| السفارة في العمارة | |
| قد يكون شريف خيري هو البطل الوحيد الذي ظهر على الشاشة ، لكن الأبطال الحقيقيون في نظري هم من حملوه في مظاهرات الفيلم ، ومن هتفوا له وضده ، فشريف خيري شخص عادي ، بهرته دول الخليج فأضاع فيها عمره ، كما بهرت مخرج الفيلم معالم دولة الإمارات فحول تيتر الفيلم إلى تيتر تسجيلي لا يمت للفيلم بصلة – قد يكون شرط الحكومة الإماراتية للسماح بتصوير الفيلم!- رسم عرفة ملامح شخصية خيري بدقة شديدة ، وبين خلفياتها التي انتجتها في هذا الشكل ، رجل فقد والديه ، ليس له عائلة ، لا يعرف في الدنيا إلا أمرين المال الذي يوفره عمله ، والنساء اللاتي يقضين معه أعياد ميلاده اليومية! | |
| كان خيري صريحاً مع نفسه ، ومع غيره حتى أننا نراه وهو يتحدث مع إياد ابن صديقه الفلسطيني عن نفسه بأنه لا دخل له بالسياسة ، ولا يمثل له الوطن إلا مكاناً آخر يكون فيه ، يردد أمامه إياد أسماء قادة العالم وأرقام قرارات مجلس الأمن ، ويبتسم وهو يسمع آمال الطفل في تحرير وطنه والإشتراك في الإنتفاضة ، بينما يصف نفسه بأنه "يعشق المكن" ، يخرج من جيبه دليل عشقه ، ودليل خيانته لمديره الغارق في بئر الخيانة هو الآخر. | |
| بعد المشاهد القليلة في الإمارات والصورة الرائعة التي حرص عرفة على توضيحها ، يجد خيري نفسه مجبراً على العودة إلى وطنه ، لا يفوت عرفة الفرصة لتأكيد أواصل العلاقة العاطفية الوحيدة الصادقة في حياة بطله وهي حبه للطفل إياد ، فيقحم مشهد إنقاذ الطفل للكهل الكبير من أمام عربة مسرعة ، في مشهد غير مقنع تماماً ، ثم يوصله الطفل إلى المطار ليرحل عائداً إلى وطنه الذي لا يعني له أي شيء. | |
| في الطائرة لا يتوقف خيري عن متابعة هوايته "الإمامية" في الإيقاع بكل أنثى تمر من أمامه ، ورغم محاولات عرفة الشديدة لتحجيم هذه الهواية القديمة ، إلا أن المضيفة الجوية التي تقع في غرام خيري من النظرة الأولى لم أجد لها مبرراً ، إلا كونها سبباً للحوار الضاحك بين خيري وضابط الأمن الذي يقوم بدوره خالد سرحان. | |
| كان مشهد دخول عادل إمام إلى شقته العائد إليها بعد سنين من أكثر مشاهد الفيلم ثراءً ، ولو تنبه عرفة لكم الأحاسيس التي يمتلكها وجه إمام العجوز ، لخرج المشهد أفضل بكثير ، فلا يوجد معنى أبداً لتصوير ظهر إمام وهو يستكشف شقته ، وكان الأفضل متابعة الكاميرا لوجهه والتنويع بتصوير لقطات من منظور عين البطل ، إلا أن نهاية المشهد وإكتشاف خيري لوجود السفارة الإسرائيلية إلى جواره كان متميزاً ، خاصة مع موسيقى عمر خيرت الرائعة. | |
| رد فعل خيري السريع كان طبيعياً جداً ، رد فعل عاطفي سرعان ما زال أثره مع قدوم المضيفة الفاتنة ، نسى الأمر ، ونسى نجمة داود ، لكن من حول خيري هم من يبدأون في تحويله ، بداية من بائع الفطير الذي يرفضه ، مروراً بفتاة الليل "الكاريكاتيرية" التي ترفض الأموال من جار الإسرائيلين ، وصولاً إلى صديق الغرزة الصحفي بجريدة "لا" الرافض لكل شيء ، مع أنه يعيش في عالم الدخان الأزرق. | |
| الإطار الذي عاد إليه خيري مرة أخرى ، هو نفسه الذي خرج منه منذ ما يزيد عن ربع قرن ، لنرى الرفاق يلتمون من جديد شريف خيري "بتاع الجاز" ، والمحامي الفاسد ، والصحفي الرافض ، والدكتور البيطري ، أربعة رجال تجمعهم أحجار "الشيشة المحشوة بالحشيش" في وسط هذا الضباب المغيب يطرح خيري مشكلته في وجود السفارة في عمارته ، ووجود السفير معه في "الأسانسير" ويلخصها في "سين وجيم فحسب" ، لينقلب الصحفي على شريكه في "الغرزة" مردداً كلمات قصيدة أمل دنقل "لا تصالح". | |
| وهنا أطرح سؤالاً على من هاجموا عادل إمام وفيلمه لأنه غيَر كلمات القصيدة ، أيهما أصدق .. شريف خيري الذي لا يعرف إلا "أحجار المعسل" ولم يسمع يوماً عن الصلح بين مصر وإسرائيل ولا يعنيه الأمر في شيء ، أم الصحفي المعارض الذي يقول كلمات القصيدة والدخان يخرج من فمه ، وهو نفسه الذي يدخن في شقة صديقه الذي أسماه بالعميل بعدما وجد فيها من عوامل الأمان ما يفوق عوامة المحامي الفاسد؟! | |
| نقطة التحول الرئيسية في الفيلم تبدأ مع الإقتراح الجهنمي للمحامي برفع قضية على السفارة لطردهم من العمارة ، كي ينعم شريف بحريته وبالتعويض امالي ، ليرتفع اسم شريف خيري إلى عنان السماء ، "شريف خيري رمز الصمود" ، هنا نكتشف كيف تصنع الجماهير رموزها الوطنية ، فشريف خيري الذي دخل أحد المظاهرات لمجرد إعجابه بقائدتها ، أصبح هو سبباً وقائداً للمظاهرات ، وأصبح أقرب الناس له ومن إشتركوا في صناعة أسطورته الفارغة ، هم أكبر مروجي بطولته الوهمية. | |
| وسط الأحداث المتلاحقة ظهرت شخصيات ثانوية كثيرة ، لا أعرف لماذا تعمد عرفة تهميشها وإظهارها في شكل كاريكاتيري ، مثل خالد سرحان في دور ضابط الأمن ، كذلك ميسرا في دور فتاة الليل الوطنية ، وكانت شخصية السفير الإسرائيلي على أهميتها أقرب إلى الوقوع في هذا | |
| التقييم العام : 4 |