Datasets:

Modalities:
Text
Formats:
text
Languages:
Arabic
Libraries:
Datasets
License:
OCA / Pos /FilFanPos23.txt
evallecillo's picture
Upload 200 files
c588dcf verified
المر والرمان
في الوقت الذي امتلأت فيه شاشات التليفزيونات في العالم بصورة الفلسطيني في حالة قتال دائم ومعاناة وقهر وصراع وصدام مع المحتل الإسرائيلي، رأت المخرجة الفلسطينية نجوى نجار أن تقدم فيلما يقدم كل هذه المعاناة لكن من جانبها الإنساني بعيدا عن مشاهد الصدام المباشر.
حتى عند عرضها لمعاناة الفلسطينيين في التنقل في أراضيهم، شاهدناه في مشهد ناعم رقيق أثناء ذهاب بطل الفيلم لإحضار زوجته ليلة العرس، والصعاب التي واجهها عند عبور الجدار العازل، فبعدت عن الجانب الرصدي الذي تمتلئ به نشرات الأخبار.
قصة الفيلم بسيطة جدا وشخصياته محدودة، وبالتالي أحداثه مركزة، يصور العلاقات الإنسانية من خلال داخل عائلة مسيحية فلسطينية من رام الله، يتزوج ابنها (زيد) فتاة من القدس (قمر).
لم تمر سوى أيام قليلة حتى تحدث مواجهة بين (زيد) وجنود الاحتلال الذين يريدون مصادرة أرضه مصدر الدخل الوحيد بالنسبة له ولأسرته، وعند رفضه يتم اعتقاله وإلقائه في غياهب السجون التي تضم العديد من الأسرى الفلسطينيين، وهنا البداية الحقيقية للفيلم.
أرى أن الفكرة الرئيسية أو القضية الرئيسية التي قدمها لنا الفيلم، -طبعا لم أحاول البحث عن أى نوع من أنواع الحلول قد يكون قدمها، مثل الذين يخطئون وينتظرون من الفنون تقديم حلولا للقضايا والمشاكل- فكانت عن "قمر" الزوجة الشابة الجميلة التي لم يمنحها الزمن فرصة الفرحة بزواجها وبحياتها الجديدة لا على المستوى العاطفي النفسي ولا على المستوى الجسدي الحسي بعد اعتقال زوجها.
وتلاقى حرمانها من زوجها مع حرمانها من هوايتها الأثيرة وهى الرقص، التي مارسته كهاوية مع إحدى فرق رام الله، وفرضت عليها الظروف التخلي عن هوايتها للتفرغ للبيت وللعمل بالحقل وبيع الزيتون بدلا من زوجها، وهنا نقف لنشاهد تشتت الزوجة الشابة، متى سيخرج زوجها من المعتقل؟ هل توافق على طلب أمها وتعود إلى بيت أسرتها في القدس؟ أم تبقى في انتظار زوجها؟ هل تمارس هوايتها في الرقص؟ أم تتخلى عن أحلامها وتترك الظروف ترسم حياتها المقبلة؟
تمر بطلة الفيلم بعد أن قررت أن تمارس هوايتها بجوار القيام بعملها ورعاية البيت والأرض، بتجربة عاطفية مع مدرب الرقص الشاب الذي يعلن لها عن إعجابه بها، كان الإعجاب من طرف واحد هو طرف المدرب، أما هى فلم تتجاوب معه بل وواجهته عندما اعترف لها بأنه حر في مشاعره، أما هى فلا تشعر تجاهه بشيء، وبعد فترة تشتاق الزوجة الشابة إلى زوجها، وتفتقد مشاعر على المستويين النفسي والجسدي، لم تكد تعيشها حتى حرمت منها بعد اعتقال زوجها، وهو ما أدى إلى ميلها في النهاية إلى الشعور بالرغبة في رؤية مدربها، ولكن قبل أن تتطور هذه المشاعر تم الإفراج عن الزوج لتترك البطلة الرقص والفرقة وتنسي مدربها وتذهب لمقابلة زوجها العائد.
هذه العلاقة العابرة التي لم تكتمل، ولم تتجاوز تخيلات كليهما (البطلة ومدرب الرقص)، منحها البعض اهتماما كبيرا، وثاروا عليها رافضين، لما يرون فيها من إهانة لزوجات المعتقلين، ووصم لهم بالخيانة، بينما لم أرها كذلك، فالفيلم يقدم تناول (المرأة والجسد) في السينما الفلسطينية لأول مرة، وعالج الموضوع بحساسية ورقي وفنية شديدة، من خلال بعض الإشارات إلى الرغبة المتبادلة، وإلى العلاقة مع الجسد، والتمزق بين الواجب وبين اللذات، وبين الاحتياج الشخصي والواجب الاجتماعي.
وما يمنحني تلك القناعة بأن الزوجة لم تكن خائنة وإنما كانت مثلها مثل كل البشر في لحظة احتياج للحب وللحنان، ذلك المشهد الذي أخرجته نجوى نجار باقتدار عندما ذهبت البطلة لتزور زوجها في المعتقل وطلبت منه قبلة من وراء الأسلاك التي تفصلهما.
كان واضحا أن الموسيقى الفلسطينية الحزينة التي اعتمدت في الأساس على آلة العود وإيقاع الطبل، استخدمتها المخرجة، بالإضافة إلى الرقص، كمعادل موضوعي للحرية.
وبعد نهاية الفيلم، أضفت إلى قائمة جرائم إسرائيل جريمة أخرى، وهى حرماننا من الاستمتاع بالأفلام الفلسطينية، لا لشيء سوى لأنها ومنذ عام 48 استهلكت الحياة الفلسطينية على جميع مستوياتها العامة والخاصة، في جميع وسائل الإعلام والأدب والموسيقى والدراما، وهو ما انعكس على رؤيتي للفيلم حيث شعرت وكأنني أشاهده من وراء لوح زجاجي، حرمنى من التفاعل معه.
التقييم العام:3