text stringlengths 0 233k |
|---|
إعداد |
د. أيمن محمد عبد القادر الشيخ |
الأستاذ المساعد بكلية الدعوة والإعلام |
جامعة القران الكريم والعلوم الإسلامية – السودان |
اللغة العربية في وسائل الإعلام المرئية |
د. أيمن محمد عبد القادر الشيخ |
أستاذ مساعد بكلية الدعوة والإعلام |
جامعة القران الكريم والعلوم الإسلامية |
السودان |
• تمهيد |
اللغة بشكل عام هي مرتكز أساسي في التواصل الإنساني واللغة العربية لم تكن بمعزل عن ذلك لم لا وهي لغة احتفظت برصيدها التاريخي وانطلقت تتواصل في كل عصر من العصور. ولا يخفى على أحد أنها لغة القرآن الكريم الذي تعهده المولى عز وجل بالحفظ. |
ومع تطور وسائل الإعلام بمجالاتها المختلفة، سيما المرئية منها وظهور شبكات الاتصال وتكنولوجيا الفضاء أضحى الحفاظ على اللغة العربية ضرورة أكثر من ذي قبل، وخصوصاً في عالمنا الإسلامي، وعندما يتعلق الأمر بحوار الثقافات والحضارات تتعاظم هذه الضرورة باعتبارها لغة رسمية للاتصالات الدولية. |
وتأتي أهمية اللغة العربية في الإعلام المرئي أيضا عندما نرى أن لغة الصورة أخذت موقعاً متميزاً صاحبه تراجع في استخدام اللغة العربية الفصحى في ممارساتنا وبرامجنا مع طغيان العامية ونتج عن ذلك كثير من الأخطاء اللغوية. |
لذا يأتي هذا البحث "اللغة العربية في وسائل الإعلام المرئية" لاعتبارات عديدة أهمها: |
1. يمكن للغة العربية أن تأخذ الصدارة في إعلامنا المرئي . |
2. تعد العربية لغة وثقافة وسلوك وبالتالي يمكن أن ندفع بها إلى الإنسانية جمعاء. |
ويتناول البحث مفهوم اللغة وسماتها ووظائفها وعلاقتها بالعلوم الأخرى، ثم يستعرض اللغة العربية تاريخها وأهميتها وطبيعتها وسماتها وخصائصها وأسس بناء منهج اللغة العربية. كما يتناول البحث كذلك المحطات التاريخية التي صاحبت تطور وسائل الإعلام المرئية وعلاقتها بتطور البث الفضائي المرئي، بالإضافة إلى أبرز خصائصها. |
ويركز البحث بشكل أساسي على واقع اللغة العربية في وسائل الإعلام المرئية في عالمنا الإسلامي بهدف تشخيص هذا الواقع وذلك للوصول في النهاية لبناء رؤية مستقبلية لما ينبغي أن تكون عليه اللغة العربية في هذه الوسائل. |
• مدخل إلى اللغة |
يعتبر الاتصال حق طبيعي كفله المولى عز وجل لبني البشر وهذا الاتصال لا يتأتى إلا باللغة، تلك اللغة التي لازمت الإنسان طوال مسيرة حياته. |
وتكمن أهمية اللغة في أنها أهم مميزات الجنس البشري عن غيره من المخلوقات التي يتعامل معها في محيط حياته ووجوده على هذه الأرض، كما تعد وسيلة التفاهم ووعاء الحضارة بالإضافة إلى أنها ترسخ في عقول أبنائها منذ الصغر أفكاراً وعادات وتقاليد هي جماع الثقافة الخاصة بالمجتمع، ومن ثم فإن نظرة الفرد والشعب إلى الحياة والكون والوجود هي غالباً نابعة من إرثه اللغوي الذي ارتضعه وتربى عليه يوماً بعد يوم. (1) لذا كان من الطبيعي أن تحظى اللغة باهتمام الشعوب على امتداد التاريخ الإنساني، وقد تمثل هذا الاهتمام في الآتي: (2) |
1- إن الإنسان بطبيعته ينزع إلى البقاء، وهو يعلم أنه ميت فانٍ ، ولذا فإنه يريد أن يبقي لنفسه ذكراً بين أجياله المتلاحقة، ووسيلته الأولى إلى ذلك تسجيل ما يريد لغوياً. |
2- مشاركة اللغة في التسجيل عبر الصور والرسوم والفخار والمعادن وغيرها، وهذا كله بدافع إبقاء الذكر الذي يمثل كل ما يفكر فيه الإنسان. |
