text
stringlengths
0
24.4k
في ذلك الإثناء كان الجنرال فرانكو مساعدًا لوزير الحرب دييغو هيدالغو فاستدعاه الوزير لقيادة غرفة عمليات لقمع التمرد من مدريد. فأصدر الجنرال فرانكو الأوامر من مكتبه في وزارة الحرب بجلب 18,000 جندي من القوات الاستعمارية والفيلق والنظامية بقيادة العقيد ياغوي حيث دمجهم مع قوات إسبانية من ليون وغاليسيا وسانتاندر تحت القيادة العليا للجنرال لوبيز أوتشوا. تميزت القوات الأفريقية بقيادة ياغوي بقسوتها الشديدة. "كان القمع لا يرحم وانخرطت تلك القوات بموافقة قادتها في النهب بوحشية أذهلت عمال المناجم الثائرين".
تسبب التمرد والقمع الذي تلاه بأكثر من 1500 قتيل، وأثار في أستورياس حقبة جديدة من الاضطهاد العنيف المعادي لرجال الدين وبدأت الفظائع ضدهم واندلع العداء بين اليسار واليمين. ظهر فرانكو ولوبيز أوتشوا (الذي كان يُنظر إليه قبل الحملة في أستورياس بأنه ضابط يساري) بأنهم ضباط مستعدين لاستخدام "القوات ضد المدنيين الإسبان كما لو كانوا أعداءً أجانب". ووصف فرانكو التمرد لصحفي في أوفييدو بأنه "حرب حدودية وجبهاتها هي الاشتراكية والشيوعية وإنه هجوم على الحضارة لاستبدالها بالبربرية". وصورت الصحافة اليمينية المتمردين الأستوريين على أنهم من أتباع مؤامرة يهودية بلشفية أجنبية.
في 15 فبراير 1935 منحت الحكومة فرانكو صليب الاستحقاق العسكري الكبير وعينته القائد العام للقوات المغربية. بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه منصبه في إفريقيا، بعد أزمة سياسية أخرى أدت إلى إعادة تشكيل جديدة للحكومة، وعندما أصبح جيل روبلز وزير حرب، أعاد فرانكو إلى شبه الجزيرة وعينه رئيسًا للأركان العامة المركزية للجيش، وهو منصب له مكانة قصوى احتفظ بها حتى انتصار الجبهة الشعبية في فبراير 1936. وبمناسبة تعيينه علق الرئيس ألكالا زامورا الذي يشك بشخصية فرانكو قائلا:"يتطلع الجنرالات الشباب إلى أن يكونوا قادة فاشيين".
انتخابات 1936.
عندما فازت الجبهة الشعبية بانتخابات 16 فبراير 1936، طلبت مجموعة من الملكيين من روبلز قيادة انقلاب إلا أنه رفض، ولكنه ضغط للتأثير على الجنرالات الذين وضعهم في ديسمبر بمناصب رئيسة في قيادة الجيش (الجنرال فانجول وجوديد وفرانكو) حول فكرة الانقلاب. أما الأول فقد حاول دون جدوى جعل رئيس الوزراء بالوكالة مانويل بورتيلا فالاداريس يعلن "حالة حرب" ويلغي الانتخابات. ثم تبعه الجنرال فرانكو الذي لايزال رئيس هيئة الأركان العامة للجيش فاتصل على فالاداريس مقترحا إعلان الأحكام العرفية وخروج الجيش. لم تكن تلك محاولة انقلاب، ولكنها كانت أكثر من "عمل شرطة" مشابهة لأستورياس، حيث اعتقد فرانكو أن بيئة مابعد الانتخابات قد تصبح عنيفة محاولا إخماد التهديد اليساري المتوقع.، ولكن تنصل كلا من رئيس الحكومة [فالاداريس] ووزير الحرب الجنرال نيكولاس موليرو، فاستقالت حكومة فالاداريس قبل تشكيل الحكومة الجديدة. ولعب الجنرال سيباستيان بوزاس مدير الحرس المدني دورًا بارزًا في افشال الانقلاب. فهو أفريقي قديم ولكنه مخلص للجمهورية، وعندما تلقى مكالمة من الجنرال فرانكو للانضمام إلى عمل عسكري واحتلال الشوارع رفض، وكذلك الجنرال ميغيل نونيز رئيس الشرطة الذي لم يدعم الانقلاب. وفي النهاية لم ير الجنرال فرانكو الوضع ناضجًا فتراجع، خاصة بعد فشل الجنراليين جوديد وفانجول في تمرد حامية مدريد.
أثار خوسيه كالفو سوتيلو الذي كسب معاداة الشيوعية كونها محور خطاباته البرلمانية، داعياً إلى انقلاب عسكري؛ في صياغة خطاب كارثي من خيار ثنائي التقسيم بين "الشيوعية" أو الدولة "الوطنية" الشمولية بشكل ملحوظ ، مما حدد مزاج الجماهير للتوجه نحو التمرد العسكري. أصبح انتشار أسطورة الانقلاب الشيوعي المزعوم وكذلك حالة "الفوضى الاجتماعية" المزعومة ذرائع للانقلاب. أثار فرانكو نفسه مع الجنرال إميليو مولا حملة مناهضة للشيوعية في المغرب.
بعد الانتخابات وبعد تلك الحوادث تم تعيين أثانيا رئيسًا للوزراء. واتفق المؤرخون المعاصرون على أنه لم يلاحظ حجم المؤامرة، أو أنه استخف بها. وكان يعلم بوجود مؤامرة، ولكن لا يعرف التفاصيل أو المشاركين فيها بالضبط، إلا إن لديه أدلة على المناخ التآمري الذي كان موجودًا عند اليمين وفي بعض قطاعات الجيش؛ ومن بين الإجراءات القليلة التي اتخذها، هو ابعاد الجنرالات الذين اعتبرهم أكثر قابلية للانقلاب. فنقل الجنرال مولا من قيادة الجيش الأفريقي وأرسل إلى بامبلونا، وتم تعيين الجنرال غوديد في جزر البليار وفقد فرانكو قيادة هيئة الأركان العامة -وحل محله الجنرال خوسيه سانشيز-أوكانيا- وعُين قائدًا للجيش في جزر الكناري. واعتبرها فرانكو نفيًا، على الرغم من أنه استغلها لدراسة اللغة الإنجليزية ولعب الجولف.
كما كان لا بد من إعادة الانتخابات في دائرتين قونكة وغرناطة، فعرض حزب سيدا على فرانكو الترشح في قائمة قونكة التي تضمن انتخابه. وقد كان يميل إلى الترشح لمنصب نائب في انتخابات 1933. فقبل العرض سواء كان منجذبًا إلى النشاط السياسي أو أراد الحصول على حصانة برلمانية. لكن ظهوره في قائمة خوسيه أنطونيو بريمو دي ريفيرا الذي رفض وجود فرانكو في قائمته واعترض عليه. سافر سيرانو سونير إلى جزر الكناري لإقناعه بالتراجع؛ كانت النتيجة أن فرانكو انسحب من الترشيح يوم 26 أبريل، أي قبل يوم واحد اغلاق باب الترشيح. لم يكن فرانكو وخوسيه أنطونيو على علاقة طيبة، خاصة وأن فرانكو أجهض محاولة انقلاب ابتكرها الزعيم الفلانخي شملت طلاب أكاديمية طليطلة للمشاة في ديسمبر 1935. وقد أثار رفض بريمو دي ريفيرا إدراج فرانكو في قائمة قونكة استياءًا تجاه السياسي اليميني الشاب. واعتبر النائب من حزب الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني اليساري إنداليسيو برييتو أن فرانكو قد يكون "الكاوديو لانتفاضة عسكرية محتملة".
المؤامرة.
منذ بداياتها كانت الجمهورية مهددة بمؤامرات انقلابية. كان مطلوبًا من فرانكو المشاركة في هذه المؤامرات، ولكنه كان دائمًا غير حاسم وغامض. في صيف 1933، كان الجنرال سانخورخو يقول من سجنه:"فرانكيتو صبي صغير يمارس عمله". وفي 1936 لم يتغير رأيه: "لن يقوم فرانكو بأي شيء لأنه وقواق". ووصفه رفاقه من الجنرالات المتورطون في المؤامرة في يونيو 1936 بأنه "ملكة جمال جزر الكناري 1936 للدلالة على تذبذبه وتردده.
بعد انتصار الجبهة الشعبية في الانتخابات. وفي 8 مارس اجتمع عدد من الجنرالات (إميليو مولا ولويس أورجاز يولدي وفياغاز وخواكين فانجول وفرانسيسكو فرانكو إلى جانب العقيد خوسيه إنريكي فاريلا والملازم فالنتين فالنتين غالارزا من UME)، واتفقوا على خلق انتفاضة عسكرية تسقط حكومة الجبهة الشعبية المشكلة حديثًا واستعادة النظام في الداخل وهيبة إسبانيا الدولية. كما تم الاتفاق على أن يتم تشكيل الحكومة من مجلس عسكري يرأسه الجنرال سانخورخو الموجود منفاه في البرتغال. "اقترح فرانكو بمكر أن التمرد يجب ألا يكون له تسمية معينة. لم يقدم أي تعهدات حازمة". بطريقة أو بأخرى فإن فرانكو ساهم في المؤامرة ضد الجبهة الشعبية منذ البداية، ومع ذلك كان متحفظًا جدًا حول أي اقتراح محدد لثورة مسلحة.
