Document
stringlengths
40
198k
الفصل الثالث وصلَ القس صمويل كورنبندر المبجل في اليوم التالي بعد أن كان في الكنيسة في اليوم التالي استجابةً لخطابٍ وصله من دارسي وتسلَّمه بيده. وكان مظهر الرجل غيرَ متوقَّع، حيث كان دارسي قد توقَّع استنادًا إلى خطابه أن يجد رجلًا في أواخرِ منتصف العمر أو أكبرَ من ذلك، لكن دارسي فُوجئ حين رأى أن السيد كورنبندر كان يبدو في الشكل أصغرَ من العمر الذي أوحى به أسلوبُه في الكتابة وأنه يستطيع تحمُّل صرامة وظيفته ومسئولياتها من دون أن يفقد مظهره اليافع أو عُنفوان شبابه. وعبَّر دارسي عن امتنانِه لكلِّ ما قدَّمه القسُّ المحترم من أجل مساعدة ويكهام في تحمُّل مدة سجنه، لكن من دون أن يذكر تحوُّل ويكهام الواضح تجاه نمط حياةٍ أفضل، وهو أمرٌ كان عاجزًا عن التعليق بشأنه. وأحبَّ دارسي السيد كورنبندر الذي لم يكن في غاية الجِدِّية ولا مِطواعًا أكثر من اللازم، والذي جاء بخطابٍ من أخيه وبكل المعلومات المالية اللازمةِ؛ لتمكين دارسي من اتخاذ قرارٍ مستنير بشأن مدى وجوبِ مساعدته للسيد والسيدة ويكهام في تأسيس حياة جديدة، يبدو أنهما يتوقان إليها كثيرًا، وكذلك بشأن مدى قدرته على فعل ذلك. كان الخطاب القادم من فيرجينيا قد استُلِم قبل ثلاثة أسابيع مضَت. وفيه عبَّر السيد جيريميا كورنبندر عن ثقتِه في حكم أخيه، وبينما لم يُبالغ في المزايا التي يمكن للعالم الجديد أن يُقدِّمها، رسم صورةً مطمئنة للحياة التي يُمكن أن يحظى بها المرشَّح الموصَى به. إن العالم الجديد ليس بملجأ للكُسالى أو المجرمين أو المنبوذين أو العجَزة، لكن بالنسبة إلى شابٍّ تمَّت تبرئة ساحته تمامًا من جريمةِ قتلٍ وأظهر جَلَدًا أثناء محنته وشجاعةً استثنائية في ميدان المعركة، فيبدو أنه يتمتَّع بالمؤهلات التي ستضمن الترحيب به. وأنا أبحث عن رجلٍ يجمع بين المهارة العَملية — ويُفضِّل لو كانت في ترويض الجياد — ودرجة جيدة من التعليم، وكلِّي ثقةٌ أنه سينضمُّ إلى مجتمعٍ يُضاهي أيَّ مدينة أوروبية متحضِّرة فيما يتعلق بالذكاء واتساعِ رُقعة اهتماماته الثقافية، الذي سيُوفِّر فرصًا تكاد تكون غيرَ محدودة. وأظنُّ أن بإمكاني أن أتوقَّع أن أحفاد مَن يرغبون في الانضمام إلى هذا المجتمع الآن سيكونون مواطنين في دولةٍ قويةٍ كالدولة التي ترَكوها إن لم تكن أقوى منها؛ دولة ستستمرُّ في ضربِ مثالٍ على الاستقلال والحرية للعالم أجمع. قال القس كورنبندر: «كما يمكن لأخي أن يثقَ في حُكمي فيما يتعلَّق بالتوصية بالسيد ويكهام؛ فأنا أيضًا أثقُ في حسن نيته في القيام بكلِّ ما يُمكنه لمساعدة هذين الزوجَين الشابَّين في الشعور بأنهم في وطنهم وفي محاولة التألق في العالم الجديد. وهو حريصٌ للغاية على جذب المهاجرين المتزوجين من إنجلترا. وحين أرسلت إليه موصيًا بالسيد ويكهام، كان ذلك قبل شهرَين من محاكمته، لكنني كنتُ متفائلًا بأنه ستُبرَّأ ساحتُه، وأنه هو الرجل الذي يبحث أخي عنه بالتحديد. إنني أُكوِّن سريعًا آرائي عن المسجونين ولم أُخطئ من قبلُ بشأن ذلك. وبينما أحترم ثقة السيد ويكهام، فقد لمحتُ أن هناك جوانبَ في حياته تستطيع أن تجعل الحصيفَ من الرجال مترددًا، لكنني استطعت أن أطمئنَ أخي أن السيد ويكهام تغيَّر وأنه مصرٌّ على الحفاظ على ذلك التغيير. لا شك أن فضائله تفوق عيوبَه، وأخي ليس بغير منطقي بحيث يتوقَّع الكمال منه. لقد أخطأنا جميعًا، يا سيد دارسي، ولا يُمكننا أن نبحث عن العفو والصفح من دون أن نُظهِرَهما في حياتنا. وإن كنت مستعدًّا لتمويل تكلفة هذه الرحلة والمبلغ الصغير اللازم للسيد ويكهام لكي يعول نفسَه وزوجته في الأشهر القليلة الأولى من حصوله على الوظيفة، فسيكون من المتاح لهما أن يُسافرا بحرًا من ليفربول على متن السفينة «أزميرالدا» في غضون أسبوعَين. أنا أعرف القبطان ولديَّ ثقةٌ كبيرة فيه وفي وسائل الراحة في السفينة. أعتقد أنك في حاجةٍ إلى بِضع ساعات لتُفكِّر في الأمر، ولا شك أنك تُريد مناقشته مع السيد ويكهام، لكنك ستُساعدني كثيرًا لو أعلمتَني بقرارك بحلول التاسعة من مساء الغد.» فقال دارسي: «نتوقَّع أن يصل جورج ويكهام إلى هنا مع محاميه السيد ألفيستون في هذه الظهيرة. وفي ضوءِ ما تقول فإنني واثقٌ من أن السيد ويكهام سيقبل بعرضِ أخيك بكل امتنان. أفهم أن خطة السيد والسيدة ويكهام الحاليَّة هي أن يذهَبا الآن إلى لونجبورن ويمكثا هناك حتى يتَّخذا قرارًا بشأن مستقبلهما. والسيدة ويكهام تتوق إلى رؤيةِ والدتها وأصدقاء طفولتها؛ وإن هاجرت هي وزوجها، فمن غير المرجَّح أن تراهما مرةً أخرى.» كان صمويل كورنبندر ينهض من مكانه ليُغادر. فقال: «هذا مستبعَد للغاية. فالرحلة على متن السفينة في المحيط الأطلنطي ليست بالهيِّنة، وقلة هم فقط من معارفي في فيرجينيا مَن قاموا برحلة عودة، أو أرادوا أن يقوموا بها. أشكرك يا سيدي على استضافتي رغم قِصَر المهلة الزمنيَّة وعلى كرمك بالموافقة على العرض الذي قدَّمته لك.» فقال دارسي: «إن امتنانك هذا هو كرمٌ منك، لكنه غيرُ مستحق. فمن غير المرجَّح أن أندم على قراري. أما السيد ويكهام فقد يفعل.» «لا أعتقد ذلك يا سيدي.» «ألن تنتظرَ حتى تراه حين يصل؟» «لا يا سيدي. لقد قدَّمت له كلَّ خِدمة بوُسعي. ولن يرغبَ في رؤيتي قبل مساء اليوم.» وبهذه الكلمات سلَّم على دارسي بقوة غير عادية، وارتدى قبعته وانصرف. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الرابع كانت الساعة هي الرابعةَ بعد ظهر اليوم حين سمعوا صوت خطواتِ أقدام، ثم أصواتَ أشخاص، وعرَفوا أن القادمين من أولد بايلي قد وصَلوا أخيرًا. وعندما نهض دارسي على قدمَيه، كان مدركًا حالةَ الانزعاج الحاد. كان دارسي يعرف إلى أيِّ مدًى يعتمد نجاحُ الحياة الاجتماعية على التطلعات الوثيرة للأعراف والتقاليد المستحسَنة، وكان منذ طفولته يدرس الأفعال المتوقَّعة من الرجال النبلاء. ولا شك أن والدته بين الحين والآخر كانت تُفصح له عن وجهة نظرٍ لطيفة أكثر، وهي أن حُسن السلوك يتألَّف في الأساس من مُراعاة مشاعر الآخرين وتقديرها، خاصة لو كان المرء يتعامل مع شخصٍ من طبقةٍ اجتماعية أدنى، وكان ذلك أمرًا تُغفله عمتُه الليدي كاثرين دي بورج بشكلٍ ملحوظ. لكن الآن أصبح في حيرةٍ من أمره بفعل كلٍّ من الأعراف والنصح المُسدى إليه. فلم تكن هناك قواعدُ لاستقبال رجلٍ يقضي العرفُ بأن يُناديَه بنسيبه الذي حُكم عليه بالموت شنقًا على الملأ قبل بِضع ساعاتٍ مضت. بالطبع كان دارسي فَرِحًا بنجاة ويكهام من حبل المشنقة، لكن أكان ذلك في مصلحة راحة باله وسُمعته كما هو في مصلحة الحفاظ على ويكهام؟ إن مقتضيات الأخلاق والشفقة تفرض عليه بالطبع أن يُسلِّم عليه بحرارة، لكن تلك الإيماءة بدَت له غيرَ ملائمة كما كانت غير صادقة. وكان السيد والسيدة جاردنر قد أسرَعا خارِجَين من الغرفة بمجرد أن سَمِعا وقْعَ الأقدام، واستطاع دارسي الآن سماعَ صوتَيهما يعلو بالتَّرحاب، لكنه لم يتمكَّن من سماع الرد. ثم فُتح الباب ودخل آل جاردنر، وكانوا يحثُّون ويكهام على الدخول وإلى جواره ألفيستون بلطفٍ ودماثة. أمَل دارسي ألا تظهر على وجهه أماراتُ الصدمة والذهول. فقد كان من الصعب تصديقُ أن الرجل الذي استجمع قوَّتَه من أجل الوقوف منتصبًا في قفص الاتهام والتأكيد على براءته بنبرةٍ واضحة وعازمة وثابثة كان هو ويكهام نفسَه الذي يقف أمامه الآن. بدا ويكهام الآن هزيلَ الجسد وكانت الملابس التي كان قد ارتداها من أجل المحاكمة قد بدَت كبيرةً عليه جدًّا، فبدت رخيصةً ورديئة وذات مقاسٍ غيرِ مناسب لرجلٍ لم يكن من المتوقَّع أن يرتديَها وقتًا طويلًا. وكان وجهه لا يزال يحمل أماراتِ الشحوبِ غيرِ الصحِّي الناتج عن مُكوثه في السجن، لكن حين التقَت أعينُهما وثبَّت كلٌّ منهما عينَيه على الآخر لحظةً، رأى دارسي في عينَي ويكهام لمحةً من نفسه السابقة، رأى نظرةً تنمُّ عن الحذر وربما عن الازدراء. وفوق كلِّ شيء، بدا ويكهام منهَكًا، وكأنَّ صدمة الحكم عليه بالإدانة والارتياحَ الناتجَ عن إرجاء تنفيذ العقوبة كانا أكثرَ مما يمكن للجسد البشري احتمالُه. لكن ويكهام القديم كان لا يزال حاضرًا ورأى دارسي الجهدَ والشجاعة اللتَين حاول بهما أن يقف منتصبًا ويُواجه أيًّا مما سيأتي. قالت السيدة جاردنر: «سيدي العزير، أنت في حاجةٍ إلى النوم. ربما تكون في حاجةٍ إلى الطعام، لكنك في حاجةٍ إلى النوم أكثرَ من أيِّ شيء آخر. يُمكنني أن أصحبَك إلى غرفةٍ يمكنك الحصولُ فيها على قسطٍ من الراحة، ثم يمكننا أن نُحضر لك فيها بعضَ الطعام. ألن يكون من الأفضل أن تنام، أو على الأقل تستريح ساعةً قبل أن تتحدَّث؟» ومن دون أن يُشيح بعينَيه من على المجموعة المجتمعة أمامه، قال ويكهام: «شكرًا لك سيدتي، على كريمِ لطفك، لكنني حين أنام فسأنامُ ساعاتٍ طِوالًا، وأخشى أنني معتادٌ على الأمل بألا أستيقظَ أبدًا. لكنني في حاجةٍ إلى التحدُّث مع الرجال هنا، ولا يُمكنني الانتظار. إنني بحالٍ جيدة بما يكفي يا سيدتي، لكن إن كان هناك شيءٌ من القهوة المركَّزة وربما بعض المرطبات …» فرمقت السيدة جاردنر دارسي بنظرةٍ سريعة ثم قالت: «بالطبع. أُعطيت الأوامر بالفعل، وسأُشرف على تنفيذها في الحال. سنترككَ أنا والسيد جاردنر هنا لتحكي قصتك. وعلى حد علمي فالقسُّ كورنبندر سيأتي لزيارتك قبل العشاء وهو يعرض عليك ضيافته لك الليلة؛ حيث ستكون في منأًى عن الإزعاج، وستحصل على قسطٍ هانئ من النوم. وسنُعلِمك أنا والسيد جاردنر بمجرد وصوله.» وبهذا خرَجا من الغرفة وأُغلِق الباب في هدوء. نبَّه دارسي نفسَه من حالةٍ من التردد والحيرة غمرَته لحظةً، ثم تقدَّم نحو ويكهام بذراعٍ ممدودة، وقال بنبرةٍ بدَت له رسميةً وباردة: «أُهنئك يا ويكهام على شجاعتك التي أظهرتَها أثناء مكوثك في السجن، وعلى نجاتك من هذه التهمة الجائرة بأمان. من فضلك خُذ راحتك، ويُمكننا أن نتحدَّث حين تتناولُ شيئًا من الطعام والشراب. هناك الكثير لنتحدَّث بشأنه لكن يمكننا أن ننتظر.» فقال ويكهام: «أُفضِّل أن أتحدَّث الآن.» ثم غاص في الكرسيِّ واتخذ الآخرون مجالسهم. وساد صمتٌ غيرُ مريح بينهم حتى أغاثَهم بعد لحظات فتحُ الباب ودخولُ خادم ومعه صينية كبيرة تحمل إبريقَ قهوة، وطبقًا من الخبز والجبن واللحم البارد. وبمجرد أن غادر الخادم الغرفة، صبَّ ويكهام قهوته وشربها. وقال: «معذرةً على سوء آدابي. فقد كنت مؤخرًا في مدرسةٍ رديئة لمُمارسة السلوك الحضاري.» وبعد عدَّة دقائق أكل فيها ويكهام الطعامَ بنهمٍ أزاح الصينية جانبًا وقال: «حسنًا، ربما من الأفضل أن أبدأ. سيتمكَّن الكولونيل فيتزويليام من تأكيد الكثير مما أقول. أنتم تعتبرونني شريرًا بالفعل؛ لذا فإنني أشكُّ أن شيئًا مما أقول وأضيف إلى قائمة آثامي التي ارتكبتها سيُثير ذهولكم.» فقال دارسي: «لستَ في حاجةٍ إلى الاعتذار. فقد واجهت هيئةً من المحلَّفين، ونحن لسنا بهيئةٍ أخرى منهم.» أطلق ويكهام ضحكة، فكانت أقربَ إلى نُباحٍ عالٍ وقصيرٍ وأجشَّ. ثم قال: «إذن عليَّ القول بأنني آمُل أن تكون أقلَّ تحيُّزًا. وأتوقَّع أن الكولونيل فيتزويليام قد أطلعَك على الحقائق الأساسية.» قال الكولونيل: «ما قلت إلا ما علمت، وهو قليل، ولا أعتقد أن أيَّ أحدٍ منا يُصدِّق أن الحقيقةَ الكاملة قد قيلت أثناء محاكمتك. ولذا فقد انتظرنا عودتَك لنسمع منك القصة كاملةً ويحقُّ لنا ذلك.» ولم يتحدَّث ويكهام من فوره. فقد جلس ينظر إلى يدَيه المشبوكتَين، ثم رفع رأسه وكأنه لا يجد الطاقةَ لفعل ذلك، وبدأ يتحدَّث بنبرةٍ تكاد لا تنمُّ عن أي تعبير، وكأنه يحفظ قصته عن ظهر قلب. «لا بد أنكم عرَفتم أنني والدُ الطفل من لويزا بيدويل. لقد التقينا المرةَ الأولى في الصيف قبل الماضي حين كانت زوجتي في هايمارتن حيث كانت تحبُّ أن تقضيَ هنا بضعة أسابيع في الصيف، وحيث إنني لم أكن مرحَّبًا بي في ذلك المنزل، فقد جعلتُ من عادتي أن أمكث في أرخصِ الحانات المحلِّية التي يُمكنني إيجادها، وحيث يمكنني أن أُرتِّب للقاء ليديا بين الحينِ والآخر وعن طريق الصدفة. كانت الأرض في هايمارتن ستُصاب بالتلوث لو أنني سِرت هناك ذاتَ مرة، وكنتُ أحبُّ أن أقضيَ وقتي في غابة بيمبرلي. فقد أمضيتُ بعض أسعد ساعات طفولتي فيها، وقد عاد إليَّ شيءٌ من تلك السعادة الطفولية حين التقيت بلويزا. صادفتها تتجوَّل في الغابة. كانت تشعر بالوحدة كثيرًا. وكانت حبيسةَ الكوخ مدةً طويلة لتهتمَّ بأخيها المريض بمرضٍ عضال، وكانت لا تستطيع رؤية خطيبها إلا نادرًا، وكانت أعمال خطيبها وطموحاته تُبقيه منشغلًا في بيمبرلي. ومما قالت عنه رسمَت له صورةَ رجل عجوز غبي، لا يُولي اهتمامه إلا إلى استكمال خِدمته ولا يتمتَّع بالرؤية التي تُمكِّنه من معرفة أنَّ خطيبته كانت تشعر بالضجر والقلق. وكانت لويزا ذكيةً أيضًا، وهي مَيْزة فيها لم يكن ليُقدِّرَها حقَّ قدرها حتى ولو كان يتمتَّع بالذكاء ليُدرك وجودها فيها. وأعترف أنني أغويتها، لكنني أؤكِّد لكم أنني لم أُجبرها على شيء. فأنا لا أجد أنَّ من الضروري أبدًا أن أغتصبَ امرأة، ولم أعرف قط من قبلُ شابةً تتوق إلى الحب مثلها. وحين اكتشفَت لويزا أنها تحمل طفلًا كان ذلك يُمثل فاجعةً لكلٍّ منا. فقد أوضحت لي في حزنٍ شديد أنه ينبغي ألا يعرف أحدٌ بهذا الأمر أبدًا، إلا والدتها بالطبع التي كان من الصعب إخفاءُ الأمر عنها. وشعرت لويزا أنها لن تستطيعَ أن تُثقل أخاها بهذا العبء في آخرِ شهوره في الحياة، لكنها اعترفت له حين خمَّن ما حدث. وكان أكثر ما يُقلقها هو ألا تُصيب والدها بالحزن. فقد كانت تلك الفتاة المسكينة تعرف أن احتمال جلبِ العار على بيمبرلي سيكون أسوأَ له من أيِّ شيء آخرَ قد يحدث لها. ولم أستطِع أن أُدرك لماذا يُمثِّل طفلٌ ناتجٌ عن الحب أو اثنَين كلَّ هذا العار، فتلك مشكلةٌ شائعة كثيرًا في العائلات الكبيرة، لكن كان هذا هو ما تشعر به. وكانت فِكرتها أن تذهبَ لأختها المتزوجة — بتستُّرٍ من والدتها — قبل أن تُصبح حالتها ملحوظةً أكثر، وأن تمكث هناك حتى بعد أن تضع وليدَها. وكانت الفكرة تقضي بأن يُعرِّف الطفل على أنه لأختها، واقترحتُ أنا عليها أن تعود به بمجرد أن تتمكَّن من السفر لتُرِيَه لجَدَّته. فقد كنت في حاجة إلى التأكد من أن هناك طفلًا حيًّا يتمتَّع بالصحة قبل أن أُقرِّر أفضلَ ما ينبغي القيامُ به. واتفقنا على أنني سأجدُ المالَ بطريقةٍ ما من أجلِ إقناع عائلة سيمبكنز بأن تأخذ الطفل وتُربيه على أنه طفلٌ لهم. حينها أرسلت إلى الكولونيل فيتزويليام نداءً يائسًا طالبًا مساعدتَه، وحين أتى الوقتُ الذي سيعود فيه جورجي إلى عائلة سيبمبكنز أعطاني ٣٠ جنيهًا. في رأيي أنكم تعرفون كلَّ هذا بالفعل. وقال الكولونيل بأنه تصرَّف بدافع التعاطف مع جنديٍّ خدم تحت إمرته، لكن لا شك أنه كانت لديه أسبابٌ أخرى؛ وهي شائعات ونميمة سمعتها لويزا من الخَدَم بأن الكولونيل ربما يبحث لنفسه عن زوجةٍ في بيمبرلي. ورجل حصيف ومتباهٍ مثله — وخاصة لو كان ثريًّا ومن الطبقة الأرستقراطية — لا يُصاهر فضيحةً أبدًا، لا سيَّما شأنًا وضيعًا وشائنًا كهذا. ولم يكن الكولونيل فيتزويليام ليُصبح أكثرَ قلقًا من دارسي حين يرى ابني غير الشرعي وهو يلعب في غابة بيمبرلي.» فسأله ألفيستون: «أعتقد أنك لم تُخبر لويزا قط بهُويتك الحقيقية؟» «سيكون هذا من الحماقة، ولم يكن ليُؤدي إلا إلى زيادة شعورها بالحزن. لقد فعلتُ ما يفعله معظمُ الرجال وهم في موقفي. وأهنِّئ نفسي على أن قصتي كانت مقنعة، ومن المرجَّح كثيرًا أن تُحرِّك العاطفة في أيِّ امرأةٍ شابة سريعة التأثُّر. لقد أخبرتها أن اسمي فريدريك ديلانسي، فدائمًا ما كنتُ أحب تلك الحروف الأولى، وأنني جندي جريح في الجيش الأيرلندي — وكان هذا صحيحًا إلى حدٍّ كبير — وأنني عُدتُ إلى الوطن لأجدَ زوجتي الحبيبة العزيزة قد ماتت وهي تلد، وأن ابني مات معها. لقد زادت تلك القصة الطويلة الملحميَّة من حب لويزا وإخلاصها لي، وكنت مضطرًّا إلى زخرفةِ هذه القصة بقولي إنني سأذهب فيما بعدُ إلى لندن لأبحثَ عن وظيفة، وإنني سأعود لاحقًا لأتزوج بها، وحينها يُمكن لطفلنا أن يُغادر عائلة سيمبكنز ويأتيَ للعيش معنا كعائلة. وكما أصرَّت لويزا، حفَرنا أحرفَنا الأولى سويًّا على جذوع الأشجار على سبيل التعهُّد بحبي والتزامي. وأعترف أنني كنت آمُل أن تتسبَّبَ تلك الأحرفُ الأولى بالأذى. وقد وعدتُ بأن أُرسل الأموال إلى عائلة سيمبكنز بمجرد أن أجدَ مسكنًا لي في لندن وأدفع أجرته.» فقال الكولونيل: «كانت تلك حيلةً شائنةً يا سيدي، على فتاة ساذَجة وبريئة. وأفترض أنك بعد ولادة الطفل كنت ستختفي للأبد، وستكون هذه هي النهاية.» «أعترف بالحيلة، لكن نتيجتها بدَت لي مرغوبًا فيها. فلويزا سرعان ما ستنساني وتتزوج من خطيبها، وسيتربَّى الطفل لدى أشخاصٍ هم عائلته. لقد سمعتُ بطرقٍ أسوأ بكثير من تلك في التعامل مع الأبناء غيرِ الشرعيِّين. ولكن لسوء الحظ سارت الأمور بشكلٍ خاطئ. وحين عادت لويزا إلى المنزل مع طفلها، والتقينا كعادتنا عند قبر الكلب، كانت تحضر رسالةً من مايكل سيمبكنز. لم يَعُد مايكل سيمبكنز يرغب في أن يقبل بالطفل بشكل دائم، حتى ولو كنت سأدفع له مبلغًا كبيرًا من المال. فقد كان لديه وزوجته ثلاث بنات بالفعل، ولا شك أنه كان سيحصل على المزيد، ولم يكن ليفرحَ إطلاقًا بأن يكون جورجي هو الذكرَ الأكبر في أسرته، ويتمتَّع بأسبقيةٍ على أيِّ ابنٍ مستقبلي له من صُلبه. ومن الواضح أيضًا أنه كانت هناك مشكلاتٌ بين لويزا وأختِها حين كانت معهم تنتظر وضع الطفل. وأعتقد أن الأحوال نادرًا ما تسير على ما يُرام إن كانت هناك امرأتان في مطبخٍ واحد. وقد بُحْت للسيدة يونج بأن لويزا كانت تحمل طفلًا، وقد أصرَّت على رؤية الطفل، وقالت إنها ستُرتِّب للقاءِ لويزا والطفل في الغابة. وقد وقعَت السيدة يونج في حب جورجي، وكانت تُصر على أن تأخذه لتتبنَّاه. كنت أعرف أنها كانت ترغب في الأطفال، لكن لم يكن لديَّ أدنى فكرةٍ أن حاجتها إلى الأطفال كانت بهذا الإلحاح إلا في ذلك الحين. وقد كان الطفل وسيمًا، كما كان من صلبي بالطبع.» شعر دارسي أنه لم يَعُد يستطيع أن يبقى صامتًا. كان هناك الكثيرُ من الأشياء التي يرغب في معرفتها. فقال: «أعتقد أن السيدة يونج كانت هي تلك المرأةَ الداكنة التي لمحَتها الخادمتان في الغابة. كيف لك أن تشركها في أيِّ مخطَّط يتعلَّق بمستقبل طفلك، وهي امرأةٌ يظهر من سلوكها — على حد علمي — أنها من بين أكثرِ بني جنسها انحطاطًا وخسَّةً ووضاعة؟» والآن كاد ويكهام يقفز من كرسيِّه. كانت مفاصلُ أصابعه على ذراعي الكرسي بيضاء، واحمرَّ وجهه فجأةً من شدة الغضب. «ربما تعرف الحقيقة أيضًا. إن إلينور يونج هي المرأة الوحيدة التي أحبَّتني، ولم تفعل أيُّ امرأة أخرى — ومن بينهنَّ زوجتي — أن منحَتني الرعايةَ والعطف والدعم والإحساس بأنني مهمٌّ لها كما فعلَت أختي. أجل، هذه هي الصلة، إنها أختي غيرُ الشقيقة. أعرف أن هذا سيُثير اندهاشكم. فوالدي كان يتمتَّعُ بسمعة كونه الأكثرَ كفاءة وولاءً وإثارة للإعجاب من بين خدم السيد دارسي الراحل، وكانت تلك هي حقيقته بالفعل. أما أمي فكانت صارمةً متزمِّتة معه، كما كانت معي؛ فلم يكن هناك الكثيرُ من الضحك في منزلنا. وكان أبي رجلًا يُشبه الكثيرَ من الرجال، وحين كان يذهب إلى لندن لأداء أعمالٍ للسيد دارسي لأسبوع أو اثنَين، كان يعيش حياةً مختلفة. ولا أعلم شيئًا عن المرأة التي كان يُرافقها، لكنه على فِراش موته باح لي بأنه كانت له ابنة. ولكي أمنحه الفضل، فلا بد أن أقول إنه فعل ما بوُسعه ليُقدِّم لها الدعم، لكنني لم أعلم عن حياتها الأولى سوى القليل، فلم أعرف سوى أنها كانت في مدرسة في لندن، ولم تكن تلك المدرسةُ بأفضلَ من الملجأ. وقد هرَبَت أختي منها حين كانت في الثانيةَ عشرة من عمرها، وفقد أبي التواصل معها من بعد ذلك، ولمَّا كان تَقدُّمه في السن وزيادةُ المسئوليات عليه في بيمبرلي أثقلَ مما يستطيع هو تحمُّلَه، فلم يتمكن من البحث عنها بنفسه. لكنه كان يُفكِّر فيها دائمًا، وقد توسَّل إليَّ من أجل أن أفعل كلَّ ما يُمكنني. كانت المدرسة قد أغلقَت أبوابها منذ وقتٍ طويل، وكان مالكُها غيرَ معروف، لكنني تمكَّنت من التواصل مع أشخاصٍ في المنزل المجاور كانوا على علاقةِ صداقة بفتاةٍ كانت لا تزال على تواصلٍ معها. وكانت تلك الفتاة هي مَن أعطتني التلميحاتِ الأولى التي تُشير إلى المكان الذي يمكن أن أجد إلينور فيه. وفي النهاية وجدتها. وحينها كانت بعيدةً كلَّ البعد عن الفقر والعوَز. فقد تزوجت مدةً قصيرة من رجلٍ أكبرَ منها ترك لها مبلغًا كافيًا من المال لشراء منزل في ميريلبون، حيث كانت تستقبل الساكنين، الذين كان معظمهم من الشباب الذين يتحدَّرون من أسرٍ وعائلات ذاتِ شأن، وكانوا قد ترَكوا منازلهم من أجل العمل في لندن. وكانت أمهاتهم اللائي يُحبِبنهم ممتنَّاتٍ كثيرًا لتلك السيدة المبجَّلة الحَنون التي كانت تُصر على ألَّا تستقبل أيَّ امرأة شابةٍ في المنزل، سواءٌ كساكنة أو كزائرة.» فقال الكولونيل: «كنتُ أعرف هذا. لكنك لم تذكر الطريقةَ التي كانت أختُك تعيش بها، ولم تذكر الرجال تعيسي الحظِّ الذين كانت تبتزُّهم.» واجه ويكهام صعوبةً في السيطرة على غضبه. فقال: «لقد تسبَّبَت في حياتها كلِّها بأضرارٍ أقلَّ مما يتسبَّب به الكثيرُ من المدبِّراتِ ذاتِ الشأن. إن زوجها لم يترك لها صَداقًا مُؤجَّلًا للوفاة، وكانت مجبرةً على أن تتحصَّل على عيشها من ذكائها. سرعان ما وقع كلٌّ منا في غرام الآخر، ربما لأننا كنا نتشارك الكثيرَ من الأشياء. كانت أختي ماهرة. وقالت إن أفضل ميزة أتمتَّع بها — وربما هي الميزة الوحيدة — أن النساء يُحبِبني وأنني أتمتَّعُ بالبراعة التي تجعلني مقبولًا لديهن. وأفضلُ آمالي لتجنب الفقر وتفاديه كان عن طريق الزواج من امرأةٍ ثرية، وكانت أختي ترى أنني أتمتَّع بالصفات التي تُؤهلني لتحقيق ذلك. وكما تعلمون فقد انتهى أملي الأول والواعد إلى لا شيء حين ظهر دارسي عند رامزجيت ولعب دور الأخ الساخط.» هبَّ الكولونيل واقفًا على قدمَيه قبل أن يتحرَّك دارسي. وقال: «هناك اسمٌ لا يمكنك أن تنطقه بشفتَيك، ليس في هذه الغرفة ولا في أيِّ مكان آخر إن كنت تجد لحياتك قيمةً أيها السيد.» حدَّق إليه ويكهام بشيءٍ من ثقته القديمة. وقال: «لستُ بجديد على هذا العالم أيها السيد، بحيث أعلم أن هناك سيدةً لها اسمٌ لا يمكن أن تُلوثه الفضيحة، وأنها تتمتع بسمعةٍ عفيفة بالفعل، وأعلم أيضًا أن هناك نساءً يُساعد أسلوبُ حياتهن في حماية تلك العفة وحراستها. وأختي كانت واحدة من أولئك. لكن لنعُد إلى المسألة التي نُناقشها. لحسن الحظ أن رغبات أختي قدَّمت حلًّا لمشكلاتنا. والآن وحيث إن أخت لويزا رفضَت أن تأخذ الطفل، كان لا بد لنا أن نجدَ له منزلًا بطريقةٍ ما. فأبهرت إلينور لويزا بقصصٍ عن الحياة التي سيَحْياها الطفل، ووافقت لويزا أن تأتيَ إلينور إلى الكوخ في صباح يوم الحفل الذي يُقام في بيمبرلي وأن تأخذ الطفل وتذهبَ به إلى لندن حيث سأبحث عن عمل، وسترعاه هي بصورةٍ مؤقتة حتى نتمكنَ أنا ولويزا من الزواج. وبالطبع لم نذكر لها عُنوانَ أختي هناك. ثم سارت الخُطة على نحوٍ خاطئ. وعليَّ أن أعترف أن ذلك كان خطأ إلينور؛ فهي لم تكن معتادة على التعامل مع النساء، وكان من سياستها ألَّا تتعامل معهن. فقد كان التعامل مع الرجال بسيطًا، وكانت تعرف كيف تُقنعهم وتتملَّقهم. فحتى بعد أن كانوا يدفعون لها المال، لم يكن الرجال ليُصبحوا في عداوةٍ معها إطلاقًا. ولم تكن إلينور تُطيق صبرًا على تذبذبات لويزا العاطفية. فبالنسبة إليها كان الأمر مسألةَ تفكير سليم؛ فقد كانت هناك حاجةٌ ماسة وضرورية لإيجاد منزل لجورجي، وكان بإمكانها هي أن توفِّر منزلًا أعلى مقامًا من منزل عائلة سيمبكنز بكثير. وببساطة لم تكن لويزا تُحب إلينور وبدأت ثقتُها فيها تتزعزع؛ فقد كانت إلينور تتحدَّث كثيرًا عن ضرورة حصولها على الثلاثين جنيهًا التي وعدنا بها عائلة سيمبكنز. وأخيرًا وافقت لويزا على أن يُؤخَذ الطفل بحسب المخطَّط، لكن كانت هناك دائمًا المخاطرةُ التي تتمثَّل في عناد لويزا في اللحظة التي ستبتعدُ فيها عن طفلها. لهذا السبب كنتُ أريد ديني معنا حين ذهبنا لنأخذ جورجي. كنت واثقًا من أن بيدويل سيكون في منزل بيمبرلي، وأن كل خادمٍ آخرَ سيكون مشغولًا للغاية، وكنت أعرف أنه لن تكون هناك مشكلةٌ في أن تدخل عربةُ أختي من البوابة الشمالية الغربية لعزبة بيمبرلي. فمن المذهل ما يُمكن لشلن أو اثنين أن يفعَلاه من تذليلٍ لمثل هذه الصعوبات الصغيرة. كانت إلينور قد رتَّبت من قبلُ لقاءً في حانة كينجز آرمز في لامتون مع الكولونيل في الليلة السابقة للحفل من أجل أن تخبره بتغيُّر الخطة.» قال الكولونيل فيتزويليام: «بالطبع لم أرَ السيدة يونج منذ كنا نُجري معها مقابلةً للعمل كمربية. وقد أذهلتني بسحرِها الآن كما فعلَت حينها. كما قدَّمَت لي تفاصيلَ عن وضعها المالي. وقد أخبرتُ دارسي عن أنني كنت مقتنعًا بأن ما تُقدمه من اقتراح سيكون هو الأفضلَ من أجل الطفل، وبالطبع ما زلتُ أومن أنه سيكون من الأفضل للسيدة يونج أن تتبنَّى جورجي. وبعد أن أخذتُ على عاتقي الذَّهابَ إلى كوخ الغابة حين كنا في طريقنا للتحقُّق من أمر طلقات النار، فكَّرت أنه من الصواب أن أُخبر لويزا أن عشيقها هو ويكهام، وأنه متزوجٌ وأنه وصديق له كانا مفقودَين في الغابة. بعد هذا لن يكونَ هناك أيُّ أمل أبدًا للسيدة يونج — وهي صديقة ويكهام وكاتمة أسراره — أن تحصلَ على الطفل.» فقال دارسي: «لكن لم يكن هناك أيُّ خلاف قط على أن تكون لويزا قادرةً على اتخاذ قرار بهذا الشأن.» ثم التفتَ دارسي إلى ويكهام. واستطرد: «كنت تضعُ في حسبانك أنك ستأخذ الطفلَ عنوةً لو لزم الأمر.» فقال ويكهام في لا مبالاةٍ واضحة: «كنتُ سأفعل أيَّ شيء، أيَّ شيء، لأجعلَ إلينور تحصلُ على جورجي. إنه ابني، وكان مستقبله هو ما يُهم كِلَينا. ومنذ تقابَلْنا أنا وإلينور وأنا لم أكن قادرًا قط على إعطائها أيَّ شيء في مقابل دعمها وحبها. والآن كان لديَّ شيء يُمكنني أن أعطيَها إياه، شيء كانت تريده هي بشدة، ولم أكن لأسمح لغباءِ لويزا وتردُّدها أن يُعرقلا ذلك.» فقال دارسي: «وما هي تلك الحياة التي كان ذلك الطفل ليحياها، حين تُربيه امرأةٌ كتلك؟» لم يُجبه ويكهام. كانت أعينهم جميعًا مثبتةً عليه ورأى دارسي — من بين خليط من مشاعر الذعر والشفقة — أن ويكهام كان يُكافح من أجل أن يُسيطر على انفعالاته. كان سلوك الثقة الذي كان يروي به قصتَه — والذي يكاد يرقى إلى اللامبالاة — قد اختفى. مدَّ ويكهام يده المرتجفةَ ليحصل على القهوة، لكنَّ عينَيه كانتا غارقتَين بالدموع، فلم يكن يرى شيئًا، ولم يفعل سِوى أنه أسقط القهوةَ مِن على الطاولة. لكنَّ أحدًا لم يتحدَّث، ولم يتحرَّك حتى انحنى الكولونيل ووضع إبريقَ القهوة في مكانه بعد أن التقطه من على الأرض. وفي النهاية وبعد أن سيطر ويكهام على نفسه قال: «كان الطفل سيجد الحبَّ، أكثر مما وجدتُ أنا في طفولتي، أو أنت في طفولتك يا دارسي. إن أختي لم تلد طفلًا قط، والآن كانت هناك فرصةٌ أن تُولي رعايتها لطفلي. ليس لديَّ شك أنها طلبت المال، فتلك كانت الطريقةَ التي تعيش بها، لكنها كانت ستُنفق ذلك المال على الطفل. لقد رأته أختي. إنه طفلٌ جميل. ابني طفل جميل. والآن لن أتمكنَ من رؤية أيٍّ منهما مرةً أخرى أبدًا.» جاء صوت دارسي خشنًا. «لكنك لم تستطِع أن تُقاوم مغرياتِ الإفضاء إلى ديني. لم يكن أمامك للمواجهة سوى امرأةٍ عجوز ولويزا، وآخرُ شيء كنت تُريده هو أن تُصاب لويزا بالهستيريا وترفض أن تُسلِّم الطفل. كان لا بد أن يتم كلُّ شيء في هدوء إن كنت لا تريد أن تُثير انتباهَ الأخ المريض. كنت في حاجةٍ إلى رجلٍ آخر، صديق يمكن لك أن تعتمدَ عليه، لكن ديني لم يكن ليشارك قط في الأمر بمجرد أن فَهِم أنك ستأخذ الطفل عنوةً إن لزمَ الأمر، رغم أنك وعدتَها بالزواج، وهذا هو سبب تركه للعربة. كان اللغز أمامنا هو سبب ابتعاد ديني عن الطريق الذي كان سيعود من عليه إلى الحانة، أو لماذا لم يظلَّ في العربة على نحوٍ معقولٍ أكثرَ حتى تصل العربةُ إلى لامتون عندما كان سيُصبح بمقدوره أن يُغادر من دون تفسير. لقد مات لأنه كان في طريقه ليُحذِّر لويزا بيدويل من نواياك. والكلمات التي نطقت بها على جثته كانت حقيقيَّة. أنت قتلتَ صديقك. لقد قتلتَه كما لو أنك ضربتَه بسيف. أما ويل، الذي كان يحتضر وحيدًا، فقد ظنَّ أنه كان يحمي أخته من غاوٍ لها. وبدلًا من ذلك فقد قتل الرجل الوحيد الذي كان قد أتى من أجل تقديم المساعدة.» لكن ويكهام كان يُفكِّر في موتِ شخص آخر. فقال: «حين سمعت إلينور كلمة «مذنب» كانت حياتها قد انتهت. كانت تعلم أنني سأكون ميتًا في غضون ساعات. كانت ستقف عند سفحِ المشنقة وتشهد آخِرَ معاناتي إن كان في ذلك راحةٌ لي في خاتمتي، لكن هناك بعض الفظائع والأهوال التي لا يُمكن حتى للحبِّ أن يصمد أمامها. ليس لديَّ شكٌّ أنها كانت قد خطَّطت لموتها من قبل. فقد خسرَتني أنا والطفل، لكن على الأقل كان بإمكانها أن تحرص على أنها سترقدُ مثلي في قبرٍ مدنَّس.» كان دارسي على وشك أن يقول إن تلك المهانة الأخيرة كان تفاديها ممكنًا، لكن ويكهام أخرسَه بنظرةٍ منه وقال: «كنتَ تزدري إلينور في حياتها، فلا تتفضَّل عليها الآن وقد ماتت. إن القس كورنبندر يقوم بما هو ضروريٌّ ولسنا في حاجةٍ إلى مساعدةٍ منك. فهو يتمتعُ بسلطةٍ في مجالاتٍ بعينها في الحياة لا يتمتَّعُ بها حتى السيد دارسي مالك بيمبرلي.» لم ينطِق أحدٌ بكلمة. وفي النهاية، قال دارسي: «ماذا حدث للطفل؟ أين هو الآن؟» وكان الكولونيل هو مَن أجابه. «أخذتُ على عاتقي مهمة معرفة ذلك. لقد عاد الطفل إلى عائلة سيمبكنز؛ ومِن ثَم فالجميع يعتقد أنه مع والدته. لقد تسبَّب مقتلُ ديني في الكثير من القلق والاضطراب في بيمبرلي، ولم تجد لويزا صعوبةً في إقناع عائلة سيمبكنز أن يستعيدوا الطفلَ ويُبعدوه عن الخطر. وقد أرسلتُ لهم مبلغًا كبيرًا من المال من دون الإفصاح عن هُويتي، وعلى حدِّ علمي لم يكن هناك أيُّ مقترح بأن الطفل سيترك العيش مع عائلة سيمبكنز، رغم أن المشكلات قد تنشأ في العاجل أو الآجل. لكنني لا أرغب في أن أكون مشاركًا في هذا الشأن أكثرَ من ذلك؛ ومن المرجَّح كثيرًا أنني سأتولَّى شأنًا أكثرَ أهمية. إن أوروبا لن تتحرَّر من بونابارت حتى يُهزم شرَّ هزيمة في البرِّ والبحر، وآمُل أن أكون من بين أولئك الذين سيحظَون بشرف المشاركة في تلك المعركة الكبرى.» كان الجميع الآن منهكًا ولم يجد أحدٌ شيئًا آخرَ لديه كي يُدلِيَ به. وكان من المريح لهم أن فتح السيد جاردنر الباب ليُعلن عن قدوم السيد كورنبندر في وقتٍ أبكرَ من المتوقَّع. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الخامس رُفِعَت عن كواهل الجميع أثقالٌ من الشعور بالقلق والانزعاج بانتشار أخبار العفو عن ويكهام، لكن لم يكن هناك تفشٍّ لمظاهر الابتهاج بذلك. فقد تحمَّل الجميعُ الكثيرَ؛ فلم يَعُد بإمكانهم فعلُ شيءٍ أكثرَ من تقديم أصدقِ الشكر على نجاته، والاستعداد للاستمتاع بالعودة إلى منازلهم. كانت إليزابيث تعرف أن دارسي يُشاركها حاجتها المُلحة في بدء رحلة العودة إلى بيمبرلي، وفكَّرت أن باستطاعتهما أن ينطلقا في رحلتهما في الصباح التالي. إلا أن ذلك كان مستحيلًا. فقد كانت هناك أعمالٌ يقوم به دارسي مع مُحاميه فيما يتعلَّق بنقل الأموال إلى القس كورنبندر، ثم منه إلى ويكهام، كما تسلَّم خطابًا من ليديا في اليوم السابق يقول إنها ستأتي إلى لندن لترى زوجَها الحبيب حين تسنحُ الفرصةُ الأولى لذلك، وأنها ستعود معه إلى لونجبورن مبتهجين بنجاته. ستُسافر ليديا بعربة العائلة وسيصحَبُها خادم، ورأت أنَّ مِن المسلَّم به أنها ستمكثُ في شارع جريستشرش. ومن السهل أن يتم إيجاد فِراشٍ لجون في نُزلٍ محلِّي. وحيث إنها لم تذكر الوقتَ الذي من المرجَّح أن تصل فيه في اليوم التالي، انشغلت السيدة جاردنر من فورها في إعادة ترتيب المكان، وكانت تُحاول بطريقةٍ ما أن تتدبَّر مساحةً لعربةٍ ثالثة في الإسطبل. وكانت إليزابيث تشعر بإنهاكٍ شديد، وتطلَّب الأمر منها إرادةً قوية لكي تكبحَ نفسها من الانخراط في تنهيدات عميقة. وكانت رغبتها في رؤية الأطفال هي الرغبةَ الأولى أمامها الآن، وكانت تعلم أن دارسي يُشاركها إياها، وخطَّطا معًا أن ينطلقا في رحلتهما في اليوم بعد التالي. وبدأ اليوم التالي بإرسالِ خطابٍ سريعٍ إلى بيمبرلي يُعلمان فيه ستاوتن بالموعد المرتقَب لوصولهما إلى المنزل. وبإتمام كلِّ الأمور الرسمية الضرورية وكذا حزم الحقائب، بدا أن هناك الكثيرَ من الأشياء التي على إليزابيث ترتيبُها بحيث لم ترَ دارسي إلا قليلًا. كان قلباهما مثقلَين فلم يستطيعا التحدُّث، وكانت إليزابيث تعلم — أكثرَ مما تشعر — أنها سعيدةٌ أو ستكون سعيدة بمجرد أن تصل إلى منزلها. وكان الجميع قلقًا من أن يجد حشدًا صاخبًا من المهنِّئين طريقَهم إلى شارع جريستشرش بمجرد أن تنتشرَ أخبار العفو، لكن هذا لم يحدث لحسن حظِّهما. أما العائلة التي رتَّب كورنبندر لويكهام أن يمكث معها فكانت مجهولةً تمامًا، وكان موقع سكنها غيرَ معروف، وكانت الزمرة التي تُريد التهنئة من الناس تتجمَّع حول السجن. ثم وصلت عربةُ آل بينيت وفيها ليديا بعد الغداء في اليوم التالي لذلك، لكن ذلك لم يُثِر اهتمامَ العامة أيضًا. ومما أصاب عائلة جاردنر وعائلة دارسي بالارتياح أن ليديا تصرفَت بعقلانيةٍ ورشدٍ أكثرَ مما كان متوقَّعًا منها. فالاضطرابات التي مرَّت بها في الشهور السابقة ومعرفتها أن زوجها يُحاكَم وحياته على المحك قد أخمدا صخب سلوكها المعتاد منها، بل إنها حتى شكرَت السيدة جاردنر على ضيافتها، وأظهرَت لذلك شيئًا يُقارب امتنانًا صادقًا واعترافًا بما تَدين به لكرمهم وحُسن ضيافتهم. أما مع إليزابيث ودارسي فكانت أقلَّ اطمئنانًا، لكنها لم تنطِق لهما بكلمة شكر. وقبل العشاء أتى القسُّ كورنبندر من أجل أن يأخذها إلى مكانِ مسكنِ ويكهام. وقد عادت بعد ثلاث ساعات تحت جُنح الظلام بروحٍ معنوية مرتفعة. كان لا يزال زوجُها ويكهام الوسيم الشجاع الذي لا يُقاوَم، وراحت تتحدَّث عن مستقبلهم معًا بكلِّ ثقة تؤكِّد أن تلك المغامرة هي بداية ازدهارهما وشهرتهما. كانت ليديا دائمًا مستهتَرة، وكان من الواضح تمامًا أنها تتوق مثل ويكهام إلى الهجرة من إنجلترا للأبد. ثم التحقَت بويكهام حيث يسكن في حين كان زوجها يستردُّ عافيته، وما كان تحمُّلها لصلوات مضيِّفها المبكِّرة وكذلك صلوات المائدة التي كان يتلوها قبل كلِّ وجبة إلا قليلًا، وبعد ثلاثة أيام كانت عربة آل بينيت تُقعقع عبر شوارع لندن، وتقترب من الطريق المؤدي للشمال نحو هيرتفوردشاير ولونجبورن. الموت يزور بيمبرلي
الفصل السادس استغرقَت الرحلةُ إلى ديربيشاير يومين؛ حيث إن إليزابيث كانت تشعر بإعياءٍ شديد، ولا ترغب في السفر ساعاتٍ طِوالًا على الطريق. وبحلول منتصف صباح يوم الإثنين التالي للمحاكمة أُحضرت العربة عند الباب الأمامي، وبعد أن عبَّر آل دارسي عن شُكرهم الذي كان من الصعب عليهم إيجادُ الكلمات المناسبة له، كانوا في طريقهم إلى المنزل. وكانا غافيَين في معظم أوقات الرحلة، لكنهما كانا مستيقظَين حين عبَرَت العربة حدودَ الريف إلى ديربيشاير، وبسرورٍ بالغ من جانبهما كانت العربة تمر عبر القرى المألوفة لهما، وفي الشوارع التي راحا يتذكَّرانها. كانا يعلمان بالأمس أنهما سعداءُ فقط؛ أما اليوم فأصبحا يشعران بقوة الفرحة وهي تشعُّ من كل خليةٍ في كِيانهما. وما كان وصولهما إلى منزل بيمبرلي ليختلفَ كثيرًا عن رحيلهما عنه. فقد كان الخَدَم بأكملهم مصطفِّين وهم يرتدون زيَّهم الرسمي النظيفَ المكوي من أجل تحيتهم، وكانت عينُ السيدة رينولدز دامعةً حين انحنت لتحيتهم ورحَّبت بإليزابيث في صمتٍ حيث كانت مشاعرها أعمقَ من أن تُوصف بالكلمات. وكان أول ما زارا هو غرفة الحضانة، حيث حيَّاهما فيتزويليام وتشارلز بصيحاتٍ وقفزات تنمُّ عن الغِبطة، وأمضيا بعض الوقت يسمعان الأخبارَ من السيدة دونوفان. وقد حدث الكثيرُ من الأشياء في أثناء الأسبوع الذي قضَياه في لندن، حتى إن إليزابيث شعرَت وكأنها غابت شهورًا. ثم حان الوقت للسيدة رينولدز لتُقدِّم تقريرها. فقالت: «تأكدي فضلًا يا سيدتي أنني ليس لديَّ أيُّ أخبار محزنة أقولها لك، لكنْ هناك شأنٌ ذو أهمية ينبغي عليَّ أن أتحدَّث إليك به.» فأشارت إليزابيث إلى أن يذهبا كالمعتاد إلى غرفة جلوسها الخاصة. ودقَّت السيدة رينولدز الجرس ووجَّهت بأن يأتيَهما الشاي، وجلستا أمام النار التي كانت قد أُشعلت من أجلِ أن تبعث المزيدَ من الراحة أكثرَ مما أُشعلت من أجل بثِّ الدفء، وبدأت السيدة رينولدز حديثها. «لقد سمعنا بالطبع عن اعترافِ ويل فيما يتعلَّق بموت الكابتن ديني، وهناك الكثيرُ من التعاطف مع السيدة بيدويل، رغم أن عددًا من الناس انتقدوا ويل؛ لأنه لم يتحدَّث في وقتٍ مبكرٍ ووفَّر على السيد دارسي وعليكِ والسيد ويكهام الكثيرَ من الكرب والمعاناة. لا شك أنه كان مدفوعًا بحاجته إلى امتلاكِ الوقت؛ لإصلاح العلاقة بينه وبين الرب، لكن البعض يشعرون أن ثَمنَ ذلك كان غاليًا جدًّا. لقد دُفن في باحة الكنيسة؛ وقد تحدَّث السيد أوليفانت عنه بكل صدقٍ، وشعرت السيدة بيدويل بالامتنان لحضور عددٍ كبير من الناس جنازته، وجاء الكثير منهم من لامتون. كانت الأزهار جميلةً للغاية، وجمعتُ والسيد ستاوتن إكليلًا ليُرسَل إلى الكنيسة باسم السيد دارسي واسمِك. فقد كنا واثقَين من أن هذا هو ما ستفعلان. لكنني أريد أن أُحدثك عن لويزا. لقد جاءتني في اليوم التالي لمقتلِ الكابتن ديني وطلبت مني أن نتحدَّثَ في سريةٍ تامة. فأخذتها إلى غرفة جلوسي حيث انهارت من حزنٍ عظيم يصيبها. وحين تمكَّنت من تهدئتها بعد الكثير من الصبر وبصعوبةٍ كبيرة، أخبرتني بقصتها. لم يكن لديها أدنى فكرة أن والد طفلها كان السيد ويكهام، وذلك حتى زار الكولونيل الكوخَ ليلةَ وقوع المأساة، ويُؤسفني يا سيدتي أنها انخدعَت بشدة بالقصة التي أخبرها هو بها. لم تكن لويزا ترغب في رؤيته مرةً أخرى إطلاقًا، وقد بدأت تكرهُ الطفل. ولم يَعُد السيد سيمبكنز أو أختها يرغبان في تربية الطفل، ولم يكن جوزيف بيلينجز — الذي عرَف بأمر الطفل — مستعدًّا لأن يتزوج بها إن كان هذا يعني أن يتحمَّل مسئوليةَ ابنِ رجلٍ آخر. لقد باحت له بسرِّ عشيقها، لكنها لم تكشف قط اسم السيد ويكهام، ومن رأيي ورأي لويزا أيضًا أنه ينبغي ألا يُكشَف عنه أبدًا من أجل أن ننأى ببيدويل عن الخزي والكرب. كانت لويزا في حاجةٍ ماسة إلى إيجادِ منزلٍ يحتضن جورجي، وكان هذا هو سببَ مجيئها لي، وكنت مسرورةً لمساعدتها. قد تذكرين يا سيدتي أنني تحدثتُ عن أرملةِ أخي — اسمها السيدة جودارد — التي كانت تملك مدرسةً ناجحة لبعض السنوات في هايبيري. وقد تزوجَت إحدى الساكنات عندها وهي الآنسة هاريت سميث من مُزارعٍ محليٍّ اسمه روبرت مارتن، وهما سعيدان معًا. ولهما من البنات ثلاث، ومن الأبناء واحد، لكن الطبيب أخبرها أنَّ من غير المرجَّح أن تُنجب المزيد من الأطفال وهي ترغب بشدة هي وزوجها في الحصول على ابنٍ آخر ليكون رفيقًا لابنهما. والسيد والسيدة نايتلي من دونويل هما أكثرُ الأزواج أهميةً في هايبيري، والسيدة نايتلي صديقةٌ للسيدة مارتن، وكانت دائمًا ما تُبدي اهتمامها وحبَّها لأطفالها. كانت السيدة نايتلي جيدةً بما يكفي لتُرسل لي خطابًا — إضافةً إلى تلك الخطابات التي تلقَّيتها من السيدة مارتن — لتؤكد لي مساعدتها واهتمامها المستمرَّ بجورجي إذا ما أتى إلى هايبيري. وقد بدا لي أن هذا هو أفضلُ مكانٍ يمكن أن يذهب إليه، ومن ثمَّ فقد رتَّبنا أن يعود الطفل إلى السيدة سيمبكنز بأسرعِ ما يمكن حتى يُؤخذَ من بيرمنجهام بدلًا من أن يُؤخذ من بيمبرلي حيث سيُتعرَّف على العربة التي ستُرسلها السيدة نايتلي بكل تأكيد. وقد سارت الأمور كما خطَّطنا لها تمامًا، ثم تلقيت من الخطابات بعد ذلك ما يُؤكِّد استقرار الطفل بأمانٍ وسلام، وأنه سعيد وفاتن وتُحبه العائلة بأكملها حبًّا كبيرًا. وبالطبع، احتفظت بهذه المراسلات لتطَّلعي عليها. وحين علمَت السيدة مارتن بأن جورجي لم يكن معمَّدًا حزنَت كثيرًا، لكنها عمَّدَته الآن في هايبيري تحت اسم جون؛ تيمنًا بوالدها. إنني آسفة لأنني لم أُخبرك بهذا من قبل، لكنني وعدت لويزا بأن كل هذا سيحدثُ في سريةٍ تامة رغم أنني أوضحتُ لها تمامًا أنني لا بد أن أُخبركِ يا سيدتي. كانت الحقيقة ستُثير حزنَ بيدويل كثيرًا، وهو يعتقد — كما يعتقد الجميعُ في بيمبرلي — أن الطفل جورجي قد عاد إلى أمِّه السيدة سيمبكنز. آمُل أنني فعلتُ الصواب يا سيدتي، لكنني كنت أرى مدى رغبة لويزا الجامحة في ألا يستطيع الوالد إيجادَ طفله مرةً أخرى، وفي أن يكون الطفل في مكانٍ جيد يحظى فيه باهتمامٍ وحبٍّ كبيرَين. ولويزا لا ترغب في أن تراه مرةً أخرى، أو تعرفَ عن التقدُّم الذي يُحرزه، وبالطبع لا تعرف البيت الذي ذهب إليه. كان يكفيها أن تعرفَ أن الطفل سيحظى بالحب والاهتمام.» فقالت إليزابيث: «لم يكن هناك ما هو أفضلُ من ذلك لتقومي به وسأحترمُ ثقتك هذه بالطبع. وسأكون ممتنَّة كثيرًا لو كان بإمكاني أن أُقرِّر استثناءً واحدًا؛ حيث ينبغي أن يعرف السيد دارسي بذلك. وأنا متأكدة من أن السرَّ لن يخرج من بيننا. فهل استكملت لويزا الآن خِطبتها إلى جوزيف بيلينجز؟» «فعلَت يا سيدتي، وقد خفَّف السيد ستاوتن من مهام جوزيف بيلينجز من أجل أن يَحْظى بقضاء المزيد من الوقت معها. في رأيي أن السيد ويكهام أصابها بالتشوُّش والقلق، لكن أيًّا كانت ما شعرَت به تجاهه فقد تحوَّلَ الآن إلى كُرهٍ، وتبدو راغبةً الآن في أن تتطلَّع للمستقبل وللحياة التي ستحظى بها وجوزيف معًا في هايمارتن.» كان ويكهام — بغضِّ النظر عن مساوئه — رجلًا ماهرًا ووسيمًا وجذَّابًا، وتساءلَت إليزابيث ما إن كانت لويزا — وهي تلك الفتاة التي كان القسُّ أوليفانت يَعدُّها على درجةٍ عالية من الذكاء — قد حصلت على لمحةٍ من حياةٍ أكثرَ إثارةً، لكن لا شك أن أفضل ما يمكن أن يحدث قد حدث مع طفلها، وربما معها هي أيضًا. سيكون مستقبلها أن تعمل خادمة صالون في هايمارتن — حيث ستكون زوجةَ كبير الخَدَم — وبمرور الوقت لن يكون ويكهام بالنسبة إليها سوى ذكرى بعيدة. وبدا من غير المنطقيِّ لإليزابيث — بل ومن الغريب — أن تشعر لويزا بشيءٍ من الأسى أو الندم. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الخامس لم يَدُم انتظارُ السيدات للرجال طويلًا في حُجرة الموسيقى، وأصبحَت الأجواءُ هادئةً أكثر حين جلسَت المجموعةُ بأريحية على الأريكة والكراسي. فتح دارسي البيانو وأُضيئت الشموع الموضوعةُ عليه. وبمجرد أن اتخذوا مجالسهم، التفت دارسي إلى جورجيانا، وفي نبرةٍ تكاد تكون رسميةً وكأنها ضيفةٌ قال إن مِن دواعي سرورهم أن تعزفَ وتُغني لهم. فنهضت جورجيانا ورمقَت هنري ألفيستون بنظرةٍ سريعة فتبِعَها إلى البيانو. والتفتَت هي إلى المجموعة وقالت: «سيكون من اللطيف أن نُغني معًا.» صاح بينجلي في حماسة: «مرحى! إنها فكرةٌ رائعة. لِنسمعكما معًا. كنت أحاول وجين أن نُغني في ثنائيِّ الأسبوع الماضي، أليس كذلك يا عزيزتي؟ لكنني لن أقترح أن نُكرِّر التجرِبة الليلة. كان أدائي كارثيًّا، أليس كذلك يا جين؟» ضحكت زوجته وقالت: «كلَّا، كان أداؤك رائعًا جدًّا. لكنني يؤسفني أنني أهملتُ التدريب منذ ولادة تشارلز إدوارد. ولن نُتحف أصدقاءنا بأدائنا الموسيقيِّ في حين أن الآنسة جورجيانا تتمتع بموهبةٍ موسيقية لا يمكن حتى أن نطمحَ لها.» وحاولت إليزابيث أن تُسلِّم نفسها للموسيقى لكنَّ عينَيها وأفكارها تركَّزت مع الثنائيِّ الجالس على البيانو. وبعد أول أغنيتين، توسلوا لهما أن يعزفا أغنيةً ثالثة، وساد السكون لحظةً فيما كانت جورجيانا تأخذ توزيعًا موسيقيًّا جديدًا وتُريه لألفيستون. قلب ألفيستون الصفحاتِ وبدا أنه يُشير إلى المواضع التي شعر أنها ستكونُ صعبة، أو ربما حيث كان غيرَ واثق من طريقة نطقه للإيطالية. رفعت جورجيانا نظرها إليه ثم عزفَت بيدها اليمنى عدةَ فواصلَ موسيقيةٍ فابتسم هو مذعنًا. وبدا أن كِلَيهما غيرُ واعٍ بانتظار الجمهور. كانت لحظةً حميمية أغلقت عليهما أبوابَ عالمهما الخاص، لكنهما وصلا إلى لحظةٍ نسيا فيها نفسيهما وذابا في حبِّهما المشترك للموسيقى. وبمشاهدتها لضوءِ الشموع الساقط على تلك الوجوه المنتشية، ولابتسامتهما حيث انحلَّت المشكلةُ وراحت جورجيانا تُعدِّل نفسها استعدادًا للعزف، شعرت إليزابيث أن ذلك لم يكن انجذابًا عابرًا مبنيًّا على تقاربهما الجسدي، ولا حتى بسبب حبِّهما المشترك للموسيقى. من المؤكَّد أنهما كانا واقعَين في الحب، أو ربما كانا على وشك الوقوع فيه، تلك المدَّة الساحرة المليئة بالاكتشافات والتوقُّعات والآمال المتبادَلة. كان ذلك سحرًا لم تعهَدْه من قبل. وكانت لا تزال مذهولةً من أنهما بين عرضِ الزواج الأول المُهين الذي تقدَّم به دارسي وطلبِه الثاني الناجح والآيب لحبها لم يكونا معًا وعلى انفرادٍ إلا مدَّةً أقلَّ من نصف الساعة؛ تلك المرة التي كانت تزور فيها بيمبرلي مع عائلة جاردنرز، واستدار هو بصورةٍ غيرِ متوقَّعة وسارا معًا في الحدائق، وفي اليوم التالي حين ذهب إلى فندق لامتون حيث كانت تمكث هي ليجدها تبكي وهي تُمسك بخطاب جين الذي نُقل إليها فيه خبرُ هروب ليديا. كان قد غادر سريعًا في غضون عدة دقائق، وفكَّرَت أنها لن تراه مرةً أخرى. إن كان هذا قصة أدبية، فهل يُمكن لأفضل الأدباء أن يبتكرَ ليجعل هذه المدةَ الزمنية الصغيرة ذاتَ مصداقية يتم فيها كبحُ الكبرياء والتغلب على التحامل؟ فيما بعد، حين عاد دارسي وبينجلي إلى نيذرفيلد وأصبح دارسي حبيبَها الذي وافقَت على الزواج منه، كانت مرحلة الخطوبة إحدى أكثرِ المراحل التي تسبَّبَت لها بالقلق والإحراج في حياتها — فكانت مرحلةً بعيدةً كلَّ البعد عن كونها مرحلةَ استمتاع وتودد — ذلك أنها كانت تسعى لصرف انتباهِه عن سيل تهاني والدتها الصاخبِ والغزير، الذي وصل إلى حدِّ شكره على تنازله الكبير وطلبِه يدَ ابنتها للزواج. ولم يُعانِ كلٌّ من جين ولا بينجلي بهذه الطريقة. فبينجلي الطيب والمهووس بحبِّها إما أنه لم يلحظ ذلك أو أنه تساهل مع سوقيةِ حماته. وهل كانت هي نفسها لتتزوج دارسي إذا ما كان قسيسًا فقيرًا أو محاميًا مكافحًا؟ كان من الصعب تخيُّل السيد فيتزويليام دارسي من بيمبرلي في أيٍّ من الوضعَين، لكن المصداقية كانت تقتضي الإجابة عن هذا السؤال. وكانت إليزابيث تعلم أنها لم تُخلق لتُناسب حكايات الفقر المحزنة. كان هُبوب الرياح لا يزال آخذًا في الازدياد، وكان صوت المغنِّين يُصاحبه صوت العواء والأنين في المدخنة وصوتُ اشتعال النار المتقطع، حتى بدا أنَّ الاضطراب في الخارج كان مشاركةً مِن الطبيعة بلحنٍ مساير لجمال الصوتَين الممزوجين، ومرافقًا ملائمًا للفوضى التي تحدث في عقلها. لم تكن إليزابيث من قبلُ قلقةً بفعل الرياح الشديدة، وكانت تستمتع بالجلوس بداخل المنزل في أمانٍ وراحة بينما كانت الرياحُ تثور في الخارج على نحوٍ غيرِ فعال عبر غابة بيمبرلي. لكن بدا الآن أنَّ هناك قوةً خبيثة تستهدف كلَّ مدخنة وصدعٍ لتتمكَّن من الدخول. لم تكن إليزابيث واسعةَ الخيال، وحاولت أن تُبعد مثل هذه التخيلات المرَضيَّة عن ذهنها، لكن تعلَّق بها إحساسٌ لم تعهد مِثله من قبل. فكَّرَت إليزابيث في نفسها قائلةً: «ها نحن أولاء في مطلعِ قرنٍ جديد وننتمي لأكثر البلدان الأوروبية تحضرًا، ومحاطون بأفخمِ ما قدَّم صُنَّاعُها والفنانون فيها والكتب التي تحفظ أدبَها، بينما هناك عالمٌ آخر في الخارج يفصلنا عنه الثراءُ والتعليم والحظوة؛ عالمٌ يكون فيه الرجال عنيفين ومدمِّرين كما الحيوانات في عالم الحيوان. ربما أكثرنا حظًّا حتى لن يستطيع أن يتجاهل الأمر ويبقى بعيدًا عنه للأبد.» حاولت إليزابيث أن تستعيدَ طُمأنينتها في مزيج الصوتَين، لكنها سُرَّت حين انتهت الموسيقى وحان الوقت لسحبِ حبلِ الجرس وطلب الشاي. أدخل بيلينجز أكوابَ الشاي؛ وبيلينجز هو أحدُ الخَدَم. كانت إليزابيث على علمٍ بأنه من المقرَّر أن يُغادر بيمبرلي بحلول الربيع حيث — إذا ما سارت الأمور على ما يُرام — يمكن أن يأمُل أن يخلف كبير خدم عائلة بينجلي حين يتقاعد الرجل العجوز في نهاية المطاف. كان ذلك عُلوًّا في شأن ومكانة الرجل، وأصبح مرحَّبًا به كثيرًا حيث كان قد خطب لويزا ابنة توماس بيدويل أثناء عيد الفُصح قبل الماضي، ومن المزمَع أن تُرافقه هي إلى هايمارتن بصفتها كبيرة الخادمات. كانت إليزابيث — في شهور إقامتها الأولى في بيمبرلي — مندهشةً من انخراط العائلة في حياة الخَدَم. ففي أثناء زياراتها النادرةِ هي وزوجها إلى لندن كانا يمكثان في منزلهما الريفيِّ أو برفقة أخت بينجلي السيدة هيرست وزوجها اللذَين كانا يعيشان في منزلٍ فخم. في ذلك العالم كان الخَدَمُ يعيشون حياةً منفصلة تمامًا عن العائلة بحيث كان من الجليِّ مدى نُدرة معرفة السيدة هيرست بأسماء مَن يخدمونها. لكن على الرغم من أن السيد والسيدة دارسي كانا في منأًى عن المشكلات الداخليَّة، فإنَّ هناك أحداثًا — كمراسمِ زواج أو خِطبة أو تغييرِ وظائف أو مرضٍ أو تقاعد — ترتقي فوقَ حياة غير منقطعة النشاط، وتضمن إدارةَ أمور المنزل في سلاسة، وكان من المهمِّ لدارسي وإليزابيث كلَيهما أن يُقدِّرا طقوس الانتقال تلك والاحتفاء بها؛ حيث إنها جزءٌ من حياة سريةٍ إلى حدٍّ كبير، وتعتمد راحتهما عليها كثيرًا. والآن كان بيلينجز يضعُ أكواب الشاي أمام إليزابيث في شيءٍ من الشموخ والتأنِّي، كما لو أنه كان يُبرهن لجين على أنه يستحقُّ الاحترام الذي يُكنُّونه له. وفكَّرَت إليزابيث أن هذا الموقف سيكون مريحًا أكثرَ له ولزوجته. وكما قال والدها، فإنَّ عائلةَ بينجلي أربابُ عملٍ كرماءُ ليِّنو العَريكةِ ومتساهلون، ولا يُدقِّقون إلا فيما يتعلَّق برعاية بعضِهم بعضًا وأطفالهم. ولم يكد بيلينجي يُغادر حتى نهض الكولونيل فيتزويليام من على كرسيِّه وسار نحو إليزابيث. وقال: «هلا عذرتِني سيدة دارسي، إذا ما ذهبتُ الآن للقيام بنزهتي الليلية؟ أريد أن أمتطيَ الجواد تالبوت بجوار النهر. إنني آسفٌ لمقاطعةِ اجتماعٍ عائلي سعيد كهذا، لكنني لن أحظى بقسطٍ جيد من النوم إذا لم أحصل على الهواء النقي قبل الخلود للنوم.» طمأنَته إليزابيث إلى أنه ليس في حاجةٍ إلى التماسِ عذر. فرفع هو يدَها نحو شفتَيه سريعًا، وكانت تلك إيماءةً غيرَ معهودة عليه، ثم اتجه نحو الباب. كان هنري ألفيستون يجلس مع جورجيانا على الأريكة. فرفع نظره وقال: «مظهر ضوءِ القمر على النهر ساحرٌ أيها الكولونيل، ربما من الأفضل أن ترى هذا المشهدَ برفقة أحدهم. لكنك وتالبوت ستُواجهان وقتًا عصيبًا. لا أحسدك على مجابهتك هذه الرياحَ.» التفتَ الكولونيل وهو عند الباب ثم نظر إليه. وكانت نبرةُ صوته رزينةً حين قال: «إذن ينبغي لنا أن نكون ممتنِّين لأنكَ لن تصحَبَني.» ثم انصرف بعد أن حيَّاهم بانحناءة. ساد الصمتُ لحظةً تردَّدت فيها كلماتُ الكولونيل أثناء انصرافه في أذهان الجالسين وكذا غرابة تجوُّله الليلي على صهوة الجواد، لكن الحيرة منعَتهم من التعليق. إلا أن هنري ألفيستون بدا غيرَ مهتم بالأمر، وبعد أن رمقت إليزابيث وجهَه بنظرةٍ سريعة، لم يكن لديها شكٌّ أنه لم يفهم النقد المستتر. كان بينجلي هو مَن كسَر حاجز الصمت. فقال: «اعزفي لنا شيئًا آخرَ من الموسيقى إذا سمحتِ يا آنسة جورجيانا، إن لم تكوني متعبةً كثيرًا. لكن رجاءً أنهي الشايَ الخاصَّ بكِ أولًا. لا ينبغي علينا أن نُثقل عليكِ. ما رأيك بتلك الأغاني الأيرلندية الشعبية التي عزَفتِها حين كنا نتناول العشاء هنا في الصيف الماضي؟ ليس من الضروريِّ أن تُغني، تكفي الموسيقى وحدها، لا بد أن تُحافظي على صوتكِ. أتذكَّر حتى أننا رقصنا بعض الوقت، أليس كذلك؟ لكن حينها كانت عائلة جاردنر هنا وكذلك السيد والسيدة هيرست؛ لذا كنا خمسةَ أزواج، وكانت ماري هنا لتعزف لنا الموسيقى.» عادت جورجيانا إلى البيانو وكان ألفيستون واقفًا يُقلب الصفحات، وساد تأثيرُ النغمات المفعمة بالحيوية لبعض الوقت. ثم حين توقفَت الموسيقى، تجاذب الحاضرون أطرافَ الحديث فتبادَلوا الآراء التي عبَّروا عنها مراتٍ كثيرةً من قبل، وكذلك الأخبار التي لم يكن أيٌّ منها جديدًا. وبعد مرور نصف الساعة، أقدمت جورجيانا على الانصراف أولًا، وألقت عليهم التحية المسائية وحين سحبت حبل الجرس لتستدعيَ خادمتها، أضاء ألفيستون شمعةً وأعطاها إياها ورافقها إلى الباب. وبعد أن غادرت جورجيانا، بدا لإليزابيث أن بقية المجموعة كانوا متعَبين لكنهم كانوا يفتقرون إلى الطاقة ليقوموا ويُنهوا الأمسية. ثم أقدمت جين بعد ذلك على الانصراف، فنظرت إلى زوجها وغمغمَت بأن الوقت قد حان لِيَخلدا إلى النوم. ثم سرعان ما تبعتها إليزابيث وقد شعرَت بالعرفان تجاه ذلك. تم استدعاء أحد الخَدَم ليُحضر الشمعَ الليليَّ ويُضيئه، حيث كان الشمع على البيانو قد انطفأ، وكان الجميع في طريقه إلى الباب حين صاح دارسي فجأةً وقد كان واقفًا بجوار النافذة. «يا إلهي! ماذا يعتقد ذلك السائق الأحمق أنه يفعل؟ إنه بذلك سيقلب العربة! هذا جنون. ومَن هُم بحق السماء؟ هل نتوقَّع قدومَ أحدٍ الليلةَ يا إليزابيث؟» «لا أحد.» تزاحمَت إليزابيث والبقية على النافذة ومن بعيد شاهدوا عربةً تتمايل وتتأرجحُ على الطريق المؤدي إلى المنزل، وكان مِصباحاها الجانبيَّان يبثَّان وهجًا وكأنهما شعلتان صغيرتان. وتولَّى الخيالُ أمرَ توضيحِ ما كان بعيدًا جدًّا بحيث لا يمكن رؤيته — أعرافُ الجياد وهي تتحرك مع الرياح، وعيونها الجامحة، وأكتافها التي تجرُّ العربة، والسائق الذي يُحرِّك زِمام الخيل. وكانت العربة أبعدَ مما يُمكن أن يسمح بسماع صوت عجلاتها، وبدا لإليزابيث أنها ترى عربةً شبحية من الأساطير تجري مسرعةً من دون صوت في تلك الليلة المقمِرة، وكأنها نذيرٌ مفزع بالموت. قال دارسي: «ابقَ هنا يا بينجلي مع السيدات، وسأنظر في هذا الأمر.» لكن كلماته ضاعت وسطَ تجدُّد عواء الرياح في المدخنة، وتبِعَته المجموعةُ خارج غرفة الموسيقى ونزولًا على الدرَج، حتى دلفوا إلى الرَّدهة. كان ستاوتن والسيدة رينولدز هناك بالفعل. وبإيماءةٍ من دارسي، فتح ستاوتن الباب. فانطلقَت الرياح إلى داخل المنزل في الحال، فبدَت وكأنها قوةٌ باردة لا تُقاوَم تستولي على المنزل بأكمله، فأطفأت في نفخةٍ واحدة كلَّ الشموع، عدا تلك التي كانت معلَّقة على شمعدانات مرتفعة. كانت العربة لا تزال تتقدَّم مسرعة، فتأرجحت عند الزاوية في نهاية الطريقِ الشجريِّ لتقترب من المنزل. وفكَّرَت إليزابيث أن العربة ستدهس الباب بكل تأكيد. لكن كان باستطاعتها الآن أن تسمع صيحات السائق وتراه وهو يُحاول في مشقةٍ السيطرةَ على الجياد. توقَّفت الجيادُ ولكنها كانت تصهل مضطربة. وفي الحال، وقبل أن يتمكَّن السائق من النزول عن العربة، فُتِح بابها وعلى بصيص الضوء القادم من بيمبرلي رأَوا امرأةً تكاد تسقط من العربة وتصيح وسطَ الرياح. كانت قبَّعتها تتعلق حول رقبتها بأشرطة الزينة، وشعرها السائب يتطاير على وجهها، فبدَت وكأنها مخلوقٌ بري جامح، أو امرأة مجنونة هرَبَت من الأسر. وقفت إليزابيث للحظة متسمِّرةً في مكانها وغيرَ قادرة على اتخاذ أي فعل، أو التفكير في أي شيء. ثم أدركَت أن ذلك الشبح الصاخب الجامح هو ليديا، فهُرِعت نحوها لتُساعدها. لكن ليديا دفعَتها جانبًا وألقت بنفسها بين ذراعَي جين وهي لا تزال تصرخ، فكادت تُسقطها أرضًا. تقدَّمَ بينجلي ليُساعد زوجته، ومعًا حملا ليديا نحو الباب. كانت لا تزال تصرخ وتُناضل وكأنها غيرُ مدركة لمن هم حولها، لكن بمجرد أن دخلَت المنزل، وأصبحت في منأًى عن الرياح، استطاعوا أن يسمعوا كلماتها المتقطعة. «مات ويكهام! لقد أطلق ديني عليه النارَ! لماذا لا تبحثون عنه؟ إنهم هناك في الغابة. لماذا لا تفعلون شيئًا؟ يا إلهي، أنا متأكدةٌ من أنه مات!» ثم تحوَّل تنهُّدها إلى نحيبٍ، وبعده انهارت في أحضان جين وبينجلي حيث دفَعا بها برفقٍ إلى أقرب كرسي. الموت يزور بيمبرلي
خاتمة في صباحِ أحد أيام بواكير شهر يونيو، تناول دارسي وإليزابيث إفطارَهما معًا في الشُّرفة. كان النهار ساطعًا، ويحمل إمكانيةَ رؤيتهما للأصدقاء ومشاركتهما البهجة. فقد تمكَّن هنري ألفيستون من أخذِ إجازةٍ قصيرة من مسئولياته في لندن، ووصل في المساء السابق، ومن المتوقَّع حضورُ عائلة بينجلي على الغداء والعشاء. قال دارسي: «سأكون ممتنًّا كثيرًا يا إليزابيث، إن سرتِ معي بجوار النهر. هناك أشياءُ في حاجةٍ إلى أن أقولها؛ أشياء تَطْرق ذهني منذ مدة طويلة، وكان لا بد أن أبوحَ بها بيننا في وقتٍ سابق.» أذعنَت إليزابيث، وبعد خمسِ دقائق كانا يسيران معًا على الممرِّ العُشبي المجاور للنهر. وكانا في أثناء ذلك صامتَين حتى عبَرا الجسر؛ حيث يضيق مجرى النهر، ويؤدي إلى المقعد الذي وُضع في ذلك المكان حين كانت الليدي آن تنتظر طفلَها الأول؛ ليوفِّر لها مكانًا مريحًا وملائمًا. كان المقعد يُطل على المنظر الجميل للماء، وخلفها منزل بيمبرلي، وهو مكانٌ كان دارسي وإليزابيث يُحبانه، ودائمًا ما كانا يتَّجهان إليه في مسيرهما. كان اليوم قد بدأ بضبابٍ مبكِّر، وكان كبير البستانيِّين دائمًا ما يتنبَّأ بأن هذا يُنبئ بيومٍ حارٍّ، والأشجار التي كانت قد خسرت البراعمَ الرقيقة الأولى لأوراق الربيع الخضراء، أصبحَت الآن في أبهى حُلَلِها مكسوَّةً بالأوراق، في حينِ اشتركت ضِفاف الأزهار الصيفية ومياهُ النهر المتلألئة في احتفالٍ حيٍّ بالجمال والوفاء. وكان ما أشعرَهما بالراحة هو وصول الخطاب الذي كثيرًا ما طال انتظاره من أمريكا إلى لونجبورن، وتسلُّم إليزابيث نسخة منه هذا الصباحَ على يد كيتي. لم يكتب ويكهام سوى سردٍ مقتضَب، وأضافت إليه ليديا بضعةَ أسطُرٍ على عجَل. كانت استجابتهما تجاهَ العالم الجديد تنمُّ عن الحماسة. فكتب ويكهام بصفةٍ رئيسية عن الجياد الرائعة، وعن خططه هو والسيد كورنبندر على إنتاج جياد السباق، بينما كتبت ليديا أن ويليامزبيرج تُعدُّ متطورة في كافة المناحي والأشكال عن ميريتون المضجِرة، وأنها كوَّنت صداقاتٍ بالفعل مع بعض الضباط وزوجاتهم المتمركزين في حاميةٍ للجيش بالقرب من المدينة. وقد بدا من المحتمل أن ويكهام وجد أخيرًا مهنةً من المرجَّح كثيرًا أن يستمرَّ فيها؛ وفيما يتعلَّق بمسألةِ ما إذا كان قادرًا على الاحتفاظ بزوجته، كان آل دارسي يشعرون بالامتنان كثيرًا؛ نظرًا إلى أن ثلاثة آلاف ميلٍ من مياه المحيط تفصلهم عنها. قال دارسي: «كنت أُفكِّر في ويكهام وفي الرحلة التي واجهها هو وأختنا، وللمرة الأولى وبكل صدقٍ أتمنى له التوفيق. إنني واثقٌ من أن المحنة الكبيرة التي مرَّ بها قد تُؤدي حقًّا إلى الإصلاح الذي كان القسُّ كورنبندر واثقًا للغاية بشأنه، وأن العالم الجديد سيستمرُّ في تحقيق كافة آماله وأمانيه، لكنَّ الماضيَ جزءٌ لا يتجزَّأ من تكوين الشخص في الحاضر، وأمنيتي الوحيدة الآن هي ألا أراه مرةً أخرى أبدًا. إن محاولته لإغواء جورجيانا كانت شائنةً وبغيضة لدرجةِ أنني لا أستطيع أن أُفكِّر فيها أبدًا من دون أن أشعر بالمقت والاشمئزاز. لقد حاولتُ أن أُبعد الحادثةَ كلَّها عن ذهني وكأنها لم تحدث، وهي حيلةٌ كنت أعتقد أنها ستكون سهلةً لو أنني وجورجيانا لم نتحدَّث عنها فيما بيننا.» كانت إليزابيث صامتةً للحظات. لم يكن ويكهام شبحًا يُلقي بظلاله على سعادتهما، ولا يُمكن له أن يُخرِّب الثقة التامة التي كانت بينهما سواءٌ أتَحدَّثا بها أم لم يفعلا. إن لم يكن ذلك زواجًا سعيدًا لما أصبحَ للكلمات معنًى. كما أن صداقة ويكهام فيما مضى مع إليزابيث لم تذكر قط من قبل؛ وذلك بسبب دقة الأمر الذي كان كلاهما يشعر به، لكنهما كانا متفقَين على رأيهما فيما يتعلَّق بشخصية ويكهام وأسلوب حياته، وشاركَت إليزابيث زوجها عزْمَه على ألا يتمَّ استقبال ويكهام في بيمبرلي مرةً أخرى أبدًا. وباحترامها لدقة الأمرِ نفسِه لم تتحدَّث إليزابيث إلى دارسي قط عن هروب جورجيانا المقترَح، الأمر الذي رأى دارسي أنه كان خُطةً من ويكهام ليضعَ يده على ثروة جورجيانا، ولينتقم لنفسه على الإهانات التي كان يظن أنه تعرَّض لها في الماضي. كان قلب إليزابيث يمتلئ بالحب تجاه زوجها والثقةِ في حكمه وقرارِه بحيث لم تكن به مساحةٌ للانتقاد؛ ولم يكن بإمكانها أن تتخيَّل حتى أنها تصرفَت مع جورجيانا من دونِ تفكيرٍ أو اهتمام، لكن ربما حان الوقت لكي يواجهَ الأخُ وأختُه ماضيَهما، ويتحدَّثا عنه مهما كان قاسيًا. فقالت إليزابيث بنبرةٍ رقيقة: «هل ذاك الصمت بينك وجورجيانا قد يُعد خطأً يا عزيزي؟ علينا أن نتذكَّر أن شيئًا كارثيًّا لم يقع. فقد وصلتَ إلى رامزجيت في الوقت المناسب واعترفَت جورجيانا بكل شيء، وشعرَت هي بارتياحٍ كبير لفعل ذلك. إننا حتى لا نستطيع أن نتأكد من أنها كانت ستهرب معه في الواقع. ينبغي عليك أن تنظرَ إليها من دونِ أن تتذكَّر دومًا ما هو مؤلمٌ لكما. وأعرف أنها تتوق إلى أن تشعر بأنك سامحتَها.» فقال دارسي: «أنا مَن هو في حاجة إلى السماح. إن مقتل ديني جعلني أواجه مسئولياتي، ربما للمرة الأولى، ولم تكن جورجيانا وحدَها هي مَن أصابها الجرح من إهمالي وتقصيري. لم يكن ويكهام ليهربَ مع ليديا قط، ولم يكن ليتزوجها قط ويدخل عائلتكم إن كنتُ كبحتُ كبريائي، وأخبرتُ بحقيقته حين ظهر للمرة الأولى في ميريتون.» قالت إليزابيث: «لم يكن بمقدورك أن تفعل ذلك من دون أن تُفشي سرَّ جورجيانا.» «ربما كانت كلمةَ تحذيرٍ في الوقت المناسب لتؤدِّيَ الغرض. لكن السوء والإثم يمتد لما هو أبعدُ من ذلك في الماضي؛ إلى قراري بأن أبعد جورجيانا عن المدرسة وأن أضعَها في رعاية السيدة يونج. كيف لي أن أكون أعمى وغيرَ مكترثٍ ومهملًا بهذه الدرجة، تجاه أبسط الاحتياطات. ألستُ أنا أخاها، والرقيبَ عليها، والشخص الذي وثق والدي ووالدتي فيه ليرعاها ويبقيها في أمان؟ كانت في ذلك الوقت في الخامسةَ عشرة فقط من عمرها، ولم تكن سعيدةً في المدرسة. كانت تلك المدرسة عصرية ومكلِّفة، لكنها لم تكن تُقدِّم لها الحبَّ والرعاية، بل نمَت فيها الكبرياء وقيمُ عالم التأنُّق والعصرية، وليس التعليم النافع والمنطق السليم. كان من الصواب أن تُغادر جورجيانا تلك المدرسة، لكنها لم تكن مستعدَّة لذلك الوضعِ الذي أعدَدتُه لها. فهي مثلي تتَّسمُ بالخجل من المجتمع ولا تثق به؛ وقد رأيتِ ذلك بنفسكِ حين كنتِ مع السيد والسيدة جاردنر وكنت تتناولين المرطبات للمرة الأولى في بيمبرلي.» فقالت إليزابيث: «لقد رأيت أيضًا ما كنت أراه دائمًا، وهو الثقة والحب الذي كان موجودًا بينكما.» ثم استطرد دارسي وكأنها لم تتحدَّث. فقال: «وقد وضعتُها في ذلك الوضع — أولًا في لندن — ثم عاقبتُها بنقلها إلى رامزجيت! كانت في حاجةٍ إلى أن تبقى في بيمبرلي؛ كانت بيمبرلي هي موطنها. وكان بإمكاني أن أحضرها إلى هنا، وأن أجد لها امرأةً مناسبة لتكون رفيقتَها، وربما بحثتُ لها عن مربيةٍ لِتَزيدها علمًا، أهملت حتى توفيرَ القدر الضروري منه، وقد انشغلت حتى عن أن أكونَ بجوارها لأُقدم لها الحبَّ والدعم الذي يُقدِّمه الأخ. بدلًا من ذلك وضعتُها تحت رعايةِ امرأةٍ سأفكِّر فيها دومًا على أنها كانت تجسيدًا للشر، رغم أنها الآن ترقد ميتةً، وتتجاوز أيَّ مصالحة دنيوية. أنتِ لم تتحدَّثي عن هذا الأمر قط، لكن لا بد أنكِ تساءلت لماذا لم تظلَّ جورجيانا معي في بيمبرلي، وهو المنزل الوحيد الذي تَعدُّه هي موطنًا لها.» «أقرُّ بأنني كنت أتساءل بين الحين والآخر، لكن بعد أن قابلتُك وجورجيانا معًا لم أستطِع أن أصدِّق أنك تصرَّفت تجاهها بفعل أيِّ دافع آخرَ سوى سعادتها ورفاهها. أما عن رامزجيت، فربما أوصى الأطباءُ بأن تنتعش بهواء البحر. ربما أصبحت بيمبرلي مشبَعة جدًّا بالحزن بعد أن مات والداك فيها، وربما تسبَّبت مسئوليتك تجاه التركة في صعوبة تخصيص وقتٍ كبير لجورجيانا كما كنت ترغب. رأيت أنها كانت سعيدةً لكونها معك وكنت واثقة من أنك كنت تتصرَّف تجاهها دومًا كأخٍ محب لها.» هنا سكتت إليزابيث لحظةً، ثم استطردَت: «ماذا عن الكولونيل فيتزويليام؟ كان يُرافقك كوصيٍّ. وأعتقد أنكما قابلتما السيدة يونج معًا؟» «أجل، بالفعل. أرسلت عربة لتُحضرها إلى بيمبرلي من أجل لقائها ثم دعوناها بعد ذلك لتمكثَ على العشاء. وباستعراض ما حدث حينها، يمكنني أن أرى كيف تم التلاعبُ بسهولة بشابَّين سريعَي التأثُّر بها. لقد قدَّمَت نفسها كخيارٍ مثالي لمن يحصل على مسئولية فتاةٍ يافعة. وقد ظهرَت بذلك المظهر، وتحدثَت بالكلمات المناسبة، وادَّعَت بأنها ذاتُ حسب ونَسب، وأنها متعلِّمة وتكنُّ تعاطفًا تجاه اليافعين، وأنها تتمتَّع بأخلاقٍ لا تشوبها شائبةٌ وسلوكيات فوق مستوى الشبهات.» «ألم تذكر أحدًا ممَّن يشهدون لها بذلك؟» «كانت استشهاداتها مذهلة. كانوا بالطبع أشخاصًا مزيَّفين. وقبلناهم بصفةٍ أساسية لأنَّ مظهرها أغوانا، ولأنها بدَت مناسبةً ظاهريًّا للمهمة، وعلى الرغم من أننا كان ينبغي علينا أن نُراسل أرباب عملها السابقين، إلا أننا أهملنا فعل ذلك. لم نتواصل سوى مع شخصٍ واحدٍ ممن استشهدت به وقد برهنت الشهادة التي تلقَّيناها فيما بعد أنه كان من معارف السيدة يونج، وأنه كان مزيفًا كطلبها الأصلي. أعتقد أن فيتزويليام أرسل الخطاب، وأنه ظنَّ أن الأمر كان متروكًا لي وأتقبَّل أنا أن الأمر كان مسئوليتي؛ فقد استُدعي للعودة إلى الفوج العسكري، وكان مشغولًا بأشياءَ أكثرَ إلحاحًا. إنني أنا مَن ينبغي عليه أن يحمل عبء الذنب. لا يُمكنني أن ألتمس العذر لأيٍّ منا، لكنني التمست الأعذار لنا حينها.» فقالت إليزابيث: «كان ذلك التزامًا شاقًّا على شابَّين مثلِكما لم يكونا متزوجَين، حتى ولو كان أحدهما أخًا. ألم يكن هناك أيُّ قريبة أو صديقة مقرَّبة للعائلة كان بمقدور الليدي آن أن تشركها كوصيةٍ على جورجيانا؟» «تلك كانت المشكلة. كان الخيار البديهي حينها هي الليدي كاثرين دي بيرج، وهي الأخت الكبرى لأمي. ولو اختارت أمي أحدًا غيرها لدبَّ شِقاقٌ سيدومُ طويلًا بينهما. لكنهما لم تكونا مقرَّبتَين قط، وكانت تصرفاتهما مختلفةً تمامًا. كانت أمي تُعدُّ في العموم متزمِّتةً في آرائها ومشبَّعةً بكبرياءِ طبقتها الاجتماعية، لكنها كانت الأطيبَ والألطف تجاه مَن هم في حاجةٍ أو ورطة، وكان حكمها لا يُخطئ أبدًا. وأنتِ تعرفين كيف هي الليدي كاثرين، أو بالأحرى كيف كانت. إن طيبتك الكبيرةَ معها بعد الفاجعة التي أصابتها هي ما بدأ يُلين قلبها تجاهك.» قالت إليزابيث: «لا أستطيع أبدًا أن أُفكِّر في مآخذ الليدي كاثرين من دون أن أتذكَّر أنَّ زيارتها إلى لونجبورن، وإصرارَها على معرفةِ ما إن كانت هناك خِطبةٌ بيننا، وإصرارَها على منع ذلك إن كانت هناك خِطبة هو في الواقع ما قرَّبَنا بعضنا من بعض.» قال دارسي: «حين سردَت كيف أجبتِ على تدخُّلها، عرَفت أن هناك أملًا. لكنكِ كنتِ امرأةً بالغة؛ امرأةً تحمل الكثير من الكبرياء بما لا يسمح أن تتغاضى عن غطرسة الليدي كاثرين. كانت الليدي كاثرين ستكون وصيةً كارثية على فتاةٍ في الخامسةَ عشرة من عمرها. وكانت جورجيانا دائمًا ما تحمل في نفسها شيئًا من الخوف تجاهها. وكنا دائمًا ما نتلقَّى الدعوات في بيمبرلي التي مفادها أنه يتعيَّن على أختي أن تزور روزينجز. وكان اقتراح الليدي كاثرين أن تُشارك أختي ابنةَ خالتها في مربيةٍ لهما وأن تنشآ معًا كأختَين.» «ربما بنيَّة أن تُصبحا أختَين. فقد أوضحت لي الليدي كاثرين أنك كنت مقدِّرًا لابنتها.» «كانت هي مَن قدَّرَت ذلك، وليس أمي؛ وكان ذلك سببًا إضافيًّا لعدم اختيار الليدي كاثرين كواحدةٍ من الأوصياء على جورجيانا. لكنني على الرغم من أنني آسى على تدخُّلِ خالتي في حياة الآخرين، فإنها كانت ستُصبح أكثرَ مسئوليةً مما كنت. ولم تكن السيدة يونج لتؤثِّر عليها. لقد خاطرت بسعادة جورجيانا، وربما بحياتها، حين وضعَتها تحت وصاية تلك المرأة. كانت السيدة يونج تعرف منذ البداية ما تريد، وكان ويكهام جزءًا من الخطة منذ اليوم الأول. لقد انشغل بمعرفةِ كلِّ ما يحدث في بيمبرلي، وأخبرَها أننا كنا نبحث عن رفيقةٍ لجورجيانا، ولم تُضيِّع هي وقتًا في التقدُّم للوظيفة. وبقدرة ويكهام القوية في أسْرِ النساء وإيقاعهن، عرَفَت السيدة يونج أن أفضل فرصة له ليحصل على نمط الحياة الذي شعر بأنه يستحقه هو الزواج من امرأةٍ ثريَّة، وقد وقع اختياره على جورجيانا لتكونَ ضحيته.» «إذن أنت تظن أن تلك كانت خطةً شائنةً من جانبهما منذ اللحظة الأولى التي التقيتُما فيها؟» «بلا أدنى شك. لقد خطَّطَت هي وويكهام إلى فِرارهما منذ البداية. وقد اعترف هو بذلك حين كنا في شارع جريستشرش.» جلس دارسي وإليزابيث بعضَ الوقت صامتَين، وكانا يُحدِّقان إلى حيث كان تيار الماء يدور ويلتفُّ على الأحجار المسطَّحة على النهر. ثم نبَّه دارسي نفسه. وقال: «لكن هناك المزيد وينبغي أن أتفوَّه به. كيف لي أن أكون غيرَ عابئٍ ومتغطرسًا بهذه الدرجة، بحيث أرغب في التفريق بين بينجلي وجين؟ لو أنني كلَّفتُ نفسي الحديثَ معها ومحاولةَ معرفة مدى طيبتها ورقَّتها، لأدركتُ أن بينجلي سيكون رجلًا محظوظًا إن استطاع الفوزَ بحبها. أعتقد أنني كنت أخشى أنني سأجد صعوبة كبيرة في التغلُّب على حبي لكِ إن تزوج بينجلي وأختُكِ، وقد كان حبي لكِ شغفًا أصبح حاجةً ملحَّة، لكنها كانت حاجةً أقنعتُ نفسي بأنني لا بد أن أتغلَّب عليها. وبفعل الظلال التي ألقتها حياةُ جَدي الأكبر على العائلة تعلَّمتُ منذ نعومة أظفاري أن الممتلكاتِ العظيمةَ تأتي بمسئولياتٍ عظيمة، وأن مسئولية رعاية بيمبرلي والكثيرين الذين تعتمد حياتُهم وسعادتهم عليها ستقعُ على عاتقي. وتعلمتُ أيضًا أن الرغبات الشخصيةَ والسعادة الفردية تأتيان دومًا في المرتبة الثانية بعد هذه المسئولية التي تكاد تكون مقدَّسة. كانت القناعة بأن ما أفعل كان خطأً هي ما أدَّت إلى ذلك العرض الأول الشائن، وحتى ذلك الخطاب الذي تبِعه والذي أردتُ أن أُبرِّر به جزءًا على الأقلِّ من سلوكي. لقد تقدَّمتُ للزواج منك عامدًا بكلماتٍ لا يمكن لأيِّ امرأةٍ تحبُّ عائلتها أو تحترمُها أو تتحلَّى بأي كبرياء أو احترام؛ أن تَقْبل بها، وبرفضكِ القاسي وخطابي الذي كنت أُبرِّر فيه لنفسي اقتنعتُ أن كل أفكاري تجاهك قد قُتِلت ودُفنت إلى الأبد. لكن هذا لم يحدث. فبعد أن افترقنا كنتِ لا تزالين تَشغَلين بالي وتملِكين قلبي، وحين كنتِ أنت وعمُّكِ وعمتُكِ تزورون ديربيشاير وحين التقينا صدفةً في بيمبرلي عرَفتُ بكل تأكيد أنني لا أزال أُحبك، وأنني لن أتوقَّف عن حبك أبدًا. حينها بدأتُ أُظهِر لكِ — من دون أن يحدوَني الكثير من الأمل — أنني تغيرت وأنني أصبحت الرجلَ الذي قد تظنين أنه يستحق أن يكون زوجًا لك. كنتُ كطفلٍ صغير يتباهى بألعابه ويئس من الفوز بالاستحسان.» وبعد أن توقَّف برهةً أكمل حديثه قائلًا: «إن فجائية التغيير النابع من ذلك الخطاب الشائن الذي سلَّمته إليك في روزينجز، والغطرسة والغضب غيرَ المبرَّر، والكبرياء والإهانة التي أهنتِ بها أسرتَك، كل هذا متبوعًا بعد وقتٍ قصيرٍ بترحيبي بالسيد والسيدة جادرنر في بيمبرلي — ورغبتي في إصلاح الوضع، والتكفير عن ذنبي وكسب احترامك بطريقةٍ ما، بل وحتى أملي فيما هو أبعدُ من ذلك، كان مُلحًّا كثيرًا بحيث لم يكبح التعقُّلُ والحذرُ جِماحَه. لكن كيف لكِ أن تُصدقي أنني تغيَّرت؟ كيف يمكن لأي كائنٍ عاقل أن يُصدِّق ذلك؟ لا بد أن السيد والسيدة جاردنر حتى قد عرَفا بسمعتي أنني أتسمُ بالغطرسة والكبرياء، وأنهما ذُهِلا من تغيُّري. وسلوكي تجاه الآنسة بينجلي، لا بد أنكِ وجدتِ ذلك مستهجنًا. لقد رأيتِ ذلك حين أتيت إلى نيذرفيلد لزيارة جين حين كانت مريضة. لماذا أعطيت كارولين بينجلي أملًا بأن زرتِ العائلة كثيرًا، رغم أنني لم أكن أنتوي أيَّ شيء تجاهها؟ لا بد أن فظاظتي معها كانت مُهينةً لها في بعض الأحيان. ولا بد أن بينجلي كان يَعْقد آمالًا على وجود تحالفٍ بيننا، ذلك الصديق العزيز. بالنسبة إليَّ، لم يكن سلوكَ صديق أو رجل نبيل تجاه أيٍّ منهما. الحقيقة أنني كنتُ مشمئزًّا من نفسي كثيرًا، حتى إنني لم أعُد مناسبًا للعيش في مجتمعٍ آدمي.» قالت إليزابيث: «لا أظن أن كارولين بينجلي تشعر بالإهانة بسهولةٍ حين تسعى وراء غرضٍ ما، لكن إذا كنت مصرًّا على الاعتقاد أن خيبة أملِ بينجلي من خَسارته لتحالفٍ أوثق تفوقُ عاقبةَ الزواج من أخته، فلن أُحاول أن أُحرِّرك من هذا الوهم. لا يمكن أن تكون متهَمًا بخداع أيٍّ منهما، فلم يكن هناك شكٌّ قط حول مشاعرك. وأما عن التغيير في سلوكك تجاهي، فلا بد أن تتذكَّر أنني كنتُ أعرفك وأقعُ في الحب. وربما صدَّقتُ أنك تغيرتَ لأنني كنت في حاجةٍ إلى أن أُصدِّق ذلك من كل قلبي. وإن كان التفكير المنطقي هو ما هداني إلى ذلك، ألم تَثبُت صحة تفكيري؟» «أوه يا عزيزتي، أنت محقة تمامًا.» واستطردَت إليزابيث: «لديَّ الكثير لأندم عليه كما لديك، وكان لخطابك مَيزة، وهي أنه جعَلني أُفكِّر للمرة الأولى في أنني ربما أكون مخطئةً بشأن جورج ويكهام؛ فكيف من غير المرجَّح أن الرجل النبيل الذي اختاره السيد بينجلي ليكون صديقه المقرَّب قد تصرَّف بالطريقة التي وصفها السيد ويكهام، وكان مراوغًا فيما يتعلَّق بآمال والده، ولا يُحركه سوى الحقد. إن الخطاب الذي تكرهه بهذه الدرجة كانت له فائدةٌ واحدة على الأقل.» فقال دارسي: «كانت تلك العباراتُ عن ويكهام هي الكلماتِ الوحيدةَ الصادقةَ في الخطاب برُمَّته. من غريبٍ أنني كتبت الكثيرَ عامدًا إلى الإساءة إليكِ وإهانتك، ولكنني لم أتحمَّل فكرةَ أن تنظري إليَّ على أنني الرجل الذي وصفه لكِ ويكهام، رغم أننا كنا مفترقَين.» اقتربَت إليزابيث منه أكثرَ وجلسا في صمتٍ مدةَ لحظات. ثم قالت: «لقد تغيَّرنا الآن عمَّا كنا عليه حينها. دعنا لا ننظر إلى الماضي إلا لنستقيَ منه البهجة، ولننظر إلى المستقبل بكلِّ ثقة وأمل.» فقال دارسي: «كنت أُفكِّر في أمر المستقبل. أعرف أنه من الصعب أن تقتلعيني من بيمبرلي، لكن ألن يكون من المبهج أن نعود إلى إيطاليا ونُعيد زيارة الأماكن التي قضينا فيها رحلةَ زفافنا؟ يمكننا أن نسافر في نوفمبر ونتجنَّب الشتاء الإنجليزي. ولن نقضيَ وقتًا طويلًا في الخارج إن كنتِ لا تُحبين أن تتركي الأولاد.» هنا ابتسمت إليزابيث. «سيكون الأطفالُ في أمانٍ في رعاية جين، أنت تعرف كم تحب هي أن تعتنيَ بهم. والعودة إلى إيطاليا ستكون سارةً كثيرًا، لكن ينبغي علينا أن نُؤجِّلَها. كنتُ على وشك أن أخبرك بخُططي لشهر نوفمبر القادم. في وقتٍ مبكِّر من ذلك الشهر، آمُل أن أحمل ابنتنا على ذراعي يا عزيزي.» لم يستطِع دارسي أن يتحدَّث، لكنَّ فرحته التي غمرَت وجهه وتسببَت في ترقرُقِ عينَيه بدمعة، وكذلك قبضته القوية على يدها كانتا كافيتَين. وحين استجمع شتات صوته قال: «هل أنتِ بخير؟ ينبغي أن أُغطيَكِ بشال. هل سيكون من الأفضل لو عُدنا إلى المنزل لتستريحي. هل كان ينبغي أن تكوني جالسة هنا؟» فضحكت إليزابيث. «إنني على ما يُرام؛ ألست كذلك دومًا؟ وهذا هو أفضلُ مكانٍ أخبرك فيه بهذا الخبر. أنت تذكر أن هذا هو المقعد الذي كانت الليدي آن تستريح فيه حين كانت تنتظر قدومَك. لا يمكنني بالطبع أن أعدك بفتاة. فهناك شعورٌ يُراودني بأنني سأكون أمًّا للأولاد فقط، لكن إن كان المولود ولدًا فسنجد له مكانًا.» «سنفعل يا حبيبتي، في غرفة الحضَّانة وفي قلوبنا.» وأثناء الصمت الذي تلا ذلك رأيا جورجيانا وألفيستون ينزلان عن السُّلَّم من منزل بيمبرلي نحو المرج الأخضر بجوار النهر. فقال دارسي بحدةٍ هَزْلية: «ما هذا الذي أرى أيتها السيدة دارسي؟ أختنا والسيد ألفيستون يسيران يدًا في يدٍ وعلى مرأًى من نوافذ بيمبرلي كلِّها؟ أليس هذا بصادمٍ؟ ماذا يمكن أن يعنيَ هذا؟» «أترك لك تحديد هذا يا سيد دارسي.» «لا يمكنني أن أستنتجَ سوى أن ألفيستون يريد أن يُخبرنا بشيء، أو أنه يريد أن يطلب مني شيئًا ربما.» «ليس ليطلب منك يا حبيبي. ينبغي أن نتذكَّر أن جورجيانا لم تَعُد خاضعةً لوصايتك. سيكون كل شيء على ما يُرام بينهما، وقد أتيا ليس ليطلبا شيئًا وإنما ليُخبراك. لكنَّ هناك شيئًا واحدًا يحتاجان إليه ويأمُلان فيه، وهي مباركتك.» «سيحصلان على مباركتي من كل قلبي. لا يُمكنني أن أفكِّر في رجلٍ آخرَ أفضلَ منه لأُطلق عليه أخًا. وسأتحدَّث مع جورجيانا هذا المساء. لن يكون هناك المزيدُ من الصمت بيننا.» ثم قاما معًا من على المقعد، ووقفا يُراقبان بينما يتقدَّم ألفيستون وجورجيانا نحوهما مسرِعَين عبر العُشب اللامع، وقد تعالت أصواتُ ضحكاتهما فوق موسيقى تيار الماء، وكان كلٌّ منهما لا يزال ممسكًا بيد الآخر. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الأول تقدَّمت إليزابيث بصورةٍ غريزيَّة لمساعدتهم، لكنَّ ليديا دفعت بها جانبًا بقوةٍ مذهلة وصاحت قائلةً: «ليس أنتِ، ليس أنتِ.» تولَّت جين الأمر، فجثَت بجوار الكرسيِّ وأمسكت بكلتا يدَي ليديا في يديها، وراحت تُغمغم لها بكلماتٍ مطمئنةٍ متعاطفة، في حين وقف بينجلي عاجزًا بفعلِ شعورِه بالفاجعة. والآن تحوَّلت دموع ليديا إلى شهقاتٍ غيرِ طبيعية وكأنها تُكافح من أجل أن تلتقط أنفاسها، وكان الصوتُ الذي تُصدره مزعجًا ويكاد يكون غيرَ بشري. كان ستاوتن قد ترك الباب الأماميَّ مواربًا قليلًا. وبدا السائق الواقف بجوار الجياد مصدومًا كثيرًا بحيث لا يستطيع التحرُّكَ، وراح ألفيستون وستاوتن يجرَّان صندوق ليديا من العربة، وحملاه إلى داخل الرَّدهة. التفتَ ستاوتن إلى دارسي وقال: «ماذا عن الحقيبتَين الأُخريَين يا سيدي؟» «اترُكْهما في العربة. من المؤكد أن السيد ويكهام والكابتن ديني سيُسافران بهما حين نجدهما؛ لذا فليس هناك ما يدعو إلى تركِهما هنا. أحضِرْ ويلكسون يا ستاوتن. أيقظه إن كان نائمًا. واطلب منه أن يُحضِر الدكتور ماكفي. ومن الأفضل له أن يأخذ العربة؛ لا أريد أن يمتطيَ الطبيبُ صهوة الحصان وسط هذه الرياح. أخبره أن يُبلغ الدكتور ماكفي تحياتي وأن يشرح له أن السيدة ويكهام هنا في بيمبرلي، وأنها في حاجةٍ إلى رعايته.» بعد أن ترك دارسي السيدات ليتعامَلْن مع ليديا، تحرَّك مسرعًا إلى حيث كان سائقُ العربة يقف عند رءوس الجياد. كان السائق يُحدِّق إلى الباب في قلق، لكن عندما أتى إليه دارسي اعتدل في وقفته ووقف منتبهًا. كان ارتياحه لرؤية سيد المنزل يكاد يكون واضحًا تمامًا عليه. لقد فعل ما بوُسعه في حالةٍ طارئة، والآن عادت الحياة إلى طبيعتها وكان يقوم بعمله، فوقف إلى جوار الجياد منتظرًا الأوامر. قال دارسي: «مَن أنت؟ هل أعرفُك؟» «أنا جورج برات يا سيدي، من حانة جرين مان.» «بالطبع. أنت سائق السيد بيجوت. أخبرني بما حدثَ في الغابة. ليكُنْ حديثك واضحًا وموجزًا، لكنني أريد أن أعرف القصة كاملة، وبسرعة.» كان مِن الواضح أن برات يتوق لأن يقصَّ القصة فبدأ مباشرة بالتحدُّث بسرعة. «أتى السيد ويكهام وزوجته والكابتن ديني إلى الفندق، لكنني لم أكن هناك حين وصلوا. وعند الساعة الثامنة من هذا المساء أو ما يُقارب ذلك أخبرني السيد بيجوت أنني سأُقل السيد والسيدة ويكهام والكابتن إلى بيمبرلي، حين تُصبح السيدة جاهزة للتحرُّك، وسأتبع في ذلك الطريق الخلفي عبر الغابة. وكنتُ سأترك السيدة ويكهام عند المنزل لكي تحضرَ الحفل، أو هكذا أخبرَت هي السيدة بيجوت في وقتٍ مبكر. وبعد ذلك كانت أوامري تقتضي بأن أُقِلَّ السيدَين إلى كينجز آرمز في لامتون ثم أعودَ بالعربة إلى الفندق. وقد سمعت السيدة ويكهام تقول للسيدة بيجوت إن السيدين سيُسافران إلى لندن في اليوم التالي، وإن السيد ويكهام كان يأمُل في الحصول على وظيفة.» «وأين السيد ويكهام والكابتن ديني؟» «لا أعرف بالتحديد يا سيدي. فحين وصلنا إلى قرابة نصفِ الطريق عبر الغابة، طرَقَ الكابتن ديني على العربة لكي أتوقَّفَ ثم خرج منها. وصاح بشيء من قبيل «لقد ضقتُ ذرعًا من هذا الأمر ومنك. لن أشارك في ذلك.» ثم هُرع إلى داخل الغابة. ثم ذهب السيد ويكهام على إثره، وكان يصيح به أن يعود وألَّا يكون غبيًّا، وراحت السيدة ويكهام تصرخ فيه ألَّا يتركها، وكانت على وشك أن تتبعَه، لكن وبعد أن نزلَت من العربة فكَّرَت في الأمر مرةً أخرى ثم عادت إلى العربة. كانت تصرخُ بشكلٍ مريع مما أصاب الجيادَ بالاضطراب، ولم أتمكَّن من السيطرة عليهم، ثم سمعنا صوت طلقات النار بعد ذلك.» «كم كان عددها؟» «لا يُمكنني تحديد ذلك يا سيدي، حيث كانت الأجواء مضطربةً بسبب هروب الكابتن واتِّباع السيد ويكهام له وصراخ السيدة، لكنني متأكدٌ من أنني سمعت صوتَ طلقةٍ واحدة يا سيدي، وربما سمعت طلقةً أو اثنتين بعدها.» «كم المدة التي سمعتَ بعدها الطلقات بعد أن غادر السيدان؟» «قد تكون ١٥ دقيقةً يا سيدي، أو ربما أكثر. أعرف أننا وقفنا هناك مدةً طويلة جدًّا في انتظار عودة السيدَين. لكنني متأكدٌ من أنني سمعت الطلقات. حينها بدأَت السيدة ويكهام تصرخ بأننا سنُقتَل جميعًا وأمرَتني أن أقود العربة بسرعةٍ إلى بيمبرلي. وقد بدا أن هذا هو أفضل شيء أقومُ به يا سيدي، حيث إن السيدين لم يكونا موجودَين ليُعطياني الأوامر. كنت أعتقد أن السيدين ضلَّا طريقهما في الغابة ولكنني لم أستطِع الذَّهاب للبحث عنهما يا سيدي، ليس والسيدة ويكهام تصرخ بأنَّ جريمةَ قتلٍ وقعت والجيادُ ليست في حالة جيدة.» «لا، بالطبع لم يكن ذلك صحيحًا. هل كانت الطلقاتُ قريبة؟» «قريبة بما يكفي يا سيدي. أعتقد بأن أحدهم كان يُطلق النار من على مسافة ١٠٠ ياردة ربما.» «حسنٌ. إذن، سأحتاج منك إلى أن تأخذ مجموعةً منا وتعودَ إلى حيث دلفَ السيدان إلى الغابة وسنذهب للبحث عنهما.» كان من الواضح أن برات لا يُرحِّب بهذه الخطة كثيرًا حتى إنه تجرَّأ على الاعتراض. «كان من المفترض أن أذهب إلى كينجز آرمز في لامتون يا سيدي، ثم أعودَ إلى جرين مان. كانت تلك هي الأوامرَ التي تلقَّيتُها بوضوحٍ يا سيدي. كما أن الجياد ستكون خائفة كثيرًا من العودة إلى الغابة.» «من الواضح أن الذَّهاب إلى لامتون ليس له جدوى من دون السيد ويكهام والكابتن ديني. ومن الآن فصاعدًا ستأخذ أوامرَك مني. وستكون هذه الأوامر واضحةً للغاية. وظيفتك هي السيطرةُ على الجياد. انتظرني هنا، وحافِظ على هدوئها. وسأُسوِّي الأمورَ فيما بعدُ مع السيد بيجوت. إنك إن اتبعتَ أوامري فلن تُواجه أيَّ متاعب.» وفي داخل منزل بيمبرلي، التفتت إليزابيث إلى السيدة رينولدز وتحدثَت إليها بصوتٍ خفيض. «نحن في حاجةٍ إلى أن نودع السيدة ويكهام إلى الفراش. فهل هناك فراشٌ جاهز في غرفة الضيوف الجنوبية في الطابق الثاني؟» «أجل يا سيدتي، وقد أُشعِلت النار فيها بالفعل. إننا دائمًا ما نُعد هذه الغرفة إضافةً إلى اثنتَين أُخريَين لحفل الليدي آن تحسُّبًا لمواجهة ليلة أخرى من ليالي شهر أكتوبر كالتي واجهناها في عام ٩٧ حين كان سُمك الجليد أربعة إنشات، وكان بعض الضيوف الذين قطَعوا مسافةً طويلة غيرَ قادرين على العودة إلى منازلهم. فهل سنأخذ السيدة ويكهام إلى تلك الغرفة؟» قالت إليزابيث: «أجل، سيكون هذا هو الأفضل، لكن لا يُمكننا أن نتركها وحيدةً في حالتها تلك. سيتحتَّم على أحدهم أن ينام في الغرفةِ نفسِها.» قالت السيدة رينولدز: «هناك أريكةٌ وثيرةٌ وفِراش في غرفة تبديل الملابس المجاورة يا سيدتي. يُمكنني أن آمر بنقل الأريكة مع الأغطية والوسائد. وأتوقَّع أن بيلتون لا تزال مستيقظةً في انتظارك. لا بد أنها علمت أنَّ هناك خطْبًا ما ولكنها كَتومة تمامًا. وأقترح في الوقت الراهن أن نتناوبَ أنا وهي على النوم على الأريكة في غرفة السيدة ويكهام.» قالت إليزابيث: «ينبغي أن تحصلي أنتِ وبيلتون هذه الليلةَ على قسطٍ كافٍ من النوم. سنتمكن أنا والسيدة بينجلي من تدبير ذلك.» وبعد أن عاد دارسي إلى الرَّدهة، رأى أن بينجلي وجين قد رافقا ليديا على السُّلم، وكانت السيدة رينولدز تتقدَّمهم. كان صياح ليديا قد خَفَت إلى درجة النحيب الهادئ، لكنها سحبَت نفسَها بقوةٍ من بين ذراعَي جين التي تستند إليهما، ثم استدارت وحدَّقَت إلى دارسي بنظراتٍ غاضبة. «لِمَ ما زلتَ هنا؟ لماذا لا تذهب للبحث عنه؟ لقد سمعتُ الطلقات. يا إلهي — يمكن أن يكون مصابًا أو قتيلًا. اذهب بحق السماء!» قال دارسي في هدوء: «نحن نستعدُّ لذلك الآن. وسأنقل لكِ الأخبارَ حين نطَّلعُ على شيء. وليس هناك حاجةٌ إلى توقُّع الأسوأ. قد يكون السيد ويكهام والكابتن ديني في طريقهما إلى هنا بالفعل سيرًا على الأقدام. والآن حاولي أن تحصلي على قسطٍ من الراحة.» وبعد أن غمغم بينجلي وجين إلى ليديا بحديثٍ مطمئن، تمكَّنا في النهاية من الوصول بها إلى الطابق العلوي، ثم غابا عن الأنظار في الرِّواق خلف السيدة رينولدز. قالت إليزابيث: «أخشى أن تمرضَ ليديا. نحن في حاجةٍ إلى الدكتور ماكفي؛ حيث يمكن أن يُعطيها شيئًا لتهدئتها.» «لقد أمرتُ بالفعل أن تذهب العربة لإحضاره، والآن ينبغي علينا أن نذهب إلى الغابة للبحث عن ويكهام وديني. هل كانت ليديا قادرةً على إخباركِ بما حدث؟» «لقد تمكنتُ من السيطرة على صياحها بما يكفي لتقولَ الوقائعَ الرئيسية، وتأمر بأن يتمَّ إحضار حقيبتها وفتحُها. أعتقد أنها لا تزال تتوقَّع أن تحضر الحفل.» بدا لدارسي أن رَدهة المدخل الكبيرة لمنزل بيمبرلي — بأثاثها الأنيق ودَرَجِها الجميل المتقوِّس صعودًا حتى الرِّواق العلوي، وصور العائلة — قد أصبحَت فجأةً غريبةً عليه وكأنه يدخلها للمرة الأولى. لقد تبدَّل فيها النظام الطبيعي لتلك الأشياء، الذي يتذكره منذ طفولته، وشعرَ لوهلةٍ بأنه عاجز وكأنه لم يَعُد سيدَ منزله، وكان ذلك شعورًا سخيفًا وجد ترويحًا عنه في انزعاجه من التفاصيل. لم تكن وظيفةُ ستاوتن ولا ألفيستون أن يحملا الحقائبَ، وكان ويلكونسن — بفعل تقليدٍ طويل — هو العضوَ الوحيدَ في الخَدَم الذي يأخذ أوامره مباشرةً من سيده — وذلك بصرف النظر عن ستاوتن. لكن على الأقل كان هناك شيءٌ يحدث. حُمِلت حقائبُ ليديا إلى الداخل، وستذهب الآن عربة منزل بيمبرلي لتُحضر الدكتور ماكفي. وبصورةٍ غريزية تحرَّك دارسي نحوَ زوجته وأمسك بيدِها. كانت يدُها باردة كالثلج، لكنه شعر بها تُطمئنه وتشدُّ على يده فشعر بشيء من الارتياح. كان بينجلي قد نزل على الدَّرَج في تلك اللحظة، وانضمَّ إليه ألفيستون وستاوتن. قصَّ دارسي في إيجازٍ ما عرَفه من برات، لكن كان من الواضح أن ليديا تمكَّنَت من الإفصاح بصعوبةٍ عن جانبها من القصة — وذلك بالرغم من انزعاجها وحزنها. قال دارسي: «نحن في حاجةٍ إلى برات ليُشير إلى المكان الذي ترك فيه ويكهام وديني العربة؛ لذا فإننا سنأخذ عربة بيجوت. من الأفضل أن تمكث أنت هنا يا تشارلز مع السيدات، ويمكن لستاوتن أن يحرسَ الباب. وإن كنتَ ستُشارك في هذا الأمر يا ألفيستون، فسنتدبَّر الأمر فيما بيننا.» قال ألفيستون: «دَعْني أساعدك يا سيدي، بأي طريقة يُمكنني بها ذلك.» التفت دارسي إلى ستاوتن وقال: «قد نكون في حاجةٍ إلى نقَّالة. ألا توجد واحدةٌ في الغرفة المجاورة لغرفة السلاح؟» «بلى يا سيدي، تلك التي استخدمناها حين كُسِرت ساق اللورد إنستون أثناء الصيد.» «هلا تحضرها إذن. وسنحتاج إلى أغطيةٍ وبعض شراب البراندي وبعض الماء والمصابيح.» قال ألفيستون: «يُمكنني أن أساعد في إحضار تلك الأشياء.» وفي الحال انطلق كِلا الرجلَين. بدا لدارسي أنهم قد ضيَّعوا الكثير من الوقت في الحديث وإعداد الترتيبات، لكنه حين نظر في ساعته وجد أن ١٥ دقيقةً فقط مرَّت منذ وصولِ ليديا الدراميِّ. وفي تلك اللحظة سمع دارسي صوتَ حوافر، وحين التفتَ رأى فارسًا يركض بجواده على المَرْج عند حافة النهر. لقد عاد الكولونيل فيتزويليام. وقبل أن يتمكَّن من النزول عن صهوة جواده، أتى ستاوتن من عند زاوية المنزل وهو يحمل النقالة على كتفه وتبعه ألفيستون وأحد الخَدَم، وكانوا يحملون تحتَ أذرُعِهم أغطيةً مطويَّة وزجاجات البراندي والماء وثلاثة مصابيح. توجَّه دارسي نحو الكولونيل وأطلعَه سريعًا على موجزٍ لما حدث، وما كانوا يَنْتوون القيامَ به. استمع فيتزويليام في صمت، ثم قال: «أنتم على وشْك الركوب في حملةٍ كبيرةٍ إلى حدٍّ بعيد من أجل إرضاءِ امرأةٍ مضطربة. ويؤسفني أن أقولَ إن أولئك الحمقى ضلُّوا الطريق في الغابة، أو إن أحدهم تعثَّر في جذر شجرة وآذى كاحِلَه. وربما كانا الآن يعرجان في طريقهما إلى بيمبرلي أو إلى كينجز آرمز، لكن إن كان السائق قد سمِع الطلقاتِ أيضًا فمن الأفضل أن نذهب مسلَّحين. سأُحضر مسدَّسي وأنضمُّ إليكم في العربة. وإن كنتم في حاجة إلى النقالة فيُمكنكم أن تستفيدوا من رجلٍ إضافي، فالجواد سيكون عبئًا إذا ما اضطُرِرنا إلى الدخول إلى أعماق الغابة، وهو أمرٌ مرجَّح كثيرًا. وسأحضر بوصلة الجيب الخاصةَ بي. مسألة أن يضلَّ رجلان طريقهما في الغابة أمرٌ ينم عن الحماقة، أما أن يضلَّ خمسةٌ من الرجال طريقهم فهذا أمرٌ مثير للسخرية.» ثم امتطى صهوةَ جواده وهرولَ نحو الإسطبل. لم يُقدِّم الكولونيل أيَّ تبرير لغيابه، ولم يُفكِّر دارسي في هذا الأمر لكونه كان مشغولًا بصدمةِ ما وقع من أحداث. وفكَّر دارسي أن عودة الكولونيل لم تكن في محلِّها أيًّا كان المكان الذي كان فيه، وهذا إذا ما كان سيُعطِّل المهمة أو سيُطالب بمعرفةِ معلومات أو تفسيرات لا يمكن لأي أحدٍ أن يُقدِّمها له الآن، لكن كان صحيحًا أنَّ بإمكانهم الاستفادةَ من رجلٍ إضافي. فسيمكث بينجلي في المنزل ليعتنيَ بالسيدات، وبإمكان دارسي الاعتمادُ على ستاوتن والسيدة رينولدز — كالعادة — في ضمان أنَّ كل الأبواب والنوافذ قد غُلِّقَت وفي التعامل مع الخَدَم الفضوليِّين. لكنهم لم يتأخروا كثيرًا. فقد عاد قريبه بعد بضعِ دقائق ثم قام هو وألفيستون بربط النقالة إلى العربة، ثم ركب الرجالُ الثلاثةُ وامتطى برات صهوةَ الحصان الأول. حينها ظهرت إليزابيث وهُرِعت نحو العربة. «لقد نسينا بيدويل. إن كان هناك أيُّ مشكلة قد وقعَت في الغابة، فينبغي أن يكون مع أسرته. ربما كان هناك بالفعل. أتعرف إن كان قد غادر بعدُ ليتوجَّه إلى منزله يا ستاوتن؟» «لا يا سيدتي. إنه لا يزال يُلمِّع الفِضة. لم يكن يتوقَّع أن يذهب إلى منزله حتى يومِ الأحد. وبعض الخَدَم الداخليِّين لا يزالون يعملون يا سيدتي.» وقبل أن تتمكَّن إليزابيث من الرد عليه، خرج الكولونيل بسرعةٍ من العربة وهو يقول: «سأُحضره. أعرف أين سيكون — في غرفة كبير الخَدَم.» ثم اختفى. وحين رمقت إليزابيث وجه زوجها، رأَت أنه كان عابسًا وعرَفَت أنه كان يُشاطرها الاندهاش. والآن وبعد أن عاد الكولونيل كان من الواضح أنه كان عازمًا على تولِّي زِمام السيطرة على المهمة من جميع جوانبها، لكنها أخبرَت نفسها أن هذا الأمر ربما لم يكن باعثًا على الدهشة؛ فهو في نهاية المطاف معتادٌ على الاضطلاع بأدوار القيادة والسيطرةِ في أوقات الأزمات. وعاد الكولونيل سريعًا لكن مِن دون بيدويل، وقال: «كان مستاءً للغاية من أن يتركَ عمله غيرَ منتهٍ فلم أستطِع أن أضغطَ عليه. وكعادة ستاوتن في الليلة السابقة للحفل، فقد رتَّب له مكانًا ليبيتَ فيه ليلتَه. سيكون بيدويل مشغولًا في العمل طوال يومِ غد، ولن تتوقَّع زوجتُه أن تراه قبل يوم الأحد. لقد أخبرته أننا سنطمئنُّ أن الأمور تسير على ما يُرام في الكوخ. آمُل أنني لم أتخطَّ حدود سلطاتي.» بما أن الكولونيل لم يكن يتمتع بأيِّ شكل من السلطة على الخَدَم في منزل بيمبرلي بحيث يمكنُ له أن يتخطَّاها، فلم يكن هناك شيءٌ يمكن لإليزابيث أن تُضيفه. وفي النهاية تحرَّكوا، وكانت جين وإليزابيث وبينجلي والخادمان يَرْقبون رحيلهم من أمام الباب. ولم يتحدَّث أحدٌ منهم، وبعد مرور بضع لحظات وحين نظر دارسي للخلف، رأى أن باب منزل بيمبرلي الكبيرَ قد أُغلق، وبدا المنزل وكأنه مهجور فكان هادئًا وجميلًا تحت ضوء القمر. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الثاني لم يكن هناك أيُّ جزء مهمَل من أملاك بيمبرلي، لكن وعلى عكس المشجَر لم تكن الغابةُ في الجزء الشمالي الغربي تَحْظى بالكثير من العناية، ولم تكن كذلك في حاجةٍ إليها. فبين الحين والآخر، كان تُقطعُ شجرةٌ لاستخدامها في إشعال النار في الشتاء، أو لاستخدام خشبها في الإصلاحات الهيكليَّة للأكواخ، وكانت الشجيرات القريبة من الممرِّ على نحوٍ غيرِ مناسب تُقطَع ويُبعد جذعها. وكان هناك طريق ضيِّق عبَّدَته العربات التي تُحضر المؤنَ إلى مدخل الخَدَم، تصل بين بوابة الحراسة والباحة الواسعة في الجزء الخلفيِّ من أملاك بيمبرلي، وكانت الإسطبلات تقع خلف تلك الباحة. ومن تلك الباحة، كان هناك بابٌ في الجزء الخلفي من المنزل يؤدي إلى ممرٍّ وإلى غرفة السلاح، ومكتب مدير الأعمال. كانت العربة المُثقَلة بالركَّاب الثلاثة والنقالة وحقيبتَي ويكهام والكابتن ديني، تتحرَّك ببطءٍ وقد جلس الركَّاب الثلاثة فيها صامتين، الأمر الذي اقترب بالنسبة إلى دارسي من خمولٍ أو بلادةٍ غيرِ قابِلَين للتفسير. وفجأةً توقَّفَت العربة. وبعد أن نبَّه دارسي نفسَه، نظر إلى خارج العربة وشعر بأُولى قطرات المطر الحادَّة تَخِزُه في وجهه. بدا له أنَّ هناك جرفًا متصدِّعًا يتدلَّى فوقهم، وبدا له أن الجرف كئيبٌ ومنيع، ولكنه حين كان ينظر إليه ارتجف الجرفُ وكأنه على وشك أن يقع. بعد ذلك عاد عقلُه إلى الواقع، فأخذت الصدوعُ في الجرف تتسعُ حتى أصبحت فجوةً بين أشجارٍ متقاربةٍ كثيرًا بعضها من بعض، وسمع برات يحثُّ الجياد العنيدة لتدخل إلى الممرِّ في الغابة. ثم دلفوا في بطءٍ إلى ظلامٍ يعجُّ برائحة الطين. كانوا يتحركون تحتَ ضوء القمر المكتمل الذي كان يرتحل خلفهم وكأنه شبحٌ يُرافقهم، فكان يختفي فجأةً ثم يُعاود الظهور مرة أخرى. وبعد أن قطَعوا بِضع ياردات، قال فيتزويليام إلى دارسي: «من الأفضل أن نتحركَ على أقدامنا من الآن وصاعدًا. ربما لم يكن برات دقيقًا في تذكُّرِه للمكان ونحن في حاجةٍ إلى أن ننتبهَ إلى المكان الذي دلف منه ويكهام وديني إلى الغابة وإلى المكان الذي من المحتمل أن يكونا قد خرَجا منه. كما أننا من خارج العربة يمكننا أن نرى ونسمعَ بشكل أفضل.» ثم خرَجوا من العربة يحملون مصابيحهم، وكما توقَّع دارسي، أخذ الكولونيل مكانه في المقدمة. كانت الأرضُ لينةً بفعل أوراق الشجر المتساقطةِ، فأصبحت خطواتُهم مكتومةً ولم يكن بمقدور دارسي أن يسمع سِوى صرير العرَبة، وأنفاسِ الجياد المحمومة وصليلِ زِمام الخيل. وفي بعض الأماكن كانت الأغصان فوق رءوسهم تتلاقى لتُشكِّل نفقًا كثيفًا مقوَّسًا لم يتمكَّن هو أن يلمح القمرَ من خلاله سوى بين الحينِ والآخر، ووسط سكون هذا الظلام لم يكن بمقدوره أن يسمعَ من الريح سوى حفيفٍ خافت بين الأغصان العلوية الرقيقة، وكأنها لا تزال تسكنها طيورُ الربيع المزقزقة. وكعادته حين كان يسير في الغابة، تحوَّلت أفكار دارسي نحو جدِّه الأكبر. لا بد أن سحر الغابة بالنسبة إلى جورج دارسي المتوفَّى منذ زمنٍ بعيدٍ كان يكمن في التنوع الذي يسكن الغابة وفي ممراتها الخفية وآفاقها غيرِ المتوقَّعة. فهنا في ذلك المكان المنعزل الذي تحوطه الأشجار كالحراس، والذي تأتي فيه الحيوانات الصغيرة والطيور إلى منزله بحرِّية، كان الرجل يعتقد بأنه والطبيعةَ شخصٌ واحد، يتنفَّسان الهواء نفسَه وتُرشدهما الروح ذاتُها. وحين كان دارسي صبيًّا يلعب في الغابة، كان دائمًا ما يشعر بالتعاطف مع جَدِّه الأكبر، وأدرك منذ وقتٍ مبكِّر أن دارسي الذي لم يكن أحدٌ يأتي على ذكره كثيرًا — الذي تخلَّى عن مسئوليته تجاه التركة والمنزل — كان مصدرَ حرجٍ للعائلة. فقبل أن يقتل كلبَه سولدجر ويقتل نفسَه، كان قد ترك رسالةً قصيرةً يطلب فيها أن يُدفنَ بجوار الكلب، لكن العائلة تجاهلَت هذا الطلب الآثم ورقدَ جورج دارسي بجوار أسلافه في الجزء العائلي المغلق من باحة الكنيسة الخاصة بالقرية، في حينِ حصل سولدجر على قبره في الغابة بشاهدٍ من الجرانيت محفورٍ عليه اسمُه وتاريخُ وفاته فقط. ومنذ طفولته كان دارسي يُدرك أن والده كان يخشى أن يكون هناك ضعفٌ متوارَث في العائلة، فلقَّنه وغرَس فيه منذ وقتٍ مبكِّر الالتزاماتِ الكبيرةَ التي ستقع على عاتقه بمجرد أن يرث، تلك المسئوليات تجاه كلٍّ من التركة ومَن يعملون فيها ويعتمدون في حياتهم عليها، وهذا أمرٌ لا يمكن للابن الأكبر أن يرفضه أبدًا. تقدَّم الكولونيل فيتزويليام بوتيرةٍ بطيئة، وكان يدور بمِصباحه يَمْنةً ويَسْرة، ويتوقَّف في بعض الأحيان من أجل أن يُلقِيَ نظرةً عن قربٍ أكثرَ على فروع النباتات المطبِقة بعضها على بعض، باحثًا عن أيِّ إشارةٍ تدل على أن أحدهم قد عبر من خلالها. وكان دارسي يفكِّر — وهو على علمٍ بأن تلك الفكرة تنمُّ عن الأنانية — في أن الكولونيل ربما كان يستمتع بما يقوم به حيث يُمارس حقَّه في تولي زِمام الأمور. وراح دارسي يسير أمام ألفيستون وهو يشعر بالمرارة وكأنه روحٌ محطَّمة وكان الغضب يتصاعد بداخله بين الحين والآخر كدفق المد. ألن يتحرَّر أبدًا من جورج ويكهام؟ تلك هي الغابة التي كانا يلعبان فيها حين كانا صبيَّين. كان ذلك الوقت الذي تذكَّر فيه ذاتَ مرة بأنه كان سعيدًا وخاليَ البال، لكن هل كانت تلك الصداقة بينهما أيامَ الصبا حقيقيةً فعلًا؟ هل كان ويكهام الصغيرُ حينها يُكنُّ له الحسد والضغينة والكراهية؟ تلك الألعاب الصِّبيانية الخشنة والمعارك الوهمية التي كان يخرج منها في بعض الأحيان مصابًا بالكدمات — هل كان ويكهام مفرطًا في شدَّتِه عليه ربما؟ تبادرَت إلى ذهنه الآن تلك العباراتُ الجارحة التي كانت ساكنةً في عقله الباطن سنواتٍ طويلةً. كم المدة التي كان ويكهام يُخطط فيها لانتقامه؟ وفكرة أن أخته تفادَت الوصمة الاجتماعية والعار؛ لأنه كان ثريًّا بما يكفي ليشتريَ سكوت غاويها المحتمل، كانت فكرةً مريرة للغاية حتى إنه كاد يتأوَّه ويصرخ بصوتٍ مرتفع. كان دارسي يُحاول أن يواريَ عن ذهنه ما عاناه من إذلالٍ في خضمِّ حياته الزوجية السعيدة، لكنَّ هذا الإذلال عاد الآن — وأصبح أقوى بفعل كَبْته له سنواتٍ طِوالًا — في شكلِ عبءٍ لا يُحتمل واشمئزازٍ من النفس، وأصبحت أشدَّ مرارةً بفعل تفكيره في أن ماله فقط هو ما أغرى ويكهام للزواج من ليديا بينيت. وكان سخاؤه هذا نابعًا من حبِّه لإليزابيث، لكن زواجه من إليزابيث هو ما أدخل ويكهام إلى العائلة وأعطاه الحقَّ في أن يدعوَ دارسي بنسيبه، وكذلك الحق في أن يكون عمًّا لفيتزويليام وتشارلز. ربما تمكَّن دارسي من إبعاد ويكهام عن بيمبرلي، لكنه لم يتمكَّن قط من إبعاده عن ذهنه وتفكيره. وبعد خمس دقائقَ بلغوا جميعًا الممرَّ المؤديَ من الطريق إلى كوخ الغابة. كان الممرُّ مطروقًا بانتظامٍ على مدار سنواتٍ طوالٍ، وكان ضيِّقًا لكن لم يكن من الصعب العثورُ عليه. وقبل أن يتمكَّن دارسي من البدء في الحديث، تحرَّك الكولونيل نحو الممرِّ في الحال، حاملًا مِصباحَه في يده. ثم أعطى سلاحه إلى دارسي وقال: «من الأفضل أن تحملَ عني هذا. لا أتوقَّع حدوثَ أيِّ مشكلة كما أنه سيُثير مخاوفَ السيدة بيدويل وابنتها. سأتحقَّق من أنهما على ما يُرام وسأُخبر السيدة بيدويل ألا تفتحَ الباب وألا تسمحَ لأحد بالدخول تحت أيِّ ظرف. ومن الأفضل أن أُعلِمها أن الرجلين قد ضلَّا طريقهما في الغابة وأننا نبحث عنهما. فليس هناك داعٍ لأن أُخبرها بأي شيء آخر.» ثم انطلق وغاب من فوره عن الأنظار، وخفَتَ صوتُ مغادرته وسط كثافةِ الغابة. ووقف دارسي وألفيستون صامتَين. وبدا لهما أن الدقائق تمرُّ ثقيلة، وبعد أن نظر دارسي في ساعته، وجد أنه ذهب منذ ما يقرب من ٢٠ دقيقة قبل أن يسمعا حفيفَ الفروع وهي تنشقُّ بعضها عن بعض، ليظهر الكولونيل مرةً أخرى. وبعد أن استعاد مسدسه من دارسي قال باقتضاب: «كلُّ شيء على ما يُرام. لقد سمعَت السيدة بيدويل وابنتُها صوتَ الطلقات وهما تعتقدان أنها انطلقت بالقرب منهما، ولكن ليس خارج الكوخ مباشرةً. وقد أوصدتا الباب في الحال، لكنهما لم تسمعا شيئًا آخر. وكانت الفتاة — اسمها لويزا، أليس كذلك؟ — على شفا أن تُصاب بنوبةٍ هستيرية، إلا أن والدتها تمكَّنَت من تهدئتها. من سوء حظِّهما أن بيدويل ليس في بيته هذه الليلة.» ثم التفتَ إلى سائق العربة. قال له: «كن يقظًا وتوقَّف حين نصلُ إلى المكان الذي ترك فيه الكابتن ديني والسيد ويكهام العربة.» ثم استعاد مكانَه مرةً أخرى في مقدمة تلك المسيرة الصغيرة وراحوا يتقدمون ببطءٍ. ومن وقتٍ لآخر كان ألفيستون ودارسي يرفعان مصباحيهما عاليًا، باحثَين عن أيِّ اضطراب في الأشجار المتشابكة، وكانوا يستمعون أثناء ذلك لأي صوت. ثم بعد مرور خمس دقائق، توقَّفت العربة. قال برات: «أعتقد أن المكان هنا يا سيدي. أتذكَّر شجرة البلُّوط هذه وشجرَ التوت الأحمر هذا.» وقبل أن يبدأ الكولونيل في حديثه سأله دارسي: «في أيِّ اتجاهٍ ذهب الكابتن ديني؟» «إلى جهة اليسار يا سيدي. ليس هناك ممرٌّ يُمكنني رؤيته لكنه اندفع نحوَ الغابة وكأنَّ تلك الشجيرات لم تكن موجودة.» «وكم مرَّ من الوقت قبل أن يتبعه السيد ويكهام؟» «في اعتقادي ليس أكثرَ من ثانيةٍ أو اثنتين. وكما قلت يا سيدي، تمسكَت به السيدة ويكهام وحاولَت أن تمنعه من المغادرة، وراحت تصيح فيه بعد أن غادر. لكنه حين لم يَعُد وسمعَت هي صوتَ الطلقات أمرَتْني أن أبدأ في التحرُّك، وأن نذهب إلى بيمبرلي بأسرعِ ما يُمكننا. كانت تصرخ يا سيدي طَوال الطريق وتقول بأننا جميعًا سنُقتَل.» قال دارسي: «انتظر هنا ولا تترك العربة.» ثم التفت إلى ألفيستون وقال: «من الأفضل أن نأخذ معنا النقَّالة. سنبدو كالأغبياء إن كانا قد ضلَّا طريقهما فقط، وكانا يتجولان من دون أن يُصاب أيٌّ منهما بأذًى، لكن تلك الطلقات تبعث على القلق.» حلَّ ألفيستون النقالة وجرَّها من العربة. ثم قال لدارسي: «وسنبدو حمقى بشكلٍ أكبر إذا ما ضللنا نحن طريقنا. لكنني أتوقَّع أنك تعرف هذه الغابة معرفةً جيدة يا سيدي.» قال دارسي: «آمُل أنني أعرفها جيدًا بما يكفي لأجدَ طريقَ خروجنا منها.» ولم يكن من السهل المرورُ بالنقالة عبر الشجيرات المتشابكة، لكن وبعد التباحث بشأن المشكلة، حمل ألفيستون القماش الملفوف على كتفه وانطلَقوا. ولم يُجِب برات على أمرِ دارسي بأن يبقى في العربة، لكن كان من الواضح أنه لم يكن سعيدًا بتركِه وحيدًا، ثم انتقل شعورُه بالخوف إلى الجياد التي بدا صَهيلُها واضطرابها لدارسي رفقةً ملائمةً لمغامرةٍ بدأ يشعر بأنها طائشة. راح الرجال يشقُّون طريقهم في صفٍّ واحد عبر الشجيرات المتشابكة التي يكاد يكون اختراقها مستحيلًا، وكان الكولونيل في المقدمة، وببطءٍ كان الرجال يُحرِّكون مصابيحهم يَمنةً ويَسرةً ويتوقَّفون عند أي إشارة قد تشير إلى أن أحدهم مرَّ من هنا، في حين كان ألفيستون يُراوغ بأعمدة النقالة الطويلة بصعوبة تحت فروع الأشجار المتدلِّية على مستوًى منخفض. كانوا يتوقَّفون بعد قطع بضع خطوات ويُنادون، ثم يتسمَّعون في صمت، لكن لم يكن هناك أيُّ استجابة. أما الرياح — التي أصبحت مسموعةً بالكاد — فقد توقَّفت فجأةً وبدا وسط الصمت أن الحياة السرية للغابة توقَّفَت بفعلِ وجودهم غير المألوف. في البداية، ومن الأغصان الممزقة والمتدلية من بعض الشجيرات، ومن بعض العلامات التي قد تكون آثار أقدام، كان يَحْدوهم الأمل أنهم على الدَّرْب الصحيح، لكن وبعد مرور خمس دقائق أصبحت الأشجارُ والشجيرات أقلَّ كثافة، وكانت صيحاتهم لا تزال لا تجد جوابًا، فتوقَّفوا لينظروا في أمرِ أفضلِ طريقةٍ يُكملون بها مسيرهم. وكان الرجال يسيرون باتجاه الغرب وعلى مسافةِ بضع ياردات من بعضهم البعض؛ وذلك خشيةَ أن يفقدوا التواصل فيما بينهم في حالِ ضلَّ أحدُهم طريقه. والآن كانوا قد قرَّروا أن يعودوا إلى العربة بأن يتوجَّهوا نحو الشرق باتجاه بيمبرلي. فقد كان من المستحيل على ثلاثةِ رجالٍ فقط أن يُغطوا كاملَ مساحة الغابة الشاسعة؛ وإن لم يُسفر تغييرُ الاتجاه هذا عن أي نتيجة فسيعودون إلى المنزل، وإن لم يَعُد ويكهام وديني إلى المنزل عند الصباح فسيستدعون الخَدَم وربما يستدعون الشرطة لِيُجروا بحثًا أكثرَ شمولًا. ثم تقدَّم الرجال في مسيرهم حين لاحظوا فجأةً أن حاجزًا من الشجيرات المتشابكة أصبح أقلَّ كثافة ولمحوا من خلاله فُرجةً يُنيرها القمر على شكلِ حلقةٍ بلونٍ فِضيٍّ ضعيف من أشجار البتولا. أكمل الرجال تقدُّمَهم وقد تجدَّدت طاقتهم متوغِّلين عبر الأشجار المتشابكة، فرِحين بتحرُّرهم من سجن الشجيرات المتشابكة والأغصان الغليظة الصلبة وعبورهم نحو الحرية والضوء. في تلك البقعة لم يكن هناك مظلةٌ متدلية فوقهم من الأغصان وحوَّل ضوءُ القمر الساقطُ على الجذوع الضعيفة ذلك المنظرَ إلى مشهدٍ جميل أقربَ إلى الخيال منه إلى الحقيقة. والآن كانت تلك الفُرجة أمامهم. وحين كانوا يتقدَّمون ببطءٍ، وشعورٌ بالروعة يملؤهم وبين اثنين من الجذوع النحيلة، تصلَّب الرجال وكأنهم متجذِّرون في الأرض وقد عقد الرعبُ ألسنتَهم. كانوا يقفون أمامَ لوحةٍ من الموت ذاتِ ألوان برَّاقة مناقضة تمامًا للضوء الخافت حولها. لم ينبس أحدُهم ببنتِ شَفة. تقدَّم الرجالُ في بطءٍ وكأنهم رجلٌ واحد، وكانوا يرفعون مصابيحهم عاليًا؛ فكانت أشعة ضوء المصابيح القوية التي تُغطي على أشعة ضوء القمر الرقيقة تَزيد من كثافة اللون الأحمر الساطع على سُترة ضابط، وعلى الوجه الشنيع المغطَّى بالدم وعلى عينَين جاحظتين تنظران إليهما. كان الكابتن ديني راقدًا على ظهره وعينُه اليُمنى ملطَّخة بالدم وعينه اليُسرى مثبتة، بغير رؤية، على القمر البعيد. وكان ويكهام راكعًا فوقه ويداه مخضَّبتان بالدماء ووجهه ملطَّخ به. كان صوت ويكهام مبحوحًا وأجشَّ، لكن كلماته كانت واضحة. «لقد مات! يا إلهي، لقد مات ديني! كان صديقي الوحيدَ وقد قتلتُه! قتلته! كانت غلطتي.» وقبل أن يتمكَّنوا من الرد عليه مال على وجهه وراح ينتحبُ نحيبًا شديدًا مزَّق حلقه ثم انهار فوق جثة ديني حتى كاد الوجهان الداميان يُلامسان بعضهما بعضًا. انحنى الكولونيل فوق ويكهام ثم اعتدلَ وقال: «إنه مخمور.» قال دارسي: «وماذا عن ديني؟» «لقد مات. لا، من الأفضل ألا تمَسَّه. أستطيع أن أكتشف الموت متى نظرت إليه. لنحمل الجثة على النقالة وسأُساعدك في حملها. أنت الأقوى بيننا يا ألفيستون، فهل تستطيع أن تُساعد ويكهام في العودة إلى العربة؟» «أعتقد ذلك يا سيدي. فهو ليس ثقيلَ الوزن.» وفي صمتٍ رفع الكولونيل جثة ديني على النقالة ذات النسيج الغليظ. ثم تحرَّك الكولونيل ليُساعد ألفيستون في إنهاض ويكهام. كان ويكهام يترنَّح لكنه لم يُقاوم. وقد لوَّثت أنفاسُه — التي كانت تخرج في شكل شهقات — جوَّ الفرجة برائحة الويسكي العفنة. كان ألفيستون أطولَ من ويكهام، وبمجرد أن تمكَّن من رفع ذراع ويكهام اليُمنى ووضعها على كتفه كان قادرًا على حمل جسده الخامل وجرَّه مسافة بضع خطوات. كان الكولونيل قد انكبَّ على الأرض ثم استقام مرةً أخرى. وكان يُمسك مسدسًا في يده. تشمَّم الكولونيل فوَّهة المسدس وقال: «هذا على الأرجح هو السلاح الذي أُطلِقت منه النار.» ثم أمسك هو ودارسي بدعائم النقالة ورفعاها في شيءٍ من الصعوبة. ثم بدأ الموكب البائس طريق عودته الصعب إلى العربة، فكانت النقالة في المقدمة وألفيستون يسير خلفَهم ببضع ياردات مُثقلًا بويكهام. كانت آثار مرورهم واضحةً بما يكفي فلم يجدوا صعوبة في تتبُّعِها لكن الرحلة كانت بطيئةً ومضجرة. وكان دارسي يسير خلف الكولونيل والكآبة تُغلِّف روحه، فتبادرَ إلى ذهنه الكثيرُ من الأفكار المخيفة والمثيرة للقلق، فجعلت من المستحيل عليه أن يُفكِّر تفكيرًا منطقيًّا. لم يكن دارسي قد سمح لنفسه قبل ذلك أن يُفكِّر في مدى قُرب إليزابيث من وويكهام حين كانت بينهما صداقةٌ في لونجبورن، لكن الآن كانت الشكوك التي تنمُّ عن الغيرة تتزاحم في عقله، وقد اعترف بأنها غيرُ مبرَّرة وواهنة. وفي لحظةٍ من الانزعاج كان يأمُل لو أن جثة ويكهام هي ما يُثقل كاهله، وقد روَّعَته فكرةُ أنه كان يتمنَّى الموت لعدوِّه حتى ولو للحظةٍ واحدة. كان الارتياح باديًا على برات حين رأى عودتهم، لكنه حين رأى النقالة بدأ يرتعد من الخوف ولما انتقلَت رائحة الدماء إلى الخيل أصبحَت خارجة عن السيطرة، ولم يتمكَّن برات من السيطرة على الجياد إلا بعد أن وجَّه إليه الكولونيل أمرًا قاطعًا. أنزل دارسي والكولونيل النقالة على الأرض وأخذا غطاءً من العربة وغطَّيا به جثةَ ديني. كان ويكهام هادئًا أثناء مسيرهم في الغابة، لكنه الآن أصبح عُدوانيًّا، وشعر ألفيستون بالارتياحِ أكثرَ حين ساعده الكولونيل على إدخاله إلى العربة وجلس بجانبه. ثم أمسك الكولونيل ودارسي مرةً أخرى بدعائم النقالة، وحملا حمولتهما على أكتافهما التي أصابها الألم. كان برات قد سيطرَ على الجياد أخيرًا، وفي إعياءٍ جسديٍّ وذهني كبيرَين بدأ دارسي والكولونيل مسيرهما الطويل الصامت خلف العربة عائدَين إلى بيمبرلي. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الثالث بمجرد أن أُقنِعت ليديا — التي كانت قد هدأت الآن — بأن تخلدَ إلى الفراش، شعرت جين بإمكانيةِ ترْكها في عناية بيلتون، وانضمَّت إلى إليزابيث. وقد هُرِعَتا معًا إلى الباب الأمامي لتشهدا مغادرةَ مجموعة الإنقاذ. كان بينجلي والسيدة رينولدز وستاوتن عند الباب بالفعل وراح خمستُهم يُحدِّقون إلى الظلام حتى ابتعدت العربة كثيرًا، وأصبحت أضواؤها متذبذبةً، فاستدار ستاوتن ليُغلق الباب ويوصده. والتفتَت السيدة رينولدز إلى إليزابيث وقالت لها: «سأجالس السيدة ويكهام حتى يأتي الدكتور ماكفي يا سيدتي. أتوقَّع أنه سيُعطيها شيئًا ليُساعدها على الهدوء والنوم. وأقترح أن تعودي أنتِ والسيدة بينجلي إلى غرفة الموسيقى لتنتظرا هناك؛ ستشعران بالراحة هناك أكثرَ كما أن المِدفأة ستَمْنحكما الدفءَ. وسيظل ستاوتن عند الباب ليُراقب الطريق، وسيُعلمكما بمجرد اقتراب العربة. وإن شُوهد الكابتن ديني والسيد ويكهام على الطريق فستكون هناك مساحةٌ في العربة تكفي الجميعَ، رغم أنها لن تكونَ رحلةً مريحة على الأرجح. وأتوقَّع أن يكون الرجالُ في حاجةٍ إلى تناول شيءٍ ساخن حين يعودون، لكنني أشكُّ في أن الكابتن ديني والسيد ويكهام سيرغبان في البقاء حتى الحصولِ على المرطِّبات. فبمجرد أن يعلم السيد ويكهام أن زوجتَه آمنة، من المؤكد أنه سيرغب وصديقُه في إكمال رحلتهما. أعتقد أن برات قال إنهما كانا في طريقهما إلى كينجز آرمز في لامتون.» كان هذا هو ما تريد إليزابيث سماعَه بالضبط، وكانت تتساءل ما إن كانت السيدة رينولدز تُحاول طمْأنتَها عن عمد. كان احتمال أن الكابتن ديني أو السيد ويكهام قد أُصيبا بكسرٍ أو التواء في الكاحل أثناء شقِّهما لطريقهما عبر الغابة وأنهما في حاجةٍ إلى المكوث في المنزل — حتى ولو إلى طلوع الصبح — يُثير الكثير من الانزعاج. فلم يكن زوجها ليرفضَ أن يُؤوي جريحًا في منزله قط، لكنَّ وجود ويكهام تحت سقف منزل بيمبرلي هو أمر يمقتُه دارسي، وقد تكون لذلك تبعاتٌ كانت تخشى حتى أن تُفكِّر فيها. قالت السيدة رينولدز: «سأتحقَّق الآن يا سيدتي من أن جميع الخَدَم الذين يعملون على التحضير للحفل قد خلَدوا إلى فُرُشِهم. أعلم أن بيلتون لا تُواجه مشكلةً في البقاء مستيقظةً تحسبًا لأي حاجةٍ إليها، وبيدويل لا يزال يعمل لكنه متكتِّم تمامًا. ولسنا في حاجة إلى أن نُخبر أحدًا عن هذه المغامرة الليلية حتى الصباح، وحينها لن نُخبر أحدًا بشيء إلا إن كانت هناك ضرورةٌ لذلك.» وكانت السيدة رينولدز وإليزابيث في طريق صعودهما على السلَّم حين أعلن ستاوتن أن العربة التي أُرسلت لإحضار الدكتور ماكفي قد وصلت، فانتظرت إليزابيث لتستقبلَه ولتشرح له باقتضابٍ ما حدث. ولم يكن الدكتور ماكفي يدخل المنزل إلا ويلقى تَرْحابًا حارًّا. كان الرجل أرملًا في منتصف العمر، وقد ماتت عنه زوجته وهي لا تزال شابةً وترَكَت له ثروةً كبيرة، وعلى الرغم من قدرته على التنقُّل بعربةٍ إلا أنه كان يُفضِّل امتطاءَ صهوة الجواد. وبحقيبته الجلدية المربعة المربوطة إلى سَرْج جواده، كان مظهره مألوفًا في طرق لامتون وبيمبرلي. وكانت سنوات امتطاء صهوة الجياد في كلِّ أنواع الطقس قد أضافت الخشونةَ والغِلظة إلى ملامحه، لكن وعلى الرغم من أنه لم يكن يُعَدُّ وسيمًا، إلا أن ملامحه كانت تنمُّ عن البشاشة والذكاء، إضافةً إلى أمارات السلطة والإيثار حتى إنه بدا وكأنه مقدَّر له أن يكون طبيبًا ريفيًّا. وكانت فلسفته الطبية تقتضي بأنَّ للجسد البشري نزعةً طبيعية تجاه شفاء نفسِه إذا ما لم يتآمَر الطبيبُ والمريض على التدخل في عملياته الحميدة، لكن وبإدراكه أن الطبيعة البشرية تستلزمُ التعامل بالحبوب وجرعات من الدواء، كان يعتمد على العقاقير التي أعدَّها هو بنفسه، والتي يثقُ فيها مَرْضاه إلى حدٍّ بعيد. وقد تعلَّم منذ وقتٍ مبكِّر أن أقارب المريض يكونون أقلَّ إثارةً للمشكلات إذا ما انشغَلوا بما يخدم مصلحة المريض، وقد ابتكر من التدابير ما تتناسبُ فعاليتُها مع الوقت المستغرَق في إعدادها. وكانت مريضتُه هنا تعرفه بالفعل، حيث إن السيدة بينجلي كانت تستدعيه حين يُظهر زوجها أو أطفالها أو صديقٌ يزورها أو أحدُ الخَدَم أيَّ بوادر لوعكة، وقد أصبح الطبيب صديقًا للعائلة. وكان من الباعث كثيرًا على الارتياح أن يأخذوه إلى ليديا، التي استقبَلَته بنوبةٍ جديدة من الشكوى والاتهام، لكنها أصبحَت أكثرَ هدوءًا بمجرد أن اقترب من فراشها. كانت إليزابيث وجين الآن جاهزتَين لبدء المراقبة من غرفة الموسيقى حيث كانت النوافذ تُوفِّر رؤيةً واضحة للطريق إلى الغابة. وعلى الرغم من أنهما حاوَلتا الاسترخاءَ على الأريكة، فإنهما لم تتمكَّنا من مقاومة التقدُّم نحو النافذة أو التحرُّك في قلق في أرجاء الغرفة. كانت إليزابيث تعرف أنهما كانتا تُفكِّران في الأمر نفسِه ولكن في صمت، وأخيرًا عبَّرَت جين عما كانت تُفكر فيه. «عزيزتي إليزابيث، لا يمكننا أن نتوقَّع منهم العودةَ سريعًا. لنفترض أن برات سيستغرق ١٥ دقيقة لتحديدِ المكان الذي اختفى فيه الكابتن ديني والسيد ويكهام في الغابة. حينها ربما يبحثون لمدة ١٥ دقيقة أو أكثرَ إنْ كان الرجلان قد ضلَّا طريقهما بالفعل، وينبغي أن نضع في الحُسبان بعض الوقت من أجل عودتهم إلى العربة ثُم إلى هنا. وينبغي أن نتذكَّر أيضًا أن أحدهم سيذهب إلى كوخ الغابة للتأكُّد من أن السيدة بيدويل ولويزا آمنتان. لا بد أن نُحاول التحلِّيَ بالصبر؛ وفي اعتقادي أننا لن نرى العربةَ قبل مرور ساعة. وبالطبع، من الوارد أن يكون السيد ويكهام والكابتن ديني قد تمكَّنا من العثور على الطريق، وقرَّرا العودة سيرًا إلى الحانة.» قالت إليزابيث: «أعتقد أن احتمالية ذلك منهما ضعيفة. ستكون المسافةُ كبيرةً وقد أخبرا برات أنهما سيتوجَّهان بعد أن يتركا ليديا في بيمبرلي إلى كينجز آرمز في لامتون. بالإضافة إلى أنهما سيكونان في حاجةٍ إلى حقائبهما. ومن المؤكد أن ويكهام سيرغب في أن يطمئنَّ أن ليديا قد وصَلَت بسلام. لكننا لن نعرف أيَّ شيء قبل عودة العربة. وهناك آمالٌ كثيرة معلَّقة على أن يتم العثورُ على الرجلين على الطريق، ومن ثَمَّ تعود العربة سريعًا. في غضون ذلك، من الأفضل أن نحصل على أكبر قدْرٍ من الراحة.» لكن الراحة كانت مستحيلةً ووجدتا نفسَيهما تتحركان باستمرار جَيئةً من النافذة وذَهابًا إليها. وبعد نصف الساعة كانتا قد فقدتا الأملَ في عودة مجموعة الإنقاذ سريعًا، لكنهما ظلَّتا واقفتَين في عذابٍ صامت من الخوف من شرٍّ مرتقَب. ففي المقام الأول وبتذكُّرِهما أمرَ طلقات النار، كانتا تخشَيان رؤية العربة تتقدم ببطءٍ كعربة نقل الموتى، ودارسي والكولونيل يَتْبعانها على أقدامهما وهما يحملان النقالةَ المثقَلة بالجثة. في أفضل الأحوال قد يكون أيٌّ من ويكهام أو ديني على النقالة، ليس بجرح خطير وإنما غير قادر على تحمُّل اهتزاز العربة. وقد حاولت كِلتاهما أن تبعدا عن ذِهنَيهما صورةَ جسدٍ مُكفَّن، وكذلك المهمَّة المروِّعة التي تتمثَّل في إخبار ليديا المضطربةِ أن أسوأ مخاوفها قد تحقَّق، وأن زوجها قد مات. ظلَّت السيدتان تنتظران مدةَ ساعة وعشرين دقيقةً وحين أعيَتْهما كثرةُ الوقوف تحرَّكَتا بعيدًا عن النافذة، وذلك حين ظهر بينجلي ومعه الطبيبُ ماكفي. قال الطبيب: «كانت السيدة ويكهام منهكَة من القلق والانتحاب الطويل، وقد أعطيتها عقَّارًا مهدئًا. من المفترض أنها ستروح سريعًا في نومٍ عميق، وآمُل أن يطول نومها لبضع ساعات. يُمكنني أن أنتظر في غرفة المكتبة وسأتفقَّد حالتها لاحقًا. وليس هناك داعٍ لأن يُلازمني أحد.» شكرته إليزابيث بحرارةٍ وقالت بأن هذا هو ما تأمُله هي أيضًا. وحين غادر الطبيب الغرفةَ وفي صحبته جين، توجَّهت هي وبينجلي مرةً أخرى إلى النافذة. قال بينجلي: «ينبغي لنا ألا نتخلَّى عن أمَل أن كل شيء على ما يُرام. ربما كان مصدر الطلقات صيادًا يصطاد الأرانب، أو ربما أطلق ديني النارَ تحذيرًا لأحدٍ كان مختبئًا في الغابة. لا ينبغي أن نسمح لمخيِّلتنا أن تنسج الصور التي يُخبرنا العقل بأنها ليست حقيقيَّة. ليس هناك في الغابة شيءٌ يغوي أحدًا يحمل نوايا خبيثةً ليُؤذي أيًّا من ويكهام أو ديني.» لم تُجِبه إليزابيث. والآن أصبح المظهر المألوف والمحبوب لها يبدو غريبًا عليها، فكان النهر يتموَّج كالفِضَّة المذابة تحت أشعة القمر حتى تُحركه هبَّة مفاجئة من الهواء فتُعيده إلى الحياة. وكان الطريق يمتدُّ فيما بدا فراغًا سرمديًّا ومظهرًا وهميًّا، ويلفه جوٌّ من الغموض والغرابة حيث لا يمكن أبدًا لأي كائن حي أن يعيشَ فيه أو يتحرَّك عليه. وحين عادت جين كانت العربةُ قد بدأت لتوِّها تظهر في الأفق، فكان مظهرها في بادئ الأمر ليس أكثرَ من شيء يتحرَّك ويحدُّه بصيصٌ خافت لأضواء بعيدة. وقد وقف ثلاثتهم ينتظرون في اهتمامٍ بالغٍ ويُقاومون رغبةً شديدة في أن يُهرَعوا نحو الباب. ولم تستطِع إليزابيث أن تُخفي نبرة اليأس في صوتها. فقالت: «إنهم يتحركون ببطءٍ. كانوا سيتقدَّمون مسرعِين لو كان كلُّ شيء على ما يُرام.» وعندما طرَقَت تلك الفكرةُ ذهنها لم تستطِع أن تنتظر عند النافذة أكثرَ من هذا فهُرِعت إلى أسفل الدَّرَج وكانت جين وبينجلي إلى جوارها. ولا بد أن ستاوتن قد رأى العربة من نافذة الطابق الأرضيِّ؛ ذلك أن البابَ الأماميَّ كان مفتوحًا جزئيًّا بالفعل. قال ستاوتن: «أليس من الحكمة العودةُ إلى غرفة الموسيقى يا سيدتي؟ سيحمل لك السيد دارسي الأخبارَ بمجرد وصولهم. الجوُّ بارد جدًّا للانتظار في الخارج، وليس هناك شيءٌ يمكن لأيٍّ منا أن يفعله حتى وصول العربة.» قالت إليزابيث: «نُفضِّل أنا والسيدة بينجلي أن ننتظرَ هنا عند الباب يا ستاوتن.» «كما ترغبين سيدتي.» ثم خرَجَت مع بينجلي إلى الظلام ووقفا ينتظران. ولم ينبس أحدُهما ببنت شفة حتى أصبحت العربة على مسافة بضع ياردات من الباب ورأيا ما كانا يخشَيان رؤيته، جثَّة مكفَّنة على النقالة. هنا هبَّت نسمةُ ريح مفاجئة فتبعثرَ شعر إليزابيث حول وجهِها. شعرت بأنها ستتهاوى لكنها تمكَّنَت من أن تتمسك ببينجلي الذي لفَّ ذراعه حول كتفها لتستندَ إليها. وفي تلك اللحظة كشفَت الريح طرفَ الغِطاء فرأَيا اللونَ الأحمر على سُترة ضابط. تحدَّث الكولونيل فيتزويليام مباشرةً إلى بينجلي. «يمكنك أن تُخبر السيدة ويكهام أن زوجها على قيد الحياة. لكن لا يمكن رؤيته في الوقت الحالي. أما الكابتن ديني فقد مات.» قال بينجلي: «رميًا بالرَّصاص؟» كان دارسي هو من أجاب. «لا، ليس مصابًا بالرصاص.» ثم التفت إلى ستاوتن وقال. «أحضِر مفاتيح الأبواب الداخلية والخارجية لغرفة السلاح. سنحمل أنا والكولونيل فيتزويليام الجثةَ عبر الباحة الشمالية وسنضعها على الطاولة في غرفة السلاح.» ثم عاد إلى بينجلي. وقال: «من فضلك خذ إليزابيث والسيدة بينجلي إلى الداخل. ليس هناك ما يُمكنهما فعله هنا، ونريد أن نُخرِج ويكهام من العرَبة. سيكون مفجعًا لهما أن يُشاهداه على حالته هذه. نريد أن نضعَه على الفراش.» وفكَّرَت إليزابيث في سبب عدم رغبة زوجها والكولونيل في وضع النقالة أرضًا، لكنهما ظلا واقِفَين وكأنهما تمثالان حتى عاد ستاوتن في غضون لحظات وأعطاهما المفاتيح. ثم وفي مشهدٍ يكاد يكون جنائزيًّا، تَقدَّمَهما ستاوتن وكأنه متعهدُ دفن الموتى وراحوا يشقُّون طريقهم عبر الباحة، ثم استداروا متوجِّهين نحو الجزء الخلفي من المنزل وغرفة السلاح. كانت العربة الآن تهتزُّ في عنفٍ وبين هبَّات الرياح كانت إليزابيث تسمع صياح ويكهام الجامحَ غير المتَّسق وهو يوبِّخ منقِذيه ويشجب جُبن دارسي والكولونيل. لماذا لم يُمسكوا بالقاتل؟ كان بحوزتهم مسدَّس. وكانوا يعرفون كيفيةَ استخدامه. لو أنهم حاوَلوا إطلاق النار على القاتل، لكانوا أصابوه، وأحضروه إلى هنا. ثم جاء ويكهام بسيلٍ من السباب شوَّشت الريحُ عليه، ثم تبع ذلك السيلَ فورةُ بكاء. دلفت إليزابيث وجين إلى الداخل. كان ويكهام قد سقط الآن وتمكَّن بينجلي وألفيستون من مساعدته للوقوف على قدمه، وبدآ يجرَّانه إلى داخل الرَّدهة. لمحت إليزابيث عينيه الهائجتَين ووجهه الملطَّخ بالدماء، ثم انسحبت بعيدًا عن الأنظار في حين حاول ويكهام أن يُحرِّر نفسَه من قبضة ألفيستون. قال بينجلي: «نحتاج إلى غرفةٍ بها بابٌ منيع ولها مفاتيح. ماذا تقترح؟» نظرت السيدة رينولدز التي كانت قد عادت الآن إلى إليزابيث. وقالت: «الغرفة الزرقاء يا سيدتي في نهاية الرواق الشمالي هي أكثرُ الغرف المؤمَّنة. فيها نافذتان صغيرتان فقط وهي الأبعدُ عن غرفة الأطفال.» كان بينجلي لا يزال يُساعد ألفيستون في السيطرة على ويكهام. فدعا السيدة رينولدز وقال: «الدكتور ماكفي في المكتبة. أخبريه أننا في حاجةٍ إليه الآن. لا يُمكننا السيطرة على السيد ويكهام في حالته هذه. أخبريه أننا سنكون في الغرفة الزرقاء.» أمسك بينجلي وألفيستون بذراعَي ويكهام وبدآ يَجُرَّانه صاعدَين به الدرَج. كان أكثرَ هدوءًا الآن لكنه كان لا يزال ينتحب؛ وحين وصلا إلى الدرجة الأخيرة، حاول أن يُصارعهما ليُحرر نفسه، ثم راح يصبُّ لعناته الأخيرةَ على دارسي. التفتَت جين إلى إليزابيث. وقالت: «من الأفضل أن أعود إلى ليديا. فبيلتون هناك منذ وقتٍ طويل وقد تكون في حاجةٍ إلى الراحة. آمُل أن ليديا تغطُّ في نومٍ عميق الآن، لكن ينبغي أن نُطمئنَها أن زوجها على قيد الحياة بمجرد أن تستعيدَ وعيها. ففي النهاية لدينا شيءٌ نشعر بالامتنانِ إزاءه. عزيزتي ليزي، لو كنت أستطيع أن أُبعِد عنك عناء كلِّ هذا لفعلت.» تعانقَت الأختان لحظةً ثم ذهبَت جين. والآن كانت الرَّدهة هادئةً تمامًا. كانت إليزابيث ترتعش وحين شعرت فجأةً أنها تكاد تُصاب بالإغماء، جلسَت على أقرب كرسي. كانت تشعر بأنها ثَكْلى وكانت تأمُل أن يعود دارسي، وسرعان ما كان بجانبها، فكان آتيًا من غرفة السلاح في الجزء الخلفيِّ من المنزل. أتى إليها في الحال وأنهضها من على الكرسي وقرَّبها منه في هدوء. «عزيزتي، لنخرج من هنا وسأشرح لكِ ما حدث. أرأيتِ ويكهام؟» «أجل، رأيتُه وهم يحملونه إلى الداخل. كان مظهره مريعًا. أشكر الربَّ أن ليديا لم ترَه.» «كيف حالها؟» «آمُل أن تكون قد خلَدَت إلى النوم. أعطاها الدكتور ماكفي شيئًا ليُهدئها. والآن ذهب مع السيدة رينولدز ليساعد في أمر ويكهام. لقد أخذ كلٌّ من السيد ألفيستون وتشارلز ويكهام إلى الغرفة الزرقاء في الرِّواق الشمالي. بدا أن ذلك أفضلُ مكان يُوضع فيه.» «وماذا عن جين؟» «إنها مع ليديا وبيلتون. ستُمضي الليلة في غرفة ليديا وسيكون السيد بينجلي في غرفة الملابس المجاورة. لن تتحمَّل ليديا وجودي معها. لا بد وأن تمكث جين معها.» «إذن لنذهب إلى غرفة الموسيقى. ينبغي أن أُجالسك وحيدَين قليلًا. لم يرَ بعضنا بعضًا اليومَ إلا قليلًا. سأُخبرك بكلِّ ما أعرف، لكن لن يكون ما أُخبرك به جيدًا. ثم ينبغي أن أذهب الليلةَ لأُخبر السير سيلوين هاردكاسل عن مقتل الكابتن ديني. إنه القاضي الأقربُ إلينا. لا يمكنني أن أشاركَ في هذا الأمر بعد الآن؛ سيتولَّى هاردكاسل زِمامَ الأمور من هنا.» «لكن ألا يُمكنك الانتظار يا فيتزويليام؟ لا بد وأنك منهَك. ولن يأتيَ السير سيلوين بالشرطة الليلة إلا بعد منتصف الليل. لا يُمكن له أن يفعل أيَّ شيء حتى الصباح.» «الأفضل أن يتم إخبارُ السير سيلوين من دون تأخير. سيتوقَّع مني فعل ذلك وهو محقٌّ في توقُّعه. ولن يرغب في تحريك جثة ديني، كما سيرغب أيضًا في رؤية ويكهام إن لم يكن مخمورًا بما يكفي لسؤاله. على أيِّ حال يا حبيبتي، ينبغي أن نبعد جثة الكابتن ديني في أقرب فرصةٍ لذلك. لا أريد أن أبدوَ قاسيًا أو عديمَ الاحترام لكن سيكون من الأفضل أن نُخرجها من المنزل قبل استيقاظ الخَدَم. سيتحتَّم علينا أن نُخبرهم بما حدث، لكن سيكون من الأفضل لنا جميعًا وللخدم خصوصًا ألا تبقى الجثةُ هنا.» «لكن يُمكنك أن تبقى على الأقل لتتناولَ شيئًا من الطعام والشراب قبل أن تُغادر. لقد مرَّت ساعاتٌ طويلة منذ تناوُلِنا العشاء.» «سأبقى خمسَ دقائق لأتناولَ شيئًا من القهوة ولكي أتأكَّدَ من أن بينجلي يعلم جميع التفاصيل، لكن ينبغي عليَّ بعدها أن أنطلق.» «وماذا عن الكابتن ديني، أخبِرْني بما حدث له؟ أيُّ شيء ستُخبرني به سيكون أفضلَ من الشعور بالقلق. إن تشارلز يتحدث عن وقوعِ حادثة. فهل كانت تلك حادثة؟» قال دارسي بنبرة رقيقة: «يا عزيزتي، ينبغي علينا أن ننتظرَ حتى يفحص الأطباءُ الجثة ويُمكنهم أن يُخبرونا كيف مات الكابتن ديني. كلُّ شيء يُقال حتى ذلك الحين مجرد تخمينات.» «إذن يمكن أن يكون مقتلُه حادثة؟» «من المريح أن نأمُل ذلك، لكنني لا أزال على اعتقادي حين رأيتُ الجثة لأول مرة؛ أن الكابتن ديني مات مقتولًا.» الموت يزور بيمبرلي
الفصل الرابع بعد خمس دقائق كانت إليزابيث تنتظر مع دارسي عند البابِ الأماميِّ حتى يتم إحضارُ حِصانه، وما إن دخلت إليزابيث المنزلَ حتى رأت دارسي وهو يَعْدو بفرَسِه ويذوب في ظلمة الليلة المقمِرة. ستكون الرحلة أمامه غيرَ مريحة. فقد خلَّفَت الأمطار الغزيرةُ رياحًا عاصفة، لكنها كانت تعلم أن رحلته تلك كانت ضرورية. كان دارسي واحدًا من القضاة الثلاثة الذين يتولَّون شأنَ بيمبرلي ولامتون لكن لم يكن باستطاعته أن يُشارك في هذا التحقيق، وكان من الصواب أن يتم إخبارُ أحد زملائه بمقتل ديني من دون تأخير. كانت إليزابيث تأمُل أيضًا أن تُنقل الجثةُ من بيمبرلي قبل حلول الصباح حين سيتحتَّم عليها وعلى دارسي إخبارُ الخَدَم المستيقظين بما حدث. كما كان سيتحتَّم عليهما أن يُبرِّرا سبب وجود السيدة ويكهام وليس من المرجَّح أن تكون ليديا نفسُها كَتومة. وكان دارسي فارسًا بارعًا، ولم يكن الارتحال ليلًا على صَهوة جَواده يُخيفه حتى في أسوأ أنواع الطقس، لكنها حين كانت تُحدِّق إلى آخرِ طيفٍ للحِصان وهو ينطلق، كانت تُكافح خوفًا يتملَّكها بأن شيئًا سيئًا سيحدث لدارسي قبل أن يصلَ إلى هاردكاسل وأنها لن تراه ثانيةً أبدًا. وبالنسبة إلى دارسي كان العدْوُ بحصانه في الليل بمثابةِ نوعٍ من التمتعِ بحريةٍ مؤقتة. وعلى الرغم من أن كتفَيه كانتا تُؤلمانه بسبب ثِقَل النقالة وأنه كان يعرف أنه متعَب على المستويَين الجسدي والذهني، فقد كانت نفحاتُ الهواءِ الباردِ ولطمُ حبات المطر له على وجهه بمثابةِ انعتاقٍ وتحرُّر. كان السير سيلوين هاردكاسل هو القاضيَ الوحيد المعروف أنه يظلُّ في منزله طوال الوقت، وكان يعيش على مسافة ثمانية أميال من بيمبرلي، وباستطاعته أن يتولَّى أمر هذه القضية وسيكون مسرورًا لفعل ذلك، لكنه لم يكن الزميلَ الذي كان دارسي ليختارَه لمِثل هذه المهمة. فلسوء حظِّه، كان جوزايا كليثرو — وهو القاضي المحليُّ الثالث — عاجزًا بفعل إصابته بداء النقرس، وهو داءٌ مؤلمٌ بقدْر ما كان غيرَ مستحَق له؛ حيث إن ذلك الطبيبَ وعلى الرغم من أنه مولَعٌ بتناول الطعام بشراهة، فإنه لم يكن يُعاقر النبيذ الأحمرَ قط، وهو ما يُعتقد أنه السبب الرئيسي للإصابة بهذا الداء الموهِن. وكان الدكتور كليثرو محاميًا متميزًا ويمتدُّ صيتُه لما يتجاوز حدودَ دياره في ديربيشاير، ومن ثمَّ فهو يُعدُّ إضافةً كبيرة إلى مقعدِ القضاة؛ وذلك على الرغم من ثرثرته التي تبرز مِن اعتقادٍ لديه بأن صحة الحكم تتناسب مع طول الوقت المستغرَق للتوصل إليه. كان يتعمَّق بشدة في دراسة كل تفصيلة صغيرة تخصُّ القضيةَ ويُناقش القضايا السابقة ويبحث فيها ويتعرَّض للقانون ذي الصلةِ بها. وإذا رأى أن قواعد الفلاسفة القدامى — مثل أفلاطون أو سقراط — قد تُضيف وزنًا إلى الحُجة، كان يعرضها. لكن وعلى الرغم من سلوكه كلَّ هذه الدروب عند اتخاذ قرار، فإن قراره النهائيَّ يكون منطقيًّا دائمًا وكانت هناك قلةٌ قليلة من المدَّعى عليهم الذين لم يكونوا ليشعروا بالتمييز غيرِ العادل ضدَّهم لو كان الدكتور كليثرو لم يمنَحْهم ساعةً من الزمن على الأقل ليتحدَّثوا له بأطروحة غيرِ مفهومة. وبالنسبة إلى دارسي، كان مرض الدكتور كليثرو أمرًا غيرَ ملائم تمامًا. حيث إنه والسير سيلوين هاردكاسل لم يكونا على وِفاقٍ كزملاء — على الرغم من أن كلًّا منهما يُكنُّ للآخر الكثيرَ من الاحترام كقضاة — وظلَّت العداوة قائمةً بين العائلتَين حتى ورِث والدُ دارسي تركة بيمبرلي. وكانت جذور الخلاف تعود إلى زمنِ جَدِّ دارسي، حين أُدين خادمٌ من بيمبرلي — ويُدعى باترك رايلي — بسرقةِ أيلٍ من مزرعة الأيائل المملوكةِ حينَها للسير سيلوين، ومن ثَم شُنق جزاءً لذلك. وتسبَّب شنقُ ذلك الخادمِ في حالةِ غضبٍ عارم بين القرويِّين في بيمبرلي، لكنهم عرَفوا أن السيد دارسي كان قد حاول أن يُنقذ حياة الفتى، ومن ثَم عُرف علنًا عن السيد دارسي بأنه القاضي العطوفُ وعن السير سيلوين بأنه يدُ القانون الصارمة، وقد ساعد اسمُ هاردكاسل في الترسيخ كثيرًا لهذا التمييز. وتبِع الخَدَم مثالَ أسيادهم وتوارثَت الأجيال بين العائلتَين العداوةَ والبغضاء. ولم يتم القيام بأي محاولةٍ لرأب الصدع بينهما إلا حين ورِث والدُ دارسي تركةَ بيمبرلي، ولم تتبع تلك المحاولةَ أيُّ محاولة ثانية إلا حين كان والدُ دارسي في فراش الموت. فقد طلب من ابنه أن يقوم بكلِّ ما يمكنه لكي يستعيدَ التوافق بين العائلتين، مشيرًا إلى أن استمرار العداء ليس في صالحِ القانون ولا في حسن العلاقات بين العائلتين. وما منع دارسي عن ذلك هو تحفُّظه واعتقاده بأن مناقشةَ نزاعٍ أو خلاف على العلَن لن يُساعد إلا في التأكيد على وجوده؛ لذا فقد سلك طريقًا أكثرَ دبلوماسية. فكان يُرسل الدعوات أحيانًا إلى هاردكاسل لحضور حفلات الصيد والمآدب العائلية، وكان هاردكاسل يقبلها. ربما كان هاردكاسل أيضًا قد أصبح أكثرَ وعيًا بخطورة العَداء المستمر، لكن ذلك التقارب لم يرْقَ قط إلى مستوى الحميميَّة. كان دارسي يعلم أنه وفي ظلِّ المشكلة الحاليَّة سيجد في هاردكاسل قاضيًا نزيهًا يتبع ضميرَه، لكنه لن يجدَ فيه صديقًا له. وبدا الجوادُ سعيدًا بالهواء الطلْق وبالرحلة كسعادة راكبه، فنزل دارسي عن صهوته أمام منزل هاردكاسل في غضون نصف الساعة. كان جدُّ السير سيلوين قد تسلَّم البارونية في زمن الملكة إليزابيث حين بُني منزل العائلة. كان المنزل يُمثِّل صرحًا كبيرًا معقدًا وشاسعًا، وكانت مداخنه السبعةُ الفاخرة على طِراز تيودر تُمثِّل مَعْلمًا رئيسيًّا بين أشجار الدردار الطويلة التي تُحيط بالمنزل كالمتاريس. وبداخل المنزل، كانت النوافذ الصغيرة والسقف المنخفض يضيئان المنزل بإضاءةٍ خافتة. وكان والد البارون الحاليِّ — متأثرًا في ذلك ببعض المباني المجاورة له — قد أضاف إلى المنزل ملحَقًا فاخرًا لكنه ناشز، وكان استخدام العائلة لهذا الملحق نادرًا، عدا كونه مأوًى للخدم، فقد كان السير سيلوين يُفضِّل الطِّراز الإليزابيثي رغم أوجهِ عدم ملاءمته الكثيرة. صدَح صوت الجرس الذي سحب دارسي حبله في أرجاء المنزل مما أيقظَ المنزل بأكملِه، وفي غضونِ ثوانٍ فتح له البابَ كبيرُ الخَدَم العجوز ويُدعى باكل، الذي بدا أنه لم يخلُد إلى النوم كسيِّده، حيث كان معروفًا عنه أنه سيكون في الخِدمة بغضِّ النظر عن التوقيت. كان السير سيلوين وباكل متلازمَين وكان منصبُ كبير الخَدَم في عائلة هاردكاسل يعتبر في العموم منصبًا متوارثًا؛ حيث إن والد باكل كان يَشغله قبله وكذلك جَدُّه قبلَهما. وكان التشابهُ في العائلة بين الأجيال بارزًا وملحوظًا، فكان كلُّ فرد من عائلة باكل يتَّسم بقِصَر القامة وقوَّة البِنْية وطول الذراعَين ووجهٍ يُشبه وجهَ كلب البولدوج الوَدود. أخذ باكل قبَّعة دارسي وسُترته المخصَّصة لركوب الجياد، وعلى الرغم من أنه كان يعرف الزائرَ معرفةً تامة، فإنه سأله عن اسمه وكعادته التي لا تتغير طلبَ منه الانتظار حتى يُعلِم سيده بحضوره. وبدا لدارسي أن غياب باكل عنه كان طويلًا، لكنه سمع في الأخير صوتَ وقْع أقدامه قادمًا نحوه وقال له: «السير سيلوين في غرفة التدخين الخاصةِ به يا سيدي، فهلا تتبعَني فضلًا.» تقدَّما عبر الرَّدهة العظيمة بسقفها المقبَّب المرتفع، ونوافذها الكثيرة ومجموعة رائعة من الدروع، ورأس أيل معلَّقة أصابها شيء من العفن مع مرور الزمن. كما احتوَت الرَّدهة أيضًا على الصور العائلية، وبمرور الأجيال اكتسبت عائلة هاردكاسل سُمعة بين العائلات المجاورة بكونها عائلةً كبيرةَ العدد والحجم، وهي سُمعة تأسَّسَت على الكمِّ أكبرَ منها على الجودة. وقد ورِث كلُّ بارون رأيًا واحدًا أو تحيزًا قويًّا واحدًا على الأقل ليأمرَ به، أو ليزعج من خلاله ورثتَه، وكان يسود بينهم اعتقادٌ — تشكَّل في البداية لدى السير سيلوين من القرن السابع عشر — أن توظيف رسام يتقاضى ثمنًا باهظًا ليرسمَ نساء العائلة هو مضيعةٌ للمال. وكل ما كان ضروريًّا لإرضاء ادِّعاءات الأزواج وغرور الزوجات هو أن يجعل الرسامَ من الوجه العاديِّ جميلًا، ومن الوجه الجميل وجهًا مليحًا، وأن يقضيَ الكثير من الوقت ويتوخَّى في رسمه إبرازِ ملابسِ الشخص المرسوم أكثرَ من ملامحه. وحيث إن الرجال في عائلة هاردكاسل كانوا يتشاركون فيما بينهم نزوعًا إلى الإعجاب بالنوعِ نفسِه من الجمال الأنثوي، فقد أضاء الشمعدانُ ذو الأفرع الثلاثة الذي يُمسك به باكل صفًّا من الرسومات المتطابقة لشفاهٍ معقودةٍ وعيونٍ جاحظة عدوانية حيث تلا الساتان والدانتيل النسيج المخملي، وحلَّ الحرير محلَّ الساتان، وأفسح الحرير المجال لنسيج الموسلين. وكان حال الذُّكور من عائلة هاردكاسل أفضل. فكانت الأنفُ المتوارَثة المعقوفة قليلًا والحواجب الكثيفة ذات اللون الداكن أكثرَ من الشعر، والفم العريض الذي تكاد شفتاه تخلوان من الدماء، كانت هذه الملامح تنظر إلى دارسي من فوقٍ بثقة وثَبات. هنا يُمكن للمرء أن يعتقد أن السير سيلوين الحاليَّ قد خلد على مرِّ القرون بفعل فرشاة الرسامين البارزين في أدواره المتعددة؛ السيد وصاحب الأرض الجاد، ورب الأسرة والمحسن إلى الفقراء وقائد متطوِّعي ديربيشاير الذي يرتدي وشاح منصبه في أناقة، وأخيرًا القاضي الصارم الحصيف العادل. وكان السير سيلوين لا يزوره من البسطاء إلا قلةٌ قليلة، وكان هؤلاء لا ينبهرون كثيرًا ويرهبونه بالقدرِ المعقول بمجرد الدخول إلى حضرته. تبع دارسي الآن باكل إلى داخل رِواق ضيِّق نحو الجزء الخلفي من المنزل، وفي نهاية هذا الرواق فتح باكل بابًا من خشب البلوط الثقيل من دون أن يطرقه، وأبلغ بصوت جهور قائلًا: «السيد دارسي من بيمبرلي هنا لرؤيتك يا سيد سيلوين.» لم ينهض سيلوين هاردكاسل. كان يجلس في كرسيٍّ عالي الظهرِ بجوار النار ويرتدي قبعةَ التدخين، وكان شعره المستعارُ موضوعًا على الطاولة بجواره، التي كانت تحمل أيضًا زجاجةً من النبيذ الأحمر، وكأسًا مملوءةً حتى نصفها. كان الرجل يقرأ من كتابٍ كبيرِ الحجم كان مفتوحًا على ركبتَيه، والآن أغلقه هاردكاسل بتعبيرٍ واضح عن الأسف بعد أن وضع بحرصٍ مؤشرًا مرجعيًّا عند الصفحة التي كان يقرؤها. وكان المشهد كله يكاد يقترب من تصويرٍ حيٍّ لصورته كقاضٍ، وأمكنَ لدارسي أن يتخيَّل أنه رأى الرسام وهو يتحركُ بمهارة عبر الباب، بينما الرجل جالس في مكانه. ومن الواضح أن أحدَ الخَدَمِ قد اعتنى بالنار لتوِّه فكانت تشتعل بشدَّة؛ ومن بين صوتِ الفرقعة وطقطقةِ الحطب، اعتذر دارسي عن زيارته في وقتٍ متأخِّر. قال السيد سيلوين: «لا بأس بذلك. إنني نادرًا ما أنتهي من القراءة قبل حلول الواحدة صباحًا. يبدو عليك الارتباك. وأعتقد أن هذه حالة طارئة. فما هي المشكلة التي تُزعج المقاطعة الآن؛ أهي صيدٌ جائر، أم أحداث شَغب، أم عصيانٌ جماعي؟ هل جاء بوني أخيرًا، أم أن أحدهم أغار على دواجن السيدة فيلمور مرةً أخرى؟ اجلس فضلًا. يُقال إن ذاك الكرسيَّ ذا الظهر المنحوت مريحًا وسيتحمَّل وزنك.» بما أن ذاك كان الكرسيَّ الذي يجلس عليه دارسي عادةً فكان واثقًا تمامًا من أنه سيتحمَّل وزنه. جلس دارسي على الكرسيِّ وقصَّ قصته كاملةً لكن بإيجاز، فأشار إلى الحقائق البارزة من دون أن يُعلِّق عليها. واستمع السير سيلوين إليه في صمتٍ ثم قال: «لننظر إن كنتُ قد فهمتُ ما قلتَ بصورة صحيحة. كان السيد جورج ويكهام وحرَمه والكابتن ديني يتَّجهون على متنِ عربةٍ مستأجَرة إلى بيمبرلي حيث ستقضي السيدة ويكهام الليلة السابقة لحفل الليدي آن. وعند مرحلةٍ ما ترك الكابتن ديني العربة حيث كانت في غابة بيمبرلي، بسبب خلافٍ دبَّ بينهما على ما يبدو، وتبعه ويكهام وطلب منه أن يعودَ إلى العربة. وساد القلق حين لم يُعاود أيهما الظهور. وقالت السيدة ويكهام والسائق المدعوُّ برات إنهما سمعا طلقاتٍ ناريةً بعد مرور ١٥ دقيقة، وبالطبع حين خافت السيدة ويكهام أن تَلْقى حتفَها أُصيبت بالاهتياج وأمرَت سائق العربة أن يتقدَّم نحو بيمبرلي بأقصى سرعة. وبعد أن وصلت وقد بلَغ منها الخوفُ مبلغَه، بدأت أنت البحث في الغابة، وكان معك الكولونيل الفيكونت هارتليب والمحترم هنري ألفيستون واكتشفتم أمر جثة الكابتن ديني، وكان ويكهام جاثيًا عليه ينتحب وعلى ما يبدو أنه كان مخمورًا، وكان وجهه ويداه ملطَّخَين بالدم.» ثم توقَّف عن الحديث بعد هذا التذكُّر الفذ وأخذ بضع رشفاتٍ من النبيذ قبل أن يُعاود الحديث. «هل دُعيت السيدة ويكهام إلى الحفل؟» كان تغييرُ مسار الأسئلة غيرَ متوقَّع، لكن دارسي تقبَّل الأمر بهدوء. «لا. كنا لنُرحبَ بها بالطبع في بيمبرلي في أيِّ وقت لو كانت حضرَت إلينا على نحوٍ غيرِ متوقَّع.» «لم تكن مدعوَّة لكنكم كنتم لتُرحِّبوا بها، على عكس زوجها. من المعروف أن جورج ويكهام غيرُ مرحَّب به تمامًا في بيمبرلي.» قال دارسي: «ليس الأمر على هذه الشاكلة.» وضع السير سيلوين كتابه على الطاولة بهدوء. وقال: «شخصيته معروفة تمامًا على المستوى المحلِّي. كانت بدايته جيدة أثناء طفولته، لكنه انحدر إلى سلوكياتٍ همجية ومنحلَّة، وهذه نتيجة طبيعية لتعريضِ شابٍّ يافع إلى أسلوب حياة لم يكن ليأمُلَ الوصول إليه يومًا باجتهاده الشخصي، وإلى رفاقٍ من طبقة اجتماعية لم يكن ليطمحَ قط إلى أن ينتميَ إليها. هناك شائعاتٌ تقول بأن هناك أسبابًا أخرى إلى العَداوة بينكما، شيء له علاقة بزواجه من أخت زوجتك؟» قال دارسي: «الشائعات موجودة دائمًا. لكن جحوده لذِكْرى والدي وقلة احترامه لها بالإضافة إلى الاختلافات بين ميولنا واهتماماتنا تُعد كافيةً لتفسير قلة أواصر المودة. لكن ألَسْنا بهذا نشردُ بعيدًا عن سبب زيارتي؟ لا يمكن أن تكون هناك صلةٌ بين علاقتي بجورج ويكهام ومقتل الكابتن ديني.» «اعذرني يا دارسي، لكنني أخالفك الرأي. هناك صلات كثيرة. لقد وقعت جريمةُ قتل الكابتن ديني — إن كان قد قُتِل — في أملاكك والشخص المسئول هو نسيبك، ومن المعروف أنكما على خلاف. إنني أعبِّر عن الأشياء الهامَّة حين تُراود ذهني. وموقفك هذا يتَّسم بشيءٍ من الحساسية. هل تُدرك أنه لا يمكنك أن تُشارك في هذا التحقيق؟» «هذا هو سببُ وجودي هنا.» «سيتعيَّن علينا أن نُخبر المسئول الأعلى بالطبع. أعتقد أنك لم تفعل هذا بعد.» «فكَّرت أنَّ من الأهم أن أخبرك أنت أولًا.» «أنت محقٌّ في ذلك. سأخبر السير مايلز كالبيبر بنفسي وسأُقدِّم له بالطبع تقريرًا كاملًا بوضع التحقيق أولًا بأول. ولكنني أشكُّ في أنه سيُولي الأمر اهتمامًا شخصيًّا. فمنذ تزوَّج بزوجته اليافعة الجديدة وهو يقضي الكثير من الوقت في الاستمتاع بوسائل الترفيه المتعددة في لندن أكثر من انتباهه للشئون المحليَّة. ولست أنتقدُه في ذلك. فمنصب المسئول الأعلى دافع للحسد إلى حدٍّ ما. فواجباته كما تعلم هي فرض القوانين وتنفيذ القرارات التنفيذية للقُضاة، وأيضًا الإشراف على الموظَّفين الأصغرِ تحت إمرته وإدارتهم. وحيث إنه لا يتمتع بأي سُلطة رسمية عليهم فمن الصعب رؤيةُ القيام بذلك بصورةٍ فاعلة، لكن وكما هو حال الكثير من الأشياء في بلادنا، فإن النظام يعمل بصورةٍ مُرضِية ما دام متروكًا للمحليِّين. أنت تذكر السير مايلز بالطبع. لقد كنت أنا وأنت اثنين من القضاة الذين تلا القسَم أمامهم في الجلسات الفصليَّة قبل عامين. سأتواصل أيضًا مع الدكتور كليثرو. قد لا يكون قادرًا على الاضطلاعِ بدورٍ نشط في هذه القضية، لكنه ذو قيمة كبيرة في المسائل القانونية، وأنا لا أرغب في أن أتحمَّل المسئولية كلها. أجل، أعتقد أن الأمر سيسير على ما يُرام بيننا. سأصحبك الآن عائدَين إلى بيمبرلي في عربتي. سيكون من الضروريِّ إحضارُ الدكتور بيلشر قبل أن تُحرَّك الجثة، وسأحضر معي عربة المشرحة واثنين من الضبَّاط الصغار. أنت تعرفهما؛ توماس براونريج الذي يحب أن يُشار إليه بآمر البلدة لتمييز أقدميته، وويليام ميسون الشاب.» ومن دون أن ينتظر تعليق دارسي، نهض هاردكاسل وتحرَّك نحو جرس الحبل وسحبه بقوَّة. دخل باكل بسرعةٍ كبيرة أوحت إلى دارسي أنه كان ينتظر خارجَ الباب. قال له سيِّده: «معطفي الكبيرُ وقبعتي يا باكل، وأيقظ بوستجيت إن كان نائمًا، وإن كنت أشكُّ في ذلك. أريد تجهيز عربتي. سأذهب إلى بيمبرلي، لكنني سأُعرِّج في الطريق على اثنين من الضبَّاط الصغار والدكتور بليشر. وسيمتطي السيد دارسي صهوةَ جواده في رفقتنا.» اختفى باكل في ظُلمة الرواق، وأغلق البابَ الضخم بما بدا أنه قوة غير ضرورية. قال دارسي: «أعتذر أن زوجتي قد لا تكون قادرةً على الترحيب بك. آمُل أن تأخذ هي والسيدة بينجلي قسطًا من النوم هذه الليلة، لكنَّ الخَدَمَ الأعلى شأنًا لا يزالون مستيقِظين كما أن الدكتور ماكفي موجودٌ في المنزل. كانت السيدة ويكهام في حالةٍ من الإعياء الشديد حين وصلَت إلى بيمبرلي وفكَّرتُ أنا والسيدة دارسي أنه من الأفضل أن نحضر لها رعايةً طبية عاجلة.» قال السير سيلوين: «وأعتقد أنه من الأفضل أيضًا أن يَحضُر الدكتور بيلشر التحقيقَ في هذه المرحلة المبكِّرة؛ حيث إنه الطبيبُ الذي تستدعيه الشرطة لتقديم المشورة لها في الأمور الطبِّية. لا بد أنه أصبح معتادًا على تأريقه في نومه. هل يفحص الدكتور ماكفي سجينك؟ أعتقد أن جورج ويكهام في مكانِ احتجازٍ شديد الحراسة.» «ليس في مكانِ احتجازٍ شديد الحراسة، لكنه تحت الحراسة باستمرار. كان كبير الخَدَم لديَّ وستاوتن والسيد ألفيستون معه حين غادرت بيمبرلي. كما فحصه الدكتور ماكفي، وقد يكون الآن نائمًا، ومن غيرِ المرجَّح أن يستيقظَ قبل مرورِ بضعِ ساعات. سيكون من الأفضل لو أنك جئتَ بعد بزوغ الفجر.» قال السير سيلوين: «من الأفضلِ لِمَن؟ إن أكثر المنزعجين في هذا الأمر هو أنا، لكن لا بأس بهذا إن كانت المسألةُ تتعلَّق بأداء الواجب. وهل تدخَّل الدكتور ماكفي بأيِّ طريقة فيما يتعلق بجثةِ ديني؟ أعتقد أنك حرَصت على ألا يمَس أحدٌ الجثةَ إلى أن أحضُر.» «جثة الكابتن ديني ترقد على طاولةٍ في غرفة السلاح وهي تحت حراسةٍ مشددة. فكَّرت ألا نقوم بأي شيء يُمكِّننا من معرفة سبب الوفاة حتى حضورك.» «أنت محقٌّ في ذلك. سيكون من المؤسف إن أشار أحدٌ إلى أن الجثة قد مُسَّت. حبَّذا بالطبع لو أن الجثة تُركت في الغابة حيث كانت ترقد حتى تطَّلع عليها الشرطة، لكنني أتفهَّم أنك لم تستطِع فعْل ذلك وقتها.» كان دارسي يريد أن يقول إنه لم يُفكِّر قط في أن يترك الجثة حيث وجدها، لكنه فكَّر أنه من الحكمة أكثرَ أن يُقلل كلامه بقدْر ما يُمكنه. كان باكل قد عاد الآن. فارتدى السير سيلوين شعرَه المستعار الذي كان يرتديه باستمرارٍ حين يؤدي عمله الرسميَّ كقاضٍ للصُّلح، وساعده خادمُه في ارتداء معطفه الكبير وأعطاه قبَّعته. وبملابسه تلك وبمظهره الذي يدلُّ على أنه مخوَّلٌ للقيام بأي شيء متوقَّعٍ منه، بدا الرجلُ أطولَ وأكثر وقارًا باعتباره ممثلًا للقانون. تَقدَّمَهم باكل إلى الباب الأمامي وسمع دارسي صوتَ المزاليج الثلاثة الضخمة وهي تُغلَق خلفهم، فيما وقفا ينتظران العربة في الظلام. ولم يُظهر السير سيلوين أيَّ تململ من تأخُّر العربة. وقال: «هل قال جورج ويكهام أيَّ شيء حين وصلتم إليه وهو جاثٍ بجوار الجثة؟» كان دارسي يعلم أن هذا السؤال سيُطرَح عاجلًا أو آجلًا، وليس من جانب هذا الرجل فقط. قال دارسي: «كان منفعلًا كثيرًا، بل وكان ينتحبُ حتى، وبالكاد كان كلامه مفهومًا. كان من الواضح أنه شرب الكثير. وبدا أنه يعتقد أنه مسئول بطريقةٍ ما عن وقوع تلك المأساة، ربما لأنه لم يستطِع أن يُقنع صديقه بالعدول عن مغادرة العربة. فالغابة كثيفةٌ بما يكفي لتُمثِّل ملجَأً لأي طريد يائس، ولن يقوم أيُّ رجل حصيف بالسير فيها وحيدًا بعد هبوط الظلام.» «أُفضِّل يا دارسي أن أسمع الكلمات عينها التي نطق بها. لا بد أنها طُبِعت في ذهنك.» كانت الكلمات قد طُبعت في ذهنه بالطبع، وكرَّر دارسي ما كان قد سمعه. «لقد قال: «لقد قتلتُ أعزَّ صديق لدي؛ صديقي الوحيد. هذا خطئي أنا.» ربما أكون قد خلطتُ بين ترتيب الكلمات لكن هذا هو فَحْوى ما سمعت.» قال هاردكاسل: «إذن لدينا اعتراف؟» «بالكاد يُعد اعترافًا. لا يمكن أن نكون واثقين من الشيء الذي كان يعترف به، ولا من حالته التي كان فيها في تلك اللحظة.» كانت العربة العتيقة الضخمة والمثيرة للإعجاب تُقعقع الآن آتيةً عند زاوية المنزل. وقبل أن يركب فيها السير سيلوين، التفت إلى دارسي ليقول له كلمةً أخيرة: «أنا لا أبحث عن التعقيدات. لقد عَمِلنا معًا كقضاةٍ بضعَ سنوات، وأعتقد أننا يفهم بعضُنا بعضًا. وأنا واثقٌ تمامًا من أنك تعرف واجباتك، كما أعرف أنا واجباتي. إنني رجلٌ بسيط يا دارسي. إنني أميلُ إلى تصديق المرء حين يعترف، وهو ليس تحت الإكراه. لكننا سنرى، سنرى، ولا ينبغي لي أن أضعَ النظريات قبل رؤية الحقائق.» وفي غضونِ دقائقَ كان جواد دارسي قد أُحضِر إليه، فامتطى صهوتَه وبدأت العربةُ تتحرك محدِثةً صوتَ قعقعة. وانطلق الرجلان في طريقهما. الموت يزور بيمبرلي
الفصل الخامس كانت الساعة الآن قد تخطَّت الحاديةَ عشرة. ولم يكن لدى إليزابيث أيُّ شك في أن السير سيلوين سيأتي إلى بيمبرلي بمجرد أن يسمع عن جريمة القتل، وفكَّرَت أن تذهب لتطمئنَّ على ويكهام. كان من المستبعَد بشدةٍ أن يكون مستيقظًا، لكنها كانت تتوق لأن تطمئنَّ بنفسها أن كل شيء على ما يُرام. لكن وعلى مسافة أربعة أقدام من الباب وقفَت مترددة، وقد سيطرَت عليها لحظةٌ من لحظات إدراكِ الذات التي أجبرها الصدقُ مع الذات على تقبُّلِها. كان سبب وجودها هنا أكثرَ تعقيدًا وإقناعًا من مجرد مسئوليتها كمُضيفة، وربما كان ذلك السبب صعبَ التبرير. فلم يكن لدى إليزابيث أدنى شكٍّ أن السير سيلوين هاردكاسل سيضع ويكهام قيد الاعتقال، ولم يكن لديها أيُّ نية أن تراه وقد اقتادته الشرطةُ وربما كان مقيدًا بالأغلال. يمكن على الأقلِّ أن تُعفيَه من هذه الإهانة. وكان من غيرِ المرجَّح أن يتقابلا مرةً أخرى بمجرد أن يُغادر؛ لكن ما وجدت إليزابيث الآن أنه أمرٌ لا يُطاق هو احتمال أن تظلَّ تلك الصورة الأخيرة عنه مطبوعة في ذهنها إلى الأبد، وهي صورة جورج ويكهام الشابِّ الوسيم المحبوب الظريف، وقد انحدر به الحالُ ليُصبح شخصًا سكِّيرًا لحِق به الخزيُ، ويصرخ بكلماتٍ بذيئة بينما يُوقظ ويُجرُّ على عتبة بيمبرلي. تقدَّمَت إليزابيث بخطوات حازمة، وطرقَت على الباب. فتح بينجلي الباب ودهشت لرؤية جين والسيدة رينولدز في الغرفة تقفان بجوار الفراش. وعلى كرسيٍّ من الكراسي كان هناك وعاءٌ به ماء، وقد تحوَّل لونُ الماء فيه إلى الورديِّ بفعل الدماء، وبينما كانت تنظر، كانت السيدة رينولدز قد انتهَت من تجفيف يدها بقطعة قماش علَّقَتها على حافة الوعاء. قالت جين: «ليديا لا تزال نائمةً لكنني واثقةٌ من أنها ستُصرُّ على المجيء للسيد ويكهام بمجرد أن تستيقظ ولم أُرِد لها أن تراه بنفس الحالة التي كان عليها حين أُحضِر إلى هنا. وهي لديها كلُّ الحق في رؤية زوجها حتى ولو كان فاقدًا للوعي، لكن سيكون من المريع جدًّا إن كان وجهه لا يزال مخضَّبًا بدماء الكابتن ديني. ربما كان بعض ذلك الدمِ يعود له؛ فهناك خدشان على جبينه وبعض الخدوش على يدِه، لكنها خدوشٌ طفيفة، وسببُها على الأرجح هو محاولته شقَّ طريقٍ للخروج عبر الشجيرات.» فكَّرَت إليزابيث في مدى حِكمة غسل وجه ويكهام. ألم يكن من المحتمل أن السير سيلوين سيتوقَّع حين يصل أن يرى ويكهام بالحالةِ نفسِها التي كان عليها حين وُجد جاثيًا بجوار الجثَّة؟ لكنها لم تُفاجَأ من فعْل جين ولا من وجود بينجلي لتقديم دعمه. فبالرغم مما تتحلَّى به أختُها من الرقَّة والعذوبة، فإنها كانت تتحلَّى أيضًا بعزمٍ صَميم، وبمجرد أن تُقرر أن فعلًا ما صائبٌ فلن تثنيَها أيُّ حُجة عن غايتها. سألتها إليزابيث: «هل فحصه الدكتور ماكفي؟» «فحصه قبل نصف الساعة تقريبًا، وسيفحصه ثانيةً إذا ما استيقظ. ويَحْدونا الأمل عند استيقاظه أن يكون قد هدأ، وأن يتناول شيئًا من الطعام قبل أن يصل السير سيلوين، لكن الدكتور ماكفي يعتقد أن أرجحية ذلك بعيدة. فلم يتمكَّن الدكتور ماكفي من إقناع السيد ويكهام إلا بأن يتناول جرعة الدواء، لكن ونظرًا إلى قوة ذلك الدواء، فإن الدكتور ماكفي اعتقد أنه كان كافيًا لأن ينامَ بضع ساعات يستعيد خلالها عافيته.» تحرَّكت إليزابيث نحوَ الفراش، ووقفَت تنظر إلى ويكهام. لا شك أن الدواء الذي أعطاه له الدكتور ماكفي كان فعَّالًا، أما عن رائحةِ فمِه القوية الكريهة، فقد اختفت وكان يغطُّ في النوم كطفل بريء، وكانت أنفاسُه خافتةً جدًّا حتى إنه قد يبدو وكأنه ميت. وبعد أن نُظِّف وجهه ونُثر شعره على الوسادة وفُتح قميصه، بحيث بدا خطُّ حلقه الرقيق، بدا ويكهام الآن كفارس يافع جريح ومنهك بعد المعركة. وحيث كانت إليزابيث واقفة تُحدِّق إليه، انتابتها دفقاتٌ من المشاعر. فقد عاد ذهنها كُرهًا إلى ذكرياتٍ كانت مؤلمة جدًّا حتى إنها كانت تتذكَّرُها بشيء من الاشمئزاز من نفسها. لقد كانت على شفا الوقوعِ في حبه. فهل كانت لتتزوجَ به لو كان ثريًّا وليس فقيرًا؟ بالطبع لا، كانت تعرف الآن أن ما كانت تشعر به حينها لم يكن حبًّا. كان ذلك الشابُّ الوسيم الوافد جديدًا ومحبوبَ ميرتون، وكانت كلُّ فتاة مسلوبةَ العقل به، وقد سعى وراءها هي باعتبارها فتاتَه المفضَّلة. وقد صدَّقَت هي مزاعمه — والأسوأ من ذلك أنها قصَّتَها على جين — حول غدر دارسي به وتضييع كلِّ فرص حياته وخيانته لصداقتهما، وتجاهله القاسي لمسئولياته تجاه ويكهام التي وضعها والد دارسي على عاتقه. ولم تُدرك إليزابيث إلا لاحقًا كيف أن تلك المزاعم — التي كُشِف عنها لشخص غريب نسبيًّا — لم تكن صحيحة. كانت تنظر إليه الآن وتشعر بتجدُّدِ مشاعر الخزي والإهانة؛ لأنها كانت تفتقر إلى المنطق والبصيرة وكذلك إلى الفطنة في إدراك شخصيات الآخرين، وهي السِّمات التي كانت تفخر هي دومًا بأنها تتحلَّى بها. لكن ظل يُخالجها شيءٌ ما؛ شعورٌ أقربُ إلى الشفقة جعلها مرعوبةً من التفكير في كيف ستكون نهايته، وحتى الآن، وحيث كانت تعرف أسوأَ ما يمكن أن يأتيَ ويكهام على فعله، لم تستطِع أن تُصدِّق أنه يمكن أن يكون قاتلًا. لكن أيًّا كانت نتيجةُ ذلك، لقد أصبح ويكهام بزواجه من ليديا جزءًا من العائلة ومن حياتها كما أصبح جزءًا من حياة دارسي بزواجها هي منه. والآن كانت كلُّ أفكارها حيالَ ويكهام تَشوبها صورٌ مرعبة؛ ذلك الحشد الصارخ يصمت فجأةً حيث يخرج السجين المكبَّل بالأغلال من السجن، والمشنقة العالية وحبلها. كانت إليزابيث تريد إخراجه من حياتهم، لكن ليس بهذه الطريقة — بحقِّ الرب، ليس بهذه الطريقة. الموت يزور بيمبرلي
تقديم بقلم إبراهيم عبد القادر المازني اختيرت هذه الأقاصيص لطائفة من كتاب القرن الماضي في إنجلترا وأمريكا، وإن كان بعضهم قد امتد به العمر إلى أوائل القرن العشرين. وروعي في الاختيار إبراز أسلوب الكاتب وخصائصه الفنية لا تسلية القارئ، والمراد هو التعريف بالكاتب بهذه الواسطة والإشارة إلى فنه لمن يعنيه التوسع في الدرس، ولم نر أن نترجم لأحد أو نزيد على إثبات سنتي الميلاد والوفاة لأن كل ترجمة في مجموعة كهذه لا تكون إلا موجزة جدًّا ولا خير في مثل ذلك ولا جدوى. وقد توخينا في الترجمة مثل ما روعي في الاختيار، أي إبراز أسلوب الكاتب لا أسلوب المترجم. ولم يكن هذا سهلًا ولا كان مطلبه هينًا لشدة التفاوت، ولكنا تكلفناه وعسى أن نكون وفقنا فيه. وقد حرصنا على التزام الأصل حتى ليمكن أن نقول إن الترجمة حرفية على قدر ما يتيسر ذلك في النقل من لغة إلى أخرى بينهما من الاختلاف ما بين العربية والإنجليزية، ولم نحذف من الأصل في هذه المجموعة كلها إلا بضعة سطور لا يزيد عددها على عدد أصابع اليدين، وكانت علة الحذف العجز التام عن الاهتداء إلى ما يؤدي معناها — مع شدة تفهمها — في لغتنا العربية وليس هذا نقصًا في اللغة العربية ولكنه نقص في المترجم. وقد استعملت ألفاظًا شائعة في عاميتنا، وكان الظن أنها غير صحيحة، ولكني وجدتها مثبتة في كتب اللغة ومستعملة في كتب الأدب، فلم أر مسوغًا لهجر هذا الصحيح المأنوس إلى الحوشي أو غير المألوف أو النابي. وما دامت اللفظة قد استطاعت أن تحيا على ألسنة الناس فإنها أحق بالاستعمال من أخرى عجزت عن الحياة فدفنت في المعجمات. وفي اللغة — كما في الأحياء — يبقى الأصلح لا الذي يظنه المتحذلقون الأفصح، وليس المعول في الفصاحة على القدم بل على الوفاء بحاجة التعبير بالقوة المطلوبة أو الجمال المنشود، وسهولة التلقف للمعنى وسرعة التأثر به. وليس هذا تعريفًا للفصاحة، وإنما هو إجمال للمطلوب بها. وقد نبهت على بعض هذه الألفاظ في الهوامش وأهملت التنبيه في الأغلب اكتفاء باليسير من ذلك، وأقول على الجملة إني ما استعملت لفظًا غير صحيح، وإن كان محسوبًا من العامية إلا لفظة أو اثنتين أجنبيتين شائعتين على الألسنة، لم أجد لهما مقابلًا، أو استثقلت مقابلهما، فوضعتهما بين علامات التضمين أو الاقتباس. وأقول أخيرًا إن ما اختير في هذه المجموعة ليس خير ما في الأدب الإنجليزي من نوعه ولكنه من خيره، وعيب كل اختيار هو الاضطرار إلى ترك الأكثر والاجتزاء بالأقل. وكثيرًا ما تؤدي الحيرة إلى سوء الاختيار، ولكن القارئ يستطيع أن يكون على يقين أن ما يقرؤه هنا هو — في الأصل إذا لم يكن في الترجمة — من الجيد على كل حال وبشهادة الزمن. وأحب أن أشكر لجنة التأليف والترجمة والنشر على ما يسرت وأعانت وصبرت. مختارات من القَصَص الإنجليزي
دفن روجر مالفن «من الحوادث القليلة التي وقعت في الحرب مع الهنود الحمر، والتي تحتمل بطبيعتها أن تكون موضوعًا للقصص الرومانتيكي، تلك الحملة التي قامت بالدفاع عن الحدود في سنة ١٧٢٥ وانتهت (بمعركة لافيل) المذكورة. وقد يستطيع الخيال — بترك بعض الظروف وإسقاطها — أن يرى كثيرًا مما يستحق الإعجاب في بطولة عصبة قليلة قاتلت ضعفي عددها من العدو في قلب بلاده. وقد كانت البسالة الصريحة التي أبداها الفريقان مطابقة لآراء الحضر في معنى الشجاعة ومقتضياتها، ولم تعدم الفروسية ما لا تخجل أن تسجله من أعمال واحد أو اثنين من المقاتلة. ولم تكن المعركة — على هول عنفها بالذين خاضوا غمارها — مشئومة النتائج للبلاد، فقد ألوت بقوة قبيلة وأفضت إلى السلم فاستقرت سنوات عدة. وقد عني التاريخ والراوية الشعبية — على خلاف العادة — بتفاصيل هذه الواقعة. ونال قائد نفيضة من رجال الحدود من الشهرة الحربية مثل ما يغنمه قائد الجيش المظفر. وفي بعض ما أنا مورده في الصفحات التالية ما سيفطن إليه — على الرغم من الاعتياض من الأسماء الحقيقية أخرى مخترعة — مَن سمعوا من أفواه الشيوخ بمصير القليلين الذين استطاعوا أن يرجعوا بعد معركة لافيل.» خفقت أشعة الشمس الطالعة في طلاقة وبهجة على رءوس الأشجار التي رقد تحتها من الليلة البارحة جريحان مكدودان، وكان فراشهما ورق البلوط الذاوي اليبيس المنتثر في مستوى ضيق من الأرض، في ظل صخرة قريبة من ضَهْرِ نجوة من تلك النجاء التي تختلف بها وجوه الأرض هناك. وكانت كتلة الصخر التي يذهب سطحها الأملس المستوي في الهواء مقدار خمس عشرة قدمًا أو عشرين، فوق رأسيهما، كأنها حجر قبر ضخم، وكأن عروقها الجارية كتابةٌ بحروف مجهولة. وكان البلوط وما إليه من الشجر العظيم يحيط بالصخرة في رقعة فسيحة، بدلًا من الصنوبر وهو الغرس المألوف في هذه المنطقة. وكان هناك عودٌ أخضر قوي على مقربة من الرجلين. وكان الجرح البليغ الذي أصاب أكبر الرفيقين قد حرمه من النوم على الأرجح، فما كاد أول شعاع من الشمس يلمس أعلى شجرة، حتى جهد أن يغير رقدته، ثم اعتدل قاعدًا. وكانت غضون وجهه العميقة وما شاع من الشيب في رأسه، تدل على أنه جاوز خير شطري العمر. غير أن متانة أسره كانت خليقة — لولا ما كلفه جرحه — أن تعينه على احتمال التعب كما يحتمله الشاب في عنفوانه. وكان الفتور والإعياء مرتسمين على محياه المتهضم. وكانت نظرة اليأس التي يمد بها بصره في جوف الغابة تنبئ باقتناعه أن رحلته قد شارفت ختامها. ثم أدار عينه إلى رفيقه الراقد إلى جانبه. وكان هذا الشاب — فما بلغ مبالغ الرجال بعد — نائمًا ورأسه على ذراعه، وكان نومه مضطربًا، وكان يخيل إلى الناظر إليه أن ضَرَبَانَ الوجع من جرحه، سيوقظه في كل لحظة من نومه. وكانت يده قابضة على بندقية. وكان الاضطراب العنيف الذي ترتسم مظاهره على معارف وجهه يوقع في الروع أنه يرى في منامه صورة من القتال الذي كان أحد القليلين الذين نجوا منه. وكأنما أطلق في منامه الذي يتراءى له صيحة عميقة عالية، فاختلجت شفتاه بهمسة خافتة. وعلى أن هذا الصوت الخفيض الذي انبعث منه كان كافيًا لإزعاجه من رقاده فاستيقظ فجأة، وكان أول ما فعل بعد أن عاد إليه الوعي، وتنبهت الذاكرة، أن أقبل على صاحبه الجريح يسأله عن حاله بلهفة، فهز رفيقه رأسه وقال: «روبن — يا بني — إن هذه الصخرة التي تقعد تحتها حسبُ ذلك الصائد الكهل والمقاتل القديم صُوَى لقبره. فما تزال أمامنا أميال عدة، دونها أميال طويلة، من المفاوز التي تنوح فيها الرياح وتعوي، ولن يجديني حتى أن تكون مدخنة بيتي على الجانب الآخر من هذه الهضبة، لقد كانت رصاصة الهندي أفتك مما ظننت.» فقال الشاب: «إنما أتعبتك مسيرة الأيام الثلاثة. وأخلق بالراحة أن تعيد إليك نفسك وتنعشك، فابق هنا ريثما أجوب هذه الغابة التماسًا للأعشاب والجذور لطعامنا، ثم بعد أن تأكل تتكئ علي ونولي وجهنا شطر البيت، فما أشك في أنك بمعونتي تستطيع أن تصل إلى بعض حاميات الحدود.» فقال الآخر بهدوء: «ليس فيّ دماءٌ يكفي يومين يا روبن، ولن أحملك عبء جسمي الذي لا خير فيه، وأنت لا تكاد تقوى على حمل نفسك. إن جراحك عميقة وقوتك تنضب بسرعة، ولكنك قد تنجو إذا عجلت بالذهاب، أما أنا فلا أمل لي وسأنتظر الموت هنا.» فقال روبن بلهجة المصمم: «إذا كان لا بد من هذا فسأبقى وأعنى بك.» فقال رفيقه: «كلا يا بني، كلا، اجعل لرغبة رجل يجود بأنفاسه وزنًا عندك. هات يدك ثم اذهب، وهل تظن أن لحظاتي الأخيرة يخففها علمي أني أتركك للموت البطيء؟ لقد أحببتك كحب الأب يا روبن، وفي مثل هذه الساعة ينبغي أن يكون لي بعض حق الأب وسلطانه، فأنا أدعوك أن تذهب، حتى أقضي نحبي بسلام.» فقال الشاب: «ومن أجل أنك كنت أبًا لي أينبغي لي أن أتركك تموت وتبقى بلا دفن في هذه الفلاة؟ كلا، إذا كان أجلك قد دنا حقًّا فسأبقى بجانبك، وأتلقى آخر كلماتك، وسأحفر هنا قبرًا بجوار الصخرة، فإذا خذلتني قوتي رقدنا فيه معًا، أما إذا وهبني الله القوة فسآخذ طريقي إلى البلدة.» فقال الآخر: «إنهم في المدن وفي حيث تسكن الجماعات من الناس يدفنون الموتى في جوف الأرض، ويحجبونهم عن عيون الأحياء، ولكن هنا — حيث يتفق أن تمضي مائة سنة ولا تدب قدم — لماذا لا أرقد تحت السماء لا تغطيني إلا أوراق البلوط، حيث تنثرها رياح الخريف؟ وإذا كان لا بد مما يذكّر بي ويدل على مكاني، فها هنا هذه الصخرة وسأحفر عليها بيدي الضعيفتين اسم «روجر مالفن»، فإذا اجتاز هذه الناحية أحد عرف أن ها هنا يرقد صائد مقاتل، فلا تتلكأ إذن من أجل سخافة كهذه، بل أسرع إن لم يكن من أجلك فمن أجل تلك التي لن تجد مؤاسيًا بغير ذلك.» وكان مالفن ينطق بالكلمات الأخيرة بصوت مضطرب، وكان وقعها في نفس صاحبه واضحًا جدًّا، فأذكرته أن هناك واجبات أخرى أصرح من مشاطرة صاحبه مآله، وأن موته معه لن ينفعه. وليس في الوسع أن يقال إن قلب روبن خلا من كل شعور أناني، وإن كان إدراكه لاضطراب نفسه بهذا الشعور، قد حمله على التشدد في مقاومة الرجاء الذي ألح به عليه زميله. وقال روبن: «ما أهول أن يقعد المرء منتظرًا دلوف الموت إليه في هذه الوحدة! … إن الرجل المقدام لا يتهيب الموت في إبان المعركة، وحتى المرأة قد تتلقى الموت وهي ساكنة النفس إذا حف بسريرها الأوداء. ولكن هنا …» فقاطعه مالفن قائلًا: «لن أَفرق من الموت حتى هنا يا روبن بورن. وإني لرجل غير منخوب القلب، ولو أنني كنت ذاك لكان لي عون أوثق من عون الإخوان. وأنت شاب والحياة حبيبة إليك وعزيزة عليك، وأنت في ساعاتك الأخيرة أحوج إلى المواساة مني. واعلم أنك بعد أن تدفنني في جوف الثرى وتمسي مستفردًا وَحيدًا، ويلف الليل هذه الغابة في شملته، ستشعر حينئذ بكل مرارة الموت التي تغيب عنك الآن. على أني لن أحض نفسك الكريمة بدوافع من الأثرة. فاتركني من أجلي أنا ليتسنى لي بعد أن أدعو الله لك بالسلامة، أن أتوجه إليه بقلبي مستغفرًا من غير أن تزعجني هموم الدنيا وأحزانها.» فصاح روبن: «وابنتك؟ كيف أجرؤ أن أنظر إليها؟ ستسألني عن مصير أبيها الذي أقسمتُ أن أبذل حياتي دونه. فهل أقول لها إنه سار معي ثلاثة أيام من ميدان القتال وإني بعد ذلك تركته يموت في الفلاة؟ أليس خيرًا أن أرقد وأموت إلى جانبك من أن أعود سالمًا وأقول هذا لدوركاس؟» فقال روجر مالفن: «قل لابنتي إنك على الرغم من جراحك البليغة وضعفك وتعبك قدت خطاي المتعثرة عدة أميال وإنك ما تركتني إلا إجابة لرغبتي الملحة لأني لم أرد أن أحمل تبعة موتك. قل لها إنك على الرغم من الألم والخطر كنت وفيًّا. وأنه لو كان دم قلبك يستطيع أن ينقذني لأريق في سبيلي إلى آخر قطرة، وقل لها إنك ستكون أحنى عليها من أبيها، وإني أدعو لكما جميعًا، وإن عيني اللتين يوشك أن يطبقهما الموت تستطيعان أن تريا طريقًا طويلًا تسلكانه معًا وتحمدان السير فيه.» وكان مالفن وهو يتكلم قد كاد يرفع نفسه عن الأرض، وكأنما بعثت القوة التي نطق بها العبارة الأخيرةَ صورةً من صور السعادة في هذه الغابة الموحشة، ولكنه تحلّل به الإعياء فهوى على فراش الورق فانطفأ النور الذي التمعت به عينا روبن وأحس كأن من الإثم والجنون أن يفكر في السعادة في مثل هذه اللحظة. وكان صاحبه يلاحظ ما يتعاقب على محياه من المشاعر المختلفة، فأراد أن يحمله بالحيلة الكريمة على ما فيه خيره، ومضى في كلامه فقال: «عسى أن أكون واهمًا في أجَلي، ولعلي إذا أُسْعِفْت بالمعونة أبرأ من جراحي، ولا بد أن يكون أسبق اللاجئين قد حملوا قبل الآن أنباء ملحمتنا الوبيلة إلى الحدود، وأحسب أن جماعات قد خرجت لنجدة أمثالنا، فإذا لقيت جماعة منهم وعدت بها إلى هنا فمن يدري؟ لعله يقسم لي أن أجلس مرة أخرى إلى جانب موقدي.» وطافت ابتسامة حزينة بمحيا هذا الرجل الذي يجود بنفسه وهو يوحي إلى صاحبه بالأمل الذي لا مطمع فيه، وإن كان قد ترك أثره في نفس روبن. وما كان أي باعث من الأثرة، ولا حتى أسى دوركاس وولهها ليغريه بهجر رفيقه في ساعة كهذه، ولكن هوى قلبه تعلق بالأمل في إمكان إنقاذ مالفن، وأمدته طبيعته المستبشرة بما رفع إلى مرتبة اليقين ذلك الأمل البعيد، البعيد، في الحصول على معونة إنسانية. وقال كأنما يحدث نفسه: «إن هناك على التحقيق دواعي — دواعي قوية — تبعث على الأمل في أن يكون بعض الإخوان غير بعيدين منا. لقد فر جبان — خرج بلا جرح — في أول القتال، والأرجح جدًّا أن يكون قد أسرع حتى بلغ مأمنًا، ولا شك أن كل ذي نجدة حقيق بأن يحمل بندقيته حين يسمع أنباء الوقعة، وقد لا تتوغل الجماعات في تطوافها إلى هذا المكان من الغابة، ولكني قد ألتقي ببعضها بعد مسيرة يوم واحد.» والتفت إلى مالفن وقد خامره الشك في حقيقة بواعثه فقال: «أشر علي بإخلاص. لو كنت أنا في مكانك أكنت تتركني وبي ذماء (بقية الروح)؟» فقال روجر مالفن وهو يتنهد، وما خفي عليه التفاوت الشديد بين الحالتين: «لقد مضت عشرون سنة مذ فررت مع صديق عزيز عليّ من أسر الهنود قرب مونتريل، فسلخنا عدة أيام ونحن نجتاز الغابة حتى تكسر صاحبي من الجوع والجهد، فرقد وناشدني أن أتركه فقد كان يعلم أن بقائي معه يلحقني به، فجمعت كومًا من الأوراق الجافة وجعلت منها وسادة لرأسه، ومضيت في سبيلي وأنا ضئيل الأمل في الحصول على نجدة.» فسأله روبن: «وهل عدت إليه وأدركته؟» وانتظر رده كأنه نبوءة تبشره بالتوفيق. فقال مالفن: «نعم. وقعت على خيام لجماعة خرجت للصيد قبل الغروب في اليوم نفسه، فمضيت بهم إلى حيث كان صاحبي راقدًا ينتظر الموت، وهو الآن رجل صحيح معافى يعمل في حقله بعيدًا من الحدود، وأنا هنا جريح طريح في قلب هذه الغابة.» وقد لقيت هذه الرواية، التي كانت عظيمة الأثر في توجيه عزم روبن، عونًا خفيًّا من بواعث أخرى مكنونة القوة، ولم تفت عين روجر مالفن أن الفوز كاد يكتب له فقال: «والآن اذهب يا بني وليكن الله في عونك، ولا تعد مع أصدقائك حين تلقاهم لئلا تطيح بك جراحك وتعبك، ولكن وَجِّه إليّ اثنين أو ثلاثة يكونون في فسحة من الوقت والعمل ليبحثوا عني. وصدقني يا روبن حين أقول لك إن كل خطوة تخطوها إلى بيتك تخفف عني ما أجد وتريح قلبي.» على أن وجهه حال، وصوته تغير، وهو يقول ذلك، ولا عجب، فإنه مصير مرعب أن يُترك ليموت في هذه الغابة الموحشة. ونهض روبن بورن أخيرًا عن الأرض ووساوس الشك تساوره في صواب ما هو صانع، واستعد للرحيل. وجمع أولًا — على خلاف رغبة مالفن — ذخرًا من الجذور والأعشاب التي اتخذا منها طعامهما في اليومين الماضيين، ووضع هذه المئونة العقيمة في متناول صاحبه، وجمع له كذلك كومًا جديدًا من أوراق الشجر لفراشه، ثم صعد إلى قمة الصخرة — وكان أحد جانبيها خشنًا وعرًا — وثنى إليه العود الأخضر وربط منديله بأعلى أغصانه، وكان هذا الاحتياط ضروريًّا ليهتدي بالمنديل من عسى أن يجيء باحثًا عن مالفن، إذ كانت الصخرة ما عدا جانبها العريض الأملس يحجبها النبت الكثيف على وجه الأرض. وكان روبن يتخذ من هذا المنديل ضمادًا لجرح في ذراعه. وأقسم بالدم الذي عليه وهو يشده إلى الغصن أن يعود لينقذ حياة صاحبه، أو ليواري جثته في قبر. ثم انحدر ووقف مطرقًا ليتلقى من روجر مالفن آخر كلماته. وكانت لتجرية مالفن الفضل في كثير من النصح الدقيق لرفيقه الشاب في اجتيازه هذه الغابة المُضِلَّة. وكان وهو يتكلم في هذا هادئًا جادًّا؛ كأنما هو يوجه روبن إلى القتال أو الصيد على حين يقعد هو آمنًا في بيته، وكأنما هذا الوجه الإنساني الذي سيتركه ويغيب عنه ليس آخر وجه ستقع عليه عينه، ولكن هذا الثبات تزعزع قبل أن يختم حديثه: «بلغ دوركاس تحيتي ودعائي، وقل لها إن آخر دعواتي كانت لها ولك، ومرها ألا تظن بك سوءًا من أجل أنك تركتني، (وهنا أحس روبن بالحز في قلبه)، فإنك ما كنت لتحرص على حياتك وتضن بها لو أن بذلها كان يجديني، وستتزوجك بعد أن تحد على أبيها مدة، أطال الله عمركما وجعلكما من السعداء، وليحف بكما أحفادكما عند الممات. ويا روبن، (وهنا غلبه ضعف الإنسان الفاني) ارجع بعد أن تبرأ جراحك وتندمل، وتسترد العافية — ارجع إلى هذه الصخرة الموحشة وضع عظامي في قبر، وصل عليّ.» وكان أهل الحدود يجعلون لمراسم الدفن قيمة تكاد تكون خرافية، ولعل ذلك راجع إلى عادات الهنود الذين كانوا يشنون الحرب على الموتى كما يشنونها على الأحياء. وهناك أمثلة كثيرة للتضحية بالحياة في سبيل السعي لدفن الذين طاح بهم «سيف الفلاة»، ولهذا كان روبن يدرك قيمة العهد الذي أعطاه لروجر مالفن بأن يعود ويدفن رفاته. وكان من الغريب أن مالفن بعد أن أفضى في كلماته الأخيرة بكل ما في قلبه، لم يعد يحاول أن يقنع رفيقه الشاب بأن أسرع النجدات قد يكون لها غناء في إنقاذ حياته. وكان روبن مقتنعًا فيما بينه وبين نفسه بأنه لن يرى وجه مالفن حيًّا مرة أخرى. وكانت مروءة نفسه تنزع به إلى البقاء بالغًا ما بلغ الخطر على نفسه حتى يقضي صاحبه نحبه فيدفنه، ولكن إرادة الحياة والأمل في السعادة قَوِيَا في نفسه واستوليا على قلبه، فلم يقدر على مغالبتهما. وبعد أن أصغى مالفن إلى روبن وهو يعاهده أن يعود قال: «كفى، اذهب والله معك.» فضغط الشاب يده في صمت، ودار على عقبه، وهمّ بأن يمضي، ولكنه لم يسر إلا قليلا، ثم رده صوت مالفن يناديه بصوت ضعيف: «روبن، روبن»، فارتد إليه روبن وجثا إلى جانبه، فأفضى إليه بآخر رجاء: «ارفعني واجعل ظهري إلى الصخرة، ليكون وجهي شطر البيت، ولأراك لحظة أخرى وأنت تمشي بين الأشجار.» ففعل روبن ما طلبه صاحبه واستأنف السير، وكان يمشي أول الأمر بأسرع مما تسمح به قوته، لأن شيئًا من التحرج الذي يعذب المرء أحيانًا، وإن كان عمله لا خطأ فيه ولا وزر، دفعه إلى الاستخفاء عن عين مالفن، غير أنه بعد أن أبعد في سيره على أوراق الشجر انكفأ راجعًا تدفعه رغبة ملحة مؤلمة في الوقوف على حال هذا الرجل المستفرد، واختبأ وراء شجرة مقلوعة، وجعل ينظر إليه، وكانت الشمس مشرقة لا يحجبها غيم، والأشجار — كبارها وصغارها — تعب في هواء مايو/أيار الطيب. ولكن وجه الطبيعة كان عليه كالجهامة، كأنما أدركها العطف على آلام الإنسان وأشجانه. وكانت يدا مالفن مرفوعتين بالدعاء الحار، وكان بعض ما يجري به لسانه في هذا السكون الذي يشمل الغابة يصافح سمع روبن، فيعصر قلبه ألم لا سبيل إلى العبارة عنه، فقد كان الصوت الذي يبلغه نبرات متقطعة ترتفع بالدعاء له ولدوركاس بالسعادة، وكان وهو يصغي ينازعه ضميره ووجدانه أن يعود ويرقد معه إلى جانب الصخرة، وشعر بهول المآل الذي قُضي به على هذا الرجل الكريم الرحيم الذي يهجره في شدته، وحدثته نفسه أن الموت سيدلف إليه كالجثة ويتسلل نحوه في هذه الغابة خطوة فخطوة، ويطالعه بوجهه المرعب الجامد من وراء شجرة بعد شجرة، ولكن هذا هو ما كان خليقًا أن يكون مصير روبن نفسه لو تلكأ يومًا آخر. ومن الذي يلومه إذا أشفق من تضحية عقيمة كهذه؟ وكان النسيم يحرك العلم الصغير المشدود إلى العود الأخضر وهو يلقي نظرة الوداع على صاحبه، فأذكره ذلك عهده له. ••• وعاقت الجريحَ أمورٌ شتى في مسيره إلى الحدود، ففي اليوم الثاني تكاثفت السحب في السماء فمنعت أن يهتدي في سيره بموقع الشمس، وكان أكبر ما يخاف أن ينأى به عن غايته ما يبذله من جهد نفسه المنهوكة القوى. وكان قوته النزر، العنيبات وغيرها من الأثمار. وكانت أسراب من الظباء ربما مرت به وهي تخطف، وكثيرًا ما كان الطير يجدف عند قدميه، ولكن ذخيرته كانت قد نفدت في المعركة ولم يكن معه ما يذبح به. وكانت جروحه تهيج وتنتقض عليه من الجهد المتواصل الذي ارتهن به الأمل في الحياة والنجاة، فيستلب هذا قوته، وربما تركه مضطرب العقل مخلَّطًا. ولكنه كان، حتى حين يدور رأسه ويضطرب، يتشبث بالحياة كل التشبث حتى عجز عن الحركة عجزًا تامًّا فقعد تحت شجرة وراح ينتظر الموت. وهنا أدركته جماعة أرسلت لإسعاف الناجين من المعركة لما وردت أنباؤها الأولى، فنقلوه إلى أقرب حلة واتفق أن كانت هذه حلته. فتولت دوركاس العناية بحبيبها الجريح وبقيت إلى جانب سريره تتعهده على عادة ذلك الزمن، وأولته تلك الألطاف المرهفة التي لا يُحسن الاتحافَ بها كقلب المرأة ويدها. وقد ظل روبن عدة أيام شارد اللب غائب الوعي والذاكرة بين المخاطر والمصاعب التي عاناها، وكان لا يستطيع أن يرد بجلاء على الأسئلة التي كان كثيرون يقبلون بها عليه متلهفين، فما كانت التفاصيل الصحيحة قد أذيعت على القوم، ولا كان أحد من الأمهات والزوجات والأبناء يعرف هل ذووهم في قيد الأسر أو في قيد الردى. وكانت دوركاس تطوي مخاوفها وجزعها في قلبها حتى كان مساءٌ فأفاق روبن من نيمة مضطربة، وبدا عليه أنه قد عرفها وفطن إليها كما لم يكن يفطن في الأيام السالفة، ورأت أن عقله قد ثاب إليه وعادت إليه وثاقته، فلم تستطع بعد ذلك أن تظل تكبح قلقها على أبيها. وبدأت تسأله: «وأبي يا روبن؟» ولكنّ ما اعتام وجهه من التغير ردها عن المضي. وكان الفتى قد تقبض كأنما ألح عليه ألم مر، وتدفق الدم إلى وجهه المتهضم الممتقع. وكان أول ما فعل أن غطى وجهه ثم غالب نفسه غلابًا شديدًا، فرفع جسمه وقال بصوت شديد مدافعًا عن نفسه مما خيل عليها من التهم: «لقد أصيب أبوك يا دوركاس بجرح بليغ في المعركة، وأمرني أن أعفي نفسي من عبئه وأن أكتفي بأن أمضي به إلى شط البحيرة ليطفئ ظمأه ويموت. ولكني لم أستطع أن أخذله في شدته، فأعنته وإن كان دم جروحي ينزف، ومنحته نصف قوتي وسرت به معي. ولبثنا ثلاثة أيام نسير معًا وكان حاله خيرًا مما كنت أتوقع أن تكون، ولكني ألفيته في صباح اليوم الرابع خائر القوى منهوكًا وعجز عن المشي وأخذ يجود بنفسه بسرعة و…» فصاحت دوركاس بضعف: «مات؟» ووجد روبن أن من المستحيل عليه أن يقرَّ لها بأن حبه الأناني للحياة نأى به عن صاحبه قبل أن يصير إلى مصيره، فأمسك عن الكلام وثنى رأسه على صدره، ثم ارتد إلى الفراش من الخجل والإعياء وأخفى وجهه في الوسادة، وبكت دوركاس لما أصبح شكها يقينًا، ولكن الصدمة لطول توقعها كانت من أجل ذلك أقل عنفًا وشدة. وكان السؤال الذي ألهمها إياه شعورها البنوي وتقواها: «وحفرت قبرًا لأبي المسكين في الفلاة يا روبن؟» فقال الفتى بصوت مخنوق: «كانت يداي كليلتين ضعيفتين ولكني فعلت ما وسعني. وهناك حجر عال يشرف عليه. ولشد ما أتمنى لو أنني كنت ساكنًا كسكونه.» وأحست دوركاس من عباراته الأخيرة ثورة النفس، فأمسكت في يومها عن الاستفسار، ولكنها وجدت رَوْحًا وراحة إذ علمت أن روجر مالفن لم يعدم ما تيسَّر من مراسم الدفن، وقصت على الأصحاب ما كان من شجاعة روبن ووفائه، ولم تنتقص الإعادةُ من حسن الرأي فيه شيئًا، وكابد الشاب المسكين بعد أن تطرح من فراش المرض إلى الهواء والشمس، ذلَّ الثناء الذي لا يستحقه وعذابه وألمه، وقال الناس جميعًا إنه حقيق بأن يطلب يد الغادة الحسناء التي وفى لأبيها «حتى الموت.» ولكن قصتي ليست عن الحب، فحسبي أن أقول إن روبن صار زوجًا لدوركاس بعد بضعة شهور، وكانت العروس في حفلة الزواج مضطرمة الوجه من الخفر والحياء، أما روبن فكان ممتقع اللون. وصار في قلب روبن بورن خاطر لا سبيل إلى الإفضاء به — خاطر ينبغي أن يخفيه بعناية وحرص عمن لها حبه، وبها ثقته. وكان أسفه عميقًا على جبنه الذي أغراه بكبح لسانه عن الإفضاء إلى دوركاس بالحقيقة التي كان يهم بأن يبوح لها بها، ولكن الكبرياء والخوف من فُقْدَانِ حبها له، والإشفاق من الاحتقار العام — كل أولئك منعه أن يصدقها بعد أن كذب عليها. وكان يشعر أنه لا يستحق لومًا من أجل أنه ترك روجر مالفن، فما كان بقاؤه والتبرع ببذل حياته إلا ليزيدا آلام الرجل بلا موجب في ساعاته الأخيرة. ولكن كتمانه الحقيقة أفاض على هذا العمل السائغ كثيرًا من صفات الإثم وآثاره الخفية، فكان روبن على اقتناعه بأنه ما فعل إلا الصواب، يقاسي إلى حد كبير الآلام النفسية التي تعذب مجترحَ جريمةٍ مستورة. وكانت خواطره تتداعى أحيانًا على نحو يجعله يتصور أنه قاتل. وظل سنوات يعاوده خاطر لا تخفى عليه سخافته وشططه، ولكنه لا يستطيع أن ينفيه ويستريح منه. وكان ذهنه لا يبرح يعذبه بصورة مخامرة — صورة صهره جالسًا — إلى الآن — عند الصخرة على أوراق الشجر الذاوية — حيًّا ينتظر منه الوفاء بالمعونة الموعودة. على أن هذه الخدع العقلية كانت تروح وتجيء، وكان هو لا يغالط نفسه فيها فيخلطها بالحقائق، غير أنه في أصفى حالات عقله وأهدئها كان يشعر بأن في ذمته عهدًا لم يف به ولم ينجزه، وأن هناك جثة لم تدفن تصيح به من جوف الفلاة، ولكنه كان من نتائج مغالطته ولفه، أن عجز عن تلبية النداء وإجابة الدعوة. وكان قد مضى الوقت الذي يجوز فيه أن يطلب معونة أصدقاء مالفن للقيام بدفنه الذي طال إرجاؤه. وحالت الأوهام والمخاوف الخرافية التي كان أهل الحدود أحس بها من سواهم دون ذهاب روبن وحده لهذه الغاية. ثم إنه لم يكن يدري أين في هذه الغابة المُضِلَّة المترامية الأطراف ينشد تلك الصخرة الملساء المعرقة التي يرقد عند سفحها صاحبه. وكان تذكّره لرحلته فيها غامضًا، ولم يكن في ذهنه أي أثر للشطر الأخير من هذه الرحلة. على أنه كان لا يفتأ يحس دافعًا ملحًّا، ويسمع صوتًا من ذات نفسه يناديه أن يخرج لإنجاز وعده، وكان يخيل إليه أنه لو همّ بذلك لقادته رجلاه إلى رفات مالفن مباشرة. ولكن العام كان يمضي تلو العام، وهذا الصوت الذي يحسه ولا يسمعه سواه لا يجد منه مجيبًا. وصار هذا الخاطر المكتوم كالقيد، ولكن نفسه هي المُوثَقَةُ العانية، أو كالحية، يعض وينفض في قلبه، فانقلب رجلًا ساهمًا كاسف البال ولكنه ضجور سيئ الخلق. وفي خلال سنوات قليلة بعد الزواج بدأت حالة الرخاء في حياة روبن ودوركاس تحول، وكانت ثروة روبن قلبه القوي وساعده المفتول، ولكن دوركاس — وارثة أبيها الوحيدة — جاءت زوجها بضيعة أكبر وأحفل بالأدوات والمواشي من مثيلاتها على الحدود، ولكن روبن بورن كان فلاحًا مهملًا فكانت أرض سواه تزداد كل عام زكاءً وثمرة، وأرضه تزداد على النقيض كدورًا وتأخرًا، وكانت متاعب الزراعة وأسباب التثبيط عنها قد قلت قلة شديدة بانقطاع الحروب مع الهنود، ولم يعد الناس يتناولون المحراث بيد والبندقية باليد الأخرى ويحمدون حسن حظهم إذا سلمت محاصيلهم من التلف في الأهراء، أو في ميادين القتال حين يغير العدو المتوحش، غير أن روبن لم ينتفع بما صار إليه الأمر من السكينة والأمان وإن كان لا نكران أن الفترات التي كان ينشط فيها للعناية بأموره لم تكن تجزيه إلا نجاحًا ضئيلًا. وكان فساد أعصابه من الأسباب التي أفضت به إلى الإكداء، وذهاب الخير لأن سوء خلقه كان كثيرًا ما يؤدي إلى الشجار والخلاف مع جيرانه في المعاملات التي لا بد منها معهم، فانتهى الأمر بقضايا لا عداد لها، إذ كان أهل «إنجلترا الجديدة» — ولاية بهذا الاسم — في العهد الأول من حياتهم المضطربة بهذه الولاية يؤثرون الوسيلة القضائية لفض منازعاتهم كلما تيسر ذلك. ونقول بإيجاز إن الأمور لم تستقم لروبن بورن فحل به الخراب، وإن كان هذا لم يصبه إلا بعد سنوات عديدة من زواجه، ولم يبق له إلا سبيل واحد ومخرج فرد من النحس الذي لحقه، وذلك أن يفيض نور الشمس على رقعة مظلمة في جوف الصحراء، وأن ينشد العيش والقوت من ثدي هذا المجهل البكر. وكان الابن الوحيد الذي رُزقه روبن ودوركاس قد بلغ الخامسة عشر، وكان شبابه الريان يبشر برجولة بارعة، وكان على استعداد قوي لما تقتضيه الحياة على الحدود من الكفايات، بل لقد بدأ يظهر في ذلك حذقًا عظيمًا، فكان خفيفًا مشتد الذراع في الرماية، سريع الإدراك والفطنة، وندبًا شديد القلب، وكان كل الذين يتوقعون أن تُستأنف الحرب مع الهنود، يقولون عن «سيراس بورن» إنه الزعيم الذي يدخره المستقبل للبلاد، وكان أبوه يحبه حبًّا عميقًا صامتًا، كأنما كان كل ما فيه، هو، من الخير والسماحة قد انتقل إلى غلامه ومعه ما يقوى عليه القلب من الحب، حتى دوركاس — وإن كانت محبة محبوبة — صار ابنها أعز على أبيه منها، ذلك أن خواطر روبن المحجوبة، وعواطفه المعزولة جعلته على الأيام رجلًا أنانيًّا، فلم يستطع أن يحب حبًّا عميقًا، إلا ما كان يرى أو يتخيل فيه مشابهًا من نفسه. وقد طالعته من سيراس صورة مما كان هو في الأيام الماضية، وكان ربما شاطر غلامه نفسيته، فتهب على حياته نفحة منعشة من السعادة. وقد استصحب روبن غلامه في رحلته لانتقاء رقعة من الأرض للإقامة، ولقطع الشجر وحرق الخشب، وهو ما لا بد منه تمهيدًا لنقل البيت. وسلخا في هذا شهرين من الخريف عادا بعدهما ليقضيا آخر شتاء في الحلة. ••• وفي أوليات مايو/أيار بتت الأسرة الصغيرة ما كانت تتعلق به، وودعت القليلين الذين كانوا في أيام نحسها يحفظون لها عهد الصداقة. وكان أسى الفراق يخففه عند كل واحد من الثلاثة مخفف، فأما روبن فكان رجلًا طويل الوجوم كارهًا لبني الإنسان لأنه شقي في حياته، فلما آن الرحيل مضى وهو مقطب، مطرق لا يكاد يأسف على شيء، ويأنف أن يعترف بأسف أو ندم. وأما دوركاس فبكت بأربع على الوشائج المبتوتة التي كانت توثِّق ما بين نفسها الطيبة العطوف وبين كل ما هنالك، ولكنها كانت تحس أن ما حل في السواد من حبة قلبها يَسيرُ معها، وأن كل ما خلا ذلك لا تعدم عنه عوضًا في حيثما تكون. وأما الغلام فكفكف دمعة واحدة وراح يتصوَّر مُتَعَ الخِطار في الغابة التي لم تطأها قدم أبيه، ومن ذا الذي لم تُغْرِهِ الأحلام في عنفوان نشوتها، بأن يشتهي أن يطوّف في عالم من المجاهل المشمسة وإلى جانبه رفيق جميل يعتمد على ذراعه في رفق؟ في الشباب لا تعرف خطواته الحرة الجذلة عائقًا سوى عباب اليم المتحدر ورءوس الجبال التي يكسوها الثلج. ثم تجيء الرجولة الساكنة فَتُؤْثِر بيتًا في واد سخت عليه الطبيعة بالزخرف، وأجرت فيه غديرًا رائقًا شفافًا. حتى إذا دلفت إليه الشيخوخة بعد سنوات طويلات المدد من تلك الحياة النقية إذا به قد صار أبًا لقبيل، ورأسًا لشعب، ومؤسس أمة عظيمة تتمخض عنها الأيام. ثم يوافيه الحَيْن فيستسلم إليه ويرحب به، كما نرحب بالنوم العذب بعد يومٍ سعيد، فيبكي ولده رفاته الجليل. ويحيطه كر الأيام بهالة، ويكسبه مناقب وخصائص عجيبة ترفعه في أعين الأجيال التالية إلى قريب من مراتب الأرباب. وترجع الإنسانية بصرها من وراء قرن فتلمح مجده الخافت. على أن الغابة المظلمة المعقدة المسالك التي كان يضرب فيها مَنْ أَرْوِي قصتَهم، لم تكن تشبه في شيء تلك الأرض التي تصورها الأحلام. ولكنه كان في أسلوب حياتهم ما يجري على نسق الطبيعة، وكانت الهموم المخامرة التي رافقتهم من الدنيا التي خرجوا منها، هي كل ما يعكر الآن صفو حياتهم ويحول دون استفاضة الشعور بالسعادة. وكان معهم جواد أشعث متين الأسر، يحمل كل ما يملكون ولا يجزع أن تضاف دوركاس إلى ما يحمل، وإن كانت نشأتها تعينها على السير إلى جانب زوجها في آخر كل مرحلة يومية. وكان روبن وابنه يمشيان بخطى ثابتة قوية وعلى كتف كل منهما بندقيته، وعلى ظهره فأسه، وعينه تدور باحثة عن قنيصة للطعام. وكلما جاعوا وقفوا وأعدوا طعامهم على شاطئ غدير صاف، فإذا ظمئوا انحنوا بشفاههم على مائه السلسال ليرشفوا من نميره، وهو يترقرق عنهم في مثل دلال الغادة إذ تتلقى القبلة الأولى من فم حبيبها. وكانوا ينامون في كوخ يصنعونه من الأغصان ويستيقظون مع أول خيط من النور، وقد انتعشوا وتهيئوا لمتاعب اليوم التالي. وكانت دوركاس وابنها يمشيان مرحًا، حتى روبن كان أحيانًا يشرق وجهه ويلمع فيه نور البشر، ولكنه كان يطوي بين أضلاعه كمدًا باطنًا يقرص قلبه ويتركه فيما يرى كمجرى الغدير جمد فيه ماؤه وغطته أوراق الشجر الخضراء النضيرة. وكان سيراس بورن أعرف بمسالك الغابات وأخبر بالسير فيها من أن يخفى عليه أن أباه لا يلتزم الجادة التي ساروا فيها الخريف الماضي، فقد كان ينتحي ناحية الشمال وينأى عن الأرض المأهولة ويضرب إلى حيث لا توجد إلا الوحوش وأمثالها من الآدميين. وكان الغلام ينبهه إلى ذلك أحيانًا فيصغي له روبن، ويعدل عن الطريق الذي كان آخذًا فيه، عملًا منه بنصيحة ابنه، ولكنه كان كلما فعل ذلك بدا كالمضطرب، فكان يمد لحظه ويجيله كأنما يتوقع أن يرى أعداء مختبئين وراء جذوع الشجر. وكان سيراس يرى أن أباه يرتد شيئًا فشيئًا إلى اتجاهه الأول الذي كان قد صرفه عنه، فيحجم عن معاودة الاعتراض، وكان يشعر أن شيئًا غامض الكنه قد بدأ يجثم على صدره، ولكن جرأته الفطرية على الخِطار أبت له أن يأسف من أجل أن الطريق زاد طولًا وغموضًا. وفي عصر اليوم الخامس وقفوا وهيئوا لأنفسهم مكانًا قبل الغروب بساعة، وكان وجه الأرض فيما قطعوا من الأميال الأخيرة يعلو ويهبط كأنه أمواج تحجرت. وقد أقاموا في منخفض منها كوخهم وأوقدوا نارهم. وكان في مقامهم هناك — وقد نأوا عن كل حي ووثق ما بينهم الحب — ما يشجو ويملأ القلب حرارة. وكانت أشجار الصنوبر تشرف عليهم وتتخلل الريح أغصانها العالية، فتتجاوب الغابة بمثل أصوات الوله والأسى، أم ترى هذه الأشجار العتيقة تتوجع مخافة أن يكون الإنسان قد أقبل ليضرب في جذورها بفأسه …؟ ورأى روبن وابنه أن يدعا دوركاس تهيئ الطعام وأن يتجولا في الغابة عسى أن يقعا على فريسة فقد أخطأهما الصيد في نهارهما. ووعد الغلام ألا يبعد وذهب يعدو خفيفًا كالظبي الذي يرجو أن يصيد. وشعر أبوه بنفحة عارضة من السعادة وهو يتبعه بعينه. وهمّ بأن يمضي هو في اتجاه آخر. وجلست دوركاس فوق جذع شجرة قديمة مقتلعة على كثب من العيدان التي أضرمت فيها النار. وكانت تلقي نظرها من حين إلى حين على القِدر التي بدأت تفور وتغلي ثم ترد عينها إلى «تقويم ولاية ماساشوستس» وكان هذا التقويم ونسخة قديمة من الإنجيل كل مكتبة الأسرة. وليس أشد عناية بحساب الأيام ممن نأوا عن المجتمع الإنساني، فلا عجب إذا كانت دوركاس قد قالت لزوجها إن اليوم هو الثاني عشر من شهر مايو/أيار كأنما هذا على أعظم جانب من الأهمية. فاضطرب روبن وتمتم: «الثاني عشر من شهر مايو …؟ إني لحقيق بأن أذكره» وتزاحمت الخواطر في رأسه فأحدثت له اختلاطًا يسيرًا وراح يسأل نفسه: «أين أنا …؟ وإلى أين أنا ماض؟ وأين تركته …؟» وكانت دوركاس قد ألفت من زوجها غرابة أطواره فلم تعد تلقي بالها إلى ما يبدو من شذوذها. فوضعت التقويم إلى جانبها وقالت له بتلك اللهجة الشجية المعهودة التي يتخذها رقاق القلوب حين تكر بهم الذكرى إلى أحزانهم القديمة التي خمدت نارها: «لقد ترك أبي هذا العالم إلى آخر خير منه في مثل هذا الشهر منذ ست عشرة سنة. ولكنه لم يعدم ساعدًا قويًّا يسند رأسه وصوتًا حنونًا يخفف عنه غصص الموت يا روبن. إن عنايتك به ووفاءك له قد عزياني مرارًا كلما جشأت نفسي وجاشت. ألا ما أهول الموت على المستفرد الوحيد في مثل هذا المكان الموحش!» فقال روبن بصوت متهدج: «ادعي الله يا دوركاس ألا يدرك الموت أحدنا نحن الثلاثة وهو وحيد، وألا يبقى بغير دفن في هذه الغابة العاوية.» وأسرع ومضى عنها وتركها تنظر إلى النار تحت الصنوبر. وخفت وطأة روبن وأبطأت رجله لما خفت حدة الألم الذي أحدثته له دوركاس بما قالته عفوًا. ولكن الخواطر الأليمة كانت تتزاحم وتتدافع في رأسه فكان يمشي كالنائم لا كالصائد. ولم يكن عن قصد منه أنه بقي على مقربة من الكوخ فقد كانت رجله كأنما تدب به دائرة. ولم يفطن إلى أنه قد صار على رأس طريق مكتظ بأشجار السنديان وغيره من الأشجار العظيمة. وكانت أصول الشجر قد نمت عليها وازدحمت حولها الأغصان النابتة وبقي ما بين الشجر عاريًا لا يكسوه إلا الورق الذاوي المنتثر. وكان روبن كلما سمع حفيف الأغصان أو صوت تمايل الجذوع — كأنما انبعثت الغابة من سباتها — يرفع بندقيته المراحة على ذراعه ويدير عينه بسرعة في كل ناحية. ثم يقتنع بأن لا شيء من الحيوان هناك فيعود إلى ما يدور في نفسه ويضطرب به جنانه. وكان يفكر فيما صرفه عن الطريق الذي كان معتزمًا أن يأخذه ورمى به قلب الغابة. ولم يستطع روبن أن يتغلغل بعينه إلى مكامن الأسرار من نفسه وأن يهتدي إلى البواعث الحقيقية المكنونة في قرارة الوجدان، فاعتقد أن صوتًا من وراء الحس قد دعاه، وأن قوة من وراء الطبيعة قد حالت دون ارتداده، وتمنى أن تكون مشيئة الله قد أتاحت له فرصة للتكفير عن خطيئته، ورجا أن يعثر على العظام التي بقيت هذا الزمن الطويل بلا دفن، فيدرجها في جوف الأرض فتعود إلى نفسه السكينة وتنشر النور بين حنايا ضلوعه التي صارت أحلك من القبر. وانتبه على حفيف في الغابة على مسافة من الموضع الذي تقوده إليه رجلاه، ولمح حركة وراء النبات الأثيث الملتج، فأطلق بندقيته بدافع من غريزة الصياد وبإحكام الرامي المدرب. ولم يلتفت إلى الأنة الخفيفة التي تنبئ بإصابة المرمى، والتي يستطيع حتى الحيوان أن يعرب بها عما يعاني من أخذ الموت بكظمه. ولكن ما هذه الذكريات التي بدأت الآن تطوف برأسه؟ … لقد كان الموضع المعشوشب الذي أطلق روبن بندقيته قريبًا من قمة مرتفع من الأرض ومن أصل صخرة ملساء كأنها حجر ضخم مما يرفع على القبور. وكانت تبدو لروبن كأن لها صورة معكوسة في مرآة ذاكرته — بل لقد تذكر تلك العروق الجارية على وجه الصخرة كالكتابة بلغة منسية — كل شيء بقي كما كان سوى أن النبات الكثيف غطى أصل الصخرة، فهو يستطيع أن يحجب رفات روجر مالفن لو أنه بقي كما تركه قاعدًا هناك، ولكن عين روبن لم تلبث أن أخذت بعض ما أحدثه الزمن من التغيير مذ كان واقفًا هنا وراء جذع الشجرة الذاهبة في الهواء، وذلك أن العود الذي ربط إليه الخرقة الملطخة بالدم قد نما واشتد وصار شجرة عظيمة كثيرة الفروع المورقة، وإن كانت لم تستوف كل حظها من النماء. وقد رأى روبن في هذه الشجرة ما جعله يضطرب، فقد كانت الغصون الوسطى والسفلى ترف فيها نضرة الحياة، وكانت الخضرة اليانعة تحف بأصل الشجرة، ولكن آفةً على ما يظهر أصابت قمتها فبدا الغصن الأعلى ذاويًا جافًّا ميتًا. وتذكر روبن أن الخرقة التي نشرها كالراية كانت تخفق على هذا الفرع لما كان أخضر وريقًا، فأي خطيئة يا ترى عصفت به وأذوته …؟ ومن عسى أن يكون ذاك الذي اقترفها …؟ ••• وكانت دوركاس تواصل عملها في إعداد الطعام بعد أن تركها زوجها وابنها، وقد اتخذت من ساق شجرة غليظة متجدعة مائدةً نشرت على أعرض موضع فيها منديلًا ناصع البياض، ورتبت فوق هذا ما بقي عندها من الأوعية المعدنية التي كانت تُزهي بها في بيتها. وكان لهذه البقية من الأدوات المنزلية منظر غريب في قلب الغابة الموحشة، وكانت الشمس الغاربة لا تزال تضيء قمم الأشجار القائمة على الربى. ولكن ظلال المغيب كانت قد ارتمت وتكاثفت على وجه المنخفض الذي أقيم فيه الكوخ. وكانت النار ترسل ألسنتها فتضيء سيقان الشجر، ويخفق نورها على النبات المحيط بالمكان. ولم يكن في قلب دوركاس حزن، فقد كانت تحدث نفسها بأنه خير لها أن تجوب الغابة مع اثنين تحبهما ويحبانها من أن تكون وحدها بين من لا يعبئون بها. وشغلت نفسها بإعداد مقاعد من خشب الشجر المتقادم المتجدع المغطى بالورق لنفسها ولروبن ولابنها. وكانت ترسل الصوت في جوف الغابة المظلمة فيرقص على نغم أغنية تعلمتها في صباها. وكانت هذه الأغنية الساذجة التي نظمها شاعر لم يفز بالذكر تصف ليلة شتوية في كوخ على الحدود، حيث كانت الأسرة تمرح وتنعم بالدفء من النار الموقدة، وقد أمنت عدوان المتوحشين بفضل ما تكدس من الثلوج. وكان للأغنية ذلك السحر الخفي الذي تمتاز به الخواطر المبتكرة غير المستعارة. ولكن أربعة أبيات منها كانت تبرز وتضيء وتشع النور والحرارة كلسان النار الذي تصف السرور حوله، وفي هذه الأبيات استطاع الشاعر أن يصوغ السحر بألفاظ قليلة، وأن يستقطر معاني الحب البيتي ويجسد السعادة المنزلية، فصارت الأبيات شعرًا وصورة في آن معًا. وكانت دوركاس وهي تغني تحس أن جدران بيتها الذي فارقته تحيط بها هنا، فلم تعد ترى أشجار الصنوبر المظلمة، أو تسمع الأنات الجوفاء التي ينتهي بها نواح الرياح بين الأفنان، ولكن ردها إلى ما حولها طَلْق بندقية فاضطربت جدًّا من مفاجأة الصوت، أو من فرط الشعور بالوحدة وهي إلى جانب النار، على أنها ما عتمت أن ضحكت وقد عمر قلبها الزهو بابنها، فقالت تحدث نفسها: «يا له من صائد جميل … لقد أصاب ابني ظبيًا.» فقد تذكرت أن صوت الطلق جاء من الناحية التي ذهب إليها سيراس باحثًا عن طريدة. وانتظرت فترة كافية توقعت بعدها أن تسمع وقع قدمي سيراس يعدو إليها ليخبرها بما ظفر به، ولكنه لم يجئ، فأرسلت صوتها المرح بين الأشجار تدعوه إليها: «سيراس … سيراس …» ولكنه أبطأ ولم يجئ، فاعتزمت أن تذهب هي إليه، فقد كان صوت الطلق ينبئ بأنه منها قريب، ثم إنه قد يحتاج إلى معونتها لحمل ما منت نفسها أن يكون قد صاده. ونهضت ومضت مهتدية بذكرى الصوت الذي سمعته، وكانت تغني وهي سائرة، ليسمعها ابنها فيخف للقائها، وكانت ترجو أن يطالعها وجهه من وراء كل شجرة، وكل ما يمكن أن يحجبه من النبات العالي، وأن تسمع ضحكته المنبعثة عن روح العبث في المغامر حين يلقى من يحب. وكانت الشمس قد غابت وراء الأفق، وكان الضوء المختلف بين الأشجار من الخفوت بحيث يجسد الأوهام لخيال المتطلع. وقد خيل إليها مرات أنها لمحت وجهه — ولكن في غير وضوح — مطلًّا من بين الأوراق، وكبر في وهمها مرة أنه واقف إلى جانب صخرة، وأنه يومئ إليها، على أنها بعد أن أوسعت هذه الصخرة تحديقًا، تبينت أن الذي بجانبها ليس إلا ساق شجرة تحف بها أغصان كثيرة، كان أحدها ممتدًا وكان النسيم يحركه. وظلت تتقدم حتى بلغت الصخرة، فألفت نفسها بغتة أمام زوجها الذي كان قد جاء من ناحية أخرى، وكان متكئًا على صدر بندقيته التي انغرست فوهتها بين الأوراق وهو يتأمل شيئًا عند قدميه. فصاحت به دوركاس: «ما هذا يا روبن …؟ أتراك صدت الظبي ثم نمت عليه …؟» وكانت تضحك مغتبطة بما لمحت أول الأمر من وقفته وهيئته، ولكنه لم يتحرك ولا حوّل إليها عينه، فدب في قلبها الخوف، وأخذتها رعدة مجهولة المصادر والعلل، وتفرست فتبينت في وجهه الامتقاع والتصلب، حتى لكأنما عجزت معارف محياه أن تغير ما ارتسم عليها من صورة اليأس. ولم يبد منه ما يدل على أنه أحس بقربها، فصاحت به: «أتوسل إليك يا روبن أن تكلمني» وأفزعها صوتها أكثر مما أفزعها هذا السكون الرهيب. وتنبه زوجها ونظر إليها ثم جرها إلى الصخرة وأشار بإصبعه، فإذا غلامها هناك راقد … نائم نومًا لا حلم فيه ولا يقظة منه … على أوراق الشجر الجافة، وخده على ذراعه، وأعضاؤه مسترخية قليلًا … أفتراه أدركه إعياء مباغت …؟ أيمكن أن يوقظه صوت أمه ويرده إليها …؟ كلا … فقد أدركت أنه الموت الذي لا حيلة فيه. وقال زوجها: «هذه الصخرة العالية هي الحجر القائم على قبر أبيك يا دوركاس … وستسقط أشجارك على ابنك وأبيك كليهما.» ولم تسمع دوركاس ما قال، بل أطلقت صرخة جزع انشقت عنها حبة قلبها المطعون، وهوت مغشيًّا عليها إلى جانب فتاها، وفي هذه اللحظة انقصف الفرع اليابس الذي في قمة الشجرة … وتهاوى هشيمه وتناثر ما بلي منه على الصخرة … وعلى الأوراق الذاوية المبعثرة … وعلى روبن وزوجته وابنهما … وعلى رفات روجر مالفن. وانعصر قلب روبن، وتفجرت الدموع من عينيه كما يتفجر الماء من ينبوعه … لقد وفى الرجل الذي حاقت به اللعنة بالنذر الذي نذره وهو شاب جريح … وقد كفر عن خطيئته فزالت عنه اللعنة. وفي هذه الساعة التي أهرق فيها دمًا أعز عليه من دمه، اختلجت شفتاه بصلاة ارتفعت إلى السماء، وكانت الأولى التي تَحَرَّكَتَا بها منذ سنين وسنين. مختارات من القَصَص الإنجليزي
