Dataset Viewer
Auto-converted to Parquet Duplicate
cleaned_text
string
true_author
string
pred_author
string
correct
int64
prob_أحمد_أمين
float64
prob_أحمد_تيمور_باشا
float64
prob_أحمد_شوقي
float64
prob_أمين_الريحاني
float64
prob_ثروت_أباظة
float64
prob_جبران_خليل_جبران
float64
prob_جُرجي_زيدان
float64
prob_حسن_حنفي
float64
prob_روبرت_بار
float64
prob_سلامة_موسى
float64
prob_طه_حسين
float64
prob_عباس_محمود_العقاد
float64
prob_عبد_الغفار_مكاوي
float64
prob_غوستاف_لوبون
float64
prob_فؤاد_زكريا
float64
prob_كامل_كيلاني
float64
prob_محمد_حسين_هيكل
float64
prob_نجيب_محفوظ
float64
prob_نوال_السعداوي
float64
prob_ويليام_شيكسبير
float64
prob_يوسف_إدريس
float64
من طفل في الخمسين عمري ما احتفلت أو حفلت بعيد ميلادي. كنت أعرف وقته دائما، 19 مايو، ولكني في أحيان كثيرة، ومن فرط عدم اهتمامي؛ كنت في أحيان أنساه تماما ولا أتذكره إلا على كلمة تهنئة صديق، أو بوكيه ورد من صديقة. وكنت كثيرا ما أتشاجر مع صديقي الكبير فنان الحياة الأعظم كامل الشناوي على ذلك الاكتئاب والتشاؤم الغريب الذي يقابل به يوم ميلاده حين يقترب. "فعلها" مرة وكتب في حالة كتلك قصيدته المشهورة "جئت يا يوم مولدي... جئت أيها الشقي" إلى أن يقول "ليتك يوما بلا غد"، أي ليت الحياة تنتهي بك ولا تبدأ؛ تشاجرت معه، لا لما حفلت القصيدة من تشاؤم مهول، ولا لأنه زاد الطين بلة فأعطاها للمطرب العاطفي الكبير الحافل صوته بالحزن، وكأنه يحيل الموسيقى والكلمات ليس إلى شعر مهموس ولكن إلى خيط دمع طويل مدرار. لم أتخانق مع كامل الشناوي لهذا، وإنما كنت أتخانق معه لاهتمامه هذا الاهتمام الكبير بيوم ميلاده، حتى لو كان ذلك الاهتمام الحزين المتشائم الموتور، بل أخانق فيه هذا التناقض الغريب، ذلك الرجل الذي يعشق الحياة إلى حد الوله والعبادة حتى ليضن على أن ينام وينقص كوبه الليلي الذي يتجرعه بمتعة زائدة قطرة. ذلك الموله بالحياة، كيف يلعن اليوم الذي أصبح فيه ذلك الكائن الحي؟! اليوم الذي وجد فيه على ظهر أرض كان يرتعب رعبا دونه رعب الأطفال من مغادرتها؟! ولا أذكر بماذا كان يجيبني، ولكن ما أذكره أنه لا يرد أبدا بشيء مقنع أو يستطيع إقناعي؛ ذلك لأن ما كان يعتريه كان إحساسا، مجرد إحساس لا منطق فيه أو له. ولم يكن وحده صاحب إحساس كهذا؛ معظم الناس، بل أكاد أقول كل الناس، تنتابهم حالة غريبة من الأمر اقترب يوم مولدهم أو ليلة رأس السنة مثلا، وأبدا ليس حزنا على عام انقضى أو تخوفا من عام سيجيء. ربما السبب الأعمق هو أن هناك زمانين لكل منا: ذلك الزمان العام الذي تسير على وقعه أحداث العالم وأحداث اليوم، والذي من أجله نحمل الساعات ونحرص على ضبطها كان حقا في منطقتنا العربية نحرص على وجاهتها).
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000048
0.000004
0
0.000093
0.000008
0.000194
0.0001
0.000001
0.00037
0.000001
0.000096
0
0.000016
0.000101
0.000027
0
0.99894
ذلك الزمن العام هو العداد العام الذي دام يعد السنين والأيام للناس كلها علنا وأمام بعضهم البعض وفي ونس من بعضهم لبعض وفي إحساس شامل أن الساعة إذا مضت فهي ساعة موزعة على أربعة آلاف مليون من البشر، وأن العام كذلك موزع علينا جميعا بالقسطاس، بحيث لا ينال الواحد فينا من العام بأكمله إذا مضى إلا فتفوتة إحساس، مجرد همسة زمن. وهناك-وهذا هو الأهم-ذلك الزمن الخاص، عدادك الخاص أنت، الذي صحيح كثيرا ما "تفكر" فيه، ولكنك نادرا تماما ما "تنظر" فيه، فأنت حين تنظر فيه المحتم عليك أن توغل بنظراتك إلى أعمق أعماقك، إلى حبك الخفي الغويط، ودائما ما تدرك وتتيقن أن الجزء الذي يغوص منك في بئر الزمن المطلق، العدم، قد ازداد، وأن جزأك الباقي فوق سطح الحياة قد نقص، والنقص غير موزع على أربعة آلاف مليون بشري، بل ولا على أربعة حتى، النقص منك أنت ويخصك كله؛ ولهذا يرتدع البعض، وعند عمر معين يتجنبون النظر تماما إلى ساعاتهم أو زمنهم الخاص، إلا أن يرغمهم قدوم رأس العام مرة أو حلول عيد الميلاد مرة بالقوة الغاشمة، يلوي أعناقهم لتنظر إلى الداخل، إلى الغاطس والطافي من وجودهم، إلى ذهب وما تبقى أو مفروض أن يتبقى. هذه الساعة التي لا ننظر فيها إلا كل عام مرة، أو بالضبط هذه النظرة السنوية هي التي كنت أتحاشاها دائما؛ ذلك أن حساباتي في مسألة العمر مختلفة قليلا عن حسابات معظم الناس؛ فأنا أحسب السنين بحسب ما حققته وليس بعدد ما عشته، وأنزعج فكرة العمر أيضا، لا بمقياسها الزمني ولكن بمقياسها التحقيقي. وهكذا كنت لا أحفل أبدا بالسنين في شبابي وصباي؛ ذلك أني كنت أنظر إلى الأهداف، وكان العمر يبدو طويلا وممتدا بالقياس إلى الأهداف التي كانت تبدو كعناقيد العنب في متناول الوثبة. بل أذكر أني وأنا في السادسة عشرة والسابعة عشرة كنت أستعجل الزمن، كنت أحلم في منامي ويقظتي أنني أصل بالواحدة والعشرين، ويا سلام، فمنتهى سعادتي أن أجد نفسي فجأة في السادسة والثلاثين، أما الاثنان والأربعون فقد كان لها في نفسي سحرها الغامر الذي لا يقاوم. كنت ألهو بلعبة الأيام كما يلهو الطفل بألاعيبه؛ إذ موقفي الجدي كان مع الأهداف التي كان معظمها ليس خاصا، وبالتأكيد ليست أحلاما أو أعمالا أحققها ككاتب.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000206
0.000004
0
0.000156
0.00001
0.000166
0.000477
0.000002
0.000213
0.000001
0.000094
0.000001
0.000048
0.000117
0.000011
0
0.998491
مصر الغنية المثقفة المصنعة، والعرب وقد أحالوا بترولهم حضارة كالإسلام، والاشتراكية في العالم وقد سادتها الديمقراطية تماما، والديمقراطية في الدنيا وقد سادتها الاشتراكية، ومن مجاميع الحضارات التي تنمو مع العالم النامي يصبح الكون مائة زهرة فعلا قد تفتحت وسخرت لخدمة وإمتاع إنسان هذا العصر الذي أحيا فيه، لعب عيال، كنت أظنها سنوات. أقصى ما أعطيه لها عشرون عاما يحدث فيه هذا كله، بحيث حين أكون في الخمسين أبدأ أعيش إذ أعيش في إجازة أتعلم فيها الموسيقى وأعزفها- ذلك كان حلم حياتي-وأشتغل بعض الوقت وبمزاجي جراحا. أما أهم ما أوجه له جهدي فهو دراسة الطبيعة النووية التي كان حلم صباي أن أدرسها. وبالمرة أكتب، إلى بشرية ذهب عنها الظلم ولم تعد فيها الكتابة أنات من السخرة الحديثة ولا شكايات من القهر. ليست كتابة مرضى يحاولون علاج زملاء مرضى هم الآخرون، ولكن كتابة أصحاء لقوم أصحاء انتهت شكاواهم، وانتهى الأدب كوسيلة لإيصال رسالة سياسية أو اجتماعية، وانفتح على الروح البشرية مباشرة يستكشفها ويضيئها ويرويها، كتابة ما بعد اختفاء الجوع والمرض والظلم والحرب والجريمة، وآلاف الأسطر والكلمات يمكن أن أسوقها عما كنت أحلم به، ومتأكد تماما أنه سيتحقق آنذاك. ولكن ها أنا ذا أفاجأ أن اليوم هو 19 مايو، وأن عمري أصبح فعلا خمسين، وأن مسائل قياس العمر بالأهداف قد استغرقتني تماما، قليل تحقق، هذا صحيح، ولكن كثيرا قد تحقق لي كنا نضعه نحن الأطفال تحت بند "الكهنة" البشرية؛ فخمسون عاما كانت كمية كبيرة جدا السنين في الماضي؛ ذلك الماضي الذي كان يجري يومه بهدوء وانسياب وراحة بال، وكأنك ممتط "كارتة" ساعة العصاري على الكورنيش. الخمسون عاما اليوم تمضي في ومضة، في ومضة ملهوفة عصبية قلقة تقضيها مروعا من ألف اعتبار، وكأنك تعبر ميدان التحرير عن غير طريق المشاة ومشدود من العربات القادمة التي تفاجئك من كل اتجاه، وإن كنت في عربة خائف أن تقتل، وإن كنت من المشاة خائف أن تقتل، وإن كنت على دراجة خائف من الماشي ومن الراكب ومن الأتوبيس ومن كل شيء يتحرك أمامك أو خلفك أو على جانبيك، والخوف يطيل اللحظة ولكنه يقصر العمر، وهكذا في ومضة تستيقظ على الخمسين.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000071
0.000006
0
0.000083
0.000017
0.000231
0.000105
0.000001
0.000145
0.000001
0.00006
0
0.000031
0.000098
0.000063
0
0.999086
ولأنها غريبة وراودتني فيها عن الناس وعن الحياة وعن نفسي أفكار لم تخطر على قلبي، على قلب بشر، فقد غامرت وجعلتها البداية لعودتي للانتظام في كتابة المفكرة. أفكار، منها مثلا فكرة أن الناس تكبر بالعكس أو على الأقل بعض الناس، فأنا من هؤلاء الذين قضوا طفولة جادة تماما لم يعرف المرح طريقه إليها؛ رجل رهيب في ثوب طفل، كل ما أعتقد أني أريده أحرمه على نفسي بل وأنظر له وكأنه خطيئة أرتكبها تجاه الآخرين، همي الأكبر كله أن أصنع مثلما يصنع الكبار لأكون كبيرا، وألا تبدو من طفولتي بارقة نزق واحدة تشف عن الصغير" المرتدي جاكتة أبيه أو معطفه، فالطفولة كانت في طفولتنا "عيبا"، ولا تزال لغتنا الخطأ، المطالب والهدايا واللعب؛ كل هذه كانت "تهما" نموت حنينا إليها في أعماقنا، ولكننا نموت خوفا أيضا أن نطلبها أو نصرح بها وإلا أصبحنا "عيالا" وكأن كلمة "طفل أو عيل" مرادفة لكلمة "امرأة" حين تذكر على محمل التأنيث والإهانة. وكان الصبا أيضا جادا؛ إذ قام "الواجب" فيه محل معطف الرجل. من طبقات مطحونة، أن نأخذ من المدينة كل علمها، وكل وسائل تقدمها، لنطفو فوق سطح الحياة، ولا نطفو وحدنا، وإنما في الغالب ينفق والد الواحد فينا فيكون عليه هو الكبير أن يصبح حاملا فوق كاهله نصف دستة أو أكثر من الإخوة والأخوات، وبهذا يحكم عليه أن يعوم ويظل يطفو... ضاعت الطفولة في إرهابنا أن نتصرف كالأطفال. وضاع الصبا في صعود الجبال الوعرة إلى الطريق الأكثر إنسانية وراحة. وجاء الشباب لندرك أن المشكلة ليست مشكلة كل منا بمفرده، وإنما هي مشكلة بلد، بل منطقة، بل عالم بأكمله علينا أن نغيره، نحلم بتغييره ونحقق الحلم ونواجه حكومات حكومات، وعقوبات تلو عقوبات، وسجونا ومعتقلات، ويضيع الشباب في مقاومة الشر ومحاولة استنبات ما أمكن من خير، ثم يطل عليك عامك الخمسون وهو يخرج لك لسانه، فجيشك شرد وتشتت، وجيلك كرش واصلع وشاب، وأمانيك أصبحت لا تصلح إلا كعناوين لمواضيع إنشائية أو شعارا من شعارات تنظيمات الشباب الرسمية.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.00007
0.000006
0
0.000079
0.000019
0.000287
0.000168
0.000001
0.000129
0.000001
0.000055
0
0.000047
0.000098
0.000036
0
0.999002
وليس ما ذكرته مرارة ولا ندما؛ فقد كان لا يمكن أن يحدث إلا ما حدث، فإننا ومن أجل وفي سبيل هذا كله، ومن الأفعال وردود الأفعال، من الزق والدفع والجذب، من الأمل والإحباط، من جماع ذلك كله وأنت تناضل موجة أعتى منك بكثير وأطول قامة، وبحرا كالغول فاغرا فاه، هذا كله صنعت دون أن تدرك "نتيجة"؛ نتيجة حياة هي هذا الشيء الذي تجلس اليوم تتأمله وتحس بكل ذرة منه حفنة من دمك، وكل واقعة فيه كومة من لحمك وعمرك، ولكنك أيضا تحس بروعة لأن هذا كله كان اختيارك وباختيارك صرفا، وأنها حياة لم تفرض عليك، ولكنك أنت الذي فرضت حياتك تلك على الحياة... بل المضحك الذي أكتشفه الآن فقط أنني نجحت في تربية نفسي حقا... فإذا كانوا قد ربونا على أن نكون رجالا ونحن أطفال، ومسئولين ونحن صبية، وشهداء ونحن شباب، أي نعكس وضع الأمور جميعا، ونستلب من كل فترة الممتع من محتواها؛ فقد كان علي وعلى كثيرين مثلي أن يقوموا لأنفسهم بالثورة التربوية؛ تلك التي لا تقسم الإنسان إلى مراحل هرمية ينبذ أي منها بكل ما فيها من ألم أو متعة بعد انتهائها. ولكن أن يعيش كل مراحل العمر معا وفي كل آن، في جزء من يومه يطلق الطفل المحروم، وفي لحظة تنبت له أحلام الصبا، شابا ينزق ويتصرف إذا عن له أن يفعل، شيخا في السبعين أو الثمانين يتأمل، مراهقا وكأنها اللحظة الأولى التي تنبت فيها أول مجموعة من شعر الشوارب، حكيما وكأنه وصل إلى لحظة الاستغناء المطلق عن الدنيا كلها والحكم عليها وعلى نفسه وعلى الناس بموضوعية، تكاد تقترب من موضوعية وكان هذا-وإليكم أعترف-أصعب جزء من المهمة، مهمة أن تحيا، ليس كما أريد لك، ولكن كما اخترت أنت وكما قررت-فكأنها اللحظة التي عليك أن تخضع فيها عالما بأكمله لمشيئتك البشرية المحدودة، والنصر الحقيقي، والحياة الحقة، والفوز الأعظم-أن تفعلها.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000019
0.000003
0
0.000076
0.00001
0.000297
0.000059
0.000001
0.000294
0.000001
0.000137
0
0.000008
0.000069
0.000049
0
0.998976
فهل استطعت؟ هل أيكم استطاع؟ ها أنا ذا جالس إلى مكتبي في يوم عمري ما خططت فيه حرفا في حياتي، ذلك العيد الميلاد الذي لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة، وليته يأتي ليقسمها إنما هو يأتي ساخرا في العادة مخرجا لك لسانه، مبتعثا فيك أشد الشك في كل ما فعلت وحققت، وفي نفس اللحظة، وكأنما ليغيظك أكثر، مبتعثا في نفسك أيضا كل ما تتوهم أنه كان معجزات، وحققت، ولكنه على الحالين ساخر، وإمعانا في سخريته مشفق... ولكن، ها أنا ذا، ولأول مرة، لا أجلس أمامه كالمذنب الذي يتلقى التأنيب أو يحاول الدفاع، ها أنا ذا جالس وقد عرفت-واليوم فقط-سر اللعبة؛ لعبة الأيام. إننا أبدا لا نحياها مراحل تنتهي لنقلب صفحاتها تماما ولا نعود نرجع إليها، ولكن نحياها، كل المراحل معا، فلا خلاص لنا من متاعب المسئولية، إلا أن نحظى بوقت من اليوم نحياه أطفالا غير مسئولين، ولا خلاص لنا من الخمسين إلا بأن نحيا معه جنبا إلى جنب العشرين والعشرة والثلاثين، ولا خلاص لنا من رعب النظر في زمننا الخاص كل عام مرة إلا بأن نتعود النظر إليه يوما بيوم بل وحتى ساعة بساعة لنسرق نحن من زمننا زمنه، نسرق خوفنا منه، نحيل أرقامه إلى الصفر، إلى ما لا نهاية. وهكذا أحس اليوم وقد قضيت الصباح ألعب مع ابنتي (4 سنوات) أني زاولت فيها طفولة تساوي طفولة عام من أسعد الأعوام. وهكذا أحس، وأنا أكتب لكم هذا أيضا، طفلا في الخمسين، لا يخوفه الزمن ولا الرقم، لا يخوفه حتى كل ما ضاع وفات؛ إذ ما ضاع شيء وفات إلا أوجد مكانه شيئا يستحق أن يبقى، ولا يخيفه ما هو آت، مهما كان ما هو آت فهاته هات؛ إذ هل سيكون أشد سوءا أو أكثر روعة مما جاء وفات. وإذا كبرتنا أيها الزمن، فسنصغر لك، صغرتنا سنكبر عليك؛ فقد ساهيناك ووصلنا زمننا الخاص بالزمن العام. وحرمتنا متع الصبا والشباب والطفولة، وستحرمنا-أنا متأكد-متع الشيخوخة، فسنخرج لك نحن لساننا ونعيشها كلها معا، وإذا خذلنا الحاضر سنضمهم معا جميعا الماضي والحاضر اصنع ما شئت بسنينك؛ فالسن لا تزال عندنا ليس العمر وإنما الهدف، وستظل أهدافنا أقوى تعدادك، وإلا لما وصل إنسان إلى ما وصل إليه الآن. وليكن اليوم وقفة مع الخمسين في المائة من العمر والأهداف والإصرار، وقفة بعدها يمكن فعلا أن تبدأ الحياة الحقة. لماذا لا نزال نكتب؟!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000018
0.000002
0
0.000087
0.000005
0.000312
0.000076
0.000001
0.000279
0.000002
0.000088
0
0.000012
0.000058
0.000035
0
0.999024
قال لي: بعد إذنك، لمن تكتب ما كتبت؟ وبالأصح: ما فائدة ما تكتب؟ إن القراء ينفعلون قليلا أو كثيرا، هذا صحيح، بعض المسئولين يقرءون كلاما، مجرد كلام. ما أكثر ما تنشر الصحف ونسمع ونرى من كلام وكلام وكلام! صحيح أن كل كلام ليس مثل أي كلام، ولكن مهما كانت الكلمات ومهما بلغ مفعولها، أتعتقد أنها يمكن أن تغير الواقع؟ يمكن أن تحل أزمتي أو أزمتك؟ يمكن أن تجعل النقود تنسال إلى جيبي الخاوي أو تشتري لي الطعام؟ ما فائدة يا سيدي أن تكتب؟ وما فائدة أن تقرأ؟ نظرت إلى محدثي مرة ثانية. موظف، واحد من مئات الآلاف من شعبنا الموظف، خريج جامعة يبدو، ولكن الزمن والوظيفة من الواضح أنهما تكفلا به؛ فأحالاه إلى ذلك الجسد السمين والقميص الكالح والبنطلون الأكلح. نظرت إليه، ولم آخذ كلماته ببساطة أبدا، رحت بعمق شديد أفكر فيما قال. ولم تكن هذه أول مرة أفعل، وإنما خلف وعيي، ودون أن أشعر، وقبل أن أكتب وأنا أكتب وأنا أقرأ ما أكتبه ويكتبه غيري، يلح السؤال، نفس سؤال الموظف القارئ، رحت بعمق أفكر، والتفكير يقودني إلى السؤال تلو السؤال حتى أصل في النهاية إلى ذلك اللغز: كيف يتغير الواقع؟ ومن الذي يغيره؟ أهي الظروف؟ أهو الإنسان؟ أم بالصدف المحضة ينتقل الكائن من حال إلى حال؟! في الحقيقة ما أزعجني في السؤال هو أيضا هذا الكم من الاكتئاب الذي يحتويه. إن للاكتئاب النفسي الفردي أعراضا معروفة في علم النفس، منها التشاؤم وفقدان الهمة والإحساس المحض أن كل شيء مثل أي شيء، وأن كله كلام في كلام، وكله لا فائدة فيه، حتى الشهية للطعام والشراب والجنس والحب وأي متعة في الحياة تفتقد طعمها، ويصبح الإنسان يعيش وكأنه يؤدي دورا، يؤديه مجرد أداء واجب سخيف ثقيل في رواية ممجوجة لا معنى لها بالمرة اسمها الحياة. ولكننا هنا لسنا أمام حالة اكتئاب فردي هذه أعراضها فقط، نحن أمام ما هو أكبر بكثير، أمام حالة اكتئاب جماعية. وأنا لا أعرف إن كانت هناك حالة في الطب النفسي أو علم الاجتماع كهذه الحالة، ولكن ما أعرفه بالتأكيد هو أننا مصابون تماما بها، هذه الحالة تتخذ شكل الفوضى الشاملة الناتجة عن فقدان الإرادات الفردية المحددة للواجب والحق، فوضى في السرور، فوضى في العمل، فقدان البعد الزمني في تقدير الحاضر والماضي والمستقبل حتى ليصبح المجتمع كله وكأنه يحيا الدقيقة لدقيقتها فقط، لا دقيقة ستأتي بعدها.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000091
0.00002
0
0.000363
0.000093
0.000266
0.000022
0.000001
0.000429
0.000001
0.000118
0
0.000013
0.00022
0.003195
0
0.995165
وإذا تحددت الحياة في اللحظة الراهنة تصبح هي كل الحياة، وليمت الإنسان بعدها فادفع و "زق" واخبط بالكتف والذراع ودس على أي قيمة، وملعون أبو أي مجتمع وأي شعار؛ فأنا ميت أو سأموت في اللحظة التالية. أنا هنا لا أقدم بحثا "أكاديميا" عن حالتنا، ولا أزعم أني أكتشف شعبا جديدا، ولكني فقط أسجل بعض الأحاسيس والانطباعات التي كثيرا ما تنتابني حين أمشي في شارع طلعت حرب أو 26 يوليو، أو أقابل الجماهير الخارجة من مباراة كرة قدم، وأتمعن في وجوه الناس؛ فأجد وكأنهم ليسوا بأناس بالمرة، أجسام معظمها تخين من فرط فقدان الإرادة ولهيب الطموح، سائرة، هائمة، كما يقولون بالضبط "لا تلوي على شيء." لا هدف لها، حتى الفرجة على الفتارين ليست الهدف ولا التمشي في الشارع ولا أي هدف بالمرة، إنما هو التحرك الراكد في اللاشارع واللاشيء، والسير إلى اللاهدف، والتطلع إلى اللارؤيا، وسماع اللاصوت. وثمة بخار خانق يتصاعد من الأجساد وتنفثه نوافذ البيوت ومداخن العربات وعيون القطط الضالة والكلاب؛ بخار كثيف غير مرئي يتجمع وينعقد كسحابات الفجر فوق الرءوس، وتستنشقه الصدور؛ لتعود فتنفثه وقد تحمل بضجر أكثر وضيق أكثر وأكثر، وكأنما السؤال الرهيب المعلق في الفضاء، يدق بمقامع من حديد ويلح ويقول: وبعد! أما لهذا نهاية؟ وبالطبع، فإن لهذا كله، ولأي شيء في الوجود نهاية. ولكن النهاية هنا صعبة تماما؛ لأن على المفقود في اللانهائية-الذي هو نحن-أن يجدها، بل وأن يضعها، وأن يقوم بها. ولهذا فنحن يا سيدي الموظف القارئ نكتب. ولهذا أيضا فأنت لا تزال تقرأ. والواقع أني شخصيا فعلا لم أختر شكلا "من مفكرة فلان" عبثا. لقد اخترتها بعد تفكير وإمعان شديدين، فقد كان الشيء الذي يلح علي هو: كيف أدعو مسدود النفس إلى تذوق طعم كلمة ونفسه تعاف الكلام كله، بحلوه ومره. قصص؟! أي قصة أقرأ وأنا في قلب مأساة لا يتفتق عنها ذهن أعتى قصاص أو تراجيدي. شعر؟! وما فائدة الشعر ومائتا قتيل يسقطون يوميا في بيروت ببنادق عربية، والحرة في بلاد أخرى تبيع جسدها من أجل أن تطعم الأولاد والزوج. رواية؟! مسرحية؟!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000058
0.000004
0
0.000144
0.000001
0.000314
0.000165
0.000011
0.011195
0.000003
0.00031
0
0.000006
0.000296
0.000025
0
0.987467
كيف تهز أعماقا أصبح دوي القنابل الذرية نفسها لا يهزها، بحيث مسحت اليوم مدينة مصرية أو عربية بأكملها من الوجود لما ارتفع لها حاجب دهشة أو هكذا جاء شكل "المفكرة"، مجرد دعوة، دعوة بحذر شديد أقدمها، ذلك أني ما زلت أومن أننا نحن الذين سنغير هذا كله، وحيث إن الله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فنحن الذين علينا أن نغير الواقع ونغير أنفسنا وهنا يأتي دور الكلمة. فأول كلمة نزلت على نبينا الكريم كانت كلمة: اقرأ. والسيد المسيح هو القائل: في البدء كان الكلمة. فالكلام يا سيدي الموظف القارئ أبدا ليس أي كلام. وليس كل الكلام مثل كل الكلام. هناك دائما أبدا ما أسميه أنا: الكلمة-الفعل، أي الكلمة التي ليست بديلا عن الفعل وليست مجرد تفاصح وإظهار للقدرة على القراءة والكتابة، ولكنها الكلمة التي تصدر عن قلب عاناها ويعانيها ويحياها وتحياه بحيث إنه فعلا ومن الممكن أن في سبيلها. الكلمة الصدق، الكلمة الصدق الفعل، الكلمة التي تغير لأنها تصدر عن متغير، لأنها والمهدهد والراعي، والحاكم، المستيقظ إذا ناموا، النائم فقط حين يستيقظون؛ تلك الكلمة وحدها هي التي تشفي اكتئابنا الفردي والجماعي، ففي داخلها كيمياء. الصدق المغير والمحول، في داخلها شحن الطاقة الذرية، وإشعاع الحقيقة المعدية، في داخلها يكمن السر. أعرفت الآن يا سيدي الكاتب الموظف لماذا لا نزال نكتب؟! ولماذا لا تزال أنت تقرأ؟! الكاتب عمله أن ينقد العودة للكتابة كالعودة لحمل السلاح، لها رهبة، فلست أعود باختياري، والفن ليس مزاجا ووحيا ومهنة وتخصصا كما يحلو للبعض أن يقول، وألف مرة رثيت لأولئك الأصدقاء والزملاء الذين كانوا ينعون علي أني أضيع وقتي في العمل "الإداري"، بينما المفروض ألا أفعل شيئا في هذه الحياة إلا الجلوس إلى المكتب وكتابة القصص والمسرحيات، أرثى لهم لأنهم يحيلون الكاتب إلى حرفي، بالضبط إلى ساعاتي جالس طوال النهار إلى مكتب هو الآخر، كل الفرق أنه بدلا من تصليح الساعات، "يصنع" القصص والمسرحيات. ومن قال إن الكاتب هكذا؟ من قال إن القصص تستجلب من تخصص وجلسة إلى مكتب وتحديق في الفراغ؟ من قال إن الفن صنعة وحرفة ووظيفة؟ إن الفن، كالعواطف، خاصية، وبمثل ما لا يمكنك إطلاقا أن تحترف البكاء أو الضحك، فكذلك لا يمكن ومن غير المعقول أن تحترف الإبكاء أو الإضحاك أو تحريك العواطف.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.00005
0.000009
0
0.00023
0.000006
0.000261
0.000015
0.000002
0.002856
0.000001
0.000112
0
0.000005
0.000267
0.001813
0
0.99437
إني معهم أن هناك أناسا يفضلون أخذ الكتابة والفن على هذا النحو، تماما كما أن هناك "ندابات" متخصصات في الإبكاء و "بلياتشوهات" متخصصة في الإضحاك. ولكن في رأيي، وفي رأي العلم على ما أعتقد، أن الكتابة إفراز حتمي لحياة فنية. أنت تحيا وتكتب، ولست أبدا تحيا لتكتب. ومن قال إن شغل المنصب الإداري هو "ترك" للكتابة؛ إن الكتابة لا يتركها الإنسان مطلقا، إنها معه اينما كان وسار، صار، عمل، إنها خاصيته. أما أن يعمل أو يكافح أو يسجن أو يسافر أو يعشق، فتلك أشياء لا بد له منها كي يعيش ويوجد، على الكاتب أن يوجد أولا، أن يوجد كمواطن مثله مثل غيره من المواطنين، أن يكون له موقف، أن يكون له عمل، أن يزاول حياته الروحية والجسدية كاملة، وبعد هذا إذا كتب كان بها، وإذا استطاعت هذه المشاغل الأساسية أن تمنعه عن الكتابة فمعنى هذا أن الكتابة ليست أصيلة فيه، فلا شيء يستطيع أن يحول بين الكاتب الأصيل والكتابة سوى الموت. وحين أقول الكتابة، فإنما أعني الحياة ككاتب عليه ليس فقط أن يكتب وإنما أن يقرأ أيضا ويعرف ويقود. أولئك الإخوان والأصدقاء الذين سخروا من فكرة أن أعمل أو بمعنى أشمل أن يعمل الكتاب والفنانون مثل الصديق الدكتور لويس عوض، الذي أصر مرة على أن يأتي لمكتبي "ليتفرج" يوسف إدريس-على حد تعبيره-وهو يقوم بعمل إداري، إنما كانوا جميعا كالأب المشفق على ابنه دائما أن يفعل أي شيء آخر سوى أن يستذكر دروسه مخافة أن يرسب في الامتحان أو يكف عن الكتابة. الكاتب في رأيهم معناه قلم وورقة، مثلما أن التلميذ معناه مكتب وجلسة وكتاب، عمل خارج عن هذا هو عبث لا طائل من ورائه. لا يا سادة، الكتابة ليست قلما وورقة، الكتابة حياة كاملة، وموقف من الحياة، وصراع مرير وعمل، وعرق، ومعايشة للحياة والدنيا، لا كمتفرج وإنما كمشارك لمواطنيه في معركة انتزاع القرش من فم الكفاح اليومي الشاق. الكتابة عندي على كلمة "عندي"؛ فلكل "شيخ طريقته"، أن أعيش الحياة، بكل ذرة من كياني وقدرتي، أعيشها كساكن يدفع الإيجار، ويستخرج بطاقة التموين ويلعب عشرة طاولة، ويسافر ليلتحق بجيش التحرير الجزائري، ويزاول عملا يوميا مثله مثل أي رب أسرة، ومن عصارة هذا كله تتفتح له سبل الخيال أو الحقيقة. ويكتب.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000029
0.000005
0
0.000055
0.000012
0.000383
0.0001
0.000001
0.000187
0.000002
0.000048
0
0.000026
0.000106
0.000041
0
0.999004
حرية الكاتب أن يكتب=حرية أن يرسم حياته كل المشكلة أني ممن يؤمنون بحتمية المسئولية الفردية في إنجاح أي تنظيم أو مؤسسة أو قطاع، وفي مقابل هذا لا بد من منح حرية التصرف ثم المحاسبة. حرية من ناحية ومسئولية من ناحية أخرى. ولقد قضيت في وزارة الثقافة أكثر من سبعة شهور، خرجت منها بنتيجة كان من المستحيل علي أن أحظى بها لو كنت قد استمعت لآراء الآباء اللويس عوضين المتصورين الكاتب تصور الوالد للتلميذ. وسيأتي اليوم حتما ذلك الذي أكتب عن هذه التجربة فيه ومستعد ساعتها أن أحاسب ككاتب. فليترك لنا حرية أن نعمل أو لا نعمل، نتفرغ أو لا نتفرغ، ولنحاسب في النهاية على نكتبه، وليس مهما أبدا أن تحاسبني على الطريقة، الحساب في الكتابة مثلها مثل أي عمل آخر، بالنتيجة. فلو أني أصغيت لنصح الأصدقاء، وبالذات نصح هؤلاء الأصدقاء الذين يعملون فعلا ثم يوصونك بألا تعمل، لما أمكنني أن أمضي هذه الشهور السبعة رابضا في قلب ذلك "الليفياثان" الهائل المسمى بالحكومة، متأملا له من الداخل تأمل بطل دستوفسكي لأحشاء الحوت الداخلية حين ابتلعه الحوت، ولما أمكنني أن أرى هذه الآلة الجهنمية المسماة بالروتين، وهي، ببطء سلحفائي أميري شديد، تعمل وتلتهم وتهضم، حتى الثورات تهضمها، كيف كان باستطاعتي أن أحظى بهذا كله، وهي أشياء لا تجدها في كتاب ولا يمكن أن تخطر على ذهن بشر. مهمتنا تكسير المجاديف ونحن في بلد الناس فيه شديدو الاهتمام بالآخرين. تسأل إنسانا في الشارع عن منزل من كثرة الفراغ-لا عمل لنا إلا البحلقة والتأمل وتمزيق الحجب عن حياة الآخرين، ونحن في بلد كل منا ولي أمر الآخر وناصحه وضيف "برنامج رسالة" مستمر له، حتى أصبح الواحد بحكم العادة لا يجرؤ أن ينفذ فكرة عنت له، حتى في أشد المسائل خصوصية كالزواج أو أحيانا بل بالذات في الطلاق إلا بعد أن يستشير عشرة وربما عشرين من أقرباء وأصدقاء ومعارف، وتكون النتيجة في الغالب أن يكسروا مجاديفك حتما، وبدلا من أن تغامر مرة فتظفر بغنيمة أو بمعرفة أو بالميت بتجربة فشل مفيدة، تهبط عزيمتك وتتحول إلى كائن لا يعرف أن يفعل إلا ما تواضع على فعله الآخرون واتفقوا عليه، إلا أن تفعل أسلم الأفعال وأكثرها أمنا ودعة؛ أي لا شيء بالمرة.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000361
0.000004
0
0.000107
0.000002
0.000136
0.000469
0.000006
0.000854
0.000001
0.000115
0.000001
0.000033
0.000211
0.00001
0
0.997688