مع وجود فرانكو في جزر الكناري استمرت المؤامرة في مسارها. كان مولا الذي عينه سانخورخو مسؤولاً عن تنسيق الاستعدادات. وفي أبريل أعطى تعليماته الأولى التي تضمن فيها الأساليب التي يجب اتباعها في وقت الانقلاب: «سيؤخذ في الاعتبار أن العمل يجب أن يكون عنيفًا للغاية لتحييد العدو في أسرع وقت ممكن، فهو قوي ومنظم. وبالتالي سيتم سجن جميع المسؤولين التنفيذيين في الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات التي لا تتأثر بحركتنا، ويتم تطبيق عقوبات مثالية على هؤلاء الأشخاص لخنق أي تمرد أو إضراب.» في 30 مايو وصل مبعوث من المتآمرين إلى جزر الكناري لضمان مشاركته والتخلي عن "حذره المتشدد". أخبر الكولونيل ياغوي سيرانو سونير أنه "يائس من حذر فرانكو الصغير ورفضه تحمل المخاطر." وكان مولا أيضا منزعجًا، حيث اعتبر أن مشاركة فرانكو ضرورية لنجاح الانقلاب بسبب مكانته عند اليمين الإسباني وفي الجيش.
تدهور الوضع الاجتماعي في تلك الفترة. ارتفعت البطالة وصعوبة المضي قدما بالإصلاحات فأحبطت التوقعات التي أثارها انتصار الجبهة الشعبية. وازداد العنف في الشوارع. كانت الكراهية والخوف من الآخر موجودة بين اليسار واليمين. أدى تقاعس الحكومة في مواجهة العنف وادعاء الكارثة من الصحافة وقادة اليمين إلى إثارة ذعر الطبقات الوسطى والعليا من التهديد الشيوعي. فانسحبت الأوليغارشية المالية وملاك الأراضي إلى بياريتز وباريس. ومن المفترض أن شائعات المؤامرة قد وصلت الحكومة لكنها كما هو الحال مع العنف المستشري، لم تتصرف بحزم كافٍ. فأراد وزير الحرب ورئيس الحكومة آنذاك سانتياغو كاساريس كيروغا قطع رأس المؤامرة المغربية، فقام بإزاحة العقيد ياغي لكنه تردد قبل إزاحته ثم أبقاه في منصبه. أيضا كانت محاولة اكتشاف المؤامرة أمر محبط. تم اختيار الجنرال مولا كمتآمر محتمل. فأرسلت الحكومة في 3 يونيو عشرات الشاحنات المحملة بالشرطة إلى بامبلونا لإجراء بحث شامل، بعذر التحقيق في تهريب الأسلحة عبر الحدود الفرنسية، لكن العقيد غالارزا حذر مولا من الوقت الكافي لإخفاء أي أثر المؤامرة.
ومع ذلك استمر فرانكو مترددا حتى أنه وجه في 23 يونيو رسالة مشفرة إلى رئيس الوزراء كاساريس كيروغا يحذره من السخط داخل الجيش وعرض تصحيح هذا الوضع. وقال بوضوح إلى أنه إذا وافق كاساريس على إسناد رئاسة الأركان إليه؛ فيمكنه إحباط المؤامرة. كان فرانكو يفضل ما اعتبره استعادة النظام بموافقة الحكومة الشرعية، بدلاً من المخاطرة بكل شيء في انقلاب غير مضمون النتائج. السؤال ماهي نوايا فرانكو؟. رأى البعض في هذه الرسالة عرضًا أخيرًا للولاء للحكومة الشرعية. وقد فسرها آخرون على أنها مناورة تهدف إلى تغطية ظهره في حالة الفشل. حثت الرسالة الحكومة على أن تطلب من الجنرالات أن يتخلوا عن آرائهم السياسية، وإبداء النصح لهم بشأن مخاوف وهموم مرؤوسيهم لمشاكل الوطن الخطيرة. ولم يرد كاساريس كيروغا على الرسالة ولم يفعل شيئًا، ففشل في الإمساك بفرانكو ولا حتى شرائه، فقد كان من المستحيل ارجاعه للقيادة العامة، ومن الأفضل أن يتولى فرانكو السيطرة على المغرب في النظام الجديد حتى يهمش هناك.
في نهاية يونيو انتهت الاستعدادات العملية لإعلان التمرد، كل ما تبقى هو اكمال الاتفاق مع الكارليين وضمان مشاركة فرانكو. تم تكليف ياغوي وفرانسيسكو هيريرا لإقناعه بالانضمام، وفي نهاية يونيو كان على فرانكو أن يتوصل إلى حل وسط، لأنه في 1 يوليو سيذهب هيريرا إلى مولا لإعطاء الضوء الأخضر لخطة تم بموجبها استئجار طائرة لنقل فرانكو من جزر الكناري إلى المغرب. حيث منح فرانكو في ذلك الوقت منصبًا في المرتبة الثانية بين المتآمرين: بعد الانتفاضة سيكون سانخورخو رئيسًا للدولة، وسيكون لمولا موقعًا سياسيًا كبيرا، وكذلك المدنيين كالفو سوتيلو وبريمو دي ريفيرا، فانخول سيكون قائدًا مدريد وغوديد قائد برشلونة؛ تم حجز منصب المفوض السامي للمغرب لفرانكو.
في 3 يوليو أعطى مولا الضوء الأخضر للخطة. وفي اليوم التالي قام الممول خوان مارش المقيم في بياريتز بتسليم شيك على بياض إلى ماركيز دي لوكا دي تينا مالك صحيفة ABC لتمويل العملية. استأجرت الطائرة دراجون رابيد من لندن قادها إنكليزي ويليام هنري بيب الذي غادر إنجلترا في 11 يوليو ووصل إلى غران كناريا في 15. ولكن في يوم 12 يوليو أرسل فرانكو رسالة مشفرة إلى مولا ذكر فيه انسحابه، مدعيا "بجغرافيا صغيرة"، مما يعني أنه لن ينضم إلى الخطة واعتبر أنه لم يكن لديه ما يكفي من الدعم. عندما قرأ مولا الرسالة "غضب وألقى الورقة على الأرض" قائلا: سيحكم الجنرال سانخورخو "مع فرانكيتو أو بدون فرانكيتو" وستمضي الانتفاضة إلى الأمام. في 13 يوليو اغتيل في مدريد كالفو سوتيلو على أيدي مجموعة رأسها حارس مدني ومعه حراس اقتحام وأعضاء من الاشتراكيين. رداً على مقتل قائدهم الملازم كاستيلو. أثار خبر تلك الجريمة غضبًا عامًا، وكانت قطاعات اليمين نشطة بشكل خاص ودعت إلى انتفاضة عسكرية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لاستعادة النظام. انضم العديد من المترددين إلى المؤامرة، وانتشرت شائعات عن انقلاب وشيك، وبعد الظهر زار إنداليسيو برييتو كاساريس نيابة عن الاشتراكيين والشيوعيين ليطلب منه توزيع الأسلحة بين العمال في مواجهة خطر الانقلاب. ولكن رفض كاساريس ذلك. في غضون ساعات من علمه بالجريمة وردود الفعل، غير فرانكو رأيه بشأن التمرد وأرسل رسالة إلى مولا مبديا التزامه الثابت.
الانقلاب العسكري.
تلقى الجنرال فرانكو القائد العام لجزر الكناري يوم الأربعاء 15 يوليو في سانتا كروز دي تينيريف الأنباء التي تفيد بأن طائرة دراغون رابيد التي ستنقله إلى المحمية الإسبانية في المغرب لرئاسة جيش إسبانيا الأفريقي، موجودة بالفعل في مطار غاندو في جزيرة غران كناريا. انتقل هناك عن طريق البحر من جزيرة تينيريف دون إثارة الشكوك لأنه اضطر إلى حضور جنازة الجنرال أمادو بالميس القائد العسكري في لاس بالماس، الذي توفي للتو نتيجة لإصابة طلق ناري في المعدة عند محاولته اصلاح المسدس - يؤكد المؤرخ أنجيل فيناس أن وفاة بالميس لم تكن حادثًا بل جريمة قتل مع سبق الإصرار أمر بها الجنرال فرانكو، حيث أن مقتله سمح له بمغادرة تينيريف، وهو شيء حاوله بالفعل ولكنه فشل في تحقيقه من خلال عدم الحصول على إذن من وزير الحرب -.
في يوم جنازة الجنرال بالميس، وهو يوم الجمعة 17 يوليو، علم الجنرال فرانكو ببدء الانتفاضة في المحمية في نفس اليوم، فتحدث مع بعض القادة العسكريين ومع القنصل الإيطالي. ثم غادر الجنرال فرانكو الفندق يوم السبت 18 يوليو وتوجه إلى القيادة العسكرية في لاس بالماس حيث أعلن حالة التمرد في جميع أنحاء الأرخبيل. واستولى الجيش المتمردين على جميع المباني الرسمية، وقبض على الحكام المدنيين للمحافظتين. وفي سانتا كروز دي تينيريف، يوجد الجنرال أورغاز حيث نفته الحكومة هناك، في نفس اليوم 18 يوليو أصدر فرانكو بيانا في تينيريف، برر فيه الانتفاضة العسكرية وانتهى بالقول تحيا إسبانيا و"الكرامة للشعب الإسباني". وأصبح أرخبيل الكناري عند الظهر تحت سيطرة المتمردين. وفي العاشرة من صباح يوم السبت 18 يوليو، وصلت برقية من العقيد إدواردو ساينز دي بورواغا من تطوان إلى سانتا كروز دي تينيريف، حيث ذكر أن محمية المغرب بأكملها هي تحت سيطرة المتمردين وأن الطائرة التي ستنقل الجنرال فرانكو إلى هناك سوف تهبط دون مشاكل في تطوان نفسها أو في العرائش. فأركب فرانكو في الصباح زوجته وابنته السفينة الألمانية "والدي" التي نقلتهم إلى لشبونة، وفي الساعة الثانية بعد ظهر ذلك اليوم أقلعت طائرة دراجون رابيد نحو الدار البيضاء حيث وصلت حوالي الساعة التاسعة ليلاً، بعد التزود بالوقود في أغادير. بعد قضاء الليلة في الدار البيضاء، دخل الجنرال فرانكو تطوان عاصمة المحمية في السابعة والنصف صباح يوم الأحد 19 يوليو بعد أن حلقت الطائرة فوق المطار عدة مرات حتى تعرف فرانكو على أحد الضباط المتمردين؛ فقال للطيار: "يمكننا الهبوط رأيت الأشقر الصغير". فما أن حطت الطائرة حتى استقبل المتمردون فرانكو بحماس. مشى في شوارع تطوان المليئة بالناس الذين يصرخون:"عاشت إسبانيا!عاش فرانكو!" حتى وصل إلى مكتب المفوض السامي الإسباني حيث كتب خطابًا بث على محطات الإذاعة المحلية التي اعتبر فيها انتصار الانقلاب أمرًا مسلمًا به: "تم إنقاذ إسبانيا". فأخبار قيادة فرانكو التمرد في إفريقيا يعني أن الضباط المترددين في شبه الجزيرة سينضمون إلى التمرد.