عيد ميلاد الأميرة كان ذلك عيد ميلاد الأميرة، وكانت قد بلغت الثانية عشر، وكانت الشمس تغمر بنورها حدائق القصر. ولم يكن لها سوى عيد ميلاد واحد، في كل عام، كغيرها من بنات الفقراء وأبنائهم، وإن كانت أميرة حقيقية، ووارثة عرش إسبانيا، فكان مما تعنى به البلاد كلها أعظم العناية أن يكون اليوم أجمل وأبهى ما يدخل في الوسع، وقد كان اليوم جميلًا حقًّا، فاعتدلت أزهار «الطوليب» الطويلة المخططة، على سوقها، كأنها صف من الجند، وشخصت إلى الورود المقابلة لها وقالت: «إننا مثلك الآن نضرة وبهجة.» وخفقت الفراشات القرمزية، وعلى أجنحتها تراب النضار، فوق زهرة بعد زهرة. وخرجت السحالي الصغيرة من شقوق الجدران وراحت تضحي في الشمس، وتشقق الرمان من وقدة الحر، وفتح قلبه الدامي، حتى الليمون الأصفر الذي حفلت به أفنانه، أفاد من ضوء الشمس لونًا أزهى، ونورت شجيرات المنوليا، وتفتحت أكمامها عن العاج المطويّ، ونشرت في الجو عبيرها القوي. وراحت الأميرة الصغيرة تتمشى على الشرفة مع أترابها، وتلعب معهن لعبة «الاستخفاء» حول الزهريات المصنوعة من الحجر، أو التماثيل التي نمت عليها الأعشاب. وكانت في الأيام العادية لا يؤذن لها في اللعب إلا مع اللواتي هن من طبقتها، فكان لعبها وحدها دائمًا، ولكن عيد ميلادها كان يومًا استثنائيًّا، فأمر الملك أن تدعو الأميرة من لداتها من تحب من الجنسين، ليلهوا معها، وكان لهؤلاء الأطفال الإسبانيين الدقاق اللطاف سمت، وفيهم رشاقة، وهم ينسابون هنا وهناك؛ الصبيان بقبعاتهم الكبيرة المريشة، ومعاطفهم القصيرة، والبنات وهن يمسكن فضل أفوافهن المنفوشة الموشّاة بخيوط الذهب والفضة، ويحجبن الشمس عن عيونهن بمراوح كبيرة سوداء مفضضة. ولكن الأميرة كانت أرشقهن جميعًا وأبرعهن ثيابًا على ما كان يقضي به ذوق تلك الأيام. وكان ثوبها من الأبريسم، وقد وُشى مجوله١ وكماه المنتفخان بالفضة، أما الصِّدار٢ فمرصع بوصائل من اللآلئ العجيبة، وكان على رجليها حذاءان لطيفان مزدانان بوردتين كبيرتين قرمزيتين، يبدوان من تحت ذلاذل ثوبها إذ تمشي، وكانت مروحتها الكبيرة من أسلاك لؤلؤية وقرمزية الألوان، وكان شعرها كأن عليه هالة من العسجد الباهت، وكان ينسدل على جانبي محياها الدقيق الحائل اللون وفيه وردة بيضاء جميلة. وكان الملك الحزين يشرف عليهم من نافذة في قصره، وخلفه أخوه — دون بدرو أمير أراغون، وكان الملك شديد الكراهة له — وقسيسه — رئيس محكمة التفتيش في غرناطة — وهو جالس بجانبه. وكان الملك يبدو في يومه هذا أشد حزنًا وأسى، فقد كان وهو ينظر إلى الأميرة وهي تنحني بوقار صبياني لرجال الحاشية المجتمعين، أو تضحك وتستر وجهها بالمروحة، من دوقة ألبوكيرك الصارمة الوجه، التي لا تفارق الأميرة، ينثني به الخاطر فيتذكر الملكة الشابة — أم الأميرة — التي جاءت منذ عهد قصير — هكذا كان يخيل إليه — من بلاد فرنسا المرحة، فذوى غصنها الرطيب في بلاط إسبانيا الجهم على فرط أبهته، وقضت نحبها بعد ستة شهور من ميلاد الأميرة، وقبل أن ينور شجر اللوز في البستان ويظهر بهجته وزهرته مرة ثانية، أو تُجنى ثمار الحول الثاني من شجرة التين القديمة المُعَجْرَمَة٣ التي كانت قائمة في الساحة التي يكسوها العشب الآن. وقد بلغ من عظم حبه لها أن أبى أن يدع القبر يحجبها عنه، فحنطها طبيب عربي جازاه على ذلك بالإبقاء على حياته التي كان مقضيًا عليها لكفره وسحره، فلا يزال جثمانها يرقد على نعشه المسجف في الهيكل المبني بالرخام الأسود في القصر، مذ حمله الكهنة إليه في يوم عاصف من أيام مارس/آذار، منذ اثنتي عشرة سنة، وفي كل شهر مرة، يتلفع الملك بملحفة سوداء، ويحمل في يده مصباحًا مخنوق الضوء ويدخل الهيكل ويركع إلى جانب الجثمان ويصيح: «يا ملكتي! يا ملكتي!» وقد يغلبه الحزن أحيانًا، فيتجاوز ما تقضي به التقاليد التي تسيطر في إسبانيا على كل عمل من أعمال الحياة، وتضع حدودًا حتى لحزن الملك، فيقبض على اليدين الصفراوين المزدانين بالحلي، وقد ذهبت بلبه حرقات الكمد، ويحاول بقبلاته الجنونية أن يرد الحياة إلى المحيا الباهت المصبوغ. وكان يراها اليوم، مرة أخرى، كما رآها أول مرة في قصر «فينتنبلو»، وكان هو يومئذ في الخامسة عشر من عمره، وكانت هي أصغر، وقد عقد خطبتهما حينئذ السفير البابوي بحضور ملك فرنسا ورجال الحاشية أجمعين، ثم عاد إلى الإسكوريال يحمل حلقة صغيرة من شعر ذهبي، وذكرى شفتين رقيقتين تنحني بهما على يده لتلثمها، وهو يستقل المركبة، ثم كان الزواج بعد ذلك، فاحتفل به على عجل في برغوس، وهي بلدة صغيرة على الحدود بين المملكتين، ثم الموكب الفخم ساعة دخول مدريد والاحتفال المألوف في كنيسة «لا أتوشا»، والاحتفال الذي جاوز المألوف بتسليم حوالي ثلاث مائة من الكفار والملاحدة — بينهم إنجليز كثيرون — للسلطة المدنية لإحراقهم. وكان حبه لها على التحقيق حب جنون، ومن رأي الكثيرين أنه أضر بذلك بلاده التي كانت يومئذ في حرب مع إنجلترا في سبيل الاستيلاء على العالم الجديد. وكان لا يكاد يتركها تغيب عن عينه، وفي سبيلها نسي — أو خيل إلى الناس أنه نسي — شئون الدولة الخطيرة، وأعمى الحب الجامع بصيرته — كما هو شأنه دائمًا — فعجز عن أن يرى أن المراسم الدقيقة التي أراد أن يدخل بها السرور على قلبها زادت داءها الغريب تفاقمًا، فلما ماتت ظل زمنًا ما، كالمذهوب بعقله، بل إنه ما من شك في أنه كان حقيقًا أن ينزل عن العرش، ويدخل دير غرناطة — وكان هو رئيسه الفخري — لولا أنه خشي أن يترك الأميرة الصغيرة تحت رحمة أخيه، الذي كان مشهورًا في إسبانيا بالقسوة وغلظ الكبد، والذي يزعم كثيرون أنه كان السبب في موت الملكة، فقد أهداها، على ما يقال، قفازين مسمومين لما زارت قصره في أراغون. حتى بعد أن انقضت أعوام الحداد العام الثلاثة التي أمر بها في مملكته، لم يسمح قط لوزرائه بأن يخاطبوه في عقد زواج جديد. ولما كتب إليه الإمبراطور نفسه يعرض عليه يد بنت أخيه أرشيدوقة بوهيميا الجميلة، كان جوابه لسفرائه أن قولوا لمولاكم إن ملك إسبانيا قد زُوِّج الأسى، وإنها لعروس عاقر، ولكنها أحب إليه من الجمال، وقد كلفه هذا الجواب ثمنًا غاليًا، ففقد تاجه إقليمَ البلاد الواطئة الخصيب الذي ما لبث، بإيعاز من الإمبراطور أن ثار بزعامة بعض المتهوسين من رجال الإصلاح الديني. وتمثل لعينيه وهو يرقب الأميرة إذ تلعب في الشرفة، عهد زواجه كله بأفراحه العنيفة المتوهجة الألوان، والحرقات الكاوية التي كان بها ختام ذلك العهد، وكان في الأميرة من أمها سرعة البادرة وحدة الطباع، وهزة رأسها إذ تجنح إلى العناد، وتقويسة فمها الجميل الواشية بكبرياء النفس، وابتسامتها الخلابة إذ ترفع رأسها من حين إلى حين، وترمق النافذة، أو تمد راحتها الصغيرة لكبراء إسبانيا ليلثموها، ولكن ضحكات الأطفال العالية كانت تسك مسامع الملك، كما كان نور الشمس القاسي الوهاج يسخر من أساه، وكان يشوب هواء الصباح الصافي فيما يحس أو يتوهم، أرج بخور غريب شبيه بما يتخذه المحنطون، فدفن وجهه في يديه، فلما صعدت الأميرة طرفها كانت الأستار قد أسدلت، والملك قد دخل. فأبدت علامة امتعاض، وهزت كتفيها. أفما كان في وسعه أن يظل معها في يوم عيدها؟ ما قيمة شئون الدولة السخيفة هذه؟ أم تراه قد ذهب إلى ذلك الهيكل القائم الذي لا تنطفئ فيه الشموع والذي لا يؤذن لها في دخوله؟ وتالله ما أحمقه إذا كان قد ذهب إلى هناك وترك هذه الشمس المشرقة وزهد في السعادة التي ينعم بها كل أحد. وستفوته مصارعة الثيران التي بدأت الأبواق تنفخ إيذانًا بها، وألعاب القراقوز وغيرها من المتع والمسرات، أَلا إن عمها ورئيس محكمة التفتيش لأرشد وأهدى سبيلًا، فقد خرجا إلى الشرفة وسرّاها وشرحا صدرها بالتحيات والتهنئات. وهزت الأميرة رأسها مرة أخرى وتناولت يد «دون بدرو» ونزلت من السلم إلى سرادق طويل من الحرير القرمزي نصب في آخر الحديقة، وتبعها الأطفال المدعوون على ترتيب درجاتهم ومنازلهم، فأطولهم أسماء أسبقهم وأحقهم بالتقديم. ••• وتقدم موكب من الصبيان الأشراف في أفواف موشاة، ومطارف من السندس والأبريسم لاستقبال الأميرة، وأقبل «كونت تييرا نويفا» وهو غلام بارع الحسن يناهز الرابعة عشر، ونزع قبعته برشاقة من وُلد وشب في بيوت السيادة والمجد وصحبها إلى كرسي صغير مذهب ومطعم بالعاج على منصة مرفوعة تشرف على الساحة. وانتظم الأطفال الآخرون صفوفًا حولها، وهم يهزون مراوحهم الكبيرة، ويتهامسون فيما بينهم، ووقف دون بدرو ورئيس محكمة التفتيش في المدخل يضحكان. حتى الدوقة — وهي امرأة نحيلة معروقة صارمة معارف الوجه — لم تكن كالمعهود فيها من الشراسة وسوء الخلق، فمر بوجهها المغضن طيف ابتسامة اختلجت لها شفتاها الرقيقتان الظمياوان.٤ وكانت مصارعة الثيران الصورية بديعة جدًّا، وحدثت الأميرة نفسها أنها أمتع من تلك المصارعة الحقيقية التي حملوها إلى سيفيل لمشاهدتها لما زار دوق بارما والدها، وكان بعض الغلمان يتوقصون ويقرّبون٥ على خيول صناعية زاهية السرج، وبأيديهم حراب طويلة محلاة بأشرطة مختلفة الألوان، وكان آخرون منهم يروحون ويجيئون وينشرون المطارف الأرجوانية أمام الثور، فإذا هجم عليهم قفزوا خفافًا من فوق السور. أما الثور فكان أشبه شيء بثور حقيقي وإن كان مصنوعًا من أعواد وجلد مُصْحَب.٦ وكان يأبى أحيانًا إلا أن يذهب يعدو حول الساحة من داخلها، على قائمتيه الخلفيتين، وهو ما لا يحلم ثور حقيقي بأن يفعله. وقد أبلى في المصارعة بلاء حسنًا حتى لقد كان الأطفال ينهضون عن مقاعدهم ويلوحون بمناديلهم المطرزة ويصيحون، هاتفين بالثور: «مرحى يا ثور! مرحى يا ثور» كما يفعل الكبار — وأخيرًا بعد صراع طويل أُرديت فيه خيول صناعية عديدة وترجل فرسانها، استطاع كونت تييرا نويفا (الأرض الجديدة) أن يلقي الثور على ركبتيه على هيئة المتكئ، ثم استأذن الأميرة في الإجهاز عليه، وغرز سيفه الخشبي في عنق الثور بعنف ففصله عن سائر الجسد، وبرز محيا صغير مشرق هو محيا «دي لورين» ابن السفير الفرنسي في مدريد. وأخليت الساحة بين التصفيق والصياح، وأخرجت الجياد الصناعية — جرها اثنان من الخدم في ثياب صفراء وسوداء — وبعد فترة وجيزة لعب فيها فرنسي على حبل مشدود، ظهر «قرقوز» إيطالي على مسرح صغير أعد له، وقد كان التمثيل جيدًا، والحركات طبيعية متقنة حتى لقد اغرورقت عين الأميرة بالدموع في ختام الفصل. بل لقد بكى بعض الأطفال، فكان لا بد من التسرية عنهم بالحلواء، حتى رئيس محكمة التفتيش نفسه قال لدون بدرو: إن مما لا يطاق أن تشقى وتتعذب بمثل هذه المصائب الكُبر أشياء مصنوعة من الخشب والشمع الملون تحركها أسلاك خفية بطريقة آلية. وجاء بعد ذلك «حاو» أفريقي يحمل سلة واسعة روحاء٧ مغطاة ووضعها في وسط الساحة، وأخرج من عمامته قصبة جعل يشيع فيها وينفخ، فبدأ الغطاء يتحرك وعلا صوت المزمار فأطل ثعبانان أخضران برأسيهما العجيبين اللذين يشبهان الوتد، وجعلا يرتفعان ببطء ويتمايلان على صوت الزامر تمايل النبات في الماء. غير أن الأطفال أفزعهما منظر الرأسين المنقطين واللسانين الدقيقين البارزين، وكان سرورهم أعظم لما استنبت الحاوي الأرض شجيرة برتقال منورة تتهدل أغصانها بالثمار الحقيقية. ولما أخذ مروحة ابنة المركيز ده لاس توريس فانقلبت عصفورًا أخضر يطير حول السرادق، وهو يغرد، جاوز سرورهم كل حد. وكانت الرقصة الدينية التي رقصها الغلمان الآتون من كنيسة «نويسترا سينورا دل بيلار» جميلة. ولم تكن الأميرة قد شاهدت من قبل هذا الرقص البديع الذي يجري كل عام في الربيع أمام مذبح العذراء العالي، بل إنه ما من أحد من الأسرة المالكة في إسبانيا دخل ساراتوجا الكبيرة مذ حاول قسيس مجنون، يقال إن اليصابات ملكة إنجلترا كانت تستخدمه، أن يطعم أمير أستوريا كعكة مسمومة. لهذا لم تكن الأميرة تعرف «رقصة العذراء» — كما كانت تسمى — إلا سماعًا، لا عيانًا، والحق أنها كانت رقصة جميلة. وكان الغلمان يرتدون ثيابًا من المخمل الأبيض عتيقة الطراز، وكانت قبعاتهم المثلثة لها حافة مفضضة، وعليها ريشات كبيرة من ريش النعام، فكان بريق أرديتهم البيضاء الناصعة يزداد لمعانًا إذ يخطرون في نور الشمس، ويضاعف النصوع وجوههم السمراء وشعرهم الطويل الدجوجي. وقد سحروا النظارة بأبهتهم وسمتهم إذ يقومون بحركات الرقصة المعقدة، ورشاقة إيماءاتهم البطيئة وانحناءاتهم، فلما انتهوا من ذلك ونزعوا قبعاتهم المريشة وانحنوا بالتحية للأميرة تقبلت منهم التحية بتلطف، ونذرت فيما بينها وبين نفسها أن تهدي شمعة عظيمة لمعبد العذراء تجزية لها على ما سرتها به في يومها هذا. ثم تقدم صف من المصريين ذوي القسامة — كما كان الغجر٨ يسمون في ذلك الزمان — وقعدوا القرفصاء في حلقة، وأنشئوا يعزفون برقة وعذوبة على قيثاراتهم ويحركون أجسامهم على أنغامها ويغنون، وكأنما يهمسون صوتًا شجيًّا، وكانوا إذا أخذت عيونهم دون بدرو، يزلقونه بأبصارهم متسخطين متجهمين، وربما بدا على بعضهم الذعر، فقد شنق اثنين من قبيلتهم في سوق سيفيل بدعوى أنهما من السحرة، ولكن الأميرة كانت تفتنهم وتسحر ألبابهم وهي مضطجعة ومشخصة ببصرها إليهم لا تصرفه عنهم من فوق مروحتها، وكان يقينهم وهم يلحظونها أن من كان له مثل جمالها لا يمكن أن تكون فيه قسوة أو جبروت. ومن أجل هذا جعلوا يعزفون برقة ولا يكادون يلمسون أوتار القيثارات بأظافرهم الطويلة المحددة، وكان رءوسهم تخفق كأن النعاس يغالبها ويثنيها. وإذا بهم ينتفضون ويثبون إلى أقدامهم فجأة ويطلقون صيحة عالية مجلجلة ذعر منها الأطفال، وانثنت يد دون بدرو إلى مقبض خنجره المحلى، وانطلقوا كالعاصفة يعدون حول الساحة ويقرعون طبولهم، ويضربون بدفوفهم، ويغنون صوتًا فيه غزل جامح بلغتهم الغريبة. ثم أومأ إليهم رئيسهم فارتموا على الأرض كرة أخرى والتزموا السكون فلم يكن يسمع إلا هزيج الأوتار الخفيف. وكرروا هذا عدة مرات اختلفوا بعدها، ثم برزوا يجرون دبة كثيفة الشعر، من سلسلة، وعلى أكتافهم قردة صغار. ووقفت الدبة على رأسها، ولعبت القردة المفطومة ألعابًا شتى مسلية، مع اثنين من الغجر كانا على ما يظهر هما اللذان يدربانها، فكانت القردة تتضارب بسيوف صغيرة قصيرة وتطلق بنادق، وتقوم بالتداريب العسكرية المنتظمة كما يفعل حرس الملك سواء بسواء. فكان الغجر موفقين وفازوا بإعجاب المشاهدين أجمعين. ولكن أمتع الملاهي كلها بلا شك رقص القزم الصغير، فما كاد يدخل الساحة متعثرًا، ويمشي متكفّئًا في جانبيه، متخلعًا يهز منكبيه، ويميل رأسه العظيم المشوه الخلق في هذه الناحية مرة، وفي تلك مرة أخرى، حتى ضج السامر بصيحات الجذل، وراحت الأميرة نفسها تضحك وتكركر مستغربة في ذلك حتى اضطرت وصيفتها أن تذكرها بأن هناك سوابق في إسبانيا تجيز أن تبكي ابنة الملك على مرأى من أترابها ولداتها، ولكنه ليس هناك ما يبيح لأميرة من نسل الملك أن تظهر مثل هذا الطرب والسرور على مرأى ممن هم دونها مولدًا وأصلًا. ولكن الحقيقة أن القزم كان وقعه في النفس لا يُغالب أو يقاوم، وقد كان البلاط الإسباني مشهورًا بحبه للفظيع والشنيع، ولكن مثل هذا المخلوق العجيب لم يُر فيه من قبل. وكانت هذه أول مرة ظهر فيها القزم، فما عثروا عليه إلا في اليوم السابق، وكان يعدو في الغابة، واتفق أن كان اثنان من النبلاء قد خرجا للصيد والقنص في ناحية قصية من الغابة العظيمة المحيطة بالمدينة، فحملاه معهما إِلى القصر، هدية لم تكن في الحسبان، للأميرة، وكان أبوه رجلًا فقيرًا، فسره أن يتخلص من طفل دميم مشوه مثله، لا خير فيه ولا جدوى منه. ولعل أبعث ما في الغلام على التسلية والمسرة أنه كان غافلًا ذاهلًا عن دمامته وقبح منظره، لا يدري من هذا الأمر شيئًا، بل لقد كان بَيِّنَ السعادة واضح الابتهاج والمرح، وكان إذا ضحك الأطفال، يضحك مثلهم وبه ما بهم من خفة الفرح والجذل، وكان في آخر كل رقصة ينحني لهم أغرب انحناء وأدعاه إلى الضحك، ويبتسم ويهز رأسه لهم كأنما كان واحدًا منهم، لا خلقًا مشوهًا صاغت منه الطبيعة ضُحْكة للآخرين. وقد سحرته الأميرة واستولت على هواه، فكان لا يستطيع أن يحول عينه عنها، وكأنما كان يختصها برقصه، وفي آخر اللعب تذكرت الأميرة أنها رأت سيدات البلاط يلقين طاقات الزهر على كافاريللي المغني الإيطالي المشهور، الذي اختاره البابا من رجال هيكله الخاص وبعث به إلى مدريد ليُذهب من حزن الملك ويُجلِّد قلبه على مصابه، بحلاوة صوته وعذوبة غنائه، فانتزعت من شعرها الوردة البيضاء، على سبيل المزاح من ناحية، ولتكايد الوصيفة وتعابثها من ناحية أخرى، ورمت بها إلى القزم في الساحة وهي تفتر له عن أعذب ابتساماتها، فتناولها جادًّا، وأهوى عليها بشفتيه الغليظتين الخشنتين، ووضع يده على قلبه، وجثا على ركبتيه أمامها، وفمه مفتوح من أذن إلى أذن، وعينه تلمع سرورًا، فغلب الضحك الأميرة حتى لقد ظلت تُرَجْع فيه بعد أن خرج القزم من الساحة بزمان طويل، وأعربت لعمها عن رغبتها في أن تعاد الرقصة، ولكن الوصيفة قالت إن الشمس حامية جدًّا، ورأت أن الأصوب أن ترجع الأميرة من تؤتها إلى القصر، حيث أعد مقصف فاخر لها، وكعكة بديعة لعيد ميلادها، سُطرت عليها الحروف الأولى من اسمها بالسكر الملون، ورفع فوقها علم جميل من الفضة. فنهضت الأميرة، وأمرت أن يرقص لها القزم مرة أخرى بعد أن تأخذ حظها من الراحة، وشكرت للكونت الصغير ده تييرا نويفا (الأرض الجديدة) حسن استقباله لها وحفاوته بها، وعادت إلى الجانب المفرد لها في القصر، يتبعها الأطفال على الترتيب الذي جاءوا به. ••• ولما سمع القزم أن عليه أن يرقص ثانية أمام الأميرة، وأن هذا هو أمرها الصريح فرح فرحًا عظيمًا، وامتلأت نفسه زهوًا، فخرج يعدو إلى الحديقة وجعل يبوس الزهرة البيضاء من فرط سروره وابتهاجه، ويأتي من حركات الجذل والخفة أغربها وأبعدها من الظرف والرشاقة. وقد أغضب «الأزهار» أنه اجترأ على التطفل عليها في حديقتها الجميلة، ولما رأته يقفز في المماشي والممرات، وهو يروح ويجيء فيها، ويلوح بذراعيه فوق رأسه على نحو سخيف، لم تستطع أن تكبح شعورها. فقالت أزهار الطوليب: «إنه في الحقيقة دميم جدًّا، ولا يليق أن يُسمح له باللعب في أي مكان نكون فيه.» وقالت أزهار السوسن القرمزية الكبيرة: «ينبغي أن يُسقى عصير الخشخاش وينام ألف سنة»، واضطرمت غلائلها من حدة الغضب. وصاحت الصّبارة: «إنه هولة مفزعة! كل ما فيه أعوج، ناقص، مشوه، وليس بين رأسه ورجليه أي تناسب، وإني لأشعر حين أراه بالوخز في كياني كله، وقد آليت أن أشكه بشوكي إذا دنا مني.» وقالت شجيرة الأزهار البيضاء: «إن معه زهرة من أجمل أزهاري، وكنت قد أهديتها للأميرة بنفسي هذا الصباح، في عيدها، فسرقها منها.» وراحت تصيح بأعلى صوت: «لص! لص! لص!» حتى زهرة الخبيزي المشهورة بالدعة والتواضع، التي يكثر بين ذوي قرباها أهل الفقر والمتربة، سخطت عليه لما بصرت به، ولما قالت أزهار البنفسج إنه حقيقة دميم، ولكن لا حيلة له في هذا، لأنه ليس ذنبه، ردت عليها تلك بأن هذا عيبه، وأنه ليس ثم ما يدعو إلى الإعجاب بمخلوق لا سبيل إلى شفائه من دائه، أو إصلاح عيبه وعلاجه، وقد أحست بعض البنفسجات أن القزم يعرض دمامته مباهيًا بها، وأنه كان أمثل به وأدل على حسن الذوق أن يبدي الاكتئاب، أو يظهر على الأقل على هيئة المفكر بدلًا من أن يذهب ينط ويقفز مرحًا، ويتخذ لنفسه هيئات سخيفة قبيحة. أما الساعة الزوالية التي كانت فيما خلا تبين الوقت للإِمبراطور شارل الخامس نفسه فقد راعها منظر القزم الصغير، حتى لقد ذهلت فنسيت أن تشير إلى انقضاء دقيقتين كاملتين بأصبعها الظلي الطويل، ولم يسعها إلا أن تقول للطاووس الذي يضحي في بهو الأعمدة: إن كل واحد يعلم أن أبناء الملوك ملوك، وأن أبناء الفحامين فحامون، ومن السخف أن يدعي أحد أن هذا ليس كذلك. وهو قول وافق عليه الطاووس أتم موافقة، بل لقد صاح «صحيح! صحيح!» بصوت عال جاف أزعج الأسماك الذهبية الصغيرة التي تسبح في حوض النافورة فأخرجت رءوسها من الماء وسألت تماثيل أرباب البحر عن الخبر. ولكن العصافير أحبته لسبب ما، وكانت قد رأته من قبل مرارًا في الغابة، يرقص كالعفريت وراء الأوراق التي تعبث بها الرياح وتثور، أو منطويًا على نفسه في فجوة في شجرة قديمة، والطير تأكل الجوز من يده. ولم تكن العصافير تبالي قبح خلقته أو تعبأ بذلك شيئًا، ومع ذلك ماذا من الجمال في البلبل الذي يغرد في الليل في أحراش البرتقال فيصغي له القمر ويهبط قليلًا ليسمعه؟ ثم إن هذا القزم كان يحنو على العصافير ويرق قلبه لها، فكان في الشتاء القارس، الذي يغدو فيه ظهر الأرض صلبًا كالحديد، ويتعرى الشجر فلا يبقى عليه من الحب أو الثمر ما يُلقط، وتزحف الذئاب إلى قريب من أبواب المدينة التماسًا للقوت، لا ينسى العصافير ولا مرة واحدة، فكان يبقي لها فتاتًا من خبزه الأسود، ويجعل لها نصيبًا من كل طعام يصيبه. لهذا راحت العصافير تطير حوله في حديقة القصر، وتلمس خده بأجنحتها، وتزقزق فيما بينها، وبلغ من سرور القزم بها أن لم يسعه إلا أن يُريها الزهرة البيضاء الجميلة، وأن يخبرها أن الأميرة نفسها جادت بها عليه لأنها تحبه. ولم تفهم العصافير مما يقول ولا كلمة واحدة؛ ولكن هذا لم تكن له قيمة، فقد أدنت رءوسها، بعضها من بعض، وبدت كأنها فاهمة مدركة، وهو ما يعادل الفهم، ويفضله بأنه أسهل. كذلك أحبته السحالي، فلما تعب من الجري والنط، وقعد على بساط الروض ليستريح راحت تلعب حوله وعلى بدنه، وتحاول أن تسره وتسليه جهد طاقتها. وكانت تقول فيما بينها: «ليس في الإمكان أن يكون كل أحد جميلًا كالسحلية، فإن هذا مرام بعيد ومطلب عسير، ثم إنه ليس بالدميم جدًّا، وإن كان هذا القول يبدو غريبًا، على شرط أن يغمض الواحد عينيه ولا ينظر إليه.» والسحالي مطبوعة على الفلسفة، وكثيرًا ما تقضي ساعات وساعات في تفكير عميق إذا لم يكن ثم شيء تصنعه غير ذلك، أو إذا كان الجو مطيرًا لا يسمح بالخروج من الشقوق. وقد ساء الأزهار جدًّا مسلك السحالي والعصافير، فقال بعضها لبعض: «هذا يرينا أن هذا الجري والطيران المستمرين يفسدان النفس، ويجعلانها سوقية مبتذلة، والمهذبون من الناس يبقون حيث هم، ولا يبرحون مكانهم — مثلنا — وما رآنا قط أحد ننط في ميادين البستان، أو نعدو كالمجانين وراء الذباب. وإذا احتجنا إلى تغيير الجو بعثنا في طلب البستاني فينقلنا إلى أحواض أخرى. وهذا هو الوقار والاحتشام الواجبان، ولكن الطيور والسحالي لا تدرك معنى السكون والرصانة، بل إن العصافير ليس لها عنوان ثابت! وهي أبدًا شاردة كالغجر، وينبغي أن تعامل كما يعامل الغجر.» وصعرت الأزهار خدها، كبرًا وشموخًا، وسُرت جدًّا لما رأت القزم ينهض عن الخضرة ويمضي إلى الشرفة فالقصر، وقالت لنفسها: «إنه حقيق بأن يبقى أبدًا وراء الأبواب. انظروا إلى ظهره الأحدب وإلى ساقيه المعوجتين!» وراحت تتهاتف. ولكن القزم لم يدر شيئًا من هذا كله، وكان يحب العصافير والسحالي حبًّا جمًّا، ويرى أن الأزهار أجمل وأعجب ما في الدنيا كلها، ما عدا الأميرة، ولكن الأميرة أعطته الوردة البيضاء الجميلة، وهي تحبه، فأمرها مختلف جدًّا. ولشد ما يتمنى لو أنه رافقها في أوبتها إلى القصر، إذن لجعلته عن يمينها وابتسمت له، فلا يفارقها أبدًا، ويكون ملاعبها ويعلمها كل ضروب اللعب. ولا نكران أنه لم يعش من قبل في قصر، غير أنه يعرف أشياء كثيرة تروق وتدهش، ففي مقدوره مثلًا أن يصنع أقفاصًا صغيرة من الحصير للصراصير تغني فيها، ومن القصب ذي العقل الطويلة يراعة٩ يشتهي «بان» أن يسمع صوتها وهو يشيع فيها. وهو يعرف صوت كل طائر، ويميز الزرزور من مالك الحزين، ولا يخفى عليه أثر دابة، ويستطيع أن يقفو الأرنب بما يخلفه من أثر دقيق، والخنزير بما يطؤه من أوراق الشجر، ويعرف كل الرقصات الآبدة — الرقصة العنيفة في الثياب الحمر في الخريف، والرقصة الخفيفة بالخفاف١٠ الزرق، على القمح، ورقصة الشتاء، ورقصة الربيع في البساتين والرياض، ويعرف أين تجعل الحمائم عشها، وقد حدث مرة أن جاء صائد فأوقع في شركه حمامتين، فتولى هو تربية صغارهما، وبنى لهما عشًّا صغيرًا في فجوة في شجرة وألفته فكانت تأكل من يديه كل صباح. وإن الأميرة لخليقة أن تحب الطير، والأرانب التي تجري في العشب الناهض، وأبا زريق بريشه القوي ومنقاره الأسود، والقنفذ الذي يجعل من جسمه كرة شائكة، والسلاحف الكبيرة الرزينة التي تدلج،١١ وتهز رءوسها وتثنيها لتأكل من الورق، نعم، يجب أن تذهب الأميرة إلى الغابة وتلعب معه فيها، وهناك يدع لها فراشه لترقد عليه، ويبقى هو قائمًا بحراستها خلف النافذة إلى مطلع الفجر، حتى لا يؤذيها قرن حيوان، أو تدنو من كوخها الذئاب الجائعة النحيلة، وفي الفجر ينقر على الشباك ويوقظها، فيخرجان معًا، ويرقصان معًا، طول النهار، وما في الغابة وحشة، فإنه يتفق أحيانًا أن يجتازها أسقف على حمار أبيض ومعه كتاب مزخرف يقرأ فيه، وأحيانًا يجيء الصقارون،١٢ وعلى رءوسهم قبعات خضراء من المخمل، وقد اكتسوا ثيابًا من جلود الظباء المدبوغة، والصقور على أرساغهم، وفي موسم العنب ترى العصارين مكللي الرءوس، حمر الأيدي والأرجل، ومعهم القرب يقطر منها النبيذ. ويجلس الحطابون في الليل حول الوطيس العظيم يلحظون الأجذال الجافة وهي تحترق ببطء ويشوون الجوز في الرماد، ويخرج اللصوص من كهوفهم وغيرانهم ويجيئون إليهم ويسمرون معهم، وقد رأى مرة موكبًا جميلًا في الطريق الطويل المعفّر إلى طليطلة، وكان الرهبان في الطليعة يغنون أعذب غناء، ويحملون أعلامًا زاهية وصلبانًا من الذهب، وتلاهم الجنود في المغافر١٣ والدروع والتروس، ومعهم البنادق والرماح وبينهم ثلاثة رجال حفاة يلبسون ثيابًا صفرًا عجيبة عليها نقوش وصور غريبة وبأيديهم شموع مضاءة. إلا أن في الغابة لكثيرًا مما يسر ويبهج، وإذا تعبت (الأميرة) فإنه يستطيع أن يجد لها مكانًا معشوشبًا لينًا. فيحملها على ذراعيه — فقد كان قويًّا، وإن كان يعرف أنه ليس بالطويل — وينظم لها عقدًا من أطراف العذارى١٤ فيكون له جمال هذه الأعناب التي تلبسها على ثيابها، وإذا ملتها رمتها، فإنه يستطيع أن ينظم غيرها، ويجيئها بثمار الأشجار وبالأزهار المخضلة واليراعات الوهاجة البريق لتزين بها شعرها الذهبي فتكون فيه كالنجوم المتلامحة. ولكن أين هي؟ سأل الوردة البيضاء فلم تجبه، وبدا له القصر كأنه نائم كله — حتى في حيث لم تغلق النوافذ، أسدلت الأستار الكثيفة لتحجب الضوء، فمضى يحوم حول القصر باحثًا عن مدخل إلى أن انتهى إلى باب صغير كان مواربًا فتسلل منه وألفى نفسه في قاعة فخمة — أفخم وأروع من الغابة، فقد كان كل ما فيها مذهبًا، حتى البلاط كان من قطع كبيرة ملونة مرصوفة على نحو هندسي، ولكن الأميرة لم تكن هناك، ولم يكن ثم سوى تماثيل صغيرة بديعة تنظر إليه من فوق القوائم التي رفعت عليها بعيون بيضاء وشفاه مفترة. وكان في آخر القاعة سجف من المخمل الأسود المطرز وعليه صور الشمس والنجوم التي كان الملك يؤثرها كشعار له، أفتراها مختبئة وراء هذا؟ سيرى! فمشى على أطراف أصابعه إلى السجف ونحاه قليلًا. كلا! كل ما هنالك حجرة أخرى وإن كانت أجمل فيما بدا له من التي أقبل منها، وكان على الجدران رقعة خضراء مطرزة وعليها صور أناس خارجين للصيد، وقد صنعها فنانون من البلاد الواطئة سلخوا من أعمارهم فيها سبع سنوات. وكانت هذه في بعض الأعصر الخوالي حجرة — «جان المجنون» — كما كان يسمى، ذلك الملك الذي كان مجنونًا بالطراد، فكان كثيرًا ما يحاول أن يمتطي الخيل العظيمة الشديدة الشماس أو الجماح أو الكثيرة التقريب،١٥ وأن يصرع الظبي الذي تقفز حوله الكلاب، وهو ينفخ في النفير ويضرب بخنجره، وقد صارت هذه الحجرة تتخذ لمجلس الوزراء، وكان على المنضدة الوسطى فيها محافظ الوزراء الحمراء، وعليها شارة إسبانيا وشعار آل هابسبرج. وأدار القزم عينيه في الحجرة متعجبًا، وخامره الخوف من الاستمرار، وكان يخيل إليه أن هؤلاء المصورين الذين يركضون بسرعة ومن غير أن يحدثوا صوتًا، مثل تلك الأشباح المرعبة التي سمع الحطابين يتحدثون عنها ويقولون إنها تخرج للصيد في الليل، فإذا لقيت إنسانًا قلبته غزالًا وراحت تطارده. ولكنه تذكر الأميرة فتشجع، وكان يريد أن يلقاها وحدها وأن يقول لها إنه هو أيضًا يحبها، فلعلها في الغرفة التي وراء هذه! وذهب يجري على السجاد المراكشي الناعم الوثير وفتح الباب. كلا! ولا هنا أيضًا! فقد كانت الغرفة خالية. وكانت هذه قاعة العرش التي يستقبل فيها الملك سفراء الدول الأجنبية. وما أقل ما يفعل الآن. وهي نفس القاعة التي جاء إليها منذ سنوات عديدة رسل من إنجلترا ليتفقوا على التدابير اللازمة لزواج ملكتهم — وكانت يومئذ كاثوليكية — بابن الإمبراطور. وكانت الأستار من جلد قرطبة المذهب، وقد تدلت من السقف المدهون باللونين الأسود والأبيض، شجرة عظيمة تحمل أغصانها ثلاث مائة شمعة. وكان فوق العرش ظلة مذهبة صورت عليها أسود قسطيلية وصروحها باللآلئ الدقيقة، وكان العرش مجللًا بمخمل أسود موشى بأزهار من الفضة، وأطرافه محلاة بالفضة واللؤلؤ، وعلى الدرجة الثانية من منصة العرش مقعد الأميرة وفوقه وسادة كسوتها من نسج الفضة، وتحت هذه الدرجة وفيما يخرج عن نطاق الظلة، كرسي لسفير البابا وكان هذا وحده هو الذي له الحق في الجلوس في حضرة الملك في أي احتفال عام، وكانت قبعته ذات الزر القرمزي، موضوعة على محمل بنفسجي أمام الكرسي. وعلى الجدار المواجه للعرش صورة بالحجم الطبيعي لشارل الخامس في ثياب الصيد وإلى جانبه كلب عظيم، وعلى حائط آخر صورة لفيليب الثاني وهو يستقبل وفد البلاد الواطئة الذي جاء ليعرب عن الولاء والخضوع. وبين النافذتين صندوق من الآبنوس مطعم بصفائح من العاج نقشت عليها صورة «رقصة الموت» لهولبين، ويقول البعض إن هذا المصور هو الذي نقشها بيديه. ولكن القزم لم يكن يعبأ شيئًا بهذه الأبهة كلها. وما كان ليرضى أن يعتاض من وردته البيضاء كل ما في نسج الظلة من لآلئ، بل ما كان ليستبدل بغلالة واحدة من غلائل وردته، العرش نفسه، وما كان يبغي سوى أن يرى الأميرة قبل أن تنزل إلى السرادق، ليرجو منها أن تذهب معه بعد أن يقوم برقصته، فقد كان الجو هنا، في القصر، محبوسًا خانقًا، وكان له على الصدر جثوم، ولكن الهواء في الغابة حر، ونور الشمس يفرق أوراق الشجر المضطربة بأيد من الذهب. وهناك في الغابة الأزهار أيضًا. وقد لا يكون لها جمال نظائرها في الحديقة، ونضرتها وبهجتها، ولكنها أزكى أرجًا وأطيب عبيرًا، وأشد توهجًا — هناك الحوجم الذي يغمر الوادي والهضاب المنبسطة المعشاب، بحمرته المتموجة، والذَّريب١٦ الذي ينمو حول جذور أشجار البلوط، وكل بيضاء وصفراء وحمراء من الأزهار كالعيون أو النجوم أو الأقمار — نعم، لا شك في أنها تصحبه إذا استطاع أن يهتدي إلى مكانها، — ترافقه إلى الغابة الساحرة، فيرقص لها طول النهار ليسرها. ولمعت عينه بنور البشر والجذل وهو يتخيلها معه، ومضى إلى الغرفة التالية. وكانت هذه أجمل وأبهى ما رأى. وكانت الجدران مكسوة بالديباج من نسج «لوكا»، وعليه صور الطير، وقد حلي بأزاهير من فضة، وكان الأثاث من الفضة المحلاة بأكاليل الزهر الأرجواني وصور كوبيد، إله الحب، وأمام الموقدين الكبيرين ستران موشيان بصور الببغاوات والطواويس. وكانت الأرض مفروشة بأحجار خضراء لونها كلون البحر، ويخيل للناظر أنها ممتدة ذاهبة إلى غير مدى. ولم يكن القزم وحده في هذه الحجرة فقد كانت هناك في مدخل في آخر الحجرة، من ينظر إليه ويلاحظه، وقد خفق قلب القزم وندت عنه صيحة فرح وبرز إلى النور، فتقدم الشخص الواقف أيضًا، ورآه القزم كأوضح ما يكون. أهذه الأميرة؟! كلا بل هذا شخص بشع مشوه لم ير القزم أبشع من منظره ولم يكن مستوي الخلق كغيره من الناس، بل أحدب متموج الأعضاء ملتويها ضخم الدماغ. أسود الشعر. وعبس القزم لما رأى هذا المخلوق، فعبس مثله. فضحك، فضحك مثله، ووضع يديه في خاصرتيه كما فعل، فانحنى له القزم ساخرًا، فرد تحيته بمثلها، فمشى إليه فتقدم ذاك منه، وكان يقتاس به ويحاكيه في كل خطوة، ويقف إذا وقف. فصاح من سروره بذاك وراح يعدو، وبسط يده، فلمست كف الوحش البشع يده، فخاف وحرك يده يمينًا وشمالًا، فقلده الذي أمامه، فحاول أن يدفع يده إليه ولكن شيئًا أملس صلبًا صده عن ذلك. وكان وجه هذا الوحش قريبًا منه الآن، فطالعه من عينيه الذعر، فنحى الشعر عن عينيه، فقلده الذي هو أمامه، فضربه بجمع يده، فتلقى ضربة بضربة، فهاج عليه سخطه ومقته، فلم يكن الوجه الذي يراه أقل نطقًا بالكراهية والحنق، فتراجع، فارتد ذاك أيضًا. ما هذا؟! وفكر القزم لحظة، ثم أجال لحظه في بقية الحجرة، فرأى عجبًا! ذلك أن كل شيء هنا له نظير يقابله في هذا الجدار الذي كأنما هو مصنوع من الماء الصافي. لكل صورة، وكل أريكة، أختها حتى تمثال الإله النائم في فجوة بالجدار إلى جانب الباب له توأم نائم. وحتى تمثال فينوس الفضي القائم في نور الشمس، يمد يده إلى فينوس أخرى ليست دون تلك جمالًا. أهذا هو الصدى؛ لقد نادى الصدى مرة في الوادي، فرد عليه نداءه كلمة كلمة. أفترى الصدى يعابث العين كما يعابث الأذن؟ أفي وسعه أن يجعل عالم التقليد كعالم الحقيقة؟ وهل يتسنى أن يكون لخيال الأشياء لون وحياة وحركة؟ هل يمكن …؟ وانتفض، ونزع الوردة البيضاء من صدره، ودار فلثمها، فإذا الذي هناك معه وردة كوردته، لا تنقص غلالة واحدة، وإذا هو يلثمها كلثماته، ويضمها إلى قلبه بحركة بشعة وإيماءات ثقيلة. وفطن إلى الحقيقة فأطلق صرخة يأس، وهوى إلى الأرض يبكي ويعول. إذن هو هذا المشوه الأحدب الكريه المنظر الشتيم الخلق! هو الوحش البشع، وهو الذي كان الأطفال جميعًا يضحكون منه — حتى الأميرة التي حسبها تحبه — هي أيضًا كانت تسخر منه وتهزأ به، وتضحكها أعضاؤه المعوجة! لماذا لم يتركوه في الغابة حيث لا مرآة تقول له إنه بغيض مشنوء الهيئة؟ ولماذا لم يقتله أبوه بدلًا من أن يبيعه ليفضحه؟ وانهمرت الدموع الحارة على خديه، ومزق الزهرة البيضاء، ففعلت صورته مثله ونثرت الغلائل الرقيقة في الهواء، وتمرغت١٧ على الأرض، فلما رفع عينه لينظر رأى الألم مرتسمًا على وجهه، فتسلل راجعًا لئلا يرى صورته، وغطى عينيه بيديه — جر رجليه كالجريح، إلى ركن ظليل مظلم وراح يئن ويتوجع. وفي هذه اللحظة دخلت الأميرة من الشباك المفتوح، في حاشية من أترابها، فلما بصروا بالقزم مرتميًا يضرب الأرض بجمع يده، جلجلت ضحكاتهم وحفوا به ينظرون إليه. وقالت الأميرة: «كان رقصه مضحكًا، ولكن تمثيله أبعث على الضحك وأغرى به — أشبه بحركات الدمى في القراقوز، إلا أن هذه أقرب إلى الطبيعة وأشبه بها.» وهزت مروحتها الكبيرة، وصفقت. ولكن القزم لم يرفع عينه قط، وصارت شهقاته أخفت، وإذا به يفهق ويمسك جانبيه، ثم ارتمى، وظل ساكنًا لا يتحرك. وقالت الأميرة بعد هنيهة: «هذا بديع. والآن يجب أن ترقص لي.» فصاح الأطفال جميعًا: «نعم، قم وارقص، فإنك ماهر كالقردة، ولكنك أبعث منها على الضحك.» لكن القزم لم يجب. فضربت الأميرة الأرض برجلها، ونادت عمها الذي كان يتمشى على الشرفة مع أحد الأمناء، وهو يقرأ رسائل جاءت الساعة من المكسيك حيث أنشئت الكنيسة منذ عهد قريب. وقالت الأميرة: «إن قزمي الصغير المضحك يعاند، فتعالى أنهضه ومره أن يرقص.» فابتسما ودخلا، وانحنى دون بدرو ولطم القزم على خده بقفازه الموشى وقال: «يجب أن ترقص أيها الوحش الصغير. يجب أن ترقص، فإن أميرة إسبانيا وأترابها يردن أن يتسلين.» ولكن القزم لم يتحرك. فقال دون بدرو بضجر: «يجب أن نبعث في طلب جلاد.» وعاد إلى الشرفة، ولكن الأمين بدا عليه الجد والاهتمام وجثا إلى جانب القزم ووضع يده على قلبه، ثم هز كتفيه ونهض، وانحنى للأميرة وقال: «أيتها الأميرة الجميلة، إن قزمك الصغير لن يرقص أبدًا. وهذا مما يؤسف له، فقد كان دميمًا مشنوء الطلعة إلى حد كان يُرجى أن يحمل الملك على الابتسام.» فسألته الأميرة: «ولكن لماذا لا يرقص ثانية؟» وضحكت. فقال الأمين: «لأن قلبه انفطر.» فعبست الأميرة، واستدارت شفتاها الرقيقتان زراية واحتقارًا وقالت: «في المستقبل، يجب أن يكون الذين يجيئون ليلعبوا معي بغير قلوب.» وخرجت تعدو إلى الحديقة. هوامش (١) المجول في الأصل: ثوب تجول فيه المرأة، أو هو قميص خفيف يلبس تحت الثياب، وقد استعملته هنا للجونلة. (٢) جزء من الثوب يغشى الصدر والمنكبين وقد استعملت اللفظ لكلمة Corset. (٣) المعجرمة: الكثيرة العقد، والعقد مخارج الغصون. (٤) الظمي: ذبول الشفة وذهاب لونها. (٥) التوقص هو: أن يثب الجواد وثبًا. والتقريب: رفع اليدين معًا، ووضعهما معًا. (٦) جلد مصحب: عليه صوفه أو وبره أو شعره. (٧) قريبة القعر. (٨) Gypsies. (٩) مزمار. (١٠) جمع خف وهو ما يلبس في الرجل. (١١) تمشي بطيئة مثقلة بحملها. (١٢) الصقار: قيم الصقور ومعلمها ليصيد بها. (١٣) المغفر: الخوذة. (١٤) عنب أبيض طوال. (١٥) رفع اليدين معاً ووضعهما معاً. (١٦) الحوجمة وردة حمراء، والذريب صفراء. (١٧) أي صورته في المرآة. مختارات من القَصَص الإنجليزي
رجل فقير كان ذلك في حجرة الجلوس بعد الغداء، وقد قعدت المسز شارمن — ربة الدار الجسيمة الطيبة القلب — على كرسي إلى جانب صديقتها الصغيرة المسز لورنج وتنهدت سائلة: «كيف ترين المستر تمبرلي؟» قالت: «ظريف جدًّا ولكن فيه بعض الشذوذ.» قالت الأولى: «نعم شاذ، لا يجري على قياس. وقد أردت أن أحدثك عنه قبل أن ننزل ولكن الوقت ضاق بي، وهو صديق قديم لنا، وقد كان هو وزوجي العزيز في مدرسة واحدة، هارو. وإنه لأحلى وأعذب وأرق الناس. وأخشى أن يكون خيرًا من أن يصلح لهذه الدنيا. يتناول كل شيء جادًّا. ولن أنسى حزنه لوفاة زوجي المسكين. إني أحدث المسز لورنج عن المستر تمبرلي، يا أده.» وكانت العبارة الأخيرة موجهة إلى بنتها المتزوجة، وهي غادة ساكنة، فيها من أمها دماثتها وطيبها، ولكنها أذكى وأفطن. وقالت أده (المسز وير): «إني آسفة لأنه يبدو أبعد ما يكون من الصحة.» فقالت الأم: «إنه لم يكن قط مشرق الديباجة، وحياته … ولكني سأحدثك عنه (والتفتت إلى المسز لورنج) إنه عزب، وفي رغد من العيش، و — هل تصدقين؟ — يعيش وحده في حي زري من أحياء لندن. أي حي هو يا أده؟» – «شارع حقير في اسلنجتون.» – «نعم، هناك يعيش، في مسكن وضيع — ولا بد أن يكون غير صحي — لا لشيء سوى أنه يريد أن يحيط علمًا بحياة الفقراء والمساكين، وليكون بذلك أقدر على معونتهم. أليست هذه بطولة؟ وقد وقف حياته على هذا على ما يظهر فما يلتقي به أحد في مكان آخر. وأحسب أن بيتنا هو الوحيد الذي يظهر فيه للناس. حياة نبيلة! ولا يخوض فيها بكلام، أو يشير إليها بحرف، وإني لواثقة أنك لم يخطر لك أن هذا هكذا من حديثه على المائدة!» فقالت المسز لورنج مستغربة: «لم يخطر لي قط. على أنه لم يكن كثير الكلام، وقد استطعت أن أعرف أن أكبر ما يعنيه، زخرفة الخشب، والسياسة الخارجية.» فضحكت المسز وير وقالت: «هو بعينه! لما كنت طفلة كان يصنع لي لعبًا شتى جميلة بمنشاره، ولما كبرت كان يحدثني عن التوازن الدولي! ومن يدري؟ لعله يكتب مقالات افتتاحية في الصحف، يا أمي!» فقالت الأم: «يا بنيتي العزيزة، ما من شيء يستغرب من المستر تمبرلي! وإنها لحياة جديدة هذه التي يحياها بعد حياته في الريف. لقد كان له بيت صغير جميل قرب بيتنا في بيركشير. وليس يسعني إلا أن أعتقد أن وفاة زوجي هي التي حملته على مغادرته وتركه، فقد كان وثيق الصلة به وصديقًا حميمًا له. فلما مات زوجي وتركنا بيركشير اختفى المستر تمبرلي — حوالي سنتين — ثم التقيت به مصادفة في لندن. ومن رأي أده أنه لا بد أن يكون قد خاب له أمل في حب.» فقالت بنتها: «يا أمي العزيزة، لقد كان هذا تأويلك أنت لاختفائه لا تأويلي أنا.» قالت الأم: «صحيح؟ ربما! إن الإنسان لا يسعه إلا أن يلاحظ أنه قاسى بعض الآلام. وقد يكون هذا من أثر عطفه على الفقراء والمساكين الذين وقف عليهم حياته! رجل عجيب!» وسمعن أصوات رجال عند باب الغرفة، فتطلعت المسز لورنج إلى رؤية هذا الرجل الشاذ. وكان هو آخر من دخل، وهو طويل، وفي كتفيه انحناء، ونحيل وغير رشيق، وفي خطوته اضطراب وفي مشيته تردد، وبه حياء ظاهر، وعينه الرقيقة النظرة كثيرة التلفت هنا وهنا، وفي خط الحاجب ما يشي بالتردد والضعف، وفي الابتسامة التي تخفق على شفتيه ما ينم على وهن الشخصية بل امحائها. وكان شعره قد بدأ يخف ويشيع فيه البياض، وكان شارباه كثيفين وأليق بوجه أصرم وأحزم. وكان وهو يدخل الغرفة، أو يتسلل إليها، لا تزال كفه تنقبض وتنبسط على نحو يغري بالضحك، وقد أفرده بين الرجال أنه كان في هيئة ما يمكن أن يوصف بأنه انطفاء اللمعة، أو ذهاب الصقل، وإن كان لا يبلغ حد الرثاثة، فإذا أَحَدّ المرء النظر إليه تبين أن ثيابه السوداء مفصلة على طراز يرجع إلى بضع سنوات مضت، وكان قميصه ناصع البياض، ولم يكن يتخذ من الحلي أكثر من أزرار بسيطة على كميه وصدره. ومضى إلى ركن، وكان خليقًا أن يبقى فيه وحده، في سلام، لولا أن المسز وير جرت كرسيها إلى جانبه. وقالت له: «أتراك ستبقى في المدينة في شهر أغسطس؟» فقال: «لا … لا لا … كلا … لا أظن.» – «ولكنك تبدو مترددًا، وسامحني حين أقول إني واثقة أن بك حاجة إلى تغيير الهواء. فالحقيقة أنك لا تبدو في صحة جيدة. فهل لي أن أغريك بالانضمام إلينا واللحاق بنا في لوسرن؟ إن زوجي يكون مسرورًا جدًّا … بأن تتاح له فرصة للحديث معك في أحوال أوروبا. فهب لنا من وقتك أسبوعين … أرجو …» فقال: «يا عزيزتي المسز وير، إنك الرقة مجسدة. وإن شكري لك لجزيل، وإني لعاجز عن العبارة عما أحس به تلقاء هذه العناية، ولكن الحقيقة أني أكاد أكون مرتبطًا بوعد لإخوان آخرين. بل في وسعي أن أقول إني في حكم … نعم هذا هو الواقع.» وكان صوته كالصفير، ونطقه واضحًا، وكان يبتسم ابتسامًا يحول إلى ما يشبه الإشفاء على البكاء وهو ينتقل من عبارة إلى عبارة في ارتباك واضطراب، وكانت كفاه المعروقتان الطويلتان متضاغتين حتى صارت عقل أصابعه بيضاء. وقالت المسز وير: «إن المهم أنك ستغادر لندن، فإني أخشى أن تغالي في إرضاء ضميرك. وأحسبك تعلم أنك لن تفيد أحدًا بأن تتلف صحتك.» فقال: «هذا واضح. ها ها! وإني أؤكد لك أن هذه الحقيقة غير خافية عليّ. الصحة أول ما ينبغي العناية به. وليس أولى بأن يجعل الإنسان أقل نفعًا من صحة متداعية. على التحقيق! على التحقيق!» قالت: «فما القول في الجهد الذي تكلفك إياه معاطفك؟ إن لهذا أثرًا في الصحة فضلًا عن الجو الفاسد.» قال: «ولكن اسلنجتون ليست فاسدة الجو يا عزيزتي المسز وير، وصدقيني حين أقول إن جوها كثيرًا ما يكون منعشًا. ولا تنسي أن موقعها مرتفع. أما لو تسنى أن نقلل ما تنفثه مداخن المنازل والمصانع! على كل حال أؤكد لك أن أسلنجتون تتوفر فيها كل المطالب الصحية.» وقبيل انقضاء السهرة عُزفت بعض الأصوات، وكان المستر تمبرلي يبدو كأنه يستطيبها. فقد ثنى رأسه إلى الخلف، وشخص إلى فوق، وبقي شاردًا على هذه الهيئة إلى ما بعد انتهاء العزف ثم تنبه وتنهد. ولما بارح البيت ارتدى معطفًا أكثف من أن يتخذ في ذلك الوقت، ودس في جيبيه حذاءيه. وكانت قبعته من المخمل، وعالية وتناول مظلته — ولم تكن محكمة القفل — وانطلق يمشي بسرعة، كأنما يقعد إلى المحطة القريبة من هناك. ولكن القطار لم يكن مقصده، لا ولا سيارات النقل المشترك. فمضى يمشي، ويمشي، في الليل العطر، بخطوة موزونة، شأن من ألف هذا الضرب من الرياضة، وخرج من «نوتنج هيل» إلى «ماربل آرتش»، ومن ثم إلى «نيو أكسفورد ستريت»، ومن طريق تيوبولد إلى بنتونفيل، وراح يصعد حتى بلغ عُدوة حيه الصحي! وبعد نصف الليل دخل في زقاق ضيق، يبدو في ضوء القمر الباهت، نظيفًا وإن لم يكن فيه ما يدعو إلى الإقبال عليه. وفتح بابًا بمفتاح معه، ودخل بيتًا صغيرًا تفوح فيه رائحة الصمغ. وأوقد شمعة وجدها في جيبه، وارتقى في السلم دورتين إلى غرفة خلفية طولها ثماني أقدام وعرضها سبع أقدام ونصف قدم، وبعد دقائق كان مستغرقًا في النوم. واستيقظ في الساعة الثامنة — وكان يعرف الوقت من جرس يدق في الحي — فارتدى ثيابه بسرعة، وفتح الباب فألفى على العتبة صينية عليها طعام الإفطار وقد نقص إلى أدنى حد — قصب من لبن، وخبز، وزبدة. وفي الساعة التاسعة نزل، ونقر بأدب على باب الغرفة المقدمة، فأذن له صوت أجش في الدخول، وكان في الغرفة رجل كهل وفتاة، وهما عاكفان على عمل اليوم — تجليد الكتب. وقال المستر تمبرلي: «عم صباحًا يا سيدي.» وحنا رأسه للفتاة وقال: «عمي صباحًا يا آنسة سَجْس. يوم مشرق … مشمس … منعش!» ووقف يفرك يديه كما يفعل المرء في ليلة مصقوعة مبرودة.١ وهز المجلد رأسه هزة جافة، وبين للمستر تمبرلي عمله فأقبل هذا عليه بهمة وعزم. وكان يتعلم مبادئ هذا الفن، ويقضي ساعات العمل كلها مكبًّا صابرًا، مظهرًا في عمله من الاستعداد الطبيعي له حظًّا غير قليل. إلى هذا الحضيض انحدر المستر تمبرلي، وكان من سادة بيركشير، وكان يعيش في دعة وخفض في من ربح ماله المستثمر، وقد تعلم في مدرسة هارو، وتخرج في كمبردج، وفكر في اختيار مهنة، حتى بدا له، على العموم، أن وقت الاختيار مضى وانقضى، ولما لم تكن به حاجة إلى تجشيم نفسه عناء العمل، فقد عاش عيشة الفراغ والبطالة البريئة على مقربة من البيت الريفي لصديقه المثري الوجيه المستر تشارمن. وكرت الأعوام لينة سمينة. وخطر له الزواج مرة أو مرتين ولكن طبيعة الحياء الشديد صدته عن اتخاذ الخطوة الأولى، ووقع في روعه آخر الأمر أنه معزابة.٢ وكان قانعًا بذلك وراضيًا عنه، وليته أظهر مثل هذه الحكمة وبعد النظر في مغريات أخرى! ولكنه في ساعة مشئومة صدر عن رأي المستر تشارمن الذي كان لا ينفك يلهج بالمضاربة والشركات والأرباح العظيمة، ولم يخاطر المستر تمبرلي بباعث من الطمع، فقد كان عنده فوق الكفاية ولكنه كان معنيًا بأمر أخته التي تزوجت محاميًا ريفيًّا غير موفق، وفي أبنائها الستة، الذين كان يشتهي أن يساعدهم على نحو ما يفعل الخال المثري في الأقاصيص، ويمدهم بالعون اللازم لخوض الحياة، فوثق بالمستر تشارمن ثقة عمياء، فكان أن ألقى نفسه ذات يوم يرعش على شفا الهاوية. وجاءت الأنباء تترى بما حاق به من الخراب فهوى إلى الحضيض. ولم يكن أحد يعلم ذلك سوى المستر تشارمن، وقد مرض هذا بعد بضعة أيام ثم قضى نحبه، ولم تتحيف الخسارة التي عصفت بصديقه، إلا جانبًا يسيرًا من ثروته، ولم ينبس المستر تمبرلي بكلمة لأرملة صديقه، ولا أفضى بحرف إلى أحد من الناس، ما عدا محاميه الذي سوى له أموره في هدوء، وأخته التي لم يبق لبنيها إلا أن يحيوا حياتهم بلا عون، وحدث أن غابت أسرة المستر تشارمن بعد موته عن البلدة فترة من الوقت، فاختفى المستر تمبرلي في سكون. وكان المسكين قد ناهز الأربعين، وقد بقي له من رأس المال قدر يسير لم يجترئ على مد يده إليه للإنفاق منه، فاستثمره، فأفاده دخلًا لا يكاد يكفي عاملًا. وكانت لندن هي المدينة الوحيدة التي يستطيع أن يعيش فيها، لأنها المكان الوحيد الذي يسعه أن يستخفي فيه وهو مطمئن آمن، فقصد إليها، واحتاج إلى زمن غير قصير ليتعلم فن مكافحة الجوع بأيسر مقدار من المال. وقد بلغ من سوء حاله في أول عهده بهذه المحنة، ومن عض الجوع وذل الفاقة، أن اضطر أن يغالب كبرياءه فكتب إلى صاحب له يستشيره ويستعينه، وليس يعرف عبث النصح وإن حسنت فيه النية، وقلة جدوى الجاه الاجتماعي، إلا من كان في مثل موقف المستر تمبرلي وحاله. ولو أنه استجدى مالًا لتلقى شيئًا مشفوعًا بكلمات العطف، غير أن المستر تمبرلي ما كان يستطيع أن يحمل نفسه على هذا. وحاول أن ينتفع بما كان يتسلى به قديمًا من زخرفة الخشب، ونجح إلى حد ما، فربح في ستة شهور نصف جنيه! ولكن الأمل في اكتساب جنيه في العام يضيفه إلى دخله الضئيل لم يكن من شأنه أن يشجعه ويحضه على المثابرة! وكان في ذلك الحين يعيش في عزلة تامة. والفقر أقوى ما زهد في الاختلاط ورغب في الاعتزال والوحدة، إلا إذا كان المرء قد ولد وشب في أحضان الفاقة. وليس يسع الرجل المرهف الحس حين يلفى أنه قد صار أدنى من أقرانه منزلة، إلا أن يلوذ بالوحدة، وما أسرع ما يتبين أن الناس لا يجدون عسرًا أو عناء في نسيانه. وقد كانت لندن، وما زالت، غاصة بالزهاد والمعتزلة، برضاهم أو كرههم، وكان المستر تمبرلي، كلما ذهب يجوب الشوارع أو الحدائق، أو يزجّي الوقت في المتاحف (التي لا يؤدي داخلها شيئًا) لا يزال يلتقي بمن يفطن إلى أنهم نظراؤه وإخوانه في الاعتزال، وكان يفهم النظرة المخالسة حين تلتقي بنظرته، ويقرأ صفحة الوجه المقطب، ويلاحظ الثياب اللبيسة بعطف. وليس بين هذه الخلائق المستخفية المتسللة بث متبادل، وما منهم إلا من يود أن يقول بشجوه، ولكن الكبرياء تصده وتكبحه، فيمضي في طريقه صامتًا مستفردًا حتى يجد نفسه آخر الأمر — لحسن الحظ — في مستشفى أو ملجأ، فتنحل عقدة اللسان المُمتَسك ويقول القلب الكليم الموجع بعتبه على الدنيا. ويحذق من هذا حاله دروسًا كثيرة لم تكن له في حساب، فيتعلم أساليب عجيبة للاقتصاد والتدبير، ويُزهي بأن يتبين أن المُسكة من الرزق حسب المقلّ ليعيش بها، وقد كان المستر تمبرلي في أيام خفضه ويساره، خليقًا أن يجزم بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بأقل من كذا وكذا، فلما أعسر عرف أن الرجل يقدر أن يعيش بقروش قليلة في اليوم. وصار يعرف أثمان المآكل، وتعلم المزايا النسبية للأطعمة، والخصائص الغذائية المختلفة لكل منها، واضطره الشظف أن يكون نباتيًّا فوجد أن الطعام من النبات أصح له، فجعل يلقي على نفسه خطبًا ساخرة بآكلي اللحوم، ويحاضرها في مضار القرم، وآلى مكرهًا ألا يذوق خمرًا، واشتاق أن يعتلي منبرًا من منابر الدعاة إلى نبذ الخمر، وأن يؤدي من فوقه الشهادة. وفي هذا كله عزاء، وإن فيه لعوضًا عن فقد كثير من ضروب الاحترام الذاتي. واتفق يومًا أن كان يهم بأن يقبض من بنك إنجلترا المبلغ الزهيد الذي يأخذه كل ثلاثة شهور، فلمحته سيدة وعرفته. وكانت أرملة المستر تشارمن. وصاحب به: «أين كنت كل هذا الزمن يا مستر تمبرلي؟ لماذا لم يجئني منك أي نبأ؟ هل صحيح ما حدثني به بعضهم من أنك كنت تعيش في الخارج؟» وبلغ من ارتباكه من جراء هذه المباغتة، أن ردد، بطريقة آلية، آخر ما سمعه من السيدة — «في الخارج.» فألحت عليه المسز تشارمن تسأله ولا تدع له فرصة لكلام يقوله: «ولكن لماذا لم تكتب إلينا؟ تالله ما أقساك؟ ولماذا سافرت من غير أن تخبرنا؟ إن ابنتي تقول إننا لا بد أن نكون قد أسأنا إليك بشيء ما، قل بالله! إنه لا يمكن أن يكون هناك شيء …» فقال: «يا عزيزتي المسز تشارمن، إني أنا الملوم وحدي. إني … ولكن الإيضاح صعب لأنه يستدعي تفصيلًا طويلًا، وبيانًا مسهبًا، وإني لأرجو أن تحملي سلوكي الذي لا مسوغ له على — على محمل الشذوذ المحض.» – «لا بد أن تجيء إلينا وتزورنا. وهل تعلم أن آده تزوجت؟ نعم، منذ سنة أو حوالي ذلك. ولشد ما يسرها أن تراك! فإنها تلهج بذكرك كثيرًا، متى تستطيع أن تتعشى معنا؟ غدًا؟» – «بسرور، بسرور عظيم.» وأعطته عنوانها، وافترقا. وكان من الدلائل على أن المستر تمبرلي لم ييأس قط من العود إلى عالمه القديم أنه عني بالتحفظ بثياب السهرة والحذاءين الملائمين لها. وما أكثر ما هم مدفوعًا بحاجته وضنكه، أن يبيع هذه الأشياء التي لا نفع لها عنده! وقد رهنها أكثر من مرة، من أجل بضعة شلنات، ولكن النزول عن عنوان منزلته ورمز طبقته، لم يكن إليه من سبيل، لأن معناه اليأس المطلق، واليأس شيء أجنبي، لا يوائم طبيعة المستر تمبرلي المبنية على الجلد. وقد ذهبت حليه جميعًا — حتى ساعته وسلسلتها — فإن مثل هذه الأشياء ليست لازمة لازبة، لمظهر الرجل الكريم، وقد هنأ نفسه بما كان من حسن تدبيره لأموره، ذلك أن لقاء المسز تشارمن سره بقدر ما ربكه، وخفق قلبه خفقة الجذل وهو يتطلع إلى قضاء المساء في بيئته القديمة. وعاد مسرعًا إلى غرفته وفحص ثيابه بعناية وتدقيق فلم يجد فيها عيبًا ظاهرًا أو ملحوظًا. على أنه احتاج أن يشتري قميصًا ورباطًا. وكان معه لحسن حظه المال الكافي لسد هذه الخلة، ولكن بماذا يئول لهم غيبته الطويلة؟ هل يسعه أن يطلعهم على خصاصته ويدلهم على مسكنه؟ إن هذا يكون معناه استدرار العطف من أصدقائه القدماء، وهذا موقف لا قِبل له به ولا قدرة له على احتماله. والرجل الكريم لا يكشف عن حالة تسوء وتؤلم إذا كان يسعه كتمانها. فهل يكذب إذن صراحة أو ضمنًا؟ وذكر الحقيقة لا سبيل إليه لأنها تنطوي على لوم لزوج المسز تشارمن. وجاء مساء اليوم التالي وهو لا يزال حائرًا لا يستقر على رأي. وبلغ بيت المسز تشارمن من غير أن يصح له عزم على أمر، وكان في غرفة الجلوس ثلاثة ينتظرونه — المسز تشارمن، وابنتها، وزوجها — المستر والمسز وير — وقد أشفى على البكاء من حسن ما استقبل به، وغلبته عواطفه ففقد رصانته وصار يتكلم جزافًا، فصاغ قصة خرافية لم يكد يفرغ منها حتى بهت هو نفسه لها! وقد جاءت هذه القصة في جواب سؤال طبيعي عن مسكنه أين هو؟ فقال بابتسامة سخيفة: «في الوقت الحاضر أسكن غرفة للنوم والجلوس معًا في شارع صغير في حي إسلنجتون.» فساد الصمت، ورشقوه بنظرات التعجب والدهشة، ولولا هذه النظرات لما درى أحد بماذا كان المستر تمبرلي حقيقًا أن يعترف. وقال: «لقد قلت يا مسز تشارمن إنه لا يسعني إلا أن أعترف بشيء من الشذوذ. وإني لأرجو ألا يزعجك ذلك. وأوجز فأقول إني وقفت جهودي الضعيفة على العمل الاجتماعي. فأنا أعيش بين الفقراء، كواحد منهم، لأحصل بذلك على المعرفة والخبرة اللتين لا سبيل إليهما بغير هذه الوسيلة.» فصاحت مضيفته: «تالله ما أنبلك!» وكان ضمير المسكين يخزه وخزًا أليمًا، فلم يسعه أن يزيد على ما اخترع شيئًا وأراد القوم أن يترفقوا بعواطفه ويعفوه من الحرج فغيروا موضوع الحديث. ولم يخطر لهم قط وقتئذ، ولا فيما بعد، أن يشكوا في صدقه. ولقد رأته المسز تشارمن يعامل بنك إنجلترا، وهو مكان لا يوحي إلى النفس فكرة الفقر، وكان العهد بالمستر تمبرلي أنه غريب الآراء والأساليب. وهكذا تورط في كذبة عجيبة، وخدعة لا يسهل تبينها، ولا ضرر منها إلا عليه. ومضى نحو عام على ذلك، التقى المستر تمبرلي في خلاله بأصدقائه هؤلاء ست مرات أو حوالي ذلك، وكان ينعم باجتماعه بهم على نحو يدعو إلى المرثية، ولم يكن يزعجه منهم أي إشارة إلى أسلوب حياته، فقد صار من المفهوم والمقرر أنه يؤثر أن يظل نوره محجوبًا، ومروءته مكتومة، فلم يكن يحتاج أن يكذب مرة أخرى. وما من شك في أنه ندم على الكذب والخداع، وجال بخاطره أن المسز تشارمن — وهي سيدة غنية — لعلها كانت تستطيع أن تساعده على ما يبتغيه من وسيلة كريمة لكسب الرزق. على أن الواقع أنه لم يخطر له إلا أن يكون مجلد كتب، وهي حرفة توافق ذوقه بعض الموافقة، واجترأ يومًا فاتفق مع رب البيت على أن يعلمه هذه الحرفة بالعمل له زمنًا ما، بعد أن يحذقها. وقد صار الآن هذا اليوم قريبًا، وأحس المستر تمبرلي أنه على العموم أسعد مما كان أيام البطالة واجترار الهموم، وأصبح يتطلع إلى اليوم الذي يزداد فيه دخله، فلا يعود يفرق من الأسبوعين الأخيرين من كل ثلاثة شهور، ومن النوم فيهما كل ليلة بغير عشاء. وقد أورثته دعوة المسز وير له أن يلحق بها في لوسرن، ألمًا مرًّا. لوسرن! أفترى تلك كانت حياة سابقة أيام كان يسعه أن يسافر ويجوب الأرض، ويركب البحر، ويتنزه كما يحب، ولا يعني نفسه بحساب المال؟ وارتسمت لعينه أماكن كثيرة جميلة رحل إليها، ومناظر حسنة كالأحلام نعم بها، وقد أصارتها شوارع لندن بعيدة نائية، وأشبه بالصور الخيالية منها بالحقيقة، وصارت السنوات الثلاث التي قضاها في لندن في البأساء والضنك أطول فيما يحس من كل حياة الدعة والخفض التي كانت قبلها. لوسرن! ولو كانت طبيعة المستر تمبرلي أحد وأقوى لطار عقله، ولكنه جعل يدير هذا الخاطر في نفسه النهار كله، ولا يعبر عن عواطفه بأكثر من زفرة أو ابتسامة حزينة. ولما كان قد أصاب من طعام العشاء، البارحة، حظًّا جزيلًا، فقد أحس أن عليه أن ينفق على طعامه في يومه أقل من القدر المألوف، وحوالي الساعة الثامنة مساءً، بعد أن تمشى في ذلك الجو الذي أثنى عليه، عرج على الدكان الذي ألف أن يشتري منه حاجاته القليلة، وكانت فيه امرأة سمينة، فهزت رأسها له بالتحية، وابتسمت لزبون آخر، فانحنى لها المستر تمبرلي، كما هي عادته، ردًّا لتحيتها وقال: «تفضلي بإعطائي بيضة طازجة، وخسة صغيرة.» فسألته المرأة: «واحدة فقط في هذه الليلة؟» فقال، وكأنما كان يتحدث في غرفة استقبال: «شكرًا لك، نعم واحدة. وسامحيني إذا أعربت عن الأمل في أن تكون طازجة بأدق معنى للفظ. فإنه يخيل إليّ أن الأخيرة كانت في هذا الصندوق من قبيل الخطأ والسهو، وهو يغتفر بسبب زحمة العمل.» فقالت المرأة السمينة: «إنها جميعًا سواء، ودائمًا سواء، ولسنا نغلط مثل هذا الغلط.» فقال: «عفوًا! لعلي توهمت …» ووضع البيضة والخسة بعناية في حقيبة صغيرة معه، ورجع إلى البيت، وبعد ساعة من تناول هذه الأكلة، قعد على كرسي مستقيم الظهر يفكر، وإذا بنقر على الباب، ويد تمتد إليه بكتاب. وكان يندر جدًّا أن يتلقى رسالة أو رقعة، فاضطربت يده وهو يتأمل الظرف. وكان أول ما رآه بعد أن فض الرسالة شيكًا، فزاد اضطرابه، وفتح الرقعة ونفسه تجيش، فإذا بالرسالة من المسز وير، وفيها تقول: عزيزي المستر تمبرلي، بعد الحديث الذي دار بيننا البارحة لم أستطع إلا أن أفكر فيك وفي حياة التضحية الجميلة التي تحياها، وقد قارنت حياة هؤلاء التعساء المساكين بحياتي التي لا يسعني إلا أن أحس أنها مباركة حافلة بالمناعم، وقد دفعتني هذه الخواطر إلى الاكتتاب بقدر يسير لأساهم في عملك المجيد، وإني أعد هذا ضربًا من الشكر لله في اللحظة التي أسافر فيها لأقوم برحلتي، فأقسم المبلغ من فضلك بين اثنين أو ثلاثة ممن تراهم أحق وأولى، أو إذا بدا لك أن تهبه كله لواحد فافعل. هذا وإني أتشبث بالأمل في أن أراك في لوسرن. وتحياتي إليك. وكان المبلغ خمسة جنيهات. فرفع الشيك قرب النافذة، وتأمله. وخمسة جنيهات تعد مبلغًا جسيمًا إذا اعتبرنا الحياة التي يحياها، وقيم الأشياء فيها. وتصور ما يستطيع المرء أن يفعله بقدر من المال كهذا! حذاءاه — اللذان رقعهما مرتين — لم يبق من عمرهما إلا القليل، وبنطلونه صار غاية في الرثاثة. وقبعته (لشد ما عني بها) هي التي جاء بها إلى لندن منذ ثلاث سنوات. وقد أصبحت حاجته شديدة إلى ثياب جديدة يكتسيها، من رأسه إلى قدمه، وفي إسلنجتون، تُعد خمسة جنيهات فوق الكفاية لقضاء هذه الحاجات جميعًا، ومتى يتاح له أن يُلقى إليه بمبلغ كهذا مرة أخرى، لينفقه على هواه، بلا حساب؟ وتنهد وتلفت في الغسق. وكان الشيك مصلبًا، فأدرك المستر تمبرلي للمرة الأولى في حياته أن رسم صليب على شيك، قد يسبب لمن يحمله متاعب كثيرة، فكيف يصرفه؟ وإنه ليعرف أن صاحب البيت رجل ليس أسرع منه إلى إساءة الظن، وأخلق بأن يكون الرفض — مقرونًا بالنظرة التي يُحسن المستر سَجْز أن يحدج بها الإنسان — مهانة شديدة. ثم إن من المشكوك فيه جدًّا أن يستطيع المستر سجز أن ينتفع بهذا الشيك. فإلى من يتجه غيره؟ لا أحد في لندن كلها! وحدث نفسه أن أول ما ينبغي أن يصنع هو أن يرد على رسالة المسز وير. فأضاء المصباح، وجلس إلى منضدة صغيرة، ولكنه غمس القلم في الدواة عدة مرات قبل أن يستطيع أن يكتب إليها شيئًا. عزيزتي المسز وير، وتلت ذلك فترة توقف طويلة حتى بدا كأنه نام، ثم انتفض وانحنى مرة أخرى على الورقة. أشكرك شكرًا جزيلًا على هذه الهبة الكريمة. وسيوزع المبلغ … (وتوقف مرة أخرى دقائق عديدة). على الوجه الذي أردته، وسأقدم لك بيانًا مفصلًا بوجوه إنفاقه. ولم يسبق قط أن كابد مثل هذا العسر في الكتابة. وأحس أنه يسيء العبارة جدًّا، عما يريد، وكأنما عوّق ذهنَه عن الدوران شيءٌ، ولم يستطع أن يتم الكتابة إلا بمجهود بدني كبير، فلما فعل خرج واشترى طابعًا وألقى بالرد في صندوق البريد. ولم ينم في ليلته تلك إلا غرارًا، فما كاد يرقد حتى شرع يفكر في الأمر، وأين وكيف يجد هؤلاء الفقراء الحقيقين بأن يقتسموا هذه الهبة؟ ولم تكن له معرفة بالطبقة التي تعنيها المسز وير، وتتبرع لها. وصحيح أن الأسر التي حوله فقيرة كلها، ولكن هل للفقر عند هؤلاء نفس المعنى الذي يفهمه هو من اللفظ؟ وهل في هذا الشارع القذر من يحق له — بالقياس إليه هو — أن يُدعى فقيرًا؟ والمتعلم الذي يضطره انتقال الأحوال أن يعيش بين الطبقات الدنيا، تتكون له آراء غريبة. مثال ذلك أن المستر تمبرلي صار يعتقد أن ما يقال عما تقاسيه هذه الطبقات مبالغ فيه لأنه مقيس بمقياس غير صالح، وكان المستر تمبرلي يرى حوله عالمًا من المرح الصاخب، والعمل مع الرضى، وبلادة الحس. وكان يخيل إليه أنه في هذا الحي، هو الوحيد الذي يشعر بالفاقة وبألمها. وتنبه من إغفاء كالكابوس، على خاطر جلي، وذكرى تشق رأسه شقًا. إلى من يرجع «الفضل» فيما صار إليه من البؤس والفاقة بعد الرفاهة وخصب العيش؟ إلى والد المسز وير! وإذا نظر إلى الأمر من هذه الناحية ألا يكون له أن يعد الشيك ضربًا من التعويض! وأخذه النعاس لحظة، ثم أفاق وفي رأسه خاطر آخر غريب. أيمكن أن تكون المسز وير (وهي امرأة ذكية) قد شكت في أمره أو وقفت على حقيقته؟ ألا يجوز أن تكون قد أرادت فيما بينها وبين نفسها أن يأخذ هو المال الذي بعثت به. ولكن هذا الخاطر بدا في الصباح غير مقبول، أو محتمل، وكل ما أثمره هو أنه قوّى في نفسه شعوره بدين المستر تشارمن له. ووثب من الفراش، وتناول الشيك، فظل في يده ساعة، ثم نهض وارتدى ثيابه. وبعد أن أدى عمله في يومه خرج يتمشى في شارع كبير الدكاكين، فاستوقفه دكان حذاء، فبقي برهة غير قصيرة أمام الواجهة، ويده في جيبه تعبث بجنيه فيه — وما جنيه بقليل، من المبلغ الذي يعيش به إلى أن يجيء يوم القبض — ثم تخطى العتبة. ولم يكن أقل منه حزمًا أو حكمة، فقد فرغ من الأمر في مثل لمح البرق، وكان يتكلم ولا يسمع ما يجري به لسانه، وينظر إلى الأشياء ولا يراها، وكانت النتيجة أنه لم يدرك إلا بعد أن بلغ بيته، وحذاءاه العتيقان تحت إبطه، أن الحذاءين الجديدين ضيقان جدًّا، وأن ضغطهما شديد الإيلام، وكان لهما أيضًا أطيط وصريف، ألا ما أعلى صوتهما! ولكن الأحذية الجديدة لا تخلو من أمثال هذه المعايب. ولعله نسي ذلك لطول عهده بالقديم البالي. وكان يشعر بالإعياء الشديد، فتناول لقمة واستلقى على سريره لينام. وظل طول الليل يحلم بالحذاءين الجديدين، وكان يرى في منامه أنه يظلع في شوارع مدينة خيالية يكمن له بعضهم فيها عند كل ركن وزاوية، وفي كل مرة يتبين أن العدو المتربص له هو المسز وير، وكانت تنظر إليه باحتقار، وتدعه يمضي في سبيله. وكان أطيط جلد الحذاءين صوتًا ناطقًا لا ينفك يصيح به ويعلن إليه اسمًا مرعبًا، فكان يتضاءل، ويتقبض، ويرعش، ويتوجع، ولكنه مع ذلك كان يمضي على سننه وفي يده شيك عليه صليب، يحاول عبثًا أن يجد من يعطيه به مالًا. ولما استيقظ كان رأسه أثقل من الرصاص، ولكن ذهنه كان صافيًا، وتفكيره مستقيم، فسأل نفسه: ماذا يعني بإنفاق المال على هذا النحو الجنوني مع افتقاره إليه؟ وليت الحذاء الجديد يطاق لبسه؟ أكان ينوي … يا حفيظ! ولم يكن المستر تمبرلي من أهل العلم بالنفس الإنسانية، ولكنه فطن بغتة وعلى أجلى صورة، إلى الأزمة النفسية التي كان يعانيها، واطلع بذلك على حقيقة أخرى من حقائق الفقر. وبعد أن تناول طعام الإفطار نزل ونقر على باب المستر سجز، وكان الرجل يأكل، فسأله، وفمه ملآن: «ماذا تريد؟» قال: «سيدي، إني أرجو أن تأذن لي في الغياب ساعة أو ساعتين في هذا الصباح، فإن هناك أمرًا له بعض الخطر، يتطلب عنايتي.» فقال المستر سجز بما عرف عن أهل طبقته من الذوق: «أحسب أن لك أن تصنع ما تشاء، فما أنقدك أجرًا.» فانحنى المستر تمبرلي وانصرف. وبعد يومين آخرين كتب رقعة ثانية إلى المسز وير، هذا نصها: إن المبلغ الذي تفضلت بإرساله إلي وأجبتك بأني تلقيته، قد وزع الآن. وقد رأيت أن الأولى والأمثل أن أسلم الشيك إلى قسيس في هذا الحي، مشفوعًا بأوامر صريحة، وقد دون على الرقعة التي ترينها مع هذه الرسالة، بيانًا بأسماء الذين انتفعوا بهبتك، فعسى أن ترضي عما فعل. ولكنك قد تسألين، لماذا رأيت أن ألجأ إلى قسيس؟ ولماذا لم أستعن في هذا الأمر بخبرتي وتجاربي، فأفيد الرضى والسرور الحاصلين من مساعدة الفقراء الذين أعني بهم؛ أنا الذي وقفت حياتي على هذا العمل الإنساني النبيل وجعلت من نفسي رسولًا للرحمة؟ والجواب وجيز وسهل. ذلك أني كذبت عليك. فأنا لا أعيش في هذا الحي بإرادتي الحرة، ولست أقف حياتي على أعمال البر والإنسان. وأنا لست — كلا، بل لم أكن إلا — رجلًا تبين في يوم من الأيام أنه ضيع ماله في مضاربة حمقاء، فاستحى أن يطلع أصدقاءه على ما صار إليه أمره، فلاذ بحياة العزلة والشقاء، فأنت ترين أني أضفت الجبن إلى سوء الحظ ولن أخبرك كيف كدت أفعل ما هو شر من ذلك. وأنا أقضي فترة في تعلم حرفة ستمكنني بلا شك من زيادة دخلي فأصبح أحسن حالًا. وإني لأرجو أن تغفري لي ما كان مني، إذا استطعت، وأن تنسيني. وإني لك يا سيدتي لخادم غير جدير بشيء. س. ف. تمبرلي هوامش (١) من الصقيع والبرد بالتحريك. (٢) من طالت عزوبته حتى ما له في الزواج من حاجة. مختارات من القَصَص الإنجليزي
بيت يولالي هو بيت صغير جميل في رقعة ساحرة من الريف — ركن قلما يغشاه أحد، من بلاد نورمندي، على مقربة من البحر — تكثر فيه البساتين، وتمتد الحقول والمراعي للماشية، وتستقيم الطرق الظليلة. والمرء لا يسعه إلا أن يستغرب أن يجد هذا البيت قائمًا هنا، فقد كانت البيوت الأخرى مساكن فلاحين أو أكواخ عمال، ولكن هذا كان منزلًا أنيقًا مبيّضًا، وله نوافذ كالأبواب، وشرفات ذات أسوار من حديد فيه صنعة، وستائر من نسج البندقية، منزلًا للهو والمسرة تحيط به حديقة صغيرة نضيرة، وتعطر جوه الورود والأزهار المنسقة، وترتاح العين إلى الخضرة اليانعة حوله. وكان هناك، مما يلي الحديقة، بستان تقوم فيه صفوف من أشجار التفاح القديمة، وقد مال بعضها على بعض فكأنها كانت ترقص ثم وقفت ولزمت آخر ما كانت عليه من هيئة. وتدير عينك فترى حقولًا منبسطة، من القمح والبقول المنسطحة على الأرض، إلى البحر، وصخورًا بيضاء غير مستوية تستحم في الماء الأخضر، وترى لها ظلالًا لامعة خفّاقة. ورأيت لوحًا معلقًا على الحائط عليه كتابة ساذجة، أيدت ما علمته من السمسار في «دييب» فصحيح إذن أن البيت للإيجار. وقد ركبت ساعتين طويلتين لأراه، والآن صرت على عتبته، فدققت الجرس. وهو جرس كبير معلق وله مقبض من البرنز مصنوع على هيئة حبل وزر. وخليق بصوته أن يذهب إلى بعيد في هذا الريف الساكن. وقد ذهب الصوت، على كل حال، إلى مسكن كالكوخ على مسافة مائة ذراع، فخرج منه رجل وامرأة، ووقفا هنيهة ينظران إلى ناحيتي ثم أقبلا نحوي. وكان الرجل شيخًا والمرأة مثله، وكلاهما أسمر. وكان الرجل يلبس ثوبًا غليظًا مفتول الغزل طاقين، وعلى المرأة قبعة من القطن، بيضاء نظيفة، وفوطة زرقاء تلفها على وسطها. وكان خطوهما رويدًا على عادة أهل الريف. فسألتهما: «السيد والسيدة ليرو؟» وذلك بعد أن تبادلنا التحيات التمهيدية، وأخبرتهما أني جئت من دييب حيث أنبأني السمسار أن هذا البيت للإيجار، وكانا على ما بدا لي ينتظران مقدمي. فقد أبلغني السمسار أنه سيبلغهما رغبتي. ولكن لشد ما استغربت إذ رأيت أن هذا الكلام العملي ربكهما! بل يخيل إليّ أنه أورثهما اضطرابًا وأحدث لهما ألمًا. فقد رفعا وجهيهما المغضّنين ونظرا إليّ نظرة القلق، وتبادلا النظرات الواشية بالحيرة، وقبضت المرأة بيد على الأخرى وجعلت أصابعها تتحرك، وتردد الرجل وتلجلج قبل أن يستطيع أن يقول: «جئت لترى البيت يا سيدي؟» قلت: «نعم، أو لم يكتب إليك السمسار؟ لقد علمت منه أنك تنتظرني في هذه الساعة، اليوم؟» قال الرجل معترفًا: «نعم، كنا في انتظارك.» غير أنه لم يفعل شيئًا يتقدم به الأمر خطوة واحدة، وبادل امرأته نظرة حيرة أخرى فهزت رأسها كأنما تريد أن تقول إنه لا حيلة لها وأن الأمر لله، وأطرقت. وقال الرجل بلهجة من يحاول جلاء الغامض: «شف١ يا سيدي … شف …» ثم تلجلج وزوى ما بين عينيه كأنما يعاني أزم التعبير. فسألته مقترحًا: «هل استؤجر البيت؟» فقال: «كلا، لم يؤجر.» فقالت امرأته أخيرًا بلهجة المكروب ومن غير أن ترفع عينها عن الأرض: «يحسن أن تذهب وتجيء بالمفتاح.» فانكفأ راجعًا يجر رجليه إلى كوخه، وبقينا نحن واقفين صامتين بجانب الباب، وكانت أصابع يديها المتشابكتين لا تزال تضطرب، وحاولت أن أجرها إلى الحديث، وأفتح لها أبواب الكلام، فأثنيت على موقع البيت وجمال المنظر، فتمتمت موافقتها في رقة ولطف، ولكن بضجر غير خاف. فلم يشجعني هذا على المضي في الكلام. وعاد إلينا الرجل بالمفتاح، وشرع وامرأته معه يريني البيت، وكان فيه حجرتان جميلتان للجلوس والاستقبال في الطبقة الأرضية، وثالثة للطعام، ومطبخ واسع من الآجر الأحمر المصقول، ومدخنة، وأوعية شتى من النحاس اللامع، وكان المتاع في غرف الجلوس والاستقبال والطعام خفيفًا على الطراز الفرنسي، وكانت النوافذ تفتح على الشمس وعلى أرج الحديقة وخضرتها البهيجة، فأعربت لهما عن سروري وإعجابي بما شاهدت، وإذا بحالتهما تتغير شيئًا فشيئًا، من الكآبة، والتردد، والحيرة، إلى الاستجابة والانشراح، وصارا يتلقيان كلامي بابتسام، ويجيبان عن أسئلتي بلهفة وبإفاضة. ولكن الاضطراب لم يزايلهما، اضطراب العاطفة الجياشة، وكانت أيديهما المعروقة تختلج وترتعش إذ يفتحان لي الأبواب والنوافذ، وينحيان الأستار، وصوتهما يتهدج، حتى ابتسامهما كان عن ألم مكنون؛ فهو لا يجاوز السطح ولا يؤثر في المطوي من الهم. وحدثت نفسي أن حاجتهما ملحة إلى المال، وأنهما عسى أن يكونا قد أنفقا على هذا البيت كل ما كان عندهما، فهما إذ يجدان مستأجرًا معذوران إذا اضطربا. وقال الرجل: «والآن، إذا شئت يا سيدي، تفضل بنا إلى فوق لنريك غرف النوم.» وكانت هذه الغرف حسنة التهوية، تدخل السرور على النفس، وكانت جدرانها مورّقة، وعلى نوافذها ستائر قطنية مطبوعة، وأثاثها كالمعهود في حجرات النوم الفرنسية. وكانت إحداها تبدو كأن هناك من يستعملها، فقد كان فيها متاع وأشياء — أشياء شخصية — لامرأة. وكانت آخر ما دخلنا من الغرف، وهي مقدمة وتطل على البحر، ورأيت على المنضدة فيها أمشاطًا وفرشًا، وعلى المكتب الصغير أقلامًا ومحبرة ومحفظة، وعلى الرفوف كتبًا مرصوصة، وعلى الصفة صورًا شمسية في إطاراتها، وفي الصوّان ثيابًا معلقة، وعلى الأرض أحذية وخفافًا نظيفة مرتبة، وعلى السرير حِبسًا مبسوطًا، من الحرير الأزرق، وعلى الحائط مما يلي السرير، صليبًا معلقًا وإلى جانبه وعاء من الخزف فيه ماء مقدس. فالتفتُّ إِلى الرجل وامرأته وقلت: «يظهر أن هذه الغرفة مسكونة.» فلم يبد على السيدة ليرو أنها سمعت ما قلت، فقد كانت شاخصة لا تطرف وكانت شفتاها متباعدتين، وعلى وجهها سيماء الضجر كأنما يكون من دواعي سرورها أن نفرغ من تجوابنا في البيت وطوافنا بغرفه، أما السيد ليرو فرفع يده إلى السقف بإيماءة غريبة وقال: «كلا، إن الغرفة ليست مأهولة في الوقت الحاضر.» ونزلنا، وعقدنا الاتفاق على أن أتسلم البيت للسكنى مدة الصيف، وأن تقوم السيدة ليرو بطبخ الطعام لي، ووعد السيد ليرو أن يركب إلى دييب يوم الأربعاء ليعود بي وبحقائبي. ••• وفي يوم الأربعاء، كنا عائدين، ومضى نصف ساعة ونحن صامتان، وإذا بالسيد ليرو يقول لي فجأة: «هذه الغرفة يا سيدي … الغرفة التي ظننت أنها مأهولة؟» فقلت، وقد رأيته يسكت: «نعم … ما لها؟» قال: «إن لي اقتراحًا أعرضه عليك.» وكان يتكلم وبه على ما خيل إلي، خجل، وفي لهجته ما يدل على الإصرار وكانت عينه على أذني حصانه. فقلت: «هات اقتراحك.» قال: «إذا وافقت على أن تترك هذه الغرفة على حالها، بما فيها من المتاع، فإني مستعد لنقص الإيجار إذا رضيت أن تدعنا نحتفظ بها كما هي.» قال ذلك بلهجة المتوسل المتلهف، وزاد عليه: «إنك وحيد، ولا حاجة بك إلى هذه الغرفة، فإن ما يبقى من البيت فوق الكفاية … أليس كذلك يا سيدي؟» فوافقت، وقلت له إن في وسعه هو وامرأته أن يحتفظا بالغرفة إذا شاءا. فقال: «شكرًا لك، وستحفظ لك زوجتي هذا الجميل.» وعدنا إلى الصمت فترة، قال بعدها: «أنت أول مستأجر لبيتنا، فما أجرناه لأحد من قبل.» فسألته: «صحيح؟ منذ كم بنيتماه؟» قال: «أنا بنيته، بنيته منذ خمس أو ست سنوات.» وأمسك ثم قال: «بنيته لبنتي.» وخفت صوته وهو يقول ذلك، ووقع في نفسي أن هذه ليست سوى فاتحة لشيء يريد أن يفضي به إلي، فقلت أستحثه وأشجعه: «آه! صحيح؟» فقال: «إنك ترى أي ناس نحن — زوجتي وأنا — فلاحان … خشنان. ولكن ابنتي يا سيدي»، ووضع يده على ركبتي وحدق في وجهي، «ابنتي كالشفوف رقة.» ورد عينه إلى حصانه، ولزم الصمت دقيقة أو اثنتين، ثم عاد يقول، وعينه على أذني حصانه لا يرفعها عنهما: «لم يكن في كل هذه الناحية سيدة أرق منها وألطف» — وكان يتكلم بسرعة وبصوت غليظ كأنما يحدث نفسه — «كانت جميلة، ومن أحلى خلق الله طباعًا، ومن أحسن الناس تعليمًا. تربت في الدير، بروان، دير «القلب المقدس» … ست سنوات قضتها في الدير تتعلم — من الثانية عشرة إلى الثامنة عشرة. وكانت تعرف الإنجليزية — لغتك يا سيدي … ونالت جوائز في التاريخ وفي الموسيقى. ما من أحد يحسن العزف على البيانو كما تحسنه.» وسألني فجأة وبعنف: «فهل كان يليق بها كوخ ريفي ككوخنا؟» وأجاب عن سؤاله فقال: «كلا، يا سيدي! فما يجوز أن تلوث الثياب الرقيقة بوضعها في صندوق قذر. وقد كانت ابنتي سَكْبَ ماءٍ من الرقة، وكانت يداها أنعم من مخمل «ليون» وآه! من حسن مشمهما! أعني يديها! لقد كان الطيب الذي أجده في يديها ينعشني. وكنت ألثمهما، وأشمهما كما تشم الزهرة.» وأخفتت الذكرى صوته، ومضت لحظة أخرى من الصمت، ثم عاد يقول: «وكنت كثير المال — مدنَّرًا ومُدرهما — وكنت أغنى فلاح في هذه الناحية فبنيت هذه الدار — بناها المسيو كلير مون أكبر مهندس في روان، وخريج مدرسة الفنون الجميلة بباريس — هو الذي شيد الدار لابنتي — بناها وأثثها، وجعلها لائقة بكونتيسة. حتى إذا عادت من الدير لتقيم معنا وجدت الدار جديرة بها، انظر إلى هذا يا سيدي! أترى أن أفخم قصور العالم يكون كثيرًا عليها؟» وأخرج كيسًا قديمًا من الجلد الأحمر، وناولني منه صورة غادة ناعمة لينة في السابعة عشرة من العمر، وفي وجهها قسامة، وفي معارفها عذوبة ورقة. وكان الرجل معلق الأنفاس محتبسها وأنا أتأمل الصورة، ثم ألح علي يسألني: «أليست ظريفة؟ أليست جميلة؟» وكأنه يناشدني أن أعطف عليه وأرق له فأشاركه في ثنائه. وقد أجبت بما وسعني، بخير ما قدرت عليه، فأعاد الصورة بيد مرتعشة إلى كيسها، وأخرج من ناحية أخرى من الكيس بطاقة صغيرة بيضاء، عليها ما اعتاد الفرنسيون أن يحفروه على قبورهم — صورة الصليب، وحمامة — تحتها ما يأتي: يولالي — جوزفين — ماري ليرو. ولدت في ١٦ مايو/أيار سنة ١٨٧٤، وتوفيت في ١٢ أغسطس/آب سنة ١٨٩٢. صلِّ لها. وقال: «الله يعرف ما هو صانع. لقد بنيت هذه الدار لبنتي، فلما تم تشييدها اختارها الله إلى جواره. وقد ذهب بعقلنا الحزن — زوجتي وأنا — ولكن هذا ما كان ليردها إلينا. وما يدريني؟ لعل عقلنا ما زال مذهوبًا به من الحزن. فما نستطيع أن نفكر في شيء آخر. وما نحب أن نتكلم عن شيء آخر. ولم نستطع أن نعيش في البيت — بيتها — وهي ليست فيه ولم يخطر لنا قط أن نؤجره. لقد بنيته لابنتي، وفرشناه وأثثناه لها، فلما جهّزناه … ماتت. أليست هذه قسوة يا سيدي؟ وكيف أؤجر البيت للأغراب؟ ولكني منيت في المدة الأخيرة بخسائر، فأنا مضطر أن أؤجر البيت لأقضي ديني. ولكني لا أستطيع أن أؤجره لأي إنسان. وأنت إنجليزي. ولو كنت لم أرتح إليك لما أجرته لك ولا بمليون من الجنيهات الإنجليزية. ولكني مغتبط بأن كنت أنت المستأجر. وستحترم ذكراها، وستأذن لنا في الاحتفاظ بتلك الغرفة — غرفتها — وسندعها كما هي، بما فيها من الأشياء. نعم، هذه الغرفة التي حسبتها مسكونة، كانت غرفة بنتي.» وكانت السيدة ليرو تنتظرنا في الحديقة، فرفعت عينها إلى زوجها مستفسرة فهز رأسه وقال: «كل شيء على ما يرام. السيد موافق.» فتناولت المرأة يدي وهزتها هزًّا عنيفًا وقالت: «آه يا سيد! إنك رجل طيب.» ورفعت عينيها إليّ ولكني لم أستطع أن أنظر فيهما، فقد كان الحزن الذي يطالعني من نظرتهما أهول وأقدس من أن أمتهنه بالنظر إليه. ••• وصرنا أصدقاء أصفياء، في الشهور الثلاثة التي قضيتها في البيت. وكانت السيدة ليرو تتعهدني، وترعاني، وتبرني وتسرني، كأنها أمي. وكان كلاهما — كما قال السيد ليرو — يؤثر أن يجعل ابنته موضوع حديثه، وكنت أصغي إليهما بغير نفور أو ملل، فقد كان في حزنهما عليها، ودوام تفكيرهما فيها جمال عميق الوقع في النفس، وكان يخيل إلي أن طيف الفتاة يرود البيت، البيت الذي بناه لها الحب وهو لا يدري أن الموت سيعدو عليها ويغولها منه، وكانت المرأة لا تمل أن تقول لي: «آه يا سيدي، إن من بواعث السرور لنا أن تركت لنا غرفتها.» وقد صعدت بي مرة إلى الغرفة، وأرتني ثياب يولالي، وحليها، وكتبها المجلدة الجميلة التي فازت بها تجزية لها، على اجتهادها في الدير. وفي يوم آخر أطلعتني على رسائل يولالي وسألتني عن خطها أليس جميلًا؟ وعن عبارتها أليست حسنة؟ وعرضت عليّ صورًا لها في كل سن، وخصلة من شعرها وملابسها في حداثتها، وشهادة الأسقف، ورسائل من راهبات «القلب المقدس» بروان، تصف تقدم يولالي في الدرس والتحصيل، وتطري سلوكها وأخلاقها، وكانت المرأة ربما غلبها الحزن فتقول، وكأنها لا تصدق ما حاق بها من الفقدان، وما منيت به من الخسارة: «وتصور أنها ذهبت! تصور هذا!» ثم تعود فتقول همسًا بلهجة الاستسلام لقضاء الله: «إنه هو أدرى بما يصنع!» وترسم الصليب على صدرها! وفي الثاني عشر من أغسطس — يوم ذكرى وفاتها — صحبتهما إلى كنيسة القرية حيث أقيمت الصلاة على روح يولالي، وبعد انتهائها جاء القسيس الطيب إليهما وضغط يديهما، ورفه عنهما بكلمات عذاب. ••• وفي سبتمبر/أيلول بارحت البيت عائدًا إلى دييب. واتفق عصر يوم أن التقيت في الطريق الأعظم لهذه المدينة بقسيس القرية، فوقفت معه قليلًا نتحدث عن ليرو وامرأته، وطيب نفسيهما، وحزنهما على ابنتهما فقال القسيس: «لقد كان حبهما لها شيئًا فوق الحب. كان عبادة، وتأليهًا. وما رأيت في حياتي الطويلة مثل هذا أو ما يقرب منه. وقد خفت عليهما، لما قضت نحبها، أن يذهب عقلهما. فقد كانا مذهولين … غائبين عن الوعي. ولبثا مدة طويلة كالمجنونين. ولكن الله رحيم، فقد تعلما أن يعيشا ومعهما مصابهما.» فقلت: «إن في احتفاظهما بذكراها، وعبادتهما لها، لجمالًا. وما أظن بك إلا أنك تعرف أنهما أبقيا غرفتها وفيها أشياءها، كما تركتها … هذا فيما أرى جميل … رائع.» فسألني القسيس، وهو غير فاهم: «غرفتها؟ أية غرفة؟» فقلت متعجبًا: «أوه، أَوَلم تكن تعرف؟ غرفة نومها في البيت. احتفظا بها كما هي، أشياءها، وكتبها، وملابسها.» فقال القسيس: «لا أظن أني فاهم. فما كان لها قط غرفة نوم في هذا البيت.» فقلت: «عفوًا. إحدى الغرف المقدمة في الطبقة الثانية كانت غرفتها.» فهز رأسه وقال: «هنا بعض الخطأ، فما نزلت قط في هذا البيت، لأنها ماتت في البيت القديم. وكان البيت الجديد لم يكد يتم تشييده. العمال لم يكونوا قد خرجوا منه.» فقلت: «كلا، لا بد أن تكون أنت المخطئ، ويظهر أنك ناسٍ. فإني على يقين من الأمر، وقد حدثني ليرو وامرأته بهذا مرات لا يأخذها حصر.» فأصر القسيس على زعمه وقال: «ولكن يا سيدي العزيز، إني لست واثقًا فقط بل أنا أعلم. فقد حضرت وفاتها، وكنت إلى جانبها وهي تجود بنفسها، وقد ماتت في البيت القديم. وكانا لم ينتقلا إلى الدار الجديدة، وكانت الدار لا تزال تؤثث وتجهز، وقد وضعت فيها آخر قطع الأثاث قبل وفاتها بيوم. ولم يسكن أحد هذه الدار قبلك. أنت أول ساكن لها. وإني أؤكد لك هذا.» فقلت: «إن هذا أمر غريب جدًّا.» وساورتني الحيرة دقيقة، فلم أهتد على حل لهذا اللغز، ولكن حيرتي لم تطل أكثر من دقيقة، قلت بعدها: «فهمت. فهمت.» فهمت، ورأيت، وأدركت كيف غالط هذان المنكوبان نفسيهما، وخلقا لهما وهمًا يتعزيان به، فقد بنيا الدار لابنتيهما، فلما اكتملت الدار وتجهزت ماتت الفتاة. ولكنهما لم يطيقا أن يتصورا أن لا تعيش في هذه الدار وتنعم بها ولو أسبوعًا واحدًا، بل ولو يومًا واحدًا، أو حتى ساعة مفردة! عجزا عن احتمال هذا الحرمان. ولم يستطع قلباهما الثاكلان أن يعترفا به، فأغمضا عيونهما حتى لا يريا ما يصنعان، وحملا متاع الفتاة الميتة في خشوع، إلى الغرفة التي أرادا أن يفرداها لها، ورتباها فيها، وقالا لنفسيهما بإلحاح: «هذه كانت غرفتها. هذه كانت غرفتها.» ليتقرر في روعهما بالإيحاء، وأبيا أن يصدقا النفس، أبيا أن يسمحا بأن يجري في خاطرهما أنها لم تنم فيها ولم تنعم بها ولا ليلة واحدة. أوحيا إلى نفسيهما هذه الأكذوبة الجميلة، هذه الخدعة الكريمة الرحيمة كأنهما طفلان يصدقان ما يتخيلان وهما يلعبان. وقد قالها القسيس: «الله رحيم! فقد استطاعا أن يخلطا كذبتهما الجميلة بالحقيقة، وأن يجدا في هذا عزاءهما، ووسعهما أن ينسيا أن ما غالطا به نفسيهما ليس أكثر من خدعة، ووهم وباطل ليس يجدي، وأن يعدا الأمر كله حقيقة يستمدان منها السلوان والصبر الجميل، وبهذا وقاهما الله أن يتقاضاهما الحزن آخر مجهودهما. فبقيت لهما هذه السلوة، فهي كنز لهما — كنز أنفس وأجدى من الذهب الإبريز.» الباطل؟ — الحق؟ أحسب أن هناك أوهامًا ليست من الأباطيل — وإنما هي ابتسامات من الحق رحمة بنا، وعطفًا علينا. هوامش (١) شاف بمعنى رأى، صحيحة اللفظ. مختارات من القَصَص الإنجليزي
تقرير المدائن كلها زهو، يتحدى بعضها بعضًا، هذه من سفوح جبالها وتلك من سيف شطئانها. رديارد كبلنج تصور رواية عن شيكاجو، أو بفالو، أو قل عن ناشفيل بولاية تسي! إنه ليس ثم سوى ثلاث مدن كبيرة بالولايات المتحدة، تصلح للرواية — نيويورك بالطبع، ونيوأورلينس، وخير منهما سان فرنسيسكو. فرانك نوريس الشرق شرق، والغرب هو سان فرنسيسكو، فيما يرى أهل كاليفورنيا. وهم جيل من الناس، لا مجرد سكان ولاية، وهم الجنوبيون من أهل الغرب. وليس أهل شيكاجو، مثلًا، بأقل ولاء لمدينتهم، ولكنك تسألهم عن السبب فيتمتمون ويتحدثون عن سمك البحيرة، والبنى الشامخة، أما أبناء سان فرنسيسكو فيسهبون ويفيضون في التفصيل. ولا شك أنهم يجدون في الجو والمناخ ما يصلح أن يكون حجة يقضون في الإدلاء بها نصف ساعة تكون أنت في خلالها مشغولًا بالتفكير في تكاليف الفحم والثياب التحتية الغليظة، ويركبهم الغلط فيتوهمون أن صمتك اقتناع، فيروحون يسبحون على متن التيار ويصورون لك مدينة البوابة الذهبية كأنها بغداد الدنيا الجديدة. وإلى هنا، وما دامت المسألة مسألة رأي، لا داعي للمناقضة والجدال، ولكن يا أبناء الأعمام جميعًا (من نسل آدم وحواء) إنه لمتهور ذاك الذي يضع إصبعه على الخريطة ويقول: «في هذه البلدة لا يمكن أن يحدث شيء يجري مجرى القصة — وماذا يمكن أن يحدث هنا؟» نعم من الجرأة بل التهور أن يتحدى الإنسان — بجملة واحدة — التاريخ، والخرافة، وراند، وماك ناللي! ناشفيل — مدينة وثغر وعاصمة ولاية تنيسي، واقعة على نهر كمبرلاند، وملتقى خطوط حديدية. وتعد هذه المدينة أهم مركز للتعليم في الجنوب. نزلت من القطار في الساعة الثامنة مساء. وقد أعياني الاهتداء إلى لفظ أصف به المدينة، فأنا ألجأ إلى تأليف «تذكرة» من المقارنات. خذ من ضباب لندن ثلاثين جزءًا، ومن الملاريا عشرة أجزاء، ومن الثقوب في أنابيب الغاز عشرين جزءًا، ومن قطر الندى عند شروق الشمس في ساحة مبلطة خمسة وعشرين جزءًا، ومن أرج الأزهار خمسة عشر جزءًا، وامزجها. وخليق بهذا الخليط أن يعينك على تصور ناشفيل إذ تجودها السماء. وذهبت إلى الفندق في مركبة، واحتجت إلى كل ما أملك من قدرة على كبح النفس لمقاومة ما يغريني منها بالصعود إلى ظهرها وتقليد سدني كارتون. وكانت الدواب التي تجرها ترجع إلى عصر مضى وانقرض ما كان فيه، وكان السائق أسود ظامئًا ضاويًا. وكنت مثقل الرأس من الإعياء والحاجة إلى النوم، فلما بلغت الفندق أسرعت فدفعت إلى السائق الخمسين سنتًا التي طلبها، وكنت أعرف عادات هؤلاء الزنوج، ولا أريد أن أتيح له فرصة يلغط فيها بذكر «سيده» ولا بما كان يحدث «قبل الحرب.» وكان الفندق من الضرب الذي يوصف بأنه «مجدد» ومعنى التجديد إنفاق عشرين ألف ريال على عمد الرخام، والبلاط، والنور الكهربائي، والمقابض النحاسية والمباصق، ودليل جديد للسكة الحديدية، ورسم بارز للجبال في كل واحدة من الحجرات الكبيرة. وكانت الإدارة لا عيب فيها، ولا اعتراض عليها، والمعاملة كالمعهود من حفاوة أهل الجنوب ورقتهم، والخدمة أبطأ من السلحفاة، والقائمون بها في مثل سجاحة رِب فان ونكل وسلاسة طباعه، أما الطعام فيستحق أن يقطع المرء إليه ألف فرسخ، وليس في الدنيا فندق آخر تستطيع أن تظفر فيه بأكباد الدجاج مطبوخة على هذا النحو. وسألت على العشاء خادمًا زنجيًّا عن ملاهي المدينة، فوقف يقدح زناد فكره لحظة ثم قال: «الحقيقة يا سيدي أني لا أظن أن هناك شيئًا بعد الغروب.» وكان الغروب قد تم، وغرق في المطر من زمان طويل، وحرمت فرصة مشاهدته! ولكني مع ذلك خرجت إلى الشوارع في المطر لأرى ما عسى أن يكون هناك. وهي مبنية على عارض من الأرض ينقاد ويرتفع، والشوارع مضاءة بالكهرباء وتبلغ تكاليفها في العام ٣٢٫٤٧٠ ريالًا. وما كدت أغادر الفندق حتى رأيت سباقًا مضطربًا، فقد أقبل عليّ جماعة من الزنوج المحرّرين، أو الزولو، أو لا أدري من غير هؤلاء وأولئك، مسلحين بالـ … كلا، فقد تبينت أن في أيديهم سياطًا لا بنادق، فتنفست الصعداء، ورأيت كذلك، ولكن في غير وضوح، قافلة من المركبات السوداء، ولما سمعت صيحاتهم المطمئنة «إلى أي ناحية في المدينة بخمسين سنتًا» أدركت أني زبون ليس إلا، ولست بفريسة أو ضحية. وسرت في شوارع طويلة، كلها إلى صعود، وكنت وأنا أمشي أتعجب لهذه الطرق كيف تنحدر مرة أخرى، ولعلها لا تنحدر إلا على درجات. وفي بعض الطرق الكبرى رأيت أضواء في حوانيت هنا وهناك، ومركبات تقل بعض أهل المدينة الكرام إلى هنا، وهنا، وناسًا يمرون بي وهم يتحدثون، وسمعت انفجار ضحكة شبه مرحة صادرة عن دكان أشربات مثلوجة، أما الطرق التي ليست «بالكبرى» فيظهر أنها مجعولة للسكينة والسلام والأعمال المنزلية، وكان في كثير من مساكنها أنوار تضيء من وراء الشبابيك المسدلة، وسمعت من بعضها عزفًا محتشمًا لا يعاب. فالحق أنه لا شيء في المدينة، فليتني دخلتها قبل الغروب! ومن أجل ذلك رجعت إلى فندقي. في نوفمبر/تشرين الثاني سنة ١٨٦٤ زحف القائد الاتحادي الجنرال هود على ناشفيل وحاصر فيها قوة وطنية يقودها الجنرال طوماس. وقد خرج الأخير بعد ذلك وهاجم الاتحاديين وهزمهم في معركة فظيعة. وأنا طول حياتي أسمع ببراعة أهل الجنوب في إصابة المرمى في معاركهم السامية في مناطق مصنع «الطباق» وأعجب بحذقهم هذا وأحب أن أشهد آياته، ولكني فوجئت بما لم يكن لي في حسبان، في الفندق. فقد كانت هناك في البهو اثنتا عشرة مبصقة جديدة لامعة في البهو الكبير، وهي عالية حتى ليمكن أن يقول المرء إنها قماقم، وواسعة حتى لتستطيع الواحدة من لاعبات كرة السلة أن ترمي الكرة في واحدة منها على مسافة خمس خطوات، ومع أن الحرب كانت ولا تزال دائرة بأقصى شدة وأعنف حال، إلا أن العدو لم يصبها بسوء، وظلت المباصق لامعة براقة، وواسعة نظيفة لا يمسها سوء. ولكن البلاط! البلاط الجميل! ولم يسعني إلا أن أفكر في معركة ناشفيل، وإلا أن أستخلص — كما هي عادتي — بعض النتائج، وأنتهي إلى بعض الآراء في وراثة البراعة في إصابة المرمى. وهنا رأيت لأول مرة الماجور ونتورث كازويل، وما كادت عيني تقع عليه وتتأذى بالنظر إليه حتى أدركت أنه طراز قائم بذاته، وليس للجرذ موطن، وقد قال صديقي القديم الفريد تنيسون (الشاعر) وأجاد — كما هي عادته — «أيها النبي، العن لي الشفة الثرثارة، والعن لي الآفة البريطانية، الجرذ!» وكان الرجل يروح ويجيء في البهو كالكلب المتضور الذي نسي أين خبأ عظمة! وكان وجهه عظيم الرقعة كبير المساحة، وأحمر ضخم الصفحتين ثقيلهما، مكتّلهما مع فتور كفتور النعاس. ولم تكن له سوى فضيلة واحدة، هي أنه حليق ناعم الخد أملسه. وأخلق بسمة الحيوان أن تلازم الإنسان إذا استبقى على وجهه سحالة.١ ولو أنه لم يجر الموسى على خديه في ذلك اليوم لما أطقته. ولكنت خليقًا أن أصده عني، ولكان إحصاء الجرائم في هذا العالم قد نقص جريمة قتل! وكنت واقفًا على مسافة خمس أقدام من مبصقة، وإذا بالماجور كازويل يصوب إليها قذائفه! ولاحظت أنه يستعمل في هجومه مدفعًا رشاشًا لا بندقية، فتنحيت عن ميدان الضرب بخفة، فاغتنمها الماجور فرصة للاعتذار إلى مسالم غير محارب. وكانت «الشفة الثرثارة»، ففي أربع دقائق ليس إلا صار صديقي، وجرني إلى الحانة. وهنا موضع التنبيه إلى أني من أهل الجنوب، ولكني لست كذلك بحكم المهنة أو الحرفة أو العادة. فأنا لا أتخذ رباط الحبل. ولا ألبس القبعة العريضة الحافة، ولا أبالي أكياس القطن التي أتلفها «شيرمان»، ولا أمضغ الطباق، وإذا عزفت الموسيقى «ديكسي» لم أهتف، وأتطامن على المقعد الجلدي وأطلب قدحًا وآخر، وأتمنى لو أن — ولكن ما الفائدة؟ وضرب الماجور كازويل منضدة الحانة بجمع يده، فجاوبه المدفع الأول بقلعة «سانتر» ولما أطلق آخر قذائفه على «أبوماتوكس» انتعشت آمالي. ولكنه شرع يتحدث عن شجرة الأسرة، ويبين أن آدم ليس سوى فرع ثالث من فروع أبناء الأعمام في أسرة كازويل، وبعد أن فرغ من أمر هذا النسب تناول على كره مني وسخط، شئون أسرته الخاصة، فتكلم عن زوجته، ونماها إلى حواء، ونفى كل قول بأنها قد تكون ذات قرابة بأحد من الأرض. وقد دعاني هذا إلى الاسترابة به، فكبر في ظني أنه يحاول بهذه الضوضاء أن يذهلني عن كونه هو الذي طلب الشراب، عسى أن أؤدي ثمنه عنه، ولكنه بعد أن شربنا رمى ريالًا فضيًّا على المنضدة، فصار عليّ أن أسقيه كما سقاني، ففعلت وأديت الثمن واستأذنت في الانصراف، ومضيت بلا تمهل، فقد أضجرني فلم أعد أطيقه، على أنه قبل أن أنجو منه حدثني بصوت عال عن زوجته ودخلها وأراني حفنة من النقود الفضية. وقال لي كاتب الفندق، وأنا آخذ مفتاحي منه: «إذا كان هذا الرجل — كازويل — قد أزعجك وكنت تحب أن تشكوه، فنحن مستعدون أن نقصيه عن المكان، فإِنه عاطل مزعج وليست له وسيلة معروفة لكسب الرزق وإن كان يبدو معظم الوقت ومعه شيء من المال. ولكنا لا نهتدي إلى ما نتكئ عليه لطرده.» فقلت بعد تفكير: «كلا لست أرى سبيلًا إلى الشكوى، ولكني أحب أن يُروى عني أني أقرر أني لا أحب صحبته.» ثم أضفت إلى هذا «إن مدينتكم هادئة على ما يظهر، فأين يجد الغريب لهوًا أو مغامرة أو ما هو من ذلك بسبيل خارج بابكم.» فقال الكاتب: «سيكون هنا معرض يوم الخميس الآتي، وهو … سأبحث وأَبعث إلى غرفتك بالإعلان، مع الماء المثلج. عم مساء يا سيدي.» وصعدت إلى غرفتي، ونظرت من النافذة، وكانت الساعة حوالي العاشرة ولكن الشارع كان ساكنًا، وكانت السماء لا تزال تمطر، والأنوار تلمع هنا وهنا على مسافات بعيدة كالزبيب في الكعكة. فقلت لنفسي: «مكان هادئ ليس فيه شيء من الحياة التي تكسب المدائن في الشرق والغرب، تلك البهجة وذلك التنوع — مدينة أعمال — حسنة، عادية، ساذجة.» وتعد ناشفيل في طليعة المراكز الصناعية، ولها المرتبة الخامسة بين أسواق الأحذية في الولايات المتحدة، وفيها أكبر مصانع الحلواء في الجنوب، ولها تجارة عظيمة بالجملة في المنسوجات والأغذية والعقاقير. ويجب أن أحدثك عن قدومي إلى ناشفيل كيف اتفق، وأن أؤكد لك أن هذا الاستطراد فيه من الإملال لي بقدر ما فيه لك: كنت ذاهبًا إلى بلد آخر في شأن لي، فتلقيت من مجلة أدبية تصدر في الشمال رسالة تكلفني فيها أن أقف في ناشفيل، وأن أوجد صلة شخصية بين المجلة وبين سيدة تكتب إليها اسمها أزاليا أدير. وكانت أدير (التي لم يكن ثم مفتاح لشخصيتها غير خطها)، قد بعثت إلى المجلة بطائفة من الفصول في الأدب، ومن القصائد، أطراها المحررون إطراءً عظيمًا، فوكلوا إليّ أن أتصل بأدير هذه، وأن أعقد معها اتفاقًا على أن توافي المجلة بما تكتب، وأن يكون الأجر سنتين (الريال مائة سنت) لكل كلمة، وأن أعجل بذلك قبل أن يقع عليها ناشر آخر، ويعرض عليها عشرة سنتات أو عشرين للكلمة. ففي الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي بعد أن قضيت وطرًا من أكباد الفراريج (جربها إذا استطعت أن تهتدي إلى الفندق!) خرجت، وكانت السماء لا تزال تمطر، فوقعت في أول منعطف، على «العم قيصر»، وهو زنجي عظيم هرم كالأهرام، وله وجه ذكرني ببروتوس، ثم بعد هنيهة بوجه المرحوم الملك ستيوايا. وكان يرتدي أعجب معطف رأيته، أو أتوقع أن أراه في حياتي، فقد كان طويلًا يتدلى إِلى ساقيه، وكان في زمانه من أكسية قواد الاتحاديين في الحرب الأهلية، ولكن المطر والشمس والأيام نالت منه فرث، وبهت وصار لونه ألوانًا. ولا يسعني إلا أن أتريث عند هذا المعطف، فإن له لشأنًا في القصة، تلك القصة التي طال تلكؤها، لأن المرء لا يكاد يتوقع أن يحدث شيء في ناشفيل. ولا شك أنه معطف قائد. وقد ذهب رأسه الذي كان ملتزقًا به، وكان صدره محلى بالأشرطة الزاهية الألوان. ولكن هذه الأشرطة اختفت، وحلت محلها أشرطة من الكتان خيطت بعناية، وقد بليت هذه الخطوط التي أريد بها أن تكون عوضًا عما زال من البهاء، وهيهات هذا من ذاك، ولكن اليد التي خاطت هذه الأشرطة توخت أن تجري على الأصل وتتبع خطوطه، وتمت مأساة الكساء أو مهزلته بأن سقطت أزراره جميعًا ما خلا واحدًا هو الثاني من فوق. وكان لابسه يشده على بدنه بحبال من الكتان تمر بعرى المعطف وبثقوب فيما يقابلها من الشق الثاني. وما رأيت قط ثوبًا كهذا في ألوانه وحلاه! وكان الزرار الباقي في حجم نصف الريال، وهو مصنوع من العظم الأصفر ومخيط إلى الثوب بالكتان. وكان الزنجي واقفًا بجانب مركبة عتيقة كان يمكن أن يفتتح بها حام بن نوح خطًّا بعد أن نزل من السفينة، فلما اقتربت منها فتح الزنجي الباب، وتناول منفضة من الجلد جعل يلوح بها ولا يستعملها، وقال بصوت عميق: «تفضل يا سيدي! لن تجد ذرة واحدة من التراب فيها … عدت الآن فقط من جنازة يا سيدي!» فاستخلصت من قوله هذا أنهم يعنون بنظافة المركبات في مثل هذه المناسبات، فأجلت عيني في صف المركبات الواقفة إلى جانب الرصيف، فلم أر محلًا للمفاضلة، فنظرت في مذكرتي باحثًا عن عنوان أزاليا أدير وقلت: «إني أريد أن أذهب إلى المنزل رقم ٨٦١ بشارع جيسامين.» وهممت بالركوب، ولكن ذراعًا طويلة غليظة كذراع الغوريللا اعترضتني وبدت على الوجه الضخم الكئيب آيات الريبة والعداء ثم كأنما اطمأن فسأل: «ماذا تبغي من الذهاب إلى هناك يا سيدي؟» فسألته بحدة: «وكيف يعنيك هذا؟» فقال: «لا شيء يا سيدي، لا شيء يا سيدي. ولكنه جانب موحش من المدينة، وقل من له في تلك الناحية عمل. ولكن تفضل يا سيدي. المقعد نظيف … عدت الآن فقط من جنازة يا سيدي.» ولا بد أن تكون المسافة ميلًا ونصف ميل إلى غايتنا، وكنت لا أسمع إلا صوت العجلات القديمة على الطريق الذي لا استواء فيه، ولا أشم إلا رائحة المطر مشوبة بدخان الفحم والقار ونوارات النبات المصوّح. وكل ما وسعني أن أراه من خلال النافذة التي يسيل على وجهها الماء، صفان غير واضحين من المنازل على الجانبين. ومساحة المدينة عشرة أميال مربعة. ويبلغ طول شوارعها ١٨١ ميلًا، منها ١٣٧ ميلًا مرصوفة، وقد كلفت المجاري مليون ريال، وطولها ٧٧ ميلًا. وكان البيت الذي وقفنا عنده عتيقًا متداعيًا. وهو قائم على مسافة ثلاثين ذراعًا من الطريق، وأمامه عدة أشجار جميلة، ونباتات هائجة لم تشذب أو تقلم. وكان النبات يكاد يحجب السور الباهت، وكان مصراعا الباب مربوطين بحبل، فإذا دخلت أيقنت أن البيت لم يبق منه إلا طيف أيامه الخوالي. ولكني لم أدخله بعد، فيحسن أن أقصر حتى أفعل. لما كفت العجلات عن ضوضائها، ووقف الجوادان المكدودان، ناولت السائق خمسين سنتًا، وشيئًا على سبيل التجزية، وشعرت وأنا أفعل ذلك بوهج الكرم، ولكنه رفض وقال: «الأجر ريالان يا سيدي.» فقلت: «كيف؟ لقد سمعتك بوضوح تام تقول عند الفندق خمسون سنتًا إلى أي مكان في المدينة.» فقال بعناد: «ريالان يا سيدي. هذه مسافة طويلة من الفندق.» فقلت: «إنها داخل نطاق المدينة، فلا تتوهم أنك وقعت على أبله يا صاحبي. أترى هذه الجبال؟ وأشرت إلى الشرق (وكنت أنا نفسي لا أراها من المطر!)، لقد ولدت ونشأت في الناحية الأخرى منها، أفلا تستطيع أيها الزنجي الأحمق أن تميز الناس وتعرف بعضهم من بعض حين تراهم؟» فلان ما كان جامدًا من وجه الملك ستيوايا، وقال: «أَوَأنت من أهل الجنوب يا سيدي؟ أحسب أن حذاءيك هما اللذان خدعاني وغلطاني.» فقلت: «أحسب أن الأجرة الآن خمسون سنتًا.» فطاف بصفحة وجهه مزيج من الحرص والعداء، ولكنه ما لبث أن زال فقال: «يا سيدي، الأجر خمسون سنتًا، ولا جدال، ولكن بي حاجة إلى هذين الريالين يا سيدي. إني مضطر أن أحصل عليهما. ولست أطلبهما منك، بعد أن عرفت من أين جئت، ولكني أقول فقط إن بي فقرًا شديدًا إلى هذا القدر الليلة، والعمل نزر، وشحيح الخير.» وانطبعت على أسارير وجهه آيات الثقة والاطمئنان، فقد كان أسعد حظًّا مما كان يرجو. فبدلًا من أن يقع على غرير جاهل بالأجور، ألفى نفسه حيال كنز موروث! وقلت وأنا أدفع يدي في جيبي: «يا لك من لعين! لأولى بك أن تسلم إلى الشرطة!» وللمرة الأولى رأيته يبتسم. لقد عرف … وفهم … وأدرك! وناولته ورقتين بريالين. ولاحظت وأنا أمد يدي بهما إليه، أن إحداهما رثة، أبلاها التداول، فقد كانت الزاوية العليا من اليمين مقطوعة، وكانت الورقة مشطورة من منتصفها وموصولة بقطعة من الورق ملتزقة عند موضع التمزيق. وحسبي الآن هذا عن الزنجي الشاطر، فقد تركته سعيدًا، وحللت وثاق الباب وفتحته. والبيت، كما أسلفت، صَدَفة، وأحسب أن الفرشاة لم تمسه بدهان منذ عشرين سنة، وقد تعجبت كيف لم تهدمه ريح قوية، ثم رجعت البصر في الأشجار القائمة التي تحتضنه؛ الأشجار التي شهدت معركة ناشفيل والتي لا تزال تمد أغصانها الواقية حول البيت وتدفع عنه شر العواصف والأعداء والبرد. واستقبلتني أزاليا أدير، وهي سيدة في الخمسين من عمرها، من سلالة الفرسان، نحيلة معروفة منسرقة المنة كالبيت الذي تعيش فيه، وعليها أرخص وأنظف ثياب وقعت عليها عيني، ولها سمت ملكة. وخيل إليّ أن حجرة الاستقبال ميل مربع، لأنه لم يكن فيها إلا بضعة صنوف من الكتب على رفوف من خشب أبيض غير مدهون، ومنضدة قديمة متخاذلة عليها رخام، وبساط كالخرقة البالية، وأريكة رثة، وكرسيان أو ثلاثة، نعم كان على الحائط صورة — رسم بالطباشير الملون لزهرات من البنفسج — وقد تلفتُّ باحثًا عن صورة أندرو جاكسون والسلة المعلقة، ولكني لم أجدهما. وقد دار بيننا حديث سأروي لك بعضه. وهي امرأة أنجبها الجنوب، ونشأت في عزلة، ولم يكن علمها واسعًا، ولكنه كان عميقًا، وروح الابتكار فيها رائعة، وقد تربت وتعلمت في البيت، فمعرفتها بالدنيا مستفادة من التفكير والإلهام، وهذا هو طراز كتاب الفصول والرسائل. وكنت — وهي تحدثني — أمسح أصابعي، وأحاول، وأنا غير مدرك لما أصنع، أن أنفض عن يدي التراب الذي لم يعلق بهما من لام، وتشوسر، وهازليت، ومارك أوريلياس، ومونتاني، وهود. والحق أنها كانت كنزًا رائعًا! فإن كل امرئ تقريبًا يعرف في هذه الأيام أكثر مما يجب — بل أكثر جدًّا مما يجب — عن الحياة الحقيقية. وتبينت أن أزاليا أدير فقيرة جدًّا، وخيل إليّ أنها لا تملك أكثر من هذا البيت، والثوب الذي ترتديه. وكنت، وأنا أصغي إلى صوتها الذي يشبه صوت المعازف، موزع النفس بين واجبي للمجلة وولائي للشعراء والكتاب، ثم أيقنت أني لا أستطيع أن أُجري لساني في هذا المقام بذكر اتفاق أو عقد. وعسير في حضرة بنات الشعر أن يهبط المرء بالحديث إلى المساومة، فلا بد من إرجاء الأمر إلى جلسة أخرى بعد أن أستعيد روحي التجارية. ولكني أفضيت إليها بالغاية من زيارتي، واتفقنا على الاجتماع مرة أخرى في الساعة الثالثة بعد ظهر اليوم التالي لبحث الموضوع. وقلت وأنا أتهيأ للانصراف، وهذا هو أوان الكلام العام الناعم: «إن مدينتك تبدو هادئة رزينة، قلما يحدث فيها شيء غير عادي.» فبدا عليها التفكير، وقالت بلهجة الإخلاص القوية التي هي من خصائصها: «لم يخطر لي هذا من قبل. أليست الأماكن الهادئة الساكنة هي التي يحدث فيها ما ليس في الحسبان؟ يخيل إليّ أنه لما شرع الله يخلق الأرض في صباح يوم الاثنين الأول كان المرء يستطيع أن يطل من النافذة، وأن يسمع صوت الطين الذي يسقط من الأصيص٢ وهو يبني الجبال الخالدة ويرفعها. وماذا أثمر في النهاية أشد الأعمال ضجة وضوضاء، أعني بناء برج بابل؟ صفحة ونصف صفحة من الإسبرنتو في مجلة أمريكا الشمالية.» فقلت: «إن الطبيعة البشرية واحدة في كل مكان. ولكن بعض البلدان أقوى ألوانًا، وأحفل بالحركة وأزخر بالحياة من بعض.» فقالت: «على السطح فقط. لقد جبت العالم وطوّفت في آفاقه عدة مرات في طيارة ذهبية ذات جناحين — الكتب والأحلام — ورأيت (في إحدى رحلاتي الخيالية) سلطان تركيا يردي بيديه إحدى زوجاته لأنها سفرت أمام الناس. ورأيت رجلًا في ناشفيل يمزق بطاقات الدخول إلى المسرح لأن زوجته خرجت وعلى وجهها حجاب من المساحيق والأصباغ. وفي حي الصينيين بسان فرنسيسكو رأيت الجارية «سنج يي» تُغمس قيراطًا فقيراطًا في زيت الجوز المغلي لتقسم ألا ترى عاشقها الأمريكي مرة أخرى. وقد أذعنت، وأقسمت لما جاوز الزيت المغلي ركبتها بمقدار ثلاثة قراريط. ورأيت «كيتي مورجان» ينكرها ويقاطعها سبع من رفيقات صباها في المدرسة وصواحبها طول حياتها لأنها تزوجت مبيّض حيطان. لقد كان الزيت المغلي يرتفع ويفور إلى ما فوق قلبها، وليتك رأيت ابتسامتها الجميلة وهي تتنقل من مائدة إلى مائدة! نعم، مدينتنا هادئة! لا شيء سوى بضعة أميال من البيوت المبنية بالآجر الأحمر، وإلا الطين والدكاكين، والمخازن.» ونقر بعضهم على الباب الخلفي للبيت، فهمست أزاليا باعتذار خافت، ونهضت لترى من الطارق، وعادت بعد ثلاث دقائق، وفي عينيها وميض، وعلى وجنتيها اضطرام خفيف، وبدت كأنما انحطت عنها عشر سنوات من عمرها. وقالت: «ينبغي أن تتناول فنجانًا من الشاي قبل أن تنصرف، وكعكة مسكرة.» ومدت يدها فهزت ناقوسًا صغيرًا من الحديد، فجاءت زنجية صغيرة في الثانية عشرة من عمرها، وكانت حافية القدمين، رثة غيرة نظيفة، وحملقت في وجهي بعينين جاحظتين وإصبعها في فمها. وفتحت أزاليا أدير كيسًا دقيقًا عتيقًا باليًا وأخرجت منه ورقة نقدية بريال، وكانت الزاوية اليمنى من الورقة مقطوعة، وهي ممزقة من الوسط وملزقة بورقة زرقاء. أعني أنها إحدى الورقتين اللتين أخذهما مني السائق الزنجي، ما في هذا شك. وقالت أزاليا وهي تمد يدها بالورقة إلى الفتاة: «اذهبي إلى مخزن المستر بيكر يا إمبي وهاتي منه ربع رطل من الشاي — من النوع الذي يبيعني منه دائمًا — وكعكًا محلى بعشرة سنتات. أسرعي.» والتفتت إليّ وقالت على سبيل الإيضاح: «لقد اتفق أن نفد ما عندنا من الشاي.» وخرجت إمبي من الباب الخلفي، وقبل أن ينقطع صوت قدميها الحافيتين هتكت حجاب السكون صرخة — لم يخالجني شك في أنها صرخة الفتاة — ثم اختلط صوت خشن عميق بصيحات البنت وألفاظها. فنهضت أزاليا أدير وهي غير مستغربة، ولا متأثرة وذهبت، وظللت نحو دقيقتين أسمع صوت الرجل، وتلت ذلك لعنة ثم وقع أقدام، وعادت أزاليا هادئة إلى كرسيها. وقالت: «إن البيت واسع، وعندي ساكن في جانب منه. وإني آسفة لاضطراري إلى العدول عن دعوتك إلى الشاي، فقد تعذر الحصول على ذلك النوع من الشاي الذي أبتاعه دائمًا. ولعل المستر بيكر يستطيع غدًا أن يمدني بحاجتي منه.» وكنت على يقين من أن الفتاة إمبي لم تغادر البيت، فاستأذنت في الانصراف، وتذكرت بعد أن قطعت مسافة من الطريق أني لم أعرف اسم أزاليا أدير، ولكن هذا يمكن إرجاؤه إلى الغد. وفي ذلك اليوم نفسه تنكبت النهج القويم وأمالتني عنه هذه المدينة التي لا يحدث فيها شيء، وما مضى عليّ فيها يومان، ولكني في هذه المسافة القصيرة من الزمن رحت أكذب بلا حياء، وأبرق بالكذب، وأصبحت شريكًا — بعد الحادثة — في جريمة قتل. وانعطفت عند آخر زاوية قرب الفندق، فطالعني ذلك العفريت السائق ذو المعطف الأثري المتعدد الألوان، وفتح باب ناووسه المتحرك، ولوح بمنفضة الريش وبدأ يكرر عبارته المحفوظة: «تفضل يا سيدي. المركبة نظيفة، وقد عادت الآن من جنازة، خمسون سنتًا إلى أي …» ثم عرفني فتبسم وقال: «لا تؤاخذني يا سيدي، إنك السيد الذي ركب معي هذا الصباح، شكرًا لك يا سيدي.» فقلت له: «إني ذاهب في الساعة الثالثة بعد ظهر الغد إلى هناك مرة أخرى، فإذا وجدتك هنا ركبت معك. إنك تعرف الآنسة أدير؟» وكنت أفكر في ورقتي النقدية وأنا أسأله فقال: «لقد كنت عبدًا لأبيها القاضي أدير يا سيدي.» فقلت: «أحسبها فقيرة جدًّا، وليس عندها ما يستحق الذكر، هه؟» فأربدت صفحة وجهه مرة أخرى، وطالعني منها محيا الملك سيتوايا، ولكن سحنته ما لبثت أن عادت إلى مألوفها وقال ببطء: «لن تراها تموت جوعًا يا سيدي، فإن لها لموارد للعيش يا سيدي. نعم لها موارد.» فقلت: «سأنقدك خمسين سنتًا ليس إلا.» فقال بلهجة المتطامن: «لا ريب يا سيدي، ولكنه كان لا بد لي في هذا الصباح من الحصول على الريالين.» وعدت إلى الفندق، وأبرقت بالأكاذيب وزعمت في برقيتي أن الآنسة أزاليا أدير تطلب ثمانية سنتات أجرًا للكلمة الواحدة. فجاءني الرد: «أجبها إلى سؤالها وعجل يا غبي.» وقبيل العشاء أقبل عليّ «الماجور» ونتورث كازويل يحييني تحية من طال افتقاده لصديقه، وقل بين من عرفت في حياتي من أثاروا في نفسي شعور الكراهية لهم من أول لحظة، كما فعل هذا الرجل، يضاف إلى هذا أن التخلص منه لم يكن بالأمر السهل، وكنت واقفًا عند المشرب «البار» لما «غزاني» فلم يتيسر لي أن أنشر في وجهه الراية البيضاء، وكان يسرني أن أدفع ثمن الشراب، على رجاء الخلاص، ولكنه كان من أولئك السكيرين الحقراء، الصخابين الذين ينشدون الإعلان عن أنفسهم، ويودون لو عزفت الموسيقى وأطلقت الألعاب النارية كلما أنفقوا سنتًا واحدًا على حماقاتهم. واتخذ هيئة المليونير وهو يخرج ورقتين كل منهما بريال ويلقي بواحدة على المشرب فوقعت عيني مرة أخرى على الورقة المقطوعة زاويتها العليا من اليمين، والممزقة من الوسط، وقد وصل النصفان بورقة زرقاء، فهي تطالعني ثانية، ولا يمكن أن تكون غيرها. وصعدت إلى غرفتي، وقد اعتراني الملل والتعب والسهوم من هذه المدينة الجنوبية الكئيبة التي لا ينقطع مطرها ولا يحدث فيها شيء يختلف به الحال وتتنوع وجوه الحياة، وأذكر أني قبل أن يأخذني النوم فكرت في أمر هذه الورقة النقدية فقلت لنفسي والنعاس يغالبني: «يخيل إليّ أن كثيرين هنا يملكون أسهمًا في شركة حوذية! وتالله ما أسرع ما يقبض الشركاء أرباحهم! ومن يدري …»، وهنا غلبني النوم. وكان «الملك سيتوايا» في مكانه في اليوم التالي، فأركبني ورض لي بدني في الطريق الوعر إلى البيت رقم ٨٦١. وقد أوصيته أن ينتظر ليرض لي عظامي مرة ثانية في الإياب. وكانت أزاليا أدير أنظف، وأشد اصفرارًا، وأضعف منها في اليوم السابق ووقعت العقد الذي يجري أجرها على الكلمة الواحدة ثمانية سنتات، فزاد لونها امتقاعًا، وانحدرت عن كرسيها إلى الأرض مغشيًا عليها، فحملتها بلا عناء إلى الأريكة العتيقة، ثم ذهبت أعدو وأصيح بالزنجي أن يدعو طبيبًا، فأبدى من العقل ما لم أكن أتوقع منه، وترك جواديه المعروقين وراح يجري وقد أدرك قيمة السرعة، وعاد بعد عشر دقائق ومعه طبيب حاذق وقور أبيض اللحية، فشرحت له في بضع كلمات (قيمة الواحدة منها دون ثمانية سنتات بكثير) سبب وجودي في هذا البيت الفارغ الحافل مع ذلك بالأسرار والمعميات، فانحنى لي وقد فهم عني، والتفت إلى الزنجي العتيق وقال بلهجة متزنة: «يا عم قيصر، اجرِ إلى بيتي واطلب من الآنسة لوسي أن تعطيك ملء وعاء من اللبن الطازج، وقدحًا من النبيذ وعد بسرعة. لا تركب، اجر؛ فإني أريد أن تعود في هذا الأسبوع!» فخطر لي أن الدكتور مريمان أيضًا يشك في قدرة جوادي الزنجي على العدو، وبعد أن خرج العم قيصر مسرعًا إلى الشارع رماني الطبيب بنظرة فاحصة ولكنها رقيقة، وقال: «إنها مسألة غذاء غير كاف، وبعبارة أخرى، هذه نتيجة الفاقة والكبرياء والجوع. وإن للسيدة كازويل لأصدقاء مخلصين عديدين يسرهم أن يمدوا إليها يد المعونة، ولكنها لا تقبل شيئًا إلا من ذلك الزنجي العتيق — العم قيصر — الذي كان فيما مضى عبدًا لأسرتها.» فسألت متعجبًا: «السيدة كازويل؟» ثم ألقيت نظرة على العقد فرأيتها قد وقعته باسم «أزاليا أدير كازويل.» وقلت: «كنت أحسبها الآنسة أدير.» فقال الطبيب: «لقد تزوجت سكيرًا متشردًا يا سيدي. ويقال إنه يسلبها حتى المبالغ الضئيلة التي يمدها بها خادمها القديم على سبيل المعونة» … واستطاع الطبيب، بفضل اللبن والنبيذ، أن ينعش أزاليا أدير، فانطلقت تتحدث عن جمال أوراق الخريف وألوانها الزاهية، وأشارت إلى نوبة الإغماء التي عرتها وعزتها إلى لغط قديم في القلب، وكانت الخادمة إمبي تروح على وجهها وهي راقدة على الأريكة، وكان الطبيب مطلوبًا لعيادة أخرى فتبعته إلى الباب وأخبرته أن في وسعي وفي عزمي أيضًا أن أنقدها مبلغًا من المال على الحساب سلفًا، فسره هذا. وقال: «على فكرة. قد يسرك أن تعرف أن هذا الحوذي من أرومة الملك، فقد كان جده ملكًا في الكونجو، ولعلك لاحظت أن لقيصر بعض سجايا الملوك.» وبينما كان الطبيب يمضي عني، سمعت العم قيصر يقول: «هل أخذ منك كلا الريالين جميعًا يا سيدتي؟» وسمعت أزاليا أدير تقول بصوت ضعيف: «نعم يا قيصر.» ودخلت بعد ذلك، وقدمت لها خمسين ريالًا على الحساب زاعمًا أن هذا إجراء شكلي لازم لنفاذ العقد. ثم عاد بي العم قيصر إلى الفندق. وإلى هنا ينتهي ما أستطيع أن أقسم على الشهادة به. أما ما يلي فليس أكثر من سرد لوقائع. حوالي الساعة السادسة خرجت من الفندق لأتمشى، وكان العم قيصر واقفًا بمركبته في مكانه المألوف، ففتح بابها، ولوح بمنفضته، وشرع يلقي عبارته المحفوظة التي تبعث على الكآبة: «تفضل يا سيدي، خمسون سنتًا إلى أي مكان في المدينة. المركبة نظيفة جدًّا يا سيدي. عادت الآن فقط من جنازة …» ثم عرفني، وأحسب أن نظره بدأ يضعف. وكان معطفه قد اكتسب ظلالًا أخرى باهتة من الألوان، وغاب الزرار الباقي الأخير، المصنوع من القرن الأصفر. فيا له من حفيد ملك! وبعد ساعتين رأيت ناسًا كثيرين يتزاحمون على باب صيدلية، فكان هذا الحادث في مدينة مملة أشبه بنزول المن والسلوى في الصحراء، فزاحمت حتى دخلت، فأبصرت صناديق فارغة وكراسي قد اتخذ منها مرقد امتد عليه جثمان الماجور ونتورث كازويل، وكان الطبيب يفحصه باحثًا عن دماء من الحياة، فلم يجده. وقد وجدوه ميتًا في طريق مظلم فحملوه إلى الصيدلية، وكان كل شيء يدل على أنه سقط بعد عراك شديد. وقد كان في حياته متشردًا ونذلًا، ولكنه كان شجاعًا، غير أنه غُلب، وكانت أصابعه مطبقة لا تفتح. وقد وقف حوله الذين عطفوا عليه ونقلوه إلى الصيدلية، يحاولون أن يجدوا ما يثنون به عليه، فقال رجل طيب منهم بعد تفكير طويل: «لما كان كازويل في الخامسة عشر كان من أبرع تلاميذ المدرسة في التهجّي.» وبينما كنت واقفًا، تراخت أصابع يده اليمنى وكانت متدلية على جانب الصندوق، فسقط منها شيء عند قدميّ. فوضعت رجلي عليه بلا ضجة، ثم احتلت حتى وسعني أن ألقطه وأدسه في جيبي. وقلت لنفسي أن يده، وهي تعترك، قبضت على هذا الشيء، على غير قصد، ثم تخشبت عليه فبقي فيها. وكان أكثر ما يجري فيه الحديث تلك الليلة بالفندق مقتل الماجور كازويل. وقد سمعت بعضهم يقول لمن حوله: «رأيي أيها السادة أن الذي قتل كازويل بعض هؤلاء الزنوج، طمعًا في ماله، فقد كان معه بعد ظهر اليوم خمسون ريالًا أراها لكثيرين في الفندق. ولما وجدوا جثته لم يجدوا معه المال.» وبارحت المدينة في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، ولما أخذ القطار يعبر الجسر القائم على نهر كامبرلاند، أخرجت من جيبي زرارًا من القرن الأصفر في حجم نصف الريال وعليه خيوط عالقة به. وقذفت به من النافذة في الماء الجاري تحت الجسر. هوامش (١) السحالة البر والشعير قشرهما. (٢) شيء كالجرة يحمل فيه الطين الذي يستعمل في البناء. مختارات من القَصَص الإنجليزي
آلة الزمان (١) مقدمة كان الرحالة في الزمن (ويحسن أن نعرفه بهذه الصفة) يشرح لنا أمرًا عويصًا وكانت عيناه تومضان، ووجهه الممتقع في العادة مضطرمًا يجري فيه ماء الحياة، وكانت النار الموقدة مرتفعة اللهب، ومقاعدنا كأنما تضمنا وتغازلنا، والجو كما يكون بعد العشاء؛ إذ تجري الخواطر في سلاسة لا تعوّقها الدقة والإحكام. وكان هو يتكلم شارحًا — ومشيرًا بإصبعه المعروق — ونحن جلوس حوله، نعجب في كسل واسترخاء بأخذه هذه النقيضة (كما كنا نتوهمها) مأخذ الجد، إعجابنا بخصوبة ذهنه. فقال: «يجب أن تتبعوني بدقة وعناية، وسأنقض رأيًا أو بضعة آراء شائعة، فإن الهندسة التي تعلمتموها في المدرسة، مثلًا، قائمة على خطأ في التصور.» فقال فيلبي، وهو رجل أحمر الشعر يحب الجدل: «أليس من الشطط أن تتوقع منا الابتداء بهذا القول؟» فقال: «لست أنوي أن أطالبكم بالتسليم بشيء بغير دليل كاف. وستسلمون بما فيه الكفاية لي. وأنتم تعرفون أن الخط الرياضي — الخط الذي لا سمك له — ليس له وجود حقيقي. ألم يعلموكم هذا؟ ومثله السطح الرياضي. هذه مجرد فروض نظرية ليس إلا.» فقال النفساني: «صحيح.» فعاد يقول: «والمكعب الذي ليس له سوى طول وعرض وسمك، ليس له وجود حقيقي.» فقال فيلبي: «أنا أعترض على هذا التقرير، فإن الجسم ذا الطول والعرض والسمك يوجد. وكل حقيقي من الأشياء …» قال: «هذا ما يظنه الأكثرون. ولكن مهلًا. هل يمكن أن يوجد مكعب لا يبقى أي بقاء زمني؟» فقال فيلبي: «لست فاهمًا.» قال: «هل يكون للمكعب الذي لا يبقى أية فترة من الزمن وجود حقيقي؟» فبدت على فيلبي هيئة المفكر، ومضى الرحالة في الزمن يقول: «من الواضح أن كل جسم حقيقي لا بد أن يكون له امتداد في أربعة اتجاهات؛ فلا بد أن يكون له طول، وعرض، وسمك وبقاء زمني. ولكنا لضعف طبيعي فينا — سأشرحه بعد لحظة — نميل إلى إغفال هذه الحقيقة، وهنا إذا اعتبرنا الواقع، أبعاد أربعة، الثلاثة المعروفة، والرابع الزمن، ولكنّ هناك ميلًا إلى التفريق بين هذه الأبعاد الثلاثة، وبين الرابع، لأن وعينا يتحرك على نحو متقطع في اتجاه واحد مع الزمن من بداية العمر إلى ختامه.» فقال شاب يحاول أن يشعل سيجارته مرة أخرى من المصباح: «هذا … هذا واضح جدًّا.» وعاد الرحالة في الزمن يقول: «ومن العجائب أن الإغضاء عن هذا عام. وهذا هو معنى البعد الرابع، وإن كان بعضهم حين يذكرونه لا يدرون أنهم يعنون هذا. على أن هذه ليست إلا وجهة نظر أخرى، فما ثم فرق بين الزمن وبين أي واحد من الأبعاد الثلاثة سوى أن وعينا يسير في اتجاهه، غير أن بعض الحمقى تناول الفكرة من طرفها المغلوط، وأحسبكم سمعتم بما يقولون في هذا البعد الرابع؟» فقال عمدة من الريف: «أنا لم أسمع.» فقال: «هذا هو: إن الفضاء، كما يقول علماؤنا الرياضيون، له ثلاثة أبعاد يمكن أن نقول إنها الطول، والعرض، والسمك، ويمكن تحديده دائمًا بالنسبة إلى سطوح ثلاثة كل منها على زاوية قائمة من الآخرين. ولكن بعض المتفلسفين يتساءلون لماذا تكون الأبعاد ثلاثة على الخصوص؟ لماذا لا يكون هناك اتجاه آخر على زاوية قائمة من الأخرى؟ وقد حاولوا فعلًا أن يوجدوا هندسة رباعية الأبعاد. وقد كان الأستاذ سيمون نيوكوم يشرح هذا للجمعية الرياضية في نيويورك منذ حوالي شهر فقط، وأنتم تعرفون أننا نستطيع — على سطح ليس له سوى بعدين اثنين — أن نرسم شكلًا ذا أبعاد ثلاثة. ولهذا يرون أنه بواسطة نماذج ذات أبعاد ثلاثة يمكن تمثيل شكل ذي أبعاد أربعة إذا وسعهم أن يتمثلوا صورته.» فقال العمدة الريفي: «أظن ذلك.» وزوى ما بين عينيه، وشردت نظرته، وصارت شفتاه تختلجان كأنما يردد ألفاظًا خفية «نعم، أظن أني فهمت الآن.» قال هذا بعد هنيهة، وأشرق وجهه لحظة. «ولست أكتمكم أني شغلت نفسي بهذه الهندسة الرباعية الأبعاد زمنًا، وبعض ما وصلت إليه، عجيب. فمثلا، هذه صورة رجل في الثامنة من عمره، وهذه أخرى في الخامسة عشرة، وثالثة في السابعة عشرة، ورابعة له في الثالثة والعشرين وهكذا، وبَدِيه أن هذه جميعًا جوانب له — صور ثلاثية الأبعاد. لكيانه الرباعي الأبعاد — وهو شيء ثابت لا يتغير.» ومضى في كلامه بعد فترة كافية لاستيعاب هذا المعنى «إن العلماء يعرفون أن الوقت ليس إلا ضربًا من الفضاء. هذا رسم بياني لتقييد الحالة الجوية. وهذا الخط الذي أتتبعه بإصبعي يبين حركة البارومتر، وقد كان المقياس أمس عاليًا إلى هنا، فهبط في الليل، وعاد هذا الصباح إلى الارتفاع إلى هنا. ومن المحقق أن الزئبق لم يرسم هذا الخط في أي واحد من أبعاد الفضاء المعترف بها. ولكنه رسم الخط، فهذا الخط لا يسعنا إلا أن نقرر أنه على اتجاه بعد الزمن.» فقال رجل الطب، وهو يحدق في النار: «ولكن إذا كان الزمان ليس أكثر من بعد رابع في الفضاء، فلماذا يعد — ولماذا كان دائمًا يعد — شيئًا مختلفًا؟ ولماذا لا نستطيع أن نتحرك في الزمن كما نتحرك في الأبعاد الأخرى في الفضاء؟» فابتسم الرحالة في الزمن وقال: «أواثق أنت أننا نستطيع أن نتحرك بحرية في الفضاء؟ إننا نذهب يمينًا ونذهب شمالًا، ونمشي قدمًا، ونرجع القهقرى بحرية، وما زال الناس يقدرون على ذلك، وإني لأعترف أننا نتحرك بحرية في بعدين، ولكن ما القول في «فوق» و«تحت»؟ إن الجاذبية تحد من حركتنا هنا.» فقال رجل الطب: «كلا، فإن هناك البالون.» قال: «ولكن قبل عهد البالون، وفيما عدا القفز والوثب وعدم استواء السطح، لم تكن للإنسان حرية في الحركة الفوقية.» فقال رجل الطب: «على كل حال يستطيع أن يتحرك قليلًا إلى فوق، وإلى تحت.» «الحركة إلى تحت، أسهل، أسهل جدًّا.» «ولا سبيل إلى الحركة في الزمن، لا تستطيع أن تجاوز اللحظة الحاضرة.» «يا سيدي العزيز، هذا هو موضع الخطأ. هذا هو الذي أخطأ فيه العالم كله، فإننا لا ننفك نجاوز اللحظة الحاضرة، ووجودنا العقلي — وهو غير مادي وليس له أبعاد — يمضي على بعد الزمن بسرعة منتظمة من المهد إلى اللحد كما نسير إلى تحت، إذا بدأنا وجودنا على ارتفاع خمسين ميلًا فوق سطح الأرض.» وقال النفساني مقاطعًا: «ولكن الصعوبة هي أننا نستطيع أن نتحرك في كل اتجاه في الفضاء، أما في الزمن فلا.» – «هذه جرثومة اكتشافي العظيم، وأنت مخطئ حين تقول إننا لا نستطيع أن نروح ونجيء في الزمن. مثال ذلك، أن أتذكر حادثة بوضوح، فأنا أكر راجعًا إلى اللحظة التي وقعت فيها، أو يشرد فكري، فأنا أثب راجعًا مسافة لحظة. ولا أحتاج أن أقول إنه ليس لنا وسيلة نستطيع بها التلبث في رجعاتنا وكراتنا هذه، أي مسافة من الزمن، كما لا يستطيع الإنسان المستوحش، أو الحيوان أن يبقى في الهواء على ارتفاع ستة أقدام من الأرض، ولكن الإنسان المتحضر أحسن حالًا من المستوحش في هذا، فإن في وسعه أن يصعد في الجو ببالون على الرغم من الجاذبية، فلماذا لا يحق له أن يرجو أن يستطيع آخر الأمر أن يقف، أو يسرع على سنن البعد الزمني، أو حتى أن يدور، ويطوّف في الناحية الأخرى؟» فقال فيلبي: «آه، هذا كله …» فسأله الرحالة في الزمن: «لم لا.» قال فيلبي: «إنه مما لا يقبله العقل.» فسأله: «أي عقل؟» فقال فيلبي: «قد تستطيع أن تثبت أن الأسود أبيض، ولكنك لا تقنعني.» قال: «ربما … ولكنك بدأت تدرك الغرض من بحوثي، في الهندسة الرباعية الأبعاد. ومنذ زمن بعيد خطر لي على نحو غامض، أن في الوسع صنع آلة.» فصاح الشاب: «للطواف بها في الزمن؟» – «يمكن الطواف بها في أي اتجاه في الفضاء والزمن على هوى مسيّرها.» فاكتفى فيلبي بالضحك. فقال: «ولكني جربت إثبات ذلك عمليًّا.» فقال النفساني: «إن هذا يكون مفيدًا جدًّا للمؤرخ، فيستطيع أن يكر راجعًا، ويحقق ما حدث في معركة هيستنجز مثلًا.» وقال رجل الطب: «ألا تخشى أن تلفت إليك الأنظار؟ إن أجدادنا لم يكن حظهم جزيلًا من سعة الصدر.» وقال الشاب: «ويسع الإنسان أن يتلقى اللغة الإغريقية من فم هومر أو أفلاطون! وثم المستقبل، تصور هذا! في وسع المرء أن يستثمر كل ماله ويتركه ينمو ويزداد، ويسرع فيسبقه.» فقلت: «فيجد الجماعة الإنسانية قائمة على مقتضى نظام شيوعي دقيق!» وقال النفساني: «يا له من شطط في التصور والخيال!» – «نعم، هذا ما كنت أظن في بداية الأمر، ولهذا لم أفه بكلمة عنه حتى …» فصحت: «حتى حققته بالتجربة! أتريد أن تثبت هذا؟» وصاح فيلبي وقد كل ذهنه: «التجربة!» وقال النفساني: «أرنا تجربتك على كل حال، وإن كان الأمر كله كلامًا فارغًا.» فابتسم لنا الرحالة في الزمن، وهو يدير فينا عينيه، ثم تركنا وخرج على مهل، ويداه في جيبي بنطلونه، وكنا نسمع وقع قدميه، وهو ماض إلى معمله. فقال النفساني: «ترى ماذا عنده.» فقال رجل الطب: «لعبة بارعة، أو ما هو منها بسبيل.» وهم فيلبي أن يحدثنا عن حاو في «بير سلم»، ولكن قبل أن يفرغ من مقدمة كلامه دخل الطواف في الزمن، فانهارت القصة. (٢) الآلة كان الذي يحمله الرحالة في الزمن آلة من المعدن اللامع لا تزيد في الحجم عن ساعة صغيرة ولكنها دقيقة الصنع. وكان فيها عاج ومادة أخرى بلورية شفافة. ويحسن بي هنا أن أتحرى الدقة لأن ما سأورده ليس له تعليل إلا إذا سلمنا بتعليله. فقد تناول إحدى المناضد المثمنة الأضلاع ووضعها أمام الموقد، فكانت اثنتان من قوائمها على السجادة. ووضع الآلة على هذه المنضدة، ثم جر كرسيًّا وقعد عليه. ولم يكن على المنضدة شيء آخر سوى مصباح صغير مظلل كان ضوءه مسلطًا على هذه الآلة النموذجية. وكان في الغرفة أيضًا حوالي اثنتي عشرة شمعة؛ اثنتان منها في شمعدانين من النحاس على الصفة، والبقية في شمعداناتها الموزعة في الغرفة، فالغرفة حسنة الضوء. وقعدت أنا على كرسي بجانب الموقد وزحفت به حتى صرت بين الرحالة في الزمن وبين النار. وجلس فيلبي وراءه يطل من فوق كتفه، وكان رجل الطب والعمدة على يمينه والنفساني على يساره، ووقف الشاب خلف النفساني وكنا جميعًا متحفزين متربصين؛ فمما لا يقبله العقل أن يخدعنا خادع مهما بلغ من حذقه وبراعته. ونظر إلينا الرحالة في الزمن ثم رد بصره على الآلة فقال النفساني: «نعم؟» فأسند المطوف مرفقيه، وضم راحتيه فوق الآلة وقال: «هذه الآلة الصغيرة ليست سوى نموذج لآلة يطوف المرء بها في الزمان. وتلاحظون أنها تبدو مائلة، وأن لهذا القضيب وميضًا غريبًا، كأنه شيء لا حقيقة له.» وأشار إلى القضيب بإصبعه «وهنا أيضًا رافع أبيض صغير. وهنا واحد آخر.» فنهض رجل الطب عن كرسيه وحدق في الآلة وقال: «إنها بديعة الصنع.» فقال الرحالة في الزمن: «قد سلخت في صنعها عامين.» وبعد أن تأملناها جميعًا مضى يقول: «وأحب أن تعرفوا أن هذا الرافع إذا ضُغط يدفع الآلة فتنساب في المستقبل، وهذا الرافع الآخر يعكس الحركة والاتجاه. وهذا السرج يمثل مقعد المطوف. وسأضغط الرافع فتنطلق الآلة ماضية، وتختفي، وتنتقل إلى المستقبل، وتغيب فيه. فتأملوها جيدًا، وأديروا عيونكم في المنضدة لتكونوا على يقين من أنه لا خدعة هناك. فلست أحب أن أفقد هذا النموذج ثم يقال لي بعد ذلك إني مشعوذ.» وساد السكون لحظة، وكأنما هم النفساني بأن يخاطبني ثم عدل ثم مد المطوف إصبعه إلى الرافع ولكنه قال فجأة: «كلا. بل هات أنت يدك.» والتفت إلى النفساني فتناول يده وأمره أن يمد سبابته، فكان النفساني هو الذي أرسل نموذج آلة الزمان في رحلتها التي لا نهاية لها. ورأينا كلنا الرافع يتحرك. وكنت على يقين جازم من أنه لا خداع في الأمر. وهبت نسمة فوثب لهب المصباح، وانطفأت إحدى الشمعتين على الصفة، ودارت الآلة بغتة، وغمضت، وبدت كالشبح مقدار ثانية، أو كموجة من لمع العاج والنحاس، ثم غابت، اختفت. ولم يبق على المنضدة سوى المصباح. وساد السكون مرة أخرى ثم قال فيلبي: «إنه لعين.» وأفاق النفساني من ذهوله وانحنى لينظر تحت المنضدة، فضحك الرحالة في الزمن مسرورًا وقال: «ثم ماذا؟» ثم نهض إلى وعاء الطباق على الصفة وشرع يحشو بيبته، وظهره إلينا. ونظر بعضنا إلى بعض ثم قال رجل الطب: «اسمع. أأنت جاد؟ أتعتقد حقيقة أن هذه الآلة ذهبت تطوف في الزمن؟» فقال الرحالة وهو ينحني ليشعل عودًا من النار: «لا شك.» ثم دار وهو يوقد الطباق، ونظر إلى وجه النفساني الذي أراد أن ينفي عن نفسه مظنة الاضطراب فتناول سيجارًا وهم بأن يشعله من قبل أن يقطعه. ومضى الرحالة يقول: «وأزيد على ذلك أن عندي آلة كبيرة كاد صنعها يتم. (وأشار إلى المعمل) ومتى تمت فإن في عزمي أن أقوم برحلة.» فسأله فيلبي: «هل تعني أن هذه الآلة تطوف في المستقبل؟» – «في المستقبل — أو في الماضي — فلست أعرف على وجه التحقيق.» فقال النفساني بعد هنيهة، وكأنما أُلهم شيئًا: «لا بد أن تكون قد ذهبت في الماضي، إذا كانت قد ذهبت إلى شيء.» فسأله الرحالة في الزمن: «ولماذا؟» فقال: «لأني أفترض أنها لم تذهب في الفضاء، فلو أنها ذهبت تطوف في المستقبل لبقيت هنا طول الوقت.» فقلت: «ولكن إذا كانت قد ذهبت تجوب الماضي، فقد كانت خليقة أن تكون مرئية عندما دخلنا هذه الغرفة — ويوم الخميس الماضي لما كنا هنا — والخميس الذي قبله، وهكذا.» فقال العمدة بلهجة المنصف الذي لا يتحيز: «اعتراضات وجيهة.» ونظر إلى الرحالة في الزمن. فقال هذا: «كلا. (ونظر إلى النفساني) فكر، فإن في وسعك أن تشرح هذا، إنه عرض مركز.» فقال النفساني، وهو يطمئننا: «صحيح، صحيح. هذه مسألة سهلة في علم النفس. وكان ينبغي أن أتذكرها ولا أغفل عنها، وهي واضحة كفيلة بتعليل التناقض على وجه مرضي. فنحن لا نستطيع أن نرى هذه الآلة، ولا أن ندرك وجودها، كما لا نستطيع أن نرى محور عجلة دائرة، أو رصاصة منطلقة في الهواء. وإذا كانت تجوب الزمن بسرعة أكبر من سرعتنا خمسين مرة أو مائة مرة، وإذا كانت تقطع الدقيقة على حين لا نقطع نحن سوى ثانية، فإن الوقع الذي تحدثه يكون بالبداهة معادلًا لواحد على خمسين، أو واحد على مائة من وقعها لو أنها لم تكن تجوب الزمن. وهذا واضح جدًّا.» وأمر يده في حيث كانت الآلة، وقال وهو يضحك: «أترون؟» فلبثنا هنيهة نحدق في المنضدة التي خلت مما كان عليها ثم سألنا الرحالة في الزمن رأينا. فقال رجل الطب: «إن الأمر يبدو في ليلتنا هذه معقولًا جدًّا، ولكن انتظر إلى الغد، انتظر حتى يعود الرشد مع الصباح.» فسألنا الرحالة في الزمن: «أتريدون أن تروا آلة الزمن نفسها؟» وتناول المصباح وتقدمنا في الدهليز الطويل الكثير التيارات إلى معمله، وما زلت أذكر الضوء المضطرب، ورأسه العريض العجيب، والظلال الراقصة وكيف كنا نتبعه ونحن حائرون لا نكاد نصدق، وكيف رأينا في المعمل نسخة مكبرة من الآلة التي شهدنا بأعيننا اختفاءها. وكانت أجزاء منها من النيكل وأخرى من العاج، وغيرها مبرودًا أو مقطوعًا بالمنشار من البلورات الصخرية، وكانت الآلة على وشك التمام، ولكن القضبان البلورية الملتوية كانت ملقاة على مقعد، وإلى جانبها بعض الرسوم، فتناولت أحدها لأتأمله، فخيل إلي أنه من حجر الصوان. وقال رجل الطب: «اسمع، هل أنت جاد؟ أم ترى هذه خدعة، كذلك الشبح الذي أريتنا إياه في عيد الميلاد؟» وقال الرحالة في الزمن، وهو يرفع المصباح: «بهذه الآلة سأقوم برحلة في الزمن، فهل كلامي واضح؟ إني أتكلم جادًّا.» فلم ندر كيف نتلقى قوله. ولمحت فيلبي ينظر من فوق كتف الطبيب، فغمزني بعينه. (٣) الرحالة في الزمن يعود أظن أننا لم نكن في ذلك الوقت نؤمن بآلة الزمن، والواقع أن الرحالة في الزمن من هؤلاء الذين نجدهم أذكى وأبرع من أن تستطيع تصديقهم والاطمئنان إليهم، فإنك لا تشعر وأنت معه أنك تراه من كل الجهات، ولا تزال تحس أن هناك شيئًا مغيبًا عنك، أو متربصًا لك من وراء صراحته المشرقة، ولو أن فيلبي كان هو الذي أرانا الآلة وشرحها بألفاظ الرحالة في الزمن لكان شكنا أقل وترددنا أضأل، لأنه كان يسعنا أن ندرك بواعثه، فما يعجز أحد عن فهم فيلبي، ولكن الرحالة في الزمن رجل آخر، تمتزج بعناصر نفسه نزعات خفية، فنحن نتوجس من ناحيته، وما هو خليق أن يُكسب من هو دونه ذكاء، الشهرة وبعد الصيت، كان يبدو كالألاعيب في يديه. وأحسب أن من الخطأ أن يفعل المرء الشيء بمثل هذه السهولة المفرطة. وكان الجادون معه لا يستطيعون أن يعرفوا كيف يكون سلوكه، وكانوا يشعرون أنهم معه كالأوعية والأدوات المصنوعة من الصيني في غرف الأطفال، ومن أجل هذا لا أظن أن أحدًا منا أطال القول في هذا الطواف في الزمن في الفترة بين ذلك الخميس والخميس الذي تلاه. وإن كانت غرائب احتمالاته ظلت تدور ولا شك في النفوس، أعني إمكانه أو استحالته في الواقع وما إلى ذلك. وكنت مشغولًا بالنموذج وقد تناولته بالبحث مع رجل الطب لما قابلته يوم الجمعة في النادي فقال لي: إنه رأى ماي يشبهه في «توبنجن» وألفيته معنيًّا جدًّا بانطفاء الشمعة، ولكنه قال إنه لا يستطيع إيضاح الأمر. وفي يوم الخميس التالي قصدت إلى رتشموند — وأحسب أني من الزوار المواظبين للرحالة في الزمن — فوجدت أربعة أو خمسة سبقوني إلى الاجتماع في غرفة الاستقبال، وكان رجل الطب واقفًا أمام الموقد وفي إحدى يديه رقعة وفي الأخرى ساعة. فتلفت باحثًا عن الرحالة في الزمن فقال رجل الطب: «إنها الساعة السابعة والنصف الآن، أفلا يحسن أن نتعشى؟» فسألت: «وأين …؟» وسميت مضيفنا. – «أو لم تحضر إلا الساعة؟ هذا غريب! لقد عاقه عن الحضور ما لا حيلة له فيه، وبعث إلي برقعة يرجو مني فيها أن أنوب عنه في العشاء معكم في الساعة السابعة إذا كان لم يحضر، وسيفضي إلينا بالباعث على تخلفه حين يجيء.» فقال محرر جريدة يومية مشهورة: «إنه يكون من دواعي الأسف أن ندع العشاء يفسد.» فدق الطبيب الجرس. وكان النفساني هو الوحيد الذي شاركنا مع الطبيب في العشاء السابق، أما الجديدون فهم بلانك الصحفي الذي أسلفت الإشارة إليه، وصحفي آخر معه، وثالث، رجل حيي ذو لحية ،لا أعرفه ولا أذكر أنه فتح فمه على العشاء بكلمة واحدة. ودار الحديث على المائدة فيما عسى أن يكون الداعي إلى تخلف الرحالة في الزمن، فقلت لعله التجواب في الزمن، وكنت أقرب إلى المزح مني إلى الجد، فطلب مني المحرر أن أشرح له معنى هذا القول، فتولى عني النفساني البيان وقص ما شهدناه في الأسبوع الماضي، وإنه لفي هذا وإذا بالباب يفتح على مهل وبلا صوت، وكان وجهي إليه فرأيته قبل غيري وقلت: «هاللو! أخيرًا!» ودخل الرحالة في الزمن ووقف أمامنا، فندت عني صيحة استغراب، وقال رجل الطب: «يا للسماء! ماذا دهاك أيها الرجل؟» ودارت العيون كلها إلى ناحية الباب. وكانت حالته مدهشة، فقد كانت ثيابه معفرة وقذرة وكماه ملوثين بمادة خضراء، وكان شعره منفوشًا وقد زاد فيه الشيب اشتعالًا على ما بدا لي — مما عليه من التراب أو لأن لونه حال — وكان وجهه أصفر، وفي ذقنه جرح — جرح يكاد يلتئم — وكانت معارفه واشية بالتعب والفتور كأنما كان يعاني برحًا ثقيلًا، وقد تردد لحظة وهو واقف بالباب كأنما أزاغ النور بصره، ثم دخل، وكان يظلع في مشيته كما يفعل الذين أحفاهم طول السعي، فأتأرناه النظر في صمت، منتظرين أن يتكلم. ولكنه لم ينبس بحرف، بل مشى متحاملًا على نفسه إلى المائدة، وأشار إلى الشراب فملأ له المحرر قدحًا من الشمبانيا، فكرعه وبدا عليه الانتعاش، فقد أدار عينه في المائدة، وقد خفقت على محياه ابتسامته المعهودة، وسأله الطبيب: «ماذا كنت تصنع؟» ولكنه كان كأنه لا يسمع، وقال بصوت مضطرب: «لا تنزعجوا فإني بخير.» وأمسك، ومد يده بالقدح يطلب ملئه، وأفرغه في فمه وقال: «هذا حسن.» وازدادت عيناه التماعًا، وعاد إلى وجهه الدم، وكان لحظة يتنقل من وجه إلى وجه، وفيه معنى الرضى والموافقة، ثم جالت عينه في الغرفة الدافئة الوثيرة وقال وكأنه يتحسس طريقه: «سأغتسل وأغير ثيابي، ثم أنزل إليكم وأفضي إليكم بما عندي … أبقوا لي شيئًا من هذا اللحم، فإني أتضور من فرط اشتهائه.» ونظر إلى المحرر — وكان زائرًا مغبًّا — وأعرب عن رجائه أن يكون مسرورًا، فهم المحرر بسؤال فكان الرد: «سأجيبك بعد لحظة، فإني — دائر الرأس — وسأكون بخير بعد برهة.» ووضع القدح، ومضى إلى باب السلم؛ فلاحظت مرة أخرى أنه يظلع، وأن وقع قدميه خافت فوقفت أنظر وأنا في مكاني، فأخذت عيني قدميه وهو يخرج، فإذا هما حافيتان ليس عليهما إلا جوربان ممزقان ملوثان بالدم، وأغلق الباب وراءه، وحدثتني نفسي أن أتبعه، ولكني تذكرت أنه يمقت اللغط والضجات، وشرد ذهني لحظة، ثم سمعت المحرر يقول: «سلوك غريب من عالم شهير.» — كأنما يكتب عنوانًا لخبر. فردني هذا إلى المائدة البهيجة. وقال الصحفي: «ما هي الحكاية؟ إني لست فاهمًا.» والتقت عيني بعين النفساني، فقرأت في وجهه التفسير الذي خطر لي، ورحت أفكر في الرحالة في الزمن وهو يصعد الدرجات متكئًا على نفسه. وما أظن أن أحدًا غيري لاحظ عرجه. وقد كان الطبيب أول من ثابت إليه نفسه؛ فدق الجرس — فقد كان الرحالة في الزمن يكره أن يقف الخدم وراء المائدة — وطلب طبقًا، فعاد المحرر إلى الشوكة والسكين وهو يزوم، وفعل مثله الرجل الصموت. وعدنا إلى الطعام، وكان الحديث عبارة عن جمل متقطعة تتخللها فترات استغراب، ثم لم يطق المحرر أن يظل يكتم ما يخامره فقلت له: «إني واثق أن ما به راجع إلى هذه الآلة.» وتناولت رواية النفساني ووصفه لما شهدناه من حيث قطعه وكان الجديدون من الضيوف صرحاء في رفض التصديق. وجعل المحرر يثير الاعتراضات ويتساءل: «ما هو هذا التطويف في الزمان؟ إن الإنسان لا يستطيع أن يعفر نفسه بالتراب بأن يتمرغ في بعض النقائض؟» ولما أحاط بالموضوع تناوله بالتهكم وسأل: «أليس عند الناس في المستقبل فرشاة لنفض التراب عن الثياب؟» وكان الصحفي كذلك يأبى أن يصدق، فانضم إلى المحرر وعاونه على ركوب الأمر بالسخرية. وكان كلاهما من الطراز الحديث في الصحافة، أي شابًّا مرحًا لا يوقر شيئًا، وأنشأ الصحفي يقول: «يروي مكاتبنا الخاص فيما بعد غد …» وإذا بالرحالة في الزمن يدخل علينا في ثياب السهرة العادية، ولا شيء يشي بما طرأ عليه من التغير الذي أزعجني سوى نظرته الفاترة. وصاح به المحرر: «لقد كان هؤلاء الفتيان يقولون إنك كنت تجوب منتصف الأسبوع المقبل! فهات لنا القصة. وعين الثمن الذي تتقاضاه لقاء ذلك.» فتقدم الرحالة في الزمن إلى المقعد المحفوظ له بلا كلام، وابتسم ابتسامته الهادئة وقال: «أين اللحم؟ يا لها من نعمة، أن يغرز المرء شوكته في اللحم مرة أخرى.» فصاح المحرر: «القصة!» فقال الرحالة في الزمن: «لعنة الله على القصة! إني أريد شيئًا آكله. ولن أنطق بكلمة واحدة حتى أنعش الدم في شراييني. شكرًا، والملح من فضلك.» فقلت: «سؤال واحد. هل كنت تجوب الزمان؟» فقال: «نعم.» وهز رأسه وفمه محشو. وقال المحرر: «إني مستعد أن أنقده شلنًا على كل كلمة.» ودفع الرحالة قدحه إلى الرجل الصامت ونقر عليه بأظافره، وكان الرجل الصامت يحدق في وجهه فانتبه، وصب له الشراب الذي يبغيه. ولبثنا قلقين إلى آخر العشاء، وكانت شفتاي تضطربان، بما أهم بالسؤال عنه، وأحسب أن غيري كان شأنه كشأني. وحاول الصحفي أن يخفف وطأة الحال بحكايات يقصها عن «هيتي بوتر» وكان الرحالة في الزمن عاكفًا على الطعام يلتهمه التهام من طال حرمانه. وأشعل الطبيب سيجارة، وذهب يدخن ويراقب الرحالة في الزمن، وبدا الرجل الصامت أشد اضطرابًا مما يكون عادة، فأقبل على الشمبانيا يكرع منها بانتظام وإلحاح من فرط ما به من الاضطراب العصبي، وأخيرًا دفع الرحالة في الزمن طبقه وأقصاه عنه، وهو يتلفت ويقول: «أحسب أن عليّ أن أعتذر. ولكن الحقيقة أني كنت أتضور جوعًا. وقد قضيت فترة مدهشة العجائب.» وتناول سيجارًا وقطع طرفه، وقال: «تعالوا إلى غرفة التدخين، فإنها حكاية طويلة، والأطباق كلها شحم.» ودق الجرس وهو يتقدمنا إلى الغرفة المجاورة. وسألني وهو يضطجع في كرسيه: «هل خبرت بانك، وداش، وتشوز، خبر الآلة؟» وأشار إلى الضيوف الحديثين. فقال المحرر: «ولكن المسألة كلها نقائض.» فقال: «لا أستطيع أن أجادل الليلة، ولا بأس بالحكاية، أما الجدل فلا. وسأقص عليكم ما حدث لي — إذا شئتم — ولكن عليكم ألا تقاطعوني وإن بي لحاجة إلى الإفضاء بها … حاجة ملحة، وستبدو لكم كأنها أكذوبة من تلفيق الخيال، فليكن! ولكنه صحيحة. كل حرف منها، وقد كنت في معملي في الساعة الرابعة، وقد عشت منذ تلك الساعة، ثمانية أيام … أيام لم يعشها إنسان آخر قبلي … وإني لمهدود القوة، ولكن النوم لن يسعفني حتى أقص عليكم قصتي، وبعد ذلك أنام. ولكن لا تقاطعوا، فهل هذا عهد؟» فقال المحرر: «موافق.» ورددنا جميعًا كلمة الموافقة. وشرع الرحالة في الزمن يقص ما كان من أمره، كما أثبته هنا فيما يلي. وكان في أول الأمر مضطجعًا في كرسيه، يتكلم بفتور، ولكنه انتعش شيئًا فشيئًا، وإني إذ أنقل ما سمعته لأدرك قلة غناء القلم والمداد، وضعف حيلتي في نقل صفة الكلام إلى القارئ. وما أظن بك إلا أنك تقرأ بعناية، ولكنك لا تستطيع أن ترى المتكلم ووجهه المخلص الباهت اللون، على ضوء المصباح المتألق، ولا أن تسمع نبرات صوته، ولا أن ترى أن تغيير وجهه يختلف تبعًا لإحساسه بما يرويه. وكان أكثرنا يجلسون في ظلام، فما أضيئت الشموع في غرفة التدخين. ولم يكن النور يبدي منا غير محيا الصحفي، وساقي الرجل الصامت. وكان بعضنا في أول الأمر يتلفت إلى بعض، ثم كففنا عن ذلك، وصارت عيوننا لا تتحول عن وجه الرحالة في الزمن. (٤) التطواف في الزمن بينت لبعضكم يوم الخميس الماضي المبادئ التي تقوم عليها آلة الزمان، وأريتكم الآلة أيضًا، وكانت ناقصة لم تتم، وهي هناك الآن، وقد نال منها الطواف … حقيقة … وقد انكسر قضيب من العاج فيها، وانثنى آخر من النحاس، ولكن بقيتها سالمة. وكنت أتوقع أن أتم صنعها يوم الجمعة، ولكني يوم الجمعة بعد أن كدت أفرغ من تركيبها وجدت أن قضيبًا من النيكل أقصر مما ينبغي بمقدار بوصة، فاحتجت أن أصنعه من جديد. فلم أفرغ من العمل إلا هذا الصباح. وفي الساعة العاشرة من يومنا هذا بدأت أول آلة للزمان حياتها وسيرتها، وقد أدرت فيها عيني، واختبرتها آخر اختبار، وامتحنت كل ما فيها من الروابط، وصببت قطرات من الزيت على القضيب المصنوع من «الكوارتز» واتخذت مقعدي على السرج. وأحسب أن المنتحر الذي يتناول المسدس، ويسدده إلى رأسه، يشعر بمثل ما شعرت به، وأمسكت بالرافعة بإحدى يدي، وبالأخرى المجعولة لوقفها بيدي الأخرى، وضغطت الأولى، ثم الثانية بعد ذلك مباشرة، وخيل إليّ أني أترنح، وشعرت كأني سأسقط، وتلفت فألفيت المعمل على حاله — كما كان بلا فرق — فهل ترى حدث شيء؟ وخفت — لحظة — أن يكون عقلي خدعني، ثم نظرت إلى الساعة، وكانت قبل برهة لم تجاوز العاشرة إلا بمقدار دقيقة أو نحوها. فإذا بها الآن منتصف الرابعة! فملأت صدري بالهواء، وقرضت أسناني، وتناولت الرافعة بكلتا يدي ومضيت، فأخذ المعمل يبدو لي أقل وضوحًا ثم أظلم. ودخلت السيدة «واتشيت» وقطعت الغرفة كأنها لا تراني، ومضت إلى باب الحديقة. وأحسب أنها اجتازت الغرفة في نحو دقيقة، ولكنها كانت تبدو لي مارقة كالسهم أو الشهاب، وضغطت الرافعة إلى أقصى حد، فدخل الليل، كما تطفئ مصباحًا، وبعد لحظة أخرى، جاء الغد، وغاب عني المعمل شيئًا فشيئًا، وجاء المساء أسود حالكًا، ثم الصباح فالليل مرة أخرى، فالنهار كرة ثانية، وكان في مسمعي كصوت تلاطم الأمواج، وغشي عقلي الارتباك والبلادة. وليس في وسعي أن أصور لكم الإحساس الخاص الذي يحدثه الطواف في الزمان، فإنه أثقل ما عانيت، والمرء يشعر بأنه مقذوف به ولا حيلة له. وخامرني الإحساس أيضًا بوشك التحطم، وكنت وأنا أجتاز الزمان وأزيد السرعة، أرى الليل يعقب النهار كما يخفق الجناح الأسود. وغاب عن عيني شبح المعمل الغامض، ورأيت الشمس تبدو وتختفي في السماء بسرعة، وكلما بدت مقدار دقيقة كان يوم. وكبر في ظني أن المعمل تقوض وأني خرجت إلى الهواء الطلق. وخيل إليّ أني أرى شيئًا كأنه الشعف على الجدران، ولكني كنت أمرق بسرعة فلم أكن أحس بالأشياء المتحركة، وكانت أبطأ القواقع خطوًا تخطف بسرعة فلا أكاد أراها. وكانت عيني يؤذيها اختلاف الليل والنهار بمثل سرعة البرق. وفي الظلام المتقطع رأيت القمر ينتقل في أوجز وقت من هلال إلى بدر كامل، ولمحت قبة السماء المزدانة بالنجوم، وظللت أمضي، وسرعتي تزداد، فاختلط بياض النهار بسواد الليل، وصارت زرقة السماء عميقة، وضاءة اللون، كالشفق، وغدت الشمس كأنها لسان من اللهب، أو قوس متقد في الفضاء والقمر كالحزام المضطرب، ولم أعد أرى النجوم، ولكنها من حين إلى حين كانت تبدو لي كدائرة خفاقة اللمعان في زرقة السماء. وأصبح المنظر غامضًا غائمًا، وكنت لا أزال على ذلك الجانب من التل الذي يقوم عليه هذا البيت، فصار يرتفع ويغمض، ورأيت الأشجار تنمو وتتغير كأنها نفخة دخان، وتكون سمراء فتغدو خضراء، وكانت تنمو، وتكبر، وتهتز، وتزول، ورأيت مباني ضخمة تعلو وتمر كالحلم، وتغير وجه الأرض كلها فيما بدا لي، وصار ذائبًا يسيل ويتحدر تحت عيني. وكانت العقارب التي تسجل سرعتي تزداد سرعة دوران، فما لبثت أن رأيت نطاق الشمس يعلو ويهبط من وجه إلى وجه في دقيقة أو أقل، فعلمت أني صرت أقطع العام في دقيقة، فكان الثلج الأبيض يومض، دقيقة بعد دقيقة، على الدنيا، ويختفي، وتعقبه خضرة الربيع النضيرة القصيرة. وصارت الإحساسات التي كابدتها في البداية أخف وطأة، وتحولت إلى نشوة عصبية، وقد لاحظت أن الآلة تضطرب وأن حركتها ليست بالسلسة لسبب لا أعرفه، وكان اضطراب عقلي أشد من أن يسمح لي بالعناية بذلك، واستغرقني نوع من الجنون فقذفت بنفسي في المستقبل، ولم يخطر لي في أول الأمر أن أقف أو أتريث، أو أن أجعل بالي إلى غير ما أحس، ولكني ما لبثت أن شعرت بضرب جديد من الخوالج — بمقدار من التعجب والتطلع، وبشيء من الخوف — ما عتمت أن استولت على نفسي أتم استيلاء، فقد تتكشف لي مظاهر تطور غريبة في حياة الإنسان، وتقدم مدهش في مدينتنا البدائية، إذا أنا أتيح لي أن أتدبر هذا العالم الغامض المتفلت الذي يعدو ويضطرب أمام عيني. ورأيت بُنى عظيمة رائعة ترتفع حولي، وهي أضخم من كل ما رفعناه وأعليناه في زماننا، ولكنها كانت تبدو مبنية من الضباب والضوء الخفاق. ورأيت الخضرة السائلة على جانب التل، أزهى وأنضر، وأبقى أيضًا فلا أثر للشتاء فيها. وحتى على الرغم من الحجاب الذي أسدله الاضطراب على عقلي بدت الأرض أجمل وأنقى، فشرعت أفكر في الوقوف. وكان أكبر ما أخاف أن أجد مادة ما في الفضاء الذي أنا — أو الآلة — فيه، ولم يكن لهذا قيمة، وأنا أجتاز الزمن بسرعة كبيرة، فقد كنت كأني تضاءلت حتى لم أعد شيئًا، أو كنت كالبخار الذي ينفذ مما بين المواد المعترضة، ولكن الوقوف يجرّ إلي ضغطي ودفعي ذرة فذرة فيما عسى أن يكون في طريقي، وإلى جعل ذراتي من شدة الاتصال بذرات العقبة المعترضة، بحيث يفضي ذلك إلى إحداث تفاعل كيميائي عميق — أو عسى أن يؤدي إلى انفجار — فأتطاير أنا والآلة خارجًا من كل الأبعاد الممكنة إلى المجهول. وكان هذا الاحتمال قد خطر لي مرات وأنا أصنع الآلة، فأخلدت إليه على أنه أحد الأخطار التي لا بد من المجازفة بالاستهداف لها، أما الآن فقد صار الخطر لا مفر منه، فلم أواجهه بذلك الابتسام وتلك البشاشة كما كنت أفعل. والواقع أن غرابة ما أنا فيه، وتطرح الآلة، وطول الإحساس بأني أهوي؛ كل أولئك قد أتلف أعصابي، فحدثت نفسي أني لن أستطيع الوقوف، ونفد صبري على هذا، ووهى جلدي، فعزمت على الوقوف من توي. وتسرعت لسخافتي فجذبت الرافعة، فانقلبت الآلة، وقُذف بي في الهواء. وصار في مسمعي مثل تهزّم الرعد وعسى أن أكون قد فقدت وعيي لحظة، وكان الثلج يسقط حولي، وألفيتني جالسًا على العشب الناعم أمام الآلة المقلوبة، وكان كل شيء فيما يبدو مغبرًا، ولكني تنبهت فأدركت أن صوت الرعد الذي كان في أذني قد زال؛ فأجلت عيني فيما حولي فوجدت أني فيما يشبه ممرًّا في حديقة تحيط بها شجيرات، ولاحظت أن نوارها يسقط به الثلج وكان ما يسقط منه يشبه السحابة الرقيقة على الآلة، وتطلقه الريح على الأرض كالدخان، وأحسست بالبلل ينفذ إلى بدني؛ فقلت: «يا له من إكرام لوفادة رجل اجتاز ما لا عداد له من السنين ليراك!» وخطر لي أن من البلاهة أن أبتل، فنهضت وتلفتُّ، فرأيت شخصًا عظيمًا كأنه منحوت من حجر أبيض يبدو من وراء الشجيرات والثلج المتساقط، وفيما عدا ذلك لم تأخذ عيني شيئًا من الدنيا. ومن العسير وصف ما خالج نفسي. وقد صار هذا الشخص أوضح لما رق الثلج المتساقط، وكان عظيمًا جدًّا فقد كانت هناك شجرة عالية لا تبلغ إلا كتفه. وكان مصنوعًا من الرخام الأبيض، وعلى صورة أبي الهول بجناحين، ولكن الجناحين كانا منشورين فله هيئة الطير إذ يخفق. وكانت القاعدة على ما بدا لي من البرونز والصدأ عليه كثير، واتفق أن كان وجه التمثال إليّ، فخيل إليّ أن عينيه تراقباني، وكان على فمه طيف ابتسامة، وكانت الرياح قد عصفت به، فلمنظره في النفس وقع المرض؛ فوقفت أنظر إليه هنيهة — نصف دقيقة أو نصف ساعة — فكان يخيل إلي أنه يتقدم نحوي ويرتد عني كلما رق الثلج أو كثف. وأخيرًا حولت عنه لحظي فرأيت ستار الثلج يرق ويشف، ورأيت السماء تضيء مؤذنة بظهور الشمس. فرجعت بصري إلى التمثال الأبيض الرابض؛ فأدركت مبلغ ما في رحلتي هذه من الجرأة والمجازفة. وماذا عسى أن يظهر متى ارتفع هذا الستر؟ وماذا ترى أصاب الناس؟ كيف يكون الحال إذا كانت القسوة قد صارت نزعة عامة أو إذا كان الجنس الآدمي قد فقد في هذه الفترة التي اجتزتها، رجوليته، ونزع صفته الإنسانية وخسر روح العطف وأفاد القوة الماحقة؟ ألا أبدو له حيوانًا مستوحشًا من العالم القديم يضاعف التقزز منه هذا الشبه الباقي؛ مخلوقًا قذرًا يستحق أن يذبح بلا رحمة؟ ورأيت مناظر أخرى عظيمة؛ بُنى ضخمة ذات أسوار ملتوية، وعمد سامقة وأخذت عيني شيئًا فشيئًا، مع سكون العاصفة سفح الجبل المكسو بالشجر، فاستولى عليّ الرعب، وأهويت على آلة الزمان أحاول أن أصلحها، فخلصت إلي في هذه اللحظة أشعة الشمس من خلال العاصفة المجلجلة، وانقطع ما كان يسح من السحاب وزال كما تزول ذلاذل (أسافل) أثواب الأشباح، وكانت تغشى زرقة السماء قطع من السحاب الرقيق لم تلبث أن اختفت، ووضحت المباني العظيمة لعيني وبرزت معالمها، ولمع ما بللها من المطر، وكساها ما لم يذب من البرد حلة بيضاء، فأحسست كأني عريان في عالم أجنبي، وشعرت بما أحسب الطائر يشعر به وهو يطير في الهواء ويعلم أن الصقر يخفق فوقه ويوشك أن ينقض عليه. وصار خوفي ذعرًا، فملأت رئتي هواءً، وقرضت أسناني، وأكببت على الآلة أعالجها بعنف فلانت لعزمي واعتدلت، وأصابت ذقني بقوة، ووقفت وأنا ألهث، وإحدى يدي على السرج والأخرى على الرافعة استعدادًا للركوب مرة أخرى. وتشجعت لما وثقت من إمكان العود بلا تلكؤ، وزادت رغبتي في الاستطلاع وقل خوفي من هذا العالم الذي يعيش في المستقبل السحيق، ووقعت عيني في نافذة مستديرة في إحدى البيوت القريبة على لفيف من الناس في ثياب رقيقة ثمينة، ورأوني كما رأيتهم، فصارت عيونهم عليّ. وسمعت أصواتًا تدنو مني، ورأيت رءوس رجال وأكتافهم، وهم يعدون مقبلين من بين الأشجار، مارين بأبي الهول الأبيض، وبرز أحدهم في الطريق المؤدي إلى حيث كنت واقفًا إلى جانب الآلة. وكان مستدق الجسم — حوالي أربع أقدام — وفي ثياب قرمزية، وعلى وسطه حزام من جلد، وفي قدميه صندلة وساقاه عاريتان إلى الركبتين. وتنبهت وأنا أنظر إليه إلى أن الجو دافئ. ووقع في نفسي أنه على حظ كبير من الجمال والرشاقة، ولكنه ضعيف جدًّا وأذكرني وجهه المضطرم بحمرة الخد في المسلول. وثابت إليّ ثقتي بنفسي لما رأيته فرفعت يدي عن الآلة. (٥) في العصر الذهبي وما لبثت أن صرت وجهًا لوجه — أنا وذلك الإنسان الضعيف الخارج إليّ من المستقبل، وقد تقدم مني، وتبسم لي في عيني — ولم يسعني إلا أن ألاحظ أنه لا أثر للخوف في حركاته. ثم التفت إلى اثنين آخرين كانا يتبعانه وكلمهما بلغة غريبة فيها عذوبة ولين. وكان هناك آخرون مقبلين، فصار حولي من هذه المخلوقات الجميلة ثمانية أو عشرة. وخاطبني أحدهم، فكان من الغريب أنه دار في نفسي أن صوتي أخشن وأعمق من أن يخف عليهم، فهززت رأسي، ثم هززته مرة أخرى وأنا أشير إلى أذني. فتقدم مني خطوة، وتردد قليلًا، ثم لمس يدي، وتابعه الآخرون فجعلوا يلمسون ظهري وكتفي كأنما أرادوا أن يستوثقوا من أني شخص حقيقي، ولم يكن في هذا ما يزعج أو يفزع، بل لقد كان هؤلاء الآدميون الصغار يعمرون الصدر بالثقة فقد كانت فيهم رقة، ورشاقة، وبساطة كبساطة الأطفال، وكان ما يبدو من ضعفهم يخيل إليّ أن في وسعي أن أعصف بجميعهم بلا عناء، ولكني اضطررت أن أحذرهم بإيماءة حين رأيت أيديهم الدقيقة تلمس الآلة وتتحسسها. وألهمت، قبل فوات الأوان، أن أتقي خطرًا لم أعن به من قبل، ففككت الرافعتين اللتين هما مبعث الحركة، ووضعتهما في جيبي ثم واجهتهم وأنا أفكر في وسيلة للتفاهم. وتوضحت وجوههم وتأملت معارفها، فظهرت لي خصائص أخرى؛ ذلك أن شعرهم الجعد ينتهي عند خدودهم وأعناقهم لا أثر له على وجوههم. أما آذانهم فدقيقة جدًّا، وأما أفواههم فصغيرة وشفاهها رقيقة حمراء، وأذقانهم مخروطة الشكل، وعيونهم واسعة لينة النظرة، وقد يكون هذا أنانية مني، ولكنه خيل إليّ أنهم لم يبدوا من الاكتراث ما كنت أتوقع. ولما رأيتهم لا يبذلون جهدًا لمخاطبتي، ولا يزيدون على الابتسام والتناجي فيما بينهم بأصواتهم الرقيقة، وهم وقوف حولي، بدأت الحديث؛ فأشرت إلى آلة الزمان وإلى نفسي، ولم أدر كيف أعبر لهم عن الزمن فأومأت إلى الشمس فرأيت أحدهم — وهو دقيق الخلق جميله، وعليه ثياب قرمزية مخططة وفيها بياض — يتبع إيماءتي وأدهشني منه أنه حكى صوت الرعد. فدار رأسي لحظة، وإن كان معنى حركته واضحًا، وخطر لي فجأة أن لعلهم بله. وعسير عليكم أن تدركوا ما خامرني من الخوالج. ذلك أني كنت دائمًا أتوقع أن يكون الناس في المقبل من الأجيال أعلم منا وأفهم، وأرقى في كل باب، وإذا بواحد منهم يفاجئني بسؤال طفل من أبنائنا في الخامسة من عمره؛ فقد كان سؤاله أتراني جئت من الشمس على جناح عاصفة؟ … وكنت أصد نفسي عن الحكم عليهم، فأطلقت لها أن تحكم بما تشاء على ثيابهم وعلى أجسامهم الدقيقة الضعيفة، ووجوههم الرقيقة. وأحسست بخيبة الأمل، وخطر لي أني ركبت هذه الآلة عبثًا. وهززت رأسي أن نعم، وأشرت إلى الشمس، وحكيت لهم صوت الرعد بقوة أفزعتهم، فتراجعوا جميعًا مقدار خطوة وانحنوا … ثم أقبل عليّ واحد يضحك، ومعه قلادة من زهر لا أعرفه وزين بها جيدي، فصفقوا له وذهبوا يعدون في طلب الزهور وارتدوا بها وجعلوا يلقونها علي حتى كدت أختنق. وأنتم لم تروا مشبهًا لهذا؛ فليس في وسعكم أن تتصوروا هذه الزهور العجيبة الرقيقة الغلائل التي أخرجتها العناية بتربيتها سنوات لا يأخذها عد. ثم اقترح أحدهم أن يعرضوا هذه اللعبة — أعني أن يعرضوني — في أقرب منزل، فمضوا بي، ومررنا بأبي الهول الأبيض الذي كان كأنه يراقبني طول الوقت وهو يبتسم لتعجبي، إلى بناء أشهب كبير من الحجر المنقوش. وعادت إليّ، وأنا أسير معهم، ذكرى ما كنت أحلم به، وأنا مطمئن واثق، من أن أبناء الأجيال الآتية سيكونون أعمق منا وأقوى عقولًا وأعظم رزانة. وكان للبناء مدخل كبير، وهو عظيم في كل شيء، وكان همي الأكبر بطبيعة الحال هذا الجمع المتزايد الذي يحتشد حولي، وهذه البوابات الضخمة المفتوحة التي تتثاءت أمامي وهي غامضة محفوفة بالأسرار. وكان الواقع العام في نفسي من هذا العالم الذي أنظر إليه من فوق رءوس القوم أنه رقعة فسيحة من الرياض والأزهار الجميلة، طال إهمالها ولكنها مع هذا خلت من الحسك. ورأيت أعوادًا طويلة من زهر أبيض غريب يبلغ طولها نحو قدم، وهي منتثرة كالنبات البري بين الشجيرات، ولكني كما أسلفت، لم أفحصها في ذلك الوقت، وكنت قد تركت آلة الزمان على الحشيش بين الشجيرات. وكان عقد الباب جميل النقش دقيقه، ولكني لم أدقق في تأمل النقوش وإن كان قد خيل إليّ وأنا أجتازه أن فيه من الفن الفينيقي مشابهًا، وقد بدا لي أن النقوش قد لوحها الجو وأصابها تلف عظيم. ولقيني في الباب كثيرون آخرون من هؤلاء الذين يلبسون الثياب الزاهية. وهكذا دخلنا؛ أنا في ثياب قاتمة من مألوف القرن التاسع عشر، وعليّ طوائف شتى من عقود الزهر، وحولي بحر مائج من الأردية اللامعة، والوجوه البيض المشرقة والضحكات الموسيقية والأصوات العذبة. وأفضى بنا الباب الكبير إلى ردهة فسيحة وكان السقف مظلمًا، والنوافذ — وجانب منها زجاجه ملون، وجانب لا زجاج فيه — يدخل منها ضوء خافت، والأرض مرصوفة بكتل من معدن أبيض متين — لا بألواح أو بلاط منه، بل بكتل، وكانت قد بلغ من تلفها بكثرة المشي عليها في الأجيال الماضية، أن صارت فيها أخاديد عميقة في المواضع التي طال عليها دب الأرجل. وفي الردهة عدد لا يحصى من المناضد المصنوعة من الحجر المصقول، وهي ترتفع عن الأرض مقدار قدم، وعليها أكوام من الثمار والفواكه، وقد عرفت أن بعضها برتقال وعناب ولكن أكثرها لا عهد لي به. وكانت الوسائد والمنابذ مطروحة بين المناضد، وعلى هذه جلس القوم وأومئوا إليّ أن أجلس، وشرعوا يأكلون الثمار بأيديهم بلا كلفة، ويلقون بالقشر والأعواد وما إليها في فتحات مستديرة على جوانب المناضد، فقلدتهم، فقد كنت جوعان وظمآن. واستطعت وأنا آكل أن أدير عيني في الحجرة على مهل. ولعل أقوى ما وقع في نفسي منها منظر البلى والتداعي، فقد كان زجاج النوافذ الملوث محطمًا في مواضع كثيرة، والأستار مثقلة بالتراب، ولاحظت أن زاوية المنضدة التي أمامي مكسورة. ولكنه كان هناك على الرغم من ذلك جمال وبهاء. وكان في البهو حوالي مائتين يأكلون، وكان أكثرهم يراقبونني وهم جالسون بقربي، وعيونهم الصغيرة تومض من فوق الفاكهة التي يقضمون، وكانت ثيابهم جميعًا من ذلك الحرير الرقيق المتين. وعلى ذكر ذلك أقول إن الفاكهة كل طعامهم، فقد كان أبناء هذا المستقبل البعيد نباتيين، وقد اضطررت أن أكون فاكهيًا مثلهم وأنا بينهم على الرغم من اشتهائي اللحم. وقد عرفت بعد ذلك أن الخيل والأبقار والأغنام والكلاب قد اندثرت. وكانت الفاكهة شهية. وأخص منها بالذكر ثمرة لم أخطئها طول مدة إقامتي هناك، كنت أوثرها على سواها. وقد حيرتني في أول الأمر هذه الفواكه الغريبة، والأزهار العجيبة التي رأيتها، ولكني تبينت بعد ذلك خصائصها ومزاياها. على أني أحدثكم الآن عن طعامي في المستقبل! ولما اكتفيت، عزمت أن أتعلم لغة القوم، وكان من الواضح أن هذا أول ما يجب عليّ فعله، فبدا لي أن الفواكه تصلح أن تكون بها البداية، فرفعت بيدي واحدة منها وشرعت أستفسر بالأصوات والإشارات، ولقيت عناءً شديدًا في إفهامهم مرادي، وكانوا في بادئ الأمر ينظرون إليّ مستغربين أو مغرقين في الضحك، ولكن واحدًا منهم جميل الشعر فَهِمَ ونَطَقَ باسم، وصاروا يلغطون فيما بينهم، وكانت محاولاتي الأولى لحكاية أصواتهم تدخل على نفوسهم سرورًا صريحًا وإن خلا من الرعاية لي. على أني كنت أشعر بما يشعر به المدرس بين الأطفال، فواظبت، ودأبت، فما لبثت أن حفظت عنهم نحو عشرين اسمًا، فانتقلت من الأسماء إلى الضمائر وأسماء الإشارة، وعرفت الفعل «أكل» ولكن التقدم كان بطيئًا، ومل هؤلاء الصغار وبدت عليهم الرغبة في الخلاص من أسئلتي، فلم يسعني إلا أن أدعهم يعلمونني قليلًا، قليلًا، كلما آنسوا من أنفسهم ميلًا إلى ذلك. وتالله ما أقل ما رغبوا في تعليمي، فما رأيت قط أشد منهم كسلًا، أو أسرع إلى التعب. (٦) مغرب الإنسانية تبينت أمرًا غريبًا في مضيفيّ، وذاك قلة اهتمامهم وضآلة حظهم من الفضول، فقد كانوا يقبلون عليّ صائحين من الدهشة كالأطفال ولكنهم، كالأطفال، لا يلبثون أن يكفوا عن تأملي وفحصي، وينصرفوا عني التماسًا للعبة أخرى غيري، ولما فرغنا من الطعام، وأقصرت عما حاولته من خطابهم لاحظت أن أكثر الذين أحاطوا بي في بداية الأمر قد انصرفوا، ومن الغريب أيضًا أني أنا انتهيت إلى إغفال هؤلاء الصغار، فخرجت إلى العالم المشمس بعد أن أصبت شبعي، وكنت لا أفتأ ألتقي بآخرين من هؤلاء أبناء المستقبل فيتبعونني مسافة، ويلغطون، ويتضاحكون حولي، فأبتسم لهم، وألوح بيدي وأدعهم وأمضي في طريقي إلى ما أنشد. وكان الجو ساجيًا سجوّ المساء لما خرجت من القاعة الكبيرة، والشمس الغاربة تنشر الضوء والدفء. وكانت الأشياء في أول الأمر تحيرني، فقد كان كل شيء مختلفًا عما عهدت — في عالمي — حتى الزهر. وكان البناء الكبير الذي بارحته قائمًا على منحدر واد عريض يجري فيه نهر، ولكني أظن «التيمز» قد غير مجراه الحالي ونقله مسافة ميل، فاعتزمت أن أصعد إلى قمة مرتفع على بعد ميل ونصف ميل ليتسع أفق النظر إلى هذا الكوكب في سنة ٨٠٢٧٠١ بعد الميلاد، وقد فاتني أن أذكر أن هذا هو التاريخ الذي سجلته آلتي. وكنت وأنا أمشي، أتلمس كل ما عسى أن يعلل لي حالة البهاء الذاوي الذي أراه، فقد كانت حالة خراب وذوي، ومن آيات ذلك أني وجدت في بعض الطريق الذي أتوقله كومًا عظيمًا من الصفوان مشدودًا بعضه إلى بعض بكتل من الألومنيوم، وتيهًا عظيمًا من الجدران المائلة والأنقاض، وكان واضحًا أن هذه بقايا بناء ضخم لا أعرف لماذا أقيم. وهنا قُسمت لي — فيما بعد — تجربة غريبة أدت بي إلى اكتشاف أغرب، ولكني أرجئ الكلام في هذا حتى يجيء موضعه. وتلفت حولي، وأنا أستريح هنيهة في شرفة، وقد خطر لي خاطر، فتبينت أنه ليس هناك مساكن صغيرة، فالظاهر أن البيت الصغير المفرد قد اندثر، وعسى أن يكون حُلّاله أيضًا قد لحقوا به، وكنت أرى هنا وها هنا مباني كالقصور ولكن البيت والكوخ — وهما من مألوف المناظر في إنجلترا — اختفيا. وحدثت نفسي أنها «الشيوعية.» ودار في نفسي في أعقاب هذا خاطر آخر، فنظرت إلى الستة الصغار الذين تبعوني. فألفيتهم جميعًا يلبسون ثيابًا واحدة، ورأيت أن وجوههم رقيقة لا شعر فيها، وأن أعضاءهم أشبه بأجسام البنات وتكوينهن، وقد يكون مستغربًا أني لم أتنبه لهذا من قبل، ولكن كل شيء كان عجيبًا. أما الآن فقد وضحت لي هذه الحقيقة، ففي الثياب، وفي كل ما يتميز به الآن الجنسان، كان هؤلاء أبناء المستقبل سواء. حتى الأطفال خيل إليّ أنهم صورة مصغرة من آبائهم، وخطر لي أن أطفال ذلك الزمان أنضج من أسنانهم — إذا اعتبرنا أبدانهم على الأقل — وقد وجدت فيما بعد تعزيزًا كثيرًا لرأيي. وشعرت وأنا أتأمل سهولة العيش والاطمئنان، أن هذا التشابه الشديد بين الجنسين هو المنتظر. ذلك أن قوة الرجل ورقة المرأة ولينها، ونظام الأسرة واختلاف الأعمال والوظائف؛ كل أولئك من الضرورات في عصر القوة المادية أو البدنية، وفي حيثما يكون الناس، كثرًا ومتوازنين، يكون الإسراف في التناسل شرًّا لا خيرًا للدولة، وفي حيثما يندر العنف ويحيا النسل آمنًا، تقل الحاجة — بل تزول — إلى الأسرة القادرة على الاضطلاع بأعبائها، ويمحى الباعث على اختصاص كل من الجنسين بعمل في سبيل الأطفال. ونحن نرى في زماننا بوادر التحول الذي تم في هذا المستقبل، وأحب أن أذكركم أن هذا هو ما جال بخاطري في ذلك الوقت، وقد وجدت بعد ذلك أنه بعيد من الواقع. وبينما كنت أفكر في هذه الأمور لفت نظري مبنى جميل صغير يشبه بئرًا تحت قبة، فاستغربت أن الآبار لا يزال لها وجود، ثم عدت إلى ما كنت أفكر فيه، وتناولت الخيوط من حيث ألقيتها، ولم تكن ثم مبان كبيرة قرب القمة، ولما كان من الواضح أن قدرتي على الصعود والتوقل خارقة للعادة، فقد تخلف عني الذين كانوا يتبعونني فصرت وحدي للمرة الأولى، فثابرت على الارتقاء في هذا الجبل، وقد شعرت بالرضى عن مغامرتي وأفادتني الحرية سرورًا، وهناك وجدت مقعدًا من معدن أصفر لم أعرفه، وكان قد تآكل في مواضع وعلاه نوع من الصدأ القرمزي وكاد يغطيه العشب، وكانت ذراعاه مصنوعتين على صورة شبيهة برأس الجريفين١ فقعدت وأجلت عيني فيما ترامى أمامي من مناظر هذه الدنيا القديمة كما تبدو في مغرب ذلك اليوم الطويل، وكان المنظر كأجمل وأحلى ما صافح عيني، وكانت الشمس قد مالت وغابت وراء الأفق الغربي فكسته ورسا مذعذعًا تشيع فيه خطوط أرجوانية وقرمزية، وهناك في الوادي نهر التيمز كأنه شريط من المعدن المصقول. وقد أسلفت الإشارة إلى القصور الكبيرة المنتثرة بين الزروع، وبعضها خرائب والبعض عامر بسكانه، وكنت أرى — هنا وهنا — تماثيل فضية في الحدائق المهملة، ورءوس مسلات وقمم قباب، ولم يكن ثم لا سور ولا سياج، ولا ما يشير إلى حق امتلاك، ولا أثر لزراعة، كأنما صارت الأرض كلها حدائق وبساتين. وشرعت وأنا أتأمل هذه المناظر أستجلي دلالتها، فخطر لي ما يأتي (وقد تبينت فيما بعد أنه نصف الحقيقة، أو لمحة واحدة منها). خيل إليّ أني أدركت الإنسانية في منحدرها، وأغراني مغرب الشمس بالظن بأن هذا أيضًا مغرب الإنسانية، وأدركت لأول مرة النتائج الغريبة للجهد الاجتماعي الذي نعالجه الآن، وهي نتائج منطقية إذا فكرت فيها فإن القوة نتيجة الحاجة، والأمن يولد الضعف، وقد بلغ العمل على تحسين أحوال الحياة وجعلها أتم أمنًا وأوفى اطمئنانًا، غايته على الأيام. وتوالت انتصارات الإنسانية المتحدة على الطبيعة، وصار ما هو الآن من الأحلام مشروعات تدبر وتعالج وتنفذ. وهذا الذي أراه هو الحصاد. وما زالت أحوالنا الصحية والزراعية اليوم في مراحلها الأولى، وما غزا العلم في زماننا هذا سوى جانب صغير من ميدان الأمراض الإنسانية وإنه، على هذا، ليوسع نطاق عمله باطراد، ونحن في باب الزراعة والفلاحة نعدم بعض الأعشاب ونستنبت طائفة من الزروع الصالحة، ولكنا ندع أكثرها يكافح في سبيل الحياة على قدر طاقته، ونؤثر بعض النبات والحيوان — وما أقل ذاك — بعنايتنا، ونحسنها شيئًا فشيئًا بالانتخاب، فتارة نخرج خوخة أحلى، وتارة أخرى نخرج عنبًا لا بذر له، وطورًا تثمر جهودنا زهرة أكبر وأجمل، وطورًا آخر أنعامًا أنفع وأصلح. ونحن نرقي هذه وتلك تدريجيًّا لأن غاياتنا غامضة، ووسائلنا تجريبية، ومعارفنا نزرة محدودة، ولأن في الطبيعة خفرًا وسذاجة. وسيجيء يوم يكون فيه التنظيم أوفى وأتم، فإن هذا هو اتجاه التيار على الرغم من خَضْرَبته واضطرابه وموج بعضه في بعض وتراكبه في جريه. وستكون الدنيا كلها ذكية، متعلمة متعاونة، وتكون خطواتنا أسرع فأسرع، في سبيل إخضاع الطبيعة، ويتسنى لنا في النهاية أن ندبر أمور الحيوان والنبات على وجه يكون أوفق لنا وأكفل بقضاء حاجاتنا الإنسانية. ولا بد أن يكون هذا الإصلاح قد تم على وجه حسن، وأصبح أمره مفروغًا منه في مسافة الزمن التي اجتازتها آلتي، فقد خلا الجو من الدويبات، والأرض من الأعشاب والفطريات، وحفلت بالفواكه اليانعة والأزاهير الزهراء، وخفقت الفراشات الزاهية الألوان هنا وهناك، وبلغ الإنسان غايته من العلاج الوقائي، فلا أدواء ولا أمراض، ولم أر أي أثر لوجود أمراض معدية، في أثناء إقامتي، وسأحدثكم فيما بعد عن الانحلال والفساد وكيف تأثرا بما حدث من التغير. ووفق الإنسان كذلك، إلى كثير من وجوه الإصلاح الاجتماعي، فرأيت الناس يأوون إلى مساكن فخمة، ويرتدون ثيابًا رائعة، ولم أر أنهم يتعبون ويكدون، فلا أثر لكفاح ولا لنضال اجتماعي أو اقتصادي. واختفى الدكان والإعلان، وانقطعت حركة التجارة التي يقوم عليها عالمنا. وكان من الطبيعي في ذلك المساء الذهبي أن تتمثل لي صورة الفردوس الاجتماعي، فقد عولجت زيادة السكان، على ما بدا لي فكفوا عن الزيادة. وجاء مع انتقال الأحوال وتغيرها ما لا بد منه من التكيف الذي تتطلبه الأحوال المتغيرة، وما هي علة الذكاء والنشاط، إذا لم يكن علم الحياة كومًا من الأغاليط؟ المعاناة والحرية — أحوال تجعل النشيط، القوي، الحاذق، يبقى، والذي هو أضعف يذهب — أحوال تستوجب التآزر المخلص، بين الأكفاء القادرين، وتقتضي ضبط النفس والجلد والحزم. وقد وجد نظام الأسرة وما ينشئه من العواطف، ويبعثه من الغيرة العنيفة، والحب للنسل، والبر الأبوي، ما يسوغه من الأخطار التي يتعرض لها الصغار. والآن أين هذه الأخطار؟ لقد بدأ الشعور، وسيقوى على الزمن، باستهجان الغيرة والأمومة العنيفة، وكل ضرب من العواطف القوية، وصارت هذه حالات لا ضرورة إليها، حالات تورثنا المتاعب وتجعل منا متخلفات وحشية، وشذوذًا ونشازًا في حياة طيبة مصقولة. وفكرت في صغر أجسام الناس، وقلة حظهم من الذكاء، وفي هذه البنى الضخمة المهجورة المتداعية، فزدت إيقانًا بأن الطبيعة قُهرت. وبعد المعركة يجيء السكون. وقد كانت الإنسانية قوية نشيطة، واستخدمت حيويتها الزاخرة في تغيير الأحوال، التي تعيش فيها، فالآن حدث رد الفعل الذي يتلو التغير. وفي هذه الأحوال الجديدة — أحوال الرغد والأمن — ينقلب النشاط المتواصل — وهو مبعث قوة لنا — ضعفًا. وحتى في أيامنا هذه نرى بعض النزعات والأهواء التي كانت لازمة للبقاء، مصدرًا ثابتًا للإخفاق؛ فالشجاعة وحب النضال مثلًا لا يعدان عونًا يستحق الذكر للإنسان المتحضر، وقد يكونان عقبة في سبيله. وحتى صارت الأحوال إلى الاتزان والأمن، فإن القوة — عقلية كانت أو بدنية — لا يبقى لها محل. وقد بدا لي أن سنين لا يأخذها الإحصاء قد انقضت بلا حرب أو خوف من حرب أو عنف، أو خطر من وحش ضار، أو مرض وبيل تحتاج مقاومته إلى قوة بدنية، أو حاجة إلى كد، وفي مثل هذه الحياة يكون من نسميهم الضعفاء مهيئين لها كالأقوياء — بل هم لم يعودوا ضعفاء — ولعلهم أصلح للحياة وأحسن تهيؤًا لها، لأن الأقوياء يعذبهم النشاط الذي لا حاجة إليه ولا متنفس له، وما أشك في أن جمال المباني التي رأيتها كان ثمرة آخر لجب في موج النشاط الإنساني الذي لم يعد لازبًا، قبل أن يوطن الإنسان نفسه على السكون إلى الأحوال الجديدة التي يحيا في ظلها، وقد كان هذا أبدًا مآل النشاط عند الاستقرار، يتحول إلى الفن والجمال، ثم يجيء الفتور، والهمود، والاضمحلال. وحتى هذا الدافع الفني يزول آخر الأمر، وقد شارف الزوال في الوقت الذي رأيته. فلم يبق من الروح الفني أكثر من الميل إلى التزين بالأزهار، وإلى الرقص والغناء، في ضوء الشمس. وسيظل هذا الميل يفتر، حتى ينقلب جمودًا مرضيًا، وإنا في عصرنا هذا لقائمون على مسن الألم والضرورة، وقد خيل إليّ — في رحلتي — أن هذا المسن البغيض قد تحطم أخيرًا. وخطر لي، وأنا واقف في الظلام الزاحف، أني اهتديت بهذا التفسير إلى الحل الصحيح لمسألة العالم، ووقفت على سر هؤلاء الناس الظرفاء. ولعل ما ابتدعوه لضبط النسل ومنع الكثرة قد جاوز الحد المنشود، فهم يتناقصون، وعسى أن يكون هذا هو السبب في كثرة المباني المتداعية المهجورة. وإنه لتعليل بسيط، قريب المتناول، ومقبول أيضًا كأكثر النظريات الخاطئة. (٧) صدمة مباغتة وبينما كنت واقفًا أفكر في هذا النصر المبين الذي ناله الإنسان طلع القمر باهتًا مقوسًا من فيض ضوء فضي في الشمال الشرقي، فانقطعت الأشخاص الصغيرة المشرقة عن الحركة في الوادي، ومرت بي بومة صامتة، وانتفضت من البرد في قُبُل الليل، فقلت أنحدر وأنظر أين أنا. وتلفت باحثًا عن البناء الذي كنت فيه، ودارت عيني إلى تمثال أبي الهول الأبيض على قاعدته البرونزية، وقد غمره نور القمر الطالع، ورأيت شجرة التامول الفضية قبالته، وشجيرات الدفلي المتوشجة الأغصان، وقد اكتست السواد في الضوء الخافت، والممشى الضيق، فرجعت بصري إلى الممشى، فخالجني شك غريب وقلت لنفسي: «كلا! ليس هذا بالممشى.» ولكنه كان الممشى الذي أعرفه، فقد كان وجه التمثال المجذوم إليه، فهل تستطيعون أن تتصوروا ما شعرت به لما عمر صدري هذا اليقين؟ ولكنكم لا تستطيعون. لقد اختفت آلة الزمان! وخطر لي، بمثل وقع السوط على أديم الوجه، أن من الممكن أن أفقد زمني، وأن أترك بلا حول أو عون في هذا العالم الجديد الغريب. وكان هذا الخاطر يورثني ألمًا بدنيًّا مبرحًا. وإني لأحسه يأخذ بمخنقتي ويحبس أنفاسي، وشاع في نفسي الخوف فانطلقت أعدو بخطوات سريعة واسعة، وعثرت مرة فوقعت على وجهي وجرحته، فلم أضيع الوقت في حبس الدم بل نهضت وذهبت أعدو، والدم الحار يسيل على وجهي ويقطر من ذقني، وكنت، وأنا أجري، أقول لنفسي: «لعلهم زحزحوها قليلًا عن الطريق وألقوا بها بين الشجر.» ولكني مع ذلك كنت أجري بكل ما فيّ من قوة، وقد كبر في وهمي أن هذا الاطمئنان حماقة، وأن الآلة قد أصبحت بعيدة عن متناولي. وكان التنفس يؤلمني، وأحسبني قطعت المسافة من ذروة التل إلى الممشى — وهي ميلان — في عشر دقائق. وإني لكهل، ولكنت ألعن الحظ وأسخط، وأنا أجري، على حماقتي إذ تركت الآلة، ورحت أصيح، ولا مجيب، وأنظر فلا أرى مخلوقًا يبدو في هذا العالم المقمر. وبلغت الممشى فكان ما خفت أن يكون، ولم أجد أثرًا للآلة، فأحسست بالضعف والبرد وأنا أجيل عيني في هذا الفضاء بين الأشجار السوداء المتشابكة. وقد طفت بها كالمجنون، لعل الآلة تكون مخبأة في ركن، ثم وقفت فجأة ويداي تشدان شعري. وكان أبو الهول يشرف عليّ من فوق قاعدته البرونزية، بوجهه الأبيض المضيء المجذوم، تحت نور القمر الطالع، وكان كأنما يبتسم ساخرًا مما أصابني. وكنت خليقًا أن أعزي نفسي بالقول بأن هؤلاء الصغار قد حملوا الآلة إلى مكان حريز، ليصونوها لي فيه، لولا أني كنت على يقين من ضعف عقولهم وأبدانهم. وهذا هو الذي أرعبني؛ الشعور بقوة غير مرتقبة اختفت بسببها الآلة التي اخترعتها. على أني كنت واثقًا من أمر واحد؛ ذلك أن الآلة ما كان يمكن أن تتحرك وتنتقل إلا إذا كان عصر آخر قد أخرج مثيلها بلا فرق. وكان نزع القضبان الرافعة يحول دون انطلاقها في الزمان — وسأريكم الطريقة فيما بعد — فهي قد تحركت وانتقلت واختفت، ولكن في الفضاء فقط. فأين يمكن أن تكون؟ وأحسب أنه أصابني مس. وأذكر أني كنت أعدو بلا وعي، فأدخل هنا وأخرج من هنا، بين الأشجار التي يضيئها القمر، حول أبي الهول وأفزع حيوانًا أبيض ظننته في الضوء الخافت غزالًا صغيرًا. وأذكر أيضًا أني كنت في الهزيع الثاني من الليل أضرب الشجيرات بقبضة يديّ، حتى جرحت عقلَهما الأغصانُ المكسورة. ثم رحت أبكي وأهذي من مرارة الألم، وأنا أمشي إلى البناء. وكانت القاعة الكبيرة مظلمة ساكنة مهجورة، فانطرحت على الأرض، فوقعت على إحدى المناضد، وكدت أكسر ساقي، فأشعلت عود ثقاب ومررت بالأستار المعفرة التي حدثتكم عنها. ووجدت قاعة كبيرة أخرى حافلة بالوسائد التي نام عليها حوالي عشرين من هؤلاء الصغار، وما أشك في أنهم استغربوا ظهوري لهم مرة أخرى، وقد دخلت عليهم فجأة من الظلام الساكن وأنا أتكلم بما لا يفهمون، وفي يدي عود مشتعل، فقد نسوا الكبريت، وشرعت أسألهم: «أين آلتي؟» وأصيح كالطفل المحنق، وأهزهم بيدي ولا بد أنهم تعجبوا لهذا، وقد ضحك بعضهم، وبدا الخوف على البعض الآخر، ولما رأيتهم وقوفًا حولي خطر لي أن أسخف ما أصنع في هذه الحالة هو أن أوقظ في نفوسهم الشعور بالخوف، فقد كان سلوكهم في النهار يدل على أنهم نسوا الخوف. فرميت عود الكبريت، ودرت لأخرج، فأوقعت أحدهم وأنا أفعل ذلك، وارتددت متعثرًا إلى القاعة الكبيرة ومنها إلى الفضاء. وسمعت صيحات الذعر، ووقع أقدام صغيرة تجري وتتعثر هنا وهناك، ولست أتذكر كل ما فعلت في تلك الليلة المقمرة، وأحسب أن ما منيت به من الخسارة التي لم تكن مرتقبة أطار عقلي، وشعرت بانقطاع صلاتي ببني جنسي، وبأني حيوان غريب في عالم مجهول. ومن المحقق أني كنت أهذي وأنا أروح وأجيء، وأصيح وأسخط على الحظ والمقادير، وأتذكر التعب المبرّح الذي انتابني، في تلك الليلة التي كان ينجاب عني ظلامها ولا ينجاب يأسي فيها، وبحثي في كل مخبأ محتمل أو غير محتمل، وتسللي بين الخرائب ولمسي مخلوقات غريبة في السواد الحالك، وارتمائي على الأرض بقرب التمثال وبكائي من الحزن والغم، حتى الغيظ من جنوني إذ تركت الآلة، ذهب عني كما ذهبت قوتي. ولم يبق لي إلا الكمد. ثم نمت، ولما استيقظت كان النهار قد ارتفع، وكان هناك عصفوران ينطان حولي على الحشيش، على مسافة ذراع. فجلست، وحاولت أن أتذكر كيف جئت إلى هنا، وما سر هذا الشعور العميق بالقنوط والوحشة، فارتسم أمام عيني ما وقع لي، وجاءت مع النهار الواضح القدرة على التدبر والنظر، فتبينت حماقتي وطيشي البارحة، وشرعت أجادل نفسي فقلت لها لنقدر الأسوأ، ولنفرض أني فقدت الآلة، وأنها تلفت، فإن عليّ أن ألتزم الهدوء، وأصطنع الصبر، وأن أتعلم أساليب هؤلاء الناس، وأن أعرف كيف أصبت بهذه الخسارة، وكيف أحصل على الأدوات والمواد والآلات اللازمة، لأصنع آلة أخرى، فما بقي لي من أمل غير هذا، ولعله أمل ضعيف، غير أنه خير من اليأس، وهذه، بعد كل ما يقال، دنيا جميلة حافلة بالغرائب. ولكن عسى أن تكون الآلة قد نقلت من مكانها، على كل حال، ينبغي أن أسكن وأصبر، وأن أبحث عنها وأستردها بالقوة أو الحيلة. واستقر عزمي على ذلك فوثبت إلى قدمي، وتلفت، وأنا أتساءل أين أستطيع أن أستحم. وكنت أشعر بالتعب، والتكسر، وأستقذر نفسي، وأغرتني صباحة النهار بنشدان الصباحة، وكنت قد استنفدت شعوري، وبلغت من ذلك مجهودي، حتى لقد صرت، وأنا ماض إلى غايتي، أتعجب لما كان من اضطرابي البارحة فنفضت الأرض، وفحصتها بعناية حول الممشى، وأضعت بعض الوقت عبثًا في الاستفسار العقيم، بما وسعني من وسائل التعبير، ممن كنت ألتقي بهم من هؤلاء الصغار، وكانوا جميعًا لا يفهمون إشاراتي، وكان بعضهم يبدو لي بليدًا جدًّا، والبعض يحسبني أمزح فيضحك، فكنت أعاني جهدًا عظيمًا في كبح نفسي عن لطم وجوههم الجميلة الضاحكة، وكان ما أهم به من ذلك خرقًا، ولكن ما أورثنيه الخوف والغيظ كان لا يزال يحتاج إلى الكبح. وأوحت إلي الأرض خاطرًا، فقد وجدت أخدودًا في منتصف المسافة بين قاعدة التمثال وبين آثار قدمي حين وصلت وعالجت النزول عن الآلة المقلوبة. وكان هناك من الآثار ما يدل على النقل؛ آثار أقدام كالتي يمكن أن يتركها من يمشي مسترخيًا متخاذلًا فلفتني هذا إلى القاعدة، وكانت — كما قلت — من البرونز، ولم تكن كتلة مفرغة، بل محلاة بألواح عميقة ذات إطارات، على الجانبين، فدنوت منها ونقرت عليها، فألفيتها فارغة الجوف، وفحصت الألواح فلم أجدها متصلة بالإطارات، ولم تكن هناك مقابض أو ثقوب، ولكن الألواح — إذا كانت ألواحًا كما خطر لي — ربما كانت تفتح من الداخل. وأصبح من الجلي فيما رأيت، والذي لا يحتاج إلى جهد عقلي كبير، أن آلة الزمان مخزونة في جوف القاعدة. أما كيف دخلت هنا، فمسألة أخرى. ورأيت اثنين في ثياب برتقالية، مقبلين بين الشجيرات وتحت أشجار التفاح المنورة، فنظرت إليهما وابتسمت، وأومأت إليهما أن أقبلا فجاءا، فأشرت إلى القاعدة وحاولت أن أفهمهما أني أريد فتحها، ولكنهما تنكرا عند أول إشارة مني إلى القاعدة، ولا أدري كيف أصور لكم تعبير وجهيهما — تصوروا أن أحدكم أشار إشارة قبيحة في حضرة سيدة محتشمة — وتصوروا كيف تكون هيئتها وحالتها! وقد مضى الاثنان عني كأنما كنت قد ذهبت في إهانتهما إلى آخر المدى. وجربت دعوة صغير آخر حلو الوجه، فلم تختلف النتيجة. ولا أدري كيف كان هذا، ولكن هيئته أخجلتني من نفسي، ولكني كنت — كما تعلمون — أريد أن أستعيد آلة الزمان، فكررت عليه بالدعوة إلى فتح القاعدة، فلما ولى عني، كما فعل الآخران، غلبني الغضب، فعدوت وراءه، وتناولت ثوبه عند العنق، وجررته معي إلى التمثال، فقرأت في وجهه الاستفظاع والاشمئزاز، فلم يسعني إلا أن أتركه. غير أني لم أنهزم، وجعلت أدق الألواح بيدي، وخيل إلي أني سمعت حركة من الداخل، وأفصح فأقول إني ظننت أني سمعت صوتًا كالضحك. ولكني كنت ولا شك مخطئًا، ثم تناولت حجرًا من النهر، دققت به اللوح حتى أتلفت رسمًا ومحوته وتساقط الصدأ ناعمًا كالدقيق، ولا شك أن هؤلاء الناس الرقاق الحساسين سمعوا ضجاتي من مسافة، ولكن شيئًا لم يحدث، وقد رأيت لفيفًا منهم على سفح التل يخالسونني النظر، ثم تعبت واستحررت، فقعدت أراقب المكان، غير أن هذا لم يطل لفرط اضطرابي، وإني لغربي لا أطيق طول التربص، وإن في وسعي أن أقضي سنين في علاج مسألة، ولكن الانتظار أربعًا وعشرين ساعة بلا عمل مسألة أخرى. ونهضت بعد قليل، ورحت أتمشى على غير قصد بين الشجيرات إلى التل مرة أخرى، وناشدت نفسي الصبر، وقلت لها: «إذا أردت أن تسترجعي هذه الآلة، فإن عليك أن تدعي هذا التمثال ولا تقربيه. ولا خير في تحطيم الألواح وإتلافها، وإذا لم يردوه إليك، فستحصلين عليه متى استطعت أن تطلبيه منهم، ومن العبث أن يعالج المرء لغزًا بين كل هذه المجهولات — هذا طريق يفضي إلى الجنون — ومن الواجب أن أواجه هذا العالم وأن أتعلم طرقه وأساليبه وأراقبه، وأن أتجنب التسرع في استكناه كنهه، وسأجد في النهاية المفاتيح لهذه المغاليق.» وتمثل لي ما ينطوي عليه موقفي من السخر؛ فقد قضيت سنوات في مكتبي أجاهد أن أجد وسيلة أمرق بها إلى هذا المستقبل، وها أنا ذا الآن أجاهد أن أنكفئ مرتدًّا عنه! وما أرى إلا أني نصبت لنفسي فخًّا ليس أشد منه تعقيدًا ولا أدعى إلى اليأس. وإني لواقع فيه ولكنه لم يسعني إلا أن أضحك، فقهقهت. وبينما كنت أجوس خلال القصر الكبير خيل إليّ أن هؤلاء الناس يتحامونني، وقد يكون هذا وهمًا، ولعل سببه راجع إلى دقي ألواح القاعدة. ولكني كنت على يقين من اتقائهم لي، بيد أني حرصت على أن لا أبدي اكتراثًا، وأن أكف عن تتبعهم. وبعد يوم أو يومين عادت الأمور إلى مجاريها، وتعلمت من اللغة ما وسعني، ولم أقصر في ارتياد الأرض، ولا أدري هل فاتتني دقائق في هذه اللغة، أم هي غاية في البساطة، فليس فيها إلا الأفعال وأسماء المحسوسات؟ فقد خيل إليّ أنه ليس فيها ألفاظ للمعاني ولا مجاز. وكنت أرى جملهم في العادة بسيطة ومكونة من لفظين، ولم أستطع أن أفهمهم أو أفهم عنهم إلا أبسط الأمور، فعزمت أن ألقي بآلة الزمان وسر الأبواب البرونزية تحت التمثال، في زاوية من الذاكرة، على أن تصبح معرفتي أتم وأوفى وأقدر على ردي إلى ذلك من طريق طبيعي. ولكن إحساسًا خاصًّا تستطيعون أن تدركوه ألزمني نطاقًا من بضعة أميال حول نقطة الوصول. (٨) شرح على قدر ما وسعني أن أرى كانت الدنيا كلها تبدي زينتها كوادي التيمز، فكنت أرى من قمة كل تل تلك الكثرة في البنى الرائعة المتنوعة المواد والأساليب، والنبات اليانع المتوشج، والشجر المثقل بالزهر والنوار، وهنا وهناك يجري الماء كالفضة، ويذهب صعيد الأرض مرتفعًا في غير استهواء حتى يغيب في الأفق. ولفت نظري على الخصوص وجود آبار مستديرة، كثير منها عميق جدًّا، وكانت إحداها على طريق الجبل الذي ارتقيت فيه أول مرة، وحافته من البرونز كغيره، وفيها صنعة، وفوقه قبة تقيه المطر. وكنت إذا جلست إلى جانب هذه الآبار ونظرت في أجوافها المظلمة لا أرى بريق ماء، وإذا أشعلت عود كبريت لا أرى لضوئه انعكاسًا. ولكني كنت أسمع من هذه الآبار كلها صوتًا غريبًا كالذي تحدثه حركة آلة كبيرة، وتبينت من اضطراب لهب الكبريت أن هناك تيارًا من الهواء مطردًا يجري في عنقها، وقد ألقيت في إحداها قصاصة من ورق فلم تخفق وتضطرب في سقوطها، بل امتُصت بسرعة وغابت عن العين. وبعد قليل بدا لي أن هناك اتصالًا بين الآبار وبين الحصون العالية القائمة على السفوح، فقد كان الهواء فوقها يرف كما يحدث عادة في يوم قائظ على الشاطئ، فخطر لي أن هناك نظامًا واسعًا للتهوية تحت الأرض تعذر عليّ تصور الغرض منه، وقد ظننت في أول الأمر أن له علاقة بالنظام الصحي، ولكني كنت مخطئًا. وهنا الموضع الذي ينبغي أن أذكر فيه أني لم أكد أر شيئًا من المصارف ووسائل النقل، وما إلى ذلك في أثناء مقامي في ذلك المستقبل الحقيقي، وقد قرأت تفاصيل مسهبة عن المباني والنظم الاجتماعية، وما هو من ذلك بسبيل في الكتب التي حلم فيها أصحابها بالمثل العليا للجماعات الإنسانية وتخيلوا فيها صور المستقبل، وهي تفاصيل يقرب منالها حينما يكون العالم كله منطويًا في خيال الإنسان، ولكنها لا سبيل إليها حين ينشدها الرحالة بين الحقائق كما وجدت بالتجربة. وتصوروا ماذا عسى أن يقص زنجي من أواسط أفريقيا بعد أن يعود إلى قبيلته من زيارة للندن! فماذا عسى أن يعرف عن شركات السكك الحديدية والحركات الاجتماعية، وأسلاك التليفون والتلغراف، وشركة تسليم الطرود، وأذون البريد وما يجري هذا المجرى؟ ولكنا نحن على الأقل نكون على استعداد لشرح هذه الأمور له. وإذا عرف الزنجي شيئًا فما مبلغ ما يصدق من وصفه صاحبُه الذي لم يسافر ولم يرحل؟ والشقة ضيقة مع ذلك بين الزنجي والرجل الأبيض في زماننا هذا، ولكنها واسعة مترامية متقاذفة، بيني وبين أبناء ذلك العصر الذهبي. وقد كنت أحس بكثير مما لا أرى، وإن كان من عوامل الراحة وأسباب الرغد، ولست أستطيع أن أنقل لكم أكثر من الوقع العام في نفسي لنظام يعمل من تلقاء نفسه. وأضرب مثلًا بالمقابر فما رأيت شيئًا يدل على وجودها أو يشير إلى وجود محارق للجثث. وقد خطر لي أنه لعل هناك محارق أو مدافن وراء ما ارتَدْتُّ من الأرض. وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي فلم أفز في أول الأمر بطائل، وحيرني الأمر، وأفضى بي ذلك إلى ملاحظة أخرى زادتني حيرة، فما رأيت بين هؤلاء الناس كهولًا أو عجزة أو مدنفين. ولا يسعني إلا أن أعترف بأن رضاي لم يطل عن نظرياتي الأولى عن المدنية اللدنية والإنسانية المنحلة. ولكنه أعياني التماس نظرية أخرى، ويحسن بي أن أعرض عليكم المصاعب التي واجهتني، ذلك أن القصور الكبيرة العديدة التي ارتدتها لم تكن سوى مساكن ليس إلا، أي قاعات كبيرة للطعام وحجرات للنوم، ولم أجد آلات ولا أجهزة من أي نوع، ومع ذلك رأيت الناس يرتدون ثيابًا حسنة النسج، ولا بد من تجديدها على الأيام، وكانت أحذيتهم أو صندلاتهم٢ على الأصح نماذج معقدة وإن كانت غير محلاة. وهذه أشياء لا بد من صنعها، ولم أر بين هؤلاء الناس مظهرًا يشير إلى النزعة الإنشائية، فلا دكاكين،٣ ولا مصانع ولا أثر لواردات، وكانوا يقضون وقتهم في اللعب برفق، وفي الاستحمام في النهر، وفي المغازلة التي تشبه اللعب، وفي أكل الفاكهة، وفي النوم. وأعياني أن أعرف كيف تسير الأمور. وثم أيضًا الحادثة التي وقعت لآلة الزمان، فقد حُملت، لا أدري كيف، إلى جوف القاعة التي يقوم عليها أبو الهول فلماذا؟ لا أعلم ولا أستطيع أن أتصور باعثًا أو طريقة. وهذه الآبار أيضًا، وهذه التيارات الهوائية، وقد أحسست وأنا أتدبر ذلك كله أنه ينقصني الاهتداء إلى مفتاح السر. وشعرت — كيف أقول؟ — لنفرض أنكم عثرتم على نقش، فيه جمل هنا وهنا بالإنجليزية الفصحى وبينها كلمات أو حتى حروف لا علم لكم بها ولا عهد؟ هذه هي الصورة التي بدت لي عليها الدنيا في اليوم الثالث من زيارتي لها في عام ٨٠٢٧٠١. وفي ذلك اليوم صار لي صديق. وشرح ذلك أني كنت أرقب بعضهم وهم يسبحون في الماء، فرأيت أحدهم قد تصلبت عضلاته وشرع يغطس، وكان التيار قويًّا، ولكنه ليس أقوى من سابح متوسط القوة، وهذا يريكم مبلغ النقص والضعف اللذين لحقا بهؤلاء الناس، ويزيد الأمر بيانًا أن أحدًا منهم لم يحاول أن ينقذ الصائح المستنجد الذي يغرق، فلما رأيت ذلك خلعت ثيابي وخضت الماء إلى حيث كانت الفتاة، وجررتها سالمة إلى الشاطئ، ودلكت لها أعضاءها قليلًا فأفاقت وسرني أنها كانت بخير حين تركتها، وقد بلغ من سوء رأيي في قومها، أني لم أتوقع منها شكرًا، ولكني كنت مخطئًا. حدث هذا في الصباح. وبعد الظهر التقيت بهذه المرأة الصغيرة، بينما كنت عائدًا من ارتيادي، إلى مركزي، فاستقبلتني بصيحات الفرح وقدمت لي باقة كبيرة من الزهر — كان من الواضح أنها جمعتها لي — لي وحدي — فوقع ذلك من نفسي، وحرك خيالي، وأحسبني كنت أشعر بوحشة. ومهما يكن من ذاك فقد حاولت جهدي أن أظهر لها اغتباطي بهديتها، وجلسنا معًا ورحنا نتحدث، بالابتسام على الأكثر. وكان تأثير مودتها في نفسي هو التأثير الذي يحدثه الطفل. وتبادلنا الأزهار، ولثمت يديّ، فلثمت يديها، ثم عالجت الكلام فعرفت أن اسمها «وينا» وبدا لي أنه اسم موافق وإن كنت لا أدري ما معناه، وكانت هذه فاتحة صداقة عجيبة ظلت أسبوعًا، ثم انتهت على ما سأحدثكم به. وكانت كالطفل في كل شيء، وكانت تحب أن تكون معي أبدًا ولا تفارقني، فهي تتبعني إلى حيث أذهب، فلما رحت أرتاد الأرض بعد ذلك آلمني أن أرهقها وأتركها أخيرًا منهوكة القوى تناديني وفي صوتها نبرات الأسف والتوجع، ولكنه كان لا بد لي من الوقوف على ما أنشد الوقوف عليه من أمور الدنيا، وحدثت نفسي أني لم أجئ إلى هذا المستقبل لأغازل فتاة مثلها، على أن حزنها لما خلفتها كان شديدًا، وكان بثها عند الفراق شديدًا، وأحسب أن تعلقها بي أتعبني بقدر ما سرني. غير أنها كانت لي رَوحًا وريحانًا، وقد حسبت أن الحب الصبياني هو الذي أغراها بي، ولم أفطن إلا بعد الأوان إلى ما كلفتها لما تركتها، بل لم أدرك — إلا بعد الأوان — منزلتها عندي، فقد كانت تبدو محبة وامقة لي، وكانت تظهر لي بطريقتها العقيمة أنها معنية بي، فلم تلبث هذه اللعبة الصغيرة أن أكسبت عودتي إلى التمثال وما حوله، ما يشعر به المرء حين يرجع إلى بيته، فصرت أتطلع وأتشوف باحثًا عن جسمها الدقيق كلما رجعت من الجبل. ومنها أيضًا عرفت أن الخوف لم يزايل العالم، وكانت لا تهاب شيئًا في النهار، وكانت ثقتها بي أتم ما يكون، وقد غضبت مرة فتوعدتها بإشارة، فضحكت، ولكنها كانت تخاف الظلمة، وتخشى الظلال، وتفزعها الأشياء السوداء، وكان الظلام أشد ما يرعبها، وكان خوفها هذا من القوة بحيث أغراني بالتفكير والملاحظة، فوجدت أن هؤلاء القوم يتجمعون في البيوت الكبيرة بعد دخول الليل وينامون زرافات وأسرابًا. وكان مجرد الدخول عليهم بغير ضوء يزعجهم ويخيفهم، وما رأيت قط أحدًا منهم خارج الأبواب في الليل، أو نائمًا وحده في البيت، ولكني كنت أغبى من أن أفقه درس هذا الخوف، وأصررت على الرغم من حزن وينا على النوم وحدي بمعزل عن هذه الجماعات الراقدة. وكان هذا مني يزعجها ويقلقها، ولكن حبها لي تغلب آخر الأمر على خوفها، فكانت في الليالي الخمس التي ترافقنا فيها — وفي جملتها الليلة الأخيرة — تنام إلى جانبي متخذة من ذراعي وسادة. ولكني أراني أستطرد عن الموضوع في الليلة التي سبقت إنقاذها، استيقظت في الفجر وكنت مضطربًا، أحلم بأني غرقت وأن شقائق الماء تمسح وجهي بغلائلها ونواراتها الرقيقة، فقمت من النوم فزعًا وقد خيل إليّ أن حيوانًا انطلق خارجًا من الغرفة، وعالجت النوم مرة أخرى، ولكني كنت قلقًا لا استقرار لي ولا راحة، وكانت تلك هي الساعة التي تزحف فيها الأشياء خارجة من الظلام، ولا لون لها ولا حقيقة وإن كانت واضحة المعالم، فنهضت ومضيت إلى القاعة الكبيرة ومنها إلى المقاعد الحجرية أمام البيت، وخطر لي أن أتخذ من الضرورة مزية فأشهد طلوع الشمس. وكان القمر يغيب، وسواد الليل يختلط ببياض النهار، وكانت الأشجار سوداء كالحبر، والأرض عليها الظلال، والسماء لا لون لها ولا بهجة، وخيل إلي، وأنا فوق التل، أني أرى أشباحًا، ووقعت عيني ثلاث مرات، وأنا أديرها فيما حولي، على أشخاص بيض، وبدا لي — مرتين — أني رأيت مخلوقًا أبيض على هيئة القرد يصعد في الجبل بسرعة، وبصرت مرة بعدد منهم يحملون جسمًا مظلمًا، وكانوا يغذون الخطى، ولا أدري أين ذهبوا به فقد اختفوا بين الأشجار، ولم تكن الظلمة قد انجابت، ولا النهار طلع، وأحسست بالبرد والقلق وغير ذلك مما يشعر به المرء في البكرة الندية. وشككت في قدرة عيني على الرؤية. وانبلج الفجر، وطلع النهار، وأفاض نوره على الدنيا مرة أخرى فرميت ما حولي بنظرة فاحصة، غير أني لم أر أثرًا للأشخاص البيض، فما كانوا إلا من مخلوقات الخيال في الطفل، وحدثت نفسي أن هؤلاء لا بد أن يكونوا أشباحًا، وتمنيت لو دريت من أين جاءت ومن أي عصر خرجت؟ وخطرت لي فكرة لجرانت اللّان فقد قال: إذا كان كل جيل يموت يترك في الدنيا أشباحه، فإن الدنيا خليقة أن تكتظ بهم، وعلى هذا الحساب يكون عددهم قد صار لا يحصى بعد ثمان مائة ألف سنة، فغير مستغرب أن أرى أربعة منهم في وقت معًا، ولكن هذا المزاح لم يرقني، فظللت أفكر في هذه الأشخاص طول الصباح حتى أنسانيهم إنقاذي للفتاة وينا. وخطر لي أن لعل لهم صلة بذلك الحيوان الأبيض الذي أزعجته في أول بحثي عن آلة الزمان. وكانت وينا نعم العوض عن هؤلاء، ولكنهم، على هذا، كان مقسومًا لي أن يستولوا على نفسي ويستحوذوا على خاطري. وأظن أني قلت لكم إن الجو في هذا العصر الذهبي أدفأ من جونا، وأشد حرارة، ولا أستطيع أن أعلل ذلك، فلعل الشمس كانت أحمى، أو الأرض قد صارت أدنى إلى الشمس، ونحن قد ألفنا السكون إلى الرأي القائل بأن الشمس ستقل حرارتها باطراد في المستقبل، ولكن الذين لا اطلاع لهم على نظريات رجال من أمثال داروين الصغير ينسون أن الكواكب لا بد أن ترجع في آخر الأمر إلى أمها ومصدرها، ومتى حدثت هذه الكوارث زادت الشمس إشراقًا وتوهجًا بما يضاف إليها ويتجدد منها، ولا يبعد أن يكون أحد الكواكب قد صار إلى هذا المصير، ومهما يكن من ذاك فإن الحقيقة باقية، وهي أن الشمس في هذا المستقبل البعيد أحمى منها في زماننا. ففي صباح يوم قائظ — اليوم الرابع فيما أظن — كنت أنشد ظلًّا أتفيؤه من وقدة الحر في خرابة ضخمة قريبة من البيت الذي آكل فيه وأنام، فوقع لي حادث غريب؛ ذلك أني كنت أخطو فوق أكوام الأنقاض فوجدت دهليزًا ضيقًا سدت نهايته ونوافذه الجانبية كتل الأحجار الواقعة، وكان الظلام في هذا الدهليز لا تنفذ فيه العين في أول الأمر بالقياس إلى النور الساطع في الخارج، فكنت أتحسس طريقي لأن الانتقال من النور إلى الظلمة جعل ومضات خافقة من النور تسبح أمام عيني، ثم وقفت فجأة وقد أذهلني ما رأيت فقد كانت هناك عينان براقتان تراقباني. وخامرني الخوف الغريزي القديم من الوحوش، فتقبضت كفاي ورحت أحدق في هاتين العينين اللامعتين. وكنت أخاف أن أدور على عقبي، ثم خطر لي أن الإنسان في هذا العصر يعيش في ظل الأمن المطلق، ثم عدت فتذكرت فزع القوم من الظلام، واستطعت أن أغالب خوفي وأن أقهره إلى حد ما، فتقدمت خطوة وتكلمت، وأعترف أن صوتي كان أجش، وغير متزن، ودفعت يدي فلمست شيئًا طريًّا، فتحولت نظرة العينين وصارت عن عرض، وانطلق جسم أبيض يعدو إلى جانبي، فدرت وقلبي في فمي، فرأيت مخلوقًا غريبًا كالقردة، ورأسه مثنيٌّ على صدره، يجري ويقطع المسافة التي كان عليها الضوء، وتعثر واصطدم بحجر، وتطرح ثم اختفى في ظل كوم من الأنقاض. ولم يتسع الوقت لتأمله، ولكني أذكر أن بياضه لم يكن ناصعًا، بل أقرب إلى السمرة، وأن عينيه كانتا حمراوين داكنتين، وعلى رأسه وظهره شعر كالكتان. ولكنه، كما قلت، كان أسرع من أن يتسنى لي تدبره فلست أستطيع حتى أن اقول إنه كان يجري على أربع، أو على اثنتين فقط، وبعد أن وقفت لحظة التمسته بين الأنقاض التي اختفى في ظلها، فأخطأته في أول الأمر ولكني بعد قليل وقعت على ما يشبه فوهة بئر من هذه الآبار التي حدثتكم عنها وقد سد نصفها عمود وقع عليها، فدار بنفسي أن لعل الحيوان انحدر من فوهة البئر، فأشعلت عود الكبريت وصوبت عيني إلى عنق البئر فرأيت حيوانًا أبيض يتحرك، وعيناه البراقتان تنظران إليّ وهو يتقهقر. فسرت في بدني رعدة، فقد كان منظره أشبه بعنكبوت بشري. وكان ينزل على جدار البئر، فرأيت لأول مرة مواضع للقدم واليد على جدار البئر كأنها درجات سلم. ولسعت نار الكبريت إصبعي فسقط ما بقي من العود وانطفأ، فلما أشعلت عودًا آخر كان الحيوان قد اختفى. ولا أدري كم من الوقت قضيت وأنا أحدق في هذه البئر. وظللت وقتًا لا أستطيع أن أقنع نفسي بأن هذا المخلوق الذي أبصرته، آدمي. غير أن الحقيقة ما لبثت أن طالعتني؛ لم يعد الإنسان نوعًا واحدًا، بل صار نوعين، وحيوانين متميزين، فهؤلاء الأطفال الرشيقون الذين رأيتهم ليسوا النسل الوحيد لجيلنا، فإن هذا المخلوق القذر الذي يأوي إلى الظلام والذي لمع كخطف البرق أمامي، وارث كل العصور أيضًا. وعاد بي التفكير إلى نظرية التهوية تحت الأرض، وبدا لي أني اهتديت إلى الصواب، ويا ترى ما محل هذا الحيوان في النظام التام الاتزان والتكافؤ الذي ذهبت إلى وجوده؟ وما صلته بجمال أبناء الدنيا الآخرين الذين يعيشون عيشة الكسل؟ وماذا تخبئ هذه الآبار؟ وقعدت على فوهة البئر وقلت لنفسي إنه ليس ثمة ما يدعو إلى الخوف، وأن النزول في البئر هو وحده الذي يحل لي المعضلات. ولكني مع ذلك كنت أتهيب الإقدام على ذلك! وبينما كنت أتردد، وأقدم رجلًا وأؤخر أخرى، أقبل اثنان من أبناء الأرض الفوقية يعدوان من النور إلى الظل وهما يلعبان ويتغازلان، وكان الذكر يجري وراء الأنثى ويرميها بالزهر. وبدا عليهما الامتعاض لما رأياني، وأبصرا ذراعي على العمود المقلوب وعيني تحدق في جوف البئر، والظاهر أنه ليس من اللائق عندهم أن يجعل المرء باله إلى هذه الآبار. فقد أشرت إلى البئر وحاولت أن ألقي عليهما سؤالًا يلفتهما فازداد امتعاضهما وأولياني ظهرهما. ولكنه سرهما أن يريا عود الكبريت يشتعل، فأشعلت لهما بضعة عيدان لأسرهما، وحاولت مرة أخرى أن أسألهما عن البئر، فأخفقت ثانية، فتركتهما وفي نيتي أن أجد وينا وأن أرى ماذا أستطيع أن أستخلصه منها، وكان عقلي يدور ويدور، وظنوني وآرائي تنزلق وتتحول إلى اتجاه جديد، فقد صار عندي الآن مفتاح لسر هذه الآبار ولأبراج التهوية، وللأشباح التي تراءت لي، فضلًا عن دلالة الألواح البرونزية ومصير آلة الزمان. وبدأ يدور في نفسي شرح للمسألة الاقتصادية التي حيرتني. وهذا هو الرأي الجديد، هذا النوع الثاني من الإنسان يسكن باطن الأرض، وقد مالت بي ثلاثة أمور على الخصوص إلى الاعتقاد بأن ندرة ظهوره فوق ظهر الأرض نتيجة لطول اعتياده الحياة في جوفها. وأول هذه الأمور تلك النظرة المعهودة في أكثر الحيوانات التي تعيش في الظلام مثل السمكة البيضاء في كهوف كنتكي. وثانيها كبر العين واتساع حدقتها وقدرتها على عكس الضوء، وهي من خصائص الحياة في الظلام؛ تأملوا القط والبومة مثلًا. وآخرها ذلك الاضطراب الذي يعرو الحيوان في ضوء الشمس، والارتباك والمبادرة إلى الهرب إلى سواد الظل، وثني الرأس حين يكون في النور؛ كل أولئك أقنعني بأن الحدقة حساسة جدًّا. فلا بد أن تكون الأرض تحتي حافلة بالسراديب التي صارت مألوف النوع الإنساني الجديد، وكفى بوجود الآبار وأساطين التهوية على سفوح التلال — وفي كل مكان إلى جانبي النهر — دليلًا على تشعب هذه السراديب وشيوعها، ومن الطبيعي إذن أن يفترض المرء أنه في هذه الدنيا التحتية الصناعية يؤدي كل عمل يحتاج إليه النوع الذي يعيش في النور. وقد أخذت بهذا الرأي الذي بدا لي أنه معقول وذهبت بعد ذلك أتصور كيف تم انقسام النوع الإنساني، وأحسبكم قد فطنتم إلى نظريتي وإن كنت أنا نفسي ما لبثت أن رأيتها أبعد ما تكون من الصواب. وقد بدا لي في أول الأمر أن من الواضح أن اتساع مسافة الخلف الاجتماعي والوقتي بين الرأسماليين والعمال في عصرنا هذا هو مفتاح السر في هذا الذي انتهى إليه الأمر. وأنتم حريون أن تسخروا من ذلك وتنكروه وتأبوا تصديقه، ولكنه حتى في عصرنا هذا يوجد من الأحوال ما يشير إلى هذا الاتجاه، فإن هناك ميلًا إلى استخدام جوف الأرض فيما لا يدخل في باب الزينة من مظاهر المدنية، فهناك الخط الحديدي الذي يجري تحت الأرض في لندن، وثم أيضًا خطوط حديدية كهربائية، وطرق، وحجرات للعمل، ومطاعم، وهي تزداد وتتعدد. وقد خطر لي أن هذا الميل إلى الانتفاع بباطن الأرض قد قوي على الأيام حتى فقدت الصناعة مكانها تحت قبة السماء وانطوت في جوف الأرض. وأعني أنها انتقلت إلى باطن الأرض وتغلغلت فيه إلى أن انتهى الأمر بأن … حتى الآن في عصرنا هذا ألسنا نرى العامل في الحي الشرقي من لندن يشتغل في أحوال تكاد تحول بينه وبين سطح الأرض؟ وتأملوا بعد ذلك نزعة الأغنياء — وهي راجعة ولا ريب إلى زيادة الصقل في تربيتهم، واتساع المسافة بينهم وبين خشونة الفقراء وعنجهيتهم — فإنهم يسوّرون مساحات عظيمة من الأرض ليصدوا عنها غيرهم. فحول لندن، مثلًا، نرى حوالي النصف من رقعة الأرض الجميلة مقصورة على أصحابها لا يدخلها سواهم، وهذا الجون الذي يزداد اتساعًا — وهو يرجع إلى طول ما يستغرقه التعليم العالي من الزمن وكثرة ما يتطلبه من نفقات، وسهولة ما تغري به عادات الترف — أقول إن هذا الجون يقلل التبادل بين طبقة وطبقة، ويعطل ارتقاء الواحد منها إلى الأخرى بالتزاوج، ويجعله أندر. وأخلق أن ينتهي الأمر بأن يعيش فوق ظهر الأرض المالكون، وأن يطلبوا اللذة والراحة والجمال، وأن يقنع بباطن الأرض المعدمون، وأن يتكيف العمال شيئًا فشيئًا على مقتضى الأحوال التي يعملون فيها، ومتى صاروا في جوف الأرض، فسيكون عليهم بلا شك أن يؤدوا أجرًا — غير قليل — في مقابلة التهوية لكهوفهم وغيرانهم، فإذا أبوا أُميتوا جوعًا أو اختناقًا بما تأخر عليهم من الأجر، وأخلق بالتعساء والمتمردين منهم أن يموتوا، ثم يعتدل الميزان، ويألف الباقون أحوال المعيشة تحت الأرض وينعمون بها كما يألف الآخرون المعيشة فوقها. ومن أجل هذا كان الجمال المصقول، والشحوب والكمدة٤ من النتائج الطبيعية فيما أرى. وصار لانتصار الإنسانية العظيم الذي كنت أحلم به صورة أخرى عندي، فما كان فوزًا للتربية الأخلاقية والتعاون العام كما كنت أتخيل، بل رأيت بدلًا من ذلك أرستقراطية حقيقية مسلحة بالعلم، وصلت بالنظام الصناعي الحاضر إلى غايته المنطقية، ولم يكن هذا انتصارًا على الطبيعة وحدها، بل عليها وعلى الإنسان معها. ويجب أن أذكر أن هذه كانت نظريتي في ذلك الوقت، فما كان لي مرشد يدلني ويهديني، وعسى أن أكون مخطئًا، ولكني ما زلت أعتقد أني مصيب. وحتى إذا سلمنا بهذا الرأي وأخذنا به، فإن من الجلي أن هذه المدنية المتوازنة قد جاوزت الذروة من زمان طويل، وذهبت في الانحدار مسافة طويلة. فقد أفضى الأمن التام بالأعلين إلى الانحطاط البطيء فتضاءلت أجسامهم وقواهم، وذكاؤهم، وكان هذا من أوضح ما شهدت، أما ما كان من أمر الأسفلين فقد كان ينقصني أن أعرفه، على أن ما رأيته من هؤلاء المورلوخ — وهذا هو الاسم الذي يطلق عليهم — حملني على القول بأن تطورهم كان أعمق من تطور النوع العلوي، ذلك النوع الجميل الذي عرفته. ثم ساورتني الشكوك المتعبة: لماذا أخذ المورلوخ آلة الزمان؟ فقد كنت واثقًا من أنهم هم الذين أخذوها. ولماذا لا يستطيع «العلويون» — إذا كانوا هم السادة — أن يردوا عليّ آلتي؟ وما سر خوفهم الشديد من الظلام؟ وذهبت أستفسر من «وينا» عن هذا العالم السفلي، فخاب أملي، ذلك أنها لم تفهم أسئلتي في بداية الأمر، فلما فهمتها أبت أن تجيبني. وراحت تنتفض وترعد، كأن الموضوع مما لا يحتمل، فلما ألححت عليها بكت — وكانت دموعها بعد دموعي هي الوحيدة التي رأيت عينًا تذرفها في ذلك العصر الذهبي — فكففت عن السؤال عن السفليين، وصار همي أن أزجر عينها عن البكاء، وأن أعفيها من مظاهر ميراثها الإنساني، فما لبثت أن ضحكت وصفقت، بينما كنت أنا أشعل عود كبريت. (٩) المورلوخ — أو — السفليون قد تستغربون أني تركت يومين يمضيان قبل أن أقتفي الأثر الجديد، بالطريقة الصحيحة، ولكن الحقيقة أني كنت أنفر من هذه الأجسام الشاحبة؛ فقد كان لها ذلك اللون المربد الكميد الذي نراه في الديدان والأجسام المحفوظة في الكحول في متاحف الحيوان. يضاف إلى ذلك أنها كانت باردة الملمس قذرة، وعسى أن يكون نفوري منها راجعًا في الأكثر إلى لطف تأثير العلويين، الذين بدأت أدرك دواعي اشمئزازهم من السفليين. ولم يكن نومي هنيئًا في الليلة التالية، ولعل ذلك لاضطراب صحتي، وقد ألحت عليّ الحيرة والشكوك، وخامرني — مرة أو مرتين — خوف شديد لا أعرف له باعثًا، وأذكر أني تسللت بلا صوت، إلى القاعة الكبرى التي كان العلويون الصغار نائمين فيها في ضوء القمر — وكانت وينا في تلك الليلة بينهم — وقد اطمأن قلبي بوجودهم. وخطر لي حتى في ذلك الحين أن القمر سيدخل في المحاق بعد بضعة أيام، فتسود الليالي، وتعم الظلمة، وتبرز هذه المخلوقات السفلية الكريهة. وكنت في هذين اليومين أكابد من القلق ما يكابده من يعالج أن يدفع واجبًا لا مهرب منه، وكنت على يقين من أنه لا سبيل إلى استرداد آلة الزمان إلا بالإقدام على كشف الأسرار المحجوبة في جوف الأرض. ويا ليتني كان معي رفيق! إذن لاختلف الحال جدًّا، ولكني كنت مستفردًا مستوحشًا، وكان يهولني أن أنحدر إلى ظلام هذه السراديب. وقد تستطيعون أن تفهموا شعوري، أو لا تستطيعون، ولكني أعترف لكم بأني ما كنت أشعر بالأمن والطمأنينة. وكان هذا القلق وقلة الاطمئنان هما الباعث، على الأرجح، على الإبعاد في طوافي لارتياد ما حولي، وقد مضيت جنوبًا بغرب إلى الهضبة التي تسمى الآن «كوم وود» فأبصرت على مسافة بعيدة، وفي اتجاه «بانستيد» مبنى ضخمًا أخضر لا يشبه شيئًا مما رأيته إلى الآن، فقد كان أكبر من أكبر القصور أو الخرائب التي عرفتها، وكانت واجهته شرقية الطراز، تشبه في لمعتها ولونها الأخضر الباهت بعض المواعين «الصينية»، فأوحى إلي اختلاف المنظر أنه مجعول لغاية أخرى مختلفة، ونازعتني نفسي أن أمضي على سنني حتى أتبين ولكن المغيب كان قد دنا، وكنت قد بلغت هذا الموضع الذي أرى منه البناء بعد لفة طويلة مضنية، فعزمت أن أرجئ الارتياد إلى اليوم التالي وعدت إلى وينا الصغيرة وحفاوتها بي، وملاطفاتها لي، غير أني في الصباح أدركت على أوضح صورة أن شوقي إلى استطلاع كنه هذا القصر «قصر الصيني الأخضر» ليس إلا مظهرًا لمغالطة النفس وصرفها، يومًا آخر، عما أتهيب الإقدام عليه، فآليت لأنزلن إلى السراديب بلا تلكؤ، وذهبت إلى بئر قديمة من خرائب الصوان والألومنيوم. وكانت وينا تعدو معي، وترقص إلى جانبي حتى بلغت البئر، فلما رأتني أنحني على فوهتها وأنظر فيها اضطربت، فقلت لها: «وداعًا يا وينا الصغيرة.» ثم وضعتها على الأرض، وشرعت أتحسس جوانب الفوهة باحثًا عن خطاطيف السلم. وأعترف أني كنت أفعل ذلك بسرعة، فقد كنت أخشى أن ينضب معين شجاعتي، وكانت وينا في أول الأمر ترقبني وهي ذاهلة، ثم أطلقت صيحة جزع وأقبلت علي تجذبني بيديها الصغيرتين، وما أظن إلا أن اعتراضها سبيلي قواني، وجعل عزمي أصح على المضي، فنفضتها عني بشيء من العنف، وبعد لحظة كنت في عنق البئر، وقد رأيت وجهها وما ارتسم عليه من الجزع والألم، ولكنها تبسمت لي تطمئنني. ثم اضطررت أن أصوب عيني إلى ما تحتي لأرى مواقع رجلي على السلم القلق الذي تعلقت به. وقد انحدرت مسافة مائتي ذراع تقريبًا. وكان ذلك بواسطة قضبان معدنية ناتئة من جوانب البئر، ولما كانت هذه مجعولة لمن هم أدق أجسامًا، وأخف وزنًا، فقد أتعبني النزول، ولم يقتصر الأمر على التعب، فقد انثنى أحد القضبان فجأة تحت ثقلي، فكاد ذلك يلقيني في الهوة السوداء، وقد تعلقت لحظة بإحدى يدي، ولم أعد أجترئ بعد هذه التجربة على التماس الراحة وأنا أنزل، وآلمني ظهري وذراعي جدًّا، ولكني تجلدت وثابرت على الهبوط بأسرع ما أستطيع، وصعدت طرفي فرأيت الفوهة، ورقعة صغيرة من السماء الزرقاء ونجمًا فيها، وكان رأس وينا الدقيق يبدو كأنه نتوء أسود مستدير، وصار صوت آلة تدور في ناحية ما أعلى وأقوى، وأثقل على النفس، وكان كل شيء ما خلا تلك الرقعة الصغيرة في السماء حالك السواد، فلما صعدت عيني مرةً أخرى كانت وينا قد اختفت. وكنت في عذابٍ غليظ من قلة الراحة، وطاف برأسي أن أصعد وأترك هذا العالم السفلي، ولكني كنت وأنا أفكر في هذا أواصل النزول. وأخيرًا رأيت — وتشهدت حين فعلت — إلى اليمين، وعلى بعد قدم واحدة، فجوة صغيرة في الحائط، فدخلت فيها فألفيتها تفضي إلى سرداب ضيق أستطيع أن أنطرح فيه وأستريح، ففعلت ولما أكد، فقد ألح الألم الذي في ظهري، وصار ظهري يوجعني، وكنت أرعش من طول الخوف من السقوط، زيدوا على ذلك أن الظلمة الطاغية التي لا ينسخها شيء أورثت عيني وجعًا شديدًا، وكان الجو يدوي فيه ضربان الآلة التي تمص الهواء من عنق البئر. ولا أدري كم بقيت هكذا، ولكن الذي أدريه أني أفقت على يد طرية تلمس وجهي، فنهضت جالسًا في الظلام، ودفعت يدي إلى حيث الكبريت، وأشعلت عودًا فرأيت ثلاثة من السفليين — على صورة الذي رأيته في الخرابة من قبل — حانين عليّ، فلما أضاء النور ذهبوا يتراجعون أمامه بسرعة، وكانت عيونهم لطول ما ألفوا العيش في هذه السواد الحالك كبيرة حساسة، تعكس الضوء. ولم يخالجني شك في أنهم كانوا يرونني في هذا الظلام الذي لا ينفذ إليه شعاع واحد من النور، ولم يكن يبدو عليهم أنهم يخشون مني شيئًا سوى هذا النور، وما كدت أشعل عودًا حتى لاذوا بالفرار وولوا الأدبار إلى السراديب المظلمة التي كانت عيونهم تطالعني منها بالوميض الغريب. وحاولت أن أدعوهم إلي، لكن لغتهم كانت، على ما يظهر، غير لغة العلويين، فتركني هذا بغير عون يرجى منهم، فجرى ببالي أن أهرب وأرتد إلى حيث كنت ولا أُعَنِّي نفسي بالارتياد، ولكني قلت لنفسي «لا بد مما ليس منه بد» وتحسست طريقي في السرداب، فصار صوت الآلة أعلى، ثم تباعدت الجدران فدخلت في رقعة فسيحة، وأشعلت عودًا، فإذا بي في كهف واسع ذي عقود، يغيب آخره في ظلام لا يخففه النور الضئيل الذي معي، فلم أر منه إلا بقدر ما يضيء العود. ولا أحتاج أن أقول إن ما أذكره قليل الوضوح، فقد كانت تتمثل لي صور ضخمة غامضة لآلات كبيرة، وتلقي ظلالًا سودًا عظيمة كانت تلوذ بها أشباح السفليين من وهج الضوء. وكان المكان محبوس الهواء ثقيل الوطأة على الصدر، وكنت أشم رائحة خفيفة لدم مراق حديثًا، وكان في الوسط منضدة صغيرة من معدن أبيض وعليها طعام. ومهما يكن من أمر السفليين فإنهم على كل حال من أكلة اللحوم! وحتى في ذلك الوقت أتذكر أني سألت نفسي يا ترى أي حيوان كبير هذا الذي اقتطع منه هذا الفخذ الأحمر الذي أراه؟ وكان كل شيء غامضًا؛ الرائحة الثقيلة، والصور الكبيرة التي لا يتضح لها معنى، والأشباح القذرة التي تلوذ بالظلام وتتربص بي! ثم فني العود، فلسع أصابعي، وسقطت بقيته المضطرمة في الظلام. وقد تمثلت لي، بعد ذلك، ضآلة عدتي لمثل هذه التجربة، فقد ركبت آلة الزمان، وأنا أعتقد أن أبناء المستقبل لا بد أن يكونوا قد تقدمونا جدًّا في كل باب، فرحلت بغير سلاح، وبدون دواء، وبلا سجاير — ولشد ما افتقدت الطباق! — بل حتى بغير الكفاية من الكبريت. أما لو كانت معي آلة تصوير (كوداك)؟ إذن لوسعني أن ألقط صورًا للعالم السفلي في ثانية، ثم أتدبرها وأفحصها فيما بعد على مهل. ولكنه لم يكن معي هناك من السلاح والقوة إلا ما حبتني الطبيعة — اليدان، والقدمان، والأسنان — وأربعة عيدان من الكبريت كانت باقية معي. وكنت أخاف أن أمضي في طريقي بين كل هذه الآلات في الظلام، وأشفت ذخيرتي من الكبريت على النفاد، ولم يخطر لي قط من قبل أن بي حاجة إلى الاقتصاد فيها، فبددت نصف علبة لأدهش العلويين الذين لا يعرفون النار. والآن صار كل ما بقي معي أربع علب. وبينما كنت واقفًا في الظلام لمستني يد، وتحسست وجهي أصابع نحيفة، وشممت رائحةً كريهة، وخيل إليّ أني أسمع تنفس جمهرة من هذه المخلوقات الفظيعة حولي، وأحسست أن علبة الكبريت التي في يدي تنزع مني برفق، وأن أيديًا أخرى ورائي تجذب ثيابي. ولم يكن أثقل على نفسي من الشعور بأن هذه المخلوقات المحجوبة تفحصني وتجسني، وراعني أني أجهل أساليب تفكيرهم وعملهم، فصحت بهم بأقوى صوت، ففزعوا وتفرقوا عني، ثم شرعوا يقتربون مرةً أخرى، وزادوا جرأة في اللمس والتحسس وراحوا يتهامسون فيما بينهم بأصوات منكرة فسرت في بدني رعدة، وصرخت فيهم مرةً ثانية، فلم يذعروا هذه المرة كذعرهم من قبل، ولم يجفلوا، بل ندت عنهم أصوات غريبة وأقبلوا عليّ، وأعترف أني خفت، وعزمت أن أشعل عودًا وأن ألوذ بالفرار على ضوئه. وأشعلت العود، وووقيت لهبه برقعة أخرجتها من جيبي، وانكفأت إلى السرداب الضيق، وما كدت أبلغه حتى انطفأ العود، فسمعت السفليين في الظلام يعدون ورائي، ولهم مثل صوت الريح بين الشجر ووقع المطر على الأرض. وقبضت عليّ أيدٍ كثيرة، ولم يخالجني شك في أنهم يريدون أن يردوني إلى حيث كنت، فأشعلت عودًا آخر وحركته أمام وجوههم المروعة، ولا أكاد أتصور مبلغ خلوها من السمات الإنسانية — هذه الوجوه الشاحبة التي ليس على عوارضها شعر، ولا لعيونها الواسعة جفون — وهي تحدق فيّ مذهولة وقد أعماها النور. ولكني لم أتلكأ أو أتمهل، بل تقهقرت مرةً أخرى، ولما انطفأ العود الثاني أشعلت ثالثًا وكاد ينتهي حين بلغت المنفذ إلى عنق البئر، فانطرحت على الحافة لأن صوت الآلة الماصة أدار رأسي، ثم دفعت يدي باحثًا عن خطاطيف السلم، وإذا بالقوم يتناولون رجلي ويجذبونني بشدة، فأشعلت آخر عود معي، فانطفأ … ولكن يدي كانت على القضبان الآن، فرقت بعنف، وتخلصت من قبضة هؤلاء السفليين، وذهبت أصعد بسرعة وهم ينظرون إليّ، ما خلا واحدًا منهم تبعني مسافة وكاد يسلبني حذائي ويعود به غنيمة له! وكان الصعود، فيما أحس، لا ينتهي، وجشأت نفسي ونهضَتْ في المرحلة الأخيرة، وكابدت عناءً شديدًا، وكاد يعييني أن أظل قابضًا بيدي على القضبان ولم آل جهدًا في مقاومة اضطراب النفس وضعفها، وكانت رأسي تدور ويعتريني الإحساس بالسقوط. وأخيرًا خرجت من البئر وتطرحت بين الأنقاض إلى نور الشمس. وارتميت على وجهي. وكانت رائحة الأرض جميلة نظيفة، وأتذكر أن وينا أقبلت عليّ، تلثم راحتيّ وأذنيّ، وكنت أسمع أصوات أناس غيرها من العلويين، ولكني غبت عن وعيي لحظة. (١٠) في الليل صار خطبي فيما أرى أدهى، فقد كنت من قبل — فيما خلا ما أورثنيه فقد آلة الزمان من الألم — أتشبث بالرجاء في النجاة آخر الأمر، ولكن ما وقفت عليه رجني وزعزع أملي. وكان ظني أنه لا يعوقني غير السذاجة الصبيانية التي رأيتها في هؤلاء القضاف٥ وأن تخطي الموانع لا يكلفني إلا أن أعرف ما أجهل من العوامل، ولكن هؤلاء السفليين عنصر جديد لم يكن لي في حساب، عنصر سوء وشر ليس فيه شيء من صفات الإنسانية، فأحسست لهم بالمقت. وكنت أشعر بما يشعر به المرء إذا وقع في جب، وكان همي هذا الجب وكيف أخرج منه. أما الآن فقد صرت كالحيوان الذي وقع في شرك، وسرعان ما يخف إليه صائده. وقد يدهشكم العدو الذي خفته، فما كان إلا ظلام الليلة الأولى من الشهر الجديد٦ وكانت وينا هي التي أوحت إليّ هذا الخوف بما قالته — وإن كنت لم أفهمه — عن الليالي المظلمة. ولم يكن من العسير علي الآن أن أخمن ما عسى أن تجيء به الليالي السوداء. وكان القمر يدخل في المحاق، فالعتمة في كل ليلة تجيء، أطول. وقد فهمت إلى حد ما سبب الخوف الذي يعتري هؤلاء العلويين الصغار من الظلام. وتمنيت لو عرفت ماذا عسى أن يرتكب هؤلاء السفليون من الخسة والأسواء في مطلع الشهر الجديد. وصرت موقنًا أن نظريتي الثانية خطأ في خطأ. ولعل العلويين كانوا فيما مضى هم السادة والطبقة الأرستقراطية المفضلة، على حين كان السفليون خدمهم وخولهم. ولكن هذا عهد مضى وانقضى وصار النوعان اللذان أثمرهما تطور الإنسان على الأدهار يمضيان — أو عسى أن يكونا قد انتهيا — إلى حال جديدة وعلاقة أخرى، فالعلويون قد انحطوا فصاروا عبثًا جميلًا ليس إلا، وما زال لهم ملك الأرض، ولكن على التسامح، لأن السفليين الذين ألفوا باطن الأرض من أحقاب مديدة أصبحوا لا يطيقون ظهرها المضيء، وقد استخلصت أن السفليين يصنعون لهم ثيابهم، ويمدونهم بحاجاتهم المألوفة، ولعلهم يجرون على ذلك بحكم العادة القديمة كما يضرب الجواد الأرض بحافره، أو كما يلتذ الإنسان قتل الطريدة حين يخرج للصيد، لأن ضرورات عتيقة تركت أثرها في كيان المخلوق. ولكن النظام قد انقلب، وأخذ يوم الحساب والعقاب يدلف من هؤلاء الصغار الرقاق. ولقد استطاع الإنسان قبل آلاف من الأجيال أن يدفع أخاه الإنسان عن نور الشمس ونعيم العيش. فالآن يرتد هذا الأخ المدفوع، وقد تغير، ولقد شرع العلويون يتعلمون من جديد درسًا قديمًا، فقد بدأوا يعرفون الخوف مرةً أخرى. وطافت برأسي فجأة وأنا أفكر في هذا ذكرى اللحم الذي رأيته في العالم السفلي، وكان من المستغرب أن أتذكر ذلك، فما أثاره تداعي الخواطر، ولا أدى إليه تيار التفكير، بل خطر الأمر كأنه سؤال يلقى علي من الخارج، فحاولت أن أتذكر صورة اللحم، وخُيل إليّ أن فيه شيئًا مألوفًا، ولكني لم أستطع أن أعرف في ذلك الوقت ماذا هو. ومهما يكن من أمر هؤلاء الصغار وعجزهم حيال ما يخافون فإن شأني غير شأنهم، وأنا ابن عصري، وثمرة شباب الإنسانية، فالخوف لا يشل المرء، والأسرار الخفية لا تفزع. وأنا، على الأقل، سأدافع عن نفسي. ولم أضيع وقتًا، فعزمت أن أصنع لنفسي أسلحة، وأن أتخذ حصنًا أنام فيه. ومتى صار الحصن قاعدةً لي فإنه يسعني أن أواجه هذا العالم العجيب بشيءٍ من الاطمئنان الذي أفقدنيه إدراكي لأي ضرب من الخلائق أتعرض ليلةً بعد ليلة. وشعرت أن من العسير أن أنام بعد ذلك ما لم أكن في أمان منهم. وارتعدت وأنا أذكر كيف فحصوني. وذهبت بعد الظهر أتمشى في وادي التيمز، فلم أجد شيئًا يصلح في رأيي أن يكون معقلًا، فقد كانت المباني والأشجار كلها لا تعيي متسلقين حذاقًا كهؤلاء السفليين، وكفى بآبارهم شاهدًا. ثم تذكرت البروج العالية في قصر الصيني الأخضر وجدرانه المصقولة اللامعة، فلما كان المساء حملت وينا على كتفي كما يُحمل الطفل، وذهبت أصعد في التل في اتجاه غربي جنوبي. وكانت المسافة — فيما أقدر — سبعة أميال أو ثمانية، ولكني وجدتها أقرب إلى ثمانية عشرة. وكنت قد رأيت القصر أول مرة في المساء والضباب، فالأبعاد تخدع. وكان عقب حذائي قد تخلخل. وكان في النعل مسمار، فصرت أظلع. فلما صرت على مرأى من القصر كان النهار قد ولى، فصار القصر أسود أمام الشفق. وكانت وينا قد سرها جدًّا أني حملتها، ولكنها بعد قليل طلبت أن أحطها عن كاهلي، وراحت تجري بجانبي، وتعرج يمينًا وشمالًا، لتقطف لي أزهارًا تدسها في جيوبي. وكانت جيوبي هذه مبعث حيرة لوينا، وأخيرًا هداها التفكير إلي أنها نوع شاذ من الزهريات، أو هي، على الأقل، صارت تتخذها لوضع الزهر فيها. وهذا يذكرني … فقد وجدت وأنا أغير سترتي … (وأمسك الرحالة في الزمن، ودس يده في جيبه، وأخرج زهرتين ذابلتين وضعهما، بلا كلام، على المائدة. ثم وصل ما انقطع من حديثه.) وسكن الليل، وواصلنا الإصعاد في التل في اتجاه وملبدن فتعبت وينا، وأرادت العودة. ولكني أشرت إلى بروج القصر وأفهمتها بطريقة ما أننا سنجد فيه معاذًا مما يخيفها. وأحسبكم تعرفون ذلك السكون الذي يشمل الدنيا قبل الغسق؟ حتى النسيم يقف، في الشجر، وما زلت أرى في هذا السكون معنى الانتظار، وكانت قبة السماء صافية، بعيدة، فارغة، فيما خلا بضعة خطوط أفقية في حيث غربت الشمس، وقد اكتسى ما أتوقع في تلك الليلة، ثوب الخوف والحذار، فصارت حواسي في ذلك السكون المظلم مرهفة، وكان يخيل إلي أني أحس أن الأرض التي أطؤها بقدمي، مجوفة، محفورة، بل أكاد أرى من خلال قشرتها هؤلاء السفليين يذهبون ها هنا وها هنا متربصين، حتى يجيء الظلام، وخيل إلي أنهم سيعدون تطفلي عليهم في سراديبهم بمثابة إعلان للحرب عليهم. ولماذا أخذوا آلة الزمان؟! وهكذا مضينا في هذا السكون، وانتقلنا من الشفق إلى العشوة، وغابت الزرقة الصافية، وبرزت النجوم واحدًا بعد واحد، وخفيت معالم الأرض، واحلولكت الأشجار، وزادت مخاوف وينا، وتحلل بها التعب، فحملتها بين ذراعي، وذهبت أحدثها وألاطفها، فلما طخطخ الظلام طوقت عنقي بذراعيها، وأغمضت عينيها، وأراحت خدها على كتفي، وانحدرنا، ونحن هكذا إلى واد،ٍ وجئنا إلى جدول صغير خضته إلى الناحية الأخرى من الوادي، مارين بعددٍ من المساكن وتمثال بلا رأس، وكانت هناك أشجار سنط، ولم أر أحدًا من السفليين ولكنا ما زلنا في أول الليل، وأمامنا ساعات حالكة قبل أن يطلع القمر القديم. ورأيت من ذروة التل التالي غابة كثيفة، فترددت فما بدا لي آخر لها، إلى اليمين أو إلى اليسار. وأحسست بالتعب — وبالحفى في قدمي خاصة — فأنزلت وينا عن كتفي، وقعدت على الخضرة. وكنت لا أرى القصر من مكاني فشككت في النهج الذي أنا ناهجه، أهو مستقيم أم أعوج؟ ونظرت إلى الغابة الملتبسة، وفكرت فيما عسى أن يكون مخبوءًا فيها، ومتى دخل المرء تحت هذه الغصون المتوشجة، فإن النجوم تغيب عنه، وحتى لو أنه لا خطر كامن فيها — خطر أبيت أن أطلق لخيالي العنان فيه — فإنه يبقى التعثر بالأعواد والاصطدام بالشجر، وكنت قد تعبت جدًّا بعد الذي تجشمته في النهار فقلت أتقي الغابة، وأقضي الليل على التل. وسرني أن وينا كانت مستغرقة في النوم، فلففت عليها سترتي وجلست إلى جانبها أنتظر طلوع القمر، وكان جانب التل ساكنًا مهجورًا. ولكني كنت من حين إلى حين أحس بحركة من ناحية الغابة. وكانت النجوم تومض وتتلامح فوقي، فقد كان الليل ساجيًا، والسماء صافية، فكنت أجد في ذلك أنسًا وروحًا، على أن العقود القديمة قد ولت، وأعادت نظمها في صور جديدة تلك الحركة البطيئة التي لا تحس في مائة عمر إنساني، ولكن نهر المجرة بقي على العهد به فيما بد لي. ورأيت في ناحية الجنوب — فيما رجحت — نجمًا أحمر مشرقًا لا أعرفه، وهو أبهر من الشعرى. وكان هناك بين هذه الأضواء البراقة كوكب ثابت النور رقيقه، كأنه وجه صديق قديم. وقد تضاءلت همومي، وأنا أنظر إلى هذه النجوم، وخفت أثقال الحياة الأرضية، وفكرت في الأبعاد المهولة لهذه النجوم، وفي دلوفها البطيء من الماضي المجهول إلى المستقبل المجهول، وفي دورة الاستقبال التي يصنعها القطب الأرضي، وكيف أن هذه الدورة الصامتة لم تحدث سوى أربعين مرة في كل هذه السنين التي قطعتها، وفي خلال هذه الدورات القليلة زال وامحي من الوجود كل النشاط، وكل التقاليد، والنظم المعقدة، والأمم واللغات والآداب والآمال، بل زالت ذكرى الإنسان كما عرفته. وجاء هؤلاء الضعاف الذين نسوا أسلافهم الأماجد، وهذه المخلوقات البيضاء التي أمشي منها على حذر. ثم فكرت في الفزع الذي يفصل ما بين النوعين، فتبينت لأول مرة معنى اللحم الذي رأيته، فسرت في بدني رعدة، ونظرت إلى وينا الراقدة بجانبي، ومحياها الأبيض، وكأنه النجم تحت النجوم، فجاهدت حتى نفيت هذا الخاطر من رأسي. وظللت ذلك الليل الطويل أصرف ذهني عن التفكير في السفليين على قدر ما يسعني ذلك، وأتسلى بأن أحاول أن أتصور أني أرى ما يدل على وجود العقود والمنظومات القديمة في الاضطراب السماوي الجديد، وقد ظلت السماء صافية، ولم يغشها إلا سحابة رقيقة. ولا شك أني كنت أغفي من حين إلى حين، ولما تقضى الليل إلا أقله، ظهر غشاش في الأفق الشرقي، كأنه انعكاس نار لا لون لها، وطلع القمر هزيلًا مقوسًا، وفي بياضه كدرة، ومن ورائه بلجة الفجر. وكان شاحبًا في أول الأمر ثم احمر وسطع. ولم يقترب منا أحد من السفليين، ولم أر منهم واحدًا فوق التل في تلك الليلة، وأعاد اليوم الجديد ما كان ضاع من الاطمئنان والثقة، فخيل إلي أن مخاوفي لم يكن لها موجب، فنهضت فإذا قدمي الذي انفصل كعب حذائها قد ورم رسغها، وصار عقبها يؤلمني، فقعدت ثانيةً، وخلعت حذائي ورميته. وأيقظت وينا، وانحدرنا إلى الغابة التي صارت خضراء زهراء، بعد أن كانت في الليل سوداء مخوفة. ووجدنا ثمارًا أفطرنا عليها، وما لبثنا أن التقينا بكثير من العلويين يضحكون ويرقصون في نور الشمس، كأنما لم يعد لليل في هذه الحياة وجود، ففكرت مرةً أخرى في اللحم الذي رأيته ولم يبق عندي شك في أمره، وأدركني العطف القوي على هذا الجدول الآخر الضعيف من فيض الإنسانية العظيم. ولا شك أنه حدث في الماضي السحيق من عهد انحطاط الإنسان أن عانى السفليون القحط، وعسى أن يكونوا قد اقتاتوا الجرذان وما إليها، وحتى في عصرنا هذا نرى الإنسان أقل عناية بطعامه واقتصارًا على لون واحد من أي قرد، وليس كرهه للحم البشري براجع إلى غريزة عميقة القرار وهكذا صار أبناء الإنسان الذين فقدوا الصبغة والصفات الإنسانية … وحاولت أن أنظر إلى الأمر نظرةً علمية، وهم على كل حال أقل إنسانية وأنأى من أجدادنا المستوحشين الذين عاشوا قبل ثلاثة آلاف من السنين أو أربعة آلاف وقد ذهب الذكاء الذي كان خليقًا أن يحيل هذه الحالة عذابًا غليظًا، ولماذا أعني نفسي؟ إنما هؤلاء العلويون أنعام مسمنة، يتحفظ بها، ويفترسها السفليون، ولعلهم يعنون بتربيتها وتوليدها، وهذه وينا ترقص إلى جانبي! وحاولت أن أقي نفسي ما يهجم عليها من الاستفظاع، بأن أعد هذا جزاءً وفاقًا للأثرة الإنسانية، فقد كان الإنسان راضيًا قانعًا بأن يعيش في رغد وهناءة بفضل العمل الذي يتجشمه أخوه الإنسان، وقد اتخذ من «الضرورة» كلمة سر وعذرًا، فالآن تدور الدائرة عليه، ويلزمه «أخوه» حكم الضرورة! وقد حاولت أن أتكلف مثل احتقار «كارليل» للأرستقراطية المتداعية التعيسة، ولكن هذه النظرة كانت مستحيلة. فمهما يكن مبلغ الانحطاط العقلي الذي صار إليه العلويون، فإن مسحتهم الإنسانية التي احتفظوا بها تستدر عطفي وتجعلني شريكًا في انحطاطهم وفي خوفهم. ولم أكن في ذلك الوقت على بينة من النهج الذي أنهجه، وكان همي الأول أن أجد ملجأ أحتمي به، وأن أصنع ما يسعني صنعه من السلاح؛ من المعدن أو الحجر. وكان هذا أمرًا لا يحتمل الإرجاء، وكنت أرجو أن أهتدي إلى وسيلة أوقد بها نارًا ليكون في يدي هذا السلاح، فليس أمضى منه في مكافحة السفليين. وكنت أرى أيضًا أن أدبر وسيلة لكسر ألواح البرونز تحت قاعدة التمثال. وخطر لي المنجنيق، وكنت مقتنعًا بأني حري إذا اقتحمت هذه الألواح ومعي نور أن أجد آلة الزمان وأنجو. ولم أستطع أن أتصور أن يكون السفليون من القوة ومتانة الأسر بحيث يسعهم أن يبعدوا بآلة الزمان، أما وينا فآليت أن أكر بها راجعًا إلى زماننا. وقد أدرت هذه الخواطر في نفسي، وأنا أمضي على سنني إلى القصر الذي آثرت أن ألجأ إليه وأعوذ به. (١١) قصر الصيني الأخضر وجدت قصر الصيني الأخضر — لما شارفته حوالي الظهر — مهجورًا متهدمًا. ليس في نوافذه إلا بقايا زجاج، وقد سقطت ألواح كبيرة من الواجهة الخضراء فظهر إطارها المعدني المتآكل. وهو يذهب في الهواء فوق مرج، وأدهشني — وأنا أتأمله قبل الدخول — أن أرى خليجًا أو خورًا حيث أظن أن «وندسورث» و«بترسي» كانتا فيما مضى. ففكرت — وإن كنت لم أتتبع هذا الأمر — فيما عسى أن يكون قد حدث أو ما لعله يحدث للأحياء المائية. وتبينت بعد الفحص أن المادة التي صنع منها القصر هي «الصيني» ورأيت على ظاهرها كتابة بلغة مجهولة، وخطر لي — لجهلي — أن وينا ربما استطاعت أن تترجم لي هذا، فإذا «الكتابة» لم تجر لها قط في بال! وكانت تبدو لي دائمًا أجزل حظًّا من الإنسانية مما كانت، وأحسب أن هذا راجع إلى أن عاطفتها إنسانية. ووجدنا وراء مصراعي الباب — الذي كان مفتوحًا ومحطمًا — بدلًا من القاعة المألوفة، دهليزًا طويلًا يدخل إليه النور من نوافذ عديدة على الجانبين، فأذكرتني النظرة الأولى بالمتاحف، وكان البلاط مغطى بطبقة من التراب، وكذلك ما كان هناك من الأشياء. ثم رأيت النصف الأسفل من هيكل عظمي كبير قائمًا في وسط القاعة، وأدركت من هيئة القدمين المنحرفتين أنهما لمخلوق منقرض، وكانت الجمجمة والعظام العليا ملقاة في التراب الكثيف، وقد أتى ماء المطر الذي رشح من السقف على بعضها. ورأيت في موضع آخر من الدهليز هيكلًا ضخمًا للبرونتوسوروس فصح عندي أن هذا متحف، فملت إلى جانب، فألفيت ما خيل إلي أنه رفوف مائلة، فأزلت عنها التراب فوجدت الصناديق الزجاجية المألوفة في زماننا، ومن الواضح أنها محكمة لا ينفذ إليها الهواء فقد كان بعض محتوياتها سليمًا. نحن إذن بين آثار عهد متأخر من عهود كنسنجتون الجنوبية، وهذا هو قسم المتحجرات، ولا شك أنه كان فيه معرض بديع من البقايا العضوية المتحجرة، وإن كان الفساد الذي أرجئ زمنًا ما، والذي فقد — بفضل انقراض الجراثيم وما إليها — تسعة وتسعين في المائة من قوته، قد أخذ يدب في هذه الكنوز مرةً أخرى، ببطءٍ شديد، ووجدت هنا وهنا، آثارًا من هؤلاء الأناسي الصغار في صورة بقايا عظام مكسرة أو منظومة في خيوط على أعواد. وقد نُقِلَت الصناديق جملة في بعض الحالات — نقلها السفليون في رأيي — وكان المكان ساكنًا، والتراب الكثيف يمنع أن يكون لخطواتنا صوت، وكانت وينا تدحرج على رف الزجاج المائل، حيوانًا بحريًّا، ثم ارتدت إلي وأنا أجيل عيني فيما حولي، وتناولت يدي في سكون، ووقفت إلى جانبي. وأدهشني في أول الأمر هذا الأثر القديم المتخلف من عصر مثقف، فلم أفكر في الاحتمالات التي يعرضها علي عقلي، بل لقد فتر اشتغال بالي بآلة الزمان. وكانت ضخامة القصر توقع فيّ الروع أنه أكثر من متحف للبقايا العضوية ولعل فيه متاحف تاريخية، بل ربما كانت فيه مكتبة، وكان هذا — في الأحوال الحاضرة — أمتع لي وأولى بعنايتي فذهبت أرود المكان فوجدت دهليزًا آخر قصيرًا، وكان هذا مقصورًا، على ما يظهر، على المعادن، وكانت فيه كتلة من معدن الكبريت أخطرت البارود ببالي، ولكني لم أجد ملح البارود، ولا نترات من أي ضرب. ولا شك أنها ذابت من زمانٍ طويل، ولكن معدن الكبريت تشبث بعقلي، وأغراني بفكرة، أما سائر ما كان في هذا القسم من المتحف، فلم أعبأ به، وإن كان — بالقياس إلى غيره — في حالةٍ جيدة. ولست إخصائيًا في المعادن، فانحدرت إلى جناح خرب محاذ للدهليز الأول وكان هذا مفردًا، على ما يظهر، للتاريخ الطبيعي، ولكن كل ما فيه كان قد زالت معارفه، وكانت هناك آثار قليلة مما كان؛ حيوانات محنطة محشوة، وأعضاء جافة في أوعية كان فيها كحول، وتراب نباتات عفى عليها الزمن، وهذا كل ما بقي! وقد أسفني هذا فقد كان يسرني أن أتتبع المراحل البطيئة المتعاقبة التي انتهت إلى التغلب على الطبيعة الحية. ثم انتقلنا إلى قاعة مهولة الأبعاد ولكن الضوء فيها كأسوأ ما يكون، وكانت أرضها مائلة قليلة، وكنت أرى كرات مدلاة من السقف — كثير منها محطم — فالمكان إذن كان يضاء بالكهرباء أو ما إليها، وكانت هذه القاعة أقرب إلى نفسي، وأشبه بمألوفي، فقد وجدت فيها على الجانبين آلات كبيرة، وكانت كلها متآكلة، وكثير منها مكسر، ولكن البعض على جانب من السلامة. وأنتم تعرفون كلفي بالآلات، وقد نازعتني نفسي أن أتلكأ هنا، وشوقني إلى البقاء أن هذه الآلات لها متعة الألغاز والأحاجي، وإن كنت لا أستطيع أكثر من تخمين الغرض منها وما كانت مجعولة له. وخُيل إليّ أني لو استطعت أن أحل هذه الألغاز فإني حري أن أفيد قوة تنفعني في مغالبة السفليين. ولصقت بي وينا فجأةً حتى لأفزعتني، ولولاها لما فطنت إلى أن أرض القاعة منحدرة، وكان الطرف الذي دخلت منه فوق سطح الأرض، وكان الضوء يؤدي إليه من روازن، وكلما تقدمت في الردهة علت الأرض وظهرت من النوافذ، حتى لا ينفذ من الضوء إلا خيط ضئيل. فسرت على مهل وأنا أعالج ألغاز الآلات، واستغرقني التفكير فلم ألاحظ أن الضوء يقل شيئًا فشيئًا، حتى لفتني خوف وينا، فرأيت عندئذٍ أن الردهة تُلف من طرفها هذا في ظلامٍ دامس فترددت، ثم أدرت عيني، فرأيت أن التراب أخف، وأن سطح الأرض أقل استواءً. ورأيت أمامي آثار أقدام صغيرة فتجدد شعوري بقرب السفليين مني، ودار بنفسي أني أضيع وقتي بهذا الفحص العلمي للآلات، وذكرت نفسي بأن العصر قريب، وأنا ما زلنا بغير سلاح أو مأوى، وأنه ليس عندنا ما نوقد به نارًا. وإذا بي أسمع من ناحية الظلام البعيد نفس الأصوات التي سمعتها في البئر والسرداب. فتناولت يد وينا، ثم خطر لي خاطر، فتركتها وقصدت إلى آلة يبرز منها قضيب شبيه بما يكون في صناديق الإشارة، ووثبت إلى الدرجة، وتناولت القضيب بكلتا يدي، وملت عليه بكل ما في من قوة. ورأت وينا أنها صارت وحدها في وسط الردهة فأنشأت تنشج، وكان تقديري لقوة القضيب دقيقًا، فما لبث أن نزع من مكانه، فعدت إلى وينا ومعي حديدة هي فوق الكفاية لفلق يافوخ من عسى أن ألاقي من السفليين، وأقول الحق إني كنت أشتهي قتل بعضهم، وقد تذهبون إلى أن مما ينافي الإنسانية أن يشتهي المرء قتل نسله! ولكنه كان من المستحيل أن يخالج المرء شعور إنساني فيما يتعلق بهؤلاء. وما صدني عن مواصلة السير في الردهة وقتل هؤلاء الوحوش الذين سمعت أصواتهم إلا كراهتي لترك وينا، وأن آلة الزمان قد يصيبها تلف إذا ذهبت أشفي غليلي وأروي ظمئي من دماء هؤلاء. خرجت من هذه الردهة، والحديدة في يد، ووينا في اليد الأخرى، إلى ردهةٍ أخرى أكبر منها، أذكرتني النظرة الأولى إليها معرضًا عسكريًّا علقت على جدرانه أعلام مهلهلة، وعرفت من الخرق والرقع الحائلة أنها بقايا كتب. وكانت قد فسدت من زمانٍ طويل وتمزقت وتخرقت وامحى منها كل أثر للكتابة، ولكنه كان هنا وهنا ألواح معوجة، ومشابك معدنية مكسورة، تقص على الناظر إليها قصتها، ولو كنت أديبًا لفكرت في عبث الطموح، ولكن الذي كان له أعمق وقع في نفسي هو ما يشهد به هذا الورق الذي عاث فيه الفساد وشاع، من العبث الشديد. وأعترف أني كنت أفكر في ذلك الوقت على الأكثر في «العمليات الفلسفية» وفي رسائلي السبع عشرة عن البصريات الطبيعية. وارتقينا في سلم عريض فبلغنا ما لعله كان متحفًا للكيمياء ولم أكن أرجو أن أعثر على شيءٍ نافع. وكان المتحف سليمًا فيما خلا جانبًا منه انقض عليه سقفه فدرت بكل صندوق سليم، وأخيرًا وجدت في صندوق محكم علبة كبريت! فجربتها، فألفيتها لا تزال صالحة، وليس بها أثر للرطوبة، فالتفت إلى وينا وصحت بها بلغتها «ارقصي!» فقد صار معي سلاح ماض أقاوم به هؤلاء السفليين الذين نخافهم. وهكذا — في ذلك المتحف المهجور، وعلى بساط التراب الكثيف — رحت أرقص وأغني وأدخل على نفس وينا سرورًا عظيمًا، وكانت الرقصة خليطًا من رقصات شتى، ولكن بعضها مبتكر، فإني كما تعلمون، نزاع إلى الاختراع. وما زلت أرى أن نجاة هذه العلبة من الكبريت من الفساد على الرغم من بقائها ما لا يحصى من السنين، كان من أغرب ما رأيت، ومن أسعد ما وقع لي. على أني عثرت على مادة كان بقاؤها أضأل في الاحتمال وأبعد في الإمكان — وأعني بها الكافور — وجدته في وعاء مختوم وقد ظننت في أول الأمر أنه شمع البارافين فكسرت الوعاء، ولكن رائحة الكافور لا سبيل إلى الغلط فيها أو خلطها بسواها. وقد استطاعت هذه المادة الطيارة أن تبقى وسط هذا الفساد العام عدة آلاف من القرون، وقد هممت أن أرميها، ولكني تذكرت أنها سريعة الاحتراق وأن لهبها قوي صاف — فهي تصلح أن تكون شمعة بديعة — فدسستها في جيبي، ولكني لم أجد مفرقعات، ولا شيء غيرها أستطيع به تحطيم الألواح البرونزية في قاعدة التمثال. وكانت الحديدة التي معي أنفع ما وقعت عليه إلى الآن، غير أني مع ذلك غادرت هذه القاعة مسرورًا. ولا أستطيع أن أسرد عليكم كل ما كان في ذلك المساء، فإن ذلك يتقاضاني جهدًا كبيرًا لتذكر طوافي في هذا القصر كما حدث، وأتذكر أني دخلت دهليزًا طويلًا فيه أسلحة شتى صدئة، فترددت بين الحديدة التي معي، وبين فأس أو سيف، وكنت لا أستطيع أن أحمل آلتين، فآثرت الحديدة لأنها فيما رجوت أخلق بأن تكون أجدى علي حين أعالج بها ألواح البرونز. وكان هناك عدد من المدافع والمسدسات والبنادق، وأكثرها عبارة عن كتل من الصدأ، ولكن كثيرًا منها مصنوع من ضرب من المعدن جديد، وفي حالة جيدة، غير أن الرصاص أو البارود الذي لعله كان هناك قد صار ترابًا. ورأيت ركنًا مسودًّا مهدمًا، من جراء انفجار، على ما بدا لي، من بعض هذه النماذج. ورأيت في مكانٍ آخر معرضًا كبيرًا للأصنام، من بولينزيا والمكسيك وفينيقيا واليونان، ومن كل قطر على الأرض فيما أرى. ولم أستطع أن أكبح نفسي فكتبت اسمي على أنف صنم من أمريكا الجنوبية راقني على الخصوص. وقل اهتمامي بهذه المتاحف مع انحدار الشمس إلى المغيب، وكنت أنتقل من متحفٍ إلى آخر، وما فيها إلا ما هو معفر صامت، وخرب في الأغلب، والآثار فيه كوم من الصدأ والفحم، وفي بعضها رأيت على كثب مني نموذج منجم قصدير، وإذا بي أعثر في صندوق محكم القفل على قطعتين من الديناميت، فصحت: «وجدتها!» وكسرت الصندوق وبي من السرور ما لا يوصف. ثم خالجني شك فترددت، ثم اخترت قاعة صغيرة وقمت بتجربة. وما أعرفني منيت قط بمثل هذه الخيبة في أملٍ لي، وأنا أنتظر خمس دقائق، ثم عشرًا، ثم خمس عشرة، أن يحدث الانفجار الذي يأبى أن يحدث! وقد كان ينبغي أن أدرك أنها زائفة، ولو كانت صحيحة لكان الأرجح فيما أعتقد أن أندفع إلى التمثال وأنسفه هو وقاعدته وألواح البرونز التي عليها، وأملي أيضًا — كما ظهر — في الوصول إلى آلة الزمان، فأمحو كل ذلك محوًا. وبعد ذلك — على ما أذكر — وصلنا إلى صحن داخل القصر فاسترحنا وأنعشنا أنفسنا، ولما قاربنا المغرب شرعت أفكر في أمرنا، وكان الليل يزحف علينا، وما زلت أنشد ملجأ أتحصن فيه، ولكن هذا لم يعد يقلقني فقد كان معي أمضى سلاح أدافع به عن نفسي؛ الكبريت! وكان معي الكافور أيضًا إذا احتاج الأمر إلى نار تشعل، ورأيت أن خير ما نصنع هو أن نقضي الليل في الهواء الطلق على ضوء نار، وفي الصباح أحاول استرداد آلة الزمان. وما كان معي ما أستعين به على ذلك غير قضيب الحديد، ولكني زدت معرفة فاختلف شعوري بهذه الأبواب البرونزية، وكنت إلى الآن أتقي أن أقتحمها عنوة، من أجل ما عسى أن يكون مخبوءًا وراءها. ولم تكن الأبواب فيما أحس متينة جدًّا، فرجوت أن يكون القضيب الذي معي وافيًا بالحاجة. (١٢) في الظلام خرجنا من القصر، وما زال جانب من قرص الشمس فوق الأفق الغربي وكنت قد آليت أن أكون عند التمثال في فجر اليوم التالي، وأن أجتاز الغابة التي صدتني البارحة، قبل الغسق، وكانت خطتي، أن أغذ السير فأقطع أكثر ما يسعني قطعه في تلك الليلة ثم أوقد نارًا وأنام في حمى وهجها، ومن أجل ذلك جمعت وأنا أسير ما وجدت من الأعواد والحطب والعشب الجاف فصار على ذراعي حملٌ كبير من ذلك، فصار سيري أبطأ مما كنت أتوقع لثقل ما أحمل، وكانت وينا قد أدركها التعب، وكنت أنا أيضًا أشعر بالحاجة إلى النوم، وأعاني تفتيرها للجسد، فجنح الليل قبل أن نبلغ الغابة، وكانت وينا تؤثر أن تبقى على السفح المعشوشب لخوفها من مواجهة العَتَمة، ولكن شعورًا غريبًا بكارثة يوشك أن تحل بنا — وكان ذلك ينبغي أن يكون نذيرًا لي — دفعني إلى المضي في السير، وكنت لم أذق النوم ليلة ونهارين، فكنت لهذا محمومًا مضطربًا، وأحسست بالنوم يهجم عليّ، ومعه السفليون. وبينما كنت مترددًا رأيت بين الشجيرات السوداء وراءنا ثلاثة أشخاص رابضين، ولكنهم غير واضحين في هذا السواد، وكان العشب مرتفعًا حولنا، فلم آمن زحفهم علينا وقتلهم لنا، وقدرت أن يكون بيننا وبين الغابة دون الميل، فإذا استطعنا أن نجتازها إلى التل العلوي وراءها فإن الأرجح أن نكون هناك في أمان من المخاوف، وحدثت نفسي أن في وسعي أن أنير طريقي في الغابة بما معي من الكبريت والكافور، ولكني أضطر إلى التخلي عما جمعت من الحطب إذا أنا ذهبت ألوح بعيدان الكبريت المشعلة، فوضعت حملي عن ساعديّ، وخطر لي أن أذهل متعقبيّ بإيقاد النار، وقد تبينت فيما بعد مبلغ جنوني في هذا العمل ولكنه بدا لي في وقته حركةً ذكية لستر رجوعنا. وأحسبكم لم تفكروا قط في ندرة النار في مكان معتدل الجو وليس فيه إنسان، فإن حرارة الشمس يندر أن تكون من القوة بحيث تحرق، حتى ولو جمعتها قطرات الندى كما يحدث أحيانًا في الأقاليم الاستوائية. وقد يصعق البرق ويسود ولكنه قلما يحدث حريقًا، وقد يدخن النبات الفاسد من حرارة ما به من التخمر، ولكن هذا قلما يحدث لهبًا، وقد أدى الانحطاط إلى نسيان فن إيقاد النار على الأرض، فلما أضرمتها كانت الألسنة الحمراء التي ارتفعت إلى كوم الحطب شيئًا جديدًا غريبًا في نظر وينا. وقد أرادت أن تذهب إليها وتلعب بها، وأعتقد أنها كانت خليقة أن ترمي نفسها عليها وتلقي بها فيها لولا أن رددتها وكبحتها. وقد تناولتها فحملتها، ومضيت على سنني إلى الغابة، على الرغم من مقاومتها، وكان وهج النار يضيء لي الطريق مسافة، ورجعت البصر فرأيت من خلال الشجر أن اللهيب امتد من كوم الحطب إلى بعض الشجيرات القريبة، وأن خطًّا متقوسًا من النار يزحف إلى الحشيش على التل، فضحكت ورددت لحظي إلى الأشجار السوداء أمامي، وكان السواد حالكًا فلصقت وينا بي، ولكنني بعد أن ألفت الظلام استطعت أن أرى طريقي بين الشجر، وكانت الظلمة طاغية فوق رأسي إلا في حيث كانت تبدو رقع من السماء الزرقاء هنا وهنا، ولم أشعل كبريتًا لأن يدي كانتا مشغولتين، فقد كنت أحمل وينا على ساعدي الأيسر، وكان في يمناي قضيب الحديد. وظللت شيئًا لا أسمع إلا صوت تقصف الأعواد تحت قدمي، وخشخشة الشجر إذ يصافحه النسيم، وإلا أنفاسي ونبض عروقي في أذني، ثم خيل إليّ أني أسمع وقع أقدام حولي، فواصلت السير غير عابئ، وزاد الصوت وضوحًا وسمعت نفس الأصوات الغريبة التي كنت سمعتها في السراديب، فلم يبق شك في أن حولي كثيرين من السفليين وأنهم يطبقون علي، وشعرت بعد دقيقة بشيء يجذب سترتي، ثم ذراعي، فسرت الرعدة في بدن وينا، ثم قرت وسكنت. وكان هذا هو وقت الكبريت، ولكن إشعاله يضطرني أن أضع وينا ففعلت، ودفعت يدي في جيبي، فشعرت بعراك عند ركبتي، وكانت وينا صامتة، لا تنبس، وكان السفليون يلغطون، وذهبت أيديهم الصغيرة الطرية تتحسس ظهري وتلمس عنقي، ثم اشتعل العود، فمددت به يدي، ورأيت ظهورهم البيضاء وهم يعدون بين الشجر، وأسرعت فأخرجت شيئًا من الكافور وتهيأت لإضرام النار فيه حين يشفي العود على الخمود. ثم صوبت عيني إلى وينا وكانت ممسكةً بساقي، لا تتحرك، ووجهها إلى الأرض، ففزعت، وانحنيت عليها، وكانت لا تكاد تتنفس، فأشعلت النار في الكافور ورميت به على الأرض، فما تناثر وارتفع لهبه، ورد السفليين، ونسخ الظلال، ركعت ورفعت وينا، وكانت الغابة حولي كأن فيها همسًا وحركة من جمهور كبير. وكانت وينا كالمغمى عليها، فحملتها على كتفي برفق ونهضت لأمضي، وإذا بي أفطن إلى حقيقة مزعجة. ذلك أني وأنا أعالج الكبريت ووينا، درت عدة مرات فلم أعد أدري في أي اتجاه أنا ماض، وعسى أن أكون منكفئًا إلى القصر، فتصببت عرقًا، وكان يجب أن أفكر بسرعة وأن أستقر على رأي فيما ينبغي أن أصنع، فعزمت أن أوقد نارًا وأن أبقى حيث أنا، فوضعت وينا — وكانت لا تزال مغشيًّا عليها — وشرعت أجمع العيدان وأوراق الشجر قبل أن يخمد الكافور، وكانت عيون السفليين تومض، من هنا وهنا، في الظلام المحيط بي، كالعقيق أو الجمر. وهب لسان النار من الكافور ثم همدت، فأشعلت عودًا وبينما كنت أفعل ذلك فر اثنان كانا يدنوان من وينا، وأعمى أحدهما النور حتى لقد ارتمى عليّ، فأحسست بعظامه تُطحن من قوة اللكمة التي سددتها إليه، فشهق شهقة جزع، وتطرّح قليلًا ثم خر على الأرض. فأشعلت بعض الكافور وذهبت أجمع الحطب. ولاحظت أن الشجر جاف، فما نزل شيءٌ من المطر مذ قدمت على آلة الزمان، فعدلت عن البحث عن الأعواد ورحت أثب وأنط وأشد الأغصان وأكسرها، فما لبثت أن أوقدت نارًا ذات يَحْموم خانق، وصار في وسعي أن أدخر ما بقي معي من الكافور، ثم التفتُّ إلى وينا وكانت راقدةً إلى جانب حديدتي وحاولت أن أرد إليها نفسها ولكنها ظلت كالميتة، حتى لقد أعياني أن أتبين أنفاسها ألا تزال تتردد أم انقطعت. وكان الدخان يميل عليّ، فثقل رأسي فجأة، وكانت رائحة الكافور في الجو أيضًا، ولم تكن بالنار حاجة إلى تذكية أو تقوية قبل ساعة أو نحوها، وشعرت بالتعب، بعد الجهد الذي تجشمته، فقعدت على الأرض. وكان في الغابة همس منوّم لم أفهمه. وخيل إليّ أن رأسي خفق، ففتحت عيني، وكان الظلام شاملًا، وأيدي السفليين عليّ، فدفعت أيديهم عني، ودسست كفي في جيبي طلبًا لعلبة الكبريت، وإذا بها قد ذهبت! وارتد إليّ السفليون وتناولوني وأطبقوا عليّ، فأدركت ما حدث. فقد نمت، وهمدت النار، فغمرت نفسي مرارةُ الموت. وكانت الغابة تسطع فيها رائحة الحطب المحروق، وأخذ السفليون بعنقي وشعري وذراعي، وجذبوني إلى الأرض، وكان من أبشع البشاعة في هذا الظلام أن أشعر بهؤلاء في بدني، وأحسست كأني في نسيج عنكبوت جبار، وغلبوني، فهويت إلى الأرض، وشعرت بأسنان دقيقة على عنقي فتمرغت، فلمست يدي قضيب الحديد، فقواني هذا، وجاهدت أن أنهض، وطرحت عني هذه الجرذان البشرية، وضربت بالقضيب في حيث قدرت أن تكون وجوههم. وكنت أشعر بانعصار اللحم وانطحان العظم تحت ضرباتي، فنجوت إلى حين. وغمرتني النشوة التي يحدثها الكفاح الشديد. وكنت أعلم أني أنا ووينا مقضيّ علينا، ولكني آليت ليؤدين السفليون ثمن هذا اللحم، فأسندت ظهري إلى شجرة وذهبت ألوح بالقضيب أمامي، وكانت صيحاتهم وحركاتهم تملأ الغابة. ومضت دقيقة، ولكن أحدًا منهم لم يقترب. فوقفت أحدق في الظلام، ثم تجدد الأمل فجأةً. فلعل السفليين خائفون، وحدث شيءٌ غريب في عقب هذا، فقد خيل إلي أن الظلام يشف وينجلي، وبدأت أرى، في غير وضوح، السفليين حولي — وكان ثلاثة منهم يدقون قدمي — ورأيت، وأنا في دهشة أن الباقين يجرون — في خطٍّ متصل غير منقطع — خارجين من ورائي وذاهبين في جوف الغابة أمامي، وصارت ظهورهم حمراء لا بيضاء. وبينما كنت واقفًا وفمي فاغر رأيت شعلة صغيرة تخترق بين الأغصان وتختفي، فعرفت من أين جاءت رائحة الحطب المحترق، والصوت المنوم الذي صار الآن زئيرًا ورعدًا، والوهج الأحمر، وفرار السفليين. وخرجت من تحت الشجرة ورددت البصر فرأيت من بين الأشجار القريبة لهيب الغابة المحترقة. هي ناري التي أوقدتها تتبعني إذن! وتلفت باحثًا عن وينا، فلم أجدها. وكان زفير النار وكصيص العيدان ورائي، وفرقعة الشجر كلما اندلعت فيه النار، لا يدع لي وقتًا للتفكير، فتبعت السفليين وفي يدي قضيب الحديد، وكان سباقًا شديدًا، وقد اندلعت النار مرة في الحشيش بسرعة على يميني وأنا أجري حتى لأخذت عليّ طريقي، فملت يسرة، ولكني خرجت أخيرًا إلى فضاء، فرأيت واحدًا من السفليين يتطرح ويمضي عني إلى النار! وكتب عليّ أن أرى أفظع ما شهدت في ذلك العصر المستقبل. وكانت هذه البقعة كلها مضيئة كأننا في النهار بما ينعكس عليها من وقدة النار. وكان في الوسط كثيب تحيط به عضاة أذواها حر اللهب، ووراء ذلك جانب آخر من الغابة المحترقة يتصاعد منها أوار يحيط المكان بسور من الضرم. وكان على جانب التل ثلاثون أو أربعون من السفليين وقد أعماهم النور والحر، وهم يتخبطون من حيرتهم، ولم أفطن أول الأمر إلى عماهم فأهويت عليهم بالقضيب أضرب فيهم بلا رحمة، وبي فزع من اقترابهم مني، فقتلت واحدًا وأقعدت كثيرين، ولكني لما لاحظت حركات واحد منهم وهو يتحسس تحت النبات، والسماء من فوقه متلظية، وسمعت أنينهم، أيقنت أنهم لا حول لهم ولا طول، فكففت عن ضربهم. ولكن بعضهم كانوا من حين إلى حين يقبلون عليّ، فتسري في بدني رعدة من الاستبشاع فأتنحى عن طريقهم، وخفت حدة النار لحظة، فخفت أن يستطيع هؤلاء القذرون أن يروني، وحدثت نفسي أن أبدأ المعركة بقتل بعضهم قبل أن يتسنى لهم أن يهجموا عليّ، ولكن ألسنة النيران ارتفعت مرةً أخرى، فرددت يدي عنهم، ورحت أمشي على التل وأجنبهم، وأبحث عن وينا، ولكن وينا ذهبت! وأخيرًا قعدت على ذروة الكثيب، ورحت أراقب هؤلاء العميان وهم يتخبطون، ويتلاغطون، في النورالذي أعشاهم، وكان الدخان المتلوي يرتفع إلى السماء، وكانت النجوم الصغيرة تومض من خلال هذا الستر الأحمر كأنها في عالمٍ آخر. واندفع نحوي اثنان أو ثلاثة من السفليين فدفعتهم عني باللكمات، وأنا أنتفض. وظللت طول تلك الليلة أعتقد أن هذا كابوس، فعضضت نفسي وصحت لأستيقظ. وضربت الأرض بيدي، ونهضت واقفًا وقعدت، وذهبت هنا وهنا، ثم قعدت مرةً أخرى، ثم فركت عيني ودعوت الله أن يوقظني. ورأيت السفليين ثلاث مرات، يحنون رءوسهم من الألم ويندفعون إلى النار، وأخيرًا طلع النهار فوق اللظى الذي مال إلى الخمود، وكتل الدخان الأسود المتموجة، وبقايا الأشجار. وبحثت مرة أخرى عن وينا، ولكني لم أعثر لها على أثر، وكان من الجلي أنهم تركوا المسكينة في الغابة، ولا أستطيع أن أصف لكم شعور الارتياح إلى أنها نجت من المصير الذي كان مقدورًا لها، وكدت وأنا أفكر في هذا أنهض لتقتيل هؤلاء الأمساخ، ولكني كبحت نفسي، وكان الكثيب كالجزيرة في الغابة، وكنت أستطيع من قمته أن أرى قصر الصيني الأخضر من خلال سحب الدخان، وبهذا وسعني أن أعرف وجهتي إلى التمثال. وهكذا تركت بقية هؤلاء الملاعين يذهبون ويجيئون ويتأوهون ويأنون، في النهار المرتفع، وربطت شيئًا من الحشيش على قدمي، وذهبت أظلع فوق الرماد وبين الأعواد السوداء التي كانت النار ما زالت تخفق في جوفها، إلى مخبأ آلة الزمان، وكنت أمشي على مهل فقد كنت منهوك القوة، وكنت أعرج أيضًا، وكنت أشد ما أكون أسى على مصرع وينا، وبدا لي هذا كأنه كارثة. وأن الأمر ليبدو لي الآن في غرفتي المألوفة أشبه بأسى الحلم منه بالخسارة الحقيقية، ولكن موتها أورثني في ذلك الصباح وحشة شديدة، فرحت أفكر في بيتي هذا، وفي هذه النار التي ندفأ بها وفيكم، فصبوت إلى حياتي هذه صبوة كلها ألم. ولكني اكتشفت شيئًا، وأنا أمشي فوق الرماد تحت السماء الصافية، فقد وجدت في جيب البنطلون عيدان كبريت! فيظهر أن العلبة انكسرت قبل أن أفقدها. (١٣) معلاق٧ التمثال حوالي الساعة الثامنة أو التاسعة صباحًا، كنت على نفس المقعد المصنوع من المعدن الأصفر الذي أشرفت منه على العالم ليلة وصولي، فلم يسعني إلا أن أفكر فيما تسرعت بالذهاب إليه من الآراء في ذلك المساء، وإلا أن أضحك ضحكًا كله مرارة وسخط، من ثقتي واغتراري. هنا نفس المنظر الجميل الذي صافح عيني ليلتئذ، والأرض المحوارة٨ المنوّرة، والقصور البديعة، والخرائب الرائعة، والنهر الفضي بين شاطئيه الخصيبين، والثياب الزاهية، على هؤلاء الأناسي اللطاف الحسان وهم يمشون بين الشجر. وكان بعضهم يستحم، في حيث أنقذت وينا من الغرق، وقد أورثتني هذه الذكرى شكة أليمة. وكانت القباب على أفواه الآبار إلى السراديب، كاللوثة على جمال الأرض. وتبدى لي، وأنا أراها، ما يحجبه جمال هذه الدنيا العلوية، وكان يوم هؤلاء العلويين سجسجًا، كيوم الأنعام في مراعيها، وكانوا هم كالأنعام، لا يدرون أن لهم عداة، ولا يدبرون شيئًا يقضون به حاجاتهم ويدفعون به المضرة عنهم، وما أظن مصيرهم إلا أنه كمصير الأنعام! وأحزنني أن أفكر في قصر الحلم الذي حلم به العقل الإنساني، فقد انتحر؛ ذلك أنه ألح في طلب الرغد والراحة، واعتدل حال الجماعة في ظل الأمن والثبات. وقد بلغ ما اشتهى فكان مصيره هذا! ولا بد أن الحياة والمال كانا في وقت ما في أمان تام، فاطمأن أن الغنى إلى ما هو فيه من اليسر والنعيم، وسكن العامل المكدود إلى حياة العمل، ولا شك أنه لم يكن في ذلك العالم الفاضل مشاكل للبطالة وما إليها من المعضلات الاجتماعية، فساد السكون. ومن سنن الطبيعة التي نغضي عنها أن خصب العقل هو جزاء التغير والخطر والمشقة، والحيوان الذي يكون على حال من المطابقة التامة لبيئته يعود آلة ليس إلا، والطبيعة لا تبعث العقل وتوقظه إلا إذا صارت العادة والغريزة عديمتي الجدوى. ولن تجد ذكاء حيث لا تغير ولا حاجة إلى التغير، وما يفيد الذكاء إلا علاج الحاجات والمخاطر المتنوعة. وهكذا — كما بدا لي — دلف الإنسان العلوي إلى الجمال الضعيف، والإنسان السفلي إلى العمل الآلي. ولكن هذه الدنيا الكاملة أعوزها شيء واحد لتبلغ حالتُها الآلية الكمال — أعني الثبات والدوام — والظاهر أنه على مر الأيام، اضطرب إحساس العالم السفلي، وعادت الضرورة تفعل فعلها بعد احتجابها بضعة آلاف من السنين، ولما كان العالم السفلي محتكًّا بالآلات التي تحوج مهما بلغ من كمالها إلى شيء من التفكير خارج نطاق العادة، فقد احتفظ بحظ من الاقتدار والجرأة، دون العالم العلوي، ولما أعوزه لحم الحيوان طلب ما كانت العادة القديمة تحرمه، هذا ما بدا لي، وأنا أودع العالم الذي سيقوم في سنة ٧٠١–٨٠٢، وعسى أن أكون قد ركبت من الخطأ والشطط شر ما يُركب، ولكن هذه هي الصورة التي طالعتني، وها أنا ذا أنقلها إليكم كما رأيتها. وكان هذا المقعد، والسكينة والدفء من أمتع ما نعمت به، بعد المشقات والمثيرات والمفزعات التي كابدتها في الأيام الأخيرة. وكنت مكدودًا، وكان النعاس يغالبني، فأغفيت، ثم انطرحت على العشب ونمت نومًا طويلًا منعشًا. واستيقظت قبل المغرب بقليل، وكنت أشعر أني في أمان من السفليين وأنا راقد، فتمطيت، وانحدرت عن التل إلى التمثال الأبيض، وكان قضيب الحديد في يدي، ويدي الأخرى في جيبي تعبث بعيدان الكبريت. ولما دنوت من قاعدة التمثال لم يرعني إلا أن أرى الألواح البرونزية مفتوحة! فقد نزلت في مجارٍ لها. رأيت ذلك فوقفت مترددًا محجمًا عن الدخول. وكان في جوف القاعدة غرفة صغيرة، وفي ركن منها على ارتفاع قليل آلة الزمان. وكان معي، في جيبي، الرافعتان، فبعد كل ما اتخذته من الأهبة والعدة لمحاصرة التمثال الأبيض واقتحامه يجيء هذا الاستسلام! فرميت القضيب وأنا آسف لأني لم أستعمله. وطاف برأسي خاطر مباغت وأنا أنحني لأدخل، فقد أدركت على الأقل أسلوب التفكير الذي يجري عليه هؤلاء السفليون. وغالبني الضحك ولكني كتمته ودخلت من الفتحة إلى حيث آلة الزمان، فأدهشني أني وجدتها مزينةً منظفة! وقد كبر في ظني بعد ذلك أن السفليين فكوا بعض أجزائها وهم يحاولون أن يعرفوا ما هي وما الغرض منها. وبينما كنت واقفًا أفحص الآلة، وأنعم بلمسها بمجردها، حدث ما توقعت أن يحدث، وصعدت الألواح فجأة واستوت في إطارها ووقعتُ، فيما توهم السفليون، في الفخ، فضحكت مسرورًا. وسمعت همهمات ضحكهم وهم يقبلون عليّ، فحاولت أن أشعل عود كبريت، ولم يكن عليّ إلا أن أضع الرافعتين في مكانهما ثم أختفي كالشبح؟ ولكني غفلت عن أمر، ذلك أن الكبريت كان من النوع البغيض الذي لا يشعله إلا الاحتكاك بطبته! وفي وسعكم أن تتصوروا كيف عصف ذلك بسكينتي. وكان هؤلاء الوحوش الصغار قد دنوا مني، ولمسني أحدهم فأهويت عليهم في الظلام بالرافعتين، وشعرت أمتطي سرج الآلة. وامتدت إليّ يد أخرى ثم ثالثة ورابعة. واضطررت أن أدافعهم لأقصي أصابعهم الملحة، عن الرافعتين، وأتحسس في الوقت ذاته مكانهما لأثبتهما، وكادوا ينزعون مني إحداهما. وأحسست بها تخرج من يدي فدفعت رأسي في الظلام لاستردادها، فسمعت صوت جمجمة ترن من صدمة رأسي بها. وكانت هذه المعركة شرًّا من التي دارت في الغابة، ولكني ثبت الرافعة، وجذبتها، فذهبت عني الأيدي المتعلقة بي، وانتسخ الظلام، وألفيت نفسي في الضوء الخافت الذي أسلفت وصفه. (١٤) امتداد البصر وقد حدثتكم من قبل عما يعاني المطوف في الزمن من الدوار والاضطراب، وكنت في هذه المرة غير مستقر في سرجي، فلبثت زمنًا متشبثًا بالآلة وهي تترنح وتهتز، وكنت لا أبالي كيف أذهب، فلما ألقيت نظرة على العدادات أذهلني ما وصلت إليه. وكان أحدها يعد الأيام والثاني يعد آلافها، والثالث يعد ملايينها، والرابع يعد آلاف الملايين. وكنت بدلًا من دفع الرافعتين وضغطهما قد جذبتهما لأمضي في المستقبل، فلما نظرت إلى هذه العقارب المشيرة وجدت عقرب الآلاف يدور بمثل السرعة التي يدور بها عقرب الثواني على وجه الساعة — في المستقبل — وبينما كنت أمضي تغير وجه الأشياء، تحول الطفَل إلى غشاش فَعتمة، وكنت ماضيًا بسرعة عظيمة، فرأيت الليل والنهار يتعاقبان، وهذا دليل البطء، وقد صار هذا أوضح، فتعجبت أول الأمر، فقد صار توالي الليل والنهار أبطأ فأبطأ، وكذلك اجتياز الشمس قبة السماء حتى لخيل إليّ أن مسافة الزمن تمتد حتى لتصبح قرونًا، وأخيرًا لُفت الأرض في سواد شامل لا يضيء فيه إلا ما يتهاوى من الشهب، فقد غاب واختفى ذلك الطوق المنير الذي كان يدل على الشمس، لأن الشمس كفت عن المغيب، وأصبحت تطلع وتغرب في الغرب، وتزداد إلى هذا جرمًا وتوهجًا، وامّحى كل أثر للقمر، وحلت نقط من الضوء محل الكواكب الدوارة التي ازدادت بطأ في سيرها، وقبل أن أقف، وقفت الشمس في الأفق، وكانت قبة عظيمة من نار كابية، يعتريها الهمود لحظة من حين إلى حين، وقد عادت مرة فتلظت جمرتها، ولكنها ما لبثت أن عادت إلى سكونها، وأدركت من هذا البطء في الطلوع والغروب أن الزمان قد فعل فعله، وكانت الأرض قد صارت بأحد وجهيها إلى الشمس، كما يواجه القمر في زماننا، الأرض، فشرعت، بحذرٍ شديد — فما نسيت وقعتي السابقة — أعكس اتجاهي، وأتحول عنه، فصارت العقارب الدائرة أبطأ فأبطأ، حتى بدا عقرب الآلاف كالثابت، ولم يعد عقرب اليوم كالضباب على وجه العداد، وزاد البطء حتى وضح لعيني ساحل مهجور. فوقفت برفق، واعتدلت في سرجي، وأدرت عيني حولي، فرأيت السماء قد زايلتها زرقتها، وغدا الأفق الشرقي أسود كالحبر، وكانت النجوم الباهتة تومض فيه، أما ما فوقي من قبة السماء فكان أحمر ولا نجوم فيه، وأما جنوبًا بشرق فكان الوَهَر يزداد حيث دارة الشمس حمراء لا حراك بها، وكانت الصخور التي حولي حمراء وفيها وعورة، وكل ما رأيته من مظاهر الحياة هو نضارة الخضرة التي تكسو كل بارز على وجه الأرض في هذه الناحية. وكانت الآلة واقفة على ساحل مائل، والبحر يمتد جنوبًا بغرب ويرتفع عند الأفق في رأي العين، فيختلط بالسماء الشاحبة، ولم تكن فيه أمواج تعتلج، فقد كان الهواء راكدًا، لولا رائحة زيتية تجيء وتروح كالنفس المتردد، لما أدرك الإنسان أن البحر لا يزال حيًّا يتحرك، وعلى الساحل حيث تتكسر المياه أحيانًا، طبقة سميكة من الملح تبدو قرمزية تحت السماء المصفرة. وكنت أحس برأسي مثقلًا، وأنفاسي سريعة، فأذكرني ذلك المرة الوحيدة التي جربت فيها التوقل في الجبال، وعرفت من هذا أن الهواء أصفى مما هو الآن. وسمعت صرخة من فوق المرتفع، ورأيت شيئًا كأنه فراشة عظيمة تخفق وتذهب صاعدة في الهواء، وتدور وتغيب وراء بعض الكثبان، وقد سرت لصوتها رعدةً في بدني، فاعتدلت في سرجي على الآلة، وأدرت عيني فإذا الذي حسبته كتلة من الصخر الأحمر يتحرك ببطء ويدلف نحوي، وتبينت أنه مخلوق هائل يشبه سرطان الماء. وتصوروا سرطانًا في مثل حجم هذه المائدة، وأيديه العديدة تتحرك ببطء واضطراب، وأظافره العظيمة تضطرب، ومجساته الطويلة كالسياط تهتز وتتحسس، وعيناه تلمعان وهما تحدجانك على جانبي وجهه المعدني! وكان ظهره مغضنًا ومحلى بعقد كثيرة، وعليه في مواضع شتى طبقات خضراء، وكنت أرى ألسنته العديدة وفمه المعقد، وهو يتحسس ويجس إذ يتحرك. وبينما كنت أنظر إلى هذا الوحش الزاحف نحوي شعرت بشيء على خدي كأنما حطت عليه ذبابة، فذبيتها عني بيدي، ولكنها عادت، وعاد غيرها أيضًا، قريبًا من أذني، فأهويت عليها بيدي، فعلق بها شيء كالخيط، ولكنها انتُزعت من يدي، فالتفت مذعورًا، فعلمت أني إنما أمسكت جساسة سرطان آخر ورائي، وكانت عيناه البشعتان تهتزان على جذعيهما، وفمه يتحلب عليّ، وأظافره العظيمة الملوثة تهبط عليّ، فأسرعت إلى الرافعة أضغطها، وجعلت بيني وبين هذه الوحوش مسافة شهر، ولكني كنت ما زلت على هذا الشاطئ، فلما وقفت كنت أراهما كأوضح ما يكونان، وكانت عشرات منها تزحف هنا وهنا في الضوء الخافت بين النبات المتوشج. ولست أستطيع أن أنقل إليكم الإحساس بما كان يغمر الدنيا من وحشة ودروس، فهذا الأفق الشرقي المتوهج، والعتمة الشمالية، والبحر الملح الميت، والشاطئ الصخري الحافل بهذه الزواحف القذرة البطيئة، وهذه الخضرة السامة — في رأي العين — لنبات البحر، والهواء الرقيق الذي يتعب الرئتين ويؤذيهما، كل أولئك كان وقعه مروّعًا. وقد قطعت مائة عام فلم يتغير المنظر، وبقيت الشمس الحمراء — وكانت أكبر بقليل، وأدنى إلى الهمود — والبحر الميت، والهواء الرقيق والزواحف بين الأعشاب والصخور الحمراء، ورأيت في الغرب خطًّا متقوسًا باهتًا كأنه قمر جديد كبير. وهكذا ظللت أرحل وأقف، بعد فترات تبلغ ألف عام وزيادة، ومصير العالم يجتذبني، وأرقب الشمس تكبر وتخمد، وحياة هذه الأرض العتيقة تنضب، وأخيرًا — بعد أكثر من ثلاثين مليونًا من السنين — صار قرص الشمس الكبير الأحمر يحجب نحو عشر السماء المظلمة، فوقفت مرةً أخرى، فقد غابت الزواحف وصار الشاطئ الأحمر، فيما خلا نباته، لا حياة فيه، وبدت فيه نقط بيضاء، وأصابني برد قارس، وكانت رقائق بيض تتساقط من حين إلى حين، وكان الثلج في الشمال الشرقي يلمع تحت ضوء النجوم الخفاقة في السماء السوداء، وقد رأيت هضبة متموجة بيضاء قرمزية، وكان على شاطئ البحر هوامش من الثلج، أما عباب هذا البحر الملح المخضب بالغروب الأبدي فلم يتجمد بعد. وتلفت باحثًا عن أثر لحياة الحيوان، وكانت بقية من الحذار تلزمني البقاء في سرجي، ولكني لم أر شيئًا يتحرك على الأرض ولا في السماء أو البحر، وكان الطحلب على الصخور هو كل ما يدل على أن للحياة بقية لم تندثر، ورأيت كثيبًا ناتئًا من البحر الذي انحسر عنه، وخيل إليّ أني أرى شيئًا أسود يتحرك عليه، ولكنه جمد لما نظرت إليه، فاعتقدت أن عيني خدعتني وأن هذا الجرم الأسود صخرة، وكانت نجوم السماء ناصعة الضوء، ولكن ضوءها فيما بدا لي لم يكن خفاق اللمعان. ورأيت فجأة أن نطاق الشمس الغربي تغير، وأن فجوة ظهرت في قوسه، وأخذت تزداد وتتسع، فحملقت مذهولًا من هذا السواد الذي يزحف على النهار، ثم أدركت أن الشمس تدخل في الكسوف، وأن القمر أو المشتري يمر أمام قرص الشمس، وكان طبيعيًّا أن أحسبه القمر، في أول الأمر، ولكن هناك ما يحملني على الاعتقاد بأن كوكبًا آخر كان يمر على مقربة من الأرض. وأخذ الظلام يشتد، وهبت ريح صرصر من الشرق، وكثرت الثلوج في الجو، وارتفعت من ناحية البحر همسة وحركة، وكانت الدنيا فيما خلا ذلك ساكنة. أأقول ساكنة؟ إن من العسير أن أصور لكم سكونها ووقعه، فما بقي شيء من أصوات الإنسان والحيوان والطير والحشرات والهوام، أو من الحركة المألوفة في حياتنا، وجعل الثلج المتساقط يزداد مع الظلام، ويأتي من كل أَوْبٍ، واشتد البرد وهرأني واختفت أخيرًا القمم البيضاء للتلال النائية، ولفها الليل في سواده، وصارت الرياح تنوح وتهجهج، ورأيت غبرة الكسوف تدنو مني، ولم يبق ما يُرى غير النجوم الشواحب، واحلولكت السماء فما يلمع فيها شعاع واحد. وثقلت على نفسي وطأة الظلام الكثيف، واشتد عليّ البرد وقفَّ منه جلدي، وتعذر التنفس فانتفضت، وعانيت من ذلك كربًا شديدًا، ثم ظهر قوس الشمس، فنزلت عن السرج حتى تثوب نفسي إليّ، فقد كان رأسي يدور وكنت أحس أني غير قادر على رحلة الإياب، ورأيت وأنا واقف ذلك الشيء الذي لاحظت حركته على الشاطئ، ولم يبق عندي شك في أنه جرم يتحرك، فقد كان احمرار الماء يُبدي حركته. وكان كالكرة وفي حجمها، أو أكبر، وله خيوط تمتد منه وتذهب في الأرض، وكان أسود اللون بالقياس إلى لون الماء المضطرم، وكان ينط، فشعرت بالإغماء، ولكن الفزع من الارتماء هنا بلا حيلة ولا حول في هذا الغسق البعيد الفظيع قواني، فامتطيت الآلة وقعدت على السرج. (١٥) أوبة الرحالة وهكذا عدت. وأحسب أني فقدت وعيي زمنًا طويلًا. وقد عاد الليل والنهار يخطفان وهما يتعاقبان، وارتد إلى الشمس وهجها الذهبي، وإلى السماء زرقتها، وخلصت أنفاسي، وصارت معارف الأرض في مد وجزر، وراحت عقارب العدادات ترجع، وبدت لي في غموض صور المساكن ودلائل انحطاط الإنسانية. ثم تغيرت هذه المناظر أيضًا وولت. ولما بلغ عداد الملايين الصفر قللت السرعة وبدأت أرى مبانينا الصغيرة المألوفة، ورجع عقرب الآلاف إلى المبتدأ فصار تعاقب الليل والنهار أبطأ فأبطأ، ثم أحاطت بي جدران المعمل، فخفضت حركة الآلة برفق. ورأيت شيئًا استغربته. وأذكر أني قلت لكم إني لما بدأت رحلتي، وقبل أن تعظم سرعتي، رأيت السيدة «واتشيت» تقطع الغرفة كالشهاب، فلما عدت اجتزت الدقيقة التي كانت تقطع فيها المعمل مرةً أخرى. ولكنه خيل إليّ الآن أن كل حركة لها نقيض حركاتها السابقة، فقد انفتح الباب، وانسابت منه في المعمل، مرتدة بظهرها واختفت من الباب الذي رأيتها تدخل منه. وقبل ذلك خُيل إليّ أني أرى «هيليار» ولكنه كان كومض البرق. ثم وقفت الآلة، ورأيت حولي مرةً أخرى معملي القديم المألوف، وآلاتي ومعداتي كما تركتها، فترجلت عن السرج خائر القوى، وقعدت على دكتي، وظللت عدة دقائق أرعد وأنتفض، ثم هدأت، ونظرت فرأيت حولي معملي كعهدي به، وكأني كنت قائمًا وكأنما كل ما بدا لي لم يكن سوى حلم. ولكن لا! لقد بدأت رحلتي وكانت الآلة في الجنوب الغربي من المعمل، وهي الآن قائمة في الشمال الغربي، إلى جانب الحائط حيث رأيتموها. وهذه هي المسافة من الممشى إلى قاعدة التمثال حيث خبأ السفليون آلتي. وركد ذهني لحظة، ثم نهضت وقطعت الدهليز إلى هنا، وكنت أظلع لأن قدمي تؤلمني، وقد رأيت جريدة «البول مول غازيت» على المنضدة بجانب الباب، وألفيت تاريخها هو تاريخ اليوم، فصعدت عيني إلى الساعة فوجدتها الثامنة تقريبًا. وسمعت أصواتكم وأنتم تأكلون، فترددت، فقد كنت مضنى. ثم شممت رائحة اللحم الشهي ففتحت عليكم الباب. والباقي تعرفونه. اغتسلت، وأكلت، وقصصت عليكم القصة.» (١٦) بعد القصة وقال بعد لحظة صمت: «إني أعلم أن هذا كله لا يحتمل التصديق. ولكن الشيء الوحيد الذي لا أكاد أصدقه أنا هو أني هنا في هذه الليلة، في هذه الغرفة القديمة المعهودة، أنظر إلى وجوه أصدقائي وأقص عليهم غرائب ما وقع لي.» ونظر إلى رجل الطب وقال: «كلا! لست أتوقع منك أن تصدق. فاعتبر الحكاية من الخيال، أو عدها نبوءة. أو قل إني حلمت بها في المعمل، أو ازعم أني كنت أفكر في مصائر جنسنا حتى تجسدت لي هذه الأسطورة، وقل إن تأكيدي صحتها أسلوب فني لزيادة قيمتها ووقعها، فعلى اعتبار أنها قصة، ما رأيك فيها؟» وتناول بيبته، وشرع على عادته ينقر بها نقرًا مضطربًا على قضبان الموقد، وكانت فترة صمت، ثم بدأت الكراسي تتحرك، والأقدام تمسح السجادة، فحولت عيني عن الرحالة في الزمن إلى السامعين، وكانوا في الظلام وكان رجل الطب يتأمل مضيفنا وقد استغرقه ذلك. والمحرر يحدق في عقب سيجارته — السادسة — والصحفي ينشد ساعته، أما الباقون فكانوا — على ما أذكر — بلا حراك. ونهض المحرر واقفًا وهو يتنهد وقال: «ليتك كنت كاتب قصص!» وأراح يده على كتف الرحالة في الزمن. – «ألا تصدق؟» – «إن …» – «ظاهر.» والتفت إلينا الرحالة وقال: «أين الكبريت؟» وأشعل عودًا وقال وهو يدني البيبة من شفتيه: «الحق أقول إني أنا لا أكاد أصدق … ومع ذلك …» وصوب عينيه في صمت، إلى الأزاهير الذابلة على المنضدة، ثم بسط يده التي فيها البيبة، فرأيته ينظر إلى جروح على عقل أصابعه لم يتم التئامها. ونهض رجل الطب، ودنا من المصباح، وفحص الأزاهير وقال: إن بعضها غريب، فانحنى النفساني لينظر، وهو يمد يده طالبًا واحدة منها. وقال الصحفي: «لقد صارت الساعة الأولى إلا ربعًا. فكيف نذهب إلى بيوتنا؟» فقال النفساني: «المركبات كثيرة عند المحطة.» وقال رجل الطب: «غريب! ولكني لا أعرف الترتيب الطبيعي لهذه الأزهار، فهل تسمح لي بها؟» فتردد الرحالة في الزمن ثم قال فجأة. – «كلا!» فسأله رجل الطب: «من أين جئت بها؟» فرفع الرحالة يده إلى رأسه، وقال وكأنه يحاول أن يمسك فكرة تحاوره وتتفلت منه: «لقد وضعتها وينا في جيبي لما رحلت إلى المستقبل» وأدار عينه في الغرفة، وقال: «أرى كل شيء يتسرب من ذهني … هذه الغرفة … وأنتم … والجو العادي … أكثر مما تحتمل ذاكرتي … أحق أني صنعت آلة للزمان؟ أو نموذجًا لآلة زمان؟ أم ترى كل هذا حلم ليس إلا؟ يقولون إن الحياة حلم — حلم سقيم في بعض الأحيان — ولكني لا أقوى على حلم آخر لا يستقيم مع سواه. جنون! ومن أين جاء هذا الحلم؟ يجب أن أرى هذه الآلة … إذا كان هناك آلة …!» ورفع المصباح بسرعة وحمله وخرج به من الباب إلى الدهليز، ونحن في أثره، فإذا الآلة تطالعنا في ضوء المصباح المضطرب، وهي رابضة ماثلة دميمة المنظر، وكلها صلب وعاج وأبنوس وحجر لماع شفاف، ولكنها متينة فقد لمحتها، وعليها أقذار، وعلى عاجها لوثات، وقد علق بأسافلها بعض الحشائش، وأحد قضبانها ملتو. ووضع الرحالة المصباح على الدكة وأمرّ يده على القضيب المعوج وقال: – «الآن أيقنت أن القصة التي رويتها لكم صحيحة، وإني لآسف لتعريضكم هنا للبرد.» وتناول المصباح، وعدنا في صمت تام إلى غرفة التدخين. وخرج معنا إلى الردهة وساعد المحرر على ارتداء معطفه ونظر إليه رجل الطب نظرة المتردد، وقال له: إن الإفراط في العمل أرهق أعصابه، فضحك. وما زلت أراه بعين الذاكرة واقفًا بالباب يودعنا ويتمنى لنا ليلةً طيبة. وركبت مع المحرر الذي قال لي إن القصة «أكذوبة منمقة» أما أنا فلم أستطع أن أستقر على رأي في الأمر، فقد كانت القصة غير قابلة للتصديق لفرط غرابتها، ولكن أسلوبه في روايتها معقول ورزين متزن، وقد أرقت أكثر الليل من جهد التفكير فيها، فعزمت أن أزور الرحالة في اليوم التالي، فقيل لي، لما زرته، إنه في المعمل، ولما كنت من الأصدقاء فقد صعدت إليه فوجدت المعمل خاليًا، فحدقت هنيهة في آلة الزمان، ومددت يدي فلمست الرافعة، فترنحت هذه الكتلة المتينة ترنح العود عصفت به الرياح، فأفزعني اضطرابها وتذكرت ما كانوا ينهونني عنه في طفولتي من الدخول فيما لا يعنيني. وخرجت من الدهليز فالتقيت بالرحالة في غرفة التدخين، وكانت معه آلة تصوير صغيرة وحقيبة، فضحك لما رآني، وأدنى مني كتفه على سبيل التحية، وقال: «إني مشغول جدًّا بهذه الآلة.» فسألته: «أليست إذن خدعة؟ أتراك حقيقة تطوّف في الزمن؟» فقال: «نعم، حقًّا وصدقًا.» ورماني بنظرة صريحة، ثم تردد، ودارت عينه في الغرفة، وقال: «إن بي حاجة إلى نصف ساعة. وأنا أعرف ما جاء بك وأشكرك وهناك بعض المجلات، فإذا بقيت للغداء، فإني أستطيع أن أثبت لك أن الطواف في الزمن حقيقة — بالنماذج وما إليها — فهل تأذن لي في الانصراف عنك الآن؟» فقبلت، وأنا لا أكاد أدرك ما تنطوي عليه كلماته من المعاني، وهز رأسه ومشى في الدهليز. وسمعت باب المعمل يغلق، فقعدت على كرسي وتناولت صحيفة يومية، ترى ماذا عساه يريد أن يصنع قبل الغداء؟ ثم تذكرت فجأة أني وعدت أن أقابل ريتشاردسون الناشر في الساعة الثانية، فنظرت في ساعتي فوجدت أن الوقت أزف، فنهضت ومشيت في الدهليز لأعتذر للرحالة. ولما تناولت يد الباب سمعت صوتًا، وحركة ودبّة، ومرت بي نسمة من الهواء وأنا أفتح الباب وسمعت من داخل الحجرة صوت تكسر الزجاج على الأرض، ولم أجد الرحالة. وخيل إلي أني أرى شبحًا غامضًا في كتلة دائرة من السواد والبياض، وكان هذا الشبح شفافًا حتى لكنت أرى الدكة وما عليها من خلاله بوضوح ولكن هذا الشبح غاب لما فركت عيني، واختفت الآلة، ولم يبق في هذه الناحية من المعمل سوى التراب الذي يستقر. وأذهلني ذلك، وكنت أدرك أن شيئًا عجيبًا قد حدث، ولكن ما هو؟ لا أدري! وإني لواقف أحدق إذ فتح الباب ودخل الخادم. فتبادلنا النظرات، ثم بدأت الخواطر تجري ببالي فسألته: «هل خرج المستر من هنا؟» قال: «لا يا سيدي. لم يخرج أحد من هذه الناحية، وقد كنت أتوقع أن أجده هنا.» ففهمت، وخاطرت بإغضاب ريتشاردسون، وبقيت انتظارًا لعودة الرحالة ولقصته الثانية التي لعلها تكون أغرب، ولما عسى أن يعود به من النماذج والصور. ولكني بدأت أعتقد أني سأضطر إلا الانتظار عمرًا كاملًا، فقد ذهب الرحالة في الزمن منذ ثلاث سنوات، وكل إنسان يعرف الآن، أنه لم يعد. الخاتمة لا يسع الإنسان إلا أن يتساءل: أتراه يعود يومًا ما؟ وعسى أن يكون قد كر راجعًا إلى الماضي، فوقع على أهل العصر الحجري، المستوحشين شاربي الدماء، أو في أعماق بحر الكلس، أو بين الزواحف المهولة أو … أو … أم تراه قد مضى إلى المستقبل، واختار عصورًا أقرب إلينا وأدنى منا، عصورًا سيظل الرجال فيها رجالًا ولكنهم يكونون قد حلوا ألغاز زماننا ومعضلاتنا المضنية؟ أي إلى عصر الرجولة المكتملة في الجنس الإنساني؟ فما أعتقد أن هذه الأيام الأخيرة — أيام التجارب الضعيفة، والنظريات الجزئية، والخلاف المتبادل هي غاية ما يصل إليه الإنسان — أقول فيما أعتقد أنا. أما هو فإني أعرف — فقد تجادلنا في هذا قبل أن يصنع آلة الزمان — أنه لم يكن عظيم التفاؤل بتقدم الإنسان، وكان يرى في تضخم كوم المدنية تكدسًا سخيفًا ينتهي بأن يقع على الرءوس ويحطمها ويسحقها. فإذا كان هذا هكذا، فإن علينا أن نحيا كأن الأمر ليس كذلك، ولكن المستقبل فيما أرى لا يزال أسود وفارغًا، جهل عظيم تلطفه في بعض المواضع ذكرى قصته. وإلى جانبي، للتعزي والتأسي، زهرتان غريبتان — وقد ذبلتا — تشهدان بأنه حتى بعد أن يزول العقل وتذهب القوة، يبقى العرفان والرقة في قلب الإنسان. هوامش (١) حيوان خرافي له رأس نسر وجناحاه، وجسم سبع. (٢) الصندلة صحيح. (٣) الدكان صحيح اللفظ. (٤) تغيير اللون وذهاب صفائه. (٥) القضافة: دقة في الجسم من خلق لا من هزال. (٦) الشهر القمري. (٧) المعلاق بالعين المهملة، للباب ما يفتح به بغير مفتاح. (٨) احوارّت الأرض، بتشديد الراء: اختلطت ألوان الزهر بسواد الخضرة. مختارات من القَصَص الإنجليزي
نبيذ الأمونتيللادو احتملت من «فورتيناتو» ألف مساءة ومساءة، ولكنه اجترأ عليّ بالإهانة، فأقسمت لأنتقمن منه، وأنت يا من تعرف طباعي معرفتها لن تظن بي أني أجريت لساني بتهديد أو نطقت بكلمة وعيد. كلا … لقد آليت أن أنتقم، ووطنت نفسي على ذلك، وكان هذا مني قرارًا حاسمًا لا رجعة فيه ولا تردد. على أن هذه الصبغة النهائية لما اعتزمته استوجبت أن أتقي المجازفة. فإنه لا يكفي أن يحل به عقابي، وإنما ينبغي أن أكون في أمان من المخاوف وأنا أفعل ذلك، فإن أخذك المرء بذنب كان منه لا يكون فيه معنى الانتصاف إذا تعقبك منه ثأر؛ كذلك لا يكون الانتصاف انتصافًا إذا عجزت عن جعل الآثم المسيء يدرك ذلك. ويجب أن يتقرر في الأذهان أني حرصت على أن أتقي كل لفظ أو عمل يحمل فورتيناتو على الشك في حسن نيتي، ومن أجل هذا ظللت أبتسم له كعادتي كلما لقيته، ولم يدرك هو أن ابتسامي الآن إنما هو لما أتخيله من صورته إذ أقدمه قربانًا على مذبح غضبي. وكان في فورتيناتو هذا موضع ضعف، وإن كان فيما عدا ذلك رجلًا جديرًا بالاحترام، بل مرهوب الجانب أيضًا، وذلك أنه كان يعتز ويباهي بحذقه في تمييز أصناف النبيذ. وقَلَّ من الإيطاليين الحاذق الصادق، ويغلب أن يكون ما يلغطون به من ذلك دعوى يدعونها ليسايروا الزمن ويغتنموا الفرص ويخدعوا أثرياء الإنجليز والنمسويين. وقد كان فورتيناتو دعيًّا كغيره في التصوير وما إليه، أما في الأنبذة المعتقة فكان أستاذًا مخلصًا، ولم يكن بيني وبينه في هذا تفاوت يستحق الذكر، فقد كان لي مثل براعته، وكنت أشتري مقادير عظيمة لِأُعَتّقها كلما تيسر لي ذلك. وفي إحدى الليالي، عند الشفق، وقد بلغ جنون الناس في موسم المرافع منتهاه، لقيت فورتيناتو، وكان قد أسرف في الشراب قبل ذلك، وكان في ثياب محبوكة التفصيل متعددة الألوان، وعلى رأسه طرطور ذو أجراس، فبلغ من سروري برؤيته أنه خيل إلي أني لن أقضي وطري من مصافحته. وقلت له: «يا صديقي العزيز، إني سعيد الحظ بلقائك، وتالله ما أنضر وجهك اليوم … لقد تلقيت بضعة دنان مما يزعمونه نبيذ الأمونتيللادو ولكن الشكوك تساورني.» فقال: «ماذا …؟ أمونتيللادو؟ … مستحيل … وفي منتصف موسم المرافع أيضًا؟ …» قلت: «إني عظيم الشك أيضًا، ولكني لغفلتي أديت الثمن الوافي لهذا الشراب قبل أن أرجع إليك وأستشيرك، غير أني لم أعثر عليك، وخفت أن تفلت مني الفرصة.» فجعل يتمتم: «أمونتيللادو …؟» قلت: «إني أشك فيه.» فظل يتمتم: «أمونتيللادو؟» فقلت: «لا بد أن أتبين.» فعاد يتمتم: «أمونتيللادو؟» قلت: «ولما كنت أنت مشغولًا فسأذهب إلى لوشيزي فإنه ذوَّاق، ولا شك أنه سيجلو لي …» فقال مقاطعًا: «إن لوشيزي لا يستطيع أن يميز النبيذ الأبيض من نبيذ الأمونتيللادو!» قلت: «ومع ذلك يزعم الجاهلون أن ذوقه كذوقك!» قال: «تعال … امضِ بي …!» قلت: «إلى أين؟» قال: «إلى أقبيتك.» قلت: «كلا يا صديقي، فلن أستغل طيب قلبك، وإني أستطيع أن أرى أنك على موعد، وفي لوشيزي …» قال: «لست مرتبطًا بشيء … تعال.» قلت: «لا يا صديقي فإني أرى أنك مصاب ببرد شديد، والأقبية لا تطاق رطوبتها، وجدرانها مغطاة بطبقة من الأملاح.» قال: «فلنذهب على الرغم من هذا البرد، فما هو بشيء … أمونتيللادو …؟ لقد ضحكوا عليك وخدعوك … أما لوشيزي فإنه يعجز عن تمييز هذا من النبيذ الأبيض!» ولف ذراعه بذراعي، فأرخيت على وجهه قناعًا من الحرير الأسود، وضممت شملتي وتركته يمضي مسرعًا إلى قصري. ولم يكن في القصر خدم، فقد ولوا جميعًا ليقصفوا احتفالًا بالعيد، وكنت قد أخبرتهم أني لن أعود إلا في الصباح وأمرتهم أمري صريحًا ألا يبرحوا القصر، وكنت على يقين من أن هذا الأمر وحده كاف لإغرائهم بالخروج متى أوليتهم ظهري. وتناولت مشعلين ناولت فورتيناتو أحدهما وتخللت به حجرات عدة، حتى بلغنا العقد المفضي إلى القبو، ونزلنا سلمًا طويلًا متلويًا، وأنا أرجو منه أن يأخذ حذره وهو يتبعني حتى بلغنا الدرجة الأخيرة، ووقفنا معًا على الأرض الرطبة في مقبرة «آل مونتريزور.» وكان صاحبي يترنح قليلا في مشيته، وكانت أجراس طرطوره تتلاقى وهو يخطو فتكون لها رنة. وسألني: «أين الدنان؟ …» قلت: «إنها على مسافة من هنا … ولكن انظر هذا البياض الملتمع على جدران هذه المغارة.» فالتفت إلي وأتأرني النظر بعينين كأن عليهما غشاءً من سمادير السكر.١ وسأل أخيرًا: «أملاح؟ …!» قلت: «نعم، ولكن منذ متى هذا السعال؟» فراح يسعل، وظل المسكين دقائق كثيرة لا يستطيع أن يجيب مما أخذه من سعاله، ثم قال أخيرًا: «إنه لا شيء!» فقلت بلهجة حازمة: «اسمع، سنعود أدراجنا، إن صحتك غالية، وأنت غني ومحبوب وعزيز مكرم وسعيد أيضًا، كما كنت أنا في بعض ما خلا من العمر … ومثلك يفتقد … أما أنا فأمري على خلاف ذلك، فسنعود إذن، فإني أخاف أن يثقل عليك الداء ولست أستطيع أن أبوء بهذه التبعة، ثم إن هناك لوشيزي …» فقال: «كفى، إن هذا السعال لا شيء، ولن يقتلني، كلا، لن تميتني سعلة.» قلت: «صدقت، وما كان قصدي أن أثير مخاوفك ووساوسك بلا موجب، ولكن عليك أن تحاذر، ولعل كرعة روية من نبيذ الميدوك هذا يقينا شر الرطوبة.» وضربت عنق قارورة أخرجتها من صف طويل من القوارير القائمة على الأرض الرخوة وقدمتها إليه وقلت: «اشرب» فرفعها إلى شفتيه وعينه تومض فيها معاني السرور والظفر، وهز رأسه إلى فرنت أجراس طرطوره وقال: «إني أشرب نخب المدفونين الراقدين هنا.» فقلت: «وأنا أشرب متمنيًا لك عمرًا مديدًا.» وعاد إلى ساعدي فتناوله واستأنفنا السير. وقال: «إن هذه الأقبية طويلة.» قلت: «لقد كان آل مونتريزور كثيرين وسادة.» قال: «لقد نسيت شارتكم!» قلت: «قدم عظيمة من الذهب في حقل لازوردي، والقدم تدوس حيَّة قائمة وناباها مغروزان في الكعب!» قال: «وشعاركم؟ …!» قلت: «لا أمن لمن يستفزني.» قال: «حسن.» وكانت عينه تلتمع من فعل النبيذ، والأجراس ترن، وكان الشراب قد طار في رأسي أيضًا فنشط خيالي، وكنا قد اجتزنا جدرانًا تكدست إلى جانبها العظام، واختلطت بالدنان والرواقيد والخوابي، حتى بلغنا أقصى أركان المقبرة، فوقفت وتشجعت وقبضت على ذراعه من فوق المرفق وقلت: «هذه الأملاح … انظر … إنها تزداد على الجدران وتبدو معلقة كالطحلب فإنها تحت مجرى النهر، وقطرات الرشح تجري بين العظام، فلنعد قبل أن تضيع الفرصة، فإن سعالك …» فقال: «إنه لا شيء فلنستمر، ولكن هات اسقني أولًا من النبيذ الميدوك.» فأطرت عنق زجاجة من نبيذ «دي جراف» وناولته إياها فأفرغها في فمه ولمعت عيناه لمعانًا قويًّا، وضحك ورفع يده بالزجاجة إلى فوق مشيرًا بها إشارة لم أفهم لها معنى. ونظرت إليه مستغربًا، فكرر الإشارة — وكانت فيما يبدو لي مضحكة — فقال: «ألا تفهم؟» قلت: «لا …» قال: «إذن أنت لست من العشيرة؟» قلت: «ماذا تعني؟» قال: «لست من عشيرة البنائين (الماسون).» قلت: «نعم، نعم، أنا منهم!» قال: «أنت؟ بناء …؟ مستحيل …» قلت: «بناء.» قال: «هات أمارة.» قلت: «هذه هي.» وأخرجت له مِسجَّة٢ من ثنايا عباءتي. فقال وهو يتراجع بضع خطوات: «إنك تمزح، ولكن هيا بنا إلى دنان الأمونتيللادو.» قلت: «فليكن ما تريد.» ورددت المسجّة إلى حيث كانت تحت مشملتي وناولته ذراعي ليتأبطها فاتكأ عليها بوزنه ومضينا في طريقنا إلى الأمونتيللادو وسرنا تحت سلسلة من العقود الواطئة، وانحدرنا شيئًا ثم استقمنا ثم عدنا فانحدرنا كرةً أخرى وبلغنا جديرة٣ طويلة فاسدة الهواء حتى لكان المشعلان يتوهجان ولا يرتفع لهما لسان. وكان في أقصى هذه الجديرة أخرى أضيق منها، وكانت جدرانها قد رصت إلى جانبها العظام البشرية وارتفعت على مستواها إلى العقد على نحو ما في المقابر الكبرى في باريس. وكانت ثلاثة من جدران هذا المخبأ الداخلي مزدانة على هذه الصورة، أما الجدار الرابع، فقد سقطت عنه العظام واختلطت على الأرض وصار بعضها كومًا. ورأينا من فرجة في الحائط الذي انكشف لنا بسقوط العظام عنه مخبأ داخليًّا آخر يبلغ طوله أربع أقدام، وعرضه ثلاث أقدام وارتفاعه من ست أقدام إلى سبع. ولم يكن فيما يبدو متخذًا لغرض خاص، وإنما كان فرجة بين عمادين ضخمين يحملان سقف المقابر، وكان آخره أحد حيطانها المبنية من الصخر الأصم. وعبثًا حاول فورتيناتو أن يرفع مشعله ليرى آخر هذا المخبأ فما كان هذا الضوء الخافت ليساعد على الرؤية. وقلت له: «امش فإن هنا دنان الأمونتيللادو. أما لوشيزي …» فقال مقاطعًا: «إنه جهول.» وخطا إلى الأمام في اضطراب وأنا في أثره، وما لبث أن بلغ آخر المخبأ، وألفى الصخر يحول دون المضي، فوقف مذهولًا كالأبله، وما هي إلا هنيهة حتى كنت قد قيدته إلى الصخرة، وكان على وجهها حلقتان من حديد تتدلى من إحداهما سلسلة قصيرة ومن الأخرى قفل. ولم أحتج إلى أكثر من ثوان قليلة لأشد السلسلة على خصره وأثبتها في القفل، وكان هو من فرط الذهول لا يقاوم. ونزعت مفتاح القفل وتراجعت خارجًا من المخبأ وأنا أقول: «أرح كفك على الحائط فلن يسعك إلا أن تحس الأملاح. والحق أنه مكان رطب جدًّا. فاسمح لي مرةً أخرى أن أناشدك أن ترجع … لا؟ إذن لا يسعني إلا أن أدعك وما آثرت لنفسك، غير أني سأؤدي لك قبل رحيلي كل ما يدخل في طوقي.» فصاح: «الأمونتيللادو.» وكان لا يزال في ذهوله لم يفق منه. فقلت: «صحيح … الأمونتيللادو.» وأقبلت وأنا أقول ذلك على كوم العظام الذي أسلفت ذكره فنحيته وكشفت عن حجارة وطين. وبهذا وتلك — وبفضل المسجّ الذي كان معي — شرعت أبني المخبأ وأسده. ولم أكد أفرغ من أول مدماك٤ حتى تبينت أن فروتيناتو قد راحت سكرته إلى حد كبير وكان أول ما دلني على ذلك أنين خافت من أعماق المخبأ، ولم تكن هذه بأنّة رجل سكران، وأعقب ذلك سكون طويل، ورفعت المدماك الثاني ثم الثالث ثم الرابع فسمعت صوت السلسلة وهو يجاهد بعنف أن يفكها، وظلت هذه الضجة دقائق عديدة كففت في أثنائها عن العمل وقعدت على العظام لأنصت. وانقطع الصوت فعدت إلى العمل وبنيت المدماك الخامس فالسادس فالسابع بلا شاغل. وصار الجدار الذي أرفعه محاذيًا لصدري فتوقفت مرةً أخرى ورفعت المشعل فوق البناء فأراق ضوءه الضعيف على الرجل. وفي هذه اللحظة أطلق فورتيناتو سلسلة صيحات حادة فاجأني بها فأحسست أني رُددت إلى الوراء، فترددت لحظة قصيرة واضطربت أيضًا وجردت خنجري من قرابه ورحت أضرب به داخل المخبأ، ولكن التفكير السريع أعاد إلى نفسي الاطمئنان فوضعت يدي على البناء المتين وأحسست بالارتياح والرضى. وعدت إلى الحائط الذي أرفع بناءه وأجبت الصارخ من ورائه … رجّعت صدى صوته … أعنته … بذذته بأعلى من صياحه وأشد … فقرت الضجة وعادت السكينة. وكان الليل قد انتصف وقارب عملي ختامه، فقد أتممت المدماك الثامن فالتاسع فالعاشر، ولم يبق على تمام الحادي عشر إلا حجر واحد أضعه في مكانه وأمسح عليه، فحملته بجهد وشرعت أضعه، ولكن ضحكة ضعيفة ارتفع بها الصوت إليّ من أعماق المخبأ، فوقف لها شعر رأسي، وتلاها صوت حزين كان من العسير أن أصدق أنه صوت فورتيناتو النبيل، وكان الصوت يجري هكذا: «ها ها ها … هي هي هي … يا لها من فكاهة … مزحة ظريفة جدًّا … سنضحك كثيرًا حين نعود إلى القصر … ها ها ها … على الشراب … ها ها ها.» فقلت: «الأمونتيللادو.» فردد ضحكته وكلمتي: «هي هي هي … ها ها ها … نعم الأمونتيللادو … ولكن ألسنا قد تأخرنا جدًّا …؟ سيطول عليهم الانتظار في القصر … السيدة فورتيناتو والبقية … فلنذهب.» قلت: «نعم فلنذهب.» فصاح: «أستحلفك بالله يا مونتريزور.» فقلت: «نعم أستحلفك بالله.» وعبثًا انتظرت أن أسمع جوابًا لهذا، فضجرت وصحت: «فورتيناتو»، فلم أسمع جوابًا، فصحت مرة أخرى «فورتيناتو.» فلم يتأد إليّ صوت، فدفعت يدي بالمشعل من الفرجة الضيقة الباقية وتركته يقع، فلم أسمع سوى رنين الأجراس، فأحسست بقلبي يعصره شيء، من جراء الرطوبة في هذه المقبرة. فأسرعت وأتممت عملي وثَبَّتُ الحجر الأخير في مكانه وطليته بالطين، ثم رصصت على البناء الجديد العظام القديمة، وقد مضى نصف قرن لم يزعجها فيه شيء. هوامش (١) السمادير ما يتراءى للإنسان من السكر. (٢) سج الحائط مسحه بالطين أو نحوه والمسجة التي يطلى بها. (٣) الجديرة: مجموعة من الصخور. (٤) المدماك الصف من الحجارة المبنية، ولفظه عربي صحيح. مختارات من القَصَص الإنجليزي
شجرة الميلاد ثلاثة أفرع (١) الفرع الأول: «نفسي» احتفظت بسر واحد في حياتي، ذلك أني رجل حيي. وما من أحد يخطر له ذلك، وما من أحد خطر له ذلك، وما من أحد يمكن أن يخطر له ذلك، ولكني بطبيعتي رجل حيي. وهذا هو السر الذي لم تضطرب به شفتاي قبل اليوم. وفي وسعي أن أحرك نفس القارئ ببيان الأماكن العديدة التي اتقيت أن أذهب إليها، والناس الكثيرين الذين اجتنبت أن أزورهم أو أن أستقبلهم، وما اضطررت أن أتحاماه من المجتمعات لا لسبب سوى أني بطبيعة تكويني، وما بنيت عليه فطرتي، رجل حيي. غير أني أؤثر أن أدع نفس القارئ ساكنة، وأن أمضي إلى غايتي. وغايتي هي أن أروي ما كان من رحلتي إلى فندق شجرة الميلاد، وما وقفت عليه فيه هناك حيث ضرب عليّ الجليد نطاقًا. وكان ذلك في عام ستظل ذكراه باقية، فارقت فيه «أنجيلا ليث» إلى غير رجعة، وكنت أهم بزواجها، فعلمت أنها تؤثر صديقي الحميم «إدوين»، وكنت منذ عهد التلمذة أقر له فيما بيني وبين نفسي بالتفوق والمزية والرجحان. وقد حز في نفسي تفضيلها له ولكني لم يسعني إلا أن أدرك أن الأمر طبيعي، فحاولت أن أصفح عنهما، وانتويت الرحيل إلى أمريكا، في طريقي إلى الشيطان. ولم أفض بشيء مما علمت إلى أنجيلا أو إدوين، وقلت أبعث إلى كل منهما بكتاب أضمنه دعائي لهما وعفوي عنهما، ويحمله عامل السفينة إلى صندوق البريد، على حين أكون أنا موليًا وجهي شطر العالم الجديد — أقول إني دفنت حزني في صدري، وعزيت نفسي بما وطنتها عليه من التسامح والمروءة، وفارقت كل ما هو عزيز عليّ، وشرعت في هذه الرحلة الموحشة التي أسلفت الإشارة إليها. وكان الشتاء على أشد ما يكون قرصًا حين غادرت بيتي إلى الأبد، في الساعة الخامسة صباحًا. ولا أحتاج أن أقول إني حلقت ذقني على ضوء شمعة، وإن البرد كان يهرؤني هراءة شديدة، وإني كنت أحس كأني قمت من النوم لأشنق، وهو إحساس مقترن عندي بالنهوض قبل الأوان في مثل هذه الأحوال. وما زلت أذكر جهامة «فليت ستريت»، لما خرجت إليه من حي «التمبل» وكانت ألسنة المصابيح تضطرب من زفيف الرياح النكباء، حتى لكأن الغاز نفسه قد تقبض من البرد. وكنت أرى أعالي البيوت البيضاء، وصفحة السماء المقرورة، والنجوم فيها خفاقة اللمعان، والساعين إلى الأسواق وغيرهم من المبكرين وهم يهرولون ليدور في عروقهم الدم الذي كاد يجمد، وألمح الضوء، وأكاد أحس الدفء من المقاهي القليلة المفتوحة لأمثال هؤلاء الزباين، ولا يسعني إلا أن أشعر بالبَرَد الذي كان الهواء يجلد به وجهي كالسوط. وكان باقيًا على نهاية الشهر وختام العام تسعة أيام، وكانت السفينة الذاهبة إلى الولايات المتحدة ستغادر ميناء «ليفربول» — إذا كان الجو ملائمًا — في اليوم الأول من الشهر التالي، فأمامي فسحة من الوقت، فخطر لي أن أزور مكانًا (لا داعي لذكر اسمه) على الحدود القصوى لمقاطعة يوركشير. يذكّرنيها دائمًا، ويحببها إليّ أني التقيت فيها أول ما التقيت بأنجيلا في بيت ريفي، وقد أحسست أن مما هو خليق أن يخفف لواعجي، أن أودع هذا المكان قبل أن أنفي نفسي، ويحسن أن أقول هنا إني أردت أن أمنع البحث عني قبل إمضاء عزمي، فكتبت إلى أنجيلا ليلًا قبل رحيلي — كما كانت عادتي — أقول لها إن عملًا لا يحتمل الإرجاء، ستعرف تفاصيله فيما بعد، استوجب سفري وغيابي أسبوعًا أو عشرة أيام. ولم تكن السكة الحديدية الشمالية قد مُدت في ذلك الحين، وكان الانتقال والسفر بالمركبات التي أراني أحيانًا — كغيري من الناس — أتكلف الأسف على زوال عهدها، وإن كان كل امرئ يفرق من ركوبها ويعده عذابًا غليظًا. وكنت قد احتفظت بمقعد إلى جانب الحوذي على أسرع هذه المركبات، وكان همي الآن أن أركب شيئًا ومعي حقيبتي إلى نزل «البيكوك» في أسلنجتون وهناك أنضم إلى الركب. ولكن الحمال الذي كانت معه حقيبتي روى لي أن كتلًا عظيمة من الجليد سابحة منذ بضعة أيام في النهر تلاقت في الليل وصارت معبرًا في النهر من «حدائق التمبل» إلى شاطئ «ساري»، فلما سمعت هذا رحت أسأل نفسي «أليس مقعدي إلى جانب الحوذي خليقًا أن يضع نهاية سريعة مقرورة لشقائي؟» ولا شك أني كنت محزونًا كسير القلب، ولكني لم أكن قد بلغت من ذاك مبلغًا يرغبني في الموت بردًا. ولما بلغت نزل البيكوك — حيث ألفيت كل امرئ يحتسي شرابه حارًّا التماسًا للمحافظة على الذات — سألت هل في المركبة مقعد داخلي؟ على أني تبينت أني — في الداخل والخارج — الراكب الوحيد. وكان هذا مما زاد شعوري بشدة الشتاء وسوء الجو، فقد كان الإقبال على هذه المركبة خاصة عظيمًا. واحتسيت شيئًا من الشراب ألفيته سائغًا جدًّا، وركبت فغطوني بالقش إلى وسطي، وبدأت رحلتي وأنا شاعر بما في منظري من بواعث الإضحاك والسخرية. وغادرنا «البيكوك» والدنيا ما زالت ملفوفة في مثل الشملة من الظلام، وكانت أشباح البيوت والأشجار تبدو غائمةً باهتة كأنها منظورة من خلال الضباب ثم طلع النهار جامدًا أسود مصرورًا. وكان الناس يضرمون النار في مواقدهم والدخان يرتفع مستقيمًا ذاهبًا في طبقات الهواء الرقيق، ونحن نقرقر بمركبتنا إلى «هايجيت ارشوي» على أوعر أرض رن عليها حافر. ودخلنا في الريف فخيل إليّ أن كل شيء قد شاخ وعلته شيبة — الطرق والأشجار والسقوف والبيادر — وقد ترك الناس العمل خارج البيوت، وتجمد الماء المعد لشرب الجياد، وخلت الطرق من العابرين، وأحكم إيصاد الأبواب، وعلت ألسنة النار في بيوت الحراس الصغيرة، وجعل الأطفال (حتى الحراس لهم أطفال ويبدو عليهم أنهم يحبونهم) يمسحون الغيم عن الزجاج بسواعدهم البضة لتأخذ عيونهم اللامعة منظر المركبة الفريدة المارة بهم. ولا أدري متى بدأ البَرَد يتكاثف، ولكني أدري أننا كنا نغير الخيل في مكان ما فسمعت الحارس يقول إن السماء جادة في إلقاء الثلج علينا، فنظرت فألفيته يسقط علينا بسرعة وكثرة. وانقضى النهار الموحش وقد نمته كما يفعل المسافر المستفرد، وأحسست بالدفء والقوة والشجاعة بعد الطعام والشراب — ولا سيما بعد العشاء — أما ما خلا أوقات الطعام فإني لا أحس فيه إلا بالانقباض. وكنت ذاهلًا عن الزمان والمكان، وأكاد أكون في غير وعيي. وكانت المركبة والجياد كأنما تشدو بلحن لا ينقطع ولا يختلف حتى لأزعجتني الدقة في ذلك، وبينما كانت الخيل تغيّر كان الحراس يدبدبون وهم يتمشون رائحين غادين، ويتركون آثار أحذيتهم على الثلج ويُفرغون في بطونهم من الشراب مقادير عظيمة لم تؤثر فيهم، فلما دخل الظلام مرةً أخرى اختلط عليّ أمرهم ببرميلين كبيرين هناك. وتعثرت الخيل في مواضع فأنهضناها، وكان هذا خير ما حدث لي وأمتع ما وقع لأنه أشعرني الدفء. وكان الثلج لا يزال يسقط، ويسقط ولا يكف عن السقوط. وظل الحال على هذا المنوال طول الليل. وهكذا دارت الساعة دورتها وعدنا إلى الطريق على أصوات الحوافر والعجلات، بينما كانت السماء ماضية في إلقاء الثلج علينا لا تكف عن ذلك ولا تني أو تفتر. وقد نسيت أين كنّا ظهر اليوم الثاني، وأين كان ينبغي أن نكون، ولكني أعلم أنّا كنا متأخرين عشرات من الأميال، وأن الحال كان يزداد سوءًا ساعةً بعد ساعة، فقد أخذ الثلج المتساقط يعلو جدًّا والمعالم تختفي فيه، وصارت الطرق والحقول شيئًا واحدًا، وبدلًا من أن تكون هناك حواجز وأسوار تهدينا في سيرنا كنا نخبط فوق سطح أبيض متصل غير منقطع قد يخوننا في أية لحظة فنرتمي على سفح تل. ولكن الحوذي والحارس — وكانا معًا لا ينفكان يتشاوران ويديران عيونهما فيما حولهما — استطاعا أن يسددا خطوات الجياد بدقة مدهشة. وكنا إذا صارت بلدة على مرأى منا يخيل إليّ أنها تشبه رسمًا كبيرًا على أردواز١ وأن الكنائس والبيوت — حيث الثلج أكثف — كانت أوفر حظًّا من التخطيط. وكنا ندنو من البلدة فنلقى ساعات الكنائس كلها قد تعطلت ووجوهها قد غطاها الثلج وأسماء الفنادق قد محيت فيبدو لنا المنظر كأنما هو مكسو بالنبات الأبيض. أما المركبة فقد صارت كرة من الثلج. كذلك الرجال والأطفال الذين كانوا يعدون إلى جانبنا إلى آخر البلدة ويساعدون على إدارة العجلات المرتطمة ويستحثون الجياد اللاهثة — هؤلاء أيضًا كانوا في رأي العين رجالًا وأطفالًا من الثلج. أما البيداء الموحشة التي تخلفوا عنا على تخومها فقد كانت صحراء ثلجية. وكان المرء معذورًا إذا توهم أن الطبيعة بلغت غاية مجهودها، وأنه ليس فوق ما صنعت زيادة لمستزيد، ولكني أقسم أن السماء ظلت تثلجنا وتثلجنا ولا تزال تثلجنا ولا تكف أو تني عن ذلك أو تفتر. ولبثنا على هذا الحال النهار كله لا نرى شيئًا خارج البلدان والقرى غير الآثار التي يتركها القاقم والأرنب والثعلب والطير أحيانًا. وفي الساعة التاسعة ليلًا نبهتني نفخة مرحة في بوق المركبة وأصوات أناس تستبشر بها النفس وحركات مصابيح وإذا نحن قد وقفنا في ساحة من أرض يوركشير لتغيير الخيل. وساعدوني على النزول فقلت لخادم صار رأسه العاري أبيض كرأس الملك لير في دقيقة واحدة: «أي فندق هذا؟» قال: «فندق شجرة الميلاد.» فالتفت إلى الحوذي والحارس بهيئة المعتذر وقلت: «أظن أنه لا بد لي أن أتخلف هنا.» وكان صاحب الفندق وامرأته وكل من في المكان من خدم وعمال قد سألوا السائق على مرأى ومسمع من بقية من هناك من المتطلعين المتلهفين على الجواب: هل ينوي أن يستأنف السفر فكان جوابه: «نعم سأمضي بها (يريد المركبة) إذا لم يتخل عني جورج.» وكان جورج هذا هو الحارس وكان قد أقسم أن يظل معه. ولهذا راح الرجال يخرجون الخيل. ولم يكن إقراري بالهزيمة بعد هذا الحديث إعلانًا بغير تمهيد، بل الواقع أنه لولا أن مهد لي الحديث طريقي إلى إعلان عزمي لكان من المشكوك فيه — وأنا رجل حيي — أن أجترئ على ذلك. على أن رغبتي قوبلت بالرضى حتى من الحارس والحوذي. ولهذا وبعد أن عززت رغبتي وسمعت ملاحظات شتى من بعض الواقفين وهم يتحادثون، ومن بينها أن: «السيد يستطيع أن يسافر مع البريد غدًا. أما الليلة فليس أمامه إلا أن يموت بردًا. وأي خير في أن يموت امرؤ بردًا؟ آه، ودع عنك دفنه حيًّا! (العبارة الأخيرة مما زاده رجل هزّال على سبيل المزاح، على حسابي، وقد قوبلت أحسن مقابلة). أقول إني، بعد ذلك رأيت حقيبتي تخرج من المركبة وكأنها جسم متجمد، وبذلت للحوذي والحارس ما فيه رضاهما وحييتهما وتمنيت لهما رحلة موفقة وسفرًا سعيدًا، ثم تبعت صاحب الفندق وامرأته وخادمه إلى الطبقة الثانية، وأنا خجل من ترك الرجلين يكافحان وحدهما. وخُيل إليّ أني لم أر في حياتي غرفة في سعة هذه التي مضوا بي إليها. وكان لها خمس نوافذ عليها ستائر حمراء داكنة تستطيع أن تمتص الضوء من زينة عامة، وكانت رءوس هذه الأستار محلاة بضروب معقدة من النسيج ممتدة على الحائط على نحوٍ عجيب. وقد طلبت أن تكون غرفتي أصغر، فقالوا إنه ليس ثمّ ما هو أصغر من هذه ولكن في وسعهم أن يضعوا لي سترًا متحركًا. وجاءوني بستر ياباني عليه صور أناس (يابانيين على ما أظن) يباشرون أعمالًا سخيفة وتركوني أُشوى أمام نار عظيمة. وكانت غرفتي هذه على مسافة ربع ميل أو حوالي ذلك من بداية دهليز طويل يفضي إليه سلم عظيم. وقل من يدرون أي عذاب يحدثه هذا لِرجل حييّ. يؤثر ألا يلتقي بأحد على درجات السلم. وكانت الغرفة أكلح ما جثم على صدري فيه كابوس. وكان كل ما فيها من أثاث ضخمًا عالي الظهر مستدق الوسط كالمغزل ولا أستثني من ذلك عمد السرير الأربعة والشمعدانيين الفضيين القديمين. وكنت فيها إذا أطللت بوجهي من وراء الستر المتحرك، يهجم عليَّ تيار الهواء كأنه الثور المجنون، وإذا بقيت لا أريم مكاني على مقعدي اشتد عليَّ حر النار وتركتني كالآجرة الجديدة، وكانت الصفّة التي فوق الموقد عالية جدًّا وعليها مرآة سوء، أستطيع أن أقول إنها «متموجة» فكنت إِذا وقفت ونظرت فيها أرتني ما ينمو فوق رأسي، وقلما يكون ما فوق الحاجبين منظرًا حسنًا، وإذا أوليت الموقد ظهري استقبلت قبوًا جهمًا من الظلام فوقي، وفيما وراء الستر لا سبيل إلى تحويل العين عنه، وكانت الأستار العشرة على النوافذ الخمس تتلوى وتمسح الجدران كأنها عش من الديدان العظيمة. وأحسب أن ما أراه في نفسي لا بد أن يراه في أنفسهم غيري ممن لهم مثل طباعي وفطرتي، ومن أجل هذا أجترئ على القول بأني في أسفاري ما نزلت بمكان قط إلا وددت أن أبادر إلى الخروج منه، فقبل أن أرفع يدي عن عشائي — وكان قوامه دجاجة محمرة ونبيذًا معتقًا ساخنًا — شرحت للخادم بالتفصيل تدابير رحيلي في الصباح: الإفطار ومعه بيان التكاليف في الساعة الثامنة … والسفر في الساعة التاسعة … جوادان … أو إذا احتاج الأمر إلى أكثر فأربعة … وكنت متعبًا مكدودًا، ولكن الليل مع ذلك طال علي حتى لكأنه أسبوع. وكنت في فترات الراحة من الكابوس أفكر في أنجيلا. وضاعف شعوري بالهم والحزن أني في مكان على أقصر طريق إلى «جريتنا جرين.» وما لي أنا وجريتنا جرين؟ … وحدثت نفسي بمرارة أني لست ماضيًا إلى الشيطان عن هذا الطريق، بل عن طريق أمريكا … وفي الصباح علمت أن الثلج ظل يسقط طول الليل، ورأيت أنه ما زال يسقط، وأدركت أني في نطاق من الجمد. وما من شيء يستطيع أن يخرج من هذا المكان أو يأتي إليه قبل أن يجيء العمال ويرفعوا الثلج عن الطريق. ومتى يشقونه إلى هذا الفندق؟ لا يعلم أحد. وصرنا في يوم عيد الميلاد. وهو عيد لا اغتباط لي به في هذا العام في أي مكان على كل حال، فلا قيمة للأمر من هذه الناحية، ولكن احتباسي هنا كان أشبه بالموت بردًا، وهو أمر لم يكن لي في حساب. وأحسست بوحشة. ومع ذلك لم أستطع أن أقترح على صاحب الفندق وامرأته أن يأذنا لي في مجالستهما (وكان هذا خليقًا أن يسرني) كما لا أستطيع أن أطلب إليهما أن يهديا إليّ شيئًا من الآنية! وها هنا محل الإشارة إلى سري الأكبر، وأعني به أني رجل شديد الحياء بالفطرة، ومن عادة الرجل الحيي أنه يتوهم أن غيره مثله. لهذا خجلت أن أرجو منهما أن يضماني إلى مجلسهما، بل كبر في وهمي أن هذا قد يحدث لهما ارتباكًا شديدًا. لهذا بدا لي أن خير ما أصنع هو أن أستقر في غرفتي، فسألت هل هنا شيء يقرأ؟ فجاءني الخادم بكتاب عن الطرق، وصحيفتين أو ثلاث قديمة، وكتاب أغان صغير، ينتهي بمجموعة من «الأنخاب» وكتاب نكت، ونسخة قديمة من «بريجرين بيكل» و«الرجعة العاطفية» وكنت أعرف كل حرف من الكتابين الأخيرين، ولكني مع ذلك قرأتهما مرةً أخرى، ثم حاولت أن أشدو بالأغاني، ولم تفتني نكتة مما في كتابها، وقد وجدت فيها ذخرًا من الكآبة واءمت حالتي النفسية! واقترحت على نفسي كل الأنخاب المدونة وأعربت عن جميع العواطف المسجلة، وحفظت ما في الجرائد عن ظهر قلب، ولم يكن فيها سوى إعلانات عن بضائع وبيان عن اجتماع وخبر عن حادثة سطو في الطريق. ولما كنت منهومًا بالقراءة فقد التهمت ما أعطونيه قبل دخول الليل، بل لقد فرغت منه كله قبل وقت الشاي، ولم يبق لي إلا ما أستطيع أنا تدبيره لتزجية الوقت، فقضيت ساعة أفكر فيما عسى أن أصنع بعد ذلك. وأخيرًا خطر لي (فقد كان يعنيني أن أنقي من رأسي كل خاطر له صلة بأنجيلا وإدوين) أن أنشر المطوي مما وعته الذاكرة من تجاربي المقترنة بالفنادق، وأنظر أي وقت يذهب في ذلك، فحركت النار وأدنيت كرسيًّا من الستر المتحرك — ولم أجرؤ أن أدنو جدًّا مخافة أن تهجم عليّ الريح المتربصة وراءه، وكنت أسمع صوتها — وبدأت. أقدم ما أذكر من أمر الفنادق يرجع إلى عهد الطفولة، لهذا كررت راجعًا إلى ذلك العهد واتخذت منه بداية، فألفيت نفسي على ركبة امرأة شاحبة الوجه ضيقة العينين، قنواء الأنف، خضراء الثوب، لا تعرف من الأقاصيص إلا واحدة عن سري من أهل الناحية كان ضيوفه يختفون بلا سبب، ومضت سنوات ثم ظهر أن همه من حياته أن يصنع من لحومهم «فطيرًا» ولكي يكون تخليه أتم لهذا الضرب من الصناعة وتوفره عليه أرقى أنشأ بابًا سريًّا خلف رأس السرير، فإذا نام الضيف (المتخوم بالفطير) دخل عليه هذا الشرير وفي إحدى يديه مصباح وفي الأخرى سكين وقطع رقبته ثم طبخه وصنع منه فطيرًا. ولهذا اتخذ في موضع مستور تحت السرير مراجل لا تفتأ تغلي. وكان يحدو رقاقه هذا في فحمة الليل، ومع ذلك لم يسلم من وخز الضمير، فما نام قط إلا تمتم «الفلفل كثير» فما لبث أن أسلمته التمتمة إلى العدالة. وما كدت أفرغ من قصة هذا المجرم حتى تذكرت أخرى من مخلفات ذلك العهد عن رجل كانت صناعته في الأصل السطو على البيوت، وقد جر عليه ذلك صلم أذنه اليمنى في إحدى الليالي بينما كان يهم بالدخول من نافذة، صلمتها له خادمة جميلة قوية القلب (كانت العجوز ذات الأنف الأقنى وإن كانت أبعد خلق الله عن هذا الوصف، تدع السامع يتوهم أنها هي تلك الخادمة الحسناء الجريئة). وبعد سنين عدة زُفت هذه الغيداء الباسلة إلى صاحب فندق وكانت له عادة غريبة هي أنه يلبس قلنسوة من حرير لا ينزعها أبدًا في ليل أو نهار كائنة ما كانت الأحوال. ففي إحدى الليالي نزعت هذه المرأة الجميلة الجريئة قلنسوته عن أذنه اليمنى فإذا هي مصلومة! فأدركت أنه هو اللص الذي قطعت له أذنه وأنه تزوجها ليفتك بها، انتقامًا منها، فأسرعت إلى السفود أو المحضاء فأحمته وقضت به عليه قبل أن يقضي عليها، فحملوها إلى الملك جورج على عرشه حيث تقبلت منه الثناء الملكي السامي على حكمتها وعقلها وشجاعتها. وكانت هذه القصاصة العجوز، على ما تبينت من زمان طويل، تجد لذة وحشية في إرعابي وإطارة صوابي من الخوف، وقد روت لي ما زعمته قصة واقعية من تجاربها ولكني أعتقد أنها مولدة من رواية «ريموند واجنز أو الراهبة الدامية» وقد قالت: إن الحادثة وقعت لزوج أختها، وكان على ما ادعت غنيًّا جدًّا، ولم يكن أبي كذلك. وكان يسر هذه العجوز الغولية المزاج أن تعرض أقاربي الأدنين وأصدقائي على عقلي الصغير، في صور مستهجنة. قالت: وكان قريبها هذا يخترق غابة وهو ممتط صهوة جواد أصيل (ولم يكن لنا جواد أصيل) يتبعه ويمشي في ركابه كلب قوي لا يقوَّم بمال (ولم يكن لنا كلب). وأمسى عليه الليل وهو سائر فعرج على فندق ففتحت له الباب امرأة سمراء فسألها: هل يجد عندها سريرًا؟ فقالت: نعم، وأدخلت حصانه الإسطبل ومضت به هو إلى غرفة فيها رجلان أسمران، وبينما كان يتمشى شرع ببغاء، كان في الغرفة، يتكلم ويقول: «الدم! الدم! امسحوا الدم!» فنهض إليه أحد الرجلين الأسمرين ولوى عنقه فمات، وعاد وهو يقول: إنه يحب الببغاوات المحمّرة، وأنه سيفطر بهذا في الصبح. وبعد أن أكل صاحبنا الغني جدًّا وشرب حتى هنئ صعد لينام، ولكنه كان ساخطًا لأنهم حبسوا كلبه في الإسطبل زاعمين أنهم لا يسمحون بترك الكلاب طليقة في الخان. ولبث ساكنًا أكثر من ساعة يفكر، ولما أشفت شمعته على الفناء سمع صوت حك بالباب ففتحه وإذا بكلبه وراءه، ودخل الكلب على مهل وجعل يشم ثم مضى رأسًا إلى قش في ركن، قال أحد الرجلين الأسمرين: إنه يغطي تفاحًا، ونثر الكلب القش فكشف عن ملاءتين ملوثتين بالدم، وفي هذه اللحظة انطفأت الشمعة، ونظر صاحبنا من ثقب بالباب فألفى الرجلين الأسمرين يصعدان على أطراف أصابعهما ومع أحدهما خنجر يبلغ طوله خمس أقدام، ومع الثاني ساطور وغرارة وفأس. وقد نسيت بقية القصة وأحسب أن الرعب أورثني الخدر وأفقدني القدرة على الإصغاء حوالي ربع ساعة. وانتقلت من هذه الأقاصيص — وأنا قاعد أمام الموقد في فندق شجرة الميلاد — إلى قصة خان «رودسَيد»، وكيف ضبط صاحبه إلى جانب سرير الضيف المقتول، وسكينه عند قدميه، والدم على يديه. وكيف شنقوه على الرغم من قوله إنه صعد إليه ليقتله ولكنه جمد في مكانه إذ وجده قد ذبح قبل ذلك، وكيف أنه بعد سنين عدة، اعترف خادم الخان بالقتل. ولما بلغت إلى هنا في نشر المطوي من ذكرياتي، استولى عليّ القلق فنهضت وحركت النار وأوليتها ظهري ولبثت هكذا حتى لم أعد أطيق حرها، وكنت أحدق في الظلام الحالك وراء الستر، وأنظر إلى الستائر التي تتحرك كالديدان في أنشودة «أَلونزو الشجاع وإيموجين الحسناء». وتذكرت خانًا في البلدة التي دخلت مدرستها، ولما كانت ذكرياته أحلى وأشرح للصدر، فقد تناولتها وأحييتها. كان ذلك خانًا ينزل فيه الأصدقاء وكنا نحن نقصد إليه فيسخو علينا صاحبه بما عنده، وكنت مجنونًا بحب ابنته — ولكن دع هذا — وفي هذا الخان حنت عليّ أختي الصغيرة وهي تبكي لأن عيني ورمت في ملاكمة. وقد ذهبت أختي منذ سنوات طويلات المدد، إلى حيث تجف العبرات، ولكن هذه الذكرى، على بعد مسافة الزمن، عطفت قلبي عليها ورققته لها. وتناولت شمعتي ومضيت إلى سريري وأنا أقول: «البقية تأتي غدًا.» ولكن سريري تكفل بإبقاء خواطري في هذا المجرى، فألفيتني أُحمل، على مثل البساط المسحور، إلى مكان قصيّ (وإن كان في إنجلترا)، وهناك نزلت من مركبة عند باب خانٍ والسماء تثلجنا. وأعدت وأنا نائم تجربة غريبة وقعت لي بالفعل. ذلك أنه قبل هذه الرحلة التي كرت بي الذاكرة إليها، بأكثر من عام، تُوفي صديق لي كان عزيزًا علي وأثيرًا عندي، فصرت أراه كل ليلة في أحلامي سواء أكنت راقدًا في بيتي أم في غيره، وكان يبدو لي تارةً كأنه ما زال حيًّا، وطورًا كأنه عائد إليّ من عالم الأرواح والأشباح ليعزيني ويسليني، ولكنه دائمًا جميل، ساكن، سعيد، لا يُجري في البال أو يحرك في النفس أي معنى من معاني الجزع والأسى. وكان الخان الذي نزلت فيه بعد ذلك الحادث في رقعة فسيحة من الريف، وبعد أن أشرفت من نافذة غرفتي على الثلج الذي يكسو الأرض ويضيئه القمر، جلست إلى جانب الموقد لأكتب رسالة. وكنت إلى تلك اللحظة قد حرصت على أن أكتم أني أرى صديقي العزيز الذي فقدته، في منامي كل ليلة. فدونت هذا في الرسالة التي كتبتها وزدت على ذلك أني أريد أن أرى هل يظل موضوع أحلامي ثابتًا على الوفاء لي على الرغم من بعد الشقة (في هذا المكان) ومن تعب السفر ومجهوده؟ … كلا … فقدت الخيال لما بحت بالسر! ولم تكتحل به عيني سوى مرة واحدة في ستة عشر عامًا، بعد ذلك … وكنت في إيطاليا، فاستيقظت (أو خيل إليّ أني استيقظت) وفي مسمعي ذلك الصوت الذي لا يُنسى، كأوضح ما يكون، وأنا أحدثه، فتوسلت إليه — وهو يسمو فوقي، ويحلق ذاهبًا في الهواء، صاعدًا إلى قبة الغرفة العتيقة — أن يجيبني عن سؤال لي عن الحياة الأخرى. وكانت يداي لا تزالان مبسوطتين إليه بالرجاء والتوسل لما اختفى. فسمعت جرسًا يدق على كثب من الحديقة وصوتًا في سكون الليل العميق يدعو المسيحيين الصادقين أن يصلوا لأرواح موتاهم ويترحموا عليهم … وكان ذلك اليوم، يوم عيد الموتى … وأعود إلى فندق شجرة الميلاد الذي أنا فيه، فأقول إني لما استيقظت في صباح اليوم التالي ألفيت الجمد على حاله، والسماء الدانية المسفة تنذر بالمزيد، فأفطرت ثم ارتددت بالكرسي إلى مكانه السابق، واستأنفت ذكريات الخانات … كان هناك خان حسن في «ويتشير»، نزلت فيه مرة، وكان ذلك أيام كانت «ويتشير» تصنع جعتها القوية، وقبل أن تفسد الجعة ولا يبقى منها إلا المرارة. وكان الخان على تخوم سهل سالسبري، وكانت رياح الليل التي يخشخش لها شباكي تهب نائحة من «ستونهنج»، وكان هناك خادم أشيب طويل الشعر، عينه زرقاء كأنها حجر الزناد، وكان لا ينفك شاخصًا ببصره مرسلا طرفه إلى بعيد، وكانت دعواه أنه راع قديم، وكان يبدو للناظر أنه يرقب أن يظهر على خط الأفق شبح قطيع من الغنم أكل من أزمنة مديدة. وكان له اعتقاد غريب، هو أنه ما من إنسان يستطيع أن يعد حجارة ستون هنج مرتين، ولا يختلف العدد، وأن من عدها ثلاثًا في تسع ثم وقف وقال: «إني أتحدى» ظهر له شبحٌ هائل فيموت على المكان. وقد ادعى أنه رأى الحُبارى على النحو الآتي: قال إنه خرج إلى السهل في مساء يوم في أخريات الخريف، فلمح شيئًا غامضًا يحجل حجلانًا٢ متقطعًا فظنه لأول وهلة مظلة مركبة أطارتها الريح عنها، ثم توضّحه فاعتقد أن هذا قزم قميء على مُهر صغير. وراح يتبع هذا الشيء مسافة، ولا يدركه، ويناديه ويهيب به ولا يتلقى جوابًا، فجعل يذنُبه أميالًا وأميالًا، حتى لحقه أخيرًا، فإذا به آخر حُبارى في بريطانيا العظمى، وقد انحطت وفقدت جناحيها وصارت تمشي على الأرض! وآلى ليقنصنها أو يموت، فهجم عليها، ولكن الحبارى كانت قد اعتزمت هي أيضًا ألا تموت وألا يقنصها أحد، فكرت عليه وصرعته، وشوهدت بعد ذلك تسير غربًا. وهذا الرجل الغريب الشأن لعله كان في تلك المرحلة من تطوره، ممن يمشون وهم نائمون، أو لصًّا، أو غير ذلك. ولكني استيقظت ليلة فألفيته في الظلام إلى جانب سريري يرتل بأعنف صوت وأقواه، فدفعت إلى الخان حسابه في اليوم التالي ورحلت عن المقاطعة كلها بأقصى ما يسعني من السرعة. وفي خانٍ صغير في سويسرا وقعت حادثة ليست عادية، وأنا نازل به. وكان الخان أشبه بالبيت، في قرية ليس فيها إلا زُقاق ضيق يلتوي بالسالك في الجبل، وكان المدخل الرئيسي للخان من حظيرة البقر، ثم يمر الإنسان بالبغال والكلاب والطيور قبل أن يرتقي في السلم الكبير العاري إلى الغرف التي كانت مصنوعة من خشب بلا تمليس أو دهان أو ورق، فكأنها صناديق للتعبئة. ولم يكن هناك، فيما عدا الخان، سوى الزقاق الملتوي وكنيسة صغيرة ذات قبة نحاسية اللون، وغابة صنوبر، وغدير، ثم الضباب وجوانب الجبل. وكان في الخان شاب اختفى منذ ثمانية أسابيع (وكان الوقت شتاء) وقيل، على الظن، إن حبًّا له خاب، فانتظم في سلك الجندية. وذكروا أنه نهض من فراشه في الليل وألقى بنفسه في الزقاق من الغرفة التي يشاركه فيها رجل آخر. وقد استطاع أن يتسلل من الفراش ويثب من النافذة ويسقط على الأرض في أتم سكينة، حتى إن زميله ورفيقه لم يسمع أي صوت، وظل مستغرقًا في نومه العميق حتى أيقظوه في الصباح وسألوه: «لويز، أين هنري؟» وراحوا يبحثون عنه في كل مكان، ثم يئسوا فأقصروا. وكان هناك أمام الخان — ككل مسكن في القرية — كوم من خشب الوقود، ولكن كوم الخان كان أعلى وأكبر من غيره من الأكوام، لأن الخان كان أكبر المنازل وأثراها وأحوجها إلى الوقود الكثير، وقد لوحظ، أثناء البحث عن الغائب، أن ديكًا من ديكة الخان كان يدع رفاقه ويزهد في معاشرة الدجاجات، ويأبى إلا أن يصعد إلى قمة كوم الخشب، ويظل هناك ساعات وساعات وهو يصيح حتى ليكاد ينشق ويتفطّر. ومضت خمسة أسابيع، وانقضى الأسبوع السادس، وهذا الديك الفظيع لا يزال يهمل واجباته البيتية، ولا يكف عن الارتقاء إلى قمة الكوم، ولا يفتر عن الصياح وإن كانت عيناه تكادان تخرجان من قوة الصوت وعنفه. ولوحظ في ذلك الوقت أيضًا أن لويز امتلأ قلبه بغضًا لهذا الديك الفظيع وسخطًا عليه، ففي صباح يوم رأته امرأة كانت جالسة إلى نافذتها في خيط من أشعة الشمس الفاترة، تعالج غدتها الدرقية، أقول رأته هذه المرأة يتناول جذلًا من الحطب، وهو يسب ويلعن، ويرمي به الديك الصائح على رأس الكوم فيقتله. وفي هذه اللحظة انبثق النور في رأس المرأة فخفّت إلى الكوم من الخلف، وكانت تحسن التسلق كغيرها من نساء هذه الناحية، فارتقت إلى رأس الكوم وصوبت عينها ثم انطلقت تصرخ وتصيح: «اقبضوا على لويز القاتل!» وقد رأيت هذا القاتل في ذلك اليوم. وإني لأراه الآن وأنا جالس بجوار الموقد في فندق شجرة الميلاد، وهو مقيد بالحبال وملقى على القش في الإسطبل، وعليه عيون البقر الوديعة، وأنفاسها المتدخنة، وهو ينتظر مقدم البوليس، ويتلقى نظرات السخط من أهل القرية. وكان وهو ملقى في الحظيرة يبدو لي أنه حيوان غليظ — بل إنه أبلد ما في الإسطبل — رأس سخيف، ووجه هو كتلة من البهيمية، ولا أثر هناك لإحساس. وقد كان الشاب المقتول يعلم أن قاتله اختلس مبالغ شتى صغيرة من مال سيده، فيظهر أنه لجأ إلى وسيلة القتل ليخلو له وجه حياته من هذا الذي قد يتهمه يومًا ما، بما يعلم. وقد اعترف القاتل بهذا كله في اليوم التالي كأنما أراد أن يفرغ من الأمر كله بعد أن قبضوا عليه وانتووا أن يقتصّوا منه. ورأيته مرةً ثانية يوم رحلت من الخان. ولا يزال السياف في هذه الناحية يعمل عمله بالسيف، وقد رأيت هذا القاتل قاعدًا على كرسي ومشدودًا إليه، فوق منصة في سوق صغيرة، وكانت عيناه معصوبتين، ثم لمع سيف صقيل ماض «نصله مسقى بالزئبق» وخفق حوله كالريح أو النار، فلم يبق وجود لمخلوق كهذا في الدنيا. ولم يكن عجبي من سرعة العصف به، بل من أن رأسًا من هذه الرءوس المحيطة بالمكان لم يقطفه هذا السيف البتّار وهو يقطع الهواء! وثم خان حسن آخر نزلت به في ظل «مونت بلانك» صاحبته طيبة القلب بسامة الثغر أبدًا، وبعلها رجلٌ تقي مستقيم السيرة، وكانت الجدران في إحدى غرفه مكسوة ورقًا عليه صور حيوان، ولكن الورّاق لم يُعن نفسه بالإحكام والدقة في وصل قطع الورق بعضها ببعض، فصار للفيل ذيل النمر ورجلاه، وللأسد خرطوم الفيل وناباه، وللدب صورة الفهد! وقد صادفت كثيرين من الأمريكيين في هذا الفندق وكانوا جميعًا ينطقون اسم الجبل «مونت بلانك» «ماونت» ما خلا واحدًا منهم سرىّ النفس حسن العشرة رقيق الحاشية، اتخذ من الجبل صديقًا لا حاجة معه إلى التكلف، فكان يقتصر عند ذكره على «بلانك» فيقول عند الإفطار مثلًا: «بلانك يبدو اليوم عاليًا جدًّا.» أو يكون في المساء وهو يتمشى في الفناء فيعرب عن اعتقاده أن في بلاده بعض الأقوياء المغامرين الذين يستطيعون أن يتسلقوا «بلانك» ويصلوا إلى ذروته في ساعتين. وقضيت مرة أسبوعين في خان بشمال إنجلترا حيث لازمني شبح فطيرة مهولة. وكانت كالقلعة إلا أنها قلعة مهجورة خاوية، ولكن الخادم كان يرى أن من الأصول التي ينبغي أن تُرعى في كل وجبة أن يضع الفطيرة على المائدة، وبعد بضعة أيام رأيت أن أفهمه بأساليب شتى رقيقة أني أعد هذه الفطيرة مفروغًا منها ولا محل لها على السفرة، فكنت أصب فيها سؤر الكأس وأضع في جوفها أطباق الجبن والملاعق كأنها سلة، أو زجاجات النبيذ كأنها ثلاجة، وكان هذا كله مني عبثًا وعناء باطلا لا يجدي، فقد كانت الفطيرة تنظف وتعاد إلى مكانها المألوف، فشككت في أمري وخيل إليّ أني لعلي مصاب بهذيان العين، وأشفقت أن تضعضع صحتي وتهد كياني أهوال هذه الفطيرة المتخيلة فتناولت السكين وقطعت منها مثلثًا عظيمًا. وما كان في وسع إنسان أن يرى ما سيكون من وراء أستار الغيب، ولكن الخادم عالج الفطيرة وأصلحها ورمّها، واستعان بنوع من الملاط ورد المثلث إلى مكانه، فأديت الحساب وفررت! وكان فندق شجرة الميلاد قد أخذت الجهامة تستولي عليه فقمت برحلة إلى ما وراء الستر وذهبت إلى النافذة الرابعة، ولكن الرياح ردتني منهزمًا، فعدت إلى مشتاي مرة أخرى وأضرمت النار، واستأنفت نشر ما انطوى من ذكريات الفنادق. هو خان في أقصى مقاطعة كورنول. وكان المعدنون يحتفلون فيه بعيد سنوي لهم، فأقبلت أنا وزملائي المسافرون ليلًا على الجمع المائج وهم يرقصون أمام الخان على نور المشاعل. وكانت مركبتنا قد أصابها عطب في مكان صخري على مسافة أميال، فكان من دواعي الشرف لي أن قدت أحد الجياد المحلولة. وإذا كُتب لسيد أو سيدة، ممن يقرءون هذه السطور، أن يقود حصانًا ضليعًا عاليًا تتدلى رُبُطه وسُموطه وأبازيمه٣ إلى قوائمه، وأن يمضي به وفي يده عنانه ويدخل به على حفلة راقصة ريفية فيها مائة وخمسون زوجًا من المتراقصين، فإن هذا السيد — أو السيدة — يستطيع حينئذ — وحينئذ فقط — أن يتصور كيف يدوس الحصان قدمي قائده! والأرجح أن يرتد الحصان متهيبًا حين يرى ثلاث مائة من الرجال والنساء يدورون أمامه، وقد يرفس ويضرب برجليه أيضًا على نحو لا يحفظ لقائده سمتَه وأبهته. وعلى هذه الصورة التي نالت قليلًا من وجاهة مظهري العادي، بدوتُ أمام الخان فكنت موضع عجب القوم جميعًا. وكان الخان غاصًّا، بل كان فيه عشرون ضعفًا لسعته ولا سبيل إلى إيواء مخلوق فيه غير الحصان — وإن كان ربحًا ولا شك أن يتخلص المرء من هذا الحيوان الكريم — فوقفنا نتشاور أنا وزملائي في الأمر وكيف نقضي الليل وأكثر النهار الذي سيطلع إلى أن يكون الحداد المرح، والنجار المرح، على حال تسمح لهما بالسير إلى حيث تركنا المركبة لإصلاحها، فخرج علينا رجل من الزحام وعرض علينا طابقًا من بيته ذا غرفتين ووعد أن يكون عشاؤنا لحم الخنزير والبيض وشرابنا عليه الجعة، فتبعناه فرحين إلى أنظف بيت نعمنا فيه بالطعام والشراب. ولكن الطريف في الأمر أن صاحب البيت نجار يصنع الكراسي، وأن الكراسي التي قُدمت لنا كانت هياكل ليست لها مقاعد، فقضينا الوقت على أطرافها وحافاتها مثنيين إلى الأمام، ولم يكن هذا أسخف ما جربنا، فقد كان أحدنا إذا نسي واعتدل، أو ضحك وارتمى إلى الوراء، يختفي ويغيب. وقد سقطتُ، ونحن نأكل اللحم والبيض على ضوء الشمعة، خمس مرات وانطويت على نفسي انطواءً لا سبيل إلى الفكاك منه بغير معونة، كما يقع أحد اللاعبين الهزّالين في حوض ماء. وألح عليّ الشعور بالوحشة وأنا في غرفتي بفندق شجرة الميلاد، وبدأت أدرك أن الموضوع الذي اخترته لتزجية الوقت لن يكون حسبي حتى يُفرج عني الجليد، فقد أبقى هنا أسبوعًا وقد يمتد المقام إلى أسابيع. وتذكرت قصة عن خان قضيت فيه ليلة في بلدة قديمة جميلة على تخوم ويلز، وخلاصتها أن رجلًا انتحر بالسم وهو راقد على أحد سريرين في غرفة كبيرة بالخان، على حين كان النازل معه في الغرفة نائمًا فلم يشعر بشيء من فرط ما كان به من الإعياء. ولم يستعمل بعد ذلك سرير المنتحر، وتُرك في الغرفة على حاله لا يُزحزح عن موضعه ولا تنال منه يد التغيير. وتقول القصة إن كل من نام في هذه الغرفة ولو كان غريبًا آتيًا من أقصى المعمورة كان يغادرها في الصباح وهو يتوهم أنه يشم رائحة صبغة الأفيون، وأن خواطره كلها كانت تدور على الانتحار، وأنه كان لا بد أن يشير إلى هذا الموضوع إذا تحدث. ودام الحال على هذا المنوال سنين عدة، ثم رأى صاحب الخان أن الأحجى، والأولى به، أن ينقل هذا السرير الذي لا يُستعمل وأن يحرقه كله — الفراش والكلة والأستار وغيرها — قال الرواة فتغير الأثر الذي يخلفه النوم في الغرفة وفتر فصار الذي يرقد فيها، إذا أصبح يحاول أن يتذكر حلمًا رآه في منامه. وكان صاحب الخان يتظاهر بمعاونته على التذكر فيقترح عليه موضوعات شتى يعلم أنها ليست هي المنشودة. ثم لا يكاد يقول: «السم» حتى ينتفض المسافر ويقول: «نعم» ولم يحدث قط أن قال المسافر «لا» ولم يحدث قط أنه تذكر من حلمه المنسيّ أكثر من ذلك. وقد أثارت هذه القصة ذكريات الخانات الفرنسية على العموم ورفعت صورها لعيني، فرأيت النساء بقبعاتهن المستديرة، والعازفين، بلحاهم البيضاء، يضربون على القيثارة وراء الباب وأنا أتعشى. وانتقلت بي الذكرى إلى خانات إيقوسيا الجبلية وفطائر الشعير، والعسل، وشرائح لحم الغزال، والسمك المصيد من الخور، والوسكي، وما إليه من الأشربات. واتفق لي مرة أن كنت عائدًا إلى الجنوب من جبال إيقوسيا، وكنت مسرعًا، وفي مرجوي أن يتيسر تغيير الخيل في محطة واقعة في واد تظلله جبال تاريخية، فرأيت، والألم يفري في جوفي، صاحب الخان يخرج وفي يده منظاره ويدير به عينه باحثًا عن الخيل، وكانت هذه ترعى فلم تبد للعيان إلا بعد أربع ساعات! وتداعت الذِّكرُ، فانتقلت من سمك الخور إلى خانات الصيادين بإنجلترا (وقد اشتركت مرات عدة في صيد السمك، فكنت أرقد في قاع السفينة أيامًا كاملة وأثابر على تفادي العمل. وقد وجدت أن هذا ليس أقل جدوى في صيد الأسماك من استعمال الشص والبراعة والحذق فيه) وتذكرت من هذه الخانات غرفها البيضاء النظيفة المعطرة بأنفاس الورود النضيرة، المشرفة على النهر والسفن والفضاء المعشوشب، وقباب الكنائس والجسر، و«إمّا» الفتانة وعينيها البراقتين وابتسامتها الحلوة وكيف كانت — بارك الله فيها — تقوم على خدمتنا خفيفة رشيقة. وصوّبتُ عيني إلى الموقد الذي يتوهج فيه الفحم المضطرم فبرزت لي صور عشرات من هذه الخانات التي كانت مراحل للبريد، والتي نفتقدها في هذه الأيام ونأسف على زوالها، وكانت رحيبة مريحة، وكانت فوق هذا عنوانًا على الخضوع الإنجليزي للغصب والنهب والابتزاز. ومن شاء أن يشهد هذه المنازل تقضي نحبها، فليمش من «بيسنجستوك» — أو حتى من «وندسور» — إلى لندن، عن طريق «هانسلو» ولينظر كيف يُعفّي عليها الزمن؛ الإسطبلات تتهدم وتنقض، والسابلة، والعمال الذين أخطأهم الاستقرار ينامون في الغرف المقدَّمة أمامها، والحشائش تنبت وتفرّش في عرصاتها، والحجرات التي كانت مئات من الأسرة اللينة تسوى وترتب فيها، تؤجر للأيرلنديين بشلن ونصف شلن في الأسبوع، وخمارة سوء في مكان الحانة القديمة، وبوابات مخازن المركبات تحرق للوقود، وكلب أعوج الساق واقف في المدخل. واستطردت إلى خانات باريس، والحجرة الجميلة ذات القطع الأربع، بعد أن نصعد إليها خمسًا وسبعين ومائة درجة مصقولة بالشمع، وتدق الجرس النهار طوله فلا ترى أنك استطعت أن تؤثر في جسم إنسان أو عقله، سواك، وتتناول عشاء دون شِبَعك، إذا اعتبرت الثمن، وتحولت عن هذه إلى خانات الريف بفرنسا حيث تطل بروج الكنائس على الأفنية، وترن أجراس الخيل وهي تضرب الأرض بقوائمها، والساعات من كل ضرب وعلى كل صورة، في كل غرفة، وليس بينها واحدة مضبوطة، إلا إذا اتفق أن تكون قد سبقت الوقت الصحيح أو تأخرت عنه اثنتي عشرة ساعة لا تزيد أو تنقص دقيقة. ومضيت من هذه إلى الخانات الصغيرة على الطريق في إيطاليا، حيث تجد كل الثياب القذرة التي في البيت (غير الملبوسة!) كومًا في غرفة الاستقبال، وحيث يُحيل البعوض وجهك في الصيف خبيصة محشوة بالزبيب، ويحيل برد الشتاء لونك إلى زرقة السماء عن حمرة الورد، وحيث تأخذ ما يتيسر، وتنسى ما يتعذر، وحيث أشتهي مرة أخرى أن أغلي الشاي في وليقة إذ لا إبريق هناك! ومن ثم انتقلت إلى القصور القديمة والأديرة العتيقة التي صارت خانات، في مدن هذه البلاد المشرقة، وسلاليمها الضخمة، ومنها تستطيع أن تصعّد طرفك من خلال العُمُد المتقاربة، إلى قبة السماء الزرقاء، وارتسمت أمامي قاعات المآدب الفخمة، والمقاصف الرحيبة، وحجرات النوم المحيرة، ولمحات خواطف من شوارع رائعة ليس لها مظهر من الحقيقة، ومن هناك وثب بي الخيال إلى الخانات الصغيرة في المناطق الموبوءة بالملاريا، وخدمها الصفر الوجوه ورائحتها الخاصة المعهودة في كل مكان لا يدخل إليه الهواء، ثم إلى خانات البندقية المهولة العجيبة، وصياح النواتي تحتها وهم يجرون زوارقهم وينعطفون بها، وروائح البحر التي تتشبث بأنفك ولا تعفيك ما دمت هناك، وجرس كتدرائية سان مارك، وهو يدق نصف الليل. وعرجت بعد ذلك على خانات الرين المضطربة، التي لا تأوي فيها إلى فراشك إلا كان هذا إيذانًا بنهوض كل امرئ سواك، وفي حجرة الطعام وإلى طرف من مائدتها الطويلة يجلس لفيف من الرجال الضخام الأبدان المستديري الكروش، يلبسون الحلي والأقذار ليس إلا، فما على أبدانهم سوى ذلك فيما ترى العين، ويُحيون الليل كله ساهرين يشربون ويقرعون الكأس بالكأس ويتغنون بالنهر الذي يجري، والدوالي التي أينعت، ونبيذ الرين الذي تطيب نشوته، ونساء الرين اللواتي يتبسمن، وهات لي كأسًا، وخذ كأسًا يا صاحبي، واشرب، واشرب، يا أخي، إلى آخر ذلك. وكان طبيعيًّا أن أذكر خانات ألمانية أخرى تُسغسغ فيها الآكال بما يجعل مذاقها جميعًا واحدًا، ويزعج المرء فيها أن تقدم له الولائق السخنة، والعُنّاب المغلي، والحلواء، على ترتيب غير متوقع بين الألوان الأخرى. وبعد أن كرعت — بخيالي — كرعة روية من الجعة من قدح مزبد، وألقيت نظرة على مشارب الجعة التي يختلف إليها الطلبة في هيدلبرج وغيرها، ركبت البحر إلى خانات أمريكا حيث يبلغ عدد الغرف المفردة في الواحد منها أربعمائة، وحيث يجتمع على العشاء كل يوم ثمان مائة أو تسع مائة من السيدات والسادة. فرأيتني أقف مرةً أخرى في المقصف، وأترشف من فم الكأس، وأصغي ثانية لصديقي «الجنرال»، الذي لم يمض على معرفتي به سوى خمس دقائق استطاع في خلالها أن يوثق أواصر الود والإخاء إلى آخر العمر بيني وبين «صاغين» استطاعا هما أيضًا أن يجعلا مني صديقًا حميمًا مدى الحياة لثلاثة «لواءات» صرت بفضلهم أخًا لاثنين وعشرين من المدنيين غير المحاربين، كل ذلك في خمس دقائق ليس إلا، أقول إني أصغيت مرةً أخرى إلى صديقي الجنرال وهو يشرح لي مزايا الخان وما فيه من أسباب الراحة والترف وكيف أن فيه حجرات عدة للجلوس والاستقبال، للرجال وللسيدات، في النهار والليل، وأخرى للموسيقى والمطالعة، وأربع مائة غرفة نوم، كل هذا وضعت رسومه وتم بناؤه وتجهيزه في اثني عشر شهرًا؛ تبدأ من اليوم الذي أزيلت فيه أنقاض البناء العتيق الذي كان قائمًا، وكيف أن جملة التكاليف بلغت نصف مليون ريال. وألفيتني وأنا أكر بخيالي إلى هذا، أذهب إلى أنه كلما كان المنزل أضخم وأفخم وأبهظ تكاليف، كان ذلك أبعث على الزهد فيه وأقل استحثاثًا للرغبة في المقام به. على أني مع ذلك شربت على البعد نخب صديقي الجنرال، وإخواني الصاغات واللواءات والمدنيين جميعًا، فإنهم على الرغم من كل قذى رأته عيناي في عيونهم، أبناء شعبٍ عظيم رقيق كريم القلب. وكنت وأنا أتذكر هذا أغذ السير في رجعتي القهقرى إلى ما مضى وفات، لأنفي الشعور بالوحدة وأخفف ثقل الوحشة، ولكني أضمرني الكلال فانقطعت من الإعياء وكففت عن متابعة هذه الخواطر. وصار السؤال الملحّ: ماذا أصنع؟ وماذا عسى أن يحل بي؟ أأفعل كما فعل البارون «ترِنْك» وأبحث عن جرذ أو عنكبوت حتى إذا وجدت واحدًا منهما تسليت في سجني هذا بتدريبه ورياضته؟ ولكن هذا لا يخلو من خطر إذا اعتبرنا المستقبل، فقد آلف ذلك وأُشغف به حتى إذا رفع الثلج عن الطريق وخرجت فيه مرةً أخرى، فمن يدري؟ لعلي حينئذٍ أبكي وأتوسل — كسجين الباستيل الذي أفرج عنه في شيخوخته — أن يعودوا بي إلى هذه النوافذ الخمس والستائر العشر والأفرشة السميكة المتينة. وألح علي خاطر أغراني به اليأس. ولو كنت في أحوال غير هذه لتمردت عليه وأبيته، ولكني، وأنا في هذا المأزق، تعلقت به فهل أستطيع أن أغالب حيائي الفطري الذي صدني عن مجلس صاحب الفندق وحرمني ما عسى أن أجد من الأنس عنده، وأدعو إليّ البستاني وأرجو منه أن يتناول كرسيًّا — وشيئًا من الشراب أيضًا — وأن يحادثني؟ نعم أستطيع … وسأفعل … وقد فعلت! (٢) الفرع الثاني: «البستاني» أأسأل أين كان في زمانه؟ أعاد الرجل السؤال لما ألقيته عليه، وقال: إنه كان في كل مكان. وماذا كان عمله؟ لقد كان يعمل في كل شيء يخطر على البال ذكره. أتراه رأى كثيرًا في حياته؟ بلى، ولا شك في ذلك، وإن في وسعه أن يؤكد لي هذا، فليتني أعرف جزءًا من عشرين مما صادفه في طريقه! ألا وإنه لأسهل عليه فيما يعتقد أن يذكر لي ما لم ير … وما أغرب ما شاهده؟ من يدري؟ ليس في وسعه أن يقول، من عفو الخاطر ما أغرب شيء شاهده — إلا أن يكون الغول،٤ وقد رآه مرة في سوق! ولكن إذا قيل لي إن صبيًّا يناهز الثامنة من العمر، فرَّ مع بنت في السابعة من عمرها الغض ليتزوجها، ألا يكون هذا في رأيي غريبًا؟ لا شك! فلأعلم إذن أنه شاهد بعينيه هذه الأعجوبة وأنه نظف لهما الأحذية التي لبساها حين فرَّا، وإن الأحذية كانت من الصغر بحيث كان يتعذر عليه أن يدخل يده فيها! وحكاية ذلك أن والد الصبي «هاري وولمرز»، كان يقيم في ضيعة «إلمز» على مقربة من تلال «شوتر»، وعلى مسافة ستة أميال أو سبعة من لندن. وكان رجلًا ألمعيًّا حديد القلب وسيم الطلعة، يرفع رأسه إذ يمشي، ويُشعرك إذ تراه بمثل بأس النار وصولتها. وكان يقرض الشعر، ويركب الخيل، ويعدو، ويلعب «الكريكيت»، ويرقص، ويمثل، ويجيد كل ذلك ويحذقه. وكان مزهوًّا بابنه «هاري»؛ فقد كان وحيده، غير أنه لم يفسده بالتدليل، فقد كان ذا إرادة ماضية، وعين لا يفوتها شيء، ومع أنه كان يتخذ من ابنه الذكي صاحبًا، ويسره أن يراه مقبلًا على كتب الأساطير يعب فيها عبًّا، ولا يمل أن يسمعه يمدّ الصوت ويرجّعه شاديًا بأغاني الحب، إلا أنه احتفظ بسلطانه الأبوي على فتاه، فبقي الصبي كما ينبغي أن يكون، فليت كثيرين مثله! وكيف عرف كل هذا؟ عرفه لأنه كان مساعد البستاني، ولا يمكن أن يكونه، وأن يكون أبدًا على المكان، يجز، ويقتلع، ويطعّم، ويفعل هذا وذاك، من غير أن يلم بأحوال الأسرة ويحيط بأمورها خبرًا. وقد جاءه الصبي هاري مرة وسأله: «كُوبز، كيف تتهجّى نورا؟»، ثم راح يحفر الاسم على سياج الخشب! ولم يسبق لكوبز عهد بالأطفال قبل ذلك، ولا كان يعيرهم التفاتًا، ولكنه لم يسعه إلا أن يلاحظ هذين الصغيرين وهما يتمشيان معًا، وقد غرقا في الحب إلى الرأس! ويا لشجاعة الغلام وشهامته! لقد كان يبدو لي أنه لا يتردد أن يرمي قبعته، ويشمّر عن ساعديه الصغيرين، ويهجم على أسد لو اتفق لهما أن يلتقيا بواحد، وأن تفزع الفتاة منه! وقد وقف مرةً وهي معه، حيث كان كوبز يعمل وقال: «كوبز، إني أستلطفك.» فقال كوبز: «صحيح يا سيدي! إني فخورٌ بذلك.» فقال الغلام: «نعم، أستلطفك فهل تعرف لماذا يا كوبز؟» فقال: «لا أدري.» قال الغلام: «لأن نورا تستلطفك يا كوبز!» فقال الرجل: «صحيح يا سيدي! إن هذا من بواعث الاغتباط.» فقال الغلام: «من بواعث الاغتباط يا كوبز؟ إنه خير من ملايين من أنفس الماسات، أن تستلطفك نورا.» فقال الرجل: «لا شك يا سيدي.» فسأله الغلام: «إنك ستترك عملك هنا، أليس كذلك؟» قال الرجل: «نعم يا سيدي.» قال الغلام: «أتحب أن أجد لك عملا آخر؟» قال الرجل: «لا مانع عندي إذا كان حسنًا موافقًا.» قال الغلام: «إذن ستكون البستاني الأول عندنا، بعد أن نتزوج.» وضم عليها شملتها الزرقاء وأحاطها بذراعه، ومضى بها! وأقسم كوبز أن هذا المنظر كان أبهى وأوقع في النفس من صورة مرسومة وأنه كان أشبه بالرواية أن يرى هذين الطفلين بشعرهما الطويل اللامع المتلوي، وعيونهما البراقة، وخطوتهما الخفيفة الجميلة، يتمشيان في الحديقة، وقد عمر الحب المتبادل قلبيهما الصغيرين. وقال لي: كوبز إنه يعتقد أن العصافير ظنتهما عصفورين فغردت لهما لتسرهما. وكانا ربما جلسا في ظل شجرة، وذراع كل منهما على عنق الآخر، وخداهما الأسيلان يتلامسان من فرط التداني، وراحا يقرآن قصة الأمير والتنّين، أو الساحرين الطيب والخبيث، أو بنت الملك الفاتنة. وكان يسمعهما أحيانًا يلهجان ببيت ينويان أن يبنياه في الغابة ويتخذا فيه خليَّة للنحل، وبقرة ويجتزآن من الطعام باللبن والعسل. ومرّ بهما مرة وهما على البركة فسمع الغلام «هاري» يقول: «نورا، يا معبودتي، قبليني، وقولي إنك تحبينني حبًّا يزدهف لبك، وإلا ألقيت نفسي في البركة.» ولم يخالج كوبز أي شك في أنه كان حقيقًا أن يرمي نفسه في الماء لولا أنها أجابت سؤله. قال كوبز: وقد كان هذا يخيل إليه أنه هو أيضًا قد أمسى عاشقًا، لولا أنه لا يدري لمن! وقال له هاري ذات مساء، وكان يسقي الزهر: «إني ذاهب في هذا الصيف لزيارة جدتي في يورك.» فقال كوبز: «أَوَفاعل أنت يا سيدي؟ أرجو إذن أن يطيب مقامك، وأن تنعم بما يسرك. أنا أيضًا ذاهب إلى مقاطعة يورك بعد أن أغادر هذا المكان.» فسأله الغلام: «أذاهبٌ أنت إلى جدتك يا كوبز؟» فقال: «كلا، يا سيدي، ليس لي شيء كهذا.» – «لا جدة لك يا كوبز؟» – «كلا يا سيدي.» فصوب الغلام عينه إلى الأزهار التي يسقيها البستاني، ثم قال: «سيكون من أقوى بواعث السرور لي أن أذهب يا كوبز، فإن نورا ذاهبة.» فقال كوبز: «ستكون بخيرٍ إذن يا سيدي، ما دام إلى جانبك حبيبتك الجميلة.» فاضطرم وجه الغلام وقال: «كوبز، إني لا أسمح لأحد أن يمازحني في هذا إذا وسعني أن أمنعه.» فقال كوبز بلهجة المتطامن: «لم يكن هذا مزاحًا يا سيدي، لم أقصد إلى ذلك.» – «يسرني هذا يا كوبز، فإني أستلطفك، كما تعلم. ثم إنك ستعيش معنا. كوبز!» – «نعم يا سيدي!» – «ماذا تظن جدتي ستعطيني حين أذهب إليها؟» – «ليس في وسعي أن أخمّن يا سيدي.» – «ورقة بخمسة جنيهات يا كوبز!» فزام كوبز وقال: «هذا مبلغ يا سيدي!» – «إن المرء يستطيع أن يصنع كثيرًا بمبلغ كهذا، أليس كذلك يا كوبز؟» – «صدقت يا سيدي.» وقال الغلام: «سأفضي إليك بسر، يا كوبز؟ إنهم في بيت نورا يعابثونها ويركبونها بالمزاح من أجلي، ويتظاهرون بالضحك منا، لأنا خطيبان، ويهزءون ويسخرون يا كوبز.» فقال كوبز: «هذا بعض مظاهر النقص والعيب في الطبيعة الإنسانية.» فوقف الغلام برهة — وهو صورة مصغرة إلا أنها دقيقة، من أبيه — ومحياه المتقد إلى الشمس، ثم مضى وهو يقول: «عم مساءً، يا كوبز، إني داخل.» ولا يدري كوبز كيف اتفق أن يغادر البيت في ذلك الوقت، وعنده أنه لو شاء أن يبقى هنالك إلى الآن، لبقي، ولكنه كان شابًّا، وكان يبغي أن يغير عمله عسى أن تنتقل به الأحوال، وقد قال له المستر وولمرز لما أبلغه كوبز أنه اعتزم ترك العمل: «أهناك ما تشكو منه؟ إني أسأل لأني أحب إذا كان لأحد من رجالي شكاة، أن أزيل أسبابها.» فقال كوبز: «كلا يا سيدي، وشكرًا لك، وإني هنا لعلي خير ما أرجو أن أكون في أي مكان، ولكن الحقيقة يا سيدي أني راحل لأجرب حظي في التماس الثراء.» فقال المستر وولمرز: «صحيح يا كوبز؟ إذن أرجو لك التوفيق.» وأكد لي كوبز وهو يقص علي ذلك أنه لم يوفق بعد. ترك كوبز ضيعة «إلمز»، وذهب الغلام هاري إلى جدته العجوز في يورك، وكانت لا تضن على حفيدها بالأسنان التي في فمها (لو كان في فمها شيء) فقد كانت مجنونة به. ولكن ماذا تظن أن هذا الطفل صنع؟ فإن لك أن تسميه طفلًا وألا تخشى الغلط؟ لقد فر من جدته مع نورا وقصدا إلى «جريتنا جرين» ليتزوجا هناك! وكان كوبز يعمل في هذا الفندق عينه — فندق شجرة الميلاد — (وكان كثيرًا ما يتركه ليحسن حالته ولكنه كان يعود إليه دائمًا لسببٍ ما) وفي مساء يوم من أيام الصيف وقفت المركبة ونزل منها الطفلان! وقال الحارس لصاحب الفندق: «إن أمر هذين الراكبين الصغيرين يبدو لي كاللغز، ولكن الغلام قال لي إنه يريد أن آتي بهما إلى هنا.» … ينزل الغلام، ويمد يده إلى فتاته ليعينها. وينفح الحارس بشيء على سبيل التجزية، ثم يلتفت إلى رب الفندق ويقول له: «سنبيت هنا الليلة، من فضلك … وسنحتاج إلى حجرة جلوس وغرفتي نوم … وهات كفاية اثنين من اللحم المشرح والفالوذ بالعناب.» ويضم على حبيبته شملتها السماوية الزرقة، ويحيطها بذراعه ويدخل ثابت الجنان! وقال كوبز: إنه يترك لي أن أتصور الذهول الذي استولى على كل من في الخان حين رأوا الصغيرين يجيئان وحدهما، ويفعلان ما فعلا! وكان كوبز يراهما ولا يريانه، فلم يكتم رب الفندق رأيه، في بواعث هذا السلوك والغاية من هذه الرحلة، فقال صاحب الفندق: «إذا كان الأمر كذلك يا كوبز فسأركب إلى يورك لأُطَمْئِن آلهما. ويجب عليك أن تجعل عينيك عليهما، وأن تسليهما وتلهيهما حتى أعود. ولكني أحب قبل أن أقدم على هذه الرحلة، أن تستوثق منهما لتعرف أمصيبٌ أنت في رأيك أم مخطئ.» فقال كوبز: «سيكون ما تريد حالًا.» وصعد كوبز إليهما، فألفى الغلام هاري على أريكة عظيمة، وإنها لعظيمة وكبيرة في كل حال وفي كل وقت، ولكنها بدت أعظم وأضخم لما اتكأ عليها هاري ليكفكف لنورا دموعها ويمسحها بمنديله، وكانت أرجلهما معلقة في الهواء وقد أعرب كوبز لي عن عجزه عن وصف صغرهما وضآلتهما. وصاح السيد هاري: «هذا كوبز … هذا كوبز.» وأقبل عليه يعدو، وتناول يده، وجرت إليه الآنسة نورا أيضًا، ووقفت إلى جانبه الآخر، وتناولت يده الثانية، وجعلا يتوثبان وينطان من الفرح. فقال كوبز: «لقد رأيتكما من المركبة، فعرفتكما، وهل كان يمكن أن أغلط أو أنسى؟ ماذا وراء هذه الرحلة يا سيدي؟ الزواج؟» فقال الغلام: «سنتزوج يا كوبز في جريتنا جرين. وقد فررنا لهذا الغرض. إن نورا مكتئبة قليلًا يا كوبز، ولكنها جديرة بأن يسعدها الآن أنّا وجدناك فإنك لنا صديق.» فقال كوبز: «أشكرك يا سيدي، وأشكرك يا آنسة، على حسن ظنك بي. والآن هل معكما أشياؤكما؟» وإذا صدق كوبز الذي أقسم أن الأمر كما يصف، فقد كان مع نورا شمسية وزجاجة نوشادر، وخبزات يابسات مدهونات بالزبدة، وثماني نعناعات وفرشاة أسنان يخيل إليك أنها مصنوعة للعبة، أما الغلام فكان معه حوالي ست ياردات من الخيط، ومبراة، وثلاث ورقات أو أربع مطوية، وقدح عليه اسمه. فقال كوبز: «وماذا أعددت من التدابير يا سيدي؟» قال الغلام، وما أبهر شجاعته: «أن نمضي إلى غايتنا في الصباح فنتزوج غدًا.» قال كوبز: «هو كذلك يا سيدي. فهل يوافقكما أن أرافقكما؟» فلما سمعا هذا السؤال جعلا ينطان من الفرح ويصيحان: «نعم، نعم، يا كوبز، نعم.» فقال كوبز: «إذا سمحتما لي باقتراح فهذا هو … إني أعرف فرسًا يمكن أن نشده إلى مركبة أستطيع أن أستعيرها فتحملكما (وأكون أنا الحوذي إذا وافقتما) إلى آخر رحلتكما في أوجز وقت. ولست واثقًا من أن هذا الفرس سيكون غدًا رهن مشيئتنا، ولكن إذا احتجنا أن ننتظر إلى ما بعد الغد، فإن الفرس جدير بالانتظار. أما الفندق، ونفقات الإقامة فيه، فلا تفكرا في ذلك إذا لم يكن معكما الكفاية من المال؛ فإني شريك في هذا المحل، ومن السهل إرجاء الحساب إلى وقتٍ آخر.» ويحلف كوبز أنه لما رآهما يصفقان سرورًا وينطان ويدعوانه: «كوبز الطيب» و«كوبز العزيز» ويتعانقان ويتلاثمان وهما جذلان مطمئنان واثقان، أحس أنه أنذل من ولدته أم في هذه الدنيا، لأنه خدعهما وغشهما. وقال كوبز، وبه وخز الضمير ما به: «هل تريدان الآن شيئًا يا سيدي؟» فقال الغلام وهو يطوي ذراعيه على صدره، ويمد إحدى ساقيه، ويحدق في وجه كوبز: «نريد بضع كعكات بعد العشاء، وتفاحتين … ومربى … ومع العشاء خبزًا محمرًا … واسمع يا كوبز، إن نورا قد اعتادت أن تشرب مع الفاكهة قليلًا من شراب الزبيب … وأنا مثلها.» قال كوبز: «سأعد لكما ذلك.» وخرج. وحدثني كوبز أنه، وهو يروي لي هذه التفاصيل، يشعر، كما يشعر حينئذ، بأنه كان آثر عنده، وأحب إليه، أن يلاكم صاحب الفندق في بضع جولات، من أن يتواطأ معه على هذين الطفلين، وأنه كان يتمنى من أعماق قلبه لو أن في الدنيا مكانًا يستطيعان فيه أن يتزوجا، ويعيشان بعد ذلك سعيدين. ولكن هذا لا سبيل إليه، فلم يسع كوبز إلا أن يأتمر بهما مع رب الفندق، فركب هذا إلى يورك بعد نصف ساعة. ويرى كوبز أن من العجائب أن كل أنثى في الفندق — ذات بعل، أو عزبة أو عذراء — صغت بقلبها إلى هذا الغلام لما سمعت قصته. وقد عانى كوبز جهدًا جاهدًا في صد هؤلاء النسوة عن اقتحام الغرفة واحتضان الغلام وتقبيله. وكنّ يخاطرن بحياتهن ويصعدن فوق الأشياء لينظرن إليه من وراء الزجاج. وكان سبعة منهن يتزاحمن على ثقب الباب لينظرن في وقت معًا! فقد طارت عقولهن وفَتنتهن جرأته. وفي المساء دخل كوبز على الهاربين ليرى كيف حالهما. وكان الغلام على حافة النافذة، وبين ذراعيه فتاته. وكانت العبرات على خديها، ولكنها كانت متعبة وأقرب إلى النوم منها إلى اليقظة، ورأسها على كتفه. وقال كوبز: «هل السيدة متعبة يا سيدي؟» قال: «نعم، متعبة يا كوبز، فما اعتادت أن تنأى عن البيت، وقد عاودها الاكتئاب، فهل تستطيع أن تجيئني بمنعش؟» فقال كوبز: «معذرةً يا سيدي، ولكن ما تبغي؟» قال: «شيءٌ ينعشها، ويرد إليها روحها.» فخرج كوبز ينشد المنعش المطلوب فلما عاد به، قدمه الغلام إلى الفتاة وأعانها، ولكن النعاس كان يثني رأسها ويثقله، فجعلها ذلك شكسة جافية. وقال كوبز: «ما قولك يا سيدي في شمعدان لغرفة النوم؟» فوافق، وسارت الخادمة في الطليعة، والفتاة في شملتها السماوية الزرقة بعدها، ووراءهما، وفي حراستهما هذا الغلام الشهم. وعانقها عند الباب، ثم ارتد إلى غرفته، فأوصدها عليه كوبز بخفة. ولم يكن يسع كوبز إلا أن يزداد شعوره حدة بأنه غشاش وضيع، لما سأله الغلام في الصباح وهما يتناولان طعام الإفطار (وكانا قد أمرا أن يعد لهما لبنًا وخبزًا محمرًا ومربى) عن الفرس، وكان يجد مشقة في النظر إليهما وهو يعلم كيف يخدعهما بالأباطيل، غير أنه واصل الكذب وأخبرهما أن من سوء الحظ أن القوم يقصون للفرس شعره، ولكنهم لم يقصوا سوى جانب، ولو خرج على هذه الصورة لأصابه سوء، ولكنهم سيفرغون من القص في هذا النهار، وفي الساعة الثامنة من صباح الغد تكون المركبة معدة. ومن رأي كوبز، وهو يحدثني بهذا في غرفتي، أن الفتاة بدأت في ذلك الوقت تتراجع وتندم؛ فقد نامت من غير أن يُرَجَّل لها شعرها، ولم تكن بحيث تستطيع هي أن تمتشط، وصار الشعر يدخل في عينيها فيغيظها ويحنقها، ولكن الغلام ظل ثابتًا شديد القلب، وكان وهو جالس إلى المائدة وأمامه فنجان الشاي يلتهم المربى، فيخيل إليك أنه أبوه. ويميل كوبز إلى الاعتقاد أنهما بعد الإفطار جعلا يتسليان برسم الجنود على الورق، فقد وجدت جنود كثيرة مصورة على الورق في الموقد، وكلها على ظهور الخيل. ودق هاري الجرس وسأل كوبز، وما أعجب ثباته: «أليس في جوار هذا المكان ميادين صالحة لأن يمشي فيها المرء؟» قال كوبز: «نعم يا سيدي، طريق العشاق.» فصاح الغلام به: «رح. رح. إنك تمزح.» فقال كوبز: «عفوًا يا سيدي، ولكن هناك طريقًا اسمه طريق العشاق. وإنه لجميل، وإنه ليكون من دواعي فخري أن أريكه أنت والسيدة.» فقال هاري: «يا عزيزتي نورا، إن هذا لاتفاق عجيب، وينبغي أن نرى طريق العشاق هذا. فالبسي قبعتك يا حبيبتي ولنذهب إليه مع كوبز.» ودعاني كوبز أن أتصور قوة شعوره بنذالته ولؤمه لما قال له هذان الطفلان الغريران، وهما يمشيان إلى جانبه، إن عزمهما صح على أن أكون البستاني الأول لهما، بألفي جنيه في العام، لأني صديق وفيٌّ لهما. وقد تمنى كوبز في تلك اللحظة أن تنشق الأرض فتبتلعه؛ فقد أحس بشدة الضعة والحقارة وهما ينظران إليه بعيونهما البراقة، ولا يخالجهما شك في صدقه! فاحتاج أن يغير موضوع الحديث، ويعطفه عن مجراه، ومضى بهما في طريق العشاق إلى البحيرة، وكاد هاري يغرق فيها وهو يحاول أن يقطف لفتاته زنبقة، وأخيرًا تعبا، وأضناهما الجهد، فاستلقيا على الأرض المخضرة، والأقاحي ترف عليهما، وناما. ولا يدري كوبز — ولعلي أنا أدري، ولكن دع هذا فما له قيمة — لماذا يرق قلب المرء حين يرى هذين الطفلين الجميلين راقدين تحت السماء الصافية في النهار المشمس، لا يحلمان بشيء وهما نائمان، كما يحلمان وهما مفتوحا العيون، ويذهب كوبز إلى أن المرء لا يسعه إلا أن يفكر في نفسه، وفيما كان من سيرته وتقلب الأحوال به مذ كان في المهد، وكيف أنه لم يبلغ في الحياة مبلغًا، وليس له إلا الذكرى، والأمل ولا حقيقة بينهما. واستيقظا أخيرًا، وتبين كوبز أن الفتاة بدأت تشمس وتعسر، فلما طوق هاري خصرها بذراعه قالت إنه يضايقها، فلما قال لها: «يا نورا، يا قمر الربيع، هل يضايقك هاري؟» قالت: «نعم. وأريد أن أعود إلى البيت!» على أن دجاجة مسلوقة، وشيئًا من الحلواء، فتّرا من حدتها، وردا إليها سجاحة الطبع، ودماثة الخلق، ويقول كوبز إنه كان يود لو أنه رآها أعظم عنايةً بالصوت الهاتف بحبها منها بالحلواء التي نسيت نفسها وهي تلتهمها. أما هاري فلم يزعزعه شيء، وظل قلبه الكبير يخفق بالحب، كما كان. ودخلنا في الغسق فخفق رأس الفتاة وشرعت تبكي … ولهذا أوت إلى فراشها كما فعلت في الليلة السابقة … ولم ينس الفتى أن يقوم بواجب المرافقة والتوديع، على نحو ما كان منه البارحة. وحوالي منتصف الليل أقبل صاحب الفندق في مركبة، ومعه المستر وولمرز وسيدة عجوز، وكان المستر وولمرز يبدو عليه الجد الصارم، والتفكه في آن معًا وقد قال لزوجة الفندقي: «إننا مدينون لك يا سيدتي بالشكر على عنايتك بولدينا وإنا لعاجزون عن تجزيتك. أين الغلام يا سيدتي؟» فقالت: «إن كوبز يسهر على الولد العزيز ويرعاه يا سيدي. أره الغرفة الأربعين يا كوبز.»، فقال المستر وولمرز: «إني مسرور بأن أراك يا كوبز. فقد علمت أنك هنا.» فقال كوبز: «نعم يا سيدي، وما زلت خادمك المطيع.» ويقول كوبز: إني قد أستغرب منه أن يذكر لي أن قلبه كان يدق كالمطرقة وهو يصعد درجات السلم، ولكن هذه هي الحقيقة، وقد قال المستر وولمرز، وهو يفتح له الباب: «معذرة يا سيدي، ولكني أرجو ألا تكون حانقًا على السيد هاري. إنه غلام شهم يا سيدي، وسيكون مفخرة لك.» ويؤكد لي كوبز أن نفسه كانت جائشة في تلك اللحظة، فلو أن المستر وولمرز ذهب إلى العناد، للكمه واحتمل ما عسى أن يكون من نتائج ذلك. ولكن المستر وولمرز قال: «كلا يا كوبز … لا يا صاحبي. وشكرًا لك.» وكان الباب قد فتح، فدخل. وتبعه كوبز وفي يده الشمعة، فرأى المستر وولمرز يمشي إلى السرير ويحنو عليه في رفق، ويلثم ذلك المحيا الصغير، ثم يعتدل، ويُتئره النظر لحظة، فيعظم الشبه بين الوجهين (ويقال إن المستر وولمرز فر مع من تزوجها)، ثم يهز كتف الغلام برفق ويناديه: «هاري … يا ولدي العزيز … هاري!» فيتنبه هاري وينظر إليه، وإلى كوبز أيضًا، كأنما أراد أن يتبين هل أوقعه كوبز في ورطة. ولكن المستر وولمرز يقول له: «لست غاضبًا يا بني، وكل ما أريد منك هو أن تلبس ثيابك لتعود إلى البيت.» فيقول الغلام: «نعم يا أبي.» وينهض فيرتدي ثيابه بسرعة، ويعلو صدره وهو يكاد يفرغ من ارتدائها ويزداد علوًّا حين يقف أخيرًا، ناظرًا إلى أبيه، وأبوه واقفٌ ينظر إليه، وكلاهما صورةٌ دقيقة من الآخر. ويقول الغلام، وهو يتشدد ويتجلد ويرد الدموع التي تهم بالتحدر: «من فضلك يا أبي … هل تسمح لي … أن أقبل نورا قبل أن أذهب؟» فيقول المستر وولمرز: «لك ذلك يا بني.» ويتناول يد الغلام، ويمضي به، وكوبز أمامهما بالشمعة حتى يبلغوا الغرفة الأخرى فإذا السيدة العجوز متكئة على السرير والفتاة غارقة في النوم. فيرفع الوالد غلامه إلى الوسادة، فيسند خده الصغير لحظة إلى جانب خد الفتاة الذاهلة ثم يدني محياها منه ويلثمه، ويبلغ من وقع هذا المنظر في النفوس أن تصيح الخادمة، وكانت تنظر من ثقب الباب: «من العار أن تفرقوا بينهما.» ولكن هذه الخادمة كانت معروفة برقة القلب، وإن لم تكن امرأة سوء … حاشا لله! قال كوبز، وانتهى الأمر بذلك. ركب المستر وولمرز عائدًا إلى بيته، ومعه ابنه. أما السيدة العجوز، والفتاة التي لم يقسم لها أن تكون المسز وولمرز (لقد تزوجت بعد ذلك ضابطًا في الجيش وماتت في الهند) فعادا في اليوم التالي. وقد سألني كوبز في ختام كلامه هل أوافقه على رأيين له؛ الأول: أنه قل أن يكون هناك اثنان على وشك الزواج، في مثل طهر هذين الطفلين. الثاني: أن من الخير لكثيرين ممن يهمون بالزواج أن يؤخذ عليهم الطريق، ويحال بينهم، فيرتد كل منهم إلى بيته على حدة؟ (٣) الفرع الثالث: «الحساب» لبثت في الفندق محصورًا، من جراء الثلج المتساقط، أسبوعًا كاملا. وكانت الأيام تمضي سراعًا، فيما أحس، فلولا وثيقة موضوعة على المنضدة أمامي لما صدقت أني قضيت هنا أسبوعًا. وكان الثلج قد رفع عن الطريق في اليوم السابق، أما الوثيقة التي أمامي فهي حساب الفندق. وهي تشهد شهادة حاسمة بأني أكلت، وشربت، وادّفأت، تحت الأغصان الورقية الوريفة الظليلة لشجرة الميلاد سبعة أيام كاملة. وكنت قد آثرت أن أدع الطريق يتحسن أربعًا وعشرين ساعة أخرى لأني احتجت إلى هذه المسافة من الزمن لإتمام عملي. وأمرت أن يُبَيَّن لي الحساب وأن تكون المركبة معدة أمام الباب «في الساعة الثامنة من مساء الغد.» وكانت الساعة قد بلغت الثامنة من «مساء الغد» لما جمعت أدوات الكتابة التي أتخذها في أسفاري وطويتها في حقيبتها الجلدية، وأديت الحساب، وتعطفت بأرديتي الدافئة، وتلفَّعت بشملتي. وكان الوقت قد صار أضيق من أن يسمح بالذهاب لإضافة عبرة متجمدة إلى بلورات الثلج التي تكسو البيت الريفي الذي رأيت فيه أنجيلا أول مرة. ولم يبق إلا أن أغذ السير في أقصر طريق إلى ثغر ليفربول وهناك آخذ حقائبي الكبيرة وأركب السفينة. وكفى بهذا عملًا، ولا سبيل إلى إرجائه ساعة واحدة. وودعت كل من عرفت في الفندق — وكدت أودع حيائي أيضًا — ووقفت بالباب أراعي الخادم وهو يلف الحبل الذي يشد به حقيبتي إلى المركبة وإذا بمصابيح تقترب سراعًا من الفندق. وكان الطريق مغطى بالثلج فلم نسمع للعجلات صوتًا، ولكنا جميعًا رأينا المصابيح تقبل علينا وتدنو منا بسرعة، بين جدارين من الجليد الذي رفع عن الأرض وصار كومًا على كل جانب. وتنبأت الخادمة وصاحت: «توم … هذه رحلة إلى جريتنا.» وكان توم يعرف أن لها قدرة فطرية على التنبؤ بالزواج وما إليه، فانطلق يعدو ويصيح: «أعدوا الجياد الأربعة الأخرى.» وفي لحظةٍ واحدة صار المكان كله هرجًا ومرجًا. وشعرت برغبة في رؤية ذلك السعيد، المحب المحبوب، فتلكأت على الباب حتى بلغه القادمان. ووثب من المركبة رجل برَّاق العين متلفع — ومتلثم — بشملة، فكاد من شدة الوثبة والسرعة فيها يلقيني على الأرض، فالتفت إليّ ليعتذر وإذا به «إدوين!» فصاح وهو يتراجع: «شارل! يا إلهي، ماذا عساك تصنع هنا؟» فقلت وأنا أتراجع أيضًا: «إدوين! ماذا تصنع أنت هنا؟» وضربت جبيني وأنا أقول ذلك، فأحسست أن لسانًا من النار لا يطاق خطف أمام عيني. فأدخلني إلى القاعة (وكان في موقدها دائمًا نار فاترة، ولا محرك هناك) حيث وقف المسافرون ينتظرون تغيير الجياد، وقال وهو يرد الباب: «سامحني يا شارل!» قلت: «إدوين! هل كان هذا جميلًا منك؟ وأنا الذي أحبها كل هذا الحب؟ وأنا الذي طويت أضلاعي على هواها كل هذا الزمن؟» ولم أستطع أن أزيد على ذلك. فراعه أن يقرأ في وجهي ما أكن من الألم والأسى، وقال وهو لا يدري ما في ذلك من القسوة: إنه ما كان يحسب أن يبلغ من قلبي الحزن هذا المبلغ. فنظرت إليه — أقصرت عن العتاب — ولكن نظرت إليه. وقال: «شارل، يا صديقي العزيز الأثير، أرجو ألا تظن بي سوءًا، وإني لأعلم أن لك حقًّا في أن أطلعك على دخيلة قلبي. وصدقني حين أقول إني ما ضننت قط من قبل عليك بالثقة بك والاطمئنان إليك، وإني لأمقت الكتمان فإنه لؤم لا يطاق، ولكني أنا وفتاتي حرصنا على الكتم من أجلك.» هو وفتاته! لقد جعل ذلك قلبي حجرًا. وقلت وأنا أتعجب لوجهه الصريح كيف وسعه أن يلقاني به: «حرصت على الكتمان من أجلي أنا يا سيدي؟» قال: «نعم، ومن أجل أنجيلا أيضًا.» فأحسست أن الأرض تدور بي، وتضطرب، كالنحلة٥ وقلت وأنا أعتمد على الكرسي بيدي: «هل لك أن تفسر معنى ذلك؟» فقال إدوين بلهجته الودية: «يا عزيزي شارلي. فكر! لقد كنتَ على خير حال وأسعده مع أنجيلا، فكيف أزج بك في ورطة مع أبيها بإشراكك في العلم بأمر خطبتنا، وبما عزمنا عليه سرًّا، بعد أن رفض؟ من المحقق أنه خير لك أن تستطيع أن تقول، وأنت صادق: «إنه لم يستشرني قط، ولم يخبرني بشيء، ولم ينبس بكلمة على مسمع مني.» وإذا كانت أنجيلا قد فطنت إلى الباطن من أمري، وأولتني كل ما في طاقتها من العطف والتأييد، بارك الله فيها من فتاة منقطعة النظير، وزوجة يُعيي الزمانَ مكانُ ندها، فما كان لي في هذا حيلة، وما قلنا لها — لا أنا ولا إميلين — شيئًا، كما لم نقل لك شيئًا، وقد توخينا الكتم عنها، كما توخيناه عنك، لنفس السبب، فثق بي، وصدقني.» كانت إميلين بنت عم أنجيلا، وكانت تعيش معها، وقد شبا معًا، وكان والد أنجيلا قيمًا عليها، فإن لها مالًا. فقلت وأنا أعانقه عن أحر عاطفة: «هل إميلين في المركبة يا إدوين؟» فقال: «وهل تحسبني ذاهبًا إلى جريتنا جرين بغيرها؟» فخرجت أعدو مع إدوين، وفتحت باب المركبة، وعانقت إميلين، وضممتها إلى صدري، وكانت ملفوفة في فراءٍ أبيض ناعم كهذا الوادي المكسو بالثلج، ولكنها كانت كاعبًا جميلة حارة. وقد ربطتُّ الجوادين المقدمين إلى مركبتهما بيدي، ونفحت الخادم بخمسة جنيهات، وحييتهما أحر تحية وهما يمضيان، ثم ركضت بي الخيل في الطريق إلى لندن. لم أذهب إلى ليفربول، ولم أرحل إلى أمريكا، وإنما رجعت إلى لندن وتزوجت أنجيلا، ولم أكشف لها إلى هذه الساعة عن سري، ولا قصصت عليها كيف كلفني الغلط هذه الرحلة، وسيجيء يوم تقرأ فيه هي، وهما — أعني — إدوين وإميلين — وأبناؤنا الثمانية، وأبناؤهما السبعة (وقد صارت كبراهم تشابه أمها) هذه الصفحات — وأين المفر من ذلك؟ — فيعرفون جميعًا ما كان خافيًا عليهم، لا بأس؛ فإن في مقدوري أن أحتمل ذلك، ولقد بدأت في الفندق — بمحض المصادفة — أقرن وقت عيد الميلاد بالعوامل الإنسانية، وأعنى بالبحث في حياة من ألفيتني محوطًا بهم، وفي مرجوي ألا أكون قد خسرت بذلك، وألا يكون أحد — قريبًا كان أو بعيدًا مني — قد خسر بذلك، وإني لأدعو أن تزدهر شجرة الميلاد الوريفة النضيرة، وأن تضرب جذورها وتغوص وتتقرر في أرضنا الإنجليزية، وأن تنفض طيور السماء لقاحها على العالم قاطبة. هوامش (١) الأردواز: صخر أزرق أو أخضر. (٢) حجل يحجل حجلاً وحجلانًا، وهو أن يرفع المرء رجلاً ويمشي على أخرى؛ ففي المثنية شيء من الوثب. (٣) الربط: جمع رباط وهو ما يشد به الفرس. والسموط: السيور تعلق من السرج. والأبزيم (بالميم والنون): ذو لسان يدخل فيه طرف آخر. (٤) حيوان خرافي ذو قرن واحد، وقد آثرت له هذا الاسم. (٥) هي اللعبة المعروفة، وهي تدور على سن. مختارات من القَصَص الإنجليزي
السرير الرهيب بعد أن أتممت تحصيلي في الكلية بقليل، اتفق لي أن أقيم في باريس مع صديق إنجليزي. وكنا يومئذ في عنفوان الشباب، وأعترف أننا كنا نسيم سرح اللهو في هذه المدينة البهيجة ونركب الحياة بشبابنا، فحدث ذات ليلة أن كنا نتمشى على مقربة من «الباليه رويال»، وكنا حائرين لا نستقر على رأي فيما نشغل به أنفسنا من لهو، فاقترح صاحبي أن نذهب إلى محل «فراسكاتي» ولكن اقتراحه لم يرقني، فقد كنت أعرفه — كما يقول الفرنسيون — عن ظهر قلب. وقد خسرت وربحت فيه كثيرًا، ابتغاء التسلي، حتى لم يبق فيه لا تسلية ولا تلهية، ومللت مظاهر السَّمت والأبهة لذلك الشذوذ الاجتماعي الذي ينطوي عليه محل مقامرة. وقلت لصاحبي: «نشدتك الله إلا ما ذهبنا إلى حيث نجد قمارًا حقيقيًّا عنيفًا على الرغم من الفاقة، ليس فيه تمويه … لندع فراسكاتي الوجيه إلى مكان لا يأنف أصحابه أن يُدخلوا فيه ذا ثوب خلق لبيس، أو من لا ثوب له، لبيسًا كان أو غير لبيس.» قال صاحبي: «حسن، على أنه لا داعي للإبعاد والخروج من نطاق الباليه رويال، للفوز ببغيتك، هذا هو المحل أمامنا. وإنه، فيما تتواتر به الرواية عنه، لكما تشتهي أن يكون ضعة وخشونة.» وبلغنا الباب، ودخلنا البيت الذي رسمتَ ظهره.١ وصعدنا بعد أن تركنا القبعتين والعصوين مع البواب، فمضوا بنا إلى قاعة القمار الكبرى، فلم نجد فيها كثيرين، ولكن القليلين الذين كانوا فيها والذين رفعوا رءوسهم لينظروا إلينا ونحن ندخل، كانوا جميعًا نماذج — صادقة دقيقة لسوء الحظ — من طبقاتهم. لقد جئنا وفي مرجونا أن نرى جماعة من الطغام والهمج، فوقعنا على شر من ذلك، وإن لكل ضرب من الضعة لجانبها الفكاهي المضحك، أما هنا فما تحس النفس سوى المأساة … مأساة خرساء لا فكاك منها ولاحيلة فيها، وكان السكون في الغرفة فظيعًا؛ هنا فتى نحيل متهضم الوجه، طويل الشعر، يرشق بعينيه الغائرتين أوراق اللعب، ولا ينطق بحرف. وهنا آخر مترهل خرج البثرُ بوجهه الغليظ، وهو يخرق ورقة أمامه ليحصي كم مرة كسب الأسود، وكم مرة كسب الأحمر، ولا ينطق بحرف. وها هنا شيخ قذر مغضّن الوجه، له عين الصقر، وعليه ثوب طال ترداده إلى الرفو، وقد خسر آخر فلس، ومع ذلك يأبى إلا أن يراقب اللعب الذي لا يستطيع أن يشترك فيه، ولكنه لا ينطق بحرف! حتى صوت الضريب٢ كان مكتومًا مخنوقًا وغليظ الجرس في جو هذه الغرفة. وقد كان رجائي وأنا أدخل هذا البيت أن أجد فيه ما يضحك، فإذا أمامي منظر يبعث الأسى ويغري بالبكاء. فلم يسعني إلا أن ألتمس معاذًا من هذه الكآبة التي تستولي عليّ بسرعة، وشاء سوء الحظ أن أقبل على أول ما وجدت، فذهبت إلى المائدة وشرعت ألعب. وأبى لي الحظ السيئ، كما سترى، إلا أن أربح … أربح مقادير جسيمة … مقادير يخطئها الحساب، ولا تدخل في عقل عاقل … حتى أحاط بي اللاعبون، وراحوا يحدجون مكاسبي على المائدة بعيون ناطقة بالنهم والروعة، ويتهامسون فيما بينهم بأن الإنجليزي سيخرب «البنك.» وكان القمار على «الأحمر والأسود» وقد جربت حظي في هذه اللعبة في كل مدينة بأوروبا، ولكن من غير أن أعنى «بنظرية الحظ» التي تعد «حجر الفلاسفة» عند المقامرين. وما كنتُ قط مقامرًا بالمعنى الصحيح، فقد سلمت من هذه الشهوة الجائحة فلعبي للتسلية وتزجية الفراغ، وما أعرفني قامرت بدافع من الحاجة أو الضرورة، لأني لم أعان قلة المال أو النقص فيه. وكنت إذا قامرت لا أعكف حتى أُمنى بخسارة لا قِبَلَ لي باحتمالها، أو أفوز بمكسب يدير رأسي ويخرج بي عن طوري من الاتزان. وأقول بإيجاز إني كنت أختلف إلى أندية القمار كما أختلف إلى المراقص والمسارح لأني أجد فيها تلهية، ولا أدري بأي شيء آخر أشغل نفسي وأزجِّي الفراغ. ولكن الحال في هذه المرة كان مختلفًا جدًّا، الآن — وللمرة الأولى في حياتي — جربت شهوة القمار الحقيقية وعرفت كيف يكون عصفها بالنفس، واستحواذها على اللبّ. وكانت مكاسبي قد أذهلتني في أول الأمر، ثم أسكرتني، بأدق المعاني الحرفية لهذا اللفظ. ومن الحقائق الغريبة التي يتعذر تصديقها أني كنت لا أخسر إلا حين أحاول أن أقدر فرص الربح والخسارة، وأقامر على مقتضى ما تبين لي من الحساب السابق. أما حين أدع الأمر كله للحظ، وألعب بلا حساب أو تدبر، فالربح لا شك فيه ولا مفر منه على الرغم من كل عامل من عوامل الترجيح لكفة «البنك.» وكان اللاعبون يخاطرون في أول الأمر بمالهم، وهم مطمئنون، على اللون الذي أختاره، ولكني زدت المبالغ التي أقامر بها إلى حد لا يستطيعون أن يجاروني فيه، فكفوا — واحدًا بعد واحد — عن اللعب، واكتفوا بالمشاهدة وأنفاسهم معلقة. وطفقت أزيد المبالغ التي أخاطر بها، وأكسب مع ذلك، فجاشت النفوس وسرت الحمى في الدماء. وصار السكون لا يقطعه إلا التمتمة كلما دُفع الذهب على المائدة إلى ناحيتي. حتى الضريب الرزين رمى بمجرافه على الأرض وقد ثارت نفسه ثورة «فرنسية» من فرط دهشته لنجاحي. ولكن رجلا واحدًا في الغرفة كان يضبط أعصابه ويحتفظ باتزانها. وأعني به صديقي. وقد جاء إليّ، وهمس في أذني بالإنجليزية بالرجاء أن أرحل عن هذا المكان وأن أقنع بما ربحت. وأنصفه فأقول إنه أعاد تحذيره ورجاءه مرات عديدة، ولم يتركني ويخرج إلا بعد أن رفضت نصحه (وكانت سورة القمار قد اشتدت بي) بألفاظ جعلت من المستحيل عليه أن يخاطبني مرة أخرى في تلك الليلة. وبعد أن خرج صديقي ببرهة، سمعت صوتًا أجش يقول من ورائي: «اسمح لي يا سيدي العزيز، اسمح لي أن أعيد إليك جنيهين سقطا. يا له من حظ يا سيدي! إني أقسم بشرفي، أنا الجندي القديم، أني في تجربتي الطويلة للعب لم أر قط مثل حظك أبدًا. استمر يا سيدي، استمر بجرأة واخرب البنك.» فأدرت وجهي فرأيت رجلًا مديد القامة في معطف خفيف عليه شارات عسكرية، يهز لي رأسه ويبتسم في أدب جم، ولو أن عقلي لم يعزب، لكان الأرجح أن أشتبه فيه وأستريب به، فقد كانت عيناه جاحظتين وحمراوين كالدم وكان شارباه منفوشين متهدلين وبأنفه أثر من كسر، وكان لصوته نبرات عسكرية، ولكن من أحط طبقة. أما كفّاه فأقذر ما رأيت في حياتي، حتى في فرنسا. ولكن هذه المميزات الشخصية لم يكن لها عندي أي تأثير منفّر فقد تركني الجنون الذي أورثتنيه مكاسبي الهائلة مستعدًّا أن أُؤاخي كل من يشجعني على اللعب. فتقبلت من هذا الجندي القديم مقدار شمة من السعوط، وربتُّ له على كتفه وحلفت أنه خير من دب على الأرض، وأنه أمجد أثر تخلف من «الجيش الكبير»٣، فقال صديقي العسكري وهو يفرقع أصابعه مغتبطًا: «استمر استمر واربح. اخرب البنك. أي نعم يا صديقي الإنجليزي الشهم، اخرب البنك.» وقد مضيت في اللعب، ولججت فيه حتى صاح الضريب بعد ربع ساعة أخرى: «أيها السادة. إن البنك يكف الآن وينقطع.» وصار كل ما كان في «البنك» من أوراق النقد والذهب كومًا أمامي … رأس مال البيت كله أصبح تحت يدي ينتظر أن أفرغه في جيوبي. وقال لي الجندي العتيق وأنا أدفع يديّ في كوم الذهب: «ضع المال في منديلك يا سيدي، صُرّه فيه. صره، واجمع أطرافه واعقدها كما كنا نفعل بطعامنا في الجيش الكبير، فإن مكاسبك أثقل من أن يحتملها جيب. هكذا … تمامًا … ضع الورقات والذهب جميعًا … يا له من حظ … انتظر … هذا جنيه آخر على الأرض … والآن يا سيدي نعقد عقدتين متينتين، هكذا، بعد استئذانك، وإذا المال في أمان! تحسس المنديل … تحسسه أيها السعيد المجدود! ناشف، ومستدير كالقنبلة. أما لو أنهم كانوا يطلقون علينا في أوسترلتز٤ قنابل من هذا القبيل …! ليتهم كانوا يفعلون! والآن ماذا بقي علي أن أفعل أنا المدفعيّ القديم والجندي الباسل سابقًا؟! أسألك ماذا أصنع؟ … أتقدم برجائي إلى صديقي الإنجليزي الحميم أن يشرب معي زجاجة من الشمبانيا، لنشرب نخب ربة السعود في قدحين مُزبدين قبل أن نفترق!» فيا له من جندي باسل! وما أطيبه وأرق حاشيته من مدفعي قديم! فلتدر الشمبانيا علينا، وليهتف الإنجليزي بالجندي الفرنسي القديم! هورا! هورا! ولنهتف مرةً أخرى بربة السعود! هورا! هورا! وصاح الجندي: «مرحى! وأحبب بالإنجليزي العطوف الكريم الذي يجري في عروقه الدم الفرنسي المرح! أترع الكأس مرةً أخرى! أوه، إن الزجاجة فارغة! لا بأس! فليحيا النبيذ! أنا الجندي القديم آمر أن تدار علينا زجاجة أخرى ومعها نصف رطل من المسَكَّرات!» فصحت به: «كلا، يا صديقي الباسل! ولا، أيها المدفعي القديم! كانت تلك زجاجتك، والآن هذه زجاجتي! هذه هي! انظر إليها … وتعال نشرب أنخاب الجيش الفرنسي … ونابليون العظيم … وهذا الجمع … والضريب … وزوجته … وبناته، إذا كانت له بنات … والسيدات كافة … وكل امرئ في هذه الدنيا!» وأحسست، لما فرغت الزجاجة الثانية، كأني أشرب نارًا سائلة. فالتهب دماغي. ولم يسبق لي في حياتي كلها أن كان للشراب مثل هذا الغَوْل والخُمار عندي. فهل هذا الأذى نتيجة لفعل المسكر المنبه في كياني الفائر إلى درجة الحمى؟ أم ترى معدتي على حال من الاضطراب غير معهود؟ أم هذه الشمبانيا قوية الأخذ جدًّا؟ وصحت وبي من النشوة مثل الجنون: «أيها الجندي القديم في الجيش الفرنسي الكبير! إن النار مستعرة في بدني، فكيف حالك أنت! لقد أضرمت فيّ النار، فهل أنت سامع ما أقول يا بطل أوسترلتز؟ فلنشرب زجاجةً ثالثة لنطفئ الحريق ونخمد ألسنة اللهب.» فهز الجندي القديم رأسه، ودوّم حدقتيه الجاحظتين، حتى لتوقعت أن أراهما تسقطان من محجريهما، ثم لمس جانب أنفه المكسور بإصبعه القذر، وقال: «القهوة!» وذهب يعدو إلى غرفة داخلية. وقد كان لهذه اللفظة المفردة التي نطق بها ذلك الجندي العتيق الشاذ، من الوقع ما يشبه السحر في الحاضرين، فنهضوا جميعًا دفعةً واحدة لينصرفوا، ولعلهم كانوا يطمعون أن ينالوا شيئًا بفضل ما كسبت، فلما وجدوا صديقي الجديد تأبى له شهامته ومروءة نفسه أن يدعني أسكر حتى لا أعي، ذهب أملهم فيما كانوا يتطلعون إليه من المتعة على حسابي، ومهما تكن البواعث التي حملتهم على الخروج، فإن الواقع أنهم انصرفوا معًا. ولما عاد الجندي وجلس مرةً أخرى إلى المائدة أمامي، كانت الغرفة خالية إلا منا، وكنت بحيث أستطيع أن أرى الضريب فيما يشبه الدهليز، يتناول عشاءه. وصار السكون أعمق وأرهب. وتغيّر الجندي السابق بغتة، واتخذ هيئة الجد الصارم، وصار إذا تكلم لا يزين عبارته أو يؤكدها بالأيمان، أو فرقعة الأصابع، أو الصيحات أو غير ذلك. وقال لي بلهجة من يفضي إليّ بسر: «اسمع يا سيدي العزيز نصيحة جندي قديم. لقد ذهبت إلى ربة الدار (وهي سيدة ظريفة ونابغة في الطبخ) لأقنعها بوجوب العناية بإعداد قهوة قوية جيدة لنا. فعليك أن تشرب هذه القهوة لتذهب عنك سورةُ الشراب قبل أن تمضي إلى بيتك، لا غنى بك عن ذلك يا صديقي الكريم. فإن عليك أن تحمل كل هذا المال معك إلى بيتك الليلة، ومن واجبك نحو نفسك أن تحتفظ بعقلك. وقد عرف جسامة مكاسبك ناس كثر كانوا هنا الليلة، وهم جديرون بالثقة ولكن الإنسان إنسان، يا سيدي العزيز، فهم لا يخلون من مواطن ضعف، وقد لا يستطيعون أن يقاوموا الفتنة ويصدوا عما يغريهم. فهل أحتاج أن أقول أكثر من ذلك؟ كلا! فإنك تفهم عني وتدرك ما أعني. والآن هذا ما ينبغي أن تفعل: تبعث في طلب مركبة حينما ترى أن نفسك قد ثابت إليك، وأغلق نوافذها كلها عندما تركب، ومُر السائق أن يجتاز بك إلى بيتك الشوارع الكبيرة المضاءة. افعل هذا تسلم ويسلم لك مالك. افعل ما أشير به، وغدًا ستدرك أنك مدين بالشكر لجندي هرم على ما أخلص لك النصح فيه.» وما كاد الجندي السابق ينتهي من خطبته التي ألقاها بصوت شجي، حتى جاءت القهوة، مصبوبة في فنجانين. وناولني صديقي المحتفي بي أحد الفنجانين وهو ينحني لي. وكان ريقي جافًّا من الظمأ فشربت القهوة دفعةً واحدة. ولم أكد أرد الفنجان إلى مكانه حتى انتابني دوار شديد، وأحسست أني ازددت سكرًا، وصارت الغرفة تدور بي بعنف، وصار الجندي فيما يبدو لي يصعد ويهبط أمامي كأنه كبَّاس آلة بخارية. وأصمّني صوت يدوّي في مسمعي، واستولى عليّ الشعور بالحيرة والذهول، والعجز، والغباء، فنهضت عن الكرسي، وأنا أعتمد على المائدة لأحتفظ بتوازني، وتمتمت أني مريض ثاقل٥ فلست أدري كيف أذهب إلى بيتي. فقال الجندي، وكان صوته أيضًا فيما يُخيّل إليّ، يضطرب ويعلو ويهبط كبدنه: «يا صديقي العزيز، إن من الجنون أن تذهب إلى بيتك وأنت على هذا الحال. فستفقد مالك على التحقيق. وقد تسرق وتُقتل أيضًا بسهولة. إني أنا سأنام هنا، فنم هنا أيضًا، فإنهم يجيدون إعداد الأسرة وتسويتها في هذا البيت. خذ سريرًا، وأفسد سورة الخمر بالنوم، ثم عد غدًا إلى بيتك، وأنت آمن، ومعك مكاسبك، في وضح النهار.» ولم يبق في رأسي سوى خاطرين؛ الأول: أن لا أدع الصرّة المحشوة بالمال تفلت من يدي. والثاني: أنه يجب أن أرقد حالًا وأنام لأرتاح مما أعانيه، ومن أجل هذا قبلت ما اقترحه الجندي من النوم هنا، وتناولت ذراعه، وحملت الصرة بيدي الأخرى. وتقدمَنا الضريب فاجتزنا بعض الممرات وصعدنا درجات إلى الغرفة التي سأنام فيها. وهز الجندي يدي مصافحًا بحرارة، واقترح أن نفطر صباح غد معًا، ثم خرج يتبعه الضريب. فأسرعت إلى حوض الغسيل، وشربت بعض ما في القلة من الماء، وصببت الباقي في الحوض ووضعت وجهي فيه، ثم قعدت على كرسي وحاولت أن أستعيد وثاقة حالي. فسرعان ما أحسست أني أفيق وأن قوتي ترجع إلي، وقد كان الانتقال من الجو الفاسد في حجرة القمار إلى الهواء البارد في هذه الغرفة، ومن نور مصابيح الغاز الوهاجة إلى ضوء الشمعة الخافت الهادئ مما قوى الانتعاش الذي أفادنيه الماء البارد، فزال عني الدوار وبدأت أشعر أني قاربت حالة الأصحاء العقلاء. وكان أول ما جرى ببالي هو الخطر الذي يستهدف له من ينام الليل كله في بيتٍ من بيوت القمار، وكان الذي جرى ببالي بعد ذلك هو الخطر الأكبر الذي يتعرض له من يحاول الخروج من البيت بعد أن يوصد بابه، والذهاب إلى البيت وحده في الليل، مخترقًا شوارع باريس ومعه مبلغ ضخم من المال. ولقد نمت في شر من هذا البيت خلال أسفاري العديدة. ولذلك صح عزمي على أن أسكَّ الباب وأُضَبِّبَهُ٦ وأترسه، وفي الصباح أرى ما يجيء به الحظ. وهكذا اتقيت التطفل علي، ثم نظرت تحت السرير، وفي الصوان٧ واختبرت مشابك النافذة، ولما اقتنعت بأني لم أقصر في الحيطة خلعت ثيابي الفوقية، ووضعت الشمعة على الموقد بين رماد الخشب، ورقدت على السرير، ودسست صرتي تحت المخدة. وما لبثت أن تبينت أن النوم لن يؤاتيني، وأني لن أستطيع حتى أن أغمض جفوني، فقد كنت تام التنبه وفيما يقارب الحمى، وكان كل عرق في بدني ينبض، وكل حاسة من حواسي مرهفة، فجعلت أتقلب، وأجرب كل رقدة، وألتمس المواضع الباردة من الفراش، ولكن بلا فائدة، وكنت تارةً أريح ذراعي على ظهارة الفراش، وتارةً تحتها، وتارةً أدفع رجليّ وأمدهما إلى آخر السرير، وطورًا آخر أطويهما إلى قريب من ذقني، ومرة أهز المخدة وأقلبها على الوجه الآخر، وأسويها وأرقد على ظهري، ومرة أثنيها وأقيمها على حدها وأسندها إلى ظهر السرير وأحاول أن أنام وأنا راقد كقاعد. ولكن هذا كله كان عبثًا فتوجعت وسخطت وأدركت أن أمامي ليلة طويلة سأقضيها مسهدًا. وماذا أستطيع أن أصنع؟ لم يكن معي كتاب فأتسلى بالقراءة، وإذا لم أهتد إلى ما أشغل به نفسي وألهي به عقلي فإن من المحقق أن يفضي بي ذلك إلى حال أتوهم فيه كل ضرب من المخاوف والأهوال، وأتصور كل ممكن وكل مستحيل من المخاطر، أي أن أقضي الليلة وأنا أقاسي كل أنواع الفزع العصبي. واتكأت على مرفقي وأجلت عيني في الغرفة، وكان القمر يريق عليها ضوءه اللين من النافذة، وفي مأمولي أن أجد صورة أو حلية أتأملها. وتذكرت وأنا أدور بعيني من جدار إلى جدار، ذلك الكتاب الممتع «رحلة في غرفتي» فاعتزمت أن أحذو حذو الأديب الفرنسي، وأن أنشد من التسلية ما يخفف آلام السهاد وسآمته، وذلك أن أحصي — في رأسي — كل ما أستطيع أن أرى من متاع الغرفة وأثاثها وأن أتتبع إلى مصادرها جمهرة الذكريات التي لا يعجز عن إثارتها حتى كرسي أو مائدة أو حوض. على أن اضطراب أعصابي جعل الإحصاء أسهل عليّ من التفكير، فما لبثت أن يئست من قدرتي على انتهاج الطريق الذي ضرب فيه صاحب «رحلة في غرفتي»، لا، بل من القدرة على أي تفكير، فأدرت عيني في الغرفة، ونظرت إلى قطع الأثاث المختلفة، ولم أزد على ذلك. وكان هناك، أولًا، السرير الذي أرقد عليه، وله عمد أربعة، وذاك آخر ما كنت أتوقع أن أجد في باريس؛ سرير إنجليزي الطراز ذو أربع قوائم، يحيط به من فوق، سِجف منقوش، وينسدل عليه ستران مقرونان خانقان، تذكرت أني لما دخلت الغرفة رددت كل شق منهما إلى القائمة من غير أن أجعل بالي إلى السرير نفسه. وكان هناك أيضًا حوض من الرخام للغسل، هو الذي صببت فيه الماء بلا تحرز أو أناة، ولا تزال بقية مما أريق على حافته يقطر ببطء على الأرض. وثم أيضًا كرسيان صغيران ألقيت عليهما ما خلعت من ثيابي، وكرسي آخر كبير ذو ذراع، وقد طرحوا عليه حِبسًا٨ أبيض إلا أنه قذر، وعلى ظهره بنيقتي وربطة رقبتي، وصوّان له أدراج، مقابض بعضها منزوعة، ودواة من الصيني مزخرفة ولكنها مكسورة موضوعة على ظهر الصوان كأنها حلية، ومنضدة للزينة، عليها مرآة صغيرة جدًّا، ومدبسة كبيرة جدًّا، ثم الشباك وهو أكبر من المألوف، وكانت هناك أيضًا صورة قاتمة قديمة رأيتها على ضوء الشمعة، وهي صورة رجل على رأسه قبعة إسبانية عالية مزدانة بالريش، ووجهه وجه شرير نذل، وعيناه تنظران إلى فوق، ويده على حاجبه كأنه يستشرف، وكان يحدّق فيما فوق، فلعله كان يرمق مشنقة عالية يوشك أن يتدلى منها. ومهما يكن من ذلك، فلا شك أن هيئته كانت هيئة رجل يستحق هذا المصير بلا جدال. وكأنما أعدتني الصورة فرحت أصعد بصري إلى ما فوق، إلى سقف السرير. ولكن منظره كان كريهًا؛ فحولت عيني إلى الصورة، ورحت أعد الريشات التي تزدان بها القبعة، فإذا هي ثلاث بيضاء، وثلاث خضراء، وتأملت قمة القبعة فألفيتها مخروطية الشكل، من الطراز الذي كان يميل إليه ويؤثره «جيدو فوكس»، وتساءلت عما ينظر إليه هذا الرجل المرسوم! لا يمكن أن تكون النجوم همه، فإن شريرًا مثله لا يكون فلكيًّا ولا منجمًا، فلا بد أن تكون عينه على المشنقة العالية التي سيرفع إليها ويتدلى منها بعد قليل! فهل يرث الجلاد قبعته العالية المريشة؟ وأحصيت الريش مرةً أخرى فألفيته كما كان؛ ثلاث ريشات بيضاء، وثلاث ريشات خضراء! وبينما كنت أتشاغل بهذا شردت خواطري، وأذكرني ضوء القمر في الغرفة ليلة مقمرة في إنجلترا، بعد رحلة للنزهة في وادٍ ببلاد ويلز. وتمثل لخاطري كل ما شاهدته وأنا عائد مع رفاقي من هذه الرحلة؛ من المناظر الجميلة التي زادها القمر جمالًا، وأكسبها فتنة لا تكون لها بغيره، ومن العجيب أني كنت نسيت هذه الرحلة ولم أفكر فيها كل هذه السنوات الطويلة، ولو أني حاولت أن أتذكرها لكان المحقق أن لا أستعيد إلا قليلًا من مشاهدها. فيا لهذه الذاكرة التي لا تزال تعيننا على الاعتقاد بأنا خالدون على الرغم من الفناء المادي! ها أنا ذا في بيت مريب لا عهد لي به، وفي موقف قلق لا يخلو من خطر من شأنه أن ينفي التفكير الهادئ، ومع ذلك أراني أتذكر، عفوًا وبلا جهد مني، أماكن وأشخاصًا، وأحاديث ودقائق من كل ضرب، كنت أظنها قد طويت طيًّا ليس له من نشر، وما كان من الممكن أن أتذكر ذلك بإرادتي حتى في أحسن الأحوال. وما الذي أثار هذه الذكرى في لحظةٍ واحدة، وأحدث هذا الأثر العجيب المعقد الخفي السر؟ لا شيء سوى أشعة القمر الداخلة من نافذة غرفتي! وكنت لا أزال أفكر في تلك الرحلة، وفي مرحنا ونحن عائدون منها، وفي السيدة الشابة التي تأبى إلا أن تنشد أبياتًا من قصيدة «تشايلد هارولد» — بيرون — لأن القمر كان يضيء الدنيا، وردتني هذه المناظر والملاهي المنسية إليها واستولت علي، وإذا بالخيط الذي تعلقت به ذكرياتي ينبتّ في ثانية واحدة، وإذا بي أُرد إلى الحاضر الذي أنا فيه بقوة، وإذا بي ألفي نفسي — لا أدري لماذا؟ — أنظر بحدة إلى الصورة المعلقة مرة أخرى! أنظر باحثًا عن أي شيء. يا إلٰهي! لقد شد الرجل المرسوم قبعته على حاجبيه! كلا! بل اختفت القبعة كلها! أين ذهبت القبعة المخروطية الشكل؟! وأين الريشات الست؛ الثلاث البيضاء، والأخر الخضراء؟! لم يبق لها وجود! وما هذا الذي يحجب جبينه الآن وعينيه ويده المرفوعة إلى ما فوق !حاجبيه؟ أفي السرير شيء يتحرك؟ انقلبت على ظهري، وحدقت. أتراني جننت؟ أما أنا سكران؟ أم هو حلم؟ أم عاودني الدوار؟ أم سقف السرير يهبط ببطء، ولكن باطراد، وفي سكون؟ يهبط كله شيئًا فشيئًا، بطوله وعرضه، ويدنو مني قليلًا فقليلًا وأنا راقد تحته؟ وأحسست كأنما جمد الدم في عروقي، وابترد جسمي وسرى مثل الشلل في بدني، وأنا أقلب خدي على الوسادة، أنظر إلى الرجل المرسوم في الصورة وأرى هل يهبط سقف السرير حقًّا أو هو ثابت لا يتحرك؟ وكانت نظرة واحدة إلى الصورة حسبي، فقد كان السجف المنقوش المحيط بجوانب السرير من سقفه محاذيًا لخصر الرجل! وظللت أنظر وقد احتبست أنفاسي، ورأيت الصورة المرسومة تختفي، والإطار من تحتها يغيب، والسقف يهبط ببطء، وفي اطراد، وبلا صوت! وأنا لا جبان، ولا ضعيف القلب. وقد تعرضت للمخاطر والمهالك أكثر من مرة في حياتي، ولم أفقد عقلي لحظة واحدة، ولكني لما أيقنت أن سقف السرير يتحرك وأنه يهبط عليَّ، نظرت إليه وأنا أرعد، وقد فاجأني الروع فلا حيلة لي تحت هذه الأداة القاتلة الشنيعة التي تقترب مني لتخنقني وأنا أرقد. خذلني الرشد، وخانني اللسان، وتعلقت أنفاسي وأنا أنظر، وكانت الشمعة قد نفدت فانطفأت، ولكن القمر كان يضيء الغرفة. وكان السقف يهبط بلا توقف، ولا صوت، وأنا من الفزع كأنما شددت إلى المرتبة، وبلغ من دنو السقف مني أن شممت رائحة التراب الذي في السجف المحيط به. وفي هذه اللحظة الأخيرة تنبهت غريزة المحافظة على الذات، وأنقذتني من الذهول الذي استولى عليّ فتحركت، ولما أكد، فما كان هناك من المسافة بين المرتبة والسقف أكثر مما يسمح بالانقلاب على جنبي والتدحرج عن السرير. وبينما كنت أهوي إلى الأرض بلا ضجة أو ضوضاء لمست بكتفي سجف هذا السقف القاتل. ولم أنتظر حتى تنتظم أنفاسي، ويثوب إليَّ جسمي، ولم أعن بأن أمسح العرق البارد الذي تصبب من وجهي، بل أسرعت فنهضت على ركبتي لأرى سقف السرير من سطحه. وأعترف أني سُحرت فسُمرت في مكاني، فلو أني سمعت حينئذ وقع أقدام خلفي لما استطعت أن أدور أو أتلفت، ولو أن وسيلة للنجاة أتيحت لي بمعجزة لما وسعني أن أتحرك لأنتفع بها، فقد صار كل ما فيَّ من قوة وحياة مركزًا في عينيّ. ظل السقف كله يهبط، ومعه السجف الذي يدور به، حتى لم يبق بينه وبين المرتبة ما يكفي لدس إصبع، فمددت يدي وتحسست جوانب السقف، فإذا الذي كنت أحسبه، وأنا راقد، سقفًا عاديًا لسرير ذي قوائم أربعة، مرتبة سميكة عريضة يحجبها السجف ويسترها من تحتها الكلة، فصعدت طرفي فأبصرت القوائم الأربعة عارية. وفي وسط السقف الهابط بِزال٩ عظيم خارج من سقف الغرفة، وهو ولا شك الذي نزل بالسرير، على نحو ما تفعل المكابس. وكانت هذه الأدوات الضاغطة الرهيبة تتحرك من غير أن تحدث أخفت صوت. فما سمعت شيئًا وأنا راقد، ولا كان هناك أدنى جرس من الغرفة التي فوقي. وفي هذا السكوت المروّع، وفي القرن التاسع عشر، وفي عاصمة فرنسا المتحضرة، رأيت أداة للقتل خنقًا، مثلها لعله كان موجودًا في أحلك أيام محكمة التفتيش، أو في الفنادق النائية المنقطعة في جبال الهارتز أو في محاكم وستفاليا السرية. وكنت، وأنا أتأملها، لا أزال عاجزًا عن الحركة، ولا أكاد أستطيع أن أتنفس، ولكني استعدت قدرتي على التفكير فتجسدت لي المؤامرة التي دبرت لهلاكي في أفظع صورها. لقد كانت القهوة التي قدمت لي، فيها مخدر، ولكنه كان أقوى مما يجب فأنجاني من الموت اختناقًا أني تناولت فوق الكفاية من المخدر، ولشد ما كنت أتبرم وأسخط على الأرق الذي أنقذني! ولشد ما وثقت بالوغدين اللذين قاداني إلى هذه الحجرة، وقد اعتزما أن يقضيا على حياتي ليظفرا بمكاسبي! وما أكثر الذين ربحوا مثلي، وناموا مطمئنين، كما كنت أحب أن أنام، على هذا السرير ثم لم يرهم، ولا سمع بهم أحد بعد ذلك! وسرت في بدني الرعدة وأنا أتصور هذا المصير الذي كنت صائرًا إليه. وتعطل كل تفكير، مرة أخرى، حينما رأيت أداة الهلاك تتحرك مرة أخرى فبعد أن لبثت جاثمة على المرتبة حوالي عشر دقائق — على قدر ما استطعت التخمين — بدأت ترتفع، ولا شك أن الأوغاد الذين كانوا يحركونها من فوق اعتقدوا أنهم بلغوا غايتهم وحققوا مأربهم. وكما كانت تهبط في بطء وسكون كذلك أخذت تصعد إلى مكانها الأول، فلما بلغت أطراف القوائم الأربع للسرير كانت قد بلغت السقف أيضًا، واختفى الثقب والبزال جميعًا، وعاد السرير — كما كان يبدو للعين — سريرًا عاديًّا، وسقفه السقف المألوف الذي لا يبعث على أي استرابة. ووسعني الآن — لأول مرة — أن أتحرك، وأن أنهض عن ركبتي وأرتدي ثيابي وأفكر في النجاة والتماس الطريق إليها. وكنت أدرك أن علي أن أتقي أن أحدث صوتًا يدل على أن الذين حاولوا خنقي أخفقوا، وإلا قتلوني على التحقيق. فهل تراني أحدثت صوتًا؟ أرهفت أذني، وجعلت عيني على الباب لأتبين … كلا. لم أسمع وقع قدم في الدهليز، ولا صوتًا، لا خفيضًا ولا عاليًا من الغرفة التي فوقي. وكان السكون تامًّا في كل مكان، وكنت قد حرصت قبل الرقاد على السرير، على إيصاد الباب وتضبيبه، ولم يكفني ذلك فوضعت خلفه صندوقًا قديمًا من الخشب وجدته تحت السرير، فاتخذت منه مترسًا. وكان من المستحيل نقل هذا الصندوق الآن من موضعه وراء الباب بلا ضجة (وقد اقشعر بدني وأنا أفكر فيما عسى أن يكون مخبأ فيه!) كذلك كان من الجنون أن أفكر في الخروج من البيت من بابه الموصد. فلم يبق لي إلا النافذة، فمشيت إليها على أطراف أصابعي. وكانت غرفتي في الطابق الأول فوق كُنَّة، وهي تطل على الشارع الخلفي الذي خططته في رسمك، فرفعت يدي لأفتح النافذة وأنا أعلم أن سبيل النجاة رهنٌ بهذا؛ فإن بيتًا كهذا يقتل فيه الناس لا بد أن يكون عليه حُراس لا ينامون، وإني لجدير بأن أقضي نحبي على نحوٍ ما، إذا أَطَّ الشباك أو صوّت نجرانه.١٠ وقد قضيت خمس دقائق — في حساب الزمن — وخمس ساعات فيما كنت أحس، في فتح هذا الشباك، ووفقني الله إلى فتحه في سكون، كما كان يمكن أن يفعل أمهر اللصوص وأحذقهم، ثم أشرفت على الشارع وأدرت عيني فيه، فوجدت أن إلقاء نفسي من النافذة، يكون فيه هلاكي المحقق، فأجلت طرفي في جوانب البيت، فرأيت على الجانب الأيسر منه أنبوبة الماء الغليظة التي رسمتَها، وكانت قريبة من الشباك، وما كدت أراها حتى أيقنت من النجاة، فخلصت أنفاسي لأول مرة مذ رأيت سقف السرير يهبط عليّ! وقد يرى بعض الناس أن وسيلة النجاة التي اهتديت إليها خطرة، ولكن انزلاقي على الأنبوبة إلى الطريق، لم يتمثل لي فيه أي خطر، فقد استطعت بالمواظبة على الرياضة البدنية أن أحتفظ بقدرتي على التسلق وبراعتي فيه، وكنت واثقًا أن رأسي ويديَّ ورجليَّ لن تخونني. لهذا لم أتردد في الإقدام، فركبت حافة النافذة، ولكني تذكرت صرة المكاسب المدسوسة تحت الوسادة، وكان في وسعي أن أدعها، ولكني آليت ألا أترك لأشرار هذا البيت ما كانوا يمنّون النفس باستلابه، ولهذا عدت إلى السرير، وربطت الصرة الثقيلة برباط رقبتي، وألقيتها على ظهري. وخيل إليَّ، بعد أن فرغت من ذلك، أني سمعت حسيس أنفاس وراء الباب، فسرت رعدة الفزع في بدني مرةً أخرى، وأنا أنصت وأتسمّع. كلا! لا ركز، ولا شيء غير السكون في الدهليز، وإنما كان ما سمعته هسيس الهواء الداخل في الغرفة، ولم أضع وقتًا، فوثبت إلى حافة النافذة، ومن ثم تعلقت بأنبوبة الماء بيديَّ وركبتيَّ. وانحدرت إلى الشارع بسهولة وبغير ضجة، كما كنت أتوقع، وذهبت أعدو بأقصى ما يسعني من السرعة إلى مركز الشرطة، وكنت أعرف أنه في جوار هذا الحي. وكان هناك ضابط وبعض الجنود يحكمون تدبير خطة، على ما أعتقد، للاهتداء إلى من ارتكب جريمة خفية كانت باريس كلها تلغط بها يومئذ، فلما شرعت أقص قصتي، بسرعة، وبلغة فرنسية محطمة، كان من الجلي أن الضابط يحسبني إنجليزيًّا مخمورًا سطا على بعضهم وسرقه، ولكن سرعان ما غير رأيه بعد أن مضيت في قصتي، وقبل أن أتمها كان قد دس ما أمامه من الأوراق في درج، ولبس قبعته، وأعارني قبعة (فقد كنت عاري الرأس) وأمر صفًّا من العسكر أن يستعدوا، وطلب من الصناع أن يهيئوا كل ضروب الآلات اللازمة لفتح الأبواب عنوة ورفع بلاط الأرض، وتناول ذراعي كأني صديق حميم، وخرج بي. وأجازف فأقول إن الضابط، لما كان طفلًا صغيرًا، وحمله أهله أول مرة إلى الملعب لم يكن فرحه بذلك كفرحه الآن بما يتوقع أن يجد في البيت الذي هربت منه. واجتزنا الشوارع والضابط يستجوبني ويهنئني في وقت معًا ونحن سائران على رأس القوة التي صحبتنا، ولما بلغنا البيت وضع الحراس أمامه وخلفه ثم أهوى على الباب يدقه ويقرعه فظهر نور في نافذة، فأمرني أن أتوارى وراء الشرطة، وتلت ذلك قرعات أخرى أشد وأقوى، وصيحة «افتحوا باسم القانون.» فانفتحت المزاليج والمغاليق أمام هذه الصيحة المرعبة، وما كاد المصراع يتحرك حتى كان الضابط في الدهليز يواجه خادمًا ممتقع اللون في نصف ثيابه فدار بينهما هذا الحوار الوجيز: – «نريد أن نرى الإنجليزي النائم في هذا البيت.» – «قد خرج منذ ساعات.» – «لم يفعل شيئًا من ذلك، انصرف صاحبه وبقي هو. فاذهب بنا إلى غرفته.» – «إني أقسم لك يا سيدي الضابط أنه ليس هنا … إنه …» – «إني أقسم لك يا سيدي الخادم إنه هنا. نام هنا ثم لم يجد سريركم مريحًا فجاء إلينا يشكو — هذا هو بين رجالي، وهذا أنا جئت لأبحث عن هناة أو اثنتين في سريركم! يا رينو دان (أحد أعوانه) شد وثاق هذا الرجل واربط يديه وراء ظهره. والآن فلنصعد.» وقبضوا على كل رجلٍ وكل امرأة في البيت، وفي طليعتهم ذلك «الجندي القديم» وأريتهم السرير الذي رقدت عليه ثم صعدنا إلى الغرفة التي فوقه. فلم نر أي شيء فيها يمكن أن يستغرب أو يلفت النظر، فأجال الضابط عينه فيها وأمر الحاضرين أن يلزموا الصمت وضرب الأرض برجله مرتين ودعا بشمعة. وفحص الموضع الذي ضربه برجله، وأمر بأن ينزع البلاط، فكان ما أراد في أوجز وقت، وجيء بالأنوار الكافية فرأينا فجوة عميقة مدعمة بالخشب بين أرض الغرفة وسقف الغرفة التي تحتها، وفي هذه الفجوة صندوق قائم من الحديد عليه شحم كثير وفي جوفه البزال المتصل بسقف السرير، ووجدنا عدا ذلك ضروبًا أخرى من البزال حديثة التزييت، وروافع مكسوة بالمخمل، وكل ما تركب منه آلة ضاغطة ثقيلة، وهي جميعًا مصنوعة بحيث يسهل وصلها بما أُعد في الغرفة التحتية، وبحيث تفك وتوضع في أضيق مكان. وبعد قليل من العناء استطاع الضابط أن يركب هذه الآلة، ثم ترك رجاله ليديروها وانحدر هو إلى الغرفة التي فيها السرير، وأُنزل السقف الخانق ولكن نزوله أحدث صوتًا لم أسمعه وأنا راقد، وقد ذكرت هذا للضابط فكان جوابه العظيم الدلالة: «إن رجالي يستعملون هذه الآلة للمرة الأولى، أما الذين ربحت مالهم فإن خبرتهم أطول ومرانتهم أوفى.» وغادرنا البيت في حراسة اثنين من رجال الشرطة فقد نقل كل من كان فيه إلى السجن. وبعد أن دون الضابط أقوالي في مكتبه ذهب معي إلى فندقي ليرى جواز سفري. وقد سألته وأنا أقدمه له: «أتظن أن أحدًا خنق حقيقة على هذا السرير كما حاولوا أن يخنقوني؟» فقال: «لقد رأيت عشرات من جثث الغرقى في معرض المجهولين، وقد وجدت معهم إقرارات بأنهم انتحروا في نهر السين لأنهم خسروا مالهم على مائدة القمار. ومن أدراني أنهم لم يدخلوا البيت الذي دخلته؟ وربحوا كما ربحت؟ وناموا حيث رقدت؟ واختنقوا فيه؟ ثم ألقوا بهم في النهر وفي ثيابهم إقرار كتبه القتلة؟ إنه ما من أحد يستطيع أن يقول كم لقوا الحتف الذي نجوت أنت منه. وقد كتم أهل هذا البيت سر آلتهم عنا نحن الشرطة، وتكفل الموتى بكتمان باقي السر. والآن عم مساءً، أو على الأصح عم صباحًا يا سيد فولكنر. وأرجو أن تعود في الساعة التاسعة، وإلى الملتقى!» ولم يبق من قصتي إلا قليل، سئلت مرة وأخرى، وفتش كل مكان في البيت، واسْتُجْوِبَ المقبوضُ عليهم، كل واحد منهم بمفرده، واعترف اثنان منهم. وتبينت أنا أن «الجندي القديم» هو صاحب بيت القمار، وأظهر التحقيق أنه طرد من الجيش من سنين لسوء سيرته، وأنه اقترف كل ضروب الآثام بعد ذلك، وأن عنده مسروقات شتى عرفها أصحابها، وأنه هو والضريب وشريك آخر والمرأة التي وضعت لي المخدر في القهوة، يعرفون جميعًا سر السرير، وكان هناك شك في أن غيرهم ممن يعملون في هذا البيت يعرفون شيئًا عن الأداة الخانقة المركبة فيه، فانتفعوا بهذا الشك، وعدهم القضاء لصوصًا ومتشردين. أما الجندي القديم وشريكاه فحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، وأما المرأة فكان نصيبها السجن سنواتٍ نسيت عددها. وعُد الذين يختلفون إلى هذا البيت بانتظام «مشتبهًا فيهم» ووضعوا تحت المراقبة ولبثت أسبوعًا كاملًا (ما كان أطوله!) وأنا أبرز رجل في المجتمع الباريسي. واتخذ ثلاثة من مشاهير الروائيين، حادثتي موضوعًا لقصصهم المسرحية، ولكنها لم تر الضوء ولم تمثل منها واحدة لأن الرقابة منعت أن تظهر على المسرح صورة صادقة لهذا السرير. على أن الحادثة أثمرت خيرًا لا شك أن أية «رقابة» لا يسعها إلا أن تحمده. ذلك أنها شفتني وزهدتني في لعبة «الأحمر والأسود» وبغضت إليّ التسلي بها، وسيظل منظر الغطاء الأخضر، وعليه أوراق اللعب، وأكوام الفلوس، مقرونًا عندي بمنظر سقف سرير يهبط عليّ ليخنقني في ظلام الليل وسكونه. هوامش (١) المفروض أن صاحب الحادثة يقص القصة على المصور الذي يرسمه. (٢) الضريب هو: الموكل بالقداح في الميسر (موظف نادي القمار)، وقد رأيت أن أترجم بها كلمة Croupier. (٣) جيش نابليون. (٤) موقعة انتصر فيها نابليون في ألمانيا. (٥) الثاقل: الذي أثقله المرض. (٦) السك والتضبيب، لفظان صحيحان ومعناهما معروف (إغلاق الباب بشدة)، والمترس ما يوضع خلف الباب. (٧) ما تصان فيه الثياب. (٨) الحِبس: مفرش السرير. (٩) البزال: البريمة. (١٠) النجران: ما يدور عليه الباب أو الشباك، والأطيط صوت الخشب أو الجلد وما أشبههما. مختارات من القَصَص الإنجليزي
نفس رضية منذ أربعين سنة خلت كنت «كاتبًا» في ديوان للحكومة في «هوايتهول» وكنت قد قضيت في عملي هذا ثلاث سنوات. وكان أبي على شيء من الخفض في العيش وله ألف وخمس مائة فدان، ولما لم يكن له من الولد سوى بنت وغلام فقد وسعه أن يدخلني في مدرسة «هارو» التي تعلم هو فيها، وقد انتقلت من «هارو» إلى «كمبردج» وأديت الامتحان الخاص بالخدمة المدنية بنجاح، وما لبثت أن خطبت «مرغريت راشورث» بنت راعي الكنيسة ببلدة «همسورث» على مسافة خمسة أميال من بلدتنا، وفي سنة ١٨٧٠ بنيت بها. وكان أبي يوسع عليّ بمائة جنيه في العام غير ما أتقاضاه من عملي، وكان لمرغريت خمسون جنيهًا في العام، فاتخذنا لنا بيتًا في «بلاك هيث.» ولم تكن مرغريت ذات ولوع بالقراءة، وإن كانت تجيد تحصيل ما تقرأ وقد حدثت نفسي أنها ستتفتح، أعني أن تُشغف بالأدب وتُغرى بالاطلاع عليه ولكنها لم تفعل ولم يصدق ظني، ولعله كان لا يسعها إلا أن تنمو وتنضج وفق طبيعتها، وعسى أن يكون الله قد شاء — وإن كانت هي لا تدري — أن تبقى طبيعتها الخاصة غير مشوبة أو متأثرة بطبيعة أخرى. أما أنا فكنت على نقيضها ولم تكن لي حياة إلا في الكتب، وكنت أيام كمبردج قد دخلت في الأدب دخولًا ثابتًا فأصبحت أمقت اللهو ولا أطيق الفراغ. وكان حبي للكتب هو الذي يرجع إليه بعض ما فيَّ من عيوب، ومن بينها فقدان الشعور بالتناسب، والإدراك الصحيح للقِيَمَ الحقيقية للأشياء. فقصيدة قصيرة من ثلاثة مقاطع أو أربعة، أو بضعة أبيات من قصة «اغتصاب خصلة الشعر» ترجح عندي بأخبار الحوادث الجسام، بل كان خيرًا عندي، وأولى بي في رأيي، أن أعرف كيف كان شكسبير يربط حذاءه من الإلمام بأحكام قانون ثوري كقانون الإصلاح. وكان الحديث لا يطيب لي إلا إذا دار على ما أقرأ، ولا شك أن كثيرين كانوا يعدونني مغرورًا مفتونًا متحذلقًا، وأعترف أن مخالطتي كانت لا رضية ولا مطلوبة، وكان الهزالون والفارغو القلوب والرءوس يضحكون مني ويتهكمون عليَّ، لأن الرجل الجاد مثلي يكون لأمثالهم عرضة استهزاء من العسير عليهم أن يصدوا أنفسهم عن ركوبه بالعبث والمجانة. على أن هذه الطبيعة الخاصة لم تتكشف إلا بعد الخطبة بقليل. وقد كنت يومئذ أطمع في السعادة مع مرغريت، وأحلم بأن أقضي الأمساء الطويلة ونحن معًا ندرس شيللي (الشاعر) ونبحث سياق قصته «ثورة الإسلام» وهي مسألة كانت لا تزال مستعصية الحل عليّ. وكنت عضوًا في ناد يسمى، لغير داع خاص، «نادي السبت» وقوامه اثنا عشر رجلا من أترابي وأشباهي في النزعة يجتمعون في اليومين الثاني والخامس عشر من كل شهر للاستفادة وتفتيش الكلام والنظر في المعارف. وما من ريب في أن كثيرين يستغربون ذلك، ولكنه لا يبدو لي غريبًا، حتى الآن أن يجلس اثنا عشر من أبناء هذا العالم المبتذل، إلى مائدة وأن يحاولوا، بغير معونة من شراب أو طباق أو قهوة، أن يجيلوا النظر ويتبادلوا الرأي في موضوعات يعدها الأكثرون ثقيلة منفرة. وقد عدت مرة إلى البيت ورأسي مكتظ بأسلوب الشاعر ملتون في النظم، فشرعت أصب على رأس مرغريت ما دار في اجتماعنا، وأفضي إليها بآرائي وملاحظاتي على الخصوص، ولكن لما كانت لم تقرأ قط قصيدة «الفردوس المفقود» ولا تعرف شيئًا عن البحر المرسل، فقد أقصرت، وشعرت بخيبة الأمل. وأسفت هي أيضًا، وانقضى المساء، كما تنقضي الأمساء في أخريات سبتمبر/أيلول الذي قل أن توقد فيه النار، ومع ذلك يجيء فيه المطر البارد مع الظلام المتكاثف. وكانت عادتنا إذا وقع الثاني أو الخامس عشر من الشهر، في يوم سبت، أن نجتمع في الساعة الرابعة، فاتفق مرة أن حاولنا أن نتبين حقيقة ما حدث للزورق المسحور في قصيدة «أَلاسْتور» فإن الماء المائج يرتفع «درجة فوق درجة» والزورق يستولي عليه الموج المتسامي. فحيرني ذلك واشتقت إلى الفهم، وعدت إلى البيت فلم أستطع أن أصد نفسي عن عرض المعضلة التي تحيرني، على مرغريت، فقرأت لها من قصيدة «ألاستور» كل ما له علاقة بحركة الزورق، وأفضت في الشرح والبيان وكنت أراها تجشم نفسها أن تتبعني وأن تستوضح مجرى الماء ولكنها لم توفق، وأغضبني ما تقوله مما لا دخل له في الأمر، وسألتني من عسى أن يكون هذا المطوّف، وما الغرض من رحلته؟ فلم أطق صبرًا وقلت لها وأنا معتمد بمرفقيّ على المائدة، ورأسي بين كفي من الغم: «لشد ما أتمنى يا مرغريت أن أجد عندك أكثر من هذا العطف قليلًا! وما أخلقني بالسعادة لو أنه كان يعنيك ما يعنيني!» فلم تقل شيئًا، وتركتها وخرجت ولكني، وأنا خارج، خيّل إليّ، أن الدمع متحيّر في عينها، ففزعت! فقد كنت أحبها حبًّا جمًّا، وحدثت نفسي أن هذا لعله بداية الفتور في حبي لها. فماذا ينبغي أن أصنع؟ وكيف أكون إذا حلت بيننا الجفوة، ووقعت النبوة؟ وشعرت بالفزع القريب من الجنون الذي يشعر به الناس حين تزلزل الأرض وترتج تحت أقدامهم. وفي تلك الليلة تعشى معنا صديق قديم من أيام الدرس، وكنت لم أره منذ سنتين. واسمه روبرت باركلي. وكان أبوه قسيسًا درس اللاهوت في مدرسة سيميون، فهو لهذا من الإنجيليين، وكذلك كان ابنه روبرت الذي تعلم في كمبردج، ولكنه تغير لما بلغ الخامسة والعشرين، كأنما أفاق من سبات، وشرع يتساءل، وكانت النتيجة أن العقيدة التي رُبِّي عليها بدت له كأنها غير ذات أساس، وكأنما هي معلقة في الفضاء. وظل هكذا حتى أصبح لا يستطيع أن يقول شيئًا غير «لا أدري.» غير أنه كان من المستحيل أن يطمئن إلى هذا ويرضى به، فقد كان ممن تغريهم فطرتهم بالنزوع إلى التقرير والحسم، فما لبث أن تحول إلى العقيدة الكاثوليكية وحل بهذه الطريقة، على نحو يرضيه، المعضل الناشئ عن إيجاد سند للسلطان البابوي، يرجع إلى المركز الذي أعياه أن يجده في المذهب السيميوني. وقد اقتنع بأن يقف حيث وقف نيومان: «إنه لا حيلة في ذلك، فإما أن نرفض الإيمان بالكنيسة باعتبارها إلهية وإما أن نقر لها ونعترف بها في النظام الذي يرأسه البابا. وعلينا أن نتقبل الأشياء كما هي كائنة. فإنك إن تؤمن بالكنيسة تؤمن بالبابا.» وكان باركلي كثيرًا ما يزورنا في بيت أبي قبل هذا التحول، فأحب فيرونيكا — أخت مرغريت — وكانتا في ضيافة أمي. وبادلته فيرونيكا حبًّا بحب، فخطبها، وإذا به بعد ذلك تستولي عليه الرغبة، شيئًا فشيئًا، أن يكون قسيسًا، ويعمق في نفسه الإيقان، بأن من واجبه أن يفعل ذلك، وكانت فيرونيكا قد صارت كاثوليكية أيضًا، وساعفتها قوة النفس فكانت تحضه على أن يلبي ما كان كلاهما يعتقد أنه نداء إلهي. وليس في وسع إنسان أن يحيط بما قاساه واحتمله هذان، الله وحده هو العليم بهما. وكنت أنا ألمح، بين آونة وأخرى، آيات المجاهدة النفسية، والصراع الذي يدفع الدم في مسام الجلد. ولم تكن الصعوبة في عملٍ ما كانا يعتقدان أنه الصواب، بل في الاهتداء إلى الصواب ما هو؟ فقد كان يبدو لهما أحيانًا أن ما يدعوهما إلى الحب، جلي الصوت لا خفوت به ولا غموض فيه، ولا تردد، وقد كان كلاهما حارًّا، مشبوب العاطفة، قوي الخيال. فهل من الممكن أن يتصور الإنسان أن هذا الهاتف القوي ليس من الله؟ أما ما يهيب بروبرت أن يكون قسيسًا فلم يكن له مثل هذا الجلاء وذلك الوضوح، غير أن كلًّا من روبرت وفيرونيكا كان أذكى وأعلم من أن يغيب عنه أن الوضوح ليس شرطًا في التوجيه، وأن الطريق القويم قد توحي به همسة خافتة ولكن لها مثل قوة النفخ في النفير، فينهج المرء النهج ولو إلى البوار والتلف. على أني لا أدري ماذا جعل الفراق بين فيرونيكا وروبرت أشق وأقسى، وقد يكون في هذه السطور التي أنقلها من رسائل روبرت إليَّ، بعض البيان قال: إن في هذه المأساة ما لا قِبَل لي بالعبارة عنه، فإنه الكشف التام عن كل ما تنطوي عليه كلمة «أبدًا» والتجسيد الدقيق لحقيقة معناها. وهل يستطيع الإنسان أن يعبر بالألفاظ عن منديل أبيض يخفق من نافذة قطار، أو عن رصيف خال كانت تقف عليه قبل عشر دقائق امرأة معينة لا تزال صورتها ماثلة وإن غاب عن العين شخصها؟ إن في هذا شيئًا غير الأسى بمجرده، عسى أن يكون تفتح الهاوية الرهيبة الكائنة تحت حياة الإنسان. وقد كانت إحدى نتائج هذه المحنة الإخلاص الصافي من كل شائبة، فقد هذّبه الامتحان، وصفّت نارُ التجربة معدنه من الأخلاط، وصارت ألفاظه تقوم مقام الحقائق وتغني غناءها، ولعل إخلاصه هذا هو الذي أكسبه ذلك السلطان على نفسي، وقد عجز عن حملي على اعتناق المذهب الكاثوليكي، ولكن الفضل في ذلك يرجع إلى مرغريت التي ردتني عن متابعته، فقد كانت هي الوحيدة التي تستطيع أن تمكنني من المقاومة. وقد أعجب روبرت بما حدثته به مرغريت — على العشاء — من أسلوبها في معونة جيرانها الفقراء، فما كانت تعطيهم مالًا، أو ثيابًا، أو طعامًا، أو تكتفي بالزيارة، وإنما كانت تدخل بيوتهم، وتعمل فيها، فتطبخ لهذه، وتغسل ثياب تلك، أو تنظف الغرف، أو تمسح البلاط. ولم تكن هذه معونة حقيقية فحسب، وإنما كانت كذلك فرصة تغتنمها مرغريت لتعليم هؤلاء النسوة كيف ينبغي أن يعملن عملهن ويؤدين واجباتهن، وقالت مرغريت وهي تصف مساعيها تلك: «وقد يتاح لي من حين إلى حين أن ألحن بكلمة تنفعهن، فإني واثقة أن الكلمة تلقى عرضًا، أفعل في نفوس هؤلاء النسوة وأجدى عليهن. ومن العبث أن تتحدث إليهن في مسائل نظرية أو عامة، أو أن تعظهن وتفيض في الكلام على الخطيئة وفظاعتها. ولكن إذا كان جار إحداهن قد ضرب امرأته، أو كان يشرب ولا يعطيها شيئًا مما يكسب فإن في وسعك أن تقول في سوء سيرته ما يعن لك، وأن ترجو أن يكون لكلامك وقعه. أما الدين كما نفهمه حين نركع ونصلي، فذلك ما لا سبيل إلى تعليمهن إياه. وإنه ليتطلب موهبة سماوية كالتي لا بد منها للشاعر العظيم، ألا وإن ردّ اليد عن النشل والسرقة لعسير …» ونهضت مرغريت إلى فراشها؛ فقد كانت بطفلتنا، التي بلغت من العمر ستة شهور، حاجة إلى عنايتها. وبقينا نحن صامتين بضع دقائق، ثم قال روبرت فجأة وبلا تمهيد: «مرغريت آية … عبقرية … ولقد شرفتك بزواجها فكانت بركة عليك، وليقل الأغبياء ما شاءوا، فإن الابتكار والعبقرية في الزوجة من أكبر الأنعم وأعظم البركات. ولكن هناك مع ذلك ما هو أكبر وأعظم.» وكان صوته يرتجف ويضطرب وهو يقول ذلك. عبقرية! ابتكار! هذا ما لم يخطر لي من قبل. وتذكرت الزورق في قصيدة «ألاستور» ولكن سلطان روبرت كان أقوى من الذكرى، وكان له من الصولة والسطوة ما يكفي لا لتغيير رأي ما، فقط، بل لتغيير وجوه الأمور تغييرًا تامًّا شاملًا. كما أدرك Saul في مثل لمح البصر، وبلا جدال، أنه كان مخطئًا. وهكذا كشف لي روبرت عن حقيقة مرغريت التي كانت محجوبة عني، وكان هذا منه أشبه بالمعجزة، إذا اعتبرنا الأداة والوسيلة وقسناهما إلى النتيجة والأثر. ودخلت غرفتها؛ فتحت الباب برفق فرأيتها نائمة وإلى جانبها الطفلة، ولكن مصباح الليل كان مضاءً، فخلعت نعلي عند الباب وتسللت على أطراف أصابعي إلى المنضدة الصغيرة الموضوعة إلى جانب السرير، فإذا عليها نسخة من ديوان شيللي وأرتني علامة فيه أنها كانت تدرس الأبيات التي قرأتها لها عن الزورق، فعدت إلى غرفتي، ولكني لم أنم. وفي بكرة الصبح ذهبت إلى غرفتها، فتبينت أنها استيقظت في الليل، فقد أرتني العلامة أنها قلبت صفحة. ولكن عينيها كانتا مغمضتين، وكان ذراعها على الغطاء. فركعت وتناولت راحتها الجميلة الصغيرة ولثمتها لثمة خفيفة. فتنبهت، واعتدلت وحنت عليّ، وأحسست شفتيها على رأسي، وتهدل شعرها الوحف فكساني. وقد ماتت منذ عشر سنين، ولكن المحيا الذي يطالعني ويتراءى لي دائمًا، سعيد، والحمد لله. مختارات من القَصَص الإنجليزي
أناندا: صاحب المعجزات لما أرسل بوذا رسله ليدعوا إلى دينه وينشروه في الهند، لم يفته أن يزودهم بالوصايا لهدايتهم، وناشدهم أن يتوخوا الوداعة والتواضع والرحمة والقصد، وأن يخلصوا في بث دعوته، وأمرهم أن لا يأتوا — في حال من الأحوال — بمعجزة. ويروون أن رسله كانوا يعانون عناءً شديدًا، ويكابدون مصاعب جمة في العمل بأوامره، وأنهم كانوا أحيانًا يخفقون، إلا النهي عن المعجزات، فما خالفوا ذلك قط ولا مرة واحدة، ما خلا أناندا التقي الورع الذي نورد فيما يلي سيرته في العام الأول من رسالته. ذهب أناندا إلى «مجادا» وشرع يفقه الأهالي في دين بوذا، ولما كان المذهب مقبولًا، وكان هو رطب اللسان، مقنع البيان، فقد أقبل عليه الناس يصغون طائعين، وانصرفوا شيئًا فشيئًا عن البراهمة الذين كانوا يوقرونهم من قبل ويعدونهم هداة مرشدين. «ألا بارك الله في رسول ينشر الحق بقوة الإقناع والقدوة الحسنة والبيان المشرق لا بالخطأ والدجل والشعوذة كما يفعل أولئك البراهمة التعساء!» ولم يكد يدور في شدقه هذا الزهو حتى تضاءل جبل فضائله، وهجرته الفصاحة والبراعة والفضيلة، فلما خطب الجمهور مرة أخرى بعد ذلك سخروا منه واستهزءوا به ثم رشقوه بالحجارة. ولما صار الأمر إلى هذا الحال رفع أناندا عينيه فأبصر عددًا من البراهمة، من طبقة دنيا، حافين بغلام مصروع على الأرض، وكانوا يحاولون عبثًا أن يردوا إليه نفسه بالرقى والعزائم وما إلى ذلك من وسائل الشفاء المقررة، ثم قال أحكمهم: «فلنترك بدن هذا المريض مَسكنًا غير حميد للشيطان، فلعله حينئذ يزهد فيه ويهجره.» وعلى أثر ذلك شرعوا يكوون الغلام بالحديد المحمي، وينفخون الدخان في منخريه، ويفعلون ما وسعهم غير ذلك لإزعاج الشيطان المتطفل. فكان أول ما خطر لأناندا «أن الغلام مصاب بنوبة صرع.» وكان الخاطر الثاني «أن إنقاذه من معذبيه عملٌ طيب.» والخاطر الثالث «إذا أحسنت التدبير فقد يخرجني هذا من المأزق الذي أنا به، ويعلو به اسم بوذا المقدس.» ولَانَ للإِغراء، فتقدّم وطرد البراهمة بصوت الآمر المسيطر، ورفعَ وجههُ إلى السماء وتَلاَ أسماء الشياطين السبعة. ولما لم يُحْدث هذا أثرًا تلا أسماء سبعة آخرين، ثم غيرها وغيرها. واتفق أن زالت النوبة من تلقاء نفسها، وانقطع اضطراب الغلام وتلوّيه، وفتح عينيه، فرده أناندا إلى أهله. ولكن الناس صاحوا بأعلى صوت: «معجزة! معجزة!» فلما عاد أناندا يعظهم أصغوا له، واعتنق كثيرون منهم مذهب بوذا. فسر أناندا سرورًا عظيمًا، وأثنى على نفسه لما كان من براعته وحضور ذهنه، وقال: «لا شك أن الغاية تبرر الوسيلة.» وما كاد ينطق بهذا الكفر حتى تضاءل جبل فضائله ومزاياه، وصار في القدر قرية من قرى النمل، وفقد قيمته ووزنه في عيون القديسين، ما عدا بوذا الرحيم الواسع المغفرة. وذاع حديث المعجزة في طول البلاد وعرضها، حتى بلغ مسامع الملك، فدعا به وسأله هل أخرج الشيطان وطرده حقًّا؟ قال: «بلى.» قال الملك: «هذا يسرني، فإني أريد منك أن تشفي ابني، فقد غشيه سبات لا يفيق منه منذ تسعة وعشرين يومًا.» فقال أناندا بلهجةٍ وديعة: «وا أسفاه يا مولاي! إن الفضائل التي لا تكاد تكفي لشفاء منبوذ تعس، كيف تجدي في إبراء ابن ملك هو فيل بين أفيال الصيد؟» فسأله الملك: «وبماذا تُكتَسَب هذه الفضائل؟» قال أناندا: «بالتكفير عن الذنوب، ورياضة النفس على النسك، وبفضل هذا يستطيع الناسك المتبتّل أن يُركد الرياح، ويُرقد الموج، ويجادل ويقنع النمور، ويحمل القمر في كمه، ويفعل غير ذلك كل ما يُطمع فيه من ساحر متجول.» فقال الملك: «أما والأمر كما تقول، فإن من الواضح أن عجزك عن شفاء ابني سببه نقص الفضل، والنقص في الفضل سببه نقص في التكفير، لهذا سأكِل أمرك إلى براهمتي ليساعدوك على سد هذا النقص.» وعبثًا حاول أناندا أن يبين له أن التكفير الذي يعنيه عقلي وروحي ليس إلا. وقد سُر البراهمة أن يقع بين مخالبهم ملحد في رأيهم، فانقضوا عليه وحملوه إلى معبد، وهناك نزعوا عنه ثيابه فأذهلهم أن لا يروا على بدنه أثرًا لجرح من ضربٍ أو كيٍّ. فصرخوا: «يا للفظاعة! هذا رجل يطمع أن يدخل ملكوت السماء بجلد سليم!» وأرادوا أن يصلحوا هذا الخطأ، فبطحوه١ وأهووا عليه بالسوط يجلدونه حتى عفّوا على سلامة جلده البغيضة. ثم انصرفوا عنه على وعد بأن يرجعوا إليه في اليوم التالي ليعيدوا الكرة، وأكدوا له ساخرين أن فضله بعد ذلك لن يكون دون فضل القديس «باجيراتا» أو حتى فيسْوامِترا نفسه. وبقي أناندا، حيًّا كميت، على أرض المعبد، وإِذا بالهيكل يضيئه شبح باهر اللألاء يقول: «والآن أيها المرتد، هل اقتنعت بحماقتك؟» فلم يسغ أناندا اتهامه في دينه بالفتون، ولا الطعن في عقله وحكمته، ولكنه مع ذلك تطامن فقال: «معاذ الله أن أندم أو أتبرم بما يصيبني في سبيل ديني وأداء رسالة مولاي.» – «أتحب أن تبرأ أولًا، ثم تكون أداة لتحويل أهل «مجادا» جميعًا عن دينهم؟» فسأله أناندا: «وكيف يستطاع ذلك؟» قال الروح: «باللجاجة في طريق الغش والعصيان.» فانتفض أناندا وارتاع، ولكنه حرص على الصمت انتظارًا للإِيضاح. ومضى الروح في كلامه فقال: «اعلم أن ابن الملك سيفيق من سباته في نهاية اليوم الثلاثين، أي ظهر الغد، فليس عليك إلا أن تمضي في الوقت المناسب، إلى السرير الذي يرقد عليه، فتضع يدك على قلبه وتأمره أن ينهض. وسيُعزى شفاؤه إلى قواك السحرية، وسيفضي ذلك إلى تقرير دين بوذا. ولا بد قبل ذلك أن أداوي ظهرك، وما أسهل هذا عليّ، وكل ما أدعوك إليه هو أن لا تنسى أنك في هذا تخالف أوامر مولاك وأنت مدرك لذلك، ومن الواجب أن تعلم أيضًا أن إنقاذك من المأزق الذي أنت فيه الآن سيوقعك في مآزق أخرى أدهى وأمر.» فحدث أناندا نفسه أن روحًا شفافًا ليس له بدن يحلّ فيه لا يستطيع أن يقدر ما يحسه رسول مجلود، وقال للروح: «داوني إذا استطعت، واحتفظ بتحذيرك إلى وقت يكون أنسب من هذا.» قال الروح: «فليكن ما تريد.» ومد راحته فأمرّها على جسم أناندا، فاكتسى ظهره جلدًا جديدًا، وزال عنه الوجع. واختفى الروح وهو يقول: «إذا احتجت إليّ فليس عليك إلا أن تعزم عليّ بهذه العزيمة «جنو إمداب إنام موا٢» فأظهر لك.» ومن السهل أن يتصور المرء غضب البراهمة ودهشتهم حين عادوا ومعهم السياط والدّرات الجديدة فألفوا فريستهم سليمًا معافى في بدنه، ولعلهم كانوا خلقاء أن يعتاضوا من السياط حبالًا للشنق لولا أنه كان معهم حاجب من حجّاب الملك، فبوأ أناندا كنفه، وحمله معه إلى القصر فمضوا به من توّتهم إلى مخدع الأمير الصغير حيث كان هناك حشد كبير من الناس، ولما كان وقت الظهر لم يجئ، فقد أخذ أناندا يزجّي الوقت الباقي بالتحدث إليهم عن استحالة المعجزات إلا معجزة يأتي بها أتباع بوذا، ثم نزل عن منبره، وفي اللحظة التي توسطت فيها الشمس كبد السماء وبلغت سمتها، أراح يده على قلب الأمير فانتبه من فوره، وأجرى لسانه ببقية كلام عن لعبة النرد، كان يقوله فقطعه عليه ما انتابه من السبات. فضج الحضور، واستخف الفرح حاشية الملك، ووجم البراهمة وامتقعت وجوههم. حتى الملك بدا عليه التأثر والاقتناع، وطلب من أناندا أن يزيده تعريفًا بالبوذية، فأجابه أناندا إلى ما طلب، ولكن الأربع والعشرين ساعة الأخيرة كانت قد علمته الحكمة وحسن النظر في عواقب الأمور، فلم ير أن يقول شيئًا عن القواعد الأصلية والأركان الرئيسية للبوذية، ولا أن يشير إلى حقارة الحياة والحاجة إلى الخلاص بالتضحية، والسبيل إلى السعادة، وتحريم إراقة الدم. واكتفى بأن يقول إن كهنة بوذا مقضي عليهم بالفقر الأبدي، وأنه بمقتضى الشريعة الجديدة تؤول كل الأملاك الكنائسية إلى أولي الأمر المدنيين. فصاح الملك: «أما وحق البقرة المقدسة، إن هذا لدين!» وما كاد الملك ينطق بذلك حتى أعلن رجال الحاشية اعتناقهم لدين بوذا. وتبعتهم الجماهير واقتدت بهم، وألغيت معابد البراهمة وحُرِمت ما كانت توهب، وارتُكب في يوم واحد باسم الدين الجديد الصافي من الأكدار أكثر مما ارتكب في ظل القديم الفاسد في مائة عام. وسر أناندا إحساسه بأن في وسعه أن يعفو عن أعدائه، وارتفع قدره في عينيه تبعًا لذلك، وتمت سعادته بأن ضُم إلى القصر ووُكلت إليه تربية الأمير ابن الملك فتولى تعليمه شريعة بوذا على وجه مرضي. وكان هذا أمرًا شاقًّا لأنه كان يتقاضاه صرف الأمير عن ملهاته المحبوبة وهي تعذيب الزواحف الصغيرة. وبعد فترة وجيزة دعي مرة أخرى إلى حضرة الملك فألفى عنده اثنين من أفظع الأشرار أحدهما يحمل فأسا عظيمة وفي يد الآخر كلبتان.٣ وقال الملك: «هذا رئيس الجلّادين، وهذا رئيس المعذِّبين.» فأعرب أناندا عن اغتباطه بمعرفة هذين الرجلين الكبيري المقام. ومضى الملك في كلامه فقال: «يجب أن تعلم أيها التقي الورع أن الحاجة قد نشأت مرة أخرى إلى رياضة النفس على الجلد وإنكار الذات من جانبك، فقد غزا العدو بلادي وألحق الهزيمة بجنودي، وكنت خليقًا أن يروعني ذلك ويهولني لولا التعزي بالدين، ولكن اعتمادي إنما هو عليك يا أبي في الروح، ومن المحتم أن نكتسب أعظم مقدار من الفضل في أوجز زمن وأقصر مدة، ولم أستطع أن أستعين على هذه الغاية بالبراهمة أصدقائك القدماء فإنهم الآن، كما تعلم، مغضوب عليهم. ولكني دعوت هذين الخبيرين الموثوق بهما. على أنهما قد اختلفا، فأما رئيس المعذبين فإنه رجل ليِّن رقيق القلب رحيم، ولهذا يرى أنه يكفي في البداية أن نتخذ أخف التدابير كأن نعلقك من رجليك، وندلي رأسك في دخان حطب موقد، ونملأ منخريك بالفلفل الأحمر، أما رئيس الجلادين فإنه على ما يظهر ينظر إلى الأمر نظرة فنية، ويرى أن الأولى أن نلجأ دفعة واحدة إلى الصلب أو الخازوق. ويسرني أن أعرف رأيك في الموضوع.» فأعرب أناندا — على قدر ما سمح له الرعب بذلك — عن استنكاره الشديد لكلتا الوسيلتين. فقال الملك بلهجة المذعن لما لا حيلة له فيه: «حسن. إذا كنا لا نستطيع أن نتفق على إحدى الوسيلتين فإنه لا يبقى أمامنا إلا أن نجربهما جميعا. وسنجتمع إذن لهذا الغرض صباح غد في الساعة الثانية. والآن، اذهب بسلام.» فذهب أناندا، ولكن ليس بسلام، وكان الرعب خليقًا أن يذهب بلبه لولا أنه تذكر ما وعده به منقذه. فلما بلغ مكانًا يأمن فيه العيون نطق بالعزيمة السحرية. وما كاد يفعل حتى ظهر له، لا الروح، بل رجل من أهل النسك والتقشف رأسه معفر بالتراب والرماد وجسمه مدهون بروث البقر. وقال الفقير: «إن الأمر لا يحتمل التلكؤ، فاتبعني والبس مراقع الفقير.» فثارت نفس أناندا على هذا، فقد تلقى عن بوذا الحكيم الوديع الاحتقار الذي يستحقه هذا التقشف الفظيع الذي يحيل المرء إلى ما يشبه الجيفة المرمّة. على أن الضرورة لم تدع له حيلة يحتالها، فتبع الفقير إلى مقبرة اختارها الفقير مسكنًا له. وهناك أخذ الفقير ينعي نعومة شعر أناندا وقصر أظافره، ثم دهنه على مثاله، وطلاه بالطين والكلس حتى صار الرسول الوديع لأرق دين، أشبه بنمر من نمور البنغال. ثم زيّن له جيده بعقد من جماجم الأطفال ووضع في إحدى يديه جمجمة شرير، وفي الأخرى عظمة فخذ عرّاف، ومضى به بعد الغروب إلى المقبرة المجاورة حيث أجلسه على رماد جثة محروقة حديثة وأمره أن يقرع الجمجمة بالعظمة كما يفعل الطبّال، وأن يردد التعازيم التي بدأ يطلق الصوت صارخًا بها وهو متجه إلى الغرب. ويظهر أن هذه الرقى والتعازيم كانت فعّالة فقد ثار إعصار شنيع ونزل المطر كالسيل وأثخنت البروق الخاطفة بقلب السحب، وخرجت الذئاب والضباع من أوجرتها تعوي وترغو، وانشقت الأرض عن عفاريت ومَرَدة تمد أذرعتها المعروقة إلى أناندا وتحاول أن تجرّه فأطار لبَّه الفزعُ وراح يقلد صاحبه ويدق، ويضرب، ويصيح، حتى كاد يُشفي على التلف، وإذا بالرياح العاصفة تركد، والأشباح تختفي، بقدرة قادر، وتحل محلها صيحات فرح، ودقات طبول ودفوف، وأصوات معازف، تنبئ بحادث سار في المدينة. وقال الفقير: «مات الملك العدو، وتفرق جيشه، وسيعزى هذا إلى تعازيمك وهم الآن قادمون في طلبك. فوداعًا حتى تفتقر إلى معونتي مرة أخرى.» واختفى الفقير، ودنا الموكب، وأصبح دبّ الأقدام مسموعًا، ثم ظهرت المشاعل الخافتة النور في الفجر المطلول، وترجل الملك عن فيله وألقى وجهه على الأرض بين يدي أناندا وقال: «أيها الرجل الفذ، لماذا لم تقل إنك فقير؟ لن يساورني الخوف بعد اليوم من أعدائي ما دمت مقيمًا بهذه المقبرة!» وطردوا جماعة من أبناء آوى من قبر مهجور أفردوه لأناندا ليسكنه. ولم يسمح الملك بأدنى تغيير في هيئته ولباسه، وحرص على أن يخلو الطعام الذي يقدم له من كل ما عسى أن يفقده القداسة التي بلغ مظهرها غاية ما يطمع فيه الطامع في أقصر وقت، فتلبد شعره واختلط به الوحل، وطالت أظافره، وإذا بزائر جديد من لدن الملك ينبئه أن الراجا أصيب فجأة بمرض خطير خفي، وأن الملك على يقين من أن أناندا سيخف إلى نجدته بالرقى والعزائم. فتناول أناندا، عظمة الساقة والجمجمة، وهو كاره لذلك، وراح يقرع هذه بتلك، وينتظر ما سيكون، ولكن العزيمة فقدت مزيتها على ما يظهر فما أخذت عينه سوى وطواط؛ فبدأ أناندا يحدث نفسه بأن الأحجى به أن يكف، وإذا برجلٍ مديد القامة له سمت ووقار، وعليه ثياب سود، وفي يده صولجان، يبدو له ويقف إلى جانبه كأنما خرج من جوف الأرض. وقال الرجل الغريب: «إن المرجل مهيَّأ.» فسأله أناندا: «أي مرجل؟» قال: «الذي سيُلقى بك فيه.» قال أناندا: «أنا يُلقى بي في مرجل؟ ولماذا؟» قال الغريب: «لأن تعزيماتك عجزت عن إفادة جلالته. ولما كانت جدواها في مرة سابقة لا تسمح بأن يظن أحد بها العقم، فقد انتهى به الأمر إلى الاعتقاد بأن تأثيرها السيئ هو الذي ضاعف الألم الذي يعانيه. وقد عززت له رأيه ذهابًا مني إلى أنه من مصلحة العلم أن يحل غضب الملك بمشعوذ دجال مثلك لا بطبيب عالم حاذق مثلي. ومن أجل ذلك أمر جلالته بأن توقد النار تحت المرجل الأكبر طول الليل، على أن يلقي بك في مائه عن الصباح ما لم تفده عزائمك قبل ذلك.» فصاح أناندا: «يا إلٰهي! أين المفر؟» فقال الطبيب: «إنه لا مهرب لك من هذه المقبرة … فإن عليها نطاقًا من حرس الملك.» فسأله أناندا: «إذن كيف السبيل إلى النجاة؟» فقال الطبيب: «في هذه الزجاجة؛ إن فيها سمًّا زعافًا. فاطلب أن تشخص أمام الملك، وقل إنك تلقيت دواءً شافيًا من أرواح خيرة، فيتجرعه ويموت ويجزيك خلفه خير جزاء.» فصاح أناندا، وقد استشاط غضبًا، ورمى الزجاجة: «اذهب عني أيها الشيطان الموسوس! إني أتحداك وأعوذ مرة أخرى بمنقذي … جنو إمداب إنام موا.» ولكن العزيمة لم تحدث أثرًا، ولم يبد لعينيه مخلوق أو شبح سوى الطبيب الذي كان ينظر إليه نظرة الأسف والمرثية، وهو يضم طيلسانه، ويختفي في الظلام الشامل. وبقي أناندا وحده يجادل نفسه، وقد هم مرات لا عداد لها أن ينادي الطبيب ويتوسل إليه أن يجيئه بزجاجة سم كالتي رماها، ولكنه كان كلما همّ بذلك شعر بشيء يصعد إلى حلقه ويحبس صوته، حتى أضناه الاضطراب، وأعياه فنام ورأى هذا الحلم. رأى، فيما يرى النائم، أنه واقف عند مدخل «بتالا»٤ الشاسع المظلم، وكان هذا المكان الموحش يبدو كأنما فيه احتفال شيطاني، فقد كانت هناك جموع من الشياطين على كل صورة، ومن كل حجم، تتدافع في المدخل لتنظر إلى ما خُيل إليه أنه زينة تقام، وكانت مئات من العفاريت والأمساخ تنظم المصابيح الملونة عقودًا وأكاليل، وهي تقفز، وتُضَوْضي، وتلجلج، وتقهقه، وتتدلى من أذنابها وتتطوح في الهواء، كالقردة، وكان العمل يديره من تحت هؤلاء، شياطين كبار عليهم سمت ولهم أبهة، وفي أيديهم صولجانات تدل على منازلهم ومراتبهم يشع من أطرافها لهبٌ أصفر كانوا يلسعون به أذناب العفاريت إذا رأوا أن النظام يوجب ذلك. فلم يستطع أناندا أن يكبح نفسه عن السؤال عن الداعي إلى هذه الاستعدادات للاحتفال. فقال الشيطان الذي تلقى سؤاله: «هذا احتفال بتكريم أناندا الورع، أحد رسل الرب بوذا ونحن ننتظر حضوره بيننا بلهفة وارتياح.» وبعد جهد شديد استطاع أناندا المرتاع أن يجمع قواه الخائرة، ويسأل لماذا يجب أن يتخذ الرسول المذكور — يعني نفسه — مقامه في مناطق الجحيم؟ فقال الشيطان المسئول بإيجاز: «من أجل السم.» فهمّ أناندا أن يطلب منه الإيضاح، ولكنه شُغل بجدال عنيف بين اثنين من الشياطين المشرفة على العمل. وكان أحدهما يقول: «كاموراجا، بالطبع.» فيقول الثاني: «بل دامبورانانا ولا شك.» فالتفت أناندا إلى الشيطان الذي كان يكلمه وقال: «هل تسمح لي أن أستفسر عن كاموراجا ودامبورانانا، ما هما؟» فقال الشيطان: «هما جحيمان، ففي كاموراجا يغمس النازل في القار المذاب ويطعم الرصاص المصهور، وأما في دامبورانانا، فهو يغمس في الرصاص المصهور ويطعم ذوب القار، وزميلاي هذان اللذان تسمعهما يتحاوران، يتجادلان في أي الجحيمين أولى بخطايا ضيفنا أناندا.» وقبل أن يتدبر أناندا هذا النبأ انحدر عفريت شاب من فوق، ببراعة وخفة، وتقدم من الشياطين اللذين يتجادلان وانحنى لهما وقال: «أيها الشيطانان الجليلان، هل تسمحان لعفريت ضئيل الشأن أن يقول إن كل تكريم مهما عظم، دون ما يجب لضيفنا أناندا إذ كان هو الوحيد الذي يحتمل أن نحظى بعشرته من بين رسل بوذا أجمعين؟ لهذا أجترئ على القول بأنه لا جحيم كاموراجا تصلح مقامًا له، ولا جحيم دامبورانانا تليق به، بل يجب أن تُجمع محاسن كل جحيم من الأربع والأربعين ألفًا والمائتي ألف، وأن تُحشد جميعًا في جحيم واحدة جديدة تقام لاستقباله خاصة.» فتعجبت الشياطين الكبار لذكاء العفريت الصغير وقالوا: «أما إنك لعفريت صغير ممتاز حقًّا؟» ثم انصرفوا ليعدوا الجحيم الجديدة ويجهزوها بما يليق بمقام الضيف الكريم. واستيقظ أناندا وهو يرعد من الفزع ويصيح: «لماذا كنت رسولا؟ إيه يا بوذا! ما أوعر طريق الهدى والقداسة! وما أسهل أن يعثر المرء ويضل وإن حسنت نيته! وما أسخف الزهو وأحمق صاحبه!» فناداه صوت عذب رقيق: «أَوَأدركت هذا يا بني؟» فأدار وجهه فألفى أمامه بوذا في هالة من النور اللين، وخُيل إليه أن سحابة تقشعت عن عينه، فأدرك أن مولاه هو الروح، والفقير، والطبيب جميعًا، وأنه كان يتراءى له في هذه الصور المختلفة. فقال وهو شديد الاضطراب: «أيها المعلم المقدس، إلى أين أذهب؟ إن خطاياي تنهاني عن الدنوّ منك.» فقال بوذا: «إن خطاياك ليست هي التي تصدك عن الاقتراب مني يا بني، بل ما ورطك فيه العصيان والشعوذة، وقد ظهرتُ لك لأذكرك بأن رسلي يجتمعون اليوم على جبل فنديا ليؤدوا الحساب عن رسالتهم، وأنا أسألك هل أؤدي عنك الحساب أو تؤديه أنت بنفسك؟» فقال أناندا: «بل أؤديه أنا بنفسي، ومن العدل والحق أن أحتمل ذلة الاعتراف بحماقتي وطيشي.» فقال بوذا: «أحسنت يا بني، ولهذا أسمح لك أن تنضوي عنك مراقع الفقير، وأن تظهر في الاجتماع في الطيلسان الأصفر الذي هو رداء الرسل. بل إني لأتجاوز عن بعض قواعدي، لأجلك، وفي سبيلك، وآتي بمعجزة غير هينة فأنقلك الآن إلى قمة الجبل حيث بدأ الرسل يفدون. ذلك أنك، بغير ذلك، تتعرض لبوار محقق وهلاك مؤكد فيمزقك الجمهور المقترب الذي شرع يقتلع ديانتي بإيعاز الملك الجديد تلميذك المرجو الغد. فقد مات الملك الهرم، سمه البراهمة!» فبكى أناندا، بأربع، وجعل يقول وهو ينتحب: «مولاي! مولاي! وهل ضاع كل شيء؟ بخطئي، وحماقتي؟» فقال بوذا: «إن ما يبنى على الغش والدجل لا بقاء له ولا ثبات، وهذا هو الحق، ولا تحزن، فستدعو إلى ديني، وتوفق، في بلاد أخرى. إن الحساب الذي ستؤديه عن رسالتك حسابُ سوء، ولكنك تستطيع أن تقول، وأنت صادق، إنك أطعت أمري مبنى لا معنى، فما يسع أحدًا أن يزعم أنك أتيت بأية معجزة.» هوامش (١) بطحه ألقاه على وجهه. (٢) عزيمة البوذيين، وهي هنا مقلوبة. (٣) ما يأخذ به الحداد الحديد المحمي. (٤) مجمع الشياطين. مختارات من القَصَص الإنجليزي
في نطاق من الجمد لما خرج المستر جون أُوكهيرست — المقامر — إلى السكة الرئيسية في «بوكر فلات» صباح اليوم الثالث والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة ١٨٥٠ أحس أن جو اليوم غير جو الليلة البارحة، فقد كان هناك اثنان أو ثلاثة يتحادثون، ورءوسهم متدانية، فلما اقترب منهم أمسكوا عن الكلام وتغامزوا وتبادلوا نظرات لا تخلو من دلالة. وكان في الجو هجعة كهجعة «السبت» وهي في حلة لم تألف فتور السبت، لا تكون إلا نذيرًا. ولم يبد على محياه الوسيم الساكن قلق من جرّاء هذه النذر. أما أنه كان يدرك البواعث على هذا التغيير، فشيء آخر. وقال يناجي نفسه: «أحسبهم يطلبون واحدًا. وعسى أن أكون أنا المطلوب.» وردّ إلى جيبه المنديلَ الذي كان ينفض به التراب عن حذائيه النظيفين، وأعفى نفسه من عناء التخمين. والواقع أن حلة «بوكر فلات» كانت «تطلب واحدًا» فقد مُنيت أخيرًا بخسارة عدة آلاف من الريالات، وحصانين عتيدين،١ ورجلٍ من أبرز رجالها، فغضبت لهذا، وانتابتها نوبة فضيلة، وثارت نفوسها ثورة جامحة جائحة كالأعمال التي استفزتها وأخرجتها عن طورها. واعتزمت لجنة سرية أن تطهّر الحلة من الطّغام والرذال وغير الصالحين. وقد طهرتها على وجه حاسم من رجلين كانا حينئذ معلقين من جمّيزة في بطن الوادي، ومن آخرين لا ترضى سجاياهم، بالنفي. ويؤسفني أن أقول إن بين هؤلاء المنفيّين نساءً. على أن واجب الإنصاف لهذا الجنس يقتضي أن نذكر أن هؤلاء كن محترفات لما أثار السخط عليهن، وأن حلة «بوكر فلات» ما اجترأت على القعود مقعد الحكم إلا على هؤلاء. وقد أصاب المستر أُوكهيرست في اعتقاده أنه داخل في هذه الزمرة. وقد ذهب بعض أعضاء اللجنة إلى وجوب شنقه ليعتبر بمصيره غيره، وليستردوا ما غنمه من مالهم في القمار. وقال جيم ويلو في الاحتجاج لذلك: «إنه ليس من العدل أن نسمح لهذا الشاب الذي جاء من «رورن كامب» — فهو غريب — أن يحمل مالنا ويمضي به.» ولكن الشعور بالعدل في نفوس الذين كتب لهم حسن الحظ أن يربحوا من المستر أُوكهيرست تغلب على هذا الهوى والجنف. وتلقى المستر أوكهيرست الحكم عليه بمثل سكينة الفيلسوف، وخاصة لأنه كان يدرك ما يخالج قضاته من التردد. وقد علمه القمار أن يتقبل ما تجيء به المقادير. ولم تكن حياته إلا لعبة مجهولة العواقب، وما كان يخفى عليه مقدار حظ الموكل بالتوزيع. ورافقت المنفيين سرية من المسلحين إلى ما وراء حدود الحلة، وكان هناك غير المستر أوكهيرست — الذي كان مشهورًا بأنه مجازف رابط الجأش، والذي أريد إرهابه بهذا الحرس المسلح — امرأة في مقتبل العمر يطلقون عليها اسم «الدوقة» وأخرى تعرف باسم «الأم شبتون» ثم «العم بيللي» وهو سكير مدمن متهم باللصوصية. ولم يثر مرور الركب أية ملاحظة من النظارة، ولا نطق الحرس بكلمة، إلا بعد أن بلغوا بطن الوادي الذي لا تتجاوزه حدود الحلة، فقد تكلم الرئيس بإيجاز وأنذرهم الموت إذا عادوا. وما كاد الحرس يغيب عن النظر حتى انطلق ما كان محبوسًا من المشاعر فذرفت الدوقة بضع عبرات، وأجرت الأم شبتون لسانها ببضع شتمات، وأطلق العم بيللي سيلًا من اللعنات. أما أوكهيرست الفيلسوف فقد لزم الصمت، وكان يصغي وهو وادع ساكن إلى ما تعرب عنه الأم شبتون من الرغبة في جزّ بعض الرقاب، وإلى ما أبدأت فيه الدوقة وأعادت، من أنها ستموت في بعض الطريق لا محالة، وإلى اللعنات الحرار التي كانت تخرج من فم العم بيللي وهو راكب وكأنها تُطرد من جوفه طردًا، وقد آثر أوكهيرست المساناةَ على عادة أمثاله، فأصر على أن يترك جواده للدوقة ويركب هو بغلها البليد، على أن هذه المجاملة لم تجعل الجماعة أشد تعاطفًا وأوثق مودة، فعدلت الدوقة قبعتها المريشة القذرة بدلال فاتر، ورمت الأم شبتون الجواد بالنظر الشذر، وصب العم بيللي على الجماعة كلها لعنة شاملة. وكان الطريق إلى «ساندي بار» — وهي حلة لم تمتد إليها عوامل الصلاح من بوكر فلات، فثم أمل في أن يأوي إليها المهاجرون — على جبالٍ وعرة منقادة في الأرض، والمسافة إليها سفر يوم لا هوادة فيه، وما لبث القوم أن جاوزوا الوادي الرطب المعتدل الجو إلى الجبال الجافة الباردة المنعشة الهواء، وكان طريقهم في الجبل ضيقًا كالأنبوب، ووعرًا صعب المرتقى. ولما انتصف النهار تدحرجت الدوقة عن سرجها إلى الأرض وأعلنت أنها لن تنتقل من مكانها، فألقى الجماعة عصا التسيار. وكان المكان الذي وقفوا فيه موحشًا إلا أنه رائع، فقد كان عبارة عن مدرج من الشجر تحيط به من جهات ثلاث صخور وعرة من الصوان العاري، وينحدر في رفق ولين إلى ذروة نجوة مشرفة على الوادي، وكان هذا بلا شك أصلح مكان للإقامة لو كان ذلك من سداد الرأي. غير أن المستر أوكهيرست كان يعلم أنهم ما قطعوا نصف المسافة إلى «ساندي بار» وأنه ليس معهم من المئونة والعدة ما يسمح بالتلكؤ، وقد نبه رفقاءه إلى هذا بإيجاز وبيّن لهم خطل الكف عن مواصلة «اللعب» قبل الفراغ منه ولكنه كان معهم خمر، وقد نابت الخمر عندهم في ذلك الموقف مناب الطعام والوقود والراحة والعقل وبعد النظر. ولم يمض غير قليل حتى كان الشراب قد فعل فعله على الرغم من اعتراض أوكهيرست وتحذيره. وانتقل العم بيللي بسرعة من حالة الشراسة إلى حالة الخمود. وأخذ الشراب في الدوقة فأصابها منه فُتار،٢ وعلا شخير الأم شبتون. وبقي المستر أوكهيرست وحده معتدل القامة يتكئ على صخرة ويلحظهم بعينه في سكون. وكان المستر أوكهيرست لا يشرب، لأن الشراب يفسد حرفة٣ تتطلب الاتزان وضبط النفس وحضور الذهن، وكان على قوله لا تسمح له الحال بالمخاطرة بالشراب. وبينما كان ينظر إلى هؤلاء الرقود من رفقائه المنفيين ثقلت على نفسه، لأول مرة، وطأة الشعور بالوحدة والوحشة الناجمتين من حرفة المنبوذين، ومن عادات حياته، وأساليب عيشه، ونقائصه. فجعل يتلهّى بنفض التراب عن ثيابه السود، وغسل يديه ووجهه، وغير ذلك مما اقتضته خصائص طباعه وشدة حرصه على النظافة وحسن السمت، فنسي شَجَنه لحظة. ولم يخطر له أن يهجر رفاقه الضعاف الجديرين بالمرثية أو يخذلهم في محنتهم، إلا أنه لم يسعه إلا أن يشعر بالحاجة إلى القمار الذي يثير نفسه ويبعثها والذي كان — ويا للغرابة — يفضي به إلى السكينة واعتدال المزاج اللذين اشتهر بهما. ومد بصره إلى الصخور التي تذهب في الهواء ألف قدم فوق أشجار الصنوبر المحيطة بالمكان، وصعد طرفه إلى السماء المكفهّرة المنذرة الرُّكام،٤ ثم صوبه إلى الوادي الذي تتكاثف فيه الظلال، وإذا به يسمع اسمه بغتة. ونظر فإذا فارس يرتقي في الطريق ببطء، فعرف وجهه الصابح الصريح «توم سيمون» الذي يسمونه «الغرير» في «ساندي بار» وكان قد لقيه قبل بضعة شهور وقامره فقمره، وسلب من هذا الفتى الغرير كل ما يملك — حوالي أربعين ريالًا — وبعد أن نهضا عن المائدة مضى به المستر أوكهيرست إلى ما وراء الباب وقال له: «توم، إنك فتى طيب، ولكنك لا تحسن القمار، ولا أمل لك في حذقه، فلا تحاول ذلك مرة أخرى.» ورد إليه ما ناله، ودفعه فأخرجه من الغرفة، فصار توم سيمون لهذا عبدًا مخلصًا له مدى الحياة. وكان في الحماسة والطلاقة الصبيانية التي يحيّي بها المستر أوكهيرست ما يَشِي بذكر هذا الجميل، وقال إنه أراد أن يذهب إلى «بوكر فلات» التماسًا للثراء فسأله أوكهيرست: «وحدك؟» فقال الفتى: «لا. لا أعد وحدي. الواقع (وضحك) أني فررت مع «بَيّني وودز.» ألا تعرفها يا مستر أوكهيرست؟ تلك التي كانت تقوم بالخدمة على المائدة في «تمبرنس هوس.» وقد ظللنا خطيبين زمنًا طويلًا، ولكن أباها جاك وودز اعترض ففررنا، وكانت وجهتنا بوكر فلات لنتزوج. وها نحن أولاء قد صرنا هنا! وإنا لمتعبون، وإنه لمن الحظ أن قد وجدنا هذا المكان وهذه الرفقة!» أفضى «الغرير» بهذا كله بسرعة، ثم برزت «بيني» — وهي فتاة وسيمة بدينة في الخامسة عشر من عمرها — من وراء الشجرة حيث كان وجهها لا يرى أحد اضطرامه من الخجل، ودنت بجوادها فحاذت حبيبها. وكان المستر أوكهيرست قلما يعنّي نفسه بالعواطف الإنسانية، أو بما يليق وما لا يليق، وما يجب، وما لا يجب، ولكن إحساسًا غامضًا شاع في نفسه بأن الموقف خال مما يسمى حسن الحظ، على أنه كان له من حضور الذهن وسرعة الخاطر ما يكفي لإلهامه أن يرفس العم بيللي الذي كان يهم بكلام، وكان في العم بيللي بقية من الإدراك تجعله يفطن إلى ما وراء هذه الرفسة من القوة التي لا تحتمل العبث ولا تصبر عليه. ثم حاول المستر أوكهيرست، عبثًا، أن يثني توم سيمون عما عزم عليه. ثم أنبأه أنه لا مئونة هناك ولا مأوى ولا وسيلة لمأوى. ولكن الغرير، لسوء الحظ، قابل هذا بأن أكد للقوم أن معه بغلًا مثقلًا بالزاد، وبأن أشار إلى كوخ من الخشب قريب من الطريق. وقال الغرير، وهو يومئ إلى الدوقة: «بَيْني تستطيع أن تكون مع السيدة (المسز) أوكهيرست. أما أنا فأستطيع أن أدبر أمري.» ولولا ضغطة زاجرة من قدم المستر أوكهيرست لانفجر العم بيللي ضاحكًا مجلجلًا. وعلى أنه، على الرغم من هذا الانتهار، لم يستطع أن يكبح الضحك، فاضطر أن ينهض ويمضي إلى مجرى الوادي حتى يستعيد ضبط أعصابه. وهناك أفضى ببواعث الضحك إلى أشجار الصنوبر وهو يقرع ساقيه بكفيه وينحني بوجهه المغضن، ولا ينسى بذاءاته المألوفة. ولما عاد إلى القوم ألفاهم جلوسًا حول نار، فقد صار البرد قارسًا، وغلظ السحاب وتراكب. وكان الحديث على ما يبدو له وديًّا، وكانت بيني تتحدث على طريقتها الصبيانية الفطرية إلى الدوقة التي كانت تصغي بعناية واهتمام لم تظهر مثلهما في أيام كثيرة. وكان الغرير يتحدث على هذا النحو أيضًا إلى المستر أوكهيرست والأم شبتون، فيُحدث في نفسها مثل ذلك الأثر، حتى لقد ثابت إلى الأم شبتون نفسها فتطلّق وجهها. وقال العم بيللي، عن احتقار كامن، وهو يتأمل الجمع والنار المشبوبة والدواب المشكولة:٥ «أترى هذه نزهة؟» ثم كأنما طافت برأسه المضطرب المخمور فكرة مغرية بالضحك فقد قرع ساقه بكفه ودس قبضته في فمه. وارتمت الظلال شيئًا فشيئًا على الجبل، فهب النسيم بأشجار الصنوبر فحرك رءوسها وناح بين أغصانها. وأفرد الكوخ للسيدات بعد أن رمّوه وغطوه بأغصان الصنوبر، وافترق الحبيبان — الغرير وصاحبته — فتبادلا قبلة لا تكلف فيها — قبلة صريحة مخلصة من الممكن أن يُسمع صوتها فوق حفيف الشجر المترنّح … قبلة أذهلت بما كشفت عنه من غرارة النفس وطهارة القلب، الدوقة الخوّارة، والأم شبتون اللئيمة، فدارتا ودخلتا الكوخ بلا كلام. وأُلقي الحطب في النار، ورقد الرجال أمام الباب، وما لبثوا أن ناموا. وكان المستر أوكهيرست خفيف النوم، فقبل أن ينبلج الصبح استيقظ مقرورًا، وبجسمه خدر، وحرك النار المشفية على الخمود، فحملت الريح القوية إلى وجهه ما امتص الدمَ منه؛ الثلجَ! فوثب إلى قدميه وفي عزمه أن يوقظ النائمين، فما بقي وقت يُضاع. والتفت إلى حيث كان العم بيللي مستلقيًا فلم يجده، فاختلج الشك في صدره، وجرى لسانه بلعنة، وذهب يعدو إلى حيث كانت الدواب مربوطة فلم يجدها! وكان الثلج المتساقط يطمس الآثار بسرعة. ورجع المستر أوكهيرست، بعد هذا الاضطراب الوقتي، وهو ساكن كعادته. ولم يوقظ النائمين. وكان الغرير ينام نومًا هادئًا وعلى محياه ابتسامة، وكانت بيني العذراء راقدة إلى جانب صاحبتيها الطامحتي الطرف، وكأن عليها من الأملاك حفظةً أمناء. وسحب المستر أوكهيرست غطاءه على كتفيه وراح ينتظر انبثاق الفجر، فطلع ومعه رَهَج٦ من الثلج تَسْفِره الريح، فيزوغ البصر. وتغير ما كان باديًا من وجه الأرض كأنما مرت عليه عصا ساحر، فنظر إلى الوادي ولخص الحاضر والمستقبل في أربع كلمات «في نطاق من الجَمَد.» ودلَّ الفحص الدقيق للزاد الموجود — وكان لحسن الحظ موضوعًا في الكوخ، فنجا من العم بيللي — على أنه مع الحرص والحكمة يكفي عشرة أيام. وقال المستر أوكهيرست للغرير: «هذا إذا كنت ترضى أن تضيفنا وتطعمنا، أما إذا أبيت — وخير لك أن تأبى — فإن في وسعك أن تنتظر حتى يعود العم بيللي بالمئونة.» فقد عجز المستر أوكهيرست لسبب خفي أن يفضح العم بيللي ويظهر نذالته، ولهذا زعم أن العم بيللي خرج فنفّر الدواب عفوًا، وحذّر الدوقة والأم شبتون، وكانتا قد عرفتا الحقيقة. وقال لهما: «سيعرفان حقيقة أمرنا جميعًا، متى عرفا شيئًا. ولا خير في إرعابهما الآن!» ولم يكتف توم سيمون بأن يجعل كل ما معه من زاد ومئونة رهن مشيئة المستر أوكهيرست، بل أظهر السرور والاستمتاع بهذه العزلة الاضطرارية، وراح يقول: «سنبقى أسبوعًا، ثم يذوب الثلج، فنعود جميعًا معًا.» وأَعْدَتْ القومَ بشاشةُ الشاب وسكينةُ المستر أوكهيرست. واستطاع الغرير، بفضل أفرع الصنوبر أن يصنع سقفًا للكوخ، وتولت الدوقة إرشاد بيني في ترتيب الحجرة، وأظهرت في ذلك من الذوق والفطنة ما فتح عيني هذه الغادة الريفية الساذجة، فقالت: «أحسبك ألفت في حياتك مناعم العيش في بوكر فلات.» فأدارت الدوقة وجهها بسرعة، لتخفي الدم القاني الذي صبغ وجهها تحت دهانه المألوف. وتقدمت الأم شبتون إلى الفتاة بالرجاء أن لا «تثرثر» ولما عاد المستر أوكهيرست بعد طول الكد والعناء في البحث عن الطريق الذي ضاع أثره، سمع أصوات الضحك ترجعه الصخور المتجاوبة به، فوقف وقد ارتاع، ووثب به الخاطر أولًا إلى الويسكي الذي حرص على أن يخبئه، ولكنه عاد فقال: «ولكن هذه الأصوات ليست من فعل الويسكي.» ولم يطمئن قلبه إلا بعد أن أبصر النار المستعرة من خلال العاصفة الثائرة، ورأى الجالسين حولها. ولا أعلم هل خبأ المستر أوكهيرست، أو أهمل أن يخبئ أوراق اللعب أيضًا، حتى لا يجعلها في متناول الجماعة، ولكن المحقق أنه — كما قالت الأم شبتون — لم يجر لسانه بذكر الورق ولا مرة واحدة في تلك الليلة، وزُجي الفراغ بقيثارة أخرجها توم سيمون من أحرازه وهو مباه بها. واستطاعت بيني على الرغم من بعض الصعوبات أن تخرج من هذه الآلة بعض الأصوات، وكان الغرير يصحبها بصنجين يضرب أحدهما على الآخر، غير أن هذه الحفلة لم تبلغ ذررتها إلا حين رفع الحبيبان الصوت عاليًا بنشيد ديني ساذج، ويداهما متشابكتان. وأعْدَيا غيرهما، فانضموا إليهما وأنشدوا معهما: «إني فخور بأن أحيا في خدمة الرب، وأن أموت في جيشه.» وتمايلت أشجار الصنوبر، وهاجت العاصفة، وزفزفت الرياح، ودارت فوق هؤلاء التعساء، ووثبت ألسنة النار في هذا «المعبد» نحو السماء كأنها شهود على هذا العهد. وخفت العاصفة حوالي منتصف الليل، وتفرقت السحب المتراكمة، وتلاحمت النجوم الخفّاقة اللمعان فوق النوام. وكان المستر أوكهيرست قد تركته عادات حرفته (القمار) قليل النوم خفيفه، فلما اقتسم مع توم سيمون واجب الحراسة، استطاع بطريقةٍ ما، أن يختص نفسه بالنصيب الأوفر منها، وكان مما أقنع به الغرير قوله إنه كثيرًا ما كان يقضي أسبوعًا كاملًا بلا نوم، فسأله توم: «وماذا كنت تصنع؟» فقال أوكهيرست: «ألعب البوكر … متى وقع المرء على حظه فإن التعب لا يعتوره … وما أقوى الحظ وأعجب حاله! كل ما نعرفه عنه على وجه التحقيق هو أنه لا بد أن يتغير ويتقلب، وإدراك المرء أن الحظ يوشك أن يتحول هو الذي يسعده. ولقد وقعنا على حظ سيئ بعد أن غادرنا بوكر فلات، وإذا بك تجيء وتقع معنا! وأنت بخيرٍ ما وسعك أن تصبر لأني (قال المقامر هذا بلا مناسبة؛ ولكنه كان واضح البشر) لأني فخور بأن أحيا في خدمة الرب، وأن أموت في جيشه.» وطلع اليوم الثالث، وأطلت الشمس من خلال الغمام الأبيض، على الطُرَدَاء وهم يقتسمون بعض ما بقي من زادهم المتناقص، لطعام الإفطار، وكان من خصائص هذا الإقليم الجبلي أن أشعة الشمس تنشر فيه الدفء على وجوهه الشاتية، كأنما تعرب بذلك عن عطفها وأسفها لما مضى وفات، ولكنها كشفت عن طبقة فوقها طبقة من الثلج المتراكب المتعالي حول الكوخ، عن بحر مجهول لا طريق فيه، ولا درب له، ولا أمل لسالكه، من الثلج المتراكم تحت الشطئان الصخرية التي يتعلق بها هؤلاء المقذوف بهم عليها. وكان الجو عجيبًا في صفائه، حتى لكانوا يرون الدخان المتصاعد من حلة بوكر فلات على مسافة أميال وأميال، وقد رأته الأم شبتون فقذفت الحلة، من ذروة معقلها الصخري، بلعنة أخيرة. وكانت هذه آخر بذاءاتها، ولعلها لهذا السبب كانت على حظ من الجلال. وقد أخبرت الدوقة أن هذه اللعنة التي أطلقتها نفعتها وشفت نفسها، ودعتها أن تحذو حذوها قائلة: «اخرجي إلى هناك، والعني، ثم انظري.» ثم رجعت إلى واجب تسلية «الطفلة» كما كانت هي والدوقة تسميان الفتاة «بيني»، ولم تكن بيني ضعيفة، ولكنه كان يسر هاتين المرأتين أن تعداها كذلك، لأنها كانت لا بذيّةً صخّابة، ولا عَسُوسًا فاجرة. وأقبل الليل مرة أخرى، فعادت ألحان القيثارة تعلو وتهبط متقطعة، وبعد فترات طويلة، حول النار الموقدة، غير أن أصوات الموسيقى لم تستطع أن تملأ الفراغ الوجيع الذي أحدثته قلة الكفاية في الطعام، فاقترحت بيني ملهاة جديدة هي أن يقص كل واحد قصته. ولم يكن لا المستر أوكهيرست ولا رفيقتاه على استعداد لذكر شيء من سِيَرهم أو تجاربهم الشخصية، فكاد الاقتراح يحبط، لولا الغرير، فقد عثر قبل بضعة شهور على نسخة من ترجمة المستر بوب (الشاعر) لإلياذة هومر، فرأى أن يقص حوادثها الكبرى باللهجة الدارجة في حلة ساندي بار، فقد نسي عبارة الشاعر وألفاظه، وإن كانت الحوادث منقوشة على صدره. وهكذا عاد أبطال هومر وأربابه فمشوا على الأرض مرة أخرى في تلك الليلة، وكان زفيف الريح كأنما يمثل صراع الطرواديين الصخابين، والأغارقة الماكرين، وكأنما كانت أشجار الصنوبر العظيمة تنحني أمام غضب ابن بلياس. وكان المستر أوكهيرست ينصت وهو راض ساكن، وقد اهتم على الخصوص بمصير أخيل. وهكذا — بقليل من الطعام، وكثير من هومر والقيثارة — انقضى أسبوع على هؤلاء الطرداء. وخذلتهم الشمس مرة أخرى، فاحتجبت عنهم، وألقت السماء المدجنة، رقائقَ من الثلج المنخول، على الأرض. وأخذ نطاق الثلج يزداد كل يوم ضيقًا حتى صاروا ينظرون من سجنهم إلى جدران من الجليد اللماع، ترتفع مقدار عشرين قدمًا فوق رءوسهم. وتعذر شيئًا فشيئًا تقويةُ النار بإلقاء الحطب عليها حتى من الأشجار المنقصفة القريبة التي اختفى نصفها في الجمد. ومع ذلك لم يَشْكُ منهم أحد، فكان الحبيبان ينصرفان بوجهيهما عن هذا المنظر الجهم، وينظر كل منهما في عين صاحبه فيسعد، ووطن المستر أوكهيرست نفسه على السكون إلى هذه اللعبة الخاسرة، وتولت الدوقة التي صارت أكثر بشاشة وطلاقة مما كانت من قبل، العناية ببيني، أما الأم شبتون التي كانت أقوى الجميع، فقد بدأت تفتر، وتعتل، وتدنف، وفي منتصف ليلة اليوم العاشر دعت المستر أوكهيرست إلى جانبها، وقالت له بصوت الساخط على الضعف: «سأقضي نحبي، ولكن لا تقل شيئًا، ولا توقظ الطفلين، وخذ الحزمة التي تحت رأسي وافتحها.» ففعل المستر أوكهيرست كما أمرت، فألفى نصيبها من الزاد طول الأسبوع، لم تمسه يدها. وقالت، وهي تومئ إلى بيني: «أعطه للطفلة.» فقال المقامر: «لقد أَمَتِّ نفسك من الجوع.» فقالت المرأة بضجر: «كذلك يقولون.» واستلقت، ثم أدارت وجهها إلى الحائط، ولفظت النفس الأخير في سلام. وأُهملت القيثارة والصنج في ذلك اليوم، ونُسي هومر، وبعد أن دفنوا رفات الأم شبتون في الثلج، انتحى المستر أوكهيرست بالغرير ناحية وأراه حذاءين للسير على الثلج صنعهما من سرج قديم، وقال: «هناك فرصة — واحد في المائة — لإنقاذها.» وأشار إلى بيني، ثم إلى ناحية بوكر فلات وقال: «إذا استطعت أن تصل إلى هناك في يومين، فإنها تنجو.» فسأله توم سيمون: «وأنت؟» فكان الجواب الموجز: «سأبقى هنا.» وافترق الحبيبان بعد عناق طويل، ونظرت الدوقة إلى المستر أوكهيرست، فخيل إليها أنه ينتظر ليصحب توم، فسألت: «أأنت ذاهب كذلك؟» فقال: «إلى مجرى الوادي فقط.» والتفت إليها فجأة، وقبلها، وترك وجهها الشاحب مضطرمًا، وأعضاءها المضطربة متصلبة من فرط الذهول. وجاء الليل، ولكن المستر أوكهيرست لم يجئ، وثارت العاصفة مرة أخرى، وراحت الرياح الدائرة تلقي الثلج، وأججت الدوقة النار، ووجدت أن بعضهم ترك إلى جانبها كومًا من الحطب يكفي بضعة أيام؛ فاغرورقت عينها بالدموع، ولكنها أخفتها عن بيني. وصارت الفتاة والدوقة لا تنامان إلا غرارًا. ولما أصبح الصباح قرأت كل منهما مصيرها في وجه صاحبتها. ولم تنطق إحداهما بكلمة، ولكن بيني نحلت نفسها حقَّ الذي هو أقوى، فدنت من الدوقة، وأحاطت خصرها بذراعها، وظلتا هكذا بقية النهار. وبلغت العاصفة في تلك الليلة أعنف ثوراتها. فمزقت أشجار الصنوبر التي كانت كالوقاء للكوخ، واقتحمته عليهما. وقبيل الصبح وجدتا أنهما عاجزتان عن تقوية النار، فما لبثت أن خمدت، وبينما كانت الجمرات تسودّ، والذُّكوات تهمد اقتربت الدوقة من بيني، وخرجت من الصمت الذي ظل ساعات، وقالت: «بيني، هل تستطيعين أن تصلي؟» فقالت بيني ببساطة: «كلا، يا عزيزتي.» فأحست الدوقة لسبب ما، أن عبئًا انحط عن صدرها، وأراحت رأسها على كتف بيني، ولم تقل شيئًا بعد ذلك، وغلبهما النوم وهما على هذا الحال، صغراهما وأطهرهما، تحمل على صدرها البكرِ العفّ، رأسَ رفيقتها الملوثة. وهدأت الريح، كأنما أشفقت أن توقظهما. ونفضت أغصان الصنوبر الطويلة ثلجها، فطار كالريش، وخفق كالحمائم البيضاء، ثم هبط عليهما وهما نائمتان. وأطل القمر من خلل السحاب الممزق على المكان. ولكن كل لوثة، كل أثر من آثار الجهد والكد على الأرض، انطوى تحت هذا الستر الناصع النقي الذي ألقته رحمة السماء! ونامتا طول ذلك اليوم، واليوم التالي، ولم تستيقظا لما عصفت أصوات القادمين بالسكون. وامتدت الأصابع الرحيمة، فنحت الثلج عن الوجهين، غير أنه ما كان يسع أحدًا أن يقول، وهو ينظر إليهما، أيهما كانت المخطئة، حتى أهل بوكر فلات، بقانونهم الصارم، أدركوا هذا، فمضوا عنهما وتركوهما في عناقهما. ولكنهم، على رأس الوادي، وعند شجرة من أضخم أشجار الصنوبر، وجدوا ورقة من أوراق اللعب مسمّرة إلى الجذع بمدية، وعليها ما يأتي، مكتوبًا بالقلم الرصاص، وبيدٍ ثابتة: تحت هذه الشجرة يرقد جثمان جون أوكهيرست الذي عثر به الحظ في الثالث والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة ١٨٥٠ وقد أسلم أمره لقضاء الحظ فيه في السابع من ديسمبر/كانون الأول سنة ١٨٥٠. ووجدوا هذا الذي كان أقوى المنفيين من بوكر فلات، وأضعفهم في آن معًا، راقدًا تحت الثلج، وقد انقطع النبض وابترد الجسم، وإلى جانبه مسدس، وفي قلبه رصاصة! هوامش (١) العتيد الشديد المعد للعمل والجري. (٢) نشوة وفتور. (٣) يريد المقامرة. (٤) الركام: السحاب ركب بعضُه بعضًا. (٥) شكل الدابة ربط قوائمها بالشكال أي الحبل. (٦) الرهج: السحاب الرقيق كأنه غبار، وتسفره تلقيه وتحمله. مختارات من القَصَص الإنجليزي