3- لا تكاد توجد أمة لم تقم بدراسة لغتها ووضع القواعد الكفيلة بفهمها وتيسيرها لمتعلميها. |
وعلى الرغم من أهمية اللغة إلا أن العلماء القدامى منهم والمحدثون اختلفوا في تعريف اللغة ومعرفة ماهيتها ومن أبرز تلك التعريفات ما يلي: (3) |
1. قال ابن جني في حد اللغة: "أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". |
2. عرف بن خلدون اللغة في مقدمته في تعريفه للنحو بقوله: "اعلم أن اللغة في المتعارف عليه هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني فلابد أن تعبر ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو في اللسان ، وهو في كل امة بحسب اصطلاحاتهم". |
3. عرفها المحدثون بأنها "نظام صوتي ذو مضامين محدودة تتفق عليه جماعة معينة ويستخدمه أفرادها في التفكير والتعبير والاتصال فيما بينهم". |
4. عرفت أيضا بأنها: "نظام صوتي يمثل سياقاً اجتماعياً وثقافياً له دلالاته ورموزه، وهو قابل للنمو والتطور، ويخضع في ذلك للظروف التاريخية والحضارية التي يمر بها المجتمع". |
ويرى البعض أن التعريف الذي قدمه ابن جني متكامل لأنه يشمل عدة جوانب هي: (4) |
1- أن اللغة أصوات. |
2- أن اللغة تعبير. |
3- أنها تعبير يعبر بها كل قوم. |
4- أنها تعبير عن أغراض. |
وفي تقديري أن معظم هذه التعريفات متشابهة إلي حد ما وخصوصاً وأنها لا تختلف كثيراً عن تعريف ابن جني ، كما أن كثرة التعريفات ليس فيها ضرر على اللغة بل هي محاولة لاكتشافها وسبر أغوارها. والمتتبع لتاريخ اللغة يتبين له أنها لم تستكمل مقوماتها إلا بمرور مراحل متعاقبة إلى أن تطورت ودخلت من كونها ظاهرة "النمو اللغوي لدى الإنسان" إلى مرحلة القوانين وضوابط اللغة. |
وخلاصة القول إن اللغة تمتاز بخصائص متعددة منها: (5) |
1. أنها لغة إنسانية خاصة بالإنسان تعبر عن مطالبه وتوصله بالآخرين. |
2. هي مكتسبة يكتسبها الفرد من عائلته ومجتمعه. |
3. هي أصوات والأصوات تنتظم في وحدات تحمل كل منها معنى معيناً يصبح مدلولها ومفعوله الخاص بها، فكلما كان الملفوظ واضحاً كان المعنى والمدلول وأضحاً أيضا. |
4. هي عرفية لأن أفراد المجتمع تعاونوا واتفقوا على الألفاظ ودلالاتها. |
5. هي متشابهة ، إذ أن اللغات تتشابه في أنها تصدر من جهاز النطق الإنساني، وتشترك مع بعضها البعض بالتركيب والتعقيد والنظام. |
6. هي متغيرة إذ تتغير بحسب الظروف والمستجدات التي تتعرض لها في المراحل المختلفة. |
7. أنها مرتبطة بالعرف اللغوي، فربط اللفظ المدلول أو المعنى عرف أولاً، ويجب أن يدل على شيء مفهوم لدى الجماعة، وقد يكون للفظ معان متعددة إذا اتفق المجتمع عليها. |
وللغة وظائف عديدة أهمها: (6) |
1. الوظيفة الاجتماعية للغة: إذ يفهم الناس معنى حديث بعضهم البعض، والى جانب ذلك فهي سلاح مهم من أسلحة مواجهة الكثير من المواقف الحياتية التي تتطلب استخدام اللغة في استماع وتحدث وقراءة وكتابة. |
2. الوظيفة النفسية للغة: فبها يتمكن الإنسان من النطق والتعبير الجيد بطلاقة مما يشعره بالطمأنينة والإحساس بالرفعة، ويدفعه ذلك إلى مزيد من الرقي والثقة بنفسه وعدم الخجل أو الاضطراب أو الخوف. |
3. الوظيفة الفكرية للغة: فتعني أنها تكشف عن علاقة حميمة بين الفكر واللغة، إذ أن بينهما ارتباطاً عضوياً فالفكر مختزن في عقل الإنسان لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولكي يخرج الإنسان أفكاره إلي حيز الوجود فلابد من قالب يصب فيه تلك الأفكار وضبطها ودقتها فمن الثابت أن عملية التفكير في حد ذاتها لا يمكن أن تكون إلا باستخدام ألفاظ دالة على معانٍ محددة تساعد على إتمامها. |
4. الوظيفة الثقافية للغة: إن حضارات الأمم في الواقع تقاس بدرجة ثقافة أفرادها وبمقدار ما لديها من معالم التراث الثقافي والحضاري، والحضارة لا تخرج من كونها مجموعة من القيم والنظم ، وهذه القيم والنظم التي تكون الحضارة يتمسك بها الإنسان إلى درجة الإيمان بها، ومن ثم فان كل مجتمع يحرص على تطور قيمه ونظمه. |
5. الوظيفة التربوية للغة: فتعني أن اللغة لا تدرس على أنها هدف مقصود لذاته ، بل هي وسيلة لبلوغ هدف أسمى وأعظم ألا وهو تربية الأجيال وإعدادها إعداداً يتلاءم هو وظروف الحياة وتطورها. |
ومن الملاحظ أن تعدد وظائف اللغة يرتبط ارتباطاً وثيقاً ليس بتطور الدراسات اللغوية فحسب بل بمجالاته المختلفة وخصوصاً في العلاقات بين الدول والمجتمعات فضلاً عن تحقيق التقارب الدولي عبر أدوات ووسائل الاتصال المختلفة. |
لكن الأهم من ذلك كله هو الإنسان لأن اللغة في الأساس وقبل كل شيء هي لغة انسانية وما يدل على ذلك ما تتسم به من سمات أهمها: (7) |
1. أن الإنسان يستخدم الجهاز الصوتي للحديث والجهاز السمعي للاستماع إلى اللغة فالإنسان المنتفع باللغة يمتلك مهارتي التكلم والاستماع في آن واحد. |
2. اصطلاحية اللغة. |
3. لغة الإنسان تعبر عن الأشياء المحسوسة وبإمكانها أيضا أن تعبر عن الأفكار الذهنية المجردة. |
4. الانتقال اللغوي، فاللغة البشرية المستخدمة في مجتمع معين يتوارثها الخلف عن السلف، وتنتقل من بيئة اجتماعية إلى بيئة اجتماعية أخرى. |
5. الازدواجية في التنظيم اللغوي، فالأصوات المنفردة لا معنى لها بحد ذاتها إلا عندما تركب بشكل معين فتتولد عنها كلمات يصبح لها معنى اصطلاحي، وإذا اتصلت مع غيرها يصبح بإمكانها تأدية وسائل مختلفة. |
6. باستطاعة اللغة الإنسانية أن تشير إلى أشياء بعيدة عن المتكلم زماناً ومكاناً. |
7. مقدرة اللغة الإنسانية على الخلق والابتكار أو الإبداع. |
وللغة علاقات مع علوم أخرى علاقات لا تؤثر مناهج تلك العلوم على اللغة لان الأمر متعلق بالاستعانة بهذه العلوم في جوانبها المختلفة بهدف كشفها وإبراز دلالاتها العلمية فضلاً عن أن علم اللغة يقوم على اللغة ذاتها التي تقوم دراستها في الأساس على المنهج العلمي والرؤية الموضوعية. |
وللغة علاقة مع العلوم الأخرى تتمثل في الآتي: (8) |
1. اللغة وعلم النفس: شغلت اللغة منذ فجر التاريخ العلماء والفلاسفة للوقوف على خصائصها وماهيتها فكانت مثار جدل ونقاش فحاول كل منهم أن يقدم ما لديه في سبيل إقناع الآخرين بما يرمي إليه ، وبالتالي تطور الاهتمام باللغة من قبل علماء النفس شيئاً فشيئاً ، حتى بدأ يظهر علم نفس اللغة في منتصف القرن العشرين كعلم مستقل له خصوصيته وسماته التي تميزه عن بقية العلوم. |
2. اللغة وعلم الاجتماع: بما أن اللغة شأنها شأن الظواهر الاجتماعية في المجتمع الإنساني ظهر اهتمام علماء الاجتماع باللغة لدراسة العلاقة بين اللغة والحياة الاجتماعية، وأثر هذه العلاقة وأشكالها التي تظهر في تعدد المستويات اللغوية في المجتمع، أو تعدد اللغات واللهجات، ويسجل الفروق اللغوية الموجودة بين طبقات المجتمع المختلفة، كما يرصد التحول أو الانتقال الاجتماعي من طبقة إلى أخرى وأثر ذلك على الأشكال اللغوية التي يختارها أفراد تلك الطبقة. |
3. اللغة والبيولوجيا: من الطبيعي أن تكون علاقة اللغة بالبيولوجيا أكثر علاقاتها إثارة وأهمية فاللغة تكمن في صلب العملية البيولوجية في صلب نواة الخلية ممثلة في لغة الوراثة، ومن ناحية أخرى تمثل الجوانب البيولوجية للغة مفتاح السر اللغوي من خلال السعي للكشف عن عمل الآليات الفسيولوجية اللغوية من خلال دراسة أجهزة النطق والسمع والجهاز التنفسي. |
• اللغة العربية |
حبى المولى عز وجل اللغة العربية بوضعية قلما نجدها في اللغات الأخرى فإلى جانب أنها لغة فطرية يتواصل أصحابها بالاكتساب والتعلم فهي لغة كتابه عز وجل والذي حفظه في اللوح المحفوظ إلى يوم الدين، ويتضح ذلك في اختلافها عن تلك اللغات المنتشرة المشهورة كالانجليزية والفرنسية والألمانية وهذا الاختلاف يتجسد في ثلاثة جوانب: (9) |
أولها: أن العربية لها امتداد تاريخي ليس لهذه اللغات بمعنى أنها استمرت منذ الأدب الجاهلي حتى الآن دون أن تتعرض لتغير "نوعي" كاللغات الأخرى، ولا يجد العربي المعاصر عناء في الاستجابة لأدب العرب القدماء. |
ثانياً: أن هذه اللغة – شاء الناس أم أبوا – ترتبط ارتباطاً عضوياً بالإسلام، يبدأ هذا الارتباط بالقرآن الكريم ثم يمتد في الحديث الشريف، والتفسير، والفقه والتاريخ وغير ذلك من جوانب الحياة الإسلامية، فالإسلام يكون "النواة" الثقافية للعربية الفصيحة، ونحن حين نطلق مصطلح "العربية الفصيحة" إنما نطلقها بهذا المعنى، وهذا من أهم الجوانب التي لابد من حسابها عند النظر في تعليمها. |
ثالثها: أن هذه العربية الفصيحة لها تراث هائل في الدرس اللغوي لا نعرف له مثيلاً أيضا في اللغات الأخرى، فمنذ القرن الثاني الهجري والعلماء يتلاحقون واحداً في إثر واحد يدرسون جانباً من العربية، في الأصوات، وفي الصرف، وفي النحو، وفي المعجم ، فتكون لدينا هذا التراث الضخم في وصف العربية. |
وعلى الرغم من الامتداد التاريخي للعربية منذ العصر الجاهلي فإنه لم يتفق حتى الآن بين علماء اللغة حول البداية الفعلية لدراستها والاهتمام بها في النواحي البحثية والعلمية. |
ويرى البعض أن الاهتمام بدراسة العربية بدأ مبكراً، ربما في عصر الصحابة والتابعين وتؤرخ كثير من الروايات ذلك الاهتمام بالتابعي أبي الأسود الدؤلي تلميذ الإمام علي، حيث تشير كثير من الروايات إلى أن الإمام وجه نظر أبي الأسود إلى الاهتمام ببعض مسائل العربية، وأياً ما كان الأمر فان أبا الأسود يعد بحق مؤسس الدراسة اللغوية عند العرب. (10) وقد اعتبر كثير من العلماء أن العروبة اللسان وأن الكلام بغيرها لغير حاجة يخشى أن يورث النفاق وأبرز هؤلاء: (11) |
1. كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون "اقتضاء الصراط المستقيم". |
2. كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يتكلم بغيرها، أو يتكلم بها خالطاً لها بالعجمية، وكان يؤكد على أن كل من يقدر على تعلم العربية، فإنه ينبغي عليه أن يتعلمها، لأنها اللسان الأولى بأن يكون مرغوباً فيه. |
كما اعترف كثير من المستشرقين بأهمية اللغة العربية وتميزها ومن أبرز هؤلاء: |
1. يقول العلامة كارل بروكلمان: بفضل القرآن بلغت العربية من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعاً مؤمنين بأن العربية وحدها هي اللسان الذي أحل لهم أن يتعلموه في صلواتهم، وبهذا اكتسبت العربية من زمن طويل مكانة رفيعة فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى التي تنطق بها شعوب إسلامية. (12) |
2. يقول المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون المعروف بكتاباته المغرضة غير المنصفة عن الإسلام والمسلمين: "اللغة العربية لغة وعي، ولغة شهادة، وينبغي إنقاذها سليمة بأي ثمن للتأثير في اللغة الدولية المستقبلية، واللغة العربية بوجه خاص هي شهادة دولية يرجع تاريخها إلى ثلاثة عشر قرناً" (13) |
كما أن أهميتها تنبع من كونها ذات قدرة كبيرة على تذليل الصعاب وقوة واضحة في مجابهة الحياة وأنها تتمتع بقدرة فائقة على استيعاب كل جديد من العلم والحكمة والفلسفة وأنواع المعرفة الأخرى، وهي تتمتع كذلك برسوخ في الأصول وحيوية في الفروع. (14) |
إن اللغة العربية لغة غنية ودقيقة تمتاز بوفرة هائلة في الصيغ وهذا ناتج عن طبيعتها التي تختلف عن أية لغة أخرى وخصوصاً وأنها من أقوى اللغات السامية الأخرى من حيث التطور شكلاً ومضموناً صوتاً وكتابة وملائمة لتطورات الواقع ويتضح ذلك من خلال الخصائص الآتية: (15) |
1- أصوات اللغة العربية: تستغرق كل جهاز النطق عند الإنسان وتخرج من مخارج مختلفة تبدأ بما بين الشفتين في نطق حروف كالباء والميم والفاء، وتنتهي بجوف الناطق في نطق حروف المد: الألف والواو والياء التي تخرج من الصدر والحلق إلى خارج الفم. |
2- اللغة العربية صنعت قانونها بنفسها: فإذا تكلم ذو بيان فانك تطرب لسماعها، وتفهم بيانها، ترتاح لتبيانها. |
3- اللغة العربية لغة مرنة: ويظهر ذلك من طواعية الألفاظ للدلالة على المعاني وطواعية العربية تتمثل أكثر ما تتمثل في ظاهرتي الترادف والاشتقاق بصفة خاصة، وفي قدرتها على استيعاب المولد والمعرب والدخيل بصفة عامة. |
4- قدرة العربية على الوفاء بمتطلبات العصر: ينبغي أن ننظر إلى اللغة العربية على أنها إحدى اللغات العظمى في العالم اليوم فقد استوعبت التراثين العربي والإسلامي، كما استوعبت ما نقل إليها من تراث الأمم والشعوب ذات الحضارات الضاربة في القدم كالفارسية، واليونانية، والرومانية، والمصرية ..الخ. |
5- اللغة العربية بين التعبير الأدبي والتعبير العلمي: اللغة العربية لغة مرنة طيعة. فيها الأسلوب الأدبي الإنساني ذو الدلالة الواسعة، وفيها الأسلوب العلمي ذو الدلالة المحدودة الصارمة. |
6- اللغة العربية لغة كاملة: إن الكثير من الباحثين اللغويين يرى أنه لا توجد لغة جامدة أو قاصرة أو "بدائية" وإنما يوجد قوم "بدائيون" أو جامدون، فاللغة أية لغة – فضلاً عن أن تكون العربية قادرة دائماً على التطور والنمو واستنباط المفردات والتراكيب التي تلاءم الحاجات الجديدة والمخترعات الجديدة لدى أهلها. فإذا لم يكن لدى أهلها حاجة إلى اختراعات جديدة أو استعمالات جديدة ، فان اللغة تبقى كما هي، وعلى هذا فعدم نمو اللغة –أية لغة – ليس القصور في طبيعتها أو ذاتها ، وإنما لقصور وجمود أهلها. |
وعند النظر إلى دراسة طبيعة اللغة العربية بشكل أعمق في تفاصيلها نجد أنها تميزت عن بقية اللغات بميزات في ألفاظها وقواعدها وتراكيبها في الآتي: (16) |
1. أشار الباحثون إلى أنها أكثر اللغات اختصاصاً بالأصوات السامية ، فقد اشتملت على الأصوات جميعها وزادت عليها اصواتاً كثيرة لا وجود لها في اللغات الأخرى، مثل أصوات (التاء والذال والظاء والغين والضاد). |
2. تميزت بأنها أوسع اللغات وأدقها في قواعد النحو والصرف ، وأنها تمتلك ثروة هائلة في أصول الكلمات والمفردات. |
3. تتميز بخصائص ربما تنفرد بها ومنها ( الإعراب والغني بالمفردات والتراكيب والمفاهيم والإيجاز والشمول والدقة والموسيقية). |
ومن الملاحظ أن ذلك يدل على احتفاظ اللغة العربية بمقومات اللسان السامي الأول دون منازع فضلاً عن النواحي الإعرابية والسمات الأسلوبية، بالإضافة إلى تفوقها في أصول المفردات والكلمات من حيث الوفرة. |
إن اللغة العربية بهذا التميز وبهذا الرصيد التاريخي والواقعي لم يكتب لها النجاح لولا الوظائف المتعددة التي تقوم بها هذه اللغة وأهمها: (17) |
1- أنها وسيلة الإنسان العربي في التفكير فنحن عندما نفكر نستخدم الألفاظ والجمل والتراكيب العربية في كلامنا وكتابتنا، وبمعنى آخر إن تفكيرنا حديث عربي صامت وحديثنا تفكير عربي صائب. |
2- أنها تحمل مبادئ الإسلام السليمة بحكم أنها لغة القرآن الكريم . |
3- إنها تعمل على تأصيل العقيدة الإسلامية فهي تحمل إلى المتكلمين بها هدى القرآن وهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوالب رصينة محكمة، فالعلاقة وثيقة جداً بين العربية والعقيدة الإسلامية. |
4- إنها مقوم من مقومات الأمة العربية الواحدة، فهي توثق شخصية الأمة، وتؤكد هويتها وتشكل أداة للاتصال بين أبناء هذه الأمة. |
5- إن العربية لا تدرس ولا تعلم لذاتها لأنها وسيلة المتعلمين جميعهم لتعلم سائر المواد الأخرى. |
6- إنها الوسيلة المثلى لحفظ التراث الثقافي العربي، ويشهد على ذلك ما وصلنا من تراث وحضارة وثقافة، وما سيصل إلى الأجيال التي من بعدنا من ملامح الثقافة العربية والأدب العربي شعره ونثره. |
وفي تقديري أن أهم وظيفة يمكن أن تقوم به العربية وتؤديها خير تأدية هي الوظيفة الحضارية الإنسانية تلك الوظيفة التي مهدت لحضارة الإسلام أن تعم آفاق الدنيا حيث جمعت الحضارة كل الأعراق والأجناس وبالتالي صارت مقوماً من مقومات الأمة الإسلامية التي هي أكثر شمولاً من الأمة العربية فضلاً عن كونها إنسانية لأنها تخاطب الإنسان في فكره ووجدانه وبالتالي فهي متصالحة مع هذا الإنسان مادام الإنسان يتقوى بها لغة وثقافة وسلوكاً وأدباً. |
إن اتجاه الإنسان إلى اللغة العربية وتعلم علومها وفنونها ليس بالأمر السهل وهو كذلك ليس بالأمر الصعب ما دام الإنسان يتبع الطريقة المناسبة لتعلمها ومادام العلماء والمهتمين كذلك يدرسونها وفق المنهج الصحيح. وفي عالمنا المعاصر فنحن في أشد الحاجة إلى أسس علمية راسخة لبناء منهج لهذه اللغة ، وهذه الأسس تتمثل في الآتي: (18) |
1- يجب أن يراعى هذا المنهج التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة ، مع الاهتمام ببيان مركز الإنسان في الكون ووظيفته في الحياة. |
2- يجب أن يراعى في بنائه أيضاً طبيعة التلميذ في كل مرحلة، ومتطلبات نموه العقلي والنفسي والجسمي والاجتماعي، وكيف تسهم اللغة في عملية التنمية الشاملة المتكاملة لشخصية المتعلم وتكوين سمات الإنسان الصالح فيه، من رسوخ في العقيدة وايجابية في التفكير ومهارة في العمل والإنتاج، وشمول في النظر إلى الكون والحياة، ومرونة من أجل التغير إلى الأفضل، واستعداد لمواصلة التعلم واستمراره. |
3- يجب أن يراعى المنهج أيضا منطق مادة اللغة العربية وخصائصها التي لابد من أخذها في عملية التعلم، ووظائفها التي لابد من العمل على تحقيقها. |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.