من بين 21 جنرالا في الفرقة تمرد أربعة فقط: فرانكو وغوديد كيبو ديانو وكابانيلاس. ففي 44 من 51 من حاميات الجيش الإسباني كان فيها نوع من التمرد، نفذ بشكل رئيسي من الضباط المنضويين بالاتحاد العسكري الإسباني. انتصر الانقلاب في مستعمرة المغرب وفي شمال وشمال غرب شبه الجزيرة. التقى فرانكو بجيش متمرد ناجح بالفعل وبقائدهم مولا بدعم من الكارليين، بدون أي مقاومة في نافارا. ثارت برغش وسلامنكا وزمورة وشقوبية وأفيلا دون مواجهة معارضة. سقطت بلد الوليد بعد أن قبض الجنرالات المتمردين على الجنرال موليرو رئيس المنطقة العسكرية السابعة، وبعد سحق مقاومة سكك الحديد الاشتراكية. وفي الأندلس: سقطت قادس في اليوم التالي للانتفاضة مع وصول القوات من المغرب. وانضمت إشبيلية وقرطبة وغرناطة إلى الجانب المتمرد بعد سحق مقاومة العمال بطريقة دموية.
تميز مفتاح نجاح أو فشل الانتفاضة في المناطق المختلفة بموقف الحرس المدني وحرس الاقتحام. فإن بقيت تلك الهيئات إلى جانب الجمهورية تفشل الانتفاضة، والعكس صحيح إن انضمت إلى المتمردين فإن الانتفاضة تنجح.
وبعد أسبوع سيطر المتمردون الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الوطنيين على ثلث إسبانيا. بينما ظلت معظم الوحدات البحرية تحت سيطرة القوات الموالية للجمهورية، التي تركت فرانكو معزولا. فشلت الانتفاضة في المدن الكبرى والمراكز الصناعية الرئيسية. ففي مدريد وبرشلونة وفالنسيا وبلباو تقدم العمال على الحكومة المترددة وصادروا الأسلحة وصدوا المتمردين. وذهب "رجال الميليشيات" في مدريد بمجرد إخماد الانتفاضة في العاصمة إلى طليطلة لإحباطها هناك. فشل الانقلاب في محاولة لتحقيق انتصار سريع ولكنه تسبب باندلاع الحرب الأهلية. كانت الثورة خالية بشكل ملحوظ من أي أيديولوجية معينة. كان الهدف الرئيسي هو وضع حد للاضطراب الفوضوي. من المؤكد أن فرانكو نفسه يكره الشيوعية ولكن لم يكن لديه أي التزام بأي أيديولوجية: لم يكن دافعه هو الفاشية الأجنبية ولكن التقاليد الإسبانية والوطنية.
الحرب الأهلية.
بعد الانقلاب انقسمت إسبانيا جغرافيا إلى منطقتين: الأولى بقيت وفية للجمهورية والأخرى وقعت في أيدي المتمردين. تم تقسيم مايقرب من مائة وثلاثين ألف جندي من الجيش المتمركز في شبه الجزيرة، والحرس المدني الذي هو قوة تحتوي ثلاثين ألف رجل انقسم بالتساوي تقريبًا بين المتمردين والمؤمنين للجمهورية. هذا التوزيع هو لصالح متمردي الجيش الأفريقي وهي مجهزة بشكل مثالي وفريد من نوعها للجيش الإسباني المدبوغ في ساحة المعركة. وقد كان الجنرالات الذين تمردوا متفائلين على الرغم من فشل الانقلاب جزئياً. ومنهم أورغاز الذي غامر بالاعتقاد أن الانقلاب سينجح في غضون ساعات، وبالأكثر بضعة أيام. أما مولا فاعتقد مع الفشل في مدريد أن النصر سيتأخر لعدة أسابيع، وهو الوقت الذي استغرقه لإكمال عملية الكماشة بنجاح مع قوات الشمال وقوات إفريقيا التي تقدمت نحو العاصمة. وكان فرانكو أقرب الجنرالات إلى الواقع. حيث كان متفائلاً للغاية ومتخيلًا أن توطيد الانقلاب لن يأتي حتى سبتمبر: "في سبتمبر سنعود إلى جزر الكناري سعداء ومكتفون بعد الحصول على انتصار سريع على الشيوعية". ولكنها حرب شرسة استمرت ما يقرب من ثلاث سنوات.
وقد تجاوزت الحكومة ترددها أمام الانتفاضة، فالقوات الشعبية التي واجهت المتمردين على الفور، وبرد فعل حازم قد فاجأ المتمردين، تسبب في فشل الانقلاب في المناطق التي كانوا يعتمدون فيها على نجاحهم. كما كان الحال في برشلونة، حيث فشل الجنرال غوديد أحد ركائز المؤامرة. كان التأثير المتناقض للانتفاضة هو أن الثورة الاجتماعية بدأت في المناطق التي فشلت فيها، وهو ما كان من المفترض أن يتجنبه المتمردون بالتمرد.
على الرغم من اتفاقية عدم التدخل في أغسطس 1936، إلا أن الحرب تميزت بالتدخل الأجنبي نيابة عن الجانبين، مما أدى إلى تداعيات دولية. فقد دعمت إيطاليا الفاشية الجانب القومي، وأرسلت فيلق الجنود المتطوعين، وبعدها أرسلت ألمانيا النازية فيلق الكندور. أما الجانب الجمهوري فقد دعمه الاتحاد السوفييتي والشيوعيون والاشتراكيون والفوضويون داخل إسبانيا. والتزمت المملكة المتحدة وفرنسا بصرامة بحظر الأسلحة، واستفزت الخلافات داخل ائتلاف الجبهة الشعبية الفرنسية بقيادة ليون بلوم، ومع ذلك كان الجانب الجمهوري مدعومًا من الاتحاد السوفييتي والمتطوعين الذين قاتلوا في الألوية الدولية (انظر على سبيل المثال فيلم أرض وحرية لكين لوتش).
استقال كاساريس كيروغا من رئاسة الوزراء، فطلب الرئيس مانويل أثانيا من مارتينيز باريو تشكيل حكومة جديدة، فحاول تكوين حكومة ائتلاف من خلال استبعاد سيدا من اليمين والشيوعيين من اليسار، معتقدا أنه لا يزال ممكنا تجنب الحرب الأهلية. وتحدث في 19 يوليو إلى الجنرال مولا، الذي رفض جميع الحلول للمصالحة:"لا ولا عناق فيرغارا ولا التفكير في أي شيء آخر سوى انتصار ساحق ونهائي". وقال باريو في 1 أغسطس:
في غضون ذلك جردت الحكومة الجمهورية فرانكو من رتبته يوم 19 يوليو. وفي 27 يوليو أجرى مقابلة مع الصحفي الأمريكي جاي ألين أعلن فيها:"سأنقذ إسبانيا من الماركسية بأي ثمن"؛ فسأله الصحفي: "هل يعني ذلك أنك ستضطر إلى قتل نصف إسبانيا؟" فأجاب:"أكرر، بأي ثمن". قامت صحيفة ABC في إشبيلية في أغسطس بنشر تصريح من فرانكو:«إنها حركة وطنية وإسبانية وجمهورية ستنقذ إسبانيا من الفوضى التي كانت تنوي أن تغرقنا. ليست الحركة الدفاعية لأشخاص معينين. بل على العكس من ذلك، إنها تبحث عن رفاهية الطبقات العاملة والمتواضعة". سرعان ماأطلق المتمردون على أنفسهم "الوطنيون" واطلقوا على حربهم الأهلية اسم الحرب المقدسة أو "الحرب الصليبية.
مع اندلاع الحرب انطلق عنان الكراهية بين الطرفين. ففي الأراضي التي تسيطر عليها الجمهورية، كرّس الثوار أنفسهم لقتل جميع أولئك الذين حددتهم بأنهم أعداء. وتعرض القساوسة والرهبان للاضطهاد. وكان اخراج الأشخاص بحجة التنزه ثم اعدامهم منتشرة في المدن الكبرى. وفي منطقة المتمردين، أضيفت الكراهية إلى إستراتيجيتهم. فبعد أن استولى الجنرال ياغوي على باداخوز أطلق العنان لقمع شرس أنهى حياة الآلاف من الناس، ورد على سؤال صحفي:«بالطبع نقتلهم. ماذا تتوقع أنني ذاهب لأخذ أربعة آلاف سجين أحمر معي، هل رتلي يمضي عكس عقارب الساعة؟ أم أننا سنتركهم جانبا ونسمح لباداخوز أن تصبح حمراء مرة أخرى؟». يمكن رؤية الكراهية في تصريحات المتمردين منذ اليوم الأول. وكان كويبو دي يانو يقول منذ يوم الانقلاب عبر راديو إشبيلية:«إن المورو سيقطعون رؤوس الشيوعيين ويغتصبون نسائهم. الأوغاد الذين ما زالوا ينوون محاربتنا سيقتلون مثل الكلاب". ومع ذلك كانت العلاقة بينه وبين فرانكو فيها نوع من الكره المتبادل، فكويبو يكرهه شخصيا، أما فرانكو فكان لا يثق فيه بسبب موافقته على الجمهورية في اللحظات الأولى.