أربع مقابلات رأيتها أربع مرات، ليس إلا. ولكني أتذكرها كأوضح ما تكون؛ فقد وقعت من نفسي وأعجبتني طلاوتها وحسنها، وعددتها نموذجًا بارع الظرف لطراز بعينه. وقد أحزنني نعيها، ولكني أعود فأفكر في الأمر، فلا يسعني إلا أن أتساءل: لماذا يؤسفني ذلك؟ إنها على التحقيق، لم تكن في آخر مرة لقيتها فيها، ولكني سأصف مقابلاتنا على الترتيب. ١ كان أول لقاء لنا، في الريف، على الشاي في حفل صغير، في ليلة مثلوجة، ولا بد أن يكون ذلك منذ سبع عشرة سنة. وكان صديقي «لاتوش» ذاهبًا لقضاء عيد الميلاد مع أمه، فدعاني إلى مرافقته، واحتفت بنا هذه السيدة الطيبة وأرادت أن تكرمنا بهذه الحفلة التي أسلفت الإشارة إليها. وقد أفدتُ من هذه الرحلة متعة حقيقية، فما سبق لي أن أوغلت في «إنجلترا الجديدة» في مثل هذا الوقت. وكانت السماء قد ظلت تثلجنا طول النهار فارتفع ما ألقته على الأرض إلى الرُّكب، ووددت أن أعرف كيف وصل السيدات إلى البيت. وسألتني السيدة لاتوش عن الصور الشمسية وهل أستحسن أن أعرضها على الفتيات؟ وكانت هذه الصور في محفظتين كبيرتين جاء بهما ابنها الذي عاد مثلي من أوروبا في الأيام الأخيرة. فأدرت عيني في الجمع، فلاحظت أن أكثر الفتيات يشغلهن ما هو أحق بأن يستغرقهن من أية صورة شمسية مهما بلغ من دقتها وإحكامها ووضوحها. ولكن كانت هناك واحدة واقفة على مقربة من الصّفة وهي تجيل عينها في الحجرة، وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة لا توائم، فيما بدا لي، العزلةَ التي آثرتها. فنظرت إليها مليًّا ثم قلت: «إني أحب أن أعرض الصور على هذه الآنسة.» فقالت السيدة لاتوش: «أي نعم. لقد وُفقت في اختيارك فإنها رَزان.١ لا تعبأ شيئًا بالمغازلة. سأكلمها.» فأجبت بأنها لا تكون طلبتي إذا كانت لا تميل إلى المغازلة، ولكن السيدة لاتوش كانت قد ذهبت لتعرض عليها الأمر. وقالت، وقد عادت: «إنها مغتبطة. وهي طلبتك على التحقيق … هادئة وذكية …» ثم أخبرتني أن اسمها الآنسة كارولين سبنسر، وقدمتني إليها وقامت بواجب التعريف. ولم تكن الآنسة كارولين سبنسر بارعة الحسن، ولكنها كانت وضيئة رقراقة، ولا بد أن تكون قد ناهزت الثلاثين، غير أنها كانت غضة، ولها محيا الطفل، وكان رأسها دقيقًا جميلًا، وشعرها معقوصًا، على نحو ما يكون في تماثيل الإغريق، وإن كان من المشكوك فيه أن تكون قد رأت في حياتها تمثالًا إغريقيًّا. ووقع في روعي أنها «فنانة» على قدر ما تسمح جريموِنتر بتشجيع الميول والنزعات الفنية. وكان في عينها لين، وفي نظرتها دهشة، وفي شفتيها رقة، ولأسنانها وضاءة وجمال. وكانت تلف جيدها بمنديل تجمع طرفيه بدبوس، رأسه من المرجان، وتحمل في يدها مروحة من القش المضفور يزينها شريط قان. وكان ثوبها القصير من الحرير الأسود. وكانت تتكلم برقة مع الضبط، وتفتح فمها الدقيق، وتفرج شفتيها الرقيقتين، فتكشف عن أسنانها البيضاء اللامعة، وقد بدا عليها السرور، بل التأثر، لرغبتي في عرض الصور عليها. وقد تم ذلك بسهولة بعد أن أخرجت المحفظتين من مكانهما ووضعت كرسيين قريبًا من مصباح. وكانت الصور رسومًا لأشياء أعرفها؛ مناظر من سويسرا، وإيطاليا وإسبانيا، ولقصور وصور وتماثيل شهيرة. وقد أدليت بما وسعني من الشرح، وكانت، وهي تصغي إليَّ، وتنظر إلى الصور التي أرفعها لعينها، ساكنة لا تتحرك وطرف مروحتها على شفتها السفلى. وكانت ربما قالت برقة وأنا أرد إحدى الصور إلى مكانها: «هل رأيت هذا المكان؟» وكان جوابي في الأغلب والأعم أني رأيته مرات عديدة (فقد كنت كثير الأسفار) وكنت أحس بعد أن أقول ذلك أنها تلحظني بعينيها الجميلتين. وقد سألتها في بداية الأمر: هل سافرت إلى أوروبا؟ فكان جوابها «لا، لا» وكان صوتها همسًا خافتًا، كأنما تُسر إليّ شيئًا، ولكنها بعد ذلك لم تكد تقول شيئًا، وإن كانت لم تحول عينها عن الصور، حتى توهمت أنها ضجرت، فلما فرغنا من إحدى المحفظتين اقترحت أن أقصر عن عرض ما بقي، إذا كانت تؤثر ذلك. وشعرتُ أنها لم تسأم، ولكن صمتها حيرني، واشتهيت أن أحملها على الكلام، فأدرت وجهي ونظرت إليها فرأيت على خديها احمرارًا خفيفًا، وكانت تروّح على وجهها ولا تنظر إليَّ، بل تحدج المحفظة الثانية المسندة إلى المنضدة. وقالت بصوت فيه بعض التهدج والارتعاش: «ألا تريني ما في هذه؟» فكدت أعتقد أنها مضطربة، وقلت: «يسرني ذلك، إذا كنت لم تتعبي.» قالت: «لا، لست متعبة. إني أحب ذلك.» وتناولت المحفظة الثانية فأراحت كفها عليها ومسحتها برقة. وسألتني: «وهل سافرت إلى هذه البلاد أيضًا؟» وفتحتُ المحفظة فتبين أني سافرت إلى هذه الأقطار، وكان من بين الصور الأولى منظر كبير لقصر شيلون على بحيرة جينيف. وقلت وأنا أريها هذا: «لقد زرت هذا المكان عدة مرات. أليس جميلًا؟» وأشرت إلى الصور المنعكسة في الماء الصافي الساكن، للصخور الوعرة والصروح الذاهبة في الهواء، فلم تقل: «ما أبدع هذا» ثم تدفعه لترى الرسم الذي يليه، بل تأملته مليًّا ثم سألت: أليس هذا هو المكان الذي حُبس فيه بونيفار على ما جاء في شعر بيرون؟ فقلت: نعم، وحاولت أن أنشدها بعض أبيات بيرون في الموضوع ولكن الذاكرة لم تساعفني كما ينبغي. فروحت على وجهها لحظة ثم أنشدت الأبيات على الوجه الصحيح بصوت لين مطرد النبرة إلا أنه حسن، واتقد وجهها لما فرغت، فأثنيت عليها وقلت لها إنها مزودة بما يلزم لزيارة سويسرا وإيطاليا، فنظرت إليّ بمؤخر عينها لترى أجاد أنا أم أنا أمزح، فقلت لها: إذا كان المراد أن تعرف المواضع من وصف بيرون لها فإن الواجب أن تعجل بالسفر فإِن أوروبا تحول بسرعة عن العهد بها في أيام بيرون. فسألتني: «متى ينبغي إذن أن أذهب؟» قلت: «إني أمهلك عشر سنوات.» قالت بلهجة متزنة: «أظن أن في وسعي أن أسافر في خلال ذلك.» قلت: «ستستمتعين بالرحلة جدًّا، وستلقينها حافلة بالمطرب المعجب.» وعثرت على صورة لركن في مدينة أجنبية كنت كلفًا بها، وكانت لي فيها عهود يحن القلب لذكراها، وأحسبني أفضت في الكلام عنها، وكنت فيما قلت، رطب اللسان، فقد كانت مرهفة الأذنين، وأنفاسها محتبسة. وسألتني بعد أن أقصرت ببرهة: «هل طال مقامك في البلدان الأجنبية؟» قلت: «سنين عديدة.» قالت: «وهل رحلت إلى كل مكان؟» قلت: «كانت أسفاري كثيرة فإِني كلف بالتجوال. ومن حسن الحظ أني كنت قادرًا على ذلك.» فنظرت إليَّ مرة أخرى بمؤخر عينها وسألت: «وهل تعرف اللغات الأجنبية؟» قلت: «إلى حدٍّ ما.» قالت: «هل في معرفتها والكلام بها مشقة؟» فقلت: «أعتقد أنك لن تجدي في الأمر صعوبة.» قالت: «لا يعنيني أن أتكلم أنا، إنما يكون همي أن أنصت.» وأمسكت ثم قالت: «يقولون إن المسرح الفرنسي بديع.» قلت: «هو خير ما في العالم في بابه.» قالت: «هل كثر تردادك إليه؟» قلت: «لما كنت في باريس كنت أذهب إليه كل ليلة.» قالت: «كل ليلة!» وفَتحت عينيها الصافيتين جدًّا «إن هذا في رأيي …» وترددت هنيهة «رائع جدًّا» ثم سألت بعد دقائق: «أي البلاد تفضل؟» قلت: «هناك بلاد أفضلها على كل ما عداها، وما أظن برأيك إلا أنه سيكون كرأيي.» فنظرت إليّ قليلًا ثم قالت برقة: «إيطاليا؟» قلت: بمثل رقتها «إيطاليا.» ورشق كل منا صاحبه بلحظه. وكان يُخيل إليَّ وأنا أنظر إلى إشراق محياها ووضاءته وصباحته كأني كنت أغازلها وأبثها حبي، ولم أكن أريها صورًا شمسية. ومما قوى هذا الوهم أن وجهها صبغه الدم فحولته عني. وساد الصمت هنيهة قالت بعدها: «هذا هو المكان الذي كنت أفكر في الذهاب إليه على الخصوص.» قلت: «أوه … هذا هو … هذا هو.» وقلبت صورتين أو ثلاثًا في صمت ثم قالت: «يقولون إن النفقة ليست باهظة.» قلت: «كما هي في بعض البلاد الأخرى؟ نعم، وليس هذا أقل مزاياها.» – «ولكنها غالية كلها، أليست كذلك؟» – «تعنين أوروبا؟» – «السفر والطواف والتنقل … هذه هي الصعوبة إلى الآن، فإن المال عندي قليل. إني مدرّسة.» قلت: «لا شك أن المال ضروري ولا غنى عنه، ولكن الإنسان يستطيع أن يدبر أموره بمبلغ معتدل.» قالت: «أظن أن في وسعي ذلك، فقد ادخرت شيئًا، ولا أزال أضيف إليه … لهذا الغرض» وسكتت برهة ثم انطلقت تتكلم بلهفة كأنما كانت مكبوتة، وكأنما كان إخباري بذلك فيه لذة نادرة إلا أنها عسى أن تكون غير بريئة «ليس المال كلَّ ما عاق … كل شيء عاق. كل شيء كان يصد، وقد انتظرت، وانتظرت، فما عدوت حال الذي يبني القصور بخياله في الهواء، وإني لأكاد أخاف أن أتكلم في هذا … وقد خايلني الأمل بالتحقيق مرتين أو ثلاثًا فتكلمت به، فانتسخ الحلم! ألا لقد تكلمت كثيرًا … أكثر مما ينبغي.» قالت ذلك منحية به على نفسها، وكانت تجد في هذا بعض المتعة على ما بدا لي «ولي صديقة عزيزة لا تريد أن تسافر، ولست أمل تكليمها في هذا حتى لأضجرها جدًّا. وقد قالت لي مرة إنها لا تدري ماذا عسى أن يكون مآلي، فإِني خليقة أن يطير عقلي إذا لم أسافر إلى أوروبا، وسيطير عقلي على التحقيق إذا سافرت.» فقلت: «على كل حال، هذا أنت لم تسافري، ولم يطر عقلك مع ذلك.» فنظرت إليَّ مليًّا ثم قالت: «لست على يقين من ذلك. فما أراني أفكر في شيء آخر. أفكر في السفر دائمًا، حتى ليمنعني ذلك أن أفكر فيما هو أدنى إليّ — فيما ينبغي أن أُعْنَى به — وهذا ضرب من الجنون.» قلت: «الدواء أن تسافري.» قالت: «إن لي ثقة وإيمانًا بأني سأسافر. ولي في أوروبا ابن عم!» وقلبنا بضع صور أخرى وسألتها هل قضت كل حياتها في «جريمونتر»؟ فقالت: «لا يا سيدي. لقد قضيت ثلاثة وعشرين شهرًا في بوستون.» فقلت مازحًا: «إنه ما دام الأمر كذلك فإن أوروبا ستخيب أملها على الأرجح.» ولكني لم أزعجها. وقالت، وعلى فمها ابتسامتها اللطيفة الوديعة: «إني أعرف عن أوروبا أكثر مما تظنني أعرف، أعني بالقراءة عنها. فقد قرأت كثيرًا، ولم أقتصر على بيرون وحده، بل قرأت كتب التاريخ وكتب إرشاد السياح. وأنا واثقة أني سأرضى عن رحلتي حين يتاح لي أن أقوم بها.» فقلت: «إني أعرف حالتك، وأدرك بواعثها. هو الهوى الذي يلج بنفس الأمريكي … هوى الجمال والروعة. وأحسب أن هذا عندنا مقدم على كل ما عداه، وسابق لكل اختيار وتجربة. فإذا جاءت التجربة لم ترنا إلا ما كنا نحلم به.» فقالت كارولين سبنسر: «أعتقد أن هذا صحيح. فقد حلمت بكل شيء. وسأعرف كل شيء حين أراه.» قلت: «أظنك ضيعت وقتًا طويلًا جدًّا.» قالت: «نعم وهذا شر ذنوبي.» وكان الذين حولنا قد بدءوا ينصرفون، فنهضت ومدت إليَّ يدها في دعة ورقة ولكن عينها كانت فيها لمعة غريبة. فقلت وأنا أهز يدها مودعًا: «إني عائد إلى هناك، وسأتطلع إلى لقائك.» فقالت: «سأخبرك إذا خاب أملي.» ومضت عني، وعليها أمارات الاضطراب الخفيف، وفي يدها المروحة تتحرك. ٢ عدت إلى أوروبا بعد هذه المقابلة ببضعة شهور، وانقضت ثلاث سنوات. وكنت مقيمًا في باريس، وفي أخريات أكتوبر/تشرين الأول رحلت عنها إلى «الهافر» لأقابل أختي وزوجها. وكانا قد كتبا إليَّ يقولان إنهما يوشك أن يصلا إليها. فلما بلغت الهافر وجدت أن الباخرة قد سبقتني إليها وأني تأخرت حوالي ساعتين؛ فانكفأت إلى الفندق الذي نزل فيه قريباي. وكانت أختي قد أوت إلى فراشها من الإعياء الذي سببه لها ركوب البحر، فقد عانت منه شر ما يصيب الإنسان. وكانت ترغب ألا يزعجها أحد من راحتها أو ينغصها عليها فلم أمكث معها إلا خمس دقائق. ومن أجل هذا اتفقنا على البقاء في الهافر إلى اليوم التالي. وكان زوجها من فرط قلقه عليها لا يريد أن يغادر غرفتها ولكنها أصرت أن يخرج معي ويتمشى لينفي عنه ما يشعر به راكب البحر، ويستعيد إحساسه بالوثاقة والاستقرار. وكنا في الخريف، وكان الصباح دافئًا، منعشًا، وأعجبتنا المناظر وسرتنا ونحن نجتاز الشوارع البهيجة الألوان الغاصة بالناس في هذا المرفأ الفرنسي القديم. وسرنا على أرصفة الميناء المشمسة العالية الضوضاء ثم دخلنا في شارع جميل واسع، بعضه تضيئه الشمس والبعض في الظل، وكان لقدمه، ولما عليه من الصبغة الريفية يبدو للناظر كأنه رسم بالألوان المائية، فهذه مساكن عالية كثيرة الطبقات مغبرَّة اللون، وسقوفها الحمراء الآجر على هيئة المثلث، وعلى نوافذها شبابيك خضراء وفوقها الزخرفة، وفي الشرفات الزهريات، وعلى العتبات النساء وقد لففن رءوسهن بمناديل بيضاء. وقد سرنا في الظل، وكنا نرى هذه المناظر على الجانب المشمس فكأنها صورة. وإذا بنسيبي يقف بغتة ويضغط ذراعي ويحدق! فنظرت إلى حيث ينظر، فرأيت أننا وقفنا على مسافة قصيرة من مقهى رصت أمامه المناضد والكراسي تحت طنف.٢ وكانت النوافذ مفتوحة، وعلى جانبي الباب شجيرات ست مرصوصة في مغارسها، وقد فرش الرصيف بالتبن النظيف. وكان المقهى صغيرًا، عتيقًا، ولكنه هادئ، ورأيت بداخله، في الظلام النسبي، امرأة حسناء سمينة على قبعتها شرائط قرمزية، ووراءها مرآة، وهي تبتسم لشخص متوارٍ عن النظر. على أني لم ألاحظ هذا إلا فيما بعد. أما الذي رأيته أول الأمر فسيدة جالسة وحدها على منضدة من تلك المناضد الرخامية المبعثرة على الرصيف. وكان نسيبي قد وقف لينظر إليها، وكان أمامها شيء على المنضدة، ولكنها كانت مضطجعة، وساعداها مطويان على صدرها، وعينها إلى الناحية الأخرى من الشارع. ولم أر منها سوى لمحة جانبية ومع ذلك كبر في ظني أني رأيتها من قبل. وقال نسيبي: «سيدة الباخرة!» فسألته: «أكانت على الباخرة معكم؟» قال: «من الصباح إلى الليل. ولم يصبها الدوار. وكانت تجلس على جانب السفينة وساعداها مطويان كما تراها الآن، وترسل لحظها إلى الأفق الشرقي.» فسألته: «أتنوي أن تكلمها؟» قال: «لست أعرفها … لم نتعارف … وكنت سيئ الحال من الدوار، ولكني كنت أراقبها، ولا أدري لماذا كنت معنيًّا بها. وإنها لأمريكية صغيرة رشيقة. وأكبر الظن أنها مدرسة، وأنها في إجازة، وهي تتنزه بما ادخرته من تلاميذها.» وأدارت في هذه اللحظة خدها قليلًا ونظرت إلى المساكن العالية المغبرة الجدران فقلت: «سأكلمها أنا.» فقال نسيبي: «لو كنت مكانك لما فعلت فإنها حيِيَّةٌ جدًّا.» قلت: «يا صديقي العزيز، إني أعرفها. وقد أريتها مرة بضع صور شمسية في حفلة شاي.» وقصدت إليها، فلفتت وجهها ونظرت إليّ، فأيقنت أنها الآنسة كارولين سبنسر، ولكنها لم تعرفني بمثل هذه السرعة، فقد بدت عليها دهشة المفاجأة، وقلت، وقد سحبت كرسيًّا وقعدت: «أرجو ألا يكون أملك قد خاب.» فحدقت فيّ، وقد احمر وجهها قليلًا، ثم انتفضت قليلًا انتفاضة المعرفة والإدراك وقالت: «أنت الذي أراني الصور الشمسية في جريمونتر؟» قلت: «نعم، أنا هو بعينه، هذه مصادفة جميلة فإني أحس كأن عليّ أن أقيم لك استقبالًا وترحيبًا رسميين. فقد كلمتك كثيرًا عن أوروبا.» فقالت بلهجة رقيقة: «لم تقل أكثر مما يجب. وإني لسعيدة.» وكانت السعادة بادية عليها، ولم يكن ثمّ ما يدل على أن سنها زادت وأنها صارت أكبر، واحتفظت وسامتها بمزايا الرزانة والوداعة. وإذا كانت قد بدت من قبل زهرة من أزاهير الطهر على عودها الأملود، وببهجة ألوانها الرقيقة، فما كانت نضرة هذه البهجة الرقيقة أقل ظهورًا، الآن، وكان إلى جانبها رجل كهل يحتسي شراب «الأبسنت» ووراءها السيدة ذات القبعة المزدانة بالشرائط القرمزية، تصيح «ألِسبْياد!» «ألِسبْياد!» للخادم ذي الفوطة الطويلة الملفوفة على وسطه، وأخبرت الآنسة سبنسر أن زميلي كان معها على السفينة، وأنه زوج أختي، فتقدم وعرفته بها فنظرت إليه كأنها ما وقعت عليه عينها من قبل، ولا عجب فقد حدثني أنها كانت لا تنفك تنظر إلى الأفق الشرقي، ومن الجلي أنها لم تفطن إلى وجوده على الباخرة. وابتسمت له ابتسامة حييّة ولم تحاول أن تزعم أنها رأته من قبل، وبقيت معها في المقهى، ورجع هو إلى الفندق وزوجته. وقلت للآنسة سبنسر: إن مقابلتي لها بُعَيد نزولها من السفينة اتفاق عجيب جدًّا، ولكني مغتبط بذلك ويسرني أن تخبرني عن وقع السفر في نفسها. قالت: «لا أدري! ولكني أشعر كأني في حلم. وإن لي هنا لساعة، ولست أريد أن أتحرك. كل شيء جميل. ومن يدري؟ لعل القهوة أسكرتني، والحق أنها كانت لذيذة!» قلت: «إذا كان هذا مبلغ سرورك بمرفأ الهافر الممل وكنت تفيضين عليه كل هذا الإعجاب، فإنك لا تبقين شيئًا من السرور والإعجاب بما هو خير منه. كلا، لا تنفقي كل ذخرك من الإعجاب في أول يوم. واذكري أن هذه وثيقة الاعتماد الأدبية … تذكري كل البلدان والأشياء الجميلة التي تنتظرك. تذكري إيطاليا الفاتنة!» فقالت بلهجة الجذل، وعينها على المساكن أمامها: «لست أخشى الإفلاس وإن في وسعي أن أجلس هنا طول النهار، وأقول لنفسي إني صرت ها هنا أخيرًا. كل شيء قاتم، وقديم، ومغاير لمألوفي!» فسألتها: «على فكرة، كيف اتفق لك أن تقعدي هنا؟ ألم تقصدي إلى فندق من الفنادق؟» فقد استغربت سذاجة القلب التي جعلت هذه المرأة الحسناء الرقيقة تتخذ مكانها في هذه العزلة البارزة على حافة الطريق. فكان جوابها: «جاء بي ابن عمي إلى هنا. أتذكر أني قلت لك إن لي ابن عم في أوروبا؟ استقبلني هذا الصباح على الباخرة.» قلت: «لم تكن به حاجة إلى تجشيم نفسه عناء الاستقبال إذا كان سيهجرك بهذه السرعة.» قالت: «إنما تركني مسافة نصف ساعة. ذهب ليجيء بمالي.» فسألتها: «وأين مالك؟» فضحكت ضحكة خفيفة وقالت: «إني أشعر بأن لي شأنًا حين أخبرك أنها كلها أوراق نقد.» فسألتها: «وأين أوراقك النقدية؟» قالت: «في جيب ابن عمي.» قالت هذا بهدوء، ولكن الخبر — لا أدري لماذا؟ — أجرى في بدني قشعريرة البرد، ولو أني سئلت في تلك اللحظة عن الباعث لعجزت عن تعليل هذا الشعور فما كنت أعرف شيئًا عن ابن عمها فالمفروض أن يكون أمينًا، ولكنه أقلقني فجأة أن تكون مواردها القليلة قد انتقلت إلى يديه بعد نصف ساعة من نزولها من السفينة. وسألتها: «أتراه سيسافر معك؟» قالت: «إلى باريس فقط. فإنه يدرس الفن فيها. وكنت قد كتبت إليه أني قادمة ولكني لم أكن أتوقع أن يجيء إلى هنا ليستقبلني، ولم أطمع في أكثر من أن يلقاني على المحطة في باريس. وإنها لمروءة منه. ولكنه ذو مروءة، وذكي أيضًا.» فشعرت برغبة ملحة في أن أرى ابن عمها الذكي الذي يدرس الفن. وسألتها: «هل ذهب إلى المصرف؟» قالت: «نعم، إلى المصرف. ذهب بي إلى فندق، مكان صغير غريب ولكنه جميل، وفي وسطه ساحة، تحيط بها من فوقها شرفة تدور بها، وصاحبة الخان سيدة ظريفة تلبس ثوبًا محبوك التفصيل على قدها. وبعد قليل خرجنا لنتمشى إلى المصرف لأنه ليس معي شيء من النقود الفرنسية، ولكني كنت دائرة الرأس من ركوب البحر فاستحسنت أن أقعد، فجاء بي إلى هنا وذهب هو إلى المصرف، وسأنتظر حتى يعود.» وقد يبدو هذا مني إغراقًا في التخيل، ولكنه مر بخاطري أنه لن يعود أبدًا. فاعتدلت على الكرسي وقد صممت على البقاء إِلى جانبها حتى أرى ما يكون. وكانت دقيقة الملاحظة لا يفوت عينها شيء، مما تعرضه علينا حركة الشارع؛ غرابة الثياب، وأشكال المركبات، والخيل النورماندية الجسيمة، والقساوسة الضخام الأبدان، والكلاب الحليقة. وتحدثنا عن هذه الأشياء، فوجدت متعة من جدة مشاهدتها وكيف كان ذهنها الواسع الاطلاع يدرك الأشياء ويغتبط بها. وسألتها: «وبعد أن يرجع ابن عمك، ماذا تنوين أن تصنعي؟» فترددت لحظة ثم قالت: «لا ندري تمامًا.» قلت: «ومتى تذهبين إلى باريس؟ إذا ركبت قطار الساعة الرابعة فإنه يكون من دواعي سروري أن أكون في خدمتك في هذه الرحلة.» قالت: «لا أظن أننا سنفعل ذلك فإن ابن عمي يرى أن أبقى هنا بضعة أيام.» فقلت: «أوه» ولبثت خمس دقائق لا أنبس بحرف. وكنت أتعجب لابن عمها هذا ماذا يبغي من وراء ذلك؟ وأدرت عيني في الشارع وأرسلت لحظي فيه إلى آخر مدى البصر، ولكني لم أر أحدًا يمكن أن يعد أمريكيًّا ذكيًّا من طلاب الفنون. وأخيرًا سمحت لنفسي أن ألاحظ أن الهافر ليس بالمكان الذي يختاره من يطوّف في أوروبا ليتلبث فيه ويعجب به. فما هو بأكثر من استراحة، ومعبر ومجاز ينبغي أن ينفذ منه المرء بسرعة، ونصحت لها أن تسافر إلى باريس على قطار العصر، وأن تتسلى في أثناء ذلك بالركوب إلى القلعة القديمة عند مدخل الميناء، ذلك البناء الدائر الجميل الذي يحمل اسم فرنسيس الأول ويبدو للعين كأنه قصر صغير من قصور سنت أنجلو. وكانت تصغي بعناية، ثم بدا عليها الجد وهي تقول: «أخبرني ابن عمي أنه بعد عودته سيحدثني في أمر خاص، وقال إننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا أو نقرر أمرًا إلا بعد أن أستمع إلى ما عنده، ولكني سأحمله على الإسراع في إخباري، ثم نذهب بعد ذلك إلى القلعة القديمة. ولا داعي للتعجيل بالسفر إلى باريس، فإن الوقت فسيح.» وكانت تبتسم بشفتيها الرقيقتين الحادتين قليلًا وهي تقول هذا، ولكني كنت أتفرس في وجهها، فلمحت طيفًا من الخوف في عينيها. وقلت: «لا تقولي إن هذا الرجل التعس سيفضي إليك بأخبار سيئة!» قالت: «أحسب أنها ستكون سيئة قليلًا، ولكني لا أعتقد أنها سيئة جدًّا. على كل حال لا بد من الاستماع.» فنظرت إليها هنيهة ثم قلت: «ما أظنك جئت إلى أوروبا لتصغي إليه أو لغيره، إنما جئت لتنظري!» وأيقنت أن ابن عمها سيعود، ما دام أن لديه أخبارَ سوء يريد أن يطلعها عليها فلا بد أن يرجع. وسألتها عن البلدان التي تنوي أن تزورها، فألفيتها قد رتبت رحلتها على أدق نحو، وسردت لي أسماء البلاد بلهجة الجد، فهي ستذهب من باريس إلى ديجون وأفينيون، ومن ثم إلى مارسيليا وطريق الساحل «الكورنيش» ثم إلى جنوة، وسبيزا، وبيزا، وفلورنسة، ورومية. ويظهر أنه لم يخطر لها قط أن في السفر وحدها وبلا رفيق أيَّ عناء، ولما كان لا رفيق لها؛ فقد حرصت على اجتناب إقلاقها أو إضعاف شعورها بالاطمئنان والثقة. وأخيرًا جاء ابن عمها. رأيته يخرج علينا من زقاق جانبي، وما كادت عيني تأخذه حتى أيقنت أنه هو الأمريكي الذكي الذي يدرس الفن في باريس. وكان يلبس قبعة ناعمة عريضة الحافة، وسترة لبيسة٣ من المخمل الأسود، رأيت أمثالها كثيرًا في «شارع بونابرت»، وكان قميصه ينفرج عن جانب كبير من عنق لم يبد لي على البعد جميلًا. وكان طويلًا نحيفًا وشعره أحمر، وفي وجههه حَطاط،٤ وقد لاحظت هذا كله وهو يدنو من المقهى ويحدق فيَّ مستغربًا وجودي. ولما صار معنا عرفته بنفسي وقلت إني صديق قديم للآنسة سبنسر، فأحدَّ النظرَ إليَّ بعينيه الضيقتين المحمرتين. ثم انحنى لي على الطريقة الفرنسية ملوّحًا بقبعته العريضة. وقال: «أكنت على السفينة؟» قلت: «كلا، لم أكن هناك، فإني في أوروبا منذ ثلاث سنوات.» فانحنى مرة أخرى بتؤدة وأومأ إليَّ أَن أجلس كما كنت، فقعدت لأراقبه وأفحصه قليلًا، فقد آن لي أن أعود إلى أختي، وبدا لي أن ابن العم هذا غريب، فما خلقه الله في صورة يلائِمها زي بيرون أو روفائيل، ولا كانت سترته المخملية، وعنقه العاري على اتساق مع خصائص وجهه، وكان شعره مقصوصًا إلى قريب من جلدة الرأس، وأذنه عظيمة مقبلة على الوجه، متباعدة عن الرأس. وكان في هيئته فتور، وفي قامته انحناء يناقضان ما في عينه الغريبة اللون من الحدة والشدة. ولعلي كنت متحاملًا عليه، ولكنه خُيل إليَّ أن في عينيه غدرًا. وظل لحظة لا يقول شيئًا، وكان يعتمد بيديه على عصاه ويصعِّد طرفه ويصوِّبه في الشارع، وأخيرًا رفع عصاه ببطء وأشار بها وهو يقول: «هذا حسن.» وكان يُميل رأسه ويُداني بين جفونه وهو ينظر، فوجهت عيني إلى حيث كان يومئ بعصاه، فرأيت خرقة حمراء معلقة من شباك قديم. وقال: «لون حسن.» وحوَّل إليّ لحظه من غير أن يحرك رأسه وقال: «يكون جميلًا في الرسم.» وكان صوته ناشفًا جامدًا خاليًا من الصقل. فقلت: «أرى أن لك لنظرًا. وقد أخبرتني ابنة عمك أنك تدرس الفن.» فنظر إليَّ بعينه المغضية ولم يجب، فمضيت في كلامي بلطف متكلف: «أحسبك تعمل مع واحد من هؤلاء العظماء.» فظل ينظر إليّ ثم قال برقة: «جيروم.» قلت: «أحسبك مغتبطًا هناك؟» قال: «هل تعرف الفرنسية؟» قلت: «إلى حد ما.» فأبقى عينيه على وجهي ثم قال بالفرنسية: «إني أعبد التصوير.» فقلت: «أوه. إني أستطيع أن أفهم هذا حين تقوله.» ووضعت الآنسة سبنسر راحتها على ذراع ابن عمها، وكان في حركتها اضطراب خفيف من السرور، وكأنما أعجبها أن يكون المرء ذرب اللسان في اللغات الأجنبية! ونهضت لأودعهما، وسألت الآنسة سبنسر أين في باريس يتاح لي أن أتشرف بلقائها؟ وإلى أي فندق تنوي أن تقصد؟ فالتفتت إلى ابن عمها مستفسرة، فشرفني مرةً أخرى بنظرة فاترة بمُؤخر عينه وسألني: «أتعرف فندق الأمراء؟» قلت: «أعرف مكانه.» قال: «سآخذها إليه.» فقلت لكارولين سبنسر: «إني أهنئك. فإني أعتقد أن هذا خير فندق في العالم. وإذا اتفق أني استطعت أن أختلس من وقتي هنا لحظة أراك فيها، فأين أجدك؟» فقالت بلهجة الجذل: «ما أحلاه من اسم … أَلَا بِلْ نورماند!» ولما غادرتها انحنى لي ابن عمها ملوحًا بقبعته في دائرة واسعة. ٣ تبين أن أختي لم تعد إليها نفسها إلى حد يسمح بأن تغادر الهافر على قطار العصر، فلما كان الغسق ألفيت نفسي في فسحة من الوقت، وأن في وسعي أن أزور فندق «ألا بل نورماند.» ويجب أن أعترف أني قضيت وقتًا طويلًا أفكر فيما عسى أن يكون هذا القريب الرَّذْل لصديقتي الجميلة قد أفضى إليها به من أخبار السوء. وكان «ألا بل نورماند» خانًا صغيرًا في سكة ظليلة مريبة، لا يرتاح المرء حين يتصور أن الآنسة سبنسر لا بد أن تكون قد صادفت فيها كثيرًا من «اللون المحلي»، وكان هناك — في الخان — فناء ضيق يتخذ للسمر، وسلم إلى غرف النوم، دَرَجه على ظاهر الحائط، ونافورة صغيرة يقطر منها الماء وفي وسطها تمثال من الجص، وغلام يلبس طاقية بيضاء ويلف وسطه بفوطة، ينظف بعض الأواني النحاسية في مدخل المطبخ الظاهر، وربة الفندق وهي سيدة ثرثارة، في شفوف نظيفة، ترتب الكمثرى والعنب على هيئة الهرم في طبق قرمزي. فأجلت عيني في المكان فرأيت كارولين سبنسر على دكة خضراء، خارج باب مفتوح كتب عليه: «حجرة الطعام»، وما كادت عيني تأخذها حتى تبينت أن شيئًا حدث بعد أن تركتها في الصباح؛ فقد كانت مضطجعة على الدكة، ويداها متشابكتان في حجرها، وعينها على ربة الخان في الناحية الأخرى من ساحة البيت وهي ترتب الكمثرى. ولكني أدركت أيضًا أنها لم تكن تفكر في الكمثرى، وإنما كانت تشخص وهي ذاهلة عما حولها، مفكرة في خلافه، ودنوت منها فتبينت أنها حديثة عهد بالبكاء. وقعدت على الدكة إلى جانبها قبل أن تراني، فلما أبصرتني لم تزد على أن تلتفت بلا دهشة، وأن تريح عينها على وجهي. ولا بد أن ما وقع كان غاية في السوء، فقد تغيرت جدًّا. ولم أتوان في مصارحتها برأيي فقلت: «إن ابن عمك قد أبلغك خبرًا سيئًا فإني أراك في كرب شديد.» فلبثت لحظة لا تقول شيئًا، وخيل إليَّ أنها تخشى أن تتكلم لأن الدموع تتحير في عينيها. ولكني ما لبثت أن تبينت أنها أراقت كل عبرة في الفترة الوجيزة التي غبت عنها فيها، وأنها استرجعت، واستردت جلدها وسكينتها. وقالت أخيرًا: «إن ابن عمي المسكين مكروب، وقد كان ما أبلغنيه سيئًا.» وترددت قليلًا ثم قالت: «كانت حاجته شديدة إلى المال.» فقلت: «تعنين حاجته إلى مالك؟» قالت: «إلى أي مال يمكن أن يحصل عليه، بطريقة شريفة! وكان مالي كل ماله إلى وسيلة.» فسألتها: «وأخذ ما معك؟» فترددت مرة أخرى، وكانت عينها تتوسل إليَّ وتضرع، ثم قالت: «أعطيته ما عندي.» وما زلت أذكر نبرة صوتها وهي تنطق بهذه الكلمات، وما فتئت أعدها أشبه ما سمعت، بأصوات الملائكة، ولكني حين سكت أذني هذه الألفاظ انتفضت قائمًا كأنما أصابتني مساءة شخصية وقلت: «يا لله! هل تسمين هذا حصولًا على المال بوسيلة شريفة؟» وكان هذا شططًا مني، فقد اتقد محياها وقالت: «دع الكلام في هذا؟» فقلت وأنا أقعد ثانية: «بل يجب أن نتكلم في هذا! إني صديقك، ويخيل إليَّ أن بك حاجة إلى صديق. فما خطب ابن عمك؟ ماذا دهاه؟» قالت: «إنه مدين.» قلت: «لا شك، ولكن ماذا يجعل من حقه أن تؤدي عنه دينه؟» قالت: «قص علي قصته كلها، وأنا آسفة جدًّا له.» قلت: «وأنا مثلك، ولكني أرجو أن يردّ إليك مالك.» قالت: «لا شك في ذلك … متى وسعه أن يفعل.» فسألتها: «ومتى يكون هذا؟» قالت: «بعد أن يُتم رسم الصورة العظيمة التي يعمل فيها الآن.» فصحت: «يا سيدتي العزيزة، لعنة الله على صورته العظيمة! أين ابن العم السادر هذا؟» فترددت ترددًا واضحًا ثم قالت: «يتعشى.» فتلفت ونظرت من الباب المفتوح في «حجرة الطعام»، فأبصرت ذلك الشاب الذكي، طالب الفنون في باريس، وموضع عطف الآنسة سبنسر، قاعدًا إلى طرف مائدة طويلة. وكان مقبلًا على الطعام فلم يرني في بادئ الأمر، ولكنه — وهو يضع على المائدة قدحًا أفرغ ما كان فيه من النبيذ في جوفه — لاحظ أني أراقبه. فتوقف عن الأكل، وأمال رأسه إلى ناحية، ورشقني بلحظه كما أرشقه، وفكاه يتحركان ببطء. ثم مرت بنا ربة الخان وعلى يديها طبق الكمثرى. فقلت: «وهذه الفاكهة اللذيذة له؟» فنظرت إلى الطبق برقة وقالت: «إنهم يحسنون تقديم ما عندهم.» فسخطت وأحسست أنه لم تبق لي حيلة، وقلت: «تعالي، تعالي! هل توافقين على أن يأخذ منك هذا الشاب الطويل القوي مالك؟» فحولت وجهها عني، وكان من الواضح أني أؤلمها. وخامرني اليأس، فما من شك في أن هذا الشاب الطويل القوي «يعنيها.» وقلت: «اغفري لي أن أتكلم عنه بلا كلفة. ولكنك أسخى يدًا مما ينبغي أن تكوني، وهو أقل تعفّفًا مما يجب. لقد جرّ على نفسه الدين، فحقيق به أن يؤديه ويرده بنفسه ومن موارده.» فقالت: «لقد كان أحمق. أعرف ذلك، فقد قص عليّ كل شيء. وطال حديثنا في هذا صباح اليوم. وقد قصد إليّ في حاجته. فقد وقّع سندات بمبالغ جسيمة.» قلت: «ما أعظم حماقته!» قالت: «إنه يعاني همًّا ثقيلًا. وليس الأمر بقاصر عليه وحده، فإن هناك أيضًا زوجته المسكينة.» قلت: «آه! أَوَله زوجة مسكينة؟» قالت: «لم أكن أعرف هذا حتى أقرَّ لي به. تزوجها منذ سنتين سرًّا.» وتلفتت كارولين سبنسر حولها كأنما كانت تخشى أن يسترق السمع أحد، ثم قالت برقة، وبنبرة مؤثرة: «لقد كانت كونتيسة.» فسألتها: «أواثقة أنت من ذلك؟» قالت: «لقد كتبت إليَّ رسالة ما أجملها!» قلت: «تطلب منك فيها قرضًا حسنًا؟» قالت: «بل تلتمس الثقة والعطف، فقد حرمها أبوها حقوقها. وقد خبرني ابن عمي بقصتها، وفصلتها هي لي في رسالتها. إنها أشبه بالقصص القديمة. فقد رفض أبوها أن يوافق على هذا الزواج، ولما عرف أنها خالفت أمه سرًّا رمى بها. الحقيقة أنها حادثة مؤثرة. وأسرتها أعرق الأسر في مقاطعة بروفنس.» وكنت أنظر وأصغي وأنا أتعجب. وبدا لي أن هذه المسكينة تجد لذة حقيقية في هذه الرواية التي تدور وقائعها على كونتيسة منبوذة يتزوجها ابن عمها، وقد بلغ من استغراق هذه الرواية لها أن صرفتها عن التدبر في أمرها وفيما يجره عليها ضياع مالها. وقلت: «يا سيدتي العزيزة، هل تريدين أن تخربي في سبيل الخيال؟» قالت: «لن أخرب! وسأعود بعد قليل لأقيم معهما. فإن الكونتيسة تلح في ذلك وتصر عليه.» فسألت: «تعودين؟ هل تعنين أنك راجعة إلى بلادك؟» فغضت طرفها هنيهة، ثم قالت وهي تجاهد أن تخفي اضطراب صوتها: «ليس معي مال للسياحة.» قلت: «أَوَأعطيته كل ما معك؟» قالت: «احتفظت بما يكفي للإياب.» فتوجعت من الغيظ، وفي هذه اللحظة خرج من غرفة الطعام ابن عمها السعيد الذي استحوذ على مدخرها، وعلى يد الكونتيسة أيضًا! ووقف لحظة على العتبة، يقشر كمثراة، ثم دسها في فمه، وتركها فيه ملتذًّا بها، وجعل ينظر إلينا وساقاه متباعدتان، ويداه في جيبي سترته. فنهضت الآنسة سبنسر، ورمت إليه نظرة لم تفتني، واشية بالاستسلام والافتتان، بل بالنشوة. وقد كان هذا الشاب قبيحًا، وسوقيًّا، ودعيًّا خائنًا، في رأيي، ولكنه استطاع أن يخلب لبها ويسحر خيالها. وقد كان حنقي عليه شديدًا، وتقززي منه عظيمًا، ولكنه لم يكن لي حق في الدخول في الأمر، وعلى أنه لم يغب عني أن الدخول في هذا عبث لا طائل تحته. ولوَّح الشاب بيده تلويحًا مسرحيًّا وقال: «ساحة جميلة. ومكان طيب. هذه الآجرة لونها حسن. وهذا السلم الملتوي أيضًا!» فنفد صبري، ولم تعد لي طاقة على الاحتمال، ومددت يدي إلى كارولين سبنسر من غير أن أرد على ابن عمها، فنظرت إليّ بوجهها الدقيق وعينيها الواسعتين وبدت لي أسنانها، كأنما أرادت أن تبتسم وقالت: «لا تأسف من أجلي، فإني واثقة أني سأرى شيئًا من هذه القارة العتيقة يومًا ما.» فقلت لها إني لا أودعها، وإني سأعود إليها في صباح الغد. وكان ابن عمها قد لبس قبعته العريضة، فنزعها ولوَّح لي بها على سبيل التحية، فانصرفت. ورجعت في صباح اليوم التالي إلى الخان حيث التقيت بربته، وكانت أقل عناية بثيابها مما كانت في المساء، فلما سألتها عن الآنسة سبنسر قالت: «سافرت يا سيدي. غادرتنا في الساعة العاشرة البارحة مع … مع … إنه ليس زوجها، هه؟ على كل حال مع السيد … وذهبا إلى الباخرة الأمريكية.» فانصرفت. فيا لها من مسكينة! لم تقض في أوروبا إلا حوالي ثلاث عشرة ساعة! ٤ وكنت أسعد حظًّا منها فقضيت في أوروبا حوالي خمس سنوات. وفي هذه المدة فقدت صديقي لاتوش، فقد أصيب بحمى الملاريا أثناء رحلة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فقضى نحبه. وكان أول ما صنعت بعد عودتي إلى أمريكا أن قصدت إلى بلدة «جريمونتر» لأعزي أمه المسكينة، وكانت شديدة الحزن، فجلست معها الصباح كله (وكنت قد وصلت في ساعة متأخرة من الليلة السابقة) أصغي لحديثها الباكي، وأتغنى بسجايا صديقي. ولم يكن لنا كلام في غير ذلك، ولم يقطع حديثنا إلا وصول سيدة صغيرة خفيفة تسوق مركبتها، وقد رأيتها ترمي الأعنة على ظهر الجواد بمثل سرعة النائم أفزعه شيء فرمى الغطاء ونهض. ووثبت من المركبة، ودخلت الغرفة وثبًا من فرط النشاط في حركتها والخفة فيها. وعرفت أنها زوجة القسيس، وأنها «راوية» البلدة، وكان يبدو عليها أن لديها نخبة متخيرة من الأحاديث تتلهف على الإفضاء بها، وكنت على يقين من هذا، كيقيني من أن السيدة لاتوش لا يمنعها جزعها على وحيدها وثكلها له أن تصغي إلى صاحبتها. ورأيت أن الانصراف أكيس فقلت: إني سأذهب لأتمشى قبل الغداء، وسألت قبل الخروج: «وعلى فكرة، إذا استطعت أن تدليني على بيت الآنسة سبنسر، ذهبت إليها.» فردت زوجة القسيس وأخبرتني أن الآنسة سبنسر تسكن في البيت الرابع بعد الكنيسة، وهي على اليمين، وفوق بابها طَنَف محمول على عمودين، تراه هي أشبه بإطار السرير. وقالت السيدة لاتوش: «نعم، اذهب وزر كارولين المسكينة، فسيرد إليها نفسها أن ترى وجهًا غريبًا.» وقالت زوجة القسيس: «أحسبها رأت فوق الكفاية من الوجوه الغريبة!» فأصلحت السيدة لاتوش العبارة وقالت: «إنما أعني أن ترى زائرًا.» فعادت صاحبتها تقول: «وأحسبها شبعت من الزوار! ولكنك أنت لا تنوي أن تبقى عشر سنين؟» فقلت وأنا متحير: «أَوَعندها زائر من هذا الضرب؟» قالت: «سترى ضربه. ومن السهل أن ترى زائرتها، فإنها تجلس عادة في الساحة المقدمة أمام البيت، وعليك أن تكون لبقًا وشديد الحذر في كلامك، وتوخ الأدب على الخصوص.» فقلت: «آه، حساسة جدًّا، أليست كذلك؟» فوثبت زوجة القسيس إلى قدميها، وانحنت لي، انحناء سخر وتهكم، وقالت: «هي كما تقول، من فضلك، فإنها كونتيسة!» ونطقت اللفظ بلهجة لاذعة، حتى لخيل إليّ أنها تضحك ساخرة، في وجه الكونتيسة، فوقفت لحظة أحدّق، وأتعجب، وأتذكر. ثم قلت: «أوه … سأكون مؤدبًا جدًّا.» وتناولت قبعتي وعصاي، وانصرفت. ولم أجد مشقة في الاهتداء إلى بيت الآنسة سبنسر، فقد عرفت الكنيسة بلا جهد، وكان البيت الصغير الحائل البياض، ذو المدخنة الكبرى والنباتات الزاحفة، أخلق مسكن بعانس مقتصدة لها ذوق وخيال. وتباطأت لما دنوت من البيت، فقد سمعت أن بعضهم لا يفتأ جالسًا في الساحة المقدمة، فأحببت أن أستطلع وأتبين أولًا، ورفعت رأسي محاذرًا ونظرت من فوق السور الأبيض الواطئ الذي يفصل الحديقة الصغيرة عن الطريق، ولكني لم أر كونتيسة أو سواها، وكان هناك ممر مستقيم يؤدي إلى عتبة الباب وعلى الجانبين رقعة صغيرة من الحشيش حولها إطار من شجيرات العنب الجافة وفي وسط الرقعة — في كلا الجانبين — شجرة كبيرة، حافلة بمظاهر الشظف والقفول.٥ وتحت إحدى الشجرتين منضدة صغيرة، وكرسيان. وعلى المنضدة شقة من النسيج لم ينته العمل فيها، وكتابان أو ثلاثة مجلدة بورق زاهي الألوان. فدخلت من البوابة، ووقفت في منتصف الممر، ونقضت المكان عسى أن أبصر ما يدل على حال ساكنته التي ترددتُ فجأة، بلا داع أعرفه، أن أقدم نفسي إليها. ثم خطر لي أن البيت رث، وأنه ليس من حقي أن أتطفل، فقد كان الشوق إلى استطلاع طلعها هو كل باعثي، ولكن هذه الرغبة بدت لي الآن غير لائقة. وبينما كنت مترددًا ظهرت سيدة في مدخل الباب ووقفت تنظر إليّ، فعرفت أنها كارولين سبنسر، ولكنها هي كانت تنظر إليّ كأنها ما رأتني قط من قبل، فتقدمت بتؤدة وإشفاق إلى الباب، ثم قلت وأنا أتكلف اللهجة الودية: «لقد انتظرت هناك عودتك ولكنك لم تجيئي أبدًا.» فقالت برقة، وقد زادت عيناها اتساعًا: «انتظرت أين يا سيدي؟» لقد كبرت، وظهر عليها التعب، والتلف. وقلت: «انتظرت في الهافر.» فحدّقت فيّ، ثم عرفتني، وتبسمت، واحمر وجهها، وضمت راحتيها وقالت: «الآن تذكرتك، وتذكرت ذلك اليوم.» ولكنها ظلت واقفة، لا تخرج إليّ، ولا تدعوني أن أدخل، وكانت مرتبكة. وكنت أنا أيضًا مرتبكًا. فغرزت عصاي في الأرض وقلت: «ظللت أترقب مجيئك عامًا بعد عام.» فهمست: «أتعني في أوروبا؟» قلت: «في أوروبا، طبعًا. أما هنا فإن من السهل أن يهتدي إليك المرء، على ما يظهر.» فأراحت رأسها على جانب الباب غير المدهون، ونظرت إليّ لحظة بلا كلام، وخيل إليّ، أني اجتليت في وجهها ما يرتسم على وجه المرأة حين تشفى على البكاء، وإذا بها فجأة تخطو إلى الحجرة أمام العتبة، وتغلق الباب وراءها، ثم بدأت تتبسم، وقد بقيت أسنانها كأجمل ما عهدتها، ولكنه كان هناك دموع أيضًا، ولا شك. وسألت بصوت كالهمس: «أَوَكنت هناك طول الوقت منذ ذلك اليوم؟» قلت: «عدت منذ ثلاثة أسابيع، وأنت؟ ألم تذهبي قط؟» وكانت تنظر إليّ، وعلى ثغرها ابتسامتها الثابتة، ثم مدت يدها من خلفها وفتحت الباب وقالت: «إني أهمل واجب الضيافة، ألا تدخل؟» قلت: «أخشى الإثقال عليك وإزعاجك.» قالت: «كلا» وهي تبتسم، ودفعت الباب، وأومأت إليّ أن أدخل. فدخلت وتبعتها، فمضت بي إلى غرفة صغيرة على يسار الردهة الضيقة، أحسبها غرفتها، وإن كانت في الناحية الخلفية، ومررنا بباب غرفة أخرى، موصد، تطل، فيما قدرت، على رقعة الحشيش والشجرة، وكانت الغرفة التي دخلناها تشرف على خص من الخشب، ودجاجتين تصيحان، وكانت الغرفة جميلة جدًّا، ولكن ما فيها مما يكسبها معنى الأناقة والرشاقة، ينبئ بشدة التدبير ودقة الاقتصاد، وقد زاد هذا في حسنها، فما رأيت من قبل أثاثًا باهتًا، وصورًا قديمة في إطارات من أوراق الخريف المموهة، مرتبة على خير من هذا النظام أو آنق وأحلى. وقعدت الآنسة سبنسر على حرف الأريكة، ويداها متشابكتان في حجرها. وكانت تبدو أسن بعشر سنين، ولو قلت إنها وسيمة لكان هذا القول الآن غير سائغ، ولكنها كانت في عيني وسيمة، أو على الأقل لهيئتها وقع في النفس. وكانت مضطربة، فحاولت أن أتكلف الإغضاء ولكني قلت لها فجأة وبلا أدنى تدبر، وبدافع لا يقاوم من ذكرى صداقتنا في الهافر: «إني أثقل عليك، فإنك مهمومة.» فرفعت يديها إلى وجهها، وأبقته مدفونًا فيهما لحظة، ثم ردتهما وقالت: «ذاك لأنك تذكرني …» قلت: «أتعنين أني أذكرك بذلك اليوم المشئوم في الهافر؟» فهزت رأسها وقالت: «لم يكن مشئومًا؛ كان حسنًا.» فقلت: «لم أُصدم قط كما صُدمت ساعة ذهبت إلى الخان في صبيحة اليوم التالي لأسأل عنك فإذا بك قد سافرت.» فلبثت قليلًا لا ترد، ثم قالت: «أرجو أن تعفيني من الكلام في هذا.» فسألتها: «هل عدت إلى هنا مباشرة؟» قالت: «عدت إلى هذه البلدة بعد ثلاثين يومًا ليس إلا من سفري منها.» – «وبقيت هنا بعد ذلك دائما؟» فقالت برقة: «نعم.» – «ومتى تذهبين إلى أوروبا كرة أخرى؟» وكان السؤال عن هذا لا يخلو من قسوة وإيلام، ولكن طراوة استسلامها استفزتني، وأغرتني بأن أنتزع منها عبارة تدل على الملل والتبرم. فصوبت عينها إلى دائرة ضيقة من نور الشمس على السجادة، ثم نهضت وأرخت الشباك قليلًا لترد هذا النور، وقالت، بلهجتها اللينة، ردًّا على سؤالي: «لن أذهب أبدًا.» – «عسى أن يكون ابن عمك قد رد إليك مالك؟» فحولت وجهها عني وهي تقول: «لست أبالي هذا الآن.» – «ألا تحفلين بمالك؟» – «للسفر إلى أوروبا.» – «أتعنين أنك لن تذهبي ولو قدرت على السفر؟» فقالت: «لا أقدر — لا أقدر — انتهى الأمر … ولست أفكر في هذا أبدًا.» فقلت: «إذن لم يرد إليك مالك؟» فبدأت تقول: «أرجو … أرجو …» ثم أمسكت، وكانت تنظر إلى الباب، فقد تأدى إلينا من ورائه حفيف ثوب، ووقع قدم. ونظرت مثلها إلى الباب، وكان مفتوحًا؛ فظهرت فيه سيدة أخرى على عتبته، وجاء وراءها شاب، وأحدّت السيدة النظر إليّ جدًّا، وطال لحظها حتى وسعني أن أنقش صورتها على لوح صدري، ثم التفتت إلى كارولين سبنسر، وقالت بنبرة أجنبية واضحة: «اغتفري لي تطفلي، لم أكن أعرف أن معك أحدًا؛ فقد دخل السيد في سكون تام.» وردت إليّ لحظها مرة أخرى. وكانت غريبة حقًّا. ومع ذلك كان أول ما وقع في نفسي أني رأيتها من قبل، ثم أدركت أني إنما رأيت سيدات يشبهنها، ولكني رأيتهن بعيدًا جدًّا من جريمونتر، فأحدثت لي رؤيتها هنا إحساسًا غريبًا، فإلى أين يحملني مرآها؟ إلى باب مفتوح على غرفة مقدمة قذرة، وإلى سيدة تميل على درابزين وعلى ذراعها مشملة باهتة الألوان، وهي تصيح بالخادمة أن تصعد إليها بالقهوة. وكان ضيفة الآنسة سبنسر سيدة ضخمة، جاوزت ميعة الشباب، ووجهها السمين في مثل صفرة الموت، وشعرها مسرح إلى الخلف على الطريقة الصينية، وعينها صغيرة، ولكن نظرتها حادة نافذة، ولها ما يسميه الفرنسيون ابتسامة مرضية، وكانت ترتدي طيلسانًا قديمًا قرمزيًّا من الكشمير موشى بنقوش بيض. وكانت — كالصورة التي رفعتها ذاكرتي لعيني — تضم طرفيه أمامها بذراع عارية مستديرة، ويد بضة كثيرة الحطاط. وقالت للآنسة سبنسر: «إنما جئت لأذكرك بقهوتي، فإني أرجو أن ترسل إليّ في الحديقة تحت الشجرة الصغيرة.» وكان الشاب الذي خلفها قد دخل الغرفة ووقف ينظر إليّ، مثلها، وهو شاب جميل المحيا، وعليه سيما الريفي المتأنق، وله أنف دقيق معتدل القصبة، وذقن صغيرة حادة، وقدمان لم أر أصغر منهما أو أدق، وكان ينظر إليّ كالأبله وفمه مفتوح. وقالت الآنسة سبنسر وعلى خديها جمرتان طافئتان: «ستجيئك القهوة.» وقالت السيدة ذات الطيلسان: «حسن» والتفتت إلى الشاب وقالت: «هات كتابك.» فأدار عينه في الغرفة وقال بصوت من لا حيلة له: «أتعنين أجروميتي؟» وكانت السيدة ترشقني بلحظها متعجبة، وتضم طرفي كسائها بذراعها البيضاء وتقول: «هات كتابك يا صديقي.» فقال وهو يرميني بعينه: «هل تعنين ديوان الشعر؟» فقالت صاحبته: «لا بأس! دع الكلام، ولنتمش اليوم. وسنتحدث. ولكنه لا ينبغي لنا أن نقطع عليهما حديثهما، تعال.» واستدارت وهي تقول للآنسة سبنسر على سبيل التذكير: «تحت الشجرة الصغيرة.» ورمت إليّ ما يشبه التحية، وكلمتي «أيها السيد» وانصرفت، والشاب في إثرها. ووقفت كارولين سبنسر وعينها على الأرض. فسألتها: «من هذه؟» – «الكونتيسة، زوجة ابن عمي.» – «ومن هذا الشاب؟» – «تلميذها، المستر مِكستَر.» فأغراني وصف العلاقة بين هذين الشخصين اللذين غادرا الغرفة، بالضحك، فنظرت إليّ الآنسة سبنسر بجد وقالت: «إنها تدرس اللغة الفرنسية، فقد فقدت ثروتها.» قلت: «يظهر أنها مصممة على ألا تكون حميلة على أحد، وهذا هو الواجب.» فصوبت كارولين عينها إلى الأرض مرة أخرى وقالت: «يجب أن أذهب لأعد لها القهوة.» فسألتها: «هل لها تلاميذ كثيرون؟» قالت: «المستر مكستر تلميذها الوحيد، وهي تهبه وقتها كله.» ولم أستطع أن أضحك من هذا، وإن كنت قد أحسست بالاستفزاز، فقد كانت الآنسة سبنسر جادة جدًّا، وما لبثت أن قالت ببساطة: «إنه يدفع أجرًا حسنًا، فهو غني جدًّا، ورقيق وعطوف جدًّا، يخرج بها في مركبته للتنزه.» وهمت بأن تمضي فسألتها: «أذاهبة أنت لإعداد قهوة الكونتيسة؟» – «إذا أذنت لي … بضع دقائق.» – «أليس هنا أحد غيرك يستطيع أن يعدّها لها؟» فرمت إليّ نظرة عذبة السكون وقالت: «ليس لي خدم.» فسألتها: «ألا تستطيع أن تخدم نفسها؟» – «لم تتعود هذا.» فقلت بأرق لهجة أقدر عليها: «مفهوم. ولكن قبل أن تذهبي، خبريني من هذه السيدة؟» – «لقد أخبرتك من قبل، في ذلك اليوم. زوجة ابن عمي الذي رأيته.» – «السيدة التي نبذتها أسرتها على إثر زواجها؟» – «نعم. ولم ترها أسرتها بعد ذلك أبدًا. نبذتها كل النبذ.» – «وأين زوجها؟» – «مات» – «وأين مالك؟» فانتفضت المسكينة من حز الألم، فقد كانت أسئلتي واضحة السياق، جلية الغاية. وقالت بضجر وتعب: «لا أدري.» وألححت في خطتي فسألتها: «وبعد أن مات زوجها جاءت السيدة إلى هنا؟» – «نعم، جاءت ذات يوم.» – «وكم لها هنا؟» – «سنتان.» – «وبقيت مذ جاءت؟» – «طول الوقت.» – «وكيف رضاها عن مقامها هنا؟» – «ليست راضية.» – «وكيف رضاك أنت؟» فأخفت وجهها بين كفيها لحظة، كما فعلت قبل عشر دقائق، ثم خرجت مسرعة لتعد قهوة الكونتيسة. وبقيت وحدي في الغرفة، فقد أردت أن أرى فوق ما رأيت، وأن أعرف أكثر مما عرفت. وبعد خمس دقائق أقبل الشاب الذي قالت الآنسة سبنسر إنه تلميذ الكونتيسة، ووقف ينظر إليّ وشفتاه متباعدتان، فلم يخالجني شك في أنه شاب غرير جدًّا. وأخيرًا قال: «إنها تريد أن تعلم هل تحب أن تخرج إليها؟» – «من هو الذي يريد أن يعلم؟» – «الكونتيسة … تلك السيدة الفرنسية.» – «هل طلبت منك أن تجيئها بي؟» فقال بضعف وهو يتأمل قامتي الطويلة: «نعم يا سيدي.» فخرجت معه فألفينا الكونتيسة جالسة في ظل شجرة من الأشجار الصغيرة المغروسة أمام البيت. وكانت تعمل بالإبرة في رقعة النسيج التي كانت على المنضدة، وتلطفت فأومأت إليّ أن أقعد على الكرسي إلى جانبها، ففعلت. وتلفت المستر مكستر ثم قعد على الحشيش عند قدميها. ورفع عينه، وراح ينقلها من وجه الكونتيسة إلى وجهي. وقالت الكونتيسة وهي ترشقني بعينيها الصغيرتين البراقتين: «إني واثقة أنك تتكلم الفرنسية.» فقلت بالفرنسية: «نعم يا سيدتي إلى حد ما.» فصاحت: «أرأيت! لقد فطنت إلى ذلك من أول نظرة؛ لا شك أنك أقمت في بلادي.» – «زمنًا طويلا.» – «وتعرف باريس؟» «أتم معرفة يا سيدتي.» وتعمدت أن أنظر إليها، في عينيها. فما لبثت أن حولت عينيها وصوبتهما إلى تلميذها المستر مكستر، وسألته: «في أي شيء كنا نتكلم؟» فرفع ركبتيه، وقلع بعض الحشيش، واضطرم وجهه وهو يقول: «إنكما تتكلمان بالفرنسية.» فقالت الكونتيسة: «لي عشرة أشهر وأنا أدرس له. لا تخف أن تقول إنه أبله، فلن يفهم.» فقلت: «أرجو أن يكون تلاميذك الآخرون أبعث على رضاك.» – «ليس لي تلميذ غيره، فإنهم لا يعرفون ما اللغة الفرنسية، ولا يحفلونها هنا ولا يريدون أن يعرفوها، ففي مقدورك أن تتصور سروري بلقاء من يتكلمها مثلك.» فأجبت بأن سروري ليس دون سرورها، وأقبلت على النسيج تعمل فيه إبرتها وخنصرها مثني، وكانت كل بضع دقائق تدني عينها مما تصنع على نحو ما يفعل قصيرو النظر. فوقع في نفسي منها أنها شخص بغيض، فقد كانت خشنة غير مصقولة، ومتكلفة خائنة، وليست كونتيسة ولا شيئًا من هذا القبيل، كما أني أنا لست خليفة. وقالت: «حدثني عن باريس. فإن ذكر اسمها بمجرده يحرك نفسي. كم لك مذ تركتها؟» – «شهران.» – «ما أسعدك! حدثني عنها. قل لي ماذا يصنعون هناك؟ إيه ما أشوقني إلى ساعة واحدة في البوليفار؟» – «إنهم يصنعون ما لا يزالون يصنعون، يتسلون على قدر ما يسعهم!» فتنهدت وقالت: «في المسارح؟ وفي المراقص؟ وحول المناضد الصغيرة أمام الأبواب؟ يا لها من حياة! إنك تعرف أني باريسية من رأسي إلى قدمي.» فتشجعت وقلت: «إذن كانت الآنسة سبنسر مخطئة حين قالت لي: إنك من بروفنس.» فحدقت أمامها لحظة ثم دست أنفها فيما تنسج، وقالت: «أنا من بروفنس مولدًا، ولكني باريسية هوى.» فقلت: «وتجربة أيضًا فيما أظن؟» فتفرست هنيهة في وجهي بعينيها الحادتين وقالت: «التجربة! في وسعي أن أتحدث عن التجربة إذا شئت، فما كنت أتوقع مثلًا أن تدخر لي التجربة هذا»، وأشارت بكوعها العاري وبهزة من رأسها إشارة تشمل كل ما يحيط بها البيت الصغير، والشجرة، والسياج، والمستر مكستر أيضًا. فقلت بابتسامة: «إنك في منفى.» – «يمكنك أن تتصور أي منفى هو! السنتان اللتان قضيتهما هنا عشتهما ساعة فساعة، والمرء يعتاد الأشياء والحالات، ويخيل إِليّ أحيانًا أني ألفت هذا. ولكن هناك أشياء ولا تزال تبدأ من جديد، قهوتي مثلًا.» فسألتها: «أتشربين القهوة دائمًا في هذه الساعة؟» فرمت رأسها إلى الوراء وراحت تفحصني وتزنني. وقالت: «في أية ساعة تفضل أن أشرب قهوتي؟ إنه لا بد لي من فنجان قهوة بعد الإفطار.» – «آه! الإفطار في هذه الساعة؟» – «في منتصف النهار، هنا يفطرون بعد الساعة السابعة بربع ساعة … وقت ظريف!» فقلت بلهجة العطف: «ولكنك كنت تحدثينني عن قهوتك؟» فقالت: «إنها (تعني كارولين) لا تؤمن بها، ولا تستطيع أن تفهمها. هي فتاة رائعة، ولكن فنجان القهوة وعليها قطرة من الكونياك، في هذه الساعة، هذا يتجاوز نطاق فهمها وإدراكها، فأنا مضطرة أن أنبهها كل يوم، وأنت ترى ما يستغرقه من الوقت صنع هذه القهوة، ووصولها إليّ، وعندما تصل … آه يا سيدي، لا تلمني إذا لم أقدم لك شيئًا منها، فإِني أعرف أنك شربتها في البوليفار …» فحز في نفسي هذا التحقير لمروءة كارولين سبنسر وكرمها، ولكني اتقيت أن أقول شيئًا اجتنابًا لإساءة الأدب، ونظرت إلى المستر مكستر الذي طوق ركبتيه بساعديه، وقعد يرقب حركات الكونتيسة وهو مفتون، ولاحظت هي أني أتأمله، وألقت إليّ نظرة وابتسامة تفسيرية جريئة، وقالت: «إنك ترى أنه يعبدني.» ودست أنفها ثانية فيما تطرز، فأعربت لها عن تصديقي لذلك، واقتناعي به، ومضت في كلامها فقالت: «إنه يحلم بأن يكون عشيقي. نعم، هذا حلمه. وقد قرأ رواية فرنسية … من عمره ستة شهور … وما زال منذ ذلك الوقت، يتوهم أنه هو البطل وأنا البطلة.» وكان من الجلي أن المستر مكستر لم يخطر له أنه موضوع كلامها، فقد كان ذاهلًا عن ذلك بما هو فيه من نشوة التأمل. وفي هذه اللحظة برزت كارولين سبنسر من البيت تحمل إبريق القهوة على صحن صغير، ولاحظت أنها وهي تقطع المسافة من الباب إلى المنضدة، ألقت إليّ نظرة خاطفة، نظرة توسل غامض. ولم أدر ماذا تعني بها، وحسبت أن المراد أنها اشتاقت، وهي واجفة الفؤاد، أن تعرف رأي خبير بالحياة عاش في فرنسا مثلي، في الكونتيسة، ولم أسترح إلى هذا الظن، فما كان يسعني أن أقول لها إن الكونتيسة ليست على الأرجح سوى زوجة حلاق فرّت منه. وقد حاولت على العكس أن أبدي لها الاحترام والتوقير. ولكني نهضت. ولم أعد أطيق أن أبقى. وساءني أن أرى كارولين سبنسر واقفة كأنها خادمة! وقلت للكونتيسة: «هل تتوقعين أن تبقي زمنًا آخر في جريمونتر؟» فهزت كتفيها هزة عنيفة وقالت: «من يدري؟ ربما أقمت هنا سنين، وسنين. متى كان المرء بائسًا …» والتفتت إلى الآنسة سبنسر وقالت: «يا عزيزتي لقد نسيت الكونياك.» واستبقيت كارولين سبنسر حين همت، بعد أن ألقت نظرة صامتة على المنضدة الصغيرة، بأن تذهب لتجيء بالشراب الناقص. ومددت إليها يدي في سكون، مودعًا. وكان التعب باديًا عليها، ولكنه كان على وجهها الصغير الوديع لمحة غريبة من ذخيرة الجلد والصبر. وكبر في وهمي أن انصرافي يسرها. وكان المستر مكستر قد نهض وأقبل على إبريق القهوة يصب منه في الفنجان. وخطر لي وأنا أمر في عودتي بالكنيسة أن الآنسة سبنسر المسكينة كانت موفقة حين قالت لي في الهافر إنها سترى «شيئًا» من أوروبا العتيقة! هوامش (١) الرزان: العاقلة اللازمة لمقعدها. (٢) ما أشرف خارجًا عن البناء. (٣) اللبيس: ما طال لبسه فأخلق. (٤) الحطاط: بثر صغير يظهر في الوجه ويقبح اللون ولا يقرح. (٥) الشظف: في الشجرة أن لا تجد ريها فتخشن وتذهب ندوتها، والقفول: أن تجف الجفوف كله. مختارات من القَصَص الإنجليزي
سيد الباب كان «دنيس ده بولييه» دون الثانية والعشرين، ومع ذلك كان يعد نفسه رجلًا مجتمعًا تامًّا، وفارسًا مدربًا أيضًا. وكان الغلمان يخوضون القتال في حداثتهم في ذلك العهد الحافل بالحروب. ومتى اشترك الواحد في وقعة، وبضع غارات، وأردى خصمًا وهو ينازله، وعرف شيئًا عن الناس والحروب، فإِن مما يغتفر له أن يكون في مشيته بعض الاختيال والتبختر. وكان دنيس قد ربط جواده وعلفه، ثم تعشى على مهل، ثم خرج، وهو أتم ما يكون رضى عن الدنيا ليؤدي زيارة في الغسق. ولم يكن هذا من الحكمة فقد كان خيرًا له أن يدّفئ على النار، أو أن يأوي إلى فراشه، فقد كانت البلدة غاصة بجنود برجندي، وإنجلترا تحت قيادة مختلطة. ومع أن دنيس كان يحمل ترخيصًا وتأمينًا، فإن هذا كان خليقًا أن يكون ضئيل الجدوى إذا اعترضه معترض. كان ذلك في شهر سبتمبر من سنة ١٤٣٩، وكان البرد قارسًا، والرياح الزفزافة١ المتقلبة، المثقلة بالماء تضرب البلدة وتعصف بالأوراق الذاوية في الطرق وكان المرء يرى هنا، وههنا، نافذة ينبعث منها الضوء، وكانت أصوات المقاتلة وهم يتناولون عشاءهم ويشربون، ويسمرون عليه، تسمع متقطعة، وتحملها الرياح ولا تلبث أن تبتلعها. وأظلم الليل بسرعة، وصار علم إنجلترا الخافق يزداد غموضًا وخفاءً مع تكاثف السحب السابحة، حتى صار نقطة سوداء، كأنه العصفور في عماية السماء المطبقة الدَّجن، ومع الليل ثارت الرياح وصارت تصفر تحت العقود، وتزأر بين رءوس الأشجار في الوادي تحت البلدة. وأغذ دنيس ده بولييه السير، وما لبث أن بلغ بيت صاحبه وقرع بابه وكانت نيته ألا يطيل المكث وأن يبكر في الأوبة، ولكنه وجد من الحفاوة والأنس والإكرام ما أذهله عن الوقت فتقضى من الليل أكثر من نصفه قبل أن يودع صاحبه على عتبة بيته، وكانت الريح قد سكنت في خلال ذلك، ولكن الليل كان أحلك من القبر، فلا نجم يومض، ولا سنا قمر يبدو من خلال السحاب المتبسط. ولم يكن دنيس خبيرًا بمداخل الطرق ومخارجها في «شاتو لاندون.» حتى في النهار كان يجد عناء في سلوك هذه الطرق الألغاز٢ فضل في هذا الظلام الطاغي. على أنه كان على يقين من شيء واحد، هو أن سبيله أن يصعد في الجبل، فقد كان بيت صديقه في الجانب المتطامن من «شاتو لاندون» أما الخان فكان في رأس الجبل، وفي ظل الكنيسة الكبيرة. فمضى — ولا هادي له إلا علمه هذا — يتعثر ويتحسس طريقه، فتخلص أنفاسه تارة في المواضع الرحيبة التي تتسع فوقها رقعة السماء، وتارة أخرى يمشي وراحته على الحائط في المضايق الخانقة. وإنه لمن بواعث الرعب والخشية أن يغرق المرء على هذا النحو في لجة صماء من السواد في مدينة مجهولة، فإن السكون يكون منطويًا على احتمالات مرعبة، وتلمس اليد المتحسسة قضبان الشباك الباردة فكأنما لمست ثعبانًا من ثعابين الماء. وتتعثر الرجل من قلة استواء الطريق فيثب القلب إلى الفم، ويكثف الظلام في موضع فيكون هذا نذيرًا بكمين، أو مدعاة للخوف من الوقوع في فجوة أو حفيرة، وإذا كان الهواء أصفى والسواد أخف، اتخذت المساكن مظاهر غريبة محيرة كأنما تتعمد أن تزيد المرء ضلالا. وكان على دنيس أن يعود إلى الخان من غير أن يلفت إليه الأنظار، وكان معرضًا لخطر جدي فضلًا عما يعانيه من مشقات هذا السُّرى. فكان يمشي محاذرًا مرهف الأذن ولكن في غير وجل، وكان يتمهل عند كل زاوية ومنعطف ليتسمع وينفض الطريق. وقضى وقتًا ما، يخترق زقاقًا بلغ من ضيقه أن وسعه أن يلمس الجدارين على الجانبين بيديه، وإذا بالزقاق يتفتح ويرحب وينحدر انحدارًا شديدًا صعبًا. فلم يبق عنده شك في أن هذا ليس طريقه إلى الخان، غير أن الرغبة في شيء من النور والوضوح أغرته بالتقدم ليتبين. وكان الزقاق ينتهي بشرفة مسوّرة، كأنها وهي تطل من بين المنازل العالية على الوادي الغامض المظلم تحتها، المرقب في الحصن. وصوب دنيس لحظه إلى الوادي فتبين رءوس بضع أشجار تخفق، ونقطة مضيئة واحدة في حيث يجري ماء النهر عند السد. وكان الجو قد بدأ يصفو، والسماء تُفصح، فبدا رحى السحاب ومستداره في حيثما كان أغلظ، وبانت خطوط الجبال. ورأى دنيس، على هذا الضوء الخافت، منزلًا على يساره ينبغي أن يكون على حظ غير قليل من الفخامة، وكان على مستداره من أعاليه أبراج ومراقب وقد برزت من بنائه مؤخرة مستديرة لمعبد قائم على عمد ذات عقود. أما الباب فتحت طنف مشرفٍ خارجًا عنه وعليه نقوش بارزة ومن فوقه ميزابان طويلان. وكانت نوافذ المعبد يلتمع من خلال زخارفها المعقدة ضوء كأنه منبعث من شموع كثيرة فصارت العمد والسقف الناتئ أشد سوادًا تحت السماء. وكان من الجلي أن هذا بيت أسرة كبيرة من أهل هذه الناحية، فتذكر دنيس بيتًا له في بورج ووقف لحظة ينظر إليه ويقيس براعة المهندسين ومنزلتي الأسرتين. ولم يبد له أن للشرفة منفذًا غير الزقاق الذي وصل منه إليها، ولم يكن يسعه إلا أن يعود أدراجه من حيث جاء، ولكنه ألم بالمكان فصار في مرجوه أن يهتدي إلى الطريق الأعظم ليبلغ منه خانه. وكان لا يدور في خلده أن سيقع له من الحوادث في ليلته هذه ما يجعلها أبدًا بالذكر بين عينه وقلبه طول حياته؛ ذلك أنه ما كاد يرجع نحو مائة ذراع حتى أبصر ضوءًا مقبلًا عليه وسمع أصواتًا عالية في هذا الزقاق الذي تتجاوب فيه الأصداء. وكان القادمون نفرًا من الحراس يعسُّون ومعهم المشاعل، ولم يخالج دنيس شك في أنهم قد ارتووا من النبيذ، وأنهم ليسوا بحيث يعبئون شيئًا بالرخصة التي يحملها أو يحفلون بأحكام الفروسية وأصول النزال. ومن المحتمل أن يقتلوه كما يُقتل الكلب. وأن يتركوه حيث يقع. وكان الموقف يثير النخوة، ويغري بالإقدام ولكنه يبعث على الاضطراب. وقد خطر له أن مشاعلهم خليقة أن تخفيه عن عيونهم، وأن وقع قدميه حقيق أن يغرق في لجة أصواتهم الفارغة. وإذا ساعفه الحظ فمضى مسرعًا وفي سكون فقد يستطيع أن يفلت من غير أن يتنبهوا. ولكن من سوء الحظ أنه وهو يدور ليتراجع صادفت قدمه حصاةً فوقع على الحائط، وندت عنه صيحة ورن سيفه على الحجارة، فارتفع صوتان أو ثلاثة تطلب أن تعرف من هناك — بعضها بالفرنسية، والبعض بالإنجليزية — غير أن دنيس لم يجب، وذهب يعدو بأسرع ما يستطيع في الزقاق، حتى إذا بلغ الشرفة وقف ونظر وراءه، وكانوا لا يزالون يصيحون به، وضاعفوا سرعتهم في تعقبه ومطاردته، وكانت قعقعة السلاح، وهم يجرون، عالية، وجلبته عظيمة، والمشاعل تدفع إلى هنا، وههنا، في الزقاق الضيق. فأجال دنيس لحظه فيما حوله، واندفع إلى ما تحت الطنف، وهناك قد يخطئونه فلا يرونه، أو إذا كان هذا أملًا بعيدًا، فهو في مكان ليس أصلح منه للحوار والدفاع، واطمأن إلى هذا فجرد سيفه وأسند ظهره على الباب. فما راعه إلا أن الباب انفتح وراءه، ومع أنه وقف في مدخله هنيهة إلا أن الباب ظل يضطرب على عقبه المزيت بلا صوت، ثم سكن، وبقي مفتوحًا على المغيّب وراءه في ظلمة الليل. والإنسان حين يسعفه الحظ بمنجى مما يتقيه لا يفكر في الأمر كيف كان، ولماذا كان، بل يعد راحته الشخصية، وإلحاح مطالبه التي لا تحتمل الإرجاء سببًا كافيًا لأغرب الغرائب وأعجب ما تحور إليه الأحوال ليستر ملجأه. ولم يكن أبعد من ذهنه، من أن يوصد الباب، ولكن الذي حدث هو أن الباب، لسبب خفي، عسى أن يكون زنبركًا أو لِزازًا٣ أفلتت كتلته البلوطية من أصابعه وانغلق، وأحدث ضجة عظيمة وضوضاء كالتي يحدثها مزلاج يغلق ويفتح من تلقاء نفسه. وكان العسس قد بلغوا الشرفة في هذه اللحظة، وراحوا يدعونه إليهم بالصيحات واللعنات. وكان هو يسمعهم يبحثون عنه في الأركان المظلمة، بل لقد اصطدمت صعدة رمح بالباب الذي يحتجب خلفه، غير أنهم كانوا سكارى فلم يطل تلكؤهم، وما عتموا أن انحدروا في طريق ملتو كالبزال لم يفطن إليه دنيس، ثم غابوا عن العين والسمع في المدينة. فتنفس دنيس الصعداء، وترك دقائق تمضي تفاديًا للحوادث، ثم ذهب يتحسس باحثًا عن وسيلة لفتح الباب والخروج من حيث دخل. وكان سطحه أملس، فلا مقبض، ولا زخرفة، ولا نتوء من أي نوع، وقد أدخل أظافره فيما يلي إطار الباب وشدّ، ولكن الكتلة كانت رازحة لا تتقلقل. وهز الباب فألفاه أثبت وأمتن من الصخرة الصماء، فقطب وصفر صفيرًا خافتًا. وتعجب للباب ما خطبه يا ترى؟ لماذا كان مفتوحًا؟ ثم كيف اتفق أن يوصد بمثل هذه السهولة والإحكام بعد دخوله؟ ولم يرتح دنيس إلى ما بدا له في هذا من الغموض والخفاء والخدعة، وخيل إليه أن هذا شرك، ولكن من الذي يخطر له أن ينصب شركًا في زقاق هادئ كهذا، وبيت ظاهره له مثل هذه الوجاهة والأبهة، وعلى أنه سواء أكان هذا أم لم يكن شركًا، وكان ما حدث قد حدث عفوًا أو عمدًا، فالواقع من الأمر أنه في فخ، وأنه لا يدري كيف يتسنى له النجاة منه. وثقلت وطأة الظلام عليه، فأرهف أذنه. وكان السكون تامًّا في الخارج، أما في الداخل وعلى مقربة منه، فخيل إليه أنه سمع تنهدًا خافتًا وشهيق باكٍ، وحفيفَ ثوب، وحسيسًا خفيفًا كأنما دنا منه أشخاص، يحرصون على السكوت ويحبسون حتى أنفاسهم بحذق وإحكام. وأزعجه هذا الظن، فدار فجأة كأنما يريد أن يدافع عن حياته، فأبصر — لأول مرة — ضوءًا بحيال عينيه، وعلى مسافة في داخل البيت خيطًا أفقيًّا من النور يعرض في نهايته كأنه خارج من فرجة بين سترين مقرنين على باب. ووجد دنيس روحًا وراحة في أن يرى شيئًا ما، فقد كان كالذي يمشي في أرض سبخة نزّازة فخرج منها إلى أرض صلبة، وتعلقت نفسه بهذا الضوء، بلهفة، ووقف شاخصًا يحاول أن يضم أشتات ما يحيط به ويؤلف منه صورة يأنس بها العقل. وكان من الواضح أن هناك سلمًا يبدأ من الرقعة التي هو فيها ويرتقي إلى الباب الذي ينبعث منه الضوء، بل لقد كبر في وهمه أنه يرى شعاعًا آخر من النور، دقيقًا كالإبرة وخافتًا كأنه من جسم مضيء بطبيعته، فمن الممكن أن ينعكس على الخشب المصقول للدرابزين. ولما كان يتوهم أنه ليس وحده فقد جعل قلبه يدق بعنف خانق، ومن أجل ذلك لجت به الرغبة في عمل شيء ما. واعتقد أنه مستهدف لخطر عظيم. وأن حياته مهددة، فمن الطبيعي أن تحدثه نفسه بالصعود على السلم، ورفع الستار أو تنحيته، ومواجهة ما عسى أن يكون وراءه، فيخرج بهذا مما هو فيه من الحيرة والقلق، وأقل ما في هذا من الجدوى أن يصبح أمام شيء محسوس وأن يخلص من الظلام والجهل. ومشى يخطو ببطء، ويداه ممدودتان أمامه حتى ضربت قدمه أولى درجات السلم، فارتقى فيه بسرعة، ثم وقف هنيهة يضبط أعصابه، ثم نحّى الستر ودخل. وألفى نفسه في حجرة كبيرة مصقولة الجدران، ولها ثلاثة أبواب، لكل حائط باب، وعلى الأبواب أستارها، أما الحائط الرابع ففيه نافذتان كبيرتان وموقد من الحجر نقش عليها شعار «آل مالتروا.» وعرف دنيس الشعار وسره أنه في بيت قوم من ذوي المحتد والأرومة الكريمة، وكان الضوء في الحجرة قويًّا، ولم يكن فيها من الأثاث والمتاع سوى مائدة ثقيلة وكرسي أو كرسيين. ولم يكن في الموقد نار، وكان على البلاط قليل من القش، من الواضح أنه ألقي منذ بضعة أيام. ورأى دنيس أمامه، وهو يدخل، رجلًا هرمًا ضيئل الجسم متلفعًا بالفرو على كرسي عال بجانب الموقد، وكانت إحدى ساقيه على الأخرى وإحدى يديه على الأخرى في حجره، وعلى صفة للجدار، قريبًا من كوعه، كأس من النبيذ، أما وجهه فكانت معارفه كأنها مصبوبة في قالب حاد يطالعك منه، لا ما تراه في محيا آدمي، بل ما يطالعك من وجه ثور أو جدي، أو خنزير أليف، وتقرأ فيه معاني الخِب، والغدر، والنهم، والقسوة، والفتك. وكانت الشفة العليا غليظة جدًّا، كأن بها ورمًا من ضربة أو وجع في الأسنان، وكانت ابتسامته وحاجباه المحددان، وعيناه الضيقتان القويتان، ناطقة بالشر. وكان شعره الأبيض الجميل يسيل فينسدل حول رأسه، كشعر القديس ويلتوي عند التقائه بالفرو، وكانت لحيته وشارباه تكسبه جلالًا وتفيض على محياه عذوبة ملطفة، ولم تترك الشيخوخة على راحتيه أثرًا، وعسى أن يكون ذلك من الدقة في تحري القصد، والتزام الاعتدال في المعيشة. وكانت «يد» آل مالتروا مشهورة، ومن العسير أن يتصور المرء كفًّا كثيرة اللحم ودقيقة الخلق في آن معًا، كهذه. وقد كانت الأصابع الطرية تنتهي بأنامل كرأس الشمعة فكأنها أصابع امرأة مما صور ليوناردو، وكان الإبهام حين ينطوي تبرز عظمته جدًّا، والأظافر بارعة الشكل وشديدة البياض، وقد زاد في جلال منظره وعمق وقعه في النفس أن تكون له هاتان الكفان وأن يريح إحداهما على الأخرى في حجره، كأنه ضحية بكر، وأن يكون لمحياه هذا التعبير الحاد المزعج، ويجلس صامتًا يتأمل الناس بعين لا تطرف كأنه رب من الأرباب أو تمثاله. وكان سكوته هذا يبدو كأنه من السخر والغدر، فما يلائم ما ينطق به وجهه. وكان هذا هو «ألين» كبير آل مالتروا. ومضت ثانية أو اثنتان، وكل من الرجلين يرشق الآخر بلحظه. ثم قال السيد مالتروا: «تفضل بالدخول. لقد كنت أنتظر مقدمك طول هذا المساء.» ولم ينهض وهو يدعوه، ولكنه شفع دعوته بابتسامة، وحنى رأسه قليلًا على سبيل التلطف. فشعر دنيس بقشعريرة قوية من المقت والتقزز تسري في عظامه، وكان هذا وقع الابتسامة وفعل تمتمة غريبة مهد بها الرجل لكلامه. وقد كاد دنيس، لما عراه من اضطراب الذهن، وما جاشت به نفسه من بغض الرجل، لا يجد كلامًا يقوله في جواب ما سمع. ثم وجد لسانه فقال: «أظن أن خطأ مزدوجًا قد وقع، فإني لست من تتوهمني. ويظهر أنك كنت ترتقب زائرًا، ولكني أؤكد لك أن هذا التطفل مني لم يكن يجري لي في خاطر، ولا كانت تدفعني إليه رغبة.» فقال الرجل بلهجة المتسامح: «حسن. حسن. هذا أنت هنا، وهذا هو المهم. اقعد يا صاحبي، واسترح. وسنرتب ما بيننا من الأمور التافهة حالًا.» ورأى دنيس أن الغلط لا يزال يعقد الأمر فأراد أن يمضي في بيانه وقال: «إن بابك …» فرفع الرجل حاجبيه المحددين وقال: «بابي؟ إنه آية صغيرة من آيات الذكاء والبراعة.» وهز كتفيه «هوى لي في الكرم! وقد قلت إنك لم تكن راغبًا في لقائي ومعرفتي. ونحن الشيوخ نعرف هذا الزهد فينا والعزوف عنا أحيانًا، وإذا مس ذلك شرفنا التمسنا وجوه الحيلة للتغلب عليه. لقد جئت غير مدعو، ولكن صدقني حين أقول إني أرحب بك.» فقال دنيس: «إِنك تلج في الخطأ يا سيدي، فما ثم أي شأن بيني وبينك وإني لغريب في هذه البلدة. واسمي دنيس ده بولييه. وإذا كنت تراني الآن في بيتك فذاك …» فقاطعه الرجل: «يا صاحبي أرجو أن تسمح لي برأيي في هذا الموضوع وأحسبه يخالف رأيك في اللحظة الحاضرة» ثم أضاف بضحكة: «وستظهر الأيام أينا كان المصيب وأينا المخطئ.» فأيقن دنيس أن هذا الرجل مخبول ملتاث العقل، وهز كتفيه وقعد، وقد راض نفسه على الصبر حتى يرى ختام الأمر. وتلت ذلك فترة صمت خيل إليه في أثنائها أنه سمع همهمة كهمهمة الصلاة وراء الستر المقابل له. وكانت حرارة الصوت على الرغم من خفوضه تشي بالعجلة الشديدة أو الألم الوجيع. وخطر له أن هذا الستر يحجب مدخل المعبد الذي رآه من الزقاق. وكان الرجل في أثناء ذلك يلحظ دنيس ويقيسه من رأسه إلى قدمه، وهو يبتسم، وكان من حين إلى حين يخرج أصواتًا كأصوات الطير أو الجرذان تدل على الرضى والارتياح. وصارت الحالة بسرعة مما لا يطاق، وأراد دنيس أن يضع حدًّا لها فقال بتلطف: إن الرياح قد سكنت. فعرت الرجل نوبة من الضحك الصامت، طالت واشتدت حتى لقد اتّقد منها وجهه. فوثب دنيس إلى قدميه ووضع قبعته على رأسه ملوحًا بها وقال: «سيدي، إذا كان عقلك في رأسك فإنك تكون قد امتهنتني جدًّا، وإذا كان عقلك عازبًا عنك فإني أحسب أن في وسعي أن أجد شيئًا آخر أشغل به نفسي غير الكلام مع المجانين. إن ضميري مرتاح. وقد هزئت بي من أول لحظة، ورفضت أن تصغي إلى بياني وإيضاحي، فالآن لا توجد قوة غير قوة الله تضطرني أن أبقى هنا، وإذا لم أستطع أن أخرج على نحو آخر يكون أكرم وأمثل، فسأقطع بابك وأحطمه بسيفي.» فرفع الرجل يمناه لدنيس وحركها وكانت السبابة والخنصر والبنصر ممدودة دون البقية. وقال: «اجلس يا ابن أخي العزيز.» فصاح دنيس: «ابن أخيك؟ إنك كاذب.» وفرقع أصابعه في وجهه. فصاح به الرجل بصوت حاد كنباح الكلب: «اجلس أيها الوغد! أتظن أني لما نصبت هذا الباب، اجتزأت به واقتصرت عليه؟ إذا كنت تفضل أن تقيد يداك ورجلاك حتى تشتكي عظامُك التوصيم فانهض وحاول أن تخرج! أما إذا كنت تؤثر أن تظل حرًّا وأن تحادث شيخًا كبيرًا فاقعد حيث أنت في سلام، وليكن الله معك!» فسأله دنيس: «أتعني أني هنا سجين؟» فقال الرجل: «إنما أسرد الحقائق. وأرى أن أترك لك أن تستخلص مدلولها.» فقعد دنيس مرة أخرى، وحاول أن يكون في الظاهر هادئًا ساكن الطائر أما باطنه فقد كان جائشًا، فتارة تفور نقمته وحنقه، وتارة أخرى تشيع في بدنه رعدة من الحذر. وتزعزع يقينه بأنه يخاطب مجنونًا. ولكن إذا كان الرجل سليم العقل، فماذا يتوقع؟ وما هذه الحادثة الفاجعة أو السخيفة التي وقعت له؟ وبماذا ينبغي له أن يواجه الموقف؟ وبينما كان يفكر في هذا غير مسرور به أو مرتاح إليه، رفع السجف المرخى على باب المعبد ودخل قسيس طويل القامة عليه مسوح الكهنة، ورمى دنيس بنظرة طويلة حادة ثم قال شيئًا بصوت خفيض للشيخ. فسأله هذا: «أَوَصارت أسلس وألين؟» فقال القسيس: «إنها أكثر استسلامًا.» فقال الشيخ متهكمًا: «كان الله في عونها فإن مرضاتها عسيرة. شاب وجيه وسيم، وليس بوضيع الأصل، فماذا تبغي الفاجرة أكثر من هذا؟» فقال القسيس: «إن الموقف غير مألوف، ومخجل لفتاة خفرة.» فقال الشيخ: «كان عليها أن تتدبر هذا وتنظر في العواقب قبل أن تقدم على هذه الرقصة! وما كنت أنا الذي اختار لها هذا علم الله. ولكن لما كانت قد دخلت في هذا، فوَحَقّ العذراء لتمضين في الأمر إلى ختامه.» ثم التفت إلى دنيس وقال يخاطبه: «هل لي أن أقدمك إلى ابنة أخي يا سيد ده بولييه؟ لقد كانت تنتظر قدومك بصبر أنفد من صبري.» وكان دنيس قد أسلم أمره لقضاء الحظ فيه، فكل ما كان يبتغي هو أن يعرف آخر الأمر بأسرع ما يستطاع. ولهذا نهض من توته وانحنى موافقًا. واحتذى كبير آل مالتروا مثاله وسار يعرج متكئًا على ذراع القسيس، إلى باب المعبد، فنحى القسيس السجف، ودخل الثلاثة. وكان المكان على حظ وافر من جمال الهندسة وبراعتها. وكان عقد القبة محمولا على ستة عمد متينة، وقد تدلى مصباحان في حفل من الزينة. وكان المعبد في نهايته — وراء الهيكل — مستديرًا مفرط الزخرف، وله نوافذ صغيرة على صور النجوم وأوراق الشجر والعجلات، ولم يكن زجاج النوافذ سليمًا كله، فكان هواء الليل يتخلل المكان، وكانت الشموع المضاءة على الهيكل لا تقل عن خمسين، وكان الهواء ينفخها بلا رحمة، فينتقل النور من السَّفَر والالتماع إلى ما يشبه الكسوف. وكانت هناك فتاة في ثياب عرس تركع على درجة أمام الهيكل. فأحس دنيس بالبرد في بدنه لما رأى ثيابها، وجاهد مجاهدة اليائس أن ينفي الخاطر الذي يأبى إلا أن يدور في نفسه. فما يمكن أن يكون الأمر كما يخشى، ولا ينبغي أن يحدث هذا. وقال الشيخ بأعذب أصواته: «بلانش! لقد جئت بصديق ليراك يا فتاتي الصغيرة. فأولنا وجهك ومدي إليه يدك الجميلة. حسن أن يكون المرء ورعًا تقيًّا ولكن من الواجب أن يكون مهذبًا مؤدبا يا ابنة الأخ.» فنهضت الفتاة إلى قدميها ودارت فواجهت القادمين. وكان جسمها يتحرك كله معًا. وكان الخجل والإعياء باديين على كل خط من خطوط جسمها البض الصابح، وكانت مطرقة، وعينها على الأرض وهي تخطو على مهل، وأبصرت — وهي تتقدم — رجليّ دنيس، وكان فخورًا بقدميه بحق، وشديد العناية برشاقة حذائيه حتى حين يكون على سفر، فوقفت — انتفضت كأنما كان حذاءاه الأصفران قد أوحيا إليها بمعنى مفزع — ورفعت عينها بغتة إلى وجه دنيس. فالتقت عيونهما، فحل الجزع والفزع في عينيها محل الخجل، واصفرت شفتاها، وندت عن صدرها صرخة عالية وغطت وجهها بيديها وهوت إلى الأرض. وصاحت: «هذا رجل آخر، يا عمي، هذا رجل آخر.» فقال الشيخ بلهجة الراضي: «بالطبع لا … لقد كنت أتوقع هذا … من سوء الحظ أنك لم تستطيعي أن تتذكري اسمه.» فعادت تصيح: «صدقني. صدقني. ما رأيت قط وجه هذا الرجل إلا الساعة — لم تقع عيني عليه من قبل — ولست أريد أن أراه مرة أخرى.» والتفتت إلى دنيس وقالت: «سيدي. إذا كنت رجلًا شريفًا فليس يسعك إلا أن تشهد لي، فهل رأيتك قط؟ هل رأيتني قط؟ قبل هذه الساعة المشئومة!» فقال دنيس: «أما عن نفسي فأقول إنه لم يكتب لي هذا الشرف من قبل. وهذه أول مرة يا سيدي التقيت فيها بابنة أخيك الجميلة.» فهز الشيخ كتفيه وقال: «يحزنني أن أسمع هذا. ولكن الابتداء لا يضيع وقته ولا تذهب فرصته مهما تأخر. وما كانت معرفتي بزوجتي التي توفيت أوثق من معرفتكما — قبل زواجنا — وهذا يثبت أن الزواج المرتجل كثيرًا ما يسفر عن تفاهم بديع على العموم. ولما كان الزوج يجب أن يكون له رأي في الموضوع، فسأدعه ساعتين ليعوض ما فات من الوقت قبل أن نمضي بالمراسم إلى غايتها.» واتجه إلى الباب والقسيس وراءه. فنهضت الفتاة على قدميها بسرعة وصاحت: «عمي! لا يمكن أن تكون جادًّا. إني أقسم أمام الله أني أوثر أن أقتل نفسي على أن أرمى على هذا الرجل؛ إن النفس تثور على هذا. الله يحرم مثل هذا الزواج، وأنت تلوث شعرك الأبيض، وتجر عليه العار. عمي! ارحمني. ما من امرأة في العالم إلا وهي تفضل الموت على مثل هذا الزواج. هل من الممكن (باضطراب وتردد) هل من الممكن أن لا تصدقني … هل يمكن أن تظل تعتقد (وأشارت إلى دنيس وهي ترعد من الغضب والاحتقار) أن تظل تعتقد أن «هذا» هو الرجل؟» فقال الشيخ وهو واقف على العتبة: «أقول لك الحق. نعم، ولكن دعيني أبين لك، يا بلانش ده مالتروا، أسلوب تفكيري في هذا الموضوع. لما نزا بك الطيش، فلوثت كرامة أسرتي والاسم الذي أحمله في السلم والحرب منذ ستين سنة، أسقطت بذلك حقك في مجادلتك فيما أصنع، بل في أن تنظري إلى وجهي. ولو كان أبوك حيًّا لبصق عليك وطردك. فقد كانت يده من حديد ومن واجبك أن تشكري الله لأن يدي من المخمل يا آنسة! لقد كان واجبي أن أزوجك بلا تلكؤ، ودفعني طيب القلب وحسن النية فبحثت لك عن حبيبك وأعتقد أني وفقت. وأقسم بالله وملائكته أني لا أعبأ شيئًا إذا كنت لم أوفق يا بلانش ده مالتروا. لهذا أنصح لك بأن تكوني مؤدبة مع صاحبنا الشاب. إذ من يدري!؟ قد يكون الذي يليه أقل لياقة!» وخرج، والقسيس في أثره. وانسدل الستر عليهما. وواجهت الفتاة دنيس بعينين تقدحان شررًا وسألته: «ماذا يمكن أن يكون معنى هذا يا سيدي؟» فقال دنيس باكتئاب: «الله وحده هو العليم، إني سجين في هذا البيت الغاص بالمجانين على ما يظهر. ولست أعرف أكثر من هذا ولا أنا فاهم شيئًا.» فسألته: «وكيف جئت إلى هنا، من فضلك؟» فأخبرها بأوجز ما يستطيع ثم قال: «وقد يكون الأصوب أن تحتذي مثالي وتحلي لي هذه الألغاز، وتقولي لي ما آخر هذا؟» فوقفت برهة وهي صامتة، وكان دنيس يرى شفتيها ترتجفان، وعينها التي جمدت فيها الدموع، تتقد وتومض بنار الحمى، ثم أراحت جبينها على كفيها وقالت بفتور وتعب: – «وا أسفاه! لشد ما يَوْجعني رأسي! بله قلبي! ولكن من حقك أن تعرف قصتي وإن كانت تبدو غير لائقة. اسمي بلانش ده مالترو. وأنا يتيمة — لا أُم ولا أب — منذ — أوه … مذ صرت أعرف شيئًا. وكنت، وما زلت، شقية طول عمري. ومنذ ثلاثة شهور، بدأ ضابط شاب يقف إلى جانبي كل يوم في الكنيسة. وتبينت أنه يحبني. وإني لملومة، ولكنه سرني أن أجد إنسانًا يحبني. ودس في يدي رقعة، فحملتها معي إلى البيت وقرأتها وأنا فرحة. وقد كتب إليّ رقعًا كثيرة بعد ذلك. وكان يتلهف على محادثتي — مسكين — وجعل يلح عليّ أن أدع الباب مفتوحًا في بعض الليالي لنتبادل كلمتين على درج السلم، فقد كان يعرف مبلغ ثقة عمي بي.» وشهقت وهي تقول ذلك، ولم تستطع أن تستأنف الكلام إلا بعد لحظة. «وعمي رجل قاس. ولكنه ذكي حاذق. وقد أبلى بلاء حسنا في الحروب وكان ذا حظوة ومقام في بلاط الملك، وكانت الملكة إيزابو تثق به في الأيام السالفة. ولا أدري كيف استراب بي وشك في أمري، غير أن من الصعب أن يخفي الإنسان عنه شيئًا. وفي الصباح، ونحن عائدون من صلاتنا وضع يدي في يده، وأكرهني على فتحها، وقرأ الرقعة التي كتبها الضابط. وكان يقرأ وهو يمشي، ولما أتم القراءة ردها إليّ بلطف. وكان الرقعة رجاء جديدًا أن أدع الباب مفتوحًا. فكان في هذا خرابنا جميعًا. فقد أبقاني عمي في غرفتي وحرص على أن لا أبرحها حتى دخل الليل ثم أمرني أن ألبس هذه الثياب التي تراها عليَّ — فيا لها من سخرية بفتاة مثلي! أليس هذا رأيك؟ وأحسبه لما عجز عن حملي على الإفضاء باسم الضابط، نصب هذا الفخ له، فوقعت أنت فيه، ويا للأسف! وقد توقعت ارتباكًا كثيرًا إذ من أدراني أنه يقبل أن يتخذني زوجة بهذه الشروط؟ ولعله كان يلهو غير جاد من أول الأمر، وعسى أن أكون أرخصت نفسي في عينه. ولكني لم أكن أتوقع مثل هذه العقوبة الفاضحة! ولم يكن يخطر لي أن الله يأذن أن يعصب رأس فتاة بالعار على هذا النحو أمام شاب. والآن انتهت قصتي. ولست أجرؤ أن أرجو ألا تحتقرني.» فانحنى لها دنيس احترامًا وقال: «سيدتي. لقد شرفتني بثقتك بي ومصارحتك لي، وقد بقي عليّ أن أثبت لك أني لست غير أهل لهذا الشرف. فهل السيد ده مالتروا قريب من هنا؟» قالت «أظنه ينتظر في الحجرة الأخرى.» فسألها دنيس وهو يعرض عليها ذراعه بأقصى ما يسعه من التلطف: «هل تسمحين لي أن أمضي بك إليه؟» فقبلت، فخرجا من المعبد؛ بلانش مكتئبة خجلة، ودنيس يخطر وهو معتز بغايته وثقته الصبيانية بقدرته على تحقيقها وسلامة شرفه بذلك. ونهض السيد ده مالتروا لاستقبالهما، وانحنى لهما ساخرًا. وقال دنيس بأقصى ما يسعه من الشموخ: «سيدي. إني أعتقد أنه سمح لي بإبداء رأي في هذا الزواج، فلأقل بلا تلكؤ، إني لن أكون شريكًا في إرغام هذه السيدة. ولو أن الأمر عرض عليّ، بغير إكراه، لكان من دواعي الشرف لي أن أقبل يدها. فإنها لنبيلة بقدر ما هي جميلة، فأما والأمر كما هو فإن لي الشرف يا سيدي أن أرفض.» فنظرت إليه بلانش شاكرة، أما الشيخ فابتسم، وظل يبتسم حتى صارت ابتسامته تغثي نفس دنيس. وقال الشيخ: «أعتقد يا سيد ده بولييه أنك لا تدرك حق الإدراك ما أعرضه عليك من الخيار. فأرجو أن تتبعني إلى هذه النافذة.» ومضى أمامه إلى إحدى النوافذ الكبيرة المفتوحة على ظلام الليل وقال: «ترى أن في البناء من فوق حلقة من الحديد، فيها حبل متين. والآن أصغ إليّ: إذا وجدت أن زهدك في ابنة أخي لا يُغالب ولا يفتر، فسأشنقك بهذا قبل طلوع الشمس. ولن أفعل ذلك حين أضطر إليه إلا وأنا شديد الأسف، لو صدقت، فليس موتك طلبتي، وإنما مبتغاي كفالة المستقبل لابنة أخي. ولكنه لا حيلة لي سوى هذا إذا عاندت. إن أسرتك يا سيدي ده بولييه كريمة، ولكن لو أنك كنت من نسل شرلمان، لما كان لك أن ترفض يد سيدة من آل مالتروا وأنت آمن — حتى ولو كانت مبتذلة كطريق باريس — حتى ولو كانت دميمة كالميزاب الذي على بابي. وليس لابنة أخي، ولا لك، ولا لإحساسي الخاص، شأن أو دخل في هذا الموضوع، وإنما تعرض شرف بيتي لما يخدشه. وإني أعتقد أنك الذي اجترح هذا الإثم، وأنت على الأقل أصبحت عارفًا بالسر ومطلعًا عليه، فليس لك أن تتعجب إذا طلبتُ منك أن تمحو هذه الوصمة، وإذا لم تفعل فإِن دمك يكون على رأسك، وتكون أنت الجاني على نفسك. ولن يكون من بواعث اغتباطي أن أرى جثمانك يضطرب في الهواء، تحت نوافذي. ولكن نصف الرغيف خير من لا خبز، وإذا لم يسعني أن أمحو الوصمة فسأخنق على الأقل، الفضيحة.» وكان صمت. ثم قال دنيس: «أعتقد أن هناك طرقًا أخرى لفض النزاع بين الرجال ذوي الشرف والكرامة. وإن معك لسيفًا وقد سمعت أنك استعملته بحذق.» فأومأ سيد ده مالتروا إلى القسيس فقطع أرض الحجرة بخطى واسعة صامتة ونحى السجف عن ثالث الأبواب، وبعد هنيهة أرخاه كما كان، ولكن دنيس وسعه أن يرى أن الدهليز المظلم غاص بالرجال المدججين بالسلاح. وقال سيد ده مالتروا: «لما كنت أصغر قليلًا، كان يسرني أن أشرّفك يا سيد ده بولييه ولكني الآن أسن من أن أفعل ذلك. والأتباع الأوفياء هم عضلات الشيخوخة وزنودهم، ولا معدى لي عن استعمال ما لدي من قوة. وهذا من أشق ما يضطر المرء إلى احتماله كلما علت به السن، ولكن بقليل من الصبر يصبح الأمر عادة. وأنت وابنة أخي تفضلان على ما يظهر أن تقضيا في هذه الحجرة ما بقي لكما من الساعتين المضروبتين أجلًا، ولست أحب أن أعترض لكما طريق رغبة، لذلك أخلي لكما الحجرة مسرورًا!» ورأى نظرة خطرة في عيني دنيس فرفع يده زاجرًا وقال: «لا تتسرع! إذا كانت نفسك تثور على الشنق فإنه لا يزال أمامك ساعتان تلقي بعدهما نفسك من النافذة، أو تلقيها على حراب أتباعي. والساعتان من العمر هما دائمًا ساعتان، وقد يحدث كثيرًا مما ليس في الحسبان حتى في مسافة وجيزة من الزمن كهذه. وإذا كانت فراستي لم تخني، فإنه يبدو لي أن ابنة أخي تريد أن تحدثك بشيء ولا أحسبك ترضى أن تشوه ما بقي لك من العمر بسوء الأدب مع سيدة!» فنظر دنيس إلى بلانش، فأومأت إليه متوسلة ضارعة. ويظهر أن الشيخ الهرم سره جدًّا هذا الفهم، فقد ابتسم لهما وقال بلهجة لينة: «إذا بذلت لي وعدًا بشرفك يا سيدي بولييه أن تنتظر عودتي عند انقضاء الساعتين، قبل أن تخاطر بشيء، فإني مستعد أن أصرف أتباعي وأن أدعك تتكلم مع الآنسة وأنت آمن أن يسمعك أحد.» فنظر دنيس مرة أخرى إلى الفتاة، فألفاها تتوسل إليه بعينها أن يقبل. فقال: «أعدك بشرفي.» فانحنى السيد ده مالتروا ومضى يظلع على أرض الغرفة ويتنحنح ويخرج تلك الأصوات التي استك منها مسمع دنيس. وتناول أولًا أوراقًا كانت ملقاة على المائدة ثم قصد إلى مدخل الدهليز وأمر الذين وراء الستر بشيء، ثم خرج من الباب الذي دخل منه دنيس، بعد أن وقف على العتبة ليلقي ابتسامة أخيرة إليهما، وتبعه القسيس وفي يده مصباح. فلما صارا وحدهما دنت بلانش من دنيس ويداها ممدودتان، وكان وجهها مضطرمًا، وعيناها تلمع فيهما العبرات. وقالت: «لن تموت. يجب أن تتزوجني.» فقال دنيس: «يظهر يا سيدتي أنك تحسبين أني أخاف الموت.» فقالت: «لا لا لا … فإني أرى أنك لست بالجبان. وإنما أدعوك إلى هذا من أجلي أنا، فما أطيق أن أدعك تذبح لهذا.» فقال دنيس: «أظن يا سيدتي أنك تبالغين في الاستخفاف بالصعوبة، فإن ما تكونين أنت أكرم من أن ترفضيه، قد أكون أنا أشد كبرًا من أن أقبله. وإنك ليغمرك الآن شعور كريم، فأنت تنسين ما أنت به مدينة لآخرين.» وكان كيسًا فكانت عينه على الأرض وهو يقول ذلك، وظل كذلك بعد أن فرغ من الكلام، حتى لا يرى اضطرابها. وبقيت هي صامتة لحظة ثم مضت عنه وهوت على كرسي عمها وانفجرت تبكي وتنتحب، فبلغ الاضطراب والارتباك بدنيس غايتهما، وتلفت كأنما يستلهم ما حوله، ورأى مقعدًا فهوى عليه، فقد كان لا بد له أن يصنع شيئًا. وهكذا جلس يعبث بمقبض سيفه. ويتمنى لو أنه كان قد مات ألف ميتة ودفن في أقذر مزبلة في فرنسا! وكانت عينه تدور في الحجرة، ولكن لحظه لم يستوقفه شيء، وكانت المسافات بعيدة بين قطع الأثاث والضوء يقع منحرفًا على كل شيء وهواء الليل خارج الغرفة يدخل من نافذتها باردًا، فخيل إليه أنه لم ير أرحب من هذه الكنيسة، ولا قبرًا أسود وأقتم من هذا. وكانت شهقات بلانش ده مالتروا منتظمة كدقات الساعة. وقرأ دنيس الشعار الذي على الترس مرة أخرى. وثانية، وثالثة، حتى زاغ بصره، وحدق في الأركان المعتمة حتى بدت له كأن هوامًا فظيعة تسرح فيها وتمرح. وكان من حين إلى حين، يتنبه فزعًا فيتذكر أن الساعتين تنقضيان، وأن الموت يزحف. وكثر، مع كر الوقت، لحظانه الفتاة نفسها. وكانت مطرقة، ويداها على وجهها، وكان شهاق الحزن يهزها آنًا بعد آن. ولكن هذا لم يفقدها جمالها، ولم يجعل العين أقل استراحة إلى النظر إلى بضاضتها وحسنها، وسمرة بشرتها الحارة، وإلى أجمل ما رأت عين دنيس من الشعر في عالم النساء. وكانت يداها كيدي عمها، ولكنهما كانتا أليق بذراعيها الطويلين وأنطق بالرقة والحنو. وتذكر كيف كانت عيناها الزرقاوان تومضان وهي تنظر بهما إليه، وفيهما الغضب والعطف والطهر. وصار كلما أوسع محاسنها نظرًا وتأملها ازداد نفورًا من الموت وزهدًا فيه، وندمًا وأسفًا لأنه يطيل بكاءها. وكان يحس تارة أنه ما من إنسان تؤاتيه الشجاعة فيترك دنيا فيها مثل هذا الجمال، وتارة أخرى يود لو أن أربعين دقيقة انتقصت من ساعته الأخيرة، وأنه لم يقل لها ما قال. وصافحت مسامعها فجأة صيحة ديك من الوادي المظلم تحت النافذة، فكانت هذه الضوضاء التي مزقت حجاب السكون كالنور ينبثق في الظلمة، فهزهما ذلك وردهما عما كان يستغرقهما من الفكر. وقالت وهي ترفع إليه وجهها: «وا اسفاه! أما من شيء أستطيع أن أساعدك به؟» فقال بلا مناسبة من كلامها: «سيدتي، إذا كان فيما قلته، ما جرحك فثقي أنه كان من أجلك، وفي سبيلك، لا من أجلي.» فشكرته بعين مغرورقة بالدموع. ومضى في كلامه فقال: «إني أدرك أوجع إدراك ما في مركزك من الحرج. لقد قست عليك الدنيا قسوة مرة. وإن عمك لوصمة لبني الإنسان. وصدقيني يا سيدتي، حين أقول إنه ما من شاب في فرنسا إلا وهو يرحب بفرصتي، ويسره أن يموت ليؤدي لك خدمة وقتية.» فقالت: «إني أعرف أن في وسعك أن تكون شجاعًا كريمًا. والذي أريد أن أعرفه هو هل أستطيع أن أخدمك، الآن أو فيما بعده.» وارتعش صوتها وهي تنطق بالكلمات الأخيرة. فأجابها بابتسام: «على التحقيق. ودعيني أقعد إلى جانبك كما يفعل الصديق، وكأني لست ذلك المتطفل الأحمق. ولتنسي ما ينطوي عليه موقفنا — بعضنا حيال بعض — من الحرج. دعي لحظاتي الأخيرة تمر حميدة. وبهذا تؤدين لي خير خدمة ممكنة.» فقالت بصوت ينم على ازدياد حزنها: «إنك شهم باسل … شهم جدًّا … وهذا يؤلمني لسبب ما … ولكن ادن مني من فضلك وإذا وجدت كلامًا تقوله لي فإن في وسعك على الأقل أن تكون على يقين من ود المصغي إليك. آه يا سيد ده بولييه! كيف أقوى على النظر إلى وجهك؟» وعادت تنتحب مرة أخرى وتبكي بأربع. فتناول دنيس يدها وجعلها بين يديه وقال: «سيدتي، فكري في الوقت القصير الباقي لي، وفي الألم المر الذي يحدثه لي حزنك. أعفني في لحظاتي الأخيرة من رؤية ما لا أستطيع أن أداوي حتى ببذل حياتي.» فقالت بلانش: «إني شديدة الأنانية. ولكني سأتشجع يا سيد ده بولييه من أجلك، ولكن فكر فيما أستطيع أن أصنعه في سبيلك في المستقبل، أليس لك إخوان أحمل إليهم وداعك؟ احمل عليّ بما تشاء! كلفني كل ما يخطر لك، فإن كل عبء سيخفف قليلًا ألم ما أنا مدينة به لك. اجعل في وسعي أن أصنع شيئًا من أجلك أكثر من البكاء.» فقال دنيس: «لقد تزوجت أمي ثانية، ولها أسرة صغيرة تُعنى بها، وسيرث أخي جيشار إقطاعاتي، وإذا كنت غير مخطئ فسيعزيه هذا كثيرًا عن موتي. إن الحياة أنفاس تذهب على ما يقول لنا رجال الدين. والمرء حين يكون على منهاج السعادة، وتتفتح أبواب الحياة أمامه، يتوهم أنه شيء عظيم الخطر في الدنيا. حصانه يصهل له، والنفير ينفخ، فتطل الغانيات من النوافذ لتراه وهو يتقدم فرقته، ويتلقى مواثيق عديدة، بعضها بالبريد، كتابة، وبعضها باللسان، والعين في العين، ويهوى على عنقه الرجال ذوو المنازل الملحوظة، ثم يموت، فما أسرع ما يُنسى ولو كان أشجع من هرقل وأحكم من سليمان. منذ أقل من عشر سنوات قتل أبي في معركة عنيفة وقتل معه كثيرون من الفرسان ولست أظن اسم أحد منهم، أو حتى اسم الواقعة، يذكر الآن! لا لا لا، يا سيدتي كلما اقترب المرء من الموت ألفى أنه ركن مظلم معفر، يدخل منه الرجل إلى قبره ويوصد عليه الباب إلى يوم الحساب. وإن أصدقائي الآن قليلون، وبعد أن أموت لا يكون لي صديق.» فقالت: «آه يا سيد ده بولييه، إنك ينسى بلانش ده مالتروا.» فقال: «إن أخلاقك كريمة يا سيدتي، وقد شئت أن تبالغي في قيمة عمل صغير.» فقالت: «ليس هذا ما أعني. وإنك لتخطئ إذا كنت تظن أني متأثرة بما يعنيني. إنما أقول ذلك لأنك أنبل وأشرف رجل رأيته، لأني أرى لك روحًا لو حلت في بدن واحد من حثالة الناس لرفعته وجعلت له شأنًا في الأرض.» قال: «ومع ذلك هذا أنا أقضي نحبي في مصيدة جرذان، بلا ضجة أكثر من صيحاتي.» فبان في محياها الألم، وسكتت لحظة، ثم أضاءت عينها، وقالت بابتسام: «لا أستطيع أن أسمح لفارسي أن يحقّر نفسه ويسخر منها. إن كل من يبذل حياته فداء لحياة أخرى، تستقبله في الجنة ملائكة الله بالترحيب. ومع ذلك لا داعي لأن تُشنق إذ … إذ … من فضلك أتراني جميلة؟» واصطبغ وجهها بالدم القاني. فقال: «إنك يا سيدتي جميلة حقًّا.» فقالت من قلبها: «إني فرحة بهذا. فهل تظن أن في فرنسا كثيرين من الرجال خطبتهم لنفسها عذراء جميلة؛ بلسانها، فرفضوها، وردوها، في وجهها؟ وإني لأعرف أنكم معشر الرجال تحتقرون مثل هذا النصر، ولكن صدقني، إننا نحن النساء أعرف بما له قيمة في الحب. وما من شيء أحق من هذا بأن يرفع مقام المرء في عينه، ونحن النساء لا نرى أنفس من هذا ولا أحق بالضن به.» فقال: «إنك رقيقة القلب جدًّا، ولكنك لا تستطيعين أن تُنسيني أن هذه الرغبة صادرة عن العطف عليّ، لا الحب لي.» فقالت وهي مغضية: «لست على يقين من أن هذا هكذا. اسمع كلامي إلى ختامه يا سيد ده بولييه. إني أعرف أنه لا يسعك إلا أن تحتقرني، وأنا أشعر أنك على حق في هذا، وإني لمخلوقة مسكينة لا تستحق أن تشغل بها خاطرًا واحدًا وإن كنت لا بد أن تموت مع الأسف من أجلها في الصباح! ولكني إنما رجوت منك أن تتزوجني، لأني احترمتك وأعجبت بك، وأحببتك من أعماق قلبي منذ اللحظة التي انتصرت فيها لي على عمي. ولو أنك كنت ترى نفسك ساعتئذ وأن تبصر نبل مظهرك، لأدركت العطف عليّ بدلًا من أن تحتقرني.» والآن (وأسرعت في الكلام، وصدته بكفها عن مقاطعتها) «وقد نبذت كل تحفظ، وأفضيت إليك بالكثير، فتذكر أني أعرف شعورك نحوي، وثق أني — وقد انحدرت من أصل شريف — لن أضجرك بالإلحاح عليك أن تقبل، فإن لي أنا أيضًا لكرامة، وإني لأعلن أمام الله أنك لو رجعت فيما قلت، لما تزوجتك كما لن أتزوج خادم عمي.» فابتسم دنيس ابتسامة لا تخلو من مرارة وقال: «إنه حب صغير ذلك الذي يعفى عليه شعور عارض بالغضاضة.» فلم تجب، وإن كانت خواطرها تدور في نفسها. وقال وهو يتنهد: «تعالي هنا، إلى النافذة … هذا هو الفجر يطلع.» وكان الفجر قد بدأ يتنفس، وامتلأ عنان٤ السماء بالضوء الصافي الذي لا لون له. وفاض على الوادي ما انعكس منه، وبقي شيء من السديم٥ على الغابة أو فوق مجرى النهر المتعرج. وكان المنظر عجيبًا في سكونه الذي لم يكد يقطعه صياح الديكة، ولعل الديك الذي أطلق في الظلام قبل نصف ساعة صيحته المنكرة، هو بعينه الذي صاح بالتحية المرحة للصباح الجديد. وهب النسيم بالأشجار تحت النوافذ، ومضى الصبح يغمر الدنيا بالنور من المشرق الذي ما لبث أن توهج ثم أطلع قرص الشمس المضطرم. ونظر دنيس إلى هذا كله، وبه ارتعاش خفيف، وكان قد تناول يد بلانش وأبقاها في يده، وهو لا يكاد يعي. وسألته: «أَوَطلع النهار؟»، ثم بلا مبالاة بالمنطق: «لقد كان الليل طويلًا وا أسفاه ماذا نقول لعمي حين يعود؟» فقال: «ما تشاءين.» وضغط أصابعها بأصابعه. فلم تقل شيئًا. وقال هو، مندفعًا في الكلام، وصادرًا فيه عن عاطفة جياشة: «بلانش، لقد رأيت هل أخاف الموت أو لا أخافه، ولا شك أنك تعرفين أنه آثر عندي أن أثب من هذه النافذة وأرمي بنفسي مسرورًا في هذا الهواء الفارغ، من أن ألمسك بإصبعي بغير رضاك. ولكن إذا كنت تعبئين بي شيئًا، فلا تدعيني أفقد حياتي من أجل خطأ. فإني أحبك، وإنك لأعز علي من كل ما في الدنيا، وإني لمستعد أن أفديك بنفسي، وأموت في سبيلك وأنا قرير العين، ولكنه يكون الجنة ونعيمها، ورضوان الخلد أن أحيا في خدمتك.» وسكت، فسمعا ناقوسًا يُقرع في داخل البيت، وقعقعة سلاح في الدهليز تدل على أن الأتباع يعودون إلى مراكزهم، وأن الساعتين انقضتا، فهمست وهي تميل عليه بشفتيها وعينيها: «بعد كل الذي سمعته؟» فأجابها: «لم أسمع شيئًا.» فقالت في أذنه: «إن اسم الضابط فلوريمون ده شانديفير.» فقال: «لم أسمع شيئًا.» وطوق جسمها الرخص بذراعيه، وأهوى بالقبل على محياها الذي بللته الدموع. وسمعا صوتًا عذبًا وراءهما تلته ضحكة حلوة، وتمنى السيد ده مالتروا لنسيبه الجديد صباحًا سعيدًا! هوامش (١) التي لها صوت. (٢) الألغاز: الطرق التي تلتوي وتشكل على سالكها. (٣) خشبة يشد بها الباب. (٤) ما عن لك منها إذا نظرت. (٥) الضباب الرقيق. مختارات من القَصَص الإنجليزي
إهداء إلى العينين اللتين أطبقهما الموت قبل أن ألثمهما. إلى الابتسامة التي لا أعرف منها إلا خيالها. إلى الاسم العذب الذي لا تهمس به شفتاي دون أن تملأ عيني الدموع. إلى الطفل الذي رحل إلى خالقه ويتم فيّ عاطفة الحب الأخوي فحرمني من حنو الأخ وقبلته وابتسامته ودمعته: إلى أخي الوحيد الذي تقاسمه الأثير والثرى. مي ابتسامات ودموع
مقدمة بقلم مي أراني راغبة في تقديم الطبعة الجديدة بكلمة تشير إلى كيفية تعريب هذا الكتاب، وتوضح السبب الذي حملني على استبدال اسمه الأصلي «الحب الألماني» Deutsche Liebe باسم «ابتسامات ودموع» الذي عُرف به لدى قراء العربية. وأن أشرح ما يتناول هذه الطبعة من تغير يبدو في كل جملة تقريبًا، ومن زيادة أتيت بها في صفحات كثيرة من أغلب الفصول. على أني لا أكاد أذكر الترجمة الأولى إلا ويأخذ محيطي بالتلاشي، ويسقط القلم من يدي لأحدق في الصحيفة البيضاء كأنها آلة سحرية تستهوي الوسيط وتسطو عليه أسرارها. ولا يطول حتى تنتقش عليها صورة المكان الذي أظلتني يومذاك سماؤه ودوت حولي أصواته. هاك حفيف الأوراق، وتصفيق الأجنحة، وتغريد الأطيار على الغصون. ألا فاصغ إلى وقع أقدام السائرين في الطرق الحمراء الضيقة المتلوية بين أشجار الصنوبر صعودًا إلى قمة أشرفت على المرتفعات والمنخفضات يسرة ويمنة، شرقًا وغربًا. وانظر جانبًا إلى صنين وقد أثقلت ذروته ثلوجٌ حولها انعكاس الأشعة ثغرًا نورانيًّا يُسِرّ إلى صدر الفضاء بما توصله إليه أصداء الغبراء من شكاية وتأوه. تنبثق من جانبه سلسلة آكام تتساند مستديرة، مستطيلة، ناشزة، وتظل في انتقاص وتصاغر على انسجام وحسن دراية حتى تسجد بواقي الصخور منها على الشاطئ. كأن أعالي صنين أنفذتها برسالة إلى البحر لتعود بالجواب عليها. والبحر، آه! ترى ماذا يقول ذلك الأزرق الأفيح المائج بهدوء ودلال، كأنه أرجوحة الأثير تهزها أيادي آلهة الهواء لتنوم فيها طفلًا عجيبًا دهشت بجماله السماوات وافتتنت الأرضين بغرامه؟ نعم، ها أنا ذا في ظهور الشوير بلبنان، ذلك المصيف الهنيء. نحن في صميم القيظ وقد تقاطر المصطافون حتى ضاقت بهم المنازل والفنادق. والجماعات التي تباينت أفرادها علمًا وتهذيبًا وارتقاءً، وتنافرت عادات ومشارب وأطماعًا، ها هي تعيش تحت سقف واحد، وتتبع في أمور جمة نظامًا فردًا وضع لضيوف النزل جميعًا. ومن هذا الاجتماع بالغرباء، ومحاذاتهم أيامًا وأسابيع وشهورًا، والجلوس وإياهم حول مائدة واحدة مرةً بعد مرة، وحدةٌ تنشأ وتتثبت بالتكرار، فضلًا عن خبرة موفورة لدرس أخلاق الناس، وتمرين ميسور في أساليب المعاملة والإرضاء. بيد أني بعد الأحاديث المسلية والضحك والائتناس أظل شاعرة بفراغ واسع، أظل متسائلةً ماذا يعرف أولئك المتنادمون المتسامرون المغتابون، بعضهم من بعض، أظل تائقة إلى الوحدة والاختلاء تحت أشجار الحرج الصغير. لذلك سعيت في أن يُبنى لي هذا الكوخ الضيق من خشب الغصون ويسقف بالأعشاب اليابسة، وليس في داخله من حطام الدنيا سوى مقعد وطاولة نضدت عليها كتب قليلة. وإنما دعي كوخي «الكوخ الأخضر» لأني جللت جدرانه من الداخل بنسيج أخضر. عدا عن أفنان مخضوضبة حنت عليه، وخضرة غضة أحدقت به من كل جانب. هنا تعرفت بمكس مولر وبكتابه الجميل. تعرفت به في الخلوة لأن الأرواح الكبيرة تنكمش في المحافل العادية ولا تتجلى إلا في العزلة لمن كان على استعداد لتلقي فيض بهائها. كنت شرعت أدرس الألمانية في القاهرة إبان الشتاء ولم ينلني منها سوى عشرين درسًا أو أكثر قليلًا. ولما تزودت بالكتب قبيل الرحيل أضفت إلى حقيبتي كتابًا ألمانيًّا لا غير، هو «الحب الألماني» هذا. وقد وقع عليه اختياري لأن السيدة البروسية التي تتلمذت لها ذكرته ممتدحة أسلوب مكس مولر المشبع فكرًا ومعرفة على سهولته ورشاقته. ونسبت هذه الرشاقة وتلك السهولة إلى كون المؤلف شاعرًا بفطرته ووراثته رغم اشتهاره بالعلم والبحث، وإلى كونه إنجليزيًّا بوالدته كما صار بعدئذ إنجليزيًّا بزوجته وباستيطانه إنجلترا أعوامًا طوالًا، فكان له من إجادة اللغة الإنجليزية ومعالجتها والتأليف فيها مساعد قوي في تجريد جملته الألمانية من التطويل والصعوبة والإبهام الملازم لها غالبًا عند كتاب الألمان، لا سيما العلماء والفلاسفة. أنشأت أتصفح الكتاب في عزلة «الكوخ الأخضر» ولم أفرغ من الفصل الأول حتى تملكتني روحه الشعرية الفلسفية وأرهفت ذهني، فتمكنت من الإحاطة بالمعنى العام وإن فاتني من معنى المفردات كثير. وما أتيت عليه إلا وعدت أراجع قراءته مرات حتى ابتهجت بمحاسنه نفسي المنفردة. وعلى قصر باعي بالعربية التي كنت نشرت فيها مقالات قلائل، ومع أني لم يكن لدي معجم ألماني، استعنت بالقلم والقرطاس لأرسم بلغتي تلك الخطوط البديعة، ولو كان لي مقدرة مكس مولر الفكرية والإنشائية لما أفصحت عن حركات النفس بسواها. وقد قال لي أحد الأدباء عندما نشرت «ابتسامات ودموع» في ذيل «المحروسة» في الشتاء التالي، قال: «أسائل ذاتي ساعة أقرأ ذيل «المحروسة» أأنت ناقلة مكس مولر إلى العربية أم هو ناقلك إلى الألمانية؟» في هذه الكلمة، التي تخال تملقًا للوهلة الأولى، حقيقةٌ أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني الذي إنما نحكم له بالتفوق لأنه أحسن التعبير، ليس عما يشعر به هو الكاتب، بل عما نشعر به نحن القراء. وكيف لا نحكم له بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين. وكتاب «ابتسامات ودموع» من هذا القبيل آية سحر وبراعة، لا يقصر على الوصف، بل هو مهبط وحي للنفوس الحساسة. ••• كان ذلك في صيف ١٩١١ وبي تيقظ الفتاة الأول، واستفسارها الصامت إزاء المسائل الكونية والعمرانية والروحية، وإعجابها المنتبه المتحفز للاهتمام والتحمس، وبي كذلك خجلها وحيرتها وترددها. وكنت كئيبة. كنت أكتئب لغير سبب، وأكتئب للعوامل الدافعة بالاجتماع، الشاغلة أفراده ليلًا ونهارًا. حتى إذا احتميت بحمى الطبيعة وألقيت عليها اتكال روحي رافقت الكآبة حبي واتكالي. الكآبة خاتمة شعور الإنسان إزاء الجمال والقباحة، والخير والشر، والعدل والظلم، والكره والحب، والفوز والخذلان. إليها تنتهي حركات التأثر في جميع حظائر النفس كأن لا شيء وراءها سوى المبهم والمجهول والظلام الدامس. أهي ناتجةٌ عن شعور المرء بضعفه حيال قوة العالم، وبعجزه عن تحويل الأشياء عن مجراها؟ قد يكون. ولكن الواقع أن التنهد والامتثال نهاية كل عاطفة وكل فكر، كما أن كل عمر بشري يختم بإرسال الزفرة وإسبال الجفون. كنت قبلئذ أسير لا ألوي على شيء، إن وقعت عيني على شخص، أو طرق سمعي موضوع نظرت في هذا وذاك نظرة استخبار سطحي. أما هناك فطفقت ألقي على نفسي أسئلة منطلقة من جهلي المتعطش إلى الارتواء؛ من أنا؟ ما هو موقفي في الدنيا؟ لماذا تزعجني بعض الأحاديث، وتسخطني بعض الوجوه، في حين أرتاح لأحاديث أخرى وتجذبني وجوه غيرها؟ لماذا أحب هذه ولا أحب تلك؟ لماذا ينفث هذا في روعي وجوب احترامه فأسعد بتوجيه عاطفة جليلة إلى موضوع يليق بها، بينا ذاك الآخر لا يلهمني غير الهزء والامتهان؟ لماذا يفرحني الناس وأفرحهم؟ لماذا يؤلمني الناس وأؤلمهم؟ ومن أين لي ولهم هذه القدرة العميقة النافذة؟ أسئلة نقضي العمر ناشدين عنها أجوبة ولا نفوز قبل الموت بالجواب الشافي. وهكذا صار كوخي الأخضر سجنًا اختياريًّا، وشرفته نافذةً مفتوحة على ميدان العجائب والغرائب، وقد تسنى لي أن أستعرضها وأتفحصها بفكري سائلة عن ماهيتها دون أن يكون ثمة سامع أو مجيب. الفكر! ما أجذب الفكر إذا هو مزج بطلاوة العاطفة وخيمت عليه أوشحة الخيال! عشت السنوات الأولى من حياتي دون تفكير، وها قد غدا الجناح الملون بألوان قوس السحاب يضرب جبهتي ليفسح له فيها، وكرًا فصار كل موضوع، وكل شخص وكل مشهد طبيعي، ينفحني بتأملات زرقاء، وردية، ذهبية، فضية، رمادية تحوم حولي تارة، وطورًا تجثم في متعاونة مع ما في الكتاب على إيصالي إلى روح الإنسانية، فأكاد أسمع دقات قلبها وصدى أنينها فأدرك أنها شقية بجهلها واضطرابها وهمومها، وأنه قدر على المختارين من بنيها أن يتألموا أضعافًا لأنهم السابقون إلى مقاتلة المجهول، وكجميع الطلائع يتلقون ضربات المصادرة والمقاومة، فلا تَضْعُف عزائمهم، ولا تكل أقدامهم، ويثابرون على تلمس السبيل في حالك الظلمات، ويسيرون إلى الأمام حاملين غنيمة الجهود الإنسانية والثقة بتحقيق الآمال. ••• والطبيعة! يا لاستهواء الطبيعة وقد انتشرت الأشجار والصخور على الجبال والوهاد فرقصت هناك الأشعة وانسلت هنالك الأظلال! يا لخشوعها وقد تجمعت منازل القرى حول قبة الأجراس المنتصبة كالمسلة، بل هي قامت في الوسط ككاهن مد يمينه نحو العلاء مبتهلًا وجثت حوله الرعية خاضعة ضارعة! يا لبراعة الطبيعة بالتنوع في لبناني الجميل! لقد تصرفت بجميع فنون الجمال فهي منه كل يوم في حلة جديدة وهيئة طريفة. فساعة تغرق الكائنات جميعًا في أوقيانس ضياء يبهر الأنظار ويذهل العقول، وساعة تزحف كتائب الضباب المتراصة من أطراف البحار وتهجم فيالق السحب المتكاثفة من أقاصي الآفاق فتكتسح ما قام أمامها وتبسط رواقها الرمادي، كأن العالم في دوره السديمي. ويعتدل النور والحرارة يومًا، ويبرز روح التيقظ والكتمان فتصبح ألياف كل نبت، وكل قطرة ماء، وكل ذرة هواء، شاعرة بسر الوجود الخطير، تؤيد بحركتها اللطيفة ضرورة مساعدتها وحقيقة كيانها، ويخال الهواء حساسًا كقلب الولهان داويًا كالنحاس المجوف. وآنًا تبدو خطوط الموجودات ونبراتً الأصوات بوضوح غير عادي، وتنمو روعة الأشياء كأنها كبرت واتسعت وربضت في مجاهلها الأهوال باتفاق فجائي بين آلهة القدر، فيتولاني افتتانٌ، به ينقلب الزمن والمسافة سائلًا متحركًا أو عبابًا متموجًا يحملني تياره إلى حيث لا أدري من عوالم الخيال؛ شأن الحياة بالإنسانية الضعيفة الساذجة، الإنسانية التي تجهل الغرض من تحركها ووجودها ولا تفتأ تذوب شوقًا إلى بلوغ غاية تزعم الإحاطة بها وهي في الواقع لا تعلم ما هي! وكم خلت القوة الحيوية غبارًا ذهبيًّا أو سيالًا أثيريًّا منبعثًا من البحر والجبال والكائنات جميعًا، وكم عبدت الطبيعة عبادة حارة خاشعة كعبادة المتدينين والشعراء والمتيمين، أولئك الذين يقدسون الحياة خارجًا عن أشخاصهم ومحصورة في إله، أو رمز، أو إنسان، وكم ملأت الدموع عيني شكرًا للحياة، شكرًا للطبيعة، شكرًا لجميع الموجودات، شكرًا لهذا الكتاب الذي تتهادى بين سطوره خيالات اليأس والأمل والبكاء والابتسام والحب والموت واللانهاية. أظنني قلت في مطلع الكلام أن القلم سقط من يدي، وكان ذلك وهمًا. ها هو القلم يجري على الصحائف قليلًا قليلًا مستحضرًا تلك الساعات تباعًا كما تتعاقب الصور المتحركة على غطاء المسرح، وما الألفاظ سوى رسوم إيمائية لحقيقتها. غير أن النفس تدخرها ككنوز ثمينة لأنها كبيرة الشأن في تطوري الروحي والفكري. «الحب الألماني» كلا، ليس هذا الكتاب حبًّا ألمانيًّا فقط بل هو خلاصة بسمات الإنسان وعبراته، فسميته «ابتسامات ودموع»، فإن كان ذلك تزييفًا لفكرة المؤلف الواجب احترامها على كل مترجم، فهو صادق من حيث اقتناعي الخاص، أمينٌ للصورة التي ارتسمت منه في نفسي. ••• انتشر الكتيب وكادت نسخه تنفد منذ ثلاثة أو أربعة أعوام فحال دون طبعه اعتقادي بوجوب إعادة الترجمة، لأني وإن رأيت بسرور أني ألممت بروح الكتاب إلمامًا يكاد يكون تامًّا إلا أنه كان يخجلني ويسوءني معًا أني أهملت طائفةً من الأفكار الجميلة والمعاني الرائقة التي لا يجوز الإغضاء عنها. والآن أهدي إليك، أيها القارئ، هذه الطبعة الجديدة. لقد تقيدت بالأصل معنىً وتعبيرًا محاولةً إبرازه إلى العربية بصيغته الشعرية البسيطة خاليًا من الاستعارة الغريبة والتنميق الشرقي. والألفاظ التي أكثر المؤلف من استعمالها مثل «حاولت» و«خيل إلي» و«ظننت» و«روحي» و«نفسي» و«قلبي»، جميع هذه الألفاظ وغيرها وضعتها في أماكنها لأنها ضروريةٌ للغة التذكار. وستحب هذا الكتاب سواءٌ أكنت معلمًا أو متعلمًا، فيلسوفًا أو شاعرًا، سياسيًّا أو تاجرًا، سعيدًا أو شقيًّا، كبيرًا أو صغيرًا. ستحيا فيه وبه كما حييت. ستنمو به وتتوحد وإياه حينًا فينتزعك من ميدان المزاحمة والمنافسة والحقد والتهكم والحسد والإجهاد. ستتوحد وإياه مستدعيًا ماضيك، أو مفكرًا في حاضرك، أو مترقبًا مستقبلك. أو هو يمثل لك فصولًا من ماضيك وحاضرك ومستقبلك جميعًا في آن واحد، كائنًا عمرك ما كان، لأن العواطف لا تفنى والقلب لا تدركه الشيخوخة. بل يسير جامعًا من يأسه وآلامه وانتصاره واندحاره خبرةً وقوة توصلانه إلى سبل جديدة ومعارف مطلوبة. وحسبه أن ينبه فيك الذكريات الحلوة المرة من مباغتات الحب والحياة والموت والابتسامات والدموع، وهي إرث بني الإنسان أجمعين. ابتسامات ودموع
العلامة اللغوي مكس مولر المقتطف عدد تشرين الثاني/نوفمبر، سنة ١٩٠٠ فريدريخ مكس مولر. كان «مكس مولر» عالمًا من شيوخ العلماء وأستاذًا جليل الشأن طبقت شهرته الخافقين وكان له اليد الطولى في وضع علم اللغات وتسهيل الاطلاع على عقائد الأمم الشرقية. وهو ألماني المولد إنكليزي الموطن ولد بدساو من دوقية انهلت سنة ١٨٢٣ وأبوه شاعر ألماني أورثه قريحته ومخيلته فامتاز من صغره بالذكاء وسرعة الخاطر وقوة الخيال حتى يكاد نثره يكون شعرًا لما فيه من الصور الخيالية. وقد قال في هذا الصدد: «إني ابن شاعر وقد بذلت جهدي العمر كله لكي لا أكون شاعرًا.» لكن الطبيعة لا تغلب ولله در من قال: وأسرع مفعول فعلت تغيرًا تكلف شيء في طباعك ضده وكيف تغلب وقد ربي على ما ينميها ويقويها فقد كان بيت أبيه ناديًا لرجال الأدب من الشعراء والمغنين حتى إنه علق صناعة الغناء وصار غرضه الأكبر أن يصير من كبار الموسيقيين وبقي على حبه لها العمر كله. درس في ليبسك وبرلين وباريس وامتاز وهو في كلية برلين بالاجتهاد وسرعة التحصيل وذهب مذهب «كنت» الفيلسوف الألماني ولم يمل عنه. ثم مال إلى درس اللغات الشرقية فنال منها النصيب الأوفر وبرع في السنسكريتية والفارسية وترجم الهيتوبادسا (كتاب قصص الهنود) من السنسكريتية ونشرها وهو في العشرين من عمره. ثم انتقل إلى باريس ودرس على العلامة المستشرق الأستاذ «إيجن برنوف» ولم يكن على سعة من العيش لكن كان من حسن بخته أن صادقه البارون «بنصن» العالم الكبير فمد إليه يد المساعدة وكتب عنه إلى الأرتشديكن كارل الإنكليزي يقول: لقد أوصاني بعض ذوي المقامات العليا بشاب عمره اثنتان وعشرون سنة له مقام كبير في عيني شلنغ (فيلسوف ألماني) أشهر نفسه بترجمته الهيتوبادسا من السنسكريت، وهو واسع الاطلاع بارع في كل شيء، ويود أن يقيم في إنكلترا بضع سنوات، وهو ابن الشاعر اللغوي المشهور «وليم مولر» الذي أعلمه من أمره أنه رائع الآداب رزين العقل. ويقال إن أعظم اكتشاف اكتشفه البارون «بنصن» لفائدة اللغات الشرقية هو اكتشافه «مكس مولر». وقد ساعده البارون «بنصن» والأستاذ «ولسن» على الشروع في العمل الذي بقي عاكفًا عليه إلى أن أدركته الوفاة فوكلت إليه شركة الهند الشرقية ترجمة «الرغ فيدا» كتاب ترانيم البراهمة وهو أساس الآداب السنسكريتية. وقال له «بنصن» حينئذ: «لقد وكلت بعمل يكفيك العمر كله قطعة كبيرة لا تنحت ولا تصقل إلا في سنوات كثيرة، لكن لا بد لك من أن تعطينا نتفًا منها من وقت إلى آخر.» فجعلت هذه النتف تنهال من قلمه كالمطر. وبقى عشرين سنة في تحرير «الرغ فيدا» لكنه لم يقتصر عليه بل اشتغل بمواضيع كثيرة وبرع فيها كلها، فدرس اللغة الإنكليزية وصار من البلغاء فيها كلامًا وإنشاءً، وله الخطب الرنانة التي كان الناس يتقاطرون لاستماعها، ولو كانت في أعوص المواضيع اللغوية والفلسفية، لبلاغة عبارتها وسهولة مأخذها. والكتب الكثيرة التي أعيد طبعها مرارًا لرغبة الناس فيها. ومن هذه الكتب: «لغات دار الحرب» (أي بلاد الهند) طبعه سنة ١٨٥٤، و«عقائد الأمم» طبعه سنة ١٨٥٦، و«تاريخ الآداب السنسكريتية» طبعه سنة ١٨٥٩، و«خطب في علم اللغات» طبعها بين سنة ١٨٦١ و١٨٦٣، و«خطب في علم الدين» طبعها سنة ١٨٧٠، وكتاب النتف في أربعة مجلدات طبعت بين سنة ١٨٦٨ و١٨٧٥، وخطب في أصل الدين ونحوه طبعت سنة ١٨٧٨، ومقالات مختارة طبعت سنة ١٨٨١، ومقالات في ترجمات المشاهير من أصدقائه ومن معلمي بلاد الهند طبعت سنة ١٨٨٣، وكتاب في الدين الطبيعي طبع سنة ١٨٨٩. وحرر «الرغ فيدا» في ستة مجلدات كبيرة فيها ثمانية آلاف صفحة متنًا وشرحًا، وقد فحصه سبع مئة من البراهمة فحكموا أنه أفضل نسخة وأصلحوا نسخهم عليه. وحرر كتب المشرق الدينية وهي خمسون مجلدًا. وله غير ذلك من الكتب والمقالات ومن آخر مقالاته مقالة في أديان أهالي الصين نشرت في جزء شهر (نوفمبر سنة ١٩٠٠) من مجلة القرن التاسع عشر. وحالما ظهرت مقدرته في علم اللغات اختير أستاذًا فيه، في مدرسة أكسفورد الجامعة، فأقام فيها نحو خمسين سنة. ولبعض العلماء مثل هكسلي وتندل وفوستر مقدرة فائقة على بسط المواضيع العلمية وهم يخطبون فيها حتى ترى الناس يتقاطرون إلى نوادي الخطابة عن طيب نفس ولو كان الموضوع من المسائل الطبيعية العويصة، فجرى مكس مولر مجراهم وبلغ الطبقة العليا بينهم، فكان يخطب في علم اللغات وقد لا يقول شيئًا جديدًا أو شيئًا لم يذكره أحد قبله، ولكنه كان يفصح عنه على أسلوب يختلب الألباب لم يسبقه أحد إليه حتى ذاع اسمه في البلاد الإنكليزية كلها وصارت خطبه من المواضيع التي يتحدث الناس بها في مجتمعاتهم وولائمهم وذهب كثير من أقواله أمثالًا. ولم تكن آراؤه كلها مما يقوى على النقد والتمحيص ولا لقي الطاعة العمياء من معاصريه والتسليم التام لمقدماته ونتائجه، بل لقي من علماء عصره كل منتقد عنيد كما ترى في ما ذكرناه في المجلد السادس عن رأيه في أصل اللغات وانتقاد الأستاذ «هوتني» عليه. وكذا مذهبه في اشتقاق الشعوب الأوربية من الشعوب الآرية وتولد الأوروبيين والهنود من أصل واحد ومهاجرة الأوروبيين إلى أوروبا من قلب آسيا، فإن كثيرين من نخبة العلماء يخالفونه الآن في هذا المذهب. ويقال بنوع عام إنه كان متطرفًا في مذاهبه متسرعًا في أحكامه، لكن لا ينكر أحد أن علم اللغات (الفيلولوجيا) الذي وضعه الأستاذ بوب سنة ١٨٣٥ لم يوسعه أحد مثل تلميذه «مكس مولر». وكتابه في «عقائد الأمم» لا يخلو من آراء غير سديدة ولكنه هدى العلماء إلى مكتشفات عديدة في هذا الموضوع وأوضح كثيرًا من الغوامض بذكاء عقله وقوة بداهته. ولا شبهة عندنا في أنه وسع نطاق علم اللغات ورغب الناس في درسه وعلم الأوروبيين والمشارقة أنفسهم كثيرًا مما لم يكونوا يعلمونه من تاريخ لغاتهم ومعتقداتهم، ولكننا نرتاب كثيرًا في أن ذلك أفاد سكان المشرق سياسيًّا؛ فقد بذل جهده مدة خمسين سنة ليقنع الإنكليز أن الهنود أبناء أعمامهم، لكن هذا لم يغير رأي الإنكليز في الهنود ولا أفاد الهنود مثقال ذرة. ومن لا يقنعه قول الكتاب أن الناس كلهم من أب واحد وأم واحدة لا تقنعه آراء العلماء وأقوال الفلاسفة. وكان رضي الأخلاق كثير الأصدقاء يقصده الزوار من أقطار المسكونة ويكاتبه الناس بلغات شتى. اختار إنكلترا وطنًا له لكن حب ألمانيا وطنه الأصلي لم يهجر فؤاده، فلما نشبت الحرب بين فرنسا وألمانيا سنة ١٨٧٠ نشر خمس مقالات في جريدة التيمس دافع فيها عن سياسة «بسمارك» وأقام الأدلة على أنه كان يقصد بها السلم لا الحرب. وبقي العمر كله عالمًا ألمانيًّا بين العلماء الإنكليز. وقد بذل الإنكليز جهدهم في إكرام مثواه وخلقوا له منصب أستاذية اللغات الأجنبية خلقةً لكي لا يحرموا فوائده ولا يدعوه يهجر بلادهم. ثم أبدلوها بأستاذية علم اللغات (الفيلولوجيا). ولما كثرت أشغاله وود أن يعفى من هذا المنصب لأنه لم يعد قادرًا على القيام به عينت المدرسة أستاذًا آخر نائبًا عنه يقوم بأعبائه وأبقت الأستاذية له. ولكن لما خلت كرسي أستاذ السنسكريت وترشح لها هو والأستاذ الإنكليزي «مونير وليمس» فضل المنتخبون «مونير وليمس» عليه، لا لأنه أكفى منه لهذا المنصب بل لأنه إنكليزي و«مكس مولر» ألماني، فاستاء من ذلك لكنه لم يحقد على الذين فضلوا غيره عليه. وود مرارًا أن يترك أكسفورد، وأما أكسفورد فلم تتركه، وقد أكرمته كما أكرمت أشهر تلامذتها وأعظم أساتذتها، وكان الصلة المتينة بينها وبين علماء أوروبا ولا سيما علماء ألمانيا حتى إن إمبراطور ألمانيا كان يبعث إليه بتلغراف التهنئة كلما فازت أكسفورد في سباق أو نحوه. توفي في الثامن والعشرين من أكتوبر سنة ١٩٠٠ في بيته بأكسفورد على أثر مرض عقام في كبده، واحتفل بدفنه في غرة نوفمبر/تشرين الثاني وحضر الاحتفال الجنرال «غودفراي كلارك» من قبل جلالة الملكة، والهر «شلز ستينورتز» من قبل جلالة إمبراطور ألمانيا، وبعث الإمبراطور بإكليل فاخر من الأزهار البيضاء وضع على النعش وقد كتب عليه «لصديقي العزيز»، وبعث ملك اسوج إكليلًا من الزنابق. وحضر الاحتفال أيضًا ولي عهد سيام ونواب المدارس الجامعة والجمعيات العلمية. ابتسامات ودموع
مقدمة المؤلف بقلم فريدريخ مكس مولر الحرقة اللاذعة قلب من جلس إلى منضدة طالما اتكأ عليها صديق نام الآن في القبر ليستريح، ترى من لا يشعر بتلك الحرقة بعد فراق الحبيب؟ من ذا الذي لم يحاول ولو مرة فتح أبواب حفظت أسرار فؤاد يختفي اليوم وراء هدوء المدافن وجلالها؟ هذه رسائل أحبها كثيرًا ذاك الذي أجمعنا القلوب على محبته. وهذه صور، وأشرطة، وكتب وضعت بين صفحاتها العلامات والرموز. من ذا الذي يستطيع الآن تقليبها ليستشف الغاية منها؟ وهل من يد سحرية تلم شمل هذه الوردة الممزقة الجافة وتنفث فيها من جديد روح الحياة وأريجها؟ كان اليونان يضعون موتاهم على فراش ناري فيلتهمها اللهيب. واعتاد الأقدمون إيداع النار كل عزيز لديهم، وإنما النار مستودع أمين لهاتيك الذخائر. كذلك يقرأ الصديق الأسيف صحائف لم تقع عليها عينٌ غير تلك التي أطبقت إلى الأبد. وإذ يتثبت من خلوها مما يعبأ به العالم يحملها بيد مرتجفة ويلقيها في النار، فيضم اللهيب وديعته هنيهة ولا يطول حتى ينقلب وإياها رمادًا. لقد نجت الصفحات التالية من مثل هذا المقدور. ولم يكن يراد في البدء سوى إذاعتها بين خلان الصديق الراحل. أما وقد وجدت أصدقاء بين الغرباء فهي جديرةٌ بالانتشار في العالم الوسيع. وكان يود ناشرها إظهارها على صورة أتم إلا أن الأوراق بالية في الأصل لا يتيسر نشرها بحذافيرها. ابتسامات ودموع
الفصل الأول الذكرى الأولى للطفولة أسرار ومميزات ولكن من ذا الذي يستطيع وصفها! من ذا الذي يستطيع تعليلها، لقد اجتاز كلٌّ منا ذلك العمر الذي تشبه ذكراه ذكرى غابة هادئة مسحورة، وخَبَرَ يومًا فيه فتح عينيه المملوءتين بدهشة السعادة على سناء الحياة الجديدة الفائضة في روحه. يومذاك لا ندري أين نحن ومن نحن: بل العالم كله يخصنا ونحن ملك العالم بأسره. حياة تخال دائمةً بلا بداية ولا نهاية لا هم فيها ولا ألم. القلوب عندها صافية كسماء الربيع، عذبة كعرف البنفسج، مطمئنة قدسية كصباح أيام الأحد. ماذا يطرأ على الطفل فيقلق فيه هذا السلام الإلهي، وكيف تنتهي تلك الحياة المشبعة سذاجة وطهارة؟ أي العوامل يحول معاني كيانه، ويميت فيه الشعور بالاتحاد والتضامن؟ أي العوامل يعلمه تمييز المفرد من الجمع، فينتبه ليجد نفسه في معترك الحياة وحيدًا كئيبًا؟ لا تقل، يا ذا الوجه العبوس، إن ذلك العامل هو الخطيئة! أو هل يجني الطفل إثمًا ويقترف ذنبًا؟ بل حري بك أن تعترف أننا لكل شيء جاهلون وإنه ما علينا سوى الاستسلام والامتثال. أهي الخطيئة التي تنبت البذرة زهرة، وتنضج الزهرة ثمرة، ثم تفنى الثمرة وتذرها هباءً؟ أهي الخطيئة التي تحول الحشرة دودةً وتجنح الدودة فراشةً، وتذر الفراشة هباءً؟ أهي الخطيئة التي تسير الطفل رجلًا، وتشعل منه الرأس بشيب الشيخوخة، ثم تهمد الشيخ جثةً، ثم تذر الجثة هباءً؟ وما هو هذا الهباء الذي تضيع فيه الصور؟ ألا فاعترف بأننا لكل شيء جاهلون وإنه ما علينا سوى الامتثال والاستسلام! ولكنه يحلو التلفت إلى ربيع الحياة وإلقاء نظرة على هيكل التذكار، سواء أكنا من العمر في قيظ الصيف أو حزن الخريف، أو زمهرير الشتاء. بل لا بد من ساعات فيها يناجي القلب ذاته قائلًا: «وأنا أيضًا أشعر بالربيع متيقظًا في!» هذا ما أشعر به اليوم. وتراني مستلقيًا على ندى العشب في الغابة العطرية لأريح جسمي المضني. أرفع بنظري إلى زرقة السماء البادية من خلال الوريقات الخضراء وأفكر: «ترى كيف كانت طفولتي؟» أخالني ناسيًا كل شيء لأن صفحات الذاكرة الأولى تشبه التوراة القديمة المحفوظة في العائلة أي أن أوراق الاستهلال منها ذابلة متجعدة ملوثة، ولا تتيسر القراءة إلا بعد صفحات وصفحات، عند السطور المحدثة عن طرد آدم وحواء من الفردوس. طفولتي بعيدة العهد يفوتني كثير من حوادثها ولا أعي أيامها القصوى، أعود بأحلامي إليها، وأنتقل منها إلى الأبدية التي سبقتها، وتظل البداية المبهمة متراجعة أمامي كلما تتبعها فكري القاصر، لأن فجر الحياة يختفي في ظلمات الغفلة والحداثة. وأنا في ذلك كالطفل يبحث عن نقطة ارتكاز السماء على الأرض فيعدو حثيثًا وتلبث السماء مجددة آفاقها، فيتعب الطفل وتكل قدماه ولا ينال من بغيته شيئًا. على أني ما زلت أذكر أول مرة رأيت النجوم وكانت النجوم تعرفني منذ زمن طويل. كنت في ذلك المساء على ركبتي والدتي، ورغم ذلك سرى البرد في جسدي واستولى عليّ الخوف، فانتبهت لذاتي الصغيرة انتباهًا غير عادي. ورفعت والدتي أصبعها مشيرة إلى النجوم اللامعة، فدهشت وفكرت «بأي لباقة صنعت أمي كل هذا!» وعادت الحرارة إلى جسدي وأظنني استسلمت للنوم. وأذكر كيف اضطجعت مرة على العشب الأخضر وكل ما حولي يموج ويهتز ويطن ويهمهم، فاقتربت مني جماعة مخلوقات صغيرة مجنحة ذات أقدام متعددة وحلت على جبهتي قائلة: «نهارك سعيد.» فشعرت بألم في أجفاني وصرخت مناديًا أمي، فجاءت وقالت: «يا بني المسكين، ها قد لسعتك البعوض.» ولم أتمكن من فتح عيني لأرى زرقة السماء. وكانت أمي تحمل طاقة بنفسج نضير فأحسست بالأريج المسكن ذي الزرقة القاتمة يخترق دماغي. ومنذ ذلك اليوم ما رأيت باكورة البنفسج إلا انتعشت تلك الذكرى في حافظتي فأغمض عيني لعل سماء ذاك العمر تخيم علي مرةً أخرى. شفيت، فانبسط أمامي عالم لم أعهده يفوق منه الجمال جمال الكواكب ويفضل منه العطر عطر البنفسج. وكان صباح عيد الفصح، فأيقظتني والدتي باكرًا فوقفت أنظر إلى الكنيسة القديمة القائمة إزاء النافذة. لم تكن جميلة كنيسة طفولتي، إنما كانت شاهقة، جدرانها ذات منظر مهيب، باذخة قبتها يعلوها صليب مذهب، وتبدو أقدم جميع المنازل المجاورة. ولطالما تمنيت تعرف من يسكنها فنظرت من شباك الباب الحديدي، وأطلت النظر مرة وكان الداخل خاويًا خاليًا رطبًا وليس ثمة نفس واحدة، فصرت أفزع كلما مررت بها فأعدو طلبًا للهرب. ولكن في ذلك الصباح، صباح عيد الفصح، أمطرتنا السماء في الضحى رذاذًا ثم بزغت الشمس في أبهى حلة من الأنوار فبهجت جدران الكنيسة القديمة وتألق سطحها المصفح الأشهب، ولمعت نوافذها الكبيرة، وسطعت القبة بسناء صليبها الذهبي سطوعًا مدهشًا تناول كل شيء منها وحواليها. وبدا النور السائل من النوافذ الكبيرة حيًّا متموجًا وأبهى من أن يمكن التحديق فيه، فأغمضت عيني. إلا أن النور العجيب ما زال يفيض على روحي جاعلًا جميع الأشياء لامعة عطرة ترن وتنشد. خلت حياة جديدة تنبض فيَّ، كأن شخصي الأول تبدل بشخص آخر، وإذ سألت عن الأصوات الفخمة المتصاعدة من أعماق الكنيسة قالت والدتي: إن هذا نشيد الفصح. لم يتسن لي إلى اليوم معرفة ذلك النشيد الذي هبطت أنغامه على روحي، ولا ريب أنه من تلك المزامير الرائعة التي تسربت إلى روح لوثر الصارمة. ولم أعد أسمعه مرة أخرى. أما الآن فعندما أصغي إلى موسيقى بيتهوفن أو مزامير مارسلو، أو أجواق هيندل، وأحيانًا عندما أسمع الأغاني الساذجة في جبال اسكوتلندا والتيرول، أشعر بأن نوافذ كنيستي القديمة تسطع بنور باهر، وأن عالمًا جديدًا ينفتح أمامي من عالم الكواكب وأعذب من عرف البنفسج. هذا ما علق بذهني من تذكارات طفولتي يتخللها وجه أمي الحنونة وعينا أبي العميقتان، وحدائق وأشجار أعشاب مخملية الخضرة، ودالية تحمل العناقيد الناضجة، وكتاب جليل حافل بالصور الملونة، التوراة. هذا كل ما أميزه على الصفحات الأولى من ذاكرتي الذابلة. لكن ما يعقبه واضح جلي. أرى ملامح الوجوه التي اعتدت مشاهدتها وأنادي أصحاب هذه الوجوه بأسمائهم: أبي وأمي، وأخواتي وإخوتي، والأصدقاء والمعارف والمعلمون وبعض الغرباء … أواه! يا لحلاوة تذكار تركه الغرباء في فؤادي! ويا لعمق موضع روحي نقشت فيه أسماؤهم! ابتسامات ودموع
الفصل الثاني الذكرى الثانية كان على مقربة من بيتنا وإزاء الكنيسة ذات الصليب المذهب بناية شاهقة تعلوها قبب كثيرة. عظمت حتى صغرت حيالها بناية الكنيسة ذاتها. وكانت قببها شهباء قديمة كقبب الكنيسة، إنما لم تظهر فوقها الصلبان المذهبة، بل قامت على الجوانح نسورٌ حجرية وخفقت رايةٌ زرقاء على القبة العليا المطلة على المدخل، وقد امتد أمامه سلم يمنة وآخر يسرة ووقف جندي يحرس كلًّا منهما. نوافذ المنزل عديدة تجللها من الداخل الحرائر القرمزية تتدلى منها الطرر الذهبية. وأشجار الليمون المنتصبة في الساحة الفيحاء تغطي الجدران بوريقاتها الغضة وتنشر على العشب أريج أزهارها. كثيرًا ما كنت أرفع عيني إلى هناك عند المساء إذ تطلق أشجار الليمون أعذب أنفاسها وترسل النوافذ أبهى أنوارها فأرى خيالات تجيء وتروح، وأسمع أنغام الموسيقى مترددة من أعالي القصر. ثم تمر المركبات إلى القصر فيرتجل الرجال والنساء ويصعدون على الدرجات وعلى وجوههم سيماء الصلاح والنبل، بينا نجوم الأوسمة تشع على صدور الرجال والورود والرياحين ترقص بين شعور النساء، فأفكر في بساطتي: «لماذا لا أذهب أنا كذلك؟» أخذني والدي بيدي يومًا وقال: «ها نحن ذاهبان إلى القصر، فتأدب. وإذا كلمتك الأميرة أجب باحتشام وقبل يدها.» وكنت في عامي السادس ففرحت فرح أهل هذا العمر. وكنت أسمع الثناء الكثير على أخلاق الأمير والأميرة صاحبي القصر وما فطرا عليه من ميل إلى الإحسان وعطف على الفقراء، فضلًا عن عدل وإنصاف بهما يمثلان الله تعالى على الأرض في معاقبة الأشرار والمعتدين. فحسبتني أعرفهما، وحسبتهما نظير الصورة التي وضعتها لهما مخيلتي. بل هما كانا من معارفي القدماء لا كلفة بيننا ولا تكلف كأنهما بعض ألاعيبي وجنودي الخشبية. صعدت في السلم وقلبي يدق بسرعة. وأخذ أبي يوصيني أن أقول «سموك» في مخاطبة الأميرة. ففتحت الأبواب ورأيت أمامي امرأة طويلة القامة ذات عينين براقتين نافذتين، تخال آتية توًّا إليّ تمد يدها لأضع فيها يدي. ولملامحها هيئة ألفها ذهني ونصف ابتسامة محجوبة تلعب حول ثغرها بلطف، فلم أتمكن من ضبط نفسي. وفي حين ظل أبي واقفًا قرب الباب ينحني (لا أدري لماذا؟) انحناءً عميقًا خففت أنا إلى السيدة الجميلة وقلبي يقفز إلى شفتي، ثم طوقت عنقها بذراعي وقبلتها كما أقبل والدتي، فظهر الارتياح على وجهها وداعبت شعري ضاحكة. إلا أن أبي مسك بيدي ودفعني بجفاء قائلًا أني صبي شرير وأني لن أرافقه مرة أخرى. فأخذتني الحيرة وصعد الدم إلى وجنتي وشعرت بسهم يخترق فؤادي الصغير وأن أبي يظلمني. نظرت إلى الأميرة أستمد دفاعًا فلم أر في محياها غير الرصانة واللطف. وأدرت ببصري في القاعة ومن فيها من رجال ونساء لعلي أجد من يشاركني في ألمي فإذا بهم جميعًا يضحكون، فهطلت الدموع من عيني وسرت نحو الباب وهبطت السلم مسرعًا تحت أشجار الليمون حتى وصلت المنزل والتقيت بأمي، فرميت بنفسي بين ذراعيها والشهيق يقطع صدري. فقالت: «ماذا جرى لك يا بني؟» قلت: «آه لو تعلمين! ذهبت إلى الأميرة فوجدتها جميلة لطيفة مثلك يا أماه فلم أتمالك أن طوقت عنقها بذراعي وقبلت وجنتيها.» فقالت: «وكيف فعلت! هؤلاء الناس أشراف أماثل وهم غرباء عنا.» قلت: «ماذا يهمني كونهم غرباء؟ أليس لي أن أحب كل من نظر إليّ بعينين معسولتين باسمتين؟» قالت: «لك أن تحب من تشاء يا بني. ولكن عليك أن تكتم حبك ولا تظهر منه شيئًا.» قلت: «إن لم يكن حب الغرباء جريمة فلماذا يحظر علي إظهاره؟!» فتنهدت أمي وقالت: «إنك لمصيب يا بني. لكن عليك أن تطيع والدك. وعندما تكبر سنًّا وفهمًا تعلم لماذا لا يجوز أن تطوق عنق كل سيدة جميلة ذات عينين جذابتين.» وكان ذلك اليوم كئيبًا. عاد أبي إلى البيت وكرر أني أسأت التصرف. وفي المساء سارت بي أمي إلى سريري فجثوت وصليت. غير أني لم أنم إلا بعد أرق طويل متسائلًا: من هم الغرباء الذين لا تجوز محبتهم؟ وا لوعتاه عليك يا قلب الإنسان! إن أوراقك لتجف في ربيع أيامك والريش يتساقط عن جناحيك قبل الأوان. عندما يبزغ فجر الحياة في أفق النفس ينتشر فيه عبير الحب. نحن نتعلم السير والوقوف والكلام والقراءة لكننا لا نتعلم الحب، لأن الحب جوهر الروح وجميع قوى الروح تناديه بأصواتها المختلفة. وقوة الحب أهم أصل غرسته الطبيعة في أعماق الكيان. فكما تجذب الأجرام السماوية بعضها بعضًا بالجاذبية الأبدية كذلك تجذب الأرواح المتآلفة بعضها بعضًا وترتبط الواحدة بالأخرى برباط الحب الأبدي. هيهات للزهرة أن تعيش بلا شمس وللإنسان أن يحيا حياةً عظيمة بلا حب. أليس أن قلب الطفل يكاد ينسحق انسحاقًا إذ تهب عليه من الجفاء النسمات الباردة الأولى في هذا العالم الزئبقي؟ ولكن ها إن حب والديه يظل لامعًا في ألحاظهم كأنوار سماوية وأشعة إلهية. حنين الطفل أطهر أنواع الحب وأبعدها غورًا وأشملها طبيعةً لأنه يحتضن العالم بأسره منسكبًا على كل نظرة ودودة، ويهتز لسماع كل نغمة عذبة. هو بحر عميق زاخر لا قرار له، وهو ربيع كنوز لا تقدر وخيرات لا تحصى. وكل من اختبر الحب عرف أنه لا يقاس ولا يكال ولا يوزن ولا زيادة فيه ولا نقصان، وإن الذي يحب صادقًا يحب بكلية قلبه وروحه وبمجموع قواه وأفكاره. لكن وا حسرتاه! ما أقل ما يبقى من هذا الحب بعد الوصول إلى نصف رحلة الحياة! عندما يعلم الطفل أن في العالم «غرباء» ويفهم من هم أولئك الغرباء تنتهي أيام طفولته، فيختفي ينبوع الحب وتسحقه أقدام الأعوام والاختبار. ويوم يتلاشى لمعان العين الطاهرة فتحل محله خيالات التعب والريب ينظر الإنسان إلى أخيه نظرة الغريب إلى الغريب ويتحاشى الدنو منه في الشارع المزدحم. يمر غير مسلم خوفًا أن لا ترد التحية فتتوجع روحه، لأن الإنسان ذاق مرارة الهجر من أصدقاء طالما بادلهم تحية الرءوس وابتسام الشفاه ولمس الأيدي. الريش البهي يتساقط عن جناحي النفس، وتجف وريقات الزهرة منها وتتمزق، ولا يبقى من منهل الحب سوى قطرات قلائل لإرواء غليل التائه في صحراء الحياة. تلك القطرات نظل ندعوها حبًّا، فأين هي من حب الطفل الفياض الجواد؟ ليس ذاك سوى حبٌ مُزِجَ بالشك والغموم ونار الانفعال المضطرم. حبٌّ يُفني ذاته بذاته كقطرات المطر على الرمال الحارة. حبٌّ يطلب دوامًا ولا يبذل يومًا. حبٌّ يسأل «أتريد أن تكون لي؟» ولا يقول «يجب أن أكون لك.» حب يستغرق نفسه، ويذيب نفسه، ويلاشي نفسه، وهو معذب يائس. هذا هو الحب الذي تترنم بوصفه الشعراء ويتوق إليه الفتيان والفتيات. شعلة تلتهب ثم تنطفئ ولا تدفئ، وتذهب تاركة بعدها الدخان والرماد. نحن نزعم يومًا أن هذه الأسهم النارية إنما هي آية الحب الدائم، ولكن كلما استعرت تلك النار وعظم لهيبها الموقوت قرب خبوها وحلكت ظلمة الليل الذي يتبعها. وساعة يسود الأفق ويدلهم حول الواحد منا فيرى نفسه وحيدًا شريدًا بين السائرين يمنةً ويسرةً دون أن يعيروه التفافًا، إذن تنهض عاطفةٌ منسية وتتمشى في صدره ذهابًا وإيابًا، ولا يدري أهي عاطفة حب أو عاطفة صداقة، ويود أن يصرخ لكل من أولئك الغرباء «ألا تعرفني؟» إذ ذاك يشعر بأن الغريب أدنى إلى الغريب من الأخ إلى أخيه ومن الأب إلى ابنه ومن الصديق إلى صديقه، ويدوي في طبقات ذاكرته صوت مجهول قائلًا إن هؤلاء «الغرباء» أقرب أصدقائنا وأعزهم لدينا وأحبهم عندنا. إذن لماذا نمر بهم صامتين؟ ذاك سرٌّ لا يدرك وما علينا سوى الامتثال. عندما يمر قطاران وأنت في أحدهما وفي الآخر وجه يود أن يبتسم لك، حاول مد يدك لمصافحة الصديق المبتعد عنك قهرًا. حاول ذلك وجربه لعلك تعلم لماذا يمر الإنسان بالإنسان صامتًا. قال فيلسوف قديم: رأيت بقايا سفينة أغرقتها العاصفة عائمة على صفحة البحر. يتلامس بعضها ويتلاقى إلى حين. ثم تهب الريح فتفرقها شرقًا وغربًا دون أمل في اللقاء. وذاك مصير بني الإنسان في بحر الحياة، ولكن ليس بينهم من شهد غرق السفينة. ابتسامات ودموع
الفصل الثالث الذكرى الثالثة غيوم الحزن لا تبقى طويلًا في جو حياة الطفل بل تتبدد بتدفقها من عينيه دموعًا. لذلك عدت بعد أيام إلى القصر فأعطتني الأميرة يدها وأتيح لي تقبيلها. وجاءتني بأولادها الأمراء والأميرات فأنشأنا نتقاسم الألعاب ونتشارك في الملاهي شأن الذين يرجع عهد تعارفهم إلى سنوات خلت. تلك أيام هنيئة لأني بعد ساعات المدرسة، وكنت بدأت أذهب إلى المدرسة، كان لي أن أتوجه إلى القصر فأجتمع برفاقي وبين أيدينا ما يشتهي قلب الطفل من لعيبات ودمى كثر ما أرتنيها والدتي وراء زجاج الحوانيت الكبيرة، قائلة: إنها باهظة الثمن قد تكفي الواحدة منها لإعالة العيلة الفقيرة أسبوعًا كاملًا. ومثلها كتب الصور الجميلة التي أبصرت أبي يقلبها عند أصحاب المكاتب ويقول: إنها لا تشترى لغير الأولاد الصالحين. ها هي لي الآن في القصر أقرؤها وأتمعن في صفحاتها ساعات طويلات، لأن كل ما يخص الأمراء الصغار يخصني، أو بالأحرى هذا ما أزعمه. إذ لا تقصر حريتي على استعمال ذلك المتاع الصبياني عند أصحابه. بل أنا مخير في أخذ ما أريد منه إلى البيت وفي التصرف به وإهدائه إلى أولاد آخرين. وزبدة القول أني كنت اشتراكيًّا بأوسع معاني الكلمة. وكانت الأميرة تلبس يومًا أفعى ذهبية التفت حول زندها التفاف الحياة والإحساس، فدفعت بها إلينا لنلهو. وعند الانصراف لويت الأفعى حول ساعدي لأرعب أمي في الظلام، فلقيت في طريقي امرأة توسلت إلي أن أريها الأفعى ففعلت، فتنهدت وقالت إنها لو ملكتها لخلص بثمنها زوجها من غيابات السجن. فلم أتردد لحظة في مساعدتها، ومضيت أعدو تاركًا المرأة والسوار الذهبي بين يديها. وحدث في الغد جلبة وضوضاء إذ جيء بالمرأة إلى القصر تبكي وتنتحب وقد اتهمت بأن اغتصبتني الأفعى، فاستشطت غضبًا وصرحت بتحمس وحدة: إني وهبتها السوار ولا أروم استرداده. لا أدري ماذا جرى بعدئذ. على أني صرت منذ ذلك اليوم أعرض على الأميرة كل ما أحمله معي إلى البيت. مر زمن قبل أن تتسع أفكاري فأدرك معنى خاصتي وخاصتك. وطال اختلاط المعنيين في ذهني كما طال عجزي دون التمييز بين اللونين الأحمر والأزرق. وآخر مرة ضحك مني أصحابي لمثل ذلك، كانت يوم أعطتني والدتي نقودًا لأبتاع تفاحًا. أعطتني عشرين بارة وكان ثمن التفاح نصف هذه القيمة. فقالت البائعة بصوت خلته حزينًا أنها لم تبع شيئًا منذ الصباح وليس لديها من النقود ما ترده إلي، وتمنت أن أشتري تفاحًا بعشرين بارة، فتذكرت أن في جيبي قطعة نقود أخرى من ذوات العشر بارات، وسررت أن أحل المشكل بنقدها تلك القطعة قائلًا: «الآن تستطيعين أن تردي العشر بارات الباقية.» فلم تفهمني المرأة المسكينة بل أعادت إلي قطعة العشرين بارة واستبقت لنفسها قطعة العشر بارات. كنت أذهب كل يوم أشارك الأمراء في ألعابهم وأتعلم معهم الفرنساوية. ومنذ ذلك الحين أرى صورة ترتفع من أعماق ذاكرتي، هي صورة ابنة الأمير الكبرى الكونتس ماري التي توفيت والدتها إثر وضعها، فتزوج الأمير بعدئذ بالأميرة الحالية. تتصاعد تلك الصورة في شفق ذاكرتي بتمهل وإبهام، فهي في البدء خيال سابح في الهواء يتشكل ويتكيف قليلًا قليلًا مقتربًا مني، حتى يقف أخيرًا أمام نفسي ساطعًا كالبدر يشق حجاب الغيوم بعد زوبعة شديدة ويبرز فينير وجه الليل. كانت الفتاة أبدًا مريضة تتألم صامتة. ولم أرها حياتي إلا ملقاة على سرير نقال يحمله إلى غرفتنا رجلان، ويحملانه منها إذا هي تعبت وأشارت. هناك كانت ترقد بين الأنسجة البيضاء شابكة يديها على صدرها، ووجهها شاحب وإنما مليح لطيف وعيناها عميقتان لا قرار لغورهما. فأقف حيالها مشتت الفكر، وأحدق في عينيها متسائلًا ما إذا كانت هي الأخرى من «الغرباء». فتضع يدها على رأسي فتعتريني هزةٌ وألبث جامدًا صامتًا بلا حركة ولا كلام، وكل قواي تطل من حدقتي على تينك العينين العميقتين اللتين لا قرار لهما. كانت تكلمنا نادرًا غير أن نظرها يرقب كافة ألعابنا. ولم تكن تتذمر مهما أفرطنا في رفع الصوت وإكثار الجلبة بل تنقل يديها إلى جبهتها العاجية وتغمض عينيها كمن يستسلم للنوم. وتشعر بتحسن صحتها في أيام أخرى فتستوي فوق مضجعها ونرى على وجنتيها نضرة الفجر الباكر، فتحدثنا الأحاديث المسلية وتقص علينا الحكايات المدهشة. لست أدري كم كانت سنها، على أنها كانت باعتلالها الطويل وضعفها شبيهة بالأطفال يداريها الجميع، ويذكرونها برفق واحترام وينعتونها «بالملك» ولم أسمع عنها يومًا سوى الكلمة الطيبة. أما أنا فكنت أقف حيالها خاشعًا، وعندما أراها صامتة بائسة وأفكر في أنها لن تعرف يومًا لذة النهوض والسير من مكان إلى مكان بمجرد دافع الإرادة، وأنها ليس لديها من عمل تؤديه ولا من مسرة تتمتع بها، بل إن سريرها هذا في الحياة إنما هو رمز نعش يضمها في الممات، إذ ذاك أسائل نفسي لماذا جاءت هذا العالم وهي أهل لأن تذوق راحة رضية في حضن الله، أو أن تحمل على أجنحة الملائكة البيضاء على ما نراه ممثلًا في الصور المقدسة. ثم أشعر بوجوب مقاسمتها آلامها لئلا تقاسي وحدها جاهلة أن قربها قلبًا يتألم لها ويحتمل معها. ولكن كيف أبوح لها بما يجول في خاطري وأنا غافل عن وجوده؟ كل ما كنت أعلم أنه لا يجوز لي أن ألقي بنفسي على عنقها لئلا أسبب لها كدرًا وغمًّا، فأكتفي بالابتهال إلى الله من أعماق قلبي أن يريحها من سقامها. أدخلت علينا في يوم حار من أيام الربيع وهي شاحبة كل الشحوب، أما عيناها فكانت أشد لمعانًا وأبعد غورًا، فجلست على مضجعها ونادت بنا وقالت: «اليوم تذكار مولدي. حبذا العيشة معكم طويلًا، ولكن قد يدعوني الله إليه في القريب العاجل. ولما كنت راغبة في أن لا تنسوني تمامًا بعد رحيلي جئت كلًّا منكم بخاتم يلبسه الآن في السبابة ويظل ينقله إلى الأصبع المحاذي كلما مرت الأعوام حتى يستقر في الخنصر وهناك يبقى مدى الحياة.» وعمدت إلى خواتم خمسة في أصابعها فنزعتها الواحد بعد الآخر وعلى وجهها أمارات حزن عميق يمزجه حبٌّ ولين، فأغمضت عيني كيلا أبكي، فأعطت أخاها الأكبر الخاتم الأول وقبلته، ودفعت الخاتمين الثاني والثالث إلى أختيها الأميرتين، وكان الخاتم الرابع نصيب الأمير الأصغر، وقبلتهم جميعًا. وكنت أقف قربها محدقًا في يدها البيضاء وفي الخاتم الوحيد الباقي في أصبعها. ثم استقلت على سريرها منهوكة القوى فتبع حركتها نظري والتقى بنظرها ففهمت بلا ريب ما يدور في خلدي وسمعت ما يهمس به قلبي لأن ألحاظ الأطفال شديدة التعبير بليغة المعنى. حزنت لإعراضها، ولو حاولت مراضاتي الآن ما رضيت أن أنال الخاتم الأخير لأن التخلف إنما يدل على أني غريب لا تخصني بإعزاز ولا تحبني محبتها لإخوتها وأخواتها. وصرت متوجعًا كمن فتح أحد عروقه أو قطع بعض أعصابه، ولم أعد أدري أني أوجه نظري لأخفي كربتي. فجلست من جديد ولمست جبهتي مرسلة في عيني نظرة استقصاء واستقراء أشعرتني بأن ما من سر فيَّ إلا اكتنهته الفتاة وما من فكر إلا قرأته. وسحبت الخاتم الأخير من يدها متمهلة وقالت: «وددت أن يصحبني هذا الخاتم يوم أفارقكم ولكن البسه أنت فذلك خير. وفكر فيَّ عندما أصير بعيدة عنكم. اقرأ الكلمات المنقوشة عليه «كما يشاء الله». أما قلبك هذا فمفعم حرارة ورقة، ألا فلتروضه الحياة وتنمه دون أن تقسيه!» ثم قبلتني كما قبلت إخوتها وأعطتني الخاتم. ما أصعب الوصف وما أعصاه! يومذاك كنت أكاد أكون صبيًّا، فكيف يتفلت قلبي من سحر ذلك الملك المتألم ولطفه؟ كنت أحبها كما يحبها الصبي، والصبيان يحبون بحرارة وصدق وطهارة قل منهم من يحب بها في الشبيبة والرجولة، على أني ذكرت أنها من «الغرباء» الذين حرمت علي المجاهرة بحبهم. إنما شعرت بتقارب روحينا وبتلامسهما بأرق ما تتلامس به أرواح البشر. زالت المرارة من قلبي ولم أعد أشعر بأني وحيد في العالم، ولم أعد أشعر بأني غريب عنها تفصل بيننا هوة أو مرتبة. كنت معها، كنت قربها، وكانت روحي تلمس روحها، فحسبي. ثم رأيت أن استبقاء الخاتم الذي ودَّت أخذه إلى القبر، رأيت أن استبقاءه معي حرمانً لها، وتعالت في نفسي عاطفة طغت على كل عاطفة سواها فقلت مضطربًا: «احتفظي بالخاتم إن شئت أن يكون نصيبي. لأن ما لك هو لي.» فأطالت النظر في وجهي دهشةً متأملة، ثم تناولت الخاتم ووضعته في أصبعها وقبلت جبهتي مرةً أخرى وقالت بصوتها العذب الرقيق: «أنت لا تدري ماذا تقول، أيها الفتى، فحاول أن تفهم نفسك لتسعد وتسعد الآخرين». ابتسامات ودموع
الفصل الرابع الذكرى الرابعة نجتاز من العمر أعوامًا يماثل تتابعها ممرًا طويلًا قامت على جانبيه أشجار الحور تحجب عنا استدارة الأفق فنظل جاهلين أي الأنحاء نجوب، ولا نحفظ منها سوى كئيب الذكر أننا قطعنا من الأيام مراحل وتقدمنا في السن. ونلهو في حدائقنا بمراقبة المد المنبسط من نهر الحياة فيلوح لنا المشهد واحدًا وإن تغيرت منه المناظر وتجددت على الشطين، فإذا ما بلغنا شلالات الحياة، شلالات الجهاد والعناء والألم، كان عملها في نفوسنا شديد الأثر، وكلما ابتعدنا عنها زاد تعالي صخبها وهديرها وضجيجها. حتى إذا أخذنا في الدنو من أوقيانس الأبدية اجتلى في ذهننا معناها، ووضحت لنا أهميتها، فشعرنا بأن القوة التي ما فتئت تمدنا بالنشاط والفطنة والحكمة وما زالت تسوقنا إلى الأمام نحو غاية سامية إنما تلك الشلالات أصلها ومصدرها، ومنها منهلها الذي لا ينضب. انقضت مدة دراستي ومضت معها أوقات السرور والخلو وذوى من أحلامي الجميلة كثير، على أنه بقي لي إيماني بالله وحسن ثقتي بالبشر. رأيت الحياة شديدة الاختلاف عما صورته مخيلتي، ولكن الشئون بدت لإدراكي كبيرة مهمة تزينها المعاني الرفيعة السامية. وما أشكل منها وجلب غمًّا وألمًا صار في تقديري أقوى شاهد على أن يد الله تدير حركات الكون فليس لعقولنا المحدودة أن تحصر تلك الحكمة المتناهية. «لا يقع شيء إلا بإذن الله وسماحه» غدا هذا المبدأ الفلسفي موضع راحتي وتعزيتي. عدت في عطلة الصيف إلى بلدتي. فرح العودة وفرح اللقاء، من ذا منا يشرح أسبابه؟ من ذا الذي يتفهم لذة نتذوقها في أن نرى مرة أخرى ما رأيناه من قبل، وأن نجد من جديد ما سبق وعرفناه قدمًا؟ يكاد يكون التذكار سر كل تمتع وكل مسرة. قد يكون ما نراه ونسمعه ونذوقه لأول مرة جميلًا مُرْضِيًا لذيذًا على أنه يدهشنا بجدته وغرابته فلا يتم الهناء به لأن مجهود السرور يجيء غالبًا أقوى من السرور نفسه. ولكن إذا سمع المرء بعد مرور أعوام نغمة قديمة كان يزعم أنه نسي كل نبرة من نبراتها فعرفتها روحه وعانقتها كأنها صديق عزيز، أو وقف أمام صورة العذراء ناظرًا في عيني طفل تحمله فتنبهت فيه عواطف اعتادها عند هذا المشهد في صغره، أو استنشق زهرة، أو ذاق طعامًا لم يذكره منذ زمن الحداثة، شعر بلذة لا يدري لعمقها أهي آتية من السرور الحاضر وحده أم هي جمعت بين أطايب الساعة المارة وتذكارات عهد مضى. كذلك يعود الطالب منا إلى وطنه بعد غياب أعوام فتخوض نفسه بحر خواطر تحمله منه الموجات المترنحة نحو شواطئ الأيام القصية، وإذ يسمع ساعة البرج يضطرب خوفًا من التأخر عن ميعاد الدرس ثم يعود من رعبه جذلًا بانقضاء أيام الدراسة. يرى كلبًا يعبر الشارع هو الكلب الذي طالما لاعبه في الماضي، وها هو الآن قد كبر وشاخ حتى قام الفراغ مكان أنيابه. وهاك بائع السلع المتجول الذي طالما جربتنا تفاحاته وما زالت في حكمنا، رغم غبار يلتصق بها ويغلفها، أشهى صنوف التفاح في العالم. وهناك هدم منزل قديم وشيد غيره مكانه. ذاك كان منزل معلم الموسيقى. ما كان أبهج الوقوف تحت نوافذه في ليالي الصيف والإصغاء إلى ما يبتكره ارتجالًا للتسلية بعد ساعات العمل الطويلة، فتنطلق الألحان كأنها بخار تجمع في نفسه خلال النهار فأنشأ يعتقه ليلقي عنه حملًا ثقيلًا. وهنا في هذا الزقاق الضيق الذي كنت أخاله أوسع قليلًا، هنا اجتمعت ليلة بابنة الجيران الجميلة. لم أكن فيما مضى لأجرأ على محادثتها والنظر إليها. على أننا نحن الصبيان كنا نتناقل أخبارها في المدرسة ونسميها «الفتاة الحسناء»، فإن رأيتها آتية في الشارع عن بعد اغتبطت لهذه المصادفة دون أن أطلب الدنو منها. وكان أنها مرة في هذا الزقاق المؤدي إلى المقبرة اتكأت على ذراعي وسألتني أن أسير بها إلى البيت. مشينا ولم ننبس بكلمة طول الطريق. كنت صامتًا وظلت هي ساكتة، ولكن سروري كان من الشدة بحيث إني الآن بعد مرور أعوام، إن ذكرت تلك البرهة تمنيت انقلاب الزمن ورجوع ما لا يرجع ليتسنى لي السير مرة أخرى صامتًا سعيدًا تستند على ساعدي «الفتاة الحسناء». وهكذا تتوارد خاطرة إثر خاطرة حتى تعج موجات التذكار فوق رءوسنا، ونرسل زفرة تلفتنا إلى أن الهجس أقلق انتظام التنفس منا، فيختفي عالم الأحلام بغتة كما تتلاشى الأشباح عند صياح الديك في الضحى. ولما مررت أمام القصر القديم المحاط بأشجار الليمون ورأيت الحراس على خيلهم عند الدرجات العاليات توافدت التذكارات متلازبةً في خاطري واكتأبت لدوران الأيام. لم أدخل هذا القصر منذ أعوام عديدة. لقد توفيت الأميرة، واعتزل الأمير خدمة الحكومة وسكن منزلًا منفردًا في إيطاليا، وصار نجله الأكبر الذي نشأت وإياه نائبًا عنه. يقيم في هذا القصر تحف به بطانةٌ من شبان الأشراف والقواد يتمتع بحديثهم ويهنأ بعشرتهم، فكيف لا يحسب أصدقاء طفولته غرباء عنه؟ ومما رغبني في الابتعاد أنني ككل شاب ألماني عرف احتياج الشعب الألماني من جهة وخطأ الحكومة الألمانية من جهة أخرى، كنت انضممت إلى حزب الأحرار واعتنقت نظرياته المغايرة لنظريات بلاط الملوك كل المغايرة. نعم، منذ أعوام لم أصعد على ذلك الدرج. ورغم ذلك ألفظ كل يوم اسمًا قطنت صاحبته في هذا القصر ومثلت صورتها في ذهني لا تبتعد عني. اعتدت فراقها الجسدي لأنها نمت خيالًا جميلًا وثقت من أن لا أصل له في الواقع. صارت ملكي الحارسي وذاتي الأخرى، أحادثها ساعة أحادث نفسي، وأستشيرها وأعمل بنصيحتها. لست أدري كيف تجسمت فيَّ إلى هذا الحد على قلة معرفتي بها. ولكن كما أن النظر يبدع من السحب أشكالًا كذلك حفظت ذكرى طفولتي رؤياها اللطيفة وكونت من خطوط الحقيقة الضعيفة الواهية صورة كاملة بارزة. أصبح تعاقب أفكاري محاورة بيني وبينها، وما هو حسن فيَّ، وكل ما أتوق إليه، وأسعى في سبيله، وأومن به، كل ذاتي المثلى كانت تخصها، كانت مهداةً إليها كما أنها آتية من روحها، من روح ملكي الحارس الأمين. أقمت في بيتي العتيق أيامًا فجاءني في ذات صباح رسالة مكتوبة بالإنجليزية من الكونتس ماري، وهذا نصها: صديقي العزيز بلغني أنك ستقيم هنا زمنًا. نحن لم نلتق منذ أعوام طويلة. فإن أرضاك أن نلتقي مرة أخرى فإني أسر كل السرور بمشاهدة صديق قديم تجدني وحدي بعد ظهر اليوم في الكوخ السويسري. لك بإخلاص ماري فجاوبت فورًا بالإنجليزية أني سأزورها في الموعد المضروب. ولم يكن الكوخ السويسري سوى جناح من القصر ينفتح على الحديقة ويتيسر الوصول إليه دون المرور في ساحة القصر الكبرى. ولما أزفت الساعة الخامسة اجتزت الحديقة متغلبًا على انفعالي، متهيئًا لمقابلة رسمية، مؤكدًا «لملكي الحارس» في داخلي أن لا شأن لي مع هذه السيدة. ولكن ما معنى قلقي واضطرابي، ولماذا لا يوحي إلي «ملكي الحارس» ما أتطمن به وأرتاح إليه؟ أخيرًا تشجعت هامسًا لنفسي بكلمات سخرية بالحياة، وطرقت بابًا كان نصف مفتوح. وجدت في الغرفة سيدة لا أعرفها خاطبتني بالإنجليزية وقالت إن الكونتس آتية في الحال. ثم خرجت وتركتني وحيدًا ولدي الوقت الكافي لألقي نظرة على ما يحيط بي. كانت جدران الغرفة من خشب السنديان يدور حولها نقشٌ برزت فيه وريقات اللبلاب وتصاعدت معرشةً في السقف. كذلك كانت الطاولات والكراسي وأرض الغرفة من خشب السنديان وقد تحاذى فيها الحفر والنقش. وتوزع هنا وهناك كثير من أمتعة ألفتها في غرفة ألعابنا القديمة وقد أضيف إليها أمتعة جديدة، لا سيما الصور والرسوم. وكانت هي الصور بعينها التي اخترتها لتزيين غرفتي في الجامعة: ففوق البيانو صور بتهوفن وهيندل ومندلسهن، وفي إحدى الزوايا زهرة ميلو وهو في تقديري أتم وأبدع تمثال أبقته لنا المدنية القديمة. وعلى الطاولات كتب دانتي وشكسبير، ومجموعة مواعظ تولر، وكتاب «اللاهوت الألماني» وأشعار روكرت وتنسن وبورنز، وكتاب كارلايل «الماضي والحاضر»، وهي الكتب نفسها التي كنت أقلبها قبل أن أجيء إلى هذا المكان. فاجتذبت إلى دائرة التأمل، بيد أني حاولت التملص منها ووقفت أمام صورة الأميرة المتوفاة. عندئذٍ فتح الباب ودخل الرجلان اللذان عهدتهما في حداثتي يحملان الكونتس على سريرها. يا لعذوبة تلك الرؤيا! كانت صامتة لا تتحرك وبقي وجهها هادئًا كصفحة البحيرة حتى غادر الرجلان الغرفة. إذ ذاك حولت نحوي عينيها، تينك العينين القديمتين اللتين لا يدرك غورهما، وتألق وجهها فانقلبت كل هيئتها ابتسامًا. ثم قالت: «كنا صديقين ولا أظننا تغيرنا في صداقتنا. لذلك لا يمكنني أن أقول «أنتم». وحيث إن العادة لا تسمح بأن أقول «أنت» بالألمانية فلنتخاطب بالإنجليزية.١ أليس كذلك؟» لم أتأهب لمقابلة كهذه. رأيت أن لا تمثيل هنا، ولا مجاملة ولا رياء. هنا روح تتوق إلى روح أخرى. هذا ترحيب صديق عرف عيني صديقه وراء الوجه العارية ورغم التنكر الاتفاقي. فأخذت يدها التي مدتها إليَّ وقلت: من حادث الملائكة لا يقول «أنتم». ولكن ما أعظمها قوة سبكت في قوالب الحياة واصطلاحاتها! وكم يتعذر التكلم بلغة القلب حتى مع أشبه الأرواح بأرواحنا! تعذر ذلك علينا فاضطرب حديثنا وتضعضعت أفكارنا وشعرنا بارتباك مزعج حاولت التخلص منه بما حضرني من الكلام فقلت: «لقد اعتاد الناس عيشة الأقفاص منذ الحداثة فإذا ما وجدوا نفوسهم فجأةً في الهواء الطلق لا يجرءون على تحريك أجنحتهم، ويتخوفون الاصطدام بالصخور إذا هم حلقوا في الفضاء الوسيع!» فقالت: «هو ذلك، وهو عين الصواب وليس نقيضه بالممكن. لا ريب أننا نود أحيانًا أن نكون كالأطيار أحرارًا نتنقل على أشجار الغابات ونلتقي فوق الأغصان ونغرد سويًّا ثم نفترق دون أن يعرف أحدنا الآخر. ولكن اذكر يا صديقي أن بين الأطيار غربانًا يؤثر تجنبها. ولعل الحياة كالشعر: فكما يحسن الشاعر سبك المعاني الجميلة والحقائق الخالدة في أوزان معينة، كذلك على الناس صيانة حريتهم الفكرية والوجدانية رغم قيود المجتمع ودون الإيذاء بها أو التطاول عليها.» فأجبت مستشهدًا بقول الشاعر بلاتن: «أي شيء أثبت نفسه خالدًا في كل مكان؟ ذاك هو الفكر الحر رغم قيود الألفاظ.»٢ فابتسمت ابتسامة رقيقة وقالت: «نعم. ولكن لي من ألمي ووحدتي ما يخول لي ما ينكر علي سواي. وكم أشفق على الفتيات والشبان الذين لا يربطون فيما بينهم برابطة الصداقة والائتلاف إلا ويفكرون هم أو يفكر لهم ذووهم، بدنو الحب أو ما يسمونه حبًّا. الفتيات يجهلن الجمال المختفي في نفوسهن وقد يكفي لإظهاره حديث جدي مع صديق نبيل. والشبان يتعشقون فضائل الفروسية ويمرنون نفوسهم على المحامد والمكارم إذا هم شعروا بمراقبة امرأة تحوم حول جهودهم ونتائجها سرية كانت أم علنية. ولكن للأسف ذلك لا يكون. لأن الحب لا يلبث أن يقتحم الميدان. الحب أو ما يسمونه حبًّا: أي ضربات القلب المتسارعة المتباطئة، وعواصف اليأس والرجاء، والتلذذ بالوجه المحبوب والتصورات المرضية، وقد يرافق هذه غايات وأطماع جمة. تهجم كلها متعاونة على إقلاق ذلك البحر الهادئ العميق، بحر الصداقة، وهو صورة صادقة للحب الإنساني الطاهر.» صمتت هنيهة فيها لاحت على وجهها أمارات الألم، ثم قالت: «حسبي اليوم كلامًا فطبيبي لا يسمح لي بالإطالة. والآن أرغب في سماع تلك القطع الموسيقية لمندلسهن، النغمة المزدوجة، وكان صديقي الصغير يعزفها جميلًا فيما مضى. أليس كذلك؟» لم أحر جوابًا لأنها عندما صمتت وطوت ذراعيها على صدرها كالعادة رأيت في خنصرها ذلك الخاتم الذي أعطتنيه يومًا ثم رددته إليها. وكان تلاطم أفكاري يحول دون البيان، فجلست إلى البيانو وعزفت ما شاءت. ولما فرغت التفت إليها وقلت: «حبذا لو أنيل الإنسان قدرة الإفصاح بالنغمات الموسيقية من غير ألفاظ!» فقالت: «ذلك واقع لا يحتاج إلى التمني. ولقد وعيت كل ما تهمس به هذه الألحان. غير أني لا أستطيع استماع غيرها هذه المرة لأن ضعفي يتزايد يومًا فيومًا. على الواحد منا أن يقبل بالآخر كما هو على علاته، ولناسكة مسكينة عليلة مثلي أن تتوقع بعض الحلم من صديق مثلك. سنجتمع مساء غدٍ في الساعة نفسها. أليس كذلك؟» لمست يدها وهممت بتقبيلها. ولكنها أوقفت حركة يدي وضغطت عليها قائلة: «هذا خير. إلى الملتقى!» هوامش (١) الألمان كالفرنسيين لا يستعملون ضمير المخاطب المفرد «أنت» إلا بين أفراد العائلة وبين الأصدقاء الأحماء. أما الإنجليز فيخاطبون الجميع حتى الأقربين بالجمع. ولا يستعمل عندهم المخاطب المفرد «أنت» إلا في الصلاة والشعر وما نحوه من مناهج البلاغة. (المعربة) (٢) Denn was an alien Orten Als ewig sich erweist? Das ist in gebundenen Worten Ein ungebundenen Geist. ابتسامات ودموع
الفصل الخامس الذكرى الخامسة يتعذر عليّ التعبير عن أفكاري وعواطفي بعد عودتي إلى البيت. هناك «أفكار بلا ألفاظ».١ يعزفها الإنسان لنفسه في الساعات الخطيرة. لم أشعر بفرح ولا بحزن بل بدهشة فائقة. وصار مثل الهواجس والتصورات المخترقة ضميري كمثل النيازك الهابطة من الجو على الأرض، ما أدركت غايتها إلا بعد الانطفاء والاستحالة إلى حجارة سوداء. وكما نقول لأنفسنا في الحلم أحيانًا «أنت تحلم» كذلك قلت لنفسي «أنت يقظان. وهذه هي.» ثم حاولت استجماع خواطري ولم شعث فكري بقولي: «إنها لفتاة لطيفة ذكية الجنان وقادة الذكاء.» وأخذتني منها شفقة وطفقت أحصي ساعات هنيئة سأقضيها وإياها في هذه العطلة. لكن لا، لا. لم تكن هذه سوى سوانح عبرت لباب خاطري، وذلك اللباب أن هذه الفتاة هي منتهى ما بحثت عنه، وفكرت فيه، ورجوته وآمنت به إلى الآن. هذه نفس بشرية عذبة كصباح الربيع، عطرة كشذا البنفسج، لامعة كلواحظ الكواكب. لقد تبينت منذ النظرة الأولى قيمتها المعنوية وكل ما أودعت من بهاء وسناء، ورحب كلٌّ منا برفيقه لأن الروحين تعارفا. خيل إلي أن «ملكي الحارس» مضى وتلاشى، وحاولت أن أناديه فلم تجبني نفسي إلا بما دلني على أن في العالم مكانًا واحدًا أجده فيه. وبدأ لنا عيش رغيد، إذ كنا نجتمع كل مساء فشعرنا بمتانة صداقتنا ورسوخها وأضحى ضمير الجمع «أنتم» طفيليًّا بيننا فعمدنا بالمخاطب المفرد «أنت» نستعمله كأننا لم نفترق منذ الطفولة أصلًا. لم تصف عاطفة إلا تهادى خيالها في نفسي ولم أبسط فكرة إلا أشارت مصادقة كمن يقول «هذا فكري أيضًا.» كنت سمعت أعظم أساتذة الموسيقى في عصرنا يرتجل وشقيقته ألحانًا على البيانو فأذهلني أن يتآلف فكر شخصين اثنين ويتوحد شعورهما فيوضحان إلهامهما الموسيقي في آن واحد على أتم انسجام لا تخونهما شاردة ولا تشد في إبداعهما واردة. أما الآن فقد اتسع فكري فأدركت. اتسع فكري فعلمت أن روحي لم تكن فارغة مدقعة قاحلة، وإنما توهمتها كذلك لاحتجاب الشمس عنها وهي كفيلة بإخراج البراعم والأزهار إلى الوجود والحياة. ورغم ذلك كان الربيع حزينًا وخيمت منه فوق نفسينا أوشحة رمادية لأن شهر مايو/أيار ورونقه لم ينسنا أن الورود سريعة العطب وأن كل مساء ينزع من زهرة اجتماعنا ورقة. سبقتني هي إلى الشعور بذلك وذكرته يومًا دون أن تبدي أسفًا أو ألمًا، فانقلبت أحاديثنا جدية هادئة ينيلها كل مساء يمر رصانة وجلالًا. قمت أودعها مرة فقالت: «ظننت الموت قريبًا عندما أعطيتك الخاتم، ولم أتوقع أن أعيش هذه السنوات. ولكني عشتها وتمتعت بالجمال كثيرًا. كذلك تألمت شديدًا. إنما المرء ينسى هذا في السعادة. والآن وقد قربت ساعة الفراق فكل دقيقة توازي كنوزًا. مساء الخير. لا تبطئ غدًا.» دخلت عليها يومًا وعندها مصور إيطالي. كان حديثهما بالإيطالية، ومع أن الرجل كان أقرب إلى العامل منه إلى الفنان كانت لهجتها لطيفة وديعة يخالطها شيء من الاحترام، فتجلى لدي عندئذ شرفها الحقيقي أي شرف النفس لا شرف المولد. وبعد ذهاب المصور قالت: «أريد أن أريك صورة أصلها في قصر اللوفر في باريس. قرأت وصفها فشئت أن تنقل لي.» ثم أرتني الصورة وانتظرت حكمي. وكانت تلك صورة كهل في الزي الألماني القديم، تلوح على محياه سيماء التفكر والامتثال لقوة عليا، وقد بدا في هيئته وأوضاع جسمه معنى الحياة العميق، فلم أرتب قط في أنه عاش يومًا ولم تبدعه مخيلة مصور. كان اللون البني القاتم متغلبًا في الصورة، على أن الجزء الخلفي استحضر مشهدًا طبيعيًّا نيرًا وظهرت في الأفق أشعة الفجر الآتي. لم يذهلني من تلك الصورة شيء إنما أوحت إلي عاطفة هادئة استطعت معها التحديق في الرسم طويلًا. فقلت: «لا صدق يفوق صدق الهيئة البشرية. وإن روفائيل نفسه ليعجز عن إبداع صورة صادقة كهذه إن لم يعش صاحبها يومًا.» أجابت: «صدقت. أما الغرض من هذا الرسم فهاكه: قرأت وصفه فعلمت أن اسم راسمه مجهول كما جهل اسم الأصل الذي نقل عنه، لعله من فلاسفة القرون الوسطى، فرغبت فيه ليتم به معرض الصور في غرفتي. ولما كان مؤلف «اللاهوت الألماني» مجهولًا وليس لدينا منه صورة رأيت أن صورة وضعت لشخص مجهول بريشة مصور مجهول يصح أن تنوب عن مؤلف مجهول، فإن وافقت علقتها بين ألواحي ودعوتها «اللاهوت الألماني».» قلت: «فكرة غاية في الحسن. ولكن ربما مثلت الصورة شخصًا أقوى من دكتور فرنكفورت وأعبس وجهًا.» قالت: «ربما كان ذلك. ولكني أنا الفتاة المتألمة السائرة إلى الموت استقيت من هذا الكتاب قوة وتعزية، ولمؤلفه علي فضل كبير لأنه أعلن لي جوهر المسيحية في بساطته العجيبة. شمتُني إزاءه حرة في أن أومن أو أن أجحد لأنه لم يرغمني على أحد هذين، وقبض علي بشدة فخيل إلي أني أدركت معنى الوحي للمرة الأولى. وأنت تعلم أنه مما يحول دون ولوج باب المسيحية الحقة أن التعاليم تبسط أمامنا كوحي علينا أن نؤمن به قبل أن يهبط الوحي على نفوسنا. وطالما قلقت لذلك: لست أعني أني شككت في حقيقة الألوهية وفي الألوهية عقيدتنا. غير أني لم أكن لأكتفي بإيمان خلعه علي الآخرون، وحسبت أن ما تعلمته وتقبلته طفلة على غير فهم واختيار لا يستطيع أن يكون خاصتي ولي. الإيمان لا يعار واليقين لا يستعار ولا يجدي التمويه نفعًا. ولا بد من اقتناع شخصي نستند إليه ونتعزى به إذ لا أحد يحيا ويموت عن أخيه.» قلت: «لا ريب أن كثيرًا من المنازعات العنيفة والمناقشات الحادة ترجع إلى أن تعاليم المسيح عوضًا عن أن تكتسب قلوبنا شيئًا فشيئًا بلا إرغام كما تملكت قلوب الرسل والمسيحيين الأولين، فإننا نجابهها منذ حداثتنا كنصوص كنيسية قوية لا تقبل ترددًا ولا ترضى جدالًا، وتضطرنا إلى الامتثال لأوامرها امتثالًا مطلقًا تسميه إيمانًا، فلا بد من تولد الارتياب عاجلًا أو آجلًا في كل نفس تميل إلى التأمل وتجل الحقيقة. وعندما نصل إلى تلك الخطوة من السبيل فيتيسر لنا تحرير إيماننا المستعار المزعوم، تنتصب في وجهنا أشباح الشك والإلحاد والكفر وتوقف فينا نمو الحياة الجديدة.» فقاطعتني قائلة: «قرأت حديثًا في كتاب إنجليزي أن الحقيقة تتجلى بالوحي وليس الوحي يتجلى بالحقيقة. وإني لأشعر بذلك تمام الشعور لدى قراءة «اللاهوت الألماني». قرأته فشعرت بقوة حقيقته القاهرة وأرغمت على الاستسلام. أوحيت إلي الحقيقة. بل أوحيت أنا إلى نفسي، وفهمت للمرة الأولى معنى كلمة إيمان. أصبحت الحقيقة ملكي بعد أن أطالت التملص مني لأن أقوال المعلم المجهول اخترقت كياني كتشعع الضياء وأنارت خفاياي جاعلة حيرتي اقتناعًا، وظنوني المبهمة إيضاحات جلية، فصممت على قراءة الأناجيل كما لو كانت هي الأخرى مكتوبة بقلم المعلم المجهول، وأبعدت عني ما استطعت كونها أوحيت من الروح القدس بأعجوبة إلى الرسل، وأنها صودق عليها من مجامع الأساقفة والأحبار فاحتضنتها الكنيسة باعتبار أنها الآية الفريدة العليا للدين المنقذ الوحيد. عندئذ بدأت أكتنه مع معنى الإيمان المسيحي معنى الوحي المسيحي.» فقلت: «من المدهشات أن اللاهوتيين لم يفلحوا بعد في حمل البشر على جحود كل عقيدة كائنة ما كانت. ولكنهم فالحون يومًا إن لم يحتج المؤمنون بعزم قائلين «لكم أن تبلغوا في شروحكم وأحكامكم هذا الحد ولا تتجاوزوه.» كل دين يحتاج إلى الدعاة، ولكن لم يقم إلى الآن دين واحد في العالم لم يزيفه الكهنة، سواء أكانوا براهمة أو لاما٢ أو كتبة وفريسيين. أولئك يتخاصمون موردين شواهدهم وحججهم بلغة لا يفهمها من أبناء ملتهم عشر واحد من عشرة أعشار. وعوضًا عن أن يستوحوا الإنجيل مرشدين الآخرين إلى استيحائه ترينهم يجادلون لإثبات صحة الإنجيل وعصمته لا من حيث هو إنجيل إنما لأنه دونه قومٌ ملهمون. وهل يكون ذلك سوى حيلة من حيل التردد والقصور؟ بأي حجة يثبتون إلهام أولئك الأفراد إلى تلك الدرجة العجيبة إن لم ينسبوا إلى أنفسهم إلهامًا أعجب وأدهش؟ لا شك أنهم فرضوا هذا الاعتراض، لذلك قصروا موهبة الإلهام على أكثرية من آباء الكنيسة المتألفة منهم هيئة المجامع. غير أن هذا التحديد لا يأتي بالجواب المطلوب. إذ كيف نتأكد أنه بين خمسين حبرًا وأسقفًا ٢٦ كانوا ملهمين و٢٤ لم يصلهم من الإلهام شيء؟ يجزم المتطرفون اليائسون أنه يكفي أن يلمس الملهم يد شخص ما لينتقل إليه الوحي والعصمة من الغلط، ويوقنون أن العصمة والوحي إنما حفظا في رأس الكنيسة (أو في رءوسها) إلى أيامنا بهذه الوسيلة. ويعتقدون أن عصمة أولئك الغرباء الذين لا نعرف منهم شيئًا تقضي على كل اقتناع صميم فينا بالبطلان، وعلى كل استسلام مخلص بالفساد، وتنكر كل بحث من أبحاثنا إن لم يتفق مع بياناتها وأحكامها. ورغم كل ذلك يبقى السؤال القديم في انتظار الجواب: كيف يدري فلانٌ أن فلانًا ملهم لو لم يكن له مثل ذلك الإلهام على الأقل، هذا إن لم يحو إلهامًا أوفى وأشمل؟ ألا يتحتم علينا حياز الوحي في أرواحنا لنكتشف آثاره عند الآخرين؟» أطرقت لمحة ثم قالت: «يصعب الجواب. وطالما فكرت في كيفية استجلاء معاني الحب والتثبت من حقيقتها. كيف ندري أن شخصًا يحب أو لا يحب؟ ما وجدت إشارة واحدة من إشارات الحب إلا كانت عرضة للتزوير والتقليد، فاهتديت أخيرًا إلى أن المحب وحده يميز بين الصادق والكاذب من تلك العلامات وأنه إنما يثق من حب القلب الآخر لأنه واثق من حب قلبه. ولما كانت موهبة الحب شبيهة بموهبة الروح القدس (الوحي) كان الملهمون وحدهم إن هم سمعوا الرياح العاصفات حسبوها أصواتًا من السماء، وإن أبصروا زهرات القرنفل زعموها ألسنة نارية. والآخرون يخافون، أو يغضبون، أو يسخرون قائلين: «كلام عتيق! أما نحن فنفوسنا ملأى بخمرة جديدة.» بيد أني أعود إلى ما أسلفت وهو أن كتاب «اللاهوت الألماني» هداني إلى إيمان استخرجته من حاجات نفسي فوجدت قوتي العظمى في ما يراه غيري خطأ وعيبًا، وهو أن الأستاذ لا يبسط رأيه كقانون منظم بل ينثر أقواله كالزارع أملًا أن تقع بعض البذور على أرض صالحة فتتضاعف الغلة ألوفًا. كذلك أستاذنا الإلهي (المسيح) لم يحاول إثبات تعاليمه بالبرهان، لأن من حوى الحقيقة الكلية استخف بالمظاهر وأعرض عن جميع صنوف المباهاة والتعنت.» هنا ذكرت شواهد أسبينوزا وأدلته في «أخلاقياته» وطالما فكرت في أن ذلك اللوذعي ما أكثر من شد خيوط شبكته الفلسفية إلا لشعوره بضعف مذهبه ووهنه، فأجبت محدثتي: «نعم، غير أني على ما أوحاه إلي «اللاهوت الألماني» من الخواطر المفيدة لا يسعني إلا الإقرار بأني لا أشاطرك كل إعجابك بهذا الكتاب. ينقصه في نظري العاطفة الإنسانية والطلاوة الشعرية، لا سيما وأنه خلا من حرارة القلب وجحد الواقع ولم يحترمه. روحانية القرن الرابع عشر لا تصلح عندي لأن تكون أكثر من درس نظري يتحتم أن تعقبه العودة إلى الحياة العملية بعزم وجرأة، إلى تلك الحياة الواقعية التي عرفها لوثر وعالج منها المصاعب. لا غنى للإنسان عن إدراك معنى العدم، ولو مرة في عمره، ليعلم أنه ليس بشيء وأن أصوله بداية ونهاية ثابتة عريقة في أصل يتعالى عن المحسوس ويجل عن الحصر. وهذا الاتجاه نحو الله إن لم يقدنا في الحياة إلى كعبة آمالنا فهو يبقي في نفوسنا وجدًا مقيمًا إلى مرجعنا ومستقرنا الأبدي. ولكن البون شاسع بين هذا النوع من العبادة وبين إنكار الخليقة كما يفعل الروحانيون، ولئن نشأ الإنسان من اللاشيء أي من الله وبه وحده، فهو يعجز عن العودة إلى اللاشيء بقوته الذاتية. والتلاشي الروحي الذي يكثر «تاولر» الألماني من ذكره لا يفضل «النرفانا» أو الفناء النوراني الذي يقول به البوذيون. تاولر يصرح بأنه لو استطاع حبًّا بالله وإظهارًا لخضوعه له أن يفنى فناءً لما تردد في أن يسجد أمامه تعالى ويتلاشى في عمق أعماق الهاوية، إلا أن الخالق لم يشأ فناء هذه الخليقة التي أوجدها. وقد قال القديس أغسطينوس: «إنه في اقتدار الإله أن يتجسد إنسانًا وليس في مقدور الإنسان أن يستحيل إلى إله.» فلا بأس بالروحانية درسًا يفيد ونظرية تنير، بها ترهف النفس وتلطف وتزداد تألقًا. إنما ينبغي أن لا تبخر القوى والملكات على نحو ما تفعل النار بالماء الغالية في القدر. ومن أدرك العدم في نفسه عليه رغم ذلك أن يؤمن بأن ذاته الصغيرة إن هي إلا انعكاس الذات الإلهية الكبرى. جاء في «اللاهوت الألماني»: ليس كل ما تدفق من منهل الكمال بالجوهر الحق وليس له من جوهر في غير الكمال. ما هو إلا حدث أو بهاء، أو مظهر محسوس. ليس هو الجوهر ولا جوهر له إلا في النار مبعث النور، شأن شعاع الشمس وضوء الشمعة. ولئن كان ما فاض من الكيان الإلهي كلهيب النار إلا أنه لا بد أن يكون حقيقة إلهية في ذاته إذ قد يسائل المرء نفسه «وما هي النار بلا لهيب، والشمس بلا نور، والخالق بلا خليقة؟» وقيل إن الطامع في استجلاء هذه الغوامض وتفهم حكمة الله إنما رغبته هذه كرغبة آدم والشيطان. حسبنا علمًا أننا نعكس الكائن الإلهي لنجتهد في صقل مواهبنا حتى يوم الكمال. يستحيل إخفاء النور الإلهي من نفوسنا تحت المكيال، فلندعه إذنً يلمع ويشرق ويضيء ما يحيط بنا ويبعث فيه الحرارة، لنشعر بأن دماءنا تطهرها نار الحياة. وإذ يحل فينا معنى قدسي رفيع يقوينا على اقتحام معارك العالم، وتذكرنا أصغر الواجبات بعلاقتنا بالله، لا يلبث أن يصبح الأرضي في تقديرنا سماويًّا، والزمني أبديًّا كأن حياتنا بأكملها حياة فيه تعالى، ليس الله الراحة الدائمة بل هو الحياة الدائمة. وأنجيليوس سليزيس مخطئ بزعمه أن الله لا إرادة له، في قوله: «نحن نصلي أيها الرب إلهنا لتكن مشيئتك المقدسة! ولكن اسمع وعِ: أيها المبتهل، لا إرادة لله لأنه الراحة والسكون.» كانت الفتاة تصغي إليَّ بهدوء وانتباه، فتأملت دقيقة ثم قالت: «القوة والصحة ضروريتان لمن كان له مثل اعتقادك، وفي الأرض نفوس متعبة تعاني رهقًا شديدًا وتصبر إلى الراحة والطمأنينة لأن وحدتها تثقل عليها. تود أن يضمها السبات والسكينة إلى أحضانهما فلا يخسر العالم بذهابها ولا تأسف هي لفراقه. تلك النفوس تتعزى في هذه الدنيا بالاتحاد بالله والاستغراق في ذاته الصمدانية، وهي تفعل ذلك بداهة إذ لا رباط يربطها بالعالم وليس لها من الأطماع ما يزعج ويقلق، فتتوق إلى الراحة وتراها — كما يراها الشاعر الألماني — الخير الأسمى وترى الله راحة والراحة فيه. ثم إني أجدك ظالمًا في نقد «اللاهوت الألماني» لأنه إن قال ببطلان الحياة الأرضية فهو لا ينادي بحذفها. ويقول في مكان آخر إن السكينة والراحة لا يلقاهما الإنسان قبل الموت، إلا أنه بارتقائه الروحي يصير شبيهًا بيد الله، لا يأتي أمرًا بإرادته الذاتية بل بإرادة الله، كأنه عز وعلا اختاره ليسكن فيه. ويقيني أن من امتلأ بروح الله شعر بتلك الحضرة الإلهية فيه، غير أنه يكتم هذا السر الجليل في نفسه كما يكتم العاشق عن الملأ أسرار غرامه. أما أنا فطالما شعرت بأني كشجرة الحور المنتصبة أمام نافذتي. هي ساكنة في المساء لا تهتز وريقةٌ من وريقاتها ولا يتحرك من أغصانها غصن، وعندما يمر بها نسيم الصباح فتترنح أوراقها، يظل الجذع راسخًا هادئًا. وإذ يعود الخريف وتتناثر أوراق كانت بالأمس مفعمة حياة فيعتريها الذبول يبقى ذلك الجذع في مكانه بلا حراك مترقبًا مجيء ربيع آخر …» لقد ألفت الفتاة هذه الحياة الروحية فمحاولة إخراجها منها إثم. أليس إني أنا أيضًا لم أفلح في التملص من هذا العالم السحري إلا بعد جهاد عنيف؟ ومن يجزم بأنه ليس هو النصيب الأفضل الذي لا يفنى وأننا لسنا بضالين نحن الذين نعدو ونكد لاقتناص منافع تحط منا الهمة وتذبل القلب وتقرض الروح؟ وهكذا كان كل اجتماع يثير مذاكرة جديدة تكشف لي وجهًا مجهولًا من نفس لا تسبر ولا تحد. لم يكن حديثها سوى تفكر وإحساس ينسجان كلامًا مسموعًا بدلًا من أن يتعاقبا في وحدة الوجدان. ولم تكن آراؤها آراء بل أجزاء حية منها عاشت معها أعوامًا لأنها كانت توردها بلا إجهاد، كبنية ملأت حجرها أزهارًا وقامت تلقي بها على العشب الأخضر. كان يسوءني أن لا أفتح كتاب روحي تقرأ فيه مليًّا كما أقرأ في كتاب روحها، ما أندر المحتفظ منا بفطرته الأصلية في وسط أكاذيب اتفاقية نقبلها مكرهين، سمها ما شئت عادات، أو أدبًا، أو تكتمًا، أو مراعاة، أو حكمة اجتماعية! وما أقل من يفلح في التلفت منها بين المخلصين المجاهدين! بل ما أندر من يذكر أن حركاته إنما هي وجه عارية، ونقاب سخرية أسدل على ملامح الحياة! نحن نكذب في كل شيء حتى في الحب، حتى في الحب الذي نسكته قهرًا، وننكر عليه التنهد والتلوي والارتعاد، ونحرجه إلى التواري عوضًا عن التجلي في الإشارات وتقديم النفس ضحية في النظرات، نكذب في الحب الذي نسكته على أن يهمس في همهمة الشعراء. كم من مرة كدت أقول لها «أنت لا تعرفينني يا بنية» ولكني كنت أشعر بأن كلماتي لا تصدق الصدق كله، فعولت على أن أترك بين يديها مجموعة أشعار أرنولد التي وردت إليّ حديثًا، وسألتها أن تقرأ قصيدة الحياة الدفينة: وكان مغزاها الاعتراف بحبي. ثم جثوت قرب سريرها وقلت «مساء الخير». فردت بقولها «مساء الخير» ووضعت يدها على رأسي، فجرت في أعصابي تلك الهزة المستحبة وهب ما رقد في جوانحي من تذكارات الطفولة، ولم أعد أستطيع حراكًا بل ظللت أنظر في تينك العينين اللتين لا قرار لغورهما حتى أفاض سلام روحها على روحي سلامًا. ثم نهضت ومضيت صامتًا، ورأيت تلك الليلة في أحلامي حورة طويلة تتلاطم الرياح حولها دون أن تهتز عليها ورقة أو يتحرك منها غصن. الحياة الدفينة النور يعلو ويغمر حروبنا الكلامية: انظري، ها إن عيني تراودها الدموع وأشعر بكآبة مبهمة تلتف حولي وتتمدد. أجل، نحن نعلم أننا نستطيع أن نمزح ونعلم، نعلم أننا نستطيع أن نبتسم! ولكن في مهجتي حرقة لا تلطفها كلماتك الرقيقة، ولا تسكنها منك البسمات. أعطيني يدك واصمتي قليلًا، ولتستقر على عيني نظرة عينيك الصافيتين لأقرأ فيهما، يا محبوبتي، آيات روحك! أواه! هل يقصر الغرام دون فتح فؤادك واستماع صوته؟ هل يحظر على المتيمين إظهار ما تكن قلوبهم؟ كنت أعرف الناس يضنون بأفكارهم لئلا يتلقاها الآخرون ببرود وجفاء، كنت أعلم أنهم يحيون ويتحركون مخدوعين خادعين، متنكرين متسترين، غرباء عن البشر، غرباء عن ذواتهم! إنما القلب بعينه ينبض في كل صدر بشري! ولكن نحن، يا محبوبتي، أيسكت ذلك النهي الوهمي قلوبنا؟ وأصواتنا؟ أيجب أن نخرس نحن أيضًا؟ آه! ما أسعدنا إذا حررنا قلبنا، ولو لحظة، وحللنا قيود الشفاه لأن السر الذي أطبقها وختم عليها تقدس في أعماقنا! القدر الذي سبق فعلم كيف يكون الرجل طفلًا وكيف يكون زهوقًا، وكيف تتقاذفه المطامع فيخوض ميادين الشقاق والنزاع حتى لتكاد تتحور شخصيته، فلا يتمكن من وقاية النفس الطاهرة من تلاعب الأهواء وإن أرغمها على الخضوع لناموس الكيان؛ ذلك القدر هو الذي يأمر نهر الحياة في صدرنا استطراد السير إلى الأمام. فننسى حركة ذلك النهر الدفين وإن لازمناه وهو يجتاز عرض البحار وكنا مثله مسوقين على الدوام. ولكن كم من مرة في ازدحام السبل. وكم من مرة في جلبة المصارعة وضوضاء التقاتل. يتصاعد فينا الشوق فننتبه لحياتنا الدفينة. ويتيقظ لدينا احتياج لصرف نار قوانا التي لا تعرف السكون. ويضنينا توق إلى البحث عن أسرار القلب النابض بعنف في أعماقنا لنعرف من أين تأتي أفكارنا وإلى أين تقصد! كثيرٌ هم الذين يحفرون في قلوبهم وينبشون. لكن، وا أسفاه! قل من يشغل القلب وقل من يفعمه ويكفيه! عالجنا كل شئون الحياة فأظهرنا في كل فن حذقًا ومهارة. على أننا لم نكن كما نحن في ذاتنا القصوى ولم نسر في سبيلنا الواحدة سريعة، ولم نفصح عن عاطفة من العواطف المتضاربة في صدرنا. وباطلًا، حاولت أن تتكلم وتتحرك خلال تلك العواطف ذاتنا الخفية الصادقة! فكانت أقوالنا وأفعالنا بليغة وحسنة، ولكن غير صحيحة! وإذ يثقل الألم علينا وطأة الجهاد نسأل صغائر الحياة قدرتها المدهشة للوصول إلى النسيان والسلوان فتلبي طلبنا إذ نلتجئ إليها! ولكن رغم كل مغالبة وكل قهر تنهض، الوقت بعد الوقت، من عمق أعماق الكيان كما من أرض قصية مجهولة، تنهض أصوات ملتبسة بائسة، وتنتشر أصداء طائفة سابحة فتملأ أيامنا كآبة وغمًّا. إنما — وهذا نادر الحدوث — عندما نضم في يدنا يدًا محبوبة ونقرأ بعينين يعذبهما دخان الساعات ولهيبها، نقرأ بجلاء في عيني شخص آخر، وتداعب سمعنا الذي أصمه ضجيج العالم نبرات صوت عزيز. إذ ذاك تنبسط الأنوار في أرجاء جناننا وتضرب من جديد نبضات العاطفة الدفينة وتستقر لواحظنا في محاجرها. وينفتح كتاب القلب فنعني ما نقول، ونقف على ما نود معرفته، ويرقب الواحد منا فيض حياته ويسمع همسها الشيق، ويلمس حركتها المتتابعة، فيتمتع بالحقول اللامعة، ويتمتع بالشمس والنسيم. وأخيرًا، أخيرًا يداهم ذلك الفيض الحار هدوء حبس فيه الخيال المراوغ المدعو بالراحة: نسمة باردة تهب على وجهه، وسكون غير مرغوب فيه يهجع في صدره. إذ ذاك تتخيله عارفًا آكامًا أشرقت عليها حياته وبحرًا تسير إليه أعمار الأنهار! هوامش (١) في هذه الاستعارة تلميح إلى مجموعة قطع موسيقية لمندلسهن المذكور في الفصل السابق واسمها «أغان بلا كلمات». Worte Lieder ohne قطع غاية في العذوبة الموسيقية الكئيبة الساهية. منها القطعة التي قال بطل الرواية في آخر «الذكرى» الماضية إنه عزفها. (المعربة) (٢) «لاما» هو اسم كهنة البوذيين. ابتسامات ودموع
الفصل السادس الذكرى السادسة في صباح الغد طُرق بابي باكرًا ودخل عليّ طبيب البلدة الذي كان بصلاحه وعنايته صديق كل نفس فيها. شهد تعاقب جيلين اثنين من أهلها والأطفال الذين دخلوا العالم على يده وصلوا إلى دور الأبوة والأمومة، وما زال يعاملهم جميعًا معاملة الأب لأبنائه. لم يتزوج مع أنه كان حتى في شيخوخته قويًّا جميلًا. رأيته مذ عرفته كما يقف الآن أمامي وعيناه الزرقاوان الرائقتان يلمعان تحت حاجبيه وشعره الأبيض الكثيف يتلوى جعديًّا، وهو يلبس الجرابات البيضاء وهذا الحذاء ذا العرى الفضية، وعلى ذراعه هذا الرداء البني الذي قضى عمره جديدًا. وعصاه هذه الذهبية الرأس كان يحملها بعينها أيام طفولتي إذ يقف إلى جانب سريري ليجس نبضي ويصف لي الدواء. ولقد تعددت الأمراض في حداثتي إلا أن إيماني بقدرة هذا الرجل كان كفيلًا بالشفاء، لأني لم أشك لحظة في كفاءته وسطوته على جميع العلل، فكان قول والدتي بوجوب استدعاء الطبيب يوازي عندي قولها بوجوب حضور الخياط ليفصل لي قميصًا بذلة. وما كان عليَّ إلا أن أتناول أول جرعة من الدواء لأشعر ببدء الشفاء والتحسن. دخل الغرفة قائلًا: «كيف حالك يا صديقي الصغير؟ أرى على وجهك دلائل التعب فلا تكثر من الدرس. ليس لدي وقت طويل للحديث. إنما جئت أقول لك أن تكف عن زيارة الكونتس ماري. لقد صرفت الليل قرب سريرها وأنت علة اضطرابها فامتنع عن زيارتها إذا كانت حقيقةً عزيزة عليك. ستذهب هي إلى البرية قريبًا وخير لك أن تسافر أنت أيضًا وتغيب مدة. والآن عم صباحًا وكن أبدًا ولدًا صالحًا كما هو عهدي بك.» قال هذه الكلمات وتناول يدي ناظرًا في عيني بعطف مستفهمًا كمن يود سلب الوعد سلبًا. ثم غادرني ليعود الأطفال المرضى. أدهشني أن يهتدي غريب إلى أسرار نفسي قبل أن أكون على علم تام بها. غير أني لم أفكر في ذلك إلا عندما بلغ الطبيب أطراف الشارع، فجاش قلبي كالماء طال مكوثه على النار فغلى فجأة وفار وعلا حتى ضاق عليه الإناء فتدفق. كيف لا أرى صديقتي بعد الآن وأنا لا أحيا إلا ساعة أكون قربها؟ سأقابلها هادئًا لا أتحرك، وصامتًا لا أتكلم، بل أكتفي بالوقوف عند النافذة وأنظر إليها وهي نائمة تحلم. كيف لا أراها؟ وكيف يمكنني أن لا أراها؟ بل كيف لا أودعها؟ هي لا تعلم، ولا تستطيع أن تعلم، أني أحبها. وأنا لا أرجو شيئًا ولا طمع لي في شيء وقلبي ينبض بانتظام في حضرتها. إنما أحتاج إلى الشعور بوجودها، أحتاج إلى استنشاق روحها، وعلي أن أزورها لأنها تنتظرني. ترى أيجمعنا القدر بلا مأرب؟ ألست أنا تعزيتها، وأليس أنها موضع راحتي؟ أَتُدْنِي الحياةُ بين روحين شأنها بذراتِ الرمل في الصحراء ثم تَبْعَث بريح سموم فتتلاعب بضعفها وتذرها في الهواء غبارًا؟ أليس أن نفوسًا سعدت بالتقارب والتفاهم تحافظ على سعادتها، ولا تفصل بينها قوة ولو أسرفت في الدفاع والنضال وقضت في سبيل ذلك الاتصال؟ وقد تحتقرني الفتاة إن أنا جازفت بحبها وأجفلت لأول إشارة إجفال تلك الشجرة عند دوي الرعد في الفضاء. توقفت بغتةً وإذا بكلمة «حبها» تتراجع كالأصداء في جميع أنحاء قلبي مخيفة مروعة، «حبها؟» وماذا فعلت لأستحقه؟ هي لا تعرفني إلا قليلًا، وإذا استطاعت أن تحبني فعلي مصارحتها بأني لست أهلًا لتلك النعمة. وأخذت أفكاري وآمالي تتصاعد في جو نفسي ثم تهبط يائسةً كأطيار تحاول التحليق في بعيد السماء وهي تجهل أن الأسلاك ضربت حولها سياجًا محكمًا. إن لم تكن هذه السعادة سعادتي، فلماذا تحل على مقربة مني؟ ألا يصنع الله العجائب؟ ألا يصنعها كل يوم وكل ساعة؟ ألم يصغ إلى صلواتي مرارًا أرسلتها نحو علاه فعادت إليّ تحمل مساعدة للمنكوب وتعزية للمضني؟ أنا وهي لا ننشد خيرًا دنيويًّا، إلا أن نفسينا المتفاهمتين تودان عبور هذه الحياة يدًا بيد ووجهًا إزاء وجه، وأن أكون أنا عضدها في آلامها وأن تكون هي تعزيتي أو حملي الغالي، وهكذا إلى نهاية العمر. ولماذا لا يمد الله بعمرها وينعم عليها من أيامها بربيع بعد أوان الربيع ويبرئ سقامها؟ آه! يا للصور العذبة تمر أمام عيني! هي تملك قصر والدتها في «التيرول». هناك نمكث فوق الآكام الخضراء في هواء الجبال النقي بين أصحاء لم تضعفهم المدنية، بعيدًا عن هموم العالم وجهوده حيث لا حاسد ولا عذول. هناك ندرك بسلام غروب الحياة فتذوب أيامنا الأخيرة رويدًا رويدًا كاحمرار الشفق لدى هجوم الظلام … تراءت لي البحيرة القاتمة بأمواجها الهادئة ترجع صورة الجبال البعيدة يجلل الثلج أعاليها. وسمعت رنين أجراس القطيع وأغاني الرعاة، وخلت الشيوخ والشبان متجمعين عند المساء في مدخل القرية، وفوق هؤلاء جميعًا لمحت خيال الفتاة سابحًا كملك حب وسلام، ورأيتني دليلًا لها وصديقًا. عندئذ صرخت بأعلى صوتي: «يا لك من غبي! يا لك من غبي! أخارت قواك وذل شممك، وبلغ بك الحمق والغرور هذا المبلغ؟ ألا تيقظ وانهض، واذكر من أنت واذكر فروقًا تحول بينك وبينها! هي صالحة لطيفة تسر برؤية نفسها منعكسة على مرآة نفس أخرى. غير أن ثقتها هذه الشبيهة بثقة الأطفال، وكيفية تصرفها معك ومعاملتها لك، كلها تنم عن خلو فؤادها من عاطفة عميقة تحييك. ألم تر في ليالي الصيف المنيرة وأنت تائه وحدك بين أحراج الزان كيف يسكب البدر فضي أشعته على كل غصن وكل ورقة، ويضيء بركة الأسماء ذات المياه القاتمة فيشرق ممثلًا في كل قطرة وجزء من قطرة؟ ذاك موقف الفتاة إزاء ليل هذه الحياة، ولئن نشرت في فؤادك نورًا ترتسم خلاله خطوط صورتها المأنوسة فلا ترج شعاعًا، لا ترج شعاعًا حارًّا لاذعًا! لا ترج عاطفة حارة تشبعك وتحييك!» مثلت صورتها أمامي مثول الحياة ليس كذكرى بل كرؤيا، فاستوقفني جمالها. ذلك لم يكن جمال الرونق الزاهي الذي تفتننا به الفتاة الحسناء لأول نظرة ثم ينقضي ويزول بزوال الربيع. بل كان جمال الانسجام والالتئام بين أجزاء كيانها، وجمال الحركة الصادقة والتعبير الروحي، ومعنى السكون المقيم. إن جمال الشكل واللون الذي تمنحه الطبيعة بنات حواء لا يُرضي إلا إذا أظهرت صاحبته أهليةً له بل وتغلبًا عليه. وإلا فهو يغضب ويسخط كأنه رداء ملكي تجره في المسرح ممثلة ذات فن خامل سقيم. الجمال الروحي هو الجمال الوحيد يمد الصورة الترابية الجامدة بالحياة والمعنى ويصير المنفر جذابًا والقبيح مليحًا. كلما أمعنت النظر في طيف الحبيبة أدركت منها نبل الجمال وعمق الروح كأن الوحي بذلك الجمال يهبط عليّ بالتدريج. أواه إنها لغبطة، إنها لسعادة تلمس يدي! وما غاية الزمن من تعذيبي؟ أيريني قمة الهناء ثم يلقي بي غدرًا في القفار حيث الرمال المحرقة والوحدة الموجعة؟ ما الغاية من اكتشاف كنوز تحويها أرضنا هذه؟ أليس دوام الشقاء خيرًا من أن يحب المرء مرة ثم يبقى إلى الأبد وحيدًا، ويرجو يومًا ليسحق اليأس قلبه دوامًا، ويلمح النور طرفه ليصرف حياته في الظلمات كفيفًا؟ هذا ألم يفوق الآلام البشرية مجموعة بتمامها. طال تشتت أفكاري وتتابعها المشوش المختل، إلى أن هدأت عاطفة شعوري وتجمعت خواطري وانتظمت قليلًا قليلًا. يسمي الناس هذا الخمود تفكيرًا ولكن التفكير في مثل ذلك محال وما لدينا من قوة سوى الترقب والانتظار. وما هي نتيجة هذا وذاك؟ هي تلك التي يشهدها الكيماوي بعد أن تتخذ العناصر أشكالها فيذهله أن نتائج التحليل تختلف عن مقدماته الاختلاف كله. كذلك كانت الكلمة التي لفظتها بعد العودة من غيبوبتي هي هذه «يجب أن أسافر»! فجلست إلى مكتبي وكتبت إلى الطبيب إني سأغيب أسبوعين وإني أترك الأمر له. ثم انتحلت عذرًا قدمته لأبوي وغادرت البلدة في ذلك المساء ووجهتي جبال «التيرول». ابتسامات ودموع
الفصل السابع الذكرى السابعة ما أسعده فتى ذاك الذي جال في أنحاء «التيرول» فتسلق جبالها الشاهقة وهبط أوديتها العميقة برفقة صديق محبوب: أليس أن حظًّا كهذا يبعث فيه نشاطًا ويطيل منه العمر؟ وما أشقى ذاك الذي يجوب البراري والقفار والغابات والمدن وحده لا نديم له سوى أفكاره المؤلمة. ترى ماذا يهمني من هاتيك الجبال المتجلية بحللها الخضراء، ومن هذه الوهاد الغائرة السوداء، وتلك البحيرات الزرقاء، والشلالات المتدفقة تتكسر فيها خطوط الأنوار والظلمات؟ عوضًا عن أن أنظر إليها ها هي تنظر إليَّ وبها ذهول لدلائل اليأس المرسومة على الوجه البشري الماثل أمامها، وذهولها يسحق قلبي ويثقل علي انفرادي إذ ليس في هذا العالم الواسع شخص يشتاق إليّ، ويرغب فيَّ، ويؤثرني على أي أحد غيري. كنت أرقد كل مساء وأستيقظ كل صباح بهذا اللهف المبرح، كأنما هو نغمة نفذت في سمعي واحتلت ذاكرتي دون أمل في الجلاء. دخلت ذات مساء إحدى الفنادق تعب النفس والجسد وجلست بين الحضور فتوجهت إليّ أنظارهم ورأيت فيها خيال الشفقة على هذا الغريب التائه في ديارهم، فأمضتني جراح قلبي ومضيت أسعى تحت جنح الظلام حيث لا عين ترى ولا شفيق يشفق. وعدت إلى غرفتي في أواخر الليل وانطرحت على مضجعي الملتهب مهمهمًا لنفسي بأغنية شوبرت المعروفة «حيث لست موجودًا هناك السلام والطمأنينة». ومرت الأيام وحالي في ازدياد حتى أمسيت لا أحتمل منظر المغبوطين الضاحكين ومشاهد الطبيعة البديعة الدائمة، فصرت أنام ساعات النهار بطولها وأصرف الليالي متجولًا من مكان إلى مكان. إلا أن عاطفة قوية كانت تستولي علي فتحول أفكاري عن مجراها وتردني إلى مخدعي، وهي عاطفة الخوف أو إحساس الخوف، سمه ما تشاء. نعم كنت أخاف في تلك الليالي القمراء إذ أتسلق أكتاف الأطواد في أدغال ليس بمعروف مداها ولا منتهاها بمأمون؛ فتتوتر أعصابي ويتيقظ بصري ويرهف سمعي فأرى أشباحًا بعيدة مبهمة، وأتوجس أصواتًا ذات همس ودوي وطنين تنبعث من كل صوب، وتتعثر قدمي في جذور انبثقت من شقوق الصخور، هذا إن لم تزلق في عطفة بلت ترابها مياه الشلال؛ فينكمش فيَّ فؤادي القانط وتهزه قشعريرة البرد وليس لديه من حرارة التذكار ما يدفئه ومن حلو الرجية ما يتعلل به. إن من أخذه مرةً وجل الليل لعالم بأنه وجلٌ يتناول النفس والجسد معًا. لا أشك أن الخوف كان أول عذاب الإنسان يوم ظن نفسه منسيًّا من الله. ثم تشدد وخف اضطرابه بتعاون أبناء الله فيما بينهم واتفاق كلمتهم على التكاتف والتضامن. وهو لا يعرف الوحدة الساحقة واليأس الصميم إلا عندما يعوزه الحب والمعونة فيخال له أنه إنما انقطع عن شركة الأحياء لأن الله هجره وأغفل وجوده. يسائل الطبيعة وعجائبها فيلقى من سكوتها هولًا لا مواساة، وينقل خطواته على الأرض المتينة الصلبة فتترنح تحت وطئه وتتوارى كزبد البحر وموجه. وإن رفع بنظره نحو النور ينشره القمر صاعدًا وراء أحراج الشربين حسب أشعته رءوس حراب تطعن مهج الصخور، وخيوطه عقارب ساعة دارت دورتها زمنًا ووقفت وقوفًا لا ينتهي. النجوم تدور مسرعة في أبراجها السحيقة لا تلتفت إلى تعساء الغبراء فلا تعزية في مشهدها، بل هو يزيد النفس شعورًا بالوحدة والهجران. وما من سلوى ممكنة في غير عمل الطبيعة المستطرد بدقة يشمل الموجودات بأسرها لا تشويش يزعج ذلك النظام الكامل العظيم. هاك الشلال، يا أيها المتأمل! فإن تدفق أمواهه أنال الجلاميد على جانبيه حياة وكساها بطحلب ذي خضرة قاتمة، وفي ظل الجلاميد تختبئ تلك الزهرة النحيفة المدعوة «لا تنسني!» هذه واحدة من ملايين الزهرات المنورات قرب كل ساقية وكل جدول في كل روض من رياض الأرض. وقد نورن في أمكنتهن مرارًا عديدة منذ أن نثر الكون على الخليقة ثروة حيويته التي لا نفاد لها. أحصيت جميع الخطوط في وريقات هذه الزهرة، وعددت جميع الذرات في كأسها، وضبطت جميع ألياف جذعها فليس من قوة أرضية مهما طغت وبطشت أن تزيد عليها أو تنقص منها فتيلًا. وإذا استعنا بالمجهر (المكروسكوب) لتبين عمل الطبيعة واكتشاف خفاياها في أدق أنواع إنتاجها وجدنا في أحشاء البذور الهادئة، وفي البراعم والأزهار والأنسجة والخلايا، الناموس ذاته متكررًا متجددًا، ويظل نظام الكون في أصغر الذرات وأنحف الألياف أبديًّا لا يلمسه تغير ولا يلحق به تبديل. أنى توجهنا لقينا النظام الأوحد، فالنفس من هذا العالم الصوري عين أحاطت بها المرايا ففقدت ذاتها في تكرار لا حد له ولا نهاية. وفي كل كائن وكل موجود يستقر الأبد الآبد الذي يختلب ذهنك إزاء هذه الزهرة النحيفة. وهناك في أعالي الفلك تجد النظام بعينه نافذًا في الأجرام الكبرى: فالأقمار تدور حول السيارات، والسيارات حول الشموس، والشموس حول شموس أخرى وما السديم الخيالي السحيق إلا عالم عجائب وقدرة وجمال. ولا تفتأ هذه الكواكب العظيمة تدور في أبراجها لتظفر الأرض بتوالي الفصول فتتمكن الزهرة من البروز والنمو، وتنسج منها الخلايا وتنتشر الأوراق فترصع هي وأخواتها بساط الحقول. كذلك ينفذ النظام في الفراشة المتوسدة أحضان الأزهار، فإن يقظتها للوجود وتمتعها بالحياة وكيفية تنفسها ونموها لأعجب من نسيج النبات ودورة الشموس. ونحن البشر نظير كل كائن إنما يختص بنا النظام الكلي الخالد، فكم من موجود انتبه من غفلة العدم وتحرك وعاش ثم اختفى غير تارك لمروره من أثر! فإذا كان الكل بموجوداته الكبيرة والصغيرة وما يدبرها من حكمة وقدرة، إذا كان هذا الكل بأعجوبة حياته وحياة أعاجيبه صنع كائن أحد، فلماذا أنت ترتعد وماذا تخشى؟ أليس الأحرى بك أن تخر ساجدًا مدركًا ضعف نفسك وعدمها ثم أن ترفع عينيك نحوه واثقًا بحبه وعطفه؟ أليس أن فيك شيئًا أثمن من نسيج الأزهار وأعضاء الخفافيش وأبراج السيارات؟ إذا كان ذلك ورأيت خيالك في صفحة الوجود محاطًا بتألق الكائن الدائم وشعرت بحضوره فوقك وتحتك وفي داخلك وإنما بذلك الحضور الإلهي يصبح الشبح منك إنسانًا، والقلق عندك راحة، والانقطاع اشتراكًا، والانفراد واحديةً كبرى؛ إذا كان ذلك وعرفت أنك تناجي إلهك إذ تصرخ في ليل الحياة البهيم: «أبتي، فلتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض وكذلك فيَّ!» فكيف لا تنقشع عنك إذن غيوم الأكدار ويبزغ فجر السرور حاملًا معه تعزية ونورًا؟ إن لك من الله يدًا لا تهملك بل تظل تعضدك وتقودك عندما تهتز الراسيات وتنطفئ الشموس. حيثما حللت تكن معه ويكن معك وهو قريب إليك على الدوام. له الخليقة بورودها وأشواكها، وله الإنسان بأفراحه وأتراحه «ولا يحدث شيء إلا بإرادة الله وسماحه.» بمثل هذه الخواطر كنت أسلي نفسي فأتقبلها تارة فرحًا وطورًا حزينًا. لأنه إن نحن بلغنا لحظة مقر الراحة والسلام القائم في غور الروح فيتعذر علينا المكث هناك طويلًا. وكثر من ينسى تلك الخلوة بعد الاهتداء إليها، وينسى حتى السبيل الفكري الممتد بين العالم وبينها. انقضت الأسابيع ولم أتلق من فتاتي حرفًا، فساورني همٌ جديد إذ قلت لنفسي: «ربما توفيت وهي تستريح الآن في حضن السلام الأبدي.» فأقامت هذه الكلمات تحوم حول شفتي وكلما بالغت في ازدجارها بالغت هي في إثبات معناها. فعلام الازدجار وقد يكون حل المقدور؟ ألم يقل الطبيب إنها ضعيفة القلب وإنه يتوقع أن تفارق الحياة من إلى يوم؟ فهل أغتفر لنفسي تهاونها إذا غادرت صديقتي الدنيا دون أن أودعها وأبوح لها بحبي ولو في الساعة الأخيرة؟ ألا يتحتم عليّ البحث عنها الآن لأستمع منها كلمات الحب والغفران؟ لماذا يتردد الناس في قضاء الشئون ويؤجلون مخيرين غبطة تتيسر في الحال ناسين أن كل دقيقة قد تكون الأخيرة وأن ما فقد من الزمن فَقَدْ فُقِدَ من الأبدية؟ فكرت في اجتماعي والطبيب قبيل السفر فأدركت أني لم أرحل إلا لأثبت له أني قوي صلب الإرادة وقد عز عليّ الاعتراف بضعفي وباحتياجي إلى صديقتي، فاتضح لي الواجب في الحال وهو العودة إليها على استعداد لقبول ما تبعث به إلينا السماء من فرح وترح، وذكرت قول الطبيب بقرب ذهابها إلى البرية وقولها لي قبلئذ أنها اعتادت الاصطياف في قصرها في التيرول. أتكون إذن على مقربة مني لا يفصل بيننا سوى سفر ساعات قلائل؟ ما كاد يتضح الفكر حتى عاجلته بالتنفيذ، فغادرت المكان عند انبثاق الفجر ووجدني الغروب أمام قصرها. وكان المساء هادئًا جميلًا وقد ضرب مجد الغروب فوق قمم الجبال رواقًا عسجديًّا فسبحت الهضاب في زرقة وردية، وتصاعد من الأودية ضباب رمادي فجعل يستحيل لامعًا بملامسة الهواء المنير، ثم اتجه نحو أعالي الجو كبحر ضياء متحرك. وتعدد تلك الألوان وألاعيب هاتيك الأنوار كان يعكس على صفحة البحيرة المضطربة فتبدو فيها ذرى الجبال مراقصة رءوس الأشجار وسطح الكنيسة المستدير، وكأن تلك الرسوم في الماء كانت هي بعينها الحد الفاصل بين عالمي المحسوس والخيال. استقرت عيناي على القصر القديم حيث أرجو الاجتماع بها، ولم يكن في النوافذ نور ولا حول الجدران صوت يقلق سكون المساء. إن قلبي ليحدثني بلقياها، أيكذبني اليوم قلبي ويخونني الرجاء؟ مشيت متمهلًا فاجتزت الباب الخارجي ووجدتني في ساحة القصر حيث يسير الجندي الحارس ذهابًا وإيابًا. بادرته بالسؤال عن الكونتس فأجاب إنها في القصر. فقرعت جرس الدخول وانتظرت، وفي تلك اللحظة دهشت لما أنا فاعل إذ قد يكون بين الخدم من يعرفني، ولا أنا أجرأ على ذكر اسمي لأني قضيت الأسابيع الماضية تائهًا في الجبال وقد أهملت أمر لباسي وهندامي حتى صرت أشبه بالمتسولين، فماذا أقول، وعمن أسأل؟ لم يطل هجسي لأن الباب فتح وظهر منه البواب في زي خدم الأمراء وحدق فيَّ مبهوتًا. سألت عن السيدة الإنجليزية وصيفة الكونتس فقال إنها هناك. فطلبت قرطاسًا وقلمًا وكتبت إليها: إني قدمت للاستعلام عن صحة الكونتس. فبعث البواب بالرسالة مع خادم سمعت وقع خطواته المتباعدة في أبهاء القصر وممراته، وما تلاشت تلك الخطوات حتى صار موقفي لا يحتمل، فأخذت أنظر إلى ما علق على الجدران من صور أفراد الأسرة الراحلين: فرسان تدججوا بالسلاح، وسيدات ارتدين الزي القديم وفي وسطهن راهبة بثوب ناصع البياض وعلى صدرها صليب أحمر. لقد رأيت هذه الصور قبل اليوم في أحوال مختلفة ولم أفكر قط أن قلوبًا خفقت في هذه الصدور. وها إن ملامح هذه الوجوه تظهر اليوم كتبًا ملأى بالمعاني وكأنها تقول جميعًا: «لقد عشنا نحن أيضًا وتألمنا مثلك.» نعم، نعم تحت هذه الأسلحة دفنت أسرار كالتي تفطر الآن حشاشتي، وفي صدر الراهبة ذات الثوب الأبيض والصليب الأحمر جاشت العواطف المتلاطمة الآن في صدري. خيل إلي أن العيون تطل عليّ من الرسوم مشفقة. ثم اختفت الشفقة وحل الكبرياء مكانها وقالت الصور وأهلها: «أنت لست مناَ» وكانت تمر الدقائق فينمو وجلي إلى أن سمعت وقع أقدام خفيفة. وإذا بالسيدة الإنجليزية تشير إليّ بدخول إحدى الغرف، فنظرت إليها مستفسرًا لأقف على ما تعرف مما جرى ولكن ملامحها بقيت هادئة لا يبدو عليها دهشة أو تعجب أو أي اهتمام خاص. وقالت بصوت رزين إن صحة الكونتس في تحسن وإنها ستقابلني بعد نصف ساعة. مثلما يأمل الغريق بالنجاة بعد يأس الموت إذ يرى نفسه آمنًا على الشاطئ عقب أن تقاذفته اللجج، كذلك كان وقع هذه الكلمات في نفسي. ها أنذا أدنو إذن من حقيقة جديدة وما آلامي الماضية سوى أضغاث أحلام. قليلة هي هذه اللمحات، لمحات الغبطة المتناهية، في حياة الإنسان وألوف ألوف من البشر لا يتذوقون هناءها. إنما الأم التي تناغي رضيعها لأول مرة، والوالد الذي يذهب لاستقبال وحيده عائدًا من الحرب وقد أثقلت جبهته أكاليل المجد والنصر، والشاعر الذي تعترف له أمته بالعبقرية وتحييه بالهتاف والثناء، والشاب الذي يشعر بأن يد فتاته تسيل حبًّا في يده، أولئك وحدهم يدركون لذة الأحلام إذا هي انقلبت حقائق. مضى الوقت المعين فجاء الخادم وسار بي خلال غرف كثيرة ثم فتح بابًا فلمحت في نور الشفق الضئيل شبحًا أبيض أمام نافذة عالية أطلت على البحيرة والجبال المتلظية الساطعة. – «ما أعجب تلاقى البشر بعد الفراق الطويل!» سمعت صوتها العذب يلفظ هذه الكلمات فكانت كل منها بردًا على قلبي وسلامًا. فرددت كلماتها قائلًا: «ما أعجب التلاقي وما أعجب الفراق!» وأمسكت بيدها فأدركت أننا معًا وعلى مقربةٍ الواحد من الآخر. فقالت: «إذا هم افترقوا فما الذنب إلا ذنبهم.» قالت ذلك وصوتها المنسجم النبرات عادةً كموسيقى سماوية، يتهدج قليلًا. فأجبت: «صحيح. ولكن قولي لي أولًا كيف أنت؟ هل نستطيع التكلم؟» فقالت باسمة: «يا صديقي العزيز، أنت تعلم أن صحتي غير جيدة؛ فإذا زعمتها متحسنة فعلت حبًّا بطبيبي الذي أنا مدينة لعلمه وعطفه بحياتي منذ حداثتي القصوى. وقد وقفت حركة قلبي في إحدى الليالي قبل مغادرتي المدينة فعانيت ألمًا شديدًا وحسبت تلك الحركة واقفة دوامًا فراعه ذلك ولكنه أمر مضى فلماذا نذكره؟ شيء واحد يؤلمني: كنت أرجو أن يعانقني الموت بلا وجع والآن أعلم أن الأوجاع ستعذبني ساعة الرحيل وتفعم تلك الساعة مرارة.» ثم وضعت يدها على قلبها، وتابعت: «ولكن، قل أين هذه الغيبة الطويلة؟ ولماذا قطعت عني أخبارك؟ لقد أورد لي الطبيب جملة أسباب لسفرك الفجائي، فصارحته القول أني لا أصدقه في واحد منها. فذكرني أخيرًا سببًا هو أدنى تلك الأسباب إلى الغرابة. أتعلم ما هو؟» فقاطعتها خوفًا من أن أسمع كلمة تؤلمني وقلت: «قد يخال السبب وهميًّا وهو ليس بوهمي. وهذا مضى أيضًا فلماذا نذكره؟» قالت: «لماذا مضى يا صديقي؟ عندما ذكر السبب الأخير قلت له إني لا أفهم ما تعنيان؟ أنا فتاة عليلة بائسة وحياة جسدي موت بطيء، وقد أرسلت السماء صديقين يرثيان لحالي أو يحبانني — على زعم الدكتور — فأي شيء في ذلك يقلق راحتي أو راحتهما؟ كنت أقرأ قصائد شاعري المحبوب «وردسورث» قبيل محادثة الطبيب فقلت له: «يا طبيبي العزيز إن الأفكار كثيرة متنوعة والكلام المعبر عنها قليل فنرغم على تصديق ما لا نقصد ولا يفهم الآخرون ماذا نريد باستعمال كلمة واحدة فيؤلونها ما شاء الوهم والخيال. فلو سمع من يجهلنا أنني أحب صديقي الفتى وإنه هو الآخر يحبني لخالنا شبيهين بروميو وجولييت، ولو كان الأمر كذلك لوافقتك على وجوب ملاشاته. ولكن أليس إنك تحبني أنت أيضًا يا طبيبي الشيخ كما أحبك؟ ولقد أحببتك أعوامًا طوالًا ولا أدري هل بحت لك بذلك قبل الآن، فما أنا بيائسة ولا أنا بشقية. وأقول لك إنك خصصتني بمودة شديدة وإنك تغار من صديقي الفتى. ألا تأتيني كل صباح متفقدًا حالي وأنت تعلم أنه لم يجد شيء؟ ألا تقدم لي أجمل أزهار حديقتك؟ ألم تحملني على إهداء صورتي إليك؟ وهناك أمر آخر قد يحسن كتمانه، ألم تدخل علي يوم الأحد الماضي فجلست قربي وأنت تحسبني مستغرقة في النوم، وحدقت فيَّ طويلًا فكانت نظراتك كأشعة الشمس تلثم وجهي. ثم بكيت وأخفيت وجهك براحتيك وقلت بصوت يقطعه الشهيق «ماري! ماري»! آه، يا طبيبي العزيز! صديقنا الفتى لم يأت أمرًا كهذا فلماذا أقصيته عني؟» قلت ذلك بلهجة جمعت بين الجد والمزاح كما اعتدت مخاطبته فتورد وجهه خجلًا وأسفت لإيلام عواطفه. ثم أخذت كتاب وردسورث وقلت: «هذا رجل آخر أحبه بكل قلبي، أفهمه ويفهمني مع أني لم أره في حياتي. وأريد أن أتلو على مسامعك إحدى قصائده لتعلم كيف يحب البشر ويحبون وإن الحب بركة إلهية ينزلها المحب على المحبوب فيفرش طريقه بالورد والرياحين.» ثم قرأت له قصيدة «فتاة الجبال». والآن يا صديقي الصغير، أدنِ السراج واتل لي هذه القصيدة ذات المعاني المنعشة. إن روح الجمال الخفية تلامسها كما يلامس احمرار الشفق رءوس الجبال المكللة بالثلوج البيضاء.» تكلمت فصارت عواطفي هادئة رضية جليلة. انتهت العاصفة وانعكس طيف البنية كصفحة البدر على بحيرة حبي، بل على بحر الحب الشامل الذي يدعيه كلٌّ لنفسه بينا هو ينتشر في كل مكان لأن منه حياة بني الإنسان. الحب بحر الحياة الهادئ الثائر معًا في كل قلب، المفرق بين القلوب والجامع بينها بعاطفة واحدة ووله واحد. وددت أن ألزم الصمت كالطبيعة المنبسطة أمامنا. غير أن الكونتس دفعت إلي الكتاب فقرأت. ابتسامات ودموع
الفصل الثامن فتاة الجبال يا فتاة الجبال العذبة، جمالك هو غناك الوحيد: أربعة عشر ربيعًا سكبت على وجهك بهاءها فحسبك هي ثروة وجاهًا. هذه الصخور الرمادية، وتلك الأشجار الشبيهة بستار أسفر عن نصف وجه السماء، وذياك الشلال المهمهم في أذن البحيرة المنصتة، وذيالك الخليج الصغير، وهذه الطريق الضيقة المؤدية إلى مسكنك، جميعها تخال مرسومة بخطوط الأحلام وألوانها. وأنا أباركك من أعماق قلبي، يا فتاة يبعث جمالها في هذا النور الأرضي نورًا سماويًّا. ليكن الله في عونك حتى اليوم الأخير! أنا لا أعرفك ولا أعرف ذويك على أن العبرات تجول في عيني. سأذكرك في صلواتي بخشوع بعد ذهابي لأني لم أر حتى اليوم وجهًا كوجهك بدت فيه الرقة في حشمة واللطف في طهر تام. تعيشين هنا بعيدًا عن البشر كبذرة قذفت بها يد الصدف، فلا ترخين أجفانك خجلًا ولا ترتدي ملامحك احمرار الحياء. على جبهتك تتجلى حرية أهل الجبال وصراحتهم، وفي ابتسامتك يبسم الجود والحنان، وعطفك يتدفق تدفق خواطرك المنعتقة من ذهنك رغم قيود جهلك وعلى قلة متاعك اللفظي. قيود تشعرين بها وتجاهدين في التغلب عليها فتجيء إشارتك مفعمة نشاطًا ولطفًا معًا. كذلك رأيت مرة أطيارًا تصفق بأجنحتها لمكافحة العاصفة. كل يد تقطف لك الأزهار، أيتها الحسناء، فيا سعد من عاش قربك في واد صغير كثيف الشجر كثير الزهر، يلبس كملابسك ويرعى الأغنام مثلك! وهناك أمنية خير من هذه، ولكن أنت موجة من البحر الإنساني العجيب. ليت لي بعض السلطة عليك وليتني من جيرانك لأتمتع بصوتك وأهنأ بمرآك! بل ليتني أخوك الأكبر أو أبوك أو أي واحد من أقاربك! وإني لأحمد السماء التي قادتني إلى هذا المكان المنفرد حيث عرفت السرور. سأذهب حاملًا معي الجزاء لأن للذاكرة ميزة كأنها ميزة النظر. فلماذا أكره الابتعاد؟ وها إني أفرح وأتألم في آن واحد لفراقك، يا فتاة الجبال الحلوة! وسأحفظ أبدًا في ذاكرتي هذه المشاهد البهية حية كما أراها الآن، كوخك الحقير، والبحيرة، والخليج، والشلال لا سيما أنت الروح المحيية جسم هذا الجمال. وكانت معاني القصيدة تهبط على روحي كقطرات الندى. وإذا بصوتها العذب يتصاعد كنغمة الأرغن تنبه المصلي من تأملاته العميقة، فقالت: «هكذا أريد أن تحبني يا صديقي، وهكذا يحبني الطبيب، وعلينا أن يحب بعضنا بعضًا هذا الحب وأن يثق الواحد بالآخر هذه الثقة. وعلى قلة اختباري أظن أن العالم لا يفهم هذا الحب فجعل بنو الإنسان هذه الأرض صحراء يقطنها القحط والكآبة. لا بد أن الحال كانت على غير ما هي في غابر العصور وإلا لما حدثنا «هوميروس» عن «نوزيكا» ذات القلب الحساس؛ أحبت نوزيكا أوديسفس للنظرة الأولى فأسرت إلى صويحباتها: «حبذا الاقتران به! وليت المقام بيننا يطيب له!» ولكنها خجلت أن تسير مع غريب له هذا الجمال الباهر لئلا يقال إنها بحثت عنه. فما أبسط هذه الحكاية وأقربها إلى الواقع! وعندما قيل لها بوجوب رجوعه إلى زوجته وولده لم تتذمر ولم تشك بل امتثلت واختفت، ونحن القراء نشعر بأنها حملت أبدًا في فؤادها صورة ذلك الغريب القوي الجميل. لماذا يتجاهل شعراؤنا هذا الحب الصادق وهذا الفراق الهادئ؟ أما الشاعر العصري فيخرج من نوزيكا حبيبةً لفرتر لأن الحب لم يعد سوى مقدمة لمأساة الزواج. أهذا هو الحب دون سواه؟ هل جفت ينابيع السعادة الطاهرة؟ ألا يريد الناس أن يعرفوا من الحب غير الخمرة المسكرة ليتجاهلوا ينبوعه العذب الشافي الظمأ؟» فأردت تعزيز كلامها واستشهدت بالشاعر الإنجليزي القائل: «ألا يحق لي أن أبكي لما فعل الإنسان بالإنسان؟!» فقالت: «ما أسعد الشعراء! كلماتهم تنطق العواطف الخرساء في ألوف القلوب وتنشد الأصوات أناشيدهم لإظهار أسرار الجنان. فؤادهم يخفق في صدر الغني والفقير على السواء فيطرب معهم السعداء ويبكي التعساء لبكائهم. غير أن وردسورث أحبهم إلي، من أصدقائي من ينفي عنه الشاعرية. أما أنا فأحب منه إعراضه عن الاستعارات العادية، وتجنبه الغلو والمبالغة وما يسمونه «الطيرة الشعرية». هو صادقٌ وأي ميزة توازي هذه؟ هو يفتح عيوننا على الجمال المنثور تحت أقدامنا نثر زهرات الأقحوان في الرياض والمروج، ويسمي الأشياء بأسمائها، ولا يحاول إذهالنا وتغريرنا بل يرغب في إظهار الموجودات يزينها جمال الطبيعة قبل أن تشوهها يد الإنسان. أليست قطرة الندى على الحشيش الأخضر أتم بهاءً وأوفى ثناءً من لؤلؤة ثمينة صيغت في قالب الذهب؟ أو ليس الينبوع المتدفق من صدر الأرض أجل وأبدع من مياه فرساي الاصطناعية على الإطلاق؟ أليست قصيدة «فتاة الجبال» ألطف وأصدق من «هيلانة» جوتي و«هايدي» بيرون؟ إني آسفة لعدم وجود من يماثل وردسورث في جلاء الفكر وسذاجة التعبير بين شعرائنا. قد كان يشبهه «شلر» لو أنه استوحى خفايا نفسه بمثلما استوحى تاريخ اليونان والرومان، كذلك «روكرت» قد كان يداينه لولا أنه آثر عيشة الرغد والرخاء بين ورود الشرق على سكنى وطننا الفقير. قل الجريء من الشعراء الراضي بنفسه، المقدم على إظهارها مجردة من الزوائد؛ وردسورث ذلك الشاعر. وكما نستمع برضى إلى أعاظم النوابغ حتى عندما لا يكونون أعاظم أملًا في مشاركتهم في الشعاع الساطع المنزل إليهم من شمس اللانهاية كما شاركناهم في أفكارهم العادية المألوفة، كذلك أحب وردسورث نفسه حتى في القصائد التي لم تضمن فكرة مستحدثة. لا بد لكبار الشعراء من نوبة راحة يغيب فيها عنهم الوحي والبيان الخلاب؛ فقد نقرأ عند هوميروس عشرات الأبيات لا تزينها لمحة جمال، وكذلك دانتي. بينا بندرس الذي يستفز إعجابكم جميعًا يضعف احتمالي وينفد صبري بدوام ذهوله وافتتانه. إني لأضحي أثمن ما لدي لأتمكن من الاصطياف على شاطئ البحيرات حيث يقيم وردسورث فأزور معه الأمكنة التي أحب ووصف، وأحيي الأشجار التي حماها من ضرب الفئوس، وأرقب قربه غياب الشمس الذي أبدع في تصويره بالألفاظ إبداع مصورنا «ترنر» في تمثيله بالألوان.» لم يكن صوتها ليهبط شأن الأصوات الأخرى في نهاية الخطاب بل كان يرتفع ويقف على نبرة استفهام، كأنها الطفل القائل: «أليس كذلك يا أبي؟» كان ذلك الصوت يصعد نحو مخاطبها بدلًا من أن يهوي عليه، تمازجه أَنّة توسل تجعل مخالفتها أمرًا عسيرًا. فقلت: «وردسورث عزيز عليّ شاعرًا وعزيز رجلًا. الأفكار في شعره آكام صغيرة نتسلقها بلا تعب بينا هي عند غيره جبال باذخة محفوفة بالصعاب والأخطار. لم أكن أكترث له في البداية حين كان يذهلني أن يعجب به أكبر عقول إنجلترا الحديثة هذا الإعجاب العظيم، ولكني اقتنعت بالتالي أن شاعرًا تنظر إليه أمته نظرة الإكبار وتنزله من تقديرها تلك المكانة لجدير بأن يدرس ويستقصى، وإنما تجاهل وجوده خسران للمتجاهل. الإعجاب فنٌّ لا يكتسب بلا دراسة وتمرين، فمن الألمان من لا يذوق راسين، ومن الإنجليز من لا يفهم جوته، ومن الفرنسيين من لا يرى في شكسبير إلا فلاحًا خشنًا. وما مغزى ذلك؟ مغزاه أن طفلًا غريرًا يفضل موسيقى الرقص على إيقاعات (Symphonics) بتهوفن ذات الفخامة والجلال. فن الإعجاب الصميم قائم في اكتشاف أرواح الشعوب والتعمق في دراسة كتب تكبرها الأمم، ومن بحث عن الجمال عثر عليه وعلم أن الشعوب لا تعظم من نوابغها إلا من كان حقيقًا بالإعجاب، وإن الفرس لم يكونوا مخدوعين في حافظهم، ولا الهنود في كاليدازا. لا يفهم الرجل العظيم من المجابهة الأولى ولا يوصلنا إلى اكتناهه غير المثابرة والنصب والعمل. ومن الغريب أن ما يرضينا لأول نظرة لا يطول استحساننا له.» فقالت: «ولكن هناك سرًّا يشترك في كتمانه وإذاعته معًا جميع الشعراء وجميع الفنانين وجميع أبطال العالم سواء أكانوا فرسًا أو هنودًا أو رومان أو ألمان وأكاد لا أدري كيف أصفه: هو فكرة اللانهاية المنبسطة أمامهم ونراها نحن خلال كلامهم وآثارهم. هم يقرءون ما لا نقرأ في كتاب الأبدية ويؤلهون الأشياء التي نزعمها صغيرة زائلة. أما سمعت غوتي ذلك الوثني الصميم منشدًا كيف يؤله «السلام العذب النازل من السماء» حيث يقول: انتشر السلام على الهضاب وبين رءوس الأشجار الباسقات لا أثر لهبوب النسيم وصغار الطير نائمة في الغاب فانتظر قليلًا عما قريب ترتاح أنت كذلك عندما نسمع أو نقرأ هذا ألا ترى أشجار الصنوبر ووراءها المسافة الفيحاء انتشرت فيها راحة لا تستطيع الأرض أن تنيلنا إياها؟ فكرة اللانهاية تجدها أبدًا في قصائد وردسورث، وذلك السر الكامن وراء الألفاظ والأسجاع والأوزان هو هو الذي يحرك القلب دون غيره. من ذا الذي فهم الجمال الأرضي أكثر من مايكل أنجلو الطلياني؟ ولكنه فهمه لأنه علم أنه انعكاس الجمال السماوي. ألا تذكر موشحه لحبيبته فيتوريا كولونا: قوة الوجه الجميل تدفعني نحو السماء ولا أرتاح على الأرض إلى وجه سواه وبه أحيا متعاليًا بين الأرواح المصطفاة وهي موهبة قل أن يتمتع بها الإنسان الفاني ••• ومع المبدع الذي أبدع صنعها وبنعمته وبمساعدته أرفع إليه خواطري وأوقع على انسجام صنيعة أفكاري وأعمالي لأحب بحرارة امرأة مليحة ••• وإن قصرت دون تحويل نظري عن عينيها الجميلتين المتألقتين بنور يدلني إلى سبيل الله إن قصرت وأحرقني اللهيب علمت أن تلك النار النبيلة المتأججة في قلبي إنما هي انعكاس الشعاع السامي الساطع أبدًا في ديار المجد والخلود بدت عليها آثار التعب فأحجمت عن الكلام فاحترمت سكوتها. إن قلوب الناس تميل إلى الصمت بعد تبادل الأفكار القيمة، ويخيل أن الملائكة ترفرف فوق رءوسهم. نعم خيل إليّ أن أجنحة ملائكة الحب والسلام تخيم في تلك الغرفة. نظرت إليها فبدت بثوبها الأبيض كالرؤيا تتجلى في الشفق العابس وإنما يدها المستسلمة في يدي أثبتت لي حضورها الحسي. وأرسل الغروب المودع على محياها شعاعًا باهتًا ففتحت عينيها وحدقت فيَّ مدهوشة مستفسرة، فسطع نور عينيها العجيبتين كبرق خاطف بين أجفانها الوطفاء. وإذا بالبدر صاعدًا بين الجبلين المقابلين يسكب ابتساماته على القرية الصغيرة والبحيرة الهادئة. لم أر حياتي مساء أبهى من ذلك المساء ووجهًا أجمل من ذلك الوجه؛ وجه الحبيبة كما كان في تلك الساعة، فشعرت بموجة حب تطفو فوق قلبي فقلت ثملًا: «ماري! دعيني أعترف لك بحبي وأنا بهذا الفتون! ألا تشعرين معي بقربنا الآن من السماء؟ ألا فلتتحد نفسانا بقوة لا تسطو عليها قوة! دعيني أفضِ إليك بحبي. إني أحبك يا ماري كائنًا الحب ما كان، وأشعر بأنك لي لأني لك.» جثوت قربها ولم أجرأ على النظر إلى عينيها، فسحبت يدها من يدي متمهلة مترددة في البدء وبالتالي مسرعة مصممة، فرفعت طرفي إلى وجهها فرأيت عليه أمارات الألم. وبعد سكوت طويل تململت وزفرت زفرة عميقة وقالت: «كفى؛ لقد آلمتني، على أن الذنب ذنبي والتبعة علي. أقفل النافذة لأني أحس ببرد قارس كأن يدًا غريبة لمستني. ابق معي، لكن لا، اذهب. وداعًا، ونم نومًا هادئًا وابتهل إلى الله أن يشملنا برعايته. سنجتمع مساء غد، أليس كذلك؟» أواه، أين ذهب الهناء وكيف ولت الطمأنينة؟ خرجت من الغرفة وبعثت بالسيدة الإنجليزية إليها وهمت في الظلام. مشيت طويلًا على شط البحيرة وعيناي يرقبان نافذة الغرفة التي ضمتني وإياها منذ حين. أخيرًا خبت جميع أنوار القصر وتوسط القمر كبد السماء وسقطت أشعته عاموديًّا على الأرض فبدت خطوط الشرفات والجدران من ذلك القصر كأنها أضيئت بفانوس سحري. وبقيت وحدي في الليل الأدهم: أفكاري موجعة، وقلبي سقيم، ونفسي منفردة لا يحبها ولا يريدها في العالم أحد. شمت الأرض نعشًا والسماء كفنًا يدور حولي، ولم أدر أحي أنا أم ميت قضى منذ زمن بعيد. وإذ أطلت النظر إلى النجوم ذات المقل اللامعات، وهي تتم دورتها بانتظام حسبتها منثورة في الفضاء لتنير القلوب المظلمة وتعزي النفوس الآيسة. إذ ذاك فكرت في نجمين سماويين أشرقا من عيني الكونتس ماري على أفقي الحالك السواد وسجدت في فؤادي عاطفة الشكر والحنان لفتاتي العذبة وملكي الحارس الأمين. ابتسامات ودموع
الفصل التاسع الذكرى الأخيرة كانت الشمس مشرقة على رءوس الجبال وقد دخلت أشعتها من النافذة ساعة استيقظت من رقادي. أهذه هي الشمس التي شيعتها البارحة بنظرات الرجاء والغرام عندما انبسط قرصها كيد صديق يبارك اتحاد قلبينا، ثم هبطت وتوارت كمضمحل الآمال؟ ها هي الآن مشرقة تأتي إليّ كطفل يهنئني بعيد ميمون. لقد عادت إلي حيويتي المعتادة وتنبهت فيَّ الثقة بالله وبنفسي، ترى أأنا هو ذاك الفتى الذي انطرح على الفراش منذ ساعات قلائل مضني الجسد خائر الروح؟ ما حالنا لولا سنة الكرى؟ نحن نجهل إلى أي العوالم يمضي بنا هذا الرسول الليلي حينما نستسلم له بعيون مغمضة وليس من يتكفل بفتحها في الغد ليعيدنا إلى يقظة العمر. لقد تعلق الإنسان بأهداب الشجاعة والإيمان يوم تلقاه الصديق المجهول فنومه النومة الأولى، ولولا ما فطرنا عليه من ثقة وامتثال لأبى الواحد منا، رغم التعب والنصب، أن يغمض عينيه بمحض إرادته ويدخل مملكة النوم. إنما هما الضعف والشقاء تشتد علينا وطأتهما فنلجأ إلى قوة عليا ونرضخ للنظام البديع النافذ في جميع الكائنات، فنسعد إبان الرقاد بحل الروابط التي تقيد ذاتنا الأبدية الخالدة بذاتنا الأرضية الزائلة. كل ما جرى بالأمس وكان في ذهني مبهمًا كضباب المساء أصبح الساعة جليًا. شعرت بتقاربنا الواحد من الآخر كأننا أخ وأخت، أو أب وابن، أو خاطب ومخطوبة، وأننا لا يحول بيننا انفصال. بحثت عن معنى ما يدعوه البشر «حبًّا» وودت، كالشاعر، أن أكون أخاها أو أباها أو أي قريب لها. وددت أن أهتدي إلى اسم يعرفني الناس به عندها لأن العالم ينكر من لم يحمل اسمًا وكنية. هي قالت إنها تحبني حبًّا طاهرًا يكنه قلبها للنوع الإنساني بأسره وهو مصدر كل صنوف الحب. غير أنها خافت وتألمت لسماع اعترافي، وهذا الألم وذاك الخوف اللذان أتعساني البارحة هما اليوم في عيني حجةٌ راسخة على عاطفة تخصني بها. لماذا نحن نسعى في تفهم نفوس الآخرين ونفوسنا مغلقة على بحثنا؟ ولماذا يستأسرنا ما لا نحسن تمييزه في الطبيعة والأفراد والقلوب؟ أما الأشخاص الذين نعرف منهم جميع الحركات النفسية والبواعث الفكرية فلا ننفعل بتأثيرهم ولا نعيرهم التفاتًا، ولا شيء يكلح البهجة والرونق من محيا الحياة كزعم أولئك الماديين الذين يشرحون المعاني ويحللونها تحليلًا علميًّا لينفوا عجائب النفوس وأسرار الأفئدة. إن في كل كائن غموضًا يستحيل إدراكه ويتعذر تعريفه: أهو إلهام، أو قدر أو خلق؟ لا الفرد يعي معنى ذلك الغموض المستتر فيه ولا اهتدى الباحثون إلى تفسير مقنع مرضي. وهكذا كل ما حملني بالأمس على القنوط صار اليوم ينبوع أمل. وما زلت بقلبي أعلله حتى تبددت الغيوم من جو مستقبلي السعيد. خرجت إلى الهواء الطلق وإذا برسول يحمل من الكونتس كتابًا. عرفت خط يدها الجميل الرزين فرجوت في تلك اللحظة أعز ما يرجوه العاشق. ويا لسرعان ما خابت آمالي! سألتني في الرسالة أن لا أزورها بعد الظهر لأنها تنتظر ضيوفًا من المدينة، ولم تخط كلمة مودة أو كلمة تطمين، وإنما أضافت حاشية معناها أن الطبيب يأتي غدًا فاللقاء إلى بعد غد. يومان يمزقان من كتاب حياتي! ويا ليتهما لم يكونا فلا أحتملهما فوق رأسي كسقف سجن مظلم. عليّ أن أصبر عليهما ولست مخيرًا في التصدق بهما على ملك عوجل بالخلع عن عرشه، أو في التبرع لمتسول يدور حول أبواب المعابد. أطرقت وطال إطراقي، فذكرت صلاة الصبح لأن اليائس أحوج ما يكون إلى الإيمان، وكالفارس يرى الهوة أمامه فيحكم شد اللجام، قلت: «فليكن ما لا مناص منه! ولأقبلنه طائعًا دون تذمر فالله لم يخلقنا للغم والمراثي.» ولماذا لا أتعزى بهذه السطور التي خطتها يدها؟ ولماذا لا أتعزى بأمل الاجتماع القريب؟ سل من عالج السباحة يشر بوجوب رفع رأسك فوق الأمواج، وإلا فاغطس ولا تدع من فمك وعينيك للماء سبيلًا. إن لم ترضنا الحياة كواجب فلنقبلها ونعالجها كفن. كلنا هنا أطفال، ولكن ما أغباه طفلًا يستسلم للغضب أو يركن إلى العبوس كلما شعر بألم أو حبط له مسعى! وما أحبه طفلًا إن بكى ظلت شمس السرور مشرقة في عينيه شروق الزهرة الناضرة وراء غيث نيسان، فلا يطول حتى تنفتح أوراقها ويفوح طيبها لأن حرارة الشمس تمتص عنها قطرات المطر. وعادت إلي خاطرة فبدأت أنفذها: ذاك أني طالما تمنيت تدوين كل كلمة سمعتها منها وإثبات ما ائتمنتني عليه من جميل الآراء. وها قد حان الوقت الملائم، فصرفت اليومين مستحضرًا ساعات اللقاء محييًا آثارها. وكنت قريبًا منها شاعرًا بحبها كأني ممسك بيدها. وما أغلى تلك الصفحات لدي! كم من مرة قرأتها وأعدت قراءتها! هذه شهود سعادتي الغابرة، يطل من بين سطورها عليَّ وجهٌ معروف وينظر إلي صامتًا وسكوته أفصح من الفصاحة. يتلو علي ذكريات الأسى والهناء فيرجعني إلى الماضي وأنطرح على مجموعة حوادثه كالأم على ضريح ولدها الميت منذ أعوام ولا رجاء لها بضمه إلى صدرها مرة أخرى، هذه العاطفة نسميها حزنًا، ولكن في الحزن غبطة يعرفها الذين أحبوا كثيرًا وتألموا كثيرًا. سل الوالدة عما تشعر به عندما تسدل على وجه ابنتها العروس نقابًا لبسته يوم زواجها، مفكرة في زوجها الذي أخذته المنية فحرمتها منه. سل الشاب عما يشعر به إزاء وردة ذابلة جاءته من حبيبته المتوفية وكان أهداها إليها قبل أن يفرق بينهما العالم. كلاهما يبكي وليست دموعهما دموع فرح ولا دموع ترح، بل هي دموع ضحية قدمت آلامها إلى الله بخورًا بعد فناء الآمال، وقنعت بالإيمان والثقة بحكمته غير المتناهية. ولنعد إلى التذكارات التي تجعل الماضي حاضرًا: انقضى اليومان وجوانحي تختلج حبورًا كلما ولت ساعة فآذنت بقرب اللقاء. وقد كثرت المركبات في اليوم الأول وجاء الفرسان من المدينة فامتلأ القصر بالضيوف والزائرين وخفقت فوق قببه الألوية وصدحت الموسيقى في ساحاته. وعندما أرخى الظلام سدوله ازدحمت الزوارق والقوارب في البحيرة وترددت على صفحة الماء أصداء الأناشيد والأغاني، فأطلت الإصغاء لعلمي أنها هي الأخرى مصغية من نافذتها. وظلت الحركة والجلبة في القصر إلى ما بعد ظهر اليوم التالي حيث عاد الضيوف أدراجهم، وآخر مركبة عادت في المساء إلى المدينة كانت مركبة الطبيب. عندئذ ضاق صبري وفكرت «ها هي وحدها، أشعر أنها تفكر فيَّ وتتمنى وجودي معها. أأترك ليلة أخرى تمر دون أن ألمس يدها فرحًا بانتهاء الفراق وابتداء التلاقي الجديد؟ أرى في نافذتها نورًا فهل أدعها هناك بلا رفيق؟ ألا يصح أن أتمتع ولو هنية بحضورها العذب؟» وجدتني فجأة أمام بابها وقد ارتفعت يدي لقرع الجرس، فتوقفت قائلًا: «ألا سحقًا للضعف والتبذل! إن أنا دخلت عليها الآن وقفت أمامها خجلًا كسارق يتوارى بالظلام. سآتي إليها صباح غد، سأعود إليها كبطل استحق أن تضفر لجبينه إكليل الحب.» جاء الصباح وذهبت إليها. أواه! لا تقولوا، أيها الروحيون، إن الروح تحيا بلا جسد! الحياة الحقيقة والسعادة التامة لا يجتمعان إلا حيث يتوحد الروح والجسد فيصيران روحًا جسديةً وجسدًا روحيًّا. الروح بلا جسد شبح، والجسد بلا روح جثة. وهل تخلو زهرة الحقل من الروح؟ أليس إنها تبرز بقدرة الفكر الباري الذي ينيلها الحياة والجمال؟ ذلك الفكر هو روحها ولكنه أبكم فيها بينا هو ناطق في الإنسان. الحياة الحقيقية حياة الروح والجسد معًا، والاجتماع الحقيقي اجتماع الأرواح الأجساد جميعًا. أما العالم الذي عشت فيه سعيدًا يومين كاملين فقد اضمحل الآن كالخيال، أو كتنهد العدم، لأني الساعة أراها بالروح والجسد. تمنيت أن أضع يدي على جبهتها وألمس أجفانها لأتثبت من وجودها بالذات وليس بالصورة الحائمة حول روحي ليل نهار، بل كشخص غير شخصي يحبني ويتوق إلي، شخص أثق به ثقتي بنفسي، بعيد عني إنما أقرب إلي من نفسي وبدونه ليست حياتي بالحياة، ولا موتي بالموت، وما أنا سوى لهاث ضائع في الفضاء غير المتناهي. استقرت عليها طويلًا أنظاري وأفكاري فشعرت بتكامل الحياة فيَّ ولم يعد يرهبني الموت لأنه لا يقوى على إفناء هذا الحب العظيم إنما هو يكسبه متانة ونبلًا. ما أعذب السكوت قربها وقد تجلت نفسها في وضع أعضائها ومجموع هيئتها وتتابعت السرائر في عينيها! بقيت صامتًا وشيء فيَّ يصغي كأني سمعتها تهمس في قلبها: «إنك تؤلمني.» ثم بعد هنيهة: «هل اجتمعنا مرة أخرى؟ كن هادئًا ولا تيأس، لا تسل ولا تستفهم، إني أرحب بك فلا تسخط علي.» كل هذا قرأته في عينيها ولكنها لم تتلفظ بكلمة منه. وفتحت شفتيها أخيرًا وقالت بصوت متهدج: «ألم يصلك كتاب من الطبيب؟» أجبت: «كلا.» فقالت: «الأفضل إذن أن تسمع الخبر مني. اعلم يا صديقي أننا نلتقي اليوم للمرة الأخيرة، فلنفترق بلا تذمر. لقد أسأت إليك عن جهل إذ كيف أعلم أن للنسيم العليل من القوة ما يسقط عن الزهرة وريقاتها! كنت قليلة الخبرة فلم أتوقع أن توحي إليك فتاة بائسة نظيري سوى عواطف الرحمة والإشفاق. ولقد أنزلتك على الرحب والسعة لأنك صديقي منذ أعوام طويلة، وسعدت بلقياك، لماذا أخفي الحقيقة؟ لأني كنت أحبك. إنما المجتمع لا يفهم هذا الحب ولا يسمح به. لقد فتح الطبيب عيني وأخبرني أن حكايتنا شائعة تتفكه بتفاصيلها أندية المدينة، وكتب إلي أخي الأمير يسألني أن أقطع كل علاقة بيني وبينك. إن أسفي لألمك شديد. ولكن قُلْ إنك تعفو عني، ولنفترق صديقين كما التقينا.» قالت هذا وأسبلت أجفانها لتخفي عني دموعها. فأجبت: «لي يا ماري حياة واحدة وهي قربك، وإرادة واحدة وهي إرادتك. أحبك بحرارة الحب وحرقته، ولكني لست أهلًا لك. أنت أرفع مني مقامًا وشرفًا وطهرًا فكيف أرجو أن أدعوك يومًا زوجتي؟ وليس ثمة من وسيلة أخرى لنسير معًا في سبيل الحياة. ماري، أنت حرة ولا أريد أن تضحي لأجلي شيئًا ما. العالم واسع وإن أردت الفراق فلن نجتمع. ولكن إذا شعرت بحب لي وبأنك خاصتي فأعرضي عن المجتمع وانسي أحكامه البلهاء، ودعيني أحملك على ذراعي إلى الهيكل فأجثو هناك وأقسم أن أكون لك في الحياة والموت.» فأجابت متمهلة: «تَمَنِّي المستحيل حرام يا صديقي. لو شاء الله أن يجمع بيننا لما بعث إليّ بهذه الأوجاع التي تجعلني طفلة عاجزة بائسة. لا تنس أن ما ندعوه قضاءً وقدرًا، أو ظروفًا، أو فروقًا اجتماعية إنما هو في الحقيقة إرادة الله، ومن طمع في التغلب عليها فقد عصى الله وكان غرًّا داعيًا إن لم يكن شاذًّا أثيمًا. إنما الناس على الأرض كالكواكب في عرض الفضاء يسلكون سبيلًا خطتها يد الله فإن تواجه فيها اثنان فذاك إلى حين ثم يفترقان مسيَّرين. وباطلًا يحتجان ويقاومان فنظام الكون باق على ما هو إلى الأبد. أنا لا أرى موضع الخطأ في حبي لك. غير أن الآخرين يرونه فحسبي يا صديقي. ولنمتثل بتواضع وإيمان.» كان صوتها هادئًا يئن فيه الألم العميق، ولم أشأ أن أتخلى عن الجهاد منذ الخطوة الأولى، فضبطت انفعالي ما أمكن لئلا أتهور مجازفًا بكلمة تزيد في ألمها وقلت: «تقولين إن هذه مقابلتنا الأخيرة فدعيني أعلم لمن نضحي ذواتنا. لو خالف حبنا نظامًا علويًّا لامتثلت معك بتواضع وإيمان. ولكن الحب هو إرادة الروح السامية وتسخير تلك الإرادة هو إنكار إرادة الله. طالما حاول الإنسان مخادعة الله كأن دهاءه كفيل بتضليل الحكمة الربانية. وهذا محض جنون، نَصيبُ من اقتحمه نَصيبُ قزم يبارز جبارًا فليس أمامه من عاقبة سوى أن يسحق ويتلاشى. لا شيء يقوم في وجه حبنا غير التقول والافتراء، فما هو التقول والافتراء؟ أنا أحترم أنظمة المجتمع، أحترمها حتى في تشعبها وارتباكها الحالي لأن الجسم العليل لا يشفى بغير العلاج المركب. وبدون الفروق الاجتماعية والاصطلاحات والعادات التي كثيرًا ما نضحك منها يستحيل ترابط البشر فيما بينهم والتعاون لبلوغ غاية وجدنا على الأرض لننتهي إليها، فيتحتم إذن تضحية الشيء الكثير لتلك الآلهة الكاذبة، وكأهل أثينا الذي كانوا يرسلون كل عام سفينة مشحونة بالشبان والفتيات يقدمونهم قربانًا، علينا أن ننحر الضحايا على هيكل الحيوان المسيطر على تركيب نظامنا الاجتماعي. ولكن ثقي أنه ليس من قلب حساس رقيق إلا تعذب وتفطر، ولا من رجل ذي إدراك وشعور إلا وأرغم على إطباق جناحي حبه ليسجنه في القفص الاتفاقي الضيق وذلك حادث أبدًا قديم جديد. أنت لا تعرفين المجتمع. ولكني لو قصرت الكلام على أصحابي لأسمعتك من المفجعات ما يملأ أسفارًا: أحب أحدهم فتاة فأحبته هي كذلك. ولكنه كان فقيرًا وكانت هي غنية، فتخاصم الأهل والمعارف وتقاذفوا السباب والشتائم وكانت النتيجة انسحاق القلبين. لماذا؟ لأن المجتمع يرى منتهى الحطة والذل في أن ترتدي السيدة ثوبًا مصنوعًا من صوف النبات الأمريكي وليس من نسيج الدودة الصينية. أحب آخر فتاة فأحبته أيضًا. ولكنه كان بروتستانيًّا وكانت هي كاثوليكية، فقامت عليهما قيامة الكهنة والأمهات وانسحق القلبان. لماذا؟ لأنه حصلت مناورات سياسية بين تشارلس الخامس وفرنسيس الأول وهنري الثامن منذ ثلاثة قرون. وأحب غيره فتاة فأحبته هي أيضًا. ولكنه كان شريفًا ولم تكن هي ذات حسب، فتصلبت كبرياء أخوته وألهبت الغيرة أخواتها وانسحق القلبان. لماذا؟ لأن جنديًّا قتل آخر كان يتهدد حياة الملك وعرشه منذ عشرات أو مئات الأعوام فأغدق عليه مولاه الألقاب والرتب، وها إن حفيده اليوم يكفر عن ذلك الدم المسفوك بخلق نخره الفساد وصحة ترعى فيها العلل. يقول علماء الإحصاء إن عدد القلوب المتفطرة يوازي عدد الساعات. وأنا أميل إلى التصديق، لماذا؟ لأن المجتمع ينكر كل حب بين غريبين إن لم يرتبطا برباط الزواج، فإن أحبت فتاتان رجلًا ضحيت إحداهما، وإن أحب رجلان امرأة تحتم أن يضحي أحدهما أو أن يضحيا معًا. لماذا؟ لماذا يحظر على رجل حب فتاة ليس له أن يقترن بها. أكل الحب في أن يهرب الرجل بالمرأة كأنها غنيمة حربية؟ أراك تغمضين عينيك فأدرك أني أطلت الكلام. لقد دنس المجتمع أقدس معاني الحياة، فاسمعي يا ماري، فلنستعمل لغة العالم عندما نكون فيه متكلمين ممثلين فاعلين. ولكن فلنحفظ بعيدًا عنه محرابًا طاهرًا يختلي فيه قلبان صادقان ليتكلما بلغة الحب والإخلاص دون أن يتأثرا بغضبه أو يكترثا لصواعقه. والمجتمع يكبر هذه المقاومة العنيفة من قلب أدرك حقوقه وعرف عظمته فآثر على الأحكام البلهاء. لا بأس بالاصطلاحات والعادات في حل اعتدالها لأنه حسن أن تعرش «اللبلابا» بألوف الأغصان والحبال على الجدار القوي. ولكن حذار من الإفراط لئلا يجد النبت الطفيلي منفذًا إلى داخل البنيان فيفسد إحكام أجزائه ويهدم متانة أركانه. إن حبنا لا يضر بشرًا ولا يؤذي أحدًا بل يسعد نفسينا ويرفعنا إلى عرش مبدعنا. فاتبعي مشورة قلبك واصغي إلى صوت ضميرك ثم أجيبي. ماري، كوني لي! اعلمي أن الكلمة المرتعشة الآن على شفتيك إنما هي حكم علي وعليك بالسعادة أو بالشقاء. صمتُّ وضغطتُّ على يدها فضغطت على يدي بأنامل ملتهبة وقد بدا التأثر في وجهها وحركاتها. والسماء الزرقاء المنشورة فوق رأسي لم أرها حياتي على جمال ظهرت فيه الآن وقد هددتها الزوبعة وأنفذت إليها الغيوم واحدةً بعد أخرى. ثم قالت كمن يتعمد تأجيل القرار النهائي: «ولماذا تحبني؟» أجبت: بل سلي الطفل لماذا ولد، والشجرة لماذا أزهرت، وسلي الشمس لماذا بزغت فأنارت الكون! لماذا أحبك يا بنية، لأنه يجب أن أحبك. وإن شئت إسهابًا فدعي الكتاب الذي تحبين يتكلم لأجلي: أفضل الناس يجب أن يكون أعز الناس إلينا دون أن نعبأ بما يلحقنا بسببه من ربح وخسارة، أو مساعدة وإهمال، أو شرف وذل، أو ثناء ومذمة، أو أي أمر من الأمور. أحسن الأشياء وأشرفها يجب أن يكون أعزها إلينا لا لسبب آخر سوى أنه الأحسن والأشرف. وعلى هذا المبدأ ينظم المرء حياته الداخلية والخارجية لأن بين الأشخاص تغايرًا فيكون هذا خيرًا من ذاك وفقًا لمقدار ما يظهر فيه من الخير الأسمى الذي يتجلى في أفراد أكثر منه في غيرها. والفرد الذي يكثر فيه تجلي الخير الأسمى هو الأحسن، والذي يقل فيه ذلك التجلي هو الأقل حسنًا، فعلينا أن ننتبه لهذا الاختلاف بين الناس حتى إذا اهتدينا إلى خيرهم أحببناه وأعززناه والتصقنا به طلبًا للاتحاد الدائم. وأنت، يا ماري، خير من عرفت لذلك أحبك وأنت عزيزة علي. وكلانا يحب الآخر. فقولي الكلمة الواحدة التي تكبر وتحيا فيك؛ قولي إنك لي! لا تخوني قلبك ولا تخدعي عواطفك. أعطاك الله حياةً معذبة ثم أرسلني إليك لأخففها عنك، فألمك ألمي، وسنحمل هذه الآلام معًا بشجاعة كما تخترق البحرَ السفينةُ العظيمة رغم عواصف الحياة وأعاصيرها حاملة الأثقال الباهظة وتوصلها إلى الشط الأمين. تكلمي يا بنية وضعي رأسك على ساعدي. فهدأ روعها وخضب الاحمرار وجنتيها كما تخضب حمرة الشفق رءوس الجبال؛ ثم فتحت عينيها البراقتين كشموس منيرة وقالت: «أنا لك. أنا خاصتك لأن تلك مشيئة الله. اقبلني كما أنا: فسأظل لك ما حييت وليجمعنا الله في حياة أبهج من هذه وليكافئك خير مكافأة!» وضعت قلبي قرب قلبها ليخفقا سوية، وأوقفت شفتاي الكلام على الشفتين اللتين نطقتا بدوام سعادتي كما أوقف الزمان دورته، وتلاشى العالم حولنا ولم يمكث فيه غيرنا برهة خلتها دهرًا؛ دهر غرام وهناء. ثم زفرت زفرة عميقة هامسة: «اغتفر لي يا ربي كل هذه السعادة! والآن اذهب ودعني وحدي لعلنا نلتقي مرة أخرى، يا صديقي ومحبوبي ومستودع غبطتي!» ••• هذه آخر كلمات سمعتها منها. عدت إلى غرفتي ونمت نومًا طويلًا مثقلًا بالأحلام المزعجة. وبعد انتصاف الليل دخل علي الطبيب وقال: «لقد انتقلت ملكنا الطاهر إلى حضن خالقها. وهذه وديعة منها إليك.» فضضت الكتاب فوجدت فيه ذلك الخاتم المنقوش عليه «كما يشاء الله» وكانت أعطتنيه في طفولتي ثم رددته إليها، وكان ملفوفًا بورقة كتبت عليها الكلمات التي فهمت بها ساعتئذ: «كل ما لك هو لي. خاصتك ماري.» جلست وجلس الطبيب وغرقنا في بحرانٍ عقلٍّ يعرفه كل من فوجئ بيأس لا رجاء بعده. أخيرًا نهض الشيخ ومسك بيدي قائلًا: «نحن نلتقي اليوم للمرة الأخيرة: أما أنت فعليك أن تغادر المكان، وأما أنا فأيامي معدودة. غير أني أود أن أبوح لك بسر حملته دفينًا في صدري طول الحياة ولم أطلع عليه أحدًا، والآن بي حاجة ماسة إلى إفشائه، فاصغ إلي. إن الروح التي فارقتنا روح شريفة طاهرة والقلب الذي غادرنا قلب صادق عميق. عرفت قلبًا آخر كهذا وروحًا كهذه الروح، بل أبهى منها، هي روح والدتها. عرفت والدة هذه الفتاة قبل زواجها فأحببتها وأحبتني. كنا فقيرين فأنشأت أجد وأكد لأنتشلها من مخالب العوز والفاقة ولأصل إلى مكانة اجتماعية تليق بي وبها. وقبل أن أدرك غايتي اجتمع بها الأمير الشاب وأحبها. ولما رأيت أمير بلادي مولعًا بها يبذل ما في وسعه ليعلي شأنها ويرفعها، هي اليتيمة البائسة، إلى مرتبة الإمارة، شعرت بوجوب تضحية سعادتي لأجلها لأن حبي لها كان أقوى من حبي لنفسي، فغادرت البلدة وتركت لها خطابًا فيه حللتها من وعودها. ولم أرها بعد ذلك إلا وهي على فراش الموت عقب ولادة ابنتها هذه. يمكنك بعد هذا الإقرار أن تدرك مقدار حبي لحبيبتك وإني إنما كنت أحاول إطالة عمرها يومًا فيومًا لأنها كانت الشخص الوحيد الذي يربط قلبي بالأرض. والآن! سر في طريقك يا بني واحتمل الحياة كما احتملتها، ولا تصرف يومًا واحدًا في الغم العقيم. ساعد ما استطعت المحتاجين من إخوانك البشر، وأحببهم جميعًا، واشكر الله الذي أنعم عليك في هذه الحياة الجرداء بقلب كقلبها، وحب كحبها، وروح كروحها، وإن فقدتها»! فقلت ممتثلًا: «كما يشاء الله.» وافترقنا افتراقًا لم يكن بعده من لقاء. ••• لقد مرت الأيام والأسابيع والشهور والأعوام سابحة في بحر الأبدية. وطني صار لي أرضًا غريبة وبلاد الغرباء أصبحت وطني. لكن حب فتاتي لا يزال حيًا فيَّ. وكما تسقط دمعة القلب على مياه البحار كذلك غرق حبي لها في بحر حبي للإنسانية بأسرها؛ حبي الذي يشمل ملايين من أولئك الغرباء الذين لا يعرفونني وقد شغفت بهم منذ حداثتي. ••• إنما في أيام الصيف الساكنة الحارة كهذا اليوم، عندما أخلو بالغابة الخضراء في حضن أمي الطبيعة، وتتوه بي أفكاري فلا أعود أدري ما إذا كان في العالم أناس غيري أم أنا وجدت وحدي على الأرض، ذاك تحدث حركة في مقبرة حافظتي وتنهض الذكريات السحيقة من مدافنها، وترجع قوة الحب القديم قابضة على فؤادي بشدة، فأنادي تلك الفتاة الجميلة، فتأتي إلي وتحدق فيَّ مرة أخرى بعينيها العميقتين اللتين لا قرار لهما. عندئذ يتجمع حبي للإنسانية ويتجسم في حبي لشخصها، لشخص ملكي الحارس، فتخرس أفكاري وتجثو عواطفي أمام سر الأسرار الغامض، سر الحب المتناهي وغير المتناهي. ابتسامات ودموع