تكون النتيجة، أن يموت فيك أهم ما يميز الكائن الحي الإنسان، روح المغامرة والتحرر، روح التطلع، روح السعي وراء ما يصوره الخيال لتحيا وأنت تحيل أحلامك إلى واقع. وتلك هي الحياة، إما أن تحيا الحياة كما مضغها الآخرون ولاكوها وعجنوها وخبزوها، إما أن تحيا حياة خارجة كالجثة الهامدة من تحت النصائح والإرشادات والمواعظ، فهي حياة الموت أحسن منها وأرحم، على الأقل باعتبار الموت تجربة فذة جديدة. أتمنى لو أن كل من خطرت له فكرة واقتنع بها أن ينفذها في الحال دون أن يراعي، وماذا سيحدث يعني لو ثبت أنها كانت خاطئة؟ هل ستنقلب الدنيا؟ هل ستقوم القيامة؟ أبدا والله، فإنه على أسوأ الفروض لو فشلت ستكون قد ظفرت بتجربة فاشلة عظيمة؛ لأن التجربة الفاشلة هي المقدمة الطبيعية للتجربة الناجحة؛ إذ الفشل نجاح مؤجل. تخيلوا واحلموا ونفذوا ولا يهمكم ماذا سيقول فلان أو علان، فليذهب قولهم إلى الجحيم، فأنت لو سمعت كلام الآخرين لن تتحرك، أما لو تحركت ونجحت فستتحول نفس أقوال الآخرين إلى قصائد مديح تدبج لك. وأنا مثلا، لو خرجت من عملي القصير في الحكومة بقصة مثيرة أو بمسرحية جيدة، لكان أولئك الذين نصحوني بعدم قبول العمل "الإداري" هم أول المشيدين بها وبي وبحذقي في اختيار التجربة التي دفعتني لكتابتها. باختصار شديد، كتابا وقراء ناصحين ومنتصحين، أقول لكم رأيي بصراحة: لقد حللت النصائح التي تزجى للآخرين، فوجدت أن 90% منها على الأقل تبدأ بحرف النفي هكذا: لا تعمل هذا أو ذاك، حتى أصبح طالب النصيحة يتقي من يحس بغريزته أنه سينصحه بألا يفعل ليسأله النصيحة، كي لا يكون هو المسئول-بينه وبين نفسه-عن نكوصه أو رفضه للعمل. لا بد من وقفة زاعقة وهنا لا بد لنا من وقفة زاعقة حاسمة، هنا لا بد أن ندق جرسا أو نطلق مدفعا أو نصنع ضجيجا هائلا؛ إذ قد وصلنا إلى أس البلاء وعلة العلل، ألا وهي عدم الرغبة أو القدرة على تحمل المسئولية، وكما تؤدي كل الطرق إلى روما مثلما قالها المرحوم الدوتشي موسوليني، فإن كل أمراضنا وعللنا ومخازينا الاجتماعية تقود إلى هذه الحقيقة التي أصبحت في حاجة إلى ثورة خاصة بها تقتلعها من جذورها اقتلاعا. أجل، نريد ثورة تقوم لتطالب بمطلب واحد فقط، ألا وهو أن نتعلم كيف نتحمل المسئولية ونتحملها بشجاعة، ومهما كان الثمن.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000103
0.000005
0
0.000056
0.000005
0.000201
0.000172
0.000002
0.000482
0.000001
0.000062
0
0.000025
0.000177
0.000017
0
0.99869
فلقد تدربنا على التهرب من المسئولية كبيرنا وصغيرنا، حتى أصبحنا عباقرة في هذا المجال. قد تسمع من المصري أي شيء، مثل: أنا جدع... أنا حر... أنا متأسف... أنا لي رأي، ولكنك أبدا ولكي نكون دقيقين الدقة العلمية الواجبة، أندر الناس أن تسمع: أنا المسئول عن كذا أو كيت. وخاصة إذا كانت هذه المسئولية تتضمن مسئولية عن خطأ ما، بل بالذات حين تكون المسئولية متضمنة ذلك الخطأ. في حياتي الصحفية التي ليست بالقصيرة، وفي حياتي كمواطن، تلقيت كما تلقى غيري آلاف الشكاوى، وبدون أي مجهود أو تعب تلاحظ في تلك الشكاوى أن الدنيا كلها قد أخطأت ما عدا صاحب الشكوى؛ الغلبان المظلوم الذي قاسى وكابد من كل هذا الظلم الفادح، بمعنى أنه غير مسئول إطلاقا عما حدث له، بل إنه حين يلجأ لرفع هذا الظلم الذي حاق به يلجأ إليك وإلى العشرات غيرك (فالشكاوى عادة تكون إلى أكثر من جهة ومطبوعة على ورق كربون إن لم يكن بالبالوظة أو بالرونيو أو أحيانا بالمطبعة) كي يرفع هذا الظلم عنه. بمعنى آخر هو لا يريد أن يكون مسئولا أيضا عن رفع الظلم عن نفسه، وإنما يريد أن يلقي عليك وعلى الآخرين مسئولية رفع الظلم. في الحب، في الصداقة، في كل شيء يريد كل منا أن يتنصل من مسئوليته الشخصية عن عمل ليلقيها على غيره. والاستعمار هو المسئول حين عرفنا كلمة الاستعمار، التكنوقراطية أو البرجوازية أو الرأسمالية أو الإقطاعية، كل هؤلاء هم المسئولون عن أنهم تخطوني في الترقية. أما أن يكون هذا التخطي مسئوليتي الخاصة باعتبار أني مهمل أو مقصر أو مشاكس فهو ما لا يمكن أن يخطر على بالي مطلقا. لهذا فكما نحيا مجتمعا متلاصقا متقاربا له ألف نوع ونوع من القرابة، فنحن نعيش معا ونخطئ معا، ولكننا أبدا لا يحاسب بعضنا البعض، أو إذا فعلنا نجد المسئولية تتقاذفها الألسن كالكرة تخلصا منها، بل لا نرضى حتى أن تكون المسئولية مسئوليتنا جميعا، إنما جماعتنا كطوائفنا وهيئاتنا، لا بد أن تقذف بالمسئولية خارجا تماما لتحملها لكائن أو قوة غريبة عنا. لا نتهرب جبنا والغريب أننا لا نتهرب من المسئولية جبنا، مع أن المقياس الوحيد للشجاعة هو القدرة على تحمل المسئولية، إنما نحن نتهرب منها لأننا منذ أكثر من سبعة آلاف عام اكتشفنا للعالم الخير والشر.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000025
0.000003
0
0.000063
0.00001
0.000443
0.000124
0.000001
0.000174
0.000002
0.000046
0
0.000024
0.000089
0.000035
0
0.998959
وفرقنا بينهما تفريقا عميقا بشعا، وباعدنا بينهما بحيث أصبح أحدهما الجنة والآخر النار، أحدهما الكمال المطلق والآخر الفساد المطبق، وبحيث أصبح الخطأ صنوا للشر، أي أننا بالغنا كثيرا في تجسيد بشاعة الشرير أو المخطئ مبالغة أصبح معها الاعتراف بالخطأ مسئولية أكبر بكثير من أن يتحملها الكائن الإنساني الفرد، ويبقى حيا ويظل مواطنا مثل غيره من المواطنين. وللأسف لم يكن في التراث الفرعوني حديث كثير عن العفو، إنما الشر وصمة أبدية تلحق بروح فاعله وتظل معه في الحياة الأخرى. الخطأ عندنا إذن بهذه الآلاف المؤلفة من السنوات المتراكمة أصبح شيئا أبشع آلاف المرات من خطيئة المسيحيين وحرام المسلمين، ولست أدري ماذا كان يمكن أن يصبح عليه وضع الشعب المصري لو لم يجئ المسيح ومحمد وتدخل في قاموس المصريين ألفاظ العفو والمغفرة والسماح والتوبة. استمرارا للصراحة أقول أحس أني وإن كنت لم أبعد عن الهدف الذي حددته لكلمتي، إلا أني طرقت موضوعات، أو بالأصح رءوس موضوعات كثيرة، كل منها بحاجة إلى وقفة وتأمل طويلين. فالهدف كان أن أوضح أن لجوئي إلى العمل الإداري وتركي الصحافة لم يكن جريمة أو خطأ بشعا كما تفضل عشرات من الزملاء والأصدقاء وصوروه لي، وكان السؤال دائما يلح ويبقى: لماذا؟ لماذا أترك الكتابة للصحافة وأزاول عملا مهما كان ما أفعله فيه فهو بالتأكيد أقل فاعلية من الكتابة؟ وهنا لا بد أن أعترف أن هذا صحيح، وأن الكتابة للصحافة فعلا أهم وأبقى، ولكني-استمرارا لموجة الصراحة وفتح القلب على مصراعيه-أقول إني تركتها مضطرا، فقد كان ذلك قبل النكسة، وكنت قد تلفت ذات صباح، وكل صباح تحدث لي صاعقة فكرية أحس معها بكل كياني وأفعالي وأحلامي وأخطائي وميزاتي تتفاعل فجأة وتحدث شرارة كهربية ضخمة تنير لي الطريق، فألمح النفس على حقيقتها. وعلى هدي هذه الشرارة وجدت أني أبت بالكتابة في الصحافة إلى زقاق مسدود، فلم يعد أمامي موضوع لليوميات إلا نقد لمحافظة أو تريقة على روتين أو مجاملة لكاتب زميل على كتاب أخرجه أو مسرحية كتبها أو نقد لفيلم لا يستاهل النقد.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000133
0.000006
0
0.000127
0.000011
0.000103
0.000075
0.000001
0.000261
0.000001
0.000144
0
0.000016
0.000093
0.000071
0
0.998957
وأفعل هذا لا عن فقر في الموضوع، وإنما عن عجز، فأهم ما يشغل بالي وبال الناس أن قضايانا الأساسية، مشاكلنا الجذرية، بعيدة عن متناول القلم، لا لأن هناك حجرا على حرية الكاتب، فالكاتب حقا وصدقا كان حرا أن يكتب ما يشاء بشرط أن يتحمل مسئولية ما يكتب، ولكن المشكلة أني كنت أحس أن الكتابة نفسها أصبحت غير مجدية بالمرة. كان الموقف في رأيي مخيفا، والمخيف فيه أننا كنا قد حققنا لبلادنا أوضاعا وإنجازات كانت تبدو منذ سنوات قليلة جدا كالأحلام؛ كنا قد أجلينا المستعمرين عن بلادنا بلا أي قيد أو شرط، ورفضنا الأحلاف والتبعية، وخلقنا مع غيرنا كتلة عالمية ضخمة واتجاها فكريا تقدميا رائعا اسمه الحياد الإيجابي. وكنا قد واجهنا قوى الاستعمار العالمي بالنجاح، بل وأصبناه بضربات قاصمة وفي الصميم مثل تأميم القناة والمساعدة في تحرير الجزائر وتونس ومراكش واليمن والجنوب العربي المحتل ولبلادنا العربية، أصبحت القومية والوحدة حقيقة تكاد بين لحظة وأخرى أن تقع، وفي الداخل كنا قد حققنا ثورة صناعية ضخمة ووضعنا أقدامنا على أعتاب عصر آلي حقيقي كان سيغير من وجه الحياة في مصر في سنوات قلائل تغييرا جذريا ينقلها من عصر إلى عصر. كان كل شيء ضخما رائعا عظيما، كالمعجزة، وكل هذا تحقق في سنوات قليلة وبأقل الخسائر. ليس كلاما في السياسة في 16 سبتمبر 1970 بدأ يحدث شيء في الساحة العربية لا أعتقد أنه قد حدث قبلا في تاريخها أو سيحدث من بعد. في ذلك اليوم من شهر "أيلول" قرر الملك حسين أن يذبح خمسة وعشرين ألف فلسطيني "من رعاياه"! والقرار دبر له في عناية بالغة، وربما ترك الملك حسين مزايدات واستفزازات بعض المقاومة الفلسطينية تعمل عملها في تهيئة الجو كي ينقسم رعاياه إلى أردنيين وفلسطينيين أعداء، وكي يحين الوقت ليبدأ المذبحة. إن الوصف التفصيلي لهذه الجريمة المروعة لم أقرأه في صحف عربية، بل في الصحف الأجنبية التي كان لها مراسلون في عمان شاهدوا ورأوا بأعينهم ما جرى.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000056
0.00001
0
0.000101
0.000015
0.00018
0.00007
0.000001
0.000199
0.000002
0.000208
0.000001
0.000029
0.000068
0.000047
0
0.999011
هؤلاء الشهود "المحايدون" أكثرهم أن البشاعة والوحشية التي تم بها هذا العمل لم تحدث في تاريخ البشرية إلا مرتين، على يد تيمور لنك عندما أراد فتح العاصمة "هيرات" القائمة على الحدود بين الهند وإيران، فانتقى قرية صغيرة بجوار العاصمة وذبح جميع سكانها نساء وأطفالا ورجالا وشيوخا، أرسل رجلا من أعيانها إلى العاصمة بعد أن فقأ عينيه ليكون الراوي الوحيد الباقي على قيد الحياة؛ يقص على سكان العاصمة ما شهده بعينيه حتى يستسلموا. ولكن المروع لم يكن فقط ما يدور في عمان وإربد، المروع الأكثر هو ما حدث في الساحة العربية، ولا أقول الساحة العربية الرسمية؛ فقد دعا القائد الخالد إلى عقد اجتماع قمة على عجل لإيقاف المذبحة، المروع هو ما كان يحدث على الساحة الشعبية العربية، فلقد وقفنا جميعا من "المحيط الهادر" إلى "الخليج الثائر" نسمع الأخبار وبعضنا يشيح على أثرها بيده وكأن لا فائدة، وبعضنا سادر في حياته شيئا لم يكن، والبعض القليل المتحمس تائه مروع حائر لا يدري ماذا يفعل. ولن أغالي إذا قلت إننا جميعا عشنا أياما طويلة بضمائر مرهقة قد أثقلها الإحساس بالعجز. بعد عامين فقط، وأيضا في 16 سبتمبر (أيلول الأسود) بدأ جيش "الدفاع" الإسرائيلي بنفسه مذبحة أخرى لتصفية بقايا الشعب الفلسطيني في سوريا ولبنان، أذاعت الخبر وكالات الأنباء، وبنفسها راحت إسرائيل تجاهر ودون أدنى خجل بهجومها على سوريا والأردن وتصدر البلاغ تلو البلاغ عن عمليات "التمشيط" التي تقوم بها قوات "الدفاع الإسرائيلية" وتتولى فيها قصف مخيمات اللاجئين بالقنابل والنابالم للقضاء على "الإرهابيين" أنى وأين كانوا. وأي طفل فلسطيني إرهابي في نظر إسرائيل، وأي امرأة "إرهابية" باعتبارها ستلد "إرهابيا"، وأي شيخ إرهابي لأنه لا بد أب أو جد لإرهابي. إنما المحير حقا هو موقفنا نحن العرب، وأيضا من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، تجاه هذا الذي يحدث. ولا أقول أيضا كقيادات سياسية أو كحكومات، وإنما كشعوب عربية، إن لم تكن قد ذاقت نفس طعم المذابح مثلما حدث لنا هنا في مصر أيام غارة مصنع أبي زعبل ومذبحة الأطفال في مدرسة بحر البقر، إن لم تكن قد ذاقت فهي لا بد يوما ما ذائقة نفس الطعم.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000106
0.000005
0
0.000144
0.000023
0.000224
0.000239
0.000001
0.000108
0.000001
0.000058
0.000001
0.000052
0.000093
0.000036
0
0.998907
ماذا فعلنا؟ على رأي كاريكاتير صلاح جاهين المشهور، كان ناس كثيرون في القاهرة، وفي ذلك اليوم بالذات مشغولين بحدث ضخم هائل أهم، حفل المطربة صباح في نادي الجزيرة وحكاية بيع فستانها. وأعتقد أنهم لا بد في مراكش كانوا يسمعون وإلى الرابعة صباحا مثلنا حفل موشحات أندلسية أو تسجيلا معادا لاحتفالات ميلاد الملك، واليمن الجنوبية كانت مشغولة بالشمالية والعكس بالعكس، والعراق بإيران. والأردن كان يعقد الندوات لمناقشة مشروع الملك حسين لحل الأزمة. وهكذا استشهد من الجيش اللبناني 41 ضابطا وجنديا ومن قوات الفدائيين 61 فدائيا وعدد لا يحصى من أطفال المخيمات ونسائها في سوريا دعوة سريعة وممن؟ جاءت الدعوة سريعة وبالتليفون. كان مقرها أمانة النقابات المهنية بالاتحاد الاشتراكي، وحضرها الأمين العام، وكان أعضاء الاجتماع هم أعضاء مكاتب النقابات المهنية في مصر، وكانت نقابة المحامين قد طلبت من أمانة المهنيين أن تدعو لاجتماع لمناقشة هذا العدوان الإسرائيلي الحادث في وضح النهار ودون أدنى مواراة أو خجل. والحقيقة لم أتوقع أن يكون الاجتماع من النوع الذي تسوده هذه الروح؛ روح ديمقراطية لا تخضع لأي قيد على رأي ممكن أن يعن لصاحبه. وتحدث عدد وافر من الحضور، وكنت قادما في التو من بيروت بعد حضوري المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكنت قد تركت لبنان وأثار جريمة العدوان بادية لكل عيان، ونقلت لزملائي المجتمعين ما رأيته وما لمسته من غياب يكاد يكون تاما للرأي الشعبي العربي. لقد استثمرنا أحلى السنوات من عمر ثورتنا في الوطن العربي، وسقط منا الشهداء تلو الشهداء دفاعا عن هذه الأمة من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال، وخسرنا الكثير، بل كدنا نصبح الخاسرين الوحيدين في معركة تعرف هذه الأمة على ذاتها وكيانها ورسالتها. جاء عبد الناصر إلى مصر مصرية ولا شيء أكثر من هذا، وغادرها وقد آمنت مصر برسالته وأدركت ولأول مرة منذ زمان طويل أنها عربية وأنها جزء من أمة عريضة ومترامية من المحال أن تحيا بغير هذه الأمة، ومن المحال أن تحيا هذه الأمة أو تكون بغيرها. إنها غنية برجالها وإمكانياتها، وحتى بصراعاتها غنية، تكاد تصبح بمواردها الطبيعية أغنى أمة على سطح الأرض، وتنفرد مع قليل غيرها من الأمم بلغة واحدة، ومزاج نفسي يكاد يكون واحدا، ودين في أغلبه واحد.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000051
0.000011
0
0.000105
0.000007
0.000123
0.00002
0.000001
0.000564
0.000002
0.000387
0
0.00001
0.000069
0.000168
0
0.998478
ولقد سرت بعد هزيمة 67 بالذات نغمة في مصر راحت تروج للعودة للتقوقع على النفس ولعق ما أصابنا من جراح، ولكن فات أصحاب هذا التيار أن صعوبة التحقيق لا تعني بالضرورة أن المبدأ خاطئ أو قاصر، إنها تعني فقط أن العقبات كثيرة وأن المسائل لا تتحقق هكذا بين يوم وليلة، وأنه إذا كان القدر قد ألقى بحكم الموقع والتاريخ والحجم على مصر أن تقود نضال هذه الأمة، فالتصدي لهذه العملية التاريخية شيء مكلف ومحفوف بالمصاعب والمخاطر، فالتصدي أبدا إذا انهزمنا مرة أو طعنا بالانفصال مرة أن ننفض يدنا ونيئس. إننا تصدينا لرسالة يلزم لتحقيقها عشرات السنين ومئات المحاولات، وجريمة حقيقية أن نكسر بأنفسنا إرادة الطموح فينا، وعند أول عقبة نعود للتقوقع والانكفاء للعق إن الصدمة التي حدثت لنا بهزيمة 67 لم أكن شخصيا ولا أعتقد أن أحدا كان باستطاعته أن يتنبه إلى أنها ستغور في أنفسنا بعيدا إلى هذا العمق. لقد ضخمنا العدو إلى ما هو أكثر بكثير من حجمه، وقللنا من أنفسنا إلى ما هو أقل بكثير من حجمنا. إنني لا أفهم كثيرا في تعبير "الحرب النفسية"، ولكنني متأكد أن آثارها إن كان بعضها بفعل دعايات العدو وأجهزته، فإن معظمها بفعلنا وبأيدينا. وصديقا لصديق وجارا لجار وسيدة لأخرى نتولى جميعا وبالحديث اليومي الذي لا يتغير ولا يشذ تحطيم أي بارقة أمل والشعور بالهزيمة الذي يعفيه من مسئولية الأمل؛ فالأمل لا ينبت إلا في صدور الأحرار، والعجز إحساس عبيد ومبرر لكل التصرفات الخسيسة التي يمكن أن يقوم بها إنسان فقد تاج الإنسان، وتاج الإنسان كرامته. لا لم نمت، ولا انتهينا في 67، ولا في غير 67 سننتهي. كل ما في الأمر أننا في حاجة إلى صدمة، ولتكن كهربائية، أو من أي نوع كان، لنفيق. الوفد يتشكل وأعود إلى اجتماع النقابات المهنية الذي ذكرته. تحدث الكثيرون حديثا نافعا في أحيان، مضحكا في أحيان، ولكن القلوب والعقول مفتوحة، وفي صراحة تسكب المحتويات. وصدر عن الاجتماع بيان هام وقرارات. وكان أحد هذه القرارات إيفاد عدد مختار من أعضاء المؤتمر للتوجه إلى سوريا ولبنان والاتصال بالمسئولين هناك وبقيادات المقاومة لنشاركها الموقف من ناحية، ومن ناحية أخرى نتدارس معها ماذا يمكن أن نفعله. وشرفني المجتمعون واختاروني عن نقابة الصحفيين ضمن هذا الوفد. وفي الحق لم أجد في نفسي حماسا كبيرا للعودة-بعد يومين فقط من المجيء-إلى بيروت دمشق.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0
0.000307
0.000004
0
0.000371
0.000006
0.000057
0.000143
0.000002
0.000555
0.000001
0.000424
0.000002
0.000014
0.000079
0.000035
0
0.998
إن الزيارة الواحدة لبيروت تحدث لي في العادة نوعا من الحمى يلزمني دائما بعض الوقت كي ألم شتات نفسي وأعود كما أنا. كان الوفد مكونا من الأستاذ مصطفى البرادعي نقيب المحامين، ومن الدكتور عبد الرازق عبد الفتاح سكرتير عام نقابة المهندسين، ومن الأستاذ يوسف كامل عبد العزيز عضو مجلس نقابة المحامين، والأستاذ أحمد يحيى سكرتير عام النقابة، والدكتور المعتز بالله مبارك سكرتير عام نقابة الأطباء. وصلنا بيروت، وقررنا أن نبدأ مهمتنا بعقد مؤتمر صحفي نظمه لنا الزميل الأستاذ طه نقيب الصحافة اللبنانية في نقابة الصحافة هناك، ولم أكن أتصور أننا وفقط في هذا المؤتمر الصحفي الأول نفسه سنكتشف حقيقة المهمة التي جئنا من أجلها. الغريب أننا لم نتفق على شيء، كل ما اتفقنا عليه كان أن ننتخب الأستاذ البرادعي رئيسا للوفد. ولكن بقيت المشكلة؛ ماذا نفعل؟ هل نكتفي بكلمات المجاملة التقليدية نحملها إلى إخواننا أعضاء المقاومة والشعب اللبناني الشقيق؟ هل نحمل لهم تحيات وتمنيات زملائنا النقابيين في مصر والذين يمثلون نصف مليون متعلم ومثقف؟ هل نقول قلوبنا معكم وسحقا لما يرتكبه الأعداء؟ السلاح المجهول بالضبط لماذا لا يكون هناك عمل شعبي شامل وسريع وعلى مستوى الأمة العربية كلها المحيط إلى الخليج؟ عمل ليس مهما حجمه أو لونه، ولكن المهم فيه أن يكون شاملا وفي وقت واحد، فليس مطلوبا من العمل-وبالذات في مراحله الأولى-أن ينزل بأمريكا أو بإسرائيل أضرارا بقدر ما هو مطلوب منه أن يكشف لأنفسنا عن أنفسنا، وبإرادتنا نصنع إرادتنا، إنها ليست كلمات إنشاء أو تراكيب أدبية، إنها حقائق علمية. إن السبب الرئيسي لروح الهزيمة واللامبالاة التي استشرت عقب 67 أننا بعد أن كنا أمة تكاد تكون-ولو بالروح-واحدة قبل الحرب، انقسمنا إلى أمم كثيرة وشيع بعدها، بل حدث ما هو أكثر، وأصبح كل فرد منا أمة بمفردها، أي استحال المائة مليون عربي في الحقيقة إلى عربي واحد هو أنا أو أنت فقط، أنا وحدي المهزوم واليائس وفاقد الإرادة، وحدي أتفرج ووحدي أحمل المأساة. والهزيمة الحقيقية أن ننفرط إلى أفراد لا مبالين. ماذا أصبح يجمع الشعب العربي في مكان؟ لا شيء، حتى الأماني المشتركة لا تجمعه، لا الكلمة أصبحت واحدة ولا الهدف واحدا ولا واحدة في أي شيء.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.00005
0.000006
0
0.000079
0.000008
0.000187
0.00006
0.000002
0.000268
0.000002
0.00015
0
0.000019
0.000072
0.000057
0
0.999037
المطلوب من العمل الشعبي شيء واحد فقط في أول خطوة؛ أن نشترك جميعا في عمل، حتى كنا قد تفرقنا مبادئ وشيعا، فليجمعنا العمل الواحد، أبسط الأعمال، ولو حتى نتفق أن نصمت جميعا ولمدة دقيقة واحدة غدا في التاسعة صباحا. قد يبدو للبعض أن الاقتراح ساذج وبسيط، ولكن أخطر ما فيه أنه ساذج، إذ أن نتيجته مروعة. إن جزءا كبيرا من اليأس الذي عم شعوبنا سببه أننا في تفكيرنا لمواجهة الغزو الصهيوني الاستعماري كنا دائما نتصور أننا لا بد أن نتصدى له بواجهتنا الرسمية فقط، بما فيها من قيادات وجيوش وحكومات، وحتى ليس كل القيادات والجيوش والحكومات، بعضا فقط سميناه دول المواجهة، وعلى جيوش هذه الدول أو بالضبط على بعضها فقط ألقينا عبء ولقد بدأت تتضح لنا الآن أبعاد القضية. والحديث عن قومية المعركة ليس إلا إدراكا واحدا من إدراكات ذلك البعد؛ فقد كنا نظن أننا نواجه إسرائيل فإذا بنا نكتشف أننا نواجه يهود العالم مجتمعين. وقد كنا نظن أننا نواجه حروبا صغيرة فإذا بنا نكتشف أننا نواجه خطة خبيثة وماكرة ومدبرة بعناية-ومنذ نصف قرن من الزمان على الأقل- وأن إسرائيل واليهودية العالمية ليست وحدها عدونا إنما وراءها رأس الرمح في القوى الاستعمارية العالمية؛ أمريكا وأفلاكها. وراءها رأي عام عالمي استطاعوا خداعه وتلفيقه-وأيضا من زمن طويل-شيئا فشيئا بدا يتضح لنا أن المواجهة أكبر من أي قطر عربي بمفرده، وحتى أكبر من قومية المعركة لو اجتمعت لها الحكومات العربية كلها، إنما لا بد لها أيضا من شعبية المعركة، من اشتراك كل مواطن عربي في المعركة ولو بعمل صغير، وأبدا لم تستعمله وشعبية المعركة ليست لعبا بالكلمات، إنها السلاح السري الخطير الذي يملكه العرب ولم يستعملوه إلى الآن. إن الذي يخيف إسرائيل وأمريكا، وكل الدوائر المتآمرة علينا والمتربصة بنا، أن يحدث وعلى امتداد الوطن العربي كله توقف الخمس الدقائق أو نصف الساعة وفي وقت واحد جامع شامل يلم شتات عامل البناء في طنجة والوزير في حكومة اتحاد إمارات الخليج وخفير المخزن في اللاذقية والرعاة في اليمن الجنوبية والسودان. ذلك أننا لو فعلنا هذا لأدخلنا إلى المعركة السلاح الرهيب الذي لم نستعمله أبدا، سلاح الكم الهائل من البشر الذي نمتلكه، سلاح المائة مليون إنسان.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.00003
0.000007
0
0.000084
0.000014
0.000294
0.00007
0.000001
0.000202
0.000002
0.000132
0
0.00003
0.000085
0.000045
0
0.999
إن إسرائيل تخاف من سلاح المائة مليون إذا حشد؛ لأنها مهما فعلت لن تستطيع التفوق لا هي ولا أمريكا معها في هذا المجال. إن إدخال الشعب طرفا في المعركة الرهيبة الذي إذا دخل المعركة لن يخرج منها أبدا إلا منتصرا، وأن الأمر قد يبدأ برفع الذراع علامة المشاركة، ولكنه لا بد أن ينتهي حتما بالسيطرة الكاملة على كل المصالح الأمريكية في المنطقة، وعلى خنق إسرائيل ولو حتى بأجسادنا نفسها مجتمعة ومتلاصقة وزاحفة لاسترداد هذا الجزء من إن إشراك الشعب العربي كله في المعركة يضع أمريكا وإسرائيل أمام أمرين لا ثالث لهما: إما إبادة هذا الشعب لإبادة إرادته، وإما التسليم له بما يريد. ولأننا لم نعد في عصر تستطيع فيه حتى ولو دولة معربدة مغرورة مسلحة مثل أمريكا أن تبيد مائة مليون مهما رغبت في هذا الأمر وحلمت به، فلن يبقى لها إلا التسليم. بالضبط، لماذا لا يكون هناك عمل شعبي شامل وسريع وعلى مستوى الأمة العربية كلها من المحيط إلى الخليج؟ هكذا تبلورت مهمتنا الشعبية في مؤتمرنا الصحفي الأول، أصبحت هدفا واضحا نتحرك تجاهه، ونتصل بالنقابات وبالقيادات وبالسياسيين على أساسه. والحق أني لم أتصور أن رد الفعل سيكون بهذه الضخامة؛ خرجت الصحف اللبنانية جميعها في اليوم التالي وهي تتحدث عن "المبادرة الشعبية المصرية". ولكن الأمر لم يسلم من المضحكات، فعقب إعلان مهمتنا اتصل بي صديق يمني وسألني بالتدقيق عن هذا "الوفد" المصري الشعبي، وبعده جاءني أكثر من صحفي وسياسي من المقيمين في لبنان وبروح من الشك راحوا يستجوبونني عن هذا "التحرك" وعن علاقته بنوايا مصر والقيادة السياسية في مصر. إلى هذه الدرجة فقدنا الثقة في أنفسنا. إن أي تفكير أو مبادرة لا بد أنه موحى به من جهة أو وراءه نية ما. أصبحت البراءة في عالمنا العربي أبشع التهم، إذ إنك لن تجد للبراءة سببا أو مبعثا واضحا يريح بعض النفوس ويلون العمل. وهكذا تظل التهمة على البراءة مسلطة ومشرعة. ولكن الصدى الأهم كان هو الصدى الشعبي الذي أردناه؛ بدأت الأفكار تتفجر والحماس للفكرة لدى القيادات النقابية في لبنان وسوريا يطغى. صحيح!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000003
0.000031
0.000012
0
0.000064
0.000016
0.00023
0.000035
0.000001
0.000278
0.000002
0.000181
0
0.000019
0.000091
0.000086
0
0.99895
لماذا يقف الشعب مكتوف الأيدي معزولا عن المعركة؟ لماذا يترك الأمر كله لجامعة الدول العربية تتصرف فيه وتحله؟ وأين الجامعة "الشعبية" العربية، جامعة الإرادة الشعبية والعمل الشعبي؟ أيكون هذا هو السلاح؟ أن نتحرك كشعب هائل وأن نعوض بحركاتنا تلك ما ينقصنا؟ أن نبدأ الحركة بخطوة بسيطة واحدة، وأن نختار وبسرعة لجان اتصال من النقابات والهيئات والقيادات الشعبية والاتحادات العمالية والفلاحية والطلابية والنسائية والشبابية العربية كي نقوم بعمل واحد وسريع نرفع به الرأس ونواجه العدو؟ إني أطرح الفكرة على قيادتنا السياسية وعلى اتحادنا الاشتراكي وعلى تنظيماتنا العمالية والنقابية. بإلحاح أطرحها. ملحوظة: هذه المقالة أعتقد أنها في عام 1980 كوميدية تماما، ولكني آثرت أن أثبتها، فمن يدري ماذا يكون الحال؟ الانفتاح إلى الداخل أيضا كانت السينما هي حدث الأسبوع الماضي دون شك، حدث ولا أقول حديثا؛ فالحديث عن السينما في صحفنا ومجلاتنا لا ينقطع، بل هو-إذا أضيفت الإذاعة والتليفزيون-يكاد يكون المادة الطاغية على كل حديث. بل جاء علي وقت أحسست فيه شخصيا أن الهدف الثقافي العام لمجتمعنا أصبح مقرره الوحيد هو مادة السينما والتمثيل والإخراج والماكياج والديكور والمونتاج، لدرجة أني كنت أتابع برنامجا هاما جدا لا بد أن تتابعوه؛ إذ لا أعتقد أن أحدا يلتفت إليه التفاتا ملحوظا. وهو برنامج "الغلط فين" الذي يذاع يوم الجمعة. وأنا لا أتابعه برنامج طريف فقط، وإنما لأنه ترمومتر خطير جدا للمستوى الثقافي العام، لا للشعب قاطبة، وإنما للمتعلمين من هذا الشعب طلبة وطالبات، معاهد وجامعات، ومراكز بحوث وإحصاءات. المهم أن الخطأ يحدث في كل شيء وأي شيء إلا في الأشياء المتعلقة بالفن. لا خطأ في اسم ممثل أو ممثلة أو فيلم، لا خطأ في أي تعبير سينمائي أو مسرحية. تقريبا هي والأمثال الشعبية تكاد تكون المادة الثقافية التي يشترك، لا أقول الشعب كله، ولكن حتى المتعلمون في معرفة أدق تفاصيلها. و "الغلط فين!" والمسئول عن هذا من وفين؟ والسبب ماذا؟ وفيه أشياء ليست موضوعنا الآن. فموضوعنا وإن كان السينما إلا أنه ليس السينما، عناوين أفلام وأسماء نجوم ومواصفات تمثيل وإخراج. كان الحديث عن السينما حديثا عنها كصناعة، هذا شيء بلا شك رائع وجميل، بل الأروع أنه حديث عنها باعتبار أنها مقدمة أو عينة ل "سياسة" الانفتاح الاقتصادي.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0.000001
0
0.006728
0.000007
0
0.000267
0.000011
0.00004
0.000561
0.000003
0.000251
0
0.000106
0.000002
0.000049
0.000321
0.000041
0
0.99161
كانت المسألة إذن قضية وطنية سياسية من الدرجة الأولى، أو هكذا كان يجب تناولها. لكن ضايقني تماما أولئك الذين أخذوا الموضوع مأخذا شخصيا وصنعوا من قضية هامة وخطيرة مظاهرة ضد وزير الثقافة عبد المنعم الصاوي. بالضبط كما ضايقني تماما موقف مجلس الشعب من الأمر بحيث خرجت علينا الجرائد بمنشتات تقول: مجلس الشعب يناصر عبد المنعم الصاوي في موقفه من السينما، وكأن المسألة كانت خناقة بين عبد المنعم الصاوي من ناحية وبين آخرين. أنا شخصيا حين عرفت أن الموضوع مهما نشرته الجرائد يتعلق بمستقبل السينما في مصر، وباعتبار السينما وسيلة الثقافة الأولى لشعبنا، وباعتباري أمت بدرجة ما إلى هذه الثقافة، ذهبت فعلا إلى مجلس الشعب لأحضر الاجتماع الذي عقدته لجنة الثقافة والفنون بالمجلس، والحقيقة ذهبت غير مدعو، ذهبت وفي ذهني أني فقط سأستمع إلى ما سوف يثار مناقشات خاصة بالسينما، وليس في ذهني مطلقا أنها مناقشات خاصة بقضية خاصة، بل بواقعة مستمعا ذهبت، ومستمعا أصغيت إلى البيان الذي أدلى به الوزير عبد المنعم الصاوي، بيان يرد فيه على ما دار في اجتماع أعضاء غرفة صناعة السينما حول واقعة بعينها، وهي اعتزام هيئة السينما تكوين شركة بينها وبين مستثمر مشترك (سعودي أمريكي)، شركة ضخمة برأسمال 160 مليون جنيه سيكون لهيئة السينما فيها 51% من الأسهم، وسيقوم المستثمر السعودي بدفع من رأس المال. أما كيف ستقوم الهيئة بدفع هذه ال 51% من الأسهم وهي تشكو من العجز في ميزانيتها وعدم قدرتها على الصرف على دور عرضها واستديوهاتها، فسيتم هذا بأن تبيع الهيئة للمستثمر أو بمعنى أدق للشركة الجديدة المزمع تكوينها أربع دور عرض هي ميامي وديانا ومتربول وفريال في الإسكندرية واستديو الأهرام في الجيزة، قدرت أثمانها بأربعة ملايين الجنيهات في مقابل أربعة ملايين أخرى من المال السائل يقوم المستثمر بدفعها. وبهذا تبدأ الشركة عملها بثمانية ملايين جنيه على أن يتم استكمال رأس المال الباقي (160 مليونا) باستغلال هذه الأماكن الاستراتيجية في إقامة دور عرض واستصدار قانون جديد يبيح إقامة عمارات فوق دور العرض (إذ القانون الحالي يحرم إقامة مبان فوق دور العروض السينمائية والمسرحية) ومن الربح الضخم الناتج عن إقامة هذه العمائر يتم استكمال رأس مال الشركة في إقامة دور عرض سينمائية (400) في بقية أنحاء القطر المصري.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000068
0.000007
0
0.000085
0.00002
0.000194
0.000074
0.000001
0.000172
0.000001
0.000116
0
0.000027
0.000085
0.000082
0
0.999065
وهنا قامت قيامة أكثر من جهة، أولها غرفة صناعة السينما (أي اتحاد المنتجين السينمائيين المصريين)؛ إذ إن هذه الشركة الممولة لن تقوم فقط بإنشاء دور العرض، وإنما سيكون لها في إنتاج وتمويل الأفلام السينمائية والتليفزيونية. وحيث إن رأسمال أكبر منتج في الغرفة لا يتعدى نصف المليون جنيه، فكيف ستواجه هذه الأسماك ذلك الحوت الهائل الذي من المحتم أنه سيبتلع الجميع؟ ومن الجميل في قيامة غرفة صناعة السينما أنها ربما لأول مرة تذكرت أنها صناعة وطنية خطيرة، أنها تملك التحكم في توجيه الفكر لا في مصر وحدها ولكن في العالم العربي كله، المنتجين هم أصحاب المسئولية الأولى في المحافظة على الفكر الوطني الإبداعي. وهذا الأمر طبعا نكتة، فتسعون في المائة من إنتاج هؤلاء السادة لا فكر فيه على الإطلاق، أو إذا فيه فكر مناهض ورجعي وشلل لطاقات الإنسان المصري والعربي على القوة والإبداع، وأظن أن الصراخ الذي يأتينا دويه من المصريين المقيمين في البلاد العربية خير دليل أن أكثر المنتجين غير قوامين بالمرة على أمر الفكر المصري أو العربي، وأنهم بالدرجة الأولى تجار وطنيون، هذا صحيح، ولكن يتاجرون في مادة خطرة هي القصة والبطل والممثل في السينما العربية، وفقط أدركوا مدى خطورة ما تصنعه أيديهم حين جاء منافس أكبر، من المحتم أنه لن يكون أكثر حرصا على الفكر العربي منهم، ولكن المؤكد أنه سيكون أسخى وأغنى في تصنيع بضاعة وتغليفها وتسويقها. ومع هذا فهم أيضا رأسماليون وطنيون إن اعتبرناهم تجار سينما، بمعنى أنهم بالتأكيد يتجاوبون في النهاية مع النقد ويراعون الحرمات بعض الشيء، وأناس "على قدنا" نستطيع أن نؤثر فيهم ويؤثروا فينا، ولكن الشركات الكبرى في هوليود ونيويورك وأوروبا تصل بثرائها ونفوذها إلى أنها تصبح فوق أي نقد، بل هي التي "تصنع" النقد، وهي التي "تفكر" للناس، وهي التي "تخلق" نمط الحياة والسلوك وتجعل من الجواسيس ورجال المخابرات "أبطالا" يصبح المثل الأعلى لكل شاب أن يحذو حذوهم. وإذا كنا نحن في القاهرة نشكو من "النماذج" السيئة التي يقدمها كثير من منتجينا السينمائيون، ونحاول قدر الطاقة أن نستبدلها بنماذج أخرى للإنسان أروع وأقوى، فهناك تبلغ الشركات بقدرتها الفائقة على إخفاء السم في منتجاتها حدودا تصل إلى نخاع المتفرج دون أن يملك الناقد مهما نقد أن يحول بينه وبين الاستسلام الكامل المطلق لما يرى.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000033
0.000005
0
0.000073
0.000015
0.000243
0.000068
0.000001
0.000217
0.000002
0.000144
0
0.000014
0.00006
0.000057
0
0.999065
هناك "المؤسسة" هي الأقدر والأبشع والأذكى والأخبث والأكثر قدرة على التلون والتنكر، بحيث تضع أنت الناقد نفسه وربما وأنت لا تدري تجد نفسك تصفق لعمل كان عملك أنت نفسك، ويسخر من قدرتك على الاكتشاف أنت نفسك. حسن جدا، قامت غرفت السينما-المشكورة-بدورها الهام في التخوف التام من هذا القادم الصناعي الجديد، على هيئة الدفاع التام عن "الفكر" الوطني، والإشفاق على المواطن المصري السم الزعاف الذي من الممكن أن تنفثه صناعة قتالة كصناعة السينما أو بالأصح صناعة العقول؛ قامت مشكورة بالرفض (9 ضد واحد) ثم قامت مشكورة بالتخوف، ثم قامت مشكورة بالموافقة (10 ضد لا شيء)، خافت على الفكر المصري وصرخت: احذروا الذئب القادم، ثم هكذا وبأية قدرة لا أعرف اكتشفت أن المسألة لا ذئب فيها، أو أننا كلنا ذئاب وأولاد ذئاب أو مصيرنا أن كذلك، وأن كل شيء تمام وشكرا يا سيادة الوزير على اهتمامك بصناعة السينما، والسلام عليكم ورحمة الله. هكذا قالت الغرفة، ثم من بعدها اللجنة، ثم جاء المجلس الأعلى؛ مجلس الشعب ليضع إمضاءه، وليصبح كل شيء تمام التمام. فهل كل شيء تمام التمام؟ إن السيناريو كما رأيته وعايشته ضعيف جدا، ولو استحال إلى فيلم فسيسقط سقوطا ويكون كارثة على منتجيه. وكما تفعل وزارة الثقافة نفسها-رحمة بالمنتجين-فتراجع السيناريو وهو لا يزال حبرا على ورق، وتجيزه أو ترفضه أو تعدله قبل أن يصرف المنتج عليه قلبه ثم تصادره الرقابة، فكذلك نريد أن نفعل بموضوع السينما. وقبل أن يغلق ملف الموافقة ليفتح ملف التنفيذ، فهناك أشياء هامة جدا لا بد من قولها. فأولا أنا ضد كل ما قيل تجريحا في شخص الوزير ونقيب الصحفيين السابق، والكاتب الذي تابعته وتابعه معي الآلاف منذ أن كان يكتب في "المصري" ويحيا حياة الكفاف في لندن ليتعرف على أوروبا في بلادها ويثقف نفسه بنفسه وطنيا صادق الوطنية. إن سياسة الانفتاح أساسها الفكر والاقتصاد وحتى السياسة، إننا أخذنا بها لتقوية الاقتصاد المصري بحيث نغري المستثمر الأجنبي بأرباح من عندنا أكثر مما يجده في أي بلد آخر أو بمعنى أنها سياسة لتدعيم الاقتصاد وليست سياسة "التعليم" (أقصد جعله عالميا). الاقتصاد هذه الأصول تعمل بأقصى طاقتها ويربح منها الأجنبي بأكثر مما يربح من أي بلد آخر.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000043
0.000005
0
0.000068
0.000012
0.000227
0.000074
0.000001
0.000206
0.000001
0.000077
0
0.000018
0.00009
0.000056
0
0.999119
ولكن أبدا ليس على حساب "بيع" الأصول، كما كان الخديوي إسماعيل يفعل، يبيع سندات قناة السويس وغيرها ليسدد ديون مصر، وكانت النتيجة صندوق الدين واحتلال مصر نفسها بعد هذا. وأعتقد أن القائمين على سياسة الانفتاح والقائمين على أمر هيئة الاستثمار يعرفون هذا جيدا، بالفعل مشروعات جاهزة ووافرة الأرباح لمن يشاء أن يربح، ولكن لا أعتقد أبدا أن مشروعا كهذا توافق عليه هيئة الاستثمار؛ لسبب بسيط هو أنه لا استثمار فيه بالمرة. فنحن كأفراد مصريين نستطيع أن نقوم بمشاريع كهذه بمنتهى البساطة. ولنأخذ مثلا بسيطا، أن سينما ميامي والمسرح المجاور لها مساحتها أربعة آلاف متر مربع في قلب القاهرة التجارية، لو بعناها حتى لكان ثمنها اثنين مليون جنيه ثمن أرض فضاء فقط، ولو أنشأنا شركة مساهمة مصرية لبناء عمارة فوق هذه الأرض نجعل من بدرومها ودورها الأول أربع دور عرض فوقها عشرون دورا كل دور يحتوي على الأقل على عشر شقق أو ربما عشرين، لوجدنا في أيدينا في ظرف لا يزيد عن عامين المائة والستين مليون جنيه رأس مال الشركة المفروض أنها ستنتج وتطور وتبني صناعة السينما في إن لدينا في مصر مكاتب وشركات وأشخاصا يستطيعون أن يدفعوا فورا ما يزيد على المائة مليون جنيه ليحظى كل منهم بشقة في شارع طلعت حرب في قلب العاصمة، فلماذا نشرك الغريب في شيء نستطيعه نحن بكل بساطة ويعود علينا ربحه كله، ونمول بهذا الربح دور عرض تدر رهيبا علينا، ونمصر بها صناعة السينما فعلا؛ تلك التي سيتحكم فيها الموزع اللبناني الذي يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، وهو بحق إمبراطور الصناعة، وعلى بابه يقف جميع نجومنا ومنتجينا وغرفة سينمتنا بجلالة قدرها؟ إن 600 دار عرض كفيلة بتمويل الصناعة السينمائية المصرية تمويلا ذاتيا، بحث لا تخضع لذوق، أو يفرض عليها مواصفات تجعل المصريين في الخارج والداخل يلعنون أنفسهم من أجلها. وكل هذا من بناء دار سينما واحدة. فما بالك بديانا وفريال في الإسكندرية، وأربعة أفدنة في قلب شارع الهرم اسمها ستوديو الهرم، وكل هذا لأن "المستثمر" سيدفع مقدما اثنين مليون جنيه؟ إن المثل العربي يقول: يحتاجه المنزل يحرم على الجامع." معناه بالعربي الفصيح أن ما تستطيع أن تفعله أنت وحدك وبمنتهى البساطة وتعود فائدته لك يصبح من الجريمة أن تعهد به إلى آخر.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000854
0.000009
0
0.000126
0.000018
0.000076
0.000193
0.000002
0.000184
0
0.000121
0.000001
0.000043
0.000158
0.000058
0
0.998156
إذا كانت هيئة السينما في حاجة لتطوير نفسها لتصل إلى ما لم تصل إليه هوليود، فعليها أن تطرح عملية بناء ميامي على المواطنين في مصر، السهم ذو العشرة جنيهات يصبح بعد خمس سنوات ثمنه مائة جنيه. فلتطرح الهيئة الفكرة والأسهم ولتر كيف ستمطر عليها السماء ذهبا وبدون حاجة إلى مستثمر وبدون حاجة إلى مليم واحد من الخارج. أما الانفتاح، فلنتركه لمشاريع تحتاج إلى الخبرة والتكنولوجيا، تحتاج إلى ما ينقصنا وما لا نستطيعه، ولتربح من ورائه ما تشاء، فحلال عليها ما دامت في النهاية ستئول إلينا. إنها مجرد فكرة، ولكني متأكد-رغم أني لست اقتصاديا-من صحتها، فالاقتصاد أولا تفكير معقول، أما غير المعقول فهو ما يحدث الآن تحت شعار الانفتاح وباسمه. إن الانفتاح هو من أشد حاجاتنا القومية ومن ضرورات حياتنا، وقد تجاوب معه شعبنا ومع واضعه ومخططه الرئيس السادات تجاوبا فاق كل تقدير؛ ذلك أن الشعب فهمه كما فهم القائد على هذا النحو القومي الوطني العظيم. وليس بالضرورة أن يكون الانفتاح بالخارج فقط وإلى الخارج، فهناك انفتاح قد يكون أكبر، ذلك هو الانفتاح إلى الداخل، واستخراج المدخرات القومية وتوظيفها؛ إذ لو فعلنا هذا، ولو بدأنا بأن نعرف كيف نستغل نحن بلادنا ومصادرنا لانهالت علينا المشاريع من الخارج. ذلك أن رأس المال لا يستخدم نفسه لتقديم الصدقات، إنما هو يلهث وراء من يعرف كيف يفكر ويربح، وكيف بذكائه يستطيع أن ينتج ويدر معه وعليه الأرباح. إن رأس المال الأجنبي لا يقدم نفسه إلا للناجح، أما إذا قدمه للغبي أو الفاشل فلا بد أن يفعل هذا ليسرقه. وأنا لا أعتقد أبدا أننا أغبياء أو فاشلون. الخطة الجهنمية الجديدة 1 من جولة في شرقنا العربي عدت... من عشرة أيام عدت، وقد كان مفروضا أن أكتب انطباعاتي فور عودتي، ولكني لم أشأ هذا، فقد كانت تشغلني مشكلة أهم من الكتابة بكثير؛ مشكلة أننا رغم كوننا أمة عربية واحدة تكون لها-مع اختلافات غير أساسية-نفس الشخصية، بل والملامح الجسدية في أحيان. رغم هذا إلا أننا منذ وعينا حتى بكياننا هذا الواحد لا نفهم بعضنا، واحتراسا أقول إلا فيما ندر. أما قانوننا العام السائد فهو أننا أبدا لا نفهم!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000505
0.000009
0
0.000108
0.000014
0.000074
0.000122
0.000002
0.000229
0
0.000156
0.000001
0.000027
0.000143
0.00005
0
0.998558
لغتنا عربية ومشتركة ولساننا واحد، والأفكار الشائعة في عالمنا العربي تكاد تكون نفس الأفكار، إلا أن اللغة واللسان وأدياننا الواحدة وأفكارنا العامة المطروحة كلها معلقة هناك في سمائنا الواحدة كالسحابة، بعيدة دائما عن أرض الواقع، بعيدة عن الإنسان. ومن أعسر بلادنا العربية قدرا على عدم الفهم، هي قلب هذه الأمة، مصر، يحبونها ويحبون شعبها، والقاهرة حلم المسافر إذا أراد السفر، ولكننا بالمرة غير مفهومين. ولا أعتقد أن السبب في عدم الفهم هذا راجع إلى الشعوب العربية الأخرى، بل هو راجع في الأصل وفي الأساس إلى كل شعب على حدة. وهكذا فأعتقد أننا في مصر المسئولون الأول عن أنه لا المشرق العربي ولا المغرب العربي ولا أي مكان يفهمنا، بل أحيانا يخيل لي أننا أنفسنا لا نفهم أنفسنا حق الفهم. هكذا قضيت الأيام العشرة الماضية أفكر في تلك المشكلة المحيرة. ذلك أنها-في رأيي-ليست مشكلة سوء فهم، أو سوء علاقات ناتجة عن سوء فهم، ولكنها تشكل وسأقول حالا لماذا هي قضية حياة أو موت. وبالذات أقولها لهذا النفر القليل من مفكرينا ومثقفينا وبعض قياداتنا الشعبية التي أصبحت تنادي بالعودة إلى المصرية بمعناها المحلي القديم، و "سيبونا" من هؤلاء "العرب" الذين "ودونا في داهية"... إلى آخر هذه النغمة. هؤلاء الناس يجدون آذانا صاغية كثيرة، خاصة والمثل واضح أمامنا وصريح. دخنا نحن في صراع مرير طويل من أجل القومية العربية، وخضنا ضد إسرائيل أربع حروب، ومات منا مئات الآلاف، وأنفقنا عشرات الآلاف من ملايين الجنيهات، وتهدمت مدننا، بينما النتيجة أن البترول العربية استفادت حتى من حرب أكتوبر المجيدة وتضاعف سعر بترولها، أي دخلها من عام 1952 إلى الآن ربما أكثر من عشر مرات، بينما الدخل عندنا نحن كان ينخفض، وأزمات المأكل ولكي أكون صادقا لا بد أن أقول إن هذا المثل ليس افتراء على الوقع، بالعكس هو مائة بالمائة صحيح. بفضل هذه المعارك الذهبية المتصلة أعتقد أن العالم العربي الآن انقسم إلى دول غنية ودول فقيرة، دول تزداد غنى ودول تزداد فقرا. ولكن المغالطة في المثل واضحة أيضا، فنحن لم نحارب أصلا للدفاع عن موارد البترول وحراسته، إنها كانت حروبا موجهة ضدنا نحن، ضد مصر بالذات، ضد قائدة هذه الأمة الروحية والثقافية والحضارية، ضد القمة النامية المخيفة في المنطقة.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000035
0.000005
0
0.000076
0.000017
0.000317
0.000102
0.000001
0.000153
0.000002
0.000072
0
0.00003
0.000081
0.000041
0
0.999065
ولم تكن مجرد حروب عسكرية وسياسية وتآمرية، ولكنها كانت وبالأساس حروبا ثقافية واقتصادية. إن كل خبراء البترول في العالم يجمعون على أن في الصحراء المصرية الغربية والشرقية حقول بترول هائلة الضخامة، فجيولوجيا من المستحيل أن يمتد عرق البترول من الجزائر إلى ليبيا وبالضبط يتوقف عند حدودنا المصرية، ويستمر توقفه حتى حدود مصر الشرقية ليبدأ في البحر الأحمر والسعودية إلى العراق وإيران. لا يمكن علميا هذا إلا إذا كانت الجيولوجيا قد تآمرت مع الاحتكارات البترولية من قديم الأزل. الصحيح أو الأكثر صحة أن تكون الاحتكارات البترولية هي التي تآمرت ضد الجيولوجيا المصرية بالذات. التاريخ يعيد نفسه والمؤامرة قديمة وقد أصبحت معروفة. منذ أيام الاحتلال البريطاني وفكرة البحث عن البترول في مصر أو اكتشافه فكرة مرفوضة تماما؛ فالإنجليز لم يحتلوا مصر عبثا، ولم يستخلصوها من قبضة نابليون ومن أنياب الإمبراطورية العثمانية عبثا أيضا، بل ولا حتى لموقعها الجغرافي أو قنال السويس أو هذا كله. الإنجليز واحتكارات البترول أدركت من زمن بعيد أن المنطقة العربية-أو ما اصطلحوا تضليلا على تسميته بالشرق الأوسط-يرقد تحت أرضه أعظم كنز عرفته البشرية في كل تاريخها ما مضى وما سيأتي، واكتشفوا أيضا أنه بينما يرقد تحت الأرض هذا الكنز الخرافي الذي يساوي في قيمته كل صناعة أوروبا وزراعتها ومناجمها، تحيا فوق هذه الأرض شعوب كانت متخلفة تعيش في القرن السادس عشر. وبعد الحرب كانت أوروبا هي الهدف الثانوي لأمريكا القوية المنتصرة الغنية، أما هدفها الأساسي فقد كان هو انتزاع هذا الكنز المهول من أنياب الاستعمار القديم. بريطانيا كانت وسيلتها للاحتلال الجيوش، والقوة عندها في الأساطيل والسيطرة على المضايق والتجارة. اكتشف الأمريكان أن العصر الجديد القادم هو عصر البترول، وعلى هذا يجب اقتلاع النفوذ البريطاني والفرنسي من المنطقة، وبالتأميم مرة ثم بالتدويل مرة، ثم باحتكار التوزيع، ثم بالانقلابات والاضطرابات، نجحت أمريكا أخيرا في إعادة الفرنسيين إلى فرنسا والإنجليز إلى جزيرتهم، وتقريبا "ملكت" أمريكا أهم مصادر البترول في كل العالم العربي. ولكن هذا وحده لم يكن يكفي.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000056
0.000006
0
0.000062
0.000013
0.000245
0.000099
0.000001
0.000168
0.000001
0.000066
0
0.000029
0.000103
0.000044
0
0.999103
فإذا كان المنافسون الأوروبيون قد ذهبوا، فالمنطقة قد تطورت بسرعة وتهدد بتطور أسرع، وكان نجاح ثورة 23 يوليو واكتساب حق تأميم الممتلكات الأجنبية لحساب شعوب المنطقة؛ كان هذا تهديدا أخطر بكثير من تهديد المنافسين السابقين. وكان على أمريكا أن تؤكد وجودها وتؤمنه تأمينا مباشرا بإقامة دولة ترسانة تقوم بدور رجل البوليس المهاب. وتأمينا غير مباشر بضرب مصدر الخطر الأكبر: مصر. وأمريكا تعرف تماما أن مصر ليست ثلث العالم العربي، ولكنها الثلث الذي يملك من الإمكانيات المادية والبشرية والثقافية والحضارية ما يمكن أن يقود العرب ليس فقط لتأميم بترولهم ولكن حتى ليحتكروا هم إنتاجه ويحتكروا نقله وتوزيعه؛ ويعود إلى الشرق العربي ذلك المركز الخطير الذي كان يشغله في عالم الأمس؛ دولة حضارية كبرى تتحكم حتى في الحضارة الأوروبية بشقيها، بل وفي أمريكا نفسها. ثم بدأ الضرب الساخن وحين يكتب تاريخ ثورة 23 يوليو الحقيقي، والمحاولات المذهلة التي بذلت ضدها، سيدركون إلى أي مدى لعبت هذه الثورة دورا أصيلا وبطوليا. ولما فشلت هذه المحاولات، أصبحت إسرائيل فتى أمريكا المدلل، وانهالت عليها المساعدات والخبرات. إذ كانت الخطة هي سحق الثورة المصرية والجيش المصري سحقا لا تقوم بعده لمصر الثورة أو مصر القائدة قائمة. ومن ناحية أخرى بدأت خطة موازية لعزل مصر عن العالم العربي وإغراق عبد الناصر في خلافات عربية تحول بينه وبين أن يتفرغ لبناء مصر الجيش والصناعة والتفوق، ونجحت الخطتان نجاحا باهرا. تقطعت تقريبا كل علاقات مصر العربية. وجاءت حرب 67 التي انتهت في أقل من يوم، فقد كانت في حقيقتها حربا لاغتيال عبد الناصر شخصيا، وقد كان. وعبد الناصر لم يمت عام 1970؛ لقد مات لحظة ما عرف أن كل طيرانه ضاع وجيشه تفكك. وجيش مصر يعني رأي مصر، فلا رأي لبلد لا جيش له. وقد كان مطلوبا من الحرب ليس فقط أن تقتل عبد الناصر كمدا، وإنما أن تعريه من البطولة الأسطورية التي تكونت لديه عند الشعب العربي قاطبة وحتى عند غيره من الشعوب. ولكن الحسابات والخطط ولعبة الأمم والكمبيوتر نسيت شيئا واحدا؛ أن عبد الناصر ورفاقه قاموا بتنفيذ ثورة 23 يوليو، ولكن الثورة كانت ثورة الشعب، وأن عبد الناصر لم يكن يحارب لأنه طاغية، ولكنه كان يحارب لأنه زعيم مصري في قلبه كل ما في قلب أي مصر، والشعوب لا تستسلم.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000056
0.000011
0
0.000091
0.000017
0.000147
0.000032
0.000001
0.000327
0.000002
0.000447
0.000001
0.00001
0.000058
0.00013
0
0.998668
وقامت الشعوب كلها في مصر وفي كل مكان ترفض ما حدث، وتثبت الثورة. ولقد ظن الاستعمار أن المشكلة انحلت بوفاة عبد الناصر، وأن مصر هدأت وانهدمت وأمامها عشرات السنين لترفع القامة وتعتدل. وجاء السادات ونفس القصة تكررت مع الرئيس أنور السادات: ونفس المفاجأة حدثت حين رأوا أن هذا الرجل الذي يبدو بسيطا لا يملؤه الاعتداد الزائد بالنفس أو الغرور ولا يحلم بإمبراطوريات، رأوه هكذا فجأة يأمر الجيش المصري بعبور القناة واستعادة سيناء، وفي ساعات بشعبه والجيش ينجح ويصنع ما لم يصنعه حاكم مصري، يهاجم ويسحق ويطرد الأعداء كما فعل أحمس وتحتمس. لقد نسوا أن عبد الناصر فعل ما فعل لأنه كان تلميذا للحركة الوطنية المصرية وابنا لهذا الشعب، ونسوا أيضا أن السادات حين جاء وضرب مركز القوة الإسرائيلية لم يكن أيضا مجرد قائد، كان تلميذا لمصر الوطنية وابنا بارا شديد الإحساس بشعبه شديد الثقة في وهكذا كان لا بد أن يوقف عند حد؛ وجندت أمريكا كل قواها العسكرية والتكنولوجية والبشرية لتنقذ إسرائيل. ووجدت أمريكا أنها لا بد أن تغير سياستها في الشرق الأوسط. وتحركت قوى كثيرة في المنطقة تحاول أن تعطي هذا التحول أكثر من حجمه، وتحركت قوى كثيرة محاولة عزل مصر عن المنطقة حتى لا تعود أبدا إلى سابق حضورها وقيادتها. يأكل شعب؟ معقول، يرتدي ثيابا غير بالية؟ معقول، أما أن ينتج فكرا ويشع وعيا ويقود الحضارة العربية المترامية الأطراف، فهذا هو بالضبط غير المسموح به. فلتزدهر الأفكار الجديدة التقدمية في بيروت، أما أن يعود إلى مصر فكرها المتقدم الذي خلقت به نفوذها الحضاري والسياسي، فهذا مستحيل. حتى الصحافة المصرية... لتبق في حالة مونولوج داخلي محدود بحدود مصر ولا يتعداها، وليبق حجمها دائما أقل من حجم صحف بيروت. ففي بيروت تستطيع أي دولة أن تصدر صحيفة تنطق بأفكارها هي، أما في مصر فقد فشلت كل التجارب لخلق صحافة غير ناطقة باسم شعبها ومثقفيه، ولتكل لمصر الاتهامات الاستسلامية لتنهار مكانتها القيادية، ليشتت كل مثقفيها وأذكيائها في أركان المعمورة؛ فثروة مصر الحقيقية كانت في خبراتها وذكائها؛ ولهذا لا بد أن تستنزف طاقتها الخلاقة حتى لا تعود قادرة على الخلق أو الطموح. وأمامنا الواقع واضحا لا لبس فيه!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0.000001
0
0.001715
0.000014
0
0.000256
0.000012
0.000036
0.000094
0.000002
0.000486
0
0.000528
0.000003
0.000019
0.000145
0.000104
0
0.996582
في كل أسبوع يصدر في بيروت بالذات كتاب هائل الأهمية، مترجما كان أو مؤلفا، أروني كتابا مصريا هاما صدر خلال العام الماضي لتقتل الثقافة المصرية قتلا وئيدا بطيئا، وليخنق الكتاب المعروفون فيها خنقا بحبال من حرير، لتستمر صحافتنا في انكماشها، ولتستمر الأزمات المعيشية قائمة؛ فالمطلوب أن تظل مصر محنية الظهر أمام عالم عربي وإن كان قد ظل يكن لها الاحترام الكبير، إلا أنه في النهاية سينفض يده منها ومن الأمل فيها، وكأننا قد أصبحنا رجل العالم العربي المريض، بل لتشدد النعرات الإقليمية لدى كل قطر، وليصبح لكل قطر قاهرته الأعظم، الأعظم إن الرجل لا يموت إلا حين يضعف قلبه ويعجز عن جعل جسده ذلك الكائن الحي الواحد الخطة الجهنمية هي أن يجعل الجسم نفسه يتمرد على القلب، الجسم الذي كبر واغتنى وامتلأ بالمثقفين والدارسين، كيف يمكن أن تكون ثقافته هي ثقافة القاهرة. وإذا هبط القلب، ذلك القلب المتجانس الكبير، فالإجهاز على الأطراف يصبح مسألة مفروغا منها. خناقة النشالين إنني أعتقد أن الاحتكارات الأجنبية كانت تغذي الصراع العربي-الإسرائيلي باستمرار حتى لا يكف لحظة، وحتى يتيح لها نشل ذلك الكنز الأعظم، بينما الرأي العام العربي كله مشغول بقضية إسرائيل. إنه نفس تكتيك النشالين حين يفتعلون خناقة مع راكب الأتوبيس ولو استطعنا نحن كعرب، ليس فقط أن نحارب إسرائيل، وإنما أيضا نفشل مؤامرات التفريق بيننا ونتعلم، وبما نملكه من علم وثورة وثروة ستنتهي القضية العربية-الإسرائيلية؛ فهي كاللص الذي يعيث في البيت فسادا لأن الخناقة بين أفراده قائمة على قدم وساق. وحين نكف عن الزعيق والسباب ومحاولات قلب بعضنا البعض، ونتجه فقط بوجوهنا إلى ذلك اللص، فإنه لن يستطيع البقاء بيننا لحظة، إما أن يقفز من النافذة في الحال أو يموت رعبا. ولكن كيف تنتهي الخلافات؟ إن النوايا الحسنة لا تنهيها، ولا مجرد الإحساس بقوميتنا وعروبتنا ينهيها؛ فهناك مولد نشيط لها لا يتوقف. إننا نظن أن بعض الخلافات بين الحكام العرب تأتي اعتباطا، ولكن هذا التصور ساذج للغاية، فلا شيء في هذا الشرق العربي كله يحدث اعتباطا أبدا؛ كلها خطط مدروسة وموضوع لها البدائل، ولكن المسألة الآن مركزة في مصر. إنهم يريدون القضاء على مصر الملهمة والحضارة والقائدة.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.00006
0.000004
0
0.000101
0.000008
0.000231
0.000163
0.000002
0.000177
0.000002
0.000098
0
0.000033
0.000065
0.000024
0
0.99903
إن الرأي العام العربي تقوده عواصم أخرى بعد أن أسكتنا نحن خلال زمن طويل مفكرينا، وجعلنا من صحفنا مونولوجات محفوظة لا تثير عند القارئ المصري أو العربي أي ضرورة أو إحساس بالتفكير. حتى السياسة المصرية لا نشرحها لأنفسنا ولا للعالم، وكأننا نعتبر أنها يكفي أن تكون سياستنا ليتبناها الناس دون نقاش. الانفتاح الاقتصادي يفسر على أنه عملية تصفية للثورة. اهتمام مصر بحل مشاكلها الداخلية يفسر على أنه تمهيد لحل مصري-إسرائيلي وأعود إلى هؤلاء الذين يريدوننا أن ننغلق على أنفسنا ويكفينا عروبة، فإن هذه دعوة مصر أولا! إنها مثل العالم الذي يقضي عشرين عاما ليكتشف الدواء، ثم في لحظة اكتشافه يكفر بالدواء والعلم معا. إن هذا الدور البطولي الذي لعبته مصر وأخرجت به الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، ودخلت حربا دفاعا عن سوريا ضد حشود مزعومة على حدودها، هؤلاء الشهداء الذين ماتوا، هذا العدد المخيف من المصريين الذين يعلمون العرب ويعالجونهم ويخططون لهم وينشئون دولهم التي لم تنشأ بعد؛ هذا كله استثمار بشري مادي ومعنوي، هذا كله الضريبة التي يدفعها الأب في أعظم سني شبابه، الضريبة التي دفعتها مصر طوال ربع قرن أو تزيد، وحين أوان عائدها حين يكبر أبناؤه ويبدءون يردون له ما فعل ينفض يده منهم قائلا: لستم مني ولست منكم. إنه عبث وهراء ودعوة تقتلنا قتلا؛ فمصر بنفسها في حاجة الآن للعرب مثلما كان العرب في وقت ما في حاجة إليها، في حاجة لرءوس الأموال، في حاجة إلى توظيف أبنائها واستغلال ذكائهم، في حاجة إلى سوق لبضائعها، في حاجة أن تجعل من حلم ثورة 23 و 15 مايو حقيقة. ورقة أكتوبر إن ورقة أكتوبر مكتوبة لنا نحن المصريين، وأنا معها على طول الخط. فهي أحلامي في مصر العظمى، وأن سياسة الرئيس السادات العربية تلقى استحسانا كبيرا من معظم الحكومات العربية؛ فقد كبرت الحكومات العربية، بل ينبغي أن يكون انفتاحا على العالم العربي أجمع ولا نقاطع أي دولة عربية، فما من كاتب أو مسئول تناقشت معه إلا وكان مقتنعا أن الاستعمار يريد أن يعيد اللعبة القديمة في إقامة المحاور العربية. إن اللعب في المنطقة قائم على قدم وساق، والهدف إحالة مصر إلى دولة عربية من الدرجة الثانية، بينما مصر لا تزال هي مصر، هي كعبة الأمة.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000043