اندلعت مع بدء التمرد المحاكمات والإعدامات السريعة، فقد أرسل مولا تعليماته قبل التمرد بأيام:«يجب أن يحذر المتردد من أن الذي ليس معنا فهو ضدنا، وسيكون عدوا لنا. أماالرفاق الذين ليسوا رفاقًا، فإن انتصار الحركة سيكون حتميا". وقد أعدم الجنرالات باتيت وكامبينز وروميراليس وسالسيدو وكاريداد بيتا ونونيز دي برادو بالإضافة إلى الأدميرال أزارولا وآخرين بسبب عدم انضمامهم إلى الانتفاضة. وفي المنطقة الجمهورية أعدم كلا من الجنرالات غوديد وفرنانديز بوريريل وفانخول وغارسيا ألديف لثورتهم ضد الدولة. عندما وصل فرانكو إلى تطوان كان ابن عمه وقائد مطار تطوان بوينتي باهاموند ينتظر قرار إعدامه لأنه بقي على جانب الجمهورية. تظاهر فرانكو بأنه مريض تخلى عن أمر توقيع الإعدام لشخص آخر.
الأشهر الأولى للحرب.
في يوم 18 يوليو 1936 تولى فرانكو قيادة 30,000 جندي من الجيش الإسباني لأفريقيا. تميزت الأيام الأولى من التمرد بالحاجة القوية لتأمين السيطرة على محمية المغرب الإسبانية. فقام برفع رواتب الجيش لضمان ولائه، وتجنيد مرتزقة مغاربة، وكانت طريقته لضمان سيطرته على الجيش هي الإعدام بمحاكمة شكلية لحوالي 200 من كبار الضباط الموالين للجمهورية (أحدهم ابن عمه). وكذلك كان عليه كسب دعم السكان الأصليين وسلطاتهم (الاسمية)، فمنح الوزير سيدي أحمد الغنمية وسام البسالة العسكرية الحائز على صليب سان فرناندو للحصول على دعم المغرب.
ثم بدأ بعد ذلك باتخاذ الإجراءات الفورية لطلب مساعدة دولية. فأرسل بولين على طائرة Dragon Rapide إلى لشبونة لإبلاغ سانخورخو ثم بعدها إلى إيطاليا لضمان الدعم والتفاوض بشأن شراء طائرات. كما أرسل مبعوثين بنفس المهمة إلى ألمانيا النازية. ولكن في 20 يوليو جرى حدث هام غيٌر مسيرة فرانكو المهنية. ففي إشتوريل تحطمت الطائرة التي كانت تقل سانخورخو أثناء محاولتها الإقلاع إلى بامبلونا بقيادة الفلانخي أنسالدو. فمات سانخورخو المسؤول عن قيادة الانقلاب متفحما.
في غضون ذلك وجد فرانكو صعوبة في نقل القوات إلى إسبانيا من المغرب. فقبل وصوله إلى تطوان نقلت البحرية الإسبانية عدة مئات من الرجال إلى قادس - القوات التي كانت حاسمة في الاستيلاء على المدينة - والجزيرة الخضراء؛ ولكن سرعان ما تمرد أطقم السفن، فاقتصر نقل القوات على ما يسمح به قوارب الفلوكة المغربية الصغيرة. ومن قبيل الصدفة كان الجنرال كيندلان مؤسس الطيران الإسباني والمشارك في الانتفاضة في قادس واقترح على فرانكو نقل القوات عن طريق الجو. نظم كيندلان جسرًا جويًا ظل غير كافٍ لنقل أكثر من ثلاثين ألف جندي من القوات الأفريقية.
في 22 يوليو التقى ماركيز دي لوكا دي تينا وبولين مع موسوليني في روما. وفي يوم 27 يوليو وصل السرب الأول من الطائرات الإيطالية إلى إسبانيا، اثنا عشر قاذفة من طراز Savoia-Marchetti SM.81 Pipistrello. ولم تتأخر المساعدات الألمانية طويلا، ففي 25 يوليو استقبل هتلر المجموعة التي أرسلها فرانكو. وكان التردد المبدئي بسبب نقص الأموال. ولكن من خلال مناشدة الكفاح ضد الخطر الشيوعي، قرر الفوهرر في نهاية المقابلة مضاعفة المساعدة تحت اسم عملية النار السحرية (Unternehmen Zauberfeuer)، وذلك بإرسال عشرين طائرة بدلاً من العشر المطلوبة (نموذج Junkers Ju-52/3m). تم تسليم المساعدات سرًا من خلال شركتين خاصتين تم إنشاؤهما لهذا الغرض. المساعدات الألمانية مثل إيطاليا سيتم توجيهها عبر فرانكو، انضمت الطائرات الإيطالية والألمانية إلى نقل القوات. ومع ذلك ظلت قدرتها غير كافية. انتظر فرانكو الفرصة ليكون قادرًا على نقل القوات عن طريق البحر، واتخذ قرارًا بالقيام بذلك في 5 أغسطس عندما تم تحقيق غطاء جوي كافٍ. في ذلك اليوم عندما ألغت القوات الجوية الإيطالية مقاومة البحرية الجمهورية تم نقل 8000 جندي في ما يسمى بقافلة النصر. في اليوم التالي للغطاء الجوي الإيطالي انضمت ألمانيا بإرسال ستة مقاتلات من طراز Heinkel He-51 وخمسة وتسعين طيارًا وميكانيكيًا متطوعين من لوفتفافه. "فتلقى المتمردون من ذلك اليوم فصاعدًا أسلحة وذخيرة منتظمة من هتلر وموسوليني". كانت سفن نقل المتمردين تعبر المضيق بانتظام وتم تكثيف النقل الجوي. في الأشهر الثلاثة التالية نقلت 868 رحلة جوية ما يقرب من أربعة عشر ألف رجل، وأربع وأربعين قطعة مدفعية وخمسمائة طن من الإمدادات، شكلت استراتيجية عسكرية مبتكرة ساهمت في زيادة مكانة فرانكو.
تسبب عبور القوات الأفريقية المضيق بإحباط في أوساط المنطقة الجمهورية حيث مازالت ذكرى الأداء الوحشي لهذه القوات في أكتوبر 1934 عندما أخمدوا ثورة أستورياس ماثلة بالعيان. كان نقل القوات هذا يمثل تحديًا صعبًا قام فرانكو حله ببراعة، مما جعل من الممكن تعزيز مواقع المتمردين في الجنوب. وفي بداية شهر أغسطس كان الوضع في غرب الأندلس مستقرًا بدرجة كافية سمح بتنظيم طابور قوامه حوالي خمسة عشر ألف رجل بقيادة المقدم خوان ياغوي، الذي سار في 2 أغسطس عبر إكستريمادورا نحو مدريد. وفي اليومين الأولين تمكن من التقدم ثمانين كيلومترًا. "فالرعب الذي أحاطه المغاربة والفيلق بتقدمه كان من أفضل أسلحة المتمردين القوميين في طريقهم نحو مدريد". (178)
بفضل التفوق الجوي المحلي الذي قدمه الطيران الإيطالي والألماني، استولى المتمردون بسهولة على البلدات والمدن التي في طريقهم من إشبيلية إلى باداخوز (مونيستيرايو وليرينا وصفراء ولوس سانتوس دي ميمونة وألمندراليخو، إلخ.) . كانت هناك إبادة ممنهجة للميليشيات اليسارية ولجميع المشتبه في تعاطفهم مع الجبهة الشعبية. ففي الميندراليخو تم إطلاق النار على ألف سجين بينهم مائة امرأة.179 وتقدموا في أسبوع واحد مائتي كيلومتر.
في 7 أغسطس سافر فرانكو إلى إشبيلية وقام بتدشين مقره الرئيسي في قصر ماركيز دي ياندوري الفاخر.
في 11 أغسطس تم الاستيلاء على ماردة وفي 15 أغسطس استولوا على بطليوس، حيث جرت فيها ما يعرف بمذبحة بطليوس، فقتلت القوات المتمردة عدة آلاف من الناس. وتمكنوا من توحيد المنطقتين الشمالية والجنوبية الخاضعتين لسيطرة المتمردين. فالصعوبات التي واجهها ياغوي في الاستيلاء على بطليوس جعلت إيطاليا وألمانيا تقرران زيادة مساعدتهما لفرانكو. فأرسل موسوليني فيلق الجنود المتطوعين من حوالي اثني عشر ألفًا إيطاليًا بكامل عتادهم، وأرسل هتلر سرب لوفتفافه محترف بحوالي 24 طائرة (2JG/88). كل هذه الطائرات كانت تحمل شارة إسبانية وطنية مرسومة عليها، ويقودها طيارين إيطاليين وألمان. فكان العمود الفقري لطيران فرانكو في تلك الأيام هو قاذفات القنابل الإيطالية SM.79 و SM.81، وطائرة Fiat CR.32 ذات السطحين، والمقاتلتين الألمانيتين يونكرز يو 52 وهينكيل هي 51 ذات السطحين.
في 26 أغسطس نقل فرانكو مقره إلى قصرش. وفي 3 سبتمبر استولى على طلبيرة بسهولة بسبب دعاية الضراوة التي أظهرتها القوات المغاربية في بطليوس في فرار جزء من المليشيات الجمهورية والسكان من المدينة قبل شن المعركة. وفي 20 سبتمبر وصلت الطوابير والأرتال إلى مكادة على بعد حوالي 80 كم من مدريد. كان قرار فرانكو بالتقدم عبر إكستريمادورا وليس مباشرة عبر قرطبة موضع تساؤل؛ ولكنه تقدم بوتيرة مذهلة، أي أكثر من خمسمائة كيلومتر في شهرين، فقهر المدن الرئيسية في الجنوب الغربي، مما عزز مكانته مرة أخرى.
مع وجود القوات في مكادة (على بعد حوالي 80 كم من مدريد)، حول فرانكو قواته نحو طليطلة لتحرير الكازار. سمح هذا القرار المثير للجدل للجمهوريين بتعزيز دفاعات مدريد، والسيطرة على المدينة في تلك السنة وبدعم سوفيتي. يدعي كينان أنه بمجرد أن قرر ستالين مساعدة الجمهوريين الإسبان، تم تنفيذ العملية بسرعة وطاقة ملحوظة. وصلت الشحنة الأولى من الأسلحة والدبابات في يوم 26 سبتمبر وتم تفريغ حمولتها سرا ليلا. رافق المستشارون التسليح، فكان الضباط السوفييت مسؤولين فعليًا عن العمليات العسكرية في جبهة مدريد. يعتقد كينان أن هذه العملية أجريت في الأصل بحسن نية وليس لغرض آخر سوى إنقاذ الجمهورية. بُذلت جهود لتشجيع الحزب الشيوعي الإسباني على الاستيلاء على السلطة، لكن تحرير ألكازار كان نجاحًا دعائيًا كبيرًا شخصيًا لفرانكو. كان ألكازار مركزًا للمقاومة حيث لجأ في الأيام الأولى من الانتفاضة ألف من الحرس المدني والفلانخي مع نسائهم وأطفالهم. وكانت مقاومتهم يائسة، إلى أن حررتهم قوات فرانكو في 27 سبتمبر، وحولت هذا التحرير إلى أسطورة وعززت موقعهم داخل قادة المتمردين.
تعرض قرار فرانكو في إعطاء الأولوية لطليطلة على مدريد للانتقاد بأنها خطأ استراتيجي، ولكن فرانكو كان مدركًا تمامًا للتأخير الذي قد يترتب على مثل هذا القرار. فالحاجة إلى قيادة عسكرية واحدة والتي كان فرانكو يطمح إليها كانت قيد المناقشة. وهكذا كان القرار سياسيًا أكثر منه عسكريًا. وعلق فرانكو في هذا الصدد قائلاً: "لقد ارتكبنا خطأ عسكريًا وارتكبناه عمداً. طالبنا بتحويل قواتنا عن مدريد إلى طليطلة. بالنسبة للمواطنين الإسبان مثلت طليطلة قضية سياسية لا بد من حلها".
الارتقاء إلى السلطة.
توفي قائد الانتفاضة الجنرال خوسي سانخورخو في 20 يوليو 1936 بحادث تحطم طائرة في المنطقة القومية، فتوقفت الحياة السياسية. في البداية كانت القيادة عسكرية فقط، وهي مقسمة إلى قيادات إقليمية (إميليو مولا في الشمال وغونزالو كيبو ديانو يقود أندلسيا من إشبيلية، وفرانكو بقيادة مستقلة وميغيل كابانياس في سرقسطة يقود أراغون). وقسم الجيش الإسباني المغربي نفسه إلى قسمين، أحدهما بقيادة الجنرال خوان ياغوي والآخر بقيادة العقيد خوسيه فاريلا. وبعدها في يوم 24 يوليو أنشئ المجلس العسكري التنسيقي ومقره برغش. بقيادة كابانيلاس اسميًا بصفته أكبر الجنرالات سنا، ضمت في البداية مولا وثلاثة جنرالات آخرين وعقداء اثنين. تمت إضافة فرانكو لاحقًا في أوائل أغسطس. وفي 21 سبتمبر تقرر أن يكون فرانكو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فامتنع كابانياس عن التصويت نظرًا لموقفه المخالف للإجراء، وقال مخاطبا زملائه الذين توجوا فرانكو القائد العام أو الجنراليسمو: "أنت لا تعلمون ماقمتم به، لأنكم لا تعرفونه مثلما أعرفه أنا، قد كان تحت قيادتي في الجيش الأفريقي، قائدًا لإحدى الوحدات تحت إمرتي. إذا أعطيته إسبانيا فسيعتقد أنها ملكه ولن يدع أي شخص يحل محله في الحرب أو بعدها حتى وفاته". ثم وبعد عدة مناقشات، مع اتفاق فاتر من كيبو ديانو ومولا أصبح رئيسا للحكومة. لقد ساعد هتلر في تحقيق هذا الأمر بعدما قرر في أواخر يوليو أن كل المساعدات الألمانية للقوميين ستذهب إلى فرانكو.
فقد مولا إلى حد ما مصداقيته باعتباره المخطط الرئيسي لمحاولة الانقلاب التي فشلت وتحولت إلى حرب أهلية، وكان مرتبطًا بقوة بالملكيين الكارليين وليس على الإطلاق مع الفلانخي، وهو حزب ذو ميول واتصالات فاشية (وهو حزب سياسي إسباني يميني متطرف أسسه خوسيه أنطونيو بريمو دي ريفيرا ولم تكن له علاقات جيدة مع ألمانيا. كان كيبو ديانو وكابانيلاس قد ثاروا سابقًا على دكتاتورية الجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا، ومن ثم فقدوا مصداقيتهم عند بعض القوميين، وكان زعيم الفلانخيين خوسيه أنطونيو بريمو دي ريفيرا في السجن في أليكانتي (وأعدم بعدها ببضعة أشهر). فرغبته بالاحتفاظ بمكان مفتوح له منعت أي زعيم آخر من الفلانخيين من الظهور كرئيس محتمل للدولة. كان انعزال فرانكو السابق عن السياسة يعني أنه كان لديه عدد قليل من الأعداء النشطين في أي من الفصائل التي كانت بحاجة إلى تهدئتها، كما تعاون أيضًا في الأشهر الأخيرة مع كل من ألمانيا وإيطاليا.
تم إعلان في 1 أكتوبر 1936 من برغش أن فرانكو هو للجيش الوطني ورئيس الدولة . وعندما قُتل مولا في حادث جوي آخر بعد عام في 2 يونيو 1937، لم يبق أي قائد عسكري ممن نظم مؤامرة ضد الجمهورية بين سنة 1933 و 1935.
القيادة العسكرية.
قاد فرانكو شخصيًا العمليات العسكرية من ذلك الوقت حتى نهاية الحرب. لم يكن فرانكو نفسه عبقريًا استراتيجيًا ولكنه كان فعالًا جدًا في التنظيم والإدارة واللوجستيات والدبلوماسية. فبعد الهجوم الفاشل على مدريد في نوفمبر 1936، أدار فرانكو النهج المجزأ لكسب الحرب بدلاً من الحرب المباشرة. كما الحال في قراره بتخفيف حصار الحامية في طليطلة. وعلى الرغم من أن كل من ألمانيا وإيطاليا قدمتا دعمًا عسكريًا لفرانكو، إلا أن قوة تأثيرهما على توجيه الحرب كانت محدودة للغاية. ومع ذلك فإن القوات الإيطالية على الرغم من عدم فعاليتها كانت حاضرة في معظم العمليات الكبيرة وبأعداد كبيرة، بينما ساعدت الطائرات الألمانية القوات الجوية القومية في السيطرة على الجو معظم فترات الحرب.
كانت سيطرة فرانكو على القوات الألمانية والإيطالية محدودة، لا سيما مع فيلق الكندور، ولكنه كان قائدهم الأعلى الافتراضي، لذا نادرًا مااتخذوا قراراتهم بأنفسهم. ولأسباب تعلقت بالاحترام، تقرر الاستمرار في مساعدة فرانكو حتى نهاية الحرب، وقد استعرضت القوات الإيطالية والألمانية يوم النصر النهائي في مدريد.
يمكن تفسير الانتصار القومي بعدة عوامل:
فرانكو في إسبانيا اليوم.
بعد دخول إسبانيا في السلم المدني والديمقراطية وتحقيق ميكانزمات الدولة المنسجمة، تم إسقاط عهد فرانكو بالقضاء على كل تركات وآثار الديكتاتور بالوسائل السياسية والسلمية والقانونية، وقد دعت عدة جمعيات من المجتمع المدني الإسباني لنسف صليب وادي الشهداء الذي بناه فرانكو، باعتباره من الرموز التي بناها الجنرال المتسبب في حرب أهلية ذهب ضحيتها أكثر من 100 الف ضحية .
ولايزال إلى يومنا هذا الأمر مطروحا، رغم عدم تنفيذه بسبب عدم تأييد الحزب الشعبي الحاكم، حيث لم ينل الاقتراح ثقة البرلمان بسبب الحزب الشعبي الذي لم يؤيد الفكرة، وقد علق ممثل الحزب الشعبي أودون ألوثار بأن وادي الشهداء مكان غير مناسب ووصمة عار بسبب وجود قبرين فيه، وهما قبرا فرانكو وبريمو دي ريفيرا.
في 24 سبتمبر 2019 قضت المحكمة العليا الإسبانية بإخراج رفات الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو لدفنه في مكان آخر.وقد تم إخراج رفاته ونقله بطائرة عمودية في 24 أكتوبر 2019.
البُرتُقال هو نوع من أنواع الحمضيات تنتجه شجرة البرتقال وهو مصدر ممتاز لفيتامين سي ويساعد فيتامين (سي) في البرتقال على امتصاص الكالسيوم في الجسم، كما يحتوي أيضًا على فيتامين أ كما أنه مصدر للصوديوم، البوتاسيوم، المغنيسيوم، النحاس، الكبريت والكلورين. ويعد من الأطعمة التي تشكل القلويات حيث يخلف وراءه المادة القلوية في الأنسجة وبعدها يتم استغلاله وهذا ما يدفع إلى تحسين مقاومة الجسم ورفعها.
تعد البرازيل هي الدولة الأولى في إنتاج البرتقال في العالم وتليها الولايات المتحدة ثم المكسيك ثم الهند والصين وإسبانيا وإيطاليا ثم إيران ومصر وباكستان.
مكونات البرتقال وفوائده.
البرتقال يحتوي على ثمانية وعشرين عنصرًا غذائيًا أهمها: الحديد وسكر الفواكه، الفسفور، وفيتامين بي1، وفيتامين سي، الكالسيوم. ويساعد البرتقال على تثبيت الكلس في العظام، والوقاية من الأمراض الانتانية، والحمى التيفودية، والسعال الديكي، كما تستعمل أوراقه لمعالجة آلام الرأس، و ويحتوي أيضًا على حمض الستريك ويحتوي كل 100 جرام من البرتقال على 43 سعرًا حراريًا كما يعتبر من أهم مكونات لما له من فوائد. وقد برهن الأطباءعلى قيمة البرتقال العالية، فهو مثير للشهية ومنق للدم، ويخفف من ريح البطن، ويهدي المرارة. كما أنه منعش وبارد ومنظف للفم. وطارد للديدان ومسكن للآم البطـن ومقوي للعظام يقوي الأعصاب والقلب ومنوم ومهدئ ومريح للدماغ. يقوي الأظافر والشعر والأسنان ويقلل من نسبة الدهون (الكوليسترول). ينظم عملية الجهاز التنفسي للإنسان. وهو أيضًا مضاد للسعال والإنفلونزا. ينظم البرتقال عمل العضلات والعروق ويزيد الكالسيوم. مضاد للأمراض التناسلية ومرض السفلس وبعض الأمراض الزهرية. نافع للأمراض الجلدية كالجرب. يساعد على إزالة آثار التسمم نتيجة استعمال الأدوية الكيماوية. يقوي الجهاز العصبي والهضمي ونافع في علاج أورام المقعد والبواسير. يمنع الكثير من الأمراض السرطانية. البرتقال عامل مفيد للقضاء على بعض الترشحات للجهاز التناسلي عند النساء وعصيره مفيد ويعوض من حليب الأم. مفيد ومعطر ونافع مع السلطة.
المعلومات الغذائية.
تحتوي كل حبة برتقال (184غ) بحسب وزارة الزراعة الأميركية على المعلومات الغذائية التالية:
يحتوي أيضا على فيتامين c.
أخترع العالم لاندولت عام 1899 ما يعرف بحلقة لاندولت وهي عبارة عن لوحة تضم صفوف من الحلقات السوداء التي يقل قطرها تدريجيا من أعلي إلي أسفل ولكل حلقة فتحة بحساب معين وهي تستخدم لقياس قوة النظر
و عند الأختبار يقف الشخص علي بعد 6 أمتار من اللوحة فأذا تمكن بكل عين علي حدة من تحديد اتجاه الفتحات في مختلف الصقوق تكون قوة أبصارة 6/6 وأما أذا توقفت قدرتة علي تحديد اتجاة الفتحة عند الصف قبل الأخير فتكون قوة أبصارة 6/9
انظر أيضا.
نظارات طبية
نقولا بن يوسف الترك الإسطمبولي (1176-1244 هـ/1763-1828 م) هو شاعر له عناية بالتاريخ، أصله من بلاد الترك من أسرة يونانية ومولده ووفاته في دير القمر في لبنان. سافر إلى مصر واستخدم كاتباً في حملة نابليون الأول، وعاد إلى لبنان فخدم الأمير بشير الشهابي، وله في مدحه قصائد. وعمي في أواخر أعوامه، فكان يملي ما ينظمه على ابنته وردة.
عام 1812 أرّخ الشاعر المعلم نقولا الترك بناء الشيخ بشير جنبلاط لعين الغابة في قرية مرستي في أعالي الشوف، بالأبيات الشعرية التالية:
"شيخ الشيوخ اعتنى بتجديدها كرماً...فهو البشير الذي طابت مآثره"
"وحين أكملها نادى الؤرخ، يا الله رب العلى والعرش آجره"
وقد تم حفر هذه الأبيات على على جدار العين تحت القنطرة الحجرية التي ما زالت قائمة حتي يومنا هذا.
من كتبه تاريخ نابليون جزء منه، وتاريخ أحمد باشا الجزار، وديوان شعره، وحوادث الزمان في جبل لبنان.
شارل إدوار جانيريه-كري أو كما يُعرف لو كوربوزييه (بالفرنسية: Charles-Édouard Jeanneret-Gris أو Le Corbusier ؛ 6 تشرين أول/ أكتوبر 1887 - 6 آب/ أغسطس 1965) معماري سويسري/ فرنسي، وأحد رواد عمارة الحداثة في القرن العشرين. اشتهر بإنجازاته ذات الأسلوب الدولي. كان رائداً في الدراسات النظرية للتصميم الحديث وقد كرّس نفسه لتزويد ظروف معيشية أفضل لسكّان المدن المزدحمة. تواصلت مهنته خمسة عقود، بعدما أنشئت البنايات في أوروبا الوسطى، والهند، وروسيا، بالإضافة إلى بناء واحد في الولايات المتحدة. كان أيضاً مخطّطاً، ورسّاماً، ونحّاتاً، وكاتباً، ومصمماً للأثاث. وكان عضوا في المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة.
وباستثناء عدد قليل من المباني العامة، جاءت معظم إنجازات لو كوربوزييه في النصف الأول من القرن العشرين في مجال المباني السكنية، لكنه في الفترة اللاحقة أنجز عددا كبيرا من المباني العامة في أوروبا وفي بلدان مختلفة من العالم، كالبرازيل، الولايات المتحدة، تونس، العراق، الهند، اليابان، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، الكم الكبير من الأعمال التي لم يتم تنفيذها وبقيت طي الكتمان. هذا بالإضافة إلى كتاباته العديدة ومحاضراته عن العمارة والتخطيط والتصميم بأنواعه.
وقد تم مؤخرا اقتراح إدراج عدد من إنجازات لوكوربوزييه لتُضاف إلى قائمة التراث العالمي التابعة لليونيسكو تحت عنوان "تحف لو كوربوزييه المعمارية" في دول مختلفة حول العالم.
الحياة الشخصية.
وُلد شارل إدوار جانيريه في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1887، في مدينة لا شو دي فون في سويسرا. وكان ثاني أبناء إدوار جانيريه، وهو أحد الفنانين السويسريين. كما كانت أم شارل موسيقية ومعلمة بيانو. تنحدر عائلته من مدينة ألبي بمقاطعة تارن بفرنسا، الذين قاموا ضد الكنيسة الكاثوليكية وعانوا منها لوقت طويل، حيث فرت العائلة مع الهوغونو (بروتستانتيي فرنسا) إلى جبال جورا السويسرية خلال الحملة الصليبية على الكثار في القرن الثاني عشر. ولقد كان لكل هذه العوامل تأثيرات تكوينية على شخصية لو كوربوزييه الشاب. حيث غادر شارل مدرسته في عمر الثالثة عشر ليلتحق بمدرسة الفنون والحرف في لاشوز دو فوند بسويسرا، كنقاش ومرصع، وتأثر إلى حد كبير بأستاذه تشارلز لوبلاتونييه الذي كان مهتما بالرسم وبفن العمارة. ولقد تبنى إسمه الجديد "لوكوربوزييه" بعد انتقاله إلى باريس في عام 1917، وهو اسم يعود لأحد أجداده. وقد تزوج عارضة الأزياء إيفون غاليس من إمارة موناكو في عام 1930، بعد أن أصبح مواطناً فرنسياً، والتحق بعدها بالحركة النقابية في فرنسا. توفي لو كوربوزييه في 27 آب/ أغسطس 1965 في جنوب فرنسا.
السيرة المهنية.
البدايات والتعليم.
تدرّب لوكوربزييه على الفن عدة سنوات، ثم سافر إلى مناطق مختلفة في ألمانيا. درس في باريس على يد أوغست بيريه، وانغمس في الحياة الثقافية والفنية للمدن. وقد تعاونا في مجال الخرسانة المسلحة، كما ساعده بيريه في توسيع قاعدة معلوماته عن العمارة الكلاسيكية الجديدة. كان لديه أثناء هذه الفترة اهتماماً حاداً بتأليف الفنون المختلفة. ومنذ البداية، أثبت لو كوربوزييه أنه وريث التقنية الفرنسية التقليدية في مجال الخرسانة المسلحة كما ظهرت سابقا في أعمال أسلافه من المعماريين الفرنسيين أمثال توني غارنييه وِأوغست بيريه. ولقد استوعب لو كوربوزييه ذلك الدرس من خلال تدريبه المهني لمدة 14 شهرا في مكتب بريه في باريس عام 1908. كما تمكن لو كوربوزييه من استيعاب أهم الإنجازات الألمانية في مجال التصميم الصناعي باحتكاكه المباشر بأهم المعماريين العاملين في ذلك المجال في ألمانيا آنذاك من خلال تواجده في مكتب بيتر بيرنز لمدة خمسة شهور أمضاها في ألمانيا لغرض إعداد تقرير عن الفنون التطبيقية الألمانية بدعم من مدرسته، مدرسة الفنون والحرف في نيو شاتل بسويسرا. كان يعمل في مكتب بيرنز في ذات الفترة أيضا المعماريان الشهيران لودفيغ مس فان ديرو، ووالتر غروبيوس. لكنه لا يُعلم إن كان للو كوربوزييه علاقة مباشرة معهما آنذاك. كما قابل خلال رحلاته المعماري النمساوي جوزيف هوفمان في فينا، الذي عرض عليه العمل في مكتبه آنذاك، دون جدوى.
المباني السكنية.
عاد لو كوربوزييه إلى بلدته بُعيد رحلاته القصيرة في أوروبا ليعمل في التدريس في مدرسة البلدة المحلية، مدرسة الفنون والحرف، التي كانت ماتزال تحت تأثير تيار الفن الجديد. لكنه لم يبق هناك طويلا، إذ ما لبث أن غادرها إثر تغيرات في الحكم المحلي وانقطاع الدعم من مدرسته الصغيرة في شودفون، متوجها إلى باريس عام 1916. لكنه في تلك الفترة القصيرة التي قضاها في شودفون أنجز عددا من المباني السكنية فيها مزيج من التراث السويسري المحلي، بالإضافة إلى كم من التفاصيل الفنية التي تنتمي إلى تيار الفن الجديد، التي توجد في الدربزينات، النوافذ، في تكسية الجدران، وغير ذلك من التفاصيل المعمارية. من تلك المباني فيلا فاليه عام 1907. لكن تأثير رحلاته الأوربية، وعمله الوجيز في ألمانيا وفرنسا، ورحلته إلى الشرق، إلى اليونان وإيطاليا، وتركيا، غير من توجهاته الإقليمية، كما ظهر جليّا في فيلا فافيرا-جاكوت عام 1912، ذات المعالم الكلاسيكية، التي يبدو لو كوربوزييه فيها متأثرا ببعض أعمال بيزنز وهوفمان وبيريه، والتي ابتعد فيها عن الشكل التقليدي المعتاد المستمد من الشاليهات السويسرية.
لكن الفيلا التي اعتبرها جديرة بالنشر في مجلته (الروح الجديدة) أو The Spirit Nouveaux كانت فيلا شواب عام 1916، التي كانت من أوائل الفلل في أوروبا التي يعتمد نظامها الإنشائي على الخرسانة المسلحة باستخدام الأعمدة الدائرية المستقلة عن الجدران والأسقف المستوية، مما أتاح إمكانية عمل فتحات كبيرة من الزجاج المزدوج في واجهة غرف الإستقبال الرئيسية المطلة على الحديقة الخلفية.
كانت فيلا شواب أول تجربة للو كوربوزييه في استخدام نظام إنشائي هيكلي يعتمد على الخرسانة المسلحة، وقد جاءت تلك التجربة في التواصل مع أفكاره السابقة بهذا الصدد، التي كان قد عبر عنها سابقا في عام 1914 باقتراحه نظاما إنشائيا هيكليا نمطيا يعتمد على الخرسانة المسلحة بأسقف مستوية اُطلق عليه اسم Domino. ابتكر لو كوربوزييه نموذج الدومينو هذا ليكون نموذجا اقتصاديا سهل التنفيذ باستخدامه بشكل أساسي لحل مشكلة السكن رخيص التكاليف. ولقد جائت تسمية دومينو بسبب التشابه بين شكل المسقط الأفقي واللعبة المعروفة بذات الاسم، كما هدفت التسمية إلى بيان الشبه بين الإنموذج المذكور، واللعبة المعروفة بذات الاسم لأكثر من تشابه المسقط الأفقي للإنموذج المقترح مع شكل أحجار الدومينو لعمل تراكيب متعددة الأشكال لوحدات سمنية أكبر يمكن استخدامها للحصول على مجمعات سكنية يتم تنظيم أشكالها بحيث تحصر فيما بينها حيزا حدائقيا مشتركا.
كانت أعمال لو كوربوزييه المبكّرة تتعلّق بالطبيعة، ولكن حينما نضجت أفكاره، طوّر ما يسمى Maison Dom-ino، وهو نموذج أساسي من البنايات للإنتاج الشامل الذي يميزه الأعمدة الطليقة والطوابق الصلبة. في 1917 استقرّ في باريس حيث أصدر كتاب (نحو هندسة معمارية جديدة)، مستنداً على مقالاته السابقة في مجلة "L'Esprit Nouveau". وفي عام 1922 عمل لو كوربوزييه مع ابن عمه بيير جانيريه. لقد أنتج لو كوربوزييه أثناء الحرب العالمية الثانية، قليلاً من النظريات على نماذجه وعلى مقياس وحدة السكن. وقد تم رفض بنايات لو كوربوزييه في عام 1947 ذات الأشكال الصناعية السابقة والتي استُعمل فيها مواد عادية، وخرسانة مسلحة، وتركيب أفضل. ومع حلول نهاية حياته، عمل لو كوربوزييه على عدّة مشاريع في الهند، التي استعمل فيها المواد الصلبة والأشكال النحتية. تبنّى في هذه البنايات العمود الهيكلي المثبّت، والسلم المعبّر، والمستويات غير المزيّنة من نقاطه الخمس المشهورة في الهندسة المعمارية.
لقد قام لوكوربوزييه بشرح عدة أنماط في العمارة أثناء محاضراته التي كان يلقيها في بداياته. وفي محاضرته عام 1927 توج لو كوربوزييه أفكاره عن تصميم المسكن المستقل الحديث باقتراحه أنماط أربعة نقية يحقق كل منها نوعا من الكمال النوعي في هذا المجال. جاءت تلك الأنماط الأربعة على النحو التالي:
النمط الأول: هو نمط نحتي تركيبي، تنعكس في هذا النمط التقسيمات المختلفة للغرف في تشكيل نحتي تركيبي يظهر فيه المبنى كمجموعة من الحجوم المتجاورة أو المتراكبة، مثل فيلا لاروش 1925 - 1922. أما النمط الثاني: فهو نحتي تفريغي، تنضغط هنا كافة الغرف ضمن إطار صندوقي مكتمل تماما يتم تفريغ الحجوم من داخله بحيث تنفتح الفراغات الداخلية على بعضها وتتداخل في تنظيم حجمي مركب ومتداخل الأجزاء تتصل أجزاؤه المختلفة بواسطة الأدراج والمنحدارات، ويكون للأجزاء الرئيسية للمسكن دوما اتصال بصري ببعضها البعض. يتطلب هذا النمط جهدا تصميميا أكبر من غيره لكنه يعطي إحساسا جماليا أكثر نقاء. ومن الأمثلة على ذلك فيلا ستاين Villa Stein at Garsches عام 1927. هذا النمط هو الأقرب إلى فكرة المسقط الحجمي التي وردت في تصاميم أدولف لوس. أما النمط الثالث: فيسمح بتشكيل حر للفراغات والغرف (مسقط حر) ضمن إطار هيكلي إنشائي منتظم مستوحى من أنموذج الدومينو. ويسمح هذا النمط أيضا بتوفير مساحات مظللة حول أطراف المبنى تكون مفيدة جدا في بعض المناطق الجغرافية ذات المناخ الحار. مثال: فيلا بيزوه في قرطاج بتونس عام 1928. أما النمط الرابع: فيجمع مزايا الأنماط الثلاثة السابقة، ويحقق الحرية المطلوبة للمسقط الأفقي كما في النمطين الأول والثالث ويحقق النقاء الشكلي كما في النمط الثاني. مثال: فيلا سافوي في بواسي بفرنسا 1928-1931.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنوات، تمكن لو كوربوزييه من تنفيذ بعض أهم أفكاره التي كان قد ناضل من أجلها في الفترة السابقة، فترة مابين الحربين. فبدعم من وزير الإسكان الفرنسي نجح لو كوربوزييه في تصميم وتنفيذ مشروع سكني رئيس هام في مدينة مرسيليا جنوب فرنسا، هو عبارة عن عمارة سكنية ضخمة الإطلق عليها اسم وحدة السكن (بالفرنسية: Unite' d'Habitation)، وهي وحدات متعددة الطبقات، تتسع لسكن حوالي ألف وستمائة شخض، وتم إنشاؤها في الفترة 1946-1952. احتوى المبنى على ثلاثمائة وسبع وثلاثين وحدة سكينة، تراوحت بين ثلاثة وعشرين نموذجا سكنيا تفاوتت سعة الإنموذج الواحد من غرفة واحدة، إلى ما يتسع لعائلة من ثمانية أفراد. وبالإضافة إلى الوحدات السكنية، اشتمل المبنى على طابق وسطي مخصص للمحال التجارية التي تخدم المساكن كان بمثابة سوق داخلي لخدمة احتياجات السكانين. كما قام لو كوربوزييه باستغلال سطح المبنى كساحة كبيرة ومسبح مكشوف مجاورين للجزء المخصص كروضة أطفال على السطح. كما تم رفع الطابق الأرضي عن سطح الأرض على أعمدة ضخمة لتوفير مساحة مظللة على مستوى الأرض الطبيعية، لخدمة السكانين وإتاحة الفرصة لهم للتمتع بالطبيعة المحيطة بالمبنى من كل جانب. في هذا المشروع، أمكن لو كوربوزييه إخراج جملة من أفكاره في مجال الإسكان التي سعى لتحقيقها منذ فترة العشرينات، على الأقل إلى حيز الوجود، وبنجاح كبير. وقد تم بناء عدة وحدات سكنية من هذا النوع في مناطق عديدة من فرنسا، حتى أن واحدة تم بناؤها في ألمانيا، في برلين، عام 1956-1958. وبالرغم من عدم نجاح هذه الفكرة الإسكانية برمتها بالشكل الذي توقعه لو كوربوزييه، إلا أنها كانت ولا تزال من أهم التجارب الإسكانية في القرن العشرين.
المؤتمر الدولي للعمارة.
كان عام 1927 عامًا حاسما بالنسبة للو كوربوزييه، ولعمارة الحداثة بشكل عام. ويعود ذلك لتمكن لو كوربوزييه من بناء نماذج عمارات الشقق السكينية لأول مرة في معرض فاسينهوف بشتوتغارت، ونشر نقاطه الخمس في أصول تصميم المسكن الحديث في كنالوج المعرض بقدر أنه يعود لمشاركته المثيرة للجدل في مسابقة مقر عصبة الأمم في جنيف. قدم لو كوربوزييه في تلك المسابقة مشروعا حداثي الطبع في تصميمه المعماري بشكل عام وإن كان التشكيل العام للحجوم المختلفة أقل ابتكارا. كما قام لو كوربوزييه برفع معظم أجزاء الموقع لمن يتواجد داخل المشروع على مستوى الأرض الطبيعية من المشاة أو راكبي السيارات. أما واجهات المبنى فكانت بشكل فتحات أفقية مستمرة على طول الواجهة تتكرر في كل طابق من طوابق المبنى. وتميز تصميم المدرج الرئيس (مقر الاجتماعات) بشكله القطاعي الذي يتناسب مع متطلبات تصميم الحيز الداخلي. وقد كان تصميم لو كوربوزييه الذي قدمه بالاشتراك مع بيير جانيريه من ضمن عدد قليل جدا من التصاميم الأكثر حداثة، مثل تصميم هاينس ماير وهانز ويتور التي شكلت نسبة ضئيلة من مجموع تصاميم المشاركين بالمسابقة. وبالرغم من وجود تأييد لتصميم لو كوربوزييه من قبل بعض صغار أعضاء لجنة الحكم، فقد جاء قرار لجنة الحكم في نهاية الأمر بحجب الجائزة الأولى، وإلغاء مشاركة لو كوربوزييه بسبب طريقة الإظهار المعماري التي خالف فيها شروط المسابقة حيب قرار المحكمين، وقد تم لاحقا تكليف أربعة من المتقدمين بعمل تصميم مشترك جاء بشكل محافظ أكثر تقليدية وانسجاما مع المبادئ التصميمية المعروفة والمتبعة في مدرسة الفنون الجميلة.
بيد أن تصميم لو كوربوزييه، بالرغم من عدم فوزه بالمسابقة حظي بإعجاب غالبية الكثير من المعماريين الشباب في ذلك الوقت. وقد عكست نتائج المسابقة الفجوة المتنامية بين المعماريين أنصار المناهج التقليدية لأكاديمية الفنون الجميلة، والمعماريين الأكثر حداثة مثل لو كوربوزييه. وقد أدت الصدمة الناجمة عن قرار لجنة التحكيمم، فيما اعتبره كثير من المعماريين قرارا رجعيا بحق العمارة الحديثة، إلى المسارعة بتأسيس تجمع مؤسسي للمعماريين الحداثيين اُطلق عليه المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة الذي عقد أول اجتماع له في قصر قديم تملكه السيدة هيلين دي مندروه في لاسراز بسويسرا عام 1928. ومنذ ذلك الوقت وحتى انحلالها في نهاية الخمسينات كانت تلك المؤسسة التي أصبحت تُعرف باسمها المختصر - CIAM مسؤولة عن صياغة أهم مبادئ العمارة وتخطيط المدن الحداثي وذلك من خلال اجتماعاتها المتكررة وبياناتها التفصيلية في العمارة وتخطيط المدن، التي كان من أشهرها ميثاق أثينا The Charter of Athens، الذي صاغه أعضاء سيام، وفي مقدمتهم لو كوربوزييه، على متن السفينة س. س. باتري بين أثينا ومرسيليا عام 1933.
لكن بالرغم من نتيجة المسابقة التي جاءت في صالح التقليديين، فقد كان لها بالنسبة للو كوربوزييه جانب إيجابي. فقد أصبح تصميم لو كوربوزييه وشخص لو كوربوزييه نفسه، أسطورة ورمز لعمارة الحداثة. وقد نجح لو كوربوزييه في تقمص هذا الدور إلى نهاية حياته.
مشاريع عامة.
أوروبا.
صمم لو كوربوزييه ونفذ مشروعين في فترة الخمسينيات كان لهما تأثير كبير على أجيال من المعماريين، هما كنيسة نوتردام في رونشن 1955، ومسكن لعائلة جاؤول في منطقة نييلي في باريس 1956. تردد لو كوربوزييه كثيرًا قبل القبول بعرض تصميم تلك الكنيسة الصغيرة، وقد جاءت موافقته في النهاية صدمة كبيرة للكثير من زملائه في المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة لما شعروا بأنه ابتعاد عن مبادئ عمارة الحداثة التي نادى بها لو كوربوزييه في العشرينات. فقد جاء تصميم الكنيسة بشكل نحتي متميز بفراغاته المعقدة وسقفه المقلوب إلى أسفل (بعكس المعتاد)، وفتحاته الجدارية المتناثرة بشكل حر ضمن جدران سميكة متفاوتة العرض من أسفل إلى أعلى توحي بأقصى ما يمكن من المتانة والصلابة في تضاد تام مع مبادئ الإنشاء الهيكلي الخرساني الذي نادى به لو كوربوزييه في أعماله المبكرة. كما جاء تصميم فيلا جاؤول على شكل مجموعة من الحجوم تغطيها أسقف خرسانية مسلحة ذات ملمس خشن، بشكل أقبية قطاعية المقطع. أما الجداران فكانت من الطوب والخشب بشكل مختلف تماما عن تصاميم العشرينات التي تميزت بشكل الصندوق الأبيض المرتفع عن الأرض والممتد إلى منظومة من الأعمدة الخرسانية المسلحة ذات المقطع الدائري، وبنوافذ أفقية مستمرة على طول الواجهة. ليس من السهل تبرير لجوء لو كوربوزييه في هذهين المشروعين إلى تصاميم ذات طابع شاعري رومانسي، خاصة في ضوء أفكاره المبكرة عن النمذجة والتصنيع بالجملة، والتشبه بالآلة أو السفينة البخارية الضخمة. لكن ما من شك في أن هذهين المشروعين يقدمان دليلا على قدرة لو كوربوزييه الفائقة على إعادة قراءة المكان والحدث، وتقدم تأويلات متجددة للتصميم المعماري في ضوء تلك المتغيرات.
وقد كان من آخر أعمال لو كوربوزييه تصميم دير لاتوريت بالقرب من ليون بفرنسا عام 1953-1959. لم يكن هذا دير عادي، بل كان أقرب إلى مركز بحثي وتعليمي تابع لرهبنة الدومينيكان. وكان من المفترض أن يحتوي المشروع على سكن للباحثات، ومكتبه، ومطعم، وكنيسة، وخدمات أخرى فرعية. وقد كانت قطعة الأرض موقع المشروع ذات انحدار كبير جعل لو كوربوزييه يلجأ إلى حل تصميمي يعتمد على الدخول من المنطقة المرتفعة في الموقع، في حين يمتد المشروع بشكل حرف U فوق الانحدار لكن دون أن يلامس الأرض في كل المناطق، بل في مناطق محددة فقط، مما ساهم في تقليل الكلفة كثيرًا وذلك بالاستغناء عن عمل أساسات ضخمة لكافة أجزاء المشروع. وقد جاء التنظيم الداخلي للدير بشكل مبنى مربع متعدد الطبقات في داخله فناء سماوي مكشوف في وسطه مكعب بسيط الأبعاد يحتوي ضمنه المصلى الخاص بالدير، يقفه بشكل هرم صغير يرتقع رأسه إلى مستوى الممرات العلوية التي تصل غرف الباحثين في الطوابق العلوية. وقد وضع لو كوربوزييه غرف الباحثين والمنامات في الطابقين العلويين من المربع الخارجي، أما المكتبة وقاعة الطعام، وغيرها من القاعات العامة في الطوابق الدنيا كاسرات شمس رأسية مستمرة على ارتفاع الواجهة، في حين تبرز غرف الباحثين في الطوابق العلوية قليلا عن الواجهة في إيقاع صندوقي يحدد معالم كل غرفة على حدة.
وقد تم تطبيق نظام القياسات الذي ابتدعه لو كوربوزييه بعيد الحرب العالمية الثانية مباشرة، المعروف باسم "المودولور"، وذلك النظام القياسي الذي ابتدعه لو كوربوزييه اعتمادا على النسبة الذهبية، على كافة تفاصيل واجهات المبنى التي تمتاز باللمس الخشن (الوحشي) للخرسانة المسلحة، التي كانت سمة مميزة لأعمال لو كوربوزييه المتأخرة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل إسكان مرسيليا، ومباني شانديغار، وكنيسة نوتر دام دي أو في رونشان، وفيلا جاؤول. وقد ألهمت هذه المعالجة البسيطة للمواد الإنشائية، وبخاصة للخرسانة المسلحة الوحشية، الكثير من المعماريين ممن كان لهم إسهام بما سمى تيار "العمارة الوحشية"، ومنهم أليسون وبيتر سميشون، جيمس ستيرلنغ، لويس كان، والكثير غيرهم.
لقد قدم لو كوربوزييه تصميما حداثيا وظف فيه آخر الإنجازات التقنية في مجال الخرسانة المسلحة والمنشآت المعدنية. وقد ظهر ذلك جليا في طريقة سقف قاعات المدرجات الرئيسية الضخمة التي تكونت من سطح مستمر من العناصر التغليفية الخفيفة المتعلقة بأطرافها العلوية إلى مجموعة من الجسور الخرسانية الضخمة بواسطة كابلات من الألياف المعدنية القوية. وقد تعلقت الجسور الخرسانية الضخمة في ناحية منها على قوس خرساني مسلح ضخم له شكل القطع المكافئ، الذي يشبه أشكال مرائب الطائرات التي صممها رائد الخرسانة المسلحة المهندس الفرنسي يوجين فريزنيه في مطار أورلي بالقرب من باريس عام 1916. وقد اتخذت المسقط الأفقي للقاعات الرئيسية شكلا قطاعيا يوحي بأشكال الأصداف البحرية التي كان لو كوربوزييه شديد الإعجاب بها، وتؤكد الواجهات على قوة تلك الاستعارة إذ توحي هي أيضا بأشكال شبيهة بأشكال الحيوانات البحرية الصدفية. وقد شكل الجدار القطاعي الضخم المغلق الذي يواجه الصاعدين نحو مدخل المدرج الرئيسي خلفية نحتية مناسبة للساحة الاحتفالية المتكونة بين المدرجين الرئيسين.
وحدة السكن
بدأ لوكوربوزييه بتصميم وحدة السكن عام 1920، إلا إنها لم تنفذ إلا بعد سنوات طويلة. وقد تعرضت هذه المساكن بعد الحرب للنقد بشكل كبير. كما ساهم لو كوربوزييه في التخطيط الحضري والتصميم. هذه الفكرة هي تعبير عن تحليل نظري حول السكن الجماعي «وحدة السكن ذات الحجم المتوافق» وهي تسمية استعملها الكوربوزييه بنفسه. لم يتم تشييد وحدة السكن إلا بعد إعادة البناء بأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في خمسة نسخ:
الاتحاد السوفيتي.