الفصل الأول اليأس والاهتمام وقفَا على سطح نُزُل بلندن في حي ميدان راسل — إحدى تلك الاستراحات القاتمة، التي يلجأ إليها القلَّة البائسة من عابري المحيط الأطلنطي والبريطانيون الفقراء. كانت الفتاة، التي مثَّلَت النوع الأول، تتكئ على السور الواهن، بوجهٍ تغمره الكآبة وعينَين جامدتَين كما لو كانت تُثبِّتهما على المشهد البانورامي المُحبِط متأملةً إياه. ووقفَ الشاب، الإنجليزي بلا أدنى شك، مستندًا إلى المِدْخنة على بُعد بضع أقدام، يراقب رفيقته. لم يكسر حاجزَ الصمت بينهما شيءٌ بعد، منذ أن تسلَّلَت من غرفة المعيشة المتهالكة في الدور السفلي، حيث كانت سيدةٌ متوردة تصدح بصوتٍ أجشَّ بأغنية قصيرة من أغاني قاعات الموسيقى. ودون أن ينبس ببنتِ شَفة سار هو في أعقابها. كانا شبه غريبَين، باستثناء كلمة أو اثنتَين من التحية التي تقتضيها آدابُ اللياقة في المكان. ومع ذلك فقد قبلت تجسسَه عليها دون أي اعتراض بكلمة أو بنظرة. لقد تبعها لغرض محدد للغاية. كان يُسائل نفسه، هل استنتجَت هذا الغرض؟ لم تكن قد أدارت رأسها أو تعطَّفَت عليه بأي سؤال أو ملاحظة منذ أن شقَّ طريقه في أعقابها مباشرةً عبر الباب المؤدي إلى السطح. ومع ذلك فقد تراءى له أنها لا بد قد خمَّنَت. أسفلَ منهما، امتدَّت أسطح منازل، وأبراجٌ ومداخنُ مكلَّلة بالدخان، بعيدًا إلى الأفق الغامض المُخضَّب بحُمرة الدم، في منظرٍ بانورامي بدا مثل صورةٍ متخيَّلة لمدينة مرسومة. حتى وهما يقفان هناك، تلطَّخت السماء بلون أعمق، وبدأت الشمس الغاضبة تغرق في كتل السحب الكثيفة المتراكمة. كانت الفتاة تراقب المشهد بتجهُّم، وفي الوقت نفسه باستغراقٍ واهتمام. كانت عيون رفيقها لا تزال مثبَّتة كليةً عليها بنظرة ناقدة متفحِّصة. تساءلَ مَن تكون؟ لماذا غادرَت بلدها لتأتيَ إلى مدينةٍ يبدو أنها لا يوجد لها فيها أيُّ أصدقاء، ولا مصالح؟ في ذلك النُّزُل الذي يلجأ إليه المسافرون المنكوبون، كادت تكون شخصية غير ملحوظة، صامتة، محجمة عن المحادثة، ولم تكن جذابة بأي شكل من الأشكال. ملابسها، على الرغم من أنه بدا أنها فُصِّلت على يدِ واحدة من خيَّاطات الدرجة الأولى، فقد كانت رثَّة وغير عصرية، حتى إن أناقتها المفرِطة كانت في حدِّ ذاتها مثيرةً للشفقة. كانت نحيفة، لكنها لا تخلو من خفة حركةٍ حيويةٍ تتناقض دائمًا مع عينيها المتعبتَين، وإحساسها الدائم بالاكتئاب. وعلاوة على ذلك، كانت متمردة. كان هذا واضحًا في أسلوبها، وظاهرًا في تعبيراتها العدائية المتجهمة، وفي عينيها اللتين تشعَّان نارًا. كانت تمسك بوجهها الطويل، الذي يميل إلى النحافة، بين يديها، بينما يستقر مرفقاها على حاجز الشُّرفة المبنيِّ بالطوب. حدَّقَت في ذلك العالَم من الضباب الدامي، والمباني البشعة القبيحة، والألوان الغريبة الفاقعة؛ وأنصتَت إلى مزيج فظٍّ صارخ متواصل من الأصوات، كأنه أنين عالَم عارٍ — وكانت طوال الوقت تبدو وكأنها تكره الشيء الذي تنظر إليه. قرَّر تافرنيك، الذي لم يُرضِ فضولَه بشأن رفيقته بعد، أن الوقت قد حان للحديث. وتقدَّم خطوةً إلى الأمام نحو السطح. وحتى ذلك الحين كان مترددًا إلى أن أقدَم في النهاية على التقدم إلى الأمام. فيما يتعلق بمظهره، لم يكن هناك ما يَلفت النظرَ فيما عدا الإحساس العام بالتصميم الذي ميَّز ملامحه غير المميَّزة. كان طوله يزيد بقليل عن المتوسط، وكان عريض المنكبين، ذا شعر أسود وكثيفٍ لدرجة يصعب عليه معها تصفيفُه بشكل أنيق. كان يرتدي قميصًا مهترئًا نوعًا ما وربطةَ عنق غيرَ مناسبة؛ وكان حذاؤه ثقيلًا غيرَ متقن الصنع، وكان يرتدي أيضًا بذلةً من الملابس الجاهزة ويبدو امرَأً يعرف أنها جاهزة ولم تُحَكْ له خصوصًا ويرضى بها كما هي. سوف يجده الأشخاص العصبيُّون أو الحسَّاسون، بلا شكٍّ، شخصًا مستفزًّا، باستثناء أنه كان يتمتع بهبةٍ معينة منَحه الله إياها — تركيز يكاد يُضاهي تركيز نابليون على أمور اللحظة العابرة — وكانت هذه الهبة في حدِّ ذاتها مثيرةً للإعجاب، وأدَّت بطريقة ما إلى التقليل من حِدَّة نقده. تكلَّم أخيرًا وقال: «فيما يتعلق بهذا السِّوار!» حرَّكت رأسها ونظرَت إليه. لو أنه كان شابًّا أقلَّ ثقة، لاستدار وهرب. ولكن ليس تافرنيك مَن يفعل ذلك. عندما يكون متأكدًا من رسوخ موقفه، لا يمكن أن يتزحزح عنه. كانت عيناها تقدحان شررًا، لكن ذلك لم يهزَّ فيه شعرة. واصل حديثه قائلًا: «رأيتُكِ تأخذينه من المنضدة الصغيرة بجوار البيانو، كما تعلمين. كان تصرفًا أهوجَ للغاية. كانت السيدة فيتزجيرالد تبحث عنه قبل أن أبلغ السُّلَّم. أتوقع أنها قد اتصلَت بالشرطة بالفعل الآن.» أدخلت يدَها ببطءٍ إلى أعماق جيبها وأخرجَتها. كان ثمة شيءٌ يومض للحظة فوق رأسها. أمسك الشاب بمعصمها في الوقت المناسب بقبضةٍ حديدية حقيقية. ثم ومضَت في عينيها نيرانُ الشر، وأضاء بياضُ أسنانها، وأخذ صدرها يعلو ويهبط في عاصفةٍ من التنهدات الصامتة الغاضبة. كانت عيناها جافَّتَين ولا تزال عاجزةً عن الكلام، لكنها رغم كل ذلك كانت كالنمرة. كوَّنا معًا صورة ظِلِّية غريبة فوق أسطح المنازل، مع خلفية السماء الفارغة، وأقدامهما تغوص في السطح الدافئ للنُّزُل. قال: «أعتقد أن من الأفضل أن آخذه. اتركيه.» تخلَّت أصابعها عن السوار … كان شيئًا مبهرجًا سيئ التصميم من الياقوت والماس. فنظر إليه باستهجان. قال وهو يدسُّه في جيبه: «إنه لشيءٌ قبيح لا يستحق أن تدخلي السجنَ من أجله. لقد كان فعلًا غبيًّا، على أية حال، كما تعلمين. لم يكن من الممكن أن تُفلتي من العقاب، إلا إذا …» وأضافَ وهو ينظر من جديدٍ إلى حاجز الشرفة كما لو كانت قد راودَته فكرةٌ مفاجئة: «إلا إذا كان لديك شريك بالأسفل.» سمع صوتَ رفرفةِ تنورتها ولكنه وصَل في الوقت المناسب تمامًا. لم يكن ثمة شيءٌ يمكن أن يُنقذها، في الواقع، بخلافِ ما أبداه من قدرٍ كبير من حضور الذهن وقدرة هائلة على استغلال القوة كانا يُفاجئان معارفه طول الوقت. أدى صراعهما على حافة السطح إلى زحزحةِ طوبة من السور، فاندفعت ساقطة إلى الشارع. توقَّف كلاهما لمشاهدتها، بينما لا تزال ذراعاه تُمسكانها وإحدى قدميه تضغط على قضيبٍ حديدي. وفور أن رأيَا الطوبة تسقط دون أن تصيب أحدًا في الطريق غمر هذا الشابَّ الباردَ الطبع شعورٌ جديد. فلأول مرة في حياته، أدرك أنه من الممكن أن يشعر ببعض العاطفة الممتعة في القرب الشديد من كائنٍ من الجنس الآخر. لذلك، فعلى الرغم من أنها توقفت عن المقاومة، فقد أبقى على ذراعيه تُطوِّقانها، ناظرًا إلى وجهها باهتمام شديد، ولكن على نحوٍ تحليلي أكثرَ من كونه عاطفيًّا، وكأنه يسعى لاكتشاف معنى هذا الخفقان الغريب في قلبه. وهي نفسها، كما لو كانت منهكة، بقيَت سلبية تمامًا، ترتجف قليلًا في قبضته وتلتقط أنفاسها مثل حيوان مطارَد حانت ساعتُه الأخيرة. التقت عيونهما. بعدها انتزعت نفسها من قبضته مبتعِدة. قالت عمدًا: «أنت شخصٌ بغيض … شخصٌ بغيض متطفل. أنا أمقتُك.» أجابَ: «أعتقد أننا سننزل الآن.» رفعَ الباب المؤديَ إلى السطح ونظر إليها نظرةً ذات معنًى. لملمَت تنورتها ومرَّت عبره دون أن تنظر إليه. نزلت بخفةٍ على السلم الخشبي ونزلت دون تردد أيضًا مجموعةً من درجات سلَّم العلية غير المفروشة بالسجاد. ومع ذلك، انتظرته عند منبسط السلم بتردد واضح. سألتْ دون أن تنظر إليه: «هل سترسل في طلب الشرطة؟» أجابَ: «لا.» «ولِمَ لا؟» «إذا كنت قد قصدت الإبلاغَ عنكِ، فقد كان عليَّ أن أخبر السيدة فيتزجيرالد في الحال بأنني قد رأيتُك تأخذين سِوارها، بدلًا من أن أتبعَكِ إلى السطح.» واصلَت وهي لا تزال تُشيح بنظرها عنه، ولا تزال نبرةُ صوتها لا تنمُّ عن أدنى درجات التقبُّل: «هل تمانع في إخباري بما تنوي فعله إذن؟» أخرجَ السوار من جيبه ووازنه على إصبع يده. قال: «سأقول إنني أخذتُه كنوع من الدعابة.» فتردَّدَت. وحذَّرَته قائلة: «السيدة فيتزجيرالد لا تتميَّز بحس الدعابة إلى هذه الدرجة.» ووافقها على ذلك قائلًا: «ستكون غاضبة جدًّا بالطبع، لكنها لن تصدق أنني قصدتُ سرقته.» تحرَّكَت الفتاة ببطءٍ خطواتٍ قليلة. قالت متجهمة وهي لا تزال تشيح بوجهها عنه: «أعتقد أنه ينبغي لي أن أشكرك. لقد كنتَ مهذبًا جدًّا بحق. أنا ممتنَّة للغاية.» سألها: «ألن تنزلي؟» أجابت: «ليس الآن. سأذهب إلى غرفتي.» نظر نحو منبسَط السلم الذي وقفا عليه، إلى الأرضية البائسة غير المفروشة بالسجاد، والأبواب المطليَّة على نحوٍ رديء، التي برز عليها الورنيشُ العتيق في بُثور، وفوضى عُلَب الماء الساخن المتهالكة، ومِمسحة، ومزيج من المكانس والخرق ملقاةً جميعًا معًا في أحد الأركان. وقال: «لكن هذه أماكن إقامة الخدم بالتأكيد.» قالت له، وهي تدير مقبض أحد الأبواب وتتوارى خلفه: «إنها جيدة بما يكفي بالنسبة إليَّ؛ غرفتي هنا.» بدَت له الإدارة الفورية للمفتاح في الباب شيئًا فظًّا بعضَ الشيء. هبط تافرنيك ثلاث مجموعاتٍ من درجات السلم والسوار في يده، ثم دخل غرفة المعيشة الخاصة بالفندق الذي تُديره السيدة ريثبي لورانس، التي شغل زوجها يومًا ما منصبًا مرموقًا في الهيئة التجارية لبلده، وقد عرَف ذلك من تَكرارها الدائم لهذه الحقيقة. كان من الواضح أن الصخب والانزعاج الناجمَين عن اختفاء السوار في ذروتيهما. كان هناك ما لا يقلُّ عن عشَرة أشخاص في الغرفة، معظمهم كانوا واقفين. وكانت السيدة فيتزجيرالد هي الشخصيةَ المحورية بينهم جميعًا، وكانت ضخمةً ومتورِّدة، ذات شعر أصفر بدا واضحًا من درجات لونه المتعددة أنها قد صبَغَته بالبيروكسيد؛ سيدةٌ من النوع الجريء، كانت قد تركت بصمتها في وقتٍ ما في قاعات الموسيقى، لكنها الآن متزوجة زواجًا سعيدًا من وكيل تجاري متجول، نادرًا ما يكون موجودًا. وكانت السيدة فيتزجيرالد تتحدث. قالت مؤكِّدة بشدة: «في أي نُزُل محترم يا سيدة لورانس، قد تحدث السرقاتُ أحيانًا، أعترفُ بذلك، في أماكن إقامة الخدم، وفي ظل كل الإغراءات التي تُغويهم، هؤلاء الكائنات المسكينة، ليس هذا بشيءٍ غريب يستحق التساؤل بشأنه. ولكن لم يحدث لي شيءٌ مثلُ هذا من قبل … أن تُؤخَذ مني مجوهراتٌ كانت أمام ناظري تقريبًا في غرفة معيشةٍ في نُزُل من المفترض أن يكون جيدَ الإدارة. وتذكَّري أنه لم تدخل الغرفةَ أيُّ خادمة من اللحظة التي خلعتُها فيها إلى أن قمتُ من على البيانو ولم أجدها في مكانها. إنهم نزلاؤك الذين ينبغي أن تعتني باختيارهم، يا سيدة لورانس، وإنْ كان يؤسفني قول ذلك.» وهنا تمكَّنَت السيدة لورانس، خلال اللحظة التي عانت فيها الضحية من صعوبةٍ في التقاط أنفاسها، من أن تُقاطعها محتجَّة وعيناها مغرورقتان بالدموع. واحتجَّت باستضعافٍ قائلة: «أنا متأكِّدة تمامًا من عدم وجود أي شخص في هذا النزل يمكن أن يحلم بسرقةِ أي شيء مهما كانت قيمته. أنا أدقق كثيرًا بشأن اختيار زبائني.» واصلت السيدة فيتزجيرالد بذلاقة لسانٍ متزايدة: «قيمته، حقًّا! أود أن أفهمك أنني لستُ من أولئك الذين يرتدون مجوهراتٍ عديمة القيمة. لقد كلَّفني هذا السوار خمسةً وثلاثين جنيهًا، ولو كان زوجي في البلد، لكنت أريتُك الإيصال.» ثم حدثَت مقاطعةٌ أثارت انتباههم بطريقة تكاد تكون تراجيدية. توقفت السيدة فيتزجيرالد فجأةً عن حديثها المتدفق، بينما لا يزال فمها مفتوحًا، ووقفت وعيناها المكحلتان مثبتتان على الشخص المتبلِّد الحس الرابطِ الجأش الذي يقف في المدخل. وكان الجميع يحدِّقون في الاتجاه نفسِه. كان تافرنيك يحمل السوار في راحة يده. كرَّر قولها: «خمسة وثلاثين جنيهًا! لو كنتُ أعرف أنه يساوي كلَّ هذا المبلغ، ما كنت لأتجرأ على لمسه، في رأيي.» شهقت السيدة فيتزجيرالد قائلة: «أنت … أنت أخذتَه!» اعترف قائلًا: «أخشى أنها كانت مجرد مزحةٍ خرقاء. أعتذر، يا سيدة فيتزجيرالد. آمُل أنكِ لم تتخيلي حقًّا أنه قد سُرِق.» كان إنهاءُ الواقعة بهذه الطريقة مخيبًا للآمال. أصيبَ معظم الأشخاص غير المعنيين بشكل مباشر بالإحباط؛ فقد سُلبت منهم الإثارة، وأُحبِطَت آمالُهم في حدوثِ خاتمة مأساوية. أما السيدة لورانس فقد بدا الارتياحُ بوضوح على وجهها المرهق. ومن ناحية أخرى، انتزعَت السيدة ذات الشعر الأصفر، التي نجحَت الآن في ضبط أنفاسها أثناء شعورها بأقصى درجات الغضب، السوارَ من أصابع الشاب وقد تورَّدت وجنتاها بلونٍ أرجواني، وكان من الواضح أنها تقاوم رغبتها المُلِحة في لكم أذنَيه. صاحت بقسوة: «ما تقوله لا يرقى حتى لأن يكون مَزحة! أنا أخبرك بأنني لا أصدق كلمةً مما قلت. أخذتَه على سبيل المزاح، حقًّا! أتمنَّى فقط لو أن زوجي كان هنا؛ كان سيعرف ماذا يفعل.» ردَّت السيدة لورانس بحِدَّة: «زوجُكِ لم يكن ليستطيع أن يفعل أكثر من استعادة سِواركِ يا سيدتي. كلُّ هذه الضجة ونَعْتُ الجميعِ باللصوص أيضًا! لو أني نزَّاعةٌ إلى الشك على هذا النحو، لكنتُ خجلتُ من نفسي.» حدَّقت السيدة فيتزجيرالد بغطرسة في مضيفتها. وصرَّحَت وعيناها مثبَّتتان على حِلية من الكهرمان الأسود تتدلَّى من عنق المرأة الأخرى: «من الطبيعي جدًّا أن يقول هذا الشيءَ أولئك الذين لا يملكون أيَّ مجوهراتٍ ولا يعرفون قيمتَها. هذا ما سأقوله، وسوف تسمعينه مني من الآن فصاعدًا. أنا لا أصدق مَزحة الديك والثور هذه التي قصَّها علينا السيدُ تافرنيك. هؤلاء الذين أخذوا السِّوار من تلك الطاولة كانوا يقصدون الاحتفاظَ به، إلا أنهم لم يمتلكوا الشجاعة لفِعل ذلك.» واصلت السيدة بقوة: «وأنا لا أشير إليك يا سيد تافرنيك؛ لأنني لا أعتقد أنك أخذته، على الرغم من كل حديثك عن المزاح. وهؤلاء الذين قد تحميهم لن يستغرقَ الأمر مني أكثرَ من تخمينَين لاسمَيهما، ولا بد أن يكون دافعُك واضحًا للجميع. الفتاة الوقحة الحقيرة!» قال تافرنيك: «أنتِ تُثيرين نفسك دون داعٍ، يا سيدة فيتزجيرالد. دعيني أؤكِّد لكِ أنني أنا من أخذتُ سوارَكِ من هذه المنضدة.» نظرَت إليه السيدة فيتزجيرالد بازدراء. وتساءلت: «هل تتوقع مني أن أصدِّق قصة كهذه؟» ردَّ تافرنيك: «ولِمَ لا؟ إنها الحقيقة. أنا آسفٌ أنكِ انزعجتِ إلى هذه الدرجة …» «هذه ليست الحقيقة!» المزيد من الإثارة! دخولٌ آخرُ غير متوقَّع! مرةً أخرى تجدَّد الاهتمامُ بالقضية. ومرة أخرى شعر المتفرجون أنهم لن يُسلَبوا مأساتهم المثيرة. مالت سيدةٌ عجوز ذاتُ خدَّين صفراوَين وعينَين بلون أسود فاحم إلى الأمام ويدُها على أذنها، حريصةٌ على عدم تفويت أي مقطع لفظي مما كان قادمًا. عضَّ تافرنيك شفتَه؛ لقد كانت الفتاة التي كانت معه فوق السطح هي مَنْ دخلَت الغرفة. واصلت الفتاة بنبرة هادئة وواضحة: «ليس لديَّ شك في أن تخمين السيدة فيتزجيرالد الأول كان صحيحًا. أنا أخذتُ السوار. لم آخذه على سبيل المزاح، ولم آخذه لأنني معجبةٌ به … أعتقد أنه قبيحٌ إلى حَدٍّ بشع. أخذتُه لأنني لم يكن لديَّ مال.» توقَّفَت والتفتَت ناظرةً إليهم جميعًا، بهدوءٍ، ولكن كان ثَمة شيءٌ في وجهها جعلهم جميعًا ينكمشون. وقفَت حيث سُلِّط الضوء على ثوبها الأسود الرثِّ وقبعتها ذات المظهر الكئيب. كانت وجنتاها الغائرتان شاحبتَين، والهالات السوداء تحت عينيها واضحةً للغاية؛ ولكن على الرغم من مظهرها الهش، فقد وقفت برباطةِ جأش وهدوء، بل ربما بعزة نفس. لا بد أن تكون قد مرت عشرون أو ثلاثون ثانية وهي واقفة هناك، تُزرِّر ببطءٍ قفازَيها. لم يحاول أحدٌ كسر حاجز الصمت. لقد هيمنَت عليهم جميعًا — شعروا أن لديها المزيدَ لتقوله. حتى السيدة فيتزجيرالد شعرَت بثقل في لسانها. وتابعت: «لقد كانت محاولةً خرقاء. لم يكن لديَّ أيُّ فكرة عن المكان الذي أبيع فيه هذا الشيء، لكن، مع ذلك، فإني أعتذر منكِ، يا سيدة فيتزجيرالد، للقلق الذي لا بد أنه قد سبَّبه لكِ أخذي لملكيتِك القيِّمة» أضافت ناظرةً إلى صاحبة السوار، التي توهج خدَّاها مرة أخرى غضبًا من الازدراء في نبرة صوت الفتاة. «أفترضُ أنني يجب أن أشكرك يا سيد تافرنيك، أيضًا، لجهودك الحسنة النية للحفاظ على ماء وجهي. في المستقبل، سوف تكون هذه مسئوليتي وحدي. هل لدى أيٍّ منكم أيُّ شيءٍ آخر ليقوله لي قبل أن أذهب؟» بطريقةٍ أو بأخرى، لم يكن لدى أحدٍ أيُّ شيءٍ ليقوله. كانت السيدة فيتزجيرالد تستشيط غضبًا ولكنها اكتفَت بالتعبير عن سخطها بإصدار صوتٍ من أنفها. كان ردُّها حاضرًا بما فيه الكفاية في الغالب، ولكن كانت هناك نظرةٌ في عينَيْ هذه الفتاة جعلَتها مسرورةً بمجرد ابتعادِها. قامت السيدة لورانس بمحاولة واهنة قبل أن تذهب. استهلَّت حديثها قائلة: «أنا متأكِّدة، أننا جميعًا آسفون لما حدث ولأنكِ يجب أن تذهبي …» ثم أضافت على عجل: «هذا لا يعني أن الأفضل بالطبع أن تذهبي، في ظل هذه الظروف. فيما يتعلق …» قاطعتها الفتاة بهدوء: «لستُ مدينةً لكِ بأي شيءٍ. يمكنكِ أن تُهنِّئي نفسكِ على ذلك، فلو كنتُ مدينةً لكِ بأي شيءٍ، لما حصلتِ عليه. ولم أسرق أيَّ شيء آخر.» سألت السيدة لورانس: «ماذا عن أمتعتكِ؟» ردَّت الفتاة: «عندما أحتاجُ إليها، سأرسل في طلبها.» أدارت ظهرها لهم وقبل أن يُدركوا ذهبت. كان لديها، حقيقةً، شيءٌ من العظَمة. لقد جاءت لتعترف بمسئوليتها عن سرقة السوار وتركَتهم جميعًا وهم يشعرون كما لو كانوا أطفالًا قد تمَّ زجرُهم. كانت السيدة فيتزجيرالد هي أولَ مَن جمَعَت شتاتَ أمرها، بمجرد أن أُزِيلَ سحر وجود الفتاة. وشعرت بأنها بدأت تتأجَّج مرةً أخرى مع تجدُّد الإحساس بالسخط. صاحت وهي تنظر في أرجاء الغرفة: «لصة! مجرد لصة عادية أدانت نفسَها! هذا هو اسمها بالنسبة إليَّ، ولا شيءَ غير ذلك. وقد وقفنا جميعًا هنا مثل مجموعة من الأطفال الصغار. عجبًا، لو أني قمتُ بما يتوجَّب عليَّ فِعله، لكان ينبغي لي أن أغلق الباب وأرسل في طلب الشرطة.» أعلنت السيدة لورانس: «فات الأوان الآن، على أي حال. لقد ذهبَت إلى الأبد، بلا شك. خرجَت من النُّزُل مباشرة. سمعتُها توصِدُ البابَ الأمامي بعنف.» قالت السيدة فيتزجيرالد: «وهذا أفضل أيضًا. لا نريد أمثالها هنا … ليس أمثال هؤلاء مَن تكون لديهم أشياء ذات قيمة. أراهن أنها لم تترك أمريكا إلا بسبب.» رفعت سيدة ضئيلة الجسم ذات شعر رمادي عينيها من أعمال الإبرة، ولم تكن قد تحدَّثَت من قبل، كما أنها كانت نادرًا ما تشترك في أي نقاش على الإطلاق، ونظرت إليها. كانت فقيرةً للغاية ولكنها كانت تتمتع بميول خيرية. قالت بهدوء: «أتساءل ما الذي دفعها إلى السرقة.» أعلنت السيدة فيتزجيرالد عن قناعة: «إنها لصة بالفطرة، إنسانة سيئة حقًّا. أعتقد أنها واحدة من المخادعين الغشَّاشين.» تنهَّدت السيدة الضئيلة الجسم. وتابعت: «عندما كنتُ أيسر حالًا، كنت أساعد في مطعم للفقراء في بوبلار. لم أنسَ قطُّ نظرةً معينة اعتدنا رؤيتها من حينٍ لآخر في وجوه بعض الرجال والنساء. اكتشفتُ ماذا كانت تعني … كانت تعني الجوع. في الآونة الأخيرة، مرَّت الفتاة التي خرَجَت للتو بجانبي مرةً أو مرتَين على السلم، وكادت تُخيفني. كانت لديها النظرة نفسُها في عينيها. لقد لاحظتُ ذلك بالأمس … كان ذلك قبل العشاء مباشرة، أيضًا … لكنها لم تنزل مطلقًا.» قالت السيدة لورانس بتفكُّر: «لقد دفعَت الكثير مقابل غرفتها ودفعَت زيادةً مقابل الوجبات. لم تكن لتحصل على أي وجبة طعام ما لم تدفع ثمنها في الحال. لأصدقكِ القول، كنتُ أشعر بعدم الارتياح تجاهها. لم تدخل غرفة الطعام لمدة يومَين، ومما قالوه لي لا توجد دلائلُ على أنها أكلَت أيَّ شيءٍ في غرفتها. أما بشأن حصولها على طعام من الخارج، فلماذا تفعل ذلك؟ سيكون الأرخصُ لها أن تحصل عليه من هنا أكثر من أي مكان آخر، هذا إنْ كان لديها أيُّ أموال على الإطلاق.» كان ثمة صمتٌ غير مريح. نظرَت السيدة العجوز الضئيلة الجسم إلى أسفل الشارع في الظلام الحالك الذي ابتلعَ الفتاة. وقال أحدُهم: «أتساءل عمَّا إذا كان السيد تافرنيك يعرف أيَّ شيءٍ عنها.» لكن تافرنيك لم يكن في الغرفة. إغواء تافرنيك
الفصل الثاني عشاءٌ ثنائي لحقَ بها تافرنيك في شارع نيو أكسفورد وسار على خطوتها على الفور. لم يُضِع أيَّ وقت على الإطلاق في التمهيد والمقدمات. قال: «سأكون سعيدًا إذا أخبرتِني باسمكِ.» كانت نظرتها الأولى إليه شرسةً بما يكفي لإثارة الرعب في نفس أي شخص آخر. أما بالنسبة إلى تافرنيك، فلم يكن لها أيُّ تأثير على الإطلاق. تابع قائلًا: «لستِ مضطرةً إلا إذا كنتِ تحبين أن تخبريني بالطبع. لكنني أتمنَّى أن أتحدَّث إليكِ بضعَ لحظاتٍ وأعتقد أنه سيكون من الأنسب إذا خاطبتُكِ باسمكِ. لا أتذكَّر أنني سمعتُه يُذكَر في بلينهايم هاوس، والسيدة لورانس، كما تعلمين، لا تقدِّم نزلاءَها.» بحلول هذا الوقت كانا قد قطعا عشرين خطوة أو نحوها معًا. لم تُعِره الفتاة، بعد نظرتها الأولى الغاضبة له، أيَّ انتباه على الإطلاق اللهم إلا تسريع خطوتها قليلًا. ومع ذلك، ظلَّ تافرنيك بجانبها، لا يُظهر أدنى شعور بالحرج أو الانزعاج. بدا أنه راضٍ تمامًا عن الانتظار ولم تبدُ عليه أدنى أماراتِ رجلٍ يمكن إبعاده بسهولة. أما هي، فتحوَّلت فجأة ودون سابق إنذار من نوبة غضب عارمة إلى حالةِ تَفَكُّه شبهِ هستيرية. قالت: «أنت شخصٌ أحمق سخيف. ابتعد من فضلك. لا أريدك أن تمشي معي.» ظلَّ تافرنيك جامدًا. وتذكَّرَت فجأة تدخُّله نيابةً عنها. وقالت: «إذا كنتَ مُصرًّا على المعرفة، كان اسمي في بلينهايم هاوس بياتريس بيرناي. أنا ممتنةٌ لك كثيرًا لما فعلتَه من أجلي هناك، لكنه أمرٌ وانتهى. لا أرغب في الحديث معك، وأعترض على رفقتك تمامًا. من فضلك اتركني حالًا.» أجابَ: «أنا آسف، لكن هذا غير ممكن.» كرَّرَت بتساؤل: «غير ممكن؟» هزَّ رأسه. قال بتأنٍّ: «ليس لديكِ أيُّ مال، ولم تتناولي العشاء، وأظنكِ ليس لديكِ أدنى فكرة عن وجهتك.» امتقَع وجهُها مرة أخرى من الغضب. أصرَّت قائلة: «حتى لو كانت هذه هي الحقيقة، فقل لي ما الذي يُهمك في الأمر؟ إن تذكيرك لي بهذه الحقائق ما هو إلا محض وقاحة.» قال، وما زالت لم تظهر عليه أدنى علامات الانزعاج: «أنا آسف لأنكِ تنظرين إلى الأمر من هذا المنظور. إذا كنتِ لا تمانعين، فسوف نؤجِّل المناقشة في الوقت الحالي. هل تفضِّلين مطعمًا صغيرًا أم ركنًا في مطعم كبير؟ هناك موسيقى في مطعم فراسكاتي لكن ليس هناك كثير من الناس في المطاعم الأصغر.» استدارت نصف استدارة على الرصيف ونظرَت إليه بثبات. بدأت شخصيته في النهاية تثير اهتمامها. فكُّه المربع وحديثُه المحسوب كانا مؤشِّرَين لشخصيةٍ أقلُّ ما يُقال عنها أنها غير عادية. اكتشفت بعض الصفات التي لا تُقهَر تحت مظهره الخارجي غير المميَّز على الإطلاق. سألته: «هل أنت مثابرٌ هكذا على كل شيءٍ في الحياة؟» أجابَ: «ولِمَ لا؟ أحاول دائمًا أن أكون متسقًا.» «ما اسمُك؟» أجابَ على الفور: «ليونارد تافرنيك.» «هل أنت ميسور الحال … أعني ميسور الحال إلى حدٍّ ما؟» «لديَّ دخلٌ كافٍ للغاية.» «هل لديك مَن تعول؟» قال: «لا أحدَ على الإطلاق. أنا سيدُ نفسي بكل ما في الكلمة من معنًى.» ضحكَت بطريقة غريبة. وقالت: «إذن عليك أن تدفع ثمن إصرارك … أعني أنني ربما أسلبُ منك جنيهًا مثل أصحاب المطعم.» أصرَّ قائلًا: «يجب أن تُخبريني الآن إلى أين تريدين أن تذهبي. لقد تأخر الوقت.» أجابت: «أنا لا أحبُّ هذه الأماكن الغريبة. أفضِّل أن أذهب إلى غرفة الشواء في مطعم جيد.» فأخبرها: «سنستقلُّ سيارة أجرة. ليس لديكِ اعتراض، أليس كذلك؟» هزَّت كتفَيها. وقالت: «إذا كان لديك المال ولا تُمانع في إنفاقه، فأنا أعترف بأنني قد اكتفيتُ من المشي. إلى جانب أن مقدمة حذائي مهترئة وأجدُها مؤلمة. بالأمس مشيتُ عشَرة أميال محاوِلةً العثور على رجل كان يجهِّز لإقامة حفل موسيقيٍّ من أجل الضواحي.» سألها وهو يلوِّح لسيارة أجرة: «وهل وجدتِه؟» أجابت بلا مبالاة: «نعم، لقد وجدتُه. حدث معي السيناريو المعتاد نفسه. سمعَني أغني وحاول تقبيلي ووعدني بأن يتصل بي. لا أحدَ يرفض أيَّ شيء في مهنتي، كما ترى. إنهم يعِدُون بأن يتصلوا بك لإعلامك.» «هل أنتِ مغنيةٌ أم ممثلة؟» قالت له: «لا هذا ولا ذاك. قلتُ «مهنتي» لأنها المهنة الوحيدة التي حاولتُ الانتماء إليها. لم أنجح قطُّ في الحصول على وظيفة في هذا البلد. ولا أفترضُ حتى لو كنتُ ثابرتُ أنني كنت سأحصل على واحدة.» قال: «إذن، فقد تخلَّيتِ عن الفكرة.» اعترفَت باقتضاب: «لقد تخلَّيتُ عنها. أرجو منك ألَّا تظن لأنني سمحتُ لك أن تكون رفيقي مدةً قصيرة أن بإمكانك أن تطرح عليَّ أسئلة. يا لسرعة سيارات الأجرة هذه!» توجَّها إلى وِجهتهما … مطعم مشهور في شارع ريجنت. دفع لسائق الأجرة ونزلا درجًا إلى غرفة الشواء. قال: «آملُ أن يناسبكِ هذا المكان. ليس لديَّ خبرة كبيرة في المطاعم.» نظرَت حولها وأومأت. أجابت: «نعم، أعتقد أن ذلك سيفي بالغرض.» كانت ترتدي ملابسَ رثَّة للغاية، وعلى الرغم من أن مظهره كان غيرَ عادي على الإطلاق، فهو بالتأكيد لم يكن من النوع الذي يوحي بالاحترام الفوري حتى في غرفة شواء في مطعم أنيق. ومع ذلك، فقد تلقَّوا خدمة سريعة وشبه رسمية. وشعر تافرنيك، بينما كان يشاهد سَمْتَ رفيقته وطريقة جلوسها وأسلوبها في التعامل مع رئيس النُّدل، بالدافع المجهول نفسه الذي جعله يُلاحقها من بلينهايم هاوس والذي لم يكن بوُسعه إلا أن يسميه فضولًا، لكنه فضولٌ قوي. كان شخصًا شديد الواقعية، وكان أيضًا بالفطرة وبحكم العادة قويَّ الملاحظة. لم يشكَّ لحظةً في أنها تنتمي إلى طبقة اجتماعية لم ينتمِ إليها نزلاءُ الفندق الذي عاشا فيه إلا نادرًا، طبقة هو نفسه لم يعرف عنها إلا القليل. لم يكن هذا الشاب متعجرفًا بأي حال من الأحوال، لكنه وجد هذه الحقيقة مثيرة للاهتمام. كانت الحياة بالنسبة إليه تشبه إلى حدٍّ كبير دفتر الأستاذ العام … عبارة عن ديون وائتمانات، ولم يفشل قط في تضمين تلك الهبة المتعلقة بالتربية في الائتمانات، تلك الهبة التي حُرِمَ منها هو نفسه، واستبدلها بتلقائيةٍ تامة ونادرة للغاية. قالت وهي تضع قائمة الطعام: «أودُّ أن أتناول سمكًا مقليًّا، وبعض شرائح اللحم، وآيس كريم، وقهوة سوداء.» انحنى النادل. «وبالنسبة إلى السيد؟» نظر تافرنيك إلى ساعته؛ كانت تشير إلى تمام العاشرة بالفعل. أجاب: «سوف آخذ الطبقَ نفسه.» «والمشروبات؟» بدَت غيرَ مبالية. وأجابت بلا اهتمام: «أي نبيذ خفيف، أبيض أو أحمر.» تناول تافرنيك قائمةَ النبيذ وطلب نبيذًا فرنسيًّا فاخرًا. ثم تُرِكا وحدهما في ركنهما بضعَ دقائق، فكانا تقريبًا الشاغلَين الوحيدَين للمكان. نظرت إليه نظرةً فاحصة وسألت: «هل أنت متأكد من أنك تستطيع تحمُّل ثمنِ هذا؟ قد يكلِّفك جنيهًا أو ثلاثين شلنًا.» أعادَ النظر في الأسعار بالقائمة. ثم طمْأنَها قائلًا: «أستطيع أن أتحمله تمامًا ولديَّ الكثير من المال معي، ولكنني لا أعتقد أنه سيكلِّف أكثرَ من ثمانية عشر شلنًا. بينما ننتظر السمك، هلا نتحدث؟ أستطيع أن أقول لكِ، إذا اخترتِ أن تسمعي، لماذا تبعتُكِ من النُّزُل.» قالت له: «لا أمانع في الاستماع إليك، وإلا فسأتحدث معك عن أي شيء تحبه. هناك موضوع واحد فقط لا أستطيع مناقشته؛ هذا الموضوع هو نفسي وتصرفاتي الشخصية.» سكت تافرنيك لحظة. ثم قال: «هذا يجعل المحادثة صعبة بعض الشيء.» فمالت هي إلى الوراء في كرسيها. وقالت له: «بعد هذه الأمسية، سوف أخرج من حياتك بشكل تام ونهائي كما لو أني لم أكن فيها بالمرة. لديَّ رغبةٌ في أن أصطحبَ معي أسراري البائسة. إذا كنت تريد الحديث، فلتُخبرني عن نفسك. لقد خرجتَ عن طريقك لتُحسِن إليَّ. أتساءلُ لِمَ فعلتَ هذا. لا يبدو هذا الدور مناسبًا لك.» ابتسم ابتسامة خفيفة. كان وجهه مرسومًا على شكل خطوط عريضة وخفَّف استرخاءُ شفتَيه من حِدَّته على نحوٍ رائع. كان لديه أسنان جيدة، وعيون رمادية صافية، وشعر أسود خشن تركه طويلًا بعض الشيء؛ وكان جبينه عريضًا جدًّا بحيث يصعب أن يمنحه مظهرًا وسيمًا. اعترف: «لا، لا أعتقد أن الإحسان من سِماتي المميزة.» ركَّزت عيناها الداكنتان عليه بالكامل؛ وبدَت شفتاها الحمراوان أكثرَ احمرارًا من أي وقتٍ مضى في ظل شحوب خدَّيها وشعرها البُني الغامق الملفوف قليلًا. كان هناك شيءٌ يكاد يكون وقحًا في نبرتها. وتابعت: «آمل أنك تفهم أنه ليس هناك ما يمكن أن ترجوَه مني في مقابل هذا المبلغ الذي تقترح إنفاقه من أجل ضيافتي؟» أجاب: «أنا أفهم ذلك.» وأصرَّت قائلة: «ولا حتى الامتنان. أنا حقًّا لا أشعر بالامتنان نحوك. أنت في الغالب تفعل هذا لإرضاء بعض المصالح الأنانية أو حب الاستطلاع. أحذرك من أنني غيرُ قادرة تمامًا على إظهار أي شيء من مشاعر الحياة اللائقة.» أكَّد لها: «امتنانُكِ لن يكون ذا قيمة بالنسبة إليَّ مهما كان.» كانت لا تزال غير راضية تمامًا. تبلُّدُ مشاعره الكامل أحبط كلَّ المجهودات التي بذلَتها لاختراق ما تحت السطح. استطردت: «إذا كنتُ أومن أنك أحد هؤلاء الرجال … فالعالم مليءٌ بهم، كما تعلم … أولئك الذين يساعدون المرأة المقبولة المظهر ما دامت مساعدتها لا تتعارض بشكل خطير مع راحتهم …» قاطعها: «جنسكِ لا علاقة له بالأمر. أما بالنسبة إلى مظهركِ، فأنا حتى لم أفكر فيه. لا أستطيع أن أخبركِ بما إذا كنت جميلة أو قبيحة … لا أستطيع الحكم في هذه الأمور. ما فعلتُه، فعلتُه لأنه أسعدني أن أفعله.» سألته: «هل تفعل دائمًا ما يسعدك؟» «غالبًا.» نظرَت إليه باهتمام مرةً أخرى، باهتمام من الواضح أنه غير شخصي، ومتعجرف إلى حدٍّ ما. قالت: «أفترض أنك تعتبر نفسك من سكان العالم الأقوياء؟» أجاب: «لا أعلم. فأنا لا أفكر كثيرًا في نفسي.» أوضحَت: «أعني أنك واحدٌ من هؤلاء الأشخاص الذين يكافحون بجدية من أجل الحصول على ما يريدون في الحياة.» انقبض فكُّه فجأة ورأته يشبه نابليون. أكَّد قائلًا: «ما أفعله أكثر من الكفاح، أنا أنجح. إذا اتخذت قراري بأن أفعل شيئًا، فإنني أفعله. وهذا يعني العمل الجادَّ في بعض الأحيان، ولكن هذا كلُّ ما في الأمر.» لأول مرة، بدا في عينيها اهتمامٌ طبيعي حقًّا. واختفى الازدراء العابس الذي قابلَت به محاولاتِه للتقرب منها. أصبحت في تلك اللحظة إنسانًا، نسيَ نفسه، وتجلَّى فجأةً ما كانت تتمتَّع به من سحرٍ فطري؛ فقد كان لديها جاذبية تسترعي الفضول، لكنها مؤثرة للغاية. كانت مجرد فرصةٍ لحظية وقد أُهدرَت تمامًا. لم يكن أحدٌ من النُّدُل ينظر في ذلك الاتجاه، ولكن تافرنيك كان مستغرقًا في التفكير في نفسِه. قالت بتأمُّل: «إنه لأمرٌ جيد أن تقول … هذا.» فقال: «إنه أمرٌ جيد لكنه عادي. كل رجل يأخذ الحياة على محمل الجد يجب أن يقول ذلك.» ثم ضحكت … ضحكت بالفعل … ورأى أسنانها البيضاء تومض، من فمٍ ذي منحنيات لطيفة، وعينَين قاتمتَين تُنيرهما البهجة، لم تعد كامدة، وصارت مثيرة وملهمة. انطباع غامض كأنه انطباع عن شيء مبهج استثاره. كان شيئًا نادرًا بالنسبة إليه أن يُثار بهذا الشكل، ولكن حتى في هذه اللحظة، لم يكن هذا كافيًا لتشتيت تركيزه وأفكاره. سألتْه: «قل لي، ما عملك؟ ما هي مهنتك أو شغلك؟» أجاب ببساطة: «أعمل مع شركة مزادات ووكلاء عقارات، اسمها ميسرز داولينج، سبينس آند كمباني. مقرُّنا في ووترلو بليس.» «هل تجد عملك ممتعًا؟» أجاب: «بالطبع. ممتع؟ ولِمَ لا؟ أنا أعمل فيه.» «هل أنت شريك؟» أقرَّ قائلًا: «لا. منذ ستِّ سنوات كنتُ نجارًا؛ ثم أصبحتُ ساعيًا في مكتب السيد داولينج كان عليَّ أن أتعلم التجارة، كما ترين. اليوم أُعَدُّ مديرًا. وفي غضون ثمانية عشر شهرًا … وربما قبل ذلك إذا لم يعرضوا عليَّ الشراكة … سأبدأ عملًا خاصًّا.» ومرة أخرى، ومَضَت على زاويتي شفتَيها ابتسامةٌ خفيفة. سألت بسخريةٍ هادئة: «وهل يعرفون ذلك الآن؟» فأجاب بجديةٍ مطلقة: «ليس بعد. فقد يُطالبونني بالرحيل، وما زال لديَّ بعضُ الأشياء القليلة التي ينبغي أن أتعلَّمها. أفضِّلُ أن أجرِّب في شخص آخر وليس في نفسي. يمكنني استخدام النتائج فيما بعد؛ سوف تساعدني في كسب المال.» ضحكت بنعومةٍ ومسحت الدموع من عينيها. كانتا حقًّا عينَين جميلتَين للغاية رغم الهالات السوداء حولهما. تمتمَت: «ليتني قابلتُك من قبل!» سألها: «لماذا؟» هزَّت رأسها. ورجَته قائلة: «لا تسألني. لن تُرضيَ إجابتي اعتدادَك بنفسك، إذا كنتَ معتدًّا بنفسك.» قال: «لستُ معتدًّا بنفسي، ولستُ فضوليًّا، لكني لا أفهم لماذا ضحكتِ.» في هذه اللحظة انتهت فترة انتظارهما. أُحضِرَ السمك وأصبحَت محادثتهما متقطعة. أثناء فترة الصمت التي تبعَت ذلك، تسلل ظلُّ الكآبة القديم إلى وجهها. لم ترفع وجهها إلا مرةً واحدة. كان ذلك عندما كانا ينتظران شرائح اللحم. مالت نحوه، واضعةً مرفقَيها فوق مفرش المائدة، وأسنَدَت وجهها بأصابعها. أصرَّت: «أعتقد أن الوقت قد حان لتركِ هذه النواحي العامة، وقد أخبرتَني بشيء شخصي إلى حدٍّ ما، شيء أنا حريصة للغاية على معرفته. أخبرني بالضبط لماذا يهتمُّ شخصٌ متمحورٌ حول ذاته مثلُك بإنسان آخر بأية حال. يبدو هذا غريبًا بالنسبة إليَّ.» اعترفَ بصراحة: «هذا غريب. سأحاول أن أشرح الأمر لكِ ولكن سيبدو جريئًا جدًّا، ولا أعتقد أنك ستفهمين. لقد شاهدتُكِ قبل بضع ليالٍ على سطح بلينهايم هاوس. كنتِ تنظرين عبر أسطح المنازل ولم يبدُ لي أنكِ كنتِ ترَين أيَّ شيء على الإطلاق حقًّا، ومع ذلك كنتُ أعرف طَوال الوقت أنكِ كنتِ ترين أشياءَ لم أستطع أن أراها، كنتِ تفهمين وتُقدرين شيئًا لا علم لي به، وهذا أقلقني. حاولتُ التحدث إليكِ في ذلك المساء، لكنكِ كنتِ فظَّة.» قالت: «أنت حقًّا شخصٌ فضولي. هل أنت دائمًا قلق، إذن، إذا وجدتَ أن شخصًا آخر يرى أشياءَ أو يفهم أشياءَ خارج نطاق استيعابك؟» أجاب على الفور: «دائمًا.» فقالت مؤكِّدة: «أنت واسع الطموح للغاية. تريد أن تجمع كلَّ شيءٍ في حياتك. ولا يمكنك ذلك. وإذا حاولت، فلن تحصد إلا الشقاء. لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك. يجب أن تعرف حدودك وإلا عانيت طوال حياتك.» ردَّد كلمتها بازدراءٍ بالغ: «حدود!» ثم قال بقوة غير متوقعة: «إذا عرَفتُها بأية حال، فسيكون الأمر مصحوبًا بندوبٍ وجروح، فلا شيء آخر يرضيني.» قالت ببطء: «نحن، على ما أعتقد، في العمر نفسه تقريبًا.» قال لها: «أنا في الخامسة والعشرين.» قالت: «أنا في الثانية والعشرين. يبدو من الغريب أن يكون هناك شخصان أفكارهما عن الحياة متباعدة بقدر تباعد القطبَين ويجتمعان معًا هكذا ولو لحظة. أنا لا أفهم هذا على الإطلاق. هل توقعتَ أن أخبرك حقًّا بما رأيتُه في الغيوم في تلك الليلة؟» أجابَ: «لا، ليس بالضبط. لقد تحدثتُ فقط عن أول شيءٍ جعلني أهتمُّ بكِ. وهناك أشياءُ أخرى. لقد كذبتُ بشأن السِّوار وتبعتُكِ إلى خارج النُّزُل واصطحبتُكِ إلى هنا؛ لسبب آخر تمامًا.» قالت: «أخبرني به.» وصرَّح بجدية: «أنا شخصيًّا لا أعرفه. أنا حقًّا وبصدق لا أعرفه. هذا لأنني كنتُ آمُل أن يخطر ببالي أثناء وجودنا معًا، بما أنني هنا معكِ في هذه اللحظة. أنا لا أحب الدوافع التي لا أفهمها.» ضحكَت منه بنوع من الازدراء. وقالت: «رغم كل شيء، ورغم أنه ربما لم يخطر ببالك بعد، فهو في الغالب السبب البائس نفسُه. أنت رجل ولديك السمُّ في مكانٍ ما في دمك. وأنا لست امرأة قبيحة، كما تعلم.» نظر إليها متفحصًا إياها. ربما كانت نحيفة بعض الشيء، لكنها بالتأكيد رشيقة بشكل رائع. حتى وضعية رأسها، والطريقة التي تجلس بها على كرسيِّها، لها طابَعُها المتفرد. كانت ملامحها أيضًا جميلة، على الرغم من أن فمها كان حادًّا. ولأول مرة زال شحوب الموت عن خدَّيها بلمسة من اللون الوردي. حتى تافرنيك أدرك أنها تمتلك إمكانيات رائعة. ومع ذلك، فقد هزَّ رأسه. وأكَّد بحزم: «أنا لا أتفقُ معكِ على الإطلاق. مظهركِ لا علاقةَ له بالأمر. أنا متأكد أن السبب غير ذلك.» اقترحَت قائلة: «اسمح لي باستجوابك. فكِّر جيدًا الآن. ألا يمنحك جلوسُك هنا معي بمفردنا أيَّ إحساس بالمتعة؟» أجابها برَويَّة؛ وكان من الواضح أنه يقول الحقيقة. وصرَّح: «أنا غير مدرك أن الأمر كذلك. الشعور الوحيد الذي أُدركه في الوقت الحاضر فيما يتعلق بكِ، هو الفضول الذي تحدَّثتِ عنه بالفعل.» مالت قليلًا ناحيته، ومدَّت أصابعها الرشيقة للغاية. ومرة أخرى، غيَّرت الابتسامةُ على شفتَيها وجهَها تمامًا. قالت: «انظر إلى يدي. قل لي … ألا ترغب في الاحتفاظ بها فقط لدقيقة، إذا أعطيتُك إياها؟» كانت عيناها تتحدَّى عينيه، بهدوء ولكن بغطرسة. ومع ذلك، بدا أن انتباهه بالكامل قد تحوَّل إلى أظافر أصابعها. تراءى له أن من الغريب أن تُولي فتاةٌ في مثل مِحنتها كلَّ هذا القدر من العناية ليديها. أجابَ عمدًا: «لا، لا أريد أن أمسكَ يدكِ. لماذا عليَّ أن أفعل؟» أصرَّت قائلة: «انظر إليَّ.» فعَل ذلك دون حرج أو تردُّد … كان من الواضح أكثر من أي وقتٍ مضى أنه كان صادقًا تمامًا. كانت تجلس مسترخيةً على كرسيها، ضاحكة بنعومة على نفسها. ثم قالت: «أوه، صديقي السيد ليونارد تافرنيك، لو لم تكن صادقًا بكل هذا القدر من الوقاحة، والروعة، والإعجاز، لكنت ستعتبر مستفزًّا إلى أقصى درجة! ها قد أتت شرائح اللحم أخيرًا، حمدًا لله! انتهى الاستجواب. وأنا أعلن أنك «غير مذنب!»» أثناء تناولهما بقيةَ الوجبة، لم يتحدثا سوى القليل. وفي نهايتها، سدَّد تافرنيك الفاتورة، بعد فحص كلِّ عناصرها بعناية، ومنح النادل بقشيشًا يساوي قيمة المبلغ الذي كان للرجل الحقُّ في توقُّعه. صعدا السلم معًا إلى الشارع، وتأخرَت الفتاة بضعَ خطواتٍ عنه. ولمست أصابعُها ذراعَه على الرصيف. سألته بشيء من الخضوع: «أتساءل، هل تُمانع في توصيلي إلى إمبانكمنت؟ كان المكان مغلقًا جدًّا بالأسفل وأريد بعضَ الهواء.» كانت هذه مبالغةً لم يفكر فيها كثيرًا، لكنه لم يتردد. طلب سيارة أجرة وجلس بجانبها. بدا أن سلوكها قد أصبح أكثرَ هدوءًا وأكثر خضوعًا، ولم تعد نبرتها أشبهَ بالمحاربين. وعدَتْه قائلة: «لن أبقيَك وقتًا أطول. أعتقد أنني لم أعد قويةً كما اعتدتُ أن أكون. لم أتناول أيَّ شيء تقريبًا مدةَ يومين وأصبحَت المحادثة رفاهيةً مجهولة بالنسبة إليَّ. أعتقد … هذا يبدو سخيفًا … لكني أعتقد أنني أشعر ببعض الدُّوار.» قال: «سرعان ما سيُنعشك الهواء. بالنسبة إلى محادثتنا، أنا أشعر بخيبةِ أمل. أعتقد أنه من الحمق الشديد ألَّا تُخبريني بالمزيد عن نفسك.» أغمضَت عينيها متجاهلةً ملاحظتَه. انعطفا في تلك اللحظة إلى طريق أضيق. فمالت ناحيته. اعترفت بخجلٍ تقريبًا: «لقد كنتَ طيبًا جدًّا معي، وأخشى أنني لم أكن كريمةً للغاية. لن يرى أحدنا الآخر مرةً أخرى بعد هذا المساء. أتساءل … هل تودُّ تقبيلي؟» فتح شفتَيه وأغلقهما مرة أخرى. جلس ساكنًا وعيناه ثابتتان على الطريق أمامه، حتى قمعَ داخله شعورًا سخيفًا للغاية، شعورًا لا يمكن إدراكه. قرَّر بهدوء: «أفضِّل ألا أفعل. أعلم أنكِ تقصدين أن تكوني كريمةً ولكن مثل هذا النوع من الأشياء … حسنًا، لا أعتقد أنني أفهمه.» ثم أضاف بارتياح ساذَج ومفاجئ، وكأنه أمسك بتلابيبِ فكرة هاربة، لكنها معقولة: «لو فعلتُ ما كنتِ لتُصدقي الأشياء التي أخبرتُكِ بها.» شعر شعورًا غريبًا أنها أصيبت بخيبةِ أمل لأنها أدارت رأسها بعيدًا، لكنها لم تقُل شيئًا. وصَلا إلى إمبانكمنت، وأبطأتِ السيارة سرعتها إلى أن توقفَت. ونزلت الفتاة. كان هناك شيءٌ جديد في طريقتها، وأشاحت بنظرها عنه عندما تحدثَت. قالت: «من الأفضل أن تتركني هنا. سأجلس على ذلك المقعد.» ثم جاء ذلك التردد الذي يستولي عليه ثوانيَ قليلة وكان مسئولًا عن الكثير في حياته. الدافع الذي دفَعه للبقاء معها كان غيرَ قابل للتفسير لكنه انتصَر في النهاية. قال بشيءٍ من الحسم: «إذا لم يكن لديكِ مانع، أودُّ أن أجلس هنا معكِ بعضَ الوقت. النسيم عليل بالتأكيد.» لم تُدلِ بأي تعليق لكنها واصلَت السير. دفعَ للرجل وتبعها إلى المقعد الشاغر. في الجهة المقابلة، أضاءت السماء المظلمة بنورِ بعض الإعلانات المضيئة. بين صفَّي الأضواء الصفراء المقوَّسَين تدفَّق النهر مظلمًا، فائضًا، بلا أمل. حتى هنا، ورغم أنهما قد هربا من عبودية المدينة المطلقة، فما زال صخبها يقرع آذانهما. استمعَت إليه لحظةً ثم ضغطت بيديها على جانبَي رأسها. وتأوهت قائلة: «أوه، كم أكره ذلك! الأصوات، الأصوات دائمًا، تنادي، تهدد، تطردك بعيدًا! أمسك يدَيَّ يا ليونارد تافرنيك … احتضنِّي.» فعل ما أمرَته به، دون تفكير، ودون فهم حتى تلك اللحظة. تمتم: «أنتِ لستِ بخير.» فتحت عينَيها وعاد وميضٌ من أسلوبها القديم. ابتسمَت له، بضَعف ولكن بسخرية. وهتفَت: «أيها الفتى الأحمق! ألا ترى أنني أموت؟ أمسِك بيدَيَّ جيدًا وراقِب … راقِب! هنا شيء آخرُ يمكنك رؤيته … ولا يمكنك فهمه.» رأى قارورةَ الدواء الفارغةَ تنزلق من كُمِّها وتسقط على الرصيف. فنهضَ صارخًا، وحملها بين ذراعَيه واندفع بها نحو الطريق. إغواء تافرنيك
الفصل الحادي عشر عرضٌ مذهل وقفَت إليزابيث ويدُها خلف ظهرها، متَّكئةً قليلًا على طاولة الكتابة. وقبضَ البروفيسور، بقبَّعته العريضة الحواف على أصابعه، وراحَ يذرع الغرفة الصغيرة بلا كللٍ ذَهابًا وإيابًا. لم تكن المناقشةُ ممتعةً تمامًا. كانت إليزابيث رابطةَ الجأش وجادَّة، أما والدها فكان عصبيًّا وثائرًا. قال: «أنتِ مجنونة يا إليزابيث! ألا تفهمين، أم أنكِ لن تفهمي؟ إنني أقول لكِ إننا لا بد أن نرحل.» هزَّت كتفَيها. سألت: «إلى أين ستجرُّني؟ نحن بالتأكيد لا نستطيع العودة إلى نيويورك.» التفتَ إليها بشراسة. سألها: «وغلطة مَنْ أننا لا نستطيع العودة؟ لولاكِ أنتِ ولولا خُططُكِ المربكة، كنت سأستطيع أن أسير في برودواي الأسبوع المقبل.» وتمتم قائلًا: «إنها مدينة الله أيضًا. أتمنى لو لم نرَ هذَين الشابَّين قط.» اعترفَت قائلة: «ربما كان ذلك مؤسِفًا، ومع ذلك كان علينا أن نفعل شيئًا. كنا مفلِسَين تمامًا، على الحديدة كما يقولون هنا.» قال البروفيسور: «على أي حال، يجب أن نخرج من هذا.» أجابت: «أبي العزيز، سأوافق على ذلك إن حدث وظهرت مدينة جديدة أو عالم جديد من قاع البحر، حيث يكون البروفسور فرانكلين غير معروف، وابنته الجميلة إليزابيث لم يُسمَع عنها قط، عندئذٍ يكون من الأفضل لنا أن نذهب إلى هناك. كما هو الحال …» فقال: «هناك روما، أو بعض الأماكن الأصغر! لدينا المال لبعض الوقت. وربما يمكننا الحصول على مسوَّدة أخرى من وينهام.» هزَّت رأسها. وقالت: «نحن هنا آمنون تمامًا كما في أي مكان آخر في القارة.» مرةً أخرى ضربَ الطاولة. ثم ألقى يديه فوق رأسه بالغريزة الميلودرامية التي كانت دائمًا ما تجري بقوة في دمه. وصاحَ: «هل تعتقدين أنني أحمق؟ هل تعتقدين أنني لا أعرف أنه لو لم يكن هناك شيءٌ يدور في عقلك، لَما فكَّرتِ في ذلك الموظف، هذا الوكيل العقاري البرجوازي، أكثر مما تفكرين في سجادة مسح الأحذية أمام الباب؟ هذا ما أشتكي منه دائمًا. أنتِ تستخدمينني كأداة. هناك دائمًا أشياءُ لا أفهمها. يأتي هذا الشاب هنا بحجة سواءٌ كان يعلم ذلك أم لا. وتتحدثين معه مدةَ ساعة في كل مرة.» وتابعَ، بصوتٍ قد بُحَّ فجأةً وهو يميل نحوها: «يجب ألَّا يكون هناك شيءٌ في حياتكِ لا أعرفه يا إليزابيث. ألا ترين أن الصداقات تمثِّل خطرًا عليكِ وعليَّ، وأن العلاقات الحميمة من أي نوع تشكِّل خطرًا هي الأخرى؟ وأنا أشارككِ الخطر؛ ولذا من حقي أن أشارككِ المعرفة. أظن أن هذا الشاب ليس لديه أموال. فما الفائدة التي ستعود علينا منه؟» فأجابت: «أنت متسرع جدًّا يا والدي العزيز. دعني أؤكِّد لك أنه لا يوجد شيءٌ غامض على الإطلاق بشأن السيد تافرنيك. الحقيقة ببساطة هي أن هذا الشاب يجذبني بالأحرى.» حدَّق البروفيسور في وجهها بذهول. «يجذبكِ! هو!» تمتمَت: «أنت لم تفهمني تمامًا قط يا والدي العزيز. لم تُقدِّر قطُّ تلك السِّمةَ في شخصيتي، ذلك التفضيل الغريب، إذا جاز لي القول، للشيء الجديد تمامًا. والآن أنا لم أقابل في حياتي كلِّها مثلَ هذا الشاب. إنه يرتدي ثيابَ شخصٍ عادي، كما وصفتَه، ولديه ملامحُ وكلام شخص عادي، ولكن هناك فَرقًا.» قاطعها البروفيسور بغلظة: «فرقًا، حقًّا! وما هو هذا الفرق، أود أن أعرف؟» هزَّت كتفَيها برقة. وأوضحت: «إنه متبلِّد الحس دون أن يكون غبيًّا. إنه متمحورٌ حول نفسه. أبتسمُ له وينتظر بصبر حتى أنتهيَ لكي يتمكَّن من متابعةِ أعمالنا. لقد قلتُ له أشياءَ لطيفة جدًّا فحدَّق في وجهي دون أي تغييرٍ في تعبيرات وجهه، ودون أي متعة أو عاطفة من أي نوع.» قال والدها: «أنتِ متكبرة جدًّا يا إليزابيث. لقد كنتِ مدلَّلة. هناك القليل من الناس في العالَم حتى أنتِ قد تفشلين في استمالتهم. لا شك أن هذا الشاب هو واحدٌ منهم.» تنهَّدت برفق. اعترَفَت قائلة: «يبدو الأمر فعلًا كما لو كنتَ على حق، لكننا سنرى. بالمناسبة، أليس من الأفضل أن تذهب؟ الدقائق الخمس أوشكت على الانتهاء.» جاءَ إلى جانبها، وقبعتُه وقفازاته في يده، مستعدًّا للرحيل. قال متوسِّلًا: «هَلا أخبرتِني بشرفكِ يا إليزابيث، أنه ليس هناك سببٌ آخرُ لاهتمامكِ؟ أنكِ لستِ متورطةً في أي خطط جديدة لا أعرف عنها شيئًا؟ الأوضاع سيئة بما فيه الكفاية. لا أستطيع أن أنام، ولا أستطيع أن أرتاح، لأنني أفكِّر في وضعنا. إذا اعتقدتُ أن لديك أيَّ خطط جديدة قيد التنفيذ …» نفَضَت الرماد من سيجارتها ورمَقَته بنظرةٍ خاطفة. قالت بتمعُّن: «إنه يعرف مكان بياتريس، ولا أستطيع إقناعه بإخباري. لا يوجد شيءٌ أبعد من ذلك … لا شيء على الإطلاق.» عندما أُخبِرَت بقدوم تافرنيك، كانت إليزابيث لا تزال تدخِّن وتجلس في مقعدٍ وثير وهي تنظر إلى النار. شيءٌ في جِلستها، ووضعيةِ رأسها وهو يستقرُّ على أصابعها، ذكَّره فجأةً ببياتريس. ولم يُظهِر أيَّ عاطفة سوى توقفٍ مفاجئ في مشيته عبر الغرفة. ومع ذلك، حتى هذا كان ملحوظًا، في شخص أثار استياءها بأسلوبه الآلي. قالت ببهجة: «صباح الخير يا صديقي! هل أحضرتَ لي القائمة الجديدة؟» أجابَ تافرنيك: «للأسف لا يا سيدتي. لقد أتيتُ ببساطةٍ لأعلِنَ أنني غيرُ قادر على تقديم أي مساعدة إضافية لكِ في هذا الموضوع.» نظرَت إليه دقيقةً دون تعليق. وسألَت: «هل أنت جادٌّ يا سيد تافرنيك؟» أجابَ: «نعم. الحقيقة هي أنني لستُ في وضعٍ يسمح لي بمساعدتكِ. لقد تركتُ العمل لدى شركة ميسرز داولينج، سبينس آند كمباني.» سألت بهدوء: «بمحض إرادتك؟» اعترفَ قائلًا: «لا، لقد فُصِلتُ. كنتُ سأُجبَر على ترك العمل بعد مدةٍ قصيرة للغاية، لكن السيد داولينج عجَّل بذلك.» دعَته قائلة: «هَلا تجلس وتحدِّثني عن ذلك؟» نظر إلى عينَيها مباشرة دون أن يجفل. كان لا يزال قادرًا على فعل ذلك! قال: «لا يمكن أن يُثير هذا اهتمامَكِ.» «وأختي؟ هل رأيتها؟» أجابَ تافرنيك دون تردد: «نعم، رأيتُها.» «هل لديك رسالة لي؟» قال: «على الإطلاق.» «إنها ترفض … أن تتصالح إذن؟» «أخشى أنها ليس لديها مشاعرُ ودية تجاهكِ.» «ألم تعطِك أيَّ سبب؟» اعترفَ: «لا سببَ مباشر، ولكن موقفها … لا هوادة فيه.» نهضت واندفعت نحوه. وأخذت بأصابعَ حازمةٍ ولكن رقيقة قبعتَه البالية وقفازاته المرتَّقة من يده. ووجَّهَته إيماءتُها نحو الأريكة. تمتمَت: «لقد جعلَتك بياتريس تتحاملُ عليَّ. هذا ليس عدلًا.» وناشدته قائلة: «من فضلك تعالَ واجلس … مدةَ خمس دقائق. أريدك أن تخبرني لماذا تشاجرتَ مع ذلك الرجل الضئيل الغريب، السيد داولينج.» احتجَّ قائلًا: «لكن يا سيدتي …» صرَّحَت وهي تراقبه عن كثب: «إذا رفضت، فسوف أعتقد أن أختي كانت تخبرك قصصًا عني.» ابتعدَ عنها تافرنيك قليلًا لكنه جلسَ على الأريكة التي أشارت إليها. شغَل أكبر قدرٍ ممكن من المساحة، وما أراحه أنها لم تُصرَّ على نيتها الأولى، التي كانت أن تجلس بجواره. قال برَوية: «لم تخبرني أختُكِ بشيءٍ عنكِ على الإطلاق. وفي الوقت نفسه طلبَت مني ألا أعطيَكِ عُنوانها.» قاطعَته: «سنتحدَّث عن ذلك في وقتٍ لاحق. في البداية، قل لي لماذا تركتَ مكانك.» أخبرها بنبرة واقعية: «السيد داولينج اكتشفَ أنني كنت أقوم ببعض الأعمال لحسابي الخاص. لقد كان مُحقًّا تمامًا في أن يرفض. لم أعد إلى المكتب منذ أن اكتشفَ ذلك.» سألت: «أيُّ نوع من الأعمال؟» أوضحَ لها: «تعمل الشركةُ في مجال شراء الأراضي في المناطق غير المستثمَرة وبيعها لبناء العقارات. وقد كنتُ ناجحًا جدًّا حتى الآن في إيجاد مواقع لمشروعاتهم. ومنذ وقتٍ قصير، اكتشفتُ موقعًا جيدًا جدًّا لدرجة أنني استثمرتُ فيه كلَّ مدَّخَراتي الخاصة لشراء قطع أراضٍ معينة، ولديَّ خيار شراء لباقي الموقع. وقد اكتشف السيد داولينج ذلك وطردني.» قالت: «ولكن هذا يبدو غير عادل بالمرة.» أجابَ: «لا إطلاقًا. لو كنتُ في مكان السيد داولينج، لكنت فعلت الشيء نفسَه. كلُّ شخص يسعى لشقِّ طريقه في الحياة يجب أن يهتم بنفسه. بصراحة شديدة، ما فعلتُه كان خطأً. ومع ذلك، أتمنى لو كنت قد فعلته من قبل. يجب على المرء أن يفكِّر في نفسه أولًا.» استفسرَت: «والآن؟ ماذا ستفعل الآن؟» صرَّح قائلًا: «سأجد رأسماليًّا أو أكوِّن شركة لشراء باقي الموقع. وبعد ذلك، يجب أن ننظر في أمر البناء. ومع ذلك، لا داعي للتعجل في هذا الأمر. أولًا، يجب ضمان الموقع وشراؤه.» «كم من المال يتطلب ذلك؟» قال لها: «نحو اثني عشرَ ألف جنيه.» تمتمت: «يبدو المبلغ صغيرًا جدًّا.» فأوضحَ: «الحاجة إلى المال تأتي بعد ذلك. نريد أن نشتريَ ونخطِّط ونبني دون رهون عقارية. بمجرد أن نكون متأكِّدين من الموقع، يمكن للمرء أن يفكِّر في ذلك. خياري يمتد لمدة أسبوع فقط أو نحو ذلك.» سألت: «هل تعتقد حقًّا أنها مغامرة جيدة؟» أجابَ بشكل جاف: «أنا لا أعتقد في مثل هذه الأمور. أنا أعرف.» رجعت للخلف في مقعدها، وهي تراقبُه عدة ثوانٍ … معجَبة به في واقع الأمر. كان الإيمان العميق البادي في كلماته يكاد يكون ملهمًا. كان يبدو غيرَ متأثر بحضورها، وغير مضطرب على الإطلاق، رغم معرفتها أنها امرأةٌ جميلة جدًّا، بصرف النظر عن غياب معرفته بجنسها وافتقاره إلى المكانة الاجتماعية. جلسَ هناك بأريحية كاملة. لم يبدُ له أن اهتمامها بشئونه أمرٌ غير مبرَّر. لم يكن مغرورًا أو عدوانيًّا بأي شكل من الأشكال. كانت ثقته الكاملة بالنفس تفتقر إلى أي دافع متشدِّد. لقد كان … هو نفسه، لا يتأثر بالوسط المحيط، مهما كان غير عادي. استفسرَت بتمهُّل: «لماذا لا أكون مموِّلك؟» سألها بشكٍّ: «هل لديكِ ما يصل إلى اثني عشر ألف جنيه تريدين استثمارها؟» نهضت على قدمَيها وانتقلت إلى مكتبها. جلسَ ساكنًا تمامًا، يراقبها دون أي فضول واضح. فتحت الدرج وعادت إليه وفي يدها دفتر بنكي. أمرته قائلة: «اجمع هذا، وأخبرني كم لديَّ.» سحب قلمًا رصاصًا من جيبه وجمع الأرقام بسرعة. وقال بهدوء: «إذا لم تكوني قد أعطيتِ أيَّ شيكات منذ إصداره، فلديكِ رصيدٌ دائن قدره ثلاثة عشر ألفًا ومائة وثمانية عشر جنيهًا وتسعة شلنات وأربعة بنسات. من الحماقة أن تحتفظي بكل هذا القدر من المال في حسابٍ جارٍ. أنت تخسرين بالتأكيد حوالي ثمانية جنيهاتٍ في الأسبوع.» ابتسمَت. واعترفَت قائلة: «أعتقد أن هذه حماقةٌ مني، لكن ليس لديَّ مَنْ ينصحني الآن. معرفة أبي بالمال لا تَزيد عن معرفة طفل به، ولقد حصلتُ للتو على مبلغ كبير جدًّا نقدًا. أودُّ فقط أن نستطيع أن نجعل بياتريس تشارك بعضًا من هذا المال يا سيد تافرنيك.» لم تبدر منه أي ملاحظة. بدا وكأنه لم يسمع عن أختها قط. جاءت وجلست بجانبه مرة أخرى. همست قائلة: «هل ستتَّخذُني شريكًا يا سيد تافرنيك؟» ثم، في الواقع، خَفَتَ جمودُ ملامحه لحظة. كان مندهشًا بصراحة. أخبرها قائلًا: «لا يمكنكِ أن تعني هذا. أنتِ لا تعرفين شيئًا عن قيمة الأرض، ولا تعرفين شيئًا عن المسألة برُمَّتها. هذا مستحيل تمامًا.» قالت: «أنا أعرف ما قلتَه لي. أليس هذا كافيًا؟ أنت على يقين من أنها ستجني المال وقد أخبرتني للتو كم أنا حمقاء للاحتفاظ بالكثير من المال في البنك. حسنٌ جدًّا، إذن سأعطيك إياه لتستثمره لي. يجب أن تدفع لي قدرًا كبيرًا من الفائدة.» احتجَّ قائلًا: «لكنكِ لا تعرفين شيئًا عني، ولا تعرفين شيئًا عن الأراضي.» أجابت: «يجب على المرء أن يثقَ بشخصٍ ما. فلماذا لا أثق بك؟» كان في حيرة من أمره. يبدو أن هذه المرأة لديها إجابةٌ لكل شيء. علاوةً على ذلك، عندما تجاوَز اندهاشَه من هذا الأمر، كانت بالطبع ضربةَ حظ رائعة بالنسبة إليه. ثم تدافعَت إلى ذهنه الأفكار، وهجٌ دفعه بقوة. هذا يعني أن يراها كثيرًا، ويعني أن يأتي هنا إلى شقتها، وربما يعني حتى أن تنظر إليه على أنه صديق. صرَّ على أسنانه بقوة. كانت هذه رعونة! استفسر: «هل لديكِ أي فكرة عن الشروط؟» ضحكَت بهدوء. قالت: «صديقي العزيز، لماذا تسألني مثلَ هذا السؤال؟ أنت تعرف تمام المعرفة أنني لستُ مؤهَّلةً لمناقشة الشروط معك. اسمع. أنت منخرطٌ في صفقة تحتاج لتنفيذها إلى قرضٍ قيمتُه اثنا عشر ألف جنيه. اكتب ورقةً توضح فيها نصيبي من الأرباح، والفائدة التي سأحصل عليها من أموالي، واذكر تفاصيلَ الممتلكات. ثم سآخذها إلى المحامي الخاصِّ بي، إذا كنتَ مُصرًّا على ذلك، على الرغم من أنني على استعداد لِقَبول ما تعتبره عادلًا.» أجابَ بتمعُّن: «يجب أن تأخذيها إلى محامٍ بالطبع. ومع ذلك، أستطيع أن أخبركِ الآن أنه من المحتمل أن ينصحكِ المحامي بعدم استثمار الأموال بهذه الطريقة.» صرَّحَت: «لن يُحدِث هذا فرقًا على الإطلاق. المحامون يكرهون جميع الاستثمارات، كما أعلم، باستثناء قروضهم العقارية الرهيبة. لا يوجد سوى شرطَين يجب أن أضعهما.» سأل: «ما هما؟» «الأول أنه يجب ألَّا تقول كلمة من هذا لأختي.» عبسَ تافرنيك. وقال: «هذا صعبٌ بعضَ الشيء. فأختُكِ تعرف شيئًا عن الملكية وعن خططي.» قالت إليزابيث: «لا داعي لأن تُخبرها باسم شريكك. أريد أن يكون هذا سرًّا بيننا تمامًا، بينك وبيني.» وضعَت يدها على يده؛ فقبض على جانبَي مقعده. مرة أخرى كان مدركًا لهذا الإحساس المحيِّر وغير المفهوم. سأل بصوت أجش: «ماذا عن الشرط الآخر؟» «أن تأتي من حين لآخر وتخبرني كيف تسير الأمور.» كرَّر كلامها: «آتي إلى هنا؟» فأومأت برأسها. «أرجوك! أنا وحيدةٌ للغاية. سأتطلع لزياراتك.» نهضَ تافرنيك ببطء واقفًا على قدمَيه. ومدَّ يده … كانت أكثرَ خبرةً من أن تُحاول إبقاءه. ألقى خطابًا كان بالنسبة إليه جريئًا، ولكن بينما كان يفعل ذلك، نظر في عينَيها بصراحة لم تكن هي معتادةً عليها. قال: «سآتي. كنتُ سأرغب في المجيء على أي حال.» ثم استدار فجأة وغادر الغرفة. كان أول خطاب من نوعه يُلقيه في حياته. إغواء تافرنيك
الفصل الثاني عشر تافرنيك يَزِل شعر تافرنيك أنه قد تجوَّل بالفعل في عالم غريب بينما يأخذ مكانه في المساء التالي وسط الحشد الصغير من الناس الذين كانوا ينتظرون خارج باب مسرح أطلس. كانت هذه أجواءً لم يكن معتادًا عليها على الإطلاق. توقفَت سيارتان رائعتان عند الرصيف، وخلفهما مجموعةٌ من السيارات الكهربائية وسيارات الأجرة، مما يُثبت بشكلٍ قاطع أن سيدات مسرح أطلس يحظَيْن بشعبية في غير الدوائر المسرحية المحضة. كان الحفنة من الشباب الذين أحاطوا بتافرنيك من جنسٍ مجهول بالنسبة إليه. كانوا جميعًا يرتدون ملابسَ متشابهة تمامًا، ويبدو أنهم جميعًا يُجسِّدون البيئةَ نفسَها، ويُبْدون اللامبالاة نفسَها نحو الضيوف الآخرين. والكراسي الأخرى. دلفَ واحدٌ أو اثنان من المحظوظين عبر باب المسرح واختفيا. كان تافرنيك يكتفي بالوقوف على حافة الرصيف ويداه داخل جيبَي معطفه الداكن، وقبعته التي لم تكن ذات شكلٍ مناسب تمامًا، قد انزاحت قليلًا على الجزء الخلفي من رأسه؛ وقد انعكس الضوء على وجهه الجادِّ المتصلِّب من مصباح غاز مجاور. بدأ الناس في الوقت الحاليِّ يخرجون من الباب. في البداية، الموسيقيون، ومجموعة صغيرة من العاملين في المسرح. ثم ظهرَت قبعةُ فتاة في المدخل، وخرجَت أول واحدة من فتيات مسرح الأطلس، ليصطحبها مُرافقُها على الفور. وسرعان ما وصلت بياتريس بعد ذلك. ورأت تافرنيك على الفور وتقدَّمت نحوه. سألت: «حسنًا، وما رأيُك؟» قال بتؤدة وهو يتقدم الطريقَ نحو الشارع: «كنتِ تبدين جميلة للغاية. بالطبع، كنت أعرف غناءكِ، لكن كل ما عداه … بدا مفاجأةً كبيرة بالنسبة إليَّ.» «مثل ماذا؟» تابعَ: «حسنًا، أعني رقصك، وبطريقة أو بأخرى بدَوتِ مختلفةً على المسرح.» هزَّت رأسها. وأصرَّت قائلة: «كلمة «مختلفة» لن تكفيني. يجب أن تعطيني وصفًا أكثر تحديدًا.» صرَّح تافرنيك بجدية: «حسنًا، إذن، لقد بدوتِ أجملَ بكثير مما كنت أعتقد. بدوتِ غايةً في الجمال.» سألت بشيءٍ من الشك: «أهذا رأيُك حقًّا؟» «نعم، هذا رأيي. أرى أنكِ تبدين أجمل بكثير من كل الأخريات.» ضغطت على ذراعه بمودَّة. وقالت: «عزيزي ليونارد، جميلٌ جدًّا أن يكون ذلك رأيك. أتعرف، لقد دعاني السيد جرير إلى تناول العشاء بالفعل.» تمتم تافرنيك: «يا لها من وقاحة!» ألقت بياتريس رأسها للخلف وضحكت. وراجعَته قائلةً: «أخي العزيز، لقد كانت مجاملةً رائعة. ويجب أن تتذكر أنه صاحب الفضل الأول في حصولي على هذا العمل. سأحصل على أربعة جنيهات في الأسبوع. فقط فكِّر في الأمر!» أقرَّ تافرنيك: «أربعة جنيهات في الأسبوع مبلغٌ جيد جدًّا. يبدو مبلغًا كبيرًا بالمقارنة بنوع العمل. لكني لا أعتقد أنه يجب عليك الذَّهاب لتناول العشاء مع أي شخص تعرفينه معرفة بسيطة بهذا الشكل.» «يا لك من متزمِّت يا عزيزي! أنت تعرف أنك متزمت بدرجة صادمة يا ليونارد.» أجابَ دون أن يشعر بالإهانة، وبطريقةِ شخص يفكِّر جديًّا في الموضوع: «أأنا كذلك حقًّا؟» «بالطبع أنت كذلك. وكيف يمكنك ألا تكون، بعد أن عشتَ هذا النوع من الحياة طوال عمرك؟ لا عليك، أنا معجبةٌ بك لذلك. أنا لا أعرف إن كنتُ أرغب في الخروج لتناول العشاء مع أي شخص … حقًّا لم أقرر بعد … ولكن إذا قررت، فسيكون من الأفضل بالتأكيد بالنسبة إليَّ أن أخرج بصحبة السيد جرير؛ لأنه يستطيع أن يفيدني فائدة لا حد لها في المسرح، إذا أحبَّ.» ظلَّ تافرنيك صامتًا عدة لحظات. كان واعيًا لشعوره بإحساس لم يفهمه على الإطلاق. كل ما كان يعرفه هو أن هذا الإحساس انطوى على بُغضٍ شديد وغير منطقي للسيد جرير. ثم تذكَّر أنه أخوها، وأن له الحقَّ في التحدث بسُلطة. قال: «آمُل ألَّا تخرجي لتناول العشاء مع أحد.» بدأت تضحك لكنها ألجَمَت نفسها. قالت: «حسنًا، هذا يبدو فظيعًا للغاية. هل سنركب حافلة؟ لا أخفيك سرًّا، أنا أتضوَّر جوعًا. لقد تدربنا مدةَ ساعتَين قبل العرض، ولم أتناول شيئًا سوى شطيرة … كنت متحمسة للغاية.» تردَّد تافرنيك لحظة … بالتأكيد لم يكن طبيعيًّا هذا المساء! سأل: «هل ترغبين في تناول العشاء في مطعم، قبل أن نعود إلى المنزل؟» قالت وهي تتأبطُ ذراعه بينما يمران وسط حشد من الناس: «بالطبع أحبُّ ذلك. بصراحة، كنت أتمنى أن تقترح هذا الاقتراح.» قال تافرنيك بروية: «أعتقد أن هناك مكانًا قريبًا على طول الطريق من هنا.» شقَّا طريقهما عبر شارع ستراند ودخلا مطعمًا لم يعرفه تافرنيك إلا بالاسم. عثَرا على طاولةٍ صغيرة لهما، ونظرت بياتريس بفرحة. صاحت وهي تخلع قفازاتها: «أليس هذا ممتعًا! يا إلهي هناك خمس أو ست فتيات من المسرح هنا بالفعل. هناك اثنتان، انظر، على طاولة الزاوية، والفتاة ذات الشعر الأشقر… إنها خلفي مباشرة في الكُورَس.» نظرَ تافرنيك حوله. الشابات اللواتي أشارت إليهن جميعهنَّ كن برفقة رجال يرتدون ملابسَ السهرة بأناقة. بدت وكأنها قرأتْ أفكاره وهي تضحك عليه. قالت: «أيها الفتى الغبي. أنت لا تفترض أنني أريد أن أكون مثلهن، أليس كذلك؟ هناك الكثير من الأشياء التي يُسعدنا النظرُ إليها، وهذا كل شيء. أليس هذا السمك جيدًا؟ أنا أحبُّ هذا المكان.» نظرَ تافرنيك حوله باهتمام لم يُكلِّف نفسه عناءَ إخفائه. من المؤكَّد أن المجموعات الصغيرة من الأشخاص الذين أحاطوا بهما من كل جانب كانوا يستمتعون بطعم في الحياة، لم يذُقْه هو حتى الوقت الحاضر، على أي حال. لقد اندفعوا إلى الداخل، يجدون أصدقاء في كل مكان، يضحكون ويتحدثون، ويصرون على الجلوس في طاولات في أماكنَ مستحيلة، ويُحيُّون معارفهم في جميع أنحاء الغرفة، ويمازحون كبير الندُل الذي كان يتنقل بسرعة من طاولة إلى أخرى. كان تجمع الأصوات المختلطة يمتزج بين الحين والآخر مع فرقعة أغطية الزجاجات الفلين، وخلف كل ذلك كانت الأنغام الناعمة لفرقة صغيرة مغرية، تعزف في الشرفة. شعر تافرنيك باحمرار وجنتَيه. كان هذا صحيحًا: كان هناك شيء جديد عليه هنا! سألها فجأة: «بياتريس، هل شربتِ الشمبانيا من قبل؟» ضحكت منه. أجابت: «كثيرًا يا أخي العزيز. لماذا؟» اعترفَ قائلًا: «أنا لم أفعل قط. سنحتسي بعض الشمبانيا الآن.» كانت ستمنعُه لولا أنه استدعى نادلًا بإلحاح وأصدر أمره. احتجَّت قائلة: «عزيزي ليونارد، هذا إسرافٌ مروِّع.» ردَّ قائلًا: «حقًّا؟ أنا لا أهتم. حدِّثيني عن المسرح. هل كانوا لطيفين معكِ هناك؟ هل ستستطيعين الاحتفاظ بمكانكِ؟» قالت له: «كانت الفتيات ألطفَ بكثير مما كنتُ أتوقع، وقال المخرجُ الموسيقي إن صوتي أفضلُ بكثير من أن أنضمَّ للكُورَس. أوه، حقًّا أتمنى أن يُبقوني!» أكَّد بحماس: «سيكونون أغبياءَ إذا لم يفعلوا. أنتِ تُغنين أفضلَ من كل الفتيات الأخريات، وترقصين برشاقةٍ أكثر، وتبدين أجملَ بكثير منهن جميعًا.» ضحكت وهي تنظر إلى عينَيه. وصاحت قائلة: «أخي العزيز، تعليمُك يتقدم حقًّا! إنها بالتأكيد الليلة الأولى التي أسمعك فيها تحاول قولَ عباراتٍ جميلة، وأنت بارعٌ بالفعل.» احتج قائلًا: «لا أعرف شيئًا عن ذلك.» وأضافَ وهو يفحصُها بتمعُّن: «أعتقد أنه لم يخطر ببالي قط أنكِ جميلة، وإلا كنت سأخبرك بذلك. حسنًا، المرء لا يلاحظ هذه الأشياء في العادة. ومع ذلك، لا بد أن الكثيرين قد أخبروكِ بذلك.» قالت: «لم أحظَ إطلاقًا بالمجاملات. كما ترى، كان لديَّ أخت جميلة.» يبدو أن الكلمات قد أفلتَت منها دون وعي. وبينما تخرج من شفتَيها، تغيَّر تعبيرها. وارتجفَت وكأنها تذكَّرَت شيئًا مزعجًا. إلا أن تافرنيك لم يلحظ شيئًا. في الجزء الأكبر من اليوم، كان يُكافح بجُرأة ضد حالةٍ ذهنية جديدة وغير مألوفة. لقد وجد أفكاره تُفلت منه، مرةً بعد مرة، حتى اضطُرَّ إلى الجزِّ على أسنانه واستخدام كل عزيمته لإبقاء انتباهه مركَّزًا على عمله. والآن مرة أخرى تسلَّلت أفكاره، وشعر مرة أخرى بثورة غريبة تجتاح كِيانه. وازداد تدفق الدم في وجنتَيه عمقًا فجأة. نظر إلى ما وراء الفتاة التي تجلس أمامه، إلى خارج المطعم، عبر الشارع، إلى داخل غرفة الجلوس الصغيرة في ميلان كورت. كانت إليزابيث هي مَنْ تجلس أمامه. سمع صوتَها مرة أخرى، ورأى التفاتةَ رأسها، وانحناءةَ شفتَيها الرقيقة والمبهجة، والعينَين اللتَين كانتا تنظران إلى عينَيه وتحدِّثانه أولَ همساتٍ غريبة بلغة جديدة. خفق قلبه خفَقانًا سريعًا. لقد تحوَّل في الوقت الحالي، لم يعد سجينًا، أصبح في الواقع شخصًا مختلفًا عن ذلك الشاب الصارم المهذَّب الذي وجدَ نفسه للمرة الأولى في حياته في هذا الوسط المحيط غير المعتاد. ثم مالت بياتريس نحوه، وأعاده صوتُها إلى أرض الحاضر … لم يكن، للأسف، الصوتَ الذي كان سيُقدِّم الكثير ليسمعه في تلك اللحظة. تمتمَت: «الليلة، أشعر وكأننا في بداية أشياء جديدة. يجب أن نشرب نخبًا.» ملأ تافرنيك كأسها وكأسه. قال: «نخبُ حظِّكِ في مهنتكِ الجديدة!» صاحت بعد بضع ثوانٍ: «وهذا نخب قلبك، أيها الرجل الأكثر فضولًا بين الرجال! نخب ما لم يُكتشَف في الحياة!» احتسى كأسه ووضعها فارغة. تمتم وهو ينظر حوله: «ما لم يُكتشَف. هذا نخبٌ رائع يا بياتريس. هناك أشياءُ كثيرة قد يظل المرء يجهلها طوال حياته إذا اعتمدَ بالكامل على تصوُّراته.» ووافقَت على ذلك قائلة: «أعتقد أنه لو لم أظهر في حياتك، لكنت ستتعرض لخطرِ أن تصير ضيق الأفق.» أجابَ: «أنا متأكِّد من ذلك، لكنكِ أتيتِ كما ترين.» فكَّرت لحظة. ثم قالت: «هذا يُذكِّرني قليلًا بأول وليمة كئيبة تناولناها معًا. كنت تعرف ما يعنيه وقتها أن تُطعم فتاةً تتضوَّر جوعًا حقًّا. وأنا كنت بائسةً يا ليونارد. لم يبدُ لي وقتها أن هناك أيَّ نهاية أخرى باستثناء نهاية واحدة.» سألها بقلق: «لقد تجاوزتِ كلَّ هذا الهراء، أليس كذلك؟» أجابت: «بلى، أعتقد ذلك. كما ترى، لقد بدأتُ الحياة مرة أخرى وأصبحتُ أقوى.» ثم استدركَت: «لكن هناك أوقاتًا حتى الآن أشعر فيها بالخوف.» ماتت الفرحة فجأةً في وجهها. وبدَت أكبرَ سنًّا، ومتعبة، وبائسة. وعادت الظلال تحت عينَيها، ونظرت حولها بشيء من الخوف. فملأ كأسَها. وقال: «هذه حماقة. لا شيء ولا أحدَ يستطيع أن يؤذيَكِ الآن.» لفتَت نظرَها نبرةُ صوته. كان قويًّا وصريحًا، يجلس بأريحيةٍ بوجهه القاسي الصارم، وسط هذه الأجواء غير المألوفة، وشعرت كأنه حصنٌ قوي يلجأ إليه الضعفاء. لم يكن وجهه مثقفًا بشكل لافتٍ للنظر … لم تكن متأكدةً الآن بشأن فمِه … ولكن يبدو أن المرء يشعر بتلك الطبيعة العنيدة، والآلام التي لا تعرف الكللَ التي سيبذلها سعيًا وراء أيِّ هدف عزيز عليه. تلاشت الظلال من عقلها. ما فات مات. لم يكن من المعقول أن تطاردها طَوالَ حياتها أشباحُ خطايا الآخرين. وجدَت أجواءُ المكان، وأجواءُ الساعات القليلة الماضية طريقَها من جديدٍ إلى دمها. فرغم كل شيء، كانت شابة، والموسيقى كانت عذبة، وكانت نبضات قلبها تدقُّ على لحن هذه الحياة الجديدة. تناولت نبيذها وضحكت، وكانت الموسيقى تتلاعب برأسها. وقالت: «لقد كنا حزينَين مدةً طويلة بما فيه الكفاية. أنت وأنا يا أخي العزيز الجاد، سوف ننطلق بجدِّية الآن على دروب الرعونة. قل لي، كيف سارت الأمور اليوم؟» ومضَ في ذهنه أنَّ لديه أخبارًا رائعة، لكنها لم تكن هكذا بالنسبة إليها. كان لا يزال هناك شكٌّ في عقله حِيالَ هذا الأمر، لكنه لم يستطع أن يتحدَّث عنه. قال بحذر: «لقد تلقيتُ عرضًا. لا أستطيع أن أقول الكثير عنه في الوقت الحاضر، فلا شيء مؤكَّد، لكنني متأكِّد من أنني سأتمكَّن من الحصول على التمويل بطريقةٍ ما.» كانت نبرته هادئةً وواثقة. لم يكن هناك ثقةٌ بالنفس أو تبجُّح حول هذا الموضوع، ومع ذلك كان مقنعًا. نظرَت إليه بفضول. قالت: «أنت شخصٌ واثق جدًّا يا ليونارد. لا بد أنك تملك إيمانًا كبيرًا بنفسك، على ما أظن.» فكَّر في قولها لحظة. ثم أقرَّ: «ربما أفعل. لا أعتقد أن هناك سبيلًا آخرَ للنجاح.» كان جوُّ المكان الآن يكاد يكون باعثًا على الوهن والخمول. توقَّفَت الفرقة عن العزف، وكانت هناك مجموعات صغيرة من الرجال والنساء، يُحيِّي بعضُهم بعضًا استعدادًا للرحيل. وخُفِّضَت إضاءةُ المصابيح، وفي الضوء الهادئ، بدا أن الأصوات والضحكات قد تضاءلتْ أكثرَ فأكثر وأصبحَت أكثر إيعازًا، وصارت لمعة الضوء في عيون النساء وهنَّ يَسِرن في الغرفة في طريقهنَّ للخروج، أكثرَ نعومةً ولا تُقاوم. قالت مترددة: «أفترض أننا يجب أن نذهب.» دفعَ تافرنيك فاتورته واتجها إلى الشارع. تأبَّطتْ ذراعه واستدارا غربًا. حتى هنا، بدا أن أجواءَ المطعم قد وجدَت طريقها إلى الخارج. في هذه اللحظة، اختفَت صرامة الحياة ووُورِيَ جانبُها الأقسى والأكثر عملية. لم يكن هذا هو الحشد النهاري، هذا الذي تطأ خطواته على الأرصفة. واختفَت الوجوه القلقة المهمومة للساعين وراء قوت يومهم. كان الرجال والنساء الذين كانت الحياة بالنسبة إليهم أشبهَ بالصراع قد أوَوْا إلى منازلهم … ربما للراحة قبل أن يبدَءوا شقاءهم مرةً أخرى. في كل لحظة كانت عربات الأجرة والسيارات تتجول وتُلقي وميضًا في الليل على رجالٍ في ملابس السهرة، ونساء يرتدين أثوابًا ناعمة ويُزيِّنَّ شعورهن بالمجوهرات. ويبدو أن روح المتعة والسعادة قد تسلَّلت إلى الأجواء. فحتى الفقراء الذين مروا بهم في الشارع كانوا يضحكون أو يُغنون. توقَّف تافرنيك لحظة. وقال: «الليلة ليست ليلةَ الحافلات العامة. سنستقلُّ سيارة أجرة. أعلم أنكِ متعبة.» قالت معترفة: «أحبُّ ذلك بالطبع.» أشارا إلى واحدة وانطلقَت بهما. استندت بياتريس بين الوسائد وأغمضَت عينَيها، واستقرَّت يدُها العارية من القفازات على يده وهي تُداعبه. فمالَ إلى الأمام. كانت ثمة أشياءُ جديدة في العالم … كان على يقين من ذلك الآن، على يقين رغم أنها كانت تُطلُّ عليه من وراء الضباب، وتأتيه متخفيةً غامضة لدرجة أنه رغم طاعته لم يفهم. كانت شفتاها الممتلئتان الناعمتان مفتوحتَين قليلًا، وجَفناها ذَوَا الرموش الطويلة الكثيفة مغلقَين؛ وشعرها البُني الغامق، الذي كان قد أفلتَ من ربطته قليلًا، ينساب على أذنَيها. وفجأةً تشبَّثَت أصابعُه بأصابعها بإحكام. همسَ: «بياتريس!» اعتدلتْ في جِلستها جافلة، وعيناها تنظران إلى عينَيه باستفسار، بينما تتسارع الأنفاس عبر شفتَيها المنفرجتَين. قال: «ذات مرة طلبتِ مني أن أقبِّلكِ يا بياتريس. والليلة … سأفعل.» لم تبذل أيَّ محاولة لصدِّه. أخذها بين ذراعَيه وقَبَّلها. حتى في تلك اللحظة كان يعلم أنه ارتكبَ خطأً. ومع ذلك، راحَ يُقبِّلها مرةً بعد أخرى، ساحقًا شفتَيها بشفتَيه. وأخيرًا توسلتْ إليه قائلة: «أرجوك، دعني يا ليونارد.» أطاعها على الفور. لقد فهم جيدًا أن شيئًا غريبًا قد حدث. بدا له خلال تلك الدقائق القليلة التالية أن كلَّ ما مرَّ في تلك الليلة كان حُلمًا، وأن هذه الصورة الحية لحياةٍ أكثر عاطفية، تفرض متطلباتٍ على الحواس أكثرَ من أي شيءٍ مرَّ به حتى الآن، كانت سرابًا، شيئًا سيعيش فقط في ذاكرته، حياة لا يستطيع أبدًا أن يشارك فيها. لقد أخطأ. لقد جاء إلى عالَم جديد وأخطأ. خيَّم عليه شعورٌ بالذنب. كانت لديه رغبةٌ جامحة مفاجئة في أن يصرخ أن إليزابيث هي التي قبَّلها. كانت بياتريس جالسةً في مكانها منتصبةً وقد أدارت رأسها بعيدًا عنه قليلًا. شعر أنها كانت تتوقعُ منه أن يتكلم … وأن هناك كلماتٍ حتميةً عليه أن يقولها. كان صمتُه اعترافًا. كان سيكذب لكنه أطبقَ شفتَيه دون أن ينبس بكلمة. وهكذا مرَّت اللحظة، وزلَّت قدَمَا تافرنيك خطوةً أخرى نحو مصيره! بينما يساعدها على الخروج من السيارة، شدَّت أصابعها على يده لحظة. ربت عليها برفق بينما تمرُّ أمامه داخلةً إلى المنزل، تاركةً الباب مفتوحًا. عندما دفع للسائق الأجرة وتبعها، كانت قد اختفت. نظر إلى غرفة الجلوس؛ كانت خالية. كان يسمع وقْع خطواتها وهي تصعد إلى غرفتها. إغواء تافرنيك
الفصل الثالث عشر زيارةٌ مسائية في الصباح، عندما غادر إلى المدينة، لم تكن قد نزلت من غرفتها. وعندما عاد إلى المنزل في المساء، كانت قد رحلت. دون أن يخلع قبعته أو معطفه، أخذ الرسالة التي وجدها مسنودة على رف المدفأة وموجهة إليه إلى النافذة وقرأها. أخي العزيز ليونارد، … لم يكن هذا خطأَك ولا أعتقد أنه كان خطئي. إذا كان اللوم سيقع على أيٍّ منا، فهو بالتأكيد يقع عليَّ أنا؛ لأنه على الرغم من أنك شابٌّ ذكي وطَموح، فأنت لا تعرف في الواقع إلا القليل جدًّا عن العالم … ليس كثيرًا، على ما أعتقد، مثلي. سوف أبقى بضعَ ليالٍ على أي حال مع إحدى زميلاتي في المسرح، حيث أعرف أنها تريد مَنْ يشاركها شقتها الصغيرة. بعد ذلك، سأرى. لا تُلقي هذا الخطاب في النار ولا تعتقد أنني جاحدة. لن أنسى أبدًا ما فعلتَه من أجلي. وكيف يمكنني أن أفعل؟ سأرسل لك عُنواني بمجرد أن أكون متأكدةً منه، أو يمكنك دائمًا الكتابة لي على عنوان المسرح. إلى اللقاء يا عزيزي ليونارد، أختك بياتريس. رفعَ تافرنيك نظره من الورقة إلى الخارج عبر الميدان الرمادي. كان يعلم أنه كان غاضبًا جدًّا، غاضبًا رغم أنه طوى الرسالة بهدوء ووضعها في جيبه، غاضبًا رغم أنه خلع معطفه وعلَّقه بحرصه المعتاد؛ لكن غضبه كان من نفسه. لقد أخطأ خطأً كبيرًا. هذه الفقرة من حياته كان من الأفضل أن ينساها. لقد كانت غيرَ منسجمةٍ على الإطلاق مع كل أفكاره. قال لنفسه إنه سعيدٌ برحيل بياتريس. العيش مع أختٍ خيالية في هذا العالم العملي أمرٌ سخيف. عاجلًا أم آجلًا كان يجب أن ينتهي. فالأفضل أن ينتهيَ الآن، قبل أن يتمادى إلى أبعدَ من ذلك … الأفضل أن ينتهيَ الآن، أفضل بكثير! ومع ذلك، كان يعلم أنه سيشعر بالوحدة الشديدة. قرعَ الجرس من أجل المرأة التي كانت تخدمهما، ونادرًا ما كان يراها، لأن بياتريس نفسها كانت توفر احتياجاتهما العاجلة. وجد بعض العشاء جاهزًا، وأكله دون أي إدراك على الإطلاق. ثم ألقى بنفسه في دوامة العمل. كان كل شيء جيدًا في الساعة الأولى أو نحو ذلك، ولكن مع اقتراب الساعة العاشرة بدأ يجد صعوبة غريبة في تركيز انتباهه على تلك الحسابات. مسألة متوسط الإيجارات، النسبة المئوية على رأس المال … الأشياء التي كان يجدها رائعةً بالأمس … بدت مزعجةً فجأة. لم يكن بإمكانه تركيزُ انتباهه على أي شيء. أخيرًا دفع الأوراق بعيدًا، وارتدى قبعته ومعطفه، وخرج إلى الشارع. عندما وصل إلى ميلان كورت، استقبل حارس العقار سؤاله عن إليزابيث بدهشة خافتة ولكن مهذَّبة. كان من الصعب جدًّا في تلك الأيام تحديدُ وضع تافرنيك. كانت ملابسه تدلُّ بوضوح على المكانة التي شغَلها حقًّا في الحياة، بينما كانت الغطرسة الطفيفة في أسلوبه، وتحرُّره المطلق من أي نوع من العصبية أو الإحراج، ينمَّان على مكانةٍ وجدَها أولئك الذين اضطُرُّوا إلى التعامل معه كغريب في بعض الأحيان محيِّرة إلى حدٍّ ما. قال الرجل: «السيدة وينهام جاردنر في شقتها، على ما أعتقد يا سيدي. هَلا تنتظر لحظة، وسأستطلع الأمر.» اختفى في مكتبه، وبعد دقيقة أو اثنتَين، دفع رأسه إلى الخارج، وما زالت سماعة الهاتف في يده. قال: «السيدة جاردنر تريد الاسم مرةً أخرى يا سيدي، من فضلك.» كرَّر تافرنيك الاسم بحسم. وأضافَ: «لعلك تقول إنني لن أؤخرها أكثرَ من بضع دقائق.» اختفى الرجل مرةً أخرى. وعندما عاد، أشار لتافرنيك إلى المصعد. وقال: «عليك بالصعود إلى الطابق الخامس يا سيدي؛ فالسيدة جاردنر في انتظارك.» وجد تافرنيك شجاعته تكاد تخونه بينما يطرق بابَ شقتها. قادته خادمتُها الفرنسية إلى غرفة الجلوس الصغيرة، حيث وجدَ ثلاثة رجال؛ أحدُهم جالس على الطاولة، والاثنان الآخران في مقاعد مريحة، مما أثار انزعاجَه. كانت إليزابيث، في ثوب من الساتان الأزرق الباهت، واقفة أمام المرآة. استدارت عندما دخلَ تافرنيك. وصاحت وهي تلوح له بيدها: «السيد تافرنيك سوف يقرِّر! هناك خلافٌ في الرأي حول أقراطي يا سيد تافرنيك. الميجور بوست …» وأشارت إلى رجل مسن مهيب المظهر، ذي لحية وشارب مشذَّبَين بعناية، ونظَّارة مثبَّتة على شريط أسودَ رفيع، وقالت: «يريدني الميجور بوست أن أرتديَ الأقراط الفيروزية. وأنا أفضِّل اللؤلؤ. أما السيد كريس فهو يكاد يتفق معي، ولكن بما أنه لا يتفق مع أي شخص، من حيث المبدأ، فإنه يكره أن يقول ذلك. والسيد فولكس متردِّد بين هذا وذاك. عليك أن تُقرِّر؛ فأنت، كما أعلم، أحدُ هؤلاء الأشخاص الذين لا يترددون أبدًا.» قال تافرنيك: «لو كنتُ مكانكِ لارتديتُ اللؤلؤ.» تعاملتْ إليزابيث معهم بأسلوب رقيق مجامل. وصرَّحت: «أترون يا أصدقائي الأعزاء، عليكم القدوم إلى إنجلترا، رغم كل شيء، لتجدوا رجلًا يستطيع معرفةَ ما في عقله والتصريحَ بما فيه دون خوف. فلتكن الأقراط اللؤلؤ إذن.» قال كريس بشيءٍ من اللهجة الأمريكية: «ربما يكون هذا قرارًا، أو ربما يكون نُبل أخلاق. فالسيد تافرنيك كان يعرف اختياركِ.» تنهَّدت قائلة: «آخِر صيحة، كالعادة. والآن، إذا تكرَّمتم أيها الأفاضل بالنزول، فسوف أنضم إليكم في غضون بضع دقائق. فالسيد تافرنيك مدير أعمالي وأنا متأكدة من أن لديه ما يقوله لي.» صرَفَتهم جميعًا بأسلوبٍ لطيف. وبمجرد إغلاق الباب، التفتَت إلى تافرنيك. وبدا أن أسلوبها أصبح أقلَّ لياقة. «حسنًا؟» اعترفَ تافرنيك بصراحة قائلًا: «لا أعرف لمَ أتيتُ. كنتُ قلقًا وأردتُ رؤيتكِ.» نظرَت إليه لحظةً ثم ضحكت. أحسَّ تافرنيك بالارتياح؛ فهي على الأقل لم تكن غاضبة. صاحت وهي تمدُّ يديها: «أوه، أنت أغربُ البشر! حسنًا، ها أنت تراني … وفي أحد أكثر الأثواب التي تليق بي أيضًا. ما رأيك في مظهري؟» دارت حول نفسِها ثم واجهَته مرةً أخرى بنظرةِ ترقُّب. أدرك تافرنيك، الذي لم يكن يعرف شيئًا عن أزياء النساء، مدى روعة هذا الثوب المنسدِل. قال: «لا أستطيع التفكير في كيفية التحرك خطوة فيه، ولكنكِ تبدين …» توقَّف لحظة. كان الأمر كما لو أنه فقدَ أنفاسه. ثم صرَّ على أسنانه وأنهى الجملة. صرَّح قائلًا: «تبدين جميلة. أعتقد أنكِ تعرفين ذلك. أعتقد أنهم جميعًا قد قالوا لكِ ذلك.» هزَّت رأسها. وقالت: «ليس لديهم جميعًا شجاعتُك يا عزيزي بريتون، وإذا كانوا قد قالوا لي ذلك بالفعل، فلستُ متأكدةً من أنني كنتُ سأقتنع. معظم أصدقائي، كما ترى، قد عاشوا طويلًا وعاشوا بسرعةٍ كبيرة لدرجة أنهم تعلَّموا التلاعب بالكلمات حتى إن المرء لا يعرف أبدًا ما إذا كانت الأشياء التي يتحدَّثون بها تنبع من قلوبهم. أما معك أنت، فالأمر مختلف.» قال تافرنيك معترفًا: «نعم، معي أنا الأمر مختلف!» اختلسَت نظرة إلى الساعة. وقالت: «حسنًا، لقد رأيتني وأنا سعيدةٌ برؤيتك، ويمكنك تقبيلُ أصابعي إذا أردت، وبعد ذلك يجب أن تُسرع بالرحيل. فأنا مرتبطةٌ بتناول العشاء مع أصدقائي بالأسفل.» رفعَ أصابعها بتوتُّر حتى شفتَيه وأبقاها هناك لحظة. وعندما تركها، شبكَّتها كما لو كانت تتألم، ونظرت إليه. وابتعدت عنه فجأة. بطريقةٍ ما كانت تشعر بالإحباط. رغم كل شيء، كان ضحية سهلة! صاحت بصوت عالٍ: «إليز، عباءتي.» جاءت خادمتُها مسرعةً من الغرفة المجاورة. فاستدارت إليزابيث نحوها مادة كتفَيها. وأومأت برأسها إلى تافرنيك. «أنت تعرف طريقَ النزول يا سيد تافرنيك؟ سأراك مرةً أخرى قريبًا، أليس كذلك؟ تصبح على خير!» بالكاد نظرت إليه وهي تصرفه، ومع ذلك كان تافرنيك يُحلِّق في الهواء. إغواء تافرنيك
الفصل الرابع عشر تحذير من السيد بريتشارد تردَّد تافرنيك لحظةً تحت رواق ميلان كورت، ناظرًا إلى المطر الذي بدأ في الهطول فجأة. كاد لا يُلاحظ أن له رفيقًا حتى خاطبه الرجل الذي كان بجانبه. «اسمك تافرنيك، أليس كذلك؟» استدار تافرنيك، الذي كان على وشك الابتعاد، بحِدَّة. كان الرجل الذي تحدَّث معه يرتدي ملابسَ نهاريةً من قماش التويد الرمادي الداكن وقبعة هومبورج ناعمة. وكانت بشَرتُه شاحبةً قليلًا وكان حليقَ الوجه باستثناء شارب أسودَ خفيف. كان يُدخن سيجارًا أسود وكانت لهجته أمريكية. شيءٌ ما في مظهره أشعرَ تافرنيك أنه مألوف بشكل غامض، لكنه لم يستطع في البداية أن يتذكَّر المكان الذي رآه فيه من قبل. اعترفَ تافرنيك: «هذا هو اسمي بالتأكيد.» قال جاره: «سأطرح عليك سؤالًا جريئًا إلى حدٍّ ما.» ردَّ تافرنيك: «أعتقد أنه يمكنك أن تطرح سؤالك. فأنا لستُ مضطرًّا إلى أن أجيب عنه، أليس كذلك؟» ابتسم الرجل. وقال: «حسنًا، هذا ردٌّ صادق، على أي حال. هل أنت في عجَلة من أمرك أم يمكنني الحصول على بضع دقائق؟» أجابَ تافرنيك: «لست في عجلة شديدة من أمري. ماذا تريد؟» تابعَ الغريب، خافضًا صوته قليلًا: «منذ بضع ليالٍ، قابلتُك بصحبة سيدة شابة أثار مظهرُها، لسببٍ ما لا نحتاج إلى الخوض فيه، اهتمامي. والليلةَ سمعتُك تسأل، قبل بضع دقائق فقط، عن أخت السيدة نفسها.» ردَّ تافرنيك: «ما سمعتَه لا يُهمني البتة. دعني أقُل إن هذا ليس من شأنك.» ابتسمَ رفيقه. وقال: «حسنًا، لقد سمعتُ دائمًا الكثير عن صراحة البريطانيين، ويبدو لي أنني أواجهُ الآن بعضها. على أي حال، سأتحدَّثُ إليك بصراحة. أنا مهتمٌّ بالسيدة وينهام جاردنر. وأنا مهتمٌّ أيضًا بأختها، التي أعتقد أنك تعرفها … الآنسة بياتريس فرانكلين، وليس الآنسة تافرنيك!» لم يُصدر تافرنيك أيَّ ردٍّ فوري. كان الرجل أمريكيًّا بلا شك. ربما كان يعرف شيئًا عن بياتريس. ربما كان هذا أحدَ الأصدقاء من تلك الحياة السابقة التي لم تُخبره شيئًا عنها. وأخيرًا قال تافرنيك: «أنت لا تقترح، بأي حال من الأحوال مناقشةَ شئون أيٍّ من هاتَين السيدتَين معي؟ أنا لا أعرفك ولا أعرف ما شأنك بذلك، على أي حال، سأذهبُ الآن.» وضعَ الآخر يده على كتف تافرنيك. واحتجَّ قائلًا: «سوف تبتلُّ ملابسُك. أستأذنك في الدخول معي إلى غرفة التدخين هنا بضعَ دقائق. سنحتسي مشروبًا معًا ونتحدث قليلًا، إذا كنت لا تمانع.» قال تافرنيك: «لكنني أمانع. أنا لا أعرف مَنْ أنت ولا أريد التعرف إليك، ولن أتحدَّث عن السيدة جاردنر، أو أي سيدة أخرى من معارفي مع الغرباء. عِمْت مساءً!» «لحظةً واحدة، من فضلك، يا سيد تافرنيك.» تردَّد تافرنيك. كان هناك شيءٌ ملزم على نحوٍ غريب في صوت الرجل الآخر السلس والمتميِّز. قال: «أودُّ منك أن تأخذ هذه البطاقة. لقد أخبرتُك باسمي من قبل لكني أتوقَّع أنك نسيته … بريتشارد … سام بريتشارد. هل سمعتَ عني من قبل؟» «إطلاقًا!» تابعَ الآخر، بابتسامةٍ كالحة: «لو لم تسمع عني في الولايات المتحدة، فإنَّ ذلك يدلُّ على احترامك. معظم المحتالين الذين يشقُّون طريقهم إلى هنا يعرفون سام بريتشارد. أنا محقق وأتيتُ من نيويورك.» استدار تافرنيك ونظر إلى الرجل بتمعُّن. كان هناك شيءٌ مقنع بشأن لهجته ومظهره. لم يخطر بباله أن يشكَّ لحظةً في كلمة من رواية هذا الغريب. قال تافرنيك بسرعة: «ليس لديك شيءٌ ضدها … ضد أيٍّ منهما؟» أجابَ المحقق: «لا شيء بشكلٍ مباشر. ومع ذلك، لقد كنتَ في زيارة السيدة وينهام جاردنر هذا المساء، وإذا كنتَ من أصدقائها، فأعتقد أنه من الأفضل أن تأتيَ معي ونقيم هذا الحوار.» وافقَ تافرنيك: «سآتي، ولكني سآتي مستمعًا. تذكَّر أنه ليس لديَّ ما أقوله لك. ومن جانبك، اعتبرني لا أعرف أيًّا من هاتَين السيدتَين.» ابتسم بريتشارد. وقال: «حسنًا، أعتقد أننا سنترك الأمر عند هذا الحد. على أي حال، إذا لم يكن لديك مانع، فسنتحدَّث. تعالَ من هذا الطريق وسنصل إلى غرفة التدخين عبر الفندق. إنها مغطاة.» جلسَ تافرنيك قلقًا في كرسيِّه. وصاحَ بصبرٍ نافد: «بحق الشيطان ما كل هذا الكلام عن المحتالين! لم أحضر إلى هنا للاستماع إلى هذا النوع من الأشياء. لا أستطيع أن أجزم أنني أصدِّق كلمةً مما تقول.» علَّقَ بريتشارد: «ولِمَ تُصدق دون دليل؟ انظر هنا.» سحبَ محفظة جلدية من جيبه وفتحها. كان هناك عشراتُ الصور لرجالٍ يرتدون ملابس السجن. أشار المحقق إلى أحدهم، فتعرَّف تافرنيك على وجه الرجل الذي كان يجلس على يمين إليزابيث، مما أصابه بارتجافةٍ بسيطة. تلعثم وهو يقول: «أنت لا تقصد أن تقول إن السيدة جاردنر …» طوى المحققُ محفظته وأعادها إلى جيبه مرة أخرى. وقال: «نعم، ليس لدينا أيُّ صور لصديقتك هناك، ولا لأختها. ومع ذلك، قد لا يكون هذا مستبعَدًا جدًّا.» بدأ تافرنيك مهدِّدًا: «إذا كنتَ تحاول ربط أي شيء بهاتَين السيدتَين …» ضحك المحقق وربت على كتفه. وقال مقاطعًا إياه: «ليس من شأني محاولةُ ربط الأشياء بأي شخص. وفي الوقت نفسِه، يبدو أنك صديقٌ للسيدة وينهام جاردنر، ويُستحسَن أن يحذِّرها أحدهم.» سأل تافرنيك: «يحذِّرها من ماذا؟» نظر المحقق إلى سيجاره بتأمل. وأجابه: «يجعلها تفهم أنَّ هناك مشاكلَ تنتظرها.» شربَ تافرنيك الويسكي والصودا وأشعل سيجارة. ثم استدار في كرسيِّه ونظر بتمعُّن إلى رفيقه. كان بريتشارد رجلًا لافتًا للنظر، يتمتَّع بملامحَ صارمة واضحة … رجلًا ذا عزم. «يا سيد بريتشارد، أنا موظف في مكتب عقارات. كان أهلي من العُمَّال وأنا أحاول تحسين وضعي في العالم. أنا لم أتعلَّم المراوغة، ولكنني تعلَّمتُ القليل من العالم، وأنا أعلم أن أشخاصًا مثلك ليسوا معتادين على فعل شيءٍ بدون سبب. فلماذا بحق الشيطان أحضرتَني إلى هنا للحديث عن السيدة جاردنر وأختِها؟ إذا كان لديك أيُّ شيءٍ تقوله، فلماذا لا تذهب إلى السيدة جاردنر نفسها وتقوله؟ لماذا تأتي وتتحدَّث مع الغرباء عن شئونهما؟ أنا هنا أستمعُ إليك، لكني أقول لك مباشرةً إنني لا أحبُّ ذلك.» أومأ بريتشارد برأسه. وقال: «حسنًا، لستُ متأكدًا من أنني لا أحبُّ هذا النوع من الكلام. أنا أعرف كلَّ شيء عنك أيها الشاب. أنت تعمل في مكتب داولينج آند سبينس، ومن المفترض أنك سوف تستقيل. لديك عقار تريد تمويله. والآنسة بياتريس فرانكلين كانت تعيش تحت سقف بيتك … مثل أختك أنا أفهم … حتى يوم أمس، ويبدو أن السيدة جاردنر، لسببٍ خاص بها، تبذل قُصارى جهدها لإضافتك إلى قائمة المعجبين بها. لستُ متأكدًا مما يعنيه كلُّ ذلك، ولكن يمكنني الوصول إلى تخمين جيدٍ جدًّا. ومع ذلك، ها هي وجهة نظري. أنت على حق. أنا لم أُحضرك هنا من أجل صحتك. لقد أحضرتُك إلى هنا لأنه يمكنك أن تُسديَ خدمةً لي ولك في الوقت نفسه، ولن تؤذيَ أحدًا، على أي حال، لن تؤذي أحدًا مُهمًّا بالنسبة إليك. ليس لديَّ ضغينة ضد الآنسة بياتريس. كنت سأخرجها في الحال من المتاعب القادمة.» سأل تافرنيك: «ما هذه الخدمة؟» تهرَّبَ بريتشارد في الوقت الراهن من هذه النقطة. وقال: «يمكنني القول إنك تفهم يا سيد تافرنيك أنه في مهنتي على المرء أن يقطع شوطًا طويلًا في بعض الأحيان لكي يضعَ رجلًا أو امرأة في المكان الذي يريده. والآن، ألقينا مجردَ نظرة خاطفة على تلك الطاولة عندما وصلنا، ومع ذلك يمكنني أن أقسم لك … ليس هناك أحدٌ من هذا الحشد لا أستطيع، إذا أحببتُ، أن أعيده إلى نيويورك بتهمة أو بأخرى. أنت تتساءل لماذا لا أفعل ذلك. سأخبرك. هذا لأنني أنتظر … أنتظر حتى يمكنني إثباتُ شيءٍ أكثرَ خطورة، شيءٍ يُبعدهم عن الطريق أطولَ وقتٍ ممكن. هل تفهمني يا سيد تافرنيك؟» أجابَ تافرنيك بشك: «أعتقد أنني أفهمك. أنت تتحدَّث عن الرجال فحسب، بالطبع؟» ابتسم بريتشارد. ووافقَ: «صديقي الشاب، أنا أتحدَّثُ فقط عن الرجال. وفي الوقت نفسه، أعتقد أنني لا أفشي سرًّا، أو أخبرك بأي شيءٍ لا تعرفه السيدة وينهام جاردنر نفسها، عندما أقول إنها تبذل قصارى جهدها للتأهُّل لوضعٍ مماثل.» صاحَ تافرنيك ساخطًا: «تقصد أنها تفعل شيئًا مخالفًا للقانون! أنا لا أصدق ذلك لحظةً. إذا كانت تتواصل مع هؤلاء الناس، فذلك لأنها لا تعرف مَنْ هم.» نفضَ بريتشارد الرماد من سيجاره. وقال: «حسنًا، لكل شخص الحقُّ في تبنِّي آراء خاصة به، ومن جانبي أحبُّ أن أسمع أيَّ شخص يُدافع عن أصدقائه. لن يُشكِّل ذلك فرقًا بالنسبة إليَّ. ومع ذلك، ها هي بعض الحقائق التي سأعرضها عليك. قبل أربعة أشهر، كان من بين الفقرات التي قُدِّمَت في أحد عروض فودفيل في برودواي فِقرةٌ من أداء البروفيسور فرانكلين وابنتَيه إليزابيث وبياتريس. كان البروفيسور يقوم بالتنويم المغناطيسي، ويتنبَّأ بالمستقبل ويقرأ الأفكارَ وغيرها من الترَّهات المعتادة. وكانت بياتريس تغني وإليزابيث ترقص. وجاء الناس لمشاهدة العرض، ليس لأنه كان جيدًا ولكن لأن الفتاتَين، حتى في نيويورك، كانتا جميلتَين.» تمتم تافرنيك: «قاعة موسيقى في نيويورك!» أومأ المحقِّق برأسه. وتابعَ: «من بين الإخوة الشباب في المدينة، كان هناك شقيقان، مثلهما مثل التوائم، على الرغم من أنهما ليسا بتوءم، واسمهما وينهام وجيري جاردنر. لا يوجد شيءٌ في الحياة السريعة الإيقاعِ لم يُجرِّبه هذان الشابَّان. يجب أن أقول إنهما كانا يُمثِّلان كلَّ ما يُعرَف بالفجور والتهتُّك. لا يمكن أن يَزيد عُمر الأكبر سنًّا عن سبعةٍ وعشرين عامًا اليوم، ولكن إذا رأيتهما في الصباح، فإن أيًّا منهما، قبل أن يتم تدليكه وحثُّه على المشاركة في الحياة، ستعتقد أنه عجوزٌ ضئيل، لا يملك من القوة إلا ما يكفيه للزحف. حسنًا، اختصارًا للحكاية، وقع كلاهما في حبِّ إليزابيث.» قاطعه تافرنيك: «الأوغاد!» تابعَ المحقق: «أعتقد أنهما لم يجدا الآنسة إليزابيث صيدًا سهلًا. على أي حال، أنت تعرف الثمن الذي اشتُريَت به من اسمها، وهو الاسم الذي تستحقه بدرجةٍ كافية. كان وينهام، الذي كان أصغرَ من أخيه بسنة، أول مَنْ قدَّم عرضًا. ومنذ ثلاثة أشهر، غادر السيد والسيدة وينهام جاردنر، والآنسة بياتريس، والأب المخلص نيويورك على متن لوسيتانيا وأتوا إلى لندن.» سألَ تافرنيك: «أين وينهام جاردنر هذا، إذن؟» أخرجَ بريتشارد علبة السيجار الخاصةَ به من جيبه واختار سيجارًا آخر. وعلَّقَ قائلًا: «هذا مربط الفرس.» فكرَّر تافرنيك قائلًا: «أين وينهام جاردنر هذا؟» «لا أُمانع في إخبارك، يا سيد تافرنيك، أن اكتشاف مكان وجوده هو بالضبط ما أسعى إليه في هذا الجانب من العالَم. أنا موَكَّل من الأسرة كي أكتشف هذا، ولديَّ شيك على بياض للقيام بذلك.» سأل تافرنيك: «هل تقصد أنه قد اختفى إذن؟» أجابَ بريتشارد: «لا أثرَ له على وجه الأرض يا سيدي. منذ نحو شهرين، بدأ الزوجان الشابَّان، مع الآنسة بياتريس، إجازةً في مكانٍ ما غربَ إنجلترا. وبعد أيام قليلة من بدايتها، عادت الآنسة بياتريس وحدها إلى لندن. وذهبَت إلى فندق، وهي مفلسةٌ تمامًا، لكنها نبذَت أختها … أعتقد أنها لم تتحدَّث معها قطُّ منذ ذلك الحين. بعد ذلك بقليل، ظهرت إليزابيث وحدها في لندن. وكان بحوزتها الكثير من المال، مال أكثر مما امتلكته من قبل في حياتها، ولكنها كانت بلا زوج.» قاطعَه تافرنيك: «حتى الآن، لا أرى أيَّ شيءٍ لافتٍ للنظر في ذلك.» أجابَ بريتشارد بجفاف: «قد يكون هذا صحيحًا أو لا يكون. هذا المخلوق، وينهام جاردنر — أكره أن أسمِّيه رجلًا — كان عبدها الذليل … حتى وقت وصولهما إلى لندن بأيِّ حال من الأحوال. لم يكن ليتركها من تلقاء نفسه. توقَّف فجأةً عن التواصل مع جميع أصدقائه. حتى إنه لم يردَّ على أيٍّ من برقياتهم.» قال تافرنيك بصراحة: «ولماذا لا تذهب وتسأل السيدة جاردنر أين هو؟» صرَّح بريتشارد قائلًا: «لقد فعلتُ هذا بالفعل. وبعينَين دامعتَين، أكَّدَت لي أنه بعد مشاجرة بسيطة، اعترفَت بأنها هي المَلومة فيها، خرجَ زوجها من المنزل الذي كانا يقيمان فيه، ولم ترَه منذ ذلك الحين. كانت جاهزةً تمامًا بكل التفاصيل، حتى إنها ناشدَتني المساعدةَ في العثور عليه.» قال تافرنيك: «لا أستطيع أن أتخيَّل، لماذا يُقدِم أيُّ شخص على تكذيبها.» ابتسم المحقق. وقال وهو ينظر إلى رمادِ سيجاره: «هناك القليل من الملابسات الخارجية. بادئ ذي بدء، في رأيك كيف قضى هذا الشاب وينهام جاردنر الأسبوع الأخير من إقامته في نيويورك؟» أجابَ تافرنيك بنفاد صبر: «كيف لي أن أعرف؟» تابعَ المحقق: «في جمع كل سنت من ممتلكاته يمكن أن يضع يده عليه. إنه ليس عملًا سهلًا في أي وقت، ومصالح آل جاردنر منتشرة في العديد من الاتجاهات، ولكن لا بد أنه أبحر بما يقارب أربعين ألف جنيه إسترليني نقدًا. قد يفترض الشخص المرتاب أن أربعين ألف جنيه قد وجدت طريقها إلى الطرف الأقوى من بين الزوجين.» سأل تافرنيك: «أهناك شيءٌ آخر؟» أجابَ المحقق: «لن أزعجكَ أكثر من هذا. هناك بعضُ الملابسات الأخرى التي يبدو أنها بحاجةٍ إلى تفسير، لكن يمكنها الانتظار. ومع ذلك، هناك شيءٌ خطير، وهنا يأتي دورك.» علَّقَ تافرنيك: «حقًّا! كنت أتمنى ألا يطول بنا الحديث قبل أن تصل إلى تلك النقطة.» «الأختان، بياتريس وإليزابيث، كانتا معًا دون افتراق منذ أمكننا معرفةُ أي شيء عن تاريخهما. وهؤلاء الذين لا يفهمون اختفاء وينهام جاردنر يوَدُّون أن يعرفوا لماذا تشاجرَتا وانفصلتا، ولماذا تبتعد بياتريس عن أختها بهذه الطريقة الغريبة. أنا شخصيًّا، أودُّ أن أعرف من الآنسة بياتريس متى كانت آخِر مرة رأت فيها وينهام جاردنر على قيد الحياة.» سأله تافرنيك: «هل تريدني أن أسأل الآنسة بياتريس عن هذه الأشياء؟» اعترفَ بريتشارد: «قد يكون من الأفضل أن تتلقَّى هذا السؤال منك. فقد كتبتُ لها على عنوان المسرح لكنها بطبيعة الحال لم ترد.» نظرَ تافرنيك مستغربًا إلى جليسه. وسأل: «هل تعتقد حقًّا، أنه حتى إذا سلَّمنا جَدلًا أن هناك أيَّ ملابسات غير عادية فيما يتعلق بهذا الشجار … هل تفترض جديًّا أن بياتريس ستبلغ عن أختها؟» تنهَّد المحقق. وقال: «لا شك يا سيد تافرنيك أن هاتَين السيدتَين الشابتَين صديقتان لك، وربما لهذا السبب تكون متحيِّزًا إلى حدٍّ ما لصالحهن. ومع ذلك، فإن تربيتهما وتكوينهما برُمته لم يكن بالتأكيد صارمًا. لا يسَعُني إلا التفكيرُ في أن الإقناع يمكن أن يؤثر في الآنسة بياتريس، وأنه يمكن التوضيح لها أن سرد القصة الحقيقية لما حدث هو الإجراء الأحوط.» قال تافرنيك: «حسنًا، إذا كنتَ قد انتهيت، فأودُّ أن أخبرك رأيي في قصتك. أعتقد أن الأمر كله مجرد هراء سخيف! وينهام جاردنر هذا، حسب قولك أنت نفسك، كان نصفَ مجنون. وقع شِجارٌ وذهبَ إلى باريس أو أي مكان. فيما يتعلق باقتراحاتك بشأن السيدة جاردنر، أعتقد أنها مخزية.» لم يتأثر بريتشارد بحماس جليسه. وأكَّد: «لا بأسَ يا سيد تافرنيك. أستطيع تفهُّمَ مشاعرك تمامًا في البداية. كما ترى، لقد كنتُ بين الجريمة والمجرمين طَوال حياتي، وأتعلَّم البحثَ عن مجموعةٍ معيَّنة من الدوافع عندما يحدث شيء من هذا النوع. أما أنت فقد نشأتَ بين أناسٍ صادقين، يسلكون الطريق القويم في الحياة، وبطبيعة الحال تنظر إلى الأمر نفسِه من وجهة نظر مختلفة. لكن أنا وأنت يجب أن نتحدَّث في هذا الشأن. أريدك أن تفهمَ أن هاتَين الشابتَين الفاتنتَين ليستا من فئة الشابات اللواتي تعرف شيئًا عنهن. وضَعْ في اعتبارك، أنني ليس لديَّ كلمة أقولها ضد الآنسة بياتريس. يمكنني القول إنها مستقيمة مثلهن. لكن … يجب أن تأخذ كأسَ ويسكي وصودا أخرى يا سيد تافرنيك. أنا مُصِرٌّ على ذلك. تيم، تعالَ إلى هنا.» كان يبدو أن السيد بريتشارد قد نسي ما كان يتحدَّث عنه. اجْتِيحَت الغرفة فجأة. جاء كلُّ أعضاء حفل العشاء الصغير إلى الغرفة، وقد عرَّف جليسَه بهم جميعًا فردًا فردًا. لقد كانوا جميعًا على ما يبدو سُعداء تمامًا بأنفسهم، وبدا أنهم جميعًا يتجاهلون وجود بريتشارد تمامًا. كانت إليزابيث الاستثناء الوحيد. كانت تحمل كلبًا صينيًّا صغيرًا تحت إحدى ذراعَيها؛ وبأصابع يدها الأخرى، كانت تُثبِّت عدسة أحادية ذات إطار من صدف السلاحف، وحدَّقت مباشرة في الرجلَين. وعلى الفور، تقدَّمت نحوهما بهدوءٍ عبر الغرفة. وقالت: «يا إلهي، لم تكن لديَّ أيُّ فكرة يا سيد بريتشارد أن دائرة معارفك الواسعة تضمَّنَت صديقي السيد تافرنيك.» نهضَ الرجلان على أقدامهما. وشعر تافرنيك بالارتباك والغضب. كان كمَنْ يلعب دور الخائن بمجرد الاستماع، حتى ولو لحظة، إلى هذه القصص. وقال: «السيد بريتشارد قدَّم نفسه لي قبل بضع دقائق فقط. لقد أحضرَني إلى هنا وكنتُ أستمع إلى الكثير من الهراء الذي لا أصدِّق كلمة واحدة منه.» فابتسمَت له ابتسامة رائعة. وتمتمَت: «السيد بريتشارد شديدُ الانتقاد. إنه ينظر نظرةَ انحطاطٍ إلى الطبيعة البشرية. على الرغم من ذلك، أعتقد أننا يجب ألَّا نلومه. أعتقد أننا رجالًا ونساءً لا وجود لنا بالنسبة إليه. نحن ببساطة الأوتادُ التي يمكنه الصعود عليها قليلًا للوصول إلى احترام مَنْ يستعينون بخدماته وتقديرهم.» أخذ بريتشارد قبعته المنخفضة وعصاه. وقال: «سأعترف يا سيدة جاردنر أنني كنتُ أضيِّع وقتي مع هذا الشاب. أنتِ قاسية عليَّ قليلًا. سوف تكتشفين، بعد مدةٍ ليست بالطويلة، أنني أفضلُ صديق لكِ.» ضحكت بسرور. وصاحت قائلة: «عزيزي السيد بريتشارد، إنها فكرة غريبةٌ للغاية! ليتني أتجرأ على أن أتمنى أن يتحقَّق ذلك في يوم من الأيام!» علَّق المحقق قائلًا: «ثمة أشياءُ أكثرُ غرابةً واستحالةً تحدث، يا سيدتي، كلَّ ساعة. فالعالَم — زاويتنا الصغيرة منه، على أي حال — مليءٌ بالأشياء الغريبة. حتى إنه قد يأتي وقتٌ لأيٍّ من ثلاثتنا تكون فيه الحرية أخطر من زنزانة السجن نفسها.» وأومأ برأسه إلى تافرنيك بلا مبالاة، وانحنى لإليزابيث ثم استدار وغادر الغرفة. بقيت إليزابيث وكأنها تحوَّلت إلى حجر، تنظر نحوه وهو ينزل الدرَج. وصاحَ تافرنيك بصرامة: «هذا الرجل أحمق!» هزَّت إليزابيث رأسها وتنهَّدت. وقالت: «إنه أقلُّ أهميةً بكثير. إنه فقط مفرط الذكاء.» إغواء تافرنيك
الفصل الخامس عشر استياءٌ عام لم تنضمَّ إليزابيث مرةً أخرى إلى أصدقائها. بدلًا من ذلك، غاصت في الأريكة المنخفضة بالقرب من المكان الذي كانت تقف فيه، وجذبت تافرنيك إلى جانبها. ولوَّحَت بيدها للآخرين الذين كانوا يُنادونها. وقالت: «لحظة واحدة، أيها الأعزاء.» ثم اتَّكأت مسترخيةً بين الوسائد الوثيرة وضحكَت لرفيقها. وسألته: «قل لي يا سيد تافرنيك، ألا تشعر أنك قد خطوتَ فيما يشبه «الليالي العربية» الجديدة؟» «لماذا؟» فتابعَت: «أوه، أنا أعرف نقطةَ ضعف السيد بريتشارد. إنه يحبُّ إضفاء البريق على كل ما يقوله أو يفعله. ولأنه يُشرفني بالاهتمام بشئوني الخاصة، فمن المحتمل أنه قد أخبرك بكل أنواع الأشياء الرائعة عني وعن أصدقائي. السيد بريتشارد ذو خيالٍ خِصب للغاية، كما تعلم. اعترِف الآن، ألم يخبرك ببعض القصص عنا؟» ربما تكون قد وفَّرت على نفسها عناءَ اللفِّ والدوران. أما تافرنيك، فلم يتردد البتة. وصرَّح تافرنيك: «قال إن كل أصدقائك كانوا مجرمين، واعترفَ بأنه يعمل بجِدٍّ في الوقت الحالي ليكتشف أنكِ واحدة منهم أيضًا.» ضحكَت بهدوءٍ ولكن بحَمِيَّة. وقالت: «أتساءل ما هو هدفه من أن يُسِرَّ إليك بهذا ويثق بك.» أوضحَ تافرنيك: «لقد عَلِمَ أنني كنت على علاقة وثيقة بأختكِ. وأراد مني أن أسأل بياتريس سؤالًا معينًا.» توقفَت إليزابيث عن الضحك تمامًا. ونظرت بثباتٍ في عينَيه. «وما هذا السؤال؟» «لقد أراد مني أن أسأل بياتريس لماذا ترَكَتكِ واختبأتْ في لندن.» حاولت أن تبتسم ولكنها لم تنجح كثيرًا في ذلك. وتابعَ تافرنيك: «وَفقًا لقصته، أنت وبياتريس وزوجكِ سافرتم معًا إلى مكانٍ ما في الريف. وهناك حدثَ شيءٌ ما أدى إلى اختفاء زوجكِ. وعادت بياتريس بمفردها ولم تقترب منكِ منذ ذلك الحين. بعد ذلك بوقتٍ قصير، عُدْتِ أنتِ أيضًا وحدكِ. ولم يُرَ السيد جاردنر أو يُسمَع عنه.» انحنت إليزابيث على كلبها، لكن حتى تافرنيك، رغم افتقاره إلى قوة الملاحظة، استطاع أن يرى أنها اهتزت. قالت معلِّقة: «بريتشارد رجلٌ ذكي بشكل عام، ذو ذكاءٍ مخيف. أتساءل لماذا قال لك كل هذا؟ لا بد أنه كان يعلم أنك ربما تُكرره لي. فلماذا يريد أن يكشف لي أوراقه؟» أجابَ تافرنيك: «ليس لديَّ أدنى فكرة. كلُّ هذه الأمور لا تعنيني. إنها لا تَشغلُني بأي شكل من الأشكال. أنا لا أعطلكِ عن أصدقائك، أليس كذلك؟ من فضلك دعيني أنصرف عندما تريدين.» توسَّلتْ إليه قائلة: «لا تذهب بعد. اجلس معي لحظة.» وأضافت هامسة: «ألا ترى أنني أُصِبتُ بصدمة؟ اجلس معي. أنا لا أستطيع العودة إلى هؤلاء الآخرين بعد.» فعلَ تافرنيك ما أُمر به. وكانت المرأة بجانبه لا تزال تُداعب الحيوان الصغير الذي كانت تحمله. ومع ذلك، بمراقبتها استطاع تافرنيك أن يرى صدرها وهو يعلو ويهبط بسرعة. كان هناك شحوبٌ غير طبيعي في خدَّيها، ووميضٌ مرعب في عينَيها. ومع ذلك، مرَّت هذه الأشياء. في بضع ثوانٍ عادت إلى طبيعتها مرة أخرى. قالت: «حسنًا، أنا لا أنفعلُ كثيرًا. أنا لا أخافُ إلا إذا كان هناك شيء لا أفهمه. أنا لا أفهم السيد بريتشارد الليلة. أعلم أنه عَدوِّي. ولكني لا أستطيع أن أتخيَّل لماذا يتحدَّث معك. لا بد أنه كان يعلم أنك ستكرر لي كلَّ ما قاله. وهذا ليس من طبعه. قل لي يا سيد تافرنيك، لقد سمعتَ كلَّ أنواع الأشياء عني. فهل تصدِّقها؟ هل تصدِّق … إنه سؤالٌ مروع، أليس كذلك؟» واستأنفَت على عجل: «هل تُصدِّق أنني تخلَّصتُ من زوجي؟» أجابَ تافرنيك بحماس: «أنتِ بالتأكيد لستِ بحاجةٍ إلى أن تسأليني هذا السؤال. سوف أصدِّق أقوالكِ، مهما قلتِ لي. لن أصدِّق أنه يمكنك ارتكابُ أي خطأ.» لمسَت يدُها يدَه لحظة، فنالَ مكافأته. ورجَتْه قائلة: «لا تُحسن الظن بي إلى هذا الحد. أنا لا أريد أن أخيِّب ظنك.» فتح أحدهم الأبوابَ المتأرجحة فجفلَت بعصبية. لم يكن سوى نادلٍ مرَّ عبر الغرفة إلى المشرب. وقال تافرنيك ببطءٍ: «رأيي فيكِ لا شيء يمكن أن يُغيِّره، ولكن لأنني غبيٌّ، على ما أعتقد، هناك الكثيرُ من الأشياء التي لا أستطيع فهمها. لا أستطيع أن أفهم، على سبيل المثال، لماذا يشُكُّون في أن لديكِ أيَّ علاقة باختفاء زوجكِ. ألا يمكنكِ إثباتُ مكانكِ عندما ترككِ؟» أجابت: «بكل سهولة، ولكن للأسف، لا يبدو أن أحدًا رآه وهو يرحل. لقد حدَّد توقيت رحيله بمَكر لدرجة أنه يبدو كما لو كان تلاشى في الهواء.» واستأنفت كلامها قائلة: «ومع ذلك، ثمة شيء معين، لولاه لما كان أحدٌ سيُساوره الشكُّ على ما أظن. أعتقد أن السيد بريتشارد قد أخبرك أنه قبل مغادرتنا نيويورك باعَ زوجي بعضَ ممتلكاته وجلبها معه إلى أوروبا نقدًا. لقد قرَّرت كلانا أنه سيعيش في الخارج ولن يكون لنا علاقة بأمريكا. لم أكن أنا مَنْ أقنعتُه بالقيام بذلك. فلا فرقَ بالنسبة إليَّ. لو كان قد هربَ وتركني، لكانت المحاكم ستَمنحني المال. ولو مات وكنتُ أرملة، لكان قد ترك لي ممتلكاته. ولكن ببساطةٍ لأن كلَّ هذه الأموال كانت في أيدينا، ولأنه اختفى، فإن أهله وهذا الرجل بريتشارد يشُكُّون بي.» تمتم تافرنيك: «إنه شرير.» استدارت نحوه ببطء. وقالت: «سيد تافرنيك، هل تعلم أنه يمكنك مساعدتي كثيرًا حقًّا؟» أجابَ: «أتمنى أن أستطيع ذلك. جرِّبيني.» فاستطردَت: «ألا يمكنك أن ترى أن الشيء الكبير ضدي هو أن بياتريس تركتْني فجأةً عندما كنا في تلك الرحلة البائسة، وعادت بمفردها؟ إنها في لندن، أعلم ذلك، وقريبةٌ جدًّا مني، ومع ذلك لا تزال مختبئة. وبريتشارد يسأل نفسه عن السبب وراء ذلك. سيد تافرنيك، اذهب وأخبرها بما يقوله الناس، اذهب وأخبرها بكل ما حدث، ودَعْها تفهم أن ابتعادها عني تَسبَّب لي في جُرح غائر، وتوسَّلْ إليها أن تأتي وتدَع الناس يرَون أننا متصالحتان، وحذِّرها أيضًا من بريتشارد. هل ستفعل هذا من أجلي؟» أجابَ تافرنيك: «بالطبع سأفعل. سأراها غدًا.» أطلقت إليزابيث تنهيدةَ ارتياح. وسألت وهي تنهض: «وستُخبرني بما ستقول؟» طمْأنَها تافرنيك قائلًا: «سأكون سعيدًا جدًّا بذلك.» «تصبح على خير!» نظرَت إلى وجهه بابتسامة قلبَت رءوسَ رجالٍ أشداء في نيويورك. لا عجبَ أن تافرنيك شعر بقلبه يخفق بين ضلوعه! أمسك يدَيها لحظة. ثم استدار فجأة. وقال: «تصبحين على خير!» اختفَى من خلال الأبواب المتأرجِحة. وسارت عبر الغرفة حيث كان أصدقاؤها يجلسون في دائرة، يضحكون ويتسامرون. فأمسك والدها، الذي جاء للتو وانضم إليهم، بذراعها وهي تجلس. وسألها بصوتٍ مرتجف: «ماذا يعني ذلك؟ هل رأيتِ أنه كان هناك مع بريتشارد … ذلك الشاب الصغير … وكيل العقارات البائس؟ أقول لكِ إن بريتشارد كان يستخلصُ منه كلَّ ما في جَعبته.» همسَت ببرود: «والدي العزيز، لا تكن ميلودراميًّا. أنت تفضح نفسَك طوال الوقت. اذهب إلى الفراش إذا كنت لا تستطيع التصرف مثل رجل.» خُفِّضَت شدةُ الأنوار، ولم يكن هناك أحدٌ غيرهم في الغرفة. فمالَ الرجل العجوز الضئيل ذو النظارة إلى الأمام. وسأل: «هل لديكِ أيُّ فكرة، يا عزيزتي إليزابيث، لماذا أصبحَ صديقنا بريتشارد في الوقت الحالي يظهر كثيرًا.» أجابت: «ليس بسببك يا جيمي، ولا بسبب أي شخص آخر هنا، في الواقع. الحقيقة هي أنه معجبٌ بي بشدة … إعجابٌ شديد الوضوح حقًّا، لدرجة أنه يكره أن أبتعد عن ناظرَيه.» ضحكوا جميعًا بصخب. ثم مالَ والتر كريس الصحفي إلى الأمام، وكان رجلًا ذا وجه طويل ونحيف، أصابعه مبقَّعة باللون الأصفر، وعظام وجنتَيه بارزة. اختلسَ النظر في أرجاء الغرفة قبل أن يتكلم، وبدا صوته وكأنه همسٌ أجش. قال: «في الواقع، يبدو لي أن بريتشارد يزداد خطورة. وعلى أي حال، ليس حوله أيٌّ من رجاله في هذا البلد.» ساد الصمتُ التام عدةَ ثوانٍ. ثم أومأ العجوز الضئيل برأسه متجهِّمًا. وقال معترِفًا: «لقد سئمتُ أنا نفسي من بريتشارد بعض الشيء، وهو بالتأكيد يعرف الكثير. يحمل في رأسه الكثير لدرجةٍ تعرِّضه للخطر.» لمعت عينا إليزابيث. وقالت: «إنه يُعاملنا مثل الأطفال. لقد أخبر الليلة كلَّ أموري لشخص غريب تمامًا. إنه أمرٌ لا يطاق!» بعد مدةٍ وجيزة انفضَّ السامر. ولم يبقَ سوى والتر كريس والرجلِ الذي يُدعى جيمي بوست يتحدثان، وانسحبا إلى مقعدٍ بجوار النافذة، وهما يتهامسان. غادر تافرنيك الفندق، ويداه مدفوعتان بعمقٍ في جيوب معطفه، وسار على طول شارع ستراند. استولت عليه بعضُ الخيالات قبل أن يقطع مسافةً كبيرة، واستدار فجأة إلى اليسار ونزلَ إلى طريق إمبانكمنت. شقَّ طريقه إلى المقعد نفسِه الذي جلس عليه مرةً مع بياتريس. وجلسَ طاويًا ذراعَيه في هذا الركن، ناظرًا عبر النهر، إلى الخط المنحني للأضواء، إلى المياه السوداء المتدفقة، وهيكل المركَب الذي يتحرك ببطء في طريقه. كان شيئًا جديدًا عليه، أن يَتَّهم نفسه بالحماقة والضعف. خلال الأيام القليلة الماضية، كان يتحرك في ضبابٍ من عدم اليقين، مضطربًا لدرجة تمنعُه من التفكير السليم، متجنِّبًا أيَّ مسألة مهمة. والليلة لم يعُد بإمكانه الهروبُ من تلك الأفكار المُتَّهِمة، الليلة كان يشعر بالمرارة من نفسه أكثرَ من أي وقت مضى. يا لها من حماقة تلك التي اعترَت حياتَه فجأة … حماقة هائلة، لا يمكن تصوُّرها، غيرُ متوقَّعة وكأنها سقطت كصاعقة من السماء! ما الذي حدث وغيَّره بهذه الدرجة! عاد بأفكاره إلى الفندق. هناك بدأ كلُّ شيء. قبل تلك الليلة فوق السطح، بدا له أن العلامات التي أقامها بعنايةٍ وتدقيق على طول الطريق المؤدي إلى هدفه المنشود، كانت تُشير بطريقةٍ مباشرة وثابتة نحو كل شيء في الحياة جديرٍ بالاهتمام. أما الليلة فكانت مجردَ أوهام كئيبة، تشير إلى الزمن عبر سهلٍ بائس. ربما، رغم كل شيء، كان هناك شيءٌ في طبيعته، شيءٌ متمرد، شيءٌ غير مقبول على الإطلاق، وُلِدَ لأول مرة من هذا الفضول المشئوم الذي مُنِيَ به. لقد قفز فجأة، وبرَز دون أن يلاحظه أحد في حياته الشاقة الصارمة. ومع ذلك، ما المكانة التي يحتلُّها هناك؟ يجب أن يُحاربه، ويجتثَّه من جذوره بكِلتا يدَيه. ماذا يعني هذا النمطُ من عالَم المؤامرات، هذا العالَم الإجرامي البغيض، بالنسبة إليه؟ منَعه حِسُّه السليم تمامًا من فصل إليزابيث عن أصدقائها ومحيطها. لقد كانت سِرَّ الألم الذي كان يُمزِّق نِياطَ قلبه، وسِرَّ كل الإثارة والفرح والعاطفة التي اجتاحت طريق حياته الهادئَ مثل طوفان جارف، وجعلته ينجرف بين البحار المجهولة. ومع ذلك، كانت بياتريس هي التي جلبَت عليه كلَّ هذا. إذا لم تكن قد غادرَت قطُّ، إذا لم يتذوَّق أهوال هذه الوحدة الجديدة، فربما كان سيتمكَّن من الاستمرار في المقاومة. لقد اشتاقَ لها، غمَره شوقُه إليها. أما الأشياء الأخرى، رغم أنها كانت رائعة، فكانت بطريقةٍ أو بأخرى مثل السراب. لقد ألقيَ هذا العالَمُ من المشاعر الجديدة مثل شبكة حريرية على كلِّ ما لديه من أفكار، وكلِّ ما لديه من رغبات. كانت بياتريس شخصيةً ملموسة، مريحة، مبهجة، رقيقة، حقيقية، كانت مَلاذَه الوحيد الذي يحميه من هذا الجنون. والآن ذهبَت، وكان عاجزًا عن استعادتها. أدار رأسه، ونظرَ إلى الطريق الذي قطعه في تلك الليلة وذراعاه تُطوِّقانها. لقد كانت مَدينةً له بحياتها وذهبَت! وبكل لامنطقيةِ الرجال، بدا له وهو يقفُ متثاقلًا على قدمَيه ويبدأ في العودة إلى المنزل، أنها ردَّت له الجميل بقدرٍ من الجحود، وأنها قد تركته في اللحظة الوحيدة من حياته التي كان في أمسِّ الحاجة إليها فيها. إغواء تافرنيك
الفصل السادس عشر عرض زواج بعد ظهر اليوم التالي، في الساعة الرابعة والنصف، كان تافرنيك يتناول الشاي مع بياتريس في الشقة الصغيرة التي كانت تتقاسمها مع فتاة أخرى، قرب كينجسواي. فتحَت الباب له بنفسها، وعلى الرغم من أنها كانت تتكلم بلا توقُّف، بدا له أنها لا تشعر بالراحة بأي حالٍ من الأحوال. أجلسَته في الكرسي الوحيد المتاح، وهو كرسي خوص صغير سخيف، صغير جدًّا بالنسبة إلى حجمه، وجلست على سجادة المدفأة على بُعد أمتارٍ قليلة. قالت: «تمكَّنت من اكتشاف مكاني سريعًا يا ليونارد.» أجابَ: «نعم. اضطُررتُ إلى الذَّهاب إلى حاجب المسرح من أجل الحصول على عنوانكِ.» فقالت بصراحة: «لم يكن لديه أدنى حقٍّ في إعطائك إياه.» هزَّ تافرنيك كتفَيه. وقال ببساطة: «كان عليَّ أن أحصل عليه.» ضحكَت وهي تقول: «قوة المحفظة مرةً أخرى! والآن بعد أن أصبحت هنا، أنا لا أظن أنك سعيدٌ ولو قليلًا لرؤيتي. أأنت سعيد؟» لم يردَّ لحظة. كان يُفكِّر في تلك الجلسة في الإمبانكمنت، ورحلة المشي الطويلة إلى المنزل، والمعركة التي خاضها مع نفسه، والسعي المستمر لاجتثاث هذا الشيء الجديد من قلبه، والذي من أجله، وبسبب تناقضِه الذكوريِّ الغريب، أصرَّ على تحميلها المسئولية. استأنفَت حديثها وهي تنهض فجأةً بادئةً في صنع الشاي: «أتعلم يا ليونارد، أعتقد أنك غاضبٌ مني. إذا كنت كذلك، فكلُّ ما يمكنني قوله لك هو أنك شخصٌ أحمقُ للغاية. كنت مضطرة إلى الابتعاد. ألا يمكنك رؤيةُ ذلك؟» أجابَ بصلابة: «لا يمكنني.» تنهَّدَت. وقالت: «أنت لستَ شخصًا عاقلًا. أظن أن ذلك لأنك عشتَ حياة غريبة، ولم يكن هناك نساءٌ يعتنين بك. أنت لا تفهم. كان من السخف، بطريقةٍ ما، أن أطلقتَ على نفسي اسمَ أختك، بل وأننا حتى حاولنا القيامَ بهذه التجرِبة السخيفة. لكن بعد … بعد تلك الليلة …» قاطعَها قائلًا: «ألا يمكننا أن ننسى ذلك؟» رفعَت عينَيها ونظرت إليه. ثم سألت: «هل تستطيع؟» كان ثمة جِدِّية غريبة وربما متوسِّلة في نبرة صوتها. كان لدى عينَيها شيءٌ جديد تقولانه، وهو شيءٌ، على الرغم من أنه فشل في تحريك مشاعره، فقد جعَله يشعر بعدم الراحة على نحوٍ غامض. ومع ذلك أجابها دون تردد. أجابَ: «نعم، يمكنني أن أنساها. سأَعِدُ أن أنساها.» كان الأمر غيرَ قابل للتفسير، لكنه كاد يتخيَّل أنه رأى هذا الشيء الجديد يرحل عن وجهها، تاركًا إياها شاحبةً ومرتعشة. أشاحت بنظرها مرةً أخرى وشغَلتْ نفسها بعلبة الشاي، لكن الأصابع التي تُمسك بالملعقة كانت ترتعش قليلًا. وقالت: «أوه، أعتقد أنني يمكن أن أنسى، لكن سيكون من الصعب جدًّا على أيٍّ منا أن يتصرَّف كما لو أنه لم يحدث قطُّ.» ثم واصلت، وهي تنظر إلى علبة الشاي، قائلة: «إلى جانب ذلك، كان الوضع مستحيلًا حقًّا، كما تعلم. من الأفضل لي أن أكون هنا مع آني. ويمكنك المجيء لرؤيتي بين الحين والآخر، ولا يزال بإمكاننا أن نكون صديقَيْن جيدَيْن.» كان تافرنيك منزعجًا. لم يقل شيئًا، ولكن بياتريس عندما رفعَت نظرها إليه، ضحكت من تعبير وجهه المتجهِّم. وقالت مُصرِّحة: «أنت بالتأكيد الأكثرُ استحالة، والأكثرُ بدائيةً من بين كل مَنْ قابلتُهم في حياتي. لندن ليست منطقةً ريفية هادئة، كما تعلم، وأنت لستَ أخي. علاوةً على ذلك، أنت كنتَ شديدَ الاستبداد. حتى إنك لم تُحبَّني أن أذهب لتناول العشاء مع السيد جرير.» اعترفَ تافرنيك قائلًا: «أنا أكره هذا الرجل! هل ترينه كثيرًا؟» فأجابت: «لقد أخذَنا جميعًا لتناول العشاء الليلة الماضية. رأيتُ أنه كان لطيفًا جدًّا منه أن يطلب مني الذهاب.» قال تافرنيك: «لطيفٌ فعلًا! هل يريد الزواج منكِ؟» وضعَت إبريق الشاي وضحكت مرة أخرى بنعومة. بَدَت وَدودةً ورقيقة وصافية في ثوبها الأسود الصريح، البسيط للغاية، المُزيَّن فقط بفيونكة بيضاء صغيرة على رقبتها، وخدَّيها الورديَّين، اللذين يبدو أنهما استردَّا لونهما في اللحظات القليلة الأخيرة، فصارت مُغريةً للغاية. قالت: «لا يستطيع. إنه متزوج بالفعل.» ثم خطرَت لتافرنيك فكرةٌ ملهمة، فكرة رائعة لدرجة أنه أمسكَ بجانبَي كرسيِّه وجلسَ منتصبًا. ها هو، رغم كلِّ شيء، طريق الخروج المناسب له، طريق الخروج من حديقة جنونه، طريق الهروب من ذلك النِّير الغامض الذي يشلُّ حركته ويُقيِّده ويُثقل كاهلَيه. في تلك اللحظة السريعة والحيوية رأى شيئًا من الحقيقة. لقد رأى نفسه يفقد كلَّ ما لديه من رجولةٍ وقوة، رأى نفسه أداةً ولعبة في يد هذه المرأة التي سحرَته، رأى نفسه مخلوقًا مسكينًا مغرمًا يعيش فقط في انتظار الكلمات والنظرات اللطيفة التي قد تُلقيها له وقتما تشاء. في تلك الثواني القليلة عرَف الحقيقة من الزيف. ودون تردُّد، أمسك بكل الأنانية الهائلة لجنسه غير المفكِّر بالحبل الذي ألقيَ إليه. وقال بحزم: «حسنًا، أنا أستطيع. هل تتزوجينني يا بياتريس؟» أرجعَت رأسها للخلف وضحكَت، ضحكةً طويلة ناعمة، ولمَّا كان تافرنيك ساذجًا ويفتقر إلى الخبرة في أساليب النساء، فقد ظنَّها مستمتعةً بالفعل. قالت: «لا أنت ولا أي شخص آخر، يا عزيزي ليونارد!» قال مُصرًّا: «لكنني أريدكِ أن تفعلي. وأعتقد أنكِ ستوافقين.» كان هناك تدلُّل الآن في النظرة المحيِّرة التي نظرَت إليه بها. وسألت: «هل أنا أيضًا أحدُ هذه الأشياء التي تطمح إلى تحقيقها في حياتك؟ عزيزي ليونارد، يجب ألَّا تقولها على هذا النحو. أنا لا أحبُّ شكل فكِّك. إنه يُخِيفُني.» أجابَ: «لا يوجد ما يُخيف في الزواج مني. سأكون زوجًا صالحًا جدًّا لكِ. ويومًا ما ستُصبحين ثرية، ثرية جدًّا حقًّا. أنا واثقٌ تمام الثقة في أنني سأنجح، إن لم يكن على الفور، فقريبًا جدًّا. هناك الكثير من الأموال التي يمكن كسبها في العالَم إذا ثابر المرء.» بدا أنها تحاول أن تأخذه على محمل الجد. اعترفَت قائلة: «تبدو مقنعًا للغاية، لكنني أتمنى أن تُبعد كلَّ هذه الأفكار عن عقلك يا ليونارد. فهذه الأفكار لا تليق بك على الإطلاق. تذكر ما قلتَه لي في تلك الليلة الأولى؛ لقد أكَّدتَ لي أن المرأة لم يكن لها أدنى دور في حياتك.» اعترفَ قائلًا: «لقد تغيَّرتُ. لم أتوقع أن يحدثَ أيُّ شيء من هذا القبيل، لكنه حدث. وسيكون من الحماقة أن أنكر ذلك.» ثم تابعَ بنبرة ناعمة مفاجئة غريبة: «لقد كنتُ أتعلم طَوال حياتي يا بياتريس، ومع ذلك، بطريقة أو بأخرى، يبدو لي أنني لم أعرف أيَّ شيء على الإطلاق حتى وقتٍ قريب. لم يكن هناك مَنْ يُوجِّهني، لم يكن هناك مَن يبيِّن لي الأشياء المهمة في الحياة. لقد علَّمتِني الكثير، لقد علَّمتِني ضآلةَ معرفتي.» وتابعَ بتجهُّم: «وهناك أشياءُ أخشاها، أشياءُ لم أبدأ حتى في فَهمِها. ألا يمكنكِ أن تري حالي؟ أنا حقًّا جاهل جدًّا. أريدُ شخصًا يفهم؛ أريدكِ يا بياتريس بشدة.» ربتَت على ظهر يده بلطف. وقالت: «يجب ألَّا تتحدث هكذا يا ليونارد. أنا لن أكون زوجةً صالحة لك. أنا لن أتزوج أحدًا.» سألها: «ولماذا؟» فهزَّت رأسها. قالت له وهي تنظر في نار المدفأة: «هذا سِرٌّ يخصُّني.» قال مُلِحًّا: «هل تقصدين أن تقولي إنكِ لن تتزوجي أبدًا؟» أجابت: «أوه، أفترض أنني سأتغيَّر، مثل النساء الأخريات. كلُّ ما هنالك، أنني أشعر في الوقت الحاليِّ بذلك.» «هل بسبب زواج أختكِ …» أمسكت بكلتا يدَيه؛ وامتلأت عيناها فجأةً بالرعب. وتوسَّلت إليه قائلة: «يجب ألَّا تتحدث عن إليزابيث، أرجوك، يجب ألَّا تتحدث عنها. عِدْني بأنك لن تفعل ذلك.» أجاب: «لكني جئتُ إلى هنا للحديث عنها.» لم تنبس بياتريس ببنتِ شفةٍ لحظةً. ثم ألقت يدَيه وضحكت مرة أخرى. وبينما كانت تُلقي برأسها إلى الوراء في مجلسها، بدا لتافرنيك أنه يرى مرةً أخرى الفتاةَ التي كانت تقف على سطح الفندق. تساءلتْ: «جئتَ للحديث عن إليزابيث! لقد نسيت. حسنًا، واصِل حديثك، ماذا هناك؟» «أختكِ في ورطة!» سألت بياتريس: «هل أنت صديقها المقرَّب؟» اعترفَ قائلًا: «أنا لست كذلك بالضبط، لكنها طلبت مني أن آتيَ لأراكِ.» تصلَّبَت بياتريس فجأة، وأطبقَت شفتَيها تمامًا، بل بدا أن موقفها لا هوادة فيه. ثم قالت: «قل بالضبط ما تريد أن تقوله. ولن أقاطعك.» صرَّح تافرنيك: «هذا يبدو سخيفًا؛ لأنني لا أعرف سوى القليل جدًّا، ولكن يبدو أن هناك رجلًا يُدعَى بريتشارد، وهو محقِّق أمريكي، يُزعج أختكِ. وقد أخبرَتني أنه يشكُّ في أنها متورطةٌ بطريقةٍ ما في اختفاء زوجها. ومن الأسباب التي ساقَها أنكِ تركتِها فجأةً واختبأتِ، وأنكِ ترفضين رؤيتها أو الحديث معها. وهي تتمنَّى أن تتصالحا.» سألت بياتريس: «أهذا كلُّ شيء؟» أجابَ: «هذا كلُّ شيء، ما دمتِ تفهمين دلالته. إذا ذهبتِ لرؤية أختكِ، أو سمحتِ لها بأن تأتيَ لرؤيتكِ، فستَقِلُّ أسباب الشك لدى بريتشارد هذا سببًا.» قالت بياتريس، وكأنها تُحدِّث نفسها: «إذن فقد جئتَ سفيرًا لإليزابيث. حسنًا، هذا هو ردِّي. لن أذهب إلى إليزابيث. وإذا اكتشفَت مكاني وجاءَت إلى هنا، فسأهرب مرةً أخرى وأختبئ. لن يخاطب لساني لسانها أبدًا ما حييت.» نظر تافرنيك إليها برِيبة. وقال: «لكنها أختُكِ!» كرَّرَت بياتريس كلامه قائلة: «إنها أختي، ومع ذلك أنا أعني كل كلمة قُلْتُها لك.» سادَ صمتٌ قصير. وشعر تافرنيك بتوتر غير مبرَّر. لقد نما بينهما شيءٌ لم يفهمه. ومع ذلك، سرعان ما أدرك من نبرة صوتها حسمَها لهذا الأمر. فقال مصرِّحًا: «لقد بلَّغتُ رسالتي. وسوف أخبرُها بما تقولين. ربما كان من الأفضل أن أنصرف الآن.» وكاد يقف على قدمَيه. وفجأةً فقدت السيطرة على نفسها. وصرخت: «ليونارد، ليونارد، ألا ترى أنك شديد الحمق حقًّا؟ لقد أحسنتَ إليَّ. دعني أحاول أن أردَّ جميلك ولو قليلًا. إليزابيث أختي، ولكن اسمع! ما أقوله لك الآن أقوله بصدقٍ خالص. إليزابيث ليس لها قلب، ولا تفكِّر في الناس، فهي تستغلُّهم، ولا يُمثلون لها أكثرَ من الشخصيات التي تمر عبر أحلام المرء. لديها نوعٌ من الموهبة البغيضة» وواصلتْ بياتريس بصوتٍ مرتجف وعينَين وامضتَين: «موهبة جذبِ الناس إليها وجعلهم يفعلون ما تأمرهم به، وإفساد حياتهم، ثم رميهم بعيدًا عندما لا تعود لهم فائدة. ليونارد، يجب ألا تدَعها تفعل هذا معك.» نهضَ على قدميه متوترًا. من المُحتمل جدًّا أن يكون كلُّ هذا صحيحًا، ومع ذلك، ما الفرق الذي يصنعه؟ قال: «شكرًا.» وقفَا، لحظةً، يدًا بيدٍ. ثم سمعا صوت مفتاح في الباب. وقالت بياتريس: «ها هي آني تعود!» قُدِّم تافرنيك إلى الآنسة آني ليجارد، التي اعتقدَت أنه كان شخصًا غريبًا جدًّا حقًّا لأنه لم يندرج ضمن فئات الرجال الذين تعرَّفَت إليهم في حياتها، صغارًا أو كبارًا. أما من جانب تافرنيك، فاعتبر أن الآنسة آني ليجارد كانت ستبدو أفضلَ بكثير في قبعةٍ حجمها نصفُ حجم القبعة التي ترتديها، وأجملُ بكثير دون مساحيق على وجهها. من الواضح أن ملابسها كانت أغلى من ملابس بياتريس، ولكنها كانت تفتقر إلى الذوق والاهتمام. خرجَت بياتريس إلى منبسَط السُّلم معه. فقال وهي تمدُّ له يدها: «إذن، فأنت لن تتزوَّجيني يا بياتريس؟» نظرَت إليه لحظةً ثم ابتعدَت وهي تبكي بصوتٍ خافت، دون كلمةِ وداع. راقبها حتى اختفت وسمع صوتَ إغلاق الباب. بدأ ينزل ببطءٍ الدرجات الحجرية. كان الباب المغلق بالأعلى والانحدار الطويل ولكن الانسيابي إلى الشارع يُنبِّئانه بمصير مشئوم. إغواء تافرنيك
الفصل السابع عشر الشرفة في إيمانو في الساعة السادسة مساءَ ذلك اليوم، اتصل تافرنيك بميلان كورت وسألَ عن إليزابيث. كان هناك تأخيرٌ لحظةً أو اثنتَين ثم سمع ردَّها. حتى عبر أسلاك الهاتف، ورغم وقوفه غير المريح في كشك الهاتف الصغير الضيق، شعر بالبداية السريعة للمتعة، وبالإثارة الناجمة عن اختبار شيءٍ مختلِف في الحياة، وهو ما كان يعتريه دومًا حين يسمع صوتها، أو حين يستشعر وجودها بأي شكل. سألته: «حسنًا يا صديقي، هل وُفِّقت؟» أجابَ: «إطلاقًا. لقد فعلتُ ما في وُسعي. بياتريس ترفض أن تستمع إليَّ.» «ألن تأتي لتراني؟» «لن تفعل.» ظلَّت إليزابيث صامتةً لحظة. عندما تحدَّثت مرةً أخرى، كان هناك تغييرٌ في نبرتها. «لقد فشلتَ، إذن.» أصرَّ تافرنيك بحماس: «فعلتُ كلَّ ما يمكن القيام به. أنا متأكِّد تمامًا من أنه لا شيء يمكن أن يقوله أيُّ شخص يمكن أن يُحرِّك بياتريس. إنها مصرَّة للغاية بالفعل.» قالت إليزابيث بعد برهة قصيرة: «لديَّ فكرة أخرى. هي لن تأتي إليَّ؛ حسنًا، يجب أن أذهب أنا إليها. يجب أن تأخذني إلى هناك.» أجابَ تافرنيك: «لا أستطيع أن أفعل ذلك.» «ولِمَ لا؟» فقال مصرِّحًا: «لقد رفضَت بياتريس مطلقًا السماحَ لي بإخباركِ أو إخبار أي شخص بمكانها. لا يمكنني فعلُ ذلك دون إذنها.» سألت: «هل تعني ذلك؟» ردَّ بانزعاج: «بالطبع.» سادَ صمتٌ آخر. وعندما تحدَّثَت مرة أخرى، تغيَّر صوتها للمرة الثانية. وشعر تافرنيك بقلبه يسقط بين قدمَيه وهو يستمع. قالت: «حسنٌ جدًّا. ظننتُ أنك صديقي وأنك تتمنَّى مساعدتي.» فأجابَ: «ظنُّكِ في مَحلِّه، ولكن أترضين أن أحنث بوعدي وأخون كلمتي؟» قالت له: «أنت تحنث بوعدك معي.» أصرَّ قائلًا: «الأمر مختلف.» قالت مرة أخرى: «ألن تأخذني إلى هناك؟» أجابَ تافرنيك: «لا أستطيع.» «حسن جدًّا، الوداع!» رجاها قائلًا: «لا تذهبي. ألا يمكنني رؤيتكِ في مكانٍ ما بضع دقائق هذا المساء؟» أجابت إليزابيث ببرود: «أخشى أنني لا أستطيع.» ألحَّ في السؤال قائلًا: «هل ستخرجين؟» أجابت: «أنا ذاهبةٌ إلى مسرح دوق يورك مع بعض الأصدقاء. أنا آسفة. لقد خيَّبتَ أملي.» أغلقَت الهاتف، فغادر كابينة الهاتف إلى الشارع. بدا له، وهو يسير في الطريق المزدحم، أن بعض انعكاس ازدرائه لنفسه كان واضحًا على وجوهِ الرجال والنساء الذين كانوا يُسارعون أمامه. أينما نظر، كان يُدرك ذلك تمامًا. شعر في قلبه بإحساس مرير بالخزي، إحساس رجل يستسلم عَمدًا للضعف. ومع ذلك، في تلك الليلة بذَل ما في وُسعه. جلسَ في شقته المنعزلة مدةَ أربع ساعات وراح يعمل. ثم انتهى الصراع غير المتكافئ. والتقطَ قبعته ومعطفه وهو يُزمجِر وغادَر المنزل. بعد نصف ساعة، كان بين الحشود الصغيرة من المتسكعين والمُشاة الواقفين خارج أبواب مسرح دوق يورك. كان لا يزال هناك بعضُ الوقت قبل انتهاء العرض المسرحي. وأثناء مرور الدقائق البطيئة، زاد كُرهه لنفسه، وكرهه لهذا الشيء الجديد الذي اعترى حياته وهدَم معاييره الاعتيادية، وأطاح به بهذه الطريقة الغريبة والبغيضة. لقد كان إحساسًا كامنًا، بلا شك، ذلك الذي أعادته إليزابيث إلى الحياة … الإحساس بالجنس، الذي ظلَّ خاملًا داخله مدةً طويلة، بسبب عقلانيته الجسدية المثالية في المقام الأول؛ وربما أيضًا، إلى حدٍّ ما، بسبب خياله الفقير. ومع ذلك، كان من الواضح أنه بمجرد أن أثيرَ هذا الإحساس، راح يشتعل بداخله دون توقفٍ وبطريقة مدهشة. كان عالم النساء كله الآن مخلوقاتٍ مختلفةً بالنسبة إليه، لكنهنَّ لم يؤثِّرنَ عليه ولم يُحرِّكن مشاعره كما كان في أيامه الماضية قبل صحوةِ المشاعر. كانت إليزابيث هي التي يُريدها فقط، ويتوق إليها بعنف، بكل هذا الشغف الذي وُلِدَ متأخرًا من اختلاط العاطفة والرغبة. لقد شعر، بينما كان واقفًا هناك على الرصيف، يُزاحم الخدمَ في أزيائهم الرسمية، والمتسكِّعين، والمارَّة، بأنه يستحقُّ الازدراء. لقد كان مثل كلب ضُرِبَ بالسوط، فعاد يتزلَّف ويستجدي سيدَه. ومع ذلك، تمنى لو كان بإمكانه إقناعُها بالحضور معه، ولو كان ذلك مدةَ ساعة فقط! ليتها تجلس أمامه فقط في ذلك المطعم الصغير الرائع، حيث كانت الأضواء والموسيقى والضحك والنبيذ، كلها رموز خارجية لهذه الحياة الجديدة التي بدت وكأن أصابعها قد أزاحت عنها الستار لتُظهرها! كان قلبه ينبض بنفاد صبر شديد. شاهد الحشد الضئيل من الأشخاص الذين غادَروا قبل انتهاء المسرحية، معظمهم من سكان الضواحي، في عجَلة من أمرهم ليلحقوا بقطاراتهم. وسرعان ما تبعهم الجمهور كلُّه، كان حاجبو المسرح مشغولين بصَفَّاراتهم، والخدم يتطلَّعون بشغفٍ يمينًا ويسارًا بحثًا عن أسيادهم. ثم ها قد أتت إليزابيث! خرجت وسط نصف دزينة من الأشخاص، متألقةً في عباءةٍ رائعةٍ وفستان أزرق فيروزي، تضحك مع أصدقائها، لتبدوَ الأكثرَ سعادةً وجاذبية بين أصحابها. تقدَّم تافرنيك سريعًا إلى الأمام، ولكن في تلك اللحظة كان هناك زحامٌ ولم يستطع التقدُّم. مرَّت على بُعد ياردةٍ منه، برفقة رجلَين، وللحظةٍ التقَت أعينُهما. رفعَت حاجبَيها، كما لو كانت متفاجئة، ولم تُبدِ أيَّ تقديرٍ يُذكَر. واستمرَّت في السير ودلفَت داخل سيارة كانت بانتظارها، برفقة الرجلين. ووقف تافرنيك وراقبها. لم تلتفت حتى لتنظرَ نحوه. تجاهلتْه تمامًا، باستثناء تلك البادرة الصغيرة من المفاجأة الباردة. فاستدار تافرنيك ببُطء، وهو لا يكاد يعرف ما يفعله، نحو شارع ستراند. إنه يواجه الآن أزمةً بدا عاجزًا أمامها. لقد وُجِد الرجالُ في العالَم ليتم ترهيبهم أو تملُّقهم أو إبعادهم عن الطريق. فماذا يفعل الرجل مع امرأةٍ تكون لطيفةً في لحظة ووقحةً في اللحظة التالية، وترفع حاجبَيها وتتجاهله عندما يريدها وعندما يقف في انتظارها مشتاقًا إليها؟ تلك الأحلام القديمة الملموسة التي كانت تُراوده … الثروة، والسلطة، واسمه في النشرات المهمة، والمكانة العالية في العالَم … هذه الأشياء بدَت الآن مثلَ أحلام يقظةٍ لطفل. لقد مهَّدَ السبيلَ نحوها. لقد وضع بالفعل قدمَيه على درَجات السلَّم الذي يؤدي إلى النجاح المادي. ولكن كان هذا شيئًا مختلفًا، شيئًا أعظم. ثم غمره شعورٌ باليأس جَمَّد قلبَه. شعر بمدى جهله وعجزه. لم يكن قد درَس حتى أول كتاب عن الحياة. تلك الصفات التي خدَمَته من قبل، أصبحت عديمةَ القيمة هنا. المثابرة، كما أخبرته بياتريس ذات مرة، تزعج المرأة فحسب. وقفَ ساكنًا خارج مدخل ميلان كورت، ثم انقلبَ على عَقِبَيه. لقد جلبَت له فكرةُ بياتريس شيئًا ما مهدئًا معها. شعر أنه يجب أن يراها، يراها في الحال. مشى على طول شارع ستراند ودخل المطعم حيث تناول مع بياتريس عشاءً لا يُنسى. من الردهة، كان بإمكانه رؤية ظهر جرير وهو يقف يتحدَّث إلى نادل بجانب طاولةٍ مستديرة في منتصف الغرفة. انسحبَ تافرنيك ببطءٍ وشقَّ طريقه إلى الطابق العلوي. كان هناك طاولة أو طاولتان صغيرتان في الشرفة، مَخفيَّتان عن الجزء السفلي من الغرفة. جلسَ إلى إحداهما، وسلَّم معطفه وقبعته تلقائيًّا إلى النادل الذي جاء مسرعًا. أوضحَ الرجل بإيماءة استنكار: «لكن يا سيدي، هذه الطاولات كلها محجوزة.» وضعَ تافرنيك، الذي كان يحتفظ بدفتر حساب يسجِّل فيه حتى مصاريف سيارته، خمسة شلنات في يد الرجل. وقال بحزم وهو يجلس: «سآخذ هذه الطاولة.» نظرَ إليه الرجل واستدار للتحدُّث إلى رئيس النُّدُل. تحدَّثا معًا في همسات. لم يُعِرْهما تافرنيك أيَّ انتباه. وبدا عليه الإصرار. كان يُحدِّق بثبات إلى تلك الطاولة في الأسفل، بينما هو نفسه غيرُ مرئيٍّ بالنسبة إليها. هزَّ رئيس النُّدُل كتفَيه وغادر؛ يجب تهدئةُ زبائنه الآخرين. كان أسلوبُ تافرنيك حاسمًا لا يقبل الجدل. أكلَ تافرنيك وشربَ ما أتوا به، أكل وشرب وعانى. كان كلُّ شيء كما كان في تلك الليلة؛ فرقعة أغطية الزجاجات الفلينية، والموسيقى الهادئة، وضحك النساء، والإحساس اللطيف والمرفَّه بالدفء والبهجة يغمر المكان كلَّه. كان كلُّ شيءٍ على حاله، لكنه جلسَ هذه المرةَ في الخارج ونظرَ إليه. كانت بياتريس جالسةً بجوار جرير، وعلى جانبها الآخر كان شابٌّ من النوع الذي يكرهه تافرنيك، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنه كان يبثُّ فيه إحساسًا دائمًا بالدونية وإن كان هذا الإحساس يُراوده من آنٍ لآخَر. كان الشاب وسيمًا وطويلًا ونحيفًا. تلائمه ملابسه المسائية تمامًا، وكانت الأزرار ودبابيس الأكمام من أحدث طراز، وكانت ربطة عنقه البيضاء كأنها مرسومة بأصابع فنان. ومع ذلك لم يكن يصلح كنموذج للخيَّاط. قرَّر تافرنيك أن هذا الرجل، بلا شك، من النبلاء، وراحَ يراقب بحقدٍ حركةَ رأسه الراقية، ويستمع أحيانًا إلى صوته الرقيق ولكن الضعيف إلى حَدٍّ ما. كانت بياتريس تضحك له كثيرًا. لقد أعجبت به بالطبع. كيف يمكنها ألا تفعل! جلسَ جرير على الجهة الأخرى منها. هو أيضًا كان يتحدَّث معها كلما سنَحَت له الفرصة. كان تافرنيك يُعاني حُمَّى جديدة، حُمى جديدة تشتعلُ في دمه. كان يَغار؛ كان يكره كلَّ الجالسين بالأسفل. وفي خياله رأى إليزابيث مع أصدقائها، على الأرجح تتناولُ العشاء في مطعم آخر أكثر تألقًا، على بُعد أمتار قليلةٍ فقط. كان يتخيَّلها مركز اهتمام الجميع. كانت دون شكٍّ تنظر إلى الشخص الجالس إلى جوارها النظرةَ نفسها التي كانت تنظر بها إليه. عضَّ تافرنيك شفتَه مقطبًا جبينه. إذا كان بمقدرته، في تلك اللحظات الحالكة، أن يُلقي صاعقةً من مكانه، لكان سيُدمر كلَّ طاولات المطعم، ولكان سيشاهد بفرحٍ الوجوهَ الشاحبة المرتعبة للمحتفلين وهم يفرُّون بعيدًا في ظلام الليل. لقد كان عذابًا جديدًا مُرًّا لا يُوصَف. في الواقع، كان فضوله هذا، الذي تحدَّث عنه مع بياتريس أثناء سيرهما معًا في شارع أكسفورد في ليلتهما الأولى، سيُرضيه الانتقام! كان يتعلَّم تلك الأشياء الأخرى في الحياة. كان قد ارتشفَ الحُلو؛ والآن عليه أن يتجرَّع المُر! شتَّتَت المشاجرة التي نشبت بجانبه انتباهَه. مرةً أخرى كان هناك رئيس النُّدُل وزَبونٌ مُحتَج. نظرَ تافرنيك إلى الأعلى وتعرَّف على البروفيسور فرانكلين. بقبعته العريضة الحواف في يده، كان البروفيسور يتحدَّث بعباراتٍ طَلقَة ولهجةٍ أمريكية قوية تُثير إحساسًا بأنه شخصٌ سيئ الطبع لا محالة. قال: «من الأفضل أن ترسل إلى مديرك على الفور، أيها الشاب. ليلة الثلاثاء أحضرني إلى هنا بنفسه وحجزتُ هذه الطاولة طوال الأسبوع. لا، أقول لك إنني لن آخذ غيرها! أعتقد أن طلبي كافٍ. أرسِلْ إلى لويجي الآن. ألا تعرف مَنْ أكون؟ اسمي البروفيسور فرانكلين، من نيويورك، وإذا قلت إنني أريد الحصول على شيءٍ، فأنا أتوقَّع الحصول عليه.» لأول مرة تعرَّف على تافرنيك، وتوقَّف لحظةً في حديثه. سأل تافرنيك بهدوء: «هل أخذتُ طاولتك يا بروفيسور؟» ردَّ البروفيسور: «نعم يا سيدي. لم أتعرَّف عليك عندما دخلتُ وإلا كنت سأتحدَّثُ معك على نحوٍ شخصي. لديَّ أسبابٌ خاصة لِشَغل طاولة أمامية هنا كلَّ ليلة هذا الأسبوع.» بدأت الأفكار تتزاحم في عقل تافرنيك. كان مترددًا. واقترح: «لماذا لا تجلس معي؟» استسلم البروفيسور دون أن ينبس ببنتِ شفة. أخذَ رئيس النُّدُل قبعته ومعطفه وتلقَّى طلبه، وهو يتنهَّد تنهيدة ارتياح. مالَ تافرنيك عبر الطاولة. وقال: «بروفيسور، لماذا تصرُّ على الجلوس هنا؟» حرَّك البروفيسور رأسَه ببطءٍ إلى أسفل. «صديقي الشاب، أأُفشي لك سرًّا؟» قال تافرنيك: «بكل تأكيد.» تابعَ البروفيسور: «أحضرُ إلى هنا سرًّا، لأنها فرصتي الوحيدة لرؤية قريبةٍ عزيزة جدًّا عليَّ. أنا مضطرٌّ إلى الابتعاد عنها في الوقت الحالي، لكن من هنا يمكنني رؤية أنها بخير.» قال تافرنيك بهدوء: «تقصد ابنتك بياتريس.» اعترَت البروفيسور رعشة. وتمتم: «أنت تعرف!» ردَّ تافرنيك: «نعم، أعرف. لقد تمكنتُ من أن أقدِّم لابنتك بياتريس مساعدةً طفيفة.» أمسكَ البروفيسور بيده. وقال: «نعم، نعم، إليزابيث غاضبةٌ جدًّا منك لأنك لم تكن لتُخبرها أين تجد الفتاة الصغيرة. أنت على حق يا سيد تافرنيك. يجب ألَّا تخبرها أبدًا.» قال تافرنيك مصرِّحًا: «لا أنوي أن أفعل.» تابعَ البروفيسور بحماس: «حسنًا، هذه أمسيةٌ رائعة بالنسبة إليَّ! أنا نفسي اكتشفتُ بالمصادفة. كنت على المشرب ورأيتُها تدخل مع آخرين.» سأله تافرنيك: «لماذا لا تذهب وتتحدَّث معها؟» ارتعدَ البروفيسور. وأوضحَ: «كان هناك خلاف. وتشاجرَت بياتريس وإليزابيث. وبياتريس كانت على حق.» سأل تافرنيك بصراحة: «إذن لماذا لا تذهب إليها بدلًا من البقاء مع إليزابيث؟» انهارَ البروفيسور وقتيًّا. وشرب كثيرًا من الويسكي والصودا، وأجابه بحزن. قال: «صديقي الشاب، عندما تركَتنا بياتريس، كانت مُفلسة. لاحِظ أن إليزابيث هي صاحبةُ العقل. وإليزابيث هي التي تمتلك المال. ولديها إرادة قوية أيضًا. إنها تُبقِيني بجوارها سواءٌ أردتُ ذلك أم لا، إنها تُجبرني على فعل أشياء كثيرة … أشياء كثيرة حقًّا … أكرهُها. لكن إليزابيث تعرف طريقها. إذا كنتُ قد ذهبتُ مع بياتريس، وإذا كنتُ سأذهب إليها الآن، فسوف أكون عبئًا عليها.» علَّقَ تافرنيك: «ليس لديك مال، إذن؟» هزَّ البروفيسور رأسه حزينًا. وأجابَ: «المضاربة يا صديقي الشاب، المضاربة بهدف تكوين ثروةٍ لأولادي. كان عندي المال وخسرتُه.» سأل تافرنيك: «ألا يمكنك كسبُ أي شيء؟ بياتريس لا تبدو مسرفة.» نظر البروفيسور إلى هذا الشاب الصريح بكرامةٍ مجروحة. وقال: «سامحني. أعتقد أننا سنختار موضوعًا آخر للمحادثة.» صرَّح تافرنيك: «على أي حال، لا بد أنك تعشق ابنتك وإلا فلن تأتيَ إلى هنا ليلةً بعد ليلة لمجرد النظر إليها.» سحب البروفيسور منديلًا من جيبه ومسحَ عينَيه. وقال بصدق: «كانت بياتريس دائمًا المُفضَّلة لديَّ، لكن إليزابيث …» وأضافَ وهو يميل عبر الطاولة: «حسنًا، لا يمكنك الابتعاد عن إليزابيث. لأصدُقك القول يا سيد تافرنيك، إليزابيث تُخِيفُني أحيانًا، إنها جريئة جدًّا. أخشى مكائدَها التي لا أعرف إلى أين ستوصلنا. . سأكون أكثر سعادةً مع بياتريس لو كانت لديها المواردُ الكافية للوفاء بمتطلباتي البسيطة.» التفَت إلى النادل وطلب زجاجة من الشمبانيا. قال آمِرًا الرجل: «زجاجة فوف كليكو ٩٩.» ثم علَّق بحسرة: «في عمري، على المرء أن يكون حذرًا بشأن هذه الأمور الصغيرة. فالعلامة التجارية الخاطئة للشمبانيا تعني ليلةً بلا نوم.» نظر إليه تافرنيك بحيرة. كان البروفيسور لغزًا بالنسبة إليه. لم يكن يدخل ضمنَ أي فئةٍ في دائرة خبرته. مع وصول الشمبانيا أصبح البروفيسور أكثرَ طلاقة. ومالَ إلى الأمام، يختلس النظر للأسفل إلى المائدة المستديرة. قال: «لو كان بإمكاني أن أخبرك عن والدةِ تلك الفتاة يا سيد تافرنيك، لو كان بإمكاني أن أخبرك عن تاريخها وتاريخنا، لكان سيبدو لك غريبًا جدًّا لدرجة أنك ربما تعتبرني حالمًا. لا، علينا أن نحمل أسرارنا بداخلنا.» سألَ تافرنيك: «بالمناسبة، ما تخصُّصك يا بروفيسور؟» كان الرد الفوري: «العلوم الباطنية يا سيدي. كان علم فِراسة الدماغ هو عشقي الأول. منذ ذلك الحين وأنا أدرس في الشرق؛ لقد أمضيتُ سنواتٍ عديدة في دير في الصين. وقد أرضيتُ بكل طريقةٍ شغَفي الفطريَّ بالتنجيم. أنا أمثِّل اليوم هؤلاء الأشخاص ذوي الفكر المتقدِّم الذين انتقلوا، حتى بأرواحهم، لأي مسافة، حتى ولو كانت صغيرةً، عبر الخط الذي يفصل بين المرئيِّ وغير المرئي، وبين المعروف واللانهائي.» ارتشف رشفةً طويلةً من الشمبانيا. وحدَّق فيه تافرنيك بدهشةٍ خالصة. وقال: «لا أعرف الكثيرَ عن العلم. في الآونة الأخيرة فقط بدأتُ أدرك كم أنا جاهل حقًّا. لقد ساعدَت ابنتُك في تعليمي.» تنهَّد البروفيسور تنهيدةً عميقة. وقال: «إنها شابةٌ ذات إنجازات، يا سيدي، وذات شخصية أيضًا. انظر إلى الطريقة التي تحرِّك بها رأسها. كانت تلك طريقة والدتها.» سألَ تافرنيك: «ألا تنوي التحدث معها على الإطلاق، إذن؟» أجابَ البروفيسور: «لا أجرؤ. أنا بطبيعتي صريح، وإذا سألتْني إليزابيث إذا كنتُ قد تحدَّثتُ مع أختها، فسوف أفضح نفسي على الفور. لا، يكفيني أن أنظر إليها فحسب.» دقَّ تافرنيك بأصابعه على مفرش المائدة. ملأه شيءٌ ما في بهجةِ تلك المجموعة الصغيرة في الطابق السفلي بشعور مرير للغاية. قال: «يجب أن تذهب إليها يا بروفيسور. انظر إليهم الآن. هل هذه أفضل حياةٍ لفتاة؟ هؤلاء الرجال غرباءُ عنها تقريبًا، والفتيات غيرُ مناسبات لها لتتواصل معهن. ليس لديها أصدقاء ولا أقارب. يمكن لابنتك إليزابيث الاستغناءُ عنك ببساطة. إنها قوية بما يكفي لتعتنيَ بنفسها.» اعترضَ البروفيسور قائلًا: «لكن سيدي العزيز، بياتريس لن تستطيع إعالتي.» دفعَ تافرنيك فاتورته دون كلمةٍ أخرى. خُفِّضَت الأضواء في الطابق السفلي، وكانت المجموعة على المائدة المستديرة قد نهضَت بالفعل. قال: «عِمتَ مساءً يا بروفيسور! سأرى بياتريس للمرة الأخيرة من أعلى الدرَج.» تبعه البروفيسور … ووقفَا هناك وراقباها وهي تغادر مع آني ليجارد. ركبت الفتاتان سيارةَ أجرة معًا، وتنفَّس تافرنيك الصُّعَداء في راحة، وهو شعورٌ لم يكن قادرًا على تفسيره على الإطلاق، عندما رأى أن جرير لم يبذل أيَّ جهدٍ لتتبُّعِهما. وبمجرد أن انطلقت سيارة الأجرة، نزلا ومرَّا إلى الشارع. ثم غيَّر البروفيسور فجأة نبرته. وقال: «سيد تافرنيك، أعرفُ رأيك في: أنا رجلٌ عجوز ضعيف يشرب كثيرًا ولم يُولَد نزيهًا تمامًا. ولا أستطيع الإقلاعَ عن أي شيء. سأكون أسعد، أسعدَ حقًّا، بكِسْرة الخبز مع بياتريس، لكنني لا أجرؤ، ببساطةٍ لا أجرؤ على هذه التجرِبة. أنا أُفضِّلُ حياة الرفاهية مع إليزابيث، وأنت تحتقرني من أجل ذلك. وأنا لا ألومك، يا سيد تافرنيك، ولكن أنصِت إليَّ.» قاطعه تافرنيك قائلًا: «حسنًا؟» قبضَ البروفيسور بأصابعه على ذراعه. «لقد عرَفتَ بياتريس وقتًا أطول … أنت لا تعرف إليزابيث جيدًا، ولكن اسمح لي أن أقول لك شيئًا. إليزابيث شخصٌ رائعٌ للغاية. أنا أعرف شيئًا عن الشخصيات، أعرف شيئًا عن تلك القُوى الخفية التي يمتلكها الرجال والنساء … قُوًى غريبةٌ لا يمكن لأحد أن يفهمها، قُوًى تجرُّ الرجل تحت قدمَي امرأة، أو تجعله يرتجف عندما يمرُّ بأخرى حتى وسط حشدٍ من الناس. كما ترى، هذه الأمور هي علمٌ أنا خبيرٌ فيه، يا سيد تافرنيك، لكني لا أدَّعي فهم كل شيء. كلُّ ما أعرفه هو أن إليزابيث واحدةٌ من هؤلاء الأشخاص الذين يمكنهم فعل ما تحب مع الرجال. أنا والدها وأنا عبدها. أقول لنفسي إنني أُفضِّلُ أن أكون مع بياتريس، وأنا عاجزٌ عن الذهاب إليها كما لو كنت مقيَّدًا بالسلاسل. أنت شابٌّ جاهل، يا سيد تافرنيك، أنت لا تعرف شيئًا عن الحياة، وسأعطيك تحذيرًا. الأفضل لك أن تبتعد عن هناك.» ورفعَ يدَه وأشار عبر الشارع باتجاه ميلان كورت؛ وأمسكَ بذراع تافرنيك مرة أخرى باليد الأخرى. وتابعَ البروفيسور: «لماذا يجب أن تتكبَّد عناءَ التحدُّث معك لحظةً، أنا لا أعرف، ولكنها تفعل. لقد أسعدَها التحدُّث معك … لماذا أنا لا أستطيع الفهم … فقط إذا كنتُ مكانك، كنت سأبتعد بينما لا يزال هناك متَّسَع من الوقت. إنها ابنتي ولكن ليس لديها قلبٌ ولا شفقة. رأيتُها تبتسم لك. أنا أشفق دائمًا على الرجل الذي تبتسمُ له هكذا. عِمتَ مساءً يا سيد تافرنيك!» عبَر البروفيسور الشارع. وراقبه تافرنيك حتى غابَ عن الأنظار. ثم شعر بذراعٍ تتأبط ذراعه. وصاحَ صوتٌ مألوف: «عجبًا، هذا ما أسميه حظًّا! سيد تافرنيك، أنت الرجل عينُه الذي كنت أبحثُ عنه!» إغواء تافرنيك
الفصل الثامن عشر مغامرة منتصف الليل لم يكن تافرنيك ينزع إلى الاجتماعية ولم يبذل أيَّ جهد لإخفاء تلك الحقيقة. ومع ذلك، لم يكن من السهل التخلصُ من السيد بريتشارد. قال بطريقةٍ وُدية: «إذن، فقد صادقتَ الرجل العجوز، أليس كذلك؟» أجابَ تافرنيك ببرود: «لقد التقيتُ البروفيسور مصادفةً دون توقع. ماذا تريد مني من فضلك؟ أنا في طريقي إلى المنزل.» ضحكَ بريتشارد بهدوء. وقال مصرحًا: «حسنًا، هناك شيءٌ يتعلق بكم أيها البريطانيون لا يسَعُني إلا الإعجابُ به! أنتم شديدو الصراحة، أليس كذلك؟» أجابَ تافرنيك: «أعتقد أنك ترى أننا شديدو الحمق بحيث لا يمكننا إلا أن نكون صرحاء. هذه حافلتي قادمة. عمتَ مساءً!» بيد أن يدَ بريتشارد شدَّدَت على ذراع رفيقه. قال: «انظر هنا أيها الشاب، لا تكن أحمق. أنا صديق ذو قيمة بالنسبة إليك، فقط إذا أدركت ذلك. تعالَ واعبُر الشارع معي. النادي الخاص بي في أديلفي تيريس، في نهاية الشارع مباشرة. امشِ معي وسأخبرك شيئًا عن البروفيسور، إذا أردت.» ردَّ تافرنيك: «شكرًا لك، لا أعتقد أنني أهتم بالاستماع إلى النميمة. علاوة على ذلك، أعتقد أنني أعرف كلَّ ما يمكن معرفته عنه.» سأل بريتشارد فجأة: «هل بلَّغتَ الآنسة بياتريس رسالتي؟» أجابَ تافرنيك: «إذا كنتُ قد فعلت، فليس لديَّ ردٌّ لك.» بدأ بريتشارد: «هَلا أخبرتها بهذا …» قاطعه تافرنيك: «لا، لن أخبرها بشيء! يمكنك الاهتمامُ بشئونك. فأنا لا أهتم بشئونك ولا أريد أن أهتمَّ بها. عمت مساءً!» ضحكَ بريتشارد مرةً أخرى لكنه لم يخفِّف قبضته على ذراع الآخر. قال: «الآن، يا سيد تافرنيك، لن يفيدك أن تتشاجر معي. لن أُفاجأ إذا اكتشفتَ أنني واحدٌ من أكثر المعارف المفيدة الذين قابلتَهم في حياتك. لا داعي لدخول النادي ما لم تُرِد، ولكن امشِ معي إلى هناك. عندما نصل إلى أديلفي تيريس، حيث المنازلُ المتصلة على جانبٍ والسياجُ على الجانب الآخر، سأقول لك شيئًا.» قرَّر تافرنيك مترددًا: «حسنٌ جدًّا. لا أعرف ما يمكنك أن تخبرني به، لكنني سأصل إلى هناك، على أي حال.» عبرا شارع ستراند وانعطفا إلى شارع آدم. عندما اقتربا من الركن الأبعد، خطا بريتشارد من الرصيف إلى منتصف الشارع، ونظر حوله بتمعُّن. قال: «حسنًا، اعذرني على توخِّي الحذر قليلًا. إن هذا مكانٌ منعزلٌ في وسط لندن، وقد كنتُ مُراقَبًا خلال اليومين الماضيَين من قِبَل أشخاص أبغضُهم بشدة.» سأل تافرنيك: «مراقَب؟ لماذا؟» أجابَ المحقق وهو يهزُّ كتفَيه: «أوه، الشيء المعتاد! هذه المجموعة من المحتالين الذين أريتُكَ إياهم الليلةَ الماضية لا يُعجبهم أن أكون في الجوار. لديهم الكثير من الضغائن ضدَّ سام بريتشارد. ولستُ بمأمن هنا كما سأكون في نيويورك. معظمهم ذاهبون إلى باريس غدًا، شكرًا للسماء!» سأل تافرنيك: «وأنت؟ هل أنت ذاهبٌ أيضًا؟» هزَّ بريتشارد رأسه. «لو أنَّ هؤلاء الحمقى فقط يُصدقون أنني لستُ هنا من أجلهم على الإطلاق. لقد جئتُ في مهمةٍ خاصة هذه المرة، كما تعرف. لديَّ كلمةُ تحذير لك، يا سيد تافرنيك. أعتقد أنك لن ترغب في سماعها، لكن عليك ذلك.» توقَّف تافرنيك فجأة. وقال بغضَب: «لا أريد تحذيراتك! ولا أريدك أن تتدخل في شئوني!» ابتسم المحقق بهدوء. ثم فجأة ظهر تعبير جديد فزمَّ شفتَيه. وصاحَ: «لا تهتمَّ بهذا الآن! انظر هنا، خُذْ صافرةَ الشرطة هذه من يدي اليسرى بسرعة، وانفخ فيها بكل ما أُوتيتَ من قوة!» كان من سِمات تافرنيك أنه كان مستعدًّا للطاعة دون تردُّد ولو لحظة. ومع ذلك، لم تُواته الفرصة. والأحداث التي أعقبَت ذلك جاءت ومرَّت كخاطرة. ضُرِب على معصمه الأيسر وسقَطت الصافرة في الطريق. وظهر شخصٌ فجأة وكأنه ظهر من العدم، ولفَّ ذراعه الطويلة حول عنق بريتشارد، ثانيًا إياه للخلف؛ وكان هناك شيءٌ من الفولاذ يومض على بُعد بوصاتٍ قليلة من عنقه. ثم رأى تافرنيك شيئًا رائعًا. بدا بريتشارد فجأةً كأنه يرفع جسم مُهاجمه في الهواء بلفةٍ من معصمه. التقط تافرنيك انطباعًا سريعًا عن وجه رجل أبيض، وكانت رأسه تشير للشارع، وساقاه ترتعشان بشكل متشنج. بدا أن بريتشارد ألقى به رأسًا على عقب، بينما طار السكين إلى الشارع دون أن يؤذيَ أحدًا. استلقى الرجل متكوِّمًا وهو يئِنُّ أمام باب أحد المنازل. وقفز بريتشارد وراءه. فُتِحَ البابُ بحذر وزحفَ الرجل عبره، ثم تبعَه بريتشارد، ثم أُوصِدَ البابُ وطرقه تافرنيك دون جدوى. لعدة ثوانٍ — بدت لتافرنيك أطول من ذلك بكثير — وقفَ تافرنيك يحدِّق في الباب، ويلتقط أنفاسَه بصعوبة، وهو عاجزٌ تمامًا عن تجميع أفكاره. لقد حدَث كلُّ شيءٍ بسرعةٍ مذهلة! لم يستطع أن يُدرك ما حدث، ولا أن يُصدق أن بريتشارد الذي كان معه قبل بضع ثوانٍ فقط، وأدَّى تلك الحيلة البارعة للجوجوتسو دفاعًا عن حياته، قد تبعَ مهاجمه المجهولَ إلى ذلك المنزل المظلم الغامض، الذي لا تُصدر أيُّ نافذة من نوافذه بصيصَ ضوءٍ واحدًا. لقد عاشَ تافرنيك حياةً هادئة. لم يكن يعرف شيئًا عن المشاعر التي تُولِّد القتل والرغبة في القتل. وكان مذهولًا من مفاجأةِ كلِّ ما حدث. كيف يمكن أن يحدث شيءٌ من هذا القبيل في وسط لندن، في شارع خالٍ للحظات فقط، وفي نهايته الأخرى، كانت توجد بالفعل علاماتٌ كثيرة على الحياة! ثم جعلته فكرةُ ذلك السكين يرتجف — فولاذ لامع أزرق يقطع الهواء مثل حبل السوط. تذكَّرَ النظرةَ في وجه المهاجم … كم كانت رهيبة! كانت نموذجًا للانفعالات التي بدَت وكأنها تكشف له في تلك اللحظة عن وجودِ عالَم آخر غير معروف، لم يقرأ عنه ولم يحلم به. جاءَ صوتُ الخطوات بمثابةِ ارتياح كبير. قدم رجلٌ من زاوية الشارع، يدخن سيجارة ويُدندن بهدوءٍ مع نفسه. بدا أن وجود إنسان آخر قد أعاد تافرنيك فجأةً إلى الأرض. تحرَّك نحو الرصيف وخاطبَ الوافد الجديد. سألَ بسرعة: «هل يمكن أن تخبرني كيف أدخل ذلك المنزل؟» أخرجَ الرجل السيجارةَ من فمه وحدَّق في السائل. أجابَ: «يجب أن تدقَّ الجرس، لكن أليس من المؤكَّد أنه غيرُ مأهول؟ لماذا تريد الدخول إليه؟» قال له تافرنيك: «منذ أقلَّ من دقيقة، كنتُ أسير هنا مع رفيق لي. جاء رجلٌ من ورائنا وحاول طعنه عمدًا. بعد ذلك اندفعَ من ذلك الباب، وتبعَه رفيقي، وأُغلقَ الباب في وجهي.» كان الوافد الجديد شابًّا صغيرًا، موسيقيًّا، جاء لتوه من حفلة موسيقية وكان في طريقه إلى النادي في نهاية الشارع. ربما لو كان صحفيًّا، لكان فضوله أعظم من شكِّه. إلا أنه حدَّق في تافرنيك لحظة، بنظرة فارغة. وقال: «انظر هنا، هذه القصة التي ترويها لا تبدو مُحتملة الحدوث جدًّا، كما تعلم.» أجابَ تافرنيك بحرارة: «لا يهمُّني ما إذا كانت مُحتملة الحدوث أم لا. إنها الحقيقة! السكين في مكانٍ ما على الطريق هناك … لقد سقطَ أمام السياج.» عبَرا الطريق معًا وفتَّشَا. لم يكن هناك أيُّ أثر للسلاح. نظرَ تافرنيك فوق السياج. وقال تافرنيك موضِّحًا: «عندما ضربَ رفيقي الرجلَ الآخر ولفَّه، بدا أن السكين طار في الهواء؛ ربما يكون حتى قد وصل إلى الحدائق.» استدار رفيقه مبتعدًا ببطء. وقال: «حسنًا، لا فائدة من البحث عنه هناك. يمكننا أن نحاول فتحَ الباب، إذا أردت.» مالَا بثقلهما على الباب، وطرقَا على الألواح، وانتظرا. كان البابُ مُوصَدًا بإحكام ولم يَرِد أيُّ رد. هزَّ الموسيقي كتفَيه واستعدَّ للمغادرة، بعد أن ألقى نظرة أخرى على تافرنيك، نصف مرتابة، ونصف متسائلة. وقال: «إذا كنتَ تعتقد أن الأمر يستحقُّ العناء، فربما كان من الأفضل لك إحضارُ الشرطة. ومع ذلك، إذا كنتَ ستأخذ نصيحتي، أعتقد أنني كنت سأعود إلى المنزل وأنسى أمر كل ما حدث.» وغادر تاركًا تافرنيك عاجزًا عن الكلام. إن فكرة أن الناس قد لا يُصدقون قصته لم تخطر بباله قط. ومع ذلك بدأ هو نفسُه فجأةً يشكُّ في الأمر. عاد إلى الطريق ونظر إلى نوافذ المنزل … مظلمة، غير مغطَّاة بستائر، ولا تكشف عن أي علامة على الحياة أو السَّكن. فهل سار بالفعل مع بريتشارد، ووقفَ معه في هذا المكان قبل دقيقة أو دقيقتَين فقط؟ ثم التقطَ صافرة الشرطة من على الأرض ولم يَعُد لديه أيُّ شك. كان المشهد بأكمله أمامه مرةً أخرى، بشكل أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى. حتى في هذه اللحظة، قد يكون بريتشارد بحاجةٍ إلى مساعدة! استدار ومشى بحِدَّة إلى زاوية أديلفي تيريس، ليجد نفسَه على الفور وجهًا لوجه مع شرطي. صاحَ تافرنيك مشيرًا إلى الوراء: «يجب أن تأتيَ معي إلى هذا المنزل في الحال! لقد تعرَّض رفيقٌ لي للهجوم هنا الآن؛ حاول رجلٌ طعنَه. وكلاهما في ذلك المنزل. هربَ الرجلُ وتبعَه رفيقي. والباب مغلق ولا أحدَ يجيب.» نظرَ الشرطي إلى تافرنيك كثيرًا كما فعل الموسيقي. وسألَ: «هل يعيش أيٌّ منهما هناك يا سيدي؟» أجابَ تافرنيك: «كيف يمكنني أن أعرف؟ لقد قفز الرجل على رفيقي من الخلف. وكان في يده سكين … لقد رأيتُه. فقَلَبَه رفيقي وألقى به، فهربَ الرجل إلى ذلك المنزل. وكلاهما هناك الآن.» سألَ الشرطي: «أيُّ منزل هذا يا سيدي؟» كانا يقفان أمامه تقريبًا. كانت البوابة مفتوحةً وكان تافرنيك يطرق على الألواح براحةِ يده. ثم، بصرخةِ انتصار، انحنى والتقط شيئًا من صدعٍ في الأحجار المرصوفة. وصاحَ: «المفتاح! تعالَ بسرعة!» دفَعه في القفل وأداره؛ ففُتِحَ الباب بسلاسة. وضعَ الشرطي يدَه على كتف تافرنيك. وقال: «انظر هنا، دَعْنا نسمع قصتك مرة أخرى، بوضوح أكثر قليلًا. مَن الذي يوجد في هذا المنزل؟» بدأ تافرنيك يتحدَّث بسرعةٍ قائلًا: «منذ خمس دقائق، قابلتُ رجلًا في شارع ستراند أعرفُه معرفة سطحية … اسمُه بريتشارد وهو محقِّقٌ أمريكي. قال إن لديه ما يقوله لي وطلبَ مني أن أتمشَّى معه إلى نادٍ في أديلفي تيريس. كنا في منتصف الطريق هناك، نتحدَّث، عندما قفز عليه رجلٌ؛ لا بد أنه تسلَّل من الخلف بلا ضوضاء. كان الرجل يحمل سكينًا في يده. وألقى به رفيقي رأسًا على عَقِب … لقد كانت حيلةً من حيل الجوجوتسو؛ لقد رأيتُها تتمُّ في كلية الفنون التطبيقية. لقد سقط أمام هذا الباب الذي ربما كان إما مواربًا أو أن شخصًا ما بالداخل كان ينتظره فسمحَ له بالدخول. زحفَ من خلاله وتبعَه رفيقي. وأُغلقَ الباب في وجهي.» سألَ الشرطي: «منذ متى كان هذا؟» أجابَ تافرنيك: «لم يتجاوز أكثرَ من خمس دقائق.» سعلَ الشرطي. «إنها قصة غريبة جدًّا يا سيدي.» أعلنَ تافرنيك بقوة: «إنها حقيقية! أنا وأنت يجب أن نُفتِّش هذا البيت.» أومأ الشرطي برأسه. «لا ضررَ من ذلك، يا سيدي، على أي حال.» أضاءَ فانوسه في أنحاء الصالة … كانت غيرَ مؤثَّثة، والورق يتدلَّى من الجدران. ثم بدَآ في دخول الغرف واحدة تلوَ الأخرى. لم تكن هناك أيُّ علامة على وجود أحدٍ بها. مرَّا من طابق إلى آخرَ في صمتٍ متجهِّم. في الغرفة الأمامية من العلية كان هناك سريرٌ صغير قابل للطي والنقل، وقطعتان أو ثلاث من قطع الأثاث المتواضعة، وموقد صغير. تمتَم الشرطي: «أدوات حارس المنزل. يبدو أن شيئًا لم يُستخدَم منذ مدة.» نزلا الدرَج مرة أخرى. قال الشرطي بريبة: «قلتَ إنك رأيت الرجلين يدخلان هذا المنزل يا سيدي؟» قال تافرنيك: «نعم، رأيتُهما. لا شك في هذا.» قال الشرطي موضِّحًا: «جميع المداخل الخلفية مغلقة بإحكام. ولم يُفتَح أيٌّ من النوافذ التي يمكن لأي شخص الهروبُ من خلالها. وقد دخلنا كلَّ الغرف. ولا يوجد أحدٌ في المنزل الآن يا سيدي، أليس كذلك؟» أقرَّ تافرنيك: «لا يبدو أن هناك أحدًا.» نظرَ إليه الشرطي مرةً أخرى؛ من المؤكَّد أن تافرنيك لم يظهر وكأنه يحاول خداعه. قال الرجل بمهنية: «أخشى أنه لا يوجد شيءٌ آخر يمكننا القيامُ به يا سيدي. من الأفضل أن تُعطيني اسمك وعنوانك.» اقترحَ تافرنيك: «ألا يُمكننا فحصُ المكان مرةً أخرى؟ أقول لك إنني رأيتُهما يدخلان.» أجابَ الشرطي: «لديَّ عملٌ بالخارج لأعتنيَ به، يا سيدي. لو لم تكن تبدو محترمًا، لاعتقدتُ أنك تريد إبعادي عن الطريق قليلًا. الاسم والعنوان من فضلك.» أعطاه تافرنيك الاسم والعنوان ببساطة. وخرجَا معًا إلى الشارع. قال الرجل وهو يغلق دفتره: «سأبلغ عن هذا الأمر. ربما سوف يأمر الرقيب بتفتيش المنزل مرةً أخرى.» وأضافَ: «إذا أخذت بنصيحتي يا سيدي، فلتَعُدْ إلى بيتك.» كرَّر تافرنيك وكأنه يُحدِّث نفسه مع الرجل، وهو لا يزال واقفًا على الرصيف ومحدِّقًا في النوافذ المظلمة: «رأيتُ كِلَيهما يمرَّان عبر ذلك الباب.» ولم يردَّ الشرطيُّ لكنه رحل. سرعان ما وصل إلى زاوية أديلفي تيريس واختفى. عَبَرَ تافرنيك الطريقَ ببُطءٍ ووجَّه ظهرَه إلى السياج ونظرَ بثباتٍ إلى الواجهة المظلمة للمنازل الحجرية الرمادية. دقَّت ساعة بيج بِن مُعلِنةً تمامَ الواحدة، ومرَّ العديد من الأشخاص يمينًا ويسارًا. كان الرجال يخرجون من النادي ويفترقون طوال الليل، وخَفَتَ ضجيجُ المدينة. ومع ذلك، شعرَ تافرنيك بعدم الرغبة في التحرك. كانت النظرة التي اعتلتْ وجْهَ ذلك الرجل الأبيض ذي العينَين السوداوين تطارده، كانت هناك مأساة، وظِلُّ أشياءَ مروعة، ورعب، ورغبة مميتة في القتل! لقد عبَر الرجلان من ذلك الباب؛ أحدهما هاربًا والآخر مطارِدًا. أين هما الآن؟ ربما كان فخًّا. كان بريتشارد يتحدَّث بجدية شديدة عن أعدائه. ثم، وبينما كان واقفًا هناك، رأى لأول مرةٍ خيطًا رفيعًا من الضوء من خلال الستائر المغلقة بإحكام لغرفةٍ في الطابق الأرضي من المنزل المجاور. بدون تردد، عَبَرَ الطريق ودَقَّ الجرس. فتحَ البابَ، بعد تأخيرٍ طفيف، رجلٌ يرتدي ملابسَ عادية، ربما كان، مع ذلك، خادمًا لا يرتدي زيًّا رسميًّا. نظر إلى تافرنيك برِيبة. أوضحَ تافرنيك: «أنا آسفٌ لأنني أزعجتُك، لكنني رأيتُ شخصًا ما يدخل المنزل المجاور لك، منذ مدةٍ قصيرة. هل يمكن أن تخبرني ما إذا كنت قد سمعت أيَّ ضوضاء أو أصواتٍ خلال نصف الساعة الماضية؟» هزَّ الرجلُ رأسه. وقال: «لم نسمع شيئًا يا سيدي.» سأل تافرنيك: «مَنْ يعيش هنا؟» أجابَ الرجلُ بوقاحة: «هل أتيتَ في الساعة الواحدة صباحًا لتسألني مثل هذه الأسئلة السخيفة؟ الجميعُ هنا نائمون وأنا كنت على وشك أن آويَ إلى فراشي.» علَّقَ تافرنيك قائلًا: «يوجد ضوءٌ في الغرفة بالطابق الأرضي. وهناك شخصٌ ما يتحدَّث هناك الآن … يمكنني سماعُ أصوات.» أغلقَ الرجلُ البابَ في وجهه. لبعض الوقت، تجوَّل تافرنيك بلا كَلل، وشرعَ أخيرًا على مضضٍ في العودة إلى المنزل. كان قد وصل إلى شارع ستراند وكان يعبر ميدان ترافالجار عندما خطرَت بباله فكرةٌ مفاجئة. وقفَ ساكنًا لحظةً في منتصف الشارع. ثم استدار فجأة. وفي أقلَّ من خمس دقائق كان في شارع أديلفي تيريس مرةً أخرى. إغواء تافرنيك
الفصل التاسع عشر تورط تافرنيك شعرَ تافرنيك بمشاعر رجلٍ أفَاقَ فجأةً عندما عادَ مرةً أخرى إلى أديلفي تيريس. انتظر حتى لم يرَ أحدًا، ثم فتحَ باب المنزل الخالي بالمفتاح الذي احتفظَ به، وأوصَده بحذر. أشعلَ عودَ ثقابٍ وأنصتَ باهتمامٍ عدةَ دقائق؛ لا صوتَ من أي مكان. تحرَّك بضعَ يارداتٍ إلى أسفل السلَّم، وأنصتَ مرة أخرى؛ لا يزال الصمت يُخيِّم على المكان. أدارَ مقبض شقة الطابق الأرضي وبدأ البحث من جديد. غرفةً تِلو الأخرى كان يفحصها على ضوء أعواد الثقاب المتضائلة بسرعة. هذه المرة قصدَ ألَّا يترك وراءه أيَّ احتمالٍ لارتكاب أيِّ خطأ. حتى إنه قاسَ عُمق الجدران بحثًا عن أي مكان سريٍّ للاختباء. كان يمرُّ من غرفة إلى أخرى، على مهَل، دائمًا في حالة تأهُّبٍ وإنصات. وفي إحدى المرات، عندما فتح بابًا في الطابق الثالث، كان هناك صوتٌ منخفض كما لو كان صوتَ احتكاك تنُّورة بالأرض. أشعلَ عودَ ثقاب بسرعة، ليجدَ فأرًا كبيرًا جالسًا منتصبًا وينظر إليه بعيون سوداء. كان هذا هو العلامةَ الوحيدة على الحياة في المبنى بأكمله. عندما انتهى من البحث، نزلَ إلى الطابق الأرضي ودخلَ الغرفة المقابلة للغرفة التي سمعَ منها أصواتًا في المنزل المجاور. جثمَ هنا على الألواح المُتربة بعضَ الوقت، منصتًا. بين الحين والآخر تخيَّل أنه لا يزال بإمكانه سماعُ الأصوات على الجانب الآخر من الجدار، لكنه لم يكن متأكدًا تمامًا. أخيرًا قام ليُمدِّد جسمه، وبينما يفعل ذلك جذَب انتباهَه صوتٌ جديدٌ من الخارج. دخلتْ سيارة إلى أديلفي تيريس. مشى إلى النافذة غير المغطاة بالستائر ووقفَ هناك، واثقًا من أنه هو نفسه غيرُ مرئي. ثم قفزَ قلبه من بين ضلوعه. على الرغم من أنه كان شخصًا غيرَ عاطفي، فقد كان هذا الحدث قادرًا على أن يُثير حماسَ شخصٍ أكثرَ برودًا. توقَّفَت سيارةٌ كان يتذكَّرها جيدًا، على الرغم من أن رجلًا يرتدي بذلةً داكنة يقودها الآن، توقَّفَت عند المنزل التالي. ونزلت امرأةٌ ورجلان. لم ينظر تافرنيك مطلقًا إلى الرجلين؛ كانت عيناه معلَّقتَين على رفيقتهما. كانت ملفوفةً في عباءة طويلة، لكنها رفعَت تنورتها وهي تعبر الرصيف، ورأى وميض أبازيمها الفضية. كانت عربتُها وهيئتُها لا التباسَ فيهما. كانت إليزابيث هي مَنْ تقوم بهذه الزيارة الصباحية المبكرة للمنزل المجاور! بالفعل اختفت الزمرة الصغيرة. حتى إنهم لم يقرَعوا الجرس. لا بد أن الباب قد فُتِحَ بصمتٍ عند قدومهم. وانطلقت السيارة في هدوء. مرة أخرى، أصبح الشارع مهجورًا. تأكَّدَ تافرنيك من أنه يعرف الآن الحل … كان هناك طريقٌ من هذا المنزل إلى المنزل التالي. أشعلَ عُود ثقاب آخر، ووقفَ على بُعد عدة ياردات، ونظرَ بعين فاحصة إلى الجدار الفاصل. في الأيام الماضية كان من الواضح أن هذا كان مسكنًا ذا أهمية، مُزيَّنًا بشكلٍ مُتقَن، حيث لا تزال الأعمال الجصِّية على السقف تدلُّ على ذلك. كان الجدار مقسَّمًا إلى ثلاث لوحات، مكسوَّة لأعلى بالألواح الخشبية. فحصَها بوصةً تلو الأخرى من البداية إلى النهاية، وبدأ من الخلف وجاء نحو الأمام. توقَّف عند نحوِ ثلاثةِ أرباع المسافة. كان الأمر بسيطًا جدًّا، رغم كل شيء. توقَّف فجأة الجدار الصُّلب مسافةَ قدَمَين، وأكمل التصميم برُقعة من القماش المشدود، الذي انثنى بسهولةٍ تحت إصبعه. أسندَ أذنه عليه؛ يمكنه الآن سماع الأصوات بوضوح … حتى إنه سمع ضحكات المرأة. إلى ارتفاع نحوِ أربعِ أقدام، أُزيلَ الجدار الصلب. أحدثَ ثقبًا صغيرًا في القماش … كان لا يزال هناك ظلام. وسَّع الثقب حتى يتمكَّن من دفع يده من خلاله … لم يكن هناك سوى قماشٍ على الجانب الآخر. أدركَ الآن أين هو. لم يكن هناك سوى سَماكة هذا القماش بينه وبين الغرفة. لم يكن عليه سوى إحداث ثقب صغير فيه وسيكون قادرًا على الرؤية من خلاله. حتى الآن، بعد إزالة الحاجز من جانبه، كانت أصواتُهم أكثرَ وضوحًا. من الواضح أن جزءًا كاملًا من الجدار قد أُزيلَ واستُبدِلَ به إطارٌ من الخشب قابلٌ للفصل، مُغطًّى بقماش مشدود. وقفَ لحظةً وتحسَّس بإصبعه؛ يمكنه تقريبًا تتبعُ المكان الذي رُكِّب الخشبُ فيه على المفصلات. ثم جثا على يدَيه وركبتَيه مرة أخرى، وتوقَّف ليُنصت وفي يده مُدْيتُه الخاصة. استطاعَ أن يسمع صوتَ كريس يتحدَّث … صوتُه الأخنف الممطوط. ثم سمعَ صوت بريتشارد، تبعَه ما بدا أنه تأوُّه. وسادَ الصمت، ثم بدا أن إليزابيث تطرح سؤالًا. سمعَ ضحكتها الخافتة وأثار شيءٌ فيها الرعشةَ في جسده بأكمله. كان بريتشارد يتحدَّث بقوة الآن. ثم، في منتصف جملته، سادَ الصمت مرة أخرى، تلاه تأوهٌ آخر. كاد يشعر أن الناس في تلك الغرفة يحبسون أنفاسهم. سرعان ما نسي تافرنيك أمر الحذر. كان سنُّ مُدْيته يخترق القماش. وصنع ببطءٍ تجويفًا دائريًّا في حجم نصف شلن. أدخل رأسَه وكتفَيه بمعاناةٍ شديدةٍ ونظر لأول مرةٍ عبر التجويف الصغير إلى داخل الغرفة. كان بريتشارد جالسًا في منتصف الغرفة تقريبًا؛ بدا أن ذراعَيْه مربوطتانِ بالكرسي ورجلَيه مقيَّدتان إحداهما بالأخرى. على بُعد أمتارٍ قليلة، كانت إليزابيث، قد وضَعَت معطفها الفرو جانبًا، وجلسَت مسترخيةً على مقعدٍ مريح، وكان فستانها يتلألأ بالترتر، وعيناها تشعان ببريقٍ غريب، وقد انفرجَت شَفتاها عن ابتسامةٍ قاسية. وكان بجانبها … جالسًا، في الواقع، على ذراع مقعدها … كريس، وكان وجهُه الطويل الشاحب ربما أكثر شحوبًا من المعتاد؛ وشفتاه تنفرجان عن ابتسامةٍ ساخرةٍ مستمتعة. وكان الميجور بوست موجودًا، مرتديًا ملابسَه بعنايةٍ كما لو كان يحضر أحدَ التجمُّعات الاجتماعية، ويقف على سجادة المدفأة وقد وضعَ ذيل معطفه تحت ذراعيه. وقد وقفَ البروفيسور، الذي ارتسم على وجهِه أبشعُ أنواع الرعب، يتحدَّث. أصبح بإمكان تافرنيك الآن سَماعُ كل كلمة بوضوح. «عزيزتي إليزابيث! عزيزي كريس! كلاكما متسرعٌ جدًّا! أقول لكما إنني معترض … أنا معترض بشدة. أنا متأكِّد من أن السيد بريتشارد، بقليلٍ من الإقناع، سوف يستمع إلى صوت العقل. لن أكون طرَفًا في أي تصرف من هذا القبيل. هل تفهم يا كريس؟ لقد تجاوزنا الحدود بما فيه الكفاية. أنا لن أقبل هذا.» ضحكت إليزابيث بنعومة. وقالت: «والدي العزيز، عليك حقًّا أن تأخذ شيئًا ما لأعصابك. لا حاجة إلى أن يحدث أيُّ شيء للسيد بريتشارد على الإطلاق ما لم يَضطرَّنا إلى ذلك. لديه فرصته … ولا ينبغي لأحدٍ أن يتوقَّع أكثر من هذا.» قال كريس مصرِّحًا ببطءٍ شديد وهو يمطُّ الكلمات كالمعتاد: «أنتِ على حق، يا عزيزتي إليزابيث. مسألة صحته في المستقبل — على أي حال، في المستقبل القريب — تقعُ بالكامل في يد بريتشارد. لا يوجد مَنْ تلقى الكثيرَ من التحذيرات مثله. تم تحذير براملي مرتَين؛ وتم تحذير ماليسون ثلاثَ مرات ثم حُرِقَ حتى الموت؛ ولم يُحذَّر فورسيث إلا مرة واحدة فقط، ثم أطلقَ عليه الرَّصاص في شِجار مخمور. أما هذا الرجل بريتشارد فتمَّ تحذيره عشرات المرات، وقد نجا من الموت مرتَين. لقد حان الوقت لنُظهر له أننا جادُّون. التهديدات بلا جدوى؛ لقد حانَ وقت العمل. أقول إنه إذا رفضَ بريتشارد طلبنا التافه هذا، فلنحرص على أن يُغادر هذا المنزل في حالةٍ لن يتمكَّن بعدها من إلحاق أي ضرر بنا، على الأقل لبعض الوقت.» صاحَ البروفيسور بحماس: «لكنه سوف يَعِد! أنا واثقٌ تمامَ الثقة من أنك إذا سمحت لي بالتحدث معه بعقلانية، فسوف يَعِدنا بالعودة إلى أمريكا ولن يتدخل في أموركم بعد الآن.» أدار بريتشارد رأسه قليلًا. كان شاحبًا بعضَ الشيء والدماء تتساقط ببطءٍ على الأرض من جُرح في صُدغِه، لكن نبرة صوته كان مِلؤُها الازدراء. «سأعدُك يا بروفيسور، وأنتِ يا إليزابيث جاردنر، وأنت يا جيم بوست، وأنت يا والتر كريس، أنني إن كنتُ مشلولًا أو سليمًا، سقيمًا أو مُعافًى، بين فَكَّي الموت، سوف أتمسَّك بالحياة حتى تُسدِّدوا ديونكم التسديدَ العادل. أتفهمون ذلك، كلكم؟ لا أعرف ما نوعُ هذا العرض. قد تكونون جادِّين، أو ربما تحاولون المزاح. على أي حال، اسمحوا لي أن أؤكِّد لكم هذا. لن تجعلوني أستجدي الرحمة. إذا أجبرتموني على شُرب هذا الشيء الذي تتحدَّثون عنه، فسأجد الترياق، وبقدرِ ما أنا متأكِّد أن هناك سجنًا في أمريكا، فأنا متأكِّد من أنني سأجعلكم تُعانون جزاءً لهذا!» ثم تابعَ ببطءٍ: «إذا أخذتُم بنصيحتي، وأنا أعلم ما أتحدَّث عنه، فستقطعون هذه الحبالَ وتفتحون الباب الأمامي. عندئذٍ ستعيشون مدةً أطول، جميعكم.» علَّقَت إليزابيث بسرورٍ قائلة: «الأبلهُ لا يمكنه أن يوقِعَ سوى القليل من الضرر في العالم. ولا يُعوَّل على كلام ضعيفِ العقل. من ناحيتي، لقد سئمتُ جدًّا من صديقنا السيد بريتشارد. فإذا كنتم على استعدادٍ للذَّهاب إلى أبعدَ من ذلك، وإذا قلتم «نشنقه من السقف»، فسأكون سعيدةً بذلك تمامًا.» أصدرَ بريتشارد حركةً طفيفة في كرسيه … لم تكن تنمُّ على الخوف بالتأكيد. قال: «سيدتي، أنا معجَب بصراحتكِ. اسمحوا لي أن أرد. لا أعتقد أن أحدكم هنا لديه الشجاعة لمحاولة إلحاق أيِّ إصابةٍ خطيرة بي. إن كان بينكم مَنْ يمكنه ذلك، فلْيَمضِ قُدمًا. أتسمعني يا سيد والتر كريس؟ أخرِجوا هذه الزجاجة.» أخرجَ كريس السيجار من شفتَيه ونهضَ ببطءٍ على قدمَيه. وسحبَ من جيب صدريته قارورةً صغيرة، سحبَ منها الغطاء الفِلين. وقال بهدوءٍ: «يبدو لي أننا نستطيع القيامَ بهذه الحيلة. أمسِكْ بجبهته يا جيمي.» ألقى الرجل المعروف باسم الميجور بوست سيجارته بعيدًا، ودارَ خلف كرسيِّ بريتشارد، وثَنى رأسَ الرجل للخلف فجأة. تقدَّم كريس، والقارورة في يده. ثم بدا كأن الجحيم قد استعرَ فجأةً داخل تافرنيك. عادَ إلى مكانه وقاسَ بعد ذلك اللوح الخشبي. ثم أطبقَ أسنانه وهو ينطلق نحوه بقوَّة، ملقيًا الوزن الثقيل لكتفه الضخم على الإطار الخشبي. واقتحم الغرفة، وهو جريح، وجُرحه ينزف، لكنه ما زال واقفًا على قدمَيه، بينما تعالى صوتُ ضجيج الطوب الذي وقع خلفه … كان المشهد غيرَ متوقَّع البتة، لدرجة أن الزُّمرة الصغيرة التي تجمَّعَت هناك بدَت كأنها تحوَّلتْ إلى مجموعةٍ من تماثيل الشمع في بيت رعب … كانوا مشلولين، لا يملكون حتى القدرةَ على الحركة. كان تافرنيك في تلك اللحظات القليلة بمثابةِ عملاقٍ بين مجموعة من الأقزام. كان قويًّا ذا عضلات مفتولة كحبال السوط وكان في حالةٍ رائعة. سقط والتر كريس كجِذع شجرة بضربةٍ من قبضته؛ أما الميجور بوست فتحسَّس مسدسه، إلا أن تافرنيك انتزعه منه بضربةٍ من يده، وهو نفسه لم يتذكر شيئًا أكثر من ذلك حتى عاد إلى رُشده في وقتٍ ما لاحقًا. قطع تافرنيك الحبال بعنف، فحرَّر بريتشارد من قيوده. ووقفَ البروفيسور وهو يفرك يدَيه. ونهضت إليزابيث على قدمَيها. كانت شاحبة، لكنها كانت الأكثرَ تمالكًا لنفسها من أي شخص آخر في الغرفة. كان تافرنيك وبريتشارد هما سادةَ الموقف بلا منازع. مالَ بريتشارد نحو المِرآة وعدَّل ربطة عنقه. وقال وهو ينظر نحو والتر كريس الذي تكوَّم على الأرض متأوهًا: «أخشى أن مُضيفينا ليسوا في حالةٍ جيدة تسمح لهم بأن يأذَنوا لنا بالانصراف. لا عليكِ يا سيدة جاردنر، نستميحك عذرًا. لا يمكنني التظاهر بالأسف لأن دخول صديقي المتهور نوعًا ما قد أزعج خُططكِ للمساء، لكني آمُل أن تُدركي الآن سخافةَ مثل هذه الأساليب في هذه الأيام. عِمتِ مساءً! حان الوقت أن نُنهي جولتنا معًا يا تافرنيك.» تحرَّكا نحو الباب … لم يكن هناك مَنْ يمنعُهما. إلا أن البروفيسور حاول أن يقول بضع كلمات. صاحَ قائلًا: «عزيزي السيد بريتشارد … بريتشارد العزيز، إذا سمحتَ لي أن أدعوَك بهذا اللقب، دعني أتوسَّل إليك، قبل أن تُغادرنا، ألا تأخذ هذه المغامرةَ التافهة على محمل الجِد! يمكنني أن أؤكد لك أنها كانت مجرد محاولة لإرغامك، وليست على الإطلاق مسألةً تؤخذ على محمل الجد!» ابتسم بريتشارد. وقال: «أيها البروفيسور، وأنت يا والتر كريس، وأنت يا جيمي بوست، إذا كان أي أحدٍ منكم قادرًا على الاستماع، فليَستمِع إليَّ. لقد لعبتم دورًا طفوليًّا الليلة. وكما هو مؤكَّد أنه يوجد رجالٌ ونساء يعيشون كما تعيشون أنتم، فإن من المؤكَّد أيضًا أن القانون سيتعقَّبُهم لا محالة. لا يمكنكم خداعُ العدالة. إنها لا ترحم مثل الزمن نفسِه. عندما تأتون بهذه الحيل الصغيرة، فأنتم ببساطةٍ تبدَءون دورةً جديدة من الصراع بينكم وبين العدالة، وتُعرِّضون حياتكم لمخاطرَ جديدة. من الأفضل أن تتعلَّموا أن تنظروا إليَّ باعتباري قدَرَكم المحتوم، قدَرَكم جميعًا، فلا مفرَّ مني بالتأكيد.» تراجعا إلى الوراء عبر الباب، ثم نزلا إلى الصالة التي يُخيِّم عليها الصمتُ ومنها إلى الشارع. وكانت الساعة في تلك اللحظة تدقُّ الثانية إلا الرُّبع. أعلنَ بريتشارد وهو يُشعل سيجارة بأصابعَ ثابتة: «صديقي تافرنيك، أنت رجل. تعالَ إلى النادي معي ريثما أغسل جبهتي. رغم كل شيء، سنتناول هذا المشروب معًا قبل أن نقول ليلة سعيدة.» إغواء تافرنيك
الفصل العشرون لقاءٌ ممتع استيقظ تافرنيك بعد بضع ساعاتٍ وهو يشعر بالحيرة كأنه فقدَ هُويَّتَه، وأخذَ حياةَ رجل آخر، وحَلَّ محلَّه. منذ يوم وصولِه الأول إلى لندن، وهو شابٌّ ريفي خام، حتى الليلة التي تحدَّث فيها إلى بياتريس على سطح فندق بلينهايم هاوس، لم يحدث له أيُّ شيء يمكن وصفُه بأنه مغامرة. ولم يشعر قط بأنه يفتقد ذلك؛ لم يكن حتى منغمسًا في قراءة الكتب الخيالية. بدا له ما حدث الليلة الماضية، وهو جالسٌ في سريره في ضوء شمس الصباح البارد، شيئًا عجيبًا لا يمكن تصوُّره. لم يكن من الممكن حقًّا أن يكون أولئك الأشخاص — الذين يحظَوْن بالتربية الجيدة وحُسن المظهر — قد فكَّروا بجِديَّة في أمرٍ بهذه الفداحة يبدو أنه ينتمي إلى العصور البائدةِ من التاريخ، أو أن يكون تافرنيك نفسُه، قد اقتحم جدارًا وهو أعزلُ من السلاح وسيطرَ على الموقف! جلسَ هناك يُفكِّر بثبات. كان الأمر لا يُصدَّق، لكنه كان حقيقةً واقعة! كان لا يزال يعتريه بعضُ الشك الخافتِ حول ما إذا كانوا سيتمادَون حقًّا إلى هذه الدرجة القُصوى. استخفَّ بريتشارد نفسُه بالأمر برُمته، وبعد ذلك تعاملَ معه على أنه مزحة كبيرة. أما تافرنيك، فظلَّ مرتابًا عندما تذكَّر هذه المجموعةَ الصغيرة كما رآها لأول مرة. بالتدريج، بدأت سِماته الشخصية تُعاود الظهور مرة أخرى. فبدأ يتساءل كيف سيؤثر تصرفُه على مصالحه التِّجارية. لقد استعدى في الغالب أختَ بياتريس الرائعة الجمال، تلك المرأة التي شغَلتْ أفكاره تمامًا خلال الأيام القليلة الماضية، والمرأة أيضًا، التي كانت ستمنحُه المالَ الذي من خلاله كان سيضع قدمَيه على الدرجة الأولى من السلَّم. لقد قرَّر أن هذا شيءٌ يجب تسويته على الفور. يجب أن يراها ويعرف بالضبط الوضعَ الذي ستَئول إليه الأمور، وما إذا كانت ستُلغي الصفقة أم لا. كان التفكير في أي نوع من أنواع المعارك والحركة محفِّزًا. نهضَ من فراشه وارتدى ثيابَه وتناولَ فطوره وانطلقَ في رحلته. بعد الساعة الحاديةَ عشرة بقليل، قدَّم نفسه في ميلان كورت وسألَ عن السيدة وينهام جاردنر. انتظر عدةَ دقائق في ترقُّب وتوتر، ثم قيل له إنها ليست في المنزل. وبخيبةِ أمل ليست بالقليلة، ألحَّ من أجل الحصول على أخبارٍ عنها. اعتقد حارسُ العقار أنها نزلتْ إلى الريف، وإذا كان الأمر كذلك، فقد كان موعد رجوعها غيرَ مؤكَّد. كان تافرنيك الآن مرتبكًا للغاية. أصرَّ قائلًا: «أريد أن أرسل لها برقية. من فضلك اعرِف مِن خادمتها العنوانَ الذي أوجِّه إليه البرقية.» نظر إليه حارسُ العقار، الذي كان شخصًا راجحَ العقل، نظرةً ودودة. وقال موضِّحًا: «نحن لا نعطي عناوين، يا سيدي، ما لم يكن ذلك بِناءً على رغبة عملائنا. إذا تركتَ برقية هنا، فسأرسلها إلى شقة السيدة جاردنر لتوصيلها إليها.» كتبَ تافرنيك برقيةً سريعة، متوسِّلًا خبرَ عودتها، وأضافَ عُنوانه وغادرَ المكان. ثم تجوَّل بلا هدفٍ في الشوارع. بدا هذا الصباح راكدًا خامدًا، بعد أحداثِ الإثارة التي سادت الليلةَ السابقة ولا تزال تستعرُ في دمه. ومع ذلك، فقد تمالكَ نفسه بصعوبة، واستدعى مسَّاحًا شابًّا كان قد تعاقدَ معه لمساعدته، وقضى بقية اليوم في الخارج على التل. ركَّز أفكاره بحزم على عمله حتى حان وقتُ الشفَق. ثم سارعَ إلى المنزل لمواجهةِ خيبة الأمل التي كان يتوقَّعُها بنسبةٍ كبيرة. لم يكن ثمة برقيةٌ له! تناولَ عشاءَه وجلسَ طاويًا ذراعَيه أمام صدره، ناظرًا إلى الشارع. لم تردْ حتى الآن برقيةٌ من أجله! عاوده القلق مرة أخرى. بعدما تجاوزَت الساعة العاشرة بمدةٍ وجيزة، أصبح الأمر لا يُطاق. وجدَ نفسه يتوق إلى رفقة، ولم تكن الوحدة في غرفته الصغيرة منذ رحيل بياتريس قطُّ شيئًا حقيقيًّا مثلما هي الآن. تحمَّلها لأطول مدةٍ ممكنة، ثم أمسكَ بقبعته وعصاه، ووجَّه وجهه نحو الشرق، ومشى بقوة، وهو ينظر إلى الساعة من آنٍ لآخر. بعد بِضع دقائق من الساعة الحادية عشرة، وجدَ نفسه مرةً أخرى في ذلك الطريق المظلم خلف المسرح. كان المصباح فوق باب المسرح يتذبذبُ بالطريقة غير المؤكَّدة نفسِها، وكانت السيارات نفسُها موجودة، وكان الحشدُ نفسُه من الشباب موجودًا، باستثناء أنهم كانوا يزدادون كلَّ ليلة. هذه المرة كان لديه بضعُ دقائق فقط للانتظار. كانت بياتريس مِن أوائلِ مَنْ خرجوا. عند رؤيتها، أدركَ فجأة أنه ليس لديه، رغم كل شيء، أيُّ عذر للمجيء، وأنها من المحتمل أن تستجوبَه بشأن إليزابيث، وأنها ستتمكَّن في الغالب من تخمين سرِّ عذابه. تراجعَ قليلًا، لكنه كان قد تأخَّر لحظة؛ لأنها رأته. ببضع كلماتِ تبريرٍ للآخرين الذين كانت تتحدث معهم، التقطتْ تنورتَها وعبَرَت الشارع الموحل بسرعة. لم يكن لدى تافرنيك وقتٌ للهروب. ظلَّ هناك حتى أتت، لكنَّ وجنتَيه كانتا متوهجتَين، وراوَده شعورٌ مربك بأن وجوده، وأن لقاءهما على هذا النحو، كان مصدرَ إحراج لكليهما. صاحت: «عزيزي ليونارد، لماذا تختبئ هناك؟» أجابَ ببساطة: «لا أعرف.» فضحكت. وقالت: «تبدو كما لو كنت لا تريد رؤيتي. إذا كنتَ لا تريد رؤيتي، فلماذا أتيت إلى هنا؟» ردَّ قائلًا: «أعتقد أنني كنتُ أرغب في رؤيتك. على أي حال، كنت وحيدًا. كنت أرغب في التحدُّث إلى شخصٍ ما. مشيتُ طوال الطريق إلى هنا من تشيلسي.» تساءلت: «هل لديك ما تقوله لي؟» فاعترفَ قائلًا: «كان هناك شيءٌ ما. ظننتُ أنه ربما يجب أن تعرفي. تناولتُ العشاء مع والدكِ الليلة الماضية. وتحدَّثنا عنكِ.» جفلتْ كأنه ضربَها؛ وفجأةً استحالَ وجهُها شاحبًا وقلقًا. وسألت: «أأنت جادٌّ يا ليونارد؟ والدي؟» فأومأ برأسه. وقال: «أنا آسفٌ. ما كان يجب أن أفاجئكِ بهذه الطريقة. نسيتُ أنكِ … أنكِ لم ترَيه منذ مدة.» «كيف قابلتَه؟» أجابَ: «مصادفةً. كنتُ أجلس وحدي في الشرفة في إيمانو، وأرادَ طاولتي لأنه كان بإمكانه رؤيتُكِ منها؛ ولذا تشارَكْناها، ثم بدأنا نتحدث. وكنتُ أعرف مَنْ هو بالطبع؛ فقد رأيتُه في غرفةِ أختكِ. وأخبرني أنه حجزَ الطاولة كلَّ ليلة في هذا الأسبوع.» نظرتْ عبر الطريق. وقالت: «لا يمكنني الخروجُ مع هؤلاء الناس الآن. انتظرني هنا.» عادت إلى أصدقائها وتحدَّثَت إليهم دقيقةً أو دقيقتَين. كان بإمكان تافرنيك سَماع صوت جرير المحتجِّ وضحكة بياتريس الرقيقة. من الواضح أنهم كانوا يحاولون عبثًا إقناعَها بتغيير رأيها. وسرعان ما عادت إليه مرة أخرى. فقال مترددًا: «أنا آسفٌ. أخشى أنني أفسدتُ لكِ أمسيتكِ.» فأجابت وهي تتأبَّط ذراعه: «لا تكن أحمقَ من فضلك. هل تعتقد أن والدي سيكون في الشرفة في إيمانو الليلة؟» أومأ تافرنيك برأسه. «قال لي ذلك.» قرَّرَت: «سوف نذهب ونجلس هناك. إنه يعرف أين يجدني الآن لذلك لا يهم. وأنا أودُّ أن أراه.» سارا معًا. على الرغم من أنها كان يبدو عليها الشرودُ والضيقُ بوضوح، فإن تافرنيك شعرَ مرةً أخرى بهذا الشعور بالرفقة الممتعة الذي كان حضورها يجلبُه دائمًا. بدأتْ حديثها قائلة: «هناك شيءٌ آخرُ يجب أن أسألك عنه. أريدُ معرفة ما إذا كنتَ قد رأيت بريتشارد مؤخرًا.» أجابَ تافرنيك: «كنت معه الليلة الماضية.» فارتجفَت. «أكان يطرح أسئلة؟» طمأنَها تافرنيك قائلًا: «ليست بخصوصكِ. إنه مهتمٌّ بأختكِ.» أومأت بياتريس، ولكنها لم تبدُ مرتاحة. كان تافرنيك يستطيع رؤية نظرةِ الخوف القديمة تعود لتكسوَ وجهها. قال بندم: «أنا آسفٌ يا بياتريس. يبدو أنني الآن أحملُ إليكِ دائمًا ذكرياتٍ عن الأشخاص الذين يُرعبكِ أن تسمعي أخبارهم.» هزَّت رأسها. وصرَّحَت: «هذا ليس خطأَك يا ليونارد، كلُّ ما في الأمر أنه من الغريب أن تختلط معهم بأيِّ شكل من الأشكال، أليس كذلك؟ أفترضُ أنك يومًا ما ستكتشف كلَّ شيءٍ عني. ربما ستأسفُ وقتها لأنك حتى سمَّيتَ نفسك بأخي.» أجابَ بغِلظة: «لا تكوني حمقاء.» ربتَت على يده. سألت: «هل صفقتُك تسير على ما يرام؟» أجابَ: «آمُلُ أن أجمعَ المال هذا الأسبوع. إذا حصلتُ عليه، فسأصير ميسور الحال في غضون سنة، وغنيًّا في غضون خمس سنوات.» قالت مستفسرة: «أهناك مجردُ شك في حصولك عليه، إذن؟» اعترفَ: «مجرد شك. لديَّ محامٍ يبذل قُصارى جهده للحصول على قرض، لكنني لم أجتمع به منذ يومين. ثم لديَّ أيضًا صديقٌ وعَدني بذلك، وهو صديقٌ لست متأكدًا تمامًا مما إذا كان بإمكاني الاعتماد عليه.» انعطفا إلى شارع ستراند. فقالت راجيةً: «أخبِرني عن والدي يا ليونارد.» تردَّد؛ إذ كان من الصعب أن يعرف بالضبط كيف يتحدَّث عن البروفيسور. ثم تابعَت حديثها: «ربما إذا كنتَ قد تحدَّثت إليه، فسيُساعدك ذلك على فهم إحدى الصعوبات التي كان عليَّ مواجهتها في الحياة.» قال تافرنيك مترددًا: «أتصوَّر أنه شخصٌ ضعيفٌ بعضَ الشيء.» ردَّت: «جدًّا. تركَته والدتي تحت مسئوليتي، لكنني لا أستطيع العناية به.» قال: «أختكِ …» أومأت برأسها. «أختي لها تأثيرٌ أكبرُ من تأثيري عليه. إنها تُيسر عليه الحياة.» وصلا إلى المطعم وشقَّا طريقهما إلى الطابق العلوي. وجلسَ تافرنيك إلى الطاولة نفسِها، ومرةً أخرى احتجَّ رئيسُ الندل. فقال تافرنيك: «إذا عادَ السيدُ النبيل مرةً أخرى الليلة، فستجد أنه سيكون سعيدًا جدًّا بتناول العشاء معنا.» ثم جاءَ البروفيسور. ودخلَ بدخلته المسرحية المعتادة، حاملًا قبعتَه العريضة الحوافِّ في يده ومُلوِّحًا بعصاه ذات الطرَف الفِضي. عندما رأى تافرنيك وبياتريس، توقَّف فجأةً. ثم مدَّ كِلتا يدَيه، فأخذتهما بياتريس على الفور. كانت الدموع تنهمرُ من عينَيه، وتنسابُ على وجنتَيه. وجلسَ بتثاقلٍ على الكرسي الذي كان تافرنيك يُمسكه له. وصاحَ قائلًا: «بياتريس، عجبًا، هذا مؤثرٌ للغاية! لقد أتيتِ إلى هنا لتناول العشاء مع والدكِ العجوز. هل تثقين بي إذن؟» أجابت وهي لا تزال ممسكةً بيديه: «بالتأكيد. إذا وشيتَ بي لإليزابيث، فستكون النهاية. في المرة القادمة، لن تعثروا عليَّ أبدًا.» أكَّد لها: «لقد عرَفتُ مكانَ وجودكِ بالضبط منذ عدة أيام. ولم أنبِسْ به إطلاقًا. أنتِ في أمان.» وأضافَ متنهدًا: «كانت وجباتي هنا أوقاتًا حزينة. أما الليلة، فسنكون مبتهجين. بعض السُّمَّان، على ما أعتقد، السُّمَّان وبعض الشمبانيا من أجلكِ يا عزيزتي. أنتِ تحتاجين إليها. أوه، هذه هي السعادة الحقيقية!» قالت، بعد أن أملى على النادل طلبًا مطوَّلًا إلى حَدٍّ ما: «أنت تعرف السيد تافرنيك يا أبي.» اعترفَ البروفيسور بتفضُّل: «التقيتُ السيد تافرنيك هنا أمسِ، وتحدثتُ إليه.» قالت بياتريس: «السيد تافرنيك كان لطيفًا جدًّا معي في وقت كنت أحتاج فيه إلى المساعدة.» فأمسكَ البروفيسور بيدَي تافرنيك. وقال: «ما دُمتَ قد أحسنتَ إلى طفلتي، فقد أحسنتَ إليَّ أنا.» ثم التفت آمِرًا النادل: «أيها النادل، ثلاثة أكواب من الكوكتيل على الفور. يجب أن أشرب نخبك يا سيد تافرنيك … يجب أن أشرب نخبك على الفور.» مالَ تافرنيك إلى الأمام نحو بياتريس. واقترحَ: «أتساءل عما إذا كنتِ تُفضلين البقاء بمفردكِ مع أبيكِ.» هزَّت رأسها. وأجابت: «أنت تعرف الكثير، ولا يبدو أن الأمر مهمٌّ حقًّا. قل لي، يا أبي، كيف تقضي وقتك؟» قال البروفيسور: «يجب أن أعترف، يا عزيزتي، ليس لديَّ الكثير لأفعله. أختك إليزابيث كريمةٌ للغاية.» تراجعَت بياتريس في كرسيِّها للخلف، كما لو كانت قد تلقَّت ضربة. وصاحت: «أبي، اسمع! أنت تعيش على هذا المال! ألا يبدو لك فظيعًا؟ أوه، كيف يمكنك أن تفعل ذلك!» نظر البروفيسور إلى ابنته وقد ارتسم على وجهه تعبيرُ المفاجأة المَشُوب بالألم. وأوضحَ: «عزيزتي، كانت أختك إليزابيث دائمًا هي مصدرَ المال في العائلة. إنها واسعةُ الحيلة وأنا أثق بها. وليس من حقي أن أستفسرَ عن مصدر وسائل الراحة التي توفِّرها لي. أشعر أنني أستحقُّ الحصول عليها؛ ولذا أقبلها.» استطردَت قائلة: «لكن يا أبي، ألا يمكنك أن ترى … ألا تعرف أنه ماله … مال وينهام؟» قال البروفيسور بحِدَّة: «إنها ليست مسألةً يُمكننا مناقشتها أمام الغرباء يا طفلتي. يومًا ما سنتحدَّث عنها، أنا وأنت.» فسألت بصوتٍ خافت: «هل سَمِعَ عنه أحدٌ؟» تجهَّم البروفيسور. وقال بتوتر: «إنه شابٌّ حادُّ المزاج يا عزيزتي، شابٌّ حاد المزاج حقًّا. أفهمتني إليزابيث أنه كان مجردَ شجار عادي ورحلَ بعده.» شحبَ لونُ بياتريس وابيضَّت شفتاها. وتمتمت: «شجارٌ عادي!» جلسَت ساكنةً تمامًا. فوجدَ تافرنيك نفسَه يُراقبها دون وعي. كانت في عينَيها أشياءُ أخافتْه. بدا الأمر كما لو أنها كانت تُطل من هذا المطعم المبهج الصغير، بأضوائه وموسيقاه وأجوائه المريحة، إلى مكانٍ بعيد من العالم، مكانٍ آخرَ مختلفٍ تمامًا. كانت تُعايش شيئًا يُجمِّد قلبها، شيئًا مرعبًا. رأى تافرنيك هذه الأشياءَ في وجهها وتحدَّثَت عيناه بلا رحمة. همستَ وهي تميل نحوه: «أبي، هل تصدِّق ما قلته لي للتو؟» جاء دور البروفيسور في الانزعاج هذه المرة. إلا أنه أخفى شعوره بالإحراج، بإظهار الانزعاج. وأجابَ بحدة: «هذا سؤالٌ غير لائق على الإطلاق يا بياتريس.» ثم أضاف بلطفٍ أكثر: «أوه، الكوكتيل! صديقي الشاب تافرنيك، سأشرب نخب تعارُفِنا! أنت إنجليزي، مثلما أرى، بريطانيٌّ حقيقي. في يومٍ من الأيام يجب أن تزورَ بلدنا العظيم … لعل ابنتي أخبرتك، بالطبع، أننا أمريكيُّون. بلدٌ عظيم يا سيدي … أعظم بلد عشت فيه … متَّسع للتنفُّس، ومتسعٌ للنمو، ومتسع لشابٍّ صغير مثلِك كي يزرعَ طموحاته ويُشاهدها تزدهر أمام عينيه. نخب تعارفنا يا سيد تافرنيك، ولعلنا نلتقي يومًا ما في الولايات المتحدة!» شربَ تافرنيك أول كوكتيل في حياته ومسحَ الدموع من عينَيه. وجدَ البروفيسور الأمانَ في المحادثة. تابع: «كما تعلم، أنا رجلُ علم. علم الفِراسة يُسعدني. والرجال والنساء الذين ألتقي بهم يُمثِّلون لي أنواعًا مختلفةً من الإنسانية، كلها مثيرةٌ للاهتمام، وكلها جذابةٌ لحُبِّي الخاص لعلم النفس. أنت، يا عزيزي السيد تافرنيك، إذا جاز لي أن أكون شخصيًّا للغاية، تُمثل لي، وأنت جالسٌ هناك، النموذج الأوَّلي الدقيق للرجل الإنجليزي الشابِّ العامل. أنت، وَفقًا لحُكمي، مجتهد، دوجماتي، مدقِّق، مثابر، كادح، مُصرٌّ على أن تكون ناجحًا وفقًا لنِطاق طموحاتك وطبيعتها. في هذا البلد لن تتطوَّر أبدًا. أما في بلدي يا سيدي، فسوف نصنع منك عملاقًا. سوف نُعلِّمك ألَّا ترضى بالقليل، ونرفع يدك التي أبقيتها إلى جانبك، ونشير بإصبعك إلى السماء.» وأضافَ وهو يستدير فجأة: «أيها النادل، إذا لم يكن السمَّان جاهزًا بعد، فسوف أتناول كوكتيلًا آخَر من هذه الكوكتيلات الممتازة.» كان تافرنيك مُحرَجًا. رأى أن بياتريس تتوق للتحدث إلى والدها؛ ورأى أيضًا أن والدها كان مصرًّا على عدم الحديث معها. ومع ذلك، بتنهيدةٍ قصيرة، استسلمَت إلى ما هو حتمي. وتابعَ البروفيسور: «لقد حاضَرتُ يا سيدي في معظم مدنِ الولايات المتحدة، عن الجنس البشري. ميول كلِّ وحدة من الجنس البشري هي دراستي المتخصِّصة. عندما أتحدث إليك عن علم فِراسة الدماغ، يا سيدي، فأنت تبتسم، وربما تفكِّر في رجلٍ يجلس في غرفة خلفية ويأخذ شلنك ليتحسَّس النتوءات في رأسك. أنا لستُ مِن هذه الرتبة من رجال العلم يا سيدي. لديَّ دبلوماتٌ مِن كل جامعة جديرةٍ بالذكر. أنا أمزج العلوم التي تتعامل مع الجنس البشري. أعرفُ شيئًا عنها جميعًا. قراءة الشخصية بالنسبة إليَّ هي شغفٌ وعلمٌ في آنٍ واحد. اتركني وحدي مع رجلٍ أو امرأة لمدة خمسِ دقائق، وارسم لي خريطة حياته، وسوف أضعُ العلامات التي سيتنقَّل هذا الشخص عبرها، ولن يفوتني أيٌّ منها.» سألت بياتريس: «أنت لا تقوم بأي عمل هنا يا أبي، أليس كذلك؟» أجابَ وفي صوته نبرةٌ خافتة من الألم: «إطلاقًا يا عزيزتي. بدا أن أختكِ إليزابيث لم تكن ترغب في ذلك. تحركاتها غير محدَّدة على الإطلاق وهي تحبُّ أن أكون متاحًا باستمرار.» ثم استأنفَ وهو يلتفتُ نحو تافرنيك: «ابنتي إليزابيث هي شابةٌ جميلة جدًّا، تُرِكَتْ في عُهدتي في ظلِّ ظروف خاصة. لذلك أشعر أنه مِن واجبي أن أكون دائمًا متاحًا لها.» مرةً أخرى كان هناك وميضٌ من تلك النظرة الغريبة في وجه الفتاة. ومالت إلى الأمام، لكن والدها أحجمَ عن أن ينظر إلى عينَيها. قالت متلعثمة: «هل يمكنني طرح سؤال أو سؤالَين شخصيَّين؟ تذكَّر أنني لم أرَ أو أسمع شيئًا من أيٍّ منكما منذ سبعة أشهر.» قال البروفيسور: «بالطبع يا عزيزتي. يُسعدني أن أقول إن أختكِ بخير. وأنا نفسي كما ترَينني. لقد قضينا وقتًا ممتعًا والتقينا ببعض الأصدقاء القدامى من الجانب الآخر من المحيط. مشكلتنا الكبرى هي أننا فقدناكِ مؤقتًا.» «إليزابيث لا تُخمِّن …» قاطعها البروفيسور: «طفلتي، لقد كنتُ مخلصًا لكِ. وإذا علمَت إليزابيث أنه كان بإمكاني إخبارُها في أي لحظة بمكان وجودكِ بالضبط، فأعتقدُ أنها ستكون غاضبةً مني أكثر من أي وقتٍ مضى في حياتها» ثم أضافَ: «وأنت تعلمين يا عزيزتي عندما تغضب إليزابيث، فالأمور لا تسير على ما يُرام وتتحوَّل للأسوأ. لكنني كنت أخرس. لم أتحدَّث، ولا أنوي التحدُّث.» ثم استدركَ البروفيسور: «إلا أنكِ يجب ألَّا تظني يا بياتريس أنني بسبب إذعاني لأهوائكِ في هذا الأمر، فإنني أدرك أيَّ سبب كافٍ يجعلكِ تنأَيْن بنفسك طواعيةً عن أولئك الذين يتمتعون بحقِّ وامتياز الاعتناء بك. يُسعدني أن أرى أنكِ قادرةٌ على أن تشقِّي طريقكِ في العالم. لقد حضرتُ مسرح أطلس، ويُسعدني أن أرى أنكِ لم تفقدي أيَّ شيءٍ من مهاراتكِ القديمة في الغناء والرقص. أنتِ تتمتعين بشعبية كبيرة مُستحَقَّة هناك. وليس لديَّ شك في أنكِ قريبًا، سوف تطمحين إلى أدوار أكثرَ أهمية.» وتابعَ البروفيسور، وهو ينتهي من كوب الكوكتيل الثاني: «ومع ذلك، يا طفلتي العزيزة، لا أرى أيَّ سبب يجعل رغبتكِ الجديرة بالثناء في البقاء مستقلةً تتعارض مع العيش تحت سقف أختكِ وفي حمايتي. أنا متأكِّد من أن السيد تافرنيك هنا، بفطرته البريطانية، سيتفق معي في أنه ليس من الجيد أن تعيش سيدةٌ شابة … ابنتي، يا سيدي … التي تتمتع بمفاتنَ شخصية كبيرة، إذا جاز لي أن أقول ذلك، بمفردها أو تحت رعاية هؤلاء الشابات الأخريات في المسرح.» قال تافرنيك: «أعتقد أن ابنتك لا بد تمتلكُ أسبابًا وجيهة جدًّا لتفضيل العيش بمفردها.» أكَّد له البروفيسور: «خياليَّة، يا سيدي العزيز … خياليَّة تمامًا. السُّمَّان أخيرًا! والشمبانيا! الآن هذا جَمْعٌ صغير ممتع حقًّا. أشربُ نخب تَكراره. هذا حقًّا متعة بالنسبة إليَّ.» وقال مختتِمًا قبل أن يضع كأسَه الفارغة بامتنان: «بياتريس، لكِ حبي! سيد تافرنيك، لك أطيبُ تحياتي واحترامي! الكأس الوحيدة المتبقية، يا سيدي.» قال تافرنيك: «بالعودة إلى ما قلته للتو، أنا أتفقُ معك تمامًا في مسألة عيش بياتريس بمفردها. وأنا أتوق جدًّا إلى أن تتزوجني.» وضعَ البروفيسور سكينه وشوكته. بدا على مظهره تصنُّع التفكير العميق. وأعلنَ: «سيدي، هذا في الواقع تصريحٌ غايةٌ في الأهمية. هل أعتبر ذلك عَرضًا جادًّا لطلب يد ابنتي؟» مالت بياتريس ووضعت أصابعها على أصابعه. وقالت: «أبي، لا يهمُّ من فضلك. أنا لستُ على استعداد للزواج من السيد تافرنيك.» جالَ البروفيسور بنظره من أحدهما إلى الآخر وسعلَ. وتساءل: «هل موارد السيد تافرنيك كافيةٌ لتمكينه من الإقدام على الزواج؟» أجابَ تافرنيك: «ليس لديَّ أي نقود على الإطلاق لأتحدَّث عنها. هذا حقًّا ليس مُهمًّا. سأحصل في القريب العاجل على كل ما تستطيع ابنتك إنفاقَه.» فأعلن البروفيسور: «أنا أتفق مع ابنتي يا سيدي. يمكننا أن نترك هذا الموضوع حتى يحينَ الوقت الذي تُحسِّن فيه وضعَك. لذلك سنرفضه … نرفضه على الفور. وسوف نتكلم …» قاطعَته بياتريس: «أبي، دعنا نتحدَّث عنك. ألا تعتقد أنك ستكون أكثر رضًا وسعادةً إذا حاولت الترتيب للقليل … القليل من العروض أو المحاضرات هنا، كما كنت تنوي في البداية؟ أعلم أنك لا بد تجد الفراغ التام عبئًا عليك.» ربما كان من قبيل المصادفة أن عينَيها كانتا مثبتتَين على الكأس التي كان البروفيسور يرفعها إلى شفتَيه. فوضعها على الفور. وقال بنبرةٍ منخفضة: «طفلتي، أنا أفهمك.» أصرَّت قائلة: «لا، لا، لم أقصد ذلك، لكنك دائمًا أفضلُ عندما تعمل.» وتابعت بحزنٍ قليلًا: «رجلٌ مثلك، ينبغي ألَّا يُضيِّع مواهبه.» فتنهد. واعترفَ: «ربما أنتِ على حق، يا طفلتي. سأذهب وأرى وكلائي غدًا.» وتابعَ: «لقد رفضتُ حتى الآن كلَّ العروض. لقد شعرتُ أن إليزابيث، رعاية إليزابيث في وضعها الخاص، تتطلب اهتمامي الكامل. ربما أنتِ على حق. ربما بالغتُ في تقدير ضرورةِ أن أكون دائمًا طوعَ بَنانها.» واختتم حديثه قائلًا: «إليزابيث امرأةٌ ذكية جدًّا، ذكية جدًّا في الواقع.» سألت بياتريس: «أين هي الآن يا أبي؟» قال البروفيسور: «لقد سافرَت بالسيارة إلى الريف في وقتٍ مبكر من صباح اليوم مع بعض الأصدقاء.» وأوضحَ منتحيًا قليلًا عن تافرنيك: «لقد ذهبوا إلى حفلة الليلة الماضية مع والتر كريس، مراسل صحيفة «نيويورك جازيت» في لندن. وعادوا جميعًا إلى المنزل في وقتٍ متأخر جدًّا، كما فهمت، وشكَت إليزابيث من صداع هذا الصباح. وأنا شخصيًّا يؤسفني أن أقول إنني لم أكن مستيقظًا عندما غادَروا.» مالت بياتريس مقتربةً للغاية من والدها. وسألت: «هل رأيتَ أيَّ أثر للرجل الذي يُدعَى بريتشارد؟» أصبح البروفيسور فجأةً متوترًا. ووضعَ كأسه، فسكبَ نصفَ محتوياتها. واختلسَ نظرة سريعة إلى تافرنيك. وصاحَ قائلًا: «يا طفلتي، يجب أن تُفكِّري في أعصابي! أنتِ تعرفين جيدًا جدًّا أن الإشارة المفاجئة إلى أي شخص أكرهه بشدةٍ تُعَدُّ أمرًا مؤذيًا بالنسبة إليَّ. أنا مندهشٌ منكِ يا بياتريس. فأنتِ تُظهِرين عدم مراعاة جديرة باللوم لضَعفي.» قالت هامسة: «أنا آسفة يا أبي، لكن هل هو هنا؟» اعترفَ البروفيسور: «نعم.» وأضافَ وقد اعترَت وجهَه الشاحبَ نظرةُ خوف: «بيني وبينك إنه يُفسد راحةَ بالي بالكامل. إن وجوده الدائم يُفسد متعتي بوسائلِ الراحة التي تستطيع إليزابيث توفيرها لي. نادرًا ما يتكلم، ومع ذلك يبدو دائمًا أنه يُراقب. أنا لا أثق به يا بياتريس. أنا قادرٌ على الحكم على الرجال وأقول لكِ إنني لا أثق به.» قالت بياتريس بنبرةٍ منخفضة: «أتمنى أن ترحل إليزابيث بعيدًا. بالطبع، ليس لديَّ الحق … في قول هذه الأشياء. ربما لم يحدث شيءٌ خطير على الإطلاق. ومع ذلك … مع ذلك، من أجلها، لا أعتقد أنها يجب أن تبقى هنا في لندن في ظل وجود بريتشارد بالقرب منها.» رفعَ البروفيسور كأسَه بأصابع مرتعشة. وقال: «إليزابيث تعرف ما هو الأفضل، أنا متأكِّد من أن إليزابيث تعرف ما هو الأفضل، لكنني أيضًا بدأتُ أتمنى لو أنها رحلَت بعيدًا. الليلة الماضية التقينا به عند والتر كريس.» مرةً أخرى، استدار بعصبيةٍ نحو تافرنيك، الذي كان ينظر إلى وسط المطعم بوجهٍ خالٍ من التعبيرات. «حاولنا إقناعَه بالرحيل. إنه حقًّا في موقفٍ خطيرٍ هنا. أقسمَ جيمي بوست أنه لن يُرسَل إلى نيويورك، وهناك واحدٌ أو اثنان آخران … فريقٌ يائس للغاية. حاولنا الليلةَ الماضية التفكير مع بريتشارد.» همست: «ألم يُجدِ ذلك نفعًا؟» أجابَ البروفيسور بنبرةٍ جافة: «لم يُجْدِ على الإطلاق. ربما، لو لم نُقاطَع، لكنا أقنعناه.» فقالت راجية: «أخبرني عما حدث.» هزَّ البروفيسور رأسَه. واستمرَّ تافرنيك في إظهار عدم اهتمامه بمحادثتهما. اختتم البروفيسور حديثه قائلًا: «ليس لكِ أن تعرفي شيئًا يا عزيزتي. لقد اخترت بحكمةٍ شديدة أن تبتعدي عن كل هذه الأمور. وإليزابيث تتمتَّع بشجاعةٍ رائعة. أمَّا أنا، فيؤسفني أن أقول إن أعصابي لم تعد كما كانت من قبل. أيها النادل، سآخذ كأسًا كبيرةً من مشروب البراندي المُعتَّق.» أُحضِرَ البراندي، لكن بدا أن البروفيسور تُطارده الذكريات ولم يستعِدْ روحه المعنوية المرتفعة بالكامل. ولم يستردَّ أسلوبه السابق جزئيًّا إلا بعد انخفاض الإضاءة ودفع تافرنيك للفاتورة. قال وهم يقفون معًا: «طفلتي العزيزة، لا أستطيع أن أخبركِ مدى استمتاعي بهذا اللقاء القصير.» أراحت أصابعها على كتفَيه ونظرَت إلى وجهه. وقالت مناشدةً إياه: «أبي، تعالَ إليَّ. أستطيع الاعتناءَ بك، إذا لم تُمانع لمدةٍ قصيرة أن تكون فقيرًا. سوف تحصل على كل راتبي باستثناء ما يكفي فقط لملابسي، ويمكنني أن أرتديَ أيَّ شيء. سوف أحاول جاهدةً أن أقدِّم لك كلَّ وسائل الراحة.» نظر إليها بنوع من الكرامة الجريحة. وأجابَ: «طفلتي، يجب ألَّا تتحدَّثي معي هكذا. إذا لم أكن أشعر أن واجبي يُحتِّم عليَّ البقاءَ مع إليزابيث، كنت سأصرُّ على مجيئكِ إليَّ، وفي ظل تلك الظروف، سأكون أنا المسئولَ عن إعالتكِ، وليس أنتِ. لكن في الوقت الحاليِّ لا يمكنني تركُ أختكِ الكبرى تمامًا. إنها في حاجةٍ إليَّ.» ابتعدَت بياتريس قليلًا بحزن. ونزلَ الثلاثة الدرَج. قال البروفيسور: «سأترك صديقنا الشاب، السيد تافرنيك، ليُرافقَكِ إلى منزلكِ. أما أنا فسوف أتصل لمعرفةِ ما إذا كانت إليزابيث قد عادت. إذا لم تكن قد عادت بعد، فسوف أقضي ساعةً أو ساعتَين، على ما أعتقد، مع أصدقائي في نادي بلو روم. بياتريس، لقد سعدتُ بلقائكِ، سعدتُ سعادةً أتمنى أن تتكرَّر قريبًا.» أخذَ كِلتا يديها. وابتسمَت له محاولةً إبداءَ السعادة. وقالت: «ليلة سعيدة يا أبي!» أضافَ البروفيسور وهو يأخذ يدَ تافرنيك ويحتفظ بها في يده دقيقة، بينما ينظر بتأثُّر إلى وجهه: «ولك أيضًا يا سيدي، ليلة سعيدة! لن أتحدَّث كثيرًا، ولكنني سأقول هذا: لقد أحببتُ كلَّ ما رأيتُه منك. عمت مساءً!» استدار ومشى بعيدًا. راقبه كلٌّ من بياتريس وتافرنيك حتى اختفى. ثم، بتنهيدة، التقطت تنورتها بيدها اليمنى، وأخذَت ذراع تافرنيك. قالت: «هل تمانع في السير إلى المنزل؟ أشعر بصداع.» نظر تافرنيك لحظةً في شوقٍ عبر الشارع نحو ميلان كورت. إلا أن يدَ بياتريس أحكمت الشَّدَّ على ذراعه أكثر. قالت بصراحة: «سأجعلك تصطحبني في كل خطوة على الطريق، حتى تتمكَّنَ من تحقيق أقصى استفادةٍ منه. وبعد ذلك …» قاطعها قائلًا: «ماذا عن بعد ذلك؟» تابعَت بحسم: «بعد ذلك، ستذهب إلى المنزل على الفور!» إغواء تافرنيك
الفصل الثالث لقاءٌ مزعج كانت عقاربُ الساعة تشير إلى الحادية عشرة والربع وكانت المسارح تُسرِّح حشودها الليلية المعتادة. وكانت أكثرُ الطرق ازدحامًا بالبشر في أي مدينة من مدن العالم العظيمة في أفضل حالاتها وأكثرها إشراقًا. وراحَ حاجبو المسارح في أزيائهم الرسمية في كل مكان يُطلقون صَفَّاراتهم، بينما امتلأت الشوارع بالمركبات التي تتحرك ببطء، وكانت الأرصفة تنبض بالحياة. انجرفَ الحشدُ الصغير الذي تجمَّع أمام الصيدلية بعيدًا. ففي نهاية الأمر لم يكن أحدٌ منهم يعرف بالضبط ماذا كانوا ينتظرون. كانت ثَمة شائعةٌ بأن امرأةً قد أغمي عليها أو وقع لها حادث. وبالتأكيد نُقِلَت إلى الصيدلية وإلى داخل الغرفة الداخلية التي كان بابها لا يزال موصَدًا. وتجمَّع عددٌ قليل من المارَّة معًا وحدَّقوا النظر بإمعانٍ وانتظروا بضعَ دقائق، لكنهم في النهاية فقَدوا الاهتمام وذابوا وسط الحشود. إنه مشهدٌ لأحد الطرق المزدحمة بالبشر، كان هذا الطريق حقًّا إحدى نبضات المدينة العظيمة التي يدقُّ قلبها ليلًا ونهارًا لمآسي الحياة. كان مساعد الصيدلي، يخدم اثنين من الزبائن العارضين بلا اكتراثٍ من وراء مِنضدة البيع. وعلى بُعد بِضع ياردات فقط، خلف الباب المغلق، كان الصيدليُّ نفسُه وطبيبٌ استُدعيَ على عجلٍ يصارعان من أجل إنقاذ حياة الفتاة التي ترقد على الأرض، مصدِرةً تأوُّهات خافتةً بين الحين والآخر من شفتَيها الزرقاوين. شعَر تافرنيك بعبءٍ ضخم يُثقل كاهله وهو يقف بلا حولٍ ولا قوة أثناء هذا الصراع الرهيب؛ ولذا فقد تسلَّل بهدوء من الغرفة بمجرد أن همس الطبيب بأن الأزمة الحادة قد انتهت، ومرَّ عبر الصيدلية خارجًا إلى الشارع، ووقف شاردًا مذهولًا بين الحشود النابضة بالحياة. حتى في تلك اللحظات القاتمة، كانت فرديتُه تتحدث إليه. كان متحيرًا من تصرفه هو نفسه وطرح على نفسه سؤالًا — ليس بندم في واقع الأمر، ولكن بنوع من الفضول واستكشاف الذات الحقيقي — كما لو كان، من خلال تركيز عقله على تصرفاته الأخيرة، سيكون قادرًا على فَهم الدوافع التي أثَّرَت فيه. لماذا اختار أن يُثقل كاهل نفسِه برعاية هذه الشابة اليائسة؟ لنفترض أنها عاشت، ماذا سيحدث لها؟ لقد تحمَّل مسئوليةً محددة فيما يتعلق بمستقبلها؛ لأنه مهما كان ما فعله الطبيب ومساعده، فقد كانت سرعةُ استجابته وحضور ذهنه هما اللذَين منَحاها فرصتها الأولى في الحياة. بدون شك، لقد تصرف بحماقة. لماذا لا يختفي في الحشود وينتهي من هذا الأمر؟ ماذا يعنيه، رغم كل شيء، أن تعيش الفتاة أو تموت؟ لقد أدى واجبه … بل أكثرَ من واجبه. لماذا لا يختفي الآن ويدَعُها تُجرب حظَّها؟ تحدَّث إليه عقلُه بصوت عالٍ، وراحت مثلُ هذه الخواطر تتوارد إلى ذهنه. مع ذلك، ولأول مرة في حياته، احتلَّ عقلُه مكانةً ثانوية. كان يعرف جيدًا، حتى أثناء استماعه إلى هذه الأصوات، أنه كان يعدُّ الدقائق حتى يستطيعَ أن يعود. بعد أن قرر تمامًا أن السبيل الوحيد المعقول أمامه للمتابعة هو أن يعود إلى المنزل ويترك الفتاة لقدَرِها، وجد نفسه داخل الصيدلية في غضون ربع ساعة. كان الصيدلي قد خرج للتو من الغرفة الداخلية ووقف ينظر إليه وهو يدخل. قال: «ستنجو الآن.» أومأ تافرنيك برأسه. كان مندهشًا من إحساسه بالراحة. أعلن: «يُسعدني ذلك.» انضمَّ إليهما الطبيب وكانت حقيبته السوداء في يده استعدادًا للمغادرة. قدَّم نفسه إلى تافرنيك باعتباره الشخص المسئول. قال: «ستكون الفتاة بخير الآن، لكنها قد لا تكون على طبيعتها يومًا أو يومين. لحسن الحظ، ارتكَبَت الخطأ المعتاد الذي يرتكبه الناس الذين يجهلون الدواءَ وآثاره … مع أنها تناولت سُمًّا يكفي لقتل أسرةٍ بأكملها.» وأضافَ بطريقة جافة: «كان من الأفضل أن تعتنيَ بها أيها الشاب. ستواجه مشكلة إذا أقدمَت على هذا الفعل مرةً أخرى.» سأل تافرنيك: «هل ستحتاج إلى أي اهتمام خاص خلال الأيام القليلة المقبلة؟ الظروف التي أحضرتُها فيها إلى هنا ظروفٌ غير عادية إلى حدٍّ ما، ولستُ متأكدًا تمامًا …» قاطعه الطبيب: «خذها إلى المنزل كي تستريح في فراشها، وستصبح بخير عندما تنام. يبدو أن بِنْيتها وصحتها العامة قويةٌ للغاية، رغم أنها أرهقت نفسها إلى أقصى درجة. إذا كنتَ بحاجةٍ إلى أي نصيحة أخرى وطبيبك الخاص غير متاح، فسآتي لأراها إذا أرسلتَ في طلبي. اسمي كامدن؛ رقم الهاتف ٧٣٤ جيرارد.» قال تافرنيك: «سأكون سعيدًا بمعرفة قيمة أتعابك، إذا سمحت.» أجاب الطبيب: «أتعابي جنيهان.» دفعَ له تافرنيك، وانصرف الرجل. كان ظِل المأساة يمرُّ بالفعل. انضمَّ الصيدلي إلى مساعده الذي كان مشغولًا في صرف العقاقير من خلف منضدة البيع. قال لتافرنيك: «يمكنك الدخول إلى الفتاة، إذا أردت. أعتقد أنها ستشعر بتحسنٍ في وجود شخص معها.» دلفَ تافرنيك ببطءٍ إلى الغرفة الداخلية، وأغلقَ الباب خلفه. لم يكن مستعدًّا البتة لمثل هذا المنظر المثير للشفقة. كان وجهُ الفتاة شاحبًا تمامًا وهي مستلقيةٌ على الأريكة التي رفعوها إليها. كانت الروح القتالية قد استسلمت وخارت قُواها، وكانت في حالة انهيار كامل ومطلق. فتحت عينيها على دخوله، لكنها أغلقَتهما مجددًا على الفور تقريبًا — بدا له أن ذلك لم يكن عن وعي بوجوده أكثرَ منه بسبب إعيائها التام. همس وهو يعبر الغرفة متجهًا إليها: «أنا سعيدٌ لأنكِ صرتِ أفضل حالًا.» تمتمت بصوت غير مسموع: «شكرًا لك.» وقفَ تافرنيك بجانبها ينظر إليها، وشعوره بالحيرة في ازدياد. بدت وهي ممدَّدة على أريكةِ شعرِ الخيل الصُّلبة، نحيفةً بشكل مثير للشفقة وأصغرَ من عمرها الحقيقي. كان العبوس، الذي اختفى من وجهها، بمثابة تمويه. قال برقة: «يجب أن نُغادر من هنا في غضون بضع دقائق. سيرغبون في إغلاق الصيدلية.» تمتمَت قائلة: «أنا آسفةٌ للغاية أنْ سبَّبتُ لك كل هذه المشاكل. يجب أن ترسلني إلى المستشفى أو دار العمل الخاصة بغير القادرين … أي مكان.» سأل: «هل أنتِ واثقةٌ من أنه لا يوجد أيُّ أصدقاء يمكنني أن أرسل إليهم؟» «لا يوجد أحد!» أغمضَت عينيها وجلس تافرنيك هادئًا تمامًا في نهاية أريكتها، ومرفقه على ركبته، ورأسه على يده. والآن بعد أن توقَّف الزبائن عن التدفق إلى الصيدلية، دخلَ الصيدلي. قال: «أعتقد لو كنتُ مكانك، لأخذتُها إلى المنزل الآن. في الغالب سرعان ما ستستغرق في النوم وتستيقظ أقوى بكثير. لقد أعددتُ لها وصفةً طبية هنا في حالة شعورها بالإرهاق.» حدَّق تافرنيك في الرجل. آخذها إلى المنزل! كان حسُّه الفكاهي ضعيفًا جدًّا ولكنه وجد نفسه يحاول تخيُّل وجه السيدة لورانس أو السيدة فيتزجيرالد إذا عاد معها إلى النُّزُل في مثلِ هذه الساعة. استفسر الصيدلي بفضول: «أفترض أنك تعرف أين تعيش؟» أجابَ تافرنيك قائلًا: «بالطبع. أنت على حق تمامًا. أستطيع أن أقول إنها قويةٌ بما يكفي الآن للسير حتى الرصيف.» دفعَ فاتورة الأدوية، ورفَعاها عن الأريكة. وسارت بينهما ببطء إلى الغرفة الخارجية. ثم بدأت تستندُ إلى أذرعهما ونظرت إلى الصيدلي نظرةً مثيرة للشفقة إلى حدٍّ ما. ورجَته: «هل يمكنني الجلوس لحظة؟ أشعرُ بالإعياء.» وضَعاها على أحد الكراسيِّ المصنوعة من الخيزران المواجهة للباب. وخلط لها الصيدليُّ بعض أملاح النشادر. تمتمت قائلة: «أنا آسفة، آسفةٌ جدًّا. سأتحسَّن في غضون بضع دقائق.» وفي الخارج، قلَّ عدد المشاة، ولكن السيارات والعربات المنطلقة من أمام المطعم الكبير في الجهة المقابلة كانت لا تزال تتدفق ببطءٍ لتوصيل الزبائن الذين أنهَوا عَشاءهم. ووقفَ تافرنيك عند الباب يراقبهم بلا حَراك. كانت حركة المرور متوقفةً مؤقتًا ووقفَت أمامه مباشرة تقريبًا سيارة ملأته روعتُها البسيطة عجَبًا. كان السائق والخادم على حد سواءٍ يرتديان زيًّا أبيضَ تقريبًا. بالداخل كان ثمة مزهرية تتدلى من سقف السيارة. وجلس رجلٌ وامرأة في مقعدَين وثيرَين. كان الرجل داكنًا وله مظهر أجنبي. أما المرأة فكانت شديدةَ الجمال. كانت ترتدي عباءة طويلة من فرو القاقم وتاجًا من اللؤلؤ. وجدَ تافرنيك، الذي كان اهتمامه بالمارة سطحيًّا تمامًا، نفسه لسببٍ ما ينجذب بفضولٍ من خلال هذه اللمحة السريعة إلى عالم الرفاهية الذي لا يعرف عنه شيئًا؛ وينجذب أيضًا إلى وجه المرأة الرقيق الذي يتمتع بجمالٍ غير مألوف. التقَت عيناهما وهو يقف هناك، جامدًا بلا حَراك، متحجِّرًا في مكانه عند المدخل. استمر تافرنيك في التحديق، غير مبالٍ، وربما غير واعٍ، لفظاظةِ تصرفه. أشاحت المرأة بنظرها بعيدًا بعد لحظة إلى واجهة عرض الصيدلية. وبدا أن فكرة مفاجئة راودتها. تكلَّمت عبر سماعة الهاتف الموجود بجانبها والتفتت إلى رفيقها. وفي الوقت نفسه، مال الخادم من مكانه، ومدَّ ذراعه في تحذير وركنَت السيارة ببطءٍ إلى جانب الرصيف. تحسَّسَت السيدة بيدها لحظةً في حقيبة من الساتان الأبيض كانت موضوعةً على الطاولة المستديرة أمامها، وسلَّمَت قصاصة من الورق عبر النافذة المفتوحة للخادم الذي كان قد نزل بالفعل وكان يقف منتظرًا. وتوجَّه على الفور ناحية الصيدلية، مارًّا بتافرنيك، الذي ظلَّ واقفًا في المدخل. سلَّم الورقة إلى الصيدلي قائلًا بلهجة آمِرة: «هلا تركب هذا على الفور من فضلك؟» أخذها الصيدلي في يده واستدار على نحوٍ آلي نحوَ غرفة تحضير الأدوية. وفجأة توقَّف ونظر إلى الوراء وهزَّ رأسه. سألَ: «لمَنْ هذه الوصفة الطبية؟» أجابَ الرجل: «لسيدتي. اسمها مُدَوَّن.» «أين هي؟» «بالخارج؛ إنها في انتظار الدواء.» صرَّح الصيدلي: «إذا كانت تريد حقًّا هذا الدواءَ الليلة، فعليها أن تدخل وتوقِّع في الدفتر.» نظر الخادم عبر منضدة البيع لحظةً نظرةً خاوية إلى حدٍّ ما. استفسر قائلًا: «هل أقول لها ذلك؟ إنها مجرد وصفة دواء منوِّم. الصيدلي الخاص بها يركِّبها بلا مشاكل.» أجابَ الرجل الذي يقف خلف منضدة البيع: «قد يكون الأمر كذلك، لكن كما ترى، أنا لستُ الصيدليَّ الخاص بها. من الأفضل أن تذهب وتخبرها بذلك.» انطلقَ الرجل في مُهمته دون أن يلقي نظرة على الفتاة التي تجلس على بُعد بِضعِ أقدام منه. وقال لسيدته: «أنا آسف جدًّا يا سيدتي، رفضَ الكيميائي تركيب الوصفة الطبية إلا إذا وقَّعتِ في الدفتر.» صرَّحت: «حسنًا، إذن، سأحضر.» خرجت المرأة من السيارة بمساعدة خادمها، ورفعت تنورتها البيضاءَ المصنوعة من الساتان بكلتا يدَيها وخطَتْ بخفةٍ عبر الرصيف. انتحى تافرنيك جانبًا ليسمح لها بالمرور. بدَت بالنسبة إليه حقًّا مخلوقةً من ذلك العالم الآخر الذي لا يعرف عنه شيئًا. حركتها البطيئة والرشيقة، لمعة تنورتها، جوربها الحريري، وميض الأبازيم الماسية على حذائها، العطر الهادئ المنبعث من ملابسها، اللمسة الناعمة من فِرائها وهي تمر بجانبه … كلُّ هذه الأشياء كانت في الواقع غريبةً عنه. تبعتها عيناه باهتمام جذل وهي تقتربُ من منضدة البيع. سألتِ الصيدلي: «هل تريدني أن أوقِّع على وصفتي الطبية؟ سأفعل ذلك، بكل سرور، إذا لزم الأمر، ولكن شريطة ألا تجعلني أنتظر طويلًا.» كان صوتُها منخفضًا جدًّا وموسيقيًّا للغاية، وكادت الابتسامة الطفيفة من شفتَيها المتعبتَين تبدو مثيرةً للشفقة. حتى الصيدلي شعر بتعاطفه الإنساني معها. واستدار على الفور إلى رفوفه وبدأ في تحضير الدواء. قال معتذرًا: «آسفٌ، يا سيدتي، أنْ طلبتُ ضرورة حضروكِ إلى هنا. سوف يعطيكِ مساعدي الدفتر لتتكَّرمي بالتوقيع فيه.» نزلَ المساعِد تحت المنضدة، ونهضَ مرة أخرى على الفور وفي يده دفتر أسود وقلمٌ وحبر. وانشغلَ الصيدليُّ في مهمته؛ وكانت عينا تافرنيك لا تزالان مُنصَبتَين على هذه المرأة التي بدَت له أجملَ شيء رآه في حياته. لم يكن هناك مَن يراقب الفتاة. وكان الصيدلي أول مَن رأى وجهها، وكان ذلك في مرآة. فتوقَّف عن خلط عقاقيره واستدار ببطء. كان التعبير الذي ارتسم على وجهه كفيلًا بأن يتبع الجميع عينَيه. كانت الفتاة تجلس منتصبةً على كرسيِّها، وقد تلوَّنَت وجنتاها فجأةً بلون أحمرَ دامٍ، وأمسكت أصابعها بالمنضدة كما لو كانت تستمدُّ منها الدعم، واتسعَت عيناها، بشكل غير طبيعي، وتوهَّجَت في بياضها بنار مستعِرة. كانت السيدة آخِرَ من أدارت رأسَها، وفجأةً سقطتْ من يدها زجاجةُ ماء الكولونيا التي أخذَتها من على المنضدة، وتحطَّمَت على الأرض. بدا أن كلَّ التعبيرات اختفَت من وجهها؛ بل إن الحياة نفسَها بدَت أنها فارقَته. أولئك الذين كانوا يُشاهدونها رأوا فجأةً امرأة عجوزًا تنظر إلى شيءٍ تخاف منه. يبدو أن الفتاة وجدَت قوةً غير طبيعية. جرَّت نفسها واقفة واستدارت بعنف إلى تافرنيك. صاحت بصوت منخفض: «خُذني بعيدًا. خذني بعيدًا على الفور.» لم تتكلم المرأة عند منضدة البيع. وتقدَّم تافرنيك بسرعة إلى الأمام ثم تردد. كانت الفتاة واقفةً على قدمَيها الآن قابضةً على ذراعَيه بقوة. وتوسلت عيناها إليه. توسلت بصوتٍ أجش: «يجب أن تأخذني بعيدًا، من فضلك. أنا بصحة جيدة الآن — جيدة جدًّا. أستطيع المشي.» افتقار تافرنيك إلى الخيال جعَله في وضع جيدٍ في ذلك الوقت. فعل ببساطةٍ ما قيل له، فعَله بطريقة آلية تمامًا، دون طرح أيِّ أسئلة. وخطا إلى الشارع والفتاة تتكئ بشدةٍ على ذراعه، ودلفَ على الفور تقريبًا داخل سيارة أجرة مارَّة كان قد أشار لها من عند عتبة الصيدلية. ونظرَ خلفه وهو يُغلق الباب. كانت المرأة تقف هناك، نصفَ مستديرةٍ نحوه، ولا تزال على وجهها الهامدِ تلك النظرةُ الغريبة الجامدة. كان الصيدلي يميل نحوها متسائلًا ما إذا كان سيمرُّ بواقعة أخرى خلال عمله الليلي. وكان ماء الكولونيا يتدفق في مجرًى صغير عبر الأرضية. سألَ سائقُ سيارة الأجرة تافرنيك: «إلى أين يا سيدي؟» كرَّر تافرنيك: «إلى أين؟» كانت الفتاة تتشبثُ بذراعه. همست: «قل له أن يقود سيارتَه بعيدًا عن هنا، يقود إلى أي مكان، لكن بعيدًا عن هنا.» أمره تافرنيك: «قُدْ في طريق مستقيم، على طول شارع فليت ثم هولبورن. سأعطيك العنوان لاحقًا.» غيَّر الرجل سرعته وزادت سرعةُ السيارة. جلسَ تافرنيك هادئًا تمامًا، مذهولًا من هذه الأحداث المدهشة. كانت الفتاة بجانبه متشبِّثةً بذراعه، وتبكي بشكل يكاد يكون هيستيريًّا، ممسِكةً به طوال الوقت كما لو كانت في حالة من الرعب. إغواء تافرنيك
الفصل الحادي والعشرون نصيحةٌ سديدة استجابةً لرسالة عاجلة إلى حَدٍّ ما، دلفَ تافرنيك إلى مكتب مُحاميه بمجرد فتحه في الصباح التالي. استقبله الشريكُ الأصغر في الشركة، الذي اهتمَّ به، وكان حريصًا بالفعل على استثمار مبلغ صغير في شركة مارستون رايز بيلدينج كمباني، بحرارة ولكن مع بعض القلق. قال: «انظر يا تافرنيك، اعتقدتُ أنه من الأفضل أن أكتبَ رسالة قصيرة وأطلبَ منك أن تحضر. لم تنسَ أن خيارنا في الشراء يستمرُّ مدةَ ثلاثة أيام فقط، أليس كذلك؟» أومأ تافرنيك برأسه. وسأل: «حسنًا، ماذا عن ذلك؟» قال المحامي: «كلُّ ما هنالك أنك يجب أن تفهم الوضع، الناسُ الذين كنت تعمل لديهم يتعقَّبوننا بحرصٍ في هذا الأمر، ولن تكون هناك فرصةٌ لأي تمديد … ولا حتى لمدة ساعة. السيد داولينج قدَّم بالفعل عرضًا أفضلَ بألف جنيه من عرضك؛ سمعتُ ذلك بالمصادفة بعد ظهر أمس؛ لذلك كن متأكدًا من أنه في الثانية التي تنتهي فيها صلاحيةُ الخيار الخاص بك قانونًا، فسينتهي كلُّ شيء بالنسبة إليك.» قال تافرنيك: «حسنٌ جدًّا، لكن ماذا عن قِطَع الأراضي التي تخصُّني بالفعل؟» أوضحَ المحامي: «لديهم مخططٌ ما لقطع كلِّ سُبل التقدُّم على هذه الأراضي، وتركها بلا قيمة. كما ترى، سيتأثَّر الصرف والإضاءة بشكل كبير بمشتري الأرض بأكملها. فإذا حصل عليها داولينج، فإنه ينوي التعامل مع قطع الأراضي الخاصة بك بحيث تُصبح عمليًّا عديمةَ القيمة. إنه بالأحرى شيءٌ وضيع، ولكنه في النهاية رجلٌ ضئيل وضيع.» أومأ تافرنيك برأسه. وقال: «حسنًا، كنتُ قادمًا لرؤيتك، على أي حال، هذا الصباح، لأتحدث إليك عن المال.» سأل المحامي بسرعة: «صديقك لم يتراجع؟» ردَّ تافرنيك: «لم يقل صديقي أيَّ شيء عن التراجع بعد، ولكن حدثَت ظروفٌ خلال الأيام القليلة الماضية غيَّرَت وجهات نظري فيما يتعلَّق بملاءمة العلاقات التِّجارية مع هذا الشخص. ليس لديَّ أيُّ سبب لأفترض أن الأموال لن تأتي، ولكن إذا كان بإمكاني الحصولُ عليها من أي مصدر آخر، فأنا أفضِّلُ ذلك.» نظرَ إليه المحامي نظرةً خالية من التعبير. وقال: «بالطبع، سأفعل ما بوُسعي، إذا أردت، لكنني يجب أن أخبرك من هذه اللحظة أنني لا أعتقد أنني ستُواتيني أيُّ فرصة للحصول على المبلغ بالكامل.» تساءل تافرنيك برَويَّة: «هل أفترض أن شركتك لا تستطيع أن تفعل أيَّ شيء؟» أجابَ المحامي: «يمكننا بالتأكيد أن نفعل شيئًا على حسابِ وكلائنا. ربما ننجح في الحصول على ما يصل إلى خمسة آلاف جنيه. إلا أننا سنظلُّ في حاجةٍ إلى سبعة آلاف، وأكاد لا أعرف من أين يمكننا الحصولُ عليها.» كان تافرنيك صامتًا بضع لحظات. فسأل المحامي: «لم تتشاجر مع صديقك، أليس كذلك؟» أجابَ تافرنيك: «بلى، لم يكن هناك شِجار. لديَّ سببٌ آخر.» نصحه صديقه قائلًا: «لو كنتُ مكانك، كنت سأحاول أن أنساه. الحقيقة أنني كنت أشعر بالقلق إلى حَدٍّ ما بشأن هذه المسألة. إنها صفقةٌ كبيرة، كما تعلم، والربح مضمونٌ مثل أرباح سندات دَين الحكومة البريطانية المُوحَّدة. وأنا أكره أن يدخل هذا الرجل الضئيل داولينج ويقتنصَها.» اعترفَ تافرنيك قائلًا: «إنه استثمارٌ جيد، وكما تقول، ليس هناك أدنى مخاطرة. لهذا السبب كنت أتمنَّى أن تكون قادرًا على الحصول عليه دون أن أُضطرَّ إلى الاتصال بصديقي.» هزَّ السيد مارتن رأسه. «ليس من السهل إقناعُ الآخرين. على أي حال، لا أريد أن تُضيِّع الفرصة. إذا كنت ستأخذ بنصيحتي، فستذهب وتتصل بصديقك في الحال، وتعرف بالضبط كيف تسير الأمور. إذا كان كلُّ شيءٍ على ما يُرام ويمكنك حثُّه على إعطائك النقود قبل بِضع ساعاتٍ من آخر ميعاد، فأنا أعترف أن هذا سيُزيل عبئًا كبيرًا عن كاهلي. فأنا لا أحبُّ الأشياء التي يجب أن تنتهيَ في آخِر لحظة ممكنة.» وافقَ تافرنيك قائلًا: «حسنًا، عليَّ أن أجرِّب ما يمكنني فعلُه، إذن. أعتقد أنه لا يوجد شيءٌ آخر جديد، أليس كذلك؟» أجابَ المحامي: «لا شيء. عُدْ، إذا أمكنك القيامُ بأي إجراءٍ محدَّد، أو اتصل بي. الأمر يزعجُني قليلًا حقًّا. لا أريد أن يتسلَّل الآخرون الآن …» بدلًا من أن يُطيع تافرنيك دافعَه الأول ويتوجَّه مباشرةً إلى ميلان كورت، سار إلى الشقة في كينجسواي، وصعد الدرجاتِ الحجرية، وطلبَ مقابلةَ بياتريس. قابلته على باب منزلها، بكامل ملابسها. صاحت مندهشة: «عزيزي ليونارد! يا لها من زيارة مبكرة!» قال: «أريد أن أتحدَّث معكِ قليلًا. أيمكنكِ أن تمنحيني خمسَ دقائق؟» أجابت: «يجب أن تمشيَ معي إلى المسرح، كنت على وشك الذهاب الآن لعمل بروفة.» نزلا الدرَج معًا. قال تافرنيك: «لديَّ شيءٌ لأخبركِ به، شيءٌ لن ترغبي في سماعه.» كرَّرَت بخوف: «شيءٌ لن أرغب في سماعه. استمر يا ليونارد. لا يمكن أن يكون أسوأ مما يبدو.» استأنف قائلًا: «لا أعرفُ لماذا أتيتُ لأخبركِ. لم أردْ ذلك قطُّ. خطرَ في بالي فجأة وشعرتُ أنه يجب عليَّ ذلك. الأمر يتعلق بأختكِ ومشروع مارستون رايز.» صاحت بياتريس غيرَ مُصدِّقة: «أختي ومشروع مارستون رايز!» ثم أضاءت فكرةٌ في عقلها فجأة. فتوقَّفت فجأة وأمسكَت بيده. وصاحت: «أنت لا تقصد أن إليزابيث هي التي كانت ستعثر لك على المال، أليس كذلك؟» أجابَ: «أقصد ذلك. عرَضَته من تلقاء نفسها. لا أعرف لماذا تحدَّثتُ معها عن أموري الخاصة، لكنها قادتني إلى الحديث عنها.» وتابعَ خافضًا صوته: «أختُكِ امرأة جميلة. لا أعرف لماذا، لكنها جعلتْني أتحدثُ كما لم يجعلني أحدٌ أتحدث من قبل. كان عليَّ ببساطةٍ أن أخبرها بأشياء. ثم، عندما انتهيتُ، أطلعتني على دفاترها المصرفية واقترحَت استثمار بعض أموالها في مارستون رايز.» أصرَّت بياتريس: «لكن هل تقصد أن تخبرني أنك تعتمد على مالها في عملية الشراء هذه؟» أومأ تافرنيك برأسه. أوضحَ قائلًا: «كما ترين، السيد داولينج فاجأنا قبل أن أكون مستعدًّا. وبمجرد عِلمه ذهب إلى أصحاب الأرض وقدَّم لهم عرضًا عليها. وكانت النتيجة أنهم قاموا بتقصير مدةِ خياري ومنَحوني فرصةً ضئيلة للغاية للعثور على المال. وعندما عرَضَته أختُكِ، بدا الأمر بالتأكيد ضربةَ حظٍّ رائعة. يمكنني أن أعطيها ثمانية أو عشرة في المائة، في حين أنها لن تحصل إلا على أربعة في المائة في أي مكان آخر، وسوف أحقِّق ربحًا لنفسي يزيد عن عشَرة آلاف جنيه، وهو ما لا يمكنني تحقيقُه ما لم أجد المال لشراء الأرض.» صاحت بياتريس وهي تمشي بسرعة كبيرة وتنظر أمامها مباشرة: «لكن يجب ألَّا تلمس هذا المال، يجب ألَّا يكون لك أيُّ علاقةٍ به! أنت لا تفهم. وكيف تفهم؟» سألَ تافرنيك، بعد برهة: «هل تقصدين أن المال مسروق؟» ردَّت بياتريس: «لا، ليس مسروقًا، ولكنه أتى … أوه! لا أستطيع أن أخبرك، فقط إليزابيث ليس لها الحقُّ فيه. أختي أنا! هذا فظيع جدًّا!» «هل تعتقدين أنها حصلت على هذا المال بطريقة غير شريفة؟» تمتمَت بياتريس: «لستُ متأكِّدة. هناك أشياءُ أسوأ وأفظع حتى من السرقة.» كان الجانب العمليُّ لطبيعة تافرنيك بارزًا إلى حَدٍّ كبير ذلك الصباح. وبدأ يتساءل عمَّا إذا كانت النساء، رغم كل شيء، ورغم كونهن مخلوقاتٍ غريبة ورائعة، قادراتٍ على الحُكم على نحوٍ يمكن الاعتمادُ عليه … وعما إذا كنَّ يتأثَّرن كثيرًا بالعواطف. قال: «بياتريس، يجب أن تفهمي هذا. ليس لديَّ وقتٌ للحصول على المال من مكان آخر. إذا لم أحصل عليه من أختكِ، على افتراض أنها لا تزال على استعدادٍ للسماح لي بالحصول عليه، فقد ضاعت فرصتي. وسأضطرُّ إلى العمل موظفًا في مكتبِ شخص آخر … وفي الغالب لن أحصل على مكانةٍ كتلك التي حصلتُ عليها في داولينج آند سبينس. من ناحيةٍ أخرى، فإن استخدام هذا المال لمدةٍ قصيرة جدًّا سيكون بدايةَ مسيرتي المهنية. كلُّ ما تقولينه غامضٌ جدًّا. لماذا أحتاج إلى معرفة أي شيء عنه؟ لقد قابلتُ أختَكِ عن طريق العمل العادي وقد قدَّمَت لي عرضَ عملٍ عاديًّا، ومن خلاله ستستفيد بشكل كبير جدًّا. لم أفكِّر مطلقًا في إخباركِ بهذا الأمر، ولكن عندما حان الوقت كرهتُ أن أذهب وأحصل على هذا المال من أختكِ دون أن أقول لكِ أيَّ شيءٍ. لذلك جئتُ هذا الصباح، لكني أريدكِ، إذا أمكنكِ ذلك، أن تنظري إلى الأمر من وجهة نظري.» كانت صامتةً عدة لحظات. ثم نظرَت إليه بفضول. وسألت: «ماذا عساه بحق السماء يجعل أختي تُقدِّم هذا العرض لك؟ إنها ليست حمقاء. وهي لا تثقُ عادةً في الغرباء.» أجابَ تافرنيك: «لقد وثقَت بي، على ما يبدو.» سألت بياتريس: «هل يمكنك أن تفهم لماذا؟» أجابَ: «أعتقد أنني أفهم. إذا كان يمكن للمرء الاعتمادُ على إدراكه الحسي، فهي محاطةٌ بأشخاص قد تجدهم رفقاءَ مُسلِّين ولكنها نادرًا ما تستطيع أن تثق بهم. ربما أدركَت أنني لستُ مثلهم.» قالت وكأنها تُحدِّث نفسها بقدر ما تحدِّثه: «وأنت تريد أخذ هذا المال بشدة؟» اعترف تافرنيك: «أريد حقًّا أن آخذه. كنتُ في طريقي لرؤيتها هذا الصباح ولأطلب منها أن تسمح لي بالحصول عليه قبل الوقت المحدد بيوم أو يومين، ولكنني شعرتُ، بطريقةٍ ما، أن هناك قدرًا معينًا من الخداع في ذَهابي إليها وأخذِ هذا المال دون أن أخبركِ بأي شيء. شعرتُ أنني يجب أن آتيَ إلى هنا أولًا. ولكن يا بياتريس، لا تطلبي مني الاستغناءَ عن هذا المال. فهذا يعني أن أضيِّع وقتًا طويلًا قبل أن أستطيع التحرُّك مرةً أخرى. إنها الخطوة الأولى التي تكون صعبةً للغاية، وأنا يجب … يجب أن أنطلق. وهذه فرصةٌ رائعة. قضيتُ ساعاتٍ كثيرةً جدًّا في التفكير فيها. وخطَّطتُ وعملتُ وصمَّمتُ كلَّ شيء كما لا يستطيع أحدٌ أن يفعل. يجب أن أحصل على ذلك المال.» سارا في صمتٍ حتى وصلا إلى باب المسرح. كانت بياتريس تُفكر في رفيقها كما رأته كثيرًا، مستغرقًا في خُططه، مشغولًا بالمسطرة والممحاة، تستحوذُ عليه مصلحةُ مهمَّته. تذكَّرت المرة الأولى التي تحدَّثَ فيها حول مخططه هذا، وكيف تغيَّر وجهُه بالكامل، والاهتمام العاطفي تقريبًا الذي تعامل به مع المشروع حتى في أدقِّ تفاصيله. لقد أدركَت مدى عِظَم الجزء الذي يحتلُّه هذا المشروع في حياته، ويا لها من ضربة مروعة عليه أن يتلقَّاها إذا ما اضطُرَّ إلى التنازل عنه. استدارت وواجهته. قالت: «ليونارد، ربما تكون، رغم كل شيء، على حق. ربما أعطي قيمةً أكبر بكثير لما يُعدُّ، في النهاية، مجردَ شعور عاطفي. أنا ممتنةٌ لأنك أتيتَ وأخبرتني؛ سأكون دائمًا شاكرة لذلك. خُذ المال، ولكن سدِّده بأسرع ما يمكن.» أجابَ: «سأفعل ذلك. أعدكِ بأن أفعل ذلك.» وضعت يدها على ذراعه. وناشدَته قائلة: «ليونارد، أعلم أن إليزابيث جميلةٌ جدًّا ورائعة للغاية، ولا أتساءل أنك تحب الذَّهاب لرؤيتها، لكني أريد أن أطلب منك أن تعدَني بشيء واحد.» شعر وكأنه تحوَّل فجأةً إلى حجر. ليس من الممكن … حقًّا لا يمكنها أن تكون قد خمَّنَت سرَّه! تساءلَ: «وما هو؟» استأنفَت قائلة: «لا تدَعْها تُعرِّفك إلى أصدقائها؛ لا تقضِ الكثير من الوقت هناك. إليزابيث أختي وأنا لا أريد … أنا حقًّا لا أريد أن أقول أيَّ شيءٍ لا يبدو لطيفًا، لكنَّ أصدقاءها لا يليق بك أن تتعرف إليهم، وإليزابيث … حسنًا، ليس لديها قلب.» كان صامتًا عدة لحظات. ثم سألَ فجأة: «كيف عرَفتِ أنني أحبُّ الذهاب لرؤية أختكِ؟» ابتسمَت. وقالت: «عزيزي ليونارد، أنت لستَ ماهرًا جدًّا في إخفاء مشاعرك. عندما أتيتَ لرؤيتي في ذلك اليوم، هل تتصوَّر أنني اعتقدتُ لحظةً أنكَ طلبتَ الزواج مني ببساطةٍ لأنك تحبني؟ أعتقدُ يا ليونارد أن ذلك كان لأنك كنت خائفًا، كنتَ خائفًا من دخول شيء إلى حياتك بهذه الضخامة، شيء مرعب إلى هذه الدرجة، لدرجة أنك كنت على استعدادٍ للتشبث بأسهل فرصة للأمان.» صاحَ: «بياتريس، هذا سخيف!» هزَّت رأسها. وصرَّحَت: «لا ليس سخيفًا. هل تعلم يا عزيزي ليونارد، ما الذي جذبَني إليك من البداية؟» أجاب: «لا.» فتابعَت: «لقد كان صِدْقَك. هل تتذكَّر تلك الليلةَ على سطح فندق بلينهايم هاوس؟ كنت ستكذب لصالحي، وأنا أعلم كم كرهتَ ذلك. أنت تحبُّ الصدق، أنت صادقٌ بطبيعتك؛ وأنا سأعتمد عليك أينما كنتُ. أعلمُ أنك ستحافظ على كلمتك، أعلمُ أنك ستكون صادقًا. تحب المرأةُ أن تشعر بذلك تجاه الرجل — إنها تحبُّ ذلك — ولا أريدك أن تقترب من الأشخاص الذين يسخرون من الصدق وكل الأشياء الجيدة. لا أريدك أن تسمع وجهة نظرهم. قد تكون بسيطًا وعاديًّا في بعض النواحي؛ وأريدك أن تبقى كما أنت. هل تفهم؟» ردَّ تافرنيك بجدية: «أنا أفهم.» صاحَ أحدُ السُّعاة باسمها أسفلَ الممر الحجري. فربتت على كتفه واستدارت مبتعدة. وقالت: «أسرِع الآن واحصل على المال. تعالَ لتراني عندما ينتهي كلُّ شيء.» تركَها تافرنيك وهو يتنفَّس الصُّعَداء وشقَّ طريقه نحو شارع ستراند. في زاوية شارع ويلينجتون التقى بريتشارد وجهًا لوجه. توقَّفا في الحال. بدا أن ثمة شيئًا محرجًا بشأن هذا اللقاء. ربت بريتشارد على كتفه بألفة. وسأله: «كيف حالك أيها الرجل العجوز؟» أجابَ تافرنيك بارتباك: «أنا بخير. كيف حالك؟» صرَّح بريتشارد: «أعتقد أنني سأكون أفضلَ عندما نتناولُ مشروبًا. تعالَ معي. لقد أحسنَّا صُنعًا تلك الليلة، أليس كذلك؟ سندخل حانة أمريكان بار هنا ونحتسي مشروب الجين الغازي.» وفي الحال وجدا نفسَيْهما جالسَيْن على كرسيَّين مرتفعَيْن في ركن خالٍ من الحانة التي شقَّ بريتشارد الطريقَ إليها. احتسى تافرنيك شرابَه برَوية. وقال: «أودُّ أن أطرح عليك سؤالًا أو اثنَين حول ليلة الأربعاء.» أومأ بريتشارد برأسه. وشجَّعه قائلًا: «فلتتفضَّل.» قال تافرنيك: «يبدو أنك تأخذ الأمر برمته على أنه نوعٌ من المزاح.» فسألَ المحقِّقُ مبتسمًا: «حسنًا، أليس هذا ما كان عليه؟» هزَّ تافرنيك كتفَيه. وصاحَ قائلًا: «لم يبدُ لي الأمر مزاحًا على الإطلاق!» ضحكَ بريتشارد بسعادة. وقال: «أنت لستَ معتادًا على الأمريكيين، يا صديقي الشاب. هنا في هذا الجانب، أنتم جميعًا حَرفيُّون بشكل مخيف. أنت لا تفترض بجديةٍ أنهم قصدوا أن يعطوني هذا العقار في تلك الليلة، أليس كذلك؟» فصرَّح تافرنيك بروية: «لم أعتقد قطُّ أنه كان هناك أيُّ شك حول ذلك.» مسَّدَ بريتشارد شاربه مفكِّرًا. وقال: «حسنًا، أنت ساذَجٌ بالتأكيد، ومع ذلك لا أعرفُ لمَ لا تكون كذلك. الأمريكيون يميلون دائمًا إلى مثل هذه الألعاب. لا أقول إنهم لم يقصدوا إخافتي، إذا استطاعوا، أو إنهم لم يكن يُسعدهم أن يستخلصوا مني بعضَ المعلومات، أو ورقةً أو اثنتَين من الأوراق التي أحتفظ بها في مأمن. عندئذٍ كان سيحقُّ لهم المزاح حقًّا. ولكن بالنسبة إلى البقية، بالنسبة إلى محاولة إجباري على أخذ هذا العقار، كان هذا كلامًا فارغًا بالطبع.» جلسَ تافرنيك في كرسيه ساكنًا تمامًا عدةَ دقائق. ثم سألَ: «هل ستأخذ شرابَ جين غازيًّا آخرَ يا سيد بريتشارد؟» «لِمَ لا؟» طلبَ تافرنيك كأسًا أخرى من الشراب. وجلسَ على كرسيِّه وهو يصفِّر لنفسه. ثم قال أخيرًا: «إذن فأنا أفترض، أنني بدَوت كالأحمق وأنا أخترقُ الحائط مثل المجنون.» هزَّ بريتشارد رأسه. وأجابَ: «لقد بدوتَ كما أنت في الحقيقة، بدوت شخصًا جَسورًا. أنا لا أزعم أن كلَّ هذا كان مجردَ تظاهر. لا يمكنك أن تثقَ في تلك العصابة. كان ذلك الوغد في الخارج جادًّا على أي حال. ورغم كل شيء، كما تعلم، لم يكونوا ليتركوني إذا انسحبتَ أنت بهدوء. فليس هناك شخصٌ آخر يخشَونه بالقدر نفسِه. وليس هناك شخصٌ آخر يعرف هذا القَدْر من المعلومات عنهم.» أعلنَ تافرنيك: «حسنًا، سوف نترك الأمر عند هذا الحد. على الرغم من ذلك، فأنت تعرف الكثيرَ عن كل هؤلاء الأشخاص؛ ولذا أتمنى أن تخبرني شيئًا أرغب في معرفته كثيرًا.» ردَّ المحقق بسرعة: «إنني أعرفُ كلَّ ما أعرف؛ لأنني لا أقول أيَّ شيء. واحد كوكتيل فقط، أليس كذلك؟» هزَّ تافرنيك رأسه. وقال: «لقد شربتُ أول كوكتيل لي الليلة الماضية. تناولتُ العشاء مع البروفيسور وابنته.» سألَ بريتشارد بسرعة: «ليس إليزابيث؟» هزَّ تافرنيك رأسه. وأجابَ: «مع الآنسة بياتريس.» وضعَ بريتشارد كأسه. وتساءلَ: «قُلْ لي يا تافرنيك، أنت على علاقة طيبة مع تلك الشابة، الآنسة بياتريس، أليس كذلك؟» أجابَ تافرنيك: «بالتأكيد. أنا أكِنُّ لها احترامًا كبيرًا.» تابعَ بريتشارد بجِدية: «إذن، فأنا أستطيع أن أخبرك كيف تُسدي لها صنيعًا. انْأَ بها عن ذلك الوغد العجوز. انْأَ بها عن كل هذه العصابة. صَدِّقني إنها تبحث عن المتاعب بمجردِ حديثها إليهم.» اعترضَ تافرنيك قائلًا: «لكن هذا الرجل العجوز هو والدها، ويبدو أنه يحبُّها حبًّا جمًّا.» استطرد بريتشارد: «لا تُصدِّق ذلك. إنه لا يحبُّ إلا نفسه والحياة المُيسَّرة. ضَعْ في اعتبارك أنه عاطفي، ولديه الكثير من المشاعر، وأنه سيعصر عيناه لتذرفَ الدمع، وكل هذه الأشياء، لكنه سيبيع روحه، أو روح ابنته، مقابل القليل من وسائل الراحة الإضافية. الآن لا تعرف إليزابيث مكان أختها بالضبط، ولا تجرؤ على أن تُبْدي قلقها، أو على البحث عنها والاستفسار عن مكانها. ولدى بياتريس الفرصةُ للابتعاد، ويمكنني أن أخبرك أنه سيكون من الأفضل بكثير لها أن تفعل ذلك.» قال تافرنيك مصرِّحًا: «حسنًا، أنا لا أفهم ذلك على الإطلاق. أنا أكرهُ الألغاز.» وضعَ بريتشارد كأسَه الفارغة. وقال: «انظر، هذه القضية أخطرُ من أن نتحدَّث عنها وكأننا نُثرثر. لقد حذَّرتُك، وإذا كنتَ حكيمًا فسوف تتذكَّر هذا التحذير.» قال تافرنيك مُصرًّا: «قل لي هذا الشيء فقط. قل لي ما هو سبب الشجار بين الأُختَيْن؟ ألا يمكن القيام بشيءٍ للجمع بينهما مرة أخرى؟» هزَّ بريتشارد رأسه. وأجابَ: «لا شيء. وفقًا للوضع الحالي، من الأفضل أن يظلَّا منفصلتَيْن. هلا نخرج؟» تبعَه تافرنيك إلى خارج المكان. أمسكَ بريتشارد بذراعه وهو يستدير نحو شارع ستراند. قال: «صديقي الشاب، سأُسْديك نصيحة. يقول الكتاب المقدَّس إنك لا تستطيع أن تخدم الله والمال. أَعِدْ صياغة ذلك وفقًا للموقف الحاليِّ وتذكَّر أنه لا يمكنك خدمة إليزابيث وبياتريس في الوقت نفسه.» سألَ تافرنيك: «وماذا بعد؟» انتظر المحقِّقُ حتى أشعل السيجارَ الأسود الطويل بين أسنانه. ثم قال: «أعتقدُ أن من الأفضل أن تَقصُر انتباهك على بياتريس.» إغواء تافرنيك
الفصل الثاني والعشرون عشاءٌ مع إليزابيث كان ما تبقَّى من ذلك اليوم بالنسبة إلى تافرنيك وقتًا من القلق المحموم. فقد تلقَّى برقيَّتَين من السيد مارتن، محاميه، وكان هو نفسُه أكثرَ اضطرابًا مما يقرُّ ويُبدي. في الساعة الثالثة بعد الظهر، وفي الساعة الثامنة مساءً، ومرة أخرى في الساعة الحادية عشرة مساءً، قدَّم نفسه في ميلان كورت، مستفسرًا عن الشخص نفسه. وفي المرة الأخيرة، أنبأه الحاجب بأخبار سعيدة. أعلنَ قائلًا: «السيدة وينهام جاردنر عادت من الريف منذ ساعة يا سيدي. أستطيع إرسال اسمك الآن، إذا كنتَ ترغب في رؤيتها.» أدركَ تافرنيك شعورَه بالارتياح الشديد. بالطبع، كان يعلم أنها لن ترحل إلى الأبد حقًّا، لكن غيابها، لا سيَّما بعد ما حدث في تلك الليلة، كان مقلقًا بعضَ الشيء. قال: «اسمي تافرنيك. لا أرغب في التطفل في مثلِ هذه الساعة، ولكن إذا كانت تستطيع أن تُقابلني لحظة، فسيُسعدني ذلك.» جلسَ وانتظرَ بصبر. سرعان ما وصلت رسالةٌ مفادها أن السيد تافرنيك يستطيع أن يصعد. استخدم المصعد ثم طرقَ باب جناحها. ففتحته خادمتها على مضض. ولم تبذل أيَّ جهد لإخفاء امتعاضها من هذا الشاب … لكونه عاديًّا جدًّا، وغيرَ متأنق على الإطلاق. لم تستطع أن تتخيَّل لماذا قد تضيِّع السيدة وقتها مع مثل هذا الشخص! قالت له: «السيدة جاردنر سوف تراك على الفور. إنها ترتدي ملابسها الآن للخروج لتناول العشاء. ستمنحك بضع ثوانٍ فقط.» بقي تافرنيك وحده في غرفة الجلوس الصغيرة الفاخرة مدة عشر دقائق تقريبًا. ثم انفتح باب الغرفة الداخلية وظهرَت إليزابيث. نهضَ تافرنيك ببطءٍ واقفًا على قدمَيه، ونظر إليها بإعجابٍ مُقاوم لكنه مفتون. كانت ترتدي ثوبًا عاجيًّا من الساتان، بدون زخرفة أو دانتيل من أي نوع، ثوبًا بدا له وكأنه معجزةٌ في ملاءمته لها. كانت حِلْيتُها الوحيدة عبارةً عن حزام طويل من اللؤلؤ وتاج صغير. لم يسبق لتافرنيك مطلقًا أن يكون على اتصال وثيقٍ بامرأة كهذه. كانت ترتدي قفازاتها عندما دخلتْ وأعطته يدها اليسرى. صاحت: «يا لك من شخص استثنائي، يا سيد تافرنيك! يبدو أنك حقًّا تحضر في أكثر الأوقات إدهاشًا.» قال: «أنا آسفٌ جدًّا لأنني تطفلتُ عليكِ الليلة.» ثم أضافَ بهدوءٍ بارد: «أما فيما يتعلق بالمرة الأخيرة التي التقينا فيها، التي ظهرتُ فيها على نحوٍ مفاجئ، فأنا لن أعتذرَ عنها بأي شكل.» ضحكَت بنعومة. كانت تنظر في عينَيه، إلا أنه لم يستطع أن يحدِّد إن كانت غاضبةً منه أم مستمتعة فقط. قالت: «كنتَ ميلودراميًّا نوعًا ما، أليس كذلك؟ إلا أنك كنتَ جادًّا جدًّا، ويغفر المرءُ الكثير لأي شخص جادٍّ حقًّا. ماذا تريد مني الآن؟ كنتُ على وشك النزول لتناول العشاء.» أجابَ تافرنيك: «إنها مسألةُ عمل. لديَّ صديقٌ هو شريكٌ معي في صفقةِ بناء مارستون رايز، وهو قلقٌ لأن هناك شخصًا آخر في المجال يرغب في شراء الأرض، وبعد غدٍ هي فرصتنا الأخيرة لدفع المال.» نظرَت إليه كما لو كانت في حيرة. «أيُّ مال؟» ذكَّرَها قائلًا: «المال الذي وافقتِ على إقراضي إياه، أو بالأحرى استثماره في شركة البناء الخاصة بنا.» أومأت برأسها. «بكل تأكيد! عجبًا، لقد نسيتُ كلَّ شيءٍ عنه في الوقت الحالي. سوف تعطيني فائدة بنسبة ١٠ في المائة أو شيئًا هائلًا من هذا القبيل، أليس كذلك؟ حسنًا، ماذا عنه؟ أنت لا تريد أن تأخذَه معك الآن، على ما أعتقد؟» أجابَ: «كلا، ليس الأمر كذلك. لأكونَ صادقًا معكِ، جئتُ لأتأكَّد من أنكِ لم تُغيِّري رأيكِ.» «ولماذا أُغيِّر رأيي؟» قال: «قد تكونين غاضبةً مني، بسبب تدخلي في شئونكِ في تلك الليلة.» قالت بلا مبالاة: «ربما أكون كذلك.» فسألها: «هل ترغبين في التراجع عن وعدكِ؟» أجابت بلا مبالاة: «لم أفكِّر كثيرًا في الأمر حقًّا. بالمناسبة، هل رأيتَ بياتريس مؤخرًا؟» ذكَّرها قائلًا: «أعتقدُ أننا اتفقنا على أننا لن نتحدَّث عن أختكِ.» نظرَت إليه من فوق كتفها. وقالت: «لا أتذكَّر أنني اتفقتُ على أي شيءٍ من هذا القبيل. أعتقدُ أنك أنت مَنْ وضعَ هذه القاعدة. وفي واقع الأمر، أعتقد أن صمتك بشأنها أمرٌ قاسٍ للغاية. أظن أنك رأيتها؟» أقرَّ تافرنيك: «نعم، لقد رأيتُها.» سألت إليزابيث: «ألا تزال تشعر بالأسى كلما ذُكِرَ اسمي؟» ردَّ تافرنيك على مضض: «لم أكن لأسمِّيَه أسًى. على الرغم من ذلك، فأغلب الظن أن شيئًا ما حدث بينكما قبل أن تُغادر، وكان هذا الشيء خطيرًا.» نظرَت إليه بجِدية. وقالت: «أنت حقًّا شابٌّ غريب، عنيد.» ثم واصلت وهي تبتسمُ في وجهه: «تُرى، هل وقعتَ في حب أختي؟» لم يُعطِ تافرنيك أيَّ ردٍّ فوري، إلا أن شيئًا ومض في عينَيه لحظةً مما حيَّرها. فسألته: «لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ أأنت غاضبٌ مني لأنني سألت؟» وأجابَ: «لا، أنا لستُ غاضبًا. ليس الأمر هكذا. ولكن كان يجب أن تعرفي … كان يجب أن تري!» وعندئذٍ رأت بالفعل أنه كان يرزح تحت عِبْء عاطفةٍ جياشة. فمالت نحوه وهي تضحك بنعومة. وتمتمت قائلةً: «ها قد بدأتَ تصبح مثيرًا للاهتمام. أخبرني … أخبرني كلَّ شيء.» أعلنَ تافرنيك بقوة: «لا أعرف ما هو الحب! لا أعرف معنى أن يقع الإنسان في الحب!» ضحكَت مرةً أخرى في وجهه. وقالت هامسة: «هل أنت واثقٌ في هذا؟» رأت الأوردةَ تنتفخ في صُدغه، وراقبَت العاطفة التي عقَدَت لسانه في البداية. وتمتم: «واثق! ومَنْ يمكنه أن يثق عندما تَبْدين بهذا الشكل!» مَدَّ ذراعَيه نحوها. فتراجعَت مبتعدةً عنه بحركة سريعة للخلف، واتَّكأت على الطاولة. وضحكت وهي تقول: «يا لك من صِهر مستقبلي! وا حسرتاه على الرصانة والاحترام! صارمٌ للغاية! عزيزي السيد تافرنيك، أتمنَّى لك السعادة. في الحقيقة، أنت وبياتريس مناسبان تمامًا أحدكما للآخر.» رنَّ جرسُ الهاتف. فتحرَّكت ووضعَت سماعة الهاتف على أذنها. تغيَّر وجهُها. وبعد الكلمات القليلة الأولى التي استمعَت إليها اسودَّ وجهها غضبًا. صاحت مستفسِرةً: «أتقصد أن تقول إن البروفيسور فرانكلين لم يَعُدْ منذ الغداء؟ لقد تركتُ رسالة مفادها أنني أريده أن يأتيَ لي الليلة. وهل الميجور بوست موجود، إذن؟ لا؟ وماذا عن السيد كريس … غير موجود أيضًا؟ ولا السيد فولكس؟ لا أحدَ منهم! حسنًا، اتصل بي مباشرةً فورَ أن يأتيَ البروفيسور، أو أيٌّ منهم.» وضعَت السمَّاعة وقد بدا عليها الانزعاج. وفُوجئ تافرنيك بالتغيير في تعبيرات وجهها. كانت الابتسامة قد اختفَت، وباختفائها ظهرَت خطوطٌ تحت عينَيها وحول فمها. ودلفت إلى غرفة نومها دون أن تنبس بكلمةٍ معه. وكان تافرنيك قد بدأ يتساءل عمَّا إذا كان يجب أن ينسحب، عندما عادت مرة أخرى. قالت: «اسمع يا سيد تافرنيك، كم يبعد منزلك؟» أجابَ: «إنه في تشيلسي، على بُعد نحو ميلَين ونصف الميل.» ردَّت بلهجةٍ آمِرة: «استقِلَّ سيارة أجرة واذهب إلى هناك، أو انتظر. ستجد سيارتي بالخارج. سأتصل بالهاتف لأقول إنك ستأخذها. بدِّلْ ملابسك إلى ثيابٍ تصلح للمساء وعُدْ إليَّ مرة أخرى. أريدك أن تصحبَني لتناول العشاء بالخارج.» نظرَ إليها بذهول. فدبَّت بقدمها على الأرض. وأمرته: «لا تقف هكذا مترددًا! افعل كما أقول! لا تتوقع أنني سأساعدك على شراء هذه الأراضي البائسة إذا رفضتَ لي أبسط الخدمات، أقول لك أسرع! أسرع!» قاطعها تافرنيك قائلًا: «أنا آسفٌ حقًّا، لكني لا أمتلك بدلةً تصلح للسهرة. كنت سأذهب بكل سرور، لكن ليس لديَّ مثلُ هذا الشيء.» نظرَت إليه لحظةً غيرَ مُصدِّقة. ثم انفجرَت في نوبةٍ من الضحك لا يمكن السيطرةُ عليها. وجلست على حافة الأريكة وهي تمسح عينَيها المبللتَين بالدموع. صاحت: «أوه، أنت غريب، أنت شخصٌ رائع! تريد أن تشتريَ أراضيَ وتريد أن تقترض اثنَي عشر ألف جنيه، وتعرف أين توجد بياتريس ولا تريد أن تخبرني، وأنت مقتنعٌ تمامًا، لأنك اقتحمتَ منزلًا مخترقًا الحائطَ، بأنك أنقذتَ بريتشارد المسكين من السُّم، وأنت لا تمتلك بدلة رسمية! لا بأسَ إذن، لا تهتم بمسألة البدلة. ستصحبني للخارج كما أنت.» تحسَّس تافرنيك جيوبه وتذكَّر أنه لم يكن معه سوى ثلاثين شلنًا. قالت بلا مبالاة: «هاك، احمل حقيبتي. وسننزل معًا إلى المطعم الأصغر. فأنا كنت على سفر منذ الساعة السادسة، وأتضوَّر جوعًا.» قال تافرنيك معترضًا: «ولكن ماذا عن ملابسي؟ هل ستكون مناسبة؟» أجابت: «لا بأس بها في المكان الذي سنذهب إليه. أنت تبدو رائعًا كما أنت. تعالَ ودعني أصحِّح وضعيةَ ربطة عنقك.» اقتربت منه وعبثَت بأصابعها في ربطة عنقه لحظةً. كانت قريبةً جدًّا منه وضحكَت عمدًا في وجهه. فتماسكَ تافرنيك إلى أقصى درجة وشعر بالحمق. كما شعر بسعادة سخيفة. قالت عندما ضبَطتها بالشكل الذي يُرضيها: «ها هي، أنت تبدو جيدًا الآن.» وأضافت، وكأنها تُحدِّث نفسها: «تُرى، كيف تبدو حقًّا. أعتقد أنك تبدو اجتماعيًّا ومفعَمًا بالقوة. لا عليك، ساعدني في ارتداء عباءتي وتعالَ معي. تبدو مرافقًا غايةً في الاحترام، ومفيدًا جدًّا أيضًا.» على الرغم من أن تافرنيك كان اسميًّا المضيف، إلا أن إليزابيث هي التي اختارت المنضدة وطلبَت العشاء. كان هناك عددٌ قليل جدًّا من الزبائن الآخرين في المكان، حيث كانت الأكثريةُ في المطعم الأكبر، ولكن من بين هؤلاء القلائل، لاحظَ تافرنيك فتاتَين من الجوقة الخاصة بمسرح أطلس. اختارت إليزابيث منضدةً تستطيع منها مراقبة الباب، واحتلَّت المقعد المُواجِه له. وشعر تافرنيك من البداية يقينًا أنها كانت تراقب وصولَ شخصٍ ما. قالت بإلحاح: «والآن حدِّثني، من فضلك، عن هذا الاستثمار. أودُّ أن أعرف كلَّ شيء عنه، وما إذا كنت متأكِّدًا من أنني سأحصل على عشرة في المائة فائدةً على أموالي.» لم يتردد تافرنيك لحظة. فقد كان هذا الموضوع آمنًا للحديث فيه، وكان لديه الكثير ليقوله بشأنه. لكنها أوقفته بعد برهة. وقالت: «حسنًا، لقد اكتشفتُ على أي حال موضوعًا يمكنك أن تتحدَّث فيه بطلاقة. الآن، رجاءً لقد سئمتُ من بناء العقارات، وبناء المنازل. أودُّ أن أسمع القليل عن بياتريس.» لم يُحِر تافرنيك جوابًا وكأنه قد فقَدَ القدرة على النطق. ثم قال: «لا أريد أن أتحدَّث عن بياتريس، حتى أفهم سببَ هذه القطيعة بينكما.» استعَرَت نيرانُ الغضب في عينَيها وبدَت ضحكتها مضطربة. واحتجَّت قائلة: «ولا حتى الحديث عنها! أنت بالكاد تردُّ لي الثقةَ التي أضعها فيك يا صديقي العزيز!» «أتقصدين المال؟» واصلتْ قائلة: «بالضبط. أنا أثق بك، لا أعرف السبب … أعتقد ربما لأنني أمتلك هبة الفِراسة … بالإضافة إلى اثني عشَر ألف جنيه من مدَّخراتي التي اكتسبتُها بشِقِّ الأنفس. وأنت ترفض أن تثقَ بإعطائي بعضَ التفاصيل البسيطة عن حياة أختي. حسنًا، لا أعتقد أن الأمور كما ينبغي أن تكون بيننا.» سألها تافرنيك: «هل تعرفين أين قابلتُ أختكِ لأول مرة؟» هزَّت رأسها بفتور. «وكيف لي أن أعرفَ؟ لم تخبرني بشيء.» تابعَ تافرنيك كلامه قائلًا: «كانت تقيم في نُزُل صغير كنت أعيش فيه. أعتقد أنني أخبرتُكِ بذلك ولكني لم أخبركِ بأي شيء آخر. كان نُزُلًا رخيصًا، لكن لم يكن لديها ما يكفي من المال لدفع ثمنِ وجباتها. وكانت قد سئمَت الحياة. وأضحت في حالة يأسٍ تامة.» قالت إليزابيث مستفسِرة: «هل تحاول أن تخبرني، أو بالأحرى تحاول ألا تخبرني، بأن بياتريس كانت قد فقدَت عقلها بما يكفي للتفكير في الانتحار؟» أجابَ بجدِّية: «كانت في حالةٍ ذهنية تؤهِّلها لأن تفعل ذلك عندما كانت هذه الخطوةُ ممكنة. هل تتذكرين تلك الليلةَ عندما رأيتُكِ أول مرة في الصيدلية في الجهة المقابلة من الشارع؟ كانت مريضةً جدًّا ذلك المساء، مريضة جدًّا حقًّا. كان بإمكانكِ أن ترَيْ بنفسكِ تأثيرَ مقابلتكِ عليها.» أومأت إليزابيث برأسها، وسحَقَت قطعةً صغيرة من الخبز بين أصابعها. ثم مالت على المنضدة نحو تافرنيك. «بدَت مرعوبة، أليس كذلك؟ سارعَت بكَ بعيدًا … بدَت خائفة.» اعترفَ قائلًا: «كان ذلك ملحوظًا للغاية. كانت مرعوبة. لقد جرَّتني إلى خارج المكان. وبعد بضع دقائق غابت عن الوعي في سيارة الأجرة.» ابتسمت إليزابيث. وقالت: «كانت بياتريس دائمًا شديدةَ الحساسية. وأي صدمة مفاجئة كانت تُفقِدُها أعصابها تمامًا. هل أنت خائفٌ مني أيضًا يا سيد تافرنيك؟» أجابَ بصراحة: «لا أعرف. أحيانًا أعتقد أنني كذلك.» ضحكت برِقَّة. وهمست له: «لماذا؟» نظرَ في عينَيها وشعر بالإذلال والضعف. كيف كان من الممكن أن يجلس على بُعد أقدام قليلةٍ منها ويبقى عاقلًا! قال بنبرةٍ خفيضة: «أنتِ شديدة الجمال، ومختلفة تمامًا عن أي شخص آخر في العالم!» فقالت متسائلة: «إذن، فأنت سعيدٌ لأنك قابلتَني … لأنك هنا معي؟» رفعَ عينَيه نحوها مرة أخرى. وأجابَ ببساطة: «لا أعرف. إذا كنتُ أعتقد حقًّا … إذا كنت بهذا اللطف طوال الوقت … لكن، كما ترين، أنت تُحوِّليني إلى شخصَيْن مختلفَيْن. عندما أكون معكِ، فأنا أحمق، أحمق مُذعِن لكِ، وتستطيعين أن تفعلي بي ما تشائين. وعندما أكون بعيدًا، أستردُّ بعضَ ومضات العقل، وأعرف.» تمتمَت قائلة: «ماذا تعرف؟» فأجابها: «أعرفُ أنكِ كاذبة.» صاحت رافعةً رأسها قليلًا: «سيد تافرنيك!» فاستدركَ بحماس: «أوه، أنا لا أعني الكذبَ بالطريقة المعتادة! ما أعنيه هو أنكِ تُظهِرين أشياءَ لا تشعرين بها، وأنكِ على استعدادٍ لأن تُشعِري أيَّ شخص لا يملك إلا أن يُعجَب بكِ بشدةٍ بأنكِ تُكنِّين له مشاعرَ الودِّ أكثر مما تُكنِّينه بالفعل.» وتوقَّف فجأةً عن الحديث بيأس ثم قال: «لا أستطيع التعبير، هذا خُرْق، لكنكِ تفهمين ما أعنيه!» ضحكَت قائلة: «لديك طريقةٌ رائعة في التعبير عن نفسك. حسنًا، دعنا نتحدَّث بشكلٍ منطقي مدةَ دقيقة أو دقيقتَين. أنت تقول إنك عندما تكون معي تُصبح عبدًا لي. إذن لماذا لا تحضر بياتريس إلى هنا عندما أتوسل إليك أن تفعل؟» فأجابَ: «أنا عبدك في كلِّ ما له علاقة بنفسي وأفعالي. أما في هذه المسألة الأخرى، فالأمر يعود لأختكِ كي تُقرر.» فهزَّت كتفَيها. وقالت: «حسنًا، أعتقدُ أنني سأكون قادرةً على تحمُّل الحياة بدونها. على أيِّ حال، دعنا نتحدَّث عن شيءٍ آخر. أخبرني، ألَا تشعر بالفضول لمعرفةِ سبب إصراري على إحضارك إلى هنا؟» اعترفَ قائلًا: «بلى، أنا كذلك.» قالت: «تحدثتَ بصراحتِك المعتادة، يا عزيزي البريطاني! حسنًا، سأُرضي فضولك. هذا، كما ترى، ليس مكانًا شائعًا لتقديم الطعام. يأتي إلى هنا عددٌ قليل من الأشخاص … معظمهم مِمَّن لسبب أو لآخَر لا يشعرون بالأناقة الكافية لارتياد المطاعم الكبيرة. يأتي الناس من المسارح إلى هنا حيث لا يكون لديهم الوقتُ لتغيير ملابسهم. كما ترى المكان له نكهةٌ بوهيمية مميَّزة.» نظرَ تافرنيك حوله. وقال: «يبدو أنهم يأتون بكل أنواع الملابس. يسرُّني ذلك.» تابعَت إليزابيث: «يوجد رجلٌ الآن في لندن، وأنا متلهفةٌ لرؤيته مثلما أنا متشوقة للعثور على أختي. أعتقدُ أن هذا هو المكان الأكثر احتمالًا للعثور عليه. لهذا جئتُ. كان من المفترض أن يكون والدي هنا ليُرافقني، لكن كما سَمِعت، فقد خرجَ إلى مكانٍ ما ولم يَعُدْ. لم يكن أيٌّ من أصدقائي الآخرين متاحًا. وصادفَ أنك أتيتَ في الوقت المناسب.» سألَ تافرنيك: «وهذا الرجل الذي تريدين أن ترَيه، هل هو هنا؟» أجابت: «ليس بعد.» في الواقع، لم يكن هناك سوى عددٍ قليل من الجماعات المتناثرة في المكان، وكان من الواضح أن معظم هذه الجماعات من العاملين في المسارح. لكن حتى في تلك اللحظة، دخل رجلٌ بمفرده من خلال الأبواب الدوَّارة، ووقفَ في الداخل، ينظر حوله. كان رجلًا متوسطَ الطول ونحيفًا وذا مظهر غيرِ مميَّز. كان شعره فاتحَ اللون ويلتصق قليلًا على جبهته. وكان وجهه نحيفًا ويمشي بانحناءٍ طفيف. كان ثَمة شيءٌ في ملابسه وطريقته في اللبس ينمُّ على أنه أمريكي. ألقى تافرنيك نظرةً سريعة على رفيقته، متسائلًا عما إذا كان هذا، ربما، ليس الشخص الذي كانت تُراقب وصوله. كانت نظرته الأولى غيرَ مبالية بما فيه الكفاية، ثم شعر بقلبه يخفق بين ضلوعه. لقد دخلت مأساةٌ إلى المطعم! جلست المرأة التي بجانبه وكأنها تحوَّلتْ إلى حجر. كانت ثمة نظرةٌ في وجهها وكأنها نظرة امرأة ترى الموت. كان أحمرُ الشفاه الذي تضعه، ولم يكن ملحوظًا من قبل، يبدو الآن كغصنٍ ملوَّن في واحةٍ من الرماد الأبيض. كانت عيناها جامدتَيْن كالحجارة؛ وشفتاها ترتعشان كما لو أنَّ مرضًا ألمَّ بها. لم يَعُد جالسًا مع هذه السيدة الأكثرِ جمالًا التي تحوَّلت كلُّ الرءوس نحوَها في إعجاب. كانت كأنها تحوَّلت إلى صورةٍ للموت تجلس بجواره، كأنها تمثالٌ جامد للذعر نفسه! إغواء تافرنيك
الفصل الثالث والعشرون في مهمة شهامة مرَّت الثواني، ولم يظهر على المرأة التي تجلس بجانبه أيُّ علامة تنم على الحياة. شعر تافرنيك بالخوف يتسلل باردًا في دمه، كما لم يشعر من قبلُ طَوال حياته السابقة. كان هذا، في الواقع، شيئًا ينتمي إلى عالم لا يعرف شيئًا عنه. فماذا كان؟ أهو مرض؟ أم ألم؟ أم مفاجأة؟ لم يكن هناك سوى غريزته يمكن أن تُخبره. كان رعبًا، رعب مَنْ ينظر إلى ما وراء القبر. صاحَ قائلًا: «سيدة جاردنر! إليزابيث!» بدا أن صوته قد انتزعها من حيث كانت وحرَّرها من اللعنة التي حلَّت عليها. وندَّت من بين أسنانها صرخةٌ مكتومة؛ وبدأت تُناضل كي تتمالك نفسها. تمتمَت قائلة: «أنا مريضة. أعطني كأسي. أعطني إياها.» تحسَّسَت بأصابعها بحثًا عن الكأس، لكن بدا كأنها لم تجرؤ على تحريك رأسها. ملأ الكأس بالنبيذ ووضعها في يدها. وحتى بعد ذلك، سكبَت بعضًا منها على مفرش المنضدة. وبينما كانت ترفعها إلى شفتَيها، نظر الرجلُ الذي وقفَ على عتبة المطعم في وجهها. وتحرَّك ببطءٍ عابرًا المطعم في اتجاهها، وكأنما قد وصلَ إلى مُبتغاه. فقالت لتافرنيك: «ابتعد. ابتعد أرجوك. إنه قادمٌ ليتحدث إليَّ. وأريدُ أن أكون وحدي معه.» الغريبُ في الأمر أن تافرنيك لم يرَ في تلك اللحظة شيئًا غريبًا غيرَ معتاد في طلبها. وقام على الفور، دون أن يودِّعها الوداعَ اللائق، وشقَّ طريقه نحو الطرف الآخر من المطعم. وبينما كان يستدير متوجِّهًا نحو غرفة التدخين، نظر مرةً واحدة خلفه. كان الرجل قد اقتربَ من إليزابيث؛ وكان يقف أمام طاولتها، وبدا أنهما يتبادلان التحيات. ذهبَ تافرنيك إلى غرفة التدخين وألقى بنفسه على كرسيٍّ مريح. وظلَّ هناك ربما مدةَ عشر دقائق قبل أن يدخل بريتشارد. بالتأكيد كانت هذه الليلة مفعَمةً بالمفاجآت! حتى بريتشارد، الهادئ، الرصين، المتأني في حركاته وحديثه، بدا مضطربًا في ذلك الوقت. دلفَ إلى الغرفة مسرعًا. وعندما تأرجَح البابُ وأُوصِدَ مرةً أخرى، استدار كما لو كان يؤكِّد لنفسِه أن أحدًا لم يكن يَتبعه. لم يرَ في البداية تافرنيك. وجلسَ على ذراع مقعدٍ وثير، ويداه في جيوبه، وسيجاره الأبدي في زاوية فمه، وعيناه مثبتَتان على الباب الذي دلفَ منه. لا شك أن شيئًا ما أزعجه. كان يبدو كأنه قد تلقَّى ضربة، مفاجأة من نوعٍ ما كان لا يزال يحاول تخطِّيَها. ثم ألقى نظرةً خاطفة في أرجاء الغرفة ورأى تافرنيك. فصاحَ: «مرحبًا، أيها الشاب! إذن هذه هي الطريقة التي تُنفِّذ بها نصيحتي!» ذكَّره تافرنيك قائلًا: «لم أَعِد قطُّ بأن أنفِّذها.» سحبَ بريتشارد مقعدًا مريحًا عبر الغرفة ونادى على النادل. وقال: «إذن، سوف تدعوني إلى شراب. اثنان من الويسكي والصودا، يا تيم. والآن يا سيد ليونارد تافرنيك، ستجيبني عن سؤال.» تمتم تافرنيك متسائلًا: «هل سأفعل؟» «لقد نزلتَ في المصعد مع السيدة وينهام جاردنر منذ نصف ساعة، وذهبتَ إلى المطعم وطلبتَ العشاء. وهي لا تزال هناك وأنت هنا. فهل تشاجرتُما؟» أجابَ تافرنيك: «لا، لم نتشاجر. أوضحَت أنها كانت ستتناول الطعام في المطعم الأصغر فقط من أجل لقاءِ رجل معيَّن. وأرادت مُرافِقًا. فقمتُ أنا بهذا الدور إلى أن جاء الرجل.» سأل بريتشارد: «وهل هو هناك الآن؟» فردَّ تافرنيك إيجابًا: «نعم، إنه هناك الآن.» سحبَ بريتشارد السيجار من فمه وراقَبه لحظة. وتابعَ: «قل لي يا تافرنيك، هل هذا الرجل الذي يتناول العشاء الآن مع السيدة وينهام جاردنر هو الرجل نفسُه الذي كانت تتوقعه؟» أجابَ تافرنيك: «أظن ذلك.» «ألم تبدُ خائفةً أو منزعجة بأي شكل من الأشكال عندما ظهر أمامها لأول وهلة؟» اعترفَ تافرنيك: «بدَت بشكلٍ لم أعهده في أحدٍ على وجه الأرض من قبل. لقد بدت ببساطةٍ مرعوبةً حتى الموت. لا أعرفُ لماذا … فهي لم تشرح … لكن هكذا كانت تبدو.» «ومع ذلك، فقد صرَفَتك!» «لقد صرفَتني. ولم تهتمَّ بما حلَّ بي. كانت تراقبُ البابَ طَوال الوقت قبل مجيئه. فمَنْ هو ذلك الشخص يا بريتشارد؟» أجابَ بريتشارد بجدية: «يبدو هذا سؤالًا بسيطًا، لكنه يعني الكثير. هناك مصيبةٌ على وشك الحدوث الليلة يا تافرنيك.» فردَّ تافرنيك بجفاء: «وأنت تبدو سعيدًا بذلك. ألديك مزيدٌ من الهراء؟» ابتسمَ بريتشارد. وقال: «حسنًا، أنت رجلٌ عاقل. فلتَقْدُر الأمورَ حقَّ قَدْرها. وصدِّقْني حين أُخبرك الآن أن مجيءَ هذا الرجل يحمل أكثرَ بكثير مما خطَّطَت له السيدة وينهام جاردنر.» توسَّل إليه تافرنيك قائلًا: «أتمنَّى أن تُخبرني مَن هو. كلُّ هذا الغموض الذي يحيط ببياتريس وأختها، وهذا الكهلِ الكسول أبيهما، يثير إزعاجي ويُشعِلني غضبًا.» أومأ بريتشارد برأسه متعاطفًا. وقال: «أخشى أنَّ عليك أن تتحمَّل هذا الغموض مدةً أطول قليلًا، يا صديقي الشاب. لقد أسديتَ لي صنيعًا؛ وسأُسدي لك صنيعًا أيضًا. سأقدِّم لك نصيحةً جيدة. ابتعد عن هذا المكان ما دام الرجل العجوز وابنته يتسكَّعان هنا. هذه الفتاة ذكية … أوه، إنها ذكيةٌ للغاية … لكنها سلكَت الطريقَ الخطأ منذ البداية. إنهما ليسا على شاكلتِك يا تافرنيك. أنت لا تناسب هذا المكان. خُذْ بنصيحتي وابتعد عنهما تمامًا.» هزَّ تافرنيك رأسه. وقال: «لا يمكنني فعلُ ذلك الآن. عمت مساءً! سأرحل الآن على أي حال.» نهضَ بريتشارد أيضًا على قدمَيه. وتأبط ذراع تافرنيك. وقال: «أيها الشاب، لا يوجد الكثيرون في هذا البلد مِمَّن يمكنني الوثوقُ بهم. وأنت واحدٌ منهم. أنت تتميز بنوع من الصلابة يعجبني كثيرًا. وليس من المحتمل أن تتهور وتقومَ بأشياء سخيفة. فهل تحبُّ المغامرات؟» أجابَ تافرنيك: «إنني أكرهها، ولا سيَّما من النوع الذي تورطتُ فيه في تلك الليلة.» ضحكَ بريتشارد بهدوء. كانا قد غادَرا الغرفة الآن وكانا يسيران عبر المساحة المفتوحة في نهاية المطعم، والمؤدية إلى المخرج الرئيسي. وقال بتأنٍّ: «هذا هو الفرق بيننا. المغامرات بالنسبة إليَّ هي مِلحُ حياتي. أتسكعُ هنا وأشاهدُ هؤلاء الرجالَ والنساء ذَوي المظهر المحترم، وبالنسبة إلى الغرباء لا يبدو أن هناك الكثيرَ في هذا الأمر، ولكن يا للعجب! هناك أحيانًا أشياءُ خفيةٌ لا تكتشفونها أنتم. رجل يطلب من آخرَ بالداخل أن يحتسيا شرابًا معًا. ويُحدِّدان موعدًا مبهجًا للقاء لتناول طعام الغداء، ثم يتَّجهان إلى برايتون بالسيارة. يبدو كلُّ هذا غيرَ ضار، ومع ذلك هناك بذور مؤامرة زُرِعَت بالفعل. إنهم يكرهونني هنا، لكنهم يعرفون جيدًا أنه أينما ذهبوا يجب أن أكون في الجوار. أظن أنهم سيتخلَّصون مني يومًا ما.» تمتم تافرنيك: «المزيد من الهراء!» وقفا أمام الباب وعبَراه إلى الفِناء. على يمينهما، كان الجزء الداخلي من المطعم الأصغر محجوبًا عن الأنظار بواسطة نقشٍ شبكي مغطًّى بالورود والشجيرات. توقَّف بريتشارد عند نقطةٍ معينة، وانحنى ونظر من خلاله. ومكثَ هناك دون أن يتحرك لما بدا لتافرنيك أنه مكث مدة طويلة للغاية. وعندما انتصبَ واقفًا مرة أخرى، كان هناك تغييرٌ واضح في وجهه. كان يبدو أكثرَ جديةً مما رآه تافرنيك على الإطلاق. ولكن بسبب عدم احتمالية حدوث هذا الشيء، ظنَّ تافرنيك أن لونه قد أضحى شاحبًا. وقال بريتشارد: «صديقي الشاب، عليك أن تُعينني فيما أنا مُقْدم عليه. أنت مغرَم بالسيدة وينهام جاردنر، أنا أعرف هذا. والليلة سوف تكون بجوارها.» احتجَّ تافرنيك قائلًا: «لا أريد المزيد من الألغاز. أفضِّل العودة إلى المنزل.» قال بريتشارد، وهو يُمسك بذراعه مرة أخرى: «لا يمكنك القيامُ بذلك. عليك أن تُعينني في هذا. تعالَ معي إلى غرفتي دقيقة.» دخلا المبنى وصعدا إلى الطابق الثامن. وأضاءَ بريتشارد الأنوارَ في غرفته، وكانت مفروشةً بأثاثٍ بسيط وخالية إلى حدٍّ ما. وأخرج من الخِزانة زوجًا من الأحذية ذات النعل المطاطي وألقاه إلى تافرنيك. وقال: «ارتدِ هذا.» فسألَ تافرنيك: «ماذا سنفعل؟» أجابَ بريتشارد: «سوف تُساعدني. ثِقْ بي يا تافرنيك، كلُّ شيء على ما يُرام. يمكنني أداءُ المهمة بمفردي، لكنني لا أفضِّل ذلك. والآن اشرب هذا الويسكي والصودا وأشعل سيجارة. سأكون جاهزًا خلال خمس دقائق.» سأل تافرنيك: «ولكن إلى أين نحن ذاهبان؟» أجابَ بريتشارد: «أنت ذاهبٌ في مهمةٍ تتميَّز بالشهامة. ستُصبح مرةً أخرى منقذًا لامرأة في محنة. ستنقذ حياةَ صديقتك الجميلة إليزابيث.» إغواء تافرنيك
الفصل الرابع والعشرون أقرب إلى المأساة كانت كلمات التحية الفعلية التي تُبُودِلت بين إليزابيث والرجل الذي تسبَّب لها مجيئُه في كل تلك المشاعر المتأجِّجة؛ كلماتٍ غيرَ مؤثِّرة. انحنى الوافِد الجديد نحوها قليلًا، واضعًا أطرافَ أصابعه على مفرش الطاولة. كان شكله، عن قرب، أقبحَ مما كان عليه عندما رآه تافرنيك لأول مرة. كان شكله مَعيبًا؛ كان ثمةَ شيءٌ منحطٌّ قليلًا في عينَيه الغائرتَين وجبينه المنحسر الشعر. كما لم تكن تعبيراتُ وجهه جذَّابة. نظر إليها كرجل ينظر إلى الشيء الذي يكرهه. وقال: «ها أنتِ يا إليزابيث، أخيرًا قد أتت هذه المتعة!» فأجابت: «سمعتُ أنك عُدْتَ إلى إنجلترا. اجلِس أرجوك.» حتى ذلك الحين، لم تُغادر عيناها عينَيه. طوال الوقت بدا أنهما تتساءلان بشدة، وتبحثان عن شيءٍ في ملامحه استعصى عليهما. كان من المروِّع رؤيةُ التغيير الذي أحدثَته فيها الدقائقُ القليلة الماضية. فقدَ وجهُها الأملسُ النَّضرُ روعتَه. وبدا أن عينَيها، اللتَين كانتا دائمًا ضيقتَين إلى حدٍّ ما، قد أصبحتا غائرتَين. لقد كان مثلُ هذا التغيير حَريًّا بأن يُشعِر رجلًا شجاعًا، في مقتبل العُمر، بالخوف لأول مرة في حياته. قال وهو يتناول قائمة الطعام: «أنا سعيدٌ لأنني وجدتُكِ تتناولين العشاء. أنا جائع.» ثم أضافَ إلى النادل الذي كان يقف إلى جانبه: «يمكنكَ إحضار بعضِ شرائح اللحم المشوية على الفور، وبعض البراندي. لا شيءَ آخر.» انحنى النادل وأسرع مبتعدًا. عبثَت المرأة بمروحتها لكن أصابعها كانت ترتعش. قال: «أخشى أن مجيئي كان بالأحرى صدمةً لكِ. تُؤسفني رؤيتكِ مُنزعجةً إلى هذه الدرجة.» أجابت بشيءٍ من الشجاعة: «ليس الأمر كذلك. أنت تعرفني جيدًا لدرجة تجعلك لا تصدِّق أنني سأسعى إلى لقاءٍ كنتُ أخشاه. إنه الشيءُ الغريب الذي حدث لك خلال الأشهر القليلة الماضية … هذا العام الماضي. هل تعلم … هل أخبرَك أحد … أنه يبدو أنك أصبحتَ أكثر شبهًا … بصورة …» أومأ برأسه متفهِّمًا. «بصورة وينهام المسكين! الكثيرون قالوا لي ذلك. بالطبع، أنتِ تعلمين أننا كنا دائمًا متشابهَين بشكلٍ مخيف، وكانوا دائمًا يقولون إننا سنصبح أكثرَ تشابهًا في منتصف العمر. فرغم كل شيء، هناك عام واحد فقط بيننا. ربما كنا سنصبح توءمَين.» واصلَت المرأة ببطءٍ: «إنه أفظعُ شَبه رأيتُه في حياتي. عندما دخلتَ المطعم قبل بضع ثوانٍ، بدا لي أن معجزةً قد حدثَت. بدا لي أن الميت قد عادَ إلى الحياة.» غمغم الرجلُ وعيناه على مفرش الطاولة: «لا بد أنها كانت صدمة.» وافقَت بصوتٍ أجش: «لقد كانت كذلك. ألا يمكنك رؤيتُها في وجهي؟ أنا لا أبدو دائمًا امرأةً في الأربعين. ألا يمكنك رؤية الظلال الرمادية الموجودة في وجهي؟ كما ترى، أعترفُ لك بكل صراحة. لقد كنتُ مرعوبة … وما زلت مرعوبة!» فسألها: «ولماذا؟» كرَّرَت قوله وهي تنظر إليه بتساؤل: «لماذا؟ ألا يبدو لك شيئًا مرعبًا أن تُفكِّر في عودة الموتى إلى الحياة؟» نقرَ برفق على مفرش الطاولة مدةَ دقيقة بأصابع يدٍ واحدة. ثم نظر إليها مرةً أخرى. وقال: «هذا يتوقَّف على طريقة موتهم.» لم يكن لجلَّادٍ في العصور الوسطى أن يتلاعب بضحيته بمهارةٍ أكبر من ذلك. كانت المرأة ترتجفُ الآن، وتحافظ على بعض هدوئها الخارجي ولكن فقط من خلال بذل جهد مُضنٍ وغير طبيعي. سألت: «ماذا تقصد بذلك يا جيري؟ لم أكن حتى مع وينهام، عندما فُقِد. وعلى ما أعتقد، أنت تعرف كلَّ شيءٍ عن الموضوع وكيف حدث، أليس كذلك؟» أومأ الرجل برأسه متفكِّرًا. ثم قال معترفًا: «لقد سمعتُ الكثير من القصص. وقبل أن نترك الموضوع إلى الأبد، أودُّ أن أسمع القصة منكِ أنتِ، من شفتَيكِ.» كان هناك زجاجةُ شمبانيا على المنضدة، طُلِبَت في بداية الوجبة. لمسَت كأسها؛ فملأها النادل. ثم رفعَتها إلى شفتَيها وأعادتها فارغة. كانت أصابعها تمسك بمفرش المنضدة. قالت: «أنت تطلب مني طلبًا صعبًا يا جيري. ليس من السهل التحدُّث عن أي شيءٍ مؤلم إلى هذا الحد. منذ اللحظة التي غادرنا فيها نيويورك، كان وينهام غريبًا. شربَ الكثير على الباخرة. واعتاد أن يتحدَّث أحيانًا بطريقةٍ جامحة. ثم وصلنا إلى لندن. أصيبَ بنوبةِ هذيانٍ ارتعاشي. فاعتنيتُ به خلال ذلك وأخذتُه إلى الريف، إلى كورنوول. أخذنا كوخًا صغيرًا على أطراف قرية صيد … سانت كاثرين، هكذا كانت تُدعَى. وعشنا هناك في هدوءٍ بعضَ الوقت. في بعض الأحيان كانت أحواله تتحسَّن، وأحيانًا تسوء. وكان الطبيبُ في القرية لطيفًا جدًّا وكان كثيرًا ما يأتي لرؤيته. لقد أحضر صديقًا من البلدة المجاورة واتفقا على أنه مع الراحة التامة، سيكون وينهام أفضلَ قريبًا. كانت حياتي طوال الوقت بائسة. لم يكن يستطيع أن يكون بمفرده، ومع ذلك كان رفيقًا رهيبًا. قمت بأفضل ما في وُسعي. كنت أبقى معه نصفَ الوقت كلَّ يوم، وأحيانًا أكثر. كنت أبقى معه حتى بدأتْ صحتي أنا شخصيًّا تتدهور. وأخيرًا لم يعُد بإمكاني تَحمُّل العزلة. فأرسلتُ في طلب والدي. فجاءَ وعاشَ معنا.» غمغَم مستمعُها: «البروفيسور.» أومأت برأسها. وتابعَت: «لقد كان الأمر أفضلَ قليلًا بالنسبة إليَّ، باستثناء أن وينهام المسكين بدأ يستاء من والدي استياءً شديدًا. إلا أنه كان يكره الجميع، واحدًا تلو الآخر، حتى الطبيبَين، اللذين كانا يبذلان قُصارى جهدهما دائمًا من أجله. وذات يوم، أعترفُ أنني فقدتُ أعصابي. تشاجرنا؛ ولم أستطع كبْحَ جِماح نفسي … فقد أصبحَت الحياة لا تُحتمَل. فهُرعَ خارج المنزل … وكانت الساعة نحو الثالثة بعد الظهر. ولم أرَه منذ ذلك الحين.» كان الرجل ينظر إليها، وينظر إليها عن كثبٍ رغم أنه كان يطرف بعينَيه طوال الوقت. وسألها: «ماذا حدث له في رأيكِ؟ وماذا يعتقد الناس؟» هزَّت رأسها. وقالت: «الشيءُ الوحيد الذي كان يحرص على فعله هو السباحة. وقد عُثِرَ على ملابسه وقبعته في الخليج الصغير بالقرب من خيمتنا.» فسألَ الرجلُ: «هل تعتقدين، إذن، أنه قد غرق؟» أومأَت برأسها. بدا أن الكلام أصبح مؤلِمًا للغاية. وتابعَ رفيقُها وهو يصبُّ لنفسه كأسًا من البراندي: «الغرقُ ليس ميتةً لطيفة. ذات مرة كنتُ على وشك الغرق أنا نفسي.» ثم أضافَ: «المرءُ يكافح وقتًا قصيرًا ويفكِّر … نعم، يفكِّر!» رفعَ كأسه إلى شفتَيه ثم أعادها إلى الطاولة. وتابعَ: «رغم ذلك، فهي ميتة سهلة، سهلة للغاية. بالمناسبة، هل تلك الملابس التي عُثِرَ عليها الخاصةُ بوينهام المسكين هي نفسُها الملابس التي كان يرتديها عندما غادر المنزل؟» هزَّت رأسها. وأجابت: «لا يمكن لأحد أن يقول على وجه اليقين. لم ألحَظْ قط ما كان يرتديه. كان يرتدي دائمًا النوعيةَ نفسَها من الملابس، لكن كانت لديه تشكيلةٌ هائلة منها.» «وكان هذا قبل سبعة أشهر … سبعة أشهر.» فأقرَّت ذلك. فغمغَم قائلًا: «مسكينٌ وينهام. أظن أنه مات. ماذا ستفعلين يا إليزابيث؟» ردَّت قائلة: «لا أعرف. يجب أن أذهب قريبًا إلى المحامين وأطلبَ المشورة. لديَّ القليل جدًّا من المال المتبقِّي. لقد كتبتُ عدةَ مراتٍ إلى نيويورك له ولأصدقائه، لكن لم يصلني أيُّ رد. فرغم كل شيء يا جيري، أنا زوجته. لم يُحبَّ أحدٌ زواجي منه، لكنني زوجتُه. ولي الحقُّ في نصيبٍ من ممتلكاته إذا مات. أما إذا كان قد هجَرني، فبالتأكيد سيكون لي حقوق. أنا لا أعرف حتى مدى ثرائه.» ابتسم الرجل الذي كان بجانبها. قال: «أكثر ثراءً مني على أي حال. لكن إليزابيث!» «ماذا هناك؟» «كانت هناك شائعاتٌ أنه قبل مغادرتكما نيويورك، حوَّل وينهام مبالغَ كبيرة جدًّا من الأموال إلى خطاباتِ اعتماد وسندات، مبالغ كبيرة جدًّا بالفعل.» فهزَّت رأسها. وقالت: «كان لديه خطابُ اعتماد بنحو ألف جنيه على ما أعتقد. لم يتبقَّ سوى القليلِ جدًّا من المال الذي كان معه.» «وتجدين العيشَ هنا باهظَ التكاليف، على ما أعتقد؟» تنهَّدَت موافقةً وقالت: «باهظ جدًّا بالفعل. لقد كنتُ أتطلَّع إلى رؤيتك يا جيري. اعتقدتُ أنك، ربما، من أجل الأيام الخوالي، قد تنصحني.» ردَّد لنفسه بهدوءٍ: «من أجل الأيام الخوالي. إليزابيث، هل تُفكِّرين فيها أحيانًا؟» كانت إليزابيث قد بدأت تستعيدُ نفسها. كانت هذه لعبةً قد اعتادت على لعبها. من أجل الأيام الخوالي، حقًّا! بدا كأنه بالأمس فقط أن هذين الأخَوَين، اللذين اشتهَرا في تلك الأيام بكونهما أغنى شابَّين في نيويورك، كانا تحت قدمَيها. حتى هذه اللحظة، لم تكن محظوظة. ورغم ذلك، كانت لا تزال هناك فرصة. رفعَت بصرَها نحوه. بدا لها أنه قد بدأ يفقد رِباطة جأشه. نعم، كان هناك شيءٌ من البريق القديم في عينَيه! في يومٍ من الأيام كان يُحبها بجنونٍ بما فيه الكفاية. لا بد أنه لن يصبح مستحيلًا! قالت: «جيري، لقد أخبرتُكَ بهذه الأشياء. لقد كان الأمر مؤلمًا جدًّا جدًّا بالنسبة إليَّ. ألن تُحاول الآن وتكون لطيفًا؟ تذكَّر أنني وحيدةٌ تمامًا وكل هذا صعبٌ جدًّا عليَّ. لقد كنت أتطلعُ إلى قدومك. لقد فكَّرتُ كثيرًا في تلك الأوقات التي قضيناها معًا في نيويورك. ألن تكون صديقي مرة أخرى؟ ألن تساعدني لاجتياز تلك الأوقات المريرة؟» لمسَت يدُها يدَه. وللحظةٍ سحبَ يده بعيدًا كما لو كان قد لدَغه عقرب. ثم أمسكَ بأصابعها وأحكم قبضتَه عليها. فابتسمَت ابتسامةَ مَنْ تُدرك قوتها. كان الجمال يتدفق مرةً أخرى إلى وجهها. هذا المسكين، إذن فهو لا يزال مغرَمًا! كانت أصابعه التي أحكمَت على أصابعها تحترق. يا له من أمر مؤسف أنه لم يكن أكثر وسامةً قليلًا! تمتمَ قائلًا: «بلى، يجب أن نكون أصدقاءَ يا إليزابيث. كان وينهام يمتلك كلَّ الحظ في البداية. ربما يكون قد حان دوري الآن، أليس كذلك؟» ومالَ نحوها. فضحكَت في وجهه لحظةً ثم فجأةً شحبَ لونُها مرة أخرى، وتجمَّدَت الابتسامة على شفتَيها. وبدأت ترتجف. سأل: «ما الأمر؟ ما الأمر يا إليزابيث؟» تلعثمَت وهي تقول: «لا شيء، كلُّ ما هنالك أنني كنتُ أتمنى … كنت أتمنى حقًّا أنك لم تكن قريبَ الشبه بوينهام بهذا القدر. أحيانًا نبرة صوتك، الطريقة التي ترفع بها رأسك … هذا يُرعبني!» ضحكَ بغرابة. وقال: «يجب أن تعتادي على ذلك يا إليزابيث. فأنا لا أملك إلا أن أكون شبَهه كما تعلمين. لقد كنا صديقَين حميمَين دائمًا حتى أتيتِ. أتساءل لماذا فضَّلتِ وينهام.» أجابت متوسِّلة: «لا تسألني … أرجوك، لا تسألني هذا السؤال. حقًّا، أعتقد أنه تصادفَ وجوده هناك في اللحظة التي شعرتُ فيها بالرغبة في تغيير حياتي كلها، وفي مغادرة نيويورك والابتعاد عن كل الناس وبدءِ حياة جديدة تمامًا، واعتقدتُ أن وينهام يعني ذلك. اعتقدتُ أنني سأكون قادرةً على منعه من الشرب ومساعدته على بدء حياة جديدة تمامًا هنا أو في أوروبا.» قال: «يا لكِ من فتاة مسكينة! أخشى أن آمالكِ قد أُحبِطَت.» فتنهَّدَت. واستطردَت: «أنا مجرد بشر، كما تعلم. أخبرني الجميعُ أن وينهام كان مليونيرًا أيضًا. انظر كم استفدتُ منه. أنا شِبهُ مُفلِسة تمامًا، ولا أعرفُ إن كان حيًّا أم ميتًا، ولا أعرفُ ماذا أفعل للحصول على بعض المال. هل كان وينهام شديدَ الثراء يا جيري؟» ضحكَ الرجل. ثم قال مطمئِنًا إياها: «أوه، لقد كان شديدَ الثراء حقًّا! إنه لَأمرٌ فظيع أن تُترَكي هكذا. سنتحدَّث عن ذلك معًا الآن، أنتِ وأنا. وفي الوقت نفسه، يجب أن تسمحي لي بأن أكون البنك الخاص بك.» فهمسَت: «عزيزي جيري، كنت دائمًا كريمًا.» ذكَّرَها فجأة: «إنكِ لم تتحدَّثي عن المحتشِمة الصغيرة … عزيزتي الآنسة بياتريس.» فتنهَّدت إليزابيث. وقالت: «كانت بياتريس مصيبةً كبيرة من البداية. أنت تعرف كم كَرهتْ كِلَيكما … كانت مهذَّبةً بصعوبةٍ مع وينهام، ولم تكن لتأتيَ إلى أوروبا معنا لو لم يُصرَّ أبي على ذلك. أخذناها إلى كورنوول معنا وهناك أصبحَت غيرَ محتملة على الإطلاق. كانت دائمًا تتدخل بيني وبين وينهام وتتخيَّل أسخفَ الأشياء. وذات يوم تركَتنا دون كلمةِ تحذير. ولم أرها منذ ذلك الحين.» حدَّق الرجلُ بعبوس في طبقه. وتمتم: «لقد كانت فتاةً صغيرة غريبة. كانت صالحة، ويبدو أنها كانت تحبُّ أن تكون صالحة.» ضحكَت إليزابيث، ليس بسرور. وقالت: «أنت تتحدَّث كما لو كان بقيتُنا يختارون ألا يكونوا صالحين.» صبَّ لنفسه المزيدَ من البراندي. وقال: «فكِّري في الماضي. فكِّري في تلك الأيام في نيويورك، والحياة التي عشناها، والأشياء الجامحة التي ارتكبناها أسبوعًا بعدَ أسبوع، وشهرًا بعد شهر، والدائرة الأبدية نفسِها من تحويل الليل إلى نهار، والمحاولة المستميتة في كلِّ مكان من أجل العثور على مَلذَّات جديدة، وتحليل الرذائل إلى أجزاء صغيرة مثل الأطفال الذين يُحاولون استكشافَ ما بداخل ألعابهم.» قاطعَته قائلة: «أنا لا أحبُّ حالتك المزاجيةَ على الإطلاق.» دقَّ بأصابعه على مفرش المنضدة للحظة. ثم قال: «كنا نتحدَّث عن بياتريس. إذن، فأنت لا تعرفين حتى أين هي الآن؟» صرَّحت إليزابيث: «ليس لديَّ أيُّ فكرة.» سأل: «هل ظلَّت معكِ مدةً طويلة في كورنوول؟» عبثَت إليزابيث بكأس النبيذ الخاصة بها برهةً. ثم اعترفَت: «ظلَّت هناك نحوَ شهر.» فسألها: «ولم توافق على الطريقة التي تتصرفين بها أنتِ ووينهام؟» «على ما يبدو لا. لقد تركَتنا على أي حال. لم تفهم وينهام على الإطلاق» وتابعَت إليزابيث: «لن أندهشَ إذا سمعتُ أنها تعمل ممرضةً في مستشفًى، أو تتعلم الكتابة على الآلة الكاتبة، أو موظفةً في مكتب. كانت شابةً ذات أفكار كئيبة، رغم أنها كانت أختي.» اقتربَ منها قليلًا. وقال: «إليزابيث، لن نتحدَّث بعد الآن عن بياتريس. لن نتحدَّث بعد الآن عن أي شيء باستثناء أنفسنا.» فسألتْه بنعومة: «هل أنت مسرورٌ حقًّا لرؤيتي مرة أخرى يا جيري؟» أجابها بصوتٍ هامس: «لا بد أنكِ تعرفين ذلك يا عزيزتي. لا بد أنكِ تعرفين أنني أحببتُكِ دائمًا، وأنني عشقتُكِ. أوه، لقد عرَفتِ ذلك! لا تقولي إنكِ لم تفعلي. كنتِ تعرفين يا إليزابيث!» نظرت إلى مفرش المنضدة. واعترفَت برقَّة: «نعم، كنت أعرف ذلك.» فواصلَ قائلًا: «ألا يمكنكِ تخمينُ ما يُمثله لي أن أراكِ مرة أخرى هكذا؟» فتنهَّدَت. «إنه يمثِّل لي الكثير، أيضًا، أن أشعر أن لديَّ صديقًا في الجوار.» قال: «تعالي، إنهم يُطفئون الأنوار هنا. تريدين أن تعرفي ممتلكات وينهام. اسمحي لي أن أصعد معكِ إلى الطابَق العلويِّ بعضَ الوقت وسأخبركِ بقدر ما تُسعفُني الذاكرة.» دفعَ الفاتورة وساعدها في ارتداء عباءتها. بدَت أصابعُه وكأنها بقعٌ مشتعلة على لحمها. صعدا في المصعد. وفي الممرات جذبَها إليه وبدأتْ ترتجف. تلعثمَت وهي تنظر في وجهه وتقول: «ما هو الغريب فيك يا جيري؟ أنت تُخيفني!» «هل أنتِ سعيدة برؤيتي؟ قولي لي، هل أنتِ سعيدة برؤيتي؟» فهمسَت: «نعم، أنا سعيدة.» تردَّدَت خارج باب شقتها. واقترحَت بصوتٍ خافت: «ربما … أليس من الأفضل لو أتيتَ غدًا صباحًا؟» مرةً أخرى لمسَتها أصابعُه، ومرةً أخرى بدا أن هذا الشعور غير العادي بالخوف يُجمِّد الدم في عروقها. أجابَ: «لا، لقد أرجأتُكِ مدةً كافية! يجب أن تسمحي لي بالدخول، يجب أن تتحدَّثي معي مدةَ نصف ساعة. وأعدك أنني سأذهب بعدها. نصف ساعة! إليزابيث، ألم أنتظر ذلك منذ الأزل؟» أخذ المفاتيح من أصابعها وفتحَ الباب وأغلقه مرةً أخرى خلفهما. قادته إلى غرفة الجلوس. كان المكان كلُّه مظلمًا لكنها أشعلت الضوءَ الكهربائي. انزلقت العباءة من فوق كتفَيها. فأخذ يدَيها ونظر إليها. وهمسَت: «جيري، يجب ألَّا تنظر إليَّ هكذا. أنت تُرعِبني! دعني أذهب!» انتزعَت نفسها بجهد. وتراجعَت إلى ركن الغرفة، بقدر ما تستطيع أن تبتعدَ عنه. كان قلبها يخفق بشدة. بطريقةٍ أو بأخرى، لم يكن أيٌّ من هذين الشابَّين، اللذين أثَّرَت في حياتهما تأثيرًا شديدًا مكَّنها من أن تأخذ منهما كلَّ ما تريد، قد جعل قلبها يخفقُ بهذا الشكل من قبل. تساءلت ماذا كان الخَطْب؟ ماذا كان معنى ذلك؟ لماذا لم يتكلم؟ لم يفعل شيئًا سوى النظر، وقالت عيناه أشياءَ لا يمكن الإفصاحُ عنها. هل كان غاضبًا منها لأنها تزوجَت من وينهام، أم أنه يلومها لأن وينهام قد رحل؟ كان ثمة شغفٌ في وجهه، لكن يا له من شغف! ربما رغبة، ولكن ماذا أيضًا؟ أمسكَت ببرقيةٍ مُلقاة على مكتبها وفتحَتها. لقد كانت هروبًا لبرهة. قرأت الكلمات وحدَّقت فيها وقرأتها بصوت عالٍ غير مُصدِّقة. كانت من والدها. «جيري جاردنر أبحرَ إلى نيويورك اليوم.» نظرَت إلى الرجل، وبينما تنظر إليه شحبَ وجهُها وسقطَت الورقة الرقيقة من بين أصابعها التي فقدت الحياةَ على الأرض. ثم بدأ يضحك وعرَفَت. صرخَت: «وينهام! وينهام!» كان وجهُه يُنبئ بالقتل، وحتى ضحكتُه كانت تكاد تُنبئ بالقتل. فأجابَ: «زوجُكِ المُحِب!» قفزَت نحو الباب ولكن حتى أثناء تحركها سمعَت صوتَ إغلاق الترباس. ولمسَ المفتاح الكهربائي فغرقَت الغرفة فجأةً في الظلام. وسمعته يقترب منها، وشعرت بأنفاسه الساخنة على خدها. قال هامسًا: «زوجتي المُحِبة! أخيرًا!» إغواء تافرنيك
الفصل الخامس والعشرون المجنون يتحدَّث أضاءَ تافرنيك النور. وتمكَّن بريتشارد، بقفزةٍ سريعة إلى الأمام، من إحكام القبض على وينهام حول خصره وسحبه بعيدًا. كانت إليزابيث قد أُغمي عليها؛ واستلقت على الأرض ووجهُها بلون الرخام. وجَّه بريتشارد أوامره قائلًا: «أَحضِر بعضَ الماء وأَلْقِه عليها.» أطاعَ تافرنيك. وفتحَ النافذةَ وسمحَ بدخولِ تيار من الهواء. وفي غضونِ لحظة أو اثنتَين تحركَت المرأة ورفعَت رأسها. قال بريتشارد: «اعتنِ بها دقيقةً. سوف أحبس هذا الشرس في الحمام.» حمل بريتشارد سجينه للخارج. وانحنى تافرنيك على المرأة التي بدأت تستعيدُ وعيها ببطءٍ. سألت بصوتٍ أجشَّ: «أخبرني عما حدث. أين هو؟» أجابَ تافرنيك: «محبوسٌ في الحمام. بريتشارد يتولَّى أمره. ولن يتمكَّنَ من الخروج.» تلعثَمت وهي تقول: «هل تعرف مَنْ يكون؟» أجابَ تافرنيك: «لا أعرفُ. هذا ليس من شأني. أنا هنا فقط لأن بريتشارد توسَّل إليَّ أن آتي. كان يعتقد أنه ربما يحتاج إلى مساعدة.» تعلَّقَت بأصابعه. وسألت: «أين كنت؟» «في الحمام عند وصولكما. ثم أغلقَ الباب خلفه واضطُرِرنا إلى الدوران من خلال غرفة نومكِ.» «كيف اكتشف بريتشارد ذلك؟» أجابَ تافرنيك: «لا أعرف شيئًا البتة. كلُّ ما أعرفه أنه أطلَّ من خلال النقش الشبكي ورآكما جالسَين على العشاء.» ابتسمَت بضَعف. وقالت: «لا بد أنها كانت صدمةً له. لقد كان مقتنعًا خلال الأشهر الستة الماضية أنني قتَلتُ وينهام، أو تخلَّصتُ منه بطريقةٍ أو بأخرى. ساعِدني على النهوض.» ترنَّحَت وهي تحاول النهوض على قدمَيها. وساعدها تافرنيك حتى جلسَت على كرسيٍّ مريح. ثم دلفَ بريتشارد. وقال: «إنه آمنٌ تمامًا، جالس على حافة الحمام يلعب بدمية.» فارتجفت. وقالت: «ماذا يفعل بها؟» أجابَ بريتشارد بسخرية: «أراني بالضبط، بدبُّوس، أين كان يريد أن يطعنك.» ثم تابعَ: «والآن، يا سيدتي العزيزة، يبدو لي أنني قد ظلمتُكِ في شيءٍ واحد، على أي حال. اعتقدتُ بالتأكيد أنكِ ساعدتِ في إراحة العالم من ذلك الشاب. من أين أتى؟ ربما يمكنكِ إخباري بذلك.» هزَّت كتفَيها. وقالت: «أعتقدُ أنني أستطيع أن أفعل ذلك. اسمَع، لقد رأيتُ كيف كان حاله الليلة، لكنك لا تعرف ما معنى العيش معه. كان جحيمًا!» واستأنفَت وهي تنتحب: «كان جحيمًا حقًّا! كان يشرب، ويتعاطى المخدرات، كان كلُّ ما يستطيع خادمُه أن يفعله هو إجباره على ارتداء ملابسه. كان مستحيلًا. كان يمتصُّ مني رحيقَ الحياة.» قال بريتشارد موجِّهًا إياها: «استمري.» وتابعَت قائلة: «ليس هناك الكثير لأقوله. وجدتُ منزلًا في مزرعة قديمة … المكان الأكثر عزلةً في كورنوول. وانتقلنا إلى هناك، وتركتُه هناك … مع ماذرز. ووعدتُ ماذرز بأنه سوف يحصل على عشرين جنيهًا في الأسبوع عن كل أسبوع يُبقي سيدَه بعيدًا عني. فاحتجزه بعيدًا مدةَ سبعة أشهر.» سألَ بريتشارد: «وماذا عن قصتكِ … عن اختفائه أثناء السباحة؟» قالت بتحدٍّ: «أردتُ أن يعتقد الناس أنه مات. كنتُ أخشى أنه إذا وجدتَه أنت أو أقاربه، فسأُضطرُّ إلى أن أعيش معه أو أتخلى عن المال.» أومأ بريتشارد برأسه. «والليلة كنت تعتقدين …» تابعت: «كنت أعتقدُ أنه شقيقه جيري. كان الشبهُ بينهما مدهشًا دائمًا، كما تعرف. وقيل لي إن جيري كان في المدينة. فشعرتُ بالتوتر، بطريقةٍ ما، وأرسلتُ برقيةً لماذرز. وتلقيتُ ردَّه الليلة الماضية فقط. لقد ذكرَ أن وينهام كان آمنًا ومرتاحًا تمامًا، ولم يكن حتى قلقًا.» قال بريتشارد: «تلك البرقية أرسلها وينهام نفسُه. أعتقدُ أن من الأفضل أن تسمعي ما لديه.» فتراجعَت منكمشة. «لا. لا أستطيع تحمُّلَ رؤيته مرة أخرى!» وأصرَّ بريتشارد: «أعتقدُ أن من الأفضل أن تفعلي. يمكنني أن أؤكِّد لكِ أنه لن يؤذيَكِ على الإطلاق. سأضمن لكِ ذلك.» غادر الغرفة. وسرعان ما عاد متأبطًا ذراعَ وينهام جاردنر. وكان الأخير يبدو كأنه طفلٌ مدلَّل ألحقَ به العار. جلسَ متجهمًا على كرسيٍّ وهو يُحدِّق في كل الموجودين. ثم أخرجَ دُمية صغيرةً مجعَّدة، ملفوفًا حول رقبتها خيطٌ أسود من القطن، وبدأ يؤرجِحُها أمامه، وهو يضحك على إليزابيث طوال الوقت. سأل بريتشارد: «أخبرنا، ماذا حدث لماذرز؟» توقَّفَ عن أرجحة الدمية، وارتجفَ للحظة، ثم ضحك. وقال: «أنا لا أمانع. أعتقد أنني لا أمانع في إخباركم. أترى، أيًّا كان وضعي عندما فعلتُ ذلك، فأنا مجنونٌ الآن … مجنون تمامًا. صديقي بريتشارد هنا يقول إنني مجنون. لا بد أنني مجنونٌ وإلا لم أكن لأحاولَ إيذاء تلك السيدة الجميلة العزيزة هناك.» كان يُحدِّق في إليزابيث، التي انكمشَت في مقعدها. وواصلَ قائلًا: «لقد هرَبَتْ مني منذ مدة، سئمَتْ مني حَدَّ الموت. ظنَّت أنها حصلَت على كل أموالي. لكنها لم تفعل. هناك المزيدُ والمزيد من الأموال. هربَت وتركتني مع ماذرز. كانت تدفع له أجرًا أسبوعيًّا كبيرًا لتضمنَ صمتي، حتى لا يسمح لي بالذَّهاب إلى أي مكان خشيةَ أن أتحدَّث، ولإبقائي بعيدًا عنها حتى تتمكَّن من العيش هنا ورؤية جميع أصدقائها وإنفاق أموالي. في البداية لم يكن لديَّ مانع، ثم بدأتُ أمانع، وغضبتُ من ماذرز، ولم يكن ماذرز ليسمح لي بالمغادرة، لذلك منذ ثلاث ليالٍ قتلته.» سرَتْ بين الجميع رجفةٌ من الرعب. وبدأ وينهام جاردنر يُقلِّب بصره من واحد إلى الآخر. وبدا أن خوفهم المتدرج قد وصلَ إليه. فصاحَ قائلًا: «ماذا تقصدون بأن تَبْدوا بهذا الشكل؟ ما المشكلة؟ كان مجردَ خادم لي. أنا وينهام جاردنر، المليونير. لن يضعَني أحدٌ في السجن بسبب ذلك. إلى جانب ذلك، لم يكن يجدرُ به أن يحاول إبعادي عن زوجتي. على أي حال، هذا لا يهم. أنا مجنونٌ للغاية. والمجانين يستطيعون أن يفعلوا ما يحلو لهم. يجب أن يُحجَزوا في مستشفًى للأمراض العقلية مدة ستة أشهر، وبعد ذلك يتماثلون للشفاء تمامًا ويبدَءون من جديد. لا أمانع في أن أكون مجنونًا مدة ستة أشهر.» ثم قال متذمرًا: «إليزابيث، تعالَي وكوني مجنونةً أنتِ أيضًا. لم تكوني لطيفةً معي. هناك الكثير من المال … الكثير. ارجعي بعضَ الوقت وسأريكِ.» سأل بريتشارد: «كيف قتلتَ ماذرز؟» أوضحَ وينهام جاردنر: «لقد طعَنتُه عندما كان ينحني إلى أسفل. كما ترى، عندما تركتُ الكلية اعتقدَ والدي أنَّ من مصلحتي أن أفعل شيئًا. وأجرؤ على قولِ إنه كان على حق، لكنني لم أرد أن أفعل شيئًا. درَستُ الجراحة مدة ستة أشهر. والشيء الوحيد الذي أتذكَّره هو كيفية قتلِ رجلٍ من خلف الكتف اليُسرى. تذكَّرتُ هذا. وكان ماذرز رجلًا بَدينًا، وانحنى حتى كاد معطفه أن ينفجر. فما كان مني إلا أن مِلْت نحوه واخترتُ البقعة المحددة، فانهار تمامًا.» ثم استأنفَ قائلًا: «أتوقَّع أنك ستجدُه لا يزال في مكانه. لا أحدَ يقترب من المكان أيامًا وأيامًا. اعتاد ماذرز على تركي محبوسًا والقيام بكلِّ التسوق بنفسه. أتوقع أنه يرقدُ هناك الآن. يجب أن يذهب شخصٌ ما ليتفقد الوضع.» كانت إليزابيث تنشِجُ بهدوء. وشعر تافرنيك بجبينه يتفصَّد عرقًا. كان هناك شيءٌ مروع في الطريقة التي يتحدَّث بها هذا الشاب. وتابعَ وينهام: «لا أفهم لماذا تَبْدون جميعًا بهذه الجدِّية. لن يؤذيَني أحدٌ بسبب هذا. أنا مجنونٌ الآن. كما ترون، أنا ألعبُ بهذه الدُّمية. الرجال العقلاء لا يلعبون بالدُّمى. رغم ذلك، آمُل أن يُحاكموني في نيويورك. فأنا مشهورٌ في نيويورك. وأعرفُ كلَّ المحامين والمحلفين. أوه، إنهم يفعلون كل أنواع الحيل في نيويورك!» ثم التفتَ فجأةً إلى بريتشارد وسأله: «قل لي، هل تعتقد أنهم سيُحاكمونني هنا؟ لن أشعر بالراحة هنا.» توسَّلَت إليزابيث قائلةً: «خُذوه بعيدًا. خذوه بعيدًا.» فأومأ بريتشارد برأسه. وقال: «اعتقدتُ أنه من الأفضل أن تسمعي. سوف آخذُه بعيدًا الآن. سأرسل برقية إلى مركز الشرطة في سانت كاثرين. من الأفضل أن يذهبوا ويرَوا ما حدث.» أخذَ بريتشارد أسيره مرةً أخرى من ذراعه. فقاوم الشاب بعنف. وصرخ: «أنا لا أحبك يا بريتشارد. لا أريد أن أذهب معك. أريد أن أبقى مع إليزابيث. أنا لا أخاف منها حقًّا. أعلم أنها تريد قتلي، وأنها ذكية جدًّا … أوه، إنها ذكية جدًّا! أودُّ البقاء معها.» قاده بريتشارد بعيدًا. وقال: «سنرى ذلك لاحقًا. من الأفضل أن تأتيَ معي الآن.» أُغلق الباب خلفهم. وترنَّح تافرنيك في مشيته. وقال: «عليَّ أن أذهب. عليَّ أن أذهب أنا أيضًا.» كانت إليزابيث تنشج بهدوء. وبدَت أنها لا تكاد تسمعُه. ثم استدار تافرنيك مرةً أخرى وهو على عتبة الباب. وسألها: «ذلك المال، المال الذي كنتِ ستُقرضينني إياه … هل هو ماله؟» نظرَت إلى أعلى وأومأت برأسها. ثم خرجَ تافرنيك ببطءٍ. إغواء تافرنيك
الفصل السادس والعشرون أزمة كان بريتشارد أولَ زائر تَوجَّه إلى منزل تافرنيك. كانت الساعة قد أوشكت على الثامنة من صباح الليلة نفسِها. جلسَ تافرنيك، بعينَين غائرتَين ومذهولتَين، على الأريكة وحدَّق عبر الغرفة. وصاحَ: «بريتشارد! عجبًا، ماذا تريد؟» وضعَ بريتشارد قبعتَه وقفازاته على الطاولة. كان قد استوعبَ من أول نظرة سريعة بالفعل كلَّ تفاصيل الشقة الصغيرة. كان المعطف والقبعة اللذان كان يرتديهما تافرنيك في الليلة السابقة بجانبه. وكانت المائدة لا تزال مُعَدَّة لإحدى وجبات اليوم السابق. وبصرف النظر عن هذه الأشياء، أكَّدت له نظرةٌ واحدة أن تافرنيك لم يمَسَّ جفنَه النومُ. سحبَ بريتشارد كرسيًّا مريحًا وجلسَ بروية. ثم قال: «صديقي الشاب، لقد استنتجت أنك بحاجةٍ إلى المزيد من النصائح.» نهضَ تافرنيك على قدمَيه. وجفلَ من انعكاس صورته في المرآة. كان شعره مُجعَّدًا، وربطةُ عنقه مفكوكة، وكانت آثار ليلة العذاب الماضية واضحةً للغاية عليه. فشعر أنه في وضع لا يُحسَد عليه. سألَ: «كيف وجدتني؟ أنا لم أعطكِ عنواني قطُّ.» ابتسمَ بريتشارد. وقال: «حتى في هذا البلد، مع القليل من المساعدة، تصبح هذه الأشياء سهلةً بما فيه الكفاية. لقد فكَّرتُ أنك ستكون في أزمة هذا الصباح. كما تعلم، يا تافرنيك، أنا لستُ رجلًا كثير الكلام، لكنك شخصٌ صالح. لقد كنت معي مرتَين في الوقت الذي كنت سأفتقدك إذا لم تكن موجودًا.» بدا أن تافرنيك قد فقدَ القدرة على الكلام. وعادَ مرة أخرى إلى مكانه على الأريكة. وانتظر ببساطة. وتابعَ بريتشارد بحماس: «كيف بحق الجحيم تورَّطتَ في حياة هذا الثلاثي الودود، لا أستطيع أن أتخيَّل! أستميحُك عذرًا، أنا لا أقول كلمة واحدة ضد الآنسة بياتريس. كلُّ ما يدهشني هو أنك وهي ما كان يجب أن تجتمعا معًا، أو، حتى إذا اجتمعتما، ما كان يجب أن تتبادلا كلمةً واحدة. كما ترى، أنا هنا لأقول الحقيقة الواضحة. فأنت، من وجهة نظري، نموذجٌ للشاب البريطاني الصلب العنيد من الطبقة المتوسطة. وهؤلاء الأشخاص الثلاثة الذين تحدَّثتُ عنهم، ينتمون — ربما الآنسة بياتريس، بسبب الظروف — لكنهم ما زالوا ينتمون إلى أرض بوهيميا. ومع ذلك، عندما يتغلب المرءُ على مفاجأة كونِك على علاقة حميمة مع الآنسة بياتريس، يُفاجئه شيءٌ أكثرُ إثارةً للدهشة. أنت، رغم الفطرة السليمة التي تظهر في كل مكان في وجهك، كنتَ مستعدًّا في أي لحظة، وفي رأيك أنك مستعدٌّ الآن، لأن تجعلَ من نفسك شخصًا أحمق تمامًا بسبب إليزابيث جاردنر.» لا يزال تافرنيك صامتًا. فنظر إليه بريتشارد بفضول. وتابعَ يقول: «اسمع، لقد جئتُ إلى هنا لأقدم لك خدمة، إذا استطعت. على حَدِّ علمي في الوقت الحاضر، هذه الشابة الجميلة لم تخالف القانون ولم تخرج عليه. ولكن انظر يا تافرنيك، لقد خالفَت كلَّ ما هو لائقٌ ومستقيم طَوال حياتها. وتزوجَت ذلك المخلوق المسكين من أجل ماله، ووهبت نفسها عمدًا لإفقاده عقله. إن مأساة الليلة الماضية كانت فَعْلتَها، وليست فَعْلته، رغم أن هذا الشيطان المسكين، سيقضي ما بقي من حياته في مستشفى الأمراض العقلية، وهذه المرأة ستستولي على أمواله لتزدادَ جمالًا بها. والآن، سوف أطلعك على كواليس المشهد يا صديقي الشاب.» ثم نهضَ تافرنيك على قدمَيه. وبدا أنه قد صار أطولَ قامةً في هذه الغرفة الصغيرة المتهالكة. وضربَ الطاولة الضعيفة بقبضته المشدودة حتى تأرجحَت الأواني الفخارية المرصوصة عليها. كان بريتشارد معتادًا على رؤية الرجال — الرجال الأقوياء أيضًا — تحرِّكهم عواطفُ شتَّى، ولكن بدا أنه يرى أشياءَ مختلفةً في وجه تافرنيك. صاحَ تافرنيك: «بريتشارد، أنا لا أريد أن أسمع كلمة أخرى!» فابتسمَ بريتشارد. وقال: «اسمعني هنا، ما سأقوله لك هو الحقيقة. ما سأقوله لك كنتُ سأقوله في أقربِ وقتٍ في حضور السيدة لو كانت هنا.» اتخذَ تافرنيك خطوةً للأمام وأدرك بريتشارد فجأةً الرجلَ الذي ألقى بنفسه من خلال تلك الفتحة الصغيرة في الجدار، وحده مقابل ثلاثة، دون أن يفكِّر في الخطر. وصاحَ تافرنيك بصوتٍ أجشَّ: «إذا قلت كلمة واحدة أخرى ضدها، فسأطردك من الغرفة!» حدَّقَ بريتشارد في وجهه. كان هناك شيءٌ مدهش في موقف هذا الشاب، وهو شيءٌ لم يستطع إدراكه بالكامل. كان يرى أيضًا أن كلمات تافرنيك كانت قليلةً جدًّا ببساطة؛ لأنه كان يرتجف تحت تأثير عاطفة جياشة. أعلن بريتشارد ببطء: «إذا كنتَ لن تُنصت، فأنا لن أتحدث. ورغم ذلك، أعتقدُ أنك لا زلت تتمتع بمنطق سليم. ولديك القدرة الطبيعية على الحُكم على الصواب والخطأ، ومعرفة متى يكون الرجل أو المرأة صادقًا. أريد أن أنقذك …» صاحَ تافرنيك: «صَه!» وتابعَ وهو يتنفسُ بشكل طبيعي أكثر قليلًا الآن: «اسمع يا بريتشارد، لقد أتيتَ إلى هنا قاصدًا أن تفعل الشيء الصحيح … أعرفُ ذلك. أنت شخصٌ جيد، لكنك فقط لا تفهم. أنت لا تفهم نوع الشخص الذي أنا عليه. عمري أربعة وعشرون عامًا، وقد عملتُ من أجل عيشي هنا في لندن منذ أن كان عمري اثني عشرَ عامًا. كنتُ رجلًا، فيما يتعلق بالعمل والاستقلال، في الخامسة عشرة من عمري. ومنذ ذلك الحين وأنا أبذل قُصارى جهدي، وقد عشتُ على الكفاف، وربحتُ القليل من المال حيث لم يبدُ ذلك ممكنًا. لقد شقَقتُ طريقي بصعوبةٍ إلى مناصبَ بدا أنه لا يمكن لأحدٍ أن يفكِّر في إعطائي إياها، لكنني عشتُ طَوال الوقت في ركن صغير من العالَم … مثلما ترى.» وفجأة رسمَ بإصبعه دائرة في الهواء. ثم تابعَ: «أنت لا تفهم … لا يمكنك ذلك، ولكن ها هو الوضع. لم أتحدَّث إلى امرأةٍ قط حتى تحدَّثتُ إلى بياتريس. وجعلتْني الصدفةُ صديقها. وبدأتُ أفهم القشور الخارجية من بعض تلك الأشياء التي لم أحلم بها من قبل. لقد ساعدَتني على حقٍّ من نَواحٍ كثيرة. بدأتُ في القراءة والتفكير واستيعابِ أجزاء صغيرة من العالم الحقيقي. كان كل شيءٍ رائعًا. ثم جاءت إليزابيث. التقيتُ بها أيضًا عن طريق المصادفة … لقد جاءت إلى مكتبي من أجل منزل … إليزابيث!» وجدَ بريتشارد الانخفاضَ المفاجئ لصوت تافرنيك، ولِين ملامحه، شيئًا يكادُ يكون مثيرًا للشفقة. قال تافرنيك ببساطة: «لا أعرفُ كيف أتحدَّث عن هذه الأشياء. هناك أدبياتٌ تم الوصول إليها من قِبَل الكتاب المقدس إلى الآن، ممتلئةٌ عن آخرها بهذا الشيء وحده. إنه قديمٌ قِدمَ التلال. أعتقدُ أنني الرجل العاقل الوحيد في هذه المدينة الذي لا يعرف شيئًا عنه؛ لكني لم أعرف شيئًا عنه حقًّا، وكانت هي أولَ امرأة. أنت تفهم الآن. لا أستطيع سَماع كلمة ضدها … لن أفعل! قد تكون ما تقولُه. إذا كان الأمر كذلك، فعليها أن تُخبرني بذلك بنفسها!» «هل تقصد أنك ستُصدِّق أيَّ قصة تحب تأليفها؟» أجابَ تافرنيك: «أقصدُ أنني ذاهبٌ إليها، وليس لديَّ أيُّ فكرة على الإطلاق عما سيحدث — هل سأصدقها أم لا.» وواصلَ حديثه مستعيدًا شخصيتَه الحقيقية بعد أن انتهَت ضغوط الكلام غير المألوف: «أستطيع أن أرى ما هو رأيك بي. سأخبرك بشيءٍ سيُبين لك أنني أدركُ الكثير. أعرفُ الفرق بين بياتريس وإليزابيث. منذ أقلَّ من أسبوع، طلبتُ من بياتريس أن تتزوجني. كانت هذه هي الطريقةَ الوحيدة التي استطعتُ التفكيرَ فيها، الطريقة الوحيدة لقتل الحُمَّى.» سأل بريتشارد بفضول: «وبياتريس؟» أجابَ تافرنيك: «رفضَت. برغم كل شيء، لماذا عساها أن توافق؟ ما زال لديَّ طريقٌ طويل لشقِّه بعد. ولا أستطيع أن أتوقَّع من الآخرين أن يُؤمنوا بي كما أومن بنفسي. كانت لطيفةً لكنها رفضَت.» أشعلَ بريتشارد سيجارًا. وقال: «اسمع يا تافرنيك، أنت شابٌّ صغير، والحياة لا تزال أمامك والحياة شيء كبير. أَفرِغ عقلك من تلك الأفكار الرومانسية، وشمِّر عن ساعِدَيك وانطلِقْ في طريقك. أنت لستَ من هؤلاء الضعفاء الذين يحتاجون إلى همساتِ امرأةٍ في آذانهم لتحفيزهم على المضيِّ قُدمًا. يمكنك العمل بدون ذلك. إنه مجرد فصلٍ في حياتك — مرور هؤلاء الأشخاص الثلاثة. منذ بضعة أشهر، لم تكن تعلم شيئًا عنهم. دَعْهم يذهَبوا. وعُدْ إلى حيث كنت.» ثم ضحكَ تافرنيك لأول مرة — ضحكة بدَت طبيعية. وقال: «هل سبقَ لك أن وجدتَ رجلًا يمكنه فعلُ ذلك؟ تعطي الشمعة ضوءًا جيدًا في بعض الأحيان، لكنك لن تظنَّ أنها صاحبةُ الإضاءة الأعلى أبدًا بعد أن ترى الشمس. لا تهتمَّ بأمري يا بريتشارد. ومع ذلك، فسأبذل قُصارى جهدي، ولكنَّ هناك شيئًا واحدًا لن يُغيِّره شيءٌ أبدًا. سأجعل تلك المرأة تحكي لي قصتها، وسأنصت إلى الطريقة التي تقولها بها لي. أنت تعتقد أنني أحمقُ فيما يتعلق بالنساء. وأنا كذلك بالفعل، ولكن لديَّ نعمة عظيمة مُنِحَت للحمقى … إنهم يستطيعون أن يُفرِّقوا بين الصدق والكذب. نوع من الموهبة الفطرية على ما أعتقد. سوف تُخبرني إليزابيث بقصتها وسوف أعرف، عندما تُخبرني إياها، ما إذا كانت كما تقول أنت، أم كما بدت لي.» مَدَّ بريتشارد يده. وقال: «أنت نوعٌ غريب يا تافرنيك. أنت تأخذ الحياة بجِدية زائدة. كلُّ ما أتمناه أن تحصل منها على كلِّ ما تتمنَّى. الوداع!» فتحَ تافرنيك النافذة بعد أن غادر زائرُه، ومالَ عليها بضعَ دقائق، سامحًا للهواء العليل بالدخول إلى الغرفة المغلقة المكتومة. ثم صعدَ إلى الطابق العلوي، واغتسل وبدَّل ثيابه، وحاولَ تناول طعام الإفطار، ثم اطلع على خطاباته بدقة منهجية. وفي الساعة الحادية عشرة، انطلقَ في رحلته. إغواء تافرنيك
الفصل السابع والعشرون تافرنيك يختار ظلَّ تافرنيك ينتظر في ردهة ميلان كورت مدةَ نصف ساعة على الأقل قبل أن تستعدَّ إليزابيث لرؤيته. تجوَّل في المكان بلا هدف وهو يراقب الناس يأتون ويذهبون، ويطلُّ على الفِناء الخارجي المُعلَّقة فيه الزهور، غيرَ مدرِكٍ لنفسه ولمهمته التي جاءَ من أجلها بشكل عجيب، وغيرَ قادر على تركيز أفكاره للحظة، ومع ذلك كان مفعَمًا طَوال الوقت بالإحساس الباهت والمضطرب لشخص يتحرك في المنام. بين الحين والآخر يسمع أجزاءً من الحديث من الخدم والمارة، تُشير إلى حادثة الليلة الماضية. التقطَ جريدة لكنه ألقى بها بعد إلقاء نظرةٍ عابرة على الفِقرة. لقد رأى ما يكفي لإقناعه أنه في الوقت الحاضر، على أي حال، بدَت إليزابيث واثقةً من قدرٍ معين من التعاطف. كانت سيرة حياة المسكين وينهام جاردنر قد سُجِّلَت كتابةً، مع القليل من التخفيف، والقليل من الرحمة. أفعاله السيئة في باريس، وحياته في نيويورك، تحدَّثت عن نفسها. استُشْهِد به كنمطٍ معيَّن من الأشخاص، شخص فاسد متهتِّك منغمس في الملذَّات، والجريمة بالنسبة إليه استرخاءٌ والرذيلة عادة. لم يكن تافرنيك ليقرأ أكثرَ من ذلك. ربما كان كل هذه الأشياء، ومع ذلك فقد أصبحت زوجته! أخيرًا جاءت الرسالة التي كان ينتظرها. كالعادة، قابلته خادمتُها عند باب جَناحها وأدخلَته. كانت إليزابيث ترتدي ثوبًا بسيطًا للغاية يُلائم الموقف، ويوحي حتى بالحداد بلونه الرمادي. رحَّبت به بابتسامة مثيرة للشفقة. وقالت: «مرة أخرى يا صديقي العزيز، يجبُ أن أشكرك.» احتضنت أصابعُها أصابعه وابتسمَت في وجهه. ووجدَ تافرنيك نفسه غيرَ متجاوبٍ معها بشكل غريب. كانت الابتسامةَ نفسَها، وكان يعلم جيدًا أنه هو نفسُه لم يتغيَّر، ومع ذلك بدا كما لو أن الحياة نفسَها كانت متوقفة مؤقتًا بالنسبة إليه. وتابعَت: «أنت أيضًا تبدو متجهمًا هذا الصباح، يا صديقي.» ثم استدركَت: «أوه، كم كان الأمر فظيعًا! خلال الساعتَين الماضيتَين كان لديَّ خمسةُ مراسلين على الأقل، ورجلٌ نبيل من سكوتلاند يارد وآخرُ من السفارة الأمريكية لرؤيتي. إنه أمرٌ فظيع للغاية بالطبع. أهل وينهام يبذلون قصارى جهدهم لجعلِ الأمر أسوأ. يريدون أن يعرفوا لماذا لم نكن معًا، ولماذا كان يعيش في الريف وأنا في المدينة. إنهم يحاولون إظهارَ أنه كان مقيَّدًا هناك، وكأنَّ شيئًا كهذا ممكن! كان ماذرز خادمَه الخاص … ماذرز المسكين!» تنهَّدَت ومسحَت عينَيها. كان تافرنيك لا يزال صامتًا. فنظرت إليه مندهشةً بعضَ الشيء. قالت: «أنت لستَ متعاطفًا جدًّا. من فضلك تعالَ واجلس بجانبي وسأُرِيكَ شيئًا.» تحرَّكَ نحوها لكنه لم يجلس. فمدَّت يدها والتقطت شيئًا على المنضدة، ثم ناولته إياه. فأخذه تافرنيك بشكلٍ تلقائي وأمسكَ به بأصابعه. كان شيكًا باثني عشر ألف جنيه. قالت: «انظر، أنا لم أنسَ. هذا هو اليوم المحدَّد، أليس كذلك؟ إذا أردت، يمكنك البقاء وتناول الغداء معي هنا وسنشرب نخب نجاح استثمارنا.» أمسكَ تافرنيك الشيك بأصابعه؛ ولم يتحرَّك بأي شكلٍ لوضعه في جيبه. فنظرت إليه وعلى وجهها نظرةٌ عابسة حائرة. صاحت: «أرجوك، تحدَّث أو قُلْ شيئًا. أنت تنظر إليَّ بقسوة. قُلْ شيئًا. اجِلسْ وكُنْ طبيعيًّا.» «هل لي أن أسألكِ بعضَ الأسئلة؟» فأجابت: «بالطبع يُمكنك ذلك. يمكنك أن تفعل أيَّ شيءٍ أفضلَ من الوقوف هناك بينما تبدو عليك القسوةُ والجمود. ما الذي تريد أن تعرفه؟» «هل كنتِ تدركين أن وينهام جاردنر كان من هذا النوع من الرجال عندما تزوَّجتِه؟» هزَّت كتفَيها قليلًا. ثم اعترفَت: «أعتقدُ أنني كنتُ أدرك.» «إذن فقد تزوجتِه فقط لأنه كان ثريًّا؟» ابتسمَت. وسألته: «وما الذي تتزوج النساء من أجله أيضًا، يا عزيزي الواعظ؟ ليس خطئي إذا كان هذا لا يبدو لطيفًا. يجب أن يمتلك المرءُ المال!» أمالَ تافرنيك رأسه بشدة؛ ولم يُبدِ أيَّ علامة على المعارضة. «أتيتما إلى إنجلترا، بصحبة بياتريس وأبيك. ثم تركَتكِ بياتريس لأنها رفضَت أشياءَ معينة.» أومأت إليزابيث برأسها. وقالت: «ربما يجدر بك أن تعرف الحقيقة كذلك. بياتريس لديها أكثرُ الأفكار سخافةً. بعد أسبوع مع وينهام، علمتُ أنه ليس شخصًا يمكن أن تعيش معه أيُّ امرأة. خادمُه كان في الحقيقة حارسَه؛ كان يتعرَّض لنوباتٍ هستيرية لدرجة أنه كان بحاجةٍ إلى شخص يُلازمه دائمًا. اضطُرِرتُ لتركه في كورنوول. لا أستطيع أن أخبرك بكل شيء، لكن كان من المستحيل تمامًا بالنسبة إليَّ الاستمرار في العيش معه.» علَّقَ تافرنيك قائلًا: «بياتريس، كان لها فِكر آخر.» نظرَت إليزابيث إليه بسرعةٍ من بين جَفنَيها. ورغم ذلك، كان من الصعب عليها أن تفهم أيَّ شيء من وجهه. اعترفَت إليزابيث: «بياتريس كان لها فِكرٌ مختلف. اعتقدَت أنني يجبُ أن أرعاه، وأتحمَّله، وأتخلَّى عن جميع أصدقائي، وأحاول الحفاظَ على حياته. يا إلهي، كان من الممكن أن يكون هذا بالنسبة إليَّ استشهادًا وبؤسًا مطلقًا. كيف يمكن أن يُتوَقَّع مني أن أفعل مثل هذا الشيء؟» أومأ تافرنيك برأسه بتجهُّم. ثم سألَ: «ماذا عن المال؟» اعترفَت قائلةً: «حسنًا، ربما كنتُ أنانية قليلًا في هذا الأمر.» وأضافت وهي تُومئ برأسها إلى الشيك في يده: «لكنك يجب ألَّا تتذمَّر من ذلك. لقد علمتُ عندما كنا متزوجَين أنني سوف أواجهُ مشاكل. كان أهله يكرهونني، وكنت أعلم أنه في حالةِ حدوث أي شيء مثلِ ما حدث، فإنهم سيحاولون إعطائي أقلَّ قدرٍ ممكن من حقوقي؛ ولذا قبل مغادرتنا نيويورك، جعلت وينهام يُحوِّل أكبر قدر ممكن من المال إلى نقود. وجلبنا هذا المال معنا.» «ومَن الذي كان مسئولًا عن هذا المال؟» ابتسمت إليزابيث. وأجابت: «أنا بالطبع.» قال تافرنيك: «أخبريني عن ليلة أمس. أعتقدُ أنني غبيٌّ لكني لا أفهم تمامًا.» فردَّت: «وكيف ينبغي لك؟ اسمع، إذن. أعتقد أن وينهام قد سئم من الحبس مع ماذرز، على الرغم من أنني متأكدةٌ من أنني لا أعرف ما كان بإمكاني فعلُه بخلاف ذلك.» ثم أضافت مرتجفةً: «لذلك فقد تحيَّنَ الفرصة، وعندما لم يكن الرجل ينظر نحوه … حسنًا، أنت تعرف ما حدث. ثم وصلَ إلى لندن بطريقة ما وشقَّ طريقه إلى شارع دوفر.» «لماذا شارع دوفر؟» أوضحت إليزابيث قائلة: «أعتقدُ أنك تعرف أن وينهام لديه أخٌ يُشبهه تمامًا، اسمه جيري. كان لهذَين الاثنَين دائمًا شقة في شارع دوفر، حيث احتفظا ببعض الملابس الإنجليزية وخادم. وكان جيري جاردنر في لندن. كنت أعرفُ ذلك، وكنت أتوقعُ رؤيته كلَّ يوم. ذهبَ وينهام إلى الشقة، وارتدى ملابسَ أخيه، حتى إنه ارتدى خاتمَه وبعض مجوهراته، التي كان يعلم أنني سوف أتعرَّفُ عليها، وجاءَ إلى هنا.» وواصلَت بصوتٍ مرتجف: «لقد صدَّقتُ … نعم لقد صدَّقتُ طوال الوقت أن جيري هو مَنْ كان جالسًا معي. مرة أو مرتَين أُصِبتُ بنوع من الرعشة الرهيبة. ثم تذكَّرتُ كم كانا متشابهَين وبدا لي أنه من السخف أن أخاف. لم أعرف حتى وصلنا إلى الطابق العلوي، وأُغلِقَ الباب خلفي، واستدار نحوي وعرَفت!» وضعَت رأسها فجأة في يدَيها. كانت هذه تقريبًا أولَ علامة على انفعالها. حلَّلها تافرنيك بلا رحمة. كان يعلم جيدًا أنه كان خوفًا، خوف الجبان من تلك اللحظة الرهيبة. «والآن؟» استطردَت ببهجةٍ أكبر: «الآن، لن يجرؤ أحدٌ على إنكار أن وينهام مجنون. سوف يوضع تحت الحراسة، بالطبع، وستمنحُني المحاكم إعانة. وهناك شيءٌ واحد مؤكَّد تمامًا، وهو أنه لن يعيش عامًا.» أغلقَ تافرنيك عينَيه نصفَ إغلاقة. لم يُظهِر أيَّ علامةٍ على معاناته، ولم يبدُ أيُّ أثرٍ للأشياء التي كانت تتسلَّل خارجةً من حياته! بدا أن المرأة التي ابتسمَت له لا ترى شيئًا. ظنَّت أن ارتعاشَ أصابعه، والرجفة البسيطة التي اعترت وجهَه، بسبب خوفه عليها. قالت بنبرةٍ متغيرة فجأة: «والآن، انتهى كل هذا. الآن أنت تعرف كلَّ شيء.» وأضافت وهي تبتسمُ له بسرور: «لا مزيد من الألغاز. بالطبع، كل هذا فظيعٌ جدًّا، لكني أشعر كما لو أنَّ ثِقلًا كبيرًا قد انزاح عن كاهلي. أنت وأنا سنكون صديقَيْن، أليس كذلك؟» نهضَت ببطءٍ على قدمَيها وتوجَّهَت نحوه. وراقبت عيناه حركاتِها الهادئةَ الرشيقة كما لو كان مفتونًا. لقد تذكَّر كيف أنه في تلك الزيارة الأولى كان يظنُّ أن مشيتها رائعة. كانت لا تزال تبتسم له، وأسنَدَت أصابعها على كتفَيه. تمتمَت قائلة: «أنت شخصٌ غريب جدًّا. لستَ مثل أيٍّ من الرجال الذين عرَفتُهم من قبل، أيٍّ من الرجال الذين حرَصتُ على صداقتهم. هناك شيءٌ فيك مختلفٌ تمامًا. أظن أن هذا هو السبب في أنني معجبة بك. هل أنت مسرور؟» للحظةِ جموحٍ واحدة، تردَّد تافرنيك. كانت قريبةً جدًّا منه لدرجة أن شعرها لامسَ جبهته، وشعرَ بأنفاسها تتسلَّلُ من شفتَيها المنفرجتَين على خدَّيه. كانت عيناها الزرقاوان تتوسَّلان إليه وتغريانه في الوقت نفسِه. قالت هامسةً: «ستكون صديقي العزيز، أليس كذلك يا ليونارد؟ أشعر أنني بحاجةٍ إلى شخص قويٍّ مثلك لمساعدتي خلال هذه الأيام.» فجأةً قبضَ تافرنيك على اليدين اللتَين كانتا على كتفَيه ودفعهما للخلف. شعَرَت بأنها قد ثُبِّتَت في مكانها بمِلزمة، واستولى عليها رعبٌ مفاجئ. رفعَها من مكانها فلمحَت وجهَه الجامد المتوحش. ثم خرجَت أنفاسُه من خلال أسنانه المُطبَقة. كان جسده بالكامل يرتجف لكنَّ ثورته هدَأَت. فدفعها ببساطةٍ بعيدًا عنه. قال: «لا، لا يمكننا أن نكون صديقَيْن! أنتِ امرأةٌ بلا قلب، أنتِ قاتلة!» مزَّقَ شيكها بهدوءٍ وألقى به بعيدًا بازدراء. وقفَت تنظر إليه، متسارعةَ الأنفاس، وقد ابيضَّت شفتاها، على الرغم من أن عينَيه قد خلَتا من إحساس القتل. وتابعَ: «حذَّرَتني بياتريس، وحذَّرني بريتشارد. ورأيتُ بعضَ الأشياء بنفسي، لكني أعتقدُ أنني كنتُ مجنونًا. أما الآن فأنا أعرف!» أشاحَ بوجهه عنها. وتبِعَته عيناها بتساؤل. وصرخَت: «ليونارد، أنت لن تذهب هكذا؟ أنت لا تقصد هذا!» بعد ذلك أذهلتْه قدرتُه على ضبط النفس. لم يَرد. وأغلقَ كِلا البابَين بإحكام خلفه وتوجَّه نحوَ المصعد. حتى إنها جاءت إلى الباب الخارجيِّ ونادت عليه عبر الممر. «ليونارد، عُدْ لحظةً واحدة!» أدار رأسه ونظر إليها، نظر إليها من زاوية الممر، بثباتٍ ودون أن ينبسَ ببنتِ شفة. فسقطَت أصابعُها عن مقبض الباب. وعادت إلى شقتها ورُكْبتاها ترتعشان، وراحت تبكي بهدوء. بعد ذلك تعجَّبَت من نفسها. فقد كانت هذه هي المرةَ الأولى التي تبكي فيها منذ سنواتٍ عديدة. سار تافرنيك إلى المدينة، وفي أقلَّ من نصف ساعة وجدَ نفسه في مكتب السيد مارتن. فرحَّبَ المحامي به بحرارة. وقال: «أنا سعيدٌ جدًّا برؤيتك يا تافرنيك. آمُلُ أن تكون قد حصلت على المال. تفضَّل بالجلوس.» لم يجلس تافرنيك؛ بل إنه نسيَ حتى أن يخلع قبعته. قال: «مارتن، أنا آسفٌ لك. لقد خُدِعتُ وعليك أن تدفع الثمنَ كما دفعتُ أنا. لا يمكنني التقدُّم لشراء الأرض. ليس لديَّ بنسٌ واحد باستثناء أموالي الخاصة، وأنت تعرف مقدارها. يمكنك بيعُ قطع الأرض الخاصة بي، إذا أردت، واعتبارُ المال هو أتعابَك. لقد انتهيت.» نظر إليه المحامي فاغرًا فاه. وصاحَ متعجِّبًا: «عمَّ تتحدَّث بحق السماء يا تافرنيك؟ هل أنت ثَمِل، بأي حال من الأحوال؟» أجابَ تافرنيك: «لا، أنا يقظٌ تمامًا. كلُّ ما هنالك أنني ارتكبتُ خطأً أو خطأَين سيئَين. ولديك توكيلٌ رسميٌّ مني. ويمكنك أن تفعل ما تريد بأرضي، واكتب أيَّ شروط تريدها. طابَ يومك!» احتجَّ المحامي، ناهضًا على قدمَيه وهو يصيح: «لكن يا تافرنيك، اسمع هنا! أقول لك اسمعني يا تافرنيك!» لكن تافرنيك لم يسمع شيئًا، أو إذا كان قد سمع، فإنه لم يُعِرْه انتباهًا. وخرَج إلى الشارع وتاهَ بين الحشود المسرعة على الأرصفة. إغواء تافرنيك
الفصل الأول آفاقٌ جديدة غادر تافرنيك محطة السكة الحديد سيرًا على الأقدام متوجهًا نحو أُفق السماء، عبر الريف المنبسط، يتعثَّر ويزحف فوق الخنادق العميقة، ويخوض أحيانًا في المستنقع ليشقَّ طريقه في تلك الليلة بثباتٍ في اتجاه البحر، كشخص يلاحقه عَدوٌّ شرس لا يعرف الكَلل. وأُسْدِلَ الشفق مثل عباءةٍ من حوله، أُسْدِلَ على تلك المنطقة المستوية العظيمة من المراعي والمستنقعات. وبدأَت بقعٌ صغيرة من الضباب، التي تُنذر بالغموض القادم، تُسحَب الآن إلى الظلام التدريجي. وبدأت الأضواء القادمة من المساكن المتناثرة تومض. ويتصاعد من هنا وهناك نُباحُ كلب، وصياحُ طائرٍ منعزل يبحث عن مَلجأ إلى رفيقه، ولكن يبدو أنه لا يوجد أحدٌ في الأفق من البشر باستثناء هذا المسافر الوحيد. كان تافرنيك في حالةٍ يُرثَى لها. كانت ملابسُه ملطَّخةً بالطين، وشعره مشعَّثًا بفِعل الريح، ووجنتاه شاحبتَين، وعيناه مفعَمتَين باليأس إثرَ تلك الاضطرابات العنيفة التي مرَّ بها. لعدة ساعات، انتصر الألمُ المعنوي الذي دفعه إلى مسقط رأسه على الإرهاق الجسدي. ولكن حان الوقت الذي أكَّد فيه الأخيرُ نفسَه. فقد انهار جسده وهو يئنُّ أنينًا مكتومًا. تسبَّب الإرهاقُ التام في غفوةٍ قصيرة ولكن رحيمة من النوم غير المستقر. استلقى على ظهره بالقرب من أحد السياجات العريضة، وذراعاه ممدودتان، وعيناه اللتان عجزَتا عن الرؤية تتجهان نحو السماء. تعمَّق الظلامُ ثم خفَّ مرةً أخرى أمام نور القمر. وعندما جلسَ أخيرًا، كان ينظر إلى عالَم جديد، أرضٍ غريبة، مُقمِرَة في بعض الأماكن، لكنها مليئةٌ بالكآبة المظلمة. كان يُحدِّق حوله بتساؤل وقد نسيَ كلَّ شيءٍ لحظات. ثم رجعَت الذاكرة، ومع رجوعها رجعَ شعورُه بالطعنة في قلبه. فوقفَ على قدمَيه وذهبَ بعزم في طريقه. سار تقريبًا حتى بزوغ الفجر، مقتربًا قدر الإمكان من الخط الطويل الرتيب من أعمدة التلغراف، ومتجنبًا الطريقَ قدر الإمكان. ومع شروق الشمس، تسلَّل إلى كوخٍ على جانب الطريق وظلَّ مختبئًا فيه ساعات. بدا أن الجوع والعطش كأنهما أشياءُ لا يفكِّر بها. كان كلُّ ما يشتهيه هو النوم فحسب، النوم والنسيان. بدأت خيوطُ الغسَق تُغزَل حوله مرةً أخرى قبل أن يجد نفسَه واقفًا على قدمَيه، ويبدأ مرةً أخرى في رحلته ذاتِ الفكر الغريب هذه. هذه المرةَ استمرَّ في السير على الطريق، وهو يسير بخُطًى متعبةٍ ومكتئبة، ولا يزال فيها شيءٌ من تلك العجَلة المضطربة التي دفعَته للمُضي قُدمًا بلا توقف كما لو كانت تتملَّكُه بالفعل روحٌ قَلِقَة. إلا أنه بدأ الآن يستعيد جزءًا قليلًا من فطرته السليمة. وتذكَّر أنه ينبغي أن يأكل ويشرب، فبحث عن الطعام والشراب في إحدى الحانات على جانب الطريق مثل مسافرٍ عادي، وقهَر دون أي جهد ظاهر نفوره الشديد من وجه أي إنسان. ثم مضى مرةً أخرى عبر هذه الأرض الغريبة من طواحين الهواء والسهول المنتشرة، حتى أجبره الظلامُ على الاحتماء مرةً أخرى. في تلك الليلة نام كالطفل. وبحلول الصباح، كانت الحُمَّى قد زالت من دمه. وهَبَّت على وجهه ريحٌ عظيمة وهو يفتح عينَيه بعد أن أيقظته شمسُ الصباح، ريحٌ هبَّت عبر السهول المستوية، وعبقَت بملوحة المحيط وشذى الكثير من نباتات المستنقعات. كان قادمًا نحو البحر الآن، وعلى مسافةٍ قصيرة جدًّا من المكان الذي أمضى فيه الليل، وجد نهرًا واسعًا يترقرقُ في الأرض. وبأصابعه الشغوفة جرَّد نفسَه من ملابسه وانغمسَ في الماء، غاصَ مِرارًا وتَكرارًا تحت سطح الماء، وراحَ يضرب الماءَ ضرباتٍ طويلةً وهادئة سابحًا في كل اتجاه. بعد ذلك استلقى فوق العُشب الدافئ الجاف، وارتدى ملابسه بهدوء، ثم مضى في طريقه. دوَّت الريحُ، التي ازدادت الآن قوةً منذ الصباح الباكر، عبر الأراضي المستوية، وراحت تحني قمم الأشجار القليلة المتناثرة، وتلفُّ طواحين الهواء، وتعبق الآن برائحة البحر والملح المنعشة التي أصبحت أقوى من أي وقتٍ مضى. فقال تافرنيك لنفسه إنه دخلَ إلى عالَم جديد تمامًا. سيحتضن هذا العالَم وسوف تصبح الحياة مختلفة وجديدة. هاجت ذكرياته عندما اقتربَ المساء، وهو ينزل على تلٍّ شديد الانحدار ويسير إلى قريةٍ غريبة مَنسيَّة، بُنيَت أكواخُها المتناثرة ذاتُ القرميد الأحمر حول ذراعٍ من البحر. وبجُرأةٍ كافية، دخلَ الآن إلى النُّزُل الوحيد الذي عرضَ لافتته متباهيًا على الشارع المرصوف بالحصى، واحتلَّ مقعدًا في المطبخ ذي الأرضية الحجرية، وأكَل وشَرِب وحجزَ سريرًا. في وقتٍ لاحق، نزلَ إلى رصيف الميناء وأقام صداقاتٍ مع العدد القليل من الصيادين الذين كانوا يتسكَّعون هناك. أجابوا عن أسئلته دون تردُّد، على الرغم من أنه وجَد صعوبةً في البداية في التعرُّف مرة أخرى على اللهجة التي كان يستخدمها هو نفسُه ذات مرة. لم يَكد المكان الصغير يتغيَّر. في الواقع، بدا أن التطوُّر لم يمَسَّه بأي شكل. كان في القرية حَفنةٌ من الصيادين وباني قواربَ وبائعُ أسماك. لم تكن هناك صناعةٌ أخرى باستثناء بيتَي مزرعةٍ صغيرَين على أطراف المكان، ولم تكن هناك سكةٌ حديدية في حدود اثني عشر ميلًا. نادرًا ما كان السيَّاح يأتون، أما المتنزهون فلم يأتوا إطلاقًا. وقرأ تافرنيك في تعبيراتهم نصفِ القانعة ونصف الشهوانية التي بدَت شائعةً في جميع السكان، بسهولة كافية؛ تاريخَ حياتهم الخاليةِ من الأحداث. لقد كان مثلُ هذا الملجأ، في الواقع، هو ما يبحث عنه. في الليلة الثانية بعد وصوله، سار مع صانع القوارب على الرصيف الخشبي. كان اسم صانع القوارب نيكولز، وكان رجلًا موسرًا إلى حدٍّ ما، وكان شمَّاسَ الكنيسة، وله علاقاتٌ واسعة بصفته نجَّارًا عاملًا، وبصفته يمتلك الحصان الوحيد والعربة في المكان. قال تافرنيك: «نيكولز، أنت لا تتذكرني، أليس كذلك؟» هزَّ صانعُ القوارب رأسه ببطءٍ وتأمُّل. ثم قال بطريقةٍ تُوحي بالتذكُّر: «كان هناك رجلٌ يُدعَى ريتشارد تافرنيك وكان يزرع الحقول المنخفضة. ربما أنت ابنُه. الآن بدأتُ أتذكَّر، كان لديه صبيٌّ يتدرَّب على النجارة.» أجابَ تافرنيك: «كنتُ أنا هذا الصبي. وسرعان ما سئمتُ من النجارة وذهبتُ إلى لندن.» قال نيكولز: «لقد كَبِرتَ للغاية حتى كدتُ لا أعرفُك، لكنني تذكَّرتُك الآن. إذن، فقد كنتَ في لندن كلَّ هذه السنوات؟» اعترفَ تافرنيك: «لقد كنتُ في لندن، وأعتقدُ أن هذه القرية هي المكانُ الأفضل بين الاثنين.» اعترفَ صانع القوارب: «إنها جيدةٌ بما يكفي، جيدة بما يكفي لرجلٍ غير قادر على التغيير.» أكَّد تافرنيك بتجهُّم: «التغيير سعادةٌ مُبالَغ في تقديرها. لقد كان لديَّ الكثيرُ منه في حياتي. أعتقدُ أنني أودُّ البقاء هنا بعض الوقت.» فُوجِئَ صانعُ القوارب، لكنه كان رجلًا ذا فِكر راجِح متروٍّ، ولم يُلزم نفسَه بالكلام. وواصل تافرنيك حديثه. قال: «كنت أعرفُ شيئًا عن النجارة في أيام صِبايَ، ولا أعتقدُ أنني نسيتُ كلَّ شيء. تُرى، هل بإمكاني أن أجد أيَّ شيءٍ أفعله هنا؟» مسَّدَ ماثيو نيكولز لحيته متفكِّرًا. وقال: «الناسُ في هذه الأنحاء ليست منحازةً إلى الغرباء، وأنت ابتعدتَ منذ مدةٍ طويلة وأعتقدُ أنك لن تجد الكثيرين يتذكَّرونك. أما بالنسبة إلى أعمال النجارة، فهناك توم ليك في ليسر بليكني وشقيقه في برانكاستر، بالإضافة إليَّ أنا في هذه البقعة، كما تعرف. إنها بدايةٌ سيئة، إذا سألت رأيي، لا سيَّما بالنسبة إلى شخص مثلك، شخص متعلِّم.» أصرَّ تافرنيك قائلًا: «سوف أرضى بأقلِّ القليل. أريدُ أن أعمل بيدي. أودُّ أن أنسى بعضَ الوقت أنني تلقيتُ أيَّ تعليم على الإطلاق.» قال نيكولز بتأمُّل: «هذا يبدو غريبًا للغاية بالنسبة إليَّ.» ابتسمَ تافرنيك. وقال: «اسمعني، ليس الأمر غيرَ طبيعي تمامًا. أريدُ أن أصنعَ شيئًا بيدي. أعتقدُ أنه يمكنني بناءُ القوارب. لماذا لا تأخذني إلى حوض بناء القوارب الخاص بك؟ لا يمكنني أن أتسبَّب في أي ضرر ولا أريدُ أجرًا عاليًا.» مسَّدَ ماثيو نيكولز لحيته مرةً أخرى وفي هذه المرة عَدَّ حتى خمسين، كما كانت عادته عند مواجهة أمر صعب. لم يكن بحاجةٍ إلى فعل أي شيء من هذا القبيل؛ لأنه لا يوجد شيءٌ في العالم كان سيحثُّه على اتخاذ قراره على الفور فيما يتعلق بعرضٍ خطير مثل هذا. اعترضَ قائلًا: «لستَ جادًّا بالتأكيد. فأنت شابٌّ وذو بِنية قوية، على ما أعتقد، ولكنك على قدرٍ من التعليم … يمكنني أن أرى ذلك من خلال الطريقة التي تنطق بها كلماتِك. لن تحصل هنا إلا على حياةٍ فقيرة، رغم كل شيء.» قال تافرنيك بإصرار: «أحبُّ المكان. وأنا رجلٌ ذو احتياجاتٍ بسيطة. أريدُ أن أعمل طَوال اليوم، أعمل حتى أتعب بما يكفي للنوم ليلًا، أعملُ حتى تصرخ عظامي وتتقرَّح ذراعي. وأظنُ أنك يمكن أن تُعطيَني ما يكفي للعيش بطريقةٍ متواضعة؟» أجابَ نيكولز: «تناوَلْ معي طعام العشاء. في هذه المسائل المهمة، لطالما كانت ابنتي لها رأيُها. سنعرض الأمر عليها ونرى ما تعتقد فيه.» استمرَّا في التمشية على رصيف الميناء حتى ومض الضوءُ من مَنارة ويلز عبر البحر، وحتى استطاعا على البُعد سماعَ أنين المَدِّ القادم وهو يترقرقُ فوق الحاجز ويبدأ في مَلْء طريق المَدِّ الذي امتدَّ إلى الرصيف الخشبي نفسِه. ثم شقَّ الرجلان طريقهما عبر شارع القرية، وعبر أحد الحقول، حتى وصلا إلى الحوض الصغير الذي كانت توجد فوقه لافتة «ماثيو نيكولز، صانع قوارب». وفي زاوية من الحوض، كان يوجد الكوخ الذي يعيش فيه. قال وقد ثارت غريزةُ حُسن الضيافة داخلَه فور أن عبرا البوابة: «تفضَّل بالدخول مباشرةً يا سيد تافرنيك. سنتحدَّث في هذا الأمر معًا، أنت وأنا وابنتي.» بدا تافرنيك، عند تقديمه للأسرة، رجلًا غيرَ معتاد على المجتمع الأنثوي. ربما لم يكن يتوقع أن يجدَ هذا النوع من الفتيات مثل روث نيكولز في مثل هذا الحي النائي. كانت نحيفةً وخدَّاها أكثر شحوبًا من خدَّي أي فتاة أخرى رآها في القرية. كانت عيناها أيضًا أغمقَ لونًا، وكان حديثُها مختلفًا. لم يكن هناك أيُّ شيءٍ فيها يُذكِّره على الإطلاق بالطفلة التي لعبَ معها. راقبها تافرنيك باهتمام. وسرعان ما خطرت له فكرة أنها هي أيضًا تبحث عن ملجأ. كان العشاءُ وجبة بسيطة، لكنها كانت تُقدَّم بشكلٍ أنيق ومهذَّب. وكان للفتاة موهبةُ التحرك بلا ضوضاء. كانت سريعةً دون أن تُعطي انطباعًا بالتسرُّع. عاملت ضيفَهما على نحوٍ مهذَّب، لكن يبدو أنها لم تكن تتذكَّره كثيرًا، كما أن مجيئه لم يكن أمرًا ذا أهمية. بعد أن نظَّفَت المفرش، وقدَّمت التبغ، طلب منها والدها أن تجلسَ معهما. وبدأ حديثه بهدوء: «السيد تافرنيك يفكِّر في الاستقرار في هذه الأنحاء يا روث.» أومأت برأسها بجدية. وتابعَ والدها: «يبدو أنه سئم وتعب من المدينة ومن العمل الذِّهني. ويتمنَّى أن يأتيَ معي إلى حوض بناء القوارب، إذا أمكننا أن نجدَ ما يكفي من العمل لشخصَين.» نظرَت الفتاة إلى الزائر، ولأول مرة كان هناك قدرٌ من الفضول في نظرتها الجادَّة. كان تافرنيك، بطريقته، وسيمًا بما يكفي عند النظر إليه. كان ذا بِنْية سليمة، وكان كتفاه وقِوامه ينمَّان على القوة. وكانت ملامحه محدَّدةً بوضوح، على الرغم من أن تعبيرات وجهه بشكلٍ عام كانت متجهِّمة. ولكن باستثناء تقطيبةِ جبينه وفظاظته التي يبدو أنه يُحاول تهذيبها، ربما كان يمكن اعتباره حسَنَ المظهر. قالت بتردُّد: «السيد تافرنيك سيرتكب خطأً فادحًا. ليس من المُرضي لأولئك الذين يَحظَوْن بالتعليم أن يعملوا بأيديهم. إنه ليس مكانًا يعيش فيه أولئك الذين خرَجوا إلى العالَم. ففي معظم فصول السنة ما هي إلا بَريَّة. وفي بعض الأحيان يكون هناك القليلُ للقيام به، حتى بالنسبة إلى أبي.» أجابَ تافرنيك: «أنا لا أطمح إلى العمل الكثير أو إلى المال الوفير يا آنسة نيكولز. سأكون صريحًا مع كِلَيكما. لقد سارت معي الأمور في ذلك العالم على غير ما يُرام؛ لم يكن خطئي، لكن أحوالي تدهورَت. وكل طموحاتي قد انتهت … على الأقل في الوقت الحالي. أريدُ أن أرتاح، أريد أن أعمل بيدي، وأن أنمِّي عضلاتي مرةً أخرى، وأشعر بقوتي، وأصدِّق أنَّ هناك شيئًا مفيدًا في العالم يمكنني القيامُ به. لقد أُصِبتُ بصدمة، بخيبةِ أمل … أطلِقي عليها ما تريدين.» أومأ العجوز نيكولز برأسه متأملًا. وقال: «حسنًا، إنه تغييرٌ كبير للقيام به. لم أفكِّر مطلقًا في الحصول على مساعدةٍ في حوض بناء القوارب من قبل. عندما يكون هناك أكثرُ مما يمكنني فعله، فإنني كنتُ أرفض العمل. تعالَ مدة أسبوع للتجرِبة يا ليونارد تافرنيك. إذا كان سيفيد أحدُنا الآخر، فسرعان ما سنعرف ذلك.» عادت الفتاة التي كانت تتطلع إلى الليل في الخارج. وقالت: «أنت ترتكبُ خطأً يا سيد تافرنيك. أنت أصغر بكثير وأقوى من أن تنهيَ معركتك.» نظرَ إليها بثباتٍ وتنهد. كان من الواضح جدًّا أنها قد حاربت معركتها وانهزمت فيها. أجابَ بهدوءٍ: «ربما أنتِ على حق. ربما ما أريده هو الراحة فحسب. سوف نرى.» إغواء تافرنيك
الفصل الثاني الحياة البسيطة هكذا أصبح تافرنيك صانعَ قوارب. ومرَّ الصيفُ وفي أعقابه الشتاءُ وبَدَتْ هذه القريةُ الصغيرة الواقعة على البحر، كما لو كانت إحدى البُقع المَنسيَّة على الأرض. باستثناء تلك الأكواخ القليلة، وبيتَي المزرعة على بُعد بضع مئاتٍ من الياردات نحو الداخل، والقاعة المهجورة نصف المخبَّأة في بستان من أشجار الصَّنوبر، لم يكن هناك مكانٌ للسكن ولا أي علامة على وجود بشر إلى أميالٍ عديدة. كان تافرنيك يعمل مدةَ ثماني ساعات في اليوم، معظمها في الخارج، في حوض بناء القوارب الصغير المعلَّق فوق الشاطئ. في بعض الأحيان كان يرتاح من أعماله وينظر إلى البحر، وينظر حوله كما لو كان مبتهجًا بتلك العُزلة غير المنقطعة، وفراغ المحيط الرمادي، ووحدة الأرض خلفه. لم يعرف أيُّ أحدٍ ما كان يعتملُ في خلايا ذاكرته، فهو لم يحْكِ لأحد عن ماضيه، ولا حتى لروث. لقد كان عاملًا مجتهدًا، وعاشَ الحياة البسيطة التي يعيشها الآخرون دون شكوى أو كَلل. لم يكن هناك شيءٌ في طريقته يشير إلى أنه اعتادَ على حياةٍ أخرى. وقَبِلتْه القريةُ دون سؤال. أما روث فكانت هي الوحيدةَ التي ما زالت رافضةً لوجوده، بصرامة ولكن بلطفٍ بما فيه الكفاية. في يوم جاءت وجلسَت معه وهو يُدخِّن غليونه بعد العشاء، متكئًا على قاربٍ مقلوب، وعيناه مثبَّتتان على هذا الخط من الموجات الرمادية المتكسرة. قالت بهدوء: «أنت تقضي قدرًا كبيرًا من وقتك في التفكير، يا سيد تافرنيك.» فاعترفَ على الفور: «كبيرًا جدًّا، يا آنسة نيكولز. من الأفضل أن أستغلَّ وقتي في كَشْط ذلك الصاري هناك وتسويته.» فقالت بلوم: «أنت تعلم أنني لم أقصد ذلك. أحيانًا فقط تجعلني … هل أعترف بذلك؟ … أكادُ أغضبُ منك.» أخرجَ غليونه من فمه وأسقطَ الرماد. وبينما يقع على الأرض، نظر إليه. وقال بتجهُّم: «كلُّ التفكير هو وقتٌ ضائع. الماضي مثل هذا الرماد؛ ماتَ وانتهى.» هزَّت رأسها. وردَّت: «ليس دائمًا. أحيانًا يعود الماضي إلى الحياة من جديد. في بعض الأحيان، ينسحب أشجعُنا من القتال مبكرًا جدًّا.» نظر إليها بتساؤلٍ وبعُنف تقريبًا. إلا أن كلماتها بدَت غير مقصودة. قال: «فيما يتعلق بماضِيَّ أنا، فقد مات وانتهى. ووضعتُ عليه نُصبًا تذكاريًّا، ولم يعد من الممكن أن يعود إلى الحياة.» أجابت: «لا يمكنك الجزم بهذا. لا أحدَ يستطيع أن يجزم بهذا.» عاد إلى عمله بأسلوبٍ يكاد يكون فظًّا، ولكنها بقيت بجانبه. قالت بتأمُّل: «في مرة، أنا أيضًا خرجتُ قليلًا إلى العالم. كنت معلِّمةً في مدرسة في نوريتش. ووقعتُ في حبِّ شخصٍ ما هناك؛ وعُقِدَت خطوبتنا. ثم ماتت والدتي واضطُرِرت إلى العودة لرعاية والدي.» أومأ برأسه. وقال: «ثم ماذا؟» تابعَت بهدوء: «نحن بعيدون جدًّا عن نوريتش. بعد مدةٍ وجيزة من مغادرتي، شعرَ الرجل الذي كنتُ مغرَمة به بالوحدة. ووجدَ امرأة أخرى.» فسألها تافرنيك بسرعة: «وهل نسيتِه؟» فأجابت: «لن أنساه أبدًا. لقد انتهى هذا الفصلُ من حياتي، ولكن إذا استطاع أحدٌ أن يحلَّ محلي لدى والدي، فسأعود إلى عملي مرةً أخرى. في بعض الأحيان، هؤلاء الذين يعملون بشكلٍ أفضل ويُحقِّقون نجاحًا أكبر هم مَنْ يحملون ندوبَ جُرحٍ عميق.» وعادت إلى المنزل مرةً أخرى، وبعد ذلك بدا له أنها تجنَّبتْه بعض الوقت. على أي حال، لم تقم بأي محاولة أخرى لكسبِ ثقته. ومع ذلك كان القرب المكانيُّ أمرًا صعبًا بالنسبة إلى كليهما. كان ساكنًا تحت سقف والدها. وكان من غير الممكن بالنسبة إليهما أن يفترقا. أيام السبت والأحد كانا يمشيان أحيانًا أميالًا عبر المستنقعات المتجمِّدة، في الأجواء المتسارعة القاتمة إلى ما بعد الظهيرة، عندما كانت الشمس المخضَّبة باللون الأحمر تغرق مبكرًا خلف التلال، ويزداد وقتُ الشفَق قِصَرًا كلَّ يوم. راقبَا طيور البحر معًا ورأَيَا البطَّ البري ينزل إلى البِرَك؛ شعَرَا بحرارة التمرين تحرق وجنيتَهما، وشعرا أيضًا بهذه البهجة الشائعة التي يتعذَّر وصفُها، الناجمةِ عن وَحدتِهما في عُزلة هذه الأماكن الخالية الجميلة. وفي المساء، غالبًا ما كانا يقرَآن معًا؛ فقد كان نيكولز، على الرغم من أنه لم يكن سكيرًا، لا يُفوِّت أبدًا الساعة أو نحوَها التي يقضيها في حانة القرية. وبمرور الوقت، بدأ تافرنيك يجدُ في صحبتها الهادئة غيرِ المتأثرة بالجنس، نوعًا من الراحة. كان يعرف جيدًا أنه بالنسبة إليها كما هي بالنسبة إليه، شيء بشري، شيء يملأ فراغًا، ومع ذلك فهو شيء بلا شخصيةٍ واضحة. شيئًا فشيئًا شعر بالغُصَّة التي كانت في قلبه تتضاءل. ثم تسلَّل ربيعٌ متأخر — متأخر، على أي حال، في هذا الركن الجذَّاب من العالم — تسلَّل مثلَ بعض السحر الرائع عبر وجه المستنقَعات والسهول. وتراصَّت نباتاتُ الجورد الصفراء الذهبية على جانب التل البُني؛ بينما تلألأت زهور الخُزامى البرِّية في مجموعاتٍ عبر السهول ذات الخطوط الفضية، وعادت الغصونُ الميتة إلى الحياة. وتفتَّح الزعفران، خطوطٌ طويلة من الزعفران الأصفر والأرجواني؛ تفتَّحَت من براعم شمعية إلى أزهارٍ نَجميةِ الشكل على امتداد الجزء الأمامي من حديقة ماثيو نيكولز. ومع حلول الربيع، وجد تافرنيك نفسَه فجأةً قادرًا على التخلص من الماضي. كانت مرحلة جديدة من الحياة. يمكنه الجلوس والتفكير في الأشياء التي حدثَت له دون أن يخشى أن تُدمِّره العاصفة. كثيرًا ما كان يجلس ناظرًا نحو البحر، يفكِّر في الأيام التي التقى فيها بياتريس لأول مرة، في تلك الأيام الأولى من الرفقة اللطيفة، والحماس الرائع الذي تعلَّم به منها. فقط عندما تسلَّل وجهُ إليزابيث إلى المقدِّمة، وثبَ من مكانه وعادَ إلى عمله. وفي يومٍ ما، جلسَ تافرنيك مستغرقًا في قراءة الجريدة الأسبوعية المحلية، وقرأها بدافع الفضول أكثرَ من أي اهتمام حقيقي. لفتَ انتباهه فجأةً اسمٌ مألوف. بدا أن قلبه توقَّف عن الخفقان لحظةً، وسبَحَت الصفحة أمام عينَيه. وسرعان ما استعادَ رِباطة جأشه وقرأ: قاعة الملكة، أنثانك رود، نوريتش مرتَين يوميًّا البروفيسور فرانكلين بمساعدة ابنته، الآنسة بياتريس فرانكلين، سيُقدِّم عرضه الترفيهيَّ الراقيَ المتميِّز الذي يشمل التنويم المغناطيسي، وعروض الاستبصار التي لم يسبق تجرِبتُها على أي مسرح من قبل، وقراءة الأفكار، ومحاضرة مختصَرة عن العلاقة بين الخرافات القديمة والتطورات الاستثنائية للعلم الحديث. يمكن استشارة البروفيسور فرانكلين بشكل خاص سواءٌ برسالة أو بتحديد موعدٍ سابق. العنوان هذا الأسبوع: ذا جولدن كاو، بيلز لين، نوريتش قرأ تافرنيك الإعلان مرتَين. ثم خرجَ باحثًا عن روث. وقال لها: «روث، هناك شيءٌ يناديني للرجوع، وربما للأبد.» وللمرة الأولى، أعطته يدَها. وقالت بصراحة: «أنت الآن تتحدَّث كرجلٍ مرةً أخرى. اذهبْ ونَلْ مُرادك. وعُدْ إلينا لتُودِّعنا، إذا أردتَ ذلك، ولكن ألْقِ أدواتِ النجارة في البحر.» ضحكَ تافرنيك، ونظر نحو ورشة العمل الخاصة به. وقال: «لا أظن أنَّ لديكِ أيَّ ثقة في قاربي.» أجابت: «لستُ متأكِّدة من أنني سأبحر معك، حتى لو انتهيتَ من هذا القارب. فالحِرفيُّون أولى بحِرفتهم. أما أنت، فيجب أن تعود إلى شئونك الأخرى.» إغواء تافرنيك
الفصل الثالث لقاء الأصدقاء القدامى وضعَ البروفيسور كأسه على منضدة مطلية بالزنك. لم يتغيَّر كثيرًا إلا أنه زادَ وزنًا، وربما اكتسبَت وجنتاه المزيدَ من الحُمرة. كانت حركاته وإيماءاته أيضًا تنمُّ على ثقته وإيمانِه بنفسه. فقد كان شخصيةً مؤثرة، دون شكٍّ في هذه الحانة الصغيرة. قال: «أصدقائي، ويسكي مضيفنا من النوع الجيد. وفي الوقت نفسِه، يجب ألَّا أنسى …» قاطعه شابٌّ ملاصقٌ له قائلًا: «ستحتسي كأسًا معي يا بروفيسور. اثنان ويسكي مخصوص يا آنسة من فضلك.» هزَّ البروفيسور كتفَيه … كانت إيماءةً تمنَّى أن يفهمها الجميع. كان يدفع الآن ثمنَ الشهرة التي لا يمكن إنكارها! قال: «هذا لطفٌ منك يا سيدي، لطفٌ شديد حقًّا. كما كنتُ على وشك القول، يجب ألَّا أنسى أنني سأكون على المسرح في أقلَّ من نصف الساعة. ينبغي ألا أخيِّب ظنَّ الجمهور يا سيدي. إنه مكانٌ بسيط، هذا المسرح، لكنه مكتمِل العدد، لقد أخبروني أنه ممتلئٌ من الأرض إلى السقف. وفي الثامنة والنصف يجب أن أقدِّم عرضي.» قال أحدُ الشباب الذين أحاطوا به: «وهو عرضٌ رائع أيضًا يا بروفيسور.» أجابَ البروفيسور، ملتفِتًا نحو المتحدِّث، وكأسه في يده: «أشكرك يا سيدي. كان هناك آخرون قدَّموا لي مجاملةً مماثلة، ويمكنني أن أقول إنهم ليسوا بعيدين عن الطبقة الأرستقراطية في بلدك …» وتابعَ حديثه: «وليسوا بعيدين أيضًا، كما يمكنني أن أضيف، بأعلى المستويات في البلد، أولئك الذين من مكانتهم المرموقة لم يتوقَّفوا قطُّ عن إغداق عطاياهم على الأبناء الأكثرِ حظًّا في مهنتنا. العلم الذي أنا إلى حَدٍّ ما رائدٌ فيه … لن أحتسيَ أيَّ قطرةٍ أخرى يا صديقي الشاب. اسمعني، أنا جادٌّ جدًّا هذه المرة! لا مزيد من الشراب حقًّا.» طرقَ الشاب الذي كان يرتدي ملابسَ ركوب فضفاضةً وكان قد دخل للتو برأسِ عصاه المنضدة. وأكَّد بثقة: «لن ترفضَ عرضي أبدًا يا بروفيسور. فأنا من مؤيديك القدامى. لقد شاهدتُك في بلاكبيرن ومانشستر ومرتَين هنا. رائعٌ كما كنتَ دائمًا! وتلك الآنسة الشابة، يا بروفيسور، أستميحك عذرًا إن كانت ابنتَك، فهي بلا شك، مجنونة.» تنهَّد البروفيسور. لقد كان يستمتعُ بالحديث، لكنه كان يشعر بالقلق من مرور الوقت. قال: «صديقي الشاب، وجهُك ليس مألوفًا بالنسبة إليَّ، لا يمكنني رفضُ عرضِك الكريم. إلا أنه يجب أن يكون الأخير، آخر كأس.» ثم دفعَ تافرنيك البابَ المتأرجح ودخلَ، بعد أن وُجِّه إلى هنا من قاعة الموسيقى. فوضعَ البروفيسور كأسَه دون أن يتذوقها. وعبر تافرنيك الغرفة ببطء. ثم قال وهو يمدُّ يده نحوه: «أنت لم تنسَني، إذن، يا بروفيسور؟» استقبله البروفيسور دون حماس؛ ولم يعُد حديثه مُنمَّقًا كما كان. لقد ذكَّره وصولُ تافرنيك بأشياءَ نسيَها بمنتهى السهولة. تعثر قائلًا: «هذا أمرٌ مثيرٌ للدهشة للغاية، مثيرٌ للدهشة حقًّا. هل تعيش في هذه الأنحاء؟» أجابَ تافرنيك: «ليس بعيدًا جدًّا من هنا. رأيتُ إعلانك في الصحف.» أومأ البروفيسور برأسه. وقال: «نعم، لقد نزلتُ الميدان من جديد.» ثم تابعَ وقد استعادَ بسرعةٍ بعضًا من أسلوبه السابق: «حاولتُ الراحة لكنني ازددتُ وزنًا وكسلًا، ولم يكن الناس لِيَقبلوا باعتزالي يا سيدي. عدد العروض التي انهالت عليَّ من وكلائي في كل مكان كان مذهلًا … مذهلًا حقًّا!» قال تافرنيك بأدب: «إنني أتطلع إلى رؤية أدائك هذا المساء. وفي الوقت نفسِه …» قاطعه البروفيسور قائلًا: «أنا أعرفُ ما تفكِّر فيه. حسنًا، حسنًا، أعطني ذراعك وسنذهب معًا إلى القاعة.» ثم أضافَ البروفيسور وهو يستدير: «أصدقائي، أتمنَّى لكم جميعًا ليلة سعيدة!» ثم فُتِحَ البابُ قليلًا وقفزَ قلبُ تافرنيك من بين ضلوعه. كانت بياتريس هي التي تقف هناك، شاحبة جدًّا ومتعبة جدًّا وأنحف بكثيرٍ حتى من بياتريس التي عاشت معه في الفندق الصغير، لكنها لا تزال بياتريس. صاحت قائلة: «أبي، هل تعلم أن الساعة أوشكَت …» ثم رأت تافرنيك ولم تقل شيئًا بعدها. بدَت وكأنها تتأرجحُ قليلًا، فأخذ تافرنيك خطوةً سريعة إلى الأمام، وأمسكها من يديها. وصرخ قائلًا: «أختي العزيزة، أنت مريضة!» فاستعادت نفسها مرةً أخرى في لحظة. فأجابت: «مريضة؟ على الإطلاق. كلُّ ما هنالك أنني كنتُ أُسرع … فقد تأخرنا بالفعل على العرض … وعندما رأيتُك هناك، حسنًا، لقد كانت صدمةً كبيرة، كما تعلم. انزل معنا وأخبِرني كلَّ شيء عنك. أخبرنا بما تفعله هنا … أو بالأحرى، لا تقُل شيئًا لحظة! هذا مذهل حقًّا.» نزَلوا إلى الشارع الضيق المرصوف بالحصى، وكان البروفيسور يسير في منتصف الطريق، مؤرجِحًا عصاه، شخصية مهيبة ومدهشة، بينما يتطاير ذيلُ معطفه المشقوق في الهواء، وتكاد القبعة لا تُخفي سوى نصفِ شعره الطويل. كان يُدندن بلحنٍ لنفسه، ولم يهتمَّ مطلقًا بالانتباه إلى الرفيقَيْن الآخرَيْن. ثم أدركَ تافرنيك فجأة أنه قام بعملٍ جبان عندما تركها بدون أي كلمة. بدأت الكلام أخيرًا: «هناك الكثير من الأسئلة، لكنك جئت.» نظرَت إلى ملابس العُمَّال التي يرتديها. وسألت بحِدَّة: «ماذا كنت تفعل؟» أجابَ تافرنيك: «أعمل، وعملٌ جيد أيضًا. كنتُ متفوقًا فيه. لا تُبالي بملابسي يا بياتريس. لقد جُنِنتُ آونةً، ولكنه في النهاية كان جنونًا صِحيًّا.» قالت: «لقد كان شيئًا غريبًا الذي فعلتَه … لقد اختفيت.» أومأ برأسه. وقال لها: «يومًا ما، ربما أكون قادرًا على جعلكِ تفهمين. أما الآن فلا أعتقدُ أنني قادرٌ على أن أفعل ذلك.» فهمسَت بصوتٍ هادئ: «أكانت إليزابيث؟» فاعترفَ قائلًا: «كانت إليزابيث.» لم ينبس أحدُهما ببنتِ شفة إلى أن وصَلوا جميعًا إلى القاعة. توقَّفت عند الباب ومدَّت له يدَها بخجل. وقالت: «هل سأراكَ بعد العرض؟» فسألها: «هل تمانعين في قدومي إلى العرض؟» فتردَّدَت. وقالت مبتسمة: «منذ لحظاتٍ قليلة، كنتُ أخشى قدومك. أما الآن فأنا أعتقد أن من الأفضل أن تأتي. سينتهي العرضُ في الساعة العاشرة وسأنتظرك في الخارج. أنت تعيش في نوريتش، أليس كذلك؟» أجابَ: «سأبقى هنا الليلة، على أي حال.» فقالت: «حسنًا جدًّا، إذن سنتحدث فيما بعد.» مرَّ تافرنيك عبر الحشود المتناثرة عند الباب وحجزَ لنفسه مقعدًا في القاعة الصغيرة، التي لم تكن ممتلئة، على الرغم من تفاخُر البروفيسور. كان المكان ذا طرازٍ قديم، به طاولاتٌ صغيرة في المقدمة، والنُّدُل يسارعون في تقديم المشروبات. كان الناس من أدنى طبقات المجتمع، وكان الجوُّ عبقًا بدخان التبغ. وكانت على المسرح امرأةٌ شابَّة ترتدي شعرًا مستعارًا أشقرَ اللون وملابس صبيانية، تُغني أغنية شعبية بسيطة، وتروح وتجيء على خشبة المسرح، بينما تُعبِّر عن كلمات أغنيتها بتعبيراتِ وجهها وحركاتِ جسدها. جلسَ تافرنيك متأوهًا بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا. فقد بدأ يُدرك المأساة التي تعثَّر فيها. تبعَ ذلك مُغنٍّ كوميدي يرتدي بدلةً رسمية أكبرَ من حجمه بدرجة كبيرة وراحَ يقلِّد ممثلًا كوميديًّا أيرلنديًّا مشهورًا. ثم رفعَ الستار وشُوهِدَ البروفيسور وهو يقف أمام الستار وينحني بطريقةٍ رسمية جادَّة للجمهور غيرِ المستجيب إلى حَدٍّ بعيد. بعد لحظةٍ جاءت بياتريس بهدوءٍ وجلسَت بجانبه. لم يكن هناك شيءٌ جديد في العرض. لقد شاهدَ تافرنيك العرضَ نفسَه من قبل، باستثناء أن البروفيسور ربما كان متخلِّفًا قليلًا عن غالبية زملائه في المهنة نفسِها. انتهى العرض في صمتٍ تام، وبعد أن انتهى، تقدَّمَت بياتريس إلى الأمام وبدأت الغناء. كانت شخصيةً غير عادية للغاية في مثلِ هذا المكان، ترتدي فستانَ سهرةٍ أسودَ سادة، مع قفازاتٍ سوداء بلا أي مجوهرات، لكنهم طالبوها بالاستمرار في الغناء مرة أخرى بحماس شديد، فغنَّت أغنيةً من المسرحية الكوميدية الغنائية التي رآها تافرنيك تؤديها لأول مرة. فأثارت داخلَه فجأةً موجةً عاتية من الذكريات. وبدا أن أفكاره عادت إلى الليلة التي انتظرها فيها خارج المسرح وتناولا العشاء في إيمانو، وإلى اليوم الذي غادر فيه الفندقَ ودخلَ حياته الجديدة. كان الأمرُ الآن أشبهَ بحُلم أكثر من أي وقت مضى. نهضَ وخرجَ من المكان فورَ انتهائها من العرض، وانتظرها في الشارع إلى أن ظهرَت. وخرجَت في غضون بضع دقائق. قالت: «أبي ذاهبٌ إلى حفل عشاء في النُّزُل الذي يحجز فيه غرفةً لاستقبال الناس. فهل ستعود إلى المنزل معي لمدة ساعة؟ ثم يمكننا الذَّهابُ وإحضارُه.» أجابَ تافرنيك: «يُسعدني ذلك.» كان مسكنها على بُعد خطواتٍ قليلة فحسب … كان منزلًا صغيرًا غريبًا في شارع ضيق. فتحَت البابَ الأمامي وأدخلَته. ثم قالت مبتسمة: «أنت تفهم، بالطبع، أننا قد تخلينا تمامًا عن حياة الرفاهية.» نظرَ حوله إلى الغرفة الصغيرة بنيران مِدفأتها التي تُقاوم الانطفاء، والأريكة المصنوعة من شعر الخيل، والمشمَّع المفروش على الأرض بدلًا من السجاد، والصور الزيتية البسيطة المعلَّقة بدلًا من اللوحات، وارتعدَ، ليس من أجله هو ولكن من أجلها. كان هناك بعض الخبز والجبن وزجاجة من جِعَة الزنجبيل على البوفيه. قالت برجاءٍ وهي تُخرج الدبابيس من قبعتها: «أرجو أن تتخيَّل أنك في شقتنا المريحة العزيزة في تشيلسي. اسحب هذا الكرسيَّ المريح إلى أقربِ ما يمكن من المدفأة، واسمعني. هل ما زلت تُدخن؟» اعترفَ قائلًا: «أصبحتُ أدخِّن الغليون.» فتابعَت وهي تُمسِّد شعرها لحظةً أمام المرآة: «إذن فأشعِلْه واستمع إليَّ. تريد أن تعرف كلَّ شيء عن إليزابيث بالطبع.» فقال: «نعم، أريد أن أعرف.» واصلَت بياتريس حديثها قائلة: «بشكلٍ عام، خرجت إليزابيث من كل مشاكلها على نحوٍ رائع. كان أهل زوجها غِلاظًا معها، لكنها كانت غايةً في الذكاء. لم يتمكَّنوا على الإطلاق من إثباتِ أنها قد مارسَت أكثرَ من السيطرة العادية على وينهام المسكين. وقد مات بعد شهرين من حجزه في مستشفى الأمراض العقلية. وعرَضوا على إليزابيث مبلغًا كبيرًا من المال لتتخلَّى عن مُطالبتها بحقوقها في أملاكه، وقَبِلتْه. وأعتقد أنها الآن في مكانٍ ما في أوروبا.» سألها: «وأنتِ؟ لماذا تركتِ المسرح؟» قالت شارحةً له: «الأمر له علاقة بعنايتي بأبي. أنت تعلم أنه حين كان مع إليزابيث كان بحوزته قدرٌ كبيرٌ من المال ولم يكن لديه أيُّ عمل. وكانت النتيجة أنه كان دائمًا … حسنًا، أظن أن عليَّ أن أقول لك … كثير الشرب، وفقدَ كلَّ رغبته في العمل. وقد أقنعتُه بأن يَعِدَني بأن يرحل معي إذا استطعتُ أن أحصل على عملٍ مناسب؛ ولذا فقد لجأتُ إلى وكيلٍ وظللنا نتجوَّل بهذا الشكل منذ مدةٍ طويلة.» صاحَ تافرنيك: «لكن يا لها من حياةٍ بالنسبة إليكِ! ألم يكن بإمكانكِ أن تبقَي في المسرح وتبحثي له عن عملٍ في لندن؟» هزَّت رأسها. وقالت: «لم يكن ليُغيِّر عاداتِه القديمةَ مطلقًا في لندن.» ثم استدركَت مترددة: «بالإضافة إلى أن الجمهور كما تعلم يريد شيئًا آخرَ إلى جانب التنويم المغناطيسي …» قاطعها تافرنيك بقسوة. وقال: «بالطبع أفهم ذلك، لقد كنتُ هناك الليلة. وفهمتُ على الفور لماذا لم تكوني متحمسةً لأن أحضرَ العرض. لم يكن الجمهور مهتمًّا على الإطلاق بأداء أبيك. لقد كانوا ببساطةٍ ينتظرونكِ أنتِ. كنتِ ستحصلين على الأجر نفسِه إذا قمتِ بالعرض وحدك بدونه.» فأومأت برأسها وقد ظهر على وجهِها الخجل. وقالت معترفة: «أخشى أن يُخبره أحدُهم بذلك. إنهم يطلبون مني طوالَ الوقت أن أتخلى عن دوره في العرض. بل إنهم عرَضوا عليَّ المزيد من المال إذا أدَّيتُ العرضَ وحدي. ولكنك تفهم الوضع. إنه يؤمنُ بنفسه، ويعتقد أنه شديدُ المهارة وأن الجمهور يُحبُّ عرضه. وهذا هو الشيءُ الوحيد الذي يساعده على الحفاظ على احترامه لنفسه. بل إنه حتى يظن أن غنائي غير ضروري.» نظر تافرنيك في البريق الخافتِ لنيران المدفأة البائسة. وشعرَ بغُصَّة ومرارةٍ في حَلْقه. ما أقلَّ ما يعرفه عن الحياة! يا لها من حكاية أثارت في نفسه مشاعرَ الشفقة والعطف، فمجرد فكرة أن تُسافر بشجاعةٍ عبر البلاد وتُغني في قاعات الموسيقى من الدرجة الثالثة، دون أن تنسبَ أيَّ فضل لنفسها، ببساطةٍ لكي يظلَّ والدها يعتقد أنه رجلٌ موهوب، كانت فكرة راقت له بشدة. فمدَّ يدَه نحو يدها على حينِ غِرَّة. وصاحَ: «بياتريس الصغيرة المسكينة! أختي الصغيرة العزيزة!» كانت يدُها التي أمسكَ بها باردة، وتجنَّبت عينَيه. وتمتمَت: «ليس عليك … ليس عليك أن تفعل هذا. أرجوك توقَّف!» مدَّ يدَه الأخرى ونهضَ تقريبًا، ولكنَّ شفتَيها توقَّفتا فجأة عن الارتعاش وأشارت له بالرجوع. قالت متوسلة: «لا يا ليونارد، أرجوك لا تقل أو تفعل أيَّ شيءٍ أحمق. ومع ذلك، فبما أننا التقينا مرةً أخرى، بهذا الشكل، فسوف أطرحُ عليك سؤالًا واحدًا. ما الذي جعلك تأتي إليَّ وتطلب مني الزواجَ منك في ذلك اليوم؟» أشاحَ بنظره؛ فقد كان ثمة نظرةُ اتهام تلوح من عينَيها. قال معترفًا: «بياتريس، لقد كنتُ شخصًا أحمقَ جاهلًا غبيًّا، لا أفهم شيئًا. لقد أتيتُ إليكِ طلبًا للأمان. كنتُ خائفًا من إليزابيث، كنت خائفًا مما شعرتُ به نحوها. وأردتُ الهروب منه.» ابتسمَت بشفقة. وقالت متلعثمة: «لم يكن هذا عملًا شجاعًا للغاية، أليس كذلك؟» فقال معترفًا: «كان عملًا وضيعًا. بل كان أسوأ من ذلك.» ثم استدركَ قائلًا: «لكن، يا بياتريس، كنتُ أفتقدكِ بشدة. لقد تركتِ فجوةً كبيرة عندما ابتعدتِ عني. أنا لن أسامح نفسي بشأن إليزابيث. لقد عشتُ وقتًا من أغرب وأروع المشاعر التي يمكن للمرء أن يحلمَ بها. ثم انتهى كلُّ شيء وشعرتُ كما لو أن كلَّ شيء قد ظهَر على حقيقته.» ثم واصلَ مترددًا: «أعتقدُ أنني أحببتُها. لا أعرفُ. كلُّ ما أعرفه هو أنها شغَلتْ كلَّ تفكيري، وأنها احتلت كلَّ نبضة من نبضات قلبي، وأنني كنتُ سأذهبُ إلى الجحيم لمساعدتها. ثم فهمتُ. في ذلك الصباح أخبرَتني شيئًا عن حقيقة نفسها، دون قصد … دون أن تعيَ ذلك … كانت تُبرِّر فعالَها طَوال الوقت، ولم تدرك أنَّ كل كلمة قالتها كانت ملعونة. وبعد ذلك بدا لي أنه لم يتبقَّ أيُّ شيء، ولم يكن لديَّ سوى رغبة واحدة. أدرتُ ظهري لكل شيء وعُدْتُ إلى المكان الذي وُلِدتُ فيه، كان عبارةً عن قريةِ صيد صغيرة. ومشيتُ على مدى الثلاثين ميلًا الأخيرة. لن أنساها أبدًا. وعندما وصلتُ إلى هناك، لم أرد شيئًا سوى العمل، العمل بيدَيَّ. كنت أرغبُ في بناء شيءٍ، في إنشاء شيءٍ أستطيعُ الكَدَّ فيه. وأصبحتُ صانعَ قوارب — ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل في صناعة القوارب.» سألت: «والآن؟» «بياتريس!» استدارت نحوه وواجهته. ونظرَت في عينَيه متعمِّقة فيهما بحزنٍ شديد. فقال: «بياتريس، إنني أوجِّه إليك السؤال نفسَه، ولكن هذه المرة على نحوٍ مختلف. هل تقبلين الزواجَ مني الآن؟ سأجدُ عملًا ما، وسأجني ما يكفي من المال لكِلَينا.» ثم تابعَ: «هل تتذكَّرين ما كنتُ أقوله دائمًا، وكيف كنتُ أشعر أن عليَّ فقط أن أُشمِّر عن ساعدي وعندها سأستطيع الفوز بأي شيء؟ سوف أشعر الشعور نفسَه مرةً أخرى، يا بياتريس، إذا وافقتِ على مرافقتي.» هزَّت رأسها ببطءٍ. وأشاحت بنظرها بعيدًا عنه بحسرة. كانت كمَنْ سعى إلى شيء وفشلَ في العثور عليه. قالت له: «يجب ألَّا تُفكر في ذلك مرةً أخرى يا ليونارد. سيكون هذا مستحيلًا تمامًا. فهذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ والدي. ولدينا جولةٌ ستستغرق الجزءَ الأكبر من العام القادم.» فقال بصراحة: «ولكنكِ بذلك تُضحِّين بنفسكِ. سوف أعتني بوالدكِ.» ردَّت قائلة: «ليس هذا فقط. أولًا: أنا لا أستطيع السماح لك بأن تفعل ذلك؛ وثانيًا: الأمر لا يتعلق بالمال فقط، إنه يتعلَّق بالعمل. فما دام يعتقد أن الجمهور يتوقَّع ظهورَه على المسرح كلَّ ليلة، فإنه يمتنعُ عن الإفراط في الشرب. وليس هناك شيءٌ آخرُ في العالم كلِّه من شأنه أن يُبقيه مستقيمًا. لا تتظاهَرْ بأنك لا تفهم يا ليونارد. إنه والدي، كما تعلم، وليس هناك ما هو أفظعُ من رؤية أي شخص مسئول منك يضيع بمثلِ هذه الطريقة. قد لا تتَّفق معي، ولكني أرجو منك أن تصدِّق أنني أفعل ما أشعر أنه الصواب.» خمدَت نيرانُ المدفأة الصغيرة. ونظرَت بياتريس إلى الساعة ثم ارتدت سُترتها مرة أخرى. وقالت: «أنا آسفةٌ يا ليونارد، لكنني أعتقد أنني يجب أن أذهب وأُحضر والدي الآن. يمكنك المشيُ معي إلى هناك، إذا أردتَ ذلك. لقد سُرِرتُ جدًّا بأن أراك مرةً أخرى. بالنسبة إلى ما قلتَه لا أعرف ماذا أقول لك. هل تعتقد أن هذا ما خُلِقتَ من أجله … صناعة القوارب؟» ردَّ بإجهاد: «لا يبدو أن لديَّ أيَّ طموح آخر. عندما قرأتُ في الجريدة هذا الصباح أنكِ أنتِ ووالدكِ هنا، بدَت الأمور مختلفةً فجأة. وجئتُ في الحال. لم أكن أعرفُ ما أريده حتى رأيتُكِ، لكنني أعرفُ الآن، ولكن بلا فائدة.» قالت بمرح: «بلا فائدة على الإطلاق. لن يمرَّ وقتٌ طويل يا ليونارد، حتى يأتيَ شيءٌ آخرُ ليُثير شغفك. لا أعتقدُ أنك قد خُلِقت لصناعة القوارب طوال حياتك.» نهضَ والتقطَ قبعته. كانت تنتظره عند الباب. ومرة أخرى سارا في الشارع الضيق. قال متوسلًا: «أخبريني يا بياتريس، هل يرجع رفضُك الاستماعَ لما أطلبه إلى أنك لا تُحبينني بما فيه الكفاية؟» للحظةٍ أغمضَت عينيها جزئيًّا كما لو كانت تتألم. ثم ضحكت، ولكن ضحكتها ربما كانت ضحكةً مُتصنَّعة غير طبيعية. كانا واقفَين الآن بجوار باب النُّزُل. قالت له: «ليونارد أنت شابٌّ صغير من حيث السنُّ، لكنك ما زلتَ طفلًا من حيث الخبرة. اسمعني، هناك أسبابٌ أخرى تجعلني لا أستطيع … ولا أحلم بأن أتزوجَك، أسبابٌ أخرى كافيةٌ تمامًا، ولكن … هل تعلم أنك قد طلبتَ مني بالفعل الزواج مرتَين، ولكنك لم تقل قطُّ إنك تُحبُّني، ولم تنظر إليَّ ولو مرةً نظرةً توحي بحبِّك لي؟» حاول الحديث فقاطعته: «لا، أرجوك، لا تفعل، لا تبرِّر أيَّ شيء. افهمني، المرأة دائمًا تعرف … وتعرف جيدًا جدًّا في بعض الأحيان.» أومأت برأسها، ومرَّت من خلال الأبواب المتأرجِحة. سمعَ تافرنيك، في وقفته في الخارج في ذلك الشارع الضيق الملتوي، التصفيقَ والتهليل اللذَيْن استُقبِلَت بهما عند دخولها، وسمعَ صوتَ والدها. عزفَ أحدُهم مقطوعةً على البيانو … كانت على وشكِ أن تُغني. استدار ببطءٍ شديد وسار عبر الشارع المفروش بالحصى. إغواء تافرنيك
الفصل الرابع فطورٌ مع بياتريس استيقظتِ الفتاة ربما بسبب مرور عربةٍ ثقيلة في الشارع بالأسفل، أو بلمسة من شعاع الشمس الذي تسلَّل إلى وسادتها، ففتحت عينيها أولًا ثم بعد أن ألقت نظرةً أولية حولها، جلست في السرير. وتشكَّلت في ذهنها ببطءٍ أحداثُ الليلة السابقة. تذكَّرت كلَّ شيء حتى ركوب تلك السيارة الأجرة. في وقت ما بعد ذلك لا بد أنها أغمي عليها. والآن ماذا حلَّ بها؟ أين كانت؟ نظرت حولها في دهشة متزايدة. بالتأكيد كانت أغربَ غرفة دخَلتْها على الإطلاق. كانت الأرضية مغبرَّة وعاريةً من أي سجادة؛ وكانت النافذة دون ستارة. كانت الجدران غيرَ مغطَّاة بورق الحائط ولكنها مغطاة هنا وهناك بلوحاتٍ غريبة المظهر، إحداها تشغل جانبَ الغرفة بالكامل تقريبًا … عمل فنِّي رديءٌ جدًّا به القليل من الطلاء الأزرق هنا وهناك، والظلال والمخططات التي كانت غير مفهومة على الإطلاق. هي نفسها كانت ترقد على سرير حديدي عتيق، وكانت ترتدي ثوبَ نوم خشنًا جدًّا. كانت ملابسها مطوية وموضوعة على قطعةٍ من الورق البُني على الأرض بجوار السرير. كانت الغرفة غير مؤثَّثة على الإطلاق، باستثناء حاجز بشع في منتصفها. بعد أول فحصٍ حائر لما يُحيط بها، تركَّز انتباهُها بطبيعة الحال على هذا الحاجز. من الواضح أنه لا بد وُضع هنا لإخفاء شيءٍ ما. انحنت بحذر شديد خارج السرير حتى استطاعت أن ترى من زاوية الحاجز. عندئذٍ قفَز قلبها من موضعه ولم تملك إلا أن تكتمَ بداخلها صرخةَ خوف. كان أحدهم جالسًا هناك … رجل … يجلس على كرسيٍّ من الخيزران، منحنيًا على لفةٍ من الأوراق التي تمَّ شدُّها على منضدةِ قمار رديئة الصُّنع. شعرَت أن وجنتَيها تزدادان سخونة. لا بد أنه تافرنيك! أين أحضرها؟ ماذا يعني وجوده في الغرفة؟ أصدر السرير صريرًا حادًّا عندما استعادت وضعَها السابق. وأتاها صوتٌ من خلف الحاجز. عرَفَته على الفور. كان صوت تافرنيك. سألها: «هل أنتِ مستيقظة؟» أجابت: «نعم، نعم أنا مستيقظة. هل هذا السيد تافرنيك؟ أين أنا من فضلك؟» تساءل قائلًا: «قبل أي شيء، هل أنتِ أفضل الآن؟» طمأنَته وهي تعتدل في جلستها على السرير وتسحب الثوب إلى ذقنها: «أنا أفضل. أنا بصحة جيدة الآن. قل لي في الحال أين أنا وماذا تفعل هناك.» أجابَ تافرنيك: «ليس هناك ما يدعو إلى الفزع. في واقع الأمر، أنا في غرفة أخرى. عندما أنتقل للباب، كما سأفعل مباشرة، سوف أسحب معي الحاجز. أستطيع أن أعدك …» توسَّلَت قائلة: «أرجو منك أن تشرح كلَّ شيء بسرعة. أنا غير مرتاحة بالمرة.» قال تافرنيك: «في الساعة الثانية عشرة والنصف من هذا الصباح، وجدتُ نفسي وحيدًا في سيارة أجرة معكِ، دون أيِّ أمتعة أو أي فكرة عن وجهتي. وما زادَ الطينَ بلَّة، أنكِ فقَدتِ الوعي. جرَّبتُ فندقَين لكنهما رفَضا استقبالكِ؛ ربما كانوا خائفين من أن حالتكِ الصحية ستزداد سوءًا. ثم فكرتُ في هذه الغرفة. أنا موظف، كما تعلمين، لدى شركة لوُكلاء العقارات. ومع ذلك أقوم بالكثير من العمل على حسابي الخاص، وهو ما أفضِّل القيام به في الخفاء، دون معرفةِ أحد. لذلك السبب، استأجرتُ هذه الغرفة منذ عام وكنتُ آتي إلى هنا في معظم الأمسيات للعمل. أحيانًا أبقى حتى وقتٍ متأخر؛ لذلك اشتريتُ سريرًا صغيرًا الشهرَ الماضي وأقمتُه هنا. هناك امرأة تأتي لتنظيف الغرفة. وقد ذهبَت إلى منزلها الليلة الماضية وأقنعتُها بالمجيء إلى هنا. وهي مَنْ خلعَت عنكِ ملابسَكِ ووضعتكِ في الفراش. آسفٌ لأن وجودي هنا أزعجك، لكنه مبنًى ضخم وخالٍ تمامًا في وقت الليل. اعتقدتُ أنكِ قد تستيقظين وتُصابين بالخوف؛ لذلك اقترضتُ هذا الحاجز من المرأة وجلستُ هنا.» شهقَت قائلة: «ماذا، طوال الليل؟» أجابَ: «بالتأكيد. لم تستطع المرأةُ البقاء هنا وهذا ليس مبنًى سكنيًّا على الإطلاق. كل الطوابق السُّفلية مؤجَّرة لمكاتب ومخازن ولا يوجد أحدٌ في المكان حتى الساعة الثامنة.» وضعَت يديها على رأسها وجلست ساكنةً دقيقةً أو اثنتَين. كان من الصعب حقًّا استيعابُ كل ما حدث. سألت سؤالًا لا صلةَ له بالموضوع: «ألا تشعر بالحاجة إلى النوم؟» أجابَ: «ليس كثيرًا. غفوتُ مدةَ ساعة، منذ قليل. ومنذ ذلك الحين وأنا أُنعِم النظرَ في بعض الخطط التي تهمني للغاية.» سألت بحياءٍ: «هل يمكنني النهوض؟» أجابَ بارتياح واضح: «إذا كنتِ تشعرين بالقوة الكافية، من فضلك افعلي. سوف أتحرك نحو الباب، وأسحب الحاجز أمامي. وسوف تجدين فرشاة ومشطًا وبعضَ دبابيس الشعر على ملابسكِ. لم أستطع التفكيرَ في أي شيء آخر لإحضاره من أجلكِ، ولكن إذا كنتِ سترتدين ملابسَكِ، فسوف نسير إلى محطة لندن بريدج، التي تقع على الجانب الآخر من الطريق مباشرة، وبينما أطلب بعض الإفطار، يمكنك الذَّهاب إلى حمام السيدات وتصفيف شعركِ على النحو الملائم. لقد بذلتُ قصارى جهدي لإحضار مِرآة، لكن ذلك كان مستحيلًا تمامًا.» استيقظَ حسُّ الدعابة لدى الفتاة فجأة. وبذلتْ جهدًا خارقًا حتى لا تضحك. من الواضح أنه فكَّر في كل هذه التفاصيل بشِقِّ الأنفس، واحدةً تلو الأخرى. قالت: «شكرًا. سوف أنهض على الفور، إذا كنتَ ستفعل ما قلتَ إنك ستفعله.» أمسكَ الحاجز من الداخل وجرَّه نحو الباب. وعلى العتبة، تحدَّث إليها مرة أخرى. قال: «سأجلسُ على السلَّم في الخارج مباشرة.» أكَّدَت له: «لن أستغرق أكثرَ من خمس دقائق.» قفزت من السرير وارتدَت ملابسها بسرعة. لم يكن هناك شيءٌ خلف المكان الذي كان يوضع فيه الحاجزُ باستثناء منضدةٍ غُطِّيَت بألواح، ومقعدٍ صلب من الخيزران سحبَته من أجل استخدامها الخاص. أثناء ارتدائها لملابسها، بدأت تُدرك قدْرَ ما فعله من أجلها هذا الشابُّ العملي المتبلِّد العواطف خلال الساعات القليلة الماضية. وأثَّرَت فيها هذه الفكرة بطريقة غريبة. أصابها خجلٌ لم تشعر به عندما كان في الغرفة. وعندما انتهت من تجهيز نفسها فتحت الباب، كانت معقودة اللسان تقريبًا. كان جالسًا على آخِر درجة في السلَّم وظهره إلى منبسَطِ السلَّم، وعيناه مغلقتان. ولكنه فتحهما جافلًا بمجرد أن سمعَها تقترب. قال: «أنا سعيدٌ لأنكِ لم تستغرقي وقتًا طويلًا. أريد أن أكون في مكتبي في الساعة التاسعة ولا بد أن أذهب للاستحمام في مكانٍ ما. درجات السُّلَّم شديدة الانحدار. أرجو أن تسيري بحذر.» تبعته في صمتٍ وهما ينزلان ثلاثَ مجموعات من درجات السُّلَّم الحجري. عند كل منبسط سُلَّم كانت توجد أسماء على الأبواب … شركتان لتجارة نبات الجنجل المُستخدَم في صناعة البيرة، محامٍ، سمسار. وكان الطابق الأرضي عبارة عن مخزن، تنبعث منه رائحة الجلد النفَّاذة. فتحَ تافرنيك الباب الخارجي بمفتاح صغير، وخرجَا معًا إلى الشارع. قال: «محطة لندن بريدج على الجانب الآخر من الطريق. ستفتح غرفة المرطبات ويمكننا الحصولُ على وجبة الإفطار على الفور.» سألت: «كم الساعة الآن؟» «السابعة والنصف تقريبًا.» سارت بجانبه بوداعةٍ شديدة، وعلى الرغم من وجود أشياء كثيرة كانت تتوق لقولها، فقد ظلَّت غيرَ قادرة على الحديث على الإطلاق. ولم يكن هناك أي شيء في مظهره يدلُّ على أنه كان مستيقظًا طوال الليل، فيما عدا أنه كان يبدو مرهقًا قليلًا. لقد بدا تمامًا كما كان يبدو في اليوم السابق، بل إنه بدا غيرَ واعٍ على الإطلاق لوجود أي شيءٍ غير عادي في علاقتهما. بمجرد وصولهما إلى المحطة، أشار إلى غرفة انتظار السيدات. قال: «هَلا تدخلين وترتبين شعركِ هناك، سوف أذهب لأطلب الفطور ثم أحلق ذقني. سأعود هنا في غضون عشرين دقيقة. يجدر بكِ أن تأخذي هذا.» قدَّم لها شلنًا فقبِلَته دون تردد. إلا أنها بمجرد رحيله نظرت إلى العُملة التي في يدها في تعجُّب خالص. لقد قبِلتْها منه بتلقائيةٍ تامة ودون حتى أن تقول «شكرًا لك!» فتحت الأبواب المتأرجِحة وهي تضحك ضحكة صغيرة غريبة، وشقَّت طريقها إلى غرفة الانتظار. في غضون ربع ساعة بالكاد خرَجَت لتجد تافرنيك في انتظارها. كان قد أعاد ربط ربطة عنقه، واشترى ياقةً جديدة، وحلق ذقنه. وهي أيضًا حسَّنت مظهرها. قال: «الإفطار بانتظارنا من هذا الطريق.» تبعَته بطاعة وجلسا إلى طاولة صغيرة في غرفة المرطبات بالمحطة. سألتْ فجأة: «سيد تافرنيك، يجب أن أسألك سؤالًا. هل حدثَ لك أمرٌ مثل هذا من قبل؟» أكَّد لها قائلًا: «على الإطلاق.» قالت معترضة: «يبدو أنك تأخذ كلَّ شيء على أنه مسألة طبيعية.» «ولِمَ لا؟» أجابت بوهن: «أوه، لا أعرف. كلُّ ما هنالك …» ثم أطلقت ضحكة مفاجئة وطبيعية للغاية كانت مَخرجًا لها من الإجابة. قال: «حسنًا، هذا أفضل. أنا سعيدٌ لأني أراكِ تضحكين.» صرَّحَت قائلة: «في واقع الأمر، أشعر برغبةٍ أكبر في البكاء. ألا تعلم أنك كنتَ شديد الحُمق الليلةَ الماضية؟ كان ينبغي لك أن تتركني وحدي. لماذا لم تفعل؟ كنت ستوفر على نفسك كثيرًا من العناء.» أومأ برأسه كما لو كانت وجهةُ النظر هذه قد خطرَت بباله، بدرجةٍ ما. واعترفَ قائلًا: «نعم، أعتقد أنني كان ينبغي أن أفعل ذلك. أنا لا أفهم حتى الآن لماذا تدخَّلت. لا يسَعُني إلا أن أتذكَّر أن ذلك لم يبدُ ممكنًا في حينها.» ثم أضافَ وهو عابسٌ قليلًا: «أعتقد أنني لا بد لديَّ دوافع.» قالت وهي تُقدِم على تناول شطيرة أخرى: «يبدو أن التفكير في الأمر يزعجك.» اعترفَ قائلًا: «إنه يزعجني حقًّا. لا أحبُّ أن أشعر بأنني مضطرٌّ إلى فعل أي شيء لسبب غير واضح. أحبُّ أن أفعل الأشياء التي يبدو أنها من المُرجَّح أن تكون في مصلحتي.» تمتمت قائلةً: «لا بد أنك تكرهني!» فأجابَ: «لا، أنا لا أكرهُكِ، لكن من ناحية أخرى، أنتِ بالتأكيد تمثلين عبئًا عليَّ. في البداية، كذَبتُ من أجلكِ في الفندق، وأنا أفضِّل دائمًا أن أقول الحقيقة متى أستطِيع. ثم تبعتُكِ إلى خارج الفندق، وهو أمرٌ لم أكن أحبُّ فعله على الإطلاق، ويبدو أنني قضيتُ جزءًا كبيرًا من الوقت منذ ذلك الحين في صحبتكِ، في ظل ظروفٍ غير عادية إلى حدٍّ ما. لا أفهم لماذا فعلتُ هذا.» قالت: «أعتقد أن السبب في ذلك هو أنكَ شخصٌ طيب القلب للغاية.» أجابها مؤكِّدًا بهدوء: «لكنني لستُ كذلك. أنا لست أيَّ شيء من هذا القبيل. لديَّ القليل من التعاطف مع الناس الطيبين. أعتقد أن العالم سيسير بشكل أفضل كثيرًا عندما يعتني كلُّ شخص بنفسه، وليذهب الناسُ الذين ليسوا مؤهَّلين للقيام بذلك إلى الجحيم.» تمتَمَت قائلة: «يبدو هذا التفكير أنانيًّا إلى حدٍّ ما.» «ربما هو كذلك. أعتقد أنني إذا كان بإمكاني صياغةُ أفكاري بشكل مختلف فستصبح ضربًا من الفلسفة.» قالت وهي تبتسمُ له عبر الطاولة: «ربما تكون قد فعلتَ كل هذا حقًّا لأنك معجَبٌ بي.» قال مصرحًا: «أنا متأكِّد تمامًا من أن الأمر ليس كذلك. أشعر باهتمام بكِ لا أستطيع فهم كُنهِه، لكن لا يبدو لي أنه اهتمامٌ شخصي.» وتابعَ حديثه قائلًا: «في الليلة الماضية عندما كنتُ جالسًا هناك منتظرًا، حاولتُ فهم كُنه الأمر. وتوصلتُ إلى استنتاج مفاده أنكِ تُمثلين شيئًا لا أفهمه. أنا فضوليٌّ للغاية ودائمًا ما يهمني أن أتعلم. أعتقد أن هذا حتمًا هو سر اهتمامي بكِ.» قالت له ساخرة: «أنت مجاملٌ للغاية. أتساءل ماذا عساه أن يكون الشيءَ الذي أستطيع تعليمه لشخصٍ فائق مثل السيد تافرنيك؟» أخذَ سؤالها على محمل الجِد. وأجابَ: «أنا نفسي أتساءل ما هو هذا الشيء. ومع ذلك، بطريقة ما، أعتقد أني أعرف.» قالت: «لا بد أن تُعمِل خيالك للخروج من هذه الحيرة.» أعلنَ بتجهُّم: «ليس لديَّ خيال.» ظلَّا صامتَين عدةَ دقائق؛ كانت لا تزال تدرسه. قالت فجأة: «أتساءل لماذا لا تسألني أيَّ أسئلة عن نفسي.» أجابَ: «هناك شيءٌ واحد، لديَّ فضولٌ هائل أن أعرفه. الليلة الماضية في الصيدلية …» توسَّلَت إليه، وقد اصفرَّ وجهُها فجأة: «لا تفعل! لا تتحدَّث عن ذلك!» أجابَ بلا مبالاة: «حسنًا جدًّا. اعتقدتُ أنكِ كنتِ تَدْعينني لطرح الأسئلة. لا داعي للخوف من ذلك بعد الآن. أنا حقًّا لا يعتريني الفضولُ بشأن الأمور الشخصية؛ أعتقد أن حياتي تستحوذ على كل اهتمامي.» انتهيَا من الإفطار ودفعَ الفاتورة. وبدأت هي في ارتداء قفازها. قالت: «مهما حدث لي، فلن أنسى أبدًا أنك كنتَ في منتهى اللطف معي.» ترددَت لحظةً ثم بدَت كأنها تُدرك الآن تمامًا كم كان لطيفًا حقًّا. كان هناك نوعٌ من الرقة الخالصة في أفعاله لم تَقْدُرها حَقَّ قدْرها. مالت نحوه. لم يتبقَّ شيءٌ هذا الصباح من هذا التجهم الذي كان يُشوِّهها. كان فمها ناعمًا؛ وعيناها لامعتَين، بل ربما جذابتَين. إن كان تافرنيك يستطيع الحكم على مظهر المرأة، فلا بد أنه وجدها جذابة. وتابعَت وهي تمدُّ يدها: «أنا ممتنةٌ جدًّا لك. سأتذكَّر دائمًا كم كنت لطيفًا. مع السلامة!» سأل: «أستذهبين؟» ضحكت. وسألته: «عجبًا، هل تخيلتَ أنك قد أخذت على عاتقك مهمةَ العناية بي بقيةَ حياتك؟» أجابَ: «لا، لم أتخيَّل ذلك. في الوقت نفسِه، هل لديكِ أيُّ خطط؟ إلى أين ستذهبين؟» صرَّحت بلا مبالاة: «أوه! سأفكِّر في شيء ما.» التقط بريقَ عينيها، واليأسَ المفاجئ الذي سقط كسحابة على وجهها. ثم تحدَّث بسرعة وبحسم. وقال: «في واقع الأمر، أنتِ نفسُكِ لا تعرفين. ستخرجين فقط من هذا المكان ومن المُحتمل جدًّا أن تتوجَّهي إلى مقعدٍ على الإمبانكمنت مرة أخرى.» ارتجفت شفتاها. لقد حاولَت أن تحافظ على رِباطة جأشها، لكن ذلك كان صعبًا. أجابت: «ليس بالضرورة. قد يظهر شيءٌ ما.» مالَ قليلًا عبر الطاولة نحوها. وقال بروية: «اسمعي، سأقدِّم لك اقتراحًا. لقد خطر ببالي خلال الدقائق القليلة الماضية. لقد سئمتُ من النُّزُل وأرغب في تركه. والعمل الذي أقوم به ليلًا يزداد أهميةً أكثر وأكثر. أود أن أستأجر غرفتَين في مكانٍ ما. إذا أخذتُ غرفة ثالثة، فهل تقبَلين أن تُطلقي على نفسكِ ما أطلقتُه عليكِ عندما حدَّثتُ الخادمةَ عنكِ البارحة … أختي؟ سوف أتوقَّع منكِ أن تهتمِّي بطعامي وبملابسي وأن تساعديني في أمور أخرى.» وتابعَ: «لا أستطيع أن أعطيَكِ راتبًا كبيرًا، لكن ستتوفر لديكِ فرصةٌ أثناء النهار للبحث عن أي عمل، إذا كان هذا ما تريدينه، وسيكون لديكِ على الأقل سقفٌ يُظلُّكِ ووفرة من الطعام والشراب.» نظرَت إليه نظرة خاوية ذاهلة. كان من الواضح أن عرضه صادقٌ ونزيه تمامًا. واحتجَّت قائلة: «لكن يا سيد تافرنيك، لقد نسيتَ أنني لستُ أختَك في الحقيقة.» سألها دون أن يجفل: «وهل هذا مهم؟» وأضافَ على نحوٍ يوحي بارتباكه: «أعتقدُ أنكِ تفهمين نوعَ الشخص الذي أنا عليه. لن يكون لديكِ ما تخشينه من أي إعجاب من جانبي … أو أي شيء من هذا القبيل. هذه الأشياء ليست جزءًا من حياتي. أنا أطمح لأن أتقدَّم، وأنجح وأصبح ثريًّا. أما غير ذلك من أمور فلا تخطر ببالي.» لم تنبس ببنتِ شفة. وبعد وقفة قصيرة، استأنفَ حديثه. «إنني أقدِّم هذا العرض من أجلي بقدرِ ما هو من أجلكِ. أنا مثقفٌ جدًّا وأعرفُ معظمَ ما يمكن معرفتُه في مهنتي. ولكن ثمة أشياء أخرى أجهلها. أعتقدُ أنكِ تستطيعين تعليمي بعضَ هذه الأشياء.» جلسَت ونظرت إليه عدةَ لحظاتٍ وهي لا تزال عاجزة عن الكلام. في الخارج، كانت المحطة مكتظة الآن بحشودٍ متسارعة في طريقهم إلى أعمالهم اليومية. وكانت المحرِّكات تدوي، والأجراس تدق، ووقْع الخطوات لا يتوقف. وفي الغرفة المظلمة السيئة التهوية نفسِها كان صوتُ قرع الأواني الخزفية، وتثاؤب الشابات الساخطات من خلف منضدة البيع، شابات لا يزال شعرهن ملفوفًا ببكرات الشعر، غير مستعدَّاتٍ بعدُ للقيام بجولاتهن الصغيرة داخل الغرفة لتلبية طلبات زبائنهن المسالمين الذين يترقَّبون مجيئهن. بدا وكأنه ركنٌ غريب في الحياة. نظرت إلى رفيقها وأدركَت أنها لا تعرف عنه سِوى معلوماتٍ قليلة متناثرة. لم يكن هناك شيء يمكنها استنتاجُه من وجهه. بدا أن وجهه خالٍ من التعبيرات. كان ببساطة ينتظر ردَّها بينما أفكاره نصف منهمِكة بالفعل في أعمال اليوم. بدأت: «حقًّا، أنا …» عادَ من شروده اللحظيِّ ونظر إليها. وفجأةً غيَّرَت طريقةَ حديثها. ربما كان عرضًا غريبًا، ولكن هذا الرجل كان من أغرب الرجال. قرَّرت: «أنا على استعداد تام للتجرِبة. هلا تخبرينني أين يمكنني مقابلتك لاحقًا؟» قال: «لديَّ ساعة ونصف الساعة لتناول الغداء عند تمام الواحدة. قابليني عند الركن الجنوبي الشرقي بالضبط من ميدان ترافالجار.» وأضاف وهو ينهض: «هل تريدين القليل من المال؟» أجابت: «لديَّ الكثير، شكرًا لك.» وضعَ شلنين ونصفَ الشلن على المنضدة ودوَّنَ شيئًا في مذكرة صغيرة أخذها من جيبه. قال: «من الأفضل أن تحتفظي بهذا المبلغ، في حال احتجتِ إليه. سأتركُكِ وحدكِ هنا. يمكنكِ أن تنتقلي إلى أي مكان تريدينه، أنا متأكِّد، وأنا على عجَلة من أمري. تذكَّري، في الساعة الواحدة. أتمنى أن تظلِّي بخير.» وضعَ قبعته وغادرَ دون أن يُلقي نظرة إلى الوراء. وجلسَت بياتريس على كرسيها تُراقبه حتى غاب عن نظرها. إغواء تافرنيك
الفصل الرابع أخبار بريتشارد السارة في وقتٍ متأخر من بعد ظهر اليوم التالي، عادت روث إلى منزلها قادمةً من القرية ووجدَت تافرنيك يعمل بجِدٍّ في قاربه. وضعَت سلَّتها وتوقَّفت بجانبه. قالت متسائلة: «إذن، فقد عُدتَ من جديد.» «نعم، عدتُ من جديد.» «ولم يحدث شيء؟» وافقَ بوهن: «لم يحدث شيء. ولن يحدث شيءٌ على الإطلاق الآن.» فابتسمَت. «هل تقصد أنك ستبقى هنا وتصنع القوارب طوال حياتك؟» فقال معلِنًا: «هذا ما أنوي القيام به.» وضعَت يدها على كتفه. وقالت: «لا أصدِّق هذا يا ليونارد. هناك عملٌ آخرُ في انتظارك في مكانٍ ما في العالم، تمامًا كما هو الحال بالنسبة إليَّ.» هزَّ رأسه والتقطتْ سلَّتها مرة أخرى مبتسمة. وصرَّحَت بمرح: «ستأتي فرصتُك كما تأتي الفرصةُ لنا جميعًا. وعندها لن ترغبَ في الجلوس هنا ودفنِ مواهبك في الرمال طوال حياتك. هل سمعت ما سيحدث لي؟» «لا! آمُل أن يكون شيئًا جيدًا.» «ابنة عمي المفضَّلة لدى والدي ستأتي لتعيش معنا … لديَّ سبعٌ من بنات العمِّ إجمالًا، والزراعة لا تُدِرُّ دخلًا مناسبًا كما كانت من قبل؛ لذا ستأتي مارجريت إلى هنا. ويقول أبي إنها إذا كانت نشيطةً ومستعدَّة للعمل كما كانت في الماضي، فقد أعود إلى التدريس على الفورِ تقريبًا.» سكتَ تافرنيك لحظة. ثم قام وألقى أدواته. وصاحَ: «يا إلهي! لعلي سأصبح الوحشَ الأكثر أنانيةً على سطح الأرض! هل تعلمين أن أولَ فكرة خطرت ببالي هي أنني سأفتقدُكِ؟ أنتِ على حقٍّ أيتها الفتاة، عليَّ أن أخرج مما أنا فيه.» اختفَت داخل المنزل، مبتسمةً، ونادى تافرنيك على نيكولز، الذي كان جالسًا بجوار السور. وسأله: «قل لي يا سيد نيكولز، ما مقدار الوقت الذي تريده لإشعارك بأنني سأرحل؟» أخرج ماثيو نيكولز غليونه من فمه. وأجابَ: «حسنًا، لا أعلم بالتحديد، كما تريد. بيني وبينك، أصبحتُ بدينًا وكسولًا منذ أن أتيتَ. ليس هناك ما يكفي من العمل لشخصَين، وكلُّ ما في الأمر أنك لكونك شابًّا ونشيطًا، فقد تركتُ العمل كلَّه لك، وانظر إلى ذراعيَّ.» رفعَ ذراعَيه. ثم قال: «كانتا في السابق كلهما عضَلات، أما الآن فهما ليستا سوى ذراعَين مترهلتَين. ولا أشربُ في اليوم سوى كأسَين إضافيَّتَين من البيرة لتمضيةِ الوقت. يمكنك البقاءُ إذا أردتَ، أيها الشاب، ولكن يمكنك الخروجُ للصيد وترك العمل لي، وسأدفعُ لك المبلغ نفسَه؛ لأنني لا أقول إنني لا أحبُّ رفقتك. أو يمكنك الرحيل متى شئت، وهذه هي نهاية الأمر.» بصق ماثيو نيكولز على الحجارة ثم أعاد غليونه إلى فمه. وجاءَ تافرنيك وجلسَ إلى جانبه. وقال: «اسمعني يا سيدي، أعتقدُ أنك على حق. سأبقى أسبوعًا آخر لكني سأهوِّن على نفسي. وواصِل أنت العملَ في القارب الآن. سأجلسُ هنا وأدخِّن.» امتعضَ نيكولز لكنه أطاعَ الأمر، وفي الأيام القليلة التالية ظلَّ تافرنيك يقضي وقتَه في التسكُّع. وعند عودته بعد ظهر أحدِ الأيام من تمشيةٍ طويلة، رأى شخصًا مألوفًا جالسًا على سور البحر أمام الورشة، شخصًا مألوفًا لكنه غريبٌ في هذه الأنحاء. كان السيد بريتشارد، مرتديًا قبعةً أمريكية من اللبد، ويُدخِّن سيجارًا شديدَ السواد. انحنى وحيَّا برأسه تافرنيك، الذي كان يُحدِّق به فاغرًا فاه. صاحَ السيد بريتشارد: «مرحبًا أيها الصديق القديم! أستطيع أن أركضَ وراءك إلى أقاصي الأرض كما ترى!» فردَّ تافرنيك متعجِّبًا: «نعم، أرى!» واصلَ بريتشارد: «تعالَ هنا ودَعْنا نتحدث.» أطاعه تافرنيك. وتفحَّصه بريتشارد باستحسان. كان تافرنيك يرتدي ثيابًا غير مهندمة في تلك الأيام، لكنه تطوَّر بالتأكيد كرجل. قال زائره: «أنت تبدو على ما يُرام. سأضحي بأي شيءٍ لأحصل على هذا اللون وهذه الأكتاف!» اعترفَ تافرنيك قائلًا: «إنها حياةٌ صحية. هل تقصد أنك أتيتَ إلى هنا لرؤيتي؟» فأعلن بريتشارد: «هذه هي الحقيقة؛ لقد أتيتُ إلى هنا لرؤيتك، وليس لأيِّ سبب آخر.» وتابعَ قائلًا: «المناظر الطبيعية وغيرها من الأشياء رائعةٌ هنا، ولن أنكرَ ذلك. لكنني أتيتُ إلى هنا لأتحدثَ إليك أنت. فهل أنت مستعد؟ هل أدخل في الموضوع مباشرة؟» قال تافرنيك وهو يملأ غليونه ببطءٍ: «تفضَّل.» تابعَ بريتشارد: «لقد رحلتَ عن كل شيء بشكل مفاجئ جدًّا. ولم يحتج الأمر مني إلى الكثير من التفكير لأدركَ السبب. بيني وبينك، لستَ أول رجل يُواجه موقفًا صعبًا بسبب تلك الشابة.» ثم تابعَ راجيًا: «لا تُقاطعني. أنا أعرفُ كيف كنتَ تشعر. وقد كانت فكرةً جيدة أن تأتيَ إلى هنا. فآخَرون قبلك جرَّبوا الجانب المظلم من نيويورك وباريس، ولم يكن هذا هو العلاج السليم. لقد كان جحيمًا، هذا ما كان عليه الأمر بالنسبة إليهم. والآن دعني أُسلِّم جدَلًا في البداية بأن تلك الشابة — بما أننا يجب أن نتحدث عنها — هي أجملُ بنات جنسها وأكثرهن فتنة، ولكنها لا تستحقُّ أن تضيِّع حياة حلزون، ناهيك عن حياة رجلٍ قوي.» اعترَف تافرنيك باختصار: «أنت محق. أعرفُ أنني كنت أحمق … أحمق! لو كنت أستطيع أن أجد لفظًا آخرَ يصف حالتي، لكنتُ استخدمته، ولكني لا أجد سِوى هذا اللفظ. لقد تركتُ كلَّ شيء وأتيتُ إلى هنا. ولا أعتقدُ أنك أتيتَ إلى هنا فقط لتخبرني عن رأيك فيَّ، أليس كذلك؟» اعترفَ بريتشارد: «كلا، على الإطلاق. لقد أتيتُ إلى هنا لأخبرك أولًا بأنك أحمق، إذا لزم الأمر. ولكن بما أنك تعرف هذا بالفعل، فهذا ليس السبب. سنتجاوز ذلك إلى المرحلة التالية، وتلك المرحلة هي، ما الذي ستفعله حيال حُمقك؟» أعلنَ تافرنيك: «في اللحظة الراهنة، كنتُ أنوي أن أغادرَ هذا المكان. المشكلة الوحيدة هي أنني لستُ حريصًا جدًّا على الذهاب إلى لندن.» أومأ بريتشارد برأسه مفكِّرًا. وقال موافقًا: «لا بأس. فلندن ليست المكانَ المناسب للرجال على أية حال. وأنت لا تريد أن تتعلَّم الحيلَ المعتادة لكسب المال. فالمال الذي نَجنيه في المدن هو في الغالب مالٌ نجنيه بأصابعَ ملوَّثة. لديَّ عرضٌ آخر أقدِّمه لك.» قال تافرنيك: «تفضَّل. ما هو هذا العرض؟» قال بريتشارد، مغيِّرًا زاوية سيجارِه في فمه: «بلدٌ جديد، أرضٌ بِكر، جبال ووديان، وأنهار عظيمة لعبورها وبرودة وحرارة لتتحملها، أرض غنيةٌ بالمعادن … البعض يقولون ذهَب، ولكن دَعْك من هذا. يوجد بترول في أجزاءٍ منها، ويوجد قصدير، ويوجد فحم، ويوجد آلافٌ وآلاف من الأميال من الغابات. أنت مسَّاحُ أراضٍ، أليس كذلك؟» ردَّ تافرنيك باقتضاب: «لقد اجتزتُ كلَّ اختباراتي بنجاح.» أصرَّ بريتشارد: «أنت الرجلُ المناسب لهذا المكان. لديَّ إجازةٌ مدةَ عامَين … لقد سئمتُ من حياة المدينة حقًّا … وسأضعُك على المسار الصحيح. أنت لا تعرف الكثير عن التنقيب بعد، أليس كذلك؟» «لا شيء على الإطلاق!» تابعَ بريتشارد: «ستعرف قريبًا. سنبدأ من وينيبيج. بِضع خيول وبعض المرشدين وزوجان من الخيام. سنقضي عشرين أسبوعًا يا صديقي دون أن نرى بلدة. ما رأيك في ذلك؟» تمتَم تافرنيك: «رائع!» «سنتَّجه إلى الغرب مدةَ عشرين أسبوعًا. أنا أعرفُ طريقة بدء العمل ككلٍّ. وأعرفُ أيضًا واحدًا أو اثنَين من الرأسماليِّين، وأراهنُك أنك ستستطيع تحديد موضع بعضٍ من أروع العقارات في كولومبيا البريطانية.» قال تافرنيك معترضًا: «لكنني لا أملك بنسًا واحدًا.» فردَّ بريتشارد وهو يسحب جريدةً من جيبه: «أنت كاذبٌ في هذا. شاهد الإعلان بنفسك: «ليونارد تافرنيك، حرصًا على مصلحته.» حسنًا، لقد ذهبتُ إلى هؤلاء المحامين … أو على الأحرى إلى مارتن محاميك القديم. أخبرتُه أنني كنت أتتبَّع خُطاك، فقال: «بحق السماء، أرسِلْه لي على الفور!» حقًّا يا تافرنيك، لقد أضحَكني حين وصفَ لي الطريقة التي اقتحمتَ بها مكتبه وقلتَ له بأن يأخذ أرضَك مقابل النفقات التي تكبَّدَها، ثم خرجتَ من المكتب بسرعة الريح. عجبًا، لقد تعاملَ في هذا الأمر بحيث اضطُرُّوا إلى شراء أرضك، وأخذوه شريكًا. لقد جنى قدرًا هائلًا من المال، ولا يحتاج منك إلى أيِّ نفقات، أما عن أموال أرضك، بالإضافة إلى أموالك التي كانت لديه، فكلها هناك في انتظارك.» كان تافرنيك يُدخِّن غليونه برصانة. وكانت عيناه موجَّهتَين نحو البحر، لكن قلبه كان يخفق على أنغامٍ جديدة ورائعة. أن يبدأ حياته من جديد، حياة رجل حقيقي، هناك في الخلاء، هناك في المساحات الشاسعة المفتوحة! كان هذا مذهلًا حقًّا! استدار وأمسكَ بريتشارد من كتفه. ثم صاحَ: «أخبرني يا بريتشارد، لِمَ تفعل كلَّ هذا من أجلي؟» ضحك بريتشارد. وقال: «لقد أسديتَ لي معروفًا، وأنت رجلٌ بمعنى الكلمة. تمتلك الشجاعة والإقدام … وهذا ما أحبُّه. لم تكن تعرف شيئًا، وكنتَ ساذجًا وجاهلًا مثل شابٍّ يعمل في متجر ريفي، لكن يا إلهي! كنت تتمتَّع بخِصال رائعة، وأنا نويت أن أردَّ لك المعروف، إذا استطعت. ستغادر معي هذا المكان غدًا، وفي غضون ثلاثة أسابيع سوف نُبحر.» خرجَت روث مبتسمةً من المنزل. وقالت راجية: «ألن تُدخِل صديقَك لتناوُل العشاء يا سيد تافرنيك؟» ثم أضافت بصوتٍ منخفض: «لعلها أخبارٌ سارة؟» فقال تافرنيك: «الأخبار الأفضل. الأفضل على الإطلاق!» إغواء تافرنيك
الفصل الخامس بياتريس ترفض بعد أسبوع كان تافرنيك في لندن. لقد أثبتَت زيارتُه إلى صديقه السيد مارتن بسهولةٍ ما قاله بريتشارد، ووجد نفسه يمتلك مبلغًا من المال يبلغ على الأقل ضِعفَ ما كان يتوقَّعه. فمكثَ في فندقٍ رخيص في شارع ستراند وقام بعمليات شراء تحت إشراف بريتشارد. في الأيام القليلة الأولى كان مشغولًا للغاية بحيث لم يكن لديه وقتٌ للتفكير. ثم تركه بريتشارد بينما هُرِعَ إلى باريس، وفجأة أدركَ تافرنيك أنه في المدينة التي ظنَّ أنه لن يعودَ إليها أبدًا. مرَّ على الجزء الخلفي من المسرح حيث كان ينتظر بياتريس، وتفقَّد مدخل ميلان كورت؛ وتناولَ الغداءَ بمفرده في المطعم الصغير الذي تناولَ فيه العشاء مع بياتريس، وهناك شعرَ بمزيجٍ غريب من المشاعر. لقد انقضى ذلك الجزءُ من حياته وانتهى. ومع ذلك، وبصدقه الطبيعي، لم يُحاول قطُّ أن يُخفي عن نفسه الألمَ الذي اعتصر قلبَه. وجدَ نفسه ثلاثَ مراتٍ في يوم واحد، بحجةٍ أو بأخرى، في مطعم إيمانو. وفي مرةٍ، في منتصف الشارع، انفجر في نوبةٍ من الضحك. كان ذلك عندما كان بريتشارد في لندن، وطرحَ عليه سؤالًا. قال: «بريتشارد، أنت رجلٌ ذو خبرة واسعةٍ وتجرِبة. هل سبقَ أن أحبَّ رجلٌ امرأتَين في آنٍ واحد؟» أخرجَ بريتشارد سيجاره من بين أسنانه وحدَّقَ في رفيقه. ثم أجابَ: «عجبًا يا صديقي الشاب، أنا نفسي لم أجد أيَّ مشكلة في أن أكونَ مغرَمًا بدُزينة من النساء.» ابتسمَ تافرنيك ولم يَزِدْ كلمة. كان بريتشارد أحدَ الرجال الصالحين في هذا العالم، لكن كان ثمةَ أشياءُ خفيةٌ عنه. إلا أن تافرنيك، الذي اعتادَ خلال عُزلته، أن يُحلِّل أحاسيسه، كان متحيِّرًا من شيءٍ وحيد، وهي أنه عندما يفكِّر في إليزابيث، على الرغم من أن قلبه لم يتوقَّف قطُّ عن الخفقان بسرعةٍ أكبر، فإنه كان يُخالجه شعورٌ بالخزي بشكل عام؛ وعندما كان يفكِّر في بياتريس، كان يشعر بإحساسٍ غريبٍ بالوحدة، وحدة يُخالطها ألم، بدا فجأةً أن هذا الإحساس يجعل الساعات تمر بصعوبةٍ ويُذهِب الطعمَ عن كل ملذات الحياة. ظلَّ حائرًا مدةَ يومين. وبعد ذلك ساعدته عادتُه في المشي مسافاتٍ طويلةً في الوصول إلى حلٍّ. في قاعة موسيقى صغيرةٍ نائية في الطرف الشرقي من لندن، رأى الإعلانَ نفسَه الذي كان قد لاحظه في صحيفة «نورفوك» … «البروفيسور فرانكلين» بالحروف الكبيرة، و«الآنسة بياتريس فرانكلين» بحروف أصغر. في تلك الليلة حضر إلى قاعة الموسيقى. كان المشهد عمَليًّا تَكرارًا للمشهد في نوريتش، رغم وجود بعض الإضافات. لم يلقَ أداءُ البروفيسور المتحذلق بالكاد أيَّ تصفيق. وقاطعَ إكمالَه، فعليًّا، صفيرٌ وصيحاتُ استهجانٍ من الجمهور. أما أغاني بياتريس، من ناحيةٍ أخرى، فنالت استحسانًا صاخبًا أكثرَ من أي وقتٍ مضى. وبذلَت جهدًا كبيرًا لتجنُّب أداء أغنية ثالثة. في نهاية العرض، شقَّ تافرنيك طريقَه إلى باب المسرح وانتظر. كان الحيُّ بغيضًا، وبدا المبنى نفسُه محشورًا وسَط صفٍّ من المحلات ذات المستوى الأسوأ، وأكشاك الأسماك، ومتجر قبيح لمشروب الجين. قبل وقتٍ طويل من خروج بياتريس، كان بإمكان تافرنيك سماعُ صوت البروفيسور صادرًا من الممر المغطَّى، ويبدو أن صوت البروفيسور قد ارتفعَ غضبًا. «هذا سلوكٌ غير لائق، هذا ما أُسميه … غير لائق!» اندفعا إلى الشارع، البروفيسور بنفس شكله المعتاد إلى حَدٍّ كبير؛ أما بياتريس فكانت أكثرَ شحوبًا، ويبدو على ملامحها الحزن. وتقدَّم تافرنيك نحوها بنفاد صبر. وصاح: «بياتريس!» وهو يمدُّ إليها يده. تراجعَ البروفيسور للخلف. أما بياتريس فوقفَت ثابتة … وللحظة بدا أنها على وشك الإغماء. فأمسكَ تافرنيك بيديها. وقال بإحراج: «أنا آسفٌ جدًّا! ما كان يجب أن أفاجئكما بهذا الشكل.» ابتسمَت ابتسامةً واهنة صغيرة. وردَّت: «أنا بخير، كلُّ ما هنالك أن الحرارة بالداخل كانت مرهِقة، وحتى في الخارج الجوُّ ليس منعشًا للغاية، أليس كذلك؟ كيف اكتشفتَ مكاننا؟» أجابَ تافرنيك: «بالمصادفة مرةً أخرى. لديَّ أخبار. هل لي أن أمشيَ معكِ بضع خطوات؟» نظرَت بخجل نحو والدها. كان البروفيسور قد وقفَ بعيدًا في صمت مهيب. فقال تافرنيك بسرعة: «ربما تتناولين العشاءَ معي؟ سأسافر خارج البلاد، وأودُّ أن أودِّعكِ على النحو اللائق. زجاجة شمبانيا وعشاء مناسب. ما رأيك يا بروفيسور؟» كافح البروفيسور لتبدوَ ملامحُه أكثرَ استرخاءً. وقال: «فكرةٌ رائعة للغاية. أين يمكن أن نذهب؟» قال تافرنيك مقترحًا: «هل فات الأوانُ للوصول إلى إيمانو؟» تردَّد البروفيسور. ثم قال: «سيارة أجرة ستفي بالغرض، إذا …» وتوقَّف عن الكلام، فابتسمَ تافرنيك. وقال مقررًا: «إذن، فهي سيارة أجرة. لديَّ ما يكفي من المال في الوقت الحالي. تعاليا، وسأخبركما بكل شيء.» جعلها تتأبَّط ذراعه، على الرغم من أن أصابعها لم تلامس أكثرَ من كم معطفه. وتابعَ: «جاء بريتشارد وأنقذني من هناك. وسوف أسافر للخارج معه. إنه نوعٌ من التنقيب في بلدٍ جديد في الجزء الخلفي من كولومبيا البريطانية. سنرى ما يمكننا العثورُ عليه ثم نذهب إلى مموِّل وننشئ شركات؛ شركات تعدين وحقول نفط — أي شيء. سأسافر في غضون أسبوع.» أغمضَت بياتريس عينَيها جزئيًّا. كانوا قد أشاروا إلى سيارة أجرة عابرة وغاصت بين الوسائد متنفِّسةً الصُّعَداء. تمتمَت قائلة: «عزيزي ليونارد، أنا سعيدة جدًّا، سعيدة جدًّا من أجلك. هذا هو الشيء الذي كنت آمُل أن يحدث.» تابعَ: «والآن أخبروني عن حالكم.» سادَ صمتٌ مفاجئ. وكان تافرنيك يدرك أن ملابسَ بياتريس كانت رثَّةً بشكل واضح، وأن قبَّعة البروفيسور كانت بالية. فتحشرَج البروفيسور. وقال: «لا أرغب في عرض أمورنا الخاصة على شخص، على الرغم من أنني لن أصفَه بالغريب، فهو بالتأكيد ليس أحدَ أصدقائنا القدامى. في الوقت نفسه، أعترفُ بحدوث مشكلةٍ صغيرة بيني وبين بياتريس، وكنا نناقشها لحظةَ وصولك. وسأناشدك المساعدةَ الآن. كفردٍ غير متحيِّز من أفراد الجمهور الليلة، يا سيد تافرنيك، هل ستعطيني رأيك الصادق؟» وعدَ تافرنيك وهو يتوجَّس خِيفةً مما هو قادم: «بالتأكيد.» بدأ البروفيسور متحدِّثًا ببطءٍ مؤثِّر وواضح: «ما أشكو منه هو أن عَرضي يُستعجَل للغاية وأغانيَ بياتريس تَشغل وقتًا طويلًا جدًّا.» ثم استأنفَ قائلًا: «تُعلِّق الإدارة على التصفيق الذي تُكافَأ به جهودُها من حينٍ لآخَر، ولكن، كما أودُّ أن أوضح لك، يا سيدي، إن عرضًا مثل عرضي يترك انطباعًا عميقًا للغاية على الجمهور مما يجعلهم لا يُظهِرون تقديرَهم له من خلال هذا الأساليب المُبتذَلة مثل التصفيق والصفير. لعلك تُتابع ما أقول يا سيد تافرنيك؟» اعترفَ تافرنيك: «أوه، بالطبع.» صرَّح البروفيسور قائلًا: «إنني أهتمُّ بعملي اهتمامًا جادًّا ومخلصًا، وأشعرُ أنه عندما يتم استعجاله لكي تُغني ابنتي أغنيةً شعبية بسيطة، فإن النتيجة، على أقل تقدير، مُهينة. لسببٍ أو لآخر، لم أتمكَّن من إقناع الإدارة بوجهةِ نظري تمامًا، لكن رأيي أن تُغني بياتريس أغنيةً واحدة فقط، وأن أَشغل أنا الدقائق العشَرة الإضافية إما بعرضٍ آخَر لقُواي الخارقة في التنويم المغناطيسي، أو بخطابٍ قصير للجمهور عن العلوم الخفية. والآن أناشدك الرأي، يا سيد تافرنيك، بوصفك شابًّا يتمتع بالمنطق السليم. فما رأيُك؟» أوشكَ تافرنيك، الذي كان صريحًا للغاية بحيث لم يكن قادرًا بشكلٍ عام على النفاق، أن يُعطيه رأيه، لكنه انتبهَ إلى نظرة بياتريس المتوسِّلة. كانت شفتاها تختلجان. فتردَّد. ثم بدأ حديثه ببطءٍ قائلًا: «بالطبع، عليك أن تحاول أن تضَع نفسك في محل الأغلبية العظمى من الجمهور، الذين هم أشخاصٌ غير متعلِّمين إلى حدٍّ كبير. من الصعب جدًّا إبداءُ رأي يا بروفيسور. لكن عليَّ أن أقول إن الجمهور استمع إلى عرضك هذا المساء باهتمام كبير.» استدار البروفيسور بجديةٍ نحو ابنته. وقال بحِدَّة: «أتسمعين هذا يا بياتريس؟ أتسمعين ما يقوله السيد تافرنيك؟ «باهتمام كبير!»» استدركَ تافرنيك: «في الوقت نفسِه، كانت أغاني الآنسة بياتريس، دون شك، محبوبةً للغاية. من سوء الحظ أن الإدارة لا تستطيع أن تمنحَكما وقتًا إضافيًّا.» صرَّح البروفيسور قائلًا: «وإذا تعذر ذلك، سيدي، فإنني أرى —كما أوضحت سابقًا، أن بياتريس عليها الاستغناء عن إحدى أغانيها. وما قلته هذا المساء يؤكد وجهة نظري أكثر من أي وقتٍ مضى.» ابتسمَت بياتريس إلى تافرنيك ابتسامةً شاكرة. وقالت مقترِحة: «حسنًا، على أي حال، دعونا نغضَّ الطرْفَ عن هذا الموضوع الآن. على الرغم من أني أظن، في بعض الأحيان، أنك تُخيفهم يا أبي ببعض أعمالك، ولا بد أن تتذكَّر أنهم قد جاءوا ليستمتعوا.» اعترفَ البروفيسور قائلًا: «تلك هي أكثرُ ملحوظة منطقية نطَقتِ بها يا بياتريس. هناك بالفعل شيءٌ مثير للخوف في بعض تجلياتي، بل إنه يُثير خوفي أنا أحيانًا، رغم فهمي الكامل لهذا الفرع من العلوم. ومع ذلك، كما تقولين، سنتغاضى عن هذا الموضوع الآن. إن فكرة حفل العشاء فكرةٌ مبهجة. هل تتذكَّر، يا سيد تافرنيك، الليلة التي التقينا فيها أنا وأنت في شرفة إيمانو؟» ردَّ تافرنيك: «أتذكَّرها تمامًا.» واصلَ البروفيسور بابتسامة العارِف: «الآن سأختبرُ ذاكرتك. هل تتذكَّر يا سيدي العلامة التجارية للشمبانيا التي كنتُ أحتسيها في ذلك اليوم، حين صرَّحتُ، إذا كنتَ تتذكَّر، أنها العلامة التجارية التي تتوافق معي، والعلامة الوحيدة التي تستحق الشرب؟» اعترفَ تافرنيك قائلًا: «أخشى أنني لا أتذكَّر ذلك. فحياة المطاعم شيءٌ لا أعرفُ عنه سوى القليل، وأنا لم أشرب الشمبانيا سوى مرة أو مرتَين في حياتي.» صاحَ البروفيسور متعجِّبًا: «يا إلهي! أنت حقًّا تُدهِشُني يا سيدي. حسنًا، هذه العلامة التجارية هي فوف كليكو، ويمكنك أن تأخذ رأيي عن ثقة، يا سيد تافرنيك، وقد تجد هذه المعلومةَ مفيدة لك عندما تصنع ثروةً في أمريكا وتصبح رجلًا مرفَّهًا؛ ليس ثَمة نبيذٌ يُكافئها. فوف كليكو، يا سيدي، وإذا أمكن إنتاج عام ١٨٩٩، رغم أن إنتاج عام ١٩٠٠ ليس سيئًا على الإطلاق.» كرَّر تافرنيك قوله: «فوف كليكو. سأتذكَّر الاسم لنحتسيَه الليلة.» أشرقَ وجه البروفيسور. وقال لبياتريس: «يا عزيزتي، السيد تافرنيك سيظن أنني كان لديَّ هدفٌ في اختبار ذاكرته.» ابتسمَت بياتريس. وقالت بتساؤل: «أوَلَم يكن لديك هدفٌ يا أبي؟» فضحكوا جميعًا معًا. واعترفَ البروفيسور: «حسنًا، إنه لَمِن المبهج حقًّا، أن يتم التعامل مع نقاط ضعف المرء» ثم أضافَ بتنهيدةٍ متأمِّلة: «لا سيَّما عندما يمضي المرء قُدمًا في الحياة. لا عليك، لن نفكِّر إلا في الموضوعات المبهجة هذا المساء. سيكون من الممتع للغاية، يا سيد تافرنيك، سماعُك تطلب العشاء.» أجابَ تافرنيك: «أنا لن أحاول ذلك. سوف أعطيك أنت هذه المهمة.» قال البروفيسور: «هذا يذكِّرني بالأيام الخوالي. وأنا متأكِّد من أن هذه ستكون أمسيةً ممتعة للغاية. وسوف نتذكَّرها كثيرًا يا سيد تافرنيك، عندما تستلقي نائمًا تحت النجوم. عَجبًا، يا لها من شيء رائع سيارات الأجرة هذه! كما ترى، لقد وصلنا.» حجَزوا طاولةً صغيرة في زاوية في إيمانو، ووجدَ تافرنيك نفسه متأثرًا بشدةٍ عندما شاهدَ بياتريس تخلع قفازاتها البالية التي تم إصلاحها كثيرًا وتنظر حولها بقلقٍ متطلعةً إلى الزبائن الآخرين. كانت ملابسها رثَّةً حقًّا، وكانت وجنتاها غائرتَين. شعر مرةً أخرى بذلك الألم، وهو ألمٌ لم يستطع تفسيره. وفجأةً بدَت أمريكا بعيدة جدًّا، وأصبحت الوحدةُ في تلك القارة الضخمة أمرًا حقيقيًّا وملموسًا. كان البروفيسور مشغولًا للغاية بطلب العشاء. فانحنى تافرنيك عبر الطاولة. وسأل: «هل تتذكَّرين عشاءنا الأول هنا يا بياتريس؟» أومأت برأسها محاوِلةً أن تنير وجهَها بابتسامة، ولكنها كانت محاولةً مثيرة للشفقة بعض الشيء. وأجابت: «نعم، أتذكَّر ذلك جيدًا. والآن أرجو منك يا ليونارد ألَّا تتحدَّث معي مرةً أخرى إلى أن أشرب كأسًا من النبيذ. أنا متعبة ومنهكة، هذا كلُّ شيء.» أدرك تافرنيك أنها كانت تقاوم الدموع التي اغرورقَت بها عيناها بالفعل. فملأ كأسها بنفسه. أما البروفيسور فاحتسى كأسه ووضعها فارغةً بابتسامة راضية لمتذوق. وقال: «أعتقدُ أنكِ ستتَّفقين معي بخصوص هذا النبيذ المعتَّق. هذا ما سيُعيد تورُّدَ وجنتَيكِ يا بياتريس.» وتابعَ متوجِّهًا بحديثه نحو تافرنيك قائلًا: «سوف تحتاج ابنتي الصغيرة قريبًا إلى عُطلة. آمُل في الوقت الحالي أن أتمكَّن من ترتيب جولة قصيرة لي وحدي، وإذا حدث، فسوف أرسلها إلى شاطئ البحر. والآن أريدك أن تُجرِّب طبق سلطة السمك … الطبق الثاني هنا. بياتريس، دعيني أساعدك.» سرعان ما بدأت الأوركسترا بالعزف. وأعادَ دفءُ المكان، بالإضافة إلى النبيذ والطعام — كانت لدى تافرنيك فكرةٌ مروِّعة وقتها أنها لم تأكل شيئًا في ذلك اليوم — التورُّدَ إلى وجنتَي بياتريس، وبعضَ البريق إلى عينَيها. فبدأت تتحدَّث بطريقتها القديمة نفسها. ورغم ذلك، فقد تجنَّبَت أيَّ ذكرٍ للعشاء الآخر الذي تناوَلاه معًا. بمرور الوقت، أصبح البروفيسور، الذي شربَ الجزء الأكبر من زجاجتَين من النبيذ وكان يتحدَّث الآن إلى صديق، شبهَ غائب عن الجلسة. فمالَ تافرنيك عبر الطاولة. وقال هامسًا: «بياتريس، أنتِ لا تَبْدين بخير. أخشى أن الحياة تزداد صعوبة عليكِ.» هزَّت رأسها. وردَّت: «أنا أفعل ما يجب أن أفعله. من فضلك لا تتعاطف معي. أعتقدُ أنني شديدة الحساسية والتأثر الليلة. وسوف أتجاوز ذلك.» فقال بخجل: «ولكن ألا أستطيع أن أفعل أيَّ شيء من أجلكِ يا بياتريس؟ أنا لا أحبُّ هذه العروض، وبيني وبينك، نحن نعرف أنهم لن يحتملوا عرضَ أبيكِ مدةً أطول. وسرعان ما سوف ينتهي. فلماذا لا تُحاولين استعادة مكانكِ في المسرح؟ عندئذٍ ستستطيعين كسبَ ما يكفي لرعايته.» أجابت بحزن: «لقد حاولتُ بالفعل. لقد شُغِلَ مكاني.» ثم أضافت بضحكةٍ مقهورة: «كما ترى، لقد فقدتُ بعضَ جمالي يا ليونارد. وأصبحتُ أيضًا أكثرَ نحافة. بالطبع، سأكون على ما يُرام عمَّا قريب، ولكن هذا ضدي في هذه الأماكن الواقعة على الطرف الغربي.» مرةً أخرى شعر بهذا الألم يعتصرُ قلبه. كان متأكِّدًا الآن أنه بدأ يفهم! فهمسَ لها: «بياتريس، اتركي كلَّ هذا وتزوجيني وسوف أعتني به.» خبا لونُ وجنتَيها الوردي. وانتابتها رعشةٌ بسيطة ونظرت إليه بشفقة. ثم قالت بتوسُّل: «ليونارد، أرجو منك ألَّا تفعل ذلك. أنا حقًّا لستُ قوية جدًّا الآن. لقد انتهينا من كل ذلك … إنه يؤلِمني.» فقال راجيًا إياها: «لكنني أعني ذلك. بطريقةٍ ما، لقد شعرتُ بكل شيءٍ منذ أن جئنا إلى هنا. أفكِّر في تلك الليلة، وأعتقدُ … أعتقدُ أن ما اعتراني من قبل كان جنونًا. لم يكن الشيء نفسَه.» كانت ترتجف الآن. وتوسلَت إليه: «ليونارد، إذا كنتَ تهتم بأمري من الأساس، فاصمت. والدي سيلتفتُ الآن، ولا أستطيع تحمُّل ذلك. سأكون صديقتَك المخلصة جدًّا؛ وسأفكِّر فيك طَوال الأيام القادمة إلى أن نلتقيَ مرةً أخرى، لكن لا تفعل ذلك … لا تُفسد هذه الأمسية الأخيرة.» التفت البروفيسور، وقد احمرَّ وجهه، ولمعت عيناه وبدا على صوته الحبورُ الشديد. وصرَّح قائلًا: «حسنًا، عليَّ أن أقول، إن هذه أمسية سعيدة للغاية. أشعرُ بتحسن كبير، وآمُل أنكِ أنتِ أيضًا تشعرين بتحسن يا بياتريس؟» فأومأت برأسها مبتسمة. تابعَ البروفيسور: «أنا على ثقةٍ من أنه عندما يعود السيد تافرنيك، فسوف يمنحُنا فرصةَ دعوته على العشاء بالطريقة نفسِها. فهذا سيُسعدني للغاية، وكذلك سيسعد بياتريس.» واستدرك قائلًا: «وإذا ذكرت اسمي في نادي جوتس أو موسكيتو أثناء إقامتك في نيويورك يا سيدي، فأظن أنك ستُستقبَل استقبالًا يدهشك.» شكره تافرنيك ودفعَ الفاتورة. ومشَوا ببطءٍ عبر المطعم، وكان تافرنيك كارهًا بشكل غريب لأن يحرِّر اليد الصغيرة التي عانقَت يدَه. قالت بياتريس بصوتٍ منخفض: «لقد احتفظتُ بهذا للنهاية. إليزابيث موجودة في لندن.» لم يتأثَّر البتة بما قالته، وهو ما كان أمرًا غريبًا. وتمتَم قائلًا: «ثم؟» فتابعَت: «أريدك … أعتقدُ أن من المستحسن بالنسبة إليك أن تذهب لرؤيتها. كما تعلم يا ليونارد، كنتَ شخصًا غريبًا للغاية في تلك الأيام. ربما تتخيَّل أشياءَ. وربما لا تُدرك أين أنت. أعتقدُ أن عليك أن تذهب لرؤيتها الآن، الآن وقد مرَرت ببعض المعاناة، الآن وقد فهمت كلَّ شيء على نحو أفضل. هل ستذهب؟» وعدَها تافرنيك: «نعم، سأذهب.» نظرَت بياتريس نظرةً سريعة نحو المكان الذي كان والدها واقفًا فيه. وقالت بهمس: «لا أريده أن يعرف. لا أريد أن يتعرَّض لإغراء أن يأخذ أيَّ أموال منها، وكذلك أنا. إنها تعيش في فندق كلاريدج. فاذهب إلى هناك والْتقِ بها قبل أن ترحل إلى حياتك الجديدة.» وقفَ عند الباب وراقبهما وهما يمشيان في شارع ستراند، وكان البروفيسور متوهِّجًا ويسير منتصِبًا بينما يتطاير ذيلُ معطفه، وسيجاره الضخم بين أسنانه؛ بينما كانت بياتريس تبدو شاحبةً في ثيابها السوداء، وتتعلَّق بذراعه. راقبهما تافرنيك حتى اختفَيا، مستشعرًا إثارةً لافتة للنظر وألمًا غريبًا، وإحساسًا بالإلهام. وعندما غابا في النهاية عن ناظرَيه وعاد مرةً أخرى لإحضار معطفه وقبعته، تسمَّرَت قدَماه فجأة. كانت الفرقة تعزف آخِر مقطوعة … كانت الأغنية نفسها التي غنَّتها بياتريس في تلك الليلة في قاعة الموسيقى الشرقية. وباندفاع وحماس مفاجئ عادَ أدراجَه وركضَ عبر شارع ستراند في الاتجاه الذي اختفيا فيه. لكن الأوان كان قد فات. ولم يكن لهما أيُّ أثر. إغواء تافرنيك
الفصل السادس تأخُّر الفهم كان الانطباعُ الأول الذي راودَ تافرنيك عن إليزابيث أنه لم يَقدُرها حقَّ قَدْرها على الإطلاق، حتى في أكثر أفكاره جموحًا. لم يتخيَّلها قطُّ بهذا الجمال الرائع الفاتن الأخَّاذ. كانت قد استقبلته، بعد تأخير طويل، في غرفة الجلوس الخاصة بها بفندق كلاريدج … وكانت عبارةً عن غرفة ضخمة مؤثَّثة كصالون. وكانت إليزابيث واقفة، عندما دخلَ، تقريبًا في وسط الغرفة، مرتدية عباءةً طويلة من الدانتيل وقبعة ذات ريش أسود متدلٍّ. نظرَت إليه، عندما فُتِحَ الباب، كما لو كانت مرتبكةً لحظة. ثم ضحكَت بنعومة ومدَّت يديها. صاحت مندهشة: «عجبًا، بالطبع أتذكَّرك! كيف لم أستطع، حين قرأتُ بطاقتك، أن أتذكَّر أين سمعتُ الاسم من قبل! أنت موظفٌ لدى وكيل العقارات الخاص بي، أنت مَنْ رفضَ أن يأخذ أموالي، ومَنْ كان وقحًا للغاية معي منذ اثني عشَر شهرًا.» كان تافرنيك هادئًا جدًّا. ووجد نفسه يتساءل عمَّا إذا كان هذا ادعاءً كاذبًا، أم أنها قد نسيته بالفعل. ثم قرَّر أنه كان ادعاءً. فقال لها: «وأنا أيضًا مَنْ كان ليلةً ما في شقتك في ميلان كورت، عندما كان زوجُكِ …» أوقفَته عن الاستمرار في الكلام بإشارة آمِرة. ثم قالت راجيةً إياه: «أعفِني من فضلك. كانت تلك الأيام فظيعة للغاية … ومملَّة جدًّا أيضًا! أتذكَّر أنك كنتَ من النقط المضيئة في هذا الظلام الدامس. وكنتَ مختلفًا تمامًا عن أي شخص قابلتُه من قبل، وأثرتَ اهتمامي بشدة.» ثم نظرت إليه وهزَّت رأسها ببطءٍ. وقالت: «شكلك لطيفٌ للغاية. ملابسُك تليق بك وقد اكتسبتَ سُمرة جذابة، ولكنك لا تبدو رائعًا وصعب المراس كما كنت.» فردَّ باقتضاب: «أنا آسفٌ لذلك.» واصلتْ قائلة: «وقد أتيتَ لرؤيتي! هذا لطيفٌ جدًّا منك! لقد كنتَ مغرَمًا بي يومًا ما، كما تعلم. قل لي، هل استمرَّ ذلك؟» فأجابَ برَوية: «هذا هو بالضبط ما جئتُ لاكتشافه. حتى الآن، أنا أميل إلى الاعتقاد بأنه لم يستمر.» نظرَت إليه بسخريةٍ وتأبَّطتْ ذراعه. وقالت بإلحاح: «تعالَ واجلس وأخبرني لماذا. كن صريحًا معي الآن. هل هذا لأنك تعتقد أنني أبدو أكبرَ سنًّا؟» قال تافرنيك ببطءٍ: «لقد فكَّرتُ فيكِ ساعاتٍ عديدةً كلَّ يوم عدة أشهر، ولم أتخيَّل أبدًا أنكِ جميلة بهذه الدرجة التي تبدين بها الآن.» صفقَت بيديها. وصاحت: «وأنت تعني ذلك أيضًا! توجد النبرة المقنعة المبهجة نفسُها في صوتك. وأنا متأكِّدة من أنك تعني ما تقوله. أرجو منك أن تستمرَّ في عشقي يا سيد تافرنيك. فليس لديَّ شخصٌ يثير اهتمامي في الوقت الحاليِّ على الإطلاق. هناك كونت إيطالي يريد الزواج مني، لكنه فقيرٌ للغاية؛ وهناك شابٌّ أسترالي يتبعني في كل مكان، لكني لستُ متأكِّدة منه. وهناك فتًى إنجليزي أيضًا سينتحر إذا لم أقل له «موافقة» هذا الأسبوع. بشكل عام، أعتقدُ أنني أشعر بالأسف لأن الناس يعرفون أنني أرملة. أخبرني يا سيد تافرنيك، هل ستعشقني أنت أيضًا؟» أجابَ تافرنيك: «لا أعتقدُ ذلك. أعتقدُ أنني شُفيت.» هزَّت كتفَيها وضحكَت ضحكة موسيقية. وتابعَت: «لكنك تقول إنك ما زلت تعتقد أنني جميلة، وأنا متأكِّدة من أن ملابسي مثالية … لقد أتت مباشرةً من باريس.» وأضافت وهي تُمرِّرها من بين أصابعها: «أتمنى أن الدانتيل يروق لك. كما أن جسمي ما زال رشيقًا كما هو، أليس كذلك؟» ثم وقفت وراحت تلفُّ حول نفسها ببطءٍ. وبعد ذلك جلسَت فجأةً ممسكة بيده. وقالت بتوسُّل: «أرجو منك ألَّا تقول إنك تظن أنني أصبحتُ أقلَّ جاذبية.» فردَّ تافرنيك: «فيما يتعلق بمواطن جاذبيتك الشخصية، فأعتقدُ أنها ما زالت على الأقل رائعةً كما كانت دائمًا. وإذا كنتِ تريدين الحقيقة، فأعتقدُ أن سبب عدم استمراري في عشقكِ هو أنني رأيتُ أختكِ الليلة الماضية.» فصاحت متسائلة: «رأيتَ بياتريس! أين؟» قال تافرنيك: «كانت تُغني في قاعة موسيقى بائسةٍ في الجهة الشرقية حتى يجد والدُها نوعًا من العمل. وقد امتنعَ الناس عن إسكات والدها من أجل خاطرها فحسب. إنها تجوب البلد بصُحبته. ويعلم الله ما يَجْنياه من أموال، لكنه يبدو مبلغًا زهيدًا بما فيه الكفاية! فبياتريس ترتدي ثيابًا رثَّة وتبدو نحيفةً وشاحبة. إنها تُكرِّس أفضل سنوات حياتها لما تتخيَّل أنه واجبها.» فسألت إليزابيث ببرود: «وكيف يؤثر هذا عليَّ؟» فأجابَ تافرنيك: «بهذه الطريقة فحسب. لقد سألتِني كيف كان بإمكاني أن أجدَكِ جميلة أكثرَ من أي وقتٍ مضى، ومع ذلك أتوقَّفُ عن عشقكِ. السبب هو أنني أعرفُ أنكِ أنانية لأقصى درجة. لقد آمنتُ بكِ من قبل. كلُّ ما كنتِ تفعلينه بدا لي صحيحًا. كان ذلك لأنني كنتُ أحمق؛ لأنكِ ملأتِ عقلي بأوهام مستحيلة، لأنني رأيتُكِ وكلَّ ما فعلتِه من خلال مِرآةٍ مشوَّهة.» سألتْه: «هل أتيتَ إلى هنا لتكون وقحًا؟» فأجابَ: «على الإطلاق. جئتُ إلى هنا لأعرفَ إن كنتُ قد شُفيت.» بدأتْ تضحك، بنعومةٍ شديدة في البداية، ولكنها سرعان ما ألقتْ نفسَها للخلف بين الوسائد ووضعت يدَها بدلال على كتفه. وصاحت: «أوه، أنت لم تتغيَّر! ما زلتَ كما أنت يا عزيزي، حفنة من الصراحة والصدق والجهل. إذن فستكون ضحيةً لأسلحة بياتريس الفتَّاكة رغم كل شيء.» اعترفَ تافرنيك: «لقد طلبتُ من أختكِ الزواج. وقد رفضَت.» قالت إليزابيث وهي تمسح الدموع من عينيها: «لقد كانت حكيمةً جدًّا. كتجرِبة أنت محبَّبٌ إلى النفس. أما كزوج فستكون مستحيلًا بشكلٍ رهيب. هل ستبقى وتصطحبُني للعشاء هذا المساء؟ أعتقدُ أنك تملك الآن بلا شكٍّ بدلة رسمية.» هزَّ تافرنيك رأسه. وقال: «أنا آسفٌ. لديَّ بالفعل ارتباط.» نظرَت إليه بفضول. هل أصبح غيرَ مهتم بها حقًّا؟ لم تكن معتادةً على أن يتملَّص منها الرجال. فسألته فجأةً: «قل لي، لماذا أتيت؟ أنا لا أفهم. أنت هنا، ومع ذلك تُمضي وقتك في التحدُّث معي بوقاحة. ثم أطلبُ منك أن تصطحبَني إلى العشاء فترفض. هل تعلم أنه ما من رجل في لندن بأسرها لم يكن ليقفزَ اغتنامًا لهذه الفرصة؟» أجابَ تافرنيك: «هذا مُحتمل جدًّا. ليس لديَّ خبرةٌ في مثلِ هذه الأمور. كلُّ ما أعرفه أنني سأفعل شيئًا آخر.» فهمسَت قائلةً: «شيءٌ تريد بشدةٍ أن تفعله؟» ردَّ تافرنيك: «سأذهب إلى قاعة موسيقى صغيرة في وايت تشابل، وسأقابل أختَكِ وسأضعها في سيارة أجرة وآخذها لتناول العشاء، وسأضغط عليها حتى تعِدَ بأن تكون زوجتي.» ضحكَت قائلة: «أنت بالتأكيد معجبٌ مخلصٌ بالعائلة. ربما كنتَ تحبها طوال الوقت.» فقال معترفًا: «ربما كنت كذلك.» هزَّت رأسها. وقالت: «أنا لا أصدق ذلك. أعتقدُ أنك كنتَ مغرمًا بي في يوم من الأيام. وأعتقدُ أنك كنتَ ستظلُّ مغرمًا بي الآن لولا أن لديك مثلَ هذه الأفكار القديمة السخيفة.» نهضَ تافرنيك واقفًا. وقال: «سأذهب. وهذا سيكون الوداع. فغدًا سأذهب إلى كولومبيا البريطانية.» اختفَت ضحكتها لحظةً عن وجهها. وبدا عليها الجدية فجأة. وقالت متوسلة: «لا تذهب. اسمعني. أعرفُ أنني لستُ طيبةً مثل بياتريس، لكني معجبةٌ بك … وكنتُ كذلك دائمًا. وأعتقدُ أن هذا بسبب صدقك الرائع. فأنت من نوع مختلف عن الرجال الذين يلتقي بهم المرء. أنا بالأحرى شخصٌ متهوِّر. وفي بعض الأحيان تكون مقابلةُ شخص مثلِك أمرًا يدعو إلى الراحة والطمأنينة. فأنت بمثابة مَرسًى. ابقَ وتحدَّث معي قليلًا. اصطحبني إلى الخارج الليلة. لقد طلبتَ مني أن أخرج معك مرة، كما تعلم، ولكني رفضت. الليلة أنا مَنْ أطلب منك.» هزَّ رأسه ببطءٍ. وقال بحزم: «هذا وداع! أعتقد، رغم كل شيء، أنكِ لم تكوني قاسيةً معي في تلك الأيام، لكنكِ علَّمتِني درسًا مريرًا للغاية. لقد جئتُ إليكِ اليوم خائفًا مرتجفًا. وربما كنتُ خائفًا من أن الأسوأ لم ينتهِ بعد، وأن هناك ما هو قادمٌ في المستقبل. أما الآن، فأنا أعلم أنني حُر.» ضربَت الأرض بقدمها. وقالت بصراحة: «لن تمشي بهذه الطريقة.» فابتسم. وواصل قائلًا: «هل تعتقدين أنني لا أفهم؟ أنتِ تريدينني أن أبقى فقط لأنني قادرٌ على الذهاب؛ لأن لمسةَ أصابعكِ، وتلك النظرة في عينيكِ لا تقودانني إلى الجنون الآن. تريدين أن تُجرِّبي سَطوتَكِ عليَّ مرةً أخرى. لن أسمح بذلك. أنا مقتنعٌ بأنني شُفيت بالفعل، لكن ربما يكون من الأسلم عدمُ المخاطرة بأي شيء.» أشارت إلى الباب. وقالت بلهجة آمِرة: «حسنًا إذن، يمكنك الذهاب.» انحنى لها، وكانت أصابعه بالفعل على المقبض. ولكنها فجأةً نادت عليه. «ليونارد! ليونارد!» فالتفتَ إليها. كانت تتَّجه نحوه بذراعَين ممدودتَين وعينَين مغرورقتَين بالدموع، وصوتٍ متهدِّج. وقالت متوسلة: «أنا وحيدة جدًّا. ولقد فكَّرتُ فيك كثيرًا. فلا تبتعد عني بقسوة. ابقَ معي الليلة بأي ثمن. تستطيع أن ترى بياتريس في أي وقت. لكنني أنا مَنْ أحتاج إليك الآن أشدَّ الاحتياج.» نظر حوله إلى الشقة الفخمة؛ ونظر إلى المرأة التي استقرَّت أصابعُها المتلألئة بالجواهر على كتفَيه. ثم فكَّر في بياتريس بثوبها الأسود الرثِّ ووجهها الشاحب الصغير، فأزاحَ يديها بلطفٍ شديد عن كتفَيه. وقال: «لا، لا أعتقد أنكِ تحتاجين إليَّ أكثرَ مما أحتاج إليكِ. هذه نزوةٌ من نزواتكِ. أنت تعرفين ذلك وأنا أعرفُ ذلك. فهل يستحقُّ الأمر أن يلعب أحدُنا بالآخر؟» سقطَت يداها على جانبَيها. واستدارت مُشيحةً بوجهها لكنها لم تقل شيئًا. ورفعَ تافرنيك، بنزعةٍ مفاجئة لم يكن فيها أيُّ شيء من الرغبة — والقليل جدًّا، في الواقع، من العاطفة — أصابعها إلى شفتَيه، ثم انسحب من الغرفة. نزلَ الدرَج، مفعَمًا بإحساسٍ رائع بالنشوة، وسموِّ الروح الذي لم يستطع فهمَه. وبينما كان يسير بطربٍ إلى الفندق الذي يُقيم فيه، بدأ يدرك مدى خوفه السابق من هذه المقابلة. لقد أصبح رجلًا حرًّا رغم كل شيء. لقد زال السحر. ويمكنه أن يفكِّر فيها الآن كما تستحقُّ أن يفكِّر فيها، بوصفها امرأةً بارعة ذات خبرة، امرأة أنانية، بلا قلب، وبلا ضمير. لقد هربَ من بَراثنها. ولم تَعُد تعني شيئًا بالنسبة إليه حتى لو عرَفَ أنها في تلك اللحظة ترقد على أريكتها التي ترنَّحَت عليها عندما غادر الغرفة، وهي تبكي بمرارة. لأكثرَ من ساعة تحمَّل تافرنيك الروائح والأجواء السيئة لقاعة الموسيقى الصغيرة البائسة تلك، وهو يُراقب بفارغ الصبر في كل مرة يتمُّ فيها تغيير الأرقام. ثم أخيرًا، قرب نهاية البرنامج، ظهر المدير في المقدمة. وأعلن: «سيداتي وسادتي، يؤسفني كثيرًا أن أبلغكم أنه بسبب إصابة الآنسة بياتريس فرانكلين بوعكةٍ صحية، فلن تتمكَّنَ هي ووالدها من الظهور الليلة. ويسعدني أن أعلن عن فقرةٍ إضافية، تؤديها الأخَوات دي فير في عملهن الكوميدي الرائع.» اختلطَت همهماتُ الاستنكار مع بعض الهتاف. وغادر تافرنيك مكانه وتوجَّه إلى الجزء الخلفي من القاعة. وعلى الفور توجَّه إليه المدير. قال تافرنيك: «أنا آسفٌ لإزعاجك يا سيدي، لكنني سمعتُ إعلانك الآن في القاعة. فهل تستطيع أن تعطيني عنوان البروفيسور فرانكلين؟ أنا صديق، وأودُّ أن أذهبَ لرؤيتهما.» أشار المدير إلى حاجب المسرح. وقال باقتضاب: «هذا الرجل سيُعطيك إياه. إنه قريبٌ جدًّا. سأزورهما بنفسي بعد العرض لأعرفَ كيف حال السيدة الشابة.» حصلَ تافرنيك على العُنوان وانطلقَ في سيارة الأجرة التي كانت تنتظره. أنصتَ السائقُ إلى الاتجاه برِيبة. ثم قال: «إنه حيٌّ فقير يا سيدي.» فقال له تافرنيك: «يجب أن نذهب إلى هناك.» وصَلا إليه في غضون دقائق، كان شارعًا بائسًا بالفعل. وطرقَ تافرنيك باب المنزل الذي توجَّه إليه بقلبٍ متوجس. فتحَ البابَ بعد لحظاتٍ قليلة رجلٌ بلا ياقة يرتدي نصفَ ثيابه، ويلبس نعلًا خفيفًا للسجاد. سأل بفظاظة: «حسنًا، ماذا هناك؟» استفسر تافرنيك: «هل البروفيسور فرانكلين هنا؟» بدا الرجل وكأنه على وشك أن يصفق الباب في وجهه، لكنه أحجَم عن ذلك. وقال: «إذا كنتَ صديقًا للبروفيسور، كما يُسمِّي نفسه، ولديك أيُّ أموال يمكنك إنفاقها، فمرحبًا بك، أما إذا كنتَ تسأل فقط من باب الفضول، فدعني أخبرك أنه كان يُقيم هنا لكنه رحل، وإذا ترك الأمر لرغبتي لكان قد رحل منذ أسبوع، هو وابنته أيضًا.» قال تافرنيك معترضًا: «لا أفهم. كنتُ أعتقد أن السيدة الشابة مريضة.» فردَّ الرجل: «قد تكون مريضةً أو لا. كلُّ ما أعرفه أنهما عجزا عن دفع الإيجار، وعجزا عن دفع فاتورة الطعام، وعجزا عن دفع ثمن المشروبات التي كان الرجل العجوز يُرسل في طلبها. لذلك تحدَّثتُ إليهما الليلة بصراحة، فرحلا.» صرخَ تافرنيك: «على الأقل أنت تعرف إلى أين ذهبا!» فقال الرجل: «ليس لديَّ أيُّ فكرة. بكل صراحة يا سيدي، لا أعرفُ أين ذهبا على الإطلاق، فقد سئمتُ منهما تمامًا، وهما مَدينان بنحو ثمانية عشر جنيهًا وستة بنسات، إذا كنتَ مهتمًّا بالدفع.» وعده تافرنيك: «سأعطيك جنيهًا ذهبيًّا، إذا أخبرتني أين هما الآن.» تذمَّر الرجل قائلًا: «ما فائدة وضع شروطٍ خرقاء كهذا الشرط! لو كنتُ أعرف مكانهما، لكنتُ حصلتُ على الجنيه الذهبي على الفور، لكنني لا أعرف، وهذا هو الموضوع باختصار! وإذا كنتَ لن تدفع الثمانية عشر جنيهًا والستة بنسات، حسنًا، فلقد أجبتُ عن جميع الأسئلة التي ترغب في الإجابة عنها.» وعده تافرنيك: «سأجعلها جنيهَين ذهبيَّين. سوف أُبحر إلى أمريكا في الصباح الباكر، ويجب أن أراهما أولًا.» مالَ الرجل إلى الأمام نحوه. وقال: «اسمعني هنا، إذا كنتُ أعرفُ مكانهما، فإن الجنيه الذهبي سيكون كافيًا تمامًا بالنسبة إليَّ، لكنني لا أعرف، وهذا هو الأمر بصراحة. وإذا كنتَ تريد البحث عنهما، فلو كنتُ مكانك لكنت جرَّبتُ الفنادق الرخيصة. فمن المحتمل جدًّا أن يكونا في أحدها.» وصفقَ الباب فاستدار تافرنيك مبتعِدًا. ونظر عبر الشارع يَمنةً ويَسْرة، ونظر إلى ما وراء ذلك وفكَّر في أميالٍ وأميال من الشوارع، والعدد الذي لا يحصى من المداخن، والشِّعاب الضخمة للمدينة العظيمة الممتدة على مساحة شاسعة. في الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي، عليه أن يُغادر إلى ساوثهامبتون. فهل فات الأوان، رغم كل شيء، بعد أن اكتشفَ الحقيقة؟ إغواء تافرنيك
الفصل السابع في بلد بِكر في ليلةٍ ما بدأ تافرنيك يضحك. فقد نمَت له لحيةٌ بُنية طويلة وكان شعره يُغطي أذَنيه. وكان يرتدي قميصًا رماديًّا من الصوف الناعم، ومنديلًا مربوطًا حول رقبته، وبنطالًا باليًا للركوب مربوطًا بحزام. كان قد خلع حذاءه في نهاية يوم طويل، وكان مستلقيًا في ضوء القمر أمام نار قد أشعلها من جذوع شجر الصنوبر، وتصاعد دخانُها مباشرةً إلى السماء المرصَّعة بالنجوم. لم ينطق بأي كلمة خلال الساعة الماضية. وجاءت نوبةُ السعادة التي أصابت تافرنيك دون سبب واضح، باستثناء نسائم الريح التي تهبُّ من آنٍ إلى آخَر من جانب الجبل فتُحدِث موسيقى خافتة في الغابات البِكر. تقلَّب بريتشارد على جانبه ونظر إليه. كان السيجارُ أسابيعَ عديدة شيئًا غيرَ موجود، وكان يُدخِّن غليونًا مصنوعًا من كيزان الذرة مليئًا بالتبغ الخشن. وسأله: «هل صادفتَ نكتة في مكانٍ ما؟» فأجابَ تافرنيك: «أخشى ألا يفهمَها أحدٌ سواي. كنتُ أفكِّر في تلك الأيام في لندن؛ كنت أفكِّر في ذُعر بياتريس عندما اكتشفَت أنني كنتُ أرتدي ملابسَ جاهزة، واندهاش إليزابيث عندما عرَفَت أنني لا أملك بذلةً رسمية. من الغريب كيف تضيق الحياة وتتعقَّد هناك.» أومأ بريتشارد برأسه، وضغط التبغ بإصبعه في وعاء غليونه. وقال موافقًا: «أنت على حق يا تافرنيك. يفقد المرءُ إحساسه بالتناسب. الرجال في المدن متشابهون. إنهم يعيشون دائمًا متنكرين.» قال تافرنيك على نحوٍ غير مترابط: «أودُّ أن يحضر السيد داولينج إلى هنا.» فقال بريتشارد مستفسِرًا: «أهو زميلٌ مُسلٍّ؟» هزَّ تافرنيك رأسه مبتسمًا. وقال: «على الإطلاق، لكنه كان رجلًا ضئيلًا للغاية. ومن الصعب أن تبقى ضئيلًا هنا. ألا تشعرُ بذلك يا بريتشارد؟ هذه الجبال تجعل تِلالنا في الوطن تبدو كأنها أكوامٌ من التراب. والسماء هنا تبدو أعلى. وانظر لأسفل في ذلك الوادي. إنه عملاق، هائل.» تثاءب بريتشارد. وبدأ يتحدَّث: «هناك مكانٌ صغير في طريق باوري …» فقاطعَه تافرنيك: «أوه، لا أريد أن أعرف المزيد عن نيويورك. ارقد على ظهرك وأغمِض عينَيك، وشَمَّ أشجار القرفة، واستمِعْ إلى ذلك الطائر الليليِّ وهو يصيح بين الحين والآخر عبر الوادي. ثَمة ظلام، ثَمة عُمق. إنه مِثلُ عباءةٍ من المخمل تنظر خلالها. لكنك لا تستطيع أن ترى ما وراءها … لا، ليس في وضَح النهار. أنصِت!» جلسَ بريتشارد. لحظاتٍ قليلةً لم يتكلم أيٌّ منهما. وعلى بُعد اثتنَي عشْرة ياردة أو نحوها، كانت مجموعةٌ متناثرة — بقية المجموعة — تلعب الورق حول النار. تناهى إلى مَسامعهما صوتُ طقطقةِ الخشب الأخضر، وتمتمة الأصوات العابرة، وصوتُ ضحكةٍ هنا أو شهقةٍ هناك، ولكن فيما عدا ذلك، كان ثَمة صمت، صمتٌ رهيب ورائع، صمتٌ بدا أنه يُخيِّم على ذلك العالم الغريب المجهول شبهِ المختفي! أنصتَ تافرنيك بوقار. وقال متعجبًا: «أليس هذا رائعًا! لم نرَ إنسانًا باستثناء مجموعتنا منذ ثلاثة أيام. ربما لا يوجد أحدٌ على مَسمعٍ منا الآن. ومن المُحتمل جدًّا أن أحدًا لم يطَأْ بقدمَيه في هذه البُقعة بالتحديد.» اعترفَ بريتشارد: «أوه، هذا عظيم، عظيمٌ ومريح، لكنه غير مُرضٍ. إنه مُرْضٍ بالنسبة إليك بعضَ الوقت؛ لأنك بدأتَ حياتك بشكل خطأٍ وكنتَ بحاجة إلى ردِّ فعل. أما بالنسبة إليَّ …» وأضافَ: «أوه، حسنًا، أنا أسمعُ النداءَ مباشرةً عبر آلاف الأميال من الغابات والوديان والمستنقعات. أسمعُ أصواتَ السيارات الكهربائية وقطارات السكة الحديد، وأرى الأضواءَ المتوهِّجة في برودواي وأسمع لغَط الألسُن. وسأعودُ إلى كل ذلك يا تافرنيك. هناك الكثير لأمضِيَ فيه. لقد فعلنا أكثرَ من مجرد تنفيذ برنامجنا.» غمغم تافرنيك بخيبةِ أمل: «العودة إلى نيويورك!» فسأله بريتشارد: «إذن، فأنت لستَ مستعدًّا بعد؟» ردَّ تافرنيك: «يا إلهي، نعم بالطبع! ومَنْ يمكن أن يكون؟ ما الذي يوجد في نيويورك لتعويض هذا؟» ظلَّ بريتشارد صامتًا لحظةً. ثم قال: «حسنًا، لا بد أن يعود أحدُنا بالقرب من الحضارة. فالنقابة تتوقَّع أن تسمع أنباءنا. الى جانب ذلك، لدينا تقاريرُ كافية بالفعل. حان الوقت لاتخاذ قرارٍ ما بشأن ذلك البلد النفطي. لقد قمنا بعمل عظيم هنا يا تافرنيك.» أومأ تافرنيك برأسه. كان مستلقيًا على جنبه وعيناه مثبَّتتان بحزنٍ نحو الجنوب، على الوادي المتلألئ المضاء بنور القمر، على المساحة الشاسعة من غابات الصنوبر البِكر التي تمتدُّ من الجبال على الجانب الآخر، عبر الشق في التلال إلى السهول الممتدَّة وراءه، ثَمة عالَمٌ فوضويٌّ غير مرئي. اقترحَ بريتشارد ببطءٍ: «إذا كنت ترغبُ في الاستمرار قليلًا، فلا يوجد سببٌ يمنعك من اصطحاب ماكلاود وريتشاردسون معك، وبِيت ونصف الخيول، وتتَّجه نحو بلد القصدير على الجانب الآخر من جبال يوليت. ما دُمنا هنا، فإن الأمر يستحقُّ ذلك تمامًا، إذا كنتَ تستطيع الاستمرار.» أخذَ تافرنيك نفَسًا طويلًا. واعترفَ ببساطة: «أودُّ أن أذهب. أعلم أن ماكلاود حريصٌ على التنقيب في الجنوب. وكما ترى، معظم اكتشافاتنا حتى الآن كانت بين حقول النفط.» قال بريتشارد: «اتفقنا. غدًا نفترق إذن. أنا سأتَّجه إلى الوادي، وأعتقدُ أنني سأصلُ إلى قطار السكة الحديد المتَّجه إلى شيكاغو في غضون أسبوع. مرحى! نيويورك ستبدو رائعة!» سألَ تافرنيك: «هل تعتقد أن النقابة ستكون راضيةً عمَّا فعلناه حتى الآن؟» فابتسم رفيقه. «إذا لم يكونوا كذلك، فسيكونون حمقى. أعتقدُ أن هناك مِن حقول النفط هنا ما يكفي سبع شركات. كما سيكون هناك القليلُ لنا أيضًا، على ما أعتقد. ألا تريد العودة إلى نيويورك وإنفاقها؟» ضحكَ تافرنيك مرةً أخرى، لكن هذه المرة لم تكن ضحكته طبيعية. وكرَّر: «إنفاقُها! وعلامَ أنفقُها؟ ملابسَ غير مريحة، أم مسرحياتٍ كاذبة، أم مشروباتٍ ضارَّة لصحتك، أم طعامًا نصف مسموم، أم جوًّا خانقًا. يا إلهي يا بريتشارد، هل هناك أيُّ شيءٍ في العالم مثل هذا! مُدَّ ذراعَيك يا رجل. استلقِ على ظهرك، وانظر إلى النجوم، واترك الريحَ تهبُّ على وجهك. أنصِت.» أنصَتا، ومرةً أخرى لم يسمعا أيَّ شيءٍ، ومع ذلك بدا أن هذا الصمتَ له سمةٌ خاصة تشي باتساع الفضاء. نهضَ بريتشارد واقفًا على قدمَيه. وقال: «نيويورك وأطباق اللحم أفضلُ بالنسبة إليَّ. ابقَ على اتصال، وحظًّا موفَّقًا أيها الرجل العجوز!» في فجرِ اليوم التالي افترَقوا، وتوجَّه تافرنيك مع رفاقه الثلاثة نحوَ أرضٍ لم تطَأْها قدمٌ تقريبًا. وكان تقدُّمهم بطيئًا؛ لأنهم كانوا طوال الوقت في بلدٍ غني بالإمكانيات. استمروا في التسلق والتسلق أسابيعَ حتى وصلوا إلى الثلوج ولسَعَت الرياحُ وجوههم وارتجَفوا في فرُشِهم في الليل. إلى أن وصلوا إلى أرض قليلة النباتات، وبها حيوانات أقلُّ وأشرس، حيث كانوا يسمعون عواء الذئاب في الليل، ويرَون عيون حيواناتٍ غريبة تلمع في الغابة بينما تندلع ألسنةُ نار المساء وتتصاعدُ نحو السماء. ثم بدأ الانحدار الطويل، الانحدار الطويل إلى السهل العظيم. والآن أضحَت الشمسُ الأكثرُ سخونةً وقوةً تلفح وجوهَهم وتمنحها لونًا برونزيًّا مميَّزًا. ولم يعد الثلج يتساقط على وجناتهم. كانوا ينزلون ببطءٍ إلى أرضٍ بدَت لتافرنيك مثلَ أرض كَنْعان التي ذُكِرَت في الكتاب المقدَّس. اضطُروا ثلاثَ مراتٍ في عشَرة أيام إلى التوقُّف وإقامة معسكر، بينما يُعِدُّ تافرنيك مسحًا جغرافيًّا للأرض التي من المُحتمَل أن تكون مفيدة. جاء ماكلاود إلى تافرنيك يومًا وبيده كتلةٌ باهتة المظهر، تلمع في بعض الأجزاء. وقال باقتضاب: «إنه نُحاس. هذا ما كنتُ أبحثُ عنه طوال الوقت. يوجد كمٌّ هائل لا نهاية له. يوجد ما هو أكبرُ من النفط هنا.» وأمضَوا شهرًا في المنطقة، وكان ماكلاود يزداد حماسًا كلَّ يوم. وبعد ذلك كان من الصعب منعُه من التوجُّه إلى الوطن في الحال. أوضحَ لتافرنيك: «أقول لك يا سيدي، يوجد ملايينُ هناك، ملايين بين تلك الأوتاد الأربعة التي وضَعتُها. فما فائدة المزيد من التنقيب؟ هناك ما يكفي في مساحة فدَّان مربع لدفع نفقاتِ بعثتنا ألفَ مرة. ولذا دَعْنا نَعُد ونُقدِّم التقارير. بإمكاننا الوصولُ إلى خط السكة الحديد في غضون عشرة أيام من هنا … وربما قبل ذلك.» قال تافرنيك: «اذهب أنت. واترك لي بِيت واثنَين من الخيول.» حدَّقَ الرجل في وجهه بدهشة. وسأله: «وما فائدة الاستمرار بمفردك؟ أنت لستَ خبيرَ تعدينٍ أو نفط. لا يمكنك التنقيبُ بمفردك.» أجاب تافرنيك: «لا أملك إلا أن أفعل ذلك. إنه شيءٌ يسري في دمي على ما أعتقد. سأواصل. فكِّر قليلًا! ستصل إلى خط السكة الحديد هذا، وفي غضون شهرٍ ستعود إلى نيويورك. ألَا تتخيَّل، عندما تكون هناك، وتسمع أصواتَ الضجيج والصخب، وترى الحشود الشاحبة وهم يتجادلون معًا حول اختطاف الدولارات من جيوب بعضهم البعض … ألا تظن أنك ستشتاق إلى هذه العُزلة، والأماكن الرحبة الخالية، والاحتمالات العظيمة، والصمت؟ فكِّر في الأمر يا رجل. أتساءل ماذا يوجد خلف تلك الجبال؟» تنهَّد ماكلاود. وقال: «أنت على حَقٍّ. قد لا يصل المرءُ إلى مثلِ هذا المكان البعيد مرةً أخرى. ستظلُّ مَصائرنا واحدة، على ما أعتقد، ولكن على أيِّ حال يجب علينا التوجُّه إلى مكتب تلغراف في غضون أسبوعَين. فلنمضِ على الفور إذن.» في غضون عشَرة أيام انحدَروا عشَرة آلافِ قدَم. ووصلوا إلى منطقةٍ كانت حناجرهم فيها جافةً طوال الوقت، حيث بدَت الأشجار والشجيرات وكأنها أدواتٌ على خشبةِ مسرح، حيث كانوا يغمسون رءوسهم في أي بِركة ماءٍ يُصادفونها ليغسلوا أنوفهم وأفواههم من الغبار الأحمر الذي بدا كأنه يخنقهم. ووجَدوا قصديرًا ونفطًا والمزيدَ من النحاس. ثم تقدَّموا ببطءٍ نحو أرض منبسطة مترامية الأطراف، يُغطيها العُشب الأزرق؛ أميالٌ وأميالٌ من العُشب الأزرق، وفجأةً في يوم ما وصَلوا إلى مكتب التلغراف، وأشجار الصنوبر الخشنة التي نُزِعَ لِحاؤها، ويتدلَّى منها القليلُ من الأسلاك غير المشدودة. ونظر تافرنيك إليها مثلما نظرَ روبنسون كروزو إلى آثار أقدام فرايداي. كانت هذه أولَ علامة على الحياة البشرية رأوها منذ شهور. وتنهَّد قائلًا: «إنه عالمٌ حقيقي هذا الذي نحن فيه، رغم كل شيء! لقد ظننتُ، بطريقةٍ أو بأخرى، أننا قد هربنا.» إغواء تافرنيك
الفصل الثامن العودة إلى الحضارة حدَّق بريتشارد، المهندَم الأنيق، الذي بدا من سكان نيويورك بربطةِ عنقه المربوطة بعنايةٍ وطرَفِ حذائه اللامع المستدَقِّ، بدهشةٍ في الرجل الذي جاء لمقابلته في محطة جراند سنترال. بدا تافرنيك في الواقع كأنه رجلُ غاباتٍ رائعٌ قضى حياتَه في مملكة الرياح والشمس والمطر. كان صدره قد اتسعَ بضع بوصاتٍ، ووقفَ معتدًّا بنفسه باستقلالية جديدة. كان وجهه برونزيًّا حتى العُنق. وكانت لحيتُه مكتملةَ النمو، وملابسُه رثَّة وبها آثارُ بُقع جرَّاء السفر. كان يبدو مثل نسمةٍ من الحياة الحقيقية في محطة نيويورك العظيمة، محاطًا بفيضٍ من الرجال الشاحبين ذوي المعاطف السوداء. ضحكَ بريتشارد بهدوءٍ بينما يتأبَّط ذراعَ صديقه. وقال: «تعالَ، أيها الصديق البريطاني، أيها البدائي، لقد حجزتُ غرفةً لك في فندقٍ قريب من هنا. ستأخذ حمَّامًا ثم تتناولُ شرابَ النَّعناع المنعش، وبعد ذلك سآخذك إلى خيَّاط. ما رأيُك في هذا البلد الضخم؟ أهو أفضلُ من المستنقعات المِلحيَّة، أم ماذا؟ أهو أفضلُ من قرية الصيد الصغيرة التي ترعرعتَ فيها؟ أهو أفضل من صناعة القوارب؟» أجابَ تافرنيك: «أنت تعرف ذلك. أشعرُ كما لو كنتُ أمضي في الحياة شهرًا بعد شهر. هل سأُضطر إلى ارتداءِ حذاءٍ مثل حذائك … لامع؟» فقال بريتشارد مقرِّرًا: «يجب أن تفعل ذلك.» ردَّ تافرنيك متذمِّرًا: «والقبَّعة … أوه يا إلهي! لن أصبح متحضِّرًا مرةً أخرى أبدًا.» ضحكَ بريتشارد وهو يقول: «سنرى ذلك. حقًّا يا تافرنيك، كانت رحلتُنا رائعة. وكلُّ شيءٍ يسير على نحوٍ مذهل. فالنفط والنحاس هائلان يا رجل … أقول لك هائلان. أعتقدُ أن الخمسة آلاف دولار الخاصةَ بك في طريقها لأن تُصبح نصف مليون دولار. وأنا نفسي اقتربتُ من هذا المبلغ أيضًا.» لم يُدرك تافرنيك إلا بعد مُدةٍ، عندما أصبح وحده، مدى ضآلةِ الاهتمام الذي استمع به إلى حديثِ رفيقه عن نجاحهما. مرَّ وقتٌ قصير جدًّا منذ أن كانت كلُّ أعصاب جسمه تُركِّز على هدفٍ واحد فحسب؛ هو تحقيق الثروة. الغريبُ في الأمر الآن أنه بدا كأنه يأخذ الموضوعَ كشيءٍ مُسلَّم به. قال بريتشارد: «بعد إعادة التفكير، سوف أرسل الخيَّاط إلى الفندق. لديَّ غرفةٌ مجاورة لك في الفندق. ويمكننا أن نذهب معًا بعد ذلك لشراء حذاءٍ، وما إلى ذلك من مستلزمات.» بحلول المساء، كانت خِزانة ملابس تافرنيك مكتملة. حتى بريتشارد نظرَ إليه بدهشة. لقد بدا كأنه، بطريقةٍ ما، قد اكتسبَ مكانة جديدة. صاحَ بريتشارد: «يا إلهي، إنك تبدو رائعًا! لن يُصدقوا في اجتماع الغد أنك الرجلُ الذي عبَرَ جبال يوليت وسبحَ في نهر بيرانيك. ذلك بلدٌ رائع الذي كنتَ فيه يا تافرنيك، بعد أن تركتَ خط السكة الحديد.» بينما كانا في برودواي، وكان هديرُ المدينة يدقُّ آذانَهما، وبدا فجأةً أن تافرنيك، الذي رفع وجهَه نحو النجوم، يشعر بالسكون مرةً أخرى، يشعر بعبير غابات الصنوبر ورائحة الطبيعة نفسها، التي خلَت عبر كلِّ هذه الأجيال من وجود الإنسان. قال بهدوء: «لن أبتعد عنها أبدًا. يجب أن أعود.» ابتسمَ بريتشارد. وقال: «عندما يكون تقريرك مُعَدًّا ودولاراتك جاهزةً لتستلمَها، فسيُرسلونك في أسرع وقتٍ ممكن … هذا إذا كنتَ لا تزال ترغب في ذلك. دعني أقُلْ لك يا ليونارد تافرنيك، الرجال هنا في المدينة يسعَون وراء الدولارات. أما في ناحيتك، فعندما يجمع الرجلُ مليونًا أو نحوه، فإنه يكتفي بذلك. يبدو أن تحقيق ثروةٍ واحدة هنا لا يسَعُه إلا أن يُثير شهيةَ سكان نيويورك.» ثم أضافَ بعد أن تردَّد لحظةً: «بالمناسبة، هل يُهمك أن تعرف أن صديقًا قديمًا لك هنا في نيويورك؟» أدار تافرنيك رأسه بسرعة. وقال: «مَنْ هو؟» «السَّيدة وينهام جاردنر.» صرَّ تافرنيك على أسنانه. وقال ببُطءٍ: «لا، أعتقدُ أن هذا لا يُهمني.» استطرد بريتشارد: «هذا يُسعدُني. يمكنني أن أخبرك أنني لا أعتقدُ أن الأمور سارت على ما يُرام مع السيدة. لقد أنفقَت معظم ما حصلَت عليه من عائلة جاردنر، ولا يبدو أنها حالفها الحظُّ فيه أيضًا. لقد التقيتُها مصادفةً. إنها تُقيم في فندق رخيص، لكنه في الجزء الفقير من البلد … فندقٌ من الدرجة الثانية، أؤكِّد لك أنه من الدرجة الثانية.» فقال تافرنيك: «أتساءل إن كنا سنُقابلها يومًا ما.» فسأله بريتشارد: «هل تريد أن تقابلها؟ في الغالب ستكون موجودةً في مارتن وقتَ الغداء، وستذهب إلى بلازا لتناول الشاي، وإلى ريكتور لتناول العشاء. فهي ليست من نوعية النساء التي تبقى مختفية، كما تعلم.» قال تافرنيك: «إذن فسوف نتجنَّبُ تلك الأماكن، إذا كنتَ ستأخذني في جولة في المنطقة.» فسأل بريتشارد مستفسِرًا: «لقد شُفِيتَ، أليس كذلك؟» فأجابَ تافرنيك: «بلى شُفيتُ، شُفيتُ من هذا ومن أشياءَ كثيرةٍ أخرى، بفضلك أنت. لقد وجدتَ لي التِّرياق الصحيح.» كرَّر بريتشارد قوله بتأمُّل: «ترياق. هذا يُذكِّرني بشيء. فلنذهب من هذا الطريق لنتناولَ أفضل كوكتيل في نيويورك.» ومع ذلك، لم يكن من الممكن أن تمضيَ الليلةُ دون إثارةٍ لتافرنيك. تناول الرجلان العشاء معًا في ديلمونيكو ثم ذهبا بعد ذلك إلى حديقةٍ على السطح، وهو شكل جديد من أشكال الترفيه بالنسبة إلى تافرنيك، وقد أثار اهتمامَه بشكل كبير. حجزا إحدى الطاولات الخارجية بالقرب من سور الشُّرفة، وكانت نيويورك ممتدَّةً أسفَلهما، خيالاتٌ متوهِّجة من الأضواء والمباني الفجَّة. وهناك عبر الطرق الواسعة تمشي السيارات مضيئةً أنوارها طوال الوقت، وكأنها ألعاب، ويتدفَّق الناس مثل الحشرات متَّجهين إلى نهر هدسون، حيث كانت العبَّارات الكبيرة، المشتعلة بالأضواء، تسير صارخةً عبر المياه المظلمة. انحنى تافرنيك على سور الشُّرفة ونسي. كان يوجد الكثير من الأشياء المدهشة في هذه المدينة الرائعة لرجلٍ بدأ للتو في أن يجد نفسه. بدأت الأوركسترا، المتمركِزة على بُعدِ بِضع يارداتٍ منه، في عزف مقطوعة موسيقية شهيرة، وبدأ بريتشارد في الحديث. وحوَّل تافرنيك عينَيه المنبهرتَين عن المشهد بالأسفل. قال بريتشارد: «صديقي الشاب، سوف تُواجه موقفًا خطيرًا الليلة. خُذْ كأسًا من نبيذك وجهِّز نفسك.» فعلَ تافرنيك ما قِيلَ له. ثم سألَ: «عن أي خطر تتحدَّث؟ ماذا هناك على أي حال؟» لم يكن بريتشارد بحاجةٍ إلى الإجابة. عندما وضعَ تافرنيك كأسه على الطاولة، وقعَت عيناه على المجموعة الصغيرة التي احتلَّت لتوها الطاولةَ المجاورة لهما تقريبًا. كان من بينهم والتر كريس، ميجور بوست، ورجلان لم يسبق له رؤيتُهما من قبل في حياته … كلاهما ممتلئُ الوجه، شاحبُ العينَين، لكنهما يرتديان ملابسَ شديدة التقيُّد بالأزياء السائدة في المدينة؛ باختصار مَعاطف العَشاء وربطات العنق السوداء. وكانت إليزابيث وسطهم. أمسكَ تافرنيك بجانبَي مقعده ونظرَ. نعم، لقد تغيَّرَت. كانت حواجبها مرسومةً بطريقة خفيفة، وشعرها مصبوغًا بلون لم يتعرَّف عليه، ووجنتاها ملوَّنتَين بلونٍ بدا مصطنَعًا. ومع ذلك، احتفظَت بجسدها وحضورها الرائع كما هما، كما تمتَّعَت بذلك الفنِّ في ارتداء ملابسها كما لم تستطع أيُّ امرأة أخرى. كانت تستطيع بسهولةٍ أن تكون الأكثرَ جذبًا للانتباه من بين بناتِ جنسها بين كل الناس الموجودين في المكان. سمع تافرنيك رنَّة صوتها، ومرةً أخرى شعر بالإثارة، ولكنها سرعان ما خَبَت. كانت إليزابيث كما هي. أما هو، فقد حمدَ الله، على أنه لم يَعُد كما هو! سأل بريتشارد: «هل ترغب في الذهاب؟» فهزَّ تافرنيك رأسه. وأجابَ: «ليس أنا! هذا المكان رائعٌ للغاية. ألا يمكننا الحصولُ على المزيد من النبيذ؟ هذا هو علاجي. ولكن لماذا تنظر إليَّ هكذا يا بريتشارد؟ أنت لا تفترض لحظةً أنني يمكن أن أجعل من نفسي أضحوكةً مرة أخرى؟» ابتسمَ بريتشارد بارتياح. وقال: «صديقي الشاب، لقد عِشتُ في الدنيا زمانًا طويلًا ورأيتُ الكثيرَ من الأشياء الغريبة، لا سيَّما بين الرجال والنساء، لدرجة أنني لم أعُدْ أُفاجأ قطُّ بأي شيء. اعتقدتُ أنك ستُخفي حماقتَك ما دُمتَ قد أحكمتَ قبضتكَ على الحياة بهذا الشكل، لكن المرء لا يتأكَّد أبدًا.» تنهَّد تافرنيك. وردَّ: «أوه، لقد أخفيتُ أسوأ حماقاتي! لكنني أتمنى لو …» لم يُنهِ جملته قطُّ. فقد رأته إليزابيث فجأة. وللحظةٍ مالت للأمام وكأنها تتأكَّد أنها ليست مخطئة. ثم نهضَت واثبةً على قدمَيها وجلسَت مرةً أخرى. انفرَجَت شَفتاها … كان جمالها محيِّرًا وأخَّاذًا مرة أخرى. صاحت: «سيد تافرنيك، تعالَ وتحدَّث معي على الفور.» نهضَ تافرنيك بلا تردُّد، وسارَ بحزمٍ عبر الياردات القليلة التي تفصلُهما. ومدَّت هي كِلتا يدَيها. وصاحت قائلة: «هذا رائع! أنت في نيويورك! لقد كنتُ أتساءل كثيرًا عما حلَّ بك.» ابتسمَ تافرنيك. وقال: «إنها ليلتي الأولى هنا. لقد كنتُ في رحلةِ تنقيبٍ في أقصى الغرب مدةَ عامَين.» فقالت: «ثم رأيتُ اسمَك في الصحف. كان ذلك من أجل نقابة مانهاتن، أليس كذلك؟» أومأ تافرنيك برأسه، ومالَ أحدُ الرجال المرافقين لها إلى الأمام باهتمام. قالت مؤكِّدةً له: «سوف تكسب ملايينَ وملايين. كنتَ دائمًا تعرف أنك ستفعل، أليس كذلك؟» فأجابَ: «أخشى أنني كنتُ واثقًا من ذلك أكثرَ من اللازم. ولكن الحظ حالفنا للغاية بالتأكيد.» تدخَّل أحدُ رفاق إليزابيث … وكان هو الرجل الذي انتبه عند ذِكر نقابة مانهاتن. وقال: «إليزابيث، أودُّ أن أتعرَّف إلى صديقك.» قدَّمته إليزابيث متجهِّمة. «السيد أنتوني كروكسول … السيد تافرنيك!» مَدَّ السيد كروكسول يدًا بيضاءَ سمينة، تبرق بخاتم ضخم من الماس في إصبع الخنصر. وقال متسائلًا: «عجبًا، هل أنت السيد تافرنيك الذي كان مسئولَ المسح في مجموعة التنقيب التي أرسلَتها نقابة مانهاتن؟» أقرَّ تافرنيك بإيجاز: «نعم، كنتُ أنا. وما زلت، كما أتمنى.» فقال السيد كروكسول بصراحة: «إذن فأنت الشخص الذي كنتُ أتمنى مقابلته، ألن تجلسَ معنا؟ أودُّ لو تحدَّثنا قليلًا عن تلك الرحلة. فأنا مهتمٌّ بأمر النقابة.» هزَّ تافرنيك رأسه. وقال: «لقد اكتفيتُ من العمل مدةً طويلة. بالإضافة إلى أنني لا أستطيع أن أتحدَّث عنها إلا بعد أن أُسلِّم تقريري في الاجتماع غدًا.» أصرَّ السيد كروكسول: «سنتحدَّث قليلًا فحسب. هَلا نحتسي زجاجةً من الشمبانيا؟» أجابَ تافرنيك: «أنا واثقٌ أنك سوف تعذرني عندما أخبرك أنه لن يكونَ من الصواب من جانبي مناقشةُ رحلتي إلا بعد تسليم تقريري إلى الشركة. وأنا سعيدٌ جدًّا لرؤيتكِ مرة أخرى يا سيدة جاردنر.» صاحت بإحباط: «لكنك لن تذهب!» فأجابَ تافرنيك: «لقد تركتُ السيد بريتشارد بمفرده.» فابتسمَت إليزابيث، ولوَّحَت بيدها إلى الشخص الذي كان يجلس وحيدًا. وقالت: «صديقُنا السيد بريتشارد مرةً أخرى. حسنًا، إنه اجتماعٌ غريب حقًّا، أليس كذلك؟» ثم رفعَت رأسها قليلًا في محاذاة رأسه وأومأت بعينَيها لكي يُقرِّب منها أكثرَ وأضافت: «تُرى هل نَسيتَ كلَّ شيء؟» أومأ إلى فوق أسطح المنازل. وكان ظهره نحو النهر وأشار ناحية الغرب. ثم أجابَ: «لقد كنتُ في بلدٍ ينسى فيه المرءُ كلَّ شيء. وأعتقدُ أنني قد رميتُ حقيبة حماقاتي بعيدًا. ولعلها مدفونةٌ الآن. هناك بعضُ الأشياء التي لا أنساها، لكن نادرًا ما أتحدَّث عنها.» قالت: «أنت شابٌّ غريب. هل كنتُ مخطئة، أم أنك كنت يومًا تحبني؟» فاعترفَ تافرنيك: «كنت أحبكِ بشكلٍ رهيب.» وغمغمَت: «ومع ذلك، مزَّقتَ الشيك الذي كتبتُه لك وابتعدتَ عني قدرَ استطاعتك عندما اكتشفتَ أن معاييري الأخلاقيةَ لم تكن كما توقَّعتَ تمامًا. ألم تتجاوز تلك المثالية قليلًا يا ليونارد؟» تنهَّدَ تنهيدة عميقة. ثم أعلن بجدية: «أنا مُمتنٌّ لأن أقول إنني لم أتجاوزها، وإنني، إذا كنتُ قد تغيَّرت، فقد ازددتُ تعصُّبًا أكثرَ من أي وقت مضى.» جلسَت ساكنةً لحظة، وأصبح وجهُها جامدًا وخاليًا من التعبيرات. وكانت تنظر إلى ما وراءه، متجاوزةً خط الأنوار، نحو الظلام الدامس. وقالت بهدوء: «بطريقةٍ ما، كنتُ أدعو الله دائمًا أن تتذكَّر. فقد كنتَ أنت الشيء الحقيقيَّ الوحيد الذي قابلتُه في حياتي، كنتَ مخلصًا بحق. إذن فقد انتهى كلُّ شيء؟» أجابَ تافرنيك بشجاعة: «لقد انتهى.» تهادى إلى مَسامعهم صوتُ موسيقى الفالس المَجَرية. فأغمضَت عينَيها جزئيًّا. وحرَّكَت رأسها ببطءٍ مع اللحن. فأشاحَ تافرنيك بنظره بعيدًا. وفجأةً سألته: «هل ستأتي لتراني مرةً أخرى فحسب؟ أنا أقيم في دلفيدير، في شارع ٤٢.» أجابَ تافرنيك: «شكرًا جزيلًا لكِ. لكني لا أعرفُ كم من الوقت سأبقى في نيويورك. فإذا كنتُ سأبقى بضعةَ أيام، فسوف أغتنم الفرصة لزيارتكِ في منزلكِ.» ثم انحنى وعاد إلى بريتشارد، الذي استقبله بابتسامةٍ هادئة. وقال بلُطف: «أنت حكيمٌ يا تافرنيك. لم أسمع ما قيل، لكنني أعلم أنك كنتَ حكيمًا.» ثم أضافَ بصوتٍ منخفض: «بيني وبينك، إنها تتدهورُ حالًا. إنها هنا مع الرفقة الخطأ. ويبدو أنها لا تستطيع الابتعادَ عنهم. إنهم غيرُ ملتزمين بالقيم الأخلاقية والاجتماعية، وهم أقربُ إلى الوقوع تحت طائلة القانون منهم إلى الانتماء إلى المجتمع المحترم. أما عن الرجل الذي رأيتُكَ تتعرَّف إليه فهو مليونير في يوم من الأيام ولصٌّ في اليوم التالي. ليس منهم رجلٌ صالح. هل لاحظتَ أيضًا أنها ترتدي مجوهرات زائفة؟ هذا يبدو شيئًا سيئًا على الدوام.» أجابَ تافرنيك: «لا، لم ألحظ.» كان صامتًا لحظة. ثم انحنى قليلًا إلى الأمام. وسأل: «تُرى، هل تعرف أيَّ شيءٍ عن أختها؟» أنهى بريتشارد نبيذه وأسقط الرماد من سيجاره. وأجابَ: «لا أعرف الكثير. أعتقدُ أنها مرَّت بوقتٍ عصيب للغاية. لقد تولَّت مسئولية أبيها، كما تعلم، البروفيسور العجوز، وبذلَت قُصارى جهدها لإبقائه على الصراط المستقيم. وتُوفِّي منذ عامٍ تقريبًا وحاولَت الآنسة بياتريس العودةَ إلى المسرح، لكنَّ فرصتها في ذلك كانت قد ضاعت. وكانت الأعمال المسرحية رديئةً في لندن. وسمعتُ أنها جاءت إلى هنا.» ثم قال مُومئًا برأسه نحو أصدقاء إليزابيث: «أيًّا كان المكان الذي تعيش فيه، فهي تحاول البقاءَ بعيدًا عن مثل هذه الزمرة.» قال تافرنيك وقلبُه يكاد يقفز من بين ضلوعه: «أتساءل عمَّا إذا كانت في نيويورك.» ولم يُحِر بريتشارد جوابًا. كانت عيناه مُثبَّتتَين على المجموعة الصغيرة الجالسة إلى الطاولة المجاورة. كانت إليزابيث قد رجعَت بظهرها في مقعدها. ويبدو أنها انسحبَت من المحادثة الدائرة. وكانت عيناها مُثبَّتتَين طوال الوقت على عينَيْ تافرنيك. فنهضَ بريتشارد واقفًا على قدمَيه فجأة. وقال: «لقد حان الوقت لأن نخلد إلى النوم. وتذكَّر اجتماع الغد.» نهضَ تافرنيك على قدمَيه. وبينما كانا يمرَّان على الطاولة المجاورة، مالت إليزابيث نحوه. ورجَتْه عيناها بلوعة. وهمسَت: «عزيزي ليونارد، لا بد … لا بد أن تأتيَ لتراني. سأبقى في المنزل ما بين الساعة الرابعة والسادسة كلَّ مساءٍ هذا الأسبوع. تذكَّر: دلفيدير.» أجابَ تافرنيك: «شكرًا جزيلًا لكِ. لن أنسى.» إغواء تافرنيك
الفصل التاسع على الدوام مرةً أخرى بدا لبياتريس أن التاريخ يُعيد نفسَه. كانت غرفة الطعام مستطيلةً وقذرة، وانتشرَت فيها مصائدُ البعوض التي نسجَها العنكبوت، وكان مفرش المائدة متَّسخًا والمقاعد من الخيرزان الصُّلب، حتى إنها تخيَّلتْ نفسها في غرفة المعيشة بنُزُل بلينهايم هاوس. لم يكن ثَمة فرصةٌ كبيرة للاختيار بين مُلَّاك الفنادق. كانت السيدة ريثبي لورانس، بصرف النظر عن لسانها اللاذع وطبيعتها النزَّاعة إلى الشك، على الأقل تتظاهرُ باللطف. أما المرأة التي تُواجهها الآن — بملامحها الجامدة، وعينَيها الضيقتَين الميَّالتَين إلى الشك وشعرها الأحمر المبهرج — فكانت بالتأكيد امرأةً فظة قاسية. سألتْ بسُخرية: «ما فائدةُ استمرار قولكِ إنكِ تأمُلين في الحصول على عملٍ في الأسبوع المقبل؟ مَن الذي يمكن أن يمنحَكِ أيَّ عمل؟ عجبًا، لقد ازددتِ شحوبًا وفقَدتِ جَمالكِ وخسرتِ وزنكِ منذ أن أتيتِ للبقاء هنا. وهم لا يريدون مثلكِ في الكُورَس. وبالإضافة إلى ذلك، أنتِ مغرورةٌ ومتغطرسة للغاية، وهذا هو رأيي فيكِ. فلتأخُذي ما يمكنكِ الحصولُ عليه، بأي طريقة، وكوني شاكرة … هذا هو شعاري. يومًا بعد يوم، تتجوَّلين في الشوارع برأسٍ مرفوع وخُيلاء، وترفضين هذا وترفضين ذاك، وفي الوقت نفسِه ترتفع قيمة فاتورتي أكثرَ وأكثر. والآن أريدُ أن أعرفَ أين كنتِ حتى هذا الصباح؟» حاولَت بياتريس، التي كانت مُتعَبة ومُرهَقة للغاية، وكانت أطرافُها كلُّها ترتجف، أن تمرَّ خارجةً من الغرفة، ولكن المرأة التي كانت تستجوبها أغلقَت عليها الطريق. فردَّت بعصبية: «لقد كنت في المدينة.» «هل هناك أيُّ أخبار؟» هزَّت بياتريس رأسها. «ليس بعد. أرجو منكِ أن تسمحي لي بأن أصعَد إلى الطابق العلوي وأستلقي. فأنا متعبة وأحتاج إلى الراحة.» فقالت السيدة سلينا واتكينز، دون أن تتحرك من مكانها: «وأنا أريدُ نقودي. وليس هناك فائدةٌ من الصعود إلى غرفتكِ لأن الباب مُوصَد.» تلعثمَت بياتريس وهي تقول: «ماذا تقصدين بذلك؟» قالت صاحبة الفندق الصغير: «أعني أنني قد انتهيتُ من أمركِ. غرفتكِ مُوصَدة والمفتاح في جيبي، وكلما أسرعتِ في الخروج من هنا، كان ذلك أفضلَ بالنسبة إليَّ.» صاحت بياتريس: «ولكن ماذا عن صندوقي … ملابسي.» أجابت المرأة: «سأحتفظُ بها أسبوعًا من أجلكِ. أحضري لي المالَ قبل انتهاء تلك المهلة، وستحصلين عليها. أما إذا لم أسمع أيَّ شيءٍ عنكِ، فسأعرضُها في مزاد.» استعادت الفتاة شيئًا من روحها القديمة. كانت غاضبة، ونسيَت أن ركبتَيها كانتا ترتعشان من التعب، وأنها كانت ضعيفةً وتتضوَّر جوعًا. صاحت: «كيف تجرُئين على التحدُّث إليَّ هكذا! ستحصلين على نقودكِ قريبًا، لكن يجب أن آخذَ ملابسي. لا يمكنني الذَّهاب إلى أي مكان بدونها.» ضحكت المرأة بقسوة. وقالت: «انظري أيتها الشابة، سوف ترَين صندوقكِ مرةً أخرى عندما أرى لون نقودك، وليس قبل ذلك. والآن اخرجي، من فضلكِ … اخرجي! وإذا كنتِ ستُثيرين أي مشكلة، فسوف تصحبكِ سولي إلى أسفل.» كانت المرأة قد فتحَت الباب، وجاءت خادمةٌ ملوَّنة، نصفُ عارية، وفي يدها مِكْنَسة، تسير بترهُّل على طول الممر. استدارت بياتريس وهربَت من الجو اللزج الصاخب، نازلةً على الدرَج الخشبي غير المستوي، حتى وصلَت إلى الشارع القبيح. استدارت نحو أقربِ محطة قطار، كما لو كانت جُبِلت على ذلك، ولكنها عندما وصلت إلى أسفل السلَّم توقَّفت قليلًا متأوهةً بصوتٍ خفيض. كانت تعلم جيدًا أنها لا تملك أيَّ بنس لدفع الأجرة. كانت جيوبها خاوية. ولم تأكل شيئًا طَوال اليوم، ودفعَت آخِر عملة معدنية لديها أجرةً للسيارة التي أعادتها من برودواي. وها هي في الجانب الآخر من نيويورك، في منطقةِ مساكن الطبقة الدُّنيا، يفصل بينها وبين برودواي شارعُ بواري. لم تكن لديها القوةُ ولا الشجاعة للسير. وبتنهيدةٍ شبه مختنقة، خلعت الحِلية الوحيدة المتبقية لها، وهي بروش رخيص مطليٌّ بالمينا، ودخلت متجر رهن بالقرب من المكان الذي كانت تقفُ فيه. سألت بيأس: «هل ستُعطيني شيئًا مقابلَ هذا، من فضلك؟» توقَّف رجلٌ بدا كأنه يفرز كومةً من المعاطف الجاهزة، لحظةً عما يفعله، وأخذ الحِلْية في يده، وألقى بها بازدراءٍ على المنضدة. وردَّ: «لا تساوي شيئًا.» احتجَّت بياتريس قائلةً: «لكن لا بد أنها تستحقُّ شيئًا. لا أريدُ سوى مبلغٍ ضئيل جدًّا.» استرعى شيءٌ في صوتها انتباهَ الرجل. فنظر إلى وجهها الشاحب. وسأل: «ما المشكلة؟» قالت: «يجب أن أصل إلى فيفث أفنيو بطريقةٍ ما. ولا أستطيع السير وليس لديَّ أيُّ نقود.» دفع البروش إليها وألقى قطعةَ نقد على المنضدة. وقال: «حسنًا، أنتِ لا تبدين قادرةً على السير، وهذه حقيقة، ولكن البروش لا يستحقُّ الرهن. هاكِ عشرة سنتات من أجلكِ. والآن، اخرُجي من فضلكِ، فأنا مشغول.» أمسكَت بياتريس بالعُملة، وكادت تنسى أن تشكره، ثم توجَّهَت إلى السلَّم الحديدي لمحطة القطار. وسرعان ما جلسَت في القطار، الذي راحَ يُقعقع ويهتزُّ في طريقه عبر الأحياء الفقيرة إلى قلب المدينة الرائعة. لم يتبقَّ لها سوى شيءٍ واحد لتجرِبته، وهو الشيء الذي كان يدور في ذهنها منذ عدة أيام. ومع ذلك، وجدَت نفسها تفكِّر فيما ينتظرها برعبٍ قاتم، حتى بعد أن أصبحَت مضطرةً إلى أن تفعل هذا الشيء. لقد كان هذا آخِرَ موردٍ لها بالفعل. على الرغم من أنها كانت قوية، فقد عرَفَت من خلال أماراتٍ عديدة بسيطة أن قوتها كانت على وشك أن تخور. أيامٌ وأسابيعُ من خيبة الأمل، والتسكُّع الطويل غير المُجدي من مكتبٍ إلى آخَر، والإحباط الناجم عن الرفض المستمر، وسوء التغذية، والصيام الطويل، كلُّ هذا تركَ آثارَه عليها. ومع ذلك، فقد كانت لا تزال جذَّابةً بما فيه الكفاية. يبدو أن شحوبها قد منحَها رقةً وجمالًا. كانت شفتاها الجميلتان واللمعة الخفيفة في عينَيها الرماديتَين لا تزال كما كانت دائمًا. على الرغم من ذلك، عندما كانت تفكِّر كيف كانت تفتقر إلى المظهر الجميل، كانت وجنتاها تتورَّدان. شقَّت طريقها في برودواي إلى مجموعةٍ رائعة للغاية من المباني المتصلة، ودخلَت ثم استقلَّت المصعد إلى الطابق السابع. وهناك خرَجَت من المصعد وطرقَت بتردُّد على أحد الأبواب الزجاجية، نُقِشَ عليه اسم السيد أنتوني كروكسول. أذنَ لها شابٌّ غايةٌ في الرقيِّ بالدخول واستفسر عما تريد. فقالت: «أودُّ أن أقابل السيد كروكسول لحظة، مقابلةً شخصية. لن أؤخِّره أكثرَ من دقيقة. اسمي فرانكلين … الآنسة بياتريس فرانكلين.» بدا أن شِفاهَ الشاب كانت على وشك أن تُصدر صفيرًا، لكنَّ شيئًا في وجه الفتاة جعله يغيِّر رأيه. وقال: «أظنُّ أن الرئيس هنا. لقد أتى لتوه من اجتماعٍ مهم، ولكنني لستُ على يقين إن كان سيُقابل أيَّ شخص اليوم. ومع ذلك، فسوف أخبره بوجودكِ هنا.» اختفى داخل غرفة داخلية. ثم خرجَ في الحال وتركَ الباب مفتوحًا. ودَعاها قائلًا: «هلا تدخلين الآن مباشرةً يا آنسة فرانكلين؟» دلفَت بياتريس إلى الغرفة بشجاعةٍ كافية، ولكنَّ ركبتَيها بدَأتا في الارتجاف عندما وجدَت نفسها في معيَّة رجلٍ أتت لمقابلته. لم يكن السيد أنتوني كروكسول شخصًا وسيمًا. كانت وجنتاه مُمتلئتَين ومنتفختَين، وكان يرتدي خاتمًا من الماس في إصبع يدِه شديدة البياض ودبوسًا من الماس في ربطة عنقه المبهرجة. كان يُدخن سيجارًا أسودَ اللون، تجاهلَ أن ينزعه من بين أسنانه وهو يُرحِّب بزائرته. قال بابتسامةٍ قبيحة للغاية: «إذن فقد أتيتِ لمقابلتي أخيرًا يا آنسة بياتريس! تعالي لتجلسي بجانبي. هذا صحيحٌ، أليس كذلك؟ والآن ماذا أستطيع أن أفعل من أجلك؟» كان جسدُ بياتريس يرتجف من قمة رأسها إلى أخمص قدمَيها. كانت عينا الرجل بغيضتَين، وابتسامتُه مخيفة. قالت متلعثمة: «لا أملك بِنسًا واحدًا يا سيد كروكسول، ولا أستطيع الحصول على عمل، وطُردتُ من غرفتي، وأنا جائعة. كان والدي دائمًا ما يخبرني أنك ستكون صديقًا إذا حدث واحتجتُ إلى مساعدتك في يومٍ من الأيام. أنا آسفة جدًّا لحضوري وتوسُّلي، ولكن هذا ما أفعله. هَلا تقرضني أو تعطيني عشرة أو عشرين دولارًا، لكي أتمكَّن من المضيِّ قُدمًا وقتًا أطول؟ أو هل يمكنك أن تساعدني في أن أحصل على وظيفةٍ في أحد المسارح؟» نفخَ السيد كروكسول دخان سيجاره بانتظام لدقيقة، ثم رجعَ بظهره في مقعده ودفعَ بيده في جيب بنطاله. وقال: «هل الوضع بهذا السوء؟ أهو حقًّا بهذا السوء؟» فأجابت وهي تنظر إليه بهدوءٍ: «إنه سيئٌ للغاية حقًّا، وإلا فما كنت سآتي إليك، كما تعرف.» ابتسمَ السيد كروكسول. وقال: «أتذكَّرُ آخِر مرةٍ تحدَّثنا فيها معًا، لم يكن ثمة وِفاقٌ بيننا. كنتِ شديدةَ الغطرسة والقوة في تلك الأيام، أليس كذلك يا آنسة بياتريس؟ لم تكوني لتَمُنِّي على شخص سيئ مثل أنتوني كروكسول بكلمة. والآن أنتِ مضطرةٌ إلى أن تأتي، أليس كذلك؟» بدأتْ ترتجف مرة أخرى، لكنها منعَت نفسها. تمتمَت: «يجب أن أعيش. أعطني القليل من المال ودَعْني أذهب.» فضحكَ. وردَّ قائلًا: «أوه، سأفعل ما هو أفضلُ من ذلك من أجلكِ» ووضعَ يده في جيب صدرته وسحبَ رزمةً من الدولارات. ثم استأنفَ: «فلننظر إليكِ. مرحى! نعم، أنتِ رثَّة الثياب، أليس كذلك؟ خُذي هذا.» ورمى بعضَ الأوراق المالية أمامها. وقال: «اذهبي واشتري لنفسك فستانًا جديدًا وقبعةً ملائمة، وقابليني في حديقة سطح ماديسون سكوير في الساعة الثامنة. سنتناول العشاءَ وأعتقدُ أنه يمكننا إصلاحُ الأمور.» ثم ابتسم لها مرةً أخرى، وشعرت بياتريس، التي كانت يدُها بالفعل فوق الأوراق المالية، فجأةً بركبتَيها ترتعشان. سيطر عليها رعبٌ قاتم هائل. فاستدارت وهربت إلى خارج الغرفة، متجاوزة الموظفَ المذهول، إلى المصعد، وكانت في الطابق السفلي قبل حتى أن تتذكَّر أين كانت وماذا فعلت. أما الموظف، فبعد أن حدَّق فيها وهي تهرب، هرعَ داخلًا إلى المكتب الداخلي. وسأل: «هذه الشابة لم تهرب بأي شيءٍ، أليس كذلك؟» ابتسمَ السيد كروكسول ابتسامةً شريرة. وأجابَ: «بالطبع لا، أعتقدُ أنها ستعود!» غادر تافرنيك الاجتماعَ بعد ظهيرة اليوم نفسِه بمستقبلٍ مضمون عمَليًّا مدى الحياة. لقد عُيِّن مسَّاحًا للشركة براتب عشَرة آلاف دولار سنويًّا، ومن المرجَّح أن يُدِرَّ المنجم الذي استثمر فيه مدَّخراته مبلغًا يساوي مائةَ ضِعف رأسماله الصغير. ولقد قيلت عنه أشياءُ طيبة جدًّا أمامه. كان بريتشارد قد غادر المكان معه. وعندما وصلا إلى الشارع، توقَّفا لحظة. قال بريتشارد: «سأُجري مكالمةً بالقرب من هنا. لا تنسَ أننا سنتناول الطعام معًا، ما لم تجد شيئًا أفضلَ لتفعله، وفي هذه الأثناء …» أخذَ بطاقةً من جيبه وسلَّمها إلى تافرنيك وواصلَ كلامه: «لا أعرفُ ما إذا كنتُ أحمقَ أو لا لأعطيَك هذا. ومع ذلك، فهَا هي. افعل ما تريد حيالَ ذلك.» وسار مبتعدًا فجأة. ألقى تافرنيك نظرةً سريعة على العنوان المكتوب في البطاقة: ١١٣٤، شارع إيست ٣. كان في حيرةٍ لحظة. ثم أضاءَ عقلُه فجأة. وقفز قلبُه من بين ضلوعه. ذهبَ إلى المكان ليسأل عن بعض الاتجاهات وتوقَّف مرةً أخرى على حين غِرة. ظهر خيالٌ أسودُ لامرأة نحيلة تجري مرتاعةً وكأنها تهرب من مصير بشع، بوجهٍ شاحب ونظرةِ رعب. بسطَ تافرنيك يديه فجاءت إليه وهي تشهق شهقةَ تعجبٍ شديد. صاحت: «ليونارد! ليونارد!» فأجاب بسرعة: «إنه أنا بلا شك. هل أنا كائنٌ مرعب إلى هذه الدرجة؟» وقفَت بلا حَراك وقاومَت بشدة. وبعد لحظة، راحَ الدُّوار الذي كانت تشعر به. غمغمَت: «ليونارد، أنا مريضة.» ثم بدأت تبتسم. وتلعثمَت قائلة: «إنه أمرٌ سخيف للغاية، لكن عليك أن تفعل الشيء نفسَه مرة أخرى.» سألَ: «ماذا تقصدين؟» فقالت متوسِّلة: «أَحضِر لي شيئًا آكله في الحال. أنا أتضوَّرُ جوعًا. لنذهب إلى مكانٍ أنيق. ليونارد، كم هذا رائع! لم أكن أعرفُ حتى أنك في نيويورك.» طلب عربة وأخذها إلى حديقةٍ على السطح. وهناك، لأنَّ الوقت كان مبكرًا، حصلا على مقعدٍ قرب حاجز الشُّرفة. تحدَّث تافرنيك بشكلٍ أخرقَ عن نفسه معظم الوقت. كان يشعر بجفافٍ في حَلْقه. كان يشعر طوال الوقت أن ثمة مأساةً قريبة جدًّا. ومع ذلك، بالتدريج، عندما تناولَت الطعام والشراب، عادَ اللون الورديُّ إلى خَدَّيها، وبدا أن الخوف من الانهيار قد زالَ. بل إنها صارت مبتهجة. قالت: «نحن حقًّا أكثرُ الناس إثارةً للدهشة يا ليونارد. لقد دخلتَ إلى حياتي مرةً من قبل عندما كنتُ على وشك أن أُطرَد من غرفتي. واليوم جئتَ إليها مرةً أخرى ووجدتَني بلا مأوى مرةً أخرى. لا تنفق الكثيرَ من المال على العشاء، لأنني أحذِّرك من أنني سأقترض منك.» فضحكَ. وقال: «هذه أخبارٌ جيدة، لكنني لستُ متأكِّدًا من أنني سأُقرضكِ أيَّ شيء.» مالَ عبر الطاولة. استغرق تحضيرُ عَشائهما وقتًا طويلًا وكان الظلام قد بدأ يُسدِل سِتاره على الدنيا. وكانت النجوم تتلألأ فوقهما، وفرقة الموسيقى تعزف ألحانًا هادئة، وصخبُ الشوارع يتباعد في الأسفل. لقد كانا تقريبًا في عالَم صغير وحدهما. قال لها: «عزيزتي بياتريس، لقد طلبتُ منك ثلاثَ مراتٍ أن تُوافقي على الزواج مني ولم تقبلي، وقد كنتُ أطلبُ ذلك لأنني كنتُ أحمقَ أنانيًّا، ولأنني كنتُ أعرف أن هذا لصالحي وأنه سيحميني من أشياءَ كنتُ أخافُ منها. أما الآن، فأنا أطلبُ منكِ الشيءَ نفسَه مرةً أخرى، ولكنَّ لديَّ سببًا أهم، يا بياتريس. لقد كنتُ وحدي معظم العامين الماضيَين، وقد عشتُ الحياة التي تجعل الرجلَ يُواجه الحقيقة وجهًا لوجه، وتساعده على معرفة نفسه والآخَرين، وقد اكتشفتُ شيئًا.» قالت متلعثِمة: «ما هو؟ أَخبِرني يا ليونارد.» تابعَ: «اكتشفتُ أنكِ أنتِ مَنْ كنتُ أحبُّ دائمًا، ولهذا السبب أطلبُ منكِ الزواج الآن يا بياتريس، ولكن هذه المرةَ أطلبُه لأنني أحبكِ، ولأنه ما من أحدٍ في الدنيا يمكن أن يحلَّ محلك أو يُمثِّل شيئًا بالنسبة إليَّ على الإطلاق.» تمتمَت قائلة: «ليونارد!» قال راجيًا: «أنتِ لا تأسفين على أنني قلتُ هذا؟ أليس كذلك؟» فتحَت عينَيها مرة أخرى. وأجابت: «كنتُ دائمًا أدعو الله أن أسمعَها منك، ولكن يبدو … يبدو هذا جائرًا جدًّا! فها أنا ذا أتضوَّر جوعًا، بلا أي مال، وأنت … أنت على ما أعتقد قطعتَ شوطًا طويلًا في طريق النجاح الذي كنت تحرص عليه.» قال بجِدية: «لقد قطعتُ شوطًا طويلًا في طريقِ شيءٍ أعظمَ يا بياتريس. قطعتُ شوطًا طويلًا في طريقِ فهم معنى النجاح الحقيقي، وماهية الأشياء التي لها قيمةٌ وتلك التي لا قيمةَ لها.» ثم واصلَ هامسًا: «لقد اكتشفتُ حتى الشيء الأكثرَ أهميةً وقيمة بالنسبة إليَّ من أي شيءٍ آخر في العالم، والآن بما أني قد اكتشفتُه، فلن أسمح بأن يَضيع مني مرة أخرى.» ضغطَ على يدها، فنظرَت إليه عبر الطاولة نظرةً حالمة. فابتعدَ النادل، الذي كان يقتربُ من الطاولة، بدبلوماسية. وبدأت الفرقةُ تعزف لحنًا مُبهِجًا. وتصاعدَت أصواتُ صخب السيارات من أسفل. كان ثَمة جَلَبةٌ كَوْنية غريبة من الأصوات المختلطة، ولكن سادَ بين هذين الاثنَين صمتٌ رائع. إغواء تافرنيك
الفصل الخامس تقديم السيدة وينهام جاردنر كان ثمة عميلٌ مميز للغاية يجذب انتباه السيد داولينج الأب، صاحب شركة ميسرز داولينج، سبينس آند كمباني التي يقع مقرُّها في ووترلو بليس، بال مول. كان السيد داولينج رجلًا ضئيلًا صعب المِراس، يتراوح عمره بين خمسين وستين عامًا، ويقضي معظمَ وقته في لعب الجولف، وقد فقد اتصاله بتفاصيل العمل منذ مدةٍ طويلة، رغم محاولته الجاهدة لتجاهل هذه الحقيقة. ومن ثمَّ، في غياب السيد داولينج الابن، الذي تزايد ولعه بشكل ملحوظ بحانة معينة في المنطقة، استُدعي تافرنيك على عجل لإنقاذ الموقف من جزء آخر من المبنى، حيث أُرسِل في طلبه صبيٌّ صغير يلهث بشدة. قال الأخير بصوت هامس: «لم أرَ الرئيس في مثل هذه الورطة من قبل؛ فهي تطرح أسئلة لا نهاية لها وهو لا يعرف أيَّ شيء على الإطلاق.» سأل تافرنيك وهو في طريقه إلى الطابق السفلي: «مَنْ هي السيدة؟» أجابَ الصبيُّ: «لم أسمع اسمها. ومع ذلك أستطيع أن أقول إنها على حقٍّ … جمالها أخَّاذ. ويا لها من سيارة أيضًا! زهورٌ وطاولات وكلُّ ما تتخيَّلُه بداخلها. يا إلهي، سيستشيطُ الرئيسُ غضبًا إذا غادرت قبل أن تصل إلى هناك!» أسرع تافرنيك الخُطى وطرقَ باب المكتب الخاص ودلفَ في غضون لحظاتٍ قليلة. رحَّبَ به رئيسُه في بادرةِ ارتياح. نظرت عميلة الشركة المميَّزة، التي كان يحاول لفْتَ انتباهِها، نحو الوافد الجديد، في أول ظهور له، بنوع من اللامبالاة الضجرة. إلا أن عينَيها لم تنزلا عن وجهه على الفور. بل على العكس من ذلك، فمن لحظة دخوله كانت تُراقبه بثبات. اقتربَ تافرنيك بشجاعة ورباطة جأش، وفي ذلك الوقت بدون فهم، من المكتب. أعلنَ السيد داولينج بخنوع: «هذا … إممم … السيد تافرنيك، المدير هنا. في غياب ابني، هو المسئول عن قسم الإيجارات. ليس لديَّ شكٌّ في أنه سيتمكَّن من اقتراح شيءٍ مناسب.» وتابع: «تافرنيك، هذه السيدة …» ونظر إلى بطاقةٍ أمامه ثم استطرد: «السيدة وينهام جاردنر من نيويورك تبحث عن بيتٍ كبير في المدينة، وقد تكرَّمَت وتعطفَت بأن تخصَّنا نحن بالاستفسار.» لم يُصدر تافرنيك أيَّ ردٍّ فوري. كان السيد داولينج شخصًا قاصرَ النظر، وعلى أي حال، لم يكن ليخطرَ بباله قطُّ أن يربط العصبية، أو أي شكل من أشكال الانفعال، بمديره المسئول. اتَّكأَت السيدة الجميلة على كرسيها. وندَّت من شفتَيها ابتسامةٌ طفيفة لكنها فضوليةٌ للغاية، وأسندَت خدَّها إلى أصابعها، وانقبض جَفْناها وهي تتفرَّسُ في وجهه. شعر تافرنيك بأنَّ كليهما تعرَّف على الآخر. ومرةً أخرى رجع بذهنه إلى الأجواء المأساوية في تلك الصيدلية، عندما كانت بياتريس شبهَ فاقدةٍ للوعي بين ذراعَيه، والسيدة الجميلة قد تحوَّلت إلى تمثال. كانت لوحةً غريبة انطبعَت بوضوح في ذاكرته لدرجة أنها كانت ماثلة أمامه في هذه اللحظة بعينها. كان ثمة غموضٌ في عينيْ هذه المرأة، غموض وشيء آخر. واصلَ السيد داولينج حديثه حاملًا رِزمةً صغيرة من الورق من على المكتب: «لا يبدو أنني قد صادفتُ أيَّ شيء هنا يجذب السيدة وينهام جاردنر بشكل خاص. اعتقدتُ أن منزل ميدان بريانستون سكوير ربما يكون مناسبًا، لكن يبدو أنه صغير جدًّا، صغير جدًّا جدًّا. السيدة جاردنر معتادةٌ على الاستضافة، وقد وضَّحَت لي أنَّ لديها أصدقاء كثيرين دائمًا ما يأتون ويذهبون من الجانب الآخَر من المحيط. إنها تريد، على ما يبدو، اثنتَي عشرة غرفةَ نوم، إلى جانب مكان لإقامة الخدم.» ذكَّرَه تافرنيك قائلًا: «إن قائمتك ليست محدَّثةً بالكامل يا سيدي. إذا كان الإيجار ليس لغرض معين، فهناك جرانثام هاوس.» أضاءَ وجه السيد داولينج فجأة. وصاحَ: «جرانثام هاوس! بالضبط! الآن أصرح بأنه غاب عن ذاكرتي تمامًا في الوقت الحالي — فقط في الوقت الحالي — أننا وضعنا للتو في دفاترنا واحدًا من أجمل القصور في الطرَفِ الغربي من لندن. وصاحبُه عميلٌ من أهم عملائنا، أيضًا، وأحد العملاء الذين نحرص تمامًا على خدمتهم. يا إلهي! من حسن الحظ جدًّا … من حسن الحظ جدًّا أنني فكرتُ فيه، خاصة أنه، فيما يبدو، لم يكن لدى أي شخص حُسن التقدير لوضعه في قائمتي. تافرنيك، أحضر المخططات في الحال واعرضها على … إمممم … السيدة جاردنر.» عبَر تافرنيك الغرفة في صمت، وفتح درجًا، وعاد بلفافة أوراق، بسَطها بحرصٍ أمام هذه العميلة غير المتوقَّعة. ثم تحدَّثت لأول مرة منذ دخل الغرفة. كان صوتُها منخفضًا وحلوًا بشكل رائع. لم تكن تشوبه اللهجةُ الأمريكية إلا قليلًا، ولكنَّ شيئًا ما في نغمتها، خاصةً في نهاية الجمل، كان أجنبيًّا قليلًا. استفسرَت: «أين يوجد منزل جرانثام هذا؟» أجاب تافرنيك بسرعة: «على مرمى حجَر من ميدان جروسفينور. إنها حقًّا واحدة من أكثر المناطق مركزيةً في الطرف الغربي. إذا سمحتِ لي!» في الدقائق القليلة التالية كان شديدَ اللباقة بالفعل. وبقلم رصاص في يده، شرحَ المخططات، وناقشَ مزايا الموقع، ومن خلال مدحِه للمنزل خلقَ انطباعًا بأن المنزل الذي كان يصفُه هو أروعَ وأفضل منزل على الإطلاق في كل أنحاء لندن. سألتْ عندما انتهى: «هل يمكنني معاينة المكان؟» أعلن السيد داولينج: «بكل سرور، بكل سرور. كنتُ على وشك اقتراح ذلك. سيكون هذا الإجراء الأكثرَ إرضاءً إلى حدٍّ بعيد. لن تُخذَلي يا سيدتي العزيزة، يمكنني أن أؤكِّد لكِ.» قالت: «أودُّ أن أفعل ذلك، إذا أمكن، دون تأخير.» أجابَ السيد داولينج: «لا توجد فرصةٌ أفضل من هذه. إذا سمحتِ لي، فسيُسعدني جدًّا أن أرافقكِ إلى هناك شخصيًّا. ارتباطاتي بقيةَ اليوم تصادفَ أن تكون غيرَ مهمة. تافرنيك، أعطِني مفاتيح الغرف المغلقة. الحارس هناك بالطبع.» نهضَت الزائرة الجميلة على قدمَيها، وحتى تلك الحركة البسيطة قامت بها برقةٍ لم يرَ تافرنيك مثيلًا لها من قبل. واحتجَّت على ذلك قائلة: «لا أتصوَّر إزعاجك أكثرَ من ذلك يا سيد داولينج. ليس هناك داعٍ إطلاقًا أن تأتيَ بنفسك. لعل مديرك يستطيع أن يمنحني بضعَ دقائق من وقته.» ثم أضافَت مبرِّرة، عندما لاحظَتْ سحابةً من الحزن تُخيِّم على وجه السيد داولينج: «يبدو أنه على علمٍ تامٍّ بكل التفاصيل.» قال: «كما تُحبين، بالطبع. السيد تافرنيك يستطيع الذَّهاب بكل سرور. عندما فكَّرتُ الآن في الأمر، سيكون من غير المناسب بالنسبة إليَّ بالتأكيد أن أبتعدَ عن المكتب أكثرَ من بضع دقائق. والسيد تافرنيك لديه كل التفاصيل طوعَ بَنانِه، وكلُّ ما أتمناه يا سيدة جاردنر أن يتمكَّن من إقناعكِ بأخذ المنزل.» ثم أضاف بانحناءة: «عميلنا، سيكون سعيدًا، بالتأكيد، عندما يعرف أننا ضمِنَّا له مستأجِرًا مميزًا مثل سيادتكِ.» ابتسمَت له ابتسامة هي مزيجٌ من اللطف والرقة والتواضع. وأجابت: «أنت لطيفٌ جدًّا. المنزل يبدو كبيرًا جدًّا بالنسبة إليَّ لكن الأمر يعتمد إلى حدٍّ كبير على الظروف. إذا كنتَ مستعدًّا، يا سيد …» قال لها: «تافرنيك.» واصلَت حديثها: «سيد تافرنيك، سيارتي تنتظر في الخارج ويمكننا الذهاب في الحال.» انحنى وفتَح لها الباب، وهي مهمةٌ أدَّاها بإحراج قليلًا. ورافقها السيد داولينج بنفسه إلى الخارج حتى الرصيف. توقَّف تافرنيك لإحضار قبعته، ثم خرج بعد لحظة، وكان سيجلسُ في المقعد الأمامي بجوار السائق لولا أنها أبقَتْ باب السيارة الخلفي مفتوحًا وأومأت إليه. أصرَّت قائلةً: «هَلا تدخلين من فضلك؟ هناك سؤال أو اثنان قد أطرحهما عليك بينما نحن في الطريق. من فضلك أعطِ توجيهاتك للسائق.» أطاعَ بغير كلمة؛ وانطلقَت السيارة. بينما كانوا ينعطفون عند الزاوية الأولى، مالت نحو الأمام من بين وسائد مقعدها الوثير ونظرت إليه. عندئذٍ أدركَ تافرنيك أشياءَ جديدة. كما لو كان قد علم في لحظةِ إلهام أن زيارتها لمكتب ميسرز داولينج، سبينس آند كمباني لم تكن بمحضِ المصادفة. كانت تتذكَّره، وتتذكَّره كرفيق بياتريس أثناء ذلك اللقاء الغريب والمختصر. لقد كان عالَمًا غيرَ مفهوم، هذا الذي هامَ فيه. زالَ عن وجه المرأة ذلك التعبيرُ الرقيق الضعيف. وخيَّم عليه تعبيرٌ جديد أقربُ إلى المأساة. نزلت أصابعُها على ذراعه في لمسة ليست بالخفيفة. بل كانت تُمسك به مسكةً تكاد تكون قوية. وقالت: «سيد تافرنيك، لديَّ ذاكرةٌ للوجوه نادرًا ما تخونني. لقد رأيتُك من قبل في الآونة الأخيرة. أنت تتذكَّر أين، بالطبع. قل لي الحقيقةَ بسرعةٍ من فضلك.» بدَت الكلمات وكأنها تندفع من شفتَيها. ورغم كونها جميلةً وشابة دون أدنى شك، فإن جِدِّيتها الشديدة قد منحَت وجهها فجأةً عمرًا أكبر من عمرها الحقيقي. أصابت الحيرة تافرنيك. كان هو أيضًا يشعر باضطراب عاطفي غريب. سألها: «الحقيقة؟ أيَّ حقيقةٍ تقصدين؟» «أنت الذي رأيتُه مع بياتريس!» اعترفَ ببطءٍ: «لقد رأيتِني ليلةً ما منذ نحوِ ثلاثة أسابيع. كنتُ في صيدلية في شارع ستراند. وكنتِ تُوقِّعين في دفتر الصيدلي للحصول على دواء منوِّم، على ما أعتقد.» أصابتها رعشةٌ في جسدها بالكامل. وصاحت: «نعم، نعم! بالطبع، أتذكَّر كلَّ شيء. الآنسة التي كانت معك … ماذا كانت تفعل هناك؟ وأين هي الآن؟» أجابَ تافرنيك بحسم: «الآنسة كانت أختي.» بدَت السيدة وينهام جاردنر، لحظة، وكأنها ستضربه. قالت: «لست بحاجةٍ إلى أن تكذب عليَّ! الأمر لا يستحق ذلك. أخبرني أين قابلتَها، ولِمَ كنتَ معها في الأساس في هذا الوضع المتآلف، وأين هي الآن!» أدركَ تافرنيك على الفور أنه فيما يتعلق بهذه المرأة، فإن القصة التي اخترعها لعلاقته ببياتريس لن تُجدي. فهي تعرف! أجابَ: «سيدتي، تعرَّفتُ إلى الشابة التي كانت معي في ذلك المساء، في النُّزُل الذي كان يعيش فيه كِلانا.» سألت: «ماذا كنتما تفعلان في الصيدلية؟» تابعَ برَويَّة وهو يتساءلُ بينه وبين نفسه عن مقدار ما يخبرها به: «كانت الشابة مَغشيًّا عليها. لقد أصيبت بإغماءٍ بالفعل. وكانت تستعيد وعيها بصعوبةٍ عندما دخلتِ.» سألت المرأةُ بلهفة: «وأين هي الآن؟ ألا تزال في ذلك النُّزُل الذي تحدَّثتَ عنه؟» أجابَ: «نعم.» أمسكتْ أصابعُها بذراعِه مرة أخرى. «لماذا ترد عليَّ دائمًا بهذه الردود المقتضبة؟ ألا تدرك أن عليك أن تخبرني بكل ما تعرفه عنها. يجب أن تخبرني أين يمكنني أن أجدها في الحال.» ظلَّ تافرنيك صامتًا. كان صوت المرأة لا يزال يتمتع بتلك النغمة الناعمة الرائعة، لكنها فقدَت كليةً اللامبالاةَ التامة الأرستقراطية. لقد كانت شخصًا مختلفًا تمامًا الآن عن تلك العميلة المميزة التي استعانت بخدماته في بادئ الأمر. ولسببٍ أو لآخَر، كان يعرف أنها تُعاني من قلق رهيب. قال أخيرًا: «لستُ متأكدًا مما إذا كان بإمكاني أن أفعل ما تطلبينه.» صاحت بحدة: «ماذا تقصد؟» وتابعَ: «بدا أن الشابة، في المرة التي أشرتُ إليها، كانت حريصةً تحديدًا على تجنُّب أن يتعرفَ عليها أحد. لقد خرَجَت مسرعةً من المكان دون أن تتحدَّث معكِ، وتجنَّبَت الموضوع منذ ذلك الحين. لا أعرف ماذا قد تكون دوافعها، لكني أعتقد أنني أودُّ أن أسألها أولًا قبل أن أخبركِ أين يمكنكِ العثور عليها.» مالت السيدة وينهام جاردنر نحوه. كانت بالتأكيد المرةَ الأولى التي تنظر امرأةٌ في مستواها الظاهر إلى تافرنيك بمثلِ هذه الطريقة. كانت جبهتها مجعَّدةً قليلًا، وشفتاها منفرجتَين، وعيناها بليغتَين على نحوٍ مبهج يُثير التعاطف. قالت راجية: «يا سيد تافرنيك، يجب ألَّا تتجاهلني. لو أنك فقط تعرف أهمية الموضوع، لما كنتَ ستتردَّد لحظة. هذا ليس فضولًا بلا داعٍ من جانبي. لديَّ أسباب، وهي أسبابٌ خطيرة جدًّا حقًّا، لرغبتي في اكتشاف مكانِ وجود الفتاة المسكينة على الفور. هناك خطرٌ محتمل يجب تحذيرُها منه. لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك باستثنائي.» سألَ تافرنيك: «هل أنتِ صديقتها أم عدوتها؟» فسألته: «لماذا تسأل مثل هذا السؤال؟» واصلَ تافرنيك بإصرار: «أنا فقط أتذكَّر تعبيراتِ وجهها عندما رأتكِ تدخلين إلى الصيدلية.» صاحت المرأة: «هذا قولٌ فظ. أتمنى أن أكون صديقتها، وأنا صديقتها. لو أنني كنت أستطيع فقط إخبارَك بكل شيء، لفهمت في الحال مثل هذا الموقف الفظيع، يا له من مأزقٍ شنيع هذا الذي وقعتُ فيه.» مرةً أخرى، توقَّف تافرنيك مؤقتًا بضع لحظات. لم يكن تفكيره سريعًا قط وكان الموقف بالتأكيد محرجًا له. أجابَ بإسهاب: «سيدتي، أرجو ألا تُخبريني بأي شيء. الشابة التي تحدثتِ عنها تسمح لي بأن أطلق على نفسي صديقها، وما لم تُخبرني به هي نفسها لا أرغب في معرفته من الآخرين. سأخبرها عن لقائي بكِ، وإذا كانت هذه رغبتها، فسوف أعطيكِ عُنوانها بنفسي في غضون بضع ساعات. لا أستطيع أن أفعل أكثرَ من ذلك.» أصبحَ وجهُها فجأة باردًا وقاسيًا. وصاحت بغضب: «أتقصد أنك لن تفعل! أنت عنيد. لا أعرف كيف تجرؤ على رفضِ ما أطلبه.» توقَّفت السيارة. ونزلَ إلى الرصيف. أعلنَ: «هذا جرانثام هاوس، يا سيدتي. هلا تنزلين؟» سمعها تنفث نفسًا سريعًا بين أسنانها ولمحَ في عينيها لمعانًا جعله يشعر بعدم ارتياح غامض. كانت غاضبة جدًّا حقًّا. قالت ببرود: «لا أعتقد أنه من الضروري بالنسبة إليَّ أن أفعل. أنا لا أحبُّ شكل هذا المنزل على الإطلاق. لا أعتقدُ أنه يناسبني.» احتجَّ قائلًا: «على الأقل، الآن بما أنكِ هنا، من فضلك، تعالَي لتُعايِنيه. أودُّ أن ترَي قاعة الرقص. من المفترض أن تكون الزخارف استثنائية للغاية.» تردَّدَت لحظةً وبعد ذلك، هزَّت كتفيها هزَّة خفيفة، واستجابت له. كانت ثمةَ نغمةٌ في صوته ليست بالضبط مُلِحَّة، لكنها مُهيمنة، نغمة أطاعتها رغم أنها تعجَّبت سرًّا من نفسها لأنها فعلَت ذلك. دلَفا إلى المنزل، وتتبَّعَته من غرفةٍ إلى أخرى، تاركةً له كلَّ الكلام. بدت غير مهتمة ولكن بين الحين والآخر كانت تسأل سؤالًا متثاقلًا. وقرَّرت أخيرًا: «لا أعتقدُ أنه يناسبني بأي حال من الأحوال. كلُّ شيءٍ رائعٌ للغاية، بالطبع، لكني أعتقد أن الإيجار مبالَغ فيه.» نظرَ إليها تافرنيك متفكِّرًا. قال: «أعتقدُ أن عميلنا قد يكون على استعدادٍ للنظر في تخفيض قيمةِ الإيجار بعضَ الشيء، في حالة استعدادكِ الجادِّ لتأجير البيت. إذا أردتِ، فسأناقشُ معه هذا الموضوع. أشعرُ بأنه يمكن تخفيضُ المبلغ الذي ذكرتُه، إذا كانت الشروط الأخرى مُرضية.» ووافقَت على ذلك قائلة: «لا مانعَ من قيامك بذلك. متى يمكن أن تأتي إليَّ وتخبرني بما فعلت؟» أجابَ: «قد أتمكن من الاتصال بكِ هذا المساء؛ وبالتأكيد غدًا صباحًا.» هزَّت رأسها. وقالت: «لن أتحدَّث عبر الهاتف. أنا لا أسمح باستخدام الهاتف في منزلي إلا بحدود. يجب أن تأتي وتخبرني بما يقولُه عميلك. متى يمكنك رؤيته؟» أجابَ: «من المشكوك فيه أن أتمكَّن من العثور عليه هذا المساء. من المرجَّح أن أراه صباح الغد.» اقترحت: «يمكنك أن تذهب وتحاول على الفور.» اندهشَ قليلًا. واستفسرَ: «هل أنتِ مهتمةٌ حقًّا بالمسألة، إذن؟» قالت له: «نعم، نعم، بالطبع أنا مهتمة. أريدك أن تأتيَ لرؤيتي مباشرةً بمجرد أن تسمع منه شيئًا. هذا أمر مهم. لنفترض أنك تستطيع العثور على عميلك الليلة، فهل سترى الشابة قبل ذلك؟» أجابَ: «أخشى أنني لن أفعل.» رجَتْه وهي تضعُ أصابعها على كتفه قائلة: «يجب أن تُحاول. أرجو منك أن تحاول يا سيد تافرنيك. لا يمكنك أن تُدرك ما يَعنيه كلُّ هذا القلق بالنسبة إليَّ. أنا لستُ على ما يُرام على الإطلاق وأنا قلقةٌ للغاية بشأن … بشأن هذه الشابة. أقول لك إنني يجب أن أُجريَ مقابلةً معها. ليس هذا من أجلي بقدر ما هو من أجلها هي. لا بد من تحذيرها.» كرَّر تافرنيك قولها: «تحذيرها؟ أنا حقًّا لا أفهم.» صاحت بنفاد صبر: «بالطبع لا تفهم! لماذا عليك أن تفهم؟» وتابعت على عجل: «أنا لا أريد أن أسيء إليك، يا سيد تافرنيك. أود أن أعاملك بصراحة تامة. أنت حقًّا لستَ في موضع يجعلك تضع مثل هذه العراقيل. ما الصلة التي تربطك بهذه الشابة لكي تعتبر نفسك وليَّها؟» اعترفَ تافرنيك قائلًا: «إنها ليست سوى أحد المعارف من النُّزُل.» سألت السيدة جاردنر: «إذن لماذا أخبرتَني، منذ لحظةٍ فقط، أنها أختك؟» فتحَ تافرنيك الباب الذي كانا يقفان أمامه. قال: «هذه قاعة الرقص الشهيرة. اللورد كلمبر على استعداد تام لأن تظلَّ الصور هنا، ويمكنني أن أخبركِ أنها مؤمَّنٌ عليها بما يَزيد عن ستين ألف جنيه. لا توجد قاعة رقص أفضل من هذه في لندن بأسرها.» جالت عيناها في المكان بلا مبالاة. واعترفت ببرود: «ليس لديَّ شكٌّ في أنها جميلة جدًّا. أنا أفضِّل مواصلة مناقشتنا.» تابعَ حديثه: «غرفة الطعام كبيرة بالقدرِ نفسِه تقريبًا. أخبَرنا اللورد كلمبر بأنه كثيرًا ما كان يستقبل ثمانين ضيفًا على العشاء. ونظام التهوية في هذه الغرفة، كما ترين، حديث تمامًا.» أخذَته من ذراعه وقادته إلى مقعد في الطرف الأبعد من الغرفة. قالت، وهي تحاول بوضوح السيطرة على مِزاجها: «سيد تافرنيك، أنت تبدو شابًّا عاقلًا جدًّا، إذا سمحتَ لي أن أقول ذلك، وأنا أريد إقناعك بأن من واجبك الردَّ على أسئلتي. في المقام الأول … لا تستَأْ مما سأقوله … ولكني لا أستطيع أن أرى ما يمكن أن يثير اهتمامَ أحدِكما أنت وهذه الشابة في الآخَر. أنت تنتمي، بصراحةٍ، إلى طبقة اجتماعية مختلفة تمامًا، وليس من السهل تخيلُ ما يمكن أن يكون مشتركًا بينكما.» توقفَت برهةً، لكن لم يكن لدى تافرنيك ما يقوله. كانت موهبة الصمت لديه تصلُ في بعض الأحيان إلى حد العبقرية. كانت تميل مقتربةً منه للغاية بينما تنتظر رده عبثًا، لدرجةِ أن الفِراء حول عنقها لمس وجنته. ساعدَ عطرُ ثيابها وشعرها، والرجاءُ الذي يُطلُّ من عينيها الزرقاوين البنفسجيتَين، في إبقائه صامتًا تمامًا. لم يسبق أنْ حدث له مثلُ هذا الشيء من قبل. لم يفهم على الإطلاق ماذا يمكن أن يعنيَ ذلك. واصلَت بجِدية: «أنا أتحدَّث إليك الآن، يا سيد تافرنيك، لمصلحتك. عندما تُخبر هذه الشابة، كما وعدتَ هذا المساء، بأنك قد رأيتَني، وأنني حريصةٌ جدًّا على أن أكتشف مكانها، فمن المحتمل جدًّا أن تنزل على ركبتَيها وتتوسَّل إليك ألا تعطيني أيَّ معلومات مهما كانت عنها. ستبذل قصارى جهدها لتجعلك تَعِدُها بألا تسمح بلقائنا. ومع ذلك كل هذا لأنها لا تفهم. صدِّقْني من الأفضل أن تخبرني الحقيقة. لا يمكنك أن تعرفَها جيدًا يا سيد تافرنيك، لكنها ليست حكيمةً جدًّا، تلك الشابة. إنها عنيدة جدًّا ولديها بعضُ الأفكار الغريبة. وليس من مصلحتها أن تُترَك في هذا العالَم وحدها. يجب أن ترى ذلك بنفسك، يا سيد تافرنيك.» قال بهدوء: «إنها تبدو شابةً عاقلة للغاية. أعتقدُ أنها كبيرة بما يكفي لأن تعرف بنفسها ما تُريده وما هو الأفضل لها.» أشاحت المرأة التي كانت بجانبه بيديها تعبيرًا عن اليأس. وصاحت بصوت متهدج بالعواطف مرةً أخرى: «أوه، لماذا لا أستطيع أن أُفهِمَك! كيف يمكنني … كيف يمكنني أن أجعلك تُصدقني؟ اسمع. حدث شيء لم تعرفه هي … شيء فظيع. من الضروري للغاية، لصالحها ولصالحي، أن أراها، وهذا هو الموضوع باختصارٍ شديد.» أجابَ تافرنيك دون أن يبدوَ عليه أيُّ تأثر: «سأخبرها بما تقولينه بالضبط. ربما يكون من الأفضل الآن أن نواصل مشاهدةَ غرف النوم.» صاحت بسرعةٍ: «لا تهتمَّ بشأن غرف النوم! عليك أن تفعل ما هو أكثر من إخبارها. لا يمكنك تصديقُ أنني أريد إلحاقَ الضرر بأي شخص. هل أبدو هكذا؟ هل أبدو بمظهرِ شخص شرير؟ يمكنك أن تكون أفضل صديق لتلك السيدة الشابة، يا سيد تافرنيك، إذا فعلتَ ما أطلبه منك. خذني إليها الآن، هذه اللحظة. صدِّقني، إذا فعلت ذلك، فلن تندم على ذلك طوال حياتك.» تفحَّص تافرنيك نمط أرضية الباركيه عدةَ لحظات. كانت تلك مشكلةً صعبة. عندما وضع مشاعره غيرَ العادية في الخلفية، كان في مواجهة شيء لم يفهمه، وساءه الموقفُ بشدة. ورغم كل شيء، بدا أن التأجيل هو الأحوط. احتجَّ قائلًا: «سيدتي، بضع ساعات أكثر أو أقل لن تُحدِثَ فرقًا كبيرًا.» صاحت قائلةً: «هذا يخضعُ لحُكمي! أنت تقول ذلك لأنك لا تفهم. بضع ساعات قد تُحدث فرقًا هائلًا.» هزَّ رأسه. وقال برَوية: «سأخبركِ بالضبط ما يدور في ذهني. لقد كانت الشابة مرعوبة عندما رأتكِ في تلك الليلة مصادفةً في الصيدلية. وكادت أن تجرَّني بعيدًا، وعلى الرغم من أنها كادت أن يُغمى عليها عندما وصلنا إلى السيارة الأجرة، كان قلقها الأكبر والأهمُّ هو أننا يجب أن نبتعد قبل أن تتمكَّني من تتبعنا. لا أستطيع أن أنسى هذا. وحتى أحصل على إذنها، للكشف عن مكان وجودها، سوف نتحدَّث، إذا سمحتِ، عن شيء آخر.» نهضَ واقفًا على قدمَيه وعندما ألقى نظرة خاطفة تمكَّن في الوقت المناسب من أن يرى التغيُّر الذي حدث في وجهِ رفيقته. تلاشت تلك الابتسامةُ المتوسلة اللبقة من شفتَيها، وصرَّت على أسنانها. بدَت كأنها امرأةٌ تُكافح بشدة للسيطرة على عاطفة ساحقة. بدون الابتسامة بدَت شفتاها صارمتَين، بل ربما قاسيتَين. وكان بريق الشرِّ يلمع من عينيها. وشعر تافرنيك برجفة، بل إنه كاد يشعر بالخوف. صرَّحَت ببرود: «سنرى باقيَ المنزل.» انتقلا من غرفة إلى أخرى. واستعاد تافرنيك نفسه بسرعة، وأبدى لباقة وعمَليَّةً أثناء قيامه بمهمته التي يبرع فيها. واستمعت المرأة، مبديةً ملاحظةً مقتضبة من حينٍ لآخر. ووقفا مرةً أخرى في الصالة. سألَ: «هل هناك أيُّ شيء آخر تودين رؤيته؟» فأجابت: «لا شيء، لكنَّ هناك شيئًا آخر أود أن أقوله.» انتظر في صمت بارد. وواصلَت حديثها وهي تتفرَّس في وجهه: «منذ أسبوع فقط، قلتُ لرجل ممَّنْ يُطلق عليهم، على ما أعتقد، المحقِّقين، إنني سأمنحه مائة جنيه إذا استطاع أن يعثر لي على تلك الشابة في غضون أربع وعشرين ساعة.» جفلَ تافرنيك، وعادت الابتسامةُ إلى شِفاه السيدة وينهام جاردنر. فرغم كل شيء، ربما تكون قد وجدت الطريقة! قال بتمعُّن: «مائةُ جنيه مبلغٌ كبير.» هزَّت كتفَيها. أجابت: «ليس كبيرًا للغاية. إنه إيجار أسبوعَين تقريبًا لهذا المنزل يا سيد تافرنيك.» سأل: «هل ما زال العرض قائمًا؟» نظرَت في عينيه، وحملَ وجهُها مرة أخرى البراءةَ الجميلة لطفلة. قالت: «يا سيد تافرنيك، العرض لا يزال قائمًا. اركب السيارة معي ولْنعُد إلى مسكني في ميلان كورت، وسوف أعطيك شيكًا بمائة جنيه في الحال. سيكون من السهل جدًّا حصولُك عليه، ويمكنك ببساطةٍ أن تأخذه، لأنني أعرف الآن مكان عملك، وبإمكاني أن أؤجِّر مَنْ يُراقبك يومًا بعد يوم حتى أكتشف بنفسي ما تخفيه بحماقة. كن عاقلًا يا سيد تافرنيك.» وقفَ تافرنيك ثابتًا تمامًا. وكانت ذراعاه مطويتَين، وكان ينظر للخارج عبر نافذة الصالة على منظر الأسطح والمداخن الذي يُغطيه الدخان. من قمةِ شعره غير المصفَّف جيدًا إلى قعر حذائه الجاهز، كان شابًّا عاديًّا تمامًا. كانت مائة الجنيه بالنسبة إليه مبلغًا ضخمًا. كانت تمثل مدَّخرات عامٍ من العمل المضني، وربما أكثر. تخيَّلت المرأةُ التي وقفَت تُراقبه أنه كان مترددًا. ومع ذلك، لم يكن لدى تافرنيك مثلُ هذه الفكرة في عقله. وقف هناك بدلًا من ذلك متسائلًا ما الشيء الغريب الذي أصابه لدرجة أنَّ ذِكْرَ مائة جنيه، رغم عِظَمِ المبلغ، لم يُغْرِه ولو لثانية واحدة. ما قالته هذه المرأة قد يكون صحيحًا. ربما يمكنها اكتشاف العنوان بسهولة كافية دون مساعدته. ومع ذلك، لا يبدو أن مثل هذه الفكرة أحدثَت أقلَّ فرق. من أيام طفولته الأولى، من الوقت الذي دفع فيه نفسه إلى الكفاح، كان المال دائمًا يعني الكثيرَ بالنسبة إليه، المال ليس من أجل المال في حدِّ ذاته وإنما كمفتاح لكل تلك الأشياء التي يشتهيها في الحياة. لكن في تلك اللحظة بدا أن شيئًا أقوى قد كشف النقاب عن نفسه. همسَت وهي تتأبَّط ذراعه: «أستأتي؟ سنصل إلى هناك في أقلَّ من خمس دقائق، وسأكتب لك الشيك قبل أن تخبرني بأي شيء.» تحرَّكَ نحو الباب بالفعل، لكنه ابتعدَ عنها قليلًا. وقال: «سيدتي، أنا آسفٌ لأنني أبدو عنيدًا للغاية، لكنني ظننتُ أنني شرحتُ لكِ الأمر منذ قليل. لا أشعرُ بأن لي حريةَ إخباركِ بأي شيءٍ دون إذن تلك الشابة.» صاحت غيرَ مصدِّقة: «هل ترفض؟ هل ترفض مائة جنيه؟» فتحَ باب السيارة. وبدا أنه لا يكاد يسمعُها. قال: «في نحو الساعة الحاديةَ عشرة صباحَ الغد، سيكون من دواعي سروري أن أزورَكِ. أنا على ثقةٍ من أنكِ ستكونين قد قرَّرتِ أخذ المنزل.» إغواء تافرنيك
الفصل السادس أسئلة وأجوبة جلسَ تافرنيك بعد ساعاتٍ قليلة يتناول وجبتَه المسائية في غرفة الجلوس الصغيرة في منزل سَكَني في تشيلسي. كان يرتدي ربطة عنق سوداء، وعلى الرغم من أنه لم يتطلع بعدُ إلى معطف عشاء، فإن تفاصيل هيئته وشكله أظهرَت أماراتِ اهتمام جديد. كانت بياتريس تجلس في مواجهته. سألت بمجرد أن اختفت الخادمة الصغيرة التي أحضرت طبقهما الأول: «قل لي، ماذا كنت تفعل طوالَ اليوم؟ هل كنتَ تؤجِّر منازل أم تقوم بعمليات مسحٍ لأراضٍ أم تُسجِّل الحسابات، أم هل ذهبتَ إلى مارستون رايز؟» كان هذا سؤالَها المعتاد. لقد كانت تهتمُّ حقًّا بعمله. قال: «كنتُ أرافق زبونة أمريكية ثرية، مواطنةً من بلدك. ذهبتُ معها إلى جرانثام هاوس في سيارتها. أعتقدُ أنها تفكِّر في استئجاره.» قالت بياتريس: «أمريكية! ما اسمها؟» رفعَ تافرنيك نظره من طبقه إلى وجهِ الفتاة عبر المنضدة الصغيرة، والمزهرية ذات الزهور البسيطة التي كانت الشيءَ الوحيد الذي يُزيِّن المنضدة. «قالت إن اسمها السيدة وينهام جاردنر!» تلاشى السلامُ الذي غمر وجهَ الفتاة مؤخرًا في لمح البصر. وأمسكت أنفاسها، وقبضت على المنضدة أمامها بأصابعها. ومرة أخرى كانت — كما عرَفها في البداية — شاحبة ذات عينَين واسعتَين مرتعبتَين تلمعان وسط وجه هزيل. قالت بياتريس لاهثة: «لقد ذهبَت إليك لاستئجار منزل؟ هل أنت متأكِّد؟» وصرَّح تافرنيك بهدوء: «متأكِّدٌ تمامًا.» «هل تعرَّفتَ عليها؟» أقرَّ بجدية. قال: «كانت المرأة التي وقفَت في الصيدلية في تلك الليلة لتُوقِّع اسمها في الدفتر.» لم يعتذر بأيِّ شكل من الأشكال عن الصدمة التي سبَّبها لها. لقد تعمَّد أن يفعل ذلك. منذ ذلك الصباح الأول، عندما تناولا الإفطار معًا في محطة لندن بريدج، شعر أنه يستحق ثقتها، وإلى حَدٍّ ما كان يشكو من حجبها عنه. «هل تعرَّفَت عليك؟» اعترفَ قائلًا: «نعم. أُرسِلَ في طلبي ووجَدتُها في المكتب مع رئيسي في العمل. كنت متأكِّدًا من أنها تعرفَت عليَّ منذ البداية، وعندما وافقت على إلقاء نظرة على جرانثام هاوس، أصرَّت على أن أرافقها. وبينما كنا في السيارة، سألتني عنكِ. كانت تريد عنوانكِ.» صاحت الفتاة مبهورة الأنفاس: «هل أعطيتها إياه؟» «لا؛ قلت إنه يجب أن أستشيركِ أولًا.» تنفَّسَت الصُّعَداء في ارتياح. ومع ذلك، كانت تبدو شاحبة ومرتعدة. «هل قالت ما أرادتني من أجله؟» أجابَ تافرنيك: «كانت غامضةً للغاية. تحدثَت عن خطرٍ لم تكوني تعرفين شيئًا عنه. وقبل أن أرحل، عرَضَت عليَّ مائة جنيه لأخبرها عن مكانكِ.» ضحكت بياتريس بهدوء. وصرَّحَت: «هذا شأنُ إليزابيث دائمًا. لا بد أنك أثَرتَ غضبها بشدة. عندما تريد أيَّ شيء، فإنها تريده بشدةٍ بالفعل، ولن تُصدق أبدًا أنَّ هناك مَنْ ليس له ثمن. فالمال يعني كلَّ شيء بالنسبة إليها. إذا كانت تملكه، فهي تشتري، وتشتري، تشتري طوال الوقت.» علَّق تافرنيك بجدية: «في ظاهر الأمر، بدا عرضُها سخيفًا للغاية. إذا كانت جادة، إذا كانت حقًّا ترغب بشدةٍ في أن تكتشف مكان وجودكِ، فستتمكَّن من ذلك بالتأكيد دون مساعدتي.» ردت بياتريس: «لست متأكدةً من ذلك. لندن مكانٌ رائع للاختباء.» بدأ قائلًا: «محقق خاص …» هزَّت بياتريس رأسها. وقالت: «لا أعتقد أن إليزابيث ستهتمُّ بتوظيف محقق خاص. قل لي، هل عليك أن تراها بخصوص هذا العمل مرة أخرى؟» «أنا ذاهبٌ إلى شقتها في ميلان كورت صباحَ الغد في تمام الحادية عشرة.» اتَّكأتْ بياتريس على كرسيِّها. واستأنفَت عشاءها على الفور. كانت تبدو كشخص مُنح هدنة. بدأ تافرنيك بطريقةٍ ما يستاء من صمتها المستمر. لقد كان يأمُل بالتأكيد أن تذهب على الأقل إلى حدِّ شرح سبب حرصها الشديد على إبقاء عنوانها سريًّا. تابعَ بعد بُرهة من الصمت: «يجب أن تتذكري أنني في موقف حرج نوعًا ما فيما يتعلق بكِ يا بياتريس. أعرفُ القليل جدًّا لدرجة أني لا أعرفُ حتى كيف أجيب عن أسئلة كالتي طرحَتها عليَّ السيدة وينهام جاردنر بما فيه مصلحتك. أنا لا أشكو، لكن هل حالة التجاهل المطلق هذه ضرورية؟» بدا أن فكرةً جديدة طرأت على بياتريس. نظرت إلى رفيقها بفضول. وسألت: «قل لي، ما رأيك في السيدة وينهام جاردنر؟» أجابَ تافرنيك برَوية، وبعد أن فكَّر لحظة. قال: «اعتقدتُ أنها واحدة من أجمل النساء التي رأيتُها في حياتي. هذا لا يعني الكثير، ربما، لكنه يعني لي الكثير. كانت رقيقةً للغاية واهتمامها بكِ بدا حقيقيًّا جدًّا وحتى عاطفيًّا. أنا لا أفهم لماذا ترغبين في الاختباء من مثلِ هذه المرأة.» أصرَّت بياتريس: «هل وجدتَها جذَّابة؟» اعترفَ تافرنيك دون تردد: «لقد وجدتُها جذَّابةً للغاية بالفعل. كانت تتمتع بفتنة طاغية. كانت مختلفةً تمامًا عن جميع النساء اللواتي قابلتُهن في الفندق أو في أي مكانٍ آخر. لديها وجهٌ ذكَّرَني بطريقةٍ ما بلوحات السيدة العذراء التي أخذتِني لرؤيتها في المعرض الوطني ذلك اليوم.» ارتجفَت بياتريس قليلًا. لسبب ما، بدا أن ملاحظته ضايقتها. قالت: «أنا آسفةٌ للغاية، لأن إليزابيث أتت إلى مكتبك. أريدك أن تعدَني يا ليونارد بأنك ستكون حذرًا متى كنت معها.» ضحكَ تافرنيك. وكرَّر قولها: «حذر! ليس من المُحتمل أن تكون مهذبةً معي غدًا عندما أُخبرها أنني رأيتُكِ وأرفض أن أعطيَها عُنوانكِ. حذرٌ حقًّا! ماذا لدى موظفٍ فقير في مكتب توكيل عقاري ليخشاه من شخصيةٍ كهذه؟» عادت الخادمة إلى الظهور بثاني وآخِر طبق. تحدَّثا بضع لحظاتٍ عن مواضيع عادية. ومع ذلك، فقد طرحَ تافرنيك بعد ذلك سؤالًا. قال: «بالمناسبة، نأمُل أن نؤجِّر جرانثام هاوس للسيدة وينهام جاردنر. أفترضُ أنها لا بد أن تكون ثرية جدًّا؟» نظرَت إليه بياتريس بفضول. وسألت: «لماذا تأتيني للحصول على معلومات؟ أفترضُ أنها أحضرَت لكم مستندات؟» أجابَ: «لم نصل إلى تلك المرحلة بعد. بطريقةٍ أو بأخرى، من طريقة حديثها ومظهرها العام، لا أعتقدُ أن السيد داولينج أو أنا قد شكَكْنا في وضعها المالي.» علَّقت بياتريس مبتسمة: «لم أكن لأظنَّ أنك بهذه السذاجة قطُّ.» انزعجَ تافرنيك حقًّا. وأثارت فضولَه التِّجاري. استفسرَ: «هل تقصدين حقًّا أن السيدة وينهام جاردنر هذه ليست امرأةً ثرية.» هزَّت بياتريس كتفَيها. وردَّت: «إنها زوجةُ رجلٍ اشتهر بأنه ثريٌّ جدًّا. أما هي، فأنا متأكدةٌ من أنها لا تملك مالًا خاصًّا بها.» سألَ تافرنيك: «أما زالت تعيش مع زوجها؟» أغمضت بياتريس عينَيها. وصرَّحت قائلة: «أنا أعرفُ القليل جدًّا عنها. آخِر مرة سمعتُ أنه اختفى، رحلَ، أو شيء من هذا القبيل.» أصرَّ تافرنيك: «وليس لديها مال، باستثناءِ ما تحصل عليه منه؟ لا عقارات حتى، أو أي شيءٍ من هذا القبيل؟» أجابت بياتريس: «لا شيءَ على الإطلاق.» علَّقَ تافرنيك، وهو يفكِّر متجهِّمًا في اليوم الذي أضاعه: «هذه أخبارٌ سيئة للغاية. ستكون خيبةَ أمل كبيرة للسيد داولينج. عجبًا، سيارتها كانت رائعة، وتحدَّثَت كما لو كان المال ليس ذا أهميةٍ على الإطلاق. هل أفترضُ أنكِ متأكدة تمامًا مما تقولينه؟» هزَّت بياتريس كتفَيها. وأجابت بتجهُّم: «يجب أن أعرف؛ لأنها أختي.» بقي تافرنيك بلا حراك على الإطلاق مدةَ دقيقة، دون أن ينبس ببنت شفة؛ كانت هذه طريقته في إظهار المفاجأة. وعندما تيقَّن من أنه قد فهمَ فحوى كلامها، تحدَّث مرةً أخرى. كرَّر كلامها: «أختُكِ! هناك شبَهٌ بالطبع. أنتِ سمراءُ وهي شقراء ولكن هناك شبه.» ثم استأنفَ قائلًا: «هذا من شأنه أن يفسِّر قلقها للعثور عليكِ.» ردَّت بياتريس: «هذا من شأنه أن يفسِّر أيضًا حرصي على ألَّا تجدَني.» وأضافت وهي تلمس يده بيدها لحظةً: «أتمنَّى لو كان بإمكاني أن أخبرك بكل شيء، ولكن هناك أشياء في الخلفية، أشياء مروِّعة، لدرجة أنني لا أستطيع التحدُّث عنها حتى معك، يا أخي العزيز.» نهضَ تافرنيك على قدمَيه وأشعلَ سيجارة — وهي عادةٌ جديدة اعتادها — بينما شغلت بياتريس نفسَها بآلةٍ صغيرة لصُنع القهوة. جلسَ في مقعد وثير وراحَ يُدخن ببطء. كان لا يزال يرتدي ملابسه الجاهزة، لكن ياقته كانت ذاتَ شكل عصري، وربطة عنقه اختِيرَت بعنايةٍ وضُبِطَت بدقة. بدا أنه تطوَّر بطريقة ما. سألَ: «بياتريس، ماذا أقول لأختكِ غدًا؟» ارتجفت وهي تضع فنجانَ قهوته بجانبه. أجابت: «قل لها، إن شئت، إنني بخيرٍ ولستُ مُعوِزة. وقل لها أيضًا إنني أرفض إرسالَ عنواني. قل لها إن هدفي الوحيد في الحياة هو الحفاظ على سرية مكاني بالنسبة إليها.» عادَ تافرنيك إلى الصمت. كان يُفكِّر. كانت الألغاز شيئًا مرفوضًا بالنسبة إليه … كان يُبغضها. وقد شعرَ بضَغينةٍ شديدة ضد هذا السر تحديدًا. ومع ذلك، فقد نهاه حَدْسُه وفطرته عن استجواب الفتاة. سألَ بعد وهلة: «بعيدًا عن الأمور الشخصية، إذن هل تنصحينني بالدخول في أي مفاوضاتٍ تجارية مع هذه السيدة؟» ردَّت بياتريس بحزم: «يجب ألَّا تفكِّر في ذلك. عندما يتعلق الأمر بالمال، فإن إليزابيث تفتقرُ تمامًا إلى الضمير. الأشياء التي تريدها في الحياة ستحصل عليها بطريقة ما، ولكن دائمًا ما يكون ذلك على حساب الآخرين. في يوم من الأيام سوف تُضطرُّ إلى دفع ثمن ذلك.» تنهَّد تافرنيك. وقال: «إنه أمرٌ مؤسف للغاية. العمولة على تأجير جرانثام هاوس كانت ستكون كبيرة.» ذكَّرَته قائلة: «على أي حال، هذه الخسارة تقع على شركتك فحسب.» واصلَ حديثه قائلًا: «أنا لا أنظر إلى الأمور بهذه الطريقة. ما دُمت مديرًا لشركة داولينج آند سبينس، فإنني آخذُ هذه الأمور على محملٍ شخصي. ومع ذلك، هذا لا يهم. أخشى أنه موضوعٌ بغيض بالنسبة إليكِ، ولن نتحدَّث عنه أكثر من ذلك.» أشعلَت سيجارةً وقد بدا الارتياحُ عليها قليلًا. ثم جاءت مرة أخرى إلى جانبه. قالت: «ليونارد، أعلم أنني أسيء معاملتَك في عدم إخبارك بشيء، ولكن هذا ببساطة لأنني لا أريد أن أنزل إلى أنصافِ الحقائق. أودُّ أن أقول لك كلَّ شيءٍ أو لا شيء. في الوقت الحاضر لا أستطيع أن أخبرك بكل شيء.» أجابَ: «حسنًا، أنا راضٍ تمامًا عن ترك الأمر لكِ لتفعلي ما تعتقدين أنه الأفضل.» واصلَت: «ليونارد، بطبيعة الحال أنت تعتقد أني غيرُ منطقية. ليس بيدي شيء. ثمة أشياءُ بيني وبين أختي معرفتها كابوسٌ دائم بالنسبة إليَّ. خلال الأشهر القليلة الماضية من حياتي أصبح الأمرُ بمثابة رعب تام. هذا ما دفعني إلى الاختباء في بلينهايم هاوس، وأوصلَني حتى إلى القرار الذي اتخذتُه في تلك الليلة عند شارع إمبانكمنت. كنتُ قد قررتُ أنني قبل أن أعود مرةً أخرى، وقبل أن أطلب العون منها أو من أي شخص متصلٍ بها، فسوف أفعل ما حاولتُ فعله في الوقت الذي أنقذتَ فيه حياتي.» نظرَ إليها تافرنيك بدهشة. كانت بالفعل تحت تأثير عاطفة جياشة. يبدو أن ذاكرتها قد أعادتها إلى عالم آخر، إلى مكان بعيد عن تلك الغرفة الصغيرة القذرة التي يتشاركانها معًا، عادت إلى عالم كانت فيه الحياةُ والموت أمورًا تافهة، حيث كانت العواطفُ الجامحة غيرَ مقيَّدة، وكان الرجال والنساء يتنقَّلون بين أمور الحياة العارية. كاد يشعر بالإثارة من ذلك. كان شيئًا جديدًا بالنسبة إليه، لمسة من إصبَع سحريةٍ على جَفنَيه. ثم مرَّت اللحظة واستعاد نفسه مرة أخرى، شخص واقعي، عادي. قال: «دعينا نغضَّ الطرف عن هذا الموضوع أخيرًا. عليَّ أن أرى أختك بخصوص العمل غدًا، ولكنها ستكون المرة الأخيرة.» تمتمت: «أعتقدُ أنك ستكون حكيمًا.» ذهبَ إلى الجانب الآخر من الغرفة وعادَ بصحيفة. وقال: «رأيتُ موسيقاكِ في القاعة عندما دخلت. هل ستغنين الليلة؟» كان السؤالُ بلهجته العادية تمامًا. أعادها السؤال إلى عالم الأمور اليومية كما لم يستطع أي شيء آخر أن يفعل. قالت: «نعم، أليس هذا حظًّا سعيدًا؟ ثلاث مرات في أسبوع واحد. لم أعلم بالأمر إلا منذ ساعة واحدة.» استفسرَ: «أهو عشاءٌ بالمدينة؟» أجابت: «شيءٌ من هذا القبيل. سأكون في وايتهول رومز في تمام العاشرة. إذا كنتَ متعبًا يا ليونارد، من فضلك دعني أذهب وحدي. أنا حقًّا لا أمانع. يمكنني ركوب حافلة إلى الباب، والعودة بالطريقة نفسها.» قال: «أنا لستُ متعبًا. لأصدُقَكِ القول، نادرًا ما أعرفُ ماذا يعني الشعور بالتعب. سأذهبُ معكِ بالطبع.» نظرَت إليه بإعجابٍ لحظي ببِنْيته القوية، ووجهه القوي المفعم بالحياة. ثم قالت: «يبدو الأمر مزعجًا للغاية، بعد يوم طويل من العمل أجرُّك معي إلى الخارج مرةً أخرى.» ابتسمَ. وأكَّد لها: «أحبُّ أن آتيَ حقًّا.» ثم أضافَ بعد توقف لحظة: «إلى جانب أني أحبُّ أن أسمعكِ تُغنين.» سألت وهي تنظر إليه بفضول: «أحقًّا تقصد ذلك؟ لقد شاهدتُك مرة أو مرتَين عندما كنتُ أغني لك. هل تهتم حقًّا بغنائي؟» «بالتأكيد أهتم. كيف يمكنكِ الشكُّ في ذلك؟» ثم استدركَ ببطءٍ: «بالطبع أنا لا أفهم الموسيقى، أو أي شيء من هذا القبيل، أكثر مما أفهم الصور التي تأخذينني لرؤيتها، وبعض الكتب التي تتحدثين عنها. هناك الكثير من الأشياء التي لا يمكنني استيعابها بالكامل، ولكنها كلها تُخلِّف في نفسي شعورًا بالسعادة والمتعة. إن المرء لَيشعر بها، حتى إذا كان لا يقدرُها حقَّ قدْرِها.» ذهبت إلى مقعده. قالت بحزن: «أنا سعيدة؛ لأن هناك شيئًا أفعله ويعجبك.» نظر إليها بلوم. وقال: «عزيزتي بياتريس، كثيرًا ما أتمنى أن أجعلكِ تفهمين كم كنتِ مفيدةً ومهمة بالنسبة إليَّ.» قالت برجاء: «قل لي من أي ناحية؟» أكَّدَ لها: «لقد أعطيتِني فكرةً عن أشياءَ كثيرة في الحياة كنت أجدها محيِّرة للغاية. افهَميني، أنتِ سافرتِ، أما أنا فلم أفعل. أنتِ اختلطتِ مع جميع فئات الناس، أما أنا فالتزمتُ بيئةً واحدة طوال حياتي. لقد أخبرتِني بأشياء كثيرة سأجدها مفيدةً جدًّا فيما بعد.» ضحكَت قائلة: «يا إلهي، أنت تُكسِبني غرورًا شديدًا!» أجابَ: «على أي حال، لا أريدكِ أن تنظري إليَّ يا بياتريس بأي شكل من الأشكال كشخصٍ مُحسِن. أنا مرتاحٌ هنا أكثرَ بكثير من الفندق وهذا لا يكلِّفني المزيد من المال، خاصة منذ أن بدأتِ في ممارسة هذا العمل الغنائي. بالمناسبة، أليس من الأفضل أن تذهبي للاستعداد؟» كتمَت تنهيدةً وهي تبتعد وتصعد ببطءٍ إلى الطابق العلوي. يبدو أنه ما من أحد على وجه الأرض أكثر نمطية من هذا الشابِّ ذي الملامح الصارمة المتمحور حول ذاته، الذي مدَّ ذراعه وانتشلها من هذه الدوامة. ومع ذلك بدا لها أن هناك شيئًا غيرَ عادي في عدم قدرتها على الاقتراب منه. كانت مقتنعة بأنه كان صادقًا تمامًا، وليس فقط فيما يتعلق بمشاعره الفعلية تجاهها، ولكن فيما يتعلق بجميع أهدافه. بدا أن جنسها لم يكن موجودًا بالنسبة إليه. وبدا أن حقيقة كونها جميلة، وتزداد جمالًا مع تحسُّن صحتها بشكل يومي، ليس لها أيُّ اعتبار بالنسبة إليه على الإطلاق. كان يُظهِر اهتمامًا بمظهرها أحيانًا، لكنه كان اهتمامًا من نوع غير شخصي تمامًا. كان يُعرب ببساطةٍ عن رأيه بقوله إنه راضٍ أو غير راضٍ، كمسألة ذوق لا أكثر ولا أقَل. خطر لها في تلك اللحظة أنها لم ترَه قطُّ مسترخيًا حقًّا. ولم تظهر عليه أيُّ مشاعر تقترب من الحماس بأي حال من الأحوال، إلا عندما كان يجلس أمام تلك الخريطة الضخمة المعلَّقة الآن في الغرفة الأخرى، ويَجول فيها مِن قسم إلى آخَر، مُمسِكًا بقلم رصاص في يدٍ وبممحاة في اليَد الأخرى، وحتى في ذلك الحين كان الحماس الذي يُبديه مستقًى دائمًا من الجمادات. فجأةً ضحكت مِن نفسها في المرآة الصغيرة، كانت ضحكةً هادئة ولكنها نابعة من القلب. كان هذا هو المَلاكَ الحارس الذي أرسله لها القدَر! ليت إليزابيث تستطيع فقط أن تفهم! إغواء تافرنيك
الفصل السابع السيد بريتشارد من نيويورك في وقتٍ لاحق مساءً، ذهبت بياتريس وتافرنيك معًا في حافلةٍ من مسكنِهما في تشيلسي إلى شارع نورثمبرلاند. كان تافرنيك قد اعتاد تمامًا على البرنامج الآن. جلسا في غرفة انتظار ذاتِ إضاءة خافتةٍ حتى تحين فِقرة غناءِ بياتريس. بين الحين والآخر يدخل شخصٌ ضئيل متحمس هو سكرتيرٌ لمؤسسةٍ ما أو أخرى ليُقدم لهما المرطبات، ويخبرهما بالترتيب الذي سيظهران فيه. واليوم، لم يكن ثمة تغييرٌ للسير الروتيني للأحداث، باستثناء أنه كان هناك المزيدُ من الجلبة إلى حدٍّ ما. كان العشاء أكبرَ من المعتاد. جاء دور بياتريس بعد وقت قصير جدًّا من وصولهما، وخطا تافرنيك بصعوبةٍ خطواتٍ قليلةً في غرفة الطعام، ووقف مع النُّدُل بجوار الحائط. ونظر بعينَين فضوليتَين إلى مشهد لم يكن لديه أي تعاطف معه. مائة رجل أو نحو ذلك تناولوا العشاء معًا في سبيل عمل خيري ما. كانت رائحةُ العشاء مختلطةً مع رائحة دخان التبغ النفَّاذة التي كانت تتصاعد بالفعل في سُحب زرقاء صغيرة من الطاولات المختلفة، تعلق فوق الغرفة الشديدة الحرارة، مما يبدو حقًّا، أجواءً مناسبةً لصفوف طويلة من الضيوف. كان أغلبيتهم في حالةٍ من ارتفاع المعنويات وأريحية الحديث. كانت وجوههم أكثرَ احمرارًا مما كانت عليه عندما جلَسوا؛ وقد زالت أماراتُ الصرامة والجمود عن مقدمات قمصانهم وعن تصرفاتهم، كانت وجوههم متوهجةً وعيونهم لامعة. كانت هناك استثناءات قليلة … رجال أكثرُ شحوبًا يجلسون هناك ويبدو أنهم يحاولون الانسجام مع تلك البيئة التي لم يكن لديهم أيُّ اهتمام حقيقي بها. استمعَ اثنان من هؤلاء باهتمام إلى أول مقطع في أغنية بياتريس. كان أحدُهما جالسًا على بُعد مقاعدَ قليلة من الرئيس، وكان بعيدًا لدرجة تجعل من الصعب أن يُلاحظ تافرنيك أو بياتريس جفولَه البسيط. أما الشخص الأقرب، فقد تصادفَ أن تافرنيك كان يراقبه، ورأى التغيير الباديَ في تعبيراته. كان الرجل، بشكلٍ ما، قبيحًا. لم يكن وجهه بالتأكيد مُحبَّبًا، على الرغم من أنه لم يُشارك الجالسين إلى جواره عيوبهم الظاهرة. كان يُنصت باهتمام إلى كلِّ نغمةٍ من نغمات الأغنية. وعندما انتهت، نهض وتقدَّم نحو تافرنيك. قال: «أستميحك عذرًا، لكن ألم أرَك تأتي بصحبة السيدة الشابة التي كانت تغني للتو؟» أجابَ تافرنيك: «ربما تكون قد فعلت. فقد أتيتُ بصحبتها بالتأكيد.» «هل لي أن أسأل إذا كنتَ من أقربائها؟» كان تافرنيك قد تغلَّبَ على تردُّده في الرد على مثل هذه الأسئلة في ذلك الحين. فأجابه على الفور. قال: «أنا أخوها.» قدَّم له الرجل بطاقة. ورجَاه بإيجاز: «أرجو أن تُقدِّمني إليها.» سألَ تافرنيك: «ولماذا أفعل ذلك؟ ليس لديَّ ما يجعلُني أفترضُ أنها ترغب في مقابلتك.» حدَّقَ فيه الرجل برهةً ثم ضحك. قال: «حسنًا، كان من الأفضل أن تُري بطاقتي لأختك. أفترض أنها محترفة، بما أنها تُغني هنا. ورغبتي في التعرف إليها لها دوافعُ تجارية بحتة.» تحرَّك تافرنيك ناحيةَ غرفة الانتظار. وكان الرجل، الذي كان يُدعَى وفقًا لبطاقته السيد سيدني جرير، سيتبعه، لولا أن تافرنيك أوقفه. وقال: «هَلا تنتظرين هنا، لأرى ما إذا كانت أختي ترغب في مقابلتك.» مرة أخرى، بدا السيد سيدني جرير مندهشًا، ولكن بعد نظرة ثانية إلى تافرنيك وافق على اقتراحه وظلَّ بالخارج. وأخذ تافرنيك البطاقة إلى بياتريس. قال: «بياتريس، هناك رجل في الخارج سمعكِ تغنين ويريد أن يتعرف إليك.» أخذت البطاقة ومن ثم فتحَت عينَيها على اتساعهما. فسألَ تافرنيك: «هل تعرفين مَنْ يكون؟» أجابت: «بالطبع. إنه منتجٌ كبير لمسرحيات كوميدية غنائية. دعني أفكِّر.» وقفت والبطاقةُ في يدها. كان هناك امرأةٌ أخرى تُغني الآن … أغنية حديثة عادية عن الحب والورود والنشوة واليأس. وسمعوا صوتَ المرأة بين ارتفاع وانخفاض؛ كانت قعقعةُ العشاء قد توقفَت. وقفت بياتريس ساكنةً تُفكر، وأصابعها تقبض على بطاقة السيد سيدني جرير. وأخيرًا قالت لتافرنيك: «عليك إدخاله.» خرجَ تافرنيك. وقال للرجل بنبرة مَنْ أتى بأخبار جيدة: «أختي ستقابلك.» أصدر السيد سيدني جرير صوتًا من أنفه ينمُّ عن الاستياء. لم يكن معتادًا على الانتظار حتى ولو ثانية. أدخله تافرنيك إلى غرفة الانتظار، وحدَّق فيه الموسيقيَّان الآخران اللذان كانا هناك، وكأنما يحدِّقان في إله. قال تافرنيك: «هذا هو السيد الذي أحضرتُ لكِ بطاقتَه يا بياتريس. السيد سيدني جرير … الآنسة تافرنيك!» ابتسمَ الرجل. وقال: «يبدو أن أخاكِ متشكِّك فيَّ. لقد وجدتُ صعوبةً شديدة في إقناعه بأنكِ قد تجدين من المثير للاهتمام أن تتحدَّثي معي بضعَ دقائق.» أجابت بياتريس: «إنه لا يفهمُ تمامًا. ليس لديه الكثيرُ من الخبرة في الشئون الموسيقية أو المسرحية ولم يكن اسمُك ليُثير اهتمامه.» خرجَ تافرنيك واستمعَ بغير اهتمام إلى الأغنية التي كانت تُغنَّى. كانت ضربًا من الموسيقى التي فضَّلها سرًّا على النغمات الأغرب والأكثر إثارة للخوف من أغاني بياتريس. وفيما يبدو كان الجمهور متفقًا معه في الرأي، فقد تلقَّوُا الأغنية بتهليلٍ وطالبوها بالمزيد، الأمر الذي استجابت له الشابة بسخاء فغنَّت أغنيةً عن «سيدة فرنسية من الجهة الأخرى من الماء.» قرب نهاية التصفيق الذي أعلن عن ختام هذا الجهد، شعر تافرنيك بلمسة خفيفة على ذراعه. فاستدار. وكان بجانبه الضيفُ الآخر الذي أبدى بعض الاهتمام ببياتريس. كان رجلًا يبلغ من العمر نحو أربعين عامًا، طويلَ القامة عريض المنكبَين، ذا شاربٍ أسود، وعينَين سوداوين ثاقبتَين. على عكس معظم الضيوف، كان يرتدي معطف عشاء قصيرًا وربطة عنق سوداء، استنتج منهما تافرنيك ومن لكنته الخفيفة، أنه أمريكيٌّ في الغالب. قال وهو يلمس ذراع تافرنيك: «سيدي، سامحني على حديثي معك. اسمي بريتشارد. رأيتُك تأتي مع السيدة الشابة التي كانت تُغني قبل بضع دقائق، وإذا لم تعتبره تطاولًا مني، فسأكون سعيدًا جدًّا إذا أجبتني عن سؤال واحد.» تيَّبسَت أوصالُ تافرنيك حتى بدا فاقد الحِسَّ. وأجابَ بعد وهلة: «الأمر يتوقَّف على السؤال.» اعترفَ السيد بريتشارد قائلًا: «حسنًا، الأمر يتعلق بالسيدة الشابة، وهذه حقيقة. أرى أن اسمها في البَرنامج مذكورٌ على أنه الآنسة تافرنيك. كنت جالسًا في الطرف الآخر من القاعة لكنها بدَت لي شبيهةً بسيدة من الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، وهي سيدة أنا متشوقٌ جدًّا لمقابلتها.» قال تافرنيك: «ربما يمكن أن تطرح سؤالك بكلمات واضحة.» أعلن السيد بريتشارد: «حسنًا، هذا بسيط. هل الآنسة تافرنيك هو اسمها بالفعل، أم أنه اسمٌ مستعار؟» وأضاف وهو يرى تافرنيك يُقطب ما بين حاجبَيه: «أتوقع أن الوضع هنا كما في بلدي … كثيرًا ما تغني المطربة تحت اسم آخرَ غير اسمها، كما تعرف.» قال تافرنيك معلنًا: «الشابة المَعنيَّة هي أختي، وأنا لا أهتم بالحديث عنها مع الغرباء.» أومأ السيد بريتشارد بسرور. وعلَّق قائلًا: «حسنًا، بالطبع، هذا يُنهي الموضوع. آسف على إزعاجك، على أي حال.» عاد إلى مقعده وعاد تافرنيك مفكرًا إلى غرفة الملابس. فوجد بياتريس وحدها في انتظاره. استفسر: «هل تخلصتِ من هذا الشخص، إذن؟» أومأت بياتريس برأسها إيجابًا. أجابت: «نعم؛ لم يبقَ طويلًا.» سأل تافرنيك بفضول: «مَنْ كان هذا؟» قالت: «من وجهة نظر المسرح الكوميديِّ الغنائي، كان هذا هو الشخصَ الأكثر أهميةً في لندن. إنه إمبراطور المسارح. يمكنه أن يحقق الثراءَ لأي فتاة في لندن، معقولة المظهر ويمكنها الغناء والرقص قليلًا جدًّا.» سأل تافرنيك بشيء من الرِّيبة: «وماذا يريد منكِ؟» «سألني عما إذا كنت أرغب في اعتلاء خشبة المسرح. ما رأيك في هذا الموضوع يا ليونارد؟» كان تافرنيك، لسبب أو لآخر، مستاءً. سألها: «هل ستكسبين مالًا أكثر بكثير عمَّا يُحققه لكِ الغناءُ في هذه الحفلات؟» فأكَّدت له: «أكثر من ذلك بكثير.» «وستحبين تلك الحياة؟» ضحكت بنعومة. «ولِمَ لا؟ إنها ليست بهذا السوء. كنتُ على خشبة المسرح في نيويورك بعض الوقت وبشروطٍ أسوأ بكثير.» بقي صامتًا بضع دقائق. كانا قد شقَّا طريقهما إلى الشارع الآن وكانا ينتظران الحافلة. سألها فجأة: «بماذا أجبتِه؟» كانت تنظر على طول الطريق نحو شارع إمبانكمنت، وقد امتلأت عيناها مرة أخرى بالأشياء التي لا يستطيع فهمها. تمتمَت: «لم أُجبه بعد.» «هل تودِّين أن تقبلي؟» أومأت برأسها. أجابت: «لست متأكِّدة. فقط لو … لو تجرَّأت!» إغواء تافرنيك
الفصل الثامن فتنة امرأة في الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم التالي، قدم تافرنيك نفسه في ميلان كورت وسأل عن السيدة وينهام جاردنر. فأُرسِل على الفور إلى سكنها بصحبة حاجب. كانت مستلقيةً على أريكة مكدَّسة بالوسائد، ومُدثَّرة برداءٍ أزرق رائع بدا بطريقةٍ ما، يزيد لونَ عينيها عُمقًا. كانت بجانبها طاولةٌ صغيرة عليها بعض الشوكولاتة، ومزهرية، ولفافةٌ من الصحف. مدَّت يدها نحو تافرنيك لكنها لم تنهض. كان هناك شيء يكاد يكون روحيًّا حول شحوبها، والحدود الدقيقة الناعمة لجسدها، الذي كان مَخفيًّا بشكل غير كامل وراء الرداء الحريري الرقيق، والابتسامة الباهتة المتعبة التي رسمتها على وجهها وهي ترحب به. قالت راجية: «فلتسامح استقبالي لك بهذا الشكل يا سيد تافرنيك. أعاني اليوم من صداع. لقد كنتُ متلهفةً على قدومك. من فضلك اجلس بجانبي وأخبرني على الفور إن كنتَ قد رأيت بياتريس.» فعَل تافرنيك ما طُلِبَ منه بالضبط. كان المقعد الذي أشارت له قريبًا جدًّا من الأريكة، لكن لم يكن ثمة مقاعدُ أخرى غير مشغولة في الغرفة. رفعَت نفسها قليلًا على الأريكة واستدارت نحوه. كانت عيناها مثبتتَين بقلق على عينيه، وجبهتها مجعَّدة قليلًا، وصوتها يتهدج من اللهفة. «هل رأيتَها؟» اعترفَ وهو ينظر بثباتٍ إلى بطانة قبعته: «نعم.» قالت إليزابيث: «كانت قاسية. أستطيع أن أفهم ذلك من وجهك. لديك أخبار سيئة من أجلي.» أجابَ تافرنيك: «لا أعرفُ هل كانت قاسيةً أم لا. لقد رفضَت السماح لي بإخباركِ بعُنوانها. وفي الواقع، توسَّلَت إليَّ أن أبتعد عنكِ تمامًا.» «لماذا؟ هل أخبرَتك بالسبب؟» أجابَ تافرنيك بتأنٍّ: «تقول إنكِ أختها، وإنكِ ليس لديك مالٌ خاص بكِ وإن زوجكِ قد ترككِ.» «هل هذا كل شيء؟» وتابعَ: «لا، ليس كلَّ شيء. بالنسبة إلى باقي الكلام، فلم تُخبرني بشيء واضح. على أي حال، من الجليِّ أنها حريصة جدًّا على أن تظل بعيدة عنك.» أصرَّت إليزابيث: «لكن ما أسبابها؟ أأخبرتك بأي سبب؟» نظرَ تافرنيك في وجهها. وقال: «لم تُخبرني بأي سبب.» سألت إليزابيث، وهي تعبث بعصبية بقلادة معلقة في عنقها الناعم العاري: «هل تعتقد أن لديها ما يُبرر معاملتي بهذه الطريقة؟» أجابَ: «بالطبع أعتقد ذلك. أنا متأكِّد من أنها لن تشعرَ نحوكِ بما تشعر به ما لم تكوني قد ارتكبتِ شيئًا فظيعًا حقًّا.» جفلَت المرأة المستلقية على الأريكة كما لو أن أحدًا قد ضربها. ولا بد أن أي رجل أكثرَ حساسيةً من تافرنيك كان سيشعر بالندم قليلًا عندما يرى عينَيها مُغرورِقتَين بالدموع. إلا أن تافرنيك، على الرغم من شعوره بالانزعاج لحظة، وعلى الرغم من أنه كان يشعر طوالَ الوقت بأن ثمة شعورًا جديدًا وغريبًا يجتاحه، لم يستطع فهم كُنهِه، كان لا يزال محصَّنًا. لم يحِن الأوانُ بعدُ للأشياء التي كان من المقرر أن تحدث له. واصلَ حديثه قائلًا: «بالطبع، شعرت بخيبةِ أمل كبيرة لسماع هذا؛ لأنني كنتُ آمُل أن نتمكَّن من تأجير جرانثام هاوس لكِ. لا يمكننا النظرُ في الأمر على الإطلاق الآن ما لم تدفعي مقابل كل شيء مقدمًا.» مسَحَت عينيها ونظرت إليه. نادرًا ما مرَّ في حياتها أشخاصٌ بهذا القدر من الصراحة والمباشرة في الحديث. كانت تُدرك تحمُّسَها واهتمامَها. فقد كانت شَغوفةً بدراسة الرجال. وكان هذا الرجل بالفعل نوعًا جديدًا! تمتمَت: «إذن أنت تعتقد أنني امرأة مستهترة ساعية للثروة.» فكَّر لحظة. ثم اعترفَ: «أعتقد أن الأمر كذلك. لم أكن لأرجعَ مرةً أخرى، إذا لم أقطع وعدًا على نفسي. إذا كان هناك أيُّ رسالة تَودِّين إرسالها إلى أختكِ، فسآخذها، ولكني لا أستطيع إخبارَكِ بعنوانها.» وعلى حينِ غِرة، وضعَت يدها على يده، ورفعت نفسها قليلًا على الأريكة، ومالت نحوه. كانت عيناها وشفتاها تتوسلان إليه. قالت ببطء: «إن بياتريس مخلوقة عزيزة وعنيدة، ولكنها لا تُقدر موقفي تمامًا. اصنع لي معروفًا، رجاءً. إذا كنتَ قد وعدت بعدم إعطائي عنوانها، فدعني على الأقل أعرف طريقةً أو مكانًا ما يمكنني أن أقابلها فيه. أنا متأكدة من أنها ستكون سعيدةً فيما بعد، وأنا … أنا سأكون ممتنة للغاية.» شعر تافرنيك بأنه محاطٌ بشيء لم يفهم كنهه، لكن افتقاره إلى الخبرة كان كبيرًا لدرجة أنه لم يندهش من عدم حساسيته. قال: «سأفي بكلمتي لأختكِ، لفظًا ومعنًى. ولن يُفيدك إطلاقًا أن تطلبي مني القيام بخلاف ذلك.» كانت إليزابيث في البداية مندهشة، ثم غاضبة، غاضبةً لدرجةٍ نادرًا ما عرَفَتها في نفسها. كانت طفلةً مدلَّلة، وكبرت لتصبح امرأةً مدللة. كان الرجال، على الأقل، على استعدادٍ كامل لأن يكونوا رهن إشارتها طوال حياتها. فجمالها كان من نوع خاص، جمالًا يمتزجُ فيه الإغراءُ وإثارة الشفقة، لدرجةٍ جعَلتْه لا يُقاوَم على الإطلاق. والآن جاء هذا الشخص الغريب شبهُ المستحيل، الذي بدَّدَت نفسها سُدًى في مواجهةِ درعِ لامبالاته. امتلأت عيناها بالدموع مرة أخرى وهي تنظر إليه، وشعر تافرنيك بالاضطراب. نظر إلى الساعة ثم نظر مرة أخرى نحو الباب. بدأ قائلًا: «أعتقد، إذا سمحتِ لي …» قاطعته قائلة: «سيد تافرنيك، أنت قاسٍ جدًّا معي، قاسٍ جدًّا حقًّا.» أجابَ: «لا أملك أن أفعل غيرَ ذلك.» وتابعت قائلة: «إذا كنت تعرف كلَّ شيء، فلم تكن لتصبح عنيدًا إلى هذا الحد. إذا كانت بياتريس نفسُها هنا، إذا كان بإمكاني أن أهمس بشيء في أذنها، فستكون في غاية الامتنان لأنني وجدتُها. بياتريس كانت دائمًا تسيء فَهمي يا سيد تافرنيك. وهذا أمر قاسٍ إلى حدٍّ ما بالنسبة إليَّ؛ فكلتانا بعيدتان جدًّا عن الوطن، وعن أصدقائنا.» أوضحَ تافرنيك: «يمكنكِ أن ترسلي إليها أيَّ رسالة تُحبينها من خلالي. إذا أردتِ، سأنتظر بينما تكتبين رسالة. إذا كان لديك حقًّا أيُّ شيء تقولينه لها ربما يغيِّر رأيها، فيُمكنكِ كتابته، أليس كذلك؟» نظرَت إلى يديها — كانتا يديَن جميلتَين جدًّا ومعتنًى بهما جيدًا — وتنهَّدَت. هذا الشاب كان يُثير أعصابها بجموده غير العادي وعقليته البغيضة. قالت: «من الصعب للغاية كتابةُ هذه الأشياء، يا سيد تافرنيك، لكن، بالطبع، إذا حدث الأسوأ، فسأُضطرُّ إلى إرسال رسالة لها. سأفكر في ذلك وهلة. وفي غضون ذلك، هناك الكثير جدًّا عنها أحبُّ أن تقوله لي. إنها لا تملك مالًا، أليس كذلك؟ فكيف تعول نفسها؟» ردَّ تافرنيك بعدما توقف لحظة: «إنها تُغني من حينٍ لآخر في الحفلات الموسيقية. أفترض أنه لا ضرر من إخباركِ بذلك.» مالت إليزابيث نحوه. لقد كانت رافضةً تمامًا لأن تعترف بهزيمتها. ومرة أخرى كان صوتها ناعمًا فاتنًا، وجبهتها مجعَّدة قليلًا، وعيناها الزرقاوان تتلألآن ببريق ساحر جذاب. تمتمَت: «سيد تافرنيك، أتعلم أنك لستَ لطيفًا معي على الإطلاق؟ فأنا وبياتريس أختان في نهاية الأمر. حتى هي اعترفَت لك بذلك. لقد تركتني بمنتهى القسوة في وقتٍ حرج من حياتي، وأساءت فَهْم بعض الأمور؛ إذا قُدِّر لي أن أراها، فسوف أشرح لها كلَّ شيء. أنا حزينةٌ للغاية من أنها تعيش بمعزِلٍ عني في هذه المدينة حيث كلتانا غريبتان. أنا قلقةٌ عليها يا سيد تافرنيك. هل يعوزها المال؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكنك أن تأخذ لها مني؟ ألا يمكنك أن تقترح لي طريقةً يمكنني من خلالها مساعدتها؟ أرجو منك أن تكون صديقي وتنصحني.» كانت الحياة تنفتح بالتأكيد أمام تافرنيك. الأجواء المحيطة به، التي كانت تخلقها عمدًا حوله، كانت أجواءَ عالمٍ مجهول. لقد كان هذا الموقف جديدًا تمامًا عليه. ومع ذلك، فقد بذل قُصارى جهده للتعامل معه بذكاء. كان يفكر مليًّا قبل أن يُحِيرَها أيَّ جواب، ورفض تمامًا أن يُنصت إلى الأصوات الغريبة التي تطنُّ في أذنَيه، وتوصَّل إلى قراره بالحسم المعتاد نفسِه. قال: «أخشى أن بياتريس ما دامت ترفض السماحَ لكِ حتى بمعرفة مكان وجودها، فإنها لا ترغب في قَبول أيِّ شيء منكِ.» ثم واصل ورغبةُ تدبير المال تتأجَّجُ بداخله: «هذا يبدو مؤسفًا، فهي بالتأكيد ليست ميسورة الحال.» تنهَّدت السيدة المستلقيةُ على الأريكة. وتمتمَت: «على الأقل بياتريس لديها صديق. عظيم جدًّا أن يكون لديك صديق. إنه أكثرُ مما لديَّ. كلٌّ منا بعيدةٌ جدًّا عن الوطن هنا. كثيرًا ما أشعر بالأسف لأننا غادرنا أمريكا. وإنجلترا ليست بلدًا مضيافًا، يا سيد تافرنيك.» مرة أخرى، تحدَّث هذا الشابُّ الصريح صراحةً مؤلمة بما يعتملُ في ذهنه. وذكَّرها قائلًا: «كان ثمة رجلٌ نبيل معكِ في السيارة في تلك الليلة.» عضَّت شفتَها. وردَّت قائلةً: «كان مجرد أحد المعارف، رجلٌ كنت أعرفه في نيويورك، وجاء إلى لندن. اتصل بي ودعاني للذَّهاب إلى المسرح وتناول العشاء. ولِمَ لا؟ لقد مررتُ بوقت عصيب خلال الأشهر القليلة الماضية، يا سيد تافرنيك، وأنا وحيدةٌ جدًّا؛ أشدُّ وحدةً من أي وقت مضى منذ أن هجَرَتني أختي.» بدأ تافرنيك يشعر، على الرغم من السخافة التي تبدو عليها الفكرة، أنه — بطريقةٍ خفية وغير قابلة للتفسير — كان في خطر. على أي حال، كان في حيرة شديدة. لم يفهم لماذا تنظر إليه هذه المرأةُ الشديدةُ الجمال كما لو كانوا أصدقاء قُدامى، ولماذا تُناشده عيناها كثيرًا من أجل التعاطف، ولماذا أصابعها، التي كانت قبل لحظةٍ تستريح بخفةٍ على يده، وسحَبَتها في تردد، تكاد تحرقُه مثل لسعات النار. قد تكون في أسلوبها المرأةَ التي ترغب في الإغراء خفْيةً قدر الإمكان، ولكن غالبًا ما يتسلل إلى ضحيتها الافتراضية، شعورٌ بغرضها، مهما كان هذا الشعور غامضًا. كان من الواضح أن تافرنيك مضطربٌ للغاية. لم يكن لديه إحساسٌ بالصلَف. كان يعلم من البداية أن هذه المخلوقة الجميلة تنتمي إلى عالم بعيدٍ كلَّ البُعد عن كل ما يعرفه. والحل الوحيد للوضع الذي وجد نفسه فيه هو أن تكون هذه المرأة تُفكر في اقتراض المال منه! واصلَت بنعومة: «لم يسبق أن مرَرتُ في حياتي بوقت شعرتُ فيه بحاجتي إلى صديق أكثر من هذا الوقت. أخشى أن أختي قد جعَلتك تتحاملُ عليَّ، يا سيد تافرنيك. بياتريس صغيرة جدًّا، والشباب ليسوا دائمًا متعاطفين، كما تعلم. إنهم لا يتسامحون، ولا يفهمون.» سألها بصراحة: «لماذا قلتِ للسيد داولينج أشياءَ غير صحيحة؟» تنهدت ونظرت إلى المنديل الذي كانت تعبث به. ثم اعترفَت قائلة: «لقد كان غرورًا سخيفًا للغاية، ولكن، كما تفهم، كان لا بد أن أقول شيئًا.» واصل: «ولماذا أتيتِ إلى المكتب من الأساس؟» همسَت بنعومة: «هل تريد حقًّا معرفةَ ذلك؟» «حسنًا …» تابعَت فجأة: «سأخبرك. يبدو الأمر سخيفًا، بطريقةٍ ما، ولكنه لم يكن سخيفًا حقًّا» وابتسمَت له وهي تُكمِل: «انظر، كنتُ قلقةً على بياتريس. ورأيتُك تخرج من المكتب في ذلك الصباح، وتعرفتُ عليك في الحال. عرَفت أنك أنت مَنْ كنت مع بياتريس. وتذرَّعتُ بأمر المنزل لآتيَ وأتفقد ما إذا كنتُ سأستطيع أن أقابلك.» فات تافرنيك، الذي لم يولَد فيه الغرورُ بعد، مغزَى ابتسامتها وتردُّدِها البسيط. وأفادَ قائلًا: «كلُّ هذا ليس سببًا يجعلكِ تُخبرين السيد داولينج أن زوجكِ مليونير، وأنه قد أعطاكِ تفويضًا بشأن استئجار منزل.» «هل ذكرتُ … زوجي؟» أكَّد لها: «بالطبع، فعلتِ.» لأول مرة تعثرَت في حديثها. وشعر تافرنيك بأنها هي نفسها قد اهتزَّت بفعل عاطفةٍ معينة. لمعت عيناها لحظةً على نحوٍ غريب؛ وبدا على وجهها شيءٌ لم يفهمه. ثم مرَّ هذا الشيء. ومرةً أخرى غادرَت وجهَها الابتسامةُ المبهجة، التي تمزج ما بين الاحتجاج والمناشدة، ولم يَعُد بريقُ الرعب يلمع في عينَيها الزرقاوين. قالت مصرِّحةً: «أنا دائمًا حمقاءُ فيما يتعلق بالمال، وجاهلة جدًّا لدرجة أني لا أعرف أبدًا موقفي المالي، ولكنني أعتقدُ حقًّا أن لديَّ الكثير، ولم يبدُ أن إنفاق مائة أو مائتَين تقريبًا بغرض الإيجار أمرٌ ذو أهمية كبيرة.» كانت وجهة النظر هذه غيرَ مفهومة على الإطلاق بالنسبة إلى تافرنيك. فنظر إليها بدهشة. احتجَّ قائلًا: «ألا تعرفين ما تحتاجين إلى إنفاقه للعيش في السنة؟» هزَّت رأسها. تنهَّدت قائلة: «يبدو لي أن الأمر متباينٌ طوال الوقت. هناك الكثير من التعقيدات.» نظرَ إليها بذهول. واعترفَ: «رغم كل شيء، لا تبدين امرأةً شغَلَت تفكيرها كثيرًا بالأرقام.» تمتمت: «ليت لديَّ شخصًا ما لمساعدتي!» تملمَل تافرنيك باضطرابٍ في مقعده. كان إحساسه بالخطر يتزايد. قال: «إذا سمحتِ لي الآن، أعتقد أنني يجب أن أعود. أنا موظفٌ في داولينج، سبينس آند كمباني، كما تعلمين، ووقتي ليس ملكي. جئتُ فقط لأنني وعدتُ بذلك.» قالت متوسِّلة، وهي تنظر إليه بهاتَين العينَين الزرقاوين الرائعتَين: «سيد تافرنيك، أرجو منك أن تصنع لي معروفًا كبيرًا.» سألَ بفظاظةٍ خرقاء: «ما هو هذا المعروف؟» «تعالَ لتراني بين الحين والآخر، وأخبرني كيف حالُ أختي. ربما يمكنك اقتراح طريقةٍ يمكنني من خلالها مساعدتُها.» فكَّر تافرنيك في الطلب لحظة. كان غاضبًا من نفسه بسبب إحساسه غير المسئول بالمتعةِ الذي خلَّفه في نفسه اقتراحُها. قال: «لستُ متأكِّدًا تمامًا مما إذا كان من الأفضل لي الحضور. بياتريس بدت حريصةً للغاية على أنني يجب ألَّا أتحدث عنها معكِ على الإطلاق. ولم يعجبها مجيئي هنا اليوم.» صرَّحت إليزابيث مفكِّرة: «يبدو أنك تعرف الكثير عن أختي. إنك تناديها باسمها المسيحي ويبدو أنك تراها بكثرة. ربما، حتى، أنت مغرَمٌ بها.» استقبلَ تافرنيك نظرةَ السائلة المستفسرة بهدوء. كان شبهَ ساخط. صاحَ: «مغرم بها! أنا لم أغرم بأي شخص في حياتي، أو أي شيء …» ثم أضافَ: «باستثناء عملي.» نظرَت إليه في حيرة في البداية. صاحت وشفتاها تنفرجان عن ابتسامة مبهجة: «أوه، يا لك من شخص غريب! ألا تعلم أنك لم تبدأ في العيش بعد؟ إنك حتى لا تعرفُ شيئًا عن الحياة، وفي خلفية ذلك كلِّه، لديك القدرة.» ومضَت قائلة: «نعم، أعتقد أن لديك القدرة على العيش.» سقطَت يدها على يده بحركةٍ بسيطة وكأنها تربتُ عليه. فنظر حوله كما لو كان يبحث عن مَهرب. كان على قدمَيه الآن وأمسكَ بقبعته. أصرَّ بخشونة: «يجب أن أذهب.» سألت ببراءة: «هل أعطلك؟ حسنًا، تستطيع أن تذهب حالما تريد، ولكن عليك فقط أن تعدَني بشيء واحد. يجب أن تعود، فلنقُل في غضون أسبوع، لتخبرني كيف حال أختي. أنا لستُ في نصف الوحشية التي تظنها. أنا حقًّا قلقة عليها. أرجوك!» فأجابَ: «أعدُكِ بذلك.» توسَّلت إليه وهي تلتفتُ نحو الرسائل بجوارها: «فلتنتظر لحظةً إذن. هناك شيء أريد أن أسألك عنه. لا تكن ضجرًا … إنها مسألة تتعلق بالعمل بشكل كامل.» طوال الوقت كان مدركًا تمامًا لتلك الرغبة المحمومة في الخروج من الغرفة. امتدَّت أمامه ذراعا المرأة البيضاوين، اللتان كشفَت عنهما أكمامُ الرداء التي تراجعَت للخلف، وهي تلتفتُ بتكاسلٍ إلى كومة المراسلات الخاصة بها. كانتا ذراعَين جميلتَين للغاية، وكان تافرنيك، على الرغم من أنه لم تكن لديه أي خبرة، على درايةٍ غامضة بهذه الحقيقة. وبدَت عيناها أيضًا تحاولان دائمًا الوصولَ إلى جزءٍ منه كان ميتًا، أو ربما لم يُولَد بعد. كان يشعر بأنها تسعى جاهدةً للوصول إلى هناك، طارقةً على أبواب لامبالاته. لماذا ترتدي امرأةٌ جواربَ زرقاء لأنها ترتدي رداءً أزرق، تساءل بفتور. لم تكن مثل بياتريس، هذه المرأة الجميلة الجذابة التي كانت ترقد هناك وتتحدثُ إليه بطريقةٍ لم يفهم معناها إلا بغرابة كومضات محيِّرة. يمكن أن يكون مع بياتريس ويشعر بحقيقةِ ما قاله لها مرةً ما … أن جنسها ليس أمرًا ذا أهميةٍ جديرةٍ بالاعتبار فيما بينهما. أما مع هذه المرأة فالأمر مختلف؛ شعر بأنها كانت ترغب في أن يكون مختلفًا. اقترح باقتضابٍ كاد يكون فظًّا: «ربما كان من الأفضل أن تخبريني عن هذه المسألة في المرة القادمة التي آتي فيها إلى هنا. يجب أن أذهب الآن. لا أعرف لماذا مكثتُ كلَّ هذه المدة.» مدَّت أصابعها. قالت مبتسمةً لارتباكه: «أنت شخصٌ متسرع للغاية. إذا كنت ستذهب حقًّا!» بالكاد لمسَ يدها، وكان كلُّ ما سعى إليه هو الابتعاد فحسب. ثم انفتح البابُ ودخل الغرفةَ رجلٌ ذو مظهر مميَّز، عليه سِيماءُ الثراء. كان يرتدي ملابسَ غريبة، غيرَ متفقة مع الموضة الحالية. كان معطفه الأسود على طراز الجيل الماضي، وكانت ياقته متأثرةً بجلادستون ورفاقه من رجال الدولة، وربطة عنقه السوداء مرتَّبة بتجاهل مدروس ويُظهِر قميصُه الأبيض المكشكش جزءًا أكبر مما يظهر في المعتاد أثناء النهار. كانت قبعتُه الحريرية لامعةً لكنها عريضةُ الحواف، وكان شعره الكثيف الرمادي، ممشَّطًا للخلف من جبهة عريضة عالية، مانحًا إياه جانبًا بطْرِيَركيًّا. وكانت ملامحه ضخمةً ووسيمة إلى حَدٍّ بعيد، لكن فمه كان رفيعًا ووَجْنتاه شاحبتان. حدَّق به تافرنيك فاغرًا فاه. أما هو، فمن جانبه نظر إلى تافرنيك كما كان ينظر إلى حيوانٍ وحشي غريب. قال: «خالصُ اعتذاري يا عزيزتي إليزابيث! طرقتُ البابَ، ولكن أظن أنكِ لم تسمعيني. بمعرفتي لعاداتكِ، لم يخطر ببالي أنكِ قد تكونين مشغولةً في هذه الساعة من الصباح.» أعلنَت بلا اكتراث: «إنه شابٌّ من عند وكيل العقارات جاء ليُقابلني بخصوص شقة.» فقال بوُد: «في هذه الحالة، ربما أنا لا أقاطع شيئًا.» أدارت إليزابيث رأسها قليلًا ونظرَت إليه، فتراجَع على عجلٍ نحو الباب. وقال: «في غضون بضع دقائق. سأعود في غضون بضع دقائق.» حاول تافرنيك أن يحذوَ حذوه. واحتجَّ قائلًا: «لا داعي أن يرحل صديقُكِ. إذا كانت لديكِ أيُّ تعليماتٍ لنا، فرسالةٌ إلى المكتب كفيلة بأن تُحضر شخصًا لمقابلتكِ هنا.» جلسَت منتصبةً على الأريكة وابتسمَت له. أمتعَها حرَجُه الواضح. كان الأمر كله بمثابة لعبة جديدة بالنسبة إليها. قالت: «تعالَ يا سيد تافرنيك، ثلاث دقائق أخرى لن تكون مهمة، أليس كذلك؟ لن أبقيَك أطول من ذلك، أعدُك.» عادَ على مضضٍ بضع خطوات إلى الوراء. وأوضحَ: «أنا آسف، لكننا مشغولون حقًّا هذا الصباح.» قالت وهي لا تزال تبتسمُ له ابتسامةً مبهجة: «هذا عمل. لقد ملَأَتك أختي بالشكوك عني. قد يكون البعضُ منها له ما يُبرره، والبعض الآخر ليس كذلك. أنا لستُ ثريةً كما أريد أن يعتقدَ بعضُ الناس. من الأسهل بكثير أن تعيش حياة رغدة، كما تعلم، عندما يعتقد الناس أنك تتمرغ في المال. ومع ذلك، فأنا لستُ فقيرةً بأي حال من الأحوال. لا يمكنني تحملُ إيجار جرانثام هاوس، لكن لا يمكنني أيضًا تحمل الاستمرار في العيش هنا. لقد قرَّرتُ إجراء تغيير، قررتُ أن أحاول التوفير، أحاول العيش في حدود إمكانياتي. الآن هَلا أحضرت لي قائمةً بالمنازل الصغيرة أو الشقق، شيء لا يزيد مثلًا عن مائتَين أو ثلاثمائة في العام؟ ستكون إجراءات عملٍ صارمة. سأدفع لك مقابلَ وقتك، إذا لزم الأمر، وسأدفع عمولتك مقدمًا. ها، لا يمكنك رفض عرضي بهذه الشروط، أليس كذلك؟» ظلَّ تافرنيك صامتًا. كان يُدرك أن عدم استجابته كانت عنيدةً ومحرجة، ولكنه كان في الوقت الحالي معقودَ اللسان. أعربَت عادتُه في التحليل الذاتي في الوقت غير المناسب عن نفسِها مرةً أخرى. لم يستطع أن يفهم الطبيعة الغريبة لعدم ثقته في هذه المرأة، كما لم يستطع أن يفهم المتعة التي أورثَها له اقتراحُها. أراد أن يرفض، ومع ذلك فقد كان سعيدًا لأنه استطاع أن يخبر نفسه بأنه، في نهاية الأمر، مجردُ موظف في شركته ولم يكن في وضع يسمح له برفضِ العمل نيابةً عنهم. مالت قليلًا نحوه؛ وكانت نبرتُها تكاد تكون متوسلة. قالت راجيةً إياه: «لن تكون قاسيًا؟ لن ترفضني؟» أجابَ بقوة وصرامة: «سأُحضِر لكِ قائمة بالشروط التي تقترحينها.» قالت متوسِّلة: «غدًا صباحًا؟» وعَدَها قائلًا: «بمجرد أن يتسنَّى لي.» ثم لاذَ هاربًا. كان الرجل الذي قاطعَ مقابلته في الخارج يذرعُ الممرَّ ذَهابًا وإيابًا. مرَّ به تافرنيك دون أن يستجيبَ لتحيته اللطيفة. نسي أمر المصعد ونزل خمس مجموعاتٍ من درجات السلم … بعد بضع دقائق، وصل إلى المكتب وأبلغ أن السيدة وينهام جاردنر قررت عدمَ تأجير جرانثام هاوس، وأنها لم تكن مستعدَّةً، في الواقع، لتأجير أي منزل بمثل هذا الإيجار. شعر السيد داولينج بخيبةِ أمل، ومال إلى الاعتقاد بأن موظفه أساء إدارة الموضوع. قال: «أتمنى لو كنتُ قد ذهبت بنفسي. من الواضح أنها كانت تريدني أن أفعل، ولكن تصادفَ أن الوقت كان غيرَ مناسب. بالمناسبة يا تافرنيك، هَلا أغلقتَ الباب؟ هناك موضوع آخر أريد التحدث إليك بشأنه.» فعل تافرنيك ما طُلِبَ منه في الحال، دون أيِّ ارتباك. كانت الخدمات التي يقدمها للشركة ذاتَ طبيعةٍ تجعله لا يُساوره أيُّ شك في رغبة صاحب العمل في أن يُحدِّثه محادثة خاصة. أوضح السيد داولينج معدِّلًا وضعَ نظارته: «الأمر يتعلق بعزبة مارستون رايز. أعتقد أن الوقت قد حان لأن نُقدم عرضًا. أنت تعرف ما كان يدور في ذهني منذ مدةٍ طويلة.» أومأ تافرنيك برأسه. واعترف قائلًا: «نعم، أعرفُ جيدًا.» وتابع السيد داولينج: «لقد سمعتُ شائعة، أن شخصًا ما قد اشترى قطعةَ أرض صغيرةً على أطراف العزبة. أظن أن هذا ليس صحيحًا، وعلى أي حال، لا يستحقُّ الأمر القلقَ بشأنه، ولكنه يدل على أن العامة قد بدَءوا يهتمُّون بالأمر. أنا من رأيي أن الوقت قد حان تقريبًا … نعم، لقد حان الوقت للتحرك.» سأل تافرنيك: «هل تريدني أن أفعل أيَّ شيء في هذا الأمر يا سيدي؟» أعلن السيد داولينج: «في المقام الأول، أريدك أن تحاول معرفةَ ما إذا كان قد بِيعَ بالفعل أيٌّ من قطع الأراضي، وإذا كان الأمر كذلك، فلمَنْ بِيعَتْ، وكم كان سعرها. هل يمكنك القيام بذلك خلال الأسبوع؟» أجابَ تافرنيك: «أعتقد ذلك.» اقترحَ السيد داولينج، وهو يُنزل قبعته: «لنقُل صباحَ الإثنين. سألعبُ الجولف غدًا ويوم الجمعة وبالطبع يوم السبت. وسأنتظر منك تقريرًا صباحَ الإثنين.» عاد تافرنيك إلى مكتبه. رغم كل شيء، إذن، ستتأزَّم الأمور في وقت أبكر قليلًا مما كان يعتقد. كان يعلم تمامَ العلم أن هذا التقرير، إذا أعَدَّه بصدق، فسوف يقطع فعليًّا علاقته مع الشركة، ولم تخطر بباله أي فكرة أخرى. إغواء تافرنيك
الفصل التاسع الحبكة تزداد تعقيدًا لم يُضِع الرجل الذي تركه تافرنيك يَذْرع الممرَّ جيئةً وذهابًا أيَّ وقت قبل أن يقدم نفسه مرةً أخرى في شقة السيدة وينهام جاردنر. دخل الجناح دون استئذان، وأغلق البابَين كليهما خلفه بعناية. وكان واضحًا عندئذٍ أن تصرفه عندما دخل في المرة السابقة كان على سبيل الخدعة. كان يختلسُ النظر عبر الغرفة إلى المرأة التي كانت تُراقبه، وكانت اليدُ التي وضعَت قبعته على المائدة ترتعش؛ وكان هناك بصيصٌ من الرعب في عينَيه. بقيت المرأة غامضة، جامدة الشعور، وهي تُراقبه ببساطة. ومع ذلك، بعد لحظة أو اثنتَين، تحدثَت … قالت كلمة واحدة. «حسنًا؟» انهار الرجل. صاحَ قائلًا: «إليزابيث، أنتِ … أنتِ مروعةٌ للغاية! لا أستطيع تحمل ذلك. أنتِ غير طبيعية.» تمدَّدت على الأريكة واستدارت نحوه. قالت: «غير طبيعية، حقًّا؟ وماذا عنك؟» غاصَ في مقعده. لقد أصبح مترهِّلًا للغاية بالفعل. تمتَم: «ما تُطلقينه عليَّ دائمًا، على ما أظن … جبان. لديكِ القليل من المراعاة يا إليزابيث. صحتي ليست كما كانت من قبل.» تجوَّلَت عيناه بشوق نحو الخِزانة في الطرف الآخر من الغرفة. فابتسمت المرأة المستلقية على الأريكة. وجَّهته بإهمال: «يمكنك أن تخدم نفسك. ربما عندئذٍ ستتمكَّن من أن تخبرني لماذا أتيتَ في مثل هذه الحالة.» اجتاز الغرفة في بضع خطواتٍ متعجِّلة، واختفت رأسُه وكتفاه داخل الخزانة. كان هناك صوتُ سَحب سدَّادة من الفلين، وفوران زجاجة ماء الصودا. وعاد إلى مقعده رجلًا مختلفًا. قال معتذرًا: «يجب أن تتذكري سنِّي، يا إليزابيث العزيزة. ليس لديَّ أعصابكِ … ومن غير المحتمل أن أفعل. عندما كنت في الخامسة والعشرين، لم يكن هناك شيء في العالم أخافه.» نظرَت إليه بتمعُّن. وقالت: «ربما لستُ شجاعة تمامًا كما تعتقد. لأقول لك الحقيقة، هناك أشياءُ كثيرة جدًّا أخاف منها عندما تأتي إليَّ في مثل هذه الحالة. أنا خائفة منك، مما ستفعله أو تقوله.» طمْأنَها على عجَل: «لا داعي لذلك. عندما أكون بعيدًا عنك، أصبح معتوهًا. لا أحد يعرف ما أعاني منه. أحتفظ به لنفسي.» أومأت برأسها بازدراء. صرَّحت: «أفترضُ أنك تبذل قصارى جهدك. قل لي، الآن، ما الشيء الجديد الذي أزعَجك؟» حدَّق إليها زائرها. وتمتم: «هل لا بد من وجود شيء جديد؟» سألت: «أفترضُ أنه شيء عن وينهام؟» ارتجفَ الرجل. فتحَ شفتَيه وأغلقهما مرة أخرى. وازدادت نبرة المرأة، إن جاز القول، برودة. قالت: «آملُ ألا تُخبرني أنك قد عصيت أوامري.» نفى قائلًا: «لا! لا! لقد كنتُ هناك بالأمس. عدتُ بقطار البريد من بينزانس. اضطررت إلى القيادة مسافةَ ثلاثين ميلًا للَّحاق به.» قالت: «لقد حدث شيءٌ ما، بالطبع، شيء تخشى أن تخبرني به. اجلس منتصبًا كرجل، يا أبي العزيز، ودعني أعرف الحقيقة.» أكَّد لها قائلًا: «لم يحدث شيءٌ جديد على الإطلاق. الأمر ببساطة هو أن ذكرى اليوم الذي قضيتُه في ذلك المكان ورؤيته قد أثارا أعصابي حتى إنني لا أستطيع النوم أو التفكير في أي شيء آخر.» صاحت متعجِّبة: «يا له من هراء!» تابعَ خافضًا صوته قليلًا: «لم ترَي المكان إلا في الطقس الجيد. إليزابيث، ليس لديكِ فكرة عمَّا عليه الحال بالفعل. نزلتُ صباح أمس من القطار في بودمين وقدت السيارة إلى قرية كلوز. بعد ذلك كان عليَّ أن أمشي مسافة خمسة أميال. ولا يوجد طريق، مجرد دَرْب وعر، وطوال هذه المسافة لم يكن هناك حتى مبنى مزرعة يمكن رؤيته ولم أقابل أي إنسان. كان هناك نوع من الضباب الباهت في كل مكان فوق المستنقع، وأحيانًا يكون شديد الكثافة لدرجة أنني لا أستطيع رؤية طريقي، ويمكن أن تتوقفي وتُنصتي، ولكن هيهات أن تسمعي شيئًا، ولا حتى أجراس الأغنام.» ضحكَت بهدوء. تمتمَت قائلة: «والدي العزيز الأحمق، أنت لا تفهم ما هو العلاج بالراحة. إنه شيءٌ جيد جدًّا، لا بأسَ به على الإطلاق. وينهام المسكين كان يرى الكثيرَ من الناس طوال حياته … ولهذا السبب علينا أن نُبقيه في هدوءٍ بعض الوقت. يمكنك تخطِّي هذا المشهد. أأفترض أنك وصلتَ إلى المنزل أخيرًا؟» تابعَ والدها: «نعم، لقد وصلتُ إلى هناك. أنت تعرفين كم هو قاتم هذا المكان، بجوار تلٍّ أجرد — مبنًى صخري مربع، رمادي في نفس لون التل. حسنًا، وصلتُ إلى هناك ودخلتُ. وهناك وجدتُ تيد ماذرز، يرتدي نصفَ ملابسه، بلا ياقة، وزجاجة ويسكي أمامه على الطاولة، يلعب لعبةَ الورق البائسة وحده. إليزابيث، يا لوحشية هذا الرجل!» هزَّت رأسها. ثم قالت: «استمر. ماذا عن وينهام؟» «كان هناك في أحد الأركان، يُحدِّق من النافذة. عندما جئتُ هَبَّ واقفًا، ولكن عندما رأى مَنْ أكون، حاول … حاول أن يختبئ. كان خائفًا مني.» سألت: «لماذا؟» «قال إنني … إنني ذكَّرتُه بكِ.» تمتمَت: «يا له من سخف! قل لي كيف بدا؟» «مريض، بائس، شاحب ونحيفٌ أكثر من أي وقتٍ مضى، ووحشي المظهر.» سألت: «ماذا قال عنه ماذرز؟» «ماذا يمكنه أن يقول؟ أخبرني أنه يبكي طوال اليوم ويتوسَّل أن يعود إلى أمريكا.» سألت: «لا أحد يقترب من المكان، أليس كذلك؟» «لا أحد على الإطلاق. يأتي رجلٌ من القرية لبيع بعض الأغراض مرةً واحدة في الأسبوع. ويعرف ماذرز متى يتوقَّعه ويحرص على ألَّا يكون وينهام في الجوار. إنهما خارج العالم هناك — لا طريق ولا ممرَّات ولا شيء حتى لجلب السائح. كان بإمكاني تخيُّلُ مثلِ هذه البقعة في أريزونا، يا إليزابيث، ولكن في إنجلترا … لا!» استفسرَت: «هل لديه أي تسلية بأية حال؟» كانت يدُ الرجل ترتعش، ومرةً أخرى اتَّجهَت عيناه بشوق نحو الخزانة. قال: «لقد صنع … دُمية، ونحَتها من قطعةٍ من الخشب وألبسَها قِطعَ قماش من أربطة عنقه. ماذرز أراني إياها على سبيل المزاح. إليزابيث، لقد كانت رائعة … أمر مروع!» سألته: «لماذا؟» وتابعَ وهو يُبلِّل شفتَيه بلسانه: «إنها أنتِ، أنتِ في ثوب أزرق … درجة اللون المفضَّلة لديكِ. لقد صنعَ حتى جواربَ زرقاء وحذاءً صغيرًا غريبًا. وحصلَ على بعض الشعر من مكانٍ ما وفرقه مثل شعركِ تمامًا.» قالت: «يبدو الأمر مؤثرًا للغاية.» كان الرجل يرتجف مرة أخرى. قال: «إليزابيث، لا أعتقد أنه يقصد شيئًا لطيفًا. ماذرز أخذَني إلى غرفته. لقد صنع شيئًا هناك يشبه المشنقة. كانت الدمية معلَّقة بحبل من المشنقة.» ثم صرخَ: «إليزابيث! … يا إلهي، لكنها كانت تشبهكِ!» وفجأة سقط رأسه على ذراعيه. لبرهة ظهر انعكاسٌ للرعب الذي استولى عليه على وجهها. ثم مرَّ بسرعة. وضحكَت ساخرة. احتجَّت قائلة: «والدي العزيز، أنت بالتأكيد لست نفسك هذا الصباح.» تمتَم قائلًا: «رأيتُكِ تتأرجَحين، تتأرجحين بذلك الحبل! وكان هناك دبوس أسود كبير في قلبك. إليزابيث، إذا قُدِّر له أن يهرب في وقتٍ ما! إذا قُدِّر أن يأتي أحدٌ من أمريكا ويكتشف مكانه! إذا قُدِّر أن يعثر علينا! أوه، يا إلهي، إذا قُدِّر أن يعثر علينا!» وقفَت إليزابيث على قدمَيها. كانت تقف الآن أمام النار، ومرفقها الأيسر يستند إلى رف المدفأة، وشيءٌ صغير من الفضة اللامعة يتلألأ في يدها اليمنى. قالت: «أبي، لا يوجد خطر في الحياة لمَنْ لا يعرف الخوف. انظر إلي.» التقت عيناه بعينَيها، مفتونًا. وتابعَت: «إذا قُدِّر له أن يعثر عليَّ، فلن يكون الأمر فظيعًا على أي حال. ستكون النهاية.» كشفَت أصابعُها عن الشيء الصغير الذي كانت تحمله … مسدس صغير. أعادته مرة أخرى إلى جيبها. كان الرجل يتساءل كيف تحوَّلت ابنته إلى مثل هذا الشيء الفظيع. همسَ قائلًا: «تتمتعين بالشجاعة يا إليزابيث.» ووافقَت على ذلك قائلة: «أتمتع بالشجاعة، لأنَّ لديَّ عقلًا. أنا لا أسمح أبدًا لنفسي أن أكون في وضع من المحتمل أن أتعرَّض فيه للأسوأ. منذ اليوم الذي انقلب فيه فجأةً عليَّ، أصبحت حَذِرة.» مالَ والدُها نحوها. قال: «إليزابيث، لم أفهم ذلك قطُّ حقًّا. ما الذي اعتراه فجأة؟ في يوم كان عبدَكِ، وفي اليوم التالي أعتقد أنه كان من الممكن أن يقتلكِ لو استطاع.» هزَّت كتفَيها. أجابت: «بصراحة، شعرتُ أنه من المستحيل أن أستمرَّ في التظاهر أكثرَ من هذا. تزوجتُ وينهام جاردنر في نيويورك لأنه كان من المفترض أن يكون مليونيرًا ولأنه تراءى لي أن هذا أفضلُ شيءٍ يمكن فعله، لكن بالنسبة إلى العيش معه، لم أُرِد ذلك قطُّ. أنت تعرف كم كان سلوكه سخيفًا على متن القارب. لم يتركني أبعد عن عينَيه مطلقًا، لكنه أقسمَ أنه سيُقلع عن التدخين واحتساء الخمر ويعيش حياة جديدة إكرامًا لي. وأعتقد حقًّا أنه كان يعني ذلك أيضًا.» اقترحَ والدها بخوف: «ألم يكن من الأفضل يا عزيزتي لو شجَّعتِه؟» هزَّت رأسها. وقالت: «لقد كان ميئوسًا منه تمامًا. أنت تقول إنني شجاعة؛ هذا لأنني لا أسمح لنفسي بالمعاناة. إذا كنتُ قد واصلتُ العيش مع وينهام، كان سيصيبني بالجنون. عاداته، أسلوبُ حياته، كل شيء أثار اشمئزازي. لم أكن أفهم قطُّ معنى كلمة «انحطاط» حتى عاشرتُه. لقد أصبحَت لمسته نفسُها بغيضة. لا يمكن لامرأة أن تعيش مع مثل هذا الرجل. بالمناسبة، لقد وقَّع المسوَّدة، أليس كذلك؟» أعطاها والدها قصاصة من الورق، نظرَت إليها ثم وضعتها في درجها وأوصَدَته. سألت: «هل أثار أي ضجة حيالها؟» ارتجفَ البروفيسور. قال بنبرة خافتة: «لقد رفضَ التوقيع عليها، وأقسمَ أنه لن يُوقِّعها أبدًا. وأرسلني ماذرز إلى الخارج بضع دقائق، وجعلني أذهب إلى غرفة أخرى. وعندما عُدت، أعطاني المسوَّدة. وسمعتُه يصرخ بصوتٍ عالٍ.» قالت بجفاء: «ماذرز يستحقُّ بالتأكيد كلَّ ما يحصل عليه من مال.» نظر إليها بإعجابٍ حاقد. كانت هذه ابنته، لحمه ودمه. بدا كأنه يراها عبر السنين، طفلة شعرها ينسدلُ على ظهرها، تجلس على ركبته، وتستمع إلى حكاياته، متسائلة عن الألعاب والحيل البسيطة التي يستخدمها لينتزع من جمهوره الساذج قروشهم وأنصاف شلناتهم. عالِم الفِراسة، المنوِّم المغناطيسي، الساحر … كل هذه الألقاب كان البروفيسور العظيم فرانكلين يُطلقها على نفسه. في كثير من الأحيان، من المسرح البسيط الذي كان يؤدي عليه عروضه، كان يروِّع جمهوره من النساء والأطفال حتى الموت. وخطر له في تلك اللحظة، أنه لم يرَ الخوف قطُّ على وجه إليزابيث، حتى في أيام طفولتها. تمتم: «كان يجب أن تكوني رجلًا يا إليزابيث.» هزَّت رأسها وهي تبتسم كأنها مسرورة بالمجاملة. وقالت: «قوة الرجل محدودةٌ للغاية. المرأة لديها أسلحة أكثر.» وافقَ البروفيسور، بينما كانت عيناه تتنقلان عبر قَدِّها النحيل وقوامها الرائع، وتوقَّف لحظةً عند عُقدة الدانتيل الصغيرة في رقبتها، يُصارع حلاوة ملامحها الرقيقة، وراح يفكِّر جاهدًا عمَّنْ من بين أسلافه ورثت هذه المخلوقة جاذبيتَها الجسدية، وقال: «أسلحة أكثر بالفعل.» وكرَّر: «أسلحة أكثر بالفعل. إليزابيث، يا لها من هبة … يا لها من هبة!» فأجابت: «أنت تتكلم وكأنها هبةٌ مؤذية.» قال: «كنت أفكِّر فقط في أن ذلك يبدو أمرًا مؤسفًا. أنتِ شديدة الجمال، ربما كنا سنجد طريقة أسهلَ وأقلَّ خطورة للثروة.» ابتسمت. ثم قالت: «أظن أن الدمَ البوهيمي يسري بداخلي. الطرق الملتوية تجتذب المرء، كما تعلم، عندما ينشأ المرءُ كما نشأت.» ذكَّرها قائلًا: «والدتُكِ المسكينة لم تكن تحبها.» «لقد ورثت بياتريس كلَّ ما يخص أمي. أما أنا، فابنتك أنت يا أبي. يجب أن تكون فخورًا بي. ولكن ها نحن ذا، سأعطيك مهمة أخرى. هل صحيحٌ أن جيري هنا حقًّا؟» «وصل إلى إنجلترا يوم الأربعاء على متن لوسيتانيا. وكان في المدينة طوال الوقت منذ ذلك الحين.» قطَّبَت ما بين حاجبَيها فأظلمَ وجهُها. وتمتمت وكأنها تُحدِّث نفسها: «لا بد أنه استلمَ رسالتي إذن.» اعترفَ والدُها: «دون شك. إليزابيث، لماذا تُخاطرين بمقابلة هذا الرجل؟ أعلم أنه كان مغرمًا بكِ في نيويورك، ولكنه أيضًا كان مغرمًا بأخيه. ربما لا يُصدِّق قصتكِ. قد يكون خطرًا.» ابتسمت. وقالت: «أعتقد أنني أستطيع إقناعَ جيري جاردنر بأي شيءٍ أختار قوله له. علاوةً على ذلك، من الضروري للغاية أن يكون لديَّ بعض المعلومات عن شئون وينهام. لا بد أن لديه المزيدَ من المال في مكانٍ ما ويجب أن أكتشف كيف سنصل إليه.» هزَّ البروفيسور رأسه. وتمتم: «أنا لا أحبُّ ذلك. لنفترض أنه وجدَ بياتريس!» هزَّت إليزابيث كتفَيها. قالت: «بياتريس خُلِقَتْ صامتة. أنا لا أخشى منها على الإطلاق. ومع ذلك، أتمنى أن أتمكَّن من معرفة مكانها. سيبدو الأمر أفضل إذا كنا نعيش معًا.» هزَّ البروفيسور رأسه بحزن. وقال: «لقد تركَتنا بمحض إرادتها، ولا أظن يا إليزابيث أنها ستعود مرة أخرى. كانت تعرف جيدًا ما تفعله. كانت تعلم أن وجهات نظرنا في الحياة مختلفةٌ عن وجهة نظرها. لم تكن تعرف النصف لكنها عرَفَت ما يكفي. لقد كنتِ محقة تمامًا فيما قُلتِه الآن؛ كانت بياتريس أشبه بوالدتها، وكانت والدتها امرأةً صالحة.» علَّقت إليزابيث بوقاحة: «حقًّا!» صرخَ وهو يضرب الطاولة: «لا تردِّي بهذه الطريقة. لقد كانت أمَّكِ أيضًا.» كان وجه المرأة غامضًا وقاسيًا وخاليًا من العيوب خلف سحابة دخان التبغ الصغيرة. بدأ الرجل يرتجف مرةً أخرى. في كل مرةٍ كان يُغامر بالتحدُّث بجُرأة، كانت نظرة واحدة منها كافية لقمعه. تمتم: «إليزابيث، ليس لديكِ قلب، وليس لديكِ روح، وليس لديكِ ضمير. تُرى أيُّ نوع من النساء أنتِ!» ذكَّرته بسُرور: «أنا ابنتك.» تابعَ وهو يأخذ منديلًا كبيرًا من الحرير من جيبه ويُجفِّف جبينه: «لم أكن بهذا السوء من قبل. كان عليَّ أن أعيش وكانت الأوقات صعبة. ربما أكون قد خدعتُ الجمهور. لم يتجاوز الأمرُ لعبَ الورق بشيءٍ من الذكاء، أو الاستيلاء على بعض المال من الرجال السذج، عندما أستطيع. لكن يا إليزابيث، أنا خائفٌ منكِ.» قالت وهي تنفض الرماد من سيجارتها: «الرجال يخافون عمومًا من المخاطر الكبيرة.» وواصلَت: «سوف يغشُّون ويكذبون من أجل أنصاف القروش، ولكنهم مقامرون سيئون عندما تكون مسألة حياة أو موت … الأشياء الكبيرة على المحك. سحقًا! أبي، أريد أن يأتي جيري جاردنر ويقابلني.» قال البروفيسور: «إذا لم تتمكَّني من جعله يأتي، يا عزيزتي، فأنا على يقينٍ من أن محاولتي ستبوء بالفشل.» تابعَت، وكأنها تُحدِّث نفسها: «لقد استلم رسالتي؛ استلم رسالتي ولم يأتِ.» قرَّر والدها: «ما من شيء يمكن فعله سوى الانتظار.» واستطردَت قائلة: «وفي تلك الأثناء، لنفترض أنه سيجدُ بياتريس، ولنفترض أنهما سيتقابلان؛ لنفترض أنه سيخبرها بما يعرفه وأنها ستخبره بما خمَّنَته!» دفنَ البروفيسور وجهَه بين يديه. ورمَت إليزابيث سيجارتها بنفادِ صبر. قالت: «يا لي من حمقاء! ما فائدة إضاعة الوقت بهذه الطريقة؟» كان هناك طَرْقٌ على الباب. قدَّمَت خادمةٌ فرَنسية أنيقة المظهر نفسَها. خاطبَت سيدتها بلغةٍ فرنسية فصيحة. كان ثمة مصفِّفُ شعر وأخصائيُّ تجميل أظافر ينتظران في الغرفة المجاورة؛ حان الوقت لتهتمَّ السيدة بنفسِها. استمع البروفيسور إلى هذه الإعلانات بمزيج من الإعجاب والاندهاش. قال ناهضًا على قدمَيه: «أعتقد أن عليَّ أن أغادر. هناك شيءٌ واحد فقط أودُّ أن أسألكِ عنه يا إليزابيث، إن جاز لي، قبل أن أذهب.» «ما هو؟» «مَن الشاب الذي التقيتُه هنا الآن؟» سألت: «لماذا تطرح هذا السؤال؟» أجابها والدها بتمعُّن: «لا أعرف حقًّا، ما عدا أن مظهره بدا متفردًا قليلًا. في بعض النواحي بدا شخصًا عاديًّا جدًّا. في الواقع، كانت ملابسه وهيئته عاديَّتين للغاية لدرجة أنني فُوجِئتُ بوجوده هنا معكِ. ومن ناحية أخرى، وجهه … يجب أن تتذكري يا عزيزتي، أن هذه غريزة احترافية تمامًا؛ أنا ما زلت مهتمًّا بالوجوه …» اعترفَت قائلة: «صحيحٌ تمامًا. استمر. هذا الشابُّ يُحيِّرني أنا شخصيًّا. أودُّ أن أسمع رأيك فيه. ما رأيك في وجهه؟» قال: «كان ثمة قوةٌ في وجهه، نوعٌ من العناد، والروعة، والضيق، والاستحالة … نوع الوجه الذي يخصُّ رجلًا يُحقِّق أشياءَ عظيمة لأنه أغبى مِن أن يُدرك الفشل، حتى ولو كان الفشل يُطوِّقه بذراعَيه ويُطبِق أصابعَه على عنقه. أنا واثقٌ يا عزيزتي من أن هذا الشاب لديه مميزات. في الوقت الحالي، هذه المميزات خامدة، ولكنها موجودة.» قادته إلى الباب. قالت: «والدي العزيز، أحيانًا أحترمك حقًّا. إذا صادفت ذلك الشابَّ مرة أخرى، أبقِ عينيك عليه. فهو يعرف شيئًا واحدًا على الأقل أتمنى أن يُخبرنا به — إنه يعرف مكان بياتريس.» نظر إليها والدها بذهول. «يعرف مكان بياتريس ولم يخبركِ؟» أومأت برأسها. أصرَّ البروفيسور قائلًا: «حاولتِ أن تجعليه يُخبركِ ورفض؟» اعترفت قائلةً: «بالضبط.» ارتدى والدها قبعته. «كنتُ أعرف أن الشابَّ خارجٌ عن المألوف.» إغواء تافرنيك
الفصل العاشر متعة المعركة جلسا على جذع شجرة ساقطة، في الركن الشمالي من الحقل. وفي السياج النباتي، القريب منهما، كانت الطيور هائجة ومضطربة. وراح طائر الدُّج يُغنِّي فوق شجرة الدردار الأبعد قليلًا. وكانت نسمات الريح الغربية الرقيقة تُداعب وجهَيهما؛ بينما ملأت أشعةُ الشمس الأجواءَ من حولهما. ومع ذلك، فقد امتدت واحدةٌ من أذرع المدينة العظيمة نحوهما … ضاحية، بما فيها من فيلَّات كثيرة، وأصوات السيارات الكهربائية، والمخلفات المتراكمة، وصفوف المتاجر المكافحة. وعلى مسافةٍ أبعد، كان الجسد نفسه — المدينة الضخمة — ينبض من وراء الدخان والسحاب. التفتَت الفتاة التي كانت تُحدِّق بثباتٍ إلى أسفل عدةَ لحظاتٍ، إلى رفيقها أخيرًا. وقالت: «أتعلم أن هذا يجعلني أفكِّر في الليلة الأولى التي تحدَّثتَ إليَّ فيها؟ هل تتذكرها … فوق سطح نُزُل بلينهايم هاوس؟» لم يردَّ تافرنيك لحظة. كان ينظر من خلال أداةٍ ذات شكل غريب أحضرها معه إلى ستِّ أوتاد دفعَها بشِقِّ الأنفس إلى الأرض على بُعد مسافة. كان مستغرقًا تمامًا في مهمته. وتمتم بصوتٍ خافت لنفسه: «الطريق الرئيسي. نعم، يجب أن يكون إلى اليسار قليلًا. ثم نحصل على جميع الطرق الفرعية الموازية وتكون للمنازل الأفضل واجهةٌ جنوبية.» ثم قطعَ حديثَه فجأةً وسألها: «أستميحُكِ عذرًا يا بياتريس، هل قلتِ شيئًا؟» ابتسمت. «لا شيء يستحقُّ الذكر. كنت أفكِّر فقط أن المكان هنا ذكَّرني بأول مرة تحدَّثنا فيها أنت وأنا معًا.» ألقى نظرة خاطفة على المنظر أدناه، بما فيه من خليط غريب من المباني البشعة، التي توارَت هنا وهناك خلف سحب الدخان المنتشرة، والمساحات الشاسعة من القبح المستمر الذي لا يمكن إصلاحه. وتابعت قائلة: «الأمر مختلفٌ بالطبع. حتى إنني أتذكَّر الآن المنظر من أعلى النُّزُل في تلك الليلة. بطريقةٍ ما، كان أفضلَ من هذا؛ كان كلُّ شيء أكثر توهجًا ومع ذلك أكثر فوضوية، شعَرتُ بكل بساطة أنه تحت كل تلك الأماكن الغامضة كان هناك كائنٌ عظيم يكدح ويكافح … الحياة نفسها، تتأوَّه في الفضاء تحت وطأة العجلات المسنَّنة البشرية. هنا يرى المرء الكثير.» ثم واصلت قائلة: «أوه يا عزيزي ليونارد، عندما أفكِّر أنك أنت أيضًا ستكون أحد المُدمِّرين!» وضعَ أداته في علبتها وأعادها إلى جيبه مرة أخرى. وقال: «هيا، يجب ألَّا تُطلقي عليَّ هذه الألقاب الصعبة. سوف أذكِّركِ بالرجل الذي جعلتِني أقرأ أعماله. أتعرفين ما يقوله … «الجمال هو، في حقيقة الأمر، مجرد مضيعة للوقت. فالعالَم يعيش ويتقدَّم بسبب النَّفْعِيين.» هذا التل يمثل بالنسبة إليَّ معظم الأشياء التي تستحق امتلاكها في الحياة.» ضحكت ضحكة قصيرة. «سوف تقطع تلك الأسيجة النباتية وتطرد الطيور بعيدًا لتعثر على منزل جديد، وسوف تجرف العشب الأخضر، وتشق شارعًا وتضع أحجار الجرانيت. إنني أرى بيوتك الصغيرة القبيحة تنتشر مثل الفُطْر في كل مكان. أنت مُخرِّبٌ يا عزيزي ليونارد.» ردَّ عليها قائلًا: «أنا ببساطة أطيع القانون. فرغم كل شيء، حتى من وجهة نظركِ، أنا لا أعتقد أن ما أفعله سيئٌ للغاية. انظري بتمعُّن عن كثب، وسوف تجدين أن الأسيجة النباتيةَ قد اسودَّت هنا وهناك بسبب السخام. أما الطيور فسوف تجد مكانًا أفضل أبعدَ قليلًا. انظري كيف يرسل الدخان المتصاعد من مداخن المصانع سخامَه عبر هذه الحقول. إنه لم يعد ريفًا؛ من الأفضل أن يتجمعوا فيه.» ارتجفت. وقالت بحزن: «هناك شيءٌ ما في الحياة يرعبني. كلُّ القوى التي لها أهميةٌ وقيمة تبدو مدمرة.» في أعلى التل الشديد الانحدار من خلفهما، تصاعد صوت سيارة صغيرة. كلاهما أدار رأسه لمشاهدتها وهي تدخل في حيز الرؤية. كانت سيارة تافهة من نوع قديم للغاية، سيارة بمحركٍ أحاديِّ الأسطوانة ولها صندوق خلفي دائري. كان المحرِّك يطرق بشدةٍ عندما أوقفها السائق على بُعد يارداتٍ قليلة منهما. تصلَّب تافرنيك بشكلٍ غير إرادي عندما رأى الرجلَين اللذين هبَطا من السيارة، وكانا يمران بالفعل عبر البوابة القريبة إلى حيث كان هو وبياتريس. كان أحدهما السيد داولينج، والآخَر مدير البنك الذي به حساب الشركة. لمَّا رأى السيد داولينج مدير شركته تعرَّف عليه، بدهشة ولكن بالكثير من الود. صاحَ قائلًا: «يا إلهي. يا إلهي، يا لحسن حظي! أنت تعرف السيد تافرنيك بالطبع يا بيلتون؟ مدير شركتي السيد تافرنيك … السيد بيلتون من بنك لندن آند ويستمينستر. لقد أحضرتُ السيد بيلتون إلى هنا يا تافرنيك لإلقاء نظرةٍ على المكان، حتى يعرف ما ننوي فعله بكل المال الذي سنقترضه، ها؟» ابتسمَ مدير البنك. وقال: «هذه فرصةٌ سعيدة للغاية.» سقطَت عينا الرجلَين على بياتريس التي كانت قد تنحَّت قليلًا جانبًا. قال السيد داولينج بلطف: «هَلا شرفتنا يا تافرنيك؟ أنت لستَ متزوجًا، أليس كذلك؟» أجابَ تافرنيك ببطء: «لا، هذه أختي … السيد بيلتون والسيد داولينج.» فُوجِئَ الرجلان قليلًا بالتعارف. فبياتريس على الرغم من أن ملابسها كانت بسيطة، كان مَنْ يراها يشعر دائمًا بأنها تنتمي إلى عالَم مختلف. قال السيد داولينج مصرِّحًا: «أخوكِ، يا آنسة تافرنيك العزيزة عبقريٌّ في اكتشاف هذه المواقع الرائعة. هذا الموقع أنا أعتبره بصراحةٍ اكتشافَ حياتنا.» وتابع وهو يلتفت نحو السيد بيلتون: «لدينا الآن معلوماتٌ مؤكَّدة أن السيارات ستسير إلى أي نقطةٍ نرغب فيها في هذه المنطقة، كما أن سكك حديد العاصمة رتَّبَت أيضًا لتمديد خطوطها.» وواصلَ السيد داولينج ممسِكًا بجانبَي معطفه ومتفاخرًا: «أنوي أن أقدِّم غدًا عرضًا لشراء كل هذا الموقع. سيتطلب مبلغًا كبيرًا جدًّا من المال بالفعل، لكنني مقتنعٌ بأنها مغامرة مجزية.» ظلَّ تافرنيك صامتًا وعابسًا. لم يكن هذا بأي حال من الأحوال الوقتَ أو المكانَ الذي كان سيختاره للتوضيح لصاحب العمل. ومع ذلك، كانت هناك علامات على أن هذا الشيء كان سيُفرض عليه. واصل السيد داولينج: «أنا سعيدٌ جدًّا بلقائك هنا يا تافرنيك، سعيد لأسباب شخصية ولأن ذلك يُظهِر، إذا جاز لي أن أقول ذلك، الاهتمام الذي تُوليه لعمل الشركة، لدرجة أن تُخصِّص عطلتك للمجيء هنا وفحص المكان إذا جاز التعبير. ربما الآن بما أنك هنا ستتمكَّن من أن تشرح للسيد بيلتون أفضل مني ما ننوي على فعله.» تردَّد تافرنيك للحظة. وأخيرًا، شرعَ في شرح مخطط بناء مفصَّل للغاية ومدروس بعناية، استمعَ إليه كِلا الرجلَين باهتمام كبير. ومع ذلك، عندما انتهى استدار إلى السيد داولينج، وواجهه بشكل مباشر. واختتم قائلًا: «لعلك تتفهَّم يا سيدي، أن مخططًا مثل الذي أشرتُ إليه لا يمكن تنفيذه إلا إذا كانت الملكيةُ بأكملها في يدِ شخص واحد. يمكنني أن أقول إن المعلومات التي أشرتُ إليها قبل أيام قليلة كانت صحيحة تمامًا. جزءٌ كبير من الجانب الجنوبي من التل اشتُرِيَ بالفعل، بالإضافة إلى بعض قِطَع أراضٍ أخرى من شأنها أن تتعارض بشكل كبير مع أي مخطط بناء شامل.» عبسَ وجه السيد داولينج في الحال؛ ونَمَّت نبرته على مزيج من الغضب والانزعاج. قال: «مهلًا، مهلًا، هذا يبدو سيئًا للغاية يا سيد تافرنيك، هذا غايةٌ في الإهمال والتجاهل لمصالح الشركة. لماذا لم نُراقب الوضع؟ لماذا لم نمنع هذا المشتريَ الآخر، ها؟ يبدو لي أننا كنا متراخين، متراخين للغاية حقًّا.» أخذَ تافرنيك دفترًا صغيرًا من جيبه. وقال: «سوف تتذكَّر يا سيدي، أنني تحدَّثتُ معك عن هذا الموقع في الحادي عشر من مايو العام الماضي.» صاحَ السيد داولينج بحِدَّة: «حسنًا، وماذا في ذلك؟» تابعَ تافرنيك: «كنتَ تشرع في لعب الجولف مدةَ أسبوعَين في مكانٍ ما وقد وعدتَ بالنظر في الأمر عند عودتك. وتحدَّثت إليك مرة أخرى لكنك قلت إنك مشغولٌ جدًّا بحيث لا يمكنك النظر في هذه المسألة على الإطلاق في الوقت الحاضر، وإنك لا تهتمُّ بهذا الجانب من لندن، ولقد اعتبرت أن لدينا ما يكفي … في الواقع، لقد سخَّفتَ الفكرة واستهجنتَها تمامًا.» اعترفَ السيد داولينج على مضض: «ربما لم أكن متحمسًا جدًّا في البداية. لكن في الآونة الأخيرة، رجعتُ ووافقتُ على وجهة نظرك.» قال تافرنيك: «كانت هناك العديد من المقالات في مختلف الصحف، والكثير من الكلام، الذي كان أكثر فاعلية، على ما أظن في إقناعك، من نصيحتي. ومع ذلك، فما أودُّ أن أقوله لك يا سيدي، هو أنني عندما وجدتُ نفسي غير قادر على إثارة اهتمامك بهذا المخطط، أقبلتُ عليه بنفسي إلى حد ما.» كرَّر السيد داولينج قوله غيرَ مصدِّق: «أقبلتَ عليه بنفسك؟ ماذا تعني يا تافرنيك؟ ماذا تعني يا سيدي؟» أوضحَ تافرنيك: «أعني أنني استثمرتُ مدَّخراتي في شراء عدة قطع من الأراضي على هذا التل.» سأل السيد داولينج: «لحسابك الخاص؟ مدخراتك، حقًّا!» أجابَ تافرنيك: «بالتأكيد. ولِمَ لا؟» «لكن هذا مشروع الشركة يا سيدي … مشروع الشركة وليس مشروعك!» أوضحَ تافرنيك قائلًا: «الشركة أتيحت لها الفرصة ولم ترغب في الاستفادة منها. لو لم أكن قد اشتريتُ الأرض حينئذٍ، كان شخصٌ آخرُ سيشتريها بالكامل منذ مدةٍ طويلة.» كان من الواضح أن السيد داولينج يستعِرُ غضبًا. صاحَ: «هل تقصد أن تخبرني يا سيدي أنك تجرَّأتَ على الدخول في مشروعاتٍ خاصة بينما لا تزال موظفًا في الشركة؟ هذا شيء لم نسمع به من قبل، شيء غيرُ مبرَّر وسخيف. أنا أطالبك يا سيدي بتسليم قطع الأراضي لنا على الفور … للشركة، أنت تفهم. سوف نُعطيك الثمن الذي دفعته بالطبع، على الرغم من أنني أتوقَّع أنك دفعتَ مبلغًا أكبر بكثير مما كنا سندفع. ومع ذلك، يجب أن نعطيَك ما دفعتَه، بالإضافة إلى أربعة في المائة فائدة على أموالك.» أجابَ تافرنيك: «أنا آسف، لكنني أخشى أنني سأطلب شروطًا أفضل من تلك.» وتابع: «في الحقيقة، لا أرغب في البيع. لقد بذلتُ قدرًا كبيرًا من التفكير والوقت في هذا الأمر، وأنا أنوي القيام به كمشروع شخصي.» قال السيد داولينج بشراسة: «إذن، فسوف تُنفذه يا سيدي من مكان آخر غير جدران مكتبي. أتفهم ذلك يا تافرنيك؟» أجابَ تافرنيك: «أفهمه تمامًا. تريدني أن أتركَك. هذا الطلب يفتقر إلى الحكمة تمامًا، لكنني على استعدادٍ كامل لتنفيذه.» أصرَّ السيد داولينج قائلًا: «إما أن تعيد بيع تلك الأراضي لي بسعر التكلفة، أو لا تطأ قدمُك مكتبي مرةً أخرى. هذه خيانة سافرة للثقة. لم أسمع بمثل هذا الشيء طوال حياتي. إنه سلوك غاية في اللامهنية، سلوك مستحيل!» لم يُظهِر تافرنيك أيَّ علاماتٍ على الغضب … وتنحى جانبًا ببساطة. قال: «لن أبيع لك أرضي يا سيد داولينج، ويرضيني للغاية أن أترك عملك.» وتابع: «يبدو أنك تتوقع أن يقوم شخصٌ آخرُ بالعمل بأكمله نيابةً عنك بينما تجني أنت الأرباحَ كاملة. لقد مضَت تلك الأيام. عملي في هذا العالم هو أن أصنع ثروةً لنفسي وليس لك!» صاحَ السيد داولينج: «كيف تجرؤ يا سيدي! لم أسمع قط مثلَ هذه الوقاحة في حياتي.» تابعَ تافرنيك دون تأثر: «لم تقم بصفقةٍ في العمل منذ خمس سنوات وقد وفَّرتْ لك جهودي دخلًا جيدًا جدًّا. في المستقبل، ستوجَّه هذه الجهود نحو تقدُّمي أنا شخصيًّا.» عادَ السيد داولينج نحو السيارة. وقال: «أيها الشاب، يمكنك أن تتبجَّح بقدر ما تريد، لكنك مذنبٌ بخيانة الثقة. وسأحرص على أن يتم الإعلان عن هذا الأمر بدقة في جميع الجهات المسئولة. لن تحصل على أي وظيفة لدى أيِّ شركة أعرفها … يمكنني أن أعدك بذلك. إذا كان لديك أيُّ شيء آخر ستقوله لشركة داولينج، سبينس آند كمباني، فليكُن ذلك كتابيًّا.» افترقَت الصحبة في ذلك المكان وذلك الوقت. ونزل تافرنيك وبياتريس إلى أسفل التل في صمت. استفسرت: «هل يزعجك ذلك بأية حال؟» أجابَ تافرنيك: «لا شيء يستحق الحديث عنه. كان هذا متوقَّعًا. لم أكن مستعدًّا تمامًا ولكن هذا لا يهم.» سألت: «ماذا ستفعل الآن؟» أجابَ: «أقترض ما يكفي لشراء التل بأكمله.» نظرَت إلى الوراء. «ألا يعني ذلك قدرًا كبيرًا من المال؟» أومأ برأسه. واعترفَ قائلًا: «ستكون هذه صفقةً ضخمة بالطبع. ولكن لا تُلقِي بالًا؛ فأنا أجرؤ على القول إنني سأتمكَّن من إقناع شخصٍ ما بها. على أي حال، لم أرد قط أن يصنعَ السيد داولينج ثروة جراء هذا المشروع.» سارا معًا للأمام في صمت. ثم تحدثَت مرة أخرى في تردد قليلًا. «أظن أن ما فعلته عادلٌ جدًّا يا ليونارد، أليس كذلك؟» أجابها على الفور دون أي إحساس بالإهانة من سؤالها. قال معترفًا: «في حقيقة الأمر، إنه أمرٌ غير معتاد لأي موظف لدى شركة توكيلات عقارية أن يَعقِد صفقاتٍ لحسابه الخاص في الأراضي. إلا أنني، في هذه الحالة، أعتبر أنني كان لديَّ مبررات. لقد شرَعتُ في ثلاث صفقاتِ بناء للشركة، وقد كسَبوا منها قدرًا هائلًا من المال، ولم أحصل حتى على زيادة في الراتب، ولم يُقدَّم لي أيُّ تقدير. بالطبع، الموظف مَدين لصاحب العمل. ولكن صاحب العمل أيضًا مَدين لموظفه. في حالتي أنا لم أعامل على الإطلاق بأقلِّ تقدير من أي نوع. وسوف أظلُّ على موقفي. فعلى أي حال، أنا مهتم أكثر بكسب المال من أجلي أكثر من الآخرين.» كانا قد وصلا إلى زاوية الحقل الآن، وبدَآ في الهبوط على المنحدر الحاد. كان مساء الأحد، وتصاعدت من جميع الأديرة الصغيرة والكنائس بالأسفل أصواتُ الأجراس غير الموسيقية. ومن مسافةٍ أبعد جاءت النغماتُ الملحَّنة الرخيمة من الكاتدرائية وكنائس المدينة. إلا أن الأصوات الصاخبة الأقرب هي التي سادت. كان مزيجُ الصوت كله غيرَ متناغم. وبينما كانا يهبطان، كان بإمكانهما رؤية الحشود المرتدية المعاطف السوداء تتحرك ببطءٍ نحو أماكن العبادة المختلفة. كان ثمة شيءٌ غير ملهم حيالَ ذلك كلِّه. فارتجفَت. قالت: «ليونارد، أتساءل لماذا أنت متشوقٌ للغاية للدخول في هذا العالم. لماذا تريد أن تكون غنيًّا؟» كان يُلقي نظرةً خاطفة على التل خلفه، وضوء الحسابات يلمع في عينَيه. كان يقيس مرةً أخرى قِطع الأرض ويحسب الإيجار، ويخصم الفوائد. أجاب بتسامح: «نحن جميعًا نسعى لأشياء مختلفة … بعض الشهرة، بعض المتعة. السيد داولينج، على سبيل المثال، ليس لديه طموحٌ آخر غير التفوق على منافسه في ملعب الجولف في بضع ضرباتٍ أفضل.» سألت: «وأنت؟» أجابَ: «إنه النجاح الذي أسعى إليه. النساء، كقاعدة عامة، لا يفقَهْن. أنتِ، على سبيل المثال، يا بياتريس، عاطفيةٌ للغاية. أما أنا فعمَليٌّ جدًّا. المال هو ما أريده. أريد المال لأن المال يعني النجاح.» همسَت قائلة: «وبعد ذلك؟» لم يَعُد منتبهًا إليها. كانا ينعطفان الآن إلى الطريق الواسع في أسفل الممر، وفي نهايته عربة ترام تنتظر. كتب بعض الملاحظات الأخيرة في دفتر جيبه. صاحَ، ومُتعة القتال تظهر في صوته: «غدًا، غدًا تبدأ المعركة بشكل جِدِّي!» تأبَّطتْ بياتريس ذراعه. وقالت: «ليس فقط بالنسبة إليك، يا صديقي العزيز، ولكن بالنسبة إليَّ أيضًا». فسألها بسرعة: «بالنسبة إليكِ؟ ماذا تقصدين؟» وتابعَت: «كنتُ أحاول إخبارك طوال اليوم، لكنك كنتَ منشغلًا جدًّا. ذهبتُ بعد ظهر أمسِ لرؤية السيد جرير في مسرح أطلس. وأجريتُ تجرِبةَ صوت، وغدًا مساءً سأُؤدي دوري في المسرحية الكوميدية الغنائية الجديدة.» حدَّقَ فيها تافرنيك بشيءٍ من الذعر. أفكاره عن المسرح وكلُّ ما يخصه كانت أفكارًا بدائية. السيدة فيتزجيرالد ربما كانت أقرب ما يمكن إلى فكرته عن هذه النوعية. نظر إلى بياتريس غيرَ مصدِّق … فتاة نحيفة، ترتدي ملابسَ هادئة، ولكن مع ذلك أنيقة، تنمُّ بوضوح على تربيتها، وهو ما كان غامضًا بالنسبة إليه. صاحَ: «أنتِ ممثِّلة!» ضحكت بنعومة وهدوء. وقالت: «عزيزي ليونارد، سيكون هذا جزءًا من تثقيفك. في ليلة الغد ستأتي إلى المسرح وتنتظرني عند بابه.» إغواء تافرنيك
من أجل الوصول إلى اليابان بمجرد أن وضع بيتر حقيبتها على متن القطار، بَدَا حريصًا على أن يبتعد ليفسح الطريق فقط، لا أن يغادر، وأوضح لها أنه فقط يشعر بالضيق لأن القطار كان سيبدأ في التحرك. وبالخارج وقف على رصيف المحطة وهو يتطلَّع إلى نافذتهم وراح يُلَوِّح ويبتسم. كانت ابتسامته لكاتي ابتسامة عريضة مشرقة، دون أدني شك في العالم، كما لو كان يعتقد أنها ستظل شيئًا رائعًا عنده، وسيظل هو كذلك عندها، للأبد. بدت ابتسامته لزوجته مليئةً بالتفاؤل والثقة، وتنمُّ عن شيء من العزم والإصرار؛ وهو شيء لا يمكن التعبير عنه بسهولة من خلال الكلمات، وحقًّا قد لا يمكن التعبير عنه على الإطلاق. فلو حدَثَ أنْ ذكرَتْ جريتا شيئًا كهذا لَقال لها: لا تكوني سخيفة. وكانت ستوافقه في هذا، معتقدةً أنه ليس من الطبيعي بالنسبة إلى أناس كان يرى بعضهم بعضًا يوميًّا وباستمرار أن يكون عليهم تقديم تفسيرات من أي نوعٍ لما يجول بداخلهم. عندما كان بيتر لا يزال رضيعًا، اصطحبته أمه ومرت به عبر مجموعة من الجبال التي دائمًا ما تنسى جريتا اسمها، وذلك لكي تهرب به من تشيكوسلوفاكيا التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي للوصول إلى أوروبا الغربية. كان هناك بالطبع كثيرون غيرها يفعلون الشيء نفسه، وقد عزم والد بيتر على مصاحبتهما، لكن تم إرساله إلى إحدى المصحات العلاجية قبل رحيلهم السرِّي مباشَرةً. وكان من المفترض أن يلحق بهم حالما يستطيع، بَيْدَ أنه مات. قالت جريتا عندما أخبرها بيتر بذلك أول مرة: «لقد قرأت قصصًا كثيرة مثل هذه.» وراحت توضح له كيف أنهم في تلك القصص كانوا يغطون الرضيع بشدة أو يقومون بخنقه إذا ما شرع في البكاء؛ خشيةَ أن تُمَثِّل الضوضاءُ التي يُحدِثها تهديدًا للمجموعة الهاربة بأسرها. قال بيتر إنه لم يسمع بمثل هذه القصص من قبلُ، ولا يعرف ماذا كانت أمه ستفعل في مثل هذه الظروف. ما فعلته هو أنها ذهبت إلى كولومبيا البريطانية؛ حيث أتقنَتِ اللغة الإنجليزية وحصلت على وظيفة لتدريس المادة التي كان يُطْلَق عليها «أساليب الأعمال التجارية» لطلاب المدرسة الثانوية. وقد ربَّت بيتر بمفردها، وأرسلته إلى الجامعة وقد أصبح الآن مهندسًا. كانت عادةً ما تجلس في الغرفة الأمامية عندما كانت تأتي إلى شقتهما، وإلى منزلهما فيما بعدُ، ولا تطأ المطبخ مطلقًا، اللهم إلا إذا دعتها جريتا. تلك كانت طريقتها، فقد اعتادَتْ ألَّا تُبدي ملاحظاتها بصورة مبالَغ فيها؛ فلا تعلق ولا تتطفل ولا تحاول اقتراحَ أي شيء بالرغم من أنها كانت تتفوق على زوجة ابنها في كل الفنون والمهارات المنزلية. لقد تخلصت أيضًا من الشقة التي ربَّتْ فيها بيتر، وانتقلت إلى واحدة أخرى أصغر لم تكن تحتوي على غرفة نوم منفصلة، بل مجرد غرفة تَسَع أريكةً قابلةً للطي؛ لذا لا يستطيع بيتر الذهاب إلى بيت أمه. هكذا كانت تعمد جريتا إلى إغاظتها، وكانت تجفل من ذلك؛ فالمزاح كان يؤلمها بحق. ربما كانت مشكلة اختلاف اللغة هي السبب في ذلك، لكن الإنجليزية أصبحت هي لغتها المعتادة الآن، وهي بالفعل اللغة الوحيدة التي كان يعرفها بيتر. لقد تعلَّمَ فنَّ «أساليب الأعمال التجارية» عندما كانت جريتا تدرس ملحمة «الفردوس المفقود»، وليس على يد أمه. كانت تتجنَّب أي شيء مفيد وكأنه الطاعون، أما هو فكان يفعل العكس. ومن خلال زجاج النافذة الذي يفصل بينهما — وحماسة كاتي التي لم تفتر وهي تلوِّح مُوَدِّعة — أخذا يتبادلان نظراتِ وُدٍّ هزليةً أو بالأحرى غريبة. كانت تفكر بمدى جاذبيته وجمال مظهره، وكيف بَدَا عليه أنه لا يدرك تمامًا تلك الحقيقة؛ فقد كان يقصُّ شعره حتى يجعله قصيرًا مثل البحَّارة، كما هي الصيحة في ذلك الوقت، وخاصة إنْ كان المرء يعمل في مهنةٍ مثل الهندسة، أما بشرتُه الفاتحة فلم تكن تَتَوَرَّد بالحُمْرة كبشرتها، أو تصيبها البقع إثرَ التعرُّض للشمس، لكنها كانت تكتسب بعضَ السمرة، أيًّا كان الموسم. أما آراؤه، فكانت مشابِهةً لبشرته؛ فعندما كانا يذهبان لمشاهدة أحد الأفلام لم يكن يرغب مطلقًا في التحدُّث عنه فيما بعدُ؛ فقد كان يكتفي بقول إنه جيد، أو جيد جدًّا، أو لا بأسَ به؛ فهو لا يرى طائلًا من الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك في عرض آرائه. كان يشاهد التليفزيون، ويقرأ أي كتاب بالطريقة ذاتها تقريبًا؛ كان لديه من الصبر ما يكفي لأنْ يتعامل مع مثل هذه الأشياء؛ فالأشخاص الذين أنجزوا هذه الأشياء في الغالب قد بذلوا قصارى جهدهم من أجل إنجازها. اعتادَتْ جريتا أن تجادله وتسأله باندفاع إنْ كان سيقول نفسَ الرأي بشأن أحد الجسور؛ فالأشخاص الذين شيَّدوه قد بذلوا قصارى جهدهم، لكن جهدهم لم يكن كافيًا، فسقط منهارًا. وبدلًا من أن يناقشها، كان يكتفي بالضحك. ويقول: «إنه ليس نفس الشيء.» «أحقًّا هو ليس كذلك؟» «نعم.» لا بد أن جريتا قد أدركت أن موقفه هذا — أيْ عدم التدخل وتقبُّل الآراء الأخرى — بمنزلة نعمةٍ بالنسبة إليها؛ لأنها كانت شاعرة، وكانت قصائدها تَحْوِي أشياء ليست مُبْهِجة على الإطلاق أو ليس من السهل إيضاحها. (كانت لا تزال والدة بيتر والأشخاص الذين كانوا يعملون معه — من الذين يعرفون ذلك — يلقِّبونها بالشاعرة. لقد عوَّدَتْ بيتر على ألَّا ينعتها بهذا، وإلا فما الفائدة إذن من التعويد؟ أما أقاربها والأشخاص الذين تعرفهم الآن وهي تمارس دورها كزوجةٍ وأمٍّ، فليسوا بحاجةٍ إلى التعويد على ذلك؛ لأنهم لا يعرفون شيئًا عن تلك السمة.) سيكون من الصعب أن توضح، فيما بعدُ في حياتها، ما الشيء الجيد والمقبول في ذلك الوقت وما هو غير ذلك. قد تقول امرأة: حسنًا، لم تكن الحركة النسوية بالشيء الجيد، لكن سيكون عليها فيما بعدُ أن توضِّح أن الحركة النسوية لم تكن حتى كلمة كان الناس يستخدمونها حينها، ثم تضيف أنه كان من الممكن أن يُنْظَر إلى أي فكرة جادة، فضلًا عن بعض الطموح، أو يُنظَر حتى إلى قراءة كتاب مفيد على أنها شيء باعث على الرِّيبة، وقد يكون له علاقة بإصابة طفلك بالالتهاب الرئوي، وإلى أن أيَّ تعليق سياسي في أيٍّ من حفلات العمل قد يعرقل ترقي زوجكِ في العمل. وقد لا يهم حينها أي حزب قمتِ بانتقاده؛ كل ما في الأمر أن التعليق انطلَقَ من فم امرأة. سيضحك الناس ويقولون إنها تمزح، وستجيب هي حينها: إن الأمر هكذا، لكن ليس إلى هذا الحد. وحينها ستقول جريتا لها إنَّ نظْمَ الشعر في ذلك الوقت يكون أكثر أمانًا بعضَ الشيء بالنسبة إلى المرأة مقارَنةً بالرجل؛ ومن هنا جاءت كلمة شاعرة وأصبحت متداولة، تمامًا كحلوى غزل البنات. قالت إن بيتر لم يكن لينظر للأمر هكذا، حيث إنه قد نشأ في أوروبا. ولكنه كان سيتفهَّم جيدًا كيف من المفترض أن ينظر الرجالُ الذين يعمل معهم إلى مثل تلك الأفكار. ••• هذا الصيف كان سيُمضي بيتر شهرًا أو ربما أكثر في تنفيذ أحد المشروعات بقرية لوند، التي تبعد كثيرًا بقدر توغُّلِك شمالًا في البر الرئيسي. ولم يكن ثمة مكانٌ لإقامة جريتا وكاتي. لكنَّ جريتا كانت على اتصالٍ بصديقةٍ كانت تعمل معها في مكتبة فانكوفر، وقد تزوَّجَتِ الآن وباتت تعيش في تورونتو. كانت تلك الصديقة ستُمضي شهرًا في أوروبا هذا الصيف بصحبة زوجها، الذي يعمل مدرسًا، وقد كتبت لجريتا تطلب منها أن تُسْدِي لها معروفًا — فقد كانت دَمِثة الخُلُق جدًّا — بأن تُقِيم في منزلها في تورونتو لجزءٍ من تلك الفترة حتى لا يظل مُغلَقًا، وقد ردَّتْ جريتا تخبرها بشأن عمل بيتر وأنها تَقْبَل العرضَ المقدَّم هي وكاتي. ولهذا السبب هم الآن يلوحون بعضهم لبعضٍ عبر رصيف المحطة والقطار. ••• كانت تَصْدر في ذلك الوقت في تورونتو بصورة غير منتظمة إحدى المجلات التي تحمل اسم «ذي إكو أنسارز»، وكانت جريتا قد عثرت عليها في المكتبة، فبعثَتْ إليها ببعضٍ من قصائدها، وقد نشرت لها المجلة قصيدتين، فكانت النتيجة أن تمَّتْ دعوتها لحضور إحدى الحفلات بصحبة مجموعة من الكُتَّاب لمقابلة رئيس التحرير الذي قَدِم في زيارةٍ لفانكوفر في الخريف الماضي. وكانت الحفلة قد أُقِيمت في منزل أحد الكُتَّاب الذي كان اسمه مألوفًا لها، فيما يبدو، طوال حياتها. أُقِيمت الحفلة في وقت متأخِّر من فترةِ ما بعد الظهيرة عندما كان بيتر لا يزال في عمله؛ لذا استعانت بإحدى جليسات الأطفال، واستقلَّتِ الحافلة المتجهة لنورث فانكوفر، التي عبرت جسر ليونز جيت ومرت بمتنزه ستانلي بارك. كان عليها أن تنتظر أمام خليج هدسون من أجل رحلة طويلة للحرم الجامعي حيث يقطن الكاتب. عندما هبطت عند آخِر محطة للحافلة، عثرت على الشارع المطلوب وسارت عبره وهي تنظر إلى أرقام المنازل. كانت ترتدي حذاءً ذا كعبٍ عالٍ؛ ممَّا أبطأ من حركة سَيْرها كثيرًا. وكذلك فعَلَ ثوبها الأسود الشديد الأناقة، المغلق بسوستة من الظهر، الذي كان شفَّافًا عند منطقة الوسط، وضيقًا بشدة عند منطقة الأرداف. حدَّثَتْ نفسَها قائلةً إنه يجعل شكلها يبدو سخيفًا بعضَ الشيء؛ حيث إنها تتعثَّر قليلًا في خطواتها عبر الطرقات المتعرجة التي لا تَحْوِي أيَّ أرصفة. وكانت هي تقريبًا الشخص الوحيد الذي يمشي في فترة ما بعد الظهيرة التي أوشكَتْ على الانقضاء. رأت بيوتًا عصرية ذات نوافذ عريضة كما هو الحال في أي ضاحية متحضرة، ولم تكن على الإطلاق بالضاحية التي توقَّعَتْ أنْ تراها. وراحت تتساءل إنْ كانت أخطأَتْ في الشارع المطلوب، وقد سعدت بتلك الفكرة؛ فبمقدورها العودة مرةً أخرى لمحطة انتظار الحافلات حيث ستجد مقعدًا، وعندئذٍ يمكنها خلع حذائها والحصول على بعض الراحة قبل بدء رحلة عودتها الطويلة التي ستقطعها وحيدةً إلى المنزل. لكن عندما شاهدَتِ الكثير من السيارات المصطفَّة، ووقع بصرها على رقم المنزل، كان قد فات أوان العودة. تسلَّلَ صوتُ الضجيج عبر الباب المغلق، وكان عليها أن تقرع الجرس مرتين. رحَّبَتْ بها امرأة بَدَا واضحًا أنها كانت تتوقَّع قدومَ شخصٍ آخَر. لم يكن الترحيب هو الكلمة الصحيحة؛ فقد فتحت المرأة الباب، وقالت لها جريتا إنَّ هذا المنزل لا بد أنه المكان الذي أُقِيمت فيه الحفلة. قالت المرأة وهي تَتَّكِئ على إطار الباب: «كيف يبدو لك الأمر؟» لم تُفسِح لها المرأةُ الطريقَ إلى أن قالت جريتا: «أتسمحين لي بالدخول؟» ثم كانت هناك حركةٌ ما يبدو أنها سبَّبَتْ ألمًا كبيرًا لجريتا. لم تطلب هذه السيدة من جريتا أن تتبعها، لكن جريتا فعلَتْ ذلك على أية حال. لم يتحدَّث إليها أو يلاحظ وجودها أي أحد، لكنْ سرعان ما ظهرت فتاةٌ مراهِقة وهي تحمل صينيةً عليها بعض الأكواب التي بَدَا أنها تَحْوِي ما يشبه عصير الليمون الوردي. أخذت جريتا كوبًا وازدردَتْ ما فيه دفعةً واحدة حيث كانت تشعر بعطش شديد، ثم مدَّتْ يدها وأخذَتْ كوبًا آخَر. شكرت الفتاةَ وحاولَتْ أنْ تفتح حوارًا معها وتحدِّثها عن الطريق الطويل الذي قطعَتْه مَشْيًا في ذلك الطقس الحار، بَيْدَ أن الفتاة لم تُعِرْها اهتمامًا واستدارَتْ مبتعِدةً لتؤدي عملها. راحت جريتا تتجوَّل في المكان والابتسامةُ تعلو وجهَها، ولم ينظر إليها أحدٌ بطريقةٍ تنمُّ عن معرفتها أو السعادة بتواجُدها، ولِمَ عساهم يفعلون ذلك؟ كانت تقع عليها عيونُ الحاضرين للحظاتٍ ثم لا يلبثون أن يستأنفوا حواراتهم، ويضحكون. كان الجميع فيما عدا جريتا محاطين بالأصدقاء، منهمكين في تبادل النكات وأشباه الأسرار، وبَدَا الأمر وكأنَّ كل شخص قد عثَرَ على مَن يرحِّب بتواجُده، فيما عدا الفتيات المراهِقات اللاتي كنَّ يقدِّمن المشروبات الوردية وهن عابسات متجهمات الوجه. ومع ذلك، فلم تستسلم؛ لقد أنعَشَها المشروب وعزمَتْ على أن تتناول كوبًا آخَر بمجرد أن تمرَّ من أمامها إحدى هؤلاء الفتيات. راحت تبحث عن أي مجموعة تتجاذب الحديث وبها مساحةٌ كافية تستطيع أن تزجَّ بنفسها خلالَها لتقف وسط أفرادها. بدا أنها وجدَتْ واحدةً عندما ترامَتْ إلى مسامعها أسماء بعض الأفلام؛ كانت أفلامًا أوروبيةً مثل تلك التي بدأَتْ تُعرَض في فانكوفر في ذلك الوقت. سمعت اسمَ أحدِ الأفلام التي كانت قد ذهبَتْ لمشاهدته هي وبيتر، وكان يحمل اسم «الأربعمائة ضربة». قالت بصوتٍ عالٍ وبحماسة شديدة: «أوه، لقد شاهدتُ ذلك الفيلمَ.» فالتفَتَ إليها الجميع، وقال أحدهم، والذي يبدو بوضوح أنه المتحدِّث باسمهم: «أحقًّا فعلتِ؟» كانت جريتا ثَمِلَةً بالطبع، فقد تجرَّعَتْ مزيجًا من مشروب الفاكهة الكحولي بيمز نامبر وان وعصير الجريب فروت الوردي دفعةً واحدة، ولم تشعر بالاستياء حيالَ تلك الإهانة كما كان يمكن أن تفعل في الأحوال العادية. لكنها واصلَتْ تجوُّلَها في المكان وقد أصابها بعض التشويش، وأصبحَتْ لا تعرف ما يدور حولها، لكنِ انتابَهَا شعورٌ بأنه يوجد جوٌّ من التسامُح في المكان، وأنه لا يهم أن تُكَوِّن صداقات فيه؛ فبإمكانها فقط التجوُّل وإصدار أحكامها على ما حولها. كان هناك رهْطٌ من الناس ذوي الأهمية يقفون عند ممر بالمنزل، وقد لمحَتْ من بينهم مضيفَ الحفلة؛ وهو الكاتب الذي كانت تألف اسمَه ووجهَه لفترةٍ طويلة. كان يتحدَّث بصوتٍ عالٍ، وتخرج كلماته سريعةً ومتلاحقةً وبَدَا وكأن هناك خطرًا يحدِّق به، وكان بجواره اثنان من الرجال كانت نظراتهما بمنزلة إهانةٍ موجَّهةٍ نحوك. وكانت زوجاتهم — في اعتقادها — هن اللاتي يصنعن تلك الدائرة التي كانت تحاوِل اقتحامَها. لم تكن المرأة التي فتحت لها الباب تقف وسطَ أيٍّ من المجموعتين؛ حيث كانت هي الأخرى كاتبة، ورأتها جريتا تلتفت مستديرةً عندما نادى أحدهم اسمها؛ كان اسمَ أحدِ المساهمين في المجلة التي نُشِرَتْ فيها أعمالُها هي الأخرى. ومن هذا المنطلق، أليس من الممكن أن تتَّجِه نحوها وتقدِّم نفسها إليها، كَنِدٍّ مساوٍ لها على الرغم من المقابلة الفاترة التي كانت عند الباب؟ لكن المرأة الآن كانت تضع رأسها على كتف الرجل الذي نادى اسمها، وما كانا ليرحِّبَا بأية مقاطَعةٍ لحديثهما. جعلها ذلك تقرِّر الجلوس، وحيث إنه لم توجد أية مقاعد خالية فقد جلست على الأرض، وراحَتْ تفكِّر وتتذكَّر حينما ذهبَتْ بصحبةِ بيتر لإحدى الحفلات الخاصة بالمهندسين؛ حيث كان الجوُّ العام مُبهِجًا بالرغم من الأحاديث المملة؛ وذلك لأن الجميع كانوا يشعرون بأهميتهم على الأقل في وقت الحفل. أما هنا فلا يأمن أحدٌ من الأحكام التي قد تصدر والانتقادات التي تُوَجَّه من خلف الظهور، حتى إنْ كانوا من الأشخاص المعروفين ومشاهير الكُتَّاب. لقد كان جوًّا غيرَ مريحٍ من المكر والتوتُّر، بغضِّ النظر عمَّن تكون. وها هي قد يئست من أن يجاذبها أحدٌ أطرافَ الحديث بأي نحو. شعرَتْ بالراحة عندما اقتنعَتْ بنظريتها بأن الجو العام لا ينمُّ عن البهجة والسرور، ولم تهتم كثيرًا بما إذا كان سيتحدث معها أحد أم لا. خلعتْ حذاءَها وانتابها شعورٌ غامر بالراحة. اتَّكأَت بظهرها على حائطٍ ومدَّتْ ساقَيْها في أحد الأماكن التي لا يمر بها كثيرون. لم تُرِدِ المُخاطَرةَ بسَكْبِ مشروبها على البساط؛ لذا انتهَتْ من احتسائه سريعًا. وقف أمامها رجلٌ وقال: «كيف وصلتِ إلى هنا؟» أشفقَتْ على قدمَيْه المتعبتَيْن المتثاقلتين، بل إنها كانت تشفق على أي فرد كان مضطرًّا للوقوف. قالت إنها من المدعوين لحضور الحفلة. «حسنًا، ولكن هل أتيتِ بسيارتك؟» «لقد جئت سيرًا على الأقدام.» لكن ذلك لم يكن كافيًا، وخلال فترة قصيرة أخذَتْ تقصُّ عليه بقيةَ القصة. «استقلَلْتُ إحدى الحافلات، ثم بعدها استكملتُ الطريق سيرًا على الأقدام.» وقف الآن أحد الرجال الذين كانوا وسط دائرة الأشخاص المهمين خاصة خلف الرجل الذي أشفقَتْ عليه من حذائه. وقال: «فكرة ممتازة.» بَدَا واضحًا أنه لم يكن يمانع في الحديث معها. لم يهتم الرجل الأول بهذا الرجل كثيرًا، وأحضَرَ لجريتا حذاءها ومدَّ يده ليعطيها إياه، لكنها رفضت موضِّحةً أنه يؤلمها كثيرًا. «احمليه وإلا فعلتُ أنا ذلك. هل بمقدوركِ النهوض؟» بحثَتْ بنظرها عن الرجل الأهم ليساعدها لكنه لم يكن موجودًا. لقد تذكَّرَتِ الآن ما كتبه؛ لقد ألَّفَ مسرحيةً عن الدوكهوبورس، الطائفة المسيحية الروسية، التي أحدثَتْ ضجةً كبيرة وجذبت انتباهَ الكثيرين لأنه من المفترض أن يظهر الدوكهوبورس عرايا. بالطبع ليس أفراد الطائفة هم مَن سيظهرون عرايا، بل مجموعة من الممثلين. وعلى أية حال، لم يُسْمَح لهم أن يظهروا عرايا في نهاية الأمر. حاولَتْ أن تشرح ذلك للرجل الذي عاوَنَها على النهوض، لكنْ كان من الواضح أنه لم يكن مهتمًّا بسماع هذا. قال إنه ليس من هذا النوع من الكُتَّاب، وإنه صحفي، وقد أتى في زيارةٍ إلى هنا مع ابنه وابنته، اللذين هما في الوقت نفسه حفيدا أصحاب الحفلة، وكانا يساعدان في تقديم المشروبات. قال وهو يشير إلى المشروبات المقدَّمة: «إنها فظيعة وقاتلة.» أصبحا الآن بالخارج، وسارَتْ عبر الحشائش وهي لا ترتدي في قدمَيْها سوى الجورب، وحاولَتْ جاهدةً أن تتفادى الأوحال. قالت لرفيقها: «لقد تقيَّأ أحدهم هناك.» قال وهو يضعها في سيارة: «هذا صحيح.» أدَّى الهواء الطَّلْق إلى تغيير حالتها المزاجية، من الشعور بالإثارة الذي يشوبه بعض التوتر، إلى الشعور الذي وصل إلى حدِّ الإحراج، بل الخزي. قال: «نورث فانكوفر.» لا بد أنها قالت له ذلك. «أهذا صحيح؟ وسنستكمل بعد ذلك حتى نصل إلى جسر ليونز جيت.» تمنَّتْ ألَّا يسألها عن سببِ حضورها الحفلة؛ فإنْ كان عليها أن تقول له إنها شاعرة، كان سينظر إلى موقفها الحالي وإلى تجاوُزها على أنه نموذجٌ لتصرُّفات الشعراء. لم يكن الظلام قد حلَّ بعدُ، لكنْ كان وقتُ المساء قد حلَّ. بدا أنهما كانا يسيران في الاتجاه الصحيح، مارَّيْن بجوارِ مسطحٍ مائيٍّ قبل أن يصعدا عبر جسرٍ؛ جسر بوراد ستريت. ثم استكملا السَّيْرَ وَسْطَ زحامٍ مروري أكبر، وكانت تفتح عينَيْها لتحدِّق في الأشجار التي يَمُرَّان بها في طريقهما، ثم تعود لتغلقهما ثانيةً دون هدف. أدركَتْ حينما توقَّفَتِ السيارةُ أنهما قد وصلا إلى المنزل؛ منزلها. كانت تظللهما الأشجارُ ذات الأوراق الضخمة التي تحجب رؤيةَ النجوم، لكنَّ بعضها كان يلمع فوقَ صفحةِ الماء ممتزجًا بأضواء المدينة. قال: «اهدئي وفكِّري بالأمر.» تعجَّبَتْ للكلمة. «فكِّرِي بالأمر.» «كيف ستسيرين حتى تَصِلِي إلى المنزل، على سبيل المثال؟ هل تستطيعين القيامَ بذلك بهدوءٍ ورزانةٍ؟ لا تبالغي في فعلك. يجب أن تكترثي لذلك. أعتقد أنكِ متزوجة.» «عليَّ أن أشكركَ أولًا لاصطحابي إلى المنزل؛ لذا عليك أن تخبرني باسمك.» قال لها إنه قد أخبرها بالفعل باسمه، وربما فعَلَ هذا مرتين، وإنه لا بأسَ من إعادته ثانيةً. هاريس بينت، بينت. إنه زوجُ ابنةِ أصحاب الحفلة، وابناه كانا من بين القائمين على تقديم المشروبات، ولقد أتى هو وابناه للزيارة من تورونتو. هل كان ذلك كافيًا لإرضائها؟ «هل أمهما موجودة؟» «بالطبع، لكنها في المستشفى.» «أنا آسفة.» «لا داعي للأسف. إنه مستشفًى رائعٌ لعلاج الاضطرابات العقلية، أو يمكنكِ القول إنه لعلاج المشكلات العاطفية.» أسرعَتْ وأخبرَتْه أن زوجها يُدعَى بيتر، وأنه يعمل مهندسًا، وأن لديهما ابنةً تُدعَى كاتي. قال: «حسنًا، هذا شيء لطيف للغاية.» ثم بدأ يتراجع للخلف. قال لها عند جسر ليونز جيت: «أرجو أن تعذريني فيما كنتُ سأفعله. كنتُ أفكِّر فيما إذا كنتُ سأقبِّلك أم لا، ثم قررتُ ألَّا أفعل.» اعتقدَتْ أنه كان يريد أن يقول إن هناك شيئًا بشأنها جعَلَها لا ترقى لأنْ يُقبِّلها؛ فلقد كبَحَ جماحَ رغبته فجأةً، وانقلبَتْ إلى نوعٍ من الرصانة والتعقُّل. وأردَفَ قائلًا: «والآن بينما نعبر الجسر، هل نتجه يمينًا إلى طريق مارين دريف؟ سأعتمد عليكِ لإخباري.» ••• لم يمر يوم من فصول الخريف والشتاء والربيع التالية دون أن تفكِّر به. لقد بَدَا الأمر أشبهَ بالحلم المتكرر الذي يحلم به المرء بمجرد أن يغطَّ في النوم. كانت تتَّكِئ برأسها على وسادة الأريكة الخلفية، وتتخيَّل أنها تستلقِي بين ذراعَيْه. قد لا يتخيَّل المرء أنها لم تكن لتتذكر وجهَه، لكن صورته كانت تقفز أمامها وتتذكَّر كلَّ تفاصيلها؛ إنه وجه رجل من ذلك النوع من الرجال الذين يتسمون بالانطوائية والروح الساخرة، به بعض التجاعيد ويحمل تلك النظرة المتعبة. ولم تَنْسَ جسدَه؛ فلقد تذكَّرَتْ صورته أيضًا؛ حيث بَدَا نحيلًا بعض الشيء، لكن به من التناسُق ما يجعله مثيرًا ومرغوبًا فيه بشدة. كانت على وشك البكاء من فرط الحنين. لكنَّ كلَّ تلك التخيُّلات كانت تختفي وتدخل في سُباتٍ عميقٍ عندما يأتي بيتر إلى المنزل، وكانت تظهر على السطح مشاعرُ الوُدِّ اليومية الصادقة كعهدها دائمًا. لقد كان ذلك الحلم في الواقع أشبهَ بطقس فانكوفر؛ يحوي ذلك الحنينَ الموحش، والحزنَ الحالم الجيَّاش، وهو ثقل يرزح تحته القلب. لكن ماذا عن رفضه تقبيلَها؟ والذي بدا أشبه بضربة قاسمة. لقد تناسَتْه ببساطة، وأغفلته تمامًا من ذاكرتها. وماذا عن شِعْرها؟ لم تكتب بيتًا، أو تدوِّن كلمةً؛ ليست ثمة إشارة توحي بأنها كانت تهتم به من قبلُ على الإطلاق. وبالطبع كانت تنتابها نوباتُ اللهفة تلك في الغالب عندما تكون كاتي نائمةً؛ فكانت تنطق اسمَه بصوتٍ عالٍ في بعض الأحيان، كانت تعتريها حالةٌ من الحماقة، ثم يعقبها شعورٌ شديد بالخزي والخجل حيث تشعر بالازدراء حيال ما تفعله. حالة من البلاهة والغباء. إنها تشعر حقًّا بأنها بلهاء. ثم جاءت المفاجأة الشديدة؛ احتماليةُ العمل بمشروعٍ في لوند، ثم التأكيد على ذلك، ثم عرض الإقامة في منزل الصديقة بتورونتو. هناك تَغَيُّر واضح في الطقس، فرصة للتحلِّي ببعض الجرأة. ••• وجدَتْ نفسَها تكتب خطابًا. لم تبدَأْه على أي نحوٍ معتاد؛ فلم تكتب «عزيزي هاريس» أو «هل تتذكرني؟» إن كتابة هذا الخطاب أشبه بوضع رسالة في زجاجة وتمنِّي أنْ تصل إلى اليابان. كان أقرب إلى قصيدة. لم تكن لديها أدنى فكرة عن العنوان، كان لديها من الجرأة والحماقة ما يكفي لجعلها تهاتِف أصحابَ الحفل، لكنْ عندما أجابَتْها المرأة على الطرف الآخَر، شعرَتْ بجفافٍ في حلقها وبخواء داخلي يشبه خواءَ سهولِ التندرا، وأغلقَتِ الخطَّ. وحملت كاتي في عربتها وذهبت بها إلى المكتبة العامة، وعثرت على دليل الهاتف الخاص بتورونتو؛ وجدَت الكثيرَ ممَّن يحملون اسمَ بينت، لكنْ ليس من بينهم مَن اسمه الأول هاريس، أو اسمه إتش بينت. واتَتْها فكرةٌ مزعجة، وهي أنْ تنظر في صفحةِ الوفيات بجريدة تورونتو، ولم تستطع أن تمنع نفسها من تنفيذها. انتظرت حتى انتهى الرجل الذي كان يقرأ نسخةَ الجريدة المتواجِدة بالمكتبة. إنها عادةً لا تقرأ تلك الجريدة لأنه ينبغي عبور الجسر للحصول عليها، وعادةً ما يُحضِر بيتر معه جريدةَ «فانكوفر صن». راحَتْ تقلِّب صفحات الجريدة بسرعةٍ حتى عثرَتْ على اسمه أعلى أحد الأعمدة. إذن فهو لم يمت؛ إنه صاحبُ عمودٍ بالجريدة، وهو لا يرغب بطبيعة الحال في أن يزعجه الآخَرون ويحادثوه هاتفيًّا في منزله بالحصول على رقم هاتفه من دليل الهاتف. كان يكتب عن السياسة، بَدَا أن أسلوبه جذَّاب وتتسم كتابته بالبراعة، لكنها لم تهتم بأيٍّ من ذلك. وأرسلَتْ خطابها إليه هناك، إلى عنوان الجريدة. لم تكن واثقةً من أنه يفتح بريدَه الخاص، واعتقدَتْ أنَّ وضْعَ كلمة «خاص» على الظرف من شأنه أن يثير المشاكل؛ لذا كتبَتْ فقط تاريخَ وصولها وموعدَ القطار بعد العبارة الخاصة بالزجاجة. لم تذكر اسمها؛ فقد اعتقدَتْ أنَّ مَن يفتح الظرف قد يظن أنها قريبة متقدِّمة في العمر معتادة على الكتابة بطريقة غريبة؛ فليس ثمة شيءٌ يمكن أن يُسَبِّب له أيَّ نوع من الإزعاج أو المشكلات، حتى بافتراض إرسال ذلك الخطاب إلى منزله وفتحه من قِبَل زوجته، التي لا بد أنها قد غادرَتِ المستشفى الآن. ••• كان من الواضح أن كاتي لا تَعِي أن وجود بيتر على رصيف المحطة يعني أنه لن يسافر بصحبتهما. وعندما شرعا في التحرك بينما لم يفعل هو، وعندما تركاه خلفهما حينما زاد القطار من سرعته؛ تأثَّرَتْ بشدةٍ إزاءَ ترْكِه إياهما. لكنها هدأت بعد فترةٍ، مُخبِرةً جريتا أنه سيكون معهما بحلول الصباح. وعندما قَدِم ذلك الصباحُ كانت جريتا تشعر بالحزن والقلق، لكن كاتي لم تذكر شيئًا عن غياب أبيها على الإطلاق. سألَتْها جريتا إنْ كانت تشعر بالجوع وردَّتْ كاتي بالإيجاب، ثم راحت توضِّح لأمها — كما فعلَتْ قبلَ أن يطآ القطارَ — أن عليهما خلع ملابس النوم وتناوُل إفطارهما في مكانٍ آخَر بالقطار. «ما الذي ترغبين في تناوله على الإفطار؟» «بازلاء مقرمشة.» كانت تعني رقائقَ الإفطار رايس كريسبيز. «سنرى إنْ كان لديهم منها هنا أم لا.» وقد وجدا ما تريدانه وأكلتا منه. «والآن هل سنذهب ونجد أبي؟» ••• كانت توجد مساحة مخصَّصة للعب الأطفال لكنها كانت صغيرة للغاية، وقد شغلها ولد وبنت، بَدَا واضحًا من خلال ملابسهما المتماثِلة المطبوعة عليها صورة أرنب أنهما شقيقان، وكانت لعبتهما عبارة عن تحريك عربتين صغيرتين إحداهما في اتجاه الأخرى، ثم الانحراف بهما في آخِر لحظة. لكنَّ العربتين ارتطمتا مُحدِثتين ضجيجًا عاليًا. قالت جريتا: «هذه كاتي وأنا والدتها. ما اسمكما؟» علا الضجيج الناتج عن اصطدام العربتين، ولم يرفع الطفلان بصرهما لأعلى. قالت كاتي: «أبي ليس معنا.» رأت جريتا أنه من الأفضل أن يرجعا إلى مقصورتهما ويحضرا كتابَ كريستوفر روبين الخاص بكاتي، ويأخذاه إلى عربة المشاهَدة المقبَّبة لكي تقرأه لها. وليس ثمة احتمالٌ أن يسبِّبا إزعاجًا لأحدٍ؛ لأن الإفطار لم ينتهِ بعدُ، ولم يمر القطارُ بعدُ على المناظر الجبلية الهامة. وكانت المشكلة أنه بمجرد انتهاء جريتا من قراءة الكتاب، أرادَتْ كاتي أن تُعِيد عليها قراءتَه مرةً ثانية على الفور. كانت هادئةً خلال المرة الأولى، لكنها راحت الآن تردِّد معها ما تقول في نهاية السطور، وفي المرة التي تَلَتْها أخذَتْ تردِّد خلفَها كلَّ كلمة، بالرغم من أنها لم تصل لمرحلة قراءته بنفسها. تخيَّلَتْ جريتا أن ذلك يمكن أن يكون مصدرَ إزعاجٍ للآخرين في حال امتلاء عربة المشاهدة؛ فالأطفالُ في عمر كاتي ليسَتْ لديهم أيُّ مشكلة في التكرار، بل على العكس هم يحبون ذلك الأسلوبَ بشدة، ويغرقون فيه ويلوكون الكلمات المألوفة مرارًا كما لو أنها قطعة من الحلوى التي لن تفنى أبدًا. صعد الدَّرَج صبي وفتاة، وجلسا قبالةَ جريتا وكاتي، وألقيا تحيةَ الصباح في بهجةٍ شديدةٍ وردَّتْ جريتا تحيتهما، ولم يَرُقْ لكاتي ترحيبها وتقبُّلها لوجودهما، وواصلَتْ إلقاءَ الكلمات بصوتٍ خفيض وهي تنظر إلى الكتاب. وعبر المقعد الواقع ناحيةَ الممر انبعث صوتُ الصبي هادئًا كصوتها وهو يردِّد: إنهم يُغَيِّرون الحرَّاسَ عند بوابة قصر باكينجهام لقد ذهب كريستوفر روبين بصحبة أليس. بعد أن انتهى من تلك العبارة، بدأ عبارة أخرى: «إنني لا أحبُّها؛ أنا سام.» ضحكت جريتا لكن كاتي لم تفعل. لاحظت جريتا أن كاتي شعرَتْ ببعض الغضب والضيق؛ إنها تَعِي أن بعض الكلمات السخيفة قد تخرج من كتابٍ ما، ولكنْ ليس من فم شخصٍ لا يحمل كتابًا. قال الصبي لجريتا: «معذرةً، فنحن في مرحلةِ ما قبل المدرسة، وهذا هو الأدب الذي ندرسه.» ثم انحنى نحو كاتي وتحدَّثَ إليها في جدية وهدوء، قائلًا: «هذا كتاب لطيف، أليس كذلك؟» قالت الفتاة موجِّهةً حديثها لجربتا: «إنه يعني أننا نعمل مع الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة. مع هذا قد يختلط علينا الأمر في بعض الأحيان.» استمر الصبي في حديثه مع كاتي. «أعتقد أنه بمقدوري تخمين اسمك الآن. ما هو؟ أهو روفس، أم روفر؟» عضَّتْ كاتي شفتَيْها ولم تستطع أن تكبح رغبتها في أن تردَّ ردًّا عنيفًا. فقالت: «أنا لستُ بكلبة.» «أوه، من المفترض ألَّا أتَّسِم بهذا الغباء. أنا صبي واسمي جريج، وهذه الفتاة تُدعَى لوري.» قالت لوري: «لقد كان يعمد إلى إغاظتك، هل تودين أن أضربه؟» فكَّرَتْ كاتي في الأمر ثم قالت: «لا.» استمر جريج في حديثه قائلًا: «أليس تتزوَّج واحدًا من الحرَّاس. تقول أليس: «إن حياة الجندي شاقة حقًّا».» راحت كاتي تردِّد الكلمات في هدوءٍ عند ذِكْر اسم أليس في المرة الثانية. أخبرت لوري جريتا بأنهما يجوبان الحضانات لأداء بعض المقاطع الكوميدية، وهذا ما يُطلَق عليه أعمال إعداد الأطفال لمرحلة القراءة. كانا ممثِّلين في الواقع. وأضافت أنها ستنزل في جاسبر حيث ستعمل نادلةً في فترة الصيف بجانب تقديم بعض المقاطع الكوميدية؛ وهذا لا يتعلق بإعداد الأطفال لمرحلة القراءة في الواقع، لكن ما يُطلَق عليه ترفيه البالغين. قالت: «يا إلهي.» ثم ضحكت قائلةً: «استفيدي من الأمر قدرَ ما تستطيعين.» أما جريج، فلا يرتبط بأي عمل، وكان في طريقه لمدينة ساسكاتون حيث تقطن عائلته. حدثت جريتا نفسها بأن كليهما يتَّسِم بالجاذبية والجمال. كانا طويلَي القامة، ذوَيْ قدٍّ رشيقٍ جدًّا. كان له شعر داكن مجعد، أما شعرها فكان أسود يسترسل في نعومةٍ كشعر مريم العذراء. وعندما ذكرَتْ وجْهَ الشبه بينهما فيما بعدُ بفترةٍ، قالا إنهما يستفيدان من ذلك في بعض الأحيان، وذلك عندما يتعلق الأمر بالترتيبات الخاصة بالمعيشة؛ فذلك يجعل الأمورَ أيسرَ بكثير، لكنْ كان عليهما أن يتذكَّرَا طلَبَ سريرين، والتأكُّد من جعل السريرين يبدوان في حالة فوضى إثرَ نومهما عليهما بالليل. ••• وقد أخبراها الآن أنْ ليس ثمة ما يدعو للقلق، فلا شيء يبعث على الضيق والغضب. لقد انتهَتْ علاقتُهما، وذلك بعد ثلاث سنوات أمضياها معًا. ولم يُقِيما أيَّ علاقاتٍ حميمة منذ أشهرٍ، على الأقل كلٌّ منهما مع الآخَر. قال جريج لكاتي: «والآن يكفي الحديث عن قصر باكينجهام. عليَّ أن أقوم ببعض التمرينات.» اعتقدت جريتا أن ذلك يعني أنه سيهبط لأسفل، أو على الأقل سيتجه إلى الممر من أجل أداء بعض التمرينات، لكنْ بدلًا من ذلك قام هو ولوري بإلقاء رأسَيْهما للخلف، ومدَّا صوتيهما، وراحا يصيحان ويُصدِران أصواتًا عالية، ويصدحان ببعض الأغاني الغريبة. شعرت كاتي بالسعادة، واعتبرته إهداءً لها؛ عرضًا لكي تستمتع به. وقد تصرَّفت على نحوٍ لائقٍ حيث أدَّتْ دورَ الجمهور؛ فظلت ساكنةً حتى انتهى العرض، ثم انفجرت بعدها في الضحك. توقَّفَ بأسفل الدَّرَج بعضُ الأشخاص الذين كانوا يبغون صعودَه، ولم يشعروا بنفس درجة الإبهار التي كانت تشعر بها كاتي، ولم يدروا بما يعقبون. قال جريج: «معذرةً.» دونَ أيِّ توضيحٍ، لكن على نحوٍ ينمُّ عن نوعٍ من الودِّ وطلب الصداقة، ثم مدَّ يده نحو كاتي ليصطحبها، وقال: «لِنَرَ إنْ كان هناك مكانٌ للعب.» تبعتهما جريتا ولوري. وتمنَّتْ جريتا ألا يكون جريج واحدًا من هؤلاء البالغين الذين يُقِيمون صداقاتٍ مع الأطفال للتيقُّن من مدى جاذبيتهم لديهم، ثم يغلب عليهم بعد ذلك الشعورُ بالملل والغضب عندما يدركون أن الأطفال لا يملُّون من التعلُّق بهم وإظهار مشاعرهم نحوهم. وأثناء وقت الغداء أو بعده بقليلٍ، أدركَتْ أنها ليست بحاجةٍ إلى القلق؛ فلم يحدث أنْ شعَرَ جريج بالإنهاك والملل حيال اهتمام كاتي وتعلُّقها، بل انضمَّ العديدُ من الأطفال الآخَرين إلى ساحة المنافَسة، ولم يَبْدُ على جريج مطلقًا أيُّ شيءٍ ينمُّ على شعوره بالملل. لم يَقُمْ بالترتيب لأيِّ نوعٍ من المنافسة؛ لقد نجح في جذب الانتباه إليه أولًا، ثم جعل الأطفال ينتبه كلٌّ منهم للآخَر، ثم جعلهم يمارسون بعضَ الألعاب الممتعة، أو حتى المثيرة التي تستنزف طاقتَهم، وليس تلك العنيفة التي تسبِّب ضيقهم. لم يُظهِر أحدُهم أيَّ شعور بالغضب، واختفَتْ سلوكياتُ الأطفال المعهودة التي تعكس تدلُّلَهم. لم يكن هناك ببساطةٍ وقتٌ لذلك؛ فقد كانت هناك ألعابٌ مثيرة تجذب اهتمامهم. لقد كان ذلك بمنزلة معجزة؛ كيف استطاع بمنتهى السهولة أن يسيطر عليهم في تلك المساحة الصغيرة. أما طاقتهم التي استنزفوها، فستجعلهم يغفون سريعًا في المساء. قالت جريتا للوري: «إنه رائع.» قالت لوري: «هو هكذا في أغلب الأحيان، إنه لا يدَّخِر طاقته. كثيرٌ من الممثلين يفعلون ذلك؛ الممثلين بوجه خاص، وقد يموتون عندما لا يمثلون.» حدَّثَتْ جريتا نفسها قائلةً: هذا ما أفعله؛ إنني أدَّخِر طاقتي معظم الوقت. لكني أهتمُّ بكاتي، وأهتمُّ ببيتر. في خلال العقد الذي دخلوا فيه بالفعل، وهو الشيء الذي لم تلاحظه هي على الأقل، سيكون هناك الكثير من الاهتمام الذي سيُولى لصفة التواجُد التي وصفَتْ بها لوري جريج، والتي سيتغير معناها لمعنًى لم يعتَدْ عليه من قبلُ؛ الاتفاق مع ما هو سائد. العطاء. يوجد أشخاص معطاءون وآخرون ليسوا كذلك. وكان من المفترض أن تتلاشى الحواجز بين ما يدور داخل عقلك وما يدور خارجَه؛ فالمصداقيةُ تتطلَّب ذلك. كانت أشياء مثل قصائد جريتا التي لا تتفق مع ما هو سائد مصدرَ ريبةٍ، بل مصدر احتقار أيضًا في بعض الأحيان. بالطبع، استمرت على نحوٍ صحيح في فعل ما كانت تفعله؛ فقد كانت تعارِض الثقافةَ المضادة وتسبر غورها سرًّا بعزْمٍ. ولكن في اللحظة الحاضرة، استسلمت طفلتها تمامًا لجريج، وأيًّا ما كان يفعله؛ فقد كانت تشعر حيالَه بالامتنان الكامل. وكما توقَّعَتْ جريتا فقد خلَدَ الأطفال للنوم في فترةِ ما بعد الظهيرة، وكذلك فعَلَ بعض الأمهات، بينما راح بعضهن يلعب الورق. أخذ جريج وجريتا يلوحان للوري عندما نزلت في جاسبر، بينما راحت هي تبعث لهم بالقُبلات وهي تقف على رصيف المحطة. ظهَرَ رجل متقدِّم في العمر وحمل عنها حقيبتَها، وقبَّلَها بحنان ثم لوَّحَ لجريج الذي أشار إليه بدوره هو الآخَر. قال جريج: «إنَّ حاضِرَها يعانقها.» راحوا يلوِّحون بشدةٍ عندما شرع القطار في التحرُّك، ثم اصطحَبَ هو وجريتا كاتي مرةً أخرى إلى مقصورتها حيث غطَّتِ الطفلة في النوم بينهما؛ فقد تبعت من اللعب والقفز، فراحت في النوم. فتحا ستارةَ المقصورة لإدخال بعض الهواء، ولم تَعُدْ هناك خطورةٌ الآنَ من أن تسقط الطفلة من النافذة. قال جريج: «إنه لَشيءٌ رائع أن يكون لدى المرءِ طفلٌ.» كانت تلك كلمة جديدة أخرى في ذلك الوقت، أو على الأقل جديدة بالنسبة إلى جريتا. قالت: «هذا شيء معتاد.» «إنكِ هادئة جدًّا. الشيء التالي الذي ستقولينه: «إنَّ هذا شأنُ الحياة».» قالت: «لا، لن أفعل.» وظلت تحدِّق في عينَيْه حتى هزَّ رأسَه وضحك. أخبرها بأنه دخل مجالَ التمثيل بسبب ديانته، فعائلتُه كانت تنتمي لإحدى الطوائف المسيحية التي لم تسمع بها جريتا من قبلُ. ولم تكن تلك الطائفة وافرةَ العدد لكنها كانت ثرية جدًّا، أو على الأقل بعض أفرادها كذلك؛ فبَنَوْا كنيسة وألحقوا بها مسرحًا، وذلك في إحدى البلدات الواقعة في منطقة البراري؛ ومن هنا بدأ التمثيل قبل أن يبلغ العاشرة من العمر. كانوا يعرضون قصصًا ومواعظَ من الكتاب المقدس، ومن الحاضر أيضًا، بشأن الأشياء المروعة التي تقع للأشخاص الذين لا يؤمنون بتعاليم الطائفة. كانت عائلته فخورةً جدًّا به، وكذا كان هو الآخَر فخورًا بنفسه؛ فلم يكن يحلم بأن يقصَّ عليهم كلَّ ما يجري عندما يأتي المؤمنون من الطائفة من الأثرياء لتجديد إيمانهم، ويحصلون على عزمٍ جديدٍ في حضرتهم. على أية حال، كان يروق له كلُّ ذلك الاستحسان، وقد أحبَّ التمثيل. استمر الأمر على هذا الوضع حتى أتى اليوم الذي واتَتْه فكرةُ التمثيل خارجَ نطاق الكنيسة وتعاليمها، وحاوَلَ أن يعرض فكرتَه بهدوءٍ وأدبٍ، لكنهم قالوا له بأن الشيطان قد سيطَرَ على عقله؛ فقال ساخرًا إنه يعلم مَن الذي تمكَّنَ منه الشيطان. ثم رحل مودِّعًا. قال: «لا أريدك أن تعتقدي أن كل ما في هذا الدين سيئ، فأنا ما زلتُ أُومِن بالصلاة وبكل شيء، لكني لا أستطيع أن أخبر عائلتي بما أفعله؛ فأيُّ شيء يعلمونه بشأني قد يقضي عليهم. هل تعرفين أناسًا كهؤلاء؟» أخبرته أنها حينما انتقلَتْ هي وبيتر لأول مرة إلى فانكوفر، اتصلت جدتها التي كانت تعيش في أونتاريو بكاهن في إحدى الكنائس هناك كانت تعرفه، وطلبَتْ منه الذهاب لمنزل جريتا، فلبَّى دعوةَ جدتها، لكنَّ جريتا قابلَتْه بنوعٍ من التكبُّر والغطرسة. قال إنه سيصلِّي من أجلها، فأوضحَتْ له دونَ أن تنطق بأي كلمة بأنْ عليه ألَّا يهتم بشأنها. كانت جدتها تحتضر في ذلك الوقت. شعرت جريتا بالخزي، وكانت تشعر بالغضب حيال هذا الشعور بالخزي كلما فكَّرَتْ في هذا الأمر. لم يتفهَّم بيتر مثل هذه الأمور؛ فلم تذهب أمه مطلقًا إلى أية كنيسة، على الرغم من أن أحدَ أسباب هروبها به وهو صغير عبر الجبال ربما يكون أن يصبحا كاثوليكيين. كان يقول إن الكاثوليك ربما يتمتعون ببعض المزايا؛ فبمقدورك تقليل المخاطر، حتى الموت. كانت تلك المرة الأولى التي يطرأ بيتر على ذهنها منذ فترة. الحقيقة أن جريج وجريتا كانا يحتسيان الشراب بينما يتبادلان ذلك الحوار الكئيب والباعث على الراحة بعض الشيء في نفس الوقت. كان قد أحضَرَ زجاجةً من خمر الأوزو. كانت حَذِرةً إلى حدٍّ ما بشأن تناوُله، تمامًا كما كانت مع أي نوع من الكحوليات منذ ذلك اليوم الذي ثملت فيه في حفلة الكُتَّاب، لكن بدأ يظهر بعضُ أثَرِ تناوُلِهما لهذا النوع من الخمر، الذي جعل كلًّا منهما يعبث بيدِ الآخَر، ثم شرعا في تبادُل القُبلات والملاطفة. كلُّ ذلك كان يجري بجوار الطفلة التي كانت تغطُّ في النوم. قالت جريتا: «علينا ألَّا نكفَّ عن ذلك، وإلا أصبح المشهد مُؤسِفًا.» قال: «لسنا من يفعل ذلك، وإنما اثنان غيرنا.» «أخبرهما أن يكفَّا إذن. أَلَا تعرف اسمَيْهما؟» «انتظري. إنهما رج. رج ودوروثي.» «إذن كفَّ عن ذلك يا رج. وماذا عن طفلتي البريئة؟» «بمقدورنا الذهاب إلى مقصورتي، إنها ليست ببعيدة.» «ليس لدي أي …» «أنا لديَّ.» «يبدو أنك معتاد على هذا الأمر.» «بالطبع لا. أي نوع من الوحوش تظنينني؟» رَتَّبَا الأغطية التي تبعثرت، ثم انسلَّا من المقصورة، وراحا يُغلِقان جيدًا أزرارَ فراش كاتي الذي تنام عليه. ثم شقا طريقهما من مقصورتها إلى مقصورة جريج وهما يتمايلان في نشوة واسترخاء. لم يكن ثمة داعٍ لأنْ يغادرا مقصورتها؛ فلم يصادفا أحدًا في طريقهما؛ فالأشخاص الذين لم يكونوا موجودين في عربة المشاهَدة المقببة لالتقاط صور للجبال الممتدة، كانوا إما في عربة الحانة، وإما نائمين. وفي مقصورة جريج غير المرتَّبة استكملا ما كانا قد بدآه. لم تكن هناك مساحة تكفي لكي يستلقي شخصان بصورة مريحة، فالتصَقَ كلٌّ منهما بالآخَر. في البداية لم تنقطع ضحكاتهما المكتومة، وتبعتها لحظاتٌ من المتعة العارمة، ولم يكن ثمة مكان يقع عليه بصرهما سوى عينَيْ كلٍّ منهما. كانا يعضُّ كلٌّ منهما الآخَر كيلا تصدر عن أيٍّ منهما أي أصوات عالية. قال جريج: «رائع، جميل.» قالت: «عليَّ أن أعود أدراجي.» «سريعًا هكذا؟» «قد تستيقظ كاتي ولا تجدني.» «حسنًا، حسنًا. على أية حال، عليَّ أن أستعِدَّ للنزول في ساسكاتون. ماذا لو كنَّا بلغناها وسطَ ما كنا نفعله؟ كنت سأقول: مرحبًا أمي، مرحبًا أبي. معذرةً، انتظراني دقيقة بينما …!» استجمعَتْ شتات نفسها وأصلحت هندامها، وتركته. في الواقع لم تهتم بمَن يمكن أن تقابله في طريقها. كانت واهنة، مشدوهة، لكن يغمرها الإحساس بالنشوة والبهجة كالمصارع بعد جولة عنيفة في حلبة المصارعة؛ هكذا فكَّرَتْ في الأمر والابتسامة تعلو وجهها. على أية حال لم تلتقِ بأحدٍ. لم تجد المشبك السفلي للستارة مغلقًا، لكنها كانت تتذكر جيدًا أنها أغلقته قبل أن تذهب. ومع ذلك، فحتى إنْ كان مفتوحًا فسيكون من الصعب أن تنسلَّ كاتي من بينها، وبالقطع لن تحاول. عندما تركتها جريتا ذات مرة لتذهب إلى الحمام أوضحَتْ لها جيدًا أنه لا ينبغي على كاتي أن تتبعها، وأجابتها كاتي حينها قائلةً: «لن أفعل.» كما لو أنها تقول لأمها أنها لا تزال تعاملها كطفل رضيع. أمسكت جريتا بالستارة كي تفتحها على آخرها، وعندما فعلت لم تجد كاتي. جُنَّ جنونها ورفعت الوسادة كما لو أن طفلة بحجم كاتي يمكن أن تخفي نفسها تحتها. أخذت تمرِّر يدها على الغطاء؛ فربما تختفي كاتي تحتها. استطاعت السيطرة على أعصابها وحاولَتْ أن تسترجع الأماكن التي توقَّفَ بها القطار، وتفكر إن كان قد توقف بالفعل أم لا، وذلك خلال الوقت الذي أمضته مع جريج. ولكن هل من الممكن أن يكون قد تسلَّلَ أحدُ الخاطفين أثناء توقُّف القطار — إنْ كان قد توقَّفَ بالأساس — وحمل كاتي وفرَّ هاربًا بها؟ وقفت في الممر تحاول أن تفكر بما يمكن فعله لكي تُوقِف سيْرَ القطار. ثم فكرت — أو هكذا أجبرت نفسها على الاعتقاد — بأن شيئًا من هذا القبيل لا يمكن أن يحدث، وقالت في نفسها: لا تكوني سخيفة، لا بد أن كاتي قد استيقظَتْ ولم تجدني وذهبت لتبحث عني، بمفردها. لا بد أن تكون في مكان ما بالقرب من هنا. لا بد أن تكون في مكان قريب. إن البابَيْن المتواجدَيْن عند طرفَيِ المقصورة صعبا الفتح جدًّا عليها. استطاعت بالكاد أن تتحرك من مكانها، شعرت بأن عقلها وجسدها قد أضحيا فارغين. لا يمكن أن يكون قد حدث ذلك واختفت الطفلة. يا ليت الوقت يعود قبل أن تذهب مع جريج. ليته توقَّفَ هناك. كان هناك مقعد شاغر بجوار الممر، وقد وضع أحدهم فوقه سترةً نسائيةً ومجلةً لحجزه، وعلى مسافةٍ أبعد منه كان هناك مقعدٌ مشابكُ أحزمته كلها مربوطةٌ، تمامًا مثل تلك الخاصة بها هي وابنتها، فقامت بفكها بيد واحدة. تحرَّكَ الرجل العجوز الذي كان مستلقيًا على المقعد ويغطُّ في نوم عميق، ليستلقي على ظهره لكنه لم يستيقظ، ولم يكن ثمة احتمال أنه يُخفِي أحدًا. يا لبلاهتها! ساوَرَها خوف جديد. لنفترض أن كاتي شقَّتْ طريقَها إلى إحدى نهايتَي العربة ونجحت بالفعل في فتح أحد بابَيْها، أو أنها قد تتبَّعَتْ شخصًا فتحه أمامها. هناك ممر قصير بين العربات حيث تجد نفسك في الواقع تسير فوق المكان الذي يربط بين العربات بعضها ببعض؛ يمكنك هناك أن تستشعر حركةَ القطار بطريقة مفاجئة ومزعجة، ويوجد أمامك بابٌ ثقيل ومن خلفك آخَر مثله، وعلى جانبَيِ الممر ترى ألواحًا معدنية تُصدِر ضجيجًا عاليًا، وهي تغطي الدَّرَج الذي يتم إنزاله عندما يتوقَّف القطار. وغالبًا ما يُسرِع المرء من خطاه عبر تلك الممرات؛ حيث يذكِّره ذلك الضجيجُ والتمايُل بكيفية ترتيب الأشياء معًا وتنظيمها بطريقةٍ يبدو أنه من الممكن في النهاية تغييرها؛ فالتمايل والضجيج هذان يَحْدُثان بصورة متقطعة غير منتظمة ولكنها سريعة. كان الباب المتواجِد في نهاية العربة ثقيلًا ويصعب فتحه حتى بالنسبة إلى جريتا، أو يبدو أن الخوف استنفَدَ طاقتها فراحت تدفعه بكتفها بكلِّ قوتها. وهناك، بين العربات وعلى واحد من تلك الألواح المعدنية التي تُصدِر ضجيجًا باستمرارٍ وجدَتْ كاتي جالسة. كانت عيناها مشدوهتَيْن، وفمها مفتوحًا بعض الشيء تشعر بالدهشة والوحدة. لم تكن تبكي على الإطلاق، لكن بمجرد أن رأت أمها شرعت في البكاء. جذبتها جريتا ورفعتها لتضعها على وركها، واستدارت بصعوبةٍ مواجِهةً البابَ الذي كانت قد فتحَتْه لتوِّها. كانت جميع عربات القطار تحمل أسماء لإحياء ذكرى بعض المعارك أو الاستكشافات أو المشاهير الكنديين، وكانت عربتهما تحمل اسم كونوت. إنها لم تكن لتنسى هذا الاسم مطلقًا. لم تُصَبْ كاتي بأيِّ أذًى على الإطلاق، ولم تشتبك ملابسها كما هو متوقَّع بالأطراف الحادة المتغيرة للألواح المعدنية. قالت: «لقد ذهبتُ لأبحث عنكِ.» متى؟ منذ دقيقة فقط؟ أم بعد أن تركَتْها جريتا مباشَرةً؟ بالقطع لا، لا بد أن أحدهم كان سيلمحها هناك ويحملها، ثم يذهب ليبلغ عن العثور على طفلة. كان اليوم مشمسًا لكنه ليس دافئًا في واقع الأمر، وكانت يدها ووجهها باردَيْن للغاية. قالت: «ظننتُكِ على الدَّرَج.» دثَّرَتْها جريتا بالغطاء الموضوع على فراشهما، وحينها بدأت تشعر هي الأخرى برعشةٍ تسري في أوصالها كما لو أن حمَّى قد أصابتها. شعرت بغثيان، واستشعرَتْ بالفعل آثارَ بعض القيء في حلقها. قالت كاتي: «لا تدفعي بي هكذا.» ثم تلوَّتْ وأزاحَتْ نفسها بعيدةً عنها. وقالت: «تفوح منكِ رائحةٌ كريهة.» أزاحت جريتا ذراعَيْها بعيدًا ثم استلقَتْ على ظهرها. كان ما حدث أمرًا فظيعًا، تصوُّراتها عمَّا كان من الممكن أن يحدث كانت مُفزِعةً. كانت الطفلة لا تزال ثائرةً وتنأى بنفسها بعيدًا عنها. لا بد أن أحدهم كان سيعثر على كاتي؛ فكان سيلمحها هناك شخصٌ محترم، وليس شريرًا، ويحملها إلى حيث تكون في مأمن. كانت جريتا ستسمع الإعلانَ المُفزِع، أخبار العثور على طفلةٍ بمفردها في القطار، طفلة تقول إن اسمها هو كاتي. كانت جريتا ستهرع إليهم من المكان الذي كانت تتواجد فيه في تلك اللحظة، محاوِلةً أن تهندم نفسها قدر الإمكان، لتخبرهم بأن الطفلة هي ابنتها وكانت ستكذب حين تقول إنها كانت في الحمام حينما وجدوا طفلتها. كانت ستكون خائفة جدًّا، لكنها في نفس الوقت لم تكن لترى الوضعَ الذي كانت عليه طفلتها الآن؛ لم تكن لترى طفلتها وهي تجلس في ذلك المكان المزعج، عاجزةً لاحولَ لها ولا قوة بين عربات القطار، لا تبكي أو تتذمَّر كما لو أنه كان عليها أن تبقى في هذا المكان للأبد دون أن يقدِّم لها أحدٌ أيةَ تفسيرات لذلك، ودون وجود أي بادرةِ أملٍ تلوح في الأفق لإخراجها مما هي فيه. كانت عيناها على نحوٍ غريبٍ خاليتين من أي تعبير، وكان فمها مفتوحًا بعض الشيء، وذلك في اللحظة التي سبقت تفاجُئِها بحقيقة إنقاذها، وحينها شرعت في البكاء؛ حينها فقط، استعادت عالَمَها، وحقَّها في البكاء والشكوى. قالت الآن إنها لم تكن ترغب في النوم، وأنها تريد أن تظل مستيقظةً. وسألت عن مكان جريج، فأخبرتها جريتا أنه يأخذ غفوةً لأنه مُتعَب. ذهبَتْ بصحبة جريتا إلى عربة المشاهدة المقببة لقضاء بقية فترة ما بعد الظهيرة بها، ولم يكن بها أحد سواهما تقريبًا؛ فلا بد أن الأشخاص الذين كانوا يلتقطون الصور قد شعروا بالتعب وقتَ التقاطهم صورًا لجبال روكي. وبحسب تعليق جريج من قبلُ، إن أرض البراري التي يمرون بها قد ألقَتْ بعضَ الكآبة والملل في نفوسهم. توقَّفَ القطار لوقت قصير في ساسكاتون وهبط منه عدة أشخاص، وكان جريج من بينهم، ورأت جريتا شخصين يُحَيِّيَانِه بدا واضحًا أنهما والداه، وحيَّتْه أيضًا امرأةٌ تجلس على مقعد متحرك، ربما تكون جدته، ثم التفَّ حولَه مجموعة من الشباب الذين كانوا بانتظاره وقد ارتسمَتْ على وجوههم أماراتُ البهجة والحياء. لم يَبْدُ على أيٍّ منهم أنه ينتمي إلى طائفة دينية، أو أنهم أناس تغلب عليهم الشدة والصرامة بأي حال من الأحوال. لكن كيف يكون بمقدورك أن تلمح ذلك وتتأكَّد من أنه موجود في أي شخص من الأشخاص؟ حوَّلَتْ جريتا نظرَها عنهم وراحت تبحث عنه عبر نوافذ القطار، ولوَّحَتْ له من خلال عربة المشاهدة المقببة، ولمَحَها هو وراح يلوِّح بدوره لها هو الآخَر. قالت لكاتي: «ها هو جريج، انظري لأسفل هناك. إنه يلوِّح لكِ، ألن تلوِّحي له؟» لكن كاتي وجدَتْ صعوبةً كبيرة في أن تلمحه وتنظر صَوْبَه، أو أنها على الأقل لم تحاول. استدارت مبتعِدةً على نحوٍ ملائم وبشيء من الضجر، واستدار جريج مبتعِدًا هو الآخَر بعد أن لوَّحَ للمرة الأخيرة والتي كانت على نحوٍ هزلي. وتساءَلَتْ جريتا إنْ كانت الطفلة تعاقبه لتركه لها، ومن ثَمَّ رفضَتْ أن تُلقِي نظرةً سريعة نحوه أو حتى تُقِرَّ بوجوده. حسنًا، إن كان هذا هو الوضع، فَلْننسَ الأمر. قالت جريتا وقد بدأ القطار يتحرك: «لقد لوَّحَ لك جريج.» «أعلم.» ••• بينما كانت كاتي تنام بجوار جريتا في فراشها تلك الليلةَ، أخذت جريتا تكتب خطابًا لبيتر. كان خطابًا طويلًا قصَّتْ له فيه ما دار مع كل الأشخاص الذين صادفتهم في القطار، وأرادته أن يكون لطيفًا ومَرِحًا. أخبرته أن معظمهم كانوا يفضِّلون رؤيةَ الأشياء من خلال كاميراتهم عن مشاهدتها على الطبيعة، إلى آخِره، وحكت له أيضًا عن كاتي وسلوكها الهادئ اللطيف بوجهٍ عام أثناء الرحلة. لم تذكر له شيئًا عن ضياعها بالطبع، أو عن الفزع الذي انتابها بسبب ذلك. ثم أرسلته عندما كانت أرض البراري قد توارَتْ عن الأنظار تمامًا، ولم يكن أمامَهم سوى منظرِ أشجار التنوب المارياني الممتدة بلا نهاية، وتوقَّفوا لسببٍ ما في هورنيباين، تلك البلدة الصغيرة المجهولة. كرَّسَتْ كلَّ الوقت الذي ظلَّتْ مستيقظةً خلاله للعناية بكاتي، وكانت تعلم جيدًا أنها لم تفعل ذلك من قبلُ على الإطلاق. لقد كانت حقًّا تهتم بالطفلة، وتلبسها، وتُطعِمها، وتتحدَّث معها، خلال كل تلك الساعات التي يكونان فيها معًا، ويكون فيها بيتر في عمله، لكن كانت توجد أيضًا لدى جريتا أشياء أخرى تفعلها في المنزل؛ لذا كان اهتمامها مجرد اهتمام سريع ومتقطِّع، وحنوُّها عليها شيئًا تلقائيًّا وآليًّا في الغالب. ولم تكن أعمال المنزل فقط هي السبب في ذلك؛ فقد كانت هناك أفكار أخرى تسيطر على ذهنها وتزيح الطفلة بعيدًا عن بؤرة اهتمامها. حتى قبل انشغالها الساذج والمُنهك بذلك الرجل الذي في تورونتو، والذي لم يكن هناك طائل من ورائه، كان هناك أيضًا مجال الشعر الذي بدا أنه كان يشغل عقلها معظم حياتها، وقد بدا لها الآن أن ذلك كان بمنزلة نوع آخر من الخيانة؛ لكاتي، ولبيتر، ولحياتها كلها. والآن وبسبب تلك الصورة المرتسمة في مخيلتها لكاتي وهي تجلس وحيدة؛ كاتي بمفردها وسط ضجيج الألواح المعدنية بين عربات القطار، فهناك شيء آخر ستُقلِع عنه. خطيئة. لقد كانت تحوِّل انتباهها إلى مكان آخَر، وصبَّتْ جمَّ انتباهها بشدةٍ على شيء آخَر بخلاف طفلتها. إن هذا خطيئة. ••• بلغوا تورونتو في منتصف الصباح. كانت السماء مُلَبَّدةً بالغيوم، وبرقُ ورعدُ الصيف يشقَّان السماء. لم تكن كاتي قد رأت مثل هذه الاضطرابات في الطقس في الساحل الغربي، لكن جريتا قالت لها إنه ليس ثمة ما تخشاه، وبَدَا أنها لم تكن خائفة. ولم تشعر بالخوف أيضًا من تلك الظلمة التي واجهوها في ذلك النفق المضاء بالكهرباء وتوقَّفَ فيه القطار. قالت: «لقد حلَّ المساء.» قالت جريتا إن المساء لم يحلَّ بعدُ، وإنَّ عليهم أنْ يسيروا حتى نهاية النفق حيث إنهم قد نزلوا الآن من القطار. وأضافت أن عليهم بعد ذلك صعود أحد الدروج، أو ربما استخدام سلمٍ متحركٍ لينفذوا إلى أحد المباني الكبيرة، ومنه إلى الخارج حيث سيستقلون إحدى سيارات الأجرة، التي كانت ستقلهم إلى منزلهم. كانوا سيذهبون إلى منزلهم الجديد حيث سيعيشون فيه لفترة من الوقت، وبعدها يعودون إلى منزلهم الحقيقي. صعدوا ممرًّا منحدرًا، ومنه إلى سلم متحرك. انتظرت كاتي ولم تصعد السلمَ المتحرك وكذلك فعلَتْ جريتا حتى لحق بهم آخَرون. صعدت جريتا السلمَ المتحرك حاملةً كاتي فوق إحدى وركَيْها، ومُمسِكةً حقيبتها باليد الأخرى، التي أخذت تتمايل وتهتز فوق خطوات السلم المتحركة. وعندما وصلا إلى أعلى السلم، أنزلت جريتا كاتي على الأرض وأمسكت بيدها مرة أخرى، وذلك في الضوء الساطع الفخم لمحطة تورونتو الرئيسية. راح الركاب الذين يتقدمونهم يغادرون المحطة أو يتلفتون حولهم بحثًا عمَّن ينتظرونهم، أو مَن ينادون أسماءهم، أو ببساطة مَن يقترب منهم ليحمل عنهم حقائبَهم. اقترب منهما شخص وحمل حقيبتهما؛ حملها وطوَّقَ جريتا بذراعَيْه وقبَّلَها للمرة الأولى بلهفةٍ واحتفاءٍ شديدَيْن. كان هاريس. انتابتها صدمةٌ في بادئ الأمر، ثم ارتباكٌ شديد واهتياجٌ عاطفي قوي. حاولَتْ أن تقبض على يد كاتي، لكن في تلك اللحظة ابتعدت الطفلة وتحرَّرَتْ من قبضتها. لم تحاول الهرب؛ وقفَتْ تنتظر فحسب ما سيحدث بعد ذلك. حياتي العزيزة
أمندسون جلستُ على المقعد المتواجد خارج المحطة ورحت أنتظر. كانت أبواب المحطة مفتوحة عندما وصل القطار، لكنها أُغلِقت الآن. جلست إحدى السيدات على الطرف الآخر من المقعد، ووضعت بين ركبتَيْها حقيبةً شبكية مليئة ببعض الأشياء المغلفة بالورق المزيت. كانت قطعًا من اللحم؛ اللحم النيِّئ. فبمقدورك شم رائحتها جيدًا. وفوق القضبان وقف القطار الكهربائي خاليًا، منتظرًا ركَّابه. لم يظهر أحد من الركاب الآخرين، وبعد فترة قصيرة أخرج ناظر المحطة رأسه ونادى قائلًا: «سان.» ظننتُه في البداية ينادي على اسم شخصٍ يُدعَى سام. (لكنه كان يقصد المصحة العلاجية الخاصة بالأطفال المصابين بالسل.) وقد ظهر عند نهاية المبنى رجل آخَر يرتدي نوعًا من الملابس الرسمية، عبَرَ القضبانَ وصعد إلى القطار. نهضَتِ المرأةُ التي تحمل الحقيبةَ المليئة بقِطَع اللحم وتبعته، وفعلتُ أنا نفسَ الشيء. تعالَتْ بعض الصيحات الآتية من ناحية الشارع، وفُتِحت أبواب مبنًى مُظلِم مغطًّى سقفه المستوي بألواح الخشب، ودخل منه عدد من الرجال الذين يضعون قبعات على رءوسهم، ويحملون أوعيةَ طعامِ الغداء التي كانت ترتطم بأفخاذهم أثناء سَيْرهم. وقد يُهَيَّأ إليك من الضوضاء التي يُحدِثونها أن القطار سينطلق بسرعةٍ في أية لحظة دون أن يركبوا فيه، لكن عندما صعدوا إليه، لم يحدث شيء. ظل القطار ثابتًا في مكانه بينما كانوا يَعُدون أنفسَهم، وقالوا إن هناك فردًا ناقصًا، وأخبروا السائق بأنه ليس بإمكانه التحرُّك الآن. ثم تذكَّرَ أحدهم أنه يومُ عطلةِ الشخصِ غير الموجود؛ حينها شرع القطار في التحرُّك بالرغم من أنك لا تستطيع أن تعرف إنْ كان السائق قد سمع أيًّا مما حدث أو أعاره أيَّ اهتمامٍ. نزل جميع الرجال عند مصنع نشر الأخشاب في الغابة — ولم تكن المسافة لتستغرق أكثر من عشر دقائق سَيْرًا على الأقدام للوصول إليه — وبعد فترة قصيرة ظهرت البحيرة أمامنا وكانت مغطَّاة بالثلوج، وكان يوجد قبالتها مبنًى خشبي عالٍ أبيض اللون. عدلت المرأة من وضع لفافات اللحم التي كانت تُمسِك بها، ونهضت من مكانها وهكذا فعلَتْ. نادى السائق مرةً أخرى قائلًا: «سان.» وفُتِحت أبواب القطار. وقفَتِ امرأتان تنتظران الصعود، وحيَّتَا المرأة التي تُمسِك باللحم فردت التحية وقالت لهما إن اليوم شديد البرودة. تحاشى الجميع النظر إليَّ بينما كنتُ أهبط من القطار خلف المرأة التي تحمل اللحم. كان من الواضح أنه لم يكن هناك أحدٌ آخَر ينتظر عند نهاية ذلك الخط، وأُغلِقت الأبواب بقوة مُحدِثةً ضجيجًا عاليًا، واستعَدَّ القطار للرجوع مرةً أخرى. كان الصمت يلفُّ المكان، والهواء في برودة الثلوج، وكان يوجد بعض أشجار البتولا الضعيفة التي تحمل بعض العلامات السوداء على لحائها الأبيض، بجانب بعض الأشجار الصغيرة الدائمة الخضرة المهمَلة التي تتجمَّع كأنها دِبَبَة نائمة. لم يكن سطح البحيرة المتجمدة مستويًا، لكنه بدا في شكل كومةٍ بطولِ الشاطئ، كما لو أن الأمواج قد تحوَّلت إلى ثلوج أثناء اندفاعها وهبوطها. والمبنى الواقف قبالة البحيرة يضم صفوفًا منتظمةً من النوافذ وشرفة زجاجية في كلا جانبيه. كان كل شيء يبدو قاتمًا، كما هي سمة ذلك الجزء الشمالي حيث يغلب اللونان الأبيض والأسود على كل شيء يتواجد أسفل السماء الممتلئة بالسحب. لكنك لا ترى لحاءَ أشجار البتولا أبيضَ اللون كلما دنوت منه أكثر، بل تراه باللون الأصفر المائل للرمادي، ثم الأزرق المائل للرمادي، ثم اللون الرمادي. كان كل شيء ساكنًا، ورائعًا، وشديد السحر. قالت لي المرأة التي تحمل حقيبة اللحم: «إلى أين أنتِ ذاهبة؟ فأوقات الزيارة تنتهي في الثالثة.» قلت لها: «لستُ بزائرة. فأنا المعلمة.» قالت المرأة ببعض الارتياح: «حسنًا، إنهم لن يَدَعوكِ تدخلين من الباب الأمامي على أية حال؛ لذا من الأفضل أن تأتي معي. ألم تُحضري معكِ أية حقائب؟» «قال ناظر المحطة إنه سيحضرها فيما بعدُ.» «إن الطريقة التي كنت تقفين بها هناك توحي بأنك قد ضللتِ الطريقَ.» قلت لها إني توقفت لأن المنظر كان شديد الجمال. «قد يرى البعض أن الأمر كذلك، إلا إنْ كانوا يشعرون بإعياء شديد أو كانوا منشغلين بشدة.» لم نزد شيئًا في حوارنا عن ذلك حتى دلفنا إلى المطبخ في أحد جوانب المبنى، لقد كنت في حاجة ماسة بالفعل للدفء الموجود بداخله. لم تُتَحْ لي فرصة التجول بنظري بين أرجائه؛ فقد كانت المرأة تنظر نحو حذائي العالي الرقبة. قالت: «من الأفضل أن تخلعي هذا الحذاء قبل أن يخلف أثرًا على الأرض.» خلعت الحذاء بصعوبة شديدة، ولم يكن هناك أي مقعد للجلوس، وقد وضعته فوق البساط حيث تركت المرأة حذاءها. «أمسكي به وأحضريه معك؛ فلست أدري أين سيجعلونك تقيمين. ومن الأفضل أيضًا أن تظلي مرتدية معطفك؛ فليس هناك أي نوع من التدفئة في غرفة إيداع الملابس.» لم يكن هناك أي نوع من التدفئة أو الإضاءة، فيما عدا ما يأتي من خلال نافذة صغيرة لم يكن بإمكاني الوصول إليها. كان الأمر يبدو وكأنني أتلقَّى عقابًا في المدرسة؛ فقد تم إرسالي إلى غرفة إيداع المعاطف والملابس. نعم. إنها نفس رائحة ملابس الشتاء التي لا تجف مطلقًا، والأحذية العالية الرقبة التي تفوح منها رائحة الجوارب القذرة والأرجل التي لا يتم غسلها وتنظيفها. صعدتُ على أحد المقاعد لكني ما زلت لا أتبين ما بالخارج. وعلى الرف الملقى فوقه بعض الأوشحة والقبعات وجدتُ حقيبةً بها بعض التين والبلح. لا بد أن أحدهم سرقها وأخفاها هنا ليأخذها معه حينما يرحل. وفجأةً، انتابني شعور بالجوع. لم أتناول شيئًا منذ الصباح، فيما عدا سندوتش جبن جافة أكلتُه في إحدى محطات خط أونتاريو نورثلاند. رحتُ أفكِّر في الجانب الأخلاقي لفكرة السرقة من سارق، لكن التين كان سيعلق بأسناني، موشيًا بأمري. نزلت من فوق المقعد في الوقت المناسب؛ فقد كان هناك أحد يدلف إلى الغرفة، لم يكن شخصًا من العاملين في المطبخ، بل فتاة من المدرسة ترتدي معطفًا شتويًّا ثقيلًا، وتضع وشاحًا فوق شعرها. دَلَفَتْ في سرعة شديدة، وألقتِ الكتب فوق المقعد فسقطت وتناثرت على الأرض، وجذبت الوشاح فبرز شعرها أشعث، وفي نفس الوقت دفعت بفردتَيْ حذائها الواحدة تلو الأخرى فتطايرتا فوق أرضية الغرفة. من الواضح أنه لم يرها أحد ليمسك بها ويجعلها تقوم بخلعهما عند باب المطبخ. قالت الفتاة: «مرحبًا، لم أقصد أن أوذيك، لكن الغرفة هنا شديدة الظلام خاصة بعد الإضاءة المتواجدة بالخارج؛ فالمرء لا يرى ما يفعله. أَلَا تتجمدين من شدة البرودة؟ هل تنتظرين حتى ينتهي أحدهم من عمله؟» «أنا بانتظار الطبيب فوكس.» «إذن فليس عليك أن تنتظري طويلًا، لقد جئت لتوي من البلدة في رفقته. إنك لستِ بمريضة، أليس كذلك؟ إنْ كنتِ مريضة، فيجب ألَّا تأتي إلى هنا، بل يجب أن تذهبي إليه في البلدة.» «أنا المعلمة.» «حقًّا؟ هل أتيتِ من تورونتو؟» «نعم.» سادت فترة من الصمت ربما كانت نابعة من الاحترام. لكنها لم تكن كذلك، بل كانت من أجل إلقاء نظرة متفحصة على معطفي. «إنه حقًّا معطف رائع. ما نوع هذا الفراء الذي يغطي ياقته؟» «فراء حمل فارسي. إنه تقليدٌ في واقع الأمر.» «كدتُ أُخدَع وأظنه أصليًّا. لا أدري لِمَ أحضروكِ إلى هنا، فالطقس شديد البرودة هنا. معذرةً، هل تودين رؤيةَ الطبيب؟ فبإمكاني اصطحابك إليه، أنا أعرف مكان كل شيء هنا؛ فلقد عشتُ في هذا المكان منذ مولدي، وأمي تدير المطبخ. اسمي ماري، وأنتِ ما اسمك؟» «فيفي. فيفيان.» «إنْ كنتِ معلمة، ألا ينبغي أن أدعوكِ بالآنسة؟ الآنسة ماذا؟» «الآنسة هايد.» قالت مازِحةً لاعِبةً على معنى لقبها هايد بالإنجليزية الذي يعني «جلد»: «ادبغي جلدك. آسفة لأن هذا قد خطر على ذهني. كنتُ أود أن تكوني معلمتي لكن ينبغي عليَّ الذهاب إلى المدرسة في البلدة. إنها تلك القوانين الغبية؛ فعليَّ الذهاب إلى هناك لأنني لم أُصَب بمرض السل.» بينما نتحدَّث معًا قادتني حتى الباب الموجود في نهاية الغرفة، ثم عبر ردهة مستشفًى نظامي حيث الأرضيات المغطاة بالمشمَّع، والطلاء الأخضر الباهت، ورائحة المطهر التي تفوح من المكان. «والآن بما أنك قد وصلتِ إلى هنا، يمكنني أن أجعل ريدي يحل محلي في قيادتك.» «مَن هو ريدي؟» «ريدي فوكس. إنه يبدو وكأنه آتٍ من داخل كتاب. لقد بدأتُ أنا وأنابل لتوِّنا نطلق عليه ذلك.» «مَن هي أنابل؟» «إنها لا تُعَدُّ موجودة الآن، لقد ماتت.» «أوه، أنا آسفة.» «لا عليك، إنه ليس خطأك، فهذا الأمر يحدث هنا دومًا. لقد التحقتُ بالمدرسة الثانوية هذا العام. لم تذهب أنابل للمدرسة مطلقًا، وحينما كنت أنا في المدرسة الإعدادية كان ريدي يجعل معلمة البلدة تتركني لأمكث فترات طويلة في البيت، وذلك حتى أكون في رفقتها.» توقفَتْ أمامَ أحد الأبواب الذي كان مواربًا، وأطلقَتْ صفيرًا. «مرحبًا، لقد أحضرتُ المعلمة.» قال صوتُ رجلٍ: «حسنًا ماري. تكفي صحبتك ليوم واحد.» «حسنًا. لقد سمعتُ ما تقول.» انصرفَتْ وأخذَتْ تسير بخطًى بطيئة، وتركتني في مواجَهة رجل نحيف متوسط الطول، شعره الأصفر المائل للحمرة مقصوص على نحوٍ جعله قصيرًا للغاية، وكان يلمع في الضوء الصناعي الآتي من الردهة. قال: «لقد التقيتُ بماري. إن لديها الكثير الذي يمكن أن تقوله عن نفسها، لكنها على أية حال لن تكون في الفصل الذي ستدرسين له؛ لذا لن يكون عليك تحمُّل ذلك كلَّ يوم، فالناس إما يحبون طريقتها وإما لا تستهويهم على الإطلاق.» بدا لي أنه يكبرني بنحوٍ يقرب من عشرة أعوام إلى خمسة عشر عامًا، وكان يتحدَّث إليَّ في البداية بطريقة الرجل الأكبر سنًّا؛ كصاحب العمل المستقبلي المشغول الذهن دائمًا. سألني عن رحلتي، والترتيبات الخاصة بشأن إحضار حقيبتي. كان يريد أن يعرف شعوري بصدد العيش هنا في الغابة، وخاصةً أنني كنتُ أُقِيم في تورونتو، وسألني إنْ كنتُ سأشعر بالملل نتيجةً لذلك أم لا. قلت له إنني لن أشعر بذلك على الإطلاق، وأضفتُ أن المكان جميل. «يبدو الأمر … يبدو الأمر وكأنني داخل رواية روسية.» نظر إليَّ باهتمامٍ للمرة الأولى. «أحقًّا هو كذلك؟ فأي رواية روسية إذن؟» كانت عيناه باللون الأزرق الفاتح اللامع المائل لِلَّون الرمادي، وقد رفع أحد حاجبَيْه الذي بَدَا وكأنه قبعة عسكرية صغيرة. لم يكن الأمر أنني لم أقرأ روايات روسية على الإطلاق؛ بل إنني في الواقع قد قرأت بعضها بالكامل، في حين أنني قرأت أجزاء من البعض الآخَر. لكن بسبب ذلك الحاجب الذي رفعه، وتعبير وجهه الذي شابَهُ بعضُ اللطف والتحدي أيضًا، لم أستطع أن أتذكَّر أيًّا من عناوين تلك الروايات سوى رواية «الحرب والسلام»، ولم أكن أرغب في أن أذكر اسم تلك الرواية التي كان سيذكرها أيُّ شخصٍ آخَر كان في موقفي. «الحرب والسلام.» «حسنًا ما لدينا فقط هنا هو السلام، لكنْ إنْ كنتِ متلهفةً للحرب، فأعتقد أنه من الأحرى أن تنضمِّي لواحدة من تلك الوحدات النسائية وتسافري عبر البحار.» شعرت بالغضب والإهانة لأنني لم أكن في الواقع أتباهى بذلك أو أتعمد ذلك؛ كل ما هنالك أنني أردتُ أن أعبِّر عن مدى تأثير ذلك المنظر الجميل في نفسي. كان من الواضح أنه من أولئك الأشخاص الذين يعمدون طرْحَ أسئلة شبيهة بالفخاخ للإيقاع بك. قال فيما يشبه الاعتذار: «كنت أتوقَّع أن تأتي إلى هنا معلمةٌ عجوز. يبدو الأمر كما لو أنه من حقِّ أيِّ فردٍ مؤهل بعض الشيء، وفي سن معقول، أن يعود إلى النظام هذه الأيام. إنك لم تدرسي كي تصبحي معلمة، أليس كذلك؟ ما الذي تخططين لعمله عند حصولك على البكالوريوس؟» قلتُ في اقتضاب: «أعكف على تحضير رسالة ماجستير.» «إذن، ما الذي جعلك تغيرين رأيك؟» «أعتقد أنني بحاجةٍ لبعض المال.» «تفكير سليم، بالرغم من أنني أخشى أنك لن تجني الكثير من المال هنا. آسف لتطفُّلي، لكنني فقط أردتُ أن أتأكَّد من أنك لن تغادري المكانَ فجأةً. هل تعتزمين الزواجَ قريبًا؟» «لا.» «حسنًا، حسنًا. إذن أنتِ ليس عليكِ أي التزامات الآن، هل أثبطتُ من عزمك؟» أَشَحْتُ بوجهي. «لا.» «عليكِ الذهاب لمكتب رئيسة الممرضات في الردهة بالأسفل، وستخبرك بكل ما تحتاجين لمعرفته. ستتناولين طعامك مع الممرضات، وستخبرك أيضًا بالمكان الذي ستنامين فيه. حاولي فقط ألَّا تُصابي بالبرد. لا أعتقد أن لكِ أي تجربة مع مرض السل؟» «حسنًا، لقد قرأتُ …» «أعلم، أعلم. لقد قرأت رواية «الجبل السحري».» إنه شَرَك آخَر، لكن بدا أنه قد تراجع، وقال: «لقد تغيرت الأمور وتقدَّمت بعض الشيء عن ذلك، آمل في ذلك. لديَّ أشياء قد كتبتُها بشأن الأطفال هنا ورأيي فيما يمكن أن تقومي به من دورٍ معهم. إنني في بعض الأحيان أفضِّلُ التعبيرَ عن نفسي من خلال الكتابة. ستعطيكِ رئيسة الممرضات كافة المعلومات الأساسية.» ••• لم يمر أسبوع على تواجدي بالمكان حتى بَدَتْ كلُّ أحداث اليوم الأول متفردةً ولا يُحتمَل تكرارها مرةً أخرى؛ فالمطبخ وغرفة إيداع الملابس التابعة له حيث يحتفظ العمال بملابسهم ويخفون سرقاتهم؛ أضحيا مكانين لم أرهما ثانيةً، وكان من المحتمل ألَّا أَطَأهما فيما بعدُ. وبالمثل لم يكن من المسموح دخول حجرة الطبيب، وكانت حجرة رئيسة الممرضات هي المكان المناسب لتلقِّي كل الاستفسارات والشكاوى وإعادة تنظيم الأمور العادية. كانت رئيسة الممرضات قصيرة القامة ذات قوام ممتلئ، وبشرة وردية، وترتدي نظارة بلا إطار، وتتنفس بشيء من الصعوبة. وكان أيُّ شيء يطلبه المرء يثير دهشتها، ويسبِّب بعضَ الصعوبات من وجهة نظرها، لكنها في آخِر الأمر تقوم بالبتِّ فيه أو توفِّره. كانت في بعض الأحيان تتناول طعامَها في غرفة الطعام الخاصة بالممرضات حيث كان يُعَدُّ لها نوعٌ من الحلوى، وكانت عادةً ما تخلق جوًّا غيرَ مريح في المكان، ولكنها كانت تبقى معظم الوقت في غرفتها الخاصة. كان يوجد إلى جانب رئيسة الممرضات ثلاث ممرضات أخريات مُعتمدات، ولم تكن أي واحدة منهن في الثلاثينيات من العمر مثلي. عُدْنَ للعمل بعدما تجاوزْنَ سنَّ التقاعد حتى يؤدين واجبهن أثناء فترة الحرب. وكان يوجد أيضًا ثلاث ممرضات مساعدات كنَّ يقارِبْنَني في العمر أو كنَّ حتى أصغر سنًّا، ومعظمهن متزوجات أو مخطوبات أو يسعين للخطبة بوجهٍ عام من رجال مجنَّدين في الجيش. كنَّ يتحدَّثْنَ طوال الوقت الذي لا توجد خلاله رئيسةُ الممرضات والممرضات، ولم يُبْدِين أدنى اهتمامٍ بي؛ فلم تكن لديهن الرغبة في معرفة أي شيء عن تورونتو، بالرغم من أن بعضهن يعرفن أشخاصًا ذهبوا إلى هناك لقضاء شهر العسل، ولم يهتممْنَ بمعرفة أي شيء يتعلق بطريقة تدريسي أو عملي قبل أن آتي إلى هذا المكان. لكن هذا لا يعني أنهنَّ كنَّ يتسمن بالوقاحة؛ فقد كنَّ يمرِّرْنَ الزبد إليَّ أثناء الطعام (كنَّ يُطلِقْنَ عليها زبدًا بينما هي في الواقع بعض من السمن النباتي المختلط بالبرتقال، وتُلَوَّن في المطبخ وذلك بحسب الطريقة الوحيدة المتعارَف عليها في تلك الأيام)، وقد حذَّرْنَني من تناول فطيرة الراعي حيث قالوا إنها تحوي لحم مرموط خنزير الأرض. كل ما في الأمر أنهن كن لا يهتممْنَ بكل ما يحدث في أماكن لا يعرفْنَها، أو لأشخاصٍ لا تربطهم بهنَّ أيُّ صلة، أو في أوقاتٍ لا يعرفْنَها؛ فهي أشياء قد تسبِّب ضيقهن أو تعترض طريقهن. كنَّ يغلقْنَ الراديو وقت إذاعة الأخبار كلما سنحت لهن الفرصة، ويحاولن سماع الموسيقى. «أرقص مع فتاة جميلة ذات جورب مثقوب …» كان الممرضات والممرضات المساعدات يبغضن سماع إذاعة سي بي سي، التي نشأتُ على الاعتقاد بأنها تنقل الثقافةَ والمعرفةَ للأماكن النائية. ومع ذلك فقد كنَّ يشعرْنَ بالإعجاب والتبجيل تجاه الطبيب فوكس، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنه قد قرأ العديدَ من الكتب. كما قلن إنه ليس هناك أحدٌ مثله يمكنه توجيه النقد بنحوٍ لاذعٍ إنْ أرادَ ذلك. ولم أستطع أن أتبيَّن إنْ كنَّ يشعرْنَ أن هناك علاقةً تربط ما بين قراءتِه العديدَ من الكتب وتوجيهِ النقد والتعنيف للآخرين. ••• «مفاهيم علم أصول التدريس الأساسية مفتقدة هنا. البعض من أولئك الأطفال سيُعاوِد دخوله للعالَم أو النظام من جديدٍ، بينما لن يدخل البعض الآخَر؛ لذا، من الأفضل ألَّا يُوضَعوا تحت ضغطٍ عصبيٍّ شديدٍ؛ بمعنى لا مزيدَ من الاختبارات والحفظ وتصنيف الأشياء وكل هذا الهراء. لا يُولي أي اعتبار تمامًا لموضوع الصفوف والتقييم. فمَن كان بحاجةٍ إلى التقييم فمن الممكن أن يتم ذلك له فيما بعد أو يُغْفَل ذلك تمامًا بالنسبة له؛ فكل ما يحتاج إليه الأطفال في الواقع هو تعلُّم بعض المهارات البسيطة للغاية، ومجموعة من الحقائق، وما شابَهَ ذلك، تلك الأمور اللازمة للدخول في هذا العالَم. وماذا عن الأطفال الذين يُطلَق عليهم «الأطفال المتفوقون»؟ ذلك المصطلح الباعث على الاشمئزاز. إن كانوا يتمتعون ببعض الذكاء من الناحية الأكاديمية، فيمكنهم اللحاق بالطلاب الآخرين بسهولة. عليكِ أن تنسي تمامًا أمر أنهار أمريكا الجنوبية، وبالمثل الميثاق العظيم للحريات. لا بأسَ من تعليم الرسم والموسيقى، وقصِّ بعض الحكايات. وممارسةُ الألعاب مسموحٌ بها، لكن حذارِ من شدة الانفعال أو المنافسة. يكمن التحدي في الابتعاد عن الشعور بالملل، وفي نفس الوقت تلافِي الوقوع تحت ضغط عصبي؛ فالملل هو لعنة المستشفيات. إنْ لم توفر لك رئيسةُ الممرضات الأشياءَ التي تحتاجينها، فستجدين في بعض الأحيان أن الحارس سيحضرها ويخفيها لك في مكانٍ ما. رحلة سعيدة.» ••• تفاوتَتْ أعداد الأطفال الذين يأتون الفصل؛ فتارةً كان يأتي خمسة عشر طفلًا، وتارةً أجد أن عددهم انخفض ليصل إلى ستة. وكانوا يأتون في أوقات الصباح فقط؛ أيْ من التاسعة صباحًا حتى وقت الظهيرة، بما في ذلك أوقات الراحة. وكان الأطفال يُمنَعون من الحضور إنِ ارتفعَتْ درجةُ حرارتهم، أو إنْ كانوا يُجْرُون بعض التحاليل الطبية. كان يغلب عليهم الهدوء أثناء تواجُدهم في الفصل، وكان من السهل التعامُل معهم والسيطرة عليهم، بَيْدَ أنهم لم يُظهِروا أيَّ اهتمامٍ ملحوظ بما أقدِّمه لهم. لقد أيقنوا على الفور أنها مجرد مدرسة شكلية، وأنهم غير ملتزمين فيها بتعلُّم أيِّ شيء، تمامًا كما لم يكن مطلوبًا منهم تعلُّمُ كيفيةِ أداء العمليات الحسابية أو القيام بالمهام التي تعتمد على الحفظ والاستظهار. لكن تلك الحرية لم تُصعِّب السيطرة عليهم، كما أنها لم تترك داخلهم أي إحساس بالملل بصورة مزعجة؛ إنما جعلت منهم أشخاصًا حالمين منصاعين للأوامر. كانوا يردِّدون الأغاني بصوت هادئ، ويمارسون لعبة «إكس أو»، وكان هناك شبه شعور بالانكسار والإحباط داخل هذا الفصل الارتجالي الخالي من أشكال الدراسة الفعلية. عزمتُ على تنفيذ نصائح الطبيب، أو على الأقل تنفيذ بعضها، وخاصة فيما يتعلَّق بأن الشعور بالملل هو العدو الأكبر. كنتُ قد لمحتُ شكلًا مجسمًا للكرة الأرضية في حجرة الحارس الضيقة، وطلبتُ إحضارَها إلى الفصل. وبدأتُ تدريسَ بعض المعلومات الجغرافية البسيطة؛ أسماء المحيطات والقارات وأشكال المناخ. وسألت نفسي: لِمَ لا أعرض معلومات عن الرياح والتيارات الهوائية، والدول والمدن، ومدار السرطان ومدار الجدي؟ ولِمَ لا أذكر أنهار أمريكا الجنوبية؟ وعرضتُ لهم بالفعل تلك المعلومات. كان يوجد بعض الأطفال الذين تعلَّموا تلك الأشياء من قبلُ، لكنهم بالكاد كانوا يتذكرونها؛ فلقد تلاشى من أذهانهم ذلك العالَمُ الذي يكمن خلف البحيرة والغابة. خُيِّلَ إليَّ أنهم شعروا بالبهجة، كما لو أنهم كانوا يُقِيمون علاقاتِ صداقةٍ مرةً أخرى مع الأشياء التي كانوا يعرفونها من قبلُ. لم أُغرِقهم بتلك المعلومات مرة واحدة بالطبع، وكان عليَّ أن أتمهَّل وأُبَسِّط الأشياء للأطفال الذين لم يتعلَّموا تلك الأشياء من قبلُ بسبب إصابتهم بالمرض في عمر مبكر. لقد نجحتُ في هذه المهمة واستطعتُ توصيلَ المعلومات في شكلِ لعبةٍ يمارسونها؛ فقد قَسَّمتهم إلى فِرَق، وكنت أجعلهم يقولون أسماء الأشياء وأنا أحرِّك المؤشرَ هنا وهناك سريعًا على الشكل المجسم للكرة الأرضية. كنت أحرص على ألَّا يمتد شعورهم بالإثارة لفترة طويلة. لكن في أحد الأيام مرَّ الطبيب بجوار الفصل، وكان خارجًا لتوه من عملية جراحية كان يجريها في الصباح، وقد لمحني وأنا ألعب معهم هذه اللعبة. لم أستطع أن أتوقَّف مرةً واحدة وأوقف هذا الحماس، لكنني حاولتُ أن أهدِّئ من حدة المنافسة بين الأطفال. دخل وجلس بيننا، وكانت تبدو عليه أماراتُ التعب والاستسلام؛ فلم يُبْدِ أيَّ اعتراضٍ، وبعد عدة دقائق انضمَّ إلينا، فراح يردِّد إجاباتٍ مضحكةً، ولم تكن الإجابات خاطئة، بل خيالية. ثم راح شيئًا فشيئًا يُخفِض من صوته؛ فأخذ يتمتم في البداية، ثم تحدَّث بصوت هامس، ثم لم يَعُدْ هناك شيءٌ يمكن أن يُسمَع منه على الإطلاق. ومن خلال هذه الطريقة، وهذا الأسلوب العبثي المثير للضحك، تمكَّنَ من إحكام السيطرة على الفصل؛ وراح الأطفال جميعهم يقلِّدونه ويتحدثون بصوت خافت، وكانت أعينهم مثبتةً على شفتَيْه. وفجأةً أطلق زمجرةً خفيفة جعلتهم جميعًا ينفجرون في الضحك. «لماذا تحملقون فيَّ هكذا بحق الجحيم. أهذا ما علَّمَتْكم إياه معلمتُكم؟ أن تحدِّقوا هكذا في الأشخاص الذين لا يسبِّبون لأحدٍ أيَّ ضيق أو إزعاج؟» ضحك معظم الأطفال، بينما لم يستطع البعض الآخر منع أنفسهم من النظر إليه وهو يقول ذلك. لقد كانوا متعطشين لمثل هذ الأشياء المثيرة للضحك. «هيا، توقفوا عن هذا، وتصرفوا على هذا النحو السيئ في مكانٍ آخَر.» راح يعتذر لي فيما بعدُ عن اقتحامه الفصل بهذا الشكل، بينما شرحتُ أنا له الأسباب في جعل هذا الدرس يبدو وكأنه يُعرَض في فصل حقيقي. قلت في حماس: «بالرغم من أنني أتفق معك في شأن ضرورة تجنُّب الأشياء المسبِّبة للضغط العصبي … أنا أتفق تمامًا مع ما أمليتَه عليَّ من تعليمات، إلا أنني اعتقدتُ أنه …» «أية تعليمات؟ أوه، إنها مجرد أفكارٍ جالَتْ بذهني، ولم أكن أقصد قطُّ أن تُنفَّذ كما هي حرفيًّا دون تغيير.» «كنت أعني أنهم ما داموا لا يعانون من مرض شديد …» «أنا واثق من أنك على حقٍّ، ولا أعتقد أن في ذلك ضررًا.» «نعم وإلا بَدَا عليهم الفتور واللامبالاة.» قال: «ليس ثمة داعٍ لكل تلك التفسيرات.» ثم استدار مبتعدًا. ثم استدار نحوي مرةً أخرى فيما يشبه الاعتذار الفاتر. وقال: «يمكننا التحدُّث بشأن هذا في وقت لاحق.» كنت أعتقد أن هذا الوقت لن يأتي مطلقًا، وكان من الواضح أنه يراني شخصًا أحمق يثير الإزعاج. ثم علمت فيما بعدُ من الممرضات المساعدات أثناء وقت الغداء أن هناك طفلًا تُوفي أثناء إجراء جراحةٍ له هذا الصباح؛ لذا اتضح لي أنه لم يكن لغضبي أي مبرِّر؛ ولهذا السبب شعرتُ أني كنتُ أتَّسِم حقًّا بالحماقة والغباء. ••• لم أكن أؤدي أي عمل في فترة ما بعد الظهيرة كلَّ يوم، وكان تلاميذي يذهبون للنوم في تلك الفترة، وكنتُ أنا أميل لفعل نفس الشيء في بعض الأحيان. كانت حجرتي باردةً، بل بَدَا كل جزء في المبنى باردًا، أكثر برودةً من شقتي التي في طريق أفنيو، بالرغم من أن جدي وجدتي كانا يُشَغِّلان جهاز التدفئة على درجة أقل، بدافع التوفير من أجل إعلان المصلحة الوطنية. كانت الأغطية خفيفة؛ وبالقطع يحتاج مَن يعاني من مرض السل غطاءً ثقيلًا أكثر. لكني لم أكن أعاني بالقطع من السل، ومن ثَمَّ كانوا يبخلون في تقديم الكثير من الأشياء لأناسٍ مثلي. كان النعاس يغالبني لكني لم أستطع النوم؛ ففي الطابق الأعلى كنت أسمع الأصواتَ المزعجة للأَسِرَّة المتحركة وهم ينقلونها إلى الشرفات المفتوحة حتى يتعرَّض الأطفالُ لهواءِ فترة ما بعد الظهيرة البارد. أما المبنى والأشجار والبحيرة فلم تَبْدُ لي ثانيةً كما رأيتُها في أول يومٍ لي في هذا المكان، حينما أَسَرَني غموضُها وخلَّفَتْ أثرًا بالغًا في نفسي حينها؛ ففي ذلك اليوم شعرتُ بأنني غيرُ مرئيةٍ، أما الآن فبَدَا لي أن الأمر لم يكن حقيقيًّا قطُّ. «ها هي المعلمة. ما الذي تتطلَّع إليه؟» «إنها تنظر صوبَ البحيرة.» «لِمَ؟» «لا يوجد شيء أفضل لتفعله.» «بعض الأشخاص محظوظون.» ••• ذات مرة أغفلتُ وجبةَ الغداء، بالرغم من أنها جزءٌ ممَّا أتقاضاه من راتبي. ذهبت إلى أمندسون، حيث تناولت الطعام في مقهًى هناك. كانت القهوة المقدَّمة بديل القهوة بوستم، وأفضل ما لديهم من سندوتشات هو السلمون المُعلَّب، إنْ تواجَدَ بالأساس، أما سلطةُ الدجاج فكان ينبغي تفحُّصها جيدًا خشيةَ أن يكون بها شيءٌ من الجلد والعظام، ومع هذا فقد شعرت براحةٍ أكبر في هذا المكان حيث لا يمكن لأحدٍ أن يعرف مَن أنا. وربما كنتُ مخطئةً في هذا. لم يكن بالمقهى حمَّامٌ للسيدات؛ لذا كان عليَّ الذهاب إلى الفندق المجاوِر والمرور أمام باب الحانة المفتوح، تلك الحانة التي عادةً ما تكون مظلمةً، وصاخبةً، وتنبعث منها رائحةُ الجعة والويسكي، والدخانُ الكثيف للسجائر والسيجار الذي يغمرك ويخنقك. ومع هذا شعرتُ بالراحة هناك أيضًا؛ فلن تجد الحطَّابين — أولئك الرجال الذين يعملون في مصنع نشر الأخشاب — يصرخون في وجهك كما يفعل الجنود والطيارون في تورونتو؛ لقد كانوا غارقين في عالَم الرجال، يقصون روايتهم بصوتٍ عالٍ، منهمِكين لا يبالون بالبحث عن امرأةٍ. ربما كانوا في الواقع أكثر حرصًا على الابتعاد عن صحبة النساء الآن أو إلى الأبد. كانت لدى الطبيب عيادة في الشارع الرئيسي، وهي مبنًى من طابق واحد؛ لذا فلا بد أنه كان يقيم في مكان آخَر، وقد سمعت عن طريق الممرضات المساعدات أنه لم يكن متزوجًا. وفي الشارع الجانبي الوحيد وجدت المنزل الذي كان يُحتمَل أنه منزله؛ كان مغطًّى بزخارف الجص، ذا نافذة ناتئة تعلو الباب الأمامي، وكانت هناك مجموعة من الكتب المكدَّسة على حافة تلك النافذة. كانت بالمكان مسحةٌ من الكآبة، إلا أنه كان يبدو منظَّمًا، ممَّا يوفر قدرًا من الراحة قد يهفو إليه رجلٌ وحيد، بل رجل وحيد يتسم بالتنظيم الشديد. كانت المَدْرسة التي تقع في نهاية ذلك الشارع السكني مكوَّنةً من طابقين، ويدرس بالطابق السفلي الطلاب حتى الصف الثامن، وبالطابق العلوي الطلاب حتى الصف الثاني عشر. لمحتُ ماري هناك فيما بعد ظهيرة أحد الأيام، وكانت تشارك في اللعب مع أقرانها بإلقاء كرات من الثلج بعضهم على بعض. كان من الواضح أنه فريق من الصبية ضد فريق من الفتيات. وحينما وقع بصرها عليَّ، صاحت قائلةً: «مرحى، أيها المعلمة.» ثم قذفَتْ بكرتَيِ الثلج اللتين كانتا في يديها بنحوٍ عشوائي، وهرولَتْ تعبر الطريق. قالت في إثارةٍ وهي تلتفت وراءَها: «أراكم في الغد.» بَدَا كلامها بنحوٍ أو بآخَر وكأنه نوعٌ من التحذير حتى لا يتبعها أحد. قالت: «أنتِ في طريقك للعودة إلى المدرسة، أليس كذلك؟ وأنا كذلك. إنني عادةً ما أذهب في صحبة ريدي، لكنه يرجع في وقت متأخر جدًّا. وأنتِ؟ ماذا ستفعلين؟ هل ستستقلِّين الترام؟» رددْتُ عليها بالإيجاب، فقالت ماري: «أوه، يمكن أن أُرِيك الطريق الآخَر، وهكذا توفرين نقودَك. إنه طريق الغابة.» قادتني عبر طريقٍ يمكن المرور به بالرغم من ضيقه، يعلو عن البلدة ثم يقطع الغابة ويمر بمصنع نشر الأخشاب. قالت: «هذا هو الطريق الذي يسلكه ريدي. قد يكون عاليًا لكنه يصير قصيرًا عندما تتجهين إلى الأسفل نحو المصحة.» مررنا في طريقنا بمصنع نشر الأخشاب، وكان يوجد بأسفلنا بعضُ الأشجار المقطوعة على نحو عشوائي في الغابة، وعددٌ من الأكواخ الصغيرة التي بَدَا أنها مأهولة بالسكان، ويتضح ذلك من خلال أكوام الحطب، وأحبال الغسيل، والدخان المنبعث منها. وفجأةً، انطلق من أحدها كلبٌ كبير يشبه الذئب، وأخذ ينبح ويزمجر بصوتٍ عالٍ. صاحت به ماري: «اسكت.» وصنعت على الفور كرةً من الثلج وألقَتْها نحوه، فأصابت ما بين عينَيْه؛ فاستدار سريعًا متقهقرًا للخلف، وأمسكَتْ بكرة أخرى من الثلج استعدادًا لإلقائها نحو ردفَيْه. ظهرت امرأةٌ ترتدي مئزرًا من داخل الكوخ وراحت تصيح قائلةً: «لقد كان من الممكن أن تقتليه.» «يا ليته مات!» «سأجعل زوجي الضخم يمسك بك.» «هذا لن يحدث مطلقًا؛ فزوجك هذا لا يستطيع أن يضرب بعوضة.» تبعهم الكلب لمسافةٍ ما، في شبهِ تهديدٍ لهم. قالت ماري: «لا تقلقي أستطيع التعامُل مع أيِّ كلبٍ، بل أراهن أنني أستطيع مواجَهةَ دبٍّ إنْ صادفنا واحدًا ونحن في طريقنا.» «أَلَا تكون الدِّبَبَة في بياتٍ شتويٍّ في هذا الوقت من العام؟» كنت أشعر بفزعٍ شديد من ذلك الكلب، لكني تظاهرتُ باللامبالاة. «بلى، لكنْ مَن يدري ماذا سيحدث. لقد ظهر أحدهم ذات مرة في الصباح الباكر، واختبأ وسط القمامة في المصحة. استدارَتْ أمي ووجدَتْه أمامها؛ فأحضر ريدي بندقيته وقتله.» «كان ريدي يأخذني أنا وأنابل لنتنزه باستخدام المزلجة، وكان يأخذ في بعض الأحيان أطفالًا آخَرين. إن له صفيرًا خاصًّا كان يُطلِقه فتفزع منه الدِّبَبَة وتفر هاربةً. لقد كان صفيره عاليًا بدرجةٍ لا تحتملها الأذن البشرية.» «حقًّا؟ أرأيتِ ذلك؟» «لا، لم يكن من هذا النوع. أعني ذلك الصوت الذي يمكن أن يُصدِره من فمه.» كنتُ أفكِّر في الأداء في الفصل. «لا أدري، لربما كان ذلك حتى لا تفزع أنابل، لقد قال ذلك حينها. فلم تكن تستطيع التزلج، فكانت تجلس على المزلجة ويجرها هو. كنتُ أجلس عادةً خلفَها، وأحيانًا كنتُ أقفز على المزلجة، وكان يقول: ما الذي أصاب ذلك الشيء، إنه يزن طنًّا؟ ثم كان يحاوِل أن يستدير للخلف سريعًا ليمسك بي، لكنه لم يستطع قطُّ أن يفعل ذلك. ثم كان يسأل أنابل ما الذي جعل المزلجة ثقيلةَ الوزن هكذا، ويسألها عمَّا تناولته في وجبة الإفطار، لكنها لم تكن تخبره أبدًا. وكنت لا أفعل ذلك عندما يصطحب أطفالًا آخرين؛ فالأمر لا يكون لطيفًا إلا حينما نتواجد أنا وأنابل فقط. لقد كانت أفضل صديقة يمكن أن أعرفها في حياتي.» «وماذا عن الفتيات الأخريات في المدرسة؟ ألسن صديقاتك؟» «إنني فقط ألهو معهن حينما لا يكون هناك أحد أتحدَّث إليه. إنهن لا يعنين أيَّ شيءٍ لي.» «كان عيد ميلادي أنا وأنابل في نفس الشهر؛ شهر يونيو. وفي عيد ميلادنا الحادي عشر اصطحَبَنا ريدي إلى البحيرة في أحد القوارب، وعلَّمَنا السباحةَ، أو بالأحرى كنتُ أنا مَن يتعلَّم؛ فقد كان عليه دائمًا أن يُمسِك بأنابل وهو يعلِّمها السباحة؛ حيث لم يكن بمقدورها السباحة بمفردها. وحين ذهب للسباحة بمفرده، ملأنا حذاءَه بالرمال. وفي عيد ميلادنا الثاني عشر لم نستطع أن نذهب لأي مكان كهذا، لكننا ذهبنا إلى منزله وصنع لنا كعكةً بهذه المناسبة. لم تستطِعْ هي أن تتناول ولو قطعةً صغيرةً منها؛ لذا أخَذَنا في سيارته وأَخَذْنا نُلقِي ببعض قِطَع الكعك من نوافذ السيارة لإطعام طيور النورس التي أخذت تتصارع وتصرخ بجنون. انفجرنا في نوبةٍ من الضحك الشديد، وكان عليه التوقُّف بالسيارة وحَمْل أنابل خشيةَ أن تصاب بنوبة نَزْف.» وأضافت: «بعد ذلك، لم يَعُدْ من المسموح لي رؤيتها؛ فلم تكن أمي تريد أن أخالط ثانيةً أطفالًا مصابين بالسل، لكن ريدي تحدَّثَ معها في هذا الأمر وأخبرها أنه سيمنعني عندما تستدعي الحالة ذلك. وقد حدث هذا بالفعل فيما بعدُ وكدتُ أُجَنُّ، ولكن لم يكن باستطاعة أنابل أن تلهو ثانيةً حيث اشتدَّ بها المرض. سأجعلك ترين قبرَها، لكنْ ليس ثمة علاماتٌ فوقه تميِّزه. سنضع أنا وريدي علاماتٍ عليه فيما بعدُ حينما يتَّسِع وقته لذلك. لو كنا قد سرنا مباشَرةً في خط مستقيم عبر الطريق بدلًا من الانحراف للأسفل كما فعلنا، لَكنَّا قد ذهبنا للجبَّانة التي دُفِنت فيها، المخصَّصة لمَن ليس لديهم مَن يأتون ليأخذوهم ويدفنوهم حيث ينتمون.» وفي تلك الأثناء هبطنا وسرنا على الأرض الممَهَّدة مقتربين من المصَحَّة. قالت: «أوه، كدت أنسى.» وأخرجَتْ حفنةً من التذاكر. «إنها من أجل عيد الحب. إننا سنمثِّل مسرحيةً بالمدرسة تحمل اسم «بينافور». عليَّ بيع كل تلك التذاكر التي بحوزتي، ويمكن أن تكوني أنتِ أول مَن يشتري مني. أنا سأمثِّل فيها.» ••• كنتُ مُحِقَّة بشأن المنزل الذي رأيتُه في أمندسون؛ فقد كان منزل الطبيب بالفعل. لقد دعاني إلى هناك لتناوُل العشاء. لقد كانت الدعوة وليدةَ اللحظة، وذلك عندما التقى بي في الردهة. فربما لم يتذكر على نحوٍ غير مريح قوله بأنه علينا أن نلتقي للحديث بشأن بعض أفكار التدريس. كان مساء اليوم الذي حدَّده لِلِّقاء هو نفس يومِ عرْضِ مسرحية «بينافور» التي اشتريتُ تذكرتَها من ماري، وأخبرتُه بذلك فقال: «في واقع الأمر، لقد ابتعتُ واحدةً أنا الآخَر. لكن هذا لا يعني أنه علينا الحضور.» «لكني تقريبًا وعدتُها أنني سأذهب.» «حسنًا، والآن يمكنك أن ترجعي في وعدك غير المؤكَّد هذا؛ فأنتِ لن تحتملي مشاهدتَها، صدِّقيني.» فعلتُ كما قال بالرغم من أنني لم أرَ ماري لأخبرها. انتظرتُ حيث طلب مني، في الشرفة المفتوحة خارج الباب الأمامي. كنت أرتدي أفضل ثيابي، الذي كان لونه أخضر داكنًا، ومحاكًا من قماش الكريب، وأزراره تشبه حبات اللؤلؤ الصغيرة، وياقته مزيَّنة بالدانتيل. وحشرتُ قدمَيَّ في حذاءٍ ذي كعبٍ عالٍ من جلد سويدي داخل حذاء الثلج العالي الرقبة. انتظرت لفترةٍ بعد الوقت المحدد وأنا أشعر بالقلق؛ أولًا: كنت أخشى أن تخرج رئيسةُ الممرضات من حجرتها وتلمحني، وثانيًا: كنت أخشى أن يكون هو قد نسي موعدنا. لكني لمحتُه يأتي من بعيد وهو يزرر معطفه، وحين اقترب، اعتذر عن التأخير. قال: «دائمًا يجب عليَّ الانتهاء من بعض الأشياء القليلة قبل ذهابي للمنزل.» ثم قادني تحت ضوء النجوم الساطع، وسرنا حول المبنى حتى وصلنا إلى سيارته. قال: «هل تستطيعين السَّيْر على نحوٍ جيد؟» وعندما رددتُ بالإيجاب، لم يمد ذراعه نحوي لمساعدتي، بالرغم من أني كنتُ أجد بعضَ الصعوبة في السَّيْر بهذا الحذاء ذي الجلد السويدي. كانت سيارته قديمة وفي حالة سيئة، كما هو حال بالنسبة إلى معظم السيارات في تلك الأيام، ولم تكن بها وحدةٌ للتدفئة. وعندما أخبرني أننا سنذهب لمنزله شعرتُ بالارتياح؛ فلا أدري كيف كنَّا سنجلس وسطَ هذا الحشد من الناس الموجود في الفندق، وكنتُ قد تمنَّيْتُ ألَّا أتناول تلك السندوتشات التي تناولتُها من قبلُ في المقهى. وعندما وصلنا إلى منزله طلب مني ألا أخلع معطفي حتى يدفأ المكان بعض الشيء، وانهمك على الفور في إشعال النيران في المدفأة التي تعمل بالخشب. قال: «أنا اليومَ الحارسُ والطاهي والخادمُ لك.» ثم أردف قائلًا: «سرعان ما ستجدين المكان باعثًا على الراحة، ولن يستغرق مني إعدادُ الطعام وقتًا طويلًا. لا داعي لعرض المساعدة؛ فأنا أفضِّل العملَ بمفردي. أين تفضِّلين الانتظارَ؟ بإمكانك إلقاء نظرةٍ على الكتب الموجودة في الغرفة الأمامية، إنْ كنتِ ترغبين في ذلك. سيكون المكان محتمَلًا هناك وأنتِ ترتدين معطفك. إنني أضع مدفأةً في كل مكان بالمنزل، لكني لا أُدفئ أي غرفة لا أستخدمها. ستجدين زرَّ الإضاءة بمجرد دخولك من الباب. أعتقد أنكِ لن تمانعي إنِ استمعتُ إلى الأخبار؟ إنها عادةٌ قديمةٌ لديَّ.» اتجهتُ نحو الغرفة الأمامية، وشعرتُ أنني أنفِّذ الأوامر التي تُقال لي بطريقةٍ أو بأخرى، وتركتُ بابَ المطبخ مفتوحًا، فجاء من خلفي وأغلَقَه وهو يقول: «سأغلقه حتى يَسْرِي بعضُ الدفء في المطبخ.» ثم عاد يستمع إلى صوت المذيع بإذاعة سي بي سي الدرامي على نحوٍ متجهمٍ، والذي يحمل الكثير من الوقار وهو يعرض أخبارَ هذه السنة الفائتة من الحرب. لم أتمكَّن من سماع ذلك الصوت منذ غادرتُ شقة جدي وجدتي، وكنت أفضِّل المكوثَ في المطبخ. لكن كانت هناك أعداد كبيرة من الكتب التي يمكن الاطِّلاع عليها، ولم تكن الكتب مرصوصةً فقط فوق الأرفف، لكنها كانت أيضًا فوق المقاعد والمناضد وعلى حافة النافذة، بل كانت مكدَّسة فوق الأرض أيضًا. وبعد أن ألقيتُ نظرةً على العديد منها، توصَّلْتُ إلى أنه يفضِّل شراءَ كميات كبيرة من الكتب دفعة واحدة، وأنه ربما يكون منضمًّا للعديد من نوادي الكتب. وجدتُ كلاسيكيات هارفرد، والأعمال التاريخية لويل ديورانت وزوجته آريل؛ لقد كانت مشابهةً لمجموعة الكتب التي يمكن أن تجدها في مكتبة جدي. لم يكن هناك الكثير من كتب الشعر والأدب، بالرغم من تواجُد بعض الكلاسيكيات المبهرة الخاصة بالأطفال. وقد وجدت كتبًا عن الحرب الأهلية الأمريكية، وحرب البوير الثانية، والحروب النابليونية، والحروب البيلوبونيزية، والحملات العسكرية ليوليوس قيصر، وكتب «استكشافات منطقة الأمازون والقطب الشمالي»، و«شاكلتون علق في الجليد»، و«مصير فرانكلين»، و«جماعة دونر»، و«القبائل المفقودة: المدن المدفونة في أفريقيا الوسطى»، و«نيوتن والخيمياء»، و«أسرار جبال الهندوكوش». كانت نوعيةُ الكتب تعكس شخصيةً تسعى وراء المعرفةِ وجَمْع الكثير من المعلومات في مختلف المجالات؛ ربما ليس شخصًا له أذواق محددة وثابتة لا تتغير في القراءة. لذا عندما سألني: «أية رواية روسية؟» كان من المحتمل أنه ليست لديه ثقافة كبيرة كما توقَّعت. وعندما نادى قائلًا: «الطعام جاهز.» وفتحتُ الباب، كنت قد تسلَّحْتُ حينها بتلك الشكوك الجديدة عن مدى معرفته ومعلوماته. قلت له: «مع مَن تتفق نابهتا أم ستمبريني؟» «ماذا تقولين؟» «أعني في رواية «الجبل السحري» مَن كنتَ تهوى أكثر؛ شخصية نابهتا أم ستمبريني؟» «لكي أكون أمينًا، أنا أعتقد أنهما اثنان من الثرثارين، وأنتِ؟» «شخصية ستمبريني أكثر إنسانيةً، لكن شخصية نابهتا أكثر إمتاعًا وتشويقًا.» «هل أخبروك بذلك في المدرسة؟» قلتُ بثباتٍ: «لم أقرأها مطلقًا حين كنتُ في المدرسة.» رمقني بنظرة سريعة ثم رفع حاجبه. «اسمحي لي أن أقول لك إنه إنْ كان هناك ما يجذب اهتمامك في تلك الكتب، فلكِ مطلق الحرية في أن تأتي إلى هنا وقتما تشائين، وتقرئي ما يحلو لك وقتَ فراغك. وهناك مدفأة كهربائية يمكن أن أديرها لكِ؛ حيث إنني أعتقد أنه لا درايةَ لكِ بالمدفأة التي تعمل بالخشب. ما رأيك في هذا العرض؟ يمكن أن أصنع لك نسخةً إضافيةً من المفتاح.» «شكرًا لك.» كان طعام العشاء شرائح من لحم الخنزير، والبطاطس المهروسة، والبازلاء المعلَّبة. أما التحلية ففطيرة تفاح جلَبَها من عند الخباز، كانت ستصبح أشهى إنْ فكَّرَ في تسخينها. راح يسألني عن حياتي في تورونتو، ودراستي الجامعية، وعن جدي وجدتي، وقال إنه يعتقد أنني نشأتُ على بعض القِيَم والأخلاقيات الصارمة. «كان جدي رجلَ دينٍ متحرِّرًا، وكان متأثِّرًا بأفكار الفيلسوف الألماني بول تيليتش.» «وماذا عنك؟ هل أنتِ الحفيدة الصغيرة المسيحية المتحرِّرة أيضًا؟» «لا.» «حسنًا، هل تعتقدين أنني وَقِح؟» «هذا يعتمد على الصورة التي تحادثني بها؛ إنْ كنتَ تحادثني على أنك صاحب العمل، فأنت لستَ كذلك على الإطلاق.» «إذن، سأستمر في طرح بعض الأسئلة. هل لديك رفيق؟» «نعم.» «إنه في الجيش بحسب ما أعتقد، أليس كذلك؟» قلت له إنه في سلاح البحرية. أدهشني اختياري الجيد هذا؛ حيث إنني لم أعرف يومًا مكانَه، كما أنني لم أكن أتلقَّى منه خطاباتٍ بصورة منتظمة، لكني أعتقد أنه لم يستطع الحصولَ على إجازةٍ ليراني. ذهب الطبيب وأحضر الشاي. «على أي نوع من المراكب يوجد هو؟» «الكورفيت.» كان هذا اختيارًا جيدًا أيضًا؛ فبعد قليل، كان من الممكن أن أقول له إن سفينته تعرَّضَتْ للقذف ونُسِفت، وذلك كما يحدث دومًا لهذا النوع من السفن. «إنه لفتًى شجاعٌ. هل تريدين بعضًا من السكر أو اللبن؟» «شكرًا، لا أريد أيًّا منهما.» «هذا جيد لأنه ليس لديَّ أيٌّ منهما. أتدرين أن وجهك يفضحك تمامًا حينما تكذبين؛ حيث يتورَّد بشدةٍ ويشعُّ حرارةً؟» إنْ لم يكن قد حدث ما يقوله من قبلُ في أثناء حوارنا، فقد حدث الآن؛ فقد شعرتُ بفورةٍ وحرارةٍ تنبعثان من قدمَيَّ وتسريان عبر جسمي، وتدفَّقَ العرقُ بشدةٍ أسفلَ الإبطين وتمنَّيْتُ ألَّا يتلف الثوب الذي ألبسه. «إنني عادة ما أشعر بتلك الحرارة والفورة عندما أحتسي الشاي.» «أوه، لاحظتُ ذلك.» عزمتُ على مواجهته؛ فالأمور لن تزداد سوءًا عمَّا هي عليه. غَيَّرْتُ دفةَ الحوار وسألتُه عن إجرائه للعمليات؛ فهل استأصل حقًّا رئتين، كما سمعتُ؟ كان بمقدوره أن يجيب بسخرية واستعلاء أكثر، وهما ربما يمثِّلان مفهومه عن المشاكسة، ولكني أظن أنه لو حدث ذلك بالفعل لَارتديت معطفي وغادرت المنزل في ذلك البرد القارس. وربما فطن هو إلى ذلك؛ لذا راح يتحدث عن عمليات رأب الصدر، وكيف أنها ليست سهلةً على المريض مثل انكماش الرئة أو انخماصها وغير ذلك من الأمور المعروفة جميعها حتى لدى أبقراط. كما أن استئصال أحد فصوص الرئة أصبح أيضًا أمرًا معروفًا وشائعًا في الآونة الأخيرة. قلت: «لكنْ أَلَا تفقد بعضًا منهم؟» لا بد أنه اعتقد أن الوقت مناسب للمزاح ثانية. قال: «بالطبع، إنهم يهربون ويختبئون وسط أشجار الغابة، ونحن لا ندري إلى أين يذهبون، أو إنْ كانوا يقفزون في البحيرة. أم أنكِ تقصدين أنَّ منهم مَن يُتوفَّى؟ هناك حالات لا تنجح. نعم.» لكنه أضاف أننا في طريقنا لاكتشافات كبيرة؛ فالطريقة التي تُجرى بها العمليات ستصبح قديمةً كطريقة الفصد؛ فهناك عقار جديد في طريقه للظهور، وهو عقار الستربتوميسين، الذي كان في مرحلة التجربة. وكانت هناك بعض المشكلات التي يسبِّبها وهذا أمر طبيعي؛ فهو يؤدي إلى تسمُّم الجهاز العصبي. لكن بالقطع ستكون هناك طريقة لتلافي ذلك. «سيفقد بعض الجراحين أمثالي وظائفَهم بسبب تلك الاكتشافات.» غسَلَ الأطباق وجففتُها أنا، وقد وضَعَ مئزرًا حول خصري حتى لا يتسخ ثوبي، وعندما عَقَدَ طرفَيْ رباط المئزر جيدًا، وضع يدَه أعلى ظهري. شعرت بضغطة يده وملمس أصابعه المتفرقة؛ ربما كان يتفحَّص جسدي بطريقة ماهرة. وعندما أويت إلى الفراش في تلك الليلة، كنتُ لا أزال أستشعر ضغطةَ يده هذه، وشعرتُ كيف أن قوتها قد زادت بدءًا من إصبع الخنصر وحتى إصبع الإبهام. لقد استمتعت بذلك؛ كان ذلك بالنسبة إليَّ في واقع الأمر شيئًا أهم من تلك القبلة التي طبعها على جبيني فيما بعدُ، في اللحظة التي سبقَتْ مغادرتي لسيارته. كانت قبلةً جافةً سريعة ورسمية، أعطاني إياها على عجل. ••• رأيت مفتاح منزله ملقًى على أرض غرفتي؛ فقد دسَّه من أسفل الباب عندما كنتُ خارج الغرفة، لكني لم أستطع استخدامه على أية حال. لو أن أحدًا آخَر قدَّمَ لي ذلك العرض، لَكنتُ قَبِلت تلك الفرصةَ على الفور، خاصةً إنْ كانت هناك مدفأة؛ لكنْ في تلك الحالة، فإن تعامُلَه السابق والمستقبلي سينزع كلَّ الشعور العادي بالارتياح من الموقف، ويستبدل به نوعًا من المتعة المحدودة والمُجهِدة للأعصاب بدلًا من أن تكون كبيرة؛ فلن أتوقَّف عن الارتعاد حتى عندما لا تكون هناك برودة، ولا أدرى إنْ كنت سأستطيع قراءةَ ولو كلمة واحدة من تلك الكتب. ••• ظننتُ أن ماري قد تظهر كي توبِّخني بسبب عدم حضوري لمسرحية «بينافور»، وفكَّرتُ أن أقول لها إنني لم أكن على ما يرام، وإنني قد أُصِبت بنزلة برد، لكني سرعان ما تذكَّرْتُ أن نزلات البرد كانت بالأمر الخطير في هذا المكان؛ حيث يستوجب ذلك ارتداءَ الأقنعة واستخدام المطهرات والإقصاء. وسرعان ما أيقنتُ أنه لا فائدةَ من إخفاء زيارتي لمنزل الطبيب بأي حال من الأحوال؛ فلم تَخْفَ الزيارة على أحد، حتى بالطبع عن الممرضات اللائي لم يتفوَّهن بكلمة بشأنها، وذلك إما بسبب الغطرسة والتحفُّظ الشديدين من جانبهن، وإما لأن مثل هذه الأشياء لم تَعُدْ تثير اهتمامَهن، لكن الممرضات المساعدات تعمَّدْنَ إغاظتي. «هل استمتعتِ بطعام العشاء الليلةَ السابقة؟» لكنْ كانت نبرةُ صوتهن ودودةً، وبَدَا أن الأمر يروق لهن، وكأنما اتَّحَدَ أسلوبي الغريب مع طريقة الطبيب الغريبة التي يألفونها، بل يكنون لها أيضًا كلَّ احترامٍ، وكان هذا شيئًا جيدًا ويصبُّ في مصلحتي. وارتفعت أسهمي في المكان؛ فقد أصبحتُ الآن — بغضِّ النظر عمَّا كنتُ قبلَ ذلك — امرأةً لها رجلٌ يهتمُّ بها. لم تظهر ماري طوال الأسبوع. ••• «موعدنا السبت القادم.» كانت تلك هي الكلمات التي قالها حتى قبل أن يشرع في تقبيلي، وهكذا انتظرتُ ثانيةً عند الشرفة الأمامية، لكنه لم يتأخَّر عن موعده هذه المرة. استقلَلْنا السيارةَ حتى منزله، واتجهتُ أنا صوبَ الغرفة الأمامية بينما كان يُشعل النيران في المدفأة، ولمحت هناك المدفأةَ الكهربائية التي علاها الغبار. قال: «إنك لم تَقْبَلي عرضي. هل جال بخاطرك أنني لم أكن أعني ما أقول؟ إنني دائمًا أعني ما أقول.» قلت له إنني لم أرغب في الذهاب إلى البلدة خشيةَ أن أقابل ماري. «لأنني لم أحضر العرضَ المسرحي الذي قدَّمَتْه.» قال: «هذا إذا كنتِ سترتبين حياتك وفقًا لما يناسب ماري.» كانت قائمة الطعام هي تقريبًا نفس القائمة السابقة؛ قطع لحم خنزير، وبطاطس مهروسة، وذرة معلَّبة بدلًا من البازلاء المعلَّبة. وقد سمح لي هذه المرة أن أساعده في المطبخ، بل طلَبَ مني أيضًا أن أعدَّ المائدةَ. قال: «بمقدورك أن تعرفي أماكن الأشياء أيضًا، وأعتقد أن كل الأشياء تقريبًا في أماكنها المنطقية.» كان هذا يعني أنني يمكنني أن أراه وهو يعدُّ الطعامَ أمام الموقد. تولَّدَ بداخلي تتابُعٌ من الحرارة والبرودة وأنا أشاهِدُه وهو يعمل في سلاسةٍ وتركيزٍ ويتحرك بخطوات قليلة ومحددة. لم نَكَدْ نبدأ في تناول الطعام حتى سمعنا قرعًا على الباب. نهض من مكانه وجذب مزلاجَ الباب، فوجدنا ماري تندفع إلى الداخل. كانت تحمل صندوقًا من الكرتون وضعَتْه على المائدة، ثم خلعت معطفها وظهرت في رداءٍ يمزج بين اللونين الأحمر والأصفر. قالت: «عيد حب سعيد، وإنْ كان متأخرًا. بما أنكَ لم تأتِ لحضور العرض، فقد أحضرت أنا العرض إليك. كما أحضرتُ لك هديةً في هذا الصندوق.» ساعَدَها توازُنها الرائع على أن تقف على قدم واحدة، بينما ركلت إحدى فردتَيْ حذائها العالي الرقبة بالقدم الأخرى، وهكذا فعلت بالفردة الثانية؛ حيث غيَّرَتِ الوضعَ ووقفَتْ على القدم الأخرى. ثم أزاحتهما بعيدًا عن طريقها وراحت تثب وتدور برشاقةٍ حول المائدة، وتشدو في نفس الوقت بصوت يافع شجي، لكنه مليء بالحيوية، قائلةً: يدعونني باتركاب الصغيرة، باتركاب الصغيرة المسكينة، بالرغم من أني لا أدري لِمَ يدعونني هكذا. لكنهم لا يزالون يدعونني باتركاب باتركاب الصغيرة المسكينة عزيزتي باتركاب الصغيرة إنني … نهض الطبيب من مكانه حتى قبْلَ أنْ تشرع ماري في الغناء. كان يقف أمام الموقد منهمكًا في تقليب شرائح اللحم الموضوعة داخل المقلاة. صفقتُ لها قائلةً: «يا له من ثوب رائع!» وكان حقًّا هكذا؛ فقد كانت ترتدي تنورةً حمراء وتنورةً تحتية ذات لون أصفر زاهٍ، ومئزرًا أبيض يهتزُّ مع حركته، وصدرية مطرزة. «لقد صنعَتْه لي أمي.» «وهل هي التي قامت بالتطريز أيضًا؟» «بالطبع، لقد ظلَّتْ مستيقظةً حتى الرابعة صباحًا حتى تستطيع الانتهاء منه في الليلة السابقة على العرض.» وراحت تقوم ثانيةً بحركات دائرية وتسير ببطء كي تعرضه أمامي. سمعتُ رنينَ صوت الأطباق وهو يجذبها من فوق الأرفف، وصفقتُ ثانيةً بحماس. ولم تكن كلتانا تريد سوى شيء واحد فقط؛ وهو أن يستدير الطبيب نحونا ويتوقف عن تجاهلنا. كنا نبغي أن يتفوَّه بكلمة واحدة لطيفة وإنْ كانت على مضض. قالت ماري: «انظري ماذا هناك أيضًا من أجل عيد الحب.» ثم فتحت الصندوق الذي كان بداخله بعض كوكيز عيد الحب، التي كانت كلها على شكل قلوب صغيرة ومغطَّاة بطبقة سكرية كثيفة ذات لون أحمر. قلت: «يا لروعتها!» وواصلَتْ ماري رقصاتها وهي تغني قائلةً: أنا قبطان بينافور. قبطان طيب حقًّا! وَلْتعلموا أنكم طيبون بشدة، فأنا أقود طاقمًا رائعًا جدًّا. استدار الطبيب نحونا أخيرًا فحيته ماري. قال: «حسنًا، هذا يكفي.» لكنها تجاهلته وواصلت قائلةً: ثم فَلْتهلِّلوا ثلاثًا، ثم مرة أخرى من أجل قبطان بينافور الجسور … «قلتُ كفى.» «من أجل قبطان بينافور الباسل …» «ماري نحن نتناول عشاءنا، وأنت لستِ بمدعوَّة، هل تفهمين ذلك؟ لستِ بمدعوَّة.» هدأتْ أخيرًا، بَيْدَ أن ذلك الهدوء لم يستمر إلا للحظة واحدة. «ما هذا السخف؟ أنت لست بشخصٍ لطيف على الإطلاق.» «كما يمكنك أن تتخلي عن هذه الكوكيز؛ بل عليكِ أن تمتنعي عن تناول الكوكيز كليةً؛ فأنتِ في طريقك لأن تصبحي بدينةً مثل الخنزير الصغير.» امتعَضَ وجهُ ماري بشدة وكانت على وشك البكاء، لكنها قالت بدلًا من ذلك: «انظروا مَن الذي يتحدَّث؛ فكلُّ عين من عينَيْك تنظر في اتجاهٍ مختلِف.» «يكفي هذا.» «هما هكذا بالفعل.» التقط الطبيب حذاءها العالي الرقبة ووضعه أمامها. «ارتدِ هذا.» فعلَتْ ما قاله لها وكانت الدموع تملأ عينَيْها وراح أنفها يسيل، وأخذت تتنشَّق بقوة. أحضر لها معطفها، لكنه لم يعاوِنها على ارتدائه بينما مدَّتْ هي يدها ووجدت طريقها إلى أزراره. «لقد نجحتِ في ارتدائه. والآن، كيف أتيتِ إلى هنا؟» رفضَتِ الإجابة. «لقد جئتِ سيرًا على الأقدام، أليس كذلك؟ أين أمك؟» «تلعب اليوكر.» «حسنًا، يمكن أن أصطحبك إلى المنزل بسيارتي، حتى لا يكون هناك احتمالُ أن تندفعي باتجاه كومة ثلجية وتسقطي وتتجمدي حتى الموت وأنت تشعرين بأنك ضحية.» لم أتفوَّه بكلمة، ولم تنظر ماري نحوي ولو مرة واحدة؛ فقد كانت اللحظةُ صادمةً ولا تحتمِل أيَّ عباراتِ وداعٍ. وعندما ترامى إلى مسامعي صوتُ السيارة وهي تدور، شرعت في رفع الأطباق عن المائدة. لم نتناول التحليةَ التي كانت فطيرة تفاح أيضًا. ربما لم يكن يعرف نوعًا آخَر من التحلية، أو ربما لم يكن لدى الخبَّاز سوى ذلك الصنف فقط. أخذتُ واحدةً من الكوكيز التي على شكل قلب وتناولتُها، كانت الطبقة السكرية شديدةَ الحلاوة، ولم تكن لها نكهة الكريز أو التوت؛ مجرد سكر ولون أحمر صناعي. تناولتُ واحدةً تلو الأخرى. كنت أعرف أنه كان يجب عليَّ أن أودِّعها على الأقل، كان ينبغي أن أشكرها، لكن لم يكن ذلك يمثِّل أهميةً. حدَّثْتُ نفسي قائلةً إن ذلك لم يكن ليمثِّل أهميةً في شيء، فالعرض الذي أدَّتْه لم يكن من أجلي على أية حال، أو بالأحرى، جزءٌ صغيرٌ منه فقط كان من أجلي. لقد كان قاسيًا معها. لقد صدمتني قسوته الشديدة تلك، وخاصةً تجاهَ شخصٍ في شدة الاحتياج لمعامَلةٍ طيبةٍ، لكنه فعل ذلك لأجلي، حسبما أرى؛ وذلك حتى لا يقتطع أحدٌ جزءًا من الوقت الذي يمضيه معي. لقد أشبعَتْ تلك الفكرةُ غروري، وشعرتُ بالخجل إزاء شعوري هذا، ولم أكن أدري ماذا كنتُ سأقول له عند عودته. لم يكن يريدني أن أتفوَّه بشيء، بل قادني نحو الفراش. هل كان هذا أمرًا أعَدَّ له مسبقًا، أم أنه وليد اللحظة وقد كان مفاجئًا له مثلما كان بالنسبة إلي؟ لم تَبْدُ عذريتي على الأقل مثارًا لدهشته على الإطلاق؛ فقد أحضَرَ منشفةً وواقيًا ذكريًّا، وعزم على أن تسير الأمور بسلاسةٍ قدرَ المستطاع. ربما كانت رغبتي المحمومة بمنزلة مفاجأة لكِلَيْنا؛ فقد اتضح أن الخيال قد يكون جيدًا ومهمًّا كاستعدادٍ، مثله مثل التجربة تمامًا. قال: «إنني أنوي الزواجَ منك.» قبل أن يصطحبني إلى المنزل ألقى كل الكوكيز؛ ألقى كلَّ تلك القلوب الحمراء وسطَ الثلوج من أجل إطعام الطيور في ذلك الشتاء القارس. ••• وهكذا تم الاتفاق بيننا على الأمر؛ فأصبحت خطوبتنا المفاجئة، بالرغم من تحفُّظه بعضَ الشيء على تلك الكلمة، حقيقةً واقعةً يعرفها كلانا فقط، فلم يكن عليَّ أن أكتب لجدي وجدتي لأخبرهما بذلك. وكان الزفاف سيتم حالما يستطيع هو أن يأخذ راحة لمدة يومين متتاليَيْن، وقال إن حفل الزفاف سيكون بسيطًا خاليًا من أية بهرجة. وكان عليَّ أن أتفهَّم أن فكرة إقامة حفل زفاف هي فكرة لا تروق له وليس على استعدادٍ لقبولها؛ ذلك لأن الحفل كان سيقام في حضور بعض الأشخاص الذين لا تحظى أفكارُهم باحترامه، والذين كانوا سيتغامزون علينا ويتصنَّعون الضحك أمامنا. ولم يكن يفضِّل أيضًا الخواتم الماسية، وأخبرتُه أنني لم أكن لأرغب في واحد منها على الإطلاق، وكنت كذلك بالفعل، لأنني لم أفكر فيه قطُّ من قبلُ. أخبرني أن هذا شيء جيد؛ فقد كان يعلم أنني لستُ من ذلك النوع من الفتيات التقليديات الحمقاوات. وقال إن من الأفضل أن نتوقَّف عن تناول العشاء معًا؛ ليس فقط بسبب الأحاديث التي ستدور حولنا، لكن لأنه من الصعب الحصول على لحم يكفي فردَيْن من خلال بطاقة طعام واحدة. ولم تكن البطاقة الخاصة بي متاحةً؛ حيث سلَّمْتُها للمسئولين عن المطبخ — أيْ لوالدة ماري — بمجرد أن شرعتُ في تناوُل الطعام في المصحة. فمن الأحرى ألَّا نجذب أنظارَ الآخرين إلينا. ••• بالطبع ارتاب الجميع في وجود علاقةٍ بيننا؛ فلقد أصبحَتِ الممرضات الأكبر سنًّا يعامِلْنَني بودٍّ، حتى رئيسة الممرضات كانت تبتسم في وجهي ابتسامةً واهنة تعبِّر عن الامتعاض. وكنتُ أتأنَّق على نحوٍ بسيط دون أنْ أقصد شيئًا من وراء ذلك. وكنت أحيط نفسي بإطار من السكينة والهدوء، وأتحدث دومًا وأنا أخفض بصري. ولم يَجُلْ بخاطري مطلقًا أن أولئك الممرضات كنَّ ينتظرن ليريْنَ أي منعطف يمكن أن تأخذه تلك العلاقة، وأنهن كنَّ على استعدادٍ أن يَعُدْنَ إلى سابقِ عهدهن من التظاهُر بالورع إنْ قرَّرَ الطبيب أن يهجرني. أما الممرضات المساعدات، فقد كنَّ في صفي بكل ما أوتين من قوة، وكنَّ يمزحْنَ بأنهن كنَّ يرين أجراسَ زفافٍ وهنَّ يتطلَّعْنَ إلى أوراق الشاي في قدحي؛ وذلك تيمُّنًا بزفافي. كان شهر مارس شهرًا كئيبًا ومزدحمًا بكثير من العمل في المستشفى. كانت الممرضات المساعدات يقلن إنه دومًا أسوأ الشهور وتحدث خلاله المشاكل والمتاعب. ولأسباب عدة، كان الناس يعتقدون أنهم سيموتون فيه، وذلك على الرغم من أنهم استطاعوا تجاوُزَ أزماتهم الصحية في فصل الشتاء. ولو حدث أن تغيَّبَ أحد الأطفال في الفصل الدراسي، فلم أكن أدري حينها إنْ كان هذا معناه أن حالته قد ازدادَتْ سوءًا على نحوٍ مفاجئ، أم أنهم جعلوه يرتاح في سريره لأن هناك شكًّا في إصابته بنوبة برد. كانت لديَّ سبورة متنقلة أدوِّن على جوانبها أسماء الأطفال، ولم أَعُدِ الآنَ أضطر لمحو أسماء الأطفال الذين كان يطول غيابهم؛ إذ كان يقوم بذلك بعض الأطفال الآخَرين دون أن يخبروني؛ فقد كانوا يتفهمون جيدًا القواعدَ التي كان لا يزال عليَّ تعلُّمها. وأخيرًا سنح الوقت للطبيب بأن يقوم ببعض ترتيبات الزفاف؛ فقد دسَّ رسالة قصيرة أسفل باب حجرتي يخبرني فيها بأنه عليَّ أن أستعِدَّ للزواج بحلول الأسبوع الأول من شهر أبريل؛ فقد كان بمقدوره أخذ يومين راحة، ما لم تطرأ أي أزمات ومشاكل حقيقية في المستشفى. ••• سنتجه إلى هنتسفيل. سنذهب إلى هنتسفيل، وهي المدينة التي ستشهد زفافنا. بدأنا ذلك اليوم الذي أثق تمامًا أنني سأظل أذكره طوال حياتي. أرسلتُ ثوبي الأخضر المصنوع من قماش الكريب لكي يُنظَّف تنظيفًا جافًّا، ولففتُه بعناية ووضعته في حقيبة الرحلات القصيرة؛ فقد علَّمَتْني جدتي ذات يوم حيلةً للفِّ الثياب بعناية، وهي أفضل من طيِّها تلافيًا لتجعُّدها. وهكذا اعتقدتُ أنه كان عليَّ أن أغيِّر ملابسي في أي حمامٍ في مكانٍ ما. رحت أرقب الطريق لأرى إنْ كانت هناك بعض الزهور البرية التي ربما ظهرَتْ قبل أوانها، وذلك حتى أتمكَّن من قطف بعضها لأصنع منه باقة. هل كان سيوافق هو على أن أحمل باقة من الزهور؟ لكنْ على أية حال كان الوقت مبكرًا جدًّا حتى لنمو زهور أذريون الماء، ولم يكن المرء ليرى شيئًا على ذلك الطريق الخالي المتعرج سوى أشجار التنوب المارياني الرفيعة، ومساحات ممتدة من نبات العرعر وبعض المستنقعات. وتناثرت بصورة عشوائية عبر الطريق بعض الكتل الصخرية التي ألفتُ رؤيتَها هنا، والتي كانت أرصفة صخرية مائلة من الجرانيت ملطخة باللون الأحمر. كان الراديو يذيع موسيقى حماسية؛ حيث كانت قوات الحلفاء تتقدَّم أكثر فأكثر نحو برلين. وقال الطبيب، الذي كان اسمه الأول أليستر، إنهم يتأخرون في تقدُّمهم حتى يسمحوا للروس أن يدخلوا أولًا. وأضاف أنهم سيندمون على ذلك. والآن وبعد أن ابتعدنا كثيرًا عن أمندسون، كان بإمكاني أن أناديه بأليستر. كانت هذه هي أطول رحلة قطعناها معًا بالسيارة، وقد أثارني تجاهُله الذكوري لوجودي — الذي كنتُ أدري تمامًا بأنه سرعان ما كان سينقلب إلى النقيض — وراقَتْ لي مهارته الطارئة في القيادة. وأثارتني أيضًا حقيقة كونه جراحًا بالرغم من أنني لم أكن لأعترف بذلك، ولكني كنت أعتقد في تلك اللحظة أنني على استعدادٍ لأَنْ أسلِّم نفسي له في أي مستنقع، أو حتى في حفرة موحلة، أو أنْ أشعر باحتكاك عمودي الفقري بأيٍّ من الصخور المترامية على جانبَي الطريق، إنْ أراد هو مضاجعتي. كنت أدرك أيضًا أنه كان يجب عليَّ أن أحتفظ بتلك المشاعر لنفسي. تحوَّلْتُ للتفكير في المستقبل. توقَّعْتُ بمجرد وصولنا إلى هنتسفيل أننا سنذهب إلى أحد القساوسة، ونقف حينها جنبًا إلى جنب في إحدى غرف المعيشة التي ستشبه في روعتها شقة جدي وجدتي، وأجمل غرف المعيشة التي عرفتُها طوال حياتي. إنني أتذكر تلك الأوقات التي كان يُستدعَى فيها جدي ليقوم بطقوس الزفاف حتى بعد تقاعده، وكيف كانت جدتي تضع بعضًا من البودرة الحمراء على وجنتيها، وترتدي سترتها المزينة بالدانتيل ذات اللون الأزرق الداكن التي تدَّخِرها لمثل هذه المناسبات. لكنني اكتشفتُ أن هناك طرقًا أخرى للزواج، واكتشفتُ إحساسًا بالنفور تجاه عريسي لم أتبيَّن كُنْهَه؛ فهو لم يكن يريد أن يتم الزواج على يد أحد القساوسة، بل من المفترض أننا كنا سنملأ في مبنى بلدية هنتسفيل نموذجَيْن نتعهَّد فيهما أننا لسنا متزوِّجين، ونأخذ موعدًا للزواج على يد قاضي صلحٍ في وقت لاحق من نفس اليوم. حلَّ موعد الغداء، وتوقف أليستر خارج مطعم يشبه تمامًا ذلك المقهى المتواجِد في أمندسون. «هذا سيفي بالغرض.» لكنَّ نظرةً واحدة إلى وجهي جعلَتْه يغيِّر رأيه على الفور. قال: «أنتِ لا تريدين هذا، أليس كذلك؟ حسنًا.» وانتهى بنا الأمر إلى تناول الغداء في الشرفة الأمامية الباردة لأحد المطاعم الأنيقة التي تعلن عن تقديم وجبات دجاج للعشاء. كان الطعام باردًا جدًّا، ولم يكن ثمة أحدٌ آخر يتناول عشاءَه سوانا، ولم يكن بالمكان أي صوت موسيقى آتٍ من الراديو؛ فلم يوجد سوى رنين أدوات المائدة وهي تصطَكُّ بعضها ببعض ونحن نحاول أن نقطع أجزاء الدجاج الجامدة العصية على المضغ. كنت أثق تمامًا بأنه كان يحدِّث نفسه بأن المطعم الأول الذي اقترَحَه كان أفضل حالًا بكثيرٍ من ذلك المكان. ومع هذا كان لديَّ من الشجاعة ما جعلني أسأله عن مكان حمام السيدات، وهناك أخرجتُ ثوبي الأخضر وارتديته وسط ذلك الهواء البارد الذي كان يفوق في برودته هواءَ الشرفة الأمامية مما يثبط من عزم المرء، ووضعتُ طلاءَ شفاه مرةً أخرى، وأصلحتُ من هيئة شعري. عندما عدت إلى الشرفة مرة أخرى نهض أليستر من مكانه لتحيتي وهو يبتسم ويمسك يدي بقوة ويخبرني بمدى جمالي. اتجهنا بخطًى هادئة نحو السيارة مرةً أخرى، وكان كلٌّ منَّا يُمسِك بيدِ الآخَر. فتح لي باب السيارة وأدخلني وذهب نحو الباب الآخَر، ودلف للداخل واستقرَّ خلف عجلة القيادة ووضع المفتاح وأدار محرك السيارة، ثم ما لبث أن أوقفه ثانيةً. كانت السيارة تقف أمام متجر الأدوات المعدنية. كانت هناك تخفيضات على مجارف إزالة الثلوج حيث كانت تباع بنصف الثمن، وكانت لا تزال هناك لافتة تقول إنه يمكن شَحْذ المزالج بداخل المتجر. على الجانب الآخر من الطريق كان يوجد منزل خشبي مطلي بطلاء أصفر زيتي، كانت درجات سُلَّمه الأمامي متهالكةً وغيرَ آمنة للصعود، وقد ثُبِّتت في مكانها باستخدام لوحَيْن من الخشب موضوعَيْن على شكل حرف إكس. كانت الشاحنة التي تقف أمام سيارة أليستر من طراز السيارات التي صُنِعت في فترة ما قبل الحرب، وكانت ذات دواسة جانبية، وقد علت رفارفَها طبقةٌ من الصدأ. غادَرَ المتجرَ رجلٌ كان يرتدي رداءَ عملٍ ودلف إلى الشاحنة، وبعد عدة محاولات ومقاوَمة من جانب المحرك أعقبَتْها بعض الأصوات والاهتزازات، انطلق بها بعيدًا. ظهرت الآن إحدى شاحنات التوصيل التي تحمل اسم المتجر، وحاولَتْ أن تقف في المكان الذي أصبح شاغرًا الآن. لم تكن هناك مساحة كافية تتسع لوقوفها، فغادَرَ السائق الشاحنةَ واتجه نحونا وأخذ يطرق زجاجَ سيارة أليستر. تفاجَأَ أليستر؛ ولو لم يكن يتحدَّث معي بجدية، لَكان قد لاحَظَ المشكلة من قبلُ. فتح زجاجَ السيارة وقال له الرجل إننا إذا كنا نركن في هذا المكان بغيةَ شراء شيء من المتجر، فلا مانع، وإن لم يكن الأمر كذلك، فهو يرجونا أن نترك المكان. قال أليستر، ذلك الرجل الذي كان يجلس بجواري والذي كان يعتزم الزواج مني، أما الآن فلم يكن ينوي الإقدام على ذلك: «لقد كنا على وشك الرحيل.» «كنا!» لقد قال «كنا.» وللحظة توقفت عند تلك الكلمة، ثم دار بخلدي أنها قد تكون المرة الأخيرة؛ المرة الأخيرة التي ستحتويني صيغة الجمع التي يتفوَّه بها. لكن لم تكن كلمة «كنا» هي ما يهم، ولم تكن هي التي خبرتني بالحقيقة، لكنها النبرة الذكورية التي كان يتحدث بها إلى السائق، بجانب اعتذاره الهادئ والمنطقي. كنت أتمنى الآن لو نعود إلى ما كان يقوله قبل ذلك، عندما لم يلاحظ حتى تلك الشاحنة وهي تحاول أن تركن؛ فما قاله حينها كان فظيعًا، لكنَّ إمساكَه المحكم بعجلة القيادة وشرودَه وصوتَه كانت جميعها أشياء تشي بما داخله من ألم. لم يكن يهمني ما قاله وما كان يعنيه؛ فقد كان حديثه نابعًا حينها من نفس المكان السحيق الذي تحدَّثَ منه عندما كان معي في الفراش، لكنه لم يكن هكذا الآن بعدما تحدَّثَ إلى رجل آخَر. أغلَقَ زجاج السيارة وأولى اهتمامه للسيارة كي يُخرِجها من تلك المساحة الضيقة وينقلها إلى مكانٍ لا تحتكُّ فيه بالشاحنة. وبعد لحظةٍ شعرتُ أنني كنت سأسعد حتى بالعودة إلى ذلك الوقت الذي أدار خلاله عنقَه للخلف كي يرى ما وراءه؛ فذاك أفضل من القيادة، حيث إنه كان يقود الآن، عبر شارع هنتسفيل الرئيسي كما لو أنه لم يكن هناك المزيد ليقوله أو يقدِّمه. قال حينها إنه لا يستطيع القيام بذلك. أخبرني أنه لا يستطيع إتمام الأمر. وليس بمقدوره شرح الأسباب. إنه مجرد خطأ. اعتقدت أنني لن أتمكن مطلقًا من النظرِ إلى أي أحرف متعرجة تشبه تلك الموجودة في اللافتة التي تشير إلى إمكانية شحذ المزالج بالمتجر، أو النظرِ إلى الألواح الخشبية القوية التي تُثبت على شكل حرف إكس كتلك المثبتة على درجات المنزل الأصفر المواجه للمتجر؛ دون أن أسمع صوته. «سأصطحبك بالسيارة إلى المحطة الآن، وسأشتري لك تذكرةً إلى تورونتو، وإنني واثقٌ من أن هناك قطارًا متجهًا إلى تورونتو في وقت متأخر من بعد ظهيرة اليوم. وسأختلق قصةً مقبولةً جدًّا لأجعل أحدهم يحزم أشياءك، وَلْتعطيني عنوانك في تورونتو؛ فأنا لا أعتقد أنني قد احتفظتُ به. أوه، وسأكتب توصيةً عنك؛ فقد أدَّيْتِ عملًا جيدًا. صحيح أنك لم تُنْهِي الفصلَ الدراسي على أية حال، لكني لم أخبرك بعدُ بأن الأطفال سيُنقَلون؛ فكلُّ أنواع التغييرات الكبرى تتمُّ في وقتٍ واحد.» تغيَّرَتْ نبرةُ صوته لنبرةٍ جديدة تعبِّر عن ثقةٍ في النفس؛ نبرةٍ قاسية من الارتياح. كان يحاول أن يكبح جماحَ ذلك ولا يعبِّر عن ارتياحه حتى أنصرف. أخذت أتطلع إلى الشوارع، وكان الأمر أشبه بمَن يُساق إلى مكان إعدامه. لا ليس بعدُ، بعد فترة قليلة. ولم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي أسمع صوته فيها. ليس بعد. لم يكن بحاجةٍ لأنْ يسأل عن الطريق، وتساءلتُ بصوتٍ عالٍ إنْ كان قد اصطحَبَ العديدَ من الفتيات إلى محطة القطار من قبلُ. قال: «لا تنظري للأمور على هذا النحو.» بدا لي كل منعطف نمر به وكأنه يحطِّم ما تبقَّى من حياتي. كان هناك قطار متجه إلى تورونتو في الخامسة مساءً. طلب مني أن أنتظر في السيارة بينما ذهب هو كي يتحقَّق من الموعد. عاد وهو يحمل التذكرة في يده وخُيل إليَّ أنه كان يخطو بخطوات أكثر خفةً، ولا بد أنه لاحَظَ ذلك؛ حيث أصبحت خطواته أكثر رصانةً حين أخذ يقترب من السيارة. «إن الطقس لطيف ودافئ في المحطة، وهناك غرفة انتظار خاصة للسيدات.» وفتح لي بعدها باب السيارة. «أم تفضِّلين أن أنتظر وأودِّعك؟ ربما يكون هناك مكانٌ يمكننا أن نتناول فيه فطيرة تفاح شهية؛ فقد كان العشاء الذي تناولناه فظيعًا.» أثارني حديثه هذا بعض الشيء، فغادرتُ السيارة وتقدَّمْتُه في السير نحو المحطة، وأشار إلى غرفة انتظار السيدات. تفاجأ بما فعلتُ وحاوَلَ أن يمزح معي للمرة الأخيرة. «ربما في يومٍ من الأيام تعتبرين أن هذا اليوم هو واحدٌ من أكثر أيام حياتك حظًّا.» ••• وقع اختياري في غرفة الانتظار على مقعد كان يواجه أبواب المحطة الأمامية؛ حتى يمكنني رؤيته إنْ عاد مرةً أخرى؛ فربما يعود ليخبرني أن ما فعله كان مجرد مزحة، أو هو نوع من الاختبار لي تمامًا كما يحدث في بعض المسرحيات التي تعود للقرون الوسطى. أو ربما غيَّرَ رأيه بعدما قاد سيارته عبر الطريق السريع، ورأى ضوء شمس الربيع وهي تُلقِي بضوئها الخافت على الصخور التي كنا نشاهدها معًا منذ وقت قريب، وبمجرد أن أدرك مدى حماقته تراجَعَ في منتصف الطريق وعاد إليَّ مُسرِعًا. مرت ساعة على الأقل قبل دخول قطار تورونتو إلى المحطة، لكنني بالكاد شعرت بما مر من وقت، وما زالت الخيالات تجتاح عقلي إلى الآن. صعدتُ على متن القطار كما لو أن هناك قيودًا تكبِّل كاحليَّ. ألصقتُ وجهي بالنافذة وأخذتُ أتطلَّع إلى رصيف المحطة حيث كانت الصافرة تُعلِن عن رحيل القطار. حتى في تلك اللحظة، قد لا يكون الأوان قد فات كي أقفز من القطار؛ أقفز بحرية وأهرول عبر المحطة إلى الشارع حيث ركن سيارته لتوِّه وراح يصعد الدَّرَج معتقِدًا هو الآخَر أن الوقت لم يَفُتْ، ويبتهل بألا يكون قد فات الأوان بالفعل. وأركض كي ألتقي به، فلم يَفُتِ الأوان بعدُ. ما كل هذا الهرج والصياح والصراخ الذي لم يكن صادرًا عن شخص واحد بل مجموعة من الأشخاص المتأخرين وهم يتخبطون بين المقاعد. كانوا مجموعة من فتيات المدرسة الثانوية في زيهن الرياضي، ولم يأبهن بما يسبِّبْنَه من إزعاج. شعر المحصل بالاستياء وحثَّهن على الإسراع بالجلوس بينما كنَّ يندفعْنَ نحو مقاعدهن. كانت ماري واحدة منهن، وأغلب الظن أنها كانت أعلاهن صوتًا. أَدَرْتُ رأسي ولم أنظر نحوهن ثانيةً. لكنْ ها هي تناديني باسمي وتريد أن تعرف أين كنت. أخبرتها بأنني كنت في زيارة لإحدى صديقاتي. ألقَتْ بنفسها بجواري وأخبرتني بأنهن كنَّ يلعبْنَ مباراةً في كرة السلة ضد فريق هنتسفيل، وكانت المباراة ممتعة وقد خسرْنَها. صاحت في سرور واضح: «لقد هُزِمنا، أليس كذلك؟» وهمهمت الفتيات في حزنٍ وبعدها انفجرْنَ في الضحك. ثم ذكرَتِ النتيجةَ التي كانت مخزيةً جدًّا بالفعل. قالت: «إنك في كامل هيئتك.» لكنها لم تكترث كثيرًا بما قلته، وبَدَا أنها لم تُظهِر اهتمامًا حقيقيًّا بما قدَّمْتُه من أسباب. وبالكاد لاحظت أنني قلتُ إني ذاهبة إلى تورونتو كي أزور جدي وجدتي، فقط لتشير إلى أنهما بالقطع طاعنان في السن. لم تتفوَّه بكلمةٍ عن أليستر، حتى ولو كلمة سيئة. إنها لم تكن لتنسى ما حدث، لكنها فقط طَوَتْ ذلك المشهد ووضعته في خزانة مع ما صادفَتْه في حياتها من قبلُ، أو ربما كانت من ذلك النوع من الأشخاص الذين بمقدورهم التعامُل بعدم اكتراثٍ مع أي مهانة. إنني ممتنة لها الآن حتى لو لم يكن بمقدوري أنْ أشعر بذلك حينها. إذا كنتُ قد سافرت بمفردي، فماذا كان يمكن أن أفعل عندما نصل إلى أمندسون؟ ماذا لو قفزتُ وغادرتُ القطار وهرعتُ إلى منزله وطلبتُ أن أعرف لِمَ فعل ذلك، لِمَ! كان سيصير عارًا عليَّ إلى الأبد. أمهلَتِ المحطةُ الفتيات بالكاد وقتًا كافيًا كي يلملمن أنفسهن وينقرن على النوافذ كي ينبِّهْنَ مَن جاءوا لتوصيلهن لأماكن وجودهن، بينما حذَّرَهنَّ المحصلُ من أنه إذا لم يُسرِعْنَ فسيحملهن القطار نحو تورونتو. ••• ظللتُ لسنوات أعتقد أنه ربما ألتقي به مصادفةً. لقد عشتُ وما زلت أعيش في تورونتو. كان يُخَيَّل إليَّ أن كل شخص ينتهي به المطاف في تورونتو حتى ولو لفترة قصيرة، لكنَّ ذلك كان يعني أنك سترى ذلك الشخص لو أنك ترغب في هذا بأي حالٍ من الأحوال. وها هو قد حدث أخيرًا. كنتُ أعبر طريقًا مزدحمًا حيث لا يمكنك حتى أن تبطئ من خطاك، كنا نسير في اتجاهين معاكسين. وقد كانت النتيجة، في نفس اللحظة، صدمة قوية ارتسمت على وجهَيْنا اللذين حفر الزمان آثارَه عليهما بشدة. رفع صوته قائلًا: «كيف حالك؟» فأجبته: «بخير.» ثم أضفتُ قائلةً: «وسعادة.» في تلك اللحظة كان ذلك صحيحًا بوجه عام فقط؛ فقد أنهيتُ لتوي شجارًا مع زوجي بسبب سدادنا دَيْنًا تراكَمَ على واحدٍ من أبنائه، وقد ذهبتُ فيما بعد ظهيرة ذلك اليوم إلى عرضٍ في أحد المعارض الفنية حتى أكون في حالة مزاجية أفضل. رفع صوته مرةً أخرى قائلًا: «عظيم.» ما زال يبدو وكأن بمقدورنا أن نشق طريقنا خارج ذلك الزحام ونكون معًا في غضون لحظة، لكنْ من المؤكد أن كلًّا منا كان سيستأنف السير في الطريق الذي كان ذاهبًا إليه، وهكذا فعلنا. ليس ثمة بكاء لاهث، ولا يدٌ أشعرُ بها على كتفي عندما وصلتُ إلى الرصيف؛ لم يكن هناك سوى ذلك البريق الذي رأيته للحظةٍ عندما اتسعَتْ حدقة إحدى عينَيْه، وقد كانت عينه اليسرى، دائمًا هي العين اليسرى، حسبما أتذكر. كانت تبدو دائمًا غريبة جدًّا، يَقِظةً وتَشِي بالتساؤل، كما لو أن شيئًا مستحيلًا خطر بباله؛ شيئًا جعله على وشك الضحك. أما أنا، فقد كنتُ أحمل شعورًا يماثل شعوري عندما غادرتُ أمندسون والقطار يحملني، وهو الشعور بالذهول وعدم التصديق التام. حقًّا لم يتغيَّر شيء بشأن الحب. حياتي العزيزة
خاتمة «ليسَتِ الأعمال الأربعة الأخيرة في هذا الكتاب قصصًا بالمعنى المعروف؛ إنها تمثِّل وحدةً منفصلةً، وحدةً تُعَدُّ سيرةً ذاتية في طابعها، بالرغم من أنها في بعض الأحيان لا تكون كذلك تمامًا فيما يتعلَّق بالتفاصيل. أعتقد أنها أول وآخِر الأشياء — وأكثرها خصوصيةً كذلك — التي عليَّ أن أقولها بشأن حياتي.» حياتي العزيزة
العين حينما كنتُ في الخامسة من عمري، أنجَبَ والداي فجأةً ولدًا، وقالَتْ أمي عنه إنه الشيء الذي لطالما كنتُ أريده. لا أدري من أين أتَتْ بتلك الفكرة، وأدخلَتْ عليها بعضَ التفاصيل التي كانت كلُّها خياليةً، لكنْ كان من الصعب مخالفتها. وبعدها بعامٍ أنجَبَا بنتًا، وكانت هناك ضجةٌ أخرى، لكنها كانت أقلَّ من المرة الأولى. حتى مجيء الطفل الأول، لم أكن أدري بأنني يمكن أن أشعر بشيءٍ يختلف عن ذلك الذي تقول أمي إنني أشعر به. وحتى ذلك الوقت، كانت روح أمي تملأ المنزل بالكامل؛ بخطواتها وصوتها وحتى رائحة بودرة التجميل التي كانت تفوح منها، المُنذِرة بسوء، التي كانت تملأ كلَّ الغُرَف حتى لو لم تكن موجودةً بها. لماذا أقول إنها كانت مُنذِرةً بسوءٍ؟ فأنا لم أكن أشعر بالخوف من أمي. الأمر لم يكن أن أمي كانت تُملِي عليَّ ما يجب أن أشعر به حيال الأشياء؛ فقد كانت لها سلطةٌ في ذلك دون أن أستطيع مناقشتها، ليس فقط في مسألة أخي، وإنما أيضًا في مسألة حبوب ريد ريفر التي رأَتْ أنها مفيدة لي وأن عليَّ أن أحبها. وكذلك فيما يتعلَّق برؤيتي للصورة المعلَّقة في الجزء السفلي من فراشي، التي تُظهِر المسيح وهو يسمح للأطفال الصغار بأن يأتوا إليه. ليست المشكلة هنا في مسألة دعوة المسيح لهم، وإنما في الطفلة الصغيرة التي كانت شبه منزوية في أحد الأركان؛ لأنها كانت ترغب في الذهاب إلى المسيح ولكن الخجل يعتريها. قالت أمي إنني تلك الطفلة، وافترضتُ أنا أن الأمر كذلك، بالرغم من أنني لم أكن لأكتشف هذا إنْ لم تخبرني هي به، وكنتُ آمل ألَّا يكون الأمرُ كذلك. لكن الشيء الذي شعرتُ حقًّا بالحزن حيالَه هو أليس في بلاد العجائب، وكيف أنها حُشِرَتْ وهي كبيرةُ الحجم في جحر الأرنب، لكني ضحكتُ لأنَّ أمي بَدَتْ سعيدةً. ولكنْ مع قدوم أخي للحياة ومع التأكيدات المستمرة من جانب أمي بأنه كان على نحوٍ ما هبةً بالنسبة إلي، بَدَأْتُ أدرك كيف أن أفكار أمي عني قد تختلف بقدرٍ هائلٍ عن أفكاري عن نفسي. أعتقد أن كل هذا كان يعدُّني للقاءِ سادي التي جاءَتْ لتعمل لدينا. انشغلَتْ أمي قليلًا عني لتعتني بالطفلَيْن، ومع عدم تواجُدِها بقُرْبي كثيرًا، كنتُ أستطيع أن أحدِّد ما هو صوابٌ وما هو غير ذلك. وكنت واعيةً بما يكفي بحيث لا أتحدَّث عن ذلك لأيِّ شخصٍ. كان الشيء غير المألوف فيما يتعلَّق بسادي — على الرغم من أنه لم يكن أمرًا مهمًّا في منزلنا — هو أنها كانت شخصيةً معروفةً؛ فبلدتنا كانت بها محطةُ إذاعةٍ كانت سادي تعزف فيها على الجيتار وتشدو بالأغنية الافتتاحية التي كانت من تأليفها. «مرحبًا، مرحبًا، مرحبًا بالجميع …» وبعد نصف ساعة، تصبح «وداعًا، وداعًا، وداعًا للجميع.» وبين هذا وذاك، كانت تشدو بالأغاني التي تُطلَب منها، وكذلك ببعض الأغاني التي تختارها هي بنفسها. وكان الناس الأكثر رقيًّا في البلدة ينزعون إلى التندُّر على أغانيها وعلى المحطة بأكملها التي يُقال عنها إنها أصغر محطة بكندا. كان هؤلاء الأشخاص يستمعون إلى محطة بتورونتو التي كانت تذيع الأغاني الشعبية الذائعة الصيت في ذلك الوقت — مثل «السمكات الثلاث الصغار والسمكة الأم أيضًا» — وجيم هانتر وهو يذيع الأخبار البائسة الخاصة بالحرب. لكن الأشخاص في المزارع أحبوا الإذاعةَ المحلية وأنواعَ الأغاني التي كانت تشدو بها سادي؛ كان صوتها قويًّا وحزينًا، وكانت تغني عن الوحدة والحزن. وأنا أستند إلى الحاجز العلوي القديم في حظيرة واسعة نظرت عبر الطريق وقت الغسق بحثًا عن صديقي الذي فقدتُه منذ وقت طويل. كانت معظم المزارع في هذا الجزء من البلاد قد أُزِيلت منذ نحو ١٥٠ عامًا، وبمقدورك أن تنظر من أي بيت ريفي وسترى أن أقرب بيت ريفي آخَر يقع على بُعْد بضعة حقول. إلا أن الأغاني التي كان يريدها المزارعون كانت كلها عن رعاة البقر الذين يعانون الوحدة، وسِحْر ووَهْم الأماكن البعيدة، والجرائم الشنعاء التي أدَّتْ إلى موت المجرمين وشفاهُهم تنطق أسماءَ أمهاتهم أو تنطق اسم الرب. كان هذا ما تغنيه سادي بأسًى وبأخفض طبقات الصوت النسائية، لكن في عملها معنا كانت تمتلئ بالحيوية والثقة، وكانت سعيدةً عندما تتحدَّث، وبالأخص عندما تتحدَّث عن نفسها، لكن في الأغلب لم يكن هناك أحدٌ تتحدَّث إليه سواي؛ فالمهامُ التي كانت تقوم بها وتلك الخاصة بأمي لم تكن تجمعهما معًا معظم الوقت، وإلى حدٍّ بعيد، أعتقد أنهما ما كانا ليستمتعا بالحديث معًا على أية حال. كانت أمي شخصيةً جادةً كما سبَقَ أنْ أشرتُ، شخصيةً اعتادت التدريس في المدارس قبل أن تُدرِّس لي، وربما أرادَتْ أن تكون سادي شخصًا يمكن أن تعاوِنه وتعلِّمه كيف ينطق الكلمات على نحوٍ سليم. لكن سادي لم تُعْطِ أيَّ إشارةٍ على أنها كانت تحتاج إلى مساعدةِ أحدٍ أو أن تتحدَّث بطريقةٍ تختلف عمَّا اعتادَتِ التحدُّثَ بها دائمًا. بعد الغداء، وجبة الظهيرة، نكون أنا وسادي بمفردنا في المطبخ. وكانت أمي تقتطع بعض الوقت لكي تغفو قليلًا، وإنْ حالَفَها الحظُّ كان يغفو معها الصغيران أيضًا، وعندما تستيقظ ترتدي ثيابًا مختلفةً كما لو أنها تتوقَّع أنْ تكون فترةُ ما بعد الظهيرة هادئةً دون متاعب، بالرغم من أن ثمة المزيد من الحفاضات التي كان يجب بالتأكيد تغييرها، وأيضًا بعض ذلك العمل غير المألوف الذي حاولْتُ جاهدةً ألَّا أتطلَّع إليه مطلقًا، حينما كانت أختي الرضيعة تلتقم أحدَ ثديَيْها وتلتهم اللبن منه. كان أبي يحصل على غفوة هو الآخر؛ ربما لخمس عشرة دقيقة في الرواق، واضعًا صحيفة «ساترداي إيفننج بوست» على وجهه قبل أن يعود إلى عمله في الحظائر. كانت سادي تُسخِّن المياه على الموقد وتغسل الأطباق بمساعدتي، وكانت تغلق الستائرَ حتى تحتفظ بالحرارة. وحينما كنا ننتهي من ذلك كانت تمسح الأرضيةَ وكنتُ أجفِّفها بطريقتي التي ابتكرتُها؛ حيث كنتُ أتزلَّج في أنحاء المطبخ على خرق التنظيف. ثم كنا ننزع بعدها لفائفَ الورق الصائد للذباب اللَّزِج الأصفر التي وضعناها بعد الإفطار، والتي امتلأت عن آخِرها بالذباب الأسود الميت أو ذلك الذي يطنُّ وعلى وشك الموت، ونعلق اللفائف الجديدة التي ستضحى مليئةً بذباب ميت جديد بحلول وقت العشاء. طوال هذا الوقت، كانت سادي تخبرني عن حياتها. لم أكن حينَها أستطيع بسهولةٍ أن أُصْدِر أحكامًا بشأن أعمار الناس؛ كان الناس بالنسبة إليَّ إما أطفالًا وإما كبارًا، وكنتُ أعتقد أنها كبيرة؛ ربما كانت في السادسة عشرة من عمرها، وربما في الثامنة عشرة أو العشرين. وأيًّا ما كان عمرها، فلطالما أعلنَتْ أنها لم تكن تتعجَّل الزواج. كانت تذهب لحفلاتِ رقصٍ كلَّ عطلةِ نهايةِ أسبوعٍ، لكنها كانت تذهب بمفردها. كانت تذهب بمفردها ولأجل نفسها، بحسب قولها. كانت تحدِّثني عن صالات الرقص. كانت هناك واحدة في البلدة على مقربة من الشارع الرئيسي حيث تُقام ساحةٌ لممارسة لعبة الكيرلنج في الشتاء؛ كانت تدفع عشرةَ سنتات من أجل الرقصة الواحدة، ثم تصعد وترقص على المنصة والناس حولها يحدِّقون فيها ببلاهةٍ، لكنها لم تكن تُعِيرهم اهتمامًا. كانت تفضِّل دائمًا أن تدفع ثمنَ الرقصة حتى لا تكون مَدِينةً بالفضل لأحدٍ، لكنْ في بعض الأحيان كان يأتي إليها أحدُ الأشخاص قبل أن تصعد لمنصة الرقص، ويسألها إنْ كانت ترغب في الرقص، وأول شيء كانت تقوله له بفظاظةٍ هو: هل تستطيع أنت الرقص؟ هل تستطيع الرقص؟ فكان ينظر هو إليها بسخريةٍ ويردُّ بالإيجاب، ولسان حاله يقول: هل هناك سببٌ آخَر لتواجُدي هنا؟ ويتضح في الغالب بعد ذلك أن ما كان يَعْنِيه بالرقص هو جرُّ قدمَيْه ببطءٍ وعشوائيةٍ مع وضْعِ يدَيْه البدينتَيْن المتعرِّقتَيْن حولها. وفي بعض الأحيان كانت تبتعد عنه وتتركه وحيدًا وترقص بمفردها؛ وهو الشيء الذي كانت تحب أن تفعله على أية حال. ثم كانت تُنهِي الرقصة التي دُفِع مقابلها، وإذا ما اعترَضَ جامِعُ النقود وأراد أن تدفع ثمنَ رقصتين، بينما هي رقصة واحدة فقط، كانت تقول إنَّ ذلك يكفي بالنسبة إليه. كان من الممكن أن يضحك الجميع عليها وهي ترقص بمفردها إنْ أرادوا ذلك. أما صالة الرقص الأخرى، فكانت خارج البلدة على الطريق السريع، وهناك كان المرء يدفع مقابلَ الرقص عند الباب، ولكن ليس من أجل رقصة واحدة وإنما لليلة بمجملها؛ كان اسم هذا المكان هو رويال-تي، وكانت تدفع لنفسها هناك أيضًا. وبنحوٍ عام، كان مستوى الراقصين هناك أفضل، لكنها كانت تحاول أن تأخذ فكرةً عن طريقة رقصهم قبل أن تجعلهم يصطحبونها إلى ساحة الرقص. كانوا في الغالب من سكان البلدة، بينما كان الأشخاص في المكان الآخَر ريفيين. كانوا يرقصون — أيْ سكان البلدة — على نحوٍ جيد، لكنْ لم تكن طريقةُ الرقص ما كان يشغلها دائمًا، وإنما المكان الذي يرغبون أن يُمسِكوا بها منه. كان عليها أن توبِّخهم بشدةٍ في بعض الأحيان وتخبرهم بما ستفعله بهم إنْ لم يتوقفوا عن ذلك، وكانت تجعلهم يعرفون أنها أتَتْ لهذا المكان من أجل الرقص، وأنها دفعَتْ لنفسها من أجل هذا. إضافةً إلى ذلك، كانت تعرف أين تضربهم، وكان هذا كفيلًا بأن يجعلهم يُحسِّنون من سلوكهم. وفي بعض الأحيان يكون هناك راقصون جيدون، وكانت تستمتع حينَها بالرقص معهم. وعندما كانت تنتهي الرقصةُ الأخيرة، كانت تندفع بسرعةٍ إلى المنزل. قالت إنها ليست كالبعض؛ فهي لم تكن تريد أن تقع في أَسْر أحدٍ. الأَسْر. عندما قالت ذلك، تخيَّلْتُ شبكةً ضخمة من الأسلاك وهي تهبط، وبعض الكائنات الصغيرة الشريرة وهي تلفها حول شخصٍ ما وتُحكِم ربْطَها حتى تخنقه ولا يستطيع أبدًا الفكاك منها. لا بد أن سادي لمحَتْ شيئًا كهذا على وجهي لأنها طلبَتْ مني ألَّا أخاف. «ليس ثمة شيءٌ في هذا العالَم يثير الخوف، فقط اهتمِّي بنفسك ولا تهتمي بشأن الآخَرين.» ••• قالت أمي: «أنتِ وسادي تتحدَّثان كثيرًا معًا.» كنتُ أدري أن هناك شيئًا آتيًا يجب عليَّ أن أنتبه إليه، لكني لم أكن أعلم ما هو. «إنك تحبينها، أليس كذلك؟» قلت نعم. «بالطبع أنتِ تحبينها، وأنا أيضًا أحبها.» تمنَّيْتُ أن يكون هذا كلَّ ما في الأمر، وللحظةٍ اعتقدتُ أنه كذلك. ثم قالت: «أنا وأنت لا نجد الآن الوقتَ الكافي لنمضيه معًا بسبب الطفلين؛ إنهما لا يمنحاننا الكثير من الوقت لنكون معًا، أليس كذلك؟ لكننا نحبهما، أليس كذلك؟» سريعًا قلتُ نعم. قالت: «حقًّا؟» ولم تكن لتكفَّ إلا إنْ قلتُ حقًّا إنني أحبهما، فقلت هذا. ••• كانت أمي تحتاج إلى شيءٍ ما بشدة؛ هل كان صديقاتٍ لطيفاتٍ؟ نساءً يلعبْنَ البريدج ويذهب أزواجُهن إلى العمل مرتدين بذلات كاملة؟ لا، ليس تمامًا، وليس ثمة أملٌ في حدوث ذلك على أية حال. أم كان هذا الشيء هو أنا كما اعتدت أن أكون، بخصلات شعري التي تشبه النقانق التي لم تكن تعجبني، وتلاواتي القديرة للكتاب المقدَّس في مدرسة الأحد؟ لم يَعُدْ لديها وقتٌ لتهتم بذلك، كما أن هناك شيئًا بي كان يفقد ولاءَه لها، بالرغم من أنها لم تكن تدري سبب ذلك، وأنا كذلك. لم أكوِّن أيَّ صداقاتٍ بالبلدة في مدرسة الأحد، لكني بدلًا من ذلك كنتُ أحبُّ سادي بشدةٍ؛ سمعتُ أمي تقول ذلك لأبي: «إنها تحب سادي حبًّا يصل لدرجة التقديس.» قال أبي إن سادي عطيةٌ من الرب. ماذا كان يعني بذلك؟ كان يبدو مبتهجًا؛ ربما كان يعني أنه ما كان ليأخذ جانبَ أحدٍ. قالت أمي: «كنتُ أتمنى أنْ تكون لدينا أرصفةٌ ملائمةٌ لها أمام المنزل؛ فلو كانت لدينا الأرصفة الملائمة، فلربما كانت قد تعلَّمَتِ التزلجِ بأحذيةٍ ذات عجلات وتكوينِ صداقاتٍ.» كنتُ أرغب بالفعل في الحصول على أحذية تزلُّج ذات عجلاتٍ، لكني الآن، ودون أدنى فكرةٍ عن السبب، أعلم أنني لم أكن لأقرَّ بذلك قطُّ. ثم قالت أمي شيئًا عن الأمر، وأنه سيتحسَّن حينما تبدأ الدراسة؛ شيئًا يتعلَّق بي سيحسِّن من وضعي، أو شيئًا يتعلَّق بسادي سيكون أفضل بالنسبة إليها. لم أرغب في سماع ما كانت تقوله. كانت سادي تعلِّمني بعض أغانيها، وكنت أعلم أنني لا أغني جيدًا، وتمنَّيْتُ ألَّا يكون ذلك هو الشيء الذي ينبغي أن يتحسَّن وإلا فسيتوقف. لكني لم أكن أرغب أنْ يتوقَّف في حقيقة الأمر. لم يكن لدى أبي الكثير ليقوله؛ فقد كانت أمي المسئولة عني إلا لاحقًا حينما أصبحتُ أردُّ بوقاحةٍ وكان الأمر يستلزم العقاب. وكان ينتظر حتى يشبَّ أخي ويكون من اختصاصه هو؛ فالصبي لا يكون التعامُل معه بمثل هذا التعقيد. وبالقطع لم يكن أخي صعبًا في التعامُل معه؛ فقد شبَّ ليصبح إنسانًا رائعًا. ••• والآن بدأت الدراسة؛ بدأَتْ منذ أسابيع وذلك قبل أن تصطبغ أوراقُ الأشجار باللونَيْن الأحمر والأصفر. والآن قد تساقَطَ معظمها. في أحد الأيام، خرجتُ مع أمي، ولم أكن أرتدي معطفَ المدرسة، وإنما ارتديتُ معطفي الجميل الذي أساورُ كُمِّه وياقتُه ذوات لون مخملي داكن. كانت أمي ترتدي المعطف الذي تذهب به إلى الكنيسة وغطاءً للرأس يغطِّي معظم شعرها. كانت أمي تقود السيارة إلى المكان الذي كنَّا متجهين إليه. في أغلب الأحيان لم تكن تقود، وقيادتها دائمًا كانت أكثر رويةً، ولكنْ أقل وثوقًا، من قيادة أبي. وكانت تطلق النفير عند كل منعطف. قالت: «الآن.» لكنها استغرقَتْ بعضَ الوقت لكي تركن السيارة. «ها قد وصلنا إذن.» بَدَا أن نبرة صوتها كان الهدف منها تشجيعي. لمسَتْ يدي كي تعطيني فرصةَ أنْ أُمْسِك بيدها، لكني تظاهرتُ بأني لم ألحظ ذلك، فأبعدَتْ هي يدها. لم يكن للمنزل ممرٌّ خاصٌّ أو حتى رصيف. كان منزلًا جميلًا لكنه بسيط للغاية. رفعَتْ أمي يدها التي كان يغطِّيها قفاز لتطرق الباب، لكنِ اتَّضَح أننا لم نكن بحاجةٍ إلى ذلك؛ فقد انفتح الباب من أجلنا. شرعَتْ أمي في قول شيءٍ مشجِّع لي — شيء من قبيل أن الأمر سيمرُّ بأسرع مما أظن — لكنها لم تُكمِل حديثها. كانت النبرة التي تحدَّثَتْ بها تحمل بعضًا من الحَزْم، لكنها كانت أيضًا باعثةً على بعض الارتياح، إلا أنها تغيَّرَتْ حينما فُتِح الباب لتصبح خافتةً وناعمةً أكثرَ؛ تهيُّبًا للموقف. فُتِح الباب لكي يخرج بعض الأشخاص وليس فقط لكي نلج نحن منه، وقالت إحدى السيدات المغادرات — وقد استدارَتْ برأسها — بصوتٍ لم تحاول أن تخفضه على الإطلاق: «إنها السيدة التي كانت تعمل لديها، والطفلة الصغيرة التي كانت تعمل على رعايتها.» ثم جاءَتِ امرأةٌ متأنِّقة بعض الشيء وتحدَّثَتْ إلى أمي وساعدَتْها في خلْعِ معطفها. وبعد انتهاء ذلك، خلعَتْ أمي معطفي عني وقالت للمرأة إنني كنتُ مغرَمةً بسادي بشدة، وإنها تأمل بألَّا يكون ثمة إزعاجٌ من إحضاري. قالت المرأة: «أوه، أيتها الصغيرة العزيزة.» وربَّتَتْ أمي عليَّ برفقٍ كيْ أحيي المرأة. قالت المرأة: «سادي تحب الأطفال. إنها كذلك بالفعل.» لاحظتُ أنه كان يوجد طفلان هناك؛ صبيان. كنتُ أعرفهما من المدرسة، أحدهما كان معي في الصف الأول، والآخَر كان يكبرني. كانا يختلسان النظرَ إلينا من مكانٍ الأرجحُ أنه كان المطبخ. كان الصبي الأصغر يمتلئ فمه بقطعة كعك كاملة على نحوٍ مضحك، وكان الآخَر، الأكبر سنًّا، ترتسم على وجهه أماراتُ الاشمئزاز؛ ليس تجاهَ الطفل الذي كان فمه ممتلئًا بالطعام، وإنما تجاهي أنا. كانا يبغضانني بالطبع؛ فالأولاد إما يتجاهلونك إنْ صادفوك في مكانٍ آخَر بخلاف المدرسة (وهم يتجاهلونك هناك أيضًا)، وإما يرسمون تلك التعبيرات على وجوههم ويسبُّونك بألفاظٍ قبيحة. اعتقدتُ أنه إنْ حدَثَ أنِ اقتربتُ من أحدهما، فسأشعر بالتوتر ولا أدري ماذا أفعل. بالطبع يختلف الأمر إنْ كان هناك بعض البالغين في المكان. بقيا الولدان هادئين، لكني شعرتُ ببعض التعاسة حتى جاء شخصٌ وجذَبَهما إلى المطبخ. ثم انتبهتُ بعدها إلى صوت أمي الشديد الرقة والتعاطف، بل إنه كان أكثر تهذيبًا من تلك المرأة التي كانت تتحدَّث إليها، وأعتقد أن تعبيرَ وجْهِ الصبي كانت أمي هي المقصودة به؛ ففي بعض الأحيان كان الناس يقلِّدون صوتَها حينما كانت تنادي عليَّ في المدرسة لتصحبني إلى المنزل. كانت المرأة التي تحادِثُها أمي، والتي بَدَا أنها الشخص المسئول في المكان، تقودنا إلى جزءٍ من الحجرة حيث كان يجلس رجل وامرأة على أريكةٍ، وقد بَدَا عليهما كما لو كانا لا يَدْرِيان تمامًا سببَ تواجُدِهما هناك. انحنَتْ أمي نحوَهما وحدَّثَتْهما باحترامٍ شديد وعرَّفَتْهما بي. قالت: «إنها تحب سادي بشدة.» كنتُ أدرك أن عليَّ أن أتفوَّه بشيءٍ حينها، لكنْ قبل أن أفعل، أطلقَتِ المرأة الجالسة هناك صرخةً عاليةً. لم تكن تنظر إلى أيٍّ منا، وبَدَا الصوت الذي صدر عنها أشْبَهَ بالصوت الذي يُطلِقه المرء حينما يعضُّه حيوانٌ ما أو يضايقه. راحَتْ تضرب ذراعَيْها بيدَيْها كما لو أنها قد أرادَتِ التخلُّصَ من الشيء الذي كان عليها، لكنه لم يتركها. نظرتُ إلى أمي كما لو أن أمي هي الشخص الذي ينبغي أن يفعل شيئًا حيال ذلك. طلب منها الرجل أن تصمت. قالت المرأة التي كانت تقودنا: «إنها منزعجة من الأمر بشدة. إنها لا تدري ماذا تفعل.» ثم انحنَتْ أكثرَ وقالت: «اهدئي. ستفزعين البنت الصغيرة.» قال الرجل بإذعانٍ: «ستفزعين الطفلة الصغيرة.» بمجرد أن انتهى من قول هذا، كانت المرأة قد كفَّتْ عن صراخها، وراحَتْ تربِّتُ على ذراعَيْها اللذين خدشَتْهما بيدَيْها كما لو أنها لم تكن تعرف ما الذي ألَمَّ بهما. قالت أمي: «يا لها من امرأة مسكينة!» قالت المرأة التي كانت تقودنا: «هي مجرد طفلةٍ أيضًا.» ثم قالت لي: «لا تقلقي.» كنت أشعر بالقلق، لكنْ ليس حيال الصراخ. كنتُ أدري أن سادي في مكانٍ ما هنا، ولم أكن أرغب في رؤيتها. لم تقل أمي لي صراحةً إنه عليَّ أن أراها، كما أنها لم تقل أيضًا إنه لا يتعيَّن عليَّ أن أراها. لقيَتْ سادي مصرعَها في طريقِ عودتها إلى المنزل مَشْيًا من قاعة رقص رويال-تي؛ لقد صدمَتْها سيارةٌ في ذلك الطريق الضيِّق المفروش بالحصى بين ساحة انتظار السيارات التابعة لصالة الرقص وبداية الرصيف الرسمي للبلدة. لا بد أن سادي كانت تسير مُسرِعةً متَّبعةً نفسَ المسار الذي اعتادَتْ دائمًا أن تسلكه، وهي تعتقد دون شكٍّ أن السيارات لا يمكن أن تراها، أو ربما كانت تسير في المسار الصحيح كما هو الحال بالنسبة إلى السيارات، وانحرفَتِ السيارة التي كانت تسير خلفها عن طريقها وصدمَتْها، أو ربما كانت تسير في مسارٍ غير المسار الذي كانت تعتقد أنه المناسب. لقد صدمَتْها السيارة من الخلف، والسيارة التي صدمَتْها كانت تفسح الطريق لسيارةٍ كانت تسير خلفها، وتلك السيارة الثانية كانت تريد أن تأخذ المنعطفَ الأول نحو أحد شوارع البلدة. كان هناك أناسٌ يحتسون الشراب في قاعة الرقص بالرغم من أنه لم يكن مسموحًا بشراء الخمور هناك، ودائمًا ما كان هناك بعضُ الصراخ وإطلاقٌ لنفير السيارات وتغييرُ السيارات اتجاهها بسرعةٍ كبيرة بعد انتهاء الرقص. ربما كانت سادي تنطلق مسرعةً حتى دون مصباح جيب وتتصرَّف كما لو أنه من واجب الآخَرين أن يبتعدوا عن طريقها. قالت المرأة التي كانت تحاول مصادَقةَ أمي: «فتاة دون صديقٍ تذهب للرقص سَيْرًا على الأقدام.» كانت تتحدَّث بصوت منخفض جدًّا وغمغمَتْ أمي بشيءٍ ينمُّ عن الآسف. أضافَتْ هذه المرأة — وإنْ كان بصوتٍ أكثر خفوتًا — أن هذا كان يعني أنها كانت تسعى وراء المشاكل. كنتُ قد سمعتُ حديثًا في المنزل لم أفهم كُنْهَه. أرادَتْ أمي فِعْلَ شيءٍ ربما كانت له علاقةٌ بسادي والسيارة التي صدمَتْها، لكنَّ أبي طلَبَ منها أن تنسى الأمر، وقال إننا ليسَتْ لدينا مصالح بالبلدة. لم أحاول حتى أنْ أعرف ماهية هذا الأمر لأني كنتُ أحاول ألَّا أفكِّر في سادي على الإطلاق، فضلًا عن مسألة موتها. وحينما أدركتُ أننا ذاهبون إلى منزل سادي، تمنَّيْتُ ألَّا نذهب، لكني لم أجد أيَّ طريقةٍ للهروب إلا بالتصرُّف بطريقةٍ تنطوي على مهانةٍ شديدةٍ. والآن وبعد نوبةِ صراخِ السيدة العجوز، بَدَا لي أنَّ علينا أنْ نغادر ونعود إلى المنزل. لم أكن لأعترف مطلقًا بالحقيقة، وهي أنني في واقع الأمر أشعر برعبٍ شديدٍ عند رؤية أيِّ شخصٍ ميت. وبينما كنتُ أفكِّر في أن هذا قد يكون ممكنًا، سمعتُ أمي والمرأة التي بَدَا أنها كانت تتآمر معها يتحدَّثان عن أمرٍ أسوأ من أيِّ شيءٍ آخَر. كان هذا الأمر هو رؤية سادي. كانت أمي تقول: نعم. بالطبع، ينبغي أن نرى سادي. جثة سادي. كنتُ قد أبقيتُ بصري تقريبًا لأسفل، ولم أكن أرى تقريبًا سوى هذين الصبيَّيْن اللذين كانا يفوقانني طولًا بالكاد، والرجل والمرأة العجوزَيْن اللذين كانا يجلسان. لكنَّ أمي الآن أمسكَتْ بيدي وسارَتْ بي في اتجاهٍ آخَر. اتَّضَح أنه كان ثمة تابوت في الحجرة طوال الوقت لكني ظننتُه شيئًا آخَر. وبسبب قلة خبرتي، لم أكن أعرف تحديدًا كيف يكون شكل ذلك الشيء؛ كنت أعتقد أن الشيء الذي كنَّا نقترب منه ربما يكون رفًّا تُوضَع فوقه الزهورُ، أو بيانو مغلَقًا. ربما كان الناس الملتفون حولَه قد أَخْفَوْا إلى حدٍّ ما حجمَه الحقيقي وشكلَه والغرضَ منه، لكنَّ هؤلاء الأشخاص الآن أخذوا يُفسِحون الطريقَ باحترامٍ، وأخذَتْ أمي تتحدَّث بنبرةِ صوتٍ جديدة شديدةِ الهدوء. قالت لي: «اقتربي الآن.» لكنَّ رقةَ صوتها بَدَتْ لي بغيضةً، تعكس انتصارها. انحنَتْ لتنظر إلى وجهي، وكنتُ متأكدةً أنها فعلَتْ ذلك لكي تمنعني ممَّا خطر في ذهني أنْ أفعله حينَها؛ وهو أن أُطْبِقَ عينَيَّ بشدةٍ. ثم أبعدَتْ نظرَها عني لكنها كانت تقبض على يدي بشدةٍ بين يدها. نجحتُ في أنْ أُخْفِض جفنيَّ بمجرد أن أبعدَتْ عينَيْها عني، لكني لم أغلقهما تمامًا خشيةَ أن أتعثَّر أو أن يدفعني شخصٌ آخَر إلى حيث لا أريد. لم أستطع أن ألمح سوى طيفِ الزهور المتيبسة ولمعةِ الخشب المطلِيِّ. ثم سمعتُ أمي وهي تشهق وشعرتُ بها تبتعد، وسمعتُ صوتَ حقيبتها وهي تُفتَح. كان عليها أن تدسَّ يدَها في داخلها، وهكذا تراخَتْ قبضةُ يدها عن يدي، واستطعتُ أن أحرِّر نفسي منها. كانت تبكي، وكانت شهقاتها ودموعها هي ما حرَّرني من قبضتها. ونظرتُ مباشَرةً إلى التابوت ورأيتُ سادي. لم يُصَبْ عنقُها ولا وجهُها بسوءٍ في الحادث، لكني لم أَرَ كلَّ هذا على الفور؛ فقط تكوَّنَ لديَّ انطباعٌ بأنْ ليس هناك أماكنُ متضرِّرةٌ بشدة بجسدها كما كنتُ أخشى. أغلقتُ عينيَّ بسرعةٍ، لكني لم أَقْوَ على منْعِ نفسي من النظر إليها ثانيةً. نظرتُ أولًا للوسادة الصفراء الصغيرة الموضوعة أسفل عنقها، التي أخفت حنجرتها وذقنها ووجنتها التي كان بمقدوري أن أراها بسهولة. كانت الحيلة التي اتخذْتُها تتمثَّل في أنْ أرى جزءًا منها سريعًا، ثم أعود للنظر إلى الوسادة، وفي المرة التالية أستطيع رؤيةَ المزيد من الأجزاء التي لستُ خائفةً من النظر إليها؛ وهكذا حتى نظرتُ لجسدِ سادي، كله أو على الأقل كل ما كان يمكنني رؤيته من الجانب المتاح لي. لقد تحرَّك شيءٌ. لقد رأيتُه، تحرَّكَ جفْنُها الذي كان من ناحيتي. لم يكن مفتوحًا أو شبه مفتوح أو أي شيء من هذا القبيل، لكنه ارتفَعَ بمقدارٍ ضئيلٍ جدًّا بحيث يتيح لها، لو كنت مكانها، لو كنت بداخلها، أن ترى ما بالخارج من خلال الرموش؛ ربما فقط للتمييز بين النور والظلام بالخارج. لم أندهش حينها أو أشعر بالخوف على الإطلاق؛ فعلى الفور، عبَّرَتْ هذه النظرةُ عن كلِّ ما عرفتُه عن سادي، وبطريقةٍ ما عبَّرَتْ عن هذه التجربة الشديدة الخصوصية بالنسبة إلي. ولم أَسْعَ قطُّ لِلَفْتِ نظر أحدٍ إلى ما كان هناك، لأنه لم يكن موجَّهًا لهم، وإنما كنتُ أنا المعنِيَّة به بالكامل. أمسكَتْ أمي بيدي ثانيةً وقالت إن علينا الرحيل. كان هناك المزيد من الحوارات، لكن لم يمر وقتٌ طويل، أو هكذا خُيِّلَ إليَّ، حتى وجدنا أنفسنا بالخارج. قالت لي أمي: «أحسنتِ صنعًا.» ثم أمسكَتْ يدي بقوةٍ وقالت: «والآن، انتهى الأمر.» كان عليها أن تتوقَّف وتتحدَّث إلى شخصٍ آخَر كان في طريقه إلى داخل المنزل، ثم ولجنا بعدها في السيارة وشرعنا في القيادة صوب المنزل. كنتُ أعتقد أنها تنتظر مني أن أقول شيئًا، أو ربما حتى أن أخبرها بشيءٍ، لكني لم أفعل. لم يَرِد على ذهني مطلقًا أيُّ خاطرٍ بشأن هذا الأمر، بل في الواقع تلاشَتْ سادي من ذهني بسرعةٍ كبيرةٍ بسبب صدمة الذهاب إلى المدرسة؛ حيث تعلَّمْتُ إلى حدٍّ ما أنْ أواجِهَ الأمرَ بمزيجٍ غريبٍ من الشعور بالخوف الشديد والتظاهُر بالتماسُك. وفي حقيقة الأمر تلاشى بعضٌ من أهميتها لديَّ في الأسبوع الأول من ديسمبر، حينما قالت إنَّ عليها أن تمكث في المنزل لتعتني بأبيها وأمها، وهكذا لم تَعُدْ تعمل لدينا منذ ذلك الحين. وبعدها اكتشفَتْ أمي أنها كانت تعمل في معمل الألبان. ومع هذا ولفترة طويلة، حينما كنتُ أفكِّر فيها، لم أتشكَّك مطلقًا فيما كنتُ أعتقد أنه تكشَّفَ لي، وبعد ذلك بفترة طويلة جدًّا حينما كنتُ لا أهتمُّ على الإطلاق بأيِّ أشياء غير طبيعية، كنتُ لا أزال أعتقد أن الأمر قد وقع بالفعل. كنتُ أُومِن بحدوثه ببساطةٍ بنفس الأسلوب الذي قد تُؤمِن به، بل في الواقع بنفس الأسلوب الذي قد تتذكَّر من خلاله أنه كان لديك صفٌّ آخَر من الأسنان، وقد تلاشى من ذاكرتك لكنه أمرٌ حقيقي وقع على الرغم من ذلك. حتى جاء ذلك اليوم، اليوم الذي ربما كنتُ فيه في سنوات المراهَقة وأدركتُ مع وجود بقعة معتمة في داخلي أنني لم أَعُدْ أُومِن بذلك بعدَ الآن. حياتي العزيزة
الليل حينما كنتُ صغيرةً، بَدَا لي أنه لم توجد قطُّ عمليةُ مخاضٍ أو انفجارٍ في الزائدة الدودية أو أيِّ عمليةٍ جراحية خطيرة أخرى، إلا كانت تحدث مع هبوب عاصفة ثلجية؛ فتكون الشوارعُ مغلقةً ولا مجالَ على الإطلاق لإنقاذ أي سيارة تغرس عجلاتها في الثلوج، وكان ينبغي ربْطُ بعضِ الخيول بالسيارة حتى يمكن أن تشقَّ طريقَها عبر المدينة للوصول إلى المستشفى. ومن حُسْن الحظ أنه كان لا يزال هناك بعض الخيول؛ لأنه وفْقَ التطور الطبيعي للأمور كان سيتم التخلِّي عن استخدام الخيول، لكنَّ الحربَ وترشيدَ استهلاك البنزين غيَّرَ كلَّ ذلك، على الأقل في ذلك الوقت. لذلك، حينما داهَمَني ألمٌ شديد في جانبي، كان يجب أنْ يحدث في الساعة الحادية عشرة ليلًا وأنْ تهبَّ عاصفةٌ ثلجية، وبما أننا لم نكن حينَها نربِّي أيَّ خيول، كان ينبغي أن نستدعي مجموعةَ الخيول التي كان يمتلكها جيراننا لاصطحابي إلى المستشفى؛ وهي رحلة لم تكن تتجاوز الميلَ ونصف الميل، لكنها كانت مغامرةً على الرغم من ذلك. كان الطبيب في الانتظار، والغريب أنه قد استعدَّ لاستئصال زائدتي الدودية. هل كان يُستأصَل الكثيرُ من الزوائد الدودية حينَها؟ أعلم أن عملية الاستئصال هذه لا تزال تحدث، وأنها شيءٌ ضروري — بل إنني أعرف شخصًا مات لأنه لم يخضع لتلك العملية في الوقت المناسب — لكنْ كما أتذكَّر كان ذلك نوعًا من الطقوس التي يجب أن يمرَّ بها الكثير من الأشخاص ممَّن هم في مثل عمري، ليس بأعدادٍ كبيرة على الإطلاق لكن ليس على نحوٍ غير متوقَّع جدًّا، وربما ليس على نحوٍ غير سعيد جدًّا بهذه الطريقة؛ لأنه كان يعني الحصولَ على إجازة من المدرسة، ووضعًا خاصًّا بعضَ الشيء يميِّزك، ولو لفترة وجيزة، عن الآخرين باعتبارك شخصًا ضربك الموت بجناحه، وذلك في وقتٍ من حياتك يتراءَى لكَ فيه أنَّ هذا يمكن أن يكون شيئًا مُفرِحًا. وهكذا بقيتُ في الفراش، دون زائدتي الدودية، لبضعة أيام في المستشفى أتطلَّع أثناءَها عبر إحدى نوافذها إلى الثلوج وهي تتساقط على نحوٍ كئيبٍ عبر بعض الأشجار الدائمة الخضرة. لا أعتقد أنه دار بخلدي يومًا أن أتساءل كيف كان سيدفع أبي مقابلَ هذا التميُّز. (أعتقد أنه باعَ مزرعةَ أشجارٍ كان يحتفظ بها عند بيعه مزرعةَ أبيه؛ كان يأمل في استخدامها في إنتاج السكر أو صيد الحيوانات بالشراك، أو ربما كانت تمثِّل له نوعًا من الحنين للماضي الذي لم يُفصِح عنه.) ثم عدتُ إلى المدرسة واستمتعتُ بإعفائي من أداء التمرينات البدنية لفترةٍ أطول من اللازم، وفي صباح أحد أيام السبت عندما كنتُ أنا وأمي نقف بمفردنا في المطبخ، أخبرَتْني أنهم استأصلوا زائدتي الدودية في المستشفى، كما كنتُ أعتقد تمامًا، لكنها لم تكن الشيءَ الوحيد الذي استأصلوه. لقد رأى الطبيب أنه من المناسب استئصالها أثناء فحصي، لكن الشيء الأهم الذي أثار قلقَه هو وجود ورم؛ ورم قالت عنه أمي إنه كان في حجم بيضة ديك رومي. لكنها قالت إنه يجب عليَّ ألَّا أقلق لأنَّ الأمر قد انتهى الآن. لم يطرأ قطُّ على ذهني وقتَها مرضُ السرطان، ولم تأتِ هي على ذِكْره مطلقًا. لا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك كشفٌ كهذا اليومَ دونَ طرحِ بعض الأسئلة والاستفسارات عمَّا إذا كان ورمًا سرطانيًّا أم لا؛ ورمًا سرطانيًّا أم حميدًا؛ فسنبغي معرفة ذلك في الحال. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن أفسِّر بها عدم قدرتنا على الحديث حول هذا الأمر؛ هي أنه لا بد أن ثمة ضبابية كانت تحيط بتلك الكلمة مثلما كانت هناك ضبابية عندما يأتي ذِكْر الجنس. بل إن السرطان أسوأ حتى من الجنس؛ فالجنس شيء مقزِّز لكنْ يتخلَّله بعض المتعة — بالطبع، كنَّا نَعِي بوجود هذه المتعة بالرغم من أن أمهاتنا لم تكن تَعِي ذلك — بينما كلمة سرطان كانت تجعلك تتخيَّل كائنًا داكنَ اللون عَفِنًا ذا رائحة كريهة لن تنظر إليه حتى أثناء إبعادِك إيَّاه عن طريقك. لذا لم أسأل ولم يخبرني أحدٌ بشيءٍ، ولم يكن أمامي سوى أن أفترض أنه حميدٌ، أو أنهم تخلَّصوا منه ببراعةٍ شديدةٍ لأنني ما زلتُ حيةً حتى الآن. وهكذا، قليلًا ما كنتُ أفكِّر في هذا الأمر طوال حياتي، لدرجة أنه حينما يُطلَب مني ذِكْر العمليات التي خضعتُ لها، كنتُ تلقائيًّا أقول أو أكتب فقط: «الزائدة الدودية.» ربما دار ذلك الحوارُ الذي كان بيني وبين أمي في عطلات عيد الفصح عندما انتهَتْ كلُّ العواصف الثلجية، وذابَتْ كلُّ الجبال الجليدية، وفاضَتْ جداولُ المياه محتضنةً كلَّ ما استطاعَتْ أن تصل إليه، وكان الصيفُ الشديد الحرارة على الأبواب؛ فطقسُنا لا يعرف المزاحَ أو الرحمةَ. وفي أوائل شهر يونيو الحار، تخرَّجْتُ في المدرسة حيث حصلتُ على درجاتٍ جيدةٍ تعفيني من خوض الاختبارات النهائية. كانت حالتي الصحية جيدةً، وكنتُ أؤدِّي بعضَ المهام المنزلية، وكنتُ أقرأ كتبًا كالمعتاد، ولم يكن ثمة أحدٌ يدري أن هناك شيئًا كان يؤثِّر عليَّ. عليَّ الآن أن أصف ترتيبات النوم في الغرفة التي كنتُ أشغلها أنا وأختي. كانت غرفةً صغيرة لا تتَّسِع لفراشين يُوضَعان جنبًا إلى جنب؛ لذا كان الحل هو فراشًا بطابقَيْن مزوَّدًا بسلمٍ كي يساعد مَن ينام في الطابق العلوي على الوصول إلى فراشه، وكان هذا الشخص هو أنا. وحينما كنتُ أصغر سنًّا وأميل إلى مضايَقةِ الآخَرين، كنتُ أرفع جانب مرتبتي الرفيعة وأهدِّد بالبصق على وجه أختي الصغيرة التي كانت تستلقِي مغلوبةً على أمرها في الفراش السفلي. بالطبع لم تكن أختي — التي كان اسمها كاثرين — مغلوبةً على أمرها تمامًا؛ فقد كان بمقدورها أن تختبئ أسفلَ أغطيتها، لكنَّ الحيلةَ التي كنتُ أمارِسُها حينَها أنْ أظلَّ أراقِبُها حتى تشعر بالاختناق أو يدفعها فضولُها إلى أنْ تخرج من أسفل الأغطية، وفي تلك اللحظة أبصق عليها، أو أتظاهَر بأنني نجحتُ في البصق على وجهها، الأمر الذي يثير حنقها الشديد. كنتُ قد كبرتُ على فِعْل مثل هذه الحماقات، بالطبع كبرتُ بما يكفي في ذلك الحين. كانت أختي في التاسعة من عمرها وأنا في الرابعة عشرة. كانت العلاقة بيننا دومًا غير مستقرة، وإنْ لم أكن أضايقها أو أعمد إلى إغاظتها بأسلوبٍ أحمق، كنتُ أتقمَّص دورَ الناصحة الخبيرة أو راوية القصص المخيفة؛ فكنتُ أجعلها ترتدي بعضًا من الملابس القديمة التي كانت موجودةً في صندوق جهاز العروس الخاص بأمي، والتي كانت لا تزال بحالةٍ جيدة بحيث لا يمكن أن تُحوَّل إلى أغطيةٍ للفراش، لكنَّ طرازها كان قديمًا بحيث يكون من الصعب أن يرتديها أحد. وكنتُ أضع طلاءَ الشفاه وبودرة التجميل القديمَيْن الخاصَّيْن بأمي على وجهها وأخبرها كَمْ هي جميلة. كانت جميلةً دون أدنى شك، بالرغم من أن ما كنتُ أضعه على وجهها يجعَلَها تبدو كدميةٍ أجنبيةٍ غريبةِ الشكل. لا أدَّعِي أني كنتُ أُحْكِم سيطرتي عليها بالكامل، أو أن حياتنا كانت متشابِكةً على الدوام؛ فقد كان لها أصدقاؤها ولعبها الخاصان بها. وكانت تنزع في لعبها نحو تقليد الحياة المنزلية وليس الإثارة؛ فقد كانت تأخذ الدُّمَى للتمشية في العربات الخاصة بها، أو كانت في بعض الأحيان تجعل القطط الصغيرة ترتدي بعض الملابس وتضعها في عربات الدُّمَى وتتمشَّى بها، وكانت القطط دائمًا ما تشعر باهتياجٍ شديدٍ وترغب في الفكاك منها. كانت هناك أيضًا جلساتٌ لِلَّعب عندما يتقمَّص أحدهم دورَ المعلم ويكون بإمكانه ضرْبُ الآخَرين على معصمهم، وجعلهم يتظاهرون بالبكاء عقابًا لهم على المخالفات والحماقات التي ارتكبوها. في شهر يونيو، كما ذكرتُ من قبلُ، كنتُ قد أنهيتُ الدراسة وأصبحتُ أفعل ما يحلو لي، ولا أتذكَّر أنني كنتُ على هذا النحو في أي فترةٍ أخرى من فترات نشأتي. كنتُ أؤدِّي بعضَ المهام المنزلية، لكنْ لا بد أن أمي كانت بصحة جيدة وقتَها بحيث تقوم بمعظم هذه المهام، أو ربما كان لدينا ما يكفي من المال في ذلك الوقت كي نوظِّف ما كانت تُطلِق عليه أمي خادمةً بالرغم من أن الجميع كانوا يُطلِقون عليها أجيرة. أنا لا أتذكَّر على أي حال أنه كان عليَّ تولِّي أيٍّ من المهام التي تراكمَتْ لأؤدِّيها في فصول الصيف اللاحقة، حينما جاهدتُ طواعيةً كي أحافِظ على المظهر اللائق لمنزلنا. يبدو أن بيضة الديك الرومي الغامضة لا بد أنها قد أثَّرَتْ عليَّ بشدةٍ بحيث كان من الممكن أن أمضي بعضًا من الوقت وأنا أتجوَّل في المنزل تائهةً وكأنني أحد الزائرين. لكنَّ هذا لم تنتج عنه مشاكلُ كبيرة، وما كان لأيٍّ من أفراد عائلتي نسيان ذلك إنْ حدث. كان الأمر كله داخليًّا؛ شعورًا بعدم النفع والغرابة. لكن الشعور بعدم النفع لم يكن دائمًا؛ فأنا أتذكَّر أني كنتُ أجلس القرفصاء لكي أهذِّب براعمَ الجزر كما ينبغي أن يفعل المرء في كل فصل ربيع حتى تنمو الجذور لتصل لحجمٍ مناسبٍ يسمح بتناولها. لا بد أنني لم أكن أقوم بأيِّ مهامَّ منزليةٍ طوال اليوم، كما كان الأمر في فصول الصيف السابقة أو اللاحقة. لذا، ربما كان ذلك هو السبب وراء بداية معاناتي من مشاكل في النوم. في البداية، بحسب اعتقادي، كان ذلك يعني أن أبقى مستيقظةً ربما حتى منتصف الليل تقريبًا، وأتساءل إلى أيِّ مدًى ظللتُ مستيقظةً بينما بقيةُ أفراد المنزل غارقون في النوم. ربما كنتُ أقرأ وأشعر بالتعب بالطريقة المعتادة وأطفئ الأضواء وأنتظر، وما كان أحدٌ ينادي عليَّ في وقتٍ مبكر ليطلب مني أن أطفئ الأضواء وأخلد للنوم، ولأول مرةٍ على الإطلاق (ولا بد أن هذا كان يدل أيضًا على وضعي الخاص) يتركونني أتَّخِذ قراري بشأن ذلك الأمر. كان الأمر يستغرق فترةً لكي يتحوَّل المنزل من ضوء النهار ومن الأنوار الصناعية التي كانت تُضَاء في وقتٍ متأخِّر إلى وقت المساء. وبعد أن يتوقَّف الضجيج العام المصاحِب للأعمال المفترض القيام بها والمؤجَّلة والمنجَزَة، كان المنزل يضحى مكانًا أكثر غرابةً يتلاشى فيه الأشخاص والأعمال التي تُملِي عليهم نوعَ حياتهم، وتتلاشى أيضًا استخداماتهم لكل شيءٍ حولَهم، وترى الأثاث وقد تقوقع على ذاته ولم يَعُدْ موجودًا لعدم وجودِ مَن يعبأ به. قد تعتقد أن ذلك كان نوعًا من التحرُّر. ربما كان كذلك في البداية؛ إنها الحرية، الغرابة. لكن مع ازدياد عدم قدرتي على النوم واستمرار استيقاظي حتى حلول الفجر، أصبحتُ أكثر انزعاجًا بسبب ذلك، وبدأتُ في ترديد كلامٍ مسجوعٍ، ثم أشعارٍ حقيقيةٍ، في البداية كوسيلةٍ لمساعدتي في الغياب عن الوعي والنوم، لكن الأمر خرج عن سيطرتي بعد ذلك، وبَدَا أن هذا النشاط كان يسخر مني. كنتُ أسخر من ذاتي حيث تحوَّلَتِ الكلماتُ إلى عباراتٍ سخيفةٍ، إلى أسخف كلامٍ عشوائيٍّ. لقد كنت شخصًا آخَر. كنت أسمع الناس يردِّدون هذا بين الحين والآخَر، وذلك طوال حياتي ولم أفكِّر فيما يمكن أن يعنيه هذا. مَن تظنين نفسك إذن؟ كنتُ أسمع ذلك أيضًا، لكنْ دون أن أربطه بأيِّ نوعٍ من التهديد الحقيقي، بل كنتُ أعتبره مجرد نوعٍ من السخرية العادية. وفكرتُ ثانيةً. وبحلول ذلك الوقت لم يكن النوم هو مبتغاي؛ كنتُ أعلم أن مجرد النوم لم يكن ممكنًا، بل ربما لم يكن مرغوبًا. كان هناك شيء يحاول السيطرة عليَّ، وكان من شأني أن أمنعه — وكنتُ آملُ ذلك — كان لديَّ شعورٌ بأنه يجب عليَّ أن أفعل ذلك، لكني بالكاد كنتُ أقوى على ذلك، وذلك كما بَدَا لي. وأيًّا ما كان كُنْه هذا الشيء، فقد كان يحاول أن يطلب مني القيام ببعض الأفعال، ليس لسببٍ معلومٍ على وجه التحديد، بل لمعرفة إنْ كانت تلك الأفعال ممكنةً أم لا. كان يخبرني أن الدوافع ليست ضروريةً. كان الشيء الضروري فقط هو أن أستسلم له. يا له من أمر غريب! أن تفعل شيئًا، ليس بدافعِ الانتقام أو من أجل أيِّ سببٍ عادي، وإنما لمجرد أنه طرأ على ذهنك. لقد فكرتُ في الأمر بالفعل، وكلما أزحتُه عن ذهني، زادَتْ ملاحقتُه لي. ليست ثمة رغبةٌ في الانتقام، أو شعورٌ بالضغينة؛ ليس هناك سببٌ، كما سبَقَ أنْ ذكرتُ، فقط هو شيءٌ أشْبَهُ بفكرة عميقة شريرة تميل لأنْ تكون نوعًا من التأمُّل أكثر من كونها رغبةً ملحة. كان ينبغي عليَّ ألَّا أفكِّر حتى فيها، لكني فعلتُ. كانت صدى تلك الفكرة يتردَّد في ذهني. فكرة أنه يمكنني أن أخنق أختي الصغيرة التي كانت تغطُّ في النوم في الفراش الذي يوجد أسفل فراشي، والتي كنتُ أحبُّها أكثر من أي شخصٍ آخَر في هذا العالَم. قد أفعل ذلك لكن ليس بدافع الغيرة، أو الشر، أو الغضب؛ بل بسبب ضربٍ من الجنون ربما يكون مستلقيًا بجانبي هنا في الظلام. لكنه ليس بجنون شديد أيضًا، إنما شيء يمكن أن تصفه بأنه مزعجٌ؛ اقتراحٌ كسول، مزعج، نصفُ بليدٍ بَدَا أنه كان متواريًا منذ وقت طويل. ربما كان يقول: ولِمَ لا تفعلين ذلك؟ لِمَ لا تجرِّبين الأسوأ؟ الأسوأ. هنا في أكثر مكانٍ مألوف لنا؛ في الحجرة التي عشنا فيها حياتَنا كلها واعتقدنا أنها أكثرُ مكانٍ نشعر فيه بالأمان؛ قد أُقْدِم على فعله بلا سببٍ مفهوم لي أو لغيري سوى أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من القيام به. الشيء الذي كان عليَّ فعله هو النهوض، والخروج من تلك الحجرة ومن ذلك المنزل. هبطتُ دَرَجات السلم دون أن أنظر على الإطلاق ولو لمرةٍ واحدة إلى المكان الذي كانت أختي تغطُّ فيه في النوم، ثم هبطتُ الدَّرَج بهدوءٍ، دون أن أُزعِج أحدًا، ومنه اتجهتُ نحوَ المطبخ حيث كان كل شيء مألوفًا لي بدرجةٍ جعلَتْني أتلمَّس طريقي دون أن أُشعِل الأضواء. لم يكن باب المطبخ مُحْكَمَ الغلق في الواقع؛ لم أكن حتى واثقةً أننا كنا نمتلك مفتاحًا له. وُضِع كرسي أسفل مقبض الباب كان الهدف منه أن يُحدِث دفْعُه جلبةً كبيرة إنْ حاوَلَ أحدٌ أنْ يدخل المكان، لكنْ كان يمكن تحريكه ببطءٍ وبحذرٍ دون أن تَصْدُر عنه أيُّ ضوضاء على الإطلاق. بعد الليلة الأولى تمكَّنْتُ من التجوُّل دون توقُّف؛ لذا استطعتُ أن أكون بالخارج، كما بَدَا لي، في غضون ثانيتين سريعتين. بالطبع لم يكن هناك أي أضواء بالشارع؛ فقد كنا نبعد كثيرًا عن المدينة. كان كل شيء أكبر من حجمه الطبيعي، وكانت الأشجار التي تحيط بالمنزل دائمًا ما تُسمَّى بأسمائها؛ شجرة الزان، شجرة الدردار، شجرة البلوط، أما أشجار القيقب، فدائمًا ما كان يتحدَّث عنها الناس بصيغة الجمع، ولا يميِّزون إحداها عن الأخرى لأنها تتشابك بعضها مع بعضٍ، والآن أضحَتْ جميعها شديدةَ السواد، وهكذا كان الحال بالنسبة إلى شجرةِ الليلك البيضاء (التي لم تَعُدْ تحتفظ بأزهارها)، وشجرةِ الليلك الأرجوانية، اللتين كانتا تُصنَّفان دائمًا ضمن الأشجار وليس الشجيرات؛ لأنهما أضحتا كبيرتَي الحجم للغاية. أما المروج الأمامية والخلفية والجانبية، فكان من السهل تجاوُزها لأني كنتُ أقلِّمها بنفسي بهدف منح المكان بعضَ المظهر اللائق الشبيه بمظهر المدينة. وكان كلُّ من الجانب الشرقي والجانب الغربي للمنزل يطلُّ على عالَمٍ مختلف، أو هكذا تراءَى لي. كان الجانب الشرقي هو جانب المدينة، بالرغم من أن من الممكن ألَّا ترى أية مدينة؛ فعلى بُعْدٍ لا يزيد عن ميلين، كان بمقدورك أن ترى منازلَ مصطفَّةً، بها أعمدةُ إنارة ومياه جارية. وبالرغم من أنني قلتُ إنه من الممكن ألَّا ترى أيًّا من هذا، فإنني لستُ واثقةً من أنك لن تستطيع أن تلمح بعضَ البريق إذا ما مددتَ بصرك لمسافةٍ أبعد. أما ناحية الغرب، فلا يوجد ما يمكن أن يُوقِف المنحنى الطويل للنهر والحقول والأشجار وغروب الشمس؛ وهي أشياء لا علاقةَ لها بالناس، في رأيي، ولا بالحياة العادية مطلقًا. رحتُ أقطع المكان جيئةً وذهابًا. في البداية سرتُ بالقرب من المنزل ثم غامرتُ بالسير هنا وهناك؛ حيث اعتمدتُ على بصري وتلافيتُ بقدر المستطاع الارتطام بمقبض المضخة أو المنصة المدعمة لحبل الغسيل. بدأَت الطيور تتحرَّك ثم شرعَتْ في الغناء، كما لو أن كلًّا منها فكَّرَ في ذلك على حدة، هناك أعلى الأشجار. لقد استيقظَتِ الطيور في وقتٍ مبكر جدًّا عمَّا اعتقدتُ أنه وقتُ استيقاظها، لكنْ سرعان ما بدأَتْ خيوطُ الضوء تتسلَّل عقبَ هذا الغناء المبكر للطيور، وفجأةً بدأ النعاس يغلبني، فعدتُ إلى المنزل حيث كانت الظلمة تغمر المكان، وشرعتُ بدقةٍ وهدوءٍ وحذرٍ شديد في وضع الكرسي المائل أسفل مقبض الباب، وصعدتُ لأعلى دون أن يَصْدُر عني أيُّ صوت، وفتحت الأبواب وصعدتُ الدَّرَج بالحذر المطلوب بالرغم من أني كنتُ شبهَ نائمةٍ، وارتميتُ على فراشي، واستيقظتُ في وقت متأخِّر؛ والوقتُ المتأخر في منزلنا كان يعني نحو الثامنة صباحًا. كنت أستطيع تذكُّرَ كلِّ شيء حينها، لكن الأمر كان سخيفًا جدًّا — أو بالأحرى كان الجزءُ السيئ منه في واقع الأمر سخيفًا جدًّا — لدرجةٍ استطعتُ معها نسيانَه بسهولةٍ كبيرة. كان أخي وأختي قد ذهبا لتلقِّي دروسِهما في المدرسة الحكومية، لكنَّ طبقيهما كانا لا يزالان على المائدة، مع وجود بضع حبات من الأرز المنفوش في اللبن المتبقِّي. يا له من سخف! عندما كانت أختي تعود من المدرسة كنَّا نتأرجح على الأرجوحة الشبكية حيث كان يجلس كلٌّ منَّا في أحد طرفَيْها. ••• كنت أُمْضِي معظم النهار على تلك الأرجوحة، وربما كان هذا ما يفسِّر عدم استطاعتي النوم في الليل. وحيث إنني لم أفصح عن الصعوبات التي كنتُ أواجهها في النوم بالليل، فلم يذكر أحدٌ المعلومةَ البسيطة التي مفادها أنه من الأفضل بالنسبة إليَّ القيام ببعض النشاط أثناء النهار حتى أستطيع النوم. عادت الصعوبات التي كنت أواجهها بحلول الليل بالطبع. سيطرَتْ عليَّ الشياطين مرةً أخرى؛ كنتُ أدري الوضعَ بما يكفي بحيث أنهض وأغادر فراشي دون التظاهُر بأن الأمور ستتحسَّن، وأنني في الواقع سأغطُّ في النوم إذا ما حاولتُ ذلك جاهِدةً. شققتُ طريقي بحذرٍ إلى خارج المنزل كما فعلتُ من قبلُ. كنتُ أستطيع تلمُّسَ طريقي بنحوٍ أكثر يُسْرًا؛ فحتى محتوى الحجرات أصبح بالنسبة إلي أكثرَ وضوحًا وإنْ كان أكثر غرابةً. استطعتُ أن أتبيَّن سقفَ المطبخ المصنوع من ألواح خشبية، الموجود منذ بناء المنزل ربما قبل مائة عام، وكذلك إطار النافذة الشمالية الذي أُتلِف جزئيًّا على يد كلبٍ كان قد حُبِس بالداخل لليلةٍ كاملةٍ، وذلك قبل أن أُولَد. لقد تذكَّرْتُ ما كنتُ قد نسيتُه تمامًا؛ وهو أنه كان لديَّ ملعبٌ رملي موجود هناك بالخارج؛ حيث كانت تستطيع أمي أن تراقِبني من خلال هذه النافذة الشمالية، لكنْ نَمَتْ مكانَه الآنَ مجموعةٌ كبيرة من الشجيرات المزهرة المفرطة النمو، وأضحى من الصعب أن ترى ما بالخارج. أما الجدار الشرقي للمطبخ، فلم يكن به أي نوافذ، لكنْ كان به باب يطلُّ على منصةٍ كنَّا نقف عليها كي ننشر قِطَع الغسيل المبتلة الثقيلة، ونجمعها حينما تجفُّ وتفوح منها رائحةٌ ذكية باعثة على الفخر، بدءًا من الملاءات البيضاء وحتى أردية العمل الثقيلة الداكنة اللون. وكنت في بعض الأحيان أعرِّج على تلك المنصة أثناء جولاتي الليلية. لم أجلس عليها قطُّ، ولكنها كانت تُسهِّل عليَّ النظر باتجاه المدينة، ربما فقط لتلمُّس سكينتها؛ فكل سكانها كانوا قد استيقظوا بالفعل قبل ذلك بفترة طويلة وذهبوا لمتاجرهم التي يعملون بها، وفتحوا أبوابَ منازلهم لإدخال زجاجات اللبن بالداخل، وكانت الحركة تدبُّ في كل مكان. وفي إحدى الليالي — لا أدري إنْ كانت العشرين أم الثانية عشرة أم فقط الثامنة أو التاسعة التي استيقظتُ خلالها وخرجت للسير — غمرني شعورٌ بأن هناك شخصًا على مقربةٍ مني، وقد انتابني هذا الشعور متأخرًا بحيث كان من الصعب أن أغيِّر من سرعتي. كان هناك شخصٌ موجود هناك ولم يكن بوسعي أن أفعل شيئًا سوى أن أستأنف المسير؛ فإنِ استدرتُ، فسيُمسِك بي وسيكون الأمر هكذا أسوأ من أن أكون بمواجهته. مَن عساه يكون؟ لم يكن سوى والدي. كان هو الآخَر يجلس على المنصة يتطلَّع نحو المدينة وذلك الضوء الخافت البعيد الاحتمال. كان يرتدي ملابسَ كان يلبسها بالنهار؛ بنطال العمل الداكن اللون القريب الشبه بذلك الخاص بأردية العمل، وقميصًا داكنًا من القماش الخشن وحذاءً عاليَ الرقبة. كان يدخِّن سيجارةً، واحدة لفَّها هو بنفسه بالطبع. ربما نبَّهَني دخانُ السيجارة لوجودِ شخصٍ آخَر هناك، بالرغم من أنه كان من الممكن أن تشمَّ رائحةَ دخان التبغ في كل مكان في تلك الأيام، داخل المباني وخارجها؛ لذا فلم يكن هناك سبيلٌ لملاحظته. ألقى عليَّ تحيةَ الصباح بأسلوبٍ ربما بَدَا طبيعيًّا بالرغم من أنه ليس هناك أيُّ شيء طبيعي بصدده على الإطلاق؛ فلم نعتَدْ في عائلتنا إلقاءَ مثل هذه التحيات بعضنا على بعض. لم يكن هناك أي شيء غير ودي في هذا الشأن؛ كل ما في الأمر، بحسب افتراضي، أننا كنا نعتقد أنْ ليس ثمة شيءٌ ضروريٌّ ما دام من الممكن رؤية ووداع بعضنا بعضًا في أوقاتٍ مختلفة من اليوم. رددتُ عليه تحيةَ الصباح. لا بد أن الوقت قد اقترب بالفعل من الصباح، وإلا لما كان أبي قد لبس وتهيَّأ ليومِ عملٍ هكذا. ربما شقَّ الضوءُ السماءَ لكنه لا يزال يختبئ بين الأشجار الكثيفة، وكانت الطيور تغرِّد أيضًا. كنت قد اعتدتُ أن أظلَّ بعيدةً عن فراشي حتى وقتٍ متأخرٍ أكثر من ذلك، ومع هذا ما عدتُ أشعر بالراحة كما كنتُ في البداية؛ فاحتمالات عدم الراحة التي كنتُ أشعر بها فقط في غرفة النوم، وفي الفراش ذي الطابقين، كانت تحتلُّ كلَّ أركان المكان. والآن فكَّرْتُ في الأمر، في السبب وراء عدم ارتداء أبي رداء العمل؛ إذ كان يرتدي ملابسَ مختلفةً كما لو كان ذاهبًا إلى المدينة من أجل القيام بشيءٍ ما؛ أول شيء يفعله في الصباح. لم أستطِعِ استئنافَ السَّيْر؛ حيث قطَعَ وجودُ أبي إيقاعَ الأمر كله. قال: «هل تعانين من مشاكل في النوم؟» كنت أود أن أجيب بالرفض، لكني فكَّرْتُ في صعوبات شرح سبب تجوُّلي بالخارج في ذلك الوقت، فآثرتُ أن أرد بالإيجاب. قال إن ذلك هو الحال عادةً في ليالي الصيف. «إنكِ تذهبين للفراش متعبةً وعندئذٍ تتصورين أنكِ ستغطِّين في النوم، فإذا بكِ تظلِّين مستيقظةً. أليس هو الحال معكِ؟» قلتُ بلى. أيقنتُ الآن أنه لم يسمعني عندما استيقظتُ وتجوَّلْتُ في تلك الليلة فقط؛ فالشخص الذي تقطن ماشيته في مكانٍ ما بالمنزل، ويحتفظ بما يكسبه من أموال على مقربةٍ منه، ويحتفظ بمسدسٍ في دُرْج مكتبه، كان بالتأكيد سينتفض لسماع أقل صوتٍ تسلَّلَ على الدَّرَج وأقل إدارةٍ لمقبض الباب. لستُ واثقةً من نوع الحوار الذي أراد أن يدور حينَها، فيما يتعلَّق بمسألة استيقاظي. ويبدو أنه قال إن مسألة عدم القدرة على النوم أمرٌ مزعج، لكنْ أكان هذا كل ما في الأمر؟ كنتُ أنوي بالقطع ألَّا أخبره بالمزيد؛ فلو كان قد ألمَحَ لي ولو تلميحًا بسيطًا بأنه يعرف أن هناك المزيد في الأمر، بل لو حتى أشار إلى أنه جاء هنا بنِيَّةِ معرفةِ هذا الأمر، فلا أعتقد أنه كان سيخرج مني بشيءٍ على الإطلاق. كان عليَّ أن أكسر حاجزَ الصمت بإرادتي، وذلك بأن أقول إنني لم أكن أستطيع النوم، وإنه كان عليَّ أن أغادر الفراشَ وأسير في الأنحاء. وما سبب ذلك؟ لستُ أدري. هل الكوابيس هي السبب؟ لا. قال: «يا له من سؤال أحمق! فلا يمكن أن يترك المرءُ فراشَه بسبب الأحلام الجميلة.» تركني لكي أُكمِل حديثي، ولم يطرح عليَّ أي أسئلة. كنتُ أنوي التوقُّفَ عن الكلام، لكني استمررْتُ في الحديث، وأخبرته بالحقيقة ولكن مع تعديل واحد بسيط. حينما تحدَّثْتُ عن أختي الصغيرة، قلتُ إنني كنتُ أخشى أن أُلحِق بها أذًى، واعتقدتُ أن هذا كان يكفي، يكفي لأنْ يعرف ما كنتُ أعنيه. قلتُ بعدها: «أخشى أن أخنقها.» لم أستطع أن أمنع نفسي من قول هذا في نهاية الأمر. والآن بما أنني كنتُ لا أستطيع أن أرجع فيما قلتُ، فلم يكن بإمكاني أن أعود نفسَ الشخص الذي كنتُ عليه قبل ذلك. سمع أبي ما قلتُه؛ لقد سمع أنني اعتقدتُ أني كنتُ قادرةً، بلا مبرِّر، على خنْقِ كاثرين الصغيرة أثناء نومها. قال: «حسنًا.» ثم قال إنني يجب ألَّا أشعر بالقلق، وأضاف: «ينتاب الناسَ في بعض الأحيان مثلُ هذا النوع من الأفكار.» قال ذلك بجديةٍ تامةٍ ودونَ أن يظهر عليه أيُّ نوعٍ من الانزعاج أو الاندهاش الشديد. ينتاب الأشخاص مثلَ هذه النوعية من الأفكار، أو المخاوف إنْ صح التعبير، لكنْ ليس هناك داعٍ للقلق حيال ذلك، فبمقدورنا القول إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حلم من الأحلام. لم يَقُلْ تحديدًا إنني لستُ معرَّضةً لارتكاب مثل هذا الفعل؛ فقد بَدَا أنه كان يعتقد أن مثل هذا الفعل لا يمكن أن يحدث. قال إن ذلك ربما يكون ناتجًا عن تأثير مركَّب الإيثر، الذي أعطَوْني إيَّاه في المستشفى، وأن الأمر لا يتعدَّى مجرد حلمٍ؛ فلا يمكن أن يقع مثل ذلك الأمر مثلما لا يمكن أن يضرب نيزك منزلنا (بالطبع يمكن أن يحدث ذلك، لكن احتمالية حدوث ذلك تضعه في قائمة الأشياء التي لا يمكن أن تحدث). لكنه لم يَلُمْني حتى لأني فكرتُ في الأمر؛ كلُّ ما قاله إنه لم يتعجَّب من ذلك. هناك أشياء أخرى كان من الممكن أن يقولها؛ كان يمكن أن يطرح عليَّ المزيدَ من الأسئلة عن موقفي من أختي الصغيرة أو عدم رضاي عن حياتي بوجه عام. لو كان ذلك قد حدث اليومَ، فلربما حدَّدَ لي موعدًا لدى طبيب نفسي. (أعتقد أن ذلك ما يجب أن أفعله حيال أحد أطفالي، مع تطوُّر الأمور وزيادة دَخْل الأسرة.) الحقيقة أن ما فعله قد نجح معي بالفعل؛ لقد أعاد لي استقراري النفسي، دون سخرية أو انزعاج، في العالَم الذي كنَّا نعيش فيه. فقد تتكوَّن لدى الأشخاص بعضُ الأفكار التي سرعان ما يتخلَّوْن عنها. يحدث هذا في الحياة. إنْ عشتَ فترةً طويلة كأبٍ، فستكتشف أنك ارتكبتَ أخطاءً لم تهتم بمعرفتها بجانب الأخطاء التي تعلمها جيدًا. قد تشعر إلى حدٍّ ما ببعض المهانة في داخلك أو بعض الاشمئزاز من نفسك، لكني لا أعتقد أن أبي انتابَتْه مشاعر من هذا القبيل. أنا أعلم أنني لو كنتُ قد لُمْتُه يومًا، حينما عاقَبَني بضربي بالمشحذة أو بحزامه، لَكان قال شيئًا عن اضطراره لفعل الأمر. إنَّ حالات العقاب البدني هذه كانت ستظل باقية حينها في ذهنه — هذا إنْ بقيَتْ من الأساس — على أنها ليست أكثر من كونها الردْعَ الملائم والضروري لطفلةٍ ثرثارةٍ تتخيَّل أنَّ بإمكانها إحكامَ السيطرة على الأمور. «إنك تعتقدين أنك شديدة الذكاء.» هذا ما كان يمكن أن يقوله كمبرِّر لعقابه لي، وبالفعل إن المرء كان يسمع ذلك كثيرًا في تلك الأيام؛ حيث يتجسَّد هذا النوع من الذكاء في شكلِ طفلٍ شقيٍّ بغيض ينبغي أن يُعاقَب على وقاحته، وإلا فستكون هناك مخاطَرةُ أنْ يَشِبَّ معتقِدًا أنه ذكي، أو ذكية، بحسب الحالة. ••• ومع هذا فقد منحني في ذلك الصباح ما كنتُ بحاجةٍ إلى سماعه، وما كنتُ حتى سأنساه سريعًا. فكرتُ أنه ربما كان يرتدي أفضلَ ملابس العمل لديه؛ لأن لديه موعدًا في الصباح للذهاب إلى المصرف ليعلم، دونَ أيِّ اندهاشٍ من جانبه، أنه لن يستطيع مدَّ فترة سداد القرض الذي أخذه. لقد كان يعمل بكل جهده، لكن السوق ما كانت لتتغيَّر أحوالها، وكان عليه أن يجد سبيلًا آخَر لينفق علينا ويسدِّد ما علينا من ديونٍ في آنٍ واحد. أو ربما اكتشف أن هناك اسمًا آخَر للرجفة التي كانت تعاني منها أمي، وأن ذلك ما كان ليتوقَّف. أو ربما كان يحب امرأةً يستحيل الوصول إليها. لم أُلْقِ بالًا لذلك؛ فمنذ ذلك الحين، أصبحت أستطيع النوم. حياتي العزيزة
الأصوات حين بدأَتْ أمي تدخل مرحلةَ النضوج، كانت تذهب هي وأفراد عائلتها جميعًا إلى حفلات الرقص، وكانت تلك الحفلات تُقام في المدرسة وأحيانًا في أحد المنازل الريفية الذي كان يحوي حجرةً أماميةً كبيرة بما يكفي للوفاء بهذا الغرض. وكان الصغار والكبار على حدٍّ سواء يذهبون لتلك الحفلات، وكان أحدهم يعزف على البيانو — البيانو الخاص بالمنزل المستضيف للحفل أو الخاص بالمدرسة — وكان آخَر يُحضِر آلةَ كَمان. وكانت أنماط أو خطوات الرقص الرباعي معقَّدةً، وكان يحدِّدها للراقصين شخصٌ معروفٌ بموهبته الخاصة في الرقص، وذلك بأعلى صوته (فهو دائمًا ما يكون رجلًا) وبسرعة غريبة للغاية لن تكون ذات جدوى على الإطلاق، إلا إذا كنتَ تعرف تفاصيلَ هذا الرقص بالأساس، وهو الأمر الذي كان الجميع يتعلَّمونه حينما كانوا يبلغون العاشرة أو الثانية عشرة من العمر. كانت أمي، المتزوِّجة الآن ولديها ثلاثة أطفال، لا تزال في عُمْرٍ وفي مزاجٍ يجعلانها تستمتع بتلك الرقصات إنْ كانت تعيش في البيئة الريفية الحقيقية التي لا تزال تُمارَس فيها تلك الرقصات. كانت ستستمتع أيضًا بالرقص الدائري الذي يؤدِّيه أزواجٌ من الراقصين، والذي حلَّ إلى حدٍّ ما محلَّ أسلوبِ الرقص القديم. لكنها كانت في موقف غريب، كنا جميعًا هكذا؛ كانت عائلتنا تقيم خارجَ المدينة، لكنها لم تكن فعليًّا تقطن في الريف. أما أبي، الذي كان محبوبًا أكثر من أمي، فكان يؤمن بضرورة التكيُّف مع كل الظروف. لم تكن أمي كذلك؛ فقد نشأَتْ في إحدى المزارع لتصبح معلمةً، لكن ذلك لم يكن كافيًا؛ حيث لم يمنحها ذلك الوضعَ الذي كانت تتمنَّاه، أو الأصدقاءَ الذين كانت تودُّ أن تحظى بهم في المدينة. كانت تعيش في المكان الخطأ، ولم يكن لديها ما يكفي من النقود، لكنها لم تكن مهيَّأةً لذلك على أية حال. كان بإمكانها لعب اليوكر وليس البريدج، وكانت تشعر بالضيق لمرأى امرأة تدخِّن. أعتقد أن الناس كانوا يرونها عدوانيةً وتستعرض في استخدام قواعد النحو؛ كانت تقول عبارات من قبيل «عن طيب خاطر» و«وهو حقًّا كذلك»؛ كانت تبدو وكأنها نشأت في عائلةٍ غريبةٍ تتحدَّث دومًا بهذا الأسلوب. لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إليها، وكذا بالنسبة إلى عائلتها؛ كان أخوالي وخالاتي في مزارعهم يتحدَّثون بنفس الأسلوب الذي كان يتحدَّث به أي شخص آخَر، كما أنهم أيضًا لم يكونوا يحبون أمي كثيرًا. لا أعني أنها كانت تمضي كلَّ وقتها وهي تتمنَّى لو كانت الأمور مختلفةً عمَّا هي عليه الآن؛ فشأنها شأن أي امرأة أخرى كانت لديها أوعيةُ غسيل تحملها إلى المطبخ، وليست لديها مياهٌ جاريةٌ، وكانت في حاجةٍ إلى أنْ تمضي معظم أوقات الصيف وهي تُعِدُّ الطعامَ الذي سيتم تناوله في الشتاء. كانت مشغولة دومًا، حتى إنه لم يكن بمقدورها أنْ تخصِّص وقتًا أكثر بخلاف ذلك الذي كانت تخصِّصه للشعور بخيبة الأمل تجاهي، متسائِلةً عن سبب عدم جَلْبي للأصدقاء الملائمين، أو أي أصدقاء على الإطلاق، إلى المنزل من مدرسة المدينة؛ أو سبب تجنُّبي المشارَكة في تلاوات الكتاب المقدس في مدرسة الأحد، وهو شيء اعتدتُ المداوَمةَ عليه؛ أو سبب عودتي إلى المنزل وقد فككتُ جدائلَ شعري، وهو خرْقٌ للنظام كنتُ أمارِسه حتى قبل أن أذهب إلى المدرسة لأنه ما من أحدٍ كان يصفِّف شعرَه على النحو الذي كانت تصفِّفه لي؛ أو في واقع الأمر سبب تعلُّمي التوقُّف عن استخدام قدرتي الهائلة على الحفظ في حفظ الشعر، حيث إنني كنتُ أرفض الآن أن أستخدمها من أجل التباهي بها. ••• لكني لم أكن دومًا في حالات غضب وخلاف. ليس بعدُ؛ فها أنا ذا أتذكر حين كنت في حوالي العاشرة من عمري وكنتُ حريصةً على التأنُّق ومرافَقة أمي إلى إحدى حفلات الرقص. كانت الحفلة مقامةً في منزل ذي مظهر لائق — إنْ لم يكن شديد الفخامة — كان يقع في طريقنا؛ كان منزلًا خشبيًّا ضخمًا يقطنه أشخاصٌ لم أكن أعرف أيَّ شيءٍ عنهم، فيما عدا أن صاحبه كان يعمل في المسبك بالرغم من أنه كان متقدِّمًا في العمر بدرجة كافية لأنْ يكون في عُمْر جدي. إن المرء لم يكن في ذلك الوقت ليترك عمله في المسبك؛ فقد كان يعمل ما دام العمل باستطاعته، ويحاول أن يدَّخِر النقود للوقت الذي لا يكون باستطاعته أن يعمل فيه؛ فقد كان من العار — حتى في أثناء ما تعلَّمْتُ أنْ أُطلِق عليه فيما بعدُ الكساد العظيم — أن تجد أنه يجب عليك أن تتقدَّم للحصول على معاش شيخوخة، وكان من العار على أبنائك البالغين أن يسمحوا بذلك، مهما كانت الضوائقُ المالية التي كانوا يمرون بها. يقفز الآن إلى ذهني بعض الأسئلة التي لم تقفز إليه حينها. هل كان الأشخاص الذين يعيشون في هذا المنزل يُقِيمون الحفلةَ لمجرد خلق مناخٍ من البهجة؟ أم أنهم طلبوا نقودًا مقابل ذلك؟ ربما وجدوا أنفسهم يمرون بمشاكل مالية، حتى لو كان الأب يعمل. إنها فواتير الأطباء؛ أعلم مدى العبء الذي يمكن أن تُلْقِيه هذه الفواتير على كاهل أيِّ عائلة. كانت صحة أختي الصغيرة ضعيفةً، كما كان الناس يقولون، وقد استأصلنا لها لوزتَيْها بالفعل. وكنتُ أعاني أنا وأخي من التهابٍ شعبيٍّ حادٍّ كلَّ شتاء ممَّا ينتج عنه قدومُ الطبيب لعلاجنا؛ يتكلَّف العلاجُ الكثيرَ من النقود. السؤال الآخر الذي ربما يكون قد قفز لذهني هو: لماذا اخترتُ أنْ أصحب أمي بدلًا من أبي؟ لكن الأمر لم يكن لغزًا كبيرًا؛ فربما كان أبي لا يهوى الرقصَ بعكس أمي. أيضًا كان هناك طفلان آخَران يجب الاعتناء بهما في المنزل، ولم أكن كبيرةً وقتَها بدرجةٍ تكفي للقيام بذلك، ولا أستطيع أن أتذكَّر أن والديَّ قد استأجرَا يومًا جليسةَ أطفال، ولستُ واثقةً إنْ كان هذا المصطلح حتى مألوفًا في تلك الأيام أم لا؛ فحينما كنتُ في سنوات المراهَقة وجدتُ وظائفَ في هذا المجال، لكنَّ الوقت كان قد تغيَّر حينها. تأنَّقْنا للذهاب. في رقصات الريف التي تذكَّرَتْها أمي، لم يكن هناك أيُّ ظهورٍ على الإطلاق لملابس الرقص الرباعي القديمة الطراز التي ستراها لاحقًا في التليفزيون؛ فقد كان كل شخصٍ يرتدي أفضل ما لديه، ويُعَدُّ عدم فعل ذلك — أيِ ارتداء أيِّ شيء من قبيل الملابس المكشكشة والمناديل التي كانت تُلَفُّ حول الرقبة، وهي الملابس المعروفة لدى أهل الريف — بمنزلة إهانة للمضيفين وللجميع. ارتديتُ ثوبًا صنعَتْه أمي من أجلي، من الصوف الشتوي الناعم؛ كانت التنورة قرنفليةَ اللون والجزءُ العلوي من الثوب أصفرَ، مع وجود قلبٍ من الصوف القرنفلي محاك في المكان الذي كان سيظهر فيه نهدي الأيسر في يومٍ من الأيام. وكان شعري مصفَّفًا ومبلَّلًا ويتخذ شكلَ جدائل عريضة طويلة شبيهة بالنقانق التي كنتُ أفكُّها كلَّ يوم وأنا في طريقي إلى المدرسة. وقد تذمَّرْتُ من تصفيف شعري على هذا النحو في حفلة الرقص بحجةِ أنه لا أحدَ يصفِّف شعره على هذا النحو؛ فردَّتْ أمي بأنه ليس هناك أحدٌ محظوظ جدًّا مثلي. كففتُ عن الشكوى لأني كنتُ أرغب في الذهاب بشدةٍ، أو ربما لأني اعتقدتُ أنه لن يتواجد أحدٌ من المدرسة في الحفلة؛ لذا لم يكن يهم ذلك الأمر، كانت سخريةُ أقراني مني هي دومًا الشيءَ الذي كنتُ أخشاه. لم يكن ثوب أمي من صنع يدَيْها؛ كان أفضل ثوب لديها، وكان شديدَ الأناقة بحيث لا يمكن ارتداؤه عند الذهاب إلى الكنيسة، ومُبْهِجًا جدًّا بحيث لا يمكن ارتداؤه في أي جنازة؛ لذا نادرًا ما كانت ترتديه. كان مصنوعًا من القطيفة السوداء، بكُمَّيْن يصلان حتى مرفقَيْها، وتقويرة عالية، والشيءُ الرائع به هو انتشار حبَّات الخرز الصغيرة، ذات اللون الذهبي والفضي ومن كل الألوان، المحاكة جميعها في كل أنحاء الجزء العلوي من الثوب، والتي كانت تمتص الضوء، وتتلألأ متَّى تحرَّكَتْ أمي أو حتى تنفَّسَتْ. ضفَّرت شعرها، الذي كان لا يزال معظمه باللون الأسود، ثم ثبتَتْه بتاجٍ صغير بأعلى رأسها. لو كانت شخصًا آخَر غير أمي، لَكنتُ رأيتُ أنها جميلةٌ بدرجةٍ مثيرة. أعتقد أني كنتُ أراها هكذا، لكن بمجرد أنْ ولجنا هذا المنزل الغريب، لاحظْتُ أن أفضل ثوبٍ لديها لا يشبه ثوبَ أيِّ امرأةٍ أخرى، بالرغم من أنهن كنَّ يرتدين أفضلَ ما لديهن أيضًا. والنساء الأخريات التي أتحدَّث عنهن كنَّ يتواجدن في المطبخ؛ حيث توقَّفْنا ورحنا ننظر إلى الأشياء المرصوصة على منضدة كبيرة؛ كان عليها كلُّ أنواع التارت والكوكيز والفطائر والكعك، وقد وضعَتْ أمي هي الأخرى نوعًا فاخرًا من الحلوى كانت قد أعَدَّتْه وراحَتْ ترتِّبه باهتمامٍ حتى تحسِّن من مظهره، وعقَّبَتْ بأن كل شيء كان يبدو مُسِيلًا لِلُّعاب. هل أنا واثقة من أنها قالت ذلك؛ مُسِيلًا لِلُّعاب؟ أيًّا كان ما قالَتْه، فلم يكن يبدو صحيحًا تمامًا. تمنَّيْتُ حينَها أن يكون أبي موجودًا لأن كلامه دائمًا ما يكون ملائمًا بشدة للمناسبة، حتى لو كان يتحدَّث بأسلوب نحوي سليم. كان يفعل ذلك داخل المنزل ولكن ليس بسهولةٍ خارجَه. كان يندمج في أي حديثٍ بسهولة؛ كان يَعِي أن الشيء الذي ينبغي عمله هو عدم التفوُّه بكل ما هو غريب؛ أما أمي، فكانت على النقيض تمامًا؛ فبالنسبة إليها، كان كل شيء واضحًا، ورنَّانًا، ويهدف إلى جذب الانتباه. كان ذلك يحدث الآن وسمعتُها تضحك في سعادة، كما لو أنها كانت تحاوِل تعويضَ عدم حديثِ أيِّ شخصٍ معها. كانت تتساءل عن المكان الذي يمكن أن نضع فيه معطفَيْنا. اتضح أنَّ بإمكاننا أنْ نضعهما في أيِّ مكان، وقال أحدهم إنه بمقدورنا، إنْ رغبنا، أنْ نضعهما على الفراش بالطابق العلوي. إنك تستطيع الوصول إلى الطابق العلوي من خلال دَرَج تحيط به الجدران، ولم يكن هناك أي أضواء إلا بالأعلى. طلبَتْ مني أمي أن أصعد، وقالت لي إنها ستلحق بي في غضون دقيقة، وقد فعلتُ. والسؤال الذي قد يطرح نفسه الآن: هل كان يُدفَع مقابلٌ نقديٌّ لحضور تلك الحفلة؟ كان من الممكن ألَّا تحضرها أمي وتنتظر حتى ترتِّب أخرى في منزلها. ومن ناحية أخرى، هل كان يُطلَب من الناس أن يدفعوا مقابلَ حضورِ الحفل، وفي نفس الوقت يُحضِرون كلَّ أنواع الحلوى هذه؟ وهل كانت تلك الحلوى كثيرةً حسبما أتذكَّر؟ والحاضرين كلهم من الفقراء؟ لكنهم ربما كانوا بالفعل لا يشعرون بأنهم فقراء جدًّا، مع وجود وظائف الحرب وما يرسله الجنود من نقود إلى منازلهم. إنْ كنتُ وقتَها حقًّا في العاشرة من عمري، وأعتقد أني كنتُ كذلك، فقد كانت تلك التغيُّرات إذن قد بدأت تحدث منذ عامين. كان الدَّرَج الذي يبدأ عند المطبخ، وكذا الذي يبدأ عند الغرفة الأمامية، يلتقيان في شكلِ مجموعةٍ من الخطوات التي تؤدِّي إلى غُرَف النوم. وبعدما تحرَّرْتُ من المعطف ومن حذائي العالي الرقبة في غرفة النوم الأمامية المرتبة، كان لا يزال بإمكاني سماع صوت أمي يرنُّ في المطبخ، لكن كان بإمكاني أيضًا سماع صوت الموسيقى وهي تأتي من الحجرة الأمامية؛ لذا هبطت في اتجاهها. أُخلِيت الحجرة من كل قِطَع الأثاث فيما عدا البيانو، وكانت تنسدل على النوافذ مجموعةٌ من الستائر القماشية ذات اللون الأخضر الداكن، من النوع الذي كنتُ أراه كئيبًا. لكنْ لم يكن هناك أيُّ جوٍّ من الكآبة داخل الحجرة؛ فقد كان يرقص هناك الكثير من الأشخاص، ويُمسِك كلٌّ منهم بالآخَر بوقارٍ، ويتحركون أو يتمايلون في دوائر صغيرة. كانت هناك فتاتان لا تزالان في المدرسة ترقصان بطريقةٍ أضحَتْ شائعةً حينَها منذ فترة قصيرة، حيث كانتا تتحرَّكان وكلٌّ منهما تواجِه الأخرى، مشبكتين أيديهما في بعض الأحيان. ابتسما بالفعل لتحيتي عندما رآني، وحينها غمرني شعورٌ بالسعادة، وهو الشعور الذي كان يعتريني عادةً عندما تُعِيرني اهتمامَها أيُّ فتاة تكبرني لديها ثقة في نفسها. كان في الحجرة امرأةٌ لا يمكن ألَّا تلفت انتباهَ المرء، امرأةٌ ترتدي ثوبًا يفوق بالتأكيد ثوب أمي روعةً وأناقةً؛ لا بد أنها كانت تكبر أمي كثيرًا؛ كان شعرها شائبًا، ينسدل في نعومةٍ ورقيٍّ فيما كان يُطلَق عليه الشعر المموج الذي على طراز مصمِّم الشعر الفرنسي مارسيل جراتو، بالقرب من فروة رأسها. كانت امرأةً ضخمةً ذات كتفَيْن ممتلئتين ووركين عريضتين، وكانت ترتدي ثوبًا ذا لون برتقالي مائل إلى الذهبي من قماش التفتة، كان ذا رقبة مربعة الشكل ومكشوفَ الصدر، وتنورة تغطِّي ركبتَيْها فقط. وكان كماه القصيران ملتصقين بشدة بذراعَيْها، فبَدَا لحمهما مكتنزًا، وناعمًا، وأبيض مثل شحم الخنزير. كان مظهرها يبعث على الدهشة؛ كنتُ أعتقد أنه لا يمكن أن يكون الشخص متقدِّمًا في العمر وفي نفس الوقت لافتًا للأنظار، ضخمًا ولكنه جميل، جريئًا لدرجةِ الوقاحة ومع ذلك شديد الرصانة. بمقدورك أن تصفها بأنها صفيقة، وربما كان هذا ما قالَتْه أمي عنها لاحقًا؛ فتلك كانت الكلمة التي تستخدمها دومًا. ربما يصفها أحدهم الأقل عدائيةً تجاهَها بأنها مهيبة. لم تكن في واقع الأمر تتباهى بذاتها، فيما عدا شكل فستانها ولونه. كانت هي والرجل الذي كان بصحبتها يرقصان معًا بوقارٍ وبذهنٍ شاردٍ بعضَ الشيء، تمامًا مثل الأزواج. لم أكن أعرف اسمها؛ فأنا لم أَرَها من قبلُ، ولم أكن أعرف أنها كانت سيئةَ السمعة في مدينتا، وربما في أماكن أبعد من ذلك، بحسب علمي. أعتقد أنني لو كنتُ أكتب عملًا أدبيًّا بدلًا من أن أتذكَّر حَدَثًا مررتُ بي، ما كنتُ لأجعلها أبدًا ترتدي ذلك الثوب؛ فهو نوع من الدعاية لنفسها ليسَتْ بحاجةٍ إليه. بالطبع لو كنت أعيش في المدينة، بدلًا من أن أذهب إليها وأعود منها كلَّ يوم عند ذهابي للمدرسة، لربما كنتُ سأعلم أنها عاهرةٌ معروفة، ولكنتُ بالطبع رأيتُها يومًا ما، وإنْ كانت غير مرتدية هذا الثوب البرتقالي، ولَمَا كنتُ استخدمتُ كلمةَ عاهرة، كنت سأستخدم امرأةً سيئةً على الأرجح، ولَكنتُ سأعلم أن هناك شيئًا باعثًا على الاشمئزاز، وخطيرًا، ومثيرًا وجريئًا بشأنها، دون أن أعرف تحديدًا كُنْهَ هذا الشيء. وإذا ما حاوَلَ أحدُهم أن يُخبِرني به، أعتقد أنني لم أكن لأصدِّقه. كان هناك العديد من الأشخاص في المدينة الذين كانوا يبدون غير عاديين، وربما كانت هي ستبدو بالنسبة إليَّ واحدةً منهم. كان هناك ذلك الرجل الأحدب الذي كان يُلمِّع أبوابَ مبنى مجلس المدينة كلَّ يوم، وعلى حدِّ علمي لم يكن يفعل أي شيء آخَر. وهناك أيضًا المرأة ذات المظهر الجيد التي لا تتوقَّف أبدًا عن الحديث لنفسها بصوتٍ مرتفع، مُوجِّهةً السبابَ لأشخاصٍ غير موجودين حولها. وكنتُ سأعلم قبلًا اسمَها وأكتشف في النهاية أنها كانت حقًّا تفعل الأشياء التي لم أكن أصدِّق أنها يمكن أن تفعلها، وأن الرجل الذي رأيتُه يراقصها، والذي ربما لم أكن لأعرف اسمه على الإطلاق، هو مالك صالة البلياردو. في أحد الأيام حينما كنتُ في المدرسة الثانوية تحدَّتْني فتاتان من المدرسة أنْ أستطيع الدخولَ إلى صالة البلياردو حينما مرَرْنا بجوارها، وقد فعلتُ، وكان متواجِدًا بها، كان هو نفس الرجل الذي كان يراقِصها. هذا بالرغم من أن مساحةَ الصلع زادَتْ في رأسه الآن وزاد وزنه، وكان يرتدي ملابسَ أقلَّ أناقة، ولا أتذكَّر أنه قال شيئًا لي حينها، بل لم يكن عليه ذلك؛ فقد عدتُ أدراجي إلى صديقتيَّ، اللتين لم تكونا من صديقاتي القريبات في واقع الأمر، ولم أخبرهما بشيء. حينما رأيتُ مالك صالة البلياردو، استرجعتُ مشهدَ الرقص بالكامل؛ البيانو الضخم، والموسيقى المعزوفة على الكمان، والثوب البرتقالي الذي كنتُ سأصفه حينها بالسخيف، وظهور أمي المفاجئ بمعطفها الذي من المحتمل أنها لم تخلعه هناك على الإطلاق. ها هي هناك، تناديني باسمي وسط الموسيقى المعزوفة بنبرةِ صوتٍ كنتُ أبغضها على وجه الخصوص، النبرة التي بَدَا أنها كانت تذكرني بنحوٍ خاصٍّ بأنَّ لها الفضلَ في وجودي على تلك الأرض من الأساس. قالت: «أين معطفك؟» قالت ذلك كما لو كنتُ قد فقدتُه في مكانٍ ما. «بالطابق العلوي.» «حسنًا، اذهبي وأحضريه.» لو كانَتْ صعدت إلى الطابق العلوي، لَكانت رأَتْه؛ لا بد أنها لم تتخطَّ عتبةَ المطبخ، وأنها كانت ترتِّب الأطعمةَ وهي مرتديةٌ معطفها الذي حلَّتْ أزراره ولكنها لم تخلعه، وذلك حتى نظرت باتجاه الغرفة التي كان بها الرقص وعرفت مَن هي الراقصة ذات الثوب البرتقالي. قالت: «لا تتأخري.» لم أكن أنوي أن أتأخر. فتحتُ البابَ المؤدِّي إلى الدَّرَج وهرولتُ عبر الدرجات الأولى، ووجدتُ أنه عند المكان الذي ينعطف عنده الدَّرَج كان هناك أناسٌ يجلسون ويعترضون طريقي. لم يشاهدوني وأنا أقترب منهم؛ فقد بَدَا أنهم كانوا منشغلين بشيءٍ مهم؛ لم يكونوا منهمكين في نقاشٍ على وجه التحديد، وإنما كان نوعًا من الحوار العاجل. كان هناك رجلان فقط من بين هؤلاء الأشخاص؛ شابان يرتديان زيَّ القوات الجوية؛ كان أحدهما يجلس على إحدى الدرجات، والآخَر يميل للأمام مستندًا إلى درجةٍ أسفل من تلك التي كان الشاب الآخَر يقف عليها، واضِعًا يده على ركبته. وكانت هناك فتاة تجلس على الدرجة التي تعلوهما، وكان الشاب الأقرب إليها منهما يربِّت على رجلها على نحوٍ مواسٍ. اعتقدتُ أنها لا بد وأن سقطت على تلك الدرجات الضيقة وجُرِحت، لأنها كانت تبكي. بيجي. كان اسمها بيجي. «بيجي، بيجي»، هذا ما كان يقوله الشابان بنبرةِ صوتٍ متلهفة وحنونة أيضًا. قالَتْ شيئًا لم أستطع تبيُّنَه؛ كانت تتحدَّث بنبرةِ صوتٍ طفولية. كانت تشتكي بنفس الأسلوب الذي يشتكي به المرء من شيء مجحف؛ فتجد نفسك تقول مرارًا وتكرارًا إنَّ شيئًا ما غير منصف، لكنْ بصوت يائس، كما لو أنك تتوقَّع أن هذا الشيء غير المنصف لا يمكن أن ينصلح أمره. «وضيع» هي كلمة أخرى يمكن أن تُستخدَم في ظل هذه الظروف. إنه وضيع للغاية؛ كان هناك شخصٌ وضيعٌ للغاية. بإنصاتي إلى حديث أمي مع أبي حينما عدنا إلى المنزل، عرفتُ جانبًا ممَّا حدث، لكني لم أستطع أن أفهمه تمامًا. لقد ظهرت السيدة هتشيسون في حفلة الرقص، يصاحبها الرجل صاحب صالة البلياردو، الذي لم يكن معروفًا لديَّ وقتذاك بأنه صاحب صالة البلياردو، ولا أدري الاسمَ الذي نادَتْه به أمي، لكنها كانت مصدومةً بشدة من سلوكه. تردَّدَتْ بعضُ الأخبار عن حفلة الرقص وقرَّرَ بعض الشباب من بورت ألبرت — أيْ من قاعدة القوات الجوية — المجيء لحضوره. لم يكن هناك شيء يعيب هؤلاء الشباب، أما الخزي فقد تمثَّل في السيدة هتشيسون والفتاة. لقد أحضرَتْ إحدى بناتها معها. قال أبي: «ربما اعتقدَتْ أنها مجرد نزهة، ربما كانَتْ ترغب فقط في الرقص.» بَدَا أن أمي حتى لم تسمع ذلك، وقالت إنه من العار أن يحدث هذا. إنك تتوقَّع أن تمضي وقتًا لطيفًا، رقصة هادئة رقيقة في منزل قريب منك، ثم بعدها يفسد كل شيء. كانت لديَّ عادةُ تقييم شكل الفتيات الأكبر سنًّا مني. لم أعتقد أن بيجي فتاةٌ ذات جمال خاص؛ ربما فسد مكياجها بسبب بكائها، وقد تحرَّرَ شعرها الملفوف ذو اللون البني الفاتح من الدبابيس التي كانت تثبته، وكانت أظافرها مطليةً بطلاء أظافر، لكنها كانت لا تزال تبدو كما لو أنها قضمَتْها. لم تَبْدُ أنضج كثيرًا من أيٍّ من تلك الفتيات الأكبر سنًّا اللاتي كنتُ أعرفهن، المتذمِّرات، والمخادِعات، الدائمات الشكوى؛ ومع ذلك، عامَلَها الشابان كما لو كانت شخصًا لا يستحق مطلقًا أن يواجِه أيَّ لحظةٍ قاسية، شخصًا يستحق التدليلَ والإسعاد، شخصًا تنحني أمامه الرءوس. عرض أحدهما عليها سيجارة جاهزة بالفعل، وقد رأيتُ أن ذلك متعةٌ في حدِّ ذاته؛ حيث إن أبي كان يلفُّ سجائره بنفسه، تمامًا مثلما كان يفعل أيُّ رجلٍ كنتُ أعرفه. لكن بيجي هزَّتْ رأسها تعبيرًا عن الرفض وتذمَّرَتْ بنبرةِ صوتها المتألمة بأنها لا تدخِّن. ثم عرض عليها الرجلُ الآخَر قطعةً من اللبان، فقَبِلَتْها. ماذا كان يجري؟ ليس ثمة سبيلٌ لأنْ أعرف؛ فقد لاحَظَ وجودي الشابُّ الذي عرض عليها قطعةَ اللبان، بينما كان يفتِّش في جيبه، ثم قال: «بيجي، بيجي، هناك فتاة صغيرة أعتقد أنها تبغي الصعود لأعلى.» أخفضَتْ رأسها، فلم أستطع النظر نحو وجهها، وشممتُ رائحةَ عطر وأنا أمرُّ من جانبها، وشممتُ رائحةَ سجائرهما أيضًا وزيِّهما الصوفي الرجالي، وأحذيتهما اللامعة العالية الرقبة. حينما نزلتُ وأنا أحمل معطفي، كانوا لا يزالون في مكانهم، لكنْ في تلك المرة كانوا يتوقَّعون مجيئي؛ لذا لاذوا جميعًا بالصمت أثناء مروري، فيما عدا أن بيجي أطلقَتْ شهقةً عالية، بينما راح الشاب الأقرب إليها يربِّت على الجزء العلوي من رجلها. لقد رُفِعت تنورتها ورأيتُ الحمَّالةَ التي تثبت جوربها. ظللتُ لفترة كبيرة أتذكَّر الأصوات، وأمعن النظر فيها. ليس صوت بيجي، وإنما صوت الرجلَيْن. أعلم الآن أن بعضًا من رجال القوات الجوية الذين يتمركزون في بورت ألبرت في وقتٍ مبكرٍ من الحرب كانوا قادمين من إنجلترا، وأنهم كانوا يتلقَّوْنَ التدريب هناك لمحارَبة الألمان؛ لذا، أتساءل إنْ كانت اللكنة الخاصة بجزءٍ معينٍ من بريطانيا هي التي وجدتها لطيفة وساحرة للغاية. من المؤكد أنني لم أسمع قطُّ في حياتي رجلًا يتكلَّم على هذا النحو، ويعامِل امرأةً كما لو أنها مخلوق رقيق ومُقدَّر للغاية أيًّا كان، ويرى أن أيًّا كانت القسوةُ التي تعرَّضت لها، فهي تُعَدُّ على نحوٍ ما خَرْقًا للقانون أو إحدى الخطايا. ما الذي اعتقدتُ أنه قد حدث لبيجي وجعلها تبكي؟ لم يُثِرْ هذا السؤال اهتمامي كثيرًا في ذلك الوقت؛ فأنا نفسي لم أكن شخصيةً شجاعةً؛ فقد كنت أبكي حينما كان يطاردني البعض ويرمونني بالحصى وأنا في طريق عودتي إلى المنزل من مدرستي الأولى، وكنت أبكي حينما كانت تشير إليَّ المعلمةُ في مدرسة المدينة من بين كل طلاب الفصل لكي تجعلهم يرون عدمَ الترتيب الصادِم لمكتبي، وكذلك عندما هاتفت أمي من أجل نفس المشكلة، وبكَتْ أمي بعدما أنهَتِ المكالمة، متحمِّلةً المعاناة لأني لم أكن مفخرةً لها. بَدَا الأمر كما لو أن هناك أناسًا بطبيعتهم يتَّسِمون بالشجاعة، بينما لا يتسم بها البعضُ الآخَر. لا بد أن أحدهم قال شيئًا لبيجي، ولهذا كانت تشهق لأنها كانت مثلي؛ شخصيةً لا تتحمَّل المضايقات. لكنْ لا بد أن السيدة ذات الثوب البرتقالي هي التي كانت الشخص الوضيع، على ما أعتقد، دون سببٍ محدَّد. كان يجب أن يكون امرأةً؛ لأنه لو كان رجلًا، لَعاقَبَه أحدُ هذين الشابين المنتميين للقوات الجوية المواسيَيْن لبيجي، ولَطلَبَا منه أن ينتبه لما يقول، بل لربما جذباه إلى الخارج وضرباه. لذا لم تكن بيجي هي مَن أثار اهتمامي، ولا دموعها، ولا نظراتها المنهارة؛ لقد كانت تذكِّرني كثيرًا بنفسي. بل الشابَّان اللذان كانا يواسياها هما مَن أثار اهتمامي؛ أثارني كيف كانا ينحنيان ويعبِّران عن مشاعر الود أمامها. ماذا كانا يقولان؟ لم يقولا شيئًا محدَّدًا على وجه الخصوص؛ قالا إن كل شيء على ما يرام. لا تقلقي يا بيجي. الآن، كل شيء على ما يرام، يا بيجي. إنه ذلك الحنان؛ أن يحمل الشخص كلَّ هذا القدر من الحنان. صحيح أن هؤلاء الشباب، الذين أتوا إلى بلادنا للتدريب على المهام الخاصة بالقصف الجوي، والتي يمكن أن يروح ضحيتها الكثير منهم، ربما كانوا يتحدثون باللكنة المعتادة لكورنوال، أو كِنت، أو هال، أو اسكتلندا. لكنهم بَدَوْا بالنسبة إليَّ غيرَ قادرين على الحديث دون ترديد بعض عبارات المباركة، المباركة في الوقت الحاضر. لم يَدُرْ بخلدي أن مستقبلهم جميعًا مرتبطٌ بكارثة، أو أن حياتهم العادية ذهبَتْ سدًى ودُمِّرَتْ؛ كلُّ ما فكرتُ فيه هو كلمات المباركة ومدى روعة أن يتلقَّاها المرء، وكيف أن بيجي كانت محظوظةً على نحوٍ غريب ولا تستحق المعامَلةَ التي كانت تتلقَّاها. لا أدري كَمْ من الوقت ظللتُ أفكِّر فيهم؛ فقد كانوا يهدهدونني في ظلمات غرفة نومي الباردة حتى أغطَّ في النوم. كان بإمكاني استدعاؤهم، استرجاع وجوههم، وأصواتهم، لكن الأدهى من ذلك، أن أصواتهم كانت موجَّهةً نحوي وليس نحو طرف ثالث لا أهميةَ له. وكانت أيديهم تبارك فخذَيَّ النحيلين وأصواتهم تطمئنني أنني أيضًا أستحقُّ الحب. ••• وبينما كانوا لا يزالون يسكنون خيالاتي التي لم تكن جنسيةً بشدةٍ حينَها، إذا بهم يختفون من ذهني. لقد اختفى بعضهم، بل العديد منهم، إلى الأبد. حياتي العزيزة
حياتي العزيزة حينما كنتُ صغيرة، كنتُ أعيش في نهاية طريق طويل، أو طريقٍ بَدَا لي طويلًا. وكان يوجد خلفي، وأنا عائدة لمنزلي سَيْرًا على الأقدام من المدرسة الابتدائية ثم المدرسة الثانوية بعد ذلك، المدينة الحقيقية بنشاطها وأرصفتها وأعمدة إنارة شوارعها التي كانت تُضاء بعد حلول الظلام. وكان ما يميِّز نهاية المدينة وجود جسرين فوق نهر ميتلاند، أحدهما كان جسرًا حديديًّا ضيقًا كانت تحدث فيه أحيانًا مشاجراتٌ بين قائدي السيارات حول أيٍّ من السيارات يجب أن تنتظر حتى تمر السيارات الأخرى. وكان هناك ممشًى خشبي حيث تجد من آنٍ لآخَر أحدَ ألواحه مفقودًا، بحيث يكون بمقدورك أن تنظر لأسفل مباشَرةً نحو المياه الجارية البراقة. أحببتُ ذلك، لكن كان دائمًا ما يأتي أحدهم ويضع لوحًا جديدًا مكان اللوح المفقود. وكان هناك وادٍ صغيرٌ، به منزلان آيلان للسقوط تغمرهما المياه كلَّ ربيع، لكنْ دائمًا كان هناك أناسٌ — أناسٌ مختلفون — يأتون ويعيشون فيهما على أية حال. وبعد ذلك، كان هناك الجسر الآخَر، المقام فوق قناة الساقية، التي كانت ضيقة لكنها عميقة بما يكفي بحيث يمكن أن تغرق فيها. بعد ذلك كان ينقسم الطريق، جزءٌ منه يتجه نحو الجنوب فوق أحد التلال وفوق النهر ثانيةً حتى يصبح طريقًا سريعًا، والجزء الآخَر يمتد حول ساحة السوق القديمة ثم ينعطف نحو الغرب. كان هذا الطريق المتجه نحو الغرب هو طريقي. كان هناك أيضًا طريق يتجه نحو الشمال، وكان به رصيف قصير لكنه حقيقي، وعدة منازل بعضُها قريبٌ من بعضٍ، كما لو كانت في المدينة. وكان أحدها عليه لافتة على الجزء العلوي الزجاجي من بابه، مكتوب عليها «شاي سالادا»؛ وهو دليل على أن منتجات البقالة كانت تُباع هناك في وقتٍ من الأوقات. ثم كانت هناك مدرسة درستُ بها لمدة عامين في حياتي وتمنيتُ ألَّا أراها ثانيةً، وبعد هذين العامين، دفعت أمي أبي إلى شراء سقيفة قديمة في المدينة؛ حتى يكون خاضعًا للضرائب الخاصة بالمدينة وأستطيع أن أذهب إلى مدرسة المدينة. واتضح أنها لم تكن بحاجةٍ إلى ذلك لأنه في نفس السنة وذات الشهر الذي بدأتُ فيه الدراسةَ في مدرسة المدينة، أُعلِنت الحرب ضد ألمانيا، وعلى نحوٍ مفاجِئٍ هدأ الحال في المدرسة القديمة، المدرسة التي كان ينتزع مني زملائي المتنمِّرون عليَّ طعامَ الغداء ويهدِّدون بضربي، والتي لم يتعلَّم بها أحدٌ أيَّ شيء وسط الفوضى التي كانت تعلوها. وسرعان ما أصبح بها حجرة واحدة ومعلم واحد فقط ربما لم يكن حتى يُغلِق الأبواب في أوقات الراحة. وبدا أن نفس الصِّبْية الذين طالما سألوني على نحوٍ مؤثر ومزعج إنْ كنت أريد أن أضاجعهم؛ كانوا شغوفين لأنْ يحصلوا على وظائف مع انضمام إخوانهم الأكبر سنًّا للجيش. لا أدري إنْ كانت حمَّامات المدارس قد تحسَّنَتْ حالتها بحلول ذلك الوقت أم لا، لكنها كانت أسوأ شيءٍ بها على الإطلاق؛ هذا لا يعني أننا لم نكن نقضي حاجتنا في حمام خارجي داخل المنزل، لكنه كان نظيفًا وأرضيته من المشمع. وفي تلك المدرسة، وبدافعٍ من الازدراء أو أيًّا ما كانت الدوافع، بَدَا أنه لم يكن أحدٌ يهتم بقضاء حاجته في الحفرة المخصَّصة لذلك بالحمام، ولعدة أسباب لم يكن هذا الأمر سهلًا عليَّ في مدرسة المدينة أيضًا؛ لأن الطلبة الآخرين كانوا معًا منذ الصف الأول، وكان هناك العديد من الأشياء التي لم أتعلَّمها بعدُ، لكنَّ رؤيتي لمقاعد الحمام النظيفة وسماعي لصوت المراحيض الدافقة المتحضرة كانا شيئين باعثَيْن على راحتي. خلال وجودي في مدرستي الأولى، كانت لديَّ صديقة واحدة. وقد التحقت هذه الفتاة التي سأناديها ديان بمدرستي بعد أن مضَتْ فترةٌ من عامي الثاني هناك. كانت في مثل عمري تقريبًا، وكانت تعيش في واحدٍ من تلك المنازل التي كان لها رصيف. سألَتْني ذات يومٍ إنْ كنتُ أعرف الرقصَ الشعبي الاسكتلندي، وعندما أجبتُ عليها بالنفي عرضَتْ عليَّ أن تعلِّمني إياه؛ ومن هذا المنطلق، ذهبنا إلى منزلها بعد المدرسة. كانت والدتها قد تُوفِّيت، وذهبَتْ هي للعيش مع جدها وجدتها. أخبرتني أنه لكي أتمكَّن من أداء هذا النوع من الرقص، فأنا بحاجةٍ إلى حذاءٍ يُصدِر صوتًا، وهو ما لم أكن أملكه بالطبع وكانت تملكه هي، لكن أقدامنا كان لها نفس المقاس تقريبًا؛ لذا كان من الممكن أن نتبادل أحذيتنا بينما تحاوِل هي أن تعلِّمني. شعرنا بالعطش في نهاية المطاف، فأحضرَتْ لنا جدتها بعض الماء، لكنه كان ماءً فظيعًا آتيًا من بئرٍ محفورة يدويًّا، تمامًا مثل ماء المدرسة. أخبرتهما بأمر الماء الرائع الذي كنا نحصل عليه من أحد الآبار المحفورة بالآلات بالمنزل، وقالت الجدة، دون أن تشعر بأيِّ نوعٍ من الإهانة، إنها تتمنَّى لو حصلَتْ على مثل هذا الماء أيضًا. لكن سرعان ما كانت أمي بالخارج؛ فقد ذهبت إلى المدرسة وعرفت مكان تواجدي، وراحت تطلق نفير السيارة لكي تستدعيني، ولم تَرُدَّ حتى على تلويحِ الجدة الذي كان ينمُّ عن الودِّ. كانت أمي لا تقود السيارة في العادة، وحينما كانت تفعل تكون هناك جديةٌ يشوبها التوتر تغلِّف ذلك الحدث، وطلبت مني ونحن في طريقنا إلى المنزل ألَّا أدخل ذلك المنزل مرةً أخرى. (لم يكن في ذلك أيُّ صعوبةٍ؛ لأن ديان توقَّفَتْ عن المجيء إلى المدرسة بعدَها بأيام قلائل؛ فلقد أُرسِلت إلى مكانٍ ما.) قلتُ لأمي إن والدة ديان متوفَّاة، فردَّتْ عليَّ بأنها تعلم ذلك. أخبرتها بأمر الرقص الشعبي الاسكتلندي، فقالت إنني يمكنني أنْ أتعلَّمه في وقتٍ من الأوقات، لكنْ ليس في ذلك المنزل. لم أكتشف حينها — ولم أفهم الأمر حينما اكتشفتُ — أن أم ديان كانت عاهرةً، وأنها تُوفِّيت بسببِ مرضٍ ما بدا أن العاهرات قد أُصِبْنَ به. أرادَتْ أم ديان أن تُدفَن في منزلها، وقام قس كنيستنا بمراسم الدفن. كان هناك جدل حول نص الإنجيل الذي استخدَمَه؛ اعتقد البعض أنه كان يجب عليه ألَّا يذكر ذلك الجزء، لكن أمي اعتقدَتْ أنه فعل الشيء الصواب. إن جزاء الخطيئة هو الموت. قالت أمي لي ذلك بعدها بفترة طويلة، أو ما بَدَا أنه فترة طويلة لاحقًا، حينما وصلتُ لمرحلةٍ كنتُ أكره خلالها العديد من الأشياء التي كانت تقولها، وخاصةً حينما كانت تستخدم هذا الصوت المقنع المرتعش المبتهج. كنتُ أزور الجدة بين الحين والآخَر، ولطالما كانت تستقبلني بابتسامتها الصغيرة. وقالت إنه من الرائع أنني لا أزال أذهب إلى المدرسة، وذكرَتْ أن ديان استمرت هي الأخرى في الذهاب إلى المدرسة لوقتٍ لا بأسَ به، في المكان الذي كانت تعيش فيه، لكنه لم يكن طويلًا كالوقت الذي أمضيتُه أنا. ووفقًا لما قالته جدتها، فقد حصلَتْ ديان بعد ذلك على وظيفةٍ في أحد المطاعم في تورونتو حيث كانت ترتدي زيًّا مزينًا بالترتر. وكنتُ قد كبرتُ بما يكفي حينَها، وأصبحتُ شريرةً بما يكفي لكي أفترض أنها ربما ذهبَتْ إلى مكانٍ يخلع فيه المرءُ الزيَّ المزين بالترتر. لم تكن جدة ديان هي الوحيدة التي كانت ترى أنني قد أمضيتُ وقتًا طويلًا بالمدرسة؛ فبطول الطريق الذي كنتُ أقطعه، كان هناك عددٌ من المنازل التي يصطف بعضها مبتعدًا عن بعض، بدرجة أكبر من تلك المتواجِدة في المدينة، لكن مع ذلك لم يكن لها الكثير من الملحقات. وكان أحد هذه المنازل، الواقع فوق أحد التلال الصغيرة، يمتلكه ويتي ستريتس، وهو محارب من المحاربين القدامى فقَدَ إحدى ذراعَيْه أثناء مشاركته في الحرب العالمية الأولى. كان يربي بعض الخراف، وكان لديه زوجة لم أَرَها سوى مرة واحدة فقط طوال تلك السنوات، حينما كانت تملأ دلوَ الشرب من المضخة. كان ويتي يحب أن يمزح بشأن الوقت الطويل الذي أمضيتُه في المدرسة، وكم هو شيء باعث على الرثاء أنني لم أستطع مطلقًا أن أجتاز اختباراتي وأنتهي من دراستي. وكنتُ أردُّ على مزاحه متظاهرةً بأن ذلك صحيح. لم أكن واثقةً ممَّا كان يعتقد بالفعل؛ كان هذا هو الأسلوب الذي تتعرَّف به على الأشخاص على الطريق ويتعرَّفون عليك من خلاله؛ فإنك تبدأ بتحيتهم وهم يردون عليك التحية، ثم يقولون بعد ذلك شيئًا عن أحوال الطقس، وإنْ كانت لدى أحدهم سيارةٌ وشاهَدَك تسير على قدمَيْك فإنه يذهب بك إلى المكان الذي تريده. إن المكان لم يكن يشبه الريف الحقيقي حيث كان الناس يعرف بعضهم دواخِلَ منازل بعضٍ، ويشترك الجميع بطريقة أو بأخرى في نفس الوسيلة التي يكسبون بها قوتَ يومهم. لم أستغرق وقتًا في إكمال دراستي الثانوية أطول ممَّا استغرَقَه أيُّ فردٍ أنهى صفوفَه الخمسة بالكامل، لكنَّ عدد الطلاب الذين فعلوا ذلك كان قليلًا، ولم يتوقع أحد في تلك الأيام أن نفس العدد الذي التحَقَ بالمدرسة الثانوية في الصف التاسع سيخرج منها، ذاخِرًا بالمعرفة وقواعد النحو الصحيحة، في نهاية الصف الثالث عشر؛ فقد كان هناك بعض الأشخاص الذين يحصلون على وظائف بدوامٍ جزئيٍّ وتدريجيًّا يحصلون على وظائف بدوامٍ كامل. أما الفتيات، فكنَّ يتزوَّجْنَ وينجبْنَ أطفالًا، بهذا الترتيب أو بعكسه. وفي الصف الثالث عشر، حيث لم يتبقَّ سوى ربعِ عدد طلاب الفصل الأصلي، كان هناك إحساسٌ باتساعِ المعرفة، بالإنجاز الحقيقي، أو ربما هو مجرد نوعٍ خاص من الشعور بالمثالية، بغضِّ النظر عمَّا سيحدث لك فيما بعدُ. شعرتُ كما لو أنني قد ابتعدتُ فترةً طويلة جدًّا عن معظم الناس الذين عرفتهم في الصف التاسع، فضلًا عمَّن عرفتهم في مدرستي الأولى. ••• كان هناك شيء في أحد أركان غرفة الطعام لطالما أثار دهشتي قليلًا، وذلك حينما كنتُ أُحضِر المكنسةَ الكهربائية التي من طراز إلكترولكس كي أنظِّف الأرضية. كنت أعرف ما هو هذا الشيء؛ حقيبة جولف حديثة تحوي مضارب وكرات جولف. تساءلتُ فقط عمَّا كانت تفعله في منزلنا؛ إنني بالكاد أعرف القليل عن هذه اللعبة، لكنْ كانت لديَّ تصوُّرات عن نوعية الأشخاص الذين كانوا يمارسونها؛ لم يكونوا من أولئك الأشخاص الذين يرتدون أردية العمل، مثل والدي، بالرغم من أنه كان يرتدي بنطال العمل الأكثر أناقةً حينما كان يذهب إلى وسط المدينة. كان يمكنني، إلى حدٍّ ما، تخيُّل أمي وهي ترتدي ذلك النوع من الملابس الرياضية التي ينبغي ارتداؤها لهذه اللعبة، رابطةً وشاحًا حول شعرها الناعم المتطاير، لكنْ لم يكن يمكنني تخيُّلها وهي تضرب الكرة لتسقط في حفرةٍ في الملعب. إنها بالتأكيد كانت أبعد ما يكون عن فعْلِ تفاهةٍ كهذه. لا بد أنها قد فكرت بطريقة مختلفة في وقتٍ من الأوقات، لا بد أنها قد اعتقدَتْ أنه يمكنها هي وأبي أن يحوِّلا نفسيهما لنوعٍ مختلفٍ من الأشخاص؛ أشخاصٍ يستمتعون بقدرٍ من الرفاهية؛ لعب الجولف، وحفلات العشاء. ربما أقنعَتْ نفسها بأن بعض الحدود لم تَعُدْ موجودةً. لقد استطاعَتْ أن تبتعد عن مزرعةٍ في منطقة الدرع الكندي الجرداء — مزرعة أسوأ كثيرًا من تلك التي قَدِم منها أبي — وأصبحت معلمةً تتحدَّث بأسلوبٍ جعل أقاربها لا يشعرون بالارتياح تجاهَها. ربما اعتقدَتْ أنها، بعد كلِّ هذا الكفاح، ستكون من المرحب بهم في أي مكان. أما أبي، فكانت لديه رؤًى أخرى. لم يكن الأمر أنه اعتقد أن الناس في المدينة أو أي مكان آخَر أفضل منه، لكنه ربما كان يعتقد أن ذلك هو ما كانوا يؤمنون به بالفعل؛ وعليه، فضَّلَ ألَّا يمنحهم أبدًا الفرصةَ لأنْ يُظهِروا ذلك. بالنسبة إلى مسألة الجولف، بَدَا أن أبي هو المنتصر. بدا وكأنه لم يكن راضيًا بالعيش بالأسلوب الذي توقَّعَ أبواه أن يعيشه، بإدارة مزرعتهم اللائقة؛ فحينما ترك هو وأمي أهلَهما، واشتريا قطعةَ الأرض هذه الموجودة في نهاية طريقٍ يقع بالقرب من مدينةٍ لم يعلما عنها شيئًا، كانت كلُّ فكرتهما تنحصر بالتأكيد في الاغتناء من تربية الثعالب الفضية، ولاحقًا حيوانات المنك. وكصبيٍّ، وجَدَ أبي نفسه يشعر بسعادة وهو ينصُبُ الشِّرَاك للحيوانات أكبر من قيامه بالمساعدة في المزرعة أو الذهاب إلى المدرسة الثانوية — واعتقد أنه سيصبح أغنى أيضًا من أيِّ وقتٍ مضى — وراودَتْه تلك الفكرة واستمرَّ في تنفيذها طوال حياته. لقد وضع كلَّ ما يملكه من نقودٍ لتنفيذ هذا الأمر، وساهَمَتْ أمي بما كانت تدَّخِره من وراء عملها في مجال التدريس، وبنى كلَّ الحظائر والعشش التي كانت ستعيش بها الحيوانات، وكذلك الجدران السلكية التي كانت ستُحبَس وراءَها. كان حجم قطعة الأرض الذي بلغ ١٢ فدانًا هو الحجم المناسب لهذا الأمر، بجانب وجود حقلِ قشٍّ ومرعًى كافٍ لبقرتنا وللخيول العجائز التي كانت بانتظار القتل لتكون طعامًا للثعالب. وكان المرعى يمتد حتى النهر، ويحتوي على ١٢ شجرة دردار تظلِّله. عندما أفكِّر في الأمر الآن، أجد أنه كان هناك الكثير من عمليات قتل الحيوانات في المزرعة؛ فكان يجب أن تُقتَل الخيول العجائز لتكون طعامًا للثعالب، وكذلك الحال كلَّ خريفٍ بالنسبة إلى الحيوانات الحاملة للفراء، التي لم يكن يُترَك منها سوى ما كان يُستخدَم في الاستيلاد. لكني اعتدتُ على ذلك، وكان من اليسير أن أتجاهله بالكامل، راسمةً لنفسي مشهدًا نقيًّا يشبه شيئًا نابعًا من الكتب التي أحببتُها مثل كتاب «آن في المرتفعات الخضراء»، أو «بات التي من سيلفر بوش». كان يساعدني في ذلك أشجار الدردار التي كانت تظلل المرعى، والنهر المتلألئ، والينبوع الذي كان يندفع فجأةً من الضفة التي تعلو المرعى، موفِّرًا الماء للخيول المحكوم عليها بالموت، وللبقرة ولي أيضًا، وذلك من خلال قدح من الصفيح كنتُ أضعه هناك. كان السماد الحيواني الطازج موجودًا دومًا في كافة الأنحاء هناك، لكني كنتُ أتجاهله مثل آن التي لا بد وأنها كانت تفعل ذلك في المرتفعات الخضراء. كان عليَّ في تلك الأيام أن أساعد أبي في بعض الأحيان لأن أخي لم يكن قد كبر بدرجةٍ كافيةٍ. كنت أضخُّ الماء النقي، وكنتُ أتنقَّل جيئةً وذهابًا بين الحظائر لأنظِّف العلب الصفيح التي يشرب منها الحيوانات وأُعِيدُ ملْأَها؛ وكنت أستمتع بذلك. وكان ما أحبه هو أهمية العمل والعزلة المتكررة فقط؛ ولاحقًا كان عليَّ أن أمكث بالبيت لأساعد أمي، وكان يملؤني حينَها الاستياءُ وأردُّ عليها بعدوانيةٍ؛ وكان يُطلَق على هذا «الرد بوقاحة». حينَها كانت أمي تقول إنني جرحتُ مشاعرها، وكانت النتيجة أنها كانت تذهب إلى الحظائر لتشكوني لأبي، والذي كان عليه حينَها أن يقطع عمله لكي يضربني بحزامه. (كان هذا عقابًا معتادًا في تلك الأيام.) وبعدها كنت أرتمي على الفراش وأنا أبكي، وأضع خططًا للهروب. لكني تخطَّيْتُ تلك المرحلة أيضًا وأصبحت في مرحلة المراهَقة ليِّنةَ الجانب، بل أصبحت حتى مَرِحةً، ومعروفةً بإعادة سردي المسلِّي للأشياء، سواء أكانت الأشياء التي سمعتُ عنها في المدينة أم تلك التي وقعَتْ في المدرسة. كان منزلنا ذا حجم معقول، ولا ندري متي شُيِّد، لكن لا بد أن عمره يقل عن القرن؛ لأن عام ١٨٥٨ كان العام الذي توقَّفَ فيه أول مُستوطِن في مكانٍ يُطلَق عليه بودمين — وهو مكان اختفى الآن — وبنى لنفسه طوفًا وعبر النهر لقطع الأشجار من الأرض التي أصبحَتْ فيما بعدُ قريةً كاملة؛ وسرعان ما أصبح بتلك القرية البدائية مصنعٌ لنشر الأخشاب، وفندقٌ، وثلاثُ كنائس، ومدرسةٌ، وهي نفس المدرسة التي كانت مدرستي الأولى والتي كانت تُشعِرني بخوف شديد. ثم شُيِّد جسر عبر النهر، ثم بدأ الناس يدركون أنه من الأحرى العيش على الناحية الأخرى، على أرضٍ أعلى، وتقلَّصَتِ المستوطنة الأصلية حتى أضحَتْ أشبه بالقرية الحقيرة التي تحدَّثْتُ عنها، والتي كانت غريبةً حينَها فقط. لا يمكن أن يكون منزلنا ضمن تلك المنازل الأولى التي شُيِّدت في هذه المستوطنة البدائية؛ لأنه كان مبنيًّا من الطوب، وكانت جميعًا من الخشب، لكنْ من المحتمل أنه أُقِيم بعدَها بفترة ليسَتْ بالطويلة؛ فقد كان ظهره يواجِه القرية، كان يطلُّ على ناحيةِ الغرب عبر حقولٍ تنحدر قليلًا نحو المنحنى المختفي حيث صنع النهرُ ما كان يُطلَق عليه منطقةُ بيج بيند. وفيما وراء النهر كانت هناك مجموعةٌ من الأشجار الدائمة الخضرة الداكنة اللون، ويحتمل أنها كانت أشجار أرز، لكنها كانت تقع على مسافةٍ كبيرة يصعب معها تحديد نوعها بدقةٍ. وهناك على مسافةٍ أبعد على منحدرِ تلٍّ آخَر، كان يوجد منزل آخَر مواجِه لمنزلنا حجمُه متناهي الصِّغَر من هذا البُعْد، لدرجةٍ جعلَتْنا لم نَزُرْه مطلقًا أو نعرف عنه شيئًا، وكان بالنسبة إليَّ بمنزلة منزل أحد الأقزام في إحدى القصص. لكننا كنَّا نعرف اسم الرجل الذي كان يقطنه أو الذي كان يعيش هناك في وقتٍ من الأوقات؛ لأنه ربما يكون قد تُوفِّي في الوقت الحاضر. كان اسمه رولي جرين، وهو لا دورَ له فيما أكتبه الآن بالرغم من اسمه الخرافي؛ لأن هذه ليسَتْ قصةً، وإنما سردٌ لجانب من حياتي. ••• تعرَّضَتْ أمي للإجهاض مرتين قبل أن تلدني؛ لذا عندما وُلِدت في عام ١٩٣١، لا بد أنه كان هناك شعور ببعض الرضا، لكن الأوضاع أخذَتْ تسوء شيئًا فشيئًا بمرور الوقت. الحقيقة أن أبي دخل مجالَ تجارة الفراء متأخِّرًا بعض الشيء، والنجاحُ الذي كان يأمل في تحقيقه كان من الأرجح أن يحدث في منتصف العشرينيات عندما كان الفراء شائعًا وقتَها منذ فترة قصيرة، وكان الناس تمتلك الأموال، لكنه لم يكن قد بدأ عمله وقتَها. لكننا استطعنا الاستمرارَ في المجال، قبل اندلاع الحرب وخلالها، بل حتى بنهايتها لا بد أنه كانت هناك زيادة مشجِّعة في حركة البيع؛ لأن هذا الأمر كان في فصل الصيف الذي أصلح أبي المنزل خلاله؛ حيث أضاف طبقةً من الطلاء البني فوق الطوب الأحمر القديم. لقد كانت هناك مشكلةٌ ما في الطريقة التي وُضِع بها الطوب والألواح؛ فهما لم يمنعا دخولَ البرد كما من المفترض أن يفعلا؛ لذا رأينا أن طبقة الطلاء ستساعد في هذا الأمر، بالرغم من أني لا أتذكر أنها فعلَتْ ذلك على الإطلاق. وبنينا حمَّامًا، وتحوَّل مصعد نقل الطعام غير المستخدَم إلى خزانات مطبخ، وأضحَتْ غرفةُ الطعام الضخمة ذات السلم المفتوح غرفةً عاديةً ذات سلم مغلق. أَشْعَرَني ذلك التغييرُ بالراحة بصورةٍ غير ملحوظة؛ لأن ضرب أبي لي كان يتم في تلك الغرفة القديمة مع رغبتي في الموت من جرَّاء ما كان يسبِّبه ذلك من شعورٍ بالبؤس والخزي. أما الآن فذلك التغيير في المكان جعل من الصعب حتى تخيُّل حدوثِ شيءٍ كهذا بالأساس. كنت في المدرسة الثانوية وكان يتحسَّن أدائي كلَّ عام، مع التخلِّي عن أنشطةٍ مثل التطريز والكتابة بأقلام عادية، وتحوُّل مادة الدراسات الاجتماعية إلى مادة التاريخ، وكان بمقدور المرء تعلُّم اللغة اللاتينية. لكن بعد التفاؤل الذي أضفاه موسم إعادة تزيين المنزل هذا، تراجَعَ عملنا ثانيةً، لكنْ في هذه المرة لم يرجع إلى سابق عهده ثانيةً. لقد سلخ أبي جلودَ كل الثعالب، ثم حيوانات المنك وحصل من ورائها على قدرٍ ضئيل من النقود أصابه بالصدمة. ثم أصبح يعمل بالنهار في هدم الحظائر التي وُلِد فيها مشروعُه ومات، قبل أن يذهب لتسلُّم دوامِ حراسةِ المسبك الذي يبدأ في الساعة الخامسة مساءً، ولم يكن يعود إلى المنزل إلا بحلول منتصف الليل. وبمجرد عودتي من المدرسة كنت أذهب لأعدَّ طعامَ الغداء لأبي؛ فكنت أقلي شريحتين من لحم الخنزير وأضع الكثير من الكاتشب فوقهما، وكنتُ أملأ ترمسه بالشاي الأسود الثقيل، وأجهِّز له مافنًا من النخالة وأضع بعض المربى فوقه أو قطعةً كبيرة من فطيرة مُعَدَّة بالمنزل. في بعض الأحيان في أيام السبت كنتُ أعدُّ فطيرةً، وفي أحيان أخرى كانت تعدُّها أمي بالرغم من أن مهارتها في الخبز كانت تقلُّ مع الوقت. ثم ألمَّ بنا شيء كان غير متوقَّع بشكل كبير، وكان أكثر تدميرًا من فقدان مصدر دَخْلنا الرئيسي بالرغم من أننا لم نكن قد عرفنا به بعدُ. كان ذلك هو بداية ظهور أعراض مرض الشلل الرعَّاش على أمي، التي أُصِيبت به حينما كانت في الأربعينيات من عمرها. لم يكن الأمر سيئًا جدًّا في البداية؛ إذ لم يكن بإمكانها تحريك عينَيْها لأعلى في شرودٍ إلا نادرًا، وكان اللعاب الزائد الذي يتساقط من فمها مرئيًّا بالكاد حول شفتَيْها، وكانت تستطيع ارتداء ملابسها في الصباح مع بعض المساعدة، وكانت قادرةً على ممارسة المهام المنزلية المعتادة. كانت تستعين ببعض القوة الموجودة في داخلها لفترةٍ طويلةٍ على نحوٍ مدهشٍ. قد يعتقد المرء أن هذا كان كثيرًا؛ فقد ذهب العملُ أدراجَ الرياح، وها هي صحةُ أمي آخِذة في التدهور. ما كان لهذا أن يحدث حتى في الأعمال الأدبية، لكنَّ الشيء الغريب هو أنني لا أتذكر أن هذه الأوقات كانت غير سعيدة؛ فلم تكن هناك حالةٌ من اليأس على وجه الخصوص تحيط بالمنزل؛ ربما لم نكن نَعِي حينَها أن حالة أمي لن تتحسَّن، بل ستزداد سوءًا. وبالنسبة إلى أبي، كان يتمتع بصحة جيدة واحتفَظَ بها لفترة طويلة. كان يحب الرجال الذين يعملون معه في المسبك إذ يشبهونه إلى حدٍّ بعيد، ويعانون من نوعٍ ما من التدهور الاقتصادي أو أُضِيف إلى أعبائهم الحياتية عبْءٌ إضافي. كان يحب العمل الشاق الذي يقوم به، إلى جانب عمله في الحراسة في أول الليل. كان هذا العمل يتضمَّن سكْبَ المعدن المنصهر في قوالب. كان المسبك يصنع مواقد قديمة الطراز كانت تباع في جميع أرجاء العالَم. كان عملًا خطيرًا، لكن الأمر يرجع إلى مدى حذر المرء، بحسب قول أبي، وكان يحصل على مقابل معقول، وكان أمرًا جديدًا بالنسبة إليه. أعتقد أنه كان سعيدًا بالابتعاد عن المنزل، حتى لو كان الثمن أداءَ عملٍ شاقٍّ وخطير. كان سعيدًا بالابتعاد والبقاء في صحبة مجموعةٍ من الرجال لديهم مشاكلهم الخاصة لكنهم يتعايشون معها. وبمجرد أن يغادر المنزل، كنتُ أشرع في إعداد طعام العشاء. كنتُ أصنع الأشياء التي أعتقد أنها غريبة مثل المكرونة السباجيتي أو البيض الأومليت، ما دامَتْ أشياء لا تُكلِّف الكثير. وبعد الانتهاء من غسل الأطباق، كان يجب على أختي أن تجفِّفها، وكان يجب عليَّ التشاجر مع أخي ليُلقِي مياه غسل الأطباق بالخارج في الحقل المظلم (كان بمقدوري أن أفعل ذلك بنفسي، لكني كنتُ أحبُّ إعطاءَ الأوامر). ثم كنتُ أجلس واضعةً قدمَيَّ في فرنِ التسخين الذي انخلع بابه، وأقرأ الروايات العظيمة التي كنتُ أستعيرها من مكتبة المدينة، مثل رواية «شعب مستقل» التي كانت عن الحياة في أيسلندا، والتي كانت أصعب من حياتنا بكثير، لكنْ كان بها قدرٌ من العظمة اليائسة؛ أو رواية «تذكر الأشياء الماضية» التي كانت عن شيءٍ لم أستطع فهمه على الإطلاق، لكن ليس لدرجةٍ تجعلني أُقْلِع عن قراءتها؛ أو رواية «الجبل السحري» التي كانت عن مرض الدرن، وتحوي مقابلةً عظيمةً بين ما بَدَا من ناحيةٍ كتصوُّرٍ مبهجٍ وتقدُّميٍّ للحياة، ويأسٍ مظلم ومثير بعض الشيء من الناحية الأخرى. كنت لا أؤدِّي واجباتٍ مدرسيةً على الإطلاق خلال ذلك الوقت الثمين، لكن حينما كان يقترب موعد الامتحانات كنتُ أذاكر بكدٍّ وأظلُّ مستيقظةً طوال الليل تقريبًا وأنا أحشو ذهني بكل ما كان يتعين عليَّ معرفته. كانت لديَّ ذاكرة قصيرة الأمد مُذهِلة، وكنتُ أستفيد من ذلك جيدًا لأحقِّق ما كان مطلوبًا مني. بالرغم من وجود العديد من المشكلات، كنتُ أرى نفسي شخصيةً محظوظةً. كنتُ أنا وأمي نتحدَّث معًا في بعض الأحيان، في الغالب عن أيام شبابها. حينَها، كنتُ نادرًا ما أعترض على نظرتها للأشياء. ولمرات عدة حكَتْ لي قصةً تتعلَّق بذلك المنزل الذي كان يمتلكه حينَها المحارِبُ القديم الذي كان يُدعَى ويتي ستريتس، الرجل الذي اندهش من طول الوقت الذي أمضيتُه كي أُنهِي دراستي. لم تكن القصة تتعلَّق به لكنْ بشخصٍ عاش بهذا المنزل قبله بفترة طويلة، وهي امرأة عجوز مجنونة تُدعَى السيدة نيترفيلد. كانت السيدة نيترفيلد تتسلَّم بقالتها، كما كنا نفعل جميعًا، وذلك بعد أن تطلبها من خلال الهاتف؛ وفي أحد الأيام، كما قالت أمي، نسي البقال أن يُرسِل لها الزبد، أو نسيت هي أن تطلبه، وبينما كان صبي التوصيل يفتح باب الشاحنة الخلفي، لاحظَتِ الخطأَ الذي حدث وشعرت بالاستياء، وكانت مستعِدَّةً للتعامُل مع الأمر، بطريقةٍ أو بأخرى. لقد كان معها فأس رفعَتْه كما لو أنها كانت تريد عقابَ صبي التوصيل — بالرغم من أن هذا الأمر لم يكن خطأه بالطبع — فهرع هو نحو مقعد القيادة وانطلق دون أن يغلق الباب الخلفي للشاحنة. كانت هناك بعض الأشياء المحيِّرة بشأن هذه القصة، بالرغم من أنني لم أفكِّر فيها حينها وكذلك لم تفعل أمي؛ إذ كيف تأكَّدَتِ السيدة العجوز أن الزبد لم يكن موجودًا بين باقي طلبات البقالة؟ ولماذا أتَتْ ومعها الفأس قبل أن تعرف أن هناك خطأ ستجده؟ وهل كانت تحمله معها طوال الوقت في حال وقوع أي شيء يثير حفيظتها بوجه عام؟ يقال إن السيدة نيترفيلد كانت سيدة رقيقة ذات سلوك مهذَّب حينما كانت أصغر عمرًا. هناك قصة أخرى أكثر إثارةً عن السيدة نيترفيلد لأنني كنت جزءًا منها، وقد وقعَتْ أحداثُها في محيط منزلنا. كان يومًا جميلًا من أيام الخريف، ووضعَتْني أمي في عربة الأطفال لكي أنام، وذلك على الرقعة الصغيرة للمرج الجديد. كان أبي بالخارج في فترة ما بعد الظهيرة — ربما لمساعدة أبيه في المزرعة القديمة، كما كان يفعل في بعض الأحيان — وكانت أمي تغسل بعض الملابس في حوض الغسيل. ولأنني كنت أول مولودٍ، فقد كان هناك كمٌّ كبيرٌ من ملابس التريكو والأشرطة، وهي أشياء يجب أن تُغسَل يدويًّا بحذرٍ بالماء البارد. لم تكن هناك نافذة أمام أمي وهي تغسل وتعصر الأشياء في حوض الغسيل. ولكي تُلقِي نظرةً على الخارج، كان يتعيَّن عليك أن تعبر الغرفةَ لتصل إلى النافذة الشمالية؛ وذلك يجعلك ترى الطريق الخاص التابع للمنزل الممتد من صندوق البريد حتى المنزل. لماذا قررَتْ أمي أن تترك الغسيل والعصر لإلقاء نظرةٍ على الطريق، خاصةً أنها لم تكن تنتظر قدومَ أيِّ شخصٍ؟ لم يكن أبي متأخرًا؛ فربما طلبَتْ منه أن يُحضِر شيئًا من متجر البقالة؛ شيئًا احتاجَتْه لما كانت ستعدُّه لطعام العشاء، وكانت تتساءل إنْ كان سيعود للمنزل في وقت مناسب لها لتعدَّه. كانت طبَّاخةً مبذِّرةً بعضَ الشيء في تلك الأيام، بل في الحقيقة كان الأمر أكثر من اللازم، وذلك وفقًا لما تعتقده حماتها والنساء الأخريات في عائلة أبي، حيث كانوا يرون أنها تنفق كثيرًا في إعداد الطعام. أو ربما لم يكن الأمر له علاقة بالعشاء، لكنْ تضمَّنَ نوعيةَ ملابس كان يريد شراءها، أو إحدى الخامات اللازمة لرداءٍ جديدٍ كانت تريد صنعه بنفسها. لم تذكر أبدًا لاحقًا سببَ قيامها بذلك. لم تكن الهواجس حول طبخ أمي هي المشكلة الوحيدة مع عائلة أبي، بل لا بد أنه كان هناك بعض الجدل حول ملابسها أيضًا. أتذكر كيف اعتادَتِ ارتداءَ فستانٍ لفترة ما بعد الظهيرة حتى لو كانت فقط ستغسل الملابس في حوض الغسيل. كانت تغفو لنصف ساعة بعد وجبة الظهيرة، ودائمًا ما كانت ترتدي فستانًا مختلفًا حينما تستيقظ، وحينما كنتُ أنظر إلى صورها فيما بعدُ، كنت أعتقد أن موضات اللبس في عصرها لم تكن تناسِبها أو تناسب أيِّ شخص. كانت الفساتين دون ملامح، ولم تكن قصة الشعر القصير تناسب وجه أمي الممتلئ الناعم. لكن هذا لم يكن وجهَ اعتراضِ أقارب أبي من النساء اللائي كنَّ يَعِشْنَ على مقربة منَّا بدرجةٍ تكفي لمراقبتها عن كثب؛ كان كل خطئها يكمن في أن شكلها لم يكن يشبه الشخصية التي من المفترض أن تكون عليها؛ فلم يكن يبدو عليها أنها نشأت في مزرعة، أو أنها نَوَتْ أن تظل في إحداها. ••• لم تَرَ سيارة أبي وهي تقترب من المرج، لكنها رأت بدلًا منه السيدة العجوز، السيدة نيترفيلد. لا بد أن السيدة نيترفيلد أتَتْ إلينا سَيْرًا من منزلها، وهو نفس المنزل الذي كنتُ سأرى فيه فيما بعدُ الرجلَ ذا الذراع الواحدة الذي كان يغيظني، وامرأتَه ذات الشعر القصير التي صادفتُها مرةً واحدة فقط عند المضخة. كان ذلك هو المنزل الذي طاردَتْ فيه السيدة المجنونة صبيَّ التوصيل بفأسٍ بسبب الزبد، وحدَثَ ذلك قبل أن أعرف عنها أيَّ شيءٍ بفترة طويلة. لا بد أن أمي شاهدَتِ السيدة نيترفيلد مراتٍ عدة قبل أن تراها وهي تسير عبر مرجنا. ربما لم يتحدَّثا معًا من قبلُ مطلقًا، ولكن من المحتمل أنهما قد فعلا. وربما رأت أمي أن هذا الأمر مهم، حتى لو كان أبي قد أخبرها أنه لم يكن ضروريًّا؛ فربما قال إنه قد يؤدِّي إلى حدوث مشكلةٍ ما. لكن أمي كانت تُبْدِي تعاطُفًا مع الأشخاص الذين هم على شاكلة السيدة نيترفيلد، ما داموا لطفاء. لكنها الآن لم تكن تفكِّر في الصداقة أو اللطف؛ لقد هرعت خارج باب المطبخ لكي تنتزعني من عربة الأطفال، وتركَتِ الأغطيةَ والعربةَ في مكانهما وسارعَتْ عائدةً إلى المنزل، وهي تحاول أن تغلق بابَ المطبخ خلفها. لم تكن بحاجةٍ إلى القلق بخصوص الباب الأمامي لأنه كان دومًا محكم الغلق. لكنْ كانت هناك مشكلةٌ في باب المطبخ؛ على حدِّ علمي، لم يكن به مزلاجٌ ملائم مطلقًا، لكنْ كانت هناك عادة نمارسها في المساء، وهي وَضْعُ أحد كراسي المطبخ خلف الباب وإمالته أسفل مقبض الباب بطريقةٍ تجعل مَن يحاول دفعه للدخول يُحدِث ضجةً فظيعةً. في رأيي هذا أسلوب عشوائي إلى حدٍّ ما في التأمين، ولا يتماشى أيضًا مع حقيقة امتلاك أبي لمسدسٍ في المنزل في أحد أدراج المكتب. كما أنه كان من الطبيعي في منزلِ رجلٍ كان كثيرًا ما يطلق النارَ على الخيول ليقدِّمها كطعامٍ للثعالب التي يربِّيها؛ أن تكون هناك بندقية وبندقيتا صيد، خالية من الرصاص بالطبع. هل فكَّرَتْ أمي في استخدامِ أيِّ سلاحٍ حينما انحشر مقبض الباب في مكانه؟ وهل حملت يومًا بندقيةً، أو حشَتْ واحدةً، طوال حياتها؟ هل طاف بذهنها أن السيدة العجوز ربما قَدِمت فقط للزيارة كأحد الجيران؟ لا أعتقد هذا. لا بد أنه كان ثمة اختلافٌ في طريقة مشيتها؛ تصميم واضح في طريقة مشي السيدة يَشِي بأنها ليسَتْ بزائرٍ قَدِم للزيارة عبر المرج، أو جاء بأسلوبٍ فيه ودٌّ عبر طريقنا. من الممكن أن تكون أمي قد ابتهلَتْ حينَها للرب ليساعدها في هذا الموقف، لكنها لم تذكر ذلك قطُّ. كانت تعرف أنه جرى تفقُّدٌ للأغطية الموجودة في عربة الأطفال؛ لأنها قبل أن تغلق ستارة باب المطبخ، رأَتْ واحدةً من تلك الأغطية تتطاير لتستقر بعدها على الأرض. لم تحاول بعدها أن تغلق ستارةَ أيِّ نافذة أخرى، لكنها جلست في مكانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يلمحها منه وهي تمسك بي بين ذراعَيْها. لم يكن ثمة طَرْقٌ هادئٌ على الباب، ولا أي محاولةِ دفْعٍ للمقعد أيضًا، ولم يكن هناك أيُّ ضجيج أو جلبة. كانت أمي تختبئ في مكانها بجوار مصعدِ نقْلِ الطعام ويراوِدها أملٌ يائس بأن الهدوء كان يعني أن السيدة غيَّرَتْ رأيها وعادت أدراجها إلى منزلها. لم يكن الأمر كذلك؛ فقد راحَتْ تتجوَّل حول المنزل في تمهُّلٍ، وأخذَتْ تتوقَّف عند كل نافذة من نوافذ الطابق السفلي. ولم تكن النوافذ الواقية من العواصف مركَّبةً حينَها لأننا كنا في الصيف؛ فكان بإمكانها أن تضغط بوجهها عبر كل لوح من الألواح الزجاجية للنوافذ. وكانت الستائر كلها مفتوحة تمامًا؛ لأن طقس ذلك اليوم كان جميلًا. لم تكن السيدة العجوز طويلةً جدًّا، لكن لم يكن عليها أن تشبَّ لترى ما بداخل المنزل. كيف عرفت أمي كل هذا؟ لم يكن الأمر أنها كانت تجري هنا وهناك وهي تحملني بين ذراعَيْها وتختبئ ما بين قِطَع الأثاث الواحدة تلو الأخرى، وهي تختلس النظر إلى الخارج، ويغمرها الفزع من أن تلتقي بالعيون المحدِّقة وربما بابتسامةٍ شريرةٍ. كانت تجلس بالقرب من مصعد نقل الطعام؛ فماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟ كان هناك القبو بالطبع، لكن النوافذ كانت صغيرةً بدرجةٍ يصعب معها أن يلج أحد خلالها. لكن لم يكن هناك خُطاف داخلي لباب القبو، وسيكون الأمر أكثر رعبًا إلى حدٍّ ما إذا حُبِست أمي هناك في الظلام ونجحت السيدة العجوز في نهاية المطاف في دخول المنزل والهبوط على دَرَج القبو. كان هناك أيضًا بعض الغرف بالأعلى، لكن كي تصل أمي إليها، كان عليها المرور بالغرفة الرئيسية الكبيرة؛ تلك الغرفة التي سيضربني فيها أبي فيما بعدُ، والتي فقدَتْ وظيفتَها الشريرة عندما أُغلِق السلم. لا أدري متى أخبرتني أمي لأول مرة بهذه القصة، لكن يبدو لي أن ذلك كان حيث توقَّفَتِ الروايات الأولى لها؛ بقيام السيدة نيترفيلد بالضغط بوجهها ويدَيْها على الزجاج بينما كانت أمي تختبئ. لكن في الروايات اللاحقة، كانت هناك نهاية لمجرد النظر للداخل؛ فقد نفد صبرها أو تملَّكَها الغضب، ثم أعقب ذلك الضجيج والجلبة. لم يكن هناك ذِكْرٌ لأيِّ صراخٍ؛ ربما لم تكن لدى السيدة العجوز القوة لتفعل ذلك، أو ربما نسيت ما كانت قد قَدِمت من أجله، بمجرد أن خارت قواها. على أي حال، يئست السيدة نيترفيلد، وهذا هو كل ما فعلَتْه. وبعد أن أنهَتْ جولتَها حول كل الأبواب والنوافذ سارت مبتعِدةً. وأخيرًا واتت أمي الشجاعة لكي تُلقِي نظرةً وسطَ ذلك الصمت وتنتهي إلى أن السيدة نيترفيلد ذهبت إلى مكان آخَر. لكنها لم تُزِحِ المقعد بعيدًا عن مقبض الباب حتى جاء أبي. يجب ألَّا يُفهَم من كلامي أن أمي كانت تتحدَّث عن هذا الأمر كثيرًا؛ فلم يكن جزءًا من المخزون الذي علمته والذي كنتُ أجد جانبًا كبيرًا منه مشوِّقًا؛ ككفاحِها لتلتحق بالمدرسة الثانوية، والمدرسةِ التي تعلَّمَتْ فيها في مقاطعة ألبرتا، والتي كان الطلاب يصلون إليها على ظَهْر الخيول، وأصدقائِها في المعهد الذي درست به لكي تصبح معلمةً، والحِيَلِ البريئة التي كانوا يمارسونها. كنتُ أستطيع دومًا تبيُّن ما كانت تقوله، بالرغم من أن الآخرين في العادة كانوا لا يستطيعون ذلك بعد أن اعتلَّ صوتها. كنت أنا مترجمتها، وفي بعض الأحيان كنت أشعر ببؤس شديد حينما يجب عليَّ أن أعيد عبارات طويلة أو ما كانت تعتقد أنه مزاح، وكنتُ أرى أن الناس اللطفاء الذين أوقفَتْهم كي تتحدَّث إليهم يتوقون بشدة للتملص منها. لم يكن تفقُّد السيدة نيترفيلد لمنزلنا — كما كانت أمي تُطلِق على زيارتها لنا — بشيء من المفترض أن أتحدَّث عنه، لكن لا بد أني علمتُه منذ فترة طويلة. إني أتذكر أني سألتها في وقتٍ ما إنْ كانت تعرف ما حدث لهذه السيدة فيما بعدُ. قالت: «لقد أخذوها. أوه، أعتقد هذا. فلم يكن ليتركوها تموت وحيدةً.» ••• بعدما تزوَّجْتُ وانتقلتُ إلى فانكوفر، كانت الصحيفة الأسبوعية، التي كانت تُنشَر بالمدينة التي نشأتُ بها، لا تزال تُرسَل إليَّ؛ أعتقد أن شخصًا ما، ربما أبي وزوجته الثانية، قد عمل لي اشتراكًا بها كي تصل إليَّ في منزلي. ونادرًا ما كنتُ أُلقِي نظرةً عليها، وحينما فعلتُ ذات مرة، رأيت اسم نيترفيلد. لم يكن اسم شخصٍ كان يعيش في المدينة في الوقت الحاضر، لكنْ على ما يبدو أنه كان لقبَ عائلة سيدة في بورتلاند، بأوريجون، كتبَتْ خطابًا إلى الصحيفة، وهذه السيدة كانت لا تزال مشترِكةً في جريدةِ مدينتها مثلي أنا، وقد كتبَتْ قصيدةً عن طفولتها هناك تقول فيها: أعرف منحدرَ تلٍّ عشبي فوق نهر رائق إنه مكان يسوده الهدوء والبهجة له ذكرى عزيزة جدًّا عليَّ … كان هناك العديد من الأبيات، وبمجرد أن شرعتُ في قراءتها، بدأتُ أدرك أنها كانت تتحدَّث عن نفس سهول النهر التي اعتقدتُ أنني عشتُ بجوارها. كتبَتْ تقول: «إن أبيات الشعر المرفَقة تتحدَّث عن ذكرياتي عند منحدر التل القديم هذا؛ فإنْ رأيتم أنها تستحق أن تشغل مساحة صغيرة في صحيفتكم المحترمة دومًا، فسأكون شاكرة لذلك.» الشمس الساطعة فوق النهر تتمايل أشعتها دون توقف وفوق الضفة الأخرى زهور برية ومبهجة … تلك كانت ضفتنا؛ ضفتي. كان هناك بيت آخَر عن مجموعةٍ من أشجار القيقب، لكني أعتقد أنها أخطأَتْ في ذلك؛ لأني أتذكَّر أنها كانت أشجارَ دردار، ماتَتْ جميعها الآن بسبب مرض الدردار الهولندي. أما باقي الخطاب، فقد جعل الأمور أوضح؛ إذ قالت المرأة إنَّ أباها — الذي كان اسمه نيترفيلد — قد اشترى قطعةَ أرضٍ من الحكومة عام ١٨٨٣ في مكانٍ أُطلِق عليه فيما بعدُ لوور تاون، وكانت تلك الأرض تنحدر نحو نهر ميتلاند. عبر المجرى المحاط بزهور السوسن يمتد ظل أشجار القيقب وعلى الحقل الندي للنهر تُطعَم أسراب الإوز الأبيض. أغفلَتْ، كما كنتُ سأفعل أنا تمامًا، كيف أن نَبْع المياه كان يتعكر ويتلطخ بسبب حوافر الخيول. وبالطبع لم تذكر أيضًا الروثَ الذي كانَتْ تخلفه. في الواقع لقد ألَّفْتُ ذات مرة بعض الأبيات التي كانت ذات طبيعة مشابهة جدًّا لتلك الأبيات، بالرغم من أنها قد فُقِدت كلها الآن، وربما لم أكن قد دوَّنْتُها مطلقًا بالأساس. كانت أبياتًا تُثنِي على الطبيعة التي كان من الصعب حينها بعض الشيء أن تتمَّها. ربما نظَمْتُها تقريبًا في الوقت الذي كنتُ فيه غير متسامحة مع أمي، وكان أبي يضربني بشدة لإخراج القسوة مني، أو لإخراج الجانب المظلم من داخلي، كما كان يقول الناس حينها. قالت هذه المرأة إنها قد وُلِدت عام ١٨٧٦، وأمضَتْ شبابها، حتى تزوَّجَتْ، في بيت أبيها الذي كان موجودًا في آخِر حدود المدينة وبداية العراء، ويمكن أن ترى من خلاله منظر الغروب بوضوحٍ. إن هذا هو منزلنا. ••• هل من الممكن أن أمي لم تكن تعرف ذلك مطلقًا، لم تكن تعرف مطلقًا أن منزلنا عاشَتْ فيه عائلةُ نيترفيلد، وأنَّ السيدة العجوز كانت تنظر عبر نوافذ ما كان منزلها يومًا ما؟ من الممكن أن يكون الأمر كذلك؛ فحينما تقدَّمتُ في العمر، أصبح لديَّ شغفٌ جعلني أبحث في السجلات وأقوم بالعمل الممل المتعلِّق بالتنقيب عن بعض الأشياء، وقد وجدتُ أن هناك عدة عائلات مختلفة امتلكَتْ ذلك المنزل فيما بين الفترة التي باعَتْه فيها عائلةُ نيترفيلد والوقت الذي انتقل فيه والداي للعيش به. قد يتساءل المرء: لِمَ بِيعَ بالرغم من أن المرأة كانت لا تزال على قيد الحياة، وكانت بصحة جيدة تؤهلها للعيش لعدة سنوات أخرى؟ هل لأنها أصبحت أرملةً ولم يكن لديها ما يكفي من النقود؟ مَن عساه أن يعرف ذلك؟ ومَن عساه أن يكون ذلك الشخص الذي جاء ليأخذها، كما قالت أمي؟ ربما كانت ابنتها؛ نفس المرأة التي كتبَتِ القصيدة والتي عاشت في أوريجون. ربما كانت تلك الابنة، التي كبرَتِ الآن وأضحَتْ بعيدةً، هي التي كانت تبحث عنها السيدة العجوز في عربة الأطفال، وذلك بعد أن انتزعَتْني أمي، كما قالت، خوفًا على حياتي العزيزة عليها. لم تكن الابنة تعيش بعيدًا عني كثيرًا لفترةٍ ما في حياتي البالغة. كان بإمكاني مراسلتها، أو ربما زيارتها، لكني كنتُ مشغولةً للغاية بعائلتي الصغيرة وكتاباتي التي كانت دومًا غير مرضية بالنسبة إليَّ. لكن الشخص الذي كنتُ أودُّ التحدُّث إليه حقًّا حينَها هو أمي التي كانت قد ماتَتْ حينها. ••• لم أَعُدْ إلى منزلي في فترة مرض أمي الأخير أو لحضور جنازتها؛ لقد كان لديَّ طفلان صغيران، ولم يكن هناك أحد في فانكوفر يمكن أن أتركهما عنده، وكنا بالكاد نستطيع تدبيرَ نفقات الرحلة، وكان زوجي يزدري الرسميات، لكنْ لماذا أُلْقِي باللوم عليه في هذا الشأن؟ لقد كان لديَّ نفسُ الشعور. نحن نقول عن أشياء إنها لا يمكن أن تُغتفَر، أو إننا لن نسامح أنفسنا بسببها، لكننا نفعلها؛ نفعلها طوال الوقت. حياتي العزيزة
الرحيل عن مافرلي في الأيام التي كانت فيها دار لعرض الأفلام في كل بلدة، كانت واحدة في تلك البلدة أيضًا، بلدة مافرلي، وقد أُطلِق عليها «كابيتل»، كما هو المعتاد في تسمية هذه الدور في تلك الفترة. وكان مورجان هولي هو المالك والمسئول عن عرض الأفلام، وكان لا يحب التعامل مع الجمهور — فقد كان يفضِّل الجلوسَ في مكتبه الصغير بالأعلى حيث يتولَّى عملية عرض الأفلام على الشاشة — لذا فمن الطبيعي أن يصيبه الضيق عندما أخبرَتْه الفتاة عاملة التذاكر أنها مضطرة إلى تَرْك العمل لأنها تنتظر مولودًا. ربما توقَّعَ ذلك — فالفتاة متزوجةٌ منذ ستة أشهر، وكان من المفترض في هذه الأيام أن تختفي المرأة عن أعين الناس قبل أن يبدأ بطنها في الظهور — لكنه كان يبغض بشدة التغييرَ وفكرةَ أن تكون للأفراد حياةٌ خاصة، لدرجةٍ جعلَتْه يتفاجأ بشدة بالأمر. لكنْ لحُسْن الحظ أنها أتَتْ بفتاةٍ يمكن أن تحل محلَّها، وكانت تلك الفتاة تقطن في شارعها، وقد أخبرتها أنها ترغب في أن تحصل على وظيفة مسائية؛ إذ لم يكن باستطاعتها العمل في الصباح لأنه يجب عليها أن تساعد أمها في العناية بإخوتها الصغار. كانت تتسم بالذكاء بدرجةٍ تجعلها تنجح في ذلك بالرغم من خجلها. قال لها مورجان إن ذلك شيء جيد؛ فهو لا يعيِّن عاملةَ تذاكر كي تثرثر مع روَّاد المكان. وهكذا عُيِّنت الفتاة، وكان اسمها ليا، والسؤال الأول والأخير الذي طرحه عليها مورجان كان عن المصدر الذي اشتُقَّ منه اسمها، فأخبرته أنه مستوحًى من الإنجيل. ثم لاحَظَ أنها لا تضع أيَّ مساحيق تجميل على وجهها، وأن شعرها ينساب بطريقة غير جذَّابة فوق رأسها، وأنها تثبِّته ببعض دبابيس الشعر. انتابه القلق للحظات ممَّا إذا كانت في السادسة عشرة من عمرها بالفعل، وإنْ كان التحاقها بالوظيفة صحيحًا من الناحية القانونية أم لا؛ لكنْ عندما نظر إليها عن قُرْبٍ رأى أنه من المرجح أن تكون هذه هي الحقيقة. أخبرها أنها ستعمل فترة عرض واحدة بدءًا من الثامنة مساءً في كل أيام الأسبوع، ما عدا السبت الذي ستعمل فيه فترتَيْ عرض بدءًا من السابعة مساءً، وستكون مسئولة بعد غلق دار العرض عن عدِّ الحصيلة وحفظها في مكان آمِن. لم تكن هناك سوى مشكلة واحدة، فقد قالت إنه يمكنها أن ترجع إلى منزلها بمفردها كل أيام الأسبوع ما عدا يوم السبت؛ إذ لن يُسمح لها بذلك، ولن يكون بمقدور والدها أن يأتي ليصطحبها لأنه هو نفسه يعمل في وظيفة مسائية في الطاحونة. قال لها مورجان إنه ليس هناك ما يستدعي الخوف في مكانٍ كهذا، وكان على وشك أن يلغي تعيينها لولا أنه تذكَّرَ الشرطي الليلي الذي عادةً ما كان يقطع دورياته كي يشاهد جزءًا صغيرًا من الفيلم المعروض، والذي من الممكن أن يحمل على عاتقه مسئوليةَ اصطحاب ليا إلى منزلها. قالت إنها ستخبر والدها بذلك. وافَقَ والدها، ولكن هناك اعتبارات أخرى يريد أن يطمئن بشأنها؛ فيجب ألَّا تشاهد ليا ما يُعرَض على الشاشة من أفلام أو تستمع لأيٍّ من حواراتها؛ فالدينُ الذي تعتنقه العائلةُ لا يسمح بذلك. ردَّ مورجان على ذلك قائلًا إنه لا يُعَيِّن عمال التذاكر كي يشاهدوا ما يُعْرض مجانًا، أما الحوارات المدارة، فقد كذب بشأنها وقال إن قاعة العرض عازلة للصوت. ••• التحق راي إليوت شرطي الدوريات الليلية بوظيفته تلك كي يُعِين زوجته في أعمالها، على الأقل في جزءٍ من النهار؛ فكانت تكفيه خمس ساعات نوم فقط في الصباح، ثم من الممكن أن يغفو قليلًا في وقت متأخر من فترة ما بعد الظهيرة، لكنه لم يكن يغفو عادةً في ذلك الوقت إما بسبب بعض المهام التي يجب عليه إنجازها، وإما لأنه يتجاذب أطرافَ الحديث مع زوجته التي كانت تُدعَى إيزابيل. لم يُرزَقا بأطفالٍ؛ لذا كانا من الممكن أن يتحدَّثَا في أي وقت عن أي شيء. كان يأتيها بأخبار البلدة التي عادةً ما كانت تثير ضحكاتها، وكانت هي تخبره عن الكتب التي تقرؤها. شارَكَ راي في الحرب بمجرد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره، وقد اختار أن ينضمَّ للقوات الجوية التي تَعِدُ المرءَ، كما يقال، بأسرع وسائل الموت وأكثرها إثارةً. كان يشغل موقعَ مدفعي البرج الأوسط العلوي للطائرة المقاتلة — وهو موقع لم تستطع إيزابيل استيعابَه بسهولةٍ — ولكنه نجا من الموت. وقبل أن تضع الحرب أوزارها، نُقِل إلى طاقم عمل جديد، وفي غضون أسبوعين أسقَطَ العدو طائرةَ طاقمه القديم الذي حلَّقَ بصحبته مراتٍ عديدةً وفُقِد جميع أفراده. عاد إلى وطنه وهو يحمل في ذهنه فكرةً مبهمةً عن أنه يجب عليه أن يفعل شيئًا ذا قيمةٍ بالحياة التي مُنِحت له دون سبب معلوم، لكنه لم يَدْرِ ما هو هذا الشيء الذي عليه فعله. بدايةً، كان عليه أن يُنهِي دراسته الثانوية، وكانت قد تأسَّسَتْ في بلدته التي نشأ بها مدرسةٌ خاصة من أجل المحاربين العائدين من الحرب الذين كانوا يرغبون في إكمال دراستهم الثانوية ويأملون في الالتحاق بالجامعة، وذلك بمنزلة تعبيرٍ من المواطنين عن امتنانهم لهم. كانت إيزابيل مدرِّسةَ الأدب واللغة الإنجليزية، وكانت تبلغ من العمر ثلاثين عامًا ومتزوجةً، وكان زوجها من المحاربين العائدين من الحرب أيضًا، لكنه كان يفوق كثيرًا في رتبته كلَّ الطلاب المتواجدين في فصلها. وكانت تنوي التدريس ذلك العام بدافعٍ من الوطنية، ثم تتقاعد بعد ذلك من أجل إنجاب طفل. وقد ناقشَتْ هذا الأمرَ على الملأ مع طلابها الذين قالوا، بعيدًا عن مسامعها، بأن بعض الرجال يحالفهم الحظ عندما يتزوجون امرأةً مثلها. كان راي يكره أن يسمع ذلك النوع من الأحاديث، والسبب في هذا هو أنه وقع في حبِّها، وقد وقعَتْ هي الأخرى في حبه، وهو الأمر الذي بدا مفاجئًا أكثر بدرجة كبيرة؛ لقد كان أمرًا منافيًا للعقل بالنسبة إلى الجميع فيما عداهما. ووقع الطلاق بينها وبين زوجها، الذي كان بمثابة فضيحة لعائلتها المرموقة وصدمة قوية لزوجها الذي رغب في الزواج منها منذ أن كانا طفلين. لم يمر راي بوقت عصيب مثلها لأن عائلته لم تكن كبيرة، ومَن أخبرهم بما حدَثَ قالوا له إنهم لا يرقَوْا لمستواه الآن حيث إنه سيصاهر عائلة كبيرة، وإنهم سيبتعدون عن طريقه في المستقبل ولن يسبِّبوا له أي مشاكل. وبالرغم من أنهم كانوا يتوقعون من جانبه أي نوع من الإنكار أو الاطمئنان بسبب ذلك، فلم يحدث ذلك. يكفي ما قاله بنحو أو بآخر؛ الزمن كفيل بأن يُوجِد بدايةً جديدة. قالت إيزابيل إنها يمكن أن تستمر في التدريس حتى ينتهي راي من دراسته الجامعية ويحقِّق نجاحًا في أي مجال يريد أن يعمل فيه. لكن كان يجب أن يتغيَّر ما خطَّطَا له؛ فلم تكن تشعر بأنها على ما يرام. في البداية اعتقدا أنه قد يكون مجرد شعور بالتوتر. الاضطراب الداخلي. الانفعال الشديد. ثم بدأ الشعور بالألم. كانت تشعر بالألم كلما تنفَّسَتْ بعمق؛ ألمٍ أسفلَ عظام الصدر وفي كتفها الأيسر. لكنها تجاهلته، وكانت تمزح قائلةً إن الرب يعاقبها بسبب تلك المغامرة الغرامية، وقالت إنه كان يُهدِر وقته لأنها حتى لم تكن تؤمن به. كانت مصابة بمرضٍ يُسمَّى التهاب غشاء القلب. كان الأمر خطيرًا، لكنها تجاهلته بالرغم من تحذيرات الأطباء؛ فهو مرضٌ لا شفاءَ منه، لكن بمقدورها أن تتعايش معه ببعض الصعوبة. ولم يَعُدْ بمقدورها التدريس مطلقًا مرةً أخرى؛ فأي عدوى تُصاب بها ستكون لها عواقب خطيرة، وأي مكان تكون العدوى فيه أكثر انتشارًا من الفصل الدراسي؟ ولم يكن هناك أحد الآن لمساندتها سوى راي، وقد حصل على وظيفة شرطي في تلك البلدة الصغيرة التي تُسمَّى مافرلي التي تقع على الحدود بين مقاطعتَيْ جراي وبروس، ولم يمانع في شغل تلك الوظيفة، وبعد فترةٍ لم تَعُدْ تبالي هي الأخرى بشبه العزلة التي كانت تحيا فيها. كان هناك شيء واحد لم يتحدَّثا بشأنه؛ فطالما تساءَلَ كل منهما إذا ما كان الآخر يبالي بعدم مقدرته على إنجاب الأطفال. وقد خطر ببال راي أن خيبة الأمل هذه قد تكون لها علاقة برغبة إيزابيل في سماع كل شيء عن الفتاة التي كان يجب عليه اصطحابها إلى منزلها في ليالي السبت. «هذا شيء يبعث على الأسى.» قالت ذلك عندما علمَتْ بأنه محظورٌ على الفتاة أن تشاهد الأفلام، بل شعرت أيضًا بمزيدٍ من الاستياء عندما أخبرها بأن الفتاة أُجبِرَتْ على ترك مدرستها الثانوية كي تساعد في أعمال المنزل. «وتقول إنها تتسم بالذكاء؟» لم يتذكر راي أنه قال ذلك؛ فكل ما قاله إنها خجولة بدرجة غريبة؛ لذا كان عليه خلال سيرهما معًا أن يقدح زناد فكره حتى يعثر على موضوعٍ يَصْلُح للحوار، ووجد أن بعض الأسئلة التي فكَّرَ فيها لن تكون مجديةً؛ أسئلة مثل: ما المادة المفضَّلة لديك في المدرسة؟ فقد رأى أن الإجابة على مثل هذا السؤال كان سيعود بهما إلى الماضي، وأنه لم يَعُدْ يُجْدِي الآن إنْ كانت تفضِّل أيها أم لا. أو ما المهنة التي تريدين أن تعملي بها حين تكبرين؟ إنها عمليًّا الآن كبيرةٌ بدرجة كافية، وعليها الآن أن تقوم بأعمال شاقة، سواء أرادت ذلك أم لم تُرِدْ. أما سؤالها عما إذا كانت تروق لها تلك البلدة، وما إذا كانت تفتقد المكان الذي كانت تعيش فيه، فكان سؤالًا بلا جدوى. وتطرَّقَا في حديثهما بالفعل، دون إسهاب، إلى أسماء الأطفال الأصغر سنًّا في عائلتها وأعمارهم، وعندما تساءل إنْ كان لديها كلب أو قطة، أخبرته بأنها لا تربي أيًّا منهما. وأخيرًا طرحت هي سؤالًا على مسامعه، فسألته عمَّا كان يثير ضحكَ الحاضرين في الفيلم الذي كانوا يشاهدونه في تلك الليلة. لم يكن يعتقد أنه يجب أن يذكِّرها بأنها ليس من المفترض أن تسمع شيئًا، لكنه لم يستطع تذكُّر ما هو ذلك الشيء الطريف الذي من الممكن أن يكون قد أثار الضحكات؛ لذا قال لها لا بد أنها لقطة سخيفة؛ فالمرء لا يمكنه معرفة السبب الذي يثير ضحك الجمهور. وقال إنه لا يولي كاملَ تركيزه للأفلام المعروضة؛ فهو لا يرى سوى لقطات متفرقة فقط منها، ونادرًا ما يتابع حبكاتها. قالت: «الحبكات.» اضطر أن يخبرها بمعنى تلك الكلمة؛ وهو أن كل الأفلام لها قصص تحاول سردها. ومنذ ذلك الوقت لم تكن ثمة مشكلة في فتح باب الحوار بينهما، ولم يكن بحاجةٍ أيضًا إلى أن يحذِّرها من أنه قد لا يكون من الحكمة أن تردِّد في المنزل أيًّا ممَّا يقصه على مسامعها. وقد أدركَتْ ذلك. لم يكن لزامًا عليه أن يقصَّ على مسامعها أيَّ قصة بعينها، وهو أمر يستطيع بالكاد أن يفعله على أية حال، بل مجرد أن يشرح لها أن القصص كانت تدور في العادة حول مجموعة من المحتالين والأبرياء، وأن هؤلاء المحتالين ينجحون بوجه عام في البداية في ارتكاب جرائمهم ويخدعون بمظهرهم الكاذب الأشخاصَ الذين يغنون في الملاهي الليلية (والتي تشبه صالات الرقص)، أو يخدعون أحيانًا — لسبب لا يعلمه إلا الرب — الذين يغنون فوق قمم الجبال، أو في أي أماكن خارجية أخرى بعيدة الاحتمال، ويحتالون عليهم. أحيانًا، تكون الأفلام بالألوان. ويرتدي الممثلون ملابس فاخرة إنْ كانت القصة تدور في الماضي، ويبالغ هؤلاء الممثلون في أداء المشاهد التي يقتل فيها كلٌّ منهم الآخَر، وتنسال الدموع على وَجَنات السيدات، التي هي في حقيقة الأمر قطرات جليسرين. وربما يُحضِر القائمون على الأفلام حيوانات من حدائق الحيوان لتكون بمنزلة حيوانات الغابة، ويُثِيرون غضبها في أغلب الأحوال حتى تكون ردود أفعالها أكثر ضراوةً. وينهض الأشخاص الذين قُتِلوا بأساليب متنوعة في اللحظة التي تبتعد عنهم فيها الكاميرات، ويكونون أحياء وبصحة جيدة بالرغم من رؤيتهم لتوِّهم وهم يتلقَّوْن طلقات رصاص، أو فوق مقصلة الإعدام حيث تتدحرج رءوسهم بعدها إلى إحدى السلال. قالت إيزابيل: «كان عليك ألَّا تعقِّد لها الأمور هكذا؛ فأنت هكذا قد تجعل الكوابيس تهاجمها.» قال راي إن هناك ما أثار اندهاشه في تلك الفتاة؛ فقد كانت لديها قدرة كبيرة على تفهُّم الأمور واستيعابها بدلًا من أن تنزعج أو تشعر بالارتباك؛ فهي على سبيل المثال لم تسأل قطُّ عن شكل مقصلة الإعدام أو تَبْدُ مندهشةً من فكرة وضع الرءوس بها. وأخبر إيزابيل بأن هناك شيئًا ما في تلك الفتاة؛ شيئًا يجعلها ترغب في استيعاب كل ما يقصه المرء على مسامعها بدلًا من مجرد الشعور بالدهشة أو الإثارة حياله. وقد اعتقد بنحوٍ ما أنها كانت تنأى بنفسها عن عائلتها، ولكن هذا لا يعني أنها كانت تزدريهم أو تقسو عليهم، لكن كل ما في الأمر أنها لم تكن تمنحهم سوى الحد الأدنى من الاهتمام. لكنه قال بعد ذلك ما جعله أكثر أسفًا ممَّا لو عرف السبب. «ليس لديها الكثير لتتطلع إليه على أي صعيد.» قالت إيزابيل: «حسنًا، يمكننا أن نختطفها إذن.» فحذَّرَها هو من الحديث على هذا النحو، وطلب منها أن تكون جادة. «لا تحاولي حتى التفكير في هذا.» ••• قبل حلول عيد الميلاد بوقت قصير (وعلى الرغم من أن برد الشتاء قد هجم بضراوة حينئذٍ)، جاء مورجان إلى قسم الشرطة في نحو منتصف الليل ذات ليلة في وسط الأسبوع ليقول إن ليا قد اختفت. فقد باعت التذاكر كالمعتاد، وأغلقت نافذة التذاكر، ووضعت النقود في مكانها المعتاد، واتجهت صوب منزلها وذلك على حد علمه. وقد أغلق المكان بعد انتهاء العرض، لكنه عندما خرج ظهرتِ له امرأةٌ لا يعرفها وسألته عما حدث لليا. كانت هذه المرأة هي الأم؛ والدة ليا. كان الأب لا يزال في عمله بالطاحونة، وخمَّنَ مرجان أنه قد يكون قد طرأ على ذهن الفتاة أن تذهب إليه في عمله. بدا أن الأم لا تعي ما يتحدث عنه؛ لذا قال لها إنه يمكنهما أن يذهبا إلى الطاحونة ليعرفا إنْ كانت الفتاة قد ذهبت إلى هناك أم لا، ولكنها بكت وتوسَّلَتْ إليه ألَّا يفعلا ذلك؛ لذا اصطحبها مورجان بالسيارة إلى منزلها معتقدًا أنه يمكن أن تكون الفتاة قد عادت للمنزل الآن، لكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك؛ لذا اعتقد أنه من الأحرى أن يذهب ويخبر راي بما حدث. ولم تَرُقْ له فكرة أن ينقل خبر اختفاء الفتاة إلى الأب. قال راي إن عليهما أن يذهبا إلى الطاحونة على الفور؛ فهناك احتمال ضئيل أن تكون هناك، لكن عندما وصلا إلى مكان عمل الأب، لم يكن يعرف عنها شيئًا، وقد استشاط غضبًا لخروج زوجته على هذا النحو بينما لم يأذن لها أن تغادر المنزل. سأل راي عن صديقاتها ولم يندهش عندما علم أنها ليس لديها أي صديقات، ثم طلب من مورجان أن يعود إلى منزله، وذهب هو بنفسه إلى منزل الفتاة حيث وجد الأم في حالة كبيرة من الذهول تمامًا كما وصفها مورجان. كان الأطفال لا يزالون مستيقظين، أو بعض منهم، واتضح أيضًا أنهم كانوا عاجزين عن الكلام، وكانوا يرتجفون إما من الخوف وريبهم من وجود شخص غريب بالبيت، وإما من البرد الذي لاحَظَ راي أنه كان يتزايد حتى في داخل المنزل. قد يكون الأب قد وضع قواعد صارمة بشأن التدفئة أيضًا. كانت ليا ترتدي معطفها الشتوي، وكان ذلك أقصى ما علمه منهم. كان يعرف ذلك المعطف البني الفضفاض ذا المربعات، وخمَّنَ أنه كان سيمنحها الدفء لفترة على الأقل. في الفترة ما بين ذهاب مورجان إلى قسم الشرطة وحتى الآن، كانت الثلوج قد بدأت تتساقط بغزارةٍ نوعًا ما. عاد راي إلى المنزل عندما انتهت ورديته الليلية، وقصَّ على إيزابيل ما حدث، ثم خرج مرةً أخرى ولم تحاول أن تمنعه. ••• وبعد ساعة، عاد دونما أي نتائج، وذاعَتِ الأخبار بأنه من المحتمل غَلْق الطرق بسبب هبوب أول عاصفة ثلجية كبيرة في هذا الشتاء. وبحلول الصباح، كان هذا ما حدث بالفعل؛ فقد أُغلِقت شوارع البلدة لأول مرة في ذلك العام، وكان الشارع الرئيسي هو الوحيد الذي حاولَتْ جرافات الثلوج أن تبقيه مفتوحًا. كانت كل المتاجر تقريبًا مغلقةً، وقد انقطعت الكهرباء في ذلك الجزء من البلدة الذي تعيش فيه عائلة ليا، ولم يكن ثمة شيء يمكن فعله حيال ذلك مع تحريك الريح الأشجارَ لأسفل بقوةٍ، حتى بدا الأمر وكأنها كانت تحاول كنس الأرض. خطرت لشرطي دورية الصباح فكرة لم تَدُرْ بخلد راي؛ لقد كان أحد رعايا الكنيسة المتحدة، وكان يعلم، أو زوجته على الأحرى هي التي كانت تعلم، أن ليا تقوم بكَيِّ الملابس كلَّ أسبوع لزوجة القس، وقد ذهب هو وراي إلى منزل القس ليريا إنْ كان هناك أحدٌ يعلم شيئًا يمكن أن يفسِّر اختفاء الفتاة، لكن لم تكن هناك أية معلومات عن ذلك، وبعد أن كان هناك بصيصٌ من أمل، بَدَا أن عملية البحث أضحَتْ حتى أكثر صعوبةً من ذي قبلُ. أصاب راي بعض الدهشة من أن الفتاة كانت تمارِس عملًا آخَر ولم تذكر شيئًا عنه. وعلى الرغم من ذلك، ومقارَنةً بعملها في دار عرض الأفلام، فإنه ليس بالعمل الذي يمكِّنها من التعرُّف أكثر على العالَم الخارجي. حاوَلَ أن ينام في وقت ما بعد الظهيرة، وبالفعل غفا لمدة ساعة أو نحو ذلك. حاولت إيزابيل أن تفتح مجالًا للحديث على العشاء، لكن الحوار لم يستمر؛ فكان حديث راي يعود ليدور مرةً أخرى حول زيارة القس، وكيف أن زوجته أظهرَتْ تعاونًا واهتمامًا بقدر المستطاع، بَيْدَ أن القس لم يتصرَّف بالطريقة التي قد يتوقَّعها المرءُ من رجلٍ في مكانته؛ لقد فتح لهما الباب وأجابهما بنفاد صبر كما لو أنهما قاطعاه وهو يكتب موعظته أو شيئًا ما. نادى زوجته وعندما حضرت كان عليها أن تذكِّره بمَن تكون الفتاة، فقالت له: هل تذكر الفتاة التي تأتي لتساعد في أعمال الكي؟ ليا؟ ثم قال إنه يأمل بأن تكون هناك أخبارٌ عنها في القريب العاجل، بينما كان يحاول أن يغلق الباب في وجه الريح. قالت إيزابيل: «حسنًا، ما الذي كان بإمكانه فعله أكثر من ذلك؟ أن يصلي من أجلها؟» اعتقَدَ راي أن هذا لن يضر في شيء. قالت إيزابيل: «كان سيسبِّب هذا الحرجَ للجميع، ويُظهِر عدم جدوى ما يقوم به.» ثم أضافت أنه ربما يكون قسًّا مسايرًا للعصر ويميل أكثر للأشياء الرمزية. كان لا بد من إجراء بعض عمليات البحث، بغضِّ النظر عن حالة الطقس؛ فكان هناك عددٌ من الأكواخ الخلفية وكذلك إسطبل قديم للخيل لم يُستخدَم منذ سنوات، يجب اقتحامها وتفتيشها بدقةٍ حيث يحتمل أن تكون قد أَوَتْ إلى أيٍّ منها. ولكن لم يُعلَن عن أي نتائج، وأُخطِرت الإذاعة المحلية بأمر الاختفاء، وقد أذاعت وصفًا دقيقًا لها. واعتقد راي أنه إذا كانت ليا قد أوقفَتْ إحدى السيارات المارة على الطريق لتسافر فيها، فإنها بذلك تكون قد ركبتها قبل هبوب العاصفة، وهو أمر يمكن أن يكون جيدًا أو سيئًا. قالت الإذاعة إنها كانت أقل من الطول المعتاد بقليلٍ، في حين أن راي كان يرى أنها تجاوزَتِ الطول المعتاد بقليلٍ؛ وإنها ذات شعر مسترسل يتوسط لونه بين البني الفاتح والبني الداكن، بينما كان يرى راي أن شعرها بني داكن جدًّا يكاد يقترب من اللون الأسود. لم يشارك والدها في عمليات البحث؛ ولا أيٍّ من إخوتها. بالطبع لن يشاركوا؛ فالأولاد كانوا يصغرونها ولا يغادرون المنزل مطلقًا دون موافَقة والدهم على أية حال. وعندما ذهب راي إلى منزلها سيرًا على الأقدام واتجه ليقرع الباب، فُتِح بالكاد، ولم يتوانَ والدها عن أن يقول له إن ابنته أغلب الظن قد هربت، وأن عقابها ليس في يده الآن بل هو بيدِ الرب. ولم يدعُ راي للدخول إلى المنزل ويستشعر بعض الدفء؛ فربما ما زال المنزل خاليًا من أي نوعٍ من أنواع التدفئة. سكنت العاصفة بالفعل في منتصف اليوم التالي تقريبًا، وظهرت جرافات الثلوج وجرفت الثلج من شوارع البلدة، وقد فعلت جرافات المقاطَعة نفسَ الشيء في الطريق السريع، وأُخطِر السائقون بأن ينتبهوا؛ فقد يكون هناك شخص متجمِّد وسطَ أكوام الثلوج. وفي اليوم التالي، وصلت سيارة البريد وكانت تحمل خطابًا، ولم يكن الخطاب موجَّهًا لأي فردٍ من عائلة ليا، بل كان من أجل القس وزوجته. كان الخطاب مُرسَلًا من ليا تخبرهم فيه أنها قد تزوَّجَتْ، والعريس هو ابن القس الذي كان عازفًا لآلة الساكسفون في فرقة من فِرَق موسيقى الجاز. كان هو مَن أضاف كلمتَيْ «مفاجأة، مفاجأة» في أسفل الخطاب، أو هكذا قال البعض، بالرغم من أن إيزابيل تساءلَتْ كيف يمكن لأي شخص أن يعرف هذا، إلا إنْ كان العاملون في مكتب البريد لديهم عادةُ فتْحِ مظاريف الخطابات بالبخار. لم يكن عازف الساكسفون يعيش في هذه البلدة عندما كان طفلًا؛ فقد كان والده يعمل قسًّا في مكان آخَر حينها، وكان هو لا يزور البلدة إلا نادرًا جدًّا، ومعظم الناس لم يكن يمكنهم حتى أن يصفوا لك شكله؛ فهو لم يكن يذهب إلى الكنيسة مطلقًا، وقد أحضَرَ معه امرأةً إلى المنزل منذ عامين، وكانت شديدةَ الأناقة والتبرُّج. وقيل إنها زوجته، لكنْ من الواضح أنها لم تكن كذلك. كم مرة ذهبَتْ فيها الفتاة إلى بيت القس للقيام بأعمال الكي وكان لاعب الساكسفون موجودًا هناك حينها؟ حاوَلَ البعض استنباطَ ذلك. لم تكن سوى مرة واحدة فقط؛ كان هذا ما ترامى إلى مسامع راي في قسم الشرطة حيث يمكن أن تنتشر النميمة هناك تمامًا مثلما تنتشر بين السيدات. رأت إيزابيل أنها قصة رائعة. ولم يكن ما حدَثَ نتيجةَ خطأ مَن هربا؛ فهما لم يستدعيا العاصفة الثلجية، على أية حال. واتضح أنها هي نفسها كانت تعرف بعض المعلومات القليلة عن عازف الساكسفون؛ فقد رأته ذات مرة في مكتب البريد عندما تصادَفَ أنْ كان في إحدى زيارته لمنزله، وكانت هي وقتها في حالة صحية جيدة مكَّنَتْها من الخروج من المنزل. كانت قد أرسلت في طلب إحدى الأسطوانات الموسيقية لكنها لم تأتِ. سألها عن محتوى الأسطوانة وأجابته حينها، وهو شيء لا تستطيع تذكُّره الآن، وقد أخبرها آنذاك عن معرفته بنوع آخَر من الموسيقى. هناك شيء جعلها واثقةً من أنه ليس من أهل البلدة؛ الطريقة التي كان ينحني بها نحوها، ورائحة لبان جوسي فروت القوية التي كانت تفوح منه. لم يذكر لها شيئًا عن القس، لكنْ أخبرها أحدُهم عن صلته به، وذلك بعدما ودَّعَها وتمنَّى لها حظًّا سعيدًا. كانت كلماته أقرب إلى المغازلة، أو تعبيرًا عن ثقته من أنها لن تصده. أو بعض الهراء كدعوته للاستماع إلى الأسطوانة حال وصولها. وتمنَّتْ أنْ يكون قصده من كل ذلك مجرد المزاح. عمدت إلى إغاظة راي، وتساءلت إنْ كان وصفه للعالَم الخارجي كما تصوِّره الأفلام هو الذي جعل فكرةَ الهروب تخطر على بالها. لم يفصح راي عن مدى الحزن الذي شعر به عندما فُقِدت الفتاة، وهو نفسه كان بالكاد يصدِّق مشاعرَه تلك؛ لكنه بالطبع شعر بالارتياح عندما علم بما حدث. لكنها في كل الأحوال قد رحلت؛ رحلت على نحوٍ غير مألوف ولا يحمل في طيَّاته أيَّ أملٍ للرجوع على الإطلاق. والشيء السخيف هو أنه شعر بالإهانة؛ كما لو أنها كان بمقدورها أن تقدِّم على الأقل ولو تلميحًا إلى أن هناك جانبًا آخَر في حياتها. وسرعان ما رحل أيضًا والداها وكل إخوتها، وبَدَا أن ليس هناك مَن كان يعرف إلى أين ذهبوا. ••• لم يغادر القس ولا زوجته البلدة عندما بلغ سن التقاعد. لقد استطاعا أن يحتفظا بنفس المنزل وما زال أهل البلدة يشيرون إليه ببيت القس، بالرغم من أنه لم يَعُدْ هكذا الآن. فقد اشتكت زوجة القس الجديد الشابة من بعض جوانب المنزل التي لم تَرُقْ لها، وبدلًا من أن يُصلح مسئولو الكنيسة المنزل، قرَّروا أن يشيدوا منزلًا جديدًا حتى لا يمكنها أن تشتكي مرةً أخرى. وبيعَ المنزل القديم إلى القس السابق بثمن منخفض، فخصص حجرة به لابنه الموسيقي وزوجته ليقيما بها حينما يأتيان للزيارة هما وأطفالهما. كان قد أنجب طفلين، وقد ظهر اسمهما في الجريدة عندما وُلِدا. جاء الولد أولًا ثم البنت، وكانا يأتيان للزيارة بين الحين والآخر بصحبة ليا فقط؛ فالأب كان دائمًا مشغولًا برقصاته أو لأي أسباب أخرى. ولم يَلْتَقِ بهم راي أو إيزابيل خلال تلك المرات. تحسَّنت حالة إيزابيل، بل كادت تكون طبيعية. وكانت تطهو وجبات شهية، حتى إنها هي وزوجها قد زاد وزنهما، وكان عليها أن تتوقف عن ذلك، أو على الأقل تطهو تلك الأطعمة الدسمة على نحوٍ أقل. كانت تلتقي بنساء أخريات في البلدة من أجل قراءة ومناقشة ما يُسمَّى بالكتب العظيمة، التي تُعَدُّ أهم كتب الأدب الغربي. لم يفهم بعضهن كيف سيتم هذا، وتركن المشاركة في ذلك، ولكن بعيدًا عنهن حقَّقَتْ تلك اللقاءات نجاحًا مدهشًا. وكانت إيزابيل تضحك بسبب الغضب التي سيعم السماء وهن يتناولن ملحمةَ دانتي المسكين. ثم تعرضت لبعض حالات الإغماء أو ما يشبه الإغماء، لكنها لم تذهب للطبيب حتى غضب منها راي، فزعمت أن حدته هي السبب وراء مرضها. ثم اعتذرت له وتصالحا، بَيْدَ أن قلبها لم يرتضِ ذلك وقرَّرَا أن يتم إحضار ممرضة ممارسة لتمكث معها حينما لا يكون راي موجودًا بالمنزل. ولحسن الحظ، كان لديهما بعض النقود تحصَّلَا عليها — هي من إرثٍ لها، وهو نتيجة لزيادة بسيطة في راتبه — بالرغم من استمراره في العمل في وردية الليل فقط. وفي صباح أحد أيام الصيف، وهو في طريقه إلى منزله، مر بمكتب البريد ليرى إنْ كان قد تم فَرْز البريد أم لا؛ ففي بعض الأحيان كانت ينتهي الفرز بحلول ذلك الوقت، وفي أحيان أخرى لم يكن يحدث هذا؛ وفي ذلك الصباح لم يحدث هذا. والآن بينما كان يسير على الرصيف، رأى ليا وهي تتجه نحوه في نور الصباح المبكر الوضاء. كانت تدفع عربة أطفال تجلس بداخلها طفلة صغيرة يقارب عمرها العامين، وكانت تضرب بقدمَيْها مسندَ القدمين المعدني. وكان هناك طفل آخَر أكثر إدراكًا وكان يتشبث بتنورة أمه، أو بالأحرى بما كان بنطالًا طويلًا برتقاليًّا، ترتدي معه بلوزة بيضاء فضفاضة أشبه بالقميص التحتي. كان شعرها لامعًا بصورة أكبر عن ذي قبلُ، وبَدَتِ ابتسامتها التي لم يَرَها مطلقًا من قبلُ وكأنها تغمره بالسعادة. ربما كانت واحدة من صديقات إيزابيل الجدد اللواتي كنَّ في معظم الأحيان يصغرنها أو وصلْنَ مؤخرًا إلى البلدة، بالرغم من أنه كان هناك القليل ممَّن كنَّ أكبر سنًّا منها، وكنَّ من السكان المتحفِّظين الذين اعتنقوا معتقدات تلك الحقبة الجديدة البرَّاقة؛ فطرحْنَ جانبًا وجهاتِ نظرهن السابقة، وتغيَّرت لغتهن ومالت إلى أن تكون سطحية وبها شيء من الفظاظة. شعر بخيبة أمل عندما لم يعثر على أية مجلات جديدة في مكتب البريد، ولم يكن الأمر أن تلك المجلات كانت تعني الكثير بالنسبة إلى إيزابيل الآن؛ فقد كانت في السابق تهتم بالمجلات التي تتناول جميعها موضوعات جادة تحثُّ على التفكير ولكنها تحتوي أيضًا على رسوم كاريكاتورية بارعة كانت تثير ضحكها. وحتى إعلانات المجوهرات والفراء كانت تجعلها تضحك أيضًا، وكان يتمنى — ولا يزال — أن ترفع تلك الأشياء من معنوياتها، وها قد أصبح لديه الآن شيء ليخبرها به، أَلَا وهو ليا. حيَّتْه ليا بصوت جديد وتظاهرت بالدهشة من أنه قد عرفها، حيث إنها — بحسب قولها — قد كبرت وقاربت أن تكون امرأة عجوزًا. قدَّمَتْ له الطفلة الصغيرة التي لم ترفع بصرها نحوه واستمرت تدق بقدمَيْها على مسند القدمين بصورة إيقاعية منتظمة، وقدَّمَتْ له الصبي الذي شاح بوجهه وراح يتمتم بكلمات غير مفهومة. راحت توبخ الصبي الصغير لأنه لم يكن يريد التوقُّف عن التشبث بملابسها. «نحن على جانب الطريق الآن، يا صغيري العزيز.» كان اسمه ديفيد، والصغيرة تُدعَى شيلي. لم يكن راي يتذكر هذين الاسمين من الجريدة، وكان يعتقد أنهما اسمان عصريان للغاية. قالت إنهم كانوا يقيمون مع والدَيْ زوجها. إنهم ليسوا في زيارةٍ لهما؛ بل هم مُقِيمون معهما. لم يفكر في ذلك إلا لاحقًا، وربما لم يكن يعني شيئًا. «لقد كنا في طريقنا إلى مكتب البريد.» أخبرها بأنه كان عائدًا من هناك لتوِّه، ولم يكونوا قد انتهوا من عملية الفرز بعدُ. «أوه، هذا سيئ. اعتقدنا أنه يمكن أن يكون قد وصل خطاب من أبيهما، أليس كذلك يا ديفيد؟» تعلَّقَ الصبي الصغير بملابسها مرة أخرى. «سننتظر حتى ينتهوا من عملية الفرز؛ فربما يكون هناك خطاب منه.» كان هناك شعور بأنها لا تريد أن تفارق راي بعدُ، ولم يكن هو يريد ذلك أيضًا، لكن كان من الصعب التفكير في شيء آخر ليفتح مجالًا للحوار. قال: «إنني في طريقي إلى الصيدلية.» «أوه، حقًّا؟» «عليَّ شراء بعض الأشياء من هناك من أجل زوجتي.» «أوه، أتمنى ألَّا تكون مريضة.» شعر بعدها كما لو أنه قد أفشى سرًّا، وقال في اقتضاب: «لا، ليس شيئًا خطيرًا.» نظرت خلف راي، وحيَّتْ شخصًا آخَر بنفس الصوت الذي تملؤه البهجة، والذي حيَّتْ به راي منذ لحظات. لقد كان القس الجديد للكنيسة المتحدة، أو الذي تم تعيينه مؤخرًا نسبيًّا، والذي كانت زوجته قد طلبت منزلًا عصريًّا. سألت الرجلين إن كانا يعرف كل منهما الآخر، وردا بالإيجاب، لكنهما تحدَّثا بنبرةٍ تبيِّن أن علاقتهما لم تكن وثيقة، وربما أظهَرَ ذلك بعض الاقتناع من جانبهما بأنه ينبغي أن يكون الأمر كذلك. لاحَظَ راي أن القس لم يكن يرتدي ياقته الإكليريكية. قال القس؛ ربما ظنًّا منه بأنه عليه أن يكون أكثر مرحًا: «أنتما بالطبع لا تريدان أن تزجَّا بي في أي شيء يخالف القانون، أليس كذلك؟» وصافَحَ راي. قالت ليا: «إنني محظوظة؛ فقد كنت أرغب في أن أطرح عليك بعض الأسئلة، وها أنت هنا.» قال القس: «ماذا تريدين؟» قالت ليا: «أنا أقصد إنني كنت أتساءل بشأن مدرسة الأحد؛ فلديَّ طفلان صغيران يشبان الآن وكنت أتساءل عن متى يمكنهما الالتحاق بها، وعن الإجراءات وكل شيء متعلق بذلك.» قال القس: «أوه، فهمت.» استطاع راي أن يلاحظ أن القس أحدُ أولئك الذين لا يفضِّلون القيام بمهامهم الكنسية على الملأ، ولا يرغبون أن يُطرَح عليهم مثل هذه الأمور في كل مرة يسيرون بها في الطريق. لكن القس أخفى عدم ارتياحه قدر استطاعته، ولا بد أن قد وجد بعض العزاء في التحدث إلى فتاةٍ مثل ليا. قال: «علينا أن نناقش ذلك الأمر. فَلْنحدِّد موعدًا في أي وقت يناسبك.» قال راي إنه يجب عليه أن يذهب الآن. وقال لليا: «جميل أن أصادفكِ.» ثم أومأ برأسه إلى القس. وذهب في طريقه وهو يحمل معلومتين جديدتين؛ فهي كانت ستمكث هنا لبعض الوقت، وقد اتضح ذلك من سعيها لإنهاء الترتيبات الخاصة بانضمام طفلَيْها لمدرسة الأحد، كما أنها كانت لا تزال متمسكةً بدينها الذي نشأت عليه. تطلَّعَ لمقابلتها مرةً أخرى لكن ذلك لم يحدث. عندما عاد إلى منزله أخبر إيزابيل عن كيف أن الفتاة قد تغيَّرَتْ، وقالت: «يبدو كل هذا مألوفًا على أية حال.» بدت عصبية بعض الشيء، ربما لأنها كانت تنتظره كي يعدَّ لها قهوتها، والفتاة التي كانت تعاونها لم تصل حتى التاسعة، وكان محظورًا عليها — بعد تعرُّضها لحادث سقوط ماء ساخن عليها — أن تحاول إعداد القهوة بنفسها. ••• حدث تدهور في صحتها، وانتابهما الفزع عدة مرات نتيجةً لذلك حتى حلول وقت عيد الميلاد، ثم حصل راي على إجازة من عمله، وهرعا إلى المدينة حيث يمكنهما إيجاد بعض الأطباء المتخصصين هناك. ودخلت إيزابيل المستشفى على الفور، واستطاع راي أن يحصل على إحدى الغرف المخصَّصة لاستخدام الأقارب ممَّن هم من خارج المدينة. وفجأةً، لم يصبح لديه أي مسئوليات سوى زيارةِ إيزابيل لساعات طويلة كلَّ يوم ومتابَعةِ كيفية استجابتها للعلاجات المختلفة. في البداية، حاوَلَ أن يصرف انتباهها عن مرضها من خلال أحاديثه المَرِحة عن الماضي، أو بإبداء ملاحظات عن المستشفى أو بعض المرضى الذين شاهدهم. كان يقوم بجولات سيرًا على الأقدام تقريبًا كلَّ يوم بالرغم من سوء الطقس، وكان يخبرها أيضًا بكل تلك الجولات. وكان يُحضِر الصحيفةَ معه ويقرأ الأخبار على مسامعها، وأخيرًا قالت: «هذا لطف منك يا عزيزي، لكن يبدو أنني قد تجاوزتُ كلَّ هذا.» ردَّ قائلًا: «ماذا تجاوزتِ؟» لكنها قالت: «أوه، أرجوك.» وبعد ذلك وجد نفسه يقرأ بصمتٍ أحدَ كتب مكتبة المستشفى. قالت: «لا تقلق إنْ أغمضتُ عيني؛ فأنا أعلم أنك موجود هنا.» كانت قد انتقلت منذ فترة وجيزة من وحدة الرعاية الوجيزة الخاصة بالحالات الحَرِجة، إلى حجرةٍ تضم أربع سيدات كنَّ بنحوٍ أو بآخَر في نفس حالتها، بالرغم من أن هناك واحدة منهن كانت تنهض بين الحين والآخَر وتصيح قائلةً لراي: «امنحنا قبلةً.» ثم حدث أن جاء في اليوم التالي ووجد امرأةً أخرى في فراش إيزابيل. اعتقد للحظات أنها قد تُوفيت ولم يخبره أحد بذلك، لكن المريضة الثرثارة الممددة على الفراش المائل بنحو قطري قالت له: «إنها بالأعلى.» وذلك بشيء من البهجة أو الانتصار. وكان هذا هو ما حدث؛ فلم تستطع إيزابيل أن تستيقظ في ذلك الصباح، ونُقِلت إلى طابق آخَر يبدو أنهم يحجبون فيه الأشخاص الذين ليس لديهم أي فرصة في التحسُّن — أو فرصتهم أقل ممَّن يُوضَعون في الحجرة السابقة — ولكنهم كانوا يرفضون الموت. قالوا له: «من الأفضل أن تعود إلى منزلك.» وأخبروه أنهم سيخطرونه حالَ حدوث أي تغيير. كان هذا منطقيًّا؛ فمن جهةٍ، هو قد استنفَدَ كلَّ وقته في مكانِ إقامةِ الأقارب، ومن جهةٍ أخرى، قد استنفَدَ أكثر من الوقت المسموح به بعيدًا عن قوات الشرطة في مافرلي. كل الدلائل كانت تشير إلى أن الشيء الصحيح الذي كان عليه فعله هو العودة إلى البلدة مرةً أخرى. لكنه بدلًا من ذلك مكث في المدينة، وحصل على وظيفةٍ ضمنَ طاقم الصيانة بالمستشفى حيث كان يقوم بأعمال التنظيف، وإزالة الفضلات، وأعمال المسح. وقد عثر على شقة مفروشة، تحتوي على الأشياء الضرورية فقط، والتي لم تكن تبعد كثيرًا عن المستشفى. عاد إلى منزله ولكن لفترة قصيرة فقط، وبمجرد أن وصل إلى هناك، شرع في إجراء بعض الترتيبات لبيع المنزل ومحتوياته، وعهد بذلك الأمر إلى أحد الوكلاء العقاريين، وكان يريد أن ينتهي من ذلك بأسرع ما يستطيع؛ فلم يكن يود أن يشرح أي شيء لأحد؛ فلم يعد يهتم بأي شيء حدث في هذا المكان، وبدا أن كل تلك السنوات التي أمضاها في البلدة، وكل ما يعرفه عنها، قد اختفى تمامًا من ذهنه. لقد سمع شيئًا بينما كان هناك، فضيحةً قد تورَّطَ فيها قس الكنيسة المتحدة الذي كان يريد من زوجته أن تطلقه بسبب ارتكابه جريمة الزنا؛ فارتكابُ جريمة الزنا مع أحد رعايا الأبرشية لهو شيء سيئ بنحوٍ كافٍ، لكن القس، بدلًا من أن يتكتم الأمر ويختفي لتطهير ذاته مما اقترفه، أو للخدمة في أبرشيةٍ في منطقة نائية، اختار أن يتلقَّى العقابَ من منبر الوعظ. وكان لديه الكثير ليعترف به؛ قال إن كل شيء كان زائفًا، وأضاف أنه لم يكن يؤمن تمامًا بكل ما كان يرتله من الأناجيل أو من الوصايا العشر، وأن كل خطبه الواعظة عن الحب والجنس، وتوصياته التقليدية التي تحمل طابع الخجل والمراوغة كلها زيف. إنه رجل حرٌّ طليق الآن، حرٌّ كي يخبرهم بمدى الراحة التي يشعر بها المرء عندما يمجد حياة الروح وحياة الجسد معًا. وبدا أن المرأة التي فعلَتْ به هذا كانت ليا، وقد علم راي من البعض أن زوجها الموسيقي قد عاد ليصطحبها معه منذ فترة، لكنها لم تُرِد الذهاب معه. وألقى هو باللوم على القس، لكنه كان ثملًا ولم يَدْرِ مَن حوله هل يصدِّقونه فيما قال أم لا. لكنْ لا بد أن أمه قد صدَّقَتْه بالرغم من ذلك؛ لأنها طردت ليا واحتفظت بالطفلين. وعلى حد اعتقاد راي، كان كل ذلك مجرد ثرثرة باعثة على الاشمئزاز. جرائم الزنا، وحالات السُّكر، والفضائح؛ لا أحدَ يعرف مَن المصيب، ومَن المخطئ. مَن الذي يمكن أن يهتم؟ لقد شبَّتْ هذه الفتاة كي تتجمَّل وتساوِم، مثلها مثل الباقين. إنه إهدارٌ للوقت، ومضيعةٌ للحياة من أشخاص يسعون فقط وراء الإثارة دون الانتباه لأي شيء آخَر قد يهم. وبالطبع عندما كان بمقدوره التحدث إلى إيزابيل، كانت تغيِّر رؤيته للأشياء؛ فلم تكن إيزابيل تبحث عن إجابات، لكنها كانت بالأحرى تجعله يشعر كما لو أن هناك جوانب أخرى لم يضعها في الحسبان. وفي النهاية كانت تضحك. كان يُحرِز تقدُّمًا جيدًا في عمله، وطلبوا منه أن ينضمَّ لفريق البولينج، لكنه شكرهم وأخبرهم أنه ليس لديه وقت كافٍ. لكنْ في الحقيقة كان لديه متسع من الوقت، لكنه أراد أن يمضيه مع إيزابيل، بانتظار حدوث أيِّ تغيُّرات في حالتها، أيِّ تفسيرٍ لما هي عليه؛ فلم يكن يرغب أن يفوته شيء. اعتاد أن يُذكِّر الممرضات باسمها ويقول: «اسمها إيزابيل.» وذلك إذا ما نادَيْنَها قائلات: «والآن، سيدتي.» أو «حسنًا، أيها السيدة، لنذهب لأعلى.» ثم اعتاد سماعهن وهن يتحدَّثْنَ إليها بتلك الطريقة. وهكذا طرأت بعض التغيرات، على أية حال، لكنها لم تكن تغيرات في حالة إيزابيل، بل إنها حدثت بداخله. ولفترة طويلة، ظل يراها مرةً يوميًّا، ثم جعلها مرةً كلَّ يومين، ثم مرتين في الأسبوع. ••• مرت أربع سنوات، اعتقد خلالها أنها تقترب من تحقيق رقم قياسي، وسأل المسئولين عن رعايتها إنْ كان الأمر كذلك، وأجابوه قائلين: «حسنًا، إنها على وشك ذلك.» تلك هي عادتهم دائمًا المتمثِّلة في عدم الوضوح فيما يتعلق بأي شيء. يغلب على الفكرة التي كانت تسيطر عليه أنها تعي وتفكر، ولم يَعُدْ ينتظر أن تفتح عينَيْها؛ كل ما في الأمر أنه لم يكن يستطيع أن يمضي ويتركها بالمستشفى بمفردها. لقد تغيَّرَتْ من امرأة نحيفة جدًّا، ليس إلى ما يشبه الطفلة بل إلى مجموعة من العظام غير المتجانسة القبيحة المنظر، التي يعلوها بعض الشعر الذي يشبه ريش الطائر، والتي كانت معرضة للموت في كل لحظة مع أنفاسها غير المنتظمة. كانت هناك بعض الحجرات الكبيرة الملحقة بالمستشفى والمخصصة لإعادة التأهيل وممارسة التمرينات الرياضية، وكان يراها في العادة وهي خالية فقط؛ حيث كل الأجهزة موضوعة جانبًا والأضواء مغلقة. ولكنه ذات ليلة، بينما كان يغادر المستشفى، سلك طريقًا مختلفًا عبر المبنى لسببٍ ما ورأى إحدى الحجرات وقد تُرِكت الأضواء مضاءةً بها. وعندما اتجه إليها ليتبيَّن الأمر، رأى أن ثمة شخصًا لا يزال بالداخل. كانت امرأة، كانت تجلس منفرجة الساقين على إحدى كرات التمرين المنفوخة؛ لقد كانت تستريح فوقها فقط، أو ربما تحاول أن تفكِّر أين كان يفترض بها أن تتجه فيما بعدُ. كانت تلك المرأة هي ليا. لم يتعرف عليها في أول الأمر، لكنه نظر ثانيةً وتأكَّد أنها ليا. ربما لم يكن ليدلف إنْ كان عرف مَن هي من البداية، لكنه الآن كان في منتصف الطريق لأداء إحدى مهام عمله المتمثِّلة في إغلاق الأضواء. ورأته. انزلقت من مكانها العالي. كانت ترتدي نوعًا من الملابس الرياضية المخصَّصة للتمرين، وقد اكتسبَتْ بعضَ الزيادة في الوزن. قالت: «كنت أعتقد أني سألتقي بك مصادفةً يومًا ما. كيف حال إيزابيل؟» انتابته بعض الدهشة عندما سمعها تنادي إيزابيل باسمها الأول مجردًا، أو عندما تحدَّثَتْ عنها كما لو أنها كانت تعرفها. أخبرها بإيجازٍ عن حالة إيزابيل؛ فلم تكن ثمة وسيلة أخرى الآن سوى أن يشرح لها الأمر بإيجازٍ. قالت: «هل تتحدث إليها؟» «ليس بالكثير الآن.» «أوه، بل عليك أن تفعل. يجب ألَّا تتوقَّف عن الحديث إليها.» كيف لها أن تعتقد أنها أضحت تعرف الكثير عن كل شيء؟ قالت: «أنت لم تتفاجأ من رؤيتي هنا، ولا بد أنك سمعتَ بكل شيء، أليس كذلك؟» لم يعرف كيف يجيبها على ذلك. قال: «نعم.» «لقد عرفت منذ فترة أنك موجود هنا، وعرفت كلَّ ما حدث لك؛ لذا أعتقد أنك تعلم بأمر تواجُدي هنا أيضًا.» أجابها بأنه لم يكن يعلم. قالت له: «إنني أساعد المرضى — أعني مرضى السرطان — على القيام ببعض التمرينات ليروِّحوا عن أنفسهم، وذلك إنْ كانت حالتهم تسمح بذلك.» قال إنه يعتقد أنها فكرة جيدة. «إنها رائعة، أعني بالنسبة إليَّ أيضًا. إنني أفضلُ الآن على نحوٍ كبير، لكن الأمور تتقافز إلى ذهني في بعض الأحيان؛ أعني خاصة وقت تناول العشاء، فهذا هو الوقت الذي يمكن أن تنتاب فيه المرء مشاعرُ غريبةٌ.» لاحظَتْ أنه لم يفهم ما كانت تتحدَّث عنه، وكانت على استعدادٍ — وربما متلهِّفة — لأنْ تشرح له. «أعني دون وجود الطفلين وكل شيء. أَلَمْ تعلم أن أباهما قد انتزعهما مني؟» قال: «نعم.» «أوه، حسنًا، لأنهم في واقع الأمر اعتقدوا أن أمه يمكن أن تعتني بهما. إنه في مصحة لعلاج مُدْمِني الكحوليات، لكنْ لم يكن الحكم ليكون كذلك لولا أمه.» أخذت تتنشق وانهمرت الدموع من عينَيْها بغير اكتراثٍ تقريبًا. «لا داعي للشعور بالحَرَج؛ فالأمر ليس سيئًا كما يبدو، فأنا أبكي بصورة تلقائية. إن البكاء ليس سيئًا بالنسبة إليك أيضًا ما دمتَ لا تفعله على نحوٍ منتظم بحيث يُعرَف عنك ذلك.» إن الرجل الذي في المصحة كان هو عازف الساكسفون. لكن ماذا عن القس، وماذا كان يجري هناك؟ قالت كما لو كان قد سألها بصوتٍ عالٍ عن ذلك: «أوه، كارل. كان ما حدث بيننا وكل ما هو متعلِّق به غريبًا. لا بد وأني قد جُنِنت حينها.» وأكملت حديثها قائلةً: «تزوَّجَ كارل ثانيةً، وهذا جعله في حالةٍ أفضل. أعني أن ذلك ساعَدَه على أن يتجاوز كل ما فعله معي. إنه لَشيء مثير للضحك. لقد ذهب وتزوَّجَ من قسيسة. لا بد أنك تعلم أنهم يسمحون الآن بأن تكون السيدات قسيسات، أليس كذلك؟ حسنًا، إنها واحدة منهن. إذن فهو في وضع يشبه وضع زوجة القس. أعتقد أن هذا أمر سخيف.» جفت دموعها الآن وابتسمت. كان يعلم أن هناك أشياء كثيرة أخرى ستحدث، لكنه لم يستطع أن يخمِّن ما يمكن أن تكون. «لا بد أنك متواجد هنا منذ فترة طويلة. هل لديك مكان خاص بك تقيم فيه؟» «نعم.» «هل تعدُّ العشاءَ بنفسك وتقوم بكل الأمور الأخرى المشابهة؟» أجابها بأن هذا هو الحال. «إنني أستطيع القيام بذلك بدلًا منك بين الحين والآخر. هل تبدو هذه فكرة جيدة؟» لمعت عيناها وهي تحتضن عينيه. قال إنها ربما تكون فكرة جيدة، لكن في الواقع ليس هناك في شقته سوى مساحة تكفي لأنْ يتحرَّك فيها شخص واحد فقط في المرة الواحدة. ثم قال إنه لم يُلْقِ نظرةً على إيزابيل منذ يومين، وعليه أن يذهب ويقوم بذلك الآن. أومأت برأسها قليلًا كمَن توافقه، ولم يَبْدُ عليها أنها استاءت أو أنه خذَلَها. «أراكَ لاحقًا هنا.» «أراكِ لاحقًا.» ••• كانوا يبحثون عنه في كل مكان؛ فقد رحلت إيزابيل أخيرًا. لقد قالوا «رحلت» كما لو أنها نهضَتْ من فراشها وغادرت. عندما ذهب أحدهم ليُلقِي نظرةً على حالتها منذ ساعة، وجدها كما هي بنفس حالتها دائمًا، لكنها رحلت الآن. وكان كثيرًا ما يتساءل ما الفرق الذي كان سيُحدِثه هذا. لكن الفراغ الذي خلفته وراءها كان فظيعًا. نظر إلى الممرضة في تعجُّب، فاعتقدت أنه كان يريد أن يسألها عمَّا كان عليه أن يفعله بعد ذلك، وبدأت هي بالفعل تشرح له، وراحت تعطيه بعض المعلومات. كان يَعِي ما تقوله جيدًا، لكن ذهنه كان مشتَّتًا. كان يعتقد دائمًا أن ذلك قد حدث لإيزابيل منذ فترة طويلة، لكنه لم يحدث، حتى الآن. لقد كانت موجودة، لكنها لم تَعُدْ هكذا الآن. إنها ليست موجودة على الإطلاق كما لو أنها لم تكن موجودة على الإطلاق من قبلُ. وراح الناس يهرولون من حوله كما لو أنه يمكن التغلُّب على تلك الحقيقة الفظيعة بإجراء بعض الترتيبات المنطقية. هو أيضًا قام بما هو متعارف عليه في مثل هذه الأحوال، ووقَّعَ أينما طُلِب منه وأخذ يرتِّب، كما أخبروه، لاستلام بقاياها. يا لها من كلمة مذهلة! «بقاياها»! كما لو أنها تماثل شيئًا تُرِك ليجف ويتلف في رفِّ خزانة ملطَّخٍ بالسُّخام. وسرعان ما وجد نفسه بالخارج متظاهرًا بأن لديه سببًا مقبولًا وعاديًّا كأيِّ شخصٍ آخَر كي يستمر في حياته. وما كان يحمله معه الآن، كل ما كان يحمله معه، هو ضِيقٌ، شيء يقترب من ضِيقٍ في التنفُّس؛ أيْ إن رئتَيْه لم تكونا تقومان بمهامهما الطبيعية على النحو الأكمل، وهي مشكلةٌ افترَضَ أنها ستستمر معه إلى الأبد. إن الفتاة التي كان يتحدث إليها، والتي كان على معرفةٍ بها من قبلُ، كانت تتحدث عن أطفالها؛ عن فقد أطفالها، وعن محاولة الاعتياد على ذلك. إنها تواجه مشكلةً في وقت العشاء. يمكن أن يُطلَق عليها أنها خبيرة في الفقد، أما هو فيُعَدُّ مبتدِئًا الآن مقارَنةً بها، وهو الآن لم يكن باستطاعته تذكُّر اسمها؛ لقد ضاع اسمها من باله، بالرغم من أنه كان يعرفه جيدًا. الفقد، الضياع. لقد انقلبت المزحة عليه. كان يصعد الدَّرَج المؤدي لمنزله عندما خطرت على باله. ليا. شعر بارتياحٍ لا مثيلَ له عندما تذكَّرَ اسمها. حياتي العزيزة
حفرة الحصى كنا نعيش في ذلك الوقت بجوار حفرة من حصًى. لم تكن حفرة عميقة خلَّفَتْها إحدى الآلات الضخمة، وإنما مجرد حفرة صغيرة لا بد أن أحد الفلاحين قد جنى من ورائها بعضَ المال منذ سنوات مضت؛ إنها في الواقع كانت ضحلة بدرجةٍ تجعلك تعتقد أنه ربما كان هناك غرضٌ آخَر من ورائها؛ كأساسات لمنزلٍ، ربما، لم يُسْتَكمل قطُّ. كانت أمي هي مَن تصرُّ على جذب الانتباه إليها؛ فكانت تقول للناس: «نحن نعيش بالقرب من حفرة الحصى القديمة، بعيدًا عن الطريق الذي توجد به محطة الوقود.» وتضحك من فرط السعادة لأنها خلفت وراءها كلَّ شيء يتعلَّق بالبيت، والشارع، والزوج، والحياة التي كانت تعيشها من قبلُ. أما أنا فبالكاد أتذكَّر تلك الحياة؛ أيْ إنني أتذكَّر جوانبَ منها بوضوحٍ، لكنْ دون الروابط التي يحتاجها المرء لكي يكوِّن عنها صورةً متكاملة؛ فكل ما أتذكَّره عن منزل البلدة كان ورقَ الحائط الموجود في غرفتي القديمة، الذي كانت عليه صورُ الدبِّ تيدي. أما في ذلك المنزل الجديد، الذي كان منزلًا متنقلًا في حقيقة الأمر، فلم يكن لديَّ أنا وكارو أختي، سوى سريرين صغيرين كلٌّ منهما موضوعٌ فوق الآخَر. عندما انتقلنا إلى هناك لأول مرة، كانت كارو تحدِّثني كثيرًا عن منزلنا القديم في محاولةٍ منها لتذكيري ببعض الأشياء. كانت تتحدَّث عن ذلك الأمر عندما كنَّا نأوي إلى الفراش، وبوجهٍ عام كان ينتهي الحديث بعدم مقدرتي على التذكُّر وشعورها هي بالغضب نتيجةً لذلك. وفي بعض الأحيان كنتُ أعتقد أنني تذكَّرْتُ بالفعل، ولكني بدافعٍ من معارضتها فحسب أو خوفي من عدم فهمي الصحيح للأشياء، كنتُ أتظاهر بخلاف ذلك. كان الصيف قد حلَّ عندما انتقلنا إلى المنزل المتنقل، واصطحبنا كلبتنا معنا، وكان اسمها بليتزي. كانت أمي تقول: «إن بليتزي تحب المكان هنا.» وكان ذلك صحيحًا؛ فأي كلبة تلك التي لا تريد أن تستبدل بشارع في بلدة، حتى إنْ كان يضم مُرُوجًا واسعةً ومنازل ضخمة، ذلك الريفَ الرحب؟ راحت تنبح عند مرور أي سيارة كما لو أنها ملكت الشارع، وكانت تُحضِر إلى المنزل بين الحين والآخَر سنجابًا أو مرموط خنزير أرض قتلَتْه. في البداية، كانت كارو تتضايق جدًّا من ذلك الأمر، وكان نيل يتحدَّث إليها شارحًا لها طبيعةَ الكلب ودورةَ الحياة التي يُضطر فيها بعضُ الأشياء أن يأكل أشياء أخرى. جادلَتْه كارو قائلةً: «ولكنها تحصل على طعامها.»، لكن نيل قال لها: «ولكن افترِضِي أنها لم تحصل عليه. تخيَّلِي أننا تركناها جميعًا في أحد الأيام وكان عليها أن تعتمد على نفسها.» قالت كارو: «لن أفعل ذلك. فأنا لن أتركها، وسأظل أعتني بها دائمًا.» قال نيل: «هل تعتقدين ذلك؟» وتدخلت أمي كي تجعله يُغَيِّر مجرى الحوار. كان نيل على استعداد دائمًا كي يتحدَّث عن موضوع الأمريكيين والقنبلة الذرية، وكانت أمي تعتقد أننا غير مؤهلتين لسماع ذلك بعدُ، ولم تكن تعلم أنه حينما كان يثير ذلك الموضوع كنتُ أظنه يتحدث عن نوعٍ من الكعك. كنت أدري أن هناك خطأً ما في ذلك التفسير، لكني لم أكن على استعدادٍ لأنْ أطرح أيَّ أسئلةٍ فيسخروا مني بعدها. كان نيل ممثلًا، وكان يوجد في البلدة مسرح صيفي احترافي، وهو شيء كان جديدًا في ذلك الوقت، وقد تحمَّسَ له البعض، وشعر آخَرون بالقلق حياله خشيةَ أن يجذب إليه الدهماءَ. ولكن أبي وأمي كانا من بين مَن أيَّدوا فكرةَ وجوده، وكانت أمي أكثر انخراطًا في هذا الشأن؛ لأنها كانت تملك متسعًا من الوقت؛ فقد كان أبي وكيلَ تأمينٍ، وكان يسافر كثيرًا. سعت أمي بشتى الطرق لجمع تبرعات من أجل المسرح، وتبرَّعَتْ هي بخدماتها وعملت داخلَه بوظيفة مرشدٍ للمقاعد. كانت حسنةَ المظهر وصغيرةَ السن بدرجةٍ تجعل البعض يظن خطأً أنها إحدى الممثلات. وقد بدأت ترتدي كالممثلات أيضًا، فقد كانت تضع الأوشحة، وترتدى التنانير الطويلة والقلادات المتدلية، وكانت تترك شعرها مسترسلًا، وتوقَّفَتْ عن وضع مساحيق التجميل. بالطبع لم أفهم أو حتى ألاحظ تلك التغييرات بوجهٍ خاصٍّ في ذلك الوقت؛ فأمي بالنسبة إليَّ هي أمي لم يتغَيَّر بها شيء، لكن كارو لاحَظَ ذلك بلا شك، وبالقطع فعل أبي. ومع ذلك، ومن خلال فهمي لطبيعته ومشاعره حيال أمي، فإني أعتقد أنه ربما كان فخورًا وهو يرى كَمْ كانت أمي جميلةً في أنماط اللبس المتحررة تلك، وكيف أنها كانت تماثِل مَن يعملْنَ في المسرح. وعندما تحدَّثَ عن ذلك الوقت، فيما بعدُ، قال إنه كان دائمًا يشجِّع الفنون. يمكن أن أتخيَّل الآن كيف كانت سترتبك أمي وهي تتوارى وتضحك كي تُخفِي إحساسها بالحَرَج، إنْ كان قد قال هذا أمام أصدقائها بالمسرح. لكنْ حدَثَ تطوُّرٌ لم يكن ممكنًا لأي أحد أنْ يتوقَّعه، وربما قد توقَّعَه البعض فيما عدا أبي، ولا أدري إنْ كان قد حدث لأيٍّ من المتطوعين الآخرين غير أمي. إنني أعلم — بَيْدَ أنني لا أتذكَّر — أنَّ أبي كان يبكي وظلَّ طوالَ يومٍ كامل يتتبَّع أمي في المنزل ولا يجعلها تغيب عن عينه، ورفض أن يصدِّقها فيما تقول، وبدلًا من أن تخبره بشيء يجعله في حالةٍ أفضل، أخبرَتْه بما زاد حالته سوءًا. فقد قالَتْ له إن الطفل هو ابن نيل. هل كانت واثقة؟ بالقطع؛ فقد كانت تتابع الأمر جيدًا. وماذا حدث بعد ذلك؟ توقَّفَ أبي عن البكاء، وكان عليه أن يعود لعمله، وحزمَتْ أمي أمتعتَنا واصطحبتنا معها للعيش مع نيل في المنزل المتنقل الذي عثر عليه، وذلك بعيدًا في الريف، وقد أخبرتنا فيما بعدُ أنها قد بكَتْ هي الأخرى لما حدث. لكنها قالت إنها شعرَتْ أيضًا بأنها على قيد الحياة، وربما لأول مرة في حياتها وجدَتْ نفسها تحيا بحقٍّ. شعرَتْ كما لو أنها قد مُنِحت فرصةً أخرى؛ لقد بدأت حياتها من جديد، وتخلَّتْ عن أشيائها الفضية وتلك المصنوعة من الخزف، وديكورات منزلها، وحديقتها المزدانة بالزهور، وحتى الكتب الموجودة في الخزانة الخاصة بها؛ فهي كانت ستحيا الآن ولن تقرأ. لقد تركَتْ ملابسها معلَّقةً في الخزانة، وأحذيتها ذات الكعب العالي في قوالبها، وتركت أيضًا خاتمها الماسي وخاتم الزفاف فوق التسريحة، وكذلك ملابس نومها الحريرية في الدرج الخاص بها. كانت تبغي التجوُّل عاريةً على الأقل لبعض الوقت في الريف، ما دام الجو دافئًا. لكن ذلك لم يفلح؛ لأنها حينما حاولَتْ أن تجرِّب ذلك، ذهبت كارو واختبأت في فراشها، وحتى نيل قال إنه لا يتحمَّس لتلك الفكرة. ••• لكن ماذا كان رأي نيل في كل ذلك؟ كانت فلسفته، كما أوضَحَها لاحقًا، هي الترحاب بأي شيء يحدث؛ فكلُّ شيء هو بمنزلة عطية، ونحن نأخذ ونعطي في المقابل. أرتابُ من الأشخاص الذين يتحدثون على هذا النحو، لكني لا أستطيع الجزْمَ بأني على حقٍّ في ذلك. لم يكن نيل ممثِّلًا بالأساس، ولكنه — كما قال — دخل مجال التمثيل بدافع التجربة، ليرى ما الذي يمكن أن يكتشفه في نفسه من قدرات؛ ففي الجامعة، وقبل أن يترك الدراسةَ فيها، اشترَكَ في مسرحية «أوديب ملكًا» كواحد من الجوقة، وقد راق له ذلك؛ فجميلٌ أن يندمج المرء تمامًا في العمل الذي يؤدِّيه، وأنْ يذوب كليةً مع الآخَرين. ثم حدث في يومٍ من الأيام، بينما كان يسير في أحد شوارع تورونتو، أنِ التقى بصديقٍ له كان في طريقه إلى الاختبار من أجل الالتحاق بوظيفةٍ صيفيةٍ مع فرقة مسرحية جديدة في بلدة صغيرة، فذهب معه؛ إذ لم يكن لديه عملٌ أفضل من هذا يمكن أن يؤدِّيه، والتحق بالوظيفة بينما أخفَقَ صديقه في ذلك. كان سيؤدِّي شخصية بانكو، وفي بعض الأحيان كانوا يجعلون شبحَ بانكو مرئيًّا، وفي أحايين أخرى ما كانوا يفعلون ذلك، لكنهم في تلك المرة كانوا يريدونه مرئيًّا في المسرحية، وكان حجمُ جسم نيل هو المناسب. حجم رائع، شبح قوي البنية. كان يفكِّر في أن يمضي الشتاء في بلدتنا على أية حال، وذلك قبل أن تفجِّر أمي مفاجأتها. كان قد عثر على المنزل المتنقِّل بالفعل، وكانت لديه خبرةٌ كافية في أعمال النجارة تساعده في إعادة تجديد المسرح، وهو العمل الذي سيمكِّنه من سداد تكاليف معيشته حتى فترة الربيع. وكان هذا الحد هو ما كان يتطلع إليه في المستقبل كما اعتاد أن يفكِّر دائمًا. لم تكن كارو بحاجةٍ لأنْ تغيِّر مدرستها؛ فقد كانت تستقل حافلةَ المدرسة عند نهاية الطريق القصير الذي يمر بمحاذاة حفرة الحصى، وكان عليها أن تكوِّن صداقاتٍ جديدةً مع أطفالِ الريف، وربما توضِّح بعض الأمور لأطفال البلدة الذين كانوا أصدقاءها في العام الماضي، ولكن إنْ كانت قد واجهت صعوباتٍ في ذلك، فهذا شيء لم أسمع به قطُّ. كانت بليتزي دائمًا تنتظر قدومها إلى المنزل على قارعة الطريق. لم أذهب إلى الحضانة لأنَّ أمي لم تكن تقتني سيارةً، لكني لم أشعر بالضيق لعدم وجود أطفال آخَرين ألعب معهم؛ إذ كانت كارو كافيةً بالنسبة إليَّ عندما تعود إلى المنزل. وفي أغلب الوقت، كانت أمي على استعدادٍ للهو معي؛ فبمجرد أن بدأت الثلوج تتساقط في هذا الشتاء، صنعت أنا وهي رجلَ ثلجٍ وسألتني قائلةً: «هل ندعوه نيل؟» ووافقتها في ذلك، وألصقنا به بعض الأشياء كي نجعله مُضحِكًا. ثم قرَّرْنا أنني سأندفع خارج المنزل حينما تأتي سيارة نيل وأقول: ها هو نيل، ها هو نيل! مشيرةً حينها إلى رجل الثلج، وهذا ما قمتُ به بالفعل، لكنَّ نيل نزل من سيارته غاضبًا، وراح يصيح بأنه كان من الممكن أن يصدمني بالسيارة. كانت هذه واحدة من المرات القلائل التي رأيته يتصرَّف فيها كأب. لا بد أن أيام الشتاء القصيرة هذه كانت تبدو غريبةً بالنسبة إلي؛ ففي البلدة، كانت الأضواء تُنار وقتَ الغسق. لكن الأطفال يعتادون التغيير سريعًا. كنت أتساءل في بعض الأحيان عن منزلنا الآخر، لكني لم أكن أفتقده في الواقع، أو أود العيش هناك مرةً أخرى، ولكني تساءلتُ فقط أين ذهب. كانت أوقات أمي السعيدة مع نيل تبدأ في الليل؛ فإذا حدَثَ أنِ استيقظتُ وكنتُ أريد أن أذهب إلى الحمام، كنتُ أنادي عليها. كانت تأتيني بسعادةٍ وليس على عجل، وكانت تلف جسدها بقطعة من القماش أو بأحد الأوشحة، وتنبعث منها رائحةٌ كانت ترتبط في ذهني بضوء الشموع، والموسيقى، بل الحب أيضًا. ••• وقع شيء غير مريح بالمرة، لكني لم أحاول أن أفهمه جيدًا في ذلك الوقت. لم تكن كلبتنا بليتزي ضخمةَ الحجم، لكنها أيضًا لم تكن صغيرةً بدرجةٍ يمكن معها إخفاؤها أسفل معطف كارو، ولا أدري كيف نجحت كارو في هذا، ليس لمرة واحدة بل لمرتين. لقد أخفت الكلبةَ تحت معطفها في حافلة المدرسة، وبدلًا من أن تذهب إلى المدرسة، ذهبت ببليتزي إلى منزلنا القديم في البلدة الذي كان يبعد بأقل من مربع سكني واحد. كان هذا هو المكان الذي وجد فيه أبي الكلبة، في الشرفة المغطَّاة، التي لم تكن محكمة الغلق، وذلك عندما عاد إلى المنزل لتناوُل غدائه وحيدًا. كانت مفاجأة كبيرة أن تصل إلى هناك، وأن تجد سبيلها إلى المنزل مثل الكلاب في القصص. أحدثت كارو ضجة كبيرة، وادَّعَتْ أنها لم تَرَ الكلبةَ طوال فترة الصباح، لكنها ارتكبت خطأً عند محاولتها الإقدام على ذلك مرةً أخرى، ربما بعد مرور أسبوع، ولكن هذه المرة، وبالرغم من أنها لم تُثِرْ شكوكَ أحدٍ في الحافلة أو في المدرسة، أثارَتْ شكوكَ أمي. لا أستطيع أن أتذكَّر إنْ كان أبونا قد أعاد بليتزي إلينا أم لا؛ فلا أستطيع تخيُّلَه في المنزل المتنقل أو عند بابه، أو حتى في الطريق المؤدِّي إليه. ربما ذهب نيل إلى منزلنا في البلدة وأخذها، ولم يكن تخيُّل هذا أيضًا أسهلَ على أيِّ نحوٍ. إذا ما جعلت الأمر يبدو كما لو أن كارو كانت حزينةً أو تصنع المكائد طوال الوقت، فليست هذه هي الحقيقة على الإطلاق. وكما ذكرتُ من قبلُ، كانت تدفعني للحديث عن بعض الأشياء عندما نأوي إلى فراشنا بالليل، لكنها لم تكن تُعَبِّر عن شكواها باستمرارٍ؛ فليست من طبيعتها أن تبدو متجهِّمةً؛ فقد كانت حريصةً كلَّ الحرص على أن تعطي للناس انطباعًا جيدًا عنها. فقد كانت تحب أن يحبها الآخرون، وتبغي دومًا أن تبعث في أي مكان جوًّا أشبه بالبهجة والمرح؛ فقد كانت تفكِّر في ذلك الأمر أكثر مما أفعل أنا. وأعتقد الآن أنها كانت أكثر شبهًا بأمي مني. ومن المؤكد أنه حدث نوعٌ من الاستجواب حول ما فعلَتْه بالكلبة، وأعتقد أنني يمكنني تذكُّر بعضه: «لقد فعلتُ ذلك على سبيل المزاح.» «هل تودين الذهاب والعيش مع والدك؟» أعتقد أن هذا السؤال قد طُرِح، وأظن أنها أجابَتْ بالنفي. أما أنا، فلم أسألها عن شيء؛ فما فعلَتْه لم يَبْدُ غريبًا بالنسبة إليَّ. وهذا عادةً هو حال الأطفال الأصغر سنًّا؛ فما يفعله الطفلُ الأكبر الذي يتمتَّع بقوة غريبة لا يبدو استثنائيًّا لمَن هو أصغر منه. كان بَريدُنا يُوضَع في صندوقٍ من الصفيح مثبتٍ فوق أحد الأعمدة على جانب الطريق، وكنت أسير أنا وأمي إلى هناك كلَّ يوم، إلا في الأيام التي يكون فيها الجو عاصفًا بشدة، لنرى ما وصل إلينا من خطابات. وكنا نفعل ذلك بعدما أستيقظ من قيلولتي، وفي بعض الأحيان تكون هذه هي المرة الوحيدة التي نغادر خلالَها المنزلَ طوال اليوم. ففي الصباح، كنا نشاهد برامج الأطفال بالتليفزيون، أو كانت هي تقرأ بينما أشاهِد أنا تلك البرامج. (فلم تتوقَّف أمي عن القراءة لفترةٍ طويلة.) وكنا نسخن بعضًا من الحساء المعلب من أجل الغداء، ثم أخذت أنا قيلولتي، بينما كانت تشرع أمي في قراءة المزيد. لقد زاد حجمها على نحوٍ كبيرٍ الآن بسبب حملها، وكان الجنين يتحرك بالفعل في أحشائها، حتى إنني كنت أشعر بحركته، وكانا سيطلقان عليه اسم براندي — لقد أطلقا عليه بالفعل اسم براندي — سواء أكان ذكرًا أم أنثى. وفي أحد الأيام وبينما كنا نسير عبر الطريق القصير كي نُحضِر البريد، ولم نكن في الواقع نبعد كثيرًا عن صندوق البريد، توقَّفَتْ أمي وظلت ساكنةً في مكانها بلا حراك. ثم قالت لي: «التزمي الهدوء.» بالرغم من أني لم أنبس بكلمة، ولم أكن أجرُّ قدمَيَّ في الثلج بحذائي العالي الرقبة. قلت: «أنا هادئة.» «اصمتي، ودعينا نرجع.» «لكننا لم نأتِ بالبريد.» «لا يهم، سيري فقط.» ثم لاحظتُ أنه لا أثرَ لبليتزي التي كانت تسير دومًا معنا سواء خلفنا أم أمامنا، بل كان هناك كلب آخَر على الجانب المقابل من الطريق على بُعْد أقدام قليلة من صندوق البريد. هاتفَتْ أمي المسرح بمجرد عودتنا إلى المنزل وسمحت لبليتزي، التي كانت تنتظرنا، بالدخول إلى المنزل. لكن لم يجبها أحد. هاتفَتِ المدرسةَ وطلبَتْ ممَّن ردَّ عليها أن يطلب من سائق الحافلة إحضار كارو حتى باب المنزل، واتضح أن السائق لم يكن بإمكانه ذلك لأن الثلوج هطلت عقب آخِر مرة قام فيها نيل بجرْفِ الثلوج عن الطريق القصير، لكنَّ السائق راقَبَها حتى وصلَتْ إلى باب المنزل، ولم يَرَ أحدٌ أثرًا لأيِّ ذئبٍ بحلول ذلك الوقت. وكان نيل يرى أنه لم يوجد من قبلُ أيُّ ذئبٍ في هذه المنطقة، وقال إنه إذا تصادَفَ أنْ كان هناك واحد بالفعل، فإنه لن يمثِّل أية خطورة بالنسبة إلينا لأنه سيكون ضعيفًا، ربما بسبب البيات الشتوي. قالت كارو إن الذئاب لا تدخل في حالةِ بياتٍ شتوي، وأضافت: «هذا ما تعلَّمْناه عنها في المدرسة.» وأرادت أمي أن يشتري نيل بندقية. لكنه قال بهدوء: «هل تعتقدين أنني سأشتري بندقية وأذهب لأصوب النار على ذئبةٍ أمٍّ مسكينةٍ ربما لديها مجموعة من الصغار بالخلف في الدغل، وكل ما تفعله هو محاوَلة حمايتها، تمامًا مثلما تفعلين أنتِ مع صغارك.» قالت كارو: «هما اثنان فقط؛ فهي تنجب اثنين في كل مرة.» «حسنًا، حسنًا. إنني أتحدَّث إلى أمك.» «لكنكَ لستَ متأكدًا من ذلك؛ فأنت لا تدري إنْ كان لديها صغار جائعون أو شيء من هذا القبيل.» لم أتخيَّل مطلقًا أنها يمكنها أن تتحدَّث إليه على هذا النحو. قال: «هوِّني عليك، هوِّني عليك. ولنفكِّرْ في الأمر قليلًا. إن البنادق أشياء مُفزِعة، وإذا ذهبتُ وحصلتُ على بندقية، فماذا عساي أن أقول إذن؟ أقول إن حرب فيتنام كانت خطوة صحيحة؟ وإنني ربما أذهب إلى فيتنام؟» «إنكَ لست أمريكيًّا.» «إنكِ بالطبع لا تريدين أن تُثِيري حفيظتي.» هذا بالتقريب ما دار بينهما من حوار، وانتهى الأمر بعدم ذهاب نيل لشراء بندقيةٍ، ولم نَرَ الذئب قطُّ مرةً أخرى، هذا إنْ كان ذئبًا حقًّا، وأعتقد أن أمي توقَّفَتْ عن الذهاب لإحضار البريد، لكن ربما كان هذا بسبب زيادة حجمها بدرجةٍ لا تُشعِرها بالراحة في القيام بذلك على أية حال. قلَّتِ الثلوج على نحو كبير، لكن الأشجار كانت لا تزال دون أوراق، وكانت أمي تأمر كارو بارتداء معطفها في الصباح، لكنها كانت تعود إلى المنزل بعد انتهاء اليوم الدراسي وهي تجره خلفها. قالت أمي إنها ستضع توءمًا، لكن الطبيب قال إن هذا ليس صحيحًا. قال نيل مؤيدًا فكرة التوءم: «إنه شيء رائع. رائع. الأطباء لا يعرفون شيئًا.» امتلأَتِ الحفرة عن آخِرها بالثلج الذائب وماء الأمطار؛ لذا كان يتعيَّن على كارو أن تسير حولها بحذرٍ وهي في طريقها لتستقل حافلةَ المدرسة. لقد كانت تبدو كبحيرةٍ صغيرة ساكنة تتلألأ أسفل السماء الصافية، وتساءلت كارو — لكن دون الكثير من الأمل — إنْ كان يمكننا أن نلهو فيها. حذَّرَتْها أمي من أن تفقد صوابها، وقالت: «لا بد أنها على عمق عشرين قدمًا.» قال نيل: «ربما عشر.» قالت كارو: «لكنها لن تكون عميقة عند الأطراف.» أخبرتها أمي بأنها كذلك. قالت: «إنها تتضاءل في الحجم فقط. تبًّا لهذا، إن الأمر لا يشبه الذهاب إلى الشاطئ. ابتعدي عنها فحسب.» لقد بدأت تتفوَّه بكلمة «تبًّا» كثيرًا، ربما أكثر مما فعل نيل وبنبرة أكثر سخطًا. سألته: «هل علينا أن نُبعِد الكلبة عنها أيضًا؟» قال نيل إن هذا ليس بمشكلة، مُضِيفًا: «الكلاب بمقدورها السباحة.» ••• وفي أحد أيام السبت، شاهدَتْ كارو معي برنامجَ الأطفال التليفزيوني «العملاق فريندلي»، وصدر عنها بعض التعليقات التي أفسدَتْ متعةَ المشاهدة. كان نيل مستلقيًا على الأريكة التي تُبسَط لتصبح فراشَه هو وأمي. كان يدخن النوع المفضَّل لديه من السجائر، الذي لم يكن مسموحًا بتدخينه أثناء العمل؛ لذا كان يدخِّن أكبر قدرٍ منه في عطلات نهاية الأسبوع. كانت كارو في بعض الأحيان تزعجه وتطلب منه أن تجرب واحدة، وذات مرة تركها تفعل لكنْ طلَبَ منها ألا تخبر أمها. لكن كنت أنا هناك ورأيتُها وأخبرتُ أمي. كان هناك تحذيرٌ لكنه لم يصل إلى حدِّ الشجار. قالت أمي: «أنت تعلم أنه قد يأخذ الطفلتين من هنا في أي وقت. لا تفعل هذا ثانيةً.» قال نيل بلطف: «لن أفعل هذا ثانيةً. لكن ماذا لو أطعمهما بواقي فاسدة من رقائق رايس كريسبيز.» لم نكن نرى أبانا في بادئ الأمر على الإطلاق، وبعد انقضاء عيد الميلاد وضعنا خطةً لرؤيته في أيام السبت، ودائمًا ما كانت أمي تسألنا، بعد أن نزوره، إنْ كنا قد أمضينا وقتًا طيبًا معه أم لا، وكنتُ أرد بالإيجاب دائمًا، وكنت أعني ذلك حقًّا؛ لأنه في اعتقادي إذا ما ذهب المرء لمشاهدة أحد الأفلام، أو التطلُّع إلى بحيرة هورون، أو تناوُل طعامه في أحد المطاعم، فهذا كان يعني أنه قد أمضى وقتًا طيبًا بالفعل. وكانت كارو ترد بالإيجاب أيضًا، لكن بنبرة كانت توحي بأنه ليس من شأن أمي التدخُّل في ذلك. ثم حدث أن أمضى أبي عطلة الشتاء في كوبا (وقد علَّقَتْ أمي على ذلك ببعض الدهشة، وربما بعض الاستحسان)، لكنه عاد وهو يعاني من نوعٍ من الأنفلونزا يحتاج وقتًا طويلًا في الشفاء منه؛ ممَّا أدى إلى انقطاعِ زيارتنا له، وكان من المفترض أن نستأنفها في فصل الربيع، لكنْ لم يحدث ذلك حتى الآن. وبعد أن أُغلِق التليفزيون، أرسلتني أمي أنا وكارو إلى الخارج كي نلهو قليلًا، كما تقول، ونتنسَّم بعضًا من الهواء العليل. وأخذنا معنا الكلبة. وكان أول شيء فعلناه عندما خرجنا من المنزل هو حل تلك الأوشحة التي كانت تلفها أمي حول أعناقنا وسحبها خلفنا. (في الواقع، كانت أمي كلما تقدَّمَتْ في حملها، ازداد ميلها للتصرف كأم تقليدية، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالأوشحة التي لا نحتاجها، أو بتناول وجباتنا بنحو منتظم، بالرغم من أننا ربما لم نكن نربط بين الأمرين؛ فلم يَعُدْ هناك ميلٌ كبير نحو التصرفات الغريبة كما كان الأمر في الخريف.) وسألتني كارو عما أريد أن أفعله، وأجبتُها بأني لا أدري. كان ذلك بمنزلة سؤال شكلي من جانبها، ولكنها كانت إجابة صادقة من جانبي. وعلى أية حال، جعلنا الكلبة تقودنا، وكان اقتراح بليتزي هو الذهاب وإلقاء نظرة على الحفرة. كانت الريح تجعل الماء تضطرب لتكون أمواجًا صغيرة، وسرعان ما شعرنا بالبرد؛ لذا أعدنا ربْطَ الأوشحة حول أعناقنا. لا أدري كم مَرَّ من الوقت ونحن نتجوَّل حول حافة الماء، ونحن نعلم أنه لن يكون بإمكانِ أحدٍ أن يرانا من منزلنا المتنقِّل، وبعد فترةٍ أدركتُ أنني تلقَّيْتُ بعضَ الأوامر بهذا الشأن. فكان عليَّ أنا أعود إلى المنزل المتنقل وأخبر أمي ونيل بشيء. أخبرهما بأن الكلبة سقطت في الماء. أن الكلبة سقطت في الماء، وأن كارو كانت تخشى أن تغرق. بليتزي … تغرق. تغرق. لكن بليتزي لم تكن في الماء. قد تكون. وكارو يمكن أن تقفز كي تنقذها. أعتقد أني أخذت أجادلها فيما يتعلَّق بأنها لم تسقط في الماء، وأنها لم تُلْقِ بها، وأنه يمكن أن يحدث ذلك لكن الأمر ليس كذلك. كما تذكرتُ أيضًا أن نيل قال إن الكلاب لا تغرق. أمرتني كارو أن أفعل ما أملَتْه عليَّ. لماذا؟ ربما أكون قد قلت هذا، أو من الجائز أني وقفت في مكاني فقط ولم أُطِعْ أوامرها؛ في محاولةٍ مني كي أجادل معها ثانيةً. أستطيع أن أراها في ذهني وهي تحمل بليتزي وتقذفها في الماء، بالرغم من أن بليتزي كانت تحاول أن تتشبَّث بمعطفها. ثم رجعَتْ خطواتٍ للوراء، رجعَتْ للوراء لكي تجري مُسرِعةً صوبَ الماء. تجري، وتقفز، وعلى نحوٍ مفاجئ تُلقِي بنفسها في الماء. لكني لا أستطيع أن أتذكَّر صوتَ رذاذِ الماء وهو يتناثر إثرَ ارتطامها بها، لم أَدْرِ إنْ كانت دفقاتُ الماء قليلةً أم كبيرةً، ربما استدرتُ عائدةً نحو المنزل في ذلك الوقت؛ لا بد أني فعلتُ هذا. عندما أحلم بذلك، أراني دائمًا أجري. وفي أحلامي أنا لا أجري نحو المنزل بل نحو حفرة الحصى. يمكنني أن أرى بليتزي وهي تصارع الماء وكارو تسبح نحوها، تسبح بقوة، وهي في طريقها لإنقاذها. أرى معطفها البني الفاتح ذا المربعات، ووشاحها المنقوش، ووجهها الذي تعلوه أمارات الانتصار والفخر، وشعرها المائل لِلَّوْن الأحمر وقد أضحت ضفائرُه داكنةَ اللون بفعل الماء. وكان كل ما عليَّ فعله في نهاية الأمر هو أن أنظر إلى ما يحدث في سعادةٍ، دون أن أكون مُطالَبةً بأي شيء آخَر. لكن ما قمتُ به حينها بالفعل هو أنني اجتَزْتُ ذلك المنحدر الصغير وهرعتُ نحو المنزل المتنقل، وحينما وصلتُ إلى هناك جلستُ، كما لو أنه كان هناك مقعد أو شرفة، بالرغم من أن المنزل المتنقِّل لم يكن به أيٌّ من هذا. جلستُ وانتظرتُ ما كان سيحدث بعد ذلك. أُدرِكُ ذلك لأنه حقيقة، ومع هذا فلا أدري ماذا كانت خطتي أو فيمَا كنتُ أفكِّر. ربما كنتُ أنتظر الحدثَ التالي في مسرحية كارو، أو بالأحرى مسرحية الكلبة. لا أدري إنْ كنتُ قد مكثتُ هناك لمدة خمس دقائق، أم أكثر، أم أقل. ولم يكن الطقس باردًا جدًّا. لقد ذهبتُ لأستشير إخصائية نفسية بشأن هذا وأقنعَتْني، لبعض الوقت، أنه لا بد أنني قد حاولتُ فتح باب المنزل ووجدتُه محكمَ الغلق؛ محكم الغلق لأن أمي ونيل كانا يتضاجعان وقد أغلقاه خشيةَ أن يزعجهما أحد، ولو حدَثَ أنْ قرعتُ البابَ بقوةٍ، لَكانا سيغضبان. شعرَتِ الإخصائية النفسية بالارتياح لأننا توصَّلنا لهذه النتيجة، وشعرتُ أنا أيضًا بهذا، لكنْ لفترة من الوقت؛ لأنني لم أَعُدْ أعتقد أن ذلك كان صحيحًا؛ فلا أظن أنهما قد أغلقا الباب لأنهما لم يفعلا ذلك ذات مرة عندما كانا يتضاجعان، ودلفت كارو إلى المنزل وراحا يضحكان من النظرة التي ارتسمت على وجهها. ربما تذكَّرْتُ أن نيل قد قال ذات مرة بأن الكلاب لا تغرق، وهو ما يعني أن إنقاذ كارو لبلينزي لم يكن له داعٍ؛ لذا فهي في هذه الحالة لن تتمكَّن من الاستمرار في لعبتها. وهناك الكثير من الألعاب، مع كارو. هل اعتقدتُ حينها أن بمقدورها السباحة؟ إن العديد من الأطفال يستطيعون السباحة في عمر التاسعة. وقد اتضح، في الواقع، أنها تلقَّتْ درسًا واحدًا في السباحة في الصيف الماضي، لكننا انتقلنا إلى منزلنا المتنقل فلم تتلقَّ هي المزيد. ربما اعتقدَتْ هي أن بمقدورها السباحة بنحو جيد، وربما اعتقدتُ أنا بالفعل أنَّ بمقدورها أنْ تفعل أيَّ شيء تريده. لم تُشِرِ الإخصائية النفسية إلى أنني ربما أكون قد سئمتُ من تنفيذ أوامر كارو، لكن ذلك كان يَجُول بخاطري بالفعل، على الرغم من أنه ليس صحيحًا تمامًا. ربما قد يكون هذا شعوري لو كنتُ أكبر سنًّا؛ ففي ذلك الوقت كنتُ لا أزال أراها تملأ عالمي. كم مَرَّ من الوقت وأنا أجلس هناك؟ من المرجح أنه لم يكن وقتًا طويلًا، ومن المحتمل أنني قد طرقت الباب بالفعل، بعد فترةٍ؛ ربما بعد دقيقة أو اثنتين. إن أمي تفتح الباب على أية حال في بعض الأحيان دون سبب، لقد كان هذا هاجسًا. ما حدث بعد ذلك أنني دخلت المنزل، وكانت أمي تصيح في نيل وتحاول أن تجعله يفهم شيئًا. نهض من مكانه ووقف هناك وهو يتحدَّث إليها، ملامِسًا إياها في دعةٍ ورِقَّة ونوعٍ من التعزية، لكن أمي لم تكن تريد ذلك على الإطلاق، وابتعدَتْ بنفسها عنه وجرت مُسرِعةً خارج المنزل. هز رأسه ونظر لأسفل نحو قدمَيْه العاريتين، وأصابعهما الضخمة البائسة. أعتقد أنه قال لي شيئًا بنبرة حزن رتيبة. لقد كان غريبًا. وبخلاف ذلك ليس لديَّ أي تفاصيل أخرى. ••• لم تُلْقِ أمي بنفسها في الماء، ولم تَلِد مبكرًا بسبب الصدمة؛ فلم يُولَد أخي برينت إلا بعد مرور أسبوع أو عشرة أيام بعد الجنازة، وقد وُلِد في ميعاده، ولا أعلم شيئًا عن المكان الذي مكثَتْ به في انتظار ولادة الطفل؛ ربما أُودِعَتْ أحد المستشفيات وأعطوها مهدئاتٍ بما يتناسب مع حالتها. إنني أتذكر يوم الجنازة جيدًا؛ لقد اصطحبَتْني سيدةٌ لطيفة ومريحة جدًّا لا أعرفها — اسمها جوسي — في رحلة قصيرة. ذهبنا إلى مكانٍ به بعض الأراجيح وما يشبه بيت الدمى الذي كان كبيرًا بما يكفي كي أدلف داخله، وتناولنا طعام الغداء الذي احتوى على أطعمتي المفضَّلة، لكنه لم يكن بالكثير بحيث أُصَاب بالتخمة. وأصبحت جوسي من الأشخاص الذين توثَّقَتْ صلتي بهم فيما بعدُ. لقد أقام أبي معها علاقةَ صداقةٍ عندما كان في كوبا، وبعد الطلاق أصبحَتْ زوجة أبي؛ أيْ زوجته الثانية. تعافت أمي، وكان لزامًا عليها ذلك؛ فقد كان هناك برينت الذي يجب عليها أن تعتني به، وكذلك أنا لمعظم الوقت. أعتقد أني أقمتُ مع أبي وجوسي حالما تستقر هي في المنزل الذي عزمَتْ على الإقامة فيه لبقية حياتها، ولا أتذكَّر أني أقمتُ مع برينت حتى كبر بدرجةٍ تمكَّنَ فيها من الجلوس في كرسي الطعام العالي خاصته. عادت أمي إلى ممارسة مهامها القديمة في المسرح، وربما كانت تؤدي نفس العمل الذي كانت تؤديه من قبلُ؛ وهو مرشدة مقاعد متطوعة، لكنْ بحلول الوقت الذي التحقتُ فيه بالمدرسة كانت لديها وظيفة بالفعل، بمرتب ثابت، ومسئوليات على مدار العام؛ لقد أصبحَتْ مديرةَ المسرح. واستمر المسرح، على الرغم من مروره بالعديد من التقلُّبات، ولا يزال مستمرًّا حتى الآن. لم يكن نيل يؤمن بالجنازات؛ لذا لم يحضر جنازة كارو، ولم يَرَ برينت مطلقًا. ولقد ترك خطابًا — وقد علمتُ ذلك فيما بعدُ — يقول فيه إنه ما دام لا ينوي أن يتصرَّف كأب، فمن الأحرى أن ينسحب من البداية. ولم أذكر شيئًا عنه مطلقًا لبرينت؛ لأني كنتُ أعتقد أن ذلك الأمر سيُغضِب أمي، وكذلك لأن برينت لم يكن يشبه كثيرًا نيل، بل كان في الواقع يشبه أبي بصورةٍ أكبر، لدرجة أنني تساءلتُ عمَّا حدَثَ وقتما حملَتْ به أمي. ولم يذكر أبي شيئًا عن هذا مطلقًا ولن يفعل؛ إنه كان يعامِل برينت مثلما يعاملني تمامًا، لكنه كان من ذلك النوع من الرجال الذي كان سيفعل ذلك على أية حال. لم يُرزَق هو وجوسي بأي أطفال، لكن في اعتقادي أن ذلك لم يسبِّب لهما أيَّ ضيق. كانت جوسي هي الوحيدة التي تتحدث عن كارو، لكنها لم تكن تفعل ذلك كثيرًا؛ كانت تقول إن أبي لا يحمِّل أمي مسئوليةَ ما حدث، لكنه قال أيضًا إنه لا بد أنه كان شخصًا تقليديًّا عندما أرادَتْ أمي بعض الإثارة في حياتها، وقد كان بحاجةٍ إلى صدمة قوية حتى يفيق، وها قد حدثَتْ. ولا داعي للشعور بالأسى حيالها، فلولا تلك الصدمة ما كان له أن يعثر على جوسي، وأن يحصل الاثنان على ذلك القدر من السعادة التي يعيشان فيها الآن. كنت أقول له: «أي اثنين؟» لمجرد أن أخفِّف من حدة الكلام، وكان هو يقول في غضب: «جوسي، جوسي بالطبع.» لم يكن يمكنني أنْ أجعل أمي تتذكَّر أيًّا من هذه الأوقات، ولم أَشَأْ أنْ أزعجها بذلك. أعلم أنها قد ذهبَتْ بسيارتها عبر الطريق القصير الذي كنا نعيش فيه، ووجدَتْه قد تغيَّرَ كثيرًا؛ حيث شُيِّدت المنازل العصرية التي تراها الآن فوق الأراضي غير المستغَلَّة، وقد ذكرَتْ هذا بشيء من الاحتقار الذي بعثَتْه تلك المنازلُ في داخلها. لقد ذهبتُ أنا بنفسي إلى ذلك المكان، لكني لم أُخبِر أحدًا بهذا؛ كنت أرى أن التقسيم الذي يحدث داخل العائلات هذه الأيام من جرَّاء ذلك لَهُو خطأٌ كبيرٌ. حتى المكان الذي توجد به حفرة الحصى، قد شُيِّد فوقه منزلٌ الآن، وسُوِّيت الأرض تحته. ••• لديَّ صديقة الآن تُدعَى روثان، وهي تصغرني لكني أعتقد أنها أكثر حكمةً مني بعض الشيء، أو على الأقل أكثر قدرةً على مواجَهة حالتي المزاجية المتقلِّبة، ولولا تشجيعها لي، ما كنتُ لأتواصَل مع نيل ثانيةً. بالطبع، ولفترة طويلة، لم تكن لديَّ وسيلةٌ للتواصُل معه، كما لم يكن لديَّ استعدادٌ لذلك، وظلَّ الوضع هكذا لفترة طويلة، حتى راسَلَني هو أخيرًا؛ فقد بعث برسالة قصيرة يُعرِب فيها عن تهانيه لي بعدما رأى صورتي في مجلة «ألوميني جازيت»، ولا أدري ما الذي جعله يتصفَّح تلك المجلة. فقد حصلتُ على إحدى الدرجات العلمية مع مرتبة الشرف، وهي مسألة كانت تُعَدُّ هامةً لكنْ وسطَ دائرة محددة، ولم تكن كذلك خارجَها. كان يقطن على بُعْد خمسين ميلًا تقريبًا من المكان الذي أعمل فيه بالتدريس، والذي تصادف أيضًا أنه كان مكان الجامعة التي كنت أدرس بها، وتساءلت في نفسي: هل كان هناك في ذلك الوقت؟ على مقربة كبيرة مني هكذا؟ هل أصبح أستاذًا؟ لم أكن أنوي في البداية أن أردَّ على رسالته، لكني أخبرتُ روثان بالأمر، وقالت إنه عليَّ أن أفكِّر في الرد عليه؛ وهكذا، كانت النتيجة أنني بعثتُ إليه برسالة إلكترونية، وحدَّدنا موعدًا للمقابلة. كان من المفترض أن أقابله في بلدته، في مكانٍ خالٍ من أي إزعاج بمطعم الجامعة، وحدَّثْتُ نفسي بأنه إذا بَدَا لي شخصًا غير محتمل — ولم أكن أدري تمامًا ما كنت أعنيه بذلك — فبإمكاني أن أتركه وأمضي. وجدته أقصر قامةً مما كان عليه، وهكذا يبدو لنا البالغون في العادة بعدما نكبر. كان شعره خفيفًا، مصفَّفًا بعنايةٍ فوق رأسه. طلب لي قدحًا من الشاي، وكان هو يحتسي قدحًا من الشاي أيضًا. ماذا كان يعمل لكسب عيشه؟ قال إنه كان يعطي دروسًا للطلبة من أجل تأهيلهم للامتحانات، كما أنه أيضًا كان يعاونهم في كتابة المقالات المطلوبة منهم، وبمقدورك أن تقول إنه أحيانًا كان يكتب تلك المقالات لهم، وبالطبع كان يأخذ مقابلَ ذلك. «بمقدوري أن أقول لكِ إن هذا العمل ليس مُربِحًا على نحوٍ كبيرٍ.» أخبرني أنه كان يعيش في أحد المنازل المتواضعة، أو شبه المتواضعة، وقد كان يروق له. وكان يحصل على بعض الملابس من منظمة جيش الخلاص الخيرية، ولم يكن هذا بالشيء السيئ أيضًا بالنسبة إليه. «إن هذا يتناسب مع مبادئي.» لم أهنِّئه على أيٍّ من هذا، ولكني، حقًّا، كنتُ أشك في أنه كان يتوقَّع مني ذلك. «على أية حال، لا أعتقد أن أسلوبي في الحياة أسلوب مشوق جدًّا، وأعتقد أنك ربما تريدين أن تعرفي كيف وقع الأمر.» لم أدرِ كيف أردُّ. قال: «لقد كنتُ حينها واقعًا تحت تأثير المخدرات، وإضافةً إلى ذلك لم أكن أستطيع السباحة؛ فلم يكن هناك الكثير من المسابح في المكان الذي نشأتُ به، وكنتُ سأغرق أنا الآخَر لو حاولتُ إنقاذها. أهذا ما كنتِ تبغين معرفته؟» قلت له إنه في الواقع لم يكن الشخص الذي كنت أتساءل بشأنه. ثم أضحى ثالث شخص أسأله: «في اعتقادك ماذا كان يدور في ذهن كارو؟» كانت الإخصائية النفسية قد قالت إنه ليس بمقدورنا أن نعرف ذلك، وأضافت: «من المرجح أنها هي نفسها لم تكن تعرف ما الذي تريده. أهو جذب الانتباه؟ لا أعتقد أنها كانت تريد أن تُغرِق نفسها. هل كانت محاولةً لجذب انتباهِ الآخَرين لمدى سوء حالتها النفسية؟» وقد قالت روثان: «هل قصدت أن تدفع أمك لفعل ما كانت تريده هي، أم قصدت أن تدفعها لإعادة التفكير في حياتها وأن ترى ضرورة العودة إلى والدك؟» قال نيل: «هذا لا يهم الآن. ربما اعتقدَتْ أنه يمكنها تحريك أطرافها بنحوٍ أفضل مما قامَتْ به، أو ربما لم تدرك كيف أن حجم ملابس الشتاء الثقيلة التي كانت ترتديها من الممكن أن يتسبِّب في غرقها، أو ربما لم يكن هناك أحد في وضْعٍ يسمح له بمساعدتها.» قال لي: «لا تضيعي وقتك. إنك تفكرين فيما كان يمكن أن يحدث لو أسرعتِ وأخبرتنا، أليس كذلك؟ هل تحاولين أن تُلقِي باللائمة على نفسك؟» قلت له إنني فكرت فيما كان يقوله، لكن الأمر ليس كذلك. قال: «المهم أن تكوني سعيدة، بغضِّ النظر عن أي شيء. عليكِ أن تحاولي فقط. إن بمقدورك ذلك، وسيصبح الأمر أخفَّ وطأةً؛ فنحن ليس بأيدينا أن نفعل شيئًا حيال الظروف. قد لا تعتقدين أن ما حدث خير. تقبَّلِي كلَّ شيء كما هو، وسيتلاشى شعورك بالمأساة، أو قد يقل، على أية حال، وها أنت هنا تشقين طريقك بسلاسة في هذا العالم.» ثم ودَّعَني وذهب. ••• فهمت ما كان يقصده، وهو حقًّا الشيء الصحيح الذي ينبغي عليَّ فعله. لكني ما زلتُ أرى كارو في ذهني وهي تجري صوبَ الماء وتقذف بنفسها فيه، كما لو أنها حقَّقَت انتصارًا، وما زلتُ أنا مشدوهةً، بانتظارِ أنْ تفسِّر لي ما حدَثَ، بانتظارِ دفقةِ الماء عند وقوعها فيها. حياتي العزيزة
الملاذ وقع كل هذا في سبعينيات القرن الماضي، بالرغم من أنه في تلك البلدة والبلدات الصغيرة الأخرى المشابهة لها، لم تكن فترة السبعينيات كما نتصوَّرها نحن الآن، أو حتى كما عرفتها أنا في فانكوفر. كان شَعْر الصِّبْية أطولَ من المعتاد قبل ذلك، لكنه لم يكن يتدلَّى على ظهورهم، ولم يَبْدُ أن هناك أيَّ قدرٍ غير معتاد من التحرُّر أو التحدي السافر من جانبهم. بدأ زوج خالتي في مضايقتي بسبب صلاةِ مبارَكةِ الطعام؛ لأني لم أكن أقوم بها. كنت وقتَها في الثالثة عشرة من عمري، وأعيش معه ومع خالتي، وذلك في العام الذي مكث فيه والداي في أفريقيا. إنني لم أَحْنِ رأسي مطلقًا من قبلُ أمام أي طبقِ طعامٍ. قال العم جاسبر بينما كنتُ ممسكةً بشوكة الطعام في الهواء، وتوقَّفْتُ عن مضغ البطاطس واللحم اللذين كانا في فمي بالفعل: «بارِكْ لنا يا رب طعامَنا هذا ليفيد أجسادَنا، وبارِكْنا لنكون في خدمتك.» قال: «هل تشعرين بالدهشة؟» وذلك بعدما أنهى الصلاةَ قائلًا: «بيسوع. آمين.» كان يريد أن يعرف إذا ما كان والداي يردِّدان صلاةً مختلفةً، ربما بعد فروغهما من تناوُل الطعام. قلت له: «إنهما لا يردِّدان أي شيء.» قال: «أَلَا يفعلان حقًّا؟» تفوَّهَ بهذه الكلمات باندهاشٍ مصطنَعٍ، وأضاف: «إنكِ بالقطع لا تعنين هذا؟ كيف لأشخاص لا يتلون صلاةَ مبارَكةِ الطعام أن يذهبوا إلى أفريقيا كي يَعِظوا الوثنيين؟ فكِّرِي في هذا.» بَدَا أن والديَّ لم يقابِلَا في غانا — حيث كانا يعملان كمدرِّسين — أيًّا من الوثنيين؛ فالمسيحية منتشرةٌ بنحوٍ باعث على الدهشة في كل مكان حولهم، ويتجلَّى ذلك حتى في اللافتات الملصقة على ظهور الحافلات. قلتُ، ولسببٍ ما استثنيتُ نفسي: «إن والدَيَّ من الموحِّدين.» هز العمُّ جاسبر رأسَه وطلب مني أن أفسِّر له معنى الكلمة؛ أليسا مؤمنَيْن برب موسى؟ أو برب إبراهيم؟ هما بالقطع ليسا من اليهود ولا المسلمين، أليس كذلك؟ «في الغالب، كل شخصٍ له فكرته الخاصة به عن الإله.» قلتُ ذلك ربما بنحوٍ أكثر حَزْمًا مما توقَّعَ. كان لديَّ أخوان في الجامعة، لكنْ يبدو أنهما لن يصبحا من الموحِّدين؛ لذا كنتُ معتادةً على المناقشات الحادة الدينية — وكذلك تلك التي تحتوي على أفكار إلحادية — حول مائدة العشاء. وأضفتُ قائلةً: «لكنهما يؤمنان بفعل الخير، وبأن يحيا المرء حياةً صالحةً.» لقد أخطأتُ عندما قلتُ هذا؛ فلم يرتسم فقط على وجه زوج خالتي تعبيرٌ ينمُّ عن الارتياب — حيث رفع حاجبَيْه وأومأ برأسه في تعجُّب — وإنما بَدَتِ الكلمات التي خرجت من فمي غريبة حتى بالنسبة إليَّ أنا أيضًا؛ خلتها مجرد كلمات رنانة مفرغة من المضمون. لم أكن راضيةً عن فكرة ذهاب والديَّ إلى أفريقيا؛ فقد كنتُ معترضةً على إلقائي هكذا إلى خالتي وزوجها، وذلك على حد وصفي للأمر، بل إنني ربما كنت سأخبر والديَّ الشديدَي الصبر، أن أعمالهما الصالحة ما هي إلا درب من الحماقة؛ ففي منزلنا كان لنا مطلق الحرية في أن نعَبِّر عن أنفسنا كما يحلو لنا. هذا بالرغم من أنني لا أعتقد أن والديَّ أنفسهما كان سيتحدثان أبدًا عن «الحياة الصالحة»، أو «فعل الخير». شعر زوج خالتي بالرضا للحظةٍ، وقال إنه يجب علينا أن نتوقَّف عن الحديث في هذا الموضوع؛ لأنه هو ذاته بحاجةٍ إلى أنْ يعود إلى عيادته ليمارس أعمالَه الصالحة بحلول الساعة الواحدة. أعتقد أن خالتي أمسكت حينها بشوكتها وشرعت في الأكل. لقد كانت ستنتظر حتى تنتهي تلك المشاحنة؛ قد يكون ذلك بدافع العادة، أكثر منه بدافع الانزعاج من وقاحتي. لقد كانت معتادةً على الانتظار حتى تتأكَّد من أن زوجها قد انتهى من كلِّ ما يبغي قوله، وحتى لو تحدثتُ إليها بطريقةٍ مباشِرة، كانت تنتظر وتنظر إليه لترى إنْ كان يريد أن يُجِيب هو نيابةً عنها. وكان دائمًا كلُّ ما تتفوَّه به مبهجًا، وكانت تبتسم بمجرد أن تعرف أنه لا بأسَ من ابتسامها؛ لذا كان من الصعب أن يعتقد المرء أنها شخصية مقهورة. وكان من الصعب أيضًا الاعتقاد بأنها أخت أمي؛ لأنها كانت تبدو أصغر سنًّا، وأكثر نضارةً وهندامًا، إضافةً إلى أنها كانت دومًا توزِّع تلك الابتسامة الوضاءة. أما أمي فكانت تسبق أبي في الحديث إنْ كان لديها شيء تريد أن تفصح عنه حقًّا، وكان هذا ما يحدث في العادة. وكان أخواي — حتى ذاك الذي كان يقول إنه يفكِّر في اعتناق الإسلام كي يؤدِّب النساء — ينصتان إليها دائمًا معتبِرَيْن إياها مكافئةً لهما. كانت أمي تقول في محاولةٍ منها لأنْ تكون محايِدةً: «إن حياةَ دون مكرَّسةٌ لخدمة زوجها.» أو قد تقول في غلظة: «إن حياتها تدور في فلك هذا الرجل.» كان هذا شيئًا قد قالَتْه في ذلك الوقت، ولم يكن يُقصَد من ورائه دائمًