» بداخله — أن تزعجه، ثم وهو يُضيف لمسةً رسمية إلى مسلكه؛ نقَرَ على قبعته الرسمية بطريقة لا تخلو من استهانة، وقال: مدام .. أريد أن أتكلم معكِ (لم يكن يعرف حينذاك ما يريد أن يقول)؛ ردَّت مدام «روكار» بلفتة أعادت رأسها إلى الخلف: «نعم يا مسيو نويل.» كان «جوناثان» يفكر: إنها تشبه الطائر. ثم كرر خطابه الساخر: «مدام .. أريد أن أقول لكِ …» كان يريد فقط أن يجعلها تستمع إليه. ولدهشته؛ فإنَّ قوة الغضب الدافعة اتخذت شكلًا عفويًّا: «مدام .. يوجد طائر على باب غرفتي.» ثم بعد ذلك حدَّد كلامه: «حمامة يا مدام .. على البلاط أمام بابي.» عند هذه النقطة فقط استطاع أن ينجح في ترويض دفعة الكلمات القادمة من لاوعيه ويُوجِّهها وجهة خاصة مع إضافة: «الحمامة يا مدام قد لوَّثت الممر في الدور السابع ببقاياها.» نقلت مدام «روكار» ثِقْلها عدة مرات من ساق إلى أخرى، وألقت برأسها إلى الخلف أكثر مما سبق، وقالت: «ومن أين جاءت الحمامة يا مسيو؟» – لا أعرف، ربما قد دخلت من شبَّاك الصالة، الشبَّاك مفتوح، مع أنه لا بدَّ أن يكون مغلقًا باستمرار .. وهذا جزء من تعليمات المنزل. قالت: ربما يكون أحد الطلبة قد فتحه بسبب الحر الشديد. – ربما! .. ولكنه يجب أن يظل مغلقًا، وبخاصة في الصيف. لو هبَّت عاصفةٌ فقَد تُغلقه بشِدَّة ويتحطَّم، لقد حدث ذلك مرة في صيف ١٩٦٢، وتكلَّف حينذاك مائة وخمسين فرنكًا لاستبدال لوح الزجاج، ومنذ ذلك وتعليمات المنزل … كان يُدرك بالتأكيد أنَّ هناك شيئًا غريبًا في إشارته المستمرة لتعليمات المنزل، ولم يكن مهتمًّا على الإطلاق بكيفية دخول الحمامة، والحقيقة أنه لم يكن يريد أن يدخل في تفاصيل عن الحمامة، فتلك مشكلة لا تُهِمُّ أحدًا سواه. كان يريد فقط أن يجدَ متنفَّسًا لغضبه من نظرات مدام «روكار» ولا أكثر، وقد تحقَّق ذلك بالعبارات الأولى التي نطق بها، الآن هدأ غضبه. ولم يعرف كيف يستمرُّ أو يُواصل؟ .. قالت مدام «روكار»: لا بدَّ أن يقوم أحد بمطاردة الحمامة وإغلاق الشبَّاك. قالت ذلك وكأنَّ ذلك أبسط أمر في الحياة، وكأنَّ كل شيء سوف يعود إلى طبيعته. ظلَّ «جوناثان» صامتًا، وبنظرة سريعة واحدة وجَدَ نفسه واقعًا في فخ الشرج البنِّي لعينيها، كأنه يواجه خطر الغرق في مستنقعٍ بنِّي لين، وكان لا بدَّ من أن يُغمض عينيه لحظة لكي يخرج منه .. وأن يتنحنح ويُسلِّك زَوْره ويجِدَ صوته مرة أخرى. بدأ: «في الحقيقة.» وراح يتنحنح مرة أخرى: «لا شيء هناك سوى بعض البقع، وهذا أسوأ ما في الأمر .. وبعض الريش … لقد لوَّثت الممر .. هذه هي المشكلة الرئيسة.» قالت مدام «روكار»: الممر سوف يُنظَّف بالتأكيد يا مسيو «نويل»، ولكن لا بدَّ أن يقوم أحد بمطاردة الحمامة أولًا؛ «نعم .. نعم! ..» وراح يفكر: «ماذا تريد؟ لماذا تقول أنَّ أحدًا لا بدَّ أن يقوم بمطاردة الحمامة؟ ربما تقصد أنني الذي يجب أن يفعل ذلك؟» وكان يتمنى لو أنه لم يقترب من مدام «روكار»، ولم يُحادثها في الأمر! «نعم .. نعم .. لا بدَّ من مطاردتها، كان يمكن أن أقوم بذلك ولكنِّي لم ألحق بها، وأنا في عَجَلة كما ترين .. أحمل ملابسي اليوم للمغسلة، وكذلك الجاكت الشتوي للتنظيف الجاف، والملابس للغسيل، ثم أذهب إلى عملي. أنا في عَجَلة يا مدام؛ لذا لم يكن هناك وقت لمطاردة الحمامة، كل ما أردته هو أن أُخبرك بذلك، وخاصة بسبب البقع، المشكلة الرئيسة هي أنَّ الحمامة قد لوَّثت الممر، وهذا ضد تعليمات المنزل: تعليمات المنزل تقضي بأنَّ المدخل والممر والسُّلَّم؛ لا بدَّ أن تكون كلها نظيفة في كل وقت.» «جوناثان» لا يتذكَّر أنه قد واصل مثل هذا الحوار الأخرق مع أحد قبل ذلك. وبدَت له كذباته واضحة جدًّا، والحقيقة الوحيدة التي يبدو أنَّ كذبه كان يُخفيها — أنه لن يكون قادرًا أبدًا على طرد الحمامة، وأنَّ الحمامة هي التي تطارده منذ فترة طويلة — كانت واضحة جدًّا وبشكل مزعج. وحتى إذا لم تكن مدام «روكار» قد اكتشفت هذه الحقيقة بين كلماته، فلا بدَّ أنها تستطيع أن تقرأ ذلك على وجهه؛ فقد احمرَّ وتدفَّق الدم إلى دماغه، واشتعلت وجنتاه خجلًا. ولكن مدام «روكار» تتصرَّف في الحقيقة وكأنها لم تلحظ شيئًا (وربما لا تكون قد لاحظت شيئًا)، وقالت: «شكرًا يا مسيو على هذه المعلومات، وسوف أهتم بالأمر عند أقرب فرصة.» ثم خفضت رأسها واستدارت بجواره مُتَّجِهة إلى المرحاض الخارجي الملاصق لغرفتها لكي تختفي هناك. راقبها وهي تختفي. لو كان لديه أيُّ أمل في أن ينقذه شيء من الحمامة؛ فإنَّ هذا الأمل قد ضاع مع رؤية مدام «روكار» وهي تختفي في المرحاض، قال لنفسه: إنها لن تهتم بشيء بالمرة، ولماذا تشغل بالها؟ إنها مجرد بوَّاب، ووظيفتها هي كنس السُّلَّم والمدخل والممر وتنظيف الحمَّام المشترَك مرة في الأسبوع، وليس مطاردة الحمَام. ثم إنها بحلول المساء على الأكثر ستكون قد سكِرَت من أثر «الفيرموت»، ونسيت الموضوع كله .. هذا إن لم تكن قد نسيته فعلًا! ••• في الثامنة والربع تمامًا كان «جوناثان» في البنك، قبل نائب الرئيس بخمس دقائق بالضبط، وصل مسيو «فيلمان» ومدام «روك» رئيسة الخزينة، فتحا معًا أبواب الدخول: «جوناثان» فتح البوابة الخارجية المتحركة، ومدام «روك» فتحت الباب الزجاجي الخارجي المضاد للرصاص، ومسيو «فيلمان» الباب الداخلي. بعد ذلك قام مسيو فيلمان وجوناثان بإبطال جهاز الإنذار بمفتاحين معهما، «جوناثان» ومدام «روك» فتحا باب الحريق المؤدِّي إلى الطابق السفلي، واختفت مدام «روك» ومسيو «فيلمان» في السرداب لفتح الخزانة بالمفاتيح الخاصة بها. وفي نفس التوقيت كان «جوناثان» يضع الحقيبة والمظلة والجاكت في خزانته الصغيرة بجوار التواليت، ثم أخذ مكانه عند الباب المضاد للرصاص، وسمح للموظفين بالدخول. وكانوا يدخلون واحدًا تلو الآخر بالضغط على زرين يفتحان البابين بالتناوب مثل الصمامات التي تحكم تدفق الماء. بحلول التاسعة إلا ربعًا كان جميع الموظفين قد وصلوا واحتلَّ كل منهم موقعه خلف الكاونتر، وفي قسم المحاسبة، والمكاتب الأخرى. وترك «جوناثان» البنك ليأخذ موقعه على السُّلَّم الرخامي أمام الباب، الآن بدأت واجباته الحقيقية. الآن .. ومنذ ثلاثين عامًا من التاسعة صباحًا إلى الواحدة بعد الظهر، ومن الثانية والنصف بعد الظهر إلى الخامسة والنصف مساءً؛ لم تكن واجباته تتضمَّن أشياء كثيرة. إمَّا أن يقف جوناثان ساكنًا أمام المدخل، أو يتحرَّك جيئةً وذهابًا في خطوات محسوبة على الدرجات الرخامية الثلاث في حَوالَي التاسعة والنصف. وبين الرابعة والنصف والخامسة؛ كانت هناك فترة راحة قصيرة تتزامن مع وصول وانصراف سيارة مسيو «رويدل» الليموزين السوداء. كان ذلك معناه أن يترك موقعه على السُّلَّم ويجري الاثنتي عشرة ياردة بامتداد مبنى البنك حتى بوابة الدخول الرئيسة في الفناء الخلفي؛ لكي يفتح الحاجز الحديدي، واضعًا يده على حافة قبعته تحيةً واحترامًا، لكي تمرَّ الليموزين. نفس الشيء تقريبًا قد يحدث باكرًا في الصباح أو متأخرًا في المساء، عندما تصل العربة الزرقاء المدرَّعة التابعة لشركة «برنك» للنقل؛ يرفع لها أيضًا الحاجز الحديدي، ويتلقَّى رُكَّابها تحيةً، ولكنها — بالتأكيد — ليست تلك التي تُصاحبها راحة اليد بجوار القبعة، وإنَّما هي تحية خاطفة لزملاءَ بإصبعه السبابة بالقرب من القبعة! ولا شيء يحدث غير ذلك. كان «جوناثان» يقف ويحدِّق وينتظر، أحيانًا يحدِّق في قدميه، أحيانًا في الرصيف، وأحيانًا ينظر إلى المقهى الموجود على الجانب الآخر من الطريق، وكان أحيانًا يجول على امتداد درجة السُّلَّم السفلي؛ سبع خطوات يسارًا ومثلها يمينًا، أو يترك الدرجة السفلى ويأخذ مكانه على الدرجة الثانية، وأحيانًا عندما تكون الشمس قوية ويضغط الحرُّ الماءَ على شريط العَرَق في قبعته، ينتقل إلى الدرجة الثالثة من السُّلَّم، والتي يُظلِّلها غطاء المدخل، فيقف هناك. وبمجرد أن يرفع قبعته، ويمسح جبينه المُبتَلَّ بساعده .. يُحدِّق وينتظر. ومرةً حسَبَها .. عند تقاعده سيكون قد أمضى خمسة وسبعين ألف ساعة واقفًا على تلك السلالم الرخامية الثلاث، ومن المؤكَّد أنه سيكون الشخص الوحيد في باريس كلها — وربما في فرنسا — الذي وقف أطول وقت في مكان واحد، وربما يكون قد حقَّق ذلك، فهو قد قضى — حتى الآن — خمسةً وخمسين ألف ساعة على تلك الدرجات. كان هناك بالفعل عدد قليل من الحراس في المدينة، وكانت معظم البنوك تشترك فيما يُسمَّى بشركات حراسة المباني، ويتركونها تضع أمام أبوابهم بعض الأفراد صغار السن من ذوي السيقان المُعوجَّة المشغولين بأنفسهم، والذين يجري استبدالهم بسرعة في خلال شهور، وعادة في خلال أسابيع، بآخرين مثلهم تمامًا، بزعم أنَّ ذلك لأسباب نفسية تتعلَّق بالعمل. وكما قيل: فإنَّ فترة انتباه ويقظة الحارس تقلُّ إذا خدم طويلًا في نفس المكان؛ يصبح كسولًا مهمِلًا، وبالتالي يفقد كفاءته. وهذا كله كلام فارغ، «جوناثان» يعرف أكثر من ذلك؛ إنَّ انتباه الحارس يتلاشى بعد ساعات محدودة، منذ اليوم الأول لم يعُدْ يعي ما يحيط به، ولا حتى يشعر بمئات البشر الذين يدخلون البنك، ولا كان ذلك ضروريًّا؛ فأنت لا تستطيع أن تُميِّز لصوص البنك من العملاء بأيَّة طريقة. وحتى لو أنَّ حارسًا استطاع أن يفعل ذلك، وألقى بنفسه في طريق اللص؛ فسوف تصيبه رصاصة تُرْديه قتيلًا قبل أن يتمكَّن من انتزاع مسدسه من قِرابه؛ فاللصوص لديهم ميزة المفاجأة التي تجعلهم يتفوقون على الحُرَّاس مثل أبي الهول. هكذا فكَّر جوناثان (لأنه كان قد قرأ مرةً عن أبي الهول في أحد كتبه). الحارس مثل أبي الهول، لا يؤدي عمله عن طريق فعل أيِّ شيء، وإنَّما بمجرد وجوده الجُسماني. بذلك يواجه اللصوص المحتمَلين .. يواجههم بذلك فقط، قال أبو الهول لِلِصِّ المقبرة: لا بدَّ من أنك ستمُرُّ من أمامي، أنا لا أستطيع أن أعترضك أو أقاومك، لا بدَّ أنك ستمُرُّ، إذا أنت تجرَّأت على ذلك؛ فلسوف ينزل عليك انتقام الآلهة والفرعون. ويقول الحارس: لا بدَّ من أنك ستمُرُّ من أمامي، أنا لا أستطيع أن أعترضك أو أقاومك، وإذا أنت تجرَّأت على ذلك فسيكون عليك أن تقتلني، وسيكون انتقام القضاء منك على شكل إدانة لك بجريمة القتل. «جوناثان» يُدرك الآن بالطبع أنَّ في حوزة أبي الهول عقوبات مؤثرة أكثر مما لدى الحارس، حيث لا يستطيع أيٌّ من الحراس أن يهدِّد بانتقام الآلهة! وحتى لو كان اللص لا يكترث على الإطلاق بالعقوبات، فإنَّ أبا الهول ليس مُعرَّضًا للخطر؛ فهو مصنوع من البازلت أو الصخر النقي، أو مصبوب من البرونز، وقد ظلَّ على حاله بعد سرقات المقابر بأكثر من خمسة آلاف سنة دون أيِّ جهد على الإطلاق .. بينما قد يفقد الحارس حياته في خمس ثوانٍ أثناء أيَّة محاولة لسرقة البنك، ولكنهما متشابهان، هكذا فكَّر! أبو الهول والحارس! فقوة كليهما ليست مستمدة من أداة، قوَّتهما رمزية، ومن خلال الوعي بتلك القوة الرمزية فقط — والتي كانت محل فخره وكبريائه، والتي تمنحه قوَّته وبأسه وتحميه، أكثر مما تحميه اليقظة والسلاح والزجاج المضاد للرصاص — كان «جوناثان» يقف على السلالم الرخامية أمام البنك ويقوم بالحراسة منذ ثلاثين عامًا حتى الآن دون خوف، دون شك في نفسه، وبلا أدنى شعور بعدم الرضا أو الاكتئاب .. حتى اليوم. ولكن اليوم كل شيء مختلف، اليوم لا يستطيع «جوناثان» أن يُحقِّق أيَّ نجاح للوصول إلى هدوء شبيه بهدوء وطمأنينة أبي الهول، فبَعد دقائق قليلة بدأ يشعر بحِمل جسده؛ كضغطٍ مؤلم على باطن قدميه. نقلَ ثِقْله من قَدَم إلى أخرى، ثم بالعكس؛ مما جعله يترنَّح قليلًا، وينحرف في خطوات جانبية لكي يحفظ مركز جاذبيته — التي كان يُمسك بها حتى الآن على شكل عمودي تمامًا — لكيلا يختلَّ توازنه. وفجأةً شعَرَ أيضًا بأكَلان في فخذه، في جانب صدره، في قفاه .. بعد قليل شعرَ بأكَلان في جبهته، وكأنَّ الجفاف قد أصابها فجأةً؛ فتشقَّقت كما كان يحدث لها أحيانًا في فصل الشتاء. في نفس الوقت أصبح الجو حارًّا، ورغم أنَّ الساعة لم تتجاوز التاسعة والربع صباحًا؛ إلا أنَّ جبينه قد أصبح رَطْبًا كما كان يحدث له في الحادية عشرة تقريبًا. انتقل الأكَلان إلى ذراعيه، وصدره، وظهره، إلى أسفل رجليه .. وفي كل مكان عليه جِلد؛ كان يشعر بالأكَلان وبرغبة شديدة في حَكِّه .. يودُّ أن يَهرِش بكل حرية .. ونَهَم .. ولكن ذلك لم يحدث أن هرَشَ حارسٌ جسمَه، وراح يحكُّه عَلَنًا! وهكذا أخذَ شهيقًا عميقًا. نفخ صدره، شدَّ ظهره وأراحه، رفع وخفض كتفيه محاولًا أن يجعل جسمه يلمس ثيابه من الداخل؛ فتهرشه له ويستريح قليلًا. لكن تلك الالتواءات والارتعاشات غير العادية زادت من ترنُّحه، وسرعان ما أصبحت الخطوات الجانبية غير كافية لحفظ توازنه؛ فوجد «جوناثان» نفسه مُجبرًا — على غير عادته — أن يتخلَّى عن وِقفته مثل التمثال، حتى قبل وصول سيارة مسيو «رويدل» الليموزين في التاسعة والنصف، ويتحوَّل إلى الخَفارة، بالتحرك جَيْئَةً وذهابًا سبع خطوات يسارًا ومثلها يمينًا. وبينما هو يفعل ذلك؛ كان يحاول أن يثبِّت نظرته العميقة، ويجعلها تتشبث بالدرجة الثانية من السُّلَّم الرخامي، لكي تجعله يتحرَّك أمامًا وخلفًا وكأنه عربةٌ فوق قضبان ثابتة. لعل هذه الصورة قد تساعد على أن ينهض بداخله ذلك التكوين الشبيه بأبي الهول، والذي طالما تاق إليه؛ فيجعله ينسى ثِقَل جسمه، وجلده الذي يأكله، وكل ذلك الغليان الذي يفور في جسده وعقله. ولكن ذلك لم يُجدِ؛ كانت العربة تخرج عن القضبان باستمرار، في كل مرة يرمش فيها، كانت نظرته تخرج عن تلك الحافة اللعينة، وتقفز نحو شيء آخر: إلى قصاصة من جريدة ملقاة على الرصيف، إلى قدم عابرة في جورب أزرق، إلى ظَهْر سيدة، إلى كيس به أرغفة، إلى أُكرة الباب الزجاجي الخارجي، إلى شعار شركة التبغ الأحمر اللامع على شكل معيَّن فوق المقهى المجاور، إلى درَّاجة .. إلى قبعة من القشِّ .. إلى وجه عابر. وعبثًا كان يحاول أن ينجح في تثبيت نظره على أيِّ شيء، أو تحديد نقطة ثابتة قد تساعد على توجيهه؛ لم تكَدْ قبعة القشِّ على يمينه تقع في بؤرة الرؤية، حتى جذب باص في الناحية اليسرى من الشارع انتباهه، ليُسلمه بعد ياردات قليلة إلى سيارة «سبور»، أعادته ثانيةً إلى اليمين. في نفس الوقت الذي كانت فيه قبعة الشمس قد اختفت؛ كانت عينه تتنقَّل في اهتياجٍ بين حشد المَارَّة وحشد القبَّعات، تتعلَّق بوردةٍ تتمايل على قبعة أخرى، تنتزع نفسها بعيدًا ثم تسقط في النهاية على حافة الدرجة، ولكنها لا تستقرُّ هناك، تنحرف، تنتقل من بقعة إلى بقعة، من نقطة إلى نقطة .. من خيط إلى خيط. وكان الهواء يترنَّح في قيظ اليوم كما يفعل في ظهيرة أيام يوليو شديدة الحرارة، أقنعة شفافة تتأرجح أمام الأشياء، حوافِّ البنايات، الأسطح؛ كلها تلمع. كانت متوهجة .. بينما كانت تبدو باهتة، وبالية في نفس الوقت. انحدارات الأسقف، الشقوق بين مربعات الحجارة على الرصيف — والتي تبدو عادةً كأنها مرسومة بإتقان واستقامة — كانت الآن متعرجة. والنساء جميعًا كأنهن يرتدين ثيابًا مبهرَجة .. تمرقن أمامه مثل الشهب، تجذبن نظراته ولا تحتفظن بها طويلًا. لم يكن هناك شيء يحتفظ برسمه الدقيق أو الواضح، لم يكن هناك شيء ثابت أو مُحدَّد .. كل شيء يهتزُّ .. يرتجف. فكَّر «جوناثان»: لا بدَّ أنها عيناي، لقد أُصبت بقِصَر النظر فجأة، وأحتاج إلى نظَّارة طبِّية. عندما كان طفلًا لبِسَ نظَّارةً طبِّية لبعض الوقت، لم تكن قوية، كانت قوة إبصاره في العينين −٠٫٧٥. والآن كان غريبًا أن يُزعجه قِصَر النظر ذلك في مثل تلك السِّن المتقدمة. مع تقدم العمر من المفترض أن يطول النظر كما قرأ، وأن يتناقص قِصَر النظر. ربما كان ما يعاني منه الآن ليس هو قِصَر النظر المعروف، ربما كان شيئًا قد لا تصلح معه نظَّارة طبِّية .. مثل إعتام عدسة العين، أو ماء أزرق، أو انفصال شبكي، أو سرطان في العين، أو ورم في المخ يضغط على العصب البصري! كان مشغولًا بتلك الفكرة المرعبة لدرجة أنَّ الصيحات القصيرة المتكررة فشلت في أن تشقَّ طريقها في عقله الواعي، في الرابعة أو الخامسة فقط — كان أحد الأشخاص يصيح بصوت مُجهَد — استطاع أن يسمع وأن ينتبه ويرفع رأسه. وهناك بالفعل عند بوابة المدخل؛ كانت السيارة الليموزين السوداء الخاصة بمسيو «رويدل» واقفة. كانوا يصيحون، بل ويلوِّحون؛ ويبدو أنهم كانوا يقفون منذ دقائق. عند الحاجز الحديدي .. سيارة مسيو «رويدل» الليموزين! متى أخطأ موعدها أو تخلَّف عن قدومها؟ عادةً .. لم يكن حتى في حاجة إلى أن ينظر .. كان يحسُّ أنها قادمة .. كان يسمعها في همهمة المحرك، كان يمكن أن يكون نائمًا ويستيقظ مثل الكلب .. عندما تقترب سيارة مسيو «رويدل» الليموزين. لم يندفع — قفزَ مسرِعًا — كاد أن يقع من سرعة الحركة. فتح البوابة ودفعها للخلف، أدَّى التحية، مرُّوا .. كان يشعر بقلبه يدقُّ، وبِيَدِه ترتعش مرتطمةً بحافةِ قبعته. وبعد أن أغلق البوابة عاد إلى المدخل الرئيسي .. وكان يسبح في عَرَقه. تمتَمَ لنفسه: «لقد أخطأت سيارة مسيو «رويدل» الليموزين.» كان صوته يتهدج يأسًا وهو يُكرِّر العبارة لنفسه، وكأنه لم يفهمها: «لقد أخطأت سيارة مسيو «رويدل» الليموزين .. لم تنتبه .. لقد فشلتَ .. أهملتَ واجبك .. لستَ أعمى فقط .. أنت أطرش .. عجوز ومتهالك .. لم تعُد صالحًا لوظيفة الحارس.» كان قد وصل إلى الدرجة السفلى من السُّلَّم الرخامي، سار عليها بضع خطوات، ثم حاول أن يقف في وضع الانتباه مرة أخرى. لاحظ على الفور أنه لا يستطيع؛ كتفاه لا تستقيمان، ذراعاه تتدليان على خطوط البنطلون. كان يُدرك أنَّ شكله غريب ومثير للسخرية في تلك اللحظة، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا، في غمرة يأسه ينظر إلى الرصيف، إلى الشارع، إلى المقهى المواجِه. لمعان الهواء قد توقَّف، وعادت الأشياء مستقيمة، وبدا العالم واضحًا أمام عينيه. بدأ يسمع ضوضاء حركة السير، أصوات أبواب العربات، صيحات العمَّال في المقهى المواجه، ووقْع كعوب أحذية النساء العالية. لم يتأثَّر بصره ولا سمعه على أيِّ نحو، ولكن العَرَق كان يتدفق غزيرًا من جبينه. أحسَّ بالضعف، استدار، صعد إلى درجة السُّلَّم الثانية، والثالثة، ووقف في ظلِّ عمودٍ بجوار الباب الزجاجي الخارجي المضاد للرصاص. وضع يديه خلف ظهره ليلمس بهما العمود، ثم ترك نفسه يتكئ قليلًا إلى الخلف معتمِدًا على يديه والعمود .. يحدث ذلك لأول مرة في حياته على مدى خدمته الممتدة ثلاثين عامًا. أغمض عينيه لحظات، وكان خجِلًا من نفسه. ••• أثناء فترة الاستراحة في منتصف النهار، أحضر حقيبته والجاكت والمظلة من الخزانة، وسار نحو شارع «سان بلاسيد» القريب؛ حيث وجد فندقًا صغيرًا، نُزلاؤه غالبًا من الطلبة والعمال الأجانب. سأل عن أرخص غرفة؛ أعطوه واحدة بخمسة وخمسين فرنكًا، وافق دون أن يراها. دفع مقدَّمًا، وترك أمتعته عند مكتب الاستقبال، ومن أحد الأكشاك القريبة اشترى شطيرتي زبيب وعلبة حليب، وسار إلى ساحة «بوسي كوت»؛ حيث حديقة صغيرة أمام أحد المحلات التجارية، وجلس على دكَّةٍ في الظلِّ لكي يأكل. بَعده بدكتين تقريبًا كان أحد المتشردين يجلس القرفصاء، بين فخذيه زجاجة نبيذ أبيض، وفي يده نصف رغيف، وبجواره على الدكة كيس سردين مدخن، يجذب السردينة من الكيس من ذيلها .. واحدة بعد الأخرى، يقضم الرأس ويلفظها من فمه، ويستبقي الباقي، ثم قضمة خبز، ورشفة طويلة من الزجاجة يُتبعها بتنهيدة ارتياح شديد .. كان «جوناثان» يعرف الرجل؛ في الشتاء يراه جالسًا عند الحاجز الحديدي بالقرب من مدخل تسليم بضائع المحل التجاري، فوق السرداب الذي يوجد فيه الفرن تمامًا؛ وفي الصيف أمام البوتيك في شارع «سيفرس»، أو عند باب خدمة المسافرين أو بجوار مكتب البريد. كان مثل «جوناثان» يعيش في هذه المنطقة منذ عقود تقريبًا، وتذكر «جوناثان» أنه عندما رآه لأول مرة وكان ذلك قبل ثلاثين سنة؛ تصاعدَ بداخله حسد غاضب، حسد على تلك الحياة اللامبالية البسيطة التي كان الرجل يعيشها. وبينما كان على «جوناثان» أن يكون موجودًا في مكان عمله في الساعة التاسعة كل صباح؛ كان ذلك المتشرد يجيء في العاشرة وربما في الحادية عشرة. وبينما كان على «جوناثان» أن يقف «انتباه»؛ كان هو يتمدد في استرخاء على صندوق من الكرتون وهو يدخِّن. وبينما كان «جوناثان» يحرس البنك ساعة بعد أخرى، يومًا بعد يوم، سنة بعد سنة، معرِّضًا حياته للخطر كوسيلة لكسب قُوته؛ لم يكن صاحبنا يفعل شيئًا، بل يثق في تعاطف ومساعدة الناس الذين كانوا يُلقون في قبعته بالنقود. ولم يظهر عليه أبدًا أنه كان في حالة سيئة، حتى عندما كانت تظل قبعته خاوية، لم يبدُ عليه أبدًا الضيق أو الخوف أو الضجر، كان دائمًا يشعُّ بالثقة بالنفس وبالرضا وينشر حوله — علنًا — جوًّا من الحرية الساخطة. ولكن .. مرةً في الستينيات في منتصف الخريف، بينما كان «جوناثان» في طريقه إلى مكتب البريد في شارع «دوبن»؛ كاد أن يتعثر عند المدخل في زجاجة نبيذ موضوعة على صندوق كرتون بين كيس بلاستيك والقبعة إياها وبها بعض العملات، وعندما توقف بطريقة آلية .. للحظة .. يبحث عن المتشرد، لا لأنه كان يفتقده كشخص، وإنَّما لأنَّ بؤرة هذه الحياة الساكنة: الزجاجة والكيس والصندوق؛ كانت غائبة. لمَحَه في الناحية الأخرى من الشارع مقرفِصًا بين سيارتين مركونتين، وراح يراقبه بينما كان يقضي حاجته. رآه جاثمًا بجوار حاجز الطريق، بنطلونه نازل حتى ركبتيه، مؤخرته ناحية «جوناثان» .. وعارية تمامًا، كان الناس يمرُّون ويمكن لأيٍّ منهم أن يراها. مؤخرة بيضاء شاحبة مثل العجين، مُخضَّبة بلطخات زرقاء وبُقَع، تميل إلى الاحمرار من أثر الجَرَب، تبدو مثل مؤخرة رجل عجوز طريح الفراش. بينما لم يكن الرجل في الحقيقة أكبر من جوناثان نفسه في ذلك الوقت؛ ربما كان في الثلاثين أو الخامسة والثلاثين على الأكثر. ومن نهاية هذه المؤخرة البائسة يندفع كالنافورة سائلٌ بُنِّي حسائي القِوام بكمية كبيرة وبقوة، ينتشر على الرصيف ليصنع بِركة صغيرة، بِركة كبيرة تنساب حول حذائه، وكان الرَّشَاش ينتشر مندفعًا على جوربه وفخذيه وبنطلونه وقميصه … وكل شيء .. كان المنظر قذرًا مثيرًا للاشمئزاز .. للغثيان .. مروِّعًا .. لدرجة أنَّ مجرد تذكره الآن يجعل «جوناثان» يرتعد. في ذلك الوقت، وبعد أن راح يُحدِّق مرعوبًا للحظات؛ أسرع إلى مكتب البريد، دفع فاتورة الكهرباء، اشترى بعض الطوابع — رغم أنه لم يكن يريدها — لكي يطيل مدة بقائه في المكتب، ولكي يتأكد أنه عندما يخرج لن يجِدَ المتشرد يواصل عمله. وعندما انصرف؛ كان ينظر بعينين نصف مغمضتين، أو كأنه أحْوَل. خفضَ بصره، وأجبر نفسه على ألَّا ينظر إلى الناحية الأخرى من الشارع، بل إلى اليسار على امتداد شارع «دوبن». وسار في ذلك الاتجاه أيضًا .. على يساره .. رغم عدم وجود ما يجعله يذهب إلى هناك .. وكان ذلك حتى لا يُضطر للمرور في منطقة زجاجة النبيذ والصندوق والقبعة؛ ولذلك قام متعمِّدًا بالتفافةٍ طويلة عبر شارع «شيرش ميدي» و«بوليفار راسبيل» قبل أن يصل إلى شارع «لابلانش» وإلى حِمى غرفته. منذ تلك الساعة فقدت روح جوناثان كل إحساس بالحسد لذلك المتشرد، وحتى ذلك الحين؛ إن كان قد بقي هناك أيُّ قَدْر بسيط من الشَّك يتحرك بداخله من وقت لآخر، في وجود أيِّ معنًى لأنْ يقضي الإنسان ثلث حياته واقفًا أمام مدخل بنك، يقوم أحيانًا بفتح بوابة، ويحَيِّي سيارة الرئيس الليموزين، ودائمًا هي هي، مع الحد الأدنى من الإجازات، والحد الأدنى من الأجر الذي كان معظمه يضيع في الضرائب والإيجار وأقساط التأمينات الاجتماعية … إذا ما كان هناك أيُّ معنًى لذلك كله .. فإنَّ الإجابة تظهر الآن مع وضوح تلك الرؤية المرعبة في شارع «دوبن»: نَعَم .. هناك معنًى! كانت ذات معنًى في الحقيقة؛ لأنها ضمنت له ألَّا يعرِّي مؤخرته علنًا .. ويتبرز في الشارع، ماذا يمكن أن يكون أكثر بؤسًا من أن تضطر لتعرية نهاية مؤخرتك للعلن، وأن تقضي حاجتك في الطريق العام؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر امتهانًا من ذلك البنطلون المشدود إلى أسفل، تلك القرفصة التي تُجبِر على ذلك التعري القبيح؟ لماذا يمكن أن تكون مجبَرًا على أن تفعلها أمام عيون العالم؟ هل هو نداء الطبيعة .. اضطرارها؟ إنَّ المصطلح نفسه يخذل ضحيته الممزَّقة. ومثل أيِّ شيء تضطر لفعله كرهًا .. فهو لكي يكون محتملًا؛ يتطلب غياب الآخرين .. أو على الأقل التظاهر بعدم وجودهم: غابة .. إن كنت في الريف، شجيرة إن اضطررت لذلك في مكان مكشوف .. أو على الأقل في حقل أحد المزارعين، أو بعيدًا عن الضوء إن لم يكن هناك أيُّ شيء آخر، أو مُنحدَر تكتشف منه أن لا أحد يراك من على البُعد من أيِّ اتجاه. وفي المدينة؟ بكل ما فيها من زحام، حيث لا وجود للظلام؛ حيث لا تضمن تجنُّب تحديق الآخرين حتى مع وجود ستائر؟ في المدينة، لا شيء سوى القفل والمفتاح يمكن أن يجعلاك تُبعد نفسك عن الآخرين، ومَن لا يملك ذلك، مَن ليس لديه ذلك الملجأ الأكيد من أجل نداء الطبيعة .. إلحاحها .. لا شك أنه أكثر البشر تعاسةً وأحقُّهم بالرثاء. والحرية ليست كلامًا غبيًّا. «جوناثان» كان يمكن أن يعيش بقليل من النقود، يمكن أن يتصوَّر أن يلبس سُترة رثَّة وبنطلونًا ممزَّقًا، ويمكن أن يتخيل — إذا اضطر أو جمح به خياله الرومانسي — أن ينام على صندوق من الكرتون وأن يخفض حميمية منزله لتصبح زاوية صغيرة، هوَّاية تدفئة، بئر سُلَّمٍ في محطة مترو، ولكن إذا كنت لا تستطيع أن تغلق بابًا خلفك لكي تقضي حاجتك في المدينة — ولو كان باب حمَّام مشترَك — إذا كانت تلك الحرية الضرورية الوحيدة قد انتُزعت منك، حرية أن تنسحب بعيدًا عن الناس عندما تلحُّ عليك الضرورة .. فإنَّ كافة الحريات الأخرى تصبح لا قيمة لها، وتكون الحياة بلا معنًى، ويكون من الأفضل أن تموت. وبمجرد أن وصل «جوناثان» إلى هذا الإدراك، وهو أنَّ جوهر الحرية الإنسانية يتلخَّص في امتلاك حمَّام مشترَك، وأنه يملك تلك الحرية، تملَّكَه في الحال شعور بالرضا، نَعَم .. كان من الصواب أن يرتب حياته كما فعل، عاش حياة ناجحة، لا يوجد شيء .. أيُّ شيء يندم عليه أو يحسد الآخرين عليه. منذ تلك الساعة أصبح يقف على أرضية صلبة كما كان دائمًا أمام مدخل البنك، يقف كأنه تمثال من البرونز، مشاعر الرضا والثقة بالنفس التي كان حتى الآن يُرجعها إلى شخص المتشرد؛ كانت تتدفق بداخله مثل المعدن المصهور، وتصلَّبت داخله لتصبح حُلَّة يلبسها من الداخل .. أصبحت درعًا، وكان ذلك يمنحه جاذبية على نحوٍ ما، ولذا لا شيء يهزُّه، ولا أيَّ شك يجعله يرتعد؛ لقد وجد طريقه نحو هدوء ورباطة جأش أبي الهول. أما بالنسبة للمتشرد — عندما يلقاه أو يراه جالسًا في أيِّ مكان — فكان يشعر بما يمكن أن يُطلق عليه التسامح: مزيج عاطفي فاتر من القرف والاحتقار والشفقة، لم يَعُد الرجل يزعجه، لم يكن له أيَّة أهمية، لم يكن له أهمية حتى ذلك اليوم المُحدَّد، عندما كان «جوناثان» يجلس في حديقة «بوسي كوت» يأكل شطائر الزبيب ويشرب الحليب من علبة كرتون؛ كان عادةً يذهب إلى المنزل في فترة الراحة عند الظهيرة، وبعد كل شيء كان يعيش خمس دقائق فقط، كان عادة يقوم بإعداد شيء ساخن على سخان المنزل؛ عُجَّة، بيضًا مخفوقًا ولحم الخنزير، مكرونة بالجبن المبشور، أو حساء يكون من بقايا اليوم السابق وسَلاطَة وكوبًا من الشاي. منذ زمن طويل لم يجلس على دَكَّة في حديقة يأكل الشطائر ويشرب الحليب من علبة كرتون، ولم يكن في الحقيقة يميل إلى تناول الحلوى، ولا الحليب، ولكنه كان قد دفعَ اليوم خمسة وخمسين فرنكًا للفندق ويصبح ضربًا من التبذير إن هو ذهبَ إلى مقهًى وطلبَ عُجَّة وسَلاطَة وبيرة. المتشرد القابع على الدَّكَّة المقابلة انتهى من وجبته بعد السردين والخبز، والجبن والكُمَّثْرى والبسكوت كذلك .. جذبَ جرعة طويلة وعميقة من زجاجة النبيذ، تنهَّد بارتياحٍ عميق، وكوَّم سُترته ليجعلها وسادةً، وضعَ رأسه عليها، فرَدَ جسمه الكسول المُتخَم على الدَّكَّة ليَنعَم بقيلولة منتصف النهار، نام. كانت العصافير تحطُّ لتلتقط فتات الخبز، وبعدها انجذب الحمَام إلى الدَّكَّة، وراحت مناقيره السوداء تضرب رءوس السردين المبعثرة، لم يَدَع المتشرد الطيور تزعجه، كان نائمًا بعمق .. وهدوء. «جوناثان» يراقبه، وبينما هو يراقبه انتابَه قلقٌ غريب، ليس قلقًا دافِعُه الحقد أو الغيرة كما كان في السابق، وإنَّما الدهشة؛ سأل نفسه: كيف يمكن لرجل مثل هذا تخطَّى الخمسين أن يظلَّ على قيد الحياة؟ لماذا لم يمُتْ جوعًا أو يتجمَّد حتى الموت مع هذه الحياة غير المسئولة؟ لماذا لم يمزِّقه تليُّف الكبد من زمن؟ لماذا لم يمُتْ لأيِّ سبب؟ والحقيقة أنه كان يأكل ويشرب بشهيةٍ تامة، ينام نوم العادل، ويرتدي سترةً قطنية وبنطلونًا مرقَّعًا — بالطبع غير ذلك الذي كان شلَحَه في شارع «دوبين» — شكله أفضل نسبيًّا، قطيفة، بصرف النظر عن الإصلاحات التي طرأت عليه في مواضع مختلفة؛ لكنه يعطي انطباعًا عن شخصية تقف على أرضية، في وِفاق مع العالم ومستمتعة بالحياة. بينما هو «جوناثان» — بعد أن وصلت دهشته إلى نوع من الحيرة العصبية — بينما هو الذي قضى حياته كلها شخصًا حسن السير والسلوك، متواضعًا، زاهدًا تقريبًا، نظيفًا، منضبطًا ومطيعًا، جديرًا بالثقة والاحترام، وكل سنتيم لديه قد اكتسبه بعَرَق جبينه، ودائمًا يدفع نقدًا فواتير المرافق، الإيجار، البقشيش، ولم يستدِنْ أبدًا .. ولم يكن عبئًا على أحد، لم يمرض، ولم يكلِّف أيَّة مؤسسة علاجية أو اجتماعية سنتيمًا واحدًا، لم يفعل شيئًا لإيذاء أحد .. وأبدًا أبدًا لم يرجُ شيئًا من الحياة سوى راحة البال، بينما يرى نفسه الآن وهو في الثالثة والخمسين واقعًا لقِمَّة رأسه في أزمة قلبت خطة حياته التي رسمها لنفسه، أزمة جعلته مجنونًا ومرتبكًا، جعلته يأكل شطائر الزبيب من فرط الحيرة والخوف، نعم كان «جوناثان» خائفًا. يعلم الله أنه عندما نظر إلى ذلك المتشرد النائم؛ بدأ يرتعد من الخوف، وفجأةً خاف بشِدَّة، خاف أن يصبح مثل ذلك الرجل الضائع المُمدِّد أمامه على الدَّكَّة. كيف يمكن أن يحدث ذلك كله بسرعة؟ أن يصبح فقيرًا .. على الحديدة، كيف يمكن أن ينهار بسرعة ذلك الأساس — الذي يبدو راسخًا — لوجود الإنسان؟ وبَرَقتْ في ذهنه مرة أخرى: إنك قد أخطأتَ سيارة مسيو «رويدل» الليموزين، وهو الشيء الذي لم يحدث من قبل، وما كان ينبغي أن يحدث، لكنه حدث اليوم: لقد أخطأتَ السيارة، وربما تهمل عملك كله غدًا، أو تفقد مفتاح الباب الفولاذي، وفي الشهر التالي يفصلونك بطريقة مخزية، ولن تجِدَ عملًا آخر؛ إذ مَن يُعطي عملًا لفاشل؟ لا أحد يستطيع أن يعيش على شيكات إعانة البطالة وعندئذٍ تكون قد فقدت غرفتك من زمن — هناك حمامة تسكنها، أسرة من الحمام تعيش هناك، تلوِّث غرفتك وتُتلِفها — فواتير الفندق تتراكم، وبسبب هذا الهمِّ تبدأ في الشراب أكثر فأكثر، ستنفق كل سنتيمٍ ادَّخرتَه .. وتُصبح عبدًا للشراب .. ولا مخرج لك، تمرَض، يهدُّك التعب، القمل، العار، يطردونك من منزلك الأخير المؤقَّت .. لم يعُدْ لديك سنتيمٌ واحد .. تُواجِه الإفلاس التام .. والدمار في الشارع، تنام، تعيش في الشارع، تقضي حاجتك في الشارع .. تصل إلى نهاية الحبل .. «جوناثان» .. خلال عام ستكون عند النهاية مثل ذلك المتشرد في أسْماله على الدَّكَّة .. سترقد هناك، وتصبح شقيقه في البؤس والضعة. جفَّ فمه، وأدار بصره عن الرجل النائم، وابتلع القضمات المتبقية من شطيرة الزبيب، مرَّ وقت طويل حتى وصلت القضمة إلى مَعِدته، كانت تزحف في المريء ببطء حلزوني، أحيانًا تلتصق وتضغط وتؤلم، كأنَّ مسمارًا يندفع في صدره؛ حتى اعتقد «جوناثان» أنه سوف يختنق ويموت من تلك القضمة، ولكن الشيء بدأ ينزلق قطعةً قطعة، وأخيرًا نزلت وتلاشى الألم بالتدريج. أخذ «جوناثان» نفَسًا عميقًا، لا بدَّ أن يذهب الآن، لا يود أن يبقى هناك أكثر من ذلك، رغم أنَّ فترة الراحة ما يزال فيها نصف الساعة، ولكن ما حدث له يكفي، هذا المكان فسدَ. وبظهر كفِّه مسحَ بنطلونه من أثر الجلوس ومن فُتات الشطيرة الذي كان يتساقط أثناء الأكل .. رغم حذَرِه. فرَدَ ثنيات ملابسه، نهضَ وسارَ دون أن يُلقي نظرة واحدة على المتشرد. عندما عاد إلى شارع «سيفرس» اكتشف أنه ترك كرتونة الحليب الفارغة على دَكَّة الحديقة، وذلك أزعجه كثيرًا؛ لأنه كان يكره أن يترك الناس مخلَّفاتهم على الدِّكَك، أو أن يلقوا بها في عُرض الطريق بدل أن يضعوها في الأماكن المخصَّصة للفضلات .. أي في الصناديق المنتشرة في كل مكان. هو نفسه .. لم يحدث أبدًا أن ألقى بشيء أو ترَكَه على مقعد .. أبدًا .. ولا حتى بسبب الإهمال أو النسيان .. لم يحدث شيء كهذا من قبل، ولذلك لا يريد أن يحدث شيء كهذا اليوم .. وبخاصة اليوم .. ليس في مثل هذا اليوم المضطرِب الذي وقعَتْ فيه بالفعل أضرار كثيرة، كان فعلًا على أرضية قَلِقة، يتصرَّف مثل الحمقى، مثل متشرد لا يعرف المسئولية، مثل أيِّ شخص مُهمِل، لقد أخطأ موعد سيارة مسيو «رويدل» الليموزين، وتناول شطائر الزبيب في الحديقة! وإذا لم يكن حريصًا في الأمور البسيطة بخاصة، وإذا لم يضع كل طاقته لإيقاف مدِّ تلك الأمور التي قد تبدو تافهة، مثل تركِ كرتونة الحليب وراءه؛ فإنه قريبًا سوف يفقد سيطرته على الأشياء كليَّة .. ولن يمنع نهايته التَّعِسَة. وهكذا استدار عائدًا إلى الحديقة، من على البُعد كان يرى أنَّ الدَّكَّة لم يشغلها أحد، وعندما اقترب استراح لرؤية الكرتونة البيضاء من خلال اللون الأخضر في فواصل ألواح ظهر الدَّكَّة؛ يبدو أن لا أحد قد لاحظ إهماله، وأنه سوف يستطيع أن يمحو تلك الغلطة التي لا تُغتفر. تقدَّم عدَّة خطوات من خلف الدَّكَّة، انحنى على ظهر المقعد، وأمسك الكرتونة بيَدِه اليسرى، ثم وهو يستقيم ثَنَى جسمه بحدَّة ناحية اليمين، تقريبًا في نفس الاتجاه الذي يعرف أنَّ به سلة من تلك المخصَّصة للفضلات. وفجأةً أحسَّ بأنَّ بنطلونه قد أمسك بشيء جذَبَه بشِدَّة إلى أسفل. ولأنَّ ذلك حدث فجأةً، ولأنه كان في وسط حركةٍ صاعدة إلى أعلى في الاتجاه العكسي تمامًا؛ لم يستطع أن يتحرَّك في اتجاه الجذب. وفي نفس الوقت دوَّى صوت شيء يتمزَّق، وأحسَّ بلفحةِ هواءٍ آتية من الخارج تضرب فخذه اليسرى؛ فأصابه الفزع لِلحظة، لدرجة أنه لم يجرؤ على النظر، بدا له أيضًا أنَّ المزْق الذي كان صداه ما يزال يرنُّ في مسمعه؛ كان شديدًا لدرجة أنه لم يشقَّ البنطلون وحده، وأنَّ المزْق قد امتدَّ عميقًا إليه .. عبر الدَّكَّة، عبر الحديقة كلها .. كأنه صدعٌ كبير في زلزال، وكأنَّ كل الناس من حوله قد سمعوه، ذلك المزْق المرعب، وأنهم من هَوْل الصدمة كانوا يراقبونه، يراقبون «جوناثان» الذي أحدَثَه، لكنَّ أحدًا لم يكن يراقب ذلك؛ النساء العجائز يواصِلْنَ شغل الإبرة، والرجال العُجُز مستمرُّون في قراءة الجرائد، والعدد القليل من الأطفال يواصلون تزلُّجهم، والمتشرد مستمر في نومه. وبسرعة .. خفض «جوناثان» عينيه، كان المزْق بطول خمس بوصات تقريبًا، يمتد من الزاوية السفلى لجيب بنطلونه الأيسر، والذي كان قد اشتبك بمسمار بارز من الدَّكَّة أثناء التِفَافِه، ثم ينزل إلى الفخذ، ليس بحذاء خياطة البنطلون؛ ولكن في الوسط تمامًا .. وفي آخره زاوية قائمة بعَرض إصبعين مع كرمشة .. لم يكن هناك مجرد مزْقٍ غير واضح في القماش .. وإنَّما فتحة يرفرف فوقها عَلَمٌ مثلَّثُ الشكل. شعر «جوناثان» بالأدرينالين يرتفع في مسرى دمه، تلك المادة التي تُشعرك بالوخز، والتي قد قرأ عنها ذات مرة، وكيف أنَّ هناك غدَّة في الكلى تفرزها في لحظات الخطر الجسماني والكرب النفسي؛ لتعبئة الاحتياطيات الأخيرة في الجسم .. للهرب، أو لمعركةٍ حتى الموت. في الحقيقة كان يبدو له أنَّه قد جُرِح، وأنَّ تلك الفتحة ليست في البنطلون، وإنَّما في لحمه الحيِّ، وأنها جُرْح طوله خمس بوصات. دمه، حياته؛ يندفع بدل أن يدور دورته الداخلية المغلقة. وإنه سوف يموت إن لم يُغْلَق هذا الجرح فورًا، ولكن هناك مشكلة الأدرينالين. ورغم إحساسه بأنه كان ينزف حتى الموت، إلا أنَّ اندفاع الأدرينالين أنعشه تمامًا، وبعنف. قلبه يدقُّ الآن بقوة، شجاعته عالية، ذهنه أصبح صافيًا فجأةً ويتَّجه نحو هدفٍ وحيد، صاحَ في صمت: «لا بدَّ من أن تفعل شيئًا في الحال.» «لا بدَّ أن تتصرَّف الآن لكي تسدَّ هذا الخرق وإلا ستضيع.» حتى وهو يسأل نفسه: ماذا سيفعل؟ كان يعرف الإجابة؛ كان تأثير الأدرينالين سريعًا، ذلك العقار الرائع. وهكذا كانت الأجنحة التي أسلمها الخوف للذكاء والعزيمة. وقرَّر بسرعة: نزعَ بيده اليسرى كرتونة الحليب التي كانت ما تزال في يسراه، ضغطَ عليها براحته وكرمشها، وألقى بها في مكان ما .. في أيِّ مكان، على الحشيش، أو على الممر الرملي — لم ينتبه — ضغَطَ بيده اليسرى الخالية على الخرْق على فخذه، وسار متعثرًا، محتفظًا بساقه اليسرى متصلبةً قدر الاستطاعة؛ حتى لا تنزلق يده. وكان يضرب بذراعه اليُمنى في الهواء، يعرَج وكأنه يتمايل في عاصفة، جرى خارجًا من الحديقة. وفي شارع «سيفرس» كان قد بقي لديه أقل من نصف الساعة. في قسم البقالة من محلات بون مارشيه، على ناصية شارع «باك»؛ توجد خيَّاطة. وكان قد لاحظ ذلك قبل أيام قليلة، كانت تجلس بالقرب من مدخل المحل؛ حيث توجد عربات التسوُّق. على ماكينة الخياطة توجد لوحة صغيرة يتذكَّر تمامًا ما كان مكتوبًا عليها: ««جيناين توبل» – إصلاح وتعديل الملابس: شعارنا الدقة والسرعة.» هذه المرأة سوف تساعده، هذا إذا لم تكن في فترة راحة الغداء .. لا .. لا .. إن حدث فسيكون ذلك من سوء حظه، لا يمكن أن يجتمع كل سوء الحظ هذا في يوم واحد، ليس الآن، ليس عندما يكون في مَسِيس الحاجة. إن حسن الحظ لا يجيء إلا عندما تكون في مَسِيس الحاجة، عندما تجد مَن يساعدك، مدام «توبل» ستكون في موقعها وسوف تساعده. كانت مدام «توبل» في مكانها من المدخل! وحتى قسم البقالة كان يراها جالسةً أمام ماكينة الخياطة، وتشتغل. نَعَم؛ يمكنك الاعتماد على مدام «توبل». كانت تعمل حتى أثناء فترة الراحة .. تعمل بسرعة ودقة. جرى نحوها، اتخذ موقعًا بجوار الماكينة، أزاح يده من على فخذه، ألقى نظرة سريعة على ساعة يده — الثانية وخمس دقائق — تنحنح، وبدأ: «مدام …» انتهت مدام «توبل» من خياطة ثنيةِ تنُّورةٍ حمراء كانت في يدها، أبطلت الماكينة وسحبت الإبرة لتُحرِّر القماش وتقطع الخيط، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى «جوناثان». كانت تلبَس نظَّارة طبية كبيرة جدًّا، إطارها ثقيل مرصَّع بالصَّدَف الذي تُصنع منه الأزرار، ولها عدسات مُحدَّبة سميكة تجعل عينيها تبدوان هائلتَي الحجم، وتُحوِّل المَحجِرين إلى حفرتين عميقتين مظلمتين .. شعرها كَسْتَنائيُّ اللون، ينسدل ناعمًا على كتفيها، وعلى شفتيها طلاء بنفسجي مُفضِّض، كانت في نهاية الأربعينيات .. ربما .. أو في وسط الخمسينيات، لها شكل النسوة اللائي يَعرِفْنَ لك حظك من الكوتشينة، أو كُرَة الكريستال .. وهيئة سيدةٍ جارَ عليها الزمن، سيدة لم يعُدْ يناسبها لقب «سيدة»، إلا أنَّ المرء يمكن أن يثق بها بسرعة. حتى أصابعها — كانت تستخدم أصابعها لدفع نظَّارتها فوق أنفها قليلًا؛ لكي ترى «جوناثان» جيدًا — كانت قصيرة وغليظة مثل السجق، إلا أنها مُعتنًى بها؛ رغم كل العمل اليدوي وأظافرها مطليَّة بِلَون بنفسجي مُفضَّض، وتتمتَّع بشبه أناقة توحي بالثقة. قالت مدام «توبل» بصوت خشن قليلًا: «أيَّة خدمة؟» وحيث خُيِّل إليه أنه قد صاغ سؤاله بجلافة، وربما يكون قد كشَفَ عن اهتياجه الذي سبَّبه الأدرينالين .. أضاف بصوتٍ معتدل إلى حدٍّ ما .. وعلى قدر ما يستطيع: «خَرْق .. مَزْق صغير .. سوء حظٍّ يا سيدتي .. هل يمكن عمل شيء .. هل يمكن إصلاحه؟» تركت مدام «توبل» نظرة عينيها الكبيرتين تُفتِّش «جوناثان» لكي تجِدَ الخرق على فخذه، ثم انحنت لكي تفحصه. وبينما هي تفعل ذلك افترق سطح شعرها الكَسْتَنائيُّ الناعم، وانقسم من على كتفيها حتى نهاية رأسها من الخلف وكشَفَ عن رَقَبة صغيرة .. قصيرة .. مُكتنِزة باللحم، وفي نفس الوقت تصاعدَ منها عطرٌ ثقيل منتشر ومُدوِّخ، بدرجة جعلتْ «جوناثان» يُلقي رأسه بطريقة آلية، وترَكَ نظرته تقفز من تلك الرَّقَبة القريبة إلى نهاية السوبر ماركت، وللحظة رأى أمامه المكان بكامله .. الأرفف والثلاجات ومنصات الجبن وشرائح اللحم وطاولات الصحف وأهرام الزجاجات وجبال الخضروات وسط كل ذلك، والزبائن مسرعين، ويدفعون أمامهم عربات التسوُّق، ويسحبون أطفالهم وراءهم، والموظفين وعُمَّال المَحَلِّ والمحاسبين … زحام البشر الصاخب .. وفي نهايته يقف «جوناثان» ببنطلونه الممزَّق أمام أعين الجميع! ودارت في ذهنه فكرة .. ربما كان مسيو «فيلمان» ومدام «روك»، وربما مسيو «رويدل» بين هذا الزحام، وقد لاحظوه .. لاحظوا «جوناثان» بينما تفحص جزءًا مريبًا من جسده سيدةٌ ليست فوق مستوى الشبهات .. ذات شعر كَسْتَنائيٍّ .. لدرجة أنه شعَرَ بالغثيان، وبخاصة عندما أحسَّ — يا إلهي! — بأحد أصابع مدام «توبل» الأشبه بالسجق على جلد فخذه؛ يقلب قطعة القماش الممزَّقة. ثم ظهرت المدام مرةً أخرى من أعماق فخذه، اتَّكأتْ إلى الخلف في مقعدها، وانقطع تيار عطرها المباشر؛ لكي يستطيع «جوناثان» أن يخفض رأسه، ويُزيح نظرته عن مدى المكان الفسيح، ويُعيدها إلى مجال عدستي «مدام توبل» الكبيرتين المُحدَّبتين. قال: «حسنًا!» ثم «حسنًا!» ردَّدها وهو في عَجَلة، كأنه مريضٌ يقِف أمام طبيبه مذعورًا .. يتوقَّع تشخيصًا مدمِّرًا .. قالت مدام توبل: «بسيطة! سنضع شيئًا تحته .. ولا أكثر من ذلك .. وسيكون هناك لَفْقٌ بسيط ظاهر .. لا توجد طريقة أخرى.» قال: «لا مانع .. لَفْقٌ بسيط لا يُهِمُّ .. مَن ذا الذي سينظر إلى مكانٍ غير ظاهر كهذا؟» ونظَرَ بسرعة في ساعته، لم يبقَ سوى أربع عشرة دقيقة: «يمكن أن تقومي بذلك يا مدام .. يمكنكِ مساعدتي.» – «بالطبع.» ودفعت نظَّارتها على أنْفها، كانت النظَّارة قد انزلقتْ قليلًا وهي تفحص الخَرْق. «شكرًا يا مدام .. شكرًا جزيلًا، لقد أنقذْتِني من حرجٍ شديد، والآن لي رجاء آخر: هل يمكنكِ؟ من فضلك .. لو تكرَّمتِ أنا مستعجِل جدًّا .. لديَّ فقط …» ثم نظر في ساعته مرة أخرى: «عشر دقائق باقية .. هل يمكنكِ إصلاحه على الفور .. أقصد الآن .. بدون تأخير؟» هناك أسئلة يُبطلها مَنطُوقها، وهناك أسئلة تظهر حماقتها بمجرد النطق بها والنظر في عينَي الآخر، حدَّق «جوناثان» في عينَي مدام «توبل» الكبيرتين المظلمتين، وأدرك على الفور حماقة أسئلته .. عبثها .. لاجدواها .. وأدرك أن لا أمل هناك. كان قد فهم ذلك بالفعل عندما طرَحَ سؤاله القلق، عرَفَ الحقيقة، أحسَّ بها صريحةً واضحة في جسده عندما هبط مستوى الأدرينالين في دمه لحظةَ أنْ نظر في ساعته: عشر دقائق! انتابه إحساس بأنه يهوي .. مثل شخص يقف فوق سطح من الطَّفْو الجليدي الهشِّ على وشك أن يمتزج بالماء؛ عشر دقائق! لا يمكن .. هكذا ببساطة؟ مستحيل! أولًا من المستحيل إصلاح الخرق وهو على فخذه .. لا بدَّ من وضع شيء تحته .. وهذا يعني أنه لا بدَّ أن يخلع البنطلون، ولكن من أين له بغيره هنا في وسط قسم البقالة في محلات «بون مارشيه»؟ يخلع بنطلونه ويقف في ملابسه الداخلية! عبث! جنون! سألته مدام «توبل»: «الآن الآن؟» ورغم أنَّ «جوناثان» كان يعرف استحالة ذلك. ورغم أنَّ دوَّامة الهزيمة كانت قد أطبقَتْ عليه .. إلا أنه هزَّ رأسه. ابتسمت مدام «توبل»: «انظر مسيو، كل ما هو أمامك هنا.» وأشارت نحو مشجب ملابس طوله ياردتان، كان مكدَّسًا بالفساتين والجاكتات والبنطلونات والبلوزات: «لا بدَّ أن يتم إصلاحه الآن، أنا أشتغل عشر ساعات في اليوم.» .. قال «جوناثان»: «نعم .. طبعًا .. أفهم جيدًا يا مدام .. لقد كان سؤالًا غبيًّا .. كم يستغرق إصلاح الخرق في رأيك؟» عادت مدام «توبل» إلى الماكينة، وضعتْ قماش التنُّورة الحمراء في مكانه، وأنزلت الإبرة .. «إذا أحضرتَ البنطلون يوم الإثنين القادم؛ يكون جاهزًا في خلال ثلاثة أسابيع.» كرَّر «جوناثان» العبارة كأنه قد أصيب بالدُّوار: «ثلاثة أسابيع!» – «نعم .. ثلاثة أسابيع، لا يمكن قبل ذلك.» ثم أدارت الماكينة وراحت الإبرة تُدندِن. وفي نفس اللحظة؛ شعَرَ جوناثان بأنه لم يعُدْ موجودًا .. كان — بالطبع — يرى مدام توبل جالسةً أمام طاولة ماكينة الخياطة، على بُعد ذراعٍ واحد منه، يرى الرأس الكَسْتَنائيَّ بالنظَّارة المرصَّعة، يرى الأصابع الغليظة وهي تعمل بسرعة، والإبرة الطنَّانة وهي تشقُّ طريقها بالغُرَز في ثَنْية التنُّورة الحمراء .. وكان يستطيع أيضًا أن يرى الزحام الصاخب في السوبر ماركت من خلفه. ولكنه فجأةً لم يعُدْ يرى نفسه .. بمعنى أنه لم يرَ نفسه جزءًا من العالم المحيط به. كأنه يقفُ بعيدًا .. يقفُ خارجه .. وأنه ينظر إلى العالم من خلال الطَّرَف الخطأ في تلسكوب. فجأةً أيضًا — مثل هذا الصباح تمامًا — أصبح مشوَّش الذهن، وكان يترنَّح، خطا خطوةً جانبية واحدة، واستدار، واتَّجه نحو باب الخروج. مع الحركة والسير؛ وجد نفسه يعود إلى العالم. أثرُ التلسكوب اختفى من أمام عينيه. ولكن الترنُّح كان مستمرًا بداخله. اشترى من قسم الأدوات المكتبية بَكرةَ شريطٍ شفَّافٍ لاصق، استخدمها لِلَصْق المَزْق لكيلا يرفرف الجزء المثلَّث الممزَّق الأشبه بالعَلَم مع كل خطوة، ثم ذهب إلى عمله. ••• قضى فترة ما بعد الظهيرة في كَرْب وغضبٍ شديدَين، وقَفَ على الدرجة العليا أمام البنك، أمام العمود مباشرة دون أن يستند عليه؛ لأنه لم يكن يريد أن يستسلم لضَعفه. على أيَّة حال؛ كان لا يمكنه أن يفعل ذلك لأنه لكي يتكئ دون أن يلحظه أَحد؛ يلزمه أن يُشبك يديه خلْفَ ظهره، وهذا مستحيل .. لأنه لا بدَّ أن يُنزل يده اليسرى إلى أسفل؛ لكي تُغطِّي البقعة المسدودة بالشريط اللاصق فوق فخذه. وبدلًا من ذلك، ولكي يتأكد أنه يحتفظ بقدميه ثابتتين على الأرض؛ كان مضطرًّا لأن يُبقيهما متباعدتين .. وكان يكره هذا الوضع، كما كان يفعل صغار الزملاء. ولاحظ كيف أنَّ ذلك يجعل عموده الفقري يتقوَّس، وأنَّ رقبته التي كانت دائمًا حرة ومنتصبة؛ تغوص بين كتفيه ومعها رأسه وقبعته، وكيف أنَّ ذلك يجعله — بطريقة آلية — ينظر من تحت حافة قبعته نفس النظرة المُحَملِقة المُتَلصِّصة، من ذلك الجبين المُقطِّب الذي كان يراه جديرًا بالازدراء بين الحُرَّاس الآخرين؟! كأنه مشلول، شكله مضحك، صورة كاريكاتورية لذاته. احتقر نفسه، كَرِهَ نفسه طوال تلك الساعات. احتقاره الشديد لنفسه جعله يودُّ أن يقفز خارجًا من جِلده. نعم؛ إنه وبمعنى الكلمة كان يودُّ أن يقفز خارجًا من جِلده .. لأنَّ جلد جسده كله كان يأكل الآن .. وهو لا يستطيع أن يحكَّ نفْسَه في ملابسه .. لأنَّ جِلده ينضح بالعَرَق في جميع مَسامِّه، والملابس مُلتصِقة به كأنها جِلدٌ ثانٍ. أمَّا في الأماكن التي لم تكن الملابس مُلتصِقة بها، حيث كان ما يزال بعض الهواء بين الجِلد والملابس: على رَبْلَتَي الساقَين والساعدَين، وفي تلك المساحة الأشبه بالأخدود فوق القفص الصدري .. في هذا الأخدود بالضبط، حيث كان الأكَلان لا يُحتمَل، وحبَّات العَرَق تتدحرج كبيرة في خطٍّ متعرِّج؛ هنا بالتحديد لم يكن يريد أن يهرِش. لا! لم يكن يريد أن يُريح نفسه؛ لأن ذلك لن يُغيِّر من حالة البؤس العام، ولكنه ترَكَها تظهر عليه بوضوح وسخرية الآن؛ كان يريد أن يُعاني. كلَّما زادت المعاناة يكون من الأفضل. المعاناة تُناسبه جدًّا، تليق به، تُبرِّر وتُشعل كراهيته وغضبه، والكراهية والغضب بِدَوْرهما يشعلان المعاناة .. لأنَّ ذلك يجعل دمه يفور بعنفٍ أكثر، ويواصل اعتصار موجات جديدة من العَرَق، واستخراجها من مَسامِّ جِلده. كان وجهه يتصبب عَرَقًا، والماء يتساقط من ذقنه وشعر رَقَبته وسَيْر القبعة يقطع في جبينه المُخْضَلِّ، ولكنه لن يخلع تلك القبعة لأي سبب كان .. ولا للحظة واحدة. وكان ذلك يعني أن تظلَّ على رأسه وكأنها مُثبَّتة بقلاووظ .. كأنها غطاء طَنْجَرَةِ طَهيٍ تعمل بضغط البُخار .. وأن تُطبق على صُدْغيه إطباق حلقة حديدية .. حتى لو انفجر رأسه. لم يُرِدْ أن يفعل شيئًا ليُخفِّف من هذا الكرب الشديد، لاحظَ فقط أنَّ عموده الفقري كان يزداد التواءً، وأنَّ كتفَيه ورَقَبته ورأسه يزداد انخفاضها بالتدريج .. وأنَّ جسمه قد اتخذ وضعًا يقترب سريعًا من شكل الجالس القرفصاء .. شكل الضفدعة. وفي النهاية — لم يكن راغبًا ولا قادرًا على أن يمنع ذلك — فاض قَرَفه من نَفْسه الذي تجمَّع بداخله، واندفع من العينين المُحَملِقتين واللَّتين أصبحتا أكثر تجهُّمًا وغضبًا تحت حافة القبعة، وأغرق العالم بكراهية شرِسة، كان «جوناثان» يُغطِّي كل ما يدخل مجالَ رؤيته بطبقةٍ من الكُرْه والبغض. والحقيقة أنك تستطيع أن تقول: إنَّ صورةً حقيقية للعالم لم تعُدْ تمرُّ من شبكية العين لتدخل إلى العقل؛ وإنَّما بالأحرى، وبعكس تدفُّق الضوء، كانت عيناه تقذفان بالصور المُحرَّفة إلى العالم الخارجي؛ عُمَّال المقاهي مثلًا، عبر الشارع، في الجانب الآخر من الطريق، على الرصيف أمام المقهى، أولئك الذين لا لزوم لهم ولا يصلحون لشيءٍ، عُمَّال المقاهي الصغار البُلَهاء الذين يتسكَّعون بين المقاعد والطاولات، المغفَّلون، الذين يثرثرون ويبتسمون .. يتكلَّفون الابتسامات، ويعوقون حركة المَارَّة، ويعاكسون البنات، المتغطرسون، الذين لا يفعلون شيئًا سوى إبلاغ طلب زبون من وقت لآخر بالزعيق من خلال الأبواب المفتوحة باتجاه البار: واحد قهوة .. واحد بيرة .. واحد ليمون … إلخ، ثم في النهاية يدخلون ليعودوا حاملين الطلبات، متصنِّعين العَجَلة، ويتلاعبون على طريقة المُشعوِذين، ويضعونها على الطاولات بإيماءات فنية متكلَّفة، اشتُهر بها الجرسونات: الكوب يوضع بطريقة لولبية، زجاجة الكولا بين الفخذين، وتُفتح بحركة خاطفة من الرُّسْغ، فاتورة الحساب — ممسوكة بين الشفتين — يبصقها أولًا في أحد اليدين، ثم تُدفع تحت مَنفضة السجائر، بينما اليد الأخرى مشغولة بإعطاء بقية الحساب للطاولة المجاورة، وتجمع أكداسًا من النقود .. والأسعار فَلَكية .. الإسبرسو بخمسة فرنكات، زجاجة البيرة الصغيرة بأحد عشر فرنكًا، بالإضافة إلى ١٥٪ مقابل الخدمة الرديئة والبقشيش الإضافي. نَعَم .. ينتظرون ذلك أيضًا .. يعتبرونه حقًّا .. وإلا فلن تجِدَ كلمات مثل «شكرًا» طريقها إلى شفاههم .. ناهيك عن «مع السلامة.» وبدون البقشيش الإضافي فإنَّ الزبائن — من الآن — يصبحون — وببساطة شديدة — لا قيمة لهم، وعندما يغادرون المكان؛ لا يرَون شيئًا سوى ظهور ومؤخرات الجرسونات المتغطرسين وفوقها أكياس النقود السوداء المنتفِخة، المُعلَّقة بأحزمة الوسط؛ لأنهم يعتبرون ذلك أناقة .. ولامبالاة .. أولئك الشواذ الأغبياء، يضعون أكياس النقود معروضةً هكذا مثل المؤخرات المُكتَنِزة. ياه! كان بودِّه أن يطعن ولو بنظرة؛ أبناءَ الزناة أولئك، المتأنقين في قمصانهم الفضفاضة ذات الأكمام القصيرة. كان يتمنى أن يجري ويسحبهم من آذانهم من تحت تلك المظلات، ويلطمهم على وجوههم في الشارع؛ يُعطي كُلًّا منهم صفعة عنيفة على خدِّه الأيسر، ثم على الأيمن، ثم على الأيسر، ثم على الأيمن خلف أذنه؛ ويجلد مؤخرته. ولكن ليس أولئك فقط، ليس عُمَّال المقهى فقط، أصحاب الأنوف التي تشبه الخراطيم؛ بل وزبائنهم أيضًا، لا بدَّ من جَلْد مؤخراتهم جميعًا، قُطْعان السُّياح البُلَهاء الذين يتنقَّلون من مكان لآخر بالقمصان الصيفية وقبعات القشِّ ونظَّارات الشمس، ويسرفون في تناول المشروبات الغالية ليُنعشوا أنفسهم، بينما يكسب الآخرون لقمة العيش بعَرَق الجبين .. واقفين! وبعد ذلك يأتي السائقون! أولئك القِرَدة الذين يلوِّثون الهواء، ويُحدثون صخبًا بشِعًا ولا يعرفون سوى التسابق في شارع «سيفرس»، أليست رائحته كريهة .. ونَتِنَة بالفعل .. وبما يكفي؟! أليس الشارع مليئًا بالضوضاء والصخب .. بل والمدينة كلها؟ ألا يجعل الحَرُّ اللاهب القادم من أعلى كلَّ الأشياء ساخنة؟ هل لا بدَّ من أن تستهلكوا البقية الباقية من الهواء .. تمتصُّونه بمحركاتكم ثم تلفظونه مرةً أخرى مخلوطًا بالسُّم والهباب والأبخرة السَّامة في أنوف المواطنين المحترمين؟ خنازير قذِرة، سفَّاحون! يجب أن يتخلصوا منكم .. يجب جَلدكم! .. جَلدكم حتى الموت، والتخلُّص منكم .. إعدامكم رميًا بالرصاص! إطلاق الرصاص على كلٍّ منكم، وعليكم جميعًا في وقتٍ واحدٍ .. ياه! كان يشعر برغبةٍ تُلحُّ عليه في أن يجذب مسدسه ويطلقه في كل اتجاه، على المقهى مباشرة. يضرب بقوة لكي يخترق واجهته الزجاجية، ولا يبقى سوى صوت ودَوِيِّ التحطُّم .. مباشرة على حشدِ السيارات، أو في وسط واحدة من تلك البنايات الضخمة على الجانب الآخر من الشارع، تلك البنايات العالية القبيحة المزعجة المخيفة، أو يضرب في الهواء عاليًا، في السماء مباشرة. نعم؛ في تلك السماء اللاهبة، في تلك الأبخرة المرعبة الظالمة، السماء الزرقاء الرمادية بلون الحمامة؛ ليجعل ذلك الغطاء الرصاصي يتحطم بطلقة واحدة، ينهار فيَسْحق كل شيء .. كل ذلك العالم البائس، الكئيب، الصاخب، النَّتِن. كان كُرْه «جوناثان نويل» شاملًا وكبيرًا في تلك الظهيرة لدرجة أنه كان يودُّ اختزال العالم إلى هديم ورماد .. لأنَّ خَرْقًا كان هناك في بنطلونه. ولكنه لم يفعل. الحمد الله! لم يفعل ذلك، لم يصوِّب نحو السماء، لم يطلق النار على المقهى المقابل، أو على السيارات المَارَّة. كان واقفًا، يتدفق عَرَقه .. كان واقفًا دون حَراك؛ لأن نفس القوة التي جعلت ذلك الكائن الخرافي الغاضب يتدفق داخله، ويخرج مندفعًا بعنفٍ في نظرته؛ هي التي شلَّت حركته تمامًا لدرجة العجز عن تحريك عضلة واحدة في جسمه .. فما بال أن يُمسك بمسدسه أو يَثني إصبعه على الزناد. والحقيقة أنه لم يكن قادرًا حتى على هزِّ رأسه لكي يطرد حبة عَرَق معذَّبة من على أرنبة أنفه. حوَّلته تلك القوة إلى حَجَر، والحقيقة أنها خلال تلك الساعات الطويلة حوَّلته إلى هيئة أبي الهول، هيئة مخيفة .. عاجزة .. كانت شيئًا مثل التوتر الكهربائي الذي يجذب قطعة من الحديد ويُمسك بها معلَّقة، أو القوة الشديدة في قنطرة مبنًى هائل تُمسك بكلِّ حَجَر في مكانه، كانت مجرد أمنية، كانت كل إمكانياتها كامنة في: «بودِّي، بإمكاني، أتمنى من كل قلبي.» وعندما كان يقلب كل تلك التمنِّيات والتهديدات واللعنات في عقله؛ كان جوناثان يعرف جيدًا أنه لن يفعلها، لم يكن ذلك النوع من البشر، لم يكن من النوع النزَّاع للقتل أو الهجوم المستمر، لا لأنَّ الجريمة قد تكون شيئًا بغيضًا من الناحية الأخلاقية بالنسبة له، وإنَّما لسببٍ آخر بسيط وهو أنه غير قادر بالمرة على إتيان شيء مؤكَّد .. لا قولًا، ولا فعلًا! لم يكن جوناثان رجل أفعال .. كان رجل إذعان .. ورضوخ! في الخامسة مساءً؛ وجد نفسه في حالة من البؤس لدرجة الاعتقاد أنه لن يبرح مكانه عند العمود على الدرجة الثالثة أمام مدخل البنك، وأنه سيموت هناك. شعَرَ بأنه كَبِر عشرين عامًا على الأقل، وأنه قد انكمش ثمانية بوصات خلال تلك الساعات الطويلة تحت حرارة الشمس، وأنه قد انصهر أو تفتَّت في أسْماله الداخلية. نعم؛ كان شيئًا أشبه بالتفتت لأنه لم يعُدْ يشعر برطوبة عَرَقه، نعم تفتَّت وتوزَّع في الجوِّ، احترق وتحطَّم مثل أحدِ تماثيل أبي الهول الحجرية بعد خمسة آلاف سنة، ولن يمرَّ وقت طويل قبل أن يجف تمامًا ويحترق ويصبح لا شيئًا، يتفتت إلى لا شيء، يصبح ترابًا أو رمادًا .. وسيرقد هنا، في هذه البقعة التي يحاول أن يقف على قدميه فيها مثل كومة صغيرة من القمامة، حتى تأتي نسمة هواء وتطيِّره في النهاية، أو تكنسه امرأةٌ عجوز، أو يمحوه المطر. نعم؛ هكذا سوف ينتهي، ليس مثل شخص كبير السِّن، محترَم، يعيش على معاشه في سريره وبين جدرانه الأربعة؛ ولكن هنا على مدخل البنك مثل كَوْمة قمامة صغيرة، وأنه يستطيع فقط أن يتمنَّى حدوث ذلك، أن تأتي عملية التحلُّل سريعًا، وأن تكون هناك نهاية لها. تمنَّى أن يفقد الوعي، وأن تنثني ركبتاه وأن يسقط. حاولَ بكلِّ قوة أن يفقد الوعي وأن ينهار. عندما كان طفلًا كان يستطيع أن يفعل ذلك؛ كان يبكي عندما يريد، وكان يستطيع أن يكتم نَفَسَه حتى يُغمى عليه أو يوقف إحدى دقات قلبه. الآن لا يستطيع أن يفعل شيئًا من ذلك؛ لم يعُدْ يستطيع التحكُّم في نفسه، لا يمكنه أن يَثني ركبتيه وأن يقرفص. كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يواصل وقوفه هكذا ويتحمل كل ما يمكن أن يحدث له. بعد ذلك سمع همهمة سيارة مسيو «رويدل» الليموزين .. لم يسمع صياحًا .. فقط تلك الهمهمة المكتومة التي تحدث عند بداية تشغيل المحرك عند خروج السيارة من الساحة الخلفية وباتجاه المدخل. وعندما وصلت تلك الضوضاء الخافتة إلى أذنيه اخترقتهما، ودبَّت مثل التيار عبْرَ كل عصب في جسده. كان جوناثان يشعر بالتشقُّق في كل أوصاله وبامتداد عموده الفقري؛ وحيث إنه كان يحسُّ — دون تدخل من جانبه — بأنَّ ساقه اليُمنى المتباعدة قد جذبتْ نفسها نحو الساق اليسرى، وبأنَّ القَدَم اليسرى قد دارت على محور الكعب، وكيف أنَّ الرُّكبة اليسرى قد ثَنتْ نفسها استعدادًا لخطوة .. وبعدها اليُمنى، ثم اليسرى؟! وكيف كان يضع قَدَمًا أمام الأخرى؟ كيف كان يمشي فعلًا؟ بل يجري في الحقيقة، كيف قفَزَ درجات السُّلَّم الثلاث وأسرع نحو المدخل بسهولة وفتَحَ الحاجز الحديدي، ووقَفَ في وضع «انتباه»، ورفَعَ يده اليُمنى بجوار حافة القبعة مؤدِّيًا التحية؛ لتمرَّ الليموزين .. فعَلَ ذلك كله بطريقة آلية ودون أيَّة إرادة منه، كان عقله الواعي مُشارِكًا فقط بمراقبة حركاته وسرعة استجابته. المشاركة الوحيدة التي قام بها «جوناثان» في الحدث؛ كانت عبارة عن نظرة حَنَقٍ، وهتافِ لعناتٍ خرساء تابع بها سيارة مسيو «رويدل» وهي تمرُّ. ولكنه عاد إلى وضعه الثابت، كانت ألسنة الغضب المُشتعِل، ذلك الوميض الأخير من الخصوصية يموت بداخله. وبينما هو يتسلَّق الدرجات الثلاث بطريقة آلية؛ تصاعدت البقية الباقية من كراهيته، فنظَرَ إلى الشارع بعينين توقفتا عن تقيؤ السُّم والغضب .. وكانت نظرته مكسورة. خُيِّل إليه أنهما ليستا عينيه، وكأنه كان يجلس خلفهما يُحدِّق منهما كما يُحدِّق من خلال نافذتين مستديرتين لا حياة فيهما. نعم! بدا له أنَّ كل ذلك الجسد الذي يضمُّه لم يعُدْ جسده. وأنه — «جوناثان» أو ما تبقَّى منه — لم يكن سوى قزم خرافي صغير منكمش داخل ذلك الهيكل الضخم لجسم غريب، قزم لا حول له ولا قوة، مسجون في آلة بشرية تضخَّمت، آلة معقَّدة لا يستطيع أن يُسيطر عليها ويُخضعها لإرادته، ولكنها محكومة — إن كان الأمر كذلك — بنفسها أو بقوة أخرى. في تلك اللحظة؛ كانت تلك الآلة تقف في هدوء أمام العمود، لم تعُدْ مستقِرَّة داخل نفسها الشبيه بأبي الهول، بل مطروحة جانبًا، أو مُعلَّقة بعيدًا عن الطريق مثل الماريونيت، واقفة هناك في الدقائق العشر المتبقية من نوبة الحراسة، إلى أن ظهر «مسيو فيلمان» في الخامسة والنصف تمامًا عند الباب المضاد للرصاص، ظهر للحظة وهو يقول: «سنُغلق.» عند ذاك عدَّلت آلة الماريونيت «جوناثان نويل» نفسها في الحركة المناسبة، ودخلت البنك. وضعتْ نفسها أمام لوحة التحكم الكهربائي لإغلاق الأبواب، شغَّلتها، وضغطتْ على التوالي الزِّرين الخاصَّين بجُزأي الباب الزجاجي .. لكي تسمح للعاملين بالخروج، ثم شاركت مدام «روك» في إغلاق أبواب الحريق في الخزانة التي سبق أن أغلقتها مدام «روك» مع مسيو «فيلمان»، أبطلت الجهاز الكهربائي الخاص بالأبواب، غادرت البنك مع مدام «روك» ومسيو «فيلمان». وبمجرد أن أغلق مسيو «فيلمان» الباب الداخلي، ومدام «روك» الباب الخارجي المضاد للرصاص؛ قامتْ بإغلاق البوابة الحديدية حسب التعليمات. وبعد أن انتهت من ذلك. انحنت الماريونيت انحناءةً خشبية نحو مدام «روك» ومسيو «فيلمان»، فتحتْ فمها وألقت إليهما: «تصبحون على خير»، و«عطلة سعيدة». ومع تعبيرات الشكر من جانبها؛ تلقَّت تمنِّيات مسيو «فيلمان» بنهاية أسبوع سعيدة، و«إلى اللقاء يوم الإثنين.» من مدام «روك». انتظرتْ حتى تحرَّك الاثنان بضع خطوات، ثم مضت مع تيار السائرين، تاركةً ذلك الدَّفْق البشري يدفعها في الاتجاه المعاكس. ••• المشي يُهدِّئ النفْس .. له قوة علاجية. وضعُ قدمٍ أمام الأخرى بانتظام مع التجديف المتناغم بالذراعين في نفس الوقت، ارتفاع التنفُّس، إثارة النبض الخفيفةُ، الحركات المطلوبة من العين والأذن لتحديد الاتجاه والحفاظ على التوازن، إحساسٌ بالهواء الساري وهو يلمس الجِلد. كل تلك؛ أحداث تجمع الجسم والعقل على نحوٍ لا يمكن مقاومته، وتسمح للرُّوح بأن تنمو وتتفتَّح مهما كانت ضامرة ومكلومة، وهذا ما حدث لجوناثان المُزدوَج، للقزم المحبوس في ذلك الجسد الدُّمية الواسع عليه، شيئًا فشيئًا، خطوةً خطوة، عاد ينمو داخلَ جسده، ملأه من الخارج، أصبح يتحكَّم فيه .. وأخيرًا توحَّد معه. كان ذلك بالقرب من ناصية شارع «دي باك». كان من المؤكَّد أن يتجه (جوناثان الماريونيت بطريقة آلية، مواصلًا طريقه المعتاد إلى شارع لابلانش)، وتجاهل شارع «سان بلاسيد» على يساره، حيث يوجد الفندق الذي يقيم فيه، ومضى إلى الأمام مباشرة حتى شارع «لابي جريجوري»، ومنه إلى شارع «فوجيرارد»، ومن هناك إلى حديقة «لكسمبورج». دخل الحديقة وسار ثلاث خطوات على الممر الخارجي العريض، الذي يُستخدم لرياضة العَدْو تحت الأشجار، التي تحدُّ السياج الخشبي، ثم انعطف جنوبًا، وسار في «بوليفار مونبارناس»، وحول المقابر، مرةً، مرتين؛ ثم اتجه غربًا في المنطقة الثالثة عشرة من المدينة، ثم قطَعَ الخامسة عشرة إلى «السين»، وسار على ضفة النهر، مُتَّجِهًا نحو الجنوب الشرقي .. إلى المنطقة السابعة .. ثم السادسة … ثم أبْعَدَ فأبْعَدَ .. لا نهاية لمساء صيفي كهذا في الحقيقة، ثم عائدًا إلى اللكسمبورج؛ حيث كانت الحديقة تُغلق أبوابها عندما وصَلَ إلى هناك. ثم توقَّف عند البوابة الحديدية الضخمة، وإلى اليسار من مجلس الشيوخ، الساعة الآن التاسعة، ولكن كل شيء حوله مُضيء وكأننا بالنهار، لا يستطيع المرء أن يستدل على قدوم الليل إلَّا بواسطة الأثر الذهبي الخفيف للضوء، ومن حوافِّ الظلال البنفسجية. حركة المرور في شارع «فوجيرارد» أصبحت خفيفة .. ثم متقطِّعة. وزحام البشر تفرَّق؛ الجماعات الصغيرة عند بوابات الخروج في الحدائق وعند نواصي الشوارع ذابت واختفت، واحدة بعد الأخرى، في الشوارع الكثيرة الضيِّقة حول «الأوديون» وكنيسة «سان سالبيس». الناس انصرفوا لتناول مشروب سريع أو إلى المطاعم .. والهواء رقيق مع رائحة عطر خفيف ينبعث من الزهور، خيَّم الهدوء. كانت باريس تأكل. فجأةً لاحظ أنه كان مرهقًا؛ ساقاه، ظهره، كتفاه، كلها توجعه بعد المشي ساعات طويلة، قدماه ملتهبتان في حذائه. فجأةً شعَرَ بالجوع، الجوع الشديد؛ لدرجة أنَّ مَعِدته كانت تتقلَّص، جائع للحساء، للسلاطة، للخبز الأبيض الطازج، ولقطعة لحم. كان يعرف أحد المطاعم القريبة في شارع «كانيت»، حيث يمكن أن يحصل على ذلك كله كوجبة كاملة بسعر مُحدَّد .. سبعة وأربعين فرنكًا، أو خمسين بالخدمة. لكنه لا يستطيع أن يذهب إلى هناك وهو في تلك الحال .. عَرْقَان ورائحته نفَّاذة، وبنطلونه ممزَّق. قرَّر أن يمشي حتى الفندق، كانت هناك في طريقه .. في شارع «آساس» بقالة تونسية. اشترى علبة سردين، وقطعة صغيرة من جبن الماعز، وحبة كُمَّثْرى، وزجاجة نبيذ أحمر وبعض الخبز العربي. ••• غرفة الفندق أصغر من غرفته في شارع «لابلانش»، وبالكاد أوسع من الباب الذي تدخل منه في جانب منها، وطولها عشرة أقدام على الأكثر، الجدران — بالتأكيد — لم تكن قائمة الزوايا، بل تنحرف واحدًا عن الآخر وتتسع الغرفة ليصبح عرضها حَوالَي سبعة أقدام .. ثم تنجذب نحو بعضها فجأةً وتتَّحد على شكل زاوية قبوية. للغرفة شكل النعش، مع أنها لم تكن أوسع من نعش! السرير يقف في جانب، وفي الجانب الآخر يوجد حوض غسيل وتحته «بيديه» يمكن نقله. في الزاوية القبوية يوجد كرسي. فوق حوض الغسيل على اليمين، تحت السقف بالضبط؛ كانوا قد فتحوا منفذًا، ليس أكثر من فتحة صغيرة مغطَّاة بزجاج، يمكن فتحها وإغلاقها بواسطة حبلين. ومن هذه الفتحة؛ كان يدخل تيار هواء خفيف شديد الحرارة والرطوبة إلى النعش، حاملًا معه من العالم الخارجي مزيجًا من أصوات قليلة مكتومة: خشخشة الصحون، وشيش الماء في الحمامات، مِزَق كلمات إسبانية وبرتغالية، ضحك قليل، بكاء طفل، وأحيانًا صوت آلة تنبيهِ سيارةٍ من بعيد. جثَمَ «جوناثان» على حافة سريره في ملابسه الداخلية ليأكل. كان قد جذب الكرسي ليستخدمه كطاولة، وضَعَ حقيبته الكرتون فوقه، وفرَدَ كيس مشترياته فوق ذلك كله، شقَّق السردينات الصغيرة بالطول مستخدمًا مِطواته، فرَدَ نصف سردينة، فرَدَها فوق شريحةِ خبزٍ ودفَعَها في فمه. أثناء المضغ كان لحم السردين الغارق في الزيت؛ يمتزج مع الخبز العربي، ويصبح لهما طعْمٌ شهي. ربما يحتاج الأمر بعض قطرات الليمون — هكذا فكَّر — ولكن ذلك كله كان قريبًا جدًّا من الطعام والشراب الجيد؛ لأنه بعد كل قضمة، وعندما كان يرشف رشفةً من النبيذ الأحمر من الزجاجة؛ كان يترك القضمة تتقلَّب على لسانه وبين أسنانه وهو يحسُّ بطَعْم السردين القوي مخلوطًا بالشذى الحمضي للنبيذ بدرجة مقنعة، ولدرجة أنَّ «جوناثان» كان كله ثقة في هذه اللحظة بأنه لم يسبق له أن تناول عَشاءً أفضل من ذلك في حياته. بالعلبة أربع سردينات، وهذا معناه ثماني قضمات يمضغها بتأنٍّ مع شرائح الخبز ومعها ثماني رشفات نبيذ، كان يأكل ببطء. قرأ مرةً في إحدى المجلات أنَّ الأكل بسرعة، وخاصة عندما تكون جائعًا جدًّا؛ ليس صحيًّا، وقد يؤدي إلى عسر هضمٍ وربما لمَغَصٍ أو قَيء. كان يأكل ببطء أيضًا؛ لأنه كان يعتقد أنها وجبته الأخيرة. بعد أن أكل السردين، ومسَحَ بقايا الزيت في العلبة ببقايا الخبز؛ أكَلَ جبن الماعز والكُمَّثْرى … الكُمَّثْرى ناضجة جدًّا لدرجة أنها كانت تنزلق من يده وهو يقشِّرها، وكانت قطعة الجبن كثيفة وصمغيَّة لدرجة أنها التصقت بنصل السِّكِّين، وفجأةً شعَرَ بطعمها الحمضي اللاذع في فمه حتى تغضَّنَتْ لِثَتُه، كما يحدث في حالة الخوف .. ثم جفَّ لُعابه للحظة. ولكن بَعدَ الكُمَّثْرى وقطعة حلوى، ثم الكُمَّثْرى ثانية؛ بدأ كل شيء يعمل ويمتزج ويسيل من سقفِ باطنِ الفم والأسنان، على لسانه، وإلى أسفل، ثم قطعة جبنٍ أخرى، رجفة بسيطة، ثم الكُمَّثْرى المهدِّئة، وجبن وكُمَّثْرى. كان الطعم لذيذًا لدرجة أنه كشَطَ بقايا الجبن من الورقة، وأكَلَ البقايا العالقة ببذرة الكُمَّثْرى التي كان قد نزَعَها من الثمرة. جلس فترة طويلة غارقًا في أفكاره، يلعق أسنانه بلسانه قبل أن يأكل ما تبقَّى من الخبز، ويشرب ما تبقَّى من النبيذ. بعد ذلك جمَعَ العلبة الفارغة وقِشْر الكُمَّثْرى وَوَرق الجبن، ولفَّها جميعًا في كِيس التسوُّق مع بقايا الخبز. وضَعَ المخلَّفات والزجاجة الفارغة في الركن خلف الباب، وتناولَ حقيبته من على الكرسي، وأعاد الكرسي مكانه في الزاوية القبوية، وغسَلَ يديه، وذهب لينام. طَوَى البطانية الصوف وأزاحها إلى آخر السرير، وغطَّى نفسه بالمُلاءة فقط، ثم أطفأ النور. كان الظلام تامًّا، لا شعاعَ ضوءٍ في الغرفة، ولا حتى من تلك الفتحة، لا شيء سوى ذلك التيار الضعيف المكتوم والأصوات القادمة من بعيد .. من بعيد جدًّا. كان الجو شديد الرطوبة، قال: «سأقتل نفسي غدًا»، وراح في النوم. ••• في تلك الليلة حدَثَتْ عاصفة رعدية، كانت واحدة من تلك العواصف التي لا تهبُّ فجأةً مصحوبةً بوابلٍ من صواعق البرق والرعد، بل من تلك التي تأخذ وقتًا طويلًا، وتحبس طاقتها لفترة غير قصيرة، لمدة ساعتين، ظلَّت متوارية في السماء دُون حَسْم، مصحوبة ببرقٍ خفيف ودمدمةٍ بسيطة، تنتقل من مكان لآخر، وكأنها لا تعرف أين تستجمع قوَّتها؟ وتتمدَّد طول الوقت .. تنمو وتنمو، ثم تُغطِّي المدينة في النهاية مثل بطانية من الرصاص الرقيق. انتظرتْ ثانيةً مستغِلَّة تردُّدها لكي تشحن نفسها بمزيد من التوتر .. ولكنها لم تهبَّ حتى الآن، ولا شيء يتحرَّك تحت البطانية، ولا نسمة — ولو ضئيلة — في ذلك الهواء الثقيل المشبَع بالرطوبة، ولا ورقة شجر، ولا ذرة تراب، المدينة نائمة كلها كأنها مخدَّرة، كانت ترجف تحت ذلك التوتُّر المعقَّد. المدينة نفسها كأنها العاصفة الرعدية التي تنتظر أن تنفجر في السماء! وأخيرًا مع اقتراب الصباح، ومع لمحةٍ من الفجر؛ حدَثَتْ قَصْفةٌ عنيفة واحدة، عنيفة وكأنَّ المدينة كلها قد انفجرت. انتصب «جوناثان» قائمًا في السرير، عقله الواعي لم يسمع القَصْفة، ولم يتبيَّن أنها رعد، وكان ذلك أسوأ؛ في لحظة اليقظة تلك كان الانفجار، سرى في جسده مَسرَى الرعب، الرعب المجهول الذي لا يعرف مصدره .. مثل الخوف من الموت. الشيء الوحيد الذي لاحظه؛ كان صدى القَصْفة، دمدمة تتردَّد، صدى الرعد الهادر .. كأنَّ المنازل في الخارج تنهار مثل خزائن الكتب، وكانت أول فكرة تضرب رأسه: هكذا نقضي .. هكذا النهاية! لا يقصد بذلك مجرد نهايته الشخصية، وإنَّما نهاية العالم كله، يوم القيامة — زلزال، القنبلة الذرِّية، أو كلاهما معًا — وهي على أيَّة حال .. النهاية التامة .. ولكنَّ صمتًا خيَّم فجأة. صمتٌ مثل الموت .. لا هدير، لا قعقعة، لا تشقُّق … لا شيء .. لا شيء .. ولا صدى لأي شيء! كان ذلك السكون المُفاجئ والمستمر أكثر رعبًا من زئيرِ عالَمٍ يفنى، فالآن .. يبدو لجوناثان رغم أنه كان ما يزال موجودًا؛ أن لا وجود لأيِّ شيء آخر، لا شيء حوله، لا أعلى، لا أسفل، لا خارج، لا شيء آخر يمكنه أن يُحدِّد اتجاهه به، كل الإدراك الحسِّي، الإحساس بالتوازن — أيُّ شيء يمكن أن يرشده، مَن هو؟ وأين كان؟ — سقَطَ في خواء وظلام السكون التام. كل ما يشعر به الآن هو قلبه الذي يركض، وارتعاشة جسده. عرَفَ فقط أنه كان في سرير — ولكن سرير مَن؟ وأين يوجد هذا السرير؟ — هذا إن كان له أيُّ وجود بالمرة، وأنه ربما يهوي في مكان سحيقٍ لا قرار له؛ لأنه بدأ يتمايل، ويُمسك المرتبة بكلتا يديه لكيلا ينقلب .. لكيلا يفقد ذلك الشيء الذي كان يُمسك به. حاول أن يجِدَ قدميه في الظلام بعينيه، في السكون بأذنيه؛ لم يسمع شيئًا، لم يرَ شيئًا، لا شيء بالمرة. مَعِدته تتقلص بشدة، وطَعْم السردين المروِّع يرتفع داخل أمعائه. كان يفكر .. لا تتقيَّأ .. لا تُخْرِج ما بداخلك الآن أيضًا، وبعد أَبَدٍ مروِّع رأى شيئًا؛ رأى وميضًا شاحبًا على يمينه، لمحةً من ضوء. حملَقَ فيها، وتعلَّق بها بعينيه، بقعة ضوء صغيرة .. مربعة، فتحة، حدًّا بين الداخل والخارج، شيئًا أشبه بالنافذة في الغرفة .. لكن أيَّة غرفة؟ من المؤكَّد أنَّ هذه ليست غرفته، «هذه ليست غرفتك، مستحيل، نافذة غرفتك عند نهاية السرير وليست عالية هكذا بالقرب من السقف .. لا .. ليست غرفتك في منزل عمك .. إنها الغرفة التي كانت لك وأنت طفل في منزل والديك في «شارنتون» .. لا! ليست غرفتك، إنها القبو. نعم؛ أنت في قبوِ منزل والديك، أنت طفل، كان مجرد حلمٍ بأنك قد كَبِرتَ وأصبحتَ حارسًا عجوزًا مقرِفًا في «باريس». لكنك طفل وتجلس الآن في قبوِ منزل والديك بينما تدور حربٌ في الخارج، أنت في فخ .. مدفون .. منسي! لماذا لا يأتون؟ لماذا لا ينقذونك؟ لماذا هذا السكون القاتل؟ أين الآخرون؟ يا إلهي! أين ذهبوا؟ لا أستطيع الحياة بدون الآخرين.» كان على وشك أن يصرخ، يريد أن يشقَّ الصمت بتلك العبارة .. بأنه لا يستطيع أن يعيش بدون الآخرين .. الكرب عظيم والخوف ممزِّق، ذلك الذي كان يشعر به الطفل العجوز «جوناثان»؛ لأن الكل قد تخلَّى عنه. ولكنه تلقَّى إجابةً في تلك اللحظة التي كان يريد أن يصرخ فيها؛ سمِعَ ضوضاء، سمِعَ طَرْقةً هادئة، ثم طَرْقةً أخرى، وثالثة .. ورابعة من شخصٍ ما فوقه، ثم تحوَّلت الطَّرقات إلى إيقاعٍ منتظمٍ رقيق، أصبح أكثر عنفًا، ثم لم يعُدْ إيقاعًا، أصبح صوتًا قويًّا مُتخَمًا، وأدرك «جوناثان» أنَّ ذلك كان اندفاع زَخَّات المطر. حينذاك عادت الغرفة إلى النظام، وأدرك «جوناثان» أنَّ تلك البقعة المثلَّثة اللامعة هي فتحة التهوية، وفي الضوء الضعيف تعرَّف على الحدود الخارجية لغرفة الفندق، حوض الغسيل، الكرسي، الحقيبة، الجدران … أرخى قبضته على المرتبة، جذَبَ رجليه إلى صدره وعقَدَ ذراعيه عليهما، ظلَّ جالسًا على هذا الوضع قُرَابَة نصف الساعة يستمع إلى صوت المطر، ثم وقَفَ وارتدى ملابسه، لم يكن في حاجة إلى إضاءة النور؛ فقد استطاع أن يتبيَّن طريقه في ذلك الضوء الخافت، أخَذَ الحقيبة والجاكت والمظلة وغادر الغرفة، نزَلَ على السُّلَّم بهدوء، في الدور الأرضي كان الحمَّال الليلي نائمًا عند مكتب الاستقبال، سارَ نحوه على أطراف أصابعه محاوِلًا ألَّا يوقظه، ضغَطَ على الزِّرِّ بحذر ليفتح الباب، سمِعَ تَكَّةً خفيفة، وانفتح الباب، خرج في الهواء الطلق. وفي الخارج كان ضوء الصباح الأزرق الرمادي يحتضنه، وكان المطر قد توقَّف، والماء يَنقُط من حوافِّ البنايات ويتساقط من مظلات النوافذ .. على الأرصفة تجمُّعات مائية صغيرة. سار «جوناثان» حتى شارع «سيفرس»، لا أحد هناك … ولا سيارات، البنايات قائمة .. صامتة في تواضُعٍ وبراءةٍ مؤثِّرة، كأنَّ المطر قد غسَلَ كبرياءها، وبهاءها المغرور، وكل ما تبعثه في النفوس من خوف. في الناحية الأخرى جرتْ قِطَّةٌ بسرعة من أمام واجهة العَرْض في قسم البقالة في محلات «بون مارشيه»، واختفت تحت طاولات الخضروات الخالية. على اليمين، عند ساحة «بوسي كاوت»؛ كانت الأشجار غارقة بالماء، وتُصْدِر طقطقة. وزوجٌ من الطيور الزرقاء بدأ يُصفِّر، والصفير يرتدُّ منعكِسًا من واجهات المباني، وكأنه يُعمِّق السكون المُخيِّم على المدينة. عَبَر «جوناثان» شارع «سيفرس»، وانعطف إلى شارع «دي باك» مُتَّجِهًا ناحية البيت، مع كل خطوة كانت نعلاه المبتَلَّتان تطرطشان الماء على الأسفلت، وكأنه يسير عاري القدمين. وكان بذلك يعني الصوتَ أكثر مما هو الإحساس الزَّلِق بالرطوبة في حذائه وجوربه. الآن يشعر برغبةٍ مُلِحَّة في أن يخلع الحذاء والجورب، وأن يُكمل الطريق عاري القدمين، ويعرف أنه إن لم يفعل ذلك فإنَّما من باب الكسل، وليس لأنه يَعتبِر ذلك غير لائق .. ولكنه كان يخوض باجتهاد وحِرْص! عبرَ بِرَك الماء الصغيرة .. يخوض في وسطها بالضبط ويسير في خط متعرِّج من بِركة إلى أخرى، ويعبُر الطريق أحيانًا لأنه رأى بركةً أكبر على الرصيف البعيد، ويضرب بنعليه، ويرسل الرذاذ والرشاش أعلى واجهات العرض والسيارات المركونة في الناحية الأخرى وعلى رجلي بنطاله، كان مبتهِجًا ويحبُّ أن يُحدِث تلك الفوضى الطفولية .. شيء أشبه بالحرية الكبيرة التي عادت إليه، وكان ما زال مسافرًا على أجنحةِ النعيم عندما وصَلَ إلى شارع «لابلانش»، دخَلَ المبنى مسرعًا من أمام غرفة مدام «روكار» المغلقة، عبَرَ الفناء الخلفي، وتسلَّق سُلَّم الخَدَم الضَّيِّق. عندما وصل إلى نهايته، واقترب من الدور السابع، هنا فقط شعَرَ بالخوف فجأةً في نهاية رحلته. الحمامة هناك .. فوق .. تنتظر.. الحمامة .. ذلك الحيوان المرعب، ستكون رابضة في نهاية الممرِّ بقدميها الحمراوين المخضَّبتَين، من حولها بقاياها وكُتَل صغيرة من زَغَبها المتراكِم .. ومن المستحيل تجنُّبها؛ لأنَّ الممرَّ ضيِّق. وقَفَ، ووضَعَ حقيبته على الأرض رغم أنَّ كل المتبقي كان لا يزيد عن خمس خطوات. لم يكن راغبًا في الرجوع. كل ما يريده هو أن يتوقَّف دقيقة واحدة؛ ليلتقط أنفاسه ويترك قلبه يهدأ قليلًا قبل أن يُكمل المسافة الباقية من الممرِّ. نظَرَ خلفه. نظرته تَتْبَع الالتفافات اللولبية والبيضاوية في الدرابزين حتى بئر السُّلَّم. وعند كل دَوْر؛ كان يرى أشعة الضوء الساقطة من الأجناب، كان ضوء الصباح قد فَقَدَ زُرقته وأصبح مصفرًّا وأكثر دفئًا .. فكَّر في ذلك، ومن الشقق الأنيقة تترامى إلى مسمعه الأصوات الأولى للبيوت المستيقظة: رنين الأكواب، صوت مكتوم لباب ثلاجةٍ يُغْلَق، موسيقى خفيفة من الراديو. حمَلَ حقيبته، وواصَلَ. فجأةً لم يكن خائفًا؛ عندما دخل الممرَّ رأى شيئين مباشرةً، وبنظرةٍ واحدة: الشبَّاك المغلَق، وخرقة تنظيفٍ كانت متروكة فوق الحوض بجوار الحمَّام المشترَك لكي تجفَّ. لا يستطيع أن يكشف طريقه كله حتى نهاية الممر؛ مربع الضوء الساطع من الشبَّاك قطَعَ خط البصر. سار إلى الأمام، ليس خائفًا، سار في الضوء، دخَلَ منطقة الظل بعده، الممرُّ خالٍ تمامًا، الحمامة اختفت، والبقع التي كانت على الأرض تمت إزالتها .. لا توجد ريشة واحدة، ولا أثر لأي زَغَبٍ يتراقص على البلاط الأحمر.
|
{
"chapter": "الحمامة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "هوس العمق: وقصص أخرى",
"url": "https://www.hindawi.org/books/64203813/4/"
}
|
بعد اختفاء علوان أغرق في وحدةٍ مُطلَقة. حزني عميق، وحزن أبوَيه لا قرار له، أما العالَم حولنا فيشرئبُّ إلى أمل جديد، ورندة أيُّ شجاعةٍ ساقتها إلى المحكمة لتُدافع عن الشاب بحيائها وكرامتها؟! وكان من حُسن الحظ أن تُشخَّص الجريمة كضربٍ أفضى إلى موت. أعوام تمرُّ ثم يُغادر السجن صاحب حرفة يكون بها أقدر على تحديات الحياة وتحقيق آماله. لا أحسبني أراه مرةً أخرى، سيجد حجرتي خالية فيُمكنه أن يتزوَّج حبيبته فيها. تُرى هل بقيتُ أكثر مما يجوز؟ وهل لعبت دورًا وأنا لا أدري في تعقيد مشكلته؟! آن لي أن أنضمَّ إلى فريق المُسبِّحين المُتطلِّعين إلى الأبدية في رحاب ذي الجلال.
|
{
"chapter": "محتشمي زايد",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "يوم قُتل الزعيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/94694257/22/"
}
|
توقف قلبُ مارجريت المتألم تمامًا. لم تسمع الرجال المتربِّصين يتأهبون للقتال، لكنها شعرَت بذلك. أخبرتها حواسُّها بأن كل واحدٍ منهم كان يجثم، وسيفه في يده، متأهبًا للانقضاض. كان الصوت يقترب شيئًا فشيئًا؛ ووسط الاتساع الهائل لهذه الجروف المنعزلة، وضجيج همهمة البحر العالية بالأسفل، كان من المستحيل معرفةُ كم هو قريبٌ أو بعيد، أو من أي اتجاهٍ يأتي ذاك المغنِّي المبتهج، الذي كان يُغني «ليحفظ الربُّ الملك» بينما كان هو نفسه واقعًا في هذا الخطر المميت. كان الصوت خافتًا في البداية، ثم علا شيئًا فشيئًا؛ ومن وقتٍ إلى آخَر كان بعضُ الحصى الصغير ينفصل عن الأرض تحت وَقْع خطوات المغنِّي الثابتة، ويتدحرجُ إلى أسفل الجرف نحو الشاطئ في الأسفل. شعَرَت مارجريت بينما كانت تستمع بأن حياتها نفسها تنسلُّ منها، كما لو أن ذاك المغنيَ سيُصبح أقربَ إلى الوقوع في الفخ كلما اقترب ذلك الصوت … سمعَت بوضوحٍ صوتَ طقطقة بندقية ديجا بالقرب منها. لا! لا! لا! لا! أوه، يا إلهَ السموات! لا يمكن لهذا أن يحدث! لتكُن مسئولةً عن دم أرماند! لتوصَف بأنها قاتلة! لِتدَع حتى ذلك الأخ الذي تُحبه يكرهها ويحتقرها بسبب هذا، لكن يا إلهي! أوه يا إلهي! ستُنقذ زوجها بأي ثمن! بصرخةٍ جامحة هبَّت واقفةً على قدميها وانطلقَت مسرعةً من حول الصخرة التي كانت منبطحة عليها؛ رأت بصيصَ الضوء الأحمر الصغير من خلال تشقُّقات الكوخ، فركَضَت إليه وارتمَت على جُدرانه الخشبية وبدأتْ تطرق عليها بقبضَتَيها في نوبةِ اهتياج شبه جنوني وهي تصرخ: «أرماند! أرماند! لأجل الرب أطلِق النار! قائدُك قريبٌ من هنا! إنه قادم! لقد وُشِي به! أرماند! أرماند! أطلق النارَ بحق السماء!» أُمسِك بها وطُرِحَت أرضًا. تمدَّدَت هناك متأوِّهة، ومرضوضة، ولا مبالية، لكنها ظلَّت منخرطةً في مزيجٍ من النحيب والصراخ: «بيرسي، زوجي، لأجل الرب اهرب! أرماند! أرماند! لِم لم تُطلق النار؟» بفحيح قال شوفلان الذي امتنع عن ضربها بصعوبةٍ بالغة: «ليوقف أحدُكم صراخَ تلك المرأة.» رُمي شيءٌ ما على وجهها؛ فلم تستطع أن تتنفَّس وأُسكِتَت رغمًا عنها. كان ذاك المغني الجريء أيضًا قد صمَت، فمن المؤكد أن صرخات مارجريت المحمومة نبَّهَته إلى الخطر الوشيك المحدِق به. هبَّ الرجال واقفين على أقدامهم، لم يكن يوجد داعٍ إلى أن يُواصلوا التزام الصمت، فقد تردَّد صدى صرخات المرأة المسكينة المكسورةِ القلب عبر الجروف نفسها. تمتم شوفلان بشتيمةٍ مُنذِرة بسوءٍ وخيمٍ على مارجريت؛ لأنها تجرَّأَت على إفساد خُطته الغالية، وصاح بالأوامر سريعًا: «إلى الداخل يا رجالي، ولا تدَعوا أحدًا يهرب من ذاك الكوخ حيًّا!» كان القمر قد بزغ مرةً أخرى من بين السحُب؛ وكان الظلام المخيِّم على الجروف قد رحل، وحلَّ مكانه مجددًا ضوءٌ فِضيٌّ ساطعٌ. اندفع بعضُ الجنود نحو باب الكوخ المهترئ، بينما لم يبقَ أحدٌ منهم لحراسة مارجريت. كان الباب مواربًا؛ فدفعه أحدُ الجنود فاتحًا إياه، لكن الظلام كان يُخيم على كل شيءٍ، ما عدا الفحم المشتعل الذي كان يشعُّ ضوءًا أحمرَ خافتًا في أبعدِ أركان الكوخ. توقف الجنودُ تلقائيًّا عند الباب، كآلاتٍ تنتظر أوامرَ أخرى. أما شوفلان الذي كان متأهبًا لهجومٍ عنيف من الداخل، ولمقاومةٍ شرسة من الهاربين الأربعة تحت غطاء الظلام، فوقف لحظةً مشلولًا من شدةِ الذهول حينما رأى الجنود يقفون هناك منتصبين في هدوء، كالحرَس في مُناوبة، بينما لم يَصدر أيُّ صوتٍ من الكوخ. توجَّه هو أيضًا نحو باب الكوخ ممتلئًا بتوجُّسٍ قلقٍ غريب، وألقى نظرةً خاطفة على العتمة وسأل بسرعة: «ما معنى هذا؟» أجاب أحد الجنود ببرود تام: «أظن أيها المواطن أن لا أحد موجود هنا الآن.» صاح شوفلان متوعِّدًا بصوتٍ مُدوٍّ: «لم تتركوا أولئك الرجالَ الأربعة يهربون، أليس كذلك؟ أمَرتُكم ألَّا تتركوا أحدًا يهرب حيًّا! بسرعة، الحَقوا بهم جميعًا! بسرعة، في كل اتجاه!» أسرَع الرجال، مُطيعين كالآلات، إلى أسفل الجرف الصخري نحو الشاطئ، وبعضُهم نحو اليمين واليسار بأسرعِ ما أمكنَ أقدامهم أن تحملهم. قال شوفلان بشراسةٍ للرقيب الذي كان مسئولًا عن الرجال: «أنت ورجالك ستدفعون الثمنَ بأرواحكم أيها الرقيب»، وأضاف وهو يستدير نحوَ ديجا مزمجرًا: «وأنت أيضًا أيها المواطن، بسبب مخالفة أوامري.» قال الرقيب متجهِّمًا: «أنت أمرتَنا بالانتظار أيها المواطن، حتى يصل الرجلُ الإنجليزي الطويل وينضمَّ إلى الرجال الأربعة في الكوخ. ولم يأتِ أحد.» «لكنني أمرتُكم الآن، عندما صرَخَت المرأة، أن تقتحموا ولا تدَعوا أحدًا يهرب.» «لكن، أيها المواطن، الرجال الأربعة الذين كانوا هناك قبلًا، قد رحَلوا منذ بعض الوقت، على ما أظن …» قال شوفلان وهو يكاد يختنقُ من الغضب: «تظن؟ … أنت؟ … وتركتموهم يذهبون …» اعترض الرقيب قائلًا: «أنت أمرتنا بالانتظار أيها المواطن، وبأن نُطيع أوامرك بحذافيرها وإلا فستقتلُنا. فانتظرنا.» أضاف، بينما بدا شوفلان ثابتًا عاجزًا تمامًا عن الكلام من شدةِ الحَنق: «سمعتُ الرجال يتسللون خارج الكوخ، بعد دقائق قليلة من اختبائنا وقبل أن تصرخ المرأةُ بكثير.» قال ديجا فجأةً: «أصغُوا!» سمع صوت إطلاق نارٍ متكرر قادمًا من بعيد. حاول شوفلان أن يُلقيَ نظرة خاطفة بطول الشاطئ الواقع في الأسفل، ولكن من سوء حظه أن القمر ذا الضوء المتقطع اختفى مجددًا خلف كومةٍ من السحب، ولم يتمكَّن من رؤية شيء. قال أخيرًا بتلعثُم: «ليذهب أحدُكم إلى الكوخ ويُشعل نارًا.» أطاعه الرقيب ببلادة؛ فذهب نحو الفحم المشتعِل وأضاء مصباحًا صغيرًا كان يحمله على حزامه، كان واضحًا أن الكوخ فارغٌ تمامًا. سأل شوفلان: «في أيِّ اتجاه ذهبوا؟» قال الرقيب: «لا يمكنني أن أحدِّد أيها المواطن؛ فقد ذهبوا إلى أسفل الجرف أولًا، ثم اختفَوا خلف الجلاميد.» «صه! ما كان ذلك الصوت؟» أصغى الرجال الثلاثة بانتباه. كان يمكن سماعُ صوتٍ خافت يتردَّد صداه من بعيد جدًّا ويتلاشى بالفعل؛ صوت اضطرابٍ حاد سريع في الماء بفعل نصف دزينة من المجاديف. أخذ شوفلان منديله ومسح العرق المتصبِّب من جبينه. قال لاهثًا: «المركب الشراعي!» ولم ينطق بحرفٍ آخر. كان واضحًا أن أرماند سان جوست ورفاقه الثلاثة كانوا قد تمكَّنوا من التسلل على طول جانب الجروف، في حين أن الرجالَ التزموا، كجنود الجيش الجمهوري المتمرس الحقيقيِّين، التزامًا أعمى بإطاعة أوامر شوفلان بحذافيرها خوفًا على حياتهم، وانتظروا الإنجليزيَّ الطويل الذي كان هو الصيد المهم. ومن المؤكَّد أن المطارَدين الأربعة قد وصلوا إلى أحد الخلجان الصغيرة التي كانت تبرز إلى عُرض البحر من هذا الساحل على مسافات متباعدة، ولا شكَّ في أن مركب «داي دريم» كان يترقب وصولهم بعد هذه الخلجان، وأنهم صاروا آمنين الآن على متن المركب الشراعي الإنجليزي. سُمع دويُّ بندقية مكتوم من عرض البحر، كما لو أنه يؤكد هذا الافتراض. قال ديجا بهدوء: «المركب الشراعي أيها المواطن؛ لقد انطلق.» احتاج شوفلان إلى كل أعصابه وحضور ذهنه حتى لا يستسلمَ لغضبٍ عديم الجدوى قد ينتقصُ من هيبته. لم يكن يوجد شكٌّ الآن في أن ذاك الرأسَ الإنجليزي اللعين كان قد استطاع مجددًا أن يَفوقه دهاءً تمامًا. فكيف تمكَّن من الوصول إلى الكوخ بدون أن يراه أحدٌ من الجنود الثلاثين الذين كانوا يحرسون المكان، كان ذلك أبعدَ ممَّا يستطيع شوفلان تصوُّرَه. من الواضح إلى حدٍّ كبير بالطبع أنه كان قد وصل إلى الجرف قبل الرجال الثلاثين، ولكن كان من المستحيل تفسيرُ الكيفية التي جاء بها إلى هنا بعرَبة روبن جولدشتاين طوال الطريق من كاليه بدون أن تلمحَه دورياتُ الحراسة الكثيرة المتيقِّظة. بدا حقًّا كما لو أنَّ قوةً إلهية تحرس سكارليت بيمبرنيل الجريء ذاك، وكاد عدوُّه الماكر يشعر بقُشَعريرة متطيرة مؤمنة بالخرافات تسري في جسده وهو ينظر حوله نحو الجروف الشاهقة وعُزلة هذا الشاطئ البعيد. لكن هذا كان أمرًا واقعًا بالتأكيد! وفي عام ١٧٩٢، لم تكن توجد جنِّياتٌ ولا عفاريت. لقد سمع شوفلان وكلُّ رجاله الثلاثين بآذانهم صوتَ ذاك اللعين يُغني لِيَحفظ الربُّ الملك طوال عِشرين دقيقةً كاملة، بعدما اختبَئوا كلهم حول الكوخ، ولا بد أن الأربعة المطارَدين، بحلول ذاك الوقت، كانوا قد وصَلوا إلى الخليج، وصعدوا إلى متن قارب، وأقرب خليجٍ كان يبعد عن الكوخ أكثرَ من ميل. فإلى أين ذهب ذلك المغنِّي الجريء؟ ما لم يُعِره الشيطان نفسُه أجنحة، لا يمكنه أن يقطع هذا الميل على جرفٍ صخري في غضون دقيقتين؛ وقد مضَت دقيقتان فقط بين أغنيته وصوتِ مجاديف القارب في عُرض البحر. لا بد أنه تخلَّف عنهم، وأنه يختبئ الآن في مكانٍ ما في الجروف، ما زالت الدورياتُ منتشِرةً في أرجاء المكان، وسيُلاحظونه بلا شك. شعَر شوفلان بالأمل مجددًا. كان بضعةُ رجال ممن ركَضوا للعثور على المطارَدين يصعدون الجرف الآن ببُطء، ووصل أحدُهم إلى جانب شوفلان في اللحظة ذاتِها التي وُلد فيها هذا الأمل في قلب الدبلوماسي الداهية. قال الجندي: «لقد تأخَّرنا كثيرًا أيها المواطن، وصلنا إلى الشاطئ قُبيلَ اختفاء القمر خلف كومة الغيوم مباشرةً. من المؤكد أن القارب كان يترقَّب وصولَهم خلف ذلك الخليج على بُعد ميل، لكنه كان قد انطلق منذ بعض الوقت عندما وصلنا إلى الشاطئ، وكان قد قطَع مسافةً داخل البحر بالفعل. أطلقنا النارَ عليه، لكن ذلك لم يكن مُجديًا بالطبع. كان منطلقًا باستقامةٍ وبسرعة نحو المركب الشراعي. رأيناه بوضوحٍ شديد في ضوء القمر.» قال شوفلان بنفادِ صبر متلهِّفًا: «قلتَ إنه كان قد رحل منذ بعض الوقت وإن أقربَ خليج يبعد ميلًا عن هنا.» «أجل أيها المواطن! ركَضتُ طوال الطريق مباشرة نحو الشاطئ، مع أنني خمَّنتُ أن القارب سيكون منتظرًا في مكانٍ ما بالقرب من الخليج؛ لأن المدَّ كان سيصل إلى هناك في أقرب وقت. لا بد أن القارب قد رحل قبل أن تبدأ المرأة الصراخ ببِضع دقائق.» قبل أن تبدأ المرأة الصراخ ببضع دقائق! إذن فآمال شوفلان لم تكن خادعة. ربما يكون سكارليت بيمبرنيل قد دبَّر وسيلةً لإرسال الهاربين أولًا إلى القارب، لكنه هو نفسه لم يكن لديه وقتٌ للوصول إليه؛ أي إنه ما زال على الشاطئ، وكل الطرق خاضعةٌ لحراسة مشدَّدة. على أي حال، لم يَضِع كلُّ شيءٍ بعد، ولن يَضيع، ما دام ذاك البريطانيُّ الوقح على التراب الفرنسي. أمَر شوفلان بلهفةٍ وهو يدخل الكوخ ثانية: «أحضِر المصباح إلى هنا!» أحضَر الرقيبُ مصباحه، واستكشف الرجلان المكانَ الصغير؛ وبنظرةٍ سريعة، لاحظ شوفلان محتوياته: المِرْجَل الموضوع بالقرب من ثقبٍ في الجدار، ويحتوي على آخِر الجمرات القليلة المحتضرة من الفحم المشتعل، وكرسيَّين صغيرين مقلوبين كما لو أن ذلك حدث وسط تعَجُّل مغادرة فجائية، ثم أدوات الصياد وشِباكه المُلقاة في أحد الأركان، وبجوارها شيءٌ صغيرٌ أبيض. قال شوفلان للرقيب مشيرًا نحو القصاصة الورقية البيضاء: «التقِط تلك، وأحضِرها إليَّ.» كانت قطعةً ورقيةً مجعدة، من الواضح أن المطارَدين نسوها هناك بينما كانوا متعجلين للهروب. كان الرقيبُ متهيبًا جدًّا من غضب المواطن ونفاد صبره، فالتقطَ الورقة وسلَّمها باحترامٍ إلى شوفلان. قال الأخير باقتضاب: «اقرأها أيها الرقيب.» «تكاد تكون غيرَ قابلةٍ للقراءة أيها المواطن … خربشة رديئة جدًّا. …» كرَّر شوفلان بضراوة: «أمرتُك بأن تقرأَها.» بدأ الرقيب على ضوء المصباح يفكُّ طلاسم الكلمات القليلة المخَرْبَشَة على عجل. «لا يمكنني الوصولُ إليكم بدون المجازفة بحياتكم وتعريضِ نجاح عملية إنقاذكم للخطر. عندما تتسلَّمون هذه، انتظروا دقيقتين، ثم انسَلُّوا خارج الكوخ واحدًا تِلوَ الآخر، واتجِهوا إلى يساركم فورًا، وانزلوا بحذرٍ إلى أسفل الجرف، والتزموا بالناحية اليسرى طوال الوقت، حتى تصلوا إلى الصخرة الأولى التي ترَونها بارزةً إلى مسافةٍ بعيدة داخل البحر؛ خلفها في الخليج يوجد القاربُ الذي يترقَّب وصولكم … أطلِقوا صفيرًا حادًّا طويلًا … سيقترب منكم … اصعَدوا على متنه … سيأخذكم رجالي إلى المركب الشراعي، ومنه إلى إنجلترا وبرِّ الأمان، حالما تكونون على متن «داي دريم»، أرسِلوا القارب مجددًا إليَّ، أخبِروا رجالي بأنني سأبقى على الخليج المقابل مباشرةً لنزل «القط الرَّمادي» بالقرب من «كاليه». هم يعرفونه. سأكون هناك بأسرع ما يمكن … لا بد أن ينتظروني على مسافةٍ آمنة في عُرض البحر، إلى أن يسمعوا الإشارة المعتادة. لا تتلكَّئوا … والتزموا بهذه التعليمات بحذافيرها.» أضاف الرقيب وهو يُعيد الورقة إلى شوفلان: «ثم يوجد توقيعٌ أيها المواطن.» لكن شوفلان لم ينتظر لحظة. إذ لفتَت انتباهَه عبارةٌ واحدة من هذه الخربشة المستعجلة البالغة الأهمية. «سأبقى على الخليج المقابل مباشرة لنزل «القط الرمادي» بالقرب من كاليه»؛ تلك العبارة قد تَعني النصر له. صاح في رجاله الذين كانوا بحلولِ هذه اللحظة قد عادوا كلُّهم واحدًا تلو الآخَر من مطاردتهم بخُفَّي حُنين، وكانوا كلُّهم مجتمعين حول الكوخ مجددًا: «أيكم يعرف هذا الشاطئ جيدًا؟» قال أحدهم: «أنا أيها المواطن؛ فقد وُلدتُ في كاليه، وأعرف كلَّ حجرٍ من هذه الجروف.» «يوجد خليجٌ مقابلٌ مباشرةً لنزل «القط الرمادي»؟» «يوجد أيها المواطن. وأعرفه جيدًا.» «الإنجليزي يتطلَّع إلى الوصول إلى ذلك الخليج. وهو لا يعرف كلَّ حجرٍ من هذه الجروف؛ لذا قد يذهب إلى هناك عبرَ أطولِ طريقٍ غير مباشر، وبأي حال، سيَمضي بحذر خوفًا من دوريات الحراسة. على أي حال، ما زالت توجد فرصةٌ للإمساك به. ألف فرنك لكلِّ رجل يصل إلى ذاك الخليج قبل ذاك الرجل الإنجليزي ذي الساقَين الطويلتَين.» قال الجندي: «أعرف طريقًا مختصرًا عبر الجروف»، واندفَع إلى الأمام بصرخةٍ حماسية، وتبعه رفاقه عن كثب. تلاشى صوتُ خطواتهم الراكضة بعيدًا في غضون بضع دقائق. ظلَّ شوفلان يستمع إلى صوتهم للحظة؛ كان الوعد بالمكافأة يُحفز جنودَ الجمهورية. ومن جديد عاد بريق الكراهية والانتصار المتوقع يظهر على وجهه. ظل ديجا واقفًا بجواره صامتًا هادئًا بانتظار أوامرَ أخرى، بينما كان اثنان من الجنود جاثِيَين على رُكبِهما بجوار جسد مارجريت الممدَّد على الأرض. ألقى شوفلان نظرةً شرسة على كاتم أسراره. فخُطَّته المحكَمة قد فشلَت، وكانت تكملتُها مليئةً بالمشكلات، فما زالت توجد احتماليةٌ كبيرة بأن يهرب سكارليت بيمبرنيل ذاك، وكان شوفلان، بذاك الغضبِ الجنوني الذي أحيانًا ما يُهاجم الطبائع القوية بشراسة، يتوق إلى أن يُنفِّس عن غضبه بصَبِّه على أحدٍ ما. كان الجنديَّان يُثبتان مارجريت على الأرض، مع أن المسكينة لم تكن تُبدي أدنى مقاومة. فبِنْيتها المجهَدة كانت قد عبَّرَت عن نفسها أخيرًا بشكل قاطع، وكانت مارجريت ممدَّدةً هناك فاقدة الوعي تمامًا كأنها ميتة، فيما كانت عيناها مُحاطتَين بهالات بنَفسَجية عميقة تحكي عن ليالٍ طويلةٍ بلا نوم، وكان شعرها مُلبَّدًا ورطبًا حول جبينها، وشفتاها مفترقتين بانحناءةٍ حادة تنمُّ على شدة الألم البدني. كانت أذكى امرأة في أوروبا، الليدي بليكني الأنيقة العصرية، التي أبهَرَت مجتمعَ لندن بجمالها وذكائها وبذخِها، تُجسد صورةً مثيرةً جدًّا للشفقة للأنوثة المنهَكة المعانية، وكانت ستجتذب عطفَ أيِّ شخصٍ ما عدا القلبَ القاسيَ الانتقامي لعدوها المحبط. قال للجنديَّين بغِلٍّ شديد: «لا فائدة من فرض حراسة متواصلة على امرأةٍ شبه ميتة، في حين أنكما سمَحتُما لخمسة رجالٍ في غاية النشاط والحيوية بالفرار.» فوقف الرجلان مُطيعَين على أقدامهما. «من الأفضل لكما أن تُحاولا أن تجدا لي ذاك الممشى مجددًا وتلك العربة المتهالكة المتروكة على الطريق.» ثم فجأةً بدا أن فكرةً نَيِّرةً خطرَت بباله. «آه! بالمناسبة! أين اليهودي؟» قال ديجا: «قريبٌ من هنا أيها المواطن. لقد كمَّمتُه وقيدتُ ساقيه معًا كما أمرتَ.» ومن المكان الملاصِق لهم مباشرة، وصل أنينٌ حزين إلى أذُنَي شوفلان. تبع كاتمَ أسراره، الذي قاده إلى الجانب الآخر للكوخ، حيث كان سليلُ بني إسرائيل التعِسُ مكوَّمًا في حالةٍ من الاكتئاب التام، فيما كانت ساقاه موثقَتَين معًا بإحكام وكان فمُه مكممًا. بدا وجهه في ضوء القمر الفضيِّ مروَّعًا تمامًا من شدة الرعب؛ فعيناه كانتا مفتوحتَين على اتساعِهما وشبه زجاجيتَين، فيما كان جسده كلُّه يرتجف كما لو كان مصابًا بالحمَّى، بينما أفلتَ عويلٌ بائسٌ مثير للشفقة من بين شفتَيه الشاحبتين. كان واضحًا أن الحبل الذي أصلًا قد لُفَّ حول كتفَيه وذراعيه قد انفك؛ وذلك لأنه كان مُلقًى على الأرض مكومًا متشابكًا بالقرب من جسده، ولكن بدا أن اليهوديَّ لم يكن واعيًا لذلك إطلاقًا؛ لأنه لم يُحاول التزحزح قِيدَ أَنمُلة من المكان الذي كان ديجا قد تركَه فيه أصلًا؛ كدجاجةٍ مذعورة تنظر إلى خطٍّ مرسوم بالطبشور على طاولة، معتبرةً إياه حبلًا يعيق حركتها. أمر شوفلان الجنديَّين: «اجلبا البهيم الجبان إلى هنا.» من المؤكد أنه كان يشعر بغِلٍّ مُفرط، ولما لم يكن لديه أسبابٌ منطقية للتنفيس عن غضبه بصبِّه على الجنود الذين لم يفعلوا شيئًا سوى الامتثال لأوامره بحذافيرها، شعر بأن سليل العِرْق المحتقَر سيكون كبشَ فداءٍ ممتازًا. وبازدراءٍ فرنسيٍّ حقيقيٍّ للعرق اليهودي الذي نجا عبر القرون السالفة حتى يومِنا هذا، لم يقترب منه كثيرًا، لكنه قال بسخرية لاذعة بينما أحضَر الجنديَّان الرجل العجوز البائس إلى ضوء القمر الكامل: «أظن، بما أنك يهودي، أنك تتذكَّر الاتفاقاتِ والصفقات جيدًا؟» أمَره مجددًا: «أجِب!»، حين بدا أن شفَتَي اليهودي المرتعدتين أشدُّ خوفًا من أن تتكلما. قال البائس المسكين متلعثمًا: «أجل، سيادتك.» «إذَن فأنت تتذكَّر الاتفاق الذي عقَدْناه أنا وأنت في كاليه، عندما تعهدتَ بأن تُدرك روبن جولدشتاين وحصانه الهزيل وصديقي الغريبَ الطويل؟ هه؟» «ﻟ… ﻟ… لكن … سيادتك …» «لا تُجادل، أقول لك هل تتذكَّر؟» «أ… أ… أ… أجل … أجل سيادتك!» «ماذا كان الاتفاق؟» خيَّم صمتٌ مُطبِق. نظر الرجل التعسُ حوله إلى الجروف الشاسعة، والقمر في الأعلى، ووجوه الجنود المتبلِّدة، وحتى إلى المرأة المسكينة الهامدة بالقرب منه، لكنه لم يقل شيئًا. زمجر شوفلان متوعدًا بصوتٍ مُدوٍّ: «هل ستتكلم؟» بالفعل حاول البائس المسكين لكن من الواضح أنه لم يستطع. ولكن من المؤكَّد أنه كان يعرف ردَّ الفعل المتوقَّعَ من الرجل الصارم أمامه. تجرَّأ متوسلًا: «سيادتك …» قال شوفلان ساخرًا: «بما أن ذُعرك قد شلَّ لسانك، فيجب أن أُنعِش ذاكرتك. لقد اتفقنا فيما بيننا على أننا إن أدركنا صديقي الغريبَ الطويل، قبل أن يصل إلى هذا المكان، فستأخذ عشْرَ قطع ذهبية.» أفلَت أنينٌ خافتٌ من بين شفتَي اليهودي المرتعشتين. أضاف شوفلان بتشديدٍ بطيء: «لكن، إن خدَعتَني ولم توفِ بوعدك، فستُضرب ضربًا مبرحًا، ضربًا سيُعلمك ألَّا تكذب.» «لم أفعل سيادتك؛ أُقسم بإبراهيم …» «وبكل رُؤَسَاء الآبَاءِ، أعرف. من سوء الحظ أنهم كلهم ما زالوا في عالم الأموات، على ما أعتقد، بحسبِ عقيدتك، ولا يمكنهم مساعدتُك كثيرًا في ورطتك الحاليَّة. الآن، أنت لم تَفِ بحصتك من الاتفاق، لكنني مستعدٌّ للوفاء بحصتي.» أضاف وهو يستدير ناحية الجنديَّين: «اسمعا، اضربا هذا اليهودي اللعين بإبزيمَي حِزامَيكما.» وبينما كان الجنديَّان يفكَّان حزامَيهما الجلديَّين الثقيلَين بطاعة، أطلق اليهوديُّ نواحًا كأنَّه كان كافيًا لاستدعاء كلِّ رُؤَسَاء الآبَاءِ من العالم الآخر وكلِّ مكان بالتأكيد؛ ليُدافعوا عن سليلهم من وحشيةِ هذا المسئول الفرنسي. ضحك شوفلان بخُبث، قائلًا: «أظن أنني أستطيع الاعتمادَ عليكما أيها الجنديَّان المواطنان في تلقينِ هذا العجوز الكاذب أشدَّ وأعنف ضربٍ مبرح تعرض له على الإطلاق.» وأضاف بجفاءٍ جامد: «لكن لا تقتُلاه.» أجاب الجنديَّان بالبرودِ المعتاد: «سمعًا وطاعةً أيها المواطن.» لم ينتظر ليرى أوامرَه تُنفذ؛ إذ كان يعرف أنه يستطيع الوثوقَ في أن هذَين الجنديَّين — اللذَين ما زالا يشعران بألمِ تقريعه لهما — لن يُحاولا تلطيفَ سلوكِهما عندما تترك لهما حريةُ التصرف مع طرَفٍ ثالث. قال لديجا: «بعد أن ينال ذاك الجبانُ المتثاقل عقابه، يمكن للرجلَين أن يقودانا إلى مكان العربة، ويمكن لأحدهما أن يقودها بنا عائدَين إلى كاليه.» ثم أضاف بفظاظة: «يمكن لليهوديِّ والمرأة أن يعتنيَ كِلاهُما بالآخَر إلى أن نُرسل أحدًا إليهما في الصباح. لن يتَمكَّنا من الذَّهاب بعيدًا جدًّا بحالتهما الحاليَّة، ولا يمكننا أن نَشغل أنفسنا بهما الآن.» لم يفقد شوفلان كلَّ الأمل. كان يعرف أن رجاله كانوا مُحفَّزين بأملِ الحصول على المكافأة. وأن سكارليت بيمبرنيل الغامضَ المتهوِّر ذاك، بعدما صار وحيدًا مُلاحَقًا من ثلاثين رجلًا، من غير المتوقَّع وَفْق كلِّ القواعد المنطقية أن يهرب مجددًا. لكن يقينه في ذلك كان أضعفَ الآن؛ فجُرأة ذاك الإنجليزيِّ قد خدعَته مرة، في حين أنَّ نصره الوشيك انقلب إلى هزيمةٍ بسبب غباء الجنود الحمقى وتدخُّلِ امرأةٍ. لو لم تُضِع مارجريت وقته، ولو كان لدى الجنود مثقال ذرة من الذكاء، لو، لو … إلى آخرِ قائمةٍ طويلة من التمنِّيات المتحسِّرة؛ وقف شوفلان ساكنًا للحظة، ثم ضمَّ نحوَ ثلاثين شخصًا في لعنةٍ طويلةٍ جارفة. كانت الطبيعة الشاعرية الصامتة ذاتُ الجوِّ العليل، والقمر المنير، والبحر الفضيِّ الهادئ كلُّها أشياءَ توحي بالجمال والسكون، فيما لعَن شوفلان الطبيعة، ولعن الرجال والنساء، وفوق ذلك كلِّه، لعن كلَّ الغامضين الإنجليز المتطفلين ذَوي السيقان الطويلة لعنةً واحدةً هائلة. كان عويلُ اليهودي من خلفه وهو يُكابد عقابَه بلسمًا على قلبه، مع أنه كان مُثقَلًا بغِلٍّ انتقامي. ابتسَم. صار أهدأَ عندما رأى أن إنسانًا آخرَ على الأقل ليس متصالحًا إطلاقًا مع الجنس البشري، مثله تمامًا. استدار وألقى نظرةً أخيرة على الجزء المنعزل المجهور من الساحل، حيث يوجد الكوخ الخشبي، الذي صار مغمورًا الآن بنور القمر، مسرح أكبرِ إخفاقٍ مرَّ به قائدٌ في لجنة السلامة العامة على الإطلاق. كان جسد مارجريت بليكني الفاقدُ الوعيِ ممدَّدًا على فِراشٍ صُلب من الحصى مقابل صخرة، وعلى بُعد بِضع خطواتٍ منها، كان اليهوديُّ التعس يتلقَّى على ظهره العريض جلداتِ حِزامَين جلديَّين متينَين ممسوكين بذراعَي جُنديَّين قويَّين متبلِّدَي الحسِّ من جنود الجمهورية. كانت صرخاتُ بنيامين روزنباوم قادرةً على إيقاظ الأموات من قبورهم. لا بد أنها أيقظَت جميع النوارس من النوم، وجعلتها تنظر إلى الأسفل باهتمامٍ كبير نحو أفعال أسياد الخليقة. وحين أصبحَت تأوهاتُ اليهودي أوهنَ وبدا أن المسكين البائس قد فقدَ وعيه، قال شوفلان آمرًا: «هذا يكفي، لا نريد أن نقتله.» أطاعه الجنديَّان وارتدَيا حِزامَيهما بينما ركَل أحدُهما اليهوديَّ بقسوةٍ على أحد جانبيه. قال شوفلان: «اتركاه هناك، واسبِقاني الآن إلى العربة بسرعة، سأتبَعُكما.» مشى إلى حيث كانت مارجريت ممدَّدةً، وحدق نحو الأسفل إلى وجهها. كان من الواضح أنها استعادت وعيها، وكانت تُحاول بوَهْنٍ شديدٍ أن ترفع نفسها. كانت عيناها الزرقاوان الواسعتان تنظران إلى المشهد المضاء بالقمر من حولها نظرةً خائفةً مذعورة، واستقرَّتا بمزيجٍ من الرعب والشفقة على اليهودي الذي كان مصيره التعس وصراخه العنيف هما أُولى الإشارات التي بدَأت تُدركها مع استعادةِ وعيها؛ ثم لمحت شوفلان في ثيابه الداكنة الأنيقة، التي بدَت خاليةً من أي تجعيد تقريبًا بعد الأحداث المثيرة التي شهِدَتها الساعاتُ القليلة الأخيرة. كان يبتسم متهكِّمًا وكانت عيناه الباهتتان تُحدقان من الأعلى إليها بغلٍّ شديد. وبملاطفةٍ زائفةٍ مصطنعة، انحنى ورفع يدَها المتجمدة كالثلج إلى شفتيه، ما أصاب جسدَها المنهك بقُشَعريرةِ اشمئزازٍ لا توصَف. قال بأرقِّ نبرةٍ عنده: «يؤسفني جدًّا يا سيدتي الجميلة، أنَّ ظروفًا خارجة عن إرادتي تُجبرني على تركِك هنا حاليًّا. لكنني سأذهب مطمئنًّا بمعرفة أنني لا أتركك بلا حماية. فصديقُنا بنيامين هنا، مع أنه في حالةٍ سيئةٍ قليلًا الآن، سيُثبت أنه مدافعٌ شهم عن شخصك الجميل، لا شك عندي في ذلك. في الفجر سأرسل شخصًا يُرافقكِ، وحتى يحينَ ذلك الوقت، فأنا متيقنٌ بأنك ستجدينه مخلصًا، مع أنه ربما يكون بليدًا قليلًا.» لم تقْوَ مارجريت إلا على أن تُشيح بوجهها عنه. كان قلبها محطمًا بالألم الشديد. ففِكرةٌ واحدةٌ مروعة قد عادت إلى رأسها مع وعيها المستجمع: «ماذا حلَّ ببيرسي؟ ماذا عن أرماند؟» لم تعرف شيئًا مما حدث بعد أن سمعَت الأغنية المبتهجة، «ليحفظ الربُّ الملك»، التي اعتقدَت أنها إشارة الموت. اختتم شوفلان كلامه قائلًا: «أما أنا، فمضطرٌّ على مضضٍ شديد إلى أن أترُكَكِ الآن. إلى اللقاء سيدتي الجميلة. سنلتقي قريبًا في لندن كما أتمنى. هل سأراكِ في حفلِ حديقة أمير ويلز؟ لا؟ آه، حسنًا، إلى اللقاء! أرجو أن تبعثي بتحيَّاتي إلى السير بيرسي بليكني.» وبابتسامة ساخرةٍ أخيرة وانحناءة، لثَم يدَها مرةً أخرى، واختفى بعيدًا في غياهبِ الممشى في أعقابِ الجنود، متبوعًا بديجا المتبلِّد الإحساس.
|
{
"chapter": "المركب الشراعي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "سكارليت بيمبرنِل",
"url": "https://www.hindawi.org/books/30473582/30/"
}
|
ما حدث أن جرانت لم يكن قد قام من مَرقده حين جاء كارادين، لكنه كان جالسًا مُعتدلًا. فقال لبرينت: «لا يُمكنك أن تتخيَّل كم يبدو هذا الجدار المُقابل خلَّابًا، بعد السقف. وكم يبدو العالم صغيرًا وغريبًا وهو في وضعيته الصحيحة.» تأثَّر جرانت بابتهاج كارادين الواضح في هذه الأثناء، ومرَّ وقتٌ قبل أن يَشرعا في العمل. كان جرانت هو من توجَّب أن يقول: «حسنٌ، كيف أبلى ورثة آل يورك في ظلِّ حكم هنري السابع؟» قال الشابُّ وهو يُخرِج رِزمة ملاحظاته المعتادة ويسحب كرسيًّا بعَقفِ إصبع قدَمه اليُمنى في عارضة الكرسي: «أوه، أجل.». ثم جلس على الكرسي. وقال: «من أين أبدأ؟» «نحن نعرف ما حل بإليزابيث. لقد تزوَّجها هنري، وكانت ملكة إنجلترا حتى ماتت فأقدمَ على محاولة أن يتزوَّج جوانا المجنونة ملكة إسبانيا.» «أجل. تزوَّجت إليزابيث من هنري في ربيع عام ١٤٨٦؛ في شهر يناير بالأحرى، بعد خمسة أشهُر من معركة بوسوورث، وماتت في ربيع عام ١٥٠٣.» «سبعة عشر عامًا. مسكينةٌ إليزابيث. لا بدَّ أن تلك السنوات مرَّت كأنها سبعون عامًا مع هنري. إذ كان الرجل ما يُشار إليه تخفيفًا بأنه «عديم القيمة». لنُكمِل مع بقية أفراد الأُسرة. أقصد أطفال إدوارد. مصير الطفلَين مجهول. ماذا حلَّ بسيسيلي؟» «كانت مُتزوجة من عمِّه المُسنِّ اللورد ويليس، وأُرسلت لتعيش في لينكولنشاير. أمَّا آن وكاثرين، اللتان كانتا طفلتَين، فقد أُعدَّتا لتتزوَّجا من اثنَين من أفاضل آل لانكستر حين كانتا كبيرتَين بما يكفي. بريدجيت، الصغرى، أصبحت راهبة في دارتفورد.» «أمورٌ مألوفة جدًّا، حتى الآن. من يأتي بعد ذلك؟ ابن جورج.» «أجل. ورويك الصغير. سُجِن في البرج مدى الحياة، وأُعدِم بزعم تخطيطه للهرب.» «هكذا إذَن. ماذا عن ابنة جورج؟ مارجريت؟» «أصبحت كونتيسة سالزبوري. وكان إعدامها على يد هنري الثامن بتهمةٍ مُلفَّقة يُعدُّ مثالًا كلاسيكيًّا على القتل القضائي.» «وماذا عن ابن إليزابيث؟ الوريث البديل؟» «جون دي لا بول. ذهب ليعيش مع عمَّته في بورجندي حتى …» «ليعيش مع مارجريت، أخت ريتشارد.» «أجل. مات في انتفاضة سيمنِل. لكن كان له أخٌ أصغر لم تضعه في تلك القائمة. وقد أُعدِم على يد هنري الثامن. كان قد استسلم لهنري السابع في ظل وثيقة ضمان عدم تعرُّض؛ لذا أظنُّ أن هنري فكَّر أن خَرْقها قد يُفسد حظَّه. على أي حال كان قد أوشك أن يستنفد كلَّ رصيده من الحظ. أما هنري الثامن فلم يُجازف. ولم يتوقَّف عند دي لا بول. كان يُوجَد أربعةٌ آخرون أغفَلتَهم من هذه القائمة. إكستر، وسوري، وبكنجهام، ومونتاج. تخلَّص الرجل من هؤلاء جميعًا.» «وماذا عن ابن ريتشارد؟ جون؟ ابن السِّفاح.» «منحَه هنري السابع معاشًا قدرُه عشرون جنيهًا في العام، لكنه كان أول من قُتِل من هؤلاء.» «بأي تُهمة؟» «بتُهمة أنه كان مَوضع شك لتَلقِّيه دعوةً للذهاب إلى أيرلندا.» «أنت تمزح.» «لا أمزح. كانت أيرلندا هي محلَّ تركيز المُوالِين للتمرُّد. وكانت أُسرة يورك شهيرةً جدًّا في أيرلندا، وحصوله على دعوة من تلك الجهة كان بمثابة الحصول على شهادة وفاة في نظر هنري. رغم أنني لا أستطيع أن أرى سببًا لانزعاج هنري من جون الشاب. إذ كان «شابًّا مُتِّسمًا بالحيوية وحسَن التصرُّف» طبقًا لما ذُكِر في كتاب «العهود» بالمناسبة.» قال جرانت بنبرةٍ لاذِعة للغاية: «كانت حُجَّته في المطالبة بالعرش أفضل من حجة هنري. إذ كان هو الابن غير الشرعي الوحيد للملك. بينما كان هنري هو حفيدَ ابنٍ غير شرعي لأصغر أبناء الملك.» ساد الصمت بُرهة. ثم قال كارادين قاطعًا الصمت: «أجل.» «أجل على ماذا؟» «على ما تظن.» «يبدو الأمر كذلك، حقًّا. فهما الوحيدان اللذان يغيبان عن القائمة.» ساد الصمت مرةً أخرى. ثم قال جرانت بعد قليل: «كانت جرائم القتل كلها قضائية. قتل تحت مِظلَّة القانون. لكن لا يمكن للمرء أن يُطبِّق عقوبة الإعدام بحقِّ طفلَين صغيرَين.» «لا، لا يمكن له ذلك»، قال كارادين مُوافقًا إيَّاه، وتابَع مُراقبته للعصافير. «كان من المُحتَّم أن يتمَّ الأمر بطريقةٍ أخرى. ففي نهاية المطاف، كان الصبيَّان هما المُهمَّين.» «كانا هما الشخصيتَين الرئيسيتَين.» «كيف نبدأ إذَن؟» «كما فعلنا في حالة خلافة ريتشارد على العرش. اكتشِف أين كان الجميع في الشهور الأولى من حُكم هنري وماذا كانوا يفعلون. لنقل في السنة الأولى من حُكمه. سيكون ثَمة كسر للنمط عند أحدهم، تمامًا كما حدث أثناء تحضيرات تتويج الصبي.» «حسنًا.» «هل توصَّلت إلى أي شيء عن تيريل؟ من كان؟» «أجل. لم يكن كما تصوَّرته مُطلقًا. كنت قد تصوَّرت أنه عالة من نوعٍ ما؛ ألم تفعل؟» «بلى، أظنُّني تصوَّرته كذلك. ألم يكن عالة؟» «لا. كان شخصًا ذا حيثية. اسمه السير جيمس تيريل من جيبينج. وكان عضوًا في العديد من … اللجان، كما أظن أنكم تُطلِقون عليها، أثناء حكم إدوارد الرابع. وقد تقلَّد لقب قائد فُرسان، أيًّا كان ما يعنيه ذلك، أثناء حصار بيرويك. وقد أبلى بلاءً حسنًا في ظل حُكم ريتشارد، لكنني لا أستطيع أن أجد دليلًا على أنه حضر معركة بوسووث. إذ أتى الكثيرون مُتأخِّرين للغاية إلى المعركة — أكنت تعرف ذلك؟ — لذا لا أظن أن هذا يعني شيئًا خاصًّا. على كل حال، لم يكن من نوعية الخادم الخنوع كما تصوَّرتُه دومًا.» «هذا مُثير للاهتمام. كيف أبلى في ظلِّ حُكم هنري السابع؟» «في الواقع، هذا هو الأمر المُثير للاهتمام. إذ يبدو أنه ازدهر كثيرًا في ظل حكم هنري؛ كونه كان خادمًا أمينًا وناجحًا لآل يورك. عيَّنه هنري آمرًا على حصن جوينيس. ثم أُرسِل سفيرًا لروما. وكان من بين المُفوِّضين للتفاوض بشأن معاهدة إتابلس. ومنحَه هنري عوائد بعض الأراضي في ويلز مدى الحياة، لكنه حمله على التنازل عنها مُقابل عوائد أراضي بلدية جوينيس التي كانت بنفس القيمة، لا يُمكنني أن أفهم سبب ذلك.» فقال جرانت: «أنا أفهم السبب.» «حقًّا؟» «ألم تُلاحِظ أن كل مَراتب الشرف والسلطات التي مُنِحت له كانت جميعها خارج إنجلترا؟ حتى مكافأته المُتمثِّلة في عوائد الأرض.» «أجل، هكذا هي فعلًا. ماذا تفهم من ذلك إذَن؟» «لا شيء في الوقت الراهن. ربما أنه وجد جوينيس أفضل بسبب الْتِهاب الشُّعَب الهوائية الذي كان مُصابًا به. يمكن للمرء أن يتعمَّق أكثر من اللازم في القراءات فيما يتعلق بالمعاملات التاريخية. إنها، مِثل مسرحيات شكسبير، تفتح الباب أمام عددٍ لا حصر له تقريبًا من التفسيرات والتأويلات. كم دامت فترة الهناء هذه بينه وبين هنري السابع؟» «أوه، فترة طويلة إلى حدٍّ كبير. كان كل شيء على خير ما يُرام حتى عام ١٥٠٢.» «وما الذي حدث في عام ١٥٠٢؟» «تناهى إلى سمع هنري أنه كان يستعدُّ لمساعدة أحد أفراد آل يورك في البرج على الهرب إلى ألمانيا. فأرسل حامية كاليه على بَكْرة أبيها لمُحاصَرة حصن جوينيس. لكن ذلك لم يكن سريعًا بما يكفي من وجهة نظره، فأرسل القيِّم على الخاتم الملكي؛ أتعرِف ما يعنيه هذا اللقب؟» فأومأ جرانت إيجابًا. «أرسل القيِّم على الخاتم الملكي — يا لها من تسمياتٍ تلك التي اخترعتموها أيها الإنجليز من أجل مسئوليكم الرسميين — ليَعرض عليه ضمان عدم التعرض إن أتى على متن مَركب إلى كاليه وتشاور مع وزير الخِزانة.» «دعني أَحزِر.» «لا داعي، أليس كذلك؟ انتهى به الأمر في زنزانة في البرج. وقُطِع رأسه «على عجل ودون محاكمة» يوم الإثنين المُوافق السادس من شهر مايو لعام ١٥٠٣.» «وماذا عن اعترافه؟» «لم يكن يُوجَد اعتراف.» «ماذا؟!» «لا تَنظُر إليَّ هكذا. أنا لست بمسئول.» «لكنني كنت أظنُّ أنه اعترف بقتله للصبيَّين.» «أجل، وذلك طبقًا لرواياتٍ عديدة. لكنها روايات عن اعتراف، وليست … ليست نصًّا له، إن كنت تفهم ما أرمي إليه.» «أتعنى أن هنري لم يَنشُر اعترافًا؟» «لا. روى مُؤرِّخه الأجير بوليدور فيرجيل سردًا عن كيفية وقوع جريمة القتل. بعد أن كان تيريل قد مات.» «لكن إن كان تيريل قد اعترف بأنه قتل الصبيَّين بتحريض من ريتشارد، فلماذا لم يُتَّهم بالجريمة ويُحاكَم علنيًّا عليها؟» «لا أتصوَّر سببًا لذلك.» «دعني أستوضح هذا. لم تكن تُوجَد أنباء عن اعتراف تيريل حتى مات.» «لا، لم تكن تُوجَد.» «يعترف تيريل أنه، قبل وقتٍ طويل في عام ١٤٨٣، أي قبل ما يَقرُب من عشرين عامًا، هُرِع إلى لندن من ورويك، وأخذ مفاتيح البرج من الآمر عليه … نسيت اسمه …» «براكينبيري. السير روبرت براكينبيري.» «أجل. أخذ مفاتيح البرج من السير روبرت براكينبيري لليلةٍ واحدة، وقتل الصبيَّين، وسلَّمه المفاتيح مرةً أخرى وعاد ليُبلغ ريتشارد. اعترف بفعل هذا؛ ومن ثَم وضع نهاية للُغزٍ دام طويلًا، ومع ذلك لم يُتعامَل معه علنًا.» «على الإطلاق.» «كنت سأكرَه أن أذهب إلى المحكمة بحكاية كهذه.» «ما كنتُ لأُفكِّر في الأمر حتى. إنها أكذَبُ ما سمعتُ من حكايات.» «ألم يُحضِروا براكينبيري حتى ليُثبِت أو ينفيَ قصة تسليم المفاتيح؟» «قُتِل براكينبيري في بوسوورث.» «إذَن كان الرجل ميتًا أيضًا، وهو ما كان مُلائمًا.» اضطجع جرانت وأخذ يُفكِّر في الأمر. وتابَع قائلًا: «أتعلَم، إن كان براكينبيري قد مات في معركة بوسوورث، فلدينا دليلٌ صغير في صالحنا.» «كيف؟ ما هو؟» «إن كان هذا قد حدث فعلًا؛ أقصد إن كانت المفاتيح قد سُلِّمت لليلةٍ واحدة بناءً على أمر ريتشارد، إذَن فلا بد أن الكثير من المُوظَّفين الصغار في البرج كانوا على علم بذلك. ومن غير المعقول أن أحد هؤلاء لم يكن على استعداد ليقصَّ القصة على مسامع هنري حين استولى على البرج. خاصةً إن كان الصبيَّان مفقودَين. كان براكينبيري ميتًا. وكذلك كان ريتشارد. فمن المُنتظَر من الشخص التالي في ترتيب إمرة البرج أن يُقدِّم الصبيَّين. وحين لم يظهرا لا بدَّ أنه قال: «سلَّم آمر البرج المفاتيح لليلةٍ واحدة، واختفى الصبيَّان منذ ذلك الحين.» ولا بدَّ أنه جرَت مُطارَدة بلا هوادة للرجل الذي تسلَّم المفاتيح. كان من شأنه أن يُصبح الدليل الأول في حُجَّة هنري ضد ريتشارد، وإيجاد ذلك الرجل كان سيَغدو بمثابة مَدعاة لتفاخُر هنري.» «ليس ذلك فحسب، لكن تيريل كان معروفًا بين أهل البرج بحيث لم يكن يمكن له أن يمرَّ من دون أن يُلاحظه أحد. وفي لندن الصغيرة في تلك الآونة، لا بدَّ أنه كان شخصيةً شهيرة للغاية.» «أجل. لو كانت تلك الحكاية صحيحة، لَحُوكِم تيريل وأُعدِم علنًا بتهمة قتل الطفلَين في عام ١٤٨٥. إذ لم يكن لدى تيريل من يحميه.» مدَّ يده نحو سجائره. وأكمل: «إذَن ما يتبقى لنا هو أنَّ هنري أعدَم تيريل في عام ١٥٠٢، وأعلن على لسان مُؤرِّخيه الوُدعاء أن تيريل اعترف بأنه قتل الأميرَين قبل عشرين عامًا.» «أجل.» «ولم يُقدِّم، في أي وقت ولا أي مكان، أي مُسوِّغ لعدم مُحاكَمة تيريل على فعلته الشنيعة التي اعترف بها.» «لا. ليس بحسب ما توصلتُ إليه. كان يمضي في طُرقٍ مُنحرِفة جانبية دائمًا مثل سرطان بحر. لم يكن مباشرًا في أي شيء، حتى في القتل. كان من المُحتَّم التمويهُ عليه ليبدوَ كأنه شيءٌ آخر. انتظرَ سنواتٍ طوالًا ليَجد عُذرًا قانونيًّا من نوعٍ ما للتمويه على جريمة قتل. كان الرجل ذا عقل مُلتوٍ. أتعرِف ماذا كان أول فعل رسمي له بصفته هنري السابع؟» «لا.» «أنْ أعدَم بعض الرجال الذين كانوا يُقاتلون في صفِّ ريتشارد في معركة بوسوورث بتهمة الخيانة. وهل تَعرِف كيف تمكَّن من إضفاء صبغة قانونية على خيانتهم؟ بتأريخ توقيت جلوسه على العرش من اليوم السابق لمعركة بوسوورث. إن عقلًا قادرًا على الإتيان بتصرفٍ ذكي من هذا العيار لهو عقلٌ قادر على أي شيء.» ثم أخذ السيجارة التي كان جرانت يُقدِّمها له. وأكمل في ابتهاجٍ رصين: «أوه، لا، لم ينجُ بفعلته. إذ وضع الإنجليز، بارَكهم الرب، حدًّا لذلك. أخبروه بأن عليه أن يتوقف.» «وكيف ذلك؟» «قدَّموا له، بأسلوبهم الإنجليزي اللطيف الدَّمِث، قانونًا برلمانيًّا ينصُّ على أنه لا يجوز إدانة أي شخص يخدم صاحب السيادة الراهنة على البلاد بالخيانة، ولا ينبغي أن يُعاقَب بمصادرة أملاكه ولا بالسجن، وجعلوه يُوافق عليه. هذا تصرُّف إنجليزي للغاية؛ ذلك التهذيب القاسي. لا هتافات في الشارع ولا إلقاء للأحجار؛ لأنهم لم يَرُق لهم ما فعله بشأن الخيانة. مجرد قانون لطيف ومنطقي وكيِّس وعليه أن يتقبَّله ويَرُوق له. أُراهن أنَّ غضب هنري ازداد شيئًا فشيئًا من ذلك. حسنًا، ينبغي أن أذهب الآن. من الرائع حقًّا أن أراك مُعتدلًا في جلستك وتُدوِّن ملحوظات. أظنُّ أننا سنقوم بتلك الرحلة إلى جرينتش عمَّا قريب. ماذا يُوجَد في جرينتش؟» «بعض أشكال العمارة الجميلة ونهرٌ مُوحِل بديع.» «هذا كل شيء؟» «وبعض الحانات الجيدة.» «سنذهب حتمًا إلى جرينتش.» وحين غادَر انزلق جرانت في سريره، وأخذ يُدخِّن سيجارةً تلوَ الأخرى وهو يُفكِّر بعُمق في قصة الورثة من آل يورك الذين ازدهرت حياتهم في عهد ريتشارد الثالث، ولقُوا حتفَهم في عهد هنري السابع. ربما كان بعضهم قد «نال ما يستحقُّه». فتقرير كارادين كان، في نهاية المطاف، مُختصرًا؛ لم يكن فيه تلطيف ولا حمَّال أوجُه. لكن الأمر المؤكَّد أنها كانت مصادفةً غريبة للغاية أنَّ كل الأشخاص الذين اعترضوا طريق آل تيودور إلى العرش قد قُطِع دابرهم بهذه الطريقة التي كانت تصبُّ تمامًا في مصلحة آل تيودور. نظر، دون تحمُّس كبير، إلى الكتاب الذي كان قد أحضره له كارادين الشاب. كان اسمه «حياة ريتشارد الثالث وحكمه»، من تأليف شخص يُدعى جيمس جيردنر. كان كارادين قد أكَّد له أنه سيَجد الدكتور جيردنر جديرًا بالوقت الذي سيَقضيه في قراءة كتابه. إذ كان الدكتور جيردنر، طبقًا لبرينت، «صوتًا صارخًا في البرية». لم يبدُ الكتاب لجرانت مُمتعًا بدرجةٍ كبيرة، لكن أي شيء عن ريتشارد كان أفضل من شيء عن أي شخص آخر؛ لذا بدأ جرانت يتصفَّحه، وسُرعان ما أدرك ما كان برينت يقصده حين قال إن ذلك الدكتور كان «صوتًا صارخًا في البرية». كان الدكتور جيردنر مؤمنًا بإصرار بأن ريتشارد قاتل، ولكن لأنه كان كاتبًا أمينًا، ومُثقَّفًا ونزيهًا وفقًا لمعاييره، فلم يكن من شِيَمه أن يطمس الحقائق. كان مشهد محاولات الدكتور جيردنر البهلوانية للتوفيق بين ما بين يدَيه من حقائق ونظريَّته أكثر شيء مُسلٍّ شَهِده جرانت منذ وقتٍ طويل. أقرَّ الدكتور جيردنر من دون إحساس واضح بالتناقض بحكمة ريتشارد الكبيرة وسخائه وشجاعته واقتداره وجاذبيَّته وشعبيته والثقة التي كان يبعث عليها حتى عند أعدائه المهزومين، وفي السياق نفسه أورد افتراءه الحقير على والدته وذبحه لطفلَين ضعيفَين. قال الدكتور الفاضل إنَّ المرويَّات المأثورة تقول ذلك، وأورد بوقارٍ المرويات المُريعة وأيَّدها. لم يكن يُوجَد خبث أو خسَّة في شخصيته، طبقًا لكلام الدكتور، لكنه كان قاتلًا لطفلَين بريئَين. حتى أعداؤه كانوا يَثِقون في عدله، لكنه قتل ابنَي أخيه. وكانت نزاهته مُلفِتة ولا غبار عليها، لكنه قتلَ لتحقيق مكاسب. كان الدكتور جيردنر ببهلوانيَّته أعجوبةً لا مثيل لها في المرونة. بتعجُّبٍ تساءلَ جرانت أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، بأي جزءٍ من عقلهم كان المؤرخون يُفكِّرون. إنهم بكل تأكيد لا يَصِلون إلى ما يَصِلون إليه من استنتاجاتٍ عن طريق عمليةٍ منطقية معروفة لدى البشر. لم يُصادِف جرانت في صفحات الروايات ولا الكتب الواقعية، ولا في الحياة بلا شك، أيَّ إنسانٍ كان يُشبِه ولو من بعيدٍ شخصيةَ ريتشارد حسبما وصفها الدكتور جيردنر، ولا شخصية إليزابيث وودفيل حسبما كتب أوليفانت. لعله كان يُوجَد شيء من الصحة في نظرية لورا القائلة بأن الطبيعة البشرية تجد صعوبة في التخلي عن المعتقدات المسبقة. وأن ثَمة معارضةً داخلية غامضة وغير مفهومة وامتعاضًا من انقلاب الحقائق المُسلَّم بها. كان الدكتور جيردنر بالتأكيد يُسحَب كطفلٍ خائف باليد التي كانت تجرُّه نحو المحتوم. كان جرانت يعرف حق المعرفة أن رجالًا جذَّابين يتمتَّعون بقدرٍ كبير من النزاهة ارتكبوا جرائم قتل في أوانهم. لكن ليس ذلك النوع من جرائم القتل، وليس لأجل تلك النوعية من الأسباب. إن الرَّجل من النوعية التي صوَّرها الدكتور جيردنر في كتابه «حياة ريتشارد الثالث وتاريخه»، يُمكن أن يقتل فقط حين تضطرب حياته الشخصية بفعلِ حدثٍ مُزلزِل. فقد يقتل زوجته حين يكتشف خيانتها له فجأةً. أو يقتل شريكه الذي تُدمِّر مُضارَباته السِّرية شركتَهما ومُستقبَل أطفاله. أي جريمة قتل سيرتكبها ستكون ناتجةً عن انفعالٍ حادٍّ ولن تكون عن تخطيط أبدًا، ولن تكون أبدًا جريمةَ قتلٍ عمدي عن سبق إصرار وترصُّد. لا يمكن للمرء أن يقول: لأن ريتشارد يتمتع بصفات كذا وكذا، فمن ثَم لا يُمكنه أن يرتكب جريمة قتل. لكن يُمكن للمرء أن يقول: لأن ريتشارد يتمتع بهذه الصفات؛ فمن ثَم لا يُمكنه أن يرتكب جريمة القتل هذه. كانت جريمة القتل ستكون ساذجةً سخيفة، جريمة قتل الأميرَين الصبيَّين، وكان ريتشارد رجلًا ذا اقتدار وحكمة بارزَين. كانت الجريمة هي جريمة قتل عمد بما يَفُوق الوصف، وكان الرجل يتمتَّع بقدرٍ عظيم من النزاهة والاستقامة. كانت جريمة تنمُّ عن غِلظة القلب، وقد كان رجُلًا معروفًا عنه حُنوُّه وطيبة قلبه. يمكن للمرء أن يخوض في قائمة الفضائل التي يتمتَّع بها، والتي تحظى بالاعتراف بصحتها، ويجد أن كل فضيلة منها جعلت من مشاركته في هذه الجريمة أمرًا مُستبعَدًا إلى أقصى حد. وبوضع هذه الفضائل جميعًا في الاعتبار نجد أنها تُشكِّل جدارًا من الاستحالة يرتفع إلى سماء الخيال.
|
{
"chapter": "الفصل الرابع عشر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ابنة الزمن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/35759391/14/"
}
|
قال كارادين حين دخل عليه بعد بضعة أيام، وهو في غاية البهجة والمرح: «نسيتَ أن تسألني عن شخصٍ ما في قائمتك.» «مرحبًا. مَن ذاك؟» «ستيلينجتون.» «بالطبع! أسقف باث الفاضل. إذا كان هنري يكره قانون اللقب الملكي، باعتباره شاهدًا على نزاهة ريتشارد وعدم شرعية زوجة هنري، فلا بدَّ أنه كان يكره أكثر وجود المُحرِّض على هذا القانون. ماذا حدث لستيلينجتون العجوز؟ قُتِل بأمرٍ قضائي؟» «من الواضح أن ذلك العجوز لم يلعب.» «لم يلعب ماذا؟» «لعبة الحيوانات الأليفة مع هنري. إذ نجا الرجل. إما أنه كان عجوزًا ماكرًا، أو أنه كان بريئًا جدًّا فلم يرَ الفخَّ على الإطلاق. وفي اعتقادي، إن كان مسموحًا لباحثٍ أن يحظى باعتقادٍ شخصي، أنه كان بريئًا بدرجةٍ لا تُمكِّن أيَّ عاملٍ مُحرِّض من استفزازه تجاه أي شيء. أي شيء يُمكن أن يتسبَّب له في تهمةٍ عقوبتها الإعدام، على أي حال.» «أتقول إنه هزم هنري؟» «لا. أوه، لا. لم يهزم أيُّ أحدٍ هنري. وجَّه هنري إليه تُهمة ونسيَ إطلاق سراحه. ولم يعُد الرجل إلى بيته قَط. من أيضًا لم يعُد إلى البيت قَط؟ ماري في قصيدة «رمال نهر دي»؟» «أنت مُتألِّق للغاية هذا الصباح، ناهيك عن قول إنك في غاية الابتهاج.» «لا تَقُلها بتلك النبرة المُرتابة. لم تنجَلِ الأمور بعد. وهذا الانفعال الذي تُلاحظه هو فورانٌ فِكري. ابتهاجٌ روحي. تألقٌ عقلي بالكامل.» «حسنًا؟ اجلس وهاتِ ما عندك. ما هذا الأمر الجيد للغاية؟ أظنُّ أن ثَمة خبرًا جيدًا، أليس كذلك؟» «جيِّدٌ صفةٌ مُلائمة بالكاد. الوصف الأصحُّ هو رائع، رائع بصورةٍ مثالية.» «أعتقد أنك «كنت» تُعاقِر الشراب.» «ما كنت لأستطيع تَناوُل الشراب هذا الصباح حتى وإن حاولت. إنني مُمتلئ تمامًا حدَّ الكفاية بالشعور بالرِّضا والارتياح.» «أفهم أنك وجدتَ الخَرق في النمط الذي كنَّا نبحث عنه.» «أجل، وجدتُه، لكنه كان مُتأخرًا أكثر ممَّا كنَّا نظن. أقصد مُتأخِّرًا في الزمن. بعد فترةٍ طويلة. في الأشهُر الأولى كان كل شخص يفعل ما يُتوقَّع منه فعله. تولَّى هنري مقاليد الحُكم، ولم يَذكُر أحدٌ كلمةً عن الصبيَّين، ونظَّف الفوضى وتزوَّج أخت الصبيَّين. وجعل البرلمان الذي يتكوَّن من تابِعيه المَدِينين يُلغي الحكم بفقدان أهليَّته، ولم يَذكُر أحدٌ كلمةً عن الصبيَّين، ومرَّر قانونًا بفقدان ريتشارد للأهلية، وكذلك أتباعه المُخلِصون الذين حوَّل عناية خدمتهم له إلى أفعالِ خيانة من خلال إدراجِ تاريخٍ أبْكَر. تسبَّب هذا الأمر في وجودِ مجموعةٍ كبيرة من الأملاك المُصادرة في الصندوق المُشترَك دفعةً واحدة. وبالمناسبة، اختُلِقت فضيحةٌ مُريعة في حقِّ راهب كوريلاند من خلال ممارسات هنري الذكية في أمور الخيانة. إذ قال: «يا إلهي، أيُّ أمنٍ هذا الذي سيتمتَّع به ملوكنا منذ الآن فصاعدًا في أيام الحروب إن كان تابعوهم المُخلِصون يُحرَمون عند الهزيمة من الحياة والثروة والميراث».» «غفَل عن مُواطنيه.» «أجل. ربما كان يعرف أن الشعب الإنجليزي سيَتوصَّل إلى ذلك الأمر عاجلًا أو آجلًا. لعلَّه كان غريبَ الأطوار. على أي حال، سار كلُّ شيء بالطريقة التي يَتوقَّع المرء أن يسير بها كلُّ شيء في ظل حُكم هنري. إذ ارتقى على العرش في شهر أغسطس من عام ١٤٨٥، وتزوَّج إليزابيث في يناير التالي. وأنجبت إليزابيث طفلها الأول في وينشستر، وكانت أُمها حاضرةً معها أثناء تعميد الطفل. كان ذلك في سبتمبر من عام ١٤٨٦. ثم عادت إلى لندن، أقصد الملكة الأم، في الخريف. وفي شهر فبراير، انتبه جيدًا، في شهر فبراير كانت قد أُودِعت أحد الأديرة لبقيَّة حياتها.» قال جرانت في ذهولٍ شديد: «إليزابيث وودفيل؟» كان هذا آخِر شيء توقَّعه. «أجل. إليزابيث وودفيل. أُم الصبيَّين.» سأله جرانت بعد أن فكَّر في الأمر لوهلة: «كيف تعرف أنَّها لم تذهب طوعًا؟» وتابَع: «لم يكن من غير الشائع للسيدات ذوات الشأن اللائي سَئِمنَ حياة البلاط الملكي أن يَرْكنَّ إلى الرهبنة. لم تكن حياةً قاسية. لديَّ بالفعل فكرةٌ عن أن حياة الرهبنة كانت مُريحة جدًّا للنساء الثريَّات.» «لقد جرَّدها هنري من كل ما تملك، وأمر بها إلى دَير الراهبات في بِرموندسي. وقد أثار هذا الأمر ضجَّة، بالمناسبة. إذ يبدو أنه كان يُوجَد «الكثير من التساؤلات».» «لست مُتفاجئًا. يا له من أمرٍ استثنائي. هل أعطى هنري مُبررًا لذلك.» «أجل.» «ماذا قال عن سبب تدميره لها؟» «إنها كانت لطيفة مع ريتشارد.» «هل أنت جاد؟» «بالتأكيد.» «أكان ذلك هو التبرير الرسمي؟» «لا. تلك رواية مؤرِّخ هنري الأليف.» «فيرجيل؟» «أجل. وقد نصَّ أمر المجلس الذي جعلها حبيسةً أنَّ ذلك كان «لأجلِ اعتباراتٍ عديدة».» سأله جرانت مُرتابًا: «أتقتبس حرفيًّا؟». فأجابه: «أجل، أقتبس. هذا ما هو مكتوب: «لأجل اعتباراتٍ عديدة».» وبعد لحظةٍ قال جرانت: «لم يكن يتمتع بموهبة في اختلاق الأعذار، أليس كذلك؟ لو كنتُ مكانه لأتيت بستة أعذار أفضل.» «إما أنه كان لا يهتمُّ أو أنه كان ينظر للآخرين على أنهم ساذجون للغاية. وليَكُن في علمك، لم يُقلِقه تَعاملُها اللطيف مع ريتشارد إلا بعد مرور ثمانية عشر شهرًا من خلافته لريتشارد. حتى ذلك الحين كان كلُّ شيءٍ يسير بسلاسة ويُسرٍ على ما يبدو. حتى إنه قدَّم لها الهدايا والضيعات وما إلى ذلك، حين خَلَف ريتشارد.» «ماذا كان سببه الحقيقي؟ ألدَيك أي اقتراحات؟» «في الواقع، لديَّ شيءٌ آخر بسيط قد يُمدُّك بالأفكار. وقد أمدَّني بفكرةٍ جَهنَّمية.» «هاتِ ما عندك.» «في شهر يونيو من ذلك العام …» «أي عام؟» «أول عام من زواج إليزابيث. عام ١٤٨٦. العام الذي تزوَّجت فيه في شهر يناير وأنجبت الأمير آرثر في وينشستر في شهر سبتمبر، في حضور والدتها التي كانت ترقُص من السعادة.» «حسنًا. أكمِل.» «في شهر يونيو من ذلك العام، تلقَّى السير جيمس تيريل عفوًا عامًّا. في السادس عشر من يونيو.» «لكن ذلك لا يعني الكثير. كان أمرًا شائعًا جدًّا. في نهاية مدَّة الخدمة. أو عند بداية فترةٍ جديدة من الخدمة. كان يعني ببساطةٍ أنك مُبرَّأ من أيِّ شيء قد يستخدمه أيُّ أحدٍ ضدك فيما بعد.» «أجل، أعرف. أعرف ذلك. العفو الأول ليس هو الأمر المُثير للدهشة.» «العفو «الأول»؟ أكان يُوجَد عفوٌ ثانٍ؟» «أجل. ذلك هو العامل الحاسم. حصل السير جيمس على عفوٍ عامٍّ ثانٍ بعد شهرٍ واحد بالضبط. في يوم السادس عشَر من شهر يوليو لعام ١٤٨٦ على وجه الدقة.» قال جرانت وهو يُفكِّر: «أجل.» واستطرد: «ذلك حقًّا أمرٌ غير عادي.» «إنه أمرٌ غير عادي للغاية، بأي حال من الأحوال. وقد سألت شابًّا يعمل بجواري في المتحف البريطاني — يُجري أبحاثًا تاريخية، ولا أستحي أن أقول إنه كان مصدر عونٍ كبير لي — فقال لي إنه لم يُصادف قطُّ أمرًا كهذا. أريته المُدخلَين، في كتاب «بيان وقائع هنري السابع»، فراحَ يتأمَّلهما كأنه عاشقٌ وَلْهان.» قال جرانت وهو يُفكِّر: «في السادس عشر من شهر يونيو، مُنِح تيريل عفوًا عامًّا. وفي يوم السادس عشر من شهر يوليو مُنِح عفوًا عامًّا آخر. وفي نوفمبر تقريبًا تعود أمُّ الصبيَّين إلى المدينة. وفي شهر فبراير تُحتجَز مدى حياتها.» «أيُوحي هذا بشيء لك؟» «يُوحي بالكثير.» «أتظنُّ أنه فعلَها؟ تيريل؟» «هذا مُمكن. إنَّ ممَّا يُوحي بدلالاتٍ كثيرة أنه حين نجد الخَرق في النمط الذي كُنَّا نبحث عنه، نجد تيريل موجودًا بأكثرِ خَرقٍ غير معقول في نمطه الخاص. متى أصبحتْ شائعة اختفاء الأطفال متداولة؟ أقصد، متى أصبحت شيئًا يتحدَّث عنه الجميع.» «يبدو أن ذلك كان في وقتٍ مُبكِّر إلى حدٍّ بعيد من فترة حكم هنري.» «أجل، يبدو هذا مُناسبًا. من المُؤكَّد أن من شأن هذا أن يُفسِّر الأمر الذي حيَّرني منذ بداية هذه المسألة.» «ماذا تقصد؟» «من شأنه أن يُفسِّر عدم حدوث ضجة حين اختفى الصبيَّان. كان هذا أمرًا يُثير الحيرة دومًا، حتى لدى أولئك الذين ظنُّوا أن ريتشارد هو من فعلها. وفي الواقع، حين تُفكِّر في الأمر تجد أن من المُستحيل أن يفلت ريتشارد بفعلته. إذ كانت تُوجَد معارضةٌ كبيرة وفاعلة وقوية للغاية في أيام ريتشارد، وقد تركهم أحرارًا ومُتناثرين في أرجاء البلاد ليُكملوا حياتهم كما يحلو لهم. كان لدَيه حشد آل وودفيل وآل لانكستر ليتعاطى معهم لو أنَّ الصبيَّين اختفيا. لكن من ناحية التدخل والفضول الذي لا داعيَ له كان هنري آمنًا تمامًا. إذ كان قد احتاط بأنْ سجن مُعارِضيه. كان مصدر الخطر الوحيد المُحتمل هو أم زوجته، وفي اللحظة التي أصبحت فيها قادرة على أن تكون مصدر إزعاج وُضِعت هي أيضًا قيد الاحتجاز المُشدَّد.» «أجل. ألا تظنُّ أنه كان يُوجَد «شيء» بوسعها فِعله؟ حين وجدَت أنها تُمنع من الحصول على أخبار الصبيَّين.» «ربما لم تعلم قطُّ أنهما كانا مفقودَين. ربما قال لها ببساطة: «رغبتي هي أنكِ لا ينبغي لكِ رؤيتهما. أرى أنكِ ذات تأثيرٍ سيِّئ عليهما؛ أنتِ يا من خرجتِ من الدير وسمحتِ لبناتكِ بأن يذهبن إلى حفلات ذلك الرجل!».» «أجل، هكذا هو الأمر بالطبع. لم يكن يتعيَّن عليه أن ينتظر حتى يعتريَها الشك بالفعل. ربما تمَّ الأمر برُمَّته في خطوةٍ واحدة. لعله قال لها: «أنتِ امرأةٌ سيئة، وأمٌّ سيئة؛ وسأُرسلكِ إلى أحد الأديرة لأُنقِذ روحكِ وأطفالك من وجودكِ المُفسِد».» «أجل. وفيما يخصُّ بقيَّة إنجلترا، كان الرجل آمنًا بقدرِ ما يمكن أن يكون أي قاتل على الإطلاق. فبعد فِكرته السعيدة عن اتهامات «الخيانة»، ما كان أحد ليشرئبَّ برأسه ليسأل عن صحة الصبيَّين بصفةٍ خاصة. لا بدَّ أن الجميع كانوا حذِرين للغاية. فلم يكن أحدٌ يعلم ما قد يُفكِّر فيه هنري تاليًا ليجعله جريمة بأثرٍ رجعي من شأنها أن تُوديَ بحياتهم في طيِّ النسيان وبمُمتلَكاتهم في جُعبة هنري. لا، لم يكن الوقت مُناسبًا ليكونوا فضوليين أكثر من اللازم بشأنِ أيِّ شيء لم يكن يخصُّهم. لا يعني ذلك أنه ليس من السهل، على أي حال، أن يُرضيَ المرء فضوله.» «تقصد مع وجود الصبيَّين في البرج.» «مع وجود الصبيَّين في برجٍ يحرسه رجال هنري. لم يكن هنري يتمتع بسلوك ريتشارد الذي كان يحضُّ على التلاقي والعيش مع ترك فرصة للغير لأن يعيشوا. ولم يكن هنري يُواجه تَحالفًا كتحالف آل يورك وآل لانكستر. لا بدَّ أن الأشخاص القائمين على البرج كانوا من رجال هنري.» «أجل. لا بدَّ بالطبع أنهم كانوا كذلك. هل تعلم أن هنري كان أول ملك إنجليزي يتَّخذ حُراسًا شخصيين له؟ أتساءل ما الذي قاله لزوجته عن إخوتها.» «أجل. سيكون من المُشوِّق معرفة هذا. ربما حتي أخبرها بالحقيقة.» «هنري! مُستحيل! كان هنري سيتكلَّف عناءً كبيرًا يا سيد جرانت من أجل أن يُقرَّ بحقيقةٍ بسيطة كحقيقةِ أن مجموع اثنين زائد اثنين يُساوي أربعة. صدِّقني، كان الرجل كالسلطعون؛ ما كان ليتقدَّم نحو شيء في خطٍّ مستقيم قَط.» «لو كان الرجل ساديًّا لأخبرها دون أن يخشى عقابًا. فعمليًّا، لم يكن يمكنها فِعل شيء حيالَ الأمر. حتى ولو أرادت أن تفعل. وربما لم تكن ترغب بشدة في فعل شيء. كانت قد قدَّمت وريثًا لعرش إنجلترا، وكانت تستعدُّ لتقديم وريث آخر. ربما لم يكن لدَيها رغبة في أن تشنَّ عليه حملة، خاصةً لو كانت حملةً ستُزلزِل الأرض من تحت قَدمَيها.» قال كارادين الشابُّ بنبرةٍ حزينة: «لم يكن هنري ساديًّا.» كان حزينًا لأنه منح هنري فضيلةً سلبية. واستطرد يقول: «بطريقةٍ ما كان على العكس تمامًا. لم يكن يستمتع بالقتل على الإطلاق. كان عليه أن يُجمِّل الأمر لنفسه قبل أن يتحمَّل التفكير فيه. كان عليه أن يُزيِّنه بالقانون. إن كنتَ تظنُّ أن هنري كان مُستمتعًا بالتبجح أمام إليزابيث في فراشهما بشأن ما فعله بأخوَيها، فأظنُّ أنك مُخطئ.» قال جرانت: «أجل، على الأرجح.» واضطجع يُفكِّر في هنري. ثم قال بعد بُرهة: «لقد فكَّرت للتوِّ في الصفة المناسبة لهنري. كان رديئًا. كان مخلوقًا رديئًا.» «أجل. حتى إن شَعره كان خفيفًا وقليلًا.» «لم أقصد جسديًّا.» «أعلم أنك لم تكن تقصد ذلك.» «كل ما فعله كان رديئًا. فكِّرْ في الأمر، «شوكة مورتون» هي أردأ طريقة لإدرار العوائد في التاريخ. لكن لم يكن الأمر مُتعلقًا بجشَعه للمال فحسب. كل ما يخصُّه يتَّصف بالرداءة، أليس كذلك؟» «أجل. ما كان الدكتور جيردنر سيُعاني من أي مشكلة في محاولةِ جعلِ تصرفاته مُلائمة لشخصيته. كيف أبلَيتَ مع الدكتور؟» «دراسة رائعة. أظنُّ أنه لولا فضل الرب لكان الدكتور المُبجَّل سيكسب قُوتَه من الإجرام.» «لأنه غَش؟» «لأنه لم يَغُش. كان واضحًا كالشمس. كل ما في الأمر أنه لم يتمكَّن من الانتقال بطريقةٍ منطقية من نقطة إلى أخرى.» «لا بأس، سأسمع.» «يُمكن للجميع أن ينتقل مَنطقيًّا من النقطة أ إلى النقطة ب، حتى لو كان طفلًا. ويمكن لمُعظم البالغين أن ينتقلوا منطقيًّا من النقطة ب إلى النقطة ج. لكن كثيرين لا يمكنهم ذلك. مُعظم المجرمين لا يُمكنهم ذلك. قد لا تُصدِّق هذا؛ أعرف أن هذا يُعَد تدنيًا مُريعًا من المفهوم الشائع عن المجرم بصفته شخصيةً جَسورة وجذَّابة، لكن العقل الإجرامي في الأساس عقلٌ ساذج. ولا يمكنك في بعض الأحيان أن تتخيَّل مدى سذاجته. سيَتعيَّن عليك أن تُجرِّب الأمر لتُصدِّق مدى افتقارهم إلى قدرات المنطق. فقد يَصِلون إلى النقطة ب، لكنهم يكونون غير قادرين على الانتقال إلى النقطة ج. تجدهم يضعون شيئَين مُختلِفَين وغير مُتوافِقَين تمامًا جنبًا إلى جنب ويُفكِّرون فيهما باطمئنانٍ لا جدال فيه. لا يُمكنك أن تَحمِلهم على رؤية أنهم لا يُمكنهم الحصول على هذَين الشيئين معًا، أكثر من قُدرتك على حَملِ رَجل لا يتمتَّع بذَوق على أن يرى أن مِن المُستحيل مُحاكاةَ العوارض من طِراز تيودور عن تثبيت طبقات من خشب الأبلكاش بالمسامير إلى الجملون. هل بدأت في كتابك؟» «في الواقع، بدأتُ بدايةً مبدئية نوعًا ما. أعرف الطريقة التي «أريد» أن أكتبه بها. أقصد شكلَه. آمُل أنك لن تُمانع.» «ولماذا أمانع؟» «أُريد أن أكتبه بالطريقة التي حدث بها. أُريد أن أكتب عن مَجيئي لزيارتك، واستهلالنا مسألة ريتشارد بطريقةٍ عارضة تمامًا، وعدم معرفتنا لِما كنَّا نمضي إليه، وكيف الْتَزمنا بما حدث بالفعل وليس بما رَوى أحدُهم عنه بعد حدوثه، وكيف بحثنا عن الخرق في النمط المعتاد الذي من شأنه أن يُشير إلى أين وقع الفعل الشِّرير، كالفقاقيع التي تتصاعد من غوَّاصٍ يغوص عميقًا تحت الماء، وهكذا على نفس الشاكلة.» «أظنُّ أن هذه فكرةٌ عظيمة.» «فعلًا؟» «أظنُّ ذلك بالفعل.» «حسنٌ إذَن. سأستمرُّ في هذا. وسأُجْري بعض الأبحاث عن هنري، فقط كنوعٍ من الزخرف للكتاب. أرغب في أن أكون قادرًا على وضع سِجلاتهما التاريخية جنبًا إلى جنب. حتى يتسنَّى للناس المقارنة بأنفسهم. هل تعرف أن هنري ابتكر محكمة «غرفة الملك»؟» «أكان هنري من فعَل ذلك؟ كنت قد نسيتُ هذا. «شوكة مورتون» ومحكمة «غرفة الملك». عيِّنة كلاسيكية عن المُمارَسات الذكية، وعيِّنة كلاسيكية كذلك على الطغيان. لن تُواجِه صعوبةً في التمييز بين الصورتَين المُتنافِستَين، حقًّا! إن «شوكة مورتون» و«غرفة الملك» يُمثِّلان تباينًا مقبولًا مع «منحِ حقِّ الكفالة»، و«منع ترهيب المُحلِّفين».» «أكان ذلك في برلمان ريتشارد؟ حقًّا، يا له من كمٍّ كبير من القراءة عليَّ أن أُنجِزه. إن أتلانتا في خصامٍ معي. وتكرهك بشدة. تقول إنَّ نفعي لأي فتاة بقدرِ نفع موضة العام الماضي. لكنْ صدقًا يا سيد جرانت، هذه هي المرة الأولى في حياتي التي يَحدُث لي فيها شيءٌ مُثير. أقصد شيئًا مُهمًّا. ليس معنى مُثير أنه مُثير. فأتلانتا مُثيرة لي. إنها كل الإثارة التي أردتُ أن أحصل عليها يومًا. لكن أيًّا منَّا لا يُمثِّل أهمية، بالطريقة التي أقصد بها معنى الأهمية، إن كنتَ تفهم ما أقصد.» «أجل، أفهم. لقد وجدتُ شيئًا يَستحقُّ أن يُفعَل.» «ذاك بالضبط. لقد وجدتُ شيئًا يستحقُّ أن يُفعَل. وأنا من سيفعله؛ ذلك هو الرائع في الأمر. أنا، ابن السيدة كارادين الصغير. لقد أتيتُ إلى هنا مع أتلانتا، ولم يكن لديَّ فكرة عن أي شيء سوى استخدام حيلة إجراء الأبحاث بصفتها حُجة. ذهبت إلى المتحف البريطاني من أجل الحصول على بعض المعلومات حتى يهدأ والدي، فخرجتُ منه بمهمة. ألا يُزلزلك هذا؟!» ثم نظر إلى جرانت مُفكِّرًا. وقال: «هل أنت واثق تمامًا، يا سيد جرانت، من أنك لا تُريد كتابة هذا الكتاب بنفسك؟ ففي النهاية، هذا شيءٌ عظيم.» فقال جرانت بنبرةٍ صارمة: «لن أكتب كتابًا أبدًا.» وأضاف: «ولا حتى كتابًا بعنوان «العشرين عامًا التي قضيتها في سكوتلاند يارد».» «ماذا! لن تكتب حتى سيرتك الذاتية؟» «ولا حتى سيرتي الذاتية. رأيي المدروس في هذا الشأن أنَّ كُتبًا أكثر من اللازم قد كُتِبت بالفعل.» فقال كارادين، وقد بدا مُتألِّمًا بعض الشيء: «لكن هذا كتابٌ ينبغي أن يُكتَب.» «بالطبع. لا بدَّ أن يُكتب هذا الكتاب. أخبِرني: ثَمة شيء نسيتُ أن أسألك عنه. كم من وقتٍ كان قد مضى حين أُرسِل تيريل إلى فرنسا بعد حصوله على العفو المزدوج؟ بعد خدمته المُفترَضة لهنري في يوليو من عام ١٤٨٦، متى أصبح قائد حصن جوينيس؟» تلاشى مظهر الألم الذي كان باديًا على كارادين، وبدا ماكرًا بقدرِ ما أمكنَه أن يبدوَ بوجهِ الحمَل المُزغب اللطيف ذلك. وقال: «كنت أتساءل في نفسي متى ستسأل ذلك السؤال.» وأردف: «كنت سأُخبرك بذلك لدى خروجي لو كنت قد نسيت أن تسألني. والإجابة هي: على الفور تقريبًا.» «هكذا إذَن. حصاةٌ صغيرة أخرى مناسبة للفُسَيفساء. أتساءل إن كان قد تصادف أن منصب قائد الحصن صار خاليًا أم إن هنري أرسله إلى فرنسا لأنه كان يريد أن يُخرجه من إنجلترا.» «أُراهن أن العكس هو ما حدث، وأن تيريل هو الذي أراد أن يُغادِر إنجلترا. لو كان هنري السابع هو حاكمي، فمن المُؤكَّد أنني كنت سأُفضِّل أن يحكمني عن بُعد. خاصةً لو كنت قد أدَّيتُ له مَهمةً سِرية، وكان سيصبح من الأفضل لهنري لو أنني لم أعِش حتى سنٍّ كبيرة جدًّا.» «أجل، لعلك مُحقٌّ. لم يُغادِر الرجل إلى خارج البلاد فحسب، بل ظلَّ هناك، كما لاحظنا بالفعل. هذا شيءٌ مُثير للاهتمام.» «لم يكن هو الوحيد الذي ظلَّ خارج البلاد. فعَل جون دايتون ذلك أيضًا. لم أتمكَّن من معرفة هُويَّة كل الأشخاص الذين كان من المفترَض أنهم كانوا بالفعل مُتورِّطين في جريمة القتل. فكل روايات آل تيودور عن ذلك مختلفة، وأظن أنك تعرف هذا. بالفعل معظم هذه الروايات مختلف لدرجةِ تناقضها التام بعضها مع بعض. فمُؤرِّخ هنري الأليف بوليدور فيرجيل يقول إن الجريمة ارتُكِبت حين كان ريتشارد في يورك. وطبقًا لما أورد مور المعظم، فإن هذا كان أثناء رحلةٍ أسبق، حين كان ريتشارد في ورويك. وتختلف الشخصيات باختلاف الروايات. لذا من الصعب فَرزُها. لا أعرف من كان ويل سلاتر — بلاك ويل بالنسبة إليك، وهي محاكاةٌ صوتية أخرى — أو مايلز فوريست. لكن كان يوجد شخص يُدعى جون دايتون. يقول جرافتون إنه عاش طويلًا في كاليه «مُحتقَرًا بقدرِ ما كان يُشار إليه بالبنان»، ومات هناك في بؤسٍ عظيم. كم كانوا يتمتَّعون بأخلاقٍ طيبة حقًّا. لم يكن الفيكتوريون بأفضل منهم.» «لو أن دايتون كان فقيرًا معدمًا فلا يبدو أنه أدَّى أي مهمة لحساب هنري. ماذا كانت مهنته؟» «في الواقع، إن كان هو جون دايتون المقصود فقد كان قسًّا، ولم يكن معدمًا بالمرَّة. كان يعيش في رفاهيةٍ كبيرة من عائدات هذه الوظيفة اليسيرة. أعطى هنري لجون دايتون منصب كاهن فولبِك، بالقرب من جرانثام، وهي في لينكولنشاير، يوم الثاني من مايو عام ١٤٨٧.» قال جرانت مُتباطئًا في الحديث: «حسنًا، حسنًا.» وتابَع: «١٤٨٧. وكان أيضًا يعيش خارج البلاد في بُحبوحة.» «آه. رائع، أليس كذلك؟» «هذا رائع. وهل يشرح أيُّ أحد كيف أن دايتون المعروف لم يُؤتَ به إلى البلاد مُكبَّلًا ليُشنَق جزاءً على قتله الملك؟» «أوه، لا. لا شيء كهذا. مُؤرِّخو آل تيودور … ألم يكن أيٌّ منهم يُفكِّر بمنطقية في كيفية الانتقال من النقطة ب إلى النقطة ج.» فضحكَ جرانت. وقال: «أرى أنك تعلَّمت.» «بالطبع. أنا لا أتعلَّم التاريخ فحسب. إنني أنحني إجلالًا لسكوتلاند يارد فيما يتعلَّق بموضوع تحليل العقل البشري. في الواقع، سنكتفي بهذا القدر الآن. إن كنت تشعر بأنك قوي بما يكفي فسأقرأ عليك أول فصلَين في الكتاب في المرة التالية التي آتي فيها.» ثم توقَّف برهةً وعاد يقول: «هل تُمانِع يا سيد جرانت لو أهديت هذا الكتاب لك؟» فقال جرانت في استهانة: «أرى أن من الأفضل لو أهديته إلى كارادين الثالث.» لكن يبدو أن كارادين لم يرَ الأمر موضع استهانة. فقال بمسحة من الصلابة: «أنا لا أستخدم الإهداء من باب التملُّق.» فردَّ جرانت بسرعة: «أوه، ليس تملقًا.» وأردف: «إنما هي مسألة سياسة.» وقف كارادين في منتصف الغُرفة، مُكتسيًا بطابَعٍ رسمي أمريكي مُنفعل، ومُحاطًا بطيَّات مِعطفه الفوقي الواسع، وقال: «ما كنت لأبدأ هذا الأمر قطُّ لولا أنت يا سيد جرانت.» وأضاف: «وأحب أن أُقدِّم الإقرار الواجب بدَيني لك.» تَمتَم جرانت: «سيكون هذا من دواعي سروري بالطبع»، فعاد الشابُّ ذو المظهر الملكي الواقف في منتصف الغُرفة إلى صِبيانيَّته مرةً أخرى وانتهت اللحظة المُحرِجة. غادَر كارادين بفرح وخُطًى رشيقة كما أتى، وبدا وكأن وزنه ازداد بمقدار ثلاثين باوند، وصدره انتفخ بمقدار اثنَي عشر إنشًا أكثر مما كان قبل ثلاثة أسابيع. وأخذ جرانت المعلومات الجديدة التي حصل عليها، وعلَّقها على الجدار المُقابل، وراح يُحدِّق فيها.
|
{
"chapter": "الفصل الخامس عشر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ابنة الزمن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/35759391/15/"
}
|
حيث نظرتم حولكم في زوايا غرفتكم، أو في حقيبة كُتبكم، أو علبة أقلامكم، أو غُرفة صفكم الدراسي، أو في مطبخ منزلكم، تجدونني قريبةً منكم، صديقةً دائمة لا تفارقكم في مختلِف مراحل عمركم، منذ نعومة أظفاركم وحتى نهاية حياتكم. تجدونني في السيارة التي تركبونها، وفي تليفون منزلكم وهاتفكم المحمول والحاسوب الذي تستخدمونه أو التلفزيون الذي تشاهدونه، وحتى في ملابسكم التي ترتدونها. حيث نظرتم هنا أو هناك أكون حاضرةً في حياتكم دائمًا، أُقدِّم لكم خدمة، وأساعدكم في قضاء حاجة، وأُلبِّي لكم مطلبًا يُيسِّر لكم عيشكم، ويُسهِّل عليكم حياتكم. ألعابكم التي قضيتم معها وقتًا ممتعًا، وأقلامكم التي خطَّت بها أيديكم صفحاتٍ عديدة، وأشياء كثيرة تُصادفكم في المنزل والشارع وفي الحديقة، وفي السوق، وفي النادي، في السيارة وفي الطائرة وفي كثير غيرها، جميعها مصنوعة من مادَّتِي أنا (البلاستيك)، المادة اللينة المرنة، المتينة، المقاومة للماء والمواد الكيميائية، الرخيصة الثمن، الخفيفة الوزن، العديمة الرائحة، القابلة للتدوير، المقاومة للصدمات وغير القابلة للكسر. كل هذه الصفات الجميلة جعلت مني مادَّةً صديقة لكم، ذات فائدة عظيمة للبشرية في مجالات عديدة. أُساهم في توفير الطاقة، وأحدُّ من الهدر في الموارد؛ ولهذا اتَّجهت المؤسَّسات الصناعية إلى مادَّتِي القوية الخفيفة الوزن تستخدمني بديلًا عن المعادن والمواد الأخرى التي تفتقر إلى مواصفاتي، ولا سيما في صناعة السيارات الحديثة التي أصبحت أقل وزنًا وتكلفة؛ ممَّا زاد من كفاءة استهلاك الوقود وتوفيره بسبب خواصي تلك. كما أن شركات تصنيع الأغذية اتجهت إلى مادَّتِي الخفيفة الوزن تصنع منها أغلفةً وعبوات لحفظ الأغذية، ونقلها، وتداولها؛ ممَّا ساهم في إطالة عمر هذه الأغذية ومنع فسادها. أمَّا الشركات المصنِّعة للأدوية فقد وجدت في مادَّتِي حلًّا ناجحًا لحفظ الأدوية بإحكام، مع بقاء فعاليتها فترةً طويلة دون فساد بفعل الرطوبة أو الأكسدة بالهواء الجوي. واتَّجهت شركات البناء إلى مادَّتِي تصنع منها، ومن عبواتها الفارغة، مواد البناء العازلة الزهيدة الكُلفة، فكانت حلًّا ناجحًا، يحدُّ من تلوُّث البيئة بتلك العبوات من جهة، ويؤمِّن المسكن والمأوى لأولئك الذين شرَّدتهم الحروب ودمرت منازلهم من جهة أخرى. ممَّا ساعد كثيرًا منهم على السكن في منازل تؤمِّن لهم حمايةً من الأخطار الخارجية، وتقيهم برد الشتاء وحر الصيف، وعلى توفير كميات كبيرة من الطاقة كانت تذهب هدرًا لأغراض التدفئة أو التبريد نتيجة التسرُّب الحراري لانخفاض كفاءة العزل في مواد البناء الأخرى. وكما ترَون أصدقائي الأطفال فقد دخلت مختلِف جوانب حياتكم بسبب خواصي التي منحتني كل تلك الأهمية، وبسبب توافر المواد الأولية الطبيعية التي يتم تصنيعي منها؛ حيث يتم اشتقاقي من مواد موجودة في الطبيعة مثل: الغاز الطبيعي، والنفط، والفحم، والمعادن والنباتات. فاتجهت أبحاث الإنسان وتجاربه نحو مادَّتي، يستنبط منها أشكالًا عديدة تتناسب والأنواع التي يقوم بتصنيعها، مستفيدًا من تركيبي الكيميائي، وطريقة ترتيب وحدات البناء التي أتكوَّن منها؛ فأنا ببساطة سلاسل من وحدات كبيرة الحجم تسمَّى بوليمرات؛ ولهذا السبب فإن العديد من أنواعي يبدأ اسمها ﺑ «بولي»، مثل: بولي إيثيلين، وبولي سترين، وبولي بروبيلين. تتكوَّن البوليمرات بدورها من وحدات أقصر تُسمَّى المونومرات تترتَّب بطرق متعدِّدة، عرفها الإنسان من خلال أبحاثه وتجاربه فاستغلَّها واستفاد منها في تكوين أعداد لا حصر لها من البوليمرات المختلفة في التركيب الكيميائي، وأنتج مني أنواعًا لها مُسمَّيات وأرقام تشير إلى نوع مادة البلاستيك الناتجة واستخدامها المناسب؛ لصناعة القطع والعبوات لحفظ المواد داخلها. وإذا دقَّقتم النظر في أسفل العبوات المصنوعة من أنواعي المختلفة، تجدون ثلاثة أسهم على شكل مثلث بداخلها رقم، تشير الأسهم إلى إعادة تدوير هذا المنتج، أمَّا الرقم فيدلكم على نوع مادَّتي المصنوعة منها تلك العبوة: وتُستخدم أيضًا في تصنيع عبوات المياه، والمشروبات الغازية، والعصائر. ونظرًا لقيام هذه العبوات بامتصاص جزءٍ من المواد المعبَّأة بها، وقابليتها لنمو البكتيريا داخلها؛ فإني أنصحكم باستخدامها مرةً واحدة فقط، وعدم إعادة تعبئتها أبدًا. تُستخدم في صناعة عبوات الحليب الموجودة بالأسواق، وعبوات الصابون السائل، والشامبوهات والمنظِّفات بشكل عام. العبوات المصنوعة من هذا النوع لا تنقُل أي مواد كيميائية إلى المواد الغذائية المعبَّأة بها في درجة الحرارة العادية؛ أي درجة حرارة البيوت والمحلات التجارية. تُستخدم في صناعة المواسير البلاستيكية، كما تدخل في صناعة عبوات الزيت. قد تكون هذه المادة سامَّةً إذا تمَّ تعريضها لدرجات حرارة عالية؛ لأنها تحتوي على عنصر الكلور في مُركَّبها، وقد تؤثِّر على الهرمونات في أجسامكم وتُسبِّب لكم مشاكل غير حميدة. يُستخدم نوعي هذا بشكل عام لتغطية الأطعمة في محلات الوجبات الجاهزة والمطاعم. وفي صناعة أكياس تخزين الفواكه والخضراوات، وفي صناعة الأكياس البلاستيكية العادية، والأكياس البلاستيكية المطَّاطة لتغليف المخبوزات. وتُستخدم كذلك في صناعة العبوات القابلة للعصر؛ كالقطَّارات التي تحتاج إلى عصرها للتنقيط. هذه المادة آمنة لا تسبِّب انتقال مواد كيماوية للأطعمة في درجة الحرارة العادية. يمكن استخدامها لتخزين الأطعمة التي تتطلَّب حاويةً محكمة الإغلاق لمنع تسوُّسها وفسادها؛ مثل الحلوى والأعشاب. وتصلح أيضًا لصناعة أكواب اللبن الرائب (الزبادي). تدخل في صناعة الأكواب البلاستيكية والفوم التي تستخدمونها لمرة واحدة لشرب القهوة أو الشاي أو النسكافيه. ولصناعة علب البيض وعلب الوجبات الغذائية الجاهزة وأدوات المائدة. وهو نوع غير آمن لدرجة كبيرة للأطعمة والمشروبات. كانت تُستخدم سابقًا في صناعة بعض ألعاب وأدوات الأطفال والرضَّاعات، إضافةً إلى إطارات وعدسات النظارات، وحافظات الهواتف، ولها استعمالات عديدة لكونها سهلة التشكيل والصب. تأتي خطورة نوعي هذا من احتواءه على سُم البيسفينول التي تؤدِّي إلى خلل بعض الهرمومات في أجسامكم، ومشاكل صحية أخرى تؤثِّر على الخصوبة والإنجاب. تُستخدم البولي كربونات كثيرًا في مجال إنتاج الألواح الصلبة الشفَّافة المتعدِّدة الطبقات المستخدمة كرفوف ومظلات واقية في أعمال الإنشاءات. وأظنكم عرفتم الآن كيف تتجنَّبون الأضرار المحتملة التي قد تتسرَّب إليكم من عبواتي المختلفة؛ وذلك بابتعادكم عن تناول الأطعمة أو المشروبات الساخنة الموضوعة في أوانٍ بلاستيكية؛ لأن الحرارة تساعد على تحلُّلي وتفاعل مكوِّناتي مع الطعام أو الشراب. وعدم استخدامكم قناني أو قوارير الشرب البلاستيكية أكثر من مرة، فلا تعيدوا تعبئتها؛ فأغلبها من النوع رقم «١» الصالح للاستخدام مرةً واحدة فقط. وكذلك عدم استخدام أطباقي البلاستيكية في حفظ اللحوم وأنواع الجبن لفترة طويلة. وانصحوا أمهاتكم الحوامل بعدم تناول الطعام في أواني مصنوعةٍ من موادي تجنُّبًا لتأثيرها المحتمل عليهن وعلى صحة الجنين. وللحفاظ على بيئتكم الجميلة نظيفةً لا ترموا بمخلَّفات موادِّي الكثيرة بين أيديكم من الأكياس والقناني والعبوات المختلفة، بما فيها أطباق الوجبات السريعة وكاسات المشروبات. لا ترموها عشوائيًّا ولا تتركوها خلفكم في الحقول أو الحدائق أو الشواطئ حيث تجلسون، بل اجمعوها في كيس وضعوها في المكان المخصَّص للنُّفايات؛ فبذلك تحافظون على نظافة وجمال بيئتكم وسلامة صحتكم. وسلامة الأحياء التي تشارككم بيئتكم، وتؤمِّن لكم غذاءكم؛ فكم من طيور وحيوانات، وأسماك، وحيتان، ودلافين، وسلاحف، وأنواع كثيرة غيرها نفقت بسبب ابتلاعها المخلَّفات المصنوعة من موادِّي المشتقة مني! حيث تتراكم هذه المخلَّفات التي تتركونها على الشواطئ، وتصل إلى مياه البحار والمحيطات، فتلتقطها تلك الكائنات وتبتلعها ظنًّا منها أنها وجبة طعام لذيذة تسدُّ بها جوعها. أمَّا في التربة فقد تبقى موادِّي هذه عشرات السنوات، وربما المئات، دون أن تفنى، بل تتفتَّت ويتحرَّر منها مواد سامة ضارة بالبيئة، ويزداد ضررها مع نشوب الحرائق في السهول والغابات والحقول؛ ممَّا يُنتج عنها أبخرةً شديدة السُّمية، إضافةً إلى مساعدتها على اشتعال تلك الحرائق وتأجيج نارها. ومهما قيل عني فأنا مادة البلاستيك، ملكة المواد الصناعية، صديقتكم الدائمة المطيعة، وخياركم الأول لتعبئة وتغليف الأدوية والمواد الغذائية. أساعدكم في حياتكم، فلا تجعلوا مني عدوةً لكم ولبقية الكائنات في كوكبكم الجميل.
|
{
"chapter": "البلاستيك",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "البلاستيك",
"url": "https://www.hindawi.org/books/25029086/1/"
}
|
سار «أحمد» في المقدمة وتَبِعه «بو عمير» ثم «خالد» و«إلهام»، وأخيرًا «فهد». ولم يكَد يمضي من الوقت بضعُ دقائق حتى قطع خلالها الشياطين أكثر من مائة متر وسط الأعشاب العالية إلى أن لاح لهم ضوءٌ من بعيد. كان الضوء خافتًا ولكنه كان يزداد كلما اقترب الشياطين منه، وفجأة ظهر أمامهم «المنزل» أو «المصنع» الذي يعيش فيه العالِم مع اختراعه المميت … كان منزلًا متوسط الحجم، لكنه مقام بشكل غريب، عبارة عن طابق واحد مشيَّد بواسطة التركيبات المعدنية وهو يقترب من حافة الجزيرة بطريقة مدروسة … وأكمل الشياطين السير باتجاه المنزل بعد أن أطفأ «أحمد» ضوءَ كشافه الصغير. ثم أشار إلى «إلهام» بالتوقف وضبط جهاز اللاسلكي للاتصال ﺑ «هدى» و«مصباح» ومعهم «فيليب» إذا لزم الأمر. كانت المسافة التي تُبعدهم عن المنزل لا تتعدَّى الثلاثين مترًا … ارتدى خلالها الشياطين الكمامات الواقية ضد الميكروبات والجراثيم. وفجأة برز من المنزل ثلاثة رجال يرتدون زيًّا موحدًا ويُمسكون بالأسلحة النارية. صاح أحدهم بلهجة لم يسمعها الشياطين من قبل، وانتبه زميلاه إلى حيث أشار، وسرعان ما أطلق من سلاحه مجموعةً من الطلقات النارية. انبطح الشياطين على الأرض لتفادي الطلقات، وزحف «أحمد» و«بو عمير» في اتجاهَين مختلفَين ناحية الحراس الذين تفرَّقوا سريعًا … وهم ينادون ويصيحون بكلمات غريبة لم يفهم منها الشياطين شيئًا. كان «أحمد» و«بو عمير» قد اقتربَا كثيرًا من الحراس، بينما كان «فهد» و«خالد» يراقبان الموقف من الوضع الساكن انتظارًا لما سوف يحدث! كان أحد الحراس يقترب من «فهد» دون أن يراه حتى صار على بُعد خطوتَين منه، ولزم «فهد» الصمتَ والسكون دون حركة حتى تقدَّم الحارس خطوة أخرى. وكانت كافيةً أن يقفز «فهد» إليه في رشاقة ليعاجلَه «فهد» بضربة قوية أسقطَته على الأرض. كان الحارسان الآخران في غاية الاضطراب لما يحدث … فالظلام كان يُخفي الشياطين بملابسهم السوداء. واقترب الحارسان من بعضهما وهمسَا ببعض كلمات مضطربة متوترة. في نفس اللحظة التي اندفع فيها «أحمد» و«بو عمير» ناحيتَهما فأطلقَا سلاحهما عشوائيًّا في أيِّ اتجاه حتى نفدَت ذخيرتهم، وأصبح السلاح بأيديهما كالعصا. ودارت معركةٌ قصيرة بين «أحمد» وأحد الحارسين استطاع «أحمد» إنهاءها بسرعة بواسطة ضربة قوية أطاحَت بالحارس الذي حاول النهوض فعاجله «أحمد» بضربة أخرى أفقدَته الوعي. اندفع «أحمد» ناحية الرجل الذي اشتبك مع «بو عمير» وسرعان ما تخلصَا منه. كان «خالد» و«فهد» قد انضمَّا ﻟ «أحمد» و«بو عمير»، بينما اكتفت «إلهام» بالمشاهدة؛ فالمعركة حُسمت ولم يكن هناك ما يستدعي تدخلها، واتجه الشياطين إلى المنزل … ليُوقفهم «أحمد» في لهجة تحذيرية؛ إذ سمع صوتًا يدوي في الاتجاه العكسي للمنزل، شاهدوا بعدها جميعًا قاربًا صغيرًا ذا محرك يندفع بسرعة جنونية باتجاه شواطئ «اليابان»، بينما كانت المفاجأة الكبرى بانتظارهم … حيث انهار المنزل في ثانية واحدة وابتلعَته مياه المحيط في لحظات. صاح «أحمد» في اندهاش: لقد شيدوا هذا المنزل بطريقة حديثة حيث يمكنهم التخلص منه بسهولة … وأكمل «بو عمير»: من المؤكد أن هذا القارب الذي انطلق باتجاه شواطئ «اليابان» يقوده «العالِم» الذي فرَّ هاربًا بعد أن شاهد المعركة الدائرة بيننا وبين الحراس. عاد الشياطين إلى حيث ينتظرهم «مصباح»، و«فيليب»، و«هدى». علَت ابتسامةٌ واسعة وجوهَهم، واكتفت «إلهام» بقولها: لقد ذهبت الجراثيم إلى الجحيم! وانطلق القارب السريع يقوده «فيليب» حيث ظهرَت من بعيد أضواء مدينة «تاييه» لتُعلن عن عودة الشياطين بعد أن أنهَوا مهمتهم.
|
{
"chapter": "الشياطين جزء من الليل!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة ريوكيو",
"url": "https://www.hindawi.org/books/73952838/7/"
}
|
لم تكن الفرقعة الشديدة التي حدثَت بالقرب من المنزل الذي يجتمع فيه الشياطين ويحرسه من الخارج «فيليب» ورجاله، سوى الصوت الذي أحدثه انفجارُ أحد إطارات سيارة كانت تقف بالقرب من المنزل. نادى بعدها «أحمد» «فيليب» وشرح له تفاصيل الخطة ودوره فيها، واتفق معه على الاستعداد الكامل لاحتمال التنفيذ في أي وقت. وأخيرًا طلب منه التوجه بهم إلى الفندق حيث يقضون اليوم حتى الصباح الباكر. استقل الشياطين السيارة «اللاند روفر» في طريقهم إلى الفندق. وسارَت السيارة التي يقودها «فيليب» في حواري ضيقة أثبت فيها «فيليب» براعتَه في القيادة حتى خرجَت إلى الشارع الرئيسي … ولم تمضِ سوى ربع الساعة فقط حتى وصل الشياطين إلى الفندق. كان أول ما لفت نظر «أحمد» عدم وجود «شنج ياي» الحارس الليلي مكانه، بل وجد مكانَه شخصًا آخرَ طويلَ القامة بدينًا نسبيًّا … وكان يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها «شنج ياي». رمقَه «أحمد» بنظرة سريعة وهو يهمُّ بدخول الفندق … ولم يُعِرْهم الحارس أدنى اهتمام، فنظر «بو عمير» ﻟ «أحمد»، ثم حوَّل بصرَه باتجاه الحارس وأكملَا السير وتبعهما بقية الشياطين ومعهم «فيليب» إلى داخل الفندق. كانت الغرفة كما هي. لا شيء تغيَّر … وإن اكتشف الشياطين بعد التفتيش الدقيق أن غُرَفَهم قد تعرَّضَت للتفتيش، وأن هناك أجهزة تصنُّت أخرى قد وُضعَت في بقية الغرف بل وفي نفس المكان الذي وُضع فيه الجهاز بغرفة «أحمد». كان كل ما يُقلق «أحمد» كيفية التصرف مع العالِم الذي يقوم بتجهيز الجراثيم القاتلة، في نفس الوقت الذي شغل تفكيره أيضا كيفية مواجهة هذه الجراثيم … وهل تكفي الأقنعة الواقية التي معهم لحمايتهم منها. قضى الشياطين ليلتَهم في الحديث عن رحلة الغد الليلية إلى «تايوان» لشراء بعض الأشياء المهمة التي يحتاجونها في عملياتهم القادمة. قال «مصباح»: إنني في أشد الحاجة لمثل هذه الرحلة … ويا حبذا لو لم يتأخر «فيليب» عن التاسعة مساء. فبعدها سيصير الوقت متأخرًا والجو باردًا. كانت الساعة تُشير إلى الحادية عشرة حين أخلد الشياطين للنوم استعدادًا للغد، ونام كلُّ الشياطين ملءَ الجفون عدا «فهد» الذي انتابه القلق، فخرج في هدوء إلى بهو الفندق، وسهر بعض الوقت في مشاهدة بعض برامج التليفزيون «التايواني»، ألقى خلالها نظرةً خاطفة على الحارس الليلي، وكان قلبه يُحدِّثه عن شيء سيحدث وقد صدق حَدْسُه؛ فقد شاهد الرجل صاحب اللحية الصفراء واقفًا مع الحارس يتبادلان حديثًا هامسًا. وسهر «فهد» طوال الليل وقد فارقه النوم وحلَّ مكانه القلق … فكان من الواضح أن هؤلاء الرجال في منتهى الخطر ثم ما هو دور رجال الأمن والحراسة بالفندق؟! ثم من يملك الفندق نفسه؟ أسئلة كثيرة هاجمت عقلَ «فهد» مما جعلَته يشعر بالقلق والخوف على بقية الشياطين … كان يقظًا لدرجةِ سماعِه كلَّ الخطوات في الدهليز المؤدي إلى الغرف، بل راح يعدُّ الخطوات ويعرف من خلالها أين توقَّفت الخطوات وأي الغرف دخلت. كان آخر الليل قد حلَّ مع بداية الصباح حين شعر «فهد» ببعض الاطمئنان، فاستسلم للنوم حتى الصباح … عندما صحَا الشياطين من نومهم كانوا في غاية النشاط وبعد أن تناولوا طعام الإفطار … اجتمعوا بغرفة «أحمد» و«بو عمير». حتى جاءهم صوتُ «فيليب» وهو يستأذن للدخول، وقضى معهم بعضَ الوقت أكَّد خلاله للشياطين على موعد الرحلة إلى «تايوان» وهو في التاسعة مساء على نفس العربة «اللاند روفر» الزرقاء الكبيرة … كانت كلمات «فيليب» حسب اتفاق «أحمد». فخرجت طبيعية تمامًا. كانت عقارب الساعة تُشير إلى الثامنة والنصف مساء حين استعد الشياطين لأداء مهمتهم الصعبة. ارتدوا ملابسهم بسرعة، ووقفوا في الشرفة ينتظرون وصول «فيليب»، وكان «بو عمير» في تلك الأثناء يتابع حركة الغرفة «٢٠٨» عند اقتراب الساعة التاسعة، ثم ألقى نظرة خارج الفندق … كانت هناك سيارة «ستروين» الفرنسية الصنع السريعة جدًّا وبداخلها شخصٌ في الكرسي الخلفي بينما كانت عجلة القيادة خالية، وشاهد «بو عمير» شخصين آخرَين يتجهان إلى السيارة «الستروين» السوداء، وينظران إلى ساعتهما. كان الوقت يمضي ببطء شديد عندما اقتربت الساعة من التاسعة. صَعِد «بو عمير» إلى غرفة «أحمد»، وأبلغه بوجود السيارة السوداء. كانت «إلهام» تنظر إلى ساعتها والعقرب الكبير يتجاوز رقم «١٢»، ويقترب رويدًا من العدد «١»، فقالت وهي تحاول أن تبدوَ طبيعية: لقد تأخر «فيليب»، ولم تكَد تنتهي من جملتها حتى طرق «فيليب» البابَ وصاح محيِّيًا الشياطين، ثم قال: السيارة بانتظاركم خلف الفندق، ثم أشار ﻟ «أحمد» … بأن كلَّ شيء على ما يرام. كان اختيار «أحمد» لهذا اليوم موفَّقًا للغاية؛ فالسماء بلا نجوم وستائر الليل الكثيفة تُرخي بسدولها على الأماكن الخلوية فتصبح قطعةً من الظلام. عندما هبط الشياطين السبعة ومعهم «فيليب»، واتجهوا حيث تقف السيارة «اللاند روفر» الزرقاء، كانت السيارة «الستروين» السوداء قد تحرَّكَت من مكانها … وشاهدها «بو عمير» من بعيد وهي تقترب منهم وتستعد للانطلاق في نفس اتجاههم … تَبِعتها سيارةٌ أخرى من طراز «بورش» الألماني. صَعِد الشياطين إلى السيارة «اللاند روفر»، وجلس على عجلة القيادة «فيليب»، وأدار محركها ثم انطلق في الظلام الدامس لمائة متر بالتحديد، ثم انحرف يمينًا، وكانت أضواء العربة «الستروين» و«البوش» تطاردهم عن قرب … ولم يكَد «فيليب» ينحرف بالعربة حتى تَبِعها بانحراف آخر في شارع ضيق عندئذٍ … وفجأة انطلقَت في نفس الوقت الذي انحرفَت فيه سيارةٌ أخرى «لاند روفر» زرقاء كانت بنفس اللون والمواصفات. وكان يقودها شخصٌ آخر يُشبه إلى حدٍّ كبير «فيليب» في ضخامة جسده ولون بشرته … ويرتدي نفس ملابس «فيليب»، وكانت دهشة الشياطين كبيرة عندما لمحوا فتاتَين تجلسان في الكرسي الخلفي كما جلسَت «إلهام» و«هدى» تمامًا … ابتسم «فيليب» ابتسامةَ سعادة ورضا وهو يشير ﻟ «أحمد»، وصاح «بو عمير» و«خالد» في نفَس واحد. برافو «فيليب». كانت السيارة «اللاند روفر» الزرقاء قد اختفَت في الظلام ووراءَها انطلقَت السيارة «الستروين» و «البورش». بينما دار «فيليب» بسيارة الشياطين وانطلق صوب المحيط الهادي … حيث كان بانتظارهم أحد القوارب العملاقة ذات المحرك السريع، وهناك أبدل الشياطين ملابسهم، وارتدوا جميعًا الثياب السوداء. وأمسك كل واحد منهم بالكمامة، وأسرع «فيليب» إلى القارب ثم أدار المحرك وضبط بوصلة القيادة وغادر القارب «الياماها» الياباني شواطئ «تاييه» باتجاه جزر «ريوكيو». كان القارب العملاق يشقُّ مياه المحيط بسرعة مسترشدًا بكشافاته القوية التي انعكست على سطح الماء الأزرق والذي أحاله الظلام الدامس إلى سائل أسود … واختفت بعد نصف ساعة شواطئ «تاييه» بأنوارها واستمر القارب السريع في انطلاقه دون توقُّف … حتى صاح «فيليب» بصوتٍ عالٍ كي يسمعَه الشياطين: باقٍ ثلاثون ميلًا. أتاه صوت «أحمد»: أَطْفِئ الأنوار قبل الوصول بعشرة أميال وهدِّئ من السرعة. فقال «فيليب» بلهجة عسكرية: أمرُك يا سيدي! مما جعل الشياطين يضحكون برغم صعوبة مهمتهم وبرودة الجو وسط المحيط الواسع. ظل القارب منطلقًا بنفس السرعة عشر دقائق أخرى ثم هدأ من سرعته وتَبِعها بالأنوار التي أطفأها عرف بعدها الشياطين بأنهم قد أصبحوا على مقربة عشرة أميال من جزيرة «ريوكيو» أو «جزيرة الجراثيم» كما أطلقوا عليها. خمس دقائق مرَّت هي الأخرى أتم فيها الشياطين الاستعداد لاقتحام الجزيرة حين صاح «فيليب»: الجزيرة الآن على بُعد ميلَين فقط. كان القارب «الياماها» السريع قد تفادَى في طريقه للجزيرة المقصودة مجموعة من الجزر التي يُطلق عليها جميعًا جزر «ريوكيو» … قال «فيليب» بصوت هامس: لقد وصلنا شاطئ الجزيرة! ترك بعدها «فيليب» يدَ المقود، فسكت الموتور وأصبح القارب يسير بهدوء بقوة الدفع حتى اصطدم ببعض الأعشاب على شاطئ الجزيرة. فقفز الشياطين بخفة ورشاقة بملابسهم السوداء وتلفَّت «أحمد» حوله ثم قال ﻟ «فيليب»: انتظر أنت بالقارب ومعك «هدى» و«مصباح»، وستكون «إلهام» على مقربة منَّا وقد نستدعيكم في أيِّ وقت بواسطة جهاز اللاسلكي … فكونوا مستعدين.
|
{
"chapter": "الخدعة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة ريوكيو",
"url": "https://www.hindawi.org/books/73952838/6/"
}
|
رُزق بولد أول ما رزق. سعد بالمولود سعادة رجل يقدس الأسرة والإنجاب، ولا يعترف بالإنجاب إن لم يتوَّج بذكر. كان يقترب من أواسط العمر، ويستقر في دنيا النجاح كمحامٍ نابه. والزواج كان تقليديًّا، بُني على البحث والسؤال وحسن الاختيار، ثم جاءت العاطفة في حينها لتكمل البناء وتنمقه. غير أن إعصارًا عصف بسعادته بلطمة واحدة. فيومًا اصطحب زوجته إلى السينما، ولما رجعا إلى مسكنهما بالحدائق لم يجدا الوليد ولا الدادة. لم يكن من المألوف أن تخرج به ليلًا، خاصة ليل الشتاء، فبدا الأمر مقلقًا، وسأل الرجل الجيران والبواب فلم يظفر بما يطمئنه، وانتظر هو وزوجه على غير طائل، ثم ذهب أخيرًا إلى القسم. أدلى بالأقوال المطلوبة عن الدادة والمخدم الذي جاء بها والطفل ذي العامين، ثم رجع إلى مسكنه مهيض الجناح مشتت العقل، ولم يغمض لهما جفن — هو وزوجه — حتى الصباح. وقامت الشرطة بتحريات واسعة، وتردَّد عليها أيامًا متواصلة، ولكن البحث لم يسفر عن نتيجة، ولم يعثر على أثر للطفل أو للدادة. أيقن أن ابنه قد سُرق، لحساب الدادة من أجل أم عقيم، هل ما زال على قيد الحياة؟ وأي مرعى جديد يؤويه ويحتضنه؟ وتعكر صفو الزوجين، وكابدا آلامًا مبرحة، لعلها أشد من آلام الموت نفسه الذي يؤلف في النهاية كقدر لا مفرَّ منه. ولكن مرور الأيام دواء على أي حال، فسلم الرجل أمره لِلَّه وأذعن لمشيئته، وانهمك في عمله غارقًا في هموم الحياة ومشكلاتها. وقد رُزق بعد ذلك ببنات ثلاث، ولم يُرزق بولد رغم اللهفة والحسرات، وظل عند مولد كل بنت يتذكَّر ابنه الضائع في خضم الحياة المصطخب. وتقدم في عمله من نجاح إلى نجاح حتى عُدَّ بين النخبة من رجال القانون والقلة من أثرياء أصحاب المهن. وشيد لأسرته فيلا في الهرم واقتنى سيارة مرسیدس، واستمتع بالجاه والصيت العريض، وتوج نجاحه بالمساهمة في الحياة السياسية، فتألق كنجم من نجوم المجتمع وقائد من قادة الفكر. ولم تُمْحَ ذكرى ابنه المفقود من ذاكرته. أجل لم يكن يذكره بصوت مسموع رحمة بأمه، ولكنه كان يستحضره في المناسبات، فيقول: لو بقي لي لكان اليوم يتأهب لامتحان الثانوية العامة، أو لكان اليوم يختم دراسته الجامعية، أو لربما كنا نحتفل بزواجه، ثم يتمنى على الله أن تهيئ بيئته الجديدة له الدفء والحب والفلاح. وفي أثناء ذلك تزوجت بناته، فانضم إلى الأسرة ثلاثة شبان في سن ابنه المفترضة أو قريبين منها، وصار له أحفاد من الذكور عوضوه عن فقده خيرًا، ولكن عقدة الابن الذكر لم تفارقه، واقتضته إجراءات كثيرة؛ لحفظ إرثه في ذريته دون مشاركة أحد من إخوته الذين لم يكونوا في حاجة إلى ماله. وعاش في نظر الناس مثالًا للنجاح والسعادة، وفي باطنه مثالًا للسعادة الواقعية التي لا تخلو من حزن أو ألم. أما الابن، فقد نشأ وترعرع في شقة صغيرة في بيت قديم بمصر القديمة. إنه يذكر تمامًا أمه الطيبة المحبة، كما يذكر أباه الكهل الذي كان يغادر البيت صباحًا ويعود إليه مساء، كما يذكر شاربه الغليظ وعصاه وبدلته الأنيقة، حظي بحياة طيبة مريحة، وفي السادسة دخل المدرسة، ولم يجد في جو البيت الطيب ما يشجعه على الدراسة، وما لبث أن مات أبوه ولم يوفق في الدراسة، ثم ماتت أمه وهو في الثامنة. وجد نفسه وحيدًا بلا أهل. ولم تتركه جارته لوحدته فدعته للبيات مع أولادها. واتفقت هي وزوجها مع صاحب البيت على إخلاء الشقة وبيع الأثاث، واقتضى العدل أن يحتفظا بالمال نظير إيواء الغلام والعناية به. ولكنه لم يحظَ برقابة كافية فضاع مرة أخرى بين مسكنه الجديد والمدرسة حتى فصلته المدرسة. وتغيرت المعاملة مع الزمن؛ فما إن بلغ العاشرة حتى وجد نفسه يعمل خادمًا في البيت والسوق. ومن أول يوم كره عمله الجديد ورفضه ولكنه تحمله راغمًا. وأحيانًا يتذكر حنان والديه فتدمع عيناه في وحدته. ويومًا خرج للتسوق فوجد الشوارع تموج بالكبار والصغار، يصيحون في غضب، ويقذفون السيارات ومصابيح الشوارع بالطوب. روعه المنظر لأول وهلة ولكنه سرعان ما استجاب إليه بسرور خفي وشارك فيه. وفرَّ في الوقت المناسب مصممًا في الوقت نفسه على عدم العودة إلى مخدومته. هام على وجهه ولكنه التقى بكثير من الهائمين، وعند الضرورة تسول رزقه حتى عطف عليه منادي سيارات، فاستغله في التنظيف والحراسة نظير المأوى واللقمة. وكان الرجل رب أسرة وله أطفال دون سن العمل. وارتاح لعمله الجديد وسعد به، وعاش يومه كله في الهواء الطلق. ولما بلغ المراهقة وتدرَّب على عمله، قرر الرجل أن يختار له موقعًا مستقلًّا نظير جُعلٍ يوميٍّ. قال له: إنها فرصة مليحة لا تتاح إلا لسعيد الحظ، ولا تتيسر إلا بالمال والفهلوة. ولكي يضمن ولاءه زوجه من كبرى بناته، وهي عروس لا بأس بها شكلًا وموضوعًا، بالرغم من أنها عوراء، واتخذ مسكنه مع حميه مستقلًّا بحجرة منفردة، واستقبل حياة طيبة مثمرة. طيلة ذلك العمر، جمعت مدينة واحدة بين الابن وأسرته الحقيقية، أبيه وأمه وأخواته. أما والداه الزائفان فقد نسيهما تمامًا، ولم يخطر له ببال أنه ابن شرعي لوالدين آخرين. ومرات كثيرة اخترقت سيارة الأب الشارع الذي يعمل فيه الابن، دون أن تقع عين أحدهما على الآخر. غير أنهما تقاربا مرتين فرأى الابن أباه، وثمة احتمال أن الأب أيضًا رأى ابنه. الأولى وقعت عندما كان الابن ما يزال صبيًّا مساعدًا لحميه؛ إذ ركن الأب سيارته المرسيدس في الموقف وتركها لموعد هام مع النائب العمومي. وقف الابن على مبعدة يسيرة ينتظر دوره في العمل، فرأى أباه وهو يغادر السيارة ويمضي لعبور الطريق. مرت عينا الرجل به فيما مرت بأشياء الطريق القائمة والمتحركة. أما الابن فقد راعه منظر الرجل بجلاله وأبهته فخلف في باطنه أثرًا عميقًا، وأقبل على تنظيف السيارة بحماس. ولمح وهو يجلي زجاج النافذة سيدة في الداخل فتنته فخامتها رغم کهولتها، ولكنها كانت مستغرقة في قراءة جريدة فلم تلتفت نحوه. الثانية تمت في سياق المعركة الانتخابية، فقد أقام الأستاذ سرادقًا شعبيًّا ليوزع حلاوة المولد على الكادحين؛ لمناسبة حلول المولد النبوي قُبيل الانتخابات. في ذلك الوقت، كان الابن قد استقل وتزوج. ووقف يتفرج دون أن يشترك مع الجالسين. جاء الأب متبوعًا بنفر من أعوانه وراح يوزع علب الحلاوة بنفسه ويتقبل الدعاء. وتذكره الابن وانبهر به مرة أخرى، ولما فرغ الرجل من مهمته وغادر السرادق، اقترب الشاب منه مدفوعًا بانجذابه وقال: هل أنبه السائق للحضور بالسيارة؟ ولكن أحد الأعوان كان قد بادر للقيام بالمهمة، فنظر الأب نحوه نظرة عابرة وقال: شكرًا ولا داعي للإزعاج. فصادف قوله من نفس الابن منتهى الرضا.
|
{
"chapter": "في المدينة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/30/"
}
|
حمل الشياطين الأجنحة إلى حافة القمة ليركبوها … فأسندوا صدورهم على حاملٍ ممتد بين الأجنحة … ووضعوا أرجلهم على الذيل الذي يُستخدم كدَفَّة … ووقفوا بمحاذاة بعضهم. كانت الجزيرة هادئة … خالية من المارة … إلا أن العم «واو» رأى عن بُعد … سيارة رجال العصابة قادمة، فقال: عصابة «سوبتك» قادمون. فقال «أحمد» في حزم: «ش. ك. س» استعداد … انطلق! جرى الشياطين بسرعةٍ حتى نهاية الحافة، وعندما وصلت سيارة رجال العصابة … كان «أحمد» و«إلهام» و«عثمان» يحلِّقون في الهواء … كالنسور العملاقة جرى رجال العصابة إلى حافة التل … شاهِرين أسلحتهم … يُطلقون النار على الشياطين في فزع … والشياطين يندفعون نحوهم بسرعة الهواء، وقد تدلَّت أرجلهم لأسفل … لتضرب رءوسهم في عنف … فيطيرون في الهواء بلا أجنحةٍ، ويسقطون صارخين من قمَّة التل. أدارَ الشياطين أجهزة الدَّفْع الخلفية للأجنحة، وأخذوا يحلِّقون في الهواء بحذر، فخلفهم ناطحات السحاب، وأمامهم أكثر من مائة جزيرة وتحتهم الماء … وميناء «إيبردين» … وشبكة الطرق التي تلتف كالحيَّات بين المباني الشاهقة، حلق الشياطين فوق ناطحة سحاب … فلفت نظر «أحمد» برج حديدي يعلوه شقة … نصف حوائطها العلوية من الزجاج. رأى من خلاله شابًّا وفتاة جالسين … شعر «أحمد» أنهما «ريما» و«خالد» … فهذا مكان جيد لاختفاء مُختطفين، تحدَّث «أحمد» مع «إلهام» و«عثمان» عن طريق اللاسلكي، ثم حلَّقا في دوائر واسعة حول الشقة، لفت هذا نظر «ريما» و«خالد» … قال «خالد»: إنهم الشياطين. سألت «إلهام» «أحمد»: ماذا سنفعل الآن؟ قال «أحمد»: المهم أن نحدِّد أين هذا البناء، ونختار المكان المناسب للهبوط. مسح «أحمد» المكان حوله ببصره … ثم انحرف شمالًا، والشياطين يتبعونه، ثم قال في حزم: «ش. ك. س» استعد للهبوط، ٣ – ٢ – ١، هبوط. مالَ الشياطين بمقدمة الأجنحة إلى أسفل بزاوية حادة، فانزلقت الأجنحة على الهواء في خطٍّ مستقيم بسرعة صاروخية، وكأنهم ثلاثة نسور … تنقض على فريسة، وعندما اقتربوا من الأرض، رفعوا مقدمة الأجنحة لأعلى، ليهبطوا بأقدامهم إلى أسفل، مندفعين إلى الأمام جريًا لعدة أمتار على الحشائش، التي كانت أعوادها تنكسر تحت أقدامهم. كان هبوط الشياطين على جزيرة «كولون» … والتي لا تبعد كثيرًا عن «هونج كونج»، مُوفَّقًا … فقد اختاروا مكانًا أخضر فسيحًا، قام الشياطين ببراعة وبسرعة بفك الأجنحة، ثم وضعوها في أغلفتها … وأخفوها في ظل شجرة ضخمة … كثيفة الخضرة، ووضعوا أسفلها علامة. نظر الشياطين في ساعاتهم … ثم نظر كلٌّ منهم للآخَر … ودون أية كلام أو صوت … ارتموا على الأرض … فاردين أجسامهم … على خضرة كثيفة تُغطِّيهم، وأوراق الشجر العملاقة فوقهم … تحوي الكثير من الطيور. مرَّت الدقائق سريعة وبدأت الشمس في المغيب … والليل يزحف على المكان، وبدَت الأشجار حولهم تظهر كالأشباح، سرح «أحمد» في «٩ شارع كونيررود سنترال»، فهناك «ريما» و«خالد» … وهناك عصابة «سوبتك» … ولكن … هل «هاني قنديل» هناك؟ إنه أهم سؤال في المغامرة … وإجابته تحتاج لسرعةٍ في الحركة، انتبهَ «أحمد» وقال: الحمد لله أن «ريما» و«خالد» بخير، والآن إلى ميعاد العم «واو». في صباح اليوم التالي … فوق البرج … أعلى ناطحة السحاب … فُتح باب المكتب … كان «خالد» و«ريما» قد أيقظهما الضوء المتسلل من الحوائط الزجاجية … مسح «خالد» عينَيه ثم نظر إلى أعلى … فوجد «توماس» ممسكًا بيده قبضة الباب، ويضع الأخرى على الحائط … ويبتسم قائلًا: جئت لأعقد معكم اتفاقًا. قال «خالد»: أنا تحت أمرك. دخل «توماس» … واتجه إلى حيث تجلس «ريما»، ومن خلفه دخلت «ليليان» لتجلس بالقرب من «خالد»، نظرت «ريما» ﻟ «توماس» بثبات وتحدٍّ. قال «توماس»: أعرف أنكِ فتاة شجاعة … وهذه الشجاعة لا تكون إلا لعضوة في عصابةٍ أو منظَّمة دولية … وفي كل الأحوال يمكننا عقد اتفاق، وسنكون صرحاء معكم … ونرجو منكم هذا أيضًا. قالت «ريما»: أتمنَّى هذا. نظرت «ليليان» ﻟ «خالد» وقالت: أنت شاب وسيم … قوي … ذكي، وسيكون من المفيد جدًّا الاعتماد عليك. نظرت «ريما» ﻟ «ليليان» وقالت: في أية شيء؟! لم تلتفت لها «ليليان» وقالت ﻟ «خالد»: نحن منظَّمة تعمل لخير العالم. قال «خالد»: كيف؟ رد «توماس»: نحن نرعى المواهب العلمية حتى تنضج … وتستفيد البشرية من إنتاجهم، وهذا ما فعلناه مع «هاني» … وهو معنا هنا كجزءٍ من اتفاق تبادُل علمي مع مؤسسة صناعية كبيرة. قال «خالد»: اتفاق عِلمي أم صفقة؟ ابتسم «توماس» في زهوٍ، وقال: لِنَقُل صفقة! قالت «ريما»: وما المطلوب منا؟! رد «توماس»: صفقة أخرى مع المنظمة التي تعملون لها، تنسون موضوع «هاني قنديل». سأله «خالد»: وما الثمن؟ أجابت «ليليان»: حساب سري في بنك تختارونه، وإطلاق سراحكم. ••• قطع الشياطين الثلاثة المسافة من «كولون» إلى «هونج كونج»، عَبْر نفقٍ على عمق ٢٤ مترًا، تحت سطح الماء في سيارة هوندا … وفي «هونج كونج» قرروا استعمال مواصلة آمنة … بعيدة عن أعين رجال العصابة … ولم يجدوا إلا «الريكشا» وهي عربة كالحنطور، ولكنها صغيرة … ويجرها بدلًا من الحصان رجل. أشفقت «إلهام» كثيرًا على الرجل الذي يجرُّ عربتها فهو رجل عجوز … ساقاه نحيلتان تكاد تحملانه مُرغَمة، أما «أحمد» فقد جرَّ عربته … رجل متوسط الطول … أصلع … كثيف شعر الحاجبين … كثُّ الشارب … ضيق العينين … مستطيل الوجه. دارت رأس «أحمد» كثيرًا … وهو يتذكَّر هذه الملامح … وفجأة سأل الرجل بلغة عربية ألم تذهب إلى متحف الشمع؟ رد الرجل بهدوءٍ شديد: مساء الخير مستر «أحمد» … أنا عميلكم «زئبق» … «هاني قنديل» مع «خالد» و«ريما» في نفس المبنى … مع تحيات مستر «صفر». لم تطُل دهشة «أحمد»، فقد رأى «عثمان» يرفع يده عاليًا، ليهوي بها على رقبة سائق «الريكشا» التي يركبها، انكفأ الرجل على وجهه … فانقلبت «الريكشا» … وتدحرج منها «عثمان» فوق الرجل، فانبطح على وجهه مرةً أخرى … فاقدًا الوعي … قفز «عثمان» يكمل طريقه جريًا بين الشوارع المظلمة. قال «زئبق»: إنه لا يعرف الطريق … فرد «أحمد»! ولكن سيصل. وعندما وصل «أحمد» و«إلهام» إلى المطعم العائم، وجدا «عثمان» يقص ﻟ «واو» ما حدث، وكيف أنه تعرض للاختطاف، فقد كان رجل العصابة «كيم» هو الذي يجر عربته … محاولًا اختطافه. قال «واو»: إنني معجب بكم حقًّا … فمهمتكم تدعو للاحترام، ثم أخرجَ رسالةً من رقم «صفر» سلَّمَها ﻟ «أحمد»، الذي قرأها بتركيز شديد استعدادًا لحرقها، وإذا بيدٍ قوية تمسك وتحاول سرقة الرسالة، وفي نفس اللحظة انطلقت قدم مستر «واو»، كأنها قذيفة لتضرب الرجل. صرخ الرجل وارتمى على ظهره … وانقلبت المنضدة … وجرى الزبائن الجالسون عليها بعيدًا. اعتدل الرجل … وحمل مستر «واو» من وسطه لأعلى … فأطبق «واو» ساقَيه على رقبة الرجل، وضغط بشدةٍ فاحمرَّ وجهه وارتعش … ثم وقع جالسًا على كرسي خلفه … قفز «واو» من فوق المنضدة قفزة دائرية … ونزل على الأرض واقفًا وسط دهشة الشياطين الشديدة … فقد كانوا يستعدون للتدخُّل لولا قدرة العجوز «واو».
|
{
"chapter": "التزحلق على الهواء!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/5/"
}
|
مرارًا وتكرارًا يشيرون إلى الغابة ويقولون لي محذرين: لا تقترب منها فهي مسكونة بالعفاريت! الغابة تقوم في الطرف الجنوبي من صحراء مولد النبي بالعباسية. تبدو من بعيد جبلًا من الخضرة الداكنة متعدد الرءوس، طولها ثلاث محطات من محطات الترام، وعرضها قريب من ذلك، وقد يعبر سماءها دخان تحمله الرياح من المقلب الذي تُحرق فيه الزبالة. ما نوع أشجارها الباسقة؟ وما معنى وجودها في ذلك المكان؟ مَن الذي زرعها؟ ولأي غرض زرعها؟ وصحراء مولد النبي هي ملعب الكرة لصبيان العباسية، تتسع للعديد من فرق الهواة يمارسون هوايتهم في وقت واحد. ولما نفرغ من مبارياتنا الودية نرتدي جلابيبنا فوق أردية اللعب المعروفة، ونرجع إلى الحي متجنبين الاقتراب من الغابة المسكونة. وجاوزت الصبا وولجت المراهقة وولعت بهوايات جديدة منها القراءة. وأشرقت على روحي استنارة تحفل بكل جديد وطريف. وتطايرت من رأسي ووجداني خرافات كثيرة، ولم أعد أومن بعفاريت الغابة، ولكني لم أستطع التحرر تمامًا من رواسب الخوف الكامنة في أعماقي. وكنت أخلو إلى نفسي كثيرًا في الصحراء خاصة في العطلات الصيفية، أقرأ أو أتأمل أو أدخن السجائر بعيدًا عن أعين الرقباء. وأرمي ببصري من بعيد إلى الغاية فأبتسم ساخرًا من ذكرياتي، ولكني أمكث بعيدًا وأمضي من بعيد. وأضيق بموقفي وأتحداه وأطرح على نفسي سؤالًا: ألم يأنِ لك أن تكتشف الغابة؟ بعد حوار غير قصير، صممت على الإقدام والتنفيذ. ليكن في العصر والشمس طالعة، فالليل على أي حال غير مأمون. وكان مجلسي قريبًا من محطة لضخِّ المياه يتحرك في فنائها مهندسون وعمال. حييت أحدهم مرة وسألته عن سر الغابة، فأخبرني بأنها تابعة للمحطة، وأنها زرعت قديمًا؛ استغلالًا للمياه الفائضة، ولم تمتدَّ أكثر من ذلك ليمكن إقامة الحفل السنوي بمولد الرسول. قلت لمحدثي: قالوا لنا: إنها مأوى للعفاريت. فضحك الرجل قائلًا: ما عفريت إلا ابن آدم. ولأول مرة أمضي نحو الغابة. وقفت عند حافتها مستطلعًا؛ فرأيت الأشجار الشامخة صفوفًا منسقة كالطوابير، والعشب يغطي أرضها ويكسوها بخضرة غضة يانعة، وثمة قناة تشقها بالعرض تتفرع عنها جداول متلألئة، وتجاوب جوها بزقزقة العصافير، فبثت في الهواء عزفًا وطربًا. واستأنست بكل شيء فتقدمت غير هياب. لم أصادف إنسانًا ولكني ثملت بالوحدة والسلام. قلت لنفسي: يا للخسارة! ضاع عمر هدرًا، سامح الله الذين تصوروا أن تكون الجنة مأوى للعفاريت. وعند مركز الوسط تقريبًا ترامت إليَّ ضحكة. الحق أن قلبي ارتجف، ولكن تلاشى خوفي في ثانية. لا ريب أنها ضحكة ابن آدم، تفحصت ما حولي بعناية. لمحت على مبعدةٍ حلقةً من الشبان، وسرعان ما تبين لي أنهم ليسوا بالغرباء، جيران أو زملاء بالمدرسة، اتجهت نحوهم وأنا أحمحم. تحولت الرءوس نحوي حتى سلمت ووقفت باسمًا. بعد صمت سألني أحدهم: أهلًا، أي مصادفة سعيدة جاءت بك؟ فتساءلت ضاحكًا: وماذا جاء بكم أنتم؟ – كما ترى، نتسامر أو نقرأ أو نتناقش! – منذ زمن طويل؟ – ليس قصيرًا على أي حال. قلت بعد تردد: يسرني أن أنضم إليكم لو سمحتم. – هل تحب القراءة والمناقشة؟ – أحبهما من كل قلبي. – تفضَّل إذا شئت. منذ تلك اللحظة بدأت حياة جديدة، يمكن أن أطلق عليها حياة الغابة. طيلة العطلة الصيفية نمضي كل يوم ساعتين على الأقل في الحلقة. ومع زقزقة العصافير هبطت أفكار ورؤًى. انتقلت الدنيا من حال إلى حال. ليس الأمر لهوًا ولعبًا ولا رياضة عقلية تمضي إلى حالها. إنها تشير إلى مسيرة ومغامرة وتجربة محفوفة بكافة الاحتمالات. وكان من عادتي أن أجالس أبويَّ بعد العشاء. نستمع إلى الفونوغراف، ونتبادل الحديث. وكنت قد احتفظت بسر الغابة فلم أطلع عليه أحدًا. وكان أبواي آخر من أتصور أن أبوح لهما به. منذ زمن لا أذكر أوله استقرا في أعماق طمأنينة أبدية ونعما بسلام دائم. ولا يخرج أبي عن إطاره إلا إذا أغرته السياسة بأخبارها. يطيب له متابعة الأحداث والتعليق عليها. ويومًا ختم حديثه بقوله: ما أكثر عجائب هذا البلد! فاندفعت أقول له: العجائب لانهاية لها. فحدجني بنظرة متسائلة فقلت: إليك بعض الآراء بما يدور في مجتمعنا. وتكلمت بإيجاز وتركيز، فأنصت إليَّ ذاهلًا ثم هتف: أعوذ بالله، ليس أصحاب هذه الآراء بآدميين، ولكنهم عفاريت! عند ذاك أدركتُ أنني أصبحت من عفاريت الغابة المسكونة.
|
{
"chapter": "الغابة المسكونة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الفجر الكاذب",
"url": "https://www.hindawi.org/books/42814840/29/"
}
|
الأبيات للشاعر أحمد فؤاد نجم من ديوان عن دار الثقافة الجديدة في مصر. كنت قد قطعت الطريق الصحراوي على نفسي، وأوغلت في الرمل كثيرًا، وحيدًا، أستمتع بالوحدة والسكون، وربما الإحساس الكامل بالعدم. أزيز السيارات البعيدة على الطريق يُضايقني كما يحرمك ناموس الريف من لذة الليل العظيم هناك. الوحدة أمرٌ صعب في شريط ضيق يحتله أربعون مليون نسمة، بحيث من كثرة وشدة وازدحام ما تری تضيق أحيانًا — وتمامًا — بالإنسان. كنت في الحقيقة أفكر في السراب، تلك الظاهرة التي فسَّروها لنا «علميًّا» في الطبيعة بقولهم: إنها ظاهرة سببها الانكسار الضوئي وقوانينه تلك التي تُجسَّد لعين الإنسان العطشان التائه في الصحراء أنه، هناك، بعيدًا ثمة ماء. ماء عذب يترقرق ويلمع ويُنادي من يشربه، ويلهث التائه في الصحراء جريًا وراء الماء، ولا ماء، إنما وراء كل سرابٍ سراب. ويظل التائه العطشان يجري ويلهث ويحشد كل خلية من خلايا جسده ليجري ويصل، ولا يصل. ما أقصر العلم المعروف إلى الآن أن يُفسر بعض الظواهر تفسيرًا كليًّا متكاملًا .. فالسراب ليس فقط ظاهرة علمية تحدث بسبب مُعامل الانكسار الضوئي، السراب أيضًا له سبب أقوى إنساني ونفسي .. فلو لم «ير» الإنسان ذلك السراب .. لو، أدرك إدراكًا كاملًا وتامًا وعميقًا أنه حوصر بالرمال، وتاه تمامًا، وأن لا أمل البتة، لمات، أجل، لمات .. فالحياة ليست هي القلب والنبض وإفرازات المعدة والأمعاء .. الحياة أولًا وأساسًا إرادة الحياة، حتى في الكائنات الدنيا التي بلا عقل هي إرادة حياة غير واعيةٍ. عند الإنسان بالذات، إرادة الحياة مرتبطة بالرغبة في الحياة، ولا رغبة بلا «أمل» في الحياة .. بمعنى أن الحياة هي «الأمل» المستمر في الحياة والبقاء .. وفقدان الأمل تمامًا في الحياة غير اليأس. فاليأس، وإن كان عدم قدرة على الأمل تمامًا وانعدامه. إنه یعني فقط أن العقل البشري قد سدَّت في وجهه جميع سبل الخلاص، ولكن الأمل في الحياة نفسها لا يزال موجودًا. ولكن فقدان الأمل الكامل هو الموت، إذ بدون ذلك الشعور — حتى لو كان مرهقًا ودقيقًا لا يكاد يُری — تُخمد تمامًا رغبة الحياة، الحياة ذاتها .. وإن كان سيظل الإنسان حيًّا. فهو في الحقيقة سيحيا موتًا، أو سيموت حيًّا إلى أن يُذوى تمامًا ويدركه الموت الجسدي الحقيقي الكامل. السراب — حتى السراب — ليس كارثة بالمرة، فهو قد يكون المعين على أن نبقى أحياء، نمشي ونجري ونلهث وراءه إلى أن نعثر على الماء الحقيقي، قد لا نعبر أبدًا هذا صحيح، ولكن الطريق ليس أبدًا أن نأمر أنفسنا حتى لا تذهب وراء الحلم والوهم، ففي بقائنا — حتی بالسراب — إحياء فرصة أكبر وأطول للحياة، بل ربما الفرصة الوحيدة للنجاة. … و«عيون الكلام» كما يقول أحمد فؤاد نجم. وكما سبق أن قال كثير منا لنفسه ولغيره، قد يكون السراب حين «يغيب الطريق في الخطوط والدواير» .. فالكلمات، حتى أصدق الكلمات، ليست في النهاية سوى كلمات لا تُغني مطلقًا عن الحقيقة، ولا يمكن أن تحل محلها، إنما هي في النهاية تُعين ذلك الإنسان المُحاصر المرهق أن يظل حيًّا حتى يجد لنفسه الطريق، وحتي يعثر، بنفسه أيضًا، على الحقيقة .. وكما لا بد للقارئ المحاصر من سراب من الكلمات کي يحيا، فلا بد للكاتب أيضًا «مصدر السراب» أن يكون له هو الآخر سرابه الخاص الذي يتراءى له حتى يظل قادرًا على إفراز «عيون الكلام»، ولو انطفأ السراب أمامه، وحُوصر هو الآخر تمامًا لماتت الكلمات على شفتيه أو سن قلمه تمهيدًا لموته هو الشخصي بعد فترة قد تطول وقد تقصر. «إذا كنت قد ذكرت أننا نتمتع بحرية التعبير، وأن أحدًا لم يحذف لك كلمة أو مقالة، فأتحداك أن تنشر وتقول كذا وكذا وكذا.» كنت أفكر في خطاب ذلك القارئ، لا لأهميته الخاصة، فهو مجرد خطاب واحد من بين طوفان من الخطابات؛ وإنما لأنه يمثل قطاعًا من تفكير البعض. ذلك القطاع الذي يتصور أن الحرية الحقيقية هي أن — فجأة هكذا، وفي لحظات — تنتقل من حالة الصمت الكامل إلى الحالة القصوى التي يكون لك فيها حرية، أن تهدم المعبد كله إذا أردت، وكأننا انتقلنا إلى كون آخر تحكمه قوانين أخرى، وكأنما نحن غير موجودين في بقعة ما من عالم ثالث، يحيا في ظروف ما أهولَها، ويثقل كاهله ميراث رتيب من التسلط والكبت، وتاريخ طويل في محاربة الكلمة وقائلها وكاتبها .. بل محاربة الفكرة مهما تكن الفكرة، والتفكير مهما يكن التفكیر. إنما خطأ وخطر هذا النوع من التفكير قائمٌ على ركيزتين لا بد من إزالتهما تمامًا قبل أن نتصور أن بإمكاننا أن نتقدم خطوة. الركيزة الأولى هو هذا التصور القائم على تصور أن الآخرين — زعماء كانوا أو كتَّابًا أو مفكرين أو قادة — على أن الواحد منهم هو هرقل الذي سيقوم بحمل المسئولية كلها وحده، وأن عليه هو أن يحمل تبعة المشاكل كلها ويحلها، وأن يكون «المسئول» الأوحد حتى عن حل مشاكل الخاصة. الركيزة الثانية هي هذا اللجوء الغريب إلى الآخرين لتكافح أنت من خلالهم. فبدلًا من أن يُرسل القارئ خطابه هذا إلى المقصود بكلماته يحاول أن يُحملك أنت مسئولية خوفه من أن يخوض التجربة ويتحمل نتائجها، يريد أن يُرضي ضميره على حسابك أنت ويقول: لقد كتبت إلى فلان وحملته المسئولية. فكأنه أدى كل ما عليه من واجب، وكفى الله المؤمنين شر القتال. هذا فهمٌ خطير تمامًا .. فالكاتب — أي كاتب — لا يمكن أن «يطلَّع الإنجليز من مصر وحده». إنما هو فيما اعتقد يكتب ليس بهدف أن يزود الكون من حولنا بشمس ساطعة تُضيء الظلام وتصنع النور الأوحد الوهَّاج، إنما هو يكتب بهدف أن يُضيء شمعة صغيرة تُري الآخرين كيف يُضيئون شموعهم الخاصة، بحيث من مجموع ملايين الشموع يتكون النور الجماعي الوهاج. والمثل الصيني البسيط القائل: بدلًا من أن تلعنوا الظلام أضيئوا شمعة. ينطبق هنا تمام الانطباق .. فبدلًا من أن تعير الآخرين بأن شموعهم هزيلة، وتطالبهم بأن يستبدلوها، وعلى الفور، بشمس كبيرة باهرة، ألا تحاول أنت، من جهتك، أن تتحمل مسئولية أن تُضيء شمعتك الخاصة. أن تحاول حتى .. أن تبحث عن ثقاب، إن ينطفئ ثقابك، أن تحاول مرة أخرى .. بدلًا من أن تواجه أنفاسك مع أنفاس الأعداء لإطفاء هذه الشمعة المتواضعة .. تفعل أبسط مبادئ المعاونة، وأن تكون بقلبك حتى مع هذه الشمعة الوليدة .. ألا تدعو معي بقولك: اللهم احمِ شمعتي من أنفاس أصدقائي؟ أمَّا أنفاس أعدائي فأنا الكفيل بإخمادها. ألم تسمع أبدًا عن المثل الشعبي الدارج: داري على شمعتك تولع؟ أم أنك في الحقيقة لا تريد الحياة لشموع الغير ولا لشموعك، وإنما تريد أن يظل الظلام تامًّا ودامسًا، لأن شعاعة الأمل تعني أن تقوم، وفورًا، بالحركة وبالعمل وأنت لا تريد أن تتحرك ولا أن تعمل ولا أن تكبِّد نفسك مشقة أن تحمل مسئولية أن تخطو خطوة، ولهذا تريد إقناع نفسك أن كل شمعة تُوقد إنما هي نورٌ زائف مخادع، وأن الأصل هو أن الظلام مطبق، وأن لا فائدة .. طيب يا سيدي .. لا فائدة .. ننتحر مثلًا؟! نحن نضل مثلك، ونشل إرادتنا وتفكيرنا ومصادر الأمل فينا ونخمد أي سراب ونستعد للموت حياةً أو للحياة موتًا. إن حلم أن تشرق الشمس فجأة، كاملة وساطعة، حلم الموتی یأسًا وكسلًا وخمودَ همة، فأبدًا لن تشرق الشمس فجأة، فهذه معجزة، ولسنا وما كنا أبدًا في زمن معجزات، إنما تشرق الشمس من صنع الإنسان، ملايين الإنسان، تشرق بشموع يُوقدها كل منا، ومن مجموع هذه الشموع، من ملايينها، يتبدى النهار، ويبدو الطريق، ونسير معًا في النور .. وأي شيء سوى هذا التصور لشروق الشمس وظهور النهار هو عبث أطفال وأحلام منتحرين يأسًا وكسلًا وخمود همة .. شمس الحياة من صنع الإنسان، ليس الإنسان الواحد، وإنما كل إنسان، والنور نورنا كلنا حين يُساهم كل منا بشمعته، ويجب أن نتعلم أن نكف عن لعن الآخرين لأنهم نجحوا في إضاءة شمعة، وبدلًا من أن نلعن الظلام .. بدلًا من أن نلعن الشمعة الواحدة الموقدة، نتعلم كيف نُوقد نحن شمعتنا وباستطاعة كل منا — لو أراد — أن يوقد شمعته، فالشمع المطفأ في جيوبنا وحولنا ومعنا، كل ما في الأمر أننا لا نريد أن نُتعب أنفسنا ونحمل مسئولية الإنارة لغيرنا، ونكفي أنفسنا شر القتال. أبدًا، حتى الشمس، لا تشرق فجأة .. نحن بالتدريج نصنعها وسنصنعها.
|
{
"chapter": "الشمس لا تشرق فجأة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/24/"
}
|
وهي ليست موضوعًا صوريًّا نظريًّا لا يُفهم؛ كما تقول العامة التي تريد التعامل مع الأشياء العِيانية الملموسة؛ فماذا يعني أن يكون الشيء هو هو؟ وهل الشيء غير الشيء نفسه؟ ومن الذي افترض أن الشيء يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؟ أليس ذلك افتراض مشكلة ثم محاولة حلها؟ خطأٌ في السؤال، وخطأ في الإجابة، ومجموع الخطأين لا يكوِّن صوابًا، يكثر الميتافيزيقيون استعماله؛ لأنه يعبر عن الموضوع في ذهنهم، وهو مَثَلهم الأعلى، وهو مصطلح شائع عن الفلاسفة مثلُ باقي المصطلحات الفلسفية؛ يفترضون القسمة ثم يقولون بالوَحدة، يفترضون أفلاطون ثم يقولون بأرسطو. وكما يتداخل مفهوم الهُوية مع مفهوم الماهية، فإنه يتداخل أيضًا مع مفهوم الجوهر، وتنتسب المفاهيم الثلاثة إلى جَذر معنوي واحد، لا إلى جذر لغوي إلى مفهوم الأصل. وإذا كان مفهوما «الماهية» و«الهُوية» مشتقَّين لغويَّين من نفس الجذر «هو»، فإن الجوهر استعارة من علم المعادن؛ من الجوهر النفيس؛ فالشيء جوهرٌ؛ أي: غالٍ. وهو في نفس الوقت لُبُّ الأشياء؛ كالمعدن النفيس بالنسبة إلى باقي الأحجار الكريمة، ومنها «جوهرة»، وقد استعارها الفلاسفة في تسمية كتبهم؛ مثل «جواهر القرآن» للغزالي. الهُوية خاصَّة بالإنسان والمجتمع، الفرد والجماعة. هي موضوع إنساني خالص، فالإنسان هو الذي ينقسم على نفسه، وهو الذي يشعر بالمفارقة أو التعالي أو القسمة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والمثال، بين الحاضر والماضي، بين الحاضر والمستقبل. هو الذي يشعر بالفصام، وهو الذي تنقلب فيه الهُوية إلى اغتراب. الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يكون على غير ما هو عليه، فالهُوية تعبير عن الحرية؛ الحرية الذاتية. الهُوية إمكانية قد توجد وقد لا توجد؛ إن وُجدت فالوجود الذاتي، وإن غابت فالاغتراب. الهُوية إذن على الرغم من أنها موضوع ميتافيزيقي، فإنها مشكلة نفسية وتجربة شعورية؛ فالإنسان قد يتطابق مع نفسه أو ينحرف عنها في غيرها. الإنسان الواحد ينقسم إلى قسمين: هُوية وغيرية، أو يشعر بالاغتراب إن مالت الهُوية إلى غيرها أو انحرفت إليه. فالاغتراب لفظ فلسفي، والانحراف لفظ نفسي. الهُوية أن يكون الإنسان هو نفسَه، متطابقًا مع ذاته؛ في حين أن الاغتراب هو أن يكون غيرَ نفسه بعد أن ينقسم إلى قسمين؛ هُوية باقية وغيرية تجذبها. الهُوية خاصِّيَّة للنفس لا للبدن. هي حالة نفسية وليست حالةً بدنية؛ طبقًا للقسمة الأفلاطونية السينوية الشهيرة بين النفس والبدن. بيد الإنسان ذاتِه، وليست بيد الطبيب؛ حتى لو كان طبيبًا نفسيًّا يُرضي بها المريض انتظارًا للموت، أو يعوِّضها بحالة نفسية نقيضة هي القوة التي لم يحصل عليها؛ كما هو الحال عند نيتشه؛ إرادة القوة كردِّ فِعل على عجز البدن. يسميها المتدينون حالةً روحيةً يغلب عليها الكفرُ لا الإيمان، الشرك لا التوحيد. فهي كفرٌ برحمة الله ويأس منها، وإيمان بالشرك؛ أي: بالتوزع نحو قطبين، وقد تنشأ من البدن إذا كان عليلًا ميئوسًا من شفائه؛ إذ يَتوقُ المريض إلى الصحة؛ وهي الحالة التي يرجوها ويتوحد معها. فالاغتراب حالة نفسية؛ كما أنه حالة بدنية. وإذا كان الاغتراب حالةً وجوديةً، فلأن الوجودية لا تفرِّق بين النفس والبدن. والإنسان جسد كردِّ فعل على جعْله رُوحًا في الفلسفات القديمة، وكما هو الحال عند ميرلوبونتي وجابريل مارسل في فلسفة الجسد. وقد أصبحت الهُوية عنوانًا لفلسفة «فلسفة الهُوية» عند شلنج؛ أي: أن يكون الوجود مطابقًا لنفسه دون فِصام أو انقسام أو ازدواجية أفلاطونية، تطابق الروح والطبيعة، المثال والواقع، دون حركة أو جدل أو مسارٍ؛ كما هو الحال عند هيجل. فهي ليست فقط هُوية رياضية أو منطقية أو فلسفية أو نفسية، بل هي هُوية أنطولوجية أقرب إلى وحدة الوجود عند الصوفية. فالهُوية قد تنتقل من تجربة فردية إلى الوجود كله. الهُوية ليست مجرد ظاهرةٍ نفسية بل ظاهرةٌ كونية. لذا كان أفضل منهج لتناول الموضوع هو المنهج الظاهرياتي «الفينومينولوجي»؛ منهج تحليل الخبرات الشعورية؛ ما دامت الهُوية ظاهرةً إنسانية. وهو تحليل مباشر دون الاعتماد في مقدماته أو نتائجه على أدبيات الموضوع؛ من أجل تجاوُز منهج «قال … يقول»، وتجميع أقوال السابقين؛ فالقول قد يُخفي العلاقة المباشرة بين الذات والموضوع؛ في حين أن التحليل المباشر للظاهرة يعتمد على الحدس، وقلب النظرة من الخارج إلى الداخل؛ من النص إلى التجربة، ومن اللفظ إلى الشيء ذاته. فالمعنى الذي يدل عليه اللفظ ليس في اللفظ ولا في المعجم، بل في النفس. ما النص إلا علامة أو إشارة، ولا فرق بين الوافد والموروث، بين الأدبيات الغربية والأدبيات التراثية؛ فكلتاهما رؤًى وموادُّ علمية مختلفة ومتباينة. إنما المهم هو النظير المباشر للواقع، التحليلُ المباشر للتجربة الذاتية، وهو الفرق بين المعلومات والعلم؛ المعلومات نقْل ما عرَفه السابقون، والعلم قراءة ما بين السطور. لا يقوم البحث على تجميع للمعلومات غربًا وشرقًا، بل إضافة معلومة جديدة تزيد في العلم. فلا يوجد إحساس بالنقص لدى الباحث تجاه القدماء ونصوصهم، يعرفها ويعرف ظروفها التي حاولت هذه النصوص التعبير عنها. وما أسهل نقل المعلومات! وما أصعب إبداع العلم! والحدس المباشر وقلب النظرة قادران على رؤية الشيء والتعبير عنها. ولا يوجد نقص لدى الباحث تجاه معلومات الآخرين، وهو قادر على إبداع نص مثل نصوصهم والمترجمة عنهم. ولا يعتمد تحليل الخبرات الشعورية على المراجع والدراسات والرسائل والمؤلفات في الموضوع — وما أكثرها — بل يعتمد على التحليل الذاتي. دراسات الآخرين أدبيات في حاجة إلى المراجعة والتحقق منها، وقياسِها على التجارب الشعورية لمعرفة الصحيح منها. وهو موضوع مستقل يقوم به شباب الباحثين وما تتطلبه الدراسات العليا في الجامعات، وهي تمتلئ بأسماء الأعلام، وكلما كثُرت زادت أهمية البحث، وكلما زادت اتسعت آفاقه، وأصبح الباحث عالمًا مثلَ من ينقُل عنهم. الإطار المرجعي في الدراسات الظاهراتية هو الشيء ذاته لا القول، هو الموضوع لا النص. يعتمد التحليل على الحدس المباشر وقلب النظرة من الخارج إلى الداخل، وعيش الموضوع باعتباره قصدية يمكن رؤيتها. وهي إيحاء متبادَل بين الذات والموضوع. فالهُوية ليست موضوعًا صوريًّا ميتافيزيقيًّا مجردًا؛ بل هي قصدية يشعر بها الباحث، يصف الموضوع بتحليل ذاته، ويُحال فقط إلى بعض الكتابات السابقة من أجل عدم التكرار. وإذا صعُب تحديد الهُوية إيجابًا، فإنه من السهل تحديدُها سلبًا؛ أي: فِقدان الهُوية — أو ما يُسمَّى بالاغتراب — أن تخرج الهُوية خارج الوجود. تتخارج وتصبح بديلًا عنه، يرى فيها الإنسان وجوده، وينسى وجوده الأصلي. وقد تحدَّث الفلاسفة، خصوصًا الهيجليين منهم، عن الاغتراب أكثرَ مما تحدث الفلاسفة عن الهُوية. كما أنه من الصعب الحديثُ عن الله إيجابًا ومعرفة «ما الله»؛ في حين أنه قد يسهُل الحديث عن الله سلبًا لمعرفة ما ليس الله؛ لذلك كان اللاهوت السلبي أكثرَ سهولةً ويسرًا من اللاهوت الإيجابي، بل أكثر قبولًا، فالله ليس شيئًا، وليس مرئيًّا، وليس محدودًا، وليس متناهيًا، وليس فانيًا، ولا مكان ولا زمان له. وظيفة التعريف السلبي هنا التطهير مما يَعلَق بالتعريف الإيجابي من تشبيه. التعريف السلبي تنزيه مستمر. «كل ما خطر ببالك؛ فالله خلاف ذلك»، «لا تفكروا في ذاته، وفكِّروا في آثاره». فالهُوية بهذا التعريف السلبي ليست فصامًا ولا انقسامًا ولا تغايرًا ولا تخارجًا ولا اغترابًا للذات؛ الهُوية هي المحافظة على الوجود توترًا ذاتيًّا. وعلى الرغم مما يبدو على الموضوع من طابَع فلسفي ميتافيزيقي خالص، فإنه يرتبط بالفكر العربي المعاصر في القرنين الأخيرين منذ فجر النهضة العربية حتى الآنِ الذي يكشف صراع الهُوِيَّات؛ فهو ليس موضوعًا نظريًّا بل هو موضوع تاريخي يتعلق بوجود العرب في التاريخ. وهذا يفرض أسلوبًا وصفيًّا أدبيًّا؛ حيث لا فرق بين الفلسفة والأدب، فليست الفلسفة أسلوبًا عويصًا ومصطلحاتٍ غربية لا تُفهم، بل هي أقرب إلى وصف الحياة اليومية وتحليل التجارِب المعيشة. هكذا كانت عند سقراط وياسبرز ورسَّل المتأخر والتوحيدي وعثمان أمين وزكريا إبراهيم وزكي نجيب محمود المتأخر. ليس الأدب مجرد قصص وشعر ومسرح، بل أيضًا تحليل فلسفي لتجارب الحياة، وبحثٌ عن دلالاتها؛ كشعر المعرِّي وشكسبير وجوته ونزار قباني وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور. بل يمتد الأمر إلى زجل بيرم التونسي والأبنودي وأحمد فؤاد نجم. على هذا النحو تخرُج الفلسفة من النخبة إلى الجماهير، ومن الخاصة إلى العامة؛ دون أن تفقد دقَّتها وعمقها. وقد امتازت فلسفات بالوضوح والبساطة؛ مثل فلسفة التنوير وفلسفة برجسون. ليست الهُوية موضوعًا ثابتًا أو حقيقةً واقعة، بل هي إمكانية حركية تتفاعل مع الحرية. فالهُوية قائمة على الحرية؛ لأنها إحساس بالذات، والذات حرة. والحرية قائمة على الهُوية لأنها تعبير عنها. والحرية تحرُّر؛ أي: أنها إمكانيَّة لأن يكون الإنسان حرًّا. الهُوية إمكانية على إمكانية. الهُوية إذن ليست شيئًا مُعطًى، بل هي شيء يُخلَق. لا يشعر بها كلُّ إنسان كوعي مباشر؛ فالإنسان اليومي يُوجد أولًا، يعيش أولًا، ثم يعي ذاته ثانيًا. يأتي الوعي الذاتي بعد الوجود البدني، ثم يأتي الوعي بالعالم المحيط. وينشأ التساؤل عن الهُوية: مَن هو؟ ولماذا هو في هذا الوضع الاجتماعي؟ وماذا يعني المحيط السياسي حوله؟ وما هذا الإعلام الصاخب الذي يسمعه؟ وماذا تعني هذه الصراعات السياسية حوله، ومحاولة إقناعه أو إغرائه أو حتى شراء صوته للانتخاب إلى هذا الفريق أو ذاك؟ وما هذا الزحام في الطريق والتسابق بالعربات يمينًا ويسارًا؛ وهو سائر على الأقدام فوق الرصيف الذي «تركن» فوقه العربات أو تقف عليه عربات الباعة الجائلين، أو ترسو عليه صناديقُ القُمامة — المفتوحة أو المقلوبة أو التي خارجها حوْلها أكثرُ مما بداخلها، تتعايش عليها القطط والكلاب الضالة — لا يجد قوت يومه هو وأسرتُه؟ وإذا مرِض أحد منهم كيف العلاج وشراء الدواء؟ أما إذا مات أحد منهم فأين يُدفَن وهو ليس له مقابر إلا للسُّكنى بالإيجار؟ وأين يرسل أولاده للتعليم إذا ما بلغوا السن القانونية؛ خوفًا من العقاب أو طمعًا في مستقبل أفضلَ لهم؛ بدلًا من تركهم أطفالًا للشوارع أو باعةً جائلين بين العربات وعلى مفارق الطرق، وتحت إشارات المرور، مع العجائز على أرصفة الطريق يحمِلْن الأطفال في البرد القارس أو في الحر القائظ؟ وقد تتحول الهُوية إلى اغتراب؛ تنقسم الذات على نفسها، وتتحول مما ينبغي أن يكون إلى ما هو كائن، من إمكانية الحرية الداخلية إلى ضرورة الخضوع للظروف الخارجية بعد أن يُصاب الإنسان بالإحباط — والإحباط عكس التحقق — وضعفِ الإرادة، وخيبة الأمل، وتخلٍّ عن الحرية. تشعر بالحزن دون معرفة السبب، وتشعر باليأس والشقاء، كما وصف فلاسفة الوجود مثل كيركجارد وهيدجر وسارتر، ثم يسيطر الاغتراب على موضوع الهُوية. ويتناوله الفلاسفة منذ هيجل وماركس حتى فلاسفة الوجود المعاصرين سارتر ومارسل وياسبرز. فالاغتراب هو الأكثر شيوعًا، وهو الأكثر وقوعًا. الهُوية حالة مثالية؛ في حين أن الاغتراب حالة واقعية، بل إن بعض الفلاسفة يرى الهُوية مجرد افتراض ميتافيزيقي؛ في حين أن كل إنسان مغتربٌ بطريقة أو بأخرى، فالاغتراب على درجات من الشدة، والإنسان الطبيعي هو الذي يوجد بين قطبَي الهُوية والاغتراب، ولا يمكن التخلص من الاغتراب أو على الأقل درجة منه يحددها التحقق الذاتي. وقد يؤدي فِقدان الهُوية، أي: الاغتراب، إلى ردَّي فِعل متضادَّين؛ مثل العزلة والانطواء أو الانتشار والعنف. ولما كانت الهُوية أصيلة في الوجود الإنساني، فإنها تتحقق في أشكال عديدة؛ سواءٌ كانت منطويةً أو منتشرة، إلى الداخل أو إلى الخارج. وكلاهما خارج الوجود الإنساني لا فيه، كلاهما انحراف عنه لا تحقيقٌ له. فمن يفقِد هُويته يفقد قدرته على الحركة والنشاط، وتتبخَّر طاقته التي تحركه، ويعتزل الناس في حالة انكماش أو انقباض أو تقلُّص؛ مثل الحبيب الذي هجرته حبيبته، أو القريبِ الذي فقدَ أعزَّ الناس إليه. وقد يشعر بالضياع لأن الهُوية هي الوجود، وقد يخون مكتشفًا هُويته في غيره. ويشعر بالعدم والخَواء والفراغ الذي يُحس به الوجوديون؛ مثل سارتر وهيدجر في قولهم: «الوجود عدم». وقد ينتحر لأن وجوده لم يعُد له أساس. هُوية خاوية بلا مضمون، تأخذ من ذاتها مضمونًا بعد أن ضاع مضمونها. تصبح في حالة كُمُون دون أن تضيع. تنتظر الفرصة حتى تتخارج وتنطلق وتأخذ الطريق الثاني؛ طريقَ العنف والعدوان. قد يتخارج الانطواء في فعل حقيقي عن طريق المخدِّرات بأنواعها كافةً، وانتشارها عند الأغنياء مظهر من مظاهر الترف، وعند الفقراء مظهر من مظاهر العَوَز، والفرق هو «الصنف». وانتشر تُجار المخدرات في الطبقات العليا ترفًا، وفي الطبقات الدنيا عَوَزًا، وفي الطبقات الوسطى «مزاجًا» و«سلطنةً» كما وضَح في بعض روايات نجيب محفوظ مثل «ثرثرة فوق النيل». يجد الإنسان هُويته مِن صنعه، من وضع الخيال، في عالم يحلُم به، يريد الغوص فيه وعدم العودة منه، ويا ليته يكون مع «شلة الأنس»؛ تعويضًا عن جماعة العمل الفعلي. وهو طريق سهل ليس به أيُّ مخاطرة إلا مع أجهزة الأمن ومخالفة القانون، وعادةً ما يتم التغلب على هذه المخاطرة إما بالحرص وإما بالتواطؤ. وهناك عشرات من الدراسات الاجتماعية عن ظاهرة «تعاطي المخدرات»؛ أسبابِها ودوافعها وطرق علاجها. وقد انتشرت في الأدب الحديث العربي والغربي؛ بخاصة في الأدب الوجودي. واشتُهر بعض كبار الأدباء بالتعامل مع الظاهرة مثل جان جينيه وغيره. وقد تتحقق الهُوية في أشكال أخرى من الانحراف؛ مثل الشذوذ الجنسي الذي انتشر بين مشاهير الكُتاب والفنانين عربًا وغربيين. فالشذوذ الجنسي عنف مع لاعُنفٍ، إيجاب مع سلب، التحقق في شخص بدلًا من التحقق في جماعة. الفاعل قويٌّ اجتماعيًّا، والمفعول فيه ضعيف يريد أن يكون قويًّا من الباب الخلفي. ليس لدى الفاعل إحساس بالذنب، بل هو حقه في الانتصار عن طريق الانتصاب. في حين يظهر الإحساس بالذنب عند المفعول فيه، ضعفٌ على ضعف، وانكسار على انكسار، وانفعال تحت فعل. قد ينتهز الفرصة للانتقام إذا ما حانت، ويتحول من مفعول فيه إلى فاعل، ومن منكسر إلى منتصر؛ كما هو الحال في رواية «عمارة هاجوبيان» للورداني. وينتشر الشذوذ الجنسي أيضًا في الطبقة العليا ترفًا، وفي الطبقة الوسطى مزاجًا، وفي الطبقة الدنيا عَوَزًا وتعويضًا. وفي الخارج تزداد الهُوية الأصلية انغلاقًا؛ دفاعًا عن النفس كرد فعل طبيعي للأقلية تجاه الأغلبية. وتظهر الحركات السلفية لدى المهاجرين وهم وسط الحضارة الغربية؛ حضارة الحداثة. ويزداد التمسك بمظاهر الهُوية: اللحية والجلباب والحجاب والنقاب. وكما قيل: «إذا أراد الإنسان أن يكون اشتراكيًّا، فليذهب إلى باريس، وإذا أراد أن يكون رأسماليًّا، فليذهب إلى موسكو»، يُقال أيضًا: «إذا أراد الإنسان أن يكون سلفيًّا، فليذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يكون تقدُّميًّا، فليأتِ إلى العالم الإسلامي»، فكل شيء يُعرف بنقيضه. وبدلًا من تمثُّل الحضارة الغربية يبدأ رفضها، وهو ما سماه المصلحون «الحضارة المادية»، وحاولوا نقده وبيان معارضته لقيم الحضارة الروحية كافَّة مثل الحضارة الإسلامية، وهو ما نقده فلاسفة الغرب أنفسُهم مثل برجسون وهوسرل وشيلر ورسل وتوينبي. وينشأ الاستقطاب الشديد بين السلفي والعلماني، بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وهو في اللاشعور استقطابٌ بين الإيمان والكفر، بين الهدى والضلال، بين أهل الجنة وأهل النار. ويشتد تحت الحكم الاستبدادي الديني أو العسكري. وقد ظهرت الهُوية السلفية منذ القرن الثامن عشر في الحركة الوهابية؛ التي نشأت ردَّ فعل على مظاهر البدع والخزعبلات وجوانب الشرك في التوحيد داخل العقيدة الإسلامية في الحجاز؛ التبرك بالأشجار والأحجار ومقابر الأولياء، وضرورة العودة إلى أصل التوحيد في الكتاب والسنة؛ اعتمادًا على النصوص والأدلة النقلية. وربطت نفسها بابن تيمية وابن القيم ووراءهما ابن حنبل. وعادت السلفية إلى الازدهار بعد سقوط الخلافة العثمانية وكبوة الإصلاح ودخول كبرى الحركات الإسلامية، الإخوان المسلمين، في السجون على مدى أكثر من نصف قرن. وارتبطت السلفية بالقَبَليَّة في الحجاز وبتأسيس الدولة، فارتبط الدين بالدولة. ولما كان الدين سلفيًّا أصبحت الدولة سلفيةً كذلك. وانتشر منهج النص، واتحدت سلطة النص مع سلطة الأمير؛ السلطة الدينية والسلطة السياسية. وأُعطيت الأولوية للواجبات على الحقوق، وللحدود على الظروف المخفِّفة، وللمنع على الإباحة، وللقهر على الحرية. فقام الاستبداد السياسي على الاستبداد الديني، وأصبح الدين يعني بالضرورة القمع والمنع والقهر والزجر والحرام، والتحريم والتخويف؛ فيمنع قدراتِ الإنسان من التجلي، وتكون الهُوية مفروضةً عند كل الناس، من يقبلها ومن لم يُطِقْها، كالخاتم الخارجي الذي يلاصق الجسم فيطبعه بطابَعه. ومنذ فجر النهضة العربية في القرنين الماضيين كان قد نشأ صراع الهُوِيَّات؛ الهُوية الإصلاحية التي يمثلها الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وابن باديس وعبد القادر الجزائري، والهُوية الليبرالية التي يمثلها الطهطاوي وخير الدين التونسي وطه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل، وقاسم أمين في كتابيه عن المرأة «المرأة الجديدة» و«تحرير المرأة»، وخالد محمد خالد في كتابه الأول «مِن هنا نبدأ» وكتبه التالية، قبل أن يتحول إلى الهُوية الإسلامية في «رجال حول الرسول». والهُوية العلمية العلمانية التي يمثلها شبلي شميل وفرح أنطون ونيقولا حدَّاد وسلامة موسى وإسماعيل مظهر، قبل أن يتحول في آخر حياته إلى الهُوية الإسلامية في «الإسلام أبدًا». وما زالت هذه الهُويات الثلاث في صراع بينها، تتقارب وتتباعد فيما بينها، تختلف في نقطة البداية؛ الدين للتيار الإصلاحي، والدولة للتيار العلماني، والعلم للتيار العلمي، ولكن النهاية تتقارب في كبوة كل تيار، والاقتراب من السلفية؛ السلفية الدينية، والسلفية الليبرالية في الفكر، والسلفية العلمية في برامج العلم والإيمان. أصبحت السلفية طابَع الفكر، الرجوع إلى الوراء للعجز عن مواجهة الواقع، الليبرالية سلفية، والعلمانية سلفية، والإصلاحية سلفية. ويقوي ذلك قيمةُ السلف في الثقافة الشعبية فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ، «خير القرون قرني» … على الرغم من وجود تيار آخر في الثقافة الشعبية يعطي الأولوية للتقدم على التأخر وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ، «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها» … وجوهر النبوة التقدمُ في مسار طويل من أول الأنبياء حتى آخر الأنبياء؛ حتى يرث العقل والحرية النبوة. وبرزت الهُوية العلمية العلمانية تبنيًا للنموذج العلمي الطبيعي الغربي، وأهم نظرية فيه في القرن التاسع عشر؛ وهي نظرية التطور في العلوم الطبيعية، والعلمانية؛ أي: فصل الدين عن الدولة في العلوم الإنسانية. بدأها شبلي شميل (١٨٥٠–١٩١٧م)، وفرح أنطون (١٨٧٤–١٩٢٢م)، وسلامة موسى (١٨٨٧–١٩٥٨م)، وإسماعيل مظهر (١٨٩١–١٩٦٢م)، وزكي نجيب محمود (١٩٠٥–١٩٩٣م). فالعلم الطبيعي يستند إلى منهج تجريبي لا إلى أحكام مسبَّقة، فإذا ما تحقق أحد افتراضاته أصبح قانونًا. يبدأ بملاحظات أولية تعتمد على الحس لا على الغيب. وقانون الطبيعة ثابت، ومن ثَم لا مكان للمعجزات؛ بمعنى خرق قوانين الطبيعة. ومع ذلك ظلت الهُوية العلمية خارجيةً؛ لأنها تستند إلى أساس ديني غيبي أسطوري مغروز في الثقافة الشعبية. ولم تقُم بعدُ محاولةٌ جادَّة لنقدها وتطهيرها؛ من أجل بناء ثقافة علمية بديلة تقوم على العِلِّيَّة؛ كما كان الحال في علم أصول الفقه في القياس الشرعي؛ الأصل الرابع للتشريع؛ إذ غلب الأصل على الفرع في الثقافة الشعبية المغروزة، وأخذ الفرعُ حكم الأصل بلا تعليل. ما زال العلم وافدًا من الغرب لا نابعًا من الذات، بل إن بعض العلماء يهاجرون إلى الغرب بلادِ العلم، ويتركون بلاد الخرافة والجهل والسحر والشعوذة؛ حتى وصل مقدار العلماء الأفارقة والآسيويين إلى نحو ٣٠٪ من مجموع العلماء الغربيين الذين يسهمون في تقدم العلم وبناء العمران. وما سماه المتكلمون الذات والصفاتِ والأفعال والأسماءَ، وسماه الفلاسفة العقل الفعَّال أو العقل الأول أو العلة الأولى أو المحرك الأول أو الصورة المحضة؛ هي أسماء تدل على مسمًّى واحد، أسماء تدل على إعطاء الفعل كله إلى مصدر واحد أول؛ وهو ما يعادل الخلق في علم الكلام وصفة الخالق. إنما التحرر هو من لغة اللاهوت إلى لغة الفكر، ومن مصطلحات علم الكلام إلى مصطلحات الفلسفة. وبدلًا من أن يكون الخلق مرةً واحدةً بفصل تامٍّ بين الخالق والمخلوق، يكون فيضًا متدرجًا، خطوةً وراء أخرى، من عقل أول إلى ثانٍ إلى ثالث حتى العاشر، ومن يُرد الوصول إليه يصعد إليه درجةً فدرجةً؛ كما فاض هو درجةً درجةً. وإذا اتضح الاغتراب الديني في علم العقائد على نحو تصوري ذهني، فإنه يتضح أيضًا في التصوف على نحو عاطفي وِجداني ذوقي. فقد عرَّف التصوف نفسه بأنه تخلٍّ عن الأوصاف الإنسانية، والتحلي بالصفات الإلهية. ويستعملون ثلاثة ألفاظ متشابهةِ الإيقاع: «التخلي والتحلي والتجلي»، يتخلى أولًا عن الصفات الإنسانية، ثم يتحلى بالصفات الإلهية، ثم يتجلى الله له. وهي هُوية خارج العالم بعد أن يفرغ الصوفي من هُويته ويتخلى عن عالمه، ويتجه إلى أعلى، ويرقى في المقامات والأحوال حتى ينتقل من البقاء إلى الفناء. يتَّحد بالله ابتداء من وحدة الذات، ثم وحدة الشهود؛ ألا يرى أمامه إلا الله، ثم أخيرًا وحدة الوجود؛ أن يكون هو والعالم والله شيئًا واحدًا. وهي هُوية مملوءة من خارجها، من الله، لا من ذاتها بعد أن أفرغت العالم منها، وحوَّلتها إلى خيال ينشد شعرًا، ويعبِّر عن لوعة الحبيب. ويعود البعض إلى العالم من جديد تائهًا غائبًا لما كان فيه. قد يحسبها البعض هُويةً صورية فارغة، فالصفيُّ أقرب إلى السكون منه إلى الحركة، وأقرب إلى الصمت منه إلى الكلام. ويقع الاغتراب أيضًا في صلة الإنسان بالنص؛ فبدلًا من أن يكون النص في صالح الإنسان، يصبح الإنسان في صالح النص، تصبح الهُوية نصية. ولما كان النص سلطة تصبح الهُوية سُلطويةً باسم النص، ولما كان النص عُرضةً للتأويلات المختلفة، وكانت التأويلات طبقًا للمصالح والأهواء؛ نتج صراع الهُوِيَّات. ولما كانت النصوص موضوعًا للاختيار والانتقاء طبقًا للآراء المسبقة والمواقف الاجتماعية والسياسية، نشأت الفرق والطوائف، كلُّ فرقة أو طائفة تنتقي من النصوص ما يوافق هواها وموقفها الاجتماعي والسياسي، فبدلًا من أن تكون الهُوية عاملًا تجميعيًّا؛ لاستنادها إلى نسق عام للقيم، تصبح عنصر تفريق. وتنقسم الهُوية العامة إلى هويات خاصة، وتضيع أهم صفة للهُوية — وهي العموم أو الشمول — تستند إلى المعقول لا إلى المنقول، وتقوم على العقل لا على النص. وتصبح الهُوية صوريةً شكليةً إذا ما قُدِّم الشكل على المضمون، والعباداتُ على المعاملات، والمظاهر على الجواهر؛ مما يؤدي أحيانًا إلى النفاق عندما يصبح المظهر دون مَخبَر، والظاهر دون باطن، والخارج دون داخل، والفعل دون نية، أو بنيَّة مغايرة. والفعل ليس مقصودًا لذاته؛ بل للنية التي وراءه، والعبادة ليست مقصودة لذاتها، فإن الله غني عن العالمين، بل للمصلحة الفردية والاجتماعية وراءها، فالأحكام مقاصد، تكثُر العبادات وتقل المعاملات، ويتم التسابق في بناء المساجد دون المدارس والمستشفيات والأندية الرياضية. ويحدث التوتر بل، أحيانًا، الصراعُ بين الطوائف سباقًا على بناء دور العبادة، أكثر أو أقل أو في مكان الصدارة أو في الخلفية. وتُرفع الأصوات للنداء على الصلاة في المآذن أو الكنائس، بالأذان أو قرع الأجراس، والأعلى هو الأفضل. وقد تنفجر الهُوية ضد التغريب وكل مظاهر التحديث، فتتمسَّك بأكثر الأشكال والرموز تشددًا؛ كالنقاب للمرأة، واللِّحى للرجال، والفصل بين الرجال والنساء، ومنع قيادة السيارات، والسياحة، وإغلاق الملاهي في الفنادق والمحلات العامة. وإذا كان الوحي قد نزل من أعلى إلى أدنى، وكان له أسباب نزول، الواقع يسأل والوحي يجيب يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ، َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ، فكيف يقلِب الإنسان جدل السؤال والجواب ويجعل الوحي مطلقًا بلا مكان؟ وإذا كان الحكم الشرعي يتغير بتغير الزمان، كلما تغيَّر الزمان تغير الحكم من الأخف إلى الأثقل أو من الأثقل إلى الأخف، وهو النسخ، فكيف يقلِب الإنسان الوحي ويُطْلقه ويجعله مطلقًا خارج الزمان، ثابتًا لا يتغير، مهما تغير الزمان؟ تعظيم وتقديس وتمجيد الوحي بإخراجه خارج الزمان والمكان؛ هو اغتراب للوحي وقضاء على الهُوية الإنسانية المتفاعلة مع الوجود الإنساني. والوحي نزل بلغة معينة؛ اللغة العربية، في ثقافة معينة؛ الثقافة العربية، وفي بيئة وأعراف معينة؛ البيئة والأعراف العربية، وفي سياق ديني معين سابق؛ يهودي ونصراني، وفي إطار حضاري معين؛ يوناني روماني فارسي حبشي، فكيف يُفهم خارج السياق؟ هذا كله اغتراب معرفي وسلوكي يقضي على الهُوية النظرية والعملية للوجود الإنساني. الهُوية هي تطابُق الحاضر مع الحاضر، عيش اللحظة الراهنة، الإدراك المباشر للنفس والرؤية المباشرة للواقع. هي تفاعل مع اللحظة التي هي انتقال من الماضي إلى الحاضر. أما التطابق مع الماضي فهو السلفية بعينها التي ترى روحها ووجودها في لحظة ماضية، بعد أن تغترب عن الحاضر، فالسلف خير من الخلف، و«خير القرون قرني». ولم يترك القدماء للمحْدَثين شيئًا. وهو الغالب على المجتمع الإسلامي في مجمله حاليًا؛ لبُعد مسافة الحاضر عن الماضي، وصعوبة التحقق مع الحاضر بالفعل، وسهولة التحقق مع الماضي بالخيال. وفي كلتا الحالتين الهُوية اغتراب؛ اغتراب اليائسين واغتراب الحالمين، والمتفائلون بينهما أقرب إلى التحقق منهم إلى الإحباط. العجز عن التفاعل مع الحاضر يولِّد الإحباط، وتعويض الحاضر السالب بالمستقبل الموجب؛ قفْزٌ إليه وعدم تحديد مسار له. وكما يكون الهروب إلى الماضي يكون القفز إلى المستقبل في صور المعاد وأساطير فتن آخر الزمان، فالموت ليس له الكلمة الأخيرة، والظلم مؤقت في الحياة الدنيا، والشر عابر سبيل وإنْ بدا منتصرًا ودائمًا. هناك حياة أخرى تنتصر فيها الحياةُ على الموت، والعدل على الظلم، والحقُّ على الباطل، ويأخذ الضعيف والمسكين والشريد وابن السبيل حقَّه. هو نوع من ميتافيزيقا الأمل التي تكون لها الغلبة على واقع اليأس والإحباط، وتبدأ الحياة بمجرد الموت في القبر؛ بنعيم القبر وعذابه وسؤال الملكين، وتبدأ كلُّ صور ثنائيات الخير والشر بعد القيامة؛ الثواب والعقاب، الجنة والنار … وتبدأ الحياة المستقبلية بفتن آخر الزمان وعلامات الساعة: الصراع بين يأجوج ومأجوج، قبيلتان، معسكران، قوتان عظيمتان، وتدمير كل منهما الأخرى، ظهور المسيح الدجال أعورَ العين؛ ليُفسد عقائد الناس، ويغيِّر مذاهبهم، ويبدِّل قِيَمهم حتى تُمحى الأخلاق من السلوك. فيظهر له المسيح الحقيقي؛ رمز الحق والخير، ويتخلص منه، ويخلِّص الناس من شره. فالمسيح الحق لا يتبدَّل كلامه، ولا ينتحل أحد اسمه، ولا يزيِّف أحد عقيدته؛ التوحيد. لذلك كانت الهُوية هي التاريخ، والتطابق مع التاريخ، ومعرفة في أي مرحلة من التاريخ تعيش الأمة، فلا تعيش مرحلةً مضت، ولا تعيش مرحلةً قادمةً، ولا تتوقف عن السير في المرحلة الراهنة؛ انتظارًا لمسار الأقدار. ليست الهُوية حقيقةً مجردة ثابتة دائمة صورية؛ كما يظن الفلاسفة المثاليون، بل هي مِن صُنع الأفراد والشعوب، هُوية تاريخية. فإذا كان هيجل قد اكتشف الاغتراب الميتافيزيقي، واكتشف فيورباخ جذوره في الاغتراب الديني، فإن ماركس قد كشف جذوره في الاغتراب السياسي. فالاغتراب في الوضع السياسي الاجتماعي يُفقد العامل هُويته لدى صاحب العمل الذي يملك عمله، ومن ثَم يمتلك حياته ووجوده. كما يفقد الفلاح هُويته؛ حيث يمتلك صاحب الأرض نِتاج عمله ويستحوذ على محصوله، ولا يُبقي له إلا ما يقيم أوده، ويستولي على «فائض القيمة»، فبدلًا من أن يمتلك الفلاح الأرض يصبح عبدًا لها. فالملكية أساس الاغتراب، وبدلًا من أن يمتلك العامل نتائج عمله يمتلكه صاحب العمل، وبدلًا من أن يمتلك الفلاح محصوله يمتلكه الإقطاعي. التحرر إذن يبدأ بالتحرر من الملكية، واسترداد الهُوية هو الطريق إلى إنهاء الانقسام بين الوجود والماهية، واسترداد وحدة الوجود الإنساني، وذلك لا يتم إلا بالثورة، وربما العنف، فكما خرجت الماهية من الوجود قسرًا في عصر العبودية والإقطاع، تعود إليه في عصر التحرر والثورة. وهذا هو موقف ماركس الشاب الذي ما زال هيجليًّا فيورباخيًّا، ولكن محللًا الاغتراب، لا على المستوى الميتافيزيقي، مثل هيجل، ولا الاغتراب الديني، مثل فيورباخ، بل الاغتراب الاجتماعي، ومن ثَم لا يسترد الإنسان هُويته إلا إذا صحح وضْعَه الاجتماعي، وامتلك نتائج عمله، وشعر بقيمته، وتحرَّر من وضعه الطبقي. ولا يتأتى ذلك إلا بالصراع الطبقي وتحرير العبد من السيد. وهذا هو الإحساس بالشقاء أو سبب نشأة الوعي الشقي؛ يوجد الإنسان ولا يوجد، يعمل ولا يحصل على نتاج عمله، يُنتج ولا يعود عليه إنتاجه بشيء، يوجِد لغيره، ويعيش لآخر، ويظل منقسمًا بين ما يريد وما لا يستطيع، بين ما يبغي وما يحقق، ويتراكم الوعي بالبؤس أو الوعي بالشقاء حتى يصبح البؤس هُويتَه، والشقاء ماهيتَه، وتنطفئ هُويته الأصليةُ وتنزوي ماهيته الأولى إلى حين. وقد يتولد الكبت وطمس الهُوية عن طريق الخلاف الأيديولوجي بين الحاكم والمحكوم. لقد حلل ماركس الاغتراب الاجتماعي والسياسي لوضع العمال والفلاحين في المجتمع الصناعي والمجتمع الإقطاعي. فالكبت الأيديولوجي كان قد تم التحرر منه عند الإصلاح الديني قبل ذلك بقرنين من الزمان؛ الكنيسة ضد معارضيها، والكاثوليك ضد البروتستانت. أما في العالم الإسلامي فالقهر والإزاحة والاستبعاد ضد الجماعات الإسلامية التي تنتسب إليها كلُّ الطبقات الاجتماعية؛ فقراء وأغنياء، عُليَا ودُنيَا ومتوسطة. فالأيديولوجيا تخترق الطبقات، والهُوية الأعمق من الولاء الأيديولوجي قبل الانتساب الطبقي، وهو ما لم تدركه الماركسية العربية التي ظلت على اعتقادها الماركسي التقليدي بأن الانتساب الطبقي سابق على الولاء الأيديولوجي. وقد يتحول كبت الهُوية — عن طريق السجن والاعتقال والتعذيب والملاحقة والمطاردة — إلى ثورة مفاجئة؛ إذ تكمُن الهُوية ولكن لا تنعدم، فالهُوية هي أصالة الوجود؛ تنعدم بانعدامه. ولما كان الوجود باقيًا، الفرديُّ أو الجماعي، فإن الهُوية هي الباقية، بل إنها تشتد وتزداد وترفض ما سواها؛ كما حدث عند الجماعات الإسلامية بعدما اعتُقلت وعُذبت على مدى نصف قرن، ثم خرجت أكثرَ تمسكًا بالهُوية الإسلامية، مكفِّرةً كلَّ أنظمة الحكم التي عذبتها؛ ليبرالية أو قومية أو اشتراكية أو ماركسية، تَفرض نفسها على باقي الهُوِيَّات أو تُزيحها من أمامها، وترفع شعارات «الحاكمية لله» ضد حاكمية البشر، و«الإسلام هو الحل»، «الإسلام هو البديل»، ضد الأيديولوجيات العلمانية، «تطبيق الشريعة الإسلامية»، ضد التذبذب في القوانين وتبديلها وتكييفها طبقًا لإرادة الحكام. ويتحول الوجود الإنساني من العدم المطلق إلى الوجود المطلق، من السلب المطلق إلى الإيجاب المطلق، وتتحول الهُوية المنطوية المنكمشة المتقلصة إلى الهُوية المنبسطة المنفرجة المتمددة، تتضخم الهُوية بحيث تطغى على الوجود ذاته. وتنفجر الهُوية ضد كل مظاهر الاستبداد السياسي والثقافي؛ عن طريق الاستبعاد والتهميش وتزوير الانتخابات؛ كما حدث في الانتخابات المصرية قبل الثورة، بل وتدبير الانقلابات إذا ما نجحت الجماعة الإسلامية، جماعة الإنقاذ مثلًا في الجزائر، ونشوب حرب أهلية بينها وبين الجيش كلفت أكثر من مئة ألف قتيل. تنفجر الهُوية ضد انتهاك الحقوق والإهانة بالضرب والتعذيب، فالهُوية هي الحارسة للوجود، والضامنة لبقائه. وقد يكون اللون وسيلةً لتأكيد الهُوية تحت الاضطهاد مثل اللون الأسود، هُوية منبسطة وممتدة، وهي الهُوية البيضاء، على هُوية منكمشة ومنطوية، وهي الهُوية السوداء؛ بصرف النظر عن الوضع السياسي الاجتماعي للجماعة السوداء وحقوق الإنسان. فاللاوعي العنصري ما زال قابعًا في المجتمع الأبيض مهما تغيرت القوانين العنصرية إلى قوانين إنسانية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، فبقدر ما تضغط الهُوية البيضاء تتفجر الهُوية السوداء، وإن لم تستطع الهُوية السوداء أخذ حقوقها سِلمًا، فإنها تتفجر عنفًا، وبقدر ما يكون استبداد اللون الأبيض يكون تفجر اللون الأسود. وهو ما لا يزال حادثًا في الولايات المتحدة الأمريكية، وما قامت بسببه الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر بسبب تجارة العبيد. وقد أُلقيت القنبلة الذرية الأولى في العالم من الجنس الأبيض على الجنس الأصفر، مع أن ألمانيا أيضًا كانت هي التي أشعلت الحرب أولًا، ولكنها كانت من الجنس الأبيض، بل إنها كانت تَعتبر نفسها خلاصته. يتمثل فقدان الهُوية في العنف، وغياب رابط للذات، تصبح عاصفةً هوجاءَ، هُويتها خارجها تبحث عنها، تمتد خارج حدودها، لا تعترف بهويات الآخرين مثل النازية والفاشية والصهيونية؛ كما تجلى ذلك في الاستعمار والتبشير، فالنازية ترى أن «ألمانيا فوق الجميع»، وأن الجنس الألماني هو أنقى الأجناس، وأن الجنس الآريَّ أرقى من الجنس السامي، الآخر ليس له إلا أفرانُ الغاز أو معسكرات الموت. وقد كانت النازية ترجمةً للعنصرية البيولوجية التي سادت القرن التاسع عشر، وتطورِ الأحياء، والتي بلغت ذِروتها في نظرية النشوء والارتقاء وفي موسيقى فاجنر وفلسفة نيتشه. والفاشية صيغة أخرى للنازية الإيطالية. الهُوية الزائدة تؤدي إلى العدوان، وعدم الاعتراف بالغير. والنزعات القومية المتطرفة أيضًا تعبير عن تخضم الهُوية، والانتشار خارج الحدود في مناطق جغرافية يصعب تقسيمها إلى دول؛ مثل أواسط آسيا أو جنوب شرق آسيا، أو وسط وجنوب أفريقيا أو شرق أوروبا أو أمريكا اللاتينية، فالمنطقة كلها وَحدة جغرافية وتاريخية وثقافية واحدة. أما اللغة فإنها لهجات قبلية متعددة؛ بصرف النظر عن الحدود، ففي داخل القُطر الواحد أكثرُ من لهجة، واللهجة الواحدة قد توجد داخل القُطر وخارجه عبر الحدود. والصهيونية أيضًا قومية متطرفة تأخذ الدين ذريعةً وأساطيرَ المعاد وسيلةً لاحتلال أرض الغير؛ فلسطين. قامت على نفس الأسس التي قامت عليها أيديولوجيات القرن التاسع عشر العنصريةُ والرومانسية، والعودة إلى الأرحام. فاليهودي هو صاحب الأرض منذ الأزل؛ بفضل عهدٍ عَقَدَه الله مع بني إسرائيل بتمليكهم هذه الأرضَ، وتوريثِها لأحفادهم إلى يوم الدين. وقد كلفت العنصرية تشريدَ شعب بأكمله، نصفُه في الخارج في مخيمات، ونصفه في الداخل تحت الاحتلال. ولما كانت الهُوية نسقًا من القيم — وفي مقدمتها الكرامة — فإن أي نيل من كرامة المواطن يفجِّرها؛ كما حدث في حرق بوعزيزي نفسه عندما نالت شرطيةٌ من كرامته، وكان ذلك بداية اندلاع الثورة في المدينة ثم المقاطعة ثم في تونس بأكملها، ثم امتدت الشرارة إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، ووصلت إلى أبعد مدًى في البحرين وعمان شرقًا، والأردن وسَطًا، وفي المغرب غربًا. فقد انتشرت الثورات العربية الأخيرة دفاعًا عن الكرامة قبل الحرية والعدالة، لا فرق بين كرامة الفرد وكرامة الشعب، كرامة المواطن وكرامة الوطن. بل امتدت ثورة الكرامة خارج المنطقة العربية؛ فالكرامة بلا حدود. امتدت إلى الإقليم المحيط إلى حوض البحر الأبيض المتوسط في جنوب أوروبا، البرتغال، وإسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وإلى شرقه في روسيا. فأوروبا وآسيا بُعدان إقليميان للمنطقة العربية، بل امتدت إلى ما وراء الأطلنطي في حركة «وول ستريت» ضد النظام الرأسمالي الذي يطعن في كرامة الفقراء لحساب الأغنياء. فعلى الرغم من أن الوجود الإنساني في بدن، والبدن في مكان، فإنه مستقل عن البدن والمكان. هو وجود مثالي في مكان مطلق، فالبدن حامل للروح. والمكان حامل للبدن. وقد تحدث الصوفية عن جغرافيا الروح؛ أي: أن الروح هو المكان والمناطق والأقاليم. هل تنشأ الهُوية من العِرق؟ الهُوية الكردية نسبة إلى الأكراد، والهُوية الدُّرزية نسبة إلى الدروز، والهُوية الأمازيغية نسبة إلى الأمازيغ … وهي الأعراق الغالبة في الوطن العربي. العِرق ليس هو الماهية أو الوجود؛ العِرق هو مادة طبيعية ما دام الإنسان موجودًا بيولوجيًّا، والأحياء سُلالات، ويتفوق الإنسان على غيره من السلالات بأنه حيوان ناطق؛ أي: حيوان عاقل. ويصعب تحديد الأعراق نظرًا إلى التداخل بينها من خلال التزاوج والهجرات، بل والحروب والغزوات. وقد يتحد العِرق بالطائفة؛ مثل الدروز والدرزية. والعِرق سلالة بيولوجية لا دخل للإنسان فيها، وللإنسان أكثر من سلالة، والهُوية لا ترتبط بالسلالة بل بالوعي الخالص، والوعي الخالص هُوية خالصة، وعي ذاتي، لا صلة له بالبدن، وكل النظريات العنصرية قائمة على ربط الهُوية بالعِرق والسلالة، وهذا ما ساد في النظريات البيولوجية في القرن التاسع عشر في الغرب، عندما ازدهرت العلوم الحيوية بفضل نظرية التطور والنشوء والارتقاء. وقد انتقلت إلى العالم العربي على يد شبلي شميل، وفرح أنطون، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر، وغيرهم. وتحدت نظرية الخلق التي تقوم على أن الشيء يخرج من لاشيءٍ؛ في حين أنه في نظرية التطور يخرج الشيء من شيء حتى في التطور المنقطع الذي يسمح بوجود الطفرة. البدن يفنى ولكن تبقى الذِّكرى، ويستمر العمل الصالح بعد الموت. تتشابه السلالات في مادتها العضوية، ولكن تتفاوت الأعمال. هل تنشأ الهُوية من الطائفة؟ فهناك الهُوية الشيعية كأساس للدولة الشيعية، أليست الطائفية خطرًا على وَحدة الأوطان التي تتكون من عدة طوائف؛ مثل لبنان وسوريا والعراق ودول الخليج واليمن؟ بل إن الدول الأوروبية نفسَها تتكون من عدة طوائف؛ بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس. ولا يكفي في بعض الدساتير ذكرُ الإسلام دينًا رسميًّا للدولة، بل أيضًا تعيين الطائفة. الطائفية خلاف تاريخي في الدين بين عدة قوًى سياسية متصارعة على السلطة، ترجمت صراعاتها في شكل عقائدَ متباينة؛ مثل السنة والشيعة، والكاثوليك والبروتستانت، والشيعة والسنة والمارونية في لبنان. الطائفية إنكار للوطنية والمواطنة، والتفرقة بين المواطنين على أساس طائفي؛ مع أن الوطن الواحد يتكون من عدة طوائفَ تتساوى في المواطنة. وجعْلُ رئيس الجمهورية مارونيًّا، ورئيس البرلمان شيعيًّا، ورئيس الوزراء سنيًّا؛ تغليب للطائفة على المواطنة. وخطورة الطائفية تحوُّلها إلى تعصب وانتهاء بالحروب الطائفية التي ينتج عنها آلافُ الشهداء، بل والمذابح منذ سانت بارتلمي في القرن السادس عشر بين البروتستانت والكاثوليك، حتى المذابح بين المسلمين والمسيحيين في أفريقيا وآسيا. الطائفة ولاء ديني تاريخي وليس هُوية، وليس الطائفي مسئولًا عنه؛ يُولد ويموت فيه، يستطيع أن يتحرَّر منها إذا بلغ حدًّا من العقلانية والرشد. بل إن الطائفة ليست علاقةً بين الإنسان وربه؛ هذا هو الدين أو الإيمان؛ فلا علاقة بين الإنسان والتاريخ باسم الله، فقد نشأت الطائفية في التاريخ بسبب الخلاف بين المؤمنين وصراعهم على السلطة، والكلُّ إلى رسول الله منتسب. الإيمان هو تجريد الطائفية عن التاريخ وتخليصُها منه؛ حتى تعود صافيةً رائقة كالدين. هل تنشأ الهُوية عن الدين؟ فهناك الهُوية اليهودية من الدين اليهودي، فاليهودية في تفسيرها الصهيونيِّ دين وسياسة، وهي في الحقيقة سياسة تستغل الدين لتبرير السياسة. اليهودية منتشرة منذ نشأتها في كل مكان، وتمتزج بكل الحضارات كاليهودية. الصهيونية دين وقومية؛ أي: دين ودولة، وتريد أن يعترف بها العرب، ليس فقط كدولة بل كوطنٍ قومي لليهود. فالدول تقوم وتنهار، أما القوميات الدينية أو الأديان القومية، فإنها تنشأ وتبقى. وما دامت لليهود دولة قومية، فللدُّروز والأكراد والمسيحيين والعَلَويين والشيعة والأمازيغ والمارونيين والتركمان والإباضية في عمان والزيدية في اليمن؛ دولٌ قومية أخرى، حتى تأخذ إسرائيل شرعيةً جديدة من المنطقة ذات الدول الدينية، وتصبح أقوى دولة دينية دولة ليهود المنطقة؛ خصوصًا أن أكثر من نصفها من اليهود الشرقيين، دول قومية أخرى، يؤيدها الغرب العلماني الذي ينعى على العرب والمسلمين تكوينَ دول إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية؛ خوفًا من الدول الدينية، وهو معيار مزدوج للحكم على الأشياء. لقد تخلى الغرب عن الدولة الدينية في بداية العصور الحديثة، ومع ذلك ظل الدين أداة طيِّعةً في أيدي السياسة عن طريق التبشير كمقدمة للاستعمار. المسيحية الغربية جزء من الهيمنة الغربية، تستعملها أداةً للهيمنة على غيرها من الشعوب التي يبدأ التبشير فيها. وإذا كان في الوطن الواحد دينان، مثل معظم الأوطان العربية، وكانت الهُوية هي الدين، شُقَّ الصف الوطني إلى مسلمين وأقباط؛ كما هو الحال في مصر. وهل تنشأ الهُوية من اللغة؟ العروبة من اللغة العربية، فليست العروبة بأبٍ أو أمٍّ؛ إنما العروبة هي اللسان، فكل من تحدث العربية فهو عربي، فهناك هُوية عربية هي أساس القومية العربية والثقافة العربية. لا تقوم القومية العربية على العِرق، بل على اللغة والثقافة والجوار الجغرافي والتاريخ المشترك، وقد كان معظم النحاة العرب، مثل سيبويه وأبي علي الفارسي، من الفُرْسِ. وقد حرَصت القوى الاستعمارية الكبرى على نشر لغاتها في البلاد المستعمرة، فخلقت الفرانكفونية والأنجلوفونية والهسبافونية. وكان أول شيء حرَصتْ عليه هو القضاء على اللغات الوطنية؛ كما حدث في الجزائر مع اللغة العربية عندما حاولت فرنسا محْوَها لصالح الفرنسية؛ لولا جهود التعريب بفضل مصر وسوريا، حتى عادت الجزائر عربيةً. وما زال بعض البلاد الأفريقية فرانكفونيًّا مثل غينيا، أو أنجلوفونيًّا مثل غانا. فاللغات الوطنية لغات محلية لا يمكن أن تخرج على الصعيد الإقليمي أو الدولي. وأنشأت فرنسا مجموعة الفرانكفونية للحفاظ على انتشار اللغة الفرنسية خارج حدودها؛ خصوصًا في أفريقيا، وقد قامت إسبانيا بنفس الشيء في جنوب غرب آسيا في الفلبين؛ بجعل الإسبانية لغتها الوطنية، وقامت هولندا بنفس الشيء عندما حاولت جعْلَ لغة إندونيسيا الهولنديةَ؛ لولا حركات التحرر الوطني والمحافظة على اللغة الوطنية بهاسا، كعلامة على النضال الوطني. وما زالت اللغة الإنجليزية هي لغة الخطاب الوطني في المستعمرات البريطانية القديمة؛ مثل الهند وجنوب أفريقيا ونيجيريا. وضاعت فرصة خلق لغة أفريقية واحدة مثل «السواحيلية» التي يتكلم بها غرب القارة، أو العربية التي حوربت في جنوب السودان، وفي الدول جنوب الصحراء التي شمالها مسلم وجنوبها مسيحي. صحيح أن الأجناس الأوروبية، الفرنسية والبريطانية والألمانية والإسبانية واليونانية، أجناس في علم السلالات، ولكنها كذلك لغات وثقافة، حضارة وتاريخ. وقد حرصت الدول الأوروبية على إنشاء جامعات أوروبية أو فروع لجامعاتها بلغاتها داخل الأوطان العربية؛ حتى تنشر لغاتها وثقافاتها. وأصبحت الإنجليزية في دول الخليج أشبه باللغة الوطنية في دور العلم والفنادق والبنوك والمؤسسات التجارية، والباشتون والهندي لغة الأسواق من المهاجرين الآسيويين. ولا تُسمع العربية إلا لدى رجال الحكم؛ سكان البلاد الأصليين إذا ما تحدثوا بالفصحى دون لهجاتهم العامية. هل تنشأ الهُوية من الثقافة؟ هناك الهُوية الإسلامية من الثقافة الإسلامية، وهو ما يربط المسلمين جميعًا على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وأوطانهم. وتشمل العلوم الإسلامية النقلية والعقلية: الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، والعلوم النقلية: القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، والعلوم العقلية الرياضية: الحساب والفلك والجبر والهندسة والموسيقى، أو الطبيعية: الطب والصيدلة والمعادن والنبات والحيوان؛ وهي العلوم التي ما زالت تربط جميع أرجاء العالم الإسلامي. وإذا كانت الدولة الإسلامية، مثل الإمبراطورية العثمانية، قد انتهت، فإن الثقافة الإسلامية ما زالت باقيةً، لها مخطوطاتها وجامعاتها ومعاهدها ومدارسها، وما زال طلبة العلم ينتقلون بين المعاهد الإسلامية الكبرى في الأزهر والقيروان والزيتونة، وما زالت الآثار الإسلامية يتوحد بها الجميع؛ وفي مقدمتها الحمراء في غرناطة ومسجد قرطبة، وخيرالدا إشبيلية، والمسجد الأموي، والجامع الأزهر قديمًا، وجامع الحسن الثاني بالرباط، وجامع كوالالمبور، وغيرها من المساجد الكبرى حديثًا. وتشمل الثقافةُ العلوم والفنون والآداب، فما يربط المسلمين هو الإسلامُ؛ باعتبار لغته العربية لغة القرآن والثقافة الإسلامية. والهُوية أيضًا مرحلة تاريخية تصف الشعوب بأنها متقدمة أو متخلفة أو في طريق النمو. إذا كانت الهُوية ثابتة وأصيلة في الوجود، فإن مرحلة النمو متغيرة؛ من التخلف إلى التقدم مثل الدول الأوروبية، وكما حدث للحضارة الإسلامية في مرحلتها الأولى، منذ النشأة حتى ابن خلدون على مدى سبعة قرون أو من التقدم إلى التخلف، كما حدث في المرحلة الثانية في القرون السبع التالية بعد ابن خلدون؛ عصر الشروح والملخصات، الذي كاد ينتهي بفجر النهضة العربية الحديثة، الذي كان قد بدأ منذ قرنين من الزمان. فالهُوية تأتي من المرحلة التاريخية لا من الانتساب الفكري أو الولاء الأيديولوجي. وقد كان العالم الإسلامي يصنَّف في الدول المتخلفة، والآن يصنَّف في الدول التي في طريق النمو أو النامية، والقليل منها مثل الدول المتقدمة مثل ماليزيا. فالهُوية ليست ثابتةً؛ بل متغيرةٌ على الأمد الطويل، هُوية تاريخية مثل غيرها من الهويات، هُوية مفتوحة لا منغلقة، تقوم على التحدي والمنافسة لا على التعصب والكراهية. وفي الستينيات كان للعالم الثالث هُوية واحدة؛ عدم الانحياز؛ الحياد الإيجابي، وهي الآن تعارض العولمة وأشكال الهيمنة الجديدة، وتبحث عن تعاون إقليمي؛ مثل دول جنوب شرق آسيا، ودول أمريكا اللاتينية. عندما أتى الإسلام صنع تاريخًا جديدًا للعرب ولشبه الجزيرة العربية، بل وللعالم القديم كله، وجعل العرب يرثون إمبراطوريتَي الفرس والروم في أقلَّ من قرن حربًا شرقًا وغربًا، وسِلمًا جنوبًا في أفريقيا، وشمالًا في أوروبا في العصر الحديث. الهُوية إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية والثقافية. توجد قيم إنسانية عامة، مثل الحرية والعدالة، وافقت عليها الإنسانية على مدار التاريخ، مضمونها من داخلها من الفطرة والطبيعة، بلا حدود، ومع ذلك وجودية أرضية، يحملها الوجود الإنساني ويحققها في الزمان والمكان؛ إذ تندرج الهويات في الخصوصية والعموم، ليست بالضرورة في خط رأسي بين الأدنى والأعلى، بل يمكن أن يكون في مسار أفقي بين الأمام والخلف. فطالما حاربت الشعوب من أجل الحرية والعدالة منذ سبارتاكوس حتى الربيع العربي، ومنذ المانوية حتى الماركسية. الفطرة واحدة منذ الخلق الأول، والعقل البديهي مغروز في النفس، وهو الذي خاطبه الوحي بقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ ، أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ … هذه الهُوية الإنسانية هي التي تسمح بتأسيس المنظَّمات الدولية لحقوق الإنسان والطفل والمرأة، وقد ظهرت هذه الهُوية الإنسانية في كل حضارة؛ عند كونفوشيوس في الصين، وبوذا في الهند، وسقراط عند اليونان، والمعرِّي عند العرب، وإراسموس وشكسبير وجوته في الغرب. هي الهُوية التي تنبع من الذات؛ من الجوهر، لا من الأعراض الخارجية. هي الهُوية التي تصبح فيها الإنسانية هُويةً واحدةً، لا تمييز فيها بين أجناس أو لغات أو ثقافات أو أوطان. هي هُوية تنبع من حضارات الشرق القديم، بعد أن أدت الحضارة الغربية الحديثة مهمتها في الحداثة بنموذجها في التحديث في القرون السبعة الأخيرة. العودة إلى الآداب القديمة في القرن الرابع عشر للتخلص من اللاهوت الكَنَسي، والإصلاح الديني في القرن الخامس عشر للتخلص من السلطة الكنسية واحتكار التفسير، وجعْل العلاقة بين الإنسان والله علاقةً مباشرةً، والنزعة الإنسانية في القرن السادس عشر، وجعْل الإنسان مرْكزًا للكون واكتشافه في قلب الوحي، والعقلانية في القرن السابع عشر، وإثبات الوجود بالفكر «أنا أفكر إذن أنا موجود»، ثم تطبيق العقل في المجتمع وظهور فلسفة التنوير، الحرية والإخاء والمساواة، والمبادئ الثلاثة التي قامت عليها الثورة الفرنسية، ثم العقل في الطبيعة وتأسيس العلم الطبيعي، والثورة العلمية؛ خصوصًا العلوم البيولوجية في القرن التاسع عشر ونظرية التطور، ثم أزمة القرن العشرين؛ كما بدت في العدمية وفلسفات العبث ثم في التفكيكية وفلسفات ما بعد الحداثة، وإعلان النهاية في الفينومينولوجيا. انتهت حضارة في الغرب وبدأت حضارة في الشرق فيما يُسَمَّى «ريح الشرق». وكما بدأت العنقاء تطير من الشرق إلى الغرب في الماضي، من الصين والهند وفارس وبابل وآشور وكنعان ومصر، إلى اليونان والرومان والعرب والحضارة الإسلامية حتى الغرب الحديث، فإنها تطير من جديد عائدةً من الغرب إلى الشرق، مارَّةً بالمنطقة العربية الإسلامية. فالهُوية التاريخية تتحرك الآن ونحن في قلبها، وقد يكون الربيع العربي أحد مساراتها.