0.000006
0
0.000088
0.000013
0.000231
0.00008
0.000001
0.000189
0.000002
0.000119
0
0.000023
0.00006
0.000055
0
0.999087
وليس ضروريا في هذه المرحلة بالذات أن يكون الانسجام السياسي على أشده، فليكن لكل حاكم أو حكومة رأيه أو موقفه، وإنما الذي لا يجب أن يحدث أبدا هو أن تبدأ السياسة بقطع العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية مثلما كان خطؤنا الأكبر أيام فكرة القومية العربية؛ لنضع سياسة اقتصادية إننا كما نريد أن ننفتح على العالم أجمع، على أمريكا وعلى روسيا وعلى أفريقيا حتى، مهما اختلفت نظم الحكم في تلك البلاد ومهما كان رأينا فيها، من باب أولى أن ننفتح على إخوتنا وأشقائنا وكلهم وبلا استثناء. إنها بلاد تغيرت ونشطت ودبت الدماء في عروقها، ولكنها دائما وأبدا تنظر لنا باحترام، ودائما وأبدا تعتقد أن القضاء على مصر هو قضاء مؤجل عليها، وتريدنا أن نقف على أرجلنا ليس فقط لأننا قلبها وروحها، ولكن حتى لمصلحتها الذاتية، ودفاعا عن نفسها هي. عشرون عاما ونحن نكافح عربيا، حتى ولو بطريقة خاطئة أحيانا. أعتقد أنه آن الأوان لنجني ثمار هذا الكفاح، ولتفشل المؤامرة التي تعد ومنذ الآن لإحلال الصراع العربي-العربي، مكان الصراع العربي-الإسرائيلي، وهذه في رأيي خطة أذكى وأكثر تطورا. والخلافات "الأيديولوجية" هي رأس الرمح في إبقاء هذه الشعوب بعيدا عن التفكير في أنها تملك هذا الكنز فعلا، بينما شعوبها لا تزال من أفقر شعوب الأرض. أهي صدفة؟ إننا في حاجة إلى ورقة أكتوبر أخرى نخاطب بها الرأي العام العربي ولا ندافع عن أنفسنا أو سياستنا، وإنما نشرح وجهة نظرنا، تلك التي لا يزال البعض لا يفهمها تماما. وإذا كانت ورقة أكتوبر قد جاءت لتعيد للطموح المصري بعض ما فقده، فنحن في حاجة أمس إلى خطوات أخرى إيجابية، في حاجة إلى وجوه ثورية حقيقية تخاطب ثوار المنطقة الذين أصبحوا هم القوة الفعالة، في حاجة لنعيد للفكر المصري وللكاتب المصري وللصحيفة المصرية دورها الذي يتعاونون على خنقه. لسنا فقط في حاجة لانفتاح اقتصادي تحضر إلينا فيه الرساميل، ولكننا في حاجة لانفتاح معاكس نصدر فيه ثروتنا الحقيقية، مصر العلم والحضارة والقيادة والأفكار. ولا يمكن أن ننحصر هنا فقط في حل مشاكلنا العاجلة؛ فهي حتما لن نستطيع أن نحلها بالانغلاق عليها؛ إن حلها الأوحد هو بالانفتاح على عالم عربي لم يفت بعد الأوان لدورنا فيه، كل العالم العربي وكل الدول العربية وليس بعضها المنتقى فقط.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000025
0.000007
0
0.000072
0.00002
0.000282
0.000049
0.000001
0.000216
0.000002
0.000143
0
0.000016
0.000068
0.00008
0
0.999017
ولو فات دورنا وتمت الخطة الجهنمية فسنكون نحن وليس المشرق أو المغرب أول الضحايا. ومرة أخرى أعود وأقول إني كتبت هذا عام 1974. نشر هذا الموضوع عام 1974. عن عمد اسمع فتسمع ذاهب أنا لزيارة مكتبة مدبولي في ميدان طلعت حرب، ولكني قبل الباب بقليل توقفت؛ إذ كنت لحظتها أحدق ناحية التمثال... بالضبط أحدق في وجهه، فركت عيني بضع مرات وعدت أنظر، فعلا كانت شفتا التمثال لا أقول تتحرك، ولكنها بالتأكيد تتململ كالسجين الذي فرضوا عليه الصمت عشرين عاما أو أكثر، تناضل وتتزامم وتكاد بعض ومضة تتفتح على آخرها وتطلق صيحة استغاثة تصم آذان الكون وتوقف الحركة الدائبة حولها في الميدان، وتخرس الأرجل المنطلقة في تباطؤ سريع أو سرعة طائشة إلى حيث-حتى صاحبها-لا يعلم أحد. صرخة تأكدت أنها لو وانفلتت لأجبرت قاهرة سعد الدين مأمون ذات الملايين الثمانية أن تفعلها مرة وتخرس وتصمت وتسمع. هب أنه خيال كاتب أو مزيج من واقع أشد غرابة من خيال أي كاتب، هب أنها أمنية، هب أنها معجزة لا بد إذا ظل الحال على هذا المنوال أن تحدث، أو ربما يحدث ما هو أشد منها هولا أحسست بالشفقة تجمدني في مكاني، نسيت اسم الكتاب الذي كنت ذاهبا لشرائه، حتى نسيت إلى أي مكان كنت ذاهبا، واستغرقني التمثال بقامته القصيرة وجسده الذي بدا في نظري يرتعش تململا وغضبا، الجسد الممتلئ الواهن رغم امتلائه. التمثال موضوع بحيث لا يمكنك أن تراه وجها لوجه إلا إذا وقفت في منتصف الجزء الأول شارع قصر النيل ومرت فوقك على الأقل مائة وخمسون عربة ملاكي وأجرة ونصف نقل، لا بد إذا أردت أن تراه بزاوية وأن يراك بنصف وجه. ارتفع الحاجب النحاسي الصدئ حتى تجعد الجزء المقابل لي من الجبهة، ارتفع دهشة إذ لا أن ما حدث كان شيئا في رأيه خارقا للعادة.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000256
0.000007
0
0.000119
0.000012
0.000144
0.000312
0.000002
0.000257
0.000001
0.000073
0.000001
0.000042
0.000171
0.000018
0
0.998584
له في هذا المكان خمسة عشر عاما أو تزيد، الملايين جاءت الميدان واخترقته ودارت حوله، الملايين تلكأت أمام جروبي وأمام البوتيك وأمام بائع الجرائد، الملايين هرأت الأرصفة الأربعة الدائرة وربما لم يعن لواحد منها أن يرفع رأسه ليرى طلعت حرب أو يتمعن في ملامحه، أما أن يسأله ما به، فلا بد في رأي الباشا النحاسي أن شيئا حدث للكون وخرق ناموسه، وكأن واحدا من ملايين التماثيل النحاسية والبرونزية والخشبية والجميزية، تماثيل أبلاكاشية وكرتونية وعرائس مولد وعرائس ماريونيت وعرائس القشطة وعرائس كالسيد قشطة، لا بد أن اهتز ناموس الكون وخرق قانونه واحد من هذه التماثيل المارة ودبت فيه الروح وفتح عينيه ورأى، رأى الباشا التمثال وعرفه، وأدرك أنه مأزوم إلى درجة تقارب الانفجار. بلا شك كانت دهشة التمثال لسؤالي إياه عن حاله أكبر بكثير من دهشتي أنا حين سألته، ملامحه وارتفع من الدهشة حاجبه؛ دهشة شديدة دفعت به ليس فقط أن تتجعد جبهته، وإنما أن يستدير بوجهه ليواجهني، أجل يستدير بوجهه ويواجهني. حركة رآها مئات الناس الذين يحفل الميدان معي، ولكني أكاد أقسم أن أحدا منهم لم يرها شيئا غريبا ولم يجد فيها ما يبعث الدهشة؛ ومعذور ألف مرة؛ يندهش على إيه وللا إيه وللا إيه؟ المستشار الذي يقطن في المنزل المجاور لبيتنا رأى العفاريت، وبهدوء أعصاب تام استدعى البوليس، وأيضا لم يندهش ضابط البوليس وبكل روتينية كتب بيد غير مرتعشة في المحضر: وحيث إننا شاهدنا بأنفسنا الأرواح الشريرة وهي تفتح الأبواب عنوة، وترفع الأطباق في الهواء وتقذفها إلى الأرض حيث تنكسر وتتناثر شظاياها، فقد رأينا أن نرسل في طلب شيخ من مشايخ الجن المدرب على ترويضها. وجاء من مصر القديمة وأنهى المهمة، وهجعت حركة الجن في الشقة تماما، وقيد الحادث ضد كائنات مجهولة، حيث إن الشيخ لم يستطع أن يتعرف على أحد من الجن باعتبارهم ليسوا من ذوي السوابق، وقفل المحضر... إلخ... إلخ. يندهش على إيه واللا إيه واللا إيه؟ البنت المفعوصة التي كانوا يسمونها نعسة الحولة جاءت بالأمس تزور الحتة في "حتة" مرسيدس تمساح لونها أحمر، وأصبح اسمها دوسة، وشعرها ذهبيا، وتدير أمكنة بلغت من تعدادها أن اتخذت لها في أحدها مكتبا بسكرتيرة وتايبريتر.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000101
0.000007
0
0.000071
0.000014
0.000185
0.000124
0.000001
0.000217
0.000001
0.000056
0
0.00003
0.000138
0.00004
0
0.999014
أماكن يرتادها أناس من غير حاجة إلى جن يرفعون بالنقود كاساتهم وتطير رءوسهم نفسها في الهواء، بموافقة ضابط آداب دون محاضر إلا محاضر لا يوقع عليها متهم، محاضر أنس يقبض فيها بدل إغلاق العين إياها! يندهش من ماذا؟ وكم الدهشة أصبح أكبر بكثير من كم اللادهشة مثلما أصبحت القذارة أكبر بكثير من طاقاتنا وطاقة البلدية والمحافظة وربما جيوش الحلفاء في الحرب العالمية على النظافة. يندهش على إيه واللا إيه وفي كل بلاد الدنيا يخترعون التليفون والعربة والقطار والأتوبيس لتكون وسائل اتصال أسرع، ونحن أبدا لا نندهش حين تتحول عندنا فقط إلى وسائل انفصال دقيق، وكأنها اخترعت لتعزلنا أو لتعطلنا أو لتضيع وقتنا وأرواحنا. المهم أبدا لم يندهش أحد، وطلعت حرب-التمثال-يستدير برأسه الهائل ويواجهني، وقد كسيت ملامحه بمزيج غريب من الدهشة ولا أقول الرعب والحيرة والغيظ، ثم أخيرا شيء وكأنه عودة الروح التائهة في صحراء بشرية يصرخ وينادي لخمسة عشر عاما بلا أمل في جواب، وأخيرا ها هو ذا يتلقى الأمل في رد، أمل حقيقي، بدليل أن شفتيه راحتا تتحركان بكلام، طبعا وسط الضجيج الهائل الذي تصنعه صفافير وزعقات وميكروفونات أربعين ضابط مرور وعسكريا وأمين شرطة واقفين لينظموا المرور، في أضبط مكان "بحكم جغرافيته" لانسياب المرور. تحركت شفتاه، أصخت بسمعي، وضعت يدي مفرودة خلف أذني لتلتقط ما يريد قوله، اشرأبت أطراف أصابعي، سددت الأذن الأخرى بلا فائدة، وكان علي أن أعدي الميدان وأندفع إلى حيث قاعدة التمثال. محاورة سريعة كالطلقات دارت بيني وبين أمين الشرطة: من ع الرصيف أرجوك. بس هو في الميدان. شاور له واتقابلوا بره بعيد عن الميدان من فضلك. إذا عديت غرامة خمسين قرش. فضلك وإلا الغرامة. اتفضل. ودفعت الغرامة، وانشغل هو في تحرير إيصال لم أحفل به. ورأسا اتجهت لصرة الميدان، رصيف الصرة وقفت، وبأشد الزعيق من ناحيته (فقد كان صوته الطبيعي منخفضا وكان قليل الكلام)، وبأقصى ما أستطيع من رفع صوتي دون أن ألفت أنظار ضابط المرور الجالس فوق موتوسيكله ذي الصوت المزعج، تكلمنا. مالكم يا بني؟ ومين اللي قال لكم حطوني هنا. كيف تشيلون بطل مثله كان أول من نقل الجيش المصري من القرون الوسطى إلى العصر الحديث، وتحطوني أنا؛ أنا الذي لم أصنع شيئا؟ أبدا يا باشا. هذا تواضع!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000064
0.000008
0
0.000062
0.000002
0.000196
0.000096
0.000004
0.001543
0.000002
0.000176
0
0.000016
0.000183
0.000019
0
0.997626
أنت الذي خلقت الصناعة المصرية الوطنية، أنت سعد زغلول الحقيقي؛ فاستقلالنا ظل نظريا إلى أن أنشأت أنت بنك مصر وشركاته، أول انتفاضة للاقتصاد المصري التي صنعت منا فعلا دولة، ولولاها الآن لكنا مجرد جزر مايوركا. أنت الذي لا أنا ولا أنت يا بني. دعنا من دوري؛ فأنا محكوم علي بالسجن داخل هذا الميدان ووجهي إلى حائط الهيلتون الذي بنوه، لا أحد يسأل عني أو يستفيد بي أو يرجع إلي أو إلى آرائي. قلقي على أولادي زاد؛ أكاد أبكي. اطمئن يا باشا؛ أولادك جميعا على خير ما يرام، أقل ما فيهم رئيس مجلس إدارة بنك أو وزير أو حتى مليونير لحسابه الخاص! هؤلاء تلاميذي، ولكني أتكلم عن أولادي. ما أعرفه يا باشا أنك لم يكن لك ذرية. أتكلم عن بنك مصر وشركاته! لماذا لم تعودوا تفهمون بسرعة؟ لأن الخبز الذي نأكله يا باشا فيه مكونات العلف أضعاف أضعاف ما فيه مكونات معلش مجرد أزمة ستمر. رأينا ما هو أبشع منها في الثلاثينيات. سأسألك الآن عن أولادي واحدا واحدا، كيف حال البنك؟ البنك عال والحمد لله؛ الودائع كثيرة، والموظفون بالآلاف، والأفرع في كل مركز، والأشيا طيب كانت هناك ابنة لي أعزها كثيرا، ومت وهي صغيرة، إنما كانت ناجحة تماما، وكانت تنتج في العام أكثر من ثلاثين فيلما. ماذا حدث لها؟ تقصد شركة مصر للتمثيل والسينما؟ رحمها الله. ليتها ماتت، إنما هي بالحياة ماتت. سينما استوديو مصر أعتقد أنها مغلقة للتحسينات أكثر عشر سنوات، وللآن لا تمت تحسينات ولا فتحت أبوابها للجمهور مع أنها تحتل قلب القاهرة! استوديو مصر الذي ينتج ثلاثين فيلما وعدد موظفيه لا يتجاوز الثلاثين، أصبح الآن ألف موظف وعامل ولا ينتج فيلما واحدا! وأخيرا أجروه لشركة تليفزيون! وفجأة سأل: وشركة مصر للطيران؟ اعلم يا باشا لقد كنت فعلا إنسانا عظيما تقدمي الفكر، لم تكتف بالدعوة لتمصير الاقتصاد المصري في وقت كان الخواجات فيه كالقوتين العظميين في العالم الآن؛ فتوات الاقتصاد ممكن أن يفترسوا أي منافس ويمسحوه من على وجه الأرض.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000061
0.000004
0
0.000122
0.000019
0.000216
0.00011
0.000001
0.000142
0.000001
0.000089
0
0.000023
0.000061
0.000079
0
0.999069
نزلت بنظريتك الاقتصادية الوطنية إلى أرض الواقع الرهيب، ومن قروش المصريين الفقراء أنشأت بنكا، ولم تكتف بأن يقوم البنك بتمويل شركات مضمونة الربح كما فعلت بإنشاء شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، بل أيضا قفزت بأجور عمالها، وأول من أنشأت للعمال في مصر مساكن، فقد كانت نظريتك أن الأجر العالي والحياة المضمونة هي الدافع الحقيقي لزيادة أي إنتاج. لم تكتف بإنشاء شركات مضمونة في الربح، بل ومضمونة السوق بتصنيع أعظم خامة قطنية في العالم وطرحها غزلا أو نسيجا بحيث لا يستطيع أي إنسان في العالم منافستها، ولكنك أنشأت ورعيت ومولت شركات كانت تعتبر في رأي كثير من اقتصاديي ذلك الزمان-بل وربما هذا الزمان-أنواعا من التخريف والسفه. أنشأت-والطيران يكاد يكون معروفا وربما حتى غير معترف به كوسيلة للسفر والانتقال-أنشأت أول شركة طيران في أفريقيا كلها، والمضحك أنها في ذلك الزمن البعيد لا تغطي مصروفاتها فقط، ولكنها كانت تربح ربحا كبيرا. بل أكثر من هذا "جنونا" أقصد عميقة ضاربة في ضباب المستقبل تدرك كنهه، أنشأت شركة مصر للتمثيل والسينما في الثلاثينيات، أي لم تكن قد مضت ثلاثة أعوام فقط على اختراع السينما الناطقة. وكأنها مصر الآن تنشئ مصنعا لصناعة العقول الإلكترونية أو ما هو أحدث، إنشاء واستنباط وتشغيل أشعة الليزر. ولو عشت لمصر يا باشا لكانت لدينا من المحتم مصانع لإنتاج الطاقة النووية وليس مجرد استيراد مصانع لإنتاجها. بل إنك أيها الاقتصادي الخارق الذكاء قد أدركت في هذا الزمن السحيق أن لا اقتصاد حديثا بغير صناعة حديثة، ولا صناعة حديثة بغير إنسان حديث؛ إنسان حديث بمعنى أنه ليس مثقفا تلك الثقافة العامة العالمية، ولكنه مثقف الوجدان ثقافة وطنية فنية نابعة من صميم أحاسيسه الأصيلة وقيمه وإنسانياته. وهكذا كنت أول اقتصادي ينشئ جنبا إلى جنب مصنع القطن ومصنع الغزل ومصنع الفن "السينما"، ومسرحا هو مسرح الأزبكية اليتيم الذي كان شرطك لإنشائه أن يقدم فقط الإنتاج المسرحي الوطني المصري الرفيع.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.00004
0.000004
0
0.000081
0.000016
0.000284
0.000096
0.000001
0.000152
0.000001
0.00007
0
0.000024
0.000069
0.000074
0
0.999085
أما المضحك حقا يا باشا، المضحك إلى حد البكاء أننا وبعد أن سرنا على منوالك في ثورتي 23 يوليو و 15 مايو ومصرنا البنوك والشركات وأممنا الصناعة وبدأت تصبح لدينا بعض الصناعات المتقدمة التي نستهلك نحن معظمها ونصدر بعضها، وحتى جئنا بالانفتاح وسياسته مقصودا به أن يكون دعما للصناعة الوطنية بحيث ننفتح لنستورد من كافة أقطار الأرض أدوات إنتاج وعقليات حديثة تدير إنتاجنا الوطني الحديث. فهم قطاعنا الزاخر الخاص أنه انفتاح لأجل أن يغتني بعض الناس، ومن أجل أن نغرق أسواقنا بالبضائع الاستهلاكية الأجنبية حتى كانت أقل جودة من بضاعتنا المحلية. جئنا بالمنسوجات-تصور يا باشا-لتنافس "اللينوه" وال "جيل"، جئنا بالموكيت ومن أغلى مصادره لينافس مصانع السجاد الرائعة في دمنهور، قتلنا ذلك الذي بدأ على يديك جنينا سرعان-وبقوة صاروخية-ما نما وجاءت الحرب العالمية الثانية ليشب عن الطوق، وجاءت 23 يوليو ليصبح قاب قوسين أو أدنى من النضج، وفتحنا النوافذ له بثورة 15 مايو كي يتنفس ويطل على العالم، فإذا ببعضنا يستورد الغازات الخانقة والسائلة والسفن أب لتحيله إلى جثة. المضحك؛ المضحك إلى حد البكاء يا باشا، أن الشركة التي أسستها وسميتها "شركة المصنوعات المصرية" لتتخصص في عرض وتسويق منتجاتنا المصرية في مصر أولا ثم في بلادنا العربية والأفريقية ثم في العالم؛ هذه الشركة هي الآن شركة لبيع المصنوعات المستوردة، كل ما فيها مستورد، تنافس تجار الشواربي وأصحاب البوتيكات في استيراد ورق الحائط الإنجليزي والسجاد البلجيكي والمصنوعات الفرنسية والإيطالية واليابانية؛ أصبت باختناق وأنا أرى فترينتها وفترينة عمر أفندي وصيدناوي! حتى أيام الخواجات كانوا يفضلون أولا أما الطبقة النجسة التي في يدها النقود الآن، فهي بقدر ما تجعجع بذكر "نحن مصريون" ومصر أولا وأخيرا إذا ذكرت الثقافة أو المعرفة أو تشغيل العقل، تصاب بالأرتيكاريا إذا اضطرت لشراء مصري أو لاستعماله. تصور يا باشا أنا أشعل سيجارتي المستوردة بعود كبريت مستورد، بينما صناعة الكبريت في مصر منشأة منذ عام 1830، وبينما لدى شركة النيل كبريت قيمته مليون جنيه احترق في مخازن الشركة لأننا نعطي بإجرام شديد تصاريح لاستيراد كبريت أجنبي ثمنه خمسة أو سبعة أضعاف الكبريت المصري.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000034
0.000007
0
0.000129
0.000046
0.000439
0.000056
0.000001
0.000137
0.000001
0.00005
0
0.000028
0.000103
0.000379
0
0.998587
وأنا أفهم أن يصيب النزق بعض الأفراد أو التجار، أما أن يصيب النزق العمود الفقري لصناعتنا وتجارتنا الوطنية، أما أن تتحول شركة بيع المصنوعات المصرية إلى بوتيك للبضائع الأجنبية، فهنا لا يصبح النزق نزقا وإنما يصبح خيانة. لقد كافحت مصر مئات السنين لكي تستعيد استقلالها السياسي؛ ولهذا فهي تحكم بالإعدام على أي إنسان يحاول إخضاعها أو سرقة هذا الاستقلال. ولقد كافحت مصر بك يا باشا ومن قبلك ومن بعدك، وكافحت طويلا من أجل أن تكون صناعتنا وتجارتنا، فإذا انتهينا إلى أننا أصبحنا نستورد اللبن الزبادي! تصور يا لا يمكن أن تكون الإصابة في عقولنا قد وصلت إلى حد ارتكاب الجريمة مع سبق الإصرار والترصد، ولا يمكن أن تكون القوة الوطنية الاقتصادية المسيطرة قد وصلت إلى هذا الحد المداراة على الجريمة لتكريس ما يفعله المجرمون، بل-وهذا هو الأدهى-إخضاع القطاع الصناعي والتجاري العام للذين يعدون لقتل صناعتنا وتجارتنا وإنسانيتنا أخيرا بهدف حقير مهما قيل عنه وقيل في تبريره. دوت الصرخة أعلى من أي أصوات قنابل وانفجارات سمعتها، وصلت عنان السماء، أيها المصريون، يا أصحاب مصر، هل متم؟ ألا تعرفون هذا كله؟ لماذا أنتم ساكتون؟ يا من علمتكم وطنية الاقتصاد واقتصاد الوطنية، يا من مت أحلم بجيش يحمي إنساننا واقتصادنا واستقلالنا، أين ذهبتم؟ أأضاعتكم المناصب والتوكيلات؟ أمات عندكم الضمير؟ يا مصر، أين ضميرك الاقتصادي؟ أين؟! استمع إليها واستمع، ولا أحد يلتفت، لا أحد هنا؛ لكأننا في الربع الخالي مع أننا في ولا يزال طلعت حرب إلى هذه اللحظة يجأر ويصرخ، عيونه تقدح النار والكلمات من شفتيه كالرصاص تنهمر وتتدفق، ولكن المشكلة هل من يسمع؟ هل يتوقف أحد ليسمع؟ حاول أنت. مر في الميدان وقف، وتطلع إلى ملامح الرجل ووجهه، وكالرعد حتما سيأتيك صوته. المشكلة أن-عن عمد-تذهب، وأن-عن عمد-تتوقف، وأن-عن عمد-تحاول أن تسمع وتفهم تسمع فستسمع. حين وقفت واسع العينين أحملق، لا في الشاب أو الفراش أو العنبر، وإنما في الكلمات المتدفقة من هذا الفم الذي فقد بعضا من أسنانه الأمامية، السمرة المختلطة بحب الشباب وحبات العرق والشحوب، الكلمات التي تروي كيف فقد قدمه.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000047
0.000005
0
0.000079
0.000011
0.000187
0.000061
0.000001
0.000255
0.000001
0.000073
0
0.000015
0.000097
0.000062
0
0.999105
القدم لم تكن أمامي على الفراش، أمامي على ملاءة السرير كانت الساق سمراء جدا ورفيعة وتنتهي إلى لا شيء، وكان الجرح ملتئما تماما وكل شيء على ما يرام وكأن عصا ساحر خبيث مجنون مرت على القدم فاختفت ولم يعد لها أثر. ازدحمت خواطري بآلاف الأفكار وعشرات السنين والمعارك، أحسست أني ومن أعمق أعماق النفس بدأت أنفعل انفعالا حقيقيا صادقا لا يمليه واجب المشاركة، ولا سمعة 6 أكتوبر المجيد. أنفعل أمام عظمة الإنسان المصري، أكاد أخر ساجدا، ألثم نهاية الساق، أغسلها بدموعي؛ دموع تعسرت على عيني يوم مات أبي تملأ الآن جوانحي، تفور كالبركان في تريد أن تنفجر، دموع حبستها طويلا وكثيرا، دموع كنت أختزنها لليوم الأعظم، ولم يكن اليوم الأعظم في نظري يوم معركة ننتصر فيها أو قنال نعبره، وإنما يوم ألتقي بالإنسان المصري الأعظم الذي يجعلني أحس-دون أن يدري ودون أن أدري-أني إلى جواره ضئيل وأنه أعظم الأرض ومن التراب، وأني لأول مرة في حياتي أحس أني على استعداد أن أموت أنا من أجله بنفس البساطة التي تتدفق بها الكلمات من فمه أموت؛ فكلماته على عكس ما توقعت لم تكن تتحدث عن إصابته هو ولا قدمه، إنما كانت تتحدث عن قائد الكتيبة والدبابة؛ عن شجاعته وقدرته، عن اقتحاماته، عن كيف أصيب إصابة و "الحمد لله" بسيطة، وأخباره كويسة، وقريب كنت وجلا غير شديد الحماس قد ذهبت إلى القصر العيني. إن زيارات الجرحى وجهود السيدات والنجوم في هذا المجال قد أصبحت المادة الرئيسية لأخبار الناس، وأنا يزعجني الأشياء المقدسة حين تصبح مادة الحديث العام، وأوثر أن تبقى بعض المقدسات كالحرمات تعلن عن نفسها في صمت ونقف أمامها في خشوع، وكان أخوف ما أخافه أن أذهب فأجد البطولات قد تحولت إلى أحاديث، ولا أحظى بلحظة صدق. القصر العيني، يا له من قصر! لي أعوام كثيرة كثيرة لم أدخله. القصر العيني الجديد طبيبا، أسرع عبر الممرات في البالطو الأبيض الهفهاف، وأملأ الدنيا بابتسامة مستقبل عريض كنت أعرف تماما أنه أكيد. مستقبل انتهى بعد عام وبعض عام حين لم يعد لي في الطب مستقبل. دخلت العنبر، كانت الدنيا مغرقة في المساء والضوء ليس قويا، وعلى الجانبين الأسرة، كل سرير جريح، فوق كل سرير قصة كبرى، حتما فوق كل سرير قصة كبرى؛ فكل منهم كان عالم، جاء من أم وله أب وربما زوجة وأولاد.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000002
0.000036
0.000009
0
0.000069
0.000018
0.000231
0.000041
0.000001
0.000218
0.000001
0.000098
0
0.000018
0.000082
0.000118
0
0.999058
قصة التحام كل منهم كأفراد جاءوا من جميع عوالمهم وبقاعهم مع الأم الكبرى مصر. كيف حدث الالتحام؟ كيف أحالوا اللقاء جحيما ينصب فوق رءوس الأعداء؟ كيف خرجوا؟ كيف نجوا؟ كيف هم الآن؟ ومن أين أبدأ؟ وقفت أبعد الستار وأقربه، أمسح الرجال بعيني وفي نفسي خشوع. إن للجماعة رهبة وخشوعا، فما بالك وهؤلاء ليسوا مجرد جماعة، ولكنها جماعة مقاتلين جرحى! إن للجروح هي الأخرى وللسيقان والأذرع والأطراف الموضوعة في الجبس والتي بترت أو تنتظر البتر رهبة. في خشوع وقفت محتارا أبدأ أو ماذا أقول؟ ماذا تعني حمدا لله على السلامة حين تقال؟ وهل تقال الكلمة العادية كهذه في الموقف غير العادي كذاك؟ من أنا هنا ولماذا جئت وماذا أفعل أمام هؤلاء الذين أدين لهم أني حي سليم، وأن عائلتي في البيت مطمئنة سليمة لم تمس؟ ساعدني يا رب؛ فاللحظة حرجة، وأنا خجول أني لم أكن معهم، وأني غيرهم لم أدفع ضريبة دم ولا نلت في حياتي هذا الشرف. في وجل رحت أخطو تجاه الجريح الأول، بالكاد خرجت من فمي كلمات تتعثر؛ لم أسمعها أو يسمعها أحد. فجأة وجدت نفسي غارقا في فيض الحماس المصري؛ في حرارة رحب بي الشاب الراقد، أنساني القصر الجديد ومن أنا، وأذهب الخشوع والوجل. هذا الصدر المصري الحبيب على مصراعيه لي ولأي غريب؛ فينسي الغريب غربته، ويجد نفسه في ثانية قد دخل الصدر وأصبح قريبا من القلب. ومن القلب إلى القلب مضى الحديث يدور، وما هكذا أي شعب آخر؛ ولهذا ننفرد ونسمو نحن المصريين. وليس عيبا أبدا أننا نفتح الصدور على مصاريعها حين نلتقي؛ فهذا هو الشيء الجدير بالإنسان-إذا كان إنسانا حقا-أن يفعله. الذي أذهلني أن أحدا منهم لم يبدأ الحديث بنفسه أو بإصابته، كان الحديث دائما يبدأ بالمعركة الكبرى كيف دارت وماذا حدث، ثم ما حققته الوحدة أو الكتيبة وما قامت به من ثم، وبناء على سؤالي فقط، يدور الحديث عن كيف أصيب. حديث قصير جدا لا يأخذ أكثر لحظة: "انضربت الدبابة بالصاروخ وأفقت فلم أجد أصابعي. في عودتنا طارت فوقنا الهليوكوبتر وسقطت قنبلة وقمت لأواصل السير ولكني سقطت. كانت ذراعي وساقي والقميص والبنطلون قد تمزقت واختلطت الدماء بالقماش وبالرمل. في عودتنا بعد نجاح المهمة أحسست بكتلة عريضة كأنها حائط رصاص ترتطم ببطني وكانت الإصابة، لولا ماشيست هذا (جندي من القوات الخاصة بجوارنا-هكذا يسمونه) لكنت مت.
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0
0
0
0.000001
0.000111
0.000005
0
0.000096
0.000013
0.000125
0.000083
0.000001
0.000231
0.000001
0.000092
0
0.000015
0.000095
0.000064
0
0.999066
وجدني في عودته راقدا، حاول أن يحملني، طلبت منه أن يذهب وحده؛ فغير معقول أن يحملني مسافة طولها أكثر من عشرة كيلومترات، ولكنه حملني بالقوة." ماشيست يرد بالمرح المصري الأصيل: لو كنت أعرف أنك طويل اللسان هكذا لتركتك تلعق رمال سيناء بلسانك. العنبر. وجدته، وكلما انتقلت من فراش إلى فراش يتسع ويتسع، ويطول ويطول، وسقفه يعلو ويعلو، وكأنما يريد أن يشمل مصر. وأي مصر! مصر هؤلاء الفلاحين وأبناء الفلاحين والعمال وأبناء العمال، خريجي الصنايع وأصحاب المؤهلات، شباب المدينة، وشباب القرى، مصر التي طالما نظر لها العالم على أنها مسكينة ملأى بالمساكين والفقراء. نعم، بفضل التسلط الاستعماري ظللنا لأمد طويل مساكين وفقراء، لم نزل فقراء، ولكنا لم نعد مساكين. فالبطولة الحقة أن الذين قهروا عدونا الشرس، الذين دكوا الحصون وعبروا المياه وسحقوا الدبابات والطائرات ومحوا أسطورة إسرائيل؛ البطولة أنهم ليسوا عمالقة من بلاد مجهولة ولا كائنات خرافية هبطت من السماء، البطولة أنهم أبناؤنا؛ هؤلاء أبناء أرضنا ومدننا وقرانا. أناس من دم ولحم وشحوب لم ينحدروا من صلب بروسيين، يكونوا كالإنجليز قراصنة بحار، ولا كان آباؤهم مقاتلين. البطولة الهائلة الحقة أنهم هكذ، بالتلقاء البسيط، بالبطولة حين تزاول كعمل يومي لا فخر فيه ولا ادعاء، بالمعجزات حين تتحقق على أيدي البسطاء، البطولة الحقة أن هؤلاء هم الذين سيروي عنهم التاريخ إلى أبد الآبدين. حين انتهى الشاب سائق الدبابة من الحديث عن القائد وبطولته، سألته كيف حدثت الإصابة وأزالت قدمه: أبدا. أنا مقعدي في مقدمة الدبابة، أثناء معركة الدبابات جاء صاروخ أصاب المقدمة وأخذ قدمي، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تصاب فيها الدبابة؛ أصيبت مرتين وأصلحناها، ولولا أنهم انتزعوني من مقعدي وأن الصاروخ أصاب بدال البنزين لأصلحتها بنفسي وواصلت القتال. سعيدا كان يتكلم، سعيدا إلى درجة النشوة، كانت الحرب وذكراها تمثل له قمة النشوة، فأخيرا ها هو ذا يلاقي عدوا متجسدا أمامه لأول مرة وينشب فيه أظفاره ويعلو به الصدام إلى قمة النشوة. أقسم إنها كما صنعت مصر الحاضر ستصنع مصر المستقبل. وكما زلزلت وجود العدو الإسرائيلي وهدت قواه، ستصنع لنا البقاء والوجود. حيرة الكاتب ما كان أضناه من شعور!
يوسف إدريس
يوسف إدريس
1
0.000001
0
0
0.000001
0.000054
0.000002
0
0.000255
0.000002
0.000137
0.00009
0.000002
0.000936
0.000002
0.000262
0
0.000008
0.000075
0.000034
0
0.998139
End of preview. Expand in Data Studio

No dataset card yet

Downloads last month
9