|
{
"chapter": "الهُوية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الهوية",
"url": "https://www.hindawi.org/books/41373792/1/"
}
|
ليست حرية الصحافة هي فقط أن يكون الكُتَّاب والصحفيون أحرارًا في التعبير عن آرائهم، ولكنها أولًا وأساسًا «جزء» من حق «الشعب كله» في التعبير عن نفسه، الكتابة هنا يصبح دورها كدور المغني .. ليس هدفه أن يُمتع الناس بحلاوة صوته .. ولكن المغني الحقیقي هو الذي يُغرينا ويحرضنا على أن نُغني نحن، إذ الأصل أيضًا في الغناء أن يُغني الناس جميعًا. لعل هذا يُفسر لي ظاهرة الخطابات الأخيرة التي وصلتني، خطابات لم تعد تحمل «شكاوى» و«توجيهات» شخصية أو في معظمها لا تنعي مظالم لحقت بها ولكنها خطابات .. فوق ما تحمله من كلمات صادقةٍ طيبة .. تُحمِّلني عبئًا روحيًّا مهولًا .. «تعبر» عن وجهات نظر وآراء وحتى حلول لمشاكلنا، لا تكتفي حتى بالنقد، وإنما ترجع المرض إلى السبب وتصل إلى الأساس وتبني البلد والحلم الجديدين .. خطابات .. من فرط صدقها؛ لیست «أي كلام» .. ولكنها تصل ببلاغتها حد الصدق الفني الرائع حتى تبدو بعض الكلمات التي نقرؤها منشورة باهتة تمامًا إلى جوارها. ولَكَم كان بودِّي أن أنشرها كلها هنا .. أو على الأقل مقتطفات منها .. ولكن رغم فرحتي الغامرة لهذه الانطلاقة التعبيرية المذهلة فأرجو أن تقبلوا عذري أيها الأصدقاء، فثمة اعتبارات كثيرة منها الساحة وظروف العمل، والكلمات الصادقة الطيبة الموجهة إلى شخصي تُرغمني على حرمان قراء هذه الكلمات من القراءة «كتابًا».
|
{
"chapter": "حرية الصحافة ليست حرية البعض",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/23/"
}
|
اكتشفت كاهنة أبولو وجود أوريستيس المتضرع في المحراب الداخلي لإله دلفي، وأمامه إيرينويس والدته وتتكون من جماعة من المخلوقات المخيفة، تعبن من مطاردة هذا الهارب، فغلبهن النعاس، وعد أبولو أوريستيس بأن يساعده وأمره بالهروب إلى أثينا حيث يعرض قضيته للحكم ويتخلص من آلامه. يظهر شبح كلوتايمسترا ليوبخ الإيرينويس النائمات على إهمالهن، لأنهن حططن من قدرها بين الموتى الآخرين. فاستيقظن من سباتهن بسبب تعييراتها، وانتحين باللوم على أبولو إذ آوى رجلًا ملوثًا طاردنه بالحق الذي تخوله لهن وظيفتهن، وهي الانتقام من جميع الذين يسفكون دم الأقارب. ينتقل المنظر إلى أثينا حيث تتبعت المطاردات فريستهن. فأمسك أوريستيس بتمثال بالاس العتيق، وتوسل إليها طالبًا حمايتها بحجة أن الدم الذي على يديه قد غُسل منذ مدة طويلة بطقوس مقدسة، وأن وجوده لم يضر أحدًا ممن آوَوه بسوء. تنشد الإيرينويس ترتيلة ليربطن روح فريستهن بنوبتها الجنونية. فتظهر الربة استجابة لنداء أوريستيس وتتعهد، بعد أن تحصل على موافقة الإيرينويس، على أن تتولى الحكم في القضية وحدها بمساعدة عددٍ مختار من مواطنيها، تتألف منهم طائفة المحلفين. تفتح المحاكمة بحضور أبولو كمحامٍ عن المتضرع إليه، وكممثل لزوس الذي ينقل أوامره في كل وحي له. فيقرر أن أوريستيس إنما قتل أمه تبعًا لوصيته المشددة المتعجلة. يعترف المتهم بفعلته، ولكنه يقول في الدفاع عن نفسه، إن كلوتايمسترا، إذ قتلت زوجها فإنما قتلت أباه، وكان يجدر بالمدعيات بحق الاتهام أن ينتقمن منها، وعندما رفض هذا الدفاع، بحجة أن القاتلة لم تكن قريبة المقتول، أنكر أوريستيس قرابة الدم بينه وبين والدته، وأيده في ذلك أبولو الذي أكد أن الأب وحده هو الوالد الصحيح للطفل، وليست الأم سوى مربية للبذرة المزروعة. حرس. *** (تدخل المعبد، وبعد فترة قصيرة تعود مذعورة.) (يظهر داخل المعبد، يدخل أبولو من المعبد الداخلي ويقف بجانب أوريستيس عند حجر المركز. وبقرب المتضرع تنام الفوريات بينما يقف هيرميس في الخلفية.) (يخرج أوريستيس برفقة هيرميس، فيظهر شبح كلوتايمسترا.) (يبدأ الكوروس يتحرك في قلق بينما يغمغم.) (يستمر الكورس في الغمغمة.) (يبدأ الكوروس يئن.) (يستمر الكوروس في الأنين.) (يختفي شبح كلوتايمسترا. توقظ رئيسة الكوروس الفوريات فيستيقظن واحدة بعد أخرى.) (يدخل أبولو قادمًا من المعبد الداخلي.) (يخرجن.) (يتغير المنظر إلى أثينا، أمام معبد الربة أثينا. يدخل هيرميس مع أوريستيس، الذي يعانق تمثال الربة القديم.) (تدخل الفوريات متفرقات، مقتفيات أثر أوريستيس بالرائحة.) (تدخل أثينا ممسكة بالترس «الأيجوس».) (تخرج.) (تدخل أثينا في موكب وحاجب، وطائفة المحلفين المكونة من رجال الأريوباجوس، وحشد من المواطنين. ينتقل أوريستيس إلى المكان المخصص للمتهمين. يظهر أبولو بعد أول خطبة لأثينا.) (يدخل أبولو) (ينهض القضاة من فوق مقاعدهم ويضعون أزلامهم واحدًا واحدًا في أثناء الفترة التالية.) (في تلك الأثناء ينتهي جمع الأصوات.) (تُفرغ الأزلام من الأواني وتفرز.) (تُقدَّم الأزلام لأثينا.) (أبولو يختفي.) (يخرج.) (كوروس موكب الحرس.) (يخرج الجميع.)
|
{
"chapter": "يومينيديس أو الرحيمات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حاملات القرابين: عن اليونانية القديمة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/68137527/2/"
}
|
شعر الشياطين برجال العصابة يملئون المطعم، فقرروا مغادرته مُسرعِين … ولكن فرادى؛ أي اتخذ كل واحد منهم طريقًا مختلفًا، حتى لا يصطادهم رجال العصابة بسهولة. لم يكُن يشغل بال «أحمد» في هذه اللحظة، غير الاتصال برقم «صفر»؛ لتعديل ميعاد قدوم الطائرة الهليكوبتر التي طلبها، فنهض … وسار إلى خارج المطعم، وعين مستر «واو» تتابعه، و«عثمان» يراقب تحركات رجال العصابة الموجودين حولهم بحذر. عندما وصل «أحمد» إلى باب المطعم، لمح أحد رجال العصابة يتحرَّك نحوه … ممسكًا بمسدس يُخفيه في جيبه … تفحَّص «أحمد» المكان حوله، فوجد صندوقًا مكتوبًا عليه كهرباء الباخرة، فجرى إليه وبسرعة البرق امتدَّت يده إلى مقبض داخله … وحركه لأسفل؛ ليسود الظلام سطح الباخرة … ويعلو الهرج بين الزبائن … وتدوِّي طلقات الرصاص؛ لتضيء في الظلام. احتشد أفراد العصابة على سلم الباخرة، يجرون في اتجاه «أحمد» الذي شعر بهدير خطواتهم في الظلام … فجرى في الاتجاه المضاد؛ ليلمح لَنْشًا يقف في الماء بجوار الباخرة، ودون تردُّد … قفز سور الباخرة فسقط جالسًا القرفصاء داخل اللنش. أدار الموتور، ثم تحرَّك وسار باللنش بحذر حول الباخرة، فالقوارب تكاد تتلاصق، ولا تعطيه فرصة للتحرك بحرية. ضغط «أحمد» أزرارًا بساعة يده للاتصال بالشياطين في الباخرة، فسمع أصوات بعض اللنشات تتحرَّك حول العوامة، فعرف أنهم يبحثون عنه، فأوقف موتور اللنش، وبدأ يعبث بمحتوياته إلى أن عثر على بعض الحقائب الرياضية … فتح أكبرها، فوجد به مدفع رشاش كبير، فعرف أن اللنش لرجال العصابة. وبسرعة بديهته، استخدم يد المدفع كمجدافٍ … وسار باللنش دون صوت وعن بُعد رأى قاربًا مطاطيًّا يقترب منه، وعلى ظهره ثلاثة أشباح لثلاثة رجال مسلحين، فانحرف باللنش … حتى الْتَصق بالباخرة التي ظهر اللنش بجوارها قزمًا صغيرًا، ثم قفز في الماء بعيدًا عن أعين رجال العصابة متعلِّقًا باللنش، ومحتفظًا برأسه خارج الماء … وعيناه تتبعانهم، أنار أحد رجال العصابة كشَّافًا قويًّا … ودار بضوئه … على اتساع الميناء … وعندما اقتربت حلقة الضوء من رأس «أحمد»، غاصَ وهبط بسرعة في الماء، إلا أنه أحدث صوتًا … لفتَ أنظارهم، فأطلقوا النار في اتجاه الصوت. شعر «أحمد» أنه مُعرَّض للخطر في هذا المكان فدار حول اللنش … عائمًا تحت الماء، بعيدًا عن أعين رجال العصابة، وعندما أصبح تحته، خرج من الماء، قافزًا بخفَّة داخله، إلا أنهم أحسوا بحركته، فوجهوا نيرانهم تجاهه. أدار «أحمد» اللنش، وكالقذيفة اندفع تجاههم وقد أذهلتهم المفاجأة، ولم يفيقوا إلا على أصوات طلقات المدفع الرشاش، الذي كان يمسكه «أحمد» بيد ويقود اللنش باليد الأخرى. وعندما مرَّ بجوارهم، وكانوا يستعدون لإطلاق النار، كان هو قد أسقط اثنين منهم صرعى في الماء، وانبطح ثالثهم في قاع القارب هربًا من نيران الرشاش، أوقف «أحمد» موتور اللنش، وقفز منه إلى قارب رجال العصابة … فرأى الرجل ما زال منبطحًا على وجهه فانحنى عليه، وقيَّدَه ثم تركه في قاع القارب، عائدًا إلى اللنش. طال السير ﺑ «أحمد» في خليج الصيادين فلم يجِد الباخرة! لقد تحركت بزبائن المطعم! ﺑ «عثمان» و«إلهام» … و«واو» … فأين ذهبت؟ ومَن في قبضة مَن؟ أهي العصابة في قبضة الشياطين؟ أم الشياطين في قبضتهم؟ لمحَ «أحمد» لَنْشًا يسير بسرعةٍ حتى لا يكاد يلمس سطح الماء … به رجل بَدين مُسلَّح، يتجه إلى عُمق مياه الخليج، فانتظر حتى ابتعد عنه بمسافةٍ كافية حتى لا يراه، ثم أدارَ محرِّك اللنش، وسار في أثره، إلى أن ابتعد عن الميناء … واختفت مطاعم البرجولات، وقوارب اليانك، ليحل محله ظلام حالِك، ويسود هدوء شديد، لا يقطعه إلا صوت محركات اللنش، وضوء كشَّاف ضعيف في مقدمة اللنش … ساعد «أحمد» على تتبعه بسهولة. ولكن فجأة … انطفأ نور اللنش، وسكت محركه … ليسود ظلامٌ مريب، أوقف «أحمد» محرك لنشه، وشهر سلاحه وفتح عينَيه وأذنيه عن آخرهما، وتيقظت حواسه؛ ليصبح كالفهد المتربِّص بصيدٍ لا يراه، وعن بُعدٍ سمع صوت رجل يغنِّي بالصينية، انتبه له، ثم سمع صوت حركة آتية من اللنش الآخر، وبدأ صوت الغناء يقترب، ويقترب معه ضوءٌ خافت، وفجأة … دوَّت طلقة في اتجاه هذا الضوء فانطفأ، وابتعد الصوت منزعجًا. طال وقوف «أحمد» وانتظاره، فقرَّر البدء بالهجوم، فنزل إلى الماء … وأخذ يسبح في اتجاه اللنش، دون أن يصدر صوتًا أو يُحدِث جلَبة. وعندما اقترب منه … وأصبح تحته، أمسك خشبةً عائمة على الماء، وقذفها على سطحه. فدوت رصاصةٌ في اتجاه الصوت، في نفس الوقت كان «أحمد» يقفز من الاتجاه الآخَر على سطح اللنش، خلف كابينة القيادة، إلا أن الرجل البَدين أصابه الذعر، فجرى إلى كابينة القيادة، وأدار محرك اللنش وانطلق بأقصى سرعة، شعر «أحمد» وهو نائمٌ خلف الكابينة، أنه يطير في الهواء، وبعد مسافةٍ من السير رأى عن بُعدٍ ضوء كشَّاف قوي، يمسح الماء في دائرة واسعة، فظن أنه فنار. فهذه المنطقة مزدحمة بالجزر، توقَّفَ محرِّك اللنش، ورأى «أحمد» من مخبئه ماسورة مدفع رشاش تُصوَّب ناحية الكشاف، ومع دوي الرصاصات علا صوت تحطُّم زجاج الكشاف، وساد الظلام والهدوء مرةً أخرى لدقائق، ثم قطع الصمت دوي رصاصات كثيرة متتابعة في اتجاهاتٍ متفرِّقة حول اللنش. اندهش «أحمد» فهذه الرصاصات كانت من مصدرٍ عال، كمكان وجود الكشاف المتحطم، وبعد دقائقَ وبعد أن اعتادت عيناه الظلام، استطاع أن يحدِّد مصدر الرصاصات … إنه جسم كبير وسط الماء، إنه المطعم العائم، كان دهشة كبيرة، فالسفينة غارقةٌ في الظلام تمامًا؛ أي إنها مختطفة ولكن مَن الذي خطفها؟ فالمعركة قائمة بين الشياطين ورجال العصابة، ولكن لماذا حطَّم الرجل البَدين الكشاف؟ إذَن مختطفو السفينة هم «عثمان» و«إلهام» و«واو». وتساءل «أحمد»: لماذا يختطفون السفينة؟ إلا إذا كان هناك خطرٌ عليهم، فقرَّر أن يراسل الشياطين بطريقتهم، وفي ظلام الليل … ومن فوق سطح الماء علا صوت نفير اللنش بأنغامٍ متنوعة، فأسكته دوي رصاصة طائشة … أتت من مصدرٍ قريب منه، وبعد دقائقَ ردَّ عليه نفير الباخرة بأنغامٍ يفهمها الشياطين، فأسكته دويُّ رصاصة أخرى طائشة، أصاب الذعر رجال العصابة … فقد عرفوا أنها إشارات بين رجالٍ مُدرَّبين، في الوقت الذي شعر فيه الشياطين بغبطة، فقد اطمأنوا على بعضهم البعض. إلا أن «الرجل» البَدين أخذ يُطلق رصاصاتٍ في اتجاهاتٍ مختلفة، في الوقت الذي كان فيه «أحمد» يزحف على بطنه … فوق سطح اللنش، حتى أمسك فجأة بساق الرجل … وسحبها للخلف بقوة، ليسقط في مياه الخليج، مُحدِثًا جلَبة، فانهالت الرصاصات تطوق اللنش، احتمى «أحمد» بغرفة القيادة … وأدار محرك اللنش ثم انطلق بسرعةٍ جنونية، يحوم حول السفينة، مبتعدًا عن مرمى نيرانهم، وقد حدَّد أماكن وجودهم من صوت الرصاصات، فعرف أنهم يسيطرون على المدخل الرئيسي والفرعي بالدور الأول للباخرة، والشياطين يسيطرون على الدور العلوي وغرفة القيادة. ولكنه تساءل لماذا أطفئوا أنوارها؟! هل مولد التيار أصيب؟! أم أطفأها الشياطين حتى لا تطاردهم لَنْشات رجال العصابة؟! راسل «أحمد» الشياطين … بصفير اللنش مرة أخرى، بعدها سمع جلَبةً في الماء … ثم سمع صوت رصاصات … أعقبه رجلهم يقول: أنا «تونج»، ومع ذلك لم ينقطع إطلاق النار … فعرف «أحمد» أنهم يتصرَّفون بعصبية، ومرَّة أخرى … أمسك الرشاش بيد، وعجلة قيادة اللنش بالأخرى … وبأقصى سرعة كان اللنش يسير بجوار الباخرة … وطلقات المدفع في يد «أحمد» تحطم زجاج نوافذها، ثم استدار عائدًا بنفس الطريقة، ولكن في يده بدلًا من المدفع … قنبلة مسيلة للدموع، صغيرة الحجم، ولكن شديدة التأثير. كانت رصاصات رجال العصابة تنطلق في هيستريا … لتطير مع سرعة اللنش … وعندما حانت الفرصة، ألقى «أحمد» بالقنبلة داخل السفينة، في الوقت الذي أغلق فيه «عثمان» الباب بين الطابقَين. فانبعث الدخان من القنبلة … وعلا صوت سعال رجال العصابة … وزاد بينهم الفزع والذعر، وكان «أحمد» سعيدًا عندما رآهم يلقون بأنفسهم في الماء الواحد تلو الآخر، وفي وسط الهدوء علا صفير اللنش … ولم تمُرَّ دقائق … حتى كانت مصابيح السفينة تُضاء مرَّة أخرى، ورأى «عثمان» يطلُّ عليه من شرفة الطابق العلوي، ثم نزل مسرعًا وفي يده حبل طويل، اقترب «أحمد» باللنش من الباخرة، حتى استطاع «عثمان» أن ينتقل إليه، ثم أمسك بكلتا يدَيه المدفع الرشاش … ووقف متحفِّزًا يقول لرجال العصابة السابحين في الماء: أرجو لمَن لا يريد البقاء في الماء حتى الصباح أن يعلو إلى سطح اللنش … ولكن بنظام وهدوء … ثم سمع صوت جلَبةٍ في الماء، وبدأ «عثمان» يُقيِّدهم الواحد تلو الآخَر. وبعد أن انتهى من قيدهم قال ﻟ «أحمد»: لقد اتصلت بشرطة الميناء عن طريق لاسلكي السفينة، وهم في الطريق إلينا الآن. قال «أحمد»: ولكن مهمتنا هنا سرية. «عثمان»: سنرحل قبل أن يصلوا. «أحمد»: وميعاد رقم «صفر»؟ «عثمان»: لقد أكدته … فلدينا وقت نصل فيه إلى جزيرة «كولون». أطلق «عثمان» صفيرًا مُتقطِّعًا … فردَّت عليه «إلهام»، نظر «أحمد» إليه وهو يقول مبتسمًا: هذا هو صوت العصفور حقًّا. نقل «عثمان» أفراد العصابة إلى الباخرة مُقيَّدين، ثم عاد إلى اللنش ليجد «إلهام» ومستر «واو» مع «أحمد». علَتْ جلَبة محرِّكات الباخرة … وبدأت السير في اتجاه العودة إلى ميناء «إيبردين»، وركَّابها يطلُّون من شرفات سطحها ويحيُّون الشياطين. ومع نسائم فجر يوم جديد، كان لنش الشياطين يسير في اتجاه جزيرة «كولون» … ويرون عن بُعدٍ لنشات حرس الميناء تحيط بالباخرة.
|
{
"chapter": "المُطاردة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/6/"
}
|
بعد آلاف السنين من التكهُّنات والتخبُّط ثم التقدم في نهاية المطاف، أصبح علماءُ الوراثة الآن قادرين على شرح كيفية تكوينِ التفافات الحمض النووي للبروتينات التي تتشكَّل منها أجسامُنا جميعًا، وهم يستطيعون إخبارَنا بالكثير جدًّا عن كيفية تأثير الجينات في سلوكنا، بل إنهم يُطوِّرون الآن طرقًا لإدخال جيناتٍ جديدة في خلايا الإنسان؛ لمواجهة آثار الطفرات الجينيَّة الخطيرة. أتت هذه الإنجازاتُ نتيجةَ آلاف السنين من الملاحظة، والتجرِبة، والجهد الفكري. فقد تابعنا هذه القصةَ بدءًا من فلاسفة أثينا القديمة إلى اختصاصيِّي الفحص المجهري في أوائل العصر الحديث، وإلى صفوف البازلاء الحُلوة المرتَّبة في حديقة دير جريجور مندل، وحتى الوقت الحالي الذي يشهد المصفوفاتِ الجينية الدقيقة، والمسح الكامل للجينوم، والكائنات المعدَّلة وراثيًّا. إنَّ هذا التقدُّم المذهل في القرنَين الماضيَين قد استلزم ما هو أكثرُ بكثير من تعاقب العلماء الموهوبين فحسب؛ ذلك أنه اعتمد على ظهور العلم التجريبي، والاستفادة من البحث الوراثي في مجال الزراعة، وتوفُّر التمويل من الحكومات ومن مستثمري القطاع الخاصِّ الطامعين في التكسُّب من الاختبارات والعلاجات الجديدة، وتطوير تقنيات المختبرات التي مكَّنَت من رؤية بِنَى الخلايا والجزيئات ووظائفها، وانتقاء الكائنات الحية موضوع التجارِب التي يمكن من خلالها الكشفُ عن أسرار انتقال الصفات بالوراثة. رأينا أيضًا أنَّ الفكرة القائلة باختلاف البشر وَفقًا لمولدهم نادرًا ما خلَت تمامًا من الضرر. فكثيرًا ما طُرِحَت فكرةُ الاختلافات الفطرية بنيَّة أيديولوجية تتجاوز حدودَ الدليل والمنطق. وبوتيرةٍ مذهلة مثيرة للقلق، انجرفت شعوبُ الغرب نحو الاعتقاد بأن المرأة، والطبقات الاجتماعية الدُّنيا، والغرباءَ من المجموعات الإثنية؛ لديهم جوهرٌ مغاير أقلُّ شأنًا لا يتغير من جيلٍ إلى جيل إلا بالقدر القليل، إن كان يتغير من الأساس. على الرغم من تركيز هذا الكتاب على أوروبا والأمريكتين؛ يجب التأكيدُ على أن النزعة إلى اعتبار مجموعاتٍ معيَّنة من الأشخاص أقلَّ قيمة في ذاتهم يُلاحَظ في أنحاء عديدةٍ أخرى من العالم. فقد قال العلَّامة الفارسيُّ ابنُ سينا في القرن الحادي عشر إنَّ بعض أنواع الأشخاص «عبيدٌ بالفطرة» وهم «لا يصلحون لأمورٍ أسمى». وسلَّط المؤرِّخ جورج إم فريدريكسون الضوءَ على التمييز الياباني القديم تجاه الكوريِّين المولودين في اليابان واستبداد الرعاة من قبيلة التوتسي في رواندا وبوروندي بمزارعي الهوتو في عصورِ ما قبل الاستعمار. ثمة خلافٌ بشأنِ ما إذا كان النظام الطبقي الهندي عُنصريًّا وَفقًا للتعريف الاصطلاحي للكلمة، لكنه يتماشى على أي حالٍ مع المعتقد الماهاوي بأن بعض المجموعات مختلفة جوهريًّا. ففي دراسةٍ أُجريَت عام ٢٠٠٧، طلب راماسوامي ماهالينجام من بعض البراهمة (أفراد الطبقة العُليا) وبعض الداليت (أو طبقة المنبوذين) قراءة «قصة عن حدثِ تبديل بين طفلَين عند الولادة»، تحكي عن طفلٍ من الطبقة العليا رُبِّي في عائلةٍ من الطبقة الدنيا، أو طفلٍ من الطبقة الدنيا رُبِّي في عائلة من الطبقة العُليا. في النهاية، كان براهمة الطبقة العليا أكثرَ ميلًا من داليت الطبقة الدنيا؛ للاعتقاد بأن الطفل سيتخذ حين يكبر هُويةَ الطبقة التي وُلد فيها. ربما يبدو أنَّ ظواهر العنصرية وكراهية النساء والنخبوية؛ متعارضةٌ مع تطور الأفكار العلمية المذهلة عن الجنس والوراثة. وقد عرَض هذا الكتابُ كِلا الروايتَين نظرًا إلى تداخلهما في كثيرٍ من الأحيان. فمثلما أنَّ الفلاسفة في العصور الكلاسيكية القديمة قد اختلَقوا عن الاختلاف البشري نظرياتٍ تتوافقُ تمامًا مع استعباد أَسْرى الحرب من الأراضي الواقعة خارج حدود الإمبراطورية اليونانية، أيَّد بعضُ أبرز علماء الوراثة في النصف الأول من القرن العشرين تعقيمَ المجرمين والمجانين والذين يُعانون من صعوباتٍ في التعلم، أو فصْلَهم عن المجتمع أو قتلهم. ينبغي ألَّا نندهش في حقيقة الأمر من هذا الافتقار إلى الحياد لدى الكثير من المفكرين الكبار. فقد رُبِّي المثقَّفون الذين ينتمون إلى النخب الاجتماعية في أوروبا وأمريكا على أنهم أرقى من حيث النوعُ الاجتماعي، والطبقة الاجتماعية، والعِرق. ولم يكن غالبيتُهم على استعدادٍ لتحدي الرأي التقليدي، الذي يُعزز بالطبع إحساسَهم بتقدير الذات؛ فللتباهي والمصلحة الذاتية إغراءٌ قوي. شهدت العقودُ الأخيرة انخفاضًا مذهلًا في مصداقية الماهوية البيولوجية. فقد أبطل العلمُ الادِّعاءات الفجَّة المتعلقة بوراثة الاختلاف البشري دون إنكارِ دور الجينات في الذكاء والشخصية. في الوقت نفسِه، صارت درجةُ عدم القَبول الاجتماعي لفكرة إسناد الاختلافات في الوراثة لطبقات بأكملها من البشرية أكبرَ كثيرًا. بالرغم من ذلك، فمعرفة ما إذا كان هذا الاتجاه سيستمرُّ أم لا، هو أمرٌ أبعدُ ما يكون عن الوضوح. وعلى أي حال، لن يُشكِّل ما يقوله علماءُ الأحياء عن تعقيد علم الوراثة فارقًا كبيرًا في أنظار أولئك الذين يرغبون في شيطنة أفراد الجماعات الأخرى. ثَمة إمكانيةٌ كبيرة أيضًا لاستخدام هذه التكنولوجيا لتحفيز تعديلاتٍ يمكن تَوارثُها. يُحاجج بعضُ المعلقين بأن تعديل الأجنة البشرية أو الخلايا الجنسية سيَظل غيرَ آمنٍ في المستقبل البعيد بسبب التعقيدات المذهلة للآليات التنظيمية الجينية والتفاعلات بين الجينات بعضِها ببعضٍ وبين الجينات والبيئة. وعلى الرغم من أنَّ زعمهم هذا ليس صحيحًا بالضرورة، فدائمًا ما تنطوي الأساليبُ التكنولوجية الجديدة على مخاطرَ غيرِ متوقَّعة. فهل سيكون الآباء الذين يهتمُّون برفاه أطفالهم، بما فيه الكفايةُ لأن يُفكروا في اتباع العلاج الجيني بالخلايا الجنسية، مُستعدِّين بالفعل لخوض مثلِ هذه المقامرة؟ الفلاسفة أيضًا قد تنوَّعَت مواقفهم. فأوصى البعضُ بالتناول الجادِّ لرد الفعل القَلِق الذي يشعر به الكثيرون تجاه التغيير في الخلايا الجنسية. يعتقد عالمُ الأخلاق المحافظ ليون كاس أنَّ «عامل التقزُّز» من الأمر ينشأ عن حَدْسٍ أخلاقي عميق بخطأ هندسة الخلايا الجنسية. فهو يُحاجج مثلًا أن تعديل جينات الأشخاص لزيادة ذكائهم أو جمالهم جينيًّا سيُشوِّه الوجود البشري؛ لأننا لن نشعرَ حينها بالفخر الشخصي بإنجازاتنا. ثمة اعتراضاتٌ أخلاقية أخرى تستند إلى مخاوف أن يؤدِّي تعديلُ الخلايا الجنسية إلى زيادة الظلم والصراع. فقد تنبَّأ عالم الأحياء لي سيلفر أن زواج الرأسمالية وتكنولوجيا الجينات سيؤدي إلى تكوين طبقةٍ عُليا جينية، «الأثرياء جينيًّا»، ستقفُ في وجه «الطبيعيِّين» الذين سيكونون أقلَّ قدرةً في المعتاد. لا يقتنع العديدُ من الكُتَّاب بالاعتراضات الأخلاقية على العلاج الجيني، ويرَون أنَّ الهندسة الوراثية وسيلةٌ لتحسينِ رفاه الإنسان، وتجاهلُها غيرُ أخلاقي. يؤكِّد البريطانيُّ الباحث في أخلاقيات علم الأحياء، جون هاريس على سبيل المثال، أنه لا يُوجَد في الواقع شيءٌ جذري من الناحية الأخلاقية بشأن تعديل الخلايا الجنسية؛ لأننا نحن البشرَ «مُحَسِّنون» بطبيعتنا؛ إذ طوَّرْنا الأدوية لمكافحة الأمراض، والمأوى والملابس لتحدِّي تقلُّبات المناخ، واللغة المكتوبة لإثراء قدرتنا على التفاعل والتعلم والتنظيم. من المستحيل في الوقت الحاضر معرفةُ ما إذا كان تعديلُ الخلايا الجنسية سيجعل الناسَ أكثرَ صحة، أو ذكاءً، أو وسامةً. وليس من المرجَّح أيضًا أن يكون الأكاديميُّون هم أصحاب الحكم النهائي في هذه المسألة. لا شك أنَّ الحوافز التِّجارية ستتفوَّق إذا اكتُشِفَت وسائلُ آمنة لإجراء تعديلات على الخلايا الجنسية، سواءٌ أكانت لأغراضٍ طبية أم غيرِ طبية. وحتى إذا لم يُسمَح بتطوير التقنيات في مُختبَرات العالم المتقدِّم، فمن المرجَّح أن يُجرى ذلك في الأجزاء الأقلِّ تنظيمًا من العالم. فرغم كل شيء، من الصعب منعُ البشر من محاولةِ توفير فرصةِ حياة أطولَ وأكثرَ إرضاءً لأنفسهم وأحبائهم، مهما كانت التداعياتُ الأوسع نطاقًا.
|
{
"chapter": "التقدُّم المحرَز والإمكانات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/8/"
}
|
ما إن يأتي فصل الربيع بطَلَّته الجميلة، وتكتسي الأرض والأشجار حُلَّتها الخضراء البهية، وتتفتَّح براعم الأزهار في كثيرٍ من نباتات الأرض، وتنتشر فيها الهوام والحشرات، حتى يدب في جسمي النشاط والحيوية، فأنهض من سُباتي الشتوي مع المئات من أخواتي، وأنتشر باحثًا عن غذائي المُفضَّل من الحشرات الضارَّة بمزروعاتكم، قريبًا منكم أمام نباتات شُرفة منزلكم، حيث تجذبني بعض النباتات المزروعة في حدائقكم المنزلية، كنبات الزعتر والأُقحوان والمريمية والشبت، والشمر، والكُزبرة والرُّمان، أو أطير منتقلًا بين الأزهار في الحدائق والبساتين المجاورة لكم. وما إن يراني الأطفال على إحدى النباتات في شُرفات منازلهم، أو في الحدائق المجاورة لهم، أو على ساق شجرة أو جدار، حتى يسارعوا إلى الْتقاطي فرِحين مستبشرين بقدوم فصل الربيع، هاتفين: «يا لَحظَّنا السعيد! جاءت تزورنا أم عيد». ويضعوني برفقٍ على أكُف أيديهم الناعمة، ويلتَفُّ حولي الصبيان والبنات يتناقلوني بينهم وهم يرقبون حركتي المتعرِّجة على أيديهم، تارةً لليمين وتارةً لليسار، يُغنُّون لي ويُنشدون أغاني وأهازيج سمعوها من جَدَّاتهم، أو والديهم وأقرانهم الأكبر سنًّا، يُشجِّعونني فيها على فَرد أجنحتي والطيران عاليًا وسط ضحكاتهم البريئة المُعبِّرة عن مرحهم وسرورهم. فأنا من أكثر الحشرات جمالًا في أعينهم، ودلالًا واحترامًا عندهم، يدلُّ على ذلك كثرة أسمائي لديهم واختلافها من بلد إلى آخر؛ ففي سوريا يسمُّونني «طبَّاخة العنب والتين»، و«أم علي»، و«أم عيد»، و«صندوق النبي». وفي الأردن يُطلقون عليَّ أسماءً عديدة منها: «أم حسين»، و«أم علي»، و«أم عيشة». وأصدقائي في العراق كُثر، وتسمياتي عندهم كثيرة تختلف من منطقة لأخرى باختلاف لغاتهم ولهجاتهم، فيدعونني: «غزِّيل البر»، و«عيشة طيري»، و«حبوبة طيري»، و«دعسوقة»، و«أم السقة»، و«ست أبونا»، و«خال خالوكة». أمَّا في ليبيا فأُسمَّى «حليمة الزياطة»، و«أبو قداح». وفي لبنان يدعونني «حبي الله وطيري». وفي الجزائر يسمونني «جلول» و«أبو عمار». وفي فِلسطين أنا «أم سليمان». أمَّا في بلاد الغرب البعيدة فأنا هناك السيدة، فيدعونني: «ليدي بيرد»، و«ليدي بق»، و«ليدي بيتل»، وقد أطلَق عليَّ فيلسوفهم المشهور أرسطو لقب «كليوباترا». أمَّا أغاني الأطفال وأهازيجهم لي فمن الطبيعي أن تتعدَّد بتعدُّد مُسَمَّياتي عندهم، ولكنها جميعها تهدف إلى تشجيعي على الطيران من على أيديهم ليستمتعوا بمنظري وأنا أُحلِّق عاليًا مبتعدةً عنهم، وليطمئنُّوا على سلامتي، فيغنُّون لي في أنغام وترانيم جميلة توارثوها من أجيال قبلهم؛ فأسمعهم يردِّدون في سوريا: «أم عيد أرينا ثوبك.» أي افردي أجنحتكِ حتى نراها؛ فأنا لا أفرد أجنحتي إلا عند الطيران. حيث يستر جسمي جناحان خارجيان على شكل الدرع، ملوَّنان بالأحمر، أو البرتقالي، أو الأصفر، ومنقَّطان بنقاط سوداء. يُخفيان تحتهما جناحان رقيقان شفَّافان مطويان بلون أسود أو رمادي يساعدانني على الطيران، وهما الثوب الذي يُريدون رؤيته. وأسمعهم في العراق وهم يردِّدون: «أبو غزِّيل طِير طِير، طارن عنك الغزلان.» وأطفال ليبيا يخاطبونني ويردِّدون: «يا بو قداح اقدح لي النار، عندي خطار في وسط الدار.» أي عندي ضيوف في وسط الدار. أمَّا أصدقائي الأطفال في الجزائر فيغنُّون لي: «يا جلول فت عليك الحال عالليكول.» أي على المدرسة. وكثيرة كثيرة هي أغاني الأطفال لي، وذكرياتهم معي؛ فأنا صديقتهم وصديقة أبائهم من قبلهم. كانوا يُلاعبونني وأُلاعبهم. كما أنني صديقة جميع المزارعين والباحثين والمنظَّمات الدولية والأهلية العاملة في مجال حماية البيئة بالحد من استخدام المُبيدات الزراعية. أنا صديقةُ البيئة بامتياز. أحتلُّ مكانةً مرموقة، وقدرًا كبيرًا من الاحترام والتقدير في المحافل الدولية وبين المزارِعين؛ فعلى الرغم من صِغر حجمي الذي لا يتجاوز نصف سنتيمتر، فأنا أستهلك خلال حياتي أكثر من ٥٠٠٠ حشرة ضارة بمزروعاتكم؛ حيث أنشط وأتكاثر في فصل الربيع وبداية الصيف عندما تنتشر حشرات المن والعناكب؛ ولذلك تمَّ إنشاء مخابر لتربيتي والعناية بي من أجل إكثاري وحفظي في عُلَب مع المئات من أخواتي؛ ليتم إطلاقنا في بساتين الأشجار والمحاصيل، فنتولَّى مهمَّة القضاء على الحشرات التي تتطفَّل على محاصيلكم، وتمتص عُصارتها، مُسبِّبةً ضعفها وموتها. عبوات تحوي المئات من حشرات أبي العيد ذي السبع نقاط، يتم بيعها للمزارعين من أجل نثرها بين نباتات المزرعة؛ لتقضي على الحشرات التي تتطفَّل على النباتات والأشجار المزروعة فتُتلفها. أمتاز بسرعة تكاثري؛ حيث يمكنني أن أضع ١٠٠٠ بيضة خلال الفترة الممتَدَّة بين الربيع وأوائل الصيف. تكون بيوضي صغيرةً بحجم واحد ميليمتر، مغزلية الشكل، ذات لون برتقالي أو كريمي، ضمن مجموعات في أماكن محمية على الساق والأوراق، قريبًا من تواجد حشرات المن. وبعد ٣–٧ أيام من وضع البيوض، تفقس عن يرقات صغيرة شبيهة بالتماسيح ذات جلد سميك أسود أو رمادي وعليه بُقَع حمراء أو سوداء، تتغذَّى على كل ما صادفها من حشرات صغيرة، وحورياتها وبيوضها، وعلى البق الدقيقي وأكاروس العنكبوت الأحمر والتربس، إضافةً إلى رحيق الأزهار وحبوب اللقاح، عاملةً على المساعدة في تلقيح أزهار النباتات وزيادة إنتاجها من الثمار. تستمر يرقاتي في النمو، وتنسلخ أربعة انسلاخات خلال شهر، بعد أن تكون قد تغذَّت على حشرات المن وقضت على المئات منها. وفي طَورها اليرقي الأخير يتوقَّف نشاطها وتتحوَّل إلى عذراء سوداء أو صفراء برتقالية. تبقى في هذا الطور من ٣ إلى ١٢ يومًا حسب حرارة الجو المحيط. لتخرج من هذا الطور حشرةً كاملة (أم عيد) تشبهني تمامًا، تبحث عن الحشرات الضارة، أو تحضِّر نفسها للتشتية مع الكثير من أخواتها لندخل في سُبات شتوي، فنجتمع كحشرات كاملة في مجموعات نختبئ تحت أوراق الأشجار المتساقطة، أو في شقوق جذوع الأشجار القديمة تحت اللحاء، وتحت القشور، أو تحت الحجارة والأماكن المحمية بانتظار الربيع القادم. وعندما يأتي فصل الربيع ننهض من بَيَاتنا الشتوي، وننتشر في السهول، نحط على النباتات نبحث عن الفرائس من الحشرات الضارة بنباتات الزينة والورود والأشجار المثمرة ومحاصيل الخضار التي تزرعونها، ونتغذَّى عليها بشهية، نلتهمها واحدةً تِلوَ الأخرى. ونبحث أيضًا عن حشرات البق الدقيقي الأسترالي التي تُصيب أشجار الحمضيات والخضار ونباتات الزينة فتسبِّب ذبولها وجفافها وموتها فنتغذَّى بها ونقضي عليها نهائيًا. ونتغذَّى أيضًا على رحيق الأزهار، وحبوب اللقاح، عاملين على نقل غبار الطلع من زهرة لأخرى؛ فتتلقَّح الأزهار، ويزداد الإنتاج من البذور والثمار؛ ولهذا كُلِّه أصبحت صديقة البيئة بامتياز، وكسبت صداقة جميع العاملين في مجال الإنتاج الزراعي وحماية البيئة. أنا صديقتكم خنفساء أبي العيد ذات السبع نقاط، الدعسوقة اللطيفة، أيقونة المكافحة الحيوية وأجمل حشرات الكوكب، من فصيلةٍ تضم أكثر من خمسة آلاف نوع من الدعسوقيات، ضمن رتبة الخنافس، طائفة الحشرات، شعبة مفصليات الأرجل، في المملكة الحيوانية.
|
{
"chapter": "أبو العيد ذو السبع نقاط",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "أبو العيد ذو السبع نقاط",
"url": "https://www.hindawi.org/books/74618628/1/"
}
|
(تُرفع الستارة عن قصر الكونت فردريك وبه كنبة وكامل الأثاث.) (يدخل جان.) (تدخل أوجين.) (تدخل لوسيا وإميل وراءها متخفيًا.)
|
{
"chapter": "الفصل الأول",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حيل النساء",
"url": "https://www.hindawi.org/books/58630741/1/"
}
|
عندما وصل الشياطين إلى جزيرة «كولون»، اتجهوا إلى نفس المكان الذي خبَّأوا فيه معداتهم وبدءوا الحفر، إلَّا أنهم سمعوا صوت محرِّك طائرة هليكوبتر يقترب من بعيد، واصل «أحمد» و«إلهام» الحفر بسرعةٍ كبيرة ليخرجوا معداتهم، وبعد قليل، كانت مروحة الطائرة … تصنع أمواجًا هوائية حولهم وهي تهبط، إلى أن استقرَّت على الأرض على بُعد أمتار قليلة منهم. نزل قائد الطائرة فحيَّا الشياطين، ثم سلم ﻟ «أحمد» رسالة من رقم «صفر». يقول له فيها: وصلتنا رسالتك … ولك ما طلبت، تمنياتنا بالتوفيق. في تلك الأثناء كان «خالد» و«ريما» قد قرَّرا أن يجدا «هاني قنديل» … وبسرعة كان «توماس» قد ترك باب المكتب مفتوحًا، لكنَّه أبعد السلم المتنقل عن البرج، فقرَّر «خالد» و«ريما» أن يحضرا «توماس» إلى غرفة المكتب، ويقيِّداه فيها حتى يستطيعا النزول. رفع «خالد» أحد مقاعد غرفة المكتب، وأخذ يضرب به الحوائط الزجاجية، فتطايرت شظاياها حول البرج، لتسقط مُحدِثة جلَبةً شديدة، لم تمُرَّ دقائق إلا وكان «توماس» يفتح باب المكتب في غضب، ويدور ببصره فيه، ثم سأل «ريما»: أين «خالد»؟ نظرت «ريما» إلى النافذة التي كانت مفتوحة، فجرى إليها «توماس» وظلَّ يبحث عن «خالد»، الذي قفز خلفه من مخبئه وراء أحد المقاعد، كاد «توماس» أن يلتفت إليه لولا أنه أغلق ضلفتَي الشبَّاك عليه؛ ليصبح نصفه العلوي خارج الشباك. صرخ «توماس» لا يا «خالد»، سأسقط … والارتفاع كبير. سأله «خالد»: أين «هاني قنديل»؟ فرد في هلعٍ: ليس لك شأن به، ارحل أنت. ضغط «خالد» ضلفتَي الشبَّاك أكثر … فصرخ «توماس» في وحشيةٍ: لن تستطيع تخليصه، فالحراسة هنا قوية. ابتسم «خالد» … فقد استطاع أن يعرف مكان «هاني» وأشار ﻟ «ريما»، وبضربة صاروخية بقدمها، تطاير زجاج الشباك في الهواء، ثم ربطت «توماس» بسلك التليفون في النافذة، وبسرعة … أنزلا السلم إلى سطح ناطحة السحاب، فوجدا مقبضًا حديديًّا بجوار السلم، حرك «خالد» المقبض، فدارت قمة السلم إلى أسفل … ثم نزل إلى المصعد … وفي المصعد تفحص «خالد» لوحة الأزرار … فوجد فتحةً عريضة، وضع بها كارتًا أخذه من جيب «توماس»، فأغلقت أبواب المصعد. قالت له «ريما»: إلى أين؟ فرد «خالد»: إلى «هاني قنديل». ظهر ضوءٌ أخضر على لوحة مفاتيح المصعد، ثم توقف وانفتح بابه، فخرج «خالد» بحذرٍ وتبعته «ريما» إلى ممرٍّ طويل، يزدحم بالرجال المسلحين، اعترضهم أحد الرجال قائلًا: إلى أين؟ وبذكاءٍ رد «خالد» في ثقة: «سوبتك». سمع الرجل اسم «سوبتك»، فأشار لهم أن يتبعوه، إلى أن وصلوا إلى قاعةٍ كبيرة، فأشار لهم أن يبقوا فيها، ثم عاد من حيث أتى، لفت نظر «خالد» وجود باب حديديٍّ لامعٍ في نهاية الغرفة، وعلى الحائط المجاور له لوحة مفاتيح، فعرف أنها غرفة مُحصَّنة، تُفتح إلكترونيًّا … بواسطة كارت ممغنط، فجرب كارت «توماس» مرَّةً أخرى، وعبث ببعض الأزرار بخبرة، فانفتح الباب وبمجرد دخولهم، أغلق الباب خلفهم تلقائيًّا، وعن بُعدٍ رأى رجل يجلس وظهره لهم، وأمامه شاشة تليفزيونية كبيرة. كانت الغرفة واسعة، وبها أثاثٌ فخم، ويحيط بالرجل تليفون لاسلكي، وأجهزة ريموت، ولوحة أزرار كمبيوتر، فغمغمت «ريما»: إنه يعيش حياة القرن القادم. ودون أن يلتفت إليهم الرجل، قال بصوتٍ وقور: ادخل يا «خالد»، تعالي يا «ريما». عقدت الدهشة لسانهما … إنها لغةٌ عربية سليمة، وتحركا في ترقُّب ولهفة لمعرفة صاحب هذا الصوت، وعندما اقتربا من الكرسي الذي يجلس عليه الرجل، دار الكرسي نصف دورة … فأصبح في مواجهتهما. فدهشت «ريما» لِمَا رأت، ونظرت ﻟ «خالد» قائلة: إنها دميةٌ، رفع «خالد» صوته سائلًا صاحب الصوت: مَن أنت؟ وأين أنت؟ ولم ينتظر الإجابة، بل أكمل قائلًا: سأجيبك أنا … أنت «هاني قنديل». في هذه اللحظة أُضيئَت الشاشة، وظهر عليها «هاني قنديل» يجلس على كرسي ضخم، قائلًا: اسمع يا «خالد» … أنا لستُ مُختطَفًا، أنا أتحرَّك كما أريد، وقتما أريد. قال له «خالد»: لقد خدعوك، فقد دخلتَ بيت العنكبوت، ولن تخرج سالمًا. لفت نظر «خالد» آثار أقدام خفيفة للغاية على أرض الغرفة، تؤدي إلى بابٍ خفيٍّ غير ظاهر، فتقدَّم إلى لوحة الأزرار الموجودة أمام الشاشة، وبدأ يعمل عليها، وهو ينوي أن يدفع «هاني» للخروج. فقال «هاني» في قلق: لا تعبث بشيءٍ، ففي هذا خطورة علينا، فلم يعبأ بكلامه … ولكن فجأة … أظلمت الشاشة، فترك «خالد» لوحة الأزرار ﻟ «ريما»، وتتبع مصدر الطاقة الذي يمد الشاشة بالكهرباء، فوجد خلف الجهاز سلكًا، فاقتطع منه جزءًا كبيرًا، وبجوار الباب وجد غطاءً مثبتًا بمسامير خفية، خلع «خالد» مفكًّا صغيرًا، مثبتًا على فخذه مع مجموعة أسلحته الصغيرة، ثم فك المسامير … ورفع الغطاء، فوجد العديد من الدوائر الإلكترونية الخاصة بالتحكُّم في الأبواب، وعرف أنها موصلة بوحدة تحكم مركزية. أوصل «خالد» طرف السلك الذي خلعه، بمصدر كهرباء قوي، ثم أوصل الطرفين الآخَرَين بالأجزاء الإلكترونية للَّوحة، ورأت «ريما» في نفس الوقت شرارات كهربائية تخرج كالصواعق منها. وعن بُعدٍ سمعت صوت انفجارات، وبدأ صوت «هاني قنديل» يأتي متقطعًا … ولم تمضِ ثوانٍ … إلا وانفتح بابٌ داخلي في الغرفة، وخرج منه «هاني قنديل» غاضبًا، وعلا صوته وهو يقول: ستدمِّران المكان ونموت جميعًا. ثم رأى «خالد» رجلًا يخرج في إثر «هاني» يحمل مسدسًا، و«هاني قنديل» يحاول منعه من الوصول له. في نفس اللحظة نادت «ريما» عليه: «مستر»، ما كاد الحارس يلتفت إليها، حتى كانت ضربة تنطلق إليه كقنبلة، وبسرعةٍ كبيرة … دارت كالنحلة على مشط قدمها لتلحقه بضربةٍ أخرى، فتُفقِده توازنه، وهنا تدخَّل «خالد» فضربه ضربةً قوية … أسقطت مسدسه … الْتَقط «خالد» المسدس، وقال له: أعتقد أنك تستطيع أن تُخرجنا الآن من هنا، وسيكون معنا «هاني». نفد صبر «هاني»، وصاح بلهجةٍ غاضبة: كيف أخرج وأترك زوجتي وابنتي؟ إنكم تُعرِّضوننا للخطر. في هذه اللحظة، كانت طائرة الشياطين تحلِّق حول ناطحة السحاب، وعندما اقتربت من الغرفة الزجاجية … فوق البرج الحديدي، رأوا «توماس» مربوطًا بالنافذة، فظنوا أنه «خالد»، وانتابهم قلقٌ شديد … فطلب «أحمد» من قائد الطائرة … سرعة الهبوط على سطح ناطحة السحاب، لإنقاذ «خالد». فقالت «إلهام»: كيف سنصعد من سطح الناطحة إلى المكتب، والبرج الحديدي بدون سلم؟! فقال قائد الطائرة: عندي اقتراح. رد «عثمان»: قُله إذا سمحت. قائد الطائرة: لدينا حبل هبوط … ضمن مهمات الطائرة، فإذا ما ارتفعنا فوق البرج … كان باستطاعة أحدكم النزول بأحد الحبلين إلى نافذة المكتب. فأكمل «أحمد»: والباقي أعرفه. ارتفعت الطائرة إلى السماء … في الوقت الذي أعدَّ فيه «أحمد» أحد الحبلين للنزول … وعندما أشار له «قائد الطائرة» بدأ يهبط هبوطًا بطيئًا … ومعه الحبل الآخر، وجهاز لاسلكي … وسلاحه الذي لا يتركه، إلى أن أصبح في مواجهة نافذة المكتب، وكانت المفاجأة … فقد اكتشف أن المكتب خالٍ … وأن المقيَّد في النافذة هو «توماس»، لم يندهش «أحمد» … فليس هذا كثيرًا على الشياطين، ولكنه شعر بارتياح … وأبلغ الخبر عن طريق اللاسلكي للشياطين، ثم طلب من قائد الطائرة الاقتراب من غرفة المكتب أكثر … وتحركت الطائرة … وأصبح «أحمد» و«توماس» وجهًا لوجه لا يفصلهما إلا سنتيمترات قليلة، مما أثار «توماس» الذي صرخ في هيستريا ينادي الحراس. ولكن كانت أصوات الانفجارات عالية في المقر … فذهب صوته سُدًى، فقال له «أحمد»: جئتُ لأنقذك يا «توماس». «توماس» في غيظ: سأدمركم كلكم. «أحمد»: لم يعُد الأمر بيدك، بقوة السلاح آمرك أن تثبِّت هذا الحزام على وسطك. قال «توماس» في عصبيةٍ: كيف تخرجني من هنا وأنا مقيدٌ بالنافذة؟ بعد أن ثبَّت «توماس» الحزام على وسطه، طلب منه «أحمد» أن يخفض رأسه، ثم صوَّب مسدسه إلى قيده، وبعد لحظاتٍ … دوت طلقةٌ فوق رأس «توماس» … ذهبت بعقله، ولكنها … فكَّت قيده، وفي نفس اللحظة كانت الطائرة ترتفع لتحملهما سويًّا. كان «أحمد» قد قرَّر أن يستخدم «توماس» كرهينةٍ للإفراج عن «هاني» والشياطين، فطلب عن طريق اللاسلكي من قائد الطائرة، أن يحلِّق به فوق ناطحة السحاب، ثم سأل «توماس»: أين «خالد» و«ريما»؟ إنك معلَّق بين السماء والأرض … وبإشارة مني … سأجعلك رائد السباحة في الفضاء بلا أجنحةٍ. قال «توماس» في خوف: لا يا «أحمد»، أنا لا أعرف أين هم … ولكن أعتقد أنهما في مكتب «هاني قنديل». في نفس اللحظة كانت «ريما» قد رأت «أحمد» مُعلَّقًا في الطائرة ومعه «توماس»، فعرفت أن الأمر أصبح في أيديهم، فأطلقت رصاصةً في الهواء؛ لتدل على مكانها، صوَّب «أحمد» عينيه في اتجاه الصوت، ثم طلب من قائد الطائرة أن يهبط به مرةً أخرى، إلى أن أصبح أمام مكتب «هاني»، فمدَّ قدمه ليضعها على حافة النافذة … ففشلت المحاولة. أشار «أحمد» لقائد الطائرة، فاقترب به أكثر … ثم حبس أنفاسه … ووضع قدمه على حافتها … مادًّا يده ﻟ «خالد» الذي جذبه إلى داخل المكتب، في الوقت نفسه كان الحراس يحاولون فتح باب المكتب من الداخل، وطلقات أسلحتهم تدوي متتابعة، حيَّا «أحمد» الموجودين في الغرفة وهو يفك حزامه … ثم طلب من «هاني» أن يثبِّته حول وسطه … فرفض دكتور «هاني» الخروج من المكتب بدون زوجته وابنته. نظرت «ريما» ﻟ «أحمد» وقالت: له الحق في ذلك. فتأمله «أحمد» قليلًا، ثم قال: لك ما طلبت، ثم نظر إلى «ليليان» التي ظهر عليها الاضطراب الشديد … وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، فقال لهما: أظن أنك سمعت ما قاله دكتور «هاني». لم ترد «ليليان»، فقال لها مهددًا: إن «توماس» لا يزال معنا … وأظن أن أمره يهمك. فقالت «ليليان»: اسألوه هو … فهو الذي يعرف طريقهما. نظر «أحمد» ﻟ «خالد» وتفاهما في صمت … وعندما اتفقا … حدَّث «أحمد» «إلهام» لاسلكيًّا … فاقتربت الطائرة من الناطحة … حتى أصبح «توماس» في متناول يد «خالد» الذي كان واقفًا على حافة النافذة … فجذبه إلى الداخل وقال له: لكي نطلق سراحك، عليك أن تدلَّنا على مدام «جميلة» وابنتها. فقال «توماس»: لن يُجديكم في شيء أن أدلكم على مكانهما … فلن يستطيع الوصول إلى هناك أحدٌ غيري، نظر «خالد» ﻟ «أحمد» فأشار له بالموافقة. ففك حزام «توماس» ثم دفعه بفوهة المسدس في ظهره قائلًا: هيا فلنرَ أين هما؟ ثم قال ﻟ «ريما»: اصعدي أنت ودكتور «هاني» إلى الطائرة. «ريما»: و«ليليان»؟ «أحمد»: تظلُّ هنا مقيدة. لحظتها … نظر دكتور «هاني» مستفسرًا في خوف … فقال له «أحمد»: لا تخشَ شيئًا … وثِق أن زوجتك وابنتك في أيدٍ أمينة. لحقَ «أحمد» ﺑ «خالد» الذي كان يسير خلف «توماس» في ممرٍّ طويل، به الكثير من النوافذ التي تطل على المسقط الخلفي للناطحة … إلى أن وصلا إلى بابٍ صغير في نهاية الممر، فتحه «توماس» بمفتاحٍ خاص … ثم اختفى فجأة، جرى «خالد» ليلحقه، فكاد يسقط من أعلى الناطحة … لولا أن «أحمد» أمسك بحزامه من الخلف، وكانت المفاجأة وجود ماسورة مثبتة من أعلى الناطحة حتى أسفلها، كالتي يستخدمها رجال الإطفاء، وقد تعلَّق عليها «توماس» منزلقًا إلى أسفل في سرعةٍ كبيرة. ولم يتردَّد «خالد» بل رمى بنفسه على الماسورة يحتضنها بذراعَيه وساقَيه، منزلقًا لأسفل بفعل الجاذبية الأرضية. وقد وقف «أحمد» يتابع المطاردة من أعلى، مصوِّبًا مسدسه في اتجاه «توماس»، الذي كان يصرخ مناديًا أعوانه من رجال العصابة … وهو ينزلق بسرعةٍ كبيرة، والمسافة بينه وبين «خالد» عدة طوابق، ولكنها كانت تقل تدريجيًّا، وفجأة … أثار انتباه «أحمد» وترقبه … خروج رأس تطل من إحدى نوافذ الطابق الأوسط، تتابع ما يحدث للحظات … ثم اختفت ليخرج من نفس النافذة منشار كهربائي صغير … بدأ يقطع الماسورة المعلَّق عليها «توماس» و«خالد». شعر «أحمد» بالخطر يواجه «خالد»، فمن الواضح أن رجال العصابة يحاولون التخلص منه وإنقاذ «توماس»، فصوَّب مسدسه في اتجاه المنشار ثم دوت طلقة … أعقبها اختفاء المنشار للحظات، دوت بعدها طلقةٌ من شبَّاكٍ مجاور … في اتجاه «أحمد»، الذي تفاداها ليرى المنشار يخرج مرة أخرى ويتابع القطع، فقرر أن يوقف اندفاع «توماس»، حتى لا يتمكن من النزول قبل قطع الماسورة، ورغم أنه كان هدفًا متحركًا، إلا أن «أحمد» جعل الماسورة تحت أقدامه جحيمًا … وأوقفه عن الانزلاق، ولكن لم يدم هذا طويلًا، فقد فرغ مسدس «أحمد» … وخيَّم الصمت على المكان، فانتظر «أحمد» قليلًا حتى اطمأن، ثم عاود الانزلاق مرةً أخرى وبسرعة، وقد اقترب منه «خالد» الذي كان يتابع ما يحدث في ترقب، وما إن اقترب «توماس» من النافذة وعَبَرها … حتى خرج المنشار ليتابع القطع … وأصبحت الماسورة على وشك أن ينفصل جُزؤها العلوي والسفلي عن بعضهما، ويصبح «خالد» معلَّقًا بين السماء والأرض، وشعر «خالد» بحرج الموقف فقلَّل من قوة تشبثه بالماسورة، حتى لا يعوقه ذلك عن الانزلاق بأقصى سرعة. وعند اقترابه من المنشار … كانت الرصاصة الأخيرة في مسدس «أحمد» تصيب اليد الممسكة بالمنشار لتبتعد في سرعة … ويمر «خالد» مكملًا الطريق خلف «توماس» الذي هبط على سطحٍ انتهت عنده الماسورة … وجرى في اتجاه بابٍ سفلي … تحته سرداب … وبمجرد أن رفع الغطاء كان «خالد» قد لحق به … وتوارى الاثنان عن عين «أحمد». شعر «أحمد» بالفضول … فقد كان يريد أن يعرف حكاية هذه النافذة، فأمسك بالماسورة في حذرٍ، وكما انزلق «خالد» انزلق هو، إلى أن أصبح في مواجهة النافذة، فرأى قضبانًا حديدية، وخلفها غرفة خالية بها بعض المقاعد ومكتب، وفي نهايتها بابٌ مفتوح، قرَّر «أحمد» أن يدخل هذه الغرفة، ولكن كيف؟ ونَزْع هذه القضبان أمرٌ غير هيِّن، فقرَّر أن يتصل لاسلكيًّا ﺑ «إلهام»، وبعد دقائق كانت الطائرة تحلِّق فوقه … وتُسقط له حبلًا … ربطه في أحد قضبان النافذة، ثم أمسك بكلتا يديه بقضيبين آخرين، ثم ثبَّت قدميه في الحائط، وأعطى الإشارة للطائرة، فارتفعت لتشد الحبل لأعلى، في الوقت الذي كان هو يشد القضبان للخارج … وبعد محاولاتٍ كانت القضبان قد نُزعت من النافذة لتظلَّ معلَّقة بالحبل … ومعلَّق بها «أحمد»، الذي أدخل قدميه من النافذة ثم سحب نفسه تاركًا القضبان … قافزًا داخل الغرفة، فلمح على حافة النافذة قطرات دم كثيرة، وبتتبعها وجد أنها تغطِّي أرض الغرفة حتى الباب، وببطءٍ وحذر سار «أحمد» خلف قطرات الدم حتى باب الغرفة، ومنها إلى ممرٍّ طويل خالٍ، فأكملَ سيره في حذر، ولم يدرِ إلا وفوهة مسدس قد التصقت بظهره وصوتٌ يقول له: أكمِل السير، ومن ممرٍّ جانبي خرج رجلٌ نحيفٌ وقور … يرتدي زيًّا فاخرًا … ونظارةً ذهبية، ما إنْ رأى «أحمد» حتى سأل الرجل الذي يقوده: مَن هذا؟ فرد «أحمد»: أنا جئت من أجل الحصول على زوجة دكتور «هاني» وابنته؟ فقال الرجل: أنتم أصحاب الطائرة … أليس كذلك؟ ولم ينتظر إجابته بل أكمل: الطائرة تحت سيطرتنا، وأنت معنا وكل شيء على ما يرام. فهم «أحمد» أنه يحاول النيل من قوة أعصابه. فقال له: دكتور «هاني» معنا، ولن تحصلوا عليه إلا بحصولنا على أسرته، وقد نجحت حيلة «أحمد»، فقد أعجبت الرجل الصفقة، فأمر باقتياد «أحمد» إلى حيث أسرة دكتور «هاني». ومن الممر إلى الأسانسير، ثم إلى أسفل الناطحة، سار «أحمد» يقوده الرجل، إلى أن أصبحا خارجها … فوجد سيارة فان سوداء. سار إليها الرجل الذي يقود «أحمد» حتى بابها الخلفي … وعندما فتحه ودفع إليه «أحمد»، كانت دهشته كبيرة، فقد وجد أسرة دكتور «هاني» بداخل السيارة. انشغل «أحمد» بتحيتهما، ومحاولة التسرية عنهما، إلا أنه وجد رجلًا كان يجلس خلف عجلة القيادة، الْتَفت إليه قائلًا: أمامك هنا معدات اتصال لاسلكي متقدمة للغاية، وعليك الاتصال بالطائرة لإنزال دكتور «هاني» وإتمام الصفقة، وأرجو ألا تُناور للحفاظ على حياتكم، وأن يكون الحديث باللغة الإنجليزية الواضحة. اندهش «أحمد» … فقد كان هو «كيم» الذي لم ينسَ ما حدث له على أيدي الشياطين … فأخذ ينظر ﻟ «أحمد» في غيظٍ، وهو يبحث عن الموجة التي سيتحدث بها مع الطائرة، وعندما سمع صوت «إلهام» أخبرها بما حدث، وبالصفقة التي عقدها مع العصابة، وكان حديثهما متضمنًا بعض العبارات التي مرَّت على «كيم» دون أن يلحظها … ولكنها كانت تعني الكثير لهم، فأخبرته «إلهام» بأن وقود الطائرة اقترب من النفاد، وأنها ستقوم بإنزال دكتور «هاني» على قمة «فيكتوريا» … بجوار الصخرة السوداء في حراسة «عثمان»، وبهذا يمكن إتمام الصفقة. كان «كيم» يستمع للحوار الدائر بينهما، فطلب إبلاغ رؤسائه بذلك، إلا أن «أحمد» رفض … وطلب أن يكون مكان إتمام الصفقة سرًّا، حتى لا يتكرر ما حدث من «توماس»، نظر «كيم» لرجلٍ كان يجلس بجواره قائلًا: ما رأيك يا «ينج»؟ أطرق «ينج» برأسه مفكرًا لبعض الوقت، ثم أعلن موافقته … وبالقرب من الصخرة السوداء، كان لقاء المقايضة بين «خالد» و«كيم» الذي نزل من السيارة … يتلفت حوله باحثًا عن «عثمان» و«هاني»، ومن خلف الصخرة ناداه صوت تردَّد صداه في خواء القمة قائلًا: اسمعني جيدًا … يجب أن ينزل كل مَن في السيارة، وأن تغلق أبوابها، وعليكم بإلقاء أسلحتكم. ابتسم «أحمد» في ارتياحٍ، فقد كان هذا هو صوت «خالد»، وتساءل ولكن أين «عثمان»؟ من المؤكد أن هناك مفاجأة. أشار «كيم» ﻟ «ينج» فأنزل «أحمد» وأسرة دكتور «هاني»، ثم نزل هو وأغلق السيارة، في هذه اللحظة خرج «خالد» من خلف الصخرة، محتميًا ﺑ «توماس» لاصقًا فوهة مسدسه في ظهره، وعندما رآه «ينج» قال له: أرى ألا تدخل هذه الطفلة كطرفٍ في صفقتنا، وأتمنى أن تُطلق سراحها أولًا كشرطٍ لإتمام الصفقة. نظر «ينج» ﻟ «كيم» الذي قال له في حدَّة: لا. هذه الطفلة ستكون ورقتنا للنهاية. لم يندهش «خالد» لشراستهم وقسوة قلوبهم، فهذه أخلاق عصابات. ولما سأل «ينج» عن دكتور «هاني»، أطلق «خالد» من مسدسه طلقة في الهواء، فانتظر «ينج» ظهور «هاني قنديل» بعد هذه الإشارة، ولكن فوجئ ﺑ «كيم» يصرخ قائلًا: «ينج» إنهم هم مرةً أخرى. الْتَفت «أحمد» … فرأى «عثمان» يطير في الهواء بأجنحة الخفاش متجهًا إليهم، فانتهز فرصة انشغال «كيم» به، وأطلق ضربةً قوية كالقذيفة ليطير مسدسه في الهواء، في هذه اللحظة وجَّه «خالد» مسدسه إليهم قائلًا: قفوا مكانكم وارفعوا أيديكم. رفع «كيم» يدَيه لأعلى، إلا أن «ينج» وقف ينظر للشياطين في ذهول. في تلك الأثناء كان «أحمد» قد جرى إلى المسدس، فأخذه وعاد إلى «كيم» و«ينج»، فطلب منهما مفاتيح السيارة ثم فتح الباب الأمامي … وقام بتحطيم كل مقابض فتح الأبواب … ثم أدخل «كيم» و«ينج»، ونادى على «توماس»، فأتاه مسرعًا هربًا مما يحدث حوله، فأدخله «أحمد» هو الآخَر في السيارة، ثم قام بإغلاق أبوابها بالمفتاح، فلم يعُد بمقدورهم السير بها أو الخروج. وخلف الصخرة السوداء، فوجئ «أحمد» بالطائرة، وحولها الشياطين ودكتور «هاني قنديل» … كان لقاءً رائعًا … وكانت سعادة بالغة لانتهاء المهمة بنجاح. وحين دارت مروحة الطائرة وحلَّقت في سماء «هونج كونج»، كان رقم «صفر» قد علم من «أحمد» بما حدث، عَبْر جهاز اللاسلكي … وكان رقم «صفر» يبلغهم بتهنئته وإعجابه.
|
{
"chapter": "الصراع الأخير!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "المهمة المستحيلة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/50971524/7/"
}
|
(تُرفع الستارة عن غرفة الكونتة لوسيا كاملة الأثاث.) (يخرجان ويدخل جان.) (تدخل أوجين.) (يدخل إميل.)
|
{
"chapter": "الفصل الثاني",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حيل النساء",
"url": "https://www.hindawi.org/books/58630741/2/"
}
|
أكتب هذه الرسالة لأقول لك، بلغتي الإنجليزية الركيكة، إن اسمي ميشيا أوجاوا. وأنا ابن الدكتور كنسوكي أوجاوا. كنت أتصور حتى قرأت كتابك أن والدي مات في الحرب. وقد تُوفِّيَت والدتي منذ ثلاث سنوات فقط وكانت لا تزال تعتقد ذلك. وكما تقول في كتابك، كنا نعيش في نجاساكي، ولكنْ حالفنا حُسْنُ الحظِّ كثيرًا، إذ كنا ذهبنا إلى الريف لزيارة جَدَّتي والمكوث عندها عدة أيام قبل سقوط القنبلة، وهكذا كُتِبت لنا النجاةُ. ليست لديَّ ذكريات عن والدي، بل بعض الصور الفوتوغرافية فقط، إلى جانب كتابك. وسوف يسرني أن أحادث أيَّ شخص عرف والدي مثلك. وليتنا نتقابل يومًا ما. أرجو ذلك. وبعد شهر من تَسلُّم هذه الرسالة ذهبت إلى اليابان، وقابلت ميشيا. إنه يضحك تمامًا مثلما كان والده يضحك.
|
{
"chapter": "حاشية الرواية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/0.4/"
}
|
قمر الزمان. بدر البدور. السلطان. الأم. الفلاح. الراعي. النجار. صديق (صديق قمر). الحكيم الأعمى. صبي (يسحبه من يده). الساحرة. السلطانة. كهرمانة (جنية). كهرمان (جني). الفتاة الأولى. الفتاة الثانية. المرأة. الوزير. مرجانة (مربية بدر البدور). الحارس العجوز (أمام القصر). حراس وفرسان وشُبَّان وعجائز … الفلاح والراعي والنجار من أفراد الجوقة التي تضم عددًا آخر من النساء والرجال. (مقدمة المسرح، أمام الستارة المُسدَلة، يندفع الفتى مفتوح الذراعين، من الجهة الأخرى تندفع الفتاة مفتوحة الذراعين، يتحركان كالأشباح في الحُلم، كلماتهما أصداء، أقدامهما تخطو خطو السابح فوق الماء، موسيقى، شبه ظلام …) (تتراجع شيئًا فشيئًا) (وتتكرر النداءات إلى أن يختفيا، إظلامٌ تام.) (على الجانب الأيمن من المسرح يقف صفٌّ من العجائز، رجالٌ ونساء، في ثيابٍ سوداء وملابس مهلهلة، يمثلون «جوقة» تُمهِّد للتمثيل أو تتدخل فيه بين الحين والحين، فتعلق عليه أو تستفسر أو تُقدم حكمةً عامة، ومن هذه الجوقة يشارك بعض الممثلين بأدوارهم ثم يرجعون مرةً أخرى إلى الصف. على الجانب الأيسر بعد قليلٍ موكب السلطان وابنته الأميرة بدر البدور وعدد من الحراس والخدم والأتباع، إنهم يتابعون الأحداث من بدايتها، كما يشترك بعضهم عند الحاجة في القيام ببعض الأدوار التي يقتضيها السياق، في الوسط دائرة متسعة تتم فيها المشاهد واللوحات المتتابعة، وتتغير مناظرها بطبيعة الحال من مشهدٍ إلى آخر، يمكن أن يحضر الممثلون معهم قطع المناظر أو يذهبوا بها كما هو مألوف في المسرح الحديث! تبدو هذه المساحة الدائرية إلى الآن واسعة ساكنة، وعندما نُحقق النظر نلاحظ في ركنٍ منها فِراش الأم العجوز التي تبدو كأنها تحتضر أو أن المرض قد غلب عليها بصورةٍ موئسية، يتكلم رئيس الجوقة أو يتبادل أفرادها الحديث دون التقيد بترتيبٍ مسبق). (استعد أفراد الجوقة لأداء أدوارهم، واستراح السلطان على كرسي أو مسند وابنته بدور بجانبه. نرى في البداية قمر مشغولًا بترتيب كل شيء، ويبدو أنه بذل مجهودًا لا يستهان به في إلقاء تعليماته وتوجيه الحاضرين عن حياته، حتى الأم التي رأيناها في المشهد السابق مريضة على وشك الاحتضار قد نهضت من فراشها كأنها — رغم سخطها على الابن الحالم — قد تماثلت للشفاء واستعدت هي الأخرى للقيام بدورها، بعد قليلٍ تبدأ الجوقة في الكلام، ويتدخل الحاضرون كلما دعت الحاجة). (قمر لا يرد) (قمر لا يرد) (الجوقة تضحك ويضحك الجميع). (يُسدل الستار شيئًا فشيئًا، ويسود إظلامٌ تام قبل أن تنفرج على المشهد التالي). (كوخ الساحرة العجوز، الساحرة واقفة أمام الباب .. بعد قليلٍ يظهر السلطان ثم قمر وحراس). (قمر يرفع عينيه ولا يجيب.) (قمر يجلس تحت شجرة ينظر إليها في صمت.) (قمر لا يرد.) (قمر يسمع صوتًا يقول: تذكر الحكمة.) (قمر يدخل بعد أن يفحص الباب.) (قمر منكب على الباب). (ينصرف الحارسان .. تسمع حمحمة خيولهما وصليل سيوفهما من بعيد .. الساحرة تغلق الباب). (نساء يتوافدن على النبع، تُسمع ضحكات فتيات وزمجرة عجائز، في المكان شجر جاف وأوراق ذابلة صفراء، الوقت قبل الغروب بقليل). (تتضاحكن ويجرين.) (الفتاتان تتغامزان وتنظران إليه في ولَهٍ) (المرأة وقد لاحظت أنه انصرف عنها إلى الفتاتين كما انصرفا إليه، تدير ظهرها للجميع وتقول لنفسها): (المرأة لا تنظر إليهما.) (المرأة والفتاتان في حالة وجوم، قمرٌ نائم، يهجم حارسان فجأة) (يوقظانه بعنف، يجرَّانه معهما قبل أن يفيق تمامًا ويخرجان …) (قاعة العرش، السلطان مهموم ووحيد، يقوم من مكانه على الكرسي ويقطع القاعة ذهابًا وجيئة، يستدعي الوزير). (يظهر قمر والسلطانة مغلولين في قيدٍ حديدي، وراءهما حارسان). (يدخل أحد الحراس مسرعًا إلى السلطان، يفيق من غفوته وينتبه إلى الحارس). (قمر وسلطانة على الطريق، يبدو عليهما الإعياء وغبار السفر، الحارسان يمشيان بجانبهما وفي يد كل منهما قيد مغلول إلى يد أحد السجينين، جبل وعر وطريق قفر …) (تنهض السلطانة وقمر في صمت، يتهيأ الجميع للتحرك عندما يسمع صوت الزمر والطبول، قمر يجمد في مكانه). (قمر صمت … يتذكر.) (قمر يتقدم بخطى مسرعة نحو القصر، الوقت قبل الفجر بقليل، يبدو السور من بعيد، تعلوه قضبان عُلِّقت عليها رءوس مقطوعة، شبح عجوز يتجول أمام السور، وعلى البعد وقْعُ أحذية حراس وفرسان ترتفع أصواتهم وتنخفض بقدر اقترابهم من السور أو بُعدهم عنه …) (يأتي حارسان مسرعين … يهبطان الدرَج العالي وترتطم أقدامهما بالأرض .. يحيطان بقمر والعجوز …) (وبعد قليل يُسمع صوت آتٍ من بعيدٍ يتضح شيئًا فشيئًا. يتبينه العجوز ويرى صاحبيه يقتربان من السور …) (الأميرة ترقد على أريكة بجوار الحائط، ساقاها ويداها في الأغلال، تشهق من حينٍ إلى حين وترفع رأسها لتطل من نافذةٍ بجانب فراشها، تبكي فتسرع إليها مرجانة وتجفف دموعها). (تتأوه ضاحكة .. ترن ضحكة من بدر البدور، ثم لا تلبث أن تغيِّم سحابة حزن على عينيها حين تسمع أصوات الحراس من بعيد تصل إليها كالأصداء التي تعلو شيئًا فشيئًا: مولانا السلطان …) (بدر تنظر إليه ولا تتحرك) (بدر تواصل النظر إليه .. عاجزة عن الحركة). (بدر البدور تنهض من على فراشها، بقوةٍ سحرية تطلق يديها وساقيها من القيد). (يتردد نداء الصوت طويلًا: يا قمر .. يا قمر تحرك … إلخ. إظلام .. على الضوء الشاحب نرى قمر يفرك عينيه لحظات، على الجانب الآخر من المكان أفراد الجوقة يتحركون ويفركون عيونهم …) (يسقط الضوء على كومةٍ بشرية بجوار الحائط، شباب ونساء وعجائز وصبي بجوار أعمى … يتقلبون فوق الحشايا ويفيقون شيئًا فشيئًا من النوم …) (ينتشر الضوء .. يفتح عينيه ويقلبهما في المكان ويهز رأسه .. ينتبه إلى صوت الأم فيجري نحوها ويجثو عند فراشها …)
|
{
"chapter": "الحُلم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الليل والجبل",
"url": "https://www.hindawi.org/books/82815090/3/"
}
|
بعد ذلك بوقت قصير هطلت الأمطار وأرغمتنا أن نحتمي أيامًا متوالية في منزلنا بالكهف. وتحولت مسارب الغابة إلى سيول، وأصبحت الغابة مستنقعًا. كنت أتوق إلى عواء قرود الجيبون، بدلًا من هدير المطر المنهمر على الأشجار خارج الكهف. لم يكن المطر يهطل في نوبات متقطعة كما كان عليه الحال في الوطن، بل باستمرار ودون توقف. وانتابني القلق على المنار الذي غدا مشبعًا بالماء ويزداد بَلَلُه مع كل يوم يمرُّ. كيف يتسنى له أن يجفَّ في يوم من الأيام؟ ولكن كنسوكي كان يبدي الصبر والجَلَد إزاء ذلك كله. كان يقول لي: «سوف ينقطع المطر حين ينقطع. لا تستطيع أن توقف هطوله بأن تريد له ذلك. أضف إلى ذلك أن المطر مفيد نافع. فهو يساعد الثمار على النمو، ويحافظ على تدفق الجدول، وعلى حياة القرود، وحياتك أيضًا وحياتي أنا.» كنت أندفع بأقصى سرعة كل صباح إلى قمة التل ومعي المنظار المقرِّب، وإن كنت لا أدري سببًا لذلك ولا أرى له جدوى، فأحيانًا كان المطر ينهمر بغزارة إلى الحد الذي لم أكن أستطيع معه أن أرى البحر على الإطلاق. كنا أحيانًا ننطلقُ مسرعَين إلى الغابة لنجمع كمية من الفاكهة اللازمة لطعامنا. كانت الغابة تزخر بأنواع النبق، وكان كنسوكي يصرُّ على قطفها، فلم يكن يكترث بالبلل الشديد مثلما كنت أكترث. كنا نأكل بعضها، ولكن كنسوكي كان يستخدم معظمها في إعداد الخل، ويحفظ الباقي في زجاجات خاصة مع عسل النحل والماء. وكان يقول، إنها محفوظة «لوقت الحاجة الماسَّة، صحيح؟» ويضحك (كان يحب «تجربة» التعابير الجديدة التي تعلمها). كنا نأكل الكثير من السمك المُدَخَّن، وكان فيما يبدو لديه مخزون كافٍ دائمًا بصفة احتياطية. كان يجعلني أشعر بالعطش الشديد، لكنني لم أكن أضيق به قط. وأنا أتذكر الموسم المطير بسبب انكبابنا على الرسم فيه أكثر من أي سبب آخر. كنا نقوم بالرسم معًا ساعات متوالية، حتى يَنْفدَ حبر الأخطبوط. وكان كنسوكي يميل هذه الأيام إلى الرسم من الذاكرة أكثر من الرسم من الطبيعة، فكان يرسم منزله في نجاساكي، وعدة لوحات لزوجته كيمي وابنه ميشيا واقفَين معًا، دائمًا تحت شجرة الكرز. ولاحظت أنه يترك الوجه دائمًا دون تحديد أي ملامح. وقد شرح لي ذلك ذات يوم (وكانت طلاقةُ حديثه بالإنجليزية تزيد باطِّراد). قال لي: «أنا أتذكر مَن هما، وأذكر أين هُما. وأستطيع أن أسمعهما في رأسي، لكنني لا أستطيع أن أراهما.» وقضيت أيامًا متوالية في إحكام محاولتي رسم صورة سعلاة. كانت توموداكي. كانت كثيرًا ما تقبع عند باب الكهف ووجهها يفيض بالحب وجسمها يتساقط منه ماء المطر، كأنما كانت تدعوني لرسمها. وهكذا اغتنمت الفرصة كاملة. كان كنسوكي سعيدًا باللوحة التي رسمتُها إلى حدِّ النشوة، وأغدق عليَّ عبارات الإطراء. وقال: «يومًا ما يا ميكاسان سوف تصبح فنانًا عظيمًا، مثل هوكوساي، ربما.» وكانت تلك أولَ لوحة على صَدَفَة أرسمها فيحتفظ بها كنسوكي في صندوقه. وأحسست بالزهو الشديد. وبعد ذلك كان يصرُّ على الاحتفاظ بالكثير من أصدافي المرسومة، وكثيرًا ما كان يُخرجها من الصندوق ويدرسها بعناية، مبينًا لي أوجه النقص، ولكن دائمًا بسماحة. وفي ظل رعايته، وبوحي تشجيعه، كانت كل صورة أرسمها تبدو أكثر إحكامًا، وأقرب إلى ما كنت أريد لها أن تكون. وذات صباح عادتْ قِرَدَةُ الجيبون تعوي، وتوقَّف المطر، وخرجنا لصيد السمك في المياه الضحلة، ثم خرجنا إلى البحر العميق أيضًا، وسرعان ما أعدنا ملء مخزوناتنا من السمك المُدَخَّن وحبر الأخطبوط، وعدنا إلى لعب كرة القدم من جديد، وكان المنار فوق قمة التل يجفُّ ماؤه يومًا بعد يوم. وكنا أينما ذهبنا الآن نأخذ معنا المنظار المقرب، من باب الاحتياط، وكاد ذلك المنظار يضيع منا ذات يوم عندما سرقه كيكانبو، ولد توموداكي «الشقيُّ»، وانطلق يجري به في الغابة. كان أشدَّ صغار السعالي صفاقًة وأكثرها ميلًا إلى اللهو واللعب، وعندما أدركناه لم يكن يريد إعادة المنظار. واضطر كنسوكي آخر الأمر إلى رِشْوَته: موزة حمراء في مقابل منظار مقرِّب. لكنه مع مرور الوقت كنا بدأنا نعيش كأنما اعتزمنا البقاء في الجزيرة إلى الأبد، وهو ما بدأ يُقْلقني قلقًا عميقًا، كان كنسوكي يقوم بإصلاح زورقه ذي المساند، وإعداد المزيد من الخل، وكان يجمع الأعشاب ويجففها في الشمس. وكان يبدو أن اهتمامه بترقب وصول أيَّة سفينة يقل باطِّراد، بل كان يبدو أنه نسى الموضوع بِرُمَّتِهِ. وشعر كنسوكي بقلقي واضطرابي. كان منهمكًا في إصلاحات زورقه ذات يوم وأنا أستكشف الأفق من خلال المنظار المقرب، إذ لم يبارحني الأمل قط، حين قال: «تزداد سهولة الأمر عندما تكون عجوزًا مثلي يا ميكاسان.» وسألته: «سهولة ماذا؟» فقال: «سهولة الانتظار. سوف تأتي سفينة يومًا ما يا ميكاسان. ربما يكون ذلك في القريب العاجل، وربما لا يكون في القريب العاجل. لكن السفينة سوف تأتي. يجب ألا نقضي الحياة في الرجاء دائمًا والانتظار دائمًا. فغاية الحياة أن نحياها.» كنت أعرف أنه على صواب، بطبيعة الحال، لكنني لم أكن أستطيع — إلا حينما أستغرق في الرسم — أن أطمس حقًّا كل تفكير في الإنقاذ، وكل تفكير في أمي وأبي. وَصَحْوتُ ذات صباح وستلا تنبح خارج منزل الكهف. نهضت وخرجت للبحث عنها. لم أستطع في البداية أن أراها في أي مكان. وحين وجدتُها كانت تقف عاليًا فوق التل، وكانت تصدر أصواتًا تتراوح بين الزمجرة والنباح، وقد انتصب شعر رقبتها. وسرعان ما أدركْتُ السبب. كانت سفينة من نوع اليَنْك! سفينة صغيرة في البحر. وهرعت نازلًا التل فقابلني كنسوكي خارجًا من منزل الكهف، وكان يربط حزام سرواله. وهتفت به: «جاءت سفينة! النار! فلنشعل النار!» وقال كنسوكي: «دعني أنظر أولًا.» ورغم كل احتجاجاتي عاد إلى منزل الكهف لإحضار المنظار المقرب. وانطلقْتُ أجري إلى قمة التل من جديد. كانت السفينة قريبة جدًّا من الشاطئ. ولا بد أن يرى مَن فيها الدُّخَانَ. كنت واثقًا من ذلك. وكان كنسوكي يصعد التل لمقابلتي ببطء يغيظ. لم يكن يبدو أنه في عجلة على الإطلاق. وأخذ يحدق في السفينة من خلال المنظار ويدرسها بعناية، فاستغرق في ذلك وقتًا طويلًا. وقلت له: «لا بد أن نشعل النار، لا بد لا بد.» وقبض كنسوكي فجأة على ذراعي، وقال: «إنها نفس السفينة يا ميكاسان. لقد أتى الرجال القتلة. إنهم يقتلون قرود الجيبون ويسرقون أطفالها. لقد عادوا، أنا واثق تمامًا؛ فأنا لم أنس السفينة. أنا لا أنسى أبدًا. إنهم أناس أشرار جدًّا، لا بد أن نذهب بسرعة. لا بد أن نجد جميع السعالي. لا بد أن نأتي بها جميعًا إلى الكهف. ستكون آمنة فيه.» لم يستغرق وقتًا طويلًا في استدعائها. لم يفعل كنسوكي سوى أنه بدأ يغني ونحن نسير في الغابة. وإذا بها تظهر من حيث لا ندري، كل اثنتين معًا، وكل ثلاث، حتى اجتمع خمس عشرة، لم تحضر أربع منها، فتوغلنا إلى مسافات أبعد في الغابة للعثور عليها، وكنسوكي يغني طول الوقت. وفجأة أتت ثلاث وهي تصطدم في سيرها بالأشجار، وكانت من بينها توموداكي. لم يكن غائبًا سوى الصغير كيكانبو. ووقف كنسوكي في باحة مكشوفة في الغابة، تحيط به السعالي، وشرع يغني لكيكانبو المرة بعد المرة، ولكن الصغير لم يأْتِ. ثم سَمِعْنَا صوتَ تشغيلِ محرك، في مكان ما بالبحر، محرك مثبت خارج السفينة. وعاد كنسوكي للغناء بصوت أعلى، وبنبرات أشدَّ إلحاحًا. وأصخنا السمع عسى أن يُصْدرَ كيكانبو صوتًا، وبحثنا عنه وناديناه. وقال كنسوكي أخيرًا: «لا نستطيع الانتظار أكثر من ذلك، سأسير في الأمام وتسير يا ميكاسان في الخلف. أحضر السعالي الأخيرة معك، هيا، بسرعة.» وانطلق عند ذلك، سالكًا المسرب وسط الغابة، وهو يقود أحد السعالي بيده، ولا يزال يغني. وأذكر أنني خطرت لي، ونحن نسير خلفه، صورة عازف المزمار الأسطوري الذي سحر الأطفال بموسيقاه فاتبعوه حتى اختفوا في كهف في جانب الجبل. أما أنا فكانت مهمتي محددة في آخر الحشد، كانت بعض الصغار تحب أن تلعب لعبة «الاستغماية» أكثر من اهتمامها بالسير وراء الكبار. واضطررت في النهاية إلى أن التقط اثنتين منها وأحملهما، كل واحدة في ذراع. كان وزنها أكبر كثيرًا مما يدل عليه منظرها، وظللت ألقى النظرات خلفي، من فوق كتفي، عسى أن أرى كيكانبو، وأناديه ولكنه لم يحضر رغم كل ذلك. وتوقف صوت محرك السفينة، وسمعت بعض الأصوات. كانت عالية، أصوات رجال، وضحكات. كنت الآن أجري، والصغيرتان متعلقتان برقبتي، وكانت الغابة ترتجُّ بأصوات النعيب والعواء في انزعاج في كل مكان حولي. وعندما وصلت إلى الكهف سمعت صوت أولى الطلقات التي ترَدَّدَ صداها في الفضاء. وهَبَّ كل طائر وكل خُفَّاش في الغابة طائرًا، حتى اسْوَدَّ لون السماء التي امتلأت بصرخاتها الحادة. وحشدنا السعالي معًا في آخر الكهف، وانكمشنا في الظلام معها، وأصوات طلقات الرصاص لا تنقطع. كانت توموداكي أشد السعالي قلقًا واضطرابًا، لكنها جميعًا في حاجة إلى التسرية وبَثِّ الاطمئنان في قلوبها دائمًا، وهو ما كان كنسوكي يقوم به، إذ لم يتوقَّفْ عن الغناء لها طيلة هذا الكابوس الرهيب. كان الصيادون قد اقتربوا، بل اقتربوا اقترابًا شديدًا، وهم يطلقون النار ويصيحون. وأغلقت عينيَّ ودعوت الله. وكانت السعالي تئن بصوت مرتفع كأنما تغني مع كنسوكي، وكانت ستلا طول الوقت ترقد عند قدميَّ، وفي حلقها زمجرة مستمرة. وكنت أقبض على غضون عنقها طول الوقت، تحسُّبًا للمفاجآت. وكانت صغار السعالي تدفن رءوسها في جسمي حيثما استطاعت، تحت ذراعيَّ، وتحت ركبتيَّ، وتتشَبَّثُ بي. كانت الطلقاتُ تُدَوِّي الآن على مقربة شديدة منا، تشق الهواء ويُرْجِع الكهف أصداءها. وسمعتُ صيحات انتصارات بعيدة، وكنت أعرف خير معرفة ما لا بد أن يعنيه ذلك. وابتعد موقع الصيد بعد ذلك. لم نعد نسمع أية أصوات، باستثناء الطلقة العارضة، ثم ساد الصمت. سكتت الغابة كلها. ومكثنا حيث كنا ساعات طويلة. كنت أريد أن أغامر بالخروج لأرى إن كانوا قد رحلوا، ولكن كنسوكي رفض. كان يغني طول الوقت، وظلت السعالي رابضة معًا حولنا، حتى سمعنا صوت تشغيل محرك القارب. ومع ذلك، فقد جعلني كنسوكي أنتظر فترة أخرى. وعندما خرجنا أخيرًا كانت السفينة قد أبحرت وابتعدت كثيرًا عن الشاطئ. وبحثنا في الجزيرة عن كيكانبو، وغنَّينا له، وناديناه، لكننا لم نلمح له أثرًا، واستولى على كنسوكي يأس عميق. لم يكن يُعَزِّيه شيء. فانطلق وحده فتركته يذهب. وبعد قليل مررت به وقد انحنى على جُثَّتَيْن من جُثَثِ قرود الجيبون، وكانتا من الأمَّهات. لم يكن يبكي آنذاك، لكنه كان قد بكى قبل أن أصل. كانت عيناه يغمرهما الإحساس بالأذى والحيرة. وحفرنا حفرة في الأرض الرخوة على حافة الغابة ودَفَنَّاهما. لم تبقَ لديَّ كلمات أقولها، ولم تبقَ لدى كنسوكي أغانٍ يغنيها. كنا نسير في طريق العودة الحزين على الشاطئ حين فوجئنا بالصغير كيكانبو خارجًا من مكمنه: أقبل في شبه هجوم علينا، وهو ينثرُ الرمل علينا ثم قفز فوق ركبة كنسوكي والتفَّ برقبته. كانت لحظة سعيدة، لحظة رائعة. وفي تلك الليلة غنى كنسوكي معي أغنية «عشر زجاجات خضراء» المرة تلو المرة، بصوت بالغِ الارتفاع، ونحن نتناول حساء السمك. ولا بد أن ذلك كان يمثل رثاءً من نوع ما لقردتَي الجيبون القتيلتين، وأنشودة فرح في نفس الوقت بالعثور على كيكانبو. وَبَدَا أن الغابة خارج الكهف ترجع أصداء غنائنا. لكنه اتضح لي في الأسابيع التالية أن كنسوكي كان مستغرقًا في تأمل الأحداث الرهيبة التي وقعت في ذلك اليوم. وانطلق يصنع قفصًا من الخَيْزُرَانِ المتين في آخر الكهف كَيْما يُدْخل فيه السعالي فتكون أكثر أَمْنًا إذا حدث وعاد القتلةُ يومًا ما. وظل يتحدث في الموضوع مرارًا وتكرارًا، فكان يقول إنه كان ينبغي أن يصنع القفص من قبل، ويقول إنه لم يكن ليصفح عن نفسه لو كان الرجال قد أسروا كيكانبو، وكم يتمنى لو كانت قرود الجيبون تستجيب لغنائه وتأتي حتى يستطيع إنقاذها كذلك. وقطعنا بعض فروع الأشجار وبعض النباتات من الغابة ووضعناها خارج مدخل الكهف، حتى نستطيع إقامتها ستارًا يخفيه عن العيون. وأصبح بالغ القلق، بالغ الاضطراب، وكان كثيرًا ما يرسلني إلى قمة التل ومعي المنظار المقرب حتى أرى إن كانت السفينة اليَنْك قد عادت. لكنه مع مرور الوقت، ومع انحسار التهديد بخطر وشيك، عاد له طبعه الأول. ومع ذلك، كنت أحس أنه دائمًا على حذر، دائمًا متوتر قليلًا. ولما كان يحتفظ الآن بعدد كبير من لوحاتي، فقد اكتشفنا أن ما لدينا من صدفات تصلح للرسم عليها يوشك أن ينفد. وهكذا انطلقنا مبكرًا ذات صباح في رحلة للبحث عن المزيد منها. وفحصنا الشاطئ كله بدقة، وقد انحنى رأسانا، ونحن نسير بجوار بعضنا البعض، لا تفصلنا إلا مسافة قصيرة. وكان العمل بجمع الصدفات دائمًا ما يتضمن عنصر المنافسة: مَنْ أول من يعثر على صدفة صالحة، ومن يعثر على أكبر صدفة، وأكثر الصدفات كمالًا. لم نكن قد قضينا وقتًا طويلًا في البحث، ولم يكن أيٌّ منا قد عثر على صدفة واحدة، عندما أدركْتُ فجأة أنه توقف عن المسير. وهمس قائلًا: «ميكاسان»؛ مشيرًا إلى البحر بعصاه. كان في البحر شيء ما، شيء أبيض، لكنه كان محدد الملامح، محدد الشكل إلى الدرجة التي يستحيل معها أن يكون سحابة. كنت قد تركت المنظار المقرب في الكهف. فانطلقْتُ أعدو، وستلا تنبحني طول الطريق، عائدًا إلى منزل الكهف، فالتقطْتُ المنظار المقرب واندفعت حتى وصلت إلى قمة التل. شراع! بل شراعان! شراعان أبيضان. ونزلت التل قفزًا، فدخلت الكهف والتقطت عصًا مشتعلة من النار، وعندما وَصَلْتُ إلى قمة التل كان كنسوكي قد سبقني إليه. وأخذ المنظار المقرب من يدي ونظر بنفسه. وسألته: «هل أشعل النار؟ هل أشعلها؟» وقال: «لا بأس يا ميكاسان. وهو كذلك.» ودَسَسْتُ العصا المشتعلة في أعماق المنار، بين أوراق الشجر والأغصان الجافة في قلب المنار، واشتعلت فيه النار على الفور تقريبًا، وسرعان ما سَمِعْتُ أزيزَ ألسنةِ اللَّهَبِ وهي تضطرم في الخشب، بل وتَكاد تَلْمَسُنا أَطْرَافُها حيثما وَجَّهَتْها الرياح. وتراجعنا من شدة اللَّظَى والحرارة المفاجئة. وأحسست بخيبة الأمل لكثرة ألسنة اللهب، إذ كنت أنشد الدَّخَان، لا النار. كنت أريد سحابات دُخَان تصعد في الجو. وقال كنسوكي: «لا تقلق يا ميكاسان. سوف يشاهدون هذا قطعًا. سترى.» وتناوبنا استعمال المنظار المقرب. ولكن اليخت لم يستدر. لم يشاهدوا النار. وكان الدخان قد بدأ يمور صاعدًا في السماء. وباستماتة ألقيتُ المزيد والمزيد من الخشب في النار، حتى أصبحت جحيمًا هادرًا من ألسنة اللهب والدخان الكثيف. وكنت قد ألقيت آخر الخشب الذي لدينا تقريبًا في النار حين قال كنسوكي فجأة: «ميكاسان! إنها قادمة. أظن أن السفينة قادمة.» وأعطاني المنظار المقرب. كان اليخت يستدير. كان يستدير قطعًا، وإن كنت لم أستطع أن أتبيَّن إن كان يستدير باتجاهنا أو بعيدًا عنا. وقلت له: «لا أدري. لست واثقًا.» وأخذ مني المنظار المقرب وقال: «أؤكد لك يا ميكاسان أن السفينة قادمة نحونا، لقد رأونا. واثق كل الثقة. إنها قادمة إلى هذه الجزيرة.» وبعد لحظات عندما ملأت الريح الشراعين، تأكدت أنه على حق وتبادلنا الأحضان على قمة التل بجانب المنار المتقد. وبدأت أتواثب في مكاني كالمجنون، وغَضِبَتْ ستلا مني. وكنت كلما نظرتُ في المنظار المقرب الآن أرى اليخت يزداد اقترابًا. وقلت: «إنه يخت كبير، لا أستطيع أن أرى رايته. لكن جسم السفينة أزرق أدكن، مثل بيجي سو»، وفي تلك اللحظة فقط، لحظة النطق باسم السفينة عاليًا، بدأت آمل أن تكون هي، وتدريجيًّا تحوَّل الأمل إلى اعتقاد، وتحول الاعتقاد إلى يقين. ورأيت قبعة زرقاء، قبعة والدتي الزرقاء. إنهما هما! إنهما هما! وهتفت وأنا ما زلت أنظر من خلال المنظار المقرب: «كنسوكي! كنسوكي! إنها السفينة بيجي سو. إنها هي. لقد عادَا من أجلي، لقد عادَا.» ولكن كنسوكي لم يرد. وعندما نظرت حولي اكتشفت أنه غير موجود. وجدته جالسًا في مدخل منزل الكهف، وكرة القدم في حجره. ورفع بصره إليَّ، وكنت أعرف من نظرات عينيه ما كان يوشك أن يقوله لي. وقف ووضع يديه على كتفي، وصوَّب إلى عينيَّ نظرة عميقة، وقال: «أصْغ إليَّ الآن جيدًا يا ميكاسان. إنني عجوز جدًّا لا أستطيع التوافق مع ذلك العالم الجديد الذي تحكي عنه. إنه عالم مثير جدًّا، لكنه ليس عالمي، عالمي كان اليابان، من زمن بعيد جدًّا. والآن أصبح عالمي هنا. لقد فكرتُ في الأمر طويلًا. إذا كانت كيمي على قيد الحياة، وكذلك ميشيا، فسوف يظنان أنني متُّ منذ زمن بعيد. سأصبح مثل شبح يعود إلى المنزل. لم أعد نفس الشخص، ولم يعودَا ما كانَا عليه. أضف إلى ذلك أن لي أسرة هنا. أسرة السعالي. لربما عاد القتلة من جديد. من الذي يرعاها إذن؟ لا! سوف أبقى في جزيرتي. هذا مكاني. هذه مملكة كنسوكي. لا بد أن يبقى الإمبراطور في مملكته، ويرعى شعبه. الإمبراطور لا يهرب. ليس أمرًا مشرِّفًا.» كنت أُدرِك أنه لا جدوى من التوسُّل أو المناقشة أو الاحتجاج، ووضع جبهته فوق جبهتي وتركني أبكي. واستمر قائلًا: «اذهبْ أنت الآن، ولكن قبل أن تذهبَ، لا بد أن تَعِدَني بثلاثة أشياء. أولًا: ألَّا تهجُر الرسم في أيِّ يوم من أيام حياتك، حتى تصبح فنانًا عظيمًا مثل هو كوساي، وثانيًا: أن تفكِّر فيَّ أحيانًا، بل أحيانًا كثيرة، بعد أن تعود إلى وطنك في إنجلترا. إذا رأيت البدر المنير في السماء فتذكَّرْني، وسوف أفعلُ مثل هذا هنا. وهكذا لن ينسى أحدُنا الآخرَ أبدًا. والوعد الأخير بالغ الأهمية لي. مِن بالغ الأهمية ألَّا تقول شيئًا عن هذا، ولا عَنِّي. لقد جئتَ إلى هنا وَحْدَكَ. ومكثتَ وَحْدَكَ في هذا المكان. مفهوم؟ لستُ موجودًا هنا. أما بعد عشر سنوات فَلَكَ أن تقولَ ما تشاء. فلن يبقى عندئذ مني سوى العظام. ولن يهمَّ ما يكون عندها. لا أريد لأحد أن يأتي للبحث عني. فأنا أقيم هنا وأعيش حياة السلم. لا أريد بشرًا؛ فالبشر عندما يأتون ينتهي السلم. مفهوم؟ هل ستكتمُ سِرِّي يا ميكا؟ هل تَعِدُني بذلك؟» وقلت له: «أَعِدُك.» وابتسم وأعطاني كرة القدم، قائلًا: «خذ كرة القدم. أنت ماهر في لعب الكرة، ولكنك أمهر كثيرًا في الرسم. اذهب أنت الآن.» ثم وضع ذراعه على كتفي واصطحبني خارج الكهف، وقال: «اذهب.» ومشيتُ خطوات معدودة ثم التفتُّ إليه. كان لا يزال واقفًا في مدخل الكهف فقال: «اذهب الآن من فضلك» ثم انحنى لي. وانحنيتُ له وقال: «سايونارا يا ميكاسان! لقد تشرفت بمعرفتك، أكبر شرف في حياتي.» ولم أجد عندي الصوت الذي أجيبه به. كانت الدموع تغشي بصري وأنا أجري في المسرب. ولم تَأْتِ ستلا على الفور، لكنها أدركتْني عندما وَصَلْتُ إلى حافة الغابة. وانطلقَت تعدو مسرعة على الشاطئ وهي تنبح السفينة بيجي سو، لكنني ظللتُ مختبئًا في ظل الأشجار أبكي حتى نَفِدَتْ دموعي. وتابعتُ بعيني بيجي سو وهي تدخل مياه شطِّ الجزيرة، وكان فوقها حقًّا والدتي ووالدي. وكانَا قد شاهَدَا الآن ستلا وجعلا يناديانها، وكانت تنبح نباحًا شديدًا أطار عقلها. وشاهدْتُ مرساة السفينة وهي تهبط. وهمست «وداعًا يا كنسوكي» وأَخَذْتُ نَفسًا عَميقًا وانطلقت أجرى على الرمل وأنا أُلوِّح بيدي وأصيح. ونزلتُ أجري في المياه الضحلة لملاقاتهما. وجَعَلَتْ أمي تحتضنني وهي تبكي حتى ظننتُ أن عظامي سوف تتكسر. وظلت تقول وتكرر: «ألم أقل لك إننا سنجده؟ ألم أقل لك؟» وكانت أولى كلمات والدي لي حين رآني: «مرحبًا أيها القرد.» ظلت والدتي ووالدي يبحثان عني ما يقرب من عام كامل. ولم يكن أحد على استعداد لمساعدتهما، لأن أحدًا لم يكن ليصدق أنني ما زلت على قيد الحياة، وكان الناس يقولون لهما إن احتمال حياته لا يصل حتى إلى واحد في المليون. وقد اعترف والدي فيما بعد بأنه كان يتصور أنني متُّ ولكن والدتي لم تفقد الأمل قط. كنت بالنسبة لها دائمًا على قيد الحياة، وكانت تقول إنني لا بد أن أكون حيًّا، وكانت واثقة من ذلك بقلبها وحسب. وهكذا ظَلَّا يُبحِرَان من جزيرة لجزيرة، ويواصلان البحث حتى عثرا عليَّ. لم يكن ذلك بفعل معجزة، بل بفعل الإيمان.
|
{
"chapter": "وصول القَتَلة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/10/"
}
|
هبط بيننا صمت طويل أليم. لم يُؤنِّبْني كنسوكي قط على ما فعلت. لم يكن غاضبًا مني أو متجهم الوجه معي. ولكنني كنت أعرف أنني جَرَحْتُ مشاعره جُرْحًا عميقًا. لم نمتنع عن التحادث معًا — بل كنا نتحادث — ولكننا لم نعد نتحادث بالروح التي كنا نتحادث بها من قبل. كان كلُّ منا يعيش في شرنقته الخاصة، ملتزمَين بالسلوك المهذب، والتأدُّب دائمًا، لكننا لم نعد «معًا» كما كنا من قبل. كان قد انغلق على نفسه، وحبس نفسه في أفكاره الخاصة. ذهب الدفء من عينيه، وحلَّ الصمت محلَّ الضحك في الكهف. لم يصرِّح بذلك قط، فلم يكن بحاجة إلى التصريح، لكنني عرفت أنه يفضل الآن أن يرسم وحده، وأن يصيد السمك وحده، وأن يكون وحيدًا. وهكذا كنت أقوم كل يوم بالتجول في الجزيرة مع ستلا، وأنا أرجو أن أجده عندما أعود وقد صفح عني، وأن نعود أصدقاء مثلما كنا. ولكنه كان دائمًا يحافظ على المسافة التي تفصل بيننا. وحزنت حزنًا عميقًا على صداقتي الضائعة. وأذكر أنني كنت كثيرًا ما أذهب في تلك الفترة إلى طرف الجزيرة الآخر، إلى تل المراقبة، وهناك أجلس زمنًا طويلًا، ولم أعد أرقب مرور السفن بالجزيرة، بل كنت أجرب بصوت عالٍ ما أقدمه له من تفسير أو إيضاح لما فعلت، ولكنني مهما حاولت وجربت، لم أكن أستطيع أن أقنع حتى نفسي أن ما فعلتُه كان يمثل شيئًا آخر سوى الخيانة. والذي حدث آخر الأمر، على أية حال، هو أن كنسوكي نفسه هو الذي شرح الأمر لي. كنا قد أوينا إلى الفراش لتوِّنا ذات ليلة عندما جاءت السعلاة توموداكي إلى باب الكهف وجلست القرفصاء عنده. كانت قد فعلت ذلك مرة أو مرتين قبل ذلك في الآونة الأخيرة، وكانت تجلس دقائق معدودة وحسب، وتتطلع إلينا ثم تمضي إلى حال سبيلها. وسمعتُ صوت كنسوكي في الظلام يقول: «إنها تفتقد كيكانبو من جديد» ثم أضاف: «إنها دائمًا ما تفتقد صغيرها. كيكانبو طفل شرير جدًّا. كثيرًا ما يهرب، ويجعل توموداكي أمًّا حزينة جدًّا.» وصفَّقَ بيديه ليصرفها صائحًا، ثم هتف: «كيكانبو ليس هنا يا توموداكي. ليس هنا أقول.» ولكن توموداكي ظلت في مكانها. وأظن أنها كانت تريد التسرية عن نفسها أكثر من أي شيء آخر، وكنت قد لاحظت من قبل أن السعالي كانت كثيرًا ما تأتي إلى كنسوكي عندما تكون قلقة أو خائفة، لا لشيء إلا للشعور بالاطمئنان إلى جواره. وبعد فترة انْسَلَّتْ توموداكي خِفْيَة في جُنْح الليل وتركتنا وحدنا من جديد، يفصلنا صخب الغابة والصمت. وفجأة خرق صوتُ كنسوكي الصمت، قائلًا: «عندي أفكار كثيرة، هل نِمْتَ يا ميكاسان؟» لم يكن قد ناداني باسمي أسابيع متوالية، منذ حادثة زجاجة الكوكاكولا. قلت له: «لا.» فقال: «رائع، أريد أن أقول كلامًا كثيرًا. فاستمع، وسوف أتكلم. لديَّ أفكار كثيرة. عندما أفكر في توموداكي أفكر أيضًا في والدتك. أمك أيضًا تفتقد طفلها. تفتقدك أنت. وهذا أمر محزن جدًّا لها. ربما تأتي لتبحث عنك فلا تجدك. ربما لا تكون أنت هنا عندما تأتي هي. لسوف تظن أنك مُتَّ ولن تعودَ أبدًا، ولكنها تراك في خاطرها، بل الآن وأنا أتكلم ربما كانت تراك في ذهنها. أنت دائمًا هناك. أعرف ذلك. فلديَّ ابن أنا أيضًا. لديَّ ميشيا. وهو دائمًا في رأسي. مثل كيمي. لا شك أنهما مَاتَا، ولكنهما في رأسي. إنهما في رأسي إلى الأبد.» وساد الصمت بيننا فترة طويلة لم ينطق فيها بحرف واحد. كنت أظن أنه نام، لكنه عاد للحديث مرة أخرى فقال: «سأقول لك كل ما أفكر فيه يا ميكاسان. هذه أفضل طريقة. إنني أظل في هذه الجزيرة لأنني أريد أن أمكث في هذه الجزيرة، لا أريد أن أعود إلى الوطن في اليابان، لكن الأمر مختلف في حالتك؛ فأنت تريد العودة إلى الوطن عبر البحار، وهذا هو الصواب، هذا هو ما يصلح لك، لكنه لا يصلح لي؛ إنه في حالتي أمر محزن جدًّا. لقد عشتُ سنوات طويلة هنا وحدي، وأنا سعيد هنا، ثم أتيتَ أنت. كنتُ أكرهك عندما أتيت أول الأمر، ولكن بعد فترة أصبحتَ مثلَ ابني، وأظن أنني قد أكون مثل والدك، وأنك مثل ابني. وسأحزن كثيرًا عندما ترحل؛ فقد أَحْبَبْتُ الحديث معك، وأحببتُ الاستماع إليك، وأحببتُ رنين صوتك عندما تتكلم. وكنتُ أريدك أن تبقى هنا في هذه الجزيرة، هل تفهم؟» وقلت له: «أظن ذلك.» فعاد يقول: «ولكنك فعلتَ شيئًا غاية في السوء؛ نحن أصدقاء، ولكنك لا تخبرني بما تشعر به. لا تقول لي ما تفعله، وليس هذا أمرًا مَشَرِّفًا. وعندما وجدتُ الزجاجة وقرأتُ الكلمات أحسستُ بالحزن الغامر الشديد، لكنني بعد فترة قصيرة فهمت. أعتقد أنك تريد أن تمكث معي هنا وأن تعود أيضًا إلى الوطن. وهكذا عندما وجدتَ الزجاجة كتبتَ الرسالة. ولم تخبرْني بما تفعل لأنك تعرف أنه يجعلني حزينًا. هل هذا صحيح؟» وقلت له: «نعم.» فقال: «أنت صغير جدًّا يا ميكاسان، وأنت ترسم صورًا جيدة، صورًا ممتازة؛ مثل هوكوساي، وتنتظرك حياة طويلة حافلة. لا تستطيع أن تعيش حياتك كلها في هذه الجزيرة مع رجل عجوز قد يأتيه الموت في أيَّة لحظة. وهكذا، جَعَلَتْني هذه الأفكار أُغَيِّر رأيي. هل تعرف ما سنفعله غدًا؟» ولم ينتظر إجابتي، بل استمرَّ قائلًا: «سنَشْرعُ في بناء مُسْتَوْقَد لنار جديدة، نار عظيمة، حتى نكونَ مُسْتعدَّيْن عندما نلمح سفينة، وعندها تعود إلى وطنك، كما أننا سنفعل شيئًا آخر. سنلعب كرة القدم؛ أنت وأنا. ما رأيك في هذا؟» وقلت: «لا بأس.» لم أكن أستطيع أن أقول أكثر من ذلك. لقد تمكَّن في تلك اللحظات القليلة أن يزيح عبء إحساسي بالذنب كله من على كاهلي وأن يمنحني سعادة غامرة، بل أملًا جديدًا مُشْرِقًا بَرَّاقًا. «لا بأس لا بأس. فَلْتَنَم الآن. لدينا عمل كثير غدًا. وأيضًا كثير من كرة القدم.» وفي صباح اليوم التالي بدأنا نقيم منارًا على قمة التل فوق منزلنا بالكهف. واستخدمنا معظم كومة الحطب التي كنا جمعناها لموقد الطهو، وقمنا بتخزين الخشب الجافِّ في آخر الكهف، بل إنه ضحَّى ببعض أفضل قطع الخشب التي كانت من الركام الطافي، ولم يكن الأمر يقتضي نقلها لمسافة بعيدة، وهكذا لم يمر وقت طويل حتى كنا قد جمعنا ما يكفي لإشعال نار ضخمة، وقال كنسوكي إن ذلك يكفي مؤقتًا، وإننا نستطيع أن نجلب المزيد من الغابة، وأن نزيد المقدار يوميًّا بالكمية التي نريدها. وقال: «سرعان ما نشعل نارًا هائلة يستطيعون رؤيتها في أي مكان حتى في اليابان»، وضحك، ثم أضاف: «نتناول الغداء الآن، وبعدها ننام قليلًا، وبعدها كرة القدم. موافق؟» وفي عصر ذلك اليوم نفسه استعضنا عن قوائم المرمى بالعِصِيِّ التي غرسناها في الرمل وجعلنا نتناوب دور حارس المرمى واللاعب الذي يصوب الكرة إلى المرمى؛ كانت الكرة قد فقدت الكثير من الهواء الذي نُفخت به، فلم تكن ترتد حين تضرب الرمل بها خيرًا من ارتدادها من الطين الذي كان يكسو الملعب الذي كنا نلعب فيه في الوطن، لكن ذلك لم يكن مُهمًّا. قد يكون كنسوكي شيخًا يتوكأُ على عصًا، وقد يكون قد بلغ أرذل العمر، لكنه كان يجيد تصويب الكرة إلى المرمى وإحراز أهداف لم أستطع صَدَّهَا، المرة بعد المرة. ما أروع الوقت الذي قضيناه في اللعب لم يكن أيُّنَا يريد له أن ينتهي. كان حشد من قرود السعالي يشاهدنا في حيرة، وكانت ستلا تتدخل وتجري وراء الكرة كلما أحرز أحدنا هدفًا، حتى هبط الظلام فأرغمنا على العودة آخر الأمر، صاعدَيْن التل، وكان الإرهاق قد بلغ منا حدًّا لم يُتِحْ لنا سوى أن نجرع قدرًا كبيرًا من الماء، ونأكل موزة أو موزتين، قبل أن نأوي إلى حصير النوم. ولم يتَأَتَّ لي سوى بعد المصالحة أن أعرف كنسوكي خيرًا مما كنت أعرفه في يوم من الأيام. حديثه بالإنجليزية كان يزداد طلاقًة باطِّراد، وكان من الواضح أنه أصبح يحب التحدُّث بالإنجليزية. ولسبب لا أعرفه كان أشدَّ سعادة بالحديث معي دائمًا ونحن نصيد السمك في زورقه ذي المساند. لم نكن نقوم بهذه الرحلات للصيد كثيرًا، ولم نكن نقوم بها إلا حين تقل الأسماك في المياه الضحلة فَنُضطَر إلى صيد السمك الكبير لتدخينه وحفظه. كانت القصص تتدفق من فمه ونحن في البحر. فتحدث كثيرًا عن طفولته في اليابان، وعن أخته التوأم، وكيف كان يندم على دفعها من فوق شجرة الكَرَز في حديقة منزلهما، وكيف كسرت ذراعها، وكيف تُذَكِّره شجرة الكرز التي يرسمها بأخته دائمًا، ولكنها كانت هي الأخرى في نجاساكي عندما أُلْقِيَت القنبلة، وأذكر أنه ذكر لي أيضًا عنوان المنزل الذي كان يقيم فيه أثناء دراسته في لندن، رقم ٢٢ شارع كلانريكارد جاردنز، ولم أَنْسَ ذلك العنوان قط. وقال إنه ذهب إلى ملعب كرة القدم ليشاهد فريق تشيلسي، وبعدها جلس بجانب تمثال أسد في ميدان ترافالجار (الطرف الأغر) فأمره شرطي بالرحيل. ولكن أكثر مَن كان يتحدث عنه كانت زوجته كيمي وابنه ميشيا، وكان يقول كم كان يود أن يرى ميشيا وقد أصبح رجلًا، وقال إنه لولا القنبلة التي أُلقيت على نجاساكي لأصبح ميشيا في الخمسين من عمره، ولكانت كيمي في مثل سِنِّه الآن أي في الخامسة والسبعين. وكنت نادرًا ما أقاطعه عندما يكون على هذه الحال. حاولت التسرية عنه مرة فقلت: «القنابل لا تقتل الجميع. وربما كانا الآن على قيد الحياة. مَن يدري! تستطيع أن تعرف. يمكنك أن تعود.» ونظر إليَّ نظرة غريبة كأنما لم يكن قد خطر له ذلك الاحتمال من قبل قط، وفي هذه السنين كلها. واستأنفتُ حديثي قائلًا: «ولمَ لا؟ عندما نرى سفينة ونشعل النار ويأتي من في السفينة لاصطحابي تستطيع أن تأتي معنا. يمكنك أن تعود إلى اليابان. لست مُرغَمًا على البقاء هنا.» وفكر في الأمر برهة، ثم هزَّ رأسه قائلًا: «لا! لقد مَاتَا. كانت تلك قنبلة هائلة، قنبلة رهيبة فظيعة. وقال الأمريكيون إن نجاساكي دُمِّرتْ، كل منزل هُدِم. سمعتهم، أفراد أسرتي ماتوا قطعًا. سأبقى هنا. أنا هنا آمن. سأظل في جزيرتي.» وكنا في كل يوم نزيد من الأخشاب التي بنينا المنار منها، فَغَدَا الآن هائلًا، بل أضخم من المنار الذي كنت أقمته على تل المراقبة، وأصبح من عادة كنسوكي في كل صباح، وقبل الذهاب إلى البِرْكَةِ للاستحمام، أن يرسلني إلى قمة التل حاملًا منظاره المقرِّب. وكنت دائمًا أفحص الأفق بمزيج من الرجاء والخوف. كنت قطعًا أتوق إلى رؤية سفينة، لا شك في هذا، كنت أتوق إلى العودة إلى الوطن، ولكنني كنت أخشى في الوقت نفسه ما يعنيه ذلك. كنت أحس بالاطمئنان والراحة كثيرًا مع كنسوكي. وكانت فكرة الفراق تملؤني بحزن رهيب، وعَقَدْتُ العزم على بذل قُصَارى جَهْدي لإقناعه باصطحابي، إذا مرت بنا سفينة أو عندما تأتي سفينة. كنت أنتهز كل فرصة الآن لأحدثه عن العالم خارج هذه الجزيرة، وكلما تحدثت ازداد اهتمامه، فيما يبدو، بما أقول، ولم أكن أشير، بطبيعة الحال، إلى الحروب والمجاعات والكوارث. بل كنت أرسم أفضل صورة استطعت أن أرسمها لذلك العالم. كان يجهل الكثير الكثير. وكان يُبْدي دهشته من كل ما أحكيه، من فُرْن «الميكروويف» في مطبخنا، والكمبيوتر وما يستطيع أن يؤدِّيه، وطائرة الكونكورد التي تطير بسرعة تزيد على سرعة الصوت، والذين ذهبوا للقمر، والأقمار الصناعية. وكان الحديث عن تلك الأشياء يتطلب الشرح المفصًّل قطعًا. بل إنه لم يكن يصدق بعضها، في أول الأمر على الأقل. وأتى دوره في طرح الأسئلة عليَّ، وكان يسألني بصفة خاصة عن اليابان، لكنني لم أكن أعرف الكثير عن اليابان، إلا أنني كنت أرى في وطني إنجلترا عبارة «صُنِعَ في اليابان» على أشياء كثيرة، من بينها فرن «الميكروويف»، وكذلك السيارات، والآلات الحاسبة، ومسجل الصوت الاستريو الخاص بوالدي، وجهاز تجفيف الشعر عند والدتي. وضحك قائلًا: «أنا شخص «صنع في اليابان»! آلة قديمة جدًّا، لكنها لا تزال صالحة، لا تزال بالغة القوة.» ورغم محاولاتي الدائبة للنبش في ذاكرتي، لم أجد بعد فترة ما أقوله له عن اليابان، لكنه كان ما يفتأ يسأل: «أنت واثق أنه لا توجد حرب في اليابان هذه الأيام؟» كنت واثقًا، إلى حد كبير، أنه لا توجد حرب فيها وقلت له ذلك. وعاد يسأل: «وهل عَمَّروا نجاساكي بعد القنبلة؟» وقلت له إن هذا صحيح، راجيًا أن أكُون على صواب. لم يكن في طوقي سوى بث الاطمئنان في قلبه قدر ما استطعت، إلى جانب سرد القليل الذي أعرفه وتكراره المرة بعد المرة. وكان فيما يبدو يتلذَّذُ بسماع ذلك، مثل طفل يستمتع بقصة خيالية مفضلة. وذات يوم بعد أن أفَضْتُ في الحديث من جديد عن نوعية الصوت المدهشة لجهاز التسجيل «الاستريو» الذي يملكه والدي، وهو من ماركة «سوني»، والذي يجعل المنزل كله يرتجُّ بذبذبات الصوت، قال بصوت خافت هادئ: «ربما أعود يومًا ما قبل أن أموت إلى وطني. ربما أعود يومًا ما إلى اليابان. ربما.» لم أكن واثقًا أنه كان يعني ما يقول، ولكن قوله كان يعني أنه ينظر في الأمر على الأقل، وهو ما جعلني أتفاءل. لكنني لم أصدق أن كنسوكي كان جادًّا حقًّا إلا في ليلة السلاحف البحرية. كنت غارقًا في النوم عندما أيقظني، قائلًا: «تعال يا ميكاسان، تعال بسرعة. هيا! تعال معي!» وسألته: «لماذا؟» لكنه كان قد انطلق. وَعَدوتُ خلفه في ضوء القمر فأدركته في منتصف الطريق المؤدي إلى البحر. وسألته مرة أخرى: «ماذا نفعل؟ وأين نذهب؟ هل جاءت سفينة؟» وقال: «سترى فورًا. سترى في الحال.» كانت ستلا تجري في أعقابي حتى وصلنا إلى الشاطئ. لم تكن مُغْرَمَة بالخروج في الظلام، ونظرتُ حولي فلم أجد شيئًا. كان الشاطئ فيما يبدو مهجورًا خاويًا. وكانت الأمواج تصطدم بقلق. والقمر يركب متن السحب، وَبَدَا العالم من حولي كأنما يمسك أنفاسه. لم أبصر ما يحدث حتى ركع كنسوكي على ركبتيه فجأة في الرمال. قائلًا: «إنها صغيرة جدًّا، وليست قوية جدًّا في بعض الأحيان. وأحيانًا تأتي الطيور في الصباح وتأكلها.» وهنا شاهدتها. كنت أظن أولًا أنها سَرَطَانَات بحرية أي كابوريا، ولكنني كنت مخطئًا، كانت سلاحف بحرية دقيقة الحجم، أصغر من الحَمَسَة أي سلحفاة الماء العذب، وكانت تتسلق بعناء جحورًا في الرمل ثم تسرع الخُطَى عَدْوًا على الشاطئ نحو البحر. شاهدت أولًا واحدة، ومن بعدها أخرى فثالثة، ثم نظرت إلى الشاطئ فوجدت عشرات منها، بل مئات، وربما آلاف، وهي تُهرَع جميعًا على الرمال التي يسطع عليها ضوء القمر وتنزل البحر. كان كل مكان في الشاطئ ينبض بحركتها. واقْتَرَبتْ ستلا من إحداها تتشممها فنهرتها، فتثاءبتْ ونظرت ببراءة إلى السماء تتطلع إلى القمر. ورأيت أن إحداها قد انقلبت على ظهرها في قاع أحد الجحور، وأرجلها تركل الهواء في هياج. ومد كنسوكي يده فالتقطها برفق ووضعها على أقدامها من جديد فوق الرمل، قائلًا: «اذهبي إلى البحر أيتها السلحفاة الصغيرة، ولتعيشي فيه الآن، وسرعان ما تكبرين وتصبحين سلحفاة بحرية جميلة. وربما تعودين يومًا ما وتقابلينني.» وجلس على عَجُزِهِ وهو يرقبها تجري، والتفت إليَّ قائلًا: «هل تعرف ماذا تفعل هذه يا ميكا؟ إن السلاحف الأمَّهات تضع بَيْضَها في هذا المكان. وفي ليلة معينة من كل عام، ودائمًا عندما يسطع نور البدر، تولد السلاحف الصغيرة. والطريق إلى البحر طويل. ويموت كثير منها. ولهذا أسهر عليها دائمًا. أساعدها. وأطارد الطيور حتى لا تأكل السلاحف الصغيرة. وبعد أعوام كثيرة، عندما تكبر السلاحف، تعود إلى هنا لِتَضَعَ البَيْضَ من جديد. قصة حقيقية يا ميكاسان.» وسهِرْنا طول الليل نرعى المواليد الكثيرة، ونرقب صغار السلاحف وهي تجري في البحر حتى تنجو. وقمنا معًا بالمرور على الشاطئ، وكنا نمد أيدينا في كل جُحْر نجده لنرى إن كان فيه سلاحفُ أخرى لا تستطيع الخروجَ أو جَنَحَتْ فَتَعَثَّرَتْ. ووجدنا عددًا منها لا تقوى على المسير وإتمام الرحلة، فحملناها إلى البحر بأنفسنا، وَبَدَا أن البحر يبعث فيها الحياة، إذ كانت تنطلق سابحة دون حاجة إلى درس في السباحة. وساعَدْنا عشرات منها كانت مقلوبة على الوقوف على أقدامها، ورافقناها حتى وَصَلَتْ إلى البحر سالمة. وعندما بزغ الفجر وانقضَّت الطيور تريد أن تلتهمها، كنا جاهزين لطردها وإبعادها. كما شاركت ستلا في الطِّرَاد نابحة إياها، وكنا نجري نحوها صارخين مُلَوِّحين بأيدينا أو كنا نقذفها بالحصى. لم يكن نجاحُنا كاملًا؛ ولكن معظم السلاحف نجحت في الوصول إلى البحر، ولكنها لم تكن آمنة تمامًا في الماء، فعلى الرغم من جهودنا المستميتة، تمكنت الطيور من التقاط عدد كبير منها بمناقيرها وطارت بها. وما إن انتصف النهار حتى انتهى كل شيء. كان كنسوكي يقف على الشطِّ وقد غمر الماء عقبيه، وهو يرقب آخر السلاحف وهي تسبح بعيدًا عنا. وضع يده على كتفي قائلًا: «إنها بالغة الضآلة يا ميكاسان، ولكنها شُجاعة جدًّا. إنها أشجع مني. إنها لا تعرف ما سوف تجده في البحر، ولا ما سوف يحدث لها، ولكنها تخوضه مهما يكن الأمر. شَجاعة بالغة. ربما تعلمتُ منها درسًا نافعًا. لقد استقرَّ رأيي الآن؛ عندما تأتي سفينة يومًا ما، ونشعل النار، ويعثرون علينا، فسوف أرحل. سأرحل مثل السلاحف البحرية. سأذهب معك. سأعود إلى وطني في اليابان. ربما وجدتُ كيمي، وربما وجدتُ ميشيا. سوف أعرف الحقيقة. سأذهب معك يا ميكاسان.»
|
{
"chapter": "ليلة السلاحف البحرية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/9/"
}
|
(تُرفع الستارة عن هيئةٍ برية وبها خيمةٌ بسيطة صغيرة.) (يظهر أنطونيو من الخيمة.) (يدخل أدريان وروبرت، حاملَين حطبًا.) (تُرفع الستارة عن سجنٍ مظلم.) (يدخل الكونت وجان وأوجين وأدريان وروبرت والحرس.)
|
{
"chapter": "الفصل الرابع",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حيل النساء",
"url": "https://www.hindawi.org/books/58630741/4/"
}
|
طِرْتُ فَرَحًا. لقد وجدتُ جزءًا مني كنت ظننت أنني فقدته إلى الأبد. وقال كنسوكي ناظرًا إليَّ بوجه مشرق بالبسمات: «أنت الآن سعيد يا ميكاسان. وأنا أيضًا سعيد. نذهب لصيد السمك. أقول لك بعد قليل أين وَجَدْتُ هذه الكرة. سرعان ما أحكي لك كل شيء. لم تعد الأسماك الصغيرة طيبة المذاق الآن. وليست كثيرة أيضًا. نحتاج إلى أسماك كبيرة أحيانًا من البحر العميق. نُدَخِّن السمك، وعندها يصبح عندنا دائمًا سمك كثير جاهز للأكل، تفهم؟» كان الزورق ذو المسندين أثقل كثيرًا مما بدا لي. وساعدْتُ كنسوكي في جره على الشاطئ وإنزاله إلى الماء. وقال ونحن نحمل ستلا إلى داخل القارب: «هذا قارب ممتاز. هذا القارب لا يغرق أبدًا. صَنَعْتُهُ بنفسي. قارب مأمون تمامًا.» ودَفَعَ القارب في الماء وركبنا. لن أتوقف يومًا عن الدهشة من قوته الفذة ورشاقة حركته الفائقة. كان يُجدِّف بمجداف واحد. واقفًا في مؤخرة القارب كأنه يقود قاربًا مسطحًا بمجداف واحد. وسرعان ما تجاوزنا الخليج الآمن وانطلقنا نركب أمواج البحر الشاسع. كنت أجلس محتضنًا كُرَتي، وستلا عند قدميَّ، أتطلع إليه وأنتظر أن يبدأ قصته. كانت الحكمة تقضي بألا أضايقه بإلحاحي الآن، كما كنت أعرف. فصيد السمك له أولوية. وهكذا وضع كل منا الطُّعْم في الشصِّ، وجلسنا في صمت نصيد، كل واحد في جانب من جانبَي القارب. كانت بي رغبة شديدة في سؤاله عن كرة القدم، وكيف عثر عليها، لكنني لم أجرؤ، خوفًا من أن يتقوقع على نفسه فلا يقول شيئًا. وبعد وقت طويل بدأ يتكلم، ولكنَّ ما قاله كان جديرًا بانتظاري. قال: «سأحكي لك الآن كل شيء يا ميكاسان، حسبما وعدتك. أنا عجوز، لكنها ليست قصة طويلة. وُلدتُ في اليابان. في نجاساكي. مدينة ضخمة جدًّا، على البحر، ونشأتُ في تلك المدينة، وعندما كبرت درست الطب في طوكيو. وسرعان ما أصبحت طبيبًا. الدكتور كنسوكي أوجاوا. وكنت فخورًا جدًّا. فأنا أرعى أمهات كثيرات، وكثيرًا من الأطفال أيضًا. كنت أول شخص يراه أطفال كثيرون في هذه الدنيا. ثم ذهبت إلى لندن. وقمت بالدراسة في لندن، في مستشفى «جاي». هل تعرف ذلك المكان؟» وهززت رأسي. «وبطبيعة الحال تعلمتُ قليلًا من الإنجليزية هناك. وبعدها عُدْتُ إلى نجاساكي. اقترنتُ بزوجة جميلة اسمها كيمي. ثم جاءني ابن صغير أيضًا، ميشيا. كنتُ بالغ السعادة في تلك الأيام. ولكنَّ الحربَ سرعان ما أتت. أصبح جميع الذكور اليابانيين جنودًا، وربما بحَّارة. ودخلتُ البحرية. أصبحتُ طبيبًا في سفينة حربية كبيرة.» وجاءت سمكة فَشَدَّتْ خيط سنارته، لكنها أكلت الطُّعم وتفادت الشِّصَّ. واستأنف حديثه وهو يضع طُعْمًا جديدًا في الشِّصِّ، قائلًا: «مضى على هذه الحرب زمن طويل.» كنت أعرف بعض المعلومات عن نشوب حرب مع اليابان — وكنت شاهدْتُها في الأفلام — لكنني لم أكن أحيط إلا بأقل القليل عن الحرب. وهَزَّ رأسه، قائلًا: «مات الكثيرون في تلك الحرب. كانت تلك الحرب زمنًا عصيبًا جدًّا. غَرِقَتْ سفن كثيرة. وانتصر الجيش الياباني في معارك كثيرة. وكان الشعب الياباني بالغ السعادة، مثل كرة القدم، عندما تفوز تشعر بالسعادة. وعندما تخسر تحزن. كنت أعود كثيرًا إلى البيت، فأرى زوجتي كيمي وابني الصغير ميشيا في نجاساكي، كبر بسرعة، أصبح غلامًا، وكنا أسرة سعيدة جدًّا.» «ولكن الحرب استمرت زمنًا طويلًا. جاء الكثير من الأمريكيين. سفن كثيرة، طائرات كثيرة، قنابل كثيرة. لم تعد الحرب الآن في صالح اليابان. وقت بالغ السوء. دخلنا معارك بحرية كثيرة، وجاءت الطائرات الأمريكية. وسقطت القنابل على سفينتي. اشتعلت النار وصعد الدُّخَان. دُخَان أسود. واحترق رجال كثيرون. ومات رجال كثيرون. وقفز رجال كثيرون من السفينة في البحر. لكنني بقيت. فأنا طبيب. مكثتُ مع مرضاي. وجاءت الطائرات من جديد. وألقت المزيد من القنابل الكثيرة. كنت متأكدًا أنني لا شك سوف أموت. لكنني لم أمت. نظرت حولي في السفينة. كل المرضى ماتوا. كل البحَّارة ماتوا. كنت الحيَّ الوحيدَ على ظهر السفينة، ولكن المحرك لا يزال يعمل. والسفينة تسير وحدها. كانت تسير الآن إلى أي مكان تريده. لا أستطيع أن أدير عجلة القيادة. لا أستطيع أن أفعل شيئًا. ولكنني أستمع إلى الراديو. يقول الأمريكيون في الراديو، إن قنبلة كبيرة أُلقيت على نجاساكي، قنبلة ذرية. مات الكثيرون، حزنت حزنًا شديدًا. أعتقد أن كيمي ماتت، وميشيا مات. وأمي تعيش هناك أيضًا، وكل أسرتي. أعتقد أنهم جميعًا ماتوا. وسرعان ما قال الراديو إن اليابان استسلمت. واستَبَدَّ بي الحزن حتى أردتُ أن أموت.» وظل يركز على صيد السمك برهة ثم استأنف قصته، قائلًا: «وسرعان ما توقف محرك السفينة. ولكن السفينة لم تغرق. وهبت ريح شديدة، عاصفة شديدة. وقلت في نفسي إنني ميت الآن ولا شك. ولكن البحر حمل السفينة وأتى بي إلى هنا، إلى هذه الجزيرة. رَسَتِ السفينةُ على الشاطئ، لكنني لم أكن قد متُّ. وسرعان ما وجدت الطعام. ووجدت الماء أيضًا. وعشت مثل الشحاذين فترة طويلة. كنت أشعر في أعماقي أني شخص سيِّئ، وأقول في نفسي: لقد مات كل أصدقائي، ومات أفراد أسرتي جميعًا، وأنا حي لم أكن أريد أن أعيش. ولكن سرعان ما قابلْتُ السعالي، كانت تلك القِرَدَةُ تشفق عليَّ. هذا مكان جميل جدًّا، مكان يسوده السلام. لا حرب هنا، لا أشرار. قلت لنفسي، يا كنسوكي أنت رجل محظوظ جدًّا لأنك حي ربما تستطيع البقاء هنا.» «أخذتُ أشياء كثيرة من السفينة. أخذت الأغذية، وأخذت الملابس والملاءات. أخذت الأواني وأخذت الزجاجات. وأخذت السكين. وأخذت الأدوية. وجدت أشياء كثيرة، وأدوات كثيرة أيضًا. أخذت كل شيء وجدته. وعندما انتهى كنسوكي، لم يكن قد بقي في السفينة شيء يُذكَر، وأؤكد لك، ووجدت الكهف. وخَبَّأْتُ كل شيء في الكهف. وسرعان ما هَبَّتْ عاصفة رهيبة، وتحطمت السفينة على الصخور، وسرعان ما غاصت في البحر.» «وجاء الجنود الأمريكيون ذات يوم. فاختبأتُ. لم أكن أريد أن أستسلم، فهو ليس شيئًا مُشَرِّفًا. كنت خائفًا جدًّا أيضًا. واختبأت في الغابة مع السعالي. وأشعل الأمريكيون النار على الشاطئ. وكانوا يضحكون بالليل. كنت أسمعهم. كانوا يقولون إن كل من في نجاساكي ماتوا. وكانوا سعداء جدًّا بذلك. ويضحكون. وعندها تأكدتُ أنني سوف أبقى في هذه الجزيرة. لماذا أعود إلى الوطن؟ وسرعان ما رحل الأمريكيون. كانت سفينتي قد غرقت من قبل. فلم يستطيعوا العثور عليها. وسفينتي لا تزال هنا، تحت الرمال الآن، أصبحت الآن جزءًا من الجزيرة.» وتذكرتُ هيكل السفينة الذي علاه الصدأ وشاهدته في أول يوم لي في الجزيرة! لقد بَدَأتْ أمور كثيرة تتضح لي الآن. وفجأة ابْتَلَعَتْ سمكة الطُّعْمَ من سِنَّارتي، فكادت تنتزع القصبة كلها من يدي. وانحنى كنسوكي ليساعدني. وقضينا عدة دقائق ونحن نرفع السمكة من الماء إلى السطح، ولكننا نجحنا معًا في حملها إلى القارب. وجلسنا ونحن نشعر بالإرهاق بعدها، والسمكة تتلوَّى متواثبة في قاع القارب، عند أقدامنا. كانت هائلة الحجم، أكبر حتى من أكبر سمكة رأيتها في حياتي، وهي سمكة الكراكي التي صادها أبي في مياه الخزان، في الوطن. وأخمد كنسوكي حركتها بسرعة، بضربة حادة خلف عنقها بمقبض سِكِّينه، قائلًا: «سمكة جيدة، بل سمكة ممتازة، أنت صياد سمك ماهر يا ميكا. نعمل جيدًا معًا، ربما استطعنا صيد المزيد الآن.» ولكنَّ ساعات طويلة مَضَتْ قبل أن نصيدَ سمكة أخرى، وإن لم تكن تشبه هذه. وحكى لي كنسوكي عن حياته وحيدًا على الجزيرة، كيف تعلم أساليب البقاء، وكيف يعيش من خير الأرض. وقال إنه تعلَّم معظم ما تعلَّمه من مراقبة السعالي وما تأكله، وما لا تأكله. وتعلَّم تسلُّق الأشجار مثلها، وتعلَّم أن يفهم لغتها، وأن يراعي إشارات تحذيرها، مثل البريق في العينين وحَكِّ الجسم بقلق شديد. واستطاع ببطء أن يُنْشِئ رابطة ثقة معها، وأن يُصْبِحَ واحدًا منها. وبحلول موعد عودتنا إلى البيت في ذلك المساء، ونحن نحمل ثلاث سمكات كبيرة في قاع القارب — وأظن أنها كانت من سمك التونة — كان قد انتهى من قصته. كان يتحدث وهو يضرب المجداف في الماء. «بعد الأمريكيين، لم يأت رجال آخرون إلى جزيرتي. عشتُ وحدي سنوات كثيرة. أنا لم أنسَ كيمي، لم أنسَ ميشيا، ولكنني أحيا، وبعد ذلك ربما بسنوات أتى الرجال. رجال بالِغُو السوء، رجال قَتَلَة، معهم بنادق. وهم يصيدون الحيوان. ويطلقون الرصاص، كنتُ أُغَنِّي للسعالي صديقتي، فكانت تأتي إليَّ حين أغني، وهي خائفة جدًّا. كانت تأتي وتختبئ جميعًا في كهفي. ونختبئ معًا فلا يستطيع القتلة أن يعثروا علينا. ولكنهم يطلقون النار في الغابة على قرود الجيبون، وهو الاسم الذي قُلتَه لي. كانوا يطلقون النار على الأُمَّهات، ويأخذون الأطفال. ما الذي يدعوهم إلى ذلك؟ وكنت غاضبًا جدًّا. كنت أعتقد أن كل الناس قتلة. كنت أكره جميع الناس، فيما أظن. لم أكن أريد أن أرى الناس مرة أخرى. وحدث ذات يوم أن أرَدْتُ صيدَ سمكة كبيرة لتدخينها، فذهبتُ للصيد في هذا القارب. وهبت الريح في الاتجاه المعاكس فابتعدتُ عن الشطِّ. كان البحر يجذبني بقوة شديدة. حاولت العودة إلى جزيرتي لكنني لم أستطع. فأنا عجوز، وذراعاي لَيْسَتَا قويتين، وعندما أتى الليل كنت لا أزال بعيدًا. وشعرت بخوف شديد، فجعلت أغني؛ فالغناء يمنحني الشجاعة، وسمعت صرخة، وأبصرت ضوءًا، وظننت أنني أحلم، ثم سمعت أغنية أخرى في البحر، في الظلام، وأتيت مسرعًا قدر طاقتي، فوجدتُكَ ووجدتُ ستلا والكرة. كنتَ شبه ميت يا ميكاسان، وكانت ستلا كلبة شبْه ميتة.» إذن كان كنسوكي هو الذي انتشلني من البحر، كنسوكي هو الذي أنقذني. لم يَجُلْ ذلك بخاطري قط. وعاد يقول: «وفي الصباح أعادنا البحر إلى جزيرتي. كنت سعيدًا جدًّا لأنك لم تمت، لكنني كنت غاضبًا جدًّا أيضًا. فأنا أرَدْتُ أن أكون وحدي. لم أكن أريد أن أرى الناس. إذ كان جميع الناس في نظري قَتَلَة. لم أكن أريدك في جزيرتي. حَمَلْتُكَ. تَرَكْتُكَ على الشاطئ. كنت أترك لك ماءً حتى لا تموت. لكنك أَشْعَلْتَ النار. وأنا لا أريد أن يأتي الناس. لا أريد الناس أن يأتوا فيجدوني هنا على جزيرتي، وربما يأتون، وربما يطلقون النار فيقتلون السعالي، ويقتلون قرود الجيبون. وربما يجدونني، ويأخذونني معهم أيضًا. كنت غاضبًا جدًّا، فأطفأْتُ النار، ولم أكن أريد أن أتكلم معك، ولم أكن أريد أن أراك، فرسمتُ خطَّ الحدود الفاصل في الرمل. وهبت عاصفة كبيرة، أكبر عاصفة رأيتها في حياتي، وامتلأ البحر بعد العاصفة بقناديل البحر البيضاء، وأنا أعرف قناديل البحر هذه، بالغة السوء، إذا لمستك تموت في الحال. أعرف ذلك. أقول لك لا تسبح، فهو خطر جدًّا. وسرعان ما أرى أنك أشعلت نارًا كبيرة على قمة التل، واعتقدتُ أنك شخص شرير جدًّا. كنت غاضبًا جدًّا هذه المرة، وكنت أنت غاضبًا جدًّا أيضًا. فسبحتَ في البحر. ولدغتك قناديل البحر. وقلتُ من المؤكد أنك متَّ. ولكنك قوي جدًّا، فعشتَ. أتيتُ بك إلى الكهف. عندي خل أصنعه من النبق، والخَلُّ يقتلُ السُّمَّ. أنت حي يا ميكا، لكنك كنت مريضًا جدًّا زمنًا طويلًا. أصبحتَ الآن قويًّا، وأصبحنا الآن أصدقاء. بيننا صداقة متينة.» هذا إذن ما حدث؛ القصة كلها، وتوقَّف عن التجديف برهة وتبسم لي من جديد، قائلًا: «أنت مثل ابني الآن، ونحن سعداء؛ فنحن نرسم، ونصيد السمك، ونحن سعيدان، نمكث معًا. لقد أَصْبَحْتَ الآن أسرتي، يا ميكاسان. صحيح؟» وقلت له: «نعم! صحيح!» وكنت أعني ما أقول وأشعر به. وتركني أقوم بالتجديف، وبيَّن لي كيف أجدِّف بأسلوبه، وأنا واقف وقدماي منفرجتان ثابتتان. لم يكن الأمر بالسهولة التي صَوَّرَها لي. كان من الواضح أنه يثق في قدرتي على التجديف حتى يعود بنا القارب إلى الشاطئ، إذ اضطجع في جلسته في مقدم الزورق ذي المسندين، حتى يستريح واستغرق في النوم حالَمَا جلس تقريبًا، فاتحًا فاه، وخداه غائران. كان دائمًا يبدو في سُباته أكثر هرمًا مما هو عليه. وأثناء تطلعي إليه حاولت أن أرسم في خيالي صورة لوجهه في الماضي، ما لا بد أنه كان عليه حين قدم أول مرة إلى هذه الجزيرة، منذ هذه السنين الكثيرة البعيدة، منذ أربعين عامًا. كنت مَدينًا له بِدَيْن كبير، كبير جدًّا، فقد أنقذ حياتي مرتين وأطعمني وصادقني. كان على صواب. كنا سعيدَين، وكنت أنا «أسرته». لكنه كانت لي أسرة أخرى. وتذكرت آخر مرة ركبت فيها سفينة، وفكرت في أمي وأبي، وكيف أنهما لا شك يحزنان لفقدي كل يوم وكل ليلة، وبعد هذا الوقت الطويل لا بد أنهما يعتقدان أنني غرقت، قطعًا، وأن احتمال وجودي على قيد الحياة معدوم، لكنني لم أغرق، بل أنا حي لا بد أن أجعلهما يعرفان ذلك بوسيلة ما، وبينما كنت أكافح عصر ذلك اليوم للعودة بالزورق ذي المساند إلى الجزيرة غمرني إحساس مفاجئ قوي بالشوق إلى رؤيتهما من جديد، إلى صُحْبَتِهما، وخطر لي أن أسرق القارب. من الممكن أن أجدف به حتى أبتعد، ومن الممكن أن أشعل النار مرة أخرى، لكنني كنت أعرف حتى أثناء هذه الخواطر أنني لن أستطيع تنفيذها. كيف يمكنني الآن أن أتخلى عن كنسوكي بعد كل ما فعله من أجلي؟ كيف أخون ثقته؟ وحاولت إبعاد الفكرة بِرُمَّتِها عن ذهني، وكنت أعتقد حقًّا أنني نجحت في استبعادها، لولا أنني — في الصباح التالي مباشرة — رأيت زجاجةَ الكوكاكولا البلاستيك على الشاطئ بعد أن جَرَفَتْها الأمواج، فعادت فكرةُ الهروب من جديد، وتملَّكتني من جديد ليلًا ونهارًا، ولم تكن تتركني إطلاقًا. وقمت بدفن زجاجة الكوكاكولا في الرمل عدَّة أيام كنت أثناءها أصارع ضميري، أو بالأحرى أبرر لنفسي ما أريد أن أفعله، وقلت لنفسي إنها لن تكون خيانة حقيقية، أعني ليست خيانة بالمعنى المفهوم، وحتى لو وَجَدَ أحدهم الزجاجة فلن يعرف أحد المكان الذي يأتي إليه، ولن يعرف إلا أنني على قيد الحياة، وعقدت العزم على تنفيذ خطتي، وأن يكون ذلك في أقرب الآجال. كان كنسوكي قد ذهب إلى البحر لصيد الأخطبوط، وكنت قد لزمت الكهف لأنتهي من الرسم على صَدَفَة، أو ذلك ما قلت له. وجدت مُلاءَة قديمة في قاع صندوق من صناديقه، فقطعت ركنًا صغيرًا من أركانها، ثم انحنيت على المنضدة، وبسطتُها أمامي وكتبتُ رسالتي عليها بحبر الأخطبوط، وهي: عزيزيَّ أمي وأبي، أنا حي في صحة جيدة. وأعيش في جزيرة لا أعرف مكانها. تعاليا وخذاني. وانتظرتُ حتى تجفَّ تمامًا، ثم طويتها، وأخرجت زجاجة الكوكاكولا من الرمل، وأدخلت رسالتي فيها ثم أغلقت فُوَّهَةَ الزجاجة إغلاقًا محكمًا. تأكدتُ تمامًا أن كنسوكي كان لا يزال منهمكًا في الصيد، ثم انطلقت. وأخذت أجري من أول الجزيرة إلى آخرها ملتزمًا دائمًا بالغابة، حتى لا تُتَاحَ لكنسوكي فرصةُ رؤية المكان الذي أقصده أو ما عقدت العزم عليه، وكانت قرود الجيبون تعوي باتهاماتها لي طول الطريق، والغابة توقوق وتصرخ بإدانتي. كل ما كنت أرجوه ألَّا تَرُدَّ ستلا على ذلك بنباحها فتكشف مكاني، لكنها لحسن الحظ لم تنبح. ووصلت أخيرًا إلى الصخور أسفل تل المراقبة. وجعلت أقفز من صخرة لصخرة حتى أصبحتُ أقفُ في أقصى أطراف الجزيرة، والأمواج تتكسر عند أقدامي. ونظرت حولي، فلم أجد شاهدًا عليَّ سوى ستلا، وقذفتُ بالزجاجة إلى أبعد مدى استطعته في البحر، ثم وقفتُ أنظرها وهي تتواثب بعيدًا فوق صفحة ماء البحر وقلت في نفسي لقد بدأت الرحلة. لم أستطع أن أذوق حساء السمك الذي قدمه لي كنسوكي ذلك المساء، فظنَّ أنني مريض. لم أكن قادرًا تقريبًا أن أتحدث إليه، ولم أستطع أن أجعل عينيَّ تواجه عينيه. وظللت راقدًا طول الليل في عذاب مُمضٍّ يؤرقني الإحساس بالذنب، ومع ذلك — وفي نفس الوَقت — آملًا، على استحالة الأمل، أن يلتقط أحدهم زجاجتي. كنت مع كنسوكي نقوم بالرسم في عصر اليوم حين دخلت ستلا الكهف بخطًى خافتة. وكانت زجاجة الكوكاكولا في فمها، وألقت بها أمامي وتطلعتْ إليَّ، وهي تلهث وتشعر بالسعادة والزهو بما فَعلَتْ. وضحك كنسوكي وانحنى ومَدَّ يَدَهُ فالتقط الزجاجة، وأعتقِد أنه يوشك أن يعطيها لي عندما لاحظ وجودَ شيء فيها. وأدركتُ من الطريقة التي حَدَجَني بها بنظره، بل تأكدت أنه عرف على الفور ما كانت تحتويه.
|
{
"chapter": "كلُّ مَن في نجاساكي مات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/8/"
}
|
توقف الشاب المبتور الساقين متيبِّسًا في منتصف الرصيف الجنوبي لشارع ١٤. يرتدي سترةً وقبعة زرقاوَين محوكتَين. حدَّقت عيناه لأعلى متسعتَين حتى ملأتا وجهه الأبيض بياض الورق. ويندفع عبر السماء منطاد، مُتوهِّج كسيجار ملفوف بورق القصدير غُمر في الارتفاع فيستحث بلطف السماء التي غسلتها الأمطار والسُّحب الناعمة. توقف الشاب المبتور الساقَين مُتيبِّسًا مستندًا على ذراعَيه في منتصف الرصيف الجنوبي لشارع ١٤. وسط السيقان المسرعة الخُطى، والسيقان الهزيلة، والسيقان المتمايلة، والسيقان في التنانير والبناطيل والسراويل القصيرة، توقف ساكنًا تمامًا، مستندًا على ذراعَيه، ناظرًا لأعلى إلى المنطاد. خرج جيمي هيرف، وقد أصبح بلا عمل، من مبنى البوليتزر. وقف بجانب كومة من الصحف الوردية على الرصيف يأخذ أنفاسًا عميقة، ناظرًا لأعلى إلى البرج المتلألئ لمبنى وول وورث. كان اليوم مشمسًا، وكانت السماء زرقاء بلون بَيض أبو الحناء. استدار شَمالًا وبدأ في السير إلى شَمال المدينة. عندما ابتعد عن مبنى وول وورث انسحب البرج كمنظار. سار شَمالًا عبر المدينة ذات النوافذ اللامعة، عبر المدينة ذات اللافتات المختلطة الأبجديات، عبر المدينة ذات اللافتات المُذهَّبة الأحرف. ربيع غني بالجلوتين … غني بالوفرة الذهبية، بهجة في كل قضمة، «نحن الأصل»، ربيع غني بالجلوتين. لا أحد يستطيع شراء خبز أفضل من «الأمير ألبيرت». الفولاذ المطاوع، المُونِل، النحاس، النيكل، الحديد المطاوع. «العالم كله يُحب الجمال الطبيعي». «صفقة الحب»، تلك البِذلة في محلات جامبيل الأفضل قيمةً في المدينة. احتفظي ببشرة كبشرة تلميذات المدارس … «جو كيس»، بدء تشغيل السيارات، الأنوار، اضطرام المحرِّكات، المولِّدات. كل شيء جعله يُغرغر بضحكاتٍ مكبوتة. كانت عقارب الساعة تُشير إلى الحادية عشرة. لم يكن قد أوى للفِراش. كانت الحياة مقلوبةً رأسًا على عقب؛ كان كذبابة تمشي على سقف مدينة مقلوبة رأسًا على عقب. كان قد ترك وظيفته، ولم يكن لديه ما يفعله اليوم، وغدًا، وبعد غد، وبعد بعد غد. وكل شيء يزدهر يرجع لينتكس، ولكن ليس لأسابيع، بل لشهور. ربيع غني بالجلوتين. دلف إلى مطعم الوجبات السريعة، وطلب اللحم المُقدَّد والبَيض، والخبز المحمص والقهوة، وجلس يأكلها في سعادة، مُتذوِّقًا لكل قضمة جيدًا. جمحت أفكاره كمرعًى مليء بالمُهور الحَولية التي يُثير جنونَها غروبُ الشمس. عند الطاولة التالية كان ثمة صوت يشرح أمرًا برتابة: «نبذ … وقد أخبرتك أننا بحاجة لبعض التطهير. جميعهم كانوا أعضاءً في الكنيسة كما تعلم. إننا نعلم القصة كاملة. لقد نصحونا باستبعادها. ولكنه قال: «كلا، سأبحث في حقيقة الأمر».» نهض هيرف واقفًا. كان عليه أن يستأنف السير. خرج ومذاق لحم الخنزير المقدَّد بين أسنانه. «خدمة سريعة تُلبِّي احتياجات الربيع». يا إلهي، تُلبِّي احتياجات الربيع. لا توجد علب، لا يا سيدي، ولكن لدينا جودة غنية في كل ملأة غليون مُعَتَّق … «سوكوني». رشفة واحدة تُخبرك بما هو أكثر من مليون كلمة. القلم الرصاص الأصفر ذو الشريط الأحمر. بما هو أكثر من مليون كلمة، بما هو أكثر من مليون كلمة. «حسنًا، أعطني ذلك المليون … أبقِه مغطًّى يا بن.» لقد تركته عصابة يونكيرس ليموت على مقعد في المتنزَّه. علَّقوه، ولكن كل ما حصلوا عليه كان مليون كلمة … «ولكني يا جيمبس تعبت للغاية من حديث الكتب والبروليتاريا، ألَا يمكنك أن تفهم؟» غني بالوفرة الذهبية، الربيع. كانت والدة ديك سنو تمتلك مصنعًا لصناديق الأحذية. فأفلست وخرج من المدرسة وبدأ يتسكَّع في الشوارع. أسدى له الرجل في كشك المشروبات الغازية نصيحة. فسدَّد دفعتَين لشراء قُرط من اللؤلؤ لفتاة يهودية ذات شعر أسود بقوام يشبه آلة الماندولين. انتظروا مرسال البنك في محطة القطارات السريعة. عرج عبر الباب الدوار وظل عالقًا هناك. انطلقوا بسيارة فورد والحقيبة في صالونها. بقي ديك سنو في الخلف يفرغ سلاحه في القتيل. لبَّى احتياجات الربيع في السجن بكتابة قصيدة لأمه نُشرَت في صحيفة «إيفينينج جرافيك». مع كل نَفَس عميق يتنفَّس هيرف عبارات مُقرقِعة، وطاحنة، ومزيَّنة حتى بدأ ينتفخ، فشعر بنفسه يتعثَّر في هيئة كبيرة وغامضة، مترنِّحًا كعمود من الدخان فوق الشوارع في شهر أبريل، ناظرًا إلى نوافذ الورش الميكانيكية، ومصانع الأزرار، والبنايات السكنية، ولُبود وسخ مفارش الأسرة، وأزيز المخارط الناعم، وكتابة الشتائم على الآلات الكاتبة بين أصابع كاتب مختزل، وعلامات الأسعار المختلطة في متاجر التجزئة. كان يئز في الداخل مثل المياه الغازية في عصائر شهر أبريل الحلوة، الفراولة، والسرسبريلة، والشوكولاتة، والكرز، والفانيليا، التي تقطر بالرغوة عبر الهواء الأزرق البترولي العليل. نزل على نحوٍ مقزِّز ٤٤ طابقًا، منهارًا. وهَبْ أنني اشتريت مسدسًا وقتلت إيلي، فهل سأُلبِّي احتياجات أبريل وأنا جالس في السجن أكتب قصيدةً عن والدتي لتُنشَر في صحيفة «إيفينينج جرافيك»؟ انكمش حتى صار كأصغر ذرة غبار أخذت تشق طريقها فوق الصخور والجلاميد في المجرى الهادر، وتتسلَّق القش، وتطوف حول بحيراتٍ من زيت المحركات. جلس في واشنطن سكوير، وقد كست الظهيرةُ بشرتَه حُمرة، ينظر لأعلى في الجادة الخامسة عبر القوس. تسرَّبت إليه الحمى. فشعر بالبرد والإرهاق. ربيع آخر، يا إلهي، كم ربيع مضى، سار من المقبرة في الطريق الأزرق المرصوف بالحصى حيث غنَّت عصافير الحقول، وكانت اللافتة مكتوبًا عليها: يونكرز. في يونكرز دفنت سنوات الصِّبا، في مارسيليا ألقيت بسنوات طفولتي في الميناء. أين لي في نيويورك أن أدفن العشرينيات من عمري؟ ربما رُحِّلوا وذهبوا للخارج إلى البحر على متن عبَّارة جزيرة إيليس يُغنون نشيد الاشتراكية الدولية. هدير الاشتراكية الدولية فوق المياه، متلاشٍ ومتنهِّد في الضباب. «مُرحَّل» جيمس هيرف صَحَفي شاب يقطن في ١٩٠ ويست شارع ١٢ وقد فقد لتوه العشرينيات من عمره. مَثَلوا أمام القاضي ميريفال، وحُبسوا على ذمة التحقيق في جزيرة إيليس لترحيلهم بصفتهم أجانب غير مرغوب فيهم. الأربعة الأصغر سنًّا ساشا، ومايكل، ونيكولاس، وفلاديمير احتُجزوا لبعض الوقت بتهمة الفوضى الجنائية. واتُّهمت الخامسة والسادسة بجريمة التشرُّد. واحتُجز بيل توني وجو في وقت لاحق بتُهَم متنوِّعة تشمل ضرب الزوجات، والحرق العمد، والاعتداء، والبِغاء. وقد أُدينوا جميعًا على أساس من سوء استعمال السلطة القانونية، وإخلال بالأمانة، والإهمال في الواجب. اسمعوا وعوا، سجين أمام محكمة الحانة … أجد الأدلة مشكوكًا فيها، هكذا قال القاضي وهو يصبُّ لنفسه كأسًا. أصبح كاتب المحكمة الذي كان يقلب كوكتيلًا قديم الطراز ممتلئًا بأوراق الكُروم، وفاحت من قاعة المحكمة رائحة العنب المُزهِر، ثم سرعان ما أصبحت الأمور تحت السيطرة. صاح القاضي عندما وجد شراب الجن في زجاجة الماء الخاصة به: «أُجلت الجلسة لتناول شراب الريكي.» اكتشف المراسلون أن حاكم المدينة يرتدي جلد فهد متظاهرًا بالفضيلة المدنية وواضعًا قدمه على ظهر الأميرة فيفي الراقصة الشرقية. كان مراسلك يُطل من نافذة نادي بانكيرز برفقة زوج خالته، جيفرسون تي ميريفال، عضو النادي البارز في المدينة وريشتَين من لحم ضأن متبَّلتَين جيدًا بالفلفل الأسود. في هذه الأثناء كان النُّدُل يُسرعون في تنظيم الأوركسترا، مستخدمين كروش آل جوسنهايمرز كطبول جانبية. قدَّم النادل الرئيسي أداءً رائعًا حقًّا للأغنية الراقصة «منزلي القديم في كنتاكي» (ماي أولد كنتاكي هوم)، مستخدمًا للمرة الأولى الرءوس الصلعاء الرنانة لسبعة من مديري شركة ويل ووترد جازولين في ولاية ديلاوير كآلة إكسيليفون. وطوال الوقت، كانت زجاجة شراب بوتليجير اللامعة الموجودة الموضوعة في حقيبة بديعة الألوان وذات الأشرطة الزرقاء، تقود الثيران في برودواي إلى العدد مليونَين، و٣٤٢ ألفًا، و٥٠١. عندما وصلت إلى حي سبویتن دویوفیل، كانت قد انغمرت جامحة، رتبة تلو أخرى، في محاولة للسباحة إلى يونكرز. وبينما أجلس هنا، هكذا خطر ببال جيمي هيرف، تحكني الطباعة كطفح جلدي في داخلي. أجلس هنا وقد ملأتني الطباعة بالبُثور. نهض واقفًا. كان ثمة كلب أصفر صغير نائم ومتلف حول نفسه تحت المقعد. بدا الكلب الأصفر الصغير سعيدًا جدًّا. قال جيمي بصوت عالٍ: «ما أحتاجه هو نوم جيد.» «ماذا ستفعل به يا داتش، هل سترهنه؟» «لن أحصل على مليون دولار مقابل هذا السلاح الصغير يا فرانسي.» «أرجوك لا تبدأ بالحديث عن المال … سيراه أحد رجال الشرطة فجأةً على حِجرك ويقبض عليك بموجب قانون سوليفان.» «الشرطي الذي يعتزم إلقاء القبض عليَّ لم يولد بعد … أنتِ فقط نسيتِ ذلك.» بدأت فرانسي تتذمَّر. «ولكن يا داتش ماذا سنفعل، ماذا سنفعل؟» دسَّ داتش فجأةً المسدس في جيبه ونهض واقفًا. مشى منتفضًا ذهابًا وإيابًا على الطريق الأسفلتي. كان مساءً ضبابيًّا شديد البرودة، وكانت السيارات التي تتحرَّك على طول الطريق المُوحِل تُصدر وميضًا متشابكًا لا نهائيًّا من الضوء الشبيه بنسيج العنكبوت وسط الجنبات الأشبه بالهياكل العظمية. «يا إلهي، إنكِ توترينني بتذمُّركِ وبكائكِ … هلَّا صمت؟» جلس بجانبها متجهِّمًا مرةً أخرى. «أظن أنني سمعت أحدًا يتحرَّك وسط الشُّجيرات … هذه الحديقة اللعينة مليئة برجالٍ في ملابس مدنية … لا يوجد مكان بمقدورك الذهاب إليه في هذه المدينة البائسة بأكملها دون أن يشاهدك الناس.» «لم أكن لأمانع ذلك لو لم أشعر بالسوء الشديد. لا أستطيع أن آكل أي شيءٍ دون أن أتقيَّأ وأشعر بالخوف الشديد طوال الوقت من أن تلحظ الفتيات الأخريات شيئًا.» «ولكني أخبرتكِ أن لديَّ طريقةً لإصلاح كل شيء، أليس كذلك؟ أعدكِ أنني سأُصلح كل شيء ليصير على ما يرام في غضون يومَين … سنرحل بعيدًا ونتزوَّج. سنذهب إلى الجنوب … أُراهن أن هناك الكثير من الوظائف في أماكن أخرى … إنني أشعر بالبرد، فلنخرج من هذا الجحيم.» قالت فرانسي بصوت مرهق وهما يسيران في المسار الأسفلتي المتلألئ بالوحل: «أوه يا داتش، هل تعتقد أننا سننعم بوقتٍ سعيدٍ مرةً أخرى في أي وقتٍ من الأوقات كما اعتدنا؟» «إننا قليلو الحظ الآن ولكن هذا لا يعني أننا سنظل هكذا دائمًا. لقد شهدت هجمات الغاز هذه في غابة أوريجون، أليس كذلك؟ لقد توصَّلت للكثير من الأشياء في هذه الأيام القليلة الماضية.» «إذا ذهبتَ وأُلقي القبض عليك يا داتش فلن يتبقَّى لي شيء لأفعله سوى أن أقفز في النهر.» «ألم أقل لكِ إنني لن يُلقى القبض عليَّ؟» ••• تقف السيدة كوهين، وهي عجوز منحنية الظَّهر ذات وجه بني مُبقَّع كتفاحة خمرية، بجانب طاولة المطبخ ويداها المعقودتان مطويتان فوق بطنها. تتأرجح بوركَيها وهي تتلفَّظ بوابل متبرِّم لا نهائي من اللغة اليديشية في وجه آنا الجالسة يغشاها النعاس أمام فنجان من القهوة: «لو كنتِ قد نُسِفت في المهد لكان ذلك أفضل، لو كنتِ قد ولِدتِ ميتة … أوه لماذا ربيت أربعة أبناء إن كان جميعهم سيصبحون غير صالحين، ومُحرِّضين، وداعرين، ومتشردين؟ … بيني دخل السجن مرتَين، وسول يعلم الربُّ أي مكان يتسبَّب في المتاعب فيه، وسارة الملعونة التي استسلمت للمعصية ترفع ساقَيها لدى مينسكي، والآن أنتِ، تذبلين في مقعدكِ، وتعتصمين من أجل عُمال الملابس، تسيرين في الشارع بوقاحة ولافتة على ظهرك.» غطَّست آنا قطعة خبز في القهوة ووضعتها في فمها. قالت وفمها ممتلئ: «أوه يا أمي أنتِ لا تفهمين.» «أفهم، أفهم العُهر والخطيئة؟ … أوه لماذا لا تذهبين إلى عملكِ وتُبقِين فمكِ مغلقًا، وتتقاضَين راتبكِ في هدوء؟ لقد اعتدتِ جنيَ مكاسب مالية جيدة وكان بإمكانكِ أن تتزوَّجي زواجًا لائقًا قبل أن تجمحي في قاعات الرقص مع أشخاصٍ ليسوا بيهود. أوه أوه لقد ربيت ابنتَي في شيخوختي، ولا يوجد رجل محترم يريد أن يأخذهما إلى منزله ويتزوَّجهما …» وقفت آنا على قدمَيها وهي تصرخ: «هذا ليس من شأنكِ … إنني أدفع دائمًا حصتي في الإيجار بانتظام. تظنين أن الفتاة لا قيمة لها سوى أن تكون أمة، وتطحن أصابعها في العمل طوال حياتها … وجهة نظري مختلفة، هل تسمعينني؟ إياكِ أن تجرئي على تأنيبي …» «أوه تردين على والدتكِ العجوز. لو كان سولومون حيًّا لضربكِ بالعصا. لئن ولدت ميتةً أفضل من أن تردي على والدتك كغير اليهود. اخرجي من المنزل وأسرعي قبل أن أنسفكِ.» «حسنًا، سأفعل.» ركضت آنا عبر المدخل الضيق المكوَّمة عنده السراويل القصيرة إلى غرفة النوم وألقت بنفسها على سريرها. كانت وجنتاها تحترقان غيظًا. استلقت في هدوء تحاول التفكير. جاء من المطبخ النَّشيج الحاد الرتيب للمرأة العجوز. رفعت آنا نفسها إلى وضعية الجلوس على السرير. لمحت في المرآة المقابلة وجهًا مُجهَدًا مغمورًا بالدموع وشعرًا ليفيًّا أجعد. تنهَّدت قائلة: «يا إلهي، إنني في حالة من الفوضى.» عندما وقفت على قدمَيها داس كعبها على الشريط المجدول لفستانها. فتمزَّق الفستان بحدة. فجلست على حافة السرير تبكي وتبكي. ثم حاكت الشق في الفستان بعناية بغُرز صغيرة ودقيقة. جعلتها الحياكة تشعر بالهدوء. ارتدت قبعتها، ووضعت الكثير من بودرة التجميل على أنفها، ووضعت القليل من أحمر الشفاه على شفتَيها، وارتدت معطفها وخرجت. كان قد حلَّ شهر أبريل بألوان ملاطِفة على غير المتوقَّع من شوارع الجانب الشرقي. وجاءت النضَارة الحسية الحلوة من عربة تُدفع بالأيدي مليئة بالأناناس. وجدت عند الناصية روز سيجال وليليان دايموند تشربان الكوكاكولا عند كشك للمشروبات الغازية. قالتا بِطَنين منسجم: «تناولي الكولا معنا يا آنا.» «سأفعل إن دفعتما لي … فأنا مفلسة.» «أنتِ، ألم تحصلي على أجر الإضراب؟» «لقد أعطيته كله للمرأة العجوز … ولم تعاملني جيدًا على الرغم من ذلك. بل أخذت تؤنبني طوال اليوم. إنها عجوز للغاية.» «هل عرفتِ كيف اقتحم مُسلَّحون متجر آيكي جولدشتاين وخرَّبوه؟ خرَّبوا كل شيء بالمطارق وتركوه فاقدًا للوعي فوق الكثير من البضاعة من الملابس.» «أوه هذا فظيع.» «أرى أنه نال ما يستحق.» «ولكن يجب ألَّا يُدمِّروا الممتلكات هكذا. فنحن نتكسَّب عيشنا منها مثله تمامًا.» قالت آنا وهي تقرع كأسها الفارغة فوق منضدة الشراب: «عيشة جيدة للغاية … أنا على وشك الموت بهذه العيشة.» قال الرجل في الكشك: «على رِسلكِ. انتبهي للآنية الفخارية.» تابعت روز سيجال، قائلة: «لكن أسوأ شيء أنه أثناء تقاتلهم في متجر جولدشتاين طار مفتاح تدوير من لُفافة الخيوط وسقط تسعة طوابق وقتل رجل إطفاء كان يمر على شاحنة فسقط ميتًا في الشارع.» «لماذا فعلوا ذلك؟» «لا بد أن شخصًا قد رماه على شخص آخر وخرج من لفافة.» «وقتل رجل الإطفاء.» رأت آنا إلمير يقترب منهم في الجادة، وكان وجهه النحيف مثبتًا للأمام، ويداه مخبأتَين في جيبَي معطفه البالي. تركت الفتاتَين وسارت نحوه. «هل كنت ذاهبًا إلى المنزل؟ لا تفعل وهيا بنا؛ لأن تأنيب المرأة العجوز شيء فظيع … ليتني أضمها إلى «بنات إسرائيل». لا يمكنني تحمُّلها أكثر من ذلك.» قال إلمير: «إذن، دعينا نتمشَّ ونجلس في الميدان. ألَا تشعرين بالربيع؟» نظرت إليه بطرف عينها. «ألَا أشعر به؟ أوه يا إلمير أتمنَّى أن ينتهي هذا الإضراب … يصيبني بالجنون ألَّا أفعل شيئًا طوال اليوم.» «ولكن يا آنا الإضراب هو فرصة عظيمة للعامل، إنه بمثابة الجامعة للعامل. إنه يمنحكِ فرصةً للدراسة والقراءة والذهاب إلى المكتبة العامة.» «لكنك تظن دائمًا أنه سينتهي في غضون يومٍ أو يومَين، وما الفائدة على أي حال؟» «كلما زاد تعليم المرء زاد نفعه لطبقته.» جلسا على مقعد وظهراهما للملعب. كانت السماء فوقهما تتلألأ برقائق كعرق اللؤلؤ لضوء غروب الشمس. والأطفال المتسخون يصرخون ويُحدِثون جلَبةً حول الممرَّات الأسفلتية. قالت آنا وهي تنظر إلى السماء: «أوه، أود أن أحظى بفستان سهرة باريسي، وأن ترتدي أنت بِذلةً رسمية، وأن نذهب لتناول العشاء في مطعم فخم، وأن نذهب إلى المسرح وكل شيء.» «لو كُنا نعيش في مجتمع محترم، لربما كان بإمكاننا … ستتحقَّق السعادة للعمال حينئذٍ، بعد الثورة.» «ولكن يا إلمير ما الفائدة إذا كُنا كبارًا في السن ونوبِّخ أبناءنا كالمرأة العجوز؟» «سينعم أبناؤنا بهذه الأشياء.» جلست آنا منتصبةً على المقعد. قالت وهي تكز على أسنانها: «لن أنجب أبناءً أبدًا، أبدًا، أبدًا، أبدًا.» ••• لمست أليس ذراعه عندما استدارا للنظر في نافذة متجر للمُعَجنات الإيطالية. فوق كل كعكةٍ مُزيَّنة بأزهار الأنيلين الفاقعة اللون والتحزيزات، وقف حِمل من السكر احتفالًا بعيد الفِصح وشعار عيد القيامة. قالت وهي تُدير لأعلى نحوه وجهها البيضوي الصغير بشفتيها الشديدتي الحمرة كالزهور التي كانت على الكعكات: «جيمي، عليك أن تفعل شيئًا حيال روي … يجب أن يذهب إلى العمل. سأُصاب بالجنون إذا ظلَّ جالسًا في المنزل أكثر من ذلك يقرأ الصحف وعلى وجهه ذلك التعبير القبيح الرهيب … أنت تعرف ما أعنيه … إنه يحترمك.» «ولكنه يُحاول أن يحصل على وظيفة.» «إنه لا يحاول حقًّا، أنت تعرف ذلك.» «هو يظن أنه يحاول. أظن أنه يُفكِّر في نفسه بشكل غريب … ولكني شخص جيد في الحديث عن العمل …» «أوه أعلم، أظنه أمرًا رائعًا. يقول الجميع إنك حصلت على عملٍ في صحيفة، وإنك سوف تُمارس الكتابة.» وجد جيمي نفسه ينظر لأسفل في عينَيها البنيتَين المتسعتَين، اللتَين كان بهما وميض في جزئهما السفلي كوميض الماء في البئر. أدار رأسه بعيدًا، وكانت ثمة غُصةٌ في حلقه فسعل. واصلا السير على طول الشارع الطروب الفاقع الألوان. عند باب المطعم وجدا روي ومارتن شيف في انتظارهما. مروا عبر غرفةٍ خارجيةٍ إلى قاعة طويلة مزدحمة بطاولاتٍ مُكدَّسة بين لوحتَين ضاربتَين إلى الخضرة والزُّرقة لخليج نابولي. كان الهواء مُثقلًا برائحة جبن البارميزان ودخان السجائر وصلصة الطماطم. ظهرت بعض التعبيرات على وجه أليس وهي تستقر على الكرسي. «أوه، أريد كوكتيلًا بسرعة على الفور.» قال هيرف: «لا بد أنني ساذَج بعض الشيء، ولكن هذه القوارب التي تقف في دَلال أمام جبل فيزوف دائمًا ما تجعلني أشعر وكأنني أُسرع إلى مكانٍ ما … أظن أنني سأرحل من هنا في غضون بضعة أسابيع.» سأل روي: «ولكن يا جيمي إلى أين تذهب؟ أليس هذا شيئًا جديدًا؟» قالت أليس: «أليس لهيلينا رأي في ذلك؟» احمرَّ وجه هيرف. وقال بحِدة: «ولمَ يكُون لها رأي؟» ثم وجد نفسه يقول بعد قليل: «لقد اكتشفت للتو أنه لم يكن لي شيء هنا.» قال مارتن فجأة: «أوه، لا أحد منا يعرف ما يريد. لذلك فنحن جيل حقير.» قال هيرف بهدوء: «إنني أبدأ في تعلُّم بعض الأشياء التي لا أريدها. على الأقل أبدأ في امتلاك الجرأة لأعترف لنفسي بمدى كراهيتي للأشياء التي لا أريدها.» صرخت أليس: «لكن هذا رائع، أن تتخلَّص من مسار مهني من أجل نموذج مثالي.» قال هيرف وهو يدفع كرسيه للخلف: «معذرة.» في دورة المياه نظر لنفسه مباشرةً في المرآة المتموِّجة. وهمس قائلًا: «لا تتكلَّم. ما تتحدَّث عنه لا تفعله مطلقًا …» كان لوجهه مظهر وجوه السُّكارى. ملأ التجويف ما بين يدَيه بالماء وغسله. عند الطاولة هتفوا عندما جلس. قال روي: «نعم للمتجوِّل.» كانت أليس تأكل الجبن فوق شرائح طويلة من الكُمَّثْرَى. قالت: «أعتقد أنه أمر مثير.» صاح مارتن شيف بعد صمت: «روي يشعر بالملل.» سبح وجهه بعينَيه الكبيرتَين ونظارته العظمية عبر دخان المطعم كسمكة في حوض مائي كثير الضباب. «كنت أُفكِّر لتوي في جميع الأماكن التي يجب أن أذهب إليها للبحث عن وظيفة غدًا.» واصَل مارتن بشكل ميلودرامي: «أُتريد وظيفة؟ أُتريد أن تبيع روحك لمقدِّم العطاء الأعلى؟» قال روي مُتذمِّرًا: «يا إلهي، إذا كان هذا هو كل ما لديك لتبيعه …» «إن نومي في الصباح هو ما يُقلقني … لا يزال من الفظيع أن تتخلَّى عن شخصيتك وكل تلك الأشياء. الأمر لا يتعلَّق بقدرتك على القيام بالعمل، بل بشخصيتك.» «البغايا هن وحدهن الصادقات …» «لكن يا إلهي، العاهرة تبيع شخصيتها.» «إنها تؤجِّرها فحسب.» «لكن روي يشعر بالملل … جميعكم تشعرون بالملل … أنا أكثركم شعورًا بالملل.» قالت أليس بإصرار: «إننا نتمتَّع بأجمل الأوقات في حياتنا. مهلًا يا مارتن، ما كُنَّا لنجلس هنا لو كُنَّا قد شعرنا بالملل، أليس كذلك؟ … أتمنَّى أن يُخبرنا جيمي أين يتوقَّع أن يذهب في رحلاته الغامضة.» «كلا، أنتم تقولون لأنفسكم كم هو ممل، ما نفعه للمجتمع؟ ليس لديه المال، ليس لديه زوجة جميلة، ليس لديه مهارة المحادَثة الجيدة، ليس لديه نصائح للمُضاربة في البورصة. إنه عبء على المجتمع … الفنان عبء.» «الأمر ليس كذلك يا مارتن … إنك تتحدَّث بجهل وحماقة.» لوَّح مارتن بذراعه عبر الطاولة. انقلبت زجاجتا نبيذ. وضع نادل بدا عليه الخوف منديلًا فوق تيار السائل الأحمر. ودون أن يلاحظ مارتن ذلك، تابع قائلًا: «كل هذا ادعاء … عندما تتحدَّث فإنك تتحدَّث بأطراف ألسنتك الكاذبة. أنت لا تجرؤ على الكشف عن روحك الحقيقية … ولكن الآن يجب أن تستمع إليَّ للمرة الأخيرة … للمرة الأخيرة أقول … تعالَ إلى هنا أيها النادل أنت أيضًا، انحنِ وانظر إلى الهُوَّة السوداء لروح الإنسان. وهيرف يشعر بالملل. جميعكم تشعرون بالملل، الذباب يشعر بالملل يطن على لوح النافذة. تعتقدون أن لوح النافذة هو الغرفة. لا تعرفون ما يوجد في العُمق والظلام في الداخل … إنني ثَمِل للغاية. زجاجة أخرى أيها النادل.» «اسمع، اكبح جماح نفسك يا مارتن … لا أعرف ما إذا كان بمقدورنا أن ندفع الفاتورة على ما هي عليه حتى الآن … لسنا بحاجة للمزيد.» «زجاجة نبيذ أخرى وأربع زجاجات من شراب الجرابَّا أيها النادل.» قال روي ممتعضًا: «حسنًا، يبدو أنها ستكون ليلةً ليلاء.» «لو تطلَّب الأمر يمكنني أن أدفع بجسدي … اخلعي قناعكِ يا أليس … إنكِ طفلة صغيرة وجميلة خلف قناعكِ … تعالَي معي إلى حافة الهُوَّة … أوه، أنا ثَمِل جدًّا لدرجة تُعيقني أن أخبركِ بما أشعر.» نظَّف نظارته ذات الإطار الشبيه بصدفة السُّلَحفاة وكوَّمها في يده، فاندفعت العدستان متلألئتَين على الأرضية. انحنى النادل فاغرًا فاه وسط الطاولات وراءهما. جلس مارتن بعينَين طارفتَين للحظة. تبادل بقيتهم النظرات. ثم انطلق ناهضًا على قدمَيه. «أرى غطرستك المتكَلَّفة بعض الشيء. لا عجب أنه لم يعُد بإمكاننا أن نتناول عشاءً لائقًا، والانخراط في محادثات لائقة … يجب أن أُثبت إخلاصي الرجعي، أن أُثبت …» بدأ يشد ربطة عنقه. أخذ روي يُكرِّر: «اسمع أيها الهَرِم مارتن، اهدأ.» «لن يوقفني أحد … يجب أن أُواجه صدق السواد … يجب أن أركض حتى نهاية الرصيف الأسود على النهر الشرقي وأُلقي بنفسي.» ركض هيرف وراءه عبر المطعم إلى الشارع. ألقى معطفه عند الباب، وألقى بصدريته عند الناصية. لهث روي مترنِّحًا أمام كتف هيرف: «يا إلهي، إنه يركض كالغِزلان.» التقط هيرف المعطف والصدرية، وطواهما تحت ذراعه وعاد إلى المطعم. كانا شاحبَين عندما جلسا على جانبَي أليس. ظلَّت تسأل: «هل سيفعل ذلك حقًّا؟ هل سيفعل ذلك حقًّا؟» قال روي: «كلا، بالطبع لا. سيذهب إلى المنزل؛ لقد كان يسخر منا لأننا خدعناه.» «ماذا لو أنه فعل ذلك حقًّا؟» قال جيمي بحزن: «أكره أن أراه … إنني أحبه كثيرًا. لقد أسمينا ابننا على اسمه. ولكن إذا كان يشعر حقًّا بالحزن الشديد فبأي حق نمنعه؟» تنهَّدت أليس قائلة: «أوه يا جيمي، اطلب بعض القهوة.» في الخارج، انطلقت سيارة إطفاء نائحة خفاقة هادرة في الشارع. كانت أياديهم باردة. ارتشفوا القهوة دون أن ينبسوا بكلمة. ••• خرجت فرانسي من متجرٍ يبيع كل شيء بخمسة أو عشرة سنتات إلى زحمة رجوع الحشود إلى منازلها في نهاية اليوم في الساعة السادسة. كان داتش روبرتسون في انتظارها. كان يبتسم وقد تورَّد وجهه. «عجبًا يا داتش ماذا …» علقت الكلمات في حلقها. «ألَا يعجبك؟ …» سارا في شارع ١٤ حيث تدفَّقت غَمامة من الوجوه مارة بهما على كلا الجانبَين. كان يقول بهدوء: «كل شيء على ما يرام يا فرانسي.» كان يرتدي معطفًا ربيعيًّا باللون الرمادي الفاتح وقبعةً فاتحةً من اللبد لتتماشى معه. وتألَّق حذاء أوكسفورد جديد مدبَّب وأحمر في قدمَيه. «ما رأيكِ في الزي؟ قلت لنفسي إنه لم يكن هناك فائدةٌ من محاولة فعل أي شيء دون أن أبدوَ مترفًا من الخارج.» «ولكن يا داتش كيف حصلت عليه؟» «سرقت رجلًا في متجر للسيجار. يا إلهي، لقد كان الأمر سهلًا.» «صه، لا تتحدَّث بصوتٍ عالٍ هكذا؛ قد يسمعك أحد.» «لن يعرفوا ما الذي أتحدَّث عنه.» ••• جلس السيد دينش في ركن مخدع السيدة دينش الذي يرجع لعهد لويس الرابع عشر. جلس منحني الجسم بالكامل لأعلى على كرسيٍّ صغيرٍ مُذهَّبٍ وردي الظهر وكرشه مسترخٍ على ركبتَيه. في وجهه الأخضر المترهِّل كان أنفه البدين والطيات الواصلة من حافتَي فتحتَي أنفه إلى زوايا فمه العريض يُكوِّنان مُثلَّثَين. كان يحمل كومةً من البرقيات في يده، وفي أعلاها رسالة مترجَمة في وُرَيقة زرقاء نَصُّها: عَجْز في فرع هامبورج بما يقارب ٥٠٠ ألف دولار، توقيع هاينز. بحث في كل مكانٍ عن الغرفة الصغيرة المزدحمة بأشياء لامعة، ورأى الحروف الأُرجوانية لعبارة «بما يقارب» تهتز في الهواء. ثم لاحظ أن الخادمة، التي كانت شاحبة البشرة من الخلاسيين وترتدي قلنسوةً منفوشة، قد دخلت إلى الغرفة وكانت تُحدِّق إليه. لمعت عينه عند رؤية صندوقٍ مُسطَّحٍ كبيرٍ من الورق المقوَّى كانت تحمله بيدَيْها. «ما ذلك؟» «شيء للسيدة يا سيدي.» «أحضريه هنا … متجر هيكسون … وما حاجتها لشراء المزيد من الفساتين، أتقولين لي … هيكسون … افتحيه. إذا بدا باهظ الثمن فسأُرجعه.» سحبت الخادمة بحذرٍ شديدٍ طبقةً من المناديل الورقية، كاشفةً عن فستان سهرة خوخي وأخضر بلون البازلاء. وقف السيد دينش على قدمَيه مهمهِمًا: «يجب أن تتذكَّر أن الحرب لا تزال قائمةً … أخبريهم أننا لن نستلمه. أخبريهم أنهم أخطئوا العنوان.» التقطت الخادمة الصندوق وهي تحني رأسها وخرجت رافعةً أنفها. جلس السيد دينش على الكرسي الصغير وبدأ ينظر في البرقيات مرةً أخرى. جاء صوت صاخب من الغرفة الداخلية: «آنيي، آنيي» وتبعه رأس في قبعة من الدانتيل على شكل قبعة الحرية وجسم كبير في لباس نوم منفوش قبيح. «عجبًا يا جي دي، ماذا تفعل هنا في هذا الوقت من الصباح؟ إنني في انتظار مصفِّف الشعر الخاص بي.» «إنه أمر مهم جدًّا … لقد تلقَّيت للتو برقيةً من هاينز. سيرينا يا عزيزتي، بلاكهيد ودينش في موقف سيئ من جميع الجوانب.» جاء صوت الخادمة من خلفه: «نعم يا سيدتي.» هزَّ كتفَيه ومشى نحو النافذة. شعر بالتعب والمرض والثِّقل. مرَّ بالشارع صبي على دراجة، وكان يضحك ووجنتاه متورِّدتَان. رأى دينش نفسه، شَعَر بنفسه لثانية جذَّابًا ونحيفًا يركض بلا شيء على رأسه في شارع باين قبل سنوات ينظر لكواحل الفتيات بطرف عينه. رجع إلى الغرفة. كانت الخادمة قد ذهبت. استهلَّ قائلًا: «سيرينا، ألَا تستطيعين أن تفهمي جِدية الأمر؟ … إنه هذا الركود. وعندما يبلغ ذروته سيذهب سوق الحبوب بأكمله إلى الجحيم. إنه خراب، أؤكِّد لكِ …» «حسنًا يا عزيزي، لا أفهم ما تتوقَّع مني أن أفعله حيال ذلك.» «اقتصدي … اقتصدي. انظري إلى أي مدًى ارتفع سعر المطَّاط … هذا الفستان من متجر هيكسون …» «حسنًا، لن تجعلني أذهب إلى حفلة بلاكهيد وأنا أبدو كمعلِّمة في مدرسة ريفية، أليس كذلك؟» امتعض السيد دينش وهزَّ رأسه. «أوه لن تفهمي؛ ربما لن تكون هناك أي حفلة … اسمعي يا سيرينا، ليس ثمة لغو في الأمر … أُريدك أن تجهِّزي حقيبةً حتى نتمكَّن من الإبحار في أي يوم … أحتاج إلى فترة من الراحة. أفكِّر في الذهاب إلى مارينباد للاستشفاء … سيُفيدك ذلك جدًّا أيضًا.» جاءت عينها في عينه فجأة. وأصبحت جميع التجاعيد الصغيرة في وجهها أعمق؛ فكان الجلد تحت عينَيها كبالون لعبة منكمش. اقترب منها ووضع يده على كتفها وكان يضمُّ شفتَيه ليقبِّلها عندما ثارت فجأة. «لن أجعلك تتدخَّل بيني وبين صانعي ملابسي … لن أسمح بذلك … لن أسمح بذلك …» «أوه، افعلي ما تُريدين.» غادر الغرفة ورأسه منحنٍ بين كتفَيه المنحدرَين السميكَين. «آنييي!» «نعم يا سيدتي.» عادت الخادمة إلى الغرفة. ترامت السيدة دينش في منتصف أريكة صغيرة مستطيلة القوائم. كان وجهها أخضر. «من فضلك يا آني، أحضري لي زجاجةً من روح النشادر الحلو والقليل من الماء … ويمكنك يا آني أن تتصلي بمتجر هيكسون وتخبريهم بأن هذا الفستان قد أرجعناه عن طريق الخطأ … خطأ السائق، ورجاءً أن يعيدوا إرساله على الفور لأنني ينبغي أن أرتديه الليلة.» ••• السعي وراء السعادةِ سعيٌ لا مناص منه … الحق في الحياة والحرية و… في ليلةٍ مظلمةٍ بلا قمر، يسير جيمي هيرف بمفرده في شارع ساوث ستريت. خلف المنازل على أرصفة الميناء تظهر السفن كهياكل عظميَّةٍ مظلَّلة في الليل. قال بصوت عالٍ: «بحق المسيح، أعترف أنني في حيرةٍ من أمري.» في كل ليالي أبريل هذه التي سار فيها يمشِّط الشوارع وحده، استحوذت ناطحة سحاب على اهتمامه؛ كانت بناية مخددة ناتئة لأعلى بنوافذ لامعة لا حصر لها كأنها ستسقط عليه من سماءٍ ذات سحابٍ تسوقه الرياح. تُمطر الآلات الكاتبة قُصاصات ورق مطليةً بالنيكل بتتابعٍ في أذنَيه. ووجوه فتيات عرض «الحماقات» (فوليز)، يُمجِّدها الراعي الفني زيجفيلد، تبتسم وتومئ له من النوافذ. إيلي في ثوب ذهبي، إيلي مصنوعة من رقائق ذهبيةٍ رفيعةٍ نابضةٍ بالحياة تمامًا تومئ من كل نافذة. وهو يتجوَّل حول مُربَّع سكني تلو الآخر بحثًا عن باب ناطحة السحاب ذات النوافذ المُبَهرجة الطنَّانة، حول مربعٍ سكني تلو الآخر ولم يعثر على الباب بعد. في كل مرةٍ يُغمض فيها عينَيه يستحوذ عليه الحلم، في كل مرةٍ يتوقَّف عن الجدل بصوتٍ مسموعٍ مع نفسه بعبارات معقولة ورنَّانة يستحوذ عليه الحلم. كي تُبقي على عقلك أيها الشاب عليك أن تفعل أحد أمرَين … من فضلك يا سيدي، أين باب هذا المبنى؟ أهو في الجهة الأخرى من المربع السكني؟ في الجهة الأخرى من المربع السكني … أحد بديلَين لا مناص منهما، أن ترحل في قميص ناعم متسخ أو أن تبقى في ياقةٍ نظيفةٍ قابلةٍ للنزع. ولكن ما الفائدة من قضاء حياتك كلها في الفرار من مدينة الدمار؟ ماذا عن حقك الذي لا مناص منه، المقاطعات الثلاث عشرة؟ يحل عقله العِبَارات، يمشي بإصرار. لا يوجد مكانٌ مُحدَّد يريد أن يذهب إليه. فقط لو كنت ما زلت أُومِن بالكلمات. ••• هتف المراسل مبتهجًا عندما اعتصر راحة اليد السمينة التي امتدَّت إليه من فوق منضدة متجر السيجار: «كيف حالك يا سيد جولدشتاين؟ اسمي بروستر … إنني أكتب مقالةً عن موجة الجريمة لصالح صحيفة «نيوز».» كان السيد جولدشتاين رجلًا يُشبه اليرقة في هيئته، وكان له أنف معقوف وملتوٍ بعض الشيء في وجهه الشاحب الذي تبرز خلفه أذنان يَقِظتان ورديتان على نحو غير متوقَّع. نظر إلى المراسل نظرة شك بعينَين مشدودتَين. «إن لم يكن لديك مانع، أود أن أسمع شهادتك حول ليلة أمس … سوء الحظ …» «لن تحصل على شهادة مني أيها الشاب. لن تفعل شيئًا سوى أن تطبعها فيحصل الأولاد والبنات الآخرون هكذا على الفكرة نفسها.» «من المؤسف أن تشعر بذلك يا سيد جولدشتاين … هلَّا أعطيتني سكوتش روبرت برنز من فضلك؟ … يبدو لي أن الدعاية ضروريةٌ كالتهوية … فهي تسمح بدخول الهواء النقي.» قضم المراسل طرف السيجار وأشعله، ووقف ينظر بتمعُّن إلى السيد جولدشتاين عبر حلقةٍ ملتفةٍ من الدخان الأزرق. بدأ حديثه بانبهار: «كما ترى يا سيد جولدشتاين الأمر يسير بهذه الطريقة. نحن نتعامل مع الموقف من زاوية المصلحة الإنسانية … شفقة ودموع … كما تفهم. كان أحد المصوِّرين في طريقه إلى الخارج ليلتقط لك صورة … أُراهنك أنها ستزيد من حجم الأعمال في الأسبوعَين المقبلَين … أظن أنني سأُضطر إلى الاتصال به وإخباره ألَّا يأتي الآن.» استهلَّ السيد جولدشتاين الحديث فجأة، قائلًا: «حسنًا، هذا الرجل كان يرتدي ملابس جيدة؛ معطفًا ربيعيًّا جديدًا وما إلى ذلك، وأتى لشراء علبة سيجار ماركة كاميل … وقال وهو يفتح العلبة ويأخذ سيجارًا ليدخِّنه: «ليلة جميلة.» ثم لاحظت أن الفتاة التي معه تضع غطاءً على وجهها.» «إذن لم يكن شعرها مُتموِّجًا؟» «كل ما رأيته كان أشبه بأغطية الوجه التي ترتديها السيدات في العزاء. وأول شيء عرفته هو أنها كانت خلف المنضدة، وكان معها مسدس مغروس في ضلوعي، وبدأت تتحدَّث … كما تعرف شيء من قبيل المزاح … وقبل أن أتمكَّن من التفكير كان الرجل قد أفرغ آلة تسجيل النقد، وقال لي: «هل معك أي نقود في بنطالك الجينز يا رجل؟» كنت أتصبَّب عرقًا …» «أوَهذا كل شيء؟» «بالطبع عندما وجدت شرطيًّا كانا قد رحلا وذهبا إلى الجحيم.» «كم سرقا من المال؟» «أوه، حوالي ٥٠ دولارًا أمريكيًّا، وستة دولارات من جيبي.» «هل كانت الفتاة جميلة؟» «لا أعرف، ربما كانت كذلك. أرغب في تحطيم وجهها. يجب أن يصدر حكم بالإعدام بالكرسي الكهربائي على هذَين الطفلَين … ألَا يوجد أمان في أي مكان؟ لمَ يجب على أي شخص أن يعمل إذا كان كل ما عليك فعله هو الحصول على مسدس والسطو على جيرانك؟» «أتقول إنهما كانا يرتديان ملابس أنيقة … أتعني كالأغنياء؟» «نعم.» «أنا أعمل على نظرية أنه طالب جامعي وأنها فتاة مجتمع وأنهما يفعلان ذلك من أجل التسلية.» «كان الرجل وغدًا حاد النظرات.» «حسنًا، هناك رجال جامعيون حادُّو النظرات … فلتنتظر مقالةً بعنوان «قُطاع الطرق في العصر الذهبي» في صحيفة الأحد القادم يا سيد جولدشتاين … تصلك صحيفة «نيوز»، أليس كذلك؟» هزَّ السيد جولدشتاين رأسه. «سأُرسل لك نسخةً على أي حال.» «أريد أن أرى هذَين الطفلَين مدانَين، هل تفهم؟ إذا كان هناك أي شيء يمكنني القيام به فسأفعله بالطبع … لم يعد هناك أمان … لا تهمني أي دعاية في ملحق صحيفة يوم الأحد.» «حسنًا، سيحضر المصوِّر حالًا. أنا متأكِّد من أنك ستُوافق على طرح المسألة يا سيد جولدشتاين … حسنًا شكرًا جزيلًا لك … يوم سعيد يا سيد جولدشتاين.» أخرج السيد جولدشتاين فجأةً مسدسًا جديدًا لامعًا من تحت المنضدة ووجَّهه نحو المراسل. «أنت، على رِسلك.» أطلق السيد جولدشتاين ضحكةً ساخرة. صاح بعدما خرج المراسل، الذي كان في طريقه بالفعل إلى مترو الأنفاق: «أنا مستعد لهم في المرة القادمة التي يأتون فيها.» ••• خطب السيد هاربسيكورت قائلًا، وهو ينظر بلطف في عينَي إلين ويبتسم ابتسامته العريضة الباهتة: «عملنا يا عزيزتي السيدة هيرف هو أن نتدحرج على الشاطئ استباقًا لموجة الموضة قبل اندلاعها مباشرة، كما في ركوب ألواح التزلج.» كانت إلين تحفر برقة بملعقتها في نصف ثمرة أفوكادو؛ فأبقت عينَيها في طبقها، وشفتَيها مفتوحتَين قليلًا؛ وشعرت بالراحة وبأنها نحيفة في فستانها الضيق ذي اللون الأزرق الداكن، فانتبهت خَجِلةً في وسط تشابك النظرات الجانبية والحديث الذي اتخذ نمط الغناء في المطعم. «إنها موهبة لدرجة أنه يمكنني أن أتنبَّأ لك بأكثر ممَّا يمكنني التنبؤ به لأي فتاة أخرى، كما أنكِ أكثر جاذبيةً من أي فتاة عرفتها من قبل.» سألت إلين، وهي تنظر إليه ضاحكةً: «أيمكنك التنبؤ؟» «يجب ألَّا تدقِّقي في كل كلمة يتلفَّظ بها رجل هَرِم … فأنا لا أجيد التعبير عن نفسي … تلك دائمًا إشارة خطيرة. كلا، إنكِ تفهمين جيدًا، على الرغم من احتقاركِ للأمر بعض الشيء … اعترفي بذلك … ما نحتاجه في مثل هذه الدورية، أنا متأكد من أنه يمكنكِ أن تشرحيه لي بشكل أفضل بكثير.» «بالطبع ما أنت بحاجةٍ لفعله هو أن تجعل كل قارئ يندمج في الأحداث من فوره.» «وكأنها كانت تتناول الغداء هنا في فندق ألجونكوين.» أضافت إلين: «ليس اليوم بل غدًا.» ضحك السيد هاربسيكورت ضحكته القصيرة المصرصِرة، وحاول أن ينظر بعمق عبر القطرات الضاحكة المتلألئة كالذهب في عينَيها الرماديتَين. نظرت بوجه مُتورِّد لأسفل إلى النصف الفارغ الأحشاء لثمرة الأفوكادو في طبقها. ثم شعرت بنظرات التحديق الحادة للرجال والنساء الجالسين إلى الطاولات في أنحاء المكان كما لو أن هناك مرآةً وراءها. ••• كان لفطائر البان كيك إحساس مُريح شبيه بالفِراء على لسانه. جلس جيمي هيرف في مطعم تشايلدز في وسط مجموعة مخمورة وصاخبة. كانت العيون، والشفاه، وفساتين السهرة، ورائحة اللحم المقدَّد والقهوة؛ ضبابيةً وخافقة من حوله. أكل الفطائر بشق الأنفس، وطلب المزيد من القهوة. شعر بتحسُّن. كان يخشى أن يُصاب بالإعياء. بدأ يقرأ في الجريدة. فكانت الأحرف تسبح وتنتشر كالزهور اليابانية. ثم رجعت واضحة، ومُنظَّمة، وتمر سَلسةً كعجينة سوداء وبيضاء فوق دماغه المنظَّم، الأبيض والأسود: ••• كان للشباب المضلَّل عظيم الأثر المأساوي مرةً أخرى وسط وسائل البهجة المبهرَجة في منطقة كوني آيلاند، التي طُلِيت حديثًا لاستقبال الموسم عندما ألقى رجال بملابس مدنية القبضَ على داتش روبنسون ورفيقته، التي قيل إنها «قاطعة الطريق المتحرِّرة». الاثنان متهمان بارتكاب أكثر من ٢٠ جريمة سطو في بروكلين وكوينز. ظلَّت الشرطة تراقب الزوجَين لبضعة أيام. وكانا قد استأجرا شقةً صغيرة بمطبخ في ٧٣٥٦ جادة سيكروفت. نَمَت الشكوك أول مرة عندما نُقلت الفتاة، التي على وشك أن تصبح أمًّا، في سيارة إسعاف إلى مستشفى بريسبيتارية كنارسي. تفاجأ العاملون في المستشفى ممَّا بدا على روبنسون من الإمداد اللانهائي بالمال. كان للفتاة غرفة خاصة، وكانت الزهور والفواكه الباهظة الثمن تُرسل إليها يوميًّا، وكان هناك طبيب شهير يُستدعى للاستشارة بِناءً على طلب الرجل. وعندما وصلا للحظة تسجيل اسم الطفلة، اعترف الشاب للطبيب أنهما غير متزوِّجَين. فاتصل أحد العاملين في المستشفى بالشرطة بعد أن لاحظ الشبه بين المرأة والوصف الذي نُشر في صحيفة «إيفيننج تايمز» لقاطعة الطريق المتحرِّرة ورفيقها. راقب رجال في ثياب مدنية الزوجَين لبضعة أيام من عودتهما إلى الشقة في جادة سيكروفت، وقبضوا عليهما بعد ظهر اليوم. القبض على قاطعة الطريق المتحرِّرة … ••• سقطت قطعة من البسكويت الساخن على الصحيفة التي كان يقرؤها هيرف. نظر لأعلى فزعًا؛ وكانت ثمَّة فتاةٌ يهوديةٌ سوداء العينَين تجلس إلى الطاولة المجاورة تغمز له بعينها. أومأ وأشار لها كما لو كان يخلع قبعة. قال بغِلظة وبدأ يأكل البسكويت: «أشكركِ أيتها الحورية الجميلة.» قال الشاب الذي كان جالسًا بجوارها، والذي بدا كمدرِّب ملاكمة محترف، بخُوار في أذنها: «هل انتهيت يا عزيزتي؟» كانت أفواه الجالسين إلى طاولة هيرف مفتوحةً ضاحكة. أخذ الفاتورة وقال ليلة سعيدة على نحو غامض وخرج. كانت الساعة فوق مكتب أمين الصندوق تشير إلى الثالثة. كان الناس بالخارج لا يزالون يتجوَّلون حول دوار كولومبوس في بعثرة وضجيج. اختلطت رائحة الأرصفة المعبَّأة بالمطر مع عوادم السيارات، وكانت أحيانًا تهب نفحة من رائحة الأرض الرطبة والعشب النابت في الحديقة. وقف طويلًا عند الناصية لا يعرف أي طريق يسلك. كره العودة إلى المنزل في هذه الليالي. شعر بحزن غامض لإلقاء القبض على قاطعة الطريق المتحرِّرة ورفيقها. وتمنَّى لو كان بمقدورهما الفرار. كان يتطلَّع لقراءة أخبارهما كل يوم في الصحف. يا لهما من شيطانَين مسكينَيْن، هكذا قال لنفسه، ولديهما مولود جديد أيضًا. في هذه الأثناء، بدأت الضوضاء تتصاعد خلفه في مطعم تشايلدز. فرجع ونظر من خلال النافذة إلى الشواية حيث كانت تَئز ثلاث كعكات زبد مهجورة. كان النُّدُل يجاهدون لإخراج رجل طويل يرتدي بِذلةً رسمية. وكان الرجل السميك الفك صديق الفتاة اليهودية التي كانت قد ألقت البسكويت يمنعه أصدقاؤه من التدخُّل. ثم شقَّ الحارس طريقه عبر الحشد. كان رجلًا قصيرًا عريض الكتفَين ذا عينَين متعبتَين غائرتَين كعينَي قرد. بهدوء وبلا اندفاع أطبق على الرجل الطويل. وفي لمح البصر كان قد ألقى به من الباب. بالخارج على الرصيف، نظر الرجل الطويل إلى مَن حوله مذهولًا وحاول التعديل من وضع ياقته. جاءت عربة الشرطة في تلك اللحظة مُجلجِلة. قفز اثنان من رجال الشرطة خارجَين من العربة وسُرعان ما ألقَيَا القبض على ثلاثة إيطاليين كانوا واقفين يتبادلون أطراف الحديث في هدوء عند الناصية. تبادل هيرف والرجل الطويل ذو البِذلة الرسمية النظرات، بالكاد تحدَّثا وسار في غاية الرصانة كلٌّ منهما في اتجاه.
|
{
"chapter": "ناطحة السحاب",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/3.4/"
}
|
ثمة أعلام على جميع ساريات الأعلام في الجادة الخامسة. في رياح التاريخ الصاخبة ترفرف الأعلام الكبيرة وتشد أحبالها فوق الأعمدة المصرصِرة ذات المقابض الذهبية في الجادة الخامسة. تتمايل النجوم رزينةً في السماء الأردوازية، وتتلوَّى الخطوط الحمراء والبيضاء أمام السُّحب. في عاصفة الفِرق النحاسية، والخيول الواطئة، والمدافع المقعقِعة المدوية، تتشبَّث ظلال كظلال مخالب بالأعلام المشدودة، فتبدو الأعلام كألسنة جائعة تلعق، وتتلوَّى، وتتجعَّد. أوه، إنه طريق طويل إلى مقاطعة تيبيراري … هناك! هناك! المرفأ مليء بالزوارق البخارية المرقَّطة بخطوط كخطوط الحمار الوحشي والظَّرِبان، والمضيق مختنق بالسبائك، إنهم يكدِّسون الجنيهات الإنجليزية الذهبية إلى الأسقف في الخزانة الثانوية. تعلو أصوات الدولارات عبر اللاسلكي، جميع البرقيات تطقطِق على إيقاع الدولارات. هناك طريق طويل عاصف … هناك! هناك! تجحظ عيونهم في مترو الأنفاق وهم يقولون «نهاية العالم»، التيفوس، الكوليرا، القذائف، التمرُّد، الموت حرقًا، الموت غرقًا، الموت جوعًا، الموت في الوحل. أوه، إنه طريق طويل إلى ماديموسيل من آرمنتيير، هناك! الأمريكيون قادمون، الأمريكيون قادمون. في نهاية الجادة الخامسة، تُدوي الفرق النحاسية مناصرةً لقرض الحرية والصليب الأحمر. تتسلَّل السفن المجهَّزة لتقوم مقام المستشفيات إلى الميناء وتفرِّغ حمولتها خلسةً في الليل في أحواض سُفن قديمة في نيوجيرسي. في بداية الجادة الخامسة تتألَّق أعلام الدول السبع عشرة متلوِّيةً في الريح الجائعة الصاخبة. يا أشجار البلوط والدردار والصَّفصاف الباكية والعُشب النابت أخضر في بلد الإله. ترفرف الأعلام الكبيرة وتشد أحبالها فوق الأعمدة المصرصِرة ذات المقابض الذهبية في الجادة الخامسة. يستلقي الكابتن جيمس ميريفال حاملًا وسام صليب الخدمة المتميِّزة وعيناه مغمضتان، بينما تدلِّك أصابع الحلاق السمينة ذقنه بلطف. تُدغدغ الرغوة فتحتَي أنفه؛ حيث يشم رائحة عطر ما بعد الحلاقة، ويسمع أزيز الهزاز الكهربائي وجز المقص. يُطنطن الحلاق في أذنه، قائلًا: «تدليك وجه بسيط يا سيدي، تخلَّص من بعض تلك الرءوس السوداء يا سيدي.» كان الحلاق أصلع وله ذقن أزرق مستدير. قال ميريفال متثاقلًا: «حسنًا، افعل كل ما تريد. هذه هي المرة الأولى التي أحصل فيها على حلاقة لائقة منذ إعلان الحرب.» «هل أتيت لتوِّك من الخارج أيها الكابتن؟» «نعم … كنت أجعل العالم آمنًا للديمقراطية.» خنق الحلاقُ كلماتِه أسفل منشفة ساخنة. «هل تريد بعضًا من ماء الليلك أيها الكابتن؟» «كلا، لا تضع أيًّا من دهاناتك اللعينة عليَّ، فقط بعضًا من غسول المُشتَرِكة أو شيء مطهر.» كانت لفتاة العناية بالأيدي الشقراء رموش محبَّبة باهتة اللون؛ نظرت إليه فاتنةً إذ فرقت عن شفتَيها الورديتَين كالبراعم. «أظنك وصلت للتو من سفرك أيها الكابتن … يا إلهي، لقد اكتسبتَ سُمرةً جميلة.» أعطاها يده فوق طاولة بيضاء صغيرة. «لقد مرَّ وقت طويل أيها الكابتن منذ أن اعتنى أحدٌ بهاتَين اليدَين.» «كيف لكِ أن تعرفي ذلك؟» «انظر كيف نما الجلد.» «كنا مشغولين للغاية عن أي شيء من هذا القبيل. ولكني لست مشغولًا من الساعة الثامنة، هذا كل ما في الأمر.» «أوه، لا بد أن هذا كان مرعبًا …» «أوه، لقد كانت حربًا صغيرة عظيمة حتى النهاية.» «سأقول إنها كانت ذلك … وهل فرغت الآن أيها الكابتن؟» «بالطبع لا أزال في القوات الاحتياطية.» ربتت على يده مرةً أخيرة مازحةً ونهض على قدمَيه. وضع بقشيشًا في راحة يد الحلاق الناعمة وراحة اليد الصلبة للصبي الملوَّن الذي سلَّمه قبعته، وصعد ببطء الدرجات الرخامية البيضاء. بنهاية الدرج كانت هناك مرآة. توقَّف الكابتن جيمس ميريفال ليلقي نظرةً على الكابتن جيمس ميريفال. كان شابًّا طويل القامة مستقيم القسمات ذا ذقنٍ عريضٍ نوعًا ما. كان يرتدي زيًّا رسميًّا متينًا وأنيقًا مزينًا بشارة قوس قزح، ومليئًا بالأوشحة وشرائط الخدمة. انعكس ضوء المرآة فضيًّا على كلا لُفافتَي ساقَيه. تنحنح وهو ينظر إلى نفسه من أعلى لأسفل. ظهر شاب في ملابس مدنية وراءه. «مرحبًا يا جيمس، هل كل شيء على ما يرام؟» «بالتأكيد … اسمع، أليست قاعدةً حمقاء لعينة ألَّا يُسمح لنا بارتداء أحزمة سام براوني؟ هذا يُفسد الزي بأكمله …» «يمكنهم أن يأخذوا كل أحزمة سام براوني الخاصة بهم ويعلِّقوها في مؤخرة القائد العام، لا يهمني … أنا مدني.» «ما زلت ضابطًا في القوات الاحتياطية، لا تنسَ ذلك.» «بوسعهم أخذ القوات الاحتياطية الخاصة بهم والدفع بها من فوق مسافة ١٠ آلاف ميل في المجرى. دعنا نذهب لنتناول شرابًا.» «يجب أن أخرج وأرى الناس.» خرجا إلى شارع ٤٢. «حسنًا، مرَّ وقت طويل يا جيمس، سأشرب حتى الثُّمالة … فقط تخيَّل كونك حرًّا.» «مرَّ وقت طويل يا جيري، تهذَّب فيما ستفعله.» سار ميريفال غربًا على طول شارع ٤٢. كانت الأعلام لا تزال مرفوعة، تتدلَّى من النوافذ، وتهتز بتكاسل من الأعمدة في نسيم سبتمبر العليل. نظر إلى المتاجر وهو يمشي على طول الشارع، حيث الزهور، والجوارب النسائية، والحلوى، والقمصان وربطات العنق، والفساتين، والستائر الملوَّنة عبر الألواح الزجاجية اللامعة، وراء سيلٍ من الوجوه، وجوه الرجال المحلوقة بشفرات الحلاقة، ووجوه الفتيات بشفاهها الملوَّنة بالحُمرة وأنوفها التي تعلوها مساحيق التجميل. أشعره ذلك بالتورد والتحمس. تململ عندما استقلَّ مترو الأنفاق. سمع فتاةً تقول لأخرى: «انظري إلى الأشرطة لدى هذا الرجل … إنه وسام صليب الخدمة المتميِّزة.» خرج إلى شارع ٧٢ ومشى نافخًا صدره في الشارع الحجري المألوف للغاية باتجاه النهر. قال رجل المصعد: «كيف حالك يا كابتن ميريفال؟» صاحت وهي تركض إلى بين ذراعَيه: «مرحى، هل خرجت يا جيمس؟» أومأ وقبَّلها. بدت شاحبةً وذابلة في فستانها الأسود. جاءت مايسي، التي كانت ترتدي فستانًا أسود أيضًا، تُحفحف ثيابها، طويلةً ومتورِّدة الوجنتَين خلفها. «من الرائع أن أجد كلتَيكما بمظهر جميل.» «بالطبع نحن كذلك … بقدر ما يمكن توقُّعه. لقد مررنا يا عزيزي بوقت عصيب … أنت رب الأسرة الآن يا جيمس.» «مسكين أبي … أن يرحل هكذا.» «كان هذا شيئًا فاتكًا … مات آلافٌ من الناس جرَّاء الوباء في نيويورك وحدها.» عانق مايسي بإحدى ذراعَيه وأمه بالأخرى. لم يتكلَّم منهم أحدٌ. قال ميريفال وهو يدخل غرفة المعيشة: «حسنًا، لقد كانت حربًا عظيمة حتى النهاية.» تبعته والدته وأخته. جلس في الكرسي الجلد ومدَّد ساقَيه بحذاءيه المُلمَّعين. «لا تعلمان كم هو رائع أن يعود المرء للوطن.» سحبت السيدة ميريفال كرسيها بالقرب من كرسيه. «الآن يا عزيزي أخبرنا بكل شيء عن الحرب.» ••• في ظلام المنحدر أمام باب المسكن، يمد يده ويسحبها إليه. «لا يا بوي، لا، لا تكوني قاسية.» تنشد ذراعاه كالحبال ذات العقد حول ظهرها؛ فترتعش ركبتاها. يتلمَّس فمها بفمه على طول عظمة وجنتها، أسفل جانب أنفها. لا يمكنها التنفس وشفتاه تجسان شفتَيها. «أوه لا أُطيق ذلك.» يُبعدها عنه. تترنَّح لاهثةً أمام الجدار الذي تجثم عليه يداه الكبيرتان. يهمس بلطف: «لا داعيَ للقلق.» «يجب أن أذهب، لقد تأخَّر الوقت … يجب أن أستيقظ في السادسة.» «حسنًا في أي وقتٍ تظنينني أستيقظ؟» «ربما تراني أمي …» «قولي لها أن تذهب إلى الجحيم.» «سأفعل يومًا ما … الأسوأ من ذلك … إذا لم تتوقف عن مراقبتي.» تُمسك بوجنتَيه غير المحلوقتَين وتُقبِّله سريعًا في فمه وتنطلق بعيدًا عنه وتركض صاعدةً الطوابق الأربعة للسلم المتسخ. لا يزال مزلاج الباب مفتوحًا. تخلع حذاء الرقص وتمشي بحذر عبر المطبخ الصغير على قدمَين تؤلمانها. من الغرفة التالية يأتي الشخير المزدوج المَصدر الصافر لعمها وزوجته. «هناك شخص يحبني، تُرى مَن هو …» سرى اللحن في كامل جسدها، في رجفة قدمَيها، والموضع الواخز من ظهرها حيث أمسك بها بقوة ليرقص معها. عليكِ أن تنسَي الأمر يا آنا وإلا فلن تنامي. عليكِ أن تنسَي يا آنا. صلصلت الأطباق المُعَدة للإفطار على الطاولات واخزةً مروِّعةً عندما اصطدمت بها. يأتي صوت أمها متذمِّرًا يغلب عليه النعاس: «أذلك أنتِ يا آنا؟» «ذهبتُ لأحضر كوبًا من الماء يا أمي.» تزفر المرأة العجوز ممتعضةً عبر أسنانها، ويُصرصر زنبرك السرير أثناء تقلُّبها فوقه. نائمة طوال الوقت. «هناك شخص يحبني، تُرى مَن هو؟» تخلع فستان سهرتها وترتدي ثوب نومها. ثم تسير على أطراف أصابعها إلى الخزانة لتعلِّق الفستان، ثم تندس في النهاية بين الأغطية شيئًا فشيئًا كي لا تُصدر ألواحُ السرير صريرًا. «تُرى مَن هو؟» جَر أقدام، جر أقدام، وأضواء ساطعة، ووجوه وردية منتفخة، وأذرع قابضة، وأفخاذ مشدودة، وأقدام قافزة. «تُرى مَن هو؟» جَر أقدام، أزيز ساكسفون مطنطن، جَر أقدام مع إيقاع الطبل، مزمار الترومبون، ومزمار الكلارينيت. أقدام، أفخاذ، وجنات متلاصقة، «هناك شخص يحبني …» جَر أقدام، جَر أقدام. «تُرى مَن هو؟» ••• ينام الطفل ذو الوجه والقبضتَين المغلقتَين الصغيرتَين ببشرة وردية مع مسحة أرجوانية فوق التخت. كانت إلين متكئةً على حقيبة جلدية سوداء. وكان جيمي هيرف في قميصه الذي لا يرتدي شيئًا فوقه ينظر من كوة السفينة. «حسنًا، ذلك تمثال الحرية … يجب أن نخرج على ظهر العبَّارة يا إيلي.» «سيمر وقت طويل قبل أن نرسو … هيا للأعلى.» «سآتي مع مارتن خلال دقيقة.» «أوه تقدمي، سنضع أغراض الطفل في الحقيبة عندما نقترب من المنزلَق.» خرجا على ظهر العبَّارة في سماء ظهيرة ساطعة من ظهائر سبتمبر. كانت المياه نيليةً مخضرَّة. ظلَّت الرياح المستقرة تجرف لفائف من الدخان البني ولُطخًا من البخار الأبيض كبياض القطن عن قوس السماء النيلي الأزرق العالي المهول. أمام أفق ملطخ بالسُّخام، تتداخل فيه الصنادل، والبواخر، ومداخن محطات توليد الطاقة، وأرصفة الميناء المغطاة، والجسور، كانت نيويورك السفلى عبارةً عن هرم مستدق باللونَين الوردي والأبيض كما لو كان مُشكَّلًا نحيفًا من ورق مقوًّى. «يجب أن نُخرج مارتن يا إيلي كي يتمكَّن من المشاهدة.» «ويبدأ في الصراخ كزورق قَطر … إنه أفضل حالًا حيث هو.» انحنيا أسفل بعض الحبال، وتسلَّلا مارَّين بالرافعة البخارية المقعقِعة وخرجا إلى مقدمة العبَّارة. «يا إلهي يا إيلي، إنه أعظم مشهد في العالم … لم أظن قط أنني سأرجع في يوم من الأيام، أظننتِ أنتِ كذلك؟» «كان لديَّ نية قوية للعودة.» «ولكن ليس على هذه الحال.» «كلا، لا أظن أنني تخيَّلت الأمر كذلك.» بالفرنسية: «من فضلكِ يا سيدتي …» كان هناك بحَّار يشير لهم أن يرجعوا. أدارت إلين وجهها تجاه الرياح لإبعاد الشُّعيرات النحاسية اللون من عينَيها. بالفرنسية: «هذا جميل، أليس كذلك؟» ابتسمت وسط الريح في وجه البحَّار الأحمر. بالفرنسية: «أحب أكثر مدينة لو هافر … من فضلكِ يا سيدتي.» «حسنًا، سأذهب إلى الأسفل وأُجهِّز مارتن.» أبعد الطنين الحاد، طنين زورق القطر أثناء مروره بجانبهما، ردَّ جيمي عن أذنَيها. غادرته خلسةً ونزلت إلى المقصورة مرةً أخرى. كانا عالقَين وسط زحام الناس في طرف المعبر. قالت إلين: «اسمع، يمكننا انتظار حمَّال.» «لا يا عزيزتي، لقد حملت الحقائب.» كان جيمي يتصبَّب عرقًا ويلهث حاملًا حقيبةً في كل يد وحزم تحت ذراعَيه. كان الطفل بين ذراعَي إلين يهدل ويمد يدَيه الصغيرتَين نحو الوجوه في كل مكان حوله. قال جيمي وهما يعبران المعبر: «أتعلمين؟ أتمنَّى لو ظَلِلنا بالعبَّارة … أكره العودة إلى المنزل.» «أنا لا أكره … إن ﻫ … سأتبعك على الفور … أردت أن أبحث عن فرانسيس وبوب. مرحبًا …» «حسنًا، سأكون …» «لقد اكتسبتِ بعض الوزن يا هيلينا، تبدين رائعة. أين جيمبس؟» كان جيمي يفرك يدَيه معًا؛ فقد أصابهما التصلب والحِكة من أثر مقابض الحقائب الثقيلة. «مرحبًا يا هيرف. مرحبًا يا فرانسيس. أليس هذا مدهشًا؟» «يا إلهي، أنا سعيد برؤيتك …» «ما يجب أن أفعله يا جيمبس هو الذهاب بالطفل مباشرةً إلى فندق بريفورت …» «أليس لطيفًا؟» «… هل معك خمسة دولارات أمريكية؟» «معي دولار فكة. تلك المائة في الحساب المسبق للفندق.» «إن معي الكثير من المال. سنذهب أنا وهيلينا إلى الفندق ويمكنكما أن تتبعانا بالأمتعة.» «هل مسموح لي أيها المفتِّش أن أعبر بالطفل؟ سيراقب زوجي الحقائب.» «بالتأكيد يا سيدتي، تفضَّلي.» «أليس لطيفًا؟ أوه يا فرانسيس هذا مَرِح جدًّا.» «هيا يا بوب يمكنني إنهاء هذا بمفردي أسرعَ من ذلك … سترافق السيدتَين إلى فندق بريفورت.» «حسنًا، نحن نكره أن نتركك.» «أوه، هيا … سألحق بكم على الفور.» «السيد جيمس هيرف وزوجته وطفل رضيع … هل هذا كل شيء؟» «نعم هذا صحيح.» «سأكون معكما على الفور يا سيد هيرف … هل هذه هي الأمتعة كلها؟» «نعم كل شيء هناك.» قالت فرانسيس بصوت قوقأة بينما هي وهيلدبراند يتبعان إلين إلى داخل سيارة الأجرة: «أليس جميلًا؟» «مَن؟» «الطفل بالطبع …» «أوه، يجب أن تريه وقتًا ما أحيانًا … يبدو أنه يحب السفر.» فتح رجل عسكري بملابس مدنية باب سيارة الأجرة ونظر بالداخل بينما كانوا يخرجون من البوابة. سأله هيلدبراند: «هل تريد أن تشم أنفاسنا؟» كان للرجل وجه جامد ككتلة خشبية. أغلق الباب. «لم تسمع هيلينا بالحظر بعد، أليس كذلك؟» «إنه يُفزعني … انظر.» «يا إلهي!» أخرجت من أسفل البطانية التي كانت ملفوفةً حول الطفل حُزمة من الورق البُني … «كوارتان من شرابنا المُسكر المميَّز … مذاق العائلة يا هيرف … ولديَّ كوارت آخر في قربة أسفل حزام خصري … لهذا أبدو كما لو كنت سأُنجب طفلًا آخر.» شرع الزوجان هيلدبراند في الصياح ضاحكَين. «يحمل جيمب قِربةً حول خصره أيضًا وشراب الشارتروز في قارورة فوق وركه … سنُضطر على الأرجح إلى الذهاب وإخراجه من الحبس بكفالة.» كانوا لا يزالون يضحكون حتى إن الدموع كانت تنهمر على وجوههم عندما وصلوا عند الفندق. في المصعد بدأ الطفل في العويل. بمجرد أن أغلقت باب الغرفة المشمسة الكبيرة، أخرجت القِربة من تحت فستانها. «اسمع يا بوب، اتصل بهم في الأسفل واطلب منهم ثلجًا مكسرًا ومياهًا فوَّارة … سنتناول جميعًا الكونياك مع الماء الفوَّار …» «ألم يكن من الأفضل لو انتظرنا جيمبس؟» «أوه، سيكون هنا على الفور … ليس معه شيء عليه جمارك … فهو مفلس للغاية لدرجة أنه لا يمكنه أن يجلب شيئًا … فرانسيس، ماذا عن الحليب في نيويورك؟» «كيف لي أن أعرف يا هيلينا؟» تورَّد وجه فرانسيس هيلدبراند وسارت إلى النافذة. «أوه حسنًا، سنعطيه طعامه مرةً أخرى … لقد أبلى بلاءً حسنًا معه في الرحلة.» وضعت إلين الطفل على السرير. استلقى يركل وينظر حوله بعينَين داكنتَين مستديرتَين كحجرَين ذهبيَّين. «أليس سمينًا؟» «إنه يتمتَّع بصحة جيدة وأنا متأكدة من أنه أبله قطعًا … أوه بحق السماء يجب أن أتصل بوالدي … أليست الحياة الأسرية شديدة التعقيد؟» كانت إلين تُعد موقد الكحول الصغير الخاص بها على حوض الغسيل. جاء الفرَّاش ومعه فوق صينية كئوس ووعاء من الجليد المصلصل وزجاجة ماء فوَّار وايت روك. «أعِد لنا مشروبًا من القِربة. ينبغي أن نشربه وإلا تسبَّب في تآكل المطاط … سنشرب نخب مقهى هاركورت.» قال هيلدبراند: «بالطبع ما لا تدركونه أنتم الصغار أن صعوبة الحظر هي في البقاء بلا ثُمالة.» ضحكت إلين، ووقفت في ضوء المصباح الصغير الذي تفوح منه رائحة منزلية هادئة من النيكل الساخن والكحول المحترق. ••• كان جورج بالدوين يسير في جادة ماديسون ومعطفه الخفيف فوق ذراعه. كانت معنوياته المتعبة تنتعش في شفق الخريف المتلألئ في الشوارع. من مربع سكني إلى آخر عبر ظلمة عوادم البنزين لسيارة الأجرة المطنطِنة، يتجادل في أذنه محاميان يرتديان معطفَين أسودَين من الصوف وياقتَين متيبستَين ذواتَي طرفَين. إذا عدت إلى المنزل، فسيكون الوضع مريحًا في المكتبة. ستكون الشقة مظلمةً وهادئة ويمكنك أن تجلس مرتديًا نعلَيك أسفل التمثال النصفي لشيبيون الأفريقي على الكرسي الجلد وأن تقرأ وتطلب أن يُرسل لك طعام العشاء … ستكون نيفادا مرحةً وعلى طبيعتها وتروي لك قصصًا مضحكة … ستكون على علم بكل القيل والقال في دار البلدية … من الجيد أن تعرف ذلك … لكنك لن ترى نيفادا بعد الآن … الأمر خطير جدًّا؛ إنها تزعجكم جميعًا … وتجلس سيسيلي شاحبةً وأنيقة ونحيلة تعض شفتَيها، إنها تكرهني، وتكره الحياة … يا إلهي كيف سأُحسِّن من وجودي؟! توقف أمام محل لبيع الزهور. جاءت من الباب رائحة فخمة ورطبة كالعسل، وخرج بكثافة في الشارع الذي يغلب عليه اللون الأزرق الفولاذي القوي. لو كنت أستطيع على الأقل أن أجعل وضعي المالي حصينًا … في النافذة كانت هناك حديقة يابانية منمنمة بها جسور محدبة وبرك بدت فيها الأسماك الذهبية كبيرةً كالحيتان. إنه التناسب، هذا كل ما هنالك. أن تخطِّط لحياتك كالبستاني الحكيم الذي يحرث ويبذر بذورًا في حديقته. لا، لن أذهب لأرى نيفادا الليلة. ولكني قد أُرسل لها بعض الزهور. الورود الصفراء، تلك الورود النحاسية اللون … إن إلين هي من يجب أن تضع هذه الورود. لا أستطيع أن أتخيَّل أنها تزوَّجت مرةً أخرى ولديها طفل. دخل إلى المتجر. «ما اسم تلك الوردة؟» «إنها وردة ذهب أوفير يا سيدي.» «حسنًا، أريد إرسال حُزمتَين إلى فندق بريفورت على الفور … الآنسة إلين … لا، بل السيد والسيدة جيمس هيرف … سأكتب بطاقة.» جلس إلى المكتب ومعه قلم في يده. رائحة الورود الذكية، تفوح من نيران شعرها الداكنة … كلا، هذا بلا معنًى بحق السماء … عزيزتي إلين، أرجو أن تسمحي لصديق قديم بزيارتكِ أنتِ وزوجكِ في يوم من الأيام. ورجاءً تذكري أنني دائمًا حريص بصدق — أنتِ تعرفينني جيدًا على نحوٍ لا يجعلك تَعُدين هذه دعوةً فارغة من باب التأدب فحسب — على خدمتكِ وخدمته بأي طريقة من شأنها أن تُسهم في تحقيق سعادتكِ. سامحيني إن كنتُ أتعهَّد أن أكون عبدكِ ومعجبكِ مدى الحياة. جاءت الرسالة في ثلاث من البطاقات البيضاء لبائعي الزهور. راجعها بشفتَين زامَّتَين، منقِّحًا ومدقِّقًا فيها بشدة. ثم دفع لبائع الزهور من لفافة الأوراق النقدية التي أخذها من جيبه الخلفي وخرج مرةً أخرى إلى الشارع. كان الظلام قد حلَّ بالفعل، وكانت الساعة تقترب من السابعة. وقف ولا يزال متردِّدًا عند الناصية يشاهد مرور سيارات الأجرة بألوانها الصفراء، والحمراء، والخضراء، واليوسفية. ••• تسير الناقلة ذات الواجهة الشبيهة بوجه أفطس الأنف بطيئةً عبر المضيق مبعثرةً المياه في المطر. يقف الرقيب أول أوكيف والجندي أول داتش روبرتسون في مأوى المقصورة على سطح السفينة ينظران إلى البواخر الراسية في الحجر الصحي والشواطئ المنخفضة المبعثَرة بجوار الرصيف. «انظر، بعضهم لا يزال يحمل طلاءً، إنها قوارب مجلس الشحن … لا تستحق ثمن البارود الذي يوضع في المدافع من أجل تفجيرها.» قال جو أوكيف بصوت خافت: «إنها كذلك فعلًا بحق الجحيم.» «يا إلهي ستروق لي نيويورك الصغيرة العجوز …» «أنا أيضًا أيها الرقيب، مهما كانت الظروف.» يمران بالقرب من كتلة من البواخر الراسية في إحدى الساحات، يميل بعضها إلى جانب أو آخر، سفن نحيفة قصيرة الأقماع، وسفن طويلة الأقماع حمراء صدئة، بعضها مخطَّط ومرشوش ومنقَّط بالمعجون وطلاء تمويه أزرق وأخضر. لوَّح رجل في زورق آلي بذراعَيه. يبدأ الرجال المتكوِّمون بالمعاطف الكاكية على سطح الناقلة الرمادية التي تقطر منها المياه في الغناء: عبر الضباب الذي يتخلَّله الضوء خلف المباني المنخفضة لجزيرة جفرنرز، كان بمقدورهما رؤية الصروح الطويلة، والكابلات المنحنية، والأربطة المعلَّقة لجسر بروكلين. يُخرج روبرتسون حُزمةً من جيبه ويرمي بها من فوق المركب. «ماذا كان ذلك؟» «إنها أدوات الوقاية الخاصة بي فحسب … لن أحتاجها بعد الآن.» «كيف ذلك؟» «أوه، سأحيا حياةً نزيهة وأجد لي وظيفةً جيدة وربما أتزوَّج.» «أظنُّها ليست بالفكرة السيئة. لقد تعبت من خداع نفسي. يا إلهي، لا بد أن أحدًا يتكسَّب من قوارب مجلس الشحن.» «هذا هو المكان الذي يصل فيه رجال الدولار الواحد لمكانتهم على ما أظن.» «سأُخبر العالم بذلك.» على متن العبَّارة يغنيان: «يا إلهي، إننا ذاهبون إلى النهر الشرقي أيها الرقيب. أين يظنُّون أنهم سيرسون بنا بحق الشيطان؟» «يا إلهي، أنا مستعدٌّ للسباحة إلى الشاطئ وحدي. وفكِّر فحسب في جميع هؤلاء الرجال الذين كانوا هنا يتكسَّبون منا طوال هذا الوقت … ١٠ دولارات في اليوم مقابل العمل في ترسانة سفن، أتعي ذلك؟ …» «بحق الجحيم أيها الرقيب، لقد اكتسبنا الخبرة.» «خبرة …» «أُراهن أن القبطان كان يتناول الشراب بكثرة وظن أن بروكلين هي هوبوكين.» «حسنًا، هناك وول ستريت، يا أخي.» يمران أسفل جسر بروكلين. ثمة طنين قطارات كهربائية فوق رءوسهم، ووميض بنفسجي بين الحين والآخر من القضبان الرطبة. وخلفهما وراء الصنادل، وزوارق القَطر، وعبَّارات السيارات، كانت المباني الشاهقة المخطَّطة باللون الأبيض مع نفحات من البخار والضباب، تتصاعد رماديةً إلى داخل السُّحب المتدلية. ••• لم يقل أيٌّ منهم شيئًا أثناء تناولهم الحساء. جلست السيدة ميريفال في فستان أسود إلى رأس الطاولة البيضوية تنظر عبر النصف المسحوب من ستائر الباب ونافذة قاعة الاستقبال وراء عمود من دخان أبيض غير ملفوف في ضوء الشمس فوق ساحات القطارات، وتتذكَّر زوجها وكيف أتيا قبل سنوات لتفقُّد الشقة في المنزل غير المكتمل الذي كانت تفوح منه رائحة الجبس والطلاء. عندما أنهت حساءها أخيرًا أفاقت من ذكرياتها وقالت: «حسنًا يا جيمي، هل ستعود إلى العمل في الصُّحف؟» «أظن ذلك.» «جيمس معروض عليه بالفعل ثلاث وظائف. أظنه أمرًا رائعًا.» قال جيمس ميريفال لإلين التي جلست بجانبه: «ولكني أظن أنني سأُواصل العمل مع الرائد. الرائد جوديير كما تعلمين، يا نسيبتي هيلينا … أحد أبناء عائلة بافلو. إنه رئيس قسم الصرف الأجنبي في مؤسسة بانكيرز تراست … يقول إنه بمقدوره تشغيلي بسرعة. كنا صديقَين في الخارج.» قالت مايسي بصوت هديل: «سيكون ذلك رائعًا، أليس كذلك يا جيمي؟» جلست في الجهة المقابلة نحيلةً ومتوردة في ثوبها الأسود. واصل ميريفال: «إنه سيُقدِّمني لبيبنج روك.» «وما ذلك؟» «عجبًا يا جيمي، يجب أن تعرف … أنا واثقة من أن نسيبتنا هيلينا قد تناولت الشاي هناك مراتٍ عديدة.» قالت إلين وعيناها في طبقها: «تعرفون جيمبس. هذا هو المكان الذي اعتاد والد ستان إيميري الذهاب إليه كل يوم أحد.» قالت السيدة ميريفال: «أوه، هل تعرفين ذلك الشاب التعيس الحظ؟ كان ذلك أمرًا مُروِّعًا.» «حدث الكثير من الأشياء الفظيعة في هذه السنوات … كدت أنسى الأمر.» قالت إلين: «نعم كنت أعرفه.» قُدم لهم فخذ الخروف مع الباذنجان المقلي، ثم تبعهما الذرة والبطاطا الحلوة. قالت السيدة ميريفال عندما انتهت من تقطيع الطعام: «أتعلمين، أظن أنه أمر فظيع ألَّا تخبرانا عن تجاربكما هناك … لا بد أن الكثير منها مثيرٌ للاهتمام جدًّا. أظن يا جيمي أنه ينبغي عليك أن تؤلِّف كتابًا عن خبراتك.» «لقد جرَّبت كتابة بعض المقالات.» «متى ستظهر للناس؟» «لا يبدو أن أحدًا يرغب في طباعتها … كما ترَين فأنا أختلف جذريًّا في بعض مسائل الرأي …» «لقد مرَّ وقت طويل يا سيدة ميريفال على آخر مرة أكلت فيها بطاطا حلوةً كهذه … طعمها كطعم نبات اليام.» «إنها طيبة … هذه هي الطريقة التي أطهوها بها فحسب.» قال ميريفال: «حسنًا، كانت حربًا عظيمة حتى النهاية.» «أين كنت ليلة الهُدنة يا جيمي؟» «كنت في القدس مع الصليب الأحمر. أليس هذا سخيفًا؟» «كنت في باريس.» قالت إلين: «وأنا كذلك.» «إذن كنتِ هناكِ أيضًا يا هيلينا؟ سأناديكِ هيلينا في النهاية؛ لذلك ربما أبدأ الآن … أليس هذا رائعًا؟ هل تقابلتِ أنتِ وجيمي هناك؟» «أوه لا، لقد كُنَّا صديقَين قديمَين … ولكننا الْتقينا بالمصادفة كثيرًا … كُنَّا في القسم نفسه في الصليب الأحمر، قسم الدعاية.» هتفت السيدة ميريفال: «قصة حرب رومانسية حقيقية. أليس ذلك رائعًا؟» ••• صرخ جو أوكيف والعرق يتصبَّب على وجهه الأحمر: «الآن يا رجال هكذا يسير الأمر.» «هل سنطرح اقتراح المكافأة هذا أم لا؟ … لقد قاتلنا من أجلهم أليس كذلك؟ تخلَّصنا من الحمقى، أليس كذلك؟ والآن عندما نعود إلى المنزل، يعطوننا الفُتات. لا توجد وظائف … وقد ذهبت فتياتنا وتزوَّجن من رجال آخرين … يُعاملوننا كحَفنةٍ من المتشرِّدين والمتسكِّعين المتسخين عندما نُطالب بتعويضنا العادل والشرعي والقانوني … لا توجد مكافآت. هل سندعم ذلك؟ … لا. سندعم حَفنةً من السياسيين الذين يعاملوننا كما لو كُنَّا نجوب الأبواب الخلفية طلبًا للصدقة؟ … أُطالبكم أيها الرجال …» دقَّت الأقدام على الأرض. «لا». صاحت الأصوات: «فلتذهب معهم إلى الجحيم» … «الآن أقول إلى الجحيم مع السياسيين … سننقُل حملتنا إلى البلد … إلى الشعب الأمريكي العظيم السخي الكبير القلب الذي قاتلنا ونزفنا الدماء وقدَّمنا أرواحنا في سبيله.» هدرت غرفة الذخيرة الطويلة بالتصفيق. دقَّ الجرحى في الصف الأمامي على الأرض بعكازاتهم. قال رجل بلا ذراعَين لرجل بعين واحدة وساق صناعية جلس بجانبه: «إن جوي رجل جيد.» «إنه كذلك يا صديقي.» بينما كانوا يصطفون يقدِّم كلٌّ منهم للآخر السجائر، وقف رجل عند الباب ينادي: «اجتماع اللجنة، لجنة المكافآت.» جلس الأربعة حول طاولة في الغرفة التي أعارها لهم العقيد. «حسنًا أيها الرجال، لنشرب سيجارة.» قفز جو فوق مكتب العقيد وأخرج أربع سجائر روميو وجولييت. «لن يفوته ذلك أبدًا.» قال سِيد جارنيت وهو يمدِّد ساقَيه الطويلتَين: «أقترح أن نتحلَّى بالقليل من المثابرة.» قال بيل دوجان: «أليس لديك بعضٌ من شراب السكوتش يا جوي؟» «لا، أنا مُقلع عن الشراب حاليًّا.» يقول سيجال متغطرسًا: «أعرف أين تحصل على شراب مضمون ماركة هيج. قبل الحرب كان الكوارت بستة دولارات.» «وأين يمكننا الحصول على ستة دولارات بحق المسيح؟» قال جو، جالسًا على حافة الطاولة: «الآن اسمعوا يا رفاق، لنصل إلى بيت القصيد … ما يتعيَّن علينا فعله هو جمع الأموال من المجموعة ومن أي مكان آخر يمكننا أن نجمع منه المال … هل اتفقنا على ذلك؟» قال دوجان: «بالتأكيد سنفعل، أخبرهم.» «أعرف الكثير من الرجال القدامى كذلك، أعتقد أن الأولاد سيلقَون معاملةً قاسية … سنُطلق عليها اسم لجنة إضراب مكافآت بروكلين المرتبطة بمُعَسكر شيمس أوريلي لمنظمة الفيلق الأمريكي … لا فائدة من فعل شيء ما لم تفعلوه على النحو الصحيح … الآن هل أنتم معي يا رجال أم لا؟» «بالتأكيد نحن معك يا جوي … سنخبرهم وننتظر على أُهبة الاستعداد.» «حسنًا ينبغي أن يكون دوجان هو الرئيس لأنه الأفضل مظهرًا.» تورَّد وجه دوجان وبدأ يتلعثم. قال جارنيت ساخرًا: «أوه، يا شاطئ بحر أبولو.» «وأظن أنه يمكنني تقديم أفضل ما لديَّ في منصب أمين الصندوق لأن لديَّ خبرةً كبيرة في الأمر.» قال سيجال بصوت خافت: «تعني لأنك الأقل نزاهة.» مدَّ جو فكَّه. «اسمع يا سيجال، هل أنت معنا أم لا؟ من الأفضل أن تخرج من هنا على الفور إن لم تكن معنا.» قال دوجان: «بالتأكيد، امنعوا المزاح. جوي هو الرجل الذي يُنجِح الأمر، تعلمون ذلك … امنعوا المزاح … إن لم يعجبك يمكنك أن تخرج.» يفرك سيجال أنفه النحيف المعقوف. «كنت أمزح فحسب أيها السادة، لم أقصد أي أذًى.» تابع جو غاضبًا: «اسمع، فيمَ تظنني أُضيِّع وقتي؟ … عجبًا لقد رفضت بالأمس ٥٠ دولارًا أمريكيًّا في الأسبوع، ألم يحدث ذلك يا سِيد؟ رأيتني وأنا أتحدَّث إلى الرجل.» «بالطبع رأيتك يا جوي.» قال سيجال: «أوه، فلتهدءوا يا رجال. لقد كنت أمزح مع جوي فحسب.» «حسنًا، أظنك يا سيجال يجب أن تكون سكرتيرًا؛ لأنك خبير في العمل المكتبي …» «العمل المكتبي؟» قال جو نافخًا صدره: «بالتأكيد. أعلم أننا سنحصل على مساحة مكتبية في مكتب الرجل … كل شيء على ما يرام. سيسمح لنا باستخدامه بالمجان حتى نبدأ. وسنحصل على الأدوات المكتبية. لا يمكننا تحقيق أي شيء في هذا العالم دون تقديم الأشياء كما ينبغي.» سأل سِيد جارنيت: «وأين يأتي دوري؟» «أنت اللجنة، أيها القوي الكبير.» سار جو أوكيف بعد الاجتماع يُصفِّر في جادة أتلانتك. كانت ليلةً باردة؛ فقد كان يسير واثبًا. كان هناك ضوء في مكتب الدكتور جوردون. رنَّ جرس الباب. فتح البابَ رجل أبيض يرتدي سترةً بيضاء. «مرحبًا يا دكتور.» «أهذا أنت يا أوكيف؟ ادخل يا بُني.» كان ثمة شيء في صوت الطبيب يمسكه كيد باردة من عموده الفقري. «حسنًا، هل نتيجة الاختبار جيدة يا دكتور؟» «أجل … النتيجة إيجابية بالفعل.» «يا إلهي.» «لا تنشغل كثيرًا بالأمر يا بُني، سأُعالجك في بضعة أشهر.» «أشهر؟» «عجبًا، وفقًا للتقديرات المتحفِّظة فإن نسبة ٥٥٪ من الأشخاص الذين تقابلهم في الشارع مصابون بداء الزهري.» «لم أكن أحمقَ لعينًا. بل كنت حذرًا في الأمر.» «إنه أمر لا مفر منه في زمن الحرب …» «أتمنَّى الآن لو أنني لم أكن حريصًا … كم من فرص أضعت!» ضحك الطبيب. «ربما لن تعاني من أي أعراض … الأمر لن يتعدَّى بعض الحُقن. سأجعلك معافًى بصحة جيدة في وقت قصير … هل تريد أن تأخذ حقنةً الآن؟ لقد جهَّزت كل شيء.» أصبحَت يدا أوكيف باردتَين. قال منتزعًا ضحكة: «حسنًا، أظن ذلك. أظن أنني سأصبح كترموميتر لعين عندما تفرغ من علاجي.» ضحك الطبيب مصرصِرًا. «سيمتلئ جسمي بالزرنيخ والزئبق … ذلك ما أعنيه.» كانت الرياح تهب أكثر برودة. وكانت أسنانه تُقعقع. سار إلى المنزل في الليلة الباردة القاسية كالحديد الصلب. من الحماقة أن فقدت وعيي بذلك الشكل عندما فاجأني بالخبر. كان لا يزال بمقدوره الشعور بوخز الإبرة المثير للغثيان. صرَّ على أسنانه. بعد هذا لا بد أن أحظى ببعض الحظ … لا بد أن أحظى ببعض الحظ. ••• يجلس رجلان بدينان ورجل نحيف إلى طاولة بجوار النافذة. يلتقي الضوء الزنكي اللون للسماء الغائمة ببريق ساطع من الكئوس، والأواني الفضية، وأصداف المحار، والعيون. كان ظهر جورج بالدوين إلى النافذة. وجلس جاس ماك نيل إلى يمينه، ودينش إلى يساره. عندما يميل النادل لإزالة أصداف المحار الفارغة، يمكنه عبر النافذة، وراء الدرابزين من الحجارة الرمادية، أن يرى قمم بعض المباني البارزة كما لو كانت آخر أشجارٍ على حافة جرف، والآفاق القصديرية اللون للميناء ممتلئة بالسفن. يقول جاس ماك نيل: «أنا أعظك بهذا هذه المرة يا جورج … يعلم الرب أنك كنت تعظني بما فيه الكفاية في الأيام الخوالي. صدقًا، إنها حماقة مطلقة. من الحماقة المطلقة أن تُفوِّت فرصةً للعمل السياسي في هذا الوقت من حياتك … لا يوجد رجلٌ في نيويورك أكثر ملاءمةً منك لتقلُّد المنصب …» يقول دينش بصوتٍ عميق، مُخرجًا نظارته ذات الإطار الشبيه بصدفة السلحفاة من حافظةٍ وواضعًا إياها على عجل فوق أنفه: «يبدو لي كما لو أن هذا من واجبك يا بالدوين.» أحضر النادل شريحة لحمٍ كبيرةً على لوح خشبي تحوطها حصون من الفطر والجزر المقطع قطعًا صغيرة والبازلاء والبطاطس المهروسة المحمَّرة الوجه والمجعَّدة. يُثبِّت دينش نظَّارته ويحدِّق باهتمام إلى شريحة اللحم على اللوح الخشبي. يقول، مقطِّعًا بسكينٍ فولاذيٍّ مصقولٍ حادٍّ شريحةَ اللحم السميكة نصف المطهوَّة والمُتبَّلة جيدًا بالفُلفل الأسود: «طبق سخي جدًّا يا بين، ينبغي أن أقول إنه طبق سخي جدًّا … هذا ما في الأمر يا بالدوين … عندما أنظر إليه … البلد يمر بفترةٍ خطيرةٍ من إعادة الإعمار … الارتباك المصاحب بانتهاء صراعٍ كبير … إفلاس قارة … يذيع صيت البلشفية والمذاهب الهَدَّامة … أمريكا …» مضغ قضمةً ملء فمه ببطء. استأنف قائلًا: «أمريكا في موقع يجعلها تتولَّى حراسة العالم. المبادئ العظيمة للديمقراطية، مبادئ تلك الحرية التجارية التي تعتمد عليها حضارتنا بأكملها صارت على المحك أكثر من أي وقت مضى. الآن نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى رجالٍ يتمتَّعون بقدرات راسخة ونزاهة لا تشوبها شائبة في الوظائف العامة، ولا سيما في المناصب التي تتطلَّب خبرةً قضائية ومعرفةً قانونية.» «هذا ما كنت أحاول أن أقوله لك منذ بضعة أيام يا جورج.» «حسنًا هذا كله جيد يا جاس، ولكن كيف لك أن تعرف أنهم سينتخبونني … ففي نهاية المطاف سيعني هذا التخلي عن ممارستي للمحاماة لعددٍ من السنوات، سيعني …» «اترك هذا لي فحسب … لقد انتُخبت يا جورج بالفعل.» يقول دينش: «شريحة لحم جيدة للغاية، يجب أن أقول … كلا، ولكن الصُّحف تتناول أحاديث جانبية … صادف أن عرفت من مصدر سري وموثوق أن هناك مؤامرةً تخريبية بين العناصر غير المرغوب فيها في هذا البلد … يا إلهي، فكِّر في انفجار وول ستريت … يجب أن أقول إن موقف الصحافة كان مُرضيًا في أحد الجوانب … نحن نقترب في الواقع من وحدة وطنية لم نحلم بها قبل الحرب.» قاطعه جاس، قائلًا: «كلا، ولكن يا جورج، لنتحدَّث بصراحة … من شأن القيمة الدعائية للعمل السياسي دعم مسيرتك في المحاماة نوعًا ما.» «ربما نعم وربما لا يا جاس.» يفك دينش ورق القصدير عن السيجار. «على أي حال، للأمر هيبة كبيرة.» يخلع نظارته ويرفع رقبته السميكة كي ينظر للخارج في الامتداد المشرق للميناء الممتد مليئًا بالصواري، والدخان، ولطخ من البخار، ومستطيلات الصنادل الداكنة، إلى مرتفعات جزيرة ستاتن التي يغشاها الضباب. كانت رقائق السحاب الساطعة تتفتَّت في السماء النيلية التي بدت مُهشَّمةً فوق متنزَّه باتري، حيث وقفت مجموعات من الأشخاص بثيابٍ داكنةٍ رثةٍ حول محطة إنزال جزيرة إيليس ورصيف القوارب الصغير، كما لو كانت تنتظر شيئًا ما في صمت. علق الدخان المُنهَك لزوارق القَطر والبواخر منخفضًا وممتدًّا على طول المياه الخضراء بخضرة الزجاج المعتم. كانت المراكب الشراعية الثلاثية الصواري تُسحب إلى مصب نهر الشمال. تخبَّط الشراع المرفوع لتوه على نحوٍ خطرٍ في الرياح. وفي المرفأ لاحت طويلة، طويلةً باخرةٌ بوجهتها الأمامية، ومداخنها الأربع الحمراء التي ظهرت كمدخنةٍ واحدة، لامعًا هيكلها العلوي السمني اللون. صاح الرجل الحامل للمجهر والمنظار الميداني: «أتت الباخرة «موريتانيا» لتوها بعد تأخير دام ٢٤ ساعة … انظروا إلى الباخرة «موريتانيا»، أسرع سفينة في المحيط، تتأخَّر ٢٤ ساعة.» تتبختر الباخرة «موريتانيا» شامخةً كناطحة سحابٍ عبر ميناء الشحن. شحذت فرجةٌ من ضوء الشمس الظلَّ أسفل غرفة القيادة العريض، على طول الخطوط البيضاء للأسطح العليا، لامعةً في صفوف كوَّات الباخرة. كانت المداخن متباعدة، وبدن الباخرة مُنبَسِطًا. يسير بدن الباخرة «موريتانيا» الأسود الصُّلب إلى نهر الشمال قاطعًا الطريق كسكين طويل ودافعًا بزوارق القَطر النافخة دخانها أمامه. كانت ثمة عبَّارة تغادر محطة المهاجرين، وحفَّت همهمة عبر الحشد الذي كان يملأ حواف الرصيف. «المُرحَّلون … إنهم الشيوعيون الذين تُرحِّلهم وزارة العدل … المُرحَّلون … الحُمر … إنهم يرحِّلون الحُمر.» كانت العبَّارة خارج المنزلق. جلست مجموعة من الرجال مُتسمِّرة في المؤخرة وقد بدَوا شديدي الصِّغر كتماثيل الجنود القصديرية. «إنهم يُرحِّلون الحُمر إلى روسيا.» لوَّح منديل على متن العبَّارة، منديل أحمر. كان الناس يمشون على أطراف أصابعهم برفقٍ إلى حافة الممشى، على أطراف أصابعهم، هادئين كما لو كانوا في غرفة للمرضى. خلف ظهور الرجال والنساء المحتشدين إلى حافة المياه، سار رجال الشرطة بوجوههم الأشبه بوجوه الغوريلا متأهِّبين للشجار ذهابًا وإيابًا يؤرجحون هِراواتهم في توتُّر. «إنهم يُرحِّلون الحُمر إلى روسيا … المُرحَّلون … المُحرِّضون … غير المرغوب فيهم.» … دارت النوارس وصاحت. كانوا كزجاجة صلصة كَاتشاب تعلو وتهبط بعنفٍ في الأمواج الصغيرة البيضاء بياض الزجاج المصقول. جاء صوت غناء من العبَّارة التي يصغر حجمها مُنسلَّةً عبر المياه. هذا هو النضال الأخير، لنتحد معًا، وغدًا ستوحِّد الاشتراكية الدولية الجنس البشري. صاح الرجل الحامل للمجهر والمنظار الميداني: «ألقِ نظرةً على المُرحَّلين … ألقِ نظرةً على الغرباء غير المرغوب فيهم.» انفجر صوت فتاة فجأة: «استيقظوا يا أسرى الجوع»، «صمتًا … يمكنهم أن يقبضوا عليكِ بسبب قولك هذا.» تبدَّد الغناء عبر المياه. في نهاية الأثر الرخامي الشكل للسفينة على صفحة المياه كانت العبَّارة تتقلَّص في الضباب. الاشتراكية الدولية … ستوحِّد الجنس البشري. توقَّف الغناء. من أعلى النهر جاء الخفقان المقعقِع الطويل لباخرة تغادر الرصيف. حامت النوارس فوق سواد الحشد بملابسهم الداكنة والذين وقفوا ينظرون إلى أسفل الخليج في صمت.
|
{
"chapter": "المدينة المبتهجة الساكنة مُطمَئنَّة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/3.1/"
}
|
يزعق رجل من فوق منصةٍ صغيرة مصنوعة من صندوق للصابون في الجادة الثانية وشارع هيوستن أمام مقهى كوزموبوليتان: «… هؤلاء الناس يا سادة … عبيد للأجور كما كنتُ … قابضون على أنفاسكم … إنهم يأخذون الطعام من أفواهكم. أين كل الفتيات الجميلات اللواتي اعتدت رؤيتهن يمشين ذهابًا وإيابًا في الشارع العريض المشجَّر؟ ابحثوا عنهن في الملاهي الليلية بشمال البلاد … إنهم يستنزفوننا يا أصدقاء … هؤلاء العُمال التابعون، العبيد كما ينبغي أن أقول عنهم … إنهم يأخذون عملنا ومُثُلنا ونساءنا … إنهم يبنون فنادق بلازا، ونوادي المليونيرات، ومسارحهم التي تُكلِّف الملايين وبوارجهم، فماذا يتركون لنا؟ … يتركون لنا هوس الشراء، والكُساح، والكثير من الشوارع المتسخة المليئة بصناديق القُمامة … تبدون شاحبين أيها الرفاق … أنتم بحاجة إلى الدماء … لمَ لا تسري الدماء في عروقك؟ … قديمًا في روسيا كان الفقراء … لم يكونوا بهذا الفقر مثلنا … كانوا يعتقدون في وجود مصاصي الدماء، وهي أشياء تأتي لتمتص دمك في الليل … هذه هي الرأسمالية، مصاص دماء يمتص دماءكم … في النهار … و… الليل.» بدأت الثلوج في التساقط. رقائقها ذهبية أمام مصباح الشارع. وعبر الزجاج المسطَّح، يمتلئ مقهى كوزموبوليتان بصدوع من الدخان الشبيهة بالعقيق الأزرق والأخضر كحوض سمك موحل، حيث تستدير الوجوه زهراء حول الطاولات كأسماك غير متناسقة. تبدأ المظلات في الظهور في مجموعات في الشارع المكسو بالثلوج. يرفع الخطيب ياقته ويمشي بسرعة شرقًا على طول هيوستن، ممسكًا بعلبة الصابون الموحلة بعيدًا عن بنطاله. تتمايل الوجوه، والقبعات، والأيدي، والصحف في عربة مترو الأنفاق الصاخبة العطنة كرائحة الذرة في مقلاتها الشبكية. مرَّ قطار وسط المدينة السريع مدوِّيًا بضوئه الأصفر، حيث تتداخل النافذة في الأخرى حتى تصبح كحراشف. قال ساندبورن لجورج بالدوين الذي كان مُعلِّقًا يده بحزام بجانبه: «انظر يا جورج، يمكنك أن ترى تقلُّص أطوال لورينتز.» «بل سأرى ما بداخل صالة استقبال حانوتي إن لم أخرج من مترو الأنفاق هذا سريعًا.» من الجيد أن يتفوَّق حكم الأثرياء بين الحين والآخر كي نرى كيف يتحرَّك النصف الآخر من الناس … ربما سيجعلك ذلك تحفِّز بعض زملائك الصغار في تنظيم تاماني هول السياسي للتوقف عن التنازع وإعطائنا نحن عبيد الأجور بعض وسائل النقل اللائقة … يا إلهي، يمكنني أن أقول لهم شيئًا أو اثنَين … أُفكِّر في إقامة سلسلة من منصات متحركة لا نهائية في الجادة الخامسة.» «هل دبَّرت ذلك الأمر عندما كنت في المستشفى يا فيل؟» «لقد دبَّرت الكثير من الأشياء أثناء وجودي في المستشفى.» «اسمع، لنخرج في محطة جراند سنترال ونمشِ. لا أستطيع تحمُّل هذا … لست معتادًا عليه.» «بالتأكيد … سأتصل بإلسي وأقول لها إنني سأتأخر قليلًا عن موعد طعام العشاء … فأنا لا أراك كثيرًا هذه الأيام يا جورج … مرحى، إن الأمر كالأيام الخوالي.» في كومة متشابكة من الرجال والنساء، والأذرع، والسيقان، والقبعات المائلة فوق الأعناق المتعرِّقة، دُفعا من فوق الرصيف. فسارا هادئَين في جادة ليكسينجتون في ضوء الشفق ذي الضباب الأرجواني كنبيذ الكلاريت. «ولكن يا فيل كيف حدث أن وقفتَ أمام شاحنةٍ هكذا؟» «صدقًا يا جورج لا أعرف … آخر ما أتذكَّره هو أنني مددت عنقي لأنظر إلى فتاة رائعة الجمال ركبَت سيارة أجرة وبعدها كنت أشرب الماء المثلَّج من إبريق الشاي في المستشفى.» «عار عليك يا فيل في عمرك هذا.» «يا إلهي، ألَا أعرف ذلك؟ ولكني لست الوحيد الذي يفعل ذلك.» «من الغريب أن يصدر منك شيء كهذا … عجبًا، ماذا سمعت عني؟» «يا إلهي يا جورج لا تتوتَّر، كل شيء على ما يرام … لقد رأيتها في عرض «فتاة الزَّينِية»… إنها رائعة. تلك الفتاة الأخرى التي هي نجمة العرض ليست بالجيدة.» «اسمع يا فيل، إذا سمعت أي شائعات عن الآنسة أوجليثورب فلتُخرسهم بحق السماء. إنه من السخيف للغاية ألا يمكنك الخروج لتناول الشاي مع امرأة دون أن يشرع الجميع في ثرثرتهم القذرة في جميع أنحاء البلدة؟ … وربي لن تكون لديَّ فضيحة، لا يهمني ما يحدث.» «اسمع، اكبح جِماح نفسك يا جورج.» «أنا في موقع حساس للغاية في وسط المدينة في هذه الفترة تحديدًا، هذا كل ما في الأمر … ثم إنني وسيسلي قد توصلنا أخيرًا إلى تسوية مؤقتة … لن أُفسدها.» واصَلا السير في صمت. سار ساندبورن وقبعته في يده. غلب على شعره البياض لكنَّ حاجبَيه كانا لا يزالان داكنَين وكثيفَين. كل بضع خطوات كان يُغيِّر من طول خطوته وكأنما كان السير يؤلمه. تنحنح. «كنت تسألني يا جورج عمَّا إذا كنت قد دبَّرت أي مُخطَّطات عندما كنتُ في المستشفى … هل تتذكر أن الهَرِم سبيكير كان قبل سنوات قد اعتاد التحدُّث عن بلاط من الزجاج مصقول فائق؟ حسنًا، لقد كنت أعمل على الصيغة التي وضعها بالخارج في هوليس … كان لصديقٍ لي هناك فرن درجة حرارته ٢٠٠٠ حيث كان يصنع الفَخَّار. ظننت أنه يمكن استخدامه لأغراض تجارية … يا إلهي، سيُحدث ثورةً في الصناعة بأكملها. فبدمجه مع الأسمنت سيزيد بشكلٍ كبيرٍ من مرونة المواد التي يستخدمها المهندسون المعماريون. يمكننا صناعة البلاط بأي لون، أو حجم، أو شكل … تخيَّل هذه المدينة عندما تُصبح جميع المباني مزينةً بألوانٍ زاهيةٍ بدلًا من ذلك اللون الرمادي القذر. تخيَّل نطاقات قرمزيةً حول ناطحات السحاب المعمَّدة. سيحدث البلاط الملوَّن ثورةً في جميع نواحي الحياة في المدينة … بدلًا من الرجوع إلى التصميمات التقليدية، أو القوطية، أو الرومانسكية؛ يمكننا تطوير تصميماتٍ جديدة، وألوانٍ جديدة، وأشكالٍ جديدة. إن كانت ثمة مسحةٌ من لونٍ في المدينة، فستنهار كل تلك الحياة التي تسكنها المشقة … سيزيد الحب ويقل الطلاق …» انفجر بالدوين ضاحكًا. «أخبِرهم يا فيل … سأتحدَّث معك عن ذلك وقتًا ما. يجب أن تأتي لتناول العشاء عندما تكون سيسلي حاضرةً وتُحدِّثنا في الأمر … عجبًا، ألم يفعل باركهورست أي شيء؟» «لم أكن لأسمح له بالتدخُّل في الأمر. لقد بدأ يستوعب الاقتراح وتخلَّى عني بمجرَّد أن أصبحَت معه الصيغة. لا آمن أن أُودعه ولو نيكلًا مُزيَّفًا.» «عجبًا، ألم يُدخلك في شراكةٍ معه يا فيل؟» «لقد وضعني حيثما يُريدني على أي حال … إنه يعلم أنني أقوم بالعمل كلِّه في مكتبه الملعون. ويعلم أيضًا أنني غريب الأطوار للغاية في تعاملي مع معظم الناس. إنه شخص ماهر.» «ما زلت أظن أنه يمكنك طرح الأمر عليه.» «إنه يضعني حيثما يريدني وهو يعلم ذلك؛ لهذا أُواصل القيام بالعمل بينما يجمع هو المال … أظن ذلك منطقيًّا. إذا كان لديَّ المزيد من المال لأنفقته. ما أنا سوى رجل كسول.» «لكن اسمع يا رجل، أنت لا تكبرني بكثيرٍ … ما زالت هناك مسيرة مهنية أمامك.» «بالتأكيد تسع ساعات في اليوم من الرسم الهندسي … يا إلهي، أتمنى أن تدخل في تجارة البلاط هذه معي.» توقف بالدوين عند أحد الأركان وصفع بيده الحقيبة التي كان يحملها. «حسنًا يا فيل، تعلم أنني سأكون سعيدًا للغاية لتقديم يد العون لك بأي طريقةٍ أستطيع … ولكن وضعي المالي في الوقت الحالي شديد التعقيد. لقد دخلتُ في بعض التشابكات المتهوِّرة إلى حدٍّ ما، والرب وحده يعلم كيف سأخرج منها … لهذا السبب لا أستطيع تحمُّل فضيحة أو طلاق أو أي شيء. أنت لا تفهم إلى أي مدًى من التعقيد تتداخل الأشياء … لا يمكنني الشروع في أي شيء جديد، ليس لمدة عام على الأقل. هذه الحرب في أوروبا قد جعلت الأمور غير مستقرةٍ للغاية في وسط المدينة. أي شيء يمكن أن يحدث.» «حسنًا. ليلة سعيدة يا جورج.» غيَّر ساندبورن اتجاهه فجأةً وسار في الجادة مرةً أخرى. كان متعبًا وكانت ساقاه تؤلمانه. دنا الظلام. وفي طريق الرجوع إلى المحطة، مرَّت كتل الطوب المتسخة والحجر الأسمر الرملي مجرورةً رتيبة كأيام حياته. ••• أسفل جلد صُدغَيها، تضيق المشابك الحديدية حتى تكاد تهرس رأسها كالبيضة، فبدأت تمشي بخطوات طويلة ذهابًا وإيابًا في غرفة تعُج بجو خانق مثير للحكة، حيث الرُّقَط الملوَّنة من الصور، والسجاد، والكراسي التي تلفها كبطانية ساخنة خانقة. خارج النافذة كانت الساحات الخلفية مُخطَّطة باللون الأزرق، والأرجواني الفاتح، والياقوت الأصفر لشفق سماء ممطرة. تفتح النافذة. كان ستان يقول لا وقت أفضل للسُّكْر من وقت الشفق. رنَّ الهاتف كما لو كان يمد أذرعًا محبَّبة مرتعشة كأذرع الأخطبوط. تصفع النافذة. يا للجحيم، ألَا يمكن أن يتركوا المرء يتمتَّع بأي سكينة؟ «عجبًا يا هاري لم أكن أعرف أنك عدت … أوه، تُرى هل يمكنني … أوه نعم أظن أنه يمكنني. فلتأتِ بعد العرض … أليس هذا رائعًا؟ يجب أن تُخبرني بكل شيء عن الأمر.» بمجرد أن وضعت السماعة، رنَّ الجرس مرةً أخرى. «مرحبًا … كلا أنا لا … أوه نعم ربما … متى عدت؟» أطلقت ضحكات كرنين الهاتف. «ولكن يا هوارد أنا مشغولة للغاية … نعم أنا بصراحة … هل حضرتَ العرض؟ حسنًا، تعالَ وقتًا ما بعد العرض … أنا مُتلهِّفة للغاية لسماع أخبار رحلتك … كما تعلم … وداعًا يا هوارد.» سيجعلني التنزُّه أشعر بتحسُّن. تجلس إلى طاولة زينتها وتهزُّ شعرها لأسفل حول كتفَيها. «يا له من مصدر إزعاج جهنمي، أود أن أُنهي كل ذلك … الأمر ينتشر بسرعة. ظل الموت الأبيض … يجب ألَّا أبقى مستيقظةً حتى وقت متأخر، تلك الهالات السوداء تحت عينَي … وبالباب، فساد غير مرئي … فقط لو كنت أستطيع البكاء؛ هناك من يستطيعون أن يبكوا بكاءً مرًّا، حقًّا يبكون حتى يفقدوا بصرهم … على أي حال فالطلاق الذي سأمر به … [هذا البيت وغيره من أجزاء قصيدة «أدونيس» لشيللي هو من ترجمة الدكتور لويس عوض.] يا إلهي، إنها السادسة بالفعل. تبدأ في المشي جيئةً وذهابًا في الغرفة مرةً أخرى. «وكأني أُحمَل في ظلمة وخوفٍ بعيدًا …» يرن الهاتف. «مرحبًا … نعم هذه الآنسة أوجليثورب … مرحى، أهلًا روث، يا إلهي لم أركِ منذ وقت طويل، منذ كانت السيدة ساندرلاند … أوه، بالطبع أحب أن أراكِ. تعالَي وسنتناول شيئًا في الطريق إلى المسرح … أنا في الطابق الثالث.» تضع السماعة وتأخذ معطف المطر من الخزانة. تتعلَّق رائحة الفِراء، وكرات النِّفتالين، والفساتين في أنفها. ترفع النافذة مرةً أخرى وتتنفَّس بعمق الهواء الرطب المليء بعفن الخريف البارد. تسمع صوت الانفجار المدمدم لباخرة كبيرة من النهر. أُحمل في ظلمة وخوفٍ بعيدًا عن هذه الحياة غير المنطقية، عن هذا الجنون والنزاع المُشَوَّشين، يمكن للرجل أن يأخذ سفينةً لزوجته، ولكن الفتاة لا يمكنها ذلك. يرن الهاتف رنينًا مُخترِقًا مرتعشًا. يؤزُّ جرس الباب في الوقت نفسه. تضغط إلين على الزر لينفتح الترباس. «مرحبًا … لا، أنا آسفة للغاية، معذرةً عليكَ أن تخبرني مَن أنت. عجبًا، لاري هوبكنز، ظننت أنك في طوكيو … لم ينقلوك مرةً أخرى، أليس كذلك؟ يا إلهي، بالطبع يجب أن نلتقي … يا عزيزي، إنه لأمر مُروِّع للغاية، ولكن لديَّ مواعيد لمدة أسبوعَين … اسمع، أنا مضطربة بعض الشيء الليلة. اتصل غدًا في الثانية عشرة وسأُحاول تحويل بعض الأمور … عجبًا، بالطبع يجب أن أراك على الفور أيها الرجل الهَرِم المرِح.» … دخلت روث برين وكاساندرا ويلكنز تنفضان المياه من فوق مظلتَيهما. «حسنًا، وداعًا لاري … هذا لطيف للغاية من كلتَيكما … اخلعا معطفَيكما قليلًا … ألَا تتناولين العشاء معنا يا كاسي؟» تقول كاسي بصوتٍ مرتعش: «شعرت أنه كان عليَّ رؤيتكِ فحسب … إنه لأمرٌ رائعٌ ذلك النجاح المذهل الذي حقَّقتِه. ولقد شعرت يا عزيزتي بشعورٍ رهيبٍ عندما سمعت عن السيد إيميري. لقد بكيت كثيرًا، أليس كذلك يا روث؟» تصيح روث في اللحظة نفسها: «أوه يا لها من شقة جميلة!» ترن أذنا إلين بشكل مثير للاشمئزاز. قالت فجأةً بصوت أجش: «لا بد أننا سنموت جميعًا وقتًا ما.» تنقر روث الأرضية بقدمها ذات الحذاء المطاطي؛ لمحت عين كاسي وجعلتها تُتمتم حتى صمتت. تقول: «أليس من الأفضل أن نذهب؟ الوقت يتأخَّر بعض الشيء.» «معذرةً لدقيقة يا روث.» ركضت إلين إلى غرفة النوم وصفعت الباب. تجلس على حافة حوض الاستحمام تدق على ركبتَيها بقبضتَيها المطبقتَين. هاتان المرأتان ستصيبانني بالجنون. ثم ينفجر التوتُّر بداخلها، فتشعر بشيءٍ يتدفَّق منها كماءٍ يسيل من حوض غسيل. تضع بهدوءٍ القليلَ من أحمر الشفاه على شفتَيها. عندما تعود، تقول بصوتها المعتاد: «حسنًا، لنغادر … هل حصلتِ على دَورٍ بعدُ يا روث؟» «أُتيحت لي الفرصة للذهاب إلى ديترويت مع شركة مساهمة. ولكني رفضتها … لن أخرج من نيويورك مهما حدث.» «أنا لن أتخلَّى عن فرصة للابتعاد عن نيويورك … صدقًا لو عُرضت عليَّ وظيفة لأُغنِّي في فيلم في بلدة مدسين هات أظن أنني سأقبلها.» تلتقط إلين مظلتها وتنزل النساء الثلاث السلم ثم يخرجن إلى الشارع. تنادي إلين: «تاكسي.» تُفرمل سيارة الأجرة المارة للتوقُّف. يرتفع الوجه الأحمر الأشبه بوجه الصقر لسائق سيارة الأجرة في ضوء مصباح الشارع. تقول إلين بينما تركب الأخريان: «اتجِه إلى مسرح يوجين في شارع ٤٨.» تختلج الأضواء المخضرَّة والظلام أثناء مرورهن بالنوافذ المضيئة. ••• وقفت وذراعها تتأبَّط ذراع هاري جولدفايزر في سترته المسائية حَذِرةً فوق درابزين حديقة السطح. الحديقة أسفلهما منبسطة تتلألأ بالأضواء من حين لآخر، ومُخطَّطة بضبابٍ من سديم كسماء ساقطة. من خلفهما هبَّت موسيقى التانجو، ولمحات من الأصوات، وجرُّ أقدام على حلبة الرقص. شعرت إلين بشيء صلب مُتيبِّس في فستان سهرتها الأخضر المعدني. «آه ولكن بويرنهاردت، راشيل، دوس، السيدة سيدونز … لا إلين أنا أقول لكِ، أتفهمين؟ لا يوجد فن مثل فن المسرح يسمو بهذا العلو المُشكِّل لعواطف الرجال … لو كان بإمكاني أن أفعل ما أريده لكنا أعظم الناس في العالم. لكنتِ أعظم ممثلة … ولكنت أعظم مُنتِج، البناء غير المرئي، هل تفهمين؟ لكن الجمهور لا يريد فنًّا، فلن يسمح لك سكان هذا البلد بفعل أي شيء من أجلهم. كل ما يريدون هو ميلودراما بوليسية أو مهزلة فرنسية فاسدة تفتقر للمتعة أو مع الكثير من الفتيات الجميلات والموسيقى. حسنًا، إن مجال العروض هو إعطاء الجمهور ما يريدون.» «أظن أن هذه المدينة مليئة بالأشخاص الذين يريدون أشياء لا يمكن تصوُّرها … انظر هناك.» «يكون الوضع حسنًا في الليل عندما لا تستطيعين رؤيتها. فلا حس فني، ولا بنايات جميلة، ولا هواء كالأيام الخوالي، هذا ما يعيبها.» وقفا لبرهة دون أن ينبسا بكلمة. بدأت الأوركسترا بعزف موسيقى الفالس من أوبريت «القناع التنكري البنفسجي». استدارت إلين فجأةً إلى جولدفايزر وتحدَّثت بنبرة فظَّة. «هل يمكنك فَهْم امرأة تريد أن تكون بَغِيًّا، مشاعًا، أحيانًا؟» «عزيزتي السيدة الشابة يا له من شيء غريب يصدر فجأةً من فتاةٍ جميلةٍ ورائعةٍ وتتلفَّظ به!» «أظنكَ مصدومًا.» لم تسمع إجابته. شعرت أنها كانت على وشك البكاء. ضغطت بأظافرها الحادة في راحتَي يدَيها، وحبست أنفاسها حتى عدَّت عشرين. ثم قالت بصوت فتاة صغيرة مختنق: «هاري لنذهب ونرقص قليلًا.» السماء فوق المباني من الورق المقوَّى كقبة من الرصاص المطروق. كانت ستصبح أقل صلابةً لو تساقطت الثلوج. وجدت إلين سيارة أجرة عند ناصية الجادة السابعة، وتركت نفسها تغوص في المقعد فاركةً أصابع إحدى يدَيها الخدرة داخل القفاز براحة اليد الأخرى. «ويست ٥٧ من فضلك.» بوجه قنَّعه التعب تُراقب متاجر الفاكهة، واللافتات، والمباني التي تُبنى، والشاحنات، والفتيات، والسُّعاة، ورجال الشرطة عبر النافذة المترجرجة. إذا ولدت طفلي، طفل ستان، فسيكبر ليخطو متأرجحًا في الجادة السابعة تحت سماء ضبابية كالرصاص المطروق لا تشهد الثلج أبدًا، مُشاهِدًا متاجر الفاكهة، واللافتات، والمباني التي تُبنى، والشاحنات، والفتيات، والسُّعاة، ورجال الشرطة … تضم ركبتَيها معًا ضاغطةً إياهما، وتعتدل في جلستها على حافة المقعد ويداها مشبكتان فوق بطنها الممشوق. يا إلهي، يا لها من مَزحة خبيثة! لقد تلاعبوا بي؛ فقد أخذوا ستان بعيدًا، وأحرقوه، ولم يتركوا لي شيئًا سوى هذا الذي ينمو بداخلي والذي سيتسبَّب في موتي. تنشج في يدَيها الخَدِرتَين. يا إلهي لماذا لا تُثلِج السماء؟ بينما كانت تقف على الرصيف الرمادي تتحسَّس محفظتها بحثًا عن فاتورة، تملأ فمها بالحصى الدقيق وقصاصات ورق مغبرة تدور على طول المزراب. وجه عامل المصعد في سواده كقطعة مستديرة من خشب الأبنوس مرصعة بالعاج. «السيدة ستونتون ويلز؟» «أجل يا سيدتي، الطابق الثامن.» أصدر المصعد همهمةً وهو يرتفع. تقف ناظرةً إلى نفسها في المرآة الصغيرة. شعرت فجأةً بشيء متهور يبعث على المرح. تُزيل الغبارَ عن وجهها بمنديل ملفوف، وتبتسم لعامل المصعد الذي بادرها بابتسامة عريضة كعرض لوحة مفاتيح كاملة لآلة بيانو، وتُسرع بخفة إلى باب الشقة الذي تفتحه خادمةٌ ترتدي ثيابًا مزركشة. تفوح بداخلها رائحة الشاي، والفِراء، والزهور، وتغرِّد أصوات النساء مع قرقعة الكئوس كما تغرِّد الطيور في أقفاصها. تتردَّد الأبصار حول رأسها وهي تدخل الغرفة. كان هناك نبيذ مسكوب على مفرش المائدة وقطع من صلصة الطماطم من الاسباجيتي. كان المطعم مُشبَّعًا بالبخار، ويتمتَّع بإطلالة على خليج نابولي، وطلاء حسائي القوام باللونَين الأزرق والأخضر على الجدران. رجعت إلين في كرسيها إلى المائدة المستديرة المليئة بالشباب، الذين كانوا يشاهدون الدخان يتجعَّد من سيجارتها ملتفًّا حول زجاجة نبيذ الكيانتي أمامها. ذابت مُهمَلةً في صحنها كتلة من الآيس كريم ثلاثي الألوان. «ولكن يا إلهي، أليس للمرء بعض الحقوق؟ بلى، فهذه الحضارة الصناعية تُجبرنا على السعي لتعديلٍ كامل للحكومة والحياة الاجتماعية …» همست إلين لهيرف الذي جلس بجانبه. «ألَا يستخدم كلمات طويلة؟» ردَّ عليها بصوت هادر: «إنه على حق بالرغم من ذلك … النتيجة هي وضع المزيد من القوة في أيدي قلة من الرجال أكثر ممَّا كان عليه الأمر في تاريخ العالم منذ حضارات العبيد البشعة في مصر وبلاد ما بين النهرَين …» «أجل، أجل.» «كلا، أنا جاد فيما أقول … الطريقة الوحيدة لمقاومة تلك المصالح هي أن يقوم العُمَّال، البروليتاريا، المنتجون والمستهلكون، أيًّا ما أردتِ أن تسميهم، بتشكيل النقابات، وأن يصبحوا في النهاية مُنظَّمين جيدًا بالقدر الذي يُمكِّنهم من تولي الحكم بأكمله.» «أظنك مخطئًا تمامًا يا مارتن، إنها المصالح كما تسميها، هؤلاء الرأسماليون المروِّعون، هم الذين بنَوا هذا البلد كما هو عليه اليوم.» «حسنًا، انظر إليها بالله عليك … هذا ما أقوله. إنني لا أرضى بها مأوًى لكلب.» «لا أظن ذلك. أنا معجب بهذا البلد … إنه الوطن الوحيد الذي حصلت عليه … وأعتقد أن كل هذه الجماهير المضطهَدة تريد حقًّا أن تكون مُضطهَدة؛ فهم لا يصلحون لأي شيء آخر … لو لم يكونوا كذلك لأصبحوا رجال أعمال مزدهرين … أولئك الذين لديهم أي ميزة في طريقهم إلى ذلك.» «لكنني لا أظن أن رجل الأعمال المزدهر هو المثل الأعلى للمسعى البشري.» «ولكنه أفضل بكثير من المحرِّض الفوضوي المغسول الدماغ … أولئك الذين ليسوا محتالين هم مجانين.» «اسمع يا ميد، لقد أسأتَ لتوك لشيء لا تفهمه، شيء لا تعرف عنه شيئًا … ينبغي أن تحاول فهم الأشياء قبل أن تشرع في إهانتها.» «إنه لمن الإهانة للذكاء كل هذا الهراء الاشتراكي.» نقرت إلين على كم هيرف. «جيمي، يجب أن أعود إلى المنزل. هل تريد أن تتمشَّى قليلًا معي؟» «مارتن، هلَّا دفعت لنا؟ علينا أن نذهب … تبدين شاحبةً للغاية يا إيلي.» «الجو حار قليلًا هنا فحسب … هيه، يا لها من راحة! … إنني أكره المجادلات أيًّا ما كانت. لا يمكنني مطلقًا التفكير في أي شيء أقوله.» «تلك المجموعة لا تفعل شيئًا سوى الثرثرة ليلةً بعد أخرى.» كانت الجادة الثامنة ممتلئةً بالضباب الذي علق في حناجرهم. كانت الأضواء خافتةً عبرها، ولاحت الوجوه في الأُفق، متلألئةً في صورة ظلية وباهتة كسمكة في حوض سمك موحل. «أتشعرين بتحسُّن يا إيلي؟» «كثيرًا.» «أنا سعيد للغاية.» «هل تعلم أنك الشخص الوحيد هنا الذي يناديني إيلي. إنني أحب ذلك … يحاول الجميع أن يجعلني أبدو كبيرةً للغاية منذ أن بدأت العمل بالمسرح.» «كان ستان يناديكِ به.» قالت بصوت خافت قليلًا كبكاء يُسمع في الليل من بعيد على طول شاطئ: «ربما هذا هو سبب حبي للاسم.» شعر جيمي بشيء يُطبق على حلقه. قال: «يا إلهي، الأوضاع سيئة للغاية. يا إلهي، ليتني أستطيع أن أُلقي باللوم كله على الرأسمالية كما يفعل مارتن.» «إنها لتمشية ممتعة … إنني أحب الضباب.» سارا دون أن ينبسا بكلمة. قعقعت العجلات عبر الضباب الخافت الذي يُخفي تحته من بعيد في النهر صافرات الإنذار وصافرات الزوارق البخارية المتجمِّعة ذات الخُوَار. قال هيرف عند ناصية شارع ١٤، وأمسك بذراعها أثناء عبورهما: «لكنكِ على الأقل لديكِ مهنة … أنتِ تحبين عملكِ، كما أنكِ قد حقَّقتِ نجاحًا كبيرًا.» «لا تقل ذلك … أنت لا تُصدِّق ذلك حقًّا. أنا لا أخدع نفسي كما تعتقد أنني أفعل.» «لا، ولكن هكذا هو الأمر.» «كنت كذلك قبل أن ألتقي بستان، قبل أن أحبه … كما ترى فقد كنت طفلةً صغيرة مجنونة مهووسة بالمسرح زُجَّ بها في أشياء كثيرة لم أفهمها قبل أن يتسنَّى لي الوقت لأتعلَّم أي شيء عن الحياة … تزوَّجت في عمر الثامنة عشرة وطُلِّقت في الثانية والعشرين، رقم قياسي رائع … لكن ستان كان رائعًا للغاية …» «أعلم.» «دون أن يقول أي شيء قط، جعلني أشعر بوجود أشياء أخرى … أشياء لا تُصدَّق …» «يا إلهي، يغيظني جنونه على الرغم من ذلك … يا لها من خسارة!» «لا أستطيع التحدث في الأمر.» «دعينا لا نتحدث فيه.» «أنت يا جيمي الشخص الوحيد المتبقي الذي يمكنني التحدث إليه حقًّا.» «لا تثقي بي. فقد أغضب عليكِ أيضًا يومًا ما.» ضحكا. «يا إلهي، أنا سعيد أنني لم أمُت، ألستِ كذلك أنتِ أيضًا يا إيلي؟» «لا أعرف. اسمع، هذا منزلي. لا أريدك أن تصعد إليه … سأذهب إلى النوم مباشرة. أشعر بالاستياء …» وقف جيمي خالعًا قبعته ينظر إليها. كانت تتعثر بحثًا عن مفتاحها في حقيبتها. «اسمع يا جيمي، يجب أن أُخبرك كذلك …» مضت نحوه وتحدثت سريعًا وقد أشاحت بوجهها عنه وأشارت إليه بالمفاتيح التي ومض بها مصباح الشارع. كان الضباب كخيمة حولهما. «سأُنجب طفلًا … إنه طفل ستان. سوف أتخلَّى عن كل هذه الحياة السخيفة وأُربيه. لا يهمني ما يحدث.» «يا إلهي، هذا أشجع شيء على الإطلاق سمعت أن امرأةً تفعله … أوه يا إيلي، أنت رائعة جدًّا. يا إلهي، لو كان بإمكاني أن أخبرك ما أنا …» «أوه لا.» انكسر صوتها وامتلأت عيناها بالدموع. «أنا سخيف أحمق، هذا كل شيء.» جعَّدت وجهها كطفل صغير وركضت صاعدةً الدرج والدموع تنهمر على وجهها. «أوه يا إيلي، أريد أن أقول لكِ شيئًا …» انغلق الباب خلفها. وقف جيمي هيرف ساكنًا عند أسفل الدرجات المصنوعة من الحجر الأسمر الرملي. خفق قلبه. أراد أن يكسر الباب وراءها. ركع على ركبتَيه وقبَّل مكان خطوتها. دار الضباب في دُوامات وامضًا بألوان كقصاصاتٍ ورقية من حوله. ثم انحسر شعور الخفقان وشعر بنفسه يسقط في بالوعة سوداء. وقف ساكنًا. تفقَّدت وجهَه وهو يمر عينا شرطي أشبه بعمود أزرق بدين يلوِّح بعصًا ليلية. ثم شدَّ قبضتَيه فجأةً وغادر المكان. قال عاليًا: «يا إلهي، كل شيء كالجحيم.» مسح الحصى عن شفتَيه بكم معطفه. ••• وضعت يدها في يده لتقفز من السيارة السريعة عندما تنطلق العبَّارة، قائلة: «شكرًا يا لاري»، وتتبع جسده الطويل المتمهِّل إلى مقدمة العبَّارة. تنفخ رياح نهرية خافتة الغبار والبنزين من أنفَيهما. في سماء الليل المزيَّنة بنجوم كاللآلئ، كانت الإطارات المربَّعة للمنازل على طول الضفة المقابلة تومض كألعاب نارية مشتعلة. تضرب الأمواج صغيرةً مقدمة العبَّارة المندفعة. يعزف رجل أحدب موسيقى «ماريانيلا» على كَمانه. يقول لاري بصوت مطنطِن عميق: «لا شيء ينجح مثل النجاح.» «لو كنت تعلم مدى عدم اهتمامي بأي شيء الآن لَما كنتَ قد واصلت مضايقتي بكل هذه الكلمات … أعني الزواج، والنجاح، والحب، إنها مجرد كلمات.» «لكنها تعني كل شيء في العالم بالنسبة إليَّ … أظنكِ ستحبين مدينة ليما يا إلين … انتظرت حتى تكونِي حرة، أليس كذلك؟ والآن ها أنا هنا.» «مطلقًا ليس أحدٌ منا كذلك … لكني فقط أشعر بالخدر.» رياح النهر قليلة الملوحة. على طول الجسر فوق شارع ١٢٥، تزحف السيارات كالخنافس. عندما تدخل العبَّارة المنزَلَق، يسمعان سحق العجلات وقعقعتها على الأسفلت. «حسنًا، من الأفضل أن نعود إلى السيارة، أيتها المخلوقة الرائعة إلين.» «إنه لأمرٌ شائق بعد يوم طويل، أليس كذلك يا لاري، العودة إلى مركز كل شيء؟» ••• بجانب الباب الأبيض الملطَّخ يوجد زِرَّا ضغط مكتوب عليهما «جرس الليل» و«جرس النهار». ضغطت على الزر بإصبع مهتز. فتح البابَ رجلٌ قصير وعريض بوجه كوجه جرذ وشعر أسود أملس مسترسل. كان على كلا جانبَيه يدٌ قصيرة كيد دمية وبلون الفطر. حدَّب كتفَيه منحنيًا. «هل أنتِ تلك السيدة؟ ادخلي.» «هل أنت الدكتور أبراهامز؟» «نعم … أنتِ السيدة التي هاتفني صديقي بشأنها. اجلسي يا سيدتي العزيزة.» تفوح من المكتب رائحة كرائحة زهرة العطاس. يهتز قلبها بين ضلوعها يأسًا. «أنت تفهم …» تكره الرعشة في صوتها؛ ستفقد الوعي. «أنت تفهم يا دكتور أبراهامز أن ذلك ضروري للغاية. فأنا سأُطلَّق من زوجي ويتعيَّن عليَّ أن أكسب قوتي بنفسي.» «صغيرة جدًّا، تعيسة في زواجكِ … يؤسفني ذلك.» يُخرخِر الطبيب بهدوء كما لو كان وحده. تنهَّد مهسهسًا ونظر إلى عينَيها فجأةً بعينَين سوداوَين حادَّتَين يخترقانها كما لو كانا مثقابَين. «لا تخافي يا سيدتي العزيزة، إنها عملية بسيطة جدًّا … هل أنتِ مستعدة الآن؟» «نعم. لن تستغرق وقتًا طويلًا، أليس كذلك؟ إن استطعتُ أن أتمالك نفسي، فإن لديَّ موعدًا لتناول الشاي في الخامسة.» «أنتِ شابَّةٌ شجاعة. في غضون ساعةٍ سيغدو الأمر منسيًّا … يؤسفني … إنه لأمر محزن أن يكون شيء كهذا ضروريًّا … سيدتي العزيزة، يجب أن تنعمي بمنزلٍ والعديد من الأطفال وزوج محب … هلَّا دخلتِ غرفة العمليات وأعددتِ نفسكِ … إنني أعمل بلا مساعد.» تتضخَّم براعم الضوء اللافحة في وسط السقف، وتنشر النيكل الحاد كالشفرات، والمينا، وعلبة زجاجية حادة برَّاقة تحتوي على أدوات حادة. تخلع قبعتها وتترك نفسها تغوص مُتقزِّزةً ومرتعشة على كرسي صغير من المينا. ثم تنهض متيبسةً على قدمَيها وتفك حزام تنورتها. يتكسر هدير الشوارع كالأمواج حول صدفة من ألم واجِف. تشاهد ميل قبعتها الجلدية، ومسحوق التجميل، والوجنتَين المتوردتَين، والشفاه القرمزية التي تشكِّل قناعًا على وجهها. جميع أزرار قفازيها مقفلة. ترفع يدها. «تاكسي!» مرَّت سيارة إطفاء زائرة، وعربة بها رجال بوجوه متعرِّقة يشدون معاطف مطاطية، وصلصلة خُطاف وسُلم. تتلاشى جميع مشاعرها مع تلاشي دوي صافرة الإنذار. هناك تمثال خشبي لأحد الهنود الحمر، مطلي، ويده مرفوعة عند ناصية الشارع. «تاكسي!» «نعم، سيدتي.» «اتجه إلى فندق الريتز.»
|
{
"chapter": "نهر واحد أخير للأردن",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.8/"
}
|
شَمَمْتُ رائحة الخلِّ، وظننت أنني في منزلي. كان والدي دائمًا يعود إلينا يوم الجمعة بعشاء من السمك والبطاطس المقلية، وكان يحبُّ أن يصبَّ الخل على نصيبه من ذلك الطعام، حتى إن رائحة الخلِّ كانت تشيع في المنزل طول المساء. وفتَحتُ عيني. كان الظلام يدلُّ على أننا في المساء، لكنني لم أكن في منزلي. كنت في كهف ما، لكنه لم يكن كهفي. واستطعت أن أَشُمَّ رائحة دُخَان أيضًا. كنت راقدًا على فراش من حصير وأتغطَّى بملَاءة تكسوني حتى ذقني. حاولت أن أجلس حتى أتطلع إلى ما حولي لكنني لم أستطع الحركة. حاولت أن أدير رأسي، ولكن رقبتي كانت متصلبة. لم أكن أستطيع تحريك شيء سوى عينيَّ، لكنني كنت لا أزال قادرًا على الإحساس. كانت بَشَرَتي بل كان كل جسمي يرتجف من الألم المُبَرِّح، كأنما اكتوَى جسدي كله بنار حارقة. حاولت أن أنادي، ولكنني لم أستطع سوى الهمس بصعوبة. وعندها تذكرتُ قنديل البحر. تذكرت تلك الحادثة كلَّها. كان العجوز منحنيًا فوقي، ويده تمسح جبيني برفق. وقال: «لقد شُفِيتَ الآن. اسمي كنسوكي. لقد شُفيتَ الآن.» وأردْتُ أن أسأل عن ستلا، فأجابتْني بنفسها بأن دَسَّتْ أنفها البارد في أذني. لا أعرفُ كم يومًا قضيت هناك، أنام وأصحو على فترات، ولا أعرف إلا أنني كلما صَحَوْتُ وَجَدْتُ كنسوكي يجلس بجانبي دائمًا. نادرًا ما كان يتكلم، ولم أكن أنا أستطيع الكلام، ولكن الصمت بيننا كان يقول أكثر مما تقوله أية كلمات. وهكذا، فإن هذا الرجل الذي كان عَدُوًّا لي حتى الآن. هذا الذي كان سجَّاني، قد أصبح مُنْقِذِي ومُخلِّصي. كان يرفَعُني بيديه حتى يَصُبَّ عصيرَ الفواكه أو الحساء الساخن في حلقي. كان يمسح جسدي بإسفنجة مُلِئَتْ بالماء البارد، وعندما كنت أصرخ من فرط الألم، كان يَحْضُنُني ويُغَنِّي لي أغانيَ رقيقًة حتى أعودَ للنوم. كان الأمر غريبًا، فعندما كان يغني لي، كان صوته يبدو رجعًا لأصداء الماضي؛ ربما كان صوت والدي، لا أدري. وببطء رحل عني الألم. وظلَّ يتولى تمريضي حتى عُدْتُ للحياة. وعندما استطعت من جديد تحريك أصابعي رأيته يبتسم لأولِّ مرة. وعندما استطعت أخيرًا أن أُدير رأسي، كنت أشاهِدُه وهو يدخل ويخرج، وهو يقوم بالعمل في أرجاء الكهف، وكانت ستلا كثيرًا ما تأتي وترقد إلى جواري، وعيناها تتابعان ما يفعله أيضًا. وفي كل يوم كان إدراكي يزداد للمكان الذي أرقد فيه. كان مكانًا شاسعًا بالمقارنة بكهفي على شاطئ البحر. ولولا سقفه الصخري المرتفع ما أدركت تقريبًا أنه كهف. ولم يكن فيه ما يدل إطلاقًا على أنه كهف بدائي. كان أشبه بمنزل أُزيلت الجدران بين غُرَفِه منه إلى الكهف. فكان به مطبخ، وغرفة جلوس، وغرفة مكتب، وغرفة نوم، وكأنما جُمِعَت جميعًا في مكان واحد. كان يقوم بطهو الطعام على موقد صغير يتصاعدُ منه الدُّخَان دائمًا في آخر الكهف، وكان الدُّخَان يتصاعد ويخرج من فتحة صغيرة في الصخر فوق رءوسنا، وقلتُ في نفسي إن ذلك قد يكون سبب عدم وجود بعوض يضايقني. وكان يبدو لي دائمًا وجودُ شيء معلَّق في حامل خشبي له ثلاث أرجل فوق الموقد، إما أنه قِدْر سَوَّده السناج، وإما ما يبدو في شكله ورائحته مثل شرائح طويلة من السمك المُدَخَّن. كنت أستطيع رؤية البريق المعتم لأواني الطهو المعدنية المصفوفة على رف خشبي قريب. وكانت هناك أَرْفُف أخرى اصْطَفَّتْ عليها العُلَبُ الصفيح والقدور الفَخَّارية، من عشرات الأشكال والأحجام المختلفة، وتتدلَّى تحتها حُزَم لا تُحصَى من الأعشاب والأزهار المجففة. وكثيرًا ما كان يقوم بخلط هذه أو طحنها، لكنني لم أكن واثقًا من غرضه. وأحيانًا كان يقوم بإحضارها لي حتى أشمها. لم يكن في بيت الكهف أثاث كثير. كانت في أحد جوانب الكهف منضدة خشبية غير عالية، لا تكاد ترتفع عن الأرض بما يزيد على ثلاثين سنتيمترًا أو نحو ذلك. وكان يضع عليها الفُرْشات التي يستخدمها في الرسم، وكانت دائمًا مصفوفة بعناية، والمزيد من القدور الفخارية والزجاجات والأطباق الصغيرة. وكان كنسوكي يقوم بعمله دائمًا تقريبًا بالقرب من مدخل الكهف حيث ضوء النهار. وكان في الليل يَبْسُطُ الحصير الذي ينام عليه في المكان المواجه لمرقدي في الكهف، في ظلِّ الجدار. وأحيانًا ما كنت أصحو في الصباح مبكرًا وأظلُّ أرقبه وهو نائم. وكان دائمًا ما ينام على ظهره، وقد لفَّ ملاءته حول جسمه، دون أن تصدر عنه أية حركة. وكان من عادة كنسوكي أن يقضي ساعات طويلة كل يوم منحنيًا فوق المنضدة مستغرقًا في الرسم. كان يرسم ما يرسمه على أصداف بحرية ضخمة، لكنه لم يُطْلِعْني يومًا ما على ما رَسَمَه، وهو ما كان يصيبني بالإحباط. والواقع أنه نادرًا ما كان يبدو راضيًا عن عمله، إذ كان عادة عندما ينتهي منه يمسح الرسم ويبدأ العمل من جديد. وكان في الجانب الأقصى من باب الكهف نَضَد طويل مخصص للعمل، وتتدلى عاليًا فوقه صفوف منتظمة من الأدوات: مناشير ومطارق وأزاميلُ، وغيرها. وكانت خلف نضد العمل ثلاثة صناديق خشبية ضخمة، كان كثيرًا ما يبحث فيها عن قوقعة أو صدفة — ربما — أو ملاءة نظيفة. كنا نستعمل ملاءات نظيفة كلَّ ليلة. وكان يرتدي داخل الكهف رداءً طويلًا يلفُّ به جسده (عرفت فيما بعد أنه يُسمى «كيمونو»). وكان يحافظ على النظافة المطلقة لبيت الكهف، فيقوم بكنسه مرة كل يوم على الأقل. وكان يضع إناءً كبيرًا مليئًا بالماء في داخل باب الكهف، وكان كلما عاد يغسل قدميه ويجففهما قبل الولوج إلى داخل الكهف. وكانت أرضية الكهف مغطاة تمامًا بِحُصُر منسوجة من الأَسَلِ المُضَفَّر، مثل الحُصُرِ التي ننام عليها. وكانت جدران الكهف كلها مُبطَّنة بالخيزران، من الأرض وحتى مسافة تعادل أو تزيد على طول القامة. كان المنزل بسيطًا، لكنه كان منزلًا. كان لكل شيء مكانه وغرض يؤديه. وعندما تحسنت صحتي، كان كنسوكي يخرج ويتركني وحدي، والحمد لله أن ذلك لم يكن لفترات طويلة. وكان عندما يعود، وهو يغنِّي في أحيان كثيرة، كان يحمل السمك، وقد يحمل الفواكه أيضًا أو جوز الهند أو الأعشاب، وكان يعرضها عليَّ مزهوًّا. وكانت قِرَدَةُ السعالي تعود أحيانًا معه، لكنها كانت تتوقف عند مدخل الكهف. وكانت تحدق في وجهي، وفي ستلا التي كانت دائمًا ما تحافظ على ابتعادها عنها. ولم يكن يحاول الدخول إلا الصغار، ولم يكن على كنسوكي إلا أن يصفق في وجهها وسرعان ما تبتعد مهرولة. كم كنت أتمنى في تلك الأيام الأولى في الكهف لو استطعنا التحادث: كان هناك ألفُ لغز ولغز، وألف شيء وشيء أريد أن أعرفه. ولكن الكلام كان لا يزال يؤلمني، كما أنني كنت سعيدًا تمامًا بالصمت الذي يسود بيننا، وأحسست أنه يفضله كذلك بصورة ما. كان يبدو أنه شخص شديد التكتم، وأنه راض بأن يظل كذلك. وذات يوم، بعد أن قضى كنسوكي عدة ساعات منحنيًا يرسم إحدى لوحاته، جاءني وأراني إياها. كانت صورة شجرة، شجرة مزهرة. وقالت بسمته كل شيء. ثم قال: «لك! شجرة يابانية. أنا من اليابان.» وبعد ذلك أراني كنسوكي جميع اللوحات التي رسمها، حتى تلك التي مسحها فيما بعد. كانت جميعًا باللونين الأبيض والأسود، لقرود السعالي والجيبون، والفراشات، والدلافين، والطيور، والفواكه. لم يكن يحتفظ بإحداها إلا فيما ندر، فيقوم بتخزينها بعناية في أحد الصناديق. ولاحظت أنه يحتفظ بعدة لوحات للأشجار، وكانت دائمًا أشجارًا مزهرة، أو «شجرة يابانية»، كما كان يسميها، وكنت أدرك أنه يجد متعة خاصة في عرضها عليَّ. كان من الواضح أنه يريدني أن أشاركه شيئًا عزيزًا جدًّا على قلبه. وأحسستُ أن في ذلك تكريمًا لي. وكان يجلس بجواري يرقبني عندما يخبو ضوء النهار كل يوم، وقد سقطت آخر أشعة شمس الغروب على وجهه. كنت أحسُّ أن نظرات عينيه تجلب لي الشفاء. وكنت في الليل كثيرًا ما أفكر في أبي وأمي. لَكَمْ تمنيتُ أن أراهما من جديد، وأن أخبرهما أنني ما زلت حيًّا، ولكن الغريب أنني لم أعد أفتقدهما. وبمرور الوقت عادت قدرتي على الكلام، إذ فقد الشلل سيطرته عليَّ وعادت لي قوتي، فأصبحت أستطيع الخروج مع كنسوكي، كلما دعاني إلى ذلك، وكثيرًا ما كان يدعوني. كنت في البداية أجلس القرفصاء على الشاطئ مع ستلا وأشاهده وهو يصيد السمك في المياه الضحلة. كان يقف ثابتًا ساكنًا ثم يضرب السمكة بسرعة البرق. ثم قام ذات يوم بصنع رمح لي، إذ أصبح عليَّ أن أشاركه صيد السمك. أرشدني إلى مكان الأسماك الكبيرة. وأراني أماكن اختفاء الأخطبوط تحت الصخور، وعلمني كيف أقف ساكنًا مثل طائر مالك الحزين وأنتظر، وقد جهزت رمحي وصوبته فوق الماء، وظلِّي يمتد خلفي حتى لا تخاف الأسماك فتهرب. والحق أن صيد سمكة بالرمح لأول مرة كان يشبه إحراز هدف لفريق «مدلاركس» لكرة القدم في الوطن؛ سأفضل إحساس تقريبًا يمكن أن يحسه الإنسان. كان كنسوكي، فيما يبدو، يعرف كل شجرة في الغابة، ويعرف مكان كل شجرة من أشجار الفاكهة، ما كان ناضجًا من الثمار وما كان فجًّا، وما كان جديرًا بتسلق الشجرة من أجله. كان يستطيع أن يتسلق الأشجار التي قد يستحيل تسلقها بخفة وثباتِ قدم ودون خوف. لم يكن يزعجه شيء في الغابة، لا قرود الجيبون التي تعوي وتتأرجح فوق رأسه لِتَصْرِفَهُ عن ثمارها، ولا النحل الذي يحتشد حوله حين يعود هابطًا بقُرص الشهد من فجوة في شجرة عالية (كان يستخدم عسل النحل في تسكير الفواكه وحفظها في زجاجات). وكانت أسرته من السعالي تصحبنا دائمًا، فتتبعنا كظلِّنا في الغابة، وقد تستطلع المسارب التي سنسير فيها أو تهرول خلفنا في الطريق. لم يكن على كنسوكي إلا أن يغني فتأتي، وكانت تبدو جميعًا مسحورة برنين صوته. كانت تشعر بالحيرة إزائي وإزاء ستلا، ولكنها كانت تقلق منا ونقلق منها، وهكذا حافظنا مؤقتًا على ابتعادنا عن بعضنا البعض. وذات مساء، بينما كنت أرقب كنسوكي وهو يصيد السمك، فوجئت بأحد قرود السعالي الصغيرة يصعد ركبتي ويقبع في حجري ويبدأ في فحص أنفي بإصبعه، ثم انتقل إلى فحص أذني. وشدَّها بقوة لم أسترح لها؛ لكنني لم أصرخ. وبعد ذلك حَذَتِ الأخرى حَذْوه، كأنما كنت جهاز تسلق تلعب فوقه. بل إن الكبار أنفسها، الأضخم جسمًا كانت تمدُّ أيديها وتلمسني من وقت لآخر، لكنها والحمد لله كانت دائمًا متحفظة، أشدَّ حذرًا من الصغار. وأما ستلا فكانت لا تزال تراعي المسافة التي تفصلها عن القرود، وتفصل القرود عنها. وعلى مدى هذه الفترة الزمنية كلها — ولا بد أنني كنت قضيت عدة شهور، على ما أظن، في الجزيرة — لم يكن كنسوكي قد قال إلا أقل القليل. كان يصعب عليه بوضوح أن ينطق بالألفاظ الإنجليزية القليلة التي يعرفها. وعندما كانت أية ألفاظ تُستخدم في الحديث بيننا لم تكن تساعد كثيرًا في التفاهم. وهكذا لجأنا في معظم الأحيان إلى البسمات والإيماءات، وإلى التلويحات والإشارات، بل إننا كنا أحيانًا نرسم صورًا في الرمل لشرح مقاصدنا. كان ذلك يكفي وحسب لاستمرار التواصل، ولكنني أتحرق شوقًا إلى معرفة الكثير. ما السبب الذي جعله يعيش هنا وحده في هذه الجزيرة؟ وكم مضى عليه هنا؟ وكيف تَأتَّى له الحصول على كل هذه القدور والأواني والأدوات، وعلى السكين التي يحملها دائمًا في حزامه؟ كيف أصبح أحد صناديقه الخشبية مكدسًا بالملاءات؟ من أين أتت؟ ما موطنه؟ ولماذا يُبْدي كل هذا العطف تجاهي الآن، ويحافظ على مشاعري بهذه الصورة، بعد أن كان يُظْهر استياءه الشديد مني بوضوح أول الأمر؟ لكنني كنت إذا طرحت عليه أيًّا من هذه الأسئلة هزَّ رأسه وحسب وأشاح عني كأنه رجل أصم يشعر بالعار من صممه. ولم أكن واثقًا في يوم من الأيام إن كان لا يفهمني حقًّا أو لا يريد وحسب أن يفهم. ومهما يكن الأمر كنت أرى أنه يقلقه فأقلعتُ عن طرح المزيد من الأسئلة. كانت الأسئلة فيما يبدو تدخلًا في حياته الخاصة، فَوطَّنتُ نفسي على الانتظار. كانت حياتنا معًا عامرة بالنشاط دائمًا، ومنتظمة مثل عقارب الساعة. كنا نستيقظ في الفجر وننطلق في أحد المسارب فنسير قليلًا للاستحمام في الجدول حيث ينحدر بمياهه الباردة العذبة من جانب التل فَيَصِل إلى مِرْجَل عظيم من الصخور الملساء. وكنا نغسل ملاءاتنا وملابسنا فيه هنا أيضًا (وكان قد صنع لي الثوب الفضفاض، أي الكيمونو، الخاص بي من قبل)، فكنا نضرب الصخور بالملابس ونقرعها فيها قبل أن ننشرها لتجف على أحد فروع الأشجار القريبة. كان الإفطار يتكون من عصير الفواكه الغليظ السميك، وكانت الفاكهة تختلف من يوم ليوم، فيما يبدو، إلى جانب الموز أو جوز الهند. لم أشعر بالملل من الموز يومًا ما، لكنني سرعان ما سئمتُ جوز الهند. وكنا نقضي الصباح إما في صيد السمك في المياه الضحلة أو في جمع الفواكه من الغابة. وكنا أحيانًا نقوم بعد هبوب إحدى العواصف، بتمشيط الشاطئ بحثًا عن الأصداف التي كان يرسم عليها — ولم تكن تصلح إلا أكبر الأصداف وأشدها تسطيحًا — أو بحثًا عن الرُّكام الطافي الذي يلقيه البحر حتى نُضِيفَهُ إلى مخزون الخشب في آخر الكهف. كان من الواضح أن المخزون ينقسم إلى قسمين، الأول يُستخدم بوضوح حطبًا، وأما الثاني فأظن أنه كان مُخَصَّصًا لأشغاله اليدوية، وكنا بعد ذلك نعود إلى البيت — في الكهف — لتناول الغداء الذي كان يتكون من السمك النَّيِّئ (وهو دائمًا لذيذ) وفاكهة الخبز عادة (وكانت دائمًا لطيفة الطعم يصعب بلعها)، وبعد أن ينام كلانا فترة قصيرة بعد الغداء، يشرع هو في الرسم على منضدته، وأنهمك أنا في مشاهدته ومتابعة عمله حتى يستغرقني تمامًا فأتمنى ألا تغرب شمس النهار. وقد نطبخ حساء السمك فوق الموقد، دون أن نستبعد أي جزء من أجزاء السمكة، لا رأسها ولا ذيلها، ونضيف عشرة أعشاب مختلفة، فلم يكن كنسوكي يفرِّط في شيء على الإطلاق، وبعد ذلك يأتي الموز الأحمر، وكان لي أن آكل منه كل ما أريد. لم أكن أحسُّ مطلقًا بالجوع. وعندما ينتهي العشاء كنا نجلس عند باب الكهف ونشهد غروب الشمس في البحر، وبعد ذلك، ودون أن يتفوَّه بكلمة واحدة، ينهض. ومن ثَمَّ ينحني كل منا لصاحبه، فينشر هو حصير فراشه ويتركني أنشر حصيري. كانت مشاهدة كنسوكي وهو يعمل مصدر عجب دائم لي، فلقد كان يتمتع بالقدرة على التمعُّن والتركيز الشديد في كلِّ شيء يفعله. ولكن مشاهدته وهو يرسم تأتي في المرتبة الأولى. كان أولًا لا يسمح لي إلا بأن أنحني بجواره لأراقبه. وكنت أشعر أنه حتى في ذلك أيضًا كان يحبُّ التكتم و«الخصوصية» بحيث لا يزعجه أحد. كان يضع على المنضدة أمامه ثلاثة أطباق صغيرة: أحدها لحبر الأخطبوط (فلم يكن كنسوكي يعتبر الأخطبوط طعامًا فقط) والثاني فيه ماء، والثالث لخلط الحبر بالماء. وكان دائمًا يمسك بريشته منتصبة بزاوية قائمة وهي دائمًا ثابتة في يده، وأصابعه تقبض عليها من جانب وإبهامه عليها من الجانب الآخر. وهو ينحني مُنكبًّا على عمله، حتى تكاد شعرات لحيته تلمس الصَّدَفَةَ التي يرسم عليها، وأظن أنه ربما كان يعاني قليلًا من قِصَر النظر، وكنت أقضي ساعات طويلة في مشاهدته، دَهِشًا من دقة عمله ورهافته، ومن الثقة البادية في إتقانه. وذات يوم أثناء هطول المطر عصرًا — وكان المطر عندما ينهمر، ينهمر مدرارًا — وجدت أنه قد جهز لي صدَفة، وثلاثة أطباق وفرشاةَ رسم. كان يستمتع كثيرًا بتعليمي، وبكل محاولة عرجاء أقوم بها. وأذكر أنني في أول عهدي بالرسم حاولت أن أرسم قنديل البحر الذي هاجمني، فإذا به يضحك ملء شدقيه، لا سخرية مني بل اعترافًا وتذكرًا بما جمع بين قلبينا. كنت دائمًا أحب الرسم، لكنني تعلمت من كنسوكي أن أعشقه، وتعلمت منه أن الرسم أو التلوين يحتاج مني أولًا إلى دقة الملاحظة، ثم تكوين شكل الصورة في ذهني قبل أن أرسل بها عبر ذراعي إلى طرف الفرشاة، ومنها إلى الصدَفة. وقد علمني ذلك كله دون كلام، كان يُبيِّن لي ذلك وحسب. كانت الأدلةُ على أنه فنان بارع عظيم بادية حولي في كل مكان، فلا بد أنه هو الذي قام بتأثيث بيته في هذا الكهف كله، ومعظمه من الركام الطافي: الصناديق، ونَضُدِ العمل نفسه، والرفوف، والمنضدة. ولا بد أنه هو الذي نسج الحصير من الأسَل، وما يغطي الجدران من الخيزُران، وكل شيء. وعندما فحصتُه بدقة وجدت أنه يتميز بكمال التشطيب وجماله، فلا مسامير، ولا براغي، بل تضفير وتشبيك دقيق مُحكَم. كان يستخدم بعض أشكال الصمغ إذا اقتضى الأمر، وكذلك الدوبار أو خيوط القنب. وكانت الحبال اللازمة للتسلق والرماح المستخدمة في صيد الأسماك، وشباك الصيد، وقصب صيد الأسماك كلها موضوعة في أحد أركان الكهف (ولو أنني لم أشاهده يستخدم قصبة صيد السمك مرة واحدة). كان لا بد أنه هو الذي صَنَعَها كلها. وكان قد صنع فُرْشات الرسم أيضًا، وسرعان ما عَرَفْتُ طريقة صُنْعها. كانت لكنسوكي سعلاة يحبها، أنثى ضخمة كان يسميها «توموداكي»، وكانت كثيرًا ما تأتي وتجلس إلى جواره كي يُمَشِّط شعرها وينظفه. وكان منهمكًا في ذلك ذات يوم خارج باب الكهف، وعلى مقربة منه، والسعالي الأخرى تشهد ما يفعل، حين رأيته يعمد إلى نزع أطول الشعرات وأشدها سوادًا من ظهرها. وأمسك الشعرات بيده فأراني إياها، وهو يبتسم ابتسامة عريضة تعبيرًا عن نية مُبيَّتة. لم أفهم حقًّا حينذاك ما كان يعتزمه، ثم رأيته فيما بعد عند نضد العمل يُشذِّب الشعرات بسكينة، ثم يَغْمِسُها في سائل كنت شاهدته يستخرجه من إحدى الشجرات في ذلك الصباح نفسه، ثم يقطع قطعة صغيرة مجوَّفة من الخيزُران ويملؤها بشعر «توموداكي». وبعد مرور يوم واحد كان الصمغ قد جفَّ وأصبحت لديه فرشاة رسم، ويبدو أن كنسوكي قد وجد السبل الكفيلة بتلبية جميع احتياجاته. كنا صامتَين مستغرقَين في الرسم ذات يوم، والمطر يهطل بغزارة وصخب على الغابة، عندما توقف، ووضع فرشاة الرسم، وقال ببطء شديد وبأسلوب محسوب بدقة، كأنما كان يفكر في صياغته منذ وقت طويل: «أُعلمك الرسم يا ميكا» (وكانت هذه أول مرة يناديني فيها باسمي) «وتعلمني أن أتكلم الإنجليزية. أريد أن أتحدث الإنجليزية. علمني أنت.» كانت تلك بداية درس في اللغة الإنجليزية قُدِّرَ له أن يستمر شهورًا. كنت في كل يوم، من الفجر إلى الغسق، «أُترجم» له الدنيا من حوله إلى اللغة الإنجليزية. كنا ما زلنا نفعل ما كنا نفعله دائمًا؛ ولكنني كنت الآن أتكلم طول الوقت وهو يردد كل كلمة أقولها، وكل عبارة يريدها. وكانت الغضون تبدو على جبينه من فرط الجهد المبذول. كان كأنما يكفيه ترديد الكلمة لابتلاعها في ذهنه. وما إن ينطقها ويستعملها حتى تثبت في عقله فلا ينساها أبدًا، وإذا تصادف أن نسى كلمة ما، كان دائمًا يبدي غضبه الشديد من نفسه. وكنت أحيانًا ألاحظه وأنا أتلفظ بكلمة جديدة فأجد عينيه تبرقان. كان يومئ ويبتسم كأنما تعرَّف على الكلمة، أو كأنما يُحيِّي صديقًا قديمًا. كان يكررها مرات ومرات، كأنما يتلذذ بمذاق رنينها قبل أن يحفظها في ذاكرته إلى الأبد. وكان كلما ازدادت معرفته بكلمات جديدة، ازدادت محاولته — بطبيعة الحال — لتجربتها. وسرعان ما نمت الكلمات المفردة فأصبحت عبارات مبتورة ثم غدت جُملًا كاملة. ومع ذلك، فإن أسلوب نطقه لم يتحسن قط، مهما يحاول تحسينه. مايكل كان دائمًا ميكا، وأحيانًا ميكاسان، وغدونا الآن نستطيع على الأقل أن نتحادث معًا بسهولة أكبر، وانتهى عهد الصمت الطويل الذي تشكلت فيه صداقتنا. لم يكن الصمت في يوم ما حاجزًا يفصل بيننا، لكنه كان يفرض علينا حدودًا. كنا نجلس بجوار باب الكهف عند غروب الشمس عندما قال: «انظر الآن إذا كنت أستطيع الفهم يا ميكاسان. قصَّ عليَّ قصتك. أين تعيش. لماذا أتيتَ إلى جزيرتي هنا. منذ أن كنتَ طفلًا حتى الآن. وسوف أستمع.» وقصصتُ عليه قصَّتي. حكيتُ له عن أمي وأبي، وعن إغلاق مصنع الطوب. عن كرة القدم مع إدي وفريق «مدلاركس» وعن السفينة بيجي سو ورحلتنا حول العالم، وعن كرة القدم في البرازيل، والأُسود في أفريقيا والعناكب في أستراليا، وعن مرض والدتي، وعن الليلة التي سَقَطْتُ فيها من السفينة. وقال عندما انتهيت: «ممتاز. أفهم. ممتاز. إذن تحب كرة القدم. عندما كنتُ صغيرًا كنت ألعب كرة القدم أيضًا. وقت سعيد جدًّا، من زمن طويل، في اليابان، في وطني.» وجلس صامتًا برهة، ثم عاد يقول: «أنت بعيد جدًّا عن وطنك يا ميكاسان. تبدو حزينًا جدًّا أحيانًا. أفهم. وإذن، أجعلك سعيدًا. نذهب غدًا لصيد السمك وربما أحكي لك قصتي أنا أيضًا. قصتي وقصتك. ربما تكون نفس القصة الآن.» كانت الشمس قد غربت، فوقفنا وانحنينا نُحيِّي بعضنا البعض. وقال: «أوياسومي ماساي.» وقلت له: «تصبح على خير.» لم يكن تكلم باليابانية طول النهار إلا في تلك اللحظة، ولكنه كان يغني باليابانية غالبًا، كنت علمته أغنية «عشر زجاجات خضراء»، وكانت تجعله يضحك كلما غناها. وكنت أحب ضحكته. لم تكن قهقهة مجلجلة قط، بل أقرب إلى الضحكة الخافتة المديدة. لكنها كانت دائمًا تثلج صدري. وفي صباح اليوم التالي حمل قصبتين من قصبات صَيْد السمك، وشبكة، وسار أمامي إلى داخل الغابة، ثم قال لي: «نَصِيدُ اليوم سمكًا كبيرًا يا ميكا، لا سمكًا صغيرًا.» كان يسير بي إلى ذلك الجانب الذي قَذَفَتْني الأمواج عليه منذ شهور طويلة، وإن لم أكن أجد ما يدعوني إلى زيارته من جديد، بسبب ندرة الفواكه فيه أو انعدامها. وكان علينا أن نسلك دربًا شاقًّا خلال الغابة قبل أن نمضي في طريق صخري يتلوَّى منحدرًا إلى خليج رملي خفي. وما إن خرجْنا من الغابة إلى الشاطئ، حتى انطلقتْ ستلا تعدو وتتواثب فورًا في المياه الضحلة، وهي تنبح داعية إيَّاي إلى اللعب معها. وفجأة قبض كنسوكي على ذراعي قائلًا: «انظر يا ميكاسان. ماذا ترى؟» كانت عيناه تنمَّان عن الإثارة والاستفزاز. ولم أعرف ما المفترض أن أَنْشُده. فقال: «لا شيء هنا؟ صحيح؟ أنا رجل ماهر جدًّا. انظر وسوف أريك.» واتجه إلى آخر الشاطئ، وسرت خلفه. وعندما وصل بدأ يَشُدُّ ويسحبُ طبقة النباتات الصغيرة النامية بين الأشجار، ودهشت حين رأيته ينتزعها بسهولة. وشاهدت أولًا ما بدا كأنه كتلة خشبية في وسط الرمل، لكنه عندما أزال المزيد من الفروع أدركْتُ أنه جانب من قارب، زورق بمسندين خشبيين، بل كان قاربًا مصنوعًا من جذع شجرة مُقَوَّر، وله هيكل من المساند الخشبية على الجانبين. وكان مُغطًّى بالخَيْش، ومن ثَمَّ بدأ يطوي الغطاء ببطء شديد ليكشف عن القارب وهو يضحك ضحكته الخافتة. وكانت في قاع القارب، بجوار مجداف طويل، كرةُ القدم المهداة لي، ومَدَّ يَدَه فالتقطها وألقاها إليَّ. كانت قد فقدت شدة انتفاخها، كما كان جانب كبير من الجلد الأبيض مُشَقَّقًا حائل اللون، لكنني كنت أستطيع أن أرى بصعوبة اسم إدي.
|
{
"chapter": "كلُّ ما قاله الصمت",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/7/"
}
|
يسيرون اثنَين اثنَين على عجل. «ممنوع منعًا باتًّا الوقوف في السيارات». سلسلة الصعود تتشابك، ممسكةً في التروس؛ فتصعد السيارات المستوى المائل منتفضةً من داخل الأضواء الطنَّانة، من داخل رائحة الحشود والذرة المطبوخة على البخار والفول السوداني، تتصاعد خفَّاقةً مقززة في ليلة طويلة من ليالي سبتمبر المليئة سماؤها بالشُّهب. البحر، ورائحة المستنقعات، وأضواء إحدى عبَّارات شركة أيرون ستيمبوت مغادرةً الرصيف. وعبر الأفق الأزرق الداكن ذي المسحة البنفسجية، ومضت منارة. ثم يموج البحر. يضطرب البحر، وترتفع الأضواء. شعرها في فمه، ويده في ضلوعها، وفخذاهما منسحقان معًا. انتزعت ريح سقوطهما صرخاتهما، فانتفضا وقد علت أنفاسهما عبر هيكل الجسر المتشابك. يموج البحر. ويضطرب. وأضواء جياشة في الأُفق ما بين الظُّلمة والبحر. ثم يموج البحر. «حافظوا على مقاعدكم للرحلة التالية.» «ادخل يا جو، سأرى إن كانت السيدة العجوز ستجلب لنا بعض الطعام.» «هذا لطف بالغ منك … أنا … أنا لست … أنا … لا أرتدي زيًّا مناسبًا للقاء سيدة كما ترى.» «أوه لن تهتم. فما هي سوى أمي، اجلس، سأُحضرها.» جلس هارلاند على كرسي بجانب الباب في المطبخ المظلم ووضع يدَيه على ركبتَيه. جلس يحدِّق إلى يدَيه، وكانتا حمراوَين محببتَين بالغبار وترتجفان، وكان لسانه كمبشرة جوزة الطيب من أثر الويسكي الرخيص الذي كان يشربه الأسبوع الماضي، وشَعَر في كامل جسده بالخدر والبلل والنتانة. حدَّق إلى يدَيه. عاد جو أوكيف إلى المطبخ. «إنها مستلقية. تقول إن هناك بعض الحساء خلف الموقد … تفضَّل. هذا سيمنحك القوة … ينبغي أن تذهب حيث كنتُ ليلة أمس يا جو. فقد خرجت إلى حانة سي سايد هنا كي أحمل رسالةً إلى رئيس الطهاة عن شخص يُخبره بأنهم سيُغلقون السوق … لقد كان أبشع شيء رأيتَه في حياتك. هذا الرجل الذي هو محامٍ معروف في وسط المدينة كان بالخارج في القاعة يصيح عاليًا من أعماقه معترضًا على شيء ما. يا إلهي، لقد بدا صعبًا. ثم أخرج مسدسًا وكاد يُطلق النار عليها أو شيء ملعون من هذا القبيل عندما أتى رئيس الطُّهاة وهدَّأ من روعه وهو يعرج على عصاه كما يفعل، وأخذ المسدس بعيدًا عنه ووضعه في جيبه قبل أن يرى أحد بوضوح ما حدث … هذا الرجل بالدوين هو صديقه، أتصدِّق ذلك؟ لقد كان أبشع شيء رأيته في حياتك. ثم انهار تمامًا مثل …» قال جو هارلاند: «اسمع مني يا فتى، سيُصيبهم هذا جميعًا عاجلًا أم آجلًا …» «فلتتناول طعامك جيدًا. لم تأكل ما يكفي.» «لا أستطيع أن آكل جيدًا.» «بل تستطيع بالتأكيد … أخبرني يا جو ماذا عن الحرب؟» «أعتقد أنهم سيخوضونها هذه المرة … لقد عرفت أنها آتية منذ حادثة أكادير.» «يا إلهي، أُحب أن أرى أحدًا يهزم إنجلترا بعد أن رفضت منح أيرلندا حكمها الذاتي.» «ينبغي علينا مساعدتهم … على أي حال لا أرى كيف يمكن أن يستمر هذا طويلًا. فلن يسمح بذلك مَن يتحكَّمون في التمويل الدولي. في نهاية المطاف، المصرفيون هم مَن يتحكَّمون في الأموال.» «لن نذهب لمساعدة إنجلترا، لا يا سيدي، لن نفعل ذلك بعد ما فعلوه في أيرلندا، وفي الثورة، وفي الحرب الأهلية …» «سيقضي عليك تمامًا هذا التاريخ الذي تقرؤه في المكتبة العامة كل ليلة يا جوي … فلتُتابع أسعار الأسهم وابقَ منتبهًا ومستعدًّا ولا تدعهم يخدعونك بكل هذه الصُّحف التي تتحدَّث حول الإضرابات، والثورات، والاشتراكية … أود أن أراك تُحقِّق نجاحًا يا جوي … حسنًا، أظن أنه من الأفضل أن أذهب.» «فلتمكث قليلًا، سنفتح زجاجةً من الشراب.» سمعا صوت أقدام ثقيلة متعثِّرة في الممر خارج المطبخ. «مَن هناك؟» «أهذا أنت يا جو؟» دخل الغرفة مترنِّحًا فتًى كبيرُ الحجم أشقر الشعر بكتفَين ضخمَين ووجه أحمر مربع وعنق ثخين. «مَن في ظنك يكون هذا بحق الجحيم؟ … إنه أخي الصغير مايك.» «حسنًا ما الأمر؟» وقف مايك متمايلًا وذقنه على صدره. انتفخت كتفاه لتصل إلى السقف المنخفض للمطبخ. «أليس كالحوت في ضخامته؟ ولكن بحق المسيح ألم أقُل لك ألَّا تأتي إلى المنزل وأنت مخمور؟ … إن بإمكانه أن يهدم علينا المنزل.» «ينبغي أن أعود إلى المنزل وقتًا ما أليس كذلك؟ منذ أن عملت في الحزب يا جو وأنت تضايقني أكثر ممَّا يفعل الرجل الهَرِم. أنا سعيدٌ أنني لن أمكث في هذه البلدة الملعونة طويلًا. إن بها ما يكفي لتجن جنون المرء. إن تمكَّنت من أن أذهب في أحد الأحواض التي تُبحِر أمام جسر البوابة الذهبية، فسأفعل وربي.» «بحق الجحيم لا أمانع من أن تبقى هنا. كل ما في الأمر أنني لا أُحب ألَّا تتمالك نفسك طوال الوقت، أتفهم؟» «سأفعل ما أريد، أتفهمني؟» «اخرج من هنا يا مايك … عُد إلى المنزل عندما تكون مستفيقًا.» «أود أن أراك وأنت تطردني من هنا، أتفهمني؟ أود أن أراك وأنت تطردني من هنا.» نهض هارلاند واقفًا. قال: «حسنًا، سأفعل. فلترَ ما إذا كان بإمكاني فعل ذلك.» كان مايك يتقدَّم عبر المطبخ بقبضتَين مطبقتَين. مدَّ جوي شفته السفلى، والتقط كرسيًّا. «سألبسه في رأسك.» «بحق القِديسين والشهداء ألَا تستطيع المرأة أن تحظى بالسكينة في منزلها؟» ركضت امرأة صغيرة البِنية ذات شعر أشيب تصرخ بينهما، وكان لها عينان سوداوان متباعدتان في وجهها المنكمش كتفاحة تُركت لتتعفَّن من عامٍ مضى، لوَّحت في الهواء بيدَين لواهما العمل. «فليخرس كلٌّ منكما، دائمًا ما تتبادلان السِّباب وتتعاركان في أنحاء المنزل كما لو لم يكن هناك إله … اصعد يا مايك إلى الطابق العلوي واستلقِ في سريرك حتى تستفيق.» قال جوي: «لقد كنت للتو أقول له ذلك.» التفتت إلى هارلاند، وكان صوتها كصرير الطباشير على سبورة سوداء. «وأنت، اخرج من هنا. فأنا لا أسمح بوجود المتشرِّدين السكارى في منزلي. اخرج من هنا. لا يهمني مَن أحضرك.» نظر هارلاند إلى جوي بابتسامة بغيضة بعض الشيء، ثم هزَّ كتفَيه وخرج. تمتم وهو يتعثَّر بساقَين تؤلمانه على طول الشارع الترابي للمنازل المبنية من الطوب ذي الواجهة المظلمة: «خادمة.» كانت شمس ما بعد الظهيرة القائظة كضربة على ظهره. وفي أذنَيه أصوات الخادمات، والطُّهاة، والكتَّاب المختزلين، والسكرتارية: نعم يا سيدي، السيد هارلاند، شكرًا لك يا سيدي السيد هارلاند. أوه يا سيدي شكرًا جزيلًا يا سيدي السيد هارلاند … ••• ثمة طنين أحمر في جفنَيها حيث يوقظها ضوء الشمس، وتغوص مرةً أخرى في دهاليز النوم الناعمة كالصوف القطني الأرجواني، وتستيقظ مرةً أخرى، متقلِّبةً متثائبة، وتسحب ركبتَيها إلى ذقنها لتجذب شرنقة النعاس الحلوة بإحكام أكثر حولها. تتدحرج شاحنة تدحرجًا مرعبًا على طول الشارع، وأشعة الشمس تقبع في خطوط ساخنة فوق ظهرها. تتثاءب في يأس وتتقلَّب وتستلقي متمدِّدة ويداها أسفل رأسها محدِّقةً في السقف. من بعيد عبر الشوارع وجدران المنازل، يخترق سمعها الأنين الطويل لصافرة قارب بخاري كفسيلة حشائش سلطعون تندفع عبر الحصى. تجلس إلين وهي تهزُّ رأسها كي تُبعد ذبابةً متخبطة حول وجهها. تومض الذبابة وتختفي في ضوء الشمس، ولكنها تظل تشعر في مكانٍ ما بوخز طنَّان متباطئ، غير قابل للتفسير، شيء خلَّفته أفكار الليلة الماضية المريرة. ولكنها سعيدة ومستيقظة تمامًا وما زال الوقت مبكِّرًا. تنهض وتتجوَّل في أرجاء الغرفة في ثوب نومها. عندما تضرب الشمس الأرضية الخشبية الصلبة، تجدها دافئةً في أخمَصَي قدمَيها. تُزقزق عصافير الدوري على النوافذ. ويأتي من الطابق العلوي صوت ماكينة خياطة. عندما خرجت من الحمام بدا جسدها مصقولًا ناعمًا ومشدودًا، ففركته بمنشفة وهي تحسب ساعات اليوم الطويل الذي أمامها؛ حيث المشي عبر شوارع وسط المدينة التي تتناثر بها القُمامة وصولًا إلى ذلك الرصيف على النهر الشرقي حيث يُكوِّمون عارضات خشب الماهوجني، ثم تناول الإفطار وحدها في فندق لافاييت، من قهوة ولفائف هلالية وزبدة حلوة، والذهاب للتسوق في متجر لورد آند تیلور مبكِّرًا قبل حلول المساء حيث الزحام وإرهاق البائعات، وتناول الغداء مع … ثم يتدفَّق الألم الذي كان يُزعجها طوال الليل وينفجر. قالت بصوت عالٍ: «ستان، ستان، يا إلهي!» تجلس أمام مرآتها تُحدِّق إلى سواد حدقتَي عينَيها المتسعتَين. ترتدي ملابسها على عَجَل وتخرج، وتمشي في الجادة الخامسة وشرقًا بمحاذاة شارع ٨ دون النظر يمينًا أو يسارًا. أشعة الشمس حارة بالفعل وتسقط على شكل أضلاع مضطربة فوق الأرصفة، والألواح الزجاجية، واللافتات المطلية بالأبيض من مسحوق الرخام. وجوه الرجال والنساء وهم يمرون بها مجعَّدة ورمادية كالوسائد التي ناموا عليها طويلًا. بعد عبورها شارع لافاييت الذي يعج بالشاحنات وعربات التوصيل، تشعر بمذاق الغبار في فمها، وحبيبات من جَريش تنسحق بين أسنانها. وعندما تتقدَّم أكثر ناحية الشرق، تمر بعربات يد، حيث يمسح رجال الطاولات الرخامية لحوامل المشروبات الغازية، ويملأ أرْغُن يدوي الشارع بمقطوعة «الدانوب الأزرق» الصادرة من لفائف تَدافعه اللامعة، وتنتشر حِدة حريفة من حامل للمخلَّلات. في ساحة تومبكينز، يتجوَّل الأطفال صارخين فوق الأسفلت الندِي. وعند قدمَيها كومة تتلوَّى من الأولاد الصغار، بقمصانهم المتسخة الممزَّقة، وأفواههم التي تسيل لعابًا، يلكمون، ويعضون، ويُخربشون، وتفوح منهم رائحة كريهة كالخبز العفن. تشعر إلين فجأةً بركبتَيها ضعيفتَين تحتها. تستدير وتمشي في الطريق الذي أتت منه. الشمس ثقيلة كذراعه على ظهرها، تضرب ساعدها العاري كما تضربها أصابعه، إنها أنفاسه على وجنتها. ••• قالت إلين للرجل ذي عظام الوجه البارزة والعينَين الكبيرتَين المرتخيتَين كالمحار، وهي تنظر إلى مقدمة قميصه الطويلة: «لا شيء سوى المسائل القانونية الخمس.» سأل بجدية: «أوَهكذا يُمنح القرار؟» «بالتأكيد بالتزكية …» «حسنًا، أنا في غاية الأسف لسماع ذلك بصفتي صديقًا قديمًا لعائلة كلا الطرفَين.» «اسمع يا ديك، صدقًا أنا مغرمة جدًّا بجوجو. وأنا مدينة له بالكثير … إنه شخص جيد جدًّا من نواحٍ عدة، ولكن كان لا بد من ذلك لا محالة.» «هل تقصدين أن هناك شخصًا آخر؟» نظرَت لأعلى إليه بعينَين ساطعتَين وبنصف إيماءةٍ من رأسها. «أوه ولكن الطلاق هو خطوة بالغة الصعوبة يا سيدتي العزيزة الصغيرة.» «أوه ليست بهذه الصعوبة كما قد يُظن.» رأيا هاري جولدفايزر يقترب منهما عبر الغرفة الكبيرة المكسوَّة بألواح الجوز. فرفعت صوتها فجأة. «يقولون إن معركة المارن هذه ستُنهي الحرب.» أمسك هاري جولدفايزر بيدها بين يدَيه ذات الراحتَين السمينتَين ومال عليها. «إنه لمن الرائع أن تأتي يا إلين وتنقذي الكثير من العُزاب في منتصف الصيف من الملل المميت. مرحبًا أيها الرجل الهَرِم سنو، كيف الأحوال؟» «أجل، كيف لا يزال بإمكاننا أن نحظى بشرف لقائك هنا؟» «أوه لقد احتجزتني عدة أشياء … على أي حالٍ أنا أكره المنتجعات الصيفية. ليس هناك مكان أجمل من لونج بيتش على أي حال … عجبًا، بار هاربور، لن أذهب إلى بار هاربور ولو أعطيتني مليون دولار أمريكي … مليون بحق.» أطلق السيد سنو نَفسًا أجش. «يبدو لي أنني سمعت أنك تخوض لعبة العقارات يا جولدفايزر.» «لقد اشتريت لنفسي كوخًا، هذا كل ما هنالك. من المدهش أنه لا يمكنك أن تشتري لنفسك ولو كوخًا دون أن يعلم جميع باعة الصُّحف في ميدان التايمز بالأمر. دعونا ندخل ونأكل؛ ستكون أختي هنا.» دخلت امرأة بدينة في ثوب لمَّاع بعد أن جلسوا إلى الطاولة في غرفة الطعام الكبيرة ذات القرون المعلَّقة على الجدران، وكانت ذات صدر كصدر حمامة وبشرة شاحبة. غرَّدت بصوت ضعيف كالببغاء الصغير: «أوه يا آنسة أوجليثورب، أنا سعيدة للغاية بلقائكِ. لطالما رأيتكِ واعتقدت أنكِ أجمل شيء … بذلت قُصارَى جهدي كي أجعل هاري يُحضركِ لرؤيتي.» قال جولدفايزر لإلين دون أن يبرح مكانه: «هذه أختي راشيل. إنها تعتني بالمنزل من أجلي.» «أتمنَّى أن تساعدني يا سنو في حثِّ الآنسة أوجليثورب على أخذ ذلك الدور في عرض «فتاة الزَّينِية» (ذا زينيا جيرل) … صدقًا، إنه كما لو كان قد كُتب من أجلكِ أنتِ.» «ولكنه مجرَّد دَور صغير …» «إنه ليس دَورًا رئيسيًّا بالضبط، ولكن بالنظر إلى سمعتكِ باعتبارك فنانةً متعدِّدة المواهب ورائعة، فهو أفضل ما في العرض.» قالت الآنسة جولدفايزر بصوت مرتفع: «هل ترغبين في المزيد من السمك يا آنسة أوجليثورب؟» تنشَّق السيد سنو. «لم يعد هناك تمثيل رائع: بوث، جيفرسون، مانسفيلد … كلهم قد رحلوا. اليوم، الأمر كله دعاية؛ حيث يُطرح الممثِّلون والممثِّلات في السوق كالأدوية ببراءات اختراع. أليست هذه هي الحقيقة يا إلين؟ … دعاية، دعاية.» قال جولدفايزر فجأة: «لكن هذا ليس ما يحقِّق النجاح … إذا كان بإمكانك القيام بالأمر مع الدعاية، فسيُصبح كل منتج في نيويورك مليونيرًا. إنها القوة الخفية الغامضة التي تُمسك بالحشود في الشارع وتُوجِّههم إلى مسرح بعينه ما يجعل الإيرادات ترتفع في شباك تذاكر بعينه، هل تفهمني؟ الدعاية لن تفعل ذلك، والنقد الجيد لن يفعل ذلك، ربما العبقرية، ربما الحظ، ولكن إذا تمكَّنت من إعطاء الجمهور ما يريد في الوقت المناسب والمكان المناسب، فستُحقِّق نجاحًا. هذا ما قدَّمته لنا إلين في هذا العرض الأخير … لقد أنشأت علاقةً مع الجمهور. ربما تكون أعظم مسرحية في العالم يمثِّلها أعظم الممثِّلين في العالم وتفشل فشلًا ذريعًا … ولا أعرف كيف يحدث ذلك، لا أحد يعرف كيف يحدث ذلك … إذ تذهب إلى الفراش ذات ليلة ومنزلك ممتلئ بالأوراق وتستيقظ في صباح اليوم التالي وقد حقَّقت نجاحًا مدوِّيًا. لم يعد بإمكان المُنتِج التحكُّم في الأمر، كما لا يمكن لخبير الأرصاد الجوية التحكُّم في الطقس. أليس ما أقوله هو الحقيقة؟» «آه، لقد تدهور ذوق جمهور نيويورك للأسف منذ الأيام الخوالي لوالاك.» قالت الآنسة جولدفايزر بصوت أشبه بزقزقة العصافير: «ولكن كان هناك بعض المسرحيات الجميلة.» كانت مشاعر الحب التي أحاطتها طوال اليوم قد أظهرت الحيوية على تجعُّدات شعرها … تلك التجعُّدات الداكنة … وقد كسر لونها الضوء الفولاذي الداكن … مندفعةً … عاليًا، يا إلهي، عاليًا إلى الضوء … وكانت تقطع بشوكتها قلب الخس الأبيض الهش. كانت تتلفَّظ بكلمات بينما تسرَّبت بالفعل كلمات أخرى بارتباك داخلها كحُزمة مكسورة من الخرز. جلست تنظر إلى صورة لامرأتَين ورجلَين يأكلون إلى طاولة في غرفة مغطاة بألواح عالية أسفل ثريا كريستالية مرتعشة. رفعت عينَيها عن صحنها لتجد عينَي الآنسة جولدفايزر الصغيرتَين الشبيهتَين بعينَي عصفور، الثابتتَين في حسرة وعطف على وجهها. «أوه أجل، نيويورك ممتعة حقًّا في منتصف الصيف أكثر من أي وقت آخر؛ حيث يكون التعجُّل والضجيج أقل.» «أوه نعم، هذا صحيح تمامًا يا آنسة جولدفايزر.» أظهرت إلين ابتسامةً مباغتة حول المائدة … كل مشاعر الحب التي أحاطتها طوال اليوم قد أظهرت الحيوية على تجعُّدات حاجبه الرفيع المرتفع، وومضت في عينَيه في الضوء الفولاذي الداكن … في سيارة الأجرة، ضغطت ركبتا جولدفايزر القصيرتان العريضتان على ركبتَيها؛ فامتلأت عيناه بما يشبه مصنعًا خفيًّا كعناكب تغزل شبكةً خانقة حلوة ودافئة حول وجهها ورقبتها. رجعت الآنسة جولدفايزر قصيرةً وبدينة في المقعد المجاور لها. كان ديك سنو يحمل سيجارًا غير مشتعل في فمه ويدحرجه بلسانه. حاولت إلين أن تتذكَّر كيف كان شكل ستان تحديدًا، بنحوله الشديد كقافز زانة، ولكنها لم تتمكَّن من تذكُّر وجهه بالكامل؛ فلم ترَ سوى عينَيه وشفتَيه وأذنه. كان ميدان التايمز مليئًا بالأضواء الملوَّنة المتراقصة، في تمويجات متقاطعة من الوهج. صعدوا في مصعد فندق أستور. تبعت إلين الآنسة جولدفايزر عبر حديقة السطح وسط الطاولات. رجال ونساء في ثياب السهرة، وفي الأردية الصيفية من الموسلين والبذلات الخفيفة يستديرون ويعتنون بها، كمحالق لزجة من كروم تحدِّق بها وهي تمر. كانت الأوركسترا تعزف لحن أغنية «في الحرملك الخاص بي» (إن ماي هاريم). أعدوا أنفسهم للجلوس إلى الطاولة. سأل جولدفايزر: «ألَا نرقص؟» ابتسمت ابتسامةً ساخرة باهتة في وجهه وهي تتركه يضع ذراعه حول ظهرها. كانت أذنه الكبيرة ذات الشعرات المنفردة التي تضفي عليه وقارًا في مستوى عينَيها. كان يتنفَّس في أذنها قائلًا: «إلين، صدقًا ظننت أنني رجل حكيم.» التقط أنفاسه … «لكنني لست … لقد جعلتني أتحدَّث بحماس أيتها الفتاة الصغيرة وأنا أكره أن أعترف بذلك … لماذا لا يمكنكِ الإعجاب بي قليلًا؟ أود … أن نتزوَّج بمجرد أن تحصلي على إذن الطلاق … ألن تكوني أكثر لطفًا معي بين الحين والآخر …؟ سأفعل أي شيء من أجلك، تعلمين ذلك … هناك الكثير من الأشياء التي يمكنني القيام بها من أجلك في نيويورك …» توقَّفت الموسيقى. ووقفا متباعدَين أسفل نخلة. «تعالَي يا إلين إلى مكتبي ووقِّعي ذلك العقد. لديَّ سيارة فيراري تنتظرنا … يمكننا العودة خلال ١٥ دقيقة.» «يجب أن أفكِّر في الأمر جيدًا … لا أفعل أي شيء مطلقًا دون التفكير فيه لليوم التالي.» «يا إلهي، أنتِ تثيرين المرء.» تذكَّرت فجأةً وجه ستان كاملًا، حيث كان يقف أمامها بربطة عنق فراشية الشكل منحنية فوق قميصه الناعم، وبشعر مجعَّد، ويشرب مجددًا. «أوه يا إيلي، أنا سعيد جدًّا لرؤيتك …» «هذا هو السيد إيميري يا سيد جولدفايزر …» «لقد كنت في أكثر رحلة مدهشة، صدقًا كان ينبغي أن تأتي … ذهبنا إلى مونتريال وكيبيك وعدنا عبر شلالات نياجرا ولم نفِق من الشرب قط منذ تركنا نيويورك العجوز الضئيلة وحتى قُبض علينا لتجاوزنا السرعة المسموح بها في طريق بوسطن بوست، أليس كذلك يا بيرلاين؟» كانت إلين تحدِّق في فتاة وقفت تترنَّح خلف ستان بقبعة قشية مزهرة صغيرة مسحوبة لأسفل فوق زوج من العيون الزرقاء كزُرقة السماء. «إيلي، هذه بيرلاين … أليس اسمًا جميلًا؟ كدت أموت من الضحك عندما أخبرتني بمعناه … لكنك لا تعرفين المزحة في الأمر … لقد توطَّدت علاقتنا للغاية في شلالات نياجرا لدرجة أننا اكتشفنا أننا قد تزوَّجنا … وأن وثيقة زواجنا عليها زهور الثالوث …» لم تتمكَّن إلين من رؤية وجهه. الأوركسترا، وتداخل الأصوات، وقعقعة الصحون التي انطلقت متصاعدةً أكثر فأكثر حولها … «ليلة سعيدة يا ستان.» كان صوتها حازمًا في فمها، وسمعت الكلمات شديدة الوضوح عندما نطقت بها. «أوه يا إيلي، أتمنَّى أن تأتي للاحتفال معنا …» «شكرًا شكرًا.» بدأت ترقص مرةً أخرى مع هاري جولدفايزر. كانت حديقة السطح تدور بسرعة، ثم أقل سرعة. انحسرت الضوضاء انحسارًا مثيرًا للاشمئزاز. قالت: «معذرةً لدقيقة يا هاري. سأعود إلى الطاولة.» في دورة مياه السيدات، ألقت بنفسها بعناية على الأريكة الفاخرة. نظرت إلى وجهها في المرآة المستديرة لحقيبة مستحضرات تجميلها. اتسعت حدقتا عينَيها من ثقوب سوداء ضبابية حتى أصبح كل شيء أسود. ••• كانت ساقا جيمي هيرف متعبتَين؛ فقد كان يمشي طوال فترة ما بعد الظهيرة. جلس على مقعد بجوار حوض السمك ونظر فوق الماء. أعطت ريح سبتمبر المنعشة بريقًا فولاذيًّا للموجات المنعشة للميناء والسماء الزرقاء الإردوازية الملطَّخة بالسواد. كانت باخرة بيضاء كبيرة ذات قمع أصفر تمر أمام تمثال الحرية. خرج الدخان من زورق القطر عند مقدمته مدور النتوءات بشكل حاد كورقة. على الرغم من المنازل المُعرقِلة على الرصيف، بدا له طرف مانهاتن كمقدمة صندل تندفع ببطء وهدوء في الميناء. دارت النوارس وصاحت. وقف على قدمَيه منتفضًا. «أوه يا للهول، يجب أن أفعل شيئًا.» وقف لثانية مشدود العضلات متوازنًا على قدمَيه. كان للرجل الرث الهيئة الناظر إلى الحُفر الضوئية لصحيفة يوم الأحد وجه رآه من قبل. قال بصوت غير واضح: «مرحبًا.» قال الرجل دون أن يمد يده: «كنت أعرفك طوال الوقت. أنت ابن ليلي هيرف … ظننتك لن تتحدَّث إليَّ … فليس هناك سبب يجعلك تتحدَّث معي.» «أوه بالطبع لا بد أنك قريبي جو هارلاند … أنا سعيد للغاية برؤيتك … كثيرًا ما تساءلت عنك.» «تساءلت عن ماذا؟» «أوه لا أعرف … من المضحك أنك لا تفكِّر مطلقًا في أقاربك على أنهم أشخاص مثله، أليس كذلك؟» جلس هيرف على المقعد مرةً أخرى. «هلَّا أخذت سيجارة … إنها مجرد سجائر ماركة كاميل.» «حسنًا، لا أمانع … ماذا تعمل يا جيمي؟ لا تمانع لو دعوتك بهذا الاسم، أليس كذلك؟» أشعل جيمي هيرف عود ثقاب، ثم أشعل آخر وناوله لهارلاند. «هذا أول تبغ أشربه منذ أسبوع … شكرًا لك.» ألقى جيمي نظرةً إلى الرجل بجانبه. بدا التجويف الطويل لوجنته ذات الشيب كرأس سهم مع الثنية العميقة لطرف فمه. بصق هارلاند وقال: «تعتقد أنني محبط للغاية، أليس كذلك؟ أنت نادم على حياة الراحة التي تعيشها، أليس كذلك؟ أنت نادم لأنه كان لديك أم ربَّتك لتكون رجلًا محترمًا وليس نذلًا كبقيتهم …» قال جيمي متشدِّقًا بكلماته: «عجبًا، لقد حصلت على وظيفة كمراسل في صحيفة «نيويورك تايمز» … وظيفة فاسدة لعينة، لقد سئمت الأمر.» «لا تتحدَّث هكذا يا جيمي، أنت في مرحلةٍ مبكِّرة من شبابك … مثل هذا السلوك لن يُوصلك إلى شيء.» «حسنًا، لنفترض أنني لا أريد أن أصل إلى أي شيء.» «كانت عزيزتي ليلي المسكينة فخورةً بك للغاية … أرادت أن تكون رجلًا عظيمًا، كان لديها طموحٌ كبيرٌ فيك … بالتأكيد أنت لا تريد أن تنسى والدتك يا جيمي. لقد كانت الصديق الوحيد الذي كان لديَّ من جميع أفراد العائلة اللعينة.» ضحك جيمي. «لم أقل إنني لم أكن طموحًا.» «بحق الإله، من أجل والدتك العزيزة انتبه لِمَا تفعل. لقد بدأت للتو في الحياة … كل شيء سيعتمد على الأعوام القليلة القادمة. انظر إليَّ.» «حسنًا، أعترف أن ساحر وول ستريت قد حقَّق نجاحًا كبيرًا … كلا، إنني لا أُحب أن تأخذ كل ما عليك أخذه من الناس في هذه البلدة اللعينة. لقد سئمت من إرضاء الكثير من المحرِّرين الذين لا أحترمهم … ماذا تفعل يا جو يا قريبي؟» «لا تسألني …» «انظر، هل ترى ذلك القارب ذا الأقماع الحمراء؟ إنه فرنسي. انظر، إنهم يسحبون الأشرعة من فوق مؤخرة القارب … أريد أن أذهب إلى الحرب … المشكلة الوحيدة هي أنني ضعيف جدًّا في أمور القتال.» كان هارلاند يعض شفته العليا، وبعد صمت انفجر بصوت مبحوح أجش. «جيمي، سأطلب منك أن تفعل شيئًا من أجل ليلي من أجل … هل … هل لديك أي … أي … أي فكة معك؟ من المؤسف للغاية … تصادف أنني لم أتناول طعامًا جيدًا خلال اليومَين أو ثلاثة الأيام الماضية … أنا ضعيف بعض الشيء، أتفهمني؟» «عجبًا، أجل، لقد كنت لتوي سأقترح أن نذهب ونتناول كوبًا من القهوة أو الشاي أو شيئًا من هذا القبيل … أعرف مطعمًا سوريًّا جيدًا في شارع واشنطن.» قال هارلاند، وهو يقف متماسكًا: «هيا بنا إذن. هل أنت متأكد من أنك لا تمانع من أن يراك الناس مع فزَّاعة مثلي؟» سقطت الصحيفة من يده. انحنى جيمي لالتقاطها. نخزه وجه من ضبابات بنية منظَّمة كما لو أن شيئًا قد لمس عصبًا في أحد أسنانه. كلا، لم يكن الأمر كذلك، لم يكن هذا شكلها، أجل، ممثلة شابة موهوبة تحقِّق نجاحًا في عرض «فتاة الزَّينِية» … قال هارلاند: «شكرًا، لا تهتم، لقد وجدتها هناك.» ألقى جيمي بالصحيفة؛ فسقطت على وجهها. «إنهم يضعون صورًا قبيحة للغاية، أليس كذلك؟» «أمضي بعض الوقت في النظر إليها، أُحب متابعة ما يجري في نيويورك بعض الشيء … فحتى وضيع الشأن له حقوق كما تعرف، لوضيع الشأن حقوق.» «أوه، كل ما قصدته أنها ليست جيدة التصوير.»
|
{
"chapter": "خمس مسائل قانونية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.6/"
}
|
ضوء أحمر، وجرس. كان حشدٌ بطول أربعة صفوف من السيارات ينتظر عند تقاطع السكة الحديدية، والمصدات تظهر في ضوء المصابيح الخلفية، وحواجز الطين تنتشر في المكان، والمحرِّكات تُخرخِر ساخنة، والعوادم يفوح دُخَانها، وسيارات من بابل وجامايكا، وسيارات من مونتوك، وبورت جيفرسون، باتشوج، وسيارات ليموزين من مدينة لونج بيتش وحي فار روكاواي، وسيارات خفيفة من منطقة جريت نيك … سيارات مليئة بالأزهار النجمية وملابس السباحة الرطبة، وأعناق لفحتها الشمس، وأفواه دبقة من أثر تناول المشروبات الغازية والنقانق … سيارات مغبرة بحبوب لقاح اليعقوبيات وقضيب الذهب. ضوء أخضر. تتسابق المحركات وتنعق التروس على السرعة الأولى. تتباعد السيارات، وتتدفَّق في شريط طويل على طول الطريق الأسمنتي الشبحي، وسط الكتل الخرسانية للمصانع ذات النوافذ السوداء، وسط الألوان الزاهية للافتات ذات الألواح نحو الوهج فوق المدينة التي تقف مدهِشةً في سماء الليل كوهج خيمة كبيرة مضاءة، ككتلة طويلة صفراء لخيمة في أحد العروض. سراييفو، علقت الكلمة في حلقها عندما حاولت نطقها … كان جورج بالدوين يئن قائلًا: «إنه لأمر فظيع أن أفكِّر في ذلك. فالشارع سيئول إلى الخراب … سيغلقون البورصة، ما باليد حيلة.» «ولم أذهب إلى أوروبا من قبلُ أيضًا … فلا بد أن الحرب شيء استثنائي.» إلين في فستانها المُخملي الأزرق وعباءة أديمية اللون فوقه استندت إلى وسائد سيارة الأجرة التي كانت تطن بخفة أسفلهما. «أفكِّر دائمًا في التاريخ على أنه مطبوعات حجرية في كتاب مدرسي، حيث يدلي الجنرالات بتصريحاتهم، وتركض بعض الشخصيات الضئيلة الحجم في الحقول باسطةً أذرعها، ونُسخ لتوقيعات.» مخاريط ضوء تقطع مخاريط ضوء على طول جانب الطريق الحار الطنَّان، وتنشر المصابيح الأمامية أنوارها فوق الأشجار، والمنازل، واللوحات الإعلانية، وأعمدة البرق بضربات فرش عريضة من الكِلس. استدارت سيارة الأجرة نصف دورة وتوقَّفت أمام نُزُل على الطريق ينضح بالضوء الوردي وموسيقى الراجتايم من كل شق من شقوقه. قال سائق التاكسي لبالدوين عندما دفع له الأجرة: «ثمة حشد كبير الليلة.» سألت إلين: «لمَ يا تُرى؟» «أظن أن جريمة القتل في حي كنارسي لها دخل في الأمر.» «ماذا حدث؟» «أمر فظيع. لقد رأيتها.» «أرأيت جريمة القتل؟» «لم أرَه يفعلها. ولكني رأيت جثثًا ملقاةً ومتيبسة قبل أن يأخذوها إلى المشرحة. اعتدنا في طفولتنا أن نسمي الرجل سانتا كلوز لأن له لحيةً بيضاء … عرفته منذ أن كنت فتًى صغيرًا.» كانت السيارات بالخلف تُصدر أصوات أبواقها مزمجِرةً وجاشة. «من الأفضل أن أتحرَّك … ليلة سعيدة يا سيدتي.» كان المدخل الأحمر تفوح منه رائحة الكركند، والمحار المطهو على البخار، وشراب الكوكتيل. «عجبًا، مرحبًا يا جاس … دعيني يا إلين أقدِّم لكِ السيد والسيدة ماك نيل … هذه هي الآنسة أوجليثورب.» صافحت إلين اليد الكبيرة لرجل أحمر العنق أفطس الأنف، ويد زوجته الصغيرة الدقيقة في قفازها. «سأراك يا جاس قبل أن نذهب …» كانت إلين تتابع الحُلة ذات الذيل لرئيس النُّدُل على طول حافة حلبة الرقص. جلسا إلى طاولة بجوار الجدار. كانت تُعزَف موسيقى أغنية «الكل يفعل هذا». همهم بالدوين باللحن وهو يميل فوقها لبرهة معدِّلًا المعطف على ظهر كرسيها. شرع في الحديث وهو جالس قُبالتها: «إنكِ أجمل إنسانة يا إلين … يبدو الأمر مروِّعًا للغاية. لا أرى كيف يكون ذلك ممكنًا.» «ماذا؟» «هذه الحرب. لا أستطيع أن أفكِّر في أي شيء آخر.» «أنا أستطيع …» أبقت عينَيها على القائمة. «هل لاحظتِ هذَين الشخصَين اللذَين عرَّفتهما بكِ؟» «نعم. هل هما آل ماك نيل الذين يرد اسمهم في الصحف طوال الوقت؟ هناك بعض الجدل حول إضراب البنائين ومسألة سندات بين المناطق الإدارية.» «الأمر برمته يتعلَّق بالسياسة. أراهن أنه سعيد بالحرب، يا لجاس الهَرِم المسكين! سأفعل شيئًا واحدًا، وسيجعل هذا الجدل يختفي من الصفحات الأولى للصحف … سأُخبرك عنه في دقيقة … لا أظن أنكِ تحبين المحار المطهو على البخار، أليس كذلك؟ إنه جيد جدًّا هنا.» «إنني أعشق المحار المطهو على البخار يا جورج.» «إذن سنتناول عشاءً فاخرًا على الطراز القديم لشاطئ لونج آيلاند. ما رأيكِ في ذلك؟» وهي تضع قفازاتها بعيدًا على حافة الطاولة لامست يدها زَهرية من ورود حمراء باهتة وصفراء. رفرف وابل من بتلات باهتة فوق يدها، وقفازها، والطاولة. فهزَّتها عن يدَيها. «واجعله يأخذ هذه الورود الرديئة بعيدًا يا جورج … أنا أكره الزهور الباهتة.» ينحل البخار من الوعاء المطلي للمحار في الوهج الوردي للمصباح. راقب بالدوين أصابعها، وردية ورشيقة، وهي تجذب المحار من رقابها الطويلة لتُخرجها من صدفاتها، وتغمسها في الزبد الذائب، وتلقي بها في فمها فتقطر فيه عصارتها. كانت منغمسةً في تناول المحار. تنهَّد بالدوين. «إلين … أنا رجل تعيس للغاية … لرؤيتي لزوجة جاس ماك نيل. إنها المرة الأولى التي أراها فيها منذ سنوات. فلتتأمَّلي الأمر؛ فلقد كنت مجنونًا بحبها والآن لا أستطيع أن أتذكَّر اسمها الأول … إنه أمر مضحك، أليس كذلك؟ كانت الأمور بطيئةً للغاية منذ شرعت في العمل وحدي. لقد كان أمرًا متسرِّعًا؛ فقد كنت لتوي قد تخرَّجت قبل سنتَين في كلية الحقوق ولم يكن معي المال للشروع في عمل. كنت أهيج في تلك الأيام. وكنت قد قرَّرت أنه إذا لم أحصل على قضية في ذلك اليوم، فسأتخلَّص من كل شيء وأعود للعمل موظَّفًا في مكتبٍ للمحاماة. خرجت للتنزُّه كي أصفِّي رأسي، ورأيت عربة بضائع تُفرِّغ حمولتها في عربة حليب بالجادة الحادية عشرة. كانت فوضى مروِّعة، وعندما أوقفنا الرجل قلت لنفسي سأحصل له على التعويض المناسب أو أُعلن إفلاسي في المحاولة. ربحت قضيته وجعلني هذا ألفت انتباه مختلِف الأشخاص في وسط المدينة، وجعله هذا يبدأ مسيرته المهنية، وجعلني أيضًا أبدأ مسيرتي.» «إذن كان يقود عربة حليب، أليس كذلك؟ أعتقد أن بائعي الحليب هم ألطف البشر في العالم. ولكن رجلي هو الألطف.» «لن تُكرِّري هذا أمام أحد يا إلين … إنني أثق فيكِ ثقةً كاملة.» «هذا لُطف منك يا جورج. أليس من المدهش كم تتشبَّه الفتيات كل يوم أكثر فأكثر بالسيدة كاسيل؟ فقط انظر حولك في هذه الغرفة.» «لقد كانت كالوردة البرية يا إلين، نابضةً بالحيوية ومتورِّدة ومُفعَمة بالروح الأيرلندية، وهي الآن كامرأة صغيرة بدينة وقصيرة ويغلب عليها الطابع العملي.» «وأنت لا تزال تحتفظ بمظهرك اللائق كما كنت دومًا. هكذا تسير الأمور.» «أتعجَّب … أنتِ لا تعرفين كم كان كل شيء فارغًا وأجوف قبل أن أقابلكِ. كل ما يمكنني أنا وسيسلي فعله هو أن نجعل حياة كل منا بائسة.» «أين هي الآن؟» «إنها في بلدة بار هاربور … لقد حالفني الحظ وكل أنواع النجاح عندما كنت لا أزال شابًّا … لم أبلغ الأربعين بعد.» «ولكني أظن أن الأمر لا بد وأنه رائع. لا بد أنك تستمتع بالعمل في المحاماة وإلا فلم تكن لتحقِّق فيه مثل هذا النجاح.» «أوه، النجاح … النجاح … ماذا يعني ذلك؟» «إنني أرغب في القليل منه.» «ولكنكِ تحقِّقينه يا فتاتي العزيزة.» «أوه ليس هذا ما أعنيه.» «ولكن الأمر لم يعد ممتعًا كما كان. فكل ما أفعله هو الجلوس في المكتب وترك الشباب يقومون بالعمل. مستقبلي مخطَّط له بالفعل. أظن أنه بإمكاني أن أتَّسم بالوقار والأُبهة وأنغمس في بعض الرذائل الخاصة … ولكني أفضل من أن أفعل ذلك.» «لماذا لا تمارس العمل بالسياسة؟» «ما الذي يجعلني أذهب إلى واشنطن للصيد في الماء العكر بينما أنا في الموقع الذي تصدر فيه الأوامر؟ المريع في أن تتركي نيويورك تتعفَّن بداخلكِ هو أنه لا يوجد مكان آخر. إنها قمة العالم. كل ما يمكننا فعله هو الدوران كما لو كُنا في قفص سنجاب.» كانت إلين تشاهد الناس في ملابسهم الصيفية الخفيفة يرقصون فوق المربع المشمَّع من الأرضية في المنتصف، ولمحت وجه توني هانتر البيضوي الأبيض المتورِّد يجلس إلى طاولة في الجانب البعيد من الغرفة. لم يكن أوجليثورب معه. جلس هيرف صديق ستان وظهره لها. شاهدته يضحك، وكان رأسه الأسود الطويل المجعَّد متأرجحًا بعض الشيء بمَيل على رقبة هزيلة. لم تكن تعرف الرجلَين الآخرَين. «إلى مَن تنظرين؟» «ما هم سوى بعض أصدقاء جوجو … أتعجَّب كيف وجدوا طريقهم إلى هنا. المكان لا يتناسب وذوقهم.» قال بالدوين بابتسامة ساخرة: «الأمر دائمًا يسير هكذا عندما أحاول الابتعاد عن شيء ما.» «أرى أنك فعلت بالضبط ما كنت تريده طوال حياتك.» «أوه يا إلين، فقط لو تركتني أفعل ما أريده الآن. أريدكِ أن تدعيني أُسعدكِ. يا لكِ من فتاة صغيرة وشجاعة تشقين طريقكِ بمفردك تمامًا بطريقتكِ! أُقسم أنكِ مفعمة بالحب والغموض والبريق …» تلعثم، وأخذ جرعةً كبيرة من النبيذ، وواصل حديثه بوجه متورِّد. «أشعر وكأنني تلميذ في المدرسة … أبدو أحمق. إلين، سأفعل أي شيء في العالم من أجلكِ.» «حسنًا، كل ما سأطلبه منك هو أن تصرف هذا الكركند بعيدًا. أظنه ليس جيدًا جدًّا.» «اللعنة … ربما هو ليس كذلك … أيها النادل … كنت أُثرثر كثيرًا لدرجة أنني لم أكن أعلم أنني كنت أتناوله.» «يمكنك أن تجلب لي بعض الدجاج الممتاز بدلًا منه.» «بالتأكيد يا صغيرتي المسكينة لا بد أنكِ تتضوَّرين جوعًا.» «… وكوزًا من الذرة … أعي الآن كيف أصبحت محاميًا جيدًا يا جورج. فأي هيئة مُحلَّفين كانت ستجهش في البكاء قبل وقت طويل عند سماعها مثل هذا الاستعطاف الجيَّاش.» «وماذا عنكِ أنتِ يا إلين؟» «أرجوك يا جورج لا تسألني.» ••• على الطاولة حيث جلس جيمي هيرف كانوا يشربون الويسكي ومشروبًا غازيًّا. وكان ثمة رجل ذو بشرة صفراء بشعر فاتح وأنف رفيع يقف منحنيًا بين عيون زرقاء طفولية ويتحدَّث في رتابة وسرية: «صدقًا، لقد أرغمتهم على سماع الحق. إنهم في قسم الشرطة مجانين، مجانين تمامًا ليتعاملوا مع الأمر على أنه حالة اغتصاب وانتحار. هذا الرجل الهَرِم وابنته الجميلة البريئة قد قُتلا، قِتلة بشعة. وهل تعرف مَن …؟» أشار بإصبع ممتلئ عليه آثار رماد سجائر إلى توني هانتر. قال مُسقِطًا رموشه الطويلة على عينَيه: «لا تستجوبني بالإكراه فأنا لا أعرف أي شيء عن الأمر.» «إنها عصابة اليد السوداء.» قال جيمي هيرف ضاحكًا: «أخبرهم يا بولوك.» أنزل بولوك قبضته على الطاولة بقوة جلجلت الأطباق والأكواب. «إن حي كنارسي مليء بأعضاء عصابة اليد السوداء، وبالفوضويين، والخاطفين، والمواطنين غير المرغوب فيهم. إنها مسئوليتنا أن نتصدَّى لهم ونصون شرف هذا الرجل الهَرِم المسكين وابنته الحبيبة. سنُدافع عن شرف ذلك الرجل الهَرِم المسكين ذي وجه قرد، ما اسمه؟» قال جيمي «ماكينتوش. واعتاد الناس هنا أن يلقِّبوه بسانتا كلوز. بالطبع يقر الجميع أنه مجنون منذ سنوات.» «نحن لا نُقر بشيء سوى عَظَمة المواطَنة الأمريكية … لكن بحق الجحيم ما الفائدة من تصدُّر هذه الحرب اللعينة الصفحةَ الأولى بأكملها في الصُّحف؟ كنت سأنشر خبرها بملء الصفحة ولكنهم أعطَوني فقط نصف عمود. أليست هذه هي الحياة؟» «ربما يمكنك افتعال قصة عن كونه الوريث المفقود للعرش النمساوي وأنه قد قُتل لأسباب سياسية.» «ليست بالفكرة السيئة يا جيمي.» قال توني هانتر: «ولكنه شيء فظيع.» «تعتقد أننا حَفنة من المتوحِّشين القُساة، أليس كذلك يا توني؟» «كلا، ولكني لا أرى المتعة التي يحصل عليها الناس من القراءة في هذا الموضوع.» قال جيمي: «أوه، إنه جزء من عملنا اليومي المعتاد. ما يقشعر له بدني هو حشد الجيوش، وقد قُصفت العاصمة بلجراد، وغُزيت بلجيكا … وكل تلك الأشياء. لا يمكنني تخيُّل الأمر … لقد قتلوا جوريس.» «مَن هو؟» «اشتراكي فرنسي.» «هؤلاء الفرنسيون الملعونون منحطُّون للغاية؛ كل ما يمكنهم فعله هو القتال في المبارزات وتبادل زوجاتهم. أُراهن أن الألمان سيدخلون باريس في غضون أسبوعَين.» قال فرامينجهام، وكان رجلًا مُتكلِّفًا طويل القامة ذا شارب أشقر هش يجلس بجانب هانتر: «لا يمكن أن يدوم ذلك طويلًا.» «حسنًا، أود الحصول على مهمة باعتباري مراسل حرب.» «قل لي يا جيمي، هل تعرف هذا الرجل الفرنسي الذي يعمل ساقيًا هنا؟» «أتقصد كونغو جيك؟ بالتأكيد أعرفه.» «هل هو رجل طيب؟» «إنه ممتاز.» «دعونا نخرج ونتحدَّث معه. قد يعطينا بعض المعلومات حول جريمة القتل هذه التي حدثت هنا. يا إلهي، ليتني أربطها بالنزاع العالمي.» شرع فرامينجهام في الحديث، قائلًا: «لديَّ ثقة كبيرة في أن البريطانيين سيُصلحون الأمر بطريقة ما.» تبع جيمي بولوك نحو منضدة الشراب. وهو يعبر الغرفة، لمح إلين. كان شعرها شديد الاحمرار من وهج المصباح بجانبها. وكان بالدوين يميل نحوها عبر الطاولة بشفتَين رطبتَين وعينَين لامعتَين. شعَر جيمي بشيء مُتَلألِئ ينبثق في صدره كزنبرك مُنطَلِق. أدار رأسه بعيدًا فجأةً خوفًا من أن تراه. استدار بولوك ودفعه في ضلوعه. «أخبرني يا جيمي مَن هذان الرجلان اللذان خرجا معك بحق الجحيم؟» «إنهما صديقان لروث. لا أعرفهما جيدًا. أظن أن فرامينجهام مُصمِّم ديكور.» عند منضدة الشراب أسفل صورة لوسيتينيا وقف رجل أسود يرتدي معطفًا أبيض وله صدر منتفخ كصدر غوريلا. كان صدره يهتز ويتأرجح بين يدَيه المُشعرتَين بغزارة. وقف نادل أمام منضدة الشراب حاملًا صينيةً من كئوس الكوكتيل. فار الكوكتيل داخل الكئوس برغوة بيضاء مخضرَّة. قال جيمي: «مرحبًا يا كونغو.» بالفرنسية: «آه، مساء الخير يا سيد هيرف، كيف حالك؟» «جيد جدًّا … اسمع يا كونغو، أُريدك أن تقابل صديقًا لي. هذا هو جرانت بولوك «الأمريكي».» «تشرَّفت. أنت والسيد هيرف لكما عندي شراب على حساب الحانة يا سيدي.» رفع النادل صينية الكئوس المصلصِلة إلى ارتفاع الأكتاف وحملها على صفحة يده. «أظن أن شراب الجن الفوار سوف يمحو أثر كل ذلك الويسكي ولكني أريد كأسًا منه … اشرب شيئًا، ألن تفعل يا كونغو؟» وضع بولوك إحدى قدمَيه على القضيب النحاسي وأخذ رشفةً من الشراب. قال على مَهَل: «كنت أتساءل عمَّا إذا كانت هناك أي معلومات تتداول في الأرجاء حول جريمة القتل هذه التي وقعت في الشارع.» «لكلٍّ نظريته حول الأمر …» لمح جيمي غمزةً فاترة من إحدى عينَي كونغو السوداوَين العميقتَين. سأل كي يمنع نفسه من الضحك: «هل تعيش هنا؟» «أسمع في منتصف الليل صوت سيارة تمر بسرعة كبيرة وقد شُغِّل قاطع تيارها. أظن أنها ربما قد صدمت شيئًا لأنها توقَّفت سريعًا جدًّا ورجعت أسرع، بأسرع ما يمكن.» «هل سمعت صوت إطلاق رصاص؟» هزَّ كونغو رأسه على نحو يبعث على الشعور بالغموض. «إنني أسمع أصواتًا، أصواتًا غاضبة جدًّا.» قال بولوك وهو يتجرَّع آخر القطرات في شرابه: «يا إلهي، سأبحث في هذا. دعنا نعُد إلى الفتيات.» ••• كانت إلين تنظر إلى وجه النادل المتجعِّد كحبة جوز بعينَيه الشبيهتَين بعينَيْ سمكة وهو يسكب القهوة. كان بالدوين يميل للخلف في كرسيه مُحدِّقًا إليها عبر رموشه. وكان يتحدَّث بصوتٍ رتيب منخفض: «ألَا ترَين أنني سيُجن جنوني إن لم أحظَ بكِ. لم أرغب في شيء قط من العالم سواكِ.» «جورج، لا أريد أن أكون مِلكًا لأحد … ألَا يمكنك أن تفهم أن المرأة تريد بعض الحرية؟ فلتحظَ بروحٍ رياضية حيال الأمر. سأُضطر إلى الذهاب إلى المنزل إذا كنت ستتحدَّث هكذا.» «لماذا تركتني مُعلَّقًا إذن؟ أنا لست من هذا النوع من الرجال الذي يمكنكِ أن تلعبي به باعتبارك امرأةً متسلطة. أنتِ تعرفين ذلك جيدًا.» نظرت إليه مباشرةً بعينَين رماديتَين واسعتَين، وقد أضفى الضوء لمعانًا ذهبيًّا على النقاط البنية الصغيرة في حدقتَيها. «ليس من السهل أبدًا على المرء ألَّا يكون بمقدوره تكوين الأصدقاء.» نظرت لأسفل إلى أصابعها على حافة الطاولة. كانت عيناه على البريق النحاسي على طول رموشها. قطع فجأةً الصمت الذي كان يضيق بينهما. همهم كونغو جيك وخافق الشراب اللامع يترجرج بين يدَيه المُشعِرتَين. كانت الحانة الضيقة المُغطَّاة بالورق الأخضر تعج بها وتكتنفها أصوات الفوران والفحيح الدوامي للشراب، والصلصلة الحادة للثلج والكئوس، ولحن موسيقي عارض من الغرفة الأخرى. وقف جيمي هيرف وحده في الركن يحتسي كأسًا من الجن الفوار. وبجواره كان جاس ماك نيل يصفع بولوك على ظهره ويزأر في أذنه: «عجبًا، إن لم يغلقوا البورصة … يا إلهي … ثمة فرصة قبل الإفلاس … حسنًا، أستحلفك لا تنسَ. وقت الذعر هو الوقت المناسب لكسب المال للرجل الحَصِيف.» «كانت هناك بعض الإخفاقات الكبيرة بالفعل، ولم تكن هذه سوى النفحة الأولى …» «لا تطرق الفرصةُ بابَ الشباب سوى مرة واحدة … استمع لِمَا أقول، عندما يلحق فشل كبير بإحدى شركات السمسرة، فبوسع الرجال الصادقين أن يهنِّئوا أنفسهم … لكنك لن تكتب كل ما أقوله لك في الصُّحف، أليس كذلك؟ ثمة رجل صالح … معظمكم تُراوِغون وتتقوَّلون على الناس. لا يمكنني الوثوق في أحد منكم. ولكني سأخبرك بشيء، تعليق العمل أمر رائع بالنسبة إلى المقاولين. فلم تعد هناك أعمال بناء للمنازل في ظل الحرب على أي حال.» «لن يستمر الأمر لأكثر من أسبوعَين، ولا أرى له علاقةً بنا على أي حال.» «ولكن الأحوال ستتأثَّر في جميع أنحاء العالم … الأحوال … مرحبًا يا جوي، ماذا تريد بحق الجحيم؟» «أود أن أتحدَّث معك على انفراد لمدة دقيقة يا سيدي. فثمة بعض الأخبار المهمة …» فرغت الحانة شيئًا فشيئًا. وكان جيمي هيرف لا يزال واقفًا في الطرف مستندًا إلى الجدار. «أنت لا تسكر أبدًا يا سيد هيرف.» جلس كونغو جيك خلف منضدة الشراب كي يتناول فنجانًا من القهوة. «أُفضِّل مشاهدة الآخرين وهم يسكرون.» «جيد جدًّا. فلا فائدة من إنفاق الكثير من المال والإصابة بألم في الرأس في اليوم التالي.» «ليست هذه طريقة حديث ساقٍ في حانة.» «إنني أقول ما أعتقد فيه.» «اسمع، لقد كنتُ دومًا أريد أن أسألك … أتمانع من إخباري؟ … لماذا أسمَوك كونغو جيك؟» ضحك كونغو عميقًا من قلبه. «لا أعلم … عندما كنت صغيرًا جدًّا وذهبت إلى البحر أول مرة نادَوني بكونغو لأن لديَّ شعرًا مجعَّدًا وبشرة داكنة كالزنوج. ثم عندما عملت في أمريكا، على متن سفينة أمريكية وكل ذلك، سألني رجل قائلًا كيف حالك يا كونغو؟ وقلت له إن اسمي جيك … لذا أسمَوني كونغو جيك.» «يا لها من كُنية … ظننت أنك كنت في رحلة بحرية.» «إنها حياة صعبة … أُقر يا سيد هيرف أن حظي سيئ. عندما أتذكر الماضي فأول ما يخطر ببالي هو أيام كنت أعمل في أحد الصنادل … في قناة … كان هناك رجل كبير يضربني كل يوم ولم يكن أبي. ثم هربت وعملت في المراكب الشراعية داخل وخارج مدينة بوردو، أترى؟» «كنت هناك في طفولتي على ما أظن …» «بالتأكيد … تفهم هذه الأشياء يا سيد هيرف. لكن رجلًا مثلك، بتعليمك الجيد وكل ذلك، لا يعرف ما حقيقة الحياة. عندما كنت في السابعة عشرة جئت إلى نيويورك … ليس بالأمر الجيد. لم أفكِّر في شيء سوى أن أحظى بالمرح. ثم ركبت البحر مرةً أخرى وذهبت بعيدًا في كل مكان. تعلَّمت في شنغهاي تحدُّث اللغة الأمريكية والعمل في الحانات. ثم عدت إلى مدينة فريسكو وتزوَّجت. والآن أريد أن أكون أمريكيًّا. ولكن سوء الحظ يلاحقني مرةً أخرى، أترى؟ قبل أن أتزوَّج تلك الفتاة، عشت أنا وهي معًا لمدة عام كالشهد، ولكننا لم نكن بأفضل حال عندما تزوَّجنا. فهي تسخر مني وتدعوني فرينشي لأنني لا أُجيد تحدُّث اللغة الأمريكية، ولم تعد تخرج من المنزل فطردتها. إن حياة الرجل منا لعجيبة.» شرع في الغناء بصوته الباريتوني الهادر. كانت ثمة يد على ذراع جيمي. فالتفت. «عجبًا يا إيلي، ما الأمر؟» «إن معي رجلًا مجنونًا، ينبغي أن تساعدني في الهرب منه.» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «انظري هذا هو كونغو جيك … لا بد أنكِ تعرفينه يا إيلي، إنه رجل جيد … هذه فنانة رائعة جدًّا يا كونغو.» «ألَا ترغب السيدة في كأس صغيرة من الأنيزيت؟» «تناولي بعض الشراب معنا … إنه مُريح للغاية في هذا الوقت هنا وقد رحل الجميع.» «لا شكرًا، أنا ذاهبة إلى المنزل.» «لكن الأُمسية قد بدأت لتوها.» «حسنًا، عليك أن تتحمَّل عواقب الرجل المجنون الذي معي … اسمع يا هيرف، هل رأيت ستان اليوم؟» «لا، لم أرَه.» «إنه لم يصل في الوقت الذي توقَّعته فيه.» «أتمنَّى أن تمنعيه من الإفراط في الشرب يا إيلي. أنا قلق عليه.» «لستُ وصيةً عليه.» «أعلم، ولكنكِ تعلمين ما أعنيه.» «ما رأي صديقنا هنا في كل هذا الحديث الدائر حول الحرب؟» «لن أذهب؛ فالأجير لا بلد له. سأصبح مواطنًا أمريكيًّا … لقد عملت في البحرية من قبل ولكن …» صفع ساعده المنحني المهتز بيد واحدة، وقرقعت ضحكة عميقة في حلقه … ثم بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «٢٣. أنا مناصر للفوضوية كما تعلم يا سيدي.» «ولكن إذن لا يمكنك أن تكون مواطنًا أمريكيًّا.» هزَّ كونغو كتفَيه. همست إلين في أذن جيمي: «أوه أنا أُحبه، إنه رائع.» «أتعرف سبب خوضهم لهذه الحرب هنا … كي لا يقوم أولئك الأُجراء في كل مكان بثورة كبيرة … إنهم مشغولون للغاية بالقتال. لذلك فإن جيوم، وفيفياني، وإمبراطور النمسا، وكروب، وروتشيلد، ومورجان؛ ينادون جميعًا بخوض الحرب … أتعرف ما أول شيء فعلوه؟ لقد أطلقوا النار على جوريس؛ لأنه اشتراكي. الاشتراكيون خَوَنة للاشتراكية الدولية، ولكن على الرغم من ذلك …» «ولكن كيف يمكنهم دفع الناس للقتال وهم لا يرغبون فيه؟» «الناس في أوروبا عبيد لآلاف السنين. ليس كما هو الوضع هنا … ولكنني رأيت الحرب. إنها عجيبة للغاية. عملت في إحدى الحانات في قرية بورت آرثر، ولم أكن سوى طفل صغير في ذلك الحين. كان أمرًا شديد العجب.» «حقًّا! أتمنَّى أن أحصل على وظيفة مراسلة حرب.» «قد أعمل ممرضةً في الصليب الأحمر.» «العمل مراسلةً جيد جدًّا … حيث تسكرين دائمًا في حانة أمريكية بعيدة كل البعد عن ساحة المعركة.» ضحكا. «ولكن ألسنا بالأحرى بعيدين عن ساحة المعركة يا هيرف؟» «حسنًا، فلنرقص. يجب أن تسامحيني إن كان رقصي سيئًا للغاية.» «سأركلك إذا أخطأت في شيء.» كان ذراعه متيبِّسًا كالجص عندما أحاطها ليرقص معها. تكسَّرت جدران عالية من الرماد وطقطقت بداخله. كان يحلِّق كمنطاد على إثر رائحة شعرها. «قِف على أصابع قدمَيك وامشِ تزامنًا مع الموسيقى … تحرَّك في خطوط مستقيمة، هذا هو السر في الأمر.» جرح صوتها مشاعره بشدة وكأنه قطَّع جسده بمنشار معدني حاد مرن وصغير. مرافق مهتزة، ووجوه محتشدة، وعيون كعيون دمية جولي ووج السوداء في كتب الأطفال، رجال بدينون مع نساء نحيفات، ونساء نحيفات مع رجال بدينين يدورون مكتظين حولهما. كان كالجص الذي يُفتِّته شيء يُخشخِش مؤلمًا في صدره، وكانت هي بين ذراعَيه كآلة مُعقَّدة بسن منشار فولاذي ذي وميض أبيض، وأزرق، ونحاسي. عندما توقَّفا اصطدم به صدرها، وجانب جسدها، وفخذها. فامتلأ جسده فجأةً بالدماء المتدفِّقة مع العرق كحصان جامح. دفع نسيم عبر باب مفتوح دخان التبغ والهواء الوردي المتخثِّر في المطعم. «أُريد يا هيرف أن أذهب لأرى الكوخ الذي وقعت فيه جريمة القتل، أرجوك خذني إلى هناك.» «وكأنني لم أرَ ما يكفي من إشارة الحظر في مكان ارتكاب الجريمة.» تقدَّم جورج بالدوين في القاعة أمامهما. كان شاحبًا كالطباشير، وكانت ربطة عنقه السوداء مائلة، وكانت فتحتا أنفه الرفيع منبسطتَين وتبرز عليهما عروق حمراء صغيرة. «مرحبًا يا جورج.» نعق صوته لاذعًا كبوق سيارة. «لقد كنت أبحث عنكِ يا إلين. ينبغي أن أتحدَّث معكِ … ربما تعتقدين أنني أمزح. ولكني لا أمزح مطلقًا.» «معذرةً لدقيقة يا هيرف … والآن ما الأمر يا جورج؟ عُد إلى الطاولة.» «لم أكن أنا أمزح أيضًا يا جورج … أتمانع أن تطلب لي سيارة أجرة يا هيرف؟» أمسك بالدوين معصمها بقوة. «لقد كنتِ تتلاعبين بي طويلًا، هل تسمعينني؟ يومًا ما سيأخذ رجل مسدسًا ويطلق النار عليكِ. تعتقدين أنه بإمكانكِ التلاعب بي كما تتلاعبين بكل الحمقى البكَّائين الآخرين … لستِ سوى عاهرة.» «لقد قلت لك يا هيرف أن تذهب وتُحضر لي سيارة أجرة.» عض جيمي شفته وخرج من الباب الأمامي. «ماذا ستفعلين يا إلين؟» «لن يرهبني يا جورج.» ومض شيء من النيكل في يد بالدوين. تقدم جاس ماك نيل وقبض على معصمه بيد حمراء كبيرة. «أعطني ذلك يا جورج … أرجوك اجمع شتات نفسك يا رجل.» دسَّ المسدس في جيبه. ترنَّح بالدوين إلى الحائط أمامه. كان إصبع الزناد في يده اليمنى ينزف. قال هيرف وهو ينظر من وجه لآخر من الوجوه البيضاء المضطربة: «ها هي سيارة أجرة.» كان ماك نيل يصرخ بصوت من يتحدَّث من فوق منصةٍ صغيرة مصنوعة من صندوق للصابون: «حسنًا، خذ الفتاة إلى المنزل … ليس بها شيء، نوبة عصبية فحسب، أترى؟ لا داعي للقلق.» كان رئيس النُّدُل وفتاة المعاطف يتبادلان النظرات بقلق. خفض ماك نيل صوته حتى أصبح كخرخرة مُطمئنة: «لم يحدث شيء … الرجل متوتِّر قليلًا … إرهاق كما تفهمون.» «لقد نسيتَ فحسب.» عندما كانوا يستقلون سيارة الأجرة، قالت إلين فجأةً بصوت طفل صغير: «لقد نسيت أننا كنا ذاهبين لرؤية الكوخ الذي وقعت فيه جريمة القتل … لنجعله ينتظر. أرغب في التنزُّه في الهواء الطلق لدقيقة.» كانت هناك رائحة مستنقعات ملحية وكانت الليلة رخاميةً بالغيوم وضوء القمر. وبدا صوت الضفادع في خنادق المياه وكأنها أجراس زلاجات جليدية. سألَت: «هل هو بعيد؟» «لا، إنه عند الناصية مباشرة.» طقطقت أقدامهما على الحصى ثم طحنت برفق في حارة الطريق المَجرُوشة. أعماهما مصباح أمامي، فتوقَّفا من أجل السماح للسيارة بالمرور؛ مُلئ أنفاهما بالعادم، الذي تلاشى في رائحة المستنقعات الملحية مرةً أخرى. كان منزلًا رماديًّا شاحبًا ذا شرفة صغيرة تُطل على الطريق وتغطيها شبكة مكسورة. ظلَّلته شجرة سَنْط كبيرة من الخلف. وكان ثمة رجل شرطة يمشي جيئةً وذهابًا أمامه وهو يُصفِّر لنفسه برفق. ظهرت لدقيقة كِسرات بلون كلون العفن من ضوء القمر من خلف الغيوم، لتُشكِّل ما يشبه ورق القصدير من بعض الزجاج المكسور في إحدى النوافذ المفتوحة، وتنتقي أوراق السَّنْط المستديرة الصغيرة، وتتدحرج كعملة دايم في صدع بالغيوم. لم يقل أيٌّ منهما شيئًا. رجعا إلى النُّزُل على الطريق. «اصدقني القول يا هيرف، ألم ترَ ستان؟» «لا، ليس لديَّ فكرة أين عساه أن يكون مختبئًا.» «إذا رأيته فأخبِره أنني أُريده أن يتصل بي على الفور … هيرف، ماذا كان اسم أولئك النساء اللواتي اتبعن الجيوش في الثورة الفرنسية؟» «دعيني أتذكَّر. هل كان كانتونيريه؟» «شيء من هذا القبيل … أود أن أفعل ذلك.» أصدر قطار كهربائي صفيرَه بعيدًا إلى يمينهما، واهتزَّ مقتربًا ثم تلاشى في مسيرة عُوائه. كانت موسيقى التانجو تنبعث من النُّزُل على الطريق كما لو كانت تقطر منه وتُذيب طلاءه الوردي ككتلة من الآيس كريم. كان جيمي يتبعها راكبًا سيارة الأجرة. «كلا، أريد أن أكون وحدي يا هيرف.» «ولكني أرغب بشدة أن أصطحبكِ إلى المنزل … لا تعجبني فكرة أن أترككِ تذهبين وحدكِ.» «من فضلك، أطلب منك ذلك بصفتنا صديقَين.» لم يتصافحا. رفست سيارة الأجرة الغبار والجازولين المحترق في وجهه. وقف على الدرج غير راغب في العودة إلى ضوضاء ودخان. ••• كانت نيللي ماك نيل تجلس وحدها إلى الطاولة. كان أمامها الكرسي مدفوعًا إلى الوراء وقد جلس عليه زوجها ووضع منديله على ظهره. كانت تحدِّق أمامها مباشرة؛ حيث مرَّت الراقصات كالظلال أمام عينَيها. في الطرف الآخر من الغرفة رأت جورج بالدوين، شاحبًا ونحيلًا، يمشي ببطء إلى طاولته كرجل مريض. وقف بجانب الطاولة يفحص شيكه بعناية، ثم دفعه ووقف ينظر في أنحاء الغرفة مشتت الانتباه. كان سينظر إليها. أحضر النادل الباقي على طبق وانحنى. اجتاحت نظرة بالدوين السوداء وجوه الراقصات، ثم أدار ظهره وخرج. تذكَّرت المذاق المُسكَّر للزنابق الصينية التي لا تُطاق، فشعرت بعينَيها ممتلئتَين بالدموع. أخرجت مفكرتها من حقيبتها الشبكية الفضية وتصفَّحتها على عجل، واضعةً رءوس أسهم بقلم رصاص فضي. نظرت لأعلى بعد برهة، وكان جلد وجهها المتعب مُجعَّدًا من أثر الغضب، وأشارت إلى النادل. «هل يمكنك من فضلك أن تُخبر السيد ماك نيل أن السيدة ماك نيل تُريد التحدُّث إليه؟ إنه في الحانة.» كان بولوك يصيح في الوجوه والكئوس المتراصة فيما يشبه إطار الزينة على طول منضدة الشراب: «سراييفو، سراييفو، هذا هو المكان الذي أشعل فتيل النزاع.» قال جو أوه كيفي سرًّا دون أن يُوجِّه كلامه لشخص بعينه: «اسمع، أخبَرَني رجل يعمل في مكتب تلغراف أنه كانت هناك معركة بحرية كبيرة قُبالة ساحل سانت جون، وأن جيوش جزيرة نيوفندلاند والبريطانيين قد أغرقوا الأسطول الألماني المكوَّن من ٤٠ بارجة.» «يا للهول، ذلك من شأنه أن يوقف الحرب على الفور.» «لكنهم لم يُعلنوا نشوب الحرب بعد.» «كيف علمت بذلك؟ البرقيات مكتظة لدرجة لا يمكن معها الحصول على أي أخبار عن طريقها.» «ألم ترَ وقوع أربعة إخفاقات أخرى في وول ستريت؟» «لا تقل لي إن بورصة القمح في شيكاغو قد جُن جنونها.» «ينبغي أن يغلقوا جميع البورصات حتى ينقشع هذا الهم.» «حسنًا، ربما عندما يغلب الألمان بشكل حاسم ستمنح إنجلترا أيرلندا حريتها.» «لكنها … لن تفتح سوق الأسهم غدًا.» «إذا كان لدى المرء رأسُ المال الذي يغطِّي الأمر ويمكنه أن يحافظ على رباطة جأشه، فسيكون إذن قد حان وقت الربح.» قال جيمي: «حسنًا أيها الرجل الهَرِم بولوك، سأذهب إلى المنزل. فهذه ليلة راحتي ويجب أن أحصل عليها.» غمز بولوك بإحدى عينَيه ولوَّح بيدٍ مهتزَّة من أثر السكر. كانت الأصوات في أذنَي جيمي كزئير لين نابض، تقترب وتبتعد، تقترب وتبتعد. يموت مِيتَة الكلاب، هكذا قال وهو يسير. أنفق جميع أمواله إلا ربع دولار. أُطلق عليه الرصاص وقت شروق الشمس. إنه إعلان الحرب. بدأت الأعمال العدائية. وتركوه وحده في مجده. معارك لايبزيج، وويلدرنس، وووترلو، حيث وقف المزارعون المحاصَرون وأطلقوا الرصاص الذي سُمع دويه في كل مكان … لا يمكنني أن أستقل سيارة أجرة، وأُريد أن أمشي على أي حال. الإنذار النهائي. يغنِّي العساكر في القطارات الذاهبة بهم إلى الخراب والورود فوق آذانهم. والعار على الإتروري المزيف الذي يتخلَّف في منزله عندما … بينما كان يسير في طريق الحصى إلى الشارع، تأبَّطت ذراعَه ذراعٌ أخرى. «هل تمانع إذا أتيت معك؟ لا أريد البقاء هنا.» «بالتأكيد تعالَ يا توني أنا ذاهب للتمشية.» سار هيرف بخطوة طويلة، ناظرًا أمامه مباشرة. أظلمت الغيوم السماء، في حين بقي البياض الحليبي لضوء القمر. إلى اليمين واليسار كانت هناك بالخارج الأقماع البنفسجية الرمادية للمصابيح القوسية التي تظهر بين الحين والآخر سوداء يتخلَّلها بعض الأضواء، وفي الأمام وهج الشوارع المرتفعة في منحدرات ضبابية صفراء ومتورِّدة. قال توني هانتر لاهثًا بعد بضع دقائق: «أنت لا تحبني، أليس كذلك؟» أبطأ هيرف من وتيرته. «عجبًا، أنا لا أعرفك جيدًا. تبدو لي شخصًا لطيفًا للغاية …» «لا تكذب؛ فليس ثمة سبب يجعلك تحبني … أعتقد أنني سأقتل نفسي الليلة.» «بحق السماء! لا تفعل ذلك … ما الأمر؟» «ليس لديك الحق في أن تقول لي ألَّا أقتل نفسي. أنت لا تعرف شيئًا عني. لو كنتَ امرأةً لَمَا كنتَ غير مبالٍ إلى هذه الدرجة.» «ما الذي يؤرقك؟» «أُصاب بالجنون، هذا ما في الأمر، كل شيء مُروِّع للغاية. عندما قابلتك أول مرة مع روث ذات مساء اعتقدت أننا سنصبح صديقَين يا هيرف. لقد بدوت متعاطفًا ومتفهِّمًا للغاية … ظننتك مثلي، ولكنك الآن أصبحت قاسيًا للغاية.» «أظن السبب هو مشكلاتي مع صحيفة «نيويورك تايمز» … سأُطرد قريبًا، لا تشغَل بالك.» «لقد سئمت من كوني فقيرًا؛ أريد أن أحقِّق نجاحًا.» «حسنًا، ما زلت صغيرًا بعد؛ لا بد أنك أصغر مني.» لم يُجِبه توني. كانا يسيران في جادةٍ واسعةٍ بين صفَّين من المنازل الخشبية المُسْوَدة. مرَّت عربة ترام طويلة وصفراء مهسهسةً ومصرصرة. «يا إلهي، لا بد أننا في حي فلاتبوش.» «ظننتك مثلي يا هيرف، لكنني لا أراك الآن مطلقًا سوى مع بعض النساء.» «ماذا تعني؟» «لم أخبر أحدًا في العالم قط … أستحلفك ألَّا تخبر أحدًا … عندما كنت طفلًا، كنت شَبِقًا بفظاعة، عندما كنت في العاشرة، أو الحادية عشرة، أو الثالثة عشرة من عمري تقريبًا.» كان يبكي. عندما مرَّا أسفل أحد المصابيح القوسية، التقط جيمي ترقرق الدموع على وجنتَيه. «ما كنت لأخبرك بهذا إن لم أكن مخمورًا.» «لكن أشياء من هذا القبيل حدثت للجميع تقريبًا في طفولتهم … لا داعي للقلق بشأن ذلك.» «لكنني على هذا النحو الآن، وهذا هو المروِّع للغاية. لا أستطيع أن أحب النساء. لقد حاولت وحاولت … كما ترى فقد أُلقي القبض عليَّ. كنت أشعر بالخجل الشديد ولم أذهب إلى المدرسة لأسابيع. بكت والدتي كثيرًا. إنني أشعر بالخجل الشديد. وأنا خائف للغاية من أن يكتشف الناس الأمر. أنا أُجاهد دائمًا من أجل إبقاء الأمر سرًّا، من أجل إخفاء مشاعري.» «ولكن الأمر برمته قد لا يتعدَّى كونه مجرد فكرة. قد تتمكَّن من تجاوزها. فلتذهب إلى مُحلِّل نفسي.» «لا أستطيع التحدث إلى أحد. فقط الليلة لأنني مخمور. لقد حاولت البحث عن الأمر في الموسوعة … إنه ليس في القاموس حتى.» توقَّفَ واستند إلى عمود إنارة ووجهه بين يدَيه. «إنه ليس في القاموس حتى.» ربت جيمي هيرف على ظهره. «ابتهج أرجوك. هناك الكثير من الناس في مثل حالتك. العالم مليءٌ بهم.» «أنا أكرههم جميعًا … ليس أمثال هؤلاء من أقع في حبهم. أنا أكره نفسي. وأفترض أنك ستكرهني بعد هذه الليلة.» «ما هذا الهراء؟ إن الأمر ليس من شأني.» «الآن تعرف لِمَا أُريد أن أقتل نفسي … أوه، هذا ليس عدلًا يا هيرف، هذا ليس عدلًا … لم يحالفني الحظ في حياتي. بدأت في كسب رزقي بمجرد أن أنهيت المدرسة الثانوية. فقد اعتدت العمل خادمًا في الفنادق الصيفية. عاشت والدتي في ليكوود وكنت أُرسِل لها كل ما أكسبه. لقد عملت بجد للوصول إلى ما أنا عليه الآن. لو كان قد عُرف أمري، لو كان قد ذاعت ثمة فضيحة وعُرف كل شيء، لكنت قد تدمَّرت.» «لكن الجميع يقول ذلك عن الممثِّلين الشباب ولا يشغل أيٌّ منهم باله بما يقولون.» «عندما أفشل في الحصول على أحد الأدوار، أظن أن هذا هو السبب. إنني أكره وأحتقر كل هذه النوعية من الرجال … لا أريد أن أعمل عملًا آخر. أريد أن أمثِّل. أوه هذا جحيم … هذا جحيم.» «لكنك تتدرَّب الآن على أحد الأدوار، أليس كذلك؟» «إنه عرض أحمق لن يتجاوز ستامفورد مطلقًا. إذن عندما تسمع أنني قد قمت بالأمر فلن تتفاجأ.» «قمت بماذا؟» «قتلت نفسي.» سارا دون أن ينبسا بكلمة. بدأت السماء تمطر. وفي الشارع خلف المنازل المنخفضة على شكل علب الأحذية ذات اللون الأسود المخضر كان ثمة برق مختلج كعُثَّات متورِّدة. هبَّت رائحة رطبة مغبرة من الأسفلت الذي ضربته القطرات الكبيرة المنهمرة. «لا بد أن تكون هناك محطة مترو أنفاق قريبة … أليس هذا ضوءًا أزرق هنا؟ لنسرع وإلا فسنبتل.» «أوه بحق الجحيم يا توني لا يهمني إن تبلَّلت أم لا.» خلع جيمي قبعته اللبادية وأرجحها بيدٍ واحدة. كانت قطرات المطر باردةً على جبهته، ورائحة المطر، والأسطح، والطين، والأسفلت أخذت من فمه المذاق اللاذع للويسكي والسجائر. صرخ فجأة: «يا إلهي، هذا مُروِّع.» «ماذا؟» «كل هذه الجلَبة حول الجنس. لم أكن أدرك الأمر قبل هذه الليلة، كل هذا الكم من العذاب. يا إلهي، لا بد أنك قد مررت بأوقات عصيبة … كلنا مررنا بأوقات عصيبة. في حالتك الأمر مجرد حظ، حظ سيئ شيطاني. كان مارتن يقول: كل شيء سيكون أفضل بكثير إذا دقَّ الجرس فجأةً وأخبر الجميعُ الجميعَ بصراحةٍ بما فعلوه في حياتهم، كيف عاشوا، وكيف أحبوا. إن إخفاء الأمور هو ما يجعلها تفسد. بربي إنه لأمر مُروِّع. وكأن الحياة لم تكن صعبةً بما فيه الكفاية من دون ذلك.» «حسنًا، سأذهب إلى محطة مترو الأنفاق هذه.» «سيكون عليك انتظار القطار لساعات.» «لا أتحمَّل، فأنا متعب ولا أريد أن أتبلَّل.» «حسنًا ليلة سعيدة.» «ليلة سعيدة يا هيرف.» هبَّت نوبة هائجة طويلة من قصف رعدي. وبدأت السماء تُمطر بغزارة. ضغط جيمي قبعته على رأسه وسحب ياقة معطفه لأعلى. أراد أن يركض على طول الطريق صارخًا ولاعنًا بأعلى صوته. ومض البرق على طول الصفوف المحدقة للنوافذ الفارغة. اضطرب المطر على طول الأرصفة، أمام نوافذ المتاجر، وعلى البلاطات الحجرية البنية. كانت ركبتاه مبتلَّتَين، وتتدفَّق قطرات بطيئة فوق ظهره، وكانت ثمة شلالات باردة تقطر من كُمَّيه على معصمَيه، كان يشعر بالحكة والوخز في كامل جسده. واصل السير عبر بروكلين. تستحوذ على عقله صورة كل سرير في جميع غرف النوم التي في حجم بيوت الحمام، حيث النائمون المتشابكون والملتوون والمختنقون كجذور النباتات المستحوذة على أُصُصها. وتستحوذ على عقله أصوات الأقدام المصرصِرة فوق سلالم النُّزل، والأيدي المتلمِّسة طريقها عند مقابض الأبواب. تستحوذ على عقله صورة الأصداغ الطارقة والأبدان الوحيدة المتيبِّسة في أَسرتها. أنا يا سيدي مناصر للفوضوية … «ودارت سفينتنا الشجاعة ثلاث مرات، ودارت ثلاث مرات» … اللعنة بين ذلك والمال … «وغرقت في قاع البحر» … إننا ندور في حلقة مُفرغة من أجل تحقيق العدالة. إعلان حرب … قعقعة طبول … يسير الحرس الملكي البريطاني بثيابه الحمراء خلف العصا اللامعة لقائد فرقة الطبول بقُبعته الشبيهة بأكمام كفوف من الفرو الطويل الشعر، ويدور المقبض الفضي وامضًا في غضب، غضب، غضب … في وجه الثورة العالمية. بدأت الأعمال العدائية في استعراض طويل عبر الشوارع الفارغة التي غمرها المطر. اقرأ الطبعة الثانية، طبعة ثانية، طبعة ثانية. سانتا كلوز يطلق النار على ابنته، حاول مهاجمتها. «يقتل نفسه رميًا بالرصاص» … يضع البندقية أسفل ذقنه ويضغط على الزناد بإصبع قدمه الكبير. تنظر النجوم للأسفل إلى مدينة فريديريكتاون. يا عُمَّال العالم اتحدوا. فلتحيَ الدماء، فلتحيَ الدماء. قال جيمي هيرف عاليًا: «يا إلهي، إنني مبتل.» امتدَّت الشوارع على مستوى نظره فارغةً تحت المطر بين صفوف النوافذ الفارغة والمرصعة هنا وهناك بمقابض بنفسجية من أثر المصابيح القوسية. واصل السير شاعرًا باليأس.
|
{
"chapter": "الذهاب إلى معرض الحيوانات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.5/"
}
|
تحتشد الحافلات بعد ظهيرة تلك الأيام في صف كالفِيَلة في استعراضات السيرك. من حي مورننجسايد هايتس إلى ميدان واشنطن، ومن محطة بنسلفانيا إلى مقبرة جرانت. يترنَّح زِيَرَة النساء والمتحرِّرات متعانقين في وسط المدينة وشمالها، يتعانقون في انسجام مرح مترنِّح بعد انسجام مرح آخر، حتى يرَوا قمر اليوم الجديد يُقهقِه فوق بلدة ويهاكين، ويشعروا بريح يوم الأحد الخاملة العاصفة تهب مغبَّرةً في وجوههم، مغبَّرةً بالشفق المنتشي. يسيرون في ممشى متنزَّه سنترال بارك. تقول إلين أمام تمثال بيرنز: «يبدو وكأن لديه دُمَّلًا فوق عنقه.» همس هاري جولدوايزر متنهِّدًا من حلقه السمين: «آه، ولكنه كان شاعرًا عظيمًا.» كانت تسير مرتديةً قُبعتها العريضة وفستانها الفَضفاض ذا اللون الباهت، والذي كانت الرياح تثنيه بين الحين والآخر على ساقَيها وذراعَيها، وتعبر به كالحرير مهفهفًا وسط فقاعات الشفق الوردية والأرجوانية والفُستقية التي ترتفع من العُشب والأشجار والبِرَك، بارزةً أمام المنازل الطويلة ذات اللون الرمادي الحاد كأسنان الموتى حول الطرف الجنوبي للمتنزَّه، الذي اختفى في القمة النيلية اللون. عندما يتحدَّث، مكوِّنًا جُملًا من بين شفتَيه المستديرتَين السميكتَين، متفحِّصًا وجهها باستمرار بعينَيه البنيتَين، تشعر بكلماته تضغط على جسدها، وتلكزها في التجاويف التي يلتصق بها فستانها؛ فلا تكاد تستطيع التنفُّس خوفًا من الاستماع إليه. «سيُصبح عرض «فتاة الزَّينِية» (زينيا جيرل) مذهلًا حقًّا يا إلين، صدقيني، وذلك الدَّور مكتوب لكِ خصوصًا. سيُسعدني حقًّا العمل معكِ مرةً أخرى … أنتِ مختلفة للغاية، ذلك ما يُميِّزكِ. فجميع هؤلاء الفتيات هنا في نيويورك متشابهات تمامًا، إنهن مملَّات. بالطبع يمكنكِ الغناء أيضًا إن أردتِ … لقد جُن جنوني منذ أن قابلتكِ، وها قد فات علينا ستة أشهر جيدة الآن. أجلس لأتناول الطعام ولا يكون للطعام أي مذاق … لا يمكنكِ أن تتخيَّلي كيف يشعر الرجل بالوحدة عندما يكون عليه أن يكبت مشاعره بداخله عامًا بعد عام. عندما كنت شابًّا كنت مختلفًا عن ذلك، ولكن ماذا كنت لأفعل؟ لقد كان عليَّ أن أكسب المال وأشق طريقي في الحياة. وهكذا واصلت على هذا الحال عامًا بعد آخر. وللمرة الأولى أشعر بالسعادة؛ لأنني مضيت قُدمًا في طريقي وكسبت الكثير من المال؛ لأنني الآن يمكنني أن أقدِّمه لكِ. أتفهمين ما أعنيه؟ … كل تلك الأشياء المثالية والجميلة قد دُفنت داخلي عندما كنت أشق طريقي في عالم الرجال كان ذلك بمثابة زرع البذرة وأنتِ الآن زهرتها.» يلامس ظهر كفه ظهر كفها من حين لآخر أثناء سيرهما؛ فتُحكم قبضتها بتجهُّم ساحبةً إياها بعيدًا عن بدانة يده الساخنة واللحوحة. ممشى المتنزَّه مليء بالأزواج والعائلات في انتظار أن تبدأ الموسيقى. وكانت رائحته هي رائحة الأطفال وواقيات الملابس وبودرة التلك. مرَّ بهم بائع بالون يجر خلفه البالون الأحمر والأصفر والوردي كعنقود عنب ضخم مقلوب. «أوه، اشترِ لي بالونًا.» انطلقت الكلمات من فمها قبل أن تتمكَّن من إيقافها. «أنت، أعطِني واحدةً من كل لون … وماذا عن واحدة من تلك الذهبية؟ كلا، احتفظ بالباقي.» وضعت إلين خيوط البالون في الأيادي الملطَّخة بالتراب لثلاث فتيات صغيرات بوجوه كوجوه القرود بقلنسوات حمراء. ألقى المصباحُ القوسي بهالة بنفسجية على كل بالون. «أوه، تُحبِّين الأطفال يا إلين، أليس كذلك؟ أنا أُحب النساء اللاتي يُحبِبن الأطفال.» تجلس إلين لا مباليةً إلى طاولة في شُرفة مطعم كازينو. تلتف حولها خانقةً نفحةٌ ساخنة من رائحة الطعام وإيقاع فرقة تعزف أغنية «إنه جامع خردة» (راجبيكر)؛ فتدهن بين الحين والآخر قطعةً من الخبز الملفوف وتضعها في فمها. تشعر بالعجز التام، بأنها قد أُمسك بها كالذبابة في جمله المنسالة اللزجة. «ليس ثمة شخص آخر في نيويورك يمكنه أن يجعلني أسير كل هذه المسافة، صدقيني … لقد سِرت كثيرًا في الأيام الخوالي، هل تفهمين ما أعني، كنت أبيع الصُّحف عندما كنت طفلًا، وأعمل كصبي مهمات في متجر ألعاب شوارتز … كنت أسير على قدمَي طوال اليوم باستثناء الفترة التي قضيتها في المدرسة الليلية. ظننت أني سأصبح محاميًا، جميعنا شباب حي إيست سايد ظننا أننا سنصبح محامين. ثم عملت حاجبًا في صيف إحدى السنوات في حي إيرفينج بلاس، وأصابتني عدوى المسرح … لم تكن فكرة سيئة، ولكنها محفوفة بالمخاطر. أمَّا الآن فلم أعد أهتم؛ فكل ما أريده هو أن أُعوِّض خسائري. هذه هي مشكلتي. أنا في الخامسة والثلاثين ولم أعد أهتم بشيء. قبل ١٠ سنوات كنت لا أزال كاتبًا صغيرًا في مكتب إرلانجر، والآن هناك الكثيرون ممن كنت أُلمِّع أحذيتهم في الأيام الخوالي يسرهم حقًّا أن يحصلوا على فرصة لمسح أرضية شقتي في شارع ويست ٤٨ … يمكنني أن أصحبكِ الليلة إلى أي مكان في نيويورك، لا يهمني مدى الغلاء أو الرقي الذي عليه المكان … وكنا نظن ونحن أطفال في الأيام الخوالي أننا سنعيش في النعيم إذا كان معنا خمس قطع نقدية لنصطحب بعض الفتيات إلى شاطئ كوني آيلاند … أُراهن أن كل ذلك كان مختلفًا عمَّا عشته يا إلين … ولكن ما أُريده هو أن أستعيد ذلك الشعور، أتفهمينني؟ … أين سنذهب؟» «لمَ لا نذهب إذن إلى كوني آيلاند؟ فأنا لم أذهب إليه من قبل.» «إنه مليء للغاية بالمشاكسين … ولكن لا يزال بإمكاننا أن نأخذ جولةً بالسيارة. هيا. سأطلب سيارةً عبر الهاتف.» تجلس إلين ناظرةً لأسفل إلى فنجان قهوتها. تضع قطعةً كبيرة من السكر في ملعقتها، وتُغطِّسها في القهوة، وتُلقي بها في فمها حيث تجرشها ببطء، وهي تحك حُبيباتها بلسانها في سقف فمها. تعزف الأوركسترا لحن رقصة تانجو. ••• تشق أشعة الشمس المتدفِّقة إلى المكتب أسفل الستائر المنسدلة طبقة مائلة لامعة كالقماش المموَّج عبر دخان السيجار. كان جورج بالدوين يقول منتزعًا الكلمات من فمه: «بسلاسة تامة. يجب أن نفعل ذلك بسلاسة تامة يا جاس.» كان جاس ماك نيل بوجهه الأحمر ورقبته الأشبه برقبة ثور وسلسلة ساعته الثقيلة المعلَّقة في صدريته يجلس على الكرسي ذي الذراعَين وهو يحرك رأسه في صمت، جاذبًا إليه سيجاره. «بالوضع الحالي، ليس ثمة محكمة ستدعم مثل هذا الإنذار القضائي … الإنذار القضائي الذي يبدو لي ممارسةً محضة لسياسة القاضي كونر الحزبية، غير أن هناك بعض العناصر …» «كما قلت … اسمع يا جورج، سأترك لك أمر إلقاء اللوم هذا برمته. لقد زججت بي عبر فوضى موانئ نيويورك الشرقية، وفي ظني أنه بإمكانك أن تزج بي في ذلك الأمر أيضًا.» «ولكن موقفك في هذا الأمر برمته يا جاس كان بالكامل داخل الحدود الشرعية. ولو لم يكن الحال كذلك لَمَا استطعت بالتأكيد أخذ القضية، ولا حتى لصالح صديق قديم مثلك.» «أنت تعرفني يا جورج … فأنا لم أُخلف وعدي مع أحد قط، ولا أتوقَّع أن يُخلف أحدٌ وعده معي.» نهض جاس متثاقلًا وبدأ يعرج حول المكتب متكئًا على عُكازه ذي المقبض الذهبي. «كونر وغد … لن تصدِّق ولكنه كان رجلًا محترمًا قبل أن يذهب شمالًا إلى مدينة ألباني.» «سيكون موقفي هو الدفاع بأن تصرُّفك في هذا الأمر برمته قد أُسيء فهمه عمدًا. إن كونر يستغل منصبه على مقعد القضاء لخدمة مصلحة سياسية ما.» «أسأل الرب أن تستطيع النيل منه. يا إلهي، لقد ظننته واحدًا منا؛ فقد كان كذلك بالفعل قبل أن يذهب شمالًا ويختلط بجميع جمهوريي الشمال الحقراء. ألباني هي مصدر دمار الكثير من الرجال الصالحين.» نهض بالدوين من خلف الطاولة المسطَّحة من خشب الماهوجني التي كان يجلس إليها بين حُزَم طويلة من ورق الفولسكاب ووضع يده فوق كتف جاس. «لا تقلق مطلقًا …» «كنت سأشعر بأن كل شيء على ما يرام لولا تلك السنَدات بين المناطق الإدارية.» «أي سندات؟ مَن رأى أي سندات؟ … لنُدخل هذا الشاب هنا … جو … وهناك شيء آخر يا جاس، أرجوك ألَّا تتحدَّث في الأمر … إذا أتى أي صحفيين أو أي أحد لرؤيتك، فأخبرهم برحلتك إلى برمودا … يمكننا الحصول على الدعاية الكافية عندما نحتاج إليها. ولكننا في الوقت الحالي نريد أن نُبعد الصحافة عن الأمر وإلا فسيتعقَّبك جميع المصلحين.» «ولكن أليسوا أصدقاءك؟ يمكنك تدبير الأمر معه.» «أنا محامٍ ولست سياسيًّا يا جاس … لا أتدخَّل في تلك الأمور بتاتًا. إنها لا تعنيني.» ضغط بالدوين على جرس الباب بيد مبسوطة. دخلت الغرفة شابة ذات بشرة عاجية وعينَين غائرتَين ثقيلتَين وشعر فاحم السواد. «كيف حالك يا سيد ماك نيل؟» «يا إلهي تبدين بحالة جيدة يا آنسة ليفيتسكي.» «أخبريهم يا إميلي أن يُدخلوا ذلك الشاب الذي ينتظر السيد ماك نيل.» دخل جو أوكيف يجر قدمَيه بعض الشيء، وقبعته القشية في يده. «كيف حالك سيدي؟» «اسمع يا جو، ماذا يقول مكارثي؟» «ستعلن جمعية المقاولين والبنَّاءين إغلاقًا من يوم الإثنين.» «وكيف حال النقابة؟» «لدينا خزينة كاملة. سنقاتل.» جلس بالدوين على حافة المكتب. «أتمنَّى لو كنت أعرف موقف حاكم المدينة ميتشل من كل هذا.» قال جاس وهو يعض بوحشية عقب سيجاره: «مجموعة الإصلاح تلك تنحت في الصخر كعادتها.» «متى سيُعلَن هذا القرار على العامة؟» «يوم السبت.» «حسنًا ابقَ على اتصال معنا.» «حسنًا أيها السادة. رجاءً لا تتصلوا بي عبر الهاتف. لا يبدو ذلك صائبًا على الإطلاق. فكما ترون هذا ليس مكتبي.» «قد يكون التنصُّت مستمرًّا أيضًا. هؤلاء الرجال لا يوقفهم شيء. حسنًا، أراك لاحقًا يا جوي.» أومأ جو برأسه وخرج. استدار بالدوين عابسًا إلى جاس. «لا أعلم ماذا سأفعل معك يا جاس إن لم تبتعد عن كل هذه المسائل العمالية. حَرِي بشاب وُلد في بيئة سياسية مثلك أن يكون أكثر حكمة. لا يمكنك الفرار من الأمر.» «لكننا تمكَّنا من تجميع المدينة اللعينة بأكملها.» «أعرف الكثيرين في المدينة لم يتحدوا. لكن حمدًا للرب أن هذا ليس من شأني. أمر السندات هذا لا بأس به، ولكن إذا تورَّطت في هذه الأعمال الإضرابية فلن أستطيع تولِّي قضيتك. فلن تدعمها الشركة.» هكذا همس بحدة. ثم قال بصوت عالٍ بنبرته المعتادة: «حسنًا، كيف حال الزوجة يا جاس؟» في الخارج بالردهة الرخامية اللامعة، كان جو أوكيف يصفِّر بلحن أغنية «روزي أوجرادي الحلوة» (سويت روزي أوجرادي) منتظرًا المصعد. تخيَّل رجلًا لديه سكرتير مذهل كهذا. توقَّفَ عن التصفير وترك أنفاسه تخرج صامتةً عبر شفتَين مزمومتَين. ألقى التحية في المصعد على رجل أحول العينَين يرتدي بِذلةً ذات نقشة مربعة. «مرحبًا يا باك.» «هل قمت بعطلتك بعد؟» وقف جو مباعدًا بين قدمَيه ويداه في جيبَيه. وهزَّ رأسه. «سأذهب يوم السبت.» «أظن أنني سأقضي بضعة أيام في أتلانتك سيتي.» «كيف يمكنك ذلك؟» «أوه، ذلك الولد ذكي.» عندما خرج أوكيف من المبنى، كان عليه أن يشق طريقه خلال الناس المتزاحمين في البوابة. كانت السماء الأردوازية الغارقة بين المباني المرتفعة تلطِّخ الأرصفة بما يشبه القطع المعدنية من فئة الخمسين سنتًا. وكان الرجال يركضون بحثًا عن مخبأ بقبعاتهم القشية أسفل معاطفهم. وقد صنعت فتاتان غطاءَين من الجرائد فوق قلنسوتَيهما الصيفيتَين. لمح زرقة أعينهما وبريق شفاهما وأسنانهما وهو يمر. مشى سريعًا إلى الناصية واستقل راكضًا سيارةً متجهة إلى الشمال. اجتاح المطرُ الشارع في زخَّات صلبة تتلألأ وتُحفحف وتضرب الصُّحف فتسوي سطحها، وتثب كحَلَمات فضية بمحاذاة الأسفلت، وتُخطِّط النوافذ، وتُلمِّع طلاء الترام وسيارات الأجرة. في شارع ١٤ لم تكن هناك أمطار، ولكن الهواء كان خانقًا. قال رجل هَرِم بجانبه: «طقس عجيب.» هدر أوكيف. «عندما كنت صبيًّا رأيت السماء في يوم من الأيام تُمطر في جانب واحد من الشارع، وكان هناك منزل يضربه البرق وعلى جانبنا لم تسقط قطرة على الرغم من أن الرجل الهَرِم أراد ذلك بشدة لبعض نباتات الطماطم التي كان قد بدأ لتوه في زراعتها.» أثناء عبور أوكيف شارع ٢٣ رأى برج حديقة ميدان ماديسون. فقفز من السيارة. وأنزل ياقة معطفه مرةً أخرى وهو يشرع في عبور الميدان. وفي طرف مقعد أسفل شجرة كان جو هارلاند ناعسًا. ارتمى أوكيف في المقعد المجاور له. «مرحبًا جو. خذ سيجارًا.» «مرحبًا جو. سعيد برؤيتك يا صديقي. أشكرك. لم أدخِّن أحد هذه الأشياء منذ وقت طويل … ما الذي تنوي فعله؟ أليس هذا الأمر بعيدًا عنك؟» «شعرت بالكآبة نوعًا ما لذلك ظننت أن أشتري لنفسي تذكرةً لمباراة يوم السبت.» «ما الأمر؟» «لا أعرف بحق الجحيم … لا يبدو أن الأمور تسير على ما يرام. لقد تعمَّقت كثيرًا في هذه اللعبة السياسية ولا يبدو أن لها مستقبلًا. يا إلهي، أتمنَّى لو كنت قد حظيت بتعليم مثلك.» «لقد أفادني ذلك كثيرًا.» «لن أقول ذلك … لو كنت يومًا قد تمكَّنت من السير في المسار الذي كنت فيه، أراهنك أنني ما كنت لأخسر.» «لا يمكنك الجزم بالأمر يا جو؛ فالمرء قد تدركه أشياء عجيبة.» «هناك نساء وما إلى ذلك من الأمور.» «كلا، أنا لا أقصد ذلك … فالمرء قد يشعر بالضجر نوعًا ما.» «ولكن بحق الجحيم لا أرى كيف يمكن لرجل لديه ما يكفي من المال أن يشعر بالضجر.» «إذن ربما كان الخمر، لا أعرف.» جلسا صامتَين لدقيقة. كانت سماء ما بعد الظهر قد ورَّدها الغروب. وكان دخان السيجار أزرق ومتجعِّدًا حول رأسَيهما. «انظر إلى السيدة المنتفخة … انظر إلى طريقة مشيها. أليست جذابة؟ هكذا أحبهن، متأنقات بالكامل ومبهرجات وشفاههن مطلية … يُكلِّف الأمر الكثير من المال للتسكُّع مع سيدات مثلهن.» «إنهن لا يختلفن عن أي شخص آخر يا جو.» «ماذا تقول بحق الجحيم؟» «قل لي يا جو، أليس معك دولار زائد؟» «ربما معي.» «معدتي ليست على ما يرام بعض الشيء … أود أن أتناول شيئًا لجعلها تستقر، وأنا مفلس حتى أتقاضى راتبي يوم السبت … أعني … تفهمني … أواثق من أنك لا تمانع؟ أعطني عنوانك وسيكون أول شيء أفعله صباح الإثنين هو أن أرده لك.» «بحق الجحيم لا تلقِ بالًا بالأمر، سأراك في مكانٍ ما.» «شكرًا يا جو. وأرجوك ألَّا تشتري المزيد من أسهم بيتر بلو ماينز بالهامش دون أن تسألني عنها. قد أكون متأخِّرًا ولكن لا يزال بمقدوري أن أكتشف التلاعب بعينَين مغمضتَين.» «حسنًا، سأسترجع مالي.» «يستلزم الأمر حظًّا وافرًا.» «يا إلهي، من العجيب أن أُقرض دولارًا لرجل كان يملك نصف شارع وول ستريت.» «أوه، لم أكن أملك ذلك القدر الذي قالوا إنني أملكه.» «هذا مكان عجيب …» «أين؟» «أوه، لا أعرف، أظن كل مكان … حسنًا، إلى اللقاء يا جو، أظن أنني سأذهب وأشتري تلك التذكرة … يا إلهي، ستكون مباراةً رائعة.» رأى جو هارلاند خطوة الشاب المترنِّحة القصيرة وهو يغادر الطريق بقبعته القشية على جانب رأسه. ثم توقَّف وسار شرقًا على طول شارع ٢٣. كانت الأرصفة وجدران المنزل لا تزال تنبعث منها الحرارة رغم غروب الشمس. توقَّف خارج حانة جانبية وتفحَّص بعناية مجموعةً من المعاطف المحشوة التي أصبحت رماديةً من أثر الغبار، والتي شغلت منتصف النافذة. وعبر البابَين المتأرجحَين، تسرَّبت إلى الشارع أصوات هادئة وبرودة تحمل رائحة الشعير. تورَّد وجهه فجأةً وعضَّ شفته العليا، وبعد نظرة خاطفة على الشارع ذهابًا وإيابًا دخل عبر البابَين المتأرجحَين وعَرَّج على منضدة الشراب النحاسية المتلألئة بالزجاجات. ••• بعد هطول الأمطار في الخارج، كانت رائحة الجص الخلفية واخِزةً في أنوفهم. علَّقت إلين معطف المطر المبلَّل على ظهر الباب ووضعت مظلتها في ركن غرفة الملابس حيث بدأت تنتشر منها بركة صغيرة. كانت تقول بصوت خفيض لستان الذي تبعها مترنِّحًا: «وكل ما تمكَّنت من التفكير فيه كان أغنيةً عجيبة غنَّاها لي شخص ما عندما كنت طفلةً صغيرة: والرجل الوحيد الذي نجا من الفيضان كان جاك ذا الأرجل الطويلة الذي أتى من البرزخ.» «يا إلهي، لا أفهم لماذا يُنجب الناس الأطفال. إنه اعتراف بالهزيمة. فالإنجاب هو قَبول كائن حي غير مكتمل. الإنجاب هو اعتراف بالهزيمة.» «أرجوك يا ستان لا تصرخ، ستصدم عُمَّال المسرح … ما كان يجب أن أتركك تأتي. تعرف كيف يُثرثر الناس في المسرح.» «سأكون هادئًا تمامًا كفأر صغير … فقط دعيني أنتظر حتى تأتي ميلي لإلباسكِ. فرؤيتك وأنتِ ترتدين ثيابك هي سعادتي الوحيدة المتبقية … أعترف أنني كائن حي غير مكتمل.» «لن تكون كائنًا من أي نوع إذا لم تستفِق من السُّكر.» «سأشرب … سأشرب حتى أجرح نفسي فيتدفَّق الويسكي من عروقي. ما فائدة الدم في وجود الويسكي؟» «أوه يا ستان.» «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله كائن حي غير مكتمل هو الشرب … أنتِ كائن مكتمل جميل لا يحتاج إلى الشرب … سأستلقي وأنعم بالنوم كالأطفال.» «لا يا ستان أرجوك. إذا غفلت هنا فلن أسامحك أبدًا.» سُمعت نقرتان ناعمتان على الباب. «ادخلي يا ميلي.» كانت ميلي امرأةً صغيرة البِنية ذات وجه متجعِّد وعينَين سوداوَين. وقد منحتها نفحةٌ من الدم الزنجي شفتَين أرجوانيتَين سميكتَين، ما أعطى شحوبًا لبشرتها الشديدة البياض. قالت مُحدِثةً ضجةً أثناء دخولها: «إنها الثامنة و١٥ دقيقةً يا عزيزتي.» ثم ألقت نظرةً سريعة على ستان والتفتت إلى إلين ببعض العبوس الساخر. «عليك أن تذهب بعيدًا يا ستان … سأُقابلك لاحقًا في مبنى بو آرتس السكني أو في أي مكان تريده.» «أريد أن أنام.» كانت إلين تجلس أمام مرآة طاولة زينتها تمسح الدهان البارد من فوق وجهها بتربيت سريع مستخدمةً منشفة صغيرة. انبعثت في أنحاء الغرفة من علبة مستحضرات التجميل الخاصة بها رائحة أصباغ التمثيل وزبدة الكاكاو الذائبة والشاحمة. همست لميلي وهي تخلع فستانها: «لا أعرف ماذا أفعل معه الليلة. أوه، أتمنَّى لو يتوقَّف عن الشرب.» «لو كنت مكانكِ لوضعته تحت الدُّش وفتحت الماء البارد فوقه يا عزيزتي.» «كيف هو الوضع في الصالة الليلة يا ميلي؟» «فارغة بعض الشيء يا آنسة إلين.» «أعتقد أن ذلك بسبب الطقس السيئ … لن أتمكَّن من الأداء جيدًا.» «لن أدعه يوتِّرك يا عزيزتي. الرجال لا يستحقون ذلك.» «أريد أن أنام.» كان ستان متأرجحًا وعابسًا في وسط الغرفة. «سأضعه في الحمام يا آنسة إلين؛ لن يلاحظه أحد هناك.» «وهو كذلك، لندعه ينام في حوض الاستحمام.» «إيلي سيذهب للنوم في حوض الاستحمام.» دفعته المرأتان إلى الحمام. عرَّج هزيلًا على الحوض، واستلقى هناك نائمًا ورجلاه في الهواء ورأسه فوق الصنابير. كانت ميلي تُصدر بلسانها قليلًا من أصوات القَوقَأَة السريعة. همست إلين برفق: «إنه كطفل نائم عندما يكون في هذه الحالة.» دسَّت بممسحة الحمام تحت رأسه وأزاحت شعره المليء بالعرق من فوق جبهته. كان يتنفَّس بصعوبة. مالت وقبَّلت جفنَيه برِقة شديدة. «عليكِ أن تسرعي يا آنسة إلين … الستار يُرفع.» «فلتلقِ نظرةً سريعة، هل مظهري جيد؟» «جميلة كلوحة فنية … حماكِ الرب يا عزيزتي.» ركضت إلين على الدرج واستدارت إلى أجنحة المسرح، ووقفت هناك، لاهثةً مرتعبة كما لو كانت فلتت لتوِّها من حادث دهس سيارة، وأخذت من صاحب المسرح قائمة الأغاني التي كان عليها أداؤها، وانتظرت حتى أتى دورها وسارت إلى الأضواء. «كيف تبلين جيدًا هكذا يا إلين؟» كان هاري جولدوايزر يقول ذلك وهو يهز رأس رَبْلَة ساقه من فوق الكرسي خلفها. كان بمقدورها رؤيته في المرآة وهي تُزيل مستحضرات التجميل من فوق وجهها. وكان يقف بجانبه رجلٌ طويل القامة ذو عينَين رماديتَين وحاجبَين أشيبَين. «أتتذكرين عندما خضعتِ أول مرة لتجارب الأداء وقلت للسيد فاليك، لن يمكنها النجاح يا سول، أليس كذلك يا سول؟» «بالطبع فعلت ذلك يا هاري.» «اعتقدت أنه لا يمكن لفتاة صغيرة وجميلة أن تجلب، كما تعلمين … تجلب الشغف والرعب بداخلي، هل تفهمين ما أعني؟ … كنت أنا وسول في القاعدة نشاهد ذلك المشهد في الفصل الأخير.» قال فاليك مصدرًا أنينًا: «رائع، رائع. أخبرينا كيف تفعلين ذلك يا إلين.» أُزيلت مستحضرات التجميل لتظهر سوداء وورديةً على قطعة القماش. تحرَّكت ميلي برصانة في الخلفية مُعلِّقةً الفساتين. «هل تعرف من الذي درَّبني على ذلك المشهد؟ إنه جون أوجليثورب. إن لديه أفكارًا مدهشةً عن التمثيل.» «أجل، من المخزي أنه كسول للغاية … كان بإمكانه أن يصبح ممثِّلًا ذا شأن كبير.» هزَّت إلين شعرها لأسفل ولوته في استدارة بكلتا يدَيها، قائلة: «إنه ليس كسولًا بالضبط …» رأت هاري جولدوايزر يلكز السيد فاليك. «جميل أليس كذلك؟» «كيف سار عرض «الوردة الحمراء» (ريد روز)؟» «أوه لا تسأليني يا إلين. عُرض حصريًّا أمام الأدِلَّاء الأسبوع الماضي، هل تَعِين ذلك؟ لا أفهم لماذا لم يُعجبهم، إنه مشوق … ولماي ميريل طلة جميلة. أوه، لقد ذهب مجال العروض بأكمله إلى الجحيم.» وضعت إلين الدبوس البرونزي في لفافة شعرها النحاسية. رفعت ذقنها لأعلى. «أود أن أجرِّب شيئًا كهذا.» «ولكن كل في أوانه يا عزيزتي الشابة؛ فلقد وضعناكِ للتو في أول الطريق كممثِّلة عاطفية.» «إنني أكره ذلك؛ فكل شيء مزيَّف. في بعض الأحيان أريد أن أنزل إلى الجمهور في المكان المخصَّص لجلوسهم لأخبرهم قائلةً اذهبوا إلى منازلكم أيها الحمقى. هذا عرض رديء وبه الكثير من التمثيل الزائف وينبغي أن تعرفوا ذلك. بوسع المرء أن يكون صادقًا في العروض الموسيقية.» «ألم أخبرك أنها مجنونة يا سول؟ ألم أخبرك أنها مجنونة؟» «سأستخدم بعضًا من هذا الخطاب الصغير في الدعاية الأسبوع المقبل … يمكنني إدخاله بشكل جيد.» «لا يمكنك تركها تُفسد العرض.» «كلا، ولكن يمكنني استخدامه في ذلك العمود حول تطلُّعات المشاهير … كما تعلم، هذا الرجل هو رئيس شركة زوزودونت لمعطِّرات الفم، وكان يُفضِّل أن يكون رجل إطفاء، وثمة رجل آخر كان يُفضِّل أن يكون حارسًا في حديقة الحيوانات … يا لها من أشياء تروق للبشر.» «يمكنك أن تخبرهم يا سيد فاليك بأنني أعتقد أن مكان المرأة في المنزل … من أجل ضعاف العقول.» ضحك هاري جولدفايزر وظهرت الأسنان الذهبية في جانبَي فمه: «هأ هأ هأ. لكنني أعلم أنه يمكنك الرقص والغناء مع الأفضل منهم يا إلين.» «ألم أكن في الجَوقة لمدة عامَين قبل أن أتزوَّج من أوجليثورب؟» قال السيد فاليك وهو ينظر بطرف عينه من أسفل رموشه الرمادية: «لا بد أنكِ قد بدأتِ في المهد.» «حسنًا، ينبغي أن أطلب منكما أيها السيدان الخروج من هنا لدقيقة كي أُبدِّل ملابسي. إنني أتصبَّب عرقًا كل ليلة بعد ذلك المشهد الأخير.» «علينا أن نغادر على أي حال … هل تفهمين ما أعني؟ … أتمانعين أن أستخدم حمامكِ لبعض الوقت؟» وقفت ميلي أمام باب الحمام. كانت عينا إلين خاليتين من أي تعابير. «يؤسفني أنه لا يمكنك يا هاري، إنه في حالة فوضى.» «سأذهب إلى غرفة تشارلي … وسأُخبر طومسون أن يجلب سبَّاكًا ليفحص الحمام … حسنًا، تصبحين على خير يا صغيرتي. وداعًا.» قال السيد فاليك مصرصِرًا: «تصبحين على خير يا سيدة أوجليثورب، وإذا لم تستطيعي أن تكوني بخير فلتكوني حَذِرة.» أغلقت ميلي الباب خلفهما. صاحت إلين ومدَّت ذراعَيها: «هيه، يا لها من راحة!» «لا أُخفيك سرًّا لقد كنت خائفةً يا عزيزتي … لا تدعي أبدًا أي شخص هكذا يأتي إلى المسرح معكِ. لقد رأيت العديد من الممثِّلين الكبار دمَّرتهم أشياء من هذا القبيل. أقول لكِ ذلك لأنني مغرمة بكِ يا آنسة إلين، وأنا عجوز وأعرف مجال العروض جيدًا.» «أنتِ كذلك بالطبع يا ميلي، ومعكِ كل الحق أيضًا … لنرَ ما إذا كُنا سنستطيع إيقاظه.» «يا إلهي يا ميلي، انظري إلى ذلك.» كان ستان مستلقيًا كما تركاه في حوض الاستحمام تُغطِّيه المياه. وكان ذَيل معطفه وإحدى يدَيه يطفوان فوق الماء. «انهض من هنا يا ستان أيها الأحمق … قد يلقى حتفه. أيها الأحمق، أيها الأحمق.» أمسكت به إلين من شعره وهزَّت رأسه من جانب إلى آخر. أنَّ بصوت طفل نعسان: «أوه هذا مؤلم.» «انهض من هنا يا ستان … إنك مغمور بالمياه.» أرجع رأسه وفتح عينَيه بغتة. «يا إلهي، إنني مغمور بالمياه بالفعل.» رفع نفسه بيدَيه على جانبَي الحوض ووقف متمايلًا، والماء المصفرُّ بسبب ملابسه وحذائه يقطر منهما، وكان يشهق بضحكته العالية. استندت إلين إلى باب الحمام تضحك وعيناها ممتلئتان بالدموع. «لا يمكنكِ أن تغضبي منه يا ميلي، هذا ما يجعله مثيرًا للسخط. أوه ماذا سنفعل؟» قالت ميلي: «من حسن حظه أنه لم يغرق … أعطني أوراقك ومحفظتك يا سيدي. سأُحاول تجفيفها بمنشفة.» «ولكنك لا يمكنك أن تمر أمام البوَّاب هكذا … حتى لو عصرنا ملابسك … عليك أن تخلع جميع ملابسك يا ستان وأن ترتدي أحد فساتيني. ثم يمكنك أن ترتدي معطف المطر الخاص بي ويمكننا أن نُسرع إلى داخل سيارة أجرة وتأخذها إلى المنزل … ما رأيكِ يا ميلي؟» كانت ميلي تُدحرج عينَيها وتهز رأسها وهي تعصر معطف ستان. وفي حوض الغسيل كوَّمت بقاياه المبلَّلة من محفظة، ودفتر، وأقلام رصاص، ومطواة، ولفافتَين من أفلام التصوير، وقِنينة. قال ستان: «أريد أن أستحم على أي حال.» «أوه أراهنك على ذلك. حسنًا؛ فأنت مستفيق على الأقل.» «مستفيق كبطريق.» «حسنًا، عليك أن ترتدي ملابسي هذا كل شيء …» «لا يمكنني أن أرتدي ملابس الفتيات.» «عليك أن تفعل ذلك … فليس معك حتى معطف مطر لتغطي به تلك الفوضى. إذا لم تفعل فسأحبسك في الحمام وأتركك.» «حسنًا إيلي … أنا في غاية الأسف حقًّا.» كانت ميلي تلف الملابس في الجريدة بعد أن عصرتها في حوض الاستحمام. نظر ستان إلى نفسه في المرآة. «يا إلهي إن مظهري منافٍ للحشمة في هذا الفستان … كما الممثِّل الكوميدي إيش كابيبيل!» «لم أرَ شيئًا قط أكثر فظاعة … كلا، تبدو في غاية الجمال، ربما صعب بعض الشيء … الآن أرجوك أبقِ وجهك نحوي عندما تمر بالهَرِم بارني.» «حذائي رطب للغاية.» «ما باليد حيلة … حمدًا للرب أنه كان معي هذا المعطف هنا يا ميلي، يا لكِ من ملاكٍ لترتِّبي كل هذه الفوضى!» «ليلة سعيدة يا عزيزتي، وتذكَّري ما قلته … أقول لكِ هذا كل …» «تحرَّك بخطوات بطيئة يا ستان، وإذا قابلت أحدًا، فسِر في طريقك مباشرةً واقفز في سيارة أجرة … يمكنك تجنُّب أي شيء إذا انطلقت بسرعةٍ كافية.» كانت يدا إلين ترتجفان عندما نزلا الدرج. ووضعت إحداهما أسفل مرفق ستان وبدأت تتحدَّث بصوت ثرثرة منخفض … «كما تعلم يا عزيزي، زارني أبي ليشاهد العرض قبل ليلتَين أو ثلاث ليالٍ، واندهش حتى كادت الصدمة تُودي بحياته. قال إنه يعتقد أن الفتاة بعرضها لمشاعرها هكذا أمام العديد من الأشخاص تُذل نفسها … أليس هذا مؤلمًا؟ … كان لا يزال معجبًا بالتقارير التي كُتبت عني في صحيفتي «هيرالد» و«وورلد» يوم الأحد … ليلة سعيدة يا بارني، بل ليلة فظيعة … يا إلهي … ها هي سيارة أجرة، اصعد. إلى أين أنت ذاهب؟» من ظلام سيارة الأجرة، ومن وجهه الطويل المدسوس في القلنسوة الزرقاء، كانت عيناه سوداوَين شديدتَي البريق لدرجة أخافتها كما لو كانتا قد ظهرتا فجأةً من حفرة عميقة في الظلام. «حسنًا، سنذهب إلى منزلي. فهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟ … رجاءً أيها السائق اذهب إلى شارع البنك.» انطلقت سيارة الأجرة. كانوا يتأرجحون عبر المستويات المتقاطعة بالضوء الأحمر، والضوء الأخضر، والضوء الأصفر والمُخَرَّزة بحروف كلمة برودواي. مال ستان فجأةً نحوها وأعطى فمها قبلةً عنيفة خاطفة. «عليك أن تتوقَّف عن الشرب يا ستان. الأمر يتجاوز الحد.» «وما المانع من تجاوز الأمور الحد؟ أنتِ تتجاوزين الحد ولا أشتكي.» «ولكنك يا حبيبي سوف تقتل نفسك.» «وماذا إذن؟» «أوه، أنا لا أفهمك يا ستان.» «وأنا لا أفهمكِ يا إيلي، لكني أحبكِ جدًّا … أحبك حبًّا جمًّا.» كانت ثمة رعشة مُتقطِّعة في صوته الخفيض باغتتها بسعادة. دفعت إلين الأجرة. سُمعت صافرة إنذار زاعقة خلَّفت حالةً من الكآبة في الشارع، مرَّت سيارة إطفاء حمراء برَّاقة، ثم تبعها خُطَّاف وسُلم بجرس مصلصِل. «دعينا نذهب إلى النيران يا إيلي.» «وأنت بتلك الملابس … لن نفعل شيئًا هكذا.» تبعها صامتًا إلى المنزل وصعد الدرج. كانت غرفتها الطويلة باردةً ومنعشة الرائحة. «أنتِ لستِ غاضبةً مني يا إيلي، أليس كذلك؟» «بالطبع لستُ غاضبةً أيها الطفل الأحمق.» حلَّت صُرَّة ملابسه المبلَّلة وأخذتها إلى داخل مطبخ صغير لتجف بجانب موقد الغاز. استدعاها صوت الفونوجراف الصادع بأغنية «إنه شيطان في مسقط رأسه» (هيز أديفيل إن هيز أون هوم تاون). كان ستان قد خلع الفستان. وكان يراقص كرسيًّا، وروبها الأزرق المبطَّن يتطاير من فوق ساقَيه النحيفتَين المشعرتَين. «أوه يا ستان، يا عزيزي الأحمق.» أنزل الكرسي وتوجَّه نحوها بسُمرته على نحو رجولي، واتكأ بالروب السخيف. وصل الفونوغراف إلى نهاية اللحن، وراحت الأسطوانة تدور مصرصِرة.
|
{
"chapter": "سيارة الإطفاء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.4/"
}
|
(تُرفع الستارة عن هيئة غرفة أوجين بقصر الكونت.) (يدخل إيميل.) (تدخل لوسيا.) (تُرفع الستارة عن شارعٍ خارج قصر الكونت.) (يهم بالذهاب فتقابله أوجين فيرجع.) (تهرب أوجين عندما يذهب ليرى الغاغة، ويدخل الثقلاء.) (يخرجون.) (يدخل حاجب.) (يدخل حاجب.)
|
{
"chapter": "الفصل الثالث",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حيل النساء",
"url": "https://www.hindawi.org/books/58630741/3/"
}
|
تتنقل القطارات ذهابًا وإيابًا كالديدان المتوهِّجة في الغَسَق عبر الأطياف الخافتة الضبابية للجسور المتداخلة كشبكة العنكبوت، والمصاعد تصعد وتهبط في آبارها، وتومض أضواء الميناء. كعصارة النبات في أول موجة صقيع يبدأ الرجال والنساء في الساعة الخامسة في الانجراف تدريجيًّا خارجين من المباني الشاهقة في وسط المدينة، في حشود رمادية الوجه تغمر المترو والأنفاق، وتتلاشى تحت الأرض. تقف المباني الشاهقة طوال الليل هادئةً وخالية بملايين النوافذ المظلمة. كمن يمضغ الطعام سائلًا لعابه، تلتهم العبَّارات المسارات بينما يتدفق ضوءُها عبر الميناء المطلي. في منتصف الليل تتسلَّل البواخر السريعة الرباعية المداخن إلى الظلام خارجةً من مراسيها المضيئة. يسمع المصرفيون وقد علت وجوههم غشاوةٌ جرَّاء المؤتمرات السرية صيحات زوارق القَطر أثناء إخراج الحراس الذين يشبهون البقَّ المضيء لهم من الأبواب الجانبية؛ فيستقرون يشخِّرون في المقاعد الخلفية لسيارات الليموزين، ويُنقلون شمالًا إلى الشوارع من ٤٠ إلى ٤٩ المزدحمة والمضاءة بألوان كئوس شراب الجن الأبيض، والويسكي الأصفر، وشراب التفاح الفوَّار. جلست إلى طاولة زينتها تلف شعرها. وقف خلفها بحمالاته البنفسجية الفاتحة المتدلية من بنطاله، محرِّكًا الأزرار الألماسية في قميصه بأصابع قصيرة وبدينة. أنَّت ودبابيس الشعر في فمها: «أتمنَّى لو كُنا خارجها يا جيك.» «خارج ماذا يا روزي؟» «شركة برودنس بروموشن … صدقًا، أنا قلقة.» «عجبًا، كل شيء يسير على ما يرام. علينا خداع نيكولز، هذا كل ما في الأمر.» «ماذا لو قاضانا؟» «أوه لن يفعل. سيخسر الكثير من المال بهذا الشكل. من الأفضل أن يشاركنا … يمكنني أن أدفع له نقدًا في غضون أسبوع على أي حال. إذا استطعنا أن نحافظ على ظنه أن لدينا المال، فسنجعله تحت تصرُّفنا بالكامل. ألم يقل إنه سيكون في نادي إل فاي الليلة؟» كانت روزي قد وضعت للتو مشطًا من حجر الراين في لفائف شعرها الأسود. أومأت برأسها ونهضت واقفة. كانت امرأةً سمينة عريضة الوركَين ذات عينَين سوداوَين كبيرتَين وحاجبَين مُقَوسَين لأعلى. وكانت ترتدي مُخَصِّرًا مزيِّنةً أطرافه بدانتيل أصفر وقميص من الحرير الوردي. «ارتدي كل ما لديك يا روزي. أريدكِ أن تبدي متأنقةً كشجرة كريسماس. سنذهب إلى إل فاي ونحدِّق في عينَي نيكولز الليلة. ثم سأزوره غدًا وأعرض عليه الاقتراح … لنتناول بعض الشراب على أي حال …» توجَّه نحو الهاتف. «أرسل بعض الثلج المُكسَّر وزجاجتَي وايت روك إلى غرفة ٤٠٤. باسم سيلفرمان. لا تتأخَّر.» صرخت روزي فجأة: «دعنا نفر يا جيك.» وقفت عند باب الخزانة وأحد الفساتين فوق ذراعها. «لا أستطيع تحمُّل كل هذا القلق … إنه يقتلني. دعنا نغادر إلى باريس أو هافانا أو أي مكان ونبدأ من جديد.» «ثم نقع في ورطة. قد يُقبض عليكِ بسبب سرقة مبلغ مالي كبير. يا إلهي، لن تجعليني أسير متنكِّرًا بنظارات معتمة ولحية مزيَّفة طوال حياتي.» ضحكت روزي. «كلا، أظن أن مظهرك لن يبدو جيدًا في بثرة زائفة … أوه، أتمنَّى لو كُنا متزوِّجَين بالفعل على الأقل.» «لن يشكِّل هذا فرقًا بيننا يا روزي. فسيسعَون إذن للقبض عليَّ أيضًا لزواجي بامرأتَين. سيكون ذلك عظيمًا.» ارتجفت روزي مِن طَرق الفرَّاش على الباب. وضع جيك سيلفرمان الصينية بوعاء الثلج المصلصِل فوقها على المكتب وأخرج زجاجة ويسكي مربعةً من الخزانة. «لا تصب شيئًا لي. لا أمتلك القدرة على ذلك.» «عليكِ أن تجمعي شتات نفسكِ يا صغيرتي. ارتدي أجمل الملابس وسنذهب إلى أحد العروض. بحق الجحيم لقد مررت بمآزق كثيرة أصعب من هذا.» توجَّهَ إلى الهاتف وكأس الشراب في يده. «أريد كشك بيع الصُّحف … مرحبًا أيتها اللطيفة … بالطبع، أنا صديق قديم … تعرفينني بالطبع … اسمعي، هل يمكنك أن تحجزي لي مقعدَين لعرض «الحماقات» (فوليز) … غير معقول … كلا، لا أستطيع الجلوس بالخلف في الصف الثامن … أنتِ فتاة جيدة … وستتصلين بي بعد ١٠ دقائق، أليس كذلك يا عزيزتي؟» «قل لي يا جيك، هل هناك حقًّا أي بوراكس في تلك البحيرة؟» «هناك بالطبع. ألم نحصل على إفادة خطية من أربعة خبراء؟» «بالطبع. كنت أتساءل فحسب … قل لي يا جيك إن انتهينا من هذا الأمر هل ستعدني بألَّا نخوض أي مكائد طائشة أخرى؟» «بالطبع؛ لن أحتاج إلى ذلك … يا إلهي، أنتِ امرأة فاتنة للغاية في هذا الفستان.» «هل يعجبك؟» «تبدين من البرازيل … لا أعلم … من مكان استوائي.» «هذا هو سر سحري الخطير.» رنَّ جرس الهاتف بجلجلة عالية. قفزا على أقدامهما. وضغطت بجانب يدها على شفتَيها. «اثنان في الصف الرابع. هذا جيد … سننزل في الحال ونأخذها … يا إلهي يا روزي لا يمكن أن تظلي تجفلين هكذا؛ لقد أفزعتِني أنا أيضًا. اجمعي شتات نفسكِ، لماذا لا يمكنكِ فعل ذلك؟» «دعنا نخرج ونتناول الطعام يا جيك. لم أتناول شيئًا طوال اليوم سوى الحليب الرائب. أظن أنني سأتوقف عن محاولة تقليل الطعام. فهذا القلق سيجعلني نحيفةً بما يكفي.» «عليكِ أن تتوقَّفي عن ذلك يا روزي … إنه يثير أعصابي.» توقفا عند كشط الزهور في الردهة. قال: «أريد زهرة جاردينيا.» ملأ صدره بالهواء وابتسم ابتسامته المقوَّسة أثناء تثبيت الفتاة لها في عُروة معطف العشاء الذي كان يرتديه. استدار بهيئة متحذلقة نحو روزي: «ماذا ستأخذين يا عزيزتي؟» جعَّدت فمها. «لا أعرف فحسب ما الذي سيناسب ثوبي.» «بينما تقرِّرين سأذهب لإحضار تذاكر المسرح.» بمعطفه المفتوح وبعودته للخلف لإظهار مقدمة القميص الأبيض المنتفخة وبكمَّيه اللذَين أخرجهما من يدَيه الغليظتَين، مشى متبخترًا إلى كشك بيع الصحف. بطرف عينها وبينما كانت أطراف الورود الحمراء تُغلَّف بورق فضي، كان بإمكان روزي أن تراه يتكئ على المجلات ويتحدَّث محاكيًا لغة الأطفال إلى فتاة شقراء. عاد وعيناه تلمعان برِزمة مال في يده. ثبَّتت الورود في معطفها الفرو، ووضعت ذراعها في ذراعه وذهبا معًا عبر الأبواب الدوَّارة في الليل البارد المتلألئ بالأضواء الكهربائية. صاح: «تاكسي.» ••• فاحت من غرفة الطعام رائحة التوست والقهوة وصحيفة «نيويورك تايمز». كان آل ميريفال يتناولون الإفطار على الضوء الكهربائي. ضرب الثلج المخلوط بالمطر النوافذ. قال جيمس من وراء الصحيفة: «حسنًا تراجعت شركة باراماونت خمس نقاط أخرى.» تذمَّرت مايسي قائلةً وهي تشرب قهوتها في رشفات صغيرة كنقرات دجاجات: «أوه يا جيمس، أعتقد أنه أمر مروِّع أن تكون هازئًا بهذا الشكل.» قالت السيدة ميريفال: «وعلى أي حال، جاك لم يعد يعمل لدى باراماونت. إنه يقوم بالدعاية لشركة فيمس بلايرز.» «سيأتي إلى الشرق في غضون أسبوعَين. يقول إنه يأمل أن يكون هنا في بداية العام.» «هل تلقَّيتِ برقيةً أخرى يا مايسي؟» أومأت مايسي برأسها. قالت السيدة ميريفال عبر الصحيفة مخاطبةً ابنها: «أتعرف يا جيمس، لن يكتب جاك رسالة أبدًا. يرسل دائمًا البرقيات.» قال جيمس بصوت هادر من وراء الصحيفة: «إنه يُبقي منزله بالتأكيد مكتظًا بالزهور.» قالت السيدة ميريفال بابتهاج: «كل شيء عن طريق التلغراف.» وضع جيمس صحيفته. «حسنًا، آمل أن يكون رجلًا جيدًا كما يبدو عليه.» «أوه يا جيمس، أنت فظيع عندما يتعلَّق الأمر بجاك … أعتقد أن ذلك أمر وضيع.» نهضت وعبر الستائر إلى غرفة الاستقبال. قال متذمِّرًا: «حسنًا، إذا كان سيصير زوج أختي، أظن أنه يجب أن يكون لي رأي في اختياره.» ذهبت السيدة ميريفال خلفها. «تعالَي وأنهي فطوركِ يا مايسي، ما هو إلا مشاكس مروِّع.» «لن أسمح له بالحديث بهذه الطريقة عن جاك.» «لكني يا مايسي أظن أن جاك فتًى جيد.» أحاطت ابنتها بذراعها وأرجعتها إلى الطاولة. «إنه بسيط للغاية وأنا أعرف أن لديه دوافع جيدة … أنا متأكدة من أنه سيجعلكِ سعيدةً للغاية.» جلست مايسي مرةً أخرى بوجه عابس أسفل الأنشوطة الوردية لقبعة نومها. «هل لي بفنجان آخر من القهوة يا أمي؟» «عزيزتي، تعلمين أنه يجب ألَّا تشربي سوى فنجانَين. قال الدكتور فرنالد إن هذا ما يصيبكِ بالتوتر الشديد.» «القليل فحسب من القهوة الخفيفة جدًّا يا أمي. فأنا أريد أن أُنهي كعكة المافن هذه وكل ما في الأمر أنني لا يمكنني أن آكلها من دون شيء يساعد على بلعها، وأنتِ تعلمين أنكِ لا تريدينني أن أفقد المزيد من الوزن.» دفع جيمس كرسيه للخلف وخرج وصحيفة «نيويورك تايمز» أسفل ذراعه. قالت السيدة ميريفال: «إنها الثامنة والنصف يا جيمس. من المحتمل أن يستغرق ساعةً عندما يدخل هناك بتلك الصحيفة.» قالت مايسي منزعجة: «حسنًا. أظن أنني سأعود للنوم. أظن أنه من السخيف استيقاظنا جميعًا لتناول الإفطار. ثمة شيء مبتذل للغاية في الأمر يا أمي. لم يعد أحد يفعل ذلك. في منزل آل بيركنز يأتي لهم الإفطار في السرير على صينية.» «لكن جيمس يجب أن يكون في البنك في التاسعة.» «هذا ليس سببًا يجعلنا نجر أنفسنا من أَسِرتنا. هكذا تمتلئ وجوه الناس بالتجاعيد.» «لكننا لن نرى جيمس حتى وقت العشاء، وأنا أحب الاستيقاظ مبكرًا. الصباح هو أجمل أوقات اليوم.» تثاءبت مايسي يائسة. ظهر جيمس عند مدخل الردهة وهو ينظِّف قبعته بفرشاة. «ماذا فعلت بالصحيفة يا جيمس؟» «أوه لقد تركتها بالداخل.» «سآخذها، لا تهتم … عزيزي، دبوس رابطة عنقك مائل. سأضبطه … ها هو.» وضعت السيدة ميريفال يدَيها على كتفَيه ونظرت في وجه ابنها. كان يرتدي بِذلةً رمادية داكنة بها خط أخضر فاتح، ورابطة عنق محوكة باللون الأخضر الزيتوني عليها دبوس ذو قطعة ذهبية، وجورب من الصوف باللون الأخضر الزيتوني بخطوط سوداء كخطوط الساعة، وحذاء أكسفورد باللون الأحمر الداكن كانت أربطته معقودةً بعناية بعقدة مزدوجة لا تنفلت أبدًا. «ألن تحمل عصاك يا جيمس؟» كان يضع وشاحًا باللون الأخضر الزيتوني حول عنقه وبدا نحيفًا أسفل معطفه الشتوي البُني الداكن. «أُلاحظ أن الرجال الأصغر سنًّا في الشارع لا يحملونها، يا أمي … قد يظن الناس أنه بعض الشيء … لا أعرف …» «لكن السيد بيركنز يحمل عصًا برأس ببغاء ذهبي.» «أجل، ولكنه أحد نُواب الرئيس، يمكنه أن يفعل ما يحلو له … لكن عليَّ أن أركض.» قبَّل جيمس ميريفال والدته وأخته على عجل. وارتدى قُفَّازه أثناء النزول في المصعد. ثم غمر رأسه في الريح الجليدي ومشى مسرعًا نحو الشرق بطول شارع ٧٢. عند مدخل مترو الأنفاق، اشترى صحيفة «تريبيون» ونزل على الدرج مسرعًا إلى الرصيف المزدحم ذي الرائحة الكريهة. ••• «شيكاغو! شيكاغو!» انطلق هذا الهُتاف من الفونوغراف المغلق. كان توني هانتر، الذي بدا نحيفًا في بِذلته السوداء ذات السترة القصيرة، مع فتاة واصلت وضع كتلة شعرها المجعَّد الأشقر الضارب إلى الرمادي على كتفه. كانا وحدهما في غرفة الجلوس بالفندق. هدلت وهي تعانقه مقتربة: «يا إلهي، إنك راقص رائع.» «أتظنين ذلك يا نيفادا؟» «امم هممم … يا إلهي، هل لاحظت شيئًا فيَّ؟» «ماذا يا نيفادا؟» «ألم تلاحظ شيئًا في عينَي؟» «إنهما أجمل عينَين صغيرتَين في العالم.» «نعم ولكن هناك شيئًا فيهما.» «تقصدين أن إحداهما خضراء والأخرى بُنية.» «أوه، لقد لاحظت الشيء الصغير الدقيق.» أمالت بفمها لأعلى تجاهه. فقبَّله. انتهت الأغنية. فأسرع كلٌّ منهما لإيقاف الفونوغراف. قالت نيفادا جونز وهي تُلقي بتجعيدات شعرها بعيدًا عن عينَيها: «لم تكن هذه قُبلةً حقيقية يا توني.» وضعا أسطوانة عرض «المراوغة» (شافيل ألونج). قالت عندما استأنفا الرقص: «أخبرني يا توني. ماذا قال المحلِّل النفسي عندما ذهبت لرؤيته أمس؟» قال توني متنهِّدًا: «أوه، لا شيء يُذكر، تحدَّثنا فحسب. قال إن الأمر برمته مجرد خيال. واقترح أن أتعرَّف أكثر على بعض الفتيات. إنه جيد. ولكنه لا يعرف ما الذي يتحدَّث عنه. لا يستطيع أن يفعل شيئًا.» «أُراهنك أنني أستطيع.» توقَّفا عن الرقص وتبادلا النظرات بوجهَين تورُّدا حمرة. قال بنبرة حزينة: «معرفتكِ يا نيفادا عنت الكثير لي … أنتِ لطيفة جدًّا معي. كان الجميع دائمًا بغيضين معي للغاية.» «أليس جادًّا على الرغم من ذلك؟» سارا مفكرَين وأوقفا الفونوغراف. «يا لها من حيلة لُعبت على جورج.» «أشعر بالأسى حيال ذلك. لقد كان في غاية اللطف … وبعد كل شيء لم أستطع تحمُّل الذهاب إلى الدكتور بومجارت على الإطلاق.» «إنه خطؤه. إنه أحمق لعين … إذا كان يظن أنه يستطيع شرائي ببعض الإقامة الفندقية وتذاكر المسرح، فعليه أن يعيد التفكير في الأمر. لكن رجاءً يا توني يجب أن تستمر مع ذلك الطبيب. لقد فعل المعجزات مع جلين جاستون … كان يظن أنه هكذا حتى بلغ الخامسة والثلاثين وآخر شيء سمعته أنه تزوَّج ولدَيه توءَمان … الآن أعطِني قبلةً حقيقية يا حبيبي. أحسنت. هيا نرقص أكثر. مرحى، أنت راقص رائع. الفِتية أمثالك دائمًا ما يرقصون جيدًا. لا أعرف السبب …» قطع الهاتفُ الصوتَ في الغرفة فجأةً بجرس مُجلجِل كصوت أسنان منشار. رفعت السماعة، وقالت: «مرحبًا … نعم هذه الآنسة جونز … عجبًا، بالطبع يا جورج أنا في انتظارك … يا للهول! فلتغادر يا توني. سأتصل بك في وقت لاحق. لا تنزل في المصعد فستقابله وهو يصعد.» خرج توني هانتر متلاشيًا عبر الباب. وضعت نيفادا أغنية «أيها الطفل … أيها الطفل المقدس» في الفونوغراف، ومشت متوترةً في أنحاء الغرفة، تُرتِّب الكراسي وتمسح على تجعيدات شعرها القصيرة الضيقة في مكانها. «أوه يا جورج ظننتك لن تأتي … كيف حالك يا سيد ماك نيل؟ لا أعرف لمَ أنا مُتقلِّب الحال اليوم. ظننتك لن تأتي أبدًا. لنحضر بعض الغداء. أنا جائعة جدًّا.» وضع جورج بالدوين قبعته الدربية وعصاه على طاولة في الركن. قال: «ماذا ستأكل يا جاس؟ بالطبع آكل دائمًا ريشةً من لحم الضأن وبطاطس مطهوَّة في الفرن.» «سأتناول فقط البسكويت والحليب؛ فمعدتي ليست على ما يرام بعض الشيء … انظري يا نيفادا ما إذا كان بإمكانكِ إعداد بعض الشراب للسيد ماك نيل.» «حسنًا، يمكنني أن آخذ كاسًا من الشراب يا جورج.» صرخت نيفادا من الحمَّام حيث كانت تكسر الثلج: «اطلب لي يا جورج كركندًا صغيرًا مشويَّا وقليلًا من سلطة الأفوكادو.» قال بالدوين ضاحكًا وهو يتوجَّه إلى الهاتف: «إنها أكثر فتاة تُحب الكركند.» عادت من الحمام ومعها كأسان من الشراب فوق صينية، وكانت قد وضعت حول رقبتها وشاحًا بنقش الباتيك باللونَين القرمزي والأخضر كلون الببغاوات. «أنا وأنت سنشرب يا سيد ماك نيل … جورج ممتنع عن الشراب. إنها تعليمات الطبيب.» «ما رأيكِ يا نيفادا أن نذهب إلى عرض موسيقي بعد ظهيرة اليوم؟ هناك الكثير من الأمور التي أرغب في أن أصفِّي ذهني منها.» «لا أُحب سوى الحفلات النهارية. هل تمانع لو أخذنا توني هانتر؟ لقد اتصل وقال إنه وحيد وأراد أن يعرِّج علينا بعد ظهيرة اليوم. إنه لا يعمل هذا الأسبوع.» «حسنًا … نيفادا، هلَّا تعذرينا إذا تحدَّثنا عن العمل لوهلة فحسب هناك بجوار النافذة؟ سننسى الأمر بمجرد أن يأتي الغداء.» «حسنًا، سأُغيِّر ثوبي.» «اجلس هنا يا جاس.» جلسا صامتَين للحظة ينظران من النافذة إلى الهيكل القفصي ذي العارضة الحمراء للمبنى تحت الإنشاء المجاور. قال بالدوين فجأةً بصوت أجش: «حسنًا جاس، أنا في المنافسة.» «جيد يا جورج، نحن بحاجة إلى رجال مثلك.» «سأترشَّح عن حزب الإصلاح.» «بحق الجحيم؟» «أردت أن أخبرك يا جاس بدلًا من أن تسمع الأمر من طريق ملتوٍ.» «من سينتخبك؟» «أوه، لقد حصلت على دعمي … سأحظى بحملة صحفية جيدة.» «فلتذهب الصحافة إلى الجحيم … لدينا الناخبون … اللعنة، لولاي لم يكن اسمك ليترشَّح لمنصب المدعي العام على الإطلاق.» «أعلم أنك كنت دائمًا صديقًا جيدًا لي وآمل أن تظل كذلك.» «لم أتخلَّ عن أحد قط، بحق المسيح يا جورج، الحياة أخذ وعطاء.» قاطعَت الحديثَ نيفادا وهي تتقدم نحوهما بخطوات قصيرة راقصة مرتديةً فستانًا حريريًّا ورديًّا بلون طائر الفلامنجو، وقالت: «حسنًا، ألم تتجادلا بما يكفي بعدُ أيها الفتيان؟» قال جاس بصوت هادر: «لقد انتهينا. أخبرينا يا آنسة نيفادا كيف حصلتِ على هذا الاسم؟» «وُلدت في رينو … ذهبَت والدتي إلى هناك للحصول على الطلاق … يا ربي لقد كانت غاضبة … بالطبع جلبت لنفسي المتاعب في ذلك الوقت.» ••• تقف آنا كوهين خلف المنضدة تحت لافتة «أفضل شطائر في نيويورك». قدماها تؤلمانها في حذائها المدبَّب ذي الكعب المنحول الحواف. قال الساقي بجوارها: «حسنًا، أظنهم سيبدءون قريبًا وإلا فسدَ اليوم.» إنه رجل ذو وجه حاد القسمات وتفاحة آدم بارزة. «دائمًا ما يحدث الأمر على عجالة.» «أجل، يبدو أنهم جميعًا يفكِّرون في أمر واحد في الوقت نفسه.» وقفا يتبادلان النظرات عبر جدار الغرفة الزجاجي حيث الصفوف اللانهائية من البشر المتدافعين دخولًا وخروجًا من المترو. انسلَّت دفعةٌ واحدة خارجةً من عند المنضدة وراجعةً إلى المطبخ الصغير المكتوم حيث تُجهِّز امرأة مسنة وبدينة الموقد. توجد مرآة مُعلَّقة على مسمار في الركن. أخرجت آنا علبة بودرة من جيب معطفها الموضوع على الرف وبدأت تضعها على أنفها. توقَّفت لوهلة، ونفخة البودرة الصغيرة تتأرجح في الهواء، ناظرةً إلى وجهها العريض وشعر ناصيتها الأسود المنسدل والمتمايل. مظهر بشع أيتها اليهودية الحقيرة، هكذا تقول لنفسها شاعرةً بالمرارة. تعود أدراجها إلى مكانها عند المنضدة بينما تصادف المدير، وهو إيطالي سمين ذو رأس أصلع دهني. «ألَا يمكنكِ فعل شيء سوى التزيُّن والنظر إلى المرآة طوال اليوم؟ … حسنًا جدًّا، أنتِ مطرودة.» حدَّقت في وجهه الأملس كالزيتونة. قالت متلعثمة: «أيمكنني قضاء يومي بالخارج؟» يومئ برأسه. «تحرَّكي؛ هذا ليس صالون تجميل.» عادت مسرعةً إلى مكانها عند المنضدة. جميع المقاعد ممتلئة. الفتيات، وسُعاة المكاتب، وموظَّفو الحسابات ذوو الوجوه الشاحبة. «شطيرة دجاج وفنجان من القهوة.» «جبن كريمي وشطيرة زيتون وكوب من الحليب الرائب.» «مثلَّجات صنداي بالشوكولاتة.» قال جاس ماك نيل وهو ينفخ غيمةً كبيرة من الدخان من سيجاره ويتكئ على كرسيه الدوار: «حسنًا يا جوي، أخبرني بكل شيء عن الأمر. ماذا الذي تخطِّطون له أيها الرفاق هناك في فلاتبوش؟» تنحنح أوكيف وجرَّ قدمَيه. «حسنًا يا سيدي، لقد كوَّنا لجنة إضراب.» «لا بد أن أقول إن لديك … هذا ليس سببًا لمداهمة حفل عُمال الملابس، أليس كذلك؟» «لم يكن لي أي علاقة بذلك … لقد انزعجت المجموعة من كل مناهضي الحرب والاشتراكيين.» «كانت تلك الأشياء لا بأس بها قبل عام، لكن الشعور العام تغيَّر. صدِّقني يا جوي، لقد سئم شعب هذا البلد للغاية من أبطال الحرب.» «لدينا منظَّمة حيوية هناك.» «أعلم يا جو. أعلم ذلك. وأثق بك في هذا … ولكنني سأعمل على التخفيف من أمر المكافآت … لقد أدَّت ولاية نيويورك واجبها على يد رجل الخدمة السابق.» «هذا صحيح تمامًا.» «المكافأة الوطنية تعني الضرائب لرجل الأعمال العادي ولا شيء غير ذلك … لا أحد يريد المزيد من الضرائب.» «ما زلت أظن أن الفتية يستحقون ما يحدث لهم.» «جميعنا استحققنا أشياء كثيرةً لم نحصل عليها قط … بالله عليك لا تخبر عني ذلك … اجلب لنفسك يا جوي سيجارًا من ذلك الصندوق هناك. أرسله لي صديق من هافانا عبر ضابط في البحرية.» «شكرًا لك يا سيدي.» «هيا خذ أربعةً أو خمسة.» «يا إلهي، شكرًا لك.» «أخبِرني يا جوي، كيف تنظِّمون أنفسكم جميعكم أيها الفِتية في انتخابات حاكم المدينة؟» «يعتمد هذا على الموقف العام تجاه احتياجات رجل الخدمة السابق.» «اسمع يا جوي، أنت رجل ذكي …» «أوه، سينظِّمون أنفسهم جيدًا. يمكنني إقناعهم.» «كم رجلًا حصلت عليه؟» حصل مُعَسكر شيمس أوريلي على ٣٠٠ عضو جديد وهناك أعضاء جدد يسجِّلون كل يوم … نحن نحصل عليهم من كل مكان. سننظِّم حفلًا راقصًا في الكريسماس وبعض المباريات في مخزن الأسلحة إذا تمكَّنا من إيجاد المُلاكمين.» أرجع جاس ماك نيل رأسه على عنقه الغليظ القصير وضحك. «أحسنت!» «ولكن المكافأة بصراحة هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نجعل الفِتية يتحدون.» «أظن أنني سأمر وأتحدَّث معهم ذات ليلة.» «سيكون ذلك جيدًا، ولكنهم متهوِّرون ضد أي شخص لم يشارك في الحرب.» تورَّد وجه ماك نيل. «رجعتم أيها الرفاق من الخارج، وأنتم تظنون أنكم أذكياء بعض الشيء، أليس كذلك؟» وضحك. «لن يستمر هذا أكثر من عام أو عامَين … رأيتهم يعودون من الحرب الأمريكية الإسبانية، تذكر ذلك يا جو.» «دخل أحد السُّعاة ووضع بطاقةً فوق المكتب. «هناك سيدة ترغب في رؤيتك يا سيد ماك نيل.» «حسنًا، أدخِلها … إنها تلك العاهرة العجوز من مجلس إدارة المدرسة … حسنًا يا جو، عد مرةً أخرى في الأسبوع المقبل … سأُبقيك في بالي، أنت وجيشك.» كان دوجان ينتظر في المكتب الخارجي. تسلَّل خفيةً على نحو غامض. «حسنًا يا جو، كيف الأحوال؟» قال جو زافرًا الهواء من صدره: «جيدة للغاية. يخبرني جاس أنَّ تنظيم تاماني هول سيدعمنا جيدًا في سعينا للحصول على المكافأة … إذ سيخطِّط لحملة على مستوى الأمة. لقد أعطاني بعض السيجار جلَبه أحد أصدقائه بالطائرة من هافانا … أتريد سيجارًا؟» سارا والسيجار يميل من زوايا فمَيهما بخفة وغطرسة عبر ميدان دار البلدية. في الجهة المقابلة لدار البلدية القديم كانت هناك سقَّالة. أشار جو إليها بسيجاره. «ذلك الذي هناك هو التمثال الجديد للفضيلة المدنية والذي يُنشئه حاكم المدينة.» ••• يتلوَّى بخار الطهو أمام معدته المتشنِّجة أثناء مروره بمطعم تشايلد. كان الفجر ينثر الغبار الرمادي الناعم فوق المدينة المظلمة التي سبكها الحديد. عَبَر داتش روبرتسون يائسًا يونيون سكوير، متذكِّرًا سرير فرانسي الدافئ، ورائحة شعرها الجميلة. دفع بيدَيه عميقًا في جيبَيه الفارغَين. لم يكن معه سنت واحد، ولم تستطع فرانسي إعطاءه شيئًا. سار شرقًا متجاوزًا الفندق في شارع ١٥. كان هناك رجل مُلوَّن يكنس الدرج. نظر إليه داتش حاقدًا؛ فقد حصل على وظيفة. مرَّت عربة حليب مجلجِلة. في ميدان ستايفيسنت، لامسه بائع حليب مرَّ به بزجاجة في كل يد. مدَّ داتش فكه وتحدَّث بقسوة. «هلَّا تعطينا جرعة حليب؟» كان بائع الحليب شابًّا صغيرًا وردي الوجه هزيلًا. بدت عيناه الزرقاوان خاشعتَين. «بالطبع اذهب خلف العربة؛ فهناك زجاجة مفتوحة تحت المقعد. لا تدع أحدًا يراك وأنت تشربها.» شربها بجرعات عميقة، وكانت ذات مذاق حلو ومهدِّئ لحلقه الظمآن. يا إلهي، لم أكن بحاجة للتحدث بقسوة هكذا. انتظر حتى عاد الصبي. «شكرًا لك يا صديقي، كان هذا كرمًا منك.» دلف إلى الحديقة الباردة وجلس على أحد مقاعدها. كان الصقيع على الأسفلت. التقط قطعةً ممزَّقة من جريدة مساء وردية «سرقة ٥٠٠ ألف دولار». سرقة مرسال بنك في وول ستريت ساعةَ الذروة. ••• في الجزء الأكثر ازدحامًا من ساعة الظهيرة، سطا رجلان على أدولفوس سانت جون، مرسال بنك لشركة جرانتي تراست كومباني، وانتزعا من يدَيه حقيبةً تحوي أوراقًا نقدية بقيمة نصف مليون دولار. ••• سمع داتش نبض قلبه وهو يقرأ المقال. وشعر بالبرد في جميع أنحاء جسده. وقف على قدمَيه وبدأ يضرب ذراعَيه. ••• تعكَّز كونغو عبر الباب الدوَّار في نهاية صف القطار السريع. تبعه جيمي هيرف ناظرًا من جانب إلى آخر. كانت السماء معتمةً في الخارج، حيث كانت ريح عاصفة ثلجية تُصفِّر حول آذانهما. وكانت هناك سيارة صالون فورد واحدة تنتظر خارج المحطة. «كيف حالك يا سيد هيرف؟» «بخير يا كونغو. أتلك مياه؟» «ذلك خليج شيبسهيد.» سارا على طول الطريق متحاشيَين بِركةً تظهر بين الحين والآخر وامضةً باللون الفولاذي الأزرق. وقد اتخذت المصابيح القوسية شكل العنب المجفَّف متأرجحةً في الريح. إلى اليمين واليسار كانت هناك رِقاع وامضة من المنازل تلوح من بعيد. توقَّفا عند مبنًى طويل يستند على أكوام فوق الماء. «حمَّام سباحة»: قرأ جيمي بالكاد الحروف على نافذة غير مضاءة. انفتح الباب عندما وصلا إليه. قال كونغو: «مرحبًا يا مايك.» «هذا هو السيد هيرف، أحد أصدقائي.» انغلق الباب خلفهما. بالداخل كانت العتمة كما لو كانا في أتون. أمسكت يد غليظة الجلد بيد جيمي في الظلام. سُمع صوت يقول: «مسرور بلقائك.» «أخبرني كيف وجدت يدي؟» «أوه، يمكنني الرؤية في الظلام.» ضحك الصوت من الحلق. في ذلك الوقت كان كونغو قد فتح الباب الداخلي. تدفَّق الضوء ساطعًا على طاولات البلياردو، ومنضدة شراب في النهاية، ورفوف من عِصي البلياردو. قال كونغو: «هذا مايك كاردينالي.» وجد جيمي نفسه واقفًا بجانب رجل شاحب طويل القامة يبدو خجولًا وذا شعر أسود ينحسر فوق جبهته. في الغرفة الداخلية كانت هناك أرفف مليئة بالأواني الخزفية ومائدة مستديرة مغطاة بقطعة من المشمع بلون الخردل. صاح كونغو بالفرنسية: «آه، الزعيم.» خرجت سيدة فرنسية بدينة ذات وجنتَين حمراوَين من الباب الآخر، وخلفها سُمع صوت الزبد والثوم عند قليهما. صاح كونغو: «هذا صديقي … ربما نأكل الآن.» قال كاردينالي بفخر: «إنها زوجتي. صماء جدًّا … يجب أن أتحدَّث بصوت عالٍ.» استدار وأغلق الباب المؤدي إلى الصالة الكبيرة بعناية وأحكم إغلاقه. قال: «كي لا نرى أضواءً من الطريق.» قالت السيدة كاردينالي: «في الصيف نتناول في بعض الأحيان ١٠٠ وجبة في اليوم، أو ربما ١٥٠.» قال كونغو: «أليس لديك بعضٌ من تلك الأشياء المنعشة؟» ألقى بنفسه هادرًا على كرسي. وضع كاردينالي قنينةً سمينة من النبيذ وبعض الكئوس على المائدة. تذوَّقوه ملتمظين بشفاههم. «إنه أفضل من النبيذ الإيطالي، أليس كذلك يا سيد هيرف؟» «بالتأكيد. مذاقه شبيه بنبيذ الكيانتي.» وضعت السيدة كاردينالي ستة أطباق، وفي كل منها شوكة وسكين وملعقة ملطَّخة، ثم وضعت في منتصف الطاولة سلطانية حساء يتصاعد منها البخار. زعقت بصوت كصوت طائر الغِرْغِر قائلةً بالإيطالية: «المكرونة جاهزة.» عندما دخلت الغرفة راكضةً فتاة متورِّدة الوجنتَين سوداء الشعر برموش طويلة مُقوَّسة فوق عينَين سوداوَين برَّاقتَين وتبعها شاب ضارب إلى حد كبير إلى السُّمرة يرتدي أفرولًا كاكيًّا وشعره مُجعَّد وقد بيَّضته الشمس، قال كاردينالي: «هذه أنيتا.» جلسوا جميعًا معًا وبدءوا يتناولون حساء الشودر المُفَلفَل ذا الخَضراوات السميكة، مائلين بشدة فوق أطباقهم. عندما أنهى كونغو حساءه نظر لأعلى. «هل رأيت أضواءً يا مايك؟» أومأ كاردينالي. «بالطبع هذه الأشياء … تكون هنا في أي وقت.» بينما كانوا يأكلون طبقًا من البيض المقلي والثوم وشرائح لحم العجل المقلية مع البطاطس المقلية والبروكلي، بدأ هيرف يَسمع من بعيدٍ فرقعةَ زورق آلي. نهض كونغو من على الطاولة مشيرًا لهم أن يهدءوا وينظروا من النافذة، رافعًا بحذر ركنًا من الستارة. قال وهو يتراجع إلى الطاولة: «ذلك هو. نحن نأكل جيدًا هنا، أليس كذلك يا سيد هيرف؟» وقف الشاب على قدمَيه يمسح فمه في ساعده. قال جارًّا بنعل حذائه مرتَين: «ألديك نيكل يا كونغو؟» «تفضَّل يا جوني.» تبعته الفتاة إلى الغرفة الخارجية المظلمة. في لحظة بدأ البيانو الآلي يرن بموسيقى الفالس. وكان بمقدور جيمي أن يراهم عبر الباب يرقصون داخلين وخارجين في البقعة المضاءة المستطيلة الشكل. اقترب أزيز الزورق الآلي. خرج كونغو، ثم كاردينالي وزوجته، حتى تُرك جيمي وحده يحتسي كأسًا من النبيذ وسط بقايا طعام العشاء. شعر بالإثارة والحيرة وبشيءٍ من السُّكْر. وقد بدأ بالفعل بناء القصة في ذهنه. جاء من الطريق صوت سحق تروس شاحنة، ثم صوت شاحنة أخرى. انسدَّ محرك الزورق الآلي، واشتعل عكسيًّا، وتوقف. كان صرير زورق أمام الأكوام في تلاطُم من الأمواج والصمت. توقَّف البيانو الآلي. جلس جيمي يحتسي نبيذه. وشمَّ رائحةَ المستنقعات المِلحية العفِنة تتسرَّب إلى المنزل. وسمع تحته صوت تربيت خفيف لارتطام الماء بالأكوام. بدأ زورق آلي آخر يبقبق من بعيد جدًّا. سأل كونغو مقتحمًا الغرفة فجأة: «هل معك نيكل؟ شغِّل الموسيقى … الليلة مرحة للغاية. ربما تواصل أنت وآنيت تشغيل البيانو. لم أرَ ماكجي يستعد للنزول … ربما يأتي أحد. لا بد أن يكون سريعًا.» نهض جيمي وبدأ يبحث في جيوبه. عند البيانو وجد آنيت. «هلَّا ترقصين؟» أومأت. صدع البيانو بأغنية «العيون البريئة» (إنوسنت آيز). رقصا شاردَين. سُمعَت بالخارج أصوات ووقع أقدام. قالت فجأة: «أرجوك»، وتوقَّفا عن الرقص. اقترب الزورق الآلي الثاني للغاية؛ أصدر المحرك صوتًا كالسعال واهتزَّ في مكانه. قالت: «أرجوك ابقَ هنا»، وتسلَّلت بعيدًا عنه. سار جيمي هيرف جيئةً وذهابًا مضطربًا ينفث دخان سيجارته. كان يؤلف القصة في ذهنه … في قاعة رقص وحيدة مهجورة على خليج شيبسهيد … فتاة إيطالية جميلة متورِّدة … صافرة صاخبة في الظلام … يجب أن أخرج وأرى ما يحدث. تحسَّس طريقه إلى الباب الأمامي. كان محكَم الغلق. مشى إلى البيانو ووضع نيكلًا آخر. ثم أشعل سيجارةً جديدة واستأنف السير في أرجاء المكان. هذا هو الحال دائمًا … طفيلي في دراما الحياة، صحفي ينظر إلى كل شيء عبر ثقب الباب. لا يختلط أبدًا. كان البيانو يعزف أغنية «نعم ليس لدينا موز» (ياس، وي هاف نو باناناز). «اللعنة!» ظلَّ يتمتم ويكِز على أسنانه ويسير ذهابًا وإيابًا. تحوَّل وقع الأقدام بالخارج إلى شغب، حيث تداخلت الأصوات. كانت هناك شظايا من خشب وكِسر زجاجات. نظر جيمي عبر نافذة غرفة الطعام. فرأى ظلال رجال يتعاركون ويتصارعون فوق مرسى المركب. هُرع إلى المطبخ، حيث اصطدم بكونغو متعرِّقًا ولاهثًا في المنزل متكئًا على عصًا ثقيلة. صرخ: «اللعنة … لقد كسروا ساقي.» «يا إلهي.» ساعده جيمي في الدخول إلى غرفة الطعام هو يتأوَّه. «لقد تكبَّدت ٥٠ دولارًا أمريكيًّا لإصلاحها في آخر مرة كُسرت فيها.» «أتقصد ساقك المصنوعة من الفلين؟» «بالطبع، ماذا تظن؟» «هل هم عملاء الحظر؟» «ليسوا عملاء الحظر، بل خاطفين لعناء … اذهب وضع نيكلًا في البيانو.» فاستجاب البيانو مَرِحًا: «فتاة أحلامي الجميلة». عندما رجع جيمي لكونغو، كان جالسًا على كرسي يعتني بساقه الاصطناعية بيدَيه. وقد وضع على الطاولة الطرف المصنوع من الفلين والألومنيوم الذي كان مشقوقًا ومنبعجًا. بالفرنسية: «انظر إلى هذا … لقد تحطَّمت … تحطَّمت بالكامل.» أثناء حديثه دخل كاردينالي. بجرح عميق فوق عينَيه سالت منه الدماء الغزيرة فوق وجنته ومعطفه وقميصه. تبعته زوجته وعيناها تدوران، وكان معها حوض وإسفنجة ظلَّت تربت بها على جبهته بلا جدوى. دفعها بعيدًا. «لقد ضربت أحدهم في رأسه بقوة بأنبوب. أظنه سقط في الماء. يا إلهي، ليته يغرق.» دخل جوني رافعًا رأسه. ووضعت آنيت ذراعها حول خصره. كانت إحدى عينَيه مُسْوَدة وأحد كُمي قميصه متدليًا وممزَّقًا. قالت آنيت ضاحكةً في هيستيريا: «مرحى، لقد كان الأمر كما في الأفلام. ألم يكن رائعًا، يا أمي، ألم يكن رائعًا؟» «يا إلهي، من حسن حظهم أنهم لم يبدءوا في إطلاق النار؛ فقد كان مع أحدهم مسدس.» «أظنهم خافوا من أن يفعلوا ذلك.» «الشاحنات متوقِّفة.» «لم يُضبط سوى صندوق واحد فقط … يا إلهي، لقد كانوا خمسة.» صرخت آنيت: «مرحى، ألم يوسعهم ضربًا؟» قال كاردينالي بصوت هادر: «أوه، اصمتي.» كان قد ارتمى في الكرسي وكانت زوجته تمسح وجهه بالإسفنجة. سأل كونغو: «هل ألقيتَ نظرةً فاحصة على القارب؟» قال جوني: «لقد كانت السماء مظلمةً للغاية. تحدَّث الرجال كما لو أنهم قد أتَوا من جيرسي … في البداية علمت أن أحدهم أتي إليَّ وقال، يا إلهي، إنه موظف إيرادات وقد وكزته قبل أن يتسنَّى له أن يسحب مسدسه فسقط من فوق ظهر المركب. يا إلهي، لقد كانوا يصرخون. ذلك الرجل جورج على القارب القريب ضرب أحدهم في دماغه بمجداف. فرجعوا أدراجهم إلى قاربهم القديم الأشبه بإبريق شاي وغادروا.» تلعثم كونغو بوجه أرجواني: «ولكن كيف يعرفون طريقة رسونا؟» قال كاردينالي: «ربما ثرثر أحد بالكلام. إن عرفتُه فوربي سوف …» أصدر طقطقةً من شفتَيه. قال كونغو بصوته الدَّمِث مرةً أخرى: «أرأيت يا سيد هيرف، كانت كلها شمبانيا للاحتفال بالأعياد … بضاعة ثمينة جدًّا، أليس كذلك؟» جلست آنيت ووجنتاها شديدتا التورُّد تنظر إلى جوني بشفتَين متفرقتَين وعينَين شديدتَي اللمعان. وجد هيرف نفسه يتورَّد خجلًا وهو ينظر إليها. نهض واقفًا. «حسنًا، يجب أن أعود إلى المدينة الكبيرة. شكرًا على الطعام والأحداث المثيرة يا كونغو.» «هل تعرف كيف تصل إلى المحطة؟» «بالطبع.» «طابت ليليتك يا سيد هيرف، ربما تشتري صندوقًا من الشمبانيا للكريسماس، من ماركة موم الأصلية.» «إنني مفلس للغاية يا كونغو.» «إذن ربما تبيع لأصدقائك وآخذ منك عمولة.» «حسنًا، سأرى ما يمكنني فعله.» «سأتصل بك غدًا لأخبرك بالسعر.» «هذه فكرة جيدة. طاب مساؤك.» عندما اهتزَّ به القطار الفارغ أثناء عودته إلى المنزل عبر ضواحي بروكلين الفارغة، حاول جيمي التفكير في قصة التهريب التي يكتبها لملحَق صحيفة يوم الأحد. ظلَّت الفتاة تشتِّت تفكيره بوجنتَيها الورديتَين وعينَيها البراقتَين، مشوِّشةً عليه الترتيب المنظَّم لأفكاره. غاص تدريجيًّا في حلم يقظة تلو الآخر. قبل ولادة الطفل، كانت عينا إيلي بعض الأحيان تومض بهذا الشكل. ثم في ذلك اليوم عندما كانا فوق التل ومالت في ذراعَيه وكانت متعبةً وتركها وسط الأبقار المجترَّة طعامها ذات العيون الباعثة على الهدوء فوق المنحدر العشبي، وذهب إلى كوخ راعٍ وجلب لها الحليب في مغرفة خشبية، وببطء عند تحدُّب الجبال لأعلى وقت المساء عادت الحمرة إلى وجنتَيها ونظرت إليه تلك النظرة وقالت بضحكة جافة: إنه هيرف الصغير بداخلي. يا إلهي، لمَ لا أستطيع التوقف عن التفكير في أشياء مضت؟ وفي ساعة ولادة الطفل عندما كانت إيلي في المستشفى الأمريكي في نويي، كان يتجوَّل لاهيًا في المعرض، حيث ذهب إلى سيرك البراغيث، وركب دُوامة الخيل والأرجوحة البخارية، واشترى الألعاب والحلوى، ومارس الرماية على الدمى مغطِّيًا عينَيه في تهوُّر، ليتعثَّر راجعًا إلى المستشفى ومعه خنزير كبير من الجبس تحت ذراعه. يا له من مرح في ذلك اللجوء الخاطف للحظات من الماضي. ماذا لو كانت قد ماتت؛ فقد ظننت أن هذا سيحدث بالفعل. كان الماضي سيكون قد اكتمل تمامًا، وتحدَّد، وسيكون قد ارتديته حول عنقك كالقلادة، كما سيكون قد أُعِد للكتابة على الآلة الحاسبة، وصُب في قوالبه لملحَق صحيفة يوم الأحد كمقالات جيمي هيرف حول حلقة التهريب. ظلَّت الأفكار كأعمدة آلة كاتبة مزعجة تسقط في أماكنها وتكتبها آلة لاينوتايب مقعقِعة. في منتصف الليل كان يسير في شارع ١٤. لم يكن يريد الذهاب إلى المنزل للنوم على الرغم من الرياح الباردة الشديدة التي كانت تُمزِّق رقبته وذقنه بمخالب جليدية حادة. مشى غربًا عبر شارع ٧ والجادة الثامنة، ليجد اسم روي شيفيلد بجانب جرس في رَدهة خافتة الإضاءة. بمجرد أن ضغط على الجرس، بدأ قفلُ الباب في النقر. صعد الدرج راكضًا. مدَّ روي من الباب رأسه الكبير المجعَّد الشعر بعينَيه الأشبه بعينَي الدمية جولي وبلون الزجاج الرمادي. «مرحبًا يا جيمي. تفضَّل بالدخول؛ إننا جميعًا مبتهجون كالكنائس في الكريسماس.» «لقد رأيت لتوي قتالًا بين المهربين والخاطفين.» «أين؟» «هناك في خليج شيبسهيد.» صاح روي قائلًا لزوجته: «ها هو جيمي هيرف، لقد كان يحارب لتوه عملاء الحظر.» كان لأليس شعر كستنائي داكن كشعر دمية ووجه كوجه دميه أيضًا كريمي متورِّد بلون الخوخ. ركضت إلى جيمي وقبَّلته فوق ذقنه. «أوه يا جيمي، أخبرنا بكل شيء عن ذلك … إننا نشعر بالملل الفظيع.» صاح جيمي، وقد رأى لتوه فرانسيس وبوب هيلدبراند على الأريكة في الطرف المعتم من الغرفة: «مرحبًا.» رفعا كأسَيهما تحيةً له. دُفع جيمي إلى كرسي بذراعَين، وأُعطي له في يده كأس من شراب الجن وجِعَة الزنجبيل. قال بوب هيلدبراند بصوت مُهمهِم عميق: «حسنًا، علامَ كان كل هذا القتال؟ من الأفضل أن تخبرنا لأننا بالتأكيد لن نشتري صحيفة «تريبيون» ليوم الأحد لنعرف ما حدث.» ارتشف جيمي رشفةً طويلة من الشراب. «لقد خرجت مع رجل أعرف أنه كبير جميع المهربين الفرنسيين والإيطاليين. إنه رجل جيد. وله ساق من الفلين. أعدَّ لي وجبةً متخمة ونبيذًا إيطاليًّا فاخرًا في غرفة بِلياردو مهجورة على شواطئ خليج شيبسهيد …» سأل روي: «بالمناسبة، أين هيلينا؟» قالت أليس: «لا تقاطع يا روي. هذا جيد … وبجانب ذلك يجب ألَّا تسأل رجلًا أبدًا عن مكان زوجته.» «ثم كان هناك الكثير من وميض أضواء الإشارة وغيرها وقد جاء زورق آلي محمَّل بالمزيد من شمبانيا موم الجافة للاحتفال بالكريسماس في بارك أفنيو ووصل الخاطفون على زورق سريع … ربما كان طائرة مائية لأنه جاء بسرعة كبيرة …» هدلت أليس: «الأمر مثير … لماذا لا تمارس التهريب يا روي؟» «لقد كان أسوأ قتال رأيته خارج السينما؛ إذ كان ستة أو سبعة في كل جانب جميعهم يضربون بعضًا في موضع نزول ضيق صغير بحجم هذه الغرفة، أناس يعمِّمون بعضًا بالمجاديف ومفاصل أنابيب الرصاص.» «هل أُصيب أحد؟» «أُصيب الجميع … أظن أن اثنَين من الخاطفين قد غرقوا. على أي حال، لقد فروا وتركونا نلعق الشمبانيا المنسكبة.» صرخ الزوجان هيلدبراند: «لكن لا بد أن ذلك كان فظيعًا.» وسألت أليس لاهثة: «ماذا فعلت يا جيمي؟» «أوه لقد قفزتُ في الأرجاء متفاديًا طريق الأذى. لم أكن أعرف مَن كان في أي جانب، وكانت السماء مظلمةً والأجواء رطبةً ومربكة في كل مكان … وانتهى بي الحال ساحبًا صديقي المهرِّب من المعركة، وعندها انكسرت ساقه … ساقه الخشبية.» أطلق الجميع صيحة. أعاد روي ملء كأس جيمي بشراب الجن. هدلت أليس: «أوه يا جيمي، أنت تعيش الحياة الأكثر إثارة.» ••• كان جيمس ميريفال يتفقَّد برقيةً تُرجمت لتوها، ناقرًا على الكلمات بقلم رصاص وهو يقرؤها. تطلب منا شركة منتجات المنجنيز التسمانية فتح حساب ائتماني … بدأ الهاتف على مكتبه يرن. «هذه والدتك يا جيمس. تعالَ على الفور؛ حدث شيء رهيب.» «ولكني لا أعرف ما إذا كان بمقدوري مغادرة …» كانت قد أنهت المكالمة بالفعل. شعر ميريفال بوجهه يتحوَّل إلى الشحوب. «دعني أتحدَّث إلى السيد أسبينوول من فضلك … أنا ميريفال يا سيد أسبينوول … مرضت أمي فجأة. أخشى أن تكون سكتةً دماغية. أرغب في الإسراع للمكوث هناك ساعة. سأعود في الوقت المحدَّد للرد على البرقية بشأن ذلك الأمر التسماني.» «حسنًا … يؤسفني سماع ذلك يا ميريفال.» أخذ قبعته ومعطفه، ناسيًا وشاحه، وخرج مسرعًا من البنك وعلى طول الشارع إلى المترو. اندفع داخلًا الشقة لاهثًا، مطقطقًا أصابعه من التوتر. استقبلته السيدة ميريفال بوجهها الشاحب في الردهة. «عزيزتي ظننتكِ مريضة.» «ليس كذلك … الأمر يتعلَّق بمايسي.» «هل أصابها مكروه …؟» قاطعته السيدة ميريفال قائلة: «تعالَ إلى هنا.» كانت تجلس في غرفة الاستقبال امرأة ذات وجه مستدير ترتدي قبعةً مستديرة ومعطفًا طويلًا من المنك. «عزيزي، تقول هذه الفتاة إنها السيدة جاك كونينجام ومعها قسيمة زواج تُثبت ذلك.» «يا إلهي، أهذا صحيح؟» أومأت الفتاة برأسها إيماءةً حزن. «وقد أرسلنا الدعوات. منذ آخر برقية أرسلها ومايسي تطلب جهازها.» فتحت الفتاة شهادةً كبيرة مزيَّنة بزهور البانسي وملائكة الحب وأعطتها لجيمس. «ربما تكون مزوَّرة.» قالت الفتاة بلطف: «إنها ليست مزوَّرة.» قرأ بصوت مرتفع: «جون سي كونينجام، ٢١ … جيسي لينكولن، ١٨ … سأُحطِّم وجهه على تلك الفعلة، ذلك النذل. هذا بالتأكيد توقيعه، لقد رأيته في البنك … النذل.» «مهلًا يا جيمس، لا تتسرَّع.» قالت الفتاة بصوتها الحلو الصغير: «ظننت أنه من الأفضل أن أُخبركم الآن قبل مراسم الزفاف. لن أجعل جاك يتزوَّج ثانيةً مهما يكن.» «أين مايسي؟» «حبيبتي المسكينة طريحة الفراش في غرفتها.» كان وجه ميريفال قرمزيًّا. وحكَّه العرق أسفل ياقته. ظلَّت السيدة ميريفال تقول: «الآن يا عزيزي يجب أن تعدني ألَّا تفعل شيئًا متسرِّعًا.» «أجل، يجب حماية سمعة مايسي بأي ثمن.» «عزيزي، أظن أن أفضل شيء تفعله هو أن تُحضره إلى هنا وتواجهه بهذه … بهذه … السيدة … هل توافقين على ذلك يا سيدة كونينجام؟» «أوه يا عزيزتي … نعم أظن ذلك.» صرخ ميريفال وأسرع إلى الردهة متجهًا إلى الهاتف: «انتظري لحظة.» «ريكتور ١٢٣٠٥ … مرحبًا. أُريد التحدُّث إلى السيد جاك كونينجام من فضلك … مرحبًا. هل هذا مكتب السيد كونينجام؟ السيد جيمس ميريفال يتحدَّث … خارج المدينة … ومتى سيعود؟ … هممم.» أسرع عائدًا عبر الردهة. «النذل اللعين خارج المدينة.» قالت السيدة الصغيرة ذات القبعة المستديرة: «في كل السنوات التي عرفتُه فيها كان دائمًا خارج المدينة.» ••• خارج نوافذ المكتب العريضة، كان الليل رماديًّا وضبابيًّا. وكانت بعض الأضواء هنا وهناك تُشكِّل صفوفًا أفقية وعمودية خافتة من النجوم. يجلس فينياس بلاكهيد إلى مكتبه ويميل مبتعدًا إلى الخلف في كرسيه الجلدي الصغير ذي الذراعَين. وبيده التي يحمي أصابعها بمنديل حريري كبير يحمل كوبًا من الماء الساخن وبيكربونات الصودا. ويجلس دينش بصلعته ووجهه المستدير ككرة بلياردو في الكرسي ذي الذراعَين العميق يلعب عابثًا بنظارته ذات الإطار الشبيه بصدفة السلحفاء. كل شيء هادئ باستثناء قعقعة وطقطقة تصدر بين الحين والآخر من أنابيب البخار. قال بلاكهيد ببطء بين رشفات المياه، ثم جلس فجأةً على كرسيه: «ينبغي أن تُسامحني يا دينش … أنت تعلم أنني نادرًا ما أسمح لنفسي بملاحظة شئون الآخرين. إنه اقتراح أحمق لعين يا دينش، أُقسم على ذلك … بحق المسيح الحي إنه لأمر سخيف.» «أنا لا أحب تلطيخ يدَي أكثر ممَّا تفعل … بالدوين رجل جيد. أظن أننا آمنون في دعمه بعض الشيء.» «ما علاقة شركة استيراد وتصدير بحق الجحيم بالسياسة؟ إذا أراد أي من هؤلاء الرجال صدقة، فدعه يأتي إلى هنا ويحصل عليها. لقد ابتعدنا عن عملنا … وانخفضت إيراداته بشكل لعين. إن تمكَّن أيٌّ منكم أيها المحامون البكاءون من استعادة التوازن في البورصة، فسأكون على استعداد بفعل أي شيء على الإطلاق … إنهم محتالون، كل منهم ملعون … بحق المسيح الحي إنهم محتالون.» يجلس ووجهه متورِّد باللون الأرجواني معتدلًا في كرسيه يدق بقبضته على ركن المكتب. «حيث إنك جعلتني أضطرب بشدة … هذا سيئ لمعدتي، وسيئ لقلبي.» تجشَّأ فينياس بلاكهيد تجشؤًا يُنذر بالخطر، وأخذ جرعةً كبيرة من كأس بيكربونات الصودا. ثم اتكأ في كرسيه مرةً أخرى تاركًا جفنَيه الثقيلَين يغطيان عينَيه إلى المنتصف. يقول السيد دينش بصوت متعب: «حسنًا أيها الرجل الهَرِم، ربما كان من السيئ أن نفعل ذلك، ولكنني وُعدت بدعم مرشح حزب الإصلاح. هذه مسألة خاصة تمامًا ولا علاقة لها بالشركة بأي حال من الأحوال.» «بل لها علاقة بها بحق الجحيم … ماذا عن ماك نيل وجماعته؟ … إنهم يعاملوننا دائمًا معاملةً جيدة، وكل ما فعلناه من أجلهم هو أننا نُعطيهم زوجًا من صناديق السكوتش وبعض السيجار من وقت لآخر … والآن لدينا هؤلاء المصلحون الذين يُلقون بحكومة المدينة بأكملها في حالة من الاضطراب … بحق المسيح الحي …» نهض دينش واقفًا. «عزيزي بلاكهيد، بصفتي مواطنًا، فإنني أعُدُّ من واجبي المساعدة في تنظيف حكومة المدينة من قذارة الرشوة، والفساد، والمكائد الموجودة بها … هذا ما أعتقده بصفتي مواطنًا …» ثم بدأ يمشي إلى الباب، وبطنه المستدير ملتصق به من الأمام مختالًا. صرخ بلاكهيد خلفه: «حسنًا، اسمح لي يا دينش أن أقول إنني أظنه اقتراحًا أحمق لعينًا.» عندما ذهب شريكه استلقى للوراء لوهلة وعيناه مغمضتان. يتخذ وجهه لون الرماد المُبَقَّع، ويتقلَّص هيكله السمين الكبير كبالون يتفرَّغ من الهواء. وأخيرًا وقف على قدمَيه متأوِّهًا. ثم يأخذ قبعته ومعطفه ويخرج من المكتب بخطوة ثقيلة بطيئة. الردهة فارغة وخافتة الإضاءة. كان عليه أن ينتظر المصعد كثيرًا. شهق فجأةً عندما تخيَّل رجال السطو المسلَّح يتسلَّلون عبر المبنى الفارغ. يخاف من أن ينظر خلفه كطفل في الظلام. صعد المصعد أخيرًا. قال للحارس الليلي الذي يعمل في المصعد: «ويلمر، يجب أن تزيد الإضاءة في الليل في هذه الردهات … أثناء هذه الموجة من الجرائم أظن أنه يجب عليك إبقاء المبنى ساطع الأنوار.» «أجل، ربما أنت على حق يا سيدي … ولكن لا يمكن لأحد أن يدخل دون أن أراه أولًا.» «ربما تنال منك عصابة يا ويلمر.» «أود أن أراهم يحاولون فعل ذلك.» «أظن أنك على حق … مسألة توتر ليس إلا.» تجلس سينثيا في متنزه باكارد تقرأ كتابًا. «حسنًا يا عزيزتي هل ظننتِ أنني لن أحضر أبدًا.» «لقد أوشكت على إنهاء كتابي يا أبي.» «حسنًا أيها السائق … إلى الشمال بأسرع ما يمكنك. لقد تأخَّرنا على العشاء.» بينما كانت سيارة الليموزين تطن في شارع لافاييت، استدار بلاكهيد لابنته. «إن سمعتِ يومًا رجلًا يتحدَّث عن واجبه بصفته مواطنًا، بحق المسيح الحي لا تثقي به … فهو يخطِّط لعمل مشين بنسبة تسعة من عشرة. لا تعرفين كم يثلج صدري أنكِ وجو تنعمان بالاستقرار والراحة في الحياة.» «ما الأمر يا أبي؟ هل كان يومك شاقًّا في المكتب؟» لا توجد أسواق، ليس ثمة سوق على وجه الأرض الملعونة لم تُطلَق عليها النيران وتحترق … أقول لكِ يا سينثيا الأمر سِجال. لا يستطيع أحد معرفة ما قد يحدث … اسمعي قبل أن أنسى، هل يمكنكِ أن تكوني في البنك شمال المدينة في الساعة الثانية عشرة غدًا؟ … سأُرسل هودجينز ببعض الأوراق المالية، الأمر شخصي كما تفهمين، أريد أن أضعها في صندوق وديعتك الآمن.» «لكنه ممتلئ عن آخره بالفعل يا أبي.» «ذلك الصندوق في شركة آستور تراست هو باسمكِ، أليس كذلك؟» «هو مشترك بيني وبين جو.» «حسنًا، تأخذين صندوقًا جديدًا باسمكِ في بنك الجادة الخامسة … سأرسل الأغراض إلى هناك في الظهيرة … وتذكري ما قلته لكِ يا سينثيا، إن سمعتِ يومًا زميل عمل يتحدَّث عن الفضيلة المدنية، فاهربي.» يعبران شارع ١٤. ينظر الأب وابنته عبر الزجاج إلى الوجوه التي صفعتها الريح لأشخاص ينتظرون عبور الشارع. ••• تثاءب جيمي هيرف وسحب كرسيه للخلف. آذى بريق نيكل آلته الكاتبة عينَيه. كانت أطراف أصابعه محتقنة. دفع الباب المنزلق فاتحًا إياه قليلًا واختلس النظر إلى غرفة النوم الباردة. تمكَّن بالكاد من رؤية إيلي نائمةً في السرير الموجود في ركن الغرفة. في الطرف البعيد للغرفة كان مهد الطفل. وكانت ثمة رائحة حليب حامضة نوعًا ما من ملابس الطفل. دفع الباب ليغلقه وبدأ في خلع ملابسه. ليتنا كانت لدينا مساحة أكبر، وكان يُتمتم: نحن نعيش مكتظين في بيتنا الأشبه بقفص السنجاب … سحب الغطاء الكشميري المغبَّر من فوق الأريكة وانتزع ثياب نومه من تحت الوسادة. مساحة ونظافة وهدوء، كانت الكلمات تلوح في ذهنه وكأنه يخطب في قاعة استماع شاسعة. أطفأ الضوء، وفتح فُرجةً في النافذة وسقط متسمرًا خالدًا إلى النوم في السرير. كان على الفور يكتب رسالةً على آلة اللاينوتايب الكاتبة. الآن أستلقي لأنام … يا للشفق الأبيض العظيم. كانت ذراع الآلة يد امرأة ترتدي قفازًا أبيض طويلًا. عبر القعقعة من وراء أقدام كهرمانية أتى صوت إيلي: لا، لا، لا، أنت تؤذيني بذلك … قال رجل يرتدي أفرولًا يا سيد هيرف إنك تؤذي الآلة ولن نتمكَّن من إخراج الطبعة المبكِّرة. كانت الآلة كفمٍ مزدرد بصفوف أسنان في لمعان النيكل. استيقظ معتدلًا في جلسته على السرير. كان يشعر بالبرد، وكانت أسنانه تصطك. سحب الأغطية حوله وتهيَّأ للنوم مرةً أخرى. في المرة التالية التي استيقظ فيها كان ضوء النهار قد سطع. كان يشعر بالدفء والسعادة. كانت نُدفات الثلج متراقصة، متردِّدة، دائرةً خارج النافذة الطويلة. قالت إيلي وهي قادمةٌ نحوه بصينية: «مرحبًا يا جيمبس.» «عجبًا، هل متُّ وذهبت إلى الجنة أو شيء من هذا القبيل؟» «لا، إنه صباح يوم الأحد … ظننتك بحاجة لبعض الرفاهية … لقد صنعت بعض كعكات المافن بالذرة.» «أوه، إنكِ رائعة يا إيلي … انتظري لحظة، يجب أن أقفز وأغسل أسناني.» عاد وقد غسل وجهه وارتدى روب الحمام. جفل فمها تحت وطأة قُبلته. «ولا تزال الساعة الحادية عشرة. لقد حصلت على ساعة في يوم إجازتي … ألن تتناولي بعض القهوة أيضًا؟» «خلال دقيقة … اسمع يا جيمبس لديَّ شيء أُريد أن أتحدَّث عنه. اسمع، ألَا تظن أننا ينبغي أن نُجهِّز مكانًا آخر الآن وقد أصبحت تعمل في الليل مرةً أخرى طوال الوقت؟» «أتقصدين أن ننتقل إلى منزل آخر؟» «لا، كنت أفكِّر إذا كان بإمكانك أن تدبِّر لنفسك غرفةً أخرى لتنام فيها في مكان ما في المنزل؛ كي لا يزعجك أحد في الصباح.» «ولكننا يا إيلي لن نتقابل أبدًا بهذا الشكل … فنادرًا ما يرى أحدنا الآخر بالفعل.» «إنه أمر مروِّع … ولكن ماذا يمكننا أن نفعل وساعات عملنا مختلفة تمامًا؟» جاء بكاء مارتن عاصفًا من الغرفة الأخرى. جلس جيمي على حافة السرير وفنجان القهوة الفارغ على ركبتَيه ينظر إلى قدمَيه الحافيتَين. قالت بخفوت: «كما تحب تمامًا.» اندفعت في أنحاء جسده رغبة للإمساك بيدَيها، وضمها بقوة حتى يؤلمها ثم تلاشت. التقطت أغراض القهوة وابتعدت. لقد عرفت شفتاه شفتَيها، وعرفت ذراعاه التفات ذراعَيها، وعرف شعرها الداكن بلون الأخشاب، أحبها. جلس طويلًا ينظر إلى قدمَيه، قدمان نحيفتان مشوبتان بالحمرة تنتأ منهما عروق زرقاء منتفخة، وأصابعهما ملتوية أتخمها الحذاء من وطء الدرج والأرصفة. وعلى كل إصبع صغير كان ثمة ثؤلول. وجد عينَيه ممتلئتَين بدموع الشفقة. توقَّف الطفل عن البكاء. دخل جيمي الحمام وفتح المياه لتتدفَّق في الحوض. ••• «لقد كان ذلك الرجل الآخر الذي عرفتِه يا آنا. لقد جعلكِ قَدَرية.» «ما معنى ذلك؟» «شخص يعتقد أنه لا فائدة من الكفاح، شخص لا يؤمن بالتقدم البشري.» «هل تظن أن بوي كان هكذا؟» «لقد كان نذلًا على أي حال … لا يوجد في هؤلاء الجنوبيين مَن لديهم وعي طبقي … ألم يجعلكِ تتوقَّفين عن دفع مستحقاتكِ النقابية؟» «لقد سئمت العمل على ماكينة الخياطة.» «ولكن يمكنكِ أن تكوني عاملةً يدوية، تؤدين عملًا رائعًا وتجنين مالًا جيدًا. أنتِ لستِ واحدةً من ذلك النوع، أنتِ واحدة منا … سأجعلكِ تستعيدين سمعتكِ ويمكنكِ الحصول على وظيفة جيدة مرةً أخرى … وربي لن أسمح لكِ أبدًا بالعمل في قاعة رقص كما فعل. إنه يؤلمني بشدة يا آنا أن أرى فتاةً يهودية تتسكَّع مع رجل كهذا.» «حسنًا، لقد رحل ولم أحصل على وظيفة.» «أشخاص مثل هؤلاء هم أكبر أعداء للعمال … إنهم لا يفكِّرون في أحد سوى أنفسهم.» يسيران ببطء في الجادة الثانية في مساء ضبابي. إنه شاب يهودي أصهب الشعر نحيف الوجه ذو وجنتَين غائرتَين وبشرة شاحبة مزرقة. ساقاه متقوِّستان ككثير من عُمال الملابس. أمَّا آنا، فحذاؤها صغير عليها للغاية. وأسفل عينَيها هالتان عميقتان. يمتلئ الضباب بمجموعات من المتنزِّهين الذين يتحدَّثون اليديشية، وإنجليزية الجانب الشرقي من مانهاتن ذات اللكنة المتكلَّفة، والروسية. تحدِّد الصدوعُ الدافئة التي ترسمها أضواء متاجر البقالة وأكشاك المشروبات الغازية ملامح الرصيف اللامع. تُهمهم آنا: «لو لم أكن أشعر بالتعب طوال الوقت.» «دعينا نتوقَّف هنا ونتناول مشروبًا … تناولي كوبًا من الحليب الرائب يا آنا، سيجعلكِ تشعرين بالارتياح.» «ليس لديَّ رغبة فيه يا إلمير. سآخذ صودا الشوكولاتة.» «سيجعلكِ هذا تشعرين بالإعياء، ولكن فلتتناوليه إن أردتِ.» جلست على الكرسي العديم الذراعَين النحيل المحاط بالنيكل. وقف بجوارها. تركت نفسها لتتكئ قليلًا عليه. «مشكلة العمال هي …» كان يتحدَّث بصوت منخفض يتسم بالموضوعية. «مشكلة العمال هي أننا لا نعرف شيئًا، لا نعرف كيف نأكل، لا نعرف كيف نعيش، لا نعرف كيف نحمي حقوقنا … يا إلهي يا آنا، أريد أن أجعلكِ تفكِّرين في أشياء كتلك. ألَا يمكنكِ أن ترَي أننا في خِضم معركة تمامًا كما لو كُنا في حرب؟» بالملعقة الطويلة اللزجة كانت آنا تلتقط قِطعًا من الآيس كريم من السائل الرغوي السميك في كأسها. ••• نظر جورج بالدوين إلى نفسه في المرآة وهو يغسل يدَيه في الحمام الصغير خلف مكتبه. كاد شعره، الذي ما زال ينمو بكثافة إلى موضع على جبهته، أن يصبح أبيض بالكامل. كان هناك خط عميق في كل جانب من جوانب فمه وفوق ذقنه. وأسفل عينَيه الثاقبتَين البرَّاقتَين كان جلده مُترهِّلًا ومحبَّبًا. عندما مسح يدَيه ببطء وإتقان أخرج علبةً صغيرة من حبوب الاستركنين من الجيب العلوي لصدريته، وابتلع واحدة، ورجع إلى مكتبه وهو يشعر بالوخز المُحفِّز المرتجى يسري في جسده. كان ثمة ساعٍ طويل العنق متململ بجوار مكتبه ببطاقة في يده. «هناك سيدة تُريد التحدث إليك يا سيدي.» «هل حجزت موعدًا؟ اسأل الآنسة رانكي … انتظر لحظة. أدخل السيدة مباشرةً إلى هذا المكتب.» كانت البطاقة مكتوبًا عليها نيللي لينيهان ماك نيل. كانت ترتدي ملابس باهظة الثمن بالكثير من الدانتيل في مقدمة معطفها الفرو الكبير. وكانت ترتدي حول رقبتها نظارةً يدوية على سلسلة بنفسجية. «طلب مني جاس أن آتي لرؤيتك.» قالت وهو يُشير إليها للجلوس على كرسي بجوار المكتب. «كيف يمكنني مساعدتكِ؟» كان قلبه ينبض بقوة لسبب ما. نظرت إليه لوهلة عبر نظارتها اليدوية. «لديك من الصمود يا جورج ما يفوق جاس.» «ماذا؟» «أوه كل هذا … أُحاول إقناع جاس بالذهاب معي إلى الخارج لأخذ قسط من الراحة … ماريانباد أو شيء من هذا القبيل … لكنه يقول إنه مشغول للغاية لدرجة تمنعه من الذهاب لمكان آخر.» قال بالدوين بابتسامة فاترة: «أظن أن هذا ينطبق علينا جميعًا.» ساد الصمت بينهما لوهلة، ثم نهضت نيللي ماك نيل على قدمَيها. «اسمع يا جورج، جاس منزعج للغاية من هذا … أنت تعلم أنه يُحب مساندة أصدقائه، وأن أصدقاءه يساندونه.» «لا أحد يستطيع القول إنني لم أُسانده … الأمر وما فيه أنني لست سياسيًّا، وبما أنني، ربما بدافع من الحماقة، سمحت لنفسي أن أترشَّح للمنصب، لا بد لي من الترشح على أساس غير حزبي.» «هذه نصف الحقيقة يا جورج، وأنت تعرف ذلك.» «أخبريه أنني كنت دائمًا وسأظل صديقًا جيدًا له … إنه يعرف ذلك جيدًا. في هذه الحملة تحديدًا عاهدت نفسي بمقاومة بعض الأمور التي سمح جاس لنفسه بالانخراط فيها.» «أنت متحدِّث جيد يا جورج بالدوين، ولطالما كنت كذلك.» تورَّد وجه بالدوين. وقفا متيبِّسَين جنبًا إلى جنب عند باب المكتب. ظلَّت يده جاثمةً فوق مقبض الباب كما لو كانت مشلولة. من المكاتب الخارجية سُمع صوت الآلات الكاتبة وغيرها من الأصوات. ومن الخارج جاء النقر المتواصل الطويل لمثبِّتات الدعامات التي تُستخدم في إنشاء المبنى الجديد. وفي النهاية قال بمشقة: «أتمنَّى أن تكون عائلتك بخير.» «أوه أجل، كلهم بخير، شكرًا … وداعًا.» غادرت المكان. وقف بالدوين للحظة ينظر من النافذة إلى المبنى المقابل ذي النوافذ الرمادية. من السخف أن يدع الأمور تُثيره هكذا. إنه بحاجة إلى الاسترخاء. أخذ قبعته ومعطفه من فوق المِشجب خلف باب الحمام وخرج. قال لرجل ذي رأس أصلع مستدير كما لو كان شمامةً يجلس منكبًّا على الصحف في مكتبة مرتفعة السقف، والتي كانت القاعةَ المركزية لمكتب المحاماة: «أحضر كل شيء موجودًا على مكتبي … سأذهب إلى الشمال الليلة.» «حسنًا يا سيدي.» عندما خرج إلى شارع برودواي، شعر وكأنه ولد صغير يلعب الهوكي. كان الوقت عصرًا في شتاء برَّاق الأفق تتخلَّله تصدُّعات متسارعة من ضوء الشمس والسُّحب. قفز في سيارة أجرة. اتجهت السيارة إلى الشمال واستلقى في مقعده غافيًا. استيقظ في شارع ٤٢. كان كل شيء مشوَّشًا بمستويات متقاطعة من الألوان، والوجوه، والسيقان، ونوافذ المتاجر، وعربات الترام، والسيارات. جلس ويداه في قفازَيه على ركبتَيه، يخفق من الإثارة. توقَّف عند منزل نيفادا ودفع الأجرة. كان السائق زنجيًّا وابتسم ملء فمه مظهرًا أسنانًا عاجية عندما حصل على بقشيش ٥٠ سنتًا. لم يكن أيٌّ من المصعدَين حاضرًا؛ لذا ركض بالدوين بخفة على الدرج، مُعجَبًا بنفسه بعض الشيء. طرق باب شقة نيفادا. ولكن لم يُجبِه أحد. طرقه مرةً أخرى. ففتحته بحذر. كان بإمكانه أن يرى شعرها الأشقر المجعَّد. مرَّ بها داخلًا الغرفة قبل أن تتمكَّن من إيقافه. كل ما كانت ترتديه هو كيمونو فوق قميص وردي. قالت: «يا إلهي، ظننتك النادل.» أمسك بها وقبَّلها. «لا أعرف السبب، ولكني أشعر أنني في الثالثة من عمري.» «تبدو وكأن الحرارة قد أصابتك بالجنون … لا أُحب أن تأتي لزيارتي دون اتصال هاتفي، أنت تعرف ذلك.» «لا تمانعي هذه المرة فقد نسيت ليس إلا.» لمح بالدوين شيئًا على الأريكة؛ فوجد نفسه يُحدِّق في بنطال أزرق داكن مطوي بعناية. «كنت أشعر بالتعب الشديد في المكتب يا نيفادا. فظننت أنه بإمكاني أن آتي للتحدث إليكِ لأروِّح عن نفسي بعض الشيء.» «كنت أتدرَّب على الرقص قليلًا على الفونوغراف فحسب.» «أجل، هذا مشوِّق للغاية …» بدأ يمشي بخفة هنا وهناك. «حسنًا، اسمعي يا نيفادا … علينا أن نتحدَّث. لا يعنيني مَن في غرفة نومكِ.» نظرت فجأةً في وجهه وجلست على الأريكة بجانب البنطال. «في الحقيقة لقد عرفت منذ فترةٍ أنكِ وتوني هانتر على تواصل.» ضغطت على شفتَيها وضمَّت ساقَيها. «في الواقع كل هذه الأمور والهراء حول الذهاب إلى مُحلِّل نفسي مقابل ٢٥ دولارًا أمريكيًّا في الساعة مسلٍّ للغاية … ولكن في هذه اللحظة فقط قرَّرت أن أكتفي من كل ذلك. يكفي للغاية.» تلعثمت ثم بدأت تُقهقه فجأة: «أنت مجنون يا جورج.» تابع بالدوين قائلًا بصوت واضح وضوح أصوات المشتغلين بالقانون: «أقول لكِ ما سأفعل، سأُرسل لكِ شيكًا بقيمة ٥٠٠ دولار؛ لأنكِ فتاة لطيفة وأنا معجب بكِ. وإيجار الشقة مدفوع حتى أول الشهر. هل يناسبكِ ذلك؟ ورجاءً لا تتواصلي معي بأي شكل من الأشكال.» كانت تتدحرج على الأريكة تُقهقه غير قادرة على السيطرة على نفسها بجوار بنطال أزرق داكن مطوي بعناية. لوَّح لها بالدوين بقبعته وقفازه وتركها غالقًا الباب برفقٍ خلفه. بئس المصير، هكذا قال لنفسه وهو يغلق الباب بحذر خلفه. في الشارع مرةً أخرى بدأ يمشي مسرعًا إلى شمال المدينة. شعر بالحماس وبرغبة في الثرثرة. فكَّر فيمن يمكنه أن يذهب لزيارته. ولكنه شعر بالإحباط عندما سرد أسماء أصدقائه. بدأ يشعر بالوحدة، بالهجر. أراد التحدُّث إلى امرأة، كي يجعلها تشعر بالأسى تجاه حياته العقيمة. ذهب إلى محل لبيع السجائر وبدأ يبحث في دليل الهاتف. شعر داخله بخفقان خافت عندما وجد حرف الهاء. وفي النهاية وجد الاسم هيرف، هيلينا أوجليثورب. جلست نيفادا جونز طويلًا على الأريكة وهي تُقهقه بشكل هستيري. خرج توني هانتر أخيرًا في قميصه وسرواله الداخلي وربطة عنقه الأنشوطية المربوطة بشكل ممتاز. «هل غادر؟» زعقت: «أُغادر؟ بالتأكيد غادَر، غادَر إلى الأبد. لقد رأى بنطالك اللعين.» ترك نفسه ليسقط على كرسي. «يا إلهي، لو لم أكن أكثر شخص تعيس الحظ في العالم.» جلست تُهمهم ضاحكةً والدموع تنهمر على وجهها، وقالت: «لماذا؟» «لا شيء يسير على ما يرام. ذلك يعني أنه لم يعد هناك حفلات نهارية.» «لقد عادت العروض إلى ثلاثة عروض في اليوم لنيفادا الصغيرة … لا أُبالي … لم أحب مطلقًا في أن أكون امرأةً مَعولَة.» «ولكنكِ لا تفكِّرين في مسيرتي المهنية … النساء أنانيات للغاية. إذا لم تكوني قد قدتِني إلى …» «اخرس أيها الأحمق الصغير. ألَا تظن أنني لا أعرف كل شيء عنك؟» وقفت على قدمَيها والكيمونو مشدود بقوة حولها. كان توني يئن: «يا إلهي، كل ما كنت أحتاجه هو فرصة لإظهار ما يمكنني فعله، والآن لن أحصل عليها أبدًا.» «بل ستحصل عليها بالتأكيد إذا فعلت ما أقوله لك. شرعت في أن أجعل منك رجلًا أيها الطفل وسأُحقِّق ذلك … سنحصل على دور. سيمنحنا هرشبين الهَرِم فرصة، لقد كان مغرمًا بي بعض الشيء … هيا الآن، سألكمك في فكك إن لم تتحرَّك. لنبدأ بالتفكير … سنبدأ برقصة، حسنًا … ثم ستتظاهر برغبتك في اصطحابي … وسأكون في انتظار عربة الترام … حسنًا … وستقول مرحبًا يا فتاتي وسأُناديك بالضابط.» ••• سأل القيَّاس الذي كان يرسم علامات على البنطال بالطباشير: «هل هذا الطول جيد يا سيدي؟» نظر جيمس ميريفال لأسفل على الرأس الأصلع الهرِم المائل إلى الخضار قليلًا للقيَّاس وإلى البنطال البُني المُجرجر حول قدمَيه. «أقصر قليلًا … أظنه أمرًا قد عفا عليه الزمن بعض الشيء أن يكون البنطال طويلًا أكثر من اللازم.» «عجبًا، مرحبًا يا ميريفال، لم أكن أعرف أنك تشتري ملابسك من بروكس أيضًا. مرحى، أنا سعيد برؤيتك …» توقَّفت دماء ميريفال في عروقه. فقد وجد نفسه ينظر مباشرةً في عينَي جاك كونينجام الزرقاوَين اللتَين تشبهان عيونَ السكارى. عضَّ شفتَيه وحاول التحديق في وجهه ببرود دون أن ينبس. صرخ جاك كونينجام: «يا إلهي القدير، هل تعلم ماذا فعلنا؟ لقد اشترينا البِذلة نفسها … أؤكِّد لك أنها نفسها تمامًا.» كان ميريفال ينظر في ذهول من بنطال كونينجام البُني إلى بنطاله، اللون نفسه، والخط الأحمر الصغير نفسه، والزركشة الخضراء الخافتة نفسها. «يا إلهي يا رجل، لا يمكن لصهرَين مستقبليَّين أن يرتديا البِذلة نفسها. سيظن الناس أنه زي موحد … إنه أمر سخيف.» «حسنًا، ما الذي سنفعل حيال ذلك؟» وجد ميريفال نفسه يقول بنبرة تذمُّر. «علينا أن نُجري قرعةً ونرى من يحصل عليها، هكذا ببساطة … هلَّا تقرضني ربع دولار من فضلك؟» استدار كونينجام إلى بائعه. «حسنًا ضربة قرعة واحدة … فلتختر صورةً أو كتابة.» قال ميريفال تلقائيًّا: «صورة.» صرخ من وراء ستائر المقصورة: «البذلة البنية لك … الآن يجب أن أختار بذلةً أخرى … يا إلهي، سعيد أننا التقينا. اسمع، لمَ لا تتناول العشاء معي الليلة في نادي سالماجوندي؟ … سأتناول الطعام مع الرجل الوحيد في العالم الأكثر جنونًا مني بالطائرات المائية … إنه الرجل الهَرِم بيركنز، أنت تعرفه، إنه أحد نُواب رئيس البنك الذي تعمل فيه … واسمع، عندما ترى مايسي أخبِرها بأني قادم لرؤيتها غدًا. فقد منعتني سلسلة غير عادية من الأحداث من التواصل معها … سلسلة من الأحداث المؤسفة للغاية التي استغرقت وقتي كله حتى هذه اللحظة … سنتحدَّث عنها لاحقًا.» تنحنح ميريفال. وقال بجفاء: «جيد جدًّا.» قال القيَّاس وهو يربت مرةً أخيرة على رِدفَي ميريفال: «حسنًا يا سيدي.» عاد إلى المقصورة ليرتدي ملابسه. صاح كونينجام: «حسنًا أيها الهَرِم، ينبغي أن أذهب لأنتقي بِذلةً أخرى … سأنتظر مجيئك في السابعة. سأطلب لك كوكتيل جاك روز.» كانت يدا ميريفال ترتجفان عندما ربط حزامه. بيركنز، جاك كونينجام، النذل اللعين، الطائرات المائية، جاك كونينجام، سالماجوندي، بيركنز. ذهب إلى كابينة الهاتف في ركن المتجر واتصل بوالدته. «مرحبًا يا أمي، يؤسفني أنني لن أستطيع القدوم على العشاء … سأتناول العشاء مع راندولف بيركنز في نادي سالماجوندي … نعم إنه أمر ممتع للغاية … أوه حسنًا، لقد كنت أنا وهو دائمًا صديقَين مقرَّبَين للغاية … أوه نعم، من الضروري الوقوف بجوار الرجال في المناصب العليا. ولقد رأيت جاك كونينجام. واجهته بالأمر مباشرةً رجلًا لرجل وقد كان مُحرَجًا للغاية. وعد بشرح كامل للموقف في غضون ٢٤ ساعة … كلا، حافظت على رباطة جأشي جيدًا. شعرت أنني مدين بذلك لمايسي. أؤكِّد لكِ أنني أظن الرجل نذلًا ولكن حتى يثبت العكس … حسنًا، طابت ليلتكِ عزيزتي في حال تأخَّرت. أوه لا من فضلك، لا تنتظري. وأخبري مايسي ألَّا تقلق؛ سأتمكَّن من الحصول لها على كامل التفاصيل. طابت ليلتكِ يا أمي.» ••• جلستا إلى طاولة صغيرة في آخر صالة الشاي ذات الإضاءة الخافتة. قطع ظل المصباح الجزء العلوي من وجهَيهما. كانت إلين ترتدي فستانًا بلون الطاووس الأزرق الفاتح وقبعةً زرقاء صغيرة بها قطعة خضراء. وكان لوجه روث برين مظهر متعب مترهل أسفل مستحضرات تجميل إخفاء العيوب. كانت تقول بصوت يئن: «إلين، يجب أن تأتي. كاسي ستكون هناك وأوجليثورب وكل المجموعة القديمة … بعد كل شيء الآن وأنتِ تحقِّقين هذا النجاح في العمل التحريري لا داعي لهجر أصدقائك القُدامى تمامًا، أليس كذلك؟ أنتِ لا تعرفين كم نتحدَّث ونتساءل عنكِ.» «لا ولكن يا روث، الأمر فحسب هو أنني أكره الحفلات الكبيرة. أظن أنه لا بد وأنني أتقدَّم في العمر. حسنًا، سآتي لبعض الوقت.» وضعَت روث الشطيرة التي كانت تقضمها واقتربت من يد إلين وربتت عليها. «تلك هي عضوة فرقتنا الصغيرة … بالطبع كنت أعرف طوال الوقت أنكِ ستأتين.» «ولكنكِ يا روث لم تخبريني قط بما حدث لشركة سلسلة المسرحيات القصيرة الجوالة في الصيف الماضي …» انفجرت روث قائلة: «يا إلهي. لقد كان ذلك فظيعًا. بالطبع كان مضحكًا، مضحكًا للغاية. حسنًا، أول شيء حدث هو أن زوج إيزابيل كلايد رالف نولتون الذي كان يُدير الشركة كان مدمنًا على الشراب … ومن ثم لم تكن إيزابيل الجميلة تسمح لأحد بالصعود على خشبة المسرح ما لم يكن يتصرَّف كالدمية؛ خشية ألَّا يعرف السُّذج النجم … أوه، لا أستطيع أن أستمر في الحديث عن ذلك … لم يعد الأمر يُضحكني، بل أصبح مروِّعًا … أوه يا إلين، أنا محبطة للغاية. إنني أتقدَّم في العمر يا عزيزتي.» أجهشت فجأةً بالبكاء. قالت إلين بصوت أجش بعض الشيء: «أوه يا روث، كفى من فضلكِ.» ثم ضحكت. «في نهاية المطاف لن يعود العمر بنا إلى الوراء بأي حال من الأحوال، أليس كذلك؟» «أنتِ لا تفهمين يا عزيزتي … لن تفهمي أبدًا.» جلستا طويلًا دون أن تنبسا بكلمة، وسمعتا نُدفات من حديث بصوت منخفض من أركان أخرى من صالة الشاي المعتمة. جلبت لهما النادلة ذات الشعر الشاحب اللون طلبَين من سلَطة الفاكهة. قالت روث أخيرًا: «يا إلهي، لا بد أن الوقت قد تأخَّر.» «إنها لا تزال الثامنة والنصف … لا نريد الذهاب إلى هذه الحفلة في وقت مبكِّر للغاية.» «بالمناسبة … كيف حال جيمي هيرف. لم أرَه منذ زمن طويل.» «جيمبس بخير … لقد سئم العمل الصحفي للغاية. أتمنَّى أن يحصل على شيء يستمتع به حقًّا.» «سيظل دائمًا من ذلك النوع المتململ. أوه يا إلين، لقد سعدت للغاية عندما سمعت بزواجكِ … لقد تصرَّفت كحمقاء لعينة. فبكيت وبكيت … والآن مع مارتن وكل شيء تريدينه بحوزتك لا بد أنكِ في غاية السعادة.» «أوه، علاقتنا على ما يرام … مارتن يتعلَّم، يبدو أن نيويورك تناسبه. لقد كان هادئًا للغاية وبدينًا لفترة طويلة، وكنَّا خائفَين للغاية من أن نكون قد أنجبنا معتوهًا. أتعلمين يا روث، لن أُنجب طفلًا آخر أبدًا … لقد كنت خائفةً للغاية أن يصبح مشوَّهًا أو شيئًا من هذا القبيل … يصيبني التفكير في ذلك بالإعياء.» «أوه ولكن لا بد أن الأمر رائع على الرغم من ذلك.» قرعتا جرسًا أسفل لوحة نحاسية صغيرة كُتب عليها: «ترجمة هيستر فورهيس للرقصة». صعدتا ثلاثة طوابق فوق درج مُصرصِر لُمِّع مؤخَّرًا. عند الباب الذي يفتح على غرفة مليئة بالناس، التقتا بكاساندرا ويلكنز التي كانت ترتدي سترةً يونانية وإكليلًا من براعم الورد الساتانية حول رأسها، وتُمسك بمِصفار خشبي مُذهَّب في يدها. صرخت وألقت بذراعَيها حولهما دفعةً واحدة: «أوه يا حبيبتَي. قالت هيستر إنكما لن تأتيا، لكنني علمت أنكما ستأتيان … تعالَيا هيا واخلعا معطفيكما، سنبدأ ببعض الإيقاعات الكلاسيكية.» تبعتاها عبر غرفةٍ ذكية الرائحة مضاءةٍ بالشموع ومليئةٍ بالرجال والنساء في أزياء متهدِّلة. «ولكنكِ يا عزيزتي لم تخبرينا أنها ستكون حفلةً تنكرية.» «أوه نعم، ألَا يمكنكما أن تريا أن كل شيء ذو طابع يوناني، يوناني تمامًا … ها هي هيستر … ها هما يا عزيزتي … أنتِ تعرفين روث يا هيستر … وهذه هي إلين أوجليثورب.» «أدعو نفسي الآن السيدة هيرف يا كاسي.» «أوه، أستميحكِ عذرًا فمن الصعب للغاية مواكبة أخباركِ … لقد وصلَتا في الوقت المناسب تمامًا … سترقص هيستر رقصةً شرقية تُسمَّى إيقاعات ألف ليلة وليلة … أوه، إنها جميلة جدًّا.» عندما خرجت إلين من غرفة النوم حيث تركت معطفها، بادرها بالكلام شخص طويل بغطاء رأس مصري وبحاجبَين أصهبَين مُحدَّبَين. «اسمحوا لي أن أحيِّي هيلينا هيرف، المحرِّرة البارزة في صحيفة «مانرز»، تلك الصحيفة التي توصل أخبار فندق الريتز إلى أكثر المنازل تواضعًا … أليس هذا صحيحًا؟» «إنك لمشاكس مروِّع يا جوجو … أنا سعيدة للغاية برؤيتك.» «لنذهب ونجلس في ركن ونتحدَّث، أوه، أيتها السيدة الوحيدة على الإطلاق التي أحببتها …» «دعنا من هذا … لا يعجبني المكان هنا كثيرًا.» «ويا عزيزتي، هل سمعتِ أن توني هانتر قد حلَّ مشكلته على يد مُحلِّل نفسي، وأنه يمثِّل في عرض مسرحي متنوِّع مع امرأة تُدعى كاليفورنيا جونز.» «من الأفضل أن تنتبه يا جوجو.» جلسا على أريكة في استراحة بين النوافذ الناتئة من السقف. وتمكَّنت بطرف عينَيها من رؤية فتاة ترقص بغطاء رأس من الحرير الأخضر. كان الفونوغراف يصدع بسيمفونية سيزار فرانك. «يجب ألَّا تفوتنا رقصة كاسي. ستشعر الفتاة المسكينة بالإهانة الشديدة.» «أخبِرني عن نفسك يا جوجو، كيف حالك؟» هزَّ رأسه ولوَّح بعيدًا بذراعه المضموم. «آه، لنجلس على الأرض ونروِ قصصًا حزينةً عن موت الملوك.» «أوه يا جوجو، لقد سئمت من هذا النوع من الأشياء … كل شيء سخيف للغاية ومبتذل … ليتهم لم يجعلوني أخلع قبعتي.» «كان ذلك لكي أنظر إلى غابات شعركِ المحرَّمة.» «أوه يا جوجو، فلتتعقَّل.» «كيف حال زوجكِ يا إلين، أم من الأفضل أن أقول يا هيلينا؟» «أوه إنه بخير.» «لا تبدين متحمسةً بشدة.» «ولكن مارتن بخير. لديه شعر أسود وعينان بنيتان ووجنتاه ستصبحان متورِّدتَين. إنه حقًّا لطيف للغاية.» «يا عزيزتي كفاكِ عرضًا لنعمة الأمومة … ستخبرينني بعد ذلك أنك سرتِ في موكبٍ للأطفال.» ضحكت. «من الممتع للغاية رؤيتك مرةً أخرى يا جوجو.» «لم أُنهِ تعاليمي الكنَسية بعدُ يا عزيزتي … لقد رأيتكِ في غرفة الطعام البيضوية ذاتَ يومٍ مع رجل ذي مظهرٍ مميَّز للغاية بملامح حادة وشعر أشيب.» «لا بد أنه كان جورج بالدوين. عجبًا، لقد كنت تعرفه في الأيام الخوالي.» «بالطبع، بالطبع. كم تغيَّر كثيرًا! أُقِر أن مظهره أصبح أكثر إثارةً بكثيرٍ عمَّا كان عليه من قبل … أُقِر إنه لمكان غريب لرؤية زوجة أحد دُعاة السلام البلشفي والمحرِّضين على الحرب العالمية الأولى تتناول غداءها فيه.» جعَّدت أنفها لأعلى، وقالت: «جيمبس ليس هكذا بالضبط. أتمنَّى بدرجةٍ ما أو بأخرى لو كان كذلك حقًّا … لقد سئمت نوعًا ما كذلك من كل هذه الأشياء.» «أشك في ذلك يا عزيزتي.» كانت كايسي تمر بسرعة ويبدو عليها الإحراج. «أوه، تعالَي وساعديني … جوجو يضايقني بشدة.» «حسنًا، سأُحاول أن أجلس قليلًا؛ فرقصتي التالية … سيقرأ السيد أوجليثورب عليَّ ترجمته لأغاني بيليتيس لأرقص عليها.» ترددت نظرات إلين بينهما؛ فعوج أوجليثورب حاجبَيه وأومأ برأسه. ثم جلست إلين وحدها كثيرًا تنظر في أنحاء الغرفة المليئة بالراقصين والمثرثرين عبر غشاوة باهتة من الملل. كانت الموسيقى الخارجة من الفونوغراف تركية. خرجت هيستر فورهيس، امرأة نحيلة بشعر مُحنًّى كالممسحة وقصير إلى أذنَيها، تحمل أمامها قدرًا من البَخور الفوَّاح ويسبقها شابان يبسطان سجادةً عند قدومها. كانت ترتدي سروالًا حريريًّا وحزامًا معدنيًّا متلألئًا وحمالة صدر. كان الجميع يُصفِّقون ويقولون: «كم هو رائع، كم هو مذهل»، عندما جاءت من غرفة أخرى ثلاث صرخات تمزُّقٍ أطلقتها امرأة. نهض الجميع واقفين. ظهر رجل بدين يرتدي قبعةً دربية عند المدخل. «كل شيء على ما يرام أيتها الفتيات الصغيرات، فلتتجهن مباشرة إلى الغرفة الخلفية. والرجال يبقَون هنا.» «من أنت على أي حال؟» «ليس مهمًّا مَن أنا، افعل ما أقوله.» كان وجه الرجل أحمر كالبنجر أسفل القبعة الدربية. «إنه محقِّق.» «إنه أمر شنيع. دعوه يُظهر شارته.» «هذا سطو.» «إنها غارة.» امتلأت الغرفة فجأةً بالمحقِّقين. وقفوا أمام النوافذ. ووقف رجل يرتدي قبعةً ذات نقشة مربَّعة وله وجه ذو نتوء كالقرع أمام المدفأة. كانوا يدفعون النساء بقوة إلى داخل الغرفة الخلفية. وجُمِّع الرجال في مجموعة صغيرة بالقرب من الباب؛ حيث كان المحقِّقون يأخذون أسماءهم. كانت إلين لا تزال جالسةً على الأريكة. سمعت أحدًا يقول: «… جرى إيصال الشكوى هاتفيًّا إلى المقر الرئيسي.» ثم لاحظت وجود هاتف على المنضدة الصغيرة بجانب الأريكة حيث كانت جالسة. التقطته وضغطت بهدوءٍ على أحد الأرقام. «مرحبًا، هل هذا هو مكتب المدعي العام؟ … أُريد التحدُّث إلى السيد بالدوين من فضلك … جورج … من حسن حظي أنني كنت أعرف مكانك. هل المدعي العام موجود؟ ذلك جيد … لا، أخبِره بالأمر. لقد وقع خطأ فادح. أنا عند هيستر فورهيس، تعلم أن لديها استوديو للرقص. كانت تُقدِّم بعض الرقصات لبعض الأصدقاء وداهمت الشرطة المكان بالخطأ …» كان الرجل ذو القبعة الدربية يقف خلفها. «حسنًا، لن يجدي الاتصال الهاتفي نفعًا … اذهبي على الفور إلى الغرفة الأخرى.» «إن معي مكتب المدعي العام على الخط. تحدَّث إليه … مرحبًا هل هذا السيد وينثروب؟ … نعم، أوه … كيف حالك؟ هلَّا تحدَّثت إلى هذا الرجل رجاءً؟» أعطت الهاتف للمحقِّق واتجهت إلى وسط الغرفة. أتمنَّى لو لم أخلع قبعتي، هكذا كانت تفكِّر. جاء من الغرفة الأخرى صوت نحيب وصوت هيستر فورهيس المتكلَّف صارخًا: «إنه خطأ فادح … لن أسمح بإهانتي هكذا.» وضع المحقِّق سماعة الهاتف. ثم ذهب إلى إلين. «أريد أن أعتذر يا آنسة … لقد تصرَّفنا بِناءً على معلومات غير كافية. سأسحب رجالي على الفور.» «يجدر بك أن تعتذر للسيدة فورهيس … فهذا هو الاستوديو الخاص بها.» شرع المحقِّق في الحديث بصوت عالٍ ومَرِح: «حسنًا سيداتي وسادتي، لقد ارتكبنا خطأً يسيرًا ونحن آسفون للغاية … من الوارد حدوث أخطاء …» تسلَّلت إلين إلى الغرفة الجانبية لتجلب قبعتها ومعطفها. وقفت لبعض الوقت أمام المرآة لتضعَ البودرة على أنفها. عندما خرجت إلى الاستوديو مرةً أخرى، كان الجميع يتحدَّثون معًا في الوقت نفسه. وقف الرجال والنساء في الأرجاء بمُلاءات وأردية حمَّام ملفوفة فوق ملابس رقصهم الهزيلة. كان المحقِّقون قد تلاشَوا فجأةً كما أتَوا. كان أوجليثورب يتحدَّث بصوت عالٍ ونبرة استعطاف في وسط مجموعة من الشبان. وكان يصرخ، أحمر الوجه، مُلوِّحًا بغطاء رأسه بإحدى يدَيه: «الأنذال يهاجمون النساء. لحسن الحظ أنني تمكَّنت من التحكُّم في نفسي وإلا كنت قد ارتكبت فعلًا أندم عليه ليوم مماتي … لم يكن ذلك ليحدث لولا قدر كبير من ضبط النفس …» تمكَّنت إلين من التسلُّل خارجة، وركضت نازلةً الدرج، وخرجت إلى الشوارع الممطرة. أشارت لسيارة أجرة وذهبت إلى المنزل. عندما وضعَت أغراضها، اتصلت بجورج بالدوين في منزله. «مرحبًا يا جورج، أنا آسفة للغاية أنني اضطُررت لأُزعجك أنت والسيد وينثروب. حسنًا، إذا لم تكن قد قلت لي أثناء تناولنا الغداء إنك ستكون هناك طوال المساء لكانوا على الأرجح قد كوَّمونا من عربة السجناء على محكمة جيفرسون ماركت … بالطبع كان ذلك مضحكًا. سأحكي لك وقتًا ما، ولكني قد سئمت كل ذلك … أوه كل شيء، كهذا الرقص الجمالي، والأدب، والراديكالية والتحليل النفسي … أظن الجرعة زائدة للغاية … نعم أظن الأمر كذلك يا جورج … أظن أنني أنضج.» ••• كانت الليلة كشقفة كبيرة من برودة سوداء طاحنة. ورائحة المطابع لا تزال في أنفه، وسقسقة الآلات الكاتبة لا تزال في أذنَيه، وقف جيمي هيرف في ميدان دار البلدية ويداه في جيبَيه يشاهد الرجال ذوي الهيئة الرثة بقلنسواتهم وأغطية آذانهم المنسدلة على وجوههم وأعناقهم الحمراء بلون اللحم النيئ وهم يجرفون الثلوج. كبارًا وصغارًا، كانت وجوههم باللون نفسه، وكانت ملابسهم باللون نفسه. قطعت رياح كالموس أذنَيه وأصابته بالألم في جبهته بين عينَيه. قال شاب بوجه أبيض بياض الحليب جاء إليه ممتلئًا بالحيوية وأشار إلى كومة الثلج: «مرحبًا يا هيرف، ما رأيك، هل ستقبل الوظيفة؟» «لمَ لا يا دان؟ عجبًا، ألن يكون هذا أفضل من قضاء حياتك كلها في التعمُّق في شئون الآخرين حتى لا تُصبح سوى كدكتوجراف متنقِّل لعين.» «ستكون وظيفة جيدة في الصيف حقًّا … هل ستأخذ طريق ويست سايد؟» «سأتمشَّى … لقد أصابني التوتر الشديد الليلة.» «يا إلهي، ستتجمَّد حتى الموت يا رجل.» «لا يعنيني إن حدث ذلك … تصل إلى مرحلةٍ ليس لك فيها حياةٌ خاصة؛ فأنت مجرد آلة كتابة أوتوماتيكية.» «حسنًا، أتمنَّى أن أتخلَّص قليلًا من حياتي الخاصة … حسنًا، طابت ليلتك. أتمنَّى أن تحصل على القليل من الحياة الخاصة يا جيمي.» أدار جيمي هيرف ظهره إلى جرَّافات الثلج ضاحكًا، وبدأ في السير في برودواي، مائلًا في الرياح وذقنه مدفون في ياقة معطفه. في شارع هيوستن نظر في ساعة يده. إنها الخامسة. يا إلهي، لقد تأخَّر اليوم. أليس ثمة مكانٌ يمكنه أن يتناول فيه شرابًا. هكذا أنَّ قائلًا لنفسه عندما تذكَّر الكتل الجليدية التي لا يزال عليه تجاوزها مشيًا قبل أن يتمكَّن من الوصول إلى غرفته. وكان يتوقَّف بين الحين والآخر ليربت على أذنَيه كي يبعث فيهما بعض الحيوية. عاد في نهاية المطاف إلى غرفته، فأشعل موقد الغاز ومال عليه شاعرًا بالوخز. كانت غرفته مظلمةً ومربعة وصغيرة على الجانب الجنوبي من ميدان واشنطن. ولم يكن فرشها سوى سرير، وكرسي، وطاولة مكدسة بالكتب، وموقد غاز. عندما بدأ شعوره بالبرد يتضاءل قليلًا، جلب زجاجةً من شراب الروم موجودةً أسفل السرير مغطاةً بسلة. وضع بعض الماء لتسخينه في كوب من الصفيح على موقد الغاز، ثم بدأ في احتساء الروم الساخن والماء. كانت كل أشكال الكُروب تتحرَّر في داخله. فشعر وكأنه الرجل في تلك القصة الخيالية حيث الحزام الحديدي حول قلبه. كان الحزام الحديدي يتكسَّر. أنهى تناول الروم. وكانت الغرفة من حين لآخر تشرع في الدوران من حوله في جِدية وانتظام. ثم قال فجأةً بصوت عالٍ: «يجب أن أتحدَّث إليها … يجب أن أتحدَّث إليها.» وضع قبعته على رأسه وسحب معطفه. كان البرد في الخارج منعشًا. مرَّت ست عربات حليب على التوالي مجلجِلة. في شارع ويست ١٢، كان قطان أسودان يتطاردان. وامتلأ المكان بأكمله بمُوائهما الجنوني. شعر أن شيئًا ما سوف ينفجر في رأسه، أنه هو نفسه سينطلق فجأةً في الشارع مطلقًا مُواءً مخيفًا. وقف يرتجف في الممر المظلم، قارعًا الجرس الذي يحمل اسم هيرف مرارًا وتكرارًا. ثم قرع الباب بأقوى ما لديه. جاءت إلين إلى الباب في رداء أخضر. «ما الأمر يا جيمبس؟ أليس معك مفتاح؟» كان وجهها ناعمًا من أثر النوم؛ وكانت ثمة رائحة لطيفة وباعثة على الراحة والسعادة من أثر النوم حولها. تحدَّثت بأسنانٍ مطبَقة وأنفاسٍ لاهثة. «إيلي، يجب أن أتحدَّث معك.» «هل أنت مخمور يا جيمبس؟» «حسنًا، أنا أعرف جيدًا ما أقول.» «أشعر بالنعاس الشديد.» تبعها إلى غرفة نومها. ركلت عنها شبشبها وعادت إلى السرير، وجلست تنظر إليه بعينَين مثقلتَين بالنوم. «لا تتحدَّث بصوت عالٍ من أجل مارتن.» «لا أعرف يا إيلي لماذا يصعب عليَّ دائمًا التحدُّث بصراحة عن أي شيء … يجب دائمًا أن أكون سكران كي أتمكَّن من قول ما أُريد … اسمعي، هل لا زلتِ تحبينني؟» «أنت تعرف أنني مغرمة بك بشدة وسأظل كذلك …» قاطعها بحدة: «أعني الحب، أنتِ تعرفين ما أعنيه، مهما يكن …» «أظن أنني لا أحب أحدًا لفترة طويلة إلا إذا مات … إنني شخص فظيع. لا فائدة من الحديث عن ذلك.» «كنت أعرف. كنتِ تعرفين وأنا كنت أعرف. يا إلهي، الأمور سيئة للغاية معي يا إيلي.» جلست وركبتاها مُحدَّبتان وفوقهما يداها القابضتان، وكانت تنظر إليه بعينَين واسعتَين. «هل أنت مفتون بي حقًّا يا جيمبس؟» «اسمعي، دعينا نحصل على الطلاق وننتهِ من ذلك.» «لا تكن مُتعجِّلًا هكذا يا جيمبس … وهناك مارتن. ماذا عنه؟» «يمكنني أن أجمع له ما يكفي من المال من حين لآخر، ذلك الطفل الصغير المسكين.» «أنا أكسب أكثر منك يا جيمبس … يجب ألَّا تفعل ذلك بعد.» «أعرف. أعرف. ألَا أعرف ذلك؟» أخذا يتبادلان النظرات من دون أن ينبسا. كادت عيونهما تحترق من شدة نظر كلٍّ منهما إلى الآخر. باغتت جيمي رغبةٌ ملحةٌ في أن يحل عليه النعاس، ألَّا يتذكَّر أي شيء، أن يجعل رأسه يغوص في السواد، كما كان في حِضن أمه عندما كان طفلًا. «حسنًا سأذهب إلى المنزل.» أطلق ضحكةً جافة. «لم يكن في ظننا أن كل شيء سيتفجَّر هكذا، أليس كذلك؟» أنَّت وسط تثاؤبها قائلة: «طابت ليلتك يا جيمبس. ولكن الأمر لم ينتهِ … لولا أنني أشعر بالنعاس الشديد فحسب … هلَّا أطفأت الأنوار؟» تحسَّس طريقه في الظلام نحو الباب. كان الصباح البارد برودةً قطبية تظهر سماؤه رماديةً في ضوء الفجر. أسرع عائدًا إلى غرفته. أراد أن يدخل إلى السرير ويغفو في النوم قبل ظهور ضوء النهار. ••• كانت الغرفة طويلةً منخفضة وبها طاولات طويلة في المنتصف متكوِّمة عليها أقمشة من الحرير والكريب بالألوان البني، والسلمون الوردي، والأخضر الزمردي. وثمة رائحة الخيوط المقصوصة ومواد الملابس. منحنية جميعها على الطاولة كانت رءوس الفتيات الحائكات كَستَنائية، وشقراء، وسوداء، وبنية. وكانت صبية المهمَّات يندفعون بحوامل دوَّارة من الفساتين المعلَّقة ذهابًا وإيابًا في الممرات. يرن الجرس وتنتشر في الغرفة الضوضاء والحديث المصرصر كبيت للطيور. تنهض آنا وتُمدِّد ذراعَيها. تقول للفتاة بجوارها: «يا إلهي، رأسي يؤلمني.» «هل ظَلِلتِ مستيقظةً ليلة أمس؟» تومئ برأسها. «يجب أن تتركي ذلك العمل يا عزيزتي؛ سيفسد مظهركِ. لا تستطيع الفتاة أن تحترق كالشمعة من كلا الطرفَين كما يستطيع الرجال.» الفتاة الأخرى نحيفة وشقراء وكانت ذات أنف مائل. تضع ذراعها حول خصر آنا. «يا إلهي، أتمنَّى لو أكتسب بعضًا من وزنكِ.» تقول آنا: «أتمنَّى لكِ ذلك. لا أهتم بما أتناوله، فيُحوِّلني ذلك إلى سمينة.» «ما زلتِ غير سمينةٍ للغاية … أنتِ فقط ممتلئة الجسم لذا يحبُّون عناقكِ. حاولي ارتداء ملابس صبيانية وأؤكِّد لكِ أنكِ ستبدين في مظهر جيد.» «يقول حبيبي إنه يُحب أن تكون الفتاة ممتلئة القوام.» شقتا طريقهما على الدرج عبر مجموعة من الفتيات يستمعن إلى فتاة صغيرة صهباء تتحدَّث بسرعة وتفتح فمها على مصراعَيه وتُقلِّب عينَيها. «… كانت تعيش في المبنى التالي مباشرةً في ٢٢٣٠ جادة كاميرون، وقد ذهبت إلى ميدان سباق الخيل مع بعض صديقاتها، وعندما وصلن إلى المنزل كان الوقت متأخرًا وتركنها تذهب إلى المنزل وحدها، في جادة كاميرون، أترَين؟ وفي الصباح التالي عندما بدأ أهلها البحث عنها وجدوها خلف لافتة نعناع سبيرمينت في باحة خلفية.» «هل ماتت؟» «من المؤكَّد أنها قد ماتت … لقد فعل بها أحد الزنوج شيئًا فظيعًا ثم خنقها … شعرتُ بالفزع. لقد كنت أذهب إلى المدرسة معها. ولم تتأخَّر فتاة في جادة كاميرون بعد حلول الظلام؛ إنهن في غاية الفزع.» «بالطبع رأيت كل شيء عن الحادث في الصحيفة ليلة أمس. تخيَّلي العيش في المربَّع السكني التالي لها مباشرة.» ••• صرخت روزي وهي تجلس بجوارها في سيارة الأجرة: «هل رأيتِني وأنا ألمس ظهر ذلك الأحدب؟» «أتقصدين في ردهة المسرح؟» شدَّ بنطاله الذي كان ضيقًا على ركبتَيه. «سيجلب لنا ذلك الحظ يا جيك. لم أرَ قط ظهر أحدب يفشل في جلب الحظ … إذا لمسته على حدبته … أوه، أشعر بالإعياء من السرعة التي تسير بها سيارات الأجرة هذه.» اندفعا للأمام على أثر التوقُّف المفاجئ لسيارة الأجرة. «يا إلهي، لقد كدنا ندهس صبيًّا.» ربت جيك سيلفرمان على ركبتها. «أيها الفتى الصغير المسكين، هل أنت بخير؟» أثناء ركوبهما السيارة ذاهبَين إلى الفندق كانت ترتجف ودفنت وجهها في ياقة معطفها. عندما ذهبا إلى مكتب الاستقبال ليحصلا على المفتاح، قال الموظف لسيلفرمان: «هناك رجل ينتظر أن يراك سيدي.» جاء إليه رجل غليظ البنية مخرجًا سيجارًا من فمه. «هلَّا اتخذت خطوةً في هذا الطريق لبعض الوقت يا سيد سيلفرمان.» ظنَّت روزي أنها ستفقد وعيها. وقفت ثابتةً تمامًا، مجمَّدة، ووجنتاها غاطستان عميقًا في ياقة معطفها المصنوعة من الفرو. جلسا في كرسيَّين عميقَين وتهامسا مُقرِّبَين رأسَيهما. خطوةً خطوة، اقتربت تستمع. «مذكِّرة … وزارة العدالة … استخدام البريد للاحتيال …» لم تستطِع سماع ما قاله جيك بين هذه العبارات. ظلَّ يومئ برأسه كما لو كان موافقًا. ثم فجأةً تحدَّث بسلاسة مبتسمًا. «حسنًا، لقد استمعت لموقفك يا سيد روجرز … وها هو رأيي. إذا اعتقلتني الآن فسأُفلس ويفلس عددٌ كبير من الذين وضعوا أموالهم في هذا المشروع … يمكنني في غضون أسبوع تصفية الأمر بأكمله مع تحقيق الربح … إنني يا سيد روجرز رجلٌ أساءت إليَّ أيما إساءة حماقة الوثوق فيمن لا يستحقون الثقة.» «لا أستطيع المساعدة في ذلك … واجبي هو تنفيذ المذكرة … يؤسفني أنني سأُضطر لتفتيش غرفتك … كما ترى فإن أمامنا العديد من الأغراض الصغيرة …» نفض الرجل الرماد من سيجاره وبدأ في القراءة بصوت رتيب. «جيكوب سيلفرمان، الاسم المستعار إدوارد فافيرشام، سيميون جيه أربوثنوت، جاك هينكلي، جيه جولد … أوه، لدينا قائمة صغيرة جيدة … لقد أجرينا بعض العمل الجيد جدًّا في قضيتك، لو كان لي أن أقول ما لا ينبغي قوله.» نهضا واقفَين. هزَّ الرجل ذو السيجار رأسه باتجاه رجلٍ نحيفٍ يرتدي قبعةً جلس يقرأ صحيفةً في الجانب الآخر من الردهة. سار سيلفرمان إلى مكتب الاستقبال. وقال للموظَّف: «لقد استدعَوني في العمل. هلَّا جهَّزت لي فاتورتي من فضلك؟ ستشغل السيدة سيلفرمان الغرفة لبضعة أيام.» لم يكن بوسع روزي أن تنطق بكلمة. تبعت الرجال الثلاثة داخلين إلى المصعد. قال المحقِّق النحيف وهو يسحب حافة قبعته: «إننا آسفون لاضطرارنا لفعل ذلك يا سيدتي.» فتح لهم سيلفرمان باب الغرفة وأغلقه خلفه بعناية. «أشكر تفهُّمكما أيها السيدان … زوجتي تشكركما.» جلست روزي على كرسي مستقيم في أحد أركان الغرفة. كانت تعض لسانها بقوة أكثر فأكثر محاوِلةً منع شفتَيها من الارتجاف. «نحن نُدرك يا سيد سيلفرمان أن هذه ليست قضيةً جنائيةً عادية.» «ألَن تتناولا شرابًا أيها السيدان؟» هزَّا رأسَيهما. كان الرجل الغليظ البنية يشعل سيجارًا جديدًا. قال للرجل النحيل: «حسنًا يا مايك ابحث في الأدراج والخزانة.» «هل هذا عادي؟» «إذا كان هذا عاديَّا، لكنا قد وضعنا الأصفاد على يدَيك واعتبرنا هذه السيدة مشارِكةً في الجريمة.» جلست روزي بيدَيها المتجمدتَين المشبكتَين بين ركبتَيها تؤرجح جسدها من جانب إلى آخر. كانت عيناها مغمضتَين. وبينما كان المحقِّقان يفتشان في الخزانة، انتهز سيلفرمان الفرصة ليضع يده على كتفها. ففتحت عينَيها. «في اللحظة التي يقبض عليَّ فيها المحقِّقان اللعينان اتصلي بشاتز وأخبريه بكل شيء. توصَّلي إليه ولو تطلَّب ذلك أن توقظي الجميع في نيويورك.» هكذا تحدَّث بصوت منخفض وبسرعة وشفتاه بالكاد تتحرَّكان. ما لبث أن رحل يتبعه المحقِّقان ومعهما حقيبة مليئة بالخطابات. كانت قبلته لا يزال أثرها رطبًا على شفتَيها. نظرت في ذهول في أنحاء الغرفة الفارغة الهادئة الموحشة. لاحظت بعض الكتابة على دفتر المُسَوَّدة البنفسجي الفاتح على المكتب. كان خط يده، وكان قد كتب بخربشة سريعة: ارهني كل شيء، ارحلي؛ إنكِ فتاة جيدة. بدأت الدموع تجري على وجنتَيها. وجلست كثيرًا ورأسها هاوٍ تُقبِّل الكلمات المكتوبة بالقلم الرصاص في دفتر المُسَوَّدة.
|
{
"chapter": "الأبواب الدوَّارة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/3.3/"
}
|
يُلقي الشفق الرصاصي بضوئه مثقلًا على الأطراف الجافة لرجل هَرِم يسير في اتجاه برودواي. ويقف حول مطعم نيديك عند الناصية شيء يتلألأ في عينَيه. فيمشي متثاقلًا كدُمية مكسورة في صفوف الدمى ذات المفاصل المطلية بالورنيش برأسٍ متدلٍّ إلى داخل ما يشبه الفرن المتقد والمضطرب للضوء المُشكَّل بالأحرف. يقول متذمِّرًا للصبي الصغير: «أتذكَّر عندما كانت المروج في كل مكان.» لويس إكسبريسو أسوسياشن، بهذا الاسم تراقصت الأحرف الحمراء على اللافتة أمام عينَي ستان. «مسابقة الرقص السنوية». يدخل الشبان والشابات. «اثنان اثنان الفيل والكنغر». يتوغَّل دوي وصلصلة الأوركسترا عبر أبواب القاعة المتأرجحة. تُمطر السماء في الخارج. «نهر واحد أخير، أوه ثمة نهر واحد أخير يتعيَّن علينا عبوره.» يفرد طيات معطفه، ويعدل فمه ليبدو مستفيقًا، ويدفع دولارَين أمريكيَّين، ويذهب إلى قاعة كبيرة ذات أصوات مُدوِّية ومعلَّقة بها رايات حمراء، وبيضاء، وزرقاء. مترنِّحًا يتكئ إلى الجدار قليلًا. «نهر واحد أخير» … حلبة الرقص مليئة بالأزواج المهتزين الذين يتمايلون كسطح سفينة. الحال عند منضدة الشراب أكثر استقرارًا. يقول الجميع: «جاس ماك نيل هنا، الهَرِم الطيب جاس.» تصفع الأيدي الكبيرة الظهورَ العريضة، وتزأر الأفواه سوداء في وجوه حمراء. ترتفع الكئوس وتميل متلألئة، ترتفع وتميل راقصة. يعرِّج رجل ضخم بوجه كوجوه النحل وعينَين غائرتَين وشعر مجعَّد على منضدة الشراب متكئًا على عصًا. «كيف حال الفتى يا جاس؟» «مرحى، ها هو الرئيس.» «جيد أن الرجل الهَرِم ماك نيل جاء أخيرًا.» «كيف حالك يا سيد ماك نيل؟» هدأت الأصوات عند منضدة الشراب. يُلوِّح جاس ماك نيل بعصاه في الهواء. «هيا يا رفاق، فلتحظَوا بوقت جيد … أيها الرجل الهَرِم بروك، أعِدَّ شرابًا للصحبة على حسابي.» «إن الأب مولفاني معه كذلك. إنه لأمر جيد للأب مولفاني … هذا الرجل أمير.» انحنت ظهورهم العريضة في تبجيل تتبع المجموعة الخارجة ببطء من وسط الراقصين. «أوه الرُّبَّاح الكبير على ضوء القمر يُمشِّط شعره الكستنائي.» «هلَّا رقصتِ معي، من فضلكِ؟» أدارت الفتاة كتفها الأبيض وسارت مبتعدة. يجد ستان نفسه يُغنِّي لوجهه في المرآة. يرى أحد حاجبَيه واصلًا إلى شعره، ويرى الآخر رمشًا … «لا، أنا لست كذلك وربي، أنا رجل متزوِّج … سأُحارب أي أحد يقول إنني لست رجلًا متزوِّجًا ومواطنًا من مدينة نيويورك، مقاطعة نيويورك، ولاية نيويورك …» يقف على كرسي ملقيًا خطابًا ويدق قبضة إحدى يدَيه بيدِه الأخرى. «أيها الأصدقاء والرومان والمواطنون، أعيروني خمسة دولارات أمريكية … جئنا لإسكات القيصر وليس لإنقاذه … وفقًا لدستور مدينة نيويورك، مقاطعة نيويورك، ولاية نيويورك والموثَّق والمُسجَّل حسب الأصول أمام المدعي العام وفق أحكام قانون ١٣ يوليو ١٨٨٨ … إلى الجحيم مع البابا.» «أنت، كف عن ذلك.» «يا رجال، لنلقِ بهذا الرجل خارجًا … إنه ليس أحد الفتية … لا أعلم كيف دخل إلى هنا. إنه مخمور حقير.» يقفز ستان وعيناه مغمضتان في مجموعة كبيرة من القبضات. صُفع في عينَيه، وفي فكه، وأُلقي به كما بندقية في الشارع الصامت البارد المعبأ برذاذ المطر. هأ هأ هأ. كانت البرودة تهب في وجهه وكان يجلس في مقدمة إحدى العبَّارات عندما استعاد وعيه. كانت أسنانه تُقعقِع. كان يرتجف … «إنني مصاب بهذيان ارتعاشي. مَن أنا؟ أين أنا؟ مدينة نيويورك، ولاية نيويورك … ستانوود إيميري أعمل طالبًا في الثانية والعشرين من عمري … بيرلاين أندرسون ٢٠ عامًا، تعمل ممثِّلة. فلتذهب إلى الجحيم. يا إلهي، معي ٤٩ دولارًا أمريكيًّا وثمانية سنتات، وأين أنا بحق الجحيم؟ ولم يسرقني أحد. عجبًا، لست مصابًا بهذيان ارتعاشي على الإطلاق. أشعر أنني بحالة جيدة، فيما عدا بعض التحسُّس. كل ما أحتاجه هو كأس صغيرة من الشراب، أليس كذلك؟ مرحبًا، ظننت أنه كان هناك شخص ما هنا. أظن أنه من الأفضل أن أصمت.» عبر مياه الزنك، والجدران الطويلة، والكتلة الشبيهة بشجرة بتولا لمباني وسط المدينة يتلألأ الصباح الوردي كصوت قرون تعبر وسط ضباب بُني في لون الشوكولاتة. كلما اقترب القارب تكاثفت المباني لتصبح كجبل من الجرانيت تقسمه أودية مقطوعة بالسكاكين. مرَّت العبَّارة بالقرب من سفينة بخارية مكتنزة مثبتة بالمرساة تتمايل في اتجاه ستان حتى إنه يمكنه رؤية جميع طوابقها. كان أحد زوارق قطر جزيرة إيليس على رصيف الميناء. هبَّت رائحة كريهة من الطوابق المليئة بوجوه مُشَوَّشة كحمولة شمام. دارت ثلاثة نوارس نائحة. ولفحت الشمس نورسًا ارتفع بجناحَين أبيضَين دوَّامَين، فكشطه ضوءُها فغدا بلا حراك في الضوء الذهبي المبيض. ارتفعَت حافة الشمس فوق اللون البرقوقي لمجموعة من السحب خلف شرق نيويورك. ومضت مليون نافذة بالضوء. جاء صوت حشرجة وهمهَمة من المدينة. تدور النوارس بلون القصدير في الضوء المُبيِّض فوق الصناديق المكسورة، ورءوس الملفوف الفاسدة، وقشر البرتقال، حائمةً بطيئة بين الجدران الخشبية المتشقِّقة، وتزبد الأمواج الخضراء أسفل المقدمة المستديرة للعبَّارة، التي يدفعها المد فترتشف المياه بنَهَم، مصطدمة، ومنزلقة، ومستقرة ببطء في المنزَلق. تدور الرافعات اليدوية مُصلصِلةً سلاسلها، وتُطوى البوابات لأعلى. يعبر ستان الصدع، مُترنِّحًا في النفق الخشبي الذي تفوح منه رائحة السماد لمبنى محطة العبَّارات ليخرج إلى الزجاج الذي تضربه أشعة الشمس والمقاعد في مُتنزَّه باتري. جلس على أحد المقاعد، وشبَّك يدَيه حول ركبتَيه لمنعهما من الارتجاف. واصل الدندنة في ذهنه كالبيانو الآلي. في الماضي كانت بابل ونَينَوَى، وقد بُنيت كلٌّ منهما بالطوب. كانت أثينا ذات الأعمدة من الرخام والذهب. وقامت روما على أقواسٍ فسيحةٍ من الحُطام. وفي القسطنطينية، توهَّجت المآذن كشمعات ضخمة حول القرن الذهبي … أوه ثمة نهرٌ واحدٌ أخيرٌ علينا عبوره. ولكن الفولاذ، والزجاج، والبلاط، والأسمنت ستكون مواد ناطحات السحاب. ستطل براقةً تلك المباني ذات ملايين النوافذ المتراصة على الجزيرة الضيقة، في هرمٍ فوق آخر كرأس سحابةٍ بيضاء متراكمةٍ فوق عاصفةٍ رعدية … لفَّ القفل في دائرة لإبعاد المفتاح. انتظر ستان ببراعة الوقت المناسب وأمسك به. أطلق النار بغير تردُّد عبر الباب المفتوح، وفي نهاية الردهة الطويلة تصرخ بيرلاين في غرفة المعيشة. تبدو رائحتها غريبة، رائحة بيرلاين، فلتذهب إلى الجحيم. التقط كرسيًّا، فكاد الكرسي أن يطير، وتأرجح حول رأسه واصطدم بالنافذة، فاهتزَّ الزجاج ورن. نظر من خلال النافذة. كان الشارع في أحد الأطراف. وكان يدخل إليه خطاف وسُلم وسيارة إطفاء أسرع ما يمكن ووراءها صرخة صفارة إنذار مطنطنة. «النيران النيران، صُبوا المياه، اسكتلندا تحترق.» حريق يساوي ألف دولار أمريكي، حريق يساوي ١٠٠ ألف دولار أمريكي، حريق يساوي مليون دولار أمريكي. ترتفع ناطحات السحاب كاللهب، في لهب، لهب. استدار راجعًا إلى الغرفة. دارت الطاولة وانقلبت. وقفزت خزانة الخزفيات على الطاولة. وصعدت كراسي البلوط فوق موقد الغاز. «صُبوا المياه، اسكتلندا تحترق.» لا أحب الرائحة في هذا المكان في مدينة نيويورك، مقاطعة نيويورك، ولاية نيويورك. استلقى على ظهره على أرضية المطبخ الذي رآه يدور وأخذ يضحك. الرجل الوحيد الذي نجا من الفيضان أركب سيدةً عظيمةً بيضاء على حصان أبيض. عاليًا حيث اللهب، عاليًا، عاليًا. أصدر الكيروسين في علبة مُشحَّمة الواجهة همسًا في ركن المطبخ. «صُبوا المياه.» وقف يتأرجح على الكراسي المقلوبة المطقطِقة فوق الطاولة المقلوبة. لعقه الكيروسين كلعقة لسان أبيض بارد. مال، وأمسك بصنبور الغاز، فتراجع صنبور الغاز، ورقد على ظهره في بركةٍ من المياه يُشعل أعواد الكبريت، إنها مبتلَّة لن تشتعل. أصدر أحد الأعواد شرارة، واشتعل؛ فأبقى على اللهب بعناية بين يدَيه. ••• «أوه نعم ولكن زوجي طَموح للغاية.» هكذا كانت بيرلاين تقول للسيدة التي كانت ترتدي رداءً بنقشة مربعة زرقاء في محل البقالة. «إنه يُحب أن يقضيَ وقتًا ممتعًا وكل تلك الأمور، ولكنه طَموحٌ أكثر من أي شخص عرفته في حياتي. سيجعل والده يرسلنا إلى الخارج حتى يتمكَّن من دراسة الهندسة المعمارية. إنه يريد أن يصبح مهندسًا معماريًّا.» «يا إلهي، سيكون هذا جيدًا لكِ، أليس كذلك؟ رحلة كتلك … أتريدين شيئًا آخر يا سيدتي؟» «لا، أعتقد أنني لم أنسَ شيئًا … لو كان أيُّ شخصٍ آخر لكنت سأصير قلقةً عليه. لم أرَه منذ يومَين. أظن أنه يتعيَّن عليَّ أن أذهب إلى والده.» «وأنتِ متزوِّجة حديثًا أيضًا.» «لم أكن لأخبركِ إن كنت قد ظننت أن ثمة خطأً ما، أليس كذلك؟ كلا، إن سلوكه قويم … حسنًا وداعًا يا سيدة روبنسون.» دسَّت حُزمتها أسفل إحدى ذراعَيها وأرجحت حقيبتها الخرزية في يدها التي لا تمسك بها شيئًا آخر وهي تسير في الشارع. كانت الشمس لا تزال دافئةً على الرغم من وجود مسحة من الخريف في الرياح. أعطت بِنسًا لرجل أعمى يدير ذراع أرْغُن يدوِّي لتخرج منه موسيقى فالس لأوبريت «الأرملة الطروب» (ميري ويدو). ما زال من الأفضل أن تصرخ فيه قليلًا عندما يعود إلى المنزل، فقد يفعل ذلك كثيرًا. استدارت إلى شارع ٢٠٠. كان الناس ينظرون من النوافذ، فقد كان هناك تجمُّع حاشد. كان هناك حريق. استنشقت الهواء المشبع برائحة الحريق. فأصابها بالقُشَعريرة؛ إذ كانت تُحب رؤية الحرائق. أسرعت. يا للهول، إنه خارج بنايتنا. خارج شقتنا. دخان كثيف ككيس خيش يخرج من نافذة الطابق الخامس. وجدت جسمها فجأةً كله يرتعش. ركض صبي المصعد الملوَّن إليها. كان وجهه أخضر. صرخت: «أوه، إنه في شقتنا، والأثاث جاء لتوه قبل أسبوع. دعني أمر.» سقطت الحُزَم منها، وانكسرَت زجاجة قشدة على الرصيف. وقف شرطي في طريقها وألقت بنفسها عليه ودقَّت على صدره الأزرق العريض. لم يكن بوسعها التوقُّف عن الصراخ. ظلَّ يقول بصوت مدوٍّ وعميق: «حسنًا أيتها السيدة الشابة، لا بأس.» كان بمقدورها أن تسمع صوته يهدر في صدره وهي تضربه برأسها. «إنهم يُنزلونه، فقد وعيه فحسب من الدخان، هذا كل ما في الأمر، فقد وعيه فحسب من الدخان.» صرخت: «أوه، ستانوود زوجي.» كان كل شيء يعتم. أمسكت بزرَّين لامعَين في معطف الشرطي وفقدت الوعي.
|
{
"chapter": "الأفعوانية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.7/"
}
|
يصدع الصباح بجلَبته مع عبور أول قطار سريع لشارع ألين. تُسمع الصلصلة المتزامنة مع ضوء النهار عبر النوافذ، وتهتز منازل الطوب القديمة، فيتناثر الضوء على عوارض هيكل القطار السريع كقُصاصات ورق برَّاقة. تترك القطط صفائح القُمامة، ويرجع البق إلى الجدران، تاركًا أطراف الأبدان المتصبِّبة عرقًا، تاركًا أعناق الأطفال الصغار الغضة والقذرة في سُباتها. يتقلَّب الرجال والنساء أسفل البطانيات وأغطية الأسرة فوق المراتب في أركان الغرف، وتندلع حشود من الأطفال شارعةً في الصراخ والركل. على ناصية شارع ريفرتون، يفرش الرجل الهَرِم ذو اللحية الشبيهة بالقِنَّب الذي لا يعلم أحد أين ينام؛ أوعية المخلَّل. أحواض من الخيار، والفُلفل الحلو، وقشور البطيخ، ومخلَّلات الخردل التي تنثر النباتات المعترشة الملتفة والمحالق الباردة برائحة الفُلفل الرطب التي تتنامى كحديقةٍ ذات مستنقعات مع روائح الأسرة المسكية والصخب النتن للشارع المعبَّد بالحصى المستيقظ أهله لتوِّهم. يجلس الرجل الهَرِم ذو اللحية الشبيهة بالقِنَّب الذي لا يعلم أحد أين ينام؛ في وسط الأحواض كيونان النبي أسفل يقطينته. صعد جيمي هيرف أربعة طوابق تُصرصر أدراجها، وقرع بابًا أبيض ملطَّخًا بآثار الأصابع أعلى المقبض حيث يظهر الاسم «ساندرلاند» بأحرف إنجليزية قديمة على بطاقة مثبتة بعناية في مكانها بدبابيس نحاسية. انتظر طويلًا بجوار زجاجة حليب، وزجاجتَي قشدة، وعدد يوم الأحد من صحيفة «نيويورك تايمز». كان ثمة حفيف خلف الباب وصرير خطوة قدم، ثم لم يُسمع شيء. دفع زرًّا أبيض في عضادة الباب. «وقال إنني مغرم بكِ للغاية يا مارجي، وقالت ادخل من المطر، أنت مبتل تمامًا …» أتت أصوات من ناحية الدرَج: قدم رجل مرتدٍ حذاءً ذا أزرار، وقدمت فتاة ترتدي صندلًا، وذات ساقَين ورديَّين ناعمتَين كنعومة الحرير، الفتاة ترتدي فستانًا منفوشًا وقبعة خادمة ربيعية، والشاب يرتدي صدريةً ذات حواف بيضاء وربطة عنق بألوان الأخضر والأزرق والأرجواني. «ولكنكِ لست من هذا النوع من الفتيات.» «كيف لك أن تعرف أي نوع من الفتيات أنا؟» تبعهما صوتهما متلاشيًا نزولًا على الدرج. رنَّ جيمي هيرف الجرس مرةً أخرى. أتى صوت أُنثوي ذو لُثغة عبر فتحة في الباب: «مَن بالباب؟» «أُريد أن أرى الآنسة برين من فضلكِ.» لمح كيمونو أزرق يصل إلى ذقن وجه منتفخ. «أوه، لا أعلم ما إذا كانت قد وصلت بعد.» «قالت إنها ستأتي.» قالت ضاحكةً من وراء الباب: «حسنًا، هلَّا انتظرت قليلًا حتى يمكنني الابتعاد. ثم يمكنك الدخول. عذرًا ولكن السيدة ساندرلاند كانت تظنك محصِّل الإيجار. إنهم يأتون أحيانًا يوم الأحد لا لشيءٍ إلا لتضليلنا.» انفرجت الفتحة في الباب بابتسامة خَجِلة منها. «هل أُدخل الحليب؟» «أوه، أجل واجلس في الردهة وسأستدعي روث.» كانت الردهة شديدة العتمة، وتفوح منها رائحة النوم ومعجون الأسنان وكريم التدليك، وكان هناك غطاء في أحد الأركان لا يزال يحمل آثار الجسم الذي كان يغطِّيه فوق مُلاءته المجعَّدة. قبعات قشية، وأغطية سهرة حريرية، ومعطفان رجاليان معلَّقان في تشابكٍ وتزاحم على قرون شماعة القبعات. أزال جيمي قميصًا داخليًّا نسائيًّا من فوق كرسي هزَّاز وجلس. تسرَّبت أصوات نساء، وحفيف ارتداء ملابس خافت، وضوضاء صُحف يوم الأحد عبر الجدران الداخلية لمختلِف الغرف. انفتح باب الحمام؛ فشق دفق من ضوء النار المنعكس من مرآةٍ الردهة المعتمة نصفين، وخرج منها رأس ذو شعر كسلك من النحاس وعينَين زرقاوَين داكنتَين في وجه بيضوي أبيض مُشقَّق. ثم تحوَّل الشعر إلى اللون البُني في الردهة فوق ظهر نحيل ترتدي صاحبته قميصًا داخليًّا نسائيًّا بلون اليوسُفي، ويظهر عقباها الورديان المسترخيان من شبشب حمامها مع كل خطوة تخطوها. كانت روث تنادي عليه من وراء بابها: «مرحى يا جيمي … ولكن يجب ألَّا تنظر إليَّ أو إلى غرفتي.» برز رأس عليه لفائف لتجعيد الشعر كرأس سلحفاء يخرج من صدفتها. «مرحبًا يا روث.» «يمكنك الدخول إذا وعدتني بألَّا تسترق النظر … فأنا غير مهندمة وغرفتي في حالة فوضى … لا ينقصني سوى أن أُصفِّف شعري. وبعد ذلك سأكون جاهزة.» كانت الغرفة الرمادية الصغيرة مكدَّسةً بالملابس وصور ممثلي المسرح. جلس جيمي وظهره إلى الباب، حيث نغز أذنه شيء حريري تدلَّى من الشماعة. «حسنًا، كيف حال الصحفي الشاب؟» «أغطِّي هيلز كيتشن، إنه حي ضخم. هل حصلتِ على وظيفة بعدُ يا روث؟» «هممم … ربما يتبلور الكثير من الأمور خلال الأسبوع. ولكنَّ شيئًا لن يحدث. أوه يا جيمي، أنا على وشك أن أُصاب باليأس.» هزَّت شعرها لتتخلَّص من مجعِّدات الشعر، ومشَّطت التموُّجات البُنية الخافتة الجديدة. كان لها وجه جافل وباهت، وفم كبير، وجفنان سفليان أزرقان. «علمت هذا الصباح أنه عليَّ أن أستيقظ وأرتِّب حالي، ولكني لم أستطع. من المحبط للغاية أن تستيقظ دون أن يكون لديك عمل … أحيانًا أظن أنني سآوي إلى الفراش ولن أفعل شيئًا سوى أن أظل مستلقيةً حتى نهاية العالم.» «مسكينة أيتها العجوز روث.» رمته بإسفنجة بودرة التجميل التي غطَّت ربطة عنقه وتلابيب بذلته الصوفية الزرقاء بالبودرة. «لا تنعتني بالمسكينة العجوز أيها الجرذ الضئيل.» «يا له من شيء لطيف تفعلينه بعد كل ما عانيتُه كي أبدو محترمًا … اللعنة عليكِ يا روث! ولم تزُل رائحة مُزيل البُقع عني بعد.» ألقت روث برأسها للخلف بضحكة صارخة. «أوه، أنت فكاهي للغاية يا جيمي. جرِّب استخدام مكنسة الثياب.» بوجه متورِّد أخفض ذقنه نافخًا المسحوق عن ربطة عنقه. «مَن تلك الفتاة ذات الهيئة المضحكة التي فتحت لي باب الردهة؟» همست مقهقهة: «صه، يمكنها سماع كل شيء عبر الجدران الداخلية … إنها كاسي. كاساندرا ويلكنز … كانت تعمل في فرقة رقص مورجان. ولكن ينبغي ألَّا نسخر منها، إنها لطيفة جدًّا. إنني معجبة بها للغاية.» أطلقت صيحةً ضاحكة. «أنت مجنون يا جيمي.» نهضت ولكمته في عضلة ذراعه. «أنت دائمًا تجعلني أتصرَّف كما لو كنت مجنونة.» «بل هذا من صُنع القدر بكِ … اسمعي، أنا جائع جدًّا. لقد جئت إلى هنا سيرًا على قدمَي.» «كم الساعة الآن؟» «لقد تجاوزت الواحدة.» «أوه يا جيمي، ليس لديَّ إدراك بالوقت … أُتعجبك هذه القبعة؟ … أوه، نسيت أن أخبرك. لقد ذهبت لرؤية آل هاريسون بالأمس. كان الأمر مريعًا حقًّا … لو لم أكن قد وصلت إلى الهاتف في الوقت المناسب وهدَّدت بالاتصال بالشرطة …» «انظري إلى تلك المرأة الطريفة المنظر في الجهة المقابلة. إن وجهها يشبه تمامًا وجه اللاما.» «بسببها، أُضطر إلى إغلاق ستائري طوال الوقت …» «لمَ؟» «أوه، أنت صغير جدًّا على معرفة هذه الأمور. ستُصدَم يا جيمي.» كانت روث تميل إلى المرآة ممرِّرةً أحمر الشفاه فوق شفتَيها. «كثير من الأشياء يُدهشني، ولا أرى أن الأمر يهمُّ كثيرًا … ولكن هيا، دعينا نخرج من هنا. الشمس مشرقة بالخارج، والناس يخرجون من الكنيسة ويذهبون إلى منازلهم لالتهام الطعام وقراءة صحف يوم الأحد وسط شجر المطاط …» «أوه يا جيمي، إنك تُحدث ضجة … دقيقة واحدة. انتبه، إنك تُجعِّد أفضل ثوب عندي.» كانت فتاة ذات شعر أسود قصير وكنزة صفراء تزيل مُلاءات السرير وتطويها في الردهة. لم يستطع جيمي لوهلةٍ تمييز الوجه الذي رآه عبر الفتحة في الباب بسبب البودرة الكهرمانية اللون وأحمر الشفاه. «مرحبًا يا كاسي، هذا … معذرةً يا آنسة ويلكنز، هذا هو السيد هيرف. أخبريه بالسيدة التي نراها عبر المَنْوَر، تعرفين سابو الناسك.» لثغت كاساندرا ويلكنز في الحديث وعبست. «أليست مريعةً يا سيد هيرف … إنها تقول أكثر الأشياء المريعة.» «إنها تفعل ذلك لمضايقة الناس فحسب.» «أوه يا سيد هيرف، إنني سعيدة للغاية لأني رأيتك أخيرًا، لا تفعل روث شيئًا سوى الحديث عنك … أوه، أخشى أن يكون طيشًا مني أن قلت ذلك … إنني حمقاء للغاية.» انفتح الباب في نهاية الردهة، ووجد جيمي نفسه ينظر إلى الوجه الأبيض لرجل معقوف الأنف يرتفع شعره الأحمر في تَلَّتَين غير متساويتَين على كلا جانبَي جزء رأسه ذي الفرق المستقيم. كان يرتدي برنس حمام أخضر من الساتان ونعلًا مغربيًّا أحمر اللون. قال متشدِّقًا بلكنة أوكسفوردية دقيقة: «كيف الحال يا كاساندرا؟ ما الأخبار اليوم؟» «لا شيء سوى برقية من السيدة فيتزسيمونز جرين. تريدني أن أذهب لرؤيتها في سكيرديل غدًا للحديث عن مسرح جرين … معذرة، هذا السيد هيرف يا سيد أوجليثورب.» رفع الرجل الأصهب أحد حاجبَيه وخفض الآخر ووضع يده مرتخيةً في يد جيمي. «هيرف، هيرف … دعني أفكِّر، لست من عائلة هيرف في جورجيا، أليس كذلك؟ هناك عائلة قديمة باسم هيرف في أتلانتا …» «كلا، لا أظن ذلك.» «خسارة. كنت أنا وجوسايا هيرف في يوم من الأيام رفيقَين مقربَين. وهو اليوم رئيس أول بنك وطني ويقود مواطني مدينة سكرانتون في ولاية بنسلفانيا، وأنا … مجرد محتال.» عندما هزَّ كتفَيه سقط عنهما برنس الحمام كاشفًا عن صدر أجرد أملس وناعم. «أنا والسيد أوجليثورب سنغنِّي نشيد الإنشاد. سيقرؤه وأُمثِّله أنا بالرقص. يجب أن تأتي يومًا ما وترانا ونحن نتدرَّب.» «سُرَّتُكِ كأس مُدَوَّرَةٌ لا يعوزها شراب ممزوج، بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بالسوسن …» «أوه، لا تشرع في الغناء الآن.» أطلقت ضحكةً مكتومة وضمَّت ساقَيها. جاء صوت فتاة عميق وهادئ من داخل الغرفة: «أغلِق الباب يا جوجو.» «أوه، عزيزتي المسكينة إلين، إنها تريد أن تنام … سعيد للغاية بمعرفتك يا سيد هيرف.» «جوجو!» «نعم يا عزيزتي …» عبر النعاس الثقيل الذي شنَّج جيمي، أصابه صوت الفتاة بشعور واخز. وقف مُقيَّدًا في الردهة الكالحة السواد بجوار كاسي دون أن يتلفَّظ بكلمة. تتسلَّل رائحة القهوة والخبز المحمَّص من مكان ما. ثم أتت روث. «حسنًا يا جيمس، أنا جاهزة … تُرى أنسيت شيئًا؟» «لا يهمني إذا ما كنتِ قد نسيتِ شيئًا أم لا، إنني أتضوَّر جوعًا.» أمسك جيمي بكتفَيها ودفعها برِفق ناحية الباب. «إنها الساعة الثانية.» «حسنًا وداعًا عزيزتي كاسي، سأتصل بكِ في حوالي الساعة السادسة.» «حسنًا يا روثي … سعيدة للغاية بمعرفتك يا سيد هيرف.» انغلق الباب وسط لُثغة كاسي المصحوبة بضحكة مكتومة. «يا إلهي، هذا المكان يجعلني أستشيط غضبًا.» «حسنًا يا جيمي، لا تتذمَّر لأنك تريد الطعام.» «ولكن أخبريني يا روث، مَن يكون السيد أوجليثورب؟ إنه يفوق كل ما رأيته في حياتي.» «أوه، هل خرج المغرم من عرينه؟» قالت روث ذلك مطلقةً صيحة ضاحكة. خرجا إلى ضوء الشمس المُعكَّر. «هل أخبرك أنه من الفرع الرئيسي لعائلة أوجليثورب في جورجيا؟» «هل تلك الفتاة الجميلة ذات الشعر النحاسي اللون زوجته؟» «إن شعر إلين أوجليثورب ضارب إلى الحُمرة. وهي ليست بهذا الجمال كذلك … إنها مجرد طفلة وقد أصبحت متكبِّرةً للغاية بالفعل. كل ذلك لأنها حقَّقت بعض النجاح في عرض «أزهار الخوخ» (بيتش بلوسومز). كما تعلم، شيء من تلك النثرات المبهرة التي تثير الجلبة. تمثيلها لا بأس به.» «من المؤسف أنها تزوَّجت شخصًا كهذا.» «لقد فعل أوجلي كل ما يمكن تخيُّله من أجلها. ولولاه لكانت لا تزال في الجَوقة …» «إنهما كالجميلة والوحش.» «مِن الأفضل أن تنتبه إذا رمقك بعينَيه يا جيمي.» «لمَ؟» «إنه غريب الأطوار يا جيمي، غريب الأطوار.» اخترق قطارُ سكة حديدية مرتفعة القضبان ضوءَ الشمس فوقهما. كان بإمكانه أن يرى فم روث وهو ينبس بالكلمات. صاح بصوت يعلو صوت القعقعة المتضائلة: «اسمعي. دعينا نذهب لتناول إفطار متأخِّر في نادي كامبس ثم نتنزَّه في طريق باليساديس.» «هل جُننت يا جيمي، عن أي إفطار متأخِّر تتحدث؟» «ستتناولين أنتِ الإفطار، وسأتناول أنا الغداء.» «سيكون ذلك مضحكًا للغاية.» شبَّكت ذراعها في ذراعه تضحك في صراخ. وأخذت حقيبتها ذات الشبكة الفضية تضرب في مرفقه وهما يسيران. «وماذا عن كاسي، كاساندرا الغامضة؟» «ينبغي ألَّا تضحك عليها، إنها رائعة … لولا اقتناؤها للكلب البودل الأبيض الصغير الكريه ذلك. إنها تحتفظ به في غرفتها ولا يتمرَّن مطلقًا ورائحته بشعة. إنها تسكن تلك الغرفة الصغيرة بجوار غرفتي … لديها حاليًّا رفيق دائم …» قهقهت روث. «إنه أسوأ من الكلب البودل. إنهما مخطوبان، ويأخذ منها جميع مالها. لا تخبر أحدًا بالله عليك.» «أنا لا أعرف أحدًا لأخبره.» «ثم هناك السيدة ساندرلاند …» «أوه أجل، لقد لمحتها وهي ذاهبةٌ إلى الحمام، سيدة عجوز ترتدي روبًا مُبطَّنًا وغطاء رأس للنوم وردي اللون.» أجفلت روث، قائلة: «لقد صدمتني يا جيمي … إنها لا تنفك عن إضاعة طقم أسنانها»، خفض مرورُ قطار سريع صوتَ بقية كلامها. انغلق باب المطعم خلفهما حاجبًا دوي العجلات فوق القضبان. كانت ثمة أوركسترا تعزف أغنية «عندما يحل وقت إزهار شجر التفاح في نورماندي.» كان المكان مليئًا بأشعة الشمس المائلة التي يتموَّج فيها الدخان، والأكاليل الورقية، ولافتات بالعِبارات «يصلنا الكركند يوميًّا»، و«تناوَل البطلينوس الآن»، و«جرِّب بلح البحر اللذيذ المطهو على البخار بالطريقة الفرنسية» (توصي به وزارة الزراعة). جلسا أسفل لافتة مكتوب عليها بحروف حمراء «حفلات شرائح اللحم البقري في الطابق العلوي» ووخزته روث مغازلةً بأصابع الخبز. «هل تظن يا جيمي أنه سيكون من الدناءة أن أتناول الأسقلوب في الإفطار؟ ولكن أولًا يجب أن أشرب القهوة …» «سآخذ شريحة لحم صغيرةً وبصلًا.» «ليس إن كنتَ تنوي قضاء فترة ما بعد الظهيرة معي يا سيد هيرف.» «أوه حسنًا. سأضع البصل عند قدمَيك يا روث.» «هذا لا يعني أنني سأسمح لك بتقبيلي.» «ماذا … في باليساديس؟» قهقهت روث مطلقةً صيحة ضاحكة. تورَّد وجه جيمي قرمزيًّا. «يقول إنه لم يسألكِ عن طلبكِ يا سيدتي.» ••• تسلَّل ضوء الشمس إلى وجهها عبر الفتحات الصغيرة في حافة قبعتها القشية. كانت تسير بخطًى رشيقة بالغة القصر قيدتها تنورتها الضيقة، وقد وخزها ضوء الشمس مخترقًا الحرير الصيني الرقيق كيدٍ تضرب على ظهرها. في القيظ الشديد اجتازت الشوارع، والمتاجر، والناس في ملابس يوم الأحد، والقبعات القشية، والمظلات، وعربات الترام، وسيارات الأجرة وانعطفت وهَّاجةً حولها كاشطةً إياها بوميض لاسع وحاد كما لو كانت تسير عبر أكوام من القُشارات المعدنية. كانت تتلمَّس طريقها دومًا عبر كتلة متشابكة من الضوضاء الحادة المصرصرة للأسنان كحواف المناشير. رأت في ميدان لينكولن فتاةً تسير الهوينى عبر الزحام ممتطيةً حصانًا أبيض، تدلَّى شعرها الكستنائي في تموُّجات زائفة متساوية فوق الصهوة الطباشيرية للحصان وفوق الحِلْس ذي الحافة المذهَّبة حيث الأحرف الخضراء القرمزية الأطراف للعلامة التجارية «داندرين». كانت ترتدي قبعة دوللي فاردن خضراء بها ريشة قرمزية، وفي إحدى يدَيها قفاز أبيض ترنَّح في غير اكتراث فوق اللجام، وفي اليد الأخرى تمايل سوط خيل قصير ذو مقبض ذهبي. شاهدتها إلين وهي تمر، ثم تبعت بقعة خضراء عبر تقاطع طرق إلى المتنزَّه. فاحت رائحة عُشب سفعته الشمس ووطئته أقدام صبية يلعبون البيسبول. كانت جميع المقاعد التي تنعم بالظل ممتلئة. عندما عبرت طريق السيارات المنعطف، غاص الكعب الحاد لحذائها الفرنسي في الأسفلت. كان ثمة بحاران ممدَّدان على الشاطئ في ضوء الشمس، طقطق أحدهما بشفتَيه عندما مرَّت، كان بإمكانها أن تشعر بأعينهما الجشعة كالبحر تلتصق دبقةً في عنقها، وفخذَيها، وكاحلَيها. حاولت منع وركَيها من التأرجح طوال سيرها. كانت الأوراق ذابلةً فوق الشجيرات على طول الطريق. جنوبًا وشرقًا، سيَّجت الأبنية المواجهة لأشعة الشمس المتنزَّه، أما في الغرب فكانت بنفسجيةً مظلَّلة. كان كل شيء مثيرًا للحكة، ومتصبِّبًا بالعرق، ومُغَبِّرًا، ومكبَّلًا برجال الشرطة وملابس يوم الأحد. لمَ تستقل القطار السريع؟ كانت تنظر في العينَين السوداوَين لشاب يرتدي قبعةً قشية وكان يدفع سيارة ستوتز خفيفةً حمراء إلى الحافة. تلألأت عيناه في عينَيها، وهزَّ رأسه للخلف مبتسمًا ابتسامةً مقلوبة، زامًّا شفتَيه بحيث بدتا وكأنهما تمران على وجنتها. سحب ذراع الفرامل وفتح الباب باليد الأخرى. انتزعت ناظرَيها بعيدًا وواصلت السير بذقن مرفوع. تمايلت حمامتان بعنقَين باللون الأخضر المعدني وقوائم مرجانية مبتعدتَين عن طريقها. كان ثمة رجل هَرِمٌ يلاطف سنجابًا مرشدًا إياه إلى بعض الفول السوداني في حقيبة ورقية. كسا اللون الأخضر بالكامل «سيدة الكتيبة المفقودة» على حصان أبيض … أخضر، أخضر، داندرين … كليدي جوديفا بشعرها الذي يغطيها في شموخ. اعترض طريقها التمثال الذهبي للجنرال شيرمان. توقَّفت لوهلة تنظر إلى فندق بلازا الذي ومض بياضًا كعرق اللؤلؤ … أجل، هذه هي شقة إلين أوجليثورب … صعدت إحدى حافلات ميدان واشنطن. مرت أمامها الجادة الخامسة لعصر يوم الأحد صدئة، ومغبرَّة، ومحمومة. كان هناك رجل عارض في الجانب المظلَّل يرتدي قبعةً عالية ومعطفًا من الصوف. كانت المظلات، والفساتين الصيفية، والقبعات القشية زاهيةً في ضوء الشمس الذي ومض في الميادين فوق النوافذ العلوية للمنازل، وتمدَّد في شظايا براقة فوق الطلاء السميك لسيارات ليموزين وسيارات الأجرة. فاحت رائحة الجازولين، والأسفلت، والنعناع السنبلي، وبودرة التلك، والعطر من الأزواج الذين يتمايلون أقرب فأقرب معًا على مقاعد الحافلة. وكانت تظهر من نوافذ المتاجر التي تمر بها الحافلة بين الحين والآخر خلف ألواح الزجاج؛ اللوحاتُ والستائرُ باللون الأحمر الداكن، والكراسي الأثرية الملمَّعة. إنه فندق سانت ريجيس. ثم مطعم شيريز. كان الرجل الجالس بجوارها يرتدي طماق كاحل وقفازًا ليموني اللون، ربما كان يعمل مشرف مبيعاتٍ في متجر. عندما مروا بكاتدرائية القديس باتريك، التقط أنفها نفحة من بخور عبر الأبواب الطويلة التي تنفتح على العتمة. ثم مطعم دلمونيكو. وأمامها، كانت ذراع شاب تتسلَّل حول الظَّهر النحيف الذي عليه قماش الفلانيلَّة الرمادي للفتاة بجواره. «يا إلهي، يا لحظ جو المسكين العاثر، لقد اضطُر أن يتزوَّجها! إنه لم يتعدَّ التاسعة عشرة من عمره.» «أظن أنك تعتقد أن في هذا حظًّا سيئًا.» «لم أقصدنا بكلامي يا ميرتل.» «بل أراهن على أنك قصدتنا. وعلى أي حال، هل رأيت الفتاة من قبل؟» «أُراهن على أنه ليس له.» «ماذا؟» «أعني الطفل.» «يا لفظاعة كلامك يا بيللي!» إنه شارع ٤٢. تحالف الاتحاد. نعق صوت متحذلق خلف أذنها: «لقد كان التجمُّع مسليًا للغاية … مسليًا للغاية … كان الجميع هنا. كانت الخُطب سارةً على غير المعتاد؛ فقد ذكَّرتني بالأيام الخوالي.» فندق والدورف. «أليست هذه الأعلام رائعةً يا بيللي … ذلك العلم المَرِح مرفوع لأن السفير السيامي يُقيم هناك. قرأت عنه في الجريدة هذا الصباح.» عندما يحين موعد فراقنا أنا وأنت يا حبيبي، سأطبع قبلةً فائقة الوصف أخيرةً فوق شفتَيك وأرحل … القلب، يبدأ، الذي هو … النعيم، هذا، وحشة … عندما … عندما أنا وأنت يا حبيبي … شارع ٨. نزلت من الحافلة ودخلت قبو فندق بريفورت. جلس جورج منتظرًا وظهره إلى الباب يفتح ويُغلق قفل حقيبته. «أخيرًا يا إلين، لقد استغرقتِ وقتًا طويلًا لتحضري … ليس هناك كثيرٌ من الناس وقد انتظرتكِ ثلاثة أرباع ساعة.» «عليك ألَّا تُوبِّخني يا جورج؛ فقد كنت أقضي أفضل أوقات حياتي. لم أحظَ بوقتٍ جيد كهذا منذ سنوات. لقد قضيت اليوم بأكمله مع نفسي، وقد سرت طوال الطريق من شارع ١٠٥ إلى شارع ٥٩ عبر المتنزَّه. لقد كان مليئًا بأكثر الأشخاص مرحًا.» «لا بد أنكِ متعبة.» ظلَّ وجهه الضامر حيث ومضت عيناه وسط شبكة من التجاعيد الرفيعة، وأخذ يتقدَّم نحوها بإلحاح كمقدمة سفينة بخارية. «أعتقد أنك قضيت اليوم بأكمله في المكتب يا جورج.» «أجل؛ فقد كنت أدرس بعض القضايا. لا يمكنني الاعتماد على أحد في إنجاز الأعمال بدقة حتى الأعمال الروتينية؛ لذلك عليَّ أن أؤدِّيها بنفسي.» «أتعلم أنني توقَّعت منك أن تقول ذلك؟» «ماذا؟» «أعني حول انتظارك ثلاثة أرباع ساعة.» «أوه، تعرفين دائمًا الكثير يا إلين … أتريدين بعض المعجَّنات مع الشاي؟» «أوه، ولكني لا أعرف شيئًا عن أي شيء، تلك هي المشكلة … أظن أنني سآخذ ليمونًا من فضلك.» صلصلت الأكواب بينهما، وعبر دخان السجائر الأزرق، اهتزَّت الوجوه، والقبعات، واللحى، متكرِّرةً ومخضرَّة في المرايا. دندن صوت امرأة من الطاولة المجاورة: «ولكن يا عزيزي، إنها دائمًا العقدة القديمة ذاتها. قد يصح الأمر مع الرجال ولكنه لا يمت للنساء بصلة» … تبعه نغمات رجل منمَّقة بصوت أجش: «لقد زادت نِسويتكِ حتى شكَّلت حاجزًا منيعًا.» «وماذا إذن إن كنت محبةً لذاتي؟ الرب يعلم أنني عانيت من أجل ذلك.» «إنها النار التي تُطهِّر يا تشارلي …» كان جورج يتحدث، محاوِلًا لفت انتباهها: «كيف حال جوجو الشهير؟» «أوه، دعنا لا نتحدَّث عنه.» «كلما قلَّ كلامنا عنه كان ذلك أفضل، أليس كذلك؟» «اسمع يا جورج، لا أريدك أن تسخر من جوجو؛ في جميع الأحوال هو زوجي حتى نفترق بالطلاق … كلا، لا أريدك أن تضحك. على أي حال فأنت غِرٌّ وبسيط لدرجة لا يمكنك معها فهمه. فجوجو رجل شديد التعقيد فضلًا عن كونه شخصًا مأساويًّا.» «بالله عليكِ دعينا لا نتحدث عن الأزواج والزوجات. المهم يا عزيزتي إلين هو أنني وأنتِ نجلس هنا معًا دون أن يزعجنا أحد … اسمعي، متى سنتقابل مرةً أخرى، أعني نتقابل حقًّا …» «لن نتعمَّق في أمرنا هذا، أليس كذلك يا جورج؟» ضحكت ضحكةً هادئةً وفمها في كأسها. «أوه، ولكني لديَّ الكثير لأقوله لكِ. أُريد أن أسألكِ عن أشياء كثيرة للغاية.» نظرت إليه ضاحكةً ومعدِّلةً من وضع قطعة صغيرة من تارت الكرز كانت قد تناولت منها قضمةً واحدة بين سَبابتها الوردية المربعة الطرف وإبهامها. «أهكذا تفعل عندما يكون لديك مُذنِب تعيس في منصة الشهود؟ كنت أظن الأمر أقرب إلى الآتي: أين كنت في ليلة الحادي والثلاثين من فبراير؟» «ولكني جاد للغاية، ذلك ما لا يمكنكِ فهمه، أو ما لا تريدين فهمه.» وقف شاب بجوار الطاولة، مترنِّحًا بعض الشيء، ينظر للأسفل إليهما. «مرحبًا يا ستان، من أين أتيتَ عليك اللعنة؟» نظر بالدوين لأعلى إليه دون أن يبتسم. «اسمع يا سيد بالدوين، أعلم أن الأمر من الفظاظة بمكان، ولكن هل لي أن أجلس إلى طاولتك قليلًا؟ فهناك شخص يبحث عني ولا يمكنني مقابلته. يا إلهي، تلك المرآة! ولكنهم لن يبحثوا عني أبدًا إن رأوك.» «هذا يا سيدة أوجليثورب هو ستانوود إيميري، ابن الشريك الأساسي في شركتنا.» «أوه، من الرائع للغاية مقابلتك يا سيدة أوجليثورب. لقد رأيتكِ ليلة أمس، ولكنكِ لم تريني.» «هل حضرت العرض؟» «كدت أقفز فوق أقدام الحضور، لقد كنتِ رائعةً للغاية.» كانت له بشرة بُنية متورِّدة، وعينان مهمومتان تقتربان نوعًا ما من جسر أنفه الحاد رخو التكوين، وفم كبير لا يسكن أبدًا، وشعر بُني مموج يقف مستقيمًا لأعلى. نظرت إلين من أحدهما إلى الآخر مُقهقِهةً في سرها. كان ثلاثتهم مُتيبِّسين في كراسيهم. قالت: «لقد رأيت سيدة داندرين اليوم بعد الظهيرة. لقد أبهرتني كثيرًا. فهكذا بالضبط أتخيَّل سيدةً عظيمة على حصان أبيض.» «بخواتم في أصابع يديها وأجراس في أصابع قدميها، وسيصدر عنها الأذى أينما حلَّت.» ردَّد ستان ذلك سريعًا بصوت منخفض للغاية يكاد يكون غير مسموع. قالت إلين ضاحكة: «وستصدر عنها الموسيقى أينما حلَّت، أليست كذلك؟» «أقول دائمًا الأذى.» سأل بالدوين بصوت جاف لا ينم عن ود: «حسنًا، كيف حال الكلية؟» قال ستان متورِّد الوجه: «أظنها لا تزال على وضعها. أود لو أحرقوها قبل أن أعود إليها.» نهض واقفًا. «اعذرني يا سيد بالدوين … فقد كان اقتحامي شديد الوقاحة.» عندما استدار مائلًا نحو إلين، اشتمَّت رائحة أنفاسه المعبأة برذاذ الويسكي. «أرجوكِ أن تعذريني يا سيدة أوجليثورب.» وجدت نفسها تمد يدها؛ فاعتصرَتها بشدة يد جافة ونحيلة. خرج بخطًى متأرجحة مصطدمًا بنادل أثناء مروره. انفجر بالدوين في الحديث قائلًا: «لا يمكنني استيعاب ذلك الجرو اللعين. إن قلب الهَرِم المسكين إيميري يعتصر عليه ألمًا. إنه شديد الذكاء ويتمتع بشخصية جيدة وكل تلك الأمور، غير أن كل ما يفعله هو السُّكر والتسبُّب في المشكلات … أظن أن كل ما يحتاجه هو أن يذهب إلى العمل وأن يتحلَّى ببعض القيم. إن امتلاك الكثير من المال هو مشكلة غالبية صبية الكليات هؤلاء … أوه، ولكن يا إلين حمدًا للرب أننا أصبحنا وحدنا مجددًا. لقد كنت أعمل بلا انقطاع طوال حياتي حتى منذ أن كان عمري ١٤ عامًا. وقد حان الوقت الذي أريد فيه أن أضع جانبًا كل ذلك قليلًا. أريد أن أعيش وأن أسافر وأن أفكر وأن أكون سعيدًا. لا يمكننا تحمُّل إيقاع وسط المدينة كما اعتدت تحمُّله. أريد أن أتعلم كيف ألعب، وكيف أُخفِّف عن نفسي التوتر … وهنا يأتي دوركِ.» «ولكني لن أُعرِّض نفسي للخطر من أجل أحد.» ضحكت ورمَشَ جفناها. «دعينا نذهب خارج البلاد إلى مكان ما هذا المساء. لقد كنت أختنق طوال اليوم في المكتب. إنني أكره يوم الأحد على أي حال.» «ولكن لديَّ بروفة.» «يمكنك التظاهر بالمرض. سأطلب سيارةً عبر الهاتف.» «يا إلهي، هذا جوجو … مرحبًا جوجو»، ولوَّحت بقفازها من فوق رأسها. تقدَّم جون أوجليثورب، وقد وضع على وجهه بودرة التجميل وفمه ترتسم عليه ابتسامة حَذِرة أعلى ياقته الواقفة، بين الطاولات المزدحمة، مادًّا يده المضغوطة بإحكام داخل قفازه الأديمي اللون ذي الخطوط السوداء. «كيف حالكِ يا عزيزتي، إن هذا حقًّا لمن دواعي اندهاشي وسروري.» «يعرف كل منكما الآخر، أليس كذلك؟ هذا هو السيد بالدوين.» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «أستميحك عذرًا إن كنت قد تطفَّلت عليكما … أعني … على محادثتكما الخاصة.» «لا شيء من هذا القبيل، اجلس وسنتناول شرابًا معًا جميعًا … كنت أتوق لتوي لرؤيتك حقًّا يا جوجو … بالمناسبة، إن لم يكن لديك أي شيء آخر تفعله هذا المساء، فيمكنك التسلُّل إلى المسرح لبعض الوقت. أريد أن أعرف رأيك في قراءتي للدَّور …» «بالطبع يا عزيزتي، فلا يمكن لشيء أن يسعدني أكثر من ذلك.» بجسد متوتِّر بالكامل أرجع جورج بالدوين ظهره ويده قابضة على ظهر كرسيه. قطع كلماتِه بحدة كما تُقطع المعادن: «أيها النادل … ثلاث كئوس من السكوتش على الفور لو سمحت.» أراح أوجليثورب ذقنه على الكرة الفضية في قمة عصاه. واستهلَّ الحديث قائلًا: «إنها الثقة يا سيد بالدوين، الثقة بين الزوج وزوجته شيء جميل حقًّا. إنها لا تتأثر بالمكان والزمان. إذا ذهب أحدنا إلى الصين لألف سنة، فلن يُغيِّر ذلك في عاطفتنا قيد أنملة.» «كما ترى يا جورج، مشكلة جوجو هي أنه قرأ كثيرًا من أعمال شكسبير في شبابه … ولكن عليَّ أن أذهب وإلا فسيصرخ ميتون فيَّ موبِّخًا مرةً أخرى … تحدَّثا عن العبودية الصناعية. حدِّثه يا جوجو عن العدالة.» نهض بالدوين. تورَّدت وجنتاه بعض الشيء. وقال وأسنانه مطبقة: «أتسمحين لي أن أُرافقك إلى المسرح؟» «لا أسمح مطلقًا بأن يرافقني أحد إلى أي مكان … وأنت يا جوجو، عليك أن تظل واعيًا دون سُكر كي تراني وأنا أُمثِّل.» في الجادة الخامسة، كانت السُّحب الوردية والبيضاء متراصةً بعضها فوق بعض في ريح خفَّاقة جلبت الانتعاش بعد الحديث المتخم وخنقة دخان التبغ وشراب الكوكتيل. لوَّحت في سعادة لسائق سيارة الأجرة مودِّعةً وابتسمت له. ثم وجدت أن عينَين قلقتَين تنظران إلى عينَيها بجدية من وجه بُني مرفوع الحاجبَين. «انتظرت لأراكِ تخرجين. هل يمكنني أنا أُرافقك لمكان ما؟ إن سيارتي الفورد عند الناصية … أرجوكِ.» «ولكني ذاهبة إلى المسرح فحسب. لديَّ بروفة.» «حسنًا، دعيني أصطحبكِ إلى هناك.» شرعت في ارتداء قفازها بتمعُّن. «حسنًا، ولكنه عبء ثقيل عليك.» «لا بأس. يمينًا من هنا … كانت وقاحة كبيرة مني أن أقطع طريقكِ بتلك الطريقة، أليس كذلك؟ ولكن تلك قصة أخرى … على أي حال فقد قابلتكِ. اسم سيارتي الفورد هو دينجو، ولكن تلك قصة أخرى أيضًا …» «بصرف النظر عن أي شيء، فمن اللطيف مقابلة شاب لديه مشاعر إنسانية. ليس هناك شباب لديهم مشاعر إنسانية في نيويورك.» أصبح وجهه قرمزيًّا عندما مال لتشغيل السيارة. «أوه، إنني صغير السن للغاية.» نفث المحرِّك، وبدأ العملَ مصدرًا زئيرًا. قام من مكانه وأغلق صمام الوقود بيده الطويلة. «سيُقبَض علينا على الأرجح؛ فخافض الصوت في السيارة مفكوك وقد يتعطَّل.» مرَّا في شارع ٥٤ على فتاةٍ تسير الهوينى عبر الزحام ممتطيةً حصانًا أبيض، كان شعرها الكستنائي يتدلَّى في تموُّجات زائفة متساوية فوق الصهوة الطباشيرية للحصان وفوق الحِلْس ذي الحافة المُذهَّبة حيث الأحرف الخضراء القرمزية الأطراف للعلامة التجارية «داندرين». غنَّى ستان وهو يضغط على بوق السيارة: «خواتم في أصابع يدَيها وأجراس في أصابع قدمَيها، وستُعالج قشرة الشعر أينما ظهرت.»
|
{
"chapter": "سيدة عظيمة على حصان أبيض",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.1/"
}
|
وقت الظهيرة في يونيون سكوير. تصفيات. نُريد أن ننتهي من بيع كل ما لدينا. مُضطرون للبيع بالخسارة. يجثو الصِّبية الصغار على الأسفلت المغبَّر يُلمِّعون الأحذية ذات النعل المسطَّح، والأحذية ذات الكعوب العالية، والأحذية ذات الأزرار، والأحذية الكلاسيكية. تُشرق الشمس كالهِندِباء على أطراف كل زوج من الأحذية لُمِّع لتوه. من هنا يا فتى، يا سيد، يا آنسة، يا سيدتي، خلف المتجر تشكيلتنا الجديدة من التويد الراقي بأعلى جودة وأقل سعر … يا سادة، يا آنسات، يا سيدات، أسعار مُخفَّضة … مضطرون للبيع بالخسارة. نريد أن ننتهي من بيع كل ما لدينا. تسلَّل ضوء الظهيرة خافتًا في مطعم للتشوب سوي الصيني. وسُمعت الموسيقى الهندوستانية المكتومة. يتناول بيض الفو يونج، وتتناول هي الشاو مين. يرقصان وفماهما ممتلئان، حيث تلتصق كنزتها الزرقاء الضيقة ببِذلته السوداء الملساء، وتجعُّدات شعرها المعالَجة بالأكسجين فوق شعره الأسود الأملس. في شارع ١٤ يعلو نشيد معركة الجمهورية، المجد المجد ها هو الجيش قادم، وتمشي الفتيات بخطوات كبيرة، المجد المجد، تلمع الآلات في أيدي عِظام الأبدان، في زِيِّهم الأزرق، إنها فرقة جيش الخلاص. بأعلى جودة وأقل الأسعار. نريد أن ننتهي من بيع كل ما لدينا. مضطرون للبيع بالخسارة. من ليفربول، الباخرة البريطانية رالي، القبطان كتلويل، ٩٣٣ حُزمة، ٨٨١ صندوقًا، ١٠ سلَّات، ٨ رُزم من المنسوجات: ٥٧ صندوقًا، ٨٩ حُزمة، ١٨ سلةً من الخيوط القطنية: سقطت ١٥٦ حُزمةً من اللبات: ٤ حزم من الأسبستوس: ١٠٠ جِراب من البكرات … ••• توقَّف جو هارلاند عن الكتابة على الآلة الكاتبة ونظر لأعلى إلى السقف. كانت أطراف أصابعه محتقنة. وفاحت في المكتب رائحة كريهة من الصمغ وقوائم الشحن والرجال في قمصانهم التي لا يرتدون شيئًا فوقها. عبر النافذة المفتوحة، كان بإمكانه أن يرى جزءًا من الجدار القاتم لأحد المناور ورجلًا بقناع عيون أخضر يحدِّق في الفراغ من النافذة. وضع ساعي المكتب أشقر الشعر رسالةً قصيرة على ركن مكتبه: سيُقابلك السيد بولوك في الساعة الخامسة و١٠ دقائق. تملَّكت حلقه غصَّة صلبة؛ سيرفدني. شرعت أصابعه في الكتابة مجدَّدًا: من جلاسكو، الباخرة الهولاندية دلفت، القبطان ترومب، ٢٠٠ حُزمة، ١٢٣ صندوقًا، ١٤ برميلًا صغيرًا … تجوَّل جو هارلاند في متنزَّه باتري حتى وجد مكانًا فارغًا في أحد المقاعد، ثم ترك نفسه ليرتمي عليه. كانت الشمس تغرق في بخار زعفراني مائج خلف نيوجيرسي. حسنًا، لقد انتهى الأمر. جلس طويلًا يُحدِّق في غروب الشمس كما لو كان يُحدِّق في صورة بغرفة انتظار طبيب أسنان. تنبعث جدائل كبيرة من الدخان من زورق قَطر مارٍّ ملتفة لأعلى سوداء وقرمزية أمام الزورق. جلس مُحدِّقًا إلى غروب الشمس، منتظرًا. تلك ١٨ دولارًا و٥٠ سنتًا كانت معي من قبل، ناقص ٦ دولارات لإيجار الغرفة، ودولار و٨٤ سنتًا لغسيل الملابس، و٤ دولارات و٥٠ سنتًا أدين بها لتشارلي، المجموع ٧ دولارات و٨٤ سنتًا، ١١ دولارًا و٨٤ سنتًا، ١٢ دولارًا و٣٤ سنتًا من ١٨ دولارًا و٥٠ سنتًا، يتبقَّى ٦ دولارات و١٦ سنتًا، ويجب عليَّ العثور على وظيفة جديدة في غضون ٣ أيام إن امتنعت فيها عن الشراب. يا إلهي، ليت حظي يتغيَّر؛ لقد كان لي حظ وافر في الأيام الخوالي. كانت ركبتاه ترتجفان، وكان ثمة شعور بحُرقة مثيرة للغثيان في أعماق معدته. يا لها من فوضى عارمة ألحقتها بحياتك يا جوزيف هارلاند! تبلغ من العمر الخامسة والأربعين وليس لديك أصدقاء أو معك سنت ننعم به على نفسك. كان شراع القارب أُحادي الصاري مثلَّثًا وقرمزيًّا عندما أبحر في اتجاه الرياح على بُعد بضع أقدام من الممشى الأسمنتي. انحنى شاب وشابة معًا عندما مرَّت ذراع المحرِّك الخفيف متأرجحة. كانت الشمس قد أكسبتهما لونًا برونزيًّا، وكان لهما شعر أصفر بيَّضه الطقس. عضَّ جو هارلاند شفتَيه ليُمسك نفسه عن البكاء عندما ابتعد القارب أُحادي الصاري إلى داخل ظُلمة الخليج التي تنعم بمسحة من الشفق. يا إلهي، إني بحاجة لشراب. يقول مرارًا وتكرارًا: «أليست جريمة؟ أليست جريمة؟» حتى أجفل الرجل الجالس إلى يساره. أدار جو هارلاند رأسه، وقد كان للرجل وجه أجعد أحمر وشعر فضي. أمسك بالجريدة المفتوحة على صفحة الدراما والمشدودة بين راحتَيه المتسختَين. «ترتدي هؤلاء الممثِّلات الشابات جميعًا ملابس مكشوفةً بهذا الشكل … عجبًا، فليتركونا في حالنا.» «ألَا تُحب مشاهدة صورهن في الجرائد؟» «أقول عجبًا ليتركونا في حالنا … إذا لم يكن لديك عملٌ أو مال، فما الفائدة منهن؟» «حسنًا، الكثيرون يحبُّون مشاهدة صورهن في الجرائد. أنا عن نفسي كنت أفعل ذلك في الأيام الخوالي.» زعق بوحشية: «كان لدينا عمل في الأيام الخوالي … أليس لديك عمل الآن؟» هزَّ جو هارلاند رأسه. «حسنًا، ماذا سيحدث بحق الجحيم؟ عليهن أن يتركوك وحدك، أليس كذلك؟ لن تكون هناك وظائف حتى يحل الشتاء ويبدأ جرف الثلوج.» «ماذا ستفعل حتى ذلك الوقت؟» لم يُجِب الرجل الهَرِم. انحنى مرةً أخرى فوق الجريدة محدِّقًا ومتمتمًا. «جميعهن يرتدين ملابس مكشوفة، إنها جريمة، صدِّقني.» نهض جو هارلاند وغادر. اقترب الليل، وكانت ركبتاه متيبستَين من الجلوس ساكنًا لوقت طويل. وهو يسير ضجرًا، شعر بكرشه يُشنِّجه حزامه المحكم. يا جواد الحرب الهَرِم المسكين، إنك بحاجة لبعض الشراب للتفكير في الأمور. خرجت نفحات من رائحة الجِعَة عبر بابَين متأرجحَين. بالداخل، كان وجه الساقي كتفاحة خمرية فوق رف من خشب الماهوجني من أرفف أركان الحانة. «أعطني جرعةً من الجاودار.» لسع الويسكي حلقه ساخنًا وعَبِقًا. هذا الشيء يُشعرني بكِياني. دون أن يتناول الشراب المعتدل اللاحق، اتجه مباشرةً إلى الغداء المجاني وتناول شطيرةً من لحم الهام وزيتونة. «دعني أتناول جرعةً أخرى من الجاودار يا تشارلي. فهذا الشيء يُشعرني بنفسي. لقد توقَّفت عن تناوله كثيرًا، وهذا ما جعلني أشعر أنني لست على ما يرام. لا يمكنك تخيُّل ما كنت عليه بالنظر إليَّ الآن يا رفيقي، ولكنهم كانوا يُطلقون عليَّ ساحر وول ستريت، وما هي إلا إحدى صور السيطرة العجيبة للحظ على أمور البشر … أجل يا سيدي بكل سرور. حسنًا، لنشرب من أجل الصحة والعمر المديد وليذهب الجالب للنحس إلى الجحيم … إنه يصنع منك رجلًا … حسنًا، أعتقد أنه لا يوجد أحد منكم أيها السادة هنا لم يُقدم على المخاطرة في وقت أو آخر، وكم منكم لم يرجع عليه ذلك بمزيد من الحزن والحكمة! هذا مثال آخر على السيطرة العجيبة للحظ على أمور البشر. لكن هذه لم تكن الحال معي؛ فلعشر سنوات يا سادة لعبت في سوق البورصة، لعشر سنوات لم تترك فيها يدي شريط جهاز أسعار البورصة ليلًا أو نهارًا، ولعشر سنوات لم أخسر سوى ثلاث مرات حتى آخر وقت. سأُخبركم بسرٍّ أيها السادة. سأُخبركم بسر مهم للغاية … أعطِ أصدقائي الجيدين جدًّا هؤلاء جرعةً أخرى من الشراب يا تشارلي، تحيةً مني، واسكب جرعةً لنفسك … يا إلهي، إنه يُدغدغ الحلق في المكان المناسب … أيها السادة، هذا مثال آخر على السيطرة العجيبة للحظ على أمور البشر. إن سر حظي يا سادة … وهو صحيح أؤكِّد لكم؛ إذ يمكنكم التأكُّد منه بأنفسكم من مقالات الصحف، والمجلات، والخُطب، والمحاضرات التي قُدِّمت في تلك الأيام، وحتى من رجل، اتضح مؤخَّرًا أنه وغد قذر، كتب عني قصةً بوليسية أسماها سر النجاح، والتي يمكنكم أن تجدوها في مكتبة نيويورك العامة إن كنتم مهتمين بالبحث في الأمر … كان سر نجاحي … وعندما تسمعون إليه ستضحكون فيما بينكم وتقولون إن جو هارلاند قد ثمل، جو هارلاند أحمق هَرِم … أجل ستفعلون … لعشر سنوات أؤكِّد لكم أنني كنت أُتاجر بالهامش، وأشتري بالكامل، وغطَّيت أسهمًا لم أكن لأسمع عنها، وكنت أربح في كل مرة. لقد تكوَّمت لديَّ الأموال. كنت أمتلك أربعة بنوك في راحة يدي. بدأت أعرف طريقي إلى الحلوى والكوتابركا، ولكني كنت سابق عهدي في ذلك … غير أنكم تائقون لمعرفة سري، تظنون أنه كان بإمكانكم الاستفادة منه … حسنًا، لم يكن بإمكانكم ذلك … لقد كانت رابطة عنق حريريةً زرقاء مغزولة صنعتها أمي لي عندما كنت طفلًا صغيرًا … لا تضحكوا، اللعنة عليكم … كلا، لا أبتدع شيئًا. فما هذا إلا مثال آخر على السيطرة العجيبة للحظ. في اليوم الذي ساهمت فيه مع رجل آخر لتوزيع ألف دولار على سكة حديد لويزفيل وناشفيل بالهامش، كنت أرتدي ربطة العنق تلك. وقد ارتفع السهم بمقدار ٢٥ نقطةً في ٢٥ دقيقة. كانت تلك هي البداية. ثم بدأت أُلاحظ تدريجيًّا أن الأوقات التي لم أكن أرتدي فيها ربطة العنق تلك كانت هي الأوقات التي خسرت فيها المال. تقدَّمت كثيرًا في العمر وأصبحت رثَّة الهيئة، فحاولت حملها في جيبي. ولكنها لم تفعل أي شيء. فكان عليَّ ارتداؤها، هل تستوعبون الأمر؟ … البقية هي الحكاية القديمة الأزلية يا سادة … كانت هناك فتاة، تبًّا لها، وقد أحببتها. أردت أن أُريها أنه ليس ثمة شيء في العالم لن أفعله من أجلها فأعطيتها إياها. وتظاهرتُ أن الأمر كان مزحةً وأخذت الأمر بمرح، هأ، هأ، هأ. قالت عجبًا إنها ليست جيدة، إنها بالية تمامًا، وألقت بها في النار … ما هذا إلا مثال آخر … ألن تُقدِّم لي شرابًا آخر يا صديقي؟ وجدت نفسي خالي الوفاض على حين غفلة بعد ظهيرة هذا اليوم … أشكرك يا سيدي … آه، ذلك الشراب يحرق الحلق مجددًا.» ••• في عربة المترو المكتظة، كان ساعي البريد ملاصقًا ظهره ظهر امرأة شقراء طويلة تفوح منها رائحة حدائق الأبنية المقدسة التي تحوي تمثالًا للعذراء مريم. المرافق، والأمتعة، والأكتاف، والأرداف تتمايل مقتربةً بعضها من بعض مع كل ترنُّح للقطار السريع المصرصر. كانت قبعة شركة ويسترن يونيون المتعرِّقة التي كان يرتديها قد تلقَّت لكمةً أمالتها فوق رأسه. إذا كانت معي امرأة مثل تلك، امرأة مثلها تستحق أن يسرق المرء القطار من أجلها، تنطفئ الأنوار، ويتعطَّل القطار. كان بإمكاني أن أحظى بها لو كانت لديَّ الجرأة والمال. عندما تباطأ القطار سقطت عليه، أغلق عينَيه، ولم يتنفَّس، وكانت أنفه مدفونةً في عنقها. توقَّف القطار. حمله سيل من البشر إلى خارج الباب. مصابًا بالدُّوَار ترنَّح في الهواء وكتل الضوء الوامضة. كان شارع برودواي بالأعلى يعج بالمارة. إذ تسكَّع البحَّارة في ثنائيات وثلاثيات عند ناصية شارع ٩٦. تناول لحمَ الهام وشطيرةً من نقانق الكبد في متجر بقالة. كان للمرأة خلف طاولة البيع شعر سمني اللون مثل الفتاة التي كانت في المترو، غير أنها كانت تفوقها وزنًا وتكبرها سنًّا. دخل المصعد وهو لا يزال يمضغ كسرة الشطيرة الأخيرة وصعد إلى الحديقة اليابانية. جلس يتفكَّر قليلًا والنافذة تومض أمام عينَيه. يا إلهي، سيعجبون من رؤية ساعي بريد هنا يرتدي هذه الثياب. من الأفضل أن أفر من هنا. سأذهب لتسليم البرقيات. أحكمَ شد حزامه وهو ينزل الدرج. ثم مشى متراخيًا في برودواي إلى شارع ١٠٥ وشرقًا نحو جادة كولومبوس، مراقبًا الأبواب، وسلالم الطوارئ، والنوافذ، والأفاريز أثناء سيره. هذا هو المكان المناسب. فالأنوار الوحيدة المضاءة في الطابق الثاني. رنَّ جرس باب الطابق الثاني. طقطق مزلاج الباب. فصعد الدرج راكضًا. أخرجت رأسها امرأة ذات شعر خفيف ووجه حمَّره الانحناء فوق الموقد. «برقية لسانتيونو.» «لا يوجد أحد هنا بهذا الاسم.» «معذرةً يا سيدتي، لا بد أنني رننت الجرس الخطأ.» أُوصِد الباب في أنفه. انشدَّ وجهه المتراخي الشاحب بغتة. ركض رشيقًا على أطراف أصابعه صاعدًا الدرج إلى البَسطة العليا، ثم صعد السلم الصغير إلى الباب المسحور. صرصر المِزلاج عندما سحبه للخلف. فحبس أنفاسه. وبمجرد أن وصل إلى السطح الذي تتراكم عليه بقايا الرماد، أغلق الباب المسحور برفق. علَت المداخن في صفوفٍ نافرةٍ في كل مكان حوله، سوداء أمام وهج الأضواء القادمة من الشارع. تقدَّم رابضًا بحذر إلى حافة المنزل الخلفية، وتسلَّق المزراب نزولًا إلى سُلم الطوارئ. عندما هبط خدشَ قدمَيه أَصِيص زهور. كل شيء مظلم. زحف عبر النافذة إلى غرفة مكتومة تفوح منها رائحة نسائية، فسلَّ يده أسفل وسادة سرير غير مرتب، وبجانب منضدة سكَبَ بعضًا من بودرة الوجه، وبارتجافات دقيقة فتحَ الدُّرج، حيث وجدَ ساعة يد، ودبوسًا غُرس في إصبعه، ودبوس زينة، وشيئًا تجعَّد في الزاوية الخلفية، لقد كان أوراقًا نقدية، لفافة من الأوراق النقدية. اهرب، ليست لديك فرص الليلة. نزل سُلم الطوارئ إلى الباب التالي. ليس ثمة ضوء. نافذة أخرى مفتوحة. هذا أمر في غاية السهولة. الغرفة نفسها، ولكنها هذه المرة تفوح منها رائحة الكلاب والحشرات، مع نفحةٍ من رائحة مخدر. رأى صورته نحيلةً مضطربةً في زجاج المنضدة، فوضع يده في وعاء من الدهان البارد، ومسحه في بنطاله. تبًّا. انطلقت صيحة من شيء ناعم وأزغب أسفل قدمه. وقف يرتجف في وسط الغرفة الضيقة. كان الكلب الصغير ينبح عاليًا في أحد الأركان. أضاءت الغرفة فجأة. وقفت فتاةٌ عند فتحة الباب تُصوِّب مسدسًا نحوه. وكان ثمة رجلٌ خلفها. «ماذا تفعلين؟ يا إلهي، إنه ساعٍ من ويسترن يونيون …» شكَّل الضوء تشابكًا نحاسي اللون حول شعرها، وحدَّد جسمها تحت الكيمونو الحريري الأحمر. ظهر الشاب خلفها بالغ النحافة وبُني اللون في قمصيه المفتوح الأزرار. «ما الذي تفعله في هذه الغرفة؟» «أرجوكِ يا سيدتي، إن الجوع هو ما دفعني إلى ذلك، إنه الجوع وأمي العجوز المسكينة تتضوَّر جوعًا.» «أليس هذا عجيبًا يا ستان؟ إنه لص.» لوَّحت بالمسدس. «اخرج إلى الردهة.» «أجل يا سيدتي، سأفعل كل ما تأمرين به، ولكن لا تُسلِّميني للشرطة. تذكَّري أمي العجوز التي سيعتصر الحزنُ قلبها.» «حسنًا، ولكن إذا كنت قد أخذت شيئًا فلا بد أن تعيده.» «صدقًا، لم تسنح لي الفرصة.» ارتمى ستان على كرسي يضحك بلا توقُّف. «يا لكِ من حمقاء يا إيلي … لم أتخيَّل منكِ ذلك.» «حسنًا، ألم أُمثِّل هذا المشهد طوال الصيف الماضي؟ … سلِّم مسدسك.» «لا يا سيدتي، أنا لا أحمل مسدسًا.» «حسنًا، أنا لا أصدِّقك ولكني أظن أنني سأتركك ترحل.» «فليبارككِ الرب يا سيدتي.» «ولكن لا بد أنك تتكسَّب من عملك كساعي بريد.» «لقد رفدوني الأسبوع الماضي يا سيدتي، وما دفعني إلى ذلك سوى الجوع.» نهض ستان. «لِنعطِه دولارًا ونطرده من هنا.» عندما خرج من الباب أعطته الدولار. قال بصوت مختنق: «يا إلهي، إنكِ بيضاء.» أمسك بيدها مُقبِّلًا إياها وبورقة النقود، وبينما كان منحنيًا على يدها يُقبِّلها اختلس النظر إلى جسدها من أسفل ذراعها عبر الكم الحريري الأحمر المتدلي. عندما نزل الدرج، ولا يزال مرتجفًا، نظر للخلف ورأى الرجل والفتاة واقفَين متجاورَين يحوط كلٌّ منهما الآخر بذراعه ويراقبانه. كانت عيناه ممتلئتَين بالدموع. ودسَّ الدولار في جيبه. إذا استمررْتَ أيها الفتى في رِقتك مع النساء فستجد نفسك في هذا الفندق الصيفي الصغير أعلى النهر … ولكنك كنت رقيقًا للغاية. مشى مُصفِّرًا بصوتٍ منخفضٍ إلى القطار السريع وأخذ قطارًا إلى شمال المدينة. وكان بين الحين والآخر يضع يده فوق جيبه الخلفي ليتحسَّس لُفافة النقود. ركض صاعدًا إلى الطابق الثالث لمبنًى سكني تفوح منه رائحة السمك المقلي وغاز الفحم، ورنَّ ثلاثًا جرس الباب الزجاجي الملطَّخ. انتظر قليلًا وطرق الباب برفق. جاء خافتًا صوتُ امرأة يئن: «أهذا أنت يا مويكي؟» «لا، أنا نيكي شاتز.» فتحت الباب امرأة حادة الوجه وذات شعر مُخضَّب بالحناء. كانت ترتدي معطفًا من الفرو فوق ملابس داخلية من الدانتيل المكشكش. «كيف الحال يا فتى؟» «بحق المسيح، لقد أمسكَت بي سيدة جميلة للغاية أثناء قيامي بعملية صغيرة، وماذا تظنينها قد فعلت؟» تبع السيدة، متحدِّثًا بحماس، إلى غرفة طعام متآكلة الجدران. وكانت على الطاولة كئوس متسخة وزجاجة من ويسكي جرين ريفير. «لقد أعطتني دولارًا ونصحتني أن أكون فتًى جيدًا.» «أفعَلَت هذا بحق الجحيم؟» «هذه ساعة يد.» «إنها ماركة إنجرسول، أنا لا أعد هذه ساعة يد.» «حسنًا، ركِّزي ضوء مصباحك على هذه.» أخرجَ لُفافة النقود. «أليست هذه لفافة خَس؟ … ورب السماء إنها آلاف.» «دعني أرَ.» انتزعت النقود من يده، وجحظت عيناها. «أنت أيها الفتى المجنون.» ألقت باللفافة على الأرض وشبَّكت يدَيها تهزُّهما في إيماءة يهودية. «يا للهول، إنها أموال المسرح. إنها أموال المسرح أيها المغفَّل الساذج، اللعنة عليك …» ••• جلسا متجاورَين مقهقهَين على حافة السرير. وعبر الرائحة المكتومة للغرفة المليئة بالقطع الحريرية الصغيرة للملابس الساقطة من فوق الكراسي، جاءت انتعاشةٌ خافتةٌ من باقة زهور صفراء موضوعة على المنضدة. التفَّ ذراع كلٍّ منهما حول كتف الآخر؛ فانحنى نحوها ليقبِّل فمها. قال لاهثًا: «يا له من لص!» «ستان …» «إيلي.» تمكَّنت من إطلاق همسة عبر حلقها المسدود: «أظن أنه قد يكون جوجو. فذلك تصرُّف يشبهه تمامًا أن يأتي مختلس النظر متسلِّلًا.» «لا أستوعب يا إيلي كيف يمكنك العيش معه من بين جميع الناس. أنتِ جميلة للغاية. لا يمكنني أن أتخيَّلكِ في كل هذا.» «لم يكن الأمر بهذه الصعوبة قبل أن أُقابلك … وصدقًا فإن جوجو لا بأس به. كل ما هنالك أنه شخص غريب الأطوار وتعيس للغاية.» «ولكنكِ تنتمين إلى عالم آخر يا صغيرتي المسكينة … يجب أن تعيشي في الطابق العلوي بمبنى وول وورث في شقة من الزجاج المزخرف وأزهار الكرز.» «ستان، إن ظهرك بُني بالكامل.» «ذلك من أثر السباحة.» «أمبكِّرًا هكذا؟» «أظن أن معظمه متبقٍّ من الصيف الماضي.» «أنت شاب محظوظ تمامًا. لم أتعلَّم السباحة جيدًا قط.» «سأعلِّمكِ … اسمعي، يوم الأحد في الصباح الباكر سننطلق بدينجو في سيارتي ونذهب إلى لونج بيتش. بعيدًا حيث لا يوجد أحد على الإطلاق … حتى إنه لن يكون عليكِ أن ترتدي لباس السباحة.» «يعجبني كم أنت نحيف وصلب يا ستان … إن جوجو أبيض ورخو حتى يكاد يشبه النساء.» «أرجوك لا تتحدَّثي عنه الآن.» نهض ستان مباعدًا بين ساقَيه ومزرِّرًا قميصه. «اسمعي يا إيلي، لنخرج من هنا ونحتسِ شرابًا … كم أكره أن أُقابل أحدًا بالصدفة وأُضطر أن أُلفِّق له الأكاذيب … أُراهن أنني سأضربه في رأسه بكرسي.» «لدينا مُتسع من الوقت. لا أحد يأتي إلى المنزل هنا قبل الساعة الثانية عشرة … فما أنا عن نفسي هنا إلا لأنني مصابة بصداع شديد.» «هل يروق لكِ صداعكِ الشديد يا إيلي؟» «أنا مولعة به يا ستان.» «أظن أن ذلك اللص من ويسترن يونيون قد علم ذلك … يا إلهي … سرقة، وخيانة زوجية، وهروب عبر سلالم الطوارئ، والتسلل كالقطط عبر المزاريب. يا للهول، يا لها من حياة رائعة!» أمسكت إلين بقوة بيده أثناء نزولهما الدرج معًا. وأمام صناديق البريد في المدخل الأجرد، انتزعها على حين غرة من كتفَيها وأرجع رأسها للوراء وقبَّلها. انطلقا لاهثَين في الشارع نحو برودواي. كانت يده أسفل ذراعها، فضغطت عليها بشدة فوق ضلوعها بمرفقها. من بعيد، كما لو كانت تشاهد حوض سمك عبر زجاج سميك، نظرت إلى الوجوه، والفواكه في نوافذ المتاجر، وصفائح الخَضراوات، جِرار الزيتون، والكنيفوفيات عند بائع الورد، والصُّحف، واللافتات الكهربائية المارة بجوارها. عندما عبرا تقاطع الطرق، لفحت وجهها نفحة هواء قادمة من النهر. رمقات أعين مباغتة ولامعة كالكهرمان الأسود أسفل قبعات قشية، وتحركات الأذقان، والشفاه النحيفة، والشفاه العابسة، والشفاه الحادة الحواف، وظلال الجوع أسفل عظام الوجنات، ووجوه الفتيات والشباب التي تخفق أمامها بأنوفٍ مدسوسةٍ في وجوههم كالعُث، يطاردها كل ذلك وهي تسير بخطًى متساوية مع خطى ستان في جو الليل الأصفر الواخز. جلسا إلى طاولة في مكان ما. عزفت أوركسترا ألحانًا. «كلا يا ستان، لا يمكنني أن أشرب أي شيء … اشرب أنت.» «ولكن يا إيلي أليس لديكِ شعور رائع كما لدَي؟» «بل أروع … ولكن كل ما هنالك أنني لا يمكنني تحمُّل الشعور بما هو أكثر من ذلك … لا يمكنني أن أركِّز ذهني على كأس فترةً طويلة لأحتسيه.» جفلت من لمعان عينَيه. كان ستان سكران ومنتشيًا. ظل يردِّد: «أود لو تُنبت الأرض جسدكِ فاكهةً تؤكل.» كانت إلين طوال الوقت تلوي بشوكتها بعض فتات الريربيت الويلزي البارد المتجلِّد. شعرت أنها بدأت تسقط مترنِّحةً كأفعوانية في هوات مرتعدةً من التعاسة. وفي بقعةٍ مربعةٍ في وسط الأرضية، كان هناك أربعة أزواج يرقصون التانجو. نهضت واقفة. «ستان سأذهب إلى المنزل. يجب أن أستيقظ مبكِّرًا وأتدرَّب طوال اليوم. اتصل بي في الثانية عشرة في المسرح.» أومأ وسكب لنفسه جرعةً أخرى من الشراب. وقفَت خلف كرسيه لثانية تنظر لأسفل إلى رأسه الطويل ذي الشعر الأشعث الكثيف. كان ينطق بأبيات لنفسه بصوت خفيض. «رأيت أفروديت ذات البياض العنيد، فاحشة الجمال، رأيت الشعر المنسدل والقدمَين العاريتَين، يا للهول … تضوي كنار المغيب فوق مياه الغرب. رأيت القدمَين المستعصيتَين … تبًّا للأبيات السافونية الرائعة.» بمجرد وصولها شارع برودواي مرةً أخرى، شعرت بالبهجة الشديدة. وقفت في منتصف الشارع تنتظر العربة المتوجِّهة إلى شمال المدينة. مرَّت بها مسرعةً بالصدفة سيارة أجرة. من اتجاه البحر محمولًا على الريح الدافئة أتى الأنين الطويل لصافرة السفينة البخارية. شعرت بداخلها وكأن أقزامًا يبنون أبراجًا لامعة هشة طويلة. انقضت العربة تطن فوق القضبان، ثم توقفت. عندما صعدَت إليها، تذكرت منتشيةً رائحة جسد ستان وهو يتعرَّق بين ذراعَيها. تركت نفسها لتتهاوى على المقعد، قاضمةً شفتَيها حتى لا تُطلق صريخًا. يا إلهي يا لفظاعة أن يكون المرء مغرمًا! كان هناك أمامها رجلان بوجهَين صغيرَي الذقن كوجوه السمك الأزرق يتحدَّثان جذلَين، ويضربان ركبَيهما البدينة. «أقول لك يا جيم إن إيرين كاسيل هي مَن تأسرني … فرؤيتها وهي ترقص رقصة وان ستيب تجعلني أسمع ملائكةً تُهمهم.» «كلا، إنها شديدة النحافة.» «ولكنها حقَّقت أكبر نجاح على الإطلاق في برودواي.» نزلت إلين من العربة ومشت نحو الشرق بمحاذاة الأرصفة الخاوية الخربة لشارع ١٠٥. تسرَّبت زَخَمَة أغطية الأَسِرة من المربعات السكنية للمنازل ذات النوافذ الضيقة. وعلى طول المزاريب فاحت رائحة صناديق القُمامة كريهةً حامضة. وفي ظل عتبة أحد الأبواب تثبَّت بإحكام رجل وفتاة يتمايل كلٌّ منهما في ذراع الآخر. تمنَّى كلٌّ منهما للآخر ليلةً سعيدة. فابتسمت إلين فَرِحة. أكبر نجاح في برودواي. كان وَقْع الكلمات عليها كمصعد يرفعها فاقدةً الوعي، لأعلى إلى ارتفاع مهيب حيث تُطقطِق اللافتات الكهربائية بالأضواء القرمزية، والذهبية، والخضراء، وحيث حدائق الأسقف البراقة التي تنبعث منها رائحة زهور الأوركيد، والخفقان البطيء لرقصات التانجو وهي ترتدي فستانًا ذهبيًّا مخضرًّا ويرقص معها ستان، بينما يهب إيقاع تصفيق الملايين كعاصفة ثلجية تجتاحهما. أكبر نجاح في برودواي. كانت تصعد الدرج الأبيض مرتقية. وأمام الباب المكتوب عليه ساندرلاند، شعرت بنفور مثير للغثيان يخنقها فجأة. فوقفت طويلًا وقلبها يدق مؤرجحةً المفتاح أمام قفل الباب. ثم برعشة دفعت المفتاح في القفل وفتحت الباب. ••• «إنه غريب الأطوار يا جيمي، غريب.» جلس هيرف وروث برين يقهقهون أمام أطباق المعجنات في الركن الداخلي لمطعم ذي سقف منخفض يعج بالضوضاء. «يبدو أن جميع الممثِّلين من ذوي الأداء المتكلَّف حول العالم يتناولون الطعام هنا.» «جميع الممثِّلين من ذوي الأداء المتكلَّف حول العالم يقيمون في مبنى السيدة ساندرلاند.» «ما آخر الأخبار من البلقان؟» «البلقان، اسم يليق بالمبنى …» من وراء قبعة روث القشية السوداء وزهور الخشخاش الحمراء حول قمتها، نظر جيمي إلى الطاولات المكدَّسة حيث تبدو الوجوه كما لو كانت تتحلَّل إلى لطخات خضراء رمادية. شقَّ نادلان ذوا وجهَين شاحبَين كوجهَي صقرين طريقهما عبر ثرثرة الحديث المتذبذبة بين الحضور. كانت روث تنظر إليه بعينَين ضاحكتَين متسعتَين بينما كانت تقضم عودًا من الكرفس. كانت تُهمهم قائلة: «مرحى، أشعر بالسُّكْر الشديد. إن الشراب يشق طريقه مباشرةً إلى رأسي … أليس هذا فظيعًا؟» «حسنًا، ما هذا الحدث المروِّع الذي وقع في شارع ١٠٥؟» «أوه، لقد فاتك ذلك. لقد كانت مسخرة … خرج الجميع إلى الردهة، السيدة ساندرلاند بشعرها في لفائف تجعيد الشعر، وكاسي باكية، وتوني هانتر واقفًا عند بابه بثياب نومه الوردية …» «مَن هو؟» «مجرَّد ممثِّل يافع … ولكن يا جيمي يجب أن أُخبرك بأمر توني هانتر. إنه شاذ غريب الأطوار يا جيمي، شاذ غريب الأطوار.» شعر جيمي بتورُّد وجهه، فمال فوق صحنه. وقال بتصنُّع: «أوه، أهذه مشكلته؟» «لقد صُدمت يا جيمي، اعترف أنك صُدمت.» «لا لم أُصدم، تكلَّمي، أكملي نميمتك.» «أوه يا جيمي، يا لك من مَرِح … حسنًا، كانت كاسي تبكي وكان الكلب الصغير ينبح، وكانت الآنسة كوستيلو المختفية عن الأنظار تصرخ طلبًا للشرطة، وتفقد الوعي بين ذراعَي رجل غير معروف يرتدي بِذلةً رسمية. وكان جوجو يُلوِّح بمسدس، مسدس صغير من النيكل، ربما كان مسدس مياه على ما أظن … والوحيدة التي بدت في صوابها كانت إلين أوجليثورب … كما تعلم مثل تلك الصورة ذات الشعر البُني ذي المسحة البرتقالية التي أبهرت ذهنك الصغير.» «صدقًا يا روث لم ينبهر ذهني الصغير بذلك.» «حسنًا، في النهاية تعب المغرم من لعب دوره الكبير، وصاح بنبرات رنانة بأن قال انزع مني السلاح وإلا قتلت هذه المرأة. وأمسك توني هانتر بالمسدس وأخذه إلى غرفته. ثم انحنت إلين أوجليثورب قليلًا كما لو كانت تُحيِّي الجماهير، وتمنَّت ليلةً سعيدة للجميع، وغاصت في غرفتها في رباطة جأش وَسَكينة … أيمكنك تخيُّل الأمر؟» خفضت روث فجأةً من صوتها، قائلة: «ولكن كل شخص في المطعم يستمع إلينا … وحقيقةً أظن أن الأمر كريه للغاية. ولكن الأسوأ لم يأتِ بعد. بعدما قرع المغرم الباب مرتَين ولم يُجِبه أحد، اقترب من توني وأدار عينَيه كفوربس روبرتسون في دَور هاملت، ووضع ذراعه حوله، وقال يا توني هل يمكن لرجل مُحطَّم أن يتوق لملاذ في غرفتك الليلة … صدقًا لقد ذُهلت للغاية.» «هل أوجليثورب مثله كذلك؟» أومأت روث عدة مرات. «فلماذا إذن تزوجته؟» «عجبًا، بوسع تلك الفتاة أن تتزوَّج من عربة ترام لو ظنَّت أن بإمكانها الحصول على أي شيء منها.» «صدقًا يا روث أظن أنكِ أسأتِ تقييم الأمر برمته.» «أنت بريء للغاية على تلك الحياة يا جيمي. ولكن دعني أُنهي سرد الحكاية المأساوية … بعد أن اختفى هذان الاثنان وأغلقا الباب خلفهما أُقيم الحفل الأكثر فظاعةً ممَّا يمكنك تخيُّله على الإطلاق في الردهة. بالطبع عانت كاسي من نوبات هيستيرية طوال الوقت ليزيد ذلك الموقف إثارة. عندما رجعت إليها حيث كنت أُحضر لها بعضًا من روح النشادر الحلو من الحمام، وجدت الحفل مُقامًا. كانت مهزلة. أرادت الآنسة كوستيلو طرد الزوجَين أوجليثورب في الفجر، وقالت إنها سترحل إن لم يرحلا، وظلَّت السيدة ساندرلاند تئنُّ قائلةً إنه خلال سنوات خبرتها الثلاثين في المسرح لم ترَ قط مشهدًا كهذا، والرجل الذي كان يرتدي البِذلة الرسمية، والذي كان بنجامين أردن … تعلم أنه لعب دور إحدى الشخصيات في عرض «زهر العسل جيم» (هانيساكل جيم) … قال إنه يظن أن أشخاصًا كتوني هانتر يجب أن يكونوا في السجن. عندما ذهبت إلى الفِراش كان الشجار لا يزال مستمرًّا. أوَتتعجَّب أنني نمت متأخِّرًا بعد كل ذلك وجعلتك تنتظر، يا عزيزي المسكين، لمدة ساعة في صيدلية تايمز؟» ••• وقف جو هارلاند في غرفة نومه المقتطعة من الردهة ويداه في جيبَيه يحدِّق في لوحة «الأيل في الخليج» المعلَّقة بانحناء في منتصف الجدار الزنجاري الذي أحاط بالسرير الحديدي المتقلقل. وتحرَّكت أصابعه الباردة كالمخالب بلا هوادة في عمق جيبَي بنطاله. كان يتحدَّث جهارًا بصوت هادئ خفيض: «أوه، كما تعلم فالأمر برمته مجرد حظ، ولكن تلك هي المرة الأخيرة التي أُحاول فيها سؤال آل ميريفال. كان بإمكان إيميلي أن تعطيني المال لولا ذلك البخيل الهَرِم اللعين. إذ تتمتَّع إيميلي بلين القلب. غير أن أحدًا منهما لا يبدو أنه يدرك أن هذه الأمور لا تكون دائمًا بسبب خطأ ارتكبه المرء. فالأمر كله يعتمد على الحظ، ويعلم الرب أنهم كانوا يأكلون من عمل يدي في الأيام الخوالي.» كان صوته المتصاعد يصر في أذنَيه. زمَّ شفتَيه معًا. إنك في طريقك إلى الجنون أيها الهَرِم. سار ذهابًا وإيابًا في المساحة الضيقة بين السرير والجدار. ثلاث خطوات. ثلاث خطوات. ذهب إلى حوض الغسيل وشرب من الإبريق. كان مذاق المياه كالخشب العفن ودِلاء النُّفايات. بصق الرشفة الأخيرة. أحتاج إلى شريحة طرية من لحم الخاصرة وليس إلى المياه. سحق قبضتَيه المطبقتَين معًا. يجب أن أفعل شيئًا. يجب أن أفعل شيئًا. ارتدى معطفه كي يخفي المَزق في مَقعدة بنطاله. وخزَ الكُمان الرثان معصمَيه. أصدرت السلالم المظلمة صريرًا. كان شديد الضعف حتى إنه أمسك بالدرابزين خوفًا من أن يسقط. انبثقت السيدة العجوز من الباب منقضَّةً عليه في الردهة السُّفلية. كان الجرذ قد تلوَّى جانبًا فوق رأسها كما لو كان يحاول الهرب أسفل تسريحة البومبادور الرمادية. «متى ستدفع لي أجرة الأسابيع الثلاثة يا سيد هارلاند؟» «إنني لتوي في طريقي لصرف شيك الآن يا سيدة بودكوفيتش. لقد كنتِ كريمةً للغاية في هذا الأمر الصغير … وربما يهمكِ أن تعرفي أنني قد تلقَّيت وعدًا، كلا بل تأكيدًا بخصوص منصب جيد جدًّا بدايةً من يوم الإثنَين.» «لقد انتظرت ثلاثة أسابيع … لن أنتظر أكثر من ذلك.» «ولكن يا سيدتي العزيزة أنا أؤكِّد لكِ بشرفي باعتباري رجلًا نبيلًا …» بدأت السيدة بودكوفيتش تهز كتفَيها. ارتفع صوتها رفيعًا ومنوِّحًا كصوت عربة فول سوداني. «ادفع لي تلك الدولارات الخمسة عشر وإلا فسأؤجِّر الغرفة لشخص آخر.» «سأدفع لكِ مساء اليوم.» «في أي ساعة؟» «في السادسة.» «حسنًا. رجاءً أعطني المفتاح.» «ولكني لا يمكنني فعل ذلك. افترضي أنني جئت متأخِّرًا.» «لذلك أريد المفتاح. لقد سئمت الانتظار.» «حسنًا، فلتأخذي المفتاح … آمل أن تستوعبي أنه بعد هذا السلوك المهين سيكون من المستحيل عليَّ أن أظل أسفل سقفكِ.» ضحكت السيدة بودكوفيتش بصوت أجش. «حسنًا، عندما تدفع لي الدولارات الخمسة عشر يمكنك أن تأخذ حقيبتك.» وضع المفتاحَين المحكمَين الربط معًا بسلسلة في يدها البيضاء وأغلق الباب بشدة وخرج مسرعًا إلى الشارع. عند ناصية الجادة الثالثة توقَّف ووقف مرتعشًا في أشعة الشمس الحارة لفترة ما بعد الظهيرة، والعرق يتصبَّب خلف أذنَيه. كان في حالة من الضعف الشديد لم يقوَ معها على لعن حاله. سمع دويًّا متواصلًا عندما مرَّ قطار مرتفع. ومرَّت الشاحنات فارِمةً الطريق بمحاذاة الجادة، ترفع غبارًا تتصاعد منه رائحة الجازولين وروث الخيل المدوس. المتاجر ومطاعم الوجبات السريعة مُعبَّأة برائحة الهواء المكتوم. بدأ في السير ببطء شمالًا في اتجاه شارع ١٤. أوقفه عند إحدى النواصي رجل كثير التجاعيد تفوح منه رائحة السيجار كما لو أن ثمة يدًا هبطت على كتفه. وقف برهةً ينظر في المتجر الصغير مشاهدًا الأصابع النحيفة الملطَّخة لعامل لف السيجار وهي تعدِّل أوراق التبغ الهشة خارج السيجار. تذكَّر رائحة سيجار روميو وجولييت أرجويس موراليس فأخذ نفسًا عميقًا. القطع الماهر لورق القصدير، والنزع الدقيق للشريط، والمطواة العاجية الصغيرة التي تقطع الطرف بعناية كما لو كانت تقطع قطعةً من اللحم، ورائحة أعواد الثقاب الشمعية، والاستنشاق الطويل للدخان العميق المتمايل اللاذع الذكي الرائحة. والآن يا سيدي فيما يخص هذا الأمر الصغير المتعلِّق بمسألة رابطة شمال المحيط الهادي الجديدة … دسَّ قبضتَيه في الجيبَين الرطبَين لمعطف المطر الذي كان يرتديه. أتأخذ مفتاحي تلك الحيزبون العجوز؟ سأريها، تبًّا لذلك. ربما يكون جو هارلاند مفلسًا ومشرَّدًا، ولكنه لا يزال محتفظًا بكبريائه. سار غربًا بمحاذاة شارع ١٤ ودون أن يتوقف للتفكير أو أن يفقد أعصابه دخل إلى متجر صغير للأدوات المكتبية في قبو أحد الأبنية، وخطا عبره بخطواتٍ كبيرةٍ متعثِّرةٍ إلى ظهر المبنى، ووقف يتأرجح عند عتبة باب مكتب صغير حيث كان يجلس عند منضدةٍ ذات غطاء دوَّار رجلٌ بدين أصلع ذو عينَين زرقاوَين. قال هارلاند ناعقًا: «مرحبًا يا فلسيوس.» نهض الرجل البدين مبغوتًا. «يا إلهي، أليس هذا السيد هارلاند؟» «جو هارلاند بنفسه يا فلسيوس … ولكن في حال سيئة بعض الشيء.» ماتت ضحكة مكتومة في حلقه. «حسنًا سأكون … اجلس يا سيد هارلاند.» «شكرًا يا فلسيوس … إنني مُفلس ومشرَّد يا فلسيوس.» «لا بد أنها قد فاتت خمس سنوات منذ رأيتك آخر مرة يا سيد هارلاند.» «لقد كانت بالنسبة إليَّ خمس سنوات بغيضة … أعتقد أن الأمر كله يعتمد على الحظ. لن يتبدَّل حظي على هذه الأرض مرةً أخرى. أتتذكَّر عندما كنت أعود من البورصة بعد أن أقضي يومي في المضاربة، وكنت أحدث جلبةً في أنحاء المكتب؟ وقد أعطيت العاملين بالمكتب مكافأةً جيدة للغاية في الكريسماس ذلك العام.» «لقد كانت كذلك بالفعل يا سيد هارلاند.» «لا بد أنها حياة مملة أن تصبح صاحب متجر بعد أن كنت تضارب في وول ستريت.» «إنها أقرب لذائقتي يا سيد هارلاند؛ فليس ثمة من مدير عليَّ هنا.» «وكيف حال زوجتك وأبنائك؟» «بخير، بخير؛ ولدي الأكبر تخرَّج لتوه في المدرسة الثانوية.» «أذلك الذي أسميته على اسمي؟» أومأ فلسيوس. كانت أصابعه البدينة كالنقانق تنقر في غير هوادة حافة المنضدة. «أتذكر أنني عزمت أن أفعل شيئًا لهذا الولد في يوم ما. يا له من عالم غريب!» أطلق هارلاند ضحكةً واهنة. شعر بعتمة مرتجفة تتسلَّل لأعلى خلف رأسه. أمسك ركبته بإحكامٍ بكلتا يدَيه وشد عضلات ذراعَيه. «أترى يا فلسيوس، هذه هي الحال … وجدت نفسي الآن في موقف شديد الإحراج ماليًّا … وأنت تعلم كيف تكون تلك الأمور.» كان فلسيوس يحدِّق مباشرةً أمامه في المنضدة. وكانت قطرات العرق تنهمر من رأسه الأصلع كالخرز. «نمرُّ جميعًا بفترات من الحظ السيئ، أليس كذلك؟ أريد قرضًا صغيرًا للغاية لبضعة أيام، بعض دولارات ليس إلا، لنقل ٢٥ حتى أتدبَّر بعض الأمور …» «لا يمكنني القيام بذلك يا سيد هارلاند.» نهض فلسيوس. «معذرةً ولكن المبادئ لا تتجزَّأ … لم أقترض أو أُقرض سنتًا واحدًا في حياتي. أثق أنك تستوعب ذلك …» «حسنًا، لا تقل شيئًا أكثر من ذلك.» نهض هارلاند خانعًا. تمتم ناظرًا لأسفل إلى حذائه المتصدِّع: «أعطني ربع دولار … لم أعد شابًّا كما كنت، ولم أتناول شيئًا منذ يومَين.» مدَّ يده ليثبت نفسه بالمنضدة. رجع فلسيوس للخلف إلى الجدار كما لو كان يتجنَّب صفعة. مدَّ يده بقطعة بخمسين سنتًا على أصابع سميكة مرتجفة. أخذها هارلاند، واستدار دون أن ينبس وشقَّ طريقه بصعوبة في المتجر. سحب فلسيوس من جيبه منديلًا بنفسجي الحواف، ومسح جبهته ثم رجع إلى خطاباته مرةً أخرى. لقد أقدمنا على لفت الانتباه في المجال إلى أربعة منتجات فاخرة جديدة من منتجات مولين التي شعرنا بعظيم الثقة في توصية عملائنا بها، بوصفها تشكِّل مبادرةً جديدة وفريدة تمامًا في فن صناعة الورق … ••• خرجا من دار السينما تطرف أعينهما في بقع الوهج الكهربائي البرَّاق. شاهدته كاسي وهو ينهض مباعدًا بين قدمَيه، وبعينَين منهمكتَين يشعل سيجارًا. كان ماكافوي رجلًا مكتنزًا ذا عنق لحيم، وكان يرتدي معطفًا بزرٍّ واحد، وصدريةً ذات نقشة مربعة، ووضع دبوسًا على شكل رأس كلب في ربطة عنقه المُقَصَّبة. كان يهدر قائلًا: «كان ذلك عرضًا سيئًا أو إنني لا أفهم شيئًا.» «ولكني أحببت أفلام السفر يا موريس؛ فعندما رقص هؤلاء الفلاحون السويسريون شعرت أنني هناك.» «الطقس حار جدًّا هنا … أرغب في شراب.» أنَّت قائلة: «لقد وعدتني يا موريس.» «أوه، كل ما كنت أقصده هو ماء الصودا، لا تغضبي.» «أوه، ذلك سيكون رائعًا. أحب الصودا.» «ثم سنذهب للتنزُّه في سنترال بارك.» تركت رموشها تهبط فوق عينَيها، وهمست دون النظر إليه: «حسنًا يا موريس.» وضعت يدها بارتجاف بعض الشيء في ذراعه. «فقط لو لم أكن مفلسًا تمامًا.» «لا يهمني يا موريس.» «بل يهمني أنا.» دخلا إلى إحدى الصيدليات في دوَّار كولومبوس. كانت الفتيات في الفساتين الصيفية الخضراء، والبنفسجية، والوردية، والشباب في القبعات القشية ينتظرون في ثلاثة صفوف أمام ماكينة الصودا. وقفت في الخلف وشاهدته بإعجاب وهو يشق طريقه عبرهم. كان هناك رجل يميل فوق طاولة خلفها متحدِّثًا إلى فتاة، وكانت حافتا قبعتَيهما تُخفيان وجهَيهما. «قلت له أن يكف عن ذلك الهراء ثم استقلت.» «تعني أنك رُفدت.» «لا، صدقًا لقد استقلت قبل أن تتسنَّى له الفرصة … إنه كريه، أتعلمين؟ لم أستطع تحمُّل كذبه أكثر من ذلك. عندما كنت أسير خارجًا من المكتب نادى عليَّ … دعني أقُل لك شيئًا أيها الشاب. لن تحقِّق شيئًا حتى تتعلَّم مَن هو الزعيم في هذه المدينة، حتى تتعلَّم أنه ليس أنت.» كان موريس يمد لها يده بصودا آيس كريم الفانيليا. «تغوصين في أحلام اليقظة مجدَّدًا يا كاسي؛ أي أحدٍ سيظن أنكِ مدمنة كوكايين.» باسمةً وبعينَين وامضتَين، أخذت الصودا، وكان هو يشرب الكوكا كولا. قالت: «شكرًا.» لعقت بشفتَين مضمومتَين قليلًا من الآيس كريم. «أوه يا موريس، إنه لذيذ.» غاص المسار بين البقع المستديرة للمصابيح القوسية في الظلام. عبر الأضواء المائلة والظلال الواكزة أتت رائحة أوراق الشجر المغبرَّة، والعشب المدوس بالأقدام، ومن حين لآخر نفحة من رائحة منعشة من التربة الرطبة أسفل الجنبات. هتفت كاسي: «أوه، أُحب الأجواء في المتنزَّه.» كتمت تَجَشُّؤًا. «أتعلم يا موريس، كان ينبغي ألَّا أتناول ذلك الآيس كريم. إنه يصيبني دائمًا بالغازات.» لم ينبس موريس. وضع ذراعه حولها وقرَّبها بشدة منه حتى يحك فخذه فخذها أثناء سيرهما. «إذن لقد مات بيربونت مورجان … ليته ترك لي بضعة ملايين.» «أوه يا موريس، ألن يكون هذا رائعًا؟ أين سنعيش؟ في سنترال بارك ساوث.» وقفا ينظران للخلف على وميض اللافتات الكهربائية الذي أتى من دوَّار كولومبوس. إلى اليسار كان بإمكانهما رؤية الأضواء المسدلة عليها الستائر في نوافذ المباني السكنية ذات الواجهات البيضاء. نظر خلسةً يمينًا ويسارًا ثم أهداها قبلة. عوجت فمها وأبعدته من أسفل فمه. همست لاهثة: «لا … قد يرانا أحد.» كان شيء كالمولِّد يطن ويطن بالداخل. «لقد احتفظت بالأمر يا موريس لأُخبرك به. أظن أن جولدوايزر سيعطيني دورًا مميزًا في العرض التالي. إنه مدير المسرح للشركة الجوالة الثانية وله نفوذ كبير لدى الشركة. لقد رآني وأنا أرقص بالأمس.» «وماذا قال؟» «قال إنه سيرتِّب لي لقاءً مع الرئيس الكبير يوم الإثنَين … أوه ولكن يا موريس ليس هذا الشيء الذي أريد فعله؛ إنه مُبتَذل وبشع … أريد أن أقدِّم أشياء جميلة. أشعر بأن لديَّ شيئًا بداخلي، شيئًا لا أعرف له اسمًا يخفق بداخلي، طائرًا جميل الريش في قفص حديدي فظيع.» «هذه هي مشكلتكِ، لن تتقدَّمي أبدًا؛ فأنتِ آنفة للغاية.» نظرت لأعلى إليه بعينَين تفيضان بالدمع تلألأتا في الضوء الأبيض المغبر للمصباح القوسي. «أوه، لا تبكي أرجوكِ. لم أقصد شيئًا.» «أنا لست آنفةً معك يا موريس، أليس كذلك؟» تنشَّقت ومسحت عينَيها. «أنت كذلك بعض الشيء، وذلك ما يؤلمني. فأنا أُحب أن تُدلِّلني فتاتي الصغيرة وأن تغازلني قليلًا. الحياة يا كاسي ليست كلها متعة ومرحًا.» عندما كانا يسيران متقاربَين بشدة شعرا بصخر أسفل أقدامهما. كانا فوق تلة صغيرة من الجرانيت برزت منها الجنَبات من جميع النواحي. ومضت في وجهَيهما الأضواء الآتية من المباني المطوِّقة في نهاية المتنزَّه. تباعد كلٌّ منهما ممسكًا بيد الآخر. «انظري إلى تلك الفتاة الصهباء بالأعلى في شارع ١٠٥ … أُراهن أنها لن تكون آنفةً عندما تكون مع شاب وحدهما.» «إنها امرأة مروِّعة، إنها لا تبالي بسمعتها … أوه، أظن أنك بشع.» أجهشت بالبكاء مجدَّدًا. سحبها نحوه بقوة، مقرِّبًا إياها منه بصلابةٍ بيدَيه المبسوطتَين على ظهرها. شعرت بساقَيها ترتجفان وخارت قواها. كانت تتساقط عبر مهاوٍ متداخلة الألوان من الضعف. لم يتركها فمه تلتقط أنفاسها. همس منتزعًا نفسه بعيدًا عنها: «انتبهي.» سارَّا متعثرَين في المسار عبر الجنبات. «لا أظنه كذلك.» «ما هو يا موريس؟» «شرطي. يا إلهي، تبًّا لا يوجد مكان نذهب إليه. ألَا يمكننا أن نذهب إلى غرفتكِ؟» «ولكنهم سيروننا جميعًا يا موريس.» «ومن يبالي؟ فالجميع يفعل هذا في ذلك المنزل.» «أوه، أكرهك عندما تتحدَّث بهذه الطريقة … فالحب الحقيقي شيء نقي تمامًا وجميل … أنت لا تُحبني يا موريس.» «كُفي عن انتقادي، ألَا يمكنكِ فعل ذلك يا كاسي لدقيقة …؟ اللعنة، إنه الجحيم أن يكون المرء مفلسًا.» جلسا على مقعدٍ في الضوء. كانت السيارات خلفهما تنزلق بسير مُهسهِس منتظم في مجريَين بمحاذاة الطريق. وضعت يدها على ركبته وغطاها بيده البدينة القصيرة والكبيرة. «أشعر يا موريس أننا سنكون سعداء للغاية من الآن، أشعر بذلك. ستجد وظيفةً جيدة، أثق في ذلك.» «ليست لديَّ ثقة كبيرة في الأمر … لم أعد صغير السن كما كنت يا كاسي. ليس لديَّ أي وقت لأضيعه.» «عجبًا، بل أنت في عنفوان الشباب، أنت لم تتعدَّ الخامسة والثلاثين يا موريس … وأنا أظن أن شيئًا رائعًا سيحدث. سأحصل على فرصة للرقص.» «ينبغي أن تكسبي أكثر ممَّا تكسبه تلك الصهباء.» «إلين أوجليثورب … إنها لا تكسب الكثير. ولكني أختلف عنها. فأنا لا يعنيني المال؛ بل أريد أن أعيش من أجل الرقص.» «أنا أريد المال. بمجرد حصولكِ على المال يمكنكِ أن تفعلي ما تشائين.» «ولكن يا موريس ألَا تعتقد أنه بإمكانك فعل أي شيء بمجرد أن لديك الإرادة الكافية له؟ أنا أومن بذلك.» أحاط خصرها بذراعه الفارغة. رويدًا رويدًا تركت رأسها يسقط على كتفه. همست بشفتَين جافتَين: «أوه، لا أُبالي.» انزلقت خلفهما سيارات الليموزين، والسيارات الخفيفة، والسيارات ذات البابَين، وسيارات الصالون؛ بمحاذاة الطريق مع وميض أنوار أفعواني يركض في مجريَين متواصلَين متدفقَين. ••• انبعث من الصوف البُني رائحة كرات العُثَّة عندما طوته. انحنت لتضعه في الصندوق؛ فحفَّت طبقةً من المناديل الورقية بالأسفل عندما ساوت التجاعيد بيدها. كان ضوء الشمس البنفسجي الأول خارج النافذة يزيد مصباح الضوء الكهربائي احمرارًا كعين مؤرَّقة. اعتدلت إلين فجأةً ووقفت متيبِّسةً وذراعاها في جانبَيها، وتورَّد وجهها. قالت: «الوضع متدنٍّ للغاية حقًّا.» فردَت منشفةً فوق الفساتين وكوَّمت فُرشًا، ومرآة يد، وشباشب، وقمصانًا، وصناديق المساحيق في غير نظامٍ فوقها. ثم أغلقت بقوةٍ غطاء الصندوق، وأحكمت غلقه ثم وضعت المفاتيح في محفظتها المسطَّحة من جلد التمساح. وقفت تنظر مذهولةً في أنحاء الغرفة وهي تمص ظُفرًا مكسورًا. كان ضوء الشمس الأصفر يغمر بانحراف قدور المداخن والأفاريز في المنازل بالجهة المقابلة للشارع. وجدت نفسها تحدِّق في الحروف البيضاء «إيه. تي. أوه.» في طرف صندوقها. قالت مجددًا: «كل شيء متدنٍّ للغاية على نحو مثير للاشمئزاز.» ثم أمسكت بمبرد أظافر من فوق المنضدة وكشطت الحرف أوه، وهمست مطقطقةً أصابعها: «مرحى.» وبعد أن ارتدت قبعةً سوداء صغيرة على شكل دلو وغطاء وجه؛ كي لا يرى الناس أنها كانت تبكي، جمَّعت الكثير من الكُتب: «مواجهة الشباب»، و«هكذا تكلَّم زرادشت»، و«الحمار الذهبي»، و«محادثات تخيلية»، و«أفروديت»، و«أغاني بيليتس»، و«كتاب أكسفورد للقصائد الفرنسية» في شال حريري وربطتها معًا. كان ثمة نقر خفيف على الباب. همست: «مَن الطارق؟» جاء صوت باكٍ: «إنه أنا فحسب.» فتحت إلين الباب. «يا إلهي يا كاسي، ما الأمر؟» احتضنت كاسي إلين بشدة. «أوه يا كاسي، إنكِ تدبقين غطاء وجهي … ما الأمر بحق السماء؟» «لقد كنت مستيقظةً طوال الليل أفكِّر في التعاسة التي لا بد وأنكِ تعيشين فيها.» «ولكني يا كاسي لم أشعر من قبل في حياتي بالسعادة مثلما أشعر الآن.» «أليس الرجال مروِّعين؟» «نعم … إنهم ألطف كثيرًا من النساء على أي حال.» «يجب أن أخبركِ بشيء يا إلين. أعلم أنه لا يعنيكِ من أمري شيء، ولكني سأخبركِ على الرغم من ذلك.» «بالطبع أهتم لأمركِ يا كاسي … لا تكوني سخيفة. ولكني مشغولة للغاية الآن … لمَ لا ترجعين لفراشكِ وتخبريني فيما بعد؟» «يجب أن أخبركِ الآن.» جلست إلين فوق صندوقها صاغرة. «لقد أنهيت علاقتي بموريس يا إلين … أليس هذا مروِّعًا؟» مسحت كاسي عينَيها في كم روبها الخزامي اللون وجلست بجوار إلين فوق الصندوق. قالت إلين برفق: «اسمعي يا عزيزتي. أقترح أن تنتظري لثانية، سأطلب سيارة أجرة عبر الهاتف. أريد الفرار قبل أن يصل جوجو. فقد سئمت المشاجرات.» كانت رائحة الصالة خانقةً من أثر النوم ودهان التدليك. تحدَّثت إلين بصوت خفيض للغاية في سماعة الهاتف. جاء صوت الرجل الأجش في المَرأب هادرًا وسارًّا في أذنَيها. «بالتأكيد على الفور يا آنسة.» رجعت على أطراف أصابعها واثبةً إلى الغرفة وأغلقت الباب. «ظننت أنه أحبني، صدقًا يا إلين. أوه، إن الرجال مروعون للغاية. كان موريس غاضبًا لأنني لم أرغب في أن أعيش معه. يبدو الأمر لي خبيثًا. بوسعي أن أُضيء أصابعي كالشموع من أجله، وهو يعلم ذلك. ألم أفعل ذلك بالفعل طوال عامَين؟ قال إنه لا يمكنه الاستمرار في علاقتنا إن لم أكن له حقًّا، تعلمين ما كان يقصد، وقلت إن حبنا كان من الجمال بمكان ليستمر سنوات وسنوات. يمكنني أن أظل أحبه طوال حياتي دون حتى أن أقبِّله. ألا تظنين أن الحب يجب أن يكون نقيًّا؟ ثم سخر من رقصي، وقال إنني كنت محظية شاليف وإنني فقط أتسلَّى به، وتشاجرنا شجارًا مروِّعًا ونعتني بألفاظ بشعة ورحل قائلًا إنه لن يرجع أبدًا.» «لا تحملي همًّا لذلك يا كاسي، سيرجع بالتأكيد.» «كلا، ولكنكِ مادية للغاية يا إلين. أعني أن علاقتنا قد تحطَّمت روحيًّا للأبد. ألَا ترين أن ثمة شيئًا روحانيًّا مقدسًا كان بيننا وأنه قد تحطَّم.» أجهشت في البكاء مجددًا وانضغط وجهها في كتف إلين. «ولكني يا كاسي لا أرى ما المتعة التي تحصلين عليها من كل ذلك؟» «أوه، أنتِ لا تفهمين. إنكِ حديثة السن للغاية. كنت مثلكِ في البداية باستثناء أنني لم أكن متزوِّجةً ولم أكن أتجوَّل مع الرجال. ولكني الآن أرغب في الجمال الروحاني. أريد الوصول إليه من خلال ممارستي للرقص ومن خلال حياتي، أسعى للجمال في كل مكان وظننت أن موريس أراده كذلك.» «ولكن موريس أراده بالتأكيد.» «أوه يا إلين إنكِ مدهشة، وأنا أحبكِ كثيرًا.» نهضت إلين واقفة. «سأُسرع بالنزول حتى لا يرن سائق سيارة الأجرة الجرس.» «ولكنكِ لا يمكنكِ الذهاب هكذا.» «سترين.» رفعت إلين صُرَّة الكُتب بيد واحدة، وحملت في الأخرى حقيبة مستحضرات التجميل من الجلد الأسود. «اسمعي يا كاسي، هل يمكنكِ أن تتلطفي وتُريه الصندوق عندما يصعد لأخذه … وهناك شيء آخر، عندما يتصل ستان إيميري أخبريه أن يتصل بي في فندق بريفورت أو لافاييت. حمدًا للرب أنني لم أجرِ إيداعًا ماليًّا الأسبوع الماضي … وإن وجدتِ يا كاسي أي نثريات لي في المكان فلتحتفظي بها … وداعًا.» رفعت غطاء وجهها وقبَّلت كاسي سريعًا على وجنتَيها. «أوه، كيف لكِ أن تكوني بتلك الشجاعة حتى تذهبي وحدكِ هكذا؟ … ستسمحين لي أنا وروث أن نأتي لزيارتكِ، أليس كذلك؟ إننا مولعتان بكِ للغاية. أوه يا إلين، ستحظَين بحياة مِهنية رائعة، أعلم ذلك.» «وعديني ألَّا تُخبري جوجو بمكاني … سيعرف عمَّا قريب على أي حال … سأتصل به خلال أسبوع.» وجدت سائق سيارة الأجرة في الردهة ينظر إلى الأسماء فوق أجراس الأبواب. صعد كي يأخذ الصندوق. استقرَّت مسرورةً في المقعد الأديمي اللون المغبر لسيارة التاكسي، آخذةً أنفاسًا عميقة من هواء الصباح المحمَّل بنفحات النهر. ابتسم لها سائق سيارة الأجرة ابتسامةً عريضة عندما ترك الصندوق ينزلق من على ظهره فوق لوحة التحكم. «ثقيل للغاية يا آنسة.» «من المؤسف أن عليكِ حمل كل ذلك وحدكِ.» «أوه، يمكنني أن أحمل أثقل من ذلك.» «أريد أن أذهب إلى فندق بريفورت، الجادة الخامسة في شارع ٨ تقريبًا.» عندما انحنى الرجل لرفع ذراع التدوير، دفع بقبعته خلف رأسه تاركًا شعره المجعَّد الضارب إلى الحمرة ينسدل فوق عينَيه. قال وهو يقفز فوق مقعده في السيارة المهتزة: «حسنًا، سآخذكِ إلى أي مكان ترغبين.» عندما انعطفا إلى شارع برودواي المشمس والفارغ تمامًا، بدأ شعور من السعادة يتوقَّد ويتصاعد كالصواريخ داخلها. هبَّ الهواء منعشًا، مثيرًا للحماسة في وجهها. تحدَّث إليها سائق سيارة الأجرة عبر النافذة المفتوحة خلفه. «ظننت أنكِ كنتِ تلحقين بقطار للرحيل إلى مكان ما يا آنسة.» «حسنًا، أنا راحلة بالفعل إلى مكان ما.» «سيكون يومًا جيدًا للرحيل إلى مكان ما.» «إنني راحلة عن زوجي.» انطلقت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من إيقافها. «هل طردكِ؟» قالت ضاحكة: «كلا، لا يمكنني أن أقول إنه فعل ذلك.» «طردتني زوجتي قبل ثلاثة أسابيع.» «كيف ذلك؟» «أغلقت الباب عندما عدت إلى المنزل في إحدى الليالي ولم تدعني أدخل. وقد غيَّرت القُفل عندما كنت بالخارج للعمل.» «إنه شيء غريب.» «تقول إنني أسكر كثيرًا. لن أرجع إليها ولن أَعُولها بعد الآن … يمكنها أن تسجنني إن أرادت. أنا محق. سأحصل على شقة في الجادة الثانية والعشرين مع شخص آخر، وسنُحضر بيانو ونعيش في هدوء دون أن نشغل بالًا بالنساء.» «الزواج ليس بالأمر الجيد، أليس كذلك؟» «معكِ حق. ما يسبق الزواج جيد للغاية، ولكن الزواج نفسه يشبه الاستيقاظ بعد ليلة سُكر.» كانت الجادة الخامسة بيضاءَ وفارغةً وقد اجتاحتها رياح هَفَّافة. كانت الأشجار في ميدان ماديسون تتلألأ على نحوٍ غير متوقَّعٍ كسراخس في غرفة معتمة. حمل أمتعتها في فندق بريفورت بوَّابٌ ليليٌّ فرنسيٌّ ناعس. وفي الغرفة البيضاء الجدران ذات السقف المنخفض، نعس ضوء الشمس فوق كرسي قرمزي باهتٍ بذراعَين. ركضت إلين في أنحاء الغرفة كطفلٍ صغيرٍ راكلةً عقبَيها ومصفقةً بيدَيها. ورتَّبت بشفتَين زامَّتَين ورأس مائل مساحيقها التجميلية فوق المنضدة. ثم علَّقت ثياب نومها فوق كرسي وخلعت ملابسها، فلمحت نفسها في المرآة تقف عاريةً تنظر إلى نفسها ويداها فوق ثديَيها الصغيرَين المشدودَين كتفاحتَين. ارتدت ثياب نومها وتوجَّهت ناحية الهاتف. «رجاءً أرسلوا لي إناءً من الشوكولاتة والأرغفة إلى غرفة ١٠٨ … في أقرب وقت ممكن إذا سمحتم.» ثم خلدت إلى الفراش. استلقت تضحك وساقاها ممدَّدتان ومتباعدتان في أغطية الفراش الناعمة الباردة. كانت دبابيس الشعر تخزُّها في رأسها. فاعتدلت جالسةً وخلعتها وهزَّت لفائف شعرها الثقيلة مسدِلةً إياها حول كتفَيها. سحبت ركبتَيها لأعلى إلى ذقنها وجلست تفكِّر. كان بإمكانها أن تسمع قعقعة شاحنة من حين لآخر آتيةً من الشارع. وشرع صوت دوي في الانبعاث من المطابخ أسفل غرفتها. من كل مكان حولها أتت قعقعة متزايدة تُنبئ ببداية مروِّعة. شعرت بالجوع والوحدة. كان السرير كقاربٍ هُجرت فوقه وحيدة، وحيدةً دائمًا، طافيةً فوق محيط ممتد. انتابت رجفة عمودها الفقري. فسحبت ركبتَيها لأعلى أقرب إلى ذقنها.
|
{
"chapter": "جاك ذو السيقان الطويلة الذي أتى من البرزخ",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.2/"
}
|
متسرِّبًا في الشفق الأحمر من ضباب تيار الخليج، ضاربًا بوق السفينة النحاسي الذي يعوي عبر الشوارع ذات الأصابع المتيبِّسة، مُحدِّقًا للعيون الرقراقة الواسعة لناطحات السحاب، ناثرًا الرصاص الأحمر على الفخذَين ذوَي العوارض للجسور الخمسة، مُهيِّجًا زوارق السحب ذات المُواء دافعًا إياها نحو الحرارة تحت أشجار الدخانية المتساقطة في الميناء. يُجعِّد الربيع أفواهنا، يُصيبنا الربيع بقُشَعريرة هائلة من أثر دَوِي صافرات الإنذار الراعدة بضجيج مخيف هائل عبر حركة المرور المتوقِّفة، بين مربعات سكنية متجمِّدة منتبهة كرءوس أصابع الأقدام. مشى السيد دينش بياقة معطفه الفضفاض الصوفي مرفوعة حول أذنَيه وقبعة إنجليزية كبيرة مسحوبة لأسفل بعيدًا فوق عينَيه، متوتِّرًا جيئةً وذهابًا على السطح الرطب لسفينة فوليندام. نظر للخارج عبر المطر الكثير الرذاذ على أرصفة الميناء الرمادية ومباني الواجهة البحرية المحفورة في أفقٍ من المرارة التي لا يمكن تصوُّرها. ظلَّ يهمس قائلًا لنفسه: رجل محطَّم، رجل محطَّم. في النهاية دوَّت صافرة السفينة للمرة الثالثة. وقف السيد دينش، وأصبعاه في أذنَيه، وقد حجبه قارب نجاة، يشاهد صدع المياه القذرة بين جانب السفينة والرصيف يتسع أكثر فأكثر. ارتجف سطح السفينة أسفل قدمَيه مع تسارع حركة السفينة. بدأت مباني مانهاتن تمر به زاحفةً ورمادية كما لو كانت صورةً فوتوغرافية. أسفل سطح السفينة، كانت الفرقة الموسيقية تعزف لحن أغنية «أوه تيتين تيتين». العبَّارات الحمراء، وعبَّارات السيارات، وزوارق القطر، وصنادل الرمال، والمراكب الشراعية الخشبية، والبواخر الجوَّالة، كلها انجرفت بينه وبين المدينة الشاهقة المباني المعبَّأة بالبخار التي جمعت نفسها على شكل هرم وبدأت في الغرق ضبابيةً في مياه الخليج الخضراء المائلة إلى اللون البني. ذهب السيد دينش بالأسفل إلى غرفته الخاصة. كانت السيدة دينش ترتدي قبعةً جرسية الشكل مُعلَّقًا عليها غطاء وجه أصفر، تبكي بهدوء ورأسها على سلة فاكهة. قال بصوت أجش: «كلا سيرينا.» وتابع: «كلا … إننا نُحب مارينباد … إننا بحاجة للراحة. وَضْعنا ليس بائسًا للغاية. سأذهب وأرسل برقيةً إلى بلاكهيد … في النهاية، عناده واندفاعه هما اللذان أوصلا الشركة إلى … إلى هذا. هذا الرجل يظن أنه مَلِك على الأرض … هذا سوف … هذا سيُضايقه. إذا كانت اللعنات قادرةً على القتل لأصبحتُ ميتًا غدًا.» لِدهشته وجد الخطوط الشاحبة الباهتة في وجهه تتشقَّق في ابتسامة. رفعت السيدة دينش رأسها وفتحت فمها لتتحدَّث إليه، غير أن الدموع قد غلبتها. نظر إلى نفسه في الزجاج، وفرد كتفَيه وعدَّل قبعته. قال بأثر من مرح في صوته: «حسنًا يا سيرينا، هذه نهاية مسيرتي المهنية … سأذهب لإرسال البرقية.» ••• تُقبل الأم بوجهها عليه وتُقبِّله؛ فيتشبَّث بيدَيه في فستانها، وتذهب تاركةً إياه في الظلام، تاركةً رائحةً باقية ضعيفة في الظلام تُبكيه. يستلقي الصغير مارتن متقلِّبًا داخل قضبان مهده الحديدية. ساد الظلام الدامس جميع الأرجاء، ظلام رهيب، وأشخاص يتحركون، هادرين، مهتزين، زاحفين في جماعاتٍ عبر النوافذ، واضعين أصابعهم في صدع الباب. من الخارج يعلو هدير العجلات نحيب قابض على حلقه. أهرامات من الظلام مُكدَّسة فوقه تسقط عليه متجعِّدة. يصرخ، ويسكت بين الصرخات. تسير المربية نحو المهد على طول معبر ضوءٍ منقذ: «لا تخَف … ليس هناك ما يُخيف.» وجهها الأسود يبتسم له، ويداها السوداوان تُسوِّيان الأغطية. «هذه مجرد سيارة إطفاء تمر … لن تخيفك سيارة إطفاء.» ••• رجعت إلين للخلف في سيارة الأجرة وأغمضت عينَيها لثانية. لم يكن بوسعها التخلُّص حتى بالاستحمام وقيلولة لنصف ساعة من إنهاك ذكرى المكتب، ورائحته، وصوت سقسقة الآلات الكاتبة، والعبارات المكرَّرة اللانهائية، والوجوه، والأوراق المكتوبة على الآلة الكاتبة. شعرت بالتعب الشديد؛ لا بد أن ثمة هالات تحت عينَيها. توقَّفت سيارة الأجرة. كان الضوء أحمر في إشارة المرور أمامها. وكانت الجادة الخامسة مكدَّسةً حتى حواف الأرصفة بسيارات الأجرة، والليموزين، والحافلات البخارية. كانت متأخِّرة؛ وقد تركت ساعة يدها في المنزل. فشعرت بالدقائق بطول الساعات كرصاص مُعلَّق حول رقبتها. جلست على حافة المقعد، وقبضتاها مشدودتان بإحكام لدرجة أنها استطاعت أن تشعر من خلال قفازَيها بأظافرها الحادة تحفر في راحتَيها. اندفعت سيارة الأجرة في النهاية إلى الأمام، وكانت هناك عاصفة من العوادم وأزيز المحرِّكات، وبدأت الكتلة المرورية في التحرُّك في حي ميري هيل. لمحت ساعةً عند إحدى النواصي. الثامنة إلا ربعًا. توقَّفت حركة المرور مرةً أخرى، صرخت مكابح سيارة الأجرة، ودُفعت إلى الأمام في مقعدها. رجعت للخلف وعيناها مغمضتان، والدم ينبض في صُدغَيها. كانت جميع أعصابها كأسلاك متشابكة حادة من الفولاذ تقطعها من الداخل. ظلَّت تسأل نفسها: «ماذا يهم؟ سينتظر. لست في عجلة لرؤيته. لنرَ، كم مربعًا سكنيًّا؟ … أقل من عشرين، ثمانية عشر.» لا بد أن الناس قد اخترعوا الأرقام كي لا يُجن جنونهم. إن جدول الضرب أفضل من الأخصائي النفسي كوي في علاج التوتُّر العصبي. ربما هذا ما ظنَّه الهَرِم بيتر ستويفسانت، أو مَن وضع أرقام الشوارع بالمدينة أيًّا مَن كان. كانت تبتسم لنفسها. بدأت سيارة الأجرة تتحرَّك مرةً أخرى. كان جورج بالدوين يمشي ذهابًا وإيابًا في بهو الفندق، آخذًا نفثات قصيرةً من سيجارته. وكان ينظر في الساعة بين الحين والآخر. كان جسده كله مشدودًا متوتِّرًا كوتر آلة كمان عالي الصوت. كان جائعًا ومُفعمًا بأمور يريد أن يتحدَّث عنها؛ كان يكره أن يكون في انتظار أحد. عندما دخلت، باعثةً الارتياح والنعومة والابتسامة، أراد الذهاب إليها وضربها على وجهها. قالت وهي تربت على ذراعه: «هل تُدرك يا جورج أن ما يحول بيننا وبين الجنون وجود الأرقام التي لا تعرف العاطفة أو الإحساس؟» «إن الانتظار مدة ٤٥ دقيقةً كفيل لدفع أي شخص إلى الجنون، هذا كل ما أعرفه.» «يجب أن أشرح ذلك. إنه نظام. أظن أن كل شيء قادم في سيارة أجرة … تذهب وتطلب أي شيء تريده. أنا ذاهبة إلى حمام السيدات لدقيقة … ورجاءً اطلب لي شراب المارتيني. أنا مُجهَدة الليلة، مُجهَدة للغاية.» «أيتها الصغيرة المسكينة، بالطبع سأفعل ذلك … ولا تتأخري وقتًا طويلًا من فضلك.» شعر بركبتَيه ضعيفتَين تحته، وكأن جليدًا يذوب وهو يدخل غرفة الطعام المزيَّنة بالكثير من الزخارف المذهَّبة. يا إلهي يا بالدوين أنت تتصرَّف كمراهق في السابعة عشرة من عمره … وبعد كل هذه السنوات أيضًا. لن تصل إلى أي شيء بهذه الطريقة … «حسنًا يا جوزيف، ماذا ستُقدِّم لنا لنأكله الليلة؟ أنا جائع … ولكن أولًا يمكنك أن تُرسل لي فريد ليعد أفضل كوكتيل مارتيني يصنعه في حياته.» قال النادل الروماني الطويل الأنف بالفرنسية وهو يعطيه قائمة الطعام في زهو: «جيد جدًّا يا سيدي.» ظلَّت إلين فترةً طويلة تنظر في المرآة، مزيلةً عن وجهها بعضًا من بودرة التجميل الزائدة، ومحاوِلةً عزم أمرها. وظلَّت تلف دمية مُتخيَّلة حول نفسها وتضعها في أوضاع متنوِّعة. تلت ذلك بعض الإيماءات، مثَّلتها على مراحل مختلفة كالعارضات. ثم ابتعدت فجأةً عن المرآة مع هز كتفَيها الشديدَي البياض وسارعت إلى غرفة الطعام. «أوه يا جورج أنا جائعة، أتضوَّر جوعًا.» قال بصوت طقطقة: «وأنا كذلك.» ثم أسرع بالقول كما لو كان خائفًا من مقاطعتها له: «ويا إلين، لديَّ أخبار لكِ.» «وافقت سيسلي على الطلاق. سوف نسرع في الأمر بهدوء في باريس هذا الصيف. الآن ما أريد أن أعرفه هو، هل …؟» انحنت وربتت على يده التي أمسكت بحافة الطاولة. «دعنا نتناول عشاءنا أولًا يا جورج … علينا أن نكون عقلانيين. الرب يعلم أننا أفسدنا الأمور بما فيه الكفاية في الماضي، كلانا … دعنا نشرب نخب موجة الجريمة.» كانت رغوة الكوكتيل الناعمة المتناهية الصغر مُهدِّئةً في لسانها وحلقها، وتوهَّجت تدريجيًّا بدفء عبر جسمها. نظرت إليه ضاحكةً بعينَين متلألئتَين. شرب كأسه على جرعة واحدة. قال مُتوقِّدًا ضعيف الحيلة: «بحق الرب يا إلين، إنكِ أكثر الأشياء روعةً في العالم.» شعرت خلال العشاء ببرودة جليدية تدريجية تتسرَّب داخلها كتأثير مخدر النوفوكين. لقد عزمت أمرها. بدا الأمر كما لو كانت قد التقطت صورةً لنفسها في مكانها، مُجمَّدةً إلى الأبد في إيماءة واحدة. كان ثمة شريط حريري غير مرئي من المرارة يضيق حول حلقها، يخنقها. خلف الصحون، والمصباح الوردي العاجي، وقطع الخبز المكسورة كان وجهه فوق مقدمة قميصه البيضاء يرتعش ويومئ، وتورَّدت وجنتاه، وأضاء المصباح أنفه حينًا من أحد جانبَيه وحينًا آخر من الجانب الآخر، وتحرَّكت شفتاه المشدودتان فصيحتَين فوق أسنانه الصفراء. شعرت إلين بأنها تجلس وكاحلاها متقاطعان، جامدةً كتمثالٍ خزفيٍّ تحت ملابسها، وبدا وكأن كل شيءٍ فيها يتصلَّب ويُطلَى بالمينا، وظهر الهواء بخطوطٍ زرقاء وسط دخان السجائر وكأنه قد استحال زجاجًا. كان وجهه المتخشِّب الأشبه بوجه دمية متحرِّكة يهتز فاقدًا الوعي أمامها. ارتجفت وحنت كتفَيها لأعلى. اندفع قائلًا: «ما الأمر يا إلين؟» قالت كاذبة: «لا شيء يا جورج … أظن أنني انتابتني القُشَعريرة.» «هل يمكنني أن أُحضر لك معطفًا أو شيئًا من هذا القبيل؟» هزَّت رأسها. قال عندما نهضا من على الطاولة: «حسنًا ما رأيكِ؟» سألت مبتسمة: «ماذا؟ أبعد العودة من باريس؟» ثم قالت بهدوء: «أظن أنني أستطيع أن أتحمَّل إذا كنت تستطيع أنت أيضًا يا جورج.» كان يقف في انتظارها عند الباب المفتوح لسيارة أجرة. رأته يقف متأهِّبًا ومتأرجحًا في الظلام يرتدي قبعةً تميل للون البني ومعطفًا بنيًّا فاتحًا، ومبتسمًا كبعض المشاهير في قسم التصوير الفوتوغرافي بصحف يوم الأحد. ضغطت تلقائيًّا على يده التي ساعدتها في ركوب السيارة. قال مرتجفًا: «إلين، ستعني لي الحياة شيئًا الآن … يا إلهي، لو تعرفين كم كانت الحياة فارغةً لسنوات عديدة. لقد كنت كلعبة ميكانيكية من الصفيح، أجوف تمامًا من داخلي.» قالت بصوت مختنق: «دعنا لا نتحدَّث عن الألعاب الميكانيكية.» صرخ: «كلا، دعينا نتحدَّث عن سعادتنا.» ضغط على شفتَيه بعناد مُوجِّهًا إياهما إلى شفتَيها. وخلف الزجاج المهتز لنافذة سيارة الأجرة، كشخص يغرق، رأت من زاوية عينها وجوهًا تدور، وأضواء الشوارع، وعجلات مسرعةً ذات وميض كوميض النيكل. ••• يجلس الرجل الهَرِم ذو القبعة ذات النقشة المربعة على منحدر الحجر الأسمر الرملي ووجهه في يدَيه. ومع وهج برودواي في ظهورهم، ثمة سيل لا ينقطع من الأشخاص المارين به في الشارع باتجاه المسرح. يبكي الرجل الهَرِم من بين أصابعه وتفوح منه رائحة شراب الجن الكريهة. من حين لآخر يرفع رأسه ويصرخ بصوت أجش: «لا أستطيع، ألَا ترى، لا أستطيع؟» يبدو الصوت غير بشري كما لو كان صوت تصدُّع في لوح خشبي. أسرعت الخطى. ينظر الأشخاص في منتصف العمر في الاتجاه الآخر. وتُجلجِل فتاتان بالضحك عندما يرَونه. ويُحدِّق أطفال الشوارع المتدافعون داخلين وخارجين في الحشد المظلم. «شراب بام هوتش.» «سينال ما يستحق عندما يمر الشرطي في المربع السكني.» «حظر الخمور.» يرفع الرجل الهَرِم وجهه المبلَّل من بين يدَيه، مُحدِّقًا بعينَيه الداميتَين الضريرتَين. يتراجع الناس ويخطون على أقدام مَن وراءهم. وكالخشب المتشقِّق يخرج صوته. «ألَا ترى أنني لا أستطيع؟ … لا أستطيع … لا أستطيع.» ••• عندما سقطت أليس شيفيلد وسط تدفُّق النساء الداخلات عبر أبواب متجر لورد آند تیلور وشعرت باقتراب رائحة الأشياء في فتحتَي أنفها، أخذ شيء ينقر في رأسها. ذهبت أولًا إلى منضدة بيع القفازات. كانت الفتاة صغيرةً للغاية، وكانت لها رموش سوداء طويلة منحنية وابتسامة جميلة، وتحدَّثتا عن تموُّجات الشعر الدائمة، بينما قاست أليس قفازًا رماديًّا من جلد الماعز، وآخر أبيض بحافة صغيرة كقفاز مُصفَّح. وقبل القياس، وضعت الفتاة بلباقة البودرة داخل كل قفاز من رجَّاج خشبي طويل العنق. طلبت أليس ستة أزواج. «نعم. السيدة روي شيفيلد … نعم لديَّ حساب جَارٍ، ها هي بطاقتي … ستُرسل لي الكثير من الأشياء.» وكانت تقول لنفسها طوال هذا الوقت: «من السُّخف أن أرتدي الرث من الثياب طوال الشتاء … عندما تُرسل الفاتورة، سيُضطر روي أن يجد طريقةً لدفعها، هكذا ببساطة. حان الوقت لأن يتوقَّف عن أحلام اليقظة على أي حال. لقد دفعت له الفواتير بما فيه الكفاية عندما كان معي المال، يعلم الرب ذلك.» ثم بدأت تنظر إلى الجوارب الحريرية بلون البشرة. غادرت المتجر ورأسها لا يزال يدور من مشاهد مناضد البيع التي عليها أثر من ضباب كهربائي بنفسجي، والقطع المطرَّزة والمزيَّنة، والشراشيب، والحرائر المخضَّبة بألوان نبات الكبوسين، وكانت قد طلبت فساتين صيفيةً ومعطفًا للسهرة. التقت في صالة ميلارد برجل إنجليزي طويل وأشقر ذي رأس مخروطي الشكل وشارب أشقر فاتح للغاية ومدبب الخصلات تحت أنفه الطويل. «أوه يا باك، إنني أحظى بأعظم الأوقات. لقد كنت أذهب إلى متجر لورد آند تیلور كثيرًا بجنون. هل تعلم أنه لا بد أن عامًا ونصفًا قد مرَّ منذ آخر مرة أشتري فيها أي ملابس؟» قال وهو يوجِّهها إلى إحدى الطاولات: «أيتها المسكينة. احكي لي.» تركت نفسها ترتمي على كرسي فجأةً وهي تئن: «أوه يا باك، لقد سئمت للغاية من كل هذا … لا أعرف إلى متى يمكنني التحمُّل.» «حسنًا، لا يمكنكِ إلقاء اللوم عليَّ … أنتِ تعرفين ما أُريدكِ أن تفعليه …» «حسنًا، افترض أنني فعلت ذلك، ماذا إذن؟» «سيكون أمرًا رائعًا، سننسجم معه مثل أي شيء … ولكن يجب أن نتناول القليل من حساء لحم البقر أو شيئًا من هذا القبيل. عليكِ أن تختاري.» ضحكت. «يا عزيزي القديم، ذلك ما أحتاجه بالضبط.» «حسنًا، ما رأيكِ أن ننطلق إلى كالجاري؟ أعرف رجلًا هناك أظنه سيعطيني وظيفة.» «أوه، لنذهب على الفور. لا أهتم بالملابس أو أي شيء … بإمكان روي أن يُرجع هذه الأشياء إلى متجر لورد آند تیلور … هل معك أي أموال يا باك؟» أخذ التورُّد يتدفَّق إلى عظام وجنتَيه، وانتشر على صُدغه حتى أذنَيه المسطحتَين غير المنتظمتَين. «أعترف يا آل يا حبيبتي أنه ليس معي بنس واحد. يمكنني دفع ثمن الغداء.» «أوه يا للهول، سأوقِّع شيكًا؛ فالحساب باسمَينا كلَينا.» «سأوقِّعه باسمي في بيلتمور، إنهم يعرفونني هناك. عندما نصل إلى كندا سيكون كل شيء على ما يرام تمامًا، يمكنني أن أؤكِّد لكِ ذلك. في ظل سيادة صاحب الجلالة، فإن للاسم بوكمينستر وزنًا أكبر ممَّا له في الولايات المتحدة.» «أوه، أعرف يا عزيزي؛ فلا يقيمون وزنًا لشيء سوى المال في نيويورك.» عندما كانا يسيران في الجادة الخامسة، علَّقت ذراعها في ذراعه فجأة. «أوه يا باك، لديَّ شيء فظيع للغاية ينبغي أن أقوله لك. إنه يُشعرني بإعياء مميت … أنت تعرف ما قلته لك عن الرائحة الكريهة التي كانت لدينا في الشقة والتي ظنناها رائحة فئران، أليس كذلك؟ هذا الصباح قابلت المرأة التي تعيش في الطابق الأرضي … أوه يشعرني التفكير في الأمر بالإعياء. كان وجهها أخضر كلون تلك الحافلة … يبدو أن أحد المحقِّقين قد فتَّش في أنابيب المياه لديهم … وقد اعتقلوا المرأة في الطابق العلوي. أوه إنه أمر مقزِّز للغاية. لا أستطيع أن أُخبرك عنه … لن أعود إلى هناك أبدًا. سأموت إذا عدت … لم تكن هناك قطرة ماء في المنزل طيلة أمس.» «ماذا كان الأمر؟» «إنه أمر مروِّع للغاية.» «أخبريني يا صغيرتي.» «لن يعرفوك يا باك عندما تعود إلى منزلك في أوربن مانور.» «ولكن ماذا كان في الأمر؟» «كانت هناك امرأة في الطابق العلوي أجرت عمليات غير قانونية، عمليات إجهاض … كان هذا ما تسبَّب في انسداد أنابيب المياه.» «يا إلهي!» «كانت هذه بطريقة ما هي القشة التي قصمت ظهر البعير … وكان روي يجلس في وهَنٍ منكبًّا على صحيفته اللعينة في وسط تلك الرائحة النتنة بذلك التعبير القبيح الرهيب على وجهه.» «أيتها الفتاة الصغيرة المسكينة.» «ولكني يا باك لم أستطِع صَرْف شيك بأكثر من ٢٠٠ دولار … سيكون ذلك سحبًا على المكشوف بالفعل. هل سيُمكِّننا ذلك من الوصول إلى كالجاري؟» «ليس على نحو مريح للغاية … هناك رجلٌ أعرفه في مونتريال يمكنه أن يعطيني وظيفةً في كتابة ملاحظات اجتماعية … من البغيض أن أفعل ذلك، ولكن يمكنني استخدام اسم مستعار. ثم يمكننا الفرار من هناك عندما نحصل على المزيد من المال أو أصداف البحر كما تسمينها … ماذا عن صرف هذا الشيك الآن؟» وقفت في انتظاره بجانب مكتب المعلومات بينما ذهب هو لإحضار التذاكر. شعرت بالوحدة والصِّغر وسط قبو المحطة الأبيض الواسع. كانت حياتها كلها مع روي تمر على ذهنها كفيلم يُعرَض من نهايته لبدايته، أسرع وأسرع. عاد باك وهو يبدو سعيدًا ومسيطرًا، وكانت يداه مليئتَين بالدولارات وتذاكر السكة الحديدية. قال: «لا توجد قطارات قبل الساعة السابعة وعشر دقائق يا آل. أقترح أن تذهبي إلى سينما بالاس وتتركي لي تذكرةً في شباك التذاكر … سأُسرع وأحضر عدتي. لن أستغرق ثانية … ها هي خمسة دولارات.» وقد ذهب، وكانت تمشي بمفردها في شارع ٤٣ في أحد أيام شهر مايو الحارة في فترة ما بعد الظهيرة. لسبب ما أجهشت بالبكاء. حدَّق الناس إليها؛ فلم تكن تستطيع مَنْع نفسها عن البكاء. سارت بإصرار والدموع تنهمر على وجهها. ••• «التأمين ضد الزلازل، هذا ما يُطلقون عليه! سيعود عليهم بالكثير من الخير عندما يحل غضب الرب على المدينة طاردًا من فيها بالدخان كعش دبابير ويلتقطها ويهزها كقطة تهز فأرًا … تأمين ضد الزلازل!» تمنَّى جو وسكيني أن يرحل الرجل ذو اللحية الشبيهة بفرشاة تنظيف الزجاجات والذي كان يقف عند معسكرهما يغمغم ويصرخ. لم يعرفا ما إذا كان يتحدَّث إليهما أم إلى نفسه. تظاهرا أنه لم يكن هناك وواصلا بتوتر تحضير قطعة من لحم الخنزير للشواء على مشواة مصنوعة من إطار مظلة قديمة. أسفلهما ووراء الشريط الأخضر ذي المسحة الكبريتية للأشجار النامية كانت مياه نهر هدسون تتحوَّل إلى اللون الفضي في ضوء المساء والحاجز الأبيض لمنازل مانهاتن العلوية. همس جو، مشيرًا بحركةٍ سريعةٍ ملتويةٍ حول أذنه: «لا تقُل شيئًا. إنه مجنون.» كان سكيني قد أصابته القُشَعريرة أسفل ظهره، وشعر بأن شفتَيه تزداد برودة، فأراد أن يركض. هكذا قال الرجل فجأةً: «أهذا لحم خنزير؟» بصوت خرخرةٍ يتسم بالعطف. قال جو مرتجفًا بعدما توقَّف قليلًا: «نعم.» «ألَا تعلمان أن الرب الإله نهى أبناءه عن أكل لحم الخنزير؟» رجع صوته إلى غنائها المغمغِم الصارخ. «جبرائيل، الأخ جبرائيل … أمن الصواب أن يأكل هؤلاء الأبناء لحم الخنزير؟ … بالطبع. المَلَك جبرائيل، إنه صديقٌ مقرَّب لي، انظرا، لقد قال إنه لا بأس هذه المرة إن لم تفعلا ذلك مرةً أخرى … انتبه يا أخي، ستحرقه.» كان سكيني قد نهض واقفًا على قدمَيه. «اجلس يا أخي. لن أُوذِيَك. أنا أفهم يا أبناء. إننا نُحب الأبناء أنا والرب الإله … أنتما تخافان مني لأنني مُشرَّد، أليس كذلك؟ حسنًا، دعاني أخبركما بشيء، لا تخافا أبدًا من المُشرَّدين. المُشرَّدون لن يؤذوكما، إنهم أشخاص طيبون. الرب الإله كان مُشرَّدًا عندما عاش على الأرض. يقول صديقي الملاك جبرائيل إنه عاش حياة المُشرَّدين كثيرًا … انظرا لقد أحضرت بعض الدجاج المقلي وأعطَتْني امرأة عجوز ملونة … يا ربي!» جلس متأوِّهًا على صخرةٍ بجانب الصبيَّين. قال جو، وهو يؤدِّي بعض تمارين الإحماء: «كُنا سنلعب دور الهنود الحمر، ولكن الآن أظن أننا سنلعب دور المُشرَّدين.» أحضر المُشرَّد حُزمة صحفٍ من جيب معطفه غير محدَّد المعالم والذي خضَّرته عوامل الطقس، وبدأ يفكها بحرص. بدأت الرائحة الطيبة تأتي من لحم الخنزير. عاد سكيني للجلوس، ولا يزال يبتعد قدر المستطاع دون أن يفوته شيء. قسَّم المُشرَّد دجاجته عليهم وبدءوا في تناول الطعام معًا. «جبرائيل أيها الكشافة الهَرِم، هلَّا نظرت إلى ذلك؟» شرع المُشرَّد في صراخه الغنائي الذي جعل الصبيَّين يشعران بالخوف مجدَّدًا. كان الظلام على وشك أن يحل. وكان المُشرَّد يصرخ وفمه ممتلئ بالطعام مشيرًا بعصا طبل نحو الأضواء الوامضة على شكل رُقعة شطرنج، المتواصلة في طريق ريفرسايد درايف. «يا إلهي، اجلس هنا دقيقةً وانظر إليها يا جبرائيل … انظر إلى العاهرة العجوز إن لم تكن تمانعني في التعبير. التأمين ضد الزلازل، يا إلهي إنهم بحاجة إليه أليس كذلك؟ هل تعلمان كم من الوقت استغرقه الإله في تدمير برج بابل يا رفيقيَّ؟ سبع دقائق. هل تعلمان كم من الوقت استغرقه الرب الإله في تدمير بابل ونَيْنَوى؟ سبع دقائق. الشر في مربع سكني واحد في مدينة نيويورك أكثر بكثير ممَّا كان في ميل مربع في نَيْنَوى، وكم من الوقت تظنان أن الرب إله السبت اليهودي سيستغرق في تدمير مدينة نيويورك وبروكلين وبرونكس؟ سبع ثوانٍ. سبع ثوانٍ … قل لي أيها الطفل، ما اسمك؟» خفض صوته إلى صوت الخرخرة المنخفض ومر على جو بعصا طبلته. «جوزيف كاميرون باركر … نعيش في يونيون سكوير.» «وما اسمك أنت؟» «أنطونيو كاميرون … ويناديني أصدقائي سكيني. هذا هو قريبي. ولكن أهله غيَّروا اسمهم إلى باركر، أترى؟» «تغيير اسمك لن يُفيد … لقد سجَّلوا جميع الأسماء المستعارة في كتاب الدينونة … والحق أقول لكما إن يوم الرب قد اقترب … بالأمسِ فقط قال لي جبرائيل: «حسنًا يا يونان، هل ندعها تنشق؟» وقلت له: «جبرائيل أيها الكشافة الهَرِم، فكِّر في النساء والأطفال والرُّضَّع الصغار الأبرياء. إن زلزلتها بزلزال ونار وكبريت من السماء فسيُقتلون جميعًا حالهم كحال الأغنياء والمذنبين»، وقال لي: «حسنًا أيها الحصان الهَرِم يونان، افعل ما يحلو لك … سنمنحهم مهلةً أسبوعًا أو أسبوعَين.» … ولكن من المروِّع التفكير في الأمر، أيها الرفيقان، النار والكبريت والزلزال وموجة المد وتحطُّم البنايات الطويلة بعضها في بعض.» صفع جو سكيني فجأةً على ظهره. وقال هاربًا: «إنه دَورك.» تبعه سكيني متعثِّرًا على طول الطريق الضيق وسط الشُّجيرات. لحقه على الأسفلت. «يا إلهي، هذا الرجل مجنون.» قاطعه جو: «اصمت، ألَا تستطيع؟» كان يختلس النظر إلى الوراء عبر الشُّجيرات. كانت رؤيةُ الدخان الرقيق المنبعث من النار الصغيرة التي أشعلاها أمام صفحة السماء؛ لا تزال بإمكانهما. أصبح المُشرَّد بعيدًا عن الأنظار. وكل ما كان بمقدورهما سماعه هو صوته المنادي: «جبرائيل، جبرائيل.» ركضا لاهثَين نحو المصابيح القوسية الآمنة ذات المسافات المتباعدة بانتظام ونحو الشارع. ••• ابتعد جيمي هيرف من أمام الشاحنة؛ إذ كان رفرف السيارة قد لامس لتوه أسفل واقي المطر الذي كان يرتديه. وقف لحظةً خلف محطة القطارات السريعة بينما كانت الرقاقة الثلجية تذوب عن عموده الفقري. انفتح فجأةً أمامه باب سيارة ليموزين وسمع صوتًا مألوفًا لم يستطِع التعرُّف عليه. «تعالَ يا سيد هيرف … هل يمكنني اصطحابك إلى مكان ما؟» عندما دخل دون تفكير، لاحظ أنه ركب سيارة رولز رويس. كان الرجل البدين ذو الوجه الأحمر والقبعة الدربية هو كونغو. «اجلس يا سيد هيرف … إنني سعيد جدًّا برؤيتك. إلى أين كنت ذاهبًا؟» «لم أكن في طريقي لأي مكان بعينه.» «تعالَ إلى المنزل، أريد أن أريك شيئًا. كيف حالك اليوم؟» «أوه جيد؛ كلا أعني أنني في فوضى عفنة، ولكن كلا الأمرَين سواء.» «غدًا، قد أكون في السجن … ستة أشهر … ولكن ربما لا.» ضحك كونغو من حلقه ومدَّ بحرص ساقه الاصطناعية. «إذن لقد تمكَّنوا منك أخيرًا يا كونغو، أليس كذلك؟» «إنها مؤامرة … ولكن لم يعُد اسمي كونغو جايك يا سيد هيرف. نادني أرماند. أنا متزوِّج الآن، واسمي أرماند دوفال، وأعيش في بارك أفينيو.» «ماذا عن مَركِيز بلدية كولوماريس؟» «ذلك لأغراض العمل فحسب.» «إذن تبدو الأمور جيدةً تمامًا، أليس كذلك؟» أومأ كونغو برأسه. «إذا ذهبت إلى أتلانتا، وهو ما لا آمل فيه، خلال ستة أشهر، فسأخرج من السجن مليونيرًا … يا سيد هيرف، إذا كنت بحاجة إلى المال، فما عليك سوى إخباري … يمكنني أن أُقرضك ١٠٠٠ دولار. أمامك خمس سنوات حتى تردها. أنا أعرفك.» «أشكرك، ولكن ليس المال بالتحديد ما أحتاجه، وتلك هي المشكلة.» «كيف حال زوجتك؟ … إنها جميلة جدًّا.» «لقد تم بيننا الطلاق … قدَّمت لي الأوراق هذا الصباح … هذا كل ما كنت أنتظره في هذه المدينة الملعونة.» عضَّ كونغو على شفتَيه. ثم ربت برفق على ركبة جيمي بالسبابة. «خلال دقيقة سنصل إلى المنزل … سأجلب لك شرابًا جيدًا جدًّا.» … ثم صاح كونغو في السائق، وهو يدلف إلى المدخل الرخامي للعمارة السكنية، بعرجة تنم عن الفخامة متكئًا على عصًا ذات قبضة ذهبية: «أجل، انتظر.» قال وهما يصعدان في المصعد: «ربما تبقى لتناول العشاء.» «يؤسفني أنني لا أستطيع الليلة، يا كوﻧ… يا أرماند.» «لديَّ طباخ جيد جدًّا … عندما أتيت إلى نيويورك لأول مرة ربما قبل ٢٠ عامًا، كان هناك رجل على متن السفينة … هذا هو الباب، انظر إيه دي، أرماند دوفال. هربت أنا وهو بعيدًا معًا، ودائمًا يقول لي: «أرماند، أنت لن تنجح أبدًا، أنت كسول للغاية، وتركض وراء الشابات كثيرًا …» الآن يعمل طباخًا عندي … طاهٍ درجة أولى، طاهٍ بشريط أزرق، أليس كذلك؟ إن الحياة لشيء غريب يا سيد هيرف.» قال جيمي هيرف وهو يميل إلى الخلف في كرسي إسباني عالي الظهر بالمكتبة المصنوعة من خشب شجر الجوز الأسود وفي يده كأس من شراب البوربون المعتَّق: «مرحى، هذا جيد. كونغو … أعني أرماند، إذا كنتُ إلهًا وكان عليَّ أن أُقرِّر من في هذه المدينة يجب أن يربح مليون دولار ومن يجب ألَّا يربح هذا المبلغ، أقسم أنك مَن كنت سأختار.» «ربما تدخل السيدة بعد قليل. إنها جميلة جدًّا، سترى.» لوَّح بأصابعه حول رأسه مشيرًا لتجعُّدات شعرها. «إنها ذات شعر أشقر فاتح جدًّا.» عبس فجأة. «لكن يا سيد هيرف، إذا كان هناك أي شيء في أي وقت أستطيع أن أفعله من أجلك، مال أو مثل ذلك، ستخبرني، أليس كذلك؟ لقد مرَّت ١٠ سنوات إلى الآن وأنا وأنت صديقان جيدان … أتريد شرابًا آخر؟» مع كأس بوربون ثالثة بدأ هيرف يتكلَّم. جلس كونغو يستمع وشفتاه الغليظتان مفتوحتان قليلًا، مع إيماءة برأسه بين الحين والآخر. «الفرق بيني وبينك هو أنك تصعد السلم الاجتماعي يا أرماند، بينما أنا أنزله … عندما كنتَ أنت خادمًا على متن قارب بخاري كنتُ أنا طفلًا صغيرًا بشعًا شاحب الوجه يعيش في فندق ريتز. تمتَّع أبي وأمي بجميع هذه الأشياء الضخمة من الرخام وخشب الجوز على طراز فيرمونت وبابل … لم يعد هناك شيء يمكنني فعله حيال ذلك … والنساء كالفئران، كما تعلم، يغادرْنَ السفينة الغارقة. سوف تتزوَّج هذا الرجل بالدوين الذي عُيِّن للتو في منصب المدعي العام. يُقال إنهم يُعدونه لمنصب حاكم المدينة بترشيحه عن حزب الإصلاح … إنه وهم السُّلطة، هذا ما يؤرِّقه. النساء يقعْنَ في حب ذلك للغاية. لو كنت أظن أنها ستعود عليَّ بأي نفع، أُقسم أنني كنت سأنشط وأنتفض وأجني ميلون دولار. لكنني لم أعد أشعر بأي إحساس عضوي من تلك الأشياء. يجب أن أمارس شيئًا جديدًا، مختلفًا … سيكون أبناؤك كذلك يا كونغو … لو كنت قد حصلت على تعليم لائق وبدأت في وقت مبكِّر بما يكفي لكنت قد أصبحت عالِمًا عظيمًا. لو كانت لي تجارب جنسية كثيرة لكنت قد أصبحت فنانًا أو متدينًا … ولكن ها أنا هنا بحق المسيح في الثلاثين من عمري تقريبًا ومتلهِّف جدًّا للعيش … لو كنتُ رومانسيًّا بما يكفي أظن أنني كنت سأقتل نفسي قبل وقت بعيد لا لشيء إلا لأجعل الناس يتحدَّثون عني. لا أملك من الثبات الذي يجعلني أنجح في شيءٍ حتى في أن أُصبح سِكيرًا.» قال كونغو وهو يُعيد ملء الأكواب الصغيرة مبتسمًا ببطء: «يبدو يا سيد هيرف أنك تفكِّر زيادةً عن اللزوم.» «بالطبع يا كونغو، بالطبع، ولكن ماذا سأفعل بحق الجحيم حيال ذلك؟» «حسنًا عندما تحتاج إلى بعض المال، تذكَّر أرماند دوفال … هل تريد شرابًا آخر؟» هزَّ هيرف رأسه. «يجب أن أغادر … إلى اللقاء يا أرماند.» في القاعة الرخامية ذات الأعمدة، صادف نيفادا جونز. كانت مزينةً بزهور الأوركيد. «مرحبًا يا نيفادا، ماذا تفعلين في قصر الخطيئة هذا؟» «أنا أعيش هنا، ما رأيك؟ … تزوَّجت من صديق لك حديثًا، أرماند دوفال. أُتريد أن تصعد وتراه؟» «لقد رأيته لتوي … إنه لطيف للغاية.» «إنه بالطبع كذلك.» «ماذا فعلتِ مع الشاب توني هانتر؟» اقتربَت منه وتحدَّثت بصوت منخفض. «فلتنسَ أمري وأمره فحسب، هلَّا فعلت؟ … يا إلهي، أنفاسك معبَّأة برائحة الشراب … توني هو أحد أخطاء القدر، لقد انتهت علاقتي به … وجدته ذات يوم يمضغ حواف السجادة متدحرجًا على أرضية غرفة الملابس لأنه كان يخشى أن يخونني مع أحد البهلوانات … أخبرته أنه من الأفضل أن يذهب ويكون على طبيعته وانفصلنا في حينها … ولكني بصراحة عازمة على أن أحظى بنعمة الزواج هذه المرة، بإخلاص، لذلك أرجوك لا تدع أحدًا يخبر أرماند بأي شيء حول توني أو بالدوين … على الرغم من أنه يعلم أنه لم يرتبط بتمثال من الجص للسيدة العذراء … لمَ لا تصعد وتأكل معنا؟» «لا أستطيع. حظًّا سعيدًا يا نيفادا.» يخرج جيمي هيرف والويسكي دافئ في معدته ويشعر بوخز في أصابعه إلى بارك أفينيو في الساعة السابعة، حيث طنين سيارات الأجرة وتداخل روائح البنزين والمطاعم والشفق. ••• كانت تلك هي الليلة الأولى التي يذهب فيها جيمس ميريفال إلى نادي متروبوليتان منذ أن اشترك فيه؛ فقد كان خائفًا أن يكون ذا أجواء قديمة الطراز لا تناسب عمره، مثله في ذلك مثل إمساكه بالعصا. جلس في كرسي جلدي عميق بجوار النافذة يدخِّن سيجارًا بخمسة وثلاثين سنتًا ويضع صحيفة «وول ستريت جورنال» على ركبته ونسخةً من صحيفة «كوزموبوليتان» مائلةً على فخذه اليمنى، وعيناه في الليل تصدعهما أضواء كالكريستال، وترك نفسه لأحلام اليقظة: الكساد الاقتصادي … ١٠ ملايين دولار … ركود ما بعد الحرب. سأُخبر العالم بالانهيار. «خسارة بلاكهيد ودينش ١٠ ملايين دولار» … غادر دينش البلاد منذ بضعة أيام … بلاكهيد منعزل عن العالم في منزله في منطقة جريت نيك. إحدى أقدم شركات الاستيراد والتصدير الأكثر احترامًا في نيويورك، ١٠ ملايين دولار. «أوه دائمًا ما يكون الطقس جميلًا عندما يجتمع الرفقاء الجيدون.» هذه هي ميزة العمل المصرفي. فحتى في حالة العجز، هناك أموال في متناول اليد، ضمانات. تنطوي هذه المقترحات التجارية دائمًا على هامش من المخاطرة. وتشملنا ذهابًا وإيابًا، أليس كذلك يا ميريفال؟ هذا ما قال بيركنز الهَرِم عندما خلط له كونينجام كوكتيل الجاك روز … «بقدح على الطاولة وأغنية جيدة ترن بوضوح.» لهذا الرجل علاقات جيدة. عرفت مايسي ما كانت تفعله بعد كل شيء … رجل في وضع كهذا من المحتمل دائمًا أن يتعرَّض للابتزاز. من الحماقة ألَّا يقاضيهم … الفتاة مجنونة، تزوَّجت من رجل آخر بالاسم نفسه … يجب أن تكون في مصحة، بحالة كتلك. يا إلهي، إنني لم أكشف الرجل لمصلحته. والظروف برَّأته تمامًا، حتى أمي اعترفت بذلك. «أوه، عانى سندباد في طوكيو وروما» … هذا ما اعتاد جيري عناءه. المسكين الهَرِم جيري لم يشعر قط بالانسجام في الطابق الأرضي لنادي متروبوليتان … فهو يأتي من نسل فقير. لنفكِّر في جيمي الآن … ليس لديه حتى هذا العذر، غير منسجم وفاشل، غير متكافئ منذ زمن بعيد … أظن أن الهَرِم هيرف كان شديد الجموح، إنه رحَّالة. لطالما سمعت أمي تقول إن الخالة ليلي كانت تصبر عليه كثيرًا. لا يزال يمكنه أن ينجح بكل ما لديه من مزايا … حالم، مهووس بالتجوُّل … تلك الأمور البوهيمية. وقد فعل له أبي كل شيء كما فعل لي … وهذا الطلاق الآن. والزنا … ربما هو على علاقة بعاهرة. ربما يكون مصابًا بالزهري أو شيء من هذا القبيل. خسارة ١٠ ملايين دولار. فشل. نجاح. نجاح بقيمة ١٠ ملايين دولار … ١٠ سنوات من النجاح المصرفي … في عشاء جمعية المصرفيين الأمريكيين ليلة أمس تحدَّث جيمس ميريفال، رئيس شركة بانك آند تراست، ردًّا على نخب «١٠ سنوات من الخدمات المصرفية المتقدمة» … يذكِّرني أيها السادة بالهَرِم الزنجي الذي كان مُغرَمًا للغاية بالدجاج … ولكن إذا سمحتم لي ببضع كلمات جادة في هذه المناسبة الاحتفالية (وميض التقاط صورة فوتوغرافية)؛ هناك ملاحظة تحذيرية أود أن أُعلنها … أشعر أنه من واجبي بصفتي مواطنًا أميركيًّا ورئيسًا لمؤسسة كبيرة على الصعيد الوطني، بل الدَّوْلي بعبارة أفضل، كلا، بل ذات صِلات وولاءات عالمية (وميض التقاط صورة فوتوغرافية) … أخيرًا تمكَّن جيمس ميريفال من رفع صوته فوق صوت التصفيق الراعد، واهتزَّ تأثرًا رأسه الأشيب كالفولاذ الباعث على الإجلال، وواصل حديثه … أيها السادة لقد شرَّفتموني كثيرًا … اسمحوا لي فقط أن أضيف أنه في كل المِحن والشدائد، والعجز وسط المياه المظلمة أو الازدراء والرفض للمنحدرات السريعة للتقدير الشعبي، وسط ساعات الليل التي لا تزال قصيرة، وفي هدير الملايين في الظهيرة، فإن عصاي التي أتوكَّأ عليها، خبز حياتي، مصدر إلهامي لطالما كان ولائي الثالوثي لزوجتي وأمي وعَلَم بلادي. تهاوى الرماد الطويل لسيجاره وسقط على ركبتَيه. وقف جيمس ميريفال على قدمَيه وأزال برزانة الرماد الخفيف عن بنطاله. ثم جلس مرةً أخرى وبدأ بعبوس متعمَّد قراءة المقالة عن الصرف الأجنبي في صحيفة «وول ستريت جورنال». ••• يجلسان على كرسيَّين بلا ظهر أو ذراعَين عند عربة الغداء. «أخبرني يا بُني، كيف انضممت لهذا الزورق القديم بحق الجحيم؟» «لم يكن هناك أي شيء آخر ذاهب إلى الشرق.» «حسنًا، هل أنت متأكِّد من أنك قد سكبت مرق اللحم هذه المرة يا فتى؛ فالقائد مدمن مخدِّرات، والضابط الأول هو أسوأ محتال خارج إصلاحية سنج سنج، والطاقم بأكمله من عُمال الدرجة الثانية، القارب القديم لا يستحق الإنقاذ … ماذا كانت آخر وظيفةٍ لك؟» «موظف لَيلي في فندق.» «استمع إلى ذلك المجنون … يا إلهي، انظر إلى الرجل الذي سيتخلَّى عن وظيفةٍ جيدةٍ في فندقٍ فاخرٍ في مدينة نيويورك ليعمل خادمًا على متن اليخت البخاري لديفي جونز … ستصبح طباخًا بحريًّا رائعًا.» يتورَّد وجه الرجل الأصغر سنًّا. صرخ في وجه العامل الواقف إلى المنضدة: «ماذا عن ذلك الهامبورجر؟» بعد أن تناولا الطعام، وبينما يُنهون احتساء قهوتهما، يستدير إلى صديقه ويسأله بصوتٍ منخفض: «قل لي يا روني، هل سافرت إلى الخارج من قبلُ … في الحرب؟» «ذهبت إلى بلدة سان نازير عدة مرات. لماذا تسأل؟» «لا أعرف … يُثيرني الأمر فحسب … لقد قضيتُ عامَين هناك. لم تعُد الأمور كما كانت. كنت أظن أن كل ما أردته هو الحصول على وظيفةٍ جيدةٍ وأن أنعم بالزواج والاستقرار، والآن لا أهتم بكل ذلك … يمكنني البقاء في وظيفةٍ لمدة ستة أشهر أو نحو ذلك، ثم أشعر بالرغبة العارمة في الرحيل، أترى؟ لذا ظننت أنه ينبغي أن أرى الشرق قليلًا …» يقول روني وهو يهزُّ رأسه: «لا تلقِ بالًا. ستراه، لا تقلق.» يسأل الشاب الرجل الواقف إلى المنضدة: «ماذا حلَّ بك؟» «لا بد أنهم قد أخذوك صغيرًا.» «كنت في السادسة عشرة من عمري عندما جُنِّدت.» يأخذ باقي نقوده ويتبع روني المتثاقل في مشيته العريضة إلى الشارع. عند نهاية الشارع وراء الشاحنات وأسطح المستودعات، يمكنه رؤية الصواري ودخان البواخر والبخار الأبيض يتصاعد في ضوء الشمس. ••• يأتي صوت الرجل من فوق السرير: «أنزلي الستائر.» «لا أستطيع، إنها تالفة … أوه يا للهول! ها هو كل شيء يسقط.» كادت آنا تنفجر في البكاء عندما سقطت اللفافة في وجهها، وقالت وهي متجهة نحو السرير: «أصلحها أنت.» يقول الرجل ممسكًا بها وضاحكًا: «ولمَ أهتم، لا يمكنهم رؤيتنا بالداخل.» تتأوَّه بضجر تاركةً نفسها مرتخيةً بين ذراعَيه: «فقط تلك الأضواء تزعجني.» «أوه يا ديك، أتمنَّى أن تُصلح تلك الستارة، تلك الأضواء تُصيبني بالتوتر.» «لا بأس من الأضواء يا آنا؛ فكأننا في المسرح … إنه الطريق الأبيض المَرِح، كما اعتادوا القول.» «هذه الأشياء جيدة بالنسبة لكم أيها الرجال خارج البلدة، ولكنها تُوترني.» «إذن تعملين مع مدام سوبرين الآن، أليس كذلك يا آنا؟» «تقصد أنني خائنة للإضراب … أعرف قصدك. لقد طردَتني المرأة العجوز وكان عليَّ إمَّا أن أجد عملًا وإمَّا أن أموت …» «فتاة لطيفة مثلكِ يا آنا يمكنها دائمًا أن تجد حبيبًا.» «وربي إنكم أيها المشترون مجموعة قذرة … تظن لأنني أواعدك أنني سأُواعد أي شخص … حسنًا، لن أفعل ذلك، هل تفهم؟» «لم أقصد ذلك يا آنا … يا إلهي، أنت سريعة الغضب الليلة.» «أظن ذلك لأنني متوتِّرة … هذا الإضراب، وطرد المرأة العجوز لي، والعمل لدى مدام سوبرين … هذا كفيل بأن يُجن جنون أي أحد. فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم، هذا كل ما يهمني. لماذا لا يريدون أن يتركوا المرء وشأنه؟ لم أفعل شيئًا لإيذاء أي أحد قط في حياتي. كل ما أريده هو أن يتركوني وحدي وأن يدعوني أحصل على راتبي وأن أقضي وقتًا ممتعًا بين الحين والآخر … يا إلهي يا ديك إنه أمر فظيع … لا أجرؤ على الخروج إلى الشارع خوفًا من أن ألقى بعض فتيات الحي القديم الذي كنت أقطنه.» «بحق الجحيم يا آنا، الأمور ليست بهذا السوء، صدقًا كنت سآخذك إلى الغرب معي لولا زوجتي.» استمرَّ صوت آنا في تشنُّج هادئ: «والآن لأنني قد بدأت أُعجَب بك وأريد أن أقضي معك وقتًا ممتعًا تدعوني عاهرةً لعينة.» «لم أقُل شيئًا من هذا القبيل. لم أفكِّر حتى في ذلك. كل ما ظننته هو أنكِ مقدامة ولست كالدمية المزعجة كمعظم الفتيات … اسمعي، إن كان ذلك سيجعلك تشعرين بتحسُّن فسأحاول إصلاح هذه الستارة.» تجلس مستلقيةً على جانبها تشاهد جسده الثقيل وهو يتحرَّك أمام الضوء الأبيض بلون الحليب القادم من النافذة. وعاد إليها في النهاية بأسنانٍ مقعقِعة. «لا يمكنني إصلاح هذا الشيء الملعون … يا إلهي الجو بارد.» «لا تهتم يا ديك، تعالَ إلى الفراش … لا بد أن الوقت قد تأخَّر. يجب أن أكون هناك في الثامنة.» يسحب ساعته من تحت الوسادة. «إنها الثانية والنصف … أهلًا أيتها القطة صغيرة.» على السقف، بمقدورها أن ترى انعكاسًا للتوهُّج المتغيِّر للافتات الكهربائية، بيضاء، وحمراء، وخضراء، ثم مزيجًا كفقاعة تنفجر، ومرةً أخرى بيضاء، وحمراء، وخضراء. ••• قالت للخادمة الملوَّنة عندما أحضرت القهوة: «ولم يدعُني حتى لحضور حفل الزفاف … صدقًا يا فلورنس كان من الممكن أن أُسامحه لو كان دعاني إلى حفل الزفاف.» كان صباح يوم الأحد. كانت جالسةً في السرير والصُّحف منتشرةٌ على حِجرها. وكانت تنظر إلى صورة في قسم التصوير الفوتوغرافي مكتوب عليها السيد والسيدة جاك كونينجام يذهبان في جولتهما الأولى لشهر العسل في طائرته البرمائية الرائعة طراز الباتروس ٧. «يبدو وسيمًا أليس كذلك؟» «هو كذلك بالفعل يا سيدتي … ولكن ألم يكن هناك أيُّ شيءٍ يمكنكِ فعله لإيقافهما يا سيدتي؟» «لا شيء … تعلمين أنه قال إنه سيُودعني مصحةً عقليةً إن حاولتُ … إنه يعلم جيدًا أن الطلاق في يوكاتان ليس قانونيًّا.» تنهَّدت فلورنس. «هكذا هم الرجال يُؤذوننا نحن الفتيات المساكين.» «أوه لن يستمر هذا طويلًا. يمكنكِ أن ترَي من وجهها أنها فتاة صغيرة أنانية بغيضة ومُدلَّلة … وأنا زوجته الحقيقية أمام الرب والناس. الرب يعلم أنني حاولت تحذيرها. فالذي جمعه الله لا يفرِّقه إنسان … هذا في الكتاب المقدس أليس كذلك؟ … هذه القهوة بشعة للغاية هذا الصباح يا فلورنس. لا أستطيع شربها. اخرجي على الفور وأعدِّي لي واحدةً جديدة.» خرجت فلورنس بالصينية من الباب عابسةً محدِّبة كتفَيها. أطلقت السيدة كونينجام تنهيدةً عميقةً واستقرَّت بين الوسائد. كانت أجراس الكنيسة تدق في الخارج. قالت للصورة: «أوه يا جاك يا حبيبي حبي لك كما هو.» ثم قبَّلت الصورة. «استمع يا عزيزي، بدت أجراس الكنيسة هكذا في اليوم الذي هربنا فيه من حفل المدرسة الثانوية الراقص وتزوَّجنا في مدينة ميلواكي … لقد كان صباح يوم أحد جميل.» ثم حدَّقت في وجه السيدة كونينجام الثانية. قالت وهي تغرز أصبعها فيها: «أوه أنتِ.» ••• عندما وقفت على قدمَيها وجدت أن قاعة المحكمة كانت تدور ببطء شديد على نحو مُثير للغثيان، وكان القاضي الأبيض ذو وجه السمكة بنظارته المستندة على أنفه، والوجوه، ورجال الشرطة، والحضور بالزي الرسمي، والنوافذ الرمادية، والمكاتب الصفراء، كلها تدور في رائحة قريبة مقزِّزة، وكان محاميها بأنفه الأبيض الأشبه بأنف صقر يمسح رأسه الأصلع، عابسًا، تدور وتدور حتى ظنَّت أنها ستتقيَّأ. لم تستطع سماع كلمة ممَّا قيل، وظلَّت ترمش لتُزيل التشويش عن أذنَيها. كان بمقدورها الشعور بداتش خلفها منحنيًا ورأسه بين يدَيه. لم تجرؤ على النظر خلفها. ثم بعد ساعات كان كل شيء حادًّا وواضحًا، وبعيدًا للغاية. كان القاضي يصرخ عليها ممَّا يشبه طرف قُمع صغير، وكانت شفتاه العديمتا اللون تتحرَّكان للداخل والخارج كفم سمكة. «… والآن بصفتي رجلًا ومواطنًا في هذه المدينة العظيمة أُريد أن أقول بعض الكلمات للمتهمين. باختصار، يجب أن تتوقَّف مثل هذه الأشياء. الحقوق غير القابلة للتفاوض لحياة البشر وممتلكاتهم التي نَص عليها في الدستور الرجال العظماء الذين أسَّسوا هذه الجمهورية يجب إعادتها إلى سابق عهدها. إنه واجب كل رجلٍ سواء داخل منصب رسمي أو خارجه أن يحارب هذه الموجة من الفوضى بجميع الوسائل التي يقدر عليها. ومن ثم على الرغم ممَّا فعله كتاب الصُّحف العاطفيون الذين يُفسدون العقل العام ويزرعون في رءوس الضعفاء وغير الأسوياء أمثالكم فكرة أنه من الممكن مخالفة قانون الرب والإنسان، والاعتداء على الممتلكات الخاصة، وأنه بمقدوركم أن تنتزعوا بالقوة من المواطنين المسالمين ما اكتسبوه بالعمل والتفكير الجاد … وأن تُفلتوا من العقاب، على الرغم ممَّا يُسمِّيه هؤلاء الصحفيون من الكتاب الرديئين والدجالين بالظروف التخفيفيَّة، فأُطبِّق عليكما يا قاطعي الطرق أقصى درجات الصرامة في القانون. لقد حان الوقت لتقديم مثال …» ارتشف القاضي شربة ماء. كان بإمكان فرانسي رؤية قطرات العرق الصغيرة تبرز كالخرز من مسام أنفها. صاح القاضي: «لقد حان الوقت لتقديم مثال. ليس لأنني لا أشعر كأب حنون ومحب بالمِحَن، ونقص التعليم والقدوة، وافتقار المنزل لمحبة وعطاء الأم الذي قاد هذه الشابة إلى حياة الفسق والبؤس، حيث قادتها إغراءات الرجال القساة والشرهين وإثارة ومكر ما أسمَوه، وأحسنوا تسميته، بعصر الجاز. ولكن، في اللحظة التي تكون فيها هذه الأفكار على وشك أن تُهدِّئ الغضب الصارم للقانون بالرحمة، تلوح في الأذهان الصورة المُلِحة لفتياتٍ صغيراتٍ أخريات، ربما المئات منهن في هذه اللحظة بهذه المدينة العظيمة على وشك الوقوع في براثن غاوٍ وحشي عديم الضمير مثل هذا الرجل روبرتسون … لا يوجد عقاب كافٍ له ولمَن على شاكلته … وأتذكَّر أن الرحمة في غير محلها غالبًا ما تستحيل قسوةً على المدى الطويل. كل ما يمكننا فعله هو أن نذرف دمعةً على الأنوثة الآثمة، وأن نُصلِّي من أجل الطفل البريء الذي جلبته هذه الفتاة التعيسة إلى العالم ثمرةً لعارها …» شعرت فرانسي بوخز بارد بدأ في أطراف أصابعها وزحف إلى ذراعَيها ليُشعرها بغثيان ودُوَار وتشوُّش في جسدها. وكان بإمكانها سماع الهمس في أرجاء القاعة، حيث كانوا جميعًا يلعقون شفاههم هامسين بهدوء: «٢٠ عامًا، ٢٠ عامًا.» قالت لنفسها كما لو كانت تخاطب صديقًا: «أظن أنني سأُصاب بالإغماء.» تهشَّم كل شيء واستحال إلى سواد. ••• يستند فينياس بي بلاكهيد جالسًا ولاعنًا إلى خمس وسائد في وسط سريره الواسع من خشب الماهوجني على الطراز الاستعماري بثمرات أناناس منقوشة في أعمدته، ووجهه بنفسجي بلون روبه الحريري. كانت غرفة النوم الكبيرة المفروشة بأثاث من خشب الماهوجني مُعلَّقةً بها قطعة قماش جاوية مطبوعة بدلًا من ورق الحائط، وكانت فارغةً باستثناء خادم هندوسي يرتدي سترةً بيضاء وعمامةً كان يقف في مؤخرة السرير ويداه على جانبَيه، ويحني رأسه من حين لآخر أمام عاصفة من الشتائم الصاخبة، ويقول: «أجل يا سيدي، أجل يا سيدي.» «بحق المسيح الحي لتُحضر لي أيها السيد الحقير اللعين ذلك الويسكي وإلا فسأقوم وأكسر كل عظمةٍ في جسدك، هل تسمعني، يا إلهي، ألَا يمكنني أن أُطاع في بيتي؟ عندما أقول ويسكي أعني الجاودار وليس عصير البرتقال. اللعنة. تعالَ وخذ هذا!» رفع إبريقًا من الزجاج المنحوت من فوق منضدة السرير الجانبية ورماه للخادم الهندي. ثم غاص مُجدَّدًا على الوسائد، واللعاب يغلي على شفتَيه، لاهثًا لالتقاط أنفاسه. مسح الهندوسي في صمت بساط البلوشستاني السميك وانسلَّ خارجًا من الغرفة وفي يده كومة من الزجاج المكسور. أصبح بلاكهيد يتنفَّس بسهولة أكبر، وغرقت عيناه في تجاويفهما العميقة وضاعت في ثنايا جفنَيه الأخضرَين المترهِّلَين. بدا نائمًا عندما دخلَت جلاديس مرتديةً معطفًا للمطر وممسكةً بمظلة في يدها. اقتربت من النافذة تمشي على رءوس أصابعها ووقفت تنظر إلى الشارع الممطر الرمادي والمنازل القديمة ذات الحجارة البنية التي تُشبه القبور في الجهة المقابلة. لجزء من الثانية كانت فتاةٌ صغيرة تدخل في ثوب نومها لتناول الإفطار في صباح يوم الأحد مع والدها في سريره الكبير. أفاق جافلًا ينظر إليها بعينَين محتقنتَين بالدم، حيث تضيق عضلات فكه الثقيلة تحت جلده الشاحب الضارب إلى اللون الأرجواني. «حسنًا يا جلاديس، أين ويسكي الجاودار الذي طلبته؟» «أوه يا أبي أنت تعرف ما قاله الدكتور ثوم.» «قال إنه سيقتلني تناول مشروب آخر … حسنًا، لم أمُت بعد، أليس كذلك؟ إنه حمار ملعون.» «أوه ولكن يجب أن تعتني بنفسك ولا تنفعل كثيرًا.» قبَّلته ووضعَت يدًا رقيقة باردة على جبهته. «ألم يكن لديَّ سبب لأنفعل؟ لو كنت قد أمسكت بعنق ذلك الوغد الجبان القذر … كنا سنتجاوز محنتنا لو لم يكن قد فقد أعصابه. أستحقُّ ما حدث لي لاتخاذي هذا التافه الحقير شريكًا … ٢٥، ٣٠ عامًا من العمل ذهبت جميعها إلى الجحيم في ١٠ دقائق … طوال ٢٥ عامًا كانت لكلمتي قيمتها النقدية. أفضل شيء أفعله هو أن ألحق بالشركة إلى مدينة توفة التَّوراتية، إلى الجحيم معي. وبحق المسيح الحي، فلذة كبدي قل لي ألَّا أشرب … يا إلهي القدير. أنت يا بود … يا بوب … أين ذهب ذلك الساعي اللعين؟ أنتم، فليأتِ أحدكم إلى هنا يا أبناء الكلاب، لمَ تظنون أنني أدفع لكم رواتبكم؟» أظهرت ممرضة رأسها من الباب. صاح بلاكهيد: «اخرجي من هنا، لا أريد أيًّا منكن أيتها العذراوات المثيرات حولي.» ألقى الوسادة من تحت رأسه. اختفت الممرضة. اصطدمت الوسادة بأحد الأعمدة وارتدَّت مرةً أخرى على السرير. أجهشت جلاديس بالبكاء. «أوه يا أبي، لا أستطيع تحمُّل ذلك … والجميع يحترمك دائمًا … حاول السيطرة على نفسك يا أبي العزيز.» «ولمَ يجب أن أفعل ذلك بحق المسيح؟ … انتهى العرض، لماذا لا تضحكين؟ أُسدل الستار. الأمر كله مزحة، مزحة قذرة.» بدأ يضحك بهذيان، ثم اختنق، وعانى في التقاط أنفاسه قابضًا يدَيه مرةً أخرى. قال في النهاية بصوت مبحوح: «ألَا ترين أن الويسكي وحده هو ما جعلني أُواصل في الحياة؟ اذهبي واتركيني يا جلاديس وأرسلي لي ذلك الهندي الملعون. لطالما أحببتكِ أكثر من أي شيءٍ في العالم … تعلمين ذلك. أخبريه بسرعة أن يُحضر لي ما طلبته.» خرجت جلاديس باكية. كان زوجها بالخارج يخطو ذهابًا وإيابًا في الردهة. «إنهم هؤلاء الصحفيون الملعونون … لا أعرف ماذا أقول لهم. يقولون إن الدائنين يريدون المحاكمة.» قاطعت الممرضة قائلة: «السيدة جاستون، يؤسفني أنكم ستُضطرون لجلب ممرِّضين ذكور … حقيقةً لا يمكنني فعل أي شيء معه …» في الطابق السفلي كان الهاتف يرن. عندما أحضر الهندوسي زجاجة الويسكي ملأ بلاكهيد كأسًا وارتشف جرعةً عميقة منها. «آه، هذا يجعلك تشعر بتحسُّن، إنه كذلك فعلًا بحق المسيح الحي. إنك رجل جيد يا أتشميت … حسنًا أظن أنه سيتعيَّن عليك مواجهة الواقع وبيع كل شيء … الحمد للرب أن جلاديس قد استقرَّت في حياتها. سأبيع كل شيء ملعون لدي. أتمنَّى ألَّا يكون زوج ابنتي الغالي مُغفَّلًا. فمن حظي دائمًا أن أكون محاطًا بالكثير من المغفلين … بحق الرب سأذهب إلى السجن إن كان ذلك في صالحهما بأي شكل. لمَ لا؟ فهذا كل ما لي في حياتي. وبعد ذلك عندما أخرج سأحصل على وظيفة بحار أو حارس على رصيف الميناء. سيروق لي ذلك الأمر. لماذا لا آخذ الأمر ببساطة بعد إفساد الأمور طوال حياتي، أليس كذلك يا أتشميت؟» قال الهندوسي منحنيًا: «بلى يا سيدي.» قلَّده بلاكهيد قائلًا: «بلى يا سيدي … دائمًا توافقني يا أتشميت، أليس هذا مضحكًا؟» بدأ يضحك ضحكةً مخشخشة مختنقة. «أظن هذه هي الطريقة الأسهل.» ضحك أكثر فأكثر، ثم فجأةً لم يستطع مواصلة الضحك. فقد سرى تشنُّج في جميع أطرافه. لوى فمه في محاولةٍ للتحدُّث. تجوَّل بناظرَيه للحظة في أرجاء الغرفة، كانت عيناه عينَي طفل صغير تتألمان قبل أن تجهشا بالبكاء، حتى تراجع عارجًا، وفمه المفتوح يعض على كتفه. نظر إليه أتشميت بهدوء لوقت طويل ثم اقترب منه وبصق في وجهه. وعلى الفور أخرج منديلًا من جيب سترته الكَتانية ومسح البصاق عن جلده العاجي اللون المشدود. ثم أغلق فمه وأسند جسده وسط الوسائد وخرج بهدوء من الغرفة. جلست جلاديس في الصالة على كرسي كبير تقرأ مجلة. «السيد أفضل بكثير، ربما ينام قليلًا.» قالت: «آه يا أتشميت، أنا سعيدة للغاية»، وعادت للنظر في مجلتها. ••• نزلت إلين من الحافلة عند ناصية الجادة الخامسة وشارع ٥٣. كان الشفق الوردي يتدفَّق من الغرب اللامع، متلألئًا في أضواء نحاسية ونيكلية، فوق الأزرار، في عيون الناس. كانت جميع النوافذ على الجانب الشرقي للجادة من الطريق مضاءة. عندما وقفت مثبتة الأسنان على الرصيف تنتظر العبور، لامس وجهَها محلاق ضعيف عَطِر. وكان ثمة فتًى نحيف ذو شعر أشقر أشعث يرتدي قبعةً تبدو أجنبيةً يعرض عليها قَطْلَبًا في سلة يحملها. اشترت طاقةً ودسَّت أنفها فيها. قد تذوب الغابة كالسكر أمام فمها. انطلقت صافرة، واحتكت التروس حيث بدأت السيارات تتدفَّق من الشوارع الجانبية، وامتلأ مكان العبور بالناس. شعرت إلين بالفتى يلمسها وهو يعبر بجانبها. فابتعدت عنه. وسط رائحة القَطْلَب اشتمَّت رائحة أخرى وهي رائحة جسده غير النظيف، رائحة المهاجرين، رائحة جزيرة إيليس، رائحة الشُّقَق المكدَّسة. وأسفل كل الشوارع المطلية بالنيكل والذهب وأجواء شهر مايو الربيعية، أزعجها شعورها برائحة التجمهر، التي انتشرت في الظلام، جماهير رابضة مثل الروائح النتنة التي تنبعث من البالوعات الفاسدة، كالغوغاء. سارت مسرعةً في الشارع المتقاطع. ودخلت من باب بجانب صفيحةٍ نحاسيةٍ صغيرةٍ مصقولةٍ ناصعة. لقد نسيت كل شيء وسط الرائحة الشبيهة برائحة القطط لمدام سوبرين نفسها، وهي امرأة بدينة سوداء الشعر ربما كانت روسية، والتي خرجت إليها من خلف ستارة باسطةً ذراعَيها، بينما ينتظر العملاء الآخرون على الأرائك في صالون على طراز الإمبراطورة جوزفين، وينظرون في غِبطة. صاحت بلغة إنجليزية مثالية للغاية: «عزيزتي السيدة هيرف، أين كنت؟ لقد جهَّزنا فستانك منذ أسبوع. آهٍ يا عزيزتي، انتظري أنتِ … إنه رائع … وكيف هو السيد هاربسيكورت؟» «لقد كنت مشغولة جدًّا … كما ترَين فأنا سأترك وظيفتي.» أومأت مدام سوبرين برأسها ورمشت دليلًا على معرفتها، وقادتها عبر الستائر المزخرفة إلى الجزء الخلفي للمتجر. بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «آه، يبدو … لست مضطرةً للعمل، يمكنكِ بالفعل أن تلاحظي ظهور بعض التجاعيد الصغيرة. ولكنها ستختفي. اعذريني يا عزيزتي.» عصرتها الذراع السميكة حول خصرها. ابتعدت إلين قليلًا … صاحت في صيحة حادة مزعجة كطائر الغِرْغِر، قائلةً بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «إنكِ أجمل امرأة في نيويورك … أحضري يا أنجيليكا فستان سهرة السيدة هيرف.» دخلت فتاة شقراء مرهقة ذات وجنتَين غائرتَين ومعها فستان على مِشجَب. خلعت إلين بذلتها الخفيفة الرمادية المفصَّلة. استدارت السيدة سوبرين حولها، مُخرخِرة. بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «انظري يا أنجيليكا إلى هذَين الكتفَين، ولون الشعر … آه إنه الحلم»، واقتربت جدًّا بعض الشيء كقطةٍ تريد أن تحك ظهرها. كان الفستان باللون الأخضر الفاتح مع شق قرمزي وأزرق داكن. «هذه آخر مرة أرتدي فيها فستانًا كهذا، لقد سئمت ارتداء الأزرق والأخضر دائمًا …» كانت السيدة سوبرين، وفمها مليء بالدبابيس، عند قدمَيها، منهمكةً دون داعٍ في ذيل الفستان. كانت تتمتم وشفتاها شبه منغلقتَين: «إنها البساطة اليونانية المثالية، مشدود جيدًا مثل الإلهة ديانا … روحانية مع الربيع … أقصى درجات ضبط النفس كالسبَّاحة أنيت كيليرمان، ممسكةً بشعلة الحرية، العذراء الحكيمة.» كانت إلين تقول لنفسها: إنها محقة، تغيَّر شكلي كثيرًا. تقف ناظرةً إلى نفسها في مرآة الحائط الطويلة. سأفقد قوامي، ممَّا يؤدِّي إلى التردُّد كثيرًا في سن اليأس على صالونات التجميل، واللجوء إلى استعمال العديد من مستحضرات التجميل، وإلى عمليات تجميل الوجه. قالت الخيَّاطة بالفرنسية وهي تقف عند قدمَيها وتأخذ الدبابيس من فمها: «انظري إلى هذا يا عزيزتي؛ إنه تحفةُ متجر سوبرين.» شعرت إلين بالسخونة فجأة، كما لو كانت قد تعثَّرت في شبكة شائكة، إحساس خانق مروِّع بسبب الحرير المصبوغ والكريب والموسلين كان يؤلم رأسها؛ فحرصت على الخروج إلى الشارع مرةً أخرى. صرخت الفتاة الشقراء فجأة: «أشم رائحة دخان، هناك شيء ما.» هسهست مدام سوبرين: «صه.» اختفت كلتاهما عبر باب مغطًّى بمرآة. تحت كوَّة في الغرفة الخلفية لمتجر سوبرين تجلس آنا كوهين تخيط قصاصةً في فستان بغرز صغيرة سريعة. على الطاولة أمامها ترتفع كومة كبيرة من التُّلِّ الشديد اللمعان كبياض بيضة مخفوق. تُدندن: «تشارلي يا بُني، أوه تشارلي يا بُني» تخيط المستقبل بغرز صغيرة وسريعة. إن كان إلمير يريد الزواج مني فربما أنا كذلك؛ المسكين إلمير، إنه فتًى لطيف ولكنه حالم للغاية. من الغريب أن يقع في غرام فتاة مثلي. سينضج، أو ربما في الثورة، سيصبح رجلًا عظيمًا … ينبغي أن أمتنع عن الحفلات عندما أُصبح زوجةً لإلمير. ولكن ربما نستطيع توفير المال وفتح متجر صغير في الجادة إيه في موقع جيد؛ سنجني هناك أموالًا أكثر ممَّا نجنيه في شمال المدينة. صيحات الموضة الباريسية. أُراهن أنه بمقدوري أن أنجح كتلك العاهرة العجوز. عندما يكون المرء سيد نفسه، لن يكون هناك هذا القتال حول الإضراب عن العمل والامتناع عن الإضراب … الفرص متكافئة أمام الجميع. يقول إلمير إن هذا كله عبث. لا أمل للعُمال إلا في الثورة. «أوه، أنا مجنونة بهاري، وهاري مجنون بي» … إلمير في محطة الهاتف يرتدي معطفًا للسهرة وغطاءً للأذن، طويل القامة كرودلف فالنتينو، قوي البنية كدوج فيربانكس. أُعلنت الثورة. الحرس الأحمر يسير في الجادة الخامسة. وآنا في تجعيدات شعرها الذهبية وقطة صغيرة تحت ذراعها تميل معه خارج النافذة الأطول. يُرفرف الحمام البهلواني الأبيض أمام المدينة أسفلهما. تتلون الجادة الخامسة بالأعلام الحمراء، وتتألَّق بفرق المشاة، وتُغنِّي أصوات جُشاء الأغنية الألمانية «العلم الأحمر» باللغة اليديشية، وبعيدًا من عند مبنى وول وورث تهتز لافتة في الريح. «انظر يا حبيبي إلمير» «إلمير داسكن مرشَّحًا لمنصب حاكم المدينة». ويرقصون رقصة شارلستون في جميع المباني المكتبية … «قرعة طبل». «قرعة طبل». «رقصة شارلستون تلك … قرعة طبل». «قرعة طبل» ربما أنا أحبه بالفعل. خذني يا إلمير. إلمير مُحِب مثل فالنتينو، يُطبق عليَّ محتضنًا بذراعَين قويَّين ضاغطَين حانيَين كذراعي دوج، إلمير. كانت في الحلم تخيط أصابع بيضاء تُشير لها بالمجيء. يتلألأ التُّلُّ الأبيض الناصع البياض. وتخرج فجأةً من التُّلِّ يدٌ حمراء ممسكة بها؛ لا يمكنها مقاومة التُّلِّ الأحمر في كل مكان حولها، فيلتف حول رأسها. تستحيل الكوَّة سوداء بدُوَّامة من الدخان. وتمتلئ الغرفة بالدخان والصراخ. تقف آنا على قدمَيها، تدور وتقاتل بيدَيها التُّل المحترق في كل مكان حولها. تقف إلين ناظرةً لنفسها في مرآة مستطيلة بغرفة القياس. تزداد رائحة الأقمشة المحروقة قوة. بعدما ظلَّت تجيء وتذهب متوتِّرةً لفترة وجيزة، تعبر الباب الزجاجي إلى ممر مليء بالفساتين المعلَّقة، وتغطس تحت سحابة من الدخان، وترى عبر تدفُّق العيون غرفة العمل الكبيرة حيث تصرخ الفتيات المحتشدات خلف مدام سوبرين، والتي توجه مُطفِئةً كيميائية نحو أكوام البضائع المتفحِّمة حول إحدى الطاولات. ويلتقطن شيئًا يئن من وسط البضائع المتفحِّمة. بطرف عينها ترى ذراعًا ممزَّقة، ووجهًا أحمر محترقًا ومسودًّا، ورأسًا أصلع مروِّعًا. تصرخ بها مدام سوبرين لاهثة: «أوه يا سيدة هيرف، من فضلكِ أخبريهم في الأمام أنه لا يوجد شيء، لا شيء على الإطلاق … سأكون هناك في الحال.» تجري إلين بعينَين مغمضتَين عبر الممر المليء بالدخان إلى الهواء النظيف في غرفة القياس، ومن ثم عندما توقَّفت قدماها عن الركض، ذهبت عبر الستائر إلى النساء المضطربات في غرفة الانتظار. «طلبت مني مدام سوبرين أن أُخبر الجميع أنه لا يوجد شيء، لا شيء مطلقًا. مجرد شعلة صغيرة في كومة من القُمامة … أطفأتها بنفسها بمُطفِئة.» تقول النساء كل منهن للأخرى عائدات للجلوس على أرائك من طراز الإمبراطورة جوزفين: «لا شيء، لا شيء على الإطلاق.» تخرج إلين إلى الشارع. تصل سيارات الإطفاء. ويصد رجال الشرطة الحشود. تريد أن تذهب بعيدًا لكنها لا تستطيع؛ إذ تنتظر شيئًا. سمعت في النهاية رنينًا في الشارع. بينما تتراجع سيارات الإطفاء مصلصِلة، تصل سيارة الإسعاف. وأحضر المُسعِفون النقَّالة المطوية. تتنفَّس إلين بصعوبة. وتقف بجوار سيارة الإسعاف خلف شرطي عريض يرتدي ملابس زرقاء. تحاول معرفة السبب وراء تأثُّرها الشديد؛ فقد كان الأمر كما لو أن جزءًا سيُلف في ضمادات ويُحمل على نقَّالة. سرعان ما خرجت الوجوه المعهودة للمُسعِفين بزيهم الداكن. بطريقة ما تمكَّنت من السؤال من تحت ذراع شرطي: «هل أُصيبت بحروق خطيرة؟» «لن تموت … ولكن الأمر صعب على أي فتاة.» شقَّت إلين طريقها وسط الحشد وهُرعت نحو الجادة الخامسة. اقترب الليل. تسبح الأضواء ساطعةً في الليل بزُرقة صافية كما في أعماق البحار. لماذا يؤثِّر فيَّ الأمر إلى هذا الحد؟ ظلَّت تسأل نفسها. ما هو إلا سوء حظ أدرك أحد الأشخاص، الأمر الذي يحدث كل يوم. لا يبدو أن الاضطرابات والأنين ودوي سيارات الإطفاء قد تتلاشى من داخلها. تقف في حيرة عند إحدى النواصي، بينما تمر بها السيارات والوجوه وامضةً وصاخبة. ينظر إليها شاب يرتدي قبعةً قشية بطرف عينَيه، محاوِلًا أن يصطحبها. فتُحدِّق في وجهه بلا اهتمام. يرتدي ربطة عنق مُخطَّطةً بالأحمر، والأخضر، والأزرق. تمر به مسرعة، وتعبر إلى الجانب الآخر من الجادة، وتستدير إلى شمال المدينة. الساعة السابعة والنصف. عليها أن تلتقي بشخص ما في مكان ما، ولكنها لا تستطيع التفكير في المكان. ثمة فراغ مُرهِق مرعب بداخلها. أوه يا إلهي، ماذا أفعل؟ هكذا تقول متذمِّرةً لنفسها. عند الناصية التالية تستقل سيارة أجرة. «اذهب إلى فندق ألجونكوين من فضلك.» تتذكَّر كل شيء الآن، في الساعة الثامنة ستتناول العشاء مع القاضي شامير وزوجته. يجب أن تكون قد ذهبَت إلى المنزل لتغيير ملابسها. سيغضب جورج عندما يراني أدخل هكذا بكل هدوء. إنه يُحب أن يتباهى بي وأنا مرتدية كل شيء كشجرة كريسماس، كدمية تتحدَّث وتسير، اللعنة عليه. تسند ظهرها إلى ركن داخل سيارة الأجرة وعيناها مغمضتان. يجب أن تُتيح لنفسها مزيدًا من الاسترخاء. من السُّخف أن تعيش دائمًا في توتُّر حيث كل شيء صارخ كالطباشير عند احتكاكه بسَبورة. افترض أنني أُصبت بحريق فظيع، مثل تلك الفتاة، وأصبحت مشوَّهةً مدى الحياة. ربما يمكنها الحصول على الكثير من المال من الهَرِم سوبرين لتبدأ به حياتها المهنية. افترض أنني ذهبت مع ذلك الشاب ذي ربطة العنق القبيحة الذي حاول أن يصطحبني … نمزح ونحن نتناول الحلوى والآيس كريم مع نافورة من المياه الغازية، ونركب الحافلة إلى شمال المدينة ثم نعود، وركبتاه تضغط على ركبتَي وذراعه حول خصري، وبعض المُداعبة عند المدخل … ثمة حَيَوات يمكن للمرء أن يعيشها ولكن فقط إن لم يأخذ كل شيء على محمل الجد. بمَ أهتم، بأي شيء، برأي الناس، بالمال، بالنجاح، بردهات الفنادق، بالصحة، بالمظلات، ببسكويت أنيدا؟ … إنني أُشبه لعبةً ميكانيكية تالفة في الطريقة التي يتعامل بها عقلي مع المشكلات طوال الوقت. آمل ألَّا يكونوا قد طلبوا العشاء بعد. سأجعلهم يذهبون إلى مكان آخر إن لم يكونوا قد طلبوا الطعام. تفتح حقيبة التجميل الخاصة بها وتبدأ في وضع مسحوق التجميل على أنفها. عندما تتوقَّف سيارة الأجرة ويفتح البوَّاب الطويل الباب، تخرج بخطوات بناتية مدبَّبة راقصة، وتدفع الأُجرة، وتستدير، وتتورَّد وجنتاها بعض الشيء، وتتألَّق عيناها في ليل الشوارع العميقة، الأزرق كالبحر، وتعبر الأبواب الدوَّارة. وبينما تمر عبر الأبواب الدوَّارة اللامعة الصامتة، التي تدور أمام يدها اللامسة للزجاج بقفازها، باغتتها فجأةً في غصة فكرة أنها ربما تكون قد نسيت شيئًا. القفازات، المحفظة، حقيبة التجميل، المنديل، كل شيء معي. ليس معي مظلة. تُرى هل نسيتها في سيارة الأجرة؟ ولكنها كانت قد تقدَّمت بالفعل مبتسمةً نحو رجلَين أشيبَين يرتديان قميصَين باللونَين الأسود والأبيض، وكانا ينهضان مبتسمَين ويمدان أيديهما. ••• سار بوب هيلدبراند مرتديًا روبًا وملابس النوم جيئةً وذهابًا أمام النوافذ الطويلة وهو يدخِّن غليونًا. وعبر الأبواب المنزلقة وإلى داخل الواجهة جاء صوت طنين الكئوس وحك الأقدام والضحك وأغنية «التصرُّف بجموح» (رانينج وايلد) مُصرصِرةً صرصرةً مغمغِمةً من إبرة الفونوغراف الثَّلِمة. «لماذا لا تبيت هنا الليلة؟» هكذا كان هيلدبراند يقول بصوته الجاد العميق. «هؤلاء الناس سيرحلون تدريجيًّا … يمكننا أن نُعد لك الأريكة للنوم.» قال جيمي: «لا، شكرًا. سيبدءون في الحديث عن التحليل النفسي خلال دقيقة وسيبقَون هنا حتى الفجر.» «ولكن من الأفضل بكثير أن تستقل قطار الصباح.» «لن أستقلَّ أي قطار من القطارات.» «أخبرنا يا هيرف، هل قرأت عن الرجل في فيلادلفيا الذي قُتل لأنه ارتدى قبعته القشية في الرابع عشر من مايو؟» «وربِّي لو كنت داعيًا لدين جديد، لاتخذته قِديسًا.» «ألم تقرأ عنه؟ لم يكن الأمر لطيفًا على الإطلاق … كان لدى هذا الرجل من الطيش ما جعله يدافع عن قبعته القشية. شخص ما لكمها وبدأ في الصراع معه، وفي وسط ذلك جاء أحد أبطال نواصي الشوارع هؤلاء من ورائه وضربه في رأسه بقطعة من أنبوب من الرصاص. حملوه من فوق الأرض وجمجمته مهشَّمة ومات في المستشفى.» «ماذا كان اسمه يا بوب؟» «لم ألحظ.» «تحدَّث عن الجندي المجهول … ذلك بطل حقيقي في رأيك؛ الأسطورة الذهبية للرجل الذي يرتدي قبعةً قشية خارج الموسم.» عُلِّق رأس بين بابَي البوابة المزدوجة. ونظر منهما رجل متورِّد الوجه وشعره فوق عينَيه. «ألَا أُحضر لكم يا سادة جرعة من شراب الجن … جنازة مَن هذه على أي حال؟» قال هيلدبراند بتذمُّر: «أنا ذاهب لأنام، لا تجلب لي الجن.» قال هيرف: «إنها جنازة القديس ألويسيوس قديس فيلادلفيا، بِكر وشهيد، الرجل الذي كان يرتدي قبعةً قشية في غير موسمها. يمكنني أن أرتشف قليلًا من الجن. يجب أن أركض خلال دقيقة … وداعًا يا بوب.» «وداعًا أيها الرحَّالة الغامض … دعنا نعرف عنوانك، هل تسمعني؟» كانت الغرفة الأمامية الطويلة مليئةً بزجاجات الجن، ومزر الزنجبيل، ومطافئ السجائر المكدَّسة بسجائر نصف مدخَّنة، وأزواج يرقصون، وأشخاص ممدَّدون على الأرائك. صدع صوت الفونوغراف بلا نهاية بأغنية «سيدتي … سيدتي أحسني معاملتي (ليدي … ليدي بي جود).» دُفع بكأس من الجن في يد هيرف. واقتربت منه فتاة. «كنا نتحدَّث عنك … هل تعلم أنك كنت رجلًا غامضًا؟» جاء صوت مخمور صاخب: «جيمي، أنت مشتبَه في كونك قاطع الطريق ذا الشعر القصير.» قالت الفتاة، وهي تضع ذراعها حول خصره: «لماذا لا تمارس الجريمة يا جيمي؟ سأحضر إلى محاكمتك، صدقًا سأفعل.» «كيف لكِ أن تعرفي أنني لا أُمارسها؟» قالت فرانسيس هيلدبراند، التي كانت تحضر وعاءً من الثلج المُكسَّر من المطبخ الصغير: «هناك شيء غامض يجري.» أمسك هيرف بيد الفتاة بجانبه وجعلها ترقص معه. ظلَّت تتعثَّر فوق قدمَيه. رقص معها بحريةٍ ونشاطٍ حتى أصبح أمام باب الردهة؛ ثم فتح الباب ورقص معها بخطواتٍ سريعةٍ وقصيرةٍ حتى أصبحا في الردهة. فمدَّت فمها دون تفكير ليُقبِّلها. قبَّلها بسرعة وأخذ قبعته. وقال: «ليلة سعيدة.» أجهشت الفتاة في البكاء. عندما خرج إلى الشارع أخذ نفسًا عميقًا. وشعر بالسعادة، سعادة أكبر بكثير من تلك التي يشعر بها في حي جرينتش فيليج البوهيمي. كان يبحث عن ساعته عندما تذكَّر أنه قد رهنها. الأسطورة الذهبية للرجل الذي ارتدى قبعةً قشية في غير موسمها. يسير جيمي هيرف غربًا على طول شارع ٢٣، ضاحكًا لنفسه. أعطني حريتي أو اقتلني، هكذا قال باتريك هنري واضعًا قبعته القشية في الأول من مايو. وقد نال ما طلب. لا توجد عربات ترام، وثمة عربة حليب تمر مُقعقِعةً من حين لآخر، ومنازل تشيلسي كسيرة الفؤاد مظلمة … تمر سيارة أجرة وتتبعها ضوضاء غناء مشوَّشة. عند ناصية الجادة التاسعة لاحظ عينَين كثقبَين في صحيفة بيضاء مُثلَّثة، حيث كانت امرأة ترتدي معطف مطر تشير إليه بالمجيء من عند المدخل. بعدها كان اثنان من البحارة الإنجليز يتجادلون بلهجة كوكنية في حالة سُكر. يصبح الهواء لبنيًّا يشوبه الضباب عندما يقترب من النهر. يمكنه سماع صوت القوارب البخارية الضخم الناعم الذي ينخفض بابتعاده. يجلس لوقت طويل في انتظار العبَّارة في غرفة الانتظار القرمزية الضوء. يجلس يدخِّن في سعادة. يبدو أنه غير قادر على تذكُّر أي شيء، لا يوجد مستقبل سوى النهر الضبابي والعبَّارة التي تلوح كبيرةً في الأفق بأضوائها تباعًا كابتسامة زنجي. يقف خالعًا قبعته على القضيب ويشعر برياح النهر في شعره. ربما سيُصاب بالجنون، ربما يكون هذا فقدان الذاكرة، ربما مرض ما باسم يوناني طويل، ربما سيجدونه يقطف التوت الشوكي في نفق هادسون. يضحك بأعلى صوته حتى إن الرجل الهَرِم الذي جاء لفتح البوابات نظر إليه بطرف عينَيه. مجنون، مخبول، هذا ما يقوله لنفسه. ربما هو على حق. وربي لو كنت رسامًا، لربما سمحوا لي بالرسم في مصحة المجانين، ولكنت قد رسمت القديس ألويسيوس قديس فيلادلفيا بقبعةٍ قشيةٍ على رأسِه بدلًا من هالة القديسين، ولرسمت في يده أنبوبًا من الرصاص، أداة استشهاده، ولرسمت نفسي صغيرًا أُصلِّي عند قدمَيه. الراكب الوحيد في العبَّارة، كان يتجوَّل في أنحائها كما لو كان يملكها. يختي المؤقَّت. بحق جوبيتر هذه هي كآبة الليل بحق، هكذا يُتمتم. يواصل محاولة شرح سبب ابتهاجه لنفسه. ليس لأنني مخمور. ربما أكون مجنونًا، ولكنني لا أظن ذلك … قبل أن تغادر العبَّارة يصعد حصان وعربة على متنها، عربة ذات زُنبركات محطَّمة ومحمَّلة بالزهور يقودها رجل صغير البِنية بني البشرة بعظمتَي وجنتَين مرتفعتَين. يسير جيمي هيرف حولها، وخلف الحصان الواهن ذي الوركَين الشبيهَين بمِشجبَين للقبعات يجد العربة الصغيرة المعوجَّة مبهجةً على نحو غير متوقَّع، ومكدَّسةً بأوانٍ من نبات إبرة الراعي القرمزي والوردي، والقَرنفُل، والآلوسن، والورود الصناعية، واللوبيليا الزرقاء. فاحت منها رائحة تربة الربيع في شهر مايو الغنية، رائحة أواني الزهور الندية والدفيئات. يجلس السائق متحدِّبًا وقبعته على عينَيه. يشعر جيمي برغبة في سؤاله إلى أين يذهب بكل تلك الزهور، لكنه يُخمدها ويسير إلى مقدِّمة العبَّارة. ومن ضباب النهر المظلم الفارغ، ينفتح منزلق العبَّارات فجأةً كالمتثائب بفم أسود ذي حلق مضيء. يُسرع هيرف عبر العتمة الجوفاء ويخرج إلى الشارع الذي يُغيِّم عليه الضباب. ثم يصعد جُرفًا. ثمة آثار أقدام تحته وقعقعة قطار شحن، هسهسة محرِّك. وعلى قمة تل يتوقَّف لينظر خلفه. لا يستطيع أن يرى سوى الضباب متباعدًا مع صف من المصابيح القوسية المغبَّشة. ثم يواصل السير مستمتعًا بالتنفُّس على إيقاع نبض دمائه، ووطء قدمَيه على الرصيف، بين صفوف المنازل الخشبية التي تفوق روعتها الخيال. يخف الضباب تدريجيًّا، وتتسرَّب لُؤلئِيَّة الصباح من مكانٍ ما. يُدركه الشروق سائرًا على طول طريق أسمنتي بين أراضي المكبَّات المليئة بأكوام القُمامة المدخَّنة. وتُشرق الشمس حمراء عبر الضباب على محركات البخار الصدئة، وهياكل الشاحنات، والقوائم المستعرضة لسيارات الفورد، وكتل عديمة الشكل لمعدِن متآكل. أسرع جيمي الخطى للتخلُّص من الرائحة. إنه جائع، وقد بدأ حذاؤه يتسبَّب في ظهور البُثور على إبهامَي قدمَيه. في مفترق طرق حيث لا يزال ضوء التحذير يومض مرارًا وتكرارًا توجد محطة بنزين، وفي مقابلها عربة غداء مكتوب عليها «الخنفسة المضيئة». صرف ربع الدولار الأخير معه بحذرٍ على الفطور. وبذلك يتبقَّى معه ثلاثة سنتات علَّها تجلب له الحظ الحَسَن أو السيئ، فكلاهما سواء. وصلت شاحنة أثاث ضخمة لامعة وصفراء لتوها في الخارج. سأل الرجلُ ذا الشعر الأحمر الجالس إلى عجلة القيادة: «اسمع، هل توصلني؟» «كم تبعُد وجهتك؟» «لا أعلم … بعيدة جدًّا.»
|
{
"chapter": "عبء نَيْنَوى",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/3.5/"
}
|
نيكل قبل منتصف الليل يشتري الغد … عناوين الصُّحف التي تحمل أخبار السطو، فنجان من القهوة في المطعم الآلي، رحلة إلى وودلون، فورت لي، فلاتبوش … نيكل تضعه في الآلة يشتري لك علكة. شخص ما يحبني، بيبي ديفاين، أنت في كنتاكي حيث وُلِدت … موسيقى رقصة الفوكستروت تُسمَع عبر الجدران، وموسيقى البلوز والفالس (رقصنا طوال الليل)، شريط ودُوامات من الذكريات الوامضة … في الجادة السادسة بشارع ١٤ كان لا يزال هناك فانوس ستريوبتيكون مُجسم متسخ ببقع الذباب حيث يمكنك إلقاء نظرة خاطفة على صُحف الأمس المصفرَّة مقابل نيكل واحد. بجوار صالة الرماية المفعمة بالحيوية تنحني لتشاهد الصور الوامضة لأخبار تحمل عناوين على غرار «أوقات ساخنة»، «مفاجأة العازب»، «مشد الجوارب المسروق» … سلة مهملات أحلام اليقظة المُمزَّقَة … نيكل قبل منتصف الليل يشتري أمسنا. خرجت روث برين من عيادة الطبيب تسحب الفراء بإحكام حول رقبتها. شعرت بالإغماء. تاكسي. عندما ركبت شمَّت رائحةَ مستحضراتِ تجميل وخبزٍ محمَّصٍ ومدخل السيدة ساندرلاند المبعثر بالقُمامة. أوه لا أستطيع العودة إلى المنزل بعد. «أيها السائق، اتجه إلى صالة الشاي الإنجليزية القديمة في شارع ٤٠ من فضلك.» فتحت محفظتها الجلدية الخضراء الطويلة ونظرت فيها. يا إلهي، دولار، وربع دولار، ونيكل، وبنسان فحسب. أبقَت عينَيها على الأرقام التي تومض في عدَّاد سيارة الأجرة. أرادت أن تتهاوى وتُجهش في البكاء … يذهب المال سريعًا. عصفت الرياح الباردة القارسة في حلقها عندما خرجت. «٨٠ سنتًا يا آنسة … ليست معي أي فكة يا آنسة.» «حسنًا، احتفظ بالباقي.» يا للسماء، ليس معي سوى ٣٢ سنتًا … في الداخل، كان ثمة دفءٌ ورائحةٌ تبعث على الراحة أتت من الشاي والكعك. «عجبًا روث، يا إلهي إنها روث … تعالَي يا عزيزتي إلى ذراعي بعد كل هذه السنين.» كان هذا بيلي والدرون. كان أكثر بدانةً وبياضًا ممَّا كان عليه في السابق. عانقها عناقًا متكلَّفًا وقبَّلها على جبهتها. «كيف حالكِ؟ أخبريني … كم تبدين مميَّزةً في تلك القبعة!» قالت مطلقةً ضحكة: «لقد كنت أُجري لتوي فحصًا بالأشعة السينية على حلقي. أشعر وكأنه غضب الرب.» «ماذا تعملين يا روث؟ لم أعرف أخباركِ منذ زمن طويل.» التقطت كلماته بعنف، وقالت: «وضعتني جانبًا كشيءٍ قديم، أليس كذلك؟» «بعد هذا الأداء الجميل الذي قدمتِه في عرض «ملكة البستان» (ذا أورتشارد كوين) …» «الحقيقة يا بيلي، لقد كان حظي سيئًا للغاية.» «أوه، أعلم أن كل شيء قد انتهى.» «لديَّ موعد للقاء بيلاسكو الأسبوع المقبل … ربما يُجدي ذلك نفعًا.» «عجبًا، يجب أن أقول إنه ربما يُجدي بالفعل يا روث … هل تنتظرين أحدًا؟» «لا … أوه يا بيلي، لا تزال المَرِح القديم نفسه … لا تسخر مني اليوم. لا أشعر أن لديَّ القدرة على تحمل الأمر.» «يا عزيزتي المسكينة، اجلسي واحتسي معي كوبًا من الشاي.» «أقول لكِ يا روث إنها سنة مروِّعة. الكثير من الممثِّلين الكبار الجيدين سيرهنون الحلقة الأخيرة في سلاسل ساعاتهم هذا العام … أظنكِ تبحثين في كل مكان عن عمل.» «لا تخبرني بذلك … فقط لو كان بإمكاني شفاء حلقي … شيء كهذا يُنهِك المرء.» «أتتذكرين الأيام الخوالي في سوميرفيل ستوك؟» «وهل يمكنني نسيانها يا بيلي؟ … ألم تكن مدهشة؟» «آخر مرة رأيتكِ فيها يا روث كانت في عرض «الفراشة فوق العجلة» (ذا باتر فلاي أون ذا وييل) في سياتل. كنت في قاعة المسرح …» «لماذا لم تَعُد وتراني؟» «كنت لا أزال غاضبًا منك على ما أظن … كنت في أسوأ حالاتي. في وادي الظل … سوداوية … وَهَن عصبي. كنت مفلسًا وقد تقطَّعت بي السبل … في تلك الليلة، كنت تحت ذلك التأثير بعض الشيء، كما تفهمين. لم أكن أريدكِ أن ترَي الوحش بداخلي.» سكبت روث لنفسها كوبًا جديدًا من الشاي. شعرت فجأةً ببهجة محمومة. «أوه، ولكن يا بيلي ألم تنسَ كل ذلك؟ … كنت فتاةً صغيرة حمقاء في ذلك الوقت … كنت أخشى أن يتعارض الحب، أو الزواج، أو أي شيء من هذا القبيل مع فني، كما تفهم … كنت مهووسةً بالنجاح.» «هل ستفعلين الشيء نفسه مرةً أخرى؟» «تُرى …» «ما رأيكِ؟ … «الإصبع المتحرِّك يكتب وبعد أن كتب يتقدَّم» …» ألقت رأسها للوراء وضحكت، قائلة: «شيء من قبيل «ولا كل دموعك تغسل كلمةً منه» … ولكن يا بيلي، أظنك كنت تستعد للتقدم لخطبتي مرةً أخرى … آه يا حلقي.» «أتمنَّى لو لم تكوني تخضعين للأشعة السينية يا روث … لقد سمعت أنها خطيرة للغاية. لا أريد أن أُفزعكِ من الأمر يا عزيزتي … ولكني سمعت عن حالات مصابة بالسرطان تعقَّدت بهذه الطريقة.» «هذا هراء يا بيلي … لا يحدث ذلك إلا عندما يُساء استخدام الأشعة السينية، ويستغرق الأمر سنوات من التعرُّض … كلا؛ فظني في الدكتور وارنر هذا أنه رجل رائع.» جلست لاحقًا في القطار السريع المتجه إلى الشمال بمترو الأنفاق، وكانت لا تزال تشعر بيده الناعمة تربت على يدها داخل قفازها. قال بصوت أجش: «وداعًا أيتها الفتاة الصغيرة، فليبارككِ الرب.» أصبح من أولئك الممثِّلين ذوي الأداء المتكلَّف، بل صار نموذجًا على هذا النوع، كان ثمة شيء بداخلها يقول لها ذلك ساخرًا طوال الوقت. «الحمد للرب، ما يدريكِ ما سيحدث.» … ثم باكتساحة بقبعته العريضة الحواف وطرح لشعره الأبيض الحريري، كما لو كان يلعب دورًا في فيلم «السيد بوكير» (مسيو بوكير)، استدار وخرج بين الحشد إلى شارع برودواي. قد أكون قليلة الحظ، ولكني لست غارقةً في الأداء المتكلَّف مثله … يحدِّثني عن السرطان. نظرت إلى أعلى وأسفل العربة في وجوه مهتزَّة أمامها. من بين جميع هؤلاء الأشخاص، لا بد أن أحدهم مصاب بالمرض. «أربعة من كل خمسة …» هذا سخيف، هذا ليس سرطانًا. «إكس-لاكس، نوجول، أوسليفانز …» وضعت يدها إلى حلقها. كان حلقها منتفخًا بشدة، كان حلقها يخفق خفقانًا محمومًا. ربما كان الأمر أسوأ من ذلك. إن ثمة شيئًا حيًّا ينمو في الجسم، يلتهم حياتك بأكملها، يتركك في حالةٍ مروِّعة، متعفِّنًا … نظر الناس في الجهة المقابلة لها محدِّقين أمامهم مباشرة، شباب وشابات، أشخاص في منتصف العمر، وجوه خضراء في الضوء القذر، أسفل الإعلانات ذات الألوان الكريهة. «أربعة من كل خمسة …» حمولة قطار من جثث مهتزَّة، تومئ وتتأرجح بينما يهدر القطار السريع صارخًا نحو شارع ٩٦. في شارع ٩٦، كان عليها تغيير العربة إلى عربة محلية. ••• جلس داتش روبرتسون فوق مقعد على جسر بروكلين وياقة معطفه العسكري مرفوعة، متصفِّحًا بعينَيه إعلانات فرص العمل. كانت فترة ما بعد الظهيرة شديدة الحرارة والرطوبة مختنقة بالضباب، وبدا الجسر هابطًا ومنعزلًا كتعريشة في حديقة كثيفة من صافرات القوارب البخارية. مرَّ اثنان من البحَّارة. «أفضل مطعم رخيص يقابلنا بعد مطعم بي. إيه.» شريك في دار سينما، حي مزدحم … وفقًا لمواصفات التحقيق … ثلاثة آلاف دولار أمريكي … يا إلهي ليس معي ثلاثة آلاف من عُشر السنت … بائع سيجار، مبنًى مشغول، بيع اضطراري بالخسارة … متجر لأجهزة الراديو والموسيقى مُجهَّز بالكامل … مشغول … مصنع طباعة حديث متوسط الحجم مُجهَّز بالأسطوانات، وجذوع تدوير آلات الحفر، ومغذيات آلة التفريز، ومطابع تجارية، وآلات طابعة، وورشة تجليد كاملة … مطعم كوشر ومتجر لبيع الأطعمة المعلَّبة … صالة بولينج … مشغول … قاعة رقص كبيرة في بقعة حيوية وامتيازات أخرى. «نشتري أسنانًا اصطناعية»، ذهب قديم، بلاتين، مجوهرات قديمة. بالفعل يفعلون ذلك بحق الجحيم. «مطلوب مساعد». هذا يناسب قدراتك أيها السِّكير. معنونون، كتَّاب درجة أولى … هذا بعيد عني … فنان، مُرَافِق، ورشة إصلاح سيارات ودراجات ودراجات بخارية … أخرج ظهر مظروف ودوَّن العنوان. ماسح أحذية … ليس بعد. صبية، لا، أظنني لم أعد صبيًّا، متجر حلوى، باعة متجوِّلون، غاسلو سيارات، غاسلو صحون. «تكسَّب وأنت تتعلَّم». طب الأسنان الميكانيكي هو أقصر طريق للنجاح … ليست هناك مواسم كاسدة … «مرحبًا يا داتش … ظننت أنني لن أصل إلى هنا مطلقًا.» جلست بجواره فتاة شاحبة الوجه ترتدي قبعةً حمراء ومعطفًا من فرو الأرانب الرمادي. «يا إلهي، لقد سئمت قراءة تلك الإعلانات.» مدَّ ذراعَيه وتثاءب تاركًا الورقة تنزلق على ساقَيه. «ألَا تشعر بالبرد وأنت جالس هنا فوق الجسر؟» «ربما … لنذهب ونتناول الطعام.» قفز واقفًا على قدمَيه ووضع وجهه الأحمر بأنفه النحيف المكسور بالقرب من وجهها، ونظر في عينَيها السوداوَين بعينَيه الرماديتَين الشاحبتَين. ربت على ذراعها بقوة. «مرحبًا يا فرانسي … كيف حال فتاتي الصغيرة؟» عادا في اتجاه مانهاتن، في الطريق الذي أتَت منه. توهَّج أسفلهما النهر عبر الضباب. انجرفت باخرةٌ كبيرةٌ ببطء مارةً بهما، حيث كانت الأنوار مضاءةً بالفعل، وعلى حافة الممشى نظرا لأسفل على المداخن السوداء. «هل كان قاربًا كبيرًا مثل الذي سافرت إلى الخارج على متنه يا داتش؟» «كان أكبر من ذلك.» «مرحى، أود أن أذهب.» «سآخذكِ وقتًا ما وأريكِ جميع الأماكن هناك … لقد ذهبت إلى العديد من الأماكن وقد ذهبت إليها في الوقت الذي كنت فيه متغيبًا عن الخدمة.» تردَّدا في محطة القطارات السريعة. «هل معكِ أي نقود يا فرانسي؟» «بالطبع، معي دولار … ولكن يجب أن أدَّخره للغد.» «كل ما معي هو آخر ربع دولار متبقٍّ. دعينا نذهب لتناول عشاء بقيمة ٥٥ سنتًا في ذلك المكان الصيني … سيكون ذلك دولارًا و١٠ سنتات.» «يجب أن أحتفظ بنيكل للذهاب إلى المكتب في الصباح.» «يا إلهي! اللعنة، ليت لدينا بعض المال.» «هل انتظمت في أي عمل بعد؟» «ألن أخبركِ لو كان هذا قد حدث؟» «تعالَ، لديَّ نصف دولار مُدَّخر في غرفتي. يمكنني أن أدفع منه أُجرة النقل.» فكَّت نصف الدولار ووضعت نيكلَين في الباب الدوَّار. جلسا في قطار الجادة الثالثة. «أخبريني يا فرانسي، هل سيسمحون لنا بالرقص وأنا أرتدي قميصًا كاكيًّا؟» «لمَ لا يا داتش، يبدو جيدًا؟» «إنه يُشعرني بالضيق بعض الشيء.» كانت فرقة الجاز في المطعم تعزف موسيقى هندوستانية. وكانت تفوح منه رائحة الشوب سوي والصوص الصيني. دخلا بهدوء إلى إحدى الحُجيرات. كان الشباب الأملس الشعر والفتيات القصيرات الشعر يتراقصون وهم متعانقون. عندما جلسا تبادل كلٌّ منهما الابتسام في عينَي الآخر. «يا إلهي، أنا جائع.» «أأنت كذلك يا داتش؟» دفع ركبتَيه إلى الأمام حتى التصقتا بركبتَيها. قال عندما فرغ من تناول حسائه: «يا إلهي، إنكِ لفتاة جيدة. صدقًا سأحصل على وظيفة هذا الأسبوع. وبعد ذلك سنحصل على مكان جميل ونتزوَّج.» عندما نهضا للرقص كانا يهتزان لدرجة أنهما استطاعا بالكاد التمايل مع الموسيقى. قال رجل صيني أنيق واضعًا يده على ذراع داتش: «يا سيدي … الرقص ممنوع من دون الملابس الملائمة …» قال بصوت هادر وهو يواصل الرقص: «ماذا يريد؟» «أظن الأمر يتعلَّق بالقميص يا داتش.» «إنه كذلك بحق الجحيم.» «أنا مجهدة. أفضِّل التحدُّث على الرقص على أي حال …» عادا إلى مجلسهما وشرائح الأناناس التي قُدمت لهما للتحلية. سارا بعد ذلك شرقًا على طول شارع ١٤. «ألَا يمكننا الذهاب إلى مكان مبيتك يا داتش؟» «ليس لديَّ أي مكان للمبيت. لن تسمح لي العجوز الفظة بالبقاء، وستأخذ جميع أغراضي. صدقًا إن لم أحصل على وظيفة هذا الأسبوع، فسأذهب إلى رقيب توظيف وأعيد إدراجي على قائمة المجنَّدين.» «أوه لا تفعل ذلك؛ لن نتزوَّج أبدًا إذن يا داتش … يا إلهي، ولكن لماذا لم تخبرني؟!» «لم أكن أريد أن أقلقكِ يا فرانسي … أنا عاطل عن العمل طوال ستة أشهر … يا إلهي، إنه أمر كفيل بأن يقود المرء إلى الجنون.» «ولكن يا داتش إلى أين يمكننا أن نذهب؟» «يمكننا الذهاب إلى ذلك الرصيف … أعرف رصيفًا.» «الطقس بارد جدًّا.» «لم أستطع الشعور بالبرد عندما كنتِ معي يا حبيبتي.» «لا تتحدَّث هكذا … أنا لا أحب ذلك.» سارا متكئَين معًا في الظلام في الشوارع المُحفَّرة الموحلة على ضفة النهر، بين خزانات الغاز المنتفخة الضخمة، والأسوار المتهدِّمة، والمستودعات الطويلة ذات النوافذ المتعدِّدة. عند إحدى النواصي أسفل مصباحٍ من مصابيح الشارع أطلق صبي صفير استهجان عندما مرَّا. اندفع داتش قائلًا من جانب فمه: «سألكمك في وجهك أيها الوغد الصغير.» همست فرانسي: «لا تُجب عليه، وإلا فسنجلب إلينا العصابة بأكملها.» تسلَّلا عبر بابٍ صغير في سياج طويل تعلو فوقه أكوامٌ واهنةٌ من الألواح الخشبية. استطاعا أن يشما رائحة النهر، وخشب الأرز، ونُشارة الخشب. واستطاعا أن يسمعا صوت النهر وهو يصقل الأكوام تحت أقدامهما. جذبها داتش إليه وضغط بفمه على فمها. صرخ صوت عليهما: «أنتما يا عزيزاي، ألَا تعرفان أنه لا يمكنكما التواجد هنا بالخارج في الليل؟» أضاء الحارس فانوسًا في عيونهما. «حسنًا، لا تغضب، كُنَّا نتمشَّى قليلًا فحسب.» «تمشية.» كانا يجران نفسَيهما في الشارع مرةً أخرى ورياح النهر السوداء في أسنانهما. «انتبه.» مرَّ شرطي يصفِّر لنفسه بهدوء. تباعدا. «أوه يا فرانسي، سيأخذوننا إلى مستشفى المجانين إذا واصلنا فعل هذا. دعينا نذهب إلى غرفتكِ.» «ستطردني المالكة، هذا كل ما هنالك.» «لن أُحدث أي ضوضاء … معكِ مفتاحكِ، أليس كذلك؟ سأتسلَّل إلى الخارج قبل ظهور الضوء. اللعنة، إنهم يجعلوننا نشعر وكأننا ظَربان.» «حسنًا يا داتش، لنذهب إلى المنزل … لم يعُد يهمني ما يحدث.» صعِدا السلم الملطَّخ بآثار الخطى الموحِلة إلى الطابق العلوي من المبنى. قالت مُهسهِسةً في أذنه وهي تُدخل المفتاح في القفل: «اخلع حذاءك.» «لديَّ ثقوب في جوربي.» «هذا لا يهم أيها السخيف. سأرى إن كانت الأمور على ما يرام. غرفتي في الخلف بعيدًا بعد المطبخ؛ لذا إذا كانوا جميعًا في أسرَّتهم فلن يتمكنوا من سماعنا.» عندما تركته كان بمقدوره أن يسمع دقات قلبه. عادت في غضون ثانية. تبعها على أطراف أصابعه في رَدهة تُصدر أرضيتها صوتَ صرير. جاء عبر الباب صوت شخير. كانت هناك رائحة ملفوف ونوم في الردهة. بمجرد دخولهما إلى غرفتها، أغلقت الباب ووضعت كرسيًّا أمامه أسفل المقبض. دخل إلى الغرفة من الشارع مثلَّث من الضوء الذي تتناثر فيه حبات الرماد. «الآن بحق المسيح ابقَ ساكنًا يا داتش.» وهو لا يزال يحمل فردة حذاء في كل يد اقترب منها وعانقها. استلقى بجانبها وهو يهمس بإسهاب بشفتَيه أمام أذنها. «ويا فرانسي سأعمل جيدًا، صدقًا سأفعل؛ لقد كنت رقيبًا في الخارج حتى أوقفوني لتغيُّبي عن الخدمة. يدل هذا على أن لديَّ القدرة على فعل شيء. بمجرد أن أحصل على فرصة سأجني الكثير من المال وسأعود أنا وأنتِ لنشاهد بلدة شاتو تييري وباريس وكل هذه الأشياء؛ ستحبينها صراحةً يا فرانسي … يا إلهي، المدن قديمة ومرحة وهادئة ومُريحة وبها أضخم الحانات؛ حيث تجلسين بالخارج إلى طاولات صغيرة في ضوء الشمس وتشاهدين الناس يمرون، والطعام رائع أيضًا ستحبينه على الفور، ولديهم فنادق في كل مكان يمكننا المبيت فيها ولا يهتمون إذا كُنا متزوِّجَين أم لا. ولديهم أسرَّة كبيرة مريحة للغاية مصنوعة من الخشب، ويُحضرون لكِ الإفطار في السرير. يا إلهي يا فرانسي، ستحبين الأمر.» ••• كانا يتمشَّيان ذاهبَين لتناول العشاء عبر الثلج. تساقطت رقاقات الثلج من حولهما وتوهجت الشوارع باللون الأزرق، والوردي، والأصفر، وتشوَّشت الرؤية. «أكره أن أراكِ تقبلين هذه الوظيفة يا إيلي … يجب أن تستمري في تمثيلكِ.» «ولكن يا جيمبس، يجب أن نعيش.» «أعلم … أعلم. لم تكوني في كامل وعيكِ بالتأكيد يا إيلي عندما تزوَّجتِني.» «أوه، دعنا لا نتحدَّث في الأمر بعد الآن.» «دعينا نقضِ وقتًا ممتعًا الليلة … إنها أول ليلة تتساقط فيها الثلوج.» «هل هذا هو المكان؟» وقفا أمام باب قبو غير مضاء ومغطًّى بشبكة محكمة التشابك. «لنحاول.» «هل رنَّ الجرس؟» «أظن ذلك.» انفتح الباب الداخلي ونظرت بالخارج إليهما فتاة ترتدي مئزرًا وردي اللون. قال بالفرنسية: «مساء الخير يا آنسة.» «آه … مساء الخير يا سيدي، ويا «سيدتي».» دلَّتهما إلى داخل قاعة مضاءة بالغاز تفوح منها رائحة الطعام ومعلَّقة بها المعاطف والقبعات والأوشحة. عبر باب ذي ستائر نفث المطعم في وجهَيهما نفسًا حارًّا من الخبز وشراب الكوكتيل وزبدة القلي والعطور وأحمر الشفاه والحديث الذي تتخلَّله القعقعة والجلجلة. قالت إلين: «بمقدوري أن أشم رائحة الأفسنتين. لنثمل بشدة.» «يا إلهي، هذا كونغو … ألَا تتذكرين كونغو جيك من حانة سي سايد؟» وقف ضخمًا في نهاية الممر يومئ إليهما. كان وجهه مسودًّا للغاية وكان له شارب أسود لامع. «مرحبًا يا سيد هيرف … كيف حالك؟» «لم يُصبني مكروه. أريد أن أُعرِّفك يا كونغو على زوجتي.» «إن لم تكن تمانع أن ندخل إلى المطبخ، فسنتناول مشروبًا.» «بالطبع لا … إنه أفضل موقع في المكان. عجبًا، أنت تعرج … ماذا فعلت بساقك؟!» بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «اللعنة … لقد تركتها في إيطاليا … لم أستطع أن أجلبها معي بمجرد أن بتروها.» «كيف حدث ذلك؟» «وقع شيء أحمق لعين فوق جبل مونت تومبا … أعطاني زوج أختي طرفًا اصطناعيًّا شديد الجمال … اجلسا هناك. انظري يا سيدتي، هل يمكنكِ التفريق بين ساقَي؟» قالت إيلي ضاحكة: «كلا، لا أستطيع.» جلسوا إلى طاولةٍ رخاميةٍ صغيرةٍ في ركن المطبخ المزدحم. كانت هناك فتاةٌ تُقدِّم الصحون إلى طاولةٍ من الخشب الرقيق في المنتصف. واثنان من الطهاة يعملان عند الموقد. كان الهواء غنيًّا بروائح الأطعمة التي تتصاعد منها أصوات أزيز الدهون. عرج كونغو راجعًا إليهما بثلاث كئوس على صينية صغيرة. وقف بجوارهما وهما يشربان. قال وهو يرفع كأسه: «في صحتكما. كوكتيل الأفسنتين، كما يصنعونه في نيو أورلينز.» «إنه مذهل.» أخرج كونغو بطاقةً من جيب صدريته مكتوب عليها بالفرنسية: «ربما تحتاج شيئًا يومًا ما … لا أتعامل في شيء سوى واردات ما قبل الحرب. أنا أفضل مُهرِّب في نيويورك.» «إذا حصلت على أي أموال، سأُنفقها معك بالتأكيد يا كونغو … كيف تعثر على عمل؟» «جيد جدًّا … سأخبرك بالأمر. الليلة أنا مشغول للغاية … سأجد لك طاولةً في المطعم الآن.» «هل تدير هذا المكان أيضًا؟» «لا هذا ملك زوج أختي.» «لم أكن أعرف أن لك أختًا.» «ولا أنا.» عندما عرج كونغو مبتعدًا عن طاولتهما، حلَّ الصمت بينهما كستارة من الأسبست في أحد المسارح. قال جيمي منتزعًا ضحكة: «إنه مرِح غريب الأطوار.» «إنه كذلك بالفعل.» «اسمعي يا إيلي، لنتناول كوكتيلًا آخر.» «حسنًا.» «يجب أن أتواصل معه وأجعله يعترف ببعض القصص عن المهرِّبين.» «يا إلهي … لنتناول كوكتيلًا آخر.» شعر بالشلل كما لو كان في كابوس؛ فقد كانت كتمثال من البورسلين أسفل غطاء زجاجي جرسي. دار فجأةً تيارٌ من الهواء المنعش الذي غسلته الثلوج من مكان ما عبر الوهج المخشخش والمُتخَم في ضباب للمطعم، قاطعًا عبق الطعام والشراب والتبغ. للحظة اشتمَّ رائحة شعرها. اشتعل الكوكتيل في داخله. يا إلهي، لا أريد أن أفقد الوعي. كانا يجلسان في مطعم محطة باريس جار دي ليون جنبًا إلى جنب على مقعد من الجلد الأسود. لامست وجنته وجنتها عندما مدَّ جسده ليضع لها في صحنها الرنجة، والزبد، والسردين، والأنشوجة، والنقانق. يأكلان بنَهَمٍ، ويقهقهان وهما يتجرَّعان النبيذ، جافلَين مع كل صَيحة يُطلقها أحد القطارات … ينطلق القطار من أفينيون، فيستيقظان وينظر كل منهما في عينَي الآخر في المقصورة المليئة بالنائمين المشخِّرين الغارقين في النوم. ترنَّح مُتسلِّقًا فوق السيقان المتشابكة كي يدخِّن سيجارةً في نهاية الممر المتأرجح المعتم. ديديل دامب، جنوبًا، ديديل دامب، جنوبًا، تغنِّي العجلات فوق القضبان في وادي نهر الرون. يميل من النافذة مدخِّنًا سيجارةً مكسورة ويحاول أن يدخِّن سيجارةً متفتِّتة، ممسكًا بإصبعه المكان الممزَّق بها. يُسمع صوت بقبقة من الشُّجيرات، من أشجار الحور الفضية، على طول المسار. «إيلي، إيلي هناك عَنادِل تُغنِّي على طول المسار.» «أوه، كنت نائمةً يا حبيبي.» تلمَّست طريقها إليه متعثرةً عبر سيقان النائمين. وقفَا جنبًا إلى جنب عند النافذة في الممر المهتز المترنِّح. ديديل دامب، جنوبًا. سُمع صوت لهث العَنادِل على طول المسار وسط أشجار الحور التي تقطر فضة. وفاحت ليلة ضوء القمر الملبَّدة بالغيوم السالبة للعقل بروائح الحدائق، وأنهار من الثوم، وورود الحقول المُسمَّدة لتوها. تلهث العَنادِل. كانت إيلي تتحدَّث أمامه كالدمية. «يقول إن كانت سلطة الكركند نفدت بالكامل … أليس هذا محبطًا؟» استعاد فجأةً قدرته على الحديث. «يا إلهي، لو كان هذا هو الشيء الوحيد.» «ماذا تعني؟» «لماذا عدنا إلى هذه المدينة العَطِنة على أي حال؟» «كنت تهمهم بمدى روعة الأمر منذ أن عدنا.» «أعلم. أظن أن هذا العنب حامض … سأحصل على شراب كوكتيل آخر … إيلي، بحق السماء، ما الذي حدث لنا؟» «سيُصيبنا المرض إن واصلنا على هذا النهج أوكِّد لك.» «حسنًا، ليصِبنا المرض … لتكن علاقتنا جيدةً ويصيبنا المرض.» عندما اعتدلا جالسَين في السرير الكبير، كان بإمكانهما الرؤية عبر الميناء، كان بإمكانهما رؤية مسافة ياردات من السُّفن الشراعية الكبيرة، ومركب شراعي أبيض أُحادي الصاري، وزورق قَطر باللونَين الأحمر والأخضر صغير كما لو كان لعبة، ومنازل منبسطة الواجهات في الجهة المقابلة خلف خطوط من المياه بألوان الطاووس، وعندما استلقيا أمكنهما رؤية النوارس في السماء. ارتديا ملابسهما عند الغسق متأرجحَين، يتعثَّران مهتزَّين عبر ممرات الفندق العفنة، خارجَين إلى الشوارع الصاخبة كفرقة نحاسية، تزخر بخشخشة الدفوف الصغيرة، ولمعان النحاس، وبريق الكريستال، وزمير وأزيز المحرِّكات … وحدهما معًا في الغسق يشربان الشيري أسفل سطح تظلِّله أوراق الشجر العريضة، وحدهما معًا وسط الحشد المتراقص بألوان الحفلات كما لو كانا غير مرئيَّين. ويحل ليل الربيع فوق البحر مُروِّعًا قادمًا من أفريقيا ويستقر حولهما. أنهيا احتساء قهوتهما. وقد شرب جيمي قهوته ببطء شديد كما لو أن عذابًا في انتظاره عندما ينتهي منها. قالت إلين: «حسنًا، كنت أخشى أن أجد آل بارنيز هنا.» «هل يعرفون هذا المكان؟» «لقد أحضرتهم إلى هنا بنفسك يا جيمبس … وتلك المرأة المروِّعة تُصِر على التحدث معي عن الأطفال طوال المساء. أنا أكره الحديث عن الأطفال.» «يا إلهي، أتمنَّى أن نتمكَّن من الذهاب إلى أحد العروض.» «سيكون الوقت قد تأخَّر كثيرًا على أي حال.» «ولن نفعل شيئًا سوى إنفاق المال الذي لا أتحصَّل عليه … دعينا نشرب الكونياك لنختم به. لا يهمني إن تسبَّب في تدميرنا.» «سيفعل ذلك على الأرجح بأكثر من طريقة.» «حسنًا يا إيلي، هذا نخب الرجل المُعيل الذي تحمَّل عبء الرجل الأبيض.» «عجبًا يا جيمي، أظن أنه سيكون من الممتع الحصول على وظيفة تحريرية لبعض الوقت.» «سأجد أنه من الممتع الحصول على أي نوع من العمل … حسنًا يمكنني البقاء في المنزل دائمًا والاعتناء بالطفل.» «لا تسخر يا جيمي، إنه وضع مؤقت فحسب.» «الحياة مؤقتة كذلك بالمناسبة.» وصلت سيارة الأجرة. دفع له جيمي آخر دولار معه. وضعت إيلي مفتاحها في الباب الخارجي. كان الشارع في حالة فوضى من الثلوج المنهمرة الملطَّخة بالأفسنتين. انغلق باب شقتهما خلفهما. اكتظَّت حولهما الكراسي، والطاولات، والكتب، وستائر النوافذ باعثةً على الشعور بالمرارة بغبار أمس الذي اعتلاها، وغبار أول أمس، وأول أول أمس. وغشيتهما روائح الحفَّاضات، وأواني القهوة، وزيت الآلة الكاتبة، ومنظِّف داتش كلينزير. أخرجت إلين زجاجة الحليب الفارغة وذهبت إلى الفِراش. واصل جيمي السير مضطربًا في أرجاء الغرفة الأمامية. تلاشى سُكره وتركه مستفيقًا وشاعرًا بالبرودة الشديدة. في حجرة دماغه الفارغة، كانت ثمة كلمة ثنائية الوجه تخشخش كعملة معدنية: فشلُ النجاح، فشل النجاح. تُهمهم بصوت خافت وهي ترقص. إنها صالة طويلة بها فرقة موسيقية في إحدى نهاياتها، تُضيئها بنور أخضر مجموعتان من المصابيح الكهربائية المعلَّقة وسط أكاليل ورقية في المنتصف. وفي النهاية التي بها الباب، يعيق قضيب مُلمَّع صفًّا من الرجال. هذا الذي ترقص معه آنا هو سويدي طويل عريض البِنية، وتتبع قدماه الكبيرتان المتعثِّرتان قدمَيها الصغيرتَين الرشيقتَين الحركة. تتوقف الموسيقى. الآن يظهر يهودي نحيل صغير البنية أسود الشعر. يقترب منها ويحاول معانقتها. «كُف عن ذلك.» تُبعده عنها. «كوني رحيمة.» لا تجيبه، وترقص بانضباط وبرود؛ إنها متعبة حد الغثيان. هبَّت أنفاس رجل إيطالي معبئة برائحة الثوم في وجهها، ثم مرَّت برقيب بحري، ثم رجل يوناني، ثم شاب صغير أشقر بوجنتَين ورديتَين، فابتسمت له، ثم مخمور مُسِن يحاول تقبيلها … «تشارلي يا بُني أوه تشارلي يا بُني» … ثم رجل أملس الشعر، ثم ذو نمش أجعد الشعر، ثم ذو البثور، ثم أفطس الأنف، ثم مستقيم الأنف، ثم راقصون سريعو الخطى، ثم راقصون ثقيلو الخطى … «جنوبًا … بمذاق قصب السكر في فمي» … على ظهرها أيادٍ كبيرة، وأيادٍ ساخنة، وأيادٍ متعرِّقة، وأيادٍ باردة، وتتزايد تذاكر الرقص معها حتى تُصبح رزمةً في قبضة يدها. هذا الرجل راقص فالس جيد، ويبدو رجلًا أنيقًا في بِذلته السوداء. همست: «يا إلهي، أنا متعبة.» «لا يرهقني الرقص أبدًا.» «أوه، إنه الرقص مع الجميع بهذا الشكل.» «ألَا تريدين أن تأتي وترقصي معي بمفردنا في مكان ما؟» «حبيبي ينتظرني.» سألت رجلًا عريض الصدر يبدو منتبهًا: «ما الوقت الآن؟» «الوقت الذي تعارفنا فيه يا أختاه …» هزَّت رأسها. انطلقت الموسيقى فجأةً بنشيد الوداع. ابتعدت عنه وركضت إلى المنضدة وسط حشد من الفتيات يتدافعن لتسليم تذاكر الرقص. تقول فتاة شقراء عريضة الوركَين: «أخبريني يا آنا … هل رأيت ذلك الأحمق الذي كان يرقص معي؟ … يقول لي أراكِ لاحقًا وأنا أقول له أراكَ محشورًا في الجحيم … ثم يقول يا إلهي …»
|
{
"chapter": "تذكرة سينما بنيكل واحد",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/3.2/"
}
|
رحلت الشمس إلى نيوجيرسي، أصبحت الشمس خلف مدينة هوبوكين. تُسدل الأغطية فوق الآلات الكاتبة، وتُطوى المناضد ذات الأغطية اللفافة، وتصعد المصاعد فارغة، وتهبط مكدسة. الناس في حركتهم كالجَزْر في حي وسط المدينة، وكالفيضان في حي فلاتبوش، ومنطقة وودلاون، وشارع ديكمان، وخليج شيبسهيد، وجادة نيو لوتس، وحي كنارسي. صُحف وردية، وصُحف خضراء، وصُحف رمادية، «تقارير السوق الكاملة، النهائيات في مدينة هافر دي جريس». تتلوَّى الصُّحف بين الوجوه المتعبة التي أضناها العمل في المتاجر والمكاتب، وأطراف الأصابع المحتقنة، وأمشاط الأقدام المتألمة، رجال غِلاظ يندسُّون في قطار المترو السريع. «فريق سيناتورز ٨، فريق جاينتس ٢، استعادة الديفا لَآلِئها، سرقة ٨٠٠ ألف دولار أمريكي». تنحسر الحشود في شارع وول ستريت كالجَزْر، وتهب كالمد في حي ذا برونكس. غابت الشمس في نيوجيرسي. صاح فيل ساندبورن وقرع بقبضته فوق المكتب: «يا إلهي، لا أظن ذلك … إن أخلاق المرء ليست من شأن أحد. إن عمله هو ما يهم.» «أحقًّا؟» «حسنًا، أظن أن ستانفورد وايت قد فعل لمدينة نيويورك أكثر ممَّا فعله أي رجل آخر من الأحياء. لم يكن أحد يعلم بشيء يُسمَّى العمارة قبل مجيئه … ولذلك أطلق ثاو عليه الرصاص بدم بارد ثم هرب بفعلته … وربي لو كان أهل هذه المدينة تجري الدماء في عروقهم لكانوا …» «إنك تتحمَّس للغاية يا فيل للاشيء.» أخرج الرجل الآخر سيجاره من فمه وأرجع ظهره في كرسيه الدوَّار وتثاءب. «يا إلهي، أُريد إجازة. يا ربي، سيكون من الجيد الذهاب مجددًا إلى غابات مين القديمة.» همهم فيل: «وماذا عن المحامين اليهود والقضاة الأيرلنديين …» «أوه، كفى أيها الرجل الهَرِم.» «أنت نموذج جيد للمواطن الحريص على المصلحة العامة يا هارتلي.» ضحك هارتلي وفرك راحة يده فوق رأسه الأصلع. «أوه، ذلك الأمر لا بأس به في الشتاء، ولكني لا أتحمَّله في الصيف … يا إلهي، كل أملي هو إجازة لثلاثة أسابيع بأي حال. ما الذي يعنيني إن قُتل جميع المعماريين في نيويورك ما دام ذلك لا يرفع من سعر الانتقال إلى مدينة نيو روتشيل … لنذهب لتناول الطعام.» أثناء نزولهم في المصعد واصل فيل حديثه. «الرجل الوحيد الآخر الذي عرفته يومًا وكان حقًّا معماريًّا حتى النخاع هو الهَرِم سبيكير، ذلك الرجل الذي عملت لديه أول ما أتيت إلى شمال البلاد، لقد كان كذلك دنماركيًّا صالحًا. المسكين مات بالسرطان قبل عامَين. لقد كان معماريًّا بحق. لديَّ في المنزل مجموعة من الخطط والمواصفات لِمَا أسماه مبنًى مشتركًا … بارتفاع ٧٥ طابقًا تتدرَّج للخلف في شُرفات بما يشبه الحديقة في كل طابق، وفنادق، ومسارح، وحمامات تركية، وبرك سباحة، ومتاجر تجزئة، ومحطة تدفئة، ومساحة تثليج، وسوق كلها في المبنى نفسه.» «هل كان يتعاطى الكوكايين؟» «كلا، بالطبع لا.» كانا يسيران شرقًا بمحاذاة شارع ٣٤، حيث القليل من الناس في منتصف اليوم الخانق. اندفع فيل ساندبورن فجأةً قائلًا: «يا إلهي! الفتيات في هذه البلدة يزددن جمالًا كل يوم. أنت تحب هذه الأزياء الجديدة، أليس كذلك؟» «بالطبع. كل ما أتمناه هو أن أُصبح أصغر عمرًا كل عام وليس أكبر.» «أجل فكل ما يمكننا فعله نحن العجائز أن نشاهدهن مارَّات أمامنا.» «ذلك لحسن حظنا وإلا لاحقتنا زوجاتنا بكلاب الدموم … يا إلهي، عندما أفكِّر في كل ما كان بإمكانه أن يحدث!» عندما كانا يعبران الجادة الخامسة، وقعت عينا فيل على فتاة في سيارة أجرة. من أسفل حافة سوداء لقبعة صغيرة ذات شريط أحمر أصابت عينان رماديتان عينَيه بشعاع أسود مخضر. ابتلع أنفاسه. تضاءل دوي حركة المرور من بعيد. كان ينبغي ألَّا تبعد ناظرَيها. خطوتان ويفتح الباب ويجلس بجوارها، بجوار رشاقتها جاثمًا كطائر فوق المقعد. قاد السائق بأقصى سرعة. كانت شفتاها مضمومتَين ناحيته، وعيناها تبرقان كطيور رمادية تُرفرف بعد أن أُمسك بها. «أنت، انتبه …» انهالَ عليه من الخلف دوي اصطدام حديد. دارت الجادة الخامسة أمام عينَيه في دُوَّامات حمراء وزرقاء وأرجوانية. يا إلهي! «لا بأس، اتركني. سأنهض وحدي في غضون دقيقة.» «تحرَّك إلى هناك. ارجِع هناك.» سمع أصوات دق، ورأى أعمدةً زرقاء من رجال الشرطة. كلٌّ من ظهره وساقاه ملطخٌ بدماء دافئة. تنبض الجادة الخامسة بصرخات ألم عالية. يصلصل جرس صغير مقتربًا. وهم يرفعونه إلى سيارة الإسعاف، تزعق الجادة الخامسة بنزعات وصرخات مختنقة. رفع عنقه ليراها، بوهن، كسلحفاء انقلبت على ظهرها، ألم تخطف عيناي عينَيها كشَرَك فولاذي يقضم فريسة؟ يجد نفسه يئن. ربما ظلَّت لترى إن كنت قد مت. يخفُت صوت صلصلة الجرس، يصبح أخف أكثر فأكثر في ظلمة الليل. ••• واصل صوت صلصلة جهاز الإنذار عبر الشارع بلا توقف. وقسَّم نوم جيمي إلى حلقات محكمة كحبَّات في سلسلة. أيقظه قرع على الباب. اعتدل في السرير مترنِّحًا ووجد ستان إيميري، وقد كان وجهه رماديًّا يعلوه الغبار، ويداه في جيبَي معطفه الجلدي الأحمر، ويقف عند مؤخرة السرير. كان يضحك مترنِّحًا للأمام وللخلف على مقدمتَي قدمَيه. «يا إلهي، كم الساعة الآن؟» اعتدل جيمي في السرير فاركًا عينَيه بأصابعه. تثاءب ونظر حوله بامتعاض مرير إلى ورق الحائط حيث اللون الأخضر الداكن لزجاجات مياه بولند ووتر، وإلى الظل الأخضر المتفرِّق الذي يُدخل قطرات طويلةً من أشعة الشمس، وإلى المدفأة الرخامية التي سدَّها طبق معدني مصقول ومزيَّن برسومات ورود مُحَرشَفة، وإلى روب الحمام الأزرق البالي فوق مؤخرة السرير، وإلى أعقاب السجائر المدهوسة في مَنفَضَة السجائر ذات الزجاج البنفسجي. كان وجه ستان أحمر وبُنيًّا، وكان يضحك أسفل قناع الغبار الطباشيري. كان يقول: «الحادية عشرة والنصف.» «دعنا نرَ، تلك ست ساعات ونصف. أظن هذا يفي بالغرض. ولكن ما الذي تفعله هنا بحق الجحيم يا ستان؟» «أليس لديك رشفة صغيرة من الشراب في أي مكان يا هيرف؟ أنا ودينجو نشعر بالعطش الشديد. لقد قطعنا كل ذلك الطريق الطويل من بوسطن، ولم نتوقَّف سوى مرة واحدة للتزوُّد بالوقود والماء. ولم أنَم منذ يومَين. فقد أردت أن أرى ما إذا كنت سأصمد طوال الأسبوع.» «يا إلهي، أتمنَّى لو أن بإمكاني أن أصمد الأسبوع كله في الفراش.» «ما أنت بحاجة إليه هو وظيفة في إحدى الصُّحف كي تظل مشغولًا يا هيرف.» لفَّ جيمي نفسه بحيث أصبح يجلس على حافة السرير: «ما الذي سيحدث لك يا ستان؟ … هل ستستيقظ صباح يوم من الأيام لتجد نفسك فوق بلاطة رخامية في المشرحة؟» انبعثت من الحمام رائحة معجون أسنان أشخاص آخرين ومطهِّر الكلوريد. كانت ممسحة الحمام رطبة، وطواها جيمي إلى مربع صغير قبل أن يخلع نعلَيه بحذر. رجَّت المياه الباردة الدماء في عروقه. غطَّس فيها رأسه وقفز ووقف يهتز كالكلب والمياه تنساب إلى عينَيه وأذنَيه. ثم ارتدى روب الحمام ورغَّى وجهه. همهم نشازًا وهو يقشط ذقنه بالشفرة الآمنة. يؤسفني يا سيد دروفير أنني سأترك العمل بعد الأسبوع المقبل. أجل، سأُسافر إلى الخارج؛ إذ سأعمل مراسلًا أجنبيًّا لصالح وكالة «أسوشيتد برس» في المكسيك، لصالح وكالة «يونايتد برس» في أريحا على الأرجح، مراسل في هاليفاكس لصالح «مادتيرتل جازيت». «حلَّ الكريسماس في الحرملك والخصيان في كل مكان.» غمر وجهه بغسول الليسترين، وحزم أدوات عنايته الشخصية في منشفته المبلَّلة، ورجع راكضًا فرِحًا صاعدًا الدرج ذا السجادة الخضراء الذي تفوح منه رائحة الملفوف وإلى الردهة المؤدية إلى غرفة نومه. مرَّ في منتصف الطريق على مالكة المنزل البدينة التي كانت ترتدي غطاء رأس للمنزل، والتي أوقفت مكنسة سجادها لترمق ساقَيه العاريتَين النحيفتَين أسفل روب الحمام الأزرق بنظرة باردة. «صباح الخير يا سيدة ماجينيس.» «سيكون الطقس شديد الحرارة اليوم يا سيد هيرف.» «أظن ذلك.» كان ستان مستلقيًا في الفراش يقرأ رواية «ثورة الملائكة». «تبًّا، أود لو كنت أعرف بعض اللغات مثلك يا هيرف.» «أوه، لم أعُد أُجيد الفرنسية. لقد نسيتها أسرع ممَّا تعلَّمتها.» «بالمناسبة، لقد أُقِلت من الكلية.» «كيف ذلك؟» «أخبرَني العميد أنه يظن أنه من المستحسن ألَّا أحضر العام القادم … شعر أن ثمَّة مجالاتٍ من شأن نشاطاتي أن تكون أكثر همة وفعالية فيها. تعرف مثل هذا الهراء.» «يا له من أمر مؤسف لعين!» «كلا، إنه ليس كذلك، لقد ضحكت حتى كدت ألفظ أنفاسي. سألته لماذا لم يطردني من قبلُ إن كان قد شعر بذلك. سيستشيط أبي غضبًا … ولكن لديَّ من المال ما يسمح لي بعدم الرجوع إلى المنزل لمدة أسبوع. لا أهتم البتة على أي حال. صدقًا أليس لديك أي شراب؟» «عجبًا يا ستان، كيف لعبد فقير الأجر مثلي أن يشتري مخزونًا من الخمر بثلاثين دولارًا أمريكيًّا كل أسبوع؟» «هذه غرفة حقيرة للغاية … كان ينبغي أن تُولد رأسماليًّا مثلي.» «الغرفة ليست بهذا السوء … ما يجن جنوني هو ذلك الإنذار المذعور في الجهة الأخرى من الشارع الذي يرن طوال الليل.» «ذلك إنذار سرقات، أليس كذلك؟» «لا يمكن أن تكون هناك أي سرقات لأن المكان فارغ. لا بد أن الأسلاك تتداخل أو شيء من هذا القبيل. لا أعلم متى يوقف ولكنه أفقدني رشدي حقًّا عندما أويت إلى الفراش هذا الصباح.» «حسنًا يا جيمز هيرف، أتريد أن تقول لي إنك تعود إلى المنزل غير سكران كل ليلة؟» «يجب أن يكون المرء أصمَّ كي لا يسمع ذلك الشيء اللعين، سكران كان أو غير سكران.» «حسنًا، بصفتي حامل سندات ذا جيب منتفخ، أريدك أن تخرج وتتناول الغداء. هل تدرك أنك كنت تتسكَّع في الحمام لمدة ساعة كاملة؟» نزلا الدرج الذي فاحت منه رائحة صابون الحلاقة، ثم رائحة ملمِّع النحاس، ثم اللحم المقدَّد، ثم شياط الشعر، ثم القُمامة وغاز الفحم. «إنك محظوظ للغاية يا هيرف إذ لم تذهب إلى كليةٍ قط.» «ألم أتخرَّج في كولومبيا أيها الرجل المهم، ذلك أكبر مما يمكنك فعله؟» انقضَّ ضوء الشمس لاسعًا وجه جيمي عندما فتح الباب. «ذلك لا يُحسب.» صاح جيمي: «يا إلهي، أُحب الشمس، وَدِدت لو كانت كولومبيا الحقيقية …» «هل تعني كولومبيا التي في نشيد «تحيا كولومبيا»؟» «لا، بل أعني مدينة بوجوتا ونهر أورينوكو وكل هذه الأشياء.» «أعرف رفيقًا جيدًا ذهب إلى بوجوتا. اضطر للشرب بغزارة كي لا يموت بداء الفيل.» «أنا مستعد للمخاطرة بالإصابة بداء فيل، والطاعون الدملي، والحمَّى المبقَّعة للخروج من هذه الحفرة.» «إنها مدينة العربدة، والتسكُّع، والمرح …» «تبًّا للعربدة، كما نقول في شارع ١٣٣ … هل تدرك أنني عشت طوال حياتي في هذه المدينة اللعينة باستثناء أربع سنوات في طفولتي، وأنني وُلدت هنا وعلى الأرجح سأموت هنا؟ … أفكِّر في أن ألتحق بالبحرية وأن أرى العالم.» «ما رأيك في السيارة دينجو في طبقة طلائها الجديدة؟» «رائعة للغاية، تبدو كمرسيدس بامتياز تحت الغبار.» «أردت أن أدهنها باللون الأحمر كسيارات الإطفاء، غير أن عامل المرأب أقنعني في النهاية بطلائها بالأزرق كسيارات الشرطة … هل تمانع أن نذهب إلى موكين وأن نحتسي كوكتيل أفسنتين؟» «أفسنتين على الإفطار … يا إلهي!» سارا بالسيارة بمحاذاة شارع ٢٣ الذي يلمع بألواح من الضوء المنعكس من النوافذ، وبأشكال عربات التوصيل المستطيلة، ومعدات النيكل التي تتخذ شكل العدد ثمانية. «كيف حال روث يا جيمي؟» «إنها على ما يرام. ولكنها لم تحصل على عمل بعد.» «انظر، هناك سيارة دايملر.» هدر جيمي بصوت خافت. عندما انعطفا إلى الجادة السادسة أوقفهما شرطي. وصاح: «قاطع التيار في سيارتك.» «أنا في طريقي إلى المرأب لإصلاحه. وخافض الصوت مفكوك.» «من الأفضل أن تفعل ذلك … ستحصل على مخالفة في المرة القادمة.» قال جيمي: «مرحى، لقد نفذت بجلدك يا ستان … في كل شيء. لا يمكنني مطلقًا أن أهرب من شيء حتى وأنا أكبر منك بثلاث سنوات.» «إنها موهبة.» انتشرت في المطعم رائحة مبهجة من مزيج البطاطس المقلية مع الكوكتيلات والسيجار مع الكوكتيلات. كان المكان حارًّا ومليئًا بالمحادثات والوجوه المتعرِّقة. «ولكن يا ستان لا تُدِر عينَيك في إيماءة رومانسية عندما تسأل عن روث وعني … فما نحن سوى صديقَين مقربَين.» «صدقًا لم أعنِ أي شيء، ولكني آسف لِمَا تقول على الرغم من ذلك. أظن أنه أمر فظيع.» «روث لا تهتم بأي شيء سوى تمثيلها. إنها مهووسة للغاية بالنجاح، وتمتنع عن أي شيء آخر.» «لماذا بحق السماء يريد الجميع تحقيق النجاح؟ أرغب في مقابلة شخص يريد أن يفشل. ذلك هو الشيء السامي الوحيد.» «لا ضير في الأمر إن كان لك دخل مريح.» «ذلك كله هراء … يا إلهي، هذا كوكتيل رائع. أظن أنك يا هيرفي الشخص العاقل الوحيد في هذه المدينة. فليس لديك أي طموح.» «كيف لك أن تعرف أنه ليس لدي طموح؟» «ولكن ما الذي ستفعله بالنجاح عندما تحقِّقه؟ لا يمكنك أن تأكله أو تشربه. أفهم بالطبع أن الأشخاص الذين لا يملكون المال الكافي لإطعام أنفسهم وما إلى ذلك عليهم أن يسعَوا ويحصلوا على المال. ولكن النجاح …» «مشكلتي أنني لا أستطيع أن أقرِّر ما أريده أكثر؛ لذلك فأنا أدور حول نفسي في حركة بائسة ومُثبِّطة على نحو مربك.» «أوه، ولكن الرب قد اتخذ القرار عنك. أنت تعرف ذلك طوال الوقت، ولكنك لا تعترف لنفسك بذلك.» «أظن أن أكثر ما أريده هو أن أخرج من هذه المدينة، وأفضِّل أولًا أن أضع قنبلةً أسفل مبنى التايمز.» «حسنًا، لمَ لا تفعل ذلك؟ ما هي إلا خطوات متتابعة.» «ولكن عليك أن تعرف في أي اتجاه تسير.» «هذا آخر ما يهم.» «ثم يلزمني المال.» «عجبًا، المال هو أسهل شيء يمكنك الحصول عليه في العالم.» «ذلك للابن الأكبر لإيميري وإيميري.» «ويحك يا هيرف، ليس من العدل أن تذكر ظلم والدي في وجهي. تعلم أنني أكره هذا الأمر مثلك تمامًا.» «لا ألومك يا ستان؛ أنت ابن محظوظ لعين، هذا كل ما في الأمر. بالطبع أنا محظوظ أيضًا، محظوظ بشدة أكثر من غالبية الناس. فقد دعمَتني الأموال التي تركتها أمي حتى أصبحت في الثانية والعشرين من عمري، ولا يزال معي بعض المئات ادَّخرتها للأيام العصيبة، وسيحصل لي زوج خالتي، عليه اللعنة، على وظائف جديدة عندما أُطرَد من عملي.» «با، با، الخروف الأسود.» «أظن أنني أخاف حقًّا من أقاربي … يجب أن ترى ابن خالتي جيمس ميريفال. لقد فعل كل ما كان يُملَى عليه أن يفعله طوال حياته وازدهر حاله كشجرة غار خضراء … إنه نموذج الحَصور الحكيم.» «آه، أظن أنك أحد هؤلاء الحصورين الحمقى.» «لقد لعب الشراب برأسك يا ستان، وبدأت تتحدَّث كالزنوج.» «با، با.» أنزل ستان منديل المائدة ورجع إلى الخلف يضحك وقد بُح حلقه. ازداد الوخز السقيم لرائحة الأفسنتين المنبعثة من كأس جيمي بغزارة كشُجيرة ورد في خدعة سحرية. ارتشفه مجعِّدًا أنفه. قال: «بصفتي أميل إلى النزعة الأخلاقية، أعترض. مرحى، إنه مذهل.» «ما أُريده هو الويسكي والصودا لإعداد تلك الكوكتيلات.» «سأشاهدك. أنا رجل عامل. يجب أن أكون قادرًا على التمييز بين الأخبار المناسبة وغير المناسبة … يا إلهي، لا أريد الشروع في الكلام عن ذلك الأمر. الأمر برمته في غاية السخافة … سأقول إن هذا الكوكتيل يدهشك حقًّا.» «لست بحاجة للتفكير في فعل أي شيء آخر بعد ظهيرة هذا اليوم غير الشراب. هناك شخص أريد أن أعرِّفك به.» «وأنا سأعتدل في جلستي وأكتب مقالًا.» «ما هذا؟» «أوه، شيء تافه يُسمَّى اعترافات صحفي شاب.» «اسمع، هل اليوم هو الخميس؟» «نعم.» «إذن أعلم أين ستكون.» قال جيمي متجهِّمًا: «سأُغادر كل ذلك في أسرع وقت وأذهب إلى المكسيك وأصنع ثروة … إنني أخسر أفضل سنوات حياتي متعفِّنًا في نيويورك.» «كيف ستصنع ثروتك؟» «البترول، الذهب، قطع الطرق، أي شيء إلا العمل في الصحافة.» «با، با، الخروف الأسود، با، با.» «توقَّف عن هذا الغناء.» «هيا نخرج من هنا ونأخذ دينجو لتثبيت خافض صوتها.» نهض جيمي منتظرًا عند باب المرأب الذي ينبعث منه الدخان الكثيف. تتلوَّى أشعة شمس بعد الظهيرة المعبَّأة بذرات الغبار كديدان لامعة وحارة فوق وجهه ويدَيه. ومضت الحجارة البُنية، والطوب الأحمر، والأسفلت بأحرف اللافتات الحمراء والخضراء، ودارت قُصاصات الورق في المزراب في غشاوة بطيئة حوله. كان اثنان من منظِّفي السيارات يتحدَّثان خلفه: «أجل، كنت أكسب جيدًا حتى ذهبت وراء تلك المرأة الحقيرة.» «إنها بالفعل جميلة يا تشارلي. يجب أن أقلق … لم يحدث تغيير بعد الأسبوع الأول.» أتى ستان خلفه وسحبه إلى الشارع من كتفَيه. «لن تُصلح السيارة قبل الساعة الخامسة. دعنا نأخذ سيارة أجرة … فندق لافاييت» هكذا صاح في السائق وصفع جيمي على ركبته. «حسنًا يا هيرف، أيها الرجل الهَرِم، أتعلم ما قاله حاكم كارولاينا الشمالية لحاكم كارولاينا الجنوبية؟» «لا.» «الوقت طويل بين جرعات الشراب.» كان ستان ينعق بصوت منخفض وهما يندفعان إلى المقهى: «با، با.» ثم صاح ضاحكًا: «إيلي هنا الخِراف السوداء.» تجمَّد وجهه متيبِّسًا فجأة. كان يجلس إلى الطاولة أمام إلين زوجها، رافعًا أحد حاجبَيه عاليًا للغاية والآخر يكاد يلتحم مع رموشه. وُضع إبريق شاي بصفاقة بينهما. قالت بهدوء: «مرحبًا يا ستان، اجلس.» ثم واصلت الابتسام لوجه أوجليثورب. «أليس هذا رائعًا يا جوجو؟» قال ستان بصوت أجش: «هذا السيد هيرف يا إيلي.» «أوه، أنا سعيدة للغاية بمقابلتك. سمعت عنك كثيرًا في منزل السيدة ساندرلاند.» لاذوا بالصمت. كان أوجليثورب ينقر على الطاولة بملعقته. وقال بنبرة مصطنعة مفاجئة: «عجبًا، كيف حالك يا سيد هيرف؟ ألَا تتذكَّر كيف تقابلنا؟» «بالمناسبة، كيف هي الأحوال في المنزل يا جوجو؟» «ممتازة تمامًا، شكرًا لكِ. كاساندرا تركها عشيقها ووقعت أكثر فضيحة مروِّعة لذلك الكائن المسمَّى كوستيلو. يبدو أنها رجعت إلى المنزل في تلك الليلة ثَمِلة تمامًا، يا عزيزتي، وحاولَت أن تصطحب سائق سيارة الأجرة معها إلى غرفتها، وظلَّ الولد المسكين يعترض قائلًا إن كل ما يريده هو أجرته … كان الأمر مروِّعًا.» نهض ستان واقفًا على قدمَيه بحزم وغادر. لاذ الثلاثة بالصمت في جلستهم. حاول جيمي تجنُّب التحرُّك بعصبية في كرسيه. كان على وشك النهوض، غير أن شيئًا ناعمًا ومُخمليًّا في عينَيها قد منعه. سألت: «هل حصلت روث على عمل؟» «كلا.» «إنه الحظ الأكثر سوءًا.» «أوه، إنه أمر مؤسف لعين. أعلم أنها تُجيد التمثيل. المشكلة أنها تتمتَّع بالكثير من حس الدعابة الذي يُعيق استفادتها من المديرين والناس.» «أوه، المسرح لعبة قذرة كريهة، أليس كذلك يا جوجو؟» «إنه الأكثر قذارةً يا عزيزتي.» لم يكن بوسع جيمي أن يُحيل ناظرَيه عنها؛ عن يدَيها المربعتَين الصغيرتَين، وعنقها المسبوك ببريق ذهبي بين لفَّات شعرها النحاسي الكبيرة، وفستانها الأزرق الزاهي. نهض أوجليثورب قائلًا: «حسنًا يا عزيزتي …» «سأمكث هنا بعض الوقت يا جوجو.» كان جيمي يحدِّق إلى المثلثات النحيلة للجلد اللامع الذي برز من طماق كاحل أوجليثورب الوردي اللون. محال أن يحوي هذا الطماق قدمَي إنسان. نهض فجأة. «حسنًا يا سيد هيرف، أيمكنك أن تجلس معي لخمس عشرة دقيقة؟ سأرحل من هنا في السادسة ونسيت أن أحضر معي كتابًا ولا يمكنني السير في هذا الحذاء.» تورَّد وجه جيمي وعاود الجلوس، وقال متلعثمًا: «يا إلهي، بالطبع يسعدني ذلك … أقترح أن نشرب شيئًا.» «سأنتهي من تناول الشاي، ولكن لمَ لا تطلب شراب الجن الفوار؟ أُحب أن أشاهد الناس وهم يشربون شراب الجن الفوار. فهذا يشعرني بأنني في منطقة استوائية أجلس في بستان عُنَّاب منتظرةً أن يأخذنا قارب نهري في جولة بأحد الأنهار التي تحفُّها روح الميلودراما الساخرة حيث شجر الحمَّى في كل مكان.» «أريد شراب الجن الفوار من فضلك أيها النادل.» ••• انهار جو هارلاند في كرسيه حتى استقرَّ رأسه فوق ذراعَيه. وبين يدَيه المتيبستَين الملطختَين، تبعت عيناه في اضطراب الخطوط في الطاولة ذات السطح الرخامي. ساد الصمت المطعم وسط الكآبة المتناثرة من مصباحَين مُعلَّقَين فوق طاولة البيع حيث تبقَّت بعض المعجنات أسفل الغطاء الزجاجي الجرسي الشكل، وجلس رجل بمعطف أبيض فوق كرسي طويل بلا ذراعَين. من حين لآخر كانت عيناه في وجهه اللين الشاحب تحدِّق بحركة سريعة ويُهمهم ناظرًا حوله. وإلى الطاولة الأخيرة فوق أكتاف الناعسين المحدبة، تجعَّدت الوجوه كصُحف قديمة إذ توسَّدت الأذرع. نهض جو هارلاند معتدلًا وتثاءب. كانت امرأة مُكوَّمة في معطف مطر ذات وجه أحمر وعروق زرقاء أرجوانية كقطعة لحم فاسدة؛ تطلب كوبًا من القهوة عند طاولة البيع. حملَت الكوب بحذرٍ بين يدَيها وأحضرته إلى الطاولة وجلست أمامه. أسقط جو هارلاند رأسه فوق ذراعَيه مجددًا. «مرحبًا، هل لي بخدمة صغيرة؟» صخب صوت المرأة في أذنَي هارلاند كصوت احتكاك إصبع طباشير بسَبُّورة. زمجر الرجل خلف طاولة البيع: «حسنًا، ماذا تريدين؟» أجهشت المرأة بالبكاء. «يسألني ماذا أريد … لم أعتَد الحديث إلى الهمج.» «حسنًا، إذا كان هناك أي شيء تريدينه فتعالَي لتأخذيه بنفسك … أتريدين خدمةً في هذا الوقت من الليل؟!» كان بإمكان هارلاند أن يشم رائحة أنفاسها المعبَّأة بالويسكي أثناء بكائها. رفع رأسه وحدَّق إليها. لوت فمها الرخو مبتسمةً وأمالت رأسها نحوه. «لم أعتد أيها السيد أن أُعامل بقسوة. لو كان زوجي على قيد الحياة لم يكن ليسمح بذلك. مَن يظن نفسه كي يُقرِّر أي وقت من الليل يجب ألَّا تُخدَم المرأة فيه، ذلك الفسل الحقير.» أرجعت رأسها وضحكت حتى سقطت قبعتها للخلف. «ذلك هو حاله، فسل حقير، يقضي ليلته في إهانة امرأة.» سقطت حول وجهها بعض جدائل الشعر الرمادية المتبقية على أطرافها آثار الحناء. اتجه الرجل ذو المعطف الأبيض مباشرةً إلى الطاولة. «اسمعي أيتها الأم ماكري، سأُلقي بكِ إلى الخارج إن تسبَّبت في مزيد من الجلَبة … ماذا تريدين؟» بكت وألقت بمؤخِّرة عينَيها بنظرة جانبية على هارلاند، وقالت: «كعك دونات بنيكل.» دفع جو هارلاند بوجهه إلى تجويف ذراعه مجددًا وحاول أن يخلد إلى النوم. سمع الطبق يوضع وتبعه صوت قضمها للطعام دون أسنان وصوت ارتشاف من حين لآخر عندما تشرب القهوة. دخل زبون آخر وكان يتحدَّث عند طاولة البيع بصوت هادر منخفض. «أيها السيد، أيها السيد، أليس من الكريه أن أطلب شرابًا؟» أعاد رفع رأسه ووجد عينَيها الزرقاوَين الغائمتَين كالحليب المخفَّف بالماء تنظران إليه. «ماذا ستفعل الآن يا عزيزي؟» «العلم عند الرب.» «وحق السيدة العذراء وجميع القديسين سيكون من اللطيف أن أحظى بفراش وثوب جميل من الدانتيل وبرجل لطيف مثلك يا عزيزي … أيها السيد.» «أذلك كل ما تريدينه؟» «أوه أيها السيد، لو كان زوجي المسكين حيًّا لَمَا كان قد سمح لهم بمعاملتي هكذا. لقد فقدت زوجي على متن قارب جينرال سلوكوم البخاري، ويبدو لي الأمر كما لو كان بالأمس.» «يا له من محظوظ!» «لكنه مات بخطيئته دون أن يحضر موته قسيس يا عزيزي. إنه لأمر فظيع أن يموت المرء بخطيئته …» «يا إلهي، أُريد أن أنام.» واصل صوتها في صخب رتيب خافت أثار أعصابه. «لم يكن القديسون في صفي منذ أن فقدت زوجي على متن جينرال سلوكوم. لم أكن امرأةً مخلصة.» أجهشت بالبكاء مجددًا. «السيدة العذراء والقديسون والشهداء ضدي، الجميع ضدي … أوه، ليت أحدًا يعاملني بلطف.» «أريد أن أنام … ألَا تخرسين؟» انحنت وتحسَّست الأرض بحثًا عن قُبعتها. وجلست باكيةً تفرك عينَيها بأصابعها المتورِّمة الملطَّخة بالحُمرة. «أوه أيها السيد، ألَا تريد أن تعاملني بلطف؟» نهض جو هارلاند لاهثًا. «اللعنة، ألَا يمكنكِ أن تخرسي؟» انطلق صوته في عواء. «أليس هناك مكان يستطيع المرء أن يحظى فيه ببعض السَّكِينة؟ ليس ثمة مكان يمكن الحصول فيه على أي هدوء.» سحب قبعته فوق عينَيه، ودفع بيدَيه في جيبَيه وعرَّج خارجًا من المطعم. فوق ساحة تشاتام كانت السماء تومض بلون بنفسجي مشرئب بالحُمرة عبر تعريشات مسارات القطار المرتفع. كانت الأضواء كصفَّين من مقابض النحاس اللامعة في حي بويري الفارغ. مرَّ شرطي مُؤرجحًا هِراوته. شعر جو هارلاند بعينَي الشرطي تنظران إليه. حاول أن يسير بسرعة وخِفة كما لو كان ذاهبًا إلى العمل. ••• «حسنًا يا آنسة أوجليثورب، ما رأيكِ؟» «ما رأيي في ماذا؟» «أوه، كما تعلمين … أن تُحدثي ضجةً سريعة.» «حسنًا، لا أدري على الإطلاق يا سيد جولدوايزر.» «النساء يعلمن كل شيء ولكنهن لا يُفصحن.» جلست إلين برداء حريري باللون الأخضر النيلي على كرسي بذراعَين، مُبطَّن بالزنبرك في طرف غرفة طويلة تجلجل بالحديث وببريق الثُّريَّات والمجوهرات، الذي يتخلَّله نقاط من السواد اللامع المتحرِّك لملابس السهرة والألوان المفضَّضة لفساتين النساء. يمتد انحناء أنف هاري جولدوايزر على طول انحناء جبهته الصلعاء، وتبظو عجيزته الكبيرة فوق حواف مقعد ذهبي مثلث بلا ذراعَين، وتقيس عيناه البنيتان الصغيرتان قسمات وجهها كهوائي وهو يتحدَّث إليها. تنبعث من امرأة على مقربة رائحة خشب الصندل. وتمر امرأة برتقالية الشفتَين طباشيرية الوجه ترتدي عمامةً برتقالية متحدِّثةً إلى رجل ذي لحية مُدبَّبة. وتضع امرأة ذات أنف كمنقار الصقر وشعر قرمزي يدَيها فوق كتفَي رجل من الخلف. «مرحبًا، كيف حالكِ يا آنسة كروكشانك؟ من المدهش، أليس كذلك، أن يتواجد جميع من تعرفين دائمًا في المكان نفسه وفي الوقت نفسه.» تجلس إلين في الكرسي ذي الذراعَين مستمعةً في خمول، وبرودة بودرة التجميل فوق وجهها وذراعَيها، وسماكة أحمر الشفاه فوق شفتَيها، وجسدها قد خرج لتوه من الحمَّام عَطِرًا كزهرة بنفسج تحت فستانها الحريري، وتحت ملابسها الداخلية الحريرية؛ فجلست تستمع حالمةً وناعسة. يتشابك حولها وخز مباغت من أصوات الرجال. تجلس بيضاء لا مباليةً بعيدة المنال كالمنارة. تزحف أيادي الرجال كالبق فوق الزجاج غير القابل للكسر. تتخبَّط نظرات الرجال وتضطرب على سطحه واهنةً كالعُث. ولكن في جوف معتم عميق في الداخل شيء يصلصل كصلصلة جرس سيارة إطفاء. ••• وقف جورج بالدوين بجوار طاولة الإفطار ومعه نسخة من صحيفة «نيويورك تايمز» مطوية في يده. كان يقول: «حسنًا يا سيسلي، يجب أن نتعقَّل بشأن هذه الأمور.» قالت بصوت مهتز أزكم: «ألَا ترى أنني أُحاول أن أتعقَّل؟» وقف ينظر إليها دون أن يجلس، طاويًا طرف الصحيفة بين سبابته وإبهامه. كانت السيدة بالدوين امرأةً طويلة ولديها كتلة من الشعر الكستنائي المتجعِّد بعناية والمتجمِّع فوق رأسها. جلسَت أمام طقم القهوة الفضي تُحرِّك وعاء السُّكَّر بأصابعها البيضاء، كبياض الفُطر، ذات الأظافر الوردية الشديدة الحِدة. «لا يمكنني تحمُّل الأمر أكثر من ذلك على الإطلاق يا جورج.» ضمَّت شفتَيها المرتجفتَين معًا بشدة. «ولكنكِ تبالغين يا عزيزتي …» «كيف أُبالغ؟ … هذا يعني أن حياتنا أصبحت حُزمةً من الأكاذيب.» «ولكنَّ كلًّا منا يا سيسلي مغرمٌ بالآخر.» «لقد تزوَّجتني لمكانتي الاجتماعية، تعلم ذلك … لقد كنت حمقاء لدرجةٍ أوقعتني في حبك. حسنًا، انتهى الأمر.» «هذا ليس صحيحًا. لقد أحببتكِ حقًّا. ألَا تتذكَّرين كم كان الأمر مروِّعًا عندما لم يكن باستطاعتكِ أن تُبادليني الحب حقًّا؟» «كم أنت قاسٍ بذكرك ذلك … أوه، كم هو مُروِّع!» دخلت الخادمة من غرفة المؤن ومعها اللحم المقدَّد والبيض فوق صينية. جلسا في صمتٍ ينظر كلٌّ منهما للآخر. خرجت الخادمة سريعًا من الغرفة وأغلقت الباب. أنزلت السيدة بالدوين جبهتها فوق حافة الطاولة وأجهشت في البكاء. جلس بالدوين محدِّقًا في عناوين الصحيفة. «اغتيال الأرشيدوق سيُسفر عن عواقب وخيمة». «حشد الجيش النمساوي». ذهب إليها ووضع يده على شعرها ذي التجاعيد الهشة. قال: «أيتها المسكينة سيسلي.» «لا تلمسني.» ركضت خارجةً من الغرفة واضعةً منديلها فوق وجهها. وجلس ووضع لنفسه اللحم المقدَّد والبيض والتوست وبدأ في تناول الطعام؛ فكان مذاق كل شيء كالورق. توقَّف عن الأكل لتدوين ملاحظة في دفتر مذكرات يحتفظ به في جيب صدره بجوار منديله. الاطلاع على قضية كولينز ضد أربوثنوت، محكمة استئناف نيويورك. نما إلى مسامعه صوت خطوة في الردهة بالخارج، ثم صوت نقر ترباس. كان المصعد قد نزل لتوه. فركض نازلًا أربعة طوابق. ووقعت عيناه عليها فوق حافة الرصيف عبر الزجاج وأبواب الحديد المطاوع للدهليز بالأسفل، حيث كانت تقف منتصبةً ومتيبسة ترتدي قفازها. هُرع خارجًا وأخذها من يدها في الوقت نفسه الذي أتت فيه سيارة الأجرة. تصبَّب العرق كحبات الخرَز فوق جبهته ووخزه أسفل ياقته. رأى نفسه واقفًا هناك وفي يده منديل المائدة في مظهر باعث على السخرية، والبوَّاب الملوَّن يبتسم ابتسامةً عريضة قائلًا: «صباح الخير يا سيد بالدوين، يبدو أنه سيكون يومًا جميلًا.» قبض على يدها بإحكام، وقال بصوت منخفض مُطبِقًا على أسنانه: «ثمة شيء أريد أن أخبركِ به يا سيسلي. هلَّا انتظرت دقيقةً وسنذهب إلى وسط المدينة معًا؟ …» وقال لسائق سيارة الأجرة: «انتظر خمس دقائق أرجوك. سنعود على الفور.» سار راجعًا معها إلى المصعد وهو يعتصر معصمها بشدة. عندما وقفا في ردهة شقتهما، نظرت إليه فجأةً مباشرةً في وجهه بعينَين متوقدتَين جافتَين. قال برفق: «تعالَي هنا يا سيسلي.» أغلق باب غرفة النوم وأوصده. «حسنًا، لنتحدَّث عن هذا الأمر سريعًا وبهدوء. اجلسي يا عزيزتي.» وضع كرسيًّا خلفها. جلست فجأةً متيبِّسةً كدمية ماريونيت. «حسنًا، اسمعي يا سيسلي، لا يحق لكِ أن تتحدثي عن أصدقائي بالطريقة التي تحدثتِ بها. السيدة أوجليثورب صديقتي. نحتسي أحيانًا الشاي معًا في مكان عام تمامًا، وهذا كل ما في الأمر. كنت سأدعوها لزيارتنا ولكني خشيت ألَّا تُحسني التصرُّف معها … ينبغي ألَّا تخضعي هكذا لغيرتكِ الجنونية. لقد تركت لكِ كامل الحرية وأثق فيكِ تمام الثقة. وأظن أن من حقي أن أتوقَّع الثقة نفسها منكِ … ارجعي فتاتي الصغيرة العاقلة يا سيسلي. أنتِ تستمعين لِمَا يختلقه من الصورة الكاملة حَفنة من العجائز الشمطاوات مكرًا منهن ليجعلوكِ تشعرين بالتعاسة.» «إنها ليست الوحيدة.» «أقر لكِ بصراحة يا سيسلي أنه في وقت مبكِّر من زواجنا … حدث أن … ولكن ذلك قد انتهى قبل سنوات … وخطأ مَن كان هذا؟ … أوه يا سيسلي، إن امرأةً مثلكِ لا يمكنها أن تفهم الحاجات الجسدية المُلِحة لرجل مثلي.» «ألم أفعل كل ما في وسعي؟» «يا عزيزتي، هذه الأشياء ليست خطأ أحد … أنا لا ألومكِ … إن كنتِ قد أحببتني حقًّا إذن …» «هل ترى أن هناك سببًا آخر لمكوثي هنا سواك؟ أوه، يا لك من قاسٍ!» جلست بعينَين ليس فيهما دموع محدِّقةً في قدمَيها في شبشبها الرمادي المصنوع من جلد الأيل، وتلوي وتفرد بين أصابعها الحبل الرطب الذي صنعته من منديلها. «اسمعي يا سيسلي، من شأن الطلاق أن يضر كثيرًا بوضعي في وسط المدينة في الوقت الراهن، ولكن إن كنتِ حقًّا لا تريدين أن تواصلي العيش معي، فسأرى ما يمكنني فعله … ولكن في كل الأحوال يجب أن تزيدي من ثقتكِ فيَّ. تعلمين إنني لمولع بكِ. وأرجوكِ ألَّا تتحدثي مع أحد في الأمر دون الرجوع إليَّ. أنتِ لا تريدين أن تنالنا فضيحة وأن تظهر أسماؤنا في عناوين الصحف، أليس كذلك؟» «حسنًا … اتركني وحدي … أنا لا أهتم بشيء.» «حسنًا … لقد تأخَّرت كثيرًا. سأذهب إلى وسط المدينة بسيارة الأجرة تلك. ألَا تريدين أن تأتي للتسوُّق أو أي شيء؟» هزَّت رأسها. قبَّلها فوق جبينها، وأخذ قبعته القشية وعصاه من الردهة، وهُرع خارجًا. قالت ممتعضةً قبل أن تنهض: «أوه، إنني أكثر امرأة تعيسة.» آلمها رأسها كما لو كان محفوفًا بسلك ساخن. ذهبت إلى النافذة ومالت منها في ضوء الشمس. كانت السماء الزرقاء المتوهِّجة عبر بارك أفنيو تبدو مطوَّقةً بقضبان الدعامات الحمراء للمباني الجديدة. خشخشت مثبِّتات الدعامات التي تعمل بالبخار بلا توقُّف، ومن حين لآخر كانت رافعة محرِّك البخار تُصفِّر، وكانت هناك صلصلة سلاسل ودعامة مُركَّبة حديثًا تحلِّق بالعرض في الهواء. وكان الرجال في بذلات العمل الزرقاء يتحرَّكون في كل مكان حول السقَّالة. في الخلف وإلى الشمال الغربي، ارتفعت قمة لامعة من السُّحب مزدهرةً باقتضاب كثمرة قرنبيط. أوه، يا ليتها تُمطر! عندما فكَّرت في الأمر، سمعت هدير رعد منخفضًا أعلى صخب البناء وحركة المرور. أوه، يا ليتها تمطر! كانت إلين قد علَّقت لتوها ستارةً من قماش منقوش بالزهور في النافذة كي تُخفي بنمطه الملطَّخ بأزهار حمراء وأرجوانية مظهر الأفنية الخلفية المهجورة والجوانب القرميدية لمنازل وسط المدينة. في منتصف الغرفة الفارغة كانت هناك أريكة سرير تُثقلها فناجين شاي، وطبق تسخين وضيافة نحاسي، ودورق قهوة، وتناثر على الأرضية الصفراء ذات الخشب الصلب قُصاصات من القماش المنقوش بالزهور، ومشابك الستائر، والكتب، والفساتين، ومفارش السرير التي تعاقبت من صندوق في الركن، وانبعثت من ممسحة جديدة عند المدفأة رائحة زيت الأرز. كانت إلين تميل إلى الجدار مرتديةً كيمونو بلون النرجس الأصفر، وكانت تنظر سعيدةً في أنحاء الغرفة الكبيرة التي تُشبه في شكلها صندوق أحذية عندما أفزعها صوت بوق سيارة. دفعت خُصلة شعر عن جبهتها وضغطت على زر الترباس. كان ثمة نقر خفيف على الباب. وكانت هناك امرأة واقفة في ظلام الردهة. «عجبًا يا كاسي، لم أستطِع التعرُّف عليكِ. ادخلي … ما الأمر؟» «أمتأكدة أنني لا أتطفَّل عليكِ؟» «بالطبع لا.» مالت إلين لتعطيها قبلةً صغيرة خفيفة. كانت كاساندرا ويلكنز شديدة الشحوب، وكان ثمة ارتعاش قلق حول جفنَيها. «يمكنكِ أن تعطيني نصيحة. أُعلِّق ستائري لتوي … انظري، هل تظنين أن الأرجواني يتماشى مع الجدار الرمادي؟ يبدو لي غريبًا بعض الشيء.» «أظن أنه جميل. يا لها من غرفة جميلة! كم ستكونين سعيدةً هنا!» «ضعي طبق التسخين والضيافة هذا على الأرضية واجلسي. سأُعد بعض الشاي. هناك حمام ومطبخ صغير في التجويف هناك.» «هل أنتِ متأكدة من أنني لن أتسبَّب في أي متاعب لكِ؟» «بالطبع لا … ولكن يا كاسي ما خطبكِ؟» «أوه، كل شيء … أتيت كي أخبركِ ولكني لا أستطيع. لا يمكنني أن أخبر أحدًا على الإطلاق.» «أنا في غاية الحماس لهذه الشقة. تخيَّلي يا كاسي، هذا أول مكان أملكه على الإطلاق في حياتي. يريد أبي أن أعيش معه في مدينة باسيك، ولكني شعرت أنه لا يمكنني ذلك.» «وماذا عن السيد أوجليثورب …؟ أوه، تلك وقاحة مني … سامحيني يا إلين. أكاد أُجن. لا أعرف ما الذي أقوله.» «أوه، جوجو عزيز عليَّ. إنه حتى سيسمح لي بتطليقه إن أردت … هل تطلقينه لو كنتِ مكاني؟» دون أن تنتظر إجابةً اختفت بين الباب القابل للطي. ظلَّت كاسي محدبةً جسمها فوق حافة الأريكة. رجعت إلين بإبريق شاي أزرق في إحدى يدَيها ووعاء من المياه المتبخِّرة في الأخرى. «هل تريدين ليمونًا أم قشدة؟ يوجد بعض السكر فوق المدفأة. هذه الأكواب نظيفة فقد غسلتها للتو. ألَا تظنين أنها جميلة؟ أوه، لا يمكنكِ أن تتخيَّلي الروعة والأُلفة التي تشعرين بها عندما يكون لديكِ مكان لكِ وحدكِ. أكره العيش في فندق. صدقًا، هذا المكان يجعلني أشعر بأُلفة شديدة … بالطبع الشيء السخيف هو أنني على الأرجح سأُضطر إلى التخلي عنه أو تأجيره بمجرد أن أنتهي من إعداده إعدادًا أنيقًا. سأذهب مع العرض في جولة في غضون ثلاثة أسابيع. أُريد أن أخرج من هذا العرض ولكن هاري جولدوايزر لن يسمح لي.» كانت كاسي تأخذ رشفات صغيرةً من الشاي بملعقتها. أجهشت بالبكاء بصوت منخفض. «يا إلهي، ابتهجي يا كاسي، ما الأمر؟» «أوه، أنتِ محظوظة في كل شيء يا إلين وأنا بائسة للغاية.» «عجبًا، لطالما ظننت أنني ملكة الحظ السيئ، ولكن ما الأمر؟» وضعت كاسي فنجانها ودفعت بيدَيها المطبقتَين إلى عنقها. قالت بصوت مختنق: «إنه فقط … أظن أنني سأُرزق بمولود.» أنزلت رأسها فوق ركبتَيها وبكت. «هل أنتِ متأكدة؟ الجميع لديهم مخاوف دائمًا من هذا الأمر.» «أردتُ أن يظل حبنا نقيًّا وجميلًا دائمًا، ولكنه قال إنه لن يراني مطلقًا مرةً أخرى إذا لم … وأنا أكرهه.» كانت تلفظ بالكلام كلمةً كلمة بين تشنُّجاتها المتقطِّعة. «لمَ لا تتزوَّجان؟» «لا أستطيع. لن أفعل ذلك. سيُفسد هذا عليَّ حياتي المهنية.» «متى عرفتِ بالحمل؟» «أوه، لا بد أن ذلك كان قبل ١٠ أيام من غير ريب. أعلم أنه … لا أريد أي شيء سوى احترافي للرقص.» توقَّفت عن البكاء واستأنفت أخذ بعض رشفات الشاي. مشت إلين جيئةً وذهابًا أمام المدفأة. «اسمعي يا كاسي، لا داعي للانزعاج من الأمر، أليس كذلك؟ أعرف امرأةً ستساعدكِ … رجاءً اجمعي شتات نفسكِ.» «أوه، لا يمكنني، لا يمكنني.» … انزلق صحن الفنجان من فوق ركبتَيها وانكسر إلى نصفَين على الأرض. «أخبريني يا إلين، هل تعرَّضت لهذا الأمر من قبل؟ … أوه، أنا في غاية الأسف. سأشتري لكِ صحنًا آخر يا إلين.» نهضت بترنُّح ووضعت الفنجان والملعقة فوق المدفأة. «أوه، بالطبع تعرَّضت لذلك. عانيت وقتًا عصيبًا في بداية زواجنا …» «أوه يا إلين، أليس كل ذلك بشعًا؟ كان من شأن الحياة أن تكون غايةً في الجمال والحرية والطبيعية دون ذلك … يمكنني الشعور بالرعب يزحف إليَّ، يقتلني.» قالت إلين بخشونة: «الأمور هكذا على الأرجح.» بكت كاسي مجددًا. «الرجال شديدو القسوة والأنانية.» «تناولي فنجانًا آخر من الشاي يا كاسي.» «أوه، لا أستطيع. يا إلهي، أشعر بدوار مميت … أوه، أشعر أنني سأتقيأ.» «الحمام عبر الباب القابل للطي مباشرةً ثم إلى اليسار.» جابت إلين أنحاء الغرفة مطبقةً على أسنانها. أكره النساء. أكره النساء. بعد وهلة، رجعت كاسي إلى الغرفة ووجهها أبيض مخضر تربت على جبهتها بمنشفة الوجه. قالت إلين وهي تُفرِّغ مكانًا فوق الأريكة: «هنا، استلقي هنا أيتها المسكينة. ستشعرين الآن بكثير من التحسُّن.» «أوه، هلَّا سامحتني لتسبُّبي في كل هذه الجلبة؟» «استلقي لدقيقة فحسب وانسي كل شيء.» «أوه، فقط لو كان بإمكاني أن أستريح.» كانت يدا إلين باردتَين. ذهبت إلى النافذة ونظرت إلى الخارج. كان هناك صبي صغير يرتدي بذلة راعي بقر ويجري في الفناء ملوِّحًا بطرف حبل غسيل. تعثَّر وسقط. رأت إلين وجهه وقد تجعَّد باكيًا عندما نهض مجدَّدًا. وفي الفناء الأبعد كانت هناك امرأة قصيرة وبدينة سوداء الشعر تعلِّق بعض الملابس. كانت عصافير الدوري تزقزق وتتشاجر فوق السياج. «هل تسمحين لي باستخدام بعض من بودرة التجميل يا عزيزتي إلين؟ لقد فقدت حقيبة التجميل الخاصة بي.» رجعت إلى الغرفة. «أظن … أجل هناك بعض منها فوق المدفأة … أتشعرين بتحسُّن الآن يا كاسي؟» قالت كاسي بصوت مرتجف: «أوه أجل. وهل لديكِ أحمر شفاه؟» «أنا آسفة للغاية … لم أستخدم قط مستحضرات التجميل في الشارع. ولكني سأُضطر إلى استخدامها قريبًا جدًّا إذا واصلت التمثيل.» دخلت إلى تجويف في الجدار كي تخلع الكيمونو، وارتدَت فستانًا أخضر اللون، ولفَّت شعرها لأعلى، ودفعت بقبعة سوداء صغيرة فوقه. «هيا لنخرج يا كاسي. أريد أن أتناول شيئًا في الساعة السادسة … فأنا أكره أن أتناول عشائي قبل العرض بخمس دقائق.» «أوه، أنا مرعوبة للغاية … عِديني أنكِ لن تتركيني وحدي.» «أوه، لن تفعل شيئًا اليوم … ستفحصكِ فحسب وربما تعطيكِ شيئًا لتتناوليه … لنرَ، هل أخذت مفاتيحي؟» «سنُضطر إلى أن نأخذ سيارة أجرة. ويا إلهي، ليس معي سوى ستة دولارات.» «سأطلب من أبي أن يعطيني ١٠٠ دولار لشراء أثاث. سيفي هذا بالغرض.» «إنكِ أكثر مخلوق ملائكي في العالم يا إلين … تستحقين كل لحظة في نجاحك.» عند ناصية الجادة السادسة ركبا سيارة أجرة. كانت أسنان كاسي تُقعقع. «أرجوكِ، دعينا نذهب في وقت آخر. إنني مرعوبة للغاية أن أذهب الآن.» «يا صغيرتي العزيزة، إنه الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله.» ••• سحب جو هارلاند، مدخِّنًا غليونه، البوابات العريضة الشاسعة المهتزة وأغلقها. كانت بقعة أخيرة لضوء الشمس بلون العقيق تخفت فوق جدار منزل مرتفع في الجهة الأخرى من أعمال الحفر. ووقفت أذرع الرافعات الزرقاء داكنةً أمامها. نفد دخان غليون هارلاند، فوقف ينفخ فيه وظهره إلى البوابة ينظر على صفوف عجلات اليد الفارغة، وكومات المعاول والمجارف، والسقيفة الصغيرة لرافعة محرِّك البخار والمثاقب البخارية التي جثمت فوق صخرة مشقوقة ككوخ جبلي. بدا له المشهد باعثًا على السكينة بالرغم من صوت صخب حركة المرور القادم من الشارع والمتسرِّب عبر السياج. دخل إلى السقيفة الصغيرة بجوار البوابة حيث كان الهاتف، وجلس على الكرسي، هاويًا عليه، ثم عبَّأ غليونه وأشعله وفتح الصحيفة فوق ركبتَيه. «تعليق خطة المقاولين استجابةً لإضراب البنائين». تثاءب وأرجع رأسه للوراء. كان الضوء أزرقَ وخافتًا لدرجةٍ لا يستطيع معها القراءة. جلس طويلًا محدِّقًا إلى طرف حذائه المربَّع ذي الندوب. كان ذهنه فارغًا خالي البال كالمخمور. رأى نفسه فجأةً يرتدي بذلةً رسميةً وقبعةً عاليةً ويضع زهرة أوركيد في فتحة سترته. نظر ساحر وول ستريت إلى الوجه الأحمر ذي التجاعيد والشعر الأشيب أسفل القبعة الرثة واليدَين الكبيرتَين بأصابعهما المتورِّمة الملطَّخة، وتلاشى بضحكة مكبوتة. لاحت بذهنه ذكرى خافتة لرائحة سيجار كورونا-كورونا عندما أدخل يده في جيب المعطف القصير بحثًا عن صفيحة تبغ برنس ألبريت ليُعيد تعبئة غليونه. قال عاليًا: «ما الذي يهم، أريد أن أعرف؟» عندما أشعل عود ثقاب، أصبح الليل فجأةً بلون الحِبر حوله بالكامل. نفخ في عود الثقاب وأطفأه. كان غليونه كبركانٍ أحمر صغير هادئ يُصدر قرقرةً مكتومةً في كل مرة يسحب منه الدخان. دخَّن ببطءٍ شديدٍ مستنشقًا بعمق. كانت البنايات المرتفعة من حوله في كل مكان مطوِّقةً بهالةٍ من بريقٍ متورِّد من الشوارع واللافتات المضاءة كهربائيًّا. وعندما نظر مباشرةً لأعلى عبر الحُجُب الوامضة للضوء المنعكس، كان بمقدوره أن يرى السماء السوداء الضاربة إلى الزُّرقة والنجوم. كان التبغ حلو المذاق. وكان سعيدًا للغاية. تقاطَعَ طرف سيجار وامض مع باب الكوخ. أمسك هارلاند بمصباحه وخرج. رفع المصباح في وجه شابٍّ أشقر غليظ الأنف والشفتَين يضع سيجارًا في جانب فمه. «كيف دخلت هنا؟» «كان الباب الجانبي مفتوحًا.» «أكان كذلك حقًّا بحق الجحيم؟ عمن تبحث؟» «هل أنت الحارس الليلي هنا؟» أومأ هارلاند. «سُررت بمعرفتك … خذ سيجارًا. أُريد أن أتمشَّى معك قليلًا فحسب، أترى؟ … أنا منظِّم في النقابة المحلية ٤٧، أترى؟ أرني بطاقة عضويتك.» «لست عضوًا في النقابة.» «حسنًا، ستكون، ألست … نحن رجال مهنة البناء يجب أن نتكاتف معًا. إننا نحاول تنظيم كلٍّ من حُراس الليل إلى المفتشين في مجموعاتٍ لبناء جبهة صلبة في وجه موقف التعليق الحالي هنا.» أشعل هارلاند سيجاره. «اسمع يا أخي، أنت تُضيع وقتك معي. سيحتاجون دائمًا حارسًا ليليًّا، سواء في وجود إضراب أم لا … أنا رجلٌ كبير السن ولم يعُد لديَّ الطاقة الكافية للنزاع. هذه هي أول وظيفة محترمة أحصل عليها منذ خمس سنوات، ومستحيل أن أتركها … مثل تلك الأمور للشباب أمثالك. لست معكم في هذا الأمر. أنت تضيع وقتك لا ريب إذا كنت تتجوَّل محاولًا تنظيم حُراس الليل.» «يمكنني القول إن طريقة حديثك لا تنم عن أنك قديم في هذا العمل.» «حسنًا، ربما لست كذلك.» خلع الشاب قبعته وحكَّ رأسه فوق جبهته ولأعلى عبر شعره الكثيف المقصوص. «يا للهول، إن النقاش في العمل يجعلك متحيِّرًا … ولكنها ليلة طويلة، أليس ذلك؟» قال هارلاند: «أوه، إنها ليلة لا بأس بها.» «اسمع، اسمي أوه كيفي، جو أوه كيفي … حسنًا، أُراهن أنه بإمكانك أن تخبرني بكثير من الأشياء.» مدَّ يده. «اسمي جو أيضًا … هارلاند … كان هذا الاسم قبل ٢٠ عامًا يعني الكثير لدى الناس.» «٢٠ عامًا من الآن …» «اسمع، تبدو غريبًا على أن تكون مندوبًا متجوِّلًا … خذ نصيحةً من رجل هَرِم قبل أن أُخرجك من قطعة الأرض، واترك هذا العمل … إنه عمل لا يناسب شابًّا مثلك يريد أن يشق طريقه في الحياة.» «الزمن يتغيَّر كما تعلم … ثمة رجال كبار يدعمون الإضراب هنا، أترى؟ كنت أُناقش الوضع مع النائب ماك نيل بعد الظهيرة اليوم في مكتبه.» «ولكني أخبرك بلا مواربة أنه إذا كان ثمة شيء واحد سيُفسدك في هذه المدينة فهو أمر العُمال هذا … ستتذكَّر يومًا ما أن رجلًا هَرِمًا مخمورًا أخبرك بذلك، وسيكون الوقت قد فات.» «أوه، هذا من أثر الشراب، أليس كذلك؟ ذلك شيء لا أخشاه. فأنا لا أمس الشراب، باستثناء الجِعَة كي أكون اجتماعيًّا مع الناس.» «اسمع يا أخي، سيجري مفتش الشركة جولته قريبًا. ومن الأفضل أن تغادر المكان.» «لست خائفًا من أي مفتش شركة لعين … حسنًا، إلى اللقاء، سآتي لرؤيتك مرةً أخرى يومًا ما.» «أغلق ذلك الباب خلفك.» صبَّ جو هارلاند بعضًا من الماء من وعاء معدني، واستقرَّ في كرسيه، ومدَّ ذراعَيه وتثاءب. إنها الحادية عشرة. كانوا يخرجون لتوهم من المسارح، الرجال بملابس السهرة، والفتيات بالفساتين ذات الياقات المنخفضة، وكان الرجال عائدين إلى المنزل إلى زوجاتهم وعشيقاتهم، كانت المدينة ذاهبةً إلى النوم. علت أصوات أبواق سيارات الأجرة وتعالى الضجيج خارج السياج، وتلألأت السماء بمسحوق ذهبي من أثر اللافتات الكهربائية. أسقط عقب السيجار وسحقه بعقبه فوق الأرضية. ارتجف ونهض، ثم خطا ببطءٍ حول حافة أرض المباني مُؤرجحًا مصباحه. باللون الأصفر الباهت صَبغ الضوءُ القادم من الشارع لافتةً كبيرة كانت صورةً لناطحة سحاب بيضاء بنوافذ سوداء أمام السماء الزرقاء والسُّحب البيضاء. «سيجال وهاينز» سيُشيِّدون في هذا الموقع «مبنًى مكتبيًّا من ٢٤ طابقًا» حديثًا ومُواكِبًا للعصر، يُفتح للإشغال في يناير ١٩١٥ ولا تزال هناك مساحات متاحة للإيجار، للاستعلام … ••• جلس جيمي هيرف يقرأ على أريكة خضراء أسفل مصباح أضاء ركنًا في غرفته الواسعة الفارغة. وصل إلى الجزء الذي مات فيه أوليفيه في رواية «جون كريستوفر» وقرأه بغُصة في الحلق. زحف في ذاكرته صوت دُوَار نهر الراين، ناحتًا بلا هوادة أرض حديقة المنزل الذي وُلد فيه جون كريستوفر. كانت أوروبا في مُخيِّلته حديقةً خضراء زاخرة بالموسيقى والأعلام الحمراء ومسيرات الحشود. من حين لآخر كان يسمع صوت قارب بخاري يُصفِّر من جهة البحر ويستقر في الغرفة في سكون ونعومة كالثلج. أتت من الشارع قعقعة سيارات الأجرة وصوت عُواء الترام. سمع طرقًا على الباب. نهض جيمي، وكانت عيناه مُغبَّشتَين وساخنتَين من أثر القراءة. «مرحبًا يا ستان، من أين أتيت بحق الجحيم؟» «إنني في حالة سكر شديدة يا هيرف.» «ليس بالشيء الجديد.» «كنت فقط أريد أن أعطيك تقرير الطقس.» «حسنًا، ربما يمكنك أن تخبرني عن السبب وراء أن أحدًا في هذا البلد لا يفعل شيئًا على الإطلاق. فلا أحد يؤلِّف الموسيقى أو يشرع في ثورة أو يقع في الحب. كل ما يفعله الجميع هو السُّكر وحكي الروايات البذيئة. أظن أنه أمر مُقزِّز …» «يا أنت … تحدَّث عن نفسك. سأتوقَّف عن الشرب … فلا فائدة من الشرب، وقد أصبح الشراب رتيبًا … أخبرني، ألديك حوض استحمام؟» «بالطبع هناك حوض استحمام. شقة مَن هذه في ظنك، شقتي؟» «حسنًا، لمن هي يا هيرف؟» «إنها لليستير. أنا أعتني بها فحسب أثناء وجوده بالخارج، ذلك الكلب المحظوظ.» شرع ستان في خلع ملابسه تاركًا إياها تسقط في كومة حول قدمَيه. «مرحى، أريد أن أذهب للسباحة … لماذا بحق الجحيم يعيش الناس في المدن؟» «لماذا أستمر في إطالة وجودي التعس في هذه المدينة المجنونة المصابة بالصرع؟ … ذلك ما أريد معرفته.» قال ستان بصوت ذي خُوار وهو يقف فوق كومة ملابسه، ببشرة بُنية وعضلات مستديرة مشدودة، متأرجحًا بعض الشيء من أثر السكر: «فلتدلَّ الضابط الروماني هوراشيوس على الحمام أيها العبد.» «إنه مباشرةً عبر هذا الباب.» سحب جيمي منشفةً من صندوق القارب البخاري في ركن الغرفة، ورماه وراءه ورجع إلى القراءة. اندفع ستان عائدًا إلى الغرفة، والماء يقطر من جسمه، متحدِّثًا وهو ملفوف بالمنشفة. «أتدري، لقد نسيت أن أخلع قبعتي. وانظر يا هيرف، هناك شيء أريدك أن تفعله من أجلي. هل تمانع؟» «بالطبع لا. ما الأمر؟» «هل تسمح لي باستخدام غرفتك الخلفية الليلة، هذه الغرفة؟» «بالطبع يمكنك ذلك.» «أعني بصحبة أحد.» «افعل ما تريد. يمكنك أن تحضر جَوقة وينتر جاردن بأكملها هنا ولن يراهم أحد. وهناك مخرج طوارئ أسفل السلم الخلفي يصل إلى الزقاق. سأذهب لأنام وأغلق الباب كي تتمكَّن من استخدام هذه الغرفة والحمام لك وحدك.» «أعلم أن الأمر يثقل عليك ولكن زوجها عنيف الطبع وعلينا أن نكون شديدي الحذر.» «لا تحمل هم الصباح. سأتسلَّل خارجًا في الصباح الباكر ويمكنك أن تحظى بالمكان لنفسك.» «حسنًا، سأرحل، إلى اللقاء.» أخذ جيمي كتابه ودخل إلى حمامه وخلع ملابسه. نظر في ساعة يده فوجدها الثانية عشرة والربع. كان الليل ومِدًا. عندما أشعل الضوء جلس لوقت طويل على حافة السرير. أصابته الأصوات البعيدة لصافرات الإنذار القادمة من النهر بقُشَعريرة. وسمع من الشارع وقع أقدام، وأصوات رجال ونساء، وضحكات خفيضة مفعمة بالحيوية لأشخاص يذهبون إلى منازلهم أزواجًا. كانت تُدَوي في الفونوغراف أغنية «وردة بالية» (سكوند هاند روز). استلقى على ظهره فوق غطاء السرير. ودخل الهواء عبر النافذة محمَّلًا بحموضة القُمامة، ورائحة الجازولين المحترق، والمرور، والأرصفة المغبرة، والأجواء الخانقة للحشود في الغرف التي في حجم بيوت الحمام، حيث تتلوَّى أجساد الرجال والنساء وحيدةً يعذِّبها الليل وبداية الصيف. استلقى ومقلتاه الملفوحتان بحرارة الجو تحدِّقان في السقف، وقد توهَّج جسده بحرارة راجفة مقلقلة كقطعة معدنية ملتهبة. أيقظه صوت امرأة تهمس متلهِّفة، وكان ثمة شخص يدفع الباب فاتحًا إياه. «لا أريد أن أراه. لا أريد أن أراه. أرجوك يا جيمي أن تذهب وتتحدَّث إليه. لا أريد أن أراه.» دخلت إلين أوجليثورب الغرفة وهي ملفوفة في مُلاءة. قام جيمي من فوق السرير متعثِّرًا. «ما الأمر بحق السماء؟» «ألَا توجد خزانة ملابس أو شيء من هذا القبيل هنا … لن أتحدَّث إلى جوجو وهو في تلك الحالة.» فردَ جيمي ثياب نومه. «هناك خزانة عند مقدمة السرير.» «بالطبع … حسنًا يا جيمي لتكن لطيفًا، تحدَّث معه وأخبِره أن يرحل.» سار جيمي مرتبكًا إلى الغرفة الخارجية. سمع صوتًا يصرخ من النافذة: «ساقطة، ساقطة.» كانت الأنوار مُضاءة. كان ستان، وهو ملفوف كالهندي في بطانية رمادية ذات خطوط وردية، يجثم في وسط أريكتَين قُرِّبتا لتُصبحا سريرًا واسعًا. كان يُحدِّق بغير انفعال في جون أوجليثورب الذي اتكأ عبر الجزء العُلوي من النافذة يصرخ ويُلوِّح بذراعَيه ويُزمجر كما لو كان في عرض «بانتش آند جودي». كان شعره متشابكًا فوق عينَيه، ولوَّح بإحدى يدَيه بعصًا، وبالأخرى بقبعة ذات مسحة من لون القهوة بالقشدة. بمزيج من الإنجليزية واللاتينية: «أيتها الساقطة، تعالَي هنا … هي حالة تلبُّس … حالة تلبس. لم يقدني إلهامي من فراغ لصعود سُلَّم طوارئ شقة ليستير جونز.» توقَّف وحدَّق لدقيقة في جيمي بعينَين مخمورتَين واسعتَين. «حسنًا، ها هو الصحفي الشاب، بل صحفي الجرائد الصفراء، يبدو كالحمَل الوديع، أليس كذلك؟ هل تعرف رأيي فيك؟ هل تريد أن تعرف رأيي فيك؟ أوه، لقد سمعت عنك من روث وكل هذه الأمور. أعلم أنك تظن نفسك أحد الخارقين وأنك بعيد عن كل ذلك … ما رأيك في عملك كمومس مأجور للصُّحف العامة؟ ما رأيك في رخصة ممارسة الدعارة التي منحوها لك؟ الشيك النحاسي الذي يُعطى سرًّا للصحفيين، تلك هي طبيعة عملك … تحسب أن هذا كالعمل في التمثيل، في الفن، لا أعرف تلك الأمور. لقد سمعت رأيك في الممثِّلين وكل ذلك من روث.» «يا إلهي، يا سيد أوجليثورب، أجزم أنك مخطئ.» «لقد قرأتُ ولُذت بالصمت. فأنا ممن يشاهدون في صمت. أعلم أن كل جملة، وكل كلمة، وكل علامة ترقيم تافهة تظهر في الصُّحف العامة يُطَّلع عليها، وتُراجع، وتُحذف وفقًا لمصالح المُعلِنين وأصحاب السنَدات. إن مَعِين الحياة الوطنية يُسمَّم من منبعه.» صاح ستان فجأةً من فوق السرير: «أجل، أخبرهم.» نهض مُصفِّقًا بيدَيه. «أُفضِّل أن أكون عامل مسرح، أقل عُمال المسارح شأنًا. أُفضِّل أن أكون تلك الخادمة العجوز الواهنة القوى التي تمسح أرضية المسرح … على أن أجلس جِلسةً مُخملية في مكتب محرِّر أكبر جريدة يومية في المدينة. التمثيل مهنة شريفة، محترمة، وديعة، نبيلة.» انتهت الخطبة بغتة. قال جيمي مُربِّعًا ذراعَيه: «حسنًا، لا أعلم ماذا تتوقَّع مني أن أفعل حيال هذا؟» واصل أوجليثورب حديثه بصوت كصوت عُواء حاد. قال جيمي: «من الأفضل أن تذهب إلى المنزل.» «سأذهب، سأذهب حيث لا يوجد ساقطون … حيث لا يوجد ساقطون رجالًا كانوا أو نساءً … سأذهب في الليل الطويل.» «أتحسب أن بإمكانه العودة إلى المنزل سالمًا يا ستان؟» كان ستان قد جلس على حافة السرير يهتز ضاحكًا. هزَّ كتفَيه. «سيظل دمي في عنقكِ يا إلين للأبد … للأبد، أتسمعينني؟ … سأذهب في الليل حيث لا يجلس الناس ضاحكين وهازئين. أتظنين أنني لا أراكِ؟ … إن حدث الأسوأ فلن يكون خطئي.» صاح ستان: «ليلة سعيدة.» سقط في نوبة الضحك الأخيرة من فوق حافة السرير وتدحرج على الأرض. ذهب جيمي إلى النافذة ونظر أسفل سلم الطوارئ إلى الزقاق. لقد رحل أوجليثورب. كانت السماء تمطر بغزارة. وتصاعدت رائحة الطوب الرطب من جدران المنازل. «يا للهول، ألم يكن هذا أكثر الأشياء جنونًا؟» رجع إلى غرفته دون النظر إلى ستان. مرَّت به إلين عند الباب بخفة كالحرير. استهلَّت حديثها، قائلة: «إنني في غاية الأسف يا جيمي …» أغلق الباب بقوة في وجهها وأوصده. قال مطبقًا على أسنانه: «الحمقى اللُّعناء يتصرَّفون كالمجانين. ما ظنك في هذا بحق الجحيم؟» كانت يداه باردتَين ومرتعشتَين. سحب عليه بطانية. استلقى يستمع إلى إيقاع المطر المُطَّرد ورشَّات المجاري المهسهِسة. وكانت نفحة من ريح تهب من حين لآخر برذاذ بارد خافت في وجهه. ولا تزال تتسلَّل إلى الغرفة الرائحة الفجة لخشب الأرز السريع العطب من شعرها الكثيف الملفوف، وذكرى نعومة جسدها حيث جثمت ملفوفةً ومختبئة في مُلاءة السرير. ••• جلس إد تاتشر إلى نافذته الناتئة وسط صُحف يوم الأحد. كان شعره أشيب وثمة طيات عميقة في وجنتَيه. وكانت الأزرار العليا لبنطاله من حرير البُنْجي الصيني مفكوكةً من أجل راحة كرشه الصغير الذي ظهر فجأة. جلس إلى النافذة المفتوحة ينظر إلى الخارج على الأسفلت اللافح عند نهاية التدفق اللانهائي من السيارات التي أصدرت زئيرًا في كل اتجاه، مارةً بصفوف المتاجر من الطوب الأصفر والمحطات من الطوب الأحمر أسفل الأفاريز التي تومض فوقها بلمعة خافتة في الشمس بأحرف ذهبية على خلفية سوداء: «باسيك.» انبعثت من الشقق القريبة قعقعة أنين آلات الفونوغراف التي يسمعها يوم الأحد، وكانت تصدع بأغنية «إنه دُب» (اتس أبير). وكذلك سداسية من أوبرا «لوسيا دي لاميرمور»، ومختارات من المسرحية الموسيقية «فتاة الكويكرز» (ذا كويكر جيرل). كان قد وضع على ركبتَيه صحيفة «نيويورك تايمز» مفتوحةً على قسم المسرح. نظر للخارج بعينَين مغبَّشتَين إلى الهواء الحار الخافق شاعرًا بضيق في ضلوعه وألم يقطع الأنفاس. كان قد قرأ لتوِّه فقرةً في نسخة مَشينة من صحيفة «تاون توبيكس». ••• كثرت الأقاويل على الألسنة الخبيثة حول الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهي رؤية سيارة ستانوود إيميري تقف كل ليلة خارج مسرح نيكربوكر ولا تبرح مكانها حسبما يقولون قبل أن تستقل ممثلةٌ شابة فاتنة تقترب سريعًا في مسيرتها الفنية من مستوى النجومية. هذا الشاب نفسه، الذي يرأس والدُه إحدى شركات المحاماة الأكثر مرموقيةً في المدينة، والذي ترك لتوِّه هارفارد بسبب ظروف مؤسفة بعض الشيء، لطالما أثار ذهول الأهالي لوقت طويل بأفاعيله التي نثق في أنها لا تتعدَّى كونها نتيجة حماس روح صبيانية. واللبيب بالإشارة يفهم. رنَّ جرس الباب ثلاثًا. أسقط إد تاتشر الصحيفة وأسرع مرتجفًا إلى الباب. «لقد تأخرتِ كثيرًا يا إيلي. خشيت ألَّا تأتي.» «ألَا آتي دائمًا عندما أقول إني آتية يا أبي؟» «بالطبع تفعلين ذلك يا عزيزتي.» «كيف حالك؟ وكيف هي الأحوال في العمل؟» «السيد ألبيرت في إجازته … أظن أنني سآخذ إجازتي عندما يعود. ليتكِ تأتين معي إلى سبرينج ليك لبضعة أيام. هذا سينعشك.» «ولكن لا أستطيع يا أبي.» … خلعت قبعتها وأسقطتها على الأريكة العريضة. «انظر، لقد أحضرتُ لك بعض الورود يا أبي.» «ذكَّرتِني؛ إنها ورود حمراء كالتي كانت أمك تحبها. أعترف أنها كانت لفتةً غاية في الجمال منكِ … ولكني لا أحب أن أذهب وحدي في الإجازة.» «أوه، ستُقابل الكثير من الأصدقاء يا أبي، أنا واثقةٌ من ذلك.» «لمَ لا تأتين لأسبوع واحد فقط؟» «أولًا ينبغي أن أبحث عن عمل … سينطلق العرض في جولته ولست معهم حتى الآن. هاري جولدوايزر غاضب بشدة بسبب هذا الأمر.» رجع تاتشر للجلوس إلى النافذة الناتئة وبدأ يُكدِّس صُحف يوم الأحد فوق كرسي. «يا إلهي، يا أبي، ماذا تفعل بحق السماء بتلك النسخة من صحيفة «تاون توبيكس»؟» «أوه، لا شيء. لم أقرأها قط؛ فما أحضرتها إلا لأرى شكلها.» تورَّد وجهه وضغط شفتَيه عندما دفع بها وسط صحيفة «نيويورك تايمز». «ما هي سوى صحيفة تُمارِس الابتزاز.» كانت إلين تتجوَّل في أنحاء الغرفة. وقد وضعت الورود في زَهرية. وكانت تنتشر منها برودة لاسعة عبر الهواء المُثقَل بالغبار. «هناك شيء أُريد أن أخبرك به يا أبي … سنتطلَّق أنا وجوجو.» جلس إد تاتشر واضعًا يدَيه فوق ركبتَيه وأطبق شفتَيه ولم ينبس. كان وجهه رماديًّا وداكنًا، يكاد يقترب من لون بِذلته الحريرية المزركشة. «ليس ثمة ما يقلق. قرَّرنا ببساطة أنه لا يمكننا التوافق معًا. الأمر برمته سيسير بهدوء وبأكثر الأساليب المتفق عليها … جورج بالدوين صديقي سيتولَّى إدارة الأمر بالكامل.» «هو وشركة إيميري آند إيميري؟» «أجل.» «همم.» لاذا بالصمت. مالت إلين كي تستنشق الورود. فرأت دودةً قياسية خضراء صغيرة بعرض ورقة برونزية اللون. «صراحة، إنني مولعة بشدة بجوجو، ولكن العيش معه يُفقدني صوابي … أدين له بالكثير، أعلم ذلك.» «ليتكِ لم ترَيه يومًا.» تنحنح تاتشر وأشاح بوجهه عنها كي ينظر من النافذة إلى شريطَين لا متناهيَين من السيارات التي مرَّت بمحاذاة الطريق أمام المحطة. انبعث منها الغبار وعلا، وبدا اللمعان الزاوي للزجاج كالمينا والنيكل. وأصدرت الإطارات حفيفًا فوق الحصى المُزَيَّت. ألقت إلين بنفسها فوق الأريكة العريضة، وتركت عينَيها تشردان وسط الورود الحمراء الباهتة على السجادة. رنَّ جرس الباب. «سأذهب يا أبي … كيف حالكِ يا سيدة كالفيتير؟» دخلت إلى الغرفة نافخةً سيدةٌ عريضة حمراء الوجه ترتدي فستانًا من الشيفون الأسود والأبيض. «أوه، عذرًا على مقاطعتي، هذه زيارة سريعة لبرهة فحسب … كيف حالكَ يا سيد تاتشر؟ … تعلمين يا عزيزتي أن أباكِ المسكين كان حقًّا في حالة سيئة للغاية.» «هذا كلام فارغ؛ فكل ما كان لديَّ هو ألم خفيف في الظهر.» «تلك آلام أسفل الظهر يا عزيزي.» «عجبًا يا أبي، كان ينبغي أن تخبرني.» «كانت الخُطبة اليوم ملهمةً للغاية يا سيد تاتشر … كان السيد لورتون في أفضل حالاته.» «أظن أن عليَّ أن أخرج وأذهب إلى الكنيسة من حين لآخر، ولكن كما ترين أُفضِّل المكوث في المنزل يوم الأحد.» «بالطبع يا سيد تاتشر؛ فهذا هو اليوم الوحيد الذي لديك. كان زوجي مثلك تمامًا … ولكني أظن أن الأمر يختلف مع السيد لورتون عن أغلب رجال الدين. فلديه نظرة عقلانية معاصرة للأشياء. الأمر حقًّا أشبه بحضور محاضرة مشوِّقة للغاية أكثر منه بحضور عِظَة في كنيسة … تفهم ما أعنيه.» «سأخبركِ بما سأفعل يا سيدة كالفيتير، إذا لم يكن الطقس شديد الحرارة يوم الأحد القادم فسأذهب … أظن أنني اعتدت كثيرًا على نمط حياتي.» «أوه، بعض التغيير مفيدٌ لنا جميعًا … ليس لديكِ أدنى فكرة يا سيدة أوجليثورب كم نتابع مسيرتكِ الفنية عن كثب، في صُحف يوم الأحد وكل ذلك … أظن أن الأمر في غاية الروعة … كما كنت أقول للسيد تاتشر بالأمس إنه لا بد في الأمر من شخصية قوية والعيش بعمقٍ وفقًا للمبادئ المسيحية للتمكُّن من الصمود أمام إغراءات حياة المسرح في هذه الأيام. من الملهم رؤية فتاةٍ شابةٍ وزوجةٍ شديدة اللطف والنقاء وسط كل ذلك.» ظلَّت إلين تنظر إلى الأرض كي لا تلمح عيناها عينَي أبيها. كان ينقر بإصبعَين فوق ذراع كرسي موريس الذي كان يجلس عليه. تهلَّل وجه السيدة كالفيتير الجالسة في منتصف الأريكة العريضة. نهضت واقفة. «حسنًا، يجب أن أذهب. لدينا فتاة ساذجة في المطبخ، وأنا واثقة أن العشاء قد فسد بالكامل … ألن تمر علينا بعد ظهيرة اليوم …؟ بشكل ودي تمامًا. لقد أعددت بعض الكعك وسنُخرج بعضًا من مِزر الزنجبيل في حال زارنا أحد.» قال تاتشر وهو ينهض متيبِّسًا: «أثق أنه سيُسعدنا ذلك يا سيدة كالفيتير.» تمايلت السيدة كالفيتير في فستانها المنفوش خارِجةً من الباب. «أقترح يا إيلي أن نذهب لنأكل شيئًا … إنها سيدة طيبة القلب ولطيفة للغاية. دائمًا ما تُحضر لي أوعيةً من المربَّى والمرملاد. إنها تعيش في الأعلى مع عائلة أختها. وهي أرملة رجل رحَّالة.» قالت إلين بضحكةٍ خافتة في حلقها: «يا لها من عبارةٍ قالتها عن إغراءات حياة المسرح! هيا وإلا فسيزدحم المكان. فتجنُّب العجلة هو شعاري.» قال تاتشر بصوت طقطقة متذمِّر: «دعينا لا نتلكَّأ.» فتحت إلين مظلَّتها عندما خرجا من الباب المحاط من الجانبَين بالأجراس وصناديق البريد. ضرب وجهَيهما نفحةٌ من حرارةٍ معبَّأةٍ بالأتربة. مرَّا بمتجرٍ للأدوات المكتبية، واللافتة الحمراء بالحرفَين إيه وبي لشركة الشاي الكبرى في المحيط الأطلسي والمحيط الهادي، والصيدلية على الناصية التي اندفعت منها تلك البرودة الآسنة لمجمَّدات ماء الصودا والآيس كريم أسفل الظلة الخضراء، وعبرا الشارع حيث غاصت قدماه في الأسفلت اللزج، وتوقَّفا عند كافيتريا ساجامور. شاهدا الساعة الثانية عشرة بالضبط عبر النافذة التي كان مكتوبًا حول واجهتها بالأحرف الإنجليزية القديمة «وقت تناول الطعام». كان أسفلها سرخس أصهب كبير وبطاقة تعلن أن سعر الدجاج في العشاء دولار و٢٥ سنتًا. ظلَّت إلين عند فتحة الباب تنظر لأعلى إلى الشارع المضطرب بالحركة. «انظر يا أبي، ستهب على الأرجح عاصفة رعدية.» حلَّق السحاب المتراكم في خطوط ارتفاع ثلجية مذهلة في السماء الأردوازية. «أليست تلك سحابةً جميلة؟ ألن يكون من الجميل أيضًا لو هبَّت عاصفة رعدية صاخبة؟» نظر إد تاتشر لأعلى، وهزَّ رأسه ودخل عبر الباب الشبكي المتأرجح. تبعته إلين. استنشقا بالداخل رائحة الطِّلاء والنادلات. جلسا إلى طاولة بجوار الباب أسفل مروحة كهربائية مُطنطِنة. «كيف حالك يا سيد تاتشر؟ كيف كان حالك طوال الأسبوع يا سيدي؟ كيف حالكِ يا آنسة؟» اقتربت منهما بلطفٍ نادلة ذات وجه نحيل وشعر معالَج بالأكسجين. «ماذا تُفضِّل اليوم يا سيدي؛ فرخ البط المشوي على طريقة لونج آيلند أم ديكًا مُغذًّى بالحليب ومشويًّا على طريقة فيلادلفيا؟»
|
{
"chapter": "ضجة سريعة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/2.3/"
}
|
على طول السياج كانت هناك وجوه، وفي فتحات الإضاءة كانت هناك وجوه. باتجاه الريح، أتت رائحة كريهة من الباخرة الصغيرة الحجم البدينة المربوطة في المرساة، والمائلة قليلًا على أحد جانبَيها ويتدلَّى من صاريها الأمامي علَم العزل الأصفر. قال الرجل الهَرِم الذي كان ساندًا على مجدافه: «مستعد أن أدفع مليون دولار لأعرف سبب مجيئهم.» قال الشاب الذي كان يجلس في المؤخرة: «فقط من أجل هذا البلد يا أبي. أليست أرض الفرص؟» قال الرجل الهَرِم: «لا أعرف سوى شيء واحد. عندما كنت صبيًّا، كان الهمج الأيرلنديون يأتون في الربيع مع أول أسراب سمك الشاد … الآن لا يوجد شاد، وهؤلاء الناس، الرب يعلم من أين أتَوا.» «إنها أرض الفرص.» جلس شاب ذو وجه بيضوي، وعينين قاسيتين، وأنف نحيف مجعد على كرسي دوار، واضعًا قدمَيه على مكتبه الجديد المصنوع من خشب الماهوجني. كانت بشرته شاحبة، وكانت شفتاه مُتجهِّمتَين قليلًا. تلوَّى على الكرسي الدوَّار وهو يشاهد الخُدوش الصغيرة التي كان يُحدِثها حذاؤه على القشرة الخشبية. اللعنة، لا أهتم. ثم نهض فجأةً مُصدِرًا صَيحة الدوران، وطَرَق على ركبته بقبضته المقفولة. صاح قائلًا: «النتائج. جلست لمدة ثلاثة أشهر أحك مؤخرتي على الكرسي الدوَّار … ما الفائدة من اجتياز كلية الحقوق والتسجيل في النقابة إن لم يستطع المرء العثور على أحد يُطبِّق عليه ما تعلَّمه؟ عبس ناظرًا للنقش الذهبي عبر الباب ذي النافذة الزجاجية.» نيودلاب جرويج نيودلاب، إنه اسم من ويلز. نهض واقفًا. أقرأ تلك اللافتة اللعينة معكوسةً كل يوم منذ ثلاثة أشهر. سأُصاب بالجنون. سأخرج وأتناول الغداء. فرد صدريته وأزال عن حذائه بعض ذرَّات الغبار بمنديل، ثم قبض وجهه بتعبير عن الإنهاك الشديد، وهُرع خارجًا من المكتب، مهرولًا على الدرج وخرج إلى شارع ميدن لين. أمام مطعم اللحوم، رأى عنوانًا في طبعة خاصة لإحدى الصحف باللون الوردي: «إزاحة اليابانيين من موكدين». أخذ بالصحيفة وطواها أسفل ذراعه أثناء مروره عبر الباب المتأرجح. جلس إلى إحدى الطاولات وقرأ بعناية قائمة الطعام. يجب ألَّا أُبذِّر في الإنفاق حاليًّا. «يمكنك أيها النادل أن تجلب لي لحمًا مسلوقًا على طريقة نيو إنجلاند، وشريحةً من فطيرة التفاح، وقهوة.» كتب النادل ذو الأنف الطويل الطلب في قُصاصة الورق التي معه، ناظرًا إليها جانبًا بعبوس ينم عن اهتمام … ذلك هو غداء محامٍ لا عمل له. تنحنح بالدوين وفرد الصحيفة … لا بد أن هذا سيُنشِّط السندات الروسية بعض الشيء. زيارة المحاربين القُدامى للرئيس … «حادث آخر في مسارات الجادة الحادية عشرة». أُصيب بائع الحليب إصابةً بالغة. مرحى، يمكنني أن أرفع قضية تعويض صغيرةً بارعة من هذا الحادث. أُصيب أوجاستس ماك نيل، ٢٥٣ غرب، شارع ٤، الذي يعمل على عربة حليب لصالح شركة إكسلسيور ديري، إصابةً بالغة في وقت مبكِّر من صباح اليوم عندما ارتدَّ قطار شحن على قضبان سكة حديد نيويورك سنترال … يجب أن يقاضي السكةَ الحديدية. بالتأكيد يجب أن أجد هذا الرجل وأجعله يقاضي السكة الحديدية … لم يستعِد وعيه بعد … ربما قد مات. في تلك الحالة يمكن لزوجته أن تقاضيهم وتطلب تعويضًا أكبر … سأذهب إلى المستشفى بعد ظهيرة اليوم … وأتقدَّم على أيٍّ من هؤلاء المخادعين. تناول قضمةً من الخبز تناولَ العازِمِ على الأمر ومضغها بحيوية. بالطبع لا، سأذهب إلى المنزل وأرى ما إذا كان لديه زوجة أو أم أو أحد من هذا القبيل، وأقول لها: معذرةً يا سيدة ماك نيل إن كنت أقتحم عليكِ ابتلاءكِ العميق، ولكنني أُجري تحقيقًا في هذه اللحظة … أجل، أنا مُوَكَّل من أصحاب مصالح مرموقين … ارتشفَ ما تبقَّى من قهوته ودفع الحساب. ركب الترام من برودواي مُردِّدًا ٢٥٣ غرب، شارع ٤، مرارًا وتكرارًا. ثم سار غربًا بمحاذاة شارع ٤، متجنِّبًا واشنطن سكوير. نشرت الأشجار أفرعها الأرجوانية الهشة في سماء بلون الحمام؛ فتوهَّجت المنازل الكبيرة النوافذ في الجهة المقابلة مزدهرةً بلون وردي برَّاق وغير مبالية. إنه المكان المثالي لإقامة محامٍ له باع كبير في الممارسة التقليدية للمهنة. حسنًا، سنرى. عَبَر الجادة السادسة واتَّبع الشارع إلى طريق ويست سايد القذر، حيث فاحت رائحة الإسطبلات وامتلأت الأرصفة بقطع النُّفايات والأطفال الزاحفة. لا يمكنه تخيُّل العيش هنا وسط الأيرلنديين والأجانب الوضعاء، حثالة الكون. عند المنزل رقم ٢٥٣، كانت هناك عدة أجراس غير مُعلَّمة. وكانت هناك امرأة بأكمام مطوية ذات نقشة مربعة على ذراعَين على شكل النقانق تُخرج ممسحةً رمادية من النافذة. «أيمكنكِ أن تخبريني ما إذا كان أوجاستس ماك نيل يعيش هنا؟» «إنه يرقد في المستشفى. إنني على يقين من هذا.» «حسنًا. وهل له أي أقارب يعيشون هنا؟» «وما الذي تريده منهم؟» «إنه أمر يتعلَّق بالعمل بعض الشيء.» «اصعد إلى الطابق العُلوي، وستجد زوجته هناك، ولكنها على الأرجح لن تستطيع مقابلتك … المسكينة قلقة للغاية على زوجها، وقد تزوَّجا من ١٨ شهرًا فقط.» كانت على الدرج علامات من آثار أقدام موحلة، وكانت منثورةً عليه هنا وهناك الفضلاتُ التي تتساقط من صناديق القُمامة. بالأعلى، وجد بابًا دُهِن حديثًا باللون الأخضر الداكن، وطرَقه. أتى صوت فتاة جعله يشعر برعشة بسيطة: «مَن هناك؟» لا بد أنها شابة. «هل السيدة ماك نيل هنا؟» أتى صوت الفتاة الطروب مرةً أخرى: «نعم. ما الأمر؟» «إنه أمر يتعلَّق بالعمل بخصوص حادثة السيد ماك نيل.» «هل الأمر يتعلَّق بالحادثة؟» انفتح الباب بهزات حذرة بسيطة. كان لها أنف وذقن حادَّين وأبيضَين بياض اللؤلؤ، وكومة من شعر مُجعَّد بُني ضارب إلى الحمرة انسدل في تجعُّدات بسيطة مستوية حول جبهتها العالية الصغيرة. حدَّقت فيه بعينَيها الرماديتَين والحادتَين. «هل لي أن أتحدَّث إليكِ لدقيقة بشأن حادثة السيد ماك نيل؟ هناك أمور قانونية مُعيَّنة متعلِّقة بالحادثة أشعر أنه من واجبي أن أعلمكِ بها … بالمناسبة، أتمنَّى أن يكون في حال أفضل.» «أوه، أجل لقد استعاد وعيه.» «هل يمكنني الدخول؟ فالأمر يطول شرحه.» «أظن أنه يمكنك.» انبسطت شفتاها المتجهِّمتان في ابتسامة مائلة. «لا أظن أنك ستأكلني.» «لا، صدقًا لن أفعل.» أصدر ضحكةً مضطربة من حلقه. قادَته إلى غرفة الجلوس المعتمة. «لن أرفع الستائر كي لا ترى الفوضى التي تعلو كل شيء.» «اسمحي لي أن أُعرِّفكِ بنفسي يا سيدة ماك نيل … جورج بالدوين، مكتبي في ٨٨ شارع ميدن لين … كما ترَين فأنا متخصِّص في مثل هذه القضايا … اختصارًا للأمر … كان زوجكِ مُجهَدًا، وكاد موظفو سكة حديد نيويورك سنترال المذنبون، أو الذين يُحتمَل فيهم الإهمال الإجرامي، أن يودوا بحياته. هذه حادثة كافية لرفع قضية ضد السكة الحديدية. لديَّ ما يدفعني للاعتقاد بأن شركة إكسلسيور ديري ستطالب بالتعويض عن الخسائر المتكبَّدة: الحصان، والعربة، وغيرها …» «أتعني أنك تظن أن جاس سيحصل على تعويضٍ لنفسه على الأرجح؟» «بالضبط.» «كم يمكنه أن يجني في رأيك؟» «حسنًا، يعتمد ذلك على مدى سوء إصابته، وعلى موقف المحكمة، وربما على مهارة المحامي … أظن أن ١٠ آلاف دولار ستكون مبلغًا معتدلًا.» «وهل لا تطلب مالًا لنفسك؟» «نادرًا ما تُدفع أتعاب المحامي حتى تصل القضية إلى نتيجة ناجحة.» «وأنت محامٍ، أصدقًا؟ تبدو صغيرًا بعض الشيء على أن تكون محاميًا.» ومضت عيناها الرماديتان في عينَيه. وضحك كلاهما. شعر بفورة دافئة غير مبرَّرة تسري في جسده. «أنا محامٍ بالرغم من ذلك. وأنا متخصِّص في مثل هذا النوع من القضايا. وقد حصلت لتوي يوم الثلاثاء الماضي على ستة آلاف دولار لعميل ركله حصان في سباق تناوب الأحصنة أثناء ركضه في الحلقة … في تلك اللحظة تمامًا كما قد تعلمين هناك هوجة كبيرة تطالب بسحب جميع التراخيص على مسارات الجادة الحادية عشرة … أظن أن هذا وقت مناسب للغاية.» «أخبرني، هل تتكلَّم دائمًا هكذا أم أن هذه فقط طريقتك في العمل؟» أرجع رأسه إلى الوراء وضحك. «جاس المسكين الهَرِم، دائمًا ما كنت أقول إنه محظوظ.» زحف خافتًا إلى الغرفة عويل طفل عبر الجدار الفاصل. «ما هذا؟» «إنها الطفلة … البائسة الصغيرة لا تفعل شيئًا سوى الصراخ.» «ألديكم أطفال إذن يا سيدة ماك نيل؟» أثلجت الفكرة صدره بطريقة ما. «واحدة فقط … ماذا تتوقَّع؟» «هل زوجكِ في مستشفى الطوارئ؟» «أجل، أعتقد أنهم سيسمحون لك برؤيته ما دام الأمر يتعلَّق بالعمل. إنه يئن أنينًا مروِّعًا.» «فقط لو تمكَّنت من العثور على بعض الشهود الجيدين.» «لقد رأى مايك دوهينى كل شيء … إنه يعمل في الشرطة. وهو صديق مُقرَّب لجاس.» «وربي لقد أصبح لدينا قضية بكل ما تحمله الكلمة من معنًى … وستُسوَّى دون اللجوء إلى المحاكم … سأنطلق إلى المستشفى.» جاء وابل جديد من البكاء من الغرفة الأخرى. همست، مقطِّبة جبينها: «أوه، تلك الطفلة المزعجة. يمكننا استغلال المال جيدًا يا سيد بالدوين …» «حسنًا، يجب أن أذهب.» التقط قبعته. «وبالطبع سأبذل أقصى ما في وسعي في هذه القضية. هل يمكنني أن أمرَّ عليكِ وأخبركِ بالتقدم المُحرَز في القضية من وقت لآخر؟» «أتمنَّى أن تفعل ذلك.» عندما تصافحا عند الباب، لم يبدُ أنه يريد ترك يدها. فتورَّد وجهها. وقالت بصلابة مصطنعة: «حسنًا، وداعًا وشكرًا جزيلًا على زيارتك.» ترنَّح بالدوين متخبِّطًا وهو ينزل الدرج. تدفَّقت الدماء في رأسه. أجمل فتاة رأيتها في حياتي. شرعَت الثلوج في التساقط بالخارج. وكانت ندفات الثلج كمداعبات مختلسة باردة على وجنتَيه الساخنتَين. ••• كانت السماء فوق سنترال بارك مرقَّطةً بسُحب ذات ذيول مدبَّبة صغيرة كحقل من الدجاج الأبيض. «اسمعي يا أليس، لنَسلُك هذا المسار الصغير.» «ولكن يا إلين لقد قال لي أبي أن أذهب من المدرسة مباشرةً إلى المنزل.» «جبانة!» «ولكن يا إلين، هؤلاء الخاطفون المروِّعون …» «قلت لكِ لا تدعيني إلين بعد الآن.» «حسنًا يا إلين، إلين خادمة زنبق أستالوت.» كانت إلين ترتدي فستانها الجديد ذا النقشة المربعة على طراز الفوج الملكي الاسكتلندي. وكانت أليس ترتدي نظارةً وكانت ساقاها نحيفتَين كدبابيس الشعر. «جبانة!» «هناك رجال مرعبون يجلسون على ذلك المقعد. هيا يا إلين الجميلة، لنذهب إلى المنزل.» «أنا لا أخاف منهم. يمكنني أن أطير كبيتر بان إن أردت.» «ولماذا لا تفعلين ذلك؟» «لا أريد الآن.» بدأت أليس تتذمَّر. «أوه يا إلين، أظن أنكِ خبيثة … هيا إلى المنزل يا إلين.» «لا، سأذهب للتنزُّه في سنترال بارك.» نزلت إلين الدرج. وقفت أليس لدقيقة على الدرجة العليا ضابطةً توازنها على قدم واحدة أولًا ثم على الأخرى. صاحت إلين: «جبانة، جبانة، جبانة!» فرت أليس منتحبة. «سأخبر أمكِ.» سارت إلين في المسار الأسفلتي وسط الجنبات راكلةً أصابع قدمَيها في الهواء. في ثوبها ذي النقشة المربَّعة على طراز الفوج الملكي الاسكتلندي الذي أحضرته لها والدتها من محل هيرن، سارت إلين في المسار الأسفلتي راكلةً أصابع قدمَيها في الهواء. كانت تضع دبوس زينة ذا شوك فضي على كتف الفستان الجديد ذي النقشة المربَّعة على طراز الفوج الملكي الاسكتلندي الذي أحضرته لها والدتها من محل هيرن. إلين عروس لاميرمور ستتزوَّج. «المخطوبة». أنشد مزمار القربة الاسكتلندي وسط محصول الشيلم. كان للرجل الجالس على المقعد رُقعة فوق عينه. رقعة سوداء على طراز الفوج الملكي الاسكتلندي. رقعة سوداء على طراز الفوج الملكي الاسكتلندي. الخاطف من الفوج الملكي الاسكتلندي، وسط الشجيرات ذات الحفيف يُبقي الخاطفون على زي الفوج الملكي الاسكتلندي. لا تركل أصابع قدمَي إلين في الهواء. إلين مذعورة من الخاطف من الفوج الملكي الاسكتلندي، إنه رجل ضخم ذو رائحة كريهة من الفوج الملكي الاسكتلندي ويضع رُقعةً فوق عينه. تخاف أن تركض. حكَّت قدمَيها الثقيلتَين على الأسفلت وهي تحاول الركض مُسرِعة. تخاف أن تلتفت. الخاطف من الفوج الملكي الاسكتلندي خلفها مباشرة. عندما أصل إلى عمود الإنارة، سأركض إلى المربية التي تحمل الطفل، وعندما أصل إلى المربية التي تحمل الطفل، سأركض إلى الشجرة الكبيرة، وعندما أصل إلى الشجرة الكبيرة … آه، أنا متعبة للغاية … سأنفذ إلى داخل شارع سنترال بارك ويست ثم مباشرةً إلى المنزل. كانت خائفةً أن تلتفت. ركضت وهي تشعر بوخزة في جانبها. ركضت حتى أصبح مذاق فمها كعُملة البنس المعدنية. سألتها جلوريا درايتون، التي كانت تنط الحبل خارج منزل عائلة نوريلاند: «لمَ تجرين يا إيلي؟» قالت إلين لاهثة: «لأنني أريد ذلك.» ••• صبغ ضوء الغسق النبيذي اللون ستائر الموسلين متسلِّلًا إلى العَتمة الزرقاء للغرفة. جلسا إلى كلا جانبَي الطاولة. ومن إناء النرجس الذي كان لا يزال ملفوفًا بمنديل ورقي، لمعت زهور نجمية الشكل بوميض فوسفوري خافت، باعثةً رائحة ترابية رطبة تداخلت مع عطر لاذِع غير فوَّاح. «لطفٌ منك أن أحضرت لي هذه يا سيد بالدوين. سآخذها لجاس في المستشفى غدًا.» «أرجوكِ لا تدعيني بهذا الاسم.» «ولكني لا أحب الاسم جورج.» «لا يهمني ذلك؛ فأنا أحب اسمكِ يا نيللي.» وقف ينظر إليها، وقد التفَّت أثقال معطَّرة حول ذراعَيه. وتدلَّت يداه كقفازَين فارغَين. كانت عيناها سوداوَين، وقد اتسعتا، وامتدَّت شفتاها تجاهه في الناحية الأخرى من الزهور. انتزعت يدَيها لأعلى لتغطِّي وجهها. وكانت ذراعه حول كتفَيها النحيلتَين الصغيرتَين. «ولكن صدقًا يا جورج، يجب أن نكون حذرين. يجب ألَّا تأتي هنا كثيرًا. فلا أريد أن يشرع جميع الشمطاوات في المنزل في الحديث عنا.» «لا تقلقي من ذلك … يجب ألَّا نقلق من أي شيء.» «لقد كنت أتصرَّف كالمجنونة في هذا الأسبوع الأخير … يجب أن أكف عن ذلك.» «أتظنين أنني كنت أتصرَّف على نحو طبيعي؟ أُقسم لكِ يا نيللي أنني لم أفعل شيئًا كهذا من قبل. فأنا لست من هذا النوع من الرجال.» أظهرت أسنانها المتساوية ضاحكة. «أوه، لا يمكن معرفة حقيقة الرجل.» «ولكن إن لم يكن ثمة شيء رائع وفريد بيننا، أتظنين أنني كنت سأُلاحقك بهذه الطريقة؟ لم أشعر بالحب تجاه أحد غيركِ يا نيللي.» «هذه مزحة جيدة.» «ولكنها الحقيقة … لم أستمتع بشيء كهذا من قبل. فقد عملت بجهد جهيد لاجتياز كلية الحقوق، وغير ذلك من الأمور لدرجة أنني لم يكن لديَّ وقت للتعرُّف إلى الفتيات.» «إذن أنت تعوِّض عن وقتك الضائع.» «أوه يا نيللي، لا تقولي ذلك.» «ولكن صدقًا يا جورج، يجب أن أقطع هذه العلاقة. ماذا سنفعل عندما يخرج جاس من المستشفى؟ وأنا أُهمل في رعاية الطفلة وفي كل شيء.» «اللعنة، لا أهتم بما سيحدث … أوه يا نيللي.» أدار وجهها تجاهه. التصقا متأرجحَين، وقد تشابك فماهما بشوق مُتَّقد. «انتبه، كاد المصباح أن يسقط علينا.» «يا إلهي، أنتِ رائعة يا نيللي.» تهاوى رأسها على صدره، وكان بإمكانه أن يشعر بسخونة شعرها الهابط في جميع أنحاء جسده. كان الظلام دامسًا. والتفَّت ثعابين من ضوءٍ من مصباح الشارع مخضرَّةً حولهما. نظرت عيناها لأعلى إلى عينَيه السوداوَين في هيبة وذعر. همس بصوت مرتجف خافت: «لنذهب يا نيللي إلى الغرفة الأخرى.» «الطفلة هناك بالداخل.» تباعدا بأيادٍ باردة يتبادلان النظرات. «تعالَ وساعدني. سأُحرِّك المهد بالداخل هنا … انتبه ألَّا توقظها وإلا فستنفجر في الصراخ.» خرج صوتها بطقطقةٍ مبحوحة. كانت الطفلة نائمة، ووجهها الطري الصغير منكمشًا على نفسه بشدة، وقبضتاها الورديتان الدقيقتان مطبقتين على الغطاء. قال بضحكة مكتومة مصطنعة: «تبدو سعيدة.» «ألَا يمكنك أن تبقى هادئًا … اخلع حذاءك … فكفى الناس سماع قرع حذاء رجالي بالأعلى هنا … ما كنت لأفعل هذا يا جورج، ولكني لا أستطيع التحمُّل …» تلمَّس طريقه إليها في الظلام. جثم فوقها بطيش لاهثةً أنفاسه لهثًا جنونيًّا عميقًا، وهو يقول: «يا حبيبتي …» ••• «إنك تتلاعب بنا يا صاحب القدم المسطحة …» «كلا، صدقًا، أقسم بقبر أمي أنها الحقيقة … خط عرض ٣٧ في ١٢ غربًا … اذهبوا هناك وانظروا … رسَونا على تلك الجزيرة بقارب الضابط الثاني، وعندما غرق قارب إليوت بي سيمكينز كان هناك أربعة من الذكور و٤٧ من الإناث بما في ذلك النساء والأطفال. ألم أكن أنا مَن أخبر الصحفي بكل شيء عن الحادث، وقد ظهر الخبر في جميع صُحف يوم الأحد؟» «ولكن يا صاحب القدم المسطحة، كيف أخرجوك من هناك؟» «أقول لكم حملوني على نقالة، وإلا فأنا كاذب أحول. ويمكنكم أن تنعتوني بالوغد إن لم أكن قد غرقت، إذ نزلت للأسفل منحنيًا كقارب إليوت بي القديم.» رجعت الرءوس للوراء على الأعناق السميكة مطلقةً وابلات من الضحك، وكانت الكئوس يُدق بها على الطاولة المستديرة ذات العلامات الدائرية، وكانت الأفخاذ ترن بالصفعات، والمرافق تخزُّ في الضلوع. «وكم كان من الرجال في القارب؟» «ستة بمن فيهم السيد دوركينز الضابط الثاني.» «سبعة وأربعة يساوي أحد عشر … يا للهول … أربعة وثلاثة على أحد عشر من النساء للفرد … لقد كانت جزيرةً رائعة.» «متى تُغادرُ العبَّارةُ التالية؟» «يُفضَّل أن نتناول شرابًا آخر لذلك … أنت يا شارلي، فلتملأ الكئوس.» سحب إميل كونغو من مرفقه. بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «تعالَ للخارج لحظة، لديَّ شيء لأخبرك به.» كانت عينا كونغو دامعتَين، وقد تبع إميل مترنِّحًا إلى منضدة الحانة الخارجية. بالفرنسية: «أوه أيها الصغير الغامض.» «اسمع، عليَّ أن أذهب للقاء صديقة.» «أوه، هذا ما يقلقك، أليس كذلك؟ لطالما كنت أقول إنك رجل حكيم يا إميل.» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «انظر، هذا عنواني في ورقة في حال نسيته: ٩٤٥ ويست ٢٢. يمكنك المجيء والنوم هناك إن لم تكن ثملًا للغاية، ولا تجلب أي أصدقاء، أو نساء، أو أي شيء. أنا على وفاق مع صاحبة المنزل، ولا أريد أن أُفسد علاقتي بها … أتفهمني؟» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «ولكني أريدك أن تأتي إلى حفل رائع … فلتحتفل قليلًا، بحق السماء! …» «عليَّ أن أعمل في الصباح.» «ولكني معي راتب ثمانية أشهر في جيبي …» «على كل حال، ائتِني غدًا في حوالي الساعة السادسة. سأنتظرك.» سدَّد كونغو بصقةً من اللُّعاب في المبصقة بركن الحانة، ورجع عابسًا إلى الغرفة الداخلية، قائلًا بالفرنسية: «إنك تُزعجني، كما تعلم، بأخلاقك.» «اجلس يا عزيزي كونغو، سيُغنِّي بارني أغنية «الوغد ملك إنجلترا».» قفز إميل في عربة ترام وتوجَّه إلى الحي السكني. في شارع ١٨، ترجَّل وسار غربًا إلى الجادة الثامنة. وبعد بابَين من الناصية، كان هناك متجر صغير. فوق إحدى نافذتَيه، كان مكتوبًا بالفرنسية «حلوى»، وفوق الأخرى «أطعمة مستوردة وجاهزة». وفي وسط الباب الزجاجي، كُتب بأحرف المينا البيضاء «إميل ريجو، أطايب المائدة الرفيعة المستوى». دخل إميل. وصلصل الجرس على الباب. كانت امرأة سوداء وبدينة ذات شعر أسود فوق فمها تنعس خلف طاولة البيع. خلع إميل قبعته. بالفرنسية: «مساء الخير مدام ريجو.» نظرت جافلةً لأعلى، ثم أظهرت ابتسامتها العميقة غمازتَين. قالت بنبرة بوردولية مدوِّية بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «حسنًا، هكذا تنسى أصدقاءك. قلت لنفسي هذا الأسبوع إن السيد لوستيك ينسى أصدقاءه.» «لم يَعُد لديَّ وقت نهائيًّا.» «الكثير من العمل والكثير من المال، أليس كذلك؟» عندما ضحكت، اهتزَّ كتفاها وثدياها الكبيران أسفل صَدرِيتها الزرقاء الضيقة. غمز إميل بإحدى عينَيه. «كان يمكن أن يصبح الأمر أسوأ … ولكني سئمت الانتظار … إنه عمل مُرهق للغاية، ولا أحد ينتبه لنادل.» «إنك رجل طموح يا سيد لوستيك.» بالفرنسية: «ماذا تريد؟» تورَّد وجهه، وقال بخجل: «اسمي إميل.» أدارت السيدة ريجو عينَيها نحو السقف. «كان ذلك اسم زوجي المتوفَّى. لقد اعتدت ذلك الاسمَ.» تنهَّدت بعمق. «وكيف حال العمل؟» بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «ليس بالجيد ولا بالسيئ … لقد زاد سعر لحم الهام مجدَّدًا.» «إن عصابة شيكاغو من تفعل ذلك … إنها ذات نفوذ في مجال لحوم الخنزير؛ فهذه هي طريقة جني الأموال.» لاحظ إميل أن عينَي السيدة ريجو السوداوَين الجاحظتَين تتفحَّصان عينَيه. «لقد استمتعت بغنائكِ كثيرًا في المرة الماضية … وفكَّرت فيه كثيرًا … تُحسِّن الموسيقى مزاج المرء، أليس كذلك؟» تمدَّدت غمازات السيدة ريجو أكثر فأكثر عندما ابتسمت. «لم يكن زوجي المسكين يستمتع بالغناء … ذلك آلمني كثيرًا.» «ألَا يمكنكِ أن تُغنِّي لي شيئًا هذا المساء؟» «هل تريد مني ذلك يا إميل؟ … ولكن ليس هناك أحد ليقوم على خدمة الزبائن.» «سأُهرع إليهم عندما نسمع الجرس، إن كنتِ تسمحين لي بذلك.» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «جيد جدًّا … لقد تعلَّمت أغنيةً أمريكية جديدة … إنها أغنية جميلة.» أغلقت السيدة ريجو الصندوق بمفتاح من حُزمة المفاتيح التي تُعلِّقها في نطاقها، ومرَّت عبر الباب الزجاجي في آخر المتجر. تبعها إميل وقبعته في يده. «أعطني قبعتك يا إميل؟» «أوه، لا تشغلي بالكِ.» كانت الغرفة بالخلف عبارةً عن بهوٍ صغير ذي ورق حائط أصفر ومزهر، وستائر قديمة للباب باللون الوردي الضارب إلى لون السلمون، وأسفل حامل الغاز الذي تتدلَّى منه حُزمة من الكريستالات، كان هناك بيانو وفوقه صور فوتوغرافية. أصدر كرسي البيانو صريرًا عندما جلست عليه السيدة ريجو. مرَّرت أصابعها فوق المفاتيح. جلس إميل بعناية فوق كرسي ذي حافة حادة بجوار البيانو ووضع قُبَّعته فوق ركبتَيه، ودفع بوجهه للأمام مائلًا في اتجاه وجهها كي تتمكَّن أثناء عزفها من رؤيته بطرف عينها. شرعت مدام ريجو في الغناء: صلصل الجرس على باب المتجر عاليًا. صاح إميل بالفرنسية مُهرَعًا إليه: «تفضَّل.» قالت فتاة صغيرة ذات ضفيرتَين: «نصف رطل من شرائح نقانق البالوني.» مرَّر إميل السكين عبر راحة يده وقطَّع النقانق بعناية. مشى على أطراف أصابعه إلى البهو ووضع المال على حافة البيانو. كانت مدام ريجو لا تزال تغنِّي: وقف بود على ناصية شارعَي برودواي ويست وفرانكلين يأكل الفول السوداني من كيسٍ في يده. كان وقت الظهيرة وقد ذهب جميع ماله. وكانت السكة الحديدية المرتفعة ترعد فوق رأسه. تمايلت ذرات الغبار أمام عينَيه في ضوء الشمس ذي الخطوط العارضة. احتار في الطريق الذي يسلكه، فتهجَّى أسماء الشوارع للمرة الثالثة. مرَّت عربة سوداء لامعة يجرها حصانان لامعا الأرداف، وانعطفت بحِدة في الناصية أمامه كاشطةً الأرض المرصوفة بالحصى بعجلاتها الحمراء اللامعة التي توقَّفت فجأة. كانت هناك حقيبةٌ جلدية صفراء على المقعد بجوار السائق. وداخل المقصورة، تحدَّث رجلٌ يرتدي قبعةً دربيةً بنيةً بصوتٍ عالٍ إلى امرأة ترتدي فرو ريش رماديًّا حول عنقها وتضع ريش نعام رماديًّا في قبعتها. انتزع الرجل مسدسًا لأعلى إلى فمه. رجع الحصانان للخلف وغاصا في وسط حشد مندفع. اخترقهم رجال الشرطة. وأخرجوا الرجل على حجرٍ حافة الرصيف وهو يتقيَّأ دمًا، ورأسه متدلٍّ ومرتخٍ فوق صدريته ذات النقشة المربَّعة. وقفت المرأة طويلةً وبيضاء بجواره تلف فرو الريش في يدَيها، وكان ريش النعام الرمادي في قبعتها يتألَّق في ضوء الشمس المخطَّط أسفل السكة الحديدية المرتفعة. «كانت زوجته تصطحبه إلى أوروبا … سيُبحر قارب «داتشلاند» في الثانية عشرة. ودَّعتُه للأبد. كان على متن «داتشلاند» في الثانية عشرة. لقد ودَّعني للأبد.» وخز شرطي بود في معدته بمرفقه، قائلًا: «اجلس بعيدًا عن الطريق يا عزيزي.» ارتجفت ركبتاه. ذهب إلى حافة الحشد وسار بعيدًا مرتجفًا. وقد قشَّر في حركة تلقائية حبةً من الفول السوداني ووضعها في فمه. يُفضَّل أن أترك البقية للمساء. لفَّ فم الكيس وأسقطه في جيبه. ••• أسفل المصباح القوسي ذي الرذاذ الوردي والبنفسجي أخضر الحواف، مرَّ الرجل الذي يرتدي بذلةً بنقشة مربعة بفتاتَين. كانت الفتاة الأقرب له ذات وجه بيضوي وشفتَين ممتلئتَين، وكانت عيناها حادتَين كطعنات سكين. سار بضع خطوات، ثم استدار وتبعهما متلمِّسًا ربطة عنقه الجديدة المصنوعة من الساتان. حرص على تثبيت دبوس الألماس على شكل حَدوة حصان في مكانه. مرَّ بهما مجدَّدًا. كانت قد أدارت وجهها. ربما كانت … كلا، لا يمكنه القول. من حسن حظه أنه كان معه ٥٠ دولارًا. جلس على المقعد وتركهما تمران عليه. لن يرتكب خطأً ويعرِّض نفسه لإلقاء القبض عليه. لم تلحظاه. تبعهما في الطريق وخارجه إلى سنترال بارك. كان قلبه يخفق. سأُعطي مليون دولار ﻟ … معذرة، ألستِ الآنسة أندرسون؟ أسرعت الفتاتان الخطوات. وقد غابتا عن ناظرَيه وسط الحشد العابر لدوَّار كولومبوس. أسرع في برودواي مارًّا بمربع سكني تلو الآخر. بحث عن تلك الممتلئة الشفتَين، ذات العينَين الحادتَين كطعنات السكين. حملق في وجوه الفتيات يمنةً ويسرة. أين عساها أن تكون قد ذهبت؟ أسرع الخطى في برودواي. ••• كانت إلين تجلس بجوار والدها على مقعد في باتري بارك. كانت تنظر إلى حذائها البني ذي الأزرار. لامس شعاع من ضوء الشمس حافة الحذاء وكل زر من أزراره الصغيرة المستديرة عندما هزَّت قدمَيها من أسفل ظل فستانها. كان إد تاتشر يقول: «فكِّري كيف سيكون الذهاب للخارج على إحدى هذه العبَّارات. تخيَّلي عبور المحيط الأطلسي العظيم في سبعة أيام.» «ولكن يا أبي، ما الذي يفعله الناس طوال ذلك الوقت في البحر؟» «لا أعلم … أظنهم يسيرون في أنحاء المركب ويلعبون لعبة الورق ويقرءون وما إلى ذلك. ثم يرقصون.» «يرقصون في المركب! أظن أنه سيكون رقصًا بشعًا على رءوس أصابع أقدامهم.» قهقهت إلين. «يفعلون ذلك في العبَّارات الحديثة الكبيرة.» «لماذا لا نذهب يا أبي؟» «ربما سنذهب يومًا ما عندما أدَّخر المال.» «أوه يا أبي، فلتسرع وتدَّخر الكثير من المال. والدة ووالد أليس فون يذهبان إلى جبال وايت كل صيف، ولكنهما سيذهبان في الصيف القادم إلى الخارج.» نظر إد تاتشر عبر الخليج الذي امتدَّ في أُفق أزرق رقراق إلى داخل السديم البني في اتجاه المضيق. وقف تمثال الحرية ضبابيًّا كالسائر أثناء نومه وسط الدخان الملتف لزوارق القطر، وصواري المراكب الشراعية، والكتل المتثاقلة الفجة لعبَّارات الطوب وصنادل الرمال. أشرقت الشمس الساطعة في كل مكان بضوئها الأبيض على شراع أو على هيكل علوي لباخرة. وتنقَّلت العبَّارات الحمراء جيئةً وذهابًا. «لماذا نحن لسنا أغنياء يا أبي؟» «هناك الكثير من الناس أكثر فقرًا منا يا إيلي … لن تُحبِّي أباك أكثر من ذلك لو كان غنيًّا، أليس كذلك؟» «أوه، نعم، كنت سأُحبك أكثر يا أبي.» ضحك تاتشر. «حسنًا، قد يتحقَّق ذلك في يومٍ من الأيام … ما رأيكِ في شركة إدوارد سي تاتشر آند كو، محاسبون معتمدون؟» قفزت إلين واقفة، وقالت: «أوه، انظر إلى ذلك القارب الكبير … ذلك هو القارب الذي أُريد أن أُسافر فيه.» نعق بجوارهما صوت بلكنة كوكنية: «ذلك قارب «هارابيك».» قال تاتشر: «أوه، هل هذا صحيح؟» بحماس أوضح رجل مهترئ الحال مُزعج الصوت كان يجلس على مقعدٍ بجوارهما: «بالفعل يا سيدي، أجمل سفينة في البحر يا سيدي.» سُحبت لأسفل قبعة ذات حافة مكسورة من الجلد اللامع فوق وجهٍ شاحبٍ صغيرٍ خرجت منه رائحةٌ ضعيفة من شراب الويسكي. «نعم يا سيدي، إنه «هارابيك» يا سيدي.» «يبدو أنه قارب كبير وجيِّد بالتأكيد.» «إنه أحد أكبر القوارب يا سيدي. لقد أبحرت على متنه أكثر من مرة، وعلى متن «ماجيستيك» و«تيوتونيك» أيضًا يا سيدي، كلاهما قوارب جيدة، رغم أنني أُصاب بدُوار البحر بعض الشيء كما قد ترى. لقد عُينت مُضيفًا في شركتَي هينمان ووايت ستار لاين البحريتَين طوال الثلاثين عامًا الماضية، والآن أنزلوني من على متن سفنهم في عمري هذا.» «أوه، كلنا يعاني سوء الحظ أحيانًا.» «وبعضنا يعاني منه طوال الوقت يا سيدي … كان بإمكاني أن أكون رجلًا سعيدًا يا سيدي لو كان باستطاعتي الرجوع إلى بلدي القديم. هذا ليس مكانًا لرجل هَرِم، إنه للشباب والأقوياء، هذا كل ما هنالك.» مدَّ يده الملتوية من أثر النقرس عبر الخليج وأشار إلى التمثال. «انظر إليها، إنها تنظر صوب إنجلترا.» همست إلين مرتجفةً في أذن والدها: «هيا لنذهب يا أبي. هذا الرجل لا يعجبني.» «حسنًا، سنذهب ونلقي نظرةً على أُسود البحر … يومًا سعيدًا.» «ألَا يمكنك أن تعطيَني ثمن كوبٍ من القهوة يا سيدي؟ فأنا مُعدِم للغاية.» وضع تاتشر دايم في يده المتسخة المكوَّرة كمقبض الباب. «ولكن يا أبي، لقد قالت أمي لا تدع الناس أبدًا يتحدَّثون معك في الشارع، وأن تنادي على الشرطة إذا فعلوا ذلك، وأن تجري بأقصى سرعة من أولئك الخاطفين المرعبين.» «لا خطر عليَّ من الخطف يا إيلي. ذلك فقط للفتيات الصغيرات.» «هل سأستطيع أن أتحدَّث مع الناس في الشارع هكذا عندما أكبر؟» «لا يا عزيزتي، لن تستطيعي فعل ذلك.» «هل كنت سأستطيع لو كنتُ ولدًا؟» «أظن ذلك.» توقَّفا أمام حوض الأسماك لدقيقة للنظر أسفل الخليج. كانت العبَّارة ذات زورق القَطر المنبعث منها دخان أبيض أمام كلا قوسَيها محاذيةً لهما وتعلو فوق العبَّارات والقوارب. دارت النوارس وصاحت. وألقت الشمس بنورها السمني على الأسطح العُليا للقوارب وعلى الأقماع الصفراء الكبيرة ذات الأغطية السوداء. من الصاري الأمامي، رفرف شريط من الأعلام الصغيرة متبخترًا أمام السماء الأردوازية. «وهناك الكثير من الأشخاص الآتين من الخارج على ذلك القارب، أليس كذلك يا أبي؟» «انظري، يمكنكِ أن ترَي … أسطح القوارب سوداء من كثرة الناس.» ••• مشى بود كوربينينج عبر شارع ٥٣ من إيست ريفر، ليجد نفسه واقفًا بجوار كومة من الفحم على الرصيف. على الجهة الأخرى من كومة الفحم، كانت هناك امرأة بشعر أشيب ترتدي قميصًا نسائيًّا مكشكشًا من الدانتيل وتضع مشبكًا ورديًّا كبيرًا ذا نقش بارز على انحناء صدرها المرتفع، وكانت تنظر إلى ذقنه غير المحلوق وإلى معصمَيه اللذَين تدلَّيا عاريَين من أسفل كمَّي معطفه الباليَين. ثم سمع نفسه يتحدَّث، قائلًا: «ألَا تظنين أنه بإمكاني أن أحمل لكِ هذه الشِّحنة من الفحم على ظهري يا سيدتي؟» حوَّل بود ثِقَله من إحدى قدمَيه إلى الأخرى. قالت المرأة بصوت أجش: «هذا تمامًا ما يمكنك فعله. فقد تركه رجل الفحم البائس هذا الصباح وقال إنه سيعود لإدخاله. أظنه سكيرًا كبقيتهم. تُرى، هل يمكنني الوثوق بك في المنزل.» قال بود متلعثمًا: «أنا من شمال البلاد يا سيدتي.» «من أي منطقة؟» «من كوبرستاون.» «هممم … أنا من بافلو. إن هذه بالتأكيد مدينة لكل مَن ينتمي إلى أي مكان آخر … حسنًا، ربما تكون متورِّطًا في إحدى السرقات، ولكن ما باليد حيلة فأنا أريد وضع ذلك الفحم بالداخل … ادخل أيها الرجل، سأُعطيك مجرفةً وسَلة وإذا لم توقع أيًّا من الفحم في المدخل أو على أرضية المطبخ؛ لأن عاملة التنظيف غادرت لتوها … بالطبع لا بد أن يأتي الفحم عندما تكون الأرضية نظيفة … فسأعطيك دولارًا.» عندما أحضر الدفعة الأولى، كانت تجول في أنحاء المطبخ. جعلته معدته الجوفاء المتشققة جوعًا يتأرجح دائخًا، ولكنه كان سعيدًا بالعمل بدلًا من جر قدمَيه بلا نهاية على الأرصفة وعبر الشوارع متحاشيًا العربات والترام. سألته عندما رجع لاهثًا بالسلة الفارغة: «كيف لم تحصل على عمل منتظم أيها الرجل؟» «أظن لأنني لم أستوعب طرق المدينة بعد. فقد وُلدت ونشأت في مزرعة.» «ولماذا أردت أن تأتي إلى هذه المدينة المروِّعة؟» «لم أتمكَّن من البقاء في المزرعة أكثر من ذلك.» «من المُفزع ما سيئول إليه هذا البلد إذا ترك جميعُ الشباب اليافعون الأقوياء المزارعَ وأتَوا إلى المدن.» «ظننت أنه بإمكاني أن أحصل على عمل في الميناء يا سيدتي، ولكنهم يتخلَّصون من الرجال على أرصفة الميناء. ربما يمكنني أن أعمل بحَّارًا، ولكن لا أحد يريد عديمي الخبرة … لم أتناول شيئًا منذ يومَين.» «كم هذا فظيع … لمَ لم تذهب أيها الرجل المسكين إلى أحد مقار الإرساليات المسيحية أو شيء من هذا القبيل؟» عندما أدخل بود الدفعة الأخيرة، وجد طبقًا من اليخنة الباردة في ركن طاولة المطبخ، ونصف رغيف من الخبز الفاسد، وكوبًا من الحليب الذي كان حامضًا بعض الشيء. أكل على عجل وبالكاد كان يمضغ الطعام، ووضع آخر قطعة من الخبز الفاسد في جيبه. «حسنًا، هل استمتعت بغدائك البسيط؟» «شكرًا يا سيدتي.» أومأ وفمه ممتلئ بالطعام. «إذن، يمكنك الذهاب الآن وشكرًا جزيلًا لك.» وضعت ربع دولار في يده. نظر بود بعينَين طارِفتَين للربع دولار في راحة يده. «ولكنكِ يا سيدتي قلتِ إنكِ ستعطينني دولارًا.» «لم أقل مطلقًا شيئًا كهذا. غير معقول … سأُحضر زوجي إذا لم تخرج من هنا فورًا. في الواقع، أنا أُفكِّر في إبلاغ الشرطة لأن …» وضع بود الربع دولار في جيبه دون أن ينبس ببنت شفة وجرَّ قدمَيه خارجًا. سمع نخير المرأة وهو يغلق الباب خلفه، قائلةً: «يا له من جحود!» كانت التقلُّصات تزداد حدةً في معدته. توجَّه شرقًا مرةً أخرى، وسار على طول المربعات السكنية إلى النهر وقبضتاه ضاغطتان بشدةٍ أسفل أضلعه. توقَّع أن يتقيَّأ في أي لحظة. لن يفيدني في شيء أن أتقيَّأ. عندما وصل إلى نهاية الشارع، استلقى على منحدر نُفايات رمادي بجوار الرصيف. تسرَّبت رائحة جُنجُلات ثخينة كالعصيدة وحلوة من مصنع الجِعَة خلفه المدوي صوته. اشتعل ضوء غروب الشمس في نوافذ المصانع على جانب لونج آيلند، وومض في فتحات إضاءة زوارق القَطر، واستلقى في مساحةٍ شاسعةٍ ملوَّنةٍ باللونَين الأصفر والبرتقالي المتجعِّدَين فوق المياه المتسارعة الخضراء المائلة إلى اللون البني المتوهِّج فوق الأشرعة المنحنية لمركب شراعي كان يكتسح المد ببطء داخلًا إلى مضيق هيل جيت. خفَّت حدة الألم بداخله. اشتعل شيء وتوهَّج عبر جسده كتسرُّب ضوء غروب الشمس. جلس. شكرًا للرب، لن أتقيَّأ. ••• الطقس رطب وقارس البرودة على متن السفينة ساعة الفجر. عندما تضع يدك على سور السفينة تجده مُبلَّلًا. كانت رائحة مياه الميناء البنية كرائحة أحواض الغسيل، وكانت تُحفحف بلُطف ضاربةً جوانب الباخرة. يفتح البحارة مخبأ السفينة. تُسمع صلصلة سلاسل وجلَبة من رافعة محرِّك البخار حيث يجلس رجل طويل يرتدي رداء عمل سروالي أزرق عند ذراع تحريك، وسط غيمة من الغبار تحيط بوجهه كما لو كان يُحيطه بمنشفة مُبلَّلة. «هل نحن حقًّا في الرابع من يوليو يا أمي؟» أمسكت يد الأم بيده جيدًا وسحبته نزولًا على الدرج إلى قاعة الطعام. كان المضيفون يُكدِّسون الأمتعة عند أرضية الدرَج. «هل نحن حقًّا في الرابع من يوليو يا أمي؟» «نعم يا عزيزي، للأسف إنه كذلك … أيام الإجازات هي وقت سيئ للوصول فيه. لا أزال أظن أنهم سيكونون جميعًا بالأسفل للقائنا.» كانت ترتدي رداءها الصوفي الأزرق، وغطاء رأس بنيًّا طويلًا ومجرجرًا، والحيوان البني الصغير ذا العينَين الحمراوَين والأسنان التي هي أسنان حقيقية حول عنقها. تفوح منه رائحة كرات العُثَّة، وتفوح أيضًا رائحةُ خزانات الملابس المنثور بها المناديل الورقية. الجو حار في قاعة الطعام، حيث تصدر المحركات هديرًا هادئًا خلف حاجز السفينة. يومئ رأسه فوق كوب الحليب الساخن الملوَّن بالكاد بالقهوة. تُسمَع جلجلة ثلاثة أجراس. يطقطق رأسه لأعلى مجفلًا. تُطنطن الأطباق وتُسكب القهوة مع اهتزاز السفينة. ثم صوت ارتطامٍ وصلصلة سلاسل المرساة ثم هدوء تدريجي. نهضت الأم لتنظر عبر فتحة الإضاءة. «حسنًا، سيكون يومًا جيدًا في النهاية. أظن أن الشمس ستتوهَّج عبر الضباب … فكِّر في الأمر يا عزيزي، سنصل إلى الوطن أخيرًا. هنا وُلدت يا عزيزي.» «وهذا هو الرابع من يوليو.» «أسوأ حظ … حسنًا يا جيمي، يجب أن تعدني أن تبقى على ممشى السفينة وأن تكون حذرًا. فلم تنتهِ أمك من حزم أمتعتها. عدني أنك لن تفعل شيئًا سيئًا.» «أعدك بذلك.» مدَّ أصابع قدمَيه على العتبة النحاسية لباب غرفة التدخين وتمدَّد على سطح السفينة، ثم استيقظ فاركًا ركبته العارية تمامًا في الوقت الذي يمكنه فيه بالضبط رؤية الشمس تخترق السُّحب القاتمة وتُرشرش دفقًا أحمر من السطوع على صفحة الماء الأسمنتية اللون. كان لبيللي نمش على أذنَيه كهؤلاء الذين يدعمون روزفلت وليس باركر كأمهم، وكان يلوِّح بعلم حريري في حجم منديل للرجال في زوارق القَطر الصفراء والبيضاء. سأل عن الشمس كما لو كان يملكها، قائلًا: «هل رأيت الشمس تُشرق؟» يقول جيمس وهو يبتعد بعد أن ألقى نظرةً متراخية على العَلَم الحريري: «بالتأكيد رأيتها من فتحة الإضاءة.» ثمة أرض قريبة على الجهة الأخرى، أقرب لضفة خضراء ذات أشجار ومنازل بيضاء شاسعة ذات أسطح رمادية. يسأل الرجل الذي يرتدي التويد وذو الشارب المتدلي: «حسنًا يا صغيري، ما شعورك بالرجوع إلى الوطن؟» «هل نيويورك من هنا؟» أشار جيمي فوق الماء الراكد الذي يُحد بضوء الشمس. «نعم بالتأكيد يا صغيري، خلف ضفة الضباب هناك تقع مانهاتن.» «رجاءً يا سيدي، ما ذلك؟» «تلك هي نيويورك … كما تعلم فنيويورك تقع على جزيرة مانهاتن.» «هل هي فعلًا على جزيرة؟» «حسنًا، ما رأيك في ولد لا يعلم أن مدينته تقع على جزيرة؟» تلمع أسنان الرجل ذي التويد الذهبي عندما يضحك بملء فمه. يتمشَّى جيمي في أنحاء السفينة، راكلًا عقبَيه وتعتمل المشاعر في داخله، تقع نيويورك على جزيرة. تقول السيدة من الجنوب: «تبدو سعيدًا بالذهاب إلى الوطن أيها الولد الصغير.» «أوه، أنا كذلك بالفعل، بوسعي النزول وتقبيل الأرض.» «حسنًا، ذلك شعور وطني جميل … أنا سعيدة لسماعك تقول ذلك.» يثور جيمي ويجول. ويُردِّد في رأسه كالمُواء: سأُقبِّل الأرض، سأُقبِّل الأرض. ويدور على سطح السفينة. «ذلك القارب ذو العلم الأصفر هو قارب العزل.» يتحدَّث رجل بدين يرتدي خواتم في أصابعه — وهو يهودي — إلى الرجل ذي التويد. «حسنًا، يستأنف القارب السير … كان ذلك سريعًا، أليس كذلك؟» «سنصل بحلول وقت الإفطار، إفطار أمريكي، إفطار منزلي جيد قديم.» ظهرت الأم على سطح السفينة يُرفرف غطاء رأسها البني. «ها هو معطفك يا جيمي، عليك أن تحمله.» «هل يمكنني أن أُخرج ذلك العَلَم يا أمي؟» «أي عَلَم؟» «عَلَم أمريكا الحريري.» «لا يا عزيزي، نضعه جانبًا.» «أرجوكِ، أريد هذا العلم لأننا في الرابع من يوليو وهكذا.» «لا تعوِ يا جيمي. عندما تقول أمك لا فهذا يعني لا.» تلسعه الدموع؛ فيتجرَّع غُصةً في حلقه وينظر لأعلى إليها. «جيمي، لقد وضعناه جانبًا في حزام الشالات وأنا متعبة جدًّا من جَلَبة تلك الحقائب اللعينة.» «لكن بيللي جون يمسك واحدًا.» «انظر يا عزيزي، هناك أشياء تفوتك … ها هو هناك تمثال الحرية.» تقف امرأة خضراء طويلة ترتدي معطفًا على جزيرة رافعةً يدها. «ما ذلك الذي في يدها؟» «تلك شعلة يا عزيزي … فالحرية تُنوِّر العالم … وهناك جزيرة جوفرنرز على الجهة الأخرى. هناك حيث الأشجار … وانظر، ذلك هو جسر بروكلين … إنه منظر جميل. وانظر إلى جميع أحواض السفن … تلك هي باتري بارك … والصواري والسفن … وها هي قمة كنيسة ترينيتي ومبنى بوليتزر.» … يُصفِّر خُوَار القارب البخاري، والعبَّارات حمراء ومؤكسدة كالبط الذي يُزبد الماء الأبيض، وتُدفع قافلة كاملة من السيارات على صندل يدفعه زورق قَطر داخله، ما يخرج عنه نفثات بخار كالقطن متساوية الحجم جميعها. يدا جيمي باردتان ويئز من داخله. «يجب ألَّا تتحمَّس أكثر من اللازم يا عزيزي. انزل وانظر إذا ما كانت أمك قد تركت أي شيء في مقصورتنا الخاصة.» شريط من الماء تعلوه الشظايا، وصناديق البقالة، وقشر البرتقال، وأوراق الملفوف يضيق أكثر فأكثر بين القارب والحوض. تلمع فرقة للآلات النحاسية في ضوء الشمس، حيث قبعاتهم البيضاء ووجوههم الحمراء المتعرِّقة، عازفين أغنية «يانكي دودل». «هذا للسفير، ذلك الرجل الطويل الذي لا يغادر مقصورته مطلقًا.» انزل المعبر المائل، وانتبه ألَّا تزل. «ذهب يانكي دودل إلى المدينة» … وجه أسود لامع، وعينان مكحَّلتان برَّاقتان، وأسنان مصقولة بيضاء. «أجل سيدتي، أجل سيدتي» … «يغرز ريشةً في قبعته، ويسمِّيها طرازًا ماكارونيًّا» … «نتمتَّع بحرية التنقل في الميناء.» يُظهر ضابط يرتدي زيًّا أزرق رأسًا أصلع منحنيًا لأسفل … «تومتي بوم بوم بوم بوم … كعك وسكاكر» … «ها هي الخالة إيميلي والجميع … كم لطيف أنكِ أتيتِ يا عزيزتي!» «أنا هنا منذ الساعة السادسة يا عزيزتي!» «يا إلهي، كم كَبِر!» الفساتين الخفيفة، ولمعة دبابيس الزينة، والوجوه التي حُشرت في وجه جيمي، ورائحة الورود وسيجار زوج الخالة. «يا له من رجل صغير بحق! تعالَ يا سيدي، دعني أنظر إليك.» «وداعًا إذن يا سيدة هيرف. إن جئت يومًا في طريقنا … جيمي، لم أرَك تُقبِّل الأرض أيها الشاب.» «أوه، إنه مَرِح جدًّا، ناضج للغاية … يا له من طفل ناضج!» سيارة الأجرة رائحتها عفنة، وتنطلق مدمدِمةً ومترنِّحةً في جادة واسعة يحوم فيها الغبار، عبر شوارع من الطوب كريهة الرائحة ومليئة بالأطفال المتسخين الصارخين، وفي أثناء كل ذلك يُصدر صندوق السيارة صريرًا. «أمي حبيبتي، لا تظنين أنها ستنقلب، أليس كذلك؟» تضحك مميلةً رأسها إلى أحد جوانبه، وتقول: «لا يا عزيزي.» وجنتاها ورديتان وعيناها تتلألآن تحت غطاء رأسها البني. «أوه يا أمي.» يقف ويقبِّلها على ذقنها. «يا لهم من أناسٍ كثيرين يا أمي!» «ذلك لأننا في الرابع من يوليو.» «ماذا يفعل ذلك الرجل؟» «لقد كان يشرب يا عزيزي للأسف.» من منصةٍ صغيرةٍ ملفوفةٍ بالأعلام، يُلقي خطابًا رجلٌ ذو شارب أبيض وحمالات حمراء صغيرة فوق قميصه الذي لا يرتدي أي شيء فوقه. «إنه خطيب الرابع من يوليو … إنه يقرأ إعلان الاستقلال.» «لمَ؟» «لأننا في الرابع من يوليو.» بووم! … تلك مفرقعة مدفعية. «ربما أخاف ذلك الولد اللعين الحصان … الرابع من يوليو يا عزيزي هو اليوم الذي وُقِّع فيه إعلان الاستقلال في عام ١٧٧٦ في أثناء حرب الاستقلال. لقد قُتل جدي الأكبر هارلاند في تلك الحرب.» يُصلصِل فوق الرءوس قطار صغير مرح ذو محرِّك أخضر. «تلك هي السكة الحديدية المرتفعة … وانظر هذا هو شارع ٢٣ … ومبنى فلاتيرون.» انعطفت سيارة الأجرة بحِدة إلى ميدان يغمره ضوء الشمس، وتفوح منه رائحة الأسفلت والحشود، وتوقَّفت أمام باب طويل حيث يركض للأمام رجال ملوَّنون بأزرار نحاسية. «وها نحن عند فندق الجادة الخامسة.» يُباع الآيس كريم في متجر العم جيف، وهو ذو مذاق خوخي حلو وبارد في سقف الفم. من العجيب أنك بعد مغادرة السفينة لا يزال بإمكانك الشعور بحركتها. تذوب قطع الغسق الزرقاء في شوارع شمال المدينة المربعة. تفيض الصواريخ برَّاقةً في الغسق الأزرق، وتتساقط الكرات الملونة، وألعاب بنجال النارية، ويضيف زوج الخالة جيف دولاب نار على الشجرة خارج باب المنزل ويوقده بسيجاره. أما الشموع الرومانية، فعليك حملها. «انتبه وأدِر وجهك أيها الصبي.» ارتطام ساخن ودمدمة في يديك، وكرات على شكل بيض تتصاعد، حمراء، وصفراء، وخضراء، ورائحة البارود والأوراق الموقَّعة. في الشارع المضطرم الجياش يجلجل جرس، يجلجل أقرب، ويجلجل أسرع. تضرب حوافر الخيول المجلودة الأرض فتقدح شرارات، وتمر سيارة إطفاء مدوية، مستديرةً عند الناصية حمراء، ومصدرةً دخانًا، ونحاسية. «لا بد أن الحريق في برودواي.» تمر بعدها الشاحنة ذات الخطاف والسلم وخيول رئيس الإطفاء السريعة الخطوات. يليها طنطنة سيارة إسعاف. «نال شخص جزاءه.» الصندوق فارغ، يدخل تحت أظافرك مسحوق رملي ونُشارة، وعندما تتحسَّسه تجده فارغًا، كلا بل ما زالت تمر بعض سيارات الإطفاء الخشبية الصغيرة. سيارات إطفاء حقيقية. «يجب تحريكها يا زوج الخالة جيف. أوه، إنها الأفضل يا زوج الخالة جيف.» وضعوا بها المفرقعات وانطلقوا بأزيز سريعًا على أسفلت الشارع الأملس، مدفوعين بأَذناب مشتعلة ذات ريش براقة، تاركة دخانًا خلف بعض سيارات الإطفاء الحقيقية. اندسَّ في السرير في غرفة طويلة ومقبضة، بعينَين ساخنتَين وساقَين يؤلمان. قالت الأم عندما دسَّته في السرير، منحنيةً فوقه بفستان حريري لامع ذي كمَّين متدليَين: «إنها آلام النمو يا عزيزي.» «ما هذه الرُّقعة السوداء الصغيرة على وجهكِ يا أمي؟» ضحكت وأصدرت قلادتُها طنينًا خفيفًا، قائلة: «تلك لتجعلني أبدو أجمل.» استلقى هناك محاطًا بخزانات ملابس طويلة. أتى من الخارج صوت العجلات والزعيق، وصوت فرقة موسيقية من بعيد من حين لآخر. آلمته ساقاه كما لو كانتا ستسقطان عنه، وعندما أغلق عينَيه كان يُسرع عبر ظُلمة تتسع تدريجيًّا على سيارة إطفاء حمراء تقذف بالنيران والشرار والكرات الملونة من ذيلها المُؤزز. ••• اخترقت شمس يوليو الفتحات في الستائر البالية على نوافذ المكتب. جلس جاس ماك نيل في مقعد موريس وعكازاه بين ركبتَيه. كان وجهه أبيض ومنتفخًا من جرَّاء الشهور التي قضاها في المستشفى. كانت نيللي ترتدي قبعةً قشية عليها زهور خشخاش حمراء، وكانت تؤرجح نفسها جيئةً وذهابًا على الكرسي المتحرِّك عند المكتب. «الأفضل أن تأتي وتجلسي بجواري يا نيللي. فذلك المحامي قد لا يعجبه أن يجدكِ تجلسين إلى مكتبه.» جعَّدت أنفها لأعلى ونهضت واقفة. «أؤكِّد لك يا جاس أنك خائف حد الموت.» «كنتِ ستخافين أنتِ أيضًا لو كنتِ قد خضتِ ما خضتُه مع طبيب السكة الحديدية الذي أخذ يطعن فيَّ ويحدق فيَّ كما لو كنت سجينًا، والطبيب اليهودي الذي أحضره المحامي وقال لي إنني أصبحت معاقًا تمامًا. يا إلهي، أنا متعب للغاية. ولكني أظن أنه كان يكذب.» «افعل ما قلته لك يا جاس. أبقِ فمك مغلقًا واترك الرجال الآخرين يتحدَّثون.» «بالتأكيد لن أنبس ببنت شفة.» وقفت نيللي خلف كرسيه وبدأت تدلِّك شعره المجعَّد للخلف بعيدًا عن جبهته. «سيكون من الرائع العودة للمنزل يا نيللي، حيث أطباقك الشهية وما شابه.» وضع ذراعه حول خصرها وجذبها إليه. «ربما لن يتعيَّن عليَّ أن أطهو أو أن أقوم بأي من تلك الأعمال فيما بعد.» «أظن أنني لا يعجبني الأمر … يا إلهي، لا أدري كيف سنعيش إن لم نحصل على ذلك المال.» «أوه، سيساعدنا أبي كما كان يفعل.» «أرجو من الرب ألَّا أظل مريضًا طوال حياتي.» دخل جورج بالدوين صافعًا الباب الزجاجي خلفه. وقف ناظرًا إلى الرجل وزوجته لبرهة ويداه في جيبَيه. ثم قال بابتسامة هادئة: «حسنًا، لقد أُنجز الأمر يا سادة. بمجرد توقيع التنازل عن أي دعاوى أخرى، سيُسلِّمني محامي السكة الحديدية شيكًا بقيمة ١٢٥٠٠ دولار أمريكي. ذلك هو ما اتفقنا عليه أخيرًا.» قال جاس لاهثًا: «١٢ ألف دولار أمريكي. ١٢٥٠٠. انتظر قليلًا … أمسك بعكازيَّ حتى أخرج وأُدهس مرةً أخرى … انتظر حتى أُخبر ماك جلليكادي بالأمر. سيُلقي الهَرِم بنفسه أمام قطار» … تماسك جاس، وأردف: «حسنًا يا سيد بالدوين إنك رجل عظيم … أليس كذلك يا نيللي؟» «هو كذلك بالتأكيد.» حاول بالدوين أن يمنع نفسه من النظر في عينَيها مباشرة. كانت تسري في جسده دفقات من الاهتياج، ممَّا أصاب ساقَيه بالوَهَن والارتجاف. قال جاس: «سأُخبرك بما سنفعله. أقترح أن نأخذ جميعًا عربة أجرة بحصان إلى ماك جلليكادي الهَرِم، وأن نتناول شرابًا في الحانة الخاصة … على حسابي. إنني بحاجةٍ لبعض الشراب ليُبهجني. هيا يا نيللي.» قال بالدوين: «ليتني أستطيع، ولكني للأسف لا يمكنني ذلك. فأنا مشغول للغاية هذه الأيام. ولكن أعطني توقيعك فحسب قبل أن تذهب، وسأُحضر لك الشيك غدًا … وقِّع هنا … وهنا.» استند ماك نيل فوق المكتب وكان ينحني فوق الأوراق. شعر بالدوين أن نيللي كانت تحاول أن تعطيه إشارة. أبقى نظره منخفضًا. بعد أن غادرا، لاحظ محفظتها، محفظة صغيرة من الجلد بها زهرة بانسي مصهورة على ظهرها، على ركن المكتب. سمع نقرًا على الباب الزجاجي. ففتح. قالت بتلهُّف وصوت منخفض: «لمَ لم تنظر إليَّ؟» «كيف يمكنني ذلك وهو هنا؟» أعطاها المحفظة. وضعت ذراعَيها حول عنقه ولثمت فمه بشدة. «ماذا سنفعل؟ هل آتي بعد ظهيرة اليوم؟ سيسكر جاس حتى يمرض مجدَّدًا الآن وقد خرج من المستشفى.» «لا يا نيللي لا أستطيع … إنه العمل … العمل … إنني مشغول في كل دقيقة.» «أوه أجل أنت كذلك … حسنًا، فلتفعل ما شئت.» صفقت الباب. جلس بالدوين إلى المكتب وهو يعض أنامله دون أن يرى كومة الأوراق التي كان يحدِّق إليها. نهض واقفًا وقال بصوتٍ عالٍ: «يجب أن أنهي الأمر.» مشى جيئةً وذهابًا في أرجاء المكتب الضيق ناظرًا إلى أرفف كتب القانون والرزنامة التي تحوي صورة فتاة من لوحات جيبسون فوق الهاتف ومربع ضوء الشمس المليء بالغبار بجوار النافذة. نظر إلى ساعة يده. إنه وقت الغداء. مرَّر راحة يده على جبهته وتوجَّه إلى الهاتف. «ريكتور ١٢٣٧ … هل السيد ساندبورن هنا؟ … ما رأيك يا فيل أن آتي وأصطحبك لتناول الغداء؟ هل تريد الذهاب الآن؟ … بالتأكيد … لقد سوَّيتها يا فيل، حصلت لبائع الحليب على تعويضه. أنا في غاية السعادة. وبِناءً عليه سأُرتِّب لك غداءً لائقًا … وداعًا حتى نلتقي …» ترك الهاتف مبتسمًا، وأخذ قُبَّعته من فوق شماعتها، ووضعها بعناية على رأسه أمام المرآة الصغيرة فوق الشماعة، وأسرع نازلًا الدرج. في آخر مجموعة من درجات السلم، قابل السيد إيميري صاحب شركة إيميري آند إيميري الكائن مكتبها في الدور الأول. «حسنًا يا سيد بالدوين، كيف الحال؟» كان السيد إيميري صاحب شركة إيميري آند إيميري رجلًا ذا وجه مسطَّح، وشعر وحاجبَين أشيبَين، وفك مثلَّث الشكل. «جيد جدًّا يا سيدي، جيد جدًّا.» «سمعت أنك تؤدِّي أداءً عظيمًا … أمر ذو صلة بسكة حديد نيويورك سنترال.» «أوه، سوَّيتها أنا وسيمسبري بعيدًا عن أروقة المحاكم.» قال السيد إيميري صاحب شركة إيميري آند إيميري: «هممم.» عندما كانا على وشك أن يتفارقا في الشارع، قال السيد إيميري فجأة: «أتود تناول العشاء معي ومع زوجتي في وقت ما؟» «بالطبع … سأكون مسرورًا.» «أود معرفة شيء من الرفاق الأصغر سنًّا في المهنة التي تفهم فيها … حسنًا، سأُعلِمك … في مساء أحد أيام الأسبوع القادم. ستكون فرصة لنتبادل أطراف الحديث.» صافح بالدوين يده ذات العروق الزرقاء وأسورة كُم مُنَشَّاة لامعة، ورحل في شارع مايدن لين مسرعًا بخطًى رشيقة عبر حشد الظهيرة. في شارع بيرل ستريت، صعد درجًا أسود مرتفعًا تفوح منه رائحة القهوة المحمَّصة، وقرع بابًا ذا زجاج مصنفر. صاح صوت جَهْوري: «ادخل.» تقدَّم لمقابلته رجل أسمر يبدو نحيفًا في قميصه الذي لا يرتدي أي شيء فوقه. «مرحبًا يا جورج، ظننتك لن تأتي أبدًا. إنني أتضوَّر جوعًا.» «سأُرتِّب لك يا فيل أفضل غداء تأكله في حياتك.» «حسنًا، أنتظر ذلك.» ارتدى فيل ساندبورن معطفه، وأفرغ الرماد من غليونه على ركن طاولة الرسم، وصاح في مكتب داخلي مظلم: «سأذهب لتناول الطعام يا سيد سبيكير.» ردَّ صوت كالماعز مرتجف من المكتب الداخلي: «حسنًا، اذهب.» سأل بالدوين وهما يخرجان من الباب: «كيف حال الرجل الهَرِم؟» «سبيكير الهَرِم؟ متوعِّك في آخر رمقه … ولكنه على ذلك الحال لسنوات، تلك الروح المسكينة العجوز. صدقًا يا جورج سأشعر بهوان عظيم إذا حدث أي شيء للهَرِم المسكين سبيكير … إنه الرجل الأمين الوحيد في مدينة نيويورك، وهو رجل ذو رأس حكيم أيضًا.» قال بالدوين: «إنه لم يفعل به شيئًا كبيرًا قط.» «ربما سيفعل … ربما سيفعل … يجب أن ترى خططه للمباني الفولاذية بالكامل. لديه فكرة لبناء ناطحات سحاب المستقبل بالفولاذ والزجاج. وقد كُنَّا نجرِّب مؤخَّرًا البلاط الزجاجي … يا إلهي، ستبهرك بعض خططه … إن له مقولةً عظيمةً عن أحد الأباطرة الرومان الذي قدم إلى روما وقد كانت مبنيةً من الحجارة وتركها وقد بُنيت من الرخام. ويقول إنه وجد نيويورك مبنيةً من الحجارة، وإنه سيتركها وقد بُنيت من الفولاذ … الفولاذ والزجاج. لا بد أن أريك مشروعه لإعادة بناء المدينة. إنه كالحلم.» جلسا على مقعد موسَّد في ركن المطعم الذي كانت تفوح فيه رائحة شرائح اللحم والشواء. مدَّد ساندبورن ساقَيه أسفل الطاولة. قال: «يا للروعة، هذه رفاهية.» قال بالدوين من خلف قائمة الطعام: «دعنا نشرب كوكتيلًا يا فيل. اسمع مني يا فيل، إن السنوات الخمس الأوائل هي الأصعب.» «لا حاجة للقلق يا جورج؛ فأنت من النوع المنافس … أما أنا فهَرِمٌ بليد.» «لا أعلم لماذا، يمكنك دائمًا الحصول على وظيفة كمصمم.» «أعتقد أن ذلك مستقبل جيد، أن أقضي حياتي في ركن طاولة الرسم وبطني مندس بها … عجبًا يا رجل!» «حسنًا، قد تصبح شركة سبيكير وساندبورن مشهورةً يومًا ما.» «سيتنقَّل الناس بآلات طائرة في ذلك الوقت وسنكون أنا وأنت مستلقين في قبورنا.» «فلنشرب نخب الحظ على أي حال.» «نخب صحتك يا جورج.» تجرَّعا المارتيني وشرعا في تناول المحار. «أتساءل أصحيح أن المحار يتحوَّل إلى جلد في المعدة عندما نشرب معه الكحول.» «لا علم لي … بالمناسبة يا فيل، كيف حالك مع كاتبة الآلة الكاتبة الشابة التي كنت تواعدها؟» «لقد أنفقتُ الكثير في الطعام والشراب والمسارح على تلك الفتاة الصغيرة … إنها ترهقني … صدقًا تفعل ذلك. إنك رجل حصيف يا جورج لبقائك بعيدًا عن النساء.» قال بالدوين ببطء وبصق نواة زيتونة في قبضته المغلقة: «ربما.» ••• كان أول ما سمعاه الصافرة المرتجفة التي أتت من العربة الصغيرة عند الرصيف أمام مدخل العبَّارة. انفصل صبي صغير عن مجموعةٍ من المهاجرين اصطفَّت في مبنى محطة العبَّارات وانطلق إلى العربة الصغيرة. صاح وهو عائد يركض: «بالتأكيد إنها كمحرِّك بخاري ومليئة بالفول السوداني.» «ابقَ هنا يا بادريك.» أردف تيم هالوران الذي قد أتى لملاقاتهما: «وها هي محطة القطارات السريعة، ساوث فيري. شمالًا في هذا الاتجاه مُتنزَّها باتري وبولينج جرين، وشارع وول ستريت، والمنطقة المالية … تقدَّم يا بادريك، عمك تيموثي سيصطحبك إلى خط الجادة التاسعة.» لم يتبقَّ سوى ثلاثة أشخاص عند منزل العبَّارات: امرأة عجوز ذات منديل أزرق على رأسها، وامرأة شابة تضع شالًا باللون الأحمر الأرجواني، وكانتا تجلسان على كلا طرفَي صندوق كبير محزوم بالحبال ومرصَّع بمسامير نحاسية، ورجل هَرِم بشعرِ ذقن قصير وضارب إلى الاخضرار ووجه ذي خطوط والتواءات كجذر شجرة بلوط ميتة. كانت السيدة العجوز تتأوَّه بعينَين دامعتَين، وتقول بالإيطالية: «أين نحن ذاهبون يا سيدتنا العذراء، يا سيدتنا العذراء؟» كانت المرأة الشابة تفتح خطابًا ناظرةً بعينَين طارِفتَين إلى الكتابة المزخرفة. انتقلت فجأةً للرجل الهَرِم، تعطيه الخطاب وتقول بالإيطالية: «لا أستطيع القراءة.» أخذ يعتصر يدَيه، مُطوِّحًا رأسه، قائلًا مرارًا وتكرارًا شيئًا لم تتمكَّن من فهمه. هزَّت كتفَيها وابتسمت ورجعت إلى الصندوق. كان هناك رجل صقليٌّ ذو سوالف شعر طويلة يتحدَّث إلى المرأة العجوز. أمسك بالصندوق من حبله وسحبه جانبًا إلى عربة نابضية ذات حصان أبيض وقف في الجهة الأخرى من الشارع. تبعت المرأتان الصندوق. مدَّ الصقليُّ يده للمرأة الشابة. وكانت المرأة العجوز لا تزال تُغمغم وتتأوَّه رافعةً نفسها بألمٍ على ظهر العربة. عندما انحنى الصقلي ليقرأ الخطاب، دفع الشابة بكتفه. فتيبَّست مكانها. قال: «حسنًا.» ثم عندما هزَّ اللجامَ على ظهر الحصان، التفت تجاه المرأة العجوز وصاح قائلًا بمزيج من الإيطالية والإنجليزية: «الساعة الخامسة … حسنًا.»
|
{
"chapter": "دولارات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/1.3/"
}
|
يُسوِّي الغسق بلطف الشوارع المتعرِّجة. ويضغط الظلام بإحكام المدينة الأسفلتية التي تفوح بالأدخنة، ويجوس خلال الحليات الشبكية للنوافذ، واللافتات الكتابية، والمداخن، وخزانات المياه، ومنافذ التهوية، وسلالم الطوارئ، وزخارف الأسقف، وأنماط البناء، والتمويجات، والعيون، والأيدي، وربطات العنق، مُحوِّلًا كل ذلك إلى شقفات زرقاء، إلى كتل سوداء ضخمة. تحت وقع الضغط المتزايد لدحرجة المدحلة، تومض النوافذ بالضوء. ويعتصر الليل المصابيح القوسية لتُشع ضوءًا صافيًا كصفاء الحليب، ويدك كتلها الكئيبة حتى تقطِّر بالأحمر، والأصفر، والأخضر، في شوارع تطن بوقع الأقدام. كل ما على الأسفلت ينضح بالضوء. فينبثق الضوء من الكلمات فوق الأسقف، ويخفق مُتخبِّطًا بين إطارات العربات، ويُلطِّخ الأُفق الضخم المتماوج. كانت ثمة مدحلة بخارية تقعقع ذهابًا وإيابًا فوق سطح الطريق المقطرن لتوه عند بوابة المقبرة. فاحت منها رائحة شحم محترق، وبخار، وطلاء ساخن. مشى جيمي هيرف الهوينى بمحاذاة حافة الطريق؛ حيث شعر بالحجارة حادةً أسفل قدمَيه عبر نعل حذائه المتآكل. مرَّ بعُمالٍ داكني الأعناق، وواصل المشي على الطريق الجديد حيث اخترقت فتحتَي أنفه نفحةٌ من رائحة الثوم والعرق المنبعثة منهم. توقَّف بعد ١٠٠ ياردة فوق طريق الضاحية الرمادي، الذي يبدو وكأنه مربوط بإحكام من كلا جانبَيه بأعمدة البرق وأسلاكه، وفوق المنازل الرمادية الشبيهة بالصناديق الورقية والرقع المتعرِّجة بشواهد القبور، كانت السماء بلون بيض طير أبو الحناء. شعر كما لو أن ديدان ربيع صغيرة تتلوَّى في عروقه. خلع ربطة عنقه السوداء ووضعها في جيبه. ودقَّ لحن بجنون في رأسه: ثمة توهُّج للشمس، وآخر للقمر، وآخر للنجوم، ولكل نجم توهُّج يختلف عن الآخر. كذلك الأمر في بعث الموتى … واصل السير مسرعًا وهو يطرطش في برك مليئة بانعكاسات السماء، محاوِلًا أن ينفض عن أذنَيه الكلمات المطنطِنة المنصبَّة صبًّا فيهما، وأن يتخلَّص من ملمس نسيج الكريب الأسود، وأن ينسى رائحة الزنابق. أسرع الخطى. ارتفع الطريق بتَل. وكان ثمة غدير ماء برَّاق في المجرى، ينساب عبر رُقع العُشب والهِندِباء. قلَّت البيوت، وعلى جوانب الحظائر كلمات مكشوطة: «مجمع خَضراوات ليديا بنكهام، جِعَة بدويايزر، دجاج أحمر، كلاب نابحة …»، وقد أُصيبت أمي بسكتة دماغية ودُفنت. لم يستطع أن يتذكَّر شكلها، لقد ماتت وانتهى الأمر. من عمود السياج، سمع الصافرة الرقراقة لعصفور دوري مُغرِّد. طار أمامه العصفور الصغير الشاحب وجثم فوق أحد أسلاك البرق وغنَّى، وطار أمامه إلى حافة مرجل مهجور وغنَّى، وطار أمامه وغنَّى. كانت السماء تستحيل إلى لون أزرق أكثر دُكنة، ممتلئةً بسُحب كعرق اللؤلؤ المتقشِّر. شعر لمرةٍ أخيرةٍ بهفهفة الحرير بجواره، وبيد في كُم متحرك مزركش بالدانتيل تُحيط برفقٍ بيده. شعر بنفسه كطفل مستلقٍ في مهده وقدماه مسحوبتان لأعلى وباردتان تحت وطأة الخوف من الظلال الرابضة المتشعِّبة، وتُسرع الظلال لتذوب في الأركان بينما تنحني هي فوقه بالتجعُّدات حول جبهتها، وبكمَّيها الحريريَّين المنفوخَين، وبرُقعة سوداء صغيرة في جانب فمها الذي قبَّل فمه. أسرع الخطى. تدفَّق الدم ساخنًا، وفي تتابع مستمر داخل عروقه. كانت السُّحب المتقشِّرة تذوب متحوِّلةً إلى رغوة وردية اللون. سمع وقع أقدامه على حصى الرصيف المتآكل. ومض ضوء الشمس في تقاطع طرق على براعم شُجيرات الزان المدبَّبة الدَّبِقة. كانت هناك في الجهة المقابلة لافتة مكتوب عليها «يونكيرس». تأرجحت في منتصف الطريق علبة طماطم منبعجة. ركلها بقوة أمامه وواصل السير. ثمة توهُّج للشمس، وآخر للقمر، وآخر للنجوم … واصل السير. ••• «مرحبًا يا إميل!» أومأ إميل دون أن يلتفت برأسه. ركضت الفتاة خلفه وأمسكت بكم معطفه. «أتلك هي الطريقة التي تُعامل بها أصدقاءك القدامى؟ الآن وقد رافقت ملكة بقالة …» انتزع إميل يده. «أنا في عجلة من أمري فحسب.» «ما رأيك إن ذهبت وأخبرتها كيف تآمرتُ أنا وأنت لنقف أمام النافذة في الجادة الثامنة نتعانق ونتبادل القبلات كي نجعلها تقع في حبك؟» «تلك كانت فكرة كونغو.» «حسنًا، ألم تنجح؟» «بالطبع.» «إذن، ألَا تدين لي بشيء؟» «إنكِ فتاة لطيفة للغاية يا ماي. ليلة إجازتي في الأسبوع القادم يوم الأربعاء … سآتي وآخذك لمشاهدة أحد العروض … كيف حال العمل؟» «أسوأ من الجحيم … أحاول أن أعمل راقصةً في نادي كامبس … فهناك يمكن الالتقاء برجال معهم الأموال … كفاني من هؤلاء الصبية البحَّارة والقساة من العاملين في الشاطئ … إنني أسعى لأن أكون محترمة.» «هل عرفتِ يا ماي أخبارًا عن كونغو؟» «وصلتني بطاقة بريدية من مكان لعين لم أتمكَّن من قراءة اسمه … أليس من المضحك أن تكتب طلبًا للمال بينما كل ما يصلك من رد هو بطاقة بريدية … إنه ذلك الفتى الوحيد الذي يحصل عليَّ في أي ليلةٍ يريد … أتعلم ذلك يا صاحب ساقَي الضفدع؟» «وداعًا يا ماي.» دفع فجأةً القلنسوة القشية المشذَّبة بزهور أذن الفأر إلى الوراء على رأسها وقبلها. أنَّت دافعةً تجعيدة شعر صفراء للخلف أسفل قبعتها، قائلة: «كُف عن هذا يا صاحب ساقَي الضفدع … الجادة الثامنة ليست مكانًا يصلح أن تُقبل فيه فتاة. كان بإمكاني أن أبلغ عنك الشرطة، وقد فكَّرت في الأمر بالفعل.» غادر إميل. مرَّت به سيارة إطفاء، وعربة ذات خرطوم، وشاحنة ذات خُطاف وسُلم، مهشِّمات للشارع بِدوٍّ مُجلجِل. يتصاعد الدخان من على بُعد ثلاثة مربعات سكنية، ويهب لهيب من حين لآخر من سقف أحد المنازل. كان هناك حشد عالق أمام صفوف رجال الشرطة. خلف الظهور وسلاسل القبعات، لمح إميل رجال الإطفاء على سقف المنزل المجاور، وكان ثلاثة منهم يرشون في صمت تيارات من المياه غامرين بها النوافذ العلوية. لا بد أن الحريق أمام البقالة مباشرة. كان يشق طريقه عبر الحشد فوق الرصيف عندما انفرج الطريق وسطهم فجأة. كان هناك رجلان من الشرطة يسحبان زنجيًّا طقطقت ذراعاه للأمام والخلف ككابلات مكسورة. أتى شرطي ثالث من الخلف يصفع الزنجي أولًا على أحد جانبَيه في رأسه، ثم على الجانب الآخر في بطنه. «إن من أشعل الحريق زنجي.» «لقد ألقَوا القبض على المهووس بإشعال الحرائق.» «إنه من أشعل النار.» «يا إلهي، إنه زنجي حقير الشكل.» انضمَّ الحشد غالقين الفُرجة بينهم. كان إميل واقفًا بجوار مدام ريجو أمام باب متجرها. بالفرنسية: «يجعلني هذا أرتعب يا حبيبي … إنني أخاف بشدة من الحريق.» كان إميل يقف خلفها قليلًا. تسلَّل بإحدى ذراعَيه ببطءٍ حول خصرها وربت على ذراعها بيده الأخرى، قائلًا: «كل شيء على ما يرام. انظري، لم يعُد هناك حريق، لم يعُد هناك سوى الدخان … ولكنك تتمتَّعين بتأمين، أليس كذلك؟» «أوه، أجل، مقابل ١٥ ألفًا.» اعتصر يدها ثم سحب ذراعَيه. بالفرنسية: «تعالَي يا صغيرتي لندخل.» بمجرد دخولهما إلى المتجر، أمسك بكلتا يدَيها السمينتَين. «متى سنتزوَّج يا إيرنيستين؟» «الشهر القادم.» «لا يمكنني الانتظار كل ذلك الوقت، هذا مستحيل … لمَ لا نتزوَّج الأربعاء القادم. ومن ثم يمكنني مساعدتك في جرد المخزون … أعتقد أننا قد نستطيع بيع هذا المكان والذهاب شمالًا لجني المزيد من المال.» ربتت على وجنته. قالت بالفرنسية بابتسامة داخلية جوفاء هزَّت كتفَيها وثديَيها الكبيرَين: «إنك طَموح بعض الشيء.» ••• كان عليهما أن يستقلَّا وسيلة نقل أخرى في محطة تحويل مانهاتن. كان إبهام قفاز إلين الجديد قد انشق وظلَّت تفركه بسبابتها. كان جون يرتدي معطف مطر ذا حزام وقبعةً من اللباد رماديةً بمسحة وردية. عندما استدار إليها وابتسم، لم تستطع منع نفسها من إبعاد ناظرَيها عنه والتحديق في الأمطار التي دامت طويلًا تتساقط متلألئةً فوق المسارات. «ها نحن يا عزيزتي إلين. أوه يا ابنة الأمير، ترين أننا سنأخذ القطار الذي يأتي من محطة بنسلفانيا … من المضحك هذا الانتظار في براري نيوجيرسي بهذه الطريقة.» ركبا في الحافلة الرَّدهية. أصدر جون صوت قَوْقَأَة خفيفًا في فمه عندما أحدثت قطرات المطر أشكالًا أشبه بعملات الدايم المعدنية الداكنة على قبعته الباهتة. «حسنًا، نحن في طريقنا يا فتاتي الصغيرة … ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك كعينَي يمامتَين.» كانت حُلة إلين المُفصَّلة حديثًا ضيقةً عند المرفقَين. أرادت أن تشعر بالمرح الشديد وأن تستمع لهمسه المخرخر في أذنَيها، ولكن شيئًا جعل وجهها يلزَم عبوسًا محكمًا؛ فلم يسعها سوى النظر بعيدًا إلى المستنقعات البُنية، وملايين النوافذ السوداء في المصانع، وشوارع المدينة الموحلة، والقارب البخاري الصَّدِئ في إحدى القنوات، والحظائر، ولافتات سجائر بول دورهام، وتماثيل علكة سبيرمنت مستديرة الوجوه، التي تتوازى جميعها وتتقاطع مع التجعُّدات البرَّاقة التي تُحدثها الأمطار على النافذة. استقامت الخطوط المتلألئة على النافذة عندما توقَّف القطار وأخذت في الانحراف أكثر فأكثر مع ازدياد سرعته. دوَّى صوت العجلات في أذنها، مردِّدًا محطة تحويل مانهاتن. محطة تحويل مانهاتن. على كل حال، كانت المسافة لا تزال بعيدةً على أتلانتيك سيتي. عندما نصل إلى أتلانتيك سيتي … «أوه، وكان المطر ٤٠ يومًا» … سوف أشعر بالمرح … «وكان المطر أربعين ليلة» … لا بد أنني سأشعر بالمرح. «إلين تاتشر أوجليثورب، ذلك اسم جميل للغاية، أليس كذلك يا عزيزتي؟ أوه أسندوني بأقراص الزبيب، أنعشوني بالتفاح فإني مريضة حبًّا …» كانت الأجواء تبعث على الارتياح في حافلة رَدْهية فارغة على الكرسي الأخضر المُخملي، حيث مال جون تجاهها يردِّد كلامًا بلا معنًى بينما تمر المستنقعات البنية مسرعةً خلف النافذة المخطَّطة بمياه الأمطار وتفوح رائحة كما لو كان محار قد تسلسل إلى العربة. نظرت إلى وجهه وضحكت. اعترت وجهه حمرة إلى منابت شعره الأشقر المحمر. وضع يده في قفازه الأصفر فوق يدها في قفازها الأبيض. «أنتِ زوجتي الآن يا إلين.» «أنت زوجي الآن يا جون.» ضحكا متبادلَين النظرات وهما يستمتعان بالأجواء المريحة للحافلة الرَّدْهية الفارغة. أنذرت اللافتة «أتلانتيك سيتي» التي ظهرت بالأحرف البيضاء تعلوها قطرات الأمطار بانتهاء الرحلة. أيقظتها حشرجة الريح على إطارات النافذة. كان جون بعيدًا، في الطرف الآخر من السرير الكبير. ومع اندفاع الريح والمطر في النافذة، بدت الغرفة والسرير الكبير وكل شيء كما لو كان يتحرك، يركض إلى الأمام كسفينة هوائية فوق البحر. «أوه، وكان المطر ٤٠ يومًا» … عبر فرجة في العتمة الباردة، قطر اللحن القصير دافئًا كالدم … «وكان المطر ٤٠ ليلة». بحذر مرَّرت يدها في شعر زوجها. جعَّد وجهه وهو نائم وأنَّ قائلًا في صوت صبي صغير جعلها تقهقه: «لا تفعلي.» استلقت مقهقِهةً في الطرف الآخر البعيد للسرير، قهقهت بشدة كما اعتادت مع الفتيات في المدرسة. ضرب المطر النافذة، وعلا صوت الأغنية حتى غدت كما لو أن فرقةً نحاسية تعزفها في أذنَيها: جلس جيمي هيرف أمام زوج الخالة جيف. وأمام كلٍّ منهما طبق أزرق به ريشة لحم، وبطاطس مطهوة في الفرن، وكومة صغيرة من البازلاء، وحفنة من البقدونس. يقول زوج الخالة جيف: «حسنًا، انظر حولك يا جيمي.» يملأ غرفة الطعام التي تكسوها ألواح خشب الجوز ضوء ساطع قادم من الطابق العلوي، ويلمع ملتويًا فوق السكاكين والشوكات الفضية، والأسنان الذهبية، وسلاسل الساعات، ودبابيس الأوشحة، وتبتلعه ظُلمة الجُوخ والتويد، ويلمع في دوائر فوق الألواح المصقولة، والرءوس الصلعاء، وأغطية الأطباق. سأل زوج الخالة جيف وهو يدس إبهامَيه في جيبَي صدريته الزغباء الأديمية اللون: «حسنًا، ما رأيك في المكان؟» قال جيمي: «إنه نادٍ جميل بالطبع.» «أكثر الرجال ثراءً ونجاحًا في البلد يتناولون غداءهم هنا. انظر إلى الطاولة المستديرة في الركن. تلك طاولة جاوسنهايمرز. على اليسار مباشرة.» … يميل زوج الخالة جيف إلى الأمام خافضًا صوته: «الرجل صاحب الفك القوي هو جيه وايلدر لابورت.» يقطِّع جيمي ريشة اللحم أمامه دون أن يُجيب. «حسنًا يا جيمي، ربما تعلم السبب الذي جعلني آتي بك إلى هنا … أُريد التحدُّث إليك. الآن وقد … تُوفيت والدتك، أصبحت أنا وإيميلي الوصيَّين عليك في نظر القانون والمنفذَين لوصية ليلي المسكينة … أُريد أن أشرح لك كيف تسير الأمور.» وضع جيمي سكينه وشوكته وجلس يحدِّق إلى زوج خالته، متشبِّثًا بذراعَي كرسيه بيدَين باردتَين، ومتابعًا حركة اللُّغد الأزرق الثقيل أعلى الدبوس الياقوتي في ربطة العنق الساتان العريضة. «أنت الآن في السادسة عشرة من عمرك، أليس كذلك يا جيمي؟» «بلى يا سيدي.» «حسنًا، إليك ما في الأمر … عندما تُسوَّى أملاك والدتك بالكامل، ستجد نفسك تمتلك ٥٥٠٠ دولار أمريكي تقريبًا. لحسن الحظ أنك ولد ذكي وستُصبح جاهزًا لدخول الكلية مبكِّرًا. الآن، إذا أُدير هذا المبلغ جيدًا، فسيكفي لتلتحق بكلية في كولومبيا؛ حيث إنك تُصر على الذهاب إلى كولومبيا … أنا عن نفسي، وأثق أن خالتك إيميلي تفكِّر بالطريقة نفسها، أفضِّل أن تذهب إلى ييل أو برينستون … أنت فتًى ذو حظ كبير في تقديري. وأنا في مثل عمرك كنت أعمل في كنس أحد المكاتب في فريدريكسبورج وأتحصَّل على ١٥ دولارًا أمريكيًّا في الشهر. حسنًا، ما أردت قوله هو … لم ألحظ أنك شعرت بالمسئولية الكافية فيما يتعلَّق بالأمور المالية … أعني … بالحماس الكافي لكسب العيش، بالنجاح في عالم الرجال. انظر حولك … لقد وصل هؤلاء الرجال إلى ما هم عليه الآن بالتدبير والحماس. ذلك أيضًا ما أوصلني إلى ما أنا عليه، وجعلني في وضع يسمح لي بتوفير منزل مريح لك، وبتوفير تلك الأجواء المتحضِّرة التي أقدِّمها لك … أُدرك أن نشأتك كانت غريبةً بعض الشيء؛ فليلي المسكينة لم تكن لديها الأفكار نفسها تمامًا التي تسنَّت أن تكون لدينا حول العديد من الأمور، ولكن فترة تكوين حياتك الحقيقية قد بدأت. حان الوقت الآن أن تنشط وتضع الأُسس لحياتك المهنية المستقبلية … ما أنصح به هو أن تقتدي بجيمس وتشق طريقك لأعلى بالعمل في الشركة … من الآن فصاعدًا كلاكما ابني … سيتطلَّب ذلك عملًا شاقًّا ولكنه سيؤدي في النهاية إلى انفراجة كبيرة. ولا تنسَ هذا: إذا نجح المرء في نيويورك، فقد نجح حقًّا!» يجلس جيمي مراقبًا فم زوج خالته الواسع الذي يتحدَّث بجديةٍ وهو يصوغ الكلمات، دون أن يشعر بمذاق ريشة لحم الضأن الغض في فمه. «حسنًا، ماذا تنوي أن تفعل؟» مال زوج الخالة جيف تجاهه عبر الطاولة بعينَين رماديتَين بارزتَين. يختنق جيمي من قطعة خبز، فيتورَّد وجهه، ليُتمتم في النهاية بوهَن: «كما تقول يا زوج خالتي جيف.» «أيعني ذلك أنك ستعمل هذا الصيف لمدة شهر في مكتبي؟ وستجرِّب شعور كسب العيش، باعتبارك رجلًا في عالم الرجال، وتتعرَّف على كيفية إدارة الأعمال؟» أومأ جيمي برأسه. يصدح زوج الخالة جيف منحنيًا إلى الخلف في كرسيه فيُرى الضوء عبر تموُّج شعره ذي لون الفولاذ الرمادي: «حسنًا، أظن أنك توصَّلت إلى قرار معقول للغاية. بالمناسبة، ماذا ستأخذ للتحلية؟ … بعد سنوات من الآن يا جيمي، عندما تُصبح رجلًا ناجحًا ولديك عملك الخاص ستتذكَّر حديثنا هذا. إنها بداية حياتك المهنية.» تبتسم موظَّفة الاستقبال المسئولة عن القبعات أسفل كومة شعرها الأشقر المتموِّج المرفوعة في تكبُّر وهي تُعطي جيمي قبعته التي تبدو مدهوسةً وقذرة ومهلهَلة وسط القبعات الكبيرة البطانة من القبعات الدربية، وقبعات الفيدورا، وقبعات بنما المعلَّقة فوق الشمَّاعة. تقلَّبت معدته مع هبوط المصعد. خرج إلى الرَّدهة الرخامية المحتشدة. ولوهلة لا يعلم فيها إلى أين يذهب، يقف مستندًا إلى الجدار ويداه في جيبَيه يشاهد الناس وهم يشقُّون طريقهم عبر الأبواب الدوَّارة بلا انقطاع، والفتيات ذوات الوجنات الناعمة وهي تمضغ العلكة، والفتيات ذوات الغُرر والوجوه البارزة العظام، والفتية ذوي الوجوه الشاحبة في مثل عمره، والقساة من الشباب بقُبَّعاتهم المائلة على جوانب وجوههم، والمراسيل بوجوههم المتصبِّبة عرقًا، والنظرات المتقاطعة، والأوراك السائرة، والألغاد الحمراء الماضغة للسيجار، والوجوه المقعَّرة الشاحبة، والأجسام البدينة للرجال والنساء، وأبدان كبار السن ذوي الكروش، الجميع يندفعون، ويتزاحمون، ويدلفون، مُعبَّئين في صفَّين لا نهائيَّين عبر الأبواب الدوَّارة للخارج إلى برودواي. ينضم جيمي لأحد الصفوف داخلًا وخارجًا من الأبواب الدوَّارة، في الظهيرة والليل والصباح، تسحق الأبواب الدوَّارة سنوات عمره كلحم النقانق. فجأةً ودون سابق إنذار تتيبَّس عضلاته. فليذهب زوج الخالة جيف ومكتبه برمتهما إلى الجحيم. تصدح الكلمات عاليًا بداخله، فينظر إلى جانب ثم إلى الآخر ليرى إذا ما كان أحدٌ قد سمعه وهو يتلفَّظ بها. فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم. يفرد ظهره ويرجع كتفَيه في حزم ويشق طريقه إلى الأبواب الدوَّارة. داس بعقبه على قدم أحد الأشخاص. «تبًّا، فلتنظر على ماذا تخطو.» يخرج إلى الشارع. تهب رياح هادرة على برودواي قاذفة بالحصى في فمه وعينَيه. يسير في اتجاه متنزَّه باتري والرياح في ظهره. في فناء كنيسة ترينيتي، يتناول الكُتَّاب المختزلون وسُعاة المكاتب الشطائر بين المقابر. يتجمَّع الغرباء خارج صفوف السفينة البخارية، من النرويجيين ذوي الشعر الأشقر الأشعث، والسويديين العريضي الوجوه، والبولنديين، ورجال متثاقلين ببشرة داكنة تفوح منهم رائحة الثوم من بلدان البحر الأبيض المتوسط، وصقليين ضخام البنية، وثلاثة صينيين، ومجموعة من بحَّارة الهند وجنوب شرق آسيا. في المثلث الصغير أمام مصلحة الجمارك، استدار جيم هيرف وحدَّق طويلًا إلى الشق العميق لبرودواي، وهو يقف في وجه الرياح مباشرة. فليذهب زوج الخالة جيف ومكتبه برمتهما إلى الجحيم. ••• جلس بود على حافةٍ تحته ومدَّد ذراعَيه وتثاءب. من كل مكان، وعبر رائحة العرق والأنفاس الكريهة، والملابس الرطبة يتصاعد صوت الشخير، صوت رجال مضطربين في نومهم، وصوت صرير زُنبركات التخوت. وبعيدًا عبر الضباب، اتقد ضوء كهربائي منعزل. أغمض بود عينَيه وترك رأسه يسقط على كتفه. يا إلهي، أريد أن أنام. أيها المسيح، أريد أن أنام. ضم ركبتَيه أمام يدَيه المشبكتَين لمنعهما من الارتجاف. يا أبانا الذي في السماء، أريد أن أنام. سمع همسًا هادئًا من التخت المجاور: «ما الأمر يا رفيقي، ألَا تستطيع أن تنام؟» «تبًّا، نعم.» «وأنا كذلك.» نظر بود إلى الرأس الكبير ذي الشعر المجعَّد المعلَّق على الشمَّاعة المواجه له. واصل الصوت بهدوء: «هذا مكان كريه مليء بالحشرات لعين.» «سأخبر الجميع … ومقابل ٤٠ سنتًا! يمكنهم الاحتفاظ بفندق بلازا خاصتهم و…» «هل لك فترة طويلة في المدينة؟» «سأكون قد أتممت ١٠ سنوات بحلول أغسطس.» «يا للهول!» جاء صوت متحشرج من صف التخوت: «كُفا عن المزاح أيها الشابَّان، أين تظنان أنفسَكما، في نزهة يهودية؟» أخفض بود صوته، قائلًا: «هذا مضحك، لقد كنت أتوق طيلة أعوام للمجيء إلى هذه المدينة … لقد وُلدت ونشأت في مزرعة بشمال البلاد.» «لمَ لا ترجع؟» «لا يمكنني الرجوع.» كان بود يشعر بالبرد، وأراد أن يتوقَّف عن الارتجاف. سحب البطانية لأعلى إلى ذقنه واستدار مواجهًا الرجل الذي كان يتحدَّث. «أقول لنفسي في كل ربيع إنني سأُسافر مرةً أخرى، وسأذهب إلى الخارج وأستقر بين الحشائش والعشب والأبقار التي ترجع إلى المنزل في وقت حلبها، ولكني لا أفعل، بل أنتظر فحسب.» «ماذا فعلت في كل هذا الوقت في المدينة؟» «لا أدري … اعتدتُ الجلوس في يونيون سكوير معظم الوقت، ثم أصبحتُ أجلس في ميدان ماديسون. ذهبت كذلك إلى هوبوكين، وجيرسي، وفلاتبوش، والآن أنا متشرِّد في بويري.» «يا إلهي، أُقسم أنني سأغادر هذا المكان غدًا. إنني فَزِع هنا. فهناك الكثير من رجال الشرطة والمحقِّقين في هذه المدينة.» «يمكنك العيش من الصدقات … ولكن خذها نصيحةً مني يا بُني وارجع إلى المزرعة وإلى أهلك عندما تجد فرصةً جيدة لذلك.» قفز بود من التخت وجذب كتف الرجل بقوة. «تعالَ هنا في الضوء، أريد أن أريك شيئًا.» تردَّد صوت بود على نحوٍ غريب في أذنَيه. مشى بخطواتٍ كبيرةٍ بمحاذاة صف التخوت ذي الشخير. نهض المتشرد، الذي كان رجلًا يعرج له شعر ولحية مجعَّدان بيَّضهما الطقس، وعينان كما لو كانتا قد دُقَّتا بمطرقةٍ في رأسه، من أسفل البطانية في كامل ثيابه وتبعه. أسفل الضوء، فك بود أزرار لباسه الداخلي الطويل المكوَّن من قطعة واحدة وسحبه من ذراعَيه وكتفَيه الهزيلَين ذوَي العضلات المليئة بالعُقد. «انظر إلى ظهري.» همس الرجل ممرِّرًا يده المتسخة ذات الأظافر الصفراء فوق كتلة من النُّدوب البيضاء والحمراء المحفورة عميقًا. «لم أرَ شيئًا كهذا من قبل.» «هذا ما فعله بي الرجل الهَرِم. كان يجلدني لمدة ١٢ سنةً عندما يخطر بباله أن يفعل ذلك. اعتاد تعريتي وضربي بسلسلة خفيفة على ظهري. قالوا إنه أبي لكنني أعلم أنه ليس كذلك. هربت عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. كان ذلك عندما أمسك بي وبدأ يجلدني. وأنا الآن في الخامسة والعشرين.» رجعا دون أن ينبسا بحرف إلى تختَيهما واستلقيا. استلقى بود محدِّقًا في السقف وجاذبًا البطانية إلى عينَيه. عندما نظر لأسفل ناحية الباب في نهاية الغرفة، رأى رجلًا يجلس هناك يرتدي قبعةً دربية ويضع سيجارًا في فمه. سحق شفته السفلى بين أسنانه حتى لا يصرخ. عندما أعاد النظر كان الرجل قد رحل. همس: «اسمع، أمَا تزال مستيقظًا؟» أصدر المتشرِّد صوت نخير. «كنت سأُخبرك. لقد دهست رأسه بمعول، دهسته كما تركل يقطينةً فاسدة. قلت له أن يتركني وشأني ولكنه لم يستجب … كان رجلًا متدينًا قاسيًا وأرادني أن أخاف منه. كنا نحصد السُّماق من المرعى القديم لنزرع البطاطس … تركته ممدَّدًا على الأرض حتى الليل ورأسه مدهوس كيقطينة عَطِنة. وقد أخفاه عن الطريق بعض الشجيرات بمحاذاة السياج. ثم دفنته ورجعت إلى المنزل وأعددت لنفسي قدحًا من القهوة. لم يكن يسمح لي قط بتناول القهوة. قبل شروق الشمس، استيقظت وسرت في الشارع. وكنت أقول لنفسي إنه في مدينة كبيرة، سيكون أمر العثور عليَّ كإيجاد إبرة في كومةٍ من القش. كنت أعلم بالمكان الذي كان يحتفظ فيه الرجل الهَرِم بماله؛ فقد كان في لفةٍ في حجم رأسك، ولكني خفت أن آخذ أكثر من ١٠ دولارات أمريكية … ألَا تزال مستيقظًا؟» أصدر المتشرِّد صوت نخير. «كنت في طفولتي أرافق ابنة الرجل الهَرِم من عائلة ساكيت. اعتدت أنا وهي اصطحابَ بعضنا في مخزن ثلج الرجل الهَرِم في غابات ساكيت، واعتدنا الحديث عن الكيفية التي نذهب بها إلى نيويورك ونُصبح أثرياء، والآن أنا هنا ولا يمكنني الحصول على عمل أو التخلُّص من خوفي. هناك محقِّقون يتبعونني في كل مكان، رجال يرتدون قبعات دربيةً ويضعون شارات أسفل معاطفهم. أردت ليلة أمسِ أن أصطحب مُومِسًا، فرأت الخوف في عينَي ورفضت الذهاب معي … كان بإمكانها أن تراه في عيني.» كان يجلس على حافة التخت، مائلًا، ومتحدِّثًا في وجه الرجل الآخر بهمس مُهسهِس. أمسكه المشرَّد فجأةً من معصمَيه. «اسمع يا فتى، سيصيبك الجنون إن ظَلِلت هكذا … هل حصلت على أي نقود؟» أومأ بود. «من الأفضل أن تعطيَها لي كي أحتفظ لك بها. إنني رجل خبير وسأُخرجك من هنا. ارتدِ ملابسك، وسِر في المربع السكني إلى مطعم رخيص وكُل جيدًا. كم معك؟» «باقي فكة دولار.» «أعطني ربع دولار واشترِ كل ما يمكنك الحصول عليه من طعامٍ بالباقي.» ارتدى بود بنطاله وأعطى الرجل ربع الدولار. «ثم ارجع إلى هنا ونم جيدًا، وسنذهب أنا وأنت غدًا شمال البلاد ونأخذ لُفافة الأموال تلك. أقُلت إنها في حجم رأسك؟ ثم سنذهب إلى حيث لا يمكن لأحدٍ الإمساك بنا. سنقتسمها النصف بالنصف. هل توافق؟» صافح بود يده بهزةٍ مُتخشِّبة، ثم سار متثاقلًا وأربطة حذائه تُرفرف حول قدمَيه إلى الباب ونزل الدرج الملطَّخ بالبصاق. توقف القطار، وكانت ثمة رياح باردة تحمل رائحة الأخشاب والعشب تعكِّر الشوارع المغسولة بتموُّجات من الوحل. في المطعم السريع بساحة تشاتام، جلس ثلاثة رجال ناعسين وقبعاتهم فوق أعينهم. كان الرجل خلف الركن يقرأ ورقةً وردية خاصة برياضة ما. انتظر بود طلبه طويلًا. شعر بالهدوء، وبصفاء البال، وبالسعادة. عندما أتى الطعام، تناول خليط اللحم بالذرة المحمَّر الوجه، واستمتع بتروٍّ بكل قضمة، داهسًا قطع البطاطس الهشة بلسانه على أسنانه بين رشَفات من القهوة الكثيرة السكر. بعدما مسح الطبق بكِسرة خبز، أخذ خِلال أسنان وخرج. سار مُسلِّكًا أسنانه عبر المدخل المظلم القذر إلى جسر بروكلين. كان هناك رجل يرتدي قبعةً دربية ويُدخِّن سيجارًا في منتصف النفق الواسع. مرَّ به بود سائرًا في تباهٍ راسخ. لا يعنيني؛ فليتبعني. كان ممر المشاة المقوَّس فارغًا إلا من شرطي وقف متثائبًا وناظرًا لأعلى إلى السماء. كان الأمر أشبه بالسير وسط النجوم. بالأسفل على كلا الاتجاهَين، استدقَّت الشوارع فأصبحت كالصفوف المرقَّطة بالأنوار بين المباني المربعة السوداء النوافذ. تلألأ النهر بالأسفل كمجرة درب التبانة بالأعلى. بهدوء ورِقة، تسلَّلت حُزمة ضوء زورق قَطر عبر الظُّلمة الرطبة. أصدرت سيارة صوتَ أزيز عبر الجسر مصلصِلةً العوارض وجاعلةً خيوط العناكب فوق الكابلات تطن كآلة بانجو تهتز. عندما وصل إلى موضع تشابك عوارض السكة الحديدية المرتفع لجانب جسر بروكلين، رجع للخلف بمحاذاة الممر الجنوبي. لا يهمني أين سأذهب؛ فلا يمكنني الذهاب إلى أي مكان الآن. بدأ جانبٌ من ضوء الليلة الزرقاء يتوهَّج خلفه كما يبدأ الحديد في التوهُّج بالمصهر. خلف المداخن السوداء وصفوف الأسقف، كانت تلمع الخطوط العريضة الوردية الخافتة لمباني وسط المدينة. كانت الظلمة جُلُّها تزداد تلألؤًا ودفئًا. جميعهم مُحقِّقون يطاردونني، جميعهم، الرجال في القُبعات الدربية، والمشرَّدون في شارع بويري، والنساء العجائز في المطابخ، وأصحاب الحانات، وقائدو عربات الترام، وضخام البنية، والمومسات، والبحَّارة، وعُمَّال تحميل السفن، والرجال في وكالات التوظيف … ظن أنني سأُخبره بمكان لُفافة الرجل الهَرِم، ذلك الوغد المقمل … لقد خدعته. لقد خدعت جميع المحقِّقين الملاعين. كان النهر هادئًا، أملس بصفحة مياه أشبه بالفولاذ الأزرق. لا يهمني أين سأذهب؛ فلا يمكنني الذهاب إلى أي مكان الآن. كانت الظلال بين أرصفة الميناء والمباني غباريةً كزهرة الغسيل الزرقاء. هدَبت الصواري النهر؛ فتصاعد الدخان في الضوء أرجوانيًّا، وبُنيًّا كالشوكولاتة، وورديًّا كاللحم. لا يمكنني الذهاب إلى أي مكان الآن. في حُلة ذات ذيل بسلسلة ساعة ذهبية وخاتم منقوش أحمر، ركب العربة ذاهبًا إلى زفافه بجوار ماريا ساكيت، استقلَّ العربة إلى دار البلدية يَجُرها أربعة خيول بيضاء ليُعيِّنه الحاكم عضو مجلس محلي، وأصبح الضوء خلفه أكثر سطوعًا، ركب العربة مرتديًا الساتان والحرير إلى زفافه، ركب كدمية وردية محشوة في عربة بيضاء وماريا ساكيت بجواره، ومرَّا عبر صفوف من رجال يلوِّحون بالسيجار، وينحنون، ويخلعون قُبعاتهم الدربية، ركب بود عضو المجلس المحلي عربةً مليئة بالألماس بجوار عروسه صاحبة المليون دولار … يجلس بود على قضيب الجسر. سطعت الشمس خلف بروكلين. وتوهَّجت نوافذ مانهاتن. يهز نفسه للأمام، وينزلق، ويتدلَّى من إحدى يدَيه والشمس في عينَيه. علقت الصرخة في حلقه وهو يسقط. جلس ماكافوي قبطان زورق القَطر «برودنس» في مقصورة القيادة واضعًا إحدى يدَيه على عجلة القيادة. وفي اليد الأخرى حمل قطعةً من البسكويت كان قد غطَّسها لتوه في كوبٍ من القهوة وضعه فوق الرف بجوار صندوق البوصلة. كان رجلًا حسن الهيئة كثيف شعر الحاجبَين والشارب الأسود المثبَّت الطرفَين. كاد يضع قطعة البسكويت المغطَّسة في القهوة في فمه عندما سقط شيء أسود وارتطم بالماء بطرطشة مكتومة على بُعد بضع يارداتٍ من مقدمة الزورق. في اللحظة ذاتها، صاح رجل مُخرِجًا جسمه من باب غرفة المحرِّك: «قفز رجل لتوه من فوق الجسر.» قال القبطان ماكافوي مسقطًا قطعة البسكويت ومديرًا عجلة القيادة: «اللعنة.» ضرب جَزْر قوي القارب كما لو كان قشة. صلصلت ثلاثة أجراس في غرفة المحرِّك. ركض زنجي أمامًا إلى مقدمة الزورق بعُقافة قوارب. صاح القبطان ماكافوي: «فلتساعدنا هنا يا ريد.» بعد صراع، وضعوا شيئًا واهنًا أسود وطويلًا على سطح الزورق. رنَّ جرس واحد. ثم رنَّ جرسان، وأدار القبطان ماكافوي وهو عابس ومجهد أنف الزورق في اتجاه التيار مرةً أخرى. سأل بصوت أجش: «هل به حياة يا ريد؟» كان وجه الزنجي أخضر، وكانت أسنانه تصطك. قال الرجل ذو الشعر الأحمر ببطء: «لا يا سيدي. من الواضح أن عنقه قد كُسر.» أطبق القبطان ماكافوي شفتَيه على جزء لا يُستهان به من شاربه. وقال ممتعضًا: «اللعنة على ذلك. يا له من حادث يقع للمرء في يوم زفافه!»
|
{
"chapter": "المدحلة البخارية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/1.5/"
}
|
كان رجلًا ضئيل الجرم، لا يزيد طوله عن طولي، ولم أشهد في حياتي عجوزًا أكبر منه سنًّا. لم يكن يرتدي إلا سروالًا باليًا ذا حزام في وسطه، وتحت الحزام سكين كبيرة، كان نحيفًا أيضًا، وفي بعض أجزاء جسمه — تحت إبطَيْه، وحول رقبته وبطنه — كان جلدُ بشرته النحاسية مجعدًا مطويًّا كأنما انكمش جسمه وتقلَّص داخل جلده. وأما الشعرات القليلة في رأسه وذقنه فكانت طويلة ونحيلة وبيضاء. أدركت على الفور أنه ثائر، فذقنه ترتعش، وعيناه اللتان تَدَلَّى جفناهما غاضبتان ترمقانني بنظرات اتهام، وصرخ صرخة حادة في وجهي وهو يقول: «داميدا! داميدا!» كان جسده كله يرتجف من فرط الغضب. وتراجعت وهو يهرول نحوي على الشطِّ، ملوِّحًا بعصاه في انفعال شديد، ويخاطبني بحماس. وعلى الرغم من تقدمه في السن ونحافته الشديدة، كان يتقدم نحوي بسرعة، بل يكاد يجري. وهتف من جديد «داميدا! داميدا!» لم أكن أعرف معنى تلك الكلمة، وربما كانت صينية أو يابانية. كنت أوشك أن أستدير وأجري عندما رأيت ستلا التي امتنعت بغرابة عن أن تنبحه على الإطلاق، تتركني فجأة وتجري متواثبة نحوه. كان شعر رقبتها منتصبًا، لكنها لم تكن تزمجر، ودهشت حين شاهدتها تحييه كأنها تحيي صديقًا قديمًا لم تره من زمن طويل. وحين وقف لم يكن يبعد عني سوى خطوات معدودة، وقفنا نُحَدِّقُ في بعضنا البعض صامتَين لحظات قليلة. كان يتكئُ على عصاه، ويحاول التقاط أنفاسه. ثم سألني: «أمريكاجين؟ أمريكاجين؟ أمريكاجين؟ إيكوكويين؟ بريطاني؟» قلت له: «نعم»، وأحسست بالراحة لأنني فهمت شيئًا ما أخيرًا. وقلت: «إنجليزي، أنا إنجليزي.» وبدا أنه يكافح حتى يُخْرجَ الكلمات من فمه، وهو يقول: «خطأ. النار خطأ. تفهم؟ لا نار.» وبدا أنه أقل غضبًا الآن. «ولكنْ والدتي، والدي، قد يشاهدان النار، يشاهدان الدخان» كان واضحًا أنه لم يفهمني. فأشرت إلى البحر لأشرح له الأمر قائلًا: «هناك! إنهما هناك. سوف يشاهدان النار ويحضران لأخذي.» وعادت لهجته العدوانية على الفور فصرخ قائلًا: «داميدا!» وهو يُلَوِّحُ بعصاه في وجهي. «لا نار!» وظننت لحظة أنه سوف يهاجمني، لكنه لم يفعل، بل بدأ ينبش الرمل بعصاه عند قدميَّ. كان يرسم خطوط شيء ما، ويتفوه بألفاظ غير مفهومة طيلةَ الوقت. وبدا ما رسمه في البداية مثل ثمرة فاكهة من نوع ما، ربما مثل لوزة، أو حبة الفول السوداني. وعندها فهمت، كانت خريطة للجزيرة. وعندما انتهى جلس على ركبتيه بجوار الرسم، وأهال كومتين من الرمال، كومة عند كل طرف، كانتا تمثلان التَّلَّيْن. وبعدها رسم، بدقة شديدة، خطًّا مستقيمًا يقسم الرسم نصفين ويفصل نصف الجزيرة الأصغر عن نصفها الأكبر. وقال: «أنت يا غلام، أنت هنا.» وأشار إلى كهفي في أحد طرفَي الشاطئ. وأضاف «أنت»، وهو يغرس إصبعه في كومة الرمل التي تمثل التلَّ الذي أقيم عنده، ثم بدأ يكتب شيئًا على الخريطة الرملية كلها، لم تكن الحروف حروفًا على الإطلاق، بل كانت رموزًا — شتَّى ألوان العلامات والأهرام والصلبان والخطوط الأفقية والمائلة والخربشة — وكتب ذلك كله في الاتجاه العكسي، في أعمدة، من اليمين إلى الشمال. وجلس على عَجُزه ودق صدره، قائلًا: «كنسوكي. أنا كنسوكي. جزيرتي»، ثم هوى بيده على الرسم بحدة مثل السكين فقسم الجزيرة قسمين، قائلًا: «أنا، كنسوكي، هنا. أنت يا غلام هنا.» ولم يكن لديَّ الآن أدنى شكّ فيما يعنيه. وفجأة وقف من جديد وأشار لي بعصاه أن أبتعد. «اذهب يا غلام. لا نار. داميدا. لا نار. هل تفهم؟» لم أناقشْه، بل مضيتُ في سبيلي فورًا. وعندما جرؤتُ بعد فترة أن ألتفتَ وأنظر، كان لا يزال راكعًا بجانب ما بقي من النار، وهو يهيل المزيد من الرمال عليها. كانت ستلا لا تزال في صحبته. فصفَّرْتُ أستدعيها. وجاءتني، وإن كان ذلك بعد فترة. كان من الواضح أنها ترفض مفارقته. كان سلوكها بالغ الغرابة، فلم تكن ستلا أرتوا تأنس في يوم من الأيام إلى صحبة الغرباء قط! وأحسست أنها خذلتني، بل وأنها خانتني قليلًا. وعندما نظرت إلى الوراء في المرة التالية لم تكن النار تُصْدر أي دخان، فقد انطفأت تمامًا، واختفى الرجل الهَرِمُ من ناظريَّ. ومكثتُ بقية ذلك اليوم في كهفي. كنت، لسبب ما، أشعر بالأمان فيه. وربما كنت بدأت أعتبره بيتي. لم يكن لي بيت سواه. وأحسست بما يحس به اليتيم، مَن تخلَّى الناس عنه فأصبح وحيدًا في الدنيا. كنت أشعر بالخوف، وبالجوع، وبالحيرة الغامرة. وجلست في الكهف أحاول أن أجمع شتات أفكاري. ففي حدود ما أعرف — وإن لم أكن واثقًا من صحة ذلك — لم يكن في هذه الجزيرة سوى اثنين، العجوز وأنا. وفي هذه الحالة، يقول المنطق إنه لا أحد سواه قد ترك لي السمك والموز والماء. ولا بد أن يكون ذلك بادرة عطف، دليلًا على الصداقة، أو على الترحيب؟ ومع ذلك، فإن هذا الرجل نفسه قد نفاني الآن إلى طرف من طرَفَي الجزيرة كأنني مجذُوم، وبيَّن لي بوضوح وجلاء أنه لا يرغب في أن نلتقي مرة أخرى. هل ينحصر السبب في أنني استوقدتُ نارًا؟ كل ذلك يجافي المنطق تمامًا، إلا إذا كان الرجل مخبولًا فقد عقله تمامًا. وجعلت أتأمل وأتملَّى موقفي طويلًا. لقد ألقت بي السفينة وحدي على جزيرة في مجاهل الدنيا، وربما كان رفيقي فيها مجنونًا، إلى جانب حشد من القرود التي تعوي (ومن بينها سعلاة واحدة على الأقل) — والله أعلم بما تُخَبِّئُه الغابةُ وتخفيه عني أيضًا — وملايين البعوض التي تلتهمني حيًّا كلَّ ليلة، كنت واثقًا من شيء واحد: يجب عليَّ أن أهرب، ولكن كيف؟ كيف يمكنني أن أخرج من هذه الجزيرة إلا إذا استطعت أن أجعل إحدى السفن العابرة تنتبه لوجودي؟ البديل أن أبقى هنا لآخر عمري. وهو ما لا أحتمل التفكير فيه. وتساءلت في نفسي عن الزمن الذي قضاه ذلك الرجل في الجزيرة، وعما أتى به إليها أول الأمر. تُرى مَن هو؟ وبأية سلطة يمنح نفسه الحقَّ في أن يأمرني وينهاني؟ ولماذا أطفأ النار التي أوقدتُها؟ وتكوَّرتُ في كهفي، وأغمضتُ عينيَّ، وتمنيتُ لو عُدْتُ وحَسْب إلى الوطن، أو إلى السفينة بيجي سو مع أمي وأبي. وكادت هذه الأحلام الرائعة أن تأتيني بالنوم، ولكن البعوض والعواء الصادر من الغابة سرعان ما عادَا بي إلى الوعي، حتى أواجه من جديد كلَّ العواقب الرهيبة لما أنا فيه من محنة مُزْرية. وخطر لي فجأة أنني سبق لي أن شاهدت وجه الرجل العجوز في مكان ما. ولم أعرف كيف يكون ذلك، وبينما كنت راقدًا أُقلِّبُ هذا الأمر على وجوهه، أحسست بقطعة الزجاج في جيبي تضغط على فخذي، واستبشرت فجأة. كانت زجاجة إشعال النار لا تزال معي، لسوف أوقد النار من جديد، ولكن هذه المرة في مكان لا يستطيع اكتشافه. لسوف أنتظر مَقْدم سفينة، ولسوف أنجح في البقاء على قيد الحياة حتى ذلك الحين، لقد نجح العجوز من قبلي في هذا المكان. فإذا كان قد نجح فسوف أنجح، وأستطيع أن أعتمد على نفسي أيضًا، ولن أحتاج إليه. شعرتُ من جديد بالجوع والعطش. سأذهبُ غدًا إلى الغابة وأُحضر الطعام لنفسي. وسوف أجد الماء. وبطريقة ما سوف أصيد السمك. فأنا ماهر في صيد السمك. وما دمت استطعت صَيْدَ السمك في مياه الخزان وعلى ظهر السفينة بيجي سو، فسوف أصيدُه هنا أيضًا. وقضيتُ تلك الليلةَ ألعن أسراب الحشرات الطَّنَّانة التي تنقضُّ عليَّ، وأصوات الثرثرة في الغابة التي لا تسكت، ولا تريدني أن أسكت. وظللتُ أتصور مياه الخزان في خيالي، ووالدتي وهي تضحك لابسة قبعة ربان السفينة. وأحسست بالدموع في عينيَّ وحاولت ألا أفكر فيها. وفكرت في الرجل، وكنت لا أزال أحاول أن أتذكر اسمه عندما غلبني النعاس. واستيقظتُ وعَرَفْتُ على الفور أنه جاءنا. كان الأمر يبدو كالحلم. ويبدو أن ستلا رأت في منامها الحلم نفسه، إذ بدأت فورًا تتواثب فوق الصخور المطلة على الكهف. ووَجَدَتْ ما كانت تتوقع بوضوح أن يكون موجودًا؛ إناء الماء الخاص بها وقد امتلأ من جديد. وكان هناك أيضًا، على الرفِّ الصخريِّ المرتفع وراءها، نفس الصفيحة المقلوبة وبجوارها وعاء الماء الخاصُّ بي، تمامًا مثلما حدث في صباح اليوم السابق، كنت أعرف أنه سيكون ممتلئًا، وكنت أعرف وأنا أُزيح الصفيحة أن الطعام سيكون موجودًا. وجلستُ فوق الصخرة واضعًا ساقًا على ساق، أمضغ بنَهَم شرائح السمك وأُلقي بقطعة منه إلى ستلا حتى تلتقطها، وعندها أدركت المعنى الذي كان يرمي إليه بذلك تمامًا. لم نكن أصدقاء، بل ولن نكون أصدقاء. فهو يريدني أن أبقى على قيد الحياة، وكذلك ستلا، بشرط أن أتَّبع القواعد التي يضعها. فكان عليَّ أن ألتزم بجانبي من الجزيرة، وألا أشعل النار أبدًا. كان كل ذلك واضحًا تمامًا. ومع تضاؤل أيِّ رجاء حقيقي في الإنقاذ العاجل، ازداد تقبلي لحالي يومًا بعد يوم. كنت أعرف أنه لا خَيار لي سوى أن أقبل شروطه، وأتَّبع النظام الذي وضعه، مؤقتًا. كان قد وضع الآن الحدود الجغرافية، إذ رسم على الرمال خطًّا يمتد من الغابة إلى البحر على جانبي الجزيرة، وكان كثيرًا ما يُجَدِّدُه، كلما احتاج إلى تجديد. كانت ستلا تتجاوزه بطبيعة الحال، فلم أكن أستطيع أن أمنعها، لكنني لم أتجاوزْه. لم تكن لذلك قيمة. وعلى الرغم من العداء الذي رأيتُه في عينيه والسكين الضخمة التي شاهدتها في حزامه، فلم أكن أتصور حقًّا أنه يمكن أن يؤذيني يومًا ما لكنني كنت أخشاه، وبسبب هذه الخشية، ولأنني كنت أعرف أنني سأفقد الكثير، لم أكن أريد أن أواجهه، فهو على أية حال يقدِّم لنا كل ما نحتاجه من طعام وماء كلَّ يوم. كنت قد بدأت العثور على بعض الثمار الصالحة للأكل بنفسي، وخصوصًا ثمرة ذات قشرة شائكة (اكتشفت فيما بعد أن اسمها «رامبوتان» أي ذات الشَّعْر)، كان طعمها لذيذًا لكنني لم أكن أجد ما يكفي منها، كما أن ستلا ترفض أن تأكلها. كنت أحيانًا أجد ثمار جوز الهند السليمة، ولكن لبنها ولحمها كثيرًا ما كانَا فاسِدَي المذاق. وحاولت مرة أو مرتين أن أتسلَّق بعض أشجار جوز الهند، لكنها كانت بالغة الارتفاع، وسرعان ما تَوَقَّفَتُ عن المحاولة. حاولتُ صيدَ السمك في المياه الضحلة، بعد أن أعددتُ لذلك حربة بدائية، وهي عصًا طويلة سَنَنْتُ طرفها بالصخور، ولكن السمك كان يفلت مني لبطءِ ضربتي. كانت المياه تزخر بالأسماك في حالات كثيرة، لكنها كانت بالغةَ الصِّغَرِ وشديدةَ السرعةِ. وهكذا، وسواء شئنا أم أبينا، كنا لا نزال في مسيسِ الحاجة إلى حصة الطعام اليومية من السمك والفواكه والماء التي كان العجوز يأتي بها إلينا. وكنت قد بحثت في طرف الجزيرة الذي أقيم فيه عن الماء العذب فلم أجد أيًّا منه. وكثيرًا ما خطر لي أن أتخطى الحدود فأدخل جانب الغابة المخصصَّ للعجوزِ، لكنني لم أجرؤ على ذلك. كنت في الغالب الأعمِّ ألتزم بعدمِ الابتعاد عن مسالك الغابة. لم يكن ما يمنعني من المغامرة بدخول جانب الغابة المخصص للرجل العجوز يقتصر على القوانين التي وضعها، ولا على عواء القِرَدَةِ — وهو ما انتهيت إلى إدراك أنه تحذير أو إنذار — بل كان يضمُّ أيضًا خوفي من السعلاة. كان ذلك القرد يبدو هادئًا مسالمًا، ولكنني لم أكن أستطيع التنبؤ بما عساه أن يفعل هو وأصدقاؤه إذا وجدونا في منطقتهم. وكنت أتساءل في نفسي أيضًا عما تخفيه الغابة عن عيني من مخلوقات أخرى، تتربص بي أو تكمن لي في الظُّلمة الرطبة داخل الغابة. فإذا كانت الأصوات الدائمة الصادرة من الغابة تصلح أساسًا للحكم عليها، قلت إن ذلك المكان يزخر بشتى الأنواع الزاحفة من المخلوقات الرهيبة. كان مجرد التفكير في السعلاة وأهوال مجاهل الغابة كافيًا لردعي، وكافيًا لِوَأْدِ فضولي وشجاعتي. وهكذا التزمتُ في أغلب الأوقات بالبقاء على الشاطئ، وفي كهفي، وبطريق الغابة الموصِّل إلى قمة التل الخاصِّ بي. ومن موقعي المرتفع على ذلك التلِّ كنتُ أستطيع أحيانًا أن ألمح العجوز. كنت أراه كثيرًا في الصباح وهو يصيد السمك بِرُمْحِهِ في المياه الضحلة، وكان أحيانًا وحده، وإن كان الأعم أن تصحبه مجموعة من السعالي، وكانت هذه القِرَدَةُ تجلس على الشاطئ ترقبه، وكان عددها يبلغ ذات يوم أربعة عشر أو خمسة عشر. وأحيانًا كان يحمل أحد صغارها على ظهره، وكان حين يمشي وسطها، يبدو كأنما كان واحدًا منها. وحاولت مرارًا أن أظل مستيقظًا حتى يأتي العجوز ليلًا بالطعام، لكنني لم أفلح قط. لم أستطعْ قط أن أسمعه على الإطلاق. ولكنني كنت أجد الماء كلَّ صباح، والسمكَ (وكثيرًا ما كان بطعم السمك المُدَخَّن هذه الأيام، وهو ما كنت أفضله). ولكن الفاكهة كانت تختلف من يوم ليوم. وكانت كثيرًا ما تفوح برائحة غريبة لا تستهويني إطلاقًا. لكنني كنت آكلها. فإلى جانب الموز وجوز الهند والنبق، كان يترك لي أحيانًا فواكه تُسمى «فاكهة الخبز» و«فاكهة البحَّارة» (وإن كنت آنذاك لا أدري، بطبيعة الحال، ما يمكن أن تكون). كنت آكل كلَّ شيء، ولكن ليس بنفس النَّهم القديم، فكنت أحاول ادِّخار بعض الفواكه للعشاء، لكنني لم أكن قادرًا قط على إجبار نفسي على ادخار الموز الأحمر، إذ كان مذاقه الرائع يرغمني على التهامه فورًا. كان كابوسي المتكرر هو البعوض ليلًا، فمنذ أن يبدأ الغسق، يشرع في البحث عني، فيئزُّ ويَطِنُّ حولي، ويأكلني حيًّا. لم أكن أجد مهربًا منه. كانت كل ليلة عذابًا طويلًا ممدودًا، وكنت في الصباح أحكُّ بشرتي ألمًا حتى أجرحها في عدة أماكن. وقد تورمت بعض اللدغات، وخصوصًا في رجليَّ، فأصبحتْ دمامل حمراء لها رءوس صفراء، ولم أكن أجد الراحة من الألم إلا بغمر جسدي كثيرًا في مياه البحر الباردة. وحاولت الرقاد في كهف آخرَ، أَعْمَقَ وأظلم، ولكن الرائحة كانت بشعة. وما إن اكتشفت أنه يزخر بالخفافيش، حتى تركْتُه على الفور. وأينما رقدتُ كان البعوض لا يتأخر في اكتشاف مكاني. وساء الحال حتى أصبحتُ أخشى مَقدِم الليل كل يوم، وكنت أتوق إلى الصباح، إلى برودة البحر وبرد النسيم على قمة التل الذي يخصني. وهناك كنت أقضي سحابة يومي، جالسًا على القمة نفسها، أتطلع إلى البحر، وأنا أتمنى، وأحيانًا أدعو الله أيضًا، أن تظهر في الأفق سفينة. كنت أُغمض عينيَّ تمامًا وأدعو الله أطول مدة ممكنة ثم أفتحهما من جديد، وكنت أحسُّ في كلِّ مرة، بل أعتقد حقًّا، أن الله سوف يستجيب لدعواتي، وأنني حين أفتح عينيَّ هذه المرة سوف أجد بيجي سو وهي تبحر عائدة لإنقاذي، ولكن المحيط الشاسع العظيم كان دائمًا خاويًا، وخط الأفق مستمرًّا دون انقطاع. كنت دائمًا أحسُّ بخيبة الأمل، بطبيعة الحال، وكثيرًا ما يصيبني الاكتئاب، لكنني لم أكن أصل إلى الإحباط التام في تلك الأسابيع الأولى. كنت أواجه مشكلات أخرى أيضًا بسبب لَفْح الشمس الحارق. ولم أتعلم إلا بعد وقت طويل أن أظل مرتديًا جميع ملابسي دائمًا. كنت صنعتُ لنفسي قبعة لحماية وجهي ورقبتي من الشمس. كانت القبعة عريضة جدًّا وتشبه القبعات الصينية، صنعتُها من خوص النخيل، بعد تضفيره في بعضه البعض، وكنت سعيدًا إلى حد كبير بما صنعَته يداي. واكتشفت أن لفح الشمس الحارق من المنغصات التي أستطيع تفاديها، وأن ماء البحر قادر على تلطيف معاناتي. فعند الظهيرة كنت أهبط من التل قاصدًا الاحتماء في كهفي من لَظَى الهجير وقَيْظِ شمس العصر، وبعدها أذهب للسباحة. وكانت هذه هي اللحظة التي تتوق إليها ستلا كل يوم. كنت أقضي ساعات طويلة أقذف لها فيها بالعصيِّ حتى تحضرها. كانت تستمتع بذلك، والحقُّ أنني كنت أيضًا أستمتع به. كان ذلك يمثل ذروة نشاط اليوم. لم نكن نتوقف إلا عندما يهبط الظلام — وكان يهبط دائمًا بسرعة تدهشني — ويَضْطَرُّنا إلى العودة من جديد إلى معركتي الليلية مع مصَّاصات الدماء التي تعذبني. وذات يوم، بعد قضاء صباح عقيم آخر في التطلع إلى البحر من فوق التلِّ، كنت خارجًا مع ستلا من الغابة حين لمحتُ شيئًا فوق الرمل قريبًا من كهفنا. بدا لي على البُعد قطعة من ركام الخشب الطافي. ووَصَلَتْ ستلا إليه قبلي وجَعَلَتْ تتشمَّمه في حماس. وعندما اقتربْتُ أدركْتُ أنه ليس خشبًا على الإطلاق، بل حصيرة من القش مطوية. ونَشَرْتُها فوجدتُ داخلها مُلاَءَة مطوية بعناية، ملاءة بيضاءَ. إذن كان يعرف! كان الرجل العجوز يعرف ألوان معاناتي ومنغصاتي، ويدرك كل ما أحتاج إليه. لا بد أنه كان يراقبني طول الوقت، وعن كَثَب أيضًا. لا بد أنه رآني وأنا أحكُّ بشرتي. وشاهد العلامات الحمراء في رجليَّ وعلى ذراعيَّ، وأبصرني وأنا أجلس في البحر كلَّ صباح لتخفيف آلام اللدغات. أفلا يعني هذا أنه صفح الآن عن إشعالي النار؟ حملتُ الحصيرة إلى داخل الكهف، ونشرْتُها، ولففتُ جسمي بالملاءة، وظللت في مكاني لا أفعل سوى أن أقهقه فرحًا، كنت أستطيع أن أغطي وجهي بالملاءة أيضًا، وإذن فلن تستطيع تلك البعوضات الملعونة أن تجد سبيلًا إلى لدغي الليلة. لسوف تبيت جائعة هذه الليلة. وذهبتُ جريًا على الشاطئ حتى وَصَلْتُ إلى خَطِّ الحدود الذي رَسَمَهُ فوقفت، وجعلتُ من يَدَيَّ بوقًا أمام فمي وهتفت: «شكرًا لك! شكرًا على سريري! شكرًا لك! شكرًا لك!» لم أكن في الواقع أتوقع ردًّا، ولم يأتني الرد على أية حال. كنت آمل أن يأتي هو نفسه، لكنه لم يأتِ. وهكذا كتبتُ عبارات الشكر في الرمل إلى جانب خطِّ الحدود ووَقَّعْتُه باسمي. لَكَمْ كنت أرجو أن أراه من جديد، وأن أتحدث إليه، وأن أسمع صوتًا بشريًّا. كانت ستلا أرتوا أروع رفيق لي، تُحسْن كتمان السر، ورائعة لتبادل الأحضان، ورائعة في اللعب معي، ولكنني كنت أفتقد بشدة صحبةَ البشر؛ والدتي، ووالدي، اللذين كانا غائبين عني الآن، وربما إلى الأبد. كنت أتشوق لرؤية الرجل العجوز، وللحديث معه، حتى ولو كان مخبولًا بعض الشيء، وحتى مع أنني لم أكن أستطيع أن أفهم الكثير مما يقوله. كنت قد اعتزمت تلك الليلة أن أظلَّ مستيقظًا حتى يأتي، ولكنني كنت أحسُّ بالراحة في فراشي الجديد على الحصيرة، وأستمتع بالالتفاع بالملاءة التي تحميني، فسرعان ما جاءني النوم ولم أَصْحُ مرة واحدة طول الليل. وفي صباح اليوم التالي، بعد إفطاري الذي كان يتكون من السمك وفاكهة البَحَّارة وجوز الهند، قمت أنا وستلا بصعود التل الخاصِّ بي إلى قمته، وقد أصبحتُ أُطْلقُ عليه اسم «تل المراقبة»، وأما التلُّ الآخر فقد أسميته «التلَّ الخاصَّ به» وحسب. كنت أقوم بإصلاح قبعتي الصينية، وتغيير بعض الخوص فيها، إذ لم تكن، فيما يبدو، قادرة على التماسك معًا فترة طويلة، ونَظَرْتُ إلى البحر فإذا بي أرى سفينة في الأفق. لم أكن مخطئًا، كان ما أرى هو الصورة الجانبية الطويلة لإحدى الناقلات العملاقة.
|
{
"chapter": "أنا، كنسوكي",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/5/"
}
|
تدور ثلاثة نوارس فوق الصناديق المكسورة، وقشر البرتقال، ورءوس الملفوف الفاسدة التي تتمايل بين الجدران الخشبية المتشقِّقة، والأمواج الخضراء المتزبِّدة أسفل المقدمة المستديرة للعبَّارة، التي يدفعها المد فتضرب المياه المندفعة وترتشفها بنَهَم، منزلقةً ومستقرةً ببطء في المنزلق. تدور الرافعات اليدوية مُصلصِلةً سلاسلها. تُطوى البوابات لأعلى، وتُسرِع الأقدام في الخطى خروجًا عبر الفُرجة، ويندفع الرجال والنساء عبر النفق الخشبي الكريه الرائحة لرصيف العبَّارات، متدافعين ومتلاصقين كتفاحاتٍ تُعبَّأ في قمع عَصَّارَة فواكه. تُمسك ممرضة بسَلة بطول ذراعها كما لو كانت نونية سرير، وتفتح الباب على غرفة ساخنة وجافة وكبيرة ذات جدران مطلية بطلاء مائي يميل لونه إلى اللون الأخضر، حيث يتعكَّر الهواء بروائح الكحول واليودوفورم المعلَّق مع حامِض آخر خافت الرائحة، والتي تنطلق قويةً من سِلال أخرى على طول الحائط. عندما وضعت سلتها، ألقت عليها نظرةً خاطفة زامَّةً شفتَيها. كانت الطفلة الحديثة الولادة تتلوَّى وسط القُطن الطبي، واهنة القوى كأُنْشوطَة من ديدان الأرض. كان ثمة رجل هَرِم على متن العبَّارة يعزف على آلة الكمان. كان له وجه كوجه قرد مجعَّد في إحدى زواياه، وكان يضبط إيقاع عزفه بتحريك إصبع يظهر من حذائه المشقوق المصنوع من الجلد اللامع. جلس بود كوربينينج على السور يُشاهده، وظهره إلى النهر. جعل النسيمُ شعرَه يتحرَّك حول الحافة الرفيعة لقبعته، وجفَّف العرق على صُدغَيه. كانت قدماه مُتقرِّحتَين، وكان مُنهَكًا حد الشحوب، ولكن عندما خرجت العبَّارة من المُنزَلق، راكلةً موجات النهر الملتفَّة والمتلاطمة، شعر بشيء دافئ ووَخْز ينطلق فجأةً في جميع عروقه. سأل شابًّا يرتدي قبعةً قشية وربطة عنق مُخطَّطة باللونَين الأزرق والأبيض كان يقف بجانبه: «أخبرني يا صديقي، كم تبعد المدينة من مكان رسو هذه العبَّارة؟» انتقلت نظرة الشاب لأعلى من حذاء بود الذي أثخنه السير على الطريق إلى معصمه الأحمر الذي خرج من كمِّ معطفه الرثة، مارًّا بحلقه الأشبه بحلق ديك رومي هزيل، ومنسلًّا بغطرسة لأعلى إلى عينَيه المتوقدتَين أسفل قبعته المكسورة الحافة. «يعتمد هذا على المكان الذي تريد أن تذهب إليه.» «كيف أصل إلى برودواي؟ … أريد أن أصل إلى مركز كل شيء.» «سِر شرقًا مسافة مربع سكني، وانعطف إلى شارع برودواي، وستجد مركز كل شيء إذا مشيت لمسافة كبيرة بما يكفي.» «شكرًا لك يا سيدي. سأفعل ذلك.» كان عازف الكمان يمر بين الحشد حاملًا قبعته، والريح تُجعِّد خُصلات الشعر الرمادي على رأسه الأصلع الأَجرَد. وجد بود أن وجه الرجل يميل لأعلى نحوه بعينَيه المنسحقتَين كدبوسَين سوداوَين ينظران إلى وجهه. قال بصوت أجش: «ليس معي شيء»، واستدار ناظرًا لرحابة النهر في لُمعته كأنصال السكاكين. انغلقت الجدران الخشبية للمنزلق، متصدعةً عندما ترنَّحت العبَّارة تجاهها؛ فصدرت قعقعة السلاسل، ودُفع بود إلى الأمام بين الحشد عبر مبنى محطة العبَّارات. سار بين عربتَي فحم، وخرج إلى شارع فسيح يملؤه الغبار باتجاه عربات الترام الصفراء. انتابت ركبتَيه رجفة. دسَّ يدَيه عميقًا في جيبَيه. «مأكولات»، هكذا كان مكتوبًا على لافته عربة طعام في منتصف المربع السكني. ارتمى بقوة على كرسي دوَّار بلا ظهر أو ذراعَين، ونظر طويلًا في قائمة الأسعار. «بيض مقلي وكوب من القهوة.» سأل الرجل ذو الشعر الأحمر في الجهة الأخرى من المنضدة، والذي كان يمسح ساعدَيه البدينَين المبقَّعَين بالنمش بمئزره: «أتريده مطهوًّا على جانبَين؟» قام بود كوربينينج جافلًا. «ماذا؟» «البيض؟ هل تريده مطهوًّا على جانبَين أم جانب واحد؟» «أوه، بالتأكيد، على جانبَين.» ارتمى بود إلى المنضدة مرةً أخرى ورأسه بين يديه. قال الرجل وهو يكسر البيض فوق الشحم المتناثر في المقلاة: «تبدو متعبًا للغاية يا رجل.» «جئتُ من شمال البلاد. ومشيت ١٥ ميلًا هذا الصباح.» أصدر الرجل صوت صفير من بين أنيابه. «أتيتَ إلى المدينة الكبيرة للبحث عن عمل، أليس كذلك؟» أومأ بود موافقًا. وضع الرجل البيض وهو لا يزال ساخنًا ويتخلَّله بعض اللون البُني على الطبق ودفعه في اتجاه بود مع بعض الخبز والزبد على حافته. «سأُقدِّم لك نصيحةً صغيرة يا صاحبي، ولن تُكلِّفك شيئًا. اذهب واحلق ذقنك، وقص شعرك، وانفض قليلًا عن بذلتك بذور القش تلك قبل أن تبدأ في البحث عن عمل. ستزيد فرصتُك بذلك في الحصول على شيء. فالمظهر هو ما يهم في هذه المدينة.» قال بود هادرًا، وفمه مملوء بالطعام: «يمكنني العمل بكفاءة. أنا عامل جيد.» قال الرجل ذو الشعر الأحمر قبل أن يعود إلى موقده: «صدِّقني، هذا هو كل شيء.» ••• كان إد تاتشر يرتجف عندما صعِد الدرجات الرخامية لمدخل المستشفى الفسيح. عَلِقت رائحة الدواء في حلقه. وكانت امرأة ذات وجه مُتيبِّس تنظر إليه من فوق سطح مكتبها. فحاول التحكم في صوته. «هل يمكنكِ أن تخبريني كيف حال السيدة تاتشر؟» «أجل، يمكنك الصعود.» «ولكن من فضلكِ يا آنسة، هل كل شيء على ما يرام؟» «ستجد الممرِّضة في الطابق لديها جميع المعلومات حول الحالة. الدرج إلى اليسار، الطابق الثالث، جناح الولادة.» كان إد تاتشر يحمل مجموعةً من الزهور ملفوفةً في ورق هدايا أخضر. كان يشعر بأن الدرج الواسع يتمايل أسفل خطواته المتعثِّرة، وتصطدم أطراف قدمَيه بالقضبان النحاسية التي تُثبِّت الحصيرة المصنوعة من الألياف. قطع إغلاق الباب صرخةً مخنوقة. أوقف إحدى الممرضات. «أريد أن أرى السيدة تاتشر من فضلك.» «تفضَّل إذا كنت تعرف مكانها.» «لكنهم نقلوها.» «عليك أن تسأل عند المكتب في نهاية الردهة.» عض على شفتَيه الباردتَين. وفي نهاية الردهة، نظرت إليه مبتسمةً امرأةٌ زهراء الوجه. «كل شيء على ما يرام. أنت أب سعيد لطفلة مفعمة بالحيوية.» قال متلعثمًا بعينَين طارِفتَين: «إنها أول مولود لنا، وسوزي بالغة الرقة.» «أوه، أجل، أتفهَّم ذلك، كنت قلقًا بطبيعة الحال … يمكنك الدخول والتحدث إليها عندما تستيقظ. وُلدت الطفلة منذ ساعتَين. احرص على ألَّا تُتعبها.» كان إد تاتشر رجلًا صغير الجسم ذا خصلتَين من الشعر الأشقر في شاربه وعينَين رماديتَين باهتتَين. أمسك بيد الممرضة وصافحها كاشفًا بابتسامة عن جميع أسنانه الصفراء غير المستوية. «كما تعلمين إنها مولودنا الأول.» قالت الممرضة: «تهانيَّ.» اصطفَّت الأسرة أسفل مصباح الغاز الصفراوي، وانبعثت رائحة المرض الكريهة من المُلاءات التي يتلوَّى فوقها المرضى بلا هوادة، وثمة وجوه سمينة، وهزيلة، وصفراء، وبيضاء، وها هي. كان شعر سوزي الأصفر في لفافةٍ فضفاضةٍ حول وجهها الأبيض الصغير، الذي بدا ذابلًا ومنكمشًا. فك لفافة الورود ووضعها على منضدة السرير الجانبية. كان النظر من النافذة كالنظر إلى الأسفل في الماء. كانت الأشجار في الساحة متشابكةً كبيوت العنكبوت الزرقاء. كانت مصابيح المربعات السكنيَّة المميَّزة يتقدَّم نورها في الجادَّة باللون الأرجواني الضارب إلى القرميدي ذي لمعة خضراء، وكانت أبراج المداخن وخزانات المياه تشق بحدَّةٍ سماءً متورِّدةً كاللحم. رُفع الجفنان الزرقاوان عن عينَيها. «أهذا أنت يا إد؟ … عجبًا يا إد، إنها ورود جاك. يا لإسرافك.» «لم أستطع مقاومتها يا عزيزتي. فأنا أعلم أنكِ تحبينها.» كانت إحدى الممرضات تمشي بالقرب من طرف السرير. «ألَا يمكنكِ أن تسمحي لنا برؤية الطفلة يا آنسة؟» أومأت الممرضة. كانت امرأةً باهتة الوجه ذات فك هزيل وشفتَين مطبقتَين. همست سوزي قائلة: «إنني أكرهها. فهي تُثير عصبيتي كما تفعل النساء؛ إنها لا تعدو كونها خادمةً عجوزًا خسيسة.» «لا تهتمي لأمرها يا عزيزتي؛ فما هو سوى يوم أو يومَين …» أغلقت سوزي عينَيها. «أمَا زلتَ تريد أن تُسمِّيها إلين؟» ذهبت الممرضة وعادت بسلة ووضعتها على السرير بجوار سوزي. قال إد: «أوه، أليست رائعة! انظري، إنها تتنفَّس … وقد رطَّبوا جسمها بالزيت.» ساعد بذراعيه زوجته في رفع نفسها على السرير؛ فانفكَّت اللفافة الصفراء فوق شعرها، وسقطت على يده وذراعه. «كيف يمكنكِ تمييز الأطفال أيتها الممرضة؟» قالت الممرضة، وهي تمد فمها في ابتسامة: «أحيانًا لا يمكننا ذلك.» كانت سوزي تنظر بارتياب إلى ذلك الوجه الأرجواني الدقيق القسمات. «هل أنتِ متأكدة من أن هذه طفلتي.» «بالطبع.» «ولكنكم لم تضعوا أي بطاقة تعريف لها.» «سأضع لها بطاقةً في الحال.» «لكن طفلتي كانت سمراء.» أسندت سوزي ظهرها على الوسادة، لاهثةً لالتقاط أنفاسها. «إن لديها قليلًا من الزغَب الفاتح الجميل في لون شعركِ تمامًا.» مدت سوزي ذراعَيها أمام رأسها، وصرخت قائلة: «إنها ليست طفلتي. ليست طفلتي. خذيها بعيدًا … تلك المرأة سرقت طفلتي.» «عزيزتي، أرجوكِ! عزيزتي، أرجوكِ!» وحاول تدثيرها بالأغطية. قالت الممرضة بهدوءٍ وهي ترفع السلة: «إن حالتها سيئة للغاية. سأضطر إلى إعطائها مُهدِّئًا.» جلست سوزي متصلِّبةً في السرير. صاحت ودخلت في نوبات هستيرية، مُطلِقةً صراخًا مستمرًّا ذا أنين خائر القوى: «خذيها بعيدًا.» صاح إد تاتشر مشبكًا يدَيه: «يا إلهي!» «يُستحسن أن تغادر الليلة يا سيد تاتشر … ستهدأ، بمجرد رحيلك … سأضع الورود في الماء.» في الطابق الأخير، تعرَّف على رجل ممتلئ الجسم كان يمشي ببطء فاركًا يدَيه عندما مرَّ به. التقت عيونهما. سأل الرجلُ البدين: «هل كل شيء على ما يرام يا سيدي؟» قال تاتشر بوهن: «أوه أجل، أظن ذلك.» التفت إليه الرجل البدين، وقد فاضت البهجة عبر صوته الثَّخين. «هنئني، هنئني؛ لقد أنجبَت زوجتي ولدًا.» صافح تاتشر يده الصغيرة البدينة. وقال على استحياء: «أما أنا فزوجتي أنجبت بنتًا.» «إنها خامس سنة، وفي كل مرة تُنجب بنتًا، والآن ها هو، ولد.» قال إد تاتشر، وهما يخرجان إلى الرصيف: «أجل، إنها لحظة عظيمة.» «هلَّا تسمح لي أن أدعوك لاحتساء مشروبِ تهنئة معي؟» «بالطبع، يُسعدني ذلك.» كانت الأجزاء العُلوية للأبواب ذات الشبكات تتأرجح في الحانة عند ناصية الجادَّة الثالثة. ماسحَين نعلَيهما تأدُّبًا، دخلا إلى الغرفة الخلفية. قال الرجل الألماني عندما جلسا إلى طاولةٍ بنية ذات ندبات: «أوه، إن الحياة العائلية مليئة بالهموم.» «أهي كذلك يا سيدي؛ فهذه هي المرة الأولى التي أحظى فيها بمولود.» «هل ستشرب الجِعَة؟» «لا بأس، أي شيء يناسبني.» «زجاجتا جِعَة كالمباتشر لضيفَينا المرهقَين.» أصدرت الزجاجتان فرقعةً عند فتحهما، وارتفعت الرغوة البنية الداكنة في الكأسَين. قال الألماني، رافعًا كأسه: «من أجل نجاحنا … في صحتك.» فرك الرغوة من فوق شاربه، وضرب الطاولة بقبضته الوردية. «هل سيكون من غير المناسب يا سيد …؟» «اسمي تاتشر.» «هل سيكون من غير المناسب يا سيد تاتشر أن أسألك عن مهنتك؟» «محاسب. آمل أن أُصبح محاسبًا معتمَدًا في القريب العاجل.» «أنا عامل طباعة، واسمي زوكر، ماركوس أنطونيوس زوكر.» «سُررت بمعرفتك يا سيد زوكر.» تصافحا عبر الطاولة بين الزجاجتَين. قال السيد زوكر: «يجني المحاسب المعتمَد الكثير من المال.» «بالفعل عليَّ أن أجني الكثير من المال لطفلتي الصغيرة.» تابع السيد زوكر قائلًا بصوت عميق: «إن الأطفال يلتهمون المال.» قال تاتشر، حاسبًا كم من المال معه في جيبه: «لِمَ لا تسمح لي أن أعزمك على زجاجة أخرى؟» لن يروق لسوزي المسكينة أن أشرب في حانة كهذه. ولكن هذه المرة فقط، وسأتعلَّم، سأتعلَّم الأُبوة. قال السيد زوكر: «كلما استزدنا، كان ذلك أكثر مرحًا … لكن الأطفال يلتهمون المال … إنهم لا يفعلون شيئًا سوى تناول الطعام وارتداء الملابس. بمجرَّد أن أقف على قدميَّ في عملي … أوه! الآن مع رهانات الديون وصعوبة اقتراض المال، ومع ارتفاع الأجور وهؤلاء الاشتراكيين الكسالى من نقابات العُمال وقاذفي القنابل …» «هذا هو الحال يا سيد زوكر.» أزال السيد زوكر الرغوة من فوق شاربه بإبهامه وسبابته. «إننا لا نأتي بطفل ذكر إلى العالم كل يوم يا سيد تاتشر.» «أو بطفلة يا سيد زوكر.» مسح الساقي قطرات الشراب من فوق الطاولة عندما جلب الزجاجتَين الأخريَين، ووقف بجوارهما مستمعًا والخرقة تتدلَّى من يدَيه الحمراوَين. «وآمل من كل قلبي أن يشرب ابني نبيذ الشامبانيا عندما يحتفل بميلاد ابنه. أوه، هكذا تسير الأمور في هذه المدينة الكبيرة.» «أود أن تُصبح ابنتي بيتوتيةً هادئة، ليست كهؤلاء النساء هذه الأيام حيث الكشكشات، والزركشات، ومشدات الخصر الضيقة. وسأكون قد تقاعدت في ذلك الوقت واشتريت منزلًا صغيرًا على نهر هدسون، وسأعتني بحديقة المنزل في المساء … أعرف رجالًا في مركز المدينة تقاعدوا بمعاش ٣٠٠٠ دولار أمريكي في العام. السر في الادخار.» قال الساقي: «أنا لا أُجيد الادخار. فقد ادخرت لمدة ١٠ سنوات وأفلس مصرف الادخار ولم يترك لي شيئًا سوى دفتر حساب مُسجَّل به مأساتي. احصل على نصيحة من داخل المجال واغتنم الفرصة، هذا هو النظام الوحيد الناجح.» قاطعه تاتشر، قائلًا: «ما هذه سوى مقامرة.» قال الساقي، وهو يرجع إلى منضدة الحانة مُؤرجِحًا الزجاجتَين الفارغتَين: «بالفعل يا سيدي، إنها لعبة قِمار.» قال السيد زوكر ناظرًا للأسفل إلى جِعَته بعين متأمِّلة ومتلألئة: «لعبة قِمار. لم يبعد عن حقيقة الأمر. الرجل الطموح يجب أن يغتنم الفرص. فالطُّموح أتى بي إلى هنا من فرانكفورت في عمر الثانية عشرة، والآن وقد أصبح لديَّ ابن كي أعمل من أجله … أوه، يجب أن أسميه فيلهلم على اسم القيصر العظيم.» «سيكون اسم ابنتي الصغيرة إلين على اسم والدتي.» اغرورقت عينا إد تاتشر بالدموع. نهض السيد زوكر. «حسنًا، وداعًا يا سيد تاتشر. سعدت بمعرفتك. يجب أن أذهب إلى المنزل لبناتي الصغيرات.» صافح تاتشر يد الرجل البدينة مجدَّدًا، وتبادرت إلى ذهنه أفكار حميمية ولطيفة عن الأُمومة والأُبوة، وكعكات عيد الميلاد، وأعياد الكريسماس، التي تخيَّلها وهو ينظر إلى ضباب الرغوة البنية الداكنة، بينما يتمايل السيد زوكر خارجًا عبر البابَين المتأرجحَين. بعد برهة، مدَّد ذراعيه. بالتأكيد لن يروق لسوزي المسكينة أن آتي إلى هنا … كل شيء من أجلها ومن أجل ابنتنا. صاح الساقي ذاهبًا وراءه عندما وصل إلى الباب: «يا أنت، أين المال؟» «ألم يدفع الرجل الآخر؟» «لم يدفع.» «ولكنه عزمني …» ضحك الساقي وهو يغطِّي المال بيده الحمراء. «أظن أن هذا الممتلئ يؤمن بالادخار.» ••• مشى في شارع ألين رجل صغير البِنية متقوِّس الساقَين وملتحٍ ويرتدي قبعةً دربية، وصعِد إلى النفق المخطَّط بأشعة الشمس، والمعلَّقة عليه ألحفة باللون الأزرق السماوي، ولون السلمون المدخَّن، ولون الخردل الأصفر، ويمتلئ بالأثاث المستعمل بلون كعك الزنجبيل. مشى ويداه الباردتان قابضتان على أطراف سُترته المشقوقة الذيل، متلمِّسًا طريقه بين صناديق التعبئة والأطفال الراكضين. ظلَّ يعض شفتَيه ويُشبِّك يدَيه ويحلهما. مشى دون أن يسمع هُتافات الأطفال أو الضجة المدمِّرة للقطارات السريعة من فوقه، ودون أن يشم الرائحة الكريهة للمباني المكدَّسة. توقف أمام صيدلية مطلية باللون الأصفر عند ناصية شارع القنال، وحدَّق بذهول في وجهٍ على بطاقة إعلانات خضراء. كان وجهًا شهيرًا لرجل عالي الجبين وحليق الذقن له حاجبان مُقوَّسان وشارب كثيف مُشذَّب بعناية، وجهًا لرجل لديه أموال في المصارف، ويعلو بشكل يناسبه ياقة ذات طرفَين أنيقَين ورابطة عنق داكنة وكبيرة. أسفل الوجه بكتابة ككتابات الدفاتر، كان هناك إمضاء باسم كينج كامب جيليت. ورفرف فوق رأسه الشعار «وداعًا للسَّن وداعًا للشحذ». دفع الرجل الملتحي الصغير البِنية بقبعته الدربية بعيدًا عن جبينه المتعرِّق، ونظر طويلًا لعينَي كينج كامب جيليت المتلألئتَين بالدولارات. ثم ضم قبضتَي يدَيه، وفرد كتفَيه ودخل إلى الصيدلية. كانت زوجته وبناته بالخارج. سخَّن إبريقًا من المياه على موقد الغاز. ثم باستخدام المقص الذي وجده فوق رف الموقد، قص الخصلات الطويلة للحيته البنية. ثم بدأ في حلاقتها بعناية شديدة بالشفرة الآمنة الجديدة التي تلمع لمعان النيكل. وقف مهتزًّا مُمرِّرًا أصابعه على وجنتَيه البيضاوَين الناعمتَين أمام المرآة الملوَّنة. كان يُرجِّل شاربه عندما سمع صوتًا خلفه. استدار نحوهنَّ بوجهٍ ناعمٍ كوجه كينج كامب جيليت، وجه بابتسامة وقور. كادت عيون الفتاتَين الصغيرتَين تخرج من رأسَيهما. صاحت الفتاة الكبرى: «أمي … إنه أبي.» سقطت زوجته كسلةِ غسيل فوق الكرسي الهزاز، وألقت بمئزرها من فوق رأسها. وصاحت متأرجحةً ذهابًا وإيابًا: «يا إلهي! يا إلهي!» «ما الأمر؟ ألَا يعجبكِ؟» مشى جيئةً وذهابًا والشفرة الآمنة تلمع في يده، مُتحسِّسًا ذقنه الناعم بين الحين والآخر.
|
{
"chapter": "منزلق العبَّارات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/1.1/"
}
|
تتابعتْ أهوالُ الرعب بسرعة. وابْتَعَدَتْ أضواءُ السفينة بيجي سو ثم اخْتَفَتْ في ظلام الليل، تاركة إياي وحيدًا في المحيط، وحيدًا مع ثقتي بأن الأضواء قد بَعُدَتْ بُعْدًا شديدًا وأن صرخات استغاثتي من المحال أن يسمعها أحد. وخطر ببالي وجود أسماك القرش السابحة في المياه السوداء من تحتي، تتشمم رائحتي وتتعقبني وتشق طريقها إليَّ، وعَرَفْتُ أنه لا أمل. سوف تأكلني حيًّا. إما ذاك أو أن أغرق ببطء. لا يمكن أن ينقذني الآن شيء. وضربت الماء بأقدامي فطفوت، وأنا أبحث بجنون في الظُّلمة الصَّمَّاء من حولي عن شيء؛ عن أي شيء يمكن أن أسبح لأصل إليه. لكنه لم يكن هناك شيء. ثم لمحت فجأة شيئًا أبيض في الماء، ربما كان زَبَدَ موجة. لكنه لا توجد أمواج، ستلا! لا بد أن تكون ستلا، حمدت الله كثيرًا وشعرت براحة عميقة لأنني لم أكن وحدي، وناديتُها وسبحتُ تجاهها، لكنها كانت دائمًا بعيدة، تختفي وتعود للظهور ثم تختفي من جديد. كانت تبدو قريبة جدًّا، لكنني اضطررت إلى السباحة بشدة عدة دقائق قبل أن أقترب منها اقترابًا يكفي لمدِّ يدي ولمسها. وعند ذلك فقط أدركْتُ خطئي. رأس ستلا يغلب عليه السواد، وأما هذه فبيضاء. كانت كرة القدم. أمسكتُها وتَعَلَّقْتُ بها وقد أحسستُ بقدرتها الرائعة وغير المتوقعة على الطفو، وثابرتُ وأنا أضربُ الماء بقدميَّ وأنادي ستلا، لكنني لم أَلْقَ جوابًا. ناديتُ وناديت، لكنني كلما فتحتُ فمي الآن دَخَلَتْ فيه مياه البحر. كان عليَّ أن أكُفَّ عن النداء، فالواجب أن أُنقذ نفسي إذا استطعت. لم يكن هناك جدوى من إهدار الطاقة بمحاولة السباحة. وعلى أية حال، لم يكن هناك مكان أسبح نحوه. وقررت بدلًا من ذلك أن أطفو وحسب. ومن ثَمَّ قررت أن أتعلق بكرة القدم، وأن أضرب الماء بقدميَّ ضربًا خفيفًا وأن أنتظر عودة السفينة بيجي سو. لا بد أن والديَّ سوف يكتشفان عاجلًا أو آجلًا أنني وقعت في البحر، وأن يأتيَا للبحث عني عاجلًا أو آجلًا. يجب ألا أرفس الماء بشدة، بل بما يكفي فقط للطفو، لإبقاء ذقني فوق سطح الماء. فكثرة الحركة سوف تجتذب أسماك القرش، ولا بد أن الصبح قريب، لا بد أن أثابر إذن حتى يطلع الصبح، لا مفر من ذلك. لم تكن برودة المياه قارسة، وكانت معي كرة القدم، والفرصة لا تزال قائمة. ظللت أقول ذلك لنفسي المرة بعد المرة. ولكن الدنيا ظلت سوداء لا تريد التخفيف من سوادها من حولي، كما بدأت أشعر أن برودة الماء تُجَمِّدُني حتى الموت. حاولت أن أُغَنِّيَ حتى أتوقَّفَ عن الارتجاف وحتى أُبعد صور أسماك القرش عن بالي، غنَّيْتُ جميع الأغاني التي أذكرها، لكنني كنت بعد قليل أنسى كلمات الأغنية، ودائمًا كنت أعود إلى الأنشودة التي كنت واثقًا من إتمامها وهي «عشر زجاجات خضراء». غَنَّيْتُها بأعلى صوتي مرات كثيرة. كنت أستمد الاطمئنان من رنين صوتي، الأمر الذي جعلني أحسُّ بوحشة أقلَّ في البحر، وكنت دائمًا أبحث عن لمعة الفجر الخضراء، لكنها تأبى أن تأتي وتأبى أن تأتي. وسَكَتُّ آخر الأمر ولم تعد رجْلاي تضربان الماء. وتعلَّقْتُ بكرة القدم، ورأسي ينساق إلى النوم. كنت أعرف أنني يجب ألا أنام، لكنني لم أستطع المقاومة. وكانت يدي كثيرًا ما تنزلق من الكرة. كنت أفقد بسرعة آخر ما لديَّ من قوة، وهكذا كنت سأهبط، وأهبط إلى قاع البحر وأرقد في قبري وسط الطحالب البحرية وعظام الملاحين الغرقى وحطام السفن. والغريب أنني لم آبَه لذلك حقًّا. لم أكن أكترث، أو لم أعد أكترث. وجَعَلْتُ أطفو حتى غلبني النعاس، وجاءت الأحلام. ورأيت في حُلْمي سفينة تتقدم نحوي ساكنة فوق صفحة البحر. إنها بيجي سو! بيجي سو العزيزة الحبيبة! لقد عادا يبحثان عني، كنت أعرف أنهما سيعودان، وأَمْسَكَتْني أَذْرُع قوية، وحملتني إلى أعلى خارج الماء، ورقدتُ هناك فوق ظهر السفينة أنشق الهواء بصعوبة مثل سمكة حَطًّتْ على اليابسة. كان شخص ما قد انحنى فوقي، وأخذ يهزني ويحادثني. لم أفهم كلمة واحدة مما قاله، لكن ذلك لم يهمني. شعرت بأنفاس ستلا على وجهي، وأحسست بلسانها يلعق أُذُني. لقد كُتِبَتْ لها السلامة. وكُتِبَت لي السلامة. كل شيء على ما يرام. استيقظت على صوت عواء يشبه صوت عصف الريح الشديدة من خلال سواري السفينة. ونظرت حولي فلم أجد سارية واحدة فوقي، ولا شراعًا واحدًا، ولم أشعر بحركة تحتي أيضًا، ولا بأي نسيم يهب، كانت ستلا أرتوا تنبح، ولكنها على مبعدة ما مني، لم أكن فوق ظهر أيَّة سفينة على الإطلاق، بل راقدًا مُمَدَّدًا على الرمال، وتحوَّل صوت العواء إلى صياح، بل إلى صراخ حاد متصاعد ومخيف يخبو صوته فيما يُحُدثُهُ من أصداء. وجَلَسْتُ. كنتُ على شاطئ البحر، منطقة رملية بيضاء عريضة، ومن خلفي أشجار كثيفة وكَثَّة حتى الشاطئ. ثم رأيتُ ستلا تتواثب في المياه الضحلة. ناديتُها فجاءت قفزًا من البحر لتحيتَّي، وذيلها يدور في الهواء بعنف. وبعد أن انْتَهَتْ من التنطيط ولعقي بلسانها واحتضاني، اجْتَهَدْتُ حتى وَقَفْتُ على قَدَمَيَّ. كنت أشعر بضعف في جسمي كله. ونظرت حولي. كان البحر الأزرق الواسع خاويًا مثل السماء الصافية الخالية من السحب من فوقي. لم تكن هناك بيجي سو. لم تكن هناك أية سفن. لا شيء. لا أحد. ناديتُ وناديتُ مرات على أمي وأبي، وظللت أنادي حتى اغرورقت عيناي بالدموع ولم أعُد أستطيع النداء، وحتى أدركت أنه لا فائدة في النداء، ووقفتُ هنالك بعض الوقت أحاولُ أن أفهم كيف انتهيتُ إلى هذا المكان، وكيف تسنَّى لي أن أنجو، وقد اخْتَلَطَت الذكرياتُ في رأسي، بعضها يقول إنهما أنقذاني، وبعضها يقول إنني على متن السفينة بيجي سو، لكنني الآن واثق أن هذا محال، لا بد أنني رأيت ذلك في المنام، وحلمت بكل ذلك. لا بد أنني تعلقت بكرة القدم فظللتُ طافيًا حتى ألقتني الأمواج على الشاطئ. وخطرتْ ببالي كرة القدم عندها، لكنني لم أستطع رؤيتها في أي مكان. ولم يكن يعني ستلا، بطبيعة الحال، تساؤلي عن الأسباب والعلل، بل ظلت تأتي لي ببعض العِصِيِّ حتى أقذفها فتجري خلفها ركضًا لتحضرها من البحر دون أن يقلقها شيء في الدنيا. ثم عادت أصوات العواء القادمة من جهة الأشجار، فاستفزت ستلا حتى وَقَفَ شعرُ رقبتها، وانْطَلَقَتْ تجري على الشاطئ وهي تنبحُ وتنبحُ حتى تَأكَّدَتْ أنها قد أسكَتَتْ آخر الأصداء. ولكنَّ العواء هذه المرة كان موسيقيًّا يشبه النواح ولا يوحي بأي تهديد على الإطلاق. وقلت في نفسي إنني أعرف مصدر هذه الأصوات. فلقد سمعتُ أصواتًا تشبهها ذات يوم في زيارة إلى حديقة الحيوان في لندن. إنها أصوات قردة «الجيبون»، وكان والدي يسميها «الجيبون الجبانة». ولا أزال أجهل سر هذه التسمية، وإن كان جَرْسُ الألفاظ يستهويني. وربما كان ذلك هو السبب الذي جعلني أتذكرها، وقلت لستلا: «ليست سوى قردة الجيبون! الجيبون الجبانة! وهي لن تؤذينا.» ولكنني لم أكن واثقًا أنني كنت على صواب. وكنت أستطيع من الموقع الذي وقفت فيه أن أرى أن الغابة تَخِفُّ كثافة أشجارها على جانب تل عظيم يقع على مبعدة من الشاطئ، وخطر لي عندها أنني لو استطعت الوصول إلى الصخور الناتئة الجرداء عند القمة فسوف أتمكن من مَدِّ بصري إلى مسافة أبعد في البحر. أو ربما كان هناك منزل أو مزرعة إذا ابتعدنا أكثر عن الشاطئ، وقد يكون هناك طريق من الطرق، وعندها أَجِدُ من يمدُّ لي يَدَ المساعدة. لكنني قلت في نفسي: لنفرض أنني غادرت الشاطئ فعادَا للبحث عني، فماذا يكون حالي؟ وقررت أن من واجبي أن أغتنم تلك الفرصة. وانطلقتُ أجري، وستلا أرتوا في أعقابي، وسرعان ما وجدت نفسي في ظل الغابة الرطيب. واكتشفت مسلكًا ضيِّقًا صاعدًا في التل، ورأيت أنه يمثل الوجهة الصحيحة. وهكذا سرت فيه جريًا ثم أبطأتُ السرعة عندما أصبح التلُّ شديدَ الانحدار. كانت الغابة عامرة بالكائنات الحية. كنت أسمع وقوقة الطيور وصرخاتها عند ذوائب الأشجار العالية من فوقي، وأصوات العواء القديم ينقلها الهواء كأنها النواح من خلال الأشجار، وإن بدا أنني ابتعدت عنها الآن. ولكن مصدر قلقي لم يكن أصوات الغابة، بل العيون! إذ شعرتُ بأن ألف عين مستطلعة تراقبني. وأظن أن ستلا شعرتْ بذلك أيضًا، إذ إنها التزمت بصمت غريب منذ أن دخلنا الغابة، وكانت دائمًا ما تتطَلَّعُ إليَّ طلبًا للاطمئنان والراحة. وبَذَلُتُ قصارى جهدي في ذلك، ولكنها كانت تشعر أيضًا أنني كنت خائفًا. ولكن مسيرتي التي كنت أظنها جولة قصيرة بدت لي الآن رحلة كبيرة في داخل تلك الأرض، فبعد أن خرجنا مُنْهَكَيْن من وسط الأشجار، صعدنا بصعوبة وجَهْد جهيد ركامًا صخريًّا حتى استطعنا أخيرًا أن نقف فوق القمة. كانت الشمس الساطعة شديدة الحرارة. ولم أكن قد أحسست بحرارتها اللافحة حتى تلك اللحظة. وألقيت نظري على الأفق كله. وأمعنت النظر حتى أرى إن كان هناك شراع ما يلوحُ على البعد، لكنني لم أشاهدْ شيئًا. ثم قلتُ في نفسي: فلنفرض أنني شاهدت شراعًا ما، ماذا يمكنني أن أفعل؟ لم أكن أستطيع إشعال نار، فليست معي أعواد ثقاب. كنت أعرف أن إنسان الكهوف كان يُشْعِلُ النار بحكِّ العصيِّ بعضها بالبعض، لكنني لم أجرب ذلك من قبل، ونظرت حولي الآن في كل اتجاه. البحر. البحر. البحر. لا شيء سوى البحر من جميع الاتجاهات. كنت في جزيرة. وأنا وحدي هنا. لم يكن يبدو أن الجزيرة يزيد طولها على ثلاثة كيلو مترات أو أربعة، لا أكثر. وكان شكلها يشبه قليلًا حبة فول سوداني طويلة، وإن كانت أَعْرَضَ في جانب منها من الجانب الآخر. ورأيت على كل جانب منها شاطئًا يمتد كأنه شريط أبيض لامع، وفي آخرها الآخر، وجوانبه أشد انحدارًا وتنمو عليها غابات أشد كثافة، لكنه لا يبلغ ارتفاع التل الذي أقف فوقه، وكانت الجزيرة كلها تبدو مغطاة تمامًا بالغابات باستثناء القمة الجرداء لكل من هذين التَّلَّيْن. وحسبما استطعت أن أرى، لم أجد أي دليل على أيَّة حياة بشرية. وأنا أذكر الآن — حتى أثناء وقوفي هناك في أول صباح أقضية في ذلك المكان، وقد غمرتني المخاوف من عواقب وقفي الرهيب — أنني قلت في نفسي ما أروع تلك الجزيرة؛ فهي كالزمردة الخضراء في إطار أبيض، والبحر يحيط بها من كل مكان، بلون أزرق حريري متلألئ. ومن الغريب أنني لم أشعر إطلاقًا بالاكتئاب، وربما كان الجمال الفذ لذلك المكان هو الذي أتاني بالتسرية والراحة. ومن الغريب أيضًا أنني أحسست، على العكس من ذلك، بالزهو! كنت على قيد الحياة! وكذلك كانت ستلا أرتوا! لقد نجونا! وجلست في ظل صخرة كبيرة، وقامت قردة الجيبون بتشكيل جوقة إنشاد جديدة من العواء والنعيب في الغابة، وجعلَت جماعة من الطير ذات أصوات جَشَّاء تُردِّد صياحًا كالصليل من خميلة الأشجار تحت موقعنا ثم طارت فعبرت الجزيرة لتحطَّ فوق الأشجار القائمة على جانب التل المقابل. وقلت لستلا: «سنكون بخير! أمي وأبي سوف يعودان إلينا لا بد أن يعودا، بل من المؤكد أن يعودَا، سوف تُشفى والدتي ويعودان إلينا، لن تتركنا هنا، سوف تعثر علينا وسوف تَرَيْن. ليس علينا إلا أن نواصل ترقبنا لهما، وأن نظل على قيد الحياة. الماء! سوف نحتاج إلى الماء. ألا تحتاج إليه هذه القرَدَةُ؟ كل ما علينا هو أن نحاول العثور عليه، لا أكثر. ولا بد أن يكون هنا أغذية أيضًا؛ فواكه أو بندق، أو أي شيء. ومهما يكن ما تأكله القردة فسوف نأكله.» وساعدني التعبير بصوت عال عن أفكاري لستلا، وأعانني على إخماد الذُّعر الذي كان يدهمني الآن في موجات، وأما أهم ما ساعدني على تحمل تلك الساعات الأولى في الجزيرة، فكان صحبة ستلا لي. بدا لي من المعقول ألا أغوص في أعماق الغابة فورًا بحثًا عن الماء، والحق أن خوفي كان يمنعني على أية حال، بل أن أستكشف منطقة الشاطئ أولًا، فربما عثرت على جدول أو نهر يصب في البحر، وإذا صادفني بعض الحظ فربما وجدت شيئًا أستطيع أن آكله أيضًا. وانطلقْتُ مستبشرًا، هابطًا الركام الصخري وَثْبًا كأنني من الماعز الجبلي. وقال لي عقلي إننا نستطيع أن نعيش حيث يعيش القرود. وجعلت أقول ذلك لنفسي. وسرعان ما اكتشفتُ أن الطريق الذي يتوسط الأشجار لم تكن فيه أية نباتات تؤكل. شاهدتُ فعلًا فواكه من نوع ما، أو ما بدا لي أنه فواكهُ على أية حال. كانت هناك أشجار جوز الهند أيضًا، لكنه كان من المستحيل تسلقها. كان طول بعضها يزيد على ثلاثين مترًا، والبعض الآخر يزيد على ستين. لم أر في حياتي قط مثل هذه الأشجار العملاقة. كان الخميلة المتشابكة الأغصان تمثل المأوى المنشود هربًا من قيظ النهار، على الأقل، ومع ذلك فقد غدوت أشعر بالعطش الشديد، وكذلك غدت ستلا. كانت تمشي بجواري بخطًى خافتة طول الطريق، وقد أخرجت لسانها. كانت ترمقني بنظرات الألم كلما التقت عيوننا، لكنني لم أكن أستطيع التسرية أو التخفيف عنها. وعدنا إلى شاطئنا من جديد ثم انطلقنا نطوف بالجزيرة، ملتزمين قدر الطاقة بحافة الغابة، حتى نسير في الظل. لكننا أيضًا لم نجد أي جداول. ورأيت من جديد فواكه كثيرة، لكنها كانت في أشجار بالغة الارتفاع، كما كانت جذوعها ملساء ناعمة من المحال تسلقها. وعثرت على كثير من ثمار جوز الهند على الأرض، ولكنها كانت دائمًا مكسورة ومفتوحة وخاوية. وعندما وصلنا إلى قرب نهاية الشاطئ اضطُررنا إلى أن نضرب في شعاب الغابة نفسها. وهنا وجدت طريقًا ضيقًا أستطيع السير فيه، وأصبحَت الغابة في هذه اللحظة صَمَّاء ظلماء تنذر بالأخطار. توقفت أصوات العواء، وحل محلها شيء أشد إنذارًا بالشر؛ أصوات ارتجاف أوراق الأشجار، وقعقعة تكسير الغصون، وخشخشات خفية مفاجئة، وكانت جميعًا قريبة مني وتحيط بي في كل مكان. وعرفت، بل أصبحت على ثقة تامة، أن هناك عيونًا تراقبنا. كان هناك من يقتفي خطانا. وأسرعت الخُطَى وأنا أحاول قدر الطاقة أن أبتلع مخاوفي. وجالت بخاطر صُوَرُ قِرَدَةِ الجيبون التي رأيتها في حديقة الحيوان، وحاولت أن أَقنع نفسي بأنها كانت تبدو بريئة أبعد ما تكون عن إيذاء أحد. وقلت في نفسي: لسوف تتركنا وما نحن فيه ولن تهاجمنا أبدًا؛ إنها لا تأكل لحم البشر، ولكنه عندما زاد اقتراب أصوات الخشخشة، وزاد ما يَكمُن فيها من نُذُر الخطر، ازدادت صعوبة إقناع نفسي بما أقول، وبدأتُ أجري، وظللتُ أجري حتى انتهى الطريق بنا إلى الصخور، إلى ضوء النهار الرحيم الجميل، ورأيتُ البحر من جديد. كان هذا الطرف من طرفَي الجزيرة يبدو ساحة تناثرت فيها الجلاميد الهائلة القائمة مثل الصخور السامقة التي سقطت على طول البحر. وجعلنا نثب من جلمود إلى جلمود، وقد ركَّزْتُ بصري بحثًا عن قطرات المياه التي يمكن أن تصبح جدولًا يجري بين الصخور منحدرًا من الغابة العالية، لكنني لم أجد شيئًا. وشعرتُ آنذاك بالإرهاق الشديد. فجلست لأستريح، وقد جَفَّ حلقي وأحسستُ برأسي ينبض ويخفق، وعَذَّبَتْني خواطر اليأس فقلت ربما أموت عطشًا وربما مَزَّقَتِ القرودُ جسمي وقَطَّعَتْني إرْبًا إرْبًا. وتَطَلَّعَتْ عينا ستلا إلى عينيَّ، فقلت لها: «لا بد أن يكون هنا ماء، لا بد.» وقالت عيناها: إذن، ماذا تفعل بجلوسك هنا تتأسى على حالك؟ أرغمْتُ نفسي على الوقوف وواصلتُ المسير. كانت مياه البحر في الغدران بين الصخور باردة ومغرية، وذقتها، لكنها كانت مَلِحَة ومُرَّة غليظة، فلفظتُها من فمي فورًا. كل من يشربُها يصابُ بالجنون. كنتُ متأكدًا من ذلك. كانت الشمس قد هبطت في السماء عندما وصلنا إلى شط البحر على الجانب الآخر من الجزيرة، ووفقًا لحساباتي لم نكن قطعنا سوى نصف المسافة حول الجزيرة. كان هذا المكان أكبر كثيرًا مما بدا لي من موقعي فوق التل السامق هذا الصباح. وعلى كثرة ما بحثتُ وفتشتُ لم أجدْ أيَّ ماء، ولا طعام. لم أكن أستطيع الاستمرار في السير، ولا ستلا، كانت ترقد متمددة بجواري على الرمال وهي تلهثُ من فَرْط الجَهْد. كان لا بد لنا من قضاء الليل حيث كُنَّا، خطرَ لي أن أدخلَ الغابة قليلًا حتى أرقدَ على الأرض تحت الأشجار، وقد أستطيع أن أصنع لنفسي فِراشًا من الأوراق الجافة اللينة، فأرضيَّة الغابة زاخرة بها، ولكنني لم أجرؤ على المغامرة بالدخول، خصوصًا وظلال الليل تهبط بسرعة على الجزيرة. وكانت أصوات العواء قد بدأت من جديد في أقاصي الغابة، فبدت أنشودة مساء رخيمة أخيرة، واستمر ذلك الغناء دون توقف حتى غشي الظلام الجزيرة كلها. وكانت أصوات أزيز وأنين الحشرات (أو ما افترضت أنها حشرات على أية حال) تصلني من الغابة. وسَمِعْتُ أصوات نَقْر أجوف، مثل أصوات طائر نقار الخشب إذا انهمك في نقر جذع شجرة بمنقاره. وسَمِعْتُ أصوات صرير وخدْش ونخر وحز مثل نقيق الضفادع، كانت فرقةُ الغابة الموسيقية كلها تضبط أوتارها، ولكن مصدر خوفي لم يكن الأصوات، بل العيون الخفية مثل الأشباح، كنت أريد أن أبتعد قدر طاقتي عن تلك العيون، فوجدت كهفًا صغيرًا في أحد طرفَي الشاطئ، أرضيته من الرمل الجاف. واستلقيت على الأرض وحاولت النوم، ولكن ستلا لم تسمح لي بالنوم، إذ ظلت تئن إلى جواري من ألم الجوع والعطش، فلم أستطع أن أنام إلا نومًا متقطعًا. كانت الغابة تَطنُّ وتُوَقْوِقُ وتنعقُ، ولم يتركني البعوضُ طول الليل كذلك. كان يئز فوق أذنيَّ فيصيبني بالجنون، وسَدَدْتُ أذنيَّ بيديَّ حتى لا أسمع أصواته. وتكوَّرْتُ حول ستلا، محاولًا أن أنسى أين كنت وأن أُغْرقَ نفسي في أحلامي، وتذكرت عندئذ أن اليومَ عيدُ ميلادي، وذكرت آخر عيد ميلاد لي في الوطن مع إدي ومع مَطْ، وحفل الشواء الذي أقمناه في الحديقة، وطِيْب رائحة السجق الرائعة. وخَلَدْتُ إلى النوم أخيرًا. واستيقظتُ في الصباح وأنا أشعرُ بالبرد والجوع وأرتجف، وقد مَلأَتْ جسمي لَدَغَاتُ البعوض، واستغرقْتُ لحظات في تذكُّر أين كنتُ وكلَّ ما حدث لي. وغلبني فجأة إحساسي بأهوال الواقع المرير هولًا بعد هول: وحدتي التامة، وانفصالي عن أمي وأبي، والأخطار المحيقة بي. وبكيتُ بصوت عال لما أنا فيه من شقاء، حتى أدركتُ أن ستلا قد ذهبت، فخرجت أجري من الكهف، لكنني لم أجِدْها في أي مكان. ناديتُها، وأصَخْتُ السمع، ولكن قرود الجيبون فقط هي التي أجابتني، ثم استدرتُ فرأيتُها. كانت تقف على الصخور العالية المطلة على الكهف، شبه مختفية عن نظري، ومع ذلك فقد استطعتُ أن أرى أنها قد انحنتْ برأسها على الأرض. كانت بوضوح تركز اهتمامها على شيء ما، ومن ثَمَّ صعدتُ الصخور لاستجلاء الأمر. سمعتُ صوتَها وهي تشربُ قبل أن أصلَ، إذ كانت تلعقُ الماء بانتظام وبصوت عال كشأنها دائمًا، بل إنها لم ترفعْ رأسها حين اقتربْتُ منها، وعندها رأيتُ أنها تشرب من وعاء صغير؛ وعاء من الصفيح القديم، ثم لاحظتُ وجود شيء غريب على رف مسطح من الصخر فوقها. وتركت ستلا تهنأ بالارتواء وتسلَّقْتُ صخورًا أخرى لفحص الموضوع. كان على الرف وعاء آخر به ماء، وبجواره بعض خوص النخيل المرصوص على الصخرة وشبه مغطى بوعاء مقلوب من الصفيح. وجلستُ وشربتُ الماء فورًا دون أن أتوقف لالتقاط أنفاسي. لم أشرب في حياتي ماءً أطيب مذاقًا من هذا الماء. كنت لا أزال ألهث، لكنني أزحت الغطاء الصفيح. سمك! شرائح رقيقة من السمك الأبيض شبه الشفاف، عشرات منها، مصفوفة بعناية فوق الخوص، وخمس أو ست بل سبع موزات حمراء صغيرة. موز أحمر! بدأت بأكل السمك، متلذذًا بكل شريحة ثمينة على حدَة، لكنني كنت، حتى أثناء الأكل، أنظر حولي بحثًا عن أي ارتجاف لأوراق الأشجار على حافة الغابة ينبئني بما وراءه، أو عن آثار أقدام في الرمال. لكنني لم أرَ شيئًا. ولكنْ لا بد أن شخصًا ما قد أحضر هذا كله من أجلي، لا بد أن يكون هناك شخص ما، لا بد أن شخصًا ما يراقبني. ولم أكن واثقًا إن كان عليَّ أن أخاف من هذا الاكتشاف أو أن أطير فرحًا به. لكنَّ ستلا كانت تقاطع أفكاري. كانت تُصْدر نشيجًا يثير الأسى وهي واقفة تنظر إليَّ من الصخرة من تحتي، وكنت أعرف أنها لا تطلب الحب أو التَّسْرية. كانت تلتقط كل شريحة سمك أُلقيها إليها، وتلتهمها دفعة واحدة وتنتظر شريحة أخرى، وقد مال رأسها إلى جانبها، وانتصبت إحدى أذنيها. وبعد ذلك كنت آكل شريحة وألقى لها بشريحة. لم تكن نظراتها المستعطفة تسمح لي بغير هذا. لم يكن السمك مطبوخًا، لكنني لم آبه. لم يكن جوعي الشديد يسمح لي بأن آبه، وكذاك كانت ستلا. أما الموز الأحمر فقد احتفظْتُ به لنفسي. وأكلتُ جميع الموزات. لم تكن مثل الموز الذي اعتدناه في الوطن، بل كانت ذات مذاق أحلى بكثير، وأكثر عصارة، وأشهى وألذ كثيرًا. كان يمكنني أن آكل عشر موزات أخرى. وعندما انتهيت من الطعام وقفت وألقيت نظرة فاحصة على الغابة. إنَّ من أسدَى إليَّ هذا المعروف — مهما يكن، ورجلًا كان أو امرأة — لا بد أن يكون قريبًا مني. كنت واثقًا أنه لا يوجد ما يدعوني للخوف. وكان عليَّ أن أتصل به اتصالًا ما، فوضعت يدي كالبوق حول فمي وجعلت أهتف مرارًا «شكرًا لك! شكرًا لك! شكرًا لك!» وتَردَّدَتْ أصداء كلماتي في أرجاء الجزيرة. وفجأة سَرَتِ الحياة في الغابة وانطلقت الأصوات: نشاز عظيم من الغناء والنعيب والعواء والنعيق والنقيق. وجَعَلَتْ ستلا ترد عليها بنباحها الشديد. وأما أنا فأحسست بالفرح، والزهو، والسعادة، والنشوة. وجعلت أتواثب وأنا أضحك وأضحك، حتى تحولت ضحكاتي إلى دموع الفرح. لم أكن وحدي في هذه الجزيرة! ومهما يكن ذلك الشخص فهو يُضْمِرُ لي الود. وإلا فلماذا أطعمنا؟ ولكن لماذا لا يُظهر نفسه؟ وقلت في نفسي إنه لا بد أن يعود ليأخذ الأوعية. وقررت أن أترك له رسالة. وجدت حجرًا حاد الطرف فانحنيت، ونقشت رسالتي على الصخرة بجوار الأوعية، وهي: «شكرًا لك. اسمي مايكل. سَقَطْتُ من سفينة. من أنت؟» وقررت بعد ذلك أن أبقى على الشاطئ طول ذلك النهار، قريبًا من كهفي والصخرة التي تطل عليه حيث ترك صاحبنا السمك لنا. لا بد ألا تغفل عيني عنها، حتى أستطيع على الأقل أن أشاهد الذي ساعدني. وانْطَلَقَتْ ستلا تجري أمامي فَنَزَلَت البحر، وهي تنبح لي كي تدعوني لمشاركتها. لم أكن بحاجة إلى إقناع. فألقيت بنفسي في الماء وأنا أتواثب وألهو وأهتف وأضْرِبُهُ بِيَدَيَّ ورجليَّ، وكانت هي أثناء مرحي الطليق تنطلق سابحة لا تلوي على شيء. كانت تبدو عليها سيماء الجد دائمًا عندما تسبح، رافعة ذقنها، وتضرب الماء بقوائمها في ثقة. كان البحر ساجيًا هادئًا ولا تكاد ترى فيه أدنى حركة للموج. لم أجرؤ على السباحة في المنطقة العميقة، فلقد نلْتُ ما يكفيني العمر كله من جَرَّاء ذلك! وخرجت من البحر أشعر بالنظافة والانتعاش والحيوية — خرجتُ شخصًا جديدًا. كان البحر مصدر شفاء عظيم. كانت آثار لذع البعوض ما زالت موجودة ولكنها لم تعد تؤلمني. وقررت اكتشاف المزيد من منطقة الشاطئ، وحتى آخره إذا استطعت، بشرط أَلَّا يغيب كهفي عن بصري لحظة واحدة. كانت هنا قواقع بحرية، ملايينُ القواقع، بعضها ذهبي اللون وبعضها وردي، ملقاة في صفوف طويلة بحذاء الشاطئ، وقبل وقت طويل شاهدت ما بدا لي من مسافة بعيدة نُتُوءًا صخريًّا مسطحًا لا يخرج إلا قليلًا عن مستوى الرمال. وكانت ستلا تخمش الأرض بحماس في طرفه، واتضح أنه لم يكن من الصخر على الإطلاق بل كان لوحًا معدنيًّا طويلًا علاه الصدأ — والواضح أنه كان كل ما بقي من جانب هيكل سفينة غدا الآن دفينًا في أعماق الرمال، وقلت في نفسي تُرى ماذا كانت تلك السفينة، وكم مضى من الزمن على تحطمها. تُرى هل دَفَعَتها عاصفة رهيبة نحو الجزيرة؟ هل نجا من ركابها أحد؟ أيمكن أن يكون أحدهم مقيمًا هنا حتى الآن؟ وانحنيتُ على الرمل وتحسستُها بيدي. وعندها لاحظت وجود قطعة من الزجاج الشفاف فوق الرمل على مسافة قريبة، وربما كانت ما بقي من إحدى الزجاجات. كانت بالغة السخونة فلم أستطع أن ألمسها، ناهيك بأن أمسكها بيدي. وخَطَرَ لي خاطر كالبرق. كان إدي قد علمني الطريقة، وكنا جربناها في فناء المدرسة، مختبئين خلف صناديق القمامة حيث لا يشاهدنا أحد. قطعة من الورق وشظية من الزجاج والشمس، وأشعلنا النار! لم تكن لدي أية أوراق، ولكن أوراق الشجر تصلح. وانطلقتُ أجري على الشاطئ وجمعتُ ما استطعت أن أَجِدَهُ من تحت الأشجار؛ قطع من العِصِىِّ والأغصان وشتى أنواع ورق الشجر — ما رقَّ منها — حتى أصبح مثل ورق الكتابة وجفَّ جفافًا تامًّا. ووضعتُها في كومة صغيرة على الرمل وجَلَسْتُ بجوارها. وأمسكتُ بقطعة الزجاج في يدي بالقرب من ورق الشجر وضبطت الزاوية حتى تجمع ضوء الشمس. كان عليَّ أن أجلس ساكنًا، بل ساكنًا تمامًا، وأنتظر أول بشائر الدُّخان. وجلست طويلًا، وجاءت ستلا فأزعجتني، إذ كانت تريد أن تلعب، فدفعتُها بعيدًا عني، وذَهَبَتْ آخر الأمر ممتعضة واجمة، وجعلت تتمدد وهي تتنهد في ظل أشجار النخيل، كانت حرارة الشمس حارقة، ولكنْ لم يحدث شيء. وبدأت ذراعي تؤلمني، وهكذا أقمتُ هيكلًا من الغصون فوق أوراق الشجر، ووضعتُ الزجاجة فوقه، وقبعتُ بجواره وانتظرت. ولكن لم يحدث شيء أيضًا. وفجأة هَبَّتْ ستلا من رقادها، وفي حَلْقها صوت زمجرة عميقة. والتفتتْ وانطلقتْ تجري نحوي، ثم استدارت كي تُوَجِّه نباحها الغاضب إلى الغابة، ثم رأيت ما أزعجها. كان تحت الأشجار ظل يتحرك قادمًا بخُطى متثاقلة نحونا. كان قردًا، قردًا عملاقًا، لم يكن من قرود الجيبون على الإطلاق. كان يمشي الهُوَيْنى على أطرافه الأربعة، لونه بني؛ بني ضارب إلى الصُّفرة. كان سِعْلاة، أو ما يُسمى أيضًا إنسان الغابة، وكنت واثقًا من ذلك. وقعد ذلك القرد على مبعدة خطوات معدودة مني وأخذ يحدق فيَّ، لم أجرؤ على الحركة، ولما شاهد ما يكفيه، حكَّ رقبته دون اهتمام واستدار، ثم عاد يسير على أربع ببطء عائدًا إلى الغابة. واستمرت ستلا في زمجرتها حتى بعد أن مضى بفترة طويلة. إذن كانت هنا السعالي أيضًا إلى جانب قِرَدَةِ الجيبون. بل ربما كانت السعالي هي التي كانت تصدر أصوات العواء لا قرود الجيبون، ربما كنت مخطئًا منذ البداية. كنت شاهدت ذات يوم فيلمًا يلعب فيه كلينت إيستوود دور البطولة ويصور أحد السعالي، كان ذلك القرد في الفيلم وَدُودًا إلى حد كبير. وتمنيت أن يكون هذا مثله. ثم رأيت الدُّخَان. شممتُ رائحة الدخان. ظهر بصيصُ نار وسط كومة الأوراق التي وضعتُها، فقبعتُ على الفور وجعلت أنفخ فيها نفخًا لطيفًا. وتحول البصيص إلى ألسنة لهب، فأضفتُ المزيد من ورق الشجر، ثم وضعتُ غصنًا جافًّا أو غصنين، ثم بعضَ الأغصَانِ الكبيرة. وأشعلتُ النار! أشعلتُ النار! وانطلقْتُ مسرعًا في الغابة فجمعتُ كل الرُّكام الذي وَجَدْتُه، كل قشور جوز الهند الجافة، وكل ما وجدته من حطب. وجعلت أتحركُ جيئة وذهابًا حتى أصبحت النار تتأجج ولها عجيج مسموع كالجحيم! كان الشرر يتطاير عاليًا في الهواء، والدخان يرتفع وسط الأشجار من خلفي. وعرفت أنني لا أستطيع أن أستريح الآن، فالنار تحتاج المزيد من الحطب، وقِطَعًا أكبر من الخشب، بل ومن فروع الأشجار، وأنَّ عليَّ أن أذهب لإحضار ذلك حتى أتأكد أنني جمعت ما يلزم لاستمرارها، وجمعت الكفاية من المخزون. ولاحظت أن ستلا رفضت أن تصحبني إلى الغابة، وبَقِيَتْ في مكانها تنتظرني بجوار النار. وكنت أعرف السبب خير المعرفة، بل إنني كنت أنا نفسي أَحْذَر عودة السعلاة، لكنني كنت أركز انتباهي كله على النار فلم أكترث كثيرًا لذلك القرد. كانت كومةُ الحطب التي جمعتها قد أَصْبَحَتْ هائلة، لكنني مع ذلك ذهبتُ إلى الغابة مرة أخيرة، خشية أن تلتهم النار كل شيء فتنطفئ بأسرع مما توقعت. وكان عليَّ أن أذهب إلى مسافة أبعد في الغابة، وهو ما استغرق وقتًا أطول. كنت خارجًا من وسط الأشجار، وقد حملتُ مقدارًا كبيرًا من الحطب بين يديَّ، حين أدركتُ أن الدخان المتصاعد قد قَلَّ، وأن ألسنة اللهب اختفتْ، وعندها، ومن خلال الدخان، شاهدتُ القرد، تلك السعلاة. كان يقبع على الأرض، وقد أخذ يُهيلُ الرمل على النار. ونهض وسار نحوي، فانْحَسَرَتْ عنه سحائبُ الدخان واتضحت حَقِيقَتُه. لم يكن سعلاة على الإطلاق: كان رجلًا.
|
{
"chapter": "قرود وأشباح",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/4/"
}
|
في الماضي كانت بابل ونَينَوَى، وقد بُنيت كلٌّ منهما بالطوب. وكانت أثينا، ذات أعمدة من الرخام والذهب. وروما التي شُيدت على أقواس فسيحة من الحطام. وفي القسطنطينية، توهَّجت المآذن كشموع ضخمة حول القرن الذهبي … ولكن الفولاذ، والزجاج، والبلاط، والأسمنت، ستكون مواد ناطحات السحاب. ستظل براقةً تلك الأبنية ذات الملايين من النوافذ المتراصة على الجزيرة الضيقة، في هرم فوق آخرَ كرأس سحابة بيضاء فوق عاصفة رعدية. عندما أُغلق باب الغرفة خلفه، شعر إد تاتشر بالوحدة الشديدة؛ حيث سيطرت عليه حالة من التململ الشديد. فقط لو كانت سوزي هنا، لكان أخبرها عن المال الكثير الذي كان سيجنيه، وكيف أنه سيودع ١٠ دولارات في مصرف الادخار كل أسبوع من أجل إلين الصغيرة؛ هذا المبلغ سيتضاعف إلى ٥٢٠ دولارًا في السنة … وفي غضون ١٠ سنوات من دون الفائدة سيتضاعف إلى ما يزيد على ٥٠٠٠ دولار. ينبغي أن أحسب الفائدة المركَّبة على ٥٠٠٠ و٢٠ دولارًا بنسبة ٤٪. مشى بحماس في أرجاء الغرفة الضيقة. أصدر موقد الغاز صريرًا هادئًا كالقطط. وقعت عيناه على العنوان الرئيسي في صحيفة ملقاة على الأرض بجوار دلو الفحم حيث أسقطها في أثناء ركضه كي يلحق بسيارة أجرة ليأخذ سوزي إلى المستشفى. طوى الصحيفة وهو يستنشق نفسًا عميق ووضعها على الطاولة. أكبر ثاني حاضرة في العالم … وكان أبي يريدني أن أقف في متجره التافه القديم في أونيورا. ربما كنت سأفعل ذلك لولا وجود سوزي … أيها السادة المحترمون، بما أنكم قد منحتموني الليلةَ هذا الشرف الفريد بعرضكم عليَّ الشراكة المبدئية في شركتكم، أود أن أُقدِّم لكم فتاتي الصغيرة، زوجتي. أدين لها بكل شيء. عندما انحنى أمام الموقد لتحيَّتهم، لامس ذيل معطفه قطعةً من الصيني وأوقعها من فوق البوفيه بجوار خزانة الكتب. وقف ليلتقطها مُصدِرًا صوت طقطقة خفيفًا بملامسة لسانه لأسنانه. كُسر رأس الدمية البورسلين الهولندية الزرقاء من جسمها. «والمسكينة سوزي مغرمة بدمياتها. يجدر بي الذهاب للفِراش.» رفع النافذة ومدَّ جسمه خارجها. مرَّ قطار سريع مدوٍّ في نهاية الشارع. لسعت نفثة من دخان الفحم فتحتَي أنفه. تدلَّى من النافذة لفترة طويلة ناظرًا للشارع يمنةً ويسرة. ثاني أكبر حاضرة في العالم وسط المنازل المبنية من الطوب، وضوء المصابيح المكدَّر، وأصوات مجموعة من الصِّبية يمزحون ويتشاجرون فوق درج منزل في الجهة المقابلة، والخطوات الثابتة المعتادة لرجل شرطة، شعر بمسيرة كمسيرات الجنود، كباخرة دولابية تعبر نهر هدسون أسفل طريق باليساديس، كموكب انتخابي، عبر الشوارع الطويلة وفي اتجاه شيء طويل، وأبيض، ومهيب، ومليء بصفوف الأعمدة. إنها الحاضرة. امتلأ الشارع فجأةً بأشخاص يركضون. أعلن شخصٌ يلهث عن اندلاع حريق. «أين؟» انزوت مجموعة الصِّبية في المنعطف في الجهة المقابلة للطريق. رجع تاتشر أدراجه إلى الغرفة. كانت حرارتها خانقة. كان جسده يرتعد بالكامل لدرجةٍ لا يمكنه معها البقاء في الخارج. ينبغي أن أذهب إلى الفِراش. سُمعَت من الشارع أصوات الحوافر القوية وجرس سيارة الإطفاء الهستيري. فليُلقِ نظرة. ركض نازلًا الدرج وقبعته في يده. «في أي اتجاه؟» «في المربع السكني التالي.» «إنه مبنًى سكني.» كان مبنًى سكنيًّا من ستة طوابق وذا نوافذ ضيقة. كان الخُطاف والسلم قد رُفعا للتو. وكان الدخان البني يتدفَّق سريعًا من النوافذ السُّفلية متبوعًا ببعض الشرارة هنا وهناك. كان ثلاثة من رجال الشرطة يُؤرجحون هِراواتهم وهم يدفعون بالحشد للخلف بعيدًا عن سلالم المنازل وقضبانها في الجهة المقابلة. في المساحة الفارغة في منتصف الشارع، لمعت سيارة الإطفاء والعربة الحمراء ذات الخرطوم بلون نحاسي برَّاق. شاهد الناس الموقف في صمت محدِّقين في النوافذ العليا حيث تحرَّكت الظلال وومض ضوء من حين لآخر. بدأ عمود رفيع من اللهب يضطرم فوق المنزل كشمعة رومانية. همس رجل في أذن تاتشر، قائلًا: «المَنْوَر.» ملأت عصفة ريح الشارع بالدخان وبرائحة كرائحة الخِرَق المحترقة. شعر تاتشر على حين غفلة بالإعياء. عندما انقشع الدخان، رأى أناسًا مُعلَّقين في حشود راكلين، مُعلَّقين من أياديهم من حافة إحدى النوافذ. وكان رجال الإطفاء على الجانب الآخر يساعدون النساء على نزول أحد السلالم. توهَّج اللهب في منتصف المنزل توهُّجًا أكثر سطوعًا. وسقط شيء أسود من إحدى النوافذ ممدَّدًا على الرصيف صارخًا. كان رجال الشرطة يدفعون الحشد للخلف إلى أطراف المربع السكني. وتوالى وصول سيارات إطفاء جديدة. قال رجل: «لديهم خمسة أجهزة إنذار حرائق بالداخل. ما رأيك في ذلك؟ كل شخص منهم في الطابقَين العلويَّين كان محبوسًا. إنه حريق مُتعمَّد. أشعله شخص لعين مهووس بالحرائق.» جلس شاب مكوَّمًا على حافة الرصيف بجوار مصباح الغاز. وجد تاتشر نفسه واقفًا بجواره مدفوعًا بالحشد من خلفه. «إنه إيطالي.» «زوجته في ذلك المبنى.» «لا تسمح له الشرطة بالدخول.» «زوجته حامل. لا يمكنه التحدُّث بالإنجليزية ليسأل رجال الشرطة عنها.» كان الرجل ذو الحمَّالات الزرقاء مُقيَّدًا بحبل من الخلف. كان يحرِّك ظهره في اضطراب، ويُطلِق من حين لآخر وابلًا من الأنين بكلمات لا يفهمها أحد. كان تاتشر يشق طريقه خروجًا من بين الحشد. كان ثمة رجل عند الناصية ينظر في صندوق إنذار الحريق. وعندما لامسه تاتشر وهو يمر بجواره، شم رائحة زيت الفحم الحجري منبعثةً من ملابس الرجل. نظر الرجل لأعلى إلى وجهه مبتسمًا. كان ذا وجنتَين سمينتَين متدليتَين وعينَين جاحظتَين وامضتَين. بردت يدا تاتشر وقدماه فجأة. إنه المهووس بإشعال الحرائق. تقول الصحف إن أمثاله يتجوَّلون حول الحادث هكذا لمشاهدته. مشى مسرعًا إلى المنزل، وصعِد الدرج، وأغلق باب الغرفة وراءه. كانت الغرفة هادئةً وفارغة. كان قد نسي أن سوزي لن تكون هناك في انتظاره. بدأ في خلع ملابسه. ولم يكن ليستطيع أن ينسى رائحة زيت الفحم الحجري على ملابس الرجل. ••• حرَّك السيد بيري أوراق الأرقطيون بعصاه. وكان وكيل العقارات يستجديه بصوت مُنغَّم: «لا أُخفي عليك يا سيد بيري، إنها فرصة لا تُفوَّت. تعرف المقولة القديمة يا سيدي … لا تطرق الفرصةُ بابَ المرء في شبابه سوى مرة واحدة. يمكنني في غضون ستة أشهر أن أضمن لك أن قيمة هذه الأرض ستتضاعف تقريبًا. وحيث إننا الآن جزء من نيويورك، ثاني أكبر مدينة في العالم، فلا تنسَ يا سيدي أنه … سيأتي الوقت، وأنا على يقين تام بأني سأشهده وإياك، حيث يمتد جسر وراء آخر فوق النهر الشرقي جاعلين لونج آيلاند ومانهاتن أرضًا واحدة، وحيث يصبح حي كوينز قلب الحاضرة الكبيرة ومركزها النابض بالحياة كشارع أستور بليس اليوم.» «أعلم ذلك، ولكنني أبحث عن شيء آمن تمامًا. بالإضافة إلى أنني أريد أن أبني. لم تكن زوجتي بصحة جيدة في هذه الأيام القليلة الماضية …» «ولكن ما الذي عساه أن يكون أكثر أمانًا من العرض الذي أقدِّمه لك؟ هل تدرك يا سيد بيري أنني حتى إن كنت سأتكبَّد خسارةً شخصية جسيمة، فسأُتيح لك فرصة الاستثمار قبل أي أحد في أكبر العقارات المضمونة تمامًا في العصر الحديث. إنني لا أقدِّم لك الأمان فحسب، بل السهولة، والراحة، والرفاهية. إن موجةً كبيرة تسحبنا يا سيد بيري سواء بإرادتنا أم لا، موجة كبيرة من التوسُّع والتقدُّم. سيحدث شيء عظيم الشأن في السنوات القليلة القادمة. جميع هذه المخترعات الميكانيكية — الهواتف، والكهرباء، والجسور الفولاذية، والعربات التي تسير بلا جِياد — جميعها تقود إلى شيء ما. والأمر يرجع إلينا إذا كنا سندخل إلى هذا التقدم، ونكون في صدارته … يا إلهي! لا أستطيع أن أصف لك ما الذي سيعنيه هذا …» ثم بعدما أخذ السيد بيري يلكز بعصاه بين العشب الجاف وأوراق الأرقطيون، أزال شيئًا بها. انحنى والتقط جمجمةً مثلثة ذات قرنَين على شكل قصبة حلزونية. قال: «يا إلهي! لا بد أنها كانت لخروف جيد.» ••• شعر بود بالنعاس من أثر رائحة الرغوة، وعطر ما بعد الحلاقة، والشعر المحروق الذي يُثقل جو متجر الحلاقة، فجلس وأومأ برأسه، ويداه الكبيرتان الحمراوان متدليتان بين ركبتَيه. ظل صوت المقص يقرع طبلتَي أذنيه مذكِّرًا إياه بقرع قدمَيه على الطريق الذي مشاه جائعًا من ناياك. «التالي!» «ماذا؟ … حسنًا، أريد فقط أن أحلق ذقني وأن أقص شعري.» تحرَّكت يدا الحلاق القصيرتان السمينتان عبر شعره، وأزَّ المقص كدبور خلف أذنَيه. ظلَّت عيناه تغمِّضان، ففتحهما بسرعةٍ مقاوِمًا النوم. كان بإمكانه أن يرى خلف المُلاءة المخطَّطة المبعثر عليها الشعر المرمَّل ذاك الرأسَ المتأرجحَ الأشبه برأس المطرقة للفتى الملوَّن الذي كان يُلمِّع حذاءه. دندن رجل ذو صوت عميق من فوق الكرسي بجواره: «أجل يا سيدي، إنه الوقت الذي يُرشِّح فيه الحزب الديمقراطي رجلًا قويًّا …» «هل تريد أن تحلق عنقك كذلك؟» قرَّب الحلاق وجهه المستدير الدهني البشرة في وجهه. أومأ بود. «أتريد أن تغسل شعرك بالشامبو؟» «لا.» عندما أرجع الحلاق الكرسي ليحلق له، أراد أن يرفع عنقه كسلحفاة طين انقلبت على ظهرها. انتشرت الرغوة على وجهه فأصابته بالنعاس، مخدِّرةً أنفه ومالئةً أذنَيه. فأصبح مغمورًا في الرغوة فيما يشبه سريرًا من الريش، رغوةً زرقاء، وسوداء، يشقها لمعان الشفرة القَصِي، كلمعان مجرفة لحرث الأرض عبر سُحب من الرغوة السوداء الضاربة إلى الزُّرقة. أما الرجل الهَرِم خلفه، الذي كان موجودًا في أحد حقول البطاطس، فقد التصقت الرغوة البيضاء على وجهه المليء بالدماء. امتلأ جوربه بالدماء التي كانت تقطر من تلك البثور على عقبَيه. شبك يديه ببعضهما باردتَين وصلبتَين كيدَي رجلٍ ميت أسفل غطاء. دعني أقُم … وفتح عينَيه. كانت أنامل سمينة تُدلِّك ذقنه. حدَّق لأعلى في السقف حيث كانت أربع ذبابات تُشكِّل رقم ثمانية حول جرس أحمر مصنوع من الورق الكريبي. كان لسانه كجلد جاف في فمه. عدَّل الحلاق الكرسي مرةً أخرى. نظر بود حوله بعينَين طارِفتَين. «نصف دولار، ونيكل لتلميع الحذاء.» «يعترف بقتل أمه المقعدة …» يسمع صوته متثاقلًا وسط طنين أذنَيه، وهو يقول: «أُتمانع أن أجلس هنا دقيقةً لقراءة تلك الصحيفة؟» «تفضَّل.» «يحمي أصدقاء باركر …» تتلوَّى الطباعة السوداء أمام عينَيه. الروس … «يلقي الرِّعاع الحجارة» … (إرسال خاص إلى «هيرالد») ترينتون، نيوجيرسي. ••• ناثان سیبتس، صبي في الرابعة عشرة من عمره، ينهار اليوم بعد أسبوعَين من الإصرار على إنكار إدانته، ويعترف للشرطة بأنه كان مسئولًا عن موت أمه المسنة القعيدة هانا سیبتس، بعد مشاجرة في منزلهما بطريق جيكوبز كريد، على بعد ستة أميال شمال هذه المدينة. كان محتجَزًا في هذه الليلة في انتظار إجراء هيئة المحلَّفين الكبرى. «دعم بورت آرثر في مواجهة العدو … تفقد السيدة ريكس رماد زوجها». في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من مايو وفي حوالي الساعة الثامنة والنصف، رجعت إلى المنزل بعد أن نمت في المدحلة البخارية طوال الليل، وصعدت إلى غرفتي لأحظى بمزيد من النوم. كنت قد غفوت لتوي عندما صعدت أمي لغرفتي وطلبت مني النهوض مهدِّدةً بأنني إن لم أنهض فسترمي بي في الأسفل. أمسكت أمي بي بقوة لتلقيني في الأسفل. ألقيت بها أولًا وسقطَت في القاع. نزلت الدرج فوجدت أن رأسها كان ملتويًا على أحد جانبَيه. ثم رأيت أنها قد ماتت، فعدَّلت عنقها وغطَّيتها بمُلاءة. ••• طوى بود الجريدة بعناية، ووضعها على الكرسي وغادر محل الحلاقة. كان الهواء بالخارج تفوح منه رائحة الحشود، زاخرًا بالضوضاء وضوء الشمس. لم يكن إلا كإبرة في كومة من القش … تمتم عاليًا: «وأنا في الخامسة والعشرين من عمري.» يفكِّر في الصبي البالغ الرابعة عشرة من العمر … ويسير بخطًى أسرع على طول الأرصفة الصاخبة حيث تُلقي الشمس بأشعتها عبر السكة الحديدية المرتفعة، مُخطِّطةً الشارع الأزرق بشرائط صفراء مشتعلة ودافئة. ليس سوى إبرة في كومة من القش. ••• جلس إد تاتشر متحدِّبًا فوق مفاتيح البيانو مدندنًا بلحن «موسكيتو باريد». تدفَّق ضوء الشمس لفترة ما بعد ظهيرة يوم الأحد مُغبَّرًا عبر ستائر النافذة الدانتيل الثقيلة، وتلوَّى على الورود الحمراء للسجادة، ونشر خيوطه في أرجاء الردهة غير المرتبة. جلست سوزي تاتشر مسترخيةً بجوار النافذة تشاهده بعينَين زرقاوَين بدرجة تبدوان معها فاقعتَين على وجهها الشاحب. بينهما، تخطو إلين الصغيرة بأناة راقصةً وسط ورود الحقل المشمس على السجادة. أمسكَت بيدَيها الصغيرتَين فستانها الوردي المكشكش، وقالت بين الحين والآخر بصوتها الصغير وفي نبرة إصرار: «انظري إليَّ يا أمي.» قال تاتشر، وهو لا يزال يعزف: «انظري للطفلة. إنها راقصة باليه صغيرة مثالية.» ثمة صحائف من جريدة يوم الأحد ملقاة حيث سقطت من الطاولة، بدأت إلين في الرقص عليها، ممزِّقةً إياها أسفل قدمَيها الصغيرتَين الرشيقتَين. أنَّت سوزي من فوق كرسيها المُخملي الوردي، قائلة: «لا تفعلي ذلك يا عزيزتي إلين.» «ولكني يا أمي يمكنني أن فعل ذلك وأنا أرقص.» «قلت لكِ لا تفعلي ذلك.» انتقل إد تاتشر إلى عزف لحن «باركارول». كانت إلين ترقص على اللحن، مُؤرجحةً يدَيها معه، وممزِّقةً الجريدة بقدمَيها الرشيقتَين. «أرجوك يا إد احمل الطفلة؛ إنها تمزِّق الجريدة.» أنزل أصابعه في نغمة متراخية. «يجب ألَّا تفعلي ذلك يا عزيزتي. فأنا لم أنتهِ من قراءتها بعد.» واصلت إلين ما تفعله. فانقضَّ عليها تاتشر من فوق كرسي البيانو وأوقفها وهي تتلوَّى وتضحك فوق ركبته. «يجب أن تنتبهي دائمًا يا إلين عندما تتحدَّث أمكِ إليك، ويجب ألَّا تكوني مُخَرِّبةً يا عزيزتي. إن صناعة تلك الجريدة تُكلِّف الكثير من المال، ويعمل فيها أشخاص كثيرون، وقد خرجتُ لشرائها ولم أنتهِ من قراءتها بعد. إيلي تتفهَّم الموقف، أليست كذلك؟ نحن نريد بِناءً في هذا العالم وليس هدمًا.» ثم واصل عزف «الباركارول» وواصلت إلين الرقص، وكانت تخطو برِقة بين الورود على الحقل المشمس المرسوم على السجادة. ••• جلس ستة رجال إلى الطاولة في المكان المخصَّص لتناول الطعام، وأخذوا يأكلون بسرعة وقبعاتهم على أقفيتهم. صاح الشاب الجالس في طرف الطاولة، والذي كان يحمل صحيفةً في يدٍ وكوبًا من القهوة في اليد الأخرى: «جيميني كريكيت! أيمكنك التغلُّب عليه؟» قال رجل ذو وجه طويل وخِلال أسنان على جانب فمه مدمدمًا: «أتغلَّب على ماذا؟» «يظهر ثعبان كبير في الجادة الخامسة … صرخت السيدات وركضن في جميع الاتجاهات هذا الصباح في الساعة الحادية عشرة والنصف عندما زحف ثعبان كبير خارجًا من صدع في بناء ذي جدار يدعم المستودع في الجادة الخامسة وشارع ٤٢ وبدأ يعبر الرصيف …» «يا لها من قصة مبالغ فيها …» قال رجل هَرِم: «ذلك شيء تافه. عندما كنت صبيًّا، كنا نذهب لاصطياد طيور الشُّنْقُب في بروكلين فلاتز …» همهم الشاب وهو يطوي جريدته ويُهرع للخارج إلى شارع هدسون، الذي كان مليئًا برجال وفتيات يسيرون بهِمة في الصباح ذي المَسحة القرمزية، قائلًا: «يا إلهي! إنها التاسعة إلا الربع.» أحدث احتكاك حَدوات أحصنة الجر ذات الحوافر المشعرة وسحق عجلات عربات البيع جلبةً صامَّةً للآذان وملأت الجو بغبار كثيف. كانت تنتظره عند باب إم سوليفان آند كو، مستودع ومخزن، فتاة ترتدي قلنسوةً مزركشةً بالورود، وقد علقت ربطة عنق فراشية خزامية اللون أسفل ذقنها المائل الرشيق. شعر الشاب بفوران يكتسحه من داخله، كزجاجة مياه غازية فُتحت لتوها. «مرحبًا إيميلي! … لقد حصلت على ترقية.» «تكاد تتأخَّر بعض الشيء، أتعلم ذلك؟» «ولكن بحق، لقد حصلت على زيادة دولارَين.» أمالت ذقنها أولًا على جانب ثم على الآخر. «لا أهتم.» «تعلمين ما عليكِ قوله إذا حصلت على ترقية.» نظرت مقهقِهةً في عينَيه. «وما هذه سوى البداية …» «ولكن بمَ تفيد ١٥ دولارًا في الأسبوع؟» «عجبًا، إنها ٦٠ دولارًا في الشهر، وأنا أتدرَّب على العمل في الاستيراد.» «أيها الأحمق، ستتأخَّر.» استدارت فجأةً وركضت صاعدةً الدرج المليء بالقُمامة المبعثرة، وأصدرت تنورتُها الجرسية الشكل ذات الثنيات صوتَ حفيفٍ وهي تتحرَّك من جانب إلى آخر. «يا إلهي! إنني أكرهها. إنني أكرهها.» سالت دموعٌ حارة في عينَيه، ومشى بسرعة في شارع هدسون إلى مكتب وينكيل آند جوليك، مستوردون من غرب الهند. كان سطح القارب بجوار الرافعة الأمامية دافئًا ومبلَّلًا بالماء المالح. كانوا ممدَّدين جنبًا إلى جنب في قماش الدنيم المشحَّم يتحدَّثون خاملين في همس، وآذانهم تملؤها رغوة المياه المندفعة من شق المقدمة المستديرة للعبَّارة بقوةٍ عبر الأمواج الرمادية المخضرَّة العالية لتيار الخليج. بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «يمكنني أن أقول لك يا سيدي الهَرِم إن نيويورك تُصيبني بالجنون … في اللحظة التي نرسو فيها سأذهب إلى اليابسة وسأظل عليها. لقد سئمت حياة الكلاب هذه.» كان خادم المركب ذا شعر أشقر ووجه بيضوي سمني متورِّد، وسقط عَقِب سيجارة منطفئة من بين شفتَيه عندما تحدَّث. قال بالفرنسية: «تبًّا!» بحث عنه حيث تدحرج على سطح القارب. لقد أفلت من يده وقفز في مصارف المياه. قال الصبي الآخر الذي كان مستلقيًا على بطنه راكلًا زوجًا من الأقدام المتسخة لأعلى في ضوء الشمس الخافت: «دعه. فلدي الكثير. سيُرجعك القنصل إلى المركب.» «لن يمسك بي.» «وماذا عن خدمتك العسكرية؟» «فلتذهب مع المركب إلى الجحيم. ولتذهب معهما فرنسا كذلك.» «أتريد أن تصبح مواطنًا أمريكيًّا؟» «لمَ لا؟ فللمرء الحق في اختيار بلده.» مسح الآخر أنفه بقبضة يده مفكرًا ثم زفر بصافرة طويلة. قال: «إنك لرجل حكيم يا إميل.» «ولكن يا كونغو، لمَ لا تأتي أنت أيضًا؟ بالطبع لا تريد أن تمسح النُّفايات في مطبخ سفينة نتنة طوال حياتك.» تقلَّب كونغو وجلس متربِّعًا، وهو يحك رأسه الذي كان مليئًا بالشعر الأسود المجعَّد. «أتعلم تكلفة قضاء ليلة مع امرأة في نيويورك؟» «لا أعلم، أظن أنها باهظة … لن أذهب إلى اليابسة لإثارة الفوضى، بل سأحصل على وظيفة جيدة وأعمل. ألَا تفكِّر في شيء سوى النساء؟» قال كونغو وهو يستلقي على سطح السفينة مرةً أخرى، دافنًا وجهه الأسود الملطَّخ بالسُّخام بين ذراعَيه المطويتَين: «ما الفائدة؟ لمَ لا؟» «أريد أن أذهب إلى مكان آخر في العالم، ذلك ما أعنيه. فأوروبا قد فسدت وتعفَّنت. ولكن في أمريكا يمكن للمرء أن يتقدم. محل الميلاد لا يهم، التعليم لا يهم. الجميع يتقدم.» «ولكن لو كانت هناك امرأة شابة جذابة ولطيفة معنا الآن حيث سطح السفينة الدافئ، ألن ترغب في مداعبتها؟» «بعدما نصبح أغنياء، سنحظى بالكثير، الكثير من كل شيء.» «وهل ليس لديهم أي خدمة عسكرية؟» «لمَ عساهم أن تكون لديهم؟ إن المال هو ما يسعَون وراءه. فهم لا يرغبون في قتال الناس، وإنما في التجارة معهم.» لم يردَّ كونغو. استلقى خادم المركب على ظهره ناظرًا إلى السُّحب. لقد تدفقت من الغرب في صروح متراكمة ضخمة يسطع ضوء الشمس من بينها، مشرقةً وبيضاء كرقائق القصدير. كان يمشي عبر شوارع ذات مبانٍ بيضاء وطويلة وفوق بعضها، متبخترًا في سترة مشقوقة الذيل وياقة بيضاء طويلة، ثم صعد فوق درجٍ من القصدير، عريض، وممسوح ونظيف، عبر بوابات زرقاء، دلف إلى داخل قاعاتٍ من الرخام المخطَّط حيث صوت حفيفٍ وخشخشة نقودٍ من أوراق، وفضة، وذهب على طاولات قصديرية طويلة. بالفرنسية: «تبًّا لقد حان الوقت.» وصل إلى آذانهما خافتًا صوت ضربات الجرس المزدوجة في عش المراقبة. «ولكن لا تنسَ يا كونغو أنه في الليلة الأولى التي وصلنا فيها اليابسة …» ثم طقطق بشفتَيه. «لقد رحلنا.» «كنت نائمًا. وحلمت بفتاة شقراء شابة. كنت سأحظى بها لولا أن أيقظتني.» نهض خادم السفينة على قدمَيه ناعرًا، ووقف لبرهة ناظرًا جهة الغرب حيث تنتهي الأمواج في خط متعرِّج حاد أمام سماء صلبة ومباغتة كالنيكل. ثم دفع بوجه كونغو لأسفل أمام سطح السفينة وركض إلى مؤخرتها، خافقةً قدماه في قبقابه الخشبي وهو يمضي. ••• بالخارج، كان أحد أيام السبت الحارة من شهر يونيو يُجرجر أشلاءه في شارع ١١٠. استلقت سوزي تاتشر مضطربةً في السرير، ويداها مبسوطتان في زُرقة ونحول فوق غطاء السرير أمامها. تراءت إليها أصوات عبر جدار الغرفة الرفيع. كانت فتاة شابة تصيح بصوت به خَنَف: «قلت لكِ يا أمي لن أعود إليه.» ثم أدركت صوتًا رصينًا لامرأة يهودية عجوز تجادل قائلة: «ولكن الحياة الزوجية يا روزي ليست كلها متعة ومرحًا. يجب على الزوجة أن تطيع زوجها وأن تعمل على راحته.» «لن أفعل ذلك. لا يمكنني التحمُّل. لن أعود لذلك الحيوان القذر.» اعتدلت سوزي في سريرها، ولكنها لم تستطع سماع ما قالته المرأة العجوز بعد ذلك. صرخت الفتاة فجأة: «ولكنني لم أعُد يهودية. هذه ليست روسيا، إنها نيويورك الودود. وللفتيات حقوق هنا.» ثم صُفع باب وساد الصمت. تقلَّبت سوزي تاتشر في السرير تئنُّ مضطربة. أولئك الأشخاص البغيضون لا يمنحونني لحظة هدوء. أتت من الأسفل صلصلة صندوق موسيقى بموسيقى أوبريت «الأرملة الطَّروب». يا إلهي! لمَ لم يرجع إد إلى المنزل؟ إنه لمن القسوة أن يتركوا امرأةً مريضة وحدها هكذا. يا لها من أنانية! لوت فمها لأعلى وأجهشت بالبكاء. ثم استلقت هادئةً مرة أخرى، محدِّقةً في السقف تشاهد الذباب وهو يطن طنينَه المستفز حول مصباح الإنارة الكهربائية. أحدثت عربةٌ في الشارع صوت جلَبة. كان بإمكانها سماع أصوات صياح الأطفال. ومرَّ فتًى يصيح بصدور طبعة ثانية لإحدى الصحف. ماذا لو نشب حريق؟ كذلك الحريق المروِّع في مسرح شيكاغو. أوه، سيصيبني الجنون! تقلَّبَت في السرير، وأظافرها المدبَّبة تغرز في راحتَي يدَيها. سأتناول قرصًا آخر. ربما أستطيع أن أحظى ببعض النوم. رفعت نفسها مستندةً إلى مرفقها وتناولت القرص الأخير من علبة معدنية صغيرة. كانت جرعة الماء التي تبلع بها القرص تُسكِّن حلقها. أغلقت عينَيها واستلقت في هدوء. نهضت مجفلة. كانت إلين تقفز في أنحاء الغرفة، وكانت قبعتها الخضراء تسقط من مؤخِّرة رأسها، وكانت تجعُّدات شعرها النحاسية اللون تندفع في جموح. «أوه يا أمي، أريد أن أكون فتًى.» «اهدئي يا عزيزتي. فأمكِ تشعر بالتعب بعض الشيء.» «أريد أن أكون فتًى.» «عجبًا يا إد، ماذا فعلت للفتاة؟ إنها منزعجة للغاية.» «إننا لسنا سوى متحمسَين سوزي. فقد كُنا نشاهد المسرحية الأروع على الإطلاق. لقد أحببناها كثيرًا، إنها شديدة الشاعرية وكل تلك الأشياء البديعة. وقد كانت مود آدامز رائعة. أحبَّت إيلي كل دقيقة فيها.» «يبدو من السخف، كما سبق وقلت، أن تأخذ طفلةً صغيرة …» «أوه يا أبي، أريد أن أكون فتًى.» «إنني أُحب فتاتي الصغيرة كما هي. يجب أن نذهب مرةً أخرى يا سوزي ونصطحبك معنا.» «أنت تعلم جيدًا يا إد أنني لن أكون على ما يرام.» اعتدلت جافلةً في جلستها، وشعرها يتدلَّى أصفر باهتًا ومستقيمًا أسفل ظهرها. «أوه، ليتني أموت … ليتني أموت ولا أكون عبئًا عليكما أكثر من ذلك … أنتما تكرهاني. إن لم تكونا تكرهاني لمَ تركتماني وحدي هكذا؟» أُصيبت بغصة ووضعت وجهها بين راحتَيها. شبَّكت بين أصابعها، وقالت: «أوه، ليتني أموت.» «أرجوكِ يا سوزي، من السيئ أن تقولي ذلك.» وضع ذراعه حولها وجلس على السرير بجوارها. بكت بهدوء وأسقطت رأسها فوق كتفه. وقفت إلين محدِّقةً فيهما بعينَيها الرماديتَين المستديرتَين. ثم استأنفت القفز هنا وهناك، مغنيةً لنفسها: «إيلي ستصبح فتًى، إيلي ستصبح فتًى.» ••• بخطواتٍ بطيئة وطويلة، وعرجة بسيطة في قدمَيه المتقرحتَين، مشى بود في شارع برودواي، مارًّا بأراضٍ فارغة حيث كانت العلب المعدنية تومض وسط العُشب وشجيرات السُّمَّاق والرجَّيد، وبين صفوف لوحات الإعلانات ولافتات سجائر بول دورهام، ومارًّا بأكواخ وعشش سكنية مهجورة، وبأودية عميقة ضيقة متراكمة بكومات من القُمامة المحمولة على العجلات حيث تلقي عربات القُمامة بالرماد والآجُر، وبكُتل من الصخور الرمادية حيث حفارات البخار الطارقة والقاضمة بلا انقطاع، وبأنقاب تشق طريقها بصعوبة عبرها عربات مليئة بالصخور والطَّمي على ممرات من ألواح إلى الشارع، حتى وجد نفسه يمشي على أرصفة جديدة بمحاذاة صف من المنازل ذات شقق مبنية بالطوب الأصفر، ونظر إلى نوافذ متاجر البقالة، حيث المغاسل الصينية، والمطاعم السريعة، ومتاجر الزهور والخَضراوات، والخياطون، ومتاجر الأطعمة المستوردة والجاهزة. بمروره أسفل سقالة أمام مبنًى جديد، التقت عيناه بعينَي رجل هَرِم كان يجلس على حافة الرصيف يعتني بمصابيح زيتية. وقف بود بجواره، رافعًا بنطاله، وتنحنح ثم قال: «ألَا أخبرتني يا سيدي أين يجد المرء مكانًا جيدًا ليبحث فيه عن عمل؟» «لا يوجد مكان جيد للبحث عن عمل أيها الشاب … هناك أعمال لا بأس بها … سأُتم عامي الخامس والستين بعد شهر وأربعة أيام، وقد كنت أعمل منذ أن كنت في الخامسة حسب تقديري، ولم أجد عملًا جيدًا بعد.» «يمكنني العمل في أي شيء.» «هل لديك بطاقة نقابة؟» «ليس لديَّ شيء.» قال الرجل الهَرِم: «لا يمكنك الحصول على عمل في البناء دون أن يكون معك بطاقة نقابة.» حك شُعيرات ذقنه الرمادية بظهر يده ومال فوق المصابيح مرةً أخرى. وقف بود محدِّقًا في غابة من عوارض المباني الجديدة يفوح منها الغبار حتى لمح عينَي رجل يرتدي قبعةً دربية عبر نافذة مأوًى لحارس. مسح نعله في اضطراب ودخل. لو كان بإمكاني أن أمضي قدمًا إلى مركز كل شيء … عند الناصية التالية، كان ثمة حشد مجتمع حول سيارة بيضاء عالية. تدفَّقت سُحب من البخار من طرفها الخلفي. وكان هناك رجل شرطة يرفع عاليًا فتًى صغيرًا من إبْطيه. خرج من السيارة رجل أحمر الوجه ذو شاربٍ أبيض كثيف يمشي غاضبًا. «قلت لك أيها الضابط إنه رمى حجرًا … يجب أن تتوقَّف مثل هذه الأشياء. لأن معاونة ضابط للأشرار والمشاغبين …» كانت هناك امرأة ذات شعر مرفوع في ربطة ضيقة أعلى رأسها، وكانت تهز قبضتها أمام الرجل في السيارة، وتصرخ قائلة: «كاد يدهسني أيها الضابط، كاد يدهسني.» شق بود طريقه بجوار شاب يرتدي مئزر جزار وقبعة بيسبول بالمقلوب. «ما الأمر؟» «تبًّا، لا أعلم … أظنه شجارًا من تلك المشاجرات التي يُحدثها راكبو السيارات. ألَا تقرأ الصُّحف؟ لا لوم عليهم، ألَا توافقني؟ بأي حق تنطلق تلك السيارات اللعينة في أرجاء المدينة مكتسحةً النساء والأطفال؟» «يا للهول، أيفعلون ذلك؟» «بالطبع يفعلون ذلك.» «اسمع … امم … أيمكنك يا سيدي أن تخبرني بمكان جيد أبحث فيه عن عمل؟» أرجع صبي الجزار رأسه للوراء وضحك. «يا إلهي، لقد ظننت أنك ستطلب صدقة … أظنك لست من نيويورك … سأُخبرك بما عليك فعله. ستستمر في السير في برودواي حتى تصل إلى دار البلدية …» «هل مركز كل شيء هناك؟» «بالطبع … ثم ستصعد الدرج وتسأل عن الحاكم … لقد سمعت أن هناك بعض المقاعد الشاغرة في مجلس البلدية …» دمدم بود، وهو يمشي مسرعًا: «اللعنة، بالطبع لديهم مقاعد فارغة.» ••• «تدحرجي يا عزيزتي … تدحرجي يا أحجار النرد اللعينة.» «أنت تعرف لغتها يا سلاتس.» «هيا، فليأتِ الرقم سبعة!» ألقى سلاتس بالنرد من يده مطقطِقًا، وإبهامه في محاذاة أصابعه المتعرِّقة. «مرحى.» «أشهد لك بأنك لاعب محترف يا سلاتس.» وضع كلٌّ منهم بيده المتسخة نيكلًا على كومة النقود التي تتوسط دائرة من ركبهم المرقَّعة الملتصقة كل منها في الأخرى من الأمام. كان الفِتيان الخمسة يجلسون على أعقابهم أسفل مصباح في شارع ساوث ستريت. «هيا يا فتياتي، إننا ننتظر … تدحرجي أيتها الأحجار الصغيرة الملعونة، تبًّا، هيا، تدحرجي.» «توقفوا يا رجال! هذا بيج ليونارد وعصابته يتوجَّهون ناحية المربع السكني.» «سأبرحه ضربًا ﻟ …» كان أربعة منهم يمشون بتراخٍ بمحاذاة الرصيف، وينتشرون تدريجيًّا دون أن يلتفتوا خلفهم. أما الفتى الأصغر ذو الوجه الصغير الذقن كالمنقار، فقد ظل في الخلف في هدوء مجمِّعًا العملات المعدنية. ثم ركض بمحاذاة الجدار وتلاشى في الممر المظلم بين منزلَين. بسط جسمه خلف مدخنة وانتظر. اقتحمت الأصوات المختلطة للعصابة الممر، ثم واصلوا السير في الشارع. كان الفتى يعد النيكلات في يده. عشرة. «يا إلهي، إنها ٥٠ سنتًا … سأخبرهم أن بيج ليونارد قد رفع العجين.» لم يكن لجيوبه بطانة؛ فلف النيكلات في أحد أطراف قميصه. ••• امتزج قدح من نبيذ الراين وكأس من الشامبانيا في كل مكان بمحاذاة الطاولة البيضوية البيضاء البراقة. وفي ثمانية أطباق بيضاء لامعة، قُدِّمت ثماني قطع من كانابي الكافيار فيما يشبه حلقات من الخرز الأسود على أوراق الخس، وأحاطت بها تقسيمات من الليمون المنثور مع شرائح رفيعة من البصل وبياض البيض. قال النادل الهَرِم بمزيج من الفرنسية والإنجليزية وهو يجعِّد جبهته المتعرِّجة: «بكثير من العناية، ولا تنسَ.» كان رجلًا قصيرًا متمايلًا في مشيته وله بعض شعيرات سوداء لصقها بإحكام على رأسه المقبَّب. «حسنًا.» أومأ إميل برأسه بجدية. كانت ياقته ضيقة عليه للغاية. وكان يرج زجاجةً أخيرة من الشامبانيا في دلو الثلج المحاط بالنيكل على طاولة التقديم. بمزيج من الفرنسية والإيطالية والإنجليزية: «بكثير من العناية، اللعنة … هذا الرجل يُلقي بالمال كقُصاصات ورق، انظر … إنه يعطي بقشيشًا، انظر. إنه رجل فاحش الثراء. إنه لا يهتم كم أنفق من المال.» ربت إميل على ثنية مفرش المائدة لتسويته. بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «لا تفعل ذلك … يداك متسختان، قد تترك أثرًا.» متكئين في البداية على قدم واحدة، ثم على الأخرى، وقفوا منتظرين والمناشف أسفل آباطهم. من المطعم بالأسفل وسط روائح الطعام المطهو بالزبد، وصلصلة السكاكين والشوك والأطباق، أتى الصوت الخفيض بموسيقى رقصة فالس. عندما رأى إميل رئيس النادل ينحني خارج الباب، ضغط شفتاه في ابتسامة مطيعة. كانت هناك امرأة شقراء مسنة ترتدي عباءة أوبرا سلمونية اللون تُهفهِف على ذراع رجل مستدير الوجه كان يحمل قبعته العالية أمامه كمصد، وفتاة صغيرة مُجعَّدة الشعر ترتدي رداءً أزرق تُظهر أسنانها وتضحك، وامرأة سمينة ترتدي تاجًا وشريطًا مُخمليًّا أسود حول عنقها وذات أنف منقاري ووجه بلون السيجار … صدور قمصان زائفة، وأيادٍ تُسوِّي ربطات عنق بيضاء، وومضات بريق سوداء أعلى قبعات وأحذية جلدية لامعة، وثمة رجل خبيث بأسنان ذهبية ظل يلوِّح بذراعَيه متلفِّظًا بتحيات بصوت كصوت بقرة، وقد وضع قطعةً من الألماس بحجم عملة نيكل في صدر قميصه الزائف. كانت الفتاة الصهباء في غرفة المعاطف تجمع الأردية. دفع النادل الهَرِم إميل. قال عاوجًا فمه وهو ينحني: «إنه الزعيم الكبير.» بسط إميل جسمه على الجدار وهم يدخلون الغرفة ويخرجون منها مصدرين جَلَبة. وجد أنفُه نفحةً من نبات الباتشولي، عندما التقط أنفاسه باغتته بحرارةٍ وصلت إلى جذور شعره. صاح الرجل المزيَّن بالألماس: «ولكن أين فيفي ووترز؟» «قالت إنها ستتأخَّر نصف ساعة. أظن أن الرجال لن يدعوها تمر من باب المسرح.» «حسنًا، لا يمكننا انتظارها حتى وإن كان هذا عيد ميلادها؛ فأنا لم أنتظر أحدًا في حياتي.» وقف لبرهة مُقلِّبًا عينه الشاردة في النساء حول الطاولة، ثم أخرج سوارَي كمَّيه قليلًا من سترته ذات الذيل، وجلس بغتة. نُسف الكافيار في غمضة عين. نعق بصوت أجشَّ: «وماذا عن كأس نبيذ الراين العريضة أيها النادل؟» حبس إميل أنفاسه وامتصَّ وجنتَيه إلى الداخل أثناء لمِّه للأطباق، وقال بالفرنسية: «حالًا يا سيدي …» تكوَّن الصقيع على الأقداح عندما صبَّ النادل الهَرِم النبيذ في الكأس العريضة من إبريق زجاجي مزخرف يطفو فيه النعناع، والثلج، وقشر الليمون، وشرائح رفيعة طويلة من الخيار. «أها، هذا سيَفي بالغرض.» رفع الرجل المرصِّع ثيابه بالألماس كأسه إلى شفتيه، وشرب منها ثم أنزلها وهو يُلقي نظرةً جانبيةً على السيدة بجواره. كانت تربت بالزبد على لُقيمات من الخبز وتُلقي بها في فمها، مغمغِمةً أثناء ذلك: «لا يمكنني أن آكل سوى أصغر الوجبات الخفيفة، أصغر الوجبات الخفيفة فحسب.» «ذلك لا يمنعكِ من تناول الشراب يا ماري، أليس كذلك؟» أطلقت ضحكةً مقهقِهة وضربت على كتفه بمروحتها المطوية. «يا إلهي، يا لك من مخادع!» هسهس النادل الهَرِم بمزيج من الإيطالية والفرنسية في أذن إميل: «اللعنة، فلتضئ لي.» عندما أضاء المصابيحَ أسفل صحنَي التسخين والضيافة المعدنيَّين على طاولة التقديم، بدأت رائحة الشيري الساخن، والقشدة، والكركند تفوح في الغرفة. كان الهواء ساخنًا، ومليئًا بالطنين، والعطر، والدخان. بعد أن عاون إميل في تقديم الكركند على طريقة نيوبرج وأعاد ملء الكئوس، اتكأ على الحائط، ومرَّر يده فوق شعره الرطب. انزلق نظره تجاه كتفَين لحميَّين لامرأة أمامه، ثم نزل على ظهرها الأملس حيث ظهر مشبك فضي صغير غير مقفول أسفل زركشة الدانتيل. لف الرجل الأصلع الرأس الجالس بجوارها ساقه حول ساقها. كانت شابة، في عمر إميل، وظلَّت تنظر لأعلى في وجه الرجل بشفتَين مفتوحتَين ورطبتَين. جعل هذا إميل يشعر بالدوار، ولكنه لم يستطع التوقف عن النظر. قال الرجل ذو الألماسة مصدِرًا صريرًا عبر فمه الممتلئ بالكركند: «ولكن ما الذي حدث لِفيفي الجميلة؟» وتابع: «أظن أنها حقَّقت نجاحًا مرةً أخرى هذا المساء ممَّا جعل سهرتنا المتواضعة لا تروق لها.» «إن الأمر من شأنه أن يجعل أيَّ فتاةٍ مترفِّعةً.» قال الرجل ذو الألماسة ضاحكًا: «حسنًا، ستتفاجأ مفاجأة عمرها الصغير إن توقعت أننا سننتظرها. ها، ها، ها. أنا لم أنتظر أحدًا في حياتي، ولن أنتظر أحدًا الآن.» دفع الرجل ذو الوجه المستدير بطبقه على الطاولة وكان يلعب بالسوار في معصم السيدة الجالسة بجواره. «أنتِ الليلة يا أولجا تمامًا في جاذبية فتيات لوحات جيبسون.» قالت رافعةً قدحها أمام الضوء: «ها أنا أجلس جلسة فتاةٍ تستعد أن تُرسم الآن.» «أعلى يد جيبسون؟» «لا، بل على يد رسام حقيقي.» «أُقسم أنني سأشتري تلك اللوحة.» «ربما لن تتسنَّى لك الفرصة.» أومأت له برأسها ذي الشعر الأشقر المصفَّف بتسريحة بومبادور. «إنكِ لمشاكسة صغيرة وماكرة يا أولجا.» ضحكت مبقيةً شفتَيها محكمتَين فوق أسنانها الطويلة. كان رجل يميل في اتجاه الرجل ذي الألماسة، ناقرًا بإصبع قصير وبدين على الطاولة. «كلا يا سيدي، كمقترح عقاري، فإن شارع ٢٣ قد انهار … وقد اعترف الجميع بذلك … ولكن ما أريد أن أحدِّثك عنه في سرية بعض الوقت يا سيد جودالمينج، هو هذا … كيف تُجنى جميع الأموال الطائلة في نيويورك؟ عائلات أستور، وفاندربيلت، وفيش … في مجال العقارات بالطبع. إن الفرصة أصبحَت مواتيةً أمامنا الآن لتحقيق ربحٍ كبير … نكاد نصل … فلنشترِ في شارع ٤٠ …» رفع الرجل ذو الألماسة حاجِبًا وهزَّ رأسه. «لقضاء ليلة في أحضان الجمال، أوه ضع الهموم جانبًا … أو شيء من هذا القبيل … اللعنة أيها النادل، لمَ تأخَّرت الشامبانيا؟» نهض وسعل في يده، ثم بدأ في الغناء بصوته الناعق: صفَّق الجميع. كان النادل الهَرِم قد قسَّم لتوِّه كعكة ألاسكا، بوجه متورِّد كالبنجر، وكان ينزع فِلينة شامبانيا جامدة. عندما فرقعت الفِلينة، أطلقت السيدة ذات التاج صرخة. شربوا نخب الرجل ذي الألماسة. نَخب كونه رجلًا جيدًا وبهيجًا … مال الرجل ذو الأنف المنقاري وسأل الفتاة الجالسة بجانبه: «ماذا تطلقون على هذا الطبق؟» كان شعرها الأسود مفروقًا من المنتصف، وكانت ترتدي فستانًا أخضر باهتًا بكُمَّين منتفخَين. غمز ببطء ثم حدَّق بشدة في عينَيها السوداوَين. «هذا أفخم طعام وضعتُه يومًا في فمي … أتعلمين أيتها الشابة، إنني لا آتي كثيرًا إلى هذه المدينة … (ابتلع صبابة كأسه). وعندما آتي إلى هنا، فإنني أشعر عادةً بالاشمئزاز بعض الشيء عندما أغادر …» تفحَّصت نظرتُه البرَّاقة والمحمومة من أثر الشامبانيا معالمَ عنقها وكتفَيها، وتجوَّلت للأسفل إلى ذراعها العاري. «ولكني أظن بعض الشيء هذه المرة …» قاطعته بوجه متورِّد: «لا بد أن في هذا آفاقًا لِحياة عظيمة.» «كانت حياةً عظيمة في الأيام الخوالي، كانت حياةً صعبة ولكنها كانت حياة الرجال … أنا سعيد أنني جنيت ثروتي في تلك الأيام … فما كنت لأحصل على الحظ نفسه الآن.» نظرت إليه. «يا لك من متواضع في تسميته حظًّا!» كان إميل يقف خارج باب الغرفة الخاصة. لم يعد هناك ما يُقدَّم. مرَّت به الفتاة الصهباء من غرفة المعاطف وفي ذراعها معطف كبير متهدِّب بقبعة. ابتسم محاوِلًا جذب انتباهها. فتنشقت ورفعت أنفها في الهواء. لن تنظر إليَّ لأنني نادل. سأُريهم عندما أجني بعض المال. أتى النادل الهَرِم هامسًا في أذنه: «اطلب من تشارلي زجاجتَي مويت وشاندون أُخريَين، من الزجاجات ذات المذاق الأمريكي.» كان الرجل ذو الوجه المستدير واقفًا. «السيدات والسادة …» ارتفع صوت مزمِّر: «الصمت في حظيرة الخنازير …» قالت أولجا بصوت شديد الهدوء: «الخنزير الكبير يريد أن يتحدَّث.» «السيدات والسادة، نظرًا للغياب المؤسف لنجمتنا نجمة مدينة بيثيلهم والممثِّلة المتفرِّغة …» قالت السيدة ذات التاج: «لا تسبَّ يا جيلي.» «السيدات والسادة، لست معتادًا على …» «أنت ثمل يا جيلي.» «… أيًّا كان اتجاه المد … أعني سواء أسارت الرياح في اتجاهنا أم في عكسه …» جذب شخص الرجل ذا الوجه المستدير من ذيل معطفه، فجلس بغتةً على الكرسي. قالت السيدة ذات التاج متوجِّهةً إلى رجل طويل الوجه بلون التبغ كان يجلس في نهاية الطاولة: «إنه لأمر مروِّع … إنه لأمر مروِّع أيها الكولونيل، تلك الهيئة المزرية التي يصبح عليها جيلي عندما يسكر …» كان الكولونيل يفك بإتقان لُفافة القصدير من على حبة سيجار. قال متثاقلًا: «يا للهول، أمَا تقولينه صحيح؟» كان وجهه جامدًا فوق شاربه الرمادي الكث. «ثمة حكاية غاية في الرعب عن أتكنس الهَرِم المسكين، إليوت أتكنس الذي اعتاد أن يكون مع مانسفيلد …» قال الكولونيل ببرود شديد وهو يفصل نهاية السيجار بمطواة صغيرة ذات قبضة من اللؤلؤ: «أحقًّا؟» «قل لي يا تشيستر، هل علمت أن مابي إيفانز كانت تُحقِّق نجاحًا؟» «بأمانة يا أولجا لا أعلم كيف تفعل ذلك. فليس لها شخصية مميزة …» «حسنًا، لقد ألقى حديثًا، ثملًا كلورد كما تعلم، في إحدى الليالي عندما كانوا في جولة في كانساس …» «إنها لا تستطيع الغناء …» «لم يُبلِ الرجل المسكين بلاءً جيدًا قط تحت الأضواء الساطعة …» «إنها لا تتمتَّع بأقل مقوِّمات الشخصية …» «وقد ألقى خطابًا كخطابات بوب إينجيرسول نوعًا ما …» «الرجل الهَرِم المسكين … آه، لقد عرفته جيدًا بالخارج في شيكاغو في الأيام الخوالي …» «أحقًّا؟» أمسك الكولونيل بعناية بعود ثقاب مشتعل ووجَّهه نحو طرف سيجاره … «وقد كان هناك وميض برق مروِّع وكرة نار دخلت من إحدى النوافذ وخرجت من الأخرى.» «هل … قُتل؟» زفر الكولونيل نفخة من دخان أزرق في اتجاه السقف. صاحت أولجا صارخة: «ماذا، هل قلت إن بوب إينجيرسول قد صعقه البرق؟» «نال ما يستحقه ذلك الملحد المقيت.» «لا، ليس بالضبط، لكن الأمر أرعبه لدرجةٍ أدرك معها الأشياء المهمة في الحياة، وهو الآن يتردَّد على الكنيسة الميثودية.» «من الطريف عدد الممثِّلين الذين أصبحوا قساوسة.» قال الرجل ذو الألماسة مُصدِرًا صريرًا: «لا يمكن الحصول على جمهورٍ بأي طريقة أخرى.» حام النادلان خارج الباب يستمعان للجَلَبة بالداخل. قال النادل الهَرِم هامسًا بمزيج من الفرنسية والإيطالية: «كومة من الخنازير اللعينة … اللعنة!» هزَّ إميل كتفَيه. «تلك الفتاة السمراء تنظر إليك طوال الليل …» ثم اقترب بوجهه من إميل وغمز. «بالطبع، ربما تحصل على شيء جيد.» «لا أريد أيًّا منهن ولا أيًّا من أمراضهن القذرة.» صفع النادل الهَرِم فخذه. «لا يوجد شباب في هذه الأيام … عندما كنت شابًّا اغتنمت الكثير من الفرص.» قال إميل مُطبِقًا على أسنانه: «إنهن لا ينظرن إليك أصلًا. فما نحن سوى بذلات متحركة.» «تمهَّل قليلًا، ستتعلَّم في النهاية.» انفتح الباب. انحنَوا احترامًا في اتجاه الرجل ذي الألماسة. رسم شخص ساقَي امرأة على مقدمة قميصه. فتورَّدت وجنتاه تورُّدًا واضحًا. وتدلَّى الجفن السفلي لإحدى عينَيه، ممَّا أكسب وجهه الأشبه بوجه حيوان ابن عرس نظرةً غريبة مائلة جانبًا. «ما هذا بحق الجحيم، ما هذا بحق الجحيم يا ماركو؟» هكذا غمغم. «ليس لدينا شيء نشربه … أحضر لنا قدرًا مملوءًا من الشامبانيا.» انحنى النادل الهَرِم وقال بالفرنسية: «على الفور يا سيدي …» ثم بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «أخبِر أوجست يا إميل، في الحال وليكن الشراب مُثلَّجًا جيدًا.» عندما نزل إميل إلى الدهليز، سمع غناءً. كان ذو الوجه المستدير وذو الأنف المنقاري عائدَين من دورة المياه يترنَّحان مُشبِّكَين اليدَين وسط النخيل في الردهة. «هذان الأحمقان اللعينان يصيبانني بالغثيان.» «أجل يا سيدي هذا ليس عشاء الشامبانيا الذي اعتدنا حضوره في فريسكو في الأيام الخوالي.» «آه كانت تلك أيامًا رائعة.» ثبَّت ذو الوجه المستدير نفسه إلى الجدار، وقال: «بالمناسبة، هل رأيت أيها الصديقُ القديم هوليوك ذلك المقال الصغير المنمَّق للغاية حول تجارة المطاط الذي نشرتُه في الجريدة الصباحية … سيجعل ذلك المستثمرين يقرضون … كفئران صغيرة.» «ما الذي تعرفه عن المطاط؟ … إنه ليس جيدًا.» «انتظر وسترى أيها الصديق القديم هوليوك، أو ستخسر فرصة عمرك … سواء أكنتُ سكران أم مستفيقًا، يمكنني أن أشم رائحة النقود … في الهواء.» «لماذا لا تحصل على أي فرصة إذن؟» تحوَّل الوجه الأحمر للرجل ذي الأنف المنقاري إلى اللون الأرجواني؛ إذ انحنى إلى الأمام مطلقًا صيحاتٍ عاليةً من الضحك. قال الرجل الآخر بجدية: «لأنني دائمًا ما أُطلع أصدقائي على حيلي. أنت أيها الفتى، أين هي هنا غرفة الطعام الخاصة؟» بالفرنسية: «من هنا يا سيدي.» مرَّ بهما فستان أحمر ملتفٌّ ذو ثنيات كثنيات الأكورديون، ويعلوه وجه بيضوي صغير تُحيط به تجعُّدات شعر مستوية بنية، وتبرز أسنان لؤلئيَّة في ضحكة من فم فاغر. صاح الجميع: «فيفي ووترز. عجبًا يا عزيزتي الصغيرة فيفي، تعالَي إلى ذراعَي.» رفعوها على كرسيٍّ حيث أخذت تهزُّ قدميها هزاتٍ سريعة، والشامبانيا تقطر من كأسها المائلة. «كريسماس مجيد.» «عام جديد سعيد.» «ليعُد عليكم هذا اليوم …» كان شاب وسيم قد تبعها للداخل يتمايل بصعوبة حول الطاولة ويغنِّي: صاحت فيفي ووترز وبعثرت الشعر الرمادي للرجل ذي الألماسة: «هوبلا.» قفزت نازلةً من فوق الكرسي بركلة قدم، وتبخترت في أنحاء الغرفة، بركلات عالية بتنورتها المنفوشة لأعلى حول ركبتَيها. «أوه لالا، إنها الفرنسية ذات الركلات العالية!» «ترقَّبوا باليه أصحاب القامة القصيرة.» كانت ترتدي في ساقَيها الرشيقتَين جوربَين حريريَّين أسودَين لامعَين على نعلَين متوردَين أحمرَين يومضان في وجوه الرجال. صاحت المرأة ذات التاج: «إنها مجنونة.» هوبلا. كان هوليوك يترنَّح في المدخل وقبعته العالية مائلة على رأس أنفه المتورِّد. أطلقت صيحةً وركلتها. صاح الجميع: «إنه هدف.» «بحق المسيح، لقد ركلتِني في عيني.» حدَّقت فيه لثانية بعينَين مستديرتَين ثم أجهشت بالبكاء فوق مقدمة القميص العريضة للرجل ذي الألماسة. نشجت قائلة: «لن أدع نفسي أُهان هكذا.» «افرك العين الأخرى.» «فليحضر أحد ضِمادة.» «اللعنة، كادت تخلع عينه.» «فلتستدعِ سيارة أجرة أيها النادل.» «أين يمكن العثور على طبيب؟» «سيكلِّفك ذلك كثيرًا يا صديقي القديم.» ضغط على عينه بمنديل مليء بالدموع والدم أحضره إليه ذو الأنف المنقاري متعثِّرًا. احتشد الرجال والنساء عند الباب ووراءه، وكان آخرهم الشاب الأشقر، الذي أخذ يتمايل ويغنِّي: كانت فيفي ووترز تنشج ورأسها على الطاولة. قال الكولونيل الذي كان لا يزال جالسًا حيث هو طوال السهرة: «لا تبكي يا فيفي. إليكِ شيئًا أتوقَّع أنه سيجعلك تشعرين بحال أفضل.» دفع بكأس من الشامبانيا نحوها على الطاولة. شهقت وبدأت في شربها برشفات صغيرة. «مرحبًا يا روجر، كيف حال الفتى؟» «الفتى بأفضل حال، شكرًا لك … ولكنه يشعر بالضجر، ألَا ترين؟ سهرةٌ مع مثل هؤلاء الأوغاد …» «أنا جائعة.» «لا يبدو أن هناك أي شيء متبقٍّ لتناوله.» «لم أكن أعلم أنك ستحضر، وإلا كنت قد أتيت باكرًا، صدقًا.» «أحقًّا كنتِ ستفعلين؟ … حسنًا، هذا لطيف جدًّا.» سقط الرماد من سيجار الكولونيل، فنهض واقفًا. «حسنًا يا فيفي، سأستدعي سيارة أجرة وسنذهب بها في جولة في المتنزَّه …» تجرَّعت الشامبانيا وأومأت مبتهجة. «يا إلهي، إنها الساعة الرابعة …» «معكِ أغطية مناسبة، أليس كذلك؟» أومأت مرةً أخرى. «رائع يا فيفي … أرى أنكِ في هيئة جيدة.» كان وجه الكولونيل الذي يشبه في لونه لون السيجار تنفك قَسَماته مبتسمًا. «حسنًا، هيا هلمي.» نظرت حولها مذهولة. «ألَا أصطحب معي أحدًا؟» «لا داعي إطلاقًا!» وجدا مصادفةً في الردهة الشاب الأشقر، الذي كان يتقيَّأ في هدوء في دلو الحريق أسفل نخلة اصطناعية. قالت مجعِّدةً أنفها لأعلى: «أوه، فلنتركه.» قال الكولونيل: «لا داعي إطلاقًا!» أحضر إميل معطفَيهما. إذ كانت الفتاة الصهباء قد ذهبت إلى المنزل. «اسمع يا ولد.» لوَّح الكولونيل بعصاه. «اطلب لي عربة أجرة رجاءً … وتأكَّد من أن الحصان مناسب ومن أن السائق غير ثمل.» بالفرنسية: «على الفور يا سيدي.» كانت السماء خلف الأسقف والمداخن زرقاء كالياقوت. استنشق الكولونيل ثلاث أو أربع رشفات من الهواء المعبَّأ برائحة الفجر، ورمى سيجاره في المزراب. «أقترح تناول شيء للإفطار في كليرمونت. لم أجد شيئًا مناسبًا لتناوله طوال الليل. تلك الشامبانيا الحلوة بفظاعة، يا للقرف!» قهقهت فيفي. بعد أن تفحَّص الكولونيل ثُنَّات الحصان وربت على رأسه، ركبا العربة. لف الكولونيل ذراعه بعنايةٍ حول فيفي وانطلقا في طريقهما. وقف إميل لبرهة عند باب المطعم يفرد تجاعيد ورقة بقيمة خمسة دولارات. كان متعبًا وكان مُشْطا قدمَيه يؤلمانه. عندما خرج إميل من الباب الخلفي للمطعم، وجد كونغو في انتظاره جالسًا على عتبة الباب. كانت لبشرة كونغو مظهر أخضر بارد أعلى ياقة معطفه المهترئة المطوية لأعلى. قال إميل لماركو: «هذا صديقي. أتينا على المركب نفسه.» «أليس لديك زجاجةٌ من النبيذ تحت معطفك؟ يا إلهي، لقد رأيت بعض الدجاج الجيد يخرج به من هذا المكان.» «ولكن ما الأمر؟» «فقدت وظيفتي، هذا كل ما في الأمر … لم أعد أُريد أن أتعامل مع ذلك الرجل. تعالَ واشرب القهوة.» طلبوا القهوة وكعك الدونات في عربة طعام على قطعة أرض فارغة. سأل ماركو بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «حسنًا، هل تُحب هذا البلد الكريه؟» «لمَ لا؟ أنا أُحب أي مكان. فكل الأماكن سواء؛ في فرنسا تكسب القليل ولكنك تعيش حياةً جيدة، وهنا تكسب الكثير ولكنك تعيش حياةً سيئة.» بالإيطالية: «هذا البلد حاله مقلوب رأسًا على عقب.» «أظن أنني سأعود إلى البحر مُجدَّدًا …» قال الرجل ذو الوجه الشبيه بثَمَرة القرنبيط، والذي رمى بأقداح القهوة الثلاثة على المنضدة: «لماذا لا تتعلَّمون الإنجليزية بحق الجحيم؟» أجاب ماركو: «إذا تحدَّثنا الإنجليزية، فلربما لا يعجبك ما نقوله.» «لماذا طردوك من العمل؟» بالفرنسية: «تبًّا! لا أعرف. تجادلت مع البعير الهَرِم الذي يدير المكان … كان يعيش بجوار الإسطبلات، وبالإضافة إلى غسيل العربات كان يجعلني أنظِّف أرضيات منزله … وزوجته لها وجه كهذا.» زمَّ كونغو شفتَيه وحاول أن يبدو كالأحول. ضحك ماركو. قال بالإيطالية: «اللعنة!» «كيف كنت تتحدَّث معهما؟» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «كانا يشيران إلى الأشياء، وكنتُ أومئ برأسي وأقول حسنًا. كنت أذهب إلى هناك في الساعة الثامنة وأعمل حتى الساعة السادسة، وكانا يكلِّفانني كل يوم بأشياء كريهة أكثر … ليلة أمس طلبا مني تنظيف المرحاض في الحمام. هززت رأسي … ذلك عمل المرأة … غضبَت غضبًا شديدًا وبدأَت تصرخ. كنت بدأتُ في تعلُّم الإنجليزية … وقلتُ لها اذهبي إلى الجحيم … ثم جاء الرجل الهَرِم وطاردني في الشارع بسوط العربة وقال إنه لن يدفع لي أجري الأسبوعي … وبينما كنا نتجادل طلب رجلًا من رجال الشرطة، وعندما حاولت أن أشرح للشرطي أن الرجل الهَرِم مدين لي بعشرة دولارات نظير الأسبوع، قال ارحل أيها الإيطالي الحقير، وضربني على رأسي بهِراوته … اللعنة إذن …» احمرَّ وجه ماركو. «أقال لك أيها الإيطالي الحقير؟» أومأ كونغو برأسه موافقًا وفمه ممتلئ بكعك الدونات. تمتم ماركو بالإنجليزية: «ما هو سوى أيرلندي حقير. لقد سئمت هذه المدينة العفنة …» بمزيج من الإنجليزية والإيطالية: «هذا هو الحال نفسه في جميع أنحاء العالم، الشرطة تضربنا، والأغنياء يسرقون أجورنا المعدومة، والخطأ خطأ مَن؟ … اللعنة! خطؤك، وخطئي، وخطأ إميل …» «إننا لم نصنع العالم … بل هم من صنعوه أو ربما الإله هو من صنعه.» «الإله في صفهم، مثله مثل الشرطة … عندما يحين الوقت سنقتل الإله … أنا من أنصار الفوضى.» همهم كونغو بالفرنسية: «اللعنة على البرجوازيين.» «هل أنت واحد منا؟» هزَّ كونغو كتفَيه. «لستُ كاثوليكيًّا أو بروتستانتيًّا؛ أنا مفلس وبلا عمل. انظر إلى ذلك.» أشار كونغو بإصبع متسخ إلى شق طويل في ركبة بنطاله. «تلك هي الفوضى … اللعنة، سأذهب إلى السنغال وأصبح زنجيًّا.» ضحك إميل وقال: «أنت تبدو زنجيًّا بالفعل.» «لذلك يسمونني كونغو.» تابع إميل قائلًا: «ولكن ذلك كله سخف. فالناس جميعهم سواء. كل ما في الأمر أن هناك بعض الناس قد تقدَّموا وآخرين لم يتقدَّموا … لذلك أتيت إلى نيويورك.» بمزيج من الإيطالية والإنجليزية: «تبًّا، لقد ظننت ذلك أيضًا منذ ٢٥ سنة … عندما تصبح هَرِمًا مثلي ستعرف جيدًا. ألَا تشعر أحيانًا بالعار هنا؟ هنا» … طرق ببراجم أصابعه على مقدمة قميصه … «أشعر بحرارة وكما لو كان هناك غُصة هنا … ثم أقول لنفسي تشجَّع فَيَومنا آتٍ، يوم تسيل الدماء.» قال إميل: «أنا أيضًا أعد نفسي. ولكني أقول لنفسي عندما يكون لديك بعض المال أيها الفتى.» «اسمع، قبل أن أغادر تورينو عندما ذهبتُ آخر مرة لرؤية أمي، حضرتُ اجتماعًا للرفاق … نهض رجل من كابوا للتحدُّث … كان رجلًا وسيمًا للغاية، وطويلًا وشديد النحافة … قال إنه لن تعود هناك سلطة عندما لا يحيا أحد بعد الثورة على عمل الآخرين … الشرطة، والحكومات، والجيوش، والرؤساء، والملوك … كل ذلك يمثِّل السلطة. السلطة ليست شيئًا حقيقيًّا؛ إنها وهم. إن العامل هو الذي يخترع كل ذلك لأنه يؤمن به. اليوم الذي نتوقف فيه عن الإيمان بالمال والمِلكية سيكون ما ولَّى كحلم عندما نستيقظ. لن نصبح بحاجة إلى القنابل أو المتاريس … الدِّين، والسياسة، والديمقراطية؛ كل ذلك للإبقاء علينا في حالة الغفلة … يجب أن يجوب الجميع أرجاء البلاد منادين في الناس: استيقظوا!» قال كونغو: «عندما تنزل إلى الشارع سأكون معك.» «هل تعرف ذلك الرجل الذي أتحدث عنه؟ … ذلك الرجل، إريكو مالاتيستا، هو أعظم رجل في إيطاليا بعد جاريبالدي … قضى حياته كلها في السجن والمنفى، في مصر، وفي إنجلترا، وفي أمريكا الجنوبية، وفي كل مكان … إن كان بإمكاني أن أصبح رجلًا مثله، لا يهمني ما يفعلونه؛ يمكنهم أن يعدموني، أن يطلقوا النار عليَّ … لا يهمني … أنا سعيد للغاية.» قال إميل ببطء: «ولكن لا بد أن رجلًا كهذا مجنون. لا بد أنه مجنون.» تجرَّع ماركو آخر رشفة من قهوته. «مهلًا. أنت صغير للغاية. ستفهم … واحد تلو الآخر يجعلوننا نفهم … وتذكَّر ما قلتُه … ربما سأكون مسنًّا، ربما سأكون قد مت، لكنه سيأتي اليوم الذي يستيقظ فيه العُمال من العبودية … ستُقيمون الإضرابات في الشارع وستهرب الشرطة، وستذهب إلى المصرف حيث يُسكب المال على الأرض ولن تنحني لتلتقطه، لا شيء أفضل من ذلك … إننا نُعد أنفسنا في جميع أنحاء العالم. هناك رفاق حتى في الصين … كانت ضاحيتك الصغيرة في فرنسا هي البداية … فشلت الاشتراكية. حان الوقت للفوضويين أن يوجِّهوا الضربة التالية … وإن فشلنا فسيكون هناك آخرون …» تثاءب كونغو، وقال: «أشعر بالنعاس الشديد.» بالخارج، كان الفجر بلون الليمون يغمر الشوارع الفارغة، حيث كان يقطر من الأفاريز، ومن قضبان سلالم الطوارئ، ومن حوافِّ صناديق القُمامة، كاسرًا كتل الظل بين الأبنية. كانت مصابيح الشوارع مطفأة. عند الناصية، نظروا إلى شارع برودواي الذي كان ضيقًا ومسفوعًا كما لو أن نارًا قد طالته. قال ماركو، وصوته متحشرج في حلقه: «لا أرى الفجر مطلَقًا لدرجة أنني لا أقول لنفسي ربما … ربما اليوم.» تنحنح وقرع قاعدة عمود إنارة، ثم غادرهما بخطوته المتمايلة، مستنشقًا دفقات قويةً من الهواء البارد. «أصحيحٌ يا كونغو أنك تريد العودة للعمل في البحر؟» «لمَ لا؟ أود أن أرى العالم قليلًا …» «سأفتقدك … وسيكون عليَّ البحث عن غرفة أخرى.» «ستجد صديقًا آخر لتُشارِكه غرفتك.» «ولكن إذا فعلتَ ذلك فستظل بحَّارًا طوال حياتك.» «وماذا يهم؟ عندما تصبح غنيًّا وتتزوَّج سآتي لزيارتك.» كانا يسيران في الجادة السادسة. دوَّى صوت قطار سريع فوق رأسَيهما مخلِّفًا صلصلة طنين لتتلاشى وسط عوارض السكة الحديدية بعد مروره. «لمَ لا تبحث عن عمل آخر وتبقى لبعض الوقت؟» أخرج كونغو سيجارتَين منحنيتَين من جيب صدر معطفه، وأعطى واحدةً لإميل، وأخرج عود ثقاب لإشعال سيجارته، وترك الدخان يخرج بطيئًا من أنفه. «لقد سئمت الوضع هنا كما أخبرتك …» وضع يده أفقيًّا على تفاحة عنقه، قائلًا: «إلى هنا … ربما سأعود للوطن وأزور فتيات بوردو الصغيرات … فعلى الأقل لا يرتدي جميعهن البَلِّين … سأنضم باعتباري متطوِّعًا في البحرية وأرتدي قبعةً ذات كرة مزركشة حمراء … الفتيات يُعجبن بذلك. تلك هي الحياة الوحيدة التي أراها … السُّكر وإحداث الفوضى يوم دفع الرواتب ورؤية الشرق البعيد.» «وتموت مصابًا بالزهري في أحد المستشفيات في سن الثلاثين …» «وماذا يهم؟ … إن جسمك يجدِّد نفسه كل سبع سنوات.» كانت رائحة الدرج في منزلهما ذي الغرف المفروشة للإيجار كرائحة الملفوف والجِعَة الفاسدة. صعدا متعثِّرَين ومتثائبَين. «إن الانتظار لأمر شاق وكريه … إنه يجعل أخمصَي قدمَيك يؤلمانك … انظر، سيكون يومًا جيدًا؛ يمكنني أن أرى الشمس على حاوية الماء في الجهة المقابلة.» خلع كونغو حذاءه وجوربه وبنطاله وتكوَّر في السرير كالقط. تمتم إميل وهو يمدِّد نفسه على الحافة الخارجية للسرير: «تلك الستائر القذرة تُدخل الضوء كلَّه.» تقلَّب مضطربًا فوق المُلاءة المجعَّدة. وكانت أنفاس كونغو الواصلة إليه منخفضةً ومنتظمة. فكَّر إميل، فقط لو كنت كذلك، لا يقلقني شيء … ولكن ليس هكذا تتقدَّم في العالم. يا إلهي، هذا غباء … إن ماركو مختل، ذلك الأحمق الهَرِم. ورقد على ظهره ناظرًا لأعلى إلى البقع الصدئة على السقف، يرتجف في كل مرة يهزُّ فيها قطارٌ مارٌّ الغرفة. بحق الإله المقدس، يجب أن أدخر المال. عندما تقلَّب، اهتزَّت ألواح السرير وتذكَّر صوت ماركو الأجش الهامس: لا أرى الفجر مطلقًا لدرجة أنني لا أقول لنفسي ربما. ••• قال سمسار المنازل: «لو تأذن لي بلحظة يا سيد أولفسن. بينما كنت أنت والسيدة تفكِّران في الشقة …» وقفا جانبًا متلاصقَين في الغرفة الفارغة، ينظران من النافذة إلى شارع هدسون الذي يغلب عليه لون الأردواز والسفن الحربية الراسية ومركب شراعي ينحرف عكس التيار. التفتت إليه فجأةً بعينَين براقتَين، وقالت: «أوه يا بيللي، فقط فكِّر في الأمر.» وضع ذراعه على كتفَيها وسحبها تجاهه ببطء. «يمكنكِ تقريبًا استنشاق رائحة البحر.» «فكِّر قليلًا يا بيللي في أننا سنعيش هنا، في طريق ريفير سايد درايف. سيكون عليَّ قضاء يوم في المنزل … السيدة وليام سي أولفسن، ٢١٨ طريق ريفير سايد درايف … تُرى هل سيكون من الصواب وضع العنوان على بطاقات زيارتنا.» أخذت بيده وقادته عبر الغرف الفارغة النظيفة التي لم يعِش فيها أحد من قبل. كان رجلًا كبير الحجم بطيء الحركة ذا عينَين زرقاوَين شاحبتَين وغائرتَين في رأس طفولي أبيض. «هذا يكلِّف الكثير من المال يا بيرثا.» «يمكننا تحمُّله الآن، بالطبع يمكننا ذلك. يجب أن نعيش بما يتناسب ودخلَنا … منصبك يتطلَّب ذلك … وفكِّر في كَم السعادة التي سنكون فيها.» رجع سمسار المنازل إلى الردهة فاركًا يدَيه. «حسنًا، حسنًا … آه، أرى أننا قد توصَّلنا إلى قرار مبشِّر بالخير … أنت حكيم للغاية أيضًا؛ فليس هناك موقع أجمل في مدينة نيويورك، وفي غضون بضعة شهور لن تتمكن من الحصول على أي شيء في هذا الطريق بأي مقابل.» «أجل سنأخذه من أول الشهر.» «جيد جدًّا … لن تندم على قرارك يا سيد أولفسن.» «سأُرسل لك شيكًا بالمبلغ في الصباح.» «وقتما يناسبك … وما عنوانك الحالي من فضلك؟ …» أخرج سمسار المنازل دفترًا وبلَّل عَقِب قلم رصاص بلسانه. «يُفضَّل أن تكتب فندق أستور.» تقدَّمت أمام زوجها. «أمتعتنا مخزَّنة حاليًّا.» احمرَّ وجه السيد أولفسن. «و… و… نريد اسمَين لشخصَين يمكن الرجوع إليهما في مدينة نيويورك من فضلك.» «إنني أعمل لدى كيتنج وبرادلي، مهندسَين صِحيَّين، ٤٣ بارك أفنيو …» أضافت السيدة أولفسن قائلة: «لقد ترقَّى لتوه إلى منصب مساعد المدير العام.» عندما خرجا إلى الطريق وسارا وسط المدينة في عكس اتجاه ريح شديدة، صاحت قائلة: «أنا سعيدة جدًّا يا حبيبي … ستصبح حياتنا حقًّا تستحق العيش الآن.» «ولكن لماذا أخبرتِه أننا نُقيم في فندق أستور؟» «لم أستطع أن أُخبره أننا نقيم في حي ذا برونكس، كيف لي أن أُخبره بذلك؟ كان سيظن أننا يهود ولن يؤجِّر لنا الشقة.» «ولكنكِ تعلمين أنني لا أُحب ذلك.» «حسنًا، يمكننا ببساطة الانتقال إلى فندق أستور لِمَا تبقَّى من الأسبوع إذا كنت تريد أن تشعر بالصدق الشديد … لم أُقِم في حياتي في فندقٍ كبيرٍ في وسط المدينة.» «أوه يا بيرثا، إنها مسألة مبدأ … إنني لا أُحبك أن تكوني كذلك.» التفتت ونظرت إليه بفتحتَي أنفٍ مرتعشتَين. «أنت رخو للغاية يا بيللي … كنت أتمنَّى أن يكون زوجي متمتِّعًا بالرجولة.» سحبها من ذراعها. وقال بخشونة ووجهٍ منصرف عنها: «لنسِر هنا.» سارا في تقاطع طرق بين الأبنية. وعند إحدى النواصي، كان النصف الواهن لبيتٍ ريفي ذي ألواح مضادة للمطر لا يزال قائمًا. كان هناك نصف غرفة على جدارها ورق حائط مرسوم عليه زهور زرقاء، متآكل بفعل آثار دخان مدفأة، تحوَّلت إلى بقع بنية، وخزانة محطمة داخل الجدار، وهيكل سرير حديدي منحنٍ. ••• كانت الأطباق تنزلق بلا نهاية عبر أصابع بود السمينة. وتفوح حوله روائح القُمامة ورغوة الصابون. يمسح الأطباق بدورتَين بالممسحة الصغيرة، ثم يغمرها بالمياه، ثم يشطفها، ثم يكوِّمها في الرف كي يجفِّفها الفتى اليهودي الطويل الأنف. كانت ركبتاه مبلَّلتَين من سكب المياه، وكان الشحم يزحف إلى ساعدَيه، ويتشنَّج مرفقاه. «تبًّا، هذا عمل لا يليق برجل أبيض.» قال الفتى اليهودي وسط صلصلة الأطباق ودبيب واضطراب الموقد حيث كان ثلاثة طهاة متعرِّقين يقلون البيض ولحم الخنزير وشرائح الهامبورجر ويحمِّرون البطاطس ومفروم اللحم المحفوظ: «لا يهمني شيء ما دمت أجد طعامي.» قال بود ممرِّرًا لسانه حول فمه لإزاحة قطعة من اللحم المملَّح هرَسَها بلسانه في سقف فمه: «بالطبع آكل جيدًا.» يمسح الأطباق بدورتَين بالممسحة الصغيرة، ثم يغمرها بالمياه، ثم يشطفها، ثم يكوِّمها في الرف كي يجفِّفها الصبي اليهودي الطويل الأنف. سادت لحظة هدوء. أعطى الفتى اليهودي بود سيجارة. وقفا متكئَين على الحوض. «لا توجد طريقة لجني الأموال من غسيل الأطباق.» تمايلت السيجارة بين شفتَي الفتى اليهودي البدينة وهو يتكلَّم. قال بود: «هذه ليست وظيفةً مناسِبة لرجل أبيض على الإطلاق. من الأفضل الانتظار؛ فهناك البقشيش.» دخل رجل يرتدي قبعةً دربية عبر الباب المتأرجح من المطعم السريع. كان رجلًا كبير الفك وذا عينَين كعينَي خنزير، وكان يلتصق خارجًا من منتصف فمه باستقامة سيجار طويلًا. لمحه بود وشعر بوميض بارد يلوي أحشاءه. همس: «من ذلك؟» «لا أعلم … أظنه زبونًا.» «ألَا يبدو لك أنه أشبه بأحد المحقِّقين؟» «كيف لي أن أعرف بحق السماء؟ لم أدخل السجن من قبل.» احمرَّ وجه الفتى اليهودي ومد فكَّه. وضع مساعد النادل كومةً جديدة من الأطباق المتسخة. يمسح الأطباق بدورتَين بالممسحة الصغيرة، ثم يغمرها بالمياه، ثم يشطفها، ثم يكوِّمها في الرف. عندما مرَّ الرجل ذو القبعة الدربية البُنية راجعًا عبر المطبخ، ثبَّت بود نظره على يدَيه السمينتَين الحمراوَين. حتى وإن كان محقِّقًا، فماذا بحق الجحيم … عندما أنهى بود تنظيف دفعة الأطباق، مشى إلى الباب ماسحًا يدَيه، وأخذ معطفه وقبعته من فوق الشماعة وانسلَّ خارجًا من الباب الجانبي مارًّا بصفائح القُمامة وخرج إلى الشارع. من الحماقة إضاعة ساعتَين مدفوعتَي الأجر. في نافذة محل نظارات، كانت الساعة الثانية وخمسًا وعشرين دقيقة. مشى في شارع برودواي، مارًّا بميدان لينكولن، عبر دوَّار كولومبوس، ووصل إلى وسط المدينة نحو مركز كل شيء حيث المزيد من الازدحام. ••• استلقت وركبتاها منحنيتان إلى ذقنها، وشَدت ثياب نومها بقوة أسفل أصابع قدمَيها. «تمدَّدي واخلدي إلى النوم يا عزيزتي … عِدي أمك أنكِ ستنامين.» «ألن يأتي أبي ويقبِّلَني قبلة ما قبل النوم؟» «سيفعل عندما يرجع إلى المنزل؛ فقد رجع إلى المكتب وأنا ذاهبة إلى السيدة سبين جارن للعب الورق.» «متى سيرجع أبي إلى المنزل؟» «قلت لكِ يا إيلي اخلدي إلى النوم … سأترك المصباح مضاءً.» «لا يا أمي، إنه يصنع ظلالًا … متى سيعود أبي إلى المنزل؟» أرادت إيلي أن تبسط قدمَيها، ولكنها كانت خائفة. ولم تجرؤ على صرف عينَيها عن الحرف المقلوب في زاوية الباب. إذا أغمضت عينَيها، فسيذهب عنها الضوء. بجوار السرير، من ستائر النافذة، ومن الخزانة، ومن أسفل الطاولة اندفع الظل مصرصِرًا نحوها. أمسكت بإحكام بكاحلَيها، ودفعت بذقنها بين ركبتَيها. ظهرت الوسادة منتفخةً في الظل، حيث كانت الظلال المتقلبة تزحف إلى سريرها. إذا أغمضت عينَيها، فسيذهب عنها الضوء. كان الزئير الغامض المتواصل في الخارج يذوب عبر الجدران جاعلًا الظلال المتعانقة ترتجف. أخذ لسانها ينقر في أسنانها كدقات الساعة. تصلَّب ذراعاها وساقاها، كما تيبَّس عنقها، وكانت على وشك الصراخ. صراخ يعلو دوي الضوضاء الجنونية بالخارج، صراخ يجعل أباها يسمعها ويعود إلى المنزل. التقطت أنفاسها وانكمشت مرةً أخرى. ليت أبي يعود. تداخلت الظلال المدوية وتراقصت، وترنَّحت تدور وتدور. ثم كانت تبكي، وكانت عيناها مليئتَين بالدموع الدافئة المُطمَئِنَّة، التي كانت تسيل فوق وجنتَيها وإلى داخل أذنَيها. تقلَّبت وأخذت تبكي ووجهها مدفون في الوسادة. ••• اختلجت مصابيح الغاز لبعض الوقت في الشوارع الأرجوانية من أثر البرودة، ثم اختفى ضوءُها تحت أثر الفجر المُتَّقِد. يسير جاس ماك نيل، والنوم لا يزال يداعب عينَيه، بجوار عربته مُؤرجِحًا سلةً من الأسلاك ممتلئةً بزجاجات الحليب، ويتوقف عند الأبواب جامعًا الزجاجات الفارغة، ويصعد السلالم الباردة مستعيدًا كيف يميِّز بين درجات الحليب المختلفة وأنصاف اللترات من القشدة والحليب الرائب، بينما تُصبح السماء خلف الأفاريز، والخزانات، وقمم الأسقف، والمداخن ورديةً وصفراء. يتلألأ الصقيع على عتبات الأبواب وحواف الأرصفة. ويترنَّح الحصان ذو الرأس المتدلَّى قافزًا من باب إلى آخر. هناك، يظهر أول آثار أقدام داكنة على الرصيف المفروش بالصقيع. تقرقع عربة جِعة ثقيلة في الشارع. صاح جاس ماك نيل في شرطي يلوِّح بذراعَيه عند ناصية الجادة الثامنة، قائلًا: «مرحبًا يا مويكي، تشعر ببعض البرودة، أليس كذلك؟» «مرحبًا جاس. ألَا يزال البقر يُنتج الحليب؟» كان ضوء النهار قد انتشر عندما ضرب أخيرًا باللجام الرِّدفَ الهزيل لفرسه الخَصِي ورجع إلى منتجات الألبان، حيث تثب الزجاجات الفارغة وتهتز في العربة وراءه. في الجادة التاسعة، ينطلق قطار بالأعلى مصلصِلًا في وسط المدينة خلف محرِّك أخضر صغير تنبعث منه بقع من الدخان بيضاء وكثيفة كالصوف القطني، وتذوب في الهواء الغِرِّ بين المنازل المتجمدة ذات النوافذ السوداء. التقطت الأشعة الأولى للشمس النقشَ المُذهَّب «نبيذ وكحوليات دانييل ماك جيليكودي» عند ناصية الجادة العاشرة. لسان جاس ماك نيل جاف وللفجر مذاقٌ مالح في فمه. من شأن صفيحةٍ من الجِعَة أن تجعله يشعر بتحسُّن في صباح بارد كهذا. لفَّ اللجامَ حول السوط وقفز فوق العجلة. شعر بوخزٍ في قدمَيه المخدرتَين عندما اصطدمتا بالرصيف. دقَّ برجلَيه لاستعادة تدفُّق الدم إلى أخمصَي قدمَيه، واندفع عبر البابَين المتأرجحَين. «اللعنة عليَّ إن لم يكن هذا هو بائع الحليب، جالبًا لنا نصف لترٍ من القشدة لقهوتنا.» بصق جاس في وعاء البصق المُلمَّع لتوه بجوار الحانة. «أيها الفتى، إنني عطشان …» قال الساقي مزمجرًا بوجهٍ أشبه بشريحة لحم مربَّعة: «لقد شربت الكثير من الحليب مرةً أخرى يا جاس، أنا متأكد من ذلك.» تفوح من الحانة رائحة منظِّف المناضد والنشارة الطازجة. عبر نافذة مفتوحة، داعب شعاع متورِّد لضوء الشمس ردف امرأة عارية تتكئ في هدوء كبيضة مسلوقة فوق فَرشة من السبانخ في صورةٍ ذات إطار مذهَّب خلف منضدة الحانة. «حسنًا يا جاس، فيمَ ترغب في صباح بارد وجميل كهذا؟» «أظن أن الجِعَة ستكون اختيارًا جيدًا يا ماك.» تصاعدت الرغوة في الكأس، مهتزةً لأعلى، وتساقطت. مسح الساقي أعلى الكأس بملعقة خشبية، ممَّا جعل الرغوة تسكن لبرهة، ثم وضع الكأس مرةً أخرى أسفل صنبور يُصدر صريرًا ضعيفًا. يضع جاس عقبه بارتياح على السياج النحاسي. «حسنًا، كيف حال العمل؟» تجرَّع جاس كأس الجِعَة وأشار بيدٍ مبسوطة للأمام إلى عنقه قبل أن يمسح بها فمه. «بلغ الأمر الحلقوم … سأُخبرك بما سأفعل، سأذهب إلى الغرب، وسآخذ أرضًا فارغة في داكوتا الشمالية أو في أي مكان آخر وسأزرع القمح … أُتقن جيدًا العمل في المزارع … أما العيش هنا في المدينة، فلا جدوى منه.» «ما رأي نيللي في ذلك؟» «لن يروق الأمر لها في البداية؛ فهي تُفضِّل وسائل الراحة في المنزل وكل ما اعتادت عليه، غير أنني أظن أنها سيُعجبها الوضع عندما نذهب إلى هناك كذلك. فهذه ليس حياةً مناسبة لها أو لي أيضًا.» «معك حق. فهذه المدينة في طريقها إلى الدمار … سأبيع أنا والفتيات ما لنا هنا في يوم من الأيام عمَّا قريب حسب ظني. إن استطعنا أن نشتريَ مطعمًا لائقًا في الحي السكني أو نُزلًا على الطريق، فهذا ما سيناسبنا. أضع عينَي على عقار صغير خارج طريق برونكسفيل، على مسافة يسهل الوصول إليها بالسيارة.» متأمِّلًا يرفع قبضته الشبيهة بالمطرقة إلى ذقنه. «لقد سئمت من طرد هؤلاء السكارى الملاعين كل ليلة. اللعنة، أتركتُ الحَلبة لأستمر في القتال؟ آخرها ليلة أمس؛ إذ بدأ رجلان الشجار، وكان عليَّ أن أتشاجر مع كلٍّ منهما كي يغادرا المكان … لقد سئمت من الشجار مع كل سِكير في الجادة العاشرة … أترغب في مشروب آخر على حساب المكان؟» «يا إلهي، أخشى أن تشم نيللي رائحة الكحول مِني.» «أوه، لا تبالِ لذلك مطلقًا. لا بد أن نيللي قد اعتادت على شربك بعضَ الخمر. فزوجها الهَرِم يحبُّه كثيرًا.» «ولكني صدقًا يا ماك لم أسكر ولو مرةً منذ زفافنا.» «لا ألومهم. فنيللي فتاة جميلة حقًّا. وتلك التجعيدات الصغيرة في شعرها تسلب الرجال عقولهم.» أرسل كأس الجِعة الثانية إحساسًا بالتورُّد اللاذع والرغوي إلى أنامل جاس. فصفع فخذه ضاحكًا. «إنها كقشرة البيضة، هذه هي طبيعتها يا جاس، وهي سيدة شديدة الرقي كذلك.» «حسنًا، أعتقد أنني سأرجع إليها.» «يا لك من شيطان صغير محظوظ أن تعود إلى المنزل لتنام في سريرك مع زوجتك، بينما نستهل جميعًا الذهاب للعمل!» ازدادت حمرة وجه جاس المتورِّد. وخدرت أذناه. «أحيانًا تكون لا تزال في الفراش … وداعًا يا ماك.» خرج داقًّا بقدمَيه في الشارع مجدَّدًا. ازداد الصباح وَحشة. إذ استقرَّت السُّحب الكئيبة فوق المدينة. صاح جاس وهو يهز رأس الفرس الخَصِي: «انهض يا ذا الجلد والعظام المُسنة.» الجادة الحادية عشرة ممتلئة بالغبار الجليدي، وقعقعة سحق العجلات، واحتكاك الحوافر على الأرض المرصوفة بالحصى. وفي مسارات السكة الحديدية، تُسمع جلجلة جرس قاطرة ودبيب تفريغ عربات البضائع. جاس في الفراش مع زوجته يتحدَّث إليها برِفق. اسمعي يا نيللي، لا تمانعين من أن ننتقل إلى الغرب، أليس كذلك؟ لقد أرسلت طلبًا للحصول على أرض مزرعة فارغة في ولاية داكوتا الشمالية، إنها أرض ذات تربة سوداء حيث يمكننا جني كومة من المال بزراعة القمح؛ فبعض الرجال أصبحوا أغنياء بعد خمس غلات جيدة … وهي حياة صحية أكثر للأطفال على أي حال … «مرحبًا يا مويكي!» لا يزال مويكي الهَرِم المسكين في نوبة عمله. إن العمل شرطيًّا فيه تعرُّض للبرودة. أُفضِّل أن أكون مزارعًا للقمح وأن يكون لديَّ بيت مزرعة كبير، وحظائر، وخنازير، وخيل، وبقر، ودجاج … وتُطعم نيللي الدجاج عند باب المطبخ بشعرها الجميل المجعَّد … صاح رجل مناديًا جاس من فوق حافة الرصيف: «مرحبًا، يا إلهي … انتبه للعربات!» ينفرج فم صائحًا أسفل قبعة ذات حافة، ويلوِّح علَم أخضر. «يا إلهي، إنني فوق قضبان السكك الحديدية.» حوَّل رأس الحصان بقوة. اصطدمت العربة خلفه متصدعة. العربات، والحصان الخَصي، والعلم الأخضر، والمنازل الحمراء تدور وتتلاشى في الظلام.
|
{
"chapter": "الحاضرة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/1.2/"
}
|
انتصبْتُ واقفًا على الفور، وأنا أصيح بأعلى صوت وأُلَوِّحُ بيدي في جنون. وتواثبتُ في مكاني، وأنا أصرخ مناشدًا من فيها أن يتوقفوا، أن يسمعوني، أن يروني. «أنا هنا! هنا! أنا هنا!» ولم أتوقف إلا عندما بدأ حلقي يؤلمني وعجزتُ عن الصياحِ. واستمرت الناقلة تسير ببطء وإغراء يغيظ بحذاء الأفق. لم تستدر، وأدركت عندها أنها لن تستدير. كنت أعرف أيضًا أنه لن يكون فيها من ينظر تجاهنا، وحتى لو نظر أحدهم فإن هذه الجزيرة كلها لن تبدو أكثر من أَكَمَة بعيدة غائمة على الأفق. كيف يمكنهم إذن أن يروني؟ لم يكن في وُسْعِي سوى أن أستمرَّ في النظر، عاجزًا ومذهولًا، والناقلة تمضي لا تلوي على شيء في طريقها، ويزداد ابتعادها عني حتى بدأت تختفي فوق الأفق. واستغرق ذلك الصباح كله، فكان صباحًا من اللوعة الرهيبة. وبينما كنت واقفًا على قمةِ تلِّ المراقبة أتطلع إلى البحر، أحسست بأن يأسي قد حل مَحَلَّه غضب ملتهب. لو أنه سُمح لي بأن أُبقي على النار، لظلَّت الفرصة قائمة على الأقلِّ في أن يلمحوا الدُّخان. صحيح أن العجوز قد أحضر لي فراشًا من حصير، وملاءة أتغطى بها، وصحيح أنه يرعاني ويُبْقيني على قيد الحياة، ولكنه أيضًا حكم عليَّ بالحبس. وعندما غاب آخر أثر للناقلة عن بصري، قَطَعْتُ على نفسي عهدًا بألَّا أدع مثل هذه الفرصة تفلت من يدي مرة أخرى. وتحسست جيبي فوجدت أنني ما زلت أحتفظ بقطعة الزجاج التي أُشعل بها النار. وصممت أن أُشعل النار، لسوف أستوقد نارًا أخرى، ولكن ليس على الشاطئ حيث يستطيع العثور عليها بل هنا فوق تلِّ المراقبة، خلف الصخور، وبعيدًا تمامًا عن عينه، حتى إن كانت لديه نظارات مُقَرِّبة، وكان عليَّ أن أفترض الآن أن لديه هذه النظارات. لسوف أجمع قدرًا من الأخشاب يكفي لإقامة منار عظيم، لكنني لن أوقد فيه النار، بل سأُتمُّ تجهيزه وأنتظر اللحظة التي ألمح فيها إحدى السفن. كنت أقول في نفسي ما دامت هذه السفينة قد أتت فسوف تأتي سفينة أخرى، بل لا بد أن تأتي، وعندما تأتي، سأكون مستعدًّا بزجاجة إشعال النار، وبمخزون من أوراق الأشجار النحيلة مثل ورق الكتابة، والجافة جفافًا مطلقًا. ولسوف أشعل نارًا عظيمة تتصاعد منها ألسنة لهيب جبارة، وترتفع منها إشارة شاهقة من الدخان، بحيث يتحتمُّ على السفينة التالية التي يتصادف مرورها أن تلاحظها. وهكذا لم أعد أقضي أيامي جالسًا وحسب فوق تلِّ المراقبة أنتظر، بل كنت أقضي كلَّ ساعة هناك في بناء المنار. كنت أَجُرُّ فروعًا ضخمة فوق الركام الصخريِّ من الغابة أسفله وأضعها في كومة عالية، ولكن في جانب التل المواجه للبحر، وهو المكان المثالي الذي يتيح للسفن مشاهدته عند إشعال النار فيه، وفي الوقت نفسه لا يتيح لعين العجوز الفاحصة أن تلمحه، وكنت أعتبره الآن السجَّان الذي يحبسني. ولا شكَّ أنه سوف يراقبني، وكنت واثقًا من ذلك كلَّ الثقة. ولذلك حَرَصْتُ على ألَّا يلمحني إطلاقًا أثناء قيامي بإحضار الحطب وحمله، كان من المحال على أحد أن يعرف ما أفعلُ إلَّا إذا نظر من ناحية البحر، ولم تكن في البحر أية عيون ترقبني. وقضيْتُ عدة أيام في العملِ الشاقِّ ببناء مناري السريِّ. وكنت قد قاربت الانتهاء منه عندما اكتشف أحدهم فعلًا ما أنا بصدده، لكنه لم يكن العجوز. كنت أحمل فرعًا هائلًا وأضعه فوق الكومة حين أحسست فجأة بظلّ يغشاني. كانت سعلاة تقف فوق الصخرة العلوية وتنظر إليَّ من عَل، لكنني لم أكن واثقًا أنها كانت نفس القرد الذي شاهدته من قبل. كان واقفًا على أطرافه الأربعة، وقد تحدَّبت كتفاه العظيمتان، وخفض رأسه، وجعل ينظر إليَّ نظرة جانبية. لم أجرؤ على الحركة. كانت مواجهة صامتة، كتلك التي حدثت من قبل على الشاطئ. واعتدل في جلسته وظل ينظر إليَّ باهتمام فاتر برهة من الوقت، ثم حَوَّلَ بصره عني، وحكَّ وجهه في غير مبالاة، ثم انحدر هابطًا التلَّ، وإن توقَّف مرَّة واحدة ليلقي عليَّ نظرة من فوق كتفه قبل أن يواصل سيره في ظلِّ الأشجار ويبتعد، وخطر لي وأنا أرقبه أنه ربما كان مُرْسَلًا للتجسس عليَّ، وربما عاد ليخبر الرجل العجوز بما شاهدني أفعله. أعرف أنها كانت فكرة سخيفة مضحكة، لكنني أذكر أنها خطرت ببالي. وهبت عاصفة على الجزيرة تلك الليلةَ، عاصفة رهيبة عاتية، وكان هزيم الرعد الرهيب المصاحب للبرق عاليًا، إلى جانب صخب الأمطار وزفيف الرياح، حتى استحال عليَّ تمامًا أن أنام. كانت الأمواج العالية تهدر في البحر، وتلطم الشاطئ وتهزُّ الأرضَ من تحتي. وفَرَشْتُ حصير نومي في آخر مكان بالكهف، وكانت ستلا ترقد بجانبي، بل في أحضاني، وكم أحببت ذلك! ولم تسكن العاصفة إلا بعد أربعة أيام كاملة، ولكن — حتى في ذروة طُغْيانها — كنت لا أزال أجد سلة السمك والفواكه في انتظاري كل صباح تحت صفيحتي، وهي التي كان العجوز يحشرها الآن حشرًا تحت الرفِّ الصخريِّ. والتزمت أنا وستلا بمأوانا ومخبئنا في الكهف، ولم نكن نرى سوى سياط المطر المنهمر خارجه. وكنت أتطلع في رهبة إلى قوة الأمواج الجَبارة المنحدرة من المحيط العريض، فكانت تتكور وتهوي وتتفجر وهي تتكسر على الشاطئ، كأنما كانت تحاول تقطيع الجزيرة بالضرب المتوالي ثم ابتلاعنا جميعًا في جوف اليم، وكثيرًا ما كنت أفكر في أمي وأبي والسفينة بيجي سو، وأتساءل في نفسي: تُرى أين الجميع الآن؟ وكل ما كنت أرجوه هو أن يكونوا قد نَجَوْا من هذا الإعصار المداريِّ الذي شَهِدْتُه، ويُسمى إعصار «التايفون». ثم حدث ذات صباح أن توقفَت العاصفةُ فجأة مثلما هبت فجأة. وسَطَعَت الشمس في السماء الزرقاء، واستأنفت الغابة سيمفونية أصواتها بعد انقطاعها، فخرجتُ من الكهف، وانطلقتُ فتسلقتُ تلَّ المراقبة فورًا؛ لأنظر إن كانت هناك سفينة، ربما تكون قد خرجت عن مسارها، وربما كانت قد أوت إلى الجزيرة كي تحتمي بها من العاصفة. لكنني لم أشاهد شيئًا. وخاب أملي، لكنني — على الأقل — رأيت مناري لا يزال منتصبًا. كان البَلَلُ يغمره بطبيعة الحال، لكنه كان سليمًا. كان البلل يغشى كل شيء. وكان من المحال إشعالُ النارِ الآن، حتى يجفَّ كلُّ شيء. كان الجو حارًّا وخانقًا طول النهار. ولم يكن من اليسير أن أتحرك على الإطلاق، بل كان التنفس عسيرًا. لم يكن في وسع ستلا إلا أن ترقد وتلهث. وكان مكان الابتراد الوحيد هو البحر، فقضيتُ معظم ذلك النهار في الاسترخاء في الماء، متكاسلًا، وإن كنت أحيانًا أرمي بعصي حتى تحضرها ستلا وتشعر بالسعادة. كنت شبه راقد في الماء، لا أفعل سوى أن أطفو مع أحلام اليقظة، حين سمعت صوت الرجل العجوز. كان يجري على الشاطئ مهرولًا نحوي، وهو يصيح بنا ويُلَوِّحُ بعصاه بشدة في الهواء. وقال الرجل: «ياميرو! أبوناي! خطر. تفهم؟ لا سباحة.» لم يكن يبدو أنه غاضب مني، مثلما كان من قبل، وإن بدا من الواضح أن شيئًا ما أزعجه. ونظرْتُ حولي. كان صدرُ البحر لا يزال يصعد ويهبط، وإن كان ذلك بِلُطْف ورِقَّة، كأنما كان يزفر آخر زفرات العاصفة، وكانت الأمَواج تتهادى بفتور وتسكن منهكة على الشاطئ. لم أكن أستطيع أن أرى أي خطر خاص. وأجبته: «ولمَ لا؟ ماذا هناك؟» وكان قد ألقى عصاه على الشاطئ وجعل يخوض في الماء تجاهي من خلال الأمواج. «لا سباحة. داميدا! أبوناي! لا سباحة.» وإذا به يمسكني من ذراعي ويقودني قسرًا إلى خارج ماء البحر. كانت قبضته مثل الكماشة. لم تكن هناك فائدة في المقاومة. ولم يطلق سراحي إلا عندما عُدْنا إلى الشاطئ. ووقف يلهث عدة لحظات. «خطر. بالغ السوء. أبوناي!» وكان يشير إلى البحر وهو يتكلم. «لا سباحة. بالغ السوء. لا سباحة. هل تفهم؟» وكان يحدق في عينيَّ تحديقًا صارمًا، حتى لا يَدَعَ لديَّ شكًّا في أن ما يقولُه ليس مجرد نصيحة بل هو أمر لا بدَّ لي من طاعته. ثم استدار وابتعد داخلًا الغابة، بعد أن التقط عصاه مرة ثانية. وجَرَت ستلا خلفه، لكنني دعوتها للعودة. وشعرتُ في تلك اللحظة أنني أريد أن أتحداه وأَعْصِيَهُ صراحة. لسوف أنزل البحر من جديد ولسوف ألهو وألعب بأقصى ما أستطيعه من صخب واستفزاز. لسوف أُلَقِّنُه درسًا. كان بي غضب شديد من هذا الظلم الفادح. فلقد منعني أولًا من إشعال النار، ثم نفاني بعدها وحدد إقامتي في أحد طرَفَي الجزيرة، وهو الآن لا يسمح لي حتى بالسباحة. كنت أريد أن أشتمه بكل الشتائم التي أعرفها، لكنني لم أفعل. ولم أعد إلى السباحة في البحر أيضًا. واستسلمت. سَلَّمْتُ له بما أراد، لأنني مرغم. فأنا في حاجة إلى طعامه وشرابه. وكان عليَّ أن أنفِّذ ما يقوله حتى يجفَّ تمامًا مناري الخشبيُّ، وحتى تأتي السفينة التالية. ومع ذلك، فقد صنعتُ من الرمل تمثالًا بالحجم الطبيعي له على الأرض خارج كهفي، وجعلت أتواثب فوقه غضبًا وإحباطًا، فأحسست ببعض الراحة، وإن لم تكن راحة كبيرة. وباستثناء ما كان ينتابني عَرَضًا من آلام الحنين للوطن والإحساس بالوحشة، وهي الآلام التي كانت تعصر حشايَ عصرًا، كنت قد نجحت بصفة عامة في الحفاظ على روحي المعنوية العالية. ولكن صبري نفد. إذ ظل مناري مبتلًّا لا يريد أن يجفَّ. وكنت كلَّ يوم أصعد تلَّ المراقبة آملًا أن ألمح سفينة، والبحر يمتدُّ أمامي كلَّ يوم وفي جميع الاتجاهات خاليًا خاويًا. وازداد باطراد إحساسي بالعزلة وبالشقاء. وقررت آخر الأمر ألا أصعد تلَّ المراقبة أبدًا، فلا غَنَاء في ذلك. وبدلًا من ذلك كنت أمكث في كهفي، وأتكور فوق حصير فراشي ساعات طويلة أثناء النهار. كنت أرقد هنا غارقًا في أحزاني، وقد سيطر على فكري خاطر أوحد هو اليأس الذي أواجهه، وكيف أنني لن أنجح يومًا ما في الخروج من هذه الجزيرة، وأنني سوف أموت هنا، وأن أمي وأبي لن يعرفَا أبدًا حتى ما حدث لي. لن يعرف أحد ذلك إلا العجوز، المجنون، سَجَّاني الذي يضطهدني. وظل الجو ثقيل الوطأة مشبَّعًا بالرطوبة. كم كنت أودُّ أن أغطس في المحيط، لكنني لم أجرؤ. فالمؤكد أنه لن يغفل عن مراقبتي. وكل يوم يمر كان يزيد من كراهيتي لذلك الرجل، على الرغم من مواصلته إحضار السمك والفواكه والماء إليَّ. ربما كنت أحسُّ بالضيق والاكتئاب، لكنني كنت أشعر أيضًا بالغضب. وبدأ هذا الغضب تدريجيًّا يولِّد في نفسي تصميمًا جديدًا على الهرب، ورفع هذا التصميم روحي المعنوية. فاستأنفت صعود تلِّ المراقبة كلَّ يوم، وبدأت أجمع مخزونًا جديدًا من أوراق الشجر والأغصان الجافة من حافة الغابة، خَبَّأْتُها جميعًا في شَق عميق من شقوق الصخر حتى أضمن دائمًا أنها جافَّة، عندما تحين اللحظة المناسبة. وكان مناري قد جفَّ آخر الأمر، فأَضَفْتُ إليه الكثير حتى ارتفع وزاد ارتفاعه. وعندما فعلت كلَّ ما في طوقي جلست في انتظار اللحظة المنشودة، وكنت واثقًا أنها سوف تأتي، يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، كنت أجلس فوق تلِّ المراقبة وقد وضَعْتُ زجاجة إشعال النار، بعد صقلها، في جيبي، ومناري جاهز ينتظر. وقد تصادف أنه حينما حانت اللحظة المنتظرة لم أكن فوق تلِّ المراقبة! إذ حدث أنني خرجت ذات صباح من كهفي، والنعاس لا يزال برأسي فشاهدتها. سفينة! كانت سفينة ذات أشرعة غريبة لونها بني ضارب إلى الحمرة، وقلت في نفسي إنها سفينة من نوع «اليَنْك» الصيني ذي القاع المسطح، ولم تكن على مسافة بعيدة داخل البحر. وغلبني الانفعال فانطلقت في عجل واضطراب أجري على الشاطئ، صائحًا صارخًا هاتفًا بكل ما أوتيت من قوة. ولكنني أدركت فورًا أن الأمر ميئوس منه، فرغم أن السفينة لم تكن بعيدة بُعْدًا كبيرًا في البحر، فإنها كانت أبعد من أن يراني من فيها أو يَسْمَعَني أحدهم. وحاولت تهدئة نفسي، وحاولت التفكير … النارُ! أُشْعِلُ النارَ! وغدوتُ أجري طول الطريق صاعدًا التل دون أن أتوقف مرة واحدة، وستلا في أعقابي كظلِّي وهي تنبح. وكانت الغابة من حولي تضجُّ بأصوات النقيق والوقوقة والصراخ الحاد احتجاجًا على ذلك الإزعاج المفاجئ. وجهزت مخزوني من أوراق الشجر الجافة وأمسكت بزجاجة إشعال النار ثم قبعت بجوار المنار لإشعال ناري. لكنني كنت أرتجف من فرط الانفعال والإرهاق فلم أستطع الحفاظ على ثبات يدي إلى الحد اللازم. وهكذا بنيتُ هيكلًا من الغصون ووضعتُ الزجاجة فوقه، مثلما سبق لي أن فعلت. وعندها جلسْتُ إلى جواره، راجيًا أن تضطرم النار في ورق الشجر. وكلما نظرْتُ إلى البحر وجدت تلك السفينة، أو اليَنْك. كانت تبتعد ببطء عنَّا، ولكنها كانت لا تزال هناك. كنت أشعر كأنما مرَّ عليَّ دهر في جلستي قبل أن ألمح خيطًا رفيعًا من الدخان، وبعد ذلك بقليل وهجًا رائعًا لألسنة النار الجميلة الرائعة، وهي تنتشر في طرف ورقة من أوراق الأشجار. وانحنيت فوقها حتى أنفخ فيها كي تضطرم. وفي تلك اللحظة أبصرت قدميه، فرفعت بصري. كان العجوز واقفًا قبالتي، وقد امتلأت عيناه غضبًا واستياءً. لم يتفوَّه بحرف واحد، بل انطلق يخمد ناري الوليدة. واختطف من يدي زجاجة إشعال النار ورمى بها بعيدًا على الصخرة أسفل التلِّ فَتَفَتَّتَتْ وتناثَرَتْ شظاياها. لم أكن أملك إلا أن أنظر ما يحدث وأبكي، وهو يحطم مناري ويُلْقي بالغصون والفروع واحدًا بعد الآخر إلى أسفل التلِّ. وفي أثناء ذلك تجمع حشد من قرود السعالي لمشاهدة ما يحدث. وسرعان ما اختفى مناري عن آخره ولم يبق منه شيء. لم يعد حولي فوق الركام الصخريِّ سوى أطلال المنار المتناثرة، وانتظرت منه أن يصرخ في وجهي، لكنه لم يفعل، بل تكلم بهدوء شديد وهو يضغط عامدًا على الحروف، قائلًا: «داميدا.» وصِحت قائلًا: «ولكن لماذا؟ فأنا أريد العودة للوطن. وهناك سفينة في البحر، ألا تستطيع أن تراها؟ كل ما أريده هو العودة إلى الوطن وحَسْب. لماذا لا تدعني أرجع؟ لماذا؟» ووقف وهو يحدق فيَّ. وخُيِّل إليَّ في لحظة أنني لمحت بريق الفهم في عينيه. وعندها انحنى انحناءة حادة من وسطه، وقال: «جوميناساي. جوميناساي. آسف. آسف جدًّا.» وبعدها تركني في مكاني وانطلق عائدًا إلى الغابة، ومن خلفه السعالي. وظللت جالسًا أرقب سفينة اليَنْك وهي تبتعد حتى لم تعد سوى نقطة على حافة الأفق، بل لم أعد أحتمل النظر إليها. وعندما حانت هذه اللحظة كان رأيي قد استقرَّ على أفضل صورة لعصيانه. كان الغضب قد بلغ مني مبلغًا لم أعد معه أكترث بالعواقب. لم أعد آبه. فقمت وستلا بجانبي وانطلقت أمشي على الشاطئ حتى وصلت إلى الحد الفاصل الذي رسمه على الرمل بيننا فوقفت، ثم تجاوزْتُه بصورة عامدة، كما تعمدْتُ وأنا أتجاوزه أن أجعله يعرف تمامًا ما كنت أفعله. وهتفتُ بصوت عال: «هل تراني أيها العجوز؟ انظر! لقد تجاوزت الحدود فدخلت منطقتك. لقد عَبَرْتُ الحدَّ الفاصل السخيف. والآن سوف أستحمُّ. لا يهمني ما تقول. لا يهمني أن تمتنع عن إطعامي. هل تسمعني أيها العجوز؟» وعندها استدرْتُ وانطلقْتُ على الشاطئ فنزلْتُ البحر. وجَعَلْتُ أسبحُ بقوة ونشاط حتى أصابني الإنهاك الشديد وابتعدْتُ كثيرًا عن الشاطئ. وظللتُ أضرب الماء بأقدامي طافيًا وأَضْرِبُ بيدي سطح الماء في غضبي حتى بدأ يُرغي ويُزبد من حولي. وصحت أقول: «البحر ينتمي لي مثلما ينتمي لك. وسوف أسبح فيه وقتما أشاء.» وشاهدته عند ذلك. ظهر فجأة على حافة الغابة. كان يصيح ببعض الألفاظ الموجهة لي، ويُلَوِّحُ بعصاه في الهواء. وكانت هذه هي اللحظة التي أحسست فيها بالألم، كان ألمًا لاذعًا كاويًا في قفاي، ثم في ظهري وذراعيَّ أيضًا. وشاهدت أحد قناديل البحر يطفو بجواري: كان أبيضَ شفافًا، وله أذرع تتحسَّسني. حاولت السباحة من جديد لكن قنديل البحر جاء خلفي لاصطيادي. كان الألم مباشرًا فوريًّا مُبَرِّحًا. وتغلغل الألم في سائر جسمي مثل صدمة كهربائية واحدة متصلة. وأحسست أن عضلاتي قد تصلبت. وجعلت أرفس الماء محاولًا العودة إلى الشاطئ لكنني لم أستطع، وأحسست أن رجليَّ مشلولتان، وذراعيَّ أيضًا. كنت أغرق. ولم يكن في طوقي أن أمنع نفسي من الغرق. وشاهدت قنديل البحر يقف مستعدًا لتوجيه ضربته القاضية أمامي الآن. وصَرَخْتُ، فامتلأ فمي بالماء. كنت أختنق. كنت على شفا الموت. كنت على وشك الغرق لكنني لم أكْتَرثْ. كل ما أردتُه هو أن يتوقفَ الألم. وكنت أعرف أن الموت سوف يقضي على الألم.
|
{
"chapter": "أبوناي!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/6/"
}
|
مع الشكر لإيزابيلا هتشنز، وتيرنس بَكْلر، والأستاذ سيجو تونيموتو وأسرته، لما تعطَّفوا به من عوْن في إعداد هذا الكتاب.
|
{
"chapter": "إهداء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/0.2/"
}
|
يقولون إن الماء يغطي ثُلُثَي سطح الأرض، والواقع أن الأمر يبدو كذلك عندما تكون في البحر، بل وهو ما تشعر به أيضًا. ماء البحر، وماء المطر؛ كله بَلَل في بلل! كنت معظم الوقت مبتلًّا بَلَلًا كاملًا. كنت أرتدي الملابس اللازمة، إذ كان الربَّان دائمًا يستوثق من ذلك، ولكن البلل كان يتسرب إلى جسمي بصورة ما. وفي أسفل السفينة كان كل شيء مبتلًّا، حتى الأكياس المُبطَّنَة المعدَّة للنوم، ولم نكن نستطيع تجفيف أي شيء إلا عندما تسطع الشمس ويتوقف صدر البحر عن الصعود والهبوط! وعندها نأتي بكل شيء إلى ظهر السفينة، وإذا بسفينتنا بيجي سو وقد ارتدت الملابس كلها، وامتلأ حبل الغسيل من آخر السفينة إلى مقدمها. وكانت العودة إلى الجفاف بعد البلل متعة حقيقية، لكننا نعرف أنها لن تستمر طويلًا. قد تظنُّ أنه لم يكن لدينا عمل كثير يشغلنا نحن الثلاثة في السفينة، يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع. ولكن ذلك خطأ مؤكد، فلم تكن تمر علينا لحظة هدوء طيلة النهار، وكان لديَّ دائمًا ما يشغلني: طيُّ الشراع، وإنزالُه بالرافعة، وإرخاءُ الحبال، وقيامي بنوبتي عند عجلة القيادة، وهو ما كنت مولعًا به، أو مساعدة والدي في أعمال الإصلاح والترقيع التي لا تنتهي، فكان كثيرًا ما يحتاج إلى مساعد له حتى يقبض على الخشبة مثلًا أثناء الحفر أو دق المسامير أو إدخال البراغي أو النشر، وكنت دائمًا أقوم بالمسح والتنظيف، أو بإعداد الشاي، أو غسيل الأطباق، أو أعمال التجفيف. ولن أكون صادقًا إن قلت إنني كنت أحب ذلك كله، ولكن العمل الدائب لم يدع للملل لحظة واحدة! لم يكن مسموحًا بالبطالة إلا لعضو واحد من أعضاء طاقم السفينة — ستلا أرتوا — وكانت دائمًا دون عمل. ولمَّا لم تكن تجد ما يستحق النُّباح في صفحة البحر العريض، كانت تقضي الأيام العاصفة متكورة على نفسها في سريري في غرفتي أسفل السفينة. لكنه عندما يصفو الجو وتشرق الشمس كانت عادة ما تقوم بالمراقبة في مقدمة السفينة، منتبهة لأي شيء؛ أي شيء آخر سوى البحر. والمؤكد أنه إذا بدا أي شيء فلا بد لها أن تلمحه بسرعة: مجموعة من خنازير البحر مثلًا، تغطس في الأمواج وتخرج منها، أو أسرة من الدلافين التي تسبح بجوار بعضها البعض، وقد اقتربت من السفينة إلى الحد الذي يوحي بأنك تستطيع مَدَّ يَدكَ ولمسها! وحيتان، وأسماك القرش، بل والسلاحف البحرية؛ رأيناها جميعًا. وكانت والدتي تلتقط صورها بالفيديو والكاميرا العادية، وكنت ووالدتي نتشاجر حتى نستخدم المنظار المقرب. ولكن ستلا أرتوا كانت في جوها الطبيعي، وعاد لها طبع كلبة الرعي، فأخذت تصدر أوامرها بالنباح على كائنات البحر، حتى تجمعها في قطيع واحد من أعماق البحر. وعلى الرغم مما كانت تسببه لنا من ضيق — إذ كانت تُشيِعُ رائحة بللها في كل مكان — فإننا لم نندم يومًا على اصطحابها معنا في هذه الرحلة، فقد كانت مصدر تسرية وسلوى لنا. فعندما كان البحر يضطرب بنا ويُخَضْخِضُنا، وتشعر والدتي بدوار البحر حتى يكاد يُغشى عليها، كانت تهبط إلى أسفل السفينة وتجلس ممتقعة اللون شاحبة، وعلى حجرها ستلا تلاطفها وتتلقى ملاطفتها. وعندما كنت أشعر بالرعب من الأمواج العالية كالجبال وصرخات الريح الداوية، كنت أتكور مع ستلا في مرقدي بالسفينة، وأدفن رأسي في عنقها وأحتضنها بشدة. وفي مثل تلك الأوقات — ولا أظن أنها كانت كثيرة، لكنني أذكرها بدقة شديدة وحسب — كنت دائمًا أضع كرة إدي بالقرب مني أيضًا. أصبحت كرة القدم بمثابة تعويذة أو تميمة تجلب الحظ، وبدا لي أنها تجلبه فعلًا، فالواقع أن كل عاصفة كانت تهدأ في النهاية، وكنا لا نزال بعدها أحياء، سالمين، ونطفو فوق صفحة الماء. كنت أتمنى أن ينسى والدي ووالدتي مسألة الواجبات الدراسية، وكان يبدو في البداية أنهما نَسِيَا الموضوع كله، لكننا ما إن تغلبنا على عدة عواصف، وما إن استقر بنا الحال وانطلقنا في طريق رحلتنا، حتى أجلساني وأخبراني الخبر المزعج، وهو أنني شئت أم أبيت، لا بد أن أواصل دراستي، ولم تكن والدتي تقبل المناقشة في هذا الأمر. كنت أدرك أن استنجادي بوالدي لن يأتي بنتيجة. فلم يفعل سوى أن هَزَّ كتفيه قائلًا: «ماما هي الربَّان»، وبهذا انتهى الموضوع. عندما كنا في المنزل كانت أمي هي أمي وحسب وكنت أستطيع أن أجادلها، وكان ذلك على الأقل من المزايا التي حُرِمْتُ منها على ظهر السفينة بيجي سو حيث لا مناقشة ولا جدال. كانت تلك مؤامرة، إذ اشترك أبي وأمي في وضع برنامج كامل للعمل. كان عليَّ أن أستذكر كتب الرياضيات، وقال أبي إنه سوف يساعدني إذا صادفتني عقبة. وأما منهج الجغرافيا والتاريخ، فكان يقضي بأن أكتشف وأسجل كل ما يخص كل بلد نزوره أثناء طوافنا بالعالم، وكان منهج دراسات البيئة ومنهج الرسم يفرضان عليَّ أن أسجل وأرسم صورًا لجميع الطيور التي نراها، وجميع المخلوقات والنباتات التي نصادفها. وحَرَصَتْ والدتي أيضًا على تعليمي الملاحة البحرية أيضًا، قائلة: «لقد علمني بارناكل بيل، وسوف أتولى تعليمك. أعرف أنها ليست من المقررات الدراسية ولكن لِمَ لا؟ ومن يدري؟ ربما عادت عليك بالفائدة.» وهكذا علمتني كيف أستخدم السُّدْسِيَّة، وهي آلة المساحة الملاحية، وكيف أسجل قراءات البوصلة، وأحدد مسار السفينة على الخريطة. وكان من واجبي تسجيل خطوط الطول والعرض في سِجِلِّ السفينة كل صباح، وكل مساء، وبانتظام دائم. لا أظن أنني كنت انتبهت حقَّا لوجود النجوم من قبل. وأما الآن فكنت كلما أتولى نوبة المراقبة في غرفة القيادة ليلًا، بعد تشغيل جهاز التوجيه الذاتي للسفينة بيجي سو بدوارة الريح، والآخرون نائمون في أسفل السفينة، لم يكن لي رفيق سوى النجوم. وكنت أثناء تحديقي فيها أشعر أحيانًا أننا آخر الأحياء في كوكب الأرض كله، لم يكن هناك سوانا، والبحر المظلم من حولنا وملايين النجوم من فوقنا. وكانت نوبة المراقبة الليلية هي الوقت الذي كثيرًا ما استذكرتُ فيه دروس اللغة، وكانت تتخذ صورة وضع ملاحظاتي الخاصة في سجِلِّ السفينة. لم يكن مفروضًا عليَّ أن أعرضها على والديَّ، لكنهما كانا يشجعانني على الكتابة في السجل مرة كل عدة أسابيع، وقالا إنها سوف تمثل سِجِلِّي الخاص والشخصي لرحلتنا. لم أكن أجيد الكتابة إجادة كبيرة في المدرسة، فلم أكن أستطيع قط أن أجد الأفكار اللازمة للكتابة أو أن أعرف كيف أبدأ، وأما على متن بيجي سو فقد اكتشفت أنني أستطيع أن أفتح السجل وأكتب بيسر، كانت لديَّ دائمًا أفكار كثيرة أريد التعبير عنها. وهذا لُبُّ الموضوع. إذ اكتشفتُ أنني لم أكن أكتبها على الإطلاق بل أقولها وحَسْب. كنت أنطق بها كما تخطر ببالي، وتنطلق في ذراعي حتى تصل إلى أصابعي وقلمي فتتخذ شكلها على الصفحة، وهذه هي الصورة التي تبدو لي فيها الآن بعد مرور كل هذه السنوات، أيْ صورة الكلام الذي تفوهت به. إنني أنظر الآن إلى السجل الخاص بي. لقد تجعدت أوراقه قليلًا واصْفَرَّ لون الصفحات بمُضِي الزمن، وخطي الرديء شحب لونه قليلًا لكنني أستطيع قراءته بسهولة في معظم الأحيان، والملاحظات المسجلة قصيرة، ولكنها تقصُّ القصة كاملة، وفيما يلي أروي كيف سجلتُ أحداث رحلتنا العظيمة، وكيف بدت لعين غلام في الحادية عشرة، ونحن نركب متن المحيطات الشاسعة في هذا العالم على ظهر السفينة بيجي سو.
|
{
"chapter": "الماء، الماء في كل مكان",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/2/"
}
|
النوبة الأولى لمرض السُّل. تَرْكُ الحزب الشيوعي. عودة كامو إلى فرنسا للعمل بجريدة باريسية. يتزوج كامو زوجته الثانية فرانسين فور. يذهب كامو إلى جبال فرنسا للاستشفاء من مرض السُّل. يفترقُ عن زوجته فرانسين التي لا تزال في الجزائر. يقابل عشيقته والممثِّلة الشهيرة ماريا كاساريس في يوم إنزال نورماندي. يدين كامو تفجيرات هيروشيما وناجازاكي. مَولد توءَمَيه، كاثرين وجين. نَشْرُ رواية «السَّقْطة». يدين كامو عَلنًا تدخلات الاتحاد السوفييتي في المجر. ينال كامو جائزة نوبل للآداب.
|
{
"chapter": "المخطط الزمني لحياة ألبير كامو",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/0.4/"
}
|
اختفيتُ في الليلة السابقة لعيد ميلادي الثاني عشر، يوم ٢٨ يوليو ١٩٨٨م. ولم أكن أستطيع قبل الآن أن أروي تلك القصة العجيبة، وها أنا ذا أرويها أخيرًا — القصة الحقيقية. كان كنسوكي قد جعلني أَعِدُهُ بألَّا أقول شيئًا، بل لا شيء على الإطلاق، قبل مرور عشر سنوات على الأقل. ويكاد يكون ذلك آخر ما قاله لي، وما دُمْتُ وَعَدْتُه، فقد اضْطُرِرْتُ أن أعيش في أكذوبة، وتمكنتُ من الكتمان والحفاظ على أكذوبتي فترة ما، لكنه قد انقضى ما يزيد الآن على عشر سنوات، انتهيتُ فيها من الدراسة في المدرسة والجامعة، وتسنَّى لي الوقتُ اللازمُ للتفكير. وهكذا، فمن حق أسرتي وأصدقائي الذين خَدَعْتُهم فترة طويلة أن أخبرهم بحقيقة اختفائي الطويل، وكيف عشتُ حتى أُتيح لي أن أعود من دنيا الأموات. ولكنَّ لديَّ سببًا آخر يدفعني إلى الكلام الآن، وهو سبب أفضل من ذلك كثيرًا، إذ إن كنسوكي كان رجلًا عظيمًا، كريمَ الخُلق، وكان صديقًا لي، وأريد أن يعرِفَه العالم مثلما عَرَفْتُه. كانت الحياة تسير على منوالها الطبيعي حتى بلغت عامِيَ الحادي عشر تقريبًا، وحتى وَصَلَنا الخطاب. كنا أربَعة يعيشون في المنزل: والدتي، ووالدي، وأنا، وستِلَّا أرتوا، كلبة الرعي ذات اللونين الأبيض والأسود، وكانت لها أُذُن تتدلى والأخرى منتصِبة، وكانت دائمًا تعرف، فيما يبدو، ما يوشك أن يحدث قبل حدوثه، ولكنَّ ستلَّا نفسَها لم تكن تستطيع أن تتنبأ بقدرة ذلك الخطاب على تغيير مسار حياتنا إلى الأبد. وأنا أتذكر الآن أن فترة طفولتي الأولى كانت منتظمة وتسير على وتيرة واحدة. فأنا أقطع الطريق كل صباح إلى المدرسة، وكان والدي يسميها «مدرسة القرود»؛ لأنه كان يقول إن الأطفال فيها يصيحون ويصرخون ويتعلقون في أوضاع مقلوبة بجهاز التسلق مثل القرود في الفناء. وكان يناديني دائمًا ﺑ «القرد» عندما يريد السخرية والملاعبة، وكثيرًا ما كان كذلك. وأما اسم المدرسة الحقيقي فهو مدرسة سانت جوزيف، وكنت سعيدًا فيها، أو في أغلب الأحيان على أية حال. فبعد انتهاء الدراسة كل يوم، ومهما تكن حالة الجو، كنت أنطلق إلى الملعب لألعب كرة القدم مع إدي دُودْزْ، أفضل صديق لي في الدنيا، ومع مَطْ وبوبي والآخرين. كانت أرض الملعب يكسوها الطين، فإذا حاولتَ تمريرَ الكرة وَقَفَتْ والتصَقَتْ بالوحل. كان لدينا فريقُنا، الذي أسميناه «مدلاركس»، ومعناه اللاعبون في الطين، وكنا فريقًا قديرًا. وكانت الفرق الزائرة تتوقع — لسبب ما — أن تَرْتَدَّ الكرة حين تصطدم بالأرض، وإلى أن تدرك أنها لن ترتدَّ، نكون نحن قد تفوقنا عليهم بهدفين أو ثلاثة أهداف في حالات كثيرة. أما إذا لعبنا مباريات خارج ملعبنا فلم نكن بنفس المهارة. وفي عطلة نهاية الأسبوع كنت أقوم بتوزيع الصحف على المنازل، لحساب المستر باتل، صاحب الدكان على ناصية شارعنا، وكنتُ أدَّخِرُ أجْري لشراء دراجة تسلُّق، أي إنني كنت أريد أن أركب الدراجة في الطرق الصاعدة في المروج من حولنا مع إدي، ولكن المشكلة هي أنني كنت دائمًا أُنفق ما ادَّخَرْتُه، وما زلت كذلك. أما أيام الأحد، فكانت دائمًا مناسبات خاصة، حسبما أذكر، إذ كنا نُبحر جميعًا في زورق شراعي صغير في مياه الخزان، وكانت ستلا أرتوا تنبح نباحًا شديدًا للزوارق الأخرى كأنما لم يكن من حقها الإبحار أيضًا. وكان أبي يحب ذلك، كما يقول؛ لصفاء الجو ونقاء الهواء وخلائه من تراب الطوب، فقد كان يعمل آنذاك في مصنع الطوب القريب. وكان يتمتع بمهارات يدوية عالية ومولعًا بالعمل اليدوي، وكان يستطيع إصلاحَ أيِّ شيء، حتى لو لم يكن بحاجة إلى الإصلاح، وهكذا كان يشعر في الزورق أنه في مكانه الطبيعي. وكانت والدتي تعمل نصف الوقت في المكتب بمصنع الطوب نفسه، وكانت تستمتع كثيرًا برحلة الزورق. وأذكر أنني شاهَدْتُها ذات يوم جالسة عند ذراع الدفَّة، وقد مدت رأسها إلى الخلف أمام الريح وأخذت نَفَسًا عميقًا ثم هتفت «هذا هو الصواب! هذا هو ما ينبغي أن تكون الحياة عليه! رائعة! رائعة فعلًا.» كانت دائمًا ترتدي القبعة الزرقاء. كانت رُبَّان السفينة الذي لا خلاَفَ عليه؛ فإذا كان النسيم يَهُبُّ من أيَّة جهة، وَجَدَتْ هذه الجهة وحاولت استغلال النسيم. كانت تتمتع باستعداد فطري لذلك. كم قضينا من أيام سعيدة على سطح الماء! كنا نخرج والجو عاصف، عندما يُحْجِمُ الآخرون عن الخروج، وننطلق متواثبين فوق الأمواج، مستمتعين بسرعة الزورق، ولَذَّةِ الانطلاق الخالصة. وحتى عند سكون الهواء، لم نكن نكترث لذلك. وأحيانًا كنا الزورق الوحيد فوق مياه الخزان، وعندها نجلس وحَسْب ونشرع في صيد الأسماك، وأقول بالمناسبة إنني كنتُ أبرعَ من أمِّي وأبي في الصيد، وكانت ستلا أرتوا تقبع خلفنا في الزورق، وقد بدا عليها المَلَلُ من ذلك كله؛ لأنها لا تجد شيئًا تنبحه. ثم وصل الخطاب. التقطَتْه ستلا أرتوا من فتحة الخطابات في الباب وكادت تمزقه، فقد كانت به ثقوب من أنيابها، وكان مبتلًّا، لكننا استطعنا قراءته. كان الخطاب يقول إن مصنع الطوب سوف يُغْلَق، وإن أبي وأمي فَقَدَا وظيفتيهما. كان الصمتُ الرهيبُ يسودُ مائدةَ الإفطار في ذلك الصباح. وبعدها توقفنا تمامًا عن الإبحار في أيام الأحد. ولم يكن لديَّ ما يدعوني إلى السؤال عن السبب. وحاول والدي ووالدتي الحصول على وظائف أخرى، لكنه لم تكن هناك أية وظائف خالية. وساد المنزلَ إحساس بالكآبة والبؤس. كنت أحيانًا أعود إلى المنزل فأجدهما يلتزمان الصمت. كانا يتجادلان كثيرًا، وحول أشياء صغيرة تافهة، ولم يكن هذا عهدهما من قبل على الإطلاق. وتوقف والدي عن إصلاح الأشياء في المنزل. بل ونادرًا ما كان يمكث في المنزل على أية حال، فإذا لم يكن يبحث عن عمل، فهو في المشرب القريب. وكان عندما يعود إلى المنزل يجلس صامتًا وهو يتصفح أعدادًا لا تنتهي من مجلات الإبحار في اليخوت الشراعية. كنت أحاول قدر طاقتي ألَّا أمكث في المنزل وأن ألعب كرة القدم، ولكن إدي كان قد انتقل من مسكنه لأن أباه وجد عملًا آخر في مكان ما في الجنوب. ولم يكن لكرة القدم مذاقُها المميز دون وجوده. وانفرط عِقْد فريق «مدلاركس» بل انفرط عقد كل شيء من حولنا. ثم عدت ذات يوم من أيام السبت بعد جولة توزيع الصحف لأجد والدتي جالسة في أسفل السُّلَّم وهي تبكي. كانت دائمًا قوية صُلبة، ولم أشاهدها من قبل في هذه الحال قط. قالت: «مغفَّل! أبوك مغفَّل يا مايكل! هل تسمع؟» وسألتها: «ماذا فعل؟» وقالت لي: «لقد ذهب!» وتصورتُ أنها تعني أنه ذهب بلا رجعة، لكنها قالت: «لم يشأ أن يصغَى لصوت العقل، لا! بل يقول إنه خطرت له فكرة. لم يخبرني بها، لكنه يقول فقط إنه باع السيارة، وإننا سوف ننتقل إلى الجنوب، وإنه سوف يجد لنا مسكنًا.» وتَنَفَّسْتُ الصعداء، بل شعرتُ بالسرور في الواقع، فلا بد أن الإقامة في الجنوب ستجعلني أقرب من إدي. وأَرْدَفَتْ قائلة: «إذا كان يظن أنني سوف أترك هذا المنزل، فلا بد أن يستعد لمفاجأة! وأؤكد لك!» وقلت لها: «ولماذا لا نتركه؟ ليس لدينا الكثير هنا.» فقالت: «بل لدينا! لدينا البيت أولًا، ثم جدتك، ثم المدرسة.» وقلت لها: «توجد مدارس أخرى»، وإذا بها تحتدم غضبًا، بل زاد غضبها عما عَهِدْتُه فيها في أيِّ يوم من الأيام. وقالت: «تريد أن تعرف القشة التي قصمت ظهر البعير؟ إنها أنت يا مايكل! أعني قيامك بجولة توزيع الصحف هذا الصباح. هل تعرف ما قاله والدك عندها؟ هل تريد أن تعرف؟ سأخبرك! قال لي والدك: «هل تدركين أن هذا هو الأجر الضئيل الوحيد الذي يدخل هذا المنزل، أقصد ما يكسبه مايكل من توزيع الصحف! ماذا تظنين إحساسي إزاء ذلك؟ ابني في الحادية عشرة، وهو يعمل وأنا دون عمل».» وحاوَلَتْ تهدئة نفسها برهة قصيرة قبل أن تواصل حديثها، وقد اغْرَوْرَقَتْ عيناها بالدموع قائلة: «لن أنتقل من هنا يا مايكل. فلقد وُلِدْتُ هنا. لن أذهب مهما يَقُلْ، لن أترك هذا المكان.» كنت في المنزل حين جاءت المكالمة التليفونية بعد نحو أسبوع. كنت أعرف أن أبي هو المتحدث. لم تقل أمي إلا أقل القليل، ولذلك لم أستطع فهم ما يجري، وذلك حتى دَعَتْني إلى الجلوس فيما بعد وأخبرتني. قالت أمي: «يدل صوتُه على أنه قد تغيَّر يا مايكل. أعني أنه عاد إلى طبيعته، بل إلى طبيعته الأولى في الأيام التي تعرَّفتُ إليه فيها أول الأمر. قال إنه وجد لنا مكانًا نقيم فيه. وأضاف قائلًا: «ما عليكما سوى إعداد حقائبكما والمجيء.» اسم المنطقة فيرهام. وهي قريبة من ميناء ساوثامتون. وقال: «إنها تُطلُّ مباشرة على البحر.» لقد أحسستُ اختلافًا كبيرًا فيه، وأؤكد لك ذلك.» والواقع أن والدي بدا رجلًا مختلفًا. كان ينتظرنا عندما هبطنا من القطار، وعيناه تبرقان من جديد ويجلجل بالضحكات. ساعَدَنا في حمل الحقائب وقال: «المكان قريب» وهو يعبث بشعر رأسي. وأضاف: «انتظر حتى تراه أيها القرد! لقد رتَّبْتُ كلَّ شيء، كلَّ شيء! ولن يُجْدِي أن يحاول أحدكما إثنائي عن عزمي. فأنا مصمم عليه.» وسألْتُه: «مصمم على ماذا؟» فقال: «سوف ترى.» وكانت الكلبة ستلا أرتوا تتواثب في الطريق أمامنا، وقد رفعت ذيلها وبدت عليها السعادة. وأعتقد أننا جميعًا كنا سعداء. لكننا في النهاية ركبنا حافلة بسبب ثقل الحقائب الشديد، وعندما غادرنا الحافلة وجدنا أنفسنا على شاطئ البحر مباشرة. ونَظَرْتُ فلم أجد أيَّ منازل من حولنا، لا شيء سوى مَرْسًى لليخوت والسفن الصغيرة. وسأَلَتْهُ والدتي: «ماذا نفعل هنا؟» وأجاب قائلًا: «يوجد من أريد أن تقابلاه، من أصدقائي المقربين، واسمها بيجي سو، وهي تتطلع إلى لقائكما، وقلت لها كل شيء عنكما.» ونَظَرَتْ والدتي إليَّ مُقَطَّبة الجبين في حيرة، لكنني لم أكن أعرف أكثر مما تعرفه. ولم أكن متأكدًا إلا من أنه يتعمد الغموض والإلغاز. وسِرْنا ونحن ننوءُ بِحَمْل الحقائب في الطريق، وطيور النورس تصيح فوقَ رءوسنا، وأشرعةُ اليخوت الراسية المطوية تُصَفِّقُ حولنا، والكلبة ستلا تثرثر عما يجري، حتى وقفنا أخيرًا أمام مطلع خشبي يؤدِّي إلى يَخْت لونه أزرق أدكن براق. ووضع أبي الحقائب على الأرض والتفت إلينا وهو يبتسم ابتسامة عريضة. وقال: «ها هي ذي! فلنبدأ التعارف. هذه هي بيجي سو، منزلنا الجديد. ما رأيكما؟» وبدا أن والدتي متماسكة رغم كلِّ شيء، فلم تَصْرُخْ في وجهه، بل لزمت الصمت التام، وظلت صامتة طيلة استغراقه في الشرح ونحن نحتسي الشاي في مطبخ السفينة السفلي. قال والدي: «لم تكن هذه فكرة خَطَرَتْ لي فجأة، بل لقد فكرت في الأمر طويلًا، على مدى السنوات التي عملت فيها في المصنع. نعم! ربما كنت أحلم بذلك وحسب في تلك الأيام. والأمر غريب عندما أتأمله، فلولا أنني فقدت وظيفتي ما جرؤت قط على فعل ذلك» وتوقف والدي، إذ أدرك أنه لم يشرح شيئًا ثم عاد يقول: «لا بأس، إذنْ! سأقول لكما ما فَكَّرْتُ فيه. ما أحبُّ عمل إلى قلوبنا؟ الإبحار؟ صحيح؟ وهكذا قلتُ في نفسي ألنْ يكون رائعًا أن ننطلق وحسب فنبحر حول العالم؟ لقد فعلها غيرنا. ويُسمَّى ذلك الإبحار في المياه الزرقاء. وقَرَأْتُ عنه في المجلات.» «كانت الفكرةُ حُلْمًا وحسب في البداية، كما ذكرت. ثم أتى فقدان العمل وفقدان الفرصة في الحصول على عمل. ماذا يقول المرء في هذه الحالة؟ اركب الدراجة. إذن لِمَ لا نركب سفينة؟ لقد حصلنا على نقود التعويض عن الفصل من العمل، مهما تكن قليلة. ولدينا بعض المُدَّخَرات، وثمن بيع السيارة. ليست ثروة كبيرة ولكنها تكفي. ماذا نفعل بها؟ لي أن أضعها في البنك كلها، مثلما فعل الآخرون. ولكن لماذا؟ حتى أَشْهَدَها تتناقص يومًا بعد يوم حتى تَنْفَد؟ قلت في نفسي ربما استطعت أن أفعل شيئًا جميلًا حقًّا بها، شيئًا لا يحدث إلا مرة واحدة في العمر، إذ لنا أن نبحر حول العالم. أفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا والمحيط الهادئ. لنا أن نشاهد أماكن لم نعرفها إلا في الأحلام.» وجلسنا صامتَين من الصدمة، وعاد والدي يقول: «أعرف ما يجول بخاطركما. أنتما تقولان إننا لم نعرف من قبل إلا الإبحار في مياه الخزان، في الزورق الصغير. وتقولان إنني مجنون، فَقَدْتُ عقلي، وتقولان إنه أمر خَطِر، وتقولان إنني سوف أُفلس تمامًا بعدها، ولكنني فكَّرْتُ ودبَّرْتُ كل شيء، بل حتى فَكَّرْتُ في أمر جَدَّتِك يا مايكل — مثلًا. فنحن لن نختفي إلى الأبد. وسوف تكون في انتظارنا عندما نعود. فهي في أتم صحة وعافية.» «ولدينا النقود الكافية. لقد حَسَبْتُ حساباتي: سوف نقضي ستة أشهر في التدريب، ثم نقطع الرحلة في عام أو في ثمانية عشر شهرًا، وَفْقَ ما تكفي النقود. وسوف نَحْرِصُ على السلامة في الرحلة، ونقوم بها على الوجه الصحيح. وسوف تحصلين يا «ماما» على شهادة قيادة اليخت. آه! ألم أذكر لكما ذلك؟ لا لم أذكره من قبل: سوف تكونين رُبَّانَ السفينة يا «ماما»! وسوف أكون ضابط السفينة الأول والقائم بالأعمال اليدوية. وأنت يا مايكل سوف تكون غلام السفينة. وأما ستلا؛ الواقع أن ستلا يمكن أن تلعب دور «قطة السفينة»!» كان والدي مُفْعَمًا بالحماس، يلهثُ من فَرْطِ الانفعال. «سوف نُتْقِنُ التدريب، ونقوم بعدة رحلات عبر القنال الإنجليزي إلى فرنسا، وربما أيضًا إلى إيرلندا. وسوف نعرف كل صغيرة وكبيرة عن هذه السفينة كأنها فرد من أفراد الأسرة. طولها أربعة عشر مترًا، وأماكن المجاديف مُحْكَمة الصنع والتصميم، بل أفضل ما يمكن العثور عليه وأكثرها أمانًا. لقد دَرَسْتُ الأمر جيدًا. ستة أشهر من التدريب ثم نقوم برحلة حول العالم. ستكون مغامرة العمر. فرصتنا الوحيدة. لن تُتاح لنا فرصة أخرى. ماذا تقولان إذن؟» وقلتُ في حماس: «ﻣﻤ .. ﺘﺎز»، وكان ذلك حقًّا رأيي. وسَأَلَتْهُ والدتي: «تقول إنني سأصبح قائد السفينة؟» وقال والدي وهو يضحك ويحييها تحية البَحَّارَة: «نعم، نعم أيها الرُّبَّان!» فعادت تقول: «وماذا نفعل في مدرسة مايكل؟» وقال والدي: «فكرت في هذا أيضًا. سألت في المدرسة المحلية هنا. لقد رتبنا كل شيء. سوف نصحب جميع الكتب التي يحتاجها. وسوف أتولى تعليمه. وكذلك أنت. وسوف يُعَلِّمُ نفسه. ودعيني أؤكد لك بالمناسبة أنه سوف يتعلم في عامين بالبحر أكثر مما يمكنه أن يتعلم على الإطلاق في مدرسة القرود التي يذهب إليها. هذا وعد مني.» ورَشَفَتْ والدتي رشفة من فنجان الشاي وأَوْمَأَتْ برأسها ببطء. ثم قالت: «لا بأس.» ولاحظْتُ أنها تبتسم، ثم أضافت: «ولِمَ لا؟ عليك بها إذن. اشْتَرْها! اشْتَرِ السفينة.» وقال والدي: «لقد اشتريْتُها بالفعل.» لا شك أنه كان جنونًا. كانا يعرفان ذلك، بل كنت أعرفه أنا، ولكن ذلك لم يكن مهمًّا. وحين أتذكر ما حدث آنذاك أقول إنه كان، ولا بد، لونًا من الإلهام الذي دفعه إليه اليأس. كان الجميع يُحَذِّروننا من ذلك. وجاءتْ جدتي لزيارتنا وقضت معنا فترة في السفينة. وقالت إن الأمر يدعو للسخرية، ويدل على التهور وانعدام الإحساس بالمسئولية. كانت تتحدث عن البلايا والمِحن التي تنتظرنا: جبال الجليد الطافية، والأعاصير، والقراصنة، والحيتان، وناقلات النفط العملاقة، والأمواج العاتية، وتنتقل من أهوال إلى أهوال، حتى تُخِيفَني وبذلك تُخيف أمي وأبي حتى يَتَخَلَّيَا عن الفكرة. ولا شك أنها نجحت في تخويفي، لكنني لم أُظْهِرْ خوفي قط. لم تفهم جدتي أننا نحن الثلاثة أصبحنا نرتبط برباط واحد من الجنون. لقد صممنا على الرحيل ولن يفلح شيء أو شخص في إثنائنا عن عزمنا. كنا نفعل ما يفعله الناس في القصص الخيالية: كنا نريد الانطلاق سعيًا وراء المغامرة. سارت الأمور في البداية وَفْقَ التخطيط الذي وضعه والدي، فيما عدا أن التدريب استغرق وقتًا أطول بكثير، فسرعان ما عَرَفْنا أن الإبحار في سفينة أو يخت طوله أربعة عشر مترًا ليس مجرد إبحار في زورق أكبر. كان القائمُ بتعليمنا بحَّارًا عجوزًا ذا شارب كث يعمل في «نادي اليخت»، واسمه بيل باركر (وكنا نسميه بارناكل بيل، من وراء ظهره، وتعني بيل «اللزقة»). وكان قد أبحر مرتين حول كيب هورن، في أقصى جنوب أمريكا الجنوبية، وعبر المحيط الأطلسي مرتين وحدَه، وعبر القنال الإنجليزي «مرات يزيد عددها على عدد الوجبات الساخنة التي تناولتها في حياتك يا بُنَيَّ.» والحق، أن أيًّا منا لم يكن يحبه كثيرًا. كان صاحبَ عَمَل لا يرحم. وكان يعاملني ويعامل ستلا أرتوا بنفس القدر من الاحتقار، إذ كان يرى أن الأطفال والكلاب مجرد مصدر للمضايقة، وإذا وُجِدَ أيٌّ منهما على ظهر سفينة أصبح عبئًا على البحَّارة. ولذلك تحاشيت اللقاء به قدر طاقتي، وكذلك كانت ستلا أرتوا تتحاشاه. ويقتضي الإنصاف أن أقول إن بارناكل بيل كان يجيد صنعته. وعندما انتهى من تعليمنا، وحَصَلَتْ والدتي على شهادتها، شعرنا أننا نستطيع الإبحار في بيجي سو إلى أي مكان في العالم. كان قد غَرَسَ فينا احترام البحر وخشيته، وهو شعور صحي، ولكننا كنا نشعر في نفس الوقت بالثقة في قدرتنا على «التعامل» مع أي شيء تقريبًا يأتي به البحر. ومع ذلك، فلقد مَرَرْتُ بلحظات أحسستُ فيها برعب يُجَمِّد الأطراف. وكان والدي يشاطرني الإحساس بالرعب في صمت. وتعلمت أنك لا تستطيع التظاهر بالاطمئنان حين تَدْهَمُك موجة خضراءُ عالية طولها سبعة أمتار، وكنا نهبط في منخفضات مائية بلغ من عمقها أن أحسسنا أنه من المحال الخروج منها. لكننا كنا نخرج منها، وكلما نجحنا في التغلب على خوفنا، وركوب الأمواج العالية، ازدادت ثقتنا بأنفسنا وبالسفينة من حولنا. وأما والدتي فلم تُبْدِ قط أَدَقَّ ذرة من ذرات الخوف. والفضل يرجع لها وللسفينة بيجي سو معًا في تغلبنا على أسوأ ما مَرَّ بنا من لحظات. كانت تُصاب بدُوَار البحر من حين لآخر، لكننا لم نُصَبْ به قط. وكانت هذه مَزِيَّة لنا. كنا نعيش بالقرب من بعضنا البعض، ملتصقين تقريبًا، وسرعان ما اكْتَشَفْتُ أن الآباء أكثر من مجرد آباء، إذ أصبح والدي صديقًا لي، بل مَلَّاحًا زميلًا لي، وغدا كلمنا يعتمد على صاحبه. وأما والدتي فالحق — وأنا أعترف به — أنني لم أكن أعرف أنها تتمتع بهذه المقدرة. كنت أعرف دائمًا أنها شجاعة، وأنها كانت دائمًا تُصِرُّ على المحاولة حتى تنجح في فعل ما تريد، ولكنها واصلت الليل بالنهار في دراسة كتبها وخرائطها حتى أتقنت كلَّ شيء، ولم تتوقف لحظة واحدة. صحيح أنها كانت تتسم ببعض الاستبداد إذ ما تهاونَّا في الحفاظ على السفينة بأكمل صورة ممكنة، ولكنني لم آبَهْ كثيرًا لذلك، ولم يأبه والدي هو الآخر، وإن كنا تظاهرنا بعكس ذلك. كانت هي ربانَ السفينة. وكانت الخُطَّةُ أن تطوفَ بنا حول العالم وتُعيدَنا. كانت ثقتنا مطلقة فيها، وكنا فخوريْن بها. كانت باختصار نابغة. ولا بد أن أقول أيضًا إن غلام السفينة وضابطها الأول كانا من النوابغ أيضًا في تشغيل الروافع، وإدارة الدفة، وكانا ماهرَين في إعداد الفاصوليا المعلبة في مطبخ السفينة، وهكذا كنا فريقًا متكاملًا رائعًا. وفي يوم ١٠ سبتمبر ١٩٨٧م — وأنا أعرف التاريخ لأنني أضع سجلَّ السفينة أمامي أثناء الكتابة — وبعد أن حشدنا في كل ركن وزاوية بالسفينة ما نحتاج إليه من مئونة ومن زاد، أصبحنا أخيرًا على استعداد للإقلاع حتى نبدأ مغامرتنا الكبرى، ملحمة الأوديسية العظمى لنا. كانت جدتي حاضرة لوداعنا وقد اغْرَوْرَقَتْ عيناها بالدموع، وكانت في النهاية قد وافقت على قيامنا بالرحلة، بل قالت إنها تريد أن تصحبنا لزيارة أستراليا — إذ كانت دائمًا تتوق إلى مشاهدة دببة الكوالا الصغيرة على الطبيعة. وكان في وداعنا حشد كبير من أصدقائنا أيضًا، ومن بينهم بارناكل بيل. وجاء صديقي الصغير إدي دودز مع والده. وألقى إليَّ بِكُرَة قَدَم أثناء رفع المرساة. وصاح عاليًا «إنها تميمة السعد!» وعندما فحصتُها فيما بعد وجدتُ أنه غَمَرَها بتوقيعاته مثل نجوم كأس العالم لكرة القدم. ووَدَّعَتْهُم الكلبةُ ستلا أرتوا بنباحها، كما وَدَّعَتْ جميع القوارب الراسية أثناء مرورنا بمضيق سولينت الذي يفصل جزيرة وايت عن أرض إنجلترا، ولكننا أثناء عبورنا تلك الجزيرة سكتت فجأة عن النباح، ربما أدركَتْ، مثلما أدركنا، أنه لا عودة إلى الوراء الآن، لم يكن ذلك حُلْمًا، بل لقد بدأنا الإبحار حول العالم. كان ما يحدث حقيقيًّا، وحقيقيًّا حقًّا.
|
{
"chapter": "بيجي سو",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/1/"
}
|
على نحوِ ما أذكر في كتابي «فن الترجمة» — وما فَتِئتُ أُردِّد ذلك في كُتُبي التالية عن الترجمة — يُعد المُترجِم مُؤلِّفًا من الناحية اللغوية، ومن ثَمَّ من الناحية الفكرية؛ فالترجمة في جوهرها إعادةُ صَوغ لفكرِ مُؤلِّف مُعين بألفاظِ لغة أخرى، وهو ما يعني أن المترجم يَستوعب هذا الفكرَ حتى يُصبح جزءًا من جهاز تفكيره، وذلك في صور تتفاوَت من مُترجِم إلى آخر، فإذا أعاد صياغة هذا الفكر بلُغة أخرى، وجدْنا أنه يَتوسَّل بما سمَّيتُه جهازَ تفكيره، فيُصبح مُرتبطًا بهذا الجهاز. وليس الجهاز لغويًّا فقط، بل هو فكري ولغوي؛ فما اللغة إلَّا التجسيد للفكر، وهو تجسيد محكوم بمفهوم المُترجِم للنص المَصدَر، ومن الطبيعي أن يتفاوت المفهوم وفقًا لخبرة المُترجِم فكريًّا ولغويًّا. وهكذا فحين يبدأ المُترجِم كتابةَ نصِّه المُترجَم، فإنه يُصبح ثمرة لما كتبه المؤلِّف الأصلي إلى جانبِ مفهوم المُترجِم الذي يَكتسي لغتَه الخاصة؛ ومن ثَم يَتلوَّن إلى حدٍّ ما بفكره الخاص، بحيث يُصبح النص الجديد مزيجًا من النصِّ المَصدَر والكساءِ الفكري واللغوي للمُترجِم، بمعنى أن النص المُترجَم يُفصِح عن عملِ كاتبَين؛ الكاتب الأول (أي صاحب النص المَصدَر)، والكاتب الثاني (أي المُترجِم). وإذا كان المُترجِم يكتسِب أبعادَ المُؤلِّف بوضوح في ترجمة النصوص الأدبية، فهو يكتسب بعضَ تلك الأبعاد حين يُترجِم النصوصَ العلمية، مهما اجتهد في ابتعاده عن فكره الخاص ولُغته الخاصة. وتتفاوت تلك الأبعاد بتفاوُت حظِّ المُترجِم من لغة العصر وفكره؛ فلكل عصر لغتُه الشائعة، ولكل مجال علمي لُغتُه الخاصة؛ ولذلك تتفاوت أيضًا أساليبُ المُترجِم ما بين عصر وعصر، مِثلما تتفاوَت بين ترجمة النصوص الأدبية والعلمية. فانظر كيف أدَّت ترجمةُ الصورة الشعرية إلى تعبير عربي يختلف معناه، ويَحلُّ محلَّ التعبير القديم (زِيَم اسم الفرس، وحُطَم أي شديد البأس، ووَضَم هي «القُرْمة» الخشبية التي يَقطع الجزَّار عليها اللَّحم)، وأعتقد أن من يُقارِن ترجماتي بما كتبتُه من شِعر أو مسرح أو رواية سوف يكتشف أن العلاقة بين الترجمة والتأليف أوضح من أن تحتاج إلى الإسهاب.
|
{
"chapter": "تقديم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/0.3/"
}
|
ما العَبث؟ هل شعرتَ من قبلُ باضطراب عندما تساءلت أين أنت، اللحظة التي فقدت فيها كلَّ إطار مَرجعي إزاءَ الزمان والمكان والتاريخ؟ اندلاع مفاجئ — لكنه عادةً عابر — للشك في معنى كلِّ شيء؟ كان هذا الشعور هو العبث من منظور كامو. في مقاله الإبداعي الشديد التأثير عن العَبث — بعنوان «أسطورة سيزيف» — وصفَ كامو اعتمال هذا الشعور في نفسه عندما رأى رجلًا على الجانب الآخر من نافذة المقهى، يتحدَّث بحيوية في الهاتف: لم يستطِع كامو أن يسمعه؛ ومن ثمَّ أطلقت رؤيتُه لشخصٍ آخر يتحدَّث بجدية إلى قِطعة من البلاستيك العنانَ لهذا الشعور. وكان الإحساس العميق بالاضطراب الذي أحسَّه جراء ذلك أحد تجليات العَبث. العَبث إحساسٌ ينبع من التجربة. كانت التجربة في حالة كامو هي تجربة اقترابه من الموت؛ الهجوم الشرس لمرض السُّل في عُمر السابعة عشرة. منذ تلك اللحظة وعلى مدار حياته، صارت صحة كامو هزيلة، وكان عادةً ما يُضطر إلى أن ينقطع عن العمل لأسابيع، إن لم يكن شهورًا، لدرءِ المرض أو التعافي منه. كان مرضُه بمثابة رسالة تذكير مستمرة له بأنَّ كلَّ المساعي الاجتماعية قد تصبح بلا معنًى في أي وقت. الزواج، والعمل، والعدالة، والدين، والمعرفة، كلُّها تواجه الإحساسَ بالعبث. وضَعَه الوَعْي بحتمية الموت بمعزل عن الناس من حوله ممَّن يمارسون حيواتهم ويمضون فيها بنشاطٍ متجاهلين فناءهم. في هذا الصدد، يتشابه العَبث مع الوجودية: يقع في جوهرهما وَعْي بالفناء ومركزية الكائنات البشرية (متجاوزةً الدينَ على سبيل المثال). مع ذلك، بالنسبة إلى الوجوديين يُعَد هذا الإحساسُ بالعبث نقطةَ بدايةٍ فقط؛ إذ تتسامى أحاسيسُ اللايقين الوجودي بالفن أو بالمسئولية البشرية والتفاعل الجماعي مع العالَم. بالنسبة إلى كامو، إحساس العَبث هو غاية في ذاته، ولا يمكن التسامي عليه، بل يُتقبل ويُعتنَق. أثبتَ العبث لكامو أنَّ الحياة بلا معنًى؛ لأنها قد تنتهي فجأةً في أي وقت. ومن هذا المنطلق، كان على كامو أن يتوافق مع ما رأى أنه استحالة تفسير أو عقلنة كلٍّ من الحياة والموت. وأطلقَ كامو على قرار مواجهة عَبث الحياة هذا «إرادة العبث» — وهو استعدادٌ لقبول فناء المرء وعَجزه عن فهم الحياة. ولذا، فإن العَبث هو إدراكٌ للحال وتغيير للوعي في آنٍ واحد، هو صحوة، قرار بمواجهة عالم بلا معنًى. وسيعبِّر كامو عن ذلك للشاعر فرانسيس بونج في صيف عام ١٩٤٣ بقوله: «الإحساسُ بالعبث هو العالَم الذي يحتضر، وإرادة العبث هي العالَم الجديد.» «العالَم الذي يحتضر» هو عالَم التفسيرات التقليدية (الديانات والفلسفات التي تحاول أن تُضفي معنًى على الحياة). يطرح كامو تلك المعتقَدات والنُّظم الفكرية جانبًا. أما «العالَم الجديد» فهو الغاية من عالَم ذي وعي جديد، هو إدراكٌ للعبث وقبول به. في كتاباته، طرحَ كامو أمثلةً للوعي الجديد تحتلُّ فيها الطبيعة — خاصةً الشمس — مكانًا مهمًّا، والشمس الجزائرية خيرُ مثال. كان على كامو أن يستخدم القصص ليوضِّح إحساسَ العبث وإرادته؛ لأن كليهما متجذِّر في التجربة. وهذان الوجهان للعَبث بوصفه إحساسًا وإرادة يمثِّلان الأصل الذي انطلقَ منه دافعه السردي في تلك المرحلة من مسيرته الأدبية. كان أولُ ثلاثة أعمال كبرى له — وهي «كاليجولا»، و«الغريب»، و«أسطورة سيزيف» — تدور حول سرد التجارِب العَبثية، وفي بعض الأحيان كانت تدور حول صداماتٍ عنيفةٍ بين مَن انتبه إلى عبثية الحياة وبين مَن اختار أن يتجاهلها. أطلقَ كامو على تلك الأعمال اسم «عَبثياتي الثلاثة». كلُّ عمل يعرض العبث من منظور فريد ومميَّز. في مسرحية «كاليجولا»، يعايش الإمبراطورُ الروماني الإحساسَ بالعبث، ويشرع في تعليمه لرعاياه كَرهًا. وفي رواية «الغريب»، يكون القارئ مستهدفًا على نحو غير مباشر ويُجبَر على الإحساس بالعَبث. وأخيرًا، في «أسطورة سيزيف»، يبيِّن كامو إرادة العبث عبر سردياتٍ وأمثلة. «كاليجولا» هي مسرحية كامو الأولى. بدأ كتابتها عام ١٩٣٧ وانتهى منها عام ١٩٣٩، لكنها لم تُعرَض على المسرح حتى خريف عام ١٩٤٤، بعد أسابيع من تحرير باريس. عادةً ما يُوصَف كاليجولا إلى جانب نيرو بأنه نموذجٌ مثالي للمستبِد المعتوه. ومع ذلك، مسرحية كامو ليست قصةً نمطية عن مقاومة الاستبداد؛ فمعارضة كاليجولا مدفوعة برغبة رعاياه في عيش حياتهم دون الانشغال بالمسائل الميتافيزيقية. تدور المسرحية حول العَبث، وإلى أي مدًى يمكن للناس أن ينجحوا في تجنُّب مواجهته. إنها مواجهةٌ بين كاليجولا الذي يعي العَبث ورعاياه الذين يفضِّلون أن يتجنبوه. من الصعب على المرء خلال قراءته للمسرحية أو مشاهدته لها أن يشعر بتعاطف كامل مع كاليجولا أو رعاياه أو نفور تام منهم، وذلك أحد أهداف كامو. يتذبذب القارئ قلقًا بين لحظات المشاركة الوجدانية مع ضحايا كاليجولا ومشاعر الاحتقار تجاه نفاقهم. هذا القلق مقصودٌ ليدفع القُراء إلى التشكيك في أنفسهم، ومعتقداتهم، وكل ما يعتبرونه من المسلَّمات، والتي منها الحاجة إلى الشعور بالتعاطف مع إحدى الشخصيات. أحاسيس الاضطراب واللايقين تلك هي أحد تجليات الإحساس بالعبث. استخدمَ كامو أسلوب الاغتراب هذا على نحو أوضح في «الغريب». في بداية المسرحية، يمرُّ كاليجولا بأزمة بعد موت أخته (وعشيقته). يصبح كاليجولا ذاهلًا، ليس ذلك في معظمه بسبب موتها، بل بسبب إدراكه أن الأسى سيَمُر. يشعر بحزن شديد بينما يعي في الوقت نفسه أنه سيخفت دون رغبة منه. تقوده تلك التجربة إلى الوعي بعبثية الوجود. يعود كاليجولا إلى روما رجلًا مختلفًا، مصمِّمًا على أن يعلم ذلك الدرس لرعاياه؛ ولذا يبدأ في إساءة معاملتهم دون أي عِلَّة. مسرحية «كاليجولا» مسرحية تربوية: لقد قرَّر كاليجولا أن يبيِّن عبثية العالم بعد أن أضحى مقتنِعًا بها. وكانت كلُّ تعاليمه التي تتضمَّن الاغتصاب، والتعذيب النفسي، والقتل تُطبَّق اعتباطًا. على سبيل المثال، في أحد المشاهد، يقتل كاليجولا مُواطنًا بسبب اشتباه خاطئ، وعلى سبيل التبرير بعدما أدركَ خطأه همسَ قائلًا: «عاجلًا أم آجلًا» مشيرًا إلى حتمية الموت. جرائم كاليجولا هي وسائل لإدراك غاية: أرادَ أن يبيِّن لرعاياه اعتباطية الحياة. وأفعال كاليجولا تجاه رعاياه تشبه إلى حد كبير أفعالَ كامو تجاه قرائه؛ فهو يُنزِل عليهم العَبث بكل ظلمه وعشوائيته. وأهداف كاليجولا كثيرة. فالمسرحية تتألَّف من سلسلة من الدروس المستفادة عن عدم جدوى مختلف المعتقدات والقيم التي يتمسك بها رعايا كاليجولا ويعتزُّون بها. ومستهدفوه الرئيسيون هم الأشراف (أي الأرستقراطيون أو النُّبلاء، وإن كانوا في النسخة الأولى من المسرحية أعضاءَ مجلس الشيوخ). إنهم يمثِّلون بلا شك الطبقةَ الثرية صاحبة الامتيازات، وأصحاب الأملاك، وإن كانت أكثر أفعال كاليجولا تؤثر على بقية الشعب أيضًا. يُطرَح أحد تلك الدروس عندما يقرِّر كاليجولا إجبار الأثرياء على تغيير وصاياهم ليتركوا ثرواتهم إلى الدولة؛ حينها يتعيَّن على الجميع أن يسجِّلوا أسماءهم في قائمة، ليُعدَم بعضُهم على نحو عشوائي. يشير كاليجولا بوضوح وحِدَّة إلى أن الجميع محكومٌ عليهم بالموت بأي شكل: القضاة، العامة، هيئة المحلفين، الجميع. يختار كاليجولا أن يتصرف كالآلهة ليبيِّن مدى تعسُّفهم وقسوتهم. كما يتحدى الآلهة أيضًا أن تهلكه، ويرى أن استمرار وجوده دليلٌ على عدم اكتراث الآلهة. تعبِّر مسرحية «كاليجولا» عن عَدمية محضة لولا ظهور بطل من نوع ما؛ هذا البطل هو شيريا، وهو مثقَّف من الأشراف يُعارِض كاليجولا لكنه يرفض أن ينضم إلى مؤامرة قتله. إنه صوتٌ غير متوقَّع — يجسِّد المنطقة المعتدلة بين الضحايا السيِّئي الطباع وبين المستبد الجسور. يفهم شيريا العَبث وما يحاول كاليجولا فِعله، لكنه ضد العنف وخطابه المُعادي للبشر. أعدَّ كامو نسخًا مختلفة من تلك المسرحية، ويزداد دور شيريا أهمية مع كل نسخة. يرتبط حضور شيريا المتنامي بموقف كامو المتغير من العَبث ويوازيه. فشيريا يجسِّد وعي كامو بأن العبث يجب أن يمتزج بشكل من أشكال الأطر الأخلاقية، وإلا فسيكون عَدمية خالصة. عدَّل كامو شخصية شيريا في النسخ اللاحقة ليضيف جملًا يعبِّر فيها عن تصميمه على القتال ضد «فكرة عظيمة سيعني انتصارها نهاية العالم» — في إشارة واضحة إلى القتال ضد النازيين. بوجه عام، في نسخة عام ١٩٣٩ الأصلية عندما واجه شيريا كاليجولا، يخبر شيريا إمبراطوره باعتقاده أن بعض الأفعال أجمل من غيرها. يجيب كاليجولا بأن جميع الأفعال البشرية متشابهة، ويرد شيريا «أفهمك وأتفق معك»، أزالَ كامو تلك الجملة الأخيرة بدلالتها الأخلاقية من نسخة عام ١٩٤٤. وفي سياق تحرير فرنسا (عندما عُرِضَت المسرحية لأول مرة على خشبة المسرح)، كان على كامو تعديل النسخة الأصلية لكيلا يظهر رد شيريا كمبرِّر للمستبدين. لكن من عجيب المفارقة أن نسخة عام ١٩٣٩ الأصلية لم تُعرَض على المسرح خلال الغزو لنقيض هذا السبب؛ وهو أنها كانت ستبدو هجومًا ضمنيًّا على هتلر. عدَّل كامو مسرحية «كاليجولا» عدة مرات بسبب تغيُّر السياق التاريخي. وهذا مصيرٌ يدعو إلى السخرية؛ لأن كامو أراد بتلك المسرحية التعبيرَ عن نسخة العَبث الأكثر نقاءً وعَدمية. وقد مثَّل وجود شيريا وموقفه المعتدل نبرةَ عبث أخفَّ وقعًا، وأشار إلى رؤية كامو المتغيِّرة؛ أنه قد أصبح من غير الممكن الدفاع عن العبث بكل نقائه العَدَمي — وبالطبع ليس بعد هتلر. وقد أدَّت الحرب العالمية الثانية والواقع الأخلاقي الذي تلاها بكامو إلى إدخال درجة من درجات الأخلاقية والإنسانية في فكره، والتي نتجَ عنها لاحقًا فِكرته عن التمرد، والتي هي موضوع المرحلة الثانية من أعماله. على الرغم من أن هذا التفسير أصبحَ متوافَقًا عليه، فعندما عُرِضَت المسرحية لأول مرة في سبتمبر لعام ١٩٤٥، رأى كثيرٌ من النقاد أنها متساهلة للغاية مع كاليجولا، وأنها دمجت عَدَمية الإمبراطور المجنون ومعتقدات كامو الشخصية؛ الأمر الذي سبَّب إزعاجًا كبيرًا لكامو، وذلك رغم مقاله الأخير الذي أدانَ فيه تفجير هيروشيما. قصة رجل التَمَس الحياة كما يراها معظم الناس (في الزواج والوظيفة، إلخ) ويكتشف فجأةً بينما يقرأ كتابًا مصوَّرًا للأزياء مدى غُربته التي كان فيها عن حياته (الحياة كما تُرى في كتب الأزياء المصوَّرة). كانت كتب الأزياء في الأصل دليلَ أزياءٍ لمختلف المراكز الاجتماعية. وهي اليوم في صميم ثقافة المستهلك. في تلك الرواية، يرفض كامو البرجوازية وقِيمها، إلى جانب الشعائر الكاثوليكية، ودورهما الذي يلعبانه في هذا العالم العَبثي. سيصبح هذا الموقف مصدر استحسان هائل للعديد من أجيال القراء؛ لأن رواية «الغريب» تقدِّم شخصية مختلفة في الأدب الفرنسي: الموظف المكتبي. يقع هذا المركز الاجتماعي الحديث نسبيًّا والممثِّل لفئة اجتماعية جديدة في صميم الرواية. اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت أمس، لست أدري. وصلتني برقية من دار المُسنِّين: «تُوفيت الأم. الدفن غدًا. المخلِص لكم.» وهذا لا يعني شيئًا. ربما حدث الأمر بالأمس. وكما أخبرته دار المُسنِّين، يذهب ميرسو إلى الجنازة في اليوم التالي. ثم يعود في اليوم الذي تلاه إلى البيت، ويذهب لمشاهدة الأفلام، ويقيم علاقة مع زميلة سابقة له. كما يساعد قوادًا على الأخذ بالثأر من امرأة. وفي عطلة نهاية الأسبوع التي تليها، يذهب إلى الشاطئ مع بعض أصدقائه، وبعد مشادَّة لسببٍ غير مفهوم — «بسبب الشمس» كما يقول في المحكمة — يطلق النار على شابٍّ عربي ٥ مرات فيُرْديه قتيلًا. يتناول الجزءُ الثاني من الرواية حبسَ ميرسو ومحاكمته. على الرغم من أن محاميه توقَّع حُكمًا مخفَّفًا، يواجه ميرسو الآن خطر عقوبة الإعدام، ليس لقتل عربي، بل لرفضه أن يظهر حِدادًا على وفاة أمه. يُحاكَم بسبب «غرابته»، بسبب عدم اكتراثه المتعمَّد ورفضه الامتثال للقيم المؤسِّسة للمجتمع الفرنسي: احترام المرء لوالديه، والزواج، والسعي وراء النجاح الوظيفي. عاشَ ميرسو حياته وكأنه شديدُ الوعي بالطبيعة العَبثية لوجودنا الجَمْعي، وهذا الوعي جعله لا يبالي بجميع القيم؛ ولهذا فهو خطيرٌ على المجتمع. في النهاية، يحدث ما يريده المجتمع: صدر الحُكم على ميرسو بالإعدام بالمِقصلة في مكان عام. لكن من الصعب تصديق هذه الحبكة منذ بدايتها؛ حيث لم يُحَلْ أي مستوطن فرنسي إلى الإعدام قَطُّ لقتلِ عربي في الجزائر المحتلة. تمثِّل الحبكة عذرًا: قتل العربي هو وسيلة لنَيل غاية، المجتمع البرجوازي الفرنسي هو الذي يحاكم، من خلال طقوسه، وعاداته، ومسلَّماته. القيم الفرنسية المسلَّم بصحتها يجري تحدِّيها، مع استثناءٍ ملحوظ لتلك القيم المتعلقة بالاستعمار، لكن مثل هذا الاستثناء نادرًا ما يُلاحَظ. يضع ميرسو طقسَ الحداد موضع تساؤل في العبارات الافتتاحية بالرواية التي يعترف فيها أنه لا يتذكَّر تاريخ موت أمه، ثم يلفت النظر إلى خواء تلك الأعراف. وبوضع عبارته الصادمة («لا أذكر متى ماتت أمي») في مقابل عبارة أكثر عَرضية (تعبيرات نمطية ولكنها خالية من المعنى مثل «المخلص لكم»)، يُخلُّ ميرسو باتزان القارئ. ذات القارئ «المحترمة» مصدومة بصراحة ميرسو، لكنها أيضًا تتعاطف مع الهجوم الذي يشنه ميرسو على التقاليد؛ ولذا تتقلب ذاته بين الاتفاق معه وإلقاء اللائمة عليه. يفنِّد الجزءُ الأول من الرواية طقوسَ الحِداد، لكن الأقسام اللاحقة تشكِّك في الآمال الاجتماعية، والصداقة، ونظام العدالة، والزواج، وهذا غيضٌ من فيض. يبدأ ميرسو والقارئ في إدراك أن المجتمع البرجوازي يريد دراما فيها تعبيرٌ واضح عن تلك الأدوار — الابن المتألِّم، والزوج المحب، وخلافه. ورفضُ تلك الأدوار يثير شكوك أفراد المجتمع الآخرين فيه. ولهذا، فإن ميرسو متهَم من قبل أن يرتكب أيَّ جريمة. عملتُ اليوم كثيرًا في المكتب. وقد كان الرئيس ودودًا. سألني إذا ما كنت متعَبًا، وأرادَ أيضًا أن يعرف عُمرَ أمي. قلت له: «ما يناهز الستين عامًا» حتى لا أخطئ. ولست أدري لمَ بدا لي وكأنما تخفَّف من عبءٍ، واعتبر أن الأمر قد انتهى. المفارقة هنا أنه على الرغم من أن ميرسو لا يتذكَّر عُمر أمه، فهو شديدُ الوعي بأهمية المظاهر، ويخاف أن يصدم مديره بإجابة صادقة. يناسب هذا الخوف التوقعات المألوفة لدى القارئ. لكن ما فاجأ ميرسو أن رئيسه شعر بالارتياح من رده المبهَم. إنه على الأرجح لا يودُّ أن يعرف عُمر أمه، بل فقط إذا ما كانت مُسنة بالقدر الكافي الذي لا يجعل من موتها مأساة. شعرَ الرئيسُ بالارتياح؛ لأن موتها كان طبيعيًّا، ومطابِقًا لتوقعات المجتمع. باختصار، السؤال الذي طرحه رئيسه لا يعبِّر بأي شكل عن اهتمام صادق بالآخرين، بالقدر الذي تكون به الأسئلة العَرَضية بعد الأحداث المأساوية مجردة من المعنى. علاوة على ذلك، يعتبر عدم اكتراث ميرسو رد فعل أيضًا تجاه الشخصيات الأخرى في الرواية الذين يتسمون — شأن القارئ العادي — بأنهم «مندمجون تمامًا في المجتمع»، وذلك هو المفهوم الحقيقي للامتثال. يعني السلوك القويم أيضًا صَوْن النظام الاجتماعي البرجوازي الجديد. يجعلنا هذا المبدأ نتساءل: مَن الغريب؟ هل هو ميرسو، الذي يقول الحقيقة، أم نحن القراء، مَنْ نُخفي مشاعرنا ولا نكترث بالكلمات ونحيِّدهما؟ تلك العملية الخفيَّة تمكِّننا من النظر فيما كنا نظنه قِيمًا أخلاقية خاصة بنا، ونكتشف أنها ليست إلا نِتاج منظومة أخلاقية جَمْعية. ومن ثمَّ، نشرع في تحرير أنفسنا من تلك المنظومة الأخلاقية، ونواجه انعدام المعنى في العالَم. مساءَ مرَّت بي ماري، وسألتني عما إذا كنت راغبًا في الزواج بها. أجبتُها أن الأمر سواء بالنسبة إليَّ، وأننا نستطيع الزواج إن كانت تلك رغبتها. فأرادت أن تعرف إذا ما كنت أحبها. أجبتُها، مثلما فعلت في مرة سابقة، بأن هذا الأمر لا يعني شيئًا، بيد أني ما كنت أحبها على الأرجح. مرة أخرى، لا يهاجم ميرسو هنا الزواجَ مباشرةً. إنه يقبل طلبَ الزواج من ماري بينما ينفي في الوقت نفسه أهميته. ومن جديد، يقوِّض ميرسو القيم المجتمعية من خلال الموافقة عليها والتشكيك فيها على حَدٍّ سواء. يبدو ميرسو أنه يُبدي عدم مبالاة تامة تصل إلى حَدِّ التعنُّت تجاه أي شيء تقريبًا يشغل بقية الشخصيات (كالحب، العمل، الطقوس الاجتماعية). فما سبب تلك اللامبالاة؟ عادةً ما تكون اللامبالاة آلية دفاعية، ردَّ فعل على خيبة أمل محطِّمة أو تحرُّر من وهم. إذا نظرنا إلى حياة كامو الخاصة، فثَمَّة أحداثٌ قد تُسلِّط الضوءَ على رد فعل ميرسو، لا سيَّما ما يخص لامُبالاتَه تجاه الطموح الوظيفي. فحديثه عن تخلِّيه عن دراساته وآماله الوظيفية يتردَّد صداه في تجربة كامو الخاصة. فقد درسَ لسنواتٍ عديدة في الجامعة وكتبَ أطروحة، فقط ليرفضه أطباء الدولة الفرنسية رفضًا باتًّا باعتباره غير كفء للتدريس في النظام التعليمي الفرنسي بسبب حالته الصحية. لعل ميرسو كان يتحدث هنا عن مشاعر كامو ويتأمَّل آماله في الماضي: «عندما كنت طالبًا، كان لديَّ آمالٌ عديدةٌ كتلك. لكن عندما كان عليَّ أن أتخلى عن دراساتي تعلَّمت بسرعة شديدة أن أيًّا منها لم يكن مهمًّا حقًّا». في مرحلةٍ ما، لا بد أن كامو رأى سنواته التي قضاها في الجامعة بلا معنًى. يمكن ربط الفقرة الافتتاحية في الرواية بتناقض كامو الوجداني في جنازة جدته لوالدته التي شعر خلالها بقليل من الأسى، وبكى امتثالًا ليس إلا. يمكننا أيضًا أن نربط زواجه الفاشل من سيمون ييه باعتباره مؤثِّرًا في تجسيده لموقف ميرسو من الزواج. لقد نقلَ كامو تَجارِبَ العناء أو الخذلان الشخصية وعدم مبالاته الناتجة عنها إلى أدبه. صاغت تفسيراتٌ أخرى عدم مبالاة ميرسو بوصفها نقدًا لتعصب المجتمع نحو مَنْ لا يمتثلون له. في رأي سارتر، قلة وعي ميرسو بالقواعد الأخلاقية جعلته يُشبِه كانديد، وهو نقيضُ البطل في أشهر الأعمال الأدبية الفلسفية لفولتير. ركَّز الناقد والفيلسوف رولان بارت (١٩١٥–١٩٨٠) على نقاء الأسلوب في رواية «الغريب»، واعتبره دالًّا على عدم مبالاة ميرسو. ومع ذلك، عدم مبالاة ميرسو غير شاملة لكل شيء. فهي تتبع المنطق العبثي في الرواية في أن صديقه الوحيد، رايمون سينتس، يعمل قوادًا. وبما أنه رجلٌ عبثي بلا أخلاقيات، فإن عمل رايمون لا يضايق ميرسو. وعندما يضرب سينتس امرأة بهمجية شديدة لدرجة أن صرخاتها استحضرت الشرطة، يُدلي ميرسو بشهادة زور ليحمي صديقه. لقد اختفى الحب التلقائي للخير في الشخصية الرئيسية، وهو الأمر المعتاد في الروايات. يبدو أن ميرسو يعيش حياةً خالية من الأخلاق. هناك شيءٌ مشترك بين ميرسو وسينتس، وهو كُرههما الشديد للشرطة. بُغضهما للشرطة هو تصريح علني بأن المجتمع هو العدو، لكن لا يتَّضح على الفور أيُّ جزء من المجتمع هو المستهدَف. ومن المهم أن نعرف أن الشرطة في سياق الجزائر المستعمَرة هي الممثِّل الممقوت للسلطة الباريسية المركزية، سلطة العاصمة الإمبراطورية. يلتحم ميرسو وسينتس مع هويتهما باعتبارهما من الأقدام السوداء: لا يكترثان لحياة العرب، ويمتعضان بشدة من فرنسا الأم. يتجسَّد الاتحادُ ضد العرب في العديد من أحداث الرواية، وإن لم يكن هذا بوضوح كبير في قتل ميرسو للشاب العربي. يقع هذا الحدث على الشاطئ في الجزائر العاصمة. فبعد مشاجرة بين ميرسو وسينتس وصديق لسينتس، وبين ثلاثة جزائريين شهدوا تراجع الأقدام السوداء، يعود ميرسو إلى مكان الحادث. يرى رجلًا عربيًّا مستلقيًا يعزف الناي. وفي المشهد الذي لربما هو الأشهر بالكتاب تقريبًا — الذي تلعب فيه كلٌّ من الشمس والحرارة دورًا بارزًا — يسير ميرسو نحو الرجل، الذي يكشف لميرسو عن سكينه. تنعكس الشمسُ على السكين، وتنعكس على عينَي ميرسو. بعدها يطلق النار على العربي خمس مرات. يوضع ميرسو قيد الحبس، وتدور المحاكمة التي تتبع ذلك في معظم الجزء الثاني. الغريب أن المحاكمة لم تخاطب جريمة ميرسو الحقيقية؛ إذ لم يطلب من أي عربي الشهادة، ولا يبدو أن جريمة القتل تلك تشغل الجهاز القضائي. تُعَد المحاكمة فرصة كامو للتنديد بالقضاء الفرنسي، لكنها أيضًا توفِّر المنصة التي سيندِّد كامو من خلالها بالامتثال البرجوازي العام. فبدءًا من القاضي المتدين تديُّنًا متطرفًا، الذي يلوِّح بصليبه في وجه ميرسو خلال الإجراءات السابقة للمحاكمة ويلقِّبه بعدوِّ المسيح، إلى محامي الدفاع غير الكفء والمدعي العام المُزايد، يبدو النظام القضائي مشغولًا في الغالب بسُمعته وبتطبيق القيم الأخلاقية المحافِظة. وفي نهاية المطاف، فإنَّ نتيجة المحاكمة مرهونة كليًّا بالجانب الأخلاقي لدى المتهم. بهذا التركيز يُصبح ميرسو في وضع سيئٍ، بالنظر إلى عدم ذرفه للدموع في جنازة أمه، وعدم معرفته لعُمرها، وإقامته لعلاقة مع زميلة له بعدها بفترة قصيرة للغاية. هنا مرةً أخرى، تشكِّل تجارب كامو الحياتية جذور خيبة الأمل تلك؛ ففي الوقت الذي قضاه كصحفي يكتب تقارير المحاكمات، كان عادةً ما يشجب الأحكام، حتى إنه كان أحيانًا يكتب عرائض في محاولة لنقضها. رغم ذلك، فإن المجتمع البرجوازي هو الذي يُحاكم هنا في الوقت نفسه. كلُّ مَنْ في قاعة المحكمة هو مثالٌ على الامتثال؛ كلُّهم يلعبون دورهم المجتمعي إلى حد الإتقان. وكما هو واضح، هدفُ المحاكمة هو لفت النظر إلى عبثية حقيقة أن ميرسو مُذنِب ليس لقتله كائنًا بشريًّا، بل لأنه لم يذرف دموعًا في جنازة أمه. لكن يبقى اللغز: لماذا يقتل ميرسو الشاب العربي؟ بغضِّ النظر عن عدم مبالاته الواضحة، هناك بعضُ الأمور التي يحبها ميرسو إلى حَدٍّ بعيد. يستمتع ميرسو بالطعام (والنبيذ والتبغ)، ويرغب في ماري، وإن كان ذلك لأسباب جسدية بَحتة. ويعشق الطبيعة أكثر من أي شيء، في تكرار للفكرة الرئيسية المهيمِنة على أبطال كامو في مجموع إنتاجه الأدبي. لا يبدو ميرسو سعيدًا حقًّا إلا عندما يصف البحر والشاطئ، وتحديدًا الشمس. إنَّ تفاعل ميرسو مع الطبيعة يصل إلى حد الاتحاد معها. هذا التواصل مع الطبيعة هو مثالٌ آخر لمفهوم الغبطة لدى كامو. لا يهتم ميرسو بالتخطيط للمستقبل (رفض الترقية، والزواج)، بل يعيش الحاضر، في اللحظة الآنية. تجسِّد الشمس وضوءُها — اللذان يَهِيم بهما ميرسو طوال الرواية — تلك العلاقة الخاصة مع الطبيعة، التي أطلقَ عليها بعضُ المعلقين وصفَ المقدَّسة. لحظاتُ الاتصال مع الطبيعة تلك توفِّر مَهربًا من الزمن كما يقيسه البشر، مَهربًا من الماضي، ومن التاريخ، ومن الذاكرة الجَمْعية. يعكس تصويرُ الطبيعة في رواية «الغريب» اختلافًا جوهريًّا بين رؤى كامو ورؤى جان بول سارتر. في وجودية سارتر، تثير التفاعلاتُ مع الطبيعة لحظاتٍ من اللايقين الوجودي العميق، لكن ينبغي التسامي على تلك اللحظات من خلال الأنشطة الإنسانية. أما في عَبثية كامو، فإنَّ التفاعلات مع الطبيعة مرغوبة، وهي المصدر الوحيد للعزاء في النهاية. وفيما يخصُّ القتل، يرى أحدُ التفسيرات أن ميرسو قتلَ الشاب العربي لأنه أعاق تفاعله مع الطبيعة. فمن خلال استرخائه واستلقائه على الشاطئ، استعادَ هذا الشابُّ تلك المنطقة رمزيًّا (إنه «يجعل نفسه كما لو كان في بيته»). ثم يستولي على الشمس رمزيًّا، ويوجِّه انعكاسها في سكينه على وجه ميرسو. وبالنظر إلى حب ميرسو للطبيعة وللشمس، يعد ذلك انتهاكًا للمقدسات. كتبَ العديدُ من المعلقين، أمثال كونور كروز أوبراين وإدوارد سعيد، عن غياب العرب في الرواية باعتبارهم كائنات بشرية لها أسماء وتستطيع التحدُّث. وغياب العرب وحياة البربر في الرواية أمرٌ غريب؛ لأن من الواضح أن كامو كان واعيًا بالوضع الاستعماري ومهتمًّا به، وكتبَ بإسهاب عن محنة سكان منطقة القبائل. يبدو أن هناك تكتُّمًا ظاهريًّا — لم يرد كامو أن تكون روايته عن الاستعمار بشكل صريح (الأمر الذي كفل كونها كذلك في أعين بعض القراء، وهذه إحدى المفارقات). كتبَها كوسيلة لإخفاء موقع الجزائر من التاريخ، كاستراتيجية للتمسك بالمسائل الميتافيزيقية المرتبطة بالعبث عوضًا عن الاستعمار. يُرمَز إلى ذلك بقتل العربي، والذي يبدو كذريعة لمناقشة مسائل فلسفية يُرتأى أنها أعلى جانب أكبر من الأهمية من جريمة القتل وضحيتها الذي لا اسم له. يعارض أوبراين معلقين آخرين مثل روبرت زارتسكي وديفيد كارول، ويعتبرون أن إقصاء ميرسو عن المجتمع يجعله في منزلة عربي؛ ولذا بتجريده من إنسانيته يصبح ميرسو في النهاية هو ذلك الآخر، المُقصى. رغم ذلك، وصفُ كامو الفعلي للعرب في روايته هذه — وهي الأكثر شهرةً له — وصفٌ مشوَّش. لعل بإمكاننا الرجوعَ إلى خيبة أمله الشديدة من رفض فرنسا مشاركة قوتها وسلطتها مع عددٍ قليلٍ من النخبة الجزائرية. قبل أن ينهي كامو روايته، أخفقَ مشروع قانون بلوم-فيوليت إخفاقًا تامًّا، وإنْ صدر لحقَّق ذلك الهدف الشديد التواضع. يكمُن خلف هذا الوصف الفاتر والمغفِل للعرب حلمُ كامو المحطَّم، المتمثل في وضع مسار يقود نحو وجود فرنسي بالجزائر أكثر عدالة وإنصافًا. في رواية «الغريب»، يقمع كامو أيَّ مشكلة قد تكون لديه مع الاستعمار. وينتقد بعنف عددًا كبيرًا من القيم المجتمعية — الحب، والصداقة، والعمل، والعدالة — لكن ليس قمع العرب. الأمر كما لو أن كامو فقد الأمل في تلك المشكلة المحورية وقرر أن يقمعها. وفي أثناء ذلك يقرُّ إقرارًا غير مباشر بالنظام الاستعماري بإبقائه في الخلفية. «أسطورة سيزيف» لكامو هي رسالةٌ يتغيَّر أسلوبها وموضوعها بتقدُّمك فيها. إنها نقاشٌ لأفكار فلسفية، ووصفٌ لأحاسيس؛ وأحيانًا تُقرأ كرثاء، وأحيانًا كقصيدة غنائية. إنها وصفٌ مفصَّل لطريقة عيش حياة عبثية، إنها هجوم ذكي على الذكاء. ولذا من الصعب تحديد ماهيتها على نحو قاطع. يحذِّرنا كامو في ملاحظة استهلالية قصيرة: هذا النص لن يكون عن فلسفة العَبث، بل عن شعور العَبث. رغم ذلك، في العبارة الافتتاحية في المقال يكتب: «ثَمة مشكلة فلسفية واحدة فقط هي المهمة بحق: إنها الانتحار»، واضِعًا نفسه مباشرةً في ملكوت الفلسفة. يستعمل كامو تلك الافتتاحية ليعرِّفنا إحساسه بالعبث، الذي سيسود الجزءَ الأول من المقال. تنظر العبارة الافتتاحية إلى شخص يواجه إدراك أن الحياة تخلو من المعنى، اللهم إلا فيما يخصُّ حتمية الموت. ألا يكون الانتحار — وهو قرارُ المرء في النهاية — هو التصرُّف الوحيد الذي في إمكان القدرة البشرية؟ يجيب كامو بالنفي؛ فالعَبث هو نتيجة للمواجهة المزعجة بين بحث المرء عن المعنى وغياب المعنى في الحياة، وينصح قُراءه بتقبل ذلك. وينبغي للمرء بإدراكه محدودية الحياة أن يعيش حياته إلى أقصاها؛ ومن ثمَّ، يشكِّل الموت السابق لأوانه عن طريق الانتحار عائقًا وليس حلًّا. ويُقرُّ كامو أنه لا يستطيع أن يُعرِّف العَبث في كلمات، لكن ينبغي له بالأحرى أن يُحصي الأحاسيس التي تنطوي على العَبث والمواقف التي تثيره: على سبيل المثال، عندما يحدِّق في صخرة، هذه «الغِلظة، غرابة هذا العالم، ذاك هو العَبث». لا يُفترض بأحاسيس العَبث تلك أن تتبدد أو تُتجاوَز، ولا حتى أن تُفسَّر. يهاجم كامو في «أسطورة سيزيف» فكرة المعرفة، والعلم، والتفسيرات من أي نوع. بعض أهم العبارات المعبِّرة في هذا المقال عبارة عن تأكيداتٍ من جانب كامو: «المنطقُ أعمى»، «المنطقُ الكلي والشامل مثيرٌ للضحك». ويذهب كامو إلى التصريح بأنه ضد النظريات المفسِّرة لكل شيء، وأنه يعتنق ما يراه طلاقًا غير قابل للصلح (بمنصوص كلامه) بين اللامعقول وبين رغبته في الجلاء والفهم. إنَّ إرادة العبث الخاصة به هي قبولٌ لإحساس العبث باعتباره نقطة بدء لعيش حياة عبثية. وفي الجزء الثاني من المقال، يستعرض كامو أمثلة على الحيوات العَبثية الجديرة بالملاحظة ويمدحها. الوَعْي بالعبث مُعتِق؛ تلك هي أحد معتقدات كامو الرئيسية في «أسطورة سيزيف». وبرفضه إرساء نظامٍ فكري، يُعلن كامو عن أسلوبٍ للحياة يتَّبعه الرجل العَبثي (لا يوجد مثالٌ واحد على امرأةٍ عبثية)، يقدِّم وجهة النظر، والمُثُل العليا، والمِهن المُثلى المطلوبة. يكتب كامو الآن عن نفسه بصيغة المتكلم، باعتباره مثالًا على الرجل العَبثي: «العقائد التي تفسِّر كلَّ شيء تجعلني غير مسئول، تجعلني أضعَف: يجب على المرء أن يموت راضيًا بفكرة الموت، لا بإرادته الحرة.» في الوقت نفسه، يقترح كامو أن تعيشَ الحياة لأقصاها لكن بصفتك فردًا، لا بصفتك جزءًا من جماعة: «لا أستطيع أن أعايشَ إلا حريتي.» الرجلُ العَبثي «يستمتع بالتحرُّر من القواعد العامة». كيف ذلك؟ في البداية، رجلُ العبث لا يبالي بالمستقبل، يعيش للَّحظة. لديه ولعٌ بأن يأخذ كلَّ ما يستطيع أَخْذه، وليس لديه إحساسٌ راسخٌ بالقيم؛ لأن امتلاكه لها سيُعطي معنًى للحياة التي يعرف أنها بلا معنًى. وبناءً على ذلك، فإنَّ حياة العَبث تدور حول العيش أطول في مقابل العيش أفضل. يمثِّل كامو هذا التصريح بشخصية دون خوان: «إذا ما تركَ دون خوان امرأة، فلا يعني هذا بالتأكيد أنه لم يعد يرغب فيها. فالمرأة الجميلة مرغوبة دائمًا. لكن كل ما هنالك أنه يرغب في أخرى. وشتان بين هذا وذاك …» هنا يقدِّم كامو نفسه بوصفه شاهدًا خبيرًا ليُبيِّن بثقةٍ شديدةٍ دوافعَ دون خوان. هل كان كامو على شاكلة دون خوان يومًا؟ تميل حياته الخاصة إلى تأكيد ذلك. فقد كانت له علاقاتٌ كثيرة، بعضُها كان خلال زواجه الثاني. وبعد الحرب، عندما كان أصدقاؤه يأتون من خارج البلدة لزيارته، كانوا عادةً ما يتصلون بفرانسين (زوجته) ليسألوها عن رقم عشيقته الحالية؛ لأن تلك كانت أفضل طريقة لإيجاده. كان ذلك يؤلم فرانسين بشدة، وأخبرَ كامو الجميعَ (بمَن فيهم عشيقاته) كم يشعر بالذنب. ورغم ذلك ظلَّا معًا حتى موته. مثالٌ آخر يخصُّ ممثِّلي المسرح، الذين يصفهم بأنهم عَبثيون من نوعٍ خاص بسبب طبيعة عملهم العابرة. يطَّلع الممثل على دور تمثيلي، ويعيش حياة شخص آخر — عادةً ما تكون بطولية — إلى أقصاها، وبعدها ينتقل إلى الحياة التالية، والدور التمثيلي التالي. يخلع كامو على المُحارِبين، وأمثال دون خوان، والممثلين ثوبَ المثالية: كلُّهم يواجهون طبيعتهم، إنهم «أُمراء بلا ممالك» — صدًى لتشبيه بودلير للشاعر بالقطرس، «أمير السحاب». شبَّه كامو تلك النخبة، التي كان واحدًا منها، ﺑ «الخراف» — قطعان عادية، لا تعي العَبث، ويخونها — على حَدِّ تعبيره — الرجال العبثيون. وبنهاية المقال فقط، يعود كامو إلى سرده الجديد لأسطورة سيزيف: رجلٌ محكومٌ عليه من قِبل الآلهة بأداء مهمة عبثية، وهو أن يدفع إلى الأبد صخرة إلى أعلى التل، بحيث يراها فقط تنحدر من جديد إلى أسفل في كل مرة يصل بها إلى القمة. يجب أن يُعتبر سيزيف — كما يخبرنا كامو — شخصًا سعيدًا؛ بمعنى أن علينا أن نعي مأزقنا، ونقبل لأقصى درجة أيًّا ما كانت الحياة التي سيتحتَّم علينا أن نعيشها على الأرض. إحدى طرق مواجهة العبث بوعي هي عيش حياة مليئة بلحظات التفاعل المميَّز مع الطبيعة قدر المستطاع، لحظات «الانشراح». يعبِّر الانشراح عن الهناء، عن الوقت الذي تقضيه في الطبيعة، تحت الشمس، على الشاطئ، وسط الأطلال، إنه حيث شعرَ كامو بالانسجام مع العالَم، وتحرَّر من الإحساس بالزمن. كان المكان الوجيه لإحساسه هذا — إلى جانب شمس الجزائر — هو الأنقاض الرومانية في مدينة تيبازة. في إحدى مجموعات المقالات المبكِّرة المنشورة في الجزائر العاصمة عام ١٩٣٨، يحكي كامو عن رحلةٍ مدتُها يوم واحد إلى تيبازة («أعراسٌ في تيبازة»). يصف كامو في نصٍّ تعبيري بدرجة كبيرة لحظةً من التوحُّد السامي مع الطبيعة، أثارت فيه مشاعر الحب والإحساس بالانتماء إلى «سلالة» تتمثل عظمتها «في بساطتها، تقف على الشواطئ وترسل ابتساماتٍ متلألئة، ذات مغزًى، إلى السُّحب». ورغم كلِّ ما تحمله تلك اللحظة من عظمةٍ وفخامة، فإنها مؤقَّتة — يُقرُّ كامو أنه لن يبقى أبدًا لأكثر من يومٍ هناك. فلحظات الانشراح ذاتيةٌ وقصيرة — بعدها يعود إلى الجزائر العاصمة، إلى عمله النهاري، مثل سيزيف. في الواقع، من الغريب أن تناسب طبيعة حياة كامو — حياة عملٍ ووحشة تتخللها لحظاتُ اتحاد مع الطبيعة — حياة موظف مكتبي تقليدي، بأسابيع طويلة من العمل الشاق تقطعها عطلاتُ نهاية الأسبوع. يضع كامو نظامًا لحياة الموظف الجديدة ويمجِّدها، وقد أصبحت الآن تشمل إجازاتٍ مدفوعة الأجر، وهي أحد أعظم انتصارات الحركة العُمَّالية الفرنسية. بعد أكثر من عقد على ذلك، يعود كامو إلى أنقاضه المحبوبة، ويكتب «عودةٌ إلى تيبازة»، بالتعبير النابض والعاطفي نفسه عن الصلة القديمة الثابتة بينه وبين الطبيعة وتلك الأرض — صلة يدعوها عِشقًا. تلك هي اللحظة المطلقة للشخص الذي يعي بالعَبث: لحظة الاتحاد مع الطبيعة، ورفض الحضارة، والمنطق، والتقدُّم، والتاريخ. والمفارقة بالتأكيد هنا هي أن تيبازة كانت إحدى البؤر الاستعمارية في روما القديمة. وعلى الرغم من أن كامو يريد أن يتجنَّب التاريخ البشري وأحداثه، فإنهما يواصلان العودة: أحيانًا يتجلَّيان من الخارج، فيفرضان تغييرًا على النصوص، كما حدثَ في «كاليجولا»، وأحيانًا يكونان جزءًا من المنظر الطبيعي كما في تيبازة. يكتبُ كامو أن الحياة بلا معنًى، لكن حتى غياب المعنى فيها يُضفي عليها معنًى. ولذا يعطي غياب المعنى اسمًا. فكرة العَبث هي شكلٌ من أشكال التناقض، ويخصِّص كامو لنفسه مكانةً بطولية لملاحظته إياه والعيش فيه. وبدفاعه عن الجهل ورفضه لاعتبار التفسيرات شرطًا مسبَّقًا للسعادة، ينظِّر كامو يأسه ببراعة، الأمر الذي قد يكون مرجعه هو الوضع الصعب في الجزائر المستعمَرة، ويُعَقْلِن رفضه مواجهة ذلك الوضع. من هذه اللحظة فصاعدًا، يرفض كامو الالتزامات السياسية الطويلة الأمد، ويصبح تدخُّله في السياسة مبنيًّا على أساس التدخل في كل قضية على حدة. نجاح فكرة كامو عن العبث وجاذبيتها هو على الأرجح ما يعطي قُراءه وسيلة للإحساس بتعاستهم — والتعايُش معها، وهذا شكلٌ من أشكال التحولات الميتافيزيقية عند كامو. إذ يخبر قراءه أن يقبلوا بتعاستهم، أن يضعوها في صميم حياتهم ويستخدموها لتساعدهم على العيش بأسلوب أفضل. بتلك الطريقة يصبح العبث أيديولوجية لتقبُّل المرء لذاته تستبعد الصراعات الاجتماعية والتاريخية. لكن، في الوقت الذي انتهى فيه كامو من «أسطورة سيزيف»، عادَ التاريخُ البشري إلى الصخب، باندلاع الحرب العالمية الثانية. أدى هذا إلى تغيُّراتٍ جدية في طريقة تفكير كامو. وبعدها بقليل، تراجعَ العبث أمام فكرة كامو الجديدة عن التمرُّد.
|
{
"chapter": "كامو والعَبث",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/3/"
}
|
أصبح كامو صحفيًّا في فترة الثلاثينيات التي تميَّزت بالصخب والاضطرابات. كان هتلر في سُدَّة الحُكم في ألمانيا. والحرب الأهلية الإسبانية كانت على أشدِّها منذ عامَين، وانتهت عام ١٩٣٩ بانتصار الديكتاتورية العسكرية بقيادة فرانكو. في هذه الأثناء في فرنسا، استولى ائتلافٌ من نوع مختلف على السلطة: أدَّى اجتماعُ جميع أحزاب اليسار معًا إلى أن يترأس يهوديٌّ الحكومة لأول مرة، وهو ليون بلوم. بعد تولِّيه السلطة، احتلَّ العُمَّالُ المصانعَ في كل أرجاء فرنسا، الأمر الذي دفعَ الحكومة المنتخَبة حديثًا إلى إصدار العديد من الإصلاحات الاجتماعية التقدُّمية التي كان من بينها تقليل عدد أيام العمل وإدخال الإجازات المدفوعة الأجر. ساهمت تلك التغييرات في تحسين نوعية الحياة لمعظم المواطنين الفرنسيين في فرنسا تحسنًا هائلًا. وقد عُرِفَ هذا الحراك، وحكومته، وسياسته باسم الجبهة الشعبية. في هذا السياق، استمر كامو في التزامه تجاه العدالة الاجتماعية بوصفه صحفيًّا في جريدة «ألجير ريببليكان» لدى بسكال بيا. كانت صحيفة صغيرة، عدد موظفيها قليل. وكان كامو مسئولًا عن الأخبار القضائية، الأمر الذي أكسبه خبرةً أحسنَ استغلالها في رواية «الغريب». لم يكن بيا مجرد رئيس تحرير وصحفي يساري، بل كان أديبًا وداعِمًا للجبهة الشعبية. كانت ترويسة «ألجير ريببليكان» متبوعةً بالعبارة الفرنسية «جورنال دي ترافيير» (التي تعني جريدة العُمَّال). وبرغم أن مقالاتها الافتتاحية كانت مؤيِّدة لمناصري الديمقراطية في الحرب الأهلية الإسبانية، كانت الجريدة من مؤيِّدي استرضاء ألمانيا ومهادنتها في عهد هتلر. كان من أُولى مقالات الرأي التي كتبَها كامو مقالٌ افتتاحي كتبه في أكتوبر ١٩٣٨، وكان متحمسًا بشدة للجبهة الشعبية، مع أخذ مصلحة العُمَّال الفرنسيين في الاعتبار، وإنْ كان هذا لبعض العُمَّال دونًا عن الآخرين. كانت فكرة كامو الرئيسية هي أن زيادة الأجور الناتجة عن إضرابات الجبهة الشعبية قد انتفى أثرُها بزيادة تكاليف المعيشة. وأنهى مقاله بالدعوة إلى جدولة الأجور تماشيًا مع تكاليف المعيشة. رغم ذلك، ذكرَ دون استنكارٍ حقيقة أن في الجزائر نظامًا ثنائيًّا، وأن أجور عُمَّال الأقدام السوداء ارتفعت من ٦ إلى ٧٫٢٠ فرانكات في الساعة، بينما زادت أجور الجزائريين من ١٫٤٠ إلى ٢٫٣٠ فرانك في الساعة. لم يذكر كامو تلك الأرقام لنقد التفاوت بين العُمَّال الأوربيين والسكان الأصليين، بل للتنديد بحقيقة أن زيادة العُمَّال من الأقدام السوداء كانت زهيدة مقارنةً بزيادة الأجر التي تكاد تبلغ الضِّعف تقريبًا لدى نظرائهم من الجزائريين. وقد أسَّسَ كامو حُجته بناءً على الهَرَمية الاستعمارية: حيث سَلَّمَ بصحة أن تكون أجور الأقدام السوداء لا تزال ٣ أضعاف أجور الجزائريين. ومن ثمَّ، يوضِّح هذا المقال الافتتاحي في هذه المرحلة المبكرة من حياته موقفَ كامو السياسي الإشكالي: أرادَ العدالة للجميع، لكن في نطاق مجتمع استعماري غير عادل. يتصدَّر تناقضُ كامو الوجداني تجاه النظام الاستعماري المشهد من جديد في مقال آخر له بعنوان «مَن محوناهم من الإنسانية»، يصف فيه زيارته لسفينة المساجين التي نقلت على مَتنها ٦٠٩ محتجزين. بطريقة ما، يُعَدُّ مقاله تنديدًا صريحًا بظروف المعيشة داخل السفينة: الأماكن الشديدة التكدس، حيث توجد أربع زنزاناتٍ صغيرة يأوي كلٌّ منها ١٠٠ سجين، وتنعدم الإضاءة تقريبًا. يكتب كامو مضطربًا: «لست شديدَ الفخر بأن أكون هنا.» ومع ذلك، عندما طلبَ منه أحدُ المساجين سيجارة — السلوك الذي فسره كامو بأنه استجداءٌ لإبداء شيءٍ من المشاركة والإنسانية — أصبحَ في مأزق: القوانين معروفة ولا جدوى من ذكر نصوصها؛ ومن ثمَّ قرَّر أن يتجاهل طلبه. هذا التألُّم الذي ارتسم ببطءٍ على وجه كامو تجاه محنة السجين كان كاشفًا، فرغم تعاطف كامو مع موقف السجين، تجاهلَ طلبه. يشعر كامو بالشفقة تجاه المُضطهَد، لكنه لن يخرق القوانين في النهاية. تلك المُعضلة، في أوضح صورها، هي ما واجهه كامو مع الاستعمار. لم يكف كامو عن التفكير في الرجل الذي طلبَ منه سيجارة. ولم يتبنَّ في الحقيقة موقفًا تجاه مساجين الدولة الفرنسية أولئك؛ حيث رأى أنَّ البشاعة الحقيقية لمحنتهم تكمن في انعدام سبل الانتصاف لديهم. وبخلاف هذا التصريح المحايد، تمنَّى أن يتمكَّن أولئك المجرمون من استئناف الأحكام الصادرة في حقهم. مرةً أخرى جاءت دعوته الإصلاحية مستترة. لم تكن بُغيته مناهضة النظام القضائي، بل إصلاحه، وإضفاء مزيدٍ من الحماية على المحرومين من حقوقهم. أرادَ أن يجعل النظام الاستعماري أكثر إنسانية. ثَمة مقالٌ قصير آخر بعنوان «اعتقالات مؤسِفة» يمثِّل علامة فارقة في موقف كامو تجاه حقوق الجزائريين. في الرابع عشر من يوليو لعام ١٩٣٩ — يوم الباستيل في فرنسا — تظاهرَ آلافُ المناضلين المطالبين بالاستقلال والمنتمين إلى حزب الشعب الجزائري الذي يرأسه مصالي الحاج ضد الحكم الاستعماري. اعْتُقِل ثلاثة مناضلين وأربعة من قادة الحزب، وحصلوا بعدها على إطلاق سراحٍ مشروط. كانت حكومة الجبهة الشعبية قد حَظَرَت حزبَ مصالي الحاج السابق، حزب نجم شمال أفريقيا. مارست السلطات الفرنسية في ذلك الحين مناوشاتٍ ضد مناضلي حزبه الجديد، ونالت منهم بالضرب والاعتقال. أثارت تلك المعاملة حفيظة كامو واستياءه بشدة. لمَ؟ لأنه كما يقول: «من شأن تلك التصرفات … الإضرار بمكانة فرنسا بقدر الإضرار بمستقبلها.» طالَبَ كامو بعدها بإطلاق سراح المتظاهرين الثلاثة، وهو موقفٌ جريءٌ بالنسبة إلى الجزائر الواقعة تحت وطأة الاستعمار الفرنسي عام ١٩٣٩. إلا أن عبارة كامو الختامية في مقاله الافتتاحي أظهرت أن هدفه لم يكن مثيرًا للجدل مثلما بدا: «… السبيل الوحيد إلى «استئصال» القومية الجزائرية هي قمعُ الظلم الذي وَلَّدها.» تمثِّل هذه العبارة صميم موقف كامو من الجزائر؛ أرادَ أن يستأصل القومية الجزائرية، وارتأى أن تبنِّي نهج تصالحي هو الوسيلة المُثلى لهذا الغرض. كان كامو محقًّا في إحساسه أنَّ تَعنُّت فرنسا تجاه الجزائريين سيكون مُدمِّرًا. ومن ثمَّ، اقترحَ إطلاقَ سراح المعتقلين، ونادى على الملأ بالمزيد من الحقوق الاجتماعية وحياة أفضل للجزائريين — لكن فقط تحت مِظلَّة الحُكم الفرنسي. باختصار، كان كامو مناصِرًا لسياسة الاستيعاب والإدماج؛ أرادَ أن يجد السبيل الأفضل لكي يبقى الجزائريون فرنسيين، وتبقى فرنسا في الجزائر. كان هذا الموقف في صميم مجموعة مقالاته الأكثر شهرةً التي كتبَها عن منطقة القبائل. منطقة القبائل هي منطقة جبلية في الجزائر يسكنها سكانُ القبائل، وهي مجموعة عِرقية بربرية. كان سكانُ منطقة القبائل من أشرس المقاومين للاحتلال الفرنسي. فقد حاربوا المحتل الفرنسي منذ عام ١٨٣٠، ولم تأخذ فرنسا بزمام السلطة في المنطقة إلا عام ١٨٥٧، وإن كان قد تخلَّل ذلك بعض القلاقل. وكان غالبية الأعضاء المؤسِّسين في حزب الحاج الداعم للاستقلال من منطقة القبائل. فكان رد فعل فرنسا هو التجاهل؛ وهو توجُّه عارَضه كامو بشدة بناءً على أسس إنسانية واستراتيجية. كتبَ كامو سلسلة من أحد عشر مقالًا تضمَّنت انطباعاته عن زياراته للقرى الصغيرة في جبال منطقة القبائل وحواراته مع السكان، تخلَّلها حقائقُ وأرقام تتعلق بالتعليم، ومتوسط العُمر المتوقع وما شابه. وفي مجموعة المقالات تلك — المعروفة باسم «مأساة القبائل» — وصفَ كامو نقصَ مياه الشرب وشبكات الصرف، وأوضاع البيوت المُزرية، والأهم من ذلك كله نقص الأطباء. وبعدها بحوالي عقدَين؛ أي عام ١٩٥٨ في خِضم حرب الاستقلال الجزائرية، أعادَ كامو طباعة سبعة مقالاتٍ من الأحد عشر مقالًا الأصلية في محاولة لإبراز اهتمامه المستمر بالجزائريين، وخاصة مَن هم في منطقة القبائل. لا أستطيع أن أنسى ذاك الرجل القاطن في تلك البلدة الأهلية، برج منايل، الذي أراني جسدَ ابنته الصغيرة، الشديدَ النحول والمغطى بأسمالٍ بالية، وسألني: «ألا تعتقد أن تلك الفتاة الصغيرة، إذا كسوتُها، وإذا ما أبقيتُها نظيفةً وأطعمتُها، ألا تعتقد أنها ستكون بجمال أي فتاةٍ فرنسية؟» وكيف لي أن أنساه بعد ما شعرتُ به من عذاب الضمير الذي لربما كان يتوجب ألَّا أكون وحدي مَنْ يشعر به. أرادَ كامو أن يثير ضميرَ قرائه من الأقدام السوداء لكن بأسلوبٍ دبلوماسي، من خلال تأكيده على إحساسه الشخصي بعذاب الضمير وبث الأمل في أن يتفاعل الآخرون بالطريقة نفسها مع محنة القبائل. كانت المقالات أيضًا محاولةً للوصول إلى غالبية القراء من الأقدام السوداء بطريقة مختلفة، بالإشارة إلى أن منطقة القبائل والجزائر ككلٍّ مسئولية فرنسا؛ لأن الجزائر دولة — كما كتبَ كامو — «انتزعناها لأنفسنا» — وهذا يشكِّل استهانةً باحتلال الجزائر وتهوينًا به. في العبارة الأخيرة في ذلك المقال، أعلنَ كامو أن مهمة الفرنسيين هي أن يوفِّروا احتياجات منطقة القبائل ولوازمها؛ وهي نظرة انتقدها بشدة كثيرٌ من سكان القبائل باعتبارها قائمة على أسلوب الرعاية. رغم ذلك، كانت مقالات كامو عندما نُشِرَت بمثابة صرخة استغاثة، تطالب بتمويل البنية التحتية في منطقة القبائل. بغضِّ النظر عن ردود أفعال المثقِّفين الجزائريين لاحقًا، وُصِفَت مقالات «مأساة القبائل»، ولا تزال تُوصَف في الغرب وخاصةً في فرنسا، بأنها مجموعة مقالاتٍ «مناهضة للاستعمار». وبسببها صار يُنظَر إلى كامو نفسه على أنه مناهضٌ للاستعمار. صحيحٌ أنه أراد أن يحظى سكان منطقة القبائل بظروفٍ معيشيةٍ أفضل، ومتوسط عمر أطول، وأجور وتعليم أفضل، لكن ذلك كله تحت سلطة الإمبراطورية الفرنسية، التي لم يتحدَّها كامو قط. أرادَ كامو أن يُصلِح الاستعمار، لا أن يُنهيه. على الرغم من ذلك، غضبت السلطاتُ الاستعمارية الفرنسية من التزام كامو تجاه تحسين ظروف العرب والبربر. في الواقع، كان نشاط كامو الصحفي في سبيل إصلاح الاستعمار أحد الأسباب التي جعلت السلطات الفرنسية في النهاية تُوقِف تمويلَ جريدة «ألجير ريببليكان» وتُغلقها، وإنْ كان السبب الرئيسي هو موقف الجريدة السِّلمي. أصدرت الجريدة آخر أعدادها في سبتمبر لعام ١٩٣٩، في حين واصلت الجريدة الملازمة لها، واسمها «سوار ريببليكان»، نشاطها. كان من الواضح لكلٍّ من بيا وكامو أن أيامهما في العمل بالصحافة داخل الجزائر في ظل الاحتلال الفرنسي صارت معدودة. ولم يكن السياسيون في الجزائر وباريس وحدهم مَن عارضوا إدخال أي إصلاحاتٍ في النظام الاستعماري، بل عارضه أيضًا الرأي العام بين الأقدام السوداء والسلطات المحلية، حتى وإنْ كان طفيفًا. خشيَ كامو من أن يؤدِّي تعنُّت سلطات الأقدام السوداء إلى أن تصبح الغلبة لأنصار حَلٍّ أكثر راديكالية؛ وهو استقلال الجزائر. أرادَ الأقدام السوداء عدم مشاركة شيءٍ مع الجزائريين، وبالفعل بعد مرور أكثر من عشرين عامًا بقليل، رحلوا بخُفَّي حُنَين. خلال تلك المدة، عزمَ كامو على عدم التطرق إلى تلك المسألة. ويمكن بالتأكيد أن نستشفَّ نظريته في العَبث — التي ترى أن العالم غير عقلاني وغير قابل للتفسير — من موقفه تجاه الإصلاح السياسي في الجزائر؛ حيث امتنع عن محاولة تغيير الأمور، أو بالأحرى إسباغ معنًى عليها. في عشية الحرب العالمية الثانية، عبَّر بيا وكامو عن دعمهما لمعاهدة ميونخ والسلام مع هتلر. لم تكن تلك النظرة شائعة بين السلطات، التي أخضعت العديدَ من مقالات كامو المتعلقة بهذا الموضوع للرقابة. وقد أوضحَ كامو وجهة نظره في مقالٍ صاغه بعنوان «مَوقِفُنا». في هذا المقال، دعمَ المفاوضات مع هتلر باعتبارها الطريقة الوحيدة لإضعاف ما اعتبره هيبة الزعيم الألماني. طبقًا لما رآه كامو، فإن مصدر شعبية هتلر يكمن بالأساس في معاهدة فرساي المجحِفة (التي فرضت التزاماتٍ مالية هائلة على ألمانيا كتعويضاتٍ لفرنسا وإنجلترا بعد الحرب العالمية الأولى). كتبَ كامو أن بعض ادعاءات هتلر مشروعة، وعلى الرغم من أنه لم يتفق مع احتلال بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فلم يكن يشعر أنها مبرِّر كافٍ لاندلاع حرب. قد يكون توجُّهه السِّلمي مرتبطًا بموت أبيه في الحرب العالمية الأولى؛ ولا شك أن الخوف من المجزرة دفعه إلى ذلك أيضًا كما دفع معظم المواطنين الفرنسيين. كان هذا الخوف والفتور يعبِّران عن نظرة مشتركة متداولة على نطاق واسع في فرنسا في ذلك الوقت، وكثيرًا ما يرِد كأحد الأسباب التي ساهمت في هزيمة فرنسا المفاجئة. سُرعان ما أصبح الدفاع عن موقف كامو وبيا — المبني على التودد إلى هتلر — أكثر صعوبة. وفي مواجهة الرقابة الحكومية والهجمات العنيفة من الصحف المنافسة، أوردَ كامو دعمًا لموقفه عن طريق الحكومة والصحافة البريطانية. ففي أحد المقالات الأخيرة التي كتبَها كامو عن الحرب، كتبَ خطابًا إلى شابٍّ إنجليزي مجهول مدحَ فيه اتزان الرجل وصفاء فِكره، كطريقة لدعم السِّلمية. في تلك المقالات التي كتبَها دفاعًا عن نفسه، رفضَ كامو شعارات الشيوعية وأوضحَ يقول: «نحن سِلميون على نحو صارم». تأثَّر كامو في رفضه لاتخاذ موقفٍ مُعادٍ ضد هتلر بمنظوره الخاص عن العَدَمية، والذي سيطوِّره في مسرحيته «كاليجولا» المنشورة بعد الحرب العالمية الثانية. في هذه الأثناء، وقَّعَ العديدَ من مقالاته الداعية إلى السلام تحت اسم مستعار هو «نيرو» (وهو اسم إمبراطور روماني آخر مضطرب نفسيًّا). إلا أن عَدَمية كامو كانت ذات مَسحةٍ مثالية؛ حيث آمنَ أن اشتعال حرب أوروبية سيُبرهِن على ضرورة التنديد بالقومية. هاجَم الألمانُ فرنسا في مايو ١٩٤٠. هُزِم الجيش الفرنسي هزيمة سريعة ومدوِّية. واحتلَّت القوات المسلحة الألمانية الموحَّدة (الفيرماخت) باريس بحلول منتصف يونيو. وفي يوليو ١٩٤٠، صوَّتت الأغلبية الساحقة من أعضاء البرلمان الفرنسي على إنهاء الجمهورية الثالثة ونقل جميع السلطات إلى الجنرال بيتان، الذي أرادَ أن يقيم سلامًا مع هتلر. انقسمت فرنسا إلى منطقتَين، إحداهما يحتلها الألمان (تشمل كلَّ السواحل الغربية والشمالية بالإضافة إلى باريس)، والأخرى تحكمها حكومة المتعاونين مع الألمان، ومقرُّها مدينة فيشي المشهورة بحمامات المياه المعدنية الصغيرة. والمهم في هذا الأمر، من وجهة نظر كامو، أن تلك كانت تحوي ساحل البحر المتوسط ومَعْبَره إلى الجزائر. كان السفرُ أسهل في تلك المنطقة الحُرَّة كما كان يطلق عليها، وإنْ كان كامو قد تنقَّل بين المنطقتَين خلال الحرب. لكونه عاطلًا، كان على كامو أن يبحث مرةً أخرى على سبيل إلى كَسْب العيش. وبتزكيةٍ من بيا، ذهبَ للعمل في صحيفة «باري سوار»، وهي صحيفة يومية متواضعة الشأن كان يحتقرها. عاشَ كامو في باريس بغرفة فندق صغيرة وعملَ على كتاباته. وبعد الاحتلال الألماني، انتقلت صحيفة «باري سوار» إلى المنطقة الحُرَّة في ليون. حينها طلبَ كامو من خطيبته فرانسين فور — التي كانت قد أنهت دراستها، وأصبحت الآن معلِّمة رياضياتٍ بديلة — أن تلحقَ به من الجزائر، فتزوَّجا في ليون في شهر ديسمبر. كان زفافًا بسيطًا؛ كان بيا وعُمَّال الجريدة هم الشهود والحضور الوحيدين. لسوء الحظ، لم يكن هناك شيءٌ مضمون خلال الاحتلال. فقد أدى تحديد حصص الورق إلى تخفيضاتٍ ضخمة، وسُرِّحَ كامو. ومن دون أن تكون هناك أيُّ فرص عمل تلوح في الأفق، عادَ هو وفرانسين على مضضٍ إلى الجزائر إلى بيت عائلة زوجته في وهران؛ إذ لم يكن لهما مكان آخر يذهبان إليه. كانت «كومبات» تخضع في الأصل لإشراف المقاوِمين الذين ظنوا أن المارشال بيتان كان عميلًا مزدوجًا مع ألمانيا، وأنه كان في صفهم. ساهمَ بيا بخِبرته كمحرِّر وناشر صحفي، وكتبَ كامو المقالات والافتتاحيات، التي كان معظمُها بعد التحرير. كان أول قرار اتخذه للمقاومة هو كتابة أربع «رسائل إلى صديقٍ ألماني»، نُشِرَت منها اثنتان فقط ما بين يناير وأغسطس لعام ١٩٤٤ في المنشورات السرية. كانت تلك المقالات القصيرة مهمة؛ لأنها تصف دور المقاومة كما يراها كامو والأسباب العقلانية التي جعلته ينضم إليها. تخيَّل صديقَين في غرفة؛ أحدهما فرنسي والآخر ألماني، يحتكر الرجلُ الفرنسي الحديثَ كله — هذا هو المشهد في «رسائل إلى صديق ألماني». إنها ليسَت برسائل في واقع الأمر، بل حديث منفرد أمام صديقٍ ألماني خيالي يمثِّل الجمهور الذي نادرًا ما يتحدث، وعندما يتحدث يكون ذلك على لسان كامو (الأسلوب الذي استخدمه كامو بعدها بأعوام كثيرة في روايته «السَّقْطة»). بيَّن كامو في الرسالة الأولى «أسبابَ التأخُّر»، التي كان يعني به تأخُّر رد الفعل الفرنسي تجاه الاحتلال الألماني بوجه عام. ورأى كامو أن السببَ وراء هذا التأخُّر يُعزى إلى محاولة البحث عن أسبابٍ عقلانية. فقدَّم صورة الوطنية المستنيرة التي كانت بحاجة إلى أسبابٍ لخوض غمار الحرب تتعدَّى الوطنية. كان الفرنسيون ينظرون إلى البطولة بعين الرِّيبة، حيث يخبر كامو صديقَه الألماني: «كنا لا نزال نتعلَّم كيف نتغلب على شكوكنا في البطولة. أعلمُ أنك تظن أننا دُخلاء على البطولة. لكنك مخطئ.» استغرقت فرنسا بعضَ الوقت للتغلب على شكوكها بشأن البطولة، وكان ذلك سببَ هزيمة فرنسا، وسببَ أنَّ قلةً قليلةً فقط هم مَن قاوموا على الفور عقب الهزيمة. لكنه كان يبيِّن أيضًا سبيله إلى الانضمام إلى المقاومة ويُبرِّر سلميته السابقة. في الرسالة الثانية، يفسِّر مجددًا هزيمةَ فرنسا وتأخُّر زيادة عدد المشاركين في المقاومة: «استغرقنا وقتًا لنجد ما نتذرَّع به». أرَّخ كامو لهذا التأخُّر منذ بداية الحرب؛ فقد استغرقَ الأمر ثلاثَ سنواتٍ لدمج القومية مع السعي إلى المساواة والعدل. وأصبحت وجهة النظر تلك — التي ترى أن المقاومة كان يتحتَّم عليها أن يكون لها مكوِّنٌ اجتماعي — موضوعًا ثابتًا في نقاشات الحركة وممثِّليها بعد الحرب. أرادت المقاومة بعد الحرب أن تُعلِن حقبةً جديدة في السياسة الفرنسية، وأن تكون صحيفة «كومبات» في طليعة هذا النضال. في الرسالة الثالثة، انطلقَ كامو في دفاعٍ عن أوروبا، وكتبَ أن كُنْه كلمة «أوروبا» تلطَّخ بارتباطه بالنازية. ادَّعى كامو أن ألمانيا بدأت ترى أوروبا أرضًا تصلح للغزو «بدءًا من اليوم الذي خسرت فيه أفريقيا» (متحدِّثًا إلى صديقه الألماني المتخيَّل). بطرق عدة، تعاملت ألمانيا النازية مع فرنسا كمستعمَرة خلال احتلالها. في ذلك الوقت، كان كامو والشعب الفرنسي الواقعَان تحت الحُكم الألماني أقربَ بالفعل إلى الظروف المعيشية العادية للجزائريين تحت الحكم الفرنسي. واستمرارًا في ربط الوضع الاستعماري بالقوة والهيبة، كتبَ كامو يقول إن تفوق فرنسا على ألمانيا سببه أن الأولى كانت قوةً استعمارية. لقد آمنَ كامو بوضوح تام أن مفتاح فرنسا لاستعادة هيبتها وقوتها يكمن في مستعمَراتها. كانت الرسالة الرابعة ذات طابع شخصي أوضح. ذلك حيث أعلن فيها كامو أنه يشارك صديقه الألماني القيم نفسها، وتحديدًا أنَّ العالم بلا معنًى، وفي ذلك إشارة إلى العَبثية والعَدمية. من هذا المنطلق، الذي يستوي فيه الخير والشر، اختار الألمانُ خوضَ الحرب والغزو في حين عارضَ كامو «ميل فرنسا الشديد نحو العدالة». كان كامو غاضبًا من ألمانيا «لإجبارها فرنسا على دخول التاريخ». (في مقالاته لصحيفة «كومبات»، استوعبَ كامو التاريخ وضرورة أن نكون جزءًا منه؛ على الأرجح أن كامو فهمَ في أواخر عام ١٩٤٣ أن عدم انضمامه إلى المقاومة — التي انضمَّ إليها أصدقاؤه بالفعل — من شأنه أن يدمِّر مسيرته الأدبية. وبحلول الوقت الذي تحرَّرت فيه باريس، أصبحَ كامو واحدًا من أهم الأبواق التي تعبِّر عن صوت الشعب. أصبحَ كامو يعيش في باريس بشكل دائم. انضمَّت إليه زوجته فرانسين من الجزائر العاصمة، وأنجبت بعدها طفليهما التوءم، كاثرين وجين، في الخامس من سبتمبر لعام ١٩٤٥.) بين شهرَي مارس ويوليو لعام ١٩٤٤، كتبَ كامو مجموعةً من ستة مقالاتٍ صغيرة، لكنه لم يُوقِّعها لأسبابٍ واضحة (وإن اختلفت الآراءُ بين الباحثين فيما يتعلق بعدد ما كتبه كامو منها) للنسخة السرية من جريدة «كومبات». كانت مقالات دعائية، تستنكر عنفَ الفيرماخت واستخدامَ الجيستابو للتعذيب، وتهاجِم بيتان، ورئيس وزرائه بيير لافال، والميلشيات الفرنسية الموالية لألمانيا. كان المغزى العام من تلك المقالات هو الدعوة إلى الوحدة وتهديد المتواطئين مع الألمان بالمحاكمة والمعاقبة فور انتهاء الحرب. بعد تحرير باريس مباشرةً في أغسطس ١٩٤٤، كانت لسلسلة المقالات التالية لكامو نبرة مشابهة، وإنْ كانت أكثر شمولًا وأقل وَلعًا بالقتال. أرادَ كامو أن تنضمَّ جميعُ فئات المعارضة بعضها لبعض كتعبير عن الوحدة الوطنية. كانت تلك الغاية والنبرة المنفتحة والإيجابية بوجه عام ذاتَ أهمية محورية في دولة مزَّقتها الحربُ، ولم تقاوم بالغالبية العظمى من شعبها المحتلين النازيين. كان لا بد أن تختلف أفعال المواطنين الفرنسيين العاديين المنشغلين بكَسْب العيش عن تلك الخاصة بالنخبة، التي ساندت بيتان — في معظمها تقريبًا — بتلهفٍ بمجرد أن وصل للسلطة. في الواقع، كان ٩٠ بالمائة تقريبًا من أعضاء البرلمان يساندون بيتان. ولإنقاذ ماضي فرنسا والحفاظ على مستقبلها، كان لا بد من أن تُروى القصة الخيالية عن فرنسا التي تتألف في معظمها من المقاومين. لعِبَ المثقفون دورًا محوريًّا في هذا المشروع كرُواة لهذه القصة، بوصفهم منتفِعين منها، وبوصفهم أيضًا ضحايا لها في بعض الأحيان. كان هناك إجماع غير مُعلَن نحو اتباع الجنرال ديجول من جانب اليسار غير الشيوعي — ومن كل الدوائر الأدبية تقريبًا — على منح لقب «مقاوم» تقريبًا لأي شخص لم يتواطأ مع الألمان صراحة. تجسَّد هذا الإجماعُ في إضفاء الطابع المثالي على الماضي القريب، والذي تردَّد صداه في الخطاب البلاغي الذي اتسمت به مقالات كامو في جريدة «كومبات». أصبحَ كامو متحدِّثًا رسميًّا عن المعارضة بطريقة ما؛ إذ كان يتحدث على لسانها في افتتاحيات صحيفة «كومبات» بعد التحرير. نبرة الافتتاحيات الأولى كانت نبرة حكم أخلاقي على ذلك الزمان، يُدلي بتصريحاتٍ عظيمة عن فرنسا وعن مسيرتها في الماضي والحاضر والمستقبل. كان على كامو أن يصارع لأجل هذا اللقب: انخرط في جدال مع الروائي الشهير مورياك عما إذا كان من الواجب معاقبة المتواطئين مع الألمان بشدة. فقال فيما عُرِفَ عنه، عن أعداء المقاومة، إن الأمر كان يقتضي وجود المزيد من الشخصيات أمثال سان جاست؛ وهو بطلٌ تاريخي من الثورة الفرنسية كان داعمًا مع حليفه روبسباير لتطبيق عقوبة الإعدام على أعداء الثورة. رغم ذلك، غيَّر كامو رأيه بعدها بشهور قليلة فقط؛ بعدما رأى ما كان يعتقد أنه تطرف في التطهير، واتجه إلى معارضة عقوبة الإعدام والاتفاق مع مورياك. كان لدى كامو مخاوف أخرى؛ كان رافضًا للعودة إلى جمهورية ثالثة يُهيمن عليها المالُ. كتبَ كامو أن الألمان أجبروا الفرنسيين إما على القتل وإما على العيش راكعين، واختتم بقوله إن الفرنسيين ليسوا عِرقًا يعيش راكعًا. ووصلَ المقال إلى ذروته على نحو بطولي: «في ٢١ أغسطس ١٩٤٤، في شوارع باريس، بدأ نضالٌ سينتهي بالنسبة إلينا جميعًا وبالنسبة إلى فرنسا بالحرية أو الموت.» هنا أيضًا، ساهم كامو في الأسطورة التي شارك شارل ديجول بقدر كبير في نسج خيوطها — أسطورة أن فرنسا كانت قوة كبرى في القتال ضد ألمانيا النازية. كان الهدف من تحرير باريس أن يكون استعراضًا للقوة لرفع الروح المعنوية لدى الباريسيين. وفي واقع الأمر، طلب ديجول من الأمريكيين إذا ما كان بإمكان كتائب الجنرال لوكلير المدرَّعة أن تحرِّر باريس، فكان هذا موضوع مفاوضات مكثَّفة إلى حدٍّ ما. وعلى الرغم من أن دبَّابات لوكلير دخلت باريس أولًا، فإن رسو الإنجليز في نورماندي — والذي صار ممكنًا بسبب ضغط الاتحاد السوفييتي الهائل على الفيرماخت على الجبهة الشرقية — هو الذي أدى إلى تحرير باريس. لكن عندما دخل ديجول مدينة النور، ألقى خطبة شهيرة أعلنَ فيها أن باريس حرَّرت نفسها؛ ومن ثَم فكرة أن فرنسا ستحرِّر نفسها أيضًا. كان هذا الخطاب جزءًا مما رأى ديجول أنه صناعة حاسمة لأسطورةٍ هدفها حماية وَحدة فرنسا، وإعادة غرس قليل من الكِبْر في شعبٍ واهن العزيمة تمامًا. استُعيدَ «مجد» فرنسا أيضًا — والثقة في زعامتها — من خلال إعادة تأطير أفعال مثقَّفيها. كان المقصود أولًا ألا توجد حلولٌ وسطى؛ أن تكون إما مقاومًا وإما متواطئًا، وإن كان الواقع شديدَ التعقيد والغموض. وقد لعِبَ كامو نفسُه دورًا وجيهًا في صناعة تلك الأسطورة، لا سيَّما بعد تحرير باريس مباشرةً، في أول مقالاته المنشورة التي كان لها عناوين مثل: «دماء الحرية»، و«ليل الحقيقة»، و«زمن الاحتقار». في تلك المقالات الافتتاحية، برَّر عنفَ التحرير، بل مجَّده. لاءمت تلك اللغة الاحتفالات التي أُقيمت في كل أنحاء فرنسا في يوم النصر (عيد النصر في أوروبا). كان ذلك هو التطهير الأخير قبل بزوغ فجر حِقبة سلام جديدة. لكن لم يكن الأمر على هذا النحو في الجزائر. استغلَّ بعضُ الجزائريين فرصة يوم النصر والاحتفالات لنشر العَلم الجزائري والتلويح به — فقد كان كثيرٌ منهم، في نهاية المطاف، من الجنود السابقين الذين شاركوا في الصفوف الأمامية في أول انتصار حقيقي لبقايا الجيش الفرنسي على الجبهة الإيطالية. ردَّت الشرطةُ الفرنسية على تلك المظاهرات بإطلاق النار على المتظاهرين. أدَّى هذا الرد إلى تصاعد أعمال العنف، التي قُتِل فيها حوالي ١٠٠ من الشرطة الفرنسية والأقدام السوداء. أدى رد فِعل الفرنسيين والأقدام السوداء إلى أحد فصول التاريخ الفرنسي الأكثر ظلامًا والأقل طَرحًا للحديث عنه. راحت الشرطة والقوات المسلحة الفرنسية إلى جانب ميلشيات الأقدام السوداء تذبِّح آلاف الجزائريين لأسابيع بلا انقطاع، خاصةً في سطيف وقالمة. كما قصفت القوات الجوية الفرنسية قُرًى بأكملها، حتى سوَّتها بالأرض. وفي باريس، تجاهلت الصحافة المتمدِّنة بأغلبيتها العظمى المذابح. لكن ألبير كامو لم يتجاهلها. أثارت المذابح في سطيف وقالمة السخط وإحساسًا عميقًا بالامتعاض عند فرنسيِّي الجزائر. وأدى القمع الذي تلاها إلى إحساس بالخوف والعداوة عند جموع العرب. اختيار الكلمات هنا مثير للاهتمام. وصفَ كامو مشاعر الأقدام السوداء باعتبارهم ضحايا بكلمات «السخط» و«الامتعاض»، أما بالنسبة إلى «جموع العرب» فإن مشاعرهم كانت ذات طبيعة غريزية «الخوف» و«العداوة». حتى في وصفه للمذابح في سطيف وقالمة، لم يكن بمقدور كامو إلا أن يخذل مَنْ هم يستحقون تعاطفه. ومن ثمَّ، لم يشغل القتل الجماعي للجزائريين على يد السلطات الفرنسية والأقدام السوداء إلا بعض السطور المغلوطة في مقال كامو. لعل كامو كان يعي أن انتشار المعرفة بتلك الجرائم التي ترعاها الدولة سيقوِّض من مصداقية صورة فرنسا كإمبراطورية مستنيرة ومُحبة للخير. لا شك أن مذابح سطيف وقالمة تُعدُّ إلى يومنا هذا مسألةً محظورةً في التاريخ الفرنسي؛ إذ نادرًا ما تجري مناقشتها، وهي غائبة إلى حد كبير في كتب التاريخ. رغم ذلك، كانت تلك المذابح بدايةَ نهاية الاحتلال الفرنسي للجزائر. فبعد أقل من عشر سنوات، بدأت حرب الاستقلال الجزائرية. في عالمٍ عاجز عن أن يضع أيَّ قيود، متروك لمآسي العنف، غير مكترثٍ للعدالة ولسعادة الإنسان البسيطة، في هذا العالم سيُكرِّس العلم نفسه للقتل المنظَّم، ولن يكون أحد متفاجئًا، إلا من عتوٍّ مثالي. تفشَّت حالةٌ عامَّة من خيبة الأمل في دوائر المثقَّفين بعد الحرب العالمية الثانية. عُرِف عن الفيلسوف والمفكِّر الألماني الشهير تيودور أدورنو تصريحه أنه بعد أوشفيتس سيكون من المستحيل كتابة الشعر. وطرحَ كامو سؤالًا: «كيف يمكن للمرء ألَّا يرفض العلم بعد هيروشيما؟» في الواقع، استياءُ كامو من العلم كان سابقًا على الحرب. كان رفضُ كامو لأي سيناريو يفسِّر كل شيء — سواء كانت الشيوعية، أو الدين، أو العلم، أو حتى التاريخ البشري ببساطة — يقع في قلب نظريته بشأن العبث، والتي اكتسبها وطوَّرها خلال السنوات التي قضاها صحفيًّا.
|
{
"chapter": "كامو، بين مُراسِل ومُحرِّر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/2/"
}
|
الجزائر. لا أدري إن كان كلامي واضحًا تمامًا. لكني عندما أعودُ إلى الجزائر أشعر بنفس إحساس المرء عندما ينظر إلى وجه طفل. وبالرغم من ذلك، أعلم أنه ليس نقيًّا تمامًا. في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين دافَع كامو عن تمرير مشروع قانون بلوم-فيوليت، الذي كان من شأنه أن يمنح الجنسية الفرنسية إلى أقلية صغيرة من الرجال العرب (يصل عددهم إلى بضعة آلاف). فشلت كلُّ الجهود لتمرير مشروع القانون في ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أنَّ الحرب العالمية الثانية غيَّرت كلَّ شيء. خلال الاحتلال الألماني، قَبِلَ قادةُ المقاومة الفرنسية مُقترَحًا — وهو «بيان الشعب الجزائري» — من قادة قوميين عرب، حيث كانوا في أمسِّ الحاجة إلى دعم العرب، وكان من بين هؤلاء مصالي الحاج ممثِّلًا لحزب الشعب الجزائري، والشيخ بشير الإبراهيمي ممثِّلًا لعلماء الدين المسلمين، وفرحات عباس ممثِّلًا لمؤيدي الحُكم الذاتي. كان هدفُ «البيان» هو تأسيس دولة جزائرية مستقلة. ورغم أن حاكِم الجزائر المحتلة قبِل «البيان» عام ١٩٤٣ كأساسٍ لمفاوضاتٍ مستقبلية، فقد تراجعَ لاحقًا عن دعمه. كانت الاستجابة الأولية للبيان قد رفعت آمالَ القوميين الجزائريين. وقد أدَّى هذا التراجع، مصحوبًا بشعور اليأس لدى الشعب الجزائري — الذي يعاني بشدة من القيود الغذائية في زمن الحرب — إلى وضع متأزم. في بدايات عام ١٩٤٤، عرضَ شارل ديجول، الذي كان يشغل حينها منصبَ رئيس الحكومة المؤقَّتة للجمهورية الفرنسية — حكومة فرنسا الانتقالية — أن يمرِّر مشروع قانون بلوم-فيوليت ليصبح قانونًا. ولكن، رفضَ القادةُ الجزائريون القوميون ذلك لاستشعارهم الضعفَ. واستمرت السلطاتُ الفرنسية في التقلب في مواقفها: وفي السابع من مارس عام ١٩٤٤، ألغى ديجول قانون السكان الأصليين على نحو انفرادي (وإن كانت حقوق المساواة في التصويت لم تكن قد أُتيحت بعد)، لكن في الخامس والعشرين من أبريل عام ١٩٤٥، أُبعدَ مصالي الحاج، القائد القومي الجزائري الأقوى شخصية والأكثر راديكالية وجرأة، إلى برازفيل في الكونغو. كانت هذه هي خلفية الشغب الذي اندلعَ في يوم النصر في أوروبا، والذي انتهى بمذابح سطيف وقالمة. المواطنون الجزائريون الذين عانوا من تقييدات الحرب أكثر من الفرنسيين في فرنسا، والقيادة القومية التي اعتقدت أن الاستقلال أصبح وشيكًا وفي المتناول، والشعب الذي ساهم بالآلاف من شبابه في أول الانتصارات الفرنسية على الجبهة الإيطالية — كلُّ هؤلاء أصبحوا الآن غير قادرين على رفع أعلامهم للاحتفال بيوم النصر. كان ردُّ فعل الفرنسيين والأقدام السوداء هو مذبحة حقيقية استمرت لأسابيع؛ ذُبِح فيها آلاف الجزائريين. أخَّرت المذابحُ حركة الاستقلال الجزائرية لعشر سنوات، لكنها كفلت أيضًا أنه لدى بزوغها مرة أخرى سيكون زعماؤها أكثر إصرارًا وتصميمًا من ذي قبل. كان السببُ الرئيسي لهذا القمع الذي استمر شهرًا كاملًا هو دولة فرنسية واهنة، تستميتُ في السيطرة على إمبراطوريتها الاستعمارية بأي وسيلة. ورغم أن كامو لم يناقش مذابح سطيف وقالمة بالتفصيل قَط، فقد كان متحمسًا بشأن إبطال قانون السكان الأصليين وتمرير قانون بلوم-فيوليت بحُكم الأمر الواقع، رغم أن المذابح الدموية أظهرت أنَّ هذا كان أقل مما ينبغي وجاءَ بعد فوات الأوان. وقد ناضَل كامو بعد الحرب من أجل منح مزيد من الحقوق إلى الجزائريين. فأراد أنْ يُتاح لمزيد من الجزائريين السبيل إلى التعليم، وأن يحصل جميع الخريجين من المدارس الابتدائية على الجنسية الفرنسية، لكنه لم يصل إلى حَدِّ المطالبة بحقوق تصويت للجميع. كان كامو يريد أن يكون راعيًا للسلام والتسوية، واضعًا هدفًا واحدًا نُصْب عينيه: أن تظل الجزائر فرنسية. فناشَدَ السلطات في فرنسا في المقام الأول، وكتبَ في الصحافة أن الجهد المبذول للحفاظ على الجزائر كجزءٍ من فرنسا يتطلب «غزوًا ثانيًا»؛ بعبارة أخرى، يجب استمالة قلوب الجزائريين وعقولهم. رغم ذلك، تطلَّب الوضعُ تنازلاتٍ أكبر، الحقيقة التي كان كامو واعيًا بها تمامًا. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبح من غير الممكن تجاهل مطالبة الشعب المُستعمَر بحقوقه؛ ظهرت تلك المطالبات على كل المستويات: السياسية، والثقافية، وفي الشوارع. وخلال تلك الفترة، بدأ الواقعُ الاستعماري الذي ظلَّ مكبوحًا لمدة طويلة في الظهور في أدب كامو، حتى انتهى به الأمر في قلب المشهد. «المنفى والملكوت» هي آخِر أعمال كامو الأدبية المنشورة في حياته، وهي مجموعة قصص قصيرة معظمها مشبَّع ببيئة شمال أفريقيا. تعكس بعضُ تلك القصص أصداءَ غضب كامو من سارتر وتداعيات خصومتهما. لكن يحضُر في بعضها الآخر وبقوة قلقُه المتصاعد من الحِس القومي في الجزائر، رغم أنه لم يناقش ذلك مباشرةً قَط حتى قصة «الضَّيْف». القصة القصيرة الأولى، «المرأة الزانية»، هي قصة جانين، زوجة بائع أقمشة من الأقدام السوداء. تسافر جانين وزوجها بالحافلة في الصحراء — ٢٠٠ ميل جنوبيَّ الجزائر — لكي يتمكَّن زوجها من بيع بضائعه إلى السكان المحليين. يروي كامو القصة من وجهة نظرها وانطباعاتها، بينما يتعمَّقان فيما يبدو على نحو متزايد أنه أرضٌ غريبة. في البداية، تصف جانين العربَ بأنهم جماعة غامضة. تشعر بأنهم يتظاهرون بالنوم؛ لا تحبُّ صمتهم وعدم مبالاتهم. على مدار القصة، تشعر أنها في غربة عن العرب وتعلِّق على لغتهم، التي سمعتها طوال حياتها لكنها لم تفهمها. تكره «الغطرسة الحمقاء» في عيون عربي ينظر إليها، ويضيف إليها زوجها «يعتقدون أن بإمكانهم القيام بأي شيءٍ الآن». توضِّح تلك الملاحظات أن إلغاء قانون السكان الأصليين عام ١٩٤٤ كان يشكِّل مصدر فزع للأقدام السوداء. هناك فزع أيضًا من اضطراباتٍ قادمة. طوال الوقت، تشعر الزوجة بأن كلَّ العرب يحيطون بها، كما لو كانوا قوةً جائرة. في المشهد الأخير، تستيقظ جانين في منتصف الليل، وتتجه إلى الشرفة، تحدِّق في الأفق، فتأسِرها قُوى الطبيعة، في لحظة غبطة جوهرية كاموية، لحظة «مثالية يتوقَّف الزمنُ فيها». في الوقت نفسه، تتوقَّف الأصواتُ الآتية من البلدة العربية. (بعبارات كامو: «كانت العقدة التي عقدتها العادة والملل والسنون تنحلُّ رويدًا رويدًا.») رمزيًّا، يختفي العرب. وفي اتحاد بالغ الحِدَّة مع الطبيعة، تتسامى عن البرد، وثِقَل الآخر، وكآبة الحياة والموت. في النهاية، برجوعها ورؤيتها لزوجها في غرفتهما الصغيرة بالفندق تغلبها دموعُها. لقد عايشت لحظة تطهير. رجوعًا إلى كامو، تمثِّل تلك اللحظات الرمزية من الاندماج مع الطبيعة رفضًا قويًّا للتاريخ البشري. إن تخيُّله لجزائر غير محدَّدة بزمن وخالية من معظم أهلها هو خيالٌ ناقص يشكِّل المصدر الوحيد للنعيم القوي والحقيقي — أو الغبطة — لشخصية جانين، وبالتأكيد لكامو نفسه. يمكن القول بأن «الضَّيْف» أقوى قصص المجموعة. البطل اسمه دارو، وهو معلِّم من الأقدام السوداء. يعيشُ في جبال الجزائر في بيته الذي هو أيضًا مدرسة. يستقبل دارو في صباح يوم شتوي بارد بالدوكي الذي يصل على حماره، وبالدوكي شرطيٌّ محلي صارم ذو قلب عطوف — نسخة من خيار الناس من الأقدام السوداء، الذين كثيرًا ما يظهرون في أدب كامو. ويأتي مع بالدوكي عربيٌّ محلي متهَم بقتل قريبه، يسير على قدمَيه ومربوطًا بحبل إلى الحمار. (وكما في رواية «الغريب»، لا يسمِّي كامو العربي أبدًا.) يتولَّى دارو دون سابق إنذار مسئوليةَ تسليم الرجل العربي إلى السلطات، وهو لا يرغب في فعل ذلك. لكن بالدوكي يجعل الأمر مسألةَ ولاءٍ وشرف ليُجبره على ذلك، فيضعه في موقف محرج. شعرَ كامو بالشعور نفسه خلال حرب الاستقلال الجزائرية، عالقًا بين مجموعتَين متناحرتَين دون أي مجال للتعبير عن منظوره الخاص. ولذا، قد يُرى البطل دارو تمثيلًا لكامو. وعلى الرغم من أن دارو يصدِّق ظاهريًّا ما يقول بالدوكي عن كون الرجل العربي مذنبًا، فإنه لا يريد أن يسلِّم الرجل إلى السلطات. ولا يريد كذلك أن يزعج الرجل العجوز. ولكي يضغط على دارو، يقول بالدوكي إن الحرب على وشْك أن تندلع، وإن العرب قد يثورون، وبعدها «سنكون كلنا متورِّطين». لا يريد دارو أن يكون متورِّطًا، لكن تتداركه الأحداث التاريخية. يتحاور دارو وبالدوكي، وفي النهاية يوافق دارو على مضض أن يوقِّع على مذكرة تثبت أنه قد تسلَّم السجين، لكنه لا يَعِدُ بأن يسلِّمه. يخلق هذا صَدْعًا بين الرجلَين. وبمجرد أن يغادر بالدوكي، يشعر دارو بالذنب؛ لأنه خيَّب أملَ بالدوكي. دارو عالقٌ مثل كامو بين رغبته في تجنُّب الصراع وولائه لمجتمع الأقدام السوداء وقربه منه. دارو عالقٌ بين ولاءَين متصارعَين؛ فهو حانقٌ على العربي لارتكابه جريمة قتل، ومنزعِجٌ من بالدوكي لأمره بتسليم المقبوض عليه إلى السلطات. ولذا، يصل دارو إلى حل وسط في النهاية. يصل بالعربي إلى منتصف الطريق بين المدينة والسجن، ويخبره أن طريق السجن إلى الشرق، وأن الجنوب طريق البدو الذين سيستقبلونه كواحدٍ منهم. وبعد تردد، يتجه العربي شرقًا، ويرجع دارو إلى بيته. يصوِّر كامو دارو رجلًا عالقًا بين فَصِيلَين، لكنه رجلٌ طيب يحاول أن يكون عادلًا. من المفترض أن نشعر بالمشاركة الوجدانية معه؛ الأمر الذي لا يهيِّئنا للصدمة في الفقرة الأخيرة. فلدى رجوعه إلى غرفة الصف الدراسي، يجد دارو على السبورة كلمات التهديد التالية: «لقد سلَّمتَ أخانا. وستدفعَ الثمن.» إنه محسنٌ وعادل، لكن يسيء الجميع فهمه، وهو وحيد، ويضغط على نفسه بنفسه، والعرب يتهدَّدونه؛ هكذا رأى كامو نفسه في خِضم الصراع الجزائري نحو الاستقلال. انقسمَ المعلِّقون في تفسير نهاية القصة: كان التركيزُ إما على شخصية دارو النبيلة بحق (فهو رغم كل شيء، يرفض أن يُسلم العربي إلى السجن)، وإما على غرابة تلك السردية الواقعة في عصر استعماري التي تصوِّر المستوطِن ضحيةً وشخصية عاطفية وحيدة. كانت الحربُ في الجزائر — التي بدأت يوم عيد جميع القديسين عام ١٩٥٤ — تؤثر على كامو ليس بوصفه كاتِبًا، ومواطنًا فرنسيًّا، ومُنتميًا إلى الأقدام السوداء وحسب، بل بوصفه شخصية عامة أيضًا. فبعد عامَين من بدء الحرب، سافر كامو إلى الجزائر ليُلقي خطابًا، مناشدة جيَّاشة طلبًا للسلام. وهذا هو ما يُعرَف ﺑ «الدعوة إلى هُدنة المَدنية في الجزائر». لم يكن كامو أسيرَ وهم إيقاف الحرب؛ إذ كان هدفُه هو التوصل إلى اتفاق بين المجموعتَين المتحاربتَين لوقف قتل الأبرياء. كان المناخُ المحيط بتدخل كامو مناخًا عدائيًّا من جماعات غير متوقَّعة؛ إذ كان عُمْدة الأقدام السوداء في الجزائر قد رفضَ أن يستضيف المؤتمر، وعندما وُجِدَ المكان لاستضافته — بفضل مؤسسات جزائرية مُتهاودة، تولَّت أيضًا تنظيم التأمين — كان بإمكانه سماع صرخاتٍ عدائية من الشارع لحشد من الأقدام السوداء: «الموت لكامو! الموت لمنديس-فرانس (وهو رئيس وزراء فرنسا بين عامَي ١٩٥٤–١٩٥٥، الذي كان مؤيدًا لإنهاء الحروب الاستعمارية)! تحيا الجزائر الفرنسية!» في نهاية المطاف، جرى تقصير وقت المؤتمر خوفًا من اندلاع أعمال عنفٍ من جانب جماعات الأقدام السوداء. استهلَّ كامو خُطبته بإدانته الفورية للمتظاهرين الراغبين في إسكاته. كانت خطبته إعادة سردٍ يحرِّك المشاعر لدافعه ومحنته: «فعلتُ ما بوسعي طيلة عشرين عامًا للمساعدة في التوفيق بين شعبَينا». كما أنها كانت أيضًا اعترافًا بالفشل: «يمكنكم أن تقاطعوني كثيرًا، بل أن تسخروا مني»، ثم استتبعَ كامو، «لكن الحاجة المُلحَّة في هذه المرحلة هي أن نمنع المعاناة التي لا داعي لها». حاوَل أن يفصل ما بين قتال الجزائريين من أجل العدالة وبين قتالهم من أجل الاستقلال، الذي وصفه ﺑ «المطامح الأجنبية» التي ستُخرِّب فرنسا بلا شك. فهل كانت تلك إشارةً إلى الاتحاد السوفييتي؟ في سياق الحرب الباردة، كان شبح الاتحاد السوفييتي المسيطِر حُجَّة كلاسيكية صاغَها مؤيدو القوى الاستعمارية للاستمرار في السيطرة على مستعمَراتهم. وقد وقعَ ما يلي محل القلب من حديث كامو: بالنسبة إليه، لا يمكن أن يُسمَح للقومية الجزائرية بالتعبير عن نفسها رسميًّا على حساب فرنسا؛ إذ لم يكن الاستقلال الجزائري مطروحًا. استمِروا في فعل ذلك، وستكون الحرب دائمة؛ هكذا قال كامو لجمهوره الذي يكثُر فيه الجزائريون. كما تضمَّنت رسالته السلمية أيضًا تهديدًا غير مباشر: إذا لم تلجئوا إلى المفاوضات، فسيَستمر القتال إلى ما لا نهاية. واختتم كامو بمدح أعضاء المجتمع الإسلامي لتنظيمهم المؤتمر، وأخبر مزيجَ الحضور أن الباعث الذي حشدهم جميعًا هو الإنسانية، لا السياسة. يكشف كامو هنا عن سذاجة تكادُ تكون محبَّبة إلى النفس؛ في الواقع، كانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية هي القوة المنظِّمة للمؤتمر. وكان عمار أوزقان — وهو صديقُ كامو وزميله في الحزب الشيوعي في ثلاثينيات القرن العشرين — أحدَ منظِّمي المؤتمر. كما أنه كان عضوًا في جبهة التحرير الوطنية، وهو ما كان يجهله كامو. وكان هدفه هو ضم كامو إليها، وإقناعه بأن الثورة لها مبرراتها. بعدها بسنواتٍ عديدة سيوضِّح أوزقان قائلًا: «كانت الهُدنة المَدنية وسيلتنا [جبهة التحرير الوطنية] إلى مساعدة الصادقين، أعداء الظلم المعادين للعنف، لتفتيح عيونهم، ولكي يدركوا مع الوقت أن جبهة التحرير كانت على صواب». فهل حازت جبهة التحرير فرصة إقناع كامو؟ هذا الأمر كان مستبعَدًا بشدة، لكن لا شك أن إلقاءَ كامو خطبته الداعية إلى السلام، وهو محاطٌ بمئاتٍ من الأقدام السوداء يهتفون بموته، كان يمثِّل خطوةً في الاتجاه الصحيح بقدرِ ما يعني لجبهة التحرير؛ إذ كان بالنسبة إليهم بمثابة ضربة مفاجئة على مستوى العلاقات العامة. تُعَدُّ تلك اللحظة علامة على موقف كامو الإشكالي والمُبهَم، النابع من مزيج من رغبته الصادقة في السلام وعجزه عن إدراك مدى الظلم الذي يُعانيه الجزائريون طوال فترة الاحتلال الفرنسي. يتذبذب كامو بين القومية والإنسانية، مُحاوِلًا على نحو يائس أن يشكِّل المزج المستحيل بينهما. على مدار حياته، أخفى كامو أصوله المتواضعة المنتمية إلى الأقدام السوداء بأشكال متعددة؛ بطراز ملابسه منذ كان مُراهِقًا، وبأسلوب وموضوع أعماله الثلاثة الكبرى الأولى (كانت مواضيعها إنسانية)، حتى في تركيزه على إسبانيا، البلد الذي حصلَ علنًا على معظم اهتمامه من المنظور السياسي (وليس الجزائر)، والذي كان بمثابة مكان مثالي يستطيع فيه المزج بين أصوله الإسبانية وقضية تقدُّمية. لكن في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، ومع الخطر المُحدق على وجود الجزائر الفرنسية، لم يكن أمام كامو خيارٌ آخر غير أن يتطرَّق إلى جذوره، وأن ينحاز إلى جانب في الصراع الجاري، كما في روايته المنشورة بعد موته، «الرجل الأول». ولذا قد تكون هذه الرواية هي أفضل تقديم لأعماله؛ لأنها توضِّح ما يقع في صميم رفضه للتاريخ وما يدفعه إلى تبجيل الطبيعة. ما يتكشف من أدبه، لكنه كان حتى تلك اللحظة مستترًا أو خفيًّا على الدوام، هو الدفاع العاطفي الصريح عن المستوطنين الفرنسيين، وعن الجزائر الفرنسية؛ إذ إنه بمثابة مجاهرة وانكشاف، كقناعٍ يسقط: لا شيءَ أكثر أهمية إلى كامو من وجود فرنسا في الجزائر. تلك هي قصةُ النشأة الخفية لأعماله والتزاماته ونظرته إلى العالَم، بل حتى حبه للطبيعة. وكتابه الأخير بعنوان «الرجل الأول» هو التِماسٌ صادق من رجل يشعر أنه لا يملك شيئًا ليخسره، لا شيءَ ليُخفيه بعد الآن. إنه مِفتاحُ جميع أعماله. تقع معظم أحداث روايته غير المُكتمِلة في الحرب. ثَمة إحساسٌ واضح أن الجزائريين سيستردون أرضهم، وفي بؤرة أحداث القصة تغلب مشاعر القلق والخوف والغضب من جانب المستوطنين. يحاول كامو أن يبرِّر الوجودَ الفرنسي بالجزائر: يتعامل مع الوضع الاستعماري من موضع غير مسبوق، من موضع ضعف. الحربُ هي أسوأ مخاوف كامو التي تتحقق. تُعَدُّ الرواية نفسها سيرة ذاتية إلى حَد كبير، إنها قصةُ رجل من الأقدام السوداء يُدعَى جاك كورمري، الذي يعيش الآن في فرنسا. (أحيانًا كان كامو يُسميه ألبير في مسوَّدة الرواية، وكورمري هو اسم عائلة جدته لأبيه.) ويتناوب سرد جاك بصيغة المتكلم مع حواراتٍ تدور بين المستوطنين وذكريات طفولة جاك. وعندما يعود جاك — الذي يعيش في باريس — إلى وطنه، يواجه غضبَ المستوطنين وخوفهم وامتعاضهم من صعود القومية العربية. تقدِّم الرواية حوارات طويلة بين مستوطن متضرِّر وآخر مُعادٍ للعرب أقل تعنتًا، إلى جانب الراوي الذي يحاول أن يجعلنا نفهم سببَ غضب المستوطنين. «يمنع المرءُ نفسه. ذاك هو ما يفعله المرء، بخلاف ذلك …» ثم هدأ … ثم صاحَ فجأةً: «جنسٌ قذر، يا له من جنس، جميعهم، كلهم …» «البطالة … كانت أكثر ما يُخشى [من جانب الأقدام السوداء] من الشرور. أوضحَ هذا أن العُمَّال — الذين يكونون دائمًا أكثر الرجال تسامحًا في الحياة اليومية — كانوا دائمًا يرهبون الغرباءَ في مسائل العمل، ويتهمون الإيطاليين والإسبان واليهود على التوالي، وكذلك العالم كله في نهاية الأمر، بأنهم يسرقون منهم عملهم — وهذا بلا شك موقفٌ محيِّر للمثقَّفين الذين ينظِّرون على طبقة العُمَّال، لكنه مع ذلك موقفٌ إنساني ومبرَّر تمامًا.» لا يعترض كامو على عنصرية الأقدام السوداء في الجزائر الفرنسية، لكنه عوضًا عن ذلك يبرِّرها. ويستخدم مشاغل الطبقات الاجتماعية ومخاوفها (كالبطالة) كتفسير لرد الفعل الذي ينمُّ عن رهاب الغرباء من جانب المستوطنين. ومن خلال الراوي نجد العنصرية هنا جزءًا من الطبيعة البشرية، كردِّ فِعل يمكن فهمُه من شخصيات محبَّبة تمامًا. هنا يستخدم كامو أيضًا أصوله المتواضعة كسلاح، فيستدل أحيانًا أن تلك الأصول تقدِّم له وعيًا وأصالة يفتقر إليهما بعض المُحاوِرين الآخرين من ذوي الخلفيات الأكثر امتيازًا. وهذه إشارة أخرى إلى سارتر. لربما كان من الغريب أنَّ الخصم الرئيسي لهذا الدفاع عن الجزائر الفرنسية ليس المتمرِّد أو الثائر العربي، بل اليساري الفرنسي المعادي للاستعمار. في فقرة أخرى ذات دلالة، يقتلع مستوطنٌ، لديه بستان عنبٍ، الكرومَ من أرضه ليضمن ألَّا يتمكَّن العربُ من الانتفاع بها بمجرد أن يستردوا أرضهم. وعندما يسأله كورمري عما يفعل، يجيب المستوطن بما يفترض أن يكون سخرية لاذعة: «أيها الشاب، بما أن ما قمنا به جريمة، فيجب أن نمحوها.» يصوِّر كامو صاحبَ الأرض كشخصية مأساوية: رجلٌ مذهل يعمل بجد، عجوز من الأقدام السوداء، واحد من الذين «يُهانون في باريس». لكن تدمير بساتين العنب هذا يعود بالذاكرة إلى أكثر الساعات إظلامًا في تاريخ غزو فرنسا للجزائر، في عام ١٨٤٠ عندما وافقَ صديقا ألكسي دي توكفيل، وهما الجنرال دي لاموريسيير والحاكم العام المستقبلي للجزائر بيجو، على الإتلاف المنظَّم للمحاصيل باعتباره سياسةً «لمنع العرب من التمتُّع بثمار حقولهم». كان اقتلاعُ أشجار الزيتون وتدميرُ الحقول أو الاستيلاءُ عليها لحظةً محورية في غزو فرنسا للجزائر. وبما أن الفرنسيين مُجبَرون على ترك تلك الأرض المغزوة، فإنهم راحوا يُدمِّرون مرةً أخرى الأراضي المزروعة، لكن هذه المرة يصوِّرهم كامو على أنهم ضحايا للظلم. تُصبح هذه الرواية الأخيرة وغير المُكتمِلة، «الرجل الأول»، مِنبرًا للتعبير عن امتعاض المستوطنين البِيض. والامتعاضُ من العاصمة الإمبراطورية خاصةً (السلطة المركزية الباريسية، ومن فرنسا عامةً) حاضرٌ دائمًا، على سبيل المثال، في هذا الحوار بين الشخصية الرئيسية — الأنا الأخرى لدى كامو، متمثِّلةً في كورمري — ومزارع من الأقدام السوداء الذي يخبره: «أرسلتُ عائلتي إلى الجزائر العاصمة [لأجل سلامتهم] وسأموتُ هنا. إنهم في باريس لا يفهمون هذا.» يبغض المزارعُ العاصمة الإمبراطورية لدرجة أنه يُعبِّر عن احترامٍ أكبر للعرب الذين يُعارِضون حُكمَه بعنف. ويُوصي مالِك المزرعة مزارِعيه العرب بالانضمام إلى المقاومة الجزائرية لأنه «لا يوجد رجالٌ في فرنسا»؛ أي إن الأقدام السوداء سيُهزَمون بسبب ضعف الحاضرة فرنسا. هذا هو مصدر يأس المستوطن الأبيض: يشعر بتخلي باريس عنه، ونتيجةً لذلك يستسلم لصعود المقاومة الجزائرية. يرسم البحرُ المتوسط حدودَ عالمَين بالنسبة إليَّ، أحدهما فيه الذكرياتُ والأسماء محفوظة في مساحاتٍ محددة، والثاني تمحو فيه الرياحُ والرمال آثارَ الإنسان على امتداد مساحاتٍ شاسعة. أي إن الجزائر هي المكان بلا ذكرياتٍ، بلا آثار للإنسان. هنا يساوي كامو مرة أخرى بين فكرة إخفاء الهوية والجزائر (ومن ثَمَّ مع الجزائريين)، لكنه أيضًا بمقياس أخلاقي يساويها مع مكانٍ لا أهمية للتاريخ البشري فيه، الأمر الذي يسمح ليس فقط بمحو ماضي السكان الأصليين، بل الماضي الاستعماري القريب أيضًا. عنوانُ الرواية هو أيضًا احتكامٌ إلى ماضٍ من نوع مختلف. فالتضميناتُ من الكتاب المقدَّس واضحة، ومن المثير للاهتمام أن كامو فكَّر أن يُسمي الشخصية الأولى آدم. هذا جزءٌ من خيال الأقدام السوداء أو المستعمر الذي لا يجري التعبير عنه، لكنه موجودٌ وحاضر؛ فكرة أن أحدًا من قبله لم يكن موجودًا على تلك الأرض — في تشابهٍ كبيرٍ مع آدم وحواء. تلك رؤيةٌ للعالَم تضع المستوطنين الأوروبيين والأسطورة الأوروبية تباعًا في قلب الأشياء كلِّها. على سبيل المثال، يصف كامو الشخصية الرئيسية بأنها مولودةٌ «على أرضٍ بلا أجدادٍ ولا ذكرياتٍ … حيث لا يجد العجزة أيَّ راحة من الكآبة، التي يتلقَّونها في البلاد المتحضِّرة …» مثل موجة وحيدة تتحرك دائمًا وقدرُها أن تتحطَّم مرة واحدة وللأبد، مثل وَلعٍ خالص بالحياة في مواجهة الموت التام، شعرَ [هو] بهروب الحياة والشباب والكائنات منه دون أن يسعه فعل أي شيء تجاهها، وبأنه مهجور وحيدًا إلا من صحبة ذلك الأمل الأعمى أن تلك القوة الغامضة، التي سَمَتْ به لسنين طويلة فوق الأيام، وعضَّدته على نحوٍ يفُوق الوصف، على قدر أحْلَك الظروف، أن تلك القوة ستكون في عَوْنه ومَدَدِه، وسيكون منبعَ ذلك السخاء الدءوب نفسه الذي منحته منه أسبابًا لعيش الحياة، وبعض الأسباب للتقدُّم بالعمر والموت متمرِّدًا. تلك «القوة الغامضة» هي فِكْرُ كامو بكل قدراته ومحدودياته؛ تلك القوة هي رفضٌ للذكاء، وفي الوقت نفسه عودةٌ إلى الطبيعة: إنه جزءٌ من الكُلِّ الأكبر، موجةٌ في البحر. هذا الاتحاد مع الطبيعة ساعَد كامو من قبلُ في التسامي عن الوقائع الاستعمارية والهرب منها. لم يعد هذا ممكنًا؛ نحن متروكون مع توسُّل كامو المؤثِّر والعاطفي أن تأتي تلك القوة وتُنقذه، حتى في الهزيمة. إنَّ إدراك كامو أنَّ حُلم العودة إلى «الأيام الخوالي الطيبة» هو وهمٌ خدَّاع؛ لقد تهدَّم خيالُه الاستعماري الذي يرى الفرنسيين «سكانًا أصليين للجزائر». إنَّ فزع كامو ها هنا طاغٍ. على مدار عمله الأخير، كان كامو ممزَّقًا بين ميوله الإصلاحية والواعية اجتماعيًّا ورغبته المتناقضة في أن تبقى الجزائر مقيَّدة بفرنسا للأبد. ومن ثمَّ، يحاول النص أن يُضفي الشرعية على احتلال فرنسا للجزائر بطرقٍ هي الأكثر إثارة للاهتمام. فعوضًا عن محاولة نقاش مهمة نشر الحضارة الفرنسية (وهي حجة شهيرة استخدمتها فرنسا لقرون)، أو الحاجة إلى الاستعمار للحفاظ على وضع فرنسا كقوة عظمى (منظور سياسي واقعي أوضح استخدَمَه كامو أحيانًا)، يصف كامو مستوطني الأقدام السوداء بالثوريين. وأصبحت هذه الحجة الجديدة، التي طوَّرها في رواية «الرجل الأول»، هي المحاولة الأخيرة من جانبه لحل هذا التناقض. يكتب كامو أن المستوطنين الأوائل للجزائر كانوا جزءًا من الثورة الفرنسية عام ١٨٤٨، خاصةً أنه يُقرُّ أنهم كانوا ضحايا للقمع المُعادي للثورة الذي وقع في يونيو من السنة نفسها، ونتيجةً لذلك رحلوا إلى الجزائر. رغم ذلك، يعترض مؤرِّخون على فكرة أنه كانت هناك طبقة عاملة فرنسية ثورية في الجزائر. فطبقًا للخبير الرائد في هذا الصدد، وهو المؤرِّخ شارل-أندريه جوليان (١٨٩١–١٩٩١)، أصبح العُمَّال الفرنسيون أنفسهم الذين تركوا فرنسا متجهين نحو الجزائر بعد قمع يونيو ١٨٤٨؛ قامعين: «العُمَّال والحِرفيون الذين نجوا من أيام يونيو لعام ١٨٤٨ … كانوا هم الأشد قسوةً مع العرب.» حاول كامو استدعاءَ النضال الثوري عام ١٨٤٨ ليُشرعِنَ وجود المستوطنين الفرنسيين في الجزائر. وتلك الفكرة غريبةٌ على كامو، الذي يرفض عادةً اعتبار التاريخ البشري إطارًا مرجعيًّا. رغم ذلك، كان كامو مستعدًّا إلى أن يبطل كلَّ شيء في سبيل قضية الأقدام السوداء، حتى معتقداته الخاصة ومبادئه اللاتاريخية. مهمتي هي أن أكتبَ كتبي، وأن أقاتلَ عندما تكون حرية عائلتي وشعبي في خطر. ولا شيءَ بخلاف ذلك. كان التعبيرُ الرمزي أيضًا لاختيار كامو لجذوره على حساب العدالة «صرخة من القلب»، صرخَ بها خلال مؤتمر صحفي في ستوكهولم بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب. وعندما هاجَمه مناضلٌ من جبهة التحرير الوطني لتبنِّيه قضية الأوروبيين الشرقيين لا الجزائريين، كان ردُّه: «أنا أُومِن بالعدالة، لكني سأدافع عن أمي قبل العدالة.» كان ردًّا غريبًا؛ لأنه يعترف ضمنيًّا أن النظام الاستعماري الفرنسي لم يكن عادلًا. بعبارة أخرى، كان ردُّ كامو دفاعًا عن أمه، لكنه اعترافٌ أيضًا أن قضية جبهة التحرير عادلة. كان كامو منكسِرًا على المستوى الشخصي بسبب الأحداث في الجزائر، كما كتبَ في مذكراته: «… الجزائرُ تتملكُني. لكن فاتَ الأوان، فاتَ تمامًا … فُقدَت أرضي، ولن تكون لي قيمة.» لم يكن كامو قادرًا على تصوُّر استقلال الجزائر، ولا أن يتصوَّر نفسه منفصِلًا عن الجزائر الفرنسية. كان هذا الأمر «خَطَّه الأحمر في الرمال»: الحدُّ الذي ينبغي ألَّا يُتخطَّى، الحَدُّ المحظور المطلق. كانت الجزائر جوهرة الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية، كانت شديدة الأهمية إلى حَدِّ أن السلطات الفرنسية اعتبرتها جزءًا من فرنسا. لم يكن الغزو مجرد غزو عسكري، بل إداري أيضًا. كان كامو جزءًا لا يتجزأ من الجزائر المستعمرة، وينتمي إليها، ولم يكن في استطاعته العيشُ دونها. لكن المعضلة في رأي كثير من المعلِّقين والقراء أن ما يبقى هو إدراك أن كامو يستخدم الخطاب الإنساني بأسلوب مقنِع في دعمه سيادة فرنسا على الجزائر. هذا التناقضُ مزَّق كامو إربًا في حياته، لكن لا يزال الوهم بأنه تغلَّب عليه باقيًا. لكن كامو تغلَّب عليه بالفعل عند مستوًى ما. ففي عام ١٩٥٦، حيث أصبح الاستقلال الجزائري وقتها احتمالًا شديد الواقعية، قدَّم كامو مشروعَ تسوية أكثر طموحًا. أرادَ أن يعطي الجزائريين استقلالًا ذاتيًّا شِبه كامل بنظام المجلسَين التشريعيين. سيكون ثَمة برلمانيان، أحدهما للجزائريين والآخر للمستوطنين الفرنسيين، وستكون السلطة مشتركة على نحو متساوٍ إلا في مجالَين اثنَيْن، هما العسكري والاقتصادي، اللذان سيظلان في نطاق اختصاصات الفرنسيين. ستكون النتيجة تفويضًا بإدارة يومية للجزائريين. ورغم أن كامو أساء تقدير توازُن القوى بين الجانبَين الجزائري والفرنسي، فقد كان ما قدَّمه للجزائر هو تسوية تُشبه في جوانب عديدة الوضعَ الحالي للعديد من المستعمرات الفرنسية السابقة في أفريقيا، والتي تتشارك رغم سيادتها عُملة تخضع لسيطرة باريس، وتشكِّل موضعَ مصالح اقتصادية فرنسية مهمة بالإضافة إلى قواعد عسكرية فرنسية. هذا التشابه بين مشروع كامو للجزائر وما ظهرَ اليوم في معظم الدول الأفريقية المتحدِّثة بالفرنسية، يفسِّر جزئيًّا لماذا أصبح كامو نفسُه مصدرَ الشرعية الثقافية لواقع الاستعمار الجديد في الوقت الحالي، ولماذا تعلن العديدُ من الشخصيات السياسية والثقافية الغربية حاليًّا وتزعم أنه واحدٌ منهم.
|
{
"chapter": "كامو والجزائر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/6/"
}
|
كان كامو لا يزال يعارض بحزمٍ النظريات المفسِّرة لكلِّ شيء والتغيير المنظَّم، لكن كان عليه أن يجد طريقه إلى التنظير لقراره بالانضمام إلى المعارضة وسرده، القرار الذي تَعارض مع بعض المبادئ الأساسية للعبث على العديد من المستويات. وقد كشفَ عمله المبكِّر والرامي إلى المقاومة بعنوان «رسائل إلى صديق ألماني» كيف أنه كافحَ من أجل أن يبيِّن التزامه بتلك القضية باعتبار ذلك جزءًا من إرادة العبث. قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الشخصيات الرئيسية في أعماله — ميرسو، وكاليجولا — تُبدي لا مبالاة تامة بالأخلاق والآداب، بفكرة الخير والشر. وسيغيِّر كامو موقفه جذريًّا في الثلاثية الثانية من أعماله — «الطاعون»، و«القتلة المنصفون»، و«الإنسان المتمرِّد» — التي كانت جزءًا من دورة أعمال كامو في التمرُّد. يطوِّر كامو مفهومه عن التمرُّد باعتباره تكيُّفًا مع عَبث الزمان. كما كتبَ لاحقًا في «الإنسان المتمرِّد» أنَّ اتباعَ عَدمية العبث دون تمحيص لا يخلو من المآزق والمخاطر؛ لأنه إذا «لم يكن ثَمة صواب أو خطأ، وخير أو شر، فستكون القاعدة هي أن تكون الأكفأ … الأمر الذي يعني أن تكون الأقوى». باختصار، لا يدين العبث القتل: «إذا كنا نتظاهر بقبول وجهة النظر العَبثية ونعيش بها، فيجب أن نُعدَّ أنفسنا لأن نقتُل.» كان التمرُّد بالنسبة إلى كامو في البداية شبه غريزي، شيءٌ يقوم به المرءُ كردة فِعل تجاه القمع، لكن في لحظة معينة من الزمان، عندما تصل الأمور إلى حد معيَّن يكون فيه التسويغ أو الإذعان أمورًا لم تعد محتملة؛ تلك المرحلة هي التمرُّد. التمرُّد هو الاسم الذي أطلقه على قراره للانضمام إلى المقاومة، والذي حوَّله بعد ذلك إلى نظرية. في سبتمبر ١٩٤٤، كتبَ أن التمرُّد لا الثورة هو ما يستحث المقاومة: «ينبع التمرُّد من القلب». ولذا فالتمرُّد إحساسٌ كالعبث. رغم ذلك، فإنه أيضًا — على غرار العبث — إحساسٌ مؤقَّت وعابر، ولا يسعى إلى إرساء نظام أو قيم راسخة. التمرُّد عاطفة مبنية على نظام أخلاقي بدائي، إحساسٌ سعى كامو إلى إبرازه لأول مرة في روايته «الطاعون». حبكة «الطاعون» بسيطة نسبيًّا: مدينة في الجزائر المستعمَرة فرنسيًّا يجتاحها الطاعون. يبدو النظام الاستعماري مقبولًا للوهلة الأولى عندما كان الراوي يصف المدينة التي تقع فيها الأحداث: «في الواقع، إن وهران مدينة عادية، وليست أكثر من مقاطعة إدارية فرنسية على الساحل الجزائري.» يبدو هذا الوصف اعتياديًّا، لكن الاستثنائي هنا أن مدينة في شمال أفريقيا تُعتبر عاصمة مقاطعة فرنسية، وأن تلك المدينة تُوصَف بالعادية. بتلك الكلمة، يحدث التسويغ مع التاريخ: ويصبح الاحتلالُ مقبولًا وطبيعيًّا. تبدأ رواية «الطاعون» باقتباسٍ من دانيال ديفو (وإن كان يختفي عادةً في الترجمات الإنجليزية): «من المعقول أن ترمز إلى أحد أنواع الحبس بنوع آخر، كما نرمز إلى أي شيء موجود فعلًا بشيءٍ لا وجود له.» تُبيِّن تلك العبارة بوضوحٍ الهدف الرمزي للرواية؛ أنها عن الاحتلال الألماني لفرنسا، والطاعون في محل الألمان. لكن، بتلك القصة الرمزية، ينفي كامو فاعلية الإنسان في التاريخ؛ إذ يحلُّ الاحتلال الألماني محل الفيروس. وعلى مدار الرواية لا يوجد أي حديث حول أسباب هذا الطاعون؛ إنه يظهر ويختفي وحسب، دون أي تفسير. إنها رواية شائكة مثل قصة رمزية؛ فالطاعون على الأرجح رمزٌ في الأساس، أداةٌ لتقديم الكائنات البشرية (خاصةً الرجال)، وهي تواجه المصائب، ولرسمِ تصوُّره الجديد عن التمرُّد. المدينة تحت العَزْل: أولًا تموت الفئران، ثم الناس، ولا يستطيع أحدٌ الدخول أو الخروج. السلطات والأطباء عاجزون ومرتبِكون. يركِّز السرد على أفعال ستة فرنسيين — برنار ريو، والأب بانيلو، ورايمون رامبير، وجان تارو، وجوزيف جران، وكوتار، الذين تتغيَّر حياتهم في مواجهة الجائحة. يعبِّر كلٌّ من هؤلاء الرجال الستة عن توجُّه من اثنَين لا ثالثَ لهما تجاه الاحتلال الألماني: المقاومة، أو التعاون مع المستعمِر. تناضل الشخصيات لفهم المعنى في مواجهة الطاعون: ما هدفه؟ لماذا يوجد؟ هل سيكونون هم الموتى القادمين؟ وما الذي يمكن عمله بشأنه؟ وفي مواجهة تلك البلبلة الشديدة (في نهاية المطاف، تلك مشاكل وجودية، وقد تفشَّت بفِعل الطاعون)، يواجه كلٌّ منهم هذا الصراع بأسلوب مختلف. إحدى الشخصيات الرئيسية هي ريو، طبيبُ المدينة الذي يقوم على رعاية المرضى المصابين بالطاعون بلا كلل. وقد فُصِل بينه وبين زوجته بسبب العَزْل المفروض بسبب تفشي الطاعون، ويستحضر هذا تجربة كامو، الذي افترقَ عن فرانسين. وما يعمله ريو لا يؤدي إلى النتائج المتوقَّعة على الرغم من أنه لا يفتر؛ إذ يموت بعضُ مرضاه، والبعض الآخر لا يموتون، وذلك دون تفسير. ومع ذلك، يتمسك بفطرة أخلاقية في مواجهة عبثية الحياة. وهو واقعيٌّ ولا ينشغل بدرامية الموقف. ريو أيضًا شخصيةٌ محورية؛ لأننا نعرف بنهاية الرواية أنه راوي القصة، في تغيُّر مفاجئ للحبكة يصعب تصديقه (كان ريو هو الراوي طوال الوقت، يقرأ مقتبَساتٍ من يوميات تارو). حتى تلك اللحظة كان القارئ موجَّهًا إلى الاعتقاد في أن الراوي راوٍ عليم. وعلى الرغم من أنه تغيُّر غير مُقنِع، فإنه يناسب هدفَ كامو في تحدِّي كل السلطات شبه الإلهية في الرواية. بإخباره القارئ أن الراوي كان ريو، يشير كامو إلى موقفه من الراوي العليم، وهو المعادِل الروائي للإله العليم بكل شيء الذي يستبدله بشخصية بشرية. عندما سألته إحدى الشخصيات عن إذا ما كان يؤمن بالإله، يرد ريو أنه إذا آمن بإله مطلق القدرة فسيتوقف عن محاولة علاج مرضاه. ومن ثمَّ فهو لا يتحدى وجود الإله، بل بالأحرى قدرته على التدخل في شئون البشر. ما يهمُّ هو العامل البشري. يقول ريو أيضًا إنه لا يستطيع أن يؤمن بإله يسمح بموت الأطفال الأبرياء. يقع هذا الحوار في صميم المغزى الإنساني للرواية. في رواية «الطاعون»، ريو الذي يستمر في الاعتناء بمرضاه دون أمل في علاجهم يشبه سيزيف: إنها «هزيمة لا تنتهي». يصبح ريو في مواجهة الموت وعبثية الحياة يوميًّا تجسيدًا للإنسان المتمرِّد. إنه يستمر في القتال لأجل إخوانه من البشر بغضِّ النظر عن هول الظروف أو مدى صعوبة نيل فرصة النجاح. ريو مدفوعٌ بإيمان راسخ في الإنسانية، والتي سينظر لها كامو لاحقًا باعتبارها القوة الدافعة لتمرُّده. رجلٌ آخر من الرجال الستة هو الأب بانيلو، القَسُّ اليسوعي الذي يظهر في بداية الرواية بمعتقداتٍ مطلقة، ويمثِّل الدين المنظم. يخبر أبناءَ أبرشيته أن الطاعون عقابٌ سماوي — «أنتم تستحقونه!» — ويهاجم «العِلم البشري العقيم». في النهاية، يصبح الأب بانيلو من خلال التجارب التي عايشها في الطاعون أقل تشدُّدًا، ويموت في تطور مثير للمفارقة، ألحقه الطاعون عنوة بصفوف البشر البسطاء. الشخصية الصالحة التي تُشارك كامو العديدَ من الصفات هي رايمون رامبير، صحفيٌّ من فرنسا أتى إلى البلدة المستعمَرة ليتقصَّى ظروف حياة العرب. يحاول رامبير العالِق هناك بسبب العَزْل، يائسًا أن يهرب، على مدار جزءٍ كبير من الرواية. ولانشغاله كثيرًا بالرجوع إلى زوجته والهروب من وهران إلى باريس، يقرِّر في النهاية البقاء والمشاركة في مكافحة الوباء. يمثِّل رايمون أحدث المشاركين في المقاومة. والدافع الأوَّلي لوجوده مهم من حيث إنه يُنسى بسرعة بمجرد ظهور الطاعون. جان تارو هو تجسيدٌ آخر لشخصية المُقاوِم. يؤسِّس تارو مجموعة من المتطوعين، ويمثِّل تجسيدًا للمقاومة وللتمرُّد. وهو الأكثر أخلاقية بين الرجال الستة، مدفوعًا في ذلك بأخلاق الإنسانوية. وهو كذا مُنكِر لِذاته وشجاع. يموت تارو أيضًا بالطاعون؛ الأمر الذي يعود بنا إلى الإحساس بغياب المعنى والإجحاف اللذين يسودان الرواية. لا يوجد جزاءٌ للأفعال الخيِّرة، سواءٌ كنت متمردًا ملحدًا أو قَسًّا يسوعيًّا، لا توجد سُلطة عُليا رحيمة. الرجل الخامس هو جوزيف جران، وهو موظفٌ بالبلدية كان يكتب أول عبارةٍ في روايته مرارًا وتكرارًا في محاولة للوصول إلى الكمال الأدبي، ينضمُّ في النهاية إلى المقاومة وينجو من الطاعون، الأمر الذي يسترجع مرةً أخرى وجهة نظر كامو في «أسطورة سيزيف» عن عشوائية الحياة والموت. هنا يلعب الطاعون دور كاليجولا (إذ يعاقب بالموت على نحو تعسُّفي)، لكن لا يتركَّز محور القصة حول مصدر اعتباطية الموت، بل حول كيفية استجابة قلة مختارة من البشر تجاهه. تُمثِّل كل الشخصيات ردودَ فعل مختلفة خلال فترة الاحتلال. بعد الأبطال (ريو، وتارو، ورايمون، وجران)، ورموز السلطة الدينية (بانيلو)، يتبقى لدينا في النهاية كوتار معبرًا عن المتواطئين. كوتار رجلٌ حاول أن ينتحر وأنقذه جران. يشرع كوتار في التربح من الجائحة (حيث يبيع البضائع في السوق السوداء، ويساعد الناس على الرحيل بطرق غير شرعية). وتُكتَب له النجاة، لكن يُلقى القبضُ عليه في نهاية الرواية. هنا، تنتصر العدالة البشرية في غياب العقاب الإلهي. وفي المرات القليلة التي يأتي فيها كامو على ذكر الجزائريين في الرواية يكون ذلك لجعلهم جزءًا غير مترابط أو خفيًّا من التدبيج. كذلك لا توجد شخصياتٌ عربية، لا حديثًا ولا وصفًا، على الرغم من أن وهران بها تعدادٌ سكاني كبير من الجزائريين. لا يوجد اعتراضٌ آخر على التوجُّه الاستبدادي غير الاعتراضات الدينية أو الأخلاقية. إذا كان العالم بلا معنًى فهم محقُّون. وأنا لا أتقبَّل أنهم محقُّون. ولذا … تُلقى على عاتقنا مسئولية أن نخلق إلهًا. الإله ليس هو الخالق. هذا هو كلُّ تاريخ المسيحية. لأن لدينا طريقة وحيدة لخلق إله، وهي أن نصبح آلهة. أن نصبح آلهة هو ما يقترحه كامو فيما كتبه في يومياته حينها، وهذا ما يفعله دكتور ريو بطريقتَين: (١) بتصرفه كعنصر فاعِل يتصرَّف برأفة ورحمة في أوقات الأزمات، (٢) وباضطلاعه الرمزي بوظيفة الراوي العليم. تلك الفكرة عن البشر الذين يتصرفون كالآلهة ستظهر مرة أخرى في مجرى كثيرٍ من نقاشات كامو العَلَنية مع المثقفين الشيوعيين الذين ازدرَوه بأن أطلقوا عليه لقبَ قديس علماني. ووسط كلِّ الأسئلة الوجودية عن وجود الإله ومعنى الحياة، ثَمة هاجسٌ ينتاب الرواية بين الحين والآخر. وعلى الرغم من أن ظروف حياة العرب ستكون موضوعَ سلسلة مقالاتٍ يكتبها الصحفي الفرنسي في الرواية رامبير، فإن هذا الاهتمام يختفي في ضوء الحالة الطارئة المنبثِقة: اجتياح الطاعون للبلدة. يبدو أن الرسالة هي أن الأشياء الاعتيادية مثل «الظروف المعيشية عند العرب» يجب أن تكون على الهامش. إن السكوت على تلك المشكلة يعكس السكوت على سبب الطاعون في الرواية. في سلسلة مقالاتٍ شهيرة كُتبَت عام ١٩٤٧، وتحمل في مجموعها عنوانَ «لا ضحايا ولا جلَّادون»، بدأ كامو بالإفصاح عن رؤيته السياسية حول التمرُّد في بيئة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان أحد الأهداف الرئيسية في تلك المقالات هو الشيوعية. والسياقُ الذي تبنَّى فيه كامو موقفه مهم: بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً كان الاتحاد السوفييتي في أوج قوَّته من حيث التأثير والقوة العسكرية الملموسة. وقد كان الحزب الشيوعي الفرنسي قويًّا إلى حدٍّ بالغ، ليس من ناحية عدد أعضاء البرلمان وحسب (حيث كان أكبر حزب سياسي فرنسي)، لكن أيضًا في اتحادهم — الكنفدرالية العُمَّالية العامة — الذي كان الأقوى في فرنسا. إذا ما كانت فرنسا لا تزال تلقى معاملة كريمة، فهذا ليس لماضيها المجيد. فالعالم اليوم لا يعبأ بالمواضي المجيدة. لكن ذلك سببه أن فرنسا قوة عربية، وهي الحقيقة التي يتجاهلها ٩٩٪ من الفرنسيين. وإذا كانت فرنسا ليس لديها تصوُّر عن سياسة عربية حقيقية في السنوات القادمة، فلا مستقبلَ لها. كان التحليل الأكثر انتشارًا للاستعمار في ذلك الوقت يحوي في صميمه دافع الربح الرأسمالي، وكان أفضل معارِض لهذا التحليل هو الشيوعية، الموقف الذي لم يُنظِّر له سوى جان بول سارتر بنفسه في مقدمة إلى مجموعة شعرية لشعراء واقعين تحت وطأة الاستعمار. شجَّع هذا الموقف كامو على التوجُّه المُعادي للشيوعية. كان كامو يتَّبع اليسار، لكنه يسار إصلاحي وأوروبي في المقام الأول. والسماتُ المميِّزة لنسخة كامو الخاصة عن اليسار — عن المركزية الأوروبية ورفض الثورة لميلها إلى الإصلاح — تتشابه مع فكرته عن التمرُّد. يقتصر تمرُّد كامو على أوروبا والأوروبيين، ومؤطَّر بالمسائل الوجودية وليس الوعي الاجتماعي. أعلنَ كامو مواصفات التمرُّد كما يراها في «لا ضحايا ولا جلَّادون» (وطوَّرها إلى حدٍّ أبعد في «الإنسان المتمرِّد»). في أول مقال في المجموعة بعنوان «قَرْنُ الخوف»، يكتب كامو في هجوم صريح على الشيوعية مُعارضًا اليوتوبيا السياسية والعِلم: «نحن نختنق وسط رجال يعتقدون أنهم محقُّون تمامًا، سواءٌ كان ذلك فيما يخصُّ آلياتهم أو أفكارهم». السؤال بالنسبة إلى كامو هو كيف نتخلص من هذا الخوف. والخطوة الأولى هي نبذ العنف كله والتخلي عنه. ويشترط لمواجهة الخوف أن تنتفي لديك الرغبة في أن تُقتل (أن تصير ضحية)، أو أن تَقتُل في سبيل فكرة (أن تصير جلَّادًا). الخوف بالنسبة إلى كامو هنا هو تطبيق العنف المؤسَّسي في سبيل قضية أسمى. هدفُه هو الشيوعية بوضوح. يكتب كامو في مقال آخر بعنوان «الاشتراكية بصفتها لغزًا» أنه بين نظام تنتشر فيه الحرية لا العدالة الاجتماعية، ونقيضه الذي تنتشر فيه العدالة الاجتماعية دون الحرية، فإنه سيختار الحرية في النهاية. ينبِّه كامو بشدة إلى أن الحزب الاشتراكي الفرنسي — الذي كان حينها كِيانًا أقليًّا، ولكنه سيصل إلى السلطة في النهاية عام ١٩٨١، بعد موت كامو بوقت طويل — في حاجة إلى أن يختار ما بين الموالاة التامة للماركسية وفكرة أن الغاية تبرر الوسيلة، وبين التوجُّه الإصلاحي. باختصار، يريد كامو من الحزب الاشتراكي الفرنسي أن يهجر الثورة، وأن يترك الماركسية باعتبارها «فلسفة مطلقة». سببٌ آخر للتخلي عن الثورة هو سبب يتوقَّف على السياق؛ حيث يرى كامو أن الثورة الوحيدة الصالحة والقادرة على الاستمرار هي ثورة عالمية، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى تهديد جسيم بالحرب وعدد كبير من القتلى. وبالنسبة إلى كامو، هذه المجازفة لا تستحق العناء. وبديل كامو للثورة العالمية هو «الديمقراطية الدولية»، وهي تصوُّر لا يعرِّفه إلا سلبيًّا. والديمقراطية الدولية ليست بالشيوعية، لكنها أيضًا ليست بالأمم المتحدة. وعلى وجه التحديد، يعتبر كامو أن الأمم المتحدة ستصبح ديكتاتورية دولية لأنها محكومة بقُوًى تنفيذية؛ عوضًا عن ذلك، يؤيد برلمانًا عالميًّا يتشكَّل بانتخاباتٍ عالمية. رغم ذلك، يشير إلى أنه ينبغي لمقاومة الديكتاتورية الدولية ألا تستخدم وسائل تُعارِض الهدف المرغوب، وهو الموقف الذي حظر المعارضة المسلحة على نحو فعَّال. وفي فقرة محورية في مقال «العالَم يتحرك بسرعة»، يتحدَّث كامو عن «صِدام الحضارات» القادم. يزعم كامو أن تفوُّق الحضارة الغربية سيكون في خطر عن قريب «في غضون عشر سنوات أو خمسين سنة». فالوقت من ذهب، ويطالب بافتتاح البرلمان العالمي، الذي وصفه في المقال السابق، في أقرب وقتٍ ممكن «لتكون الحضارة الغربية ونظامها العالمي كونيَّين حقًّا». باختصار، يريد كامو الحفاظ على تفوق الغرب، ويقترح إنشاء برلمان عالمي ليتحقق ذلك. ولا يذكر كامو كيف سيحدث ذلك بالضبط، لكنه بتأييده حلًّا كهذا وبدعمه لهذا الهدف، يرسِّخ لحماية تفوق قوى الغرب في قلب برنامج إجراءاته. وهذا هو أقرب ما يمكنه الوصول إليه لغرض الدفاع علانيةً عن نظام عالمي استعماري. في نهاية المقال، يؤيِّد كامو «اليوتوبيا الجزئية»، التي ستستلزم على سبيل المثال تأميم الموارد الطبيعية (كاليورانيوم، والبترول، والفحم) لكن لا شيء آخر. باختصار، هدف كامو قريب من مبادئ الديمقراطية الاشتراكية: حل وسط بين تأميم وخصخصة كل شيء. وفي مقاله قبل الأخير، «العَقْد الاجتماعي الجديد»، يريد كامو أن ينشئ نظامًا دوليًّا للعدالة. هذا أيضًا أول مقال يقترح فيه تحريم عقوبة الإعدام. رغم ذلك، لا يؤيِّد كامو التغييرات الأيديولوجية. فهو يطلب من البشر أن يتحلَّوا بشجاعة التخلي عن بعض أحلامهم (أي الشيوعية) والتركيز على الحفاظ على الأرواح (أي السلام). ولتلك المقالات نبرة تقريرية، كما أنها عاطفية تمامًا، وكأن كامو يعلن عن القواعد وليس يقترحها. لم يكن مقاله الأخير استثناءً بغضِّ النظر عن عنوانه «نحو الحوار». هنا يتَّخذ كامو مرة أخرى موقفًا مُعاديًا ﻟ «المنطق التاريخي»؛ إذ يصف فكرة التقدُّم، فكرة التحرُّر كمنطق، بقوله «صنعنا من العدم» أفكارًا «ستئول بنا عُقدها إلى الاختناق». ما الذي يَشغل كامو هنا؟ تحتاج النزعة المُعادية للتاريخ والمنتشرة في أعمال كامو تفسيرًا. يأتي ذلك المفهوم عن التاريخ من فهم كامو لهيجل، الذي عُرِفَ عنه إعلانه أنه رأى التاريخ على حصان عندما رأى نابليون قادمًا إلى مدينته — ومن ثَم إسقاط النظام الأرستقراطي. ولذا، أصبح نابليون تجسيدًا للتاريخ التقدُّمي. ورغم أن هذا كان يمثِّل إشكالية بأساليب شتى (بالنظر إلى أفعاله في هايتي وإسبانيا وغيرهما)، فقد كانت تلك هي النظرة الفرنسية لنابليون — محرِّر الشعب، والمُطيح بالأنظمة المستبدة. كانت الفكرة هي أن كل الأنظمة القمعية ستُواجه ﺑ «التقدم» نهايتها العنيفة لا محالة على أيدي شعبها. كان كامو من أكثر العارفين بأن فرنسا احتلَّت الجزائر، وأن الجزائر كانت مقموعة بالفعل وتتوق إلى التحرُّر. إحدى الطرق للتفكير في عِداء كامو للتاريخ والحكم عليه هي النظر إليه باعتباره خوفًا من سردية تنتهي بتحرير الجزائر. وعي كامو بتلك النظرية القائلة بحتمية التقدُّم — ومن جانب آخر إيمانه بها — جعله غير مرتاح إلى الوضع في الجزائر. كان ذلك مصدر مُناشَدة كامو لقرائه علنيًّا أن يتخلَّوا عن مُثُلهم، عن مثاليتهم حول التحرُّر الكامل، لصالح «تغيير في أسلوب الحياة» أكثر تواضعًا أو «يوتوبيا جزئية». أراد كامو إصلاحاتٍ يسيرة وليس تغييرات جذرية، خاصةً فيما يتعلق بالجزائر. وعلى الرغم من أن هذا الموقف الإصلاحي وجدَ قليلًا من الحلفاء خلال حرب الاستقلال الجزائرية لأن كلا الفريقين لم يفضِّل التسوية، فإنه أدَّى في النهاية إلى شعبية متجدِّدة بعد سقوط سور برلين عام ١٩٨٩ وسقوط الاتحاد السوفييتي، حينها جرى الاحتفاءُ بكامو باعتباره كان محقًّا منذ البداية. مُعارَضة كامو للعنف السياسي، أو كما يقول إدانة «أحقِّية القتل باسم التاريخ»، كانت وسيلة لرفض التغيير الثوري الكاسح ولمعارضته الحركات المناهضة للاستعمار. ولذا، فإنَّ مسألة العنف لسبب وجيه — سواء إذا كان القتل مُبرَّرًا بأي شكل أم لا — تقع في لب ثاني أشهر مسرحيات كامو، وعنوانها «القتَلة المنصِفون»، المنشورة عام ١٩٤٩. وبما أنها تنبني على مذكرات الإرهابي الروسي السابق بوريس سافنكوف الذي حاول قتلَ القيصر عام ١٩٠٥، يقدِّم كامو مُعضِلة العنف السياسي عبر نقاش بين مُناضِلي الخلية الإرهابية الذين يخطِّطون لاغتيال القيصر. الشخصيات الرئيسية الثلاث في المسرحية هي إيفان كاليايف وستيبان فيدوروف ودورا دوليبوف. في البداية تبدو الشخصيات ذات عقيدة لا تتزعزع في مشروعية أفعالهم. من ناحية، يقدِّم كامو كاليايف بوصفه البطل الحقيقي الذي يعاني من وسواس. في البداية، لم يستطِع أن يلقي بالقنبلة؛ لأن ابنة أخ القيصر وابن أخيه كانا موجودَين. بعد محاولة ثانية، يتمكَّن من قتل الدوق الأكبر وحده. ثم يُلقى القبض عليه، ويرفض عرضَ السلطات بالعفو عنه شريطةَ أن يخون رفاقه. ويجري إعدامه بيد الدولة في المشهد الأخير. كاليايف هو بطل المسرحية؛ لأن أفعاله تتوافق مع الحالات المحددة التي تجعل من العنف أمرًا جائزًا بالنسبة إلى كامو: كان ينوي المخاطرة بحياته. يطرح كامو أن تلك النية هي الضمان على ألا يكون العنف على نطاق واسع، وعلى أنه سيكون محدود المدة؛ ومن ثَم لن يؤدي إلى نظام استبدادي. يبدو ستيبان على الجانب الآخر مغالًى فيه؛ إذ يؤيِّد قتل الأبرياء بحماس. ويمثِّل ستيبان المقاتلين الشيوعيين الذين يكرههم كامو بشدة؛ فهو يؤيِّد العقاب الجماعي، بل القتل الجماعي. إنه عنيف، ومتعصِّب، ومتلهِّف للقتل. في رأيه أن الغاية تبرِّر الوسيلة. ولكنه رغم ذلك ضعيف؛ حيث يعترف في النهاية أنه كان يحسد كاليايف. وتنقاد دورا بحبها لكاليايف، على الرغم من أنها مناضلة أيضًا. وبمجرد أن يموت، تقرِّر أن تُواصل النضال علَّها تلقاه بالموت. لم تلقَ المسرحية استقبالًا جيدًا؛ إذ وجد النُّقاد أن من الغريب أن تُدرَج قصة حب في مسرحية سياسية كتلك. لكن على الأرجح كان ذلك أحد أهداف كامو؛ إذ يبدو الحب في نهاية المطاف ساميًا على الالتزامات السياسية، وهو ما يُعلي المشاعر البشرية فوق التاريخ البشري، وفوق الأفعال السياسية. على الرغم من أن الإرهابيين يبدون متصدعين، يبدو أن كامو يقدِّرهم فقط إن كانوا مستعدين للموت خدمةً لأفكارهم بقدر ما هم مستعدون للقتل خدمةً لها. يقارن كامو بين هذا الموقف وبين موقف الفلاسفة والمفكِّرين عندما كتبَ عن «سلالتَين من الرجال. إحداهما تقتل مرة وتدفع الثمن حياتها. والأخرى تبرِّر آلافَ الجرائم وتقبل كلَّ أشكال التكريم». تعاود مناهضة كامو للفِكر الظهور مرةً أخرى هنا؛ إنه يؤيِّد اتخاذ الإجراءات، خاصة العنيف منها، لكن على المدى القصير فقط: فموت القائم بالعنف هو أفضل ضمان لمحدودية مدى التمرد. لا يمكن فصل المسرحية عن مقال كامو اللاحق لها عن التمرُّد بعنوان «الإنسان المتمرِّد»؛ لأنه يمثِّل التحول الموضعي لمقالٍ نشره كامو قبل مسرحية «القتلة المنصِفون»، والذي سيعيد إضافته لاحقًا في مسرحية «الإنسان المتمرِّد». هذا المقال الطويل هو استمرار لهجمة كامو المتعددة المحاور على الشيوعية والثورة. إنه يمثِّل للتمرُّد ما تمثِّله «أسطورة سيزيف» للعَبث: مخطط تفصيلي. يبدأ كامو «الإنسان المتمرِّد» بإعادة النظر في العبث. لقد أُعيدَت صياغته على أنه نقطة بدء للتمرُّد. يعلن كامو أنه لا يعتقد في شيء، وأن كل شيء عبث، لكن اعتقاده هذا في حد ذاته يُعَد تمردًا واحتجاجًا. يُولَد التمرُّد من العبث، من غياب المعنى؛ إنه رد فعل تجاه عبثية الحياة. ويتمثل الخلاف الأكبر مع العبث في أن العبث لا يملك مكونًا أخلاقيًّا (القتل مسموحٌ به)، والتمرُّد رد فعل تجاه ذلك أيضًا. بالنسبة إلى كامو التمرُّد هو نقطة الانفصال، رد فعل وجودي، هو أشبه بقول أحدهم لا يمكنني الاستمرار على هذا النحو! في أحد الأمثلة الأولى يستخدم كامو مكونًا اجتماعيًّا غير مألوف: اللحظة التي يقول فيها العبد «كفى!». رغم ذلك، لا يعالج كامو ما يحدث بعد ذلك: التمرُّد الكامويُّ ينصُّ على عنف محدود ومؤقَّت، وغير منظَّم، يرتبط باللحظة فقط. بغضِّ النظر عن مثال العبد، النقطة المحورية هي أن التمرُّد مقتصرٌ على أوروبا: «مشكلة التمرُّد لها معنًى في مجتمعنا الغربي فقط»، يضيف كامو أنه «من الصعب على التمرُّد أن يعبِّر عن نفسه في مجتمعاتٍ ذات تفاوتاتٍ بالغة الاتساع». ويكتب كامو أيضًا أن التمرُّد لا يمكن أن يحدث في المجتمعات التي يكون فيها للمقدسات شأنٌ كبير؛ في رأيه، تلك المجتمعات لم تتصالح بعدُ مع العبث. وبالتأكيد تعبيره الذي يفصل بين أوروبا وبقية العالم هو ترديدٌ لأفكاره عن «صِدام الحضارات» القادم الذي يشغله، الذي كتبَ عنه في «لا ضحايا ولا جلَّادون». المفارقة في «الإنسان المتمرِّد» هو أن كامو في معظم صفحاته الكثيرة يصف ما ليس بالتمرُّد. يحتوي «الإنسان المتمرِّد» على قائمة طويلة من الأمثلة المضادة — عن الأعداء من كل نوع وعلى كل صعيد: السياسي (النازيون والشيوعيون)، والتاريخي (الثورة)، والفلسفي (هيجل). على سبيل المثال، يشتبك كامو مع ماركيز دي ساد (المؤلِّف الفرنسي الشهير الذي أدت قصصه الإباحية وأفعاله الخلاعية إلى ظهور كلمة السادية، واشتُهِرَ عنه أنه سُجن بالباستيل) لأنه كان مُساقًا ﺑ «كراهيته المطلقة» للآخرين. وينتقد كامو الكُتاب الرومانسيين؛ لأن تمرُّدهم محدود وفردي وشديد الارتباط بالأدب. كما يناقش «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، لكنه يراها تقدِّم طريقًا مسدودًا؛ لأن رفض كارامازوف لحقيقة الإله قاده إلى الجنون الذي به «كلُّ شيء مسموح»، في عودة إلى العَدَمية المقترنة بالعبث. يناقش كامو أيضًا التمرد الإنساني بوصفه تعبيرًا فنيًّا، وهنا يرى التمرد شيئًا وجوديًّا، لا اجتماعيًّا. ومع التقدُّم في الكتاب، تصبح نبرته أقذع. فيصدر كامو مراسيم عن الطبيعة البشرية وعما يجب أن نعتقده وألا نعتقده. إنه يلوِّح مهدِّدًا بغاية إنسانية مُبهَمة في وجه كل مشاريع التحرر الواسعة النطاق. فأي معارضة لوجهة نظر كامو تصبح صوتًا مؤيدًا للقتل الجماعي و«العبودية». كانت عبارته باتَّة ولا تحتمل أيَّ نقاش. المعضلة هي أن كامو عندما يَقصُر على الأوربيين تلك المسائل المتعلِّقة بالطبيعة البشرية والتمرد — على سبيل المثال — فإنه يجعل نفسه عُرضة للنقد القائل بأنه هو نفسه المخلِّص المنتظَر الذي ينطق بالحقائق، ذلك المخلِّص الذي ينتقده كامو نفسه في كل موضع آخر في المقال. يا له من حظ سعيد أن تُولَد في عالم تلال تيبازة بدلًا من سان إتيان أو روبيه. أعرف حظي وأتعامل معه بامتنان. تلقَّى هذا المقطع قدرًا وافيًا من النقد. هل يمكن، كما يحاول كامو أن يقول، أن يرتبط فِكْرٌ من نوع خاص ونظرة خاصة للعالم بالجغرافيا وأنماط الطقس؟ في ذلك الوقت، لم يقتنع كثير من النقاد بذلك. دفعت النبرة المتصلِّبة واستبعاد غير الأوروبيين من التمرد، والمساواة بين النازية والشيوعية، كثيرًا من المثقَّفين من كلِّ الاتجاهات إلى انتقاد الكتاب بقسوة بعد نشره. وعلى الرغم من أن كامو لم يرد ذلك في البداية، إلا أنَّ جان بول سارتر، وهو صديق كامو القديم، صار فيما بعد الناقد الأقوى لكتاب «الإنسان المتمرِّد»، بل والأكثر إقناعًا. كان ذلك بداية أهم شِقاق عَلني بين اثنَين من أشهر مثقَّفي فرنسا في ذلك الوقت.
|
{
"chapter": "متمرِّد بلا قضية",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/4/"
}
|
عندما نُشِرَ كلٌّ من رواية «الغريب» وكتاب «أسطورة سيزيف» لكامو عام ١٩٤٢، كان جان بول سارتر مؤلِّفًا راسخًا ومعروفًا بالفعل. لكن كامو وسارتر لم يلتقيا بَعدُ. يُعزى جزءٌ من شهرة سارتر إلى نشر روايته الأولى «الغثيان» عام ١٩٣٨، التي يواجه فيها مُعلِّمٌ في مدينة ريفية لحظاتٍ عميقة من الشك الوجودي بينما يحدِّق في جذور شجرة. انتشرت الرواية انتشار النار في الهشيم في المجتمع الأدبي الباريسي. وتتشابه رواية «الغريب» مع رواية «الغثيان» في كثير من الجوانب، فهما تحكيان قصة رجل ساخط ومنعزل يشكُّ في كل شيء حوله: المجتمع ومعنى الحياة. ومع ذلك، فإنهما روايتان مختلفتان أيضًا: في رواية «الغثيان» تثير الطبيعةُ القلقَ الوجودي، لكن الفن — في شكل موسيقى الجاز — يداويه (أو يعطي أملًا)، بينما في «الغريب» تهدِّئ الطبيعة من قلق ميرسو الوجودي، ويغيب الفن. في عامَي ١٩٣٨ و١٩٣٩ استعرضَ كامو رواية «الغثيان» ومجموعةَ القصص القصيرة بعنوان (الجدار) التي تبعتها. وكان النقد مزيجًا من المديح الواجب والانتقاص الحاذق. كتبَ كامو أنه أحبَّ نصف الرواية، لكن لم يحب الجزء الذي اعتبر أنه محاضراتٌ حول الفلسفة. فامتدحَ النواحي الإبداعية في الرواية لكنه لم يُعجَب بالتأملات الفلسفية؛ المزج بين الاثنَين جعل من المستحيل في رأي كامو النظر إلى «الغثيان» على أنها رواية أو عمل فني من أي نوع. فوق ذلك، رأى كامو إيمان سارتر بقدرة الفن على توفير أمل في إيجاد معنًى للحياة أمرًا يكاد يكون مثيرًا للضحك. من وجهة نظر كامو، لا شيءَ يمكنه أن يتسامى على عَبثية الحياة. وقد انتهت الفقرة الأخيرة في نقده الأول بنبرة عالية التناقض إلى حَدٍّ ما. حيث يمدح كامو «موهبة سارتر اللامحدودة»، مُعلِنًا أنه ينتظر بشغفٍ الأعمال القادمة، ومضيفًا — بسخرية — دروسَ سارتر أيضًا. من الواضح أن كامو كان يتسخَّط من شخصية البروفيسور الكامنة في سارتر. عندما كتبَ سارتر مقالًا نقديًّا عن رواية «الغريب» بعدها بأربع سنوات، كان ذلك من موضع قوة؛ إذ كان سارتر مؤلِّفًا متمكِّنًا. كان وضعُ سارتر أيضًا نابعًا من عمله الأكاديمي المرموق بعنوان «رحلات»: كان سارتر عضوًا في «المدرسة العليا للأساتذة» النخبوية إلى جانب رفيقة عمره سيمون دي بوفوار. وهذا على النقيض من كامو. من المفهوم أن سخط كامو تجاه النظام التعليمي الفرنسي كان سيُلقي بظلاله على سارتر، أحد ألمع نجوم هذا النظام. ولذا، فمن دواعي المفارقة أن سارتر عندما كتبَ مقاله النقدي عن «الغريب» و«أسطورة سيزيف» لكامو في فبراير ١٩٤٣، كان نقده يبدو إلى حَدٍّ كبير تقريرًا مُفصَّلًا أو دَرسًا، حتى من العنوان «تفسير لرواية الغريب» نفسه. كان سارتر أشدَّ قسوة مع كامو فيما يتعلق بالفلسفة بالطبع. ففي صفحتَين من مقاله النقدي، أسدى سارتر نصائح إلى كامو فيما يتعلق بكتابته في «أسطورة سيزيف» كما لو كان تلميذًا، بل تلميذًا غير كفء في ذلك الصدد: «يريد كامو أن ينال الرضا باقتباسه نصوصًا من ياسبرس، وهايدجر، وكيركجارد، والتي يبدو على الدوام أنه لا يفهمها.» (ردَّدت دي بوفوار هذا النقد لاحقًا، حيث كتبت في مذكراتها أن كامو «كان يطالع الكتب، لكنه لم يكن يفهمها».) استمر سارتر على هذا المنوال بقوله إن كامو «يثرثر» في «أسطورة سيزيف» رغم زعمه ﺑ «حبه للصمت». ولم يعتبر كامو «الغثيان» رواية أصيلة بحق، وفي المقابل كان سارتر متشكِّكًا في إذا ما كانت رواية «الغريب» تستأهل هذا الوصف. واختتم سارتر بأن كامو لم ينجح في تحقيق مُبتغاه. كُتِبَت هذه التقييمات عن كامو من قِبل ناقدٍ كان يفوقه في ذلك الوقت في معرفته الفلسفية ومكانته الأدبية. فكيف استجابَ كامو لذلك؟ شكا إلى معلِّمه جين جرينييه «النبرة اللاذعة» للنقد، لكنه أيضًا أقرَّ بنزاهةٍ بمقدرة سارتر الثقافية: «في كثير من المناسبات تساعدني على فهم ما كنت أحاول أن أقوم به». كانت الكلمات القليلة الأخيرة تلك شهادة تامة؛ إذ يعترف كامو بالفعل أن في مقدور سارتر فهْم أعماله أفضل مما يفهمها هو. وهكذا في أيام الصداقة الأولى تلك، كان كامو شخصًا يستمتع سارتر بصحبته؛ كانا غالبًا ما يتواصلان معًا اجتماعيًّا، ولم يكن ثَمة محادثات طويلة عن أعمالهما. وفي عام ١٩٤٣، كان العديد من الكُتَّاب المشهورين الذين ينشرون أعمالهم عند الناشِر الفرنسي جاليمار والفنانين البارزين يذهبون معًا إلى الحفلات، التي كان أشهرها في بيت بيكاسو، حيث شاركوا جميعًا في مسرحيته. قُبَيل انتهاء الاحتلال، طلبَ كامو من سارتر أن ينضمَّ إليه في جريدة «كومبات» مُراسِلًا صحفيًّا. وبعد انضمامه إلى فريق العمل، كتبَ سارتر العديد من المقالات عن المناوشات والعوائق التي حدثت خلال تحرير باريس، كما سافر إلى نيويورك ضمن دعوة للصحفيين الفرنسيين كانت ترعاها الولايات المتحدة لتقوية العلاقات بين الدولتَين المتحالفتَين. في تلك الفترة، كان سارتر قد ألقى محاضرته البالغة الشهرة عن الوجودية، وقد نُشِرَت تلك المحاضرة بعد هذا بعام واحد. كانت الوجودية رائجة للغاية في ذلك الوقت، وكان من الواضح أن سارتر ودي بوفوار في طليعة تلك الظاهرة الفلسفية. كان ثَمة شيءٌ واحد واضح: لم يُرد كامو أن يظن الناس أنه كان أحدَ تلاميذ سارتر، فبذلَ قصارى جهده لتوضيح أنه لم يكن وجوديًّا. رغم ذلك، قلةٌ فقط من الناس هم مَنْ فرَّقوا بين عبث كامو ووجودية سارتر؛ إذ كان كامو عادةً (وما زال) يُوصَف بأنه وجودي، وكان هذا الوصفُ يزعجه إلى حَدِّ أنه كثيرًا ما أعملَ قلمه على الورق ليعبِّر عن رفضه لهذا الانتساب، أحيانًا بهزلٍ ومرحٍ لكن بحزمٍ وقوةٍ أيضًا بين الحين والآخر. عندما كتبَ ناقدٌ يحظى باهتمام كبير أنَّ «مسرحية «كاليجولا» كلها كانت تصويرًا خالصًا لمبادئ السيد سارتر الوجودية»، ردَّ كامو يقول: «بدأتُ أشعر بقليل (والقليل فقط) من الانزعاج من الخلط المستمر الذي يربطني بالوجودية»، كان هذا تعبيرًا متحفِّظًا. فقد احتوى رده على ثلاث نقاط تفصيلية أوضحَ فيها أنَّ: (١) مسرحية «كاليجولا» كُتِبَت عام ١٩٣٨، قبل بزوغ نجم وجودية سارتر، (٢) وأن «أسطورة سيزيف» كُتِبَت لمناهضة الوجودية، (٣) وأنه في نهاية المطاف لم يكن يثق في العقل بالقدر الذي يكفي لأن ينتمي إلى نظامٍ فكري. وبالرغم من هذا التوضيح، بقيَ الخلطُ والالتباس، وظلَّت الأسئلة تتوالى. لا، أنا لست وجوديًّا. دائمًا ما نتفاجأ أنا وسارتر عندما نجد أسماءنا مجتمعة. ونفكِّر مليًّا في نشر إعلان مُفادُه أن الموقِّعَين أدناه يؤكِّدان ويُقرِّان بأنه لا يوجد شيءٌ مشترك بينهما … كان الفرقُ بين الوجودية وعَبث كامو واضحًا من البداية؛ فالوجودية ترتكز حول الإنسان، وتهتم بالمسئولية الشخصية في عالمٍ جَمْعي، بينما العبث انفصالٌ عن الشئون البشرية، ورفضٌ ظاهري لكل النُّظم. نقطةُ الخلاف هذه بالتحديد بين العبث والوجودية هي ما أدَّى إلى أول جدالٍ حقيقي بين الكاتبَيْن. حدثَ هذا في الأيام الأولى للحرب الباردة التي مثَّلت فيها الولاياتُ المتحدة والاتحاد السوفييتي طرفَي الصراع الرئيسيين، وكان من المستحيل تقريبًا عدمُ الانحياز إلى أحد الجانبَين. كان كامو بطبيعته تقريبًا مناهِضًا للشيوعية. وحتى عندما كان في الحزب الشيوعي فيما مضى، كان من الواضح من مزاحه مع معلِّمه أنه لم يكن شيوعيًّا. (تذكَّرْ أن سبب انضمام كامو إلى الحزب لم يكن لتمسُّكه بالمذهب الشيوعي، بل بالأحرى لمحاولة منع مُقاوِمي الوجود الفرنسي في الجزائر من العرب من إنشاء حزبهم.) في إحدى أمسيات عام ١٩٤٦، في حفلٍ أقامه الكاتبُ والموسيقيُّ والمطربُ بوريس فيان، دارَ جدالٌ كبير بين كامو وبين موريس ميرلو-بونتي، أحد الفلاسفة المقرَّبين من سارتر، والذي كان قد كتبَ لتوِّه مقالًا أعلنَ فيه أنَّ على المرء أن ينحاز إلى أحد الأطراف في الصراعات الضخمة الدائرة في عصره، وأنه لم يكن هناك خيارٌ آخر. ورَفْض القيام بذلك يعني الانحياز إلى جانب القامع؛ إذ ينبغي للمرء أن ينخرط في شئون البشر. كان هذا درسًا من دروس المقاومة؛ لأنه ينطبق على الحرب الباردة، وحضَّ ميرلو-بونتي على الانحياز إلى جانب الاتحاد السوفييتي. أثارَ ذلك حفيظةَ كامو، الذي وازَن بين كفتَي هذا الموقف بالدعم غير المشروط لستالين (وعلى مستوًى آخر، بالالتزام بقضيةٍ ما، أي قضية)؛ تجادَل كامو مع ميرلو-بونتي جدالًا عنيفًا، ثم اندفعَ غاضبًا إلى خارج الشقة. حاول سارتر وصديقٌ آخر له دون جدوى أن يُعيداه لينضمَّ إلى الحفل مجددًا، لكن كامو رفض. كان موقفُ ميرلو-بونتي بغيضًا بالنسبة إلى كامو، الذي كَرِه فكرة أنَّ عليه أن يؤيد جانبًا، مجبَرًا على ذلك بالأحداث التاريخية. كان كامو غاضبًا من الألمان «لإجباره على دخول التاريخ»، وكان يفضِّل أن يتنقل من قضية إلى أخرى، دون أي التزام دائم. ورغم أنه دافع عن مبادئ وأفكار عظيمة، فإنه لم يتقيَّد علانيةً قَط بإحدى القضايا أو الأيديولوجيات — وخاصةً الشيوعية؛ لأنها كانت مرتبطة تاريخيًّا بالصراع ضد الاستعمار. كما أن العلاقة بين الشيوعية ومناهضة الاستعمار أصبحت أكثر رواجًا وتفشِّيًا بعد الحرب العالمية الثانية. كانت مسألة الاستعمار مسألة معقَّدة بالنسبة إلى كامو: لا يمكن اختصارها في مجرد القبول بها أو استهجانها. وبينما كان كامو يعي المظالم الواقعة على العرب ويدينها، كانت الجزائر الفرنسية هي مسقط رأسه، وموطن عائلته كلها وكثير من أصدقائه، وكان مخلصًا لها. بعد هذه الفجوة، لم يتحدَّث كامو وسارتر إلا في السنة التي تلت ذلك، وكان لقاؤهما مصادفة. كانا يتعاملان بلطف عندما يلتقي أحدهما بالآخر في مناسباتٍ اجتماعية، إلا أن كامو كان يصرِّح بأن إعجابه بسارتر يقلُّ بمجرد أن يبتعد عنه. ٨ مايو ١٩٥٤. سقوط ديان بيان فو. كما في عام ١٩٤٠، إحساسٌ مختلطٌ من الخزي والغضب. في ليلة المذبحة، كانت النتيجة واضحة. وضعَ ساسةُ الجناح اليميني أرواحًا مسكينة في وضع لا يُحتمَل، وفي الوقت نفسه راحَ رجال اليسار يُطلِقون النار عليهم من الخلف. جاءت مقارنة شعب الهند الصينية بالألمان على النقيض تمامًا من موقف سارتر. أصبحَ من الواضح أنَّ سارتر وكامو كانا في معسكرَين متعارضَين فيما يخصُّ مسألة الاستعمار. نشبَ بين الرجلَين خلافٌ آخر فيما يخصُّ مسألة العنف السياسي. في عام ١٩٤٦ كان كامو قد نشر مقالًا قصيرًا — بعنوان (القتلة الحسَّاسون) — يتناول فيه الإرهابيين الروسيين الذين حاولوا قتلَ أعضاءٍ من عائلة القيصر في فتراتٍ زمنية مختلفة من أواخر القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين. كانت معضلاتُ وأفعالُ تلك المجموعات الإرهابية بالغةَ الأهمية لكامو. هل كان من الصواب قتل أعضاءٍ من عائلة القيصر؟ ماذا عن أطفالهم؟ هل كان القتل مبرَّرًا بأي شكل؟ ستكون تلك الأسئلة في صميم مسرحية كامو بعنوان «القَتَلة المنصِفون». بالنسبة إلى سارتر كانت تلك المسائل رجعية وساذجة، أو مصدر إلهاء في أحسن الأحوال. وقد عبَّرَ سارتر ببراعة في مسرحيته «الأيدي القذرة» عن رأيه في اهتمام كامو بالإرهابيين الروسيين. حيث يناقش اثنان من قادة الأحزاب، هما لويس وهوجو، الإجراءات السياسية: سخِر سارتر باهتمام كامو، وحقَّر من شأن هوجو، الشخصية التي تعبِّر عن آرائه. لكن هذا الانتقاد الأدبي كان ضمنيًّا، يكاد يكون على الهامش. رغم ذلك، أدَّى نشرُ كامو لمقاله «الإنسان المتمرِّد» إلى مواجهة شاملة لا مناصَ منها. ففي مقاله الطويل هذا، شبَّه كامو الشيوعية بالنازية، وأكَّد على أنها أدت دون استثناء إلى الاضطهاد والقتل الجماعي أنفسهما. وفي سياق الحرب الباردة، كان ذلك بمثابة وضع حدِّ فاصل. وبمعايير ذلك الزمان، كان هذا يعني الوقوفَ في صف الولايات المتحدة. تتسم نظرة سارتر إلى الأمور بأنها أكثر عَملية. ورغم أنه أدانَ الأيديولوجية الستالينية — والاتحاد السوفييتي لاحقًا (بسبب غزوه للمجر عام ١٩٥٦) — فقد أيَّد الحزبَ الشيوعي خلال الفترة الأخيرة من حرب الجزائر. كما كان من أوائل الداعمين والمتحمِّسين للثورة الكوبية، وإنْ كان قد تراجعَ عن دعمه عندما سجنت الحكومةُ الكوبية الشاعِر المنشَق هربرتو باديلا. كان سارتر مصدومًا عندما صدر كتابُ «الإنسان المتمرِّد» عام ١٩٥٢، ولم يُرد أن ينقد كتابَ كامو بسبب صداقتهما، رغم ما كان عليه من عِلَّات. عِوضًا عن ذلك، تولَّى مسألة النقد فرانسيس جانسون، الفيلسوف الفرنسي المقرَّب من سارتر (الذي سيصبح لاحقًا داعمًا نشطًا لجبهة التحرير الوطني الجزائرية المؤيدة للاستقلال). ولم يكن لفرانسيس جانسون أيُّ وجه تقارب مع كامو، كما كان من الناقدين له في الماضي. جاءَ النقدُ لاذعًا؛ إذ أبرز جانسون في البداية أنَّ الكتابَ لقيَ استحسانًا من أصحاب اليسار وأصحاب اليمين، وتساءلَ مجازًا عما إذا كان ذلك بسبب أن أفكاره طيِّعة، أو «قادرة على التطبُّع بأشكال متباينة». كما لامَ جانسون على كامو «إنسانيته المُبهَمة» وانتهى بالإشارة إلى أن كامو ركَّز في كتابه على نحو شبه كامل على ضحايا الستالينية. فماذا عن ضحايا الأنظمة الغربية، ماذا عن المسُتعمَرين الذين هم أيضًا من عُمَّال أوروبا، وماذا عن «عامِل المناجم، والموظف الحكومي الذي يعاقَب لدخوله في إضراب …»، والفيتناميين «الذين تجري تصفيتهم» بالنابالم، والتونسيين «المجموعين» في الفيلق الأجنبي؟ كانت هذه خاتمة دفعَت كامو إلى موضوع لم يُرد التطرق إليه. استشاطَ كامو غضبًا. فكتبَ ردًّا في «لي تمب مودرن»، لكن ليس على جانسون، بل اختار عوضًا عن ذلك أن يُخاطب سارتر بوصفه الناشِر، ملمِّحًا بذلك إلى أن سارتر هو كاتِبُ النقد، أو أنه على الأقل يتحمَّل مسئولية سماحه بنشره. في رده، رفضَ كامو أن يناقش نقاط جانسون مباشرةً، وضاعَف نقده للستالينية، وتساءلَ لمَ لا يدين جانسون/سارتر «معسكرات اعتقال» ستالين، مُتحديًا إياهما أن يفعلا ذلك. وكتبَ أن من المستحيل الاستمرار في النقاش ما لم يُلبُّوا طلبه في الإدانة القاطعة. كما أدانَ كامو نبرة نقد جانسون، وشكا لاحقًا في يومياته: «مناظرة مع لي تمب مودرن. … باريس غابة، وحيواناتها المتوحشة بائسة.» وتبرَّم بطرقٍ شتَّى من «الإهانة»، والتشهير بأخيهم. وفي نهاية المطاف، زاغَ ردُّه عن مسألة الاستعمار التي طرحها جانسون، وشكَّل هجومًا معاكسًا بالنسبة إلى مسألة الاتحاد السوفييتي. كان سارتر قاسيًا في ردِّه؛ إذ أسهبَ في ذكر النقائص القديمة الخاصة بنقده الأول لرواية «الغريب» التي كتبَها قبل ذلك بعشر سنوات. وبحيوية شديدة، كتبَ يتساءل إن لم يكن كتاب «الإنسان المتمرِّد» دليلًا كافيًا على عدم جدارة كامو كفيلسوف، وعابَ عليه «كُرهه الجهود الفكرية» ودأبه على عدم قراءة المصادر الرئيسية. كما ذكَّر سارتر كامو كيف أنه انتقد الستالينية، واستشهدَ بمقالاتٍ افتتاحية من مجلة «لي تمب مودرن» تدين الاتحاد السوفييتي دليلًا على ذلك. وأبرز سارتر أيضًا استخدام وسائل الإعلام الرئيسية والسائدة الإدانات ضد الاتحاد السوفييتي كوسيلة لتقليل محنة المستعمَرين، مكرِّرًا ما خلصَ إليه جانسون ومُسهِبًا فيه. وصرَّحَ سارتر أن بإمكانه انتقاد الغرب والشرق كليهما، وسألَ كامو مجازًا، لمَ لا يمكنك أنت ذلك؟ ولفتَ سارتر بعد ذلك الانتباه إلى موقف كامو الغامض في مسألة الهند الصينية، واختتم بأنْ نشرَ رد كامو النهائي، وأعلنَ في الوقت نفسه أن الأخذ والرد قد انتهى من جانبه. كان هذا الصدعُ الثاني نهايةَ صداقتهما الغريبة. إذ لن يتحادثا بعدها أبدًا. ولكنهما ظلَّا يتواصلان تواصلًا غير مباشر عبر أعمالهما، وذلك طوال حياتهما. وبعد أزمتهما العلنية، أصبحَ الانتقادُ الموجَّه إلى المثقَّف اليساري البرجوازي أحدَ أركان أعمال كامو المكتوبة، بالإضافة إلى الهجوم على سارتر والوجودية في يومياته. نتيجةً لتلك المخاطبات العلنية بخصوص كتاب «الإنسان المتمرِّد»، كان سارتر يُعد هو المنتصر، وذلك على نطاق واسع؛ إذ تفوَّقَ كتابةً ودهاءً على كامو الذي تُرِك معزولًا. حتى إن كامو فكَّر مليًّا — على طريقة الأقدام البيضاء الذكورية — أن يُوسِع سارتر ضربًا، لكنه تخلَّى عن فعل ذلك؛ لأن سارتر كان شديدَ النحافة. وتجنَّبَ كامو الحيَّ اللاتيني والمقاهي التي يجتمع فيها سارتر ودي بوفوار مع الأصدقاء، بل إنه عزلَ نفسه عن المجتمع بصفة عامة. وعلى الرغم من أنه توقَّف أيضًا عن الاشتراك في الجدال علنًا، فقد تطرَّق إلى جميع الانتقادات في ردٍّ مستفيضٍ بعنوان «دفاع عن الإنسان المتمرِّد»، الذي لم يُنشَر خلال حياته. هل لي، يا سيدي، أن أعرضَ عليك العونَ دون أن يزعجك هذا؟ أخشى أنكَ قد لا تستطيع أن تعبِّر عما تريد للفَظِّ الذي يشرف على هذا المكان. الواقعُ أنه لا يتحدَّث غير الهولندية. وإذا لم تخوِّلني بعرض مسألتك، فإنه لن يعرف أنك تريد شرابَ الجِن. والآن، يسعني أن أرجو أن يكون قد فهمني؛ فهِزَّة رأسه لا بد أنها تعني أنه أذعَنَ لطلبي. يلتقي الرجلان خمسَ مراتٍ، وفي كل لقاءٍ يسترسل كليمنس في الحديث (وكليمنس هو مزيجٌ من اسم كامو، والكلمة الفرنسية «كليمنسي» بمعنى الرحمة)؛ فيستطرد، ويمزح، ويتندَّر، ويستغرق في التفكير، ويُدلي بإفاداتٍ عامة عن فرنسا، وعن العالم، وعن النساء، والسياسة، والدين … يُطلِق كليمنس على نفسه لقبَ «قاضٍ تائب» متخصِّص في القضايا النبيلة. والقضاة التائبون (كما يجري تعريفهم في الرواية) يشعرون بالذنب بسبب خلفيَّتهم الاجتماعية وما يتمتعون به من امتياز؛ ولذا يتبنَّوْن قضايا المحرومين من حقوقهم كأحد أشكال التوبة، لكنهم ينهمكون في دورهم إلى حَدِّ أنهم يُصدرون الأحكام على الآخرين. (كتبَ كامو في يومياته ذات مرة أن القضاة التائبين وجوديون.) يصف كليمنس نفسه بأنه مدافعٌ عن الأرملة وابنها اليتيم، ويبين أن ممارسته القانونية تتمحور حول مساعدة المظلومين والمساكين والمجني عليهم. مع ذلك، وباعتراف كليمنس نفسه، فإنَّ شفقته تلك أنانية. فيعترف أنه يُهرَع إلى مساعدة رجلٍ أعمى لمجرد أن يحسَّ بالرضا النابع عن مساعدته. مساعدة الآخرين في رأي كليمنس هي أحد مظاهر نرجسيته، وليست نابعة من كَرم حقيقي وأصيل. وخلف هذا الإيثار يكمن زهوٌ وتفاخر: على سبيل المثال، يرفض كليمنس أعلى الأوسمة الفرنسية؛ لأن في رفضه إشباعًا أكبر من قَبوله للميدالية. في كل صفحةٍ من صفحات «السَّقْطة» نجد كليمنس يتأمَّل العديدَ من الموضوعات. بل إن ثَمة انتقادًا لفرنسا، حيث يقول إنَّ البذاءة تُعَد من التسلية على الصعيد الوطني. وفي خِضم هذا القَدْر من «الحكايات والتعليقات الخيالية»، يبرز أحد الأحداث. فبينما يتجوَّل كليمنس في باريس في إحدى الليالي، يسمع صرخةَ امرأةٍ ألقت بنفسها في نهر السين. تلك هي «السَّقْطة». لكن على الرغم من شخصيته العامة وطريقة تفكيره الإنسانية المزعومة، يبتعد كليمنس عن المكان دون أن يساعد المرأة. يفترض أن المرأة ماتت. وبعد سنتَين أو ثلاث، وبينما هو في رحلةٍ بحرية، يرى كليمنس بقعةً سوداء في المحيط، ويتذكَّر المرأة مباشرةً؛ ويعي أن عليه أن يواجه ذنبه ويُسقِط تظاهره بأنه ذو نزعة إنسانية؛ يجب عليه أن يكون نفسه. (ربطَ بعضُ المعلِّقين ذلك بتناقضات كامو فيما يخصُّ الجزائر، حيث عُرِف عنه توقُّفه عن نشر كتاباته عنها بعد عام ١٩٥٤؛ فعوضًا عن أن يواجه كامو مشكلةً مستعصية، يبتعد عنها رمزيًّا.) لكن المشهد الذي يتجاهل كليمنس فيه امرأةً تلقي بنفسها في النهر يمكن أن يُفسَّر أيضًا كهجومٍ على سارتر، الذي كان في منظور كامو يتحدَّث عن مساعدة الآخرين لكن لم يساعدهم على نحوٍ محسوس. في الواقع، وطبقًا لبعض النقَّاد، قد يتطابق الاقتباسُ الآتي مع مفهوم كامو عن الشيوعية باعتبارها عقيدةً عالميةً في كتابه «الإنسان المتمرِّد»: «عندما أستطيع، أُلقي بالمواعظ في كنيستي في حانة مكسيكو سيتي، فأدعو الصالحين من الناس إلى الإذعان للسلطة والتماس راحة العبودية في خضوع، حتى ولو تعيَّن عليَّ أن أقدِّمها إليهم باعتبارها الحرية الحقيقية.» ويستطرد كليمنس: «لقد علمتُ على الأقل أنني كنت أقف في جانب المذنبين والمتهمين، فقط إلى الحَدِّ الذي لن تتسبَّب فيه آثامُهم لي بأي أذًى. كانت ذنوبهم تجعلني بليغًا؛ لأنني لم أكن ضحيتهم.» ويُنهي كليمنس خطابه الطويل بالأسباب التي لأجلها قرَّر أن يُنهي عمله كقاضٍ تائب: «وحين كنت أتلقى تهديدًا بدوري، فإنني لم أكن لأصبح قاضيًا وحسب، وإنما الأسوأ من ذلك، كنت أصبح سيدًا غضوبًا يريد — بما هو خارج نطاق القانون — أن يصرع المسيء أرضًا ويجعله راكعًا على ركبتَيه. وبعد ذلك، يا ابن بلدي العزيز، من الصعب الاستمرار في الإيمان جديًّا بتكريس المرء نفسه للعدالة، وبأنه المحامي الذي قُدِّر له أن يدافع عن الأرملة واليتيم.» تلك العبارة الأخيرة كانت رمزًا لنقد كامو للشيوعية؛ إذ حوَّلت البواعث الإنسانية إلى أيديولوجيا تعتزم تغيير العالَم. رغم هذا، سيكون من الخطأ قراءة «السَّقْطة» باعتبارها مقصورةً على الهجوم على سارتر؛ لأن كثيرًا من جوانب كليمنس أقربُ إلى كامو نفسه. فهي تمثِّل صورةً ذاتية بأكثر من طريقة. وقد أفضى كامو بعد أن أنهى مسوَّدة الرواية إلى صديقه والناقد روجيه كيوه بأنه قَلِق من رد فعل زوجته الثانية فرانسين عند قراءتها المسوَّدة. مشهدُ السَّقْطَة قريبُ الشبه من محاولة انتحار فرانسين؛ فطبقًا لكيوه، حاولت فرانسين ذات مرة أن تقتل نفسها بالقفز من النافذة. وقد قص كامو تلك الحادثة في رسالةٍ لعشيقته الممثلة الفرنسية الشهيرة ماريا كاساريس. والعديد من تَجارِب كامو مع النساء وأفكاره عنهن التي عبَّر عنها في يومياته لها صدًى عند كليمنس في رواية «السَّقْطَة». حيث يرى كليمنس نفسه أسير الرغبة — ذلك أنه يمل النساء في غير ممارسة الجنس. تعكس الفقراتُ الغفيرة الخاصة بالنساء في رواية «السَّقْطَة» إجلال كامو لدون خوان في «أسطورة سيزيف» باعتباره النموذج الأمثل للرجل العبثي الذي يعايش «الغِبْطَة» الحقيقية بانتقاله من انتصار إلى آخر. في «السَّقْطَة»، يتفاخر كليمنس بأنه يستخدم مختلف الحيل ليحصل على مُبتغاه من النساء، ويُقر ﺑ «ألا تحصل على رغبتك لهو «أصعبُ شيءٍ في العالم»». في يومياته يعتبر كامو أن انجذابه إلى النساء علة به، «عبودية». وبالنسبة إلى كليمنس، ثَمة رغبة في التحكم في النساء، حتى وإن توقَّف عن مُواعَدتهن. يتحدَّث كليمنس عن أنه يطلب من النساء اللاتي لم يَعُد يريدهن أن يُقسِمن بالإخلاص له. ويكتب كامو إلى كاساريس يخبرها أنه عندما يكون كلٌّ منهما بعيدًا عن الآخر، فإنه يريدها أن تلزم غرفتها ولا تبرحها. من الواضح أن هناك علاقة بين آراء كامو وكليمنس حول النساء. كانت فرانسين ذات ميول انتحارية — نظرًا لعلاقاته الغرامية على أقل تقدير — ويروي كيوه أنها سألته: «أنت دائمًا ما تندِّد بمَواطن ضعف الآخرين، ماذا عن مواطن ضعفك أنت؟» وبخلاف زوجته، فإنَّ آراء كامو عن النساء وعن النسوية (التي كان يحتقرها) قادته إلى صدام مع أقرب شخص إلى سارتر: سيمون دي بوفوار، مؤلِّفة العديد من الروايات والمقالات. كتَبَت دي بوفوار واحدة من الأعمال المؤسِّسة للنسوية: كتاب «الجنس الآخر». لدى صدور الكتاب، عبَّر كامو عن نفوره منه، وقال إنه يهين الرجلَ الفرنسي. وكانت دي بوفوار في ردها قاسيةً كسارتر؛ إذ قالت عن كامو «كان لا يقبل اختلاف الرأي؛ وإن رأى شيئًا منه يلوح في الأفق، فإنه يسلم نفسه لنوبات الغضب التي تلوح مثل ملاذٍ له»، وذلك إلى جانب تحيُّزه الجنسي ضد المرأة كردِّ فِعل على الكتاب. واستطردت: «لديه صورة عن نفسه لا يُزعزعها عملٌ أو حتى وحي». وصفته أيضًا بالكسل: «لأنه يُطالِع الكتب عوضًا عن فهمها». وعلى رأس كل هذا، قدَّمت دي بوفوار في أنجح رواياتها بعنوان «الماندرين»، شخصية إشكالية ومضطرِبة هي هنري بيرون، الذي كان يؤوَّل على نطاق واسع أنه تمثيلٌ لكامو. وقد أغضبه أن روايتها حصلت على جائزة جونكور، وهي الجائزة الأدبية الأرفع في فرنسا. يقول أولئك المثقفون المزيفون، بينما هم متوارون خلف قِيَم كونية غامضة ومتغطرسة: «طرقنا الاستعمارية ليست كما ينبغي لها أن تكون، فهناك أوجه انعدام مساواة هائلة في أراضينا الواقعة فيما وراء البحار. لكني ضد العنف بكل أشكاله، وأيًّا كان منبعه، فلا أريد أن أكون ضحية ولا جلَّادًا؛ ولذا أعارضُ تمرُّدَ الشعوب المحليين ضد المستعمِرين». أشارَ سارتر بإيجاز وبلاغة إلى أن هذا «الموقف الكَوْني الزائف» يعني بالضبط أن: «أؤيِّد العنفَ الدائم الذي يُوقِعُه المستعمِرُ على المستعمَر (من إساءة الاستغلال والبطالة وسوء التغذية، وهي كلُّها ثابتة في مواضعها بفِعل الإرهاب)». كان هذا هجومًا صريحًا على كامو، وعلى سلسلة مقالاته «لا ضحايا ولا جلَّادون». كانت معارضة سارتر للاحتلال الفرنسي للجزائر شاملة ولا هوادة فيها؛ فقد أيَّد الفرنسيين الفارِّين من الخدمة العسكرية، وعُرِفَ عنه تمنِّيه هزيمة الجيش الفرنسي. أما كامو فقد قدَّم تسويات؛ إذ اقترحَ في البداية نظامًا يمنح الجزائر سيادةً محدودة، ثم اقترحَ هُدْنَة، ثم ركنَ إلى الصمت. لكن الأهم أن أحدَ الثوابت في حياته العامة كان معارضة استقلال الجزائر. باختصار، كان موضوعُ الاستعمار في قلب النزاع المستمر بين الرجلَين.
|
{
"chapter": "كامو وسارتر – الشِّقاقات التي جعلتهما لا ينفصلان",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/5/"
}
|
اليوم، يُعَد ألبير كامو أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين — رغم أنه لم يكن يعتبر نفسه فيلسوفًا — ولربما كان أكثر الروائيين الفرنسيين المقروء لهم في العالم. فقد ألهمت أعماله العديد من الأفلام، وحتى موسيقى البوب، وعادةً ما يقتبس رجالاتُ الدولة في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية منها ما يؤيد آراءهم. ولكن بأي كامو نحتفي؟ هل هو المراسِل الشجاع الذي استقصى دون كللٍ الأوضاعَ الفظيعة للسكان الأصليين لمنطقة القبائل الجزائرية، التي احتلتها فرنسا في ثلاثينيات القرن العشرين؟ أم الرجل الذي كتبَ أن العلاج الوحيد لفرنسا هو أن تبقى «قوة عربية»؟ أنحتفي بالكاتِب الذي نشرَ مقالاتٍ في صحف المقاومة السرية أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا؟ أليس هو الكاتِب الطموح الذي وافق على حذف الفصل الخاص بكافكا في أطروحته الفلسفية ليضمن موافقة الرقابة النازية على نشره؟ هل ثناؤنا محفوظٌ للمؤلِّف الذي انتقدَ الزواج والحداد والحراك الاجتماعي في روايته الأكثر شهرةً، «الغريب»، أم الرجل الذي لا يورد اسمًا لأي شخصية عربية في العمل نفسه؟ عندما نتحدَّث عن كامو، هل نتحدَّث عن المقاوِم الذي كان مؤيدًا لعقوبة الإعدام، أم الفيلسوف الذي أدانها لاحقًا؟ كان كامو متناقِضًا إلى أقصى حَدٍّ. كان مؤمنًا إيمانًا صارمًا بمبادئ المساواة التي ظهرت في فرنسا خلال عصر التنوير، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى دعم الدولة الفرنسية له على نحو فعَّال بعدما فقدَ والدَه في الحرب العالمية الأولى، ووفَّرت له من خلال التعليم وسائل انتشال نفسه من الفقر الذي عايشه منذ الصغر. مع ذلك، فإن الصعوبات التي عايشها في تلك الفترة ونشأته في الجزائر المستعمرة فرنسيًّا جعلتاه يعي على نحو متزايد أن الضيم الذي تُوقِعه فرنسا على العرب والبربر متناقِض مع مبادئ المساواة. وعلى مدار حياته وأعماله، تأرجحَ كامو بين تجنُّب هذا التناقض ومواجهته. انتهى به الأمر إلى أن تكون تلك الازدواجية هي هُويته. تلك الدوافع المتضاربة بين كَبْت هذا الإدراك والتصالح معه وجَّهَت كتاباته بطرق مختلفة في أوقات مختلفة. من شأن هذا الكتاب القصير أن يزوِّد القارئ بملخَّص لحياة كامو وأعماله، وسيتصدَّى بجرأة أيضًا إلى أوجه الغموض في مواقف كامو؛ لأنها عنصرٌ أساسي للتوصل إلى فهم واضح اليوم لكلٍّ من أعماله الكبرى وشعبيته المتجدِّدة.
|
{
"chapter": "تمهيد: بأيِّ كامو نَحْتفي؟",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/0.3/"
}
|
أيقظت الحربُ المكتسبة بالثورة الشعبَ الأثيني، ونبهته إلى الوعي الذاتي، وحثته على إقامة الحكم الذاتي في ظل الحرية التي يحميها قانون شرعه شعب يحكم نفسه. وقد اكتسب كلٌّ من العدالة والنظام الإلهي للعالم أهميةً لم تكن معروفةً لشعبٍ يشتغل سوادُه بالزراعة، انمحت وقتذاك حواجز ذلك العالم الإقليمي الأكثر ضيقًا. واتحدت كلمة الناس إذ رأوا الخطر الخارجي، وأحسوا بدافعٍ يدفعهم إلى الوحدة الروحية التي لم تكن معروفةً من قبل، وبشعور قوي بالوحدة سرعان ما ذاب بفعل النفوذ المركزي للعمل السياسي الإغريقي. أثَّر التحول إلى العالم الخارجي في كلٍّ من السياسة والمجتمع، وهزيمة الغطرسة البربرية، والاتحاد السريع للمدافعين عن حرية بلاد الإغريق؛ أثرت كل هذه العوامل على أیسخولوس، فساقته إلى فكرة نشأة البشرية وتطورها، ونشأة الآلهة أنفسهم وتحولهم من الطغيان إلى الحرية، ومن القتال إلى السِّلم، ومن الشقاق والخصام إلى المحبة والوئام. فقَلَّت الاضطرابات والفوضى والبربرية، وحلت محلها المساواة التي هي أساس القانون والنظام. لم يكن تطوُّر أثينا القديمة هذا بأسرع من تطور الفن التراجيدي على يد مؤسسه الحقيقي … فقد أبدى فن الأدب في هذا العصر تطورًا سريعًا لا يعادله أي تطورٍ في التأريخ، شأنه في ذلك شأن المعمار والنحت. إذن، فمن الواضح جدًّا أن أريستوفانيس كان يعتبر أیسخولوس من المطلعين على تلك الأسرار، إلا إذا كان أريستوفانيس نفسه مذنبًا في الشيء ذاته الذي اتهم به تاريخ حياته الأدبي كما وضعه الفلاسفة المتجولون. وسواء تعلم طقوس ديميتير المقدسة في وطنه، أو لم يتعلمها هناك، فإنه لم يرسم في إليوسيس، وإنما نال تلك الرسامة في ماراثون وسالامیس، فجعلته واضع «قوانين الرب». رغم عدم إمكاننا تفنيد احتمال عدم رضا هذا الشاعر عن مجرى الأحداث في وطنه، فإنه لم يكن بالرجل الذي يهجر وطنه غاضبًا، كما هو الحال في المحدثين. ربما لم يكن لديه أي باعث أعمق من استعداده لإعادة عرض مجموعته الثلاثية الأخيرة. ظل الاعتراف بذلك الشاعر مدة طويلة بعد موته! فصدرت القرارات العامة بعرض مسرحياته. أما نبوغه التراجيدي فانحدر إلى ابنه وإلى بعض أولاد شقيقته. تتكون أهم تجديدات أیسخولوس الشكلية في دور الكوروس، وقبل كل شيء آخر، في إضافة الممثل الثاني. فإن زيادة ممثل آخر على الممثل الواحد لدى ثيسبيس، قد جعلت أیسخولوس المؤسس الحقيقي للدراما؛ إذ جعل بالإمكان تنازع الإرادات المتعارضة، وحوَّل الفعل إلى شخصيات أكثر كمالًا، وأضاف تقدمًا جوهريًّا في الفعل الدرامي. فأصبح في المشهد الواحد ثلاثة أشخاص (من بينهم متعهد الكوروس) متكلمين. أما في المسرحيات الأبسط فترجح كفة عنصر الكوروس على كفة العنصر الدرامي. والكوروس هو العنصر الرئيسي في مسرحية «المتضرعات»، كما هو أيضًا، إلى حد ما، في «الفرس» فغدا الكوروس عاملًا حيويًّا في الاقتصاد الدرامي، في «الأوريستيا». ولا تزال مسرحية «المتضرعات»، تراجيديةً عتيقةً «مقمطة بثياب عهد الرضاع»، بينما نرى «الأوريستيا» تراجيدية كاملة النضج … لم يتردد ذلك الشاعر، في شيخوخته، في الاعتراف بأهمية إضافة الممثل الثالث التي ابتكرها سوفوكليس الجريء في أول قفزة له نحو الشهرة. فقال، وهو في السبعين من عمره وكان لا يزال لَيِّن الطباع: «إنه لَمِن الممتع للعجوز أن يتعلم.» وقد حسنت أعماله الأخيرة أعماله المبكرة. وإن حياته لسجل للتقدم المطَّرد للموهبة الشعرية التي توحي بها عبقرية من أعلى طراز، وذلك، على الأقل، في محيط الصنعة المسرحية. ويمكن مقارنة ذلك التقدم بتقدم أعظم كُتَّاب المسرحيات الإنجليز الذين كانت أعمالهم الأولى إعادة صقل أعمال غيرهم من كُتَّاب المسرحيات. يبدو أن أشهر المسرحيات التي عُثر عليها كسرًا ولا تتصل بالمسرحيات الباقية هي: «أوروبا»، والمجموعة الثلاثية المكونة من «المورميدون» و«النيريديات» و«افتداء هكتور» و«اللوكورجيا» و«فيلوقراطيس»، و«وزن الأرواح» و«نیوبي».
|
{
"chapter": "تقديم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حاملات القرابين: عن اليونانية القديمة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/68137527/0.2/"
}
|
كثيرًا ما يُنظَر إلى أعمال كامو (خاصةً رواية «الغريب») بوصفها من الروائع الفنية المنقطِعة النظير في الأدب الفرنسي. ورغم ذلك، يزداد طرح مسألة الهوية والسياق التاريخي في الموقف الاستعماري. ولكي نَعِي إنجازات كامو والإشكاليات التي تتضمَّنها أعماله ونَفيها حقَّها، من المهم أن نضع في الحُسبان السياق التاريخي الذي شكَّل سنوات تكوينه. ألبير كامو (١٩١٣–١٩٦٠) مواطنٌ فرنسي وُلِد في الجزائر. وكان من المفترض أن يعيش هناك منذ مولده وحتى منتصَف الحرب العالمية الثانية. عَمِل والدُه واسمه لوسيان كامو مراقِبَ عُمَّال في كَرمةٍ في مقاطعة موندوفي، التي تبعد حوالَي ١٠٠ ميل إلى الشرق من الجزائر العاصمة. في الثالث عشر من نوفمبر عام ١٩١٠، تزوَّج لوسيان بكاثرين هيلين سينتس، وهي ربة منزل، وبعد ثلاثة أشهُر وُلِد أخو ألبير الأكبر، الذي سُمي لوسيان أيضًا. وُلِد ألبير في موندوفي بعد حوالي ثلاث سنوات، في السابع من نوفمبر عام ١٩١٣. يرتبط سلفُ عائلة كامو ارتباطًا وثيقًا بالوجود الفرنسي في الجزائر. تُبيِّن السجلات أن جَدَّه الأكبر لوالِده، كلود كامو، جاءَ إلى الجزائر عام ١٨٣٤، بعد الغزو الفرنسي بفترةٍ قصيرة. أما جَدُّه لوالدته واسمه إتيان سينتس، فقد وُلِد في الجزائر العاصمة عام ١٨٥٠، لكن زوجته كاثرين ماري كاردونا وُلِدت في إسبانيا. كان نسبُ كامو نموذجًا للمواطنين الفرنسيين المولودين في الجزائر والقاطنين فيها، الذين كان يُطلَق عليهم بالفرنسية ما يُترجَم حرفيًّا إلى «الأقدام السوداء». في بدايات القرن العشرين، كان هذا المصطلح يُطلَق عادةً على البحَّارة العرب الذين كانوا يعملون حُفَاة الأقدام في مستودعات الفحم الموجودة في السفن. خلال حرب الاستقلال الجزائرية (١٩٥٤–١٩٦٢)، تحوَّل هذا المصطلح ليرمز إلى المواطنين الفرنسيين المولودين بالجزائر والقاطنين فيها. (وسوف أشير إلى المستوطنين الفرنسيين بهذا المصطلح في بقية الكتاب.) في الوقت الذي وُلِد فيه كامو، وهو عشيَّة الحرب العالمية الأولى، كانت الجزائر إقليمًا فرنسيًّا رسميًّا مقسَّمًا إلى ثلاث مُقاطَعات (وهران، والجزائر، وقسنطينة) وثلاث مناطق عسكرية كلها تحت سلطة حاكِم عام. ومع ذلك، كانت الجزائر مقسَّمة فعليًّا إلى قسمَين. أحدهما كان منطقة فرنسية يَقطنها ٧٥٠ ألفًا من «البيد نوار»، يتمتعون بكل الحقوق والحماية التي تقدِّمها الجمهورية الفرنسية. كانوا مواطنين فرنسيين، متساوين تحت مظلَّة نظام قانوني واحد؛ فكان لهم الحق في التصويت، ويعيشون تبعًا لشعار الثورة الفرنسية الشهير: الحرية، والمساواة، والإخاء. أما القسم الآخر، فهو إقليم محتل، يسكنه ٤٫٧ ملايين «مسلم» كما كان يُطلق عليهم رسميًّا في التعداد الفرنسي. لم يكن هؤلاء الرجال والنساء مواطنين فرنسيين (رغم أن كلَّ واجبات الرعايا الفرنسيين كانت مفروضةً عليهم)، وكانوا يعيشون تحت وطأة مجموعة من قوانين العقوبات التي جعلت من الصعب عليهم تلقِّي التعليم، أو كَسْب العيش، أو التحدُّث بلغتهم، أو ممارسة شعائرهم الدينية، أو تملُّك أرض. (لأغراض هذا الكتاب، سنُطلِق عليهم اسم الجزائريين (الذين يتضمَّنون العرب والبربر)، لكن السلطات الفرنسية كانت عادةً ما تشير إليهم ﺑ «السكان الأصليين» أو المسلمين.) كان تاريخ التدخُّل الفرنسي في شئون الجزائر قد مضى عليه ١٠٠ عام تقريبًا في الوقت الذي وُلِد فيه كامو. فقد اجْتِيحَت الجزائر عام ١٨٣٠ على يد جيش الملك شارل العاشر، وكان ذلك في الأصل محاولة للإلهاء عن الاعتراضات الداخلية على مشروعية حُكمه. بعد الغزو تنامَى الوجودُ الفرنسي تدريجيًّا. وحتى عام ١٨٧٠ كانت الجزائر تحت سيطرة الجيش الفرنسي، يتتابع الجنرالات على حكمها. كان غزو فرنسا للجزائر طويلًا وممتدًّا، ويقدِّر بعضُ المؤرخين أن ما يَرْبو على ٦ ملايين جزائري ماتوا خلال المائة عام التي دامَ فيها الاحتلال. خلال الغزو، استولى الفرنسيون على ملايين الأفدنة من أراضي الجزائريين، واقتلعوا منها المحاصيل بالكامل. (كالعادة، استبدلوا بأشجار الزيتون الكروم لإنتاج النبيذ لفرنسا.) خلال تلك الفترة وسعيًا لإحكام السيطرة على الأقاليم، لجأ الفرنسيون إلى تدمير قُرًى بأكملها وقتل الكثيرين من قاطنيها (في ممارسة يُطلَق عليها «الغارة»)، وأجبروا المقاتلين على اللجوء إلى الكهوف، التي أشعلوا النار في مداخلها، فقتلوا مَنْ بداخلها خنقًا (بالدُّخان). كانت السلطات تجيز تلك الممارسات رسميًّا، ويُثني عليها أعلامُ الثقافة في تلك الفترة، ومن بينهم ألكسيس دي توكفيل، الذي كتبَ في تقرير له عن الجزائر: «أرى أنَّ قوانين الحرب تتيح لنا نهبَ البلاد، وينبغي لهذا أن يحدث إما عن طريق تدمير المحاصيل … وإما بتلك التوغلات السريعة التي نطلق عليها «غارات» …» نتيجةً لذلك، اندلعَ العديدُ من الانتفاضات والثورات ضد الحُكم الفرنسي، أكبرها هي التي استمرت ست سنوات وقادها عبد القادر، الذي هزم الحاكِم العام توماس-روبير بيجو، قبل أن ينتهي به الأمر أسيرًا لدى الفرنسيين عام ١٨٤٧. وبحلول عام ١٨٧١، فشلت آخر الانتفاضات الكبرى. وقد حكمت حكومات مَدنية فرنسية الجزائر طيلة ثلاثة وثمانين عامًا تالية، وذلك حتى السنة الأولى من حرب الاستقلال الجزائرية عام ١٩٥٤. ربما لم يعرف كامو بوصفه طفلًا التاريخَ الحقيقي لغزو الجزائر واحتلالها. فقد قدَّم النظامُ التعليمي الفرنسي مجموعةً من الحقائق «الرسمية» البديلة؛ «السكان الأصليون هم مَنْ أشعلوا فتيل الهجمات الفرنسية عليهم»، وهي عبارةٌ معتادة في كتب التاريخ الفرنسية في عشرينيات القرن العشرين، الكتب التي تمسَّكت بالثناء على «الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية المهيبة»، وأغفلت أيَّ ذكر ﻟ «الغارات» و«التسميم بالدخان» ومصادرة الأراضي. دامت حالة الإنكار تلك سنوات عديدة، ولم تعترف فرنسا بحرب الاستقلال الجزائرية رسميًّا إلا عام ٢٠٠٢. ما لم يستطِع كامو اليافع تجاهُله وشرعَ في التصدي له في منتصَف العشرينيات من عمره هو كون الجزائريين مواطنين من الدرجة الثانية. فبعد قمع الانتفاضة الأخيرة عام ١٨٧١، وبعد سقوط نابليون الثالث، شهدت الجزائر المحتلة تغييرًا جذريًّا. ففي ظل حكم الجمهورية الثالثة، أُهملت تمامًا السياسة العسكرية التي تنتهج التعاون مع زعماء قبائل العرب والبربر، ومارست القيادة المَدنية الجديدة سُلطتها المباشرة على العرب والبربر من خلال قوانين السكان الأصليين. على النقيض من القانون المدني الذي كان وما زال ممثِّلًا للسيادة القانونية على المواطنين الفرنسيين، عرضَ قانون السكان الأصليين — الذي وُضِع حيِّز التنفيذ عام ١٨٨١، وأبطله الرئيسُ شارل ديجول جزئيًّا عام ١٩٤٤ — قوانينَ تأديبية وأحكامًا خاصة بالعرب والبربر. وعلى غرار العبيد المحرَّرين في جزر الكاريبي الفرنسية، كان على الجزائريين أن يحصلوا على إذْن للسفر خارج قُراهم. كما كانت الممارسات الدينية الإسلامية تدخل باطراد تحت سيطرة الدولة الفرنسية (على سبيل المثال، أُغلِقَ العديد من الكتاتيب، ونادرًا ما كان يُسمَح بالحج إلى مكة)، ولم تدعم محاكم المسلمين — التي يترأسها قضاةٌ فرنسيون — حَقَّ الاستئناف قَط. وكان على غير الأوروبيين دفعُ «ضريبة عربية» إضافية خاصة، ولم يُسمَح للجزائريين بالتصويت في أي انتخابات. في الدليل الإرشادي المعياري للقوى الاستعمارية، تمثَّلت إحدى الإجراءات التقليدية في تجنيد أقلية عِرقية أو جماعة دينية عن طريق منحهم وضعًا اجتماعيًّا يتمتع بامتيازاتٍ للمساعدة في حُكم الأرض المستولى عليها. جرَّبت فرنسا هذا الإجراء مع اليهود الجزائريين، رغم أنها فشلت فشلًا ذريعًا في البداية. كان لليهود الذين يعيشون في الجزائر (أطلقت عليهم الحكومة الفرنسية السكان الأصليين الإسرائيليين) الوضع القانوني نفسه الخاص بالعرب والبربر، ولم يُعتَبروا مواطنين فرنسيين. عام ١٨٦٩، مُنِحُوا الجنسية الفرنسية لكن جميعهم تقريبًا رفضوها؛ فمعظمهم كان يتحدَّث العربية، ولم تكن لديهم روابط تجمعهم بفرنسا أكثر من أي شعوب أصلية أخرى تقطن الجزائر؛ كانوا ينتمون إلى العرب ثقافيًّا وعِرقيًّا ولغويًّا. نظرًا لعدم الاكتراث الذي واجهته من جانب اليهود الجزائريين والذي اعتبرته رفضًا، أعلنت الحكومة الفرنسية منفرِدةً أن جميع اليهود الجزائريين مواطنون فرنسيون في أكتوبر عام ١٨٧٠. أطلقَ مرسومُ كريميو الشهير الخاص بالتجنيس الجماعي العنانَ لسيلٍ من معاداة السامية من الأقدام السوداء نحو اليهود الجزائريين. كانت الأقدامُ السوداء من جميع الأحزاب السياسية خائفةً حقًّا من كون تجنيس اليهود الجزائريين نذيرًا لأمورٍ أخرى؛ باختصار، أنه قد ينتهي الحال بتجنيس العرب والبربر أيضًا، وحينها سيكون وضعُهم المتميِّز في الجزائر الفرنسية مهدَّدًا. بدءًا من عام ١٨٧٠ فصاعدًا، أصبحت المعاداة الخبيثة والعنيفة أحيانًا للسامية سمةً راسخة في الجزائر الفرنسية. كان هناك أكثر من «رابطة معادية لليهود»، حتى إنه كان هناك حزب مُعادٍ لليهود واسع الشعبية. وقعت مذابح لليهود في وهران عام ١٨٩٧، وفي قسنطينة عام ١٩٣٤، والتي أسفرت عن كثيرٍ من الوفَيات وحالات التشويه في حق اليهود الجزائريين. وعندما تولَّى المارشال بيتان الحُكم في يوليو ١٩٤٠، أبطل مرسوم كريميو: أُسقِطَت عن اليهود الجزائريين جنسياتهم الفرنسية، وصاروا مجددًا في نفس وضع العرب والبربر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. رغم تعرُّضهم للتشويه المستمر، وفي بعض الأحيان إلى هجمات الأقدام السوداء العنيفة، كان اليهود الجزائريون رغم كل ذلك فرنسيين بحُكم القانون في الفترة من عام ١٨٧٠ إلى عام ١٩٤٠. وبمرور الوقت أصبحوا يعتبرون أنفسهم من الأقدام السوداء، واتخذ كثيرٌ منهم جانب الفرنسيين خلال حرب الاستقلال الجزائرية. مع أن الدولة الفرنسية لم تهتم قَط بتجنيس كلِّ العرب والبربر، كان التمييزُ القانوني الواقِع على الجزائريين تبعًا لقانون السكان الأصليين يسير جنبًا إلى جنب مع سياسة الدمج التدريجي. هذا الهدف المتناقض ظاهريًّا بشأن دمج أقلية صغيرة من الجزائريين في نظام المدارس لتنشئة نُخبة تعمل لاحقًا داخل الجمهورية الفرنسية ولصالحها أثارَ الجدلَ بشدة لدى غالبية الأقدام السوداء. هذه السياسة الخاصة بالدمج المحدود للجزائريين — تلك الأقلية التي كان بمقدورها توفير رسوم الطعام (والإيواء إذا كانت المدرسة داخلية) — كانت تعني أنه أصبح مسموحًا لهم الالتحاق بالمدارس العامة، وإن كان بأعدادٍ محدودة للغاية. في مدرسة كامو الثانوية على سبيل المثال، لم يكن يوجد سوى ثلاثة طلاب عرب فقط من واقع ثلاثين طالبًا. قام بعضُ أعضاء النُّخبة المتعلِّمة الجزائرية بحركة نضالية نحو مزيدٍ من الدمج. ففي عام ١٩١٢، نظَّمَ ائتلافٌ من هذه النخبة نفسه في مجموعةٍ تُدعَى «الشُّبَّان الجزائريون»، وسافروا بقيادة ابن التهامي ولد حميدة إلى باريس لعرض «بيان الشبَّان الجزائريين». لم تعترض المطالبُ المتضمَّنة في البيان على الوجود الفرنسي في الجزائر إجمالًا، ولكنها احتوت على المطالبة بإلغاء قانون السكان المحليين. رفضت الحكومة الفرنسية البيان، ولكن قوة الحركة ازدادت لتصبح قوة سياسية مُنظَّمة في ثلاثينيات القرن العشرين. وعام ١٩٣٦، دعمَ كامو نفسُه إلغاءَ قانون السكان المحليين ومَنْحَ الجنسية لأقليةٍ صغيرة من الجزائريين. كان يتمنَّى أن يشهد الوقتَ الذي تكون فيه معاملة فرنسا للجزائريين انعكاسًا للخطاب الإنساني للجمهورية الفرنسية. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، استدعت فرنسا الجزائريين للالتحاق بالجيش الفرنسي. تحمَّس عددٌ قليل للقتال لصالح مَنْ كانوا يُرَون قوات احتلال. ففي إحدى الحوادث المسجَّلة على الأقل، ثار قاطنو إحدى المناطق (الأوراس) ضد التجنيد. قُمِعَت الانتفاضة بوحشية، وقُصِفَت المنطقة بالمدافع، وقُتِلَ المئات من المتمرِّدين. كما قُتِلَ عددٌ هائل من الفِرق العسكرية الجزائرية الكبيرة التي حاربت في أوروبا تحت الرايات الفرنسية، حيث كانوا عادةً ما يُرسَلون إلى مناطق القتال الأشدِّ خطورة. ومع ذلك، لقيَ العديد من الأقدام السوداء أيضًا حتفهم، وكان لوسيان والدُ كامو واحدًا منهم. بفقده أباه، الذي كان العائلَ الوحيد لأسرته حتى ذلك الحين، تبنَّت الدولة الفرنسية ألبير الصبي، على نحو فعلي وليس بالمعنى المجازي للكلمة. وبتبنِّيهم له، أصبحَ كامو وأخوه قاصرَين تحت رعاية الدولة مباشرةً؛ وهو ما خوَّل لكلٍّ منهما الحقَّ في الرعاية الصحية المجانية طوال حياتهما، وإعانة مادية متواضعة. انصرفت أم كامو إلى تنظيف المنازل، وكأرملةٍ مات عنها زوجُها في الحرب تلقَّت أيضًا معاشًا سنويًّا قيمته ٨٠٠ فرانك، وهو مبلغٌ متواضع بالمقارنة بمتوسط الراتب الشهري للأقدام السوداء، وإن كان جيدًا بالمقارنة مع حال العُمَّال الجزائريين الذين يُجبَرون على العمل في الحقول نظير فرانك واحد في اليوم. أصبحَ لكامو معلِّمان مهمَّان في صغره: مُعلِّمه في المدرسة الابتدائية لويس جيرمان، وبعده الفيلسوف والأستاذ جين جرينييه في سنوات مَدرسته الثانوية وسنوات الجامعة. سيلعب كلٌّ منهما دورًا محوريًّا في حياة كامو. وكما كان يردِّد جول فيري (١٨٣٢–١٨٩٣)، مؤسِّس النظام المدرسي الفرنسي الإلزامي العَلماني المجاني، «إنَّ المعلِّمين في الواقع هم جنود الجمهورية الفرنسية»، ومهمتهم أن يكونوا معاونين لرب الأسرة، وفي بعض الأحيان بُدلاء عنه. في رواية كامو المنشورة بعد وفاته بعنوان «الرجل الأول»، التي تحمل طابع السيرة الذاتية إلى حَدٍّ كبير، يوجد العديد من الإشارات إلى علاقته بمُعلِّمه لويس جيرمان، ودوره الذي تعدَّى كونه أستاذًا. اهتمَّ جيرمان بكامو اهتمامًا خاصًّا، فكان يحضر إلى بيته ويعطيه دروسًا خاصة دون مقابل، ليساعده في الحصول على منحة والالتحاق بالمدرسة الثانوية (التي ما كان لكامو أن يتحمَّل مصاريفها لولا ذلك). كان جيرمان أيضًا انضباطيًّا صارمًا يعتادُ ممارسة العقاب البَدني على تلاميذه (بمَنْ فيهم كامو حين كان صبيًّا). وعندما قُبِل كامو في المدرسة الثانوية، أقنعَ جيرمان جَدَّة كامو بالسماح له بالالتحاق بها — حتى وإن لم يكن يعمل ويساهم ماليًّا في شئون المنزل. تلقَّى هذا الصبيُّ اليتيمُ الأب، الذي يتحدَّر من حي الأقدام السوداء القاسي، الرعايةَ والتشجيعَ (أحيانًا بخشونة وقسوة) إلى أن التحقَ بالمدرسة الثانوية بمنحةٍ ثم بالجامعة، وهذا كله بسبب دعم جيرمان له. ولنا أن نتخيَّل كيف أصبحت هذه المدرسة ومادة الأدب الفرنسي خاصةً — وهي المادة التي امتاز فيها كامو — مهربًا له من وحشة مجتمعه والفقر النِّسبي في بيته. لم يكن امتنان كامو تجاه جيرمان قصيرَ المدى؛ فبعد ثلاثين عامًا، وكما هو معروفٌ، أهدى كامو جائزة نوبل للآداب التي تلقَّاها إلى مُعلِّمه في المدرسة الابتدائية قائلًا: «دونك، دون تلك اليَد الداعمة التي مددتها إلى الطفل المسكين الذي كُنت عليه، دون تعليمك ودون الاقتداء بك، لمَا كنتَ أساسَ ما أنا عليه الآن.» عندما كان في السابعة عشرة من عمره، اجتاز كامو أُولى مراحل البكالوريا. كان هذا الإنجاز في شهر يونيو ١٩٣٠، في ظل الاحتفال بمئوية الوجود الفرنسي في الجزائر. وعلى جانب الأقدام السوداء الذين كان عددُهم آنذاك يقارب المليون، كانت احتفاليات طويلة. نظَّمت السلطاتُ الفرنسية العديدَ من المواكب والحفلات الموسيقية وموَّلتها، وكشفت النقاب عن النُّصُب واللوحات التذكارية، وافتتحت المتاحف؛ هذا كلُّه إجلالًا لمهمة «نشر الحضارة» الفرنسية. حتى إنهم كلَّفوا المخرج الفرنسي الشهير ذا الميول اليسارية جين رينوار بعمل فيلم مغامرات (اسمه «لو بليد») لتمجيد المستعمِرين. وقد شارَك عددٌ قليلٌ من العرب والبربر البالغ عددهم ستة ملايين شخص. فهل شارَك كامو في الاحتفالات؟ لا نعرف عن تفاصيل هذه المرحلة من حياتِه إلا القليل، مثل أنه كان يحب أن يلعب كرة القدم في الفريق المحلي شأن كثير من الفتية من أبناء السابعة عشرة. بدأ كامو السنة المُفترَض أن تكون الأخيرة في مدرسته الثانوية في خريف ١٩٣٠، ولكن حياته تغيَّرت تغيرًا مأسويًّا عندما بدأ يسعل دمًا في أحد أيام شهر ديسمبر. كان تشخيص المستشفى محبِطًا؛ إذ أعلنَ إصابته بمرض السُّل. كان علاج السُّل مقتصرًا على التدفئة، والراحة، والتغذية السليمة، وكان هذا المرض مزمنًا يستمر مدى الحياة. بعدها بسنواتٍ كثيرة، أخبر كامو صديقًا له أنه قد تملَّكه شعورٌ بالخوف على حياته في ذلك اليوم في المستشفى، وأن تعبيرات وجه الطبيب عزَّزت من مخاوفه. ولربما كان ردُّ فِعله أيضًا لمُكوثه في غرفة مشتركة في مستشفى مصطفى باشا: وهي مُنشأةٌ أغلب المرضى فيها من العرب. طبقًا لأحد كُتَّاب سيرته، كَرِه كامو الأجواءَ الكئيبة في المستشفى، وأرادَ الرجوع إلى منزله على الفور. من هذا الوقت فصاعدًا، ظهر لكامو منظورٌ جديد جذريًّا، من المستحيل فيه تجاهُل حتمية الموت وتعسُّفه. عندما كان في السابعة عشرة فقط من عمره، أدركَ كامو فَناءَه. وسيكون لهذا الإدراك المفاجئ للموت كثيرٌ من التداعيات. في عمله الفلسفي الأول، «أسطورة سيزيف»، يرتبط الإحساسُ القوي بالفناء بنظريته في العَبث ارتباطًا لا ينفصم. والموتُ المُحدِق والعشوائي هو محور أدبه أيضًا: كالموت الحاضر حضورًا غير مبرَّر كما في «كاليجولا»، والموت كأمر حتمي (وإن كان مصدرًا للخَلاص والتحرُّر أيضًا) كما في «الغريب»، والموت نتيجة الإصابة بمرض كما في «الطاعون». دفعَ تغيُّبه الطويل عن المدرسة أستاذه في مادة الفلسفة جين جرينييه إلى أن يزوره، وهو تصرُّفٌ غير معتاد من أستاذ. خلال تلك الزيارة، التي استعادَ ذكراها كلٌّ من كامو وجرينييه في مراسلاتهما وفي مذكرات جرينييه، ظلَّ كامو صامتًا، وبدا متحفِّظًا، لكنه كتبَ فيما بعد أنه كان متأثرًا بتلك اللَّفتة الكريمة، وعاجزًا عن التعبير عن مشاعره في آنٍ واحد. كانت تلك الزيارة بدايةَ صداقةٍ بينهما استمرت لبقية حياتهما. ربما تفرَّد جرينييه بكونه المؤثر الثقافي الأبرز والأهم في حياة كامو، وعَمِلَ مُعلِّمًا ومُرشِدًا فِكريًّا وسياسيًّا حقيقيًّا في بدايات كامو. وسيهدي كامو كتابَه الأول — وهو مجموعةُ مقالاتٍ بعنوان «بَيْن هذا وذاك» — إلى جرينييه. … قرأتُ كتابَ جرينييه. إنه حاضرٌ فيه حضورًا كاملًا، وأشعرُ بالحب والتقدير اللذين أنبتهما داخلي ينموان. … دائمًا ما أستزيدُ إذا ما قضيتُ معه ساعتَين. فهل سأدركُ يومًا ما أدينُ به له؟ لكن في بداية عام ١٩٣١، ظهرت على كامو الشاب أعراض أخطر وأشد لمرض السُّل. فأوصى الأطباءُ بأن يترك الشقة الضيقة في شارع بلكور في الجزائر العاصمة، والتي لم تكن مناسبةً لمرحلة النقاهة الطويلة. بعدها بمدة قصيرة، انتقلَ كامو ليعيش مع جوستاف أركو، الذي كان يعيش في الجزائر العاصمة أيضًا، وهو زوج خالته أنطوانيت سينتس. لن يعود كامو بعدها إلى بيته أبدًا. كان لأركو شخصية غريبة، كان جزَّارًا ذا شارب ضخم يشبه مِقوَد الدرَّاجة، ويقضي وقتًا طويلًا في استقبال المعجَبين به في المقهى المحلي. عِلاوةً على ذلك، كان أركو قارئًا نَهِمًا؛ تكتظ أرفف مكتبته بأعمال فولتير وأناتول فرانس وجيمس جويس. قرأَ كامو كُتُبَ أركو، وكان يساعد في العمل بالجزارة حيث حاول أركو أن يُهيِّئه ليكون خليفته فيها. في الوقت الذي قضاه مع الزوجَين أركو اللذَين لم يُنجبا، أصبحت حياة كامو رغدة نسبيًّا مقارنةً بمستوى معيشته في بيت جَدَّته. كانت له غرفةٌ خاصة، وكان يأكل اللحم يوميًّا. (تبعًا لأوامر الطبيب؛ في ثلاثينيات القرن العشرين كان الأطباءُ الفرنسيون يعتقدون أن اللحم علاجٌ جيد للسُّل.) عندما تذكَّر تلك الأيام بعدها بعدة سنوات في مقابلةٍ أجراها مع صديق له، اعتبر كامو أن أركو يُمثِّل شخصية الأب في حياته «بشكل ما». كان التهديدُ المستمر الذي مَثَّلَه السُّل لحياة كامو مصدرَ تحرير له أيضًا. انغمسَ كامو في دراسته وهو في بيت أركو بعزيمةٍ متجدِّدة، وإرشادٍ ودَعْمٍ من مُعلِّمه جرينييه. وتغيَّرت كذلك طريقته في التفكير. فأصبحَ يربط بين وعيه بحتمية الموت وبين الحرية، تلك المفارقة الرئيسية التي شكَّلت فيما بعد جوهرَ أعماله المستقبلية. بعد ستة أشهُر من النقاهة، عادَ كامو ليُكمِل سنته الأخيرة في مدرسته الثانوية ليحصلَ بعدها على منحةٍ دراسيةٍ للالتحاق ببرنامج تمهيدي صارم مدتُه سنتان للإعداد لاختبار الالتحاق بالجامعة الوطنية الفرنسية. وكان النجاح في هذا الاختبار يعني الالتحاق بكلية النخبة الباريسية «إيكول نورمال سوبرير»، ومن ثمَّ شَغْل أرفع المناصب في النظام التعليمي الفرنسي بعد التخرج. لكن، بعد إنهاء السنة الأولى في هذا البرنامج التمهيدي، تخلَّى كامو عن حُلمه في الالتحاق بالكلية. فالسنة الثانية لم تكن تُدرَّس في أي مكانٍ بالجزائر؛ ومن ثمَّ كان عليه أن يعيش في باريس؛ الأمرُ الذي شكَّل عبئًا ماليًّا عليه. كما أن اعتلال صِحته مثَّلَ عائقًا كبيرًا أمام اتخاذه تلك الخطوة. استمر كامو في السعي في مساراتٍ مختلفة غير عابئ بهذا العائق، وبإلهامٍ من جرينييه يبدو أنه صاغَ طموحه نحو أن يصبح كاتِبًا عِصاميًّا. فأكملَ كامو دراساته في الجزائر، وسجَّل فيما يُكافئ درجة الماجستير في الأدب، ولكنه غيَّر مجاله بعد مرور عامٍ واحد وتخصَّص في الفلسفة عِوضًا عن الأدب. بقرار كامو بعدم استكمال البرنامج التمهيدي فقدَ مِنحته الاستثنائية، وأصبح عليه أن يبحث عن وظيفة. دائمًا ما كان كامو يعمل لتوفير نفقاته الدراسية. ففي المدرسة الثانوية كان يعمل في بقالة في مواسم الصيف ثم في جزارة زوج خالته، وكطالب جامعي عمل مُعلِّمًا، وقضى مواسم الصيف يعمل في مدينة الجزائر في مكتب مسئول عن تسجيل السيارات. كَرِه كامو هذا العمل البيروقراطي على وجه الخصوص، الذي وصفه بأنه معطِّل للعقل. وعانى الفقر على الدوام، حتى تزوَّج من ميسورة الحال سيمون ييه عام ١٩٣٤. كانت ييه حديثَ عالَم كامو، وكانت تشتهر بفساتينها الماجنة وسلوكها اللاأخلاقي. وفي مجتمع الجزائر الذكوري للغاية في ثلاثينيات القرن العشرين، كان ذلك السلوك شائنًا. أُعجِب كامو بها على الفور، ولكن كانت هناك مشكلة: كانت مخطوبة إلى أحد أصدقائه المقرَّبين، ماكس-بول فوشيه، الذي كان دائمَ الغياب في مهامَّ نضالية لصالح الحزب الاشتراكي. ولدى رجوعِه من إحدى تلك المهام، أخبر كامو ماكس-بول أن ييه لن تعود إليه. وعندما تزوَّج كامو وييه عام ١٩٣٤، كان كامو في الحادي والعشرين وهي في العشرين. كانت والدة ييه طبيبةَ عيون ناجحة، ومثَّلت سيمون عالمًا آخر من ناحية القيم والطبقة الاجتماعية؛ ولعل هذا ما شكَّل جزءًا من جاذبيتها. بالتأكيد، كان زواجُ ابن عامِلة من ابنة طبيبة غنية ارتقاءً على أية حال. بمجرد أن تزوَّجا، اشترت والدةُ ييه شقةً لهما في منطقة جميلة من المدينة، قريبة من جين جرينييه. وأرسلت عائلة أركو إلى الزوجَين بعضَ المال، وأعاروهما سيارة لسعادتهما بذلك الزواج. كان زواجًا مضطربًا منذ البداية، وشهدَ العديد من الانفصالات وتسوية الخلافات. وعلى عكس كامو، رسبت ييه في شهادة البكالوريا، ويبدو أنها كانت فاقدةً للهدف أو الوجهة. كانت ييه أيضًا مُدمِنة للأفيون. وبمضي الزواج أصبحَ إدمانها ظاهرًا، وصارت تقضي المزيد والمزيد من الوقت في مراكز التأهيل. وفي عام ١٩٣٦، خلال رحلة إلى أوروبا، اكتشف كامو خطابًا مرسَلًا إلى زوجته من طبيب كان يمدُّها بالمخدِّرات، والذي كان يبدو بوضوح أنه عشيقها كذلك. كانت تلك هي القشة الأخيرة بالنسبة إلى كامو: أصبحَ زواجهما القصير مفرَّغًا من أيِّ قصدٍ أو غاية، ولدى رجوعهما إلى الجزائر تركَ المنزل. ثم وقعَ الطلاقُ في فبراير ١٩٤٠. أكملَ كامو دراساته في الجزائر. كان قد قطعَ شوطًا كبيرًا في الاضطلاع باختبارٍ وطني آخر: الاختبار التراكمي. وكان اجتياز ذلك الاختبار من شأنه أن يجعله واحدًا من أعلى أساتذة المدارس الثانوية شأنًا على غرار جرينييه، أو موظفًا تابعًا للدولة لديه متسَعٌ من الوقت للسعي وراء طموحاته الأدبية. بالنسبة إلى كامو، كان التعليم والدراسات العليا في الأصل وسيلةً لبلوغ غاية؛ وهي أن يجد وقتًا للكتابة. وحتى مُعلِّمه وصديقه جرينييه ساورته شكوكٌ في تفاني كامو وتكريس حياته لدراساته. وفي وقتٍ لاحق، قالَ جرينييه في كتابٍ له إنه «لم يكن قارئًا نَهِمًا». وهي المقولة التي لولاها لأصبح جرينييه بُوقًا في مدح تلميذه الأشهر. ومع هذا، تأثَّر كامو كثيرًا بالمواد التي درَسَها في الجامعة. على سبيل المثال، ربما تكون إحدى المحاضرات التي تلقاها عن أباطرة الرومان هي التي ألهمته بموضوع مسرحيته الأولى «كاليجولا»، التي شرعَ في كتابتها خلال فترة حضوره لهذا المقرر. رغم قلة شغفه بدراساته، كان على كامو أن يكتب أطروحة ختامية مُحكَمة لأداء الامتحان. كانت الأطروحة بعنوان «الميتافيزيقا المسيحية والميتافيزيقا الأفلاطونية الجديدة: القدِّيس أوغسطينوس وأفْلُوطين». تحدَّث كاتِبُ سيرة كامو المخوَّل أوليفر تود بالتفصيل عن كيف أن كامو لم يُسنِد العديد من المصادر إسنادًا صحيحًا، بل كان في بعض الأحيان ينسب أعمال الباحثين الآخرين إلى نفسه، واستنتج غير عابئ أنَّ كامو كان منتحِلًا. ولا يبدو أن اللجنة التي قرأت أطروحة كامو (والتي كان جرينييه ضمن أفرادها) قد انزعجت بتلك التجاوزات؛ إذ حصل كامو على شهادته العلمية. في ربيع عام ١٩٣٦، حين أصبحَ كامو شابًّا في الثانية والعشرين، يحمل شهادته العلمية؛ ومن ثمَّ صارَ مستعدًّا للالتحاق بالاختبار التراكمي والانضمام إلى مَصاف نخبة أساتذة المدارس الثانوية مثل جرينييه. لكن هذا لم يحدث. أول عمل مكتوب لكامو لدينا يتكوَّن أساسًا من أوراق من السنة الأخيرة له في المدرسة الثانوية وما بعدها، وقد شجَّعه جين جرينييه على تقديمها لدار مطبوعات المدرسة، وكانت هذه الأوراق اسمها بالفرنسية «سود» (بالعربية «الجنوب»). القِطع المنشورة التي لم تُنشر في تلك الحقبة تُظهِر استشرافًا رومانسيًّا؛ كان كامو يمجِّد الطبيعة، لا سيَّما الشمس وضوءها، ورفضَ التقدُّم الذي شبَّهه بالسجن. وفي عمل له عن الموسيقى، بيَّن كامو أن الموسيقى العظيمة والفن العظيم يتعذر فهمهما، بل ينبغي لهما أن يكونا كذلك. يَظهر تناقض كامو الوجداني تجاه المعرفة الثقافية والأكاديمية جَليًّا في تلك المرحلة المبكرة. ففي واحد من نصوصه المبكرة غير المنشورة، تخيَّل حوارًا بين شخصٍ يحكي بصيغة المتكلم وبين رجل مجنون، كتبَ فيه: «رفضُ المعرفة تحرُّر، خطوةٌ حاسمة نحو عتق الروح». كَشَفَ تبجيله لقبول ما لا سبيل إلى معرفته عن بعض أوجه العَبث الذي سيعرضه في «أسطورة سيزيف». وفي فقرة أخرى في النص غير المنشور نفسه، ينظر الراوي إلى المارَّة من شُرفته، حينها ينصحه المجنون بالتغاضي عن تلك الحيوات غير المسبورة. وتلخِّص فقرةٌ أخرى لاحقة في عمله «الغريب» هذا التوجه — ينظر من الشرفة إلى المارَّة المنهمِكين انهماكًا عاديًّا في حيواتهم. تُظهِر هذه الفقرات وكثيرٌ غيرها أن كامو كان يشعر فعلًا منذ صغره أنه معزول عمَّنْ يعيشون حيواتهم دون وعي. – قل لي، أيها الرجل الغامض، أيهما تكنُّ له حُبًّا أكبر؟ أبوك أم أمك، أختك أم أخوك؟ – لا أب لي ولا أم، ولا أخت ولا أخ. – وأصدقاؤك؟ – أنت تستخدم كلمة ما يزال معناها مجهولًا لي حتى اليوم. – إنه وطنك إذَن؟ – إنني أجهل موقعه. – الجمال؟ – الجمال؟ كنت سأحبُّه عن طِيب خاطر، لو كان إلهة خالدة. – الذهب؟ – أكرهه بقدر كُرهك للإله. – عَجَبًا! فمَا الذي تحبُّ إذَن، أيها الغريب العجيب؟ – أُحبُّ الغيوم … الغيوم التي تمضي … بالأعلى … هناك … يا لروعة الغيوم! عاشَ خمستُهم معًا: الجَدَّة، والابن الأوسط، وابنتها الكبرى، وطفلاها. كان الابن صامتًا في العادة، وكانت الابنة معاقة وعَصيًّا عليها التفكير. أما طفلاها، فقد عمل أحدهما لدى شركة تأمين، فيما باشَر الآخر دراساته. وعلى غرار ما حدثَ في حياته، تموت الجَدَّة بينما لا يشعر الحفيدُ الأصغر (يمثِّل كامو نفسه) بأي أسًى. جمالُ الشمس والسماء هو فقط ما يثير المشاعر الحقيقية والمبهجة في المقال. في تلك الكتابات وغيرها، أصبحت قسوة الحياة اليومية وحتمية الموت مواضيع رئيسية. لكن تبقى قوة لحظات التواصل مع الطبيعة ويبقى تأثيرها. وتقارب العديد من مقالاته بين تلك التناقضات الظاهرية: انعدام المعنى في حياةٍ مآلها الموت ولحظات السعادة السامية، وربما النعيم، التي تستحثها الطبيعة. سيعطي كامو للحظات النعيم تلك اسمًا شهيرًا بالفرنسية؛ وهو «بونير» ويعني «الغِبطة». يتسم هذا الاسم في الفرنسية بأنه أبلغ وَقْعًا من مثيله في الإنجليزية. ولا يوجد ما هو أقوى أثرًا وأكثر إيجابية من لحظات «الغبطة» تلك في أعمال كامو: إنها الغاية القصوى، تمرُّ سريعًا لكنها عزاءٌ متواتر من البيئة البشرية العازمة على العدوانية والعالَم العديم المعنى. قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ كامو لم يكن سياسيًّا. أعلنَ كامو في نصوصه الأولى أنه مناهِض للتقدُّم، ويبدو أنه كان يفضِّل الكُتَّاب المهتمين بالفن لأجل الفن على الفنانين المتحفِّظين، الملتزمين اجتماعيًّا وسياسيًّا، كمَنْ تُدرَّس أعمالهم في المدارس الفرنسية: فولتير وزولا. (ثَمة تكهُّن بين بعض المختصين في حياة كامو يقول إنه ربما عمل محرِّرًا لجريدة متطرفة مناصرة للاستقلال، اسمها «إقدام»، بينما كان في المدرسة الثانوية، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعم هذه الفرضية.) لا يوجد ذكر لكونه كان صديقًا أو كان له تفاعل ذو قيمة مع الطلاب الجزائريين المعدودين في المدرسة الثانوية، رغم وعيه بمحنة الجزائريين. بعدها بسنوات عندما كتبَ إلى جرينييه يحدِّثه عن شبابه المُعْدم، قارن وضْعه بهم، «لقد كنت فقيرًا، لكن كنت سأصبح أسوأ حالًا لو كنت عربيًّا.» لكن في خريف عام ١٩٣٥، وعلى نحو غير متوقَّع فيما يبدو، انضمَّ كامو في عُمر الحادي والعشرين إلى الحزب الشيوعي، وكُلِّف بضَم أعضاءٍ من الجزائريين. توجد عدة تفسيراتٍ محتمَلة لهذا الالتزام السياسي، الذي يبدو أنه لم ينبع من كتاباته الأولى، والذي يبدو مناقِضًا أيضًا لتصريحاته المعادية للشيوعية والاتحاد السوفييتي لاحقًا. ومع أن جرينييه لم يكن عضوًا في الحزب الشيوعي، فقد شجَّع كامو على الالتحاق بالحزب. ولا بد أن نصيحة جرينييه تأثَّرت بحقيقة أن الحزب الشيوعي كان هو المكان الأمثل لمثقَّفٍ طموح في ثلاثينيات القرن العشرين. فقد كان العديد من الأسماء الساطعة في الأدب الفرنسي إما مُوالِين للحزب وإما أعضاءً فيه، وكان جيد ومالرو — وهما من أكثر الكُتَّاب إثارة لإعجاب كامو في ذلك الوقت — مؤيِّدَين للحزب عندما انضمَّ كامو إليه. لكن كامو لم يكن ماركسيًّا. ولا حتى مهتمًّا ولو من بعيد بالقراءة لماركس. أحدُ أسباب انضمام كامو إلى الحزب أنه مكانٌ يمكن أن يتخذه مِنبرًا للمطالبة بحل وسط للاضطرابات المتنامية في قطاعاتٍ بعينها من الشعب الجزائري. أراد كامو الترويج لدمج الجزائريين تدريجيًّا بوصفهم مواطنين في الجمهورية الفرنسية، وكان مؤيِّدًا لإلغاء قانون السكان الأصليين، ودعمَ منح الجنسية إلى أقلية مختارة من النخبة الجزائرية. تلك التسوية ستكون سبيلًا لمقاومة الاضطرابات المتنامية في الطوائف السياسية الجزائرية التي تطالب بالاستقلال علانيةً. وقد شكَّل مقترَح منح الجنسية إلى عدد محدود من الجزائريين أساسَ مشروع قانون بلوم-فيوليت، الذي سُمي بذلك نسبةً إلى رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم الراعي الرئيسي لهذا المشروع، وموريس فيوليت، وهو حاكِم الجزائر السابق وقتها. دعمَ كامو مشروعَ القانون بحماسة، وكتبَ عَريضة — «بيان المثقَّفين الداعمين لمشروع قانون فيوليت» — حثَّ فيها على إلغاء قانون السكان الأصليين، الذي وصفه بأنه غير آدمي. كتبَ كامو أيضًا أنَّ المشروع يدعم المصلحة الوطنية؛ لأنه يُظهِر للعرب الوجهَ الإنساني لفرنسا، ما كان يراه كامو واجبَ الحدوث. ولذا دعمَ كامو موقِفًا استراتيجيًّا لكنه إشكالي: الاستعمار ذو الوجه الإنساني — الذي يتمثَّل هدفه الرئيسي في حماية الوجود الفرنسي في الجزائر. كان كامو مقتنِعًا لأسبابٍ وجيهة أن رفض تقديم تنازلاتٍ للعرب سيكون له عواقب وخيمة على فرنسا بوصفها قوة استعمارية. كان هذا موقف فيوليت أيضًا. فوجَّه تحذيرًا صارمًا للأقدام السوداء بأن عدم الوصول إلى تراضٍ سيعزِّز من مصداقية الجزائريين الداعمين للانفصال الكامل عن فرنسا وللاستقلال. لكن التحذير لم يلقَ أُذُنًا مصغية. وفي مواجهة معارضة مدوِّية من الأقدام السوداء لم يصبح مشروع القانون قانونًا، ورُفِضَ في خريف عام ١٩٣٧. تخلَّى الحزبُ الشيوعي أيضًا عن تأييده للمشروع التوافقي، الذي أدَّى إلى خسارته لعددٍ من أعضائه العرب، وتركَ كامو محبَطًا. لا تزال مسألة ما إذا كان هو مَنْ تركَ الحزب أم أنه استُبْعِدَ منه خلافية، لكن بعد فشل مشروع قانون بلوم-فيوليت، من الواضح أن كامو لم تكن لديه أي رغبة في استمرارية عضويته. تركَ وجود كامو المؤقت في الحزب الشيوعي تأثيرًا دائمًا على حياته وعلى جهوده الفنية، وإن لم يكن بالطريقة التي كان الحزب يريدها. فقد شاركَ كامو في تأسيس فرقة مسرحية تُدعى مسرح العُمَّال، كانت تقريبًا أهم ما خلَّفه كامو من إرث في السنوات التي كان فيها عضوًا بالحزب. كما شاركَ في كتابة مسرحية نضالية، بعنوان «تمرد أُشُتُورِية»، عن إضراب لعُمَّال مناجم متمرِّدين في منطقة أشتورية في إسبانيا قبل الحرب الأهلية الإسبانية مباشرةً. رغم أنَّ المسرحية دعمت العُمَّال المتمردين، بدأ يظهر إشكالٌ في معتقدات كامو السياسية. فتتضمَّن الفقرات التي يقال إنَّ كامو قد كتبها (طبقًا للنسخة الفرنسية القياسية) نقدًا قويًّا لعنف كلٍّ من الدولة الإسبانية والعُمَّال وحزبهم. رأى كامو أنَّ العنفَ الثوري ليس مقبولًا بقدر ما يكون عنف الدولة غير مقبول. كان من الغريب تبنِّي هذا الموقف في مسرحية كُتِبَتْ عن أحداث وقعَت عشية الحرب الأهلية الإسبانية، والتي ستؤدي إلى زيادة سريعة في الدعم الفني والثقافي للجمهوريين الإسبانيين الذين حاربوا وهُزِموا في مواجهة فرانكو. وستصبح مشكلة العنف الثوري موضوعًا ثابتًا في أعمال كامو، وستظهر في نقاشاته اللاحقة مع سارتر وفي مسرحيته «القتَلة المُنصِفون». كانت الفترة القصيرة التي قضاها كامو في الحزب الشيوعي أول تَجلٍّ عَلني لوعيه القوي — لكن الخفي حتى تلك اللحظة — بمظالم الاحتلال الفرنسي. لا شك أنه بانضمامه إلى الحزب الشيوعي تحوَّل فجأةً من موقف الصمت على الوقائع الاستعمارية إلى صاحب قرار بمواجهتها. رغم ذلك كان موقف كامو يهدف إلى التسوية؛ فقد أراد الإصلاح وتخفيف وطأة الاستعمار، لكنه لم يشكِّك قطُّ في تسلط فرنسا على الجزائر، ولم يؤيِّد الاستقلالَ الجزائري. وتجربته الأولى في السياسة الثورية والبرلمانية جعلته يَعي أنَّ هدفه في إدماجٍ أفضل للجزائريين في النظام الاستعماري الفرنسي، في مواجهة المعارضة الشديدة من قِبل الأغلبية الكاسحة من الأقدام السوداء، مستحيل تقريبًا. وفي وقتٍ لاحق، أبدى كامو امتعاضًا عندما أشار النُّقاد إلى عضويته في الحزب الشيوعي؛ ليس لأنه أصبح منتقِدًا بشدة للحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي، لكن أيضًا لأن الوقت الذي قضاه مناضلًا سياسيًّا يُعَد تذكيرًا محبِطًا بالفجوة العميقة بين الجزائريين والأقدام السوداء. في الفترة التي تركَ فيها الحزب، ركَّز على المسرح بوصفه كاتبًا مسرحيًّا وممثِّلًا. وبينما كان عضوًا في مسرح العُمَّال، كان له العديد من الخليلات، لكن حُبَّه الحقيقي كان فرانسين فور، وهي طالبة متفوقة في الرياضيات والموسيقى، ولم تبادله المشاعر من فورها. فدأبَ على التودُّد إليها بحرصٍ شديد حتى صارت في النهاية زوجته الثانية. وسعيًا وراء تدبر احتياجاته، التحقَ بوظيفة كاتِب في معهد الأرصاد بالجزائر. كانت مشاريعه الأدبية عديدة؛ إذ عمل على مسرحية «كاليجولا»، ورواية «الموت السعيد» المنشورة بعد موته، ومجموعة المقالات «أعراس»، وحاولَ إنشاء دورية أدبية مع أصدقائه (صدرَ منها عددان). لكن، في أكتوبر ١٩٣٨، غيَّرت انتكاسةٌ أخرى حياته. بعد فحصٍ طبي إلزامي في الثامن من أكتوبر، منعه نظامُ التعليم الفرنسي بحُكم القانون من الالتحاق بالوظائف الحكومية الفرنسية نظرًا لاعتلال صحته. (حفاظًا على موارد الدولة، لا يجوز للمواطنين المُتوقَّع لهم أعمارًا قصيرة أن يصبحوا موظفين حكوميين.) وقد طعن كامو في الحُكم لكن دون جدوى. لا بد أنه شعرَ وقتها أن كلَّ ما قام به من عمل منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة، كان بطريقة ما بلا معنى. ولم يكن ليسير في درب جرينييه في نهاية المطاف. بعدما عَلِمَ برفضه بفترة وجيزة، غيَّر لقاءٌ شديدُ الأهمية مسارَ حياته مرة أخرى. ففي الشهر نفسه، التَقى كامو بباسكال بيا، وهو صحفيٌّ طموح من باريس كان مسئولًا عن إنشاء اﻟ «ألجير ريببليكان»، وهي صحيفة يومية يسارية التوجه في الجزائر. وكان بيا وكامو يتشاركان العديدَ من الأمور. فكلاهما فقدَ والده في الحرب وتولت أمه تربيته، وكلاهما كان يقدِّر بودلير. أراد بيا أن يكون كامو محرِّرًا مساعدًا ومراسِلًا في صحيفته. وافقَ كامو رغم تردده. (اعترفَ كامو في خطاب إلى جرينييه أنه لم يكن لينضم إلى بيا لو لم يُرفَض في الوظائف الحكومية الفرنسية.) ورغم تردده الظاهر، تقبَّل كامو منصبه الجديد سريعًا؛ فعمل في كل مكان في الجريدة: في غرفة الطباعة، ومصحِّحًا، وفي مجلس الإدارة، وكما اشتهِرَ به مراسِلًا استقصائيًّا ومحرِّرًا. استمر انهماكُ كامو في الصحافة لبقية حياته. وقاده هذا إلى تحدي السلطات في العديد من المقالات (ما يزيد على ١٥٠ مقالًا)، وأخيرًا إلى تحرير صحيفة المقاومة الأعلى منزلة في فرنسا. ومع ذلك، شرعَ كامو عام ١٩٣٨، عشية الحرب العالمية الثانية، في نشر الفضائح بلا غشٍّ أو زيف. فمَنْ تراه كان المستهدَف بانتقاداته دومًا؟ إنها الإدارة الاستعمارية الفرنسية.
|
{
"chapter": "كامو، ابن فرنسا في الجزائر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/1/"
}
|
يَدِين هذا الكتاب بالكثير لما قدَّمه فريدريك جيمسون من دعم ونصح. أدين بالفضل أيضًا إلى فريدريك إيرارد الذي ساعد — إلى جانب عِزرا سليمان — في إفساح المجال في وقتٍ يسوده الاضطراب. أودُّ أيضًا أن أشكر فابيان لو دانتك وسارة صمدي، ودارين ووترز، وخوان سانشيز-مارتينيز، وجون كراتشفيلد، ومات إشلمان. يعتمد الكتاب على تنوُّع وجهات النظر للعديد من المعلقين، وأودُّ أن أُعرِب عن تقديري للتأثير المشترك للعديد من الكُتَّاب الذين سبق أن كتبوا عن كامو، وخاصةً إيان بيرشال، وأليس كابلان، وكونور كروز أوبراين، وإدوارد سعيد. ويُباري طلابي في غربيِّ كارولاينا الشمالية بعضًا من أفضل المناحي في مسيرة كامو؛ وذلك في سعيهم الدءوب للتعليم، إذ يمثِّلون مصدر إلهام. لقد وافَى الأجلُ كلًّا من كارول أكيمان وباسكال كازانوفا قبل الأوان، وقد ساعداني بطرق شتَّى في عملي عن كامو، فأنا ممتنٌّ لمعرفتي بهما. وختامًا، أودُّ أن أشكر زوجتي تريسي هايز؛ إذ لم أكُن لأكتب هذا الكتاب دون مساعدتها ودعمها.
|
{
"chapter": "شكر وتقدير",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/0.2/"
}
|
توقفت السفينة بجوار الشياطين … ونزل منها سلم ميكانيكي … فنظروا له في تردد، فقال لهم «شارل» في حزم: أرجو أن تصعدوا. فقال له «عثمان» في تساؤل: ومركباتنا؟ فأجابه «شارل» قائلًا: لا تشغل بالك بها. فصاح «عثمان» يقول في سخرية: وكيف لا أشغل بالي بها وقد كلفتنا الكثير؟! فصاح «شارل» في حزم وفي نفاد صبر قائلًا: لم تعُد لكم هذه المركبات … فأنتم لا تقدرون حرج موقفكم … وأرجوكم سرعة الصعود … والضغط على بعض الأزرار في وحدة الإدارة المنطقية للفقاعات … توقفت محركاتها … وبدأ العد التنازلي لأمر خطير لا يعرفه إلا هم. ولم تمضِ دقائق إلا وكانوا يقفون فوق سطح السفينة يشاهدون ونشًا ضخمًا يرفع فقاعة تلو الأخرى، وما أن انتهوا حتى أطلقت السفينة سرينتها … ثم انطلقت تتحدى الأمواج والرياح … ومشاعرهم … نعم إنها تتحدى مشاعرهم. فحتى الآن لا يعرفون لماذا قُبض عليهم … وإلى أين سيذهبون … لم يسمح أحد لهم بالسؤال ولا بالتفسير … ولا بطلب العدل وهو حقهم … فمن حقهم أن يعرفوا ما جريمتهم! فهل يتركون جماعات «سوبتك» تخرب معداتهم، وتعطل جهودهم في إنقاذ مياههم الإقليمية وبيئاتهم البحرية من التلوث البترولي … ويمسكونهم هم؟! وجرب «عثمان» أن يتحدث مع مستر «شارل» فذهب إلى أحد الجنود البحارة وطلب منهم مقابلته، فقال له الجندي: هذا ليس من سلطتي ولا أستطيع التحدث معه في هذا … يمكنك أن تطلب ذلك من الضابط «ريتر»، وأشار عليه … فذهب إليه على الفور وطلب منه أن يأذن له في التحدث مع السيد «شارل» غير أن الضابط تجهم، ونظر نظرة قاسية أثارت في نفسه روح التحدي، فتركهم جميعًا ونزل وحده السلم المؤدي إلى كابينة القائد، فلم يجد أحدًا في طريقه … فحاول فتح أكثر من كابينة للبحث عنه فلم تنفتح له واحدة منها، فعرف أنها تنفتح ببطاقة مغناطيسية، عندما رأى بالباب فتحة دخول البطاقة … فقرر أن يكشف أسرار المكان وألا يدع هذه الفرصة تفوته … فعاد «عثمان» إلى زملائه وصرح لهم بما يدور في نفسه فقال له «مصباح»: لقد حضر أحد الضباط وسأل عليك، فقلنا إنك في دورة المياه، فأرسل مَن يتأكد من ذلك … وخلال لحظات حضر الضابط مرة أخرى فرأى «عثمان» فبادره قائلًا: أين كنت؟ فكر «عثمان» سريعًا … ثم قال له: كنت أبحث عن دورة المياه. فنظر إليه في شك وسأله مرة ثانية: وهل وجدتها؟ فأجابه في سرعة قائلًا: لا. ولماذا لم تسأل أحد الجنود أو الضباط؟ فأجابه في ثبات: سألتهم ولم يدلوني. فقال الضابط في سخرية: نعم أنت فعلت ذلك، ولكن لم تسألهم عن دورة المياه. ثم نظر له نظرة اتهام قبل أن يكمل قائلًا: بل سألتهم عن كابينة القائد … أليس كذلك؟ حاول «عثمان» التماسك … وأدار عقله جيدًا قبل أن يقول له: نعم هذا حدث … وعندما لم يساعدني أحدهم في الوصول إلى القائد … لم أشأ أن أسألهم على شيء بعد ذلك. فقال له الضابط: من فضلك قف على قدم واحدة. فقال له «عثمان» في حدَّة: لماذا؟ فانفعل الضابط وقام يتهدده: نفِّذ الأمر وإلا ألقيت بك مجروحًا للقروش. شعر «عثمان» أنه ليس ضابطًا، وأنه جاد في تنفيذ تهديده، فرفع أحد ساقيه … ووقف على الأخرى، ونظر في تحدٍّ. فقال الضابط يسأله: ماذا كنت تريد من القائد؟ فنظر له «عثمان» دون أن يجيب … فصرخ فيه يعيد عليه السؤال قائلًا: أجبني الآن … ماذا كنت تريد من السيد «شارل»؟ فقال «عثمان» في هدوء: كنت أريد أن أعرف موقفنا معكم. فسأله الضابط في تهكم: لا أفهم. فقال «عثمان» موجهًا السؤال له: هل نحن معتقَلون؟ فقال الضابط في حزم: حتى الآن … لا. فبادره «عثمان» بسؤال «إلهام»: ولماذا إذن تأخذوننا معكم؟ وإلى أين؟ فقال الضابط في هدوء: لماذا … لأنكم تسبحون في منطقة متنازع عليها وتحت إدارة الأمم المتحدة، إلى أين … فهذا ليس من حقكم. وأراد «عثمان» أن يثيره، فأنزل ساقه، ووقف معتدلًا يقول له: وكيف نكون غير معتقلين ونحن لا نعرف إلى أين تأخذوننا؟ وهنا صرخ فيه الضابط قائلًا: قف على قدم واحدة. فلحقه «عثمان» قائلًا: وهل من حقك أن تعذبني؟ أمسك الضابط برقبة «عثمان» ثم دفعه بعيدًا، وسط مخاوف الشياطين من أن يتهور «عثمان» ويضربه. ومرة أخرى … دفع الضابط «عثمان» في صدره ثم دفعه مرة أخرى حتى أدخله إحدى الغرف المجاورة لكابينة القيادة … ثم أغلق الباب … وارتفعت أصوات اللكمات والركلات … والاصطدام بالحوائط والسقوط على الأرض … وتخلل ذلك انبعاث آهات مكتومة، كان الجنود يرون تأثيرها على وجوه الشياطين فيضحكون. وأخيرًا … انفتح باب الغرفة، وخرج «عثمان» ينفض يديه … وما أن رآه الجنود حتى صاحوا مستنكرين … وأسرعوا إلى الغرفة، وعندما خرجوا كانوا يحملون الضابط «ريتر» مغشيًّا عليه. وارتفعت أصوات الجلبة فوق سطح المركب، والضابط ما بين مطالب ومعارض لتأديب «عثمان» إن لم يكن التخلص منه. ولم تنتظر مجموعة منهم أن يصلوا إلى نتيجة … بل أحاطوا بالشياطين وفي عيونهم يصرخ الشر، وما أن مد أحدهم يده ليمسك ﺑ «إلهام» حتى انهمك سيف يدها ليضربه تحت إبطه، فقفز عليها كالثور الهائج، فركلته بكل ما بقدمها من قوة … فأكملت اندفاعه إلى سور المركز فتجاوزه، وهوى في الماء، مما آثار زملاءه، فانقضوا على الشياطين فكان جزاؤهم أن لحقوا بزميلهم الأول … وعلا صراخهم، فقد شمَّت مجموعة من القروش رائحتهم … فأتت تُمَنِّي نفسها بصيد ثمين. وانشغل زملاؤهم الموجودون فوق سطح المركب في إنقاذهم، بينما حضر أحد الجنود إلى الشياطين يقول لهم: إن القائد يطلبكم. فسأله «عثمان» في لهفة: وأين هو؟ – اتبعوني. نظر الشياطين إلى بعضهم متسائلين، فرغم كل هذه الجلبة على سطح السفينة، ورغم ما يتعرض له الضباط في الماء، إلا أن القائد لا يهتم، ويهتم بأمرهم هم. وعند كابينة يقف بجوارها أحد الضباط، تركهم الجندي وغاب بداخلها للحظات، ثم خرج وأشار لهم بالدخول، ثم أغلق الباب خلفهم وانصرف هو. وفي الداخل كان السيد «شارل» يجلس خلف مكتبه ويعطيهم ظهره، وقبل أن يستدير لهم سألهم في وقار قائلًا: مَن منكم «عثمان»؟ فقال «عثمان» في ثقة: إنه أنا. لم يلتفت السيد «شارل» ليراه؛ بل أكمل قائلًا: ماذا فعلت بالضابط «ريتر»؟ فقال «عثمان» مبررًا: لقد أهان كرامتي. فقال القائد في هدوء: لا أفهم! فقال «عثمان» في غضب: لقد ضربني بصورة مهينة. فاستدار القائد وقال له: وهل لديك شهود على ذلك؟ فنظر له متعجبًا ثم قال: لقد أغلق عليَّ الغرفة، و… فقاطعه القائد قائلًا في سخرية: لقد أغلقها على نفسه.
|
{
"chapter": "اللقاء المثير!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/6/"
}
|
عندها هبط عميل «سوبتك» سلالم اليخت، لم يرَ عليه أحدًا فأين «أحمد» و«عثمان»؟ لقد تبع الرجل رجلًا آخَر يشبه الدولفين، كان جسده يترجرج وهو يهبط درجات السلم في بطء حتى سمع جلبة تحت الماء، فأضاء كشافًا يمسك به وسلَّطه على أسفل السلم ثم على الماء فلم يرَ شيئًا، ثم سمع الجلبة تأتي من مكان آخَر، وعندما سلط عليه الكشاف رأى ذراع زميله ترتفع من تحت الماء ثم تهبط، كأنه يحاول التخلُّص من شيء يقبض عليه ويجذبه لأسفل، فأصابه الخوف، وصرخ مناديًا زملاءه في إلحاح، لكن صوته ضاع وسط هدير الأمواج، فأخرج مسدسه وصوَّبه تجاه المكان ثم أطلق رصاصة سمع معها صرخة مكتومة، ثم رأى الماء يتلوَّن باللون الأحمر، وبعدها رأى جثة زميله تطفو فوق الماء … لقد قتله من شدة خوفه … فاستدار يصعد السلم عائدًا إلى سطح اليخت … غير أنه صرخ خوفًا عندما شعر بيد تمسك به من قدمه … فنفض قدمه في فزع … وكانت درجات السلم لزجة من أثر الماء فانزلق عليها … وسقط صارخًا بين أيدي وحش لا يرحم. وظل يقاوم فيطفو فوق الماء للحظات وهو يصرخ … ثم يعود فيغوص وهو ينتفض في هيستريا … حتى خارت مقاومته فاستسلم لقدره … وابتلع من الماء ما ملأ معدته ورئتيه … فمات مختنقًا … وطفت جثته بجوار زميله. أخيرًا خرج الوحش الرهيب من تحت سطح الماء … فتعلق بدرجات السلم، ومن خلفه خرج وحش آخَر … إنهما «عثمان» و«أحمد»، لقد علقت بهما طحالب القاع ونباتاته … وبقايا أصدافه … فأكسبتهما مظهرًا مرعبًا … وقبل أن يبلغا سطح اليخت سمعا رجلين يتكلمان … فوقفا ينصتان في هدوء … فسمعا أحدهما يقول: هل نتخلص منهما؟ فأجابه زميله قائلًا: لا، لا؛ دعهما الآن واقفين مكانهما وأنا أراقبهما. فعاد زميله يقول: لكنهما سيموتان من البرد. فأجابه قائلًا في سخرية: وهذا ما نريده. ما أن سمع «عثمان» هذا حتى تدلَّى برأسه وقال ﻟ «أحمد» هامسًا: إنهم يروننا. فعلَّق «أحمد» في شك قائلًا: هل تظن ذلك؟ فقال «عثمان» متسائلًا: ألم تسمعهما؟ ضم «أحمد» شفتَيه متعجِّبًا، وقال له: أشك أنهم يقصدوننا بهذا الحديث. فقال «عثمان» في انفعال خافت: هل لديك سبب لهذا الشك؟ فقال «أحمد» يهدئه: نعم يا صديقي؛ إنهما لم يسألا عن زميلهما وقد خرجا في أثرنا. فسأله «عثمان» في حيرة: إذَن عمَّن يتكلمون؟ وهنا وضع «أحمد» يده على فم «عثمان» وهو يقول: انظر إلى بقعة الضوء في كابينة القيادة. فسأله «عثمان» في شغف: أتقصد أنها تشبه كابينة يختنا؟ فزمجر «أحمد» قائلًا: إنه لا يشبهه، إنه هو. فلتت من «عثمان» صيحة دهشة وخوف وهو يقول: المجرمون! كيف وصلوا إليه؟ وأين حرَّاسه؟ فقال «أحمد» في أسى: إنهما واقفان الآن في مكانٍ ما متعرضان لبرد قاتل … هكذا قال الرجل لزميله ورغم الإجهاد الذي يشعر به … قال «عثمان» مندفعًا في حماسه: يجب أن نتدخل، فالعملية كلها تتوقف الآن على هذا اليخت. فأشار «أحمد» ليلزم الحذر، ثم قال هامسًا: علينا أن نصل إلى الفقاعات الزجاجية فعن طريقها يمكن أن نحارب ونطارد. فأومأ «عثمان» موافقًا ثم قال: دعني وسوف أتصرف. وفي رشاقة الفهد … قفز فوق سطح اليخت … ثم جرى محاذيًا لسوره الخارجي حتى بلغ السلم الواصل إلى غرفة المحركات، فهبط درجاته في حذر، و«أحمد» يراقبه عن بُعد شاهرًا مسدسه حتى غاب عن عينيه. ووسط ضجيج المحركات تحرك في حرية … فلم يسمع أحد هنا وقع خطواته … وعبر ممرًّا جانبيًّا تمكن من الوصول إلى باب القبو … الذي يحوي الفقاعات، فقام بمعالجة قفله الإلكتروني؛ فانفتح له عن آخِره، فنام على أرضية المكان ثم تدلَّى بنصفه العلوي داخل القبو؛ فلم يرَ إلا ظلامًا حالكًا، فأخرج الكشَّاف المعجزة من جيبه السري وضغط على زر إضاءته فلم يعمل، فتوترت أعصابه، وحاول معه مرة أخرى، فلم يَنثنِ؛ فغمغم يقول هامسًا: هل أفسدك الماء؟ ثم قام بجسِّه فوجده جافًّا، فقال يطمئن نفسه: إني أحملك في جيب خاص لا يسمح بتسرب الماء، فماذا حدث لك؟ وفجأة صاح بصوت خافت قائلًا: أوه؛ لقد أغلقتك برقم سري بالأمس؛ لعلي أتذكره! وفي هذه الأثناء كان قائد جماعة «سوبتك» على اليخت … قد انتابه القلق لغياب زميلَيه، فنزل بنفسه يستطلع الأمر فلم يصادف أحدًا على السلم! فأين كان «أحمد»؟ لقد كان يقبع قريبًا من غرفة القيادة، ويدعو في نفسه ﻟ «عثمان» بالتوفيق. وكان «عثمان» قد استطاع إضاءة الكشاف، فشاهد الفقاعات الخمس تقبع على أرضية القبو في انتظارهم. فتعلَّق بحافة القبو، وتدلَّى بجسمه لأسفل … ثم تأرجح للحظات قبل أن يقفز بجوار إحداها. ثم قام بفحصها واحدة تلو الأخرى فلم يجد بأحدها عطلًا ما، فقفز بداخل فقاعته وأصدر أمرًا إلكترونيًّا عن طريق ساعته، فانفتح تحت الفقاعة باب انزلقت منه إلى غرفة الاستعداد للانطلاق، ثم انغلق الباب مرَّة أخرى. وبأمر ثانٍ انفتح الباب الخارجي وانزلقت الفقاعة عبره إلى أسفل اليخت وغمرها الماء، فشعر «عثمان» أن جسمًا ضخمًا قد اصطدم بها، وأن الفقاعة هي التي اصطدمت به، وعلى شاشتها رأى ثلاثة قروش منهمكة في التهام ضحية ما، فأسرع بمغادرة المكان قبل أن تلتفت إليه وقد أثارتها الدماء، ثم سأل نفسه قائلًا: تُرى مَن الذي تلتهمه القروش الآن؟ وصمت قليلًا؛ قبل أن يعود للحديث مع نفسه قائلًا: أوه؛ إنها جثث رجال «سوبتك»! وما أن ابتعد لمسافة كافية حتى قام بالاتصال عبر ساعته ﺑ «مصباح»، إلا أنه لم يجاوبه، فأعاد الاتصال ولكن هذه المرة ﺑ «إلهام»؛ فلم يتلقَ ردًّا … وكذلك «هدى» فانتابه القلق عليهما … وفكر في الاتصال ﺑ «أحمد» غير أنه خشي ألَّا يكون في مكان مناسب لتلقي الاتصال، فاستدار بالفقاعة وقرَّر العودة إلى اليخت، فقد ترك هناك «أحمد» ولا يعرف إلى ماذا وصل؟ والمفروض أن يستعيدوا اليخت ويطردوا منه الغزاة الذين اختطفوه؛ لأن لديهم مهمة أخرى، هي المهمة الرئيسية؛ وهي إبعاد جماعة «سوبتك» عن ميدان عمل معدات سحب بقعة البترول المتسربة من ناقلة البترول الأساسية. إذن يجب أن يعود … ويعين «أحمد» على استعادة اليخت. لذا فلقد انطلق عائدًا، غير عابئ بالقروش، وفي رأسه تدور ألف فكرة عن كيفية استعادة اليخت. وما لم يحسب حسابه حدث؛ فقد تعطل محرك الفقاعة وهو غير مهيأ للبحث عن أعطال الآن، فإنه مجهد والوقت في غير صالحه، وليس لديه حل آخَر غير إصلاحها. فقام بإدارة برنامج الأعطال في وحدة المعلومات الخاصة بها، فلم يصل معه إلى شيء مما أثار حنقه، فقام بخلع نفسه منها وفي نيته أن يتركها ويعود سباحة إلى اليخت. وبالفعل؛ فعل ذلك، وما إن ابتعد عنها حتى رآها في صحبة أحد يسحبها.
|
{
"chapter": "المفاجأة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/4/"
}
|
نظم الأستاذ فهيم سوريال — مشكورًا — هاتَين القصيدتَين يرثي بهما شقيقي الحبيب المرحوم الأستاذ الدكتور أنيس سلامة. وإني إذ أهديهما إلى روحه الخالدة أسأل المولى أن يرحمه رحمةً واسعةً، وأن ينزله من لدنه منزلة الأبرار. ••• •••
|
{
"chapter": "الإهداء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حاملات القرابين: عن اليونانية القديمة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/68137527/0.1/"
}
|
أضاءت الساعة في يد «أحمد» تحت الماء، وبضغط بعض الأزرار بها تحولت إلى بوصلة، وبإجراء بعض التعليمات عليها أضيئت شاشتها بضوء أحمر متقطع، وظهر في وسطها سهم أزرق يظهر ويختفي … فعلق قائلًا في نفسه: سنسبح في اتجاه السهم. ثم أشار ﻟ «عثمان»، وما أن ضرب المياه بذراعيه بقوة حتى فعل «عثمان» مثله … وانطلقا يسابقان الزمن للوصول إلى يختهما قبل أن يصل أعوان «سوبتك» إليه. ورغم برودة المياه سرى الدفء في أوصالهم، فشعروا أن المياه دافئة، ثم شعروا أنها أكثر دفئًا، فحفزهم ذلك على مواصلة التجديف بحماس وقوة مخترقة المياه في سرعة قياسية. ولم تمضِ دقائق إلا وازدادت سخونة المياه حولهم بصورة لم تعُد مقبولة، فقد بدءوا يختنقون من كثرة تدفق السوائل في قصباتهم الهوائية … وبدأت كل عملياتهم الحيوية تختل من جراء ارتفاع درجة الحرارة، ومع غزارة العرق المتصبب منهم شعروا بالإجهاد لقلة السوائل في أجسادهم، فتوقفوا عن التجديف، وما أن طفَت رأساهما على سطح الماء؛ حتى تخلص «أحمد» مما في فمه من ماء، وكذلك فعل «عثمان» قبل أن يقول له: علينا أن نخرج من هذه المنطقة فورًا. فالمياه تزداد سخونة كلما توغلنا فيها، وقد تصل إلى درجة الغليان فنهلك. فأجابه «أحمد» وهو يلهث: وهل سنعود مرة أخرى ونخسر كل المسافة التي قطعناها وكل الجهد الذي بذلناه؟ فصاح «عثمان» قائلًا في دهشة: وهل لديك حل آخَر؟ فقال «أحمد» في ثقة: بالتأكيد هناك حلٌّ آخَر، وعلينا ألا نستسلم بسهولة. واستلقى «عثمان» على ظهره فوق الماء، ومثله فعل «أحمد» وهو يقول: قد يدفعك دفء السرير للنوم. ضحك «عثمان» وعلَّق قائلًا: بل قد يدفعك لشيء آخَر. فهم «أحمد» ما يعنيه «عثمان»، وانطلق الاثنان يضحكان في قوة، وتردد صوتهما في فضاء المكان، وفجأة انتبها على أصوات بعض الأجنحة ترفرف خلفهما بقوة، وشعروا بهواء بارد يضرب أجسادهم، فاستداروا يستطلعون الزائر؛ فرأى «عثمان» طائرين عملاقين من طيور البحر، فصاح قائلًا ﻟ «أحمد»: ليست معنا أسلحة يا «أحمد» فهل نغوص؟ فاعترض «أحمد» قائلًا: سيصطادونك من تحت الماء مثلما تصطاد الأسماك. أخذت الطيور تهبط وتعلو وهي تضرب الهواء بأجنحتها الضخمة بقوة، فصاح «أحمد» قائلًا: إنها تبرد الماء بهذا الهواء البارد الصادر عن رفرفتها؛ إنها عناية الله يا «عثمان». فقال «عثمان» في قلق: أتعني أن نستمر في السباحة إلى اليخت، وفي قوة وثقة أجابه «أحمد» قائلًا: نعم وسيتابعوننا. ولم يُضيِّع «عثمان» وقتًا، بل دار حول نفسه، ثم ضرب الماء بذراعيه بقوة وانطلق يسبح وهو يقول له: أشعر أننا سنكون طعامًا سهلًا لهذه الطيور. فقال له «أحمد» من بين لهاثه: يا رجل؛ إنها تأتنس بنا، فهي طيور اجتماعية، ألم ترَها وهي تشارك البحَّارة طعامهم على المركب في رحلاتهم الطويلة؟ واصل «عثمان» عومه وهو يقول: أتمنى ذلك من كل قلبي، ولكن الماء ازداد سخونة، ولم تعُد تجري رفرفة الطيور يا «أحمد» فماذا نحن فاعلون؟ فسأله «أحمد» قائلًا: ألم تسأل نفسك ما سبب سخونة الماء؟ ودون تفكير قال «عثمان»: قد تكون طبيعة المنطقة، أو … أو هناك شيء ضخم مشتعل فوق الماء؟ فأكمل «أحمد» الاستنتاج قائلًا: مثل اليخت مثلًا؟ صاح «عثمان» في جزع: يا لهم من مجرمين! كيف يجرءون على فعل ذلك؟! إنها أخلاق عصابات حقًّا. كان الهواء الصادر عن رفرفة الطيور يساعدهم على التقاط أنفاسهم مما ساعد «أحمد» على استكمال الحديث قائلًا: نحن حتى الآن نخمِّن … وقد يكون هناك سببٌ آخَر لسخونة الماء، كاشتعال بقعة البترول مثلًا. توقف «عثمان» تمامًا عن السباحة عندما سمع هذا التصور من «أحمد»، فهو تصور أكثر واقعية من غيره … فلن ترتفع سخونة الماء لهذه الدرجة، وعلى هذا الاتساع لمجرد أن يختًا … قد اشتعل … لا … فمن المؤكد أنها بقعة الزيت المتسرب من الناقلة العملاقة. إنه الجحيم بعينه أن تشتعل هذه البقعة؛ فهي في حجم الجزيرة الصغيرة، وقد تظل مشتعلة لأيام ولا تنطفئ قبل أن يغلي الماء تحتها وحولها، وهذا يعني أننا هالكون لا محالة، إذا لم نعُد بأقصى ما لدينا من سرعة، فدرجة حرارة الماء آخِذة في الارتفاع، ويبدو أن بقعة الزيت المشتعلة تتحرك في اتجاهنا. وقبل أن يبلِّغه «أحمد» بما قرره، سمع عن بُعد صوت محرك يخت يقطع الصمت من حولهما ويقترب منهما في سرعة، ولم تمضِ دقائق إلَّا وكان الظلام من حولهما قد استحال نهارًا، عدا كشَّاف ضخم يطل من على سطح يخت متوسط الحجم، ولم يرَ عليه أية إشارة تدل على أنه يتبع منظمتهم، أو أية جهة أمنية أو وطنية؛ فعرف أنه تابع لعصابة «سوبتك» وأن هذا الكشاف لو سُلط عليهما فستكون نهايتهما. وعندما نظر إلى «عثمان»، رآه ممسكًا بكرته الجهنمية في وضع الاستعداد، فعرف أنه يفكِّر فيما يفكِّر فيه. ولم تمضِ لحظات إلا وانطلقت الكرة كالصاروخ الموجَّه، ولحُسن حظها وحظ الشياطين كان الكشَّاف يستدير في اتجاهها؛ فاصطدمت به صدمة أطاحت بزجاجه ومصباحه، وعلا في الهواء صوت تحطمهما، وأظلمت الدنيا مرة أخرى حولهما مما أثار أعصاب عملاء «سوبتك» فأسرعوا يطلقون نيران مسدساتهم هنا وهناك في جنون … وصرخ في محرك اليخت صرخة عالية، وانطلق يدور في حلقات حولهما، فصنع دوامات مائية قاتلة جذبتهما إلى القاع وهما يتخبَّطان في بعضهما وأنفاسهما تتلاحق. وفي العمق وجدوا الماء باردًا، وأكثر استقرارًا، فقرروا السباحة إلى اليخت، ومرة أخرى استعان «أحمد» بساعته الإلكترونية ذات المعالج فائق التطوُّر، وقام بتحديد اتجاه حركتهما، غير أنه رأى «عثمان» يسبح في فزع صاعدًا إلى سطح الماء، ومثله فعل هو الآخَر؛ فقد اختنق من قلة الأكسجين. وما كادت رأسهما تطفوان فوق سطح الماء حتى مرقت رصاصتان تصفران بجوار أذنيهما، وشعرا أنهما هالكان لا محالة، فتحتَ سطح الماء لم تعُد لديهما طاقة لاحتمال قلة الأكسجين، وفوق الماء يترصدهما أعوان «سوبتك»؛ فرفعا أيديهما مستسلمَين، ومن حولهما طارت الرصاصات تصفر هنا وهناك قبل أن تصطدم بالماء وتقول: بلوب! ثم شاهدا إطارَين كاوتشوك منفوخين ومربوطين في حبل، يتطوحان في الهواء ويسقطان بجوارهما، فأمسكا بهما، حتى قام بحَّارة اليخت بسحبهما إلى أن وصلا إلى سلم حديدي مثبَّت على جدار اليخت الخارجي، فأمسك به «عثمان» وصعد درجة إلى أعلى ليخلي الدرجة السفلية ﻟ «أحمد»، الذي فهم ما يقصده «عثمان» فأمسك بدرجة السلم … وتشبث بها … ومكث صامتًا دون حركة، وكذلك فعل «عثمان»، مما آثار رجال «سوبتك»، فصاحوا ينادون عليهما، وعلا صياحهما … وعمَّت الفوضى سطح اليخت … وارتفعت أصوات أقدام تجري هنا وأخرى تجري هناك وبصوت هامس قال «عثمان» ﻟ «أحمد»: «أحمد» هل تسمعني؟ أحمد: نعم. عثمان: هناك مَن ينزل السلالم التي نقف عليها!
|
{
"chapter": "السباحة في الجحيم!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/3/"
}
|
وبوضع قدم على بدال السرعة وأخرى على الفرامل؛ صرخت الفرامل صرخة عالية وقفزت السيارة في الهواء، وفي انحراف حاد دارت حول نفسها، فأصبحت تواجه السيارة التي تراقبهم، فانطلق بها في اتجاه السيارة حتى كاد أن يصدمها لولا أن قائدها انحرف بها بشدة مما أفقدها توازنها فانقلبت على ظهرها كالسلحفاة، وما أن توقف «أحمد» بسيارتهم على جانب الطريق حتى غادرها «عثمان» قفزًا، وأكمل الطريق جريًا إلى السيارة المقلوبة، وقبل أن يصل إليها أصابته قذيفة مدفع إصابة مباشرة؛ فانفجرت وتحولت إلى كتلة لهب هائلة، فتسمر مكانه مذهولًا إلى أن سمع نداءً ملحًّا من سارينة سيارتهم، فالتفت فوجدها تقف على بُعد أمتار منه، ورأى «أحمد» يشير له ليسرع بالركوب، ولم تمضِ لحظات إلا وكان بجواره يسأله عن وجهته، فقال له: أبحث عن مصدر هذه القذيفة. فتلفَّت «عثمان» حوله وهو يقول: إن كان المكان خاليًا تمامًا. فانحرف بالسيارة بشدة وهو يقول له: وهل أتت هذه القذيفة من السماء؟ ومن خلفه قالت «إلهام»: هل تظن أن مصدرها متحرِّك؟ فقال لها في ثقة: بل أنا متأكد، فهناك سيارة أخرى لجماعة «سوبتك» تختبئ الآن في مكان ما. فانفعل «عثمان» وقال في «حماس»: وكيف لم نسمع لمحركها صوتًا؟! وهنا قالت «هدى» مستنتجة: لأننا كنا مشغولين بالسيارة الأخرى. وقال «أحمد» موافقًا على كلامها: وأثناء الانفجار اختفت هذه السيارة، لكنها لم تبتعد كثيرًا عن هنا. وفجأة أُطفئَت أنوار السيارة الداخلية والخارجية، وقال لهم هامسًا: سنغادر السيارة دون صوت، ثم ندفعها بهدوء بعيدًا عن هنا. ما رأيكم؟ لم يتفوه أحد بكلمة؛ بل نفذوا ما طلبه منهم بدقة، وغادروا السيارة دون صوت وأغلقوها أيضًا دون صوت، حتى الأبواب وافقت على أن تنغلق في هدوء تضامنًا معهم، وعلى الرمال قاموا بدفعها، فانزلقت معهم في نعومة، وكان الطريق منحدرًا؛ فاندفعت وحدها تكمل النزول حتى فقدت قوة اندفاعها وتوقفت، فهَمَّ الأصدقاء أن يدفعوها مرة أخرى؛ إلا أن «أحمد» أشار لهم بالتوقف؛ فقد سمع عن بُعد صوت محرك سيارة يتأرجح بين الدوران والتوقف، فقال هامسًا: لقد تعطلت سيارتهم. أخرج «عثمان» كُرته الجهنمية، وطوَّحها في الهواء، وقبل أن يلتقطها قال لهم: إنها فرصتي لاصطيادهم. وعلى أصابع قدمها اليمنى دارت «إلهام» مطوِّحة اليسرى في الهواء، وكأنها تسدد ضربة شرسة إلى مَن يبارزها؛ ثم قالت: ليست فرصتك وحدك. فابتسمت «هدى»، وهي تشد حزامها على وسطها وسألتهم قائلة: هل تستأثرون بهذه المتعة وحدكم؟ وهنا قال «أحمد» ضاحكًا: ستكون كارثة لو لم تجدوا أحدًا تبارزونه. وفجأة صفَّرت كرة «عثمان» وهي تحتك بالهواء منطلقة كالصاروخ لتغيب في الظلام. وقبل أن تعود سمعوا فرقعة عظام تتكسر … وصرخة مكتومة … وجسدًا ضخمًا يسقط على الأرض. وقبل أن يفيقوا من صدمتهم كان «مصباح» يقفز في الهواء مسددًا بقدمه اليسرى ضربة شرسة لرأس رجل أسود ضخم طوحته في الهواء، وقبل أن يسقط كانت قدمه اليمنى قد عاجلته بضربة أخرى في صدره، أوقفت الهواء في حلقه. وتحول المكان بعدها لساحة معركة، فقد دارت «إلهام» ثلاث دورات متتابعة على أصابع قدمها اليمنى قبل أن تسدد باليسرى، وهي تسدد ضربة قاتلة لرجل أشقر في حجم الديناصور. وقبل أن يسقط الرجل على صدره كانت قدم «هدى» تطوِّحه في الهواء ليسقط على ظهره، ثم قالت: هكذا يمكن رؤيته. وقبل أن يتفرغوا من معركتهم كانت سيارة «فان» سوداء تندفع في اتجاههم بسرعة مجنونة، فقفزوا بعيدًا عن طريقها قبل أن تدهمهم. وما أن اعتدلوا حتى تدفق عليهم وابل من طلقات الرصاص تصفر حول آذانهم يمينًا ويسارًا، فانبطحوا مرة أخرى على الأرض؛ وصفير الرصاصات من حولهم لا ينقطع؛ حتى ابتعد صوت محرك السيارة وساد المكان هدوء مريب، فانتفضوا واقفين في حذر، وما أن تلفتوا يبحثون عن سيارتهم حتى دوَّى صوت انفجار مجنون، وأضاءت ظلمة المكان من حولهم كتلة لهب حمراء. وصرخت «إلهام» تقول: إنها سيارتنا! فقال «أحمد» يهدئ من روعها: لا تجزعي هكذا. فعقبَّت «هدى» قائلة: إن بها جميع أجهزة الاتصال والكمبيوتر المحمول. فقال «عثمان» يطمئنها: ولكن ليس بها ساعاتنا. جلس «أحمد» مكانه، وقال لهم: اجلسوا؛ فنحن نحتاج لبعض الراحة كي نستطيع مواجهتهم. فقالت «إلهام» في شراسة: وهل سيعودون مرة أخرى؟ فعقَّب «عثمان» رافعًا يده إلى السماء: يا ليتهم يعودون! وفهموا جميعًا قصده، فأخرجوا أسلحتهم من أجربتها، وقاموا بتجهيزها استعدادًا للاستيلاء على السيارة «الفان» السوداء. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه؛ فقد طال الوقت وانتصف القمر في السماء ولم يعودوا. فقرر الشياطين مغادرة المكان، ولكن إلى أين؟ قال «أحمد»: إن كانوا يراقبوننا منذ مجيئنا إلى هنا؛ فهم يعرفون بأمر اليخت والغواصات الشخصية الخاصة بنا، وأرجِّح أنهم في طريقهم إليها. فقال «عثمان» في قلق: إن لديهم سيارة وسيصلون قبلنا. وهنا تدخلت «هدى» الخبيرة ببلدها فقالت: هذا إن ذهبنا عن طريق البر. فقال لها «أحمد» متسائلًا: ماذا تقصدين؟ فأجابته قائلة في حماس: سنذهب سباحة؛ وبهذا نختصر أكثر من نصف المسافة. فقالت «إلهام» تحذرهم: لا تنسوا أننا في الليل؛ والمياه الآن باردة للغاية. فقال لها «أحمد»: هل لديك حل آخَر؟ لم يكن لدى «إلهام» حل آخَر؛ لذا قبلت ما اقترحته «هدى» مضطرة، وسارت معهم صامتة حتى وصلوا إلى مياه المتوسط، وهناك شعروا بالدفء. وقال لهم «عثمان» معلقًا على ذلك: إن مياه البحر تخترق حرارة الشمس في النهار وتبثها في الليل؛ فتجعل الجو أكثر دفئًا بجوارها. وكان «عثمان» أثناء ذلك يخلع ملابسه استعدادًا لنزول الماء. لذلك علَّق قائلًا: أكثر دفئًا، أكثر سخونة، لم يعُد لدينا حل آخَر. ومع آخِر كلمة نطق بها كان يقفز في الماء، وفي اتفاق سريع لحق به «أحمد» تاركًا «إلهام» و«هدى» و«مصباح» بجوار ملابسهم. وبعد فترة من السباحة في عمق المياه … توقف «عثمان» حتى لحق به «أحمد» … ثم سأله قائلًا: إلى أين؟
|
{
"chapter": "طلقات وانفجارات!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/2/"
}
|
وضع أوريستيس خصلة من شعره فوق قبر أجاممنون. فلما أبصرتها إلكترا تأكدت بأنها تقدمة للموتى لم يقدمها أحد سوى أخيها، أما أوريستيس فتعرَّف على أخته بثياب الحداد التي كانت ترتديها. بيد أنها لم تتأكد منه إلا بعد أن ترى أدلة أخرى معززة بالعلامات أو بالتذكارات. اجتمع الأخ وأخته عند قبر أبيهما. يساعدهما كوروس صديق يعرض عليهما معونته في قضيتهما العادلة. فتنكر أوريستيس وبولاديس في زي السياح الفوكيين، وذهبا إلى كلوتايمسترا، فرحبت بهما وأكرمتهما بعد أن أخبراها بأن ابنها قد مات. فأرسلت الملكة مربية أوريستيس العجوز لتستدعي أيجيسثوس من الخارج بأن يأتي إليها مع حرسه الخاص. فأوعز إليها الكوروس بتحريف رسالتها بأن تطلب منه الحضور في غير ما حراسة. فلما جاء قُتل وقُتلت كلوتايمسترا بعده مباشرة، وقد أصم ابنها أذنيه عن توسلاتها لكي يرحمها. قدم أوريستيس الثوب الملوث بالدماء، الذي «تعثر» فيه والده عند مصرعه، كدليل على عدالة فعلته. بيد أن عقله بدأ يشرد، إذ ظهرت أمام بصره إرينويس أمه، دون أن يراها أحد غيره؛ ولذا اندفع خارجًا مبتعدًا عن مسرح القتل. كوروس من الإماء. خادم. مربية. *** (المنظر: قبر أجاممنون، يدخل أوريستيس وبولاديس.) (يخرج أوريستيس وبولاديس.) (تدخل إلكترا مع نسوة يحملن القرابين.) (تصب السكائب.) (بعد آخر عبارات الكوروس، تكتشف إلكترا خصلة الشعر.) (يدخل أوريستيس.) (يخرج أوريستيس وبولاديس وإلكترا.) (يدخل أوريستيس وبولاديس مع خادم أمام القصر.) (ينسحب الخادم. تظهر كلوتايمسترا عند الباب مع خادمة.) (ينسحب الجميع ما عدا الكوروس.) (تدخل مربية أوريستيس.) (يدخل أيجيسثوس.) (يخرج.) (تُسمَع صرخة من الداخل.) (ينسحب الكوروس إلى أحد الجوانب، وعندئذٍ يندفع أحد خدم أيجيسثوس داخلًا.) (تدخل كلوتايمسترا مسرعةً وحدها دون خدم.) (يخرج الخادم. يفتح الباب فتظهر جثة أيجيسثوس، وأوريستيس واقف إلى جانبه وعلى مسافةٍ منه بولاديس.) (يجبر أوريستيس أمه على الدخول، ويتبعهما بولاديس.) (يُرى أوريستيس ممسكًا بغصن المتضرع وبإكليله وواقفًا بجانب الجثتين ومعه بولاديس، والخدم يعرضون ثوب أجاممنون.) (يعود فيمسك الثوب المضرج بالدم.) (يندفع خارجًا.)
|
{
"chapter": "حَامِلَات القرابين",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "حاملات القرابين: عن اليونانية القديمة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/68137527/1/"
}
|
خمس فقاعات زجاجية شفافة مزدوجة بمحركات وأجهزة حديثة لاستخلاص الأكسجين من الماء، خمس فقاعات كانت تحوي فتاتين وثلاثة شبَّان هم: «هدى» و«إلهام» و«أحمد» و«عثمان» و«مصباح». وإلى أين الرحلة وفي أي مياه؟ كانت الرحلة في مياه البحر المتوسط على عمق أكثر من خمسين مترًا من المياه، في اتجاه الشاطئ المغربي. ولماذا؟ نعم لماذا؟ إنه سؤال مهم وخطير. فتحت الماء تكثر المهام، وقد كانت لهم من قبل مهمة خطيرة تحت الماء مع وحش الأعماق، أما اليوم فمهمتهم كانت لإنقاذ الحياة البحرية والبرية على السواحل الإفريقية للمتوسط. وهل يهدد الحياة البحرية والبرية خطر ما؟ نعم؛ فقد تسربت كمية كبيرة من زيت البترول الخام، من ناقلة عملاقة، كانت عائدة للموانئ الإسبانية فكوَّنت بقعة كبيرة في حجم جزيرة صغيرة تحركت مع الرياح في اتجاه الشواطئ المغربية. ومَن يعرف؟ فالرياح كل يوم في شأن، وحركة الأمواج أيضًا، مما يهدد بقية شواطئ دول الشمال الإفريقي. ولكنها مهمة صعبة للغاية، وتحتاج إلى معدات ضخمة وشركات متخصصة لإذابة هذه البقعة، وسحب ما تبقى منها، وما يمكن سحبه. فماذا يفعل الشياطين هنا؟ هذا هو السؤال، وهذه هي المهمة! الإجابة على لسان «أحمد» حيث أخبر بها رقم «صفر» قبل أن يخرجوا لأدائها؛ حيث قال له: نحن لن نتدخل في عملية الإنقاذ، لكننا سنراقبها. وفهم رقم «صفر» من كلامهم أن هناك خطرًا من القائمين على هذه العملية فقال له: هل وصلتكم أنباء عنهم؟ ولم يكن «أحمد» يحتاج لأنباء؛ لأنه كان يعرفهم، فهذه المعدات تحمل اسمًا لشركة تملكها مؤسسة «سوبتك» التي عملت على محاربة منظمة الشياطين في كل مكان، مؤسسة «سوبتك» التي عملت على تشويه صورة العرب، ومحاربة وجوده في أية دولة من الدول المتقدمة؛ من الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أصغر دولة في أوروبا. وقد كان للشياطين معها مواجهات عدة في أكثر من عملية منذ المهمة المستحيلة، مرورًا بشبكة الموت وثورة الأخطبوط وانتهاءً بسقوط حاكم الجزيرة، لهذا لم ينتظر حتى تصل عنهم أنباء، بل بادر بإعداد ملف العملية، ثم طلب بتجهيز معداتها، وأخيرًا أصدر الأمر بتكليف مجموعة من الزملاء ممَّن رآهم يصلحون لهذه المهمة، وكان مهمًّا أن يكونوا من دول الشمال الإفريقي التي تقع فيها هذه الأحداث. ولماذا إذَن وجود «عثمان» وبلده «السودان» لا تقع على البحر الأبيض المتوسط؟ إنه سؤال وجيه؛ ولكن إذا عرفنا أن «عثمان» هو القطب الآخَر ﻟ «أحمد» في نجاح إدارة المهام الصعبة؛ لاقتنعنا بوجوده معهم. خمس فقاعات انطلقت من جزيرة «ليلى» القريبة من سواحل «المغرب»، والمتنازع عليها بينها وبين «إسبانيا»، فقامت بجولة استمرت خمس ساعات عادت بعدها تحمل أنباءً متفرقة ومعلومات مختلفة قد يشكِّل مجموعها نواة لملف العملية يحددون على ضوئها مساراتهم في بقية المهمة؛ لذلك كان مهمًّا أن يعقدوا اجتماعهم في نهاية اليوم في «كازبلانكا» على ساحل البحر؛ حيث أُعد لهم خِصِّيصَى مقر إقامة مؤقت؛ تكلفت بإعداده إدارة العمليات الخارجية. وبعد أن تناولوا غذاءهم، حصل كلٌّ منهم على مقدار ما يحتاجه من نوم، ثم جلسوا في قاعة تفصل بين جناحيهم، فأحضر كلٌّ منهم الكاميرا الرقمية التي قام بتصوير الفيلم بها وقاموا بإيصالها تباعًا بمخرج كارت الشاشة في كمبيوتر «أحمد» المحمول، واستحضروا ملفات نظام التشغيل وانتقلوا منه إلى مجموعة البرامج المساعدة، فاستحضروا منها ملف الفيديو، وبالتنقل بين مجموعة من الأوامر بدأ عرض ما قام الكمبيوتر بتخزينه من ذاكرة الكاميرات، وكانت «هدى» تعدُّ لهم شايًا عربيًّا، فنادتها «إلهام» تتعجلها حتى لا يفوتها شيء من الفيلم ويضطرون لإعادته مرَّة أخرى، فدخلت عليهم وهي تحمل صينية بها الكثير من الأكواب الفارغة وبيدها الأخرى إبريق زجاجي شفاف، يحكي الشاي بداخله عن مهارة صناعته. وعلت السعادة وجهها وهي تسمع عبارات الاستحسان والشكر من زملائها؛ إلا أن «عثمان» لا يترك مناسبة كهذه دون أن يعلن عن قدراته التي لا تضاهى في المشاغبة، فقال لها: هذا شاي ناقص! فتغيرت ملامحها وبدا عليها الانزعاج وقالت له في قلق: ما الناقص فيه؟ فقال في شقاوة: الحلوى من فطائر وخلافه. – هل في معدتك مكان للحلوى؟ وقبل أن يجيبها كانت «هدى» قد تركت إبريق الشاي يقبع بجوار الصينية والأكواب على مائدة الوسط، وعادت إلى المطبخ للحظات، ثم ظهرت مرَّة أخرى وفي يدها علبة مصنوعة من سعف النخيل، وبها تمر جاف علقت عليه وهي تضعه أمام «عثمان» بقولها: إنه هدية «رشيد» لنا. فصاح «أحمد» قائلًا: أوه إنه تمر عراقي! فعقبت «إلهام» قائلة: ما أحلى تمور «العراق»! وهنا قالت «هدى» في أسًى: حمى الله «العراق» ونخيلها من أعدائها. ومد «مصباح» يده فضغط على زر بالكمبيوتر وهو يقول: فلنبدأ! وما إن قالها حتى اصطدم جسم ضخم بباب المخيم فأطاح به، وصاحوا جميعًا في دهشة! فقد كان هذا الجسم سيارة جيب مفتوحة، ولم تتوقف عند هذا، بل استكملت جريها مُحطمة كلَّ ما قابلته في طريقها، وجرى الشياطين يغادرون الخيمة قبل أن تصطدم بموقد الغاز، وما انتظروه حدث … فقد دوَّى صوت انفجار الموقد، أعقبه صوت انفجار هائل، وتطايرت شظايا المعسكر والموقد والسيارة، ومن حولهما افترشت النار أجواء المكان؛ فتسابقوا إلى سيارتهم «الجراند شيروكي» فاستقلوها وانطلقوا في ظلام الليل على هدى نور كشافات السيارة، والريح تصفر من حولهم، وكان «أحمد» خلف عجلة القيادة لا يعرف إلى أين يتجه، وعندما سألته «إلهام» قائلة: إلى أين تقودنا يا زعيم؟ مرَّت فترة صمت قصيرة قبل أن يقول لها: ما رأيكم أنتم؟ أثارت إجابته «عثمان»، فاندفع يقول له: لماذا تسألنا عن رأينا وأنت تقود السيارة إلى اتجاه حدَّدتَه مسبقًا؟ نظر له «أحمد» معاتبًا؛ فليس هذا وقت الدخول في مناقشات جانبية، ثم قال له: أنا لم أجِد شيئًا، أنا أحاول الهروب من المكان فقط، فهناك مَن يُضمر لنا شرًّا. فتلفتت «هدى» حولها في ريبة وهي تقول: وهل تخلصنا منهم؟ تنفَّس «أحمد» في راحة ثم قال لها: تقريبًا. وهنا انفجرت مفاجأة لم يتوقعها أحد منهم حين قالت: لا أظن أننا تخلصنا منهم؛ فهناك سيارة تتابعنا منذ غادرنا المخيم. فسألتها «إلهام» في دهشة: وكيف عرفتِ أنها تتابعنا؟ – لأن قائدها يحاول ألا يكون قريبًا منا رغم أننا لا نسير بسرعة كبيرة. وضع «أحمد» يده على عصا ناقل الحركة وهو يقول: سنرى!
|
{
"chapter": "مواجهات مبكرة!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/1/"
}
|
أخذ زئير القطار يهدأ مع تباطؤ حركته، أحدثت المصدات صخَبًا في كل أركانه. أرخى الرجل قضبان الاقتران. كان مُتيبِّسًا لدرجة أنه لم يكن يستطيع الحركة. كان الظلام حالكًا. زحف خارجًا ببطء، رافعًا نفسه على ركبتَيه، ثم على قدمَيه حتى مال لاهثًا على عربة بضائع. لم يكن هذا جسده؛ إذ كانت عضلاته كالخشب المحطَّم، وعظامه كقضبان ملتوية. سطع مصباحٌ في عينَيه على حين غِرة. «أنت، اخرج من هنا بسرعة. فمحقِّقو الشركة يطوفون بالساحات.» «أخبرني يا رجل، هل هذه نيويورك؟» «أنت محق. ما عليك سوى أن تتبع مصباحي، يمكنك الخروج بمحاذاة الساحل.» قال عاليًا بصوت ناعق: «الطريق الأبيض المَرِح. الطريق الأبيض المَرِح.» عبر النافذة المخطَّطة بمياه الأمطار، كان جيمي هيرف يشاهد حركة المظلات صعودًا وهبوطًا في حركة المرور الحائمة ببطء والمتدفِّقة في برودواي. سُمع نقر على الباب، فقال جيمي: «ادخل»، وعاد إلى النافذة عندما رأى أن النادل لم يكن هو بات. أضاء النادل الأنوار. رأى جيمي انعكاسه في لوح زجاج النافذة، وقد كان رجلًا نحيلًا ذا شعر شائِك، ويحمل عاليًا في إحدى يدَيه صينية العشاء التي كانت الأغطية الفضية عليها مُنسَّقةً كالقِباب. تقدَّم النادل لاهثًا إلى داخل الغرفة جاذبًا خلفه بيده التي لا تحمل شيئًا مَسندًا قابلًا للطَي. نزع المسند، ووضع عليه الصينية وبسط مفرشًا فوق الطاولة المستديرة. فاحت منه رائحة كرائحة مخزن طعام مشحَّم. انتظر جيمي حتى ذهب ليستدير. ثم سار حول الطاولة قالبًا الأغطية الفضية؛ حيث وجد حساءً تعوم فيه أشياء خضراء صغيرة، ولحم حَمَل مشويًّا، وبطاطس مهروسة، ولفتًا مهروسًا، وسبانخ، ولكنه لم يجد حلوى. «يا أمي.» ناح الصوت ضعيفًا عبر الباب القابل للطي: «نعم يا عزيزي.» «العشاء جاهز يا أمي العزيزة.» «ابدأ أنت يا ولدي الحبيب، سألحق بك في الحال …» «ولكني لا أريد أن أبدأ من دونك يا أمي.» سار حول الطاولة معدِّلًا أوضاع السكاكين والشوكات. وضع منشفةً فوق ذراعه. كان النادل الرئيسي في مطعم دلمونيكو يرتِّب الطاولة لجراوستارك وملك بوهيميا الأعمى والأمير هنري الملَّاح و… «مَن تريدين أن تكوني يا أمي، الملكة ماري ملكة اسكتلندا أم ليدي جين جراي؟» «ولكن كلتَيهما قُطعَ رأسها يا عزيزي … وأنا لا أريد أن يُقطع رأسي.» ارتدت الأم فستان الشاي السلموني اللون. عندما فتحت الباب القابل للطي، فاحت من غرفة النوم رائحة ضعيفة من الكولونيا والأدوية، تجرجرت خلف كُمَّيها الطويلَين المهدَّبَين بالدانتيل. كانت قد وضعت الكثير من البودرة بعض الشيء على وجهها، ولكن شعرها، ذلك الشعر البني البهيج، كان مُصفَّفًا تصفيفًا جميلًا. جلسا متقابلَين، ووضعت صحنًا من الحساء أمامه، رافعةً إياه بين يدَين طويلتَين تظهر منهما العروق الزرقاء. تناول الحساء الذي كان خفيفًا ولم يكن ساخنًا بما يكفي. «أوه، لقد نسيت الكروتون يا عزيزي.» «أمي … أمي، لمَ لا تتناولين حساءك؟» «لا يروق لي تناوله هذا المساء. لم أستطع التفكير فيما أطلب الليلة؛ فرأسي يؤلمني. لا عليك.» «هل كنتِ تفضِّلين أن تكوني كليوباترا؟ لقد كان لديها شهية رائعة وأكلت كل شيء كان يوضع أمامها كفتاة صغيرة مُطيعة.» قالت بصوت مرتجف: «حتى اللآلئ … وضعت لؤلؤة في كأس من الخل وشربتها …» مدَّت يدها إليه عبر الطاولة؛ فربت على يدها كالرجال وابتسم. «أنا وأنت فحسب يا ولدي جيمي … حبيبي، ستحب دائمًا أمك، أليس كذلك؟» «ما الأمر يا أمي العزيزة؟» «أوه لا شيء، أشعر بشيء غريب هذا المساء … أوه، أنا متعبة جدًّا من عدم شعوري من قبلُ أنني بصحةٍ جيدةٍ حقًّا.» «ولكن بعد أن أجريتِ عمليتكِ …» «أوه أجل، بعد أن أجريت عمليتي … هناك يا عزيزي ورقة من الزبد الطازج على حافة النافذة في الحمام … سأضع القليل منه فوق هذا اللفت إذا جلبتها لي … للأسف عليَّ أن أقدِّم شكوى بشأن الطعام مجدَّدًا. لحم الحَمَل هذا ليس حقًّا كما ينبغي أن يكون؛ آمل ألَّا يُمرضنا.» ركض جيمي عبر الباب القابل للطي وغرفة أمه إلى الممر القصير الذي تفوح منه رائحة كرات العُثَّة وقطع الأقمشة الحريرية المنثورة فوق كرسي، ثم تأرجح الأنبوب المطاطي الأحمر لرشاش المياه وضربه في وجهه عندما فتح باب الحمام، وقد جعلت رائحة الأدوية ضلوعه تنقبض بألم. رفع النافذة الموجودة في طرف حوض الاستحمام. كانت الحافة خشنةً وكانت لُطخ من السُّخَام كالريش تغطِّي الصحن المقلوب ليغطِّي الزبد. وقف برهة محدِّقًا لأسفل في المنور، ومتنفِّسًا عبر فمه لمنع نفسه من استنشاق غاز الفحم المتصاعد من الأفران. كانت أسفله خادمة ترتدي قلنسوةً بيضاء متكئة خارج النافذة وتتحدَّث مع أحد مشغِّلي الأفران الذي وقف ناظرًا لأعلى إليها وذراعاه العاريتان المتسختان معقودتان فوق صدره. مدَّ جيمي أذنَيه كي يسمع ما كانا يقولانه: أن تكون متسخًا وتحمل الفحم طوال اليوم والشحم في شعرك ممتدًّا إلى إبطَيك. «جيميي!» «آتٍ يا أمي.» أنزل النافذة بقوة بوجنتَين متورِّدتَين ورجع إلى غرفة الجلوس ببطء حتى يتلاشى التورُّد عن وجهه. «أتسرح مجدَّدًا يا جيمي. يا عزيزي الحالم الصغير.» وضع الزبد بجوار صحن أمه وجلس. «أسرِع وكل لحم الحَمَل بينما لا يزال ساخنًا. لمَ لا تُجرِّب بعضًا من صلصة الخردل الفرنسية عليه؟ ستجعل مذاقه أفضل.» أحرقت صلصة الخردل لسانه، وأدمعت عينَيه. سألته الأم ضاحكة: «أهي حارَّة جدًّا؟ يجب أن تتعلَّم أن تحب الأشياء الحارة … كان دومًا يحب الأشياء الحارة.» «مَن يا أمي؟» «شخص أحببته كثيرًا.» لاذا بالصمت. كان بإمكانه أن يسمع صوت مضغه. وسُمعت بعض أصوات صلصلة سيارات الأجرة والترام التي كانت تتلوَّى على نحو متكسِّر عبر النوافذ المغلقة. أخذت أنابيب البخار تطرق وتُهسهس. بالأسفل في المنور، كان رجل الفرن المشحَّم حتى إبطيه يلفظ بكلماتٍ من فمه المتمايل مخاطبًا بالأعلى الخادمة ذات القلنسوة المتيبِّسة، وقد كانت كلماتٍ بذيئة. صلصة الخردل بلون … «فيمَ تفكِّر؟» «لم أكن أفكِّر في أي شيء.» «يجب ألَّا نُخفي أي أسرار عن بعضنا يا عزيزي. تذكَّر أنك مصدر الراحة الوحيد لأمك في هذا العالم.» «أتساءل عن شعوري لو كنت فقمة، فقمة ميناء صغيرة.» «أظن أنك ستشعر بالبرد الشديد.» «ولكنك لن تشعري بذلك … فإناث الفقمات تحميها طبقة من الشحم وبذلك تكون دائمًا دافئةً حتى لو جلست على جبل جليدي. ولكن سيكون من الممتع للغاية العوم في أنحاء البحر حيثما تريدين. إنها تسافر لآلاف الأميال دون توقُّف.» «ولكني سافرت لآلاف الأميال دون توقُّف، وكذلك فعلت أنت أيضًا.» «متى؟» «عندما ذهبنا خارج البلاد ورجعنا.» كانت تضحك عليه بعينَين لامعتَين. «أوه، ولكن هذا كان في قارب.» «وعندما اعتدنا الذهاب في جولات بحرية على مركب ماري ستيوارت الشراعية.» «أوه، أخبريني عن ذلك يا أمي.» سُمع طرق على الباب. «ادخل.» مدَّ النادل ذو الشعر الشائِك رأسه عبر الباب. «هل يمكنني التنظيف يا سيدتي؟» «نعم، وأحضر لي بعضًا من سلطة الفواكه وتأكَّد من أن الفاكهة طازجة … فالطعام سيئ هذا المساء.» كان النادل يكوِّم الأطباق فوق الصينية لاهثًا. قال: «آسف يا سيدتي.» «لا بأس، أعلم أنها ليست غلطتك أيها النادل … ماذا ستأخذ يا جيمي؟» «هل يمكنني أن آخذ مرينج جلاسيه يا أمي؟» «لا بأس إذا كنت ستُحسن التصرُّف.» أطلق جيمي صَيحة: «مرحى.» «يجب ألَّا تصرخ هكذا على الطاولة يا عزيزي.» «ولكن لا يعنينا شيء عندما نكون نحن الاثنين وحدنا … مرحى إنه المرينج جلاسيه.» «إن الرجل المحترم يا جيمس يتصرَّف بالطريقة نفسها دائمًا سواء أكان وحده في المنزل أم في براري أفريقيا.» «مرحى، أتمنَّى لو كُنا في براري أفريقيا.» «سيكون ذلك مُروِّعًا يا عزيزي.» «سأصرخ هكذا وأُفزع جميع الأسود والنمور … نعم سأفعل ذلك.» رجع النادل بصحنَين على الصينية. «معذرةً يا سيدتي ولكن المرينج جلاسيه قد نفد كله … أحضرت للرجل الصغير آيس كريم بالشوكولاتة بدلًا منه.» «أوه يا أمي.» «لا عليك يا عزيزي … فقد كانت حلوى دسمةً على أي حال … تناول ذلك وسأسمح لك بالخروج بعد العشاء وشراء بعض الحلوى.» «رائع.» «ولكن لا تأكل الآيس كريم على عجل وإلا أُصبت بمغص.» «لقد فرغتُ من طعامي.» «التهمته أيها الشقي الصغير … ارتدِ حذاءك المطَّاطي يا عزيزي.» «ولكنها لا تُمطر على الإطلاق.» «افعل ما تريده أمك يا عزيزي … رجاءً ألَّا تتأخَّر. أثق أنك سترجع في الحال. أنا لست بحال جيدة بعض الشيء الليلة، وأقلق عندما تكون في الشارع. فهناك مخاطر مروِّعة …» جلس لارتداء حذائه المطاطي. وبينما كان يُطبِق عليه بإحكام تحت عقبَيه، أتت إليه بدولار. وضعت ذراعها بكمها الحريري الطويل حول كتفه. «أوه يا عزيزي.» كانت تبكي. «يجب ألَّا تبكي يا أمي.» ضمَّها ضمًّا شديدًا، وكان بإمكانه أن يشعر في ذراعَيه بضلوع المِشدِّ الذي كانت ترتديه حول خصرها. «سأرجع خلال دقيقة، خلال دقيقة واحدة فقط.» على الدرج حيث يثبِّت القضيب النحاسي السجادةَ القرمزية الباهتة على كل درجة، خلع جيمي حذاءه المطاطي وحشره في جيبَي معطف المطر الذي كان يرتديه. عندما لامس رأسه الهواء، أسرع عبر شَرَك النظرات المتطفِّلة للفرَّاشين الجالسين على المقعد بجوار المكتب. سأله الفرَّاش الأصغر الأشقر: «أذاهب للتمشية؟» أومأ جيمي بطريقة حكيمة، وتسلل أمام أزرار البواب اللامعة إلى برودواي الذي يملؤه الشغب، وخُطى الأقدام، والوجوه التي تغطِّيها أقنعة الظل عندما ينبثقون من لطخات الضوء الآتية من المتاجر والمصابيح القوسية. مشى سريعًا إلى الشمال مارًّا بفندق آنسونيا. كان يتسكَّع على عتبة الباب رجل ذو حاجبَين أسودَين وسيجار في فمه، ربما كان خاطفًا. ولكن الأشخاص اللطفاء يقيمون في آنسونيا فهو كالفندق الذي نقيم فيه. ثم مرَّ بمكتب برقيات، ومتاجر أطعمة جافة، ومصبغة، ومغسلة، والتي كانت مغسلةً صينية تنبعث منها رائحة بخار غامض ومحترق. أسرع في المشي، فالصينيون خاطفون مروعون. إنهم قُطاع طرق. مرَّ به رجل معه صفيحة من فُرش الكيروسين، كم من الفُرش المليئة بالشحم يلامس كتفه، وتفوح منه رائحة العرق والكيروسين؛ ربما هو أحد المهووسين بإشعال الحرائق. أصابته فكرة المهووس بإشعال الحرائق بالقُشَعريرة. النيران. النيران. عند متجر هويلر تنبعث رائحة حلوى تضفي ارتياحًا ممزوجة برائحة النيكل والرخام الممسوح جيدًا خارج الباب، وتتصاعد بدفء رائحة طهو الشوكولاتة من الشبكات أسفل النوافذ. وجوه سوداء وبرتقالية من ورق الكريب للهالوين. كاد يدخل ولكنه تذكَّر متجر ميرور على بعد مربعَين سكنيَّين، حيث المحركات البخارية والسيارات الفضية التي يعطونها الأطفال مع الفكة. سأُسرع، على حذاء الدحرجة يستغرق الأمر وقتًا أقل؛ حيث يمكن الهروب من قُطاع الطرق، والسفاحين، ورجال السطو المسلَّح، على حذاء الدحرجة يمكن إطلاق النار من فوق الكتف بسلاح آلي طويل، بينج … يسقط واحد منهم! إنه أسوءُهم، بينج … هناك آخر؛ حذاء الدحرجة هو حذاء دحرجة سحري، مرحى … يمكنه صعود الجدران القرميدية للمنازل، فوق الأسقف، والمداخن المقنطرة، وأعلى مبنى فلاتيرون، والانطلاق عبر كابلات جسر بروكلين. إنه متجر ميرور للحلوى، هذه المرة دخل دون تردُّد. وقف عند طاولة البيع لوهلة قبل أن يأتيه أحد لتلبية طلبه. قال طالبًا بسرعة: «رطل من الحلوى بستين سنتًا، رطل بمزيج من قشدة الشوكولاتة لو سمحتِ.» إنها سيدة شقراء، حَولاء بعض الشيء، وتنظر إليه بحقد دون أن تجيبه. «أرجوكِ أنا في عجلة من أمري إذا سمحتِ.» انفجرت فيه قائلة: «حسنًا، كلٌّ في دوره.» فيقف ناظرًا إليها بعينَين طارِفتَين ووجنتَين متوقِّدتَين. ثم تدفع إليه بصندوق ملفوف وفوقه شيك قائلة: «ادفع عند المكتب.» لن أبكي. السيدة عند المكتب ضئيلة الحجم وذات شعر أشيب. تأخذ منه الدولار عبر باب صغير كالأبواب التي تعبر منها الحيوانات الصغيرة في بيت الثدييات الصغيرة. تُصدر آلة تسجيل النقود رنينًا ذا بهجة، كما لو كانت سعيدةً بحصولها على المال. ربع دولار، ودايم، ونيكل، وكأس صغيرة، هل ذلك ٤٠ سنتًا؟ ولكن فقط كأس صغيرة وليس محركًا بخاريًّا أو سيارة. التقطت المال وترك الكأس الصغيرة وأسرع بالصندوق أسفل ذراعه. ستقول أمي إنني تأخَّرت كثيرًا. مشى إلى المنزل ناظرًا أمامه مباشرة، وقد أوجعته خِسَّة السيدة الشقراء. قال الفرَّاش الأشقر: «ها … كنت بالخارج لشراء الحلوى.» همس جيمي وهو يمر: «سأعطيك بعضًا منها إذا صعدت فيما بعد.» رنَّت القضبان النحاسية عندما ركل أحدها صاعدًا الدرج. خارج الباب ذي لون الشوكولاتة الذي كُتب عليه رقم ٥٠٣ بأحرف مطلية بالأبيض، تذكَّر حذاءه المطَّاطي. وضع الحلوى على الأرض وارتداه فوق حذائه المبلَّل. لحسن الحظ أن أمه لم تكن تنتظره فاتحةً الباب. ربما رأته قادمًا من النافذة. «أمي.» لم تكن في غرفة الجلوس. ارتعب. لقد خرجت، لقد رحلت بعيدًا. «أمي!» أتى صوتها ضعيفًا من غرفة النوم: «تعالَ هنا يا عزيزي.» خلع قبعته ومعطفه وأسرع إلى الغرفة. «ما الأمر يا أمي؟» «لا شيء يا حبيبي … أشعر بصداع هذا كل ما في الأمر، صداع فظيع … ضَع بعض الكولونيا على منديل وضَعه على رأسي بإحكام، وأرجوك لا تُدخله في عيني يا عزيزي كما فعلتَ في المرة السابقة.» استلقت على السرير في غطاء محشو سماوي اللون. كان وجهها شاحبًا ومائلًا إلى اللون الأرجواني. كان فستان الشاي الحريري ذو لون السلمون معلَّقًا بارتخاء فوق كرسي، بينما كان المُخَصِّر ملقًى على الأرض في تشابك من شرائط وردية. وضع جيمي المنديل المبلَّل بعناية فوق جبهتها. فاحت الكولونيا برائحة قوية، مخدِّرةً فتحتَي أنفه عندما مال عليها. جاء صوتها ضعيفًا: «ذلك جيد جدًّا. اتصِل بالخالة إيميلي، ريفيرسايد ٢٤٦٦، واسألها عمَّا إذا كانت تستطيع أن تمر بنا هذا المساء. أريد التحدُّث إليها … أوه، رأسي ينفجر.» توجَّه إلى الهاتف بقلب يدق بشدة ودموع تغشى عينَيه. جاء صوت الخالة إيميلي سريعًا على غير المتوقع. صاح: «أمي مريضة بعض الشيء يا خالة إيميلي … تريدكِ أن تزورينا … إنها آتية على الفور يا أمي العزيزة، أليس ذلك جيدًا؟ ستأتي في الحال.» مشى على أطراف أصابعه عائدًا إلى غرفة أمه، والتقط المُخَصِّر وفستان الشاي وعلَّقهما في الخزانة. جاء صوتها الهزيل: «يا عزيزي، اخلع الدبابيس عن شعري، إنها تؤلم رأسي … أوه يا ولدي الحبيب، أشعر كما لو أن رأسي سينفجر …» مرَّر يده برِفق خلال شعرها البني الذي كان أنعم من فستان الشاي الحريري وانتزع دبابيس الشعر. «كلا لا تفعل ذلك، إنك تؤلمني.» «لم أقصد يا أمي.» أسرعت الخالة إيميلي، نحيلةً ملقيةً بمعطف مطر أزرق فوق فستان سهرة ترتديه، ودخلت الغرفة، زامَّةً فمها النحيل من الشفقة. رأت أختها مستلقيةً تتلوَّى في ألم على السرير، والصبي الأبيض الوجه النحيل يرتدي بنطالًا قصيرًا ويقف بجانبها ويداه مملوءتان بدبابيس الشعر. سألتها بهدوء: «ما الأمر يا ليل؟» جاء صوت ليلي هيرف بهسهسة لاهثة: «شيء مروِّع أصابني يا عزيزتي.» قالت الخالة إيميلي بصوت أجش: «جيمس، يجب أن تذهب مسرعًا إلى السرير … أمك تحتاج لهدوء تام.» قال: «ليلة سعيدة يا أمي العزيزة.» ربتت الخالة إيميلي على ظهره. «لا تقلق يا جيمس، سأتدبَّر كل شيء.» توجَّهت إلى الهاتف وشرعت في الاتصال برقم بصوت خفيض ودقيق. كان صندوق الحلوى على طاولة البهو، وشعر جيمي بالذنب عندما وضعه أسفل ذراعه. عندما مرَّ بخزانة الكتب، استلَّ عددًا من أعداد الموسوعة الأمريكية ودسَّه أسفل ذراعه الأخرى. لم تلحظه خالته عندما خرج من الباب. انفتحت بوابة الزنزانة. وكان يقف بالخارج حصان عربي وخادمان أمينان ينتظران للإسراع به عبر الحدود التي تحول بينه وبين حريته. كانت غرفته على بُعد ثلاثة أبواب بالأسفل. وكانت مثقلةً بظلام مُكَتَّل صامت. أُضِيءَ المصباح بسلاسةٍ مضيئًا مقصورة المركب الشراعي ماري ستيوارت. حسنًا أيها القبطان، فلترفع المرساة وتُحدِّد وِجهتك إلى جزر أنتيل ويندوارد، ولا تزعجني حتى الفجر؛ فلديَّ أوراق مهمة عليَّ مُطالعتها. انتزع ملابسه وركع بجوار السرير مرتديًا ملابس النوم. عندما أستلقي وأستعد للنوم، أدعو الرب أن يحفظ روحي إذا كنت سأموت قبل أن أستيقظ، أدعو الرب أن يأخذ روحي. ثم فتح صندوق الحلوى ورتَّب الوسائد معًا في طرف السرير أسفل الضوء. اخترقت أسنانه الشوكولاتة لتصل إلى حشو رخو حلو المذاق. لنرَ … يا إلهي، تلك حلوى قطنية. يا للهول، شكله مضحك … (خنزير أرض رأس الرجاء الصالح)، حيوان أخمصي السير من طائفة الثدييات، رتبة عديمات الأسنان، مقتصر على أفريقيا. اشتعلت وجنتاه خجلًا وهو يقرأ: ملكة الرقيق الأبيض. لا، كانت يداه متجمِّدتَين وشَعَر ببعض الإعياء من ازدراده للكثير من الشوكولاتة. آلمته عيناه. شعر بالتصلُّب والنعاس. نظر في ساعة يده طراز إينجيرسول. إنها تُشير إلى الحادية عشرة. تملَّكه الرعب فجأة. لو ماتت أمي …؟ دسَّ بوجهه في الوسادة. انحنت تجاهه في فستان الحفلة الذي كانت ترتديه المزيَّن بالدانتيل الهش، والذي كان له ذيلٌ يُصدر حفيفًا لجرجرة كشكشات الساتان، ودلكت وجنته برفق بيدها التي تفوح منها رائحة عطر ناعم. خنقته نوبة من البكاء. انطرح على الفراش دافعًا وجهه بقوة في الوسادة المكوَّمة. لم يستطِع لوقت طويل التوقف عن البكاء. استيقظ ليجد الضوء متوقِّدًا على نحو مُشوَّش، والغرفة مكتومة وساخنة. كان الكتاب على الأرض، وكانت الحلوى قد سُحقت أسفله بعد أن تسرَّبت ببطءٍ من صندوقها. توقَّفَت ساعة يده على الساعة الواحدة و٤٥ دقيقة. فتح النافذة، ووضع الشوكولاتة في درج المكتب، وكان على وشك أن يطفئ المصباح ولكنه تذكَّر شيئًا. مرتعشًا ارتدى برنس الحمام وشبشبًا ونزل على أطراف أصابعه إلى الردهة المظلمة. استرقَ السمع من خارج الباب. كان ثمة أشخاص يتحدثون بصوت خفيض. طرق الباب برفق وأدار المقبض. سحبت يد الباب فاتحةً إياه وكان جيمي ينظر بعينَين طارِفتَين في وجه رجل طويل حليق اللحية تمامًا ويرتدي نظارةً ذهبية. كان الباب القابل للطي مغلقًا، وكانت تقف أمامه ممرضة متيبِّسة. قالت الخالة إيميلي في همس مُنهَك: «عزيزي جيمس، ارجع إلى سريرك ولا تقلق. أمك مريضة جدًّا وتحتاج إلى هدوء تام، ولكن لم يعد هناك خطر.» قال الطبيب وهو ينفث في نظارته: «ليس في الوقت الحاضر على الأقل يا سيدة ميريفال.» جاء صوت الممرضة خفيضًا ومخرخرًا ومطمئنًا: «الصغير المسكين، لقد جلس قلِقًا طوال الليل ولم يُزعجنا مرة.» قالت الخالة إيميلي: «سأرجع وأُدثِّرك في السرير. فعزيزي جيمس يُحب ذلك دائمًا.» «هل يمكنني أن أرى أمي، مجرد نظرة خاطفة كي أعلم أنها بخير.» نظر جيمي لأعلى خجِلًا في الوجه الكبير ذي النظارة. أومأ الطبيب. «حسنًا يجب أن أذهب … سأمر عليكم بحلول الرابعة أو الخامسة كي أطمئن على الحال … طابت ليليتكِ يا سيدة ميريفال. طابت ليلتكِ يا آنسة بيلينجز. طابت ليلتك يا بُني …» «من هنا …» وضعت الممرضة المُدرَّبة يدها على كتف جيمي. انسلَّ من أسفل يدها وسار خلفها. كان هناك مصباحٌ مضاءٌ في ركن غرفة الأم، تُظلِّله منشفة مُعلَّقة حوله. جاء من ناحية السرير صوت تنفُّس خشن لم يُميِّزه. كان وجهها المجعَّد متجهًا نحوه بجفنَين مغلقَين بنفسجيَّي اللون وفم متجعِّد في جهة واحدة. حدَّقت إليه لنصف دقيقة. همس للممرضة: «حسنًا، سأرجع إلى سريري الآن.» تدفَّقت دماؤه على نحو مصيب بالصمم. سار دون أن ينظر إلى خالته أو إلى الممرضة بتيبسٍ إلى الباب الخارجي. قالت خالته شيئًا. ركض في الممر إلى غرفته، وصفع الباب وأغلقه بالمزلاج. وقف متيبِّسًا وشاعرًا بالبرودة في منتصف الغرفة وقبضتاه مغلقتان. صاح عاليًا: «أنا أكرههم. أنا أكرههم.» ثم أطفأ النور متجرِّعًا نشجةً جافة وانسلَّ إلى السرير بين المُلاءات الباردة برودةً مُرجِفة. ••• كان إميل يقول بصوت غنائي: «مع هذا الحجم من الأعمال التي لديكِ يا سيدتي، أظن أنكِ تحتاجين لشخص كي يساعدكِ في المتجر.» تنهَّدت مدام ريجو قائلةً وهي جالسة على كرسيها المرتفع الذي لا ظهر له بجوار مكتب الدفع: «أعلم ذلك … إنني أُنهِك نفسي في العمل، أعلم ذلك.» كان إميل صامتًا لوقت طويل ومحدِّقًا إلى المقطع العرضي للحم خنزير موضوع على البلاطة الرخامية بجوار مرفقه. ثم قال في خجل: «امرأة مثلكِ، امرأة جميلة مثلكِ، يا مدام ريجو لا تخلو حياتها من الأصدقاء.» «آه ذلك … لقد شاهدت الكثير في حياتي … لم تعد لديَّ ثقة … الرجال مجموعة من البهائم، والنساء، أوه، لا أنسجم مع النساء بعض الشيء!» أجفلَ إميل قائلًا: «التاريخ والأدب …» صلصل الجرس أعلى الباب. اندفع رجل وامرأة إلى داخل المتجر؟ كانت المرأة ذات شعر أشقر وترتدي قبعةً تشبه حوضًا من الزهور. كانت تقول: «لا تكن مسرفًا يا بيللي.» «ولكن يا نورا يجب أن نأكل شيئًا … وسأكون على ما يرام بحلول يوم السبت.» «لن يصبح شيء على ما يرام حتى تتوقَّف عن رهانات سباقات الخيل.» «آه هلَّا تركتني وشأني … لنأخذ بعض نقانق الكبد … يا إلهي، صدر الديك الرومي البارد ذلك يبدو جيدًا …» هدلت الفتاة ذات الشعر الأشقر: «بيجي ويجي.» «هلَّا تركتني وشأني، أنا على ما يرام.» بمزيج من الإنجليزية والفرنسية، تحدَّثت مدام ريجو كالعرَّافة دون أن تتحرك من فوق كرسيها المرتفع الذي لا ظهر له بجوار مكتب الدفع: «أجل يا سيدي صدر الديك الرومي جيد جدًّا … لدينا دجاج عجوز أيضًا، لا يزال ساخنًا … ابحث لي يا صديقي إميل عن دجاجة من ذلك الدجاج الصغير في المطبخ.» كان الرجل يهوِّي وجهه بقبعة قشية سميكة الإطار ذات شريط بنقشة مربعة. قالت مدام ريجو: «الطقس دافئ الليلة.» «بالتأكيد … كان علينا الذهاب إلى الجزيرة يا نورا بدلًا من التسكُّع في هذه المدينة.» «أنت تعلم جيدًا يا بيللي السبب في أننا لم نتمكَّن من الذهاب.» «لا ترشي الملح على الجرح. ألم أخبركِ أن كل شيء سيكون على ما يرام بحلول يوم السبت.» واصل إميل عندما خرج العميلان ومعهما الدجاجة تاركين لمدام ريجو نصف دولار فضي حبسته في درج الخزينة: «التاريخ والأدب يعلماننا أن هناك صداقات، وأن هناك حبًّا في بعض الأحيان يستحق الثقة …» هدرت مدام ريجو ضاحكةً في سرها: «التاريخ والأدب!» «إنهما ذوا نفع كبير لنا.» «ولكن ألم تشعري يومًا بالوحدة في مدينة كبيرة كهذه …؟ كل شيء شديد الصعوبة. النساء ينظرن إلى ما في جيب المرء وليس إلى قلبه … لا يمكنني تحمُّل الأمر أكثر من ذلك.» اهتزَّ كتفا مدام ريجو العريضان ونهداها الكبيران ضاحكة. وأصدر مُخَصِّرها صريرًا عندما رفعت نفسها عن كرسيها المرتفع الذي لا ظهر له وهي لا تزال ضاحكة. «إنك يا إميل شاب وسيم ورزين وسيكون لك شأن في هذا العالم … ولكني لن أخضع لسلطة رجل مرةً أخرى … لقد عانيت كثيرًا … ولو حتى أعطيتني ٥٠٠٠ دولار.» «إنكِ امرأة شديدة القسوة.» ضحكت مدام ريجو مجددًا. «هيا الآن، يمكنك مساعدتي في إغلاق المتجر.» ••• جاء يوم الأحد مُثقِلًا وسط المدينة بالصمت والطقس المشمس. جلس بالدوين إلى مكتبه في قميصه الذي لا يرتدي أي شيء فوقه يقرأ كتاب قانون مجلدًا بجلد عجل. وكان بين الحين والآخر يدوِّن ملاحظةً في دفتر مذكرات بخط يد عادي مُنبَسِط. رنَّ الهاتف عاليًا وسط السكون والحر. أنهى الفقرة التي كان يقرؤها ومشى بخطواتٍ سريعةٍ للرد على الهاتف. «نعم أنا هنا وحدي، تعالَي إذا أردتِ.» وضع السماعة. تَمتَم مطبقًا على أسنانه: «اللعنة.» دخلت نيللي دون أن تطرق الباب، لتجده يمشي جيئةً وذهابًا أمام النافذة. قال دون أن يرفع ناظره، بينما وقفت في مكانها محدِّقةً إليه: «مرحبًا يا نيللي.» «اسمع يا جورج، هذا لا يمكن أن يستمر.» «لمَ؟» «لقد سئمت التظاهر الدائم والخيانة.» «لم يكتشف أحد أي شيء، أليس كذلك؟» «أوه، بالطبع بلى.» اقتربت منه وعدَّلت ربطة عنقه. قبَّلها برفق على فمها. كانت ترتدي فستانًا مزركشًا من الموسلين ذا ياقة بنفسجية مُحمَرة وتحمل مظلةً زرقاء في يدها. «كيف الحال يا جورج؟» «رائع. أتعلمين أنكما جلبتما لي الحظ؟ لقد حصلت على بعض القضايا الجيدة التي أعمل عليها الآن وكوَّنت علاقات قيمةً للغاية.» «أما أنا فلم أكن محظوظة. لم أجرؤ على الذهاب للاعتراف بعد. سيظن القَس أنني كفرت.» «كيف حال جاس؟» «أوه، منهمك في خططه … قد تظن أنه قد كسب المال؛ فقد تملَّكه الغرور بالأمر.» «اسمعي يا نيللي، ما رأيكِ أن تتركي جاس وتأتي للعيش معي؟ يمكنك الحصول على الطلاق ويمكننا أن نتزوَّج … سيكون كل شيء على ما يرام هكذا.» «مستحيل … أنت لا تعني ما تقول على أي حال.» «لكن الأمر كان يستحق يا نيللي، صدقًا لقد كان كذلك.» وضع ذراعَيه حولها وقبَّل شفتَيها المغلقتَين. دفعته بعيدًا. «لن آتي هنا مجدَّدًا على أي حال … أوه، لقد كنت سعيدةً للغاية وأنا أصعد الدرج وأفكِّر في رؤيتك … لقد أخذت أتعابك وانتهى جميع ما بيننا من عمل.» لاحظ أن التجاعيد الصغيرة حول جبهتها قد فُردت. وعلَّقت خصلة شعر فوق إحدى عينَيها. «يجب ألَّا نفترق بهذه القسوة يا نيللي.» «هلَّا أخبرتني لمَ؟» «لأننا تحابَبْنا.» «لن أبكي.» ربتت على أنفها بمنديل صغير ملفوف. «سأكرهك يا جورج … وداعًا.» طقطق الباب بقوة خلفها. جلس بالدوين إلى المكتب ومضغ نهاية قلم رصاص. ظلت رائحة خافتة لشعرها في فتحتي أنفه. كان حلقه يابسًا ومتكتِّلًا. سعل. فسقط القلم من فمه. مسح عنه لعابه بمنديل وعدَّل من جلسته على كرسيه. أصبحت الفقرات المكتظَّة لكتاب القانون واضحةً بعد أن كانت ضبابية. نزع الورقة التي كتبها عن دفتر المذكِّرات وشبَّكها أعلى كومة من المستندات. وشرع كاتبًا في الصفحة الجديدة: قرار المحكمة العليا لولاية نيويورك … اعتدل فجأةً على كرسيه، وأخذ يعضعض نهاية القلم مرةً أخرى. سُمعَت من الخارج الصافرة الخانقة اللامتناهية لعربة الفول السوداني. قال عاليًا: «أوه حسنًا، هذا كل شيء.» واصل الكتابة بخط يد عادي مُنبَسِط. قضية باترسون ضد ولاية نيويورك … حكم المحكمة … ••• جلس بود إلى النافذة في نقابة البحارة يقرأ جريدةً ببطء وعناية. وكان بجواره رجلان بوجنات كاللحم النيئ في تورُّدها كانت قد حُلقت لتوها، منحشرَين في ياقتَين بيضاوَين وبذلتَين جاهزتَين من الصوف، كانا يلعبان الشطرنج متثاقلَين. دخَّن أحدهما غليونًا أصدر القليل من صوت قَوقَأَة عندما كان يسحب الدخان منه. تساقط المطر بالخارج بلا توقُّف على ميدان متلألئ فسيح. ••• فَلْيَحْيَ بانزاي، هكذا صاح الرجل الأشيب الصغير البنية من الفصيلة الرابعة للمهندسين العسكريين عندما تقدَّموا لإصلاح الجسر فوق نهر يالو … المراسل الخاص لصحيفة «ذا نيويورك هيرالد» … ••• قال الرجل ذو الغليون: «مات الشاه.» «تبًّا لهذا كله، لنذهب لتناول الشراب. فلا يصح أن نجلس هنا في هذه الليلة دون أن نسكر.» «لقد وعدت المرأة العجوز …» «دعك من هذا الهراء يا جيس، أعرف نوعية وعودك.» لملمت يد قرمزية كبيرة يكسوها بكثافة الشعر الأصفر قطع الشطرنج في صندوقها. «أخبِر المرأة العجوز أنه كان عليك أن تأخذ رشفة بسبب حرارة الجو.» «تلك ليست كذبةً أيضًا.» شاهد بود ظلَّيهما متحدِّبًا في المطر وهما يمرَّان أمام النافذة. «ما اسمك؟» التفت بود بحِدة من النافذة وقد أفزعه صوت صارٌّ حاد في أذنه. كان ينظر إلى العينَين اللتَين في لون شعلةٍ زرقاء لرجلٍ أصفر البشرة صغير البِنية كان له وجه كوجه العلجوم بفم كبير، وعينَين جاحظتَين، وشعر أسود سميك شديد القِصَر. مدَّ بود شفته السفلى في إصرار. «اسمي سميث، ما الأمر؟» مدَّ الرجل الضئيل البِنية يده المربَّعة المتصلِّب جلد راحتها. «سُررت بمعرفتك. أنا ماتي.» أخذ بود يده مصافحًا رغمًا عنه. فاعتصرت يده حتى جفل. سأل: «ماتي ماذا؟» «ماتي فحسب … ماتي اللابلاندي … تعالَ وتناول شرابًا.» قال بود: «إنني مفلس. ليس معي سنت واحد.» وضع ماتي كلتا يدَيه في جيبَي بِذلته الفضفاضة ذات النقشة المربعة، وضرب بود في صدره بقبضتَين من الدولارات، قائلًا «الحساب علَي. إن معي الكثير من المال، فلتأخذ بعضًا منه …» «أوه، احتفظ بمالك … ولكني سأتناول شرابًا معك.» عندما وصلا إلى الحانة على ناصية شارع بيرل ستريت، كانت المياه تغمر مرفقَي بود وركبتَيه، وكان قَطر من المطر البارد ينهمر على عنقه. عندما جلسا إلى منضدة الشراب، وضع عليها ماتي اللابلاندي ورقةً بخمسة دولارات. «إنني أدفع للجميع؛ لكنني سعيد جدًّا الليلة.» كان بود يتناول الغداء المجاني. أوضح عندما عاد إلى منضدة الشراب ليأخذ شرابه، قائلًا: «لم أتناول شيئًا منذ وقت طويل.» حرق الويسكي حلقه أثناء نزوله فيه، فجفَّف ملابسه المبتلَّة وجعله يشعر بالإحساس الذي كان يشعر به عندما كان طفلًا وكان يخرج للعبة البيسبول بعد ظهيرة يوم السبت. صاح صافعًا ظهر الرجل الضئيل البِنية العريض: «أعطني كفك أيها اللابلاندي. فأنا وأنت أصبحنا أصدقاء من الآن فصاعدًا.» «حسنًا يا عديم الخبرة بالبحر، سنبحر معًا في الغد. ما رأيك؟» «بالتأكيد.» «فلنذهب الآن لشارع باوري ونشاهد النساء. سأدفع الحساب.» صاح رجل سكران طويل ذو شارب أسود متدلٍّ كان يترنَّح في المنتصف عندما كانا يتمايلان مع البابَين المتأرجحَين: «لن تأتي امرأة من باوري معك أيها الياباني.» قال اللابلاندي مغادِرًا: «لن يأتين، أليس كذلك؟» سدَّد إحدى قبضتَيه الشبيهتَين بالمطرقة أسفل فك الرجل في ضربة مباغتة. انزلقت قدما الرجل وارتفع بميل بين البابَين المتأرجحَين اللذَين أُغلقا عليه. فسُمعت صيحة من داخل الحانة. صاح بود صافعًا الرجل على ظهره مرةً أخرى: «تبًّا أيها اللابلاندي، تبًّا.» مشبكين ذراعَيهما، سارا مائلَين في شارع بيرل ستريت تحت المطر الهاطل. اتسعت القضبان متلألئةً أمامهما في نواصي الشوارع التي غمرتها المياه. كان الضوء الأصفر للمرايا والقضبان النحاسية والإطارات المذهَّبة حول صور النساء العاريات الوردية تدور وتنسكب في كئوس الويسكي التي تتجرَّعها بحماس رءوس سوداء مائلة، فتنزُّ متوهِّجةً عبر الدماء، وتُفرقع بفقاقيع من الآذان والأعين، وتقطر مغمغمةً من أطراف الأصابع. المنازل مرتفعة وعليها قتامة الأمطار على كلا الجانبَين، وتتمايل مصابيح الشوارع كفوانيس محمولة في أحد المواكب، حتى وجد بود نفسه في غرفة خلفية مليئة بالوجوه المحتشدة ووجد امرأة على حِجره. نهض ماتي اللابلاندي وذراعاه حول عنقَي فتاتَين، وانتزع قميصه ليظهر على صدره وشم باللونين الأحمر والأخضر لرجل وامرأة عاريين، وكانا متعانقَين وملتفَّين بشدة كحية بحر، وعندما استنشق مالئًا صدره بالهواء ولوى جلده بأصابعه، تلوَّى الرجل والمرأة في الوشم وضحكت جميع الوجوه المحتشدة. ••• رفع فينياس بي بلاكهيد نافذة المكتب الواسعة. ووقف ينظر إلى الميناء من الأردواز والميكا وسط الصخب غير المنتظم للمرور، والأصوات، وجعجعة المباني التي ترتفع من شوارع وسط المدينة المنتفخة والمتموِّجة كالدخان في الرياح العاتية المندفعة على نهر هدسون من الشمال الغربي. نادى في توجُّسٍ وريبة: «يا شميت، أحضر لي منظاري.» «انظر …» وكان يركِّز المنظار على باخرة بيضاء سميكة من المنتصف وذات مدخنة صفراء مُسَخَّمة كانت بجوار جزيرة جوفرنرز. «أليست تلك باخرة أنوندا الآتية الآن؟» كان شميت رجلًا بدينًا تقلَّص حجمه. فتدلَّى الجلد في تجاعيد مضنية رخوة على وجهه. نظر نظرةً عبر المنظار. «إنها هي بالتأكيد.» أنزل النافذة؛ فانحسر الصخَب متضائلًا إلى صوت أجوف كصوت صدفة بحر. «يا للهول، لقد أسرعوا في الأمر … سيرسون في غضون نصف ساعة … اذهب على الفور وأحضر المحقِّق موليجان. لقد قبض ثمنه … لا تدع عينَيك تغفلان عنه. ماتانزاس الهَرِم بالخارج في حالة غضب يحاول الحصول على حكم قضائي ضدنا. إذا لم تُرسل كلَّ ملعقةٍ من المنجنيز بحلول الغد ليلًا، فسأخفض عمولتك بمقدار النصف … أتفهم؟» اهتز لُغدا شميت المتدليان عندما ضحك. «لا يوجد خطر يا سيدي … لا بد أنك أصبحت تعرفني جيدًا الآن.» «بالطبع أصبحت أعرفك … إنك رجل طيب يا شميت. لقد كنت أمزح فحسب.» كان فينياس بي بلاكهيد رجلًا نحيفًا ذا شعر فضي ووجه أحمر كوجه الصقر، أرجع نفسه في كرسي ذي مسندَين من خشب الماهوجني إلى مكتبه ورن جرسًا كهربائيًّا. قال بصوت هادر لساعي المكتب الأشقر الشعر: «حسنًا يا تشارلي، أدخلهما.» نهض متيبِّسًا من مكتبه ومدَّ يده مصافحًا. «كيف حالك يا سيد ستورو … كيف حالك يا سيد جولد … خذا راحتكما … حسنًا … اسمعا الآن، فيما يخص هذا الإضراب. إن موقف مصالح السكة الحديدية والمواني التي أُمثِّلها يتميَّز بشكل فريد بالصراحة والأمانة، تعلمان ذلك … لديَّ ثقة، بل يمكنني القول إن لديَّ الثقة الكاملة في أنه بمقدورنا تسوية هذا الأمر تسويةً على نحو سلمي ومقبول … بالطبع يجب أن تجدا معي حلًّا وسطًا … يُعنَى، كما أعلم، بالمصالح نفسها في صميم قلوبنا، مصالح هذه المدينة الرائعة، مصالح هذا الميناء البحري الرائع …» أرجع السيد جولد قبعته إلى مؤخرة رأسه وتنحنح بصوت نباح عالٍ. «أيها السيدان، أمامنا أحد طريقَين …» ••• في أشعة الشمس الساقطة على حافة النافذة، استقرَّت ذبابةٌ تحك جناحَيها بقائمتَيها الخلفيتَين. نظَّفت نفسها بالكامل، لاويةً وباسطةً قائمتَيها الأماميتَين كشخصٍ يغسل يدَيه، وفاركةً أعلى رأسها ذي الفصوص بعنايةٍ لتُفرِّش شعرها. حامت يد جيمي فوق الذبابة وصفعتها. أصدرت الذبابة أزيزًا واخزًا في راحة يده. تحسَّسها بإصبعَين، وأمسك بها ببطءٍ عاصرًا إياها لتصبح هلامًا رماديًّا مهروسًا بين سبابته وإبهامه. مسحها عن يده أسفل حافة النافذة. انتابه شعور بالسخونة والإعياء. يا لها من ذبابة عجوز مسكينة، وقد نظَّفت نفسها جيدًا كذلك! وقف طويلًا ينظر بالأسفل إلى المَنْوَر عبر اللوح الذي تعلوه الأتربة حيث تُكسِب الشمس الأتربة بصيصًا من اللمعان. ومن حين لآخر، يعبر رجل بقميص لا يرتدي أي شيء فوقه، الفناء بالأسفل حاملًا صينيةً من الأطباق. تُسمع الصياحات الصادعة بالأوامر وتأتي صلصلة غسيل الصحون خافتةً من المطبخ. حدَّق إلى بصيص لمعان الأتربة على لوح النافذة. أصابت أمي سكتة دماغية وسأرجع الأسبوع القادم إلى المدرسة. «قُل لي يا هيرفي، هل تعلَّمت الملاكمة بعد؟» «هيرفي وكيد سيخوضان مباريات لبطولة وزن الذبابة قبل الانتقال إلى الوزن الخفيف.» «ولكني لا أريد.» «كيد يريد … ها هو يأتي. كوِّنوا دائرةً هناك أيها الحمقى.» «لا أريد، أرجوك.» «اللعنة، يجب أن تذهب، سنضربكما أنتما الاثنان إذا لم تخوضا المباراة.» «حسنًا يا فريدي، تلك غرامة عليك بقيمة نيكل لأنك سبَبْت.» «اللعنة لقد نسيت.» «ها أنت ذا مرةً أخرى … ألصِقه في الألواح.» «هيا يا هيرفي، أنا أُراهن عليك.» «أجل، الْكُمْه.» يتضخَّم وجه كيد الأبيض المُدمَّر أمامه كالبالون، وتضرب قبضته جيمي في فمه، حيث يندفع مذاق الدم المالح من شفته المقطوعة. يسدِّد جيمي ضرباته مُسقِطًا الفتى على الحلبة، واخزًا بطنه بركبته. سحبوه وألقَوا به على الجدار مرةً أخرى. «هيَّا يا كيد.» «هيَّا يا هيرفي.» يشعر برائحة الدم في أنفه ورئتَيه، وأنفاسه تُحشرج. تندفع قدم وتوقع به. «يكفي هذا، خسر هيرفي.» «مُخَنَّث … مُخَنَّث.» «ولكن اللعنة يا فريدي، لقد طرح كيد أرضًا.» «اخرس، لا تُحدث مثل هذه الجلَبة … سيصعد هوبي الهَرِم.» «مجرد جولة صغيرة ودية، ألم تكن كذلك يا هيرفي؟» يصرخ جيمي وقد أعمته الدموع، ملوِّحًا بكلتا ذراعَيه: «اخرجوا من غرفتي، جميعكم، جميعكم.» «طفل باكٍ … طفل باكٍ.» يصفع الباب خلفه، ويدفع المكتب خلف الباب، ويزحف مرتجفًا إلى السرير. يستدير على وجهه ويستلقي متلويًا في خزي، عاضًّا الوسادة. حدَّق جيمي في بصيص لمعان الأتربة على لوح النافذة. عزيزي، كانت أمك المسكينة مستاءةً للغاية عندما وضعَتك في نهاية المطاف في القطار ورجعت إلى غرفتها الفارغة في الفندق. عزيزي، إنني في غاية الوحدة من دونك. هل تعلم ما فعلت؟ لقد أخرجت كل جنودك الدُّمى، تلك التي اعتادت أن تكون في أسر بورت آرثر، ورتَّبتها جميعًا في كتائب على رف المكتبة. أليس ذلك مضحكًا؟ لا تقلق يا عزيزي، سيحل الكريسماس قريبًا وسألتقي بولدي مرةً أخرى … بوجه مجعَّد على الوسادة: أصابت أمي سكتة دماغية وسأرجع الأسبوع القادم إلى المدرسة. ينمو جلد ذو حبيبات داكنة رخوًا أسفل عينَيها، ويزحف الشيب إلى شعرها البني. لا تضحك الأم مطلقًا. إنها السكتة الدماغية. رجع فجأةً إلى الغرفة، وألقى بنفسه على السرير وفي يده كتاب رفيع بغلاف من الجلد. رعد الموج عاليًا على الحاجز المرجاني. لم يكن يريد أن يقرأ. كان جاك يسبح سريعًا عبر المياه الزرقاء الهادئة للبحيرة الشاطئية، ووقف في ضوء الشمس على الشاطئ الأصفر يهز عنه القطرات المالحة، واتسعت فتحتا أنفه لرائحة تحميص فاكهة الخبز بجوار نار مخيَّمه المعزول. زعقت وقهقهت الطيور ذات الريش الزاهي من فوق القِمم السرخسية الطويلة لنخيل جوز الهند. كانت الأجواء في الغرفة ساخنةً إلى حد يبعث على النعاس. أخذت جيمي سِنةٌ من النوم. فاشتمَّ رائحة ليمون بالفراولة ورائحة أناناس على سطح السفينة، وكانت أمه هناك في بذلة بيضاء ومعها رجل أسمر يرتدي زَورقيَّة، وتموَّج ضوء الشمس على الأشرعة الطويلة البيضاء بياض الحليب. تعلو الضحكة الرقيقة للأم فتصبح صحية. تسير ذبابة في حجم عبَّارة تجاههم عبر الماء، وتمد مخالب مَفلُولةً كمخالب سرطان البحر. يصيح الرجل الأسمر في أذنه: «اقفز، اقفز، يمكنك اجتياز الأمر بقفزتَين.» يئن جيمي: «ولكن أرجوك لا أُريد … لا أُريد.» يضربه الرجل الأسمر، اقفز، اقفز، اقفز … «أجل دقيقة واحدة. مَن؟» كانت الخالة إيميلي عند الباب. «لمَ توصد بابك يا جيمي … لا أسمح مطلقًا لجيمس أن يوصد بابه.» «أُفضِّله كذلك يا خالة إيميلي.» «كيف لصبي أن ينام في هذا الوقت من فترة ما بعد الظهيرة؟» «لقد كنت أقرأ رواية «جزيرة المرجان» وغلبني النعاس.» كانت وجنتا جيمي تتورَّدان. «حسنًا. هيا أسرع. لقد قالت الآنسة بيلينجز ألَّا تتوقَّف عند غرفة أمك. إنها نائمة.» كانا في المصعد الضيِّق الذي تفوح منه رائحة زيت الخروع، حيث ابتسم الصبي الملون لجيمي ابتسامةً عريضة. «ماذا قال الطبيب يا خالة إيميلي؟» «كل شيء يسير كما كان متوقَّعًا قدر الإمكان … ولكن يجب ألَّا تقلق حيال ذلك. يجب أن تحظى هذا المساء بوقت ممتع مع أبناء خالتك الصغار … إنك لا ترى أطفالًا في عمرك بما يكفي يا جيمي.» كانا يسيران في اتجاه النهر مائلَين في رياح رملية تدور في الشارع مكتسحة الحديد أسفل سماء داكنة ذات تموُّجات فضية. «أظنك ستسعد بالعودة إلى المدرسة يا جيمس.» «أجل يا خالة إيميلي.» «إن اليوم المدرسي هو أسعد وقت يقضيه الصبي في حياته. ينبغي أن تحرص على أن تراسل أمك مرةً في الأسبوع على الأقل يا جيمي … أنت كل ما لديها الآن … سنُعلِمك أنا والآنسة بيلينجز بأحوالها باستمرار.» «أجل يا خالة إيميلي.» «وأُريدك يا جيمس أن تعرف ابني جيمس أكثر. إنه في مثل عمرك، ربما يكون متقدِّمًا عنك بعض الشيء فحسب وما إلى ذلك من الأمور، ولا بد أن تكونا صديقَين مقرَّبَين … ليت ليلي أرسلتك إلى هوتشكيس أيضًا.» «أجل يا خالة إيميلي.» كانت هناك أعمدة من الرخام الوردي في البهو السفلي للمبنى الذي تسكن فيه الخالة إيميلي، وكان عامل المصعد يرتدي بِذلةً بلون الشوكولاتة ذات أزرار نحاسية، وكان المصعد نفسه مربعًا ومزينًا بالمرايا. توقَّفت الخالة إيميلي أمام باب أحمر واسع من خشب الماهوجني في الطابق السابع وتحسَّست محفظتها بحثًا عن مفتاحها. في نهاية الردهة، كانت هناك نافذة من الزجاج الرصاصي والتي يمكنك من خلالها أن ترى نهر هدسون، والقوارب البخارية، وأشجارًا طويلة من الدخان المتصاعد أمام الأشعة الصفراء لغروب الشمس من على بعد ياردات على طول النهر. عندما فتحت الخالة إيميلي الباب، سمعا صوت البيانو. «تلك مايسي تتمرَّن.» في الغرفة التي كانت تحوي البيانو، كانت السجادة سميكةً وعتيقة الطِّراز، وكان ورق الحائط أصفر اللون وبه ورود ذات لمعة فضية بين المشغولات الخشبية الكريمية اللون والإطارات الذهبية للوحات الزيتية لغابات، وأشخاص في جُندول، وكاردينال بدين يحتسي شرابًا. أرجعت مايسي ضفيرتَيها من فوق كتفَيها ونزلت من فوق كرسي البيانو. كان لها وجه كريمي اللون مستدير وأنف أفطس بعض الشيء. واصل بندول الإيقاع دقاته. قالت بعد أن مالت بفمها للأعلى على فم أمها كي تُقبِّلها: «مرحبًا يا جيمس. يؤسفني بشدة أن خالتي ليلي المسكينة مريضة جدًّا.» قالت الخالة إيميلي: «ألن تُقبِّل ابنة خالتك يا جيمس؟» عرج جيمي إلى مايسي ودفع بوجهه تجاه وجهها. قالت مايسي: «تلك قبلة مضحكة.» «حسنًا، يمكنكما أيها الطفلان أن تبقيا معًا حتى موعد العشاء.» أسرعت الخالة إيميلي عبر الستائر المُخملية الزرقاء إلى الغرفة المجاورة. «لا يمكننا الاستمرار في مناداتك باسم جيمس.» بعد أن أوقفت مايسي بندول الإيقاع، وقفت تُحدِّق بعينَين بنيتَين جِديتَين في ابن خالتها. «لا يمكن أن يكون لدينا اثنان اسمهما جيمس، أليس كذلك؟» «أمي تناديني جيمي.» «جيمي اسم شائع بعض الشيء، ولكنني أظن أننا سنستخدمه حتى نتمكَّن من التفكير في اسم أفضل … كم جاكًا يمكنك التقاطه؟» «ما الجاك؟» «يا إلهي، ألَا تعرف أحجار الجاك؟ انتظر حتى يرجع جيمس، سيضحك كثيرًا!» «أعرف زهور جاك. كانت أمي تُفضِّله على أي نوع آخر.» قالت مايسي مرتميةً على مقعد موريس: «لا أُحب من الزهور سوى زهرة أمريكان بيوتي.» وقف جيمي على إحدى ساقَيه راكلًا كعبه بأصابع القدم الأخرى. «أين جيمس؟» «سيعود إلى المنزل قريبًا … إنه في درس الفروسية.» أصبح ضوء الشفق بينهما صمتًا قاتلًا. أتت من ساحات القطارات صرخة صفارة القاطرات وصلصلة الوصلات من عربات الشحن المحولة. ركض جيمي إلى النافذة. سأل: «أخبريني يا مايسي، أتحبين المحرِّكات؟» «أظنها بشعة. يقول أبي إننا سنُعزِّل بسبب الضوضاء والدخان.» تمكَّن جيمي خلال العَتمة من رؤية الكتلة الملساء المشطوفة الطرف لقاطرة كبيرة. انطلق دخان من المدخنة في لفائف برونزية وليلكية ضخمة. وعلى مسار القطار تحوَّل الضوء الأحمر إلى الأخضر. بدأ الجرس يرن ببطء، بتكاسل. مدفوعًا بالبخار وبشخير عالٍ، تحرَّك القطار مصلصِلًا، وتسارع، ثم تسلسل داخل الغسق متأرجحًا بضوء خلفي أحمر. قال جيمي: «يا للهول، ليتني كنت أعيش هنا. إن لديَّ ٢٧٢ صورةً لقاطرات، سأُريها لكِ في وقت ما إن أردتِ. إنني أجمعها.» «يا له من شيء طريف أن تجمعها … اسمع يا جيمي، أنزل الستارة وسأُضيء النور.» عندما ضغطت مايسي على المفتاح، رأيا جيمس ميريفال عند الباب. كان له شعر لامع كالسلك ووجه ذو نَمَش وأنف أفطس كأنف مايسي. وكان يرتدي بنطال فروسية إلى الركبة ورِباطَي ساقَين من الجلد الأسود وكان يحرِّك عصًا مُقَشَّرة. قال: «مرحبًا يا جيمي. أهلًا بك في مدينتنا.» صاحت مايسي: «أُتصدِّق يا جيمس، جيمي لا يعرف أحجار الجاك.» ظهرت الخالة إيميلي عبر الستائر المُخملية الزرقاء. كانت ترتدي قميصًا نسائيًّا أخضر ذا رقبة عالية من الحرير ومُزيَّنًا بالدانتيل. ارتفع شعرها الأبيض بانحناء ناعم من جبهتها. قالت: «حان وقت غسيل الأيدي يا أطفال، سيكون العشاء جاهزًا خلال خمس دقائق … خذ ابن خالتك يا جيمس إلى غرفتك وأسرعا واخلع ملابس الفروسية تلك.» كان الجميع قد جلسوا بالفعل عندما تبع جيمي ابن خالته إلى غرفة الطعام. رنَّت السكاكين والشوكات على نحو رصين في ضوء ست شمعات أحدثت ظلالًا حمراء وفضية. عند طرف الطاولة جلست الخالة إيميلي، وجلس بجوارها رجل أحمر العنق مستوي القفا، وفي الطرف الآخر كان زوج خالته جيف، الذي كان يضع دبوسًا لؤلئيًّا في ربطة عنقه ذات النقشة المربعة، يملأ كرسيًّا عريضًا ذا مسندَين. حامت الخادمة الملوَّنة حول أهداب الضوء، ممرِّرةً المقرمشات المحمَّصة. تناول جيمي حساءه متيبِّسًا خشية أن يُصدر صوتًا. كان زوج الخالة جيف يتحدَّث بصوت مدوٍّ بين ملعقة وأخرى من الحساء. «كلا لقد أخبرتك يا ويلكينسون، لم تعد نيويورك كما كانت عندما انتقلنا أنا وإيميلي إلى هنا تقريبًا في زمان يشبه زمان رسو فُلك نوح … لقد اجتاح المدينة اليهود الحثالة والأيرلنديون الرِّعاع، هذا ما يعيبها … في غضون ١٠ سنوات لن يتمكَّن الشخص المسيحي من كسب رزقه … أؤكِّد لك أن الكاثوليك واليهود سيطردوننا من بلدنا، ذلك ما سوف يفعلونه.» قالت الخالة إيميلي مقاطِعةً وهي تضحك: «إنها القدس الجديدة.» «إنه ليس بالأمر المضحك؛ فعندما يعمل المرء بجد طوال حياته كي يبني تجارة، فلن يروق له أن يطرده حفنة من الأجانب اللعناء، أليس كذلك يا ويلكينسون؟» «إنك منفعل للغاية يا جيف. قد يصيبك ذلك بالتخمة …» «سأبقى هادئًا يا أمي.» عبَس السيد ويلكينسون متثاقلًا، وقال: «إن مشكلة الناس في هذا البلد يا سيد ميريفال هي هذه … الناس في هذا البلد متسامحون للغاية. ليس هناك بلد آخر في العالم يسمح بذلك … بعد كل ما فعلناه لبناء هذا البلد نسمح لحفنة من الأجانب، رِعاع أوروبا، نسل الجيتوهات البولندية، بأن يأتوا ويحكموه بدلًا منا.» «حقيقة الأمر هي أن الرجل النزيه لا يلطِّخ يده بالسياسة، ولا تستهويه المناصب العامة.» «هذا صحيح؛ فالرجل الجاد اليوم يريد المزيد من المال، المزيد من المال أكثر ممَّا يمكنه أن يجنيه من العمل بأمانة في الحياة العامة … بطبيعة الحال يتجه أفضل الرجال إلى قنواتٍ أخرى.» أجفل زوج الخالة جيف قائلًا: «وأضف إلى ذلك جهل هؤلاء اليهود الحثالة الحقراء والأيرلنديين العشوائيين الذين سمحنا لهم بالانتخاب قبل حتى أن يتحدَّثوا الإنجليزية …» وضعت الخادمة أمام الخالة إيميلي طبقًا به كومة عالية من الدجاج المقلي المحاط بفطائر الذرة. أُحجِم عن الكلام أثناء تقديم الطعام للجميع. قالت الخالة إيميلي: «لقد نسيت أن أخبرك يا جيف، يتعيَّن علينا الذهاب إلى سكيرديل يوم الأحد.» «أوه يا أمي، إنني أكره الخروج يوم الأحد.» «إنه كالطفل المطيع عندما يتعلَّق الأمر بالمكوث في المنزل.» «ولكن يوم الأحد هو اليوم الوحيد الذي أقضيه في المنزل.» «حسنًا، هذا ما جرى: كنتُ أحتسي الشاي مع فتيات هارلاند في صالة ميلارد، ولك أن تخمِّن من كانت تجلس في الطاولة بجوارنا، إنها السيدة بوركهارت …» «هل هي السيدة جون بي بوركهارت؟ أليس أحد نائبَي رئيس بنك ناشونال سيتي؟» «جون رجل لطيف وله مستقبل واعد في وسط المدينة.» «حسنًا، كما كنت أقول يا عزيزي، فقد قالت السيدة بوركهارت إنه علينا الذهاب وقضاء يوم الأحد معهم ولم أستطِع أن أرفض.» تابع السيد ويلكينسون: «كان أبي الطبيب الخاص بالهَرِم يوهانس بوركهارت. كان الرجل الهَرِم سيئ الطبع، وقد كوَّن ثروته من تجارة الفِراء قبل وقت بعيد في زمن الكولونيل أستور. كان مصابًا بالنقرس وكان يسبُّ سِبابًا بشعًا … أتذكَّر رؤيته ذات مرة، حيث كان رجلًا أحمر الوجه ذا شعر أبيض طويل وقلنسوة حريرية فوق رُقعته الصلعاء. كان لديه ببغاء يُدعى توبياس، وكان الناس السائرون في الشارع لا يستطيعون مطلقًا معرفة ما إذا كان ما يسمعونه من سِباب قادمًا من توبياس أم من القاضي بوركهارت.» قالت الخالة إيميلي: «آه حسنًا، لقد تغيَّرت الأحوال.» جلس جيمي في كرسيه شاعرًا بوخز في ساقَيه. أصابت أمي سكتة دماغية وسأرجع الأسبوع القادم إلى المدرسة. الجمعة، السبت، الأحد، الإثنَين … يرجع هو وسكيني من عند البركة حيث كانا يلعبان بالعلاجيم الواثبة، وكانا يرتديان بذلتَيهما الزرقاوَين لأنهما كانا في فترة بعد ظهيرة يوم الأحد. كانت الشجَيرات الدخانية مُزهِرةً خلف الحظيرة. كان الكثير من الصِّبية يُضايقون هاريس الصغير؛ إذ كانوا ينادونه إيكي لأنهم كانوا يعتقدون أنه يهودي. علا صوته في أنين غنائي: «كفى يا رفاق، كفى. إنني أرتدي أفضل بِذلة لديَّ يا رفاق.» بأصوات استهزاء زامرة: «أوه السيد سولومون ليفي يرتدي أفضل الثياب اليديشية من متاجر التخفيضات. هل اشتريتها من المتاجر التي تبيع كل شيء بخمسة أو ١٠ سنتات.» «أُراهن أنه حصل عليها في تخفيض ناري.» «إذا كان قد حصل عليها في تخفيض ناري فإن علينا أن نُطفئه بالمياه.» «لنفتح المياه على سولومون ليفي.» «أوه، كفى يا رفاق.» «اخرس، لا تصرخ عاليًا هكذا.» همس سكيني: «هم يمزحون فحسب، لن يؤذوه.» حُمل إيكي مرفِّسًا وزاعقًا إلى البركة، ووجهه الأبيض الذي بلَّلته الدموع للأسفل. قال سكيني: «إنه ليس يهوديًّا على الإطلاق. ولكني سأخبركم مَن اليهودي، إنه ذلك البدين كبير البطن سوانسون.» «كيف عرفت؟» «أخبرَني رفيق غرفته.» «يا إلهي، ولكنهم سيرمونه.» ركضوا في جميع الاتجاهات. كان هاريس الصغير بشعره المليء بالوحل يزحف إلى الضفة، والمياه تنساب من كمَّي معطفه. كانت هناك صلصة شوكولاتة ساخنة مع الآيس كريم. «كان رجل أيرلندي واسكتلندي يسيران في الشارع، وقال أيرلندي للاسكتلندي: هيا بنا نتناول مشروبًا يا ساندي …» كانت رنات جرس الباب الأمامي المتواصلة تُشتِّت انتباههم عن قصة زوج الخالة جيف. عادت الخادمة الملوَّنة مضطربةً إلى غرفة الطعام وبدأت تهمس في أذن الخالة إيميلي. «… وقال الاسكتلندي: يا مايك … ما الأمر؟» «إنه السيد جو يا سيدي.» «تبًّا.» قالت الخالة إيميلي مُسرعة: «حسنًا، ربما يكون على ما يرام.» «إنه مخمور بعض الشيء يا سيدتي.» «لمَ سمحتِ له بالدخول بحق الشيطان يا سارة؟» «لم أسمح له، لقد دخل من نفسه.» دفع زوج الخالة جيف بطبقه بعيدًا وأنزل منديله صافعًا إياه على الطاولة. «أوه، اللعنة … سأذهب وأتحدَّث إليه.» كانت الخالة إيميلي قد شرعت في الحديث قائلة: «حاول أن تصرفه …» ولكنها توقَّفت وفمها نصف مفتوح. كان ثمة رأس عالق عبر الستائر التي تدلَّت في المدخل الواسع المؤدي إلى غرفة المعيشة. كان للرأس وجه كوجه طائر بأنف متدلٍّ نحيف وتعلوه كتلة من الشعر الأسود المنسدل كالهنود. غمزت إحدى عينَيه الحمراوَين المَدمَع بهدوء. «مرحبًا بالجميع! … كيف حال كل شيء؟ أتمانعون تدخلي؟» امتدَّ صوته أجشَّ عندما تبع جسمُه النحيل الطويل رأسَه في الظهور عبر الستائر. عدَّل فم الخالة إيميلي من نفسه بابتسامة باردة. «عجبًا يا إيميلي، يجب … أن … معذرة؛ فقد ظننت أن قضاء أمسية … أعني … مع العائلة … قد … قد … تكون … مجدية. كما تعلمون، ذلك التأثير المنقي للمنزل.» وقف يهز رأسه خلف كرسي زوج الخالة جيف. «حسنًا أيها الهَرِم جيفرسون، كيف حال السوق؟» وضع يده على كتف زوج الخالة جيف. «أوه حسنًا. أتريد أن تجلس؟» «لقد سمعت … أنني إذا كنت سآخذ نصيحةً من محنَّك هَرِم … أعني … سمسارًا متقاعدًا … سمسار كل يوم … ها ها … ولكني سمعت أن شركة إنتربورو رابيد ترانزيت تستحق شراء حصةٍ صغيرةٍ فيها … لا تنظري إليَّ باحتقار يا إيميلي. سأُغادر على الفور … مرحبًا، كيف حالك يا سيد ويلكينسون … الأطفال يبدون في حالة جيدة. يا إلهي أهذا ابن ليلي هيرف الصغير … ألَا تتذكَّر … يا جيمي … قريبك جو هارلاند؟ لا أحد يتذكَّر جو هارلاند … إلا أنتِ يا إيميلي وتتمنَّين لو نسيتِه … ها ها … كيف حال أمك يا جيمي؟» انتزع جيمي الكلمات من حلق ضيق: «أفضل حالًا بعض الشيء، شكرًا لك.» «حسنًا، عندما تعود إلى المنزل أبلغها محبتي … ستفهم. لطالما كنت أنا وليلي صديقَين مقرَّبَين حتى وأنا مصدر العار للعائلة … إنهم لا يحبونني، إنهم يريدونني أن أرحل … اسمع مني أيها الصبي، ليلي هي الأفضل من بين الجميع. أليست كذلك يا إيميلي، أليست هي الأفضل بيننا؟» تنحنحت الخالة إيميلي. «إنها كذلك بالطبع، الأجمل، والأكثر ذكاءً، والأكثر واقعية … إن أمك يا جيمي إمبراطورة … لطالما كانت أفضل من كل هذا. يا إلهي، أود أن أشرب نَخب صحتها.» أخرجت الخالة إيميلي الكلمات مطقطقةً كالآلة الكاتبة: «يجب أن تعتدل في كلامك قليلًا يا جو.» مال فوق الطاولة، مارًّا بأنفاسه المعبَّأة برذاذ من الويسكي على وجه جيمي: «أوه، جميعكم تظنون أنني سكران … تذكر ذلك يا جيمي … هذه الأمور لا تكون دائمًا خطأ المرء … الظروف … إنها … الظروف.» قلب كأسًا ومشى مترنِّحًا. «إذا أصَرَّت إيميلي أن تنظر إليَّ باحتقار فسأغادر … ولكن تذكَّر أن تُبلغ ليلي هيرف محبة جو هارلاند حتى لو ذهبت إلى سبيل الهلاك.» ترنَّح خارجًا عبر الستائر مرةً أخرى. «أعلم أنه سيقلب الزهرية السيفرية يا جيف … احرص على ألَّا يصيبه مكروه وأحضر له سيارة أجرة.» انفجر جيمس ومايسي في قهقهة عالية من خلف منديلَيهما. كان وجه زوج الخالة جيف أرجوانيًّا. «سأكون ملعونًا إن وضعته في سيارة أجرة. إنه ليس قريبي … إنه يجب أن يُسجن. وفي المرة التالية التي ترَينه فيها يمكنكِ أن تخبريه بذلك نيابةً عني يا إيميلي، إذا جاء هنا في أي وقت وهو في تلك الحالة الكريهة مرةً أخرى، فسأُلقي به خارج المنزل.» «جيفرسون يا عزيزي، لا طائل من الغضب … لم يقع ضرر. لقد رحل.» «لم يقع ضرر! فكِّري في طفلَينا. افترضي أن غريبًا كان هنا وليس ويلكينسون. ماذا كان سيظن في بيتنا؟» قال السيد ويلكينسون بصوت ناعق: «لا تقلقا من ذلك؛ فالحوادث تقع في بيوت أكثر العائلات المنضبطة.» قالت الخالة إيميلي: «المسكين جو يصبح مجرَّد صبي لطيف عندما يكون في حالته الطبيعية. ولا تنسَ أنه في فترة من الفترات قبل بضع سنوات كان هارلاند كما لو أنه يحمل سوق التعامل خارج البورصة في قبضة يده. أطلقت عليه الصحف اسم ملك سوق التعامل خارج البورصة، ألَا تتذكَّر؟» «كان ذلك قبل علاقته بلوتي سميثرس …» قالت الخالة إيميلي بصوت أشبه بسقسقة العصافير: «حسنًا، ماذا عن الذهاب يا أطفالُ للغرفة الأخرى بينما نحتسي نحن القهوة.» «أجل، لقد كان يجب أن يذهبا قبل وقت طويل.» سألت مايسي: «هل تعرف كيف تلعب لعبة ٥٠٠ يا جيمي؟» «لا، لا أعرف.» «ما رأيك في ذلك يا جيمس، إنه لا يعرف كيف يلعب لعبة الجاك ولا يعرف كيف يلعب لعبة ٥٠٠.» قال جيمس بتعالٍ: «حسنًا، كلتاهما من ألعاب الفتيات. ما كنت لألعبهما أنا أيضًا لولاكِ.» «أوه، أهو كذلك يا سيد مُتذاكٍ؟» «هيا بنا نلعب لعبة الإمساك بالحيوانات.» «ولكننا ليس لدينا عدد لاعبين كافٍ لها. ولا تكون اللعبة ممتعةً من دون مجموعة كبيرة.» «وفي آخر مرة لعبناها ضحكتِ عاليًا لدرجة أن أمي أوقفتنا عن اللعب.» «أوقفتنا أمي عن اللعب لأنك ركلت بيللي شمتز الصغير في عظمة كوعه وأبكيته.» قاطعهما جيمي: «ما رأيكما أن ننزل ونشاهد القطارات؟» قالت مايسي متجهمة: «ليس مسموحًا لنا أن ننزل للطابق السفلي بعد حلول الظلام.» «اسمعا، لنلعب البورصة … لديَّ مليون دولار في صورة سندات أريد بيعها، ويمكن لمايسي أن تكون مضارِبةً على الصعود ويمكن لجيمي أن يكون مضاربًا على الهبوط.» «حسنًا، ماذا نفعل؟» «سنركض في الأنحاء، ونصيح في الغالب … أنا أبيع على المكشوف.» «حسنًا أيها السيد السمسار، سأشتريها كلها مقابل خمسة سنتات لكل سهم.» «لا، لا يمكنك أن تقول ذلك … قل ٩٦ ونصف أو شيء من هذا القبيل.» صرخت مايسي مُلوِّحةً بدفتر مُسَودة طاولة الكتابة: «سأعطيك مقابلها خمسة ملايين.» صاح جيمي: «ولكن أيتها الحمقاء، إنها لا تساوي إلا مليونًا واحدًا.» وقفت مايسي متسمِّرةً في مكانها. «ماذا قلتَ يا جيمي؟» شعر جيمي بالخجل يسري في جسده؛ فنظر إلى حذائه القصير الغليظ. «قلت أيتها الحمقاء.» «ألم تحضر من قبل دروس مدرسة الأحد؟ ألَا تعلم أن الإله قال في الإنجيل إنك إذا دعوت أحدًا بالأحمق فسوف تكون مُعرَّضًا للذهاب إلى الجحيم؟» لم يجرؤ جيمي على رفع ناظرَيه. قالت مايسي وهي تَشُب لأعلى: «حسنًا، لن أستمر في اللعب.» وجد جيمي نفسه دون أن يدري بالخارج في الردهة. أخذ قبعته وركض خارجًا من الباب ونزل الطوابق الستة على الدرج ذي الحجارة البيضاء، مارًّا بالأزرار النحاسية والبِذلة بلون الشوكولاتة التي يرتديها عامل المصعد، وخرج عبر الردهة ذات الأعمدة الرخامية الوردية اللون إلى شارع ٧٢. كان الظلام دامسًا والرياح عاصفة، وامتلأ الشارع بالظلال المتثاقلة المتقدِّمة وخُطى الأقدام المتلاحقة. في النهاية، كان يصعد الدرج القرمزي المألوف للفندق. هُرع أمام باب أمه. سيسألونه عمَّا أرجعه إلى المنزل بهذه السرعة. اندفع إلى غرفته، وأغلق المزلاج، وأحكم غلق الباب، ووقف مستندًا عليه يلهث. ••• «حسنًا، هل تزوَّجتما بعد؟» كان ذلك أول ما سأل عنه كونغو عندما فتح إميل له الباب. كان إميل يرتدي قميصه الداخلي. كانت الغرفة التي على شكل صندوق أحذية خانقة، وكانت تضيئها وتدفئها شعلة غاز بغطاء معدني فوقها. «من أين أتيت في هذا الوقت؟» «بنزرت ووتروندهايم … فأنا بحارة بارع.» «تلك مهنة عفنة أن تذهب إلى البحر … لقد ادَّخرت ٢٠٠ دولار أمريكي. إنني أعمل في مطعم دلمونيكو.» جلسا متجاورَين على السرير غير المرتب. أخرج كونغو صندوقًا مزينًا بالآلهة المصرية القديمة ذهبي الحواف. صفع فخذه قائلًا: «أجرة أربعة أشهر.» «أرأيت ماي سويتزير؟» هزَّ إميل رأسه. «يجب أن أعثر على تلك اللقيطة … في تلك المواني الاسكندنافية اللعينة يصلن في مراكب، نساء شقراوات بدينات في قوارب الإمداد …» لاذا بالصمت. أصدر الغاز همهمة. أخرج كونغو أنفاسه في صافرة. بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «مرحى … هذا أنيق، مطعم دلمونيكو … لمَ لم تتزوَّجها؟» «إنها تُحب أن أتسكَّع حولها … يمكنني أن أُدير المتجر أفضل منها.» «أنت ضعيفٌ للغاية؛ يجب أن تستخدم الغِلظة مع النساء للحصول على أي شيء منهن … اجعلها تغار.» «لقد أفقدتني صوابي.» «أتريد أن ترى بعض البطاقات البريدية؟» سحب كونغو من جيبه حُزمةً ملفوفة في جريدة. بمزيج من الإنجليزية والفرنسية: «انظر، هذه نابولي، الجميع هناك يريدون أن يأتوا إلى نيويورك … تلك فتاة راقصة عربية. يا إلهي، إن لهن سُرَّات زلقة …» صرخ إميل فجأةً مسقطًا البطاقات على السرير: «حسنًا، أعرف ماذا سأفعل. سأجعلها تغار …» «مَن؟» «إيرنيستين … مدام ريجو …» «أجل، فلتتجوَّل ذهابًا وإيابًا في الجادة الثامنة مع فتاة بضع مرات، وأُراهنك أنها ستقع في غرامك بكل جوارحها.» رنَّ المنبِّه على الكرسي بجوار السرير. قفز إميل لإيقافه وشرع في رش وجهه بالماء في حوض الغسيل. بمزيج من الفرنسية والإنجليزية: «تبًّا، يجب أن أذهب إلى العمل.» «سأذهب إلى حي هيلز كيتشن وأرى ما إذا كنت سأُقابل ماي.» قال إميل، الذي وقف أمام المرآة المتصدِّعة عابس الوجه يُثبِّت الأزرار الأمامية لقميص مغسول جيدًا: «لا تكن أحمق وتُنفق جميع مالك.» ••• قال الرجل مرارًا وتكرارًا، مُقرِّبًا وجهه من وجه إد تاتشر وقارعًا المكتب بيده البدينة: «صدِّقني، إنه أمر مضمون.» «ربما هو كذلك يا فيلر، ولكني رأيت الكثير يفشلون، صدقًا لا يمكنني تخيُّل المخاطرة بالأمر.» «لقد رهنت يا رجلُ طقم الشاي الفضي الذي هو ملك زوجتي، وخاتمي الألماسي، والكوب الخاص بطفلي … إنه أمر مضمون وأكيد … لم أكن لأُدخلك فيه إن لم نكن صديقَين مقربَين وأدين لك بالمال وغيره … ستربح ٢٥ في المائة على مالك بحلول ظهيرة الغد … ثم إذا أردتَ التوقف يمكنك المخاطرة بذلك، ولكن إذا بعت ثلاثة أرباع حصتك وواصلت في الأمر لمدة اليومَين أو ثلاثة الأيام المتبقية، فستكون على أرض صلبة … كصخرة جبل طارق.» «أعلم يا فيلر، الأمر يبدو جيدًا بالتأكيد …» «ويحك يا رجل، أُتريد أن تظل تعمل في هذا المكتب اللعين طوال حياتك؟ فكِّر في ابنتك الصغيرة.» «هذا ما أفعله بالفعل، وتلك هي المشكلة.» «ولكن يا إد، لقد بدأ جيبونز وسواندايك في الشراء بالفعل مقابل ثلاثة سنتات عندما أغلق السوق هذا المساء … كان كلاين حكيمًا، وأول ما سأفعله في الصباح هو أنني سأكون هناك في انتظار أن أحتفل. سيُجن جنون السوق على هذا الأمر …» «ما لم يُغيِّر أصحاب الأعمال القذرة آراءهم. أعلم هذا الأمر من جميع جوانبه يا فيلر … يبدو عرضًا ممتازًا … ولكني فحصت دفاتر الكثير من المفلسين.» نهض فيلر وألقى بسيجاره في وعاء البصق. «حسنًا، افعل ما يروق لك، تبًّا … أظن أنك تُحب السفر من هاكنساك والعمل مدة ١٢ ساعةً في اليوم …» «إنني أُومن بشق طريقي بجهد، هذا كل ما في الأمر.» «ما فائدة بضعة آلاف مُدَّخرة عندما تكون هَرِمًا ولا يمكنك الحصول على أي متعة؟ سأخوض الأمر دون تردُّد يا رجل.» تمتم تاتشر والآخر يخرج صافعًا باب المكتب: «تقدَّم يا فيلر … معك حق.» كان المكتب الكبير بسلاسل طاولاته الصفراء والآلات الكاتبة المغطاة؛ معتمًا باستثناء خيمة الضوء التي كان يجلس فيها تاتشر إلى طاولة تعلوها كومات من الملاحظات. كانت النوافذ الثلاث في النهاية بلا ستائر. تمكَّن من خلالها من رؤية كومة المباني الشاهقة التي تتدرَّج عليها الأضواء وجزء ضئيل على شكل لوح من السماء الداكنة كالحبر. كان ينسخ مذكرةً على ورقةٍ طويلةٍ من ورق المحامين. شركة فان تان للاستيراد والتصدير (بيان الأصول والخصوم يصل حتى ٢٩ فبراير بما يشمل ذلك اليوم) … فروع نيويورك، وشانغهاي، وهونج كونج، ومستعمرات المضيق … زعق تاتشر بصوت هادر: «حفنة من المحتالين اللعناء. ليس ثمة بندٌ في الأمر برمته غير مزيَّف. لا أصدِّق أن لديهم أي فروع في هونج كونج أو في أي مكان …» مال للخلف في كرسيه وحدَّق من النافذة. كان الظلام يحل على المباني. لم يتمكَّن من أن يرى سوى نجمة واحدة في رُقعة السماء. ينبغي أن أخرج وآكل شيئًا؛ فمن المؤذي للهضم التناول غير المنتظم للطعام الذي أقوم به. أظن أنني تشجَّعت لنصيحة فيلر الحماسية. ما رأيكِ يا إلين في زهور أمريكان بيوتي هذه؟ إن طول سيقانها يبلغ ثماني أقدام، وأُريدك أن تلقي نظرةً على مسار الرحلة إلى الخارج الذي خطَّطته لكِ لاستكمال تعليمكِ. أجل سيكون من المؤسف أن نترك شقتنا الجديدة الجميلة التي تُطل على مُتنزَّه سنترال بارك … ووسط المدينة، حيث معهد المحاسبة الائتمانية، وإدوارد سي تاتشير، الرئيس … كانت بقع من البخار تنجرف لأعلى عبر رُقعة السماء، مخبئةً النجمة. تشجَّع، تشجَّع … جميعهم محتالون ومقامرون على أي حال … تشجَّع واخرج ويداك مملوءتان، وجيوبك ممتلئة، وحسابك البنكي ممتلئ، وخزائن ممتلئة بالمال. ليتني أجرؤ على المخاطرة. من الحُمق أن تُضيع وقتك في الغضب حول الأمر. ارجع إلى فان تان للاستيراد. احتشَدَ البخار المتورِّد تورُّدًا خافتًا مع الضوء المنعكس من الشوارع حثيثًا لأعلى عبر بقعة السماء، ملتفًّا ومُشتَّتًا. السلع المتداولة في المستودَعات الجمركية الأمريكية … ٣٢٥٦٦٦ دولارًا أمريكيًّا. تشجَّع، واحصل على ٣٢٥ ألفًا، و٦٦٦ دولارًا. إن الدولار يرتفع كالبخار، ملتويًا ومُشتَّتًا في السماء. مال المليونير تاتشر من نافذة الغرفة المضاءة التي تفوح منها رائحة الباتشولي لينظر إلى المدينة الناتئة بسواد ناطحات السحاب والتي تُخيِّم عليها كالدخان الضحكات، والأصوات، والطنين، والأضواء، وخلفه عزفت فرق الأوركسترا بين شُجيرات الأزالية المزهرة، برقيات خاصة تُطقطق وتُطقطق بالدولارات القادمة من سنغافورة، وفالبارايسو، وموكدن، وهونج كونج، وشيكاغو. انحنت عليه سوزي في ثوب من زهور الأوركيد، وتنفَّست في أذنه. نهض إد تاتشر على قدمَيه بقبضتَين مغلقتَين، وهو يئنُّ قائلًا لنفسه أيها المسكين الأحمق ما الجدوى الآن وقد ذهبت. من الأفضل أن أذهب لتناول الطعام وإلا فستوبخني إلين.
|
{
"chapter": "القضبان",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "تحويلة مانهاتن",
"url": "https://www.hindawi.org/books/84282618/1.4/"
}
|
في أحد أيام أكتوبر عام ١٩٥٧، وبينما يتناول كامو غداءه، اكتشفَ أنه حصل على جائزة نوبل للآداب. لم يكن حينها قد أتمَّ الرابعة والأربعين من عُمره، ليصبح بذلك ثاني أصغر فائز بالجائزة بعد روديارد كيبلنج. كان ردُّ فعله الأول هو قوله إن أندريه مارلو — مَثَلُه الأعلى ومُعلِّمه — يستحقها أكثر منه. كان عام ١٩٥٧ فترة توتُّر شديد بالنسبة إلى كامو، الذي أراد أن يبقى بعيدًا عن دائرة الضوء بينما كانت حرب الاستقلال الجزائرية مشتعِلة، فوضعته الجائزة تحتها مرة أخرى. كان ثَمة العديد من المقالات في الصحافة عن الجائزة. وكان كثير منها إيجابيًّا، لكن كان ثَمة هجمات من الصحافة الشيوعية ومن نقاد آخرين أيضًا، بمَنْ فيهم صديقُ كامو السابق ومُعلِّمه باسكال بيا. وتساءلَ بعضُ المعلِّقين بالفعل عن سبب عدم فوز مارلو بالجائزة. في ستوكهولم لاستلام الجائزة، احتفَت اللجنة والوجهاء المحليون بكامو، لكن وكما رأينا، تحدَّاه أيضًا طالبٌ جزائري في إحدى الجلسات النقاشية. فسَّر مناصرو الجزائر الفرنسية ردَّ كامو الشهير الذي يضع حُبَّ الابن لأمه فوق العدالة بأنه إدانةٌ للإرهاب، وفسَّره مناصرو الاستقلال الجزائري بأنه دفاعٌ عن النظام الاستعماري. خلقَ هذا لغطًا عظيمًا، وأصبح جدالًا عالميًّا؛ وهو آخِر ما كان يبغيه كامو. ماتَ كامو بعدها بعامَين فقط في حادث سيارة. لربما كان سيقول إن موته بلا معنًى، وإنْ كان يقدِّم بالفعل لمحة عن حياته الشخصية. وقعَ الحادث في طريق العودة إلى باريس من بيته الريفي بلورمارين جنوبيَّ فرنسا. كانت خطته في الأصل هي السفر بالقطار مع زوجته وطفلَيه، لكن عوضًا عن ذلك وافقَ على أن يصحب الناشرَ ميشيل جاليمارد — الذي ماتَ بعدها بأيام متأثرًا بإصاباته — وزوجته جانين، وابنته أنوشكا — اللتَين كُتِبت لهما النجاة. حتى وقت الحادث، كانت رحلة لطيفة استغرقت يومين، في سيارة ميشيل الرياضية الجديدة، وتوقفوا خلالها مرتَين في مطاعم حائزة على نجمة ميشلان. قبل أن يغادر كامو صوب باريس، كتبَ العديد من الخطابات، من بينها ثلاثة إلى عشيقاته وقتها: عارضة الأزياء الدنماركية ميت إيفرس، التي أطلق عليها «مي»، وكاثرين سيللرز، التي مثَّلت في إحدى مسرحياته؛ ويُقال إنها حُبُّ حياته الكبير، وماريا كاساريس. وقد أخبر كلًّا منهن بميعاد وصولٍ مختلف. أسفرَ هذا الجانب من حياة كامو عن العديد من الأعمال المنشورة، التي تتضمَّن تقريرًا بحجم كتاب عن أيامه الأخيرة ومجلدًا ضخمًا عن مراسلاته الخاصة مع كاساريس، والذي نُشِرَ عام ٢٠١٧، ويُغطي أحداث خمسة عشر عامًا، ويحوي ما يُقارِب تسعمائة خطاب، وملاحظات، وبرقيات. (بعد ستين عامًا تقريبًا من وفاته، أصبح هذا المجلد من أعماله الأكثر مبيعًا في فرنسا.) هكذا كانت أهمية كاساريس في حياة كامو، حتى إنه يُقال إن فرانسين نفسها أعربت عن قلقها على صحتها وسلامتها يوم جنازته. في الرابع من يونيو لعام ١٩٦٠ وخلال الأيام التي تلته، كلُّ ما كان مهمًّا هو أن كامو ماتَ، وكان ذلك مأساةً على المستوى القومي. علَّق موظفو الإذاعة الفرنسية — الذين كانوا في إضراب في ذلك الوقت — حركتهم مؤقتًا للسماح بإعلان الخبر. شاركت كاميرات التليفزيون، والعديد من المراسلين، وبالطبع الأصدقاء والعائلة، في الجنازة في لورمارين. وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، خصَّصت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا عن «موته العَبَثي». وأُثيرت مسألة إرثه على الفور. وعندما وُجِدَت مخطوطة مسوَّدة رواية «الرجل الأول» في حُطام الحادث، تحفَّظت عليها السلطات في البداية بأمر من مارلو، ثم أُعيدَت إلى عائلته. وبعد مداولاتٍ طويلة بين الأصدقاء المقرَّبين، بمَنْ فيهم الشاعِر رينيه شار وجان جرينييه والروائي لويس جيليو، تقرَّر عدم نشر الكتاب في حينها، حيث اعتقدوا أنه قد يكون مهيِّجًا سياسيًّا في خِضم حرب أهلية جزائرية. كان كامو مشهورًا في الوقت الذي ماتَ فيه، ويرجع هذا جزئيًّا إلى حصوله على جائزة نوبل والمقابلة التي أُجريت معه بشأن الجزائر في المؤتمر الصحفي الذي تلا ذلك، لكنه لم يكن محبوبًا أو مقبولًا من قِبل الجميع. بعد موته فقط أصبحَ أكثر من مجرد كاتِب مشهور، أصبحَ ظاهرة ثقافية. فوصلت شعبيته إلى مستوًى جديد بدايةً من سقوط الاتحاد السوفييتي. وتُرجِمَت أعماله إلى العديد من اللغات، وأصبحت رواية «الغريب» أحدَ عُمُد المناهج الدراسية في العديد من المدارس الثانوية في جميع أنحاء العالم الغربي. وتحوَّلت العديدُ من رواياته وقصصه القصيرة إلى أفلام، وعُرِضَت مسرحياته حول العالم، وثَمة رواياتٌ معدَّلة مصوَّرة عن أعماله، بالإضافة إلى منشوراتٍ بحثية عديدة. وكثيرًا ما يقتبس السياسيون من كل الأطياف عن كامو ويُورِده الباحثون في غالب الأمر ليدعموا مجموعةً متنوِّعة من المواقف عادةً ما تكون متناقضة. وتُعَد راوية كامو الأكثر شهرة — «الغريب» — مصدر إلهام مباشر لإحدى أغاني البوب، وثَمة كاتِبٌ جزائري خَطَّ روايةً كاملة تكملةً لها. فما الذي في أعمال كامو يجعلها تُلهم العديد ليقتبسوا منها، ويناقشوها، ويستخدموها باعتبارها مصدر إلهام لتأليف الكتب والأفلام والأغاني؟ أحد التفسيرات الممكِنة لشهرة كامو في الوقت الحالي هي أن الطبيعة المجردة لفِكْر كامو تجعله قابلًا للإحالة والإسقاط. فهو يتحدَّث عن وَعْي مجرد بالطبيعة والفناء، لكنه لا يخبر قراءه ماذا يفعلون بذلك الوعي. ولا تتَّبع كتاباته أيَّ نظام عقائدي بعينه. لا يتبنَّى كامو مشروعًا بعينه ولا أيديولوجية بعينها، ولعلَّ ذلك يفسِّر شيئًا من شهرته. لا شكَّ أن تلك الطبيعة المجردة تفسح المجال أمام محاولات «الاستشهاد» بكامو، لكنها تقود أيضًا إلى قدر كبير من سوء الفهم. بعد نشر «الإنسان المتمرِّد»، كانت إحدى أكثر القراءات المغلوطة لَفتًا للأنظار هي تلك التي جَرَت في العالم العربي، حيث أُسيئَ فهمُ عمل كامو على نطاق شاسع باعتباره سارتريًّا، أو بيانًا ثوريًّا مؤيدًا للقُوى الرافضة للاستعمار. أثنَى أحدُ الباحثين من السكان الأمريكيين الأصليين، الذي يحظى بتقدير كبير — وهو فاين ديلوريا — على فقراتٍ لكامو في كتاب «الإنسان المتمرِّد»، تمجِّد الطبيعة وتُعليها على التاريخ البشري، رغم أنَّ كامو فضَّل المكان (الطبيعة) على الزمان (التاريخ)، ليس بسبب حُبِّه للطبيعة في ذاتها، بل بسبب أنه رأى أن التاريخ البشري يقود حتمًا إلى تحرير السكان الأصليين؛ ومن ثَمَّ زوال الجزائر الفرنسية. تبنَّى كامو بالطبع العديدَ من القضايا علانيةً على مدار حياته، لكن كان ذلك على أساس كل حالة على حدة، وهو ما أدَّى إلى تفسيراتٍ متعددة ومختلفة لتلك الالتزامات القصيرة الأجل. فوُصِفَ كامو بأنه إنساني، ومن دعاة الفوضى، ومُعادٍ للشيوعية، وديمقراطي اجتماعي، ومن مؤيدي الاستعمار، بل مُعادٍ للاستعمار. ومع ذلك، ليست أفكار كامو والتزاماته وحدها هي ما تجعله اليوم عُرضةً لكثير من التأويلات المختلفة، لكن شعبيته العريضة أيضًا. فكامو لا يُساءُ فَهْمه بقدر ما يُستشهَد به. وقد صرَّح المُنظِّر المحافِظ نورمان بودهوريتز علنًا بأن كامو «يستحق أن يُستشهَد به». وتُمثِّل حقيقة أن الوسط السياسي كله يستشهد بكامو دليلًا على الفرص التي تقدِّمها كتاباته لكثير من المتشوقين إلى إقران اسمه بقضيتهم، وذلك ليس فقط من جانب الأحزاب السياسية الكبرى، بل أيضًا من جانب المثقَّفين العرب الراديكاليين، وكذلك اللاسلطويون الفرنسيون. ينشر عدو كامو القديم — وهو الحزب الشيوعي الفرنسي — جريدة يومية كثيرًا ما تقتبس منه في صفحتها الأولى. للسياسيين الفرنسيين دورٌ رئيسي في هذه الممارسة كما قد يتوقع المرء، حيث استهلَّت مارين لوبان زعيمة الجبهة القومية المنتمية إلى اليمين المتطرف في يناير ٢٠١٥ مقالَ رأي افتتاحيًّا في صحيفة «نيويورك تايمز» بالاقتباس من كامو. ويُحاكي إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي المنتمي إلى حِزب الوسط، تعبيراتِ كامو المجازية، كما تظهر طبعة فاخرة لأعمال كامو الكاملة في صورته الرسمية كرئيس، والتي تظهر في كل مكتب لرئاسة البلديات في فرنسا. وكان كاتِب خطب الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عادةً ما يقتبس من كامو. وفي عام ٢٠٠٩، اقترحَ ساركوزي أن يُنقَل رفات كامو إلى مقبرة العظماء «البانثيون»، مثوى رجال الجمهورية الفرنسية العِظام. وقد نشأ خلافٌ رفضَ خلاله جين بن كامو المقترَح؛ الأمر الذي منعَ نقل الرفات. يزخر الوسط السياسي بسياسيين من جميع الأطياف مِمَّن يستشهدون بكامو: يصرُّ اللاسلطويون الفرنسيون، على وجه التحديد، على تصوير كامو واحدًا منهم؛ على سبيل المثال، ثَمة موجز لمجموعة مقالات أعدَّها زعماءُ اتحاد اللاسلطويين الفرنسي بعنوان «كتابات ليبرالية»، الذي يشير بالفرنسية إلى جديلة من اللاسلطوية، ويحوي مقالاتٍ قصيرة لكامو. وقد امتدحَ الشاعِرُ العراقي عبد الوهاب البياتي كامو عَلنًا باعتباره نصيرًا للثورة. في الوقت نفسه، سمحَ الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن يُعرَف عنه أنه قرأ رواية «الغريب» في صيف عام ٢٠٠٦ (في خِضم حرب العراق). هكذا، يقدِّم الساسة الغربيون نسخةً مبسَّطة لكامو، التي هي الوجه الآخر لرؤية كامو ثوريًّا، والتي قدَّمها المثقفون العرب ومجموعات اللاسلطويين الفرنسيين في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين. ويشكِّل كامو دعمًا نافعًا للإنسانية التي تُسهب بالتصريحات الكبرى لكنها تفتقر إلى التفاصيل؛ لأن كامو عندما كتبَ عن السياسة كان معظم الوقت عازفًا عن تبنِّي مواقفَ واضحة. رفضَ كامو أن يُختار عَلنًا بين مناصري الجزائر الفرنسية وبين مناصري جبهة التحرير المؤيِّدة للاستقلال. ويفسِّر موقفه الساعي إلى التسوية ولو جزئيًّا سببَ شعبيته عند القادة الغربيين، الذين تدخَّلوا عسكريًّا واقتصاديًّا في شئون المستعمَرات السابقة بينما يستشهدون بالإنسانية والديمقراطية تبريرًا لهم. هذا في الأصل هو تناقض كامو باختصار؛ يمثِّل كامو لكثيرين تجسيدًا لحَلٍّ يخلق توليفة مستحيلة بين التنوير والاضطهاد الاستعماري. هذا أيضًا السببُ الذي يجعله شخصية بهذه الأهمية في العالم الغربي، إنه الرؤية المثالية لماضي فرنسا الاستعماري، ومن ثَمَّ أوروبا، وحاضرها الاستعماري الجديد. التسوية سمةٌ من سمات كامو، رغم أنه هو نفسه لم يستطِع في النهاية التمسُّك بالتوجُّه الوسطي. ففي نهاية المطاف أيَّد جانبَ الاستعمار، مصرِّحًا في مقابلةٍ أن مطالبته باستقلال الجزائر كانت نابعة من «العاطفة»، وأعلنَ بقوة أنه ضدها. يجري تجاهُل تلك العبارات والكتابات عادةً؛ لأنها لا تتناسب مع النظرة الشائعة لكامو كإنساني مهموم يترفَّع عن الشئون والشواغل السياسية. إلا أن هذا التناقض بين الإنسانية والاستعمار كان حاضرًا في كثير من أعماله منذ بداياتها، وذلك بدرجاتٍ متفاوتة الحِدَّة. يُستشَهد بكامو أيضًا في المجال الثقافي. ففي وسائل الثقافة الشائعة، خاصةً التليفزيون، استشهادُك بكامو هو أقصر طريق لإضفاء الطابع المثقَّف على شخصيتك، وبالتبعية على العَرض التلفزيوني نفسه. وعادةً ما يكون الاقتباسُ نفسه غير ملائم للسياق؛ المهم هو ذكر اسم كامو. وفي السينما، ألهمت أعمالُ كامو على مَرِّ العقود نجومَ السينما (آلان ديولن، ويليام هارت، فيجو مورتنسن، مارسيلو ماستروياني) إلى تقديم التقدير اللائق به كمؤلِّف. ونزعت المعالجات السينمائية الرئيسية إلى معاملة أعماله كآثار تجمَّدت في الزمن. مثالٌ آخر على ذلك هو فرقة البوب «ذا كيور»، التي كانت أول أغنية لها حقَّقت نجاحًا واسعًا باسم «قتلُ عربي» أشبه بأنشودة لقطاعاتٍ من الشباب الأوروبي في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين. لكن وإن كانت الأغنية ملخَّصًا قصيرًا للمشهد الرئيسي في رواية «الغريب»، فإنها تعكس عدم الاكتراث بحياة العرب الذي تنطوي عليه الرواية بالفعل وتعزِّزه. يمثِّل قتلُ العربي ذريعة، حَدَثًا يؤدي إلى انعكاساتٍ وجودية مهمة عند الجمهور الغربي. وما يتجلَّى بوضوح في الأغنية والرواية على حَدٍّ سواء هو أن ثَمة أشياء أهم بكثيرٍ من قتل إنسان عربي. ليست الفظاعة في الرواية أن ميرسو قتلَ عربيًّا، بل أنه سِيقَ إلى الإعدام لعدم حداده على أمه. تضخِّم أغنية البوب من هذه الفظاعة بقوة، ولم يصدِّق البعضُ في فرنسا أن الأغنية كانت عن رواية «الغريب»، هكذا كان حجم الإنكار في حق الحدث الرئيسي في الرواية. في النهاية، التغيُّر على الساحة السياسية والنجاح العالمي الذي حقَّقته فرقة «ذا كيور» دفعَا الفرقة إلى تعديل الكلمات والعنوان ليصبح «تقبيلُ عربي». المفارقة هنا هو أن هذا التغيير يعكس ما حاولَ كثيرٌ من النقَّاد فِعله مع أعمال كامو ككلٍّ، وهو تهذيب الحواف الحادَّة وصقلها لأغراضٍ سياسية أو تِجارية محدَّدة. وفي الجمهورية الفرنسية يُعَد كامو مبجَّلًا بالفعل. إنه يجسِّد مثالها الأعلى؛ فقد كان رغم كل شيءٍ الابنَ البسيط لخادمة، ومُشرِفٍ على بستان عنبٍ ماتَ في الحرب. وبمساعدة الدولة الفرنسية ونظامها التعليمي، أصبحَ كاتِبًا مشهورًا وحائزًا على جائزة نوبل؛ تلك الإنجازات في حَدِّ ذاتها دعاية لنظام التعليم الفرنسي والجمهورية الفرنسية ككلٍّ. أصبح كامو أشبه بمعبود الجماهير المنزَّه عن الانتقاد بالنسبة إلى فرنسا. وانتقاده يُرى إلى حَدٍّ ما انتقادًا لفرنسا نفسها. يَرقى انتقاده أيضًا إلى «قتل الإوزة السحرية التي تبيض ذهبًا»؛ ففي عالم النشر، يُعَد كامو مصدر إيراد كبير. فهو يوفِّر ما لا يوفِّره إلا قليل من المؤلِّفين الفرنسيين: إمكانية قراءة قصص في إطار استعماري تُخفي ما يتعرَّض له السكان الأصليون من قمع. معظم الكُتَّاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر كانوا إما يطربون بالاستعمار وإما متألمين منه؛ أما كامو فيُظهِر عدم اكتراث به في روايتَيه الأكثر شهرة، «الغريب» و«الطاعون». يقمع كامو اللاوعي الاستعماري، ويفسِّر هذا القمع كثيرًا من الجاذبية الدائمة نحوه. لكن كامو كان مصدرَ إلهام أكثر من كونه شخصًا يحظى بالتقدير أو تُمارَس محاولات للتمسُّح بآرائه وأفكاره. في عام ٢٠١٣، كتبَ الصحفيُّ والروائيُّ ومؤرِّخ الأحداث كامل داود «ميرسو، تحقيقٌ مضاد»، وهي تتمَّة جريئة وأصيلة لرواية «الغريب» لكامو. من حيث بِنْيتها، رواية داود تُماثِل «السَّقْطة» أكثر من «الغريب»؛ لأنها حوارٌ ذاتي طويل يتنكر في شكل حوار بين رجلَين. الشخصية الرئيسية، واسمها هارون، هي بعينها أخو الرجل العربي الذي قتله ميرسو. تبدأ الرواية بمعارضة الرؤية الأوروبية الأحادية الجانب في الرواية الأصلية. نتعرَّف على الرجل الذي قتلَه ميرسو، والذي كان يُسمَّى موسى، وعلى حزن عائلة موسى الشديد، الذي لم يُثِره فقط الحدث نفسه، بل غياب اهتمام كامو والمجتمع الفرنسي بهم وبجانبهم من القصة أيضًا. وفي المقابل نكتشف أن هارون نفسه قتلَ شابًّا أبيض عن غير عمد على ما يبدو، الجريمة التي اعتُقِلَ بسببها. رغم ذلك، لا تُعَد «ميرسو، تحقيقٌ مضاد» عملًا للتنديد؛ لأننا سُرعان ما نعي أن الكتاب أيضًا فيه تكريم وتقدير لرواية «الغريب». في الواقع، العديد من موضوعات رواية داود وفقراته كاموية الطابع على نحو فريد واستثنائي. على سبيل المثال، يعترض داود على الدولة الجزائرية الأحادية الحزب في فقرة يُلقي فيها ضابطٌ من جبهة التحرير خطبةً على مسامع موسى — بعد اعتقاله — عن العَلَم الجزائري الجديد، تمامًا كما فعلَ المدعي العام بالصليب في وجه ميرسو في رواية «الغريب». يتحدى داود وكامو كلاهما مجموعة من القيم الثقافية المصاحبة لما يرونه أنظمةً إقصائية، سواءٌ كانت الجمهورية الفرنسية أو الدولة الجزائرية المستقلة حديثًا. ولذا، فإن رواية داود نقدٌ لتحيُّز كامو الاستعماري واحتفاءٌ بنقده القاسي لجوانب أخرى من المجتمع الفرنسي. مثالٌ آخر من نوع مختلف على إحياء كامو هو فيلم «يازجي» (الذي يُترجَم إلى «القَدْر»)، وهو المعالجة السينمائية التركية المقتبَسة عن رواية «الغريب»، والذي أخرجه زكي ديميركوبوز، وصدر عام ٢٠٠١. في فيلم «القَدْر»، ميرسو يُدعى موسى. وبعد قتله لرجلَين، تُوجَّه الاتهامات إليه ويُدان، ويُعفَى عنه في النهاية في جريمة قتل أخرى لم يرتكبها. تقع أحداثُ الفيلم في تركيا، في مفترق طرُق جغرافي وثقافي بين أوروبا والشرق الأوسط، وهي بيئة تُحرِّر القصة من وطأة الاستعمار. في هذا الإطار، حيث لا يُعَد العِرق عاملًا فاعلًا، ربما يكون عدم اكتراث موسى أشدَّ تدميرًا. يحول ديميركوبوز الاغتراب الاجتماعي العميق والناتج عن عالم تحكُمه قيم العائلة والعمل والوطن إلى فن، كما فعل كامو في «الغريب» مع القيم المسيحية والحياة المكتبية وصعود السُّلَّم الاجتماعي. من دواعي المفارقة أنَّ ما يجعل كامو كاتِبًا استثنائيًّا، كاتِبًا كانت أعماله ولا تزال قابلة لأن يرتبط بها الملايين حول قارَّات العالم ويروا فيها أنفسهم، ربما يكون أصوله المتواضعة. فعلى عكس أغلبية الروائيين الفرنسيين المشهود لهم، أتى كامو من عائلة شديدة الفقر؛ وقبل أن يصبح مشهورًا، كان المال وطريقة كسب ما يكفي منه للعيش على نحو مريح مصدرَ قلقٍ دائم. كان كامو في شبابه دائم العمل في وظيفة. فقد عمل عندما كان في المدرسة الثانوية، وعمل عندما كان طالبًا في الجامعة — في وظائف مختلفة كلها غير جذَّابة يقوم فيها بمهام مكرَّرة ومُملَّة على طاولة مكتب في مقرٍّ ما. وتعكس رواية «الغريب»، وهي أشهر أعمال كامو، تلك الخلفية. كما أوفدَ كامو نوعًا جديدًا من الأبطال في الأدب الفرنسي: الموظَّف، وهو في بطولته واقعي؛ فقصته لم تكن عن صعود السُّلَّم الاجتماعي. وتتجلى موهبة كامو العظمى، التي تتمثل في قُدرته على ترجمة مجموعةٍ من القوانين الجديدة، وواقع اجتماعي جديد، وأسلوب حياة جديد إلى فن، في أحسن صورها في فكرته عن الغِبْطة. ففي عام ١٩٣٦، بعد انتخاب التكتل اليساري الذي يُعرَف باسم «الجبهة الشعبية»، وبعد الإضرابات والاستيلاء على المصانع الذي تبعَ ذلك، حصل العُمَّال الفرنسيون على إجازاتٍ مدفوعة الأجر وأسبوع عمل أقصر. بدأ الناس يخرجون في رِحلات، على درَّاجاتهم بشكل رئيسي، وحدثت مجموعة تفاعلاتٍ جديدة مع الطبيعة. فمع تقصير أسبوع العمل، ذهبَ الناسُ إلى الشاطئ والجبال والريف. كان ذلك اكتشافًا على الصعيد القومي وتغيُّرًا شاملًا في الحياة اليومية لغالبية الشعب الفرنسي، التغيُّر الذي لا يزال مستمرًّا حتى اليوم. أصبحت الطبيعة مصدر سعادة ومَهربًا من تقلبات الحياة. بعدها بأشهُر قليلة فقط، وبالنظر إلى هذه التغيُّرات، كوَّن كامو تصوُّره الأول عن فكرة «الغِبْطة»، علاقة خاصة مع الطبيعة، لحظات (لا تكون طويلة أبدًا، كما أشار) من التفاعل المميَّز مع الشمس والشاطئ، كمصدر للسعادة وطريقة لإضفاء معنًى لوجود كان سيصبح بلا معنًى لولاها. تصوُّر كامو عن العبث وتجربته معه يُعليان من أهمية فكرة «الغِبْطة» على نحو محوري؛ ولذا لا يمكن فَصْل بعضهما عن بعض. «غِبْطة» كامو هي عُطلة نهاية الأسبوع، أو رحلة إلى الشاطئ، أو التجول في الطبيعة. قد نرى أن ذلك بديهيٌّ في وقتنا الحاضر، لكنه كان طفرة صاعقة في ثلاثينيات القرن العشرين. بالإضافة إلى ذلك، سجَّل كامو وصوَّر طريقة حياة جديدة لا تُشبِه غيرها. كانت موهبته العظيمة والمتميِّزة قادرة على أن تحوِّل واقعًا اجتماعيًّا جديدًا للعالم إلى أعمال عن طريق إحساس «الغِبْطة». تصوُّره عن الطبيعة — كمصدر نفيس للدعم الشديد الأهمية في عالَم كان سيكون عدوانيًّا دونها — له صدًى قوي عند القراء؛ لأنه يرتبط بالطريقة التي يعيش بها كثيرون حياتهم الآن. كامو كاتِبٌ استثنائي؛ لأنه كان قادرًا على تسجيل لحظاتٍ يومية وعادية من حياة قرائه (التي كانت من حياته أيضًا) وتحويلها إلى فن. لكنه كان مُحاصَرًا بين المستعمرة وعاصمة الإمبراطورية الاستعمارية، وأعماله تعكس في الوقت نفسه تنشئته الاستعمارية بكل النواقص التي تتضمنها، لا سيَّما فيما يخصُّ غياب شخصياتٍ جزائرية ذات قيمة في رواياته أو مسرحياته. هذا الصراع بين السخاء وعدم الاكتراث يقوِّي أعماله، والتعرف عليه أداة لا غِنى عنها لتقييم أعماله الكاملة. جعله هذا الصراع أيضًا التجسيد الأدبي للتناقضات الثقافية والسياسية المعاصرة عند القوى الغربية، جعله تنويرًا قمعيًّا وتحرريًّا في الوقت عينه، جعله معبودَ البعض ومحل هجوم البعض الآخر. إن كامو هو كاتِبُ كلِّ الأزمنة.
|
{
"chapter": "إرث كامو",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/31607195/7/"
}
|
لم يفكر «عثمان» في استعادة الفقاعة … واستكمل سباحته إلى اليخت … غير أنه شعر أن الفقاعة تطارده … فنزل إلى القاع … وجلس ساكنًا للحظات … وجد نفسه بعدها محاطًا بثلاث فقاعات؛ فتساءل بينه وبين نفسه قائلًا: كيف ذلك وهذه الفقاعات غير موجودة إلا عندنا في المنظمة؟! الْتفتَ ينظر إليها في حذر؛ فرأى أجمل ما رأى في حياته، رأى «مصباح» و«إلهام» و«هدى» بداخل فقاعاتهم وقد كانوا يجرون خلفهم فقاعته، فأشاروا له أن يركبها، فظن أول الأمر أنهم سيسحبونه بها غير أنه عندما ركبها وجدها دائرة، فشعر أن طاقته قد تجدَّدَت، فصعد معهم إلى سطح الماء، وعن طريق البوصلة الإلكترونية المزودة بها الفقاعة تمكنوا من تحديد موقع اليخت، وعندما رفعوا جميعًا إبهامهم إشارة لاكتمال استعدادهم صفرت المحركات، وانطلقت الفقاعات تشق سطح الماء، وتطلق من حولها فقاعات صغيرة. انطلقت الفقاعات مرَّة أخرى ولكن هذه المرة بدون «أحمد». انطلقت الفقاعات وقد أصبحت بداخل العملية. لقد مر ليل طويل وهم في مطاردات … وها هو النهار يرسل خيوطًا رفيعة من الضوء والليل ينسحب في هدوء تاركًا وراءه مياه البحر المتوسط، فنظروا إلى بعضهم. وقالت «إلهام»: من أين هذا الصوت؟ فقال «مصباح» مستنتجًا: إنه مكبر صوت. عادت «إلهام» تقول: أعرف أنه مكبر صوت، ولكن من أين؟ فقال «عثمان» مستنتجًا أيضًا: لقد اقتربنا من اليخت، وهم يروننا عبر التلسكوب. لم يتوقف الشياطين، بل استكملوا زحفهم … فأتاهم الصوت مرة أخرى يتحدث بالإنجليزية: توقفوا مكانكم وإلا ستكون نهايتكم. لم يبدِ أحد من الشياطين رغبة في التوقف، بل استمروا في التقدم. وعاد الصوت راكبًا الهواء يقول: هذه ثالث وآخر مرة نقولها؛ توقفوا مكانكم، وإن لم تتوقفوا خلال دقيقة سندمركم. وبدأ العد من ستين ثانية ثم تسع وخمسين، والفقاعات الخمس تشق الماء والهواء وتقترب من اليخت … حقًّا هو لم يظهر لهم حتى الآن … ولكنهم في الاتجاه الصحيح. وواصل الصوت عده التنازلي، ولم يبقَ له على الانتهاء غير خمسة أعداد. أربعة … ثلاثة … اثنان … واحد … صفر … و… ولمعت في سماء المكان قذيفة كانت تصفر وهي في طريقها إليهم. إنها قنبلة ذكية … فعندما تخطتهم استدارت عائدة إليهم. وهنا صاح «عثمان» قائلًا: أوقفوا عمل كل الأجهزة الإلكترونية حتى ساعاتكم. وفي لحظات … كان كل شيء قد توقف عن العمل … وعن إصدار إشارات كهرومغناطيسية يمكن للقنبلة تتبعها … لذلك لم تتوقف عندهم … بل انطلقت عائدة من حيث أتت. وهنا قالت «إلهام»: لقد رددنا إليهم هديتهم. وقبل أن يضحكوا لهذه النكتة قال «عثمان»: قد تنفجر في يختنا. ودوَّى في الأفق صوت انفجار مهول، كان إيذانًا للشياطين بالتحرك مرة أخرى في اتجاه اليخت … وكلهم خوف من أن يكون هذا الصوت لانفجار اليخت. غير أنهم عندما سمعوا الصوت يحذرهم مرة أخرى من الاقتراب … صاحوا في راحة … لأن اليخت و«أحمد» بخير. وكان الصوت هذه المرة أكثر صرامة … وأكثر شراسة، وقد صرح بما ينوون فعله … فقد قال لهم: سنطلق عليكم طوربيدًا إن لم يتوقفوا … وهذا بالطبع لن يخطئكم. وشعر «عثمان» أنه جاد في تهديده … فله سابقة في هذه القنبلة الذكية التي وصفوها بالغباء … فأمر زملاءه بالتوقف. غير أن «هدى» أفزعتهم حين صرخت قائلة: خيانة … خيانة. ثم أشارت بيدها إلى مكان بعيد … وعندما نظروا إلى ما تشير إليه رأوا جسمًا يسبح فوق الماء في اتجاههم … فقال «مصباح»: إنها محقة؛ فقد تكون قنبلة أو طوربيدًا سطحيًّا. فصاح فيهم «عثمان» قائلًا: تفرقوا. وفي لحظات كانوا يفسحون الطريق لهذا الجسم السابح إليهم … ومرة أخرى سمعوا الصوت يناديهم قائلًا: نرجو التقاط مكبر الصوت الذي أرسلناه لكم. ولم ينتظره «عثمان» أن يكرِّر النداء … بل اندفع مكبر الصوت قبل أن يستكمل اندفاعه ويضيع … وعلق «مصباح» قائلًا: ظنناك قنبلة. وعاد الصوت يقول: هل استعدت التقاطه؟ فأمسك «عثمان» به وضغط زرًّا على يده وقال: ها هو معي … ماذا تريدون؟ فتحدث الصوت يعرفه بنفسه: أنا «شارل» … وما اسمك أنت؟ وقرر «عثمان» ألا يخبره باسمه … فقال له: أنا «بدر» … من أين تتحدث؟ فقال «شارل» في حزم: لا يهمك ذلك … لكن أخبرني ماذا تفعلون هنا؟ نظر الشياطين لبعضهم في دهشة وكبرت لديهم علامة الاستفهام إلى درجة أوقفت تفكيرهم … وفكر «عثمان» أن يغير من أسلوبه معهم … فقال: مستر «شارل» … ما المطلوب منا؟ وبصوت يشبه الود قال له: أن تسلموا أنفسكم الآن … ونعدكم أن نتفهم ظروفكم! فقال «عثمان» في استسلام: وأين أنتم؟ لم يجِبه «شارل» على تساؤلاته … فمن الواضح أنه طرح الأسئلة فقط … لذلك قال له: سنحضر نحن لاصطحابكم. ولم تمضِ دقائق إلا وكانت سفينة حربية تشق الأمواج مقتربة منهم. فقالت «هدى» في قلق: سيشاهدون الفقاعات الزجاجية. فأكمل «مصباح» قائلًا: لن يتركوها … ولن يتركونا نأخذها مرة ثانية. وهنا قالت «إلهام» محذرة: إنها تحوي أسرارًا وتكنولوجيا تخص المنظمة وحدها … فما العمل؟ وفي سرعة قال «عثمان»: طبعًا تذكرون الأوامر والتعليمات جيدًا؟ فقالوا جميعًا في صوت واحد: نعم نذكر. فقال في أسف: نحن مضطرون لذلك. فأجابوا في صوت واحد: ونحن موافقون.
|
{
"chapter": "أربع فقاعات!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/5/"
}
|
على مدار الخمسين عامًا الماضية، ظهَرَت العديدُ من التوجُّهات التي تركَت أثرًا عميقًا على طريقة تفكيرنا في الوراثة. استمر مجالُ علم الجينات في تحقيقِ تقدمٍ مذهل تؤثرُ نتائجه في الحياة خارج المختبر بدرجةٍ أكبر من أيِّ وقتٍ مضى. لقد غيَّرَت الأبحاثُ المتعلقة بالجينات أفكارَنا عن بعض الأمراض وطرقِ علاجها، وغيَّرَت في مكونات الأطعمة التي نشتريها، وأعادت تعريفَ طريقةِ فَهمِنا لماضينا التطوري. ولم تختفِ الأيديولوجياتُ الداعمة لدور الوراثة بالطبع مع التعقيد المتزايد لمجال علم الجينات. فقد أسهَمَت الأفكار المُجَرَّدة من الصفة الإنسانية بشأن الاختلاف الإثنيِّ في عمليات الإبادة الجماعية الأخيرة وفي استمرارِ عدم المساواة العِرقية. لكننا نجد في هذا السياق أيضًا تحولًا حديثًا؛ فقد شهدَت الأنظمةُ الديمقراطية المستقرَّة تراجعًا في التعبير الصريح عن النخبوية البيولوجية، والعنصرية، وكراهية النساء. غير أنَّ استمرار هذا التوجُّه في المستقبل من عدمه لا يزال غيرَ واضح على الإطلاق. وبعد أن أصبح من الممكِن «وصلُ» أجزاء من الحمض النووي في العاثيات أو البلازميدات إلى جانب التسلسُلات التنظيمية المناسبة، صار من الممكن تحليلُ مُنتَجاتها البروتينية. تمثَّلَت الفكرة الأساسية من هذا في معرفة المزيد عن الحمض النووي لأحد الأنواع، من خلال النظر فيما يُنتج عند إدخاله في كائنٍ حي لدينا معرفةٌ جيدةٌ نسبيًّا بحمضه النووي. زادت أهميةُ هذه الطريقة أكثرَ فأكثر عندما اكتشف العلماء إنزيماتِ قِطَعٍ جديدة تقطع الحمضَ النووي عند تسلسلاتٍ مختلفة؛ مما أتاح لهم عزْلَ تسلسلاتٍ جديدة من الحمض النووي. إضافةً إلى ذلك، سهَّل كلٌّ من هوارد تيمين من جامعة ويسكونسن ماديسون وديفيد بالتيمور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من عملية استنساخ الجينات الفردية. كانا يبحثان عن إنزيم يُفسِّر قدرةَ «الفيروسات العكسية» على تحويل حمضِها النووي الريبوزي إلى الحمض النووي المزدوج الشريط، الذي يتسلَّلُ إلى جينوم المضيف. أتى بحثُهما بثِماره في عام ١٩٧٠ عندما اكتشَفا مُنفردَين إنزيمَ «النسخ العكسي». كان معنى هذا الاكتشافِ أنَّ العلماء يستطيعون استخراجَ الحمض النووي الريبوزي الرسول من الخلايا، واستخدامَ إنزيم النسخ العكسيِّ لتكوين أشرطة الحمض النووي المناظِرة، وتوليد نُسَخ من الجين في العاثيات أو البلازميد. لا شك أنَّ الأمراض البشرية مثَّلَت أهدافًا واضحةً للبحث الجيني باستخدام طرقِ إعادة التركيب. وكانت الأبحاثُ الجينية المتعلقة بالسرطان قد أحرَزَت تقدمًا كبيرًا بالفعل، ويعود ذلك جزئيًّا إلى زيادة ميزانيات البحث بعد إعلان ريتشارد نيكسون عام ١٩٧١ «الحرب على السرطان». توصَّل الباحثون إلى أنَّ السرطان قد يحدث نتيجةَ أنشطةِ عائلةٍ من الجينات، تُسمَّى الجينات الورمية، وهي تُشارك في تنظيم معدَّل انقسام الخلايا. تؤدي الطفراتُ إلى تعطيل إشارة توقُّف الخلايا عن الانقسام. اتضح أيضًا أن السرطانات تنتج عن طفراتٍ تُعطل الجينات التي تعمل «مُثبِّطات للأورام». نتجَت عن هذه الأبحاث أيضًا صورةٌ لجينوم عُرضة لهذا الضرر، لكنه مجهَّز بمِثل هذا النوع من الآليات المعقَّدة المضادة للسرطان؛ ومن ثمَّ فهو لا يتعرَّض للنمو الخلَويِّ غير المنظَّم عادةً إلا بعد عددٍ من الطفرات. لقد أتاح ظهورُ تكنولوجيا إعادة التركيب الدراسةَ المفصَّلة للعمليات الجينية. في أوائل ثمانينيَّات القرن العشرين، نجح فيليب ليدر وتيموثي ستيوارت من جامعة هارفارد في إنتاج أول فأرة «معدَّلة الجينات» مهيَّأة للإصابة بالسرطان. فبعد استخدام طرق إعادة تركيب الحمض النووي لتثبيت جينٍ ورَمِيٍّ في أحد الفيروسات العكسية التي تُصيب الفأرة؛ استخدَما الحُقنَ المجهريةَ لإيصال جزءٍ من الفيروس إلى أجنَّة الفأرة. على الرغم من أنَّ انخفاض معدل الامتصاص شكَّل عقَبةً أمام ليدر وستيوارت، فقد وجدا أنَّ الفيروسات فعَّلتْ إنزيم النسخ العكسي في بعض الأجنَّة لإدخال حمضها النووي، بما في ذلك الجين الورَمي، في الخلايا الجنسية للفأرة. وبحلول عام ١٩٨٨، أصبح «فأر السرطان» المعروفُ باسم «أونكوماوس» متاحًا تِجاريًّا مع حمايةِ حقوق المِلْكية الفكرية، مما أتاح للعلماء دراسةَ الجينات السرطانية بسهولةٍ غير مسبوقة. وسرعان ما عرَف علماء الأحياء بعد ذلك كيفيةَ إدخال الجينات في الخلايا الجذعية الجنينية للفئران. هذه الخلايا هي القادرة على إنتاج أيِّ جزءٍ من أجزاء الجسم (باستثناء المشيمة)؛ لأنها لم تتلقَّ بعد الإشارات التي تفيد بتطوُّرها إلى أنواع محدَّدة من خلايا الجسم. يستخرج علماء الأحياء الخلايا الجذعية الجنينية ويعرضونها لأطوال مصمَّمةٍ خصوصًا من الحمض النووي، تحتوي على جينات مُعَدَّلة. وبمعدَّلِ واحدٍ في الألف تقريبًا، يخضع الجين الأجنبي والجين الأصلي لنوع التعابُر الكروموسومي الذي درَسه مورجان قديمًا في أوائل القرن العشرين. بعد ذلك، يحقن علماءُ الأحياء الخلايا الجذعية الجنينية المعاد تركيبها في أجنَّة الفئران كي يتطورَ بعضُها إلى خلايا جنسيةٍ تحمل الطفرة. يمكنهم بهذه الطريقة إنتاجُ فئران «معطلة الجين»، تحمل نسخةً صامتة من أحد الجينات؛ مما يُمكِّنهم من إلقاء الضوء على كيفية عمل الجين الطبيعي. يمكنهم أيضًا إنتاجُ فئران «معدَّلة جينيًّا» أُضيف إلى حمضها النووي تسلسلاتٌ وظيفية جديدة. يمكن تصوير تلك المجموعة المعينة من تعددِ أشكال طول الجزء المقيد لدى شخصٍ ما عن طريق لطخة، وهي تقنيةٌ طوَّرَها إدوارد ساوثرن في جامعة إدنبرة عام ١٩٧٥. في هذه الطريقة تُستخدَم إنزيمات التقييد على أطوالٍ من الحمض النووي وتُفصَل مجموعة تعدُّد أشكال طول الجزء المقيد عبر مادةٍ هُلامية وَفْقًا لحجمها باستخدام تيَّارٍ كهربائي. بعد ذلك يمتصُّ الشريطان غشاءً من النايلون يثبتهما في مكانهما. وتُمرَّر عبر السطح «المجسات» المشعَّة التي تضمُّ تسلسلاتٍ قصيرةً من الحمض النووي المعروف وقوعها في صورٍ محددة من تعدد أشكال طول الجزء المقيَّد. إذا وجدَت هذه المجساتُ تسلسلاتٍ قاعديةً مُتكامِلة ترتبط معها (وهو ما يُسمى «التهجين»)، فستظهر في فيلم الأشعة السينية. وبهذه الطريقة، يمكن التعرفُ على وجود صورٍ محدَّدة من تعددِ أشكال طول الجزء المقيَّد. في عام ١٩٨٠، أدرك عالمُ الأحياء ديفيد بوتستين وزملاؤه أنه إذا وُجِد جينٌ مسبِّب لأحد الأمراض على جزءٍ من الجينوم بالقرب من صورةٍ محددة من تعدد أشكال طول الجزء المقيَّد، فسيورَث الاثنان معًا في المعتاد. وفي مِثل هذه الحالة، فإن تحديد موقع الصورة المحددة من تعدُّد أشكال طول الجزء المقيَّد سيكشف أيضًا عن الموقع التقريبي للجين المسبِّب للمرض. وانطلاقًا من هذه الملاحظة، بدأ عالِما الوراثة الأمريكيَّان نانسي ويكسلر وجيم ﺟﻮزيلا في عام ١٩٨١ محاولةَ معرفة ما إذا كانت تُوجَد أيُّ صور معروفة من تعدُّد أشكال طول الجزء المقيد تتوافق مع مرضِ هنتنجتون، وهي حالةٌ مندلية سائدة تؤدي إلى اضطراباتٍ حرَكية، واضطرابات نفسية، ثم الموت في نهاية المطاف. اتجهَت ويكسلر إلى مجتمعٍ فنزويلي ريفيٍّ يُعاني معاناةً مأساوية من عبء المرض، ورجَعَت من هناك بمئاتٍ من عينات الدم. في عام ١٩٩٠، وتحت قيادة واتسون ومن بعده فرانسيس كولينز، بدأَت مجموعاتٌ في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان في جهدٍ جماعي لتحديد تسلسل الجينوم البشري. وقد واجَهوا تحدِّيًا تقنيًّا هائلًا، ثم أصبح قاسيًا أيضًا عندما أعلن كريج فنتر، عالمُ الأحياء ورجل الأعمال البارع، عن نيَّته في إحراز السَّبق على هذا المشروع المموَّل من القطاع العام. وفَّرَت شركة فينتر، «سيليرا»، الاستثمار المالي الضخم اللازم لإقامة منشأةٍ كبيرة في ولاية ماريلاند مجهَّزةٍ بثَلاثِمائة آلةٍ من آلات تحديد التسلسل؛ فقد توقَّع المستثمرون جنْيَ الأرباح من براءات الاختراع في تحديد التسلسلات ذاتِ الصِّلة بالحقل الطبي. في هذه المناسبة، وقف كولينز وفينتر متجاورَين بجانب الرئيس بيل كلينتون في السادس والعشرين من يونيو عام ٢٠٠٠؛ للإعلان عن اكتمال «أوَّل مسح» للجينوم البشري. غير أنهما لم يُحددا في الواقع سوى ٩٠ في المائة فقط من تسلسلِ الحمض النووي الغنيِّ بالجينات، وهو ما لم يكن بعيدًا عن خُطة العمل الموعودة على أي حال. وباستخدام الأساليب التي طوَّرها فريق كولينز، تم تحديدُ تسلسل ٩٩ في المائة من المناطق الغنيَّة بالجينات في الحمض النووي البشري بحلول عام ٢٠٠٤. كان المشروع العامُّ أيضًا قد تقدَّم بسرعة كافيةٍ لضمان إتاحةِ شفرة الجينوم البشريِّ مجانًا على الإنترنت. إنَّ استخدام الروبوتات التي تُعَدُّ وظيفتها في الأساس طباعة المجسات واحدًا تِلْو الآخر، تجعل هذا الإجراءَ فعالًا بدرجةٍ كبيرة. يمكن للباحث الحصول على الحمض النووي الريبوزي الرسول من الخلايا المعنيَّة، واستخدام إنزيم النسخ العكسي لتحويله إلى حمض نووي مُتكامِل، وإضافة الصبغة الفلورية. عند إدخال هذه الشرائط في المصفوفة، فإنها تُهجَّن بأيِّ مجسات مُتكامِلة. وترتبط درجة الوميض بعددِ شرائط عينة الدراسة التي ارتبطَت بمجسٍّ مُعيَّن. وهذا يوضح الجينات التي يتم التعبير عنها ومستوى نشاطها. بالرغم من ذلك، فحتى المصفوفات الدقيقة التي تحمل أعدادًا كبيرة للغاية من صورِ تعدد أشكال النوكليوتيد الواحد، لا تحتوي إلا على عينةٍ من الأزواج القاعدية التي يبلغ عددُها ثلاثة مليارات والتي تُشكِّل الجينوم البشري. ونتيجةً لهذا، يتحوَّل التركيز إلى المقارنة بين جينومات مكتملة التسلسل. فمنذ عام ٢٠٠٠، أسهَمَت الروبوتات، وأجهزة الكمبيوتر القوية للغاية، والرياضيات المعقَّدة في تسهيل العقَبات المالية والتقنية أمام تطبيقِ مثلِ هذه الأساليب. لقد بلَغَت تكلفةُ مشروع الجينوم البشري نحوَ ثلاثة مليارات دولار. أما الآن فتبلغ تكلفةُ قراءة جينوماتنا ما يقرب من ألفِ دولار فحسب، ولا يزال هذا السعرُ في انخفاض. أتى البحثُ الجيني ببعض النتائج اللافتة للنظر. فقد اتَّضح أننا، نحن البشر، لا نمتلك سِوى ٢٠٦٨٧ تقريبًا من الجينات المشفِّرة للبروتين، تتناثر وسطَ ما يقرب من ثلاثة مليارات درجةٍ من سُلَّم الحمض النووي اللولبي. إنَّ هذا العدد أقلُّ من ربع ما يُوجَد في القمح، وهو لا يَزيد عن عددِ نظيراتها لدى الدودة الأسطوانية البسيطة إلا بمقدار ١٧٩٦ جينًا فقط. عرَف علماء الأحياء أيضًا أن جينًا واحدًا، تتخلَّله الإنترونات، يمكن أن يُقرأ كُليًّا أو جُزئيًّا فقط؛ ومن ثَم يمكنه تشفيرُ أكثرَ من بروتين حسبما يقتضي الحال. تُعرف هذه العملية باسم «الوصل البديل». علاوةً على هذا، فقد اكتشَف العلماء ما أدهش الكثيرين منهم، وهو أنَّ بعض الحسابات يشير إلى أن نحو واحدٍ في المائة فقط من الحمض النووي هو الذي يُشفِّر البروتينات، بينما يُخصص منه ١٠ في المائة لتنظيم التعبير الجيني. أضافَت أبحاثُ علم التَّخَلُّق مزيدًا من التعقيد إلى صورةِ كيفية تنظيم التعبير الجيني. فخلال منتصف تسعينيَّات القرن العشرين، أدرك علماءُ الأحياء أن بروتينات الهيستون، التي تعمل في المعتاد سقَّالاتٍ للحمض النووي، قد تؤثر في كيفية التعبير عن أحد الجينات. علاوةً على ذلك، يمكن نسخُ آثار عملية مَثْيَلة الحمض النووي وتعديل الهيستون في أثناء مضاعفةِ الحمض النووي. ففي دراسةٍ أُجريت عام ٢٠١٣، تعرَّضَت ذكورُ الفئران لمزيجٍ من رائحةٍ معيَّنة وصدمة كهربائية. وقد تبيَّن لاحقًا أنَّ «أبناء» هذه الفئران و«أحفادها»، وهي لم تتعرَّض لهذا المزيج، تتمتَّع بحساسيةٍ استثنائية لهذه الرائحة وتُصاب بالتوتر في وجودها. فبطريقةٍ ما، وصَلَت إشارةٌ كيميائية إلى الخصيتَين وجعلت الجين المعنيَّ المستقبِلَ للرائحة على مستوًى عالٍ من التعبير الجيني. وقد تطورَت القدرة على نقلِ هذه السِّمة بين الأجيال لإعداد الكائنات الحية إعدادًا أفضلَ للظروف البيئية المحتملة. ونظرًا إلى فوضى البيانات الوبائية على وجه الخصوص، فإننا لا نعرف بعدُ مدى تأثيرِ آليَّات الوراثة فوق الجينية في جينوم نوعنا البشري. إحدى كُبرى المفاجآت أيضًا هي الكمُّ الهائل من الحمض النووي الذي لا نعرف الهدفَ من وجوده. على الرغم من تسميته ﺑ «نُفاية الحمض النووي»، فالجدال محتدمٌ بشأن مقدارِ ما هو غيرُ وظيفيٍّ منه في واقع الأمر. فالكثير من المناطق التي تُوجَد فيها هذه «النُّفاية» تحتوي بالفعل على البقايا غير العاملة من الجينات (والمعروفة باسم «الجينات الزائفة») التي كانت مفيدةً للأسلاف التطوُّريين ولم يعُدْ لها دورٌ الآن. وثَمة مناطقُ أخرى من الجينات غير المُشفِّرة مشتقةٌ من الفيروسات العكسية للحمض النووي الريبوزي التي دخلَت الجينوم منذ مدةٍ طويلة، وأصبحت اتِّكاليةً في الأساس. ربما يكون الاكتشاف الأكثر روعةً هو «العناصر القابلة للنقل»، وهي امتداداتُ الحمض النووي التي يمكنها تغييرُ مواقعِها في الجينوم. كانت مكلينتوك هي أولَ من يتعرَّف على هذه العناصر الجينية المتنقِّلة في أربعينيَّات القرن العشرين. ومن المعروف الآن أنها تُشكل أكثرَ من ٤٠ في المائة من الجينوم البشري. كشف تحليلُ الشفرات الجينية الكثير عن الماضي التطوري. فيبدو أنَّ الخلايا حقيقية النواة، مثل تلك التي تتكوَّن منها أجسادُنا، قد ظهرت منذ نحو مليار ونصف مليار سنة عندما استقرَّت كائناتٌ وحيدةُ الخلية في خلايا أخرى شكَّلَت معها علاقاتٍ تكافلية. ومن المقبول الآن على نطاقٍ واسع أن الميتوكوندريا، وهي تلك البِنَى الصغيرة في الخلايا الحقيقية النواة التي تحول الطاقة إلى شكلٍ يمكن استخدامُه، قد نشَأَت من إحدى سُلالات بكتيريا «ريكتسيا» التي تتشارك معها في عددٍ هائل من القواعد. إضافةً إلى ذلك، يُلقي علمُ الوراثة الضوءَ على العلاقات التطورية بين الأنواع الحية. فقد اتضح من درجة التشابُه الجيني بين الكائنات الحية الموجودة أنها جميعًا تنحدرُ من سلَفٍ مشترك شامل أخير، عاش منذ نحو ثلاثة مليارات ونصف مليار سنة. ويمكن لعلماء الأحياء أيضًا معرفةُ درجة القرابة بين الأنواع المنفردة؛ إذ تتراكم الطفرات مع حدوث الانتواع، ومن ثم يسمح قياسُ الاختلافات الجينية بإعادة بناء الشجرة التطوُّرية المتفرِّعة. وقد اتضح أننا نتشارك أكثرَ من ٩٨ في المائة من حمضنا النووي مع الشمبانزي، وهو ما يُعدُّ انقسامًا جينيًّا مماثلًا لذلك الذي حدَث بين الفِيَلة الأفريقية والفيلة الهندية. إضافةً إلى ذلك، تُتيح تقديراتُ معدَّل حدوث الطفرات الحسابَ التقريبيَّ لتوقيت انحرافنا التطوري عن الرئيسيات الأخرى. فقد أظهرَت مقارنةُ التسلسلات الجينية للبيتا جلوبين، وهو أحدُ مكونات بروتين الهيموجلوبين، فرقًا بنسبة ١٫٦ في المائة فقط بين الشمبانزي والبشَر. يُشير هذا إلى أن السلالة التي أدَّت لظهور الإنسان العاقل تفرَّعت قبل نحو ستةِ ملايين سنة. إنَّ ابتكار تفاعل البَلْمرة المتسلسل والقدرة المحسَّنة لأجهزة الكمبيوتر؛ أتاحا للعلماء تحديدَ تسلسلِ بعضِ أجزاء الحمض النووي النادرة للغاية التي تعود إلى الأنواع المنقرِضة من أسلاف البشر. كان عالم الأحياء السويدي سفانتي بيبو، ولا يزال، هو الرائدَ في هذا المجال. فقد أدهش فريقُ بيبو الكثيرين حين وجد دليلًا على أن أحفاد الإنسان العاقلِ، الذين استقرُّوا في أوروبا والصين وغينيا الجديدة، يحملون الآن ما يقرب من اثنَين في المائة من الحمض النووي لإنسان نياندرتال. وفي عام ٢٠١١، حدَّد تسلسلُ الحمض النووي المستخرَج من عَظْمة إصبع أنثى شابةٍ تنتمي إلى نوعٍ من أشباه البشر يُسمى إنسان دينيسوفا، كانت قد ماتت في سيبيريا قبل ٤٠ ألف سنة. يبدو أن أكثرَ من ثلاثةٍ في المائة من جينوم مجموعة الميلانيزيون العِرقية الحديثة يرجع إلى إنسان دينيسوفا. ربما تكون هذه الجماعاتُ البشرية قد طوَّرَت أساليبَ تكيفيةً ساعَدَتها على البقاء في بيئاتٍ غير مألوفة. بالرغم من ذلك، لا يمكن تعميمُ هذه النتائج بثقةٍ على جميع الجماعات، مثلما يشير إلى ذلك الباحثون. ذلك أنَّ الجيناتِ نفسَها قد تتَّخذ تعبيرًا مختلفًا باختلاف السياقات البيئية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. فالادِّعاءات بشأن قابلية الوراثة لا تنطبق في معظم الأحيان «إلا» على الجماعة المعيَّنة التي خضَعَت للقياس. ولهذا يتطلَّب الأمرُ انتباهًا شديدًا عند تفسير المزاعم الخاصة بمعدَّل الذكاء. ففي ورقةٍ عِلمية نُشِرَت عام ١٩٦٩، حاجج عالمُ النفس بجامة بيركلي، آرثر جنسن أنه لا يوجد أيُّ قدرٍ من التعليم يمكن أن يرفع متوسِّطَ معدل ذكاء الأمريكيين الأفارقة إلى مستوى البِيض. واستنتج جنسن ومؤلِّفون آخَرون من هذا أنَّ «التعليم التعويضي» مَضْيعةٌ للمال. على الرغم من ذلك، وبصرف النظر عن الإشكالية في اختزال ظاهرةٍ متعدِّدة الأوجُه مثل الذكاء إلى مجردِ درجة رقمية، فإنَّ الدراسات التي تدَّعي وجودَ اختلافات فطرية في معدَّل الذكاء بين «الأعراق البشرية»، كثيرًا ما تغفل أنَّ تطبيع القوالب النمطية يتسبَّب في ضعف أداء المجموعات. ففي إحدى الدراسات الكلاسيكية، اختفَت الفجوة في درجات اختبار الذكاء بين الطلاب البيض والأمريكيين الأفارقة تقريبًا، عندما أُخبر الخاضعون للتجرِبة أنهم يحلُّون ألغازًا فحسب وليس اختبارَ ذكاء. ذلك أنَّ الخوف من تأكيد الصور النمطيَّة يُحفز استجاباتِ التوتُّر التي قد تضعف قدرة الشخص على الأداء بما يتناسبُ وقدراتِه الفعليةَ. علاوةً على ذلك، فإن حقيقة ارتفاع معدَّل ذكاء لدى جميع المجموعات البشرية على مدى عددٍ من العقود الأخيرة تؤكِّد على قابلية الأداء المعرفيِّ للتطويع. وعلى هذا المنوال أيضًا، يدحض معظمُ الباحثين المعاصرين الادعاءَ القديم القائل بأن النساء يولَدْن بقدراتٍ عقلية تختلف اختلافًا كبيرًا عما يتمتَّع به الرجال. فالتفاوتات البارزة بين الجنسَين في القدرات المتعلقة بالرياضيات، على سبيل المثال، لا تظهر سوى في البلدان التي لا تحظى فيها النساءُ إلا بفُرصٍ قليلة في السياسة والبحث. ما يتَّضح باستمرارٍ أنَّ الذكور والإناث متشابهون للغاية من الناحية النفسية إلا فيما يتعلق ببعضِ جوانب الأداء الحركي، والسلوك الجنسي، والعدوانية. وليست هذه الاستثناءاتُ باللافتة للانتباه. فربما يكون الذكور، الذين يُنتجون في المتوسط مستوياتٍ أعلى من هرمون التستوستيرون، قد تطوَّر لديهم مستوًى أعلى من العدوانية. غير أننا نجد تداخلًا إحصائيًّا كبيرًا بين الذكور والإناث في هذه الخاصية، ونجد أنَّ التفاوتَ طفيفٌ للغاية في الثقافات التي لا تُشجع الذكور على التصرف بعدوانية. إنَّ أكثر ما يُهمُّنا في هذه المسألة أنَّ معظم الجينات المسئولة عن السلوك البشري لها تأثيراتٌ فردية صغيرة؛ لأن معظم الصفات العقلية تُسهِم فيها جيناتٌ متعدِّدة، وهي نتيجةُ التفاعلات المعقَّدة بين الجينات بعضها مع بعض، وبين الجينات والبيئة. يتَّضح هذا من دراسات الترابط الجينومي الكامل عن الذكاء. فعند فحصِ جينومات سبعة آلافِ طفل في عمر سبع سنوات بحثًا عن وجود أيٍّ من صور تعددِ أشكال النوكليوتيد الواحد البالغِ عددُها ٥٠٠ ألف، لم يُوجَد منها سوى خمسةٍ فقط هي التي ترتبط أساسًا بمعدَّل الذكاء، ولم يكن من شأن أيٍّ منها تفسيرُ أكثرَ من ٠٫٤ في المائة فقط من الاختلاف بين طفلٍ وآخَر. ولهذا فإنَّ الحديث عن «جين لمعدَّل الذكاء» أو «جين للشخصية» هو حديثٌ خاطئ تمامًا. كان لمثلِ هذه التطورات بعضُ الآثار المهمة في الممارسة الطبية. فمنذ منتصَف ستينيَّات القرن العشرين، ساعد اكتشاف اختبار اضطراب الفينيل كيتونيوريا الوراثي، الذي يمكن أن يتسبَّب في إعاقةٍ ذهنية واضطراب عقلي، في ظهور المشورة الجينية. وسرعان ما بدأ الفحص الجماعي في بريطانيا، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية في منتصف ستينيَّات القرن، ووُضِع نظامٌ غِذائيٌّ خاصٌّ للأطفال الذين تبيَّنَت إصابتُهم بالفينيل كيتونيوريا. وفي عام ١٩٧١ بدأ الفحص لتحديد المصابين بمرض تاي ساكس الأكثر شيوعًا بين اليهود الأشكناز، الذي يؤدِّي إلى إصابة الأطفال بالعمى والصمَم والشلل، ثم الموت في عمر الرابعة أو الخامسة. إنَّ إجراء اختبار الإنزيم يُتيح للزوجَين معرفةَ ما إذا كان كِلاهما يحمل الجينَ المتنحِّي. نتيجةً لذلك، انخفض عددُ الأطفال المولودين بهذه الحالة انخفاضًا ملحوظًا. بدأ أيضًا الفحص لفقر الدم المِنجلي في عام ١٩٧١. وبعد مدةٍ قصيرة، ظهر عددٌ من التطورات التي يسَّرَت إجراء الفحص على ملايين المقبِلين على الإنجاب. فأوَّلًا: كان ظهور اختبار بزل السائل الرهلي في عام ١٩٦٦ يعني أنه يمكن اكتشاف الشذوذ الكروموسومي «في الرحم». وسرعان ما تحسَّنَت القوة التشخيصية لاختبار بزل السائل الرهلي مع استخدام خردل الكيناكرين، الذي يُشكل ترتيبات مميزةً من الشرائط الفلورية عند مُلامسة الحمض النووي؛ ومن ثَم يُتيح للفنيِّين التعرف على الشذوذ الكروموسومي بسهولةٍ أكبر. وثانيًا: أتاح السماحُ بالإجهاض في عددٍ من الدول الغربية للأمهات بإجهاض الأجنة لأسبابٍ طبية. بحلول عام ١٩٧٤، كان لدى الولايات المتحدة نحوُ ٤٠٠ عيادةٍ للصحة الجينية، وانخفضَت أعدادُ متلازمة داون بنحوِ الثلث في بعض الولايات. ولَّد التقدُّم في تشخيص الأمراض السابق للولادة الكثير من الجدل. فقد حاجَج النقادُ الذين لا يُعارضون الإجهاض من حيث المبدأ أن الإنهاء الانتقائيَّ للحمل لأسبابٍ طبية يُنشئ شكلًا جديدًا من أشكال تحسين النَّسل. وزعَموا أنه ينطوي على الاعتقاد بأنَّ بعضَ الحيوات من الأفضل ألَّا تُعاش، وهو يُقلِّل في الوقت نفسِه من قيمة حياة المصابين بتلك الحالة بالفعل. عِلاوةً على ذلك، ربما لا تكون جميعُ قرارات الإجهاض مبنيَّة الاختيار المستنير؛ إذ قد يستند بعضُ الآباء في أحكامهم على الشعور بالالتزام الاجتماعي، أو عدم قدرتهم على فَهْم البيانات الجينيَّة. وفي المقابل، أكَّد المؤيِّدون لإجراء الاختبارات أهميةَ منح المقبِلين على الإنجاب الحرية في تقريرِ مستوى المعاناة المقبول لنسلِهم، والاستقلالية في تحديدِ قدرتهم الشخصية على تربية طفلٍ يُعاني من مَشاكلَ صحيةٍ كبيرة. وهم يُشيرون إلى عدم وجود تضارُبٍ حتميٍّ بين منعِ ولادة أطفال يُعانون من اضطراباتٍ وراثية وإيلاء الرعاية المناسبة للمُصابين بهذه الأمراض. أدَّى ظهورُ الحمض النووي المعادِ تركيبُه في أوائل السبعينيَّات إلى ظهور آفاقٍ مثيرة للبحث في أشكالٍ جديدة من العلاج. فالقدرة على نقل الجينات بين كائناتٍ تفصل بينها نطاقاتٌ زمنية تطورية شاسعة؛ تُتيح للعلماء تشكيلَ أنواع هجينة مفيدة. غير أنه سرعان ما ظهرَت المخاوف بشأنِ ما إذا كان السعيُ وراء التقدُّم التقني يؤدي إلى إغفال اعتبارات الأخلاق والسلامة. ولهذا السبب اجتمَع علماءُ الجينات، والمحامون، والصحفيون في عام ١٩٧٥ في اجتماع آسيلومار بولاية كاليفورنيا؛ للتفكير في القضايا الأخلاقية والعَملية التي أثارتها التطوراتُ الأخيرة، ولوضع السياسات لتقليل مخاطرِ تسرُّبِ طفراتٍ خطيرة من المختبرات. سرعان ما استوعب أصحابُ رءوس الأموال المغامرون الإمكاناتِ التجاريةَ لعلم الأحياء الجزيئية. وفي عام ١٩٧٦، أسس هيرب بوير وروبرت سوانسون معًا شركةَ جينينتيك الناشئةَ في مجال التكنولوجيا الحيوية. وقد شرَعا في إدراج أحدِ الجينات في بلازميد يُنتج الأنسولين، ومن ثَم توفير بديل لاشتقاقه من بنكرياس الأبقار والخنازير المذبوحة. بدأ بوير وفريقُه ببناء جينات سلسلتَي الأنسولين قاعدةً تِلوَ الأخرى. نجحوا بعد عامَين في إدخال جيناتهم الاصطناعية في البلازميدات جنبًا إلى جنبٍ مع التسلسلات التنظيمية اللازمة. وفي عام ١٩٨٢، منحَت إدارةُ الغذاء والدواء الأمريكيةُ الترخيصَ لشركة إيلي ليلي وشركائه لطرح الأنسولين المعاد تركيبه في السوق. في ذلك الوقت، كانت تُوجَد أيضًا عقاقيرُ أخرى مصنوعةٌ بتكنولوجيا إعادةِ التركيب. وبحلول عام ١٩٨٤، قُدِّرَت الاستثماراتُ في هذا النوع من البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الحيوية بنحوِ ثلاثة ملياراتِ دولار بالفعل. يمكن أيضًا تعديلُ جينومات الثدييات الكبيرة لأغراضٍ طبية. ففي عام ١٩٩٦، أعلن العلماءُ في معهد روزلين باسكتلندا أنهم أعادوا برمجةَ خليةٍ جسدية؛ كي تعمل خليةً جذعية جنينية، عن طريق نقل النَّواة من خليةِ ضرع نعجة إلى خليةِ بيضةٍ أُزيلت النَّواة منها. حفَّزَت الإشارات الواردة من السيتوبلازم نموَّ أول حيوان مُستنسَخ: النعجة دوللي. وبعد مدةٍ قصيرة، تَبِعَتها أنواعٌ أخرى من الحيوانات المستنسَخة؛ كالفئران، والأبقار، والماعز، والخنازير. لم يكن الهدفُ من ذلك تمهيدَ الطريق لاستنساخ البشر، بل هندسة حيواناتٍ لكي تُنتج بعضَ منتجات الجينات البشرية التي يمكن بيعُها. على سبيل المثال، شرَعَت شركة «بي بي إل ثيرابيوتكس» في محاولة إنتاج أبقارٍ يحتوي حليبها على بروتينٍ بشري يمكن بيعُه على نطاقٍ واسع كمُكمِّل غذائي للأطفال. ثمة احتمالٌ جذَّاب آخر قد بدأ في الظهور خلال ثمانينيَّات القرن، ويتمثَّل في ظهور نهجٍ طبي مخصَّص بالكامل، تُصمَّم به العلاجاتُ بما يتفق مع السِّمات الجينية لكلِّ فرد. فلدينا «علم الصيدلة الجيني» الذي يَعِدُ بجعل العلاج أكثرَ أمانًا وفعالية. نظرًا إلى أنَّ العقاقيرَ قد تُلحق الضرر بالأشخاص الذين لديهم أنماطٌ جينية معيَّنة، يمكن استخدام تحديد التسلسل للكشف عن أصحاب الحساسية المفرِطة. يمكن لعلماء الأحياء أيضًا معرفةُ ما إذا كان المريض يتمتَّع بالخصائص الجينية التي تُمكِّنه من الاستجابة لعقارٍ معيَّن. وإذا علموا أن الدواء لن يُجْديَ نفعًا، فيمكنهم حمايةُ المرضى من الآثار الجانبية، وتجنيبُ أنظمة الرعاية الصحية النفقاتِ غيرَ المبرَّرة. وسيكون لمثل هذه المعلومات أهميةٌ وفائدةٌ كبيرة فيما يتعلق باستخدام الأدوية الجديدة المضادة للسرطان، وهي باهظة الثمن. شهدَت السنوات الأخيرة تطويرَ علاجات للسرطان، تستهدفُ مساراتٍ محددةً للإشارات في الخلايا البشرية، التي تُسبِّب انتشار الخلايا القاتلة إذا تُرِكَت دون سيطرة. ففي عام ٢٠٠١، أطلقَت شركة نوفارتس عقارَ «إيماتينيب» لعلاج ابْيِضاض الدم النقوي المزمِن، وهو سرطانٌ ينتج عن نشاطِ أحد الجينات الورمية. يُنتِج هذا الجينُ الورمي إنزيمًا «فاعلًا» على الدوام، ومِن ثَم يُحفز الانقسامَ غيرَ المنضبط للخلايا. طوَّر الباحثون عقارًا يُعطِّل نشاطَ هذا الإنزيم. ونتيجةً لهذا ازداد معدلُ بقاء مريضِ ابيضاض الدم النقوي المزمن على قيد الحياة، والمقدَّر بخمس سنوات، إلى الضعف تقريبًا. ثمة نهجٌ آخر يتمثَّل في صُنع أجسامٍ مضادَّة تُهاجم بروتيناتٍ معيَّنةً على أسطح الخلايا السرطانية التي تُعزز نموَّ الخلايا بلا قيود. إضافةً إلى ذلك، ظهرَت استراتيجيةٌ علاجية مختلفة بعضَ الشيء تنطوي على استخدام فيروس عكسي مُعدَّل؛ لإدخال جيناتٍ طبيعية إلى خلايا أجسام المرضى المصابين بالاضطرابات الوراثية. وبعد نتيجةٍ مبكِّرة غامضة، استُخدِمَت هذه الطريقةُ في عام ١٩٩٩ بجامعة فيلادلفيا لعلاج شابٍّ يفتقر إلى الجين الذي يُشفِّر أحد الإنزيمات الأساسية للكبد. وبعد مدةٍ وجيزة من حَقنِه بفيروسات البرد المعدَّلة، قام جسدُه بردِّ فعل مَناعي جسيم، مما أدَّى إلى فشل العضو وموتِ الدماغ. ليست معوِّقاتُ العلاج الجيني الفعَّال بالهيِّنة على الإطلاق؛ فحتى إذ تمكَّن العلماء من إيصالِ ما يكفي من الحمض النووي للعضو المتضرِّر بمستوياتٍ مقبولة، تبقى المشكلة أن الجينات المُستنسَخة قد تدخل إلى أيِّ جزءٍ من الجينوم وتُخلُّ بنشاط الجينات الأخرى. بالرغم من ذلك، فقد أدَّت الأخطاءُ المبكرة إلى ظهور نُهجٍ أخرى لتطوير العلاجات الجينية، تتَّسم بقدرٍ أكبر من الحذر والسيطرة. ففي عام ٢٠٠٠ أعلنَت فِرَقٌ فرنسية وبريطانية أنها أدخلَت جينًا تصحيحيًّا في خلايا نخاع العظام لعشرين فتًى يُعانون من حالةِ عَوز المناعة المشترك الشديد، التي تُؤدي عادةً إلى الموت في السنة الأولى من العمر إذا تُرِكَت دون علاج. كانت نتائجُ الدراسة الطويلةِ الأجل مشجِّعةً للغاية. وفي عام ٢٠١٤، أعلن فريقٌ لندني أنه حقَن في الوريد جينًا لتعزيز تخثُّر الدم لدى عشَرةٍ من مرضى هيموفيليا ب الشديدة. لم يتحمَّل المرضى نقْلَ الجينات فحَسْب، بل أظهَروا أيضًا انخفاضًا واضحًا للغاية في نوبات النزيف. وقد بدأَت الآن أمثلةُ العلاج الجيني الناجح في التزايد. إنَّ تصفح الأخبار اليومية يكشف لنا على الفور كيف أنَّ تقنيات الحمض النووي المعادِ تركيبه، وتحديدَ تسلسُل الجينات؛ قد جعَلَ ظاهرةَ الوراثة وثيقةَ الصلةِ بحياتنا. ولا شك أنَّ بعض هذه التطبيقات للتكنولوجيا الحيوية قدَّمَت لنا نفعًا كبيرًا. فقد ذكرنا بالفعل إسهامَها في تطوير عقاقيرَ وعلاجاتٍ جديدة. إضافةً إلى ذلك، أمكن تطوير البصمات الجينية، التي تنطوي على التعرُّف على الأشخاص على أساسِ مجموعاتٍ من متغيرات الحمض النووي الفريدة، التي قدَّمَت الكثيرَ من الفوائد العمَلية؛ إذ ساعَدَت في سَجنِ آلاف المجرمين وتبرئةِ العديد من المتَّهَمين أو المحكومِ عليهم خطأً، وأتاحت أيضًا التعرُّفَ على جثثِ ضحايا الديكتاتوريات العسكرية، ولمِّ شمل العائلات التي شتَّتتها النزاعات. أدَّت إعادة التركيب أيضًا إلى إنتاج كائنات حية مُعدَّلة وراثيًّا. وقد أُنتِجَ كثيرٌ من هذه الكائنات لأغراض استهلاك الإنسان. رُخِّصَت أولُ المحاصيل المعدلة وراثيًّا للاستخدام في أوائل التسعينيَّات. وفي عام ١٩٩٩، بلَغَت المساحة التي زُرِعَت بها هذه المحاصيلُ على مستوى العالم مساحةَ دولة نيوزيلندا تقريبًا. وبحلول عام ٢٠١٤ كان ما يقرب من ٩٤ في المائة من فول الصويا و٩٦ في المائة من القطن في الولايات المتحدة قد نبَتَ من بذورٍ معدَّلة وراثيًّا. صُمِّمَت المحاصيل المعدلة وراثيًّا لزيادة ما تُنتجه من الغلال، ولكي تتمتعَ بقيمةٍ غذائية أعلى وقدرةٍ أكبر على مقاومة الميكروبات والآفاتِ ومبيدات الأعشاب. وتُستخدَم الآن طرقٌ مُماثلة لتصميم كائناتٍ معدَّلة جينيًّا، مثل البعوض المعدَّل وراثيًّا، للمساعدة في مكافحة الأمراض الفتَّاكة مثل الملاريا، وحمَّى الضنك، والحمى الصفراء. بالرغم من ذلك، فقد أتت مجالاتُ علم الوراثة والتكنولوجيا الحيوية في بعض النواحي بخيبة الأمل أو المخاوف. فثمة شعورٌ منتشر على نطاقٍ واسع بأن ثمار البحث الجيني كانت متواضعةً نِسبيًّا مقارنةً بحجم التمويل الذي تلقَّته. وعلى العكس من ذلك، سنرى أنَّ كثيرين يخشَون إمكانيةَ استخدام تكنولوجيا إعادة التركيب للتغيير في الوراثة البشرية، وهو احتمالٌ يمكن القول إنَّ تطبيقه يصبح أكثرَ سهولةً على نحوٍ متزايد. وفي الوقت الحالي، نجد أنَّ الاستخدام الواسعَ النطاقِ للمحاصيل والحيوانات المعدَّلة وراثيًّا يستمرُّ في إثارة المخاوف. فعلى الرغم من أنَّ الجمهور الأمريكي قد تقبَّل ابتكار الأغذية المعدَّلة وراثيًّا بسرعة، نَفَر العديدُ من الأوروبيِّين مما وصَفوه ﺑ «طعام فرانكنشتاين». وصحيحٌ أنَّ المخاوف من العواقب الصحية لتناوُلِ هذه المحاصيل لم تَثبت بعد، لكن عددًا منها لا يزال قائمًا. يتوقع بعضُ الخبراء أن التشابُهَ الجينيَّ للمحاصيل سيُقلل من قدرتها على مواجهة مُسببات الأمراض الجديدة. ويُحذر آخَرون من تسرُّب الجينات العابرة إلى جينومات الحشائش المجاورة، فتكتسب بذلك مقاومةً جامحة لمبيدات الأعشاب. ثمة انتقاداتٌ أخرى وُجِّهَت لوسائل الإعلام وأنصار البحث الجيني؛ لتشجيعهم الجمهورَ على المبالغة في تقديرِ أهمية الوراثة في فَهم الصفات البشرية. فعادةً ما نجد تجاهلًا لحقيقةِ أنَّ دراسات التوائم تَخلُص دومًا إلى أنَّ العوامل البيئية تُسهِم بدرجةٍ كبيرة في ظهور السمات المعتادة وغيرِ المعتادة أيضًا. ويُعَد هذا التركيز على الوراثة إشكاليًّا؛ لا سيَّما حين يُثبِّط عن إجراء الأبحاث العلمية لتحديد الأسباب غير الوراثية للأمراض، مثل الأنظمة الغذائية، والملوِّثات، والسموم البيئية، والعدوى. ثَمة احتمالٌ آخَر لا يقلُّ عن سابقه في إثارة القلق، وهو أن يُعزز التركيزُ المتزايد على علم الوراثة من الرغبة القديمة في تقسيم نوعِنا البشري إلى فئاتٍ بيولوجية متمايزة. خارج المختبر، استمرَّت الأيديولوجيات التي تَنسب الاختلافاتِ في الثروة والمكانة إلى الوراثة على مدى نصفِ القرن الماضي. ويكفي أن ننظر إلى استمرار الفصل العنصريِّ في جنوب أفريقيا، بأيديولوجيته الرسمية لسِيادة البيض، حتى عام ١٩٩١، ونزع الصفة الإنسانية عن شعب التوتسي خلال الإبادة الجماعية في رواندا في عام ١٩٩٤، ومذبحة سربرنيتسا عام ١٩٩٥ التي شهِدَت مقتلَ أكثرَ من ثمانية آلاف بوسنيٍّ مسلم على يدِ جنود صِرْب البوسنة. إضافةً إلى ذلك، ظلَّت عواملُ التمييز الجنسي، والعنصرية، والنخبوية تؤدِّي إلى نقص تمثيل النساء والأقليات وأبناء الطبَقات العاملة، في الوظائف المرموقة والأدوار السياسية. لكن حتى مع ذلك، تُوجَد أدلةٌ جيدة على تراجُع المعتقَدات الشوفينية التي تستند إلى الأفكار القائلة بوجود الاختلاف الوراثي. فقد تراجعَت لغةُ علم الأحياء جزئيًّا لصالح زيادة التركيز على الثقافة والشخصية. يتجلَّى هذا التحول التدريجيُّ عن مظاهر التعبير العلَني عن العنصرية البيولوجية في المواقف تجاه المهاجرين. ففي أوروبا ما بعد الاستعمار، كان العداءُ موجَّهًا بدرجةٍ كبيرة نحو المهاجرين من الممتلكات الاستعمارية السابقة، لا سيَّما المهاجرين من ذَوي الأصول الإسلامية. فبحلول عام ٢٠٠٤، كان هناك في فرنسا مليونان من المهاجرين وأبنائهم يتعرَّضون للتمييز الشديد، ويعيشون في ظروفٍ دون المستوى المقبول على حافَاتِ المدن الكبرى. وعقب توسُّعِ الاتحاد الأوروبي في العامَين ٢٠٠٤ و٢٠٠٧، طالت الضغائنُ العِرقيةُ مُهاجري أوروبا الشرقية؛ ففي المملكة المتحدة، أسهَم النفورُ من البولنديين والرومانيين بشكلٍ كبير في انتصار حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام ٢٠١٦. بالرغم من ذلك، فقد صار زعماءُ «اليمين الجديد» وأنصارُه في أوروبا أقلَّ ميلًا للتعبير علَنًا عن وجهات نظرهم العنصريةِ في عصرنا الحاليِّ، بعد أن أصبحَت غيرَ مقبولة اجتماعيًّا في العديد من الأوساط. بات من الأكثر شيوعًا لدى الأحزاب المناهِضة للمهاجرين وأتباعهم؛ الحديثُ بلغة الثقافة بدلًا من لغةِ الاختلاف البيولوجي. فكلُّ ما يتطلَّبُه الأمرُ هو إظهار أن أنماط التفكير الثقافية تمتدُّ بجذورها عميقًا لدرجةٍ تعوق فكرةَ الاندماج. وعلى هذا الأساس كان بوُسع السياسيِّ البريطاني المحافِظ إينوك باول أن يُنكر بشدةٍ كونه عنصريًّا، بينما أصرَّ في عام ١٩٦٨ على أنَّ «الهندي الغربي أو الهندي لا يُصبح إنجليزيًّا بولادته في إنجلترا.» فبهذه الطريقة تفعل لغةُ الثقافة ما كانت تفعله لغةُ العِرق. علاوةً على ذلك، يؤدي التمييزُ المتكرر ضد المهاجرين إلى استمرار فقرهم واغترابهم الثقافي، الذي يُمكن لأعضاء الثقافات السائدة اعتبارُه دليلًا أكيدًا على عجزهم عن الاندماج الحقيقي. يتَّضح من بيانات الدراسات الاستقصائية الأمريكية أيضًا انخفاضُ العنصرية البيولوجية تجاه الأمريكيِّين الأفارقة. فقد وجدَت إحدى الدراسات الاستقصائية الوطنية أنه في حينِ وافق عام ١٩٤٢ نحوُ ٥٣ في المائة من الأمريكيين البيض على أن أصحاب الأصول الأوروبية ينتمون إلى عِرقٍ أسمى فِكريًّا، فقد انخفضَت هذه النسبةُ إلى ٢٠ في المائة بحلول عام ١٩٥٦. ووجدَت دراسةٌ أخرى في عام ١٩٨٦ أنَّ ١٤ في المائة فقط من البيض كانوا مستعدِّين للقول بأن السُّود أكثرُ فقرًا بسبب «ميراثهم البيولوجي». وبالمثل أيضًا، توضِّح الدراسات تناقصًا في تأييدِ الفصل العرقي في المدارس والقوانين التي تمنع الزواجَ بين الأعراق. في الوقت نفسِه، تكشف البياناتُ الاستقصائية أن الغالبية العظمى من البيض يُعارضون المعاملة التفضيلية للسود في التوظيف أو الترقية، وأنَّ احتمال اعتراضهم على زيادة ميزانيات الرعاية الاجتماعية يَزيد بدرجةٍ كبيرة إذا ما عرَفوا أن معظم الفقراء من الأمريكيِّين الأفارقة وليسوا بِيضًا. في محاولةٍ لحلِّ هذا التناقض الواضح بين انخفاض معدَّلات العنصرية ووجودِ معارضة قوية لمساعدة السود في التغلُّب على أعباء العنصرية التاريخية؛ يفترض عددٌ من العلماء ظهورَ «عنصرية جديدة». تستند هذه العنصرية إلى اعتقادٍ خاطئ بأن الأمريكيين الأفارقةَ فقراءُ بدرجةٍ غير متناسبة؛ لأنهم لا يعملون بكدٍّ مثلما يعمل البيض. ذلك أنَّ الدراسات الاستقصائية الوطنية توضح دائمًا أنَّ العدد الأكبر من الأمريكيين يعتبرون السودَ أكثرَ كسلًا من البيض، ويرتبط هذا التصورُ ارتباطًا وثيقًا بتفضيل التخفيض في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية. فرؤية السود باعتبارهم كُسالى تؤدي إلى الشعور بعدم أحقِّيتهم في المساعدة. ثَمة ما يدعم أن هذا الموقفَ لا ينطلق في الأساس من العنصرية القديمة، وهو أنَّ العديد من أولئك الذين يكرهون إنفاقَ الأموال على الرعاية الاجتماعية للسود يدعمون في واقع الأمر برامجَ مصمَّمةً لتعزيز فرصهم في تحسين الذات، مثل برنامج «هيد استارت». يتجلَّى تراجعُ الأيديولوجيات الداعمةِ لدور الوراثة بالقدر نفسِه في رؤية مُواطني المجتمعات الغربية الحديثة للطبقات الاجتماعية. لم يزل الفقراء البيض عُرضةً في بعض الأحيان للتحقير الذي ينزع عنهم صفةَ الإنسانية؛ فتتحدَّث الصحف البريطانية مثل صحيفة «ديلي ميل» بشكلٍ لاذع عن «الطبقة الدُّنيا الوحشية»، ولم يزَل استخدامُ مصطلح مثل «أحمر الرقبة» في أمريكا يحمل أكثرَ من مجرد تلميح بالازدراء العنصري، وهو مصطلح كان يُطلَق في الأصل على فقراء المزارعين الذين احمَرَّت رِقابهم من التعرض للشمس، وصار يُستخدم في الإشارة إلى الأفراد الأكثر فقرًا والأقلِّ ثقافةً ووعيًا. بالرغم من ذلك، فقد صار مفهومًا في العموم أن الفقر والثروة مرتبطان بالجهد والإنجازات الفردية، أكثرَ من ارتباطهما بالنَّسَب. وجدَت الدراسةُ الاستقصائية البريطانية للمواقف الاجتماعية التي أُجرِيَت عام ٢٠٠٩ أن ٧٤ في المائة و٨٤ في المائة من الأشخاص اعتبروا التعليم والعمل الجادَّ، على التوالي، هما الأمْرَين الأكثرَ «للترقِّي». أما مَن اختاروا «الانحدار من عائلةٍ مناسبة» باعتباره العاملَ المهمَّ للترقي، فلم تَزِد نسبتُهم عن ١٤ بالمائة. يمكن القول إنَّ هذه النتائج متوقَّعةٌ بعض الشيء. فمثلما رأينا، أصبحَت الهياكل الطبقية أقلَّ جمودًا بعد الحرب العالمية الثانية مع التوسُّع في الوظائف الإدارية وإدخال أدواتٍ تكنولوجية جديدة ومتطورة تقتضي توظيفَ ذَوي المهارات التقنية. ونتيجةً لهذا، صار النسبُ بلا مَهارات مهنية يكتسبها المرءُ بالعمل الجادِّ أمرًا يصعب إقناعُ الآخرين بميزةٍ له. فبدلًا من تباهي الشباب والشابَّات بأصولهم الطبقية، أصبح عليهم الآن تكريسُ قدرٍ كبير من الوقت لبناء ما يُسميه عالم الاجتماع فيليب براون «سرديَّة قابلية الفرد للتوظيف». الحقُّ أنَّ بناء هذه السردية لا يستلزم الحصولَ على درجاتٍ جيدة فحَسْب، بل يستدعي أيضًا وجودَ شيءٍ من التاريخ الفردي في السفر إلى الخارج، والتدريب الداخلي، والأنشطة الخارجة عن نطاق المقررات الدراسية، وذلك كلُّه مما يُساعد الفردَ على الالتحاق بجامعاتٍ جيدة ومِهَن برواتبَ مُجزية. لا تزال الخلفية العائلية بالطبع تحظى لدى كثيرين بأهميةٍ كبيرة على أرض الواقع. فبينما يتعيَّن على أعدادٍ كبيرة من المتعلِّمين رجالًا ونساءً أن يتنافسوا الآن على وظائف القطاعَين الإداريِّ والمهني، التي لم تَعُد تتوسَّع بمعدلِ توسُّعها في العقود السابقة، فإنَّ مَن وُلدوا لأسرٍ تُمكِّنهم من الحصول على تعليمٍ باهظ الثمن وغيرها من الفرص يتمتَّعون بميزةٍ كبرى. بالرغم من ذلك، فعادةً ما يُنظر إلى النجاح والفشل في هذه البيئة التنافسية في سياق الجهد الفردي، لا في سياق علم الجينات أو الامتياز. ثمة سببٌ آخرُ لتراجع التفسيرات الوراثية لعدم المساواة العرقية والطبقية؛ وهو تراجعُ شعبية التفسيرات الهيكلية أيضًا. فقد لاقى التقليلُ الضخم من شأن العوائق أمام الترقِّي الاجتماعي إعجابًا واضحًا لدى الأثرياء نسبيًّا. ذلك أنه يُمكِّنهم من النظر إلى مكانتهم باعتبارها أمرًا مكتسَبًا بالكامل، ورؤية أنَّ الفقراء هم المسئولون عمَّا لحق بهم من سوء حظٍّ يستحقُّونه. ولهذا التفسير ما يؤيِّده من الدراسات التي توضِّح أنَّ المقتدرين ماليًّا هم مَن يرَون على الأرجح أنَّ النظام الاجتماعي عادلٌ ومنفتح لكلِّ مَن يبذل جهدًا بالفعل. نتج عن ذلك رؤيةٌ لعدم المساواة تُضفي الشرعية على التسلسل الهرمي بفعاليةٍ لا تقلُّ عن فعالية المعتقدات القديمة بشأن الاختلافات المتوارثة في إضفاء هذه الشرعية. علاوةً على ذلك، نُلاحظ تضاؤلَ الاعتقادِ بأنَّ النساء بطبيعتهنَّ أكثرُ عاطفيةً من الرجال وأقلُّ عقلانية. يتَّضح هذا من زيادة مُشاركة المرأة في قطاعات العمل التي كان يُهيمن عليها الرجال في السابق، وحقيقة أنَّ النساء اللاتي يتخرَّجن الآن في الجامعات أكبرَ عددًا من الرجال. وانخفض أيضًا عددُ الأمريكيِّين الذين يرَون أنَّ النساء يجب أن يكنَّ ربَّاتِ بيوت من ٤٠ في المائة في عام ١٩٧٠ إلى ١٨ في المائة فقط في أواخر التسعينيَّات. لم يثبت بالطبع أنَّ جميع قطاعات الاقتصاد تقبل الموظَّفات؛ فوظائف الطبقة العاملة مثل البناء، والسباكة، وقيادة الشاحنات لم تزل مقصورةً على الرجال بالدرجة نفسِها التي كانت عليها في خمسينيَّات القرن العشرين تقريبًا. غير أن المفاهيم قد تغيَّرَت مع تزايُد اعتياد الرجال على عمل النساء في مجموعةٍ مختلفة من المهن، ومع تحدِّي الأيديولوجيات الليبرالية، بما في ذلك الموجة النسوية الثانية، لوجهات النظر القديمة بشأن طبيعة الاختلاف بين الجنسَين. على الرغم من ذلك، لا تزال المعتقَدات الجوهرية بشأن الاختلاف بين الجنسَين قائمة. فخلال تسعينيَّات القرن العشرين، انتهى التوجُّه الذي استمر عقودًا من الزمن نحو تشكيلِ مواقف تتَّسم بدرجةٍ متزايدة من المساواة فيما يتعلَّق بالنوع الاجتماعي. ولم تشهد الدراساتُ الاستقصائية تزايُدَ الليبرالية مجدَّدًا إلا في القرن الحادي والعشرين، وهي لا تزيد بالمعدَّل الذي كانت عليه في السبعينيَّات من القرن العشرين أو الثمانينيَّات. تباطَأ أيضًا التقدمُ نحو تحقيق المساواة في الأجور والفرص. ففي عام ١٩٧٠، لم يكن متوسطُ أجر المرأة العاملة في الولايات المتحدة يَزيد عن ٥٩ في المائة من متوسط أجرِ الذكر، وقد ارتفع إلى ٨١ في المائة فقط بحلول عام ٢٠١٥. وبحلول عام ٢٠٠٢، كان تمثيلُ النساء في الوظائف المرتفعة الأجور لا يزال ضعيفًا في الولايات المتحدة، وفي جميع الأماكن الأخرى أيضًا. ففي شريحة الراتب الأعلى بدخلٍ سنوي قدرُه مليون دولار أو أكثر، كان يوجد ١٣ رجلًا لكل امرأة واحدة. تشرح عالمةُ الاجتماع باولا إنجلاند أنَّ المساواة بين الجنسين توجد الآن جنبًا إلى جنب مع «إيمان قوي (وإن كان ضِمنيًّا في كثير من الأحيان) بوجود ماهية للنوع الاجتماعي، ذلك المفهوم القائل بوجود اختلاف جوهري وفِطري بين الرجال والنساء في الاهتمامات والمهارات». وقد وجَدت العديدُ من الدراسات المُصمَّمة للكشف عن التحيزات الضمنية أن المرأة في المتوسط تُعد ألطفَ من الرجل، ولكنها أقلُّ كفاءةً منه. عِلاوةً على ذلك، فإنَّ النساء اللائي يتَّسمن بالحزم والحسم المرتبطَين بالذكورة، قد يُحفزن ردودَ فعلٍ سلبية بين الزملاء. ونتيجةً لهذا، تزيد احتماليةُ النظر إلى الرجال باعتبارهم رموزًا شرعية للسلطة، بينما يقلُّ عدد النساء اللاتي يُرقَّين لهذه الأدوار، أو يقلُّ عدد مَن يرون في أنفسهن إمكاناتٍ كبيرةً للقيادة. طُرِحَت نظرياتٌ مختلفة عن سبب تباطؤ التقدُّم نحو قدرٍ أكبر من المساواة بين الجنسين في العقود الأخيرة، ومن ذلك الصعوبة الهائلة في تغيير الصور النمطية الراسخة ثقافيًّا، ورد الفعل العنيفة التي تُثيرها وسائل الإعلام ضد النساء العاملات، ممَّا شجع الاعتقادَ بتعارض الحياة المهنية مع المتطلبات المكثَّفة للأمومة في العصر الحديث، وحقيقة أنَّ عددًا صغيرًا نسبيًّا من الرجال هم الذين تحدَّوا الصور النمطية القديمة بعمَلِهم في المهن المعروفة بأنها مهنٌ نسائية؛ مثل التمريض ورعاية الأطفال، ورغبة الكثير من الرجال في الاحتفاظ بمكانتهم، ربما في المنزل على وجه الخصوص حيث لا تزال النساءُ العاملات يُشاركن بنسبةٍ غير متكافئة في الأعمال المنزلية. من المهم أيضًا ملاحظةُ أنَّ العديد من النساء يخضعن لتضافُر آثارِ عدة أنواع مختلفة من التحيز. فالنساء اللاتي ينتمين للأقليات وللطبقة العاملة يواجِهْن عدةَ عقَبات عليهن التغلبُ عليها إذا كن يرغبن في تحسين مكانتهن الاجتماعية. فلْتتأمَّلْ فقط عمق الازدراء العنصري، والطبقي، القائم على النوع الاجتماعي الذي تُصدِّره الاستعارةُ التي يقوم عليها مصطلحُ «مَلَكة الرعاية الاجتماعية» النمطيَّة. إنه مصطلحٌ يفتري على الفقيرات من الأمريكيات الأفارقة بأنهنَّ يُفرِطْن في الإنجاب للحصول على مدفوعاتٍ أعلى من الرعاية الاجتماعية، بالرغم من عدم وجود دليل على أن النساء اللاتي يتلقَّين مدفوعات الرعاية الاجتماعية يُنجبن أطفالًا أكثرَ من أولئك اللاتي لا يحصلن عليها. ذكَر هذا الفصلُ عددًا من التطورات التاريخية المهمة. لقد زاد فهمنا للوراثة بمعدل مذهل، وأثر ذلك في الطب، والزراعة، وعلم الأدلة الجنائية، ومعرفتنا بالتطور، والإدراك البشري، والشخصية. وأدت اكتشافاتُ علم الجينات إلى تقويض العقائد الوحشية بشأن الدُّونية الوراثية التي كانت شائعةً من قبلُ بين العلماء الأمريكيين والأوروبيين. رافقَ هذا انخفاضٌ أوسعُ نطاقًا في القَبول العام للشوفينية البيولوجية. بالرغم من ذلك، لا يجدر بنا المبالغةُ في تقدير أهمية هذا التحوُّل. فلا تزال أقليةٌ لا بأس بها تؤيد الخرافات التقليدية في مجال الوراثة بشأن العِرق، والنوع الاجتماعي، والطبقة الاجتماعية. علاوةً على ذلك، على الرغم من التقدم المحرَز نحو التغلُّب على الصور النمطية للدُّونية الفكرية للإناث، فالأدلة كثيرةٌ على استمرار الاعتقادات الضمنية بأن المرأة عليها أن تكون مُربيةً لا طَموحة ومكافحة.
|
{
"chapter": "آفاق جديدة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/7/"
}
|
عندما أرسل القائد يستدعي الضابط «ريتر» شعر «عثمان» بالأسى … فهو لا يحب استثارة مشاعر الهزيمة عند أحد، وعندما دخل الضابط «ريتر» مطأطئ الرأس، أعطاه «عثمان» ظهره … حتى لا يؤذي مشاعره، إلا أن القائد لم يرحمه؛ بل أمر «عثمان» في حزم أن يستدير ويواجهه ويضع عينيه في عينيه، ولم يستطع «ريتر» أن يرفع وجهه، فمد له القائد يده بخنجر أثار هواجس الشياطين، ووسط ذهولهم أخذه «ريتر» من يده وذبح به نفسه. وصرخ «مصباح» قائلًا: ما هذه القسوة؟ فقال القائد مصححًا: إنها ليست القسوة … إنه القانون. وأثناء ذلك دخل الرجلان فحملا جثة «ريتر»، وخرجا بها، وما أن صعدا بها إلى السطح، حتى علت الجلبة واختلطت أصوات الرجال بين مُطالِب بقتل «عثمان» ومُطالِب بتفسير لما حدث … وشعر الشياطين أن الوقت يجري، وأن عليهم تنفيذ خطتهم وإلا فسيتعرضون للموت … فطلب «عثمان» من القائد الذهاب إلى دورة المياه. وهناك قام بالاتصال ﺑ «أحمد» عبر ساعة يده، فأرسل له تقريرًا كاملًا عن وضعه الحالي وعما يجب أن يفعلوه، وتلقى منه تقريرًا مماثلًا، واتفقوا على الساعة صفر وهي لحظة البداية. وعندما عاد «عثمان» إلى زملائه لم يكن القائد موجودًا، فقال لهم هامسًا: لقد تغلب «أحمد» على من باليخت، وهو الآن في طريقه إلينا. فقالت «هدى» تسأله: وهل اتفقتم على خطة ما؟ فقال «عثمان» مؤكدًا: نعم حدث هذا … والبداية الآن. وفي نفس اللحظة دوَّى صوت انفجار هائل فوق سطح المركب، واشتعلت إحدى الفقاعات الزجاجية، فجرى كل مَن بالسفينة في اتجاه الانفجار، وكانت فرصة لأن يتسرب الشياطين واحدًا تلو الآخر مغادرين السفينة، وحتى لا ينتبه إليهم أحد … فقد دوَّى انفجار آخَر، واشتعلت ثاني الفقاعات الزجاجية. وما أن صاروا تحت سطح الماء وبينهم وبين السفينة مسافة مناسبة، دوَّى صوت انفجار ثالث للفقاعة الثالثة فشُغل مَن بالسفينة عن ظهور يخت الشياطين، وكان يقوده «أحمد»، غير أن القائد تنبه لاختفائهم، فوجه كل مدافعه للماء، وأطلق وابلًا من الرصاص، فغطى به سطح الماء، وشعر الشياطين أن حياتهم في خطر، وأن «أحمد» لا يمكنه الاقتراب باليخت أكثر من ذلك. وكان الأمل الوحيد لديهم هو انفجار رابع فقاعة على سطح السفينة، وقد حان موعده غير أنها لم تنفجر. فشعر الشياطين أنهم في مأزق؛ فلا يمكنهم الاختفاء تحت الماء لوقت طويل، والسيد «شارل» لن يدعهم يفرون منه. وأخيرًا قرروا العودة مرة أخرى إلى السفينة الحربية إلى أن يمكنهم إعداد خطة أكثر حنكة، ويحالفهم فيها التوفيق. وبالفعل خرج «عثمان» من مكمنه رافعًا يده مستسلمًا، ويسبح بالأخرى في اتجاه السفينة ومن خلفه بقية زملائه. وقبل أن يصلوا إليها أنزلوا لهم السلم الميكانيكي … فتسلقوه صعودًا الواحد تلو الآخر، وعلى سطح السفينة كانت فرقة الإطفاء تحاول إطفاء الحرائق التي سبَّبها انفجار الفقاعات الزجاجية. وعندما رآهم القائد فلم يعبأ بهم، بل انصرف ونزل السلم ذاهبًا إلى كبينته. أما هم … فقد مكثوا في حماية الجنود في أحد قوارب النجاة إلى أن أتاهم أحد الضباط يطلب منهم متابعته. وعرفوا أنهم سيذهبون للقائد، ففكروا بسرعة، ليبحثوا عمَّا سيبررون به فعلتهم. وما أن انفتح باب الكابينة ورآهم القائد حتى قال لهم: لماذا هربتم؟ هل أسأنا معاملتكم؟ لقد قتلت أحد ضباطي لأجلكم. فأسرع «عثمان» يقول له مصححًا: أنت لم تقتله من أجلنا … أنت قتلته من أجل ما فعلته به … وقد قلت إن هذا هو القانون عندكم أليس كذلك؟ فقال له القائد: أنت مغرور أيها الشاب الأسمر. فقال «عثمان» ينفي التهمة عن نفسه: لست مغرورًا لكنني أقول الحق. فقال له القائد مهددًا: ألا تخاف الموت؟ فأجابه في لا مبالاة قائلًا: لا أخاف الموت … بل أخاف الحياة. فقرر «شارل» أن يجيبه إلى طلبه وقال له: لن أدعك تموت لكنني سأذيقك كل صنوف العذاب. وفي هذه اللحظة ارتفع دَوِّي انفجار هائل، فقال القائد: لماذا تنفجر هذه الغواصات الصغيرة، هل بها قنابل زمنية؟ فأسرع «مصباح» يقول: وكيف نضع بها قنابل زمنية ونحن نعرف أننا نكون معكم على ظهر السفينة؟ وفي هذه اللحظة دخل أحد الجنود مهرولًا، ثم وقف مستقيمًا أمام القائد وهو يلهث: لقد اشتعلت النيران في غرفة المحركات. خرج القائد يجري ومن خلفه الكثير من ضباطه وجنوده مصطحبين معهم الشياطين، وانتقلت فرقة الإطفاء بمعداتها إلى كابينة المحركات، وما أن تمكنت من التغلب على النار حتى حضر أحد الجنود وهو يجري، وما أن رأى القائد حتى وقف أمامه يحييه. ثم قال: هناك كرة زجاجية تسبح على مقربة من السفينة. فصرخ فيه القائد قائلًا: أين هي؟ فاصطحبه إلى مقدمة السفينة، وأعطاه المنظار، فدار به يمينًا ويسارًا حتى رآه، فصاح قائلًا: ها هو. ثم نادى «عثمان» وسأله قائلًا: هل لكم قائد؟ فقال له «عثمان»: نعم. وكان هذا جزءًا من الخطة، فقد أمر «شارل» البحَّارة بمغادرة الفقاعة وألا يدعها تغيب عن أنظارهم حتى يقبضوا عليها. وكان لزامًا على الشياطين هذه المرة أن يغادروا السفينة دون رجعة، فهذا أهم وآخر جزء في الخطة. وعندما وخزت «عثمان» رسغه، أشار بطرف عينيه لزملائه، فبدءوا ينسحبون واحدًا تلو الآخَر … وقبل أن ينتبه أحد لهم كانوا قد غادروا السفينة … والغريب أن أحدًا لم يكتشف غيابهم، وأن «أحمد» اقترب منه كثيرًا حتى تمكنوا من الصعود إلى اليخت. وقد كان اللقاء حارًّا جمع بين الزملاء، ولم تتمكن «إلهام» من كبح جماح رغبتها في معرفة ما يدور الآن، فقال لها «أحمد»: إنهم يطاردون الفقاعة الزجاجية الخاصة بي، وهي تسير الآن بالتحكم عن بُعد. فقالت «إلهام» معلِّقة: إنهم يريدون أن يقبضوا على القائد؟ فقال «أحمد»: هذا صحيح، وهي الآن قد توغلت في أكبر بقعة زيت تخلفت عن تسرب البترول في الناقلة. فقال «عثمان»: لقد رأيت هذه البقعة، إنها في حجم جزيرة صغيرة. وشعرت «هدى» أن في الخطة بقية شيقة، فقالت له: وهل الخطة أن تتركهم وسط بقعة الزيت؟ فقال لهم «أحمد» ضاحكًا: لا، بل سأقلبهم فيها. ولم تفهم «هدى» ما يقصده «أحمد»، ولم يحاول هو أن يشرح لها؛ لأنها سترى كل شيء بعينيها. وقال يسأل «عثمان»: هل كل أعوان «سوبتك» على ظهر السفينة؟ فقال «عثمان» في ثقة: نعم. فقال له «أحمد» مسرورًا: الآن نقوم بتنفيذ آخِر جزء من الخطة. وفجأة، اكتسى وجهه بجَلد شديد، ثم جلس خلف جهاز التحكم عن بُعد، فطرق بعض الأزرار، ودوَّى في الأفق صوت انفجار مهول، واشتعل مركز بقعة الزيت، وأخذت دائرة النار تتسع وتتسع … وحاولت سفينة «سوبتك» أن تستدير لتعود من حيث أتت هربًا من جزيرة الجحيم، ولكن لم يعُد هذا يجدي، فقد اشتعلت فيها النيران من أسفل، ولم تمضِ دقائق، إلا وكانت تغرق شيئًا فشيئًا وسط ألسنة اللهيب المشتعل. وصاح «عثمان» يقول مبهورًا: يا الله! إنها جزيرة مشتعلة! فعلقت «إلهام» قائلة: إن أعضاء «سوبتك» سقطوا كلهم فيها. فأكمل «مصباح» قائلًا: سيكملون حياتهم في جزيرة الجحيم. فقالت «هدى» معلقة: لأول مرة نطلق الاسم على مهمة بعد أن تنتهي. ثم سألت «أحمد» قائلة: هل أبلغت رقم «صفر»؟ «أحمد»: نعم قلت له، لقد انتهت عملية «جزيرة الجحيم» بنجاح، وهو يهنئكم.
|
{
"chapter": "السقوط في جزيرة الجحيم!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/7/"
}
|
بحلول أوائل القرن السادس الميلادي، ومع انسحاب فيالِقِ روما وظهورِ ممالكَ بربريةٍ مستقلة، لم تعُد شعوب أوروبا الغربية تشعر بقوة الحكومة الرومانية. فقد أدى انهيارُ الإمبراطورية الرومانية إلى تدهورٍ كبير في التجارة وضياعِ كمٍّ هائل من المعرفة القديمة. غير أنه في العام الميلاديِّ الألف، سمح التقدمُ في الزراعة والنقل والمالية، إضافةً إلى تحسُّن المناخ، بزيادةِ عائدات المحاصيل وازدهار التجارة مرةً أخرى. وقد دعَمَت هذه الزيادةُ الكبيرة في الثروة بدَورها انتعاشًا في النشاط العِلمي، وشجَّعَت على التوسُّع في أراضي الممالك الأوروبية، وأدَّت إلى ظهور تدرجاتٍ هرمية اجتماعية أكثرَ تعقيدًا. ومِن ثمَّ أسهَمَت هذه العواملُ جميعُها في جعل مفاهيم الوراثة المتنافِسة أعظمَ أثرًا بكثيرٍ مما كانت عليه طيلة أكثرَ من ٥٠٠ عام. حفَّزَت إعادةُ اكتشاف النصوص الأساسية لأرسطو وجالينوس وتعليقات العلماء العرب؛ ذلك الجدلَ القديم بشأن إسهام الأمِّ في تشكيل نسلِها. مال المدرسيُّون لتأييد نسخةٍ مبسَّطة من أفكار أرسطو لا تُنتج المرأةُ وفقًا لها أيَّ نوع من البذور. ثَمة نصٌّ مجهولُ المؤلف يعود إلى أواخر القرن الثالث عشر، حمَل عنوانًا جذابًا وهو «أسرار النساء» أدَّى إلى توسيع نطاق النسخةِ المبسطة من المبادئ الأرسطية للغاية؛ فقد ورَد في هذا النص أنه إذا قذف قِطٌّ بمنيِّه على عُشب وأكله إنسان دون قصدٍ منه، فربما «تتكون قطط في معدته». على العكس من ذلك، تبنَّى معظمُ أطباء العصور الوسطى النموذجَ الثنائيَّ البذرة الذي قال به أتباع أبقراط وجالينوس. وبناءً على هذا، أكَّد الجراح الفرنسي جي دي شولياك أنَّ «البذرة تُنقح في خصيتَي الرجل والمرأة على حدٍّ سواء». على غِرار أسلافهم القدماء، اعتقد أطباءُ العصور الوسطى أن البذور تُكسِب النسلَ سِمات الأسلاف إضافةً إلى التغييرات التي حدَثَت بفعل تأثيراتٍ أسرعَ زوالًا. وقد تعلموا في مدارس الطب صيغةَ جالينوس الكلاسيكية بشأن اكتساب البذور لطبيعة الأخلاط لدى الوالدَين كِلَيهما. تعلَّموا أيضًا أنَّ البذور قد تنتج من أخلاطٍ أفسدَها مرضُ أحد الوالدين. ولهذا، حذَّر برنارد دي جوردون، وهو طبيبٌ تدرَّب في جامعة مونبلييه، من توريث «البذرة غير النظيفة» التي تتسبَّب في مرض الجذام. إضافةً إلى ذلك، أخَذ كُتَّاب العصور الوسطى من اليونان والرومان مثل بطليموس، ذلك الاعتقادَ بأنَّ المواقع النِّسبية للنجوم والكواكب والقمر في وقتِ حدوث الحمل تقريبًا، لها تأثيرٌ جزئي في محتويات البذرة. فعلى سبيل المثال، نجد أنَّ نصَّ «عن النطفة» الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر، قد حذَّر الآباء ذَوي المزاج السوداوي من ممارسة الجنس في الأوقات التي تؤدِّي فيها حركاتُ الكواكب إلى غلَبة المِرَّة السوداء على بقية الأخلاط في الجسم. ذلك أنَّ هذا سيؤدي إلى ولادة أطفالٍ مُصابين بكآبةٍ لا شفاء منها. قيل أيضًا إنَّ ثَمة عواملَ مختلفة «تاليةً» على الجماع، تؤثر فيما إذا كانت صفاتُ الوالدَين ستظهر في الجيل القادم أم لا. فقد ورَد في نصِّ «أسرار النساء» أنَّ تشكيل الرأس يتأثَّر ببرج الحمَل، بينما يتأثَّر تشكيلُ الرقبة ببرج الثَّور، أما المعدة والأمعاء والأضلاع والعضُدان فيتأثر تشكيلُها ببرج العذراء. وبناءً على هذا، افترضوا أنَّ حدوث اضطراباتٍ في السماء من شأنه تغييرُ مسار نموِّ الأجنَّة. علاوةً على ذلك، أثار مؤلِّفو العصور الوسطى الفكرةَ القائلة بأنَّ خيال الأم قد يُفسِد عملية التكاثر. فنجد أنَّ الراهب الفرنسي فنسنت دي بوفيه نصَح الحوامل من النساء بعدم التحديق على الإطلاق في القرود، إذا أرَدْن تجنُّبَ ولادة صغارٍ تُشبه القرود. لقد اعتقد أطباءُ العصور الوسطى أن أيَّ شيءٍ يؤثر على البذور أو الأجنَّة، حتى وإن نشأ من أسبابٍ عابرة، يمكن أن يُصبح جزءًا لا يتجزَّأ من نسيج الجسم وأن ينتقل إلى جيلٍ أو أكثر. فعلى سبيل المثال، رجَّح برنارد دي جوردون، أنه إذا كان الجُذام ناتجًا عن أي سببٍ حدث قبل الولادة، فإن المصابَ به «يبدو أنه لا يمكن شفاؤه». لم يكن معنى هذا أنَّ الوراثة تُقرر المصير لا محالة؛ فقد أكَّد بعضُ الأطباء أن اتباع أسلوبِ حياةٍ صحيٍّ يمكن أن يَقِيَ من ظهور الجذام الوراثي. بالرغم من ذلك، اعتقد الكُتَّاب في مجال الطب أنَّ السِّمة الوراثية قد تبقى خاملةً في مثلِ هذه الحالات، ثم تُسبب مرضًا فتاكًا في الجيل اللاحق. وبالمثل أيضًا، فعلى خلفيةِ التجارة والغزو، أعاد عددٌ من العلماء البارزين صياغةَ عقيدة الخلط الجغرافي القديمة، مؤكِّدين على أن الاختلافات المادية الناتجة من البيئة قد تُصبح وراثية. ففي القرن الثالث عشر، كتب الأرستقراطيُّ البافاري والراهب ألبرتوس ماجنوس أنَّ الإثيوبيين سُودُ البشرة؛ لأنهم تكوَّنوا في أرحامٍ حارَّة وجافة؛ حيث يحترق المَنيُّ سريعًا تاركًا بقايا ترابيةً داكنة. وأوضح مُعاصِرُه بارثولوميو الإنجليزيُّ أن «البرودة أُمُّ البياض». وقد قيل إن مِثل هذه السِّمات العِرقية تُصبح متأصلةً لدرجة أنها تنتقلُ إلى الأبناء حتى لو هاجر آباؤهم بعيدًا عن موطنهم الأصلي. غير أن قِلةً فقط هم مَن تخيَّلوا أن سِماتٍ كَلَون البشرة ستبقى دون أن يطرأ عليها تغييرٌ أكثرَ من بضعةِ أجيال. فقد زعم ألبرتوس أنه على الرغم من أن الأفارقة الذين ينتقلون إلى الشمال الأكثرِ رطوبةً سيُنجبون أبناءً في سواد «أسلافهم الأوائل»، فسرعان ما سيكتسبُ أحفادُهم اللونَ الفاتح نفسَه الذي يتمتع به جيرانُهم. كانت الاختلافات الوراثية تُرى على أنها مستمرةٌ لكن ليس إلى الأبد. مثلما هو الحال في العالم الكلاسيكي، كان يمكن للعلماء، وحتى مَن هم خارج النطاق الكنَسي والجامعات، التعبيرُ عن تبَعية النساء والأفراد الذين لا ينتمون إلى الجماعة العِرقية أو الاجتماعية، في سياق الوراثة. كان للوضعِ المتدنِّي للمرأة في العصور الوسطى نظيرُه في تصويرها على أنها أدنى مرتبةً من الرجل من حيث إسهامُها في عملية الوراثة. وكان المتوقَّع من النساء أن يَكُنَّ تابعاتٍ مخلصاتٍ لأزواجهن، وأن يُكرِّسن القدْرَ الأكبرَ من اهتمامهنَّ للأمور المنزلية. بِناءً على ذلك، حاجَج العلماءُ بأن البرودة المزعومةَ لأجسادهن وأدمغتهن قد رجَّحَت لديهنَّ العاطفةَ على العقل. فبالنسبة إلى القدِّيس توما الإكويني، وهو فيلسوف لاهوتي إيطالي من القرن الثالث عشر، فإن «النوع الأنثوي يُنتَج … نتيجةَ خطأٍ في القدرة التكوينية للبذرة التي يتعذَّر عليها تحويلُ مادة الجنين إلى الصورة الذكَرية». وأضاف، تماشيًا مع معشوقِه أرسطو، أن المرأة «هي «ذكَرٌ مشوَّه»». من الواضح أن علم الأحياء كان يُعِد النساءَ لأدوارهنَّ الاجتماعية المحددة. أمكن أيضًا التعبيرُ عن التصورات المتعلقة بالشعوب الأجنبية من خلال الاختلافات المتوارثة. فلدَينا قدرٌ وافِر من الأدلة على وجودِ إهاناتٍ عنصرية كانت متداوَلةً على حدود أوروبا العنيفة. فعندما وسعَت الجيوش السكسونية وفرسان التيوتون أراضيَهم إلى الشرق، تحدَّث أحدُ أساقفة القرن الثاني عشَر عن أعدائهم واصفًا إياهم بأنهم «ليسوا رجالًا، بل وحوشًا بشَرية». سادت مثلُ هذه التوجُّهات أينما تعذرَت إقامةُ العلاقات السلمية أو انعدَمَت الرغبة فيها. فعلى سبيل المثال، اعتاد معظمُ حكام الدول الصليبية في الأرض المقدَّسة على تصوير المسلمين على أنهم أدنى أخلاقًا و«مشوَّهين بطبيعتهم»؛ وذلك بسبب تخوُّفهم من محاولة التعاون مع الرعايا المسلمين الذين كانوا يفوقونهم عددًا ويحتقرونهم. بالرغم من ذلك، ظهرَت تصوراتٌ مختلفة بعض الشيء؛ حيث كان للجماعات العرقية مصلحةٌ راسخة وواضحة في تكوين الصداقات والاندماج. في بداية عهد إنجلترا النورمانية، على سبيل المثال، تزوَّج الفاتحون على الفور من العائلات الباقية للنُّخَب الأنجلوسكسونية من أجل تأمين ثرواتهم، وتحييد إمكانية أن يقودوا جيوشًا للمتمرِّدين. كان الأرستقراطيُّون في العصور الوسطى مفتونين بخيالات الدم النبيل، مثلهم في ذلك مثل أسلافِهم من اليونان والرومان. يتجلَّى هذا في كَثرة ما ظهر من شعارات النبالة ورموزها خلال القرن الثاني عشر. قدم رامون لول المولود في ميورقة أساسًا منطقيًّا إنجيليًّا للخُيلاءِ الأرستقراطية التقليدية؛ فكتب أنه بعد طردِ آدم وحواء من جنة عَدْن، مُنِحَت الفروسية «للأكثر ولاءً» لتكون حصنًا له ضدَّ الشر. وقد انتقلت فضائلُ هؤلاء الفرسان الحقيقيِّين من الأب إلى ابنه منذ ذلك الحين. لقد أثار ارتقاءُ وضيعي المولد استفزازَ النبلاء وأقلامَهم المأجورة على حدٍّ سواء للتأكيد على أهمية النَّسَب. واستنادًا إلى منطق ثيوجنيس نفسِه، كتب أحدُ شعراء البلاط إلى ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا عام ١١٩٠: «لا تجعلنَّ من عبدك سيدًا، ودَع الفلَّاح ليقوم بالعمل الملائم له … فهو سيرجع في نهاية اليوم إلى طبيعته.» غير أنَّ حقيقة اتِّسام القدْر الكبير من سلوك الفرسان في واقع الأمر بالوحشية والفظاظة كانت كفيلةً لإنكار بعض الكُتَّاب على الأقل لتأثير الوراثة. وبناءً على هذا، وجَّه أحدُ كهَنة القرن الثاني عشر، وهو لامبرت لو بيج، إلى البابا كاليستوس الثالث سؤالًا وجيهًا: «ألم يخلق الإلهُ خالق الكون جميعَ البشر على وجه الأرض من رجلٍ واحد؟» بحلول أواخر القرن الخامس عشر، كان الفلاسفة والأطباء والنبلاء والجنود في أوروبا يوظِّفون فكرة الوراثة بطرقٍ كانت ستُعَد مألوفةً للغاية لدى الرومان واليونان. فبخلاف محاولةِ التوفيق بين المسيحية وعلم الأحياء الكلاسيكي، لا يُوجَد سوى قدرٍ ضئيل من الأدلة على وجود ابتكارات مَفاهيمية؛ سواءٌ في الاستخدامات التطبيقية للمفهوم أو استخداماته الأيديولوجية. لكنَّ هذا سيبدأ في التغيُّر على مدى القرون التالية مع ظهور الحديث من التقنيات ونُهج اكتساب المعرفة، إضافةً إلى مشاركة الأوروبيِّين المتزايدة في التجارة والاستعمار وتجارة الرقيق.
|
{
"chapter": "الجنس والبذرة والخطيئة في العصور\n الوسطى\n ",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/2/"
}
|
الساعة الآن الخامسة صباحًا. وأنا أقوم بنوبة المراقبة في غرفة القيادة، والجميع نائمون. تركنا ساوثامتون منذ عشرة أيام، وكان القنال الإنجليزي مليئًا بناقلات النِّفْطِ. كانت عشرات الناقلات تغدو وتروح. وهكذا كان أبي وأمي يتبادلان المراقبة في الليلتين الأوليين، ولم يسمحَا لي بذلك. لا أدري لِمَ لا، لم يكن في الجو أيُّ ضباب، وقدرتي على الرؤية لا تقل عن قدرتهما. كنا نعتزم أن نقطع مسافة ٣٢٠ كيلو مترًا في اليوم، أي أن نسير بسرعة ثماني عُقَد، ولكننا لم نستطع تجاوز ٨٠ كيلو مترًا يوميًّا في الأسبوع الأول. كان بارناكل بيل قد حذرنا من خليج بسكاي، ما بين فرنسا وإسبانيا، وهكذا توقعنا سوء الأحوال الجوية فيه، وصَدَقَتْ توقعاتُنا. كانت قوة الريح فيه تصل إلى ٩ وأحيانًا إلى ١٠ عُقَد، وكانت الريح تتقاذفنا هنا وهناك. وظننت أننا سوف نغرق. بل كنت أعتقد ذلك حقًّا، وذات يوم عندما حملتنا موجة عالية رأيت مقدم السفينة بيجي سو يشير إلى أعلى، نحو القمر، فكأنما كانت سوف تنطلق إليه، وإذا بنا ننحدر إلى الجانب الآخر بسرعة خارقة حتى تصورتُ أننا سنغوص إلى القاع. كان الموقف سيئًا. أقصد أنه كان رهيبًا، رهيبًا حقًّا. ولكن بيجي سو لم تتفتت، ونجحنا في الوصول إلى إسبانيا. أحيانًا يضيق صدر والدتي فتبهرنا عندما نرتكب خطأً ما، ولا يبدو أن والدي كان يغضب من ذلك، أقصد هنا — في البحر — بل يكتفي بأن يغمز لي بعينه فنستمر في العمل. كانا يلعبان الشَّطْرَنج كثيرًا عندما يسمح صفاء الجو بذلك. ووالدي متقدم على والدتي بخمسة أشواط مقابل ثلاثة. وتقول والدتي إنها لا تهتم، ولكنها مهتمة، وأستطيع أن أرى الدلائل. لم نقضِ في ميناء لاكورونيا، شمالي إسبانيا، سوى يومين. كانت والدتي تنام كثيرًا، فهي مرهقة حقًّا. قام والدي بعمل بعض الإصلاحات في حبل الدفة عندما كنا هناك. ومع ذلك فلا يزال غير راض عنه. وبدأنا الإبحار نحو جزر الأزور منذ يومين. كان أمس أفضل يوم للإبحار حتى الآن. فالنسائم قوية، والسماء زرقاء، ودفء الشمس الساطعة يكفي لتجفيف الأشياء. كنت علقت الشورت الأزرق الخاص بي على حبل الغسيل لكنه طار ووقع في البحر. غير مهم. لم أكن أحبه كثيرًا على أية حال. شاهدنا طيور الأطْيَش البحرية وهي تغطس في البحر في كل مكان لالتقاط الأسماك عصر هذا اليوم. رائع حقًّا. وأخذت ستلا أرتوا تنبح بجنون. مللت أكل الفاصوليا المعلبة، ولا يزال لدينا مخزون كبير أسفل السفينة. شاهدت أفريقيا اليوم! كان الساحل بعيدًا ولكن والدتي قالت إنها أفريقيا حقًّا. ونحن نبحر بحذاء الساحل الغربي. وبَيَّنَتْ والدتي ذلك على الخريطة. وسوف تدفعنا الريح بجانب الساحل لعدة مئات من الكيلو مترات ثم نعبر المحيط الأطلسي إلى أمريكا الجنوبية. يجب ألا نخرج عن المسار المحدد، وإلا دخلنا نطاق الرَّهْو الاستوائي، وهو نطاق سكون وخمود، لا تهب الريح فيه على الإطلاق، وقد تسكن فيه حركة السفينة أسابيع متوالية، أو حتى إلى الأبد. هذا أشد الأيام حرارة. واكتسى وجه والدي حمرة قانية، وبدأت بشرته عند أطراف أذنيه تتقشر، أما أنا فقد اكتسيت لونًا أسمر كالبندق، مثل والدتي. شاهدت الأسماك الطيارة هذا الصباح، وكانت ستلا معي، ثم لمحت والدتي سمكة من أسماك القرش بالقرب من مقدم السفينة، وقالت إنها تستمتع بدفء الشمس. وأتيت بالمنظار المقرب، لكنني لم أستطع أن أراها قط. وقالت والدتي إن عليَّ أن أكتب عنها في مذاكرتي ولو لم أكن شاهدْتُها، ثم أرسم صورتها. وهكذا اضطُررت إلى قراءة ما كُتب عنها. إنها أسماك بالغة الضخامة، لكنها لا تأكل البشر، بل تقتصر على الأسماك وكائنات البلانكتون الدقيقة. أحب الرسم، وأفضل صورة رسمتها صورة سمكة طيارة. أرسلت بطاقة بريدية إلى إدي من جزر الرأس الأخضر. ليته كان معي هنا، إذن لسعدنا وضحكنا معًا. ستلا تحب الجري وراء كرة القدم في الغرفة ثم تثب فوقها. لسوف تخرقها بأنيابها يومًا ما. أنا واثق من هذا. كان والدي متجهمًا قليلًا في الآونة الأخيرة، وذهبت والدتي لترقد وحدها، فلديها صداع. أظن أنهما تشاجرا قليلًا. لا أعرف سبب المشاجرة، لكنني أظن أنه الشطرنج. غادرنا لتوِّنا ميناء ريسيفي. وهو في البرازيل. مكثنا فيه أربعة أيام. كان علينا القيام بإصلاحات كثيرة في السفينة. كان جهاز توليد الريح يحتاج إلى إصلاح، وحبل الدفة لا يزال يلتصق بالبكرة أثناء الدوران. لعبتُ كرة القدم في البرازيل! هل سَمعْتَ بذلك يا إدي؟ لعبت كرة القدم في البرازيل وبِكُرَتِكَ ذات السعد! كان والدي يشاركني تقاذف الكرة وحسب على الشاطئ، وفجأة وجدنا عشرة أطفال ينضمون إلينا. ولعبنا مباراة حقيقية قام والدي بتنظيمها، وانقسمنا إلى فريقين، أطلقت على فريقي اسم «مدلاركس» وأطلق والدي على فريقه اسم «البرازيل»، وهكذا كان الجميع يريدون أن يلعبوا في فريقه — بطبيعة الحال! — ولكن والدتي انضمت إلى فريقنا وفزنا! كانت النتيجة «مدلاركس» ٥ والبرازيل ٣، وبعد ذلك دعت والدتي الأولاد لشرب الكوكاكولا في السفينة. وأخذت ستلا تزمجر في وجوههم وتكشف عن أنيابها، فاضطررنا إلى حبسها في الغرفة. وحاولوا مخاطبتنا بالإنجليزية، غير أنهم لم يكونوا يعرفون سوى كلمتين «جول» و«مانشستر يونايتد». إذن فهذه ثلاث كلمات! وجاءت والدتي بالصور بعد تحميض الأفلام وطبعها، ومن بينها صورة دلافين تقفز في الهواء، وصورة لي بجوار الرافعة، وأخرى لوالدتي وهي تدير عجلة القيادة، ورابعة لوالدي وهو يقوم بإنزال الشراع الرئيسي بأسلوب بالغ السوء. وكانت من بينها صورة لي وأنا أقذف بقطعة من الصخر في البحر عندما توقفنا في جزر الكناري، وصورة أخرى لوالدي وهو مستغرق في النوم على ظهر السفينة يستمتع بالشمس ووالدتي تقهقه. كانت على وشك أن تضع قطرات الزيت الذي يحمي من الشمس على بطنه (أنا الذي التقطت هذه الصورة، وهي أفضل صورة صورتها). وكان من بين الصور أيضًا صورة لي وأنا أستذكر درس الرياضيات، وقد عبس وجهي وأخرجتُ لساني. يوم عيد الميلاد في البحر. وجد والدي محطة إذاعة تذيع أناشيد عيد الميلاد. وتناولنا البسكويت «المقرمش» لكنه كان قد ابتل قليلًا فلم يصبح «مقرمشًا»، وتناولنا وجبة حلوى عيد الميلاد التي أعدَّتها جدتي لنا. وأهديتُ كلًّا منهما صورة رسمتها، فأهديتُ والدي صورة السمكة الطيارة وأهديتُ والدتي صورة الربَّان، أي صورتها وهي تدير عجلة القيادة وترتدي قبعتها. وأهداني والدي ووالدتي مُدْيَة جميلة حقًّا اشترياها لي في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل. وهكذا رَدَدْتُ إليهما قطعة نقود. هذا هو المفترض أن تفعله. فهو يجلب الحظ الحَسَن. عندما كنا في ريو دي جانيرو قمنا بتنظيف السفينة بيجي سو تنظيفًا متقنًا. كانت تبدو متسخة قليلًا من الداخل ومن الخارج، لكنها لم تعد كذلك. واشترينا مقادير كبيرة من المؤن والماء استعدادًا لقطع المسافة الطويلة إلى جنوب أفريقيا. وقالت والدتي إننا نسير سيرًا حسنًا، ما دمنا نحافظ على اتجاه السير جنوبًا، وما دمنا نلتزم بالإبحار في تيار جنوب الأطلسي المتجه من الغرب إلى الشرق. مررنا جنوب جزيرة تُسمى سانت هيلانة منذ عدة أيام. لم نكن نحتاج إلى التوقف، فليس فيها الكثير. كل ما هناك أنها كانت المكان الذي نُفي إليه نابليون بونابرت. وقد تُوفِّي فيها. من المؤلم أن يموت الإنسان في هذا المكان الموحش. وهكذا كان عليَّ بطبيعة الحال، أن أكتب موضوعًا دراسيًّا عن نابليون في منهج التاريخ. كان عليَّ أن أقرأ ما كُتب عنه في دائرة المعارف وأن أكتب عنه. وقد وجدتُ الموضوع طريفًا لكنني لم أقل لهما ذلك. الكلبة ستلا تقبع متجهمة في سريري. ربما حزنت لأنها لم تتلقَّ هدية عيد الميلاد من أحد. عرضت عليها أن تذوق حلوى عيد الميلاد التي أعدتها جدتي، ولكنها لم تلتفت إليها تقريبًا أو تشمها. وأنا لا ألومها على ذلك! رأيت اليوم شراعًا، يختًا آخر. وهتفنا: عيد ميلاد سعيدًا ولَوَّحْنا بأيدينا، ونبحت ستلا نباحًا شديدًا، ولكن من فيه لم يردوا بسبب بعدهم الشاسع عنا. وعندما اختفى الشراع بدا البحر فجأة خاويًا فارغًا. فازت والدتي في الشطرنج هذا المساء. أصبحت تتقدم على والدي، بواحد وعشرين مقابل عشرين. وقال والدي إنه تركها تفوز بسبب عيد الميلاد. كانا فيما يبدو لا يأخذان الموضوع مأخذ الجد، ولكنَّ كلًّا منهما يريد أن يفوز. أفريقيا من جديد. مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، وجبل تيبُل. ولن نمر بها أثناء إبحارنا وحَسْب هذه المرة بل سوف نرسو بالميناء. هذا ما قالاه لي هذا المساء. لم يكونا يريدان أن يقولا لي ذلك من قبل خشية ألَّا نقدر على ذلك ماليًّا، ولكن لدينا ما يكفي. سوف نمكثُ هنا أسبوعين، وربما فترة أطول. سوف نرى الأفيال والأسُود على طبيعتها في البرية، لا أستطيع أن أصدق ذلك. ولا أظن أنهما يستطيعان التصديق أيضًا. وعندما أخبراني كانا مثل طفلين، ضاحكين وسعيدين، لم يكن ذلك عهدي بهما في المنزل من قبل قط، إنهما يبتسمان لبعضهما البعض حقًّا هذه الأيام. تعاني والدتي من تقلصات في المعدة. ويريد والدي أن يعرضها على طبيب في كيب تاون، لكنها ترفض ذلك. لا بد أن ذلك بسبب الفاصوليا المعلبة. أما الخبر السعيد فهو أن علب الفاصوليا قد نفدت أخيرًا. وأما الخبر السيئ فهو أننا تناولنا عشاءنا من السردين المعلب، أعوذ بالله! كنا قطعنا مئات الكيلو مترات في المحيط الهندي، وإذا بهذا يحدث! فالواقع أن ستلا نادرًا ما تصعد إلى سطح السفينة إلا إذا كان البحر ساجيًا كالحصير. لا أعرف سبب صعودها ولا أعرف لماذا أتت، ربما كنا جميعًا مشغولين وحسب. فوالدي كان يعد الشاي في الطَّابق السفلي، ووالدتي تدير عجلة القيادة، وكنت أنا أمارس تدريبًا عمليًّا في الملاحة بتحديد موقعنا بجهاز السُدْسِيَّة؛ آلة المساحة، وكانت السفينة بيجي سو ترتفع وتنخفض وتتأرجح قليلًا، وكان عليَّ أن أَثْبُتَ في مكاني. ورفعت بصري فشاهدت ستلا واقفة في مقدم السفينة. كانت واقفة وفجأة اختفت. كنا تَدَرَّبْنَا عشرات المرات على عملية إنقاذ من يسقط في الماء من السفينة، في مضيق سولنت. مع بارناكل بيل. لا بد من الصياح وتحديد مكان السقوط، وتكرار الصياح، وتكرار الإشارة إلى المكان. ثم نلتفت إلى مهب الريح، ونقوم بخفض الأشرعة بسرعة، وندير محرك السفينة. وهكذا، فعندما انتهى والدي من إنزال الشراع الرئيسي والشراع المثلث الصغير في مقدم السفينة، كنا قد بدأنا التحرك إلى الخلف ناحية ستلا. كنت أنا أتولى الإشارة إلى المكان الذي سقطت فيه، والصياح المستمر أيضًا. كانت تضرب الماء بقوائمها حتى تنجو من موجة خضراء مقبلة عليها، وكان والدي قد انحنى على جانب السفينة، وأخذ يمدُّ يَدَهُ حتى يصل إليها، لكنه لم يكن يرتدي سترة الأمان، وكانت والدتي في شبه جنون. كانت تحاول أن تجعل السفينة تقترب إلى أقصى حد ممكن وبأبطأ سرعة من ستلا، ولكن موجة عارمة أبعدتها عنا في آخر لحظة وكان علينا أن نستدير ثم نعود من جديد. وكنت أنا أصيح وأشير بيدي إلى ستلا طول الوقت. اقتربنا منها ثلاث مرات، ولكننا كُنَّا نتخطاها في كل مرة. أحيانًا كنا نسير بسرعة أكبر مما ينبغي وأحيانًا لم نكن نقترب منها إلى الحد الكافي. كانت بدأت تفقد قوتها، ولا تكاد تضرب الماء بقوائمها، وبدأت تغوص. كانت أمامنا فرصة أخيرة. اقتربنا منها من جديد، على النحو الصحيح هذه المرة، واقتربنا منها اقترابًا يمكِّن والدي أن يَمُدَّ يده ويمسك بها. وتعاون ثلاثتنا في إخراج ستلا من الماء، قابضين على طوقها الجلدي حول رقبتها وعلى ذيلها. وقال لي والدي: «أحسنت أيها القرد!» وجعلت والدتي تسخر وتضحك من والدي لعدم ارتدائه سترة الأمان. ولم يفعل والدي سوى أن احتضنها فاندفعت تبكي. ونفضت ستلا عن نفسها ماء البحر ثم هبطت إلى أسفل السفينة كأنما لم يحدث شيء على الإطلاق. ووضعت والدتي قاعدة صارمة، وهي عدم السماح مطلقًا للكلبة ستلا أرتوا بالصعود إلى ظهر السفينة، مهما تكن الأحوال الجوية، دون أن نُلبسها سترة الأمان، مثلي ومثل والدي ووالدتي. وبدأ والدي يصنع لها سترة أمان خاصة. ما زلت أحلم بالفِيَلَة في جنوب أفريقيا. أحْبَبْتُ مشيها في تَمَهُّل وتَأَمُّل، وعيونها الدامعة الحكيمة. وما زلت أذكر تلك الزَّرافات المتعالية التي تطل من عليائها عليَّ، وشبل الأسد الذي يرقد وقد وضع ذيل أمه في فمه. ورسمت صورًا كثيرة ولا أزال أنظر إليها حتى تُذَكِّرَني بما شاهدت. والشمس في أفريقيا كبيرة جدًّا، حمراء قانية. أستراليا هي المحطة التالية، بحيواناتها ذات الجراب مثل الكُنْغُر والبُوسوم والوُمْبات. وسوف يستقبلنا العم جون في ميناء بيرث. سبق أن شاهدته في الصور لكنني لم أقابله حتى الآن. وقال والدي هذا المساء إننا لا نرتبط إلا بنسب بعيد، وقالت والدتي: «وهو بعيد جدًّا»، وضحك الاثنان. ولم أدرك الفكاهة المقصودة حتى عدت للتفكير في الأمر عندما حَلَّتْ نوبة مراقبتي. تبدو النجوم أشد لمَعَانًا، ونجت ستلا من الغرق. أعتقد أنني أسعد مما كنت عليه في أي يوم من قبل. اقتربنا من بيرث، في أستراليا، لم أكن أرى حتى اليوم إلَّا المحيط الخالي الخاوي منذ أن غادرنا أفريقيا. يزيد استمتاعي حين تقتصر صحبتنا علينا وعلى السفينة بيجي سو والبحر. وأظن أننا نحس جميعًا هذا الإحساس، ومع ذلك فحين نلمح اليابسة دائمًا ما نحس بالفرحة الغامرة. وعندما لمحنا أستراليا للمرة الأولى تبادلنا الأحضان وجعلنا نتواثب، فكأننا كنا أول ملاحين يكتشفون قارة أستراليا في التاريخ. وأَخَذَتْ ستلا أرتوا تنبحنا كأنما جُنَّ جنوننا! وربما كنا كذلك، لكننا نجحنا! لقد قطعنا مسافة شاسعة من إنجلترا إلى أستراليا بحرًا! أي نصف الطريق حول العالم! وفعلنا ذلك وحدنا. عادت إلى والدتي تقلصاتُ المعدة، سوف تعرض نفسَها قطعًا على طبيب في أستراليا. وعدتنا بذلك وسوف نجعلها تفي بوعدها. نحن في البحر من جديد بعدما يقرب من ستة أسابيع مع العم جون. كنا نظن أننا سوف نمكث في بيرث عدة أيام فقط، ولكنه قال إن علينا أن نشاهد أستراليا كما ينبغي أثناء وجودنا فيها. وهكذا اصْطَحَبَنَا للإقامة مع أسرته في مزرعة ضخمة. آلاف الأغنام. لديه أعداد كبيرة من الخيول، وهكذا قضيت وقتًا طويلًا في ركوب الخيل مع ابنتَي عمِّي الصغيرتين: بِيثْ وليزا، ورغم أنهما لم تتجاوزَا السابعة والثامنة، فهما تجيدان ركوب الخيل. كانتا تدعوانني «مايكي»، وعندما حان رحيلنا كانت كلمنهما تريد أن تتزوجني. لكننا سوف نصبح أصدقاء بالمراسلة بدلًا من ذلك. رأيت حيَّة تُسمَّى ذات الرأس النحاسي. وقال العم جون إنني لو وطأتها بقدمي لقتلتني. وقال لي أن آخذ حذري من العناكب ذات الظهر الأحمر في دورة المياه. وبعدها لم أكن أتردد كثيرًا على دورة المياه. كانوا يسموننا أبناء عمومتهم البريطانيين، وكنا نقيم حفلًا للشواء في الهواء الطلق كل مساء. وقضينا معهم أوقاتًا ممتعة. ولكنني كنت سعيدًا بالعودة إلى السفينة بيجي سو. والحق أنني اشتقْتُ إليها أثناء مقامنا في أستراليا، مثلما أشتاق إلى صديقي الصغير إدي. كنتُ أُرْسِلُ له بطاقات بريدية، وأحيانًا بطاقات عليها صور حيوانات غريبة إذا عثرت عليها. أرسلتُ إليه صورة دُبَّة الوُمْبات. ولقد رأيت هذه الحيوانات فعلًا، ومئات من حيوان البوسوم، والكثير من الكناغر. ولديهم في أستراليا أعداد كبيرة من الببغاوات البيضاء ذوات العُرْف، بل إنها تُعَدُّ بالملايين مثل العصافير لدينا في الوطن. ولكن طيور النورس هنا أيضًا. وأينما ذهبنا في هذا العالم وجدنا دائمًا طيور النورس. والخطة الموضوعة هي أن نرسو في ميناء سيدني على الساحل الشرقي لأستراليا فترة من الوقت، ونستكشف الحاجز المرجاني قليلًا، ثم نبحر عبر بحر المرجان وشمالًا نحو بابوا غينيا الجديدة. تحسنت حالة والدتي كثيرًا بعد تقلصات المعدة. وقال الطبيب في أستراليا إن السبب يمكن أن يكون طعامًا تناولته. وقد شُفِيَتْ الآن على أية حال. الجو حار وخانق حقًّا، لكنه ساكن أيضًا، ولا توجد رياح، ولا نكاد نتحرك. لا أستطيع أن أرى أية سحب، لكنني واثق أن عاصفة ما سوف تهب. هذا ما أحسه. أنظرُ حولي. إنها ليلة حالكة الظلمة. لا قمر ولا نجوم. ولكن السكون قد عاد أخيرًا. سوف أُتم عامي الثاني عشر غدًا، لكنني لا أظن أن أحدًا غيري سوف يتذكر ذلك. مر بنا وقت عصيب، أسوأ مما مر بنا في خليج بسكاي. فمنذ أن غادرنا سيدني توالت العواصف علينا دون انقطاع، وكانت كلمنها تدفعنا شمالًا عبر بحر المرجان. انقطع حبل الدفة. فَعَلَ والدي ما يستطيع ولكن الحبل لا يزال يحتاج إلى إصلاح. جهاز القيادة الذاتية لم يعد يعمل، وهكذا لا بد من وجود أحدنا عند عجلة القيادة طول الوقت، وهذا معناه إما والدي وإما أنا؛ لأن والدتي عاودها المرض، تقلصات المعدة من جديد، ولكنها ازدادت الآن سوءًا، وهي لا تريد أن تتناول أي طعام، وكل ما تتناوله هو الماء المُحَلَّى بالسكر. لم تستطع أن تنظر إلى الخرائط لمدة ثلاثة أيام. يريد والدي أن يرسل إشارة استغاثة ولكن والدتي تمنعه. وتقول إن معنى هذا هو الاستسلام. شاركني أبي في العمليات الملاحية، وبذلنا قُصارى جَهْدنا، ولكنني أعتقد أننا لم نعد نعرف مكاننا. إنهما الآن نائمان في أسفل السفينة. والدي يعاني من الإرهاق الشديد. وأنا أدير عجلة القيادة في غرفة القائد، ومعي كرة القدم التي أهداني إدي إياها، لقد جلبت لنا الحظ الحسن حتى الآن، وهو أشد ما نحتاج إليه الآن حقًّا. نحتاج إلى شفاء والدتي، وإلا أصبحنا في مشكلة حقيقية. لا أعرف إن كنا نستطيع احتمال هبوب عاصفة أخرى. الحمد لله على سكون الجو. سوف يساعد ذلك والدتي على النوم. فالنوم يتعذر حين تتقاذفك الأمواج طول الوقت. الظلام دامس في البحر وستلا تنبح، وتقف على مقدم السفينة. وهي لا ترتدي سترة الأمان. كانت هذه آخر كلمات كتبتها في سجل السفينة والصفحات التالية بيضاء. حاولت أن أنادي ستلا أولًا لكنها لم تأت. وهكذا تركتُ عجلة القيادة تقدمتُ لإعادة ستلا. وأخذتُ الكرة معي لإرضائها وإغرائها بالعودة من مقدم السفينة. وقبعتُ في مكاني وقلت: «تعالي يا ستلا!» وأنا أنقل الكرة من يد إلى يد، وناديتها «تعالي خذي الكرة.» وأحسست بالسفينة تميل قليلًا بسبب الريح، وعرفت حينذاك أنني أخطأت حين تركت عجلة القيادة. وأفلَتَت الكرة من يدي فجأة وتدحرجت فارتميت خلفها؛ لكنها كانت قد وصلت للجانب الآخر قبل أن أُمسكها. كنت مستلقيًا على ظهر السفينة أتابعُ الكرة بنظراتي وهي تختفي في الظلام. كنت غاضبًا أشد الغضب من نفسي بسبب حماقتي الشديدة. كنت لا أزال ألوم نفسي عندما تصورت أنني أسمع صوت غناء. كان أحدهم يغني في مكان ما وسط الظلام. ناديتُ ولكنني لم أتلقَّ ردًّا. إذن، فذلك ما كانت ستلا تنبحه. بحثت مرة أخرى عن كرتي لكنها كانت قد اختفت. كانت الكرة ثمينة جدًّا بالنسبة لي، وثمينة لنا جميعًا. وأدركت عندها أنني فَقَدْتُ لتوِّي ما يزيد كثيرًا عن مجرد كرة قدم. كنت غاضبًا من ستلا، إذ كانت السبب في هذا كله. كانت لا تزال تنبح. ولم أعد أستطيع سماع الغناء. ناديتها من جديد، ودعوتها بالصفير للعودة، لكنها لم تأتِ. نهضتُ واقفًا وتَقَدَّمْتُ، وأمسكتُ بطوقها الجلدي وشددتها ولكنها رفضت أن تتحرك. لم أكن أستطيع أن أَجُرَّها للعودة بها هذه المسافة كلها فانحنيت حتى أحملها. كانت لا تزال رافضة. ثم احتَضَنْتُها بين ذراعيَّ وهي تجاهد للتحرر من قبضتي. وسمعت زفيف الريح من فوقي في الأشرعة، وما زلت أذكر أنني قلت في نفسي: هذا حمق! إنك لا ترتدي سترة الأمان ولا سترة النجاة وعليك أن تتوقف عما تفعله. ثم إذا بالسفينة تميل بعنف وتُلقي بي جانبًا. ولما كنت أقبض بذراعيَّ على ستلا لم أجد الوقت اللازم لأمسك بسور السفينة الحديدي. وقبل أن أستطيع حتى أن أفتح فمي لأصرخ أصبحنا في وسط مياه البحر الباردة.
|
{
"chapter": "سجل السفينة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "مملكة كنسوكي",
"url": "https://www.hindawi.org/books/46315048/3/"
}
|
إنهم ١٣ فتًى وفتاةً في مثل عمرك، كلٌّ منهم يُمثِّل بلدًا عربيًّا. إنهم يقفون في وجه المؤامرات الموجَّهة إلى الوطن العربي … تمرَّنوا في منطقة الكهف السِّري التي لا يعرفها أحد … أجادوا فنون القتال … استخدام المسدسات … الخناجر … الكاراتيه … وهم جميعًا يُجيدون عدة لغات. وفي كل مغامرةٍ يشترك خمسة أو ستة من الشياطين معًا … تحت قيادة زعيمهم الغامض رقم «صفر» الذي لم يرَه أحد، ولا يعرف حقيقته أحد. وأحداث مغامراتهم تدور في كل البلاد العربية … وستجد نفسك معهم مهما كان بلدك في الوطن العربي الكبير.
|
{
"chapter": "من هم الشياطين اﻟ «١٣»؟",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "جزيرة الجحيم",
"url": "https://www.hindawi.org/books/81963931/0.1/"
}
|
للقرن التاسع عشر أهميةٌ خاصة في تاريخ الأفكار المتعلِّقة بالوراثة؛ بسببِ ما تَحقَّق خلاله من تقدُّمٍ هائل في العلوم البيولوجية وما شهده من صراعٍ حادٍّ بين الآراء المتعارضة بشأن طبيعة النوع الاجتماعي، والطبقات الاجتماعية، والعِرْق. فقد استفادت الدراسة العِلمية للوراثة من المجاهر المحسَّنة بشكلٍ كبير، ونشأةِ المختبَرات البيولوجية، والتجارِب الدقيقة التي أُجريَت على تكاثر النبات والحيوانات. بالرغم من ذلك، فمُجدَّدًا نرى أنَّ تقدم العلوم الإنسانية كان أقل؛ إذ بقِيَت خاضعةً لمعتقدات عصرٍ يميل إلى تحقير النساء وغير البيض والطبقات الاجتماعية الدنيا، وهي مُعتقَدات زائفة رغم قوَّتها الأيديولوجية. على الرغم من أنه لم يكن يُوجَد في بدايةِ القرن ما يُمكن معرفتُه عن الموادِّ المكوِّنة للبذور، والبويضات، والحيوانات المنَويَّة، تَمكَّن الباحثون من اكتساب بعض المعرفة عن أنماط التوارُث في الحالات التي وُفِّقوا فيها في اختيار الأنواع التي يَدرُسونها. وفي أوائل القرن التاسع عشر، بدأ مُربُّو النباتات يتوصَّلون إلى رؤًى جديدةٍ مهمة. فأجرى الإنجليزي توماس أندرو نايت تجارِبَ التلقيح الخلطيِّ على أنواعٍ مختلفة من أشجار التفاح والكُمِّثْرى والبرقوق في محاولةٍ لتخليق سُلالاتٍ هجينة أقوى، ولاحقًا زاوَجَ عالمُ النبات الألماني كارل فريدريش فون جرتنر بين ٧٠٠ نوع مختلِفٍ من النباتات لتكوينِ ما يقرب من ٢٥٠ صِنفًا هجينًا. لاحَظ كلٌّ من نايت وجرتنر أنه عند إجراء التلقيح بين نباتَين هجينَين فإن عددًا معيَّنًا من نَسلِهما دائمًا ما يحمل سِماتٍ أشبهَ بسمات السلَفَينِ لا الهجين نفسه. اتضح أنَّ الكائنات الهجينة لا تُولِّد ما يُشبهها باستمرار. فمن الواضح أنَّ بعض سِمات النباتات يمكن أن تختفيَ في الشكل الهجين، لكنها تُعاود الظهور في الجيل التالي. كان ما يراه علماء النبات هو مبادئَ الهيمنة والانعزال، وإن كانوا لم يفهَموها إلا جزئيًّا. حينها أتى دورُ الراهب السيليزي جريجور مندل. انضمَّ مندل الذي كان ابنَ فلَّاحين من المزارعين إلى الدير الأوغسطيني في برنو في عام ١٨٤٣، ولم يكن ذلك بدافعٍ من تَقْوى عظيمة بل لحاجةٍ ماسَّة إلى المال. عُيِّن مدرسًا وأُرسل إلى جامعة فيينا لدراسة العلوم الطبيعية. بعد عودته إلى برنو، بدأ سلسلةً من التجارِب كان الهدفُ منها، على ما يبدو، هو اختبارَ فرضية كارولوس لينيوس القائلةِ بأن الأنواع الجديدة تنشأ نتيجةَ التزاوج بين الأنواع الهجينة. ومن حُسن حظه أنه اختار نوعًا يتميَّز بتركيبٍ وراثي غايةٍ في البساطة، وهو نباتُ البازلاء الصالحُ للأكل. وعلى غِرار سابِقيه في هذا المجال، ولَّد مندل سُلالاتٍ نقيةً من نباتاته، ثم أنتج أنواعًا هجينة. وقد ركَّز في هذه التجارِب على سبع سِمات مختلفة: شكل القَرْن ولونه، وشكل البذور ولونها، وموضع الزَّهرة ولونها، وارتفاع النبات. بعد أن أكَّدت النتائج التي توصَّل إليها من خلال التجارِب التي تضمَّنَت ما يقرب من ٢٩ ألفَ نبتةِ بازلاء، كتب مندل ورقته البحثيَّة «تجارِب على تهجين النباتات» وقرأَها على جمعية برنو للتاريخ الطبيعيِّ في ربيع عام ١٨٦٥. نُشِرَت الورقة بعد عام دون أن تحظى بإشادةٍ كبيرة. قِلةٌ فقط هم مَن فَطِنوا إلى أهمية الورقة، ويعود ذلك بدرجةٍ كبيرة إلى أنه لم يكن ثمة ما يدعو للتفكير في نبات البازلاء الصالح للأكل على أنه يُمثل نمطًا قياسيًّا بأيِّ شكل من الأشكال. وعندما تحوَّل مندل نفسُه من دراسة البازلاء الجدير بالثقة إلى دراسة الأنواع النباتيَّة الأقلِّ تجانسًا، بدأ أنَّ نسبتَه الدقيقة لم تَعُد تتحقَّق. كان حينها قد أصبح رئيسَ دير برنو وهجر البحوث النباتية إلى حدٍّ كبير. ولم ترجع نتائجُ مندل إلى الضوء إلا في عام ١٩٠٠. في غضون ذلك، دوَّى النقاشُ بشأنِ مُرونة البذور والأجنَّة دون أيِّ بارقةِ أمل وشيكة في التوصُّل إلى قرار. وقد أثارت عقيدةُ المخيلة الأمومية شكوكًا أكثرَ من ذي قبل؛ ففي عام ١٨٣٩ أكَّد كاليب تيكنور، أستاذُ الصحة العامة في نيويورك، أنَّ ثمة «أغلبية» الآن «تسخر من الفكرة باعتبارها سخفًا كبيرًا». بالرغم من ذلك، فقد زعم أحدُ أساتذة التوليد في جامعة فيرجينيا عام ١٨٨٩ أن حجم الأدلة يدعم تمتُّع عقل الأم بالقدرة على نقل الصور إلى جنينها. لاقَت الفكرةُ رَواجًا على المستوى الشعبي أيضًا. فقد شاع الاعتقادُ بأنَّ جوزيف ميريك، المعروف باسم «الرجل الفيل» قد اكتسَب تشوُّهاته الشديدةَ نتيجةَ الذُّعر الذي أصاب والدتَه الحامل عندما طرحَها أرضًا أحدُ أفيلة العروض. ظلَّت معظمُ النقاشات المتعلقة بالوراثة محصورةً في إطارٍ كلاسيكي كان يعزو إلى سلوكيات الوالدين والعوامل البيئية التي يتعرَّضان لها؛ دورًا مُهمًّا في تحديد شكلِ ذُريتهما. فعندما كتب تشارلز داروين كتابه «تبايُن الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين» عام ١٨٦٨ سلَّم بأنَّ السِّمات المكتسَبة جسديةٌ وعقلية تنتقل إلى النَّسل في بعض الأحيان على الأقل. وفي إشارةٍ صريحة لأبقراط، ذكَر داروين في «فرضيته المرحلية شمولية التخلُّق» أن جميع خلايا الجسم «تُنتج حبيباتٍ دقيقةً أو ذرَّات» (أطلق عليها اسم «البُرَيعمات») وهي تلتقي في الغُدد التناسلية وتتجمَّع لتُشكل كائناتٍ جديدة. ووفقًا لداروين، فإن هذه العملية يمكن أن تؤدِّيَ إلى أن تُصبح التغيرات التي تطرأ على أجسام الوالدين وراثية. لطالما قَبِل الأطباءُ هذا المنطق بالطبع. فقد قالوا إن الرئة المصابة بالسُّل، والمفاصل المصابة بالنقرس، والدماغ المختل؛ ذلك كلُّه يُنتج بذورًا معيبة تنقل القابلية للإصابة بالأمراض إلى الجيل التالي. وكان الاعتقاد السائد أنَّ نَسْل مَن أفرَطوا في ممارسة الجنس أو تناوُل الكحول معرَّضون بدرجةٍ كبيرة لإلحاق الضرر بأجسادهم وعقولهم؛ ومِن ثمَّ تعريض صحة أحفادهم للخطر. بدا أن علم وظائف الأعضاء يؤيِّد تحذيرات الكتاب المقدَّس من أن «ذنوب الآباء» تُفتقَد في «الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع». وبجرعةٍ كبيرة من الفكر التطهيري الذي تبنَّاه المهاجرون على السفينة مايفلاور، كتب الطبيب سامويل جريدلي هاو من ماساتشوستس: «فلندع الفسيولوجيا تُعلِّم الناس أن كل فُسوق سيتبعه ولا بد عواقبُ وخيمة» في هيئة أطفالٍ مرضى. صارت رؤيةُ علماء الطبيعة للوراثة تعتمِد بشكلٍ كبير على موقفهم من نظرية التطوُّر. ففي العقود الأولى من القرن التاسعَ عشر استنَدَت نظريةُ التطور إلى مفهوم توارث الخصائص المكتسَبة. حثَّ هذا علماءَ الطبيعة، الذين اعتبَروا اللاماركية مفهومًا لا دينيًّا ومشكوكًا فيه من الناحية العِلمية، على أنْ يُعيدوا تعريفَ مَفاهيمهم عن الوراثة بما يحول دون إمكانية التغيُّر التطوري. وتحقيقًا لهذه الغاية؛ أشار البارون جورج كوفييه، عالمُ التشريح الفرنسي الموقَّر الذي انتقد لامارك بشدةٍ حتى في رثائه له عام ١٨٢٩، إلى أنَّ الحيوانات المحنَّطة التي اكتشفها علماءُ الآثار الفَرنسيُّون في أهرامات الجيزة كانت مُطابِقةً هيكليًّا للأفراد التي لا تزال على قيدِ الحياة من الأنواع نفسِها. لذلك، خلص كوفييه إلى ضرورة وجود آليةٍ فسيولوجية تمنع تراكُمَ أوجُه التباين الوراثية الجديدة بما يتجاوز حدًّا ثابتًا وضيقًا. بالرغم من ذلك، كانت مصداقيةُ نظرية لامارك تزداد بمرور كلِّ عَقدٍ من الزمان. فقد أخبرَت الأدلةُ التي كشَفَت عنها طبقاتُ الصخور وأحافيرها المميزة عن أرضٍ قديمة شهدَت تاريخًا طويلًا من حلول الأنواع الجديدة محلَّ الأنواع القديمة. عِلاوةً على هذا، فاكتشافُ أنَّ أنواعًا على تلك الدرجةِ من الاختلاف مثل أسماك القرش والدجاج والخنازير والبشر، تمرُّ جميعها بمراحلَ مماثلةٍ في وقتٍ مبكِّر من تطورها الجنيني قد أشار إلى احتماليةِ أنها ربما تكون قد تطوَّرَت من شكل بدائيٍّ مشترك. تحول داروين إلى الاعتقاد بالتطور نتيجة ما رآه في أثناء إبحاره حول العالم بين عامَي ١٨٣١ و١٨٣٦ على متن سفينة البيجل التابعةِ لخِدْمة جلالة الملكة. ولما كان يقضي أسابيعَ على الشاطئ في كل مرةٍ لجمع العيِّنات، فقد اكتشف حفرياتٍ تجمع بينها وبين حيوانات لم تزَل حية، مثل حيوان الكسلان والقوارض والفِيَلة واللاما، أوجُهُ شَبهٍ قوية. وقد لعب طائرُ جالاباجوس المحاكي أيضًا (وليس الشُّرشُوريَّات) دورًا مهمًّا في اكتشافه هذا. عرَف داروين أن جزر جالاباجوس ذاتُ أصل بركاني حديثٍ إلى حدٍّ ما. وقد أثارَت حقيقةُ وجود نوع مختلِف من الطيور المحاكية في كلِّ جزيرة السؤالَ التالي: هل تدخَّل الإله حقًّا عدةَ مرات لِيَخلق طائرًا مُحاكيًا مختلفًا لكل جزيرة؟ بدا التفسيرُ الأبسط هو أن سلفًا قد طار من البرِّ الرئيسي لأمريكا الجنوبية ثم تكيَّف في أشكال مختلفة على كل جزيرة. أبقى داروين على هَرطقته العِلمية سِرًّا بينما كان يُفكر في الآليات التي يمكن أن تدفع التغيُّر التطوري. وهو لم يشكَّ قط، مثلما رأينا، في إمكانية توارُثِ الخصائص المكتسَبة، لكن أفكاره بشأن أصول الاختلافات الوراثية سرعان ما جعَلَته يتجاوزُ لامارك. كان يعرف أنَّ التعديلات الوراثية العشوائية التي يُطلِق عليها مربُّو الحيوانات والنباتات «المُسوخَ»، تظهر في بعض الأحيان. رأى أن هذه التعديلات كارثيةٌ في المعتاد، لكن يتضح بين حينٍ وآخَر أنَّ أحدَها نافع. قرأ داروين بعد ذلك في سبتمبر ١٨٣٨ كتابَ توماس مالتوس «مقالة عن مبدأ السكان» الذي أصرَّ فيه الاقتصاديُّ العنيد على أن البؤس والموت هما العواقب الطبيعية للتفاوت الأبدي بين النموِّ السكاني والموارد المحدودة. وحينها أدرك داروين بسرعةٍ توحي بعقلٍ مهيَّأ، أن مثل هذه النُّدرة يُمكنها أيضًا أن تُحفز التطور. إذا كان عددُ مَن يولَدون أكبرَ مما يمكن دعمُه بأيِّ حال من الأحوال، وإذا كانت الكائنات الحية تتمتَّع بدرجاتٍ متفاوتة من اللياقة الموروثة، فسيؤدي التنافسُ إلى تفضيلِ بقاء بعض السلالات على الأخرى. وعبر التراكُم البطيء للاختلافات الوراثية النافعة، ستخضع الأنواعُ لتغيراتٍ بمرور الوقت. وحينما أقدم داروين على تأليف كتابه «أصل الأنواع» عام ١٨٥٩، خلص إلى أن الجماعات البرية تختلف كثيرًا لدرجةٍ تجعل عمليةَ «الانتقاء الطبيعي» قائمةً على الدوام تقضي على الكائنات الحية، أو تُبقي عليها بحسَب مدى استعدادِها لاجتياز معركة الحياة المستمرَّة. جمع فهم داروين للوراثة والتطور بين قديمِ المفاهيم وجديدها. فعلى غِرار أسلافه الكلاسيكيِّين، تقصَّى التبايُنَ الوراثي في تفاعلات الأجسام مع البيئات الخارجية. فقد تحدَّث داروين عن «التأثيرات غير المباشرة» للبيئة على «الجهاز التناسلي»، على النحوِ الذي يتسبَّب في إفساد العملية الطبيعية للنسخ، وشذوذ الخلايا الجنسية والأجنة عن النَّموذج الأبَوي. غير أن داروين قد خالف التطوريِّين الأوائلَ في جانبٍ واحد واضح؛ وهو أنه رأى أنَّ معظمَ تلك التغيرات التي تُحفزها البيئة «عشوائية». وحاجَج بأن التعديلات الجديدة لا تكون مفيدةً للكائن الحي إلا بين الحين والآخَر. بحلول عام ١٨٥٩، عندما ظهرَت طبعةُ كتاب «أصل الأنواع»، كانت فكرة التطور قد أصبحَت بالفعل أقلَّ جذريةً بكثير. فقد تكرَّر طرحُ هذه الفكرة بشكلٍ مُوسَّع على يدِ عالم الاجتماع البارز هربرت سبنسر والعديد من مشاهير الكُتَّاب. علاوةً على ذلك، فقد توصَّل ألفريد راسل والاس في عام ١٨٥٨ إلى نظريةٍ مماثلة حتى إنَّ بحثه وبحث داروين قد قُدِّما رسميًّا معًا في اجتماعٍ للجمعية اللينية في لندن. وعلى الرغم من مقاومة العديد من أبناء إنجلترا الفيكتورية للادِّعاء القائل بأن البشَر قرودٌ منتصبةُ القامة، رضَخ معظمُ علماء الطبيعة في غضون مدةٍ قصيرة من الزمن للأدلة الدامغة على تغيُّر الأنواع. غير أنَّ قِلةً فقط هم مَن قبلوا مبادئَ داروين القائلةَ بالتعديلات الوراثية العشوائية والانتقاء الطبيعي. فقد فضَّل معظمُهم الاعتقادَ بأنَّ توارُثَ الخصائص المكتسَبة هو الآلية المحرِّكة للتطوُّر؛ لأنها تشير إلى أن الكائنات الحية تتكيَّف على نحوٍ فعَّال مع بيئاتها. جعل هذا التطورَ يبدو أكثرَ اعتدالًا وكفاءة. وببعض التعديلات، أمكن تقديمُ فكرة لامارك عن «الميل الطبيعي للتقدُّم» باعتبارها الوسيلةَ التي تؤدي إلى تحقُّق خُطةٍ إلهية خيِّرة. على الرغم من رَواج النُّسَخ اللاماركية لنظرية التطور، بدأت الأدلة الداعمةُ للوراثة الجامدةِ في التراكم في ذلك الحين. فقد ساعد الهوسُ بتربية الكلاب النقيةِ السُّلالة على تعليم الطبقات الوُسطى ما كان يعرفه مربُّو الخيول من النخبة منذ مدة، وهو أن السِّمات الموروثة عادةً ما تستمرُّ دون تغيُّر على مدار أجيالٍ مُتعاقبة. وكان معظم المشاركين في عروض الكلاب التي أقيمت لأول مرة في عام ١٨٧٣ مثل عرض «كرفتس»، مقتنعين بأن صفات أنواع الكلاب تنتقل بالتكاثر باتساقٍ دقيق إذا أمكَن تفادي تلوُّثِها ببذور السلالات «الأدنى». نشأَت شكوكٌ مماثلة بشأن الوراثة الليِّنة بين المربِّين من العلماء الذين أُتيح لهم نطاقٌ غير مسبوق لدراسة التباين في النباتات والحيوانات التي تنمو في أجزاءٍ مختلفة من إمبراطوريات أوروبا المترامية الأطراف. تساءل علماء النبات وعلماء الحيوان عمَّا إذا كانت المجموعات الحيوانية والنباتية تتكيَّف بشكلٍ طبيعي مع المناخات المتنوِّعة على نحوٍ يُمكِّنهم من الاستفادة من تربية أنواعٍ غريبة بالقرب من أوطانهم. وفي «حديقة التأقلُم» الباريسية، ربَّى علماءُ الطبيعة آلافَ النباتات وبعضَ الحيوانات مثل الألْبَكة، والياك، والزرافات، والكنغر، والفِيَلة والجِمال، وفرَس النهر، متوقِّعين أنها ستخضع لشكلٍ بيولوجي من أشكال «الفرنسة». لم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدا بوضوح أنَّ افتراضاتهم الداعمةَ للوراثة اللينة قد صارت مُهترئة. فلم يبدُ أن وراثة الأنواع غيرِ الأصلية قد طالها التغيُّر. في الربع الأخير من القرن أجرى عددٌ من الباحثين المزيدَ من الدراسات الرسمية عن توارُث الخصائص المكتسَبة. ففي عام ١٨٧٠، أحضر رجلُ العلم الإنجليزي فرانسيس جالتون عشرات الأرانب البيضاء والرمادية الفِضِّية واستخدم أنبوبًا لتمرير الدم إلى شرايينها السباتية. وزعم جالتون أنَّه إذا كانت بُريعمات داروين موجودةً بالفعل، فسيظهر في نسل الأرانب البيضاء تصبُّغاتٌ باللون الرمادي، وستُنجِب الأرانب الرمادية ذُريةً أفتحَ لونًا. غير أنَّ ذلك لم يحدث. ولهذا قرَّر جالتون أنَّ توارُث الخصائص المكتسَبة ليس له سوى دورٍ ثانوي. وفي ثمانينيَّات القرن التاسع عشر، أضاف عالمُ الأحياء الألمانيُّ أوجست وايزمان إلى الحُجَّة خطوةً أخرى. فقد أكَّد أن المادة الوراثية، أو «البلازما الجنسية»، تبقى منفصلةً تمامًا عن باقي الجسم وتنتقل كاملةً من جيلٍ إلى جيل. ربَّى وايزمان مئاتِ الأجيال من الفئران وقطع ذيولَها. بالرغم من ذلك، فلم يحدث قطُّ أن وُلِدت صغارُ الفئران مبتورةَ الذيول. فأعلن أن هذا دليلٌ واضح على أن خبرات الحياة لا تؤثر فيما يُنقَل إلى النسل. لا شك أنَّ رفض وايزمان للوراثة الليِّنة قد استند إلى عدة عقودٍ أحرز فيها أخصائيُّو الفحص المجهري في المختبرات التي تُموِّلها الدولة في ألمانيا تقدُّمًا هائلًا في فَهم عملية الإخصاب. في أواخر ثلاثينيَّات القرن التاسع عشر، تمكَّن الباحثان الألمانيان ماتياس شلايدن وثيودور شوان، باستخدام مجاهرَ مجهَّزةٍ بعدسات مركَّبة عاليةِ الجودة، من تمييز الخلية بوصفها الوحدةَ الوظيفية الأساسية لدى جميع الكائنات الحية. وفي منتصف القرن أثبتَ البولندي الألماني روبرت ريماك والألماني رودولف فيرشو أن جميع الخلايا تنتج من انقسام الخلايا الموجودة سابقًا. كان ﻟ «نظرية الخلية» الجديدة انعكاساتٌ رئيسية على مجال البحث في كيفية حدوث التكاثر. فمن خلال تحليل بَيض الضفادع، تمكَّن علماءُ الأحياء من إثبات أن بويضة الأنثى خلية. تبيَّن أيضًا أنَّ الحيوان المنويَّ ذو طبيعةٍ خلَوية. إضافةً إلى ذلك، أدى رصدُ الحيوانات المنوية لاحقًا برءوسها المدفونة في الطبقات الخارجية للبيوض إلى تخلِّي علماء الأحياء عن فرضية أن الحيوانات المنوية ليست سوى طفيليات. لكنهم لم يتمكَّنوا في حينِها من تحديد الوظيفة الدقيقة للحيوانات المنوية. فقد اعتقد بعضُ علماء الأحياء البارزين أنها تبقى خارج البويضة، وتنتقل إلى الذرَّات داخل «حركة جوهرية» تُذكِّرنا ﺑ «الروح» التي تحدَّث عنها أرسطو. جلَبَت العقودُ الأخيرة من القرن ثلاثة اكتشافات عميقة الأهمية في مسيرة فهم الوراثة. ظهر أوَّلها خلال سبعينيَّات القرن التاسعَ عشر حين أثبتَ عالمُ الحيوان الألماني أوسكار هيرتويج، في دراسته لقنفذ البحر الأبيض المتوسط، أن الإخصاب يشتملُ في الواقع على «اندماج» نواة البويضة مع نواة أحدِ الحيوانات المنوية. وتَحقَّق ثاني هذه الاكتشافات بفعل تطور المجاهر وتقنيات التصبيغ؛ إذ تَمكَّن علماء الأحياء حينها من رؤية الخيوط السلكية التي نُسميها الكروموسومات، ومن دراسة العمَلية المذهلة لانقسام الخلايا أو «الانقسام الميتوزي». فمن خلال التحديق في عدسات مَجاهرهم العينيَّة، تمكَّنوا من رؤية الكروموسومات وهي تُصبح أكثرَ سُمكًا وتنقسم إلى جُزأَين، ورؤية النصفَين ينتقلان إلى طرَفَين متقابلين في الخلية وينمو بينهما غِشاءٌ جديد. في هذه المرحلة، توجد خليَّتان تحتوي كلٌّ منهما على مجموعةٍ كاملة من الكروموسومات حيث كانت تُوجَد خليةٌ واحدة فقط. أما الاكتشاف الثالث فهو أنَّ الدراسات التي أُجرِيَت على الخلايا الجنسية كشَفَت أنها لا تحتوي إلا على نصفِ الكروموسومات من خلايا الجسم، وأن مادتها حين تجتمع عند الإخصاب تُكوِّن خليةً تحتوي على العدد الكامل من الكروموسومات. لم يُثبت أيٌّ من هذا أن الكروموسومات هي مادة الوراثة. ولم يثبت أيضًا أن الكروموسومات الفردية يختلف بعضُها عن بعض. غير أنَّ مطلع القرن الجديد قد شهد تجرِبةً أجراها عالمُ الأحياء الألماني ثيودور بوفيري، وأشارت بقوةٍ إلى أن كل كروموسوم هو حاملٌ مميز للمادة الوراثية. فقد تلاعب بوفيري بأمشاجِ أجنة قنفذ البحر التي تحتوي في المعتاد على ٣٦ كروموسومًا، لكي يُنتج أجنةً تحتوي أمشاجُها على أعدادٍ مختلفة من الكروموسومات. وقد أثبتَ بهذا أنَّ الأجنَّة ذاتَ الكروموسومات المعتادة الستة والثلاثين هي وحدَها التي أمكن أن تنموَ لتُصبح كائناتٍ حيةً قادرةً على البقاء. لم يقتصر ما استنتجه بوفيري على أن النموَّ الطبيعي يتطلب العددَ الصحيح من الكروموسومات، وإنما استنتج أيضًا أنه لا بد من وجودِ أنواعٍ مميزة من الكروموسومات، وأنَّ جميعها يؤدِّي أدوارًا مختلفة وأساسية في نموِّ الكائنات الجديدة. ظلَّت الكثيرُ من الأمور غيرَ واضحة، لكن الأدلة كانت تتزايد على أن الكروموسومات كياناتٌ مُستقرَّة تنقل الصفات من جيلٍ إلى جيل. على الرغم من كل التطوُّر التقني الذي شهده علمُ الأحياء الجديد، لم تكن ادِّعاءات علماء العصر الفيكتوري بشأن وراثة السمات العقلية تبتعدُ عن المواقف الأيديولوجية التقليدية إلا فيما ندر. فقد كان المختصُّون من النخبة، ومنهم غالبية الكُتَّاب العلميِّين، شديدي الميل لاعتبار أنفسهم ينتمون إلى طبقةٍ وراثية من الأذكياء ومُستقيمي الأخلاق. فزعم فرانسيس جالتون في كتابه «العبقرية الوراثية» الصادر عام ١٨٦٩ أنه استنتج من تجميع أنساب المئات من الشخصيات البارزة، أنَّ الذكاء وراثيٌّ إلى حدٍّ كبير. وكتب عن «مجرات العباقرة» التي يمكن للمرء تكوينُها عن طريق تزويج أفراد النخب، التي تتمتع بقدراتٍ عقلية رفيعة، بعضِهم ببعض. علاوةً على ذلك، أعرَب جالتون وغيرُه من الكُتَّاب عن قلقهم بشأن تكاثُر الطبقات الدُّنيا الناتج عن التصنيع والتحضُّر. فقد كان سكَّان «العشوائيات البشرية الموبئة» في الطرف الشرقي من لندن، أو حي فايف بوينتس في نيويورك، أو شارع دو لا مورتيليري في باريس؛ سببًا لتوجُّس الكثيرين من طبقات صاحبي الأملاك. كانت الفئة المناصرة لهذا الرأي في ازدياد، ونظرَت إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا باعتبارها ميَّالةً بطبيعتها للكسل والإهمال؛ ومِن ثَم فستظل دائمًا خارج نِطاق الحضارة. فقد رأى هربرت سبنسر على سبيل المثال أنه ينبغي حرمانُ الأشدِّ فقرًا من جميع المساعدات الخيرية كي يموتوا آخِذين معهم خصائصَهم البيولوجية المعيبة إلى القبر. تعمَّق هذا النوع من الاحتقار العديم الشفقة فورَ أن كشف علماءُ الدراسات السكَّانية أنَّ الطبقات الدنيا كانت تُنجب من الأطفال أكثرَ ما تُنجبه النخب. وقد حذَّر ويليام جراهام سمنر أستاذُ جامعة ييل من أن البديل الوحيد ﻟ «قانون البقاء للأصلح» هو «البقاء لغير الأصلح». ثَمة كُتَّاب آخَرون قد رأَوا أنه لا يُمكن كبحُ جِماح التدهور العِرقي إلا عن طريق سياساتٍ لتحسين النسل تفرضها الدولة. ودعا مُناصرو هذا الرأي إلى كلٍّ من «تحسين النسل السلبي»؛ أي الحدِّ من تكاثر مَن يفترض أنهم غيرُ ملائمين، و«تحسين النسل الإيجابي»؛ أي مكافأة مَن يبدو أنَّهم أصلحُ لإنجاب المزيد من الأطفال. لاقت فكرةُ تحسين النسل استحسانًا واسعًا بحلول نهاية القرن. في ألمانيا، دعا الدكتور فيلهلم شالماير إلى تحسين النسل؛ لتخليص الدولة من عِبء المرضى المزمنين و«الصعاليك البلهاء». وقال أيضًا إن بعض الذين يُعانون من عيوبٍ شديدة يجب منعُهم من التكاثر. من الواضح أنَّ هذه الادِّعاءات «العلمية» كانت تعكس تقسيمَ العمل على أساس الجنس في أُسَر الطبقة المتوسِّطة والعُليا في العصر الفيكتوري، كما أنها تعكس أيضًا حقيقةَ ارتباط الاحترام الاجتماعي بعدم اضطرار الزوجة للعمل خارج منزل الزوجيَّة. وحتى بعض النساء اللواتي حقَّقْن إنجازًا بارزًا قد اتَّفَقن مع هذه التوجُّهات. فقد شبَّهَت إليزابيث جاسكل جنسَها ﺑ «الإوز الملائكي»، وهي المؤلِّفة الإنجليزية صاحبةُ رواية «الشمال والجنوب» (١٨٥٥). اختلف علماءُ القرن التاسع عشر بشكلٍ كبير بشأن طبيعة الاختلافات بين المجموعات العرقية. ففي أوائل القرن التاسعَ عشر، قِلةٌ فقط هم مَن كانوا على استعدادٍ للحِجَاج بأن خاصيةً جسدية مثل لونِ البشرة يمكن أن تتغيَّر في جيلٍ واحد. وقد اقترب الأكاديميُّ الأمريكي صمويل ستانهوب سميث من تبنِّي موقفٍ بيئي خالص قدْرَ الإمكان. فقد سلَّط الضوء على حالة العبد السابق هنري موس الذي بدأتْ بشرتُه في التحوُّل إلى اللون الأبيض عندما انتقَل إلى فيلادلفيا عام ١٧٩٢. فسَّر سميث ما حدث لموس على أنه دليلٌ على أن السُّود يمكن أن يُصبحوا بِيضًا إذا تعرَّضوا لأشعةِ شمس أكثرَ خفوتًا وللآثار «المبهجة» للحرية و«الحضارة» حتى لو استغرق ذلك في المعتاد أكثرَ من جيل. وقد تبنى مُعارضو العبودية، مثل سميث، هذه النظرياتِ شِبهَ البيئية؛ في محاولةٍ لإثبات «الوحدة البيولوجية للنوع البشري». أصرَّ أصحاب النظريات البيئية في معظم الأحوال على المساواة العقلية الفعلية أو المحتملة بين «الأعراق» البشرية. فقد خلَص العالم البريطاني الواسعُ الاطلاع ويليام هيول إلى أن «الزنجي شقيقُنا»؛ إذ إنه يتمتَّع ﺑ «الملَكات العقليَّة نفسِها» و«المشاعر ودوافع التصرُّف نفسِها التي نتمتَّع بها». أضاف هيول بوضوحٍ أن فاسدي الأخلاق من المزارعين في الأمريكَتَين «يعتقدون أن الزنوج يتمتَّعون بالملَكات البشرية، لكنهم يتظاهرون بعكسِ ذلك من أجل تبرير استعبادهم». غير أنَّ العديد من علماء الطبيعة قد اعترَضوا على هذا الطرح. فقد احتفى جورج كوفييه بالصفات «الراقية» للقوقاز، مُحاجًّا بأن جميع الأعراق أدنى من الأوروبيِّين البِيض. وتمشيًا مع دَحضِه لأفكار لامارك، نفى كوفييه إمكانيةَ تراكُم التحسينات الوراثية بمرور الوقت. أنتج العلم الأمريكيُّ من مجالِ وصف الأعراق البشرية ما يمكن لنا أن نتوقَّع صدورَه من أمةٍ يعتمد نموُّها الاقتصادي على عَرَق الملايين من العبيد السود ومُعاناتهم. صار الطبيب صمويل مورتون من فيلادلفيا مشهورًا بحساب أحجام أدمغة الجماجم من مختلِف الأعراق. وقد ضُمِّنَت بعض القرارات الغارقة في الذاتية بشأن تضمين دفعاتٍ بعينها من الجماجم أو عدم تضمينها أن تؤكِّد بياناته على التسلسل الهرمي العِرقي القياسي الذي يتصدَّره القوقازيون. إضافةً إلى ذلك، فقد احتكم مُعجَبا مورتون، جوسيا كلارك نوت وجورج جليدون، إلى بياناتٍ تشريحية زائفة؛ للدفاع عن وجهةِ نظرهما بأن الأفارقة بحاجةٍ إلى «عباءة العبودية الواقية». ورفض نوت وجليدون نظريةَ «أُحادية المنشأ» الدينيةَ الأكثرَ تقليديةً، التي تقول بأن جميع البشر ينحدرون من جَدٍّ واحد، وفضَّلوا عليها نظريةَ «تعدُّد المنشأ»، وهي النظرية المنافسة التي تقول بأن الأعراق البشرية تُشكِّل أنواعًا منفصلة ينحدِر كلٌّ منها من آدم وحوَّاء مختلفَين. قيَّم أوروبا بعضٌ من «أصحاب نظرية تعدُّد المنشأ» الذين رأَوا أنَّ التاريخ هو نتيجةُ التفاعلات بين الأنواع المتمايزة وغيرِ المتكافئة بيولوجيًّا. من هؤلاء على سبيل المثال، الجرَّاح الاسكتلنديُّ روبرت نوكس الذي قال إنَّ «العِرق أو النسَب الوراثي» هو «كل شيء؛ فهو ما يُكسِب المرءَ طِباعه». وفي فرنسا، أكَّد كونت دو جوبينو على التفوق الدائم للبيض في كتابه «مقالة حول عدم تساوي العروق البشرية» عام ١٨٥٣. أعلن جوبينو أن «الحضارة غيرُ قابلةٍ للنقل» وأن «العِرق الآري» يجب أن يتجنَّب الاختلاطَ مع الأعراق الأخرى مهما كلَّفَه ذلك. نجد صورة متنوِّعة بالقدر نفسِه خارج العالم الأكاديمي حيث كان للتوجُّهات المتعلقة بالمجموعات العرقية الأخرى قوةٌ أكبر بكثير في تقديم المساعدة لها أو الإضرارِ بها. فعلى غِرار ما حدث في القرون السابقة، ازدهرَت توجُّهات التقسيم إلى «هم ونحن» حيثما رغبَت الجماعات المهيمنة في استغلال مجموعاتٍ أخرى أو تقليل المنافسة على المِهَن اللائقة. ففي أمريكا الشمالية وبعد اختراع مَحْلج القطن عام ١٧٩٣، كان الكثير من الجنوبيِّين يَجْنون ثرواتٍ من زراعة القطن على نحوٍ جعَلَهم يُفكرون في احتمالية أن يكون البشرُ متساوين. وفي جنوب أفريقيا، حيث أُقيمت مناجمُ تُدِرُّ ربحًا كبيرًا بعد اكتشاف الذهب في ويتووترسراند والماس في كيمبرلي خلال أواخرِ القرن التاسع عشر، أكَّدَت نقاباتُ البيض على وجود اختلافات بيولوجية ثابتة بين البيض والسود؛ بُغيةَ القضاء على تطلُّعات الأفارقة في شَغْل الوظائف التي تتطلَّب المهارات العاليةَ والأفضل في رواتبها. وعلى النحو نفسِه، كانت الشعوب الأصلية التي حاولَت مقاومة انتهاك المستوطنين البيض دائمًا ما تخضع لهذا التجريد من الإنسانية القائم على أساسٍ أيديولوجي. فقد رأى إل فرانك بوم، مؤلفُ كتاب «ساحر أوز العجيب»، أنه من المستحسَن محوُ «شعب سو الوحشي من على وجه الأرض». وفي أستراليا، كان السكان الأصليون يُضرَبون بالرصاص دون رحمةٍ على يد المستوطنين الذين طَمِعوا في أراضي أجدادهم بهدفِ تربية الأغنام عليها، ويوصَفون عادةً بأنهم محضُ حيوانات. تتجسَّد هذه النظرةُ في كلام الراعي الثريِّ جيمس ماكارثر الذي يقطر بمنطقٍ عِرقي يخدم أغراضه الذاتية: «طُرد السكان الأصليون المتبطِّلون عديمو القيمة من الأرض التي لم يعرفوا كيف يستفيدون منها، ولم يقدروها حقَّ قدرها؛ لإفساح المجال لعِرقٍ أكثرَ نُبلًا من الكائنات.» ثَمة بريطانيٌّ يُدعى جي آر بيبركورن، كان قد وصَل مؤخرًا إلى مستعمَرة كيب في منتصَف القرن، وقد أدرك وجودَ هذا الدافع نفسِه في جنوب أفريقيا ووصفه. فقد قال إن تصوير شعب الزولو على أنهم «متوحِّشون يتعذَّر إصلاحهم» هو «افتراءٌ وذريعة ممَّن يسعَون لنهب حقوقهم الطبيعية كبشر». مثلما هو الحال دائمًا، كان للتوازن النسبيِّ للقُوى أثرُه في مدى رؤيةِ الشعوب الأصلية باعتبارها أدنى مرتبةً من الناحية الوراثية. ففي الهند البريطانية، لعبَت المخاوفُ الاستعمارية دورًا رئيسيًّا في تشكيل المواقف العرقية. ذلك أنه لم يكن من الممكن أن يحكم البريطانيُّون مثلَ هذا الحجم الكبير من الأرض والسكان دون تعاوُنِ الشعوب الأصلية، لكن النخبة البيضاء التي كانت أقلَّ في العدد كثيرًا خشِيَت تزعزُعَ استقرار سلطتها إذا زادت درجةُ الاستيعاب عن حدٍّ معيَّن. ونتيجةً لهذا عامَل البريطانيون المتوترون الهنودَ بازدراء عنصري، لا سيَّما بعد التمرُّد الهندي في العامَين ١٨٥٧ و١٨٥٨. وكانت هذه السلوكياتُ تقف في بعض الأحيان في طريق الإدارة الفعالة للبلاد. فعندما حاولَت الحكومةُ الهندية في عام ١٨٨٣ تمريرَ مشروعِ قانون عبر البرلمان البريطاني يسمح للهنود المؤهَّلين بالعمل في القضاء، خرَجَت خاليةَ الوِفاض من مجلس العموم. وقال أحدُ أعضاء البرلمان إنه لا بد من الامتناع عن فعلِ أيِّ شيءٍ يُقلل ما لدى البريطانيِّين من «شعور فطري بالتفوُّق» على الهنود. وفي أماكن أخرى، شهدَت أيديولوجيات نزع الصفة الإنسانية التي استُخدمت لتبرير الاستعمار والرِّق تقويضًا فعالًا خلال القرن التاسع عشر. حقَّقَت حملاتُ إلغاء العبودية التي شارك فيها العبيدُ السابقون، وأعضاء جمعية الأصدقاء الدينية، والمسيحيون الإنجيليون نجاحاتٍ كبيرةً في الأمريكتين. فقد أعلن دُعاة إلغاء الرِّق أننا جميعًا «خُلقنا على صورة الرَّب». ومما لا يقلُّ عن ذلك أهميةً أيضًا أنَّ غير البيض تمكَّنوا في بعض الأحيان من اكتسابِ درجةٍ من القوة التفاوضية التي أتاحت لهم تحدِّيَ سيادة البيض. كان حدوثُ هذا ممكنًا في الأماكن التي أتاحت لهم الرأسمالية فيها تحقيقَ نجاحٍ اقتصادي. ففي جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، كان بإمكان السُّود الأحرار والخلاسيِّين والمستيزوس من الموهوبين في ريادة الأعمال الذين حالفهم الحظُّ؛ التغلبُ على عقَبات القانون والتحيز. وبفضل تزايُد ثروة الأقلية من غير البِيض، تمكَّنوا من أن يُصبحوا أزواجًا جديرين بأبناء الأصول الأوروبية. وبناءً على ذلك، ألغت الدولةُ الأرجنتينية في عام ١٨٧٠ جميعَ الموانع العرقية للزواج. إضافةً إلى ذلك، استغلَّ غيرُ البيض في الأمريكتين الحروبَ الأهلية للتصدِّي للقوانين العنصرية. ففي أمريكا الإسبانية، انتهَت العبودية العِرقية بعد أن قدَّم غزو نابليون لإسبانيا والبرتغال في العامَين ١٨٠٧ و١٨٠٨ للنخب البيضاء من شعوب الكريول؛ الفرصةَ في الحصول على الاستقلال. ثم إنَّ قادة الثوار في أمريكا اللاتينية كانوا في حاجةٍ إلى العبيد؛ للخدمة في جيوشهم، ومن ثَم وافقوا على منحِهم الحريةَ بعد الاستقلال. لا شك أنَّ التشريعات القانونية في الدول الحديثةِ الاستقلال مثل المكسيك لم تُلْغِ الصورَ النمطية العنصرية أو التمييزَ لأغراض المصلحة الذاتية. غير أنه بينما استمرَّت شعوب الكريول في الرفع من شأن بياض البشرة، لم تبقَ الأمور على حالها. فحيثما صار بإمكان السود، و«الكاستاس»، والهنود حينذاك التصويتُ في الانتخابات، وأن يكون منهم المقاتلون والجنودُ للإطاحة بالأنظمة المحافظة، كان لا بد من أخذِهم على محمل الجِدِّ أكثرَ من ذي قبل. على الرغم من ذلك، فإن العقود التي أعقَبَت تحريرَ العبيد في أمريكا الشمالية عام ١٨٦٣ تؤكِّد مدى صلابةِ التوجُّهات والممارسات العِرقية أمام التغييرات التشريعية. فقد استندَت الصورة الذاتية للأمريكيين البِيض بصفتهم أسمى عِرقيًّا إضافةً إلى مراكزهم في سيادة الاقتصاد إلى تبعية ذَوي الأصول الأفريقية. ولهذا، فقد صاغ البِيضُ الجنوبيون بعد الحرب الأهلية، الفروقَ العرقية القديمة بحزمٍ عاجل، فكان كلٌّ مِن نزعِ حقِّ الاقتراع، والقتل والترهيب، وقوانين مُناهضة الاختلاط العِرقي؛ من ثِمار إلغاء العبودية. كتب تشارلز كارول في كتابٍ كان من الكتب الأكثر مبيعًا عام ١٩٠٠، وكان يُبرر الاستبعادَ الواسع الانتشار للسودِ واستغلالَهم، إنَّ «الرجل الأبيض هو رجلُ الحضارة في المقام الأول». ولا ينبغي لنا أيضًا أن نفترض أن مَن نأَوْا بأنفسهم عن المشاعر العنصرية كانوا أكثرَ إنسانيةً بالضرورة. فالحديث عن الإمبريالية كوسيلةٍ نافعة في إعداد الشعوب الأصلية لحكمها الذاتي على سبيل المثال، لم يزد عن كونه ذَرًّا للرماد في العيون. وسنجد أنَّ روح «المهمة الحضارية» لم تُنشَر بدرجةٍ من الاستغلال أكبرَ من تلك التي شهِدَتها أواخرَ القرن التاسع عشر عندما تحدث الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا عن اختراق «الظلام الذي يُخيِّم على» شعوب أفريقيا، بينما كان يُخطط هو لمغامرةٍ اقتصادية خبيثة، أودَتْ بحياة الملايين في الكونغو. خلال القرن التاسع عشر، اتضح وجودُ فجوة كبيرة بين ما جنَيْناه في المختبرات والحقول والحدائق من معرفةٍ بشأن الوراثة، وبين ما يتعلق بالجنس والطبقة الاجتماعية والعِرق من خرافاتٍ تخدم المصالح الذاتية، قد تأسَّسَت عليها معظمُ الأفكار عن الوراثة البشرية. وحتى إذا كان استخدام آلاتٍ مثل أداة قياس السُّمك وتطور أساسيات علم الإحصاء قد جعل العلمَ البشري يبدو تجريبيًّا، فإنَّ بعض الكُتَّاب لم يدمجوا افتراضاتهم الأيديولوجية في نظرياتهم عن الاختلافات البشرية. لا يعني هذا بالطبع أن مَزاعم علماء أمثال كوفييه، وجالتون، ومورتون أحدَثَت اختلافًا عميقًا في كيفية النظر إلى إخوانهم من البشر ومُعاملتهم على أرض الواقع. فقد ظلَّت الحقائقُ السياسية والاقتصادية هي التي تُحدد المواقف والسلوكيات تجاه النساء، والفقراء، والشعوب غير البيضاء.
|
{
"chapter": "الوراثة في القرن التاسع عشر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/5/"
}
|
ثَمة عواملُ عديدة منحَت مفهومَ التوارث أهميةً جديدة خلال بداية العصر الحديث. أول هذه العوامل هو تجدُّد الحماس تجاه التراث الفكري للحقبة الكلاسيكية القديمة إضافةً إلى اختراع الطباعة، مما أتاح لمزيدٍ من الناس التعرفَ على الأفكار القديمة بشأن الجنس والوراثة. وثانيها أنَّ ظهور الشكوك لاحقًا بشأن صحة النظريات الكلاسيكية، قد دفع بعضَ العلماء إلى تطوير طرقٍ جديدة جريئة لتفسير التشابهِ بين الآباء والأبناء. أما ثالثُ هذه العوامل فهو أنَّ الزيادة الهائلة في توسُّع التجارة الدولية، والاستعمار، والتنقُّل القسري لكلٍّ من البشر والحيوانات، قد جعل من الأسئلة المتعلقة بقُدرة الظروف على التأثير في عملية التكاثر الجنسي حاجةً عملية مُلحَّة. عاد للمَراجع القديمة رونقُها خلال القرنَين الرابع عشر والخامس عشر؛ إذ راح المفكِّرون، تحت رعاية الأمراء والأرستقراطيين، يجوبون مكتبات أوروبا؛ أملًا في العثور على أعمالٍ بارزة مهمَلة لكُتَّابٍ مثل أرسطو وجالينوس وأفلاطون، تخلو من إضافات علماء المسلمين وأخطاءِ النسخ التي قام بها الرُّهبانُ النُّسَّاخ. ونتيجةً لهذا؛ كفل اختراعُ آلة الطباعة في عام ١٤٤٠ تقريبًا تعلُّمَ عددٍ غيرِ مسبوق من الناس للنظريات البيولوجية التي وضَعها القدماءُ في صورة ترجماتٍ جديدة للكلاسيكيات اليونانية والرومانية؛ فقد أصدرَت عواصمُ النشر كالبندقية، وبازل، وباريس خلال القرن السادس عشر ٥٩٠ طبعةً من أطروحات جالينوس وحده. يمكننا إدراكُ مدى الانتشار الذي أصبحَت عليه الأفكار الكلاسيكية بحلول أوائل القرن السادس عشر من محاولة بارتولوميو دا فينشي لاستنساخ أخيه غير الشقيق المتوفَّى. وُلِد ليوناردو دا فينشي لواحدٍ من أبناء طبقة النبلاء في فلورنسا وفتاةٍ من الفلاحين هي أدنى من أن يُذكر اسمُها في سجلِّ المواليد. ولما كان بارتولوميو يعتقد أنه يضمُّ في صُلْبِه ما يُمكِّنه من تكوين ليوناردو جديد، عزَم على أن يجد لنفسه امرأةً من القرية نفسِها. لا بد أنه بدا غريبَ الأطوار في تَجواله عبر فينشي بحثًا عن فتاة فقيرة جديرة ببذرته. على أي حال، تعرَّف على امرأةٍ شابة من أصول ريفيَّة، وجد أنها ملائمة، وتزوَّجَها. وفي عام ١٥٢٩ أنجبَت له ابنه بييرينو، الذي نشأ وسط الكروم والأسطح الفخارية نفسِها التي نشأ فيها ليوناردو. سارت التجرِبة في البداية بسلاسة؛ إذ أصبح بييرينو في سن السابعة عشرة فنانًا مبتدئًا موهوبًا. غير أنه مات بعد ذلك بالحمَّى. كانت جهود بارتولوميو متماشية تمامًا مع المعتقدات التقليدية عن التكاثر. فقد كان الأمل في أن تحمل بذرتُه جوهرَ البراعة الفنية متوافقًا مع المسلَّمة البيولوجية القائلةِ بأنَّ التشابه بين الذرية والآباء هو القاعدةُ العامة في الطبيعة؛ فالرجل الذي لا يُشبه أسلافَه هو، كما كتب الشاعر الإيطالي توركواتو تاسو في القرن السادس عشر، «وحش مشوَّه الخِلقة». غير أنَّ التوقُّع المعتاد بأنَّ الذرية يجب أن تُشبه الآباء كان يعني أيضًا إثارةَ الفضائح إذا كان الطفل لا يُشبه مَن تزوَّجَته الأم. ولاقتناع الطبيب والمؤلف الأندلسي الشهير خوان هورتي بقوة الوراثة، حاججَ في كتابه عام ١٥٧٥ أنَّ الحكومات يجب عليها أن تُنظم قرارات الزواج، فتُزوج النساءَ ذَوات «الذكاء المنخفض» و«الشعر الأشقر الخفيف»، الجميلات برجال «أذكياء» «كثيفي الشعر» «قبحاء». وعلى غرار أسلافهم من العصور الوسطى، حذَّر الأطباءُ مثل هورتي من مخاطر تلويث الأجيال القادمة ببذورٍ أفسدها المرض. عكسَت تجرِبة بارتولوميو إحدى الركائز الأساسية الأخرى في معتقدات بدايات العصر الحديث بشأن التكاثر، وهي أن كِلا الوالدين ينقلان خصائصَ الأجداد إلى نسلِهما. ففي الكتاب صاحبِ التأثير الواسع «علم وظائف الأعضاء» الذي ألَّفه طبيبُ البلاط الفرنسيُّ جان فرنيل عام ١٥٤٢، لا نجد أيَّ تعبيرٍ عن الشك في أن المرأة تُنتج بذورًا، حتى وإن كانت أقلَّ فاعلية من تلك التي يقذفها الذكر. وقد تجسَّد هذا النموذج الثنائي البذرة في كتاب ويليام هارفي «عن تولُّد الحيوانات» الصادر عام ١٦٥١. كان هارفي يفخر بالتزامه بمفاهيم أرسطو؛ إذ كان اكتشافه للدورة الدموية مُستوحًى بعض الشيء من اعتقادٍ أرسطي يقول بكمال الحركة الدائرية. غير أنه عندما بدأ في تشريح الطيور والأيائل السمراء لاستكشاف أسرار التكاثر، خلصَ هارفي إلى أن حياة جميع الحيوانات تأتي من انبثاقٍ روحي من مَنيِّ الذكر إضافةً إلى بويضة الأنثى التي تنقل سِمات الأم إلى نسلها. ظل كثيرٌ من الكُتَّاب يرون أنَّ بذرة الأنثى أضعفُ من بذرة الذكر، لكن قلة منهم قد أنكَرَت وجودها على الإطلاق. أيَّد بارتولوميو أيضًا الرأي التقليدي القائلَ بوجود مجموعة واسعة من العوامل البيئية التي يمكن أن تؤثر في البذور والأجنَّة. وصلَت هذه الطريقة في التفكير إلى جمهور عريض للغاية حين أصدَرَت المطابع منشورات إرشادية عن التكاثر لتُباع للآباء والأمهات الحريصين على تحسين صفات صِغارهم. فقد قيل إنَّ لتوقيت الجماع أهميةً كبيرة. وتمشيًا مع النصائح القديمة، نُصح الرجال والنساء بالامتناع عن التزاوج حتى تصل أجسادهم إلى الحرارة المناسبة. فقد كتب هورتي أن قذف الصبيِّ المراهق يكون رطبًا جدًّا، حتى إن أيَّ طفل ينشأ عنه «سيكون بالتأكيد متخلفًا». قيل أيضًا إنَّه لا بد من تركِ مدةٍ مُلائمة للطعام كي يُهضَم مُكوِّنًا بذورًا ذاتَ جودة عالية. ولهذا؛ كانت ممارسة الجنس بعد تناول الطعام تُعدُّ العملَ الأكثر حماقةً على الإطلاق. الحقُّ أنَّ هورتي قد نصح بأن تُترك بذرةُ الذكر مدةَ ثلاثة أيام قبل الجماع كي «تنضجَ وتُعتَّق». وبهذا يمكنها أن تغلب بذرةَ زوجته الأضعف، مما يَزيد من درجةِ ما يكتسبه الطفل من هيئته، فيتوفر له بذلك تأكيدٌ على أبوَّته. لكن هذا لم يكن يعني إمكانيةَ تيقُّن الزوج من أبوَّته تمامًا. فقد ذكَرت بعض النصوص الشعبية أن المرأة يمكنها أن تُبعد عن نفسها تهمة الحمل من عشيقها إذا التزمَت بتخيُّلِ زوجها خلال ممارستها للزنا وفي أثناء الحمل. كان أوائلُ كُتَّاب العصر الحديث مقتنعين أيضًا بأنَّ الإله قد خلَق البشر على نحوٍ تؤدِّي فيه الخطيئةُ تلقائيًّا إلى ولادة نسلٍ مشوَّه. وكانت ممارسة الجنس مع المرأة الحائض تُعَد أمرًا شنيعًا وخطيرًا للغاية. ورأى الطبيبُ الهولندي ليفينوس ليمنيوس أن البحَّارة على وجه الخصوص أكثرُ عُرضةً لهذا الخطر؛ إذ يعودون من رحلات طويلة متلهِّفين لإشباع رغباتهم المكبوتة و«يُهرَعون بجنونٍ إلى زوجاتهم في عُجالة» دون التوقُّف للاستفسار عمَّا إذا كنَّ في وقتِ الحيض، أم لا. وتحدَّث ليمنيوس عن «وحش» وُلِد بهذه الطريقة لبحَّار وزوجته، له رقبةٌ طويلة و«عينان عدائيَّتان»، وقد قفز من الرحم وركض في أرجاء الغرفة حتى تمكَّنَت القابلاتُ من الإمساك به وخنقِه حتى الموت. كانت مبادئُ الخلط الجغرافي لم تزَل رائجةً إلى حدٍّ كبير عندما ابتكر بارتولوميو دا فينشي تجرِبتَه في التوالد. فعَزا الكُتَّاب الاختلافات في لون البشرة وحتى في الدين والحكومة إلى التبايُنِ في مدى التعرُّض للرطوبة، وضوء الشمس، وتأثير الأفلاك. غير أنهم شعَروا بالحاجة إلى تصحيح جوانبَ معينةٍ من النظرية القديمة. فعندما بدأ الإنجليز في رؤية أنفسِهم على أنهم يؤدُّون أدوارًا رئيسة على مسرح العالم، سخطوا على سُمعتهم الكلاسيكية القائلة بأنهم سريعون في القتال لكنهم بطيئو التفكير. ففي عام ١٦٦٤، رفض رجلُ الدين توماس واكينتون هذه الافتراءاتِ القديمةَ بالإصرار على أن «أمير جميع درجات الحرارة» في الشمال البارد يمنح الإنجليز مزيجًا مثاليًّا من الدم والبلغم، يتجسَّد في «العقول الخلَّاقة» و«الفهم الحصيف». وبحلول هذا الوقت كانت بعضُ الشكوك الأكثر جديةً قد أخذَت في الظهور بشأن صحة التصورات الأبسط من نظرية الخلط الجغرافي. طَوال المدَّة التي لم يتجاوز فيها مجالُ النفوذ الأوروبي شمالَ أفريقيا والبحر الأسود إلا قليلًا، لم تُوجَد سِوى فرصٍ قليلة لاختبار نظرية الخلط الجغرافي. وقد بدأَت النسخة القياسية من هذه النظرية تبدو متزعزعة فورَ أن اخترق البرتغاليُّون والإيطاليون بسُفنهم ساحلَ غرب أفريقيا، وأبحَروا إلى البحر الكاريبي والبرِّ الرئيسي لأمريكا، وداروا حول رأس الرجاء الصالح لِيَصلوا إلى إمبراطوريات التجارة الشاسعة في الشرق. وكلما ابتعد الأوروبيُّون في إبحارهم، بدا التوافق بين أشعَّة الشمس ولون البشرة أقلَّ. لقد فوجئ المؤرِّخ الإيطالي بييترو مارتيري بوجودِ شعوبٍ ذات بشَرة فاتحة نِسبيًّا في منطقة البحر الكاريبي، فبدا الأمريكيون الأصليون في وصفه لهم وكأنهم قبائلُ فايكنج معزولة؛ حيث كتب: «هؤلاء الناس بِيض البشرة، ولهم من الشعر ما هو طويل وأصفر.» كان الأدهى من ذلك لم يزَل في انتظارِ أصحاب النسخة الأكثرِ سذاجةً من نظرية الخلط الجغرافي. فقد اتَّضح بالتجرِبة أن الأطفال المولودين في أنجولا أو منطقة البحر الكاريبي لأبوَين أبيضَين لم يقترن أيٌّ منهما إلا بزوجه لا يخرجون من الرحِم ببشَرةٍ داكنة. انخرط التاجر جورج بست في مناقشة نقائصِ نظرية الخلط الجغرافي؛ إذ ذكر في عام ١٥٧٨: «أنا عن نفسي رأيت إثيوبيًّا أسودَ كالفحم قدم إلى إنجلترا، وتزوَّج من امرأةٍ إنجليزية بيضاء، وأنجب ابنًا أسودَ تمامًا مِثلَه.» وعندما تناول الطبيبُ الإنجليزي السير توماس براون مسألةَ لون البشرة في كتابه الصادر عام ١٦٤٦ بعنوان «تساؤلات بشأن الكثير من العقائد المتلقَّاة والحقائق المغلوطة الشائعة»، وهو بمثابة هجوم لدحض الخرافات المنتشرة في «الأخطاء الشائعة»، اعترف بأنه واثقٌ من شيء واحد فقط، وهو أن لون البشرة ينتقل بدقةٍ من الآباء إلى الأبناء. كيف أمكن إذن التوفيقُ بين السواد الدائم لدى الأفارقة والبياض المزعوم لآدم وحواء؟ حاجَج الكثيرون، استنادًا إلى الأبقراطيين وألبرتوس ماجنوس، أن آثارَ بيئة الأجداد غيرُ دائمة، لكنها تستغرق عدةَ أجيال لتُمحى؛ فقد قدَّر الأب دوبوس، على سبيل المثال، أن الأمر سيستغرق نحو عشَرة أجيال من العيش في الدول الإسكندنافية كي يحصلَ أحفادُ أفارقة جنوب الصحراء الكبرى على خُصَل من الشعر الأشقر وبشرةٍ بيضاء. واتجه آخَرون إلى الدين بحثًا عن تفسيرات. فاقترحَت قلةٌ من هؤلاء الكُتَّاب أن الإله قد خلَق أزواجًا عدةً من آدم وحواء، يُمثل كلٌّ منها عرقًا من الأعراق البشرية. وقدمت قراءة جديدة مغلوطة لقصة لعنة حام الواردة بالكتاب المقدَّس بديلًا أقلَّ ابتداعًا. فبحسب سِفر التكوين، عندما سكر نوحٌ تمامًا وتعرَّى، غطَّى ابناه يافث وسام عُرْيَ أبيهما كما يقتضي الواجب. أما حام فسَخِر من عُريه. وعندما استيقظ نوح، علم بلهوِ حام المُهِين ولعَن كنعان ابنَ حام وسائرَ ذريته بأن يحيَوْا حياةَ العبودية. وصحيحٌ أنَّ هذه الفقرة من الكتاب المقدَّس لا تنطوي على أي إشارة إلى لون البشرة، فإنَّ ذلك لم يمنع الكُتَّاب من الزعم بأن ورَثة حام الملعونين قد وُهِبوا البشرة السوداء التي ورِثَتها جميعُ الأجيال المتعاقبة. واستند بعضُ الكُتَّاب أيضًا إلى اللعنة الحاميَّة لتبرير استعباد الأفارقة. وفي كِلتا الحالتَين، افترضوا أن الصفات الموروثة ثابتةٌ تمامًا. كان الأوروبيون الذين استقرُّوا في إمبراطورياتٍ بعيدة متلهِّفين جِدًّا للاعتقاد بأن جوهرهم العِرقي لن يتغيَّر بالتأكيد. ونزعَت العائلات الإسبانيةُ الأصلِ التي وُلِد أفرادها ونشَئوا في إمبراطورية العالم الجديد الإسبانية؛ إلى الاعتقاد بأنَّ السِّمات الوراثية ثابتة ومستقرة. ذلك أنَّ البديل كان يعني الاعترافَ بأنَّ تمييزهم عن المواطنين الأصليين لن يُصبح ممكنًا في النهاية. وعلى العكس من ذلك، سرعان ما أصرَّ الإسبان الذين أبحَروا من إسبانيا لتولِّي المناصب الإدارية على جَدارتهم بِشَغل أرقى المناصب؛ لأن طبيعتهم لم تتأثَّر بطعامِ أمريكا الوسطى والجنوبية ولا نُجومها، ولا حرارتها ولا رطوبتها. كان لحركة الشعوب بين المناطق المناخيَّة التي شجَّعَت على هذا التدقيق في نظرية الخلط الجغرافي؛ نظيرتُها في نقل الخيول من منطقةٍ إلى أخرى. فعلى الرغم من انتقالها من الأجواء المشمِسة في بلدان البحر الأبيض المتوسِّط أو الشرق الأوسط إلى مناخات الشمال الأكثرِ عتمة، دُهِش مُربُّو الخيول الأرستقراطيون وسَعِدوا عندما اكتشَفوا أن كثيرًا من ذرية خيل الجينيت الإسباني، وخيل نابولي السريع، وخيول البرابرة والأتراك؛ قد احتفَظَت بسِمات نسلِها. وأدرَكوا أن الصفات الفطرية عنيدةٌ للغاية فيما يبدو. لهذا السبب قال الكاتب الإنجليزي توماس بلوندفيل للمشترين أن يكونوا «حذرين جدًّا عند اختيار أول ذكرٍ وأنثى من الخيول». وعلى الرغم من أنَّ هذا الرأي لم يحظَ بموافقة الجميع، فلا شك بأنَّ مَن يملكون ترَف تربية الخيول قد زاد اقتناعهم بأنَّ لنِسَبها أهميةً كبيرة. إلى جانب التبجيل الذي حظيَت به التقاليدُ القديمة، نجد تطورًا مُوازيًا لطرقٍ جديدة في التفكير بشأن كيفية حدوث التكاثر. فخلال القرن السابع عشر، حاججَ عددٌ من فلاسفة الطبيعة بأن مهمة العلم هي شرحُ العالم على أساس العلاقات الماديَّة بين الأسباب والنتائج بقدرِ الإمكان. ويرتبط هذا المنعطَفُ الميتافيزيقي ارتباطًا وثيقًا «بالفلسفة الميكانيكية» للفيلسوف الفرنسي وعالم الرياضيات رينيه ديكارت. فاستنادًا إلى المذهب الذرِّي لديموقريطوس في القرن الخامس قبل الميلاد، زعَم ديكارت أن المادة تتألَّف من ذراتٍ صغيرة وهبَت عند «الخلق» أنواعًا محدَّدة من الحركة. وقال ديكارت إن الفلسفة الطبيعية يجب أن تُعْنى بحركات هذه الجُسيمات الخفيَّة والتصادمات فيما بينها. ورأى ديكارت أنَّ مَن يلجَئون إلى «الأرواح» و«القُوى النَّجمية» و«الموادِّ السماوية» لتفسير ما يجري في العالم إنما يستحضرون كلماتٍ لا تُفسر في الواقع أيَّ شيء. كانت ثقة «الديكارتيين» في هذا المنهج كبيرةً للغاية حتى إنهم حاوَلوا اختزال الإنجاب إلى عملية ميكانيكية فحَسْب. افترَض ديكارت أنَّ بذور الوالدين تتكوَّن من جُسيمات دقيقة تُستخلَص من جميع أجزاء جسدَيهما. وفور دخول البذور إلى الرحم، تخضع لحرارة التَّخمُّر وتبدأ في الدوران. في هذه المرحلة تتجمَّع الجسيمات أو تتفرَّق وفقًا لاختلافاتٍ بسيطة في الحجم، والشكل، والوزن. لكنَّ ديكارت نفسه أدرك عيوبَ هذه النظرية. وأدركها كثيرٌ من الآخرين أيضًا. فقد خلص الفيلسوف الطبيعي الاسكتلنديُّ جورج جاردن في ١٦٩١ إلى أن «جميع قوانين الحركة المكتشفة حتى الآن لا يُمكنها أن تُعطي سوى تفسيرٍ ضعيف لتكوين نباتٍ أو حيوانٍ ما.» تعرَّض ديكارت أيضًا لمزيدٍ من الانتقادات من المجتمعات العلمية الجديدة التي اجتمع فيها الفلاسفةُ الطبيعيون لمشاهدة الطبيعة وهي تخضع للتجرِبة. ففي أماكنَ كالجمعية الملَكية في لندن، التي تأسَّسَت عام ١٦٦٠، نوشد المشاركون بالابتعاد عن التخمين لصالح مُراقبة التجارِب الدقيقة ثم الاتفاق على ما شُوهِد فيها. في هذا السياق، يبدو الحديث عن جسيماتٍ دقيقة دائرةٍ تنظيرًا أهوج. في ذلك الوقت، أدى اختراع المجهر إلى تحسين قدرة الفلاسفة الطبيعيين على التعلم من خلال الملاحظة المنهجية بدرجةٍ كبيرة. وقد مكَّنَت هذه الأداةُ البالغةُ الأهميةِ أيضًا من كشفَين جوهريَّين فيما يتعلق بالجنس والوراثة، وهما رؤيةُ الحيوانات المنوية لأول مرة واكتشافُ الحويصلات المبيضية. ففي عام ١٦٧٧، فحص رائدُ الفحص المجهري الهولندي أنطوني فان ليفينهوك بعضًا من السائل المنوي تحت مجهره وشاهد «ديدانًا منَوية» صغيرة تسبح في كلِّ مكان. أسرعَ بكتابة خطابٍ إلى الجمعية الملكية اعتقادًا منه أنه اكتشف الناقلاتِ الفعليةَ للوراثة من الذكر. وعلى الرغم من أن ليفينهوك عزَّز حُجته بعثوره عليها في السائل المنوي للكلاب والأرانب والأسماك أيضًا، فقد تجاهل معظمُ العلماء هذه «الديدان المنوية» باعتبارها محضَ طفيليَّات. في الوقت نفسِه تقريبًا ظهَرَت أدلةٌ قوية على وجودِ بويضات لدى الإناث. ففي عام ١٦٦٧، شرَّح دانماركيٌّ يُدعى نيكولاس ستينو، كان يعمل لدى دوق توسكانا الأكبر، أنثى قرشِ كلب البحر، وميَّز ما يُشبه البيض في «خُصيتَيها الأنثويتَين». لم تمضِ مدةٌ طويلة حتى لاحظ عالم التشريح الهولندي رينييه دي جراف أنَّ مبيضَي إناث الأرانب يتغيَّران قربَ وقتِ الحمل. فقد لاحظ أنَّ بعض الحويصلات الصغيرة الموجودة على سطحَيهما تختفي تاركةً خلفها نُدْبةً صفراء. تمكَّن دي جراف بعد ذلك من أن يُميز في أرحام أرانبه من الأجنَّة النامية بعددِ ما كان يُوجَد في المبيض من «أجسام صفراء». وحينها بدا افتراضُ أنَّ الحيوانات تتطوَّر من بويضات تُطْلِقها المبايض مُرجَّحًا أكثرَ من أي وقتٍ مضى. كان أتباعُ «نظرية الوجود المسبق» أبعدَ ما يكونون عن السذاجة. وقد لاقَت الفكرةُ قَبولًا واضحًا لدى الفلاسفة الطبيعيِّين الذين ساءهم أنَّ الفلسفة الميكانيكية لديكارت لم تُفسِّر ما تنطوي عليه عمليةُ التكاثر من تعقيدات، لكنهم لم يَرغبوا أيضًا في العودة إلى طرح النُّفوس والأرواح بصفتها تفسيراتٍ للظواهر الطبيعية. إضافةً إلى ذلك، فقد جعَلَت المجاهرُ النظريةَ قابلةً للتصديق. فمع ظهور كائناتٍ بالغة الدقة للعين تحت عدسات المجهر، ازدادت معقوليةُ تصور ملايينِ الأجنة المطويَّة بدقة في مِبيضَي كلِّ أنثى. في الوقت نفسِه، كانت العدسات لا تزال بدائيةً لدرجةٍ لا يمكن معها لأحدٍ أن يضع النظرية في اختبارٍ فعال. وبناءً على هذا، نشأ خلافٌ كبير بين المدافعين عن نظرية الوجود المسبق وأولئك الذين ظلُّوا يرَون أنَّ وجود القُوى الروحية ضروريٌّ جدًّا لتفسير الجنس والوراثة. أدَّت التفسيرات التي طوَّرها العلماء فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي إلى تقديس تبَعية المرأة اجتماعيًّا وسياسيًّا، كما حدث في القرون السابقة. ولمَّا أن حُرِمَت النساء من تلقِّي التعليم، ومُنِعنَ من المشاركة السياسية العلنية، وصار المتوقَّع منهن أن يخضعنَ بلطفٍ لسلطة الرجل داخل المنزل وخارجَه، فإنَّ النساء اللاتي طالبنَ بمزيدٍ من الحقوق، كُنَّ عُرضةً للاتهام بانتهاكِ واجباتٍ تفرضها عليهن طبيعتُهن المتأصلة. وقد عبَّرَت باسوا ماكين، وهي صاحبةُ أكاديميةٍ لتعليم الفتيات في لندن في القرن السابع عشر، عن أسَفِها من الاعتقاد السائد بأن «النساء لم يوهَبْن من العقل ما حُبِيَ به الرجال، وأنَّ التعليم لن يُحسِّن منهنَّ مثلما يفعل بالرجال». إنَّ هذه الصورة للأنوثة المتواضعة قد تعارضَت مع رؤيةٍ أخرى مختلفة للغاية، تُصوِّر المرأة على أنها تفتقرُ بشدة إلى الذكاء حتى إنها لا تستطيع التحكم في دوافعها الأساسية. فقد حاجج الفقيه القانوني الفرنسي جون بودن في القرن السادس عشر بأن أدمغة النساء أصغر من أدمغة الرجال ومن ثمَّ يستسلمن بسهولة لشهواتهن الغرامية. ونتيجة لذلك، على حدِّ قوله، فإنهنَّ كثيرًا ما يقَعْن ضحيةً لأحابيلِ إبليسَ الجنسية. وقد وافق قاضي بوردو المختصُّ بمطاردة الساحرات، بيير دو لونكر، على أن الشيطان «يغلب النساءَ أكثرَ مما يغلب الرجال»؛ لأنهن «بطبيعتهن أكثرُ حماقة». ما من حالةٍ تتجلى فيها قوةُ المصلحة الذاتية الاجتماعية والاقتصادية في الترويج للعنصرية بأوضحَ مما تتجلَّى في حالة العبيد الأفارقة الذين شُحِنوا قسرًا من جنوب الصحراء الكبرى إلى الأمريكتَين. أدرك الأوروبيُّون أنهم يستطيعون جنْيَ الثروات بإنتاج سِلَع مثل السكَّر فيما ضمُّوه إلى أراضيهم من مساحاتٍ شاسعة. غير أنَّ إنتاج السكر كان عملًا شاقًّا وخطيرًا، لدرجةٍ يقلُّ معها عددُ من يرغبون في العمل بالمزارع طواعيةً. ولهذا أنشأ الملَّاكُ والمشرفون مزارعَ السُّخرة التي راحوا ينقلون إليها الأفرادَ من الساحل الغربي لأفريقيا. ولما أن تأسَّسَت المستعمرات على التبعية الوحشية للسود من الرجال والنساء والأطفال السود، فقد بدأ المستعمِرون البيضُ في الحديث عن عَبيدهم الأفارقة، باعتبارهم «أقربَ إلى الوحوش» التي يمكن بيعُها «كما نبيع الأغنام» دون أدنى وازعٍ أخلاقي. لقد دفَعَتهم النفعيةُ الاقتصادية إلى نزع صفة الإنسانية عن الأفارقة. وعلى العكس من ذلك، كان الأوروبيون في كثيرٍ من الأحيان يُسرفون في مدح شعوب الهند، والصين، واليابان. فقد كتَب المُبشِّر الإيطالي نيكي-سولدو أورجانتينو في عام ١٥٧٧ عن الصينيِّين: «يجب ألا تعتقد أن هؤلاء الناس برابرة»؛ لأننا «من دون الإيمان … نُصبح برابرةً عظامًا مقارنةً بهم.» إنَّ هذه الاستثناءات من القاعدة العامة المتمثلةِ في إهانة الأوروبيِّين لغير البيض، تُخبرنا بالكثير عن دوافع أولئك الذين يُطلقون العنان للأيديولوجيات العنصرية. فالأرجحُ أنَّ البرتغاليين والإسبان كانوا عادةً ما يَجْنون من شراء السِّلع الكمالية في الشرق مالًا أكثرَ بكثير مما يَجْنونه من تحويل السكَّان المحليين إلى عبيدٍ بالسخرة في المزارع. ثم إنَّ الأوروبيِّين كانوا يفتقرون إلى التفوُّق العسكري الضروري لتمكينِهم من استغلال السكان الأصليِّين بوحشية. وبدلًا من ذلك، أسفَرَت الحاجةُ إلى التعاون مع الحكَّام الأصليين والتجَّار عن التعاطف وإدانة التنميط العرقي الفج. لو كانت شعوبُ الهند أو الصين أو اليابان عُرضةً على نحوٍ مُميت للإصابة بالحصبة، والجدري، والإنفلونزا، كما كانت شعوبُ الأمريكتَين، فلربما اختلَف الوضع. لكن الحظَّ لم يُحالف الأوروبيِّين هذه المرة؛ فقد اندمجَت مجموعاتُ جراثيم أوروبا والشرق الأقصى منذ مدةٍ طويلة بعد قرونٍ من الهجرة، والتِّجارة، والإغارة. نرى مثالًا صارخًا على كيفيةِ تعزيز الظروف لنزع صفةِ الإنسانية عن الفئات الضعيفة في أوائل العصر الحديث بإسبانيا حيث ظلَّت الكنيسة عدةَ قرون وحتى عامة الناس من المتديِّنين في بعض الأحيان، يُحاولون تحويل اليهود إلى المسيحية. وأخيرًا، في عام ١٤٩٢، عندما أُعطي اليهودُ الإسبان خيارَ التحوُّل عن اليهودية أو مغادرة المملكة، وافق الكثيرون منهم على التعميد. وحينها جَزِعَت العائلات المسيحية القديمة إذ وجدَت أنه صار عليها أن تتنافسَ على المناصب المربحة في الكنيسة والدولة مع «المتحوِّلين» من أصحاب التعليم الجيد نِسبيًّا. ونتيجةً لهذا فقد استثمَروا بحماسٍ في نظرية وراثية شيطنَت اليهود باعتبارهم ينتمون إلى «أنساب منحرفة» تَحول بينهم وبين أن يكونوا مسيحيِّين حقيقيين. ما كان هؤلاء الإسبان المستاءون سوى مجدِّدين للمزاعم القديمة القائلة بأن نَسْل الأُسَر الأرستقراطية هم وحدهم الجَديرون بتبوُّؤِ المراتب العالية. ولم يَبْدُ على الإطلاق أنَّ هذا الزعمَ المغلوط يَضعُف في أوائل العصر الحديث. حقيقة الأمر أنَّ نبلاء أوروبا راحوا يُغْلون من قيمة سُلالاتهم بحماسٍ زائد عندما حاولَت الدولُ الساعية إلى تحقيق المركزية الحدَّ من استقلالهم، وعيَّنَت مُوظفِين من الطبقات الاجتماعية المتوسطة مِمَّن تلقَّوا تدريبًا رسميًّا في المالية والإدارة والقانون. الحق أنه لم يكن ثمة داعٍ كبيرٌ للقلق بالنسبة إلى معظم الأرستقراطيين، يستدعي نعيقَهم بشأن أهميةِ امتلاك نوع الدم الصحيح. فقد كان معظمُ الملوك لا يزالون يطلبون ولاءهم كي يتمكَّنوا من حكم المقاطعات البعيدة عن مقرَّات الحكومة الملكية. علاوةً على ذلك، فإنَّ معظم المترقِّين في المكانة الاجتماعية لم يكن لدَيهم أيُّ اهتمامٍ بتحدِّي مفهوم الطبقة الأرستقراطية عن نفسها بوصفها سلالةً متفوقة. وقد فضَّلوا تزويجَ أبنائهم وبناتهم من النُّخَب القديمة حتى يتمكَّن ورَثتُهم يومًا ما من التباهي بأسلافهم النبلاء. حتى أولئك الأدنى في المكانة الاجتماعية قد استفادوا من مجدِ الولادة الأرستقراطية باصطناع أنسابٍ مُزيفة. وقد عزَّزَت مثلُ هذه الحيل أيديولوجيةَ الدم النبيل. أَوْرَث كُتَّابُ أوائل العصر الحديث لخلفائهم في القرن الثامن عشر ميراثًا من المعتقَدات المختلطة عن الوراثة. فقد كانت الأفكارُ التي تبنَّاها العديد من الأطباء، والفلاسفة الطبيعيون، والآباء، ومُربُّو الحيوانات، والأرستقراطيون، والمستعمرون بشأن كيفية حدوث التكاثر وأنواع الصفات الموروثة، لا تختلف عن أفكار الحقبة الكلاسيكية القديمة إلا قليلًا. بالرغم من ذلك، ظهرَت رُؤًى جديدةٌ مهمة؛ فأولًا: مكَّنَت الملاحظة المنهجية من اكتشاف الحيوانات المنوية والبويضات في مجموعةٍ متنوعة من أنواع الحيوانات، وثانيًا: شجَّع انتقالُ البشر والخيول الرأيَ القائل بأن الاختلافات الوراثية أكثرُ استدامةً مما كان يُزعَم قبل ذلك. إضافةً إلى ذلك، فقد كان لظهور المنهج التجريبيِّ القدرُ نفسُه من الأهمية؛ إذ وفَّر شرطًا ضروريًّا لحدوث التقدُّم العلمي المذهل في القرون التالية.
|
{
"chapter": "الوراثة في أوائل العالم الحديث\n ١٤٥٠–١٧٠٠\n ",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/3/"
}
|
يصفُ هذا الفصلُ مظاهرَ الذكاء، والمهارة، والقُبح التي تطوَّرَت بها الأفكار المتعلقة بالوراثة وانتشرَت منذ أوائل القرن العشرين وحتى الستينيَّات منه. في غضون ستين عامًا، حقَّق علم الأحياء الجزيئية الجديد في فَهْم الوراثة معدلًا من التقدُّم فاق كلَّ ما أُنجِز في هذا المجال خلال الألفيات السابقة. وبالرغم من كلِّ هذه الإنجازات، لم يَنْأَ مجالُ علم الوراثة فورًا عن القوالب النمطية لعلم الأحياء الفيكتوري. فقد دافع بعضُ علماء الوراثة البارزين عن التدرُّجات الاجتماعية، والعِرقية، والقائمة على النوع الاجتماعي. وفضَّل آخَرون التعقيمَ القسري لِمَن اعتُبروا أدنى وراثيًّا، والقتلَ الجماعيَّ لهم في ألمانيا النازية. غير أنَّ الآراء المعارضة لهذه العقائد الماهوية، مثل الأيديولوجيات اليسارية، وحركات الحقوق المدنية، والجهود المتضافرة لمحاربة الإمبريالية قد حفَّزَت ردَّ فعلٍ قويًّا ضدَّ جميع الادعاءات الداعمة لدور الوراثة. واستمرَّت المعتقدات المتباينة جوهريًّا فيما يتعلق بصلةِ الوراثة بشئون البشر في تشكيلِ آراء اجتماعية وسياسية متضاربة. في عام ١٩٠٠، كُشِفَ عن قوانين مندل للانعزال والتوزيع المستقلِّ والسيادة من غياهب التاريخ. فقد ظهر عالمُ الأحياء التجريبيُّ البريطاني ويليام باتسون داعمًا رئيسيًّا للمندلية، بعد أن قرأ تجارِبَ مندل على نباتات البازلاء بينما كان مسافرًا على متن أحدِ القطارات من كامبريدج إلى لندن. قدَّم باتسون مصطلحًا صار الآن مألوفًا، وهو «الأليل» للإشارة إلى شكلٍ من شكلَين مختلفَين أو أكثر من الوحدة الوراثية نفسها، إضافةً إلى مصطلح «متغاير اللاقحة»؛ للإشارة إلى الحالة التي يَحمل فيها الكائنُ الحي أليلَين مختلفين لِسِمة معيَّنة، ومصطلح «متماثل اللاقحة» الذي يشير إلى وجود شكلٍ واحد من أشكال الأليل. في الوقت نفسِه تقريبًا، أسهم العالم الدنماركي فيلهلم جوهانسن بمصطلح «الجين» وقدَّم التقسيم المفاهيمي بين «النمط الجيني»؛ أي ما يرثُه الكائن الحي، و«النمط الظاهري»؛ أي الهيئة التي تظهر عليها الهبة الوراثية. غير أن إثبات صحة نظرية مندل قد استغرق وقتًا. سرعان ما أضاف مختبرُ مورجان إلى هذه النجاحات من خلال استغلال سِمة غير متوقَّعة في سلوك الكروموسوم. فقد كشَفَت تجارِبُ التكاثر أنه على الرغم من أن الجينات التي تُوجَد على الكروموسوم نفسِه عادةً ما تُنقَل معًا، فإنَّ هذه القاعدة لا تنطبق في بعض الأحيان. وبناءً على هذا، فقد يحدث أحيانًا أن يُمثَّل جين الأجنحة الصغيرة الحجم الذي يُوجَد عادةً في كروموسومات الجنس الذكَري في أحد أفراد الذريَّة من الإناث. أصاب «عالم الخلايا»، أو عالم الأحياء الخلوية، البلجيكي فرانس يانسينس في اقتراحه القائل بأنه عندما تلتفُّ كروموسوماتُ الأم والأب بعضُها حول بعض في أثناء الانقسام المنصِّف، قد تتبدَّل أماكنُ بعض الأجزاء فيما بينها في عمليةٍ تُسمى «التعابر». أدرك مورجان وتلميذه إيه إتش ستورتيفانت أنه في حالة وجود جينَين أحدهما قريبًا من الآخر، فإنَّ احتمالية انفصالهما أقلُّ كثيرًا من احتمالية انفصال الجينات التي تُوجَد على مسافاتٍ بعيدة في الكروموسوم. بعد قياس المعدَّل الدقيق لتعابر عشَرات من السِّمات المختلفة في ذبابة الفاكهة، نشر ستورتيفانت في عام ١٩١٣ أول خريطة كروموسومية أوَّلية. بعد ذلك، أوضَح مَن أجْرَوا التجارِب على ذبابة الفاكهة كيفيةَ نشأة الاختلافات الوراثية. وقد اتضح من اكتشاف كروموسومات كبيرة على غير المعتاد في الغدد اللعابية لذباب الفاكهة ذات التصبُّغ المميز للغاية، أنَّ الاختلافات يمكن أن تنشأ خلال انقسام الخلية. وثَّق مختبر مورجان عمليات التعابر الكروموسومي، إضافةً إلى حذفِ بعض أجزاء الكروموسومات أو مضاعفتِها أو عكسِها، ووثَّق أيضًا انتقال أجزاء من الكروموسوم إلى أماكنَ أخرى من الجينوم. ومن خلال دراسة التأثيرات الظاهرية لمثل هذه العمليَّات، بدَءوا في تحديدِ وظيفة نطاقات فردية في الكروموسوم. وفي عام ١٩٢٧، أثبَت أحدُ أمهرِ طلاب مورجان، وهو هيرمان جيه مولر، من خلال ذبابِ الفاكهة أنَّ الأشعَّة السينية تتسبَّب في طفراتٍ جينية. فكلما زاد الإشعاعُ زاد عددُ الأليلات المتحورة. ثَمة باحثون آخَرون أيضًا كشَفوا عن أنَّ الأمراض البشرية تتوافقُ أحيانًا مع أنماط الوراثة البسيطة التي وصفها مندل. في عام ١٨٩٧، عرَّف الطبيبُ الإنجليزي أرتشيبالد جارود مرضَ ألكابتنيوريا باعتباره اضطرابًا وراثيًّا، وهو مرضٌ يجعل البول يتحول إلى اللون البنِّي المائل إلى الأسود. وسرعان ما أدرك باتسون أنَّ هذا المرض ينتج عن جين مُتنحٍّ. وفي مناطق أخرى، وثَّق علماء الأحياء أنماط الوراثة المندلية لفصائل الدم الرئيسية، وكذلك دَور الجينات في أمراض مثل الضُّمور العضلي الدوشيني والعَمى الليلي. أسفَرَت هذه الاكتشافاتُ عن طريقةٍ ثورية جديدة في فَهْم الوراثة جعَلَت كلَّ ما تَحقق قبلها يبدو ساذَجًا للغاية. فبحلول أواخِر العشرينيَّات من القرن العشرين، أدرك علماءُ الوراثة أننا جميعًا نتلقَّى موادَّنا الوراثية من كِلا الوالدين، وأنَّ الجينات تتكوَّن من وحدات مادية دقيقة تصطفُّ على الكروموسومات، وأن الاختلافات الوراثية تنشأ نتيجةَ عبور أجزاء من الكروموسوم خلال الانقسام المنصِّف أو نتيجةً لطفرات صغيرة تُسببها أضرار بيئية مثل التعرُّض للإشعاع. عرَفوا أيضًا أنَّ الجينات تتفاعلُ بطرقٍ مُعقَّدة بعضها مع بعضٍ ومع البيئة. وقد بدا أنَّ هذه الاكتشافات لا تترك أيَّ مجالٍ لتوارُث الخصائص المكتسَبة. فأنَّى أن تُدمَج تَجارِب الحياة التي تؤثِّر على خلايا الجسم في كروموسومات الخلايا الجنسية التي لم تترك الخصيتَين والمبيضَين قط؟ حقيقة الأمر أنَّ نظرية توارث الخصائص المكتسَبة لم تزدهر إلا بفضلِ تروفيم ليسينكو في الاتحاد السوفيتي. ففي عام ١٩٢٧، عرَّض ليسينكو بذورَ القمح للرطوبة والبرد، متوقعًا أن تنبت أسرعَ في الربيع. لم تكن النتائجُ مبهرة. بالرغم من ذلك، بدأ يُقدم الزعم الزائف بأنَّ البذور قد تغيَّرَت وراثيًّا فصار نسلُها مُعَدًّا للإنبات مبكِّرًا. بدا هذا إنجازًا باهرًا؛ إذ كان يعني أنَّ الرُّوس الذين يعيشون في مناطقَ تتَّسم مواسمُ النمو فيها بالقِصَر أن يزرعوا بذورَ ليسينكو ويتوقَّعوا الحصول على محاصيلَ وفيرة. وتحمَّس جوزيف ستالين للقيمة الدعائية لوجود «ابن متواضع من عموم الفلَّاحين المزارعين» يهزم النُّخبَ العِلمية البرجوازية في الغرب، ومن ثَم سمح لليسينكو بالتخلُّص من مُنافسيه المندليِّين. فمات نيقولاي فافيلوف، الذي رفض (على حدِّ تعبيره) أن «يتحول» إلى «المذهب الليسينكووي»، في السجن بسبب سوء التغذية. ساد عِلمُ ليسينكو الزائفُ في الخمسينيَّات من القرن العشرين، وكانت له آثارٌ كارثية على المزارعين الروس الذين تبنَّوا أساليبه. وبعيدًا عن الاتحاد السوفييتي، كان شبح لامارك قد أصبح ساكنًا منذ زمنٍ طويل. بحلول ثلاثينيَّات القرن العشرين، كانت البشريةُ قد علمَت عن الوراثة ما يكفي لأن يتمكَّن علماءُ الأحياء أخيرًا من إدراك التوافُق بين الانتقاء الطبيعي الدارويني وعلم الوراثة المندلية. ففي وقتٍ سابق من القرن، كانت مجموعةٌ من علماء الأحياء البريطانيين عُرفوا باسم «خبراء الإحصاء الحيوي» قد حاجَجوا بأنَّ قوانين مندل لا تنطبق إلا على توارُث الصفات المحددة، مثل ما إذا كانت عينا الشخص زرقاوَين أم بُنيتَين أو ما إذا كانت زهورُ نبات البازلاء أرجوانيةً أم بيضاء. أما السمات التي تختلف باستمرار، مثل الطول والوزن، فقد أصرُّوا على أن وراثتها تنطوي على انتقال أعدادٍ لا تُحصى من الوحدات الممتزجة التي لا يمكن لها جميعًا أن تنعزل. زعَم خبراء الإحصاء الحيويِّ أيضًا أن التطوُّر يحدث من خلال الانتقاء الطبيعي لعددٍ كبير للغاية من الاختلافات الصغيرة لدى جماعةٍ ما. وفي المقابل، أصرَّ المندليون الأوائل على أن جميع السِّمات تخضع لقوانين مندل، وأن التطور يحدث من خلال الطفرات الكبيرة المفاجئة نِسبيًّا. قالوا أيضًا إنَّ التطور التدريجيَّ على النمط الدارويني لا يمكن أن يحدث لأنَّ الاختلافات الوراثية الصغيرة ستختلط دائمًا وتَئول إلى الاندثار عندما تتزاوجُ الكائنات الحية مع غيرها من أفراد النوع. حدث التوافقُ بين الرأيَين تدريجيًّا. أظهر علماءُ الوراثة أن الأنماط الظاهرية يمكن أن تختلف باستمرارٍ في الجماعات، لكنها تظلُّ نتاج عدد قليل من الجينات التي تتبع القوانين المندلية. بعبارةٍ أخرى، تَنتج معظمُ الصفات عن جيناتٍ متعدِّدة لا يكون لكلٍّ منها على حدةٍ سوى تأثيرٍ متواضع. وجمَع علماء الأحياء أيضًا الكثيرَ من الأدلة على وجود مستوياتٍ عالية من الاختلاف الجيني بين الجماعات تسمح بعمل الانتقاء الطبيعي الدارويني وَفقًا لها. إضافةً إلى ذلك، ففي العشرينيَّات والثلاثينيات من القرن العشرين، ظهر بالأدلة الكمية على يد سيوال رايت في أمريكا وآر إيه فيشر وجيه بي إس هولدين في بريطانيا أنَّ الانتقاء الطبيعيَّ يقود التغييرَ التطوُّري من خلال العمل على هذه المتغيرات الجينية العشوائية الصغيرة. وقد صار هذا الاتحادُ بين علم الوراثة المندلي والانتقاء الطبيعي معروفًا باسم «التخليق التطوري». في أوائل القرن العشرين، أدَّى اكتشافُ وجود قواعد صارمة محددةٍ للتوارث إلى تغييرِ التصوُّر المعتاد عن أهمية دراسة الوراثة. وبعد أن كان مجالًا هامشيًّا إلى حدٍّ ما، بدأ علمُ الوراثة في جذب التمويلات الكبيرة ودعمِ المؤسسات. نشأ هذا الدافعُ لتمويل العمل في علم الوراثة نتيجةً لإدراك أمرَين؛ أولهما أنَّ المندلية قد تُحدِث ثورةً في التربية التِّجارية للنباتات والحيوانات، والثاني أنها قد تُوفر المعلوماتِ اللازمةَ لتنظيم التكاثر لدى البشر. كانت تربية المحاصيل والماشية في ضوء قوانين مندل تُبشِّر بقدرتها على إطعام أعدادٍ كبيرة من الجماعات الحضارية في العصر الصناعي. وسرعان ما أُنشِئَت مراكزُ تجريبية لدراسة الوراثة النباتية والحيوانية في أوروبا وأمريكا. عملت الكليةُ الزراعية ببرلين عن كثبٍ مع المربِّين التجاريِّين، في حين عيَّنَت وزارة الزراعة الأمريكية علماءَ درَّسوا المندلية بهدفِ إنتاج سُلالاتٍ هجينة جديدة من الذُّرة. ومن اللافِت للنظر أن أول جمعية تشكَّلَت لعلم الجينات كانت جمعيةَ المربِّين الأمريكيين، التي تأسَّسَت عام ١٩٠٣ لتطبيق الوراثة المندلية ﻟ «تحسين النباتات والحيوانات». أدَّت الرغبة في التحكم في التكاثر لدى البشر إلى تشكيلِ دافعٍ آخَر. ففي بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا والدول الاسكندنافية وغيرها، استغلَّ علماءُ الأحياء المندليةَ باعتبارها تُقدِّم أساسًا عِلميًّا لتنظيم التكاثر. وتحقيقًا لهذه الغاية، موَّلَت مؤسسةُ كارنيجي مكتبَ سجلِّ تحسين النسل في لونج آيلاند، الذي ترأَّسَه المندلي وعالمُ تحسين النسل تشارلز دافنبورت. وبتوجيهِ المدير هاري لافلين، أصدر العاملون الميدانيُّون آلافَ الاستبيانات التي تمكَّنوا من خلالها من تحديد الأنساب. مدفوعين بالحماس لا الدقة في كثيرٍ من الأحيان، سعى هؤلاء لإثباتِ أنَّ سماتٍ مثل إضمار الأحقاد ونزف الدم الوراثي والذكاء والبرود الجنسي، وحتى تربية النحل، على تنوُّعها الشديد، تخضع جميعُها لقواعدِ التوارث المندلية. وعلى غِرار العديد من مُعاصريه من علماء الأحياء، ترسَّخ في اعتقاد لافلين أنَّ الجريمة والدِّعارة، والمرض العقلي والفقر، كل ذلك ينتج عن جيناتٍ يمكن استئصالها عن طريق التعقيم القسري. وجد تحسينُ النسل في علماء الوراثة في أوائل القرن العشرين قاعدةً عريضة من المؤيدين. بالرغم من ذلك، لم يؤيِّدْه الجميعُ بحماس؛ فقد أدان تي إتش مورجان، على سبيل المثال، «التصريحات المتهوِّرة» للداعين لتحسين النسل. لكنَّ آخَرين اعتبروا أنه الفرع التطبيقيُّ لمجال علم الوراثة، ليس إلا. وبدعمٍ من علماء الأحياء مثل دافنبورت، سُنَّت في نهاية العشرينيَّات من القرن العشرين قوانينُ التعقيم الإجباري في أربعٍ وعشرين من الولايات الأمريكية. وبإلهام من قوانين التعقيم الأمريكية، درَّس علماء الأحياء الألمان علم تحسين النسل في العشَرات من المقررات الجامعية. فنجد أنَّ عالِمَي الأحياء المرموقَين، يوجين فيشر وفريتز لينز قد أيَّدا فكرة تحسين النسل في كتابٍ شهير قرأه أدولف هتلر عندما كان في السجن إثرَ محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها عام ١٩٢٣. وثَمة أمورٌ ثلاثة على الأقل جمَعَت بين علماء تحسين النسل هؤلاء: أولها تلك المغالاة الشديدة في تقدير قوةِ الوراثة، وثانيها رؤية الحياة من منظورِ تحليل التكلِفة للجودة الجينية المفترضة، وثالثها الرغبة في تحسين الوضع المهني، وهو ما كان يُمكنهم توقعُه إذا أصبحوا هم أصحابَ القرار فيمن يجب أن يُسمح له بالتكاثر. علاوةً على ذلك، حظيَت مذاهبُ تحسين النسل بالتأييد الكبير بين رجال الطبقة المتوسطة ونسائها ممَّن هم خارج النطاق الأكاديمي؛ إذ أزعجَتهم الأعباءُ الضريبية المرتفعة وحجم القذارة والجريمة في المجتمعات الحضرية. تضخَّم عدد الأعضاء من العامة في جمعيات تحسين النسل نظرًا إلى اقتناع قطاعاتٍ من الجمهور بأن الطبقات الاجتماعية الدُّنيا قد شكلَت بقايا من البشر الضعفاء أخلاقيًّا وفكريًّا، وأنَّ الطبقات المتحضرة عرضةٌ لخطر أن يطغى عليها المعادون للمجتمع وغير المنتجين. وعندما وافقَت المحكمةُ العليا في أمريكا على تعقيم شابةٍ يُزعم أنها «بلهاء» كانت تُدعى كاري باك، تضاعفَ معدَّل التعقيم القسري من ١٦٠٦٦ في عام ١٩٣٢ إلى ٣٣٠٣٥ في عام ١٩٣٩. وسرعان ما كان لكَندا، والدنمارك، والسويد، وفنلندا، والنرويج قوانينُ التعقيم الخاصة بها. لقد رأى علماءُ تحسين النسل مثل دافنبورت أنَّ ضعف الذكاء، والإجرام، والانحلال الأخلاقي تنتج عن جيناتٍ مندلية فردية أفسَدَت الفقراءَ من السكان الأصليِّين والمهاجرين. وعلى أيدي «علماء القياس النفسي»، أصبحَت اختباراتُ الذكاء الجديدة وسيلةً مفضَّلة لتأكيد مثلِ هذه التحيُّزات. فأجرى روبرت إم يركيس، الذي تلقَّى تدريبه على يد دافنبورت، اختبارات الذكاء لمليون و٧٠٠ ألف رجل جُنِّدوا للقتال في الحرب العالمية الأولى. وقد كان أداء الجنود الذين لا يتحدثون الإنجليزيةَ في الإجابة عن الأسئلة أسوأ، كما هو متوقَّع، مِمَّن كانت معرفتُهم بالثقافة أصلية. بالرغم من ذلك، ادَّعى يركيس وزميلُه لويس تيرمان أنَّ المهاجرين من «جنوب وجنوب شرق أوروبا» أدنى فِطريًّا من «السلالات الشمالية والألبية». ولم يكن لدى يركيس وتيرمان أيضًا الكثيرُ من الاعتقادات الجيدة بشأن الأمريكيين الأفقرِ المولودين في البلاد. فعندما اعتمدَت جامعات رابطة «آيفي» الأمريكية الاختبارات الموحَّدة خلال ثلاثينيَّات القرن العشرين، لم يكن من المتوقَّع قط، حسَب قول المؤرخ نيكولاس ليمان، تمييزُ أكثرَ من «بضع سندريلات» من المولودات للمُزارعين، أو التجَّار، أو أصحاب الأعمال الصغيرة. في أوائل القرن العشرين أيضًا، ازدهر الاعتقاد بأن البشر بطبيعتهم غيرُ متساوين في إمبراطوريات أوروبا المتراميةِ الأطراف، وفي الولايات الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث نصَّت قوانينُ جيم كرو على الفصل العنصريِّ في المدارس، والمواصلات العامة، والمطاعم، وحتى نوافير الشرب. وبدا من العديد من البريطانيين في الهند نقصٌ مذهل في التعاطف مع الملايين الذين لَقُوا حتفهم خلال مجاعاتٍ مُتتالية بين عامَي ١٨٧٦ و١٩٠٢. وفي غرب أفريقيا الألمانية، كان شعب الهيريرو يُعدُّ عديم القيمة حتى إن المستعمرين أرسَلوا إلى أوطانهم بطاقاتٍ بريديةً عليها صورُهم وهم يعملون حتى الموت. وبعيدًا في الجنوب، كان أحفادُ المستوطنين الهولنديين والبريطانيين في جنوب أفريقيا يضَعون الإطارَ القانوني الذي تطوَّر إلى نظام الفصل العُنصري. وفي أمريكا الشمالية، وجد استطلاعٌ في عام ١٩٣٩ أنَّ ٧١ في المائة من البِيض يعتقدون أنَّ «الزنوج» أقلُّ ذكاءً. على الرغم مما سبق، تعرَّضَت المزاعم الزائفة لدافنبورت، ولافلين، ويركيس لانتقاداتٍ حادَّة خلال ثلاثينيَّات القرن العشرين. فقد تراجع علماءُ الأحياء في أمريكا بشكلٍ متزايد عن الخُبث والوقاحة اللتين اتَّسمَت بهما القاعدة العامة من دُعاة تحسين النسل. ففي عام ١٩٢٧ علَّق الطبيب الأمريكي لويليس باركر قائلًا: «من الناحية الجينية فإن البشر لقطاءُ مُتغايرو اللاقحة، وهجينٌ متعدِّد الصفات.» وفي عام ١٩٤٠، أغلقَت مؤسسة كارنيجي مكتبَ تسجيل تحسين النسل، غيرَ عابئةٍ بصرامة عمل لافلين. ظهرَت موجةٌ جديدة من التحليلات تُسلط الضوء على الافتراضات الاجتماعية الساذَجة التي شكَّلَت التفسيرات السابقة لبيانات معدَّل الذكاء. فقد قدم الباحثون، مثلُ عالمة النفس الأمريكية ليتا هولينجورث حججًا قوية، على أن الفجوة في الإنجاز بين الذكور والإناث تَنتج عن التفاوت في التنشئة الاجتماعية. وعلى الرغم من أنَّ اكتشاف الهرمونات الجنسية وفَّر لغةً جديدة للتعبير عن الاعتقاد بوجودِ فروقٍ فطرية بين الجنسين؛ فقد قوَّضَت اختباراتُ معدل الذكاء الادعاءاتِ القائلةَ بأن الإناث أقلُّ ذكاءً من الذكور. وفي عام ١٩٢٢ أعلن ترمان نفسُه أنَّ الاختبارات المعيارية أيَّدَت أخيرًا «مطالبة المرأة بالمساواة الفكرية مع الرجل». علاوةً على ذلك، ظهَرَت دراساتٌ طعَنَت في النظريات الداعمة لدور الوراثة في الطبقات الاجتماعية، ومنها الدراساتُ التي أجْراها مركزُ أبحاث رعاية الطفل لجامعة آيوا، والتي زعمَت أن أبناء الآباء من ذَوي الدخل المنخفض يُحققون معدَّلَ ذكاءٍ مرتفعًا إذا تحسَّنَت بيئاتهم المنزلية. في الوقت نفسِه، كانت إحدى مدارس الأنثربولوجيا الحديثة تُعارض الفكرة القائلة بأن الأعراق متمايزةٌ وراثيًّا. في لندن، افترضت «الأنثروبولوجيا الوظيفية» التي طرحَها برونسيلاف مالينوفسكي أنَّ جميع المجموعات البشرية تُنتج أفكارًا وممارساتٍ لا يمكن مقارنتها وَفقًا للمعايير نفسِها مع الحضارة البيضاء، باعتبارها الحضارةَ المثالية. وفي أمريكا أيَّد هذه الحُجةَ فرانز بواس، وهو عالم أنثروبولوجيا من المهاجرين الألمان، وقال إن فكرة الفرد «المثقَّف» هي فكرة «نسبيَّة تمامًا». كرَّس طلاب بواس، بمَن فيهم روث بنديكت ومارجريت ميد، حياتَهم المِهنية لانتقاد «التفاخر العنصري» الذي تتَّسمُ به الأنثروبولوجيا الفيزيائية. ففي حديثها عن «الإنسان البدائي»، قالت بنديكت إنَّ «خليَّتَه الجنسية لا تحمل عنصرًا واحدًا من عناصر نظامه الاجتماعي، أو لغته، أو دينه». إضافةً إلى هذا كلِّه، كانت الضغوط الاجتماعية والسياسية تزداد ضدَّ التحيُّزات العنصرية والطبقية التي حافَظَت على العقلية الداعمة لدَور الوراثة. ففي أمريكا الشمالية، صار صوتُ السود بدرجةٍ أكبر في العموم واكتسَب مزيدًا من الثقة، بسبب الهجرة بين عامَي ١٩٠٠ و١٩٤٠ التي قام بها أكثرُ من مليون ونصف منهم إلى المدن الشمالية مثل شيكاغو وديترويت وبيتسبرج، حيث تمكَّنوا من التصويت، وممارسة درجةٍ من النفوذ السياسي، والحصول في بعض الأحيان على عضوية النقابات العمالية. وراح الكُتَّاب السُّود مثلُ دبليو إيه بي دو بويز يستخدمون بَلاغتَهم في إدانة العنصرية المؤسسية التي أبْقَت السودَ «خلف جدارٍ من الظلم الاجتماعي». في الوقت نفسِه، أدَّى صعودُ حركات الطبقة العاملة البيضاء إلى تقويض مصداقية العقلية الطبقية. فوفقًا للكاتب الإنجليزي روبرت روبرتس «مات الانصياعُ القديم» بدرجةٍ كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى. وراح عددُ الرجال العاملين الذين يعتقدون أنَّ الفروق الطبقية أمرٌ طبيعي «كالعُقد في الأخشاب» يقلُّ أكثرَ فأكثر. ينطبق الأمر نفسُه فيما يتعلق بالمشاعر الاستعمارية القديمة، التي صار الحفاظُ عليها أكثرَ صعوبةً مع تغير الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فصحيحٌ أنَّ احتلال الهند ظلَّ قَمعيًّا، لكن الحرب العالمية الأولى قد ترَكَت خزائنَ بريطانيا فارغة، وحدودها أوسع، وقدرتها على الدفاع أقل. ولمَّا بات من الواضح أنه لا سبيل لإنقاذ حُكم بريطانيا في الهند إلا بمنح السُّلطة للمزيد من الهنود، فقد بدَأَت العنصريةُ الصريحة في التراجع. وفي أفريقيا، ضعفَت قوةُ الحكام البيض بفعل القُوى الاقتصادية التي كانوا قد أطلَقوا لها العِنان بأنفسهم. وفي الأماكن التي شهِدَت إجبارَ السكان الأصليين على العمل المدفوع الأجر في المناجم والمصانع، صار على السلطات الاستعمارية حينذاك أن تتصدَّى للبروليتاريا الحضَرية التي استطاعت تنظيم نفسِها على نحوٍ أفضلَ كثيرًا من نظيراتها في المناطق الريفية. وفي جنوب أفريقيا شرع المؤتمرُ الوطني الأفريقي في مقاطعةِ الحافلات والإضراب؛ سعيًا لتحقيق أوضاعٍ أفضل. وطوَّر أنطون ليمبيدي أيديولوجيةَ الفخر العرقي، التي كانت بمثابة تِرْياق لقرونٍ من سموم تشويه الذات والتحقير منها. فقد أعلن قائلًا: «يجب أن نؤمن حقًّا أننا لسنا بأقلَّ شأنًا من أي عرقٍ آخَر على وجه الأرض.» كل هذه الحركات قد لاقت نجاحًا محدودًا، بل إنَّ بعضها استثار انتقامًا وحشيًّا، غير أنها أرْسَت الأُسس لحركةٍ فعالة ما بعد الحرب؛ لمقاومةِ تنظيم المجتمعات على أساسٍ عنصري. حدَّد المؤرخون عددًا من العوامل التي جعَلَت المشاركةَ في الإرهاب النازيِّ مقبولةً لدى الكثيرين. والحقُّ أنَّ العلماء أسهَموا في الأمر بطرقٍ عدة. فقد قدَّموا مفاهيمَ بيولوجية استخدمَها النازيُّون لشيطنة الألمان اليهود ولِوَصمِ غير المنتجين بأنهم «أكَلة عديمو الفائدة». فعلى سبيل المثال، لبِثَ يوجين فيشر عقودًا يؤكِّد فيها على التفوق الفطري «للعرق» النوردي ودونيَّة اليهود. وتمكَّن النازيون أيضًا من الاعتماد على الدعم الطوعيِّ للعلماء والأطباء في تنظيم جرائمهم وتنفيذها. فعلى الرغم من أن علماء الأحياء البارزين مثل فيشر نادرًا ما كانوا يُشاركون في صياغة قوانينَ تحسين النسل ولم يُشاركوا في وضع خُطة الحلِّ النهائي، كان للنازيِّين أن يُعوِّلوا على قَبولهم الضِّمني. وحتى العلماء الذين لم يؤيِّدوا التطرف النازيَّ في تحسين النسل، فقد قدَّروا على الأقل التمويلَ الإضافيَّ والمكانةَ التي حصلوا عليها في ذلك الوقت. فقد قالت ابنةُ أحد العلماء في وقتٍ لاحق إن والدها «كان على استعدادٍ أن يبيع نفسه للشيطان مقابلَ أن يحصل على المال لمعهده». ثم إنَّ زملاء فيشر في برلين لم يتحرَّجوا من استخدام البيانات والعينات البيولوجية المستمَدَّة من تَجارِبه الكريهة المتعلقة بالوراثة البشرية، التي كانت تُجرى في معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة على يدِ جوزيف منجليه. ثَمة عواملُ هيكلية أيضًا ساعَدَت في حدوث الهولوكوست. فنظرًا إلى أنَّ ألمانيا دولةٌ حديثة، كان لديها من القوة العسكرية والشرطية ما يُمكنها من إحباط المقاومة، فضلًا عمَّا كانت تتمتع به من خبرةٍ تكنوقراطية وجهاز بيروقراطي لازمَين لتنفيذ جرائمِ قتلٍ على نطاقٍ واسع. إضافة إلى ذلك، يُشير المؤرخون إلى المزيد من العوامل المباشرة التي سمَحَت للأيديولوجيات العنصرية أن تنتهيَ بالإبادة الجماعية. من هذه العوامل فشلُ الخطط السابقة المتمثِّلة في توطين ملايينِ اليهود على نحوٍ دائم في بولندا أو روسيا أو مدغشقر، وتصاعد عدم المبالاة بالمعاناة الإنسانية الناجمة عن مُتابعة الحرب الوحشية في الاتحاد السوفييتي، والسياق المواتي لصياغة السياسات المتطرِّفة، الذي نتَج عن وجود عدة وزارات تُحاول كلٌّ منها التفوقَ على الأخرى من أجل مصلحة هتلر الشخصية، ثم هنالك الفرصة التي سنحَت للكثيرين بالاستفادة من الدخل والمكانة الناشئَين من المشاركة في الاضطهاد والقتل الجماعي لليهود. علاوةً على ذلك، فإنَّ عمليات القتل النازية توضِّح الاستعدادات النفسية التي من شأنها أن تدفع بالعاديِّين من الرجال والنساء لارتكاب الفظائع. يبدو أن الحسَّ الأخلاقي للعديد من الجناة قد تَعطَّل جرَّاء تَلقِّيهم للأوامر من جهاتٍ عُليا؛ إذ كانوا يخشَون انتهاكَ القواعد الجديدة للجماعة، وهم لم يشعروا بمسئوليةٍ أخلاقية مباشرة لانخراطِ الكثيرين في تنفيذ سياسات الإبادة الجماعية. لم تقتصر تلك الفظائعُ العنصرية على ألمانيا وحدَها. فقد انتشرَت المواقفُ المعادية للسامية في أمريكا، وأوروبا الشرقية، وبريطانيا، وفرنسا. وتعاون المكتبُ المسئول عن «الشئون اليهودية» في فرنسا الفيشية طَواعيةً مع النازيِّين لإرسال نحوِ ٨٠ ألفًا من اليهود إلى معسكرات الموت. وتجلَّت الوحشية الراعبةُ في تصرفات الجنود في ساحات الحرب الأخرى. فقد كانت جرائمُ اليابانيين في اغتصاب نانكينج في عامَي ١٩٣٧ و١٩٣٨ ومعاملتهم البشعة للنساء في كوريا والصين والفلبين، وفي أماكنَ أخرى؛ إنكارًا شِبهَ كامل لإنسانيةِ ضحاياهم. بعد الحرب العالمية الثانية، ساعد ما تكشَّف من الحقائق عن السياسات النازية لتحسين النسل في التخفيف من رغبة علماء الأحياء في إصدار تصريحاتٍ فجَّة بشأن بيولوجيا السِّمات العقلية البشرية. غير أنَّ هذا التحولَ لم يحدث بين عشيةٍ وضُحاها. فقد أشار عالمُ الأحياء الأمريكي ثيودوسيوس دوبجانسكي في عام ١٩٤٧ إلى أن تعريف مصطلح «الأعراق» في «الموسوعة الأمريكية» «يبدو كأنَّ مَن كتبه هو السياسي النازي الألماني يوزف جوبلز». واستمرَّ إجراء عمليات التعقيم القَسْريِّ في الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية. لكنَّ عدد عمليات ربطِ أنابيب الرحم وقطع القَناة المنوية قد تراجع، وأُغلِقَت العديد من جمعيات تحسين النسل. علاوةً على ذلك، أيَّد العلماء على نطاقٍ واسع تصريحَ اليونيسكو لعام ١٩٥٣ بأنَّ العِرْق «خُرافة اجتماعية» وليس «حقيقةً بيولوجية». بالرغم من تراجع مِصداقية علم تحسين النسل، لم يَنفُضْ مُحبُّو الأعمال الخيرية من القطاع الخاصِّ أيديَهم من علم الوراثة. وإنما استحوذت الدراسةُ العلمية للوراثة على اهتمام رجالٍ مثل وارين ويفر المسئول بمؤسسة روكفيلر، والذي استشرفَ مستقبلًا يمكن فيه تعديلُ المجتمع بحيث يكون خاليًا من الأمراض، والصراعات، واللاعقلانية. لكنه كان يرى أنَّ «علم الإنسان الجديد» الذي تَصوَّره لا بد أن يرتكزَ على البحث التجريبيِّ الدقيق. ففي جامعاتٍ مثل معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، جمعَت أموال روكفيلر وكارنيجي آنذاك علماء بارعين وجهزَت مختبراتهم بأحدث المعدات. ما الذي كان يتبقَّى إذن؟ توضيح الأساس الجزيئيِّ للوراثة. كان البحث الوراثيُّ على وشك التوسع بدرجةٍ كبيرة. بحلول عام ١٩٤٠، كان علماءُ الأحياء جميعهم تقريبًا يتَّفقون على أن الجينات هي وحداتٌ بيوكيميائية متفرِّدة تُحمَل على الكروموسومات في مواقعَ محدَّدة. غير أنهم افترَضوا خطأً أنَّ الجينات تتكوَّن من البروتينات. فلأن سلاسل البروتين يمكن أن تتكوَّن من ٢٠ حمضًا أمينيًّا مختلفًا تتشكَّل في العديد من آلافٍ من التوليفات؛ بدا من المنطقيِّ افتراضُ أنها هي وحدَها التي تتمتَّع بأعلى مستوياتِ التخصص اللازمة لإنتاج الحياة بجميع أشكالها المتنوِّعة المذهلة للعقول. ظهر دليلٌ آخر على أن الحمض النووي هو الركيزة الفيزيائية للوراثة من عمل شبكةٍ غير رسمية من العلماء الأمريكيِّين، عُرِفَت باسم «مجموعة العاثيات»، ومن أبرز أعضائها اثنان من العلماء المهاجرين من أوروبا الفاشيَّة، وهما سلفادور لوريا وماكس ديلبروك. بعد أن التقى لوريا وديلبروك عام ١٩٤٠، أعادا توجيهَ دراسة علم الوراثة إلى مجموعاتٍ جديدة من الكائنات الحية، وهي البكتيريا المعويَّة «الإشريكية القولونية» وطائفة من الفيروسات، وهي العاثية التي تتكاثرُ داخل بكتيريا الإشريكية القولونية قبل أن تنفجر مُدمِّرةً بذلك مُضيفَها السابق. وفي عام ١٩٤٣، أثبتَت مجموعةُ العاثيات أنَّ البكتيريا تحتوي على جينات. كان هذا الاكتشاف يعني أنَّ علماء الأحياء يستطيعون دراسة الوراثة في الكائنات الوحيدة الخلية البسيطة في تركيبها البيوكيميائي، التي تتكاثر بسرعةٍ مذهلة. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى حصَلوا على صورٍ بالمجهر الإلكتروني لعاثيات لها رءوس توجد فوق أغلفة أضيق بدَت مُثبَّتة على جدران الخلايا البكتيرية من خلال مجموعاتٍ من الألياف الذيلية. ظنَّ هؤلاء العلماء أنَّ سلوك العاثيات شبيهٌ بحَقنٍ تحت الجلد، أي إنها تلتصقُ بجدار الخلية قبل حقن جيناتها في السيتوبلازم البكتيري. لكن إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يُنقَل إلى البكتيريا من أجل إنتاج الجيل القادم من العاثيات؟ في عام ١٩٥٢، تعاون العالم الأمريكي ألفريد هيرشي، الذي كان عضوًا بارزًا في مجموعة العاثيات، مع مساعِدته مارثا تشيس لابتكار تجرِبة بهدف معرفة الإجابة. استفادا من حقيقة أنَّ البروتينات تحتوي على الكبريت دون الفوسفور، بينما تحتوي الأحماض النووية على الفوسفور لكنها لا تحتوي على الكبريت. بعد السماح للفيروسات العاثية بالنموِّ في وجود الفوسفور والكبريت المشِعَّين، أمكن لهيرشي وتشيس حينئذٍ معرفةُ ما إذا كانت العاثية قد أدخَلَت أحماضًا نووية في البكتيريا التي غزَتْها أم أنها أدخلت بروتينات. اكتشفا أن مُعظم الحمض النووي للعاثية قد انتهى به المطافُ في البكتيريا، بينما بقي معظمُ البروتين خارجَها. وبهذا قدَّمَت التجرِبةُ دليلًا آخَر على مسئولية الحمض النووي عن الوراثة. شجَّع اكتشافُ تركيب الحمض النووي على التفكير في الوراثة باعتبارها نقلًا للمعلومات في شكلِ أبجديةٍ تتكوَّن من أربعة أحرف. فقال الروسي المولد جورج جاموف إنَّ النواة هي في الواقع «مخزن للمعلومات». غير أنَّ أحدًا لم يعرف أيَّ شيءٍ تقريبًا عن الكيفية التي يعمل بها الحمض النووي بالفعل. وفي عام ١٩٥٧، صمَّم اثنان من علماء الأحياء الأمريكيين، ماثيو ميسلسون وفرانكلين شتال، تجرِبةً أثبتَت صحةَ فرضيةِ واتسون وكريك، القائلةِ بأنَّ الشريطَين المُتكامِلين للحمض النووي ينفصل أحدُهما عن الآخر، فيتسنَّى للجزيئات الوليدة أن تتشكَّل على قالَبَي الشريطين الأصليَّين. في غضونِ سنواتٍ قليلة، تمكَّنَت شبكةٌ من العلماء في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، من رسم الخطوط العريضة للنظام المعقَّد الذي تُمثَّل الجيناتُ من خلاله. فأوضَحوا أنَّ العملية تعتمد على ثلاثة أنواع على الأقل من الحمض النووي الريبوزي. كان علماء الوراثة يعرفون بالفعل أنَّ القدرة على تشفير البروتينات لا تُوجَد لدى جميع أجزاء الحمض النووي. فلا بدَّ من اشتراك بعض التسلسلات في التحكُّم في مكانِ تشكيل الحمض النووي الريبوزي الرسول وزمانه، والتحكُّم أيضًا في مقدارِ البروتين الناتج. بحلول أوائل خمسينيَّات القرن العشرين، تمكَّنَت عالمةُ الوراثة الأمريكية باربرا مكلينتوك من تقديم نتيجةِ أبحاثها لعقودٍ على الذُّرَة، التي كشَفَت عن مجموعةٍ رائعة من الجينات «التنظيمية». بالرغم من ذلك، فقد أُهمِلَت اكتشافاتها مع الأسف، وأحد أسباب ذلك أن أفكارها بدَت صعبةَ التصديق. استلزم الأمرُ عملَ جاك مونود، وفرانسوا جاكوب، وزملائهما في باريس خلال أواخر خمسينيَّات القرن العشرين للكشفِ عن شيءٍ من التعقيد المذهل للتنظيم الجيني. كانوا يدرسون كيف أنَّ البكتيريا الإشريكية القولونية تطوَّرَت لإنتاج الإنزيم الضروري لهضم سكَّر اللاكتوز في حالةِ وجود السكَّر بالفعل فحسب. وبهذا توصَّل علماءُ الأحياء الفرنسيون إلى فكرة «المَشغل». فقد أدركوا أنه لا بدَّ من وجود العديد من الجينات التنظيمية التي تقع مباشرةً قبل — أو «في اتجاه» — الجينات التي تُشفِّر إنزيمَ هضم اللاكتوز بالفعل. افترضوا، على نحوٍ صحيح، أنَّ أحدَ هذه الجينات يُشفِّر بروتينًا «مُثبطًا» يَحول فِعليًّا دون وصولِ «آلية النسخ» إلى الجينات المسئولة عن تشفير الإنزيم ما لم يكن اللاكتوز موجودًا بالفعل. نتيجةً لذلك، لا يمكن للحمض النووي الريبوزي الرسول أن يتشكَّل. وسرعان ما أصبح الْمَشغل مفهومًا أساسيًّا في علم الوراثة. إنَّ تَشكُّل الكائنات الحية المعقَّدة قد أصبح ممكنًا بفضل تطوُّر الجينات «التنظيمية» التي تتحكَّم في نشاط الجينات «التركيبية». وعلى الرغم من أنه اتضَح فيما بعدُ أنَّ علم الوراثة الحيواني أكثرُ تعقيدًا بكثيرٍ من «بدائيات النَّوَى» أحادية الخلية مثل الإشريكية القولونية، فقد تحقَّق بالفعل تقدمٌ هائل في المفاهيم. من المختبرات الجيدةِ التجهيزات التي تأسَّسَت في حقبةِ ما بعد الحرب جاءت أيضًا سلسلةٌ من الاكتشافات في علم الوراثة الطبي. ومن هذه الاكتشافات العظيمة تحديد طبيعة اضطراب فقر الدم المنجلي. يحدث هذا الاضطرابُ عندما تحتوي خلايا الدم الحمراء، التي تحمل الأكسجين في أنحاء الجسم، على نوعٍ غير معتادٍ من الهيموجلوبين يؤدي إلى انثناء الخلايا في شكلٍ يُشبه المنجل. لا تتمكَّن الخلايا حينئذٍ من الحركة بسلاسةٍ عبر الأوعية الدموية؛ ومِن ثمَّ تتسبَّب في انسداداتٍ خطيرة. وفي عام ١٩٤٩، اكتشف عالمُ الوراثة الأمريكيُّ جيمس في نيل، أنَّ مَرض فقر الدم المنجليِّ ينتج عن توارُث جينَين متنحِّيَين. وفي العام نفسِه، وجد الكيميائي لينوس بولينج أنَّ الهيموجلوبين السليم يختلف على مستوى التركيبِ الجزيئي عن الهيموجلوبين الموجود لدى مَن يُعانون من فقر الدم المنجلي. وفي ورقةٍ كلاسيكية صدَرَت عام ١٩٥٦، شرح فيرنون إنجرام الباحث في جامعة كامبريدج كيف أنه قسَّم نوع الهيموجلوبين المعتاد والنوع غير المعتاد منه إلى عدةِ قِطَع، ووجد باستخدام عديدٍ من التقنيات المختبرية أنَّ السبب في اختلاف هيموجلوبين الخلايا المنجلية يعود إلى استبدال حمض أمينيٍّ واحد فقط. وبناءً على هذا، تأكَّد وجودُ رابطٍ ما بين حدوث طفرة واحدة أدَّت إلى هذا التباين في البروتين. خيَّمَت غمامةُ النازية على أيِّ تقدم علميٍّ يتعلق بالتكاثر البشري. وبحلول عام ١٩٥٧، عندما أنشأ الطبيبُ الأمريكي فيكتور ماكوسيك عيادةً لعلم الوراثة الطبي في مستشفى جونز هوبكنز، تعلَّم علماءُ الأحياء ما يكفي لتقديم التشخيصات الجينية لبعض الاضطرابات الوراثية والكروموسومية على الأقل وتقديم المشورة بشأنها. أصبح بإمكان الوالدين اللذَين وُلد لهما طفلٌ مصاب بمرضٍ وراثي معرفةُ احتمالات أن يُولَد لهما أطفالٌ آخَرون مصابون بالمرض نفسِه. وبِناءً على هذا، كانا يستطيعان اتخاذَ القرار بشأنِ ما إذا كانا سيُخاطران بإنجابِ طفلٍ آخَر أم لا. أكان هذا تحسينًا للنسل تحت اسمٍ جديد؟ قدَّمَت الجهات المانحة الخاصة التي لم تزل تدعم تحسينَ النسل التمويلَ الأساسي للعيادات، وكان بعضُ علماء الوراثة الطبية يرَون أنهم يُساعدون في تحسين «المجموع الجيني». بالرغم من ذلك، أصرَّ معظم استشاريِّي الوراثة على أنَّ علم الوراثة الطبية يرتكز على المعرفة العِلمية الدقيقة، وأنَّ قرارات الوالدين طوعية، وأنَّ الهدف الرئيسيَّ هو تخفيفُ معاناة الأفراد. غير أنَّ هاجس تحسين النسل القديم ظل قائمًا. بالرغم من ذلك، لم تتَّسم نتائجُ الدراسات التي أُجريَت على التوائم بالموثوقية المؤكدة. صحيحٌ أنها قدَّمَت دليلًا جيدًا على أنَّ الأمراض العقلية مثل الفصام تنطوي على عنصرٍ وراثي مهم، لكن التأكيد على قابليةِ توريث سِمةٍ كالذكاء قد أثارَت الجدَل. ففي بريطانيا، ظل عالم النفس التربويُّ سيريل بيرت يُحاجج في المدَّة من أربعينيَّات إلى ستينيَّات القرن العشرين على أن «القدرات العقلية» «متوارَثة» إلى حدٍّ كبير. وقد استمدَّ بياناته من دراسة عشرات التوائم المتطابقة الذين نشَئوا في منازلَ مختلفة، وكانت معدلاتُ ذكائهم على الرغم من ذلك متشابهةً للغاية. بالرغم من ذلك، فبعد وقتٍ قصير من وفاة بيرت، ظهرَت أدلةٌ تشير إلى احتمالية أنه ربما اختلَق نتائجه. ما من إجماع بشأنِ ما إذا كان بيرت قد تورَّط في احتيالٍ عِلمي أم لا، لكن العديد من علماء النفس طعَنوا في افتراضه القائل بأن الذكاء سِمةٌ تتحدَّد وفقًا للوراثة إلى حدٍّ كبير. فقد أوضحوا أنَّ التوائم المتماثلة التي انفصلَت عند الطفولة عادةً ما كانوا يُعيَّنون إلى أُسَرٍ متماثلة؛ مما يعني أنَّ تنشئتَهم لا تجري في بيئاتٍ متمايزة على الإطلاق. إضافةً إلى ذلك، أشارت دراساتٌ كتلك التي أجراها كينيث ومامي كلارك وروبرت روزنتال في أمريكا إلى أنَّ الأفراد أو المجموعات عندما يشعرون بأنهم أقلُّ ذكاءً، فإنهم يؤدُّون أداءً سيئًا نسبيًّا في الاختبارات المعيارية. إنَّ ما حدَث بعد الحرب من فضحٍ للفظائع النازية لم يقهر الأوهامَ الأيديولوجية بشأن الاختلافات الفِطرية. ففي جنوب أفريقيا، زادت حدَّة التوجُّهات العنصرية والممارسات؛ إذ عمِلَت العقول المدبِّرة لنظام الفصل العُنصري بتصميمٍ منهجيٍّ للحفاظ على سيادة الأقلِّية البيضاء. وفي أمريكا، أسهَمَت التوجُّهات العنصرية في استبعاد معظم السُّود من الوظائف الجيدةِ الأجور والرهون العقارية والقروض، فوجَد العديدُ من الأمريكيِّين السُّودِ أنفسَهم مهجورين في المدن الداخلية ذاتِ الأحوال المتدهورة؛ نتيجةً لانتقال الصناعة إلى الضواحي أو خارج البلاد. فمتى ما شعَر السكَّانُ البيض أنَّ مكانتهم أو هُويَّتَهم تتعرَّض للتهديد لجَئوا للصور النمَطية العنصرية. ولهذا عندما هاجر الهنودُ الغربيُّون إلى بريطانيا بعد الحرب، حُرم العديدُ منهم من تأجير المساكن ولم يكن مُرحَّبًا بهم في الحانات والكنائس. علاوةً على ذلك، كان ونستون تشرشل يُفكر في اتخاذ العبارة «لتبقَ بريطانيا بيضاءَ» شعارًا لحملته الانتخابية. بالرغم من ذلك، كانت شعبيةُ الأيديولوجيات الداعمة لدَور الوراثة تنخفض في أجزاء كثيرةٍ من العالم، أو تصبح على الأقل أقلَّ صلةً بالسياسة. فنظرًا إلى أنَّ القُوى الاستعمارية قد أضعَفَتها الحربُ العالمية الثانية ومُواجهة المعارضة الواسعةِ النطاق، فقد حاولَت الحفاظ على إمبراطورياتها بدرجةٍ ما عن طريق استمالة النخب المتعلِّمة من السكان الأصليِّين. وعلى أي حال، راحت المستعمَرة تِلْو الأخرى تنال استقلالها في الآونة من أواخر أربعينيَّات القرن العشرين وحتى سبعينيَّاته. فاحتفل الرئيس السنغالي ليوبولد سنجور ﺑ «القضاء على جميع أشكال التعصُّب». وحقَّقَت حركةُ الحقوق المدنية الأمريكية سلسلةً من الانتصارات القانونية البارزة بين عامَي ١٩٥٠ و١٩٦٥، بدايةً بطلب المحكمة العُليا بإلغاء الفصل العنصريِّ في المدارس إلى منع اختبارات الإلمام بالقراءة والكتابة المصمَّمة لحِرمان السُّود من حقِّهم في الاقتراع. إضافةً إلى ما سبق، ضعفَت التفسيرات الداعمة لدور الوراثة في عدم المساواة الاجتماعية؛ بسببِ ما حدث بعد الحرب من نموٍّ اقتصادي أدَّى إلى مرحلةٍ من الحراك الاجتماعي السريع. وفي حقبة الستينيَّات والسبعينيَّات من القرن العشرين، زادت الوظائف المكتبيَّة التي تتطلَّب معرفةً تقنية، مما دفع أربابَ العمل إلى توظيف الرجال والنساء الذين أثبَتوا قدرتَهم عبر مؤهِّلاتٍ قابلة للقياس. وشهد عددُ الأماكن في الجامعات أيضًا زيادةً كبيرة. فقد كانت حاجةُ الاقتصاد المتنامي إلى العمَّال المهَرة والمتعلمين تعني أنه يمكن استيعابُ أحفاد المهاجرين إلى أمريكا الشمالية من أيرلندا وجنوب أوروبا وشرقِها. وفي بريطانيا بعد عام ١٩٤٤، كان الأطفال من الطبقات المتوسطة والعاملة يخضعون لاختبار ذكاءٍ في عمر الحادية عشرة، وكان أصحاب الأداء الجيد منهم يتلقَّون التعليم في مدارس القواعد اللُّغوية الذي يُعِدُّهم للمِهن الإدارية. وبالرغم من احتفاظ النخب بميزةٍ كبيرة، فإنَّ المهارات المهنية والمؤهلات التعليمية كانت تَلْقى التقديرَ على حساب النسَب. وبالمثل، حظيَت الحُجج النِّسوية بشأن المساواة الفكرية للذكور والإناث بالرَّواج. فبعد الحرب مباشرة تعزَّزَت الصورُ النمطية لأدوار الجنسَين بسبب تزوُّج النساء في عمرٍ أصغر مما كُنَّ يتزوَّجن فيه قبل الحرب، وإنجابهن عددًا أكبر من الأطفال. غير أن التوجُّهات المتعلقةَ بنساء الطبَقة الوسطى، ومنهنَّ الزوجات والأمهات اللائي يعملن خارج المنزل قد بدأَت في التغيُّر في ستينيَّات القرن العشرين، نتيجةً لحاجة الاقتصادات المزدهرة في مرحلة ما بعد الحرب إلى انضمامِ المزيد من النساء إلى صفوف القُوى العاملة. وقد أثبتَت الزيادةُ في نسبة مشاركتهن أن الإناثَ قادراتٌ تمامًا على القيام بالوظائف التي تُعَدُّ عادةً وظائفَ للذكور.
|
{
"chapter": "الجزيئات والبشر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/6/"
}
|
إلى إستير وتشارلي.
|
{
"chapter": "الإهداء",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/0.1/"
}
|
لا أعرف ما هو سر ذلك الدقيق أقول الغبار المثبط الذي يتسلل داخل وحول خلايا جسد الإنسان ومخه في بلادنا. كنت وأنا مسافر — ولم يمضِ على سفري هذا أكثر من شهر — وأنا أنظر من نافذة الطائرة أو العربة أو القطار، وأنا سائر أحث الخُطى في قلب شوارع لندن أو باریس، أو حتى قرية أوروبية نائية ومتواضعة، كنت وأنا أرى الغابة أو النهر الصغير، وأنا أرى الشاب والفتاة والرجل والطفل والمرأة سائرين هائمين مسرعين في الشارع، كأن عقلي يُشبه معمل الأفكار المزدحم، تتوالد فيه الأفكار بمعدل فكرة في كل دقيقة، وترتبط وتتناغم، ثم في أحيان كثيرة أخرج باستنتاج رائع هائل، تفد إليَّ الموحيات والأفكار وكأنها طيور النورس قادمة في أفواج تلو أفواج لبحيرة عقلي المليئة بالسمك والطعام، تُصفق بأجنحتها وتهفهف وتصطخب، تزغرد وتلهو وتتعابث وتتلاقح، تصعد في السماء وتهبط إلى الهدف في سرعة انقضاض البرق. أكثر من عشر أفكارِ قصصٍ قصيرة تعنُّ لي، مشاريع لتغيير مجری الحياة تمامًا، مغامرات فكرية ونفسية تتفجر في أعماقي، إقبال على الحياة منقطع النظير، خطط لمدى بعيد وقريب، تجميع لماضيَّ وحاضري ومستقبلي يلتقي عند النقطة التي تركز وتقطر العمر، وتحصل منه على ثمرة أو تراجع موقعه من الكون أو الحياة، حركة دائبة في اتجاه التحقيق الفوري لكل ما أراه يصلح من أفكار أو مشاريع، إقدام لا حد له، اندفاع، أعقل اندفاع مجنون في اتجاه المستقبل وتحقيق الذات، وتطوير النزوة لتصبح اكتشافًا وخطة .. باختصار حياة مليئة كاملة، أضرب فيها بأذرعي لتصل إلى أقصى المعمورة، وأُحلِّق فيها بأفكاري لتشمل مجرتنا كلها، وتغوص أقدامي إلى أعمق أعماق تاريخي وتاريخ العالم، وترتفع لتحلق في القرن الخامس والعشرين، وربما الثلاثين. هكذا أكون وأنا مسافر، وأنا بالخارج، وأنا بعيد، وأعود، وبقوة الاندفاع الذاتي، أبقى هكذا للأيام الثلاثة الأولى، أو ربما للأسبوع الأول، مسافرًا لا أزال في الأكوان الخاصة والعامة، خلَّاقًا، قادرًا على تحقيق ما يجول بالخاطر … ثم يبدأ الدقيق الناعم، الرمل الخفي الأصفر، التراب الذري المطفأ، يتسرب .. في العادة كنت لا أحس ولا أعي بمقدمِه، إن هو إلا هبوط تدريجيٌّ يبدأ يُصيب الهمة، تأتي الفكرة فأؤجلها إلى أن «يروق المزاج» بالليل، وبالليل يأتي ما يؤجل روقان المزاج، يعن لي المشروع فأقول: هذا ليس بعاجلٍ، وذلك ممكن تأجيله، وما فائدة أن يبدأ الإنسان شيئًا «مجنونًا» كهذا، الحياة سائرةٌ وكل شيء ممكن أن يمضي هكذا سائرًا وحده إلى الأبد، يبدأ الغبار فعله ويبدأ الإنسان «يطمئن» إلى الواقع، ثم «يركن» إليه، ثم «يتلاءم» معه، ويفقد الطموح في تغييره أو الإطاحة به. تبدأ الأفكار تقل ثم تندر ثم تتلاشی، وقوة الخلق تتضاءل، والكتابة التي كانت مبهجةً ورائعة متلألئة كالهدف الساطع الجميل تصبح عبئًا، ويُوه .. لسه ح أقعد ع المكتب لأربع أو خمس ساعات. ويئوب الإنسان في النهاية إلى حالة «الموت-الحياة» .. التي نحياها جميعًا. ••• كنت أظن أن هذه حالتي الخاصة، ولكني وجدتها الظاهرة العامة المستشرية، هناك شيء ما، حقیقيٌّ ومروع وخطير؛ ولكنه غير مرئي أو مسموع قائم في حياتنا، بيننا، نتنفسه ونزفره، ونعدي به بعضُنا البعض، نرتديه ونركبه ونلبسه ونطعمه، شيء ما لست أدري كُنهه، ولكني أعرف تمامًا مفعوله، شيءٌ مثبِّط أو كاسر للهمة، ومخمد للطموح، ومضيع للهدف، وخانق لكل فكرةٍ ومشروع ومُشِلٌّ، قائم وماثل في حياتنا؛ وهو ليس — كما يتصور البعض — خاصًّا بمصر وحدها، ولكنه الجو العام في شرقنا العربي وغير العربي كله، شيء وكأنه الإنزيم ضد النشاط، وكأنه الطعم الواقي من العمل والتفكير، وكأنه قد أصبح الخاصية القومية التي تُميز مرحلتنا «المجيدة» الحالية. ما هو ذلك الشيء؟ أهو فقدان الهمة الفكرية القيادية الموحية؟ أهو هذه الأعداد الهائلة من البشر التي معها يحب المواطن منا الإنسانية مجردةً، ولكن بالتأكيد يكره «الإنسان»، أو يكره هذه الكتل المتراصة من الإنسان، تُحيل ذلك الكائن الراقي النادر، أرقى وأعظم وأجمل ما في الوجود، إلى مجرد رقمٍ عشريٍّ كبير، حبذا لو يُختصر معظمه أو يختفي أو يندثر ليبقى للتفرد البشري قيمته وروعته ومجده؟ أهي الشمس الحامية الساطعة التي تجعل الواقع مضيئًا تمامًا بكل ما فيه من بشاعة وقبح؛ بحيث ينعدم الجمال تمامًا أمام العين، وحين لا يرى الإنسان الوجود جميلًا، أو يراه قبيحًا، يتولى القبح أو انعدام الجمال إخماد حاسة الهمة والنزوة والخَلق لدى الإنسان؟ أهو الكسل الجماعي المسيطر، يُعدي، كالإنفلونزا الآسيوية، وحين ترى الناس جميعًا كُسالى أو متكاسلين، فأي مبادرةٍ منك لا بد مصيرها الاختناق والإهمال؟ والكسل الجماعي هذا في رأيي نقطة هامة. إذا كان بعض الناس يُفسرون التاريخ بالعوامل الاقتصادية، وهناك من يُفسرون التاريخ تفسيرًا نفسيًّا، فإن لي تفسيرًا لهذه المرحلة من تاريخنا اسمه التفسير الكسلي للواقع والتاريخ. كل شيء ممكن أن نُفسره بالكسل، حتى استلقاء متفرجنا في مسرح أو سينما أو أمام تليفزيون ليتفرج على عملٍ «فني» عبيط يقهقه له قهقهات حنجرية جوفاء سببه الكسل عن أن يقرأ كتابًا أو يشهد عملًا يضطر معه أن «يُعمل» عقله فيه و«ينشط» .. حتى التحلل والانحلال لنزوله باستسلامنا كسالى للذة لا لذة فيها. أم يكون السبب أننا مطحونون تقديريًّا، سواء التقدير المادي أو الأدبي، بحيث يتساوى من يعمل بمن لا يعمل، وبحيث أن من يعمل لا ينال إلا الفتات على ما يعمل، ومن يكسب حقًّا هو من يرشو أو يرتشي أو يختلس أو يتاجر في السوق السوداء .. أو يأخذ العمولة، وكلها أكسل الوسائل للحصول على النقود. فهي ليست رأسمالية طموحة نشطة تُقيم المصانع وتُغذيها إرادة هائلة لبناء صناعة أو تجارة أو مشروعات، وإنما هي رأسمالية كسولة هدفها الربح من أکسل طريق، أي أحرم طريق؟ أم هي المشاكل الصغيرة الصغيرة التي تستحيل كل منها إلى مشكلة كبيرة كبيرة حين لا تستطيع أن تجد لها حلًّا، وتتولى، كذرات الدقيق والرمل والغبار الصغيرة والكبيرة، الترسب في مفاصلك الفكرية والنفسية لتحيلك في النهاية إلى ذلك الكائن المقعد إراديًّا أو بلا إرادة، المتكل على الله في النهاية أن تحل المشاكل نفسيًّا، وما عليك إلا أن «تصبر» عليها. وآه من ذلك الصبر الذي يحفل به تراثنا الفكري والشعبي! إنه ذلك العدو القاتل للإرادة وللعزيمة. الصبر. ذلك الاستسلام الممرض البغيض للمشكلة حتى يموت طموحك لحلها، ذلك الاعتماد المتهافت على «الزمن» لكي يحلها أو يحلك أنت وتتحلل معه عزيمتك. أفي تراث أيِّ شعب في الدنيا مَثَل يقول: الكسل أحلى مذاقًا من العسل. إلا ذلك التراث العظيم. تراثنا؟ أم هذا كله، مرة واحدة، ومعًا، يكون، ذلك الدقيق أو الغبار الذي يتسلل داخل وخارج وحول خلايا مخك وإرادتك وجسدك، ويُحيلنا إلى تلك الأشولة البشرية السمينة تتحرك في بطء قاتل إلى اللاهدف واللاخطة واللاعجلة، ولتصنع في النهاية اللاشيء؟ فيدرا .. وفريدة. اللحظات قليلةٌ نادرة هي تلك التي تُدرك فيها عظمة وروعة الانتماء، ليس الانتماء فقط، وإنما ما هو أرقى بكثير .. ألف إحساس وإحساس راودني وأنا مزدحمٌ مع أكثر من مائة مصري ومصرية وعربي وعربية في الغرفة الصغيرة الملحقة بجناح الممثلين في مسرح «الأوبرا كوميك» بباريس في أعقاب ليلة الافتتاح لمسرحية «فيدرا أرابیكا» أي فيدرا العربية، التي قدمتها فرقة المسرح القومي في باريس. وكانت الحفلة فوق حدود الروعة، مباراة خطيرة في الأداء والتجويد بين أكثر من قمة من قمم التمثيل المسرحي عندنا، سميحة أيوب عبقرية الحضور والأداء المسرحي الجديدين، أمينة رزق تاريخ المسرح المصري، ولا تزال جزءًا كبيرًا من حاضره، عبد الله غيث ذلك العملاق، فردوس عبد الحميد تلك الطاقة الهائلة مسرحًا وصوتًا جميلًا، وكان العبء شاقًّا على الشاب الجديد محمد العربي وسط هؤلاء العمالقة، ولكنه استطاع أن يتشامخ ويصمد بأدائه، صديقه ذلك الذي للأسف لا أذكر اسمه، ليلة عربية فعلًا، في قلب عاصمة المسرح في العالم، شيء لا بد يدفعك إلى أن تحس بفخر أن عندنا مواهب، لا تستطيع فقط أن تقارن بالمواهب العالمية؛ ولكنها في أحيان تبزها وأحيانًا في قلب عاصمتها. كنت حاضرًا لتوِّي من ندوة عن آداب الشرق الأوسط بدعوة من الدكتور طلعت هالمان وزیر الثقافة السابق في تركيا والأستاذ بجامعة برنستون الأمريكية حاليًا، والذي أقام وبرعاية من الأستاذ مورو بيرجر رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بنفس الجامعة ندوة عن الأدب العربي وآداب منطقة الشرق الأوسط بالتعاون مع نادي القلم الدولي بنيويورك، ندوة حافلة برياسة المسرحي الأمريكي آرثر ميللر، وحضرها عدد كبير من الكُتَّاب والشعراء والمسرحيين الأمريكيين؛ مثل جون إبدايك، وميروين، وإدوارد إلبي مؤلف: من يخاف من فرجينيا وولف، وسأتحدث في مرةٍ قادمة بتفصيل أكثر عن هذه الندوة الهامة، ولكن ما أريد الآن قوله: إن الأدب العربي كان مُمثلًا في هذه الندوة بالأستاذ يحيى حقي والدكتور إحسان عباس والشاعرين الكبيرين أدونيس وعبد الوهاب البياتي، وكاتب هذه الكلمات، ناهيك عن «سفيرة» الأدب العربي الدكتورة منى ميخائيل التي قامت بعملية الانتقاء والترجمة. النماذج الشعرية والقصصية والنقدية العربية التي قُدمت أذهلت الحاضرين، أمريكان وغير أمريكان، حتى لقد جعلتني أحسُّ أن أدبنا العربي الحديث مظلومٌ في عالمنا المعاصر، ونحن أول ظالميه، فنحن لا نبذل جهدًا في ترجمته إلى اللغات المنتشرة، وتشجيع طبعه وتداوله في كل أنحاء العالم. إنه مفخرةٌ لأي شعبٍ متحضر تكاد تنحصر فيه كل إسهاماتنا في الاختراع والابتكار والإضافة إلى التراث الحضاري العالمي. كنت حاضرًا من ندوة أحسست فيها — ربما لأول مرة — بالفخر أنِّي كاتبٌ، وأني كاتب عربي، وها أنا ذا الآن في مهرجان مسرحي مصري في اللغة العربية في قلب باريس. لحظة من اللحظات القليلة التي ترى رأسك وقد شمخت، وتعالت فوق أمواج المحيط المتلاطم من الضياع، التي تحيا فيها فنوننا وآدابنا وعلومنا وإنساننا بشكل عام، ترفع رأسك عن جدارة .. وعن إحساسٍ قويٍّ أننا ممكن، بل نحن فعلًا، شيء كبير وعظيم في هذا العالم .. والقاعة مزدحمةٌ، والتدخين كثير. والحضور في بهجةٍ لامعة بالعرق والتأثر والانفعال والضحكات والتحيات والقبلات والأحضان، نُهنئ بعضنا البعض وكأنما نكتشف أنفسنا لأول مرة. سعيدون تمامًا أننا نحن .. وأننا هنا .. وأننا نصل وسنصل. كنا هكذا حين قابلني الصديق الفنان سعد الدين وهبة رئيس البعثة الفنية إلى باريس: أتعرف هذه السيدة الواقفة هناك؟ نظرت إليها بإمعان. وهززت رأسي ببطء، فلم أكن أعرفها. قال: هذه هي «الملكة» فريدة. – الملكة فريدة! في الحال انشق في ذهني شريط طويل من ذكريات مُريعة عن عصر الملكية، والملكة الجميلة الأولى، وفاروق، والطفل الصغير الذي کُنتُه .. وأبي يرفعني فوق أكتافه في ميدان الأوبرا لأشهد موكب التتويج، ثم الزواج، وتلك الصورة التي كانت تُباع بقروش للعروس الملكة والتي اشتريتها وعلَّقتها في عروة جاكتتي الصغيرة .. إذن هذه هي الملكة فريدة. قال سعد الدين وهبة: أُعرِّفك بها؟! وقدمني إليها، وفوجئت أنها لا تعرفني فقط؛ وإنما تواظب على قراءة ما أكتبه وما يكتبه المصريون والعرب. ومرة أخرى عاد الشريط يلفُّ في رأسي بعد أن أصبحت الملكة الرسمية وبدأت صورها تظهر في الصحف، صور «رسمية» جامدة. جميلة .. هذا صحيح .. ولكنه ذلك الجمال المتعالي، والذي يجب أن يكون ملكيًّا ومتعاليًا، باختصار .. غير إنساني .. وأستغرب أنا وأتألم وقد فقدت في رأيي البنت الحلوة التي كنت أُعلق صورتها في عروتي، وها هي قد أصبحت «ملكة» .. لا يبدو على وجهها — رغم ابتسامتها — أي سعادة بالمرة. والآن ها هي أمامي .. سعيدة كما لم أرَ إنسانة سعيدة هكذا، کیف والهالة الملكية قد غادرتها إلى الأبد، وهي الآن مجرد مواطنة وفنانة ترسم، وقارئة، وقادمة مثلها مثل أي فنانة أو مواطنة عادية تحتفل معنا بفريق المسرح القومي. وتهنئنا وتأخذ معه الصور؟ هالني ذلك البريق السعيد الذي كان يُشعُّ منها ورحت أحاول تفسيره. ولم أتعب كثيرًا لأُفسره .. إن السلطة كالثراء الفاحش قاتلة لإنسانية الإنسان، فهي تبعده عن البشر، وتمنع عنه الانتماء، وتُحيله إلى كائن مكتئب وحيد، عليه أن يكون وحيدًا وبعيدًا لكي تُحفظ له هالة السلطة والثراء. وهذا أبدًا ليس من طبيعة البشر، في حاجة للانتماء، في حاجة ماسة أن يكونوا «عاديين» ليكون لهم إحساس البشر، وحس البشر، وطعم البشر، وإنسانية البشر. ها هي المواطنة فريدة سعيدة، أسعد ألف مرة عن كونها متوَّجة أو ملكة، فهي أخيرًا قد وجدت قبيلتها البشرية والإنسانية، أخيرًا قد أصبحت امرأة وفنانة ومنتمية وسعيدة بعاديتها، سعيدة أنها «وسط» مواطنيها وليست «فوقهم»، سعيدة، يشعُّ قلبها بسعادة لم تر مثلها وهي شابة، جميلة رغم تجاعيدها ألف مرة أكثر من جمالها وهي في العشرين، مبتسمة هذه المرة، ليس «كبُوز» ملكي. وإنما ابتسامة بشرية نابعة من أعمق أعماقها. ألا ما أحمق هؤلاء الذين يتكالبون على السلطة ويفقدون كل ما يجعلهم بشرًا ليحصلوا عليها ويحتفظوا بها! إذ فعلًا يحصلون على القوة والنفوذ ولكن مقابل أن يموت فيهم كل ما هو جميل وإنساني .. وكل ما يجعلهم فعلًا ومن أعماقهم سعداء.
|
{
"chapter": "أحقًّا أحلى مذاقًا من العسل؟!",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/21/"
}
|
شاءت المصادفات أن يكون أول كتاب أقرؤه بعد أيامٍ من وصولي إلى صنعاء (سبتمبر سنة ١٩٧٨) هو الحكايات والأساطير اليمنية التي جمعها الأديب علي محمد عبده، ولا يكفي أن أقول إن هذه الحكايات الشعبية أكدت لي وَحدة الوجدان العربي والإنساني، وإن بعضها قد اقترب اقترابًا شديدًا من حكاياتٍ وأساطيرَ وقصص تعددت أشكال التعبير عنها في الآداب الشعبية والعالمية (مثلًا سندريلا وأوديب)؛ إذ يبدو أنها غافلتني وهبطت في آبار الوعي، وراحت تتشكل على مرِّ الأيام والسنين وتتخلَّق صورًا وشخصيات ومواقف وإيقاعات، حتى طفَت ذات يومٍ أو ذات ليلةٍ على السطح، وأخذت تطرق باب الحياة طرقًا شديدًا لكي ينفتح لها وتُدوَّن في أسابيعَ قليلة .. وإذا كان من الطبيعي أن تستقي هذه المسرحيات مادتها من الحكايات الشعبية، فإن من الطبيعي أيضًا أن تصبح في صورتها الجديدة حكايات فنِّية متحررة من الأصل، وأن أختار لها أو بالأحرى تختار لنفسها قالبًا مسرحيًّا قريبًا من الروح الشعبية؛ إذ يغلب عليها الطابع الملحمي الذي يقوم على الرواية والسرد والتعليق على الأحداث، كما يتخذ في معظم الأحيان شكل «المسرح في المسرح» الذي يُعَد بدوره خروجًا على الدراما التقليدية أو «الأرسطية» .. و«البطل» تقوم على حكاية «سيف القاتل» (ص١٢١–١٢٧ من الكتاب السابق الذكر)، وهي تُروى عن صياد الذباب الأبله «حسن سيف» الذي أوهمته المصادفة البحتة أنه خلَّص المدينة من الوحش (أو الطاهش) الذي كان يهددها ويتربَّص بالداخل إليها والخارج منها، ويتسلَّم «البطل» المكافأة التي وَعد بها السلطان لمن يقضي على الوحش، ولم تكن المكافأة — بجانب المجد الذي لم يستحقه — بأقل من الجلوس على العرش. ولكن صياد الذباب القديم لا يلبث أن يحوِّل سكان المدينة إلى ذباب، وينشر الخوف والذل والخراب، وتظهر جوقة من أبناء العصر الحاضر لتستجوب أبناء الزمن الماضي الذين بُعِثوا للحياة من صفحات الكتب الصفراء، وراحوا يقدمون «اللعبة» ويلعبون أدوارهم، لعل أهل الزمن الحاضر ألا ينخدعوا في تلك اللعبة القديمة المتجددة، ولعلهم أن ينتبهوا إلى وباء «الانتهازي» و«الفهلوي» الذي ابتُليت به حياتنا المصرية والعربية الحديثة. وتعتمد مسرحية «الحُلم» من ناحيةٍ على حكاية «على رأس الظالم تقع» (ص١٠٣–١٠٨ من الكتاب المذكور) التي تحكي عن فتًى فقير وأمين تُنقذه ثلاث حِكَم اشتراها من عرَّافٍ أعمى من ثلاث ورطات كادت أن تودي بحياته، كما تستفيد من ناحيةٍ أخرى من إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، وهي الحكاية المشهورة عن قمر الزمان وبدر البدور، والمسرحية تتوالى أحداثها في عشر لوحات، وتستغل طبيعة الحُلم فتعكس تيار الزمن وتبدأ من النهاية سائرةً نحو البداية .. وأعترف الآن أنني كنت أثناء كتابتها مُنساقًا كالمتجول في أثناء النوم .. ومع أن كتابة جملة واحدة مفيدة يستلزم قدرًا من الوعي، فيبدو أن اللاوعي كان هو السيد المطاع في هذه الحالة، إنها أحلام فتى جميل تُحرِّكه قوة الرؤيا ومعجزة الحُلم، وتزوِّده بالإصرار على إنقاذ الأرض من القحط، وانتشال القصر من الفساد، والبدء من الصفر المطلق لبناء سفينة نوح فوق الطوفان .. ولكنه في النهاية يصحو من حُلمه المستحيل الذي طالما استسلم له في القصص والحكايات والأشعار، يصحو ليفتح عينيه على الأم المحتضرة والجيران البؤساء، والأرض المتعطشة إلى المطر والحب والعدل. ومسرحية «الليل والجبل» تستمد مادتها من قصتين للأديب زيد مُطيع دماج نشرهما في مجموعةٍ من خيرة المجموعات القصصية التي ظهرت في الأدب اليمني والعربي الحديث، وهي «طاهش الحوبان» (١٩٧٩)، ويتكرر ظهور «الطاهش» في هذه المسرحية رمزًا للقوى الوحشية التي طالما هدَّدت سكان القرى الجبلية والوديان الموحشة وما زالت تهدد الإنسان العربي من كل ناحية، وتَرِد في المسرحية — التي تُذكِّرنا بألعاب السامر — أشعار من العامية اليمنية اقتبستها من أعذب شعراء العامية اليمنية — وهم عبد الرحمن الآنسي وآخرين غيره — واستعنت في ذلك بكتاب «شعر العامية في اليمن» للشاعر الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح. ••• وأخيرًا تأتي بضعة أسئلة أوجهها إلى نفسي قبل أن يوجهها القارئ أو الناقد: – لِمَ هذا الحزن القاتم وخاصة في أشعار الجوقة؟ لأن المسرحيات قد كُتبت في وقتٍ طغى عليَّ فيه الإحساس بمحنة الوجود العربي، وأخشى أن أقول الانقراض العربي بكل ما فيه من ظواهر التمزق والتدهور والفساد التي لم تعد خافية على أحد، وطبيعي أن الكاتب لا يمكن أن يتحول إلى بُومةٍ تنعِق بين الأنقاض، ففي كل كاتب — وبخاصة كاتب المسرح — شيء من الشاعر، وفي كل شاعرٍ شيء من العرَّاف والمتنبئ والناطق بلسان الشعب وآلامه وأحلامه ورؤاه — أي من الشاعر كما عرفته الجاهلية و«الفاتيس» كما سمَّاه الرومان — وفي زمن المحنة هل ينكر أحد على الكاتب أن يكون فيه شيء من «تيريزياس» الإغريقي أو «إيب أور» المصري القديم أو زُهير بن أبي سلمى؟ ومع ذلك فهو لا يكتفي بأن يُنذِر ويُحذِّر، إنه كذلك يبشِّر ويشارك في صنع الفجر الحتمي المقبل. – ولِمَ اخترت الشكل الملحمي أو بالأحرى شكل المسرح في المسرح؟ لقد اختار الموضوع شكله كما قدمت قبل قليل، تآلفت الصور والمواقف والشخوص والأفعال والأصوات والألوان في هذا الإطار، ولم يكن ذلك عن تأثر بقراءةٍ أو دراسةٍ سابقة، فقد تأثرتُ «ببرشت» — وكنت أول من قدَّمه إلى العربية في عددٍ كبير من مسرحياته وأشعاره — كما تأثرتُ بغيره، ولكنني ابتعدتُ عنه كذلك كما ابتعدتُ عن غيره، وحاولت وما زلت أحاول أن تكون لي تجارِبي التي لا تختلط بتجارِب غيري، أعترف بأن «البطل» تدين بالعرفان لإحدى مسرحيات «برشت» التي كان لي حظ مشاهدتها قبل حوالي ربع القرن على مسرح «فرقة برلين» وهي «الارتفاع الذي يمكن أن يوقف لأرتورو أوى»، ولكنها تدين كذلك بالفضل لسوفوكليس ومسرحيات الأسرار في العصر الوسيط، ولأصداء ورواسب وخبرات أخرى يصعب عليَّ تحليلها أو تمييز عناصرها، ومع ذلك فالمسرحية تعكس في المقام الأول رؤيتي لعصر الجراد الانتهازي الذي قُدِّر لي أن أعيش فيه وأتعذب به، وأحاول بجهدي صدَّ زحفه على وطني والوطن العربي. – ولماذا اخترت العنوان؟ أهي عودة ﻟ «المحلية» و«الإقليمية» في الأدب؟ ليس في الأمر اختيار، فالمسرحيات مستوحاة من قصصٍ وحكايات شعبية يمنية، وإذا كانت تبدأ منها وتنطلق من مادتها فإنها لا تتقيد بها، إن طائر الفن الأخضر لا بدَّ أن يبني عشًّا على شجرة، وأن يُحصِّل زاده من أرض وبيئة، وأن يرفرف في سماء تراث معين، لكنه حرٌّ يُفلت من كل الأقفاص، وليس فنًّا ذلك الذي لا يخاطب الأبدي في الإنسان، ويبقى الفضل للوجدان اليمني — العربي — الإنساني العامر بكنوزٍ لم تُكتشف بعد، ومن يدري! فلعل فجر البعث العربي المُرتقَب أن يُشرِق من هذه «البلدة الطيبة التي يسكنها شعبٌ أصيل ويرعاها ربٌّ غفور».
|
{
"chapter": "هذه المسرحيات",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الليل والجبل",
"url": "https://www.hindawi.org/books/82815090/0/"
}
|
کِش ملك .. مات. يا لعبقرية اللاعب الذي أنهى وجود کل قواتك تقريبًا .. ملك ووزير وأحصنه وطابيات وأفيال وعساكر، بحركة صغيرة، بحركتين، بثلاث على الأكثر، تجد ملك «الأبيض» قد اختنق في خانته تمامًا وانتهت اللعبة. أنت مثلي لا تتقن الشطرنج وأنا مثلك لا أُتقن السياسة، ولا أعرف التفاصيل، وليس عندي جهاز معلومات أو اطلاعات، ولهذا فنحن سنلتقي حتمًا عند هذا الجهل وبالجهد المشترك .. فنحن في سبيلنا إلى إعادة النظر في مشكلةٍ مثيرةٍ، مهمة وحيوية .. وأخطر قضايا العصر على الإطلاق بالنسبة لنا، ليس بالنسبة للعالم العربي فقط؛ وإنما حتى بالنسبة لأخص مشاكلنا الداخلية في كل بلد. نحن في سبيلنا إلى رؤية القصة «اللبنانية الدامية» من وجهة نظر عربية وجديدة علينا تمامًا، وجهة نظر متفرجين بعیدین تمامًا عن الاندماج .. ليس لأن هذه النظرة هي الطريقة «العلمية» الوحيدة «لإدراك» حقيقة ما حدث، ولماذا حدث ما حدث، ولماذا يظل حادثًا ما يحدث؟ .. وسيظل، ولكن، لأننا أيضًا — وبصراحة — هكذا أصبحنا فعلًا، وبحكم الواقع، متفرجين .. وإلا، فقل لي بذمتك: ما هو دورك أو دوري أو دور أي مواطن، هنا أو هناك، في هذا الذي يحدث في لبنان؟ .. أنت لا تتحرك وأنا لا أتحرك .. هي تقرأ وتمصمص الشفاه .. وهو تولت أرقام القتلى المتوالية كل يوم تنويم إحساسه مغناطيسيًّا، بحيث يتلقاها كما يتلقاها النائم، أضغاث أحلام. هجوم جديد. مائتان وخمسون قتيلًا وكذا مائة جريحٍ. وكأنها أرواح ودماء مئات الدجاج وليس البشر .. المشكلة إذن خرجت من يدنا، بل هي أخيرًا لم تكن في يدنا .. وكان الزعيم اللبناني كمال جنبلاط لاذعًا تمامًا ومندوبُ إحدى مجلاتنا يسأله: ما رأيك كيف ستكون نهاية الحرب في لبنان؟ وماذا يترتب عليها من نتائج؟ كان خفيف الدم تمامًا وهو يقول: اسألوا الفلكيين في مصر .. ويقصد العبقري الفلكي أو التونسي الفلكي، لا أعرف .. إذن هذا هو أحد أطراف المعركة الرئيسية، هو الآخر مثلنا، خرج الأمر من يده. بل حتى ولو توقفت الحرب في هذه اللحظة. الآن مثلًا — وهذا احتمالٌ مستبعد طبعًا — أنكون قد خرجنا من المستنقع اللبناني سالمين؟ أم نكون قد خرجنا بأكبر عدد من الضحايا شهدته ساحتنا منذ حروب التتار والحروب الصليبية. ومنَّا فينا، وبأيدينا خرجنا مثخنين بأبشع ما تزدحم به الصدور من جروح وضغائن، خرجنا بخسارات ضخام لا يمكن أن نتبين مدى ضخامتها وبشاعتها الآن وربما في المدى القريب. الجرح اللبناني إذن مغور «الآن» في صدورنا، حتى لو توقفت الحرب .. ولأن الكارثة حدثت، والخديعة تمَّت، فلا يبقى الآن لمتفرج مثلي ومثلك ومثل الزعماء: كمال جنبلاط وياسر عرفات، مثل حافظ الأسد وبيار الجميل وسرکیس، مثل مواقف مصر والسعودية والكويت وليبيا والعراق والجزائر، مثل مواقف المائة والعشرين مليون عربي، إلا أن نعرف كيف خُدعنا وكيف أمكنهم أن يفعلوا ذلك بنا وأن نفعل ذلك بأنفسنا، لا لنتذكرها عبرة طوال التاريخ المقبل، وإنما لنتدبر الحادث لكل منا الآن، في كل بلدٍ عربيٍّ وليس على مستوى السلطة والقيادة في كل منها، وإنما حتى على المستوى الفردي الشخصي الذاتي، لي ولك ولها وله. فما حدث خطير .. خطير .. خطير! وما يحدث وما يمكن أن يحدث أخطر .. وأخطر .. وأخطر! ولنتدبر ما حدث. ولكي نتدبر نتعلم معًا لعبة الشطرنج. ••• في لعبة الشطرنج يكون أهم أهدافك أن تُخفي «هدفك» عن عدوك، وقد لعبتها قواتنا المسلحة المصرية ببراعة في عبور ٦ أكتوبر، فلم تتصور إسرائيل للحظة أن هذه التمرينات الروتينية على عبور القنوات «الصناعية» والطبيعية يمكن أن تنقلب في ساعة صفر إلى عبور «حقیقي». إخفاء الهدف — إذن — أمر مهم تمامًا. ليس فقط في لعبة الشطرنج، وإنما في لعبة السياسة والحرب والاغتيال. فنحن نحيا في عصر الغدر. انتهى تمامًا عصر «إعلان» الحرب واللقاءات الشهمة فوق أرض المعركة .. فالغدر أقوى الأسلحة، وبالغدر حاربتنا إسرائيل كل حروبها .. بل وعقدت أحيانًا هدناتها واتفاقاتها، ومنهم تعلمنا وسنتعلم أكثر. ذلك أن الغدر طريق لا نهاية له، فإخفاء النية ممكن أن يتخذ أشكالًا لا عدَّ لها ولا حصر. والحق أني مثل غيري من ملايين المواطنين، لم أتصور أن هذه الاحتكاكات الأولى في لبنان ممكن أن تصل إلى قمة المأساة التي نقف فوقها أو تحتها اليوم .. ذلك أنها كانت تُشبه حركة العسكري أو البيدق الأولى. حركة بريئة لا يُقصد بها سوى التقدم خطوة. لا يمكن أن نتصور أن هذه الحركة ما هي إلا مقدمة لإفساح مجال «الوزير» الأسود کي ينقض. وحتى لو تابعت حركة الوزير فلن تفطن أبدًا إلى أن الهدف النهائي هو رقبة الملك «الأبيض» وكلمة: كش .. مات. لن أقول الآن من هو الملك «الأبيض». ومن هو الوزير «الأسود» فنحن نحاول حل معضلة، أو ربما استخلاص قانون. وفي مجال العلوم يحدث هذا بتجريد الأشياء والموجودات من محتواها المادي والمعنوي وإحالتها إلى رموزٍ رياضية وحلها كمعادلات رياضية بحتة. ونحن الآن قد جرَّدنا الرقعة من الجثث، ونظفناها من الدماء لنرى الأبيض من الأسود فيها، وأحلنا القوات إلى رموز شطرنجيةٍ، وإذا كنت سأذكر اسم هذا اللاعب أو ذاك، أو اسم تلك القوات أو تلك فأرجو أن نُجرد الأمر أيضًا من فكرة الاتهام ذي الوثائق والحيثيات، ذلك أننا الآن لا نحاكم، بل حتى لا نتقاتل، نحن كما أودُّ أن أذكر مرة أخرى، نراقب «اللعبة» .. وكيف «لعب» بنا (بضم اللام أو فتحها، أنت حر). ••• بدأت النقلة الأولى .. تحركت القوات اليمينية حركة، رد اليسار اللبناني .. عسكري بعسكري .. أكل العسكري عسكريًّا .. انطلقت الأفلام المجيدة في الصحافة العربية تتحدث عن الصراع بين «اليمين» و«اليسار» في لبنان، باعتبار المشكلة مشكلة «طبقية». (من المحتم عليَّ أن أُذكِّرك معي بأن الهدف الخفي كان — وربما لا يزال — خفيًّا، وهو: كش ملك .. مات .. للملك الأبيض.) بدأنا إذن نتناول نحن، أقصد عباقرة المحللين والمنظرين والعارفين ببواطن الأمور، نتحدث عن الصراع بين اليمين واليسار في لبنان. عن اليمين الغني الذي يملك كل شيء، وعن اليسار المظلوم المهضوم الذي يُسيطر على جماهير واسعة من الشعب اللبناني. وما دام الأمر هكذا، فالمقاومة الفلسطينية كانت حكيمةً جدًّا حين أعلنت بصراحة ووضوح في هذه الأيام — القليلة جدًّا — الأولى، أن هذه مشكلة لبنانية داخلية، وأنها — المقاومة — ستبقى بعيدًا عن ساحة الصراع الطبقي اللبناني. ولكن لأن هذه لم تكن إلا الخطوة الأولى، فقد كان لا بد أن تعقبها الخطوة الثانية البسيطة جدًّا. وهي إضافة كلمة الماروني إلى اليمين والمسلم إلى اليسار، وهكذا صعد الصراع إذن إلى مرحلة أن أصبح بين اليمين الماروني واليسار المسلم. إذن المشكلة التي بدأت «طبقية» أو أُوحِي إلينا أول الأمر أن المشكلة طبقية، سرعان ما تحولت إلى مشكلةٍ طائفيةٍ، لماذا؟ لكي يُستدعى إلى ساحة المعركة كل التراث الطائفي الذي يلتهب من زمن تحت الرماد .. كل النعرات والصراعات والصغائر الطائفية اللعينة الكامنة منذ مئات السنين والتي — للأسف — لم تتولَّ فكرة وطنية حقيقية إذابتها وإزالتها من الوجود، تدفقت مرة واحدة إلى الساحة وبغزارةٍ متزايدة. وبدا كأن الحرب أصبحت تمامًا بين، ليس المارونيين والسُّنة والدروز؛ وإنما بين المسيحيين أجمعين وبين المسلمين أجمعين. وهكذا، كما توسعت رقعة الاستقطاب العالمي. فأي مسلمٍ بطبيعة الحال لا بد أن ينصر المسلم، وأي مسیحي بطبيعة الحال لا بد أن ينصر بقلبه المسيحي، وأصبحت صحف وإذاعات وتليفزيونات العالم، ونحن من بينه، نتحدث عن الحرب الصليبية الجديدة بين المسيحيين والمسلمين. كل ما في الأمر أنها حربٌ صليبية عربية هذه المرة، زيتها في دقيقها، وشهداؤها هم القاتلون والقتلى معًا. هنا كان لا بد أن تأتي الحركة من جانب المقاومة. (وأيضًا لا تنسَ معي أن الهدف النهائي هو اغتيال الملك الأبيض) .. فإذا أبقت المقاومة على موقفها «المحايد» من هذا الصراع بين اليسار «ولو كان مسلمًا» وبين اليمين «ولو كان مسيحيَّا». لو وقفت على الحياد بين التقدم والتأخر، وبين التحرر والتبعية، إذن لفقدت صفتها كمقاومة، وقيمتها كقوةٍ ثوريةٍ عاتية ليس في لبنان وحده؛ بل وفي المنطقة العربية كلها. إذن لا بد أن تأخذ المقاومة موقفًا. لا بد أن تتحرك قطعة الشطرنج. فالهدف الخفي الأول — إذ دائمًا هناك الهدف الأخفى والأعظم — هو إخراج المقاومة من جيوبها وخنادقها واستحكاماتها إلى الساحة المكشوفة .. الهدف .. جر رجلها .. مجرد الرجل، وستتوالى الحوادث والأحداث وتصعيد المواقف، وسيتولى اللاعب العبقري، مهمة التحريك. وفي الوقت المناسب، وخلق الظروف التي لا يمكن معها إلا أن تتحرك كما يريد هو حتى ولو لم ترد أنت. (بربکم راجعوا هذه الجملة مرة أخرى، وخصوصًا أنتم يا سادتنا الساسة.) ••• وجود الناس في أرض الناس، حتى لو كانوا أهلًا وأشقاء، دائمًا أمر، وإن احتُمل لفترة، فهو أمر مستثقل. ووجود الفلسطينيين في لبنان ليس مسألة طارئة أو تاريخية يرجع ربما إلى سنوات ثورة ٣٦ وقبل ٤٨ بكثير. وجاءت الحروب المتعاقبة بآلاف جدد من المهاجرين، ثم كان من المحتم أن يُصبح الوجود «مُسلحًا» ليدافع عن نفسه لقصور الجيش اللبناني الرسمي عن حماية حتى اللبنانيين في الجنوب أنفسهم. وهكذا نشأت التنظيمات المسلحة وعلى رأسها «فتح»، والجبهة الشعبية، بل و«تعرَّب» التسليح وخُلقت منظمات وتنظيمات وعشرات «الجبهات» المتحدة والوطنية والثورية والفوقية والتحتية. أقول هذا كمقدمة لا بد منها لكي أقول: إن جرَّ ساق المقاومة الفلسطينية كان معناه دفق كمياتٍ وافرةٍ من مخزون الحزازات التي قامت بالنسبة للوجود الفلسطيني على أرض لبنان. آلاف الحزازات الصغيرة والكبيرة يضاف — وملتهبًا — إلى الحزازات الطائفية والعرقية والعشائرية والمارونية والسنية والأرثوذكسية والدرزية والشيعية والعلوية والكاثوليكية والغربية والشرقية والعربية والعراقية والسورية والبعثية والشيوعية والقومية والشعبية والفتحية والصاعقية والنضالية والأيلولية الأسودية … إلى آخر قائمة لا تنتهي، ويبدو أنها لن تنتهي أبدًا. وإنني — في أسًى هائل — لا أملك إلا أن أعجب بعبقرية اللاعب؛ فقد «ضحَّى» كما يقولون في الشطرنج، في هذه الحركة: جر ساق المقاومة، بثلاثة أرباع الرقعة. استطاعت القوات الفلسطينية، اللبنانية التقدمية أن «تكتسح» في أسابيع قليلة وتستولى على ما يقرب من ٨٠ في المائة من مساحة لبنان، وبدا كما لو كان لبنان موشكًا على الوصول إلى رحلة «الديمقراطية الشعبية» بقيادة كمال جنبلاط وياسر عرفات. أقول: «بد»؛ لأن هذا هو المهم. فقد كان من المهم تمامًا أن تنجرَّ ساق أكبر إلى ساحة الرقعة .. ساق سوريا «التقدمية» وإلى جانب من؟ إلى جانب اليمين و«ضد» القوات التقدمية المتحالفة. أليس — بذمتكم — لاعبًا عبقريًّا ذلك الذي اخترن السلاح «الشيوعي» الروسي ليضرب به القوات «التقدمية» في لبنان، وروسيا جالسة كالدب الكبير الحائر ماذا يفعل؟ بينما الآخر «يلعب» وأي لعب يلعب. ولكن هذه كانت مجرد حركة، ولا تنسَ معي في النهاية أن الهدف هو رأس الملك الأبيض. ••• ألفان من الجنود والمعدات، ثم أربعة، ثم خمسة، الساق تغوص، الساحة العربية تصطخب وتجأر وتثور وتفور. الدنيا كلها قامت ولم تقعد، الحرب التي بدأت «طبقية» لبنانية محضة تصبح بعد قليل حربًا طبقية طائفية إسلامية مارونية، ثم حربًا مسيحية يمينية ضد تحالف إسلامي تقدمي، ثم حربًا إسلامية علوية مارونية سورية كتائبية ميليشية جميلية شمعونية فرنجية ضد قوات تقدمية بعثية شيوعية درزية شيعية سنية فلسطينية لبنانية ليبية عراقية جزائرية مغربية سودانية … إلخ. الهدف اغتيال المقاومة الفلسطينية. وكل ما سبق وحدث إنما هو الانقلاب. صحيح أُريقت دماء وولدت جراحات لا تندمل، ولكن، لا اليمين الليبي بكل فئاته ولا أي قوةٍ أخرى داخل لبنان أو حتی خارجه كان باستطاعتها أن تقوم بهذا العمل القذر. كان لا يمكن أن يحدث هذا إلا على يد جيش حديث مدرب، وعربي، وهذا هو المهم تمامًا، ليس مهمًا أن يكون الخنجر من واشنطن أو موسكو، إنما المهم أن تكون اليد «عربية». لتكون الجريمة كاملةً، بحيث لا يمكن أن يترك الفاعل الحقيقي أثرًا، وبحيث من الممكن، ليس فقط أن تُباد المقاومة في لبنان، وإنما أن يختفي أثر الوجود الفلسطيني في العالم العربي، ويُباد، بأيدٍ عربية أيضًا، بحيث أن ما يحدث في لبنان يتكرر وبأشكال أخرى في بلاد عربية أخرى، بل وعلى مستوى عربي عام، الحساسيات اللازمة موجودة ومتوفرة بكثرة، المناخ موجود، الصراعات الرهيبة قائمةٌ وموجودة، التفاوت الطبقي والصراع الطائفي والعرقي والعشائري بخير كثير والحمد لله. والآن الملك الأبيض فوق جبل لبنان، وحده، في خانة الْيَك الأخيرة. والوزير، وإن كان أبيض، إلا أن ما سمَّيناه الوزير الأسود يقول، دون أن يقول، فهو لا يقول، إنه فقط «يحرك»، بلا كلام، والشطرنج أبدًا ليس في حاجة لكلام، يقول كش .. مات. يقولها بخنجر «روسي» وبيد «عربية» وأمام الملأ كله. وكأنما هو ضامن أن أحدًا لم يعد يستطيع شيئًا. ••• أكان غلاة المتخيلين يتصورون هذا؟ أكان أحدًا في عام ١٩٧٤م أو ١٩٧٥م، أو حتى أوائل ١٩٧٦م يتصور أن المقاومة ستُغتال في لبنان؟ هذا الإخفاء الخطير للهدف. کیف «لُعب» بنا، كلنا؟ وكيف لا يزال «يلعب» بنا؟ إن اللاعب على وجهه قناع، لا أستطيع أن أتبيَّن تمامًا من هو. هل، هل تستطيع أنت؟ تبدأ الألعاب كلها في لعبة الشطرنج بنقلة. وفي «شطرنجنا» العربي كما رأينا، يبدو أن الموضة أصبحت أن النقلة الأولى هي إطلاق صرخة: الذئب الذئب! اليسار اليسار! اليمين اليمين! أم أني جاهلٌ في السياسة مثل جهلك في لعبة الشطرنج؟
|
{
"chapter": "رأس الملك الأبيض",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/20/"
}
|
قد مات شهيدًا يا ولدي من مات فداء للمحبوب .. اصدح یا عبد الحليم وغن، فالمتعة قد بدأت تتسرب إلى نفوسنا الجافة، نفوس تيبَّست فلا أحد يرويها والحر اللافح يشويها .. والدنيا ركامٌ من الأهوال والمشاكل .. غنِّ يا عبد الحليم، فلعل وعسى، لعلها ساعة نستريح فيها، يبدأ الأخضر يُغطي على الأصفر، ربما نبت برعم .. غن يا عبد الحليم، فموسيقاك جميلة، والموجي رقيق وشاعر الموسيقى الشعبية، وأورج مجدي الحُسیني وكأنه النشوة .. غن أيها الناحل الأسمر في بدلتك البيضاء الجميلة، زنبقة من قلب طيننا البُني، أعرف كم تُعاني وتقاسي وكم قاسيت لتشرخ التربة، وفي عناد تشق الطريق وتصعد وتتبوأ مكان النغمة جميلة العذاب في قلوب الملايين والملايين .. غن يا بلدیاتي .. یا ابن القنايات الذي استولى على القاهرة بلا جيش أو انقلاب. وحكم العواصم العربية بلا حسب أو نسب أو مخابرات، بأغنية الحب، يقولها لقلوب وألسنة رغم كثرة «كلامها» عن الحب و«استعمالها» للحب لا تحب، ويتسرب صوتك إليها هامسًا، ودودًا، لا تجفل منه ولا تنكمش، إذ هو صوت يحرض على الحب، وحتى لو حرض على اللوعة والأسى، فهو ذلك الأسى الجميل الذي يُمهد لتقبل الحب وزرع الحب، وحب الحب. غنِّ يا عبد الحليم، رغم كل شيء غن، واقرأ لنا یا نزار العظيم فنجاننا المقلوب ليس بيد قارئةٍ، وإنما بيد زمن غادر، ومؤامرات وانقلابات، ودماء من كثرة سيلها وشدتها، قلبته، وقلبتنا معه، فهو مقلوبٌ ونحن مقلوبون معه نقرؤه. فنقرؤه أيضًا بالمقلوب. غن يا عبد الحليم، فهي دقائق متعة، فعلًا، أحس ويحس معي الآخرون بالمتعة ليتها كانت متعة التخدير، ولكنها للأسف أو لحسن الحظ، متعة مفتوحة الأعين، مفتوحة الذاكرة، مفتوحة الوعي .. أعرف أن دماءً غزيرة تسيل في بيروت .. أعرف أن الإسرائيليين نجحوا في اختطاف الطائرة المخطوفة وقتلوا الأوغنديين والمختطفين .. أعرف أن سِتمائة قُتلوا في يوم واحد في السودان، أعرف أن الدماء تسيل من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب في وطننا العربي، ولكن، غن يا عبد الحليم، غن فلِرُبع قرن من الزمان أيها الناس ونحن بلا يوم راحة، نحيا في جهنم الحرب وجهنم الثورة وجهنم الانقلاب، وجهنم الحكم العرفي، وجهنم البيان رقم واحد ورقم مليون، نجوع ونموت، نمرض ونموت، نثور ونموت، ننتكس ونموت، ننتصر ونموت، نموت ونموت .. غن يا عبد الحليم واقرأ لنا الفنجان یا نزار .. قد مات شهيدًا يا ولدي من مات فداء للمحبوب .. ليتنا هذه الأنواع من الشهداء. إنما نحن في معظم الأحيان شهداء الرعونة، وشهداء أيدينا وسيوفنا، شهداء حكمنا الوطني وحكوماتنا المختلفة أو المتفقة، شهداء آلاف وملايين النوازع الصغيرة التي يحفل بها إنساننا وعالمنا العربي، شهداء الأعداء الأذكياء الذين يلعبون بنا على الدوام ولم نلعب بهم إلا مرة .. شهداء عقول من فرط رجعيتها تحجَّرت، وأقوال من فرط تخفيفها من معانيها نصبت أقفاصًا من حديد، وقيودًا، شهداء عصر «الاستقلال» نحن، في كل كفاحنا ضد الاستعمار الأجنبي بقديمه وحديثه لم نخسر جزءًا من خسارات كفاحنا ضد أنفسنا، وكله — ويا للغرابة — باسم الشعب، وكله باسم الثورة، وكله تحت أروع وأضخم وأمجد الشعارات! غن یا عبد الحليم، فلم يبق لنا إلا أن نسمعك .. مقدورك يا ولدي أن تبقى مسجونًا بين الماء وبين النار. مقدورنا أن نبقى مسجونين مخنوقين بين الدم القريب الذي تحول إلى ماء وبين نار العدو التي تحولت إلى جحيم .. وبرغم جميع حرائقه، برغم جميع سوابقه، وبرغم الريح، وبرغم الحب سيبقى يا ولدي لحين، سيبقى يا عزیزي نزار، في أي مكان من أرضنا يبقى، في أي كوخ، وكل كوخ ساكن فيه الحزن والحقد والدم ليل نهار .. صدقت فقط حين قلت: مقدورك أن تمضي أبدًا في بحر «الحب» بغير قلوع، وتكون حياتك طول العمر كتاب دموع .. أو تكون الراء قد سقطت سهوًا منك وتكون تقصد بحر (الحرب) .. وأي حرب .. حرب لا معنى لها بالمرة. أنا أفهم أن نُحارب الاستعمار .. أما ما يحدث الآن فأنا لا أفهمه أبدًا .. إلا إذا كان الشعار الأمريكي المعروف: دع الآسيويين يُحاربون الآسيويين، قد طُبِّق، وبنجاح هذه المرة، في عالمنا العربي بنجاح ساحقٍ ماحق .. اذبح واقتل، بالهوية وعلى الهوية، لِنعُد القهقرى إلى الحروب الصليبية، كل ما في الأمر أن الغزاة هذه المرة قادمون من الداخل، وليس فيهم «قلب أسد» واحد، إنما هي قلوب نَعام وذئاب وكلاب .. غن يا عبد الحليم .. الحب سيبقى يا ولدى أحلى الأقدار، کده یا نزار؟ ما لقدرنا إذن انعَوَج وانحرف وأصبح القتل عندنا أحلى الأقدار .. وحبيبة قلبنا يا ولدي ليس لها عنوان، فهي في كل مكان، وشاعرنا الكبير هو الآخر بلا عنوان، فأنا أريد الكتابة لنزار، فأين نزار، وتحت أي شعار يقف؟ .. ربما ليموت شهيدَ شِعار .. من مات فداء للمحبوب استراح وربما أيضًا أراح، أراح المحبوب بالذات، فالناس لا تحب لتستشهد أو لتموت، الناس تحب لتفرح وتستمتع وتسعد، الناس تحب لتنطلق وتمرح، الناس تحب فعلًا لا قولًا، الناس لا تحب لتبقى مسجونة بين الماء وبين النار، الناس — كل الناس — ما عدانا، فالحب حَدَانا حزنٌ ساكن فينا ليل نهار، ودموع غزار ومرار، ونعيق سمج مدرار. غن یا عبد الحليم، أمتعنا قليلًا وسط دوي الرصاص الأعمی، حمَّام الدم يتخلط على أعيننا وأيدينا ويحنِّينا ويُخضِّبنا بالسواد، ولا نملك سوى المداد، وأضغاث مداد .. ويأخذ وزراء الخارجية العرب قرارًا بإيقاف القتال «فورًا» يا سلام .. وتشتبك قوة «السلام» الليبية، مع قوة «السلام» السودانية انتقامًا لمذبحة السودان، فعلًا یا جامعتنا العربية «فورًا» هي الكلمة. «فورًا» يتم الانعقاد، ولا انعقاد .. فورًا يتم القرار بلا نفاذ لأي قرارٍ .. فورًا إذا أرادت مصر توقف الهجوم على السودان الحبيب، ولكن «فورك» أيتها الجامعة الكبيرة ليس له من قرار حتى لو كان بقرار. غن يا عبد الحليم، وقل يا نزار .. ماذا تقول الآن يا نزار؟ .. وإذا كان صديقك المشعور فيه قد استشهد حبًّا وأثار قريحتك، فماذا تفعل القريحة حين يُستأصل شعب ويستشهد الناس حربًا، حربًا مغلوطة، حربًا منتحرة، حربًا مجرمة؛ لأنها حرب من الاتجاه الخاطئ، حرب الصديق للصديق، حرب الإخوة المصابين بلوثة وكأنهم يعانون من مرضٍ خبيث وراثي. غنِّ یا عبد الحليم، فعندنا نحن الآخرين حرب، قنابلها مقالات واتهامات، وضحاياها شعب مُضيع قتلوه بالشعارات والتلويح بأقدس المقدسات، ولم يبق إلا أن يقيموا له المأتم ويهيلوا فوقه التراب. غنِّ يا أخي، أمتعنا لحظة، لحظة زمن واحدة. الشعب ما أقل ما عاش، وما أقل ما يستمتع بالعيش إذا عاش، حتى لقد أصبح الموت هو فرحة المتعة الباقية .. غن يا عبد الحليم، فربما النسمات المتصاعدة من قلبك الفواح تُغطي على الطفح، طفح النفوس .. وطفح الجلود، غن، وكمان غن، فقد أفلت الزمام، ولم يعد أحد يستطيع وحده أن يصنع شيئًا، مهما قال أو كتب أو فعل، الحريق الأعظم بدأ، وجهنم قبل ميعادها انتصبت «يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه» ودولته التي تأويه. غن یا عبد الحليم، فقد استمتعت بك ساعة، وربما ملايين معي اختلسوا هذه الساعة الممتعة. غن، فقارئتك لم ولن تقرأ أبدًا فنجانًا يشبه فنجانك. رأت ونجَّمت كثيرًا ولكنها لم ولن تعرف أحزانًا تشبه أحزانك .. والحزن أبدًا ليس علينا بغريب، إنه دمنا ولحمنا وطعامنا وشرابنا، نحفظه ونرعاه ونعتنقه ونحتفظ به كما نحفظ ونقدِّس التراث. كل ما في الأمر يا عبد الحليم ويا نزار ويا قارئة الفنجان .. أني أنا هذه المرة ألمح الحزن وقد أخذ سواده الفحمي يتحول إلى جمرة نار، والفنجان من كثرة ما حمل فيه من بن أسود قد أخذ قاعه يثقل ليستعد للاعتدال.
|
{
"chapter": "«غنِّي» يا عبد الحليم",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/19/"
}
|
المقهوي العجوز. زوجته. تاجر. فتًى (يبحث عن أبيه في صنعاء). زوج (عائدٌ إلى زوجته وبيته في صنعاء). طفلة (ابنة التاجر). عروس (تقوم بدور ابنة المقهوي). شاب (مُغنٍّ جَوال). أبوه الضرير (ضارب على الدف). الفتى والزوج والطفلة والعروس ضيوفٌ ينزلون في الفندق أو النُّزل الليلي «السمسرة»، ويشاركون في التمثيل. (المقهوي لا يرد. يحتضن حزمة الثياب التي يحاول إخفاءها.) (المقهوي صامت، كأنه طفلٌ مذنب، يُطرق برأسه إلى الأرض. تُواصِل كلامها المندفع.) (المقهوي لا يرد، يشرع أذنيه كمن يتسمع أصواتًا بعيدة.) (يشد المزلاج فيصرُّ الباب. يفتحه ويطالعه وجه شاب عليه آثار السفر والتراب. تستقبله نغمات الأغنية بصوتٍ يوشك أن يوقظ النائمين: وما يرعى العهود إلا الكريم.) (يدخل شيخٌ أعمى .. تسبقه ذراعاه اللتان تتحسسان الباب). (الأعمى يصاحبه بطَرقاتٍ خفيفة على الدُّف. يتوقف، يحس ترددَ أنفاس النائمين وتَقلُّبَهم على الفراش. تفتح الطفلة عينيها وتجلس وتنادي على أبيها. يصحو الأب مستنكرًا ثم تتبعه أصوات غاضبة في البداية ثم مندهشة.) (المقهوي يتجه إلى الدرَج ويصعد عليه، يجمع قطع الثياب وبقية الأشياء من على الجدران، يكون الجميع قد تحلَّقوا في دائرة فيضعها أمامهم. تتردد صيحة الطاهش من بعيد. تجفل الدواب في السمسرة ويسمع صهيل الخيل.) (المرأة لم تقل شيئًا. جاءت تتعثر في أطياف نومها وخجلها، وعيناها مغمضتان.) (الفتى يصيح صيحة الحرب ويشرع سيفه في يد وخنجره في يد.) (التاجر يندفع إلى المقهوي ويُسلِّم عليه على الطريقة اليمنية.) (المقهوي يضع الثياب أمامه ويخرج هو وزوجته.) (التاجر يتحسس الثياب، يلثِم بقع الدم، يشمها ويضعها على عينيه ويجهش بالبكاء، بعد قليلٍ يتماسك ويغالب دموعه، يخلع جلبابه ويرتدي جلباب ابنه ويتحزَّم بجنبيته ويقبض على سيفه المكسور، يَشعُّ من عينيه بريق مجنون.) (الفتاة تنتبه إلى أنه قد ارتدى ثياب ابنه، تتفرس في عينيه ووجهه والسيف المكسور المشرَع في يده.) (ينشد): (الطفلة تلقي بنفسها فوق السيف، تلتقطه وتلوح به في كل اتجاه، تحاول أن تجري نحو الباب فيُسرِع إليها الأب والمغني.) (ينصرف الجميع. يجذب الأب يد ابنته ويختفيان. يجمع المقهوي وزوجته الثياب والأشياء، يُسمع من بعيد صوت المغني):
|
{
"chapter": "الليل والجبل",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الليل والجبل",
"url": "https://www.hindawi.org/books/82815090/1/"
}
|
لنتعاهد سویًّا عهد الله والوطن على أن نمضي في طريق التحرير إلى منتهاه حتى نسترد كل شبر من الأرض العربية، وحتى نرى شعب فلسطين الصامد وقد استعاد حقه وكيانه، ولنستمر في معركة البناء الداخلي لا يلهينا عنها شيء إلا أن تصبح الديمقراطية بنيانًا لا يمكن أن تهزه أعتى العواصف والأنواء .. وليكن رائدنا في هذا هو التمليك والتآخي والموضوعية والاحتكام إلى العقل وتجنب فرض الرأي. هذه ليست آراء «كاتب»، ولكنها كلمات الرئيس أنور السادات عشية الإجماع على اختياره رئيسًا للجمهورية وقائدًا لمسيرتها لست سنوات حافلة قادمة .. والفرق بين كلمات الكاتب وكلمات الرئيس أن كلمات الكاتب تكون من قبيل التمني أو التبشير برأي أو إيضاح الرؤيا، ولكن كلمات الرئيس ليست أمانيَّ، إنها كلمات رجل يملك في يده سلطة أن يحيل الأماني إلى «فعل»، والأحلام إلى «قرارات»، والرأي إلى «عمل»، والأصل في حياة أي شعبٍ أو أمة أو ثورة هو العمل، هو الفعل، وما الحرية وما الممارسة الديمقراطية الحقيقية وما العقائد بكل تناقضاتها أو تشابهها إلا «وسائل إنتاج» بشري حقیقي وفعَّال ومؤثر، يغير في حياة الناس ويقضي على متاعب البشر، بل ما طلب العدالة في الحق والواجب، والعدالة في التوزيع، والعدالة، في الثواب والعقاب، ما هذا كله إلا وسائل لجعل الإنسان «إنسانًا» بحق، وما دام سيصبح إنسانًا فهو من تلقاء نفسه سيعمل وينتج ويبدع، ويحتل عالمه وعالم الآخرين إلى شيء جدير حقًّا ببني الإنسان. إن أقصى ما يحلم به الكاتب وما يريده أي مواطنٍ مصري هو هذا بالضبط الذي قاله الرئيس السادات، الفرق أننا كلنا نستطيع «القول»؛ ولكنه هو هذه المرة الذي أوكلنا إليه «الفعل». إننا لم ننتخبه تكريمًا له فقط لما حققه من منجزات ضخام خلال فترة رئاسته الأولى، ولكننا هذه المرة ننتخبه لأننا في أمسِّ الحاجة إلى رئيس «يعمل» و«يفعل» و«يحقق»، فالمشاكل التي تراكمت، والقضايا المعلقة لا تزال. لم تعد تحتمل التأجيل ليوم واحد أو ربما لساعة واحدة، وليثق الرئيس أننا لن نركن إلى النعاس، كما لم نركن أبدًا إلى النعاس، لنتركه وحده يعمل ويفعل ويحقق، فنحن — وأي شعب في الدنيا — لا يختار الحاكم ليتباهی به، أو ليكون رمزًا، إنما يختاره ويُشدد في اختياره كوسيلة عظمى يُغيِّر بها الشعب من أحواله ويحقق بها ما يريد، وسيلة حاسمة باترة ليتحرك بها الشعب و«يفعل» و«ليعمل»، كل ما في الأمر أن بعض الحكام لا يتلقون الرسالة أو الثقة بمفهومها الصحيح، ولا يتحركون في اتجاه الشعب، فلا يتحرك الشعب لهم أو بهم، بل في أحيان يتحرك مباشرة ضدهم. فالحركة بدايتها ومنتهاها الشعب، هو خالقها ومالكها ومانحها لمن يختاره ولمن يستحق. إني إذ أُهنئ رئيسنا السادات بهذه الثقة الغالية، لَأشفق على شعبنا مما يريده الرئيس منه، فالحق أن شعبنا قد أعطى ويعطي بكل ما يملك وما يستطيع. ولكني لا أشفق على الرئيس مما يريده شعبنا منه، فهذه الثقة وهذا الإجماع معناها أن بإمكانه أن يعطي أكثر بكثير مما أُعطى. ••• رسالة عاجلة لك يا سيدتي. إن قضية إجراء حوار مع المرأة المصرية والعربية بشكل عام — أقصد حوارًا بينها وبين الرجل — مسألة أصبحت ملحَّة وضرورية وحتمية لوجودهما معًا. إن المرأة تتحدث والرجل أيضًا يتحدث؛ ولكن كليهما لا يقول سوى «مونولوج» .. أي يتحدث إلى نفسه، فالمطلوب أن يتحول إلى «دیالوج» أو حوار. ولكني الآن لا أريد أن أبدأه .. فالجدار العظيم الكائن بين الرجل والمرأة جدارٌ لا بد کي يهدم، أو على الأقل نستحدث فيه بعض الثقوب والمنافذ وحتى الشقوق .. فإن الأمر يستلزم استعدادًا أكبر بكثير. هذه مجرد رسالة عاجلة. وهي موجَّهة بالذات إلى سيدات نادي سبورتنج بمصر الجديدة، ونادي الشمس بمصر الجديدة أيضًا، وحبذا لو تلقتها أيضًا سيدات نادي الجزيرة والصيد والقاهرة … إلى آخر قائمة النوادي. وبالذات إلى السيدات اللاتي يملكن «وقتًا» يضيع الكثير منه في ثرثرة مكررة حول الموائد وأشغال التريكو والكانَفَاه، وذلك الحديث الظريف الذي يسمونه «النميمة» .. أولئك اللائي يملكن ترف الشَّغَّالات يقمن بأعمال البيت، والطباخين يطبخون، أولئك اللائي مللن الملل نفسه، ويشتكين من الأرق والأعصاب، ويلجأنَ إلى الحبوب المنومة، هؤلاء اللائي أقول: لا يعملن، ولكن يختلقن لأنفسهن أعمالًا هامشية تمامًا لا يمكن أن تكون ذات أثرٍ في حياة الناس أو حتى حياتهن هن أنفسهن. أنا هنا لا ألوم ولا أُعاتب، وإنما أحاول أن أُخاطب الضمائر التي أعتقد أنها من الداخل غير راضية أبدًا، ومكتئبة. سيداتي .. يا من يملكن هذا الوقت وتلك القدرة .. هناك عملٌ عظيم ونبيل وجدير حقًّا بأي إنسانةٍ أو إنسان يحيا في عصرنا هذا. ذلك أننا في عصر يمجُّ أن يكون الإنسان فيه عالة على مجتمعه أو حتى عائلته، يمج البطالة حتى لو كانت صاحبتها جميلة ورشيقة ومن عائلة، يمج أن يعيش الإنسان بلا «دور» هام يؤديه في ذلك المجتمع. أقول: إني لدي عمل، لكن .. ذلك هو مستشفياتنا .. في كل حيٍّ من أحيائكن هناك مستشفى أو أكثر. وإذا كانت شوارعنا وبيوتنا قد أصبحت تعجُّ بالقذارة .. فمستشفياتنا العامة أصبحت مسألة النظافة فيها شيئًا نسِيه الخلق تمامًا ولم يعودوا يذكرونه. إن المريض الذي يلجأ إلى المستشفى العام هو بالدرجة الأولى مريضٌ فقير، ولأن النظافة مسألة اقتصادية أساسًا فهو يحيل المستشفى الذي قد يكون غنيًّا بأجهزته وأطبائه واستعداداته إلى مكان، کمنزله، كشارعه، قذر. وإذا كانت القذارة في الشوارع مسألةً ضررها لا يظهر في الحال، فالقذارة في مستشفياتنا شيء خطير للغاية؛ لأنها تعني الموت بالعدوى والميكروب .. وصحيح هناك أجهزة وموظفون وعمال وعاملات متروك لهم أمر النظافة في تلك الأمكنة الحساسة، ولكنهم جميعًا «موظفون» لدى الدولة، والنظافة الحقة «رسالة» في حاجةٍ إلى من يتبنَّاها تبني المبشرين، فهي — مثلها مثل رعاية المرضى والتمريض — عمل «مقدس»، ومن هنا جاءت فكرة «الترهين» في خدمة المرضى وإدخال الراهبات مجال التمريض، ذلك أن رعاية أي مريضٍ أو مساعدته ربما أهم بكثير من علاجه على أيدي الأطباء المحترفين؛ لا بد أن تنبع من قلب مؤمن حقًّا بما يفعله، ومستعد أن يُضحي من أجل أن يحس بوجوده الحقيقي، وأن يكون له في الحياة رسالة .. وأن يأوي إلى فراشه في نهاية اليوم وهو — أو بالأصح وهي — قد أحسَّت بدفء الحياة يتسرب إلى روحها لأنها ساعدت إنسانًا آخر أن يُشفَى أو يعيش .. ليت ذلك النداء الإنساني العميق المركب في كل منا يدعونا أن نمدَّ يد المساعدة لكل من يستغيث بنا أن نساعده. وأنا أكتب هذه الكلمات أحس بعشرات الأفواه من المرضى تستغيث استغاثات مكتومة، تتوجع إلى الله طالبة العون والمساعدة، ولا من مغيث .. لقد قرأت مرة أن إحدى الجمعيات قررت أن تتولى عضواتها الإشراف على نظافة مطار القاهرة الجوي حتی نستقبل السياح والقادمين بوجه لامعٍ نظيف. وهذا عملٌ جميلٌ لا شك ونية طيبة، ولكن العمل الأعظم والأجمل، والنية الأصدق والأنبل، لا أن نُري العالم وجهنا الخارجي الأول لامعًا نظيفًا، ولكن أن ننظف مستشفى حيِّنا وأن نساعد مريضًا، وأن نعمل ذلك العمل الذي قد لا يكون له بريق تنظيف المطار، ولكن له عند الله وعند الخلق أثمن وأعمق الوقع. تذكرت هذا كله حين زرت في الأسبوع الماضي قسم الرعاية المركزة لمرضى القلب الجديد بمستشفى الدمرداش، ذلك الذي أنشأه ويرعاه طبيبنا الكبير الدكتور حمدي السيد، بالتبرعات وانتزاع الأظافر جمع ثَمن بنائه وشراء أجهزته، وبحسمٍ شديد هو وفريق الأطباء الذين يعملون معه: الأستاذ الدكتور محمد الفقي، والأستاذ الدكتور عبد الخالق ثروت، والدكتور مغازي طنطاوي، وأطباء القلب الكبار: الأستاذ الدكتور محمد عطية، وحمدي الدمرداش، وجلال مختار زیادي … والكثيرون الذين يضيق المجال عن نشر أسمائهم جميعًا، وبالذات حكيمات القسم وممرضاته. هؤلاء الجنود المجهولون للرأي العام بنوا في قلب المستشفى «الحكومي» واحة رائعة نظيفة يلقى فيها أفقر المرضي ربما نفس العناية التي كنت ألقاها في مستشفى هارلي ستریت، أعظم مستشفيات لندن. ولكن الصدمة البشعة تجيء حين نغادر هذه الواحة الخاصة وننتقل إلى العيادة الخارجية بنفس المستشفى وبكل مستشفى، حين ننتقل إلى الأقسام الداخلية، إلى حيث تحل الوظيفة محل الرسالة وتغيب عين «الراهبة» المرأة الواهبة نفسها تمامًا لتلتقط الخطأ أنَّى وُجد الخطأ، والقَذر أنَّى وُجدت القذارة .. هذه مهمةٌ لا يمكن أن يقوم بها إلا متطوع أو متطوعة .. ومن أجل هذا العمل وحده. سيدتي في النوادي المذكورة وفي كل حيٍّ من أحياء القاهرة وكل مدينة من مدننا .. يا من تملكين بعض الوقت، لماذا لا تلتقين مع جاراتك وصديقاتك وتُكوِنَّ — وفي الحال — نواة لجمعيات: صديقات المستشفيات. تأخذن الأمر مأخذ الجد، وتعملن شيئًا من أجل مريض قد تتوقف حياته على يد حانيةٍ عن إيمان تساعده، ومتطوعات جادات بقروش قليلة ممكن أن يُحِلن مستشفياتنا إلى أماكن، لا أقول: يصبح العلاج فيها مثاليًّا، ولكن على الأقل تصبح أماكن رعاية نظيفة لا يموت الناس فيها قذارة أو إهمالًا. سيداتي: أكتب هذه الكلمات في الليلة العظيمة — ليلة القدر — وعشمي أن تكون أبواب السماء مفتَّحة لكلماتي، ورجائي وأن تهبط من السماء على قلب كل منكن شعاعةُ نور تفتح لها الطريق أمام عمل إنساني هائل ينتظرها.
|
{
"chapter": "الثقة الفعل",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/18/"
}
|
يعرض هذا الكتابُ تاريخَ الأفكار المتعلقة بكيفية انتقال سِمات الآباء إلى الأبناء. غير أنه لن يكون سردًا تقليديًّا ينصبُّ تركيزه على الاكتشافات العلمية فحسب. إنَّ كتابًا لا يعرض سِوى اللحظات التي اكتُشِف فيها شيءٌ صحيح عن الوراثة ربما سيُكرس بِضع صفحاتٍ لآلاف السنوات التي تسبق عام ١٨٠٠، بينما يُخصص مائةَ صفحة لتناول القرنَين الأخيرين وحدهما. ذلك أنَّ كل ما قيل تقريبًا في موضوع التوارث لم يكن صحيحًا حتى وقتٍ قريب للغاية. فالآليَّات البيولوجية التي تؤدِّي إلى الانتقال الوراثي معقدةٌ للغاية ومحيرة، حتى إنه لم يكن من الممكن معرفتُها قبل العصر الحديث، بما فيه من تكنولوجيا فائقةٍ وميزانيات ضخمة مخصَّصة للعلوم. إن الاكتفاء بالحديث عن قصص النجاح في هذا المجال هو تجاهلٌ لحقيقة أن التفكير في الوراثة قد شكَّل جانبًا مُهمًّا من الخبرة البشرية لآلاف السنين. ثم إنَّ الخطأ في الأفكار المتعلقة بتوارُث الصفات البدَنية والعقلية هو ما أكسبَها في كثيرٍ من الأحيان أهميةً تاريخيةً كبيرة. لقد هيمنَت الادِّعاءات المؤيدة لوجود اختلافاتٍ فطرية بين الرجال والنساء، وبين الأغنياء والفقراء، وبين أفراد المجموعات العِرقية المختلفة، والادِّعاءات المضادَّة لها، على المناقشات المتعلقة بالوراثة. ولهذا يتبع هذا الكتاب ثلاثةَ خيوطٍ رئيسية تتشابك في كثيرٍ من الأحيان: أولًا: الجهود التي بُذِلَت لاكتشاف الآليات التي تورَّث بها الصفات، وثانيًا: محاولات العلماء لتطبيق مفاهيمِ الوراثة على السِّمات العقلية البشرية، وثالثًا: الرغبة العامة في الاستشهاد بأفكار الوراثة؛ إما لدعم أشكال عدم المساواة — الاجتماعية أو الجنسية أو العرقية — أو لإدانتها. إنَّ هذا الكتاب لا يسعى إلى تقديم دراسةٍ شاملة للأفكار المتعلقة بالوراثة؛ فالموضوع أكبرُ بكثيرٍ من أن يسَعَه كتابٌ ضئيل الحجم كهذا. وقد ركزتُ أيضًا بشكل كبير على أوروبا الغربية وأمريكا. ويرجع السبب في هذا إلى أنَّ مُعظم الإنجازات في الدراسة العِلمية للوراثة قد تحقَّقَت في هذه المناطق. غير أنَّ سببي هذا ليس كافيًا من منطلَق أن العديد من الثقافات لديها تكهُّناتها الخاصة بشأن طبيعة التوارُث. علاوة على ذلك فإن التوظيف الأيديولوجي للمُعتقَدات المتعلقة بالاختلافات الوراثية لم يقتصر قطُّ على الشعوب الأوروبية ولا على أحفادهم من الأمريكيين. فلو أنَّ مجالًا أكبرَ قد توفَّر لأمكن إثباتُ أنَّ التنميط القائم على ادعاءاتٍ زائفة بشأن الاختلافات المتأصِّلة لطالما كان سِمةً مشتركة على نطاقٍ واسعٍ من المجتمعات البشرية؛ إذ إننا نميل مع الأسف إلى رؤية العالم من المنظور الذي يُفيدنا على حساب مصالح الآخرين. بالرغم من ذلك، يجدُر بنا ألا نتبنَّى نظرةً قاتمة تجاه جنسنا البشري؛ فتاريخ التفكير بشأن الوراثة يؤكِّد أيضًا قدرتَنا المذهلة على فَهْم التعقيد المذهل للعالم الطبيعي.
|
{
"chapter": "تمهيد",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/0.2/"
}
|
استمعوا أيتها السيدات وأيها السادة .. المسألة تجاوزت فعلًا حدود المنطق والمعقول، حدود أي صفةٍ بشريةٍ أو حيوانية .. حتى وأنا قد أبدو مزعجًا ومقلقًا للراحة، ولكن إذا كان الأمر أمر إزعاج جثث تمر بحالة موت روحيٍّ ونفسي وجسدي کامل .. فأنا مستعدٌّ أن أكون أكثر إزعاجًا إلى درجة الوخز بالإبر والمسامير والخناجر حتى .. لم يعد معقولًا ولا إنسانيًّا أبدًا أن نستمر نحيا بهذه الطريقة .. الموت، والله أفضل، والوباء، أفضل، والحرب أفضل، وأي شيء أفضل! منذ شهرين كان عندي مشوار في «دوران روض الفرج»، وليس مهمًّا الآن كيف وصلت إلى هناك، أما المهم حقيقة فهو ما وجدت عليه شارع روض الفرج الرئيسي .. كانت المجاري «ضاربة» في الشارع .. والماء بشع الرائحة .. والمنظر والتكوين يغمر الشارع لمسافة لا تقل عن نصف كيلومتر .. والناس تضع أحجارًا، أو أحيانًا تخوض في هذا البحر البشع القبيح لتعبر الشارع، والعربات تصنع بعجلاتها وبالأقل أقذر الأمطار الصناعية .. هززت رأسي للحال التي وصلت إليها مرافقنا العامة، وقلت في سرِّي: معذور والله هذا الشعب الذي عليه أن يتحمل انقطاع مياه النظافة وغزارة المياه القذرة .. الماء المقطر ممنوع مقطوع، والماء البشع موجود وطافح بغزارةٍ .. معذور والله هذا الشعب. ومضى شهران، وبالأمس فقط كان عليَّ أن أذهب مرة أخرى إلى روض الفرج .. وليس مهمًّا كيف ولا بأي طريقةٍ وصلت هناك، فلنترك جانبًا حديث المواصلات والتاكسيَّات، ولكن المهم، بل الشيء الذي لا يصدقه عقل .. أو منطق أو عينٌ ترى وأنفٌ يشم، أن أصل إلى هناك، لأجد نفس المستنقع الرهيب، يغمر نفس المساحة من الشارع ويعبق الجو برائحة لا يمكن أن يقبل الحياة في ظلها إنسان أو حيوان أو نبات أو حتى جماد. شهران وأنتم أيها السادة الأفاضل سكان روض الفرج، تغوصون في وحل المخلفات البشرية هذا، شهران وأنتم تتلوثون وتشمُّون وتقاسون وتعانون، شهران وأنتم تصبرون .. لعن الله صبركم .. لعنت حياتكم .. لو كنتم مجموعة من الكلاب الضَّالة لهجَّت من الحي كله وحتی من العاصمة كلها .. لو كنتم مجموعة من الحشرات للدغت نفسها بنفسها وأنهت هذه الحياة ذات الرائحة العفنة الكريهة .. ولكنكم — الكارثة الكبرى — بشر، بشر ترتدون البدل والجلاليب «النظيفة»، نساء مُسرحات الشعور أنيقات البلوزات والجيبات، دكاكين، ومطاعم وأناس تركب العربات والتراموايات، أرقى کائنات على سطح الأرض .. كيف تحملتم بالله هذه الحياة لشهرين، ومن يدري .. ربما تتحملونها لعام أو حتى لبضعة أعوامٍ .. أليس فيكم رجلٌ واحد أو بضعة رجال «يثورون» على هذا الوضع ويذهبون إلى مهندس المجاري أو التنظيم وينتزعونه من مكانه قسرًا ويمرِّغون أنفه في المياه الطافحة، أليس فيكم آدميون أكثر يذهبون إلى محافظ القاهرة ويَحملونه حملًا إلى شارعهم ولا يتركونه إلا وقد عاد الشارع يصلح لمسير وعبور وإقامة الآدميين، وأنتن یا نساء الحي .. كيف تحملتن أن «يعيش» أطفالكن ويتمرغن في شارع كهذا؟ .. يا من تضعن أحيانًا البرفانات .. كيف احتملتن الرائحة، وإذا كان الرجال قد تقاعسوا، فكيف تقاعستن أنتن؟ والحق أني لا أتحدث عن روض الفرج وحده، إن طريق «ملَك حِفني ناصف» بالإسكندرية، وغيره، إن أي شارع أو حارة في القاهرة أو الإسكندرية أو أسيوط أو البداري .. إن كل مكان في مدننا يضجُّ بكم من القذارة أو الإهمال والبشاعة لا يمكن أن يصلح معه إطلاقًا حياة البشر .. ومع هذا فالبشر يحيون فيه .. متبلدين بلادة لا يمكن أن تكون لجنس البشر، وكأنهم يتلذذون بمشهد المجاري والقذارة، وكأن کائنات أنيس منصور التي هبطت أو تهبط من السماء ستقوم هي — وليس هم — بعملية النظافة .. وكأن الحكومة لها عين ترى القذارة وتزيحها .. وكأنه لا يزال هناك أمل في جهاز التنظيم ومصالح التنظيم .. والمجالس المحلية يدُكُم منها والأرض .. فجهاز النظافة العام في مصر — مثله مثل كثير غيره — قد تفسَّخ تمامًا وانشلَّ، نفس الشلل والتنبلة التي أصابت الإنسان، وكلٌّ يعتمد على الآخر في عملية التنظيف .. السيدة تعتمد على الخادم أو الخادمة — إن وجدت — والخادمة على البواب، المحلية على جامع القمامة الذي أصابه الوخم هو الآخر .. وبدلًا من أن يعبِّيها في عربات ويحملها إلى خارج المدينة، بدأ يختار أي وأقرب مكان إلى منطقته ويفرغ فيها قمامته، وتتعالى الأكوام، أمام عين العسكري، وأمام عين الكنَّاس، وأمام عين معاون البلدية، ولتتعایش العين والناس والقذارة، وليتعايش التنظيم مع الفوضى، وليتعايش الكمد المخمود الذي أصابنا مع القذارة التي تتراكم أمامنا وداخلنا، ولنتحول في النهاية إلى مجموعة من الحيوانات القذرة تحيا في جحور قذارة اسمها «المدن» .. بل حتى الحيوانات أبدًا ليست بهذه القذارة، القطة تظل تلحس ابنتها بلسانها و«تنظفها» لأن الطبيعة الحيوية — حتى لو كانت طبيعةً حيوانية — هي ضد القذارة .. ولأن القذارة هي الفوضى في التركيب وفي المعنى وفي الرائحة وفي المذاق، والحياة هي الدقة في النظام والرقي في التركيب. ••• اسمعوا — أيتها السيدات وأيها السادة — لقد يئست تمامًا منكم ومنكن ولم يعد لي أملٌ إلا في أجيال الشباب الجديد .. ولهذا فأنا شدید الاندهاش أن يكون تصرف الشباب هو الآخر على هذا النحو .. إن هذا ليس أول جيل من شباب مصر، فللشباب في مصر تاريخ وأجيال .. وقد كان الشباب على الدوام هو القوة القاهرة الدافعة للثورة وللتغيير. كان مشهد التدخل الأجنبي في مسائل مصر الاقتصادية والسياسية هو الذي أزعجه حتى قام بثورة عرابي، كان مشهد العساكر الإنجليز والأستراليين في شوارع القاهرة هو الذي أزعجه إلى درجة القيام — قلبًا وقالبًا — بثورة ١٩، كان مجرد مشاهدته للوجوه الحمر المطلَّة من ثكنات قصر النيل وعمارات شويكار في شارع قصر العيني يُزعجه إلى الدرجة التي يقوم فيها بثورة ٤٦، و٤٧، و٥١ .. ويسقط منه الشهداء ويسيل منهم الدم الأحمر الطاهر يخضِّب أرضًا أبوا عليها أن تُدنسها أقدام ووجوه المحتلين. كان مشهد العَلَم الإسرائيلي على ضفة القناة الشرقية يدفع دمه للغليان حتى قام بالانتقام العظيم في ٦ أكتوبر. أيكون مشهد حي بأكمله يستنقع في مياه المجاري .. أيكون مشهد أكوام القذارة والقمامة والزبالة، أيكون هذا القبح الكسول المستشري أقل بشاعة من وجوه الإنجليز الحمر؛ النظيفة على أي الأحوال؟ ورُبَّ قائل يقول: إن هذا كان «استعمارًا» وكان إهانة «للكرامة الوطنية»، ولكن القذارة والمجاري المتفجرة والرائحة التي لا تُطاق أشد إهانة «للكرامة الإنسانية» .. فكيف إذا طاقها العاديون، يطيقها الشباب، تطيقها قلوب بِكر لم تلوثها القذارة، أعمار القدرة على التضحية وبذل النفس، كيف سكت الشباب في حي روض الفرج وفي طريق ملك حفني ناصف، وكيف يسكت في كل مكان وحارة من مدننا على حياته اليومية وهي تُلوث وكأنما بفعل عدوٍّ مبين خبيث. إن المسألة ليست مسألة عِياقة أو شياكة أو «استنظاف»، المسألة مسألة آدمية، والصين قبل أن يأكل شعبها أو يرتدي ما يليق «نظفت» حياتها أولًا من الذباب ومن الحشرات، ومن أكوام القمامة ذلك أن الإنسان الذي يطيق القذارة والتعايش معها لا يمكن إلا أن يكون قد فَقد أبسط دافع يحركه للحياة أو للعمل أو لعمل شيءٍ من أجل الوطن .. إننا كلنا نعتمد على الحكومة وعلى التنظيم وعلى — ودائمًا — «الآخرين» لتنظيف بيوتنا أو شوارعنا أو حوارينا، فلنعتبر أن الحكومة قد ماتت أو غير موجودةٍ، لنعتبر أننا «نحن» المسئولون، ليس عن نظافة كل منا فقط، ولكن عن نظافتنا كلنا، نظافة حياتنا ونظافة أحيائنا .. إننا لا يمكن أن نفلح في السياسة أو الثورة أو مجرد الجدل حول يمين أو عقيدة أو دين ونحن نحيا في قذارة، لنحيا أولًا كآدميين، وبعد هذا نتناقش أو نختلف أو حتى نتقاتل .. لنكن أولًا جديرين بحياة الآدميين الجسدية لنكون جديرين بأية حقوق سیاسية أو اجتماعية أو أي شيء آخر. يا شباب مصر .. تعالوا نُنظِّف مصر .. لتتألف منكم لجنة في كل حيٍّ .. تضم الشباب من الطلبة والعمال، وحتى من تلامذة إعدادي وابتدائي وتلميذاتها، تنظف الحي، وتُرغم عمال النظافة على العمل، وعمال التنظيم ومهندسيه ومفتشيه وأجهزته، وتنتزع لهم حقهم في نظافة شوارعهم ومجاريهم، ولنبدأ أولًا ننظف شوارعنا، وغدًا نُنظف حياتنا كلها، من ألفها إلى يائها، ومن اقتصادها إلى سياستها .. ولكن فلنبدأ، حتى قبل أن نقرأ أو نكتب أو نأكل، لنبدأ عملًا نحس به أننا بشر نستحق حياة البشر، وأننا — شباب وشابات — نستحق أمجد وأعظم فترات الحياة .. اعملوا شيئًا يا شباب غير ضياع الوقت هائمين في الشوارع وكأنما فقدتم الرشد، ضائعين في النواصي والحواري ومطلقين الأذى من ألسنتكم على «اللي تسوَى واللي ما تسواش» .. اصنعوا شيئًا .. الآن. دین الحكمة. في رسالة لبقةٍ مؤدبة — وهذا أحيانًا نادرٌ في أمثال تلك الرسائل — لفت نظري مواطن — يبدو أنه ضالع في أمور الدين — إلى أني قد ارتكبت إثمًا — دعا الله أن يغفره لي، حين استعملت تعبير «عقلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» متهمًا إيَّاي أني بترت مطلع هذا الحديث الشريف، ثم يستطرد موردًا نص الحديث كله عن صحيح البخاري. فكيف تريد إذن أن نحوِّل هذا الدين الواسع العريض، هذا البحر الذي من حق أي منا أن يغترف منه ما شاء إلى «حنفية» ضئيلةٍ عليها قوم «مدججون» باحتكار «الفهم» للإسلام، وكأنما محظورٌ على عقل أي منا — مهما بلغ نبوغه — أن يفهم إلا من خلال فهمهم هم وتقديرهم هم واحتكارهم هم. إني مُصرٌّ على أنْ لا كهنوت في الدين، وأن من حقِّي أن أفهم إسلامي كما أريد وكما أستطيع، والله وحده سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسبني على فهمي، بل إني مُصرٌّ على حقي حتى في أن أخطئ الفهم وأن أعترف بالخطأ إذا ما أدركته، فديننا الحنيف جاءنا، ليس لأننا ملائكة مُنزَّهون من الخطأ؛ وإنما لأننا بشر نخطئ وقد نصيب، وحسابنا من الخطأ والصواب لله وحده مالك كل شيء وخالق كل شيء وصاحب الأمر والنهي، أما أولئك الذين يُنصبون أنفسهم أوصياء على دين الله وعلى أمة الله فهم يرفعون أنفسهم إلى رتبة رُسُل، ولكنهم رسل بغیر تفويض، وليُظهر لي أيٌّ منهم من فَوَّضه، ولماذا هو وحده المفوض وأنا مسلمٌ مثله، وربما أكون أكثر منه تقوًى وأشد منه إسلامًا بسلوکي وقِیَمي وعقیدتي؟ من فوضه ليُرهبني ويخيفني ويجعلني أعبد الله من خوف ليس منه سبحانه، وإنما من جماعات الإرهاب الديني الذين يريدون إعادة محاكم التفتيش وطغيان الكنيسة وحرق الناس أحياء لمجرد قولهم إن الأرض تدور حول الشمس؟ إني إنما أعبد الله عن حبٍّ، ومن يحب لا يخاف، لا يخاف بالذات أولئك الذين يريدون إحالة أعظم رسالة حب عرفها الإنسان إلى سلاح اتهام وبطش وتعذيب، وكأنهم هم وحدهم المسلمون وبقية الخلق إما كفرة أو منحرفون أو بلا قدرة على التمييز. إن الإسلام للناس جميعًا، حتى للأُميِّ الذي لا يقرأ أو لا يكتب، ولم يهبط ليكون دين خاصة ودین قلة ودين أوصياء على خلق الله، دعوا الناس تعبد الله بلا إرهاب، وإذا دعوتموهم إلى الدين فإنما كما قال الله سبحانه وتعالى: بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . لم يقل أبدًا: بالسوط، ولا بالسيف، ولا بالقهر .. بالحكمة والموعظة، وليست حتى أي موعظةٍ .. وإنما بالموعظة الحسنة .. أتعرفون الموعظة الحسنة؟
|
{
"chapter": "تعالوا ننظف مصر",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/17/"
}
|
مثل ماري أنطوانيت وهي تُساق إلى المقصلة وقف «بطل» الساعة أحمد يونس في مجلس الشعب يصرخ: لماذا أنا، وهناك احتلال إسرائيلي لسيناء؟ لماذا أنا، وهناك مذابح في لبنان؟ لماذا أنا، وهناك أزمات المواصلات والمجاري والتليفونات .. وهناك أعاصير رهيبة في الصين وزلازل في الفلبين؟ لماذا أنا بالذات؟ والحقُّ أني حين أمعنت النظر في صورة الرجل وهو يهتف بهذا الحق وجدت أن ملامحه تنطق بكلام آخر تمامًا، إذ كان وكأنما يريد أن يقول: لماذا أحمد يونس وفي البلد آلاف من أحمد يونس وأكبر بكثير من أحمد يونس؟ .. لماذا على رأسي أنا وحده أن يطير؛ بينما الرءوس يانعةٌ وكثيرة وتعجُّ بها البلد وفي حاجةٍ ماسة إلى ألف حجاج ثقفي — وقد حان قطافها — أن يقطفها. ولكنه لم يقل هذا بالطبع، فهو لم يصل بعد إلى مرحلة اليأس الكامل، ولم يقرر هدم المعبد ويقول: عليَّ وعلى أصدقائي. إذن فالأمل لا يزال يُداعبه أن ينجو بالذات تنجية هذه الرءوس نفسها، أو إذا عاقبته فليكن بنقله من الاتحاد الزراعي التعاوني إلى الاتحاد الصناعي التعاوني، مع لفت نظره إلى «ضرورة مراعاة ذلك مستقبلًا»! والحق أن هذه ليست أول مرة أرى فيها صورة لبطل يُناشد الأرض والسماء «العدالة» .. منذ عامين ربما رأيت صورة للرئيس نيكسون في اللحظة التي قرر فيها أن يستقيل ويغادر البيت الأبيض إلى الأبد يُعانق زوجته، وينحني ليضع رأسه — المتعب تمامًا — فوق كتفها، ولا يبدو واضحًا أنه كان يبكي، ولكن المؤكد أنه كان يفعل شيئًا أتعس من البكاء، ولا بد أنه هو الآخر كان يقول: ولماذا أنا، وكل الرؤساء فعلوا هذا؟ كل رئيس حزب في التاريخ تجسَّس على خصومه، كل غني حاول التهرب من الضرائب، كل متنافسٍ استحل لنفسه أن يتبع أي طرق، وأحط طرق، للفوز على منافسه. فلماذا أنا؟ لماذا وهناك مشاكل الشرق الأوسط والأدنى؟ لماذا وهناك سياسة الانفتاح مع روسيا؟ لماذا ومصير أمريكا كله مُعلقٌ في يدي أنا؟ لماذا بالذات، ولماذا ووترجيت بالذات وكل مكان في أمريكا قد شهد ووترجيت بطريقة أو بأخرى؟ والحق أن محور «يونس-نیكسون» دفعني للتفكير طويلًا في هذا الأمر، خاصة بعد أن انضم إليهما السيد المحترم «تاناکا» رئيس وزراء اليابان الأسبق «وعضو الحزب الحاكم الحالي»، وقد ضبط «هابرًا» — أرجو أن تكون هابرًا صحيحة لغويًّا — مليون ونصف مليون دولار من شركة لوكهيد، ثم انضم إلى النادي ذلك الأمير زوج ملكة هولندا … وأسماء كثيرة أخرى عالمية الشهرة بدأت تتسرب إلى الصفحات الأولى في الجرائد العالمية والمحلية باعتبارها من نجوم «فضيحة» شركة لوكهيد؛ وقادتني أفكاري إلى حكاية «الفضيحة» هذه کیف «تسربت» أخبارها إلى الصحافة الأمريكية والعالمية، وأي قوةٍ في العالم ممكن أن تضبط حالة رشوة بهذه الطريقة ثابتة المستندات، وكأنها جاهزةٌ للتقديم عند الحاجة إليها؟ أهي سذاجة منقطعة النظير من شركة هي بالتأكيد أضخم وأدق شركة لصناعة الطائرات ومحركاتها في العالم، أم أن للمسألة وجهًا آخر مختلفًا تمامًا — في رأيي — عن كل هذه المسرحية التي تدور فصولها على مسمع ومرأى من العالم؟ ••• ولكي نتبع خيط أحمد يونس وقصة الاتحاد الزراعي التعاوني لا بد أن نبدأ من ووترجيت .. والحق أن هناك وجهات نظر كثيرة ومختلفة في حكاية نیكسون ووترجيت هذه، ولكنني أميل إلى الرأي القائل: إن الدوائر الصهيونية التي تُسيطر على دور الصحف والنشر والتليفزيون والإعلام في أمريكا لما شعرت بتحلل الرأسمالية الأمريكية الضخمة متمثلة في الحزب الجمهوري والرئيس السابق نیكسون ورغبتها في التخلص من المائة في المائة تأييد لإسرائيل ومعاداة للعرب، هذا غير الإجراءات الداخلية المتمثلة في المحاصرة الاقتصادية لوكر الرأسمالية اليهودية في نيويورك؛ أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد، أن تُلقي درسًا رهيبًا على كل الرؤساء الذين يفكرون في «الاستقلال» عن المؤسسة الصهيونية الأمريكية من ناحية، ومن ناحية أخرى تنقل مركز اتخاذ القرارات من الرئيس ومجلس الأمن القومي إلى مجلس الشيوخ والسناتورات، باعتبار أنهم أكثر قابلية للتأثير عليهم بواسطة الناخبين الذين تُوجههم وسائل الإعلام المختلفة، التي تخضع بالتالي للنفود الصهيوني؛ بل إن هذه الدوائر الصهيونية لم يكْفها إرهاب الرؤساء على هيئة رأس الذئب الطائر «نیكسون»؛ وإنما تلفتت إلى أعضاء الكونجرس أنفسهم تُرهبهم بالفضائح الشخصية، وبالاتهام بالعلاقة بالسكرتيرات، بل ودسِّ سكرتيرات جميلات «يوقعن» السناتورات الذين معظمهم فوق الخمسين، ويصبحن وسائل ضغط وإرهاب مُسلَّطة على هذا السناتور أو ذاك؛ بحيث من الممكن استخدامها وقت الحاجة .. ووقت الحاجة دائمًا ما يجيء، ولا زلنا كلنا نذكر كيف أن الكونجرس الأمریكي هو — وليس فورد — الذي أصرَّ على رفع الإعانة إلى إسرائيل، وأجبر الحكومة على رفعها. ولكن هذا كله ليس المهم في فضيحة ووترجيت، فأخطر من هذا کله أن الفضيحة تُحاكم الرئيس، ومن بعده السناتور أو غيرهما. محاكمة أخلاقية فقط. بمعنى أن الصحافة والرأي العام الأمریكي بدلًا من أن يُحاسب نیكسون أو غيره على دوره في فيتنام مثلًا، أو دوره في حرب أكتوبر، أو دوره في مذبحة شيلي — أي دوره السياسي الأخطر بكثير جدًّا من أخطائه الأخلاقية أو الشخصية — يُحاكمه على تلك الأخطاء الشخصية فقط، وذلك بهدفين خطيرين جدًّا؛ الهدف الأول: أن يُبرئ «النظام» السياسي نفسه من أية تُهم سياسية أو أخلاقية. بمعنى أن النظام مضبوط تمامًا ولا عيب فيه مطلقًا؛ إنما العيب هو في «بعض» الأشخاص، وحتى ليس في بعض الأشخاص — كسياسة أو سياسيين — ولكن في بعضهم كنقط ضعف أخلاقيةٍ فقط، الهدف الثاني: أن يخلق لهذا النظام الفاسد غطاءً رائعًا برَّاقًا، غطاءً ديمقراطيًّا جميلًا حرًّا، أو ترید أكثر من أن يستطيع أي نظام أن يقبل رئيسه؟ أليس هذا مهرجانًا للحرية والديمقراطية وقوة تأثير الرأي العام ووسائل الإعلام؟ وليس إذن «تبرئة» للنظام كله فقط من كل الجرائم والأخطاء السياسية والاقتصادية والإنسانية، حتى وإن كان الثمن التضحية بكبش فداء ولو كان رئيسًا للدولة أو رئيسًا للوزراء، ولكنها تبرئة مصحوبة «بزفة» هائلة من باب المحكمة إلى باب البيت، حافلة بالرقص الديمقراطي العظيم وإطلاق بالونات الحرية وضرب النار في الهواء، أو في بطون الأمهات في بيروت، آخر مولد للحرية، واستنبات هائل لإيمان جديد يترعرع لنظام هو أعلى ما وصلت إليه البشرية من مستوى في العدالة والحرية. ••• ومن مميزات النظام الرأسمالي في العالم كله، وفي الولايات المتحدة بشكل خاص أنه نظامٌ ذکيٌّ جدًّا، بارع تمامًا في الاستفادة من أخطائه ومن اكتشافاته .. وهكذا فلم تكن ووترجيت وسيلة فقط لخلع رئيس بدأت شكيمته الأمريكية القحة تقوى، وتأديب سناتورات كانوا في طريقهم للتمرد، وإنما أيضًا — وهذا هو المهم — كان اكتشافًا أمريكيًّا رائعًا جدًّا ليس فقط لتبرئة النظام في أمريكا، ولكن لتبرئة الرأسمالية في العالم كله والدفاع عنها. كانت قضية حدثت دون وعيٍ کاملٍ بأبعادها؛ ولكن بعد حدوثها، اكتشف أنها ممكن استعمالها كدواء سريعٍ عاجل، وكأحدث صيحة لإطالة عمر الأنظمة الحاكمة المتهرئة، الدائرة في الفلك الرأسمالي المهيمن على عالم اليوم. إن «الووترجيتية» هي أحدث الطرق لإخفاء عيوب النظام بإظهار عيوب بعض أفراده. وهكذا بدأت «فضائح» لوكهيد «تتسرب» و«تتهم» رئيس وزراء هنا، وأميرة أو أمير هناك، وفي سبيل إنقاذ حزب الديمقراطيين الأحرار ونظام الحكم في اليابان ما المانع من الإطاحة بسمعة ورأس السيد تاناكا؟ كنت أفهم أن يقوم مجلس الشعب ولا يقعد؛ لأنه يُناقش ليس فقط سياسة الاتحاد الزراعي التعاوني، ولكن يُناقش لماذا قام؟ وماذا يفعل؟ وماذا فعل للفلاحين أو للمزارعين أو لحركة التعاون في مصر؟ أما أن يقوم مجلس الشعب ليناقش إهداء عربة شيفروليه لرئيس مجلس الشعب الأسبق أو غير هذا من التصرفات، فصحيح أنه عملٌ خطير كان المفروض أن تقوم به النيابة العامة ومن زمن بعيد، وهذه هي الشطارة أو الحق أو العدل، إن كان هناك وجود للشطارة أو الحق أو العدل، ولكن دور مجلس الشعب أن يُناقش «ماهية» الأشياء وسياستها ودورها وفاعليتها، أن يناقش نفسه حتى والنظام الذي يسمح لأعضائه أن يتقاضوا مكافآت من زملائهم الذين يتحملون مسئوليات في الدولة ويزاملونهم .. كنت أفهم أن نقوم جميعًا لنناقش الأسباب التي تؤدي في المجتمعات إلى أن يفرخ أمثال أحمد يونس والمغربي والمئات، وسيظل يفرخ أمثالهم وربما من هم أكثر جشعًا وخراب ذمة.
|
{
"chapter": "محور نیكسون-يونس",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/13/"
}
|
لكي يرفع الإنسان رأسه عن أكوام ما تحفل به الرسائل والأقوال والجلسات الخاصة والحياة اليومية والسنوية! التي تبدو سرمدية، لكي يقول الإنسان لنفسه في النهاية: وبعد؟ ما الحل؟ كثيرًا ما أُشبه حياتنا بعربةٍ كانت مندفعة بسرعة غير مضبوطةٍ على الطريق وكان لا بد، شئنا أم أبينا، أن يحدث للعربة حادثٌ وأن تصطدم بلُوري أو فنطاس، أو حتى بعربة كارو، وكان مفروضًا بعد ما وقع الحادث، وذهب ضحيته من ذهب، أن يهبط الركاب الباقون، بما فيهم السائق، وأن يدفعوا. العربة المصابة إلى أقرب ورشة، وأن يتولوا إصلاحها جميعًا لكي تعود وتمضي على الطريق. ولكن ما حدث أنهم وقفوا حولها، منتظرین معجزة أن تنصلح العربة من تلقاء نفسها، ولما طال بها الانتظار، وفرغ الصبر، بدأ كل منهم يسعى إلى خلاصه المفرد، ويأخذ له قطعة غيار أو صامولة، أو حتى يخلع عجلة القيادة، ويمضي بها إلى أقرب تاجر مسروقات ليبيعها، وبثمنها يمتطي أي شيءٍ، وينجو .. ويبقى من لم يستطع أن يسرق، ومن لم يستطع أن يخلع، ومن عجز بشرفه أو بصدقه أو بغبائه عن أن يترك قومه الركاب، ويمضي ناجيًا بنفسه، وتبقى معه ومعهم العربية وقد أصبحت كومة من الحديد الخردة. ونعود نرفع رأسنا من فوق المنظر المفجع ونقول: ما الحل؟ أعتقد أني لا أقولها الآن وحدي، فكل منا، بما فينا من أطفال حتى، وفي كل وقت، ولدى كل مشكلة تُثار، ودائمًا المشاكل — وفي كل آن — تُثار، يسأل نفسه، وبعد؟ ما الحل؟ ليت المشكلة يمين أو وسط أو يسار .. ليتها سياسية فقط أو أخلاقية فقط أو اقتصادية أو تربوية أو توزيعية أو ذِممية أو قلة ذمة فقط، ليتها الإسلام «المُفترى عليه»، أو الماركسية (بسم الله الرحمن الرحيم)، أو الحرية والليبرالية، أو هذه القذائف الجوفاء الطنانة التي تشبه صواريخ الأطفال تنطلق في كل اتجاهٍ ومن كل اتجاه .. وتجعل من سماء حياتنا «كرنفالًا» لا مثيل له من الألوان والأقوال والفنون والحكم والشعارات والشعارات ضد الشعارات. ليت هذه كلها كانت المشكلة، إذن — رغم صعوبتها — لهان الأمر .. فلو عرفنا المشكلة — أو حتى مئات وآلاف المشاكل — لقطعنا الطريق إلى ثلاثة أرباع الحل. فلنتلفت حولنا أيها الناس نبحث، لنغوص في أعماق التاريخ البعيد والقريب، تاريخنا وتاريخ غيرنا نتلمس ونستدل؛ لنعمل كل ما تبقى لنا من عقل، وكل ما لدينا من علمٍ وفراسة، وفتاكة، حتى يمكن أن نتحرك، ومستحيل أن نظل واقفين بجوار العربة الخردة. لقد حدث مرة أن هبَبنا في يوم وليلة ودفعنا العربة دفعةً قوية جبارة، قطعت من جرائها شوطًا مهولًا، ولكنها لم تلبث أن توقفت. لماذا اندفعت؟ .. ولماذا عادت تتوقف؟ .. وما السبيل إلى أن ندفعها مرة أخرى لتظل تمضي وتمضي دون توقف؟ لقد قرأنا كلامًا جميلًا كتبه الزملاء الذين زاروا الصين (الشيوعية جدًّا من فضلك) .. وهي بلاد تمُتُّ مثلنا إلى العالم الثالث، بل ووقعت قبلنا في خصامٍ رهيبٍ مع السوفييت ولا تزال واقعة .. ولكنها لا تكتفي بلعن السوفييت وإلقاء اللوم في كل شيء عليهم ويتوقف واجبها عند هذا كما نفعل نحن، مثلما فعلنا ذات يومٍ ظللنا نلعن أمريكا والاستعمار .. ونتوقف أيضًا عند هذا، إنما كانت تجربة قطع العلاقات الاقتصادية والعسكرية — وتقريبًا السياسية — مع السوفييت «حافزًا» قويًّا جدًّا لهم کي يقفوا على أرجلهم هم. ثم يمضوا في السباق الرهيب مع الزمن، بل ومع السوفييت أنفسهم. المقالات الجميلة المروعة بتجربة الصين .. كان ينقصها — في رأیي — أن يكشف لنا أحد الزملاء عن سرِّ هذه المعجزة التي حدثت هناك، فقد بدأ الحديث كما لو أن المعجزة حدثت من تلقاء نفسها، أو كأن الشعب هناك صحا ذات يومٍ فوجد المجتمع كله يتحرك إلى الأمام. في الهند أيضًا ياما قرأنا عن أنديرا غاندي وتجربة الهند (الديمقراطية جدًّا من فضلك) .. والأن هذا هو علمها يصل إلى القنبلة الرادعة الرهيبة، وهذا هو فدان قمحها يصل إلى أربعة أضعاف ما ينتجه فدان قمحنا، وهذه هي محاكمها تعمل ضد رئيسة الوزراء نفسها أحيانًا. ولكن دائمًا، مع الحق، وتخذل أعداء المسيرة الهندية العظيمة. هذه نماذج من العالم الثالث حولنا، النماذج التي تتحرك. وأيضًا في تاريخنا الإسلامي القديم .. كنا ننهض ونتحرك أولئك السادة الغيورين تمامًا على إسلامنا .. المطالبين بعودتنا إلى أمجاده، أو عودة أمجاده إلينا، لا يقولون لنا، مثل هؤلاء الذين ذهبوا وذهبنا معهم نطلب العلم ولو في الصين، لماذا .. لماذا جاءت فترة على الحكم الإسلامي، كان فيها عظيمًا ومجيدًا ودافعًا إلى أقصى أمام، محدثًا في الفكر وفي الحياة تلك الثورة التي للأسف أوقفناها نحن بأيدينا وأخذها منال العالم الأوروبي المسيحي ومضى يطورها إلى أن سبقنا بها وسبق الزمن؟ .. فما نشاهده الآن من حضارةٍ أوروبيةٍ شاملة ليس في الحقيقة إلا امتدادًا لإسلامنا العظيم الأول .. الامتداد الحقيقي لإسلامنا، فإسلامنا اليوم ليس إلا امتدادًا لإسلام توقف وتجمد منذ عصر المأمون. ••• في الحق مهما نظرنا حولنا .. واستبطنَّا تاريخنا .. وغُصنا بأبصارنا إلى داخل نفوسنا .. سنجد أن السر الوحيد لما حولنا ولما كناه من حركة، والسر الوحيد لهمومنا الآن وتخلفنا، السر الأوحد، يكمن في كلمة واحدة هي «العدالة» .. إن العدالة هي حلم الإنسان القديم، منذ الفلاح الفصيح وإلى الآن، الحلم الذي حاولت ديمقراطية الإغريق تحقيقه، وكلما تحقق بعضه كان المجتمع يقفز إلى الأمام، الحلم الذي حاولت اليهودية والمسيحية تحقيقه، وكلما قاربته كان الإنسان القديم يقفز التخلف الواعد ويتقدم إلى الأمام، الحلم الذي جاء الإسلام في عهوده الأولى يُطبقه بمثالية شكلت القوة الدافعة الرهيبة لبناء كل ما تلا هذا من حضارة إسلامية .. الحلم الذي ثار من أجله لوثر على الكنيسة وأنشأ البروتاستنتية، الحلم الذي راود الفلاسفة من أيام أفلاطون إلى كارل مارکس وأنجلز وحتی فانون ومارکوز .. العدالة .. ليست كما هجنَّاها نحن واقتصرنا على تسميتها بالعدالة الاجتماعية .. وإنما العدالة — في كل أشكالها وصورها — عدالة النقود وعدالة السلطة والنفوذ، عدالة الريف والمدينة، عدالة الحي والشارع والحارة، عدالة الكيان البشري المحترم مهما كان عمله أو لونه أو جنسه أو دينه، عدالة الذنب إذا أذنبت، والعقاب إذا عوقبت، والقانون إذا ساد القانون .. باختصار دكتاتورية العدالة في كافة صور الحياة وأنواعها وأشكالها، إن حلم إمامنا الكبير محمد عبده بالمستبد العادل، كان حلمًا خياليًّا تمامًا، فما دام المستبد إنسانًا أو الإنسان مستبدًّا فلن يكون أبدًا عادلًا، إنما العدل يأتي من «استبداد القانون» أو المسئول أو حتى الحزب، استبداد القاعدة وتطبيقها بلا أي استثناء، بل كلما كبر المطبقة عليه يكون التطبيق أقسی وأمر .. دكتاتورية العدل واستبداده بأي مجتمع هي وحدها الحرية ولا حرية سواها. ومشكلتنا في الحقيقة هي أننا لا نملك ذلك القانون المستبد الواحد .. الذي يُطبق على الناس جميعًا من أول مسئول إلى آخر الرعية، بل بالذات أول مسئول، لا نملك ذلك القانون المستبد الواحد وإنما نملك ألفًا .. بل مليون قانون .. وطوال النهار نفصل ونتحايل ونعدل في كافة القوانين والدساتير والنظم والأصول .. بعدد ما نحن فيه من طبقات وفئات وتفاوت سلطات واستبداد سلطات بسلطات. وفي الصين عدالة الزي الواحد والطعام الواحد ووسيلة المواصلات الواحدة، وقاعدة السكن الواحدة، قد لا يكون فيها، تساو في السلطة .. ولكن من قال: إن الصين وصلت إلى المجتمع الأمثل؟ .. في الهند عدالة، صحيح ليست كعدالة الصين، ولكن هناك على الأقل ذلك الحد الأدنى من العدالة، ليست المكتوبة في الكتب والدساتير وبرامج الأحزاب، ولكن العدالة المرئية والمسموعة والمشاهدة يوميًّا، والمطبَّقة أولًا على رئيسة الوزراء. فالقاعدة في دكتاتورية العدالة هي ضرب المثل فهي ليست عدالة يُصدرها الحاكم لتطبق على المحكوم فقط .. ولكنها العدالة تُطبق أولًا على الحاكم وأمام عين وأذن المحكوم؛ ليؤمن أنه في الإمكان بعد هذا أن تُطبق عليه. وهذا السبب الذي نشكو منه أو كففنا ويئسنا حتى من الشكوى منه، هذه اللامبالاة، هذا الإحساس الممِضُّ الرهيب أن البلد ليست بلدك، وأنك آخر المسئولين عنها، سببه أن بعضهم يركب السيارة .. يسابق بها الريح، ويعيش ويتسلط كأوناسيس ونابليون، بينما أنت مركون في انتظار أوتوبيسك الخردة موضوع بين نارين، إما أن تبقى نظيفًا جائعًا شریدًا خائفًا أن يدوسك الانجراف وكأنه السيل العارم القادم، وإما أن تسرق لك قطعة غيار أنت الآخر، أو تغمض عينيك عن آخرين يسرقون قطع الغيار، وباختصار وفي النهاية تنحرف. إن الطبيعة البشرية ضد الانحراف في كافة صوره وأشكاله. والإنسان أصلًا وأساسًا خُلق ليحيا شريفًا ونظيفًا، والشاذ هو أن يجرم أو يتعمد الخطأ أو الخطيئة، هو لا يفعل هذا — في معظم الأحيان — إلا مرغمًا، وإلا، بالذات إذا وضعته بين خيارين قاسيين، بشعي القسوة، إما أن تجف روحه ويتبلغ بشرفه وقناعته، وإما أن يقلد السائد ويفسد. ••• إن المشكلة ليست مشكلة فقر الإمكانيات، فكم من شعوب ودول مرت بأزماتٍ أعنف بكثير من أزمتنا الحاضرة، بل ونحن، وهذا هو الغريب في مستوى اقتصاد قومي أعلى بكثير من كل سنواتنا السابقة، ولكن المشكلة الأساسية أن العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخلقية والسلطوية غير مستبدةٍ، عدالة بها من الثقوب أكثر مما بها من خيوط الغربال، عدالة تُطبق على الخائب فقط .. أما الشاطر فهو من يركب فوق العربة .. حتى لو كانت حطامًا .. ويطلب من الآخرين أن يزقُّوها ويزقوه معها .. نحن جميعًا مستعدون أن نزق هذا صحيح، ولكن «كلنا» نزق، كلنا ندفع، وبكل ما في قدرة كل منَّا على القوة، شرط أن لا يركب البعض ويكون عملهم إعطاء الأوامر «للعبيد» بالزق. كلنا على استعدادٍ أن نضحي، كم أحلم بأن نبيع جميعًا عرباتنا الخاصة وبثمنها نبني المصانع ونصنع ملايين الدراجات، شرط أن نبيع — جميعًا — عرباتنا الخاصة، وأن نركب — جميعًا — الدراجات، ذلك أن دكتاتورية العدالة تقتضي أن تتوزع الحقوق والواجبات بالتساوي؛ بحيث لا يكون لعربيٍّ على أعجمي فضل إلا بمقدار ما يبذل في سبيل بلده ومجتمعه، وليس بمقدار المنصب الذي يتولَّاه .. أو المال الذي لديه .. أو ما يستطيع اقتناءه. ••• إن التقديرات الاقتصادية تقول: أننا في حاجة — خلال السنوات الخمس القادمة — إلى اثني عشر مليار جنيه لنعبر أزمتنا الاقتصادية فقط، هذا إذا اعتبرنا أن أزمتنا أزمةٌ اقتصادية فقط، فما قولك عن الأزمة التربوية والعلمية، والحكومية والتكنولوجية والنظامية العامة والخاصة والمعنوية والروحية والأخلاقية .. إلى آخر القائمة التي لا أعتقد أن لها آخِرًا .. ودول الخليج لن تمنحنا مجتمعين أكثر من عدد «٢» مليار فقط خلال السنوات الخمس، فكيف سنحصل على العشرة آلاف مليار جنيه تلك؟ وحتى ولو بمعجزة أن يتفق العالم الغني بأجمعه كله، بأمريكته وروسياه على إعطائنا إيَّاها، فلمن ستذهب، والطريق وعرٌ وشاق ومليء بقطَّاع الطرق. نحن — إذن — شعبٌ فقير، يمر بأزمة طاحنة، ولا معجزات هناك تنقذه. هناك فقط هو: ذلك الشعب، هو الشعب وهو المعجزة .. وهو العشرة .. وهو الألف مليار .. هو الذي عاش هنا، والذي سيعيش، وهو وحده الذي بيده الحل. ولا حل إلا بأن يعمل .. فليست هناك شعوب بالسليقة فقيرة وشعوب بالسليقة غنية، هناك شعوب تعمل وتنتج .. وشعوب لا تعمل ولا تنتج .. وإنما تقعد هرتها ويقتصر نشاطها على استهلاك كل ما تصل إليه يدها .. ووراء كل شعب لا يعمل ولا ينتج يوجد دائمًا وضع يُسبب له هذا .. أو نظام، نظام لا تستبد فيه العدالة، عدالة الحق، وعدالة الواجب، نظام اختلت عدالة توزيع الأعباء فيه، عدالة السلطة أو الاقتصاد أو القانون أو المركز أو الدخل، أو حتى عدالة الركوب والمرور .. أو كل هذه مجتمعة. وحلُّنا ومنقذنا ومخرجنا من هذا المأزق وكل مأزقٍ، حلمنا البشري القديم الذي نادرًا ما تحقق، هو عدالةٌ حادة قاطعة كحد السيف. أو على الأقل — يا هوه — حد أدنى من دكتاتورية العدالة، فهي وحدها دكتاتورية الشرف، والعمل، والقيم، والحرية، والعدل، والإنسان …
|
{
"chapter": "دكتاتورية العدالة",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/16/"
}
|
قرأتُ كثيرًا من التعليقات في الصحف العربية والغربية عن فوز كارتر «الصاروخي» في انتخابات الرئاسة الأمريكية. والحق — وإن كان كثير من هذه التعليقات قد لوَّن أجزاء من الصورة — إلا أني ظللت أحسُّ باستمرار أن ثمة أشياء ناقصة كثيرة لتكتمل اللوحة .. ثم إني أحسست — وما دُمنا نقول: إن ٩٩٪ من أوراق اللعبة في يد أمريكا — بالأسى؛ لأن اتصالنا بها على أساس اجتهاد شخصيٍّ ولا يوجد لدينا على المستوى المحلي أو العربي مركز وطني أو قومي واحد لدراسة السياسة الأمريكية وتحديد الأسس التي تقوم عليها علاقتنا بها. وإذا طبَّقنا هذا بالنسبة لعالم عربيٍّ واسع مترامي الأطراف والاتجاهات تلعب أمريكا فيه الدور الرئيسي في صناعة أحداثه أو التدخل لمنع أحداثه، يكاد موقفنا نحن العرب من أمريكا يُميتنا في فيض من الضحك. فثمة دول عربية تعتبر أن أمريكا هي «رأس الرمح» في حركة الاستعمار الجديد المعادي لأمة العرب، وكأنها بهذا قد أدَّت واجبها الوطني خير أداء، وأطلقت هذا الحكم شهادة للتاريخ يذكرها لها حين يعنُّ لأحد أن يُراجع التاريخ والمواقف. وهذا ليس اتجاهًا غريبًا على منطقتنا ولا على إنساننا العربي، اتجاه إصدار الأحكام. اتجاه أن هذا رجعي وهذا تقدُّمي وهذا رافضٌ وهذا قابلٌ وهذا بين بين .. وكأننا لا نحيا في فترة تتحرك بنا وبها الأحداث في سرعةٍ رهيبةٍ، والسبق فيها هو لمن «يحرك» الأحداث ولا يكتفي بإصدار حكم بيزنطيٍّ عليها، وإنما كأنما نحن في محكمة قد توقف الزمن بنا وبها، وسكتت الأحداث تمامًا داخلنا ومن حولنا، ولم يبق على كل منَّا إلا الإدلاء بشهادة الإدانة أو بشهادة البراءة. ومن هو قاضي هذه المحكمة أيها السادة؟ وأين الادعاء، وأين الدفاع؟ وحتى لو أصدر هذا القاضي المزعوم «حكمًا» ما، من يُنفذه؟ يخيل إليَّ أن كل مسئول أو قائد يملك هذه العقلية المضحكة، قبل أن يُدلي بأي تصريحٍ، أو يحدد موقفه من أي اتجاه، يصيح في سرِّه: حضرات القضاة .. حضرات المستشارين .. أنا بريء یا حضرات، وهذا هو الجاني اللعين .. في حين أنه لو تصور الموقف على حقيقته وأدرك أنه يُخاطب أشباح قضاة ومستشارين وعدالة لا وجود لها إلا في خيال سعادته، وأن أحدًا لا يهمه بالمرة أن يكون سعادته بريئًا أو مذنبًا إلا بقدر «قوته» هو على فرض براءته أو حتى فرض جريمته، نحيا في عالم لا تسيره أحكام مَحكمة عدل دولية أو مجلس أمن؛ وإنما يُسيره منطق القوة القاهرة الغاشمة، والحق دائمًا هو منطق الأقوى. والكلام الذي يذوب في الهواء — ولو كان مصنوعًا من البراءة المذابة — هو دائمًا منطق العاجز .. لو تصوَّر أنه إنما يتحدث بلغة أشباح وإلى أشباح، ويستذكر دروسه من دفاتر «القيم»، إذ ما زلنا في الحياة الدنيا، وحساب كهذا لا يتم إلا يوم القيامة، ولا يقيم حده إلا إله قادرٌ يفرض العدل والعدالة .. نحن للأسف ما زلنا في الحياة «الدنيا» مكانًا ومعنى، فأي معنی بعد هذا، إصدار «أحكام» غير قابلة التنفيذ، أو رفض شيء إلا وأنت قادرٌ على فرض شيء آخر، وعجيب أن لا فرق حرفي بين كلمتي «فرض» و«رفض»، نفس الحروف، ولكن حركة الراء إلى أمام الفاء لا تُغَيَّر تمامًا؛ ولكنها أيضًا رمز عمیق لكون الفَرض «حركة» أو «فعلًا»، وفي النهاية إجبار .. برضه ما علينا من هذا كله، هناك — كما قلنا — أجزاء من العالم العربي تعلن عداءها لأمريكا وللسياسة الأمريكية وتعتبرها أبشع درجات الاستعمار العالمي، وأنا لا أناقشها في هذا. وقد يكون لي نفس الرأي، ولكن هؤلاء الذين يقولون هذا ويفعلونه دول ومؤسسات وتنظیمات، وليست أفرادًا مثلي عاجزة. وبما أنها كذلك، وبما أن أمريكا ليست كلمة وإنما هي مؤسسات «جهنمية»، و«أخطبوط»، وعقول خبيثة واسعة الحيلة، ومعامل تفريخ أسلحة وأشكال عدوان، فالسؤال هو ماذا فعله أو يفعله هؤلاء اللاعنون الساخطون لمعرفة ذلك «العدو» ما داموا يعتبرونه عدوًّا. وما دام المثل الحكيم يقول: اعرف عدوك؟ الواقع أن معلومات الرافضين لأمريكا وللسياسة الأمريكية في شرقنا العربي لا تقل عمومية أو سطحية عن معلومات من يعتبرونها الصديق الأول، أو على الأقل الراعية المثالية لاستتباب «النظام» واللاشيوعية واللاشتراكية في المنطقة .. فتصور أنت تربط نفسك وبلدك وشعبك، وتضع كل بيضك — كما قلنا — في سلتها وأنت لا تعرف عن هذا البلد الخطير في حياتك وفي مصيرك إلا معلومات أي سائحٍ أو ضيف طالت قليلًا ضيافته. يقيني أن من يُعادون أمريكا هم أولى الناس بالتهام المعلومات وتحليلها وإدراكها، ومن يصادقونها تعتبر مسألة كهذه مسألة حياة أو موت .. ومع هذا فعلى اتساع عالمنا العربي كله لا يوجد في أي بلدٍ عربيٍّ أو أي جمع أو تجمع عربي «مرکز» لدراسة أمريكا؛ النظام، والسياسة، والعوامل الظاهرة والخفية، واتجاهات الرأسمالية الأمريكية، والشارع الأمريكي، والمؤسسات، سياسة الدولة الاتحادية وسياسة الولايات، سياسة البنتاجون، ووزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي الأمريكي، وسياسة اﻟ «سي آي إيه»، واﻟ «إف بي آي»، والمراكز الجامعية المتعددة «للتفكير» الأمريكي تجاه الشرق الأوسط. ••• لهذا السبب لا نستطيع أن نجد ببساطة «سياسة» يتخذها بلد عربي، أي بلد عربي، تجاه أمريكا .. نجد علاقات وصداقات وصلات شخصية ومصالح، أو معارك وعداء، أو رضاء، ولكنَّا لا نجد سياسةً مرسومة .. سياسة بمعناها العلمي الدقيق .. سياسة نُحدد فيها بالضبط ماذا تمثل أمريكا بالنسبة لنا، ثم ما هي هذه الدولة العظمى التي أصبحت — كما يقول حتی بعض کُتَّابنا التقدميين — أعظم دولة في عالم اليوم .. من هي؟ .. وما هي؟ دراسة واعية دقيقة مُفصَّلة بحيث حين نأتي للخطوة التالية وهي خطوة: ما هو موقف هذا البلد أو ذاك تجاه أمريكا؟ لا نأخذه على ظلام، أو «جهجهون» كما يقولون؛ وإنما هو نور وبينة. وبحيث يتحدد لنا على ضوئه أيضًا، ليس أن نكتفي «بوصم» أمريكا بأنها استعمارية مؤيدة للصهيونية، أو نصدر حكم الصداقة لصالحها. بحيث يتحدد لنا كيف يمكن أن نُغيِّر من اتجاه أمريكا ناحيتنا إذا كان اتجاهها ضارًّا بنا، أو نحارب هذا الاتجاه إذا كان لا مفر من محاربته، أو — في الناحية الأخرى — بحيث نُدرك كيف يمكن أن ينتمي هؤلاء الذين يعتبرون أمريكا صديقة وحامية لمصالحهم ضد «الزحف الشيوعي»، ينمُّون هذه العلاقة ويطورونها لمصلحتهم الشخصية هم، وأيضًا إذا كانت بلادهم وشعوبهم تهمهم فلمصلحة هذه البلاد والشعوب أيضًا. ••• والدليل واضح أمامنا وصريح والمثل واقع أمامنا في الحال وصارخ، حكاية فوز كارتر وهزيمة فورد. لكأنما تعليقاتنا العربية — ومن أُناس محترمين في نظري تمامًا — تتحدث عن ظاهرةٍ كونيةٍ حدثت هكذا والمطلوب هو بحث أسباب حدوثها واستقصاء جذور الموضوع كله. إن نجاح كارتر بالتأكيد لم يكن ضربة حظٍّ أُصيب بها السيد جيمي، أو سوء حظٍّ لازم السيد فورد. لو كان عندنا «مركز» واحد أو هيئة واحدة فقط في عالم عربيٍّ شاسع وغني وخطير، بل يكاد يكون صانع الأحداث الأول في عالم اليوم، لو كان لدينا في عالمٍ كهذا مركز كذاك، لعرفنا — ومنذ زمن — أن فورد لن ينجح، وأن التغييرات التي سبقت وصاحبت عملية انتخاب الرئيس الأمريكي … بل ومنذ حكاية ووترجيت وعزل نیكسون، لعرفنا وأدركنا أن دفَّة الأمور تتغير، وأن اليد تتدخل دائمًا لتغيير دفة الأمور في اللحظة المناسبة — كما حدث عند اغتيال کیندي — قد بدأت تعمل في اتجاه يُحتِّم نجاح كارتر والحزب الديمقراطي. وأنا لا أزعم أني دارسٌ أو متبحرٌ، أو حتى أملك واحدًا على مائة من قدرة أي مركز دراسات أو أي كاتب متخصصٍ في السياسة وتبحَّر فيها، في الواقع أنا أُسمِّي معلوماتي السياسية، وبالذات عن المسائل الخارجية، أسميها — بيني وبين نفسي على الأقل — معلومات وتحليلات — أحيانًا — لا سند لها من الواقع، ولا أستشهد فيها بأقوال أو وقائع، وإنما هي في حقيقة أمرها خواطر فلاح مصري يُفكر في السياسة العالمية في وقت أصبح التفكير في السياسة مسألةً علمية، لا يقوم بها أبدًا شخص أو مكتب؛ وإنما أجهزة رهيبة كاملة متكاملة وحسابات إلى أبعد من أبعد مدى. ••• الواقع أنِّي حين كنت في الولايات المتحدة في الخريف الماضي سعيًا لفرض نفسي على مراكزها الطبية، ورغم أن مستشفى البحرية الأمريكية — أرقى مركز للعلاج في العالم — اعتذر عن قبولي كمريضٍ باعتبار أنهم لا يعالجون إلا من يخدم علاجُه السياسية الأمريكية في المنطقة التي جاء منها، في الحقيقة لم يُغضبني أبدًا هذا الموقف، فمراكز العلاج في الدول الشيوعية أيضًا لا تقبل أن تُعالج — في مستشفى الكرملين مثلًا — إلا من يخدم علاجُه الجبهة الاشتراكية أو الشيوعية في العالم .. أو في تلك البقعة من العالم. لم آخذ المسألة بطريقةٍ عاطفيةٍ؛ لسبب أني أُدرك بعمق أننا لا نحيا في عالم رومانسي حالم شهم يُقدم العلاج للمحتاج بصرف النظر عن رأيه أو دينه أو مبدئه. عوالم صادقة تمامًا — وحتى صريحة جدًّا — مع نفسها ومصالحها. من معي أو ينفعني أُعالجه أو أعطيه. ومن ليس معي أو لا يُفيدني فمن الحمق أن أُضيع معه وقتي أو جهدي أو مالي. المهم. في ذلك الخريف تصادف أيضًا أن كانت تلك الزيارة ذات الدلالة العظمى التي قام بها الرئيس السادات للولايات المتحدة. زيارة لم تأت من فراغٍ، ولم يكن مفروضًا أن تؤدِّي إلى فراغ، ففي كل حدیث للرئيس الأمريكي فورد أو للدكتور كیسنجر مسألة النجاح الأمريكي في حل مشكلة الشرق الأوسط تُقدَّم كالمؤهل رقم واحد للفوردية الكيسنجرية ومن قبلهما النيكسونية. كانت تقدم وكأنها أهم من مشكلات التضخم وازدياد البطالة، أو سياسة الوفاق، ذلك أنها لم تكن تُقدَّم إلى «جماهير» الشعب الأمريكي، وإنما كانت تُقدَّم إلى من هم أهم من مجرد كونهم جماهير .. إلى «صُنَّاع» الرأي العام الأمريكي. ••• ولنتوقف قليلًا عند نقطة الرأي العام هذه، أو رأي رجل الشارع .. فالكثيرون منا ومن غيرنا يأخذونها دائمًا وكأنها قضيةٌ مسلَّم بها، وما دام رأي رجل الشارع كذا أو رأي الجمهور كذا فلا بد أن هذا هو الحق. لا أحد جرؤ في حياته أن يتهم الرأي العام بالخطأ أو الخطل، إنما الكل إذا وصلت المسألة إلى الرأي العام، يسجد منطقيًّا ويؤمِّن على صوابية الرأي العام — إن جاز هذا التعبير — ذلك لأنه دائمًا رأي الأغلبية العظمى من أفراد الشعب، وما دامت الديمقراطية هي حكم ورأي وسياسة الأغلبية «مع الاحترام الواجب طبعًا لرأي الأقلية» فدائمًا هذا الرأي العام السائد هو الصواب. وإذا كان لنا أن نعرف عدونا حقًّا فمن الواجب أن لا نعرفه فقط لنفسد خططه وإنما في أحيان لنتعلم منه، ولا بد لنا هنا إذن أن نُسلِّم أن اليهود كشعب وكسلالة كانوا — باعتبارهم في أي مجتمعٍ يكونون هم الأقلية — أدركوا أن قوتهم عمادها سلاحان رئيسيان: المال .. والرأي .. أو الدولار والفكرة. إذا كنت أغنى من في مجتمعك فقط فلن تكون أقوى من فيه، وإذا كنت أذکی الناس أفكارًا في مجتمعك فقط فستظل قوتك نظرية. أما إذا كنت تملك الفكرة والمال فأنت مالكٌ حينئذٍ العقلَ والجسدَ معًا، أنت في الحقيقة مالك الجهاز العصبي والجهاز الدوري، والباقي كله عضلات وعظام. وهكذا صاحب عملية تطور المجتمع الصناعي واتساع ديمقراطية الحكم أي الاتجاه أكثر فأكثر إلى أن «تختار» الأغلبية حكامها لتحكم نفسها بواسطتهم؛ صاحب هذا باستمرار اتساع قاعدة التفكير العريضة. وأي حكمٍ في الدنيا، ماذا هو على وجه التحديد؟ أليس هو عملية أن يختار المواطنون جميعًا أناسًا أو أفرادًا يودعونهم ثقتهم ليحققوا لهذه الأغلبية العظيمة «الأفكار» التي تراودها. إذن الذي يحكم في النهاية ليس هو الشعب بجسده أو بوجوده العضوي؛ ولكنها «الأفكار» التي تسود هذا الشعب، وتتملكه، وتُسيِّره. بمعنى آخر إذا كنت أنا كأقلية لا أستطيع أن أفرض على المجتمع العريض تمثيلي الجسدي له، فإني أستطيع أن أُنفذ سیاستي أنا إذا استطعت أن أجعل الرأي العام الشعبي يتبنى أفكاري أنا ويسير بها. من أجل هذا نلاحظ أن تركيز «أبناء عمومتنا» كان في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر وحتى العشرين يلجئون إلى الحكام والملوك ليكونوا مستشاريهم وصناع أفكارهم. وما قصة يوسف الصديق وعمله وزيرًا لمالية فرعون تمهيدًا لجلب قومه إلى مصر بغريبة «أو حتى بعيدة»، نلاحظ أنه بانتقال السلطة تدريجيًّا من أيدي الملوك الأفراد والزعماء الأفراد إلى أيدي المجموعات الحاكمة التي بدأت تتكون؛ مثل مجالس اللوردات، ثم مجالس الشيوخ، ومجالس النواب … إلخ. ولا نجد في التاريخ الحديث مثلًا أوضح مما حدث في الولايات المتحدة لهذا «التسيد» على خزائن المجتمع ودولاراته من ناحية، ومن ناحية أخرى على عقول هذا المجتمع، أو بالضبط على أفكاره. ولهذا أنا أرى أن «فضيحة» ووترجيت لها وجه آخر مختلف تمامًا عن كل ما سبق في تحليلها. وإليكم — في رأيي المتواضع، الساذج، كما سبق وحذرت — ما حدث: عقب الحرب مباشرة والمآسي التي حدثت ليهود أوروبا، ولألف اعتبار آخر، ساد الحزب الديمقراطي الحياة السياسية الأمريكية، ذلك لأنه الحزب الذي لا يمثل الرأسمالية الأمريكية القُحة، وإنما هو في حقيقة أمره يمثل الأقليات الرأسمالية — وأكبرها طبعًا الرأسمالية اليهودية — المتحالفة معه والمرتبطة بأقسام كبيرة من الرأسمال الأمريكي — حزب في ظاهره يبدو أكثر تحررًا وأكثر شعبية؛ ولكنه الحزب الذي تحظى الدوائر اليهودية التي أخذت تتبلور بعد قيام إسرائيل — على هيئة دوائر صهيونية علنية أو شبه علنية؛ تحظى داخل هذا الحزب بأكبر اعتبار. ولقد ظل هذا يحدث إلى أن تورط الحزب في حرب فيتنام (التي بدأت في عصر کیندي)، وكاد يتورَّط في حرب عالمية (حادثة خليج الخنازير مع خروشوف وکوبا)، ثم التأييد المطلق الأعمى لإسرائيل ضد العرب في الشرق الأوسط. وحين طال المدى وفتشت الرأسمالية الأمريكية ومن ورائها الطبقةُ المتوسطة والعاملة في أمريكا في دفاترها فوجدت أنها تخسر بهذه السياسات الخارجية عمياء التعصب على طول الخط؛ بینما — وهذا هو المضحك — سياسة داخلية أكثر تحررًا ساعدت هذه الفئات نفسها على اكتشاف الحقيقة؛ حينما فتَّشت ووجدت أنها تخسر، خاصة ورأس المال اليهودي ورأسمال الأقليات بعيد عن استثمارات البترول التي بدأت تمخر عباب الخط البياني صعودًا إلى القمة. حينها بدأت تنتعش هذه الرأسمالية الأمريكية القحة وتحاول أن ترى الأمور من وجهة نظر مصالحها هي الخاصة نجح نیكسون الجمهوري ضد منافسه الديمقراطي رغم حصول منافسة على تأييد الدوائر اليهودية قاطبة. وجاء نیكسون إلى الحكم، وفي نفس الوقت الذي لمع فيه نجم کیسنجر کمفكرٍ یهوديٍّ، هذا صحيح، ولكنه ليس متعصبًا ذلك التعصب الذي يجعله لا يفكر إلا لما تحت قدميه، فأمريكا تحمي یهودها ويهود إسرائيل إذا كانت قوية وقادرة على هذا الحمل، أما أن تظل تحمل ما فوق طاقتها — حتى لو كانت الدوائر الصهيونية هي الراكبة — فسوف تنهار أمریكا وينهار معها ما تحمله فوق كتفيها. كان المطلوب إذن ليس إنقاذ أمريكا ورأسمالها القح فقط، ولكن إنقاذ الرأسمالية العالمية نفسها، تلك التي كانت تدفعها سياسة الديمقراطيين بقيادة الصهيونية لسياسة عنيفة تجاه روسيا والمعسكر الشرقي، وتجاه العالم الثالث وبالذات تجاه العرب. وفعلًا، انتهت المواجهة تمامًا في فيتنام، وُقعت اتفاقية سيناء في الشرق العربي، استفاد الرأسمالي الأمريكي من المقاطعة البترولية ورفع الأسعار إلى درجة رکعت الرأسمالية اليابانية والألمانية والأوربية، وبالتالي الرأسمالية في العالم كله بما فيه خلفاء ديجول، وأمسك الرئيس الأمریكي لأول مرة منذ أمدٍ طويل بمقود السفينة الرأسمالية كاملة. وسمَّی الناس ما تمَّ إسفينًا حدث بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل وبين أمريكا السلطة والدولة والرأسمال، وسمَّوه: سياسة التوافق، وسموه أشياء كثيرة، إلا أن اسمه الحقيقي كان بداية عهد أن تقود الرأسمالية الأمريكية القحة الولايات المتحدة والعالم الرأسمالي كله، لمصلحتها، وبصرف النظر إن تضامن هذا أو تناقض مع الأقليات الرأسمالية الأخرى، وعلى رأسها الرأسمالية اليهودية. ••• وهنا دقَّ ناقوس الخطر. فمعنى هذا أن تستقل السياسة الأمريكية، أو بالأصح رجال السياسة، عن التوجيه السياسي والفكري للدوائر الصهيونية العالمية، والأمريكية بالذات. ولهذا فكان مطلوبًا وبسرعة حل «بحجم» — على رأي إخواننا الشوام — أولًا: الرئيس الأمریكي. للتمهيد ثانیًا «لتحجيم» الجمهوريين الرأسماليين الأمريكيين القح. ثالثًا وبسرعة: إنهاء حالة وحلاوة وثمار استقلال الرأسمالية الأمريكية عن أي نفوذ یهوديٍّ، وهذا لا يكون إلا — ليس فقط بالتحجيم دائمًا — بإزاحة الحزب الجمهوري كله من الحكم، لعودة حكم «الجبهة»، تلك التي تستطيع الدوائر المذكورة أن تلعب — وبسهولة وخفة يد عظمى — في مياهها، حتى لو كانت رائقة كمياه البيسين. و«فضيحة» ووترجيت لن يذكرها التاريخ — إذا كان جادًّا حقًّا كتاريخ — إلا كنُكتة .. نكتة هائلة الضخامة، ضحك بها ليس فقط على شعب كبير عظيم ذکي مثل الشعب الأمریكي، ولكن على عالم كبيرٍ وذکيٍّ مثل عالمنا المعاصر. ••• صحيفة الواشنطن بوست هي أهم مصنعٍ صحفيٍّ تُصنع فيه الأفكار. وآه من عملية أن «تصنع فكرة». الأمر ليس فهلوة كما تعودنا أن نفعل هنا، وليس لعب عيال كما تفسر بعض الحكومات حقائق دامغة في بعض الأحيان. الأمر هنا أمر ذكاء مفرطٍ ودقة متناهية، وعلمية شديدة داخل فيها علماء اجتماع ورجال دين، وممثلات سينما ودهاة مخابرات، وخبراء في كل فرع ولون وملَّة. ولهذا لم يكن صدفةً أبدًا أن الذي بدأ «فضيحة» ووترجیت صحفيان شابان من صحفيي الواشنطن بوست، أصبحا الآن أشهر صحفيين أمريكيين بطبيعة الحال. بقی یعني أمريكا التي يُغتال فيها رئيسها کیندي وتؤلف لها ألف لجنة وتحقيق لا تستطيع العثور على القاتل الحقيقي أو القتلة الحقيقيين وراء الحادث، والتي يُغتال فيها مارتن لوثر كنج وأيضًا لا يُعثر لقاتله على أثر! أمريكا التي صعَّدت الجريمة إلى عصر الفضاء والمعجزات، وأصبحت المافيا فيها في مستوی علم وأسرار الطبيعة النووية، وفيها من يستحقون — بجدارةٍ — جائزة نوبل في الإجرام. واسمحوا لي هنا أن أستطرد بمناسبة جائزة نوبل التي مُنحت للكاتب اليهودي الأمریكي «سول بيلو»، والذي حين دعتني جامعة شيكاغو عام ١٩٦٦م لأكون «كاتبًا زائرًا» في قسم الشرق الأوسط كان هو في نفس الوقت يعمل كاتبًا أمريكيًّا زائرًا في كلية الآداب بنفس الجامعة، وحدث أن التقينا عند الأساتذة ودعوته على العشاء (أنا الذي دعوته والله، مع أننا كنا في أمريكا)، وخلال الساعات الست والثلاثين التي كانت لا تزال أمامي ليحين ميعاد الدعوة حاولت أن أعرف عنه شيئًا من خلال إنتاجه، فذهبت إلى مكتبة الجامعة واستعرت الروايات الخمس — وقد كانت كل ما كتبه حتى ذلك الوقت — وبدأت قراءتها وفي ذهني الإطار الذي أدخله في روعي الأستاذ الذي عرَّفني به حين قدَّمه لي باعتبار أنه «أحسن كاتب روائي أمریكي»، أقرأ وأذهل ثم أغلق الكتاب وأعود أقرأه، أتناول قصة أخرى. أُكرر المحاولة لا لمحة عبقرية واحدة ألمسها، قصة قصيرة واحدة لهيمنجواي، بل رواية لفرانسواز ساجان أعظم بكثير من هذا الكاتب ذي الروح الميتة التي يُحاول أن يصور بها بطلًا واحدًا خلال القصص الخمس، يهودي وحيد ضائع وأحاسيسه التي لا تُريحك أو حتى تستثير شفقتك، عالم شاحب لا تخترقه شهابة انفجارة أو مفاجأة إحساس، وأقسم أنِّي جاهدًا ومخلصًا حاولت أن أُركز كل طاقتي وأقرأ له رواية كاملة وكأنها واجب مدرسي، ولم أستطع أبدًا أن أُتمها. ولكني أيضًا لم أَعجَب أبدًا أو أندهش حين نال جائزة نوبل — لنفس هذه الأعمال — لهذا العام، فهو كاتبٌ ويهودي وأمریكي. وجائزة نوبل. جائزة داعرة يمنحها داعرون سیاسیون باسم الأدب، وكل ما فيها إما مُسخَّر لإذكاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وإما لجعل أكبر عدد ممكن من «علماء» اليهود — أمريكيين أو غير أمريكيين — ينالونها، ولنراجع معًا من فاز بها ولماذا خلال الأعوام العشرين الأخيرة؟ إن ما أزعجني حقًّا أن الصناعة الغربية كانت دائمًا متقنة، حتى الصناعة المغشوشة منها كانت متقنة .. أما أن يأخذ سول بیلو الجائزة وفي العالم مارلو، وجارثيا، وألان روب جرييه، وليوبولد سینجور، وجنتر جراس، وألبي، ومولك راج أناند … وعشرات غيرهم في أمريكا اللاتينية وتركيا واليونان، وحتى في عالمنا العربي أستطيع على الأقل أن أعد عشرة من الأحياء يتواری أمامهم كل ما كتبه مستر بیلو خجلًا. ولكنها جائزة لم تعد تُخفي وجهها، فهي بصفاقة غريبة تُطلُّ من باب «الأدب» وتقول: صهيونية أنا، والأفضل عندي دائمًا هو اليهودي السامي. وكأنها تُحرِّض العالم ليصبح كما يودون وكما يصورون: ضد السامية. ولكن لحسن الحظ فالعالم أرقى من هذه العقول التي تؤجج الأحقاد والنعرات العنصرية. وتحت شعار — يا للوقاحة — القيم الإنسانية ومحاربة العنصرية! وأيضًا، ما علينا. السؤال هو: هل لو كان أصحاب الواشنطن بوست أو المشرفون على تحريرها، ثم الموجهون لجرائد وتليفزيونات ومحطات الإذاعة الأمريكية والنوادي وقاعات المؤتمرات والمحاضرات، باختصار؛ صنَّاعَ الرأي العام، هل لو كان هؤلاء لا يريدون لووترجيت أن تكون، أيمكن أن تكون قد حدثت؟ هؤلاء الذين تغاضوا عن اغتيال رئيس بأكمله، وأكبر زعيم زنجي بأكمله، أكان سيؤرق ضمائرهم كثيرًا أن يتغاضوا عن أن رئيسًا «أمر» بأن يستمع بعض مساعديه إلى مكالمةٍ تليفونية يُجريها أفراد الحزب المنافس؟ يا سلام على الضمائر الحساسة، وبالضبط عند اللزوم! والنتيجة: بره يا أستاذ نیكسون وبفضيحة مدوية. بره لأي رئيسٍ أمريكي يحاول أو يفكر أو يجرؤ مرة أخرى أن ينفرد، حتى لو كان يمثل فعلًا مصلحة أمريكا الرأسمالية الحقيقية، باللعبة. وليس هذا فقط، فعلى الكونجرس الذي آلت إليه أجزاء كبيرة من مسئوليات رئيس الجمهورية بعد طرد نیكسون، أن يحذر هو الآخر. ففضائح الجنس ومعداتها جاهزة، وممكن حتى أن يُحاسب — على رأي الكاتب الساخر بو کوالد — على «الزنا بالنظر» فالرأي العام قد تنبَّه، وتنبه إلى أن الذين يحكمونه لا بد أن يكونوا «أطهارًا». هذه «الفكرة» هي عينةٌ واحدة من عينات «صنع» أفكار الرأي العام وخلق محظوراته و«تابلوهاته». وكان النفخ فيها والتضخيم أمرًا لا مفر منه؛ لأن الهدف لم يكن التخلص من رئيس جمهوري کنیكسون بدأ يصنع علاقات مباشرة مع ألد «الأعداء» السابقين: الصين وروسيا والعرب، فإن سريان الماء مباشرة بين البيت الأبيض أو حتى بين الكونجرس وبين بكين وموسكو والقاهرة والرياض والجزائر وبغداد والكويت مسألةٌ مخيفة، قد تجعل المؤسسة الأمريكية تستغني تمامًا عن هذا السمسار النيويورکي الذي لا يزدهر إلا بالمضاربة والمواجهة وازدياد التوتر، وخلق عداوةٍ صليبية «تُخيف» الأمريكيين دائمًا وتجعلهم باستمرار أسرى الأفكار التي يصنعها لهم صُنَّاع أفكار الرأي العام الأمریكي، وبالذات الدوائر الصهيونية المسيطرة سيطرة شبه كاملة على أجهزة توجيه الرأي العام. سابقًا كانوا يحكمون عن طريق الملك المطلق، إذا كان هناك ملك مطلق. إذا جاءت الرأسمالية والديمقراطية يسيطرون على الأحزاب بدعوی الاشتراكية العالمية «الشيوعية» مرة، والاشتراكية الديمقراطية العالمية «الاشتراكية» مرة وحتى الاشتراكية الوطنية (التي يُسمونها الأفكار الفاشية والنازية). ولكن أعلى تلك المراحل على وجه الإطلاق، هو ما حدث في أمريكا، فما دام الذي يُقرر من يكون السناتور ومن يكون الرئيس هو الرأي العام المكون من الناخب العام والمواطن العام، فليكن الهدف على وجه التحديد هو «صياغة» الرأي العام كما نريد وندعو، هو بعد هذا يختار الأشخاص الذين يُنفذون هذه السياسة وتلك الأفكار فهي أفكارنا وسياستنا. ومن المؤسف أن عصر ازدهار أجهزة الاتصال الجماهيرية الواسعة يُحتم بالضرورة — لأنه أيضًا عصر الإنهاك العصبي المستمر والاستنزاف الفكري — ازدهار الأفكار الوقتية والسهلة والمتداولة وغير الشخصية وغير العميقة وغير المدروسة، بحيث أن «صناعة» الأفكار لم تعد تقتضي التمعن والعمق وإنما أصبحت تتطلب أن تكون «کبيرة ولذيذة»، و«سهلة على العقل، وسهلة على المعدة»، أسهل أن تُروج أن أمريكا في خطر وأن الشيوعية تزحف، وأن لا بد من تقوية الكنائس والأديان لمواجهة خطر الإلحاد الماحق، والوفاق مصر وإسرائيل هي معقل الديمقراطية بين عرب أثرياء سفهاء ينفقون بتهور ويُكنون لنا العداء. وهكذا كان لا بد أن يذهب نیكسون والجمهوريون، ويأتي كارتر والديمقراطيون. كان عظيمًا جدًّا لو جاء كارتر والديمقراطية، ولكن المؤسف أن الديمقراطيين في أمريكا الخارجية رجعيون تمامًا ولا علاقة لهم بديمقراطية الداخل. ولهذا فإشفاقًا على العالم مما قد تورطه فيه سياسة خارجية أمريكية، إشفاقًا على العالم من حرب المذاهب الوهمية التي يروح ضحيتها بشر حقيقيون أثمن — في رأيي — من أي مذهب، إشفاقًا على منطقتنا العربية بالذات أن تعود إليها أمريكا الهراوة والانحياز الأعمى، إشفاقًا على العالم من سياسة لا يُراد لها في النهاية إلا مصلحة خبثاء يستغلون فكرة وفلسفة شعب الله المختار وأرضه المختارة نفسها؛ أتمنى لو تصل أفكارنا نحن، وضروري هناك طريقة لكي يعرفوا هناك ما يدور في رءوسنا نحن، فمجيء كارتر هذه المرة قد يكون صعودًا بالرئاسة الأمريكية إلى عهود روزفلت المجيدة، أو هبوطًا بها إلى عهود جونسون — غفر الله له. إن مفترق الطرق هذا في حاجةٍ إلى وقفةٍ طويلة، خاصة من أولئك الناخبين حَسَني النية الذين جاءوا بكارتر في سبيل حكم أفضل ومنطق أسمى من منطق القوة الغاشمة، وذمم أنظف بكثير من تلك التي تُحاسب رئيسًا لأنه تسمَّع على خصمه، ولا تحاسبه لأنه قتل عشرات الآلاف من الأبرياء في فيتنام وذبح عشرات من أخلص الخلصاء في شيلي وغيرها. مفترق طرق نعم، لأمريكا، وللعالم، وبالذات لهذا الجزء العربي من عالمنا. وهذا .. أو الجهجهون. ••• ومعذرة لقد نسيت … إلى الأسبوع القادم يا مستر ميللر .. ويا مارلين مونرو.
|
{
"chapter": "هذا أو الجهجهون",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/12/"
}
|
يمكننا أن نكون على يقينٍ إلى حدٍّ كبير من أنَّ أسلافنا من نوع «الإنسان العاقل» الذين ظهَروا في أفريقيا منذ نحو ٢٠٠ ألف عام، أدرَكوا أنَّ الذُّرية تُشبه الآباء. فلا بدَّ أنَّ فكرة أنَّ الآباء يُنجبون صغارًا يتمتَّعون بالخصائص الجسدية والسلوكية لنوعِهم كانت واضحةً لهذا السلَفِ البشري الذكي الجديد. يمكننا أيضًا أن نفترِض بثقةٍ أن أسلافنا من الصيَّادين وجامعي الثمار قد لاحَظوا استمراريةَ السِّمات المميِّزة عبر أجيال عائلاتٍ بعينِها. فبسبب نظامهم الغذائيِّ الجيد نسبيًّا وانخفاض عِبء المرض، كان أفرادُ جماعات الصيد وجمع الثمار يعيشون على الأغلب أعمارًا طويلةً بما يكفي لملاحظة تَكرار ظهور بعض السمات في بعض الذريات، مثل طول القامة وقِصَرها، أو الأنف المعقوف، أو الذقن البارز، أو ارتفاع عظام الوجنتَين. غير أننا لا نملك دليلًا فِعليًّا مكتوبًا على تأمُّل الناس لطبيعة الجنس والوراثة قبل العصر البرونزي في بلادِ ما بين النهرَين قبل نحو خمسة آلاف عام. فبدءًا من أول المجتمعات التي مارسَت القراءة والكتابة وانتهاءً بالعصور القديمة المتأخِّرة، يَنظر هذا الفصل في محاولات الفلاسفة والمعالجين لِفَهم تكوُّن الحياة الجديدة، إضافةً إلى كيفية تطبيقِهم لمفاهيم الوراثة لشرح الاختلافات الحقيقية والمتخيَّلة بين الرجال والنساء وبين مختلِف المجموعات الاجتماعية والعرقية في العالم القديم. من الجليِّ أنَّ تسجيل ما اعتقده القدماءُ عن الوراثة قد اعتمد على ظهورِ نُخَب فكرية يتمتَّعون بالقدرة على تدوينِ تفسيراتهم للعالم من حولهم. وقد استلزم هذا التطورُ أن تتخلَّى بعضُ الجماعات عن الصيد وجمعِ الثمار، وأن يؤسِّسوا مجتمَعاتٍ مستقرَّةً كما حدَث بعد الألفية العاشرة قبل الميلاد عندما بدأَت الشعوب التي تسكن سُهول الهلال الخصيب الرسوبية بالشرق الأوسط في زراعة القمح وتربية الماعز. إضافةً إلى ذلك، قامت حضاراتُ وسط أمريكا وجنوبها، وغرب أفريقيا، وشرق الصين، بالتحوُّل ذاتِه إلى الزراعة، كلٌّ على حدة. لقد استطاعت المجتمعات الزراعية المبكِّرة أن تُنتج فائضًا من الحبوب والفاكهة واللحم، مما حرَّر أقليةً متزايدة من الأفراد من العمل المضني اليومي، وسمح بظهور البلدات والمدن التي سكَنها التجَّار والحِرفيُّون، والنخب الملَكية والمحاربة، والكهَنة، والفلاسفة، والشعراء، والمعالجون. وعندما بدأت هذه المجتمعات الزراعية المبكرة في الانخراط في أمور التِّجارة والحرب والاستعمار، كان عليها أن تجد سُبلًا للتواصُل عبر مسافاتٍ طويلة ولحفظ سجلَّات المعاملات والاتفاقيات. كان هذا هو ما ألهمهم في النهاية اختراع الكتابة. وقد أتاح ما تَحقَّق في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد في الهلال الخصيب من استخدامٍ للرموز المجردة لإيصال المعنى، تسجيلَ نظرياتٍ عن العالم الطبيعي وتبادُلَها. إنَّ مَن كتبوا عن تكوُّن الحياة الجديدة في الحقبة التي امتدَّت من العصر البرونزي في بلاد الرافدَين إلى زوال الإمبراطورية الرومانية الغربية في أواخر القرنِ الخامس الميلادي قد اعتقَدوا في الغالب أنَّ الأمر يعتمِدُ على نوعٍ من أنواع التدخُّل الإلهي. وقد ساعَدَت نُظم الاعتقاد الماورائية في تفسير الخبرات الحياتية التي لم يكن من الممكن التنبُّؤ بها في معظم الأحيان، والظواهر التي لم يكن من الممكن تفسيرها مُطلقًا بدون هذه النظم. تعود أقدمُ هذه الأمثلة على إشارة البشر لطبيعة التكاثر إلى الشعوب السومرية بجنوب بلاد الرافدَين، وهم رُوَّاد الكتابة الذين نقَشوا رموزًا مِسمارية الشكل في الصَّلصال الرطب. يتحدث أحدُ هذه الألواح «المسمارية»، الذي يعود تاريخه إلى نحوِ عام ٢٤٥٠ قبل الميلاد، عن أنَّ الملوك يولَدون من بذرة الآلهة. وبعد ذلك بألفَي عامٍ تقريبًا، رأى جامِعو العهد القديم المجهولون بالمثل أنَّ ظهور الحياة الجديدة حدثٌ إعجازيٌّ؛ فنجد على سبيل المثال في قصة أيوب البارِّ التي كُتِبَت في وقتٍ ما بعد القرن السابع قبل الميلاد، أنَّ الإلهَ جلَبه من «مادة غير مُشكَّلة»، وكساه «جلدًا ولحمًا»، ونسجَه «بعظام وعصَب». ازدهَر هذا المنظورُ المجاوز للطبيعة في المجتمعات اليونانية والرومانية. ففي القرن الرابع قبل الميلاد، رجَّح الفيلسوف الأثينيُّ أفلاطون أن الذريةَ صنيعةُ نفوسٍ خالدة ترتبط بمادةِ الدماغ والنخاع ذات الطبيعة الخاصة. وافترض الرواقيون، وهم أعضاءُ مدرسةٍ فلسفية تأسَّسَت في أثينا في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وجودَ مبدأ إلهيٍّ يسود الكون، ويبثُّ الروح في المادة، ويمنح للكائنات الحية وغير الحية بِنْيتَها. والرومان أيضًا وجَّهوا نظرَهم إلى السماء. وكان من المفترض بالمتزوجين حديثًا من أثريائهم أن يُمارسوا الجماع في أَسِرَّةٍ مُعدَّة خصوصًا كي يتسنَّى جذبُ قوة الحياة غير المادية إلى بذرة الزوج. وحتى الكُتَّاب المسيحيون في العصر الروماني ظلُّوا يحتفون بالقدرة التوليدية لإلههم على الرغم من معارضتهم لمثل هذه الطقوس الجنسية الفاحشة. فقد اعتبر أوغسطين الهيبوني، وهو أسقف من شمال أفريقيا تُوفِّي عام ٤٣٠ ميلاديًّا، عمليةَ إنجاب الأطفال برُمتها أمرًا جسَديًّا كريهًا، لدرجة أنه علَّق عليها بعبارته المشهورة: «نحن نُولَد من بين البراز والبول». لكن ما يَشفع لعملية التكاثر على الأقل أن كلَّ طفل «هو خليقة الإله الأسمى كليًّا». بحلول القرن الخامس قبل الميلاد، كانت نُخبةٌ صغيرة من الفلاسفة والأطباء، التي عاشت في دول المدن بإقليم البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة، تُنتِج تفسيراتٍ للتكاثُر رفَضَت كلَّ هذا الحديث عن الآلهة والأرواح. فقد دعم الأطباء الأبقراطيون الذين ازدهَروا في جزيرة كوس اليونانية خلال أواخرِ القرن الخامس، والنصفِ الأول من القرن الرابع قبل الميلاد، فكرةَ «شمولية التخلُّق». وَفقًا لهذه النظرية، يتكوَّن النسلُ من الاتحاد الماديِّ للمادة من جسمِ كِلا الوالدَين. فقد قال الأبقراطيون إن أنشطةً مثل الجنس تُهيج الأوعية والسوائل في الجسم، مما يؤدِّي إلى تكوين سائلٍ رغوي غنيٍّ يحتوي على جميع المواد اللازمة لتكوين جسمٍ جديد. بعد الجماع، يمتزجُ هذا «المَنيُّ» في الرَّحِم ويتَّخذ تدريجيًّا شكلَ كائنٍ جديد. كانت فرضية الأبقراطيين بشأن الكيفية الفعلية التي يتطوَّر بها الجنينُ من بذور الوالدين مبهمةً بطبيعة الحال. غير أنهم كانوا على يقينٍ تمامًا من أن الآلهة لا تتدخَّل في الأمر تدخلًا مباشرًا. قدمَت فكرةُ شمولية التخلُّق أساسًا مَفاهيميًّا راسخًا للحديث عن الوراثة. فقد زعم الأبقراطيون بأننا نُشبه والدَينا لأننا نتكوَّن من «البذور» التي تتشكَّل من «جميع أجزاء» جسدَيهما. وأضافوا أن النسل عادةً ما يتمتَّع بمزيجٍ من سِمات الأم والأب؛ نظرًا إلى وجود منافسة دائمة بين بُذور كِلا الوالدين. وبناءً على هذا، إذا كان أحدُ الوالدين لا يُنتج سوى كميةٍ صغيرة من البذور الضعيفة، فإن خصائص زوجِه هي التي ستظهر بوفرةٍ في نسلهما. أوضح الأبقراطيون أيضًا أن الوالدَين يُورِّثان نزعاتهما للإصابة بالأمراض. نبعَ هذا الاعتقاد من القاعدة الأوَّلية التي وضَعوها والتي تفيد بأن الصحة محكومةٌ بالنِّسَب بين أربعة سوائلَ أو أخلاط تُوجَد داخل الجسم، وهي الدمُ والبلغم والعُصارة الصفراء والعُصارة السوداء، وأن الأمراض المختلفة تنشأ نتيجةَ زيادةِ هذه السوائل أو نُقصانِها. ولما كانوا يعتقدون أنَّ البذور تتشكَّل من الأخلاط، ولو جُزئيًّا على الأقل، فمن المرجَّح أن يرث الأطفال النزعةَ لإصابتهم بأنواعٍ مُعيَّنة من عدم التوازن الخلطي. نتج عن فكرة شمولية التخلُّق أيضًا نمطٌ من التفكير بشأن الوراثة، شديدُ الاختلاف في نواحٍ أساسية عن نمطِ تفكيرنا اليوم فيها. فلم يكن لدى الأبقراطيون أيُّ وسيلة لمعرفة أن مادة الوراثة تحظى بحمايةٍ جيدة من القُوى الخارجية؛ إذ تُوجَد في الأعضاء الجنسية. وعِوضًا عن ذلك، فبِناءً على افتراضهم بأن البذور تُستخلَص من البِنَى الجسدية الفعلية والسوائل الموجودة لدى الوالدين، وهو افتراضٌ قائم على قدرٍ كبير من العقلانية؛ كان من المنطقيِّ بالنسبة إليهم أن يعتقدوا أنَّها تَنقل إلى النسل الخصائصَ المكتسَبة من الأمهات والآباء. ثَمة نصٌّ أبقراطي كلاسيكي يورِدُ مثالًا من إحدى المجموعات العرقية، وهم الماكروسيفالي (أو ضِخام الرأس)، الذين يُذكر أن أطفالهم كانوا يولَدون بجَماجمَ مُطوَّلة. عَزا الكاتبُ هذه السِّمة إلى كونها نتيجةً لربط أجيالٍ من الماكروسيفالي لرءوس أبنائهم؛ لاعتقادهم أن الجِباه العالية من علامات الجمال. وعلى الرغم من توقفهم عن هذه الممارسة وقتًا طويلًا، فمن الواضح أنَّ نسلهم ظلَّ يحمل هذا الإرث الوراثي بشكلٍ ظاهر. وبهذا، أصبحَت وراثة الخصائص المكتسَبة حقيقةً بديهية لدى علماء اليونان والرومان. ففي القرن الأول الميلادي، وضع بلينيوس الأكبرُ، الذي كان دارسًا للتاريخ الطبيعي وقائدًا للقوَّات البحرية والفيالق، قائمةً طويلةً ﺑ «العلامات، والشامات، والعيوب، والندوب» التي انتقلَت فيما يبدو من الآباء إلى نسلِهم. رغم أنَّ فكرة شمولية التخلُّق قد حظِيَت بانتشارٍ كبير على مدار الحقبة الكلاسيكية القديمة، فقد ظهرت فيها جوانب ضعف فادحة. فعلى سبيل المثال، لو كان المَنيُّ يُنتَج من أجسام الوالدين، فلماذا لا يولَد الأطفال بخصائصَ جنسيةٍ ثانوية كاللِّحى، والثديَين، وشعر العانة؟ الحقُّ أنَّ مثل هذه المشكلات قد أقنعَت أرسطو، وهو الذي ألف عشَرات الأعمال التي تتمتع بقدر مدهش من الأفكار الثاقبة في المنطق، والبلاغة، والسياسة، وعلم الكونيات، والتاريخ الطبيعي، بحتميةِ خطأ فكرة شمولية التخلُّق. وفي كتابه «تولُّد الحيوانات» عام ٣٥٠ قبل الميلاد، قدَّم أرسطو بديلًا مبتكَرًا للغاية بناه على فكرةٍ قديمة تقول بأن الذكر يوفِّر البذْرة وأن الأنثى لا توفِّر سوى المادة. اعتمدَت نظريته أيضًا على مفهومٍ قديم آخَر، وهو الحرارة الفطرية. فنظرًا إلى أن الأجسام الدافئة حية وأن الجُثث باردة، بدا من المنطقيِّ افتراضُ أنَّ نوعًا معينًا من الحرارة هو نفسُه أساس الحياة. وكان الفلاسفة القدماء قد افترَضوا خطأً بالفعل أن النساء أضعفُ بطبيعتهنَّ وأقلُّ عقلانيةً من الرجال؛ لأن أجسادهن أكثرُ برودة. بعبارة أخرى، ظنَّ هؤلاء الفلاسفةُ أن مخزون النساء من الحرارة الفطرية أقل؛ ومِن ثَم فما يُطِقْنه من نشاطٍ بدني وعقلي أقلُّ حيويةً مما يُطيقه الرجال. وقد طُبِّقَت هذه الفكرة بسهولة على مسألة التولُّد. فقد ذكَر أرسطو أنَّ الفائض في الطعام والشراب لدى كلٍّ من الرجال والنساء يتحول إلى دمٍ يمرُّ بعضٌ منه بمرحلةِ هضم إضافية. وفي أجسام النساء الأكثر برودة، يُنتج هذا دم الحيض وحليب الثدي. أما في أجسام الذكور الأكثرِ سخونةً، فإنَّ الدماء الفائضة تُنقَّى إلى أعلى مستوًى على الإطلاق، ومن ثَم تُكوِّن سائلًا رغويًّا ساخنًا، أو المَنيَّ. غير أنَّ المَنيَّ الذكري الساخن ودمَ الحيض الأكثرَ فتورًا لم يَكونا من وجهةِ نظر أرسطو هما العواملَ الخلَّاقة في عملية التولُّد. وإنما رأى أنَّ دِفْء مَنيِّ الرجل يجعل منه أداةً مثالية لنقل الأساس الحقيقي للتولُّد، وهو «الروح». وصف أرسطو هذا المفهومَ بطريقةٍ مبهَمة باعتباره «معادلًا لعنصر النجوم». وأوضح أن الروح، تسري في المَنيِّ على نحوٍ مُشابهٍ لسريان الفقاعات في الحليب، وتلتقي بكتلةٍ من دم الحيض في الرحم. وبعد ذلك، تُضفي هذه الروحُ شكلًا على مادة الأنثى بأن تنقل إليها سلسلةً من الحركات، مثلما أنَّ حركات أذرُع النجار وأدواته تُمكِّنه من تشكيل بيتٍ من الخشب أو الحجارة. تابع أرسطو فرضيَّتَه بأن الحركات الكامنةَ في رُوح الذكر التي تستحثُّ نموَّ الجنين تُستبدَل بها فيما بعدُ حركاتٌ كانت خاملةً من قبل تردُ في تسلسلٍ مُحكَم مشكِّلةً أعضاءً، وأنسجةً، وبِنًى جديدة. غير أن هذه العملية لا تتوقَّف عند مرحلة الولادة. فقد رجَّح أرسطو أن الروح تُواصل عملها طَوال حياة الكائن الحي، مما يسمح بتغيُّر الجسم بمرور الوقت. وعلى الرغم من أن أرسطو أحبَّ بساطةَ النموذج الذي نسَب أدوارًا مختلفة لكلٍّ من الذكور والإناث، يبدو أنه قد شعر أن الدليل المتمثِّل في مشاركة الأطفال لسِمات أمَّهاتهم أقوى من أن يستطيع أحدٌ إنكاره. ولهذا أقرَّ بأن كتلةَ دم الحيض لدى المرأة تحتوي على صورةٍ «ضعيفة» من الروح. قبِل أرسطو أيضًا الفكرةَ القائلة بإمكانية وراثة الخصائص المكتسَبة؛ فقد روى عن رجلٍ من بلدةٍ قريبة من مَصبِّ البوسفور انتقلَت سِمتُه المميزة إلى ابنه في مكانها نفسِه. إنَّ هذه النظريات اليونانية عن الجنس قد ألهمَت بعض الكتَّاب اقتراح مخطَّطات لتحسين النسل؛ بهدف تحسينِ جودة الصفات الوراثية لدى المواطنين. ففي كتاب «الجمهورية»، الذي ألَّفه أفلاطون نحوَ عام ٣٨٠ قبل الميلاد، ترِدُ خُطةٌ للحفاظ على وجود حكَّام رَفيعي المستوى من خلال ضمانِ تكاثرِ «أفضل الرجال» مع «أفضل النساء في أكبرِ عددٍ ممكن من الحالات»، إضافةً إلى التخلِّي عن النسل صاحبِ الصفات «الأسوأ» وعدم تربيته على الإطلاق. أرسطو أيضًا طالبَ بأن يكون من مسئولية المشرِّعين تحديدُ المواطنين «المناسبين للزواج». وأوصى أيضًا بالإسراع في إعدام الرُّضَّع المولودين بتشوُّهاتٍ خِلْقية. خلال القرن الثاني الميلادي، جُمِعَت الأفكار القديمة والملاحظات الحديثة معًا على يدِ أحد أكثر كُتَّاب العصر إبداعًا في مجال الطب، وأغزَرِهم إنتاجًا. عمل كلوديوس جالينوس، الذي وُلِد في مدينة بيرجامون اليونانية في ١٢٩ ميلاديًّا، طبيبًا لِمُصارعي رئيس الكهَنة في آسيا، ثم أصبح فيما بعدُ الطبيبَ الشخصيَّ لكلٍّ من الإمبراطور ماركوس أوريليوس والإمبراطور سيبتيموس سيفيروس. إضافةً إلى ذلك، وضع جالينوس نموذجَ الأخلاط الأربعة لأبقراط في إطارٍ تفسيريٍّ متين للغاية، حتى إنه ساد في مجال الطب الأكاديمي لأكثرَ من ١٥٠٠ عام. اعتمد جالينوس في تفسيره لكيفية ظهور الحياة الجديدة نموذجًا يُسمى ﺑ «البذرة المزدوجة»، ربط فيه بين أفكار الأبقراطيين وأرسطو. وفقًا لجالنيوس، فإنَّ كِلا الوالدين يُنتج المادةَ التي يتشكَّل منها الأطفال. ولما لم يستطع تجاهُلَ حقيقةِ أنَّ الأبقراطيين عجزوا عن توضيح كيفية تشكُّل مَنيِّ الوالدين عديم الشكل، اتبع جالينوس أرسطو في زعمِه بأن البذرة تحتوي على قوةٍ ما، تُسمَّى «النطفة» وتتحكم في تطورِ الجنين مرحلةً تِلْو الأخرى. وأضاف أن «النطفة» الأنثوية هي بالتأكيد أضعفُ النطفتَين، لكنها تؤدي القدرَ الكبير من عملها دون أن يُعيقها المَنيُّ الذكري الأكثرُ سخونة. قدَّم جالينوس أيضًا نظريةً فسيولوجية عن الكيفية المحتملة لتوارث الصفات العقلية. لم يكن النظر إلى الصفات النفسية والجسدية على أنها صفاتٌ قابلة للوراثة بالشيء الجديد؛ فقد أشار الكاتب المسرحي يوربيديس في القرن الخامس قبل الميلاد أنَّ «الرجل الصالح لا يمكن أن ينحدرَ من نسلِ أبٍ فاسد»، و«الأشرار ينحدرون في العادة من الأشرار». لكن جالينوس قدَّم نموذجًا أكثرَ تفصيلًا بشأن كيفية انتقال السِّمات الشخصية من الآباء إلى الأبناء. لقد تعلم أنَّ أخلاط أبقراط هي الركائز البيولوجية لأربعة أنواعٍ أساسيةٍ من الطبائع؛ فأوردةُ النشِطين المتفائلين تتدفَّق بها دماءٌ غزيرة، وسريعو الغضب لديهم وفرةٌ في الصفراء، والمكتئبون يُعانون من فائضٍ في المِرَّة السوداء، والهادئون الفاترون يَشغل البلغمُ حيزًا كبيرًا في أجسامهم. تابع جالينوس طرْحَه بأنه عندما تنتج البذرة فإنها تأخذ من أخلاط كِلا الوالدين. ومن ثَم تُصبح شخصيةُ الطفل أقربَ إلى شخصية الوالد الذي قدَّم البذرة الأقوى. للفكرة القائلة بأنَّ المرأة هي الشريكُ الأقلُّ تأثيرًا في عملية التكاثر تاريخٌ يمتدُّ إلى ما قبل أرسطو بكثير. فقد تضمَّنَت الأشعار الجنسية السومرية والبابلية التي يعود تاريخها إلى عام ألفين قبل الميلاد تقريبًا؛ دعواتٍ من الإناث، مثل: «أيها المزارع، احرث الحقل [حقلي]!» وتلبيةً صريحةً من الذكور، على غرار: «دعيني أحرث الحقل». وكِلا الموقفين ينطويان على الاعتقاد بأنَّ المرأة لا تُقدم سوى بيئةٍ خِصبة تنمو فيها بذرةُ الذكر. وفي القرن الخامس قبل الميلاد، عبَّر الكاتب المسرحي التراجيدي اليوناني إسخيلوس عن هذه الفكرة على نحوٍ أكثرَ صراحة. فكتب أنَّ الأم «تُغذي البذرة التي زُرِعَت فيها» فحسب، فهي لا تختلف كثيرًا عن مجرد «غريب» «يحرس نَبْتَ غيره». بالنسبة إلى أرسطو، كان لفكرة أنَّ جسم المرأة أبردُ من جسم الرجل آثارٌ عَملية في تحديد الأوقات التي يجب فيها على المواطنين الزواجُ والتكاثر. ذلك أنه رأى أنَّ الأفراد تُنتج أفضلَ البذور جودةً عندما تكون أجسامُهم ساخنة. تَمثل التطبيق العمَلي لهذا في اعتقاده بأنَّ التوقيت الأمثلَ لزواج الفتيات هو «في سنِّ الثامنة عشرة» بينما التوقيتُ الأمثل لبحث الرجل عن عَروس هو عندما يكون «في السابعة والثلاثين أو قبلَ ذلك بقليل». رأى أرسطو أيضًا أنَّ الزواج في العمر المناسب يَزيد فُرص الفرد في إنجاب الذكور، وهو ما كان اعتبارًا مهمًّا لدى أرسطو الذي كان يرى أنَّ الذكر «بطبيعته أسمى، بينما الأنثى أدنى». وقد فسَّر هذا الاعتقادَ بأنَّ «إنجاب الإناث يَكثر لدى الشباب ومَن يقتربون من التقدُّم في العمر بدرجةٍ أكبر مما هي عليه لدى مَن هم في رَيْعان العمر»؛ إذ لا تكون «الحرارة الحيوية قد اكتملَت بعدُ في الفئة الأولى، وهي تتناقص في الفئة الثانية». إضافةً إلى ذلك، رأى أرسطو أنَّ الرجال ذَوي القضيب الطويل عُرضةٌ لإنجاب الفتيات لأن مَنيَّهم يكون قد برد بعض الشيء بحلول الوقت الذي يصل فيه إلى الرحم، بينما منيُّ الرجال ذَوي الأعضاء الأقصر يبرد بدرجة أقل. يمكن تفسير الرغبة في التقليل من شأن إسهام الأنثى في عملية التكاثر بنظرة المجتمعات الزراعية القديمة للعالم وتبعيَّة المرأة فيها. فالأشخاص الذين كانت حياتهم تعتمد على المحاصيل التي تُنتجها التربة قد تأمَّلوا ولا بدَّ حقولَ القمح وبساتينَ الزيتون، بينما كانوا يُفكرون في عملية التكاثر. ولمَّا لم يكن الدَّورُ الذي تلعبه كلٌّ من الأعضاء التناسلية للذكر والأنثى في تكوين بذور النبات مفهومًا حتى القرنِ الثامنَ عشر الميلادي؛ فليس من المستغرَب أن تستنتج الشعوبُ القديمة أن أحد الوالدين يوفر البذرة بينما لا يوفر الآخَر سوى ما يُعادل التربة الغنيَّة. لا شك أيضًا في أنَّ التحقير الأيديولوجي من شأن النساء كان يعكس الهيكل الأبَوي للمجتمعات التي كانت تخضع فيها النساءُ للذكور اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. (وحتى رفْع أرسطو من قيمة القضيب الصغير قد لاقى رَواجًا ثقافيًّا واسعًا، فنجد في مسرحيات أريستوفان أن «العضو الصغير» كان مصطلحًا للتعبير عن الحبِّ في الفن والدراما اليونانيَّين، بينما كانت الأعضاء التناسلية الكبيرة مَدْعاةً للسخرية.) عِلاوةً على ذلك، فحتى النتائج التجريبية الأوضحُ دلالةً لم تستطع إثباتَ أنَّ المرأة تُسهِم بصورةٍ متساوية في تشكيل الجيل القادم. ففي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد بالإسكندرية، ذكَر عالمُ التشريح اليوناني هيروفيلوس أنه عثر في بطون النساء على بِنًى مكافئة للخصيتَين الذكريتَين. وبالرغم من أننا نعرف الآن أنه اكتشف المبيضَين، كان من السهل حينها إيجادُ تفسيرٍ آخَر لمثل هذه الملاحظات. وفي هذه الحالة، استطاع الأرسطيون الراغبون في الحدِّ من دور الأم في تكوين الجنين أن يتَجاهلوا اكتشاف هيروفيلوس بالنظر إلى المبايض، باعتبارها خُصًى ضامرةً لا تتعدى في أهميتها أهميةَ الحلَمات في صدور الرجال. مال الكُتَّاب القدماء بالفعل إلى الاتفاق على آليةٍ مختلفة تمامًا تُفسر الكيفية التي يتشكَّل بها النسل، وهي تطبيع الجنين بالانطباعات الذهنية لكِلا الوالدين في أثناء الجماع، وعن طريق الأمِّ أيضًا خلال الحمل. في سِفْر التكوين بالكتاب المقدَّس، جعَل يعقوب نِعاجَه تلدُ حُمْلانًا مخطَّطة ومرقَّطة بجعلها تُحدق في شرائح اللِّحاء أثناء حملها. أورد أرسطو الفكرةَ نفسَها وتبع جالينوس خُطاه، حيث سرد قصةً قديمة لملكٍ قبرصي مشوَّه جعل زوجته تُحدق في التماثيل الجميلة أثناء الجماع كي يتمكَّن خيالُها من أن يمحوَ القُبح الذي تحمله بذرتُه. كان للاعتقاد نفسِه في قوة الخيال دورٌ مركزي في الرواية الرومانسية اليونانية الشهيرة «القصة الإثيوبية»، التي كُتبَت في القرن الثالث الميلادي أو الرابع، والتي تحكي عن ملكةٍ إثيوبية أنجبَت ابنةً بيضاء على الرغم من لونِ بشَرة زوجها الداكنة. وخوفًا من اتهامها بالفاحشة، تُرسل المولودةَ الجديدة لتُربَّى بعيدًا في مصر. تنكشف «الحقيقة» في الخاتمة الدرامية، وهي أن لون بشَرة الابنة يرجع في الواقع إلى أن والدتها حدَّقَت خلال حملها بها في صورةٍ لأندروميدا ذاتِ البشرة الفاتحة تُوجَد في حجرة نومها. وتلك إشارةٌ إلى التناغم الحميم بين الآباء والأبناء. كثيرًا ما استخدم اليونانُ والرومان مفاهيمَ الاختلافات المتوارَثة لتعليل التدرجات الهرمية الاجتماعية والعِرقية وتبريرها، تمامًا مثلما استخدَموها لإضفاء الشرعية على تبعية النساء. قدَّمَت نظرية «الخلط الجغرافي»، التي وضَعَها علماءُ اليونان والرومان، أساسًا فكريًّا رسميًّا لتعبير كراهية الأجانب. فوَفقًا للنموذج الخلطي، يرتبط كلُّ سائل من سوائل الجسم الرئيسية بزوجَين من الصفات الأساسية؛ فالصفراء ترتبط بالسخونةِ والجفاف، والمِرَّة السوداء بالبرودة والجفاف، والبلغمُ بالرطوبة والبرودة، والدمُ بالسخونة والرطوبة. وقد قيل إنَّ مستوياتٍ مُعيَّنةً من السخونة والرطوبة في الهواء تؤدِّي إلى إنتاج الجسم لقدرٍ أكبر من الخليط المناظر؛ ومثلما عَلِمنا، كان التوازن بين الأخلاط يُعَدُّ من العوامل التي تُشكل تطوُّرَ كلٍّ من السمات الجسدية والنفسية. ونظرًا إلى الاختلاف الكبير في المناخ من منطقةٍ إلى أخرى، فإن ذلك يستتبع ظهورَ صفات عقلية مميزة لدى سكان المناطق المختلفة. استخدم الإغريق هذا التبرير المنطقي للقول بأن حرارةَ آسيا القاسيةَ أدَّت إلى جعلِ الفُرس حكماء، لكنها جعَلَتهم أيضًا خانعين للغاية، بينما استعان به الرومانُ للقدح في شعوب بلاد الغال بوصفهم شُجعانًا نظرًا إلى برودة المناخ في الشمال لكنهم همَجيون. وأضاف كلوديوس بطليموس، مُنجِّم وعالمُ فلَك روماني من القرن الثاني الميلادي، إلى النظرية زعمًا آخر يتمثَّل في أنَّ قُوى الكواكب تتسبَّب هي أيضًا في اختلافات بين الأعراق؛ لأن النجوم والكواكب التي تسطعُ على المناطق المختلفة تؤثِّر في الأخلاط التي يُنتجها الجسم. من حيث المبدأ، يختلف الخلطُ الجغرافي عن العنصرية البيولوجية نظرًا إلى عدم تأكيده على أن الاختلافات العرقية ثابتةٌ بالوراثة. وبناءً على هذا، تحدَّث المؤرخ الرومانيُّ ليفي عن قنصل كان على وشك خوضِ معركةٍ في آسيا الصغرى ضد جيشٍ يحتوي على فرقةٍ من قوات الغال، فهدَّأ من رَوع فَيالِقه بأنْ أخبرهم أنَّ هؤلاء المحاربين الذين كانوا شرسين من قبلُ قد لانوا بسبب مناخ الشرق اللطيف. بالرغم من ذلك، كان العلماء القدماء يَعْزون للأجانب الصفاتِ التي كانت خارجةً عن قُدرتهم على السيطرة أو المقاومة. وفقًا لهذا، فما دام البرابرة في أوطانهم الأصلية، كان يمكن أن يُنظَر إليهم على أنَّ لديهم جوهرًا ثابتًا أدنى. ولم يتَّفِق الجميع أيضًا على إمكانية التخلُّص من آثار الحرارة والرطوبة بسهولة. كانت نظريةُ شمولية التخلُّق متَّسقةً مع الادعاء بأن الصفات الناتجة عن المناخ سوف تُصبح وراثيةً مع مرور الوقت ومُقاوِمةً للتغيُّرات اللاحقة. عبَّر ليفي نفسُه عن هذا الاحتمال في مقطعٍ سرَد فيه أن مجموعةً من المستعمِرين اليونانيين قد طُمْئِنوا بألَّا داعيَ للخوف من الانحطاط بسبب العيش في مكانٍ يسكنه البرابرة؛ لأن «الانتقال إلى أرض أخرى لا يغير من أصل الفرد أو عاداته». إنَّ التضارب بين قصتي ليفي يوضح الفجوة بين المفاهيم القديمة للوراثة وتلك التي قدَّمَها العلمُ الحديث. فقد افترض القدماء أنَّ البذور والأجنَّة تكون في حالةٍ من التفاعل الديناميكي مع العالم الخارجي، ومن ثمَّ تتشكَّل الكائنات الجديدة من خلال مزيجٍ من التأثيرات الخالدة والعابرة. وظلَّ هذا الاعتقاد قائمًا أكثرَ من ألفيَّةٍ ونصف بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب.
|
{
"chapter": "النفس والبذور والشوفينية ٢٥٠٠ قبل\n الميلاد–٤٠٠ ميلاديًّا\n ",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الوراثة: مقدمة قصيرة جدًّا",
"url": "https://www.hindawi.org/books/70827948/1/"
}
|
قالت لي السيدة الطيبة قنصل الولايات المتحدة بالسفارة الأمريكية: إني آسفة جدًّا، ولكننا لن نستطيع أن نُعطيك فيزا الدخول إلى بلادنا إلا بعد استئذان واشنطن. وسألتها بحيرةٍ: هل تستأذنون واشنطن في كل فيزا تعطونها؟ فقالت: لا .. ولكنك لسوء الحظ في القائمة السوداء، ولا بد أن نستأذن واشنطن لاستثنائك هذه المرة فقط من القائمة؛ بل إني آسفةٌ أيضًا إذا أقول لك إنك في كل مرة ستطلب فيها فيزا للولايات المتحدة سيكون علينا أن نستأذن واشنطن. قلت: سيدتي .. ولكنني كنت في أمريكا منذ أربعة أشهر، وأعطيتموني فيزا في الحال ودون استئذان واشنطن. فماذا حدث؟ نظرت لي من فوق حافة منظارها الطبي وقالت: لقد مُنحت الفيزا خطأ في المرة السابقة. أخطأ الموظف المسئول؛ فقد كان المفروض أن لا يمنحك الفيزا إلا بعد استئذان واشنطن. قلت: ولكنني غير ذاهبٍ من تلقاء نفسي .. أنا مدعو لمؤتمر عن الأدب العربي تُقيمه جامعة برنستون ونادي القلم الدولي في نيويورك والدعوة مرفقة بطلب الفيزا! قالت: هذا صحيحٌ، ولكن الإجراءات هي الإجراءات، وأنت تعرف طبعًا ما هي الإجراءات. عنَّ لي أن أُحاورها فقلت: هل ممكن أن أعرف لماذا أنا في قائمتكم السوداء؟ نظرت لي نظرةً شبه ماكرة شبه مُتخابثة هذه المرة وفتحت ملفًّا ضخمًا أمامها وقالت … قالت كلامًا كثيرًا جدًّا: في سنة كذا حضرت مؤتمر كذا، وكتبت كذا وقلت كذا وكذا .. سجل دقيق حافلٌ وكأنْ لم يكن هناك عمل للقسم القنصلي الأمريكي إلا رصد تحركاتي وسكناتي وكتاباتي الشخصية. ثم راحت تنصحني أن أحاول رفع اسمي من القائمة السوداء. – وكيف يُرفع يا سيدتي العزيزة؟ – بأن تُثبت حسن نواياك وموقفك لمدة خمس سنوات متصلة، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، ولكن تجاه أي حكومةٍ أو نظام حكم في العالم!! وكدت أضحك وأنا أسمع السيدة الطيبة وهي تذكر لي شروط «الولد الطيب» في عُرْف الإجراءات القنصلية الأمريكية. كدت أضحك لأن هذه هي مأساة الولايات المتحدة، شديدة الديمقراطية بالنسبة لرعاياها، شديدة التوجس والدكتاتورية بالنسبة للآخرين. إجراءات تعتبر أن كل ثوريٍّ في العالم هو بالضرورة عدوٌّ للأمن الأمريكي، كل متحرر، كل مناهض، كل من يجرؤ أن يكتب أو يقول أو يفعل هو بالضرورة عدوٌّ للولايات المتحدة. وهل من المستغرب بعد هذا أن يعتبر كل هؤلاء الولايات المتحدة ضدهم. إن المرحوم دالاس قد مات؛ ولكن الدالاسية لا تزال موجودةً، أو على الأقل هكذا بدت لي وأنا أحاور السيدة القنصلية وأختم حديثي معها بقولي: إذا كانت هذه هي إجراءات الدخول للجنة نفسها فأنا أُفضل الجحيم الذي أحتفظ فيه بحقِّي أن أقول ما أريد قوله، وأحضر ما أريد حضوره، وأُهاجم أو أشيد بما أريد مهاجمته أو الإشادة به. وصرفت نظرًا عن الندوة وعن السفر. ولكن السفارة دقَّت لي تليفونًا في اليوم التالي بأن الفيزا جاهزةٌ. ••• وهكذا سافرت مرة أخرى إلى نيويورك، وحسن أني قُرصت هذه المرَّة قبل أن أذهب، فقد كان انطباعي عن زيارتي الأولى — تلك التي زُرت فيها المعاهد والمستشفيات والجامعات — انطباعًا مبالغًا في تفاؤله؛ ذلك أنِّي وجدت أمامي أمريكا أخرى غير التي رأيتها عام ١٩٦٦م حين زرتها بدعوة من جامعة شيكاغو لأول مرة. في ذلك الوقت، أقولها بصراحة: لم أر أمريكا الواقع، ولكني رأيت ما كنت أتخيله أنا عن أمريكا. كانت أزمتنا كوطن في ذلك الوقت بلغت القمة مع الولايات المتحدة. لقد بدأت الثورة المصرية بعين من الرضا من أمریكا .. الرضا عن خروج الإنجليز من مصر وخروج الفرنسيين من الشمال العربي الأفريقي، خروج الاستعمار القديم. وكان طبيعيًّا أن تبدأ الأمور تتأزم حين بدأت معظم دول العالم الثالث التي استقلَّت — وعلى رأسها مصر — ترفض أن تحل الولايات المتحدة محل الاستعمار القديم لملء ما يُسمَّى في ذلك الوقت بالفراغ ومشروع أيزنهاور لملء الفراغ، وكان الصدام محتمًا، ولكنه في الحقيقة كان صدامًا فوقيًّا، بين مصر الثورة الدولة والدولة الأمريكية. ولكنه انعكس على الشعبين وبمثلما كان الأمريكان يرون في كل مصريٍّ عبدَ الناصر آخر عدوًّا لهم، فقد كنا نحن أيضًا نرى في كل أمريكي مندوبًا للمخابرات المركزية الأمريكية حتى يُثبت العكس، وأحيانًا دون أن يُثبت العكس. وهكذا، وفي حالة توجُّس تام ذهبت لأمريكا عام ١٩٦٦م، رأيت قارة غنية تمامًا، جديدة تمامًا، كل شيء فيها مُیسَّر وبسيط، ولكنني كنت أحسُّ في كل فرد أراه الدولة التي تُعادينا، والنظام الاقتصادي الرهيب الذي يدعم الدولة ويهدد بالسيطرة على العالم كله. ولم أكن مُجحفًا في وجهة نظري تلك. فالتاريخ الحديث لأمريكا ينقسم قسمين في رأیي: قسم يبدأ من الحرب العالمية الثانية وينتهي بحرب فيتنام، وقسمٌ آخر جدید تمامًا يبدأ منذ انتهت حرب فيتنام بهزيمة ساحقة لطريقة القوة القاهرة التي حاول بها النظام الأمريكي أن يفرض طريقته على دول العالم الثالث، ومن ثَم يفرضها على المعسكر الاشتراكي نفسه، وبهذا تتم له السيطرة العالمية الكاملة. كانت فيتنام درسًا كبيرًا حول مجرى السياسة الأمريكية تمامًا، ثم كانت حرب ٧٣ المجيدة درسًا، آخر فبمثل ما أوجدت حرب فيتنام جنوب شرق آسيا وحقَّه الكامل في استقلاله وحريته، أوجدت حرب ٧٣ العرب وحقَّهم الكامل في الاستقلال والسيادة. أنا لا أتحدث هنا عن الالتفاف حول نتائج الحرب ومحاولة تمييعها، فالحرب في حدِّ ذاتها كانت عملًا من أمجد أعمال تاريخنا الحديث كله، بها وُجِدنا، وكان مفروضًا أن بها — وبغيرها لو احتاج الأمر — أن نستمر، ولكن تصوروا هذه الحرب المجيدة بيننا وبين أعدائنا الحقيقيين تنتهي إلى حرب قذرة قذرة في لبنان داخل صفوفنا نحن، وكأنها الطعنات يوجِّهها الإنسان ضد عدوه ودفاعًا عن نفسه .. تنتهي بأن يوجهها الإنسان لنفسه هو، ولصدره، ولينتحر. ••• في المرة السابقة وهذه المرة أُتيح لي أن أُشاهد أمريكا أخرى، أمريكا الشعب والشارع، أمريكا الثقافة والصحافة والفكر. ويا له من تغير! مشيت في شوارع نيويورك أنا وصديقي الشاعر العراق اليساري الكبير عبد الوهاب البياتي نتحدث في هذا. سنين طويلة قضيناها نتحدث عن أمريكا وكأنها كتلة صمَّاء لا تستطيع أن تُفرق فيها بين الشعب والدولة، ولا بين النظام ورجل الشارع، كله أمريكاني وكله استعماري وكله عدو .. وفي الوقت الذي يوجد فيه بالولايات المتحدة أكثر من أربعين أو خمسين مركزًا لدراسة منطقتنا العربية والشرق الأوسط عامة، لا يوجد لدينا ولا لدى أي بلدٍ عربيٍّ مركز واحد لدراسة أي من الدول العظمى، ونحن نجهل ما يعتمل في صدر الشعب الأمريكي بمثل ما نجهل ما يعتمل في صدر الشعب السوفييتي، في حين أننا منذ سنوات طويلة — وإلى سنوات طويلة قادمة — سنظل في كل خطوةٍ نخطوها نواجه أيهما أو كليهما معًا. نواجه ونحن نجهل، نواجه ونحن على الأقل لا ندرك أن تغيرات خطيرة تجري في كل من المعسكرين، وأننا لا بد أن نلحق بها. فيتنام جاءت فكشفت للمواطن الأمريكي أن أمريكا ليست دائمًا على حقٍّ، أقصد أمريكا النظام والسياسية والمؤسسات الكبرى .. إنها ممكن أن تُخطئ، وتُخطئ ببشاعة، وتتورط، وتورط معها الشعب بأكمله. وجاءت فضيحة ووترجيت؛ لتُثبت للشعب أن ليس المؤسسات والنظام والدولة هي وحدها التي تُخطئ؛ ولكن القادة والرؤساء هم الآخرون يخطئون ويقومون بأعمال غير أخلاقيةٍ أحيانًا. لقد تركت أمريكا ورجل الشارع هناك يكاد يُشير إلى كل مسئولٍ وكل سناتور وكل مرشحٍ أو رئيس بأصابع اتهام بلغ بها الشك حد الرجفة. أذكر هذا السناتور الأمريكي الذي رأيته بعيني في التليفزيون يعترف أنه كان على علاقة جنسيةٍ بسكرتيرته، وأنه آسف إذ يقول هذا، وأنه يرجو أن تغفر له زوجته وأن يغفر له أبناؤه. وجدتُني يعصرني التساؤل: أهذا موقف يدفع إليه الناس باسم الأخلاق والطهارة؟ إن انتحاره الحقيقي وضرب نفسه بالرصاص كان أسهل. باسم الأخلاق العامة يقف الشيوخ والمسئولون عُراة هكذا وقد أُجبر كل منهم على إبداء عورته. ولكنها حُمَّى التطهر التي تجتاح المجتمع الأمريكي، كالصبي الذي اكتشف فجأة والديه يعبثان ففقد الثقة في كل والد وكل والدة، وكل كبير وكل مسئولٍ. حين يؤنب الأب الأمريكي ابنه على طول شعره، ويقول له الابن: ولكن كل المتهمين في فضيحة ووترجیت كان شعرهم قصيرًا! ••• إن من الممتع حقًّا أن يحيا الإنسان لبعض الوقت في مجتمع كالمجتمع الأمريكي؛ لا تخفي صحافته أو تليفزيونه شيئًا مطلقًا. حتى مساعدات المخابرات الأمريكية لبعض الحكومات والبعض الأشخاص يقولونها علنًا وبالأسماء. ولكن الشرح حدث. منذ سنة ١٩٦٦م وأنا أرى المقدمات، ولكن طمستها هزيمة ٦٧. أثناء حرب ٧٣ دقَّ — وللأبد — إسفين في هذا التزاوج غير المنطقي بين البروتستانتينية واليهودية؛ إذ كان تزاوجًا لمصلحة اليهود على طول الخط. إسرائيل كانت تكسب وأمريكا تخسر، وليس صدفة أن العرب هم الآخرون كانوا يخسرون. ربما حرب ٧٣ جمعت الخاسرين معًا، وبدأت «زمزقة» ما تحدث في هذا الزواج اليهودي الأمريكي. وكنت وأنا أدبُّ في شوارع نيويورك مع عبد الوهاب البياتي نلمح آثارًا واضحة للزمزقة المخيفة. نيويورك وإمبراطوريتها المهولة أشرفت … بل هي تفلس فعلًا. نيويورك معقل الرأسمالي اليهودي ذلك الذي حكمها ومنها حكم أمريكا ردحًا طويلًا، ومن هوليوُد إلى مانهاتن كان يمتد نفوذه، ها هو الآن ينحسر. وها هو الرئيس الأمريكي جيرالد فورد لا يريد أن يُعطي لنيويورك البلدية والمؤسسات المائة، ودیونها تصل إلى المليارات، وأسفلت الشوارع حافلٌ بأبشع المطبَّات، وعمال النظافة مضربون، وكل بضعة أمتار إضراب، ولم أر في حياتي هذا العدد من لافتات «للإيجار»، «المبنى كله للبيع أو للإيجار». نیویورك كلها وكأنها تقدم نفسها للبيع أو الإيجار، فهل من شارٍ أو مستأجرٍ؟ .. ينظر الرئيس الأمريكي من واشنطن متدفئًا برأسمال أمريكي قُح؛ اغتنى كثيرًا بالبترول، وبأزمة البترول، وحتى بالمقاطعة البترولية حتى يستأسد وينظر شذرًا إلى نيويورك ویتركها تلعق أسفلتها الأسود وتجأر بشكاواها. وفي نفس الوقت — وكان الاقتصاد هو محرك التاريخ فعلًا — بدأ الشعب الأمريكي ينظر إلى إسرائيل نظرة أكثر موضوعية، وإذا به يكتشف أن هناك فلسطين وفلسطينيين، وأنه مستعدٌّ أن يحل مشكلة شعب متشرد، ولكن ليس على أساس تشريد شعب آخر .. ومع هذا فقد فوجئتُ وأنا أرى الحيز الذي أصبحت فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية تحتله من وسائل الإعلام هنا! شاهدت برنامجًا استغرق نصف ساعة بأكملها — وهذا في عرف التليفزيون الأمريكي شيء كثير جدًّا — عن المستشفى أو أحد المستشفيات التي أقامته فتح لخدمة جرحى حرب لبنان من مسلمين ومسيحيين ويهود، وكان الذي يتحدث طول الوقت هو مدير المستشفى شقيق ياسر عرفات. ولا تخلو نشرة أخبار من خبر، ومعظم الأخبار محايد أو مُنصف، إن شيئًا ما يتغير في تفكير الناس هنا، ويتغير إلى الأحسن. شيء ما؛ مثل التغير الذي بدأ يحدث للمجتمع ككل، حتى بدأ بعض الناس يعترفون أنهم فقراء فعلًا وأن هناك أغنياء، في حين أنها مسألةٌ لم تكن واردة أبدًا عام ١٩٦٦م، حدث أن زرت جامعة إنديانا وجلسنا نتناول العشاء في منزل الدكتور ليجاسك أستاذ الأدب العربي في الجامعة وقصَّ علينا قصة المنزل الفاخر الذي يسكنه، وقال: إن المدينة قد أنشأته أصلًا هو ومئات غيره ليسكن فيه الفقراء أو أصحاب الدخل المحدود، ولكن حين تمَّ البناء رفض الفقراء أن يسكنوا في تلك البيوت باعتبار أن من العار أن يعترف الإنسان أنه فقيرٌ، فالفقر في أمريكا لم يكن — كما تواضع الناس هنا — مسألة نظام اقتصادي؛ ولكن معناه أن الفقير إنسان دنِس أولًا، وإلا لما كتب الله عليه الفقر. اختفى هذا الآن تمامًا، وهدر الاعتراف بالفقر، وتدفقت المطالب الاقتصادية والاجتماعية، وبدأ المجتمع الأمريكي يُدمدم بتحولات اشتراكية جعلت الخوف يدبُّ إلى قلب طبيب مصري صديق وغني هنا، يقول لي: أنا خائفٌ أن تصبح أمريكا شيوعية في القريب العاجل. ترى لو أصبحت كذلك فأين يذهب إنسان مثلي؟ إني لا أهزل .. أنا أفكِّر جادًّا .. أتعرِف أني لا أضع علامة طبيب على سيارتي، فلو وضعتها لوجدتها مسروقة حتمًا؛ فمن المعروف أن الأطباء هنا أغنياء ويكسبون كثيرًا، والناس أصبحوا ينظرون شذرًا إلى الأغنياء هنا. والشارع الأمريكي ينظر أيضًا شذرًا إلى المؤسسات الهائلة الضخامة، فهي ليست مؤسسات أو شركات .. إنها دول، ودول كبرى، ميزانية أقلها شأنًا تُعادل أضعاف أضعاف ميزانية دولة بأكملها من دول منطقتنا .. أرباح بعضها يقدر بمئات المليارات من الدولارات، أي أرقام وعلى يمينها ثمانية أو ربما تسعة أصفار. وهل يمكن الإحاطة بقارة في موضوع؟
|
{
"chapter": "أمريكا ٧٦",
"dataset_name": "hindawi",
"title": "الإرادة",
"url": "https://www.hindawi.org/books/80626160/9/"
}
|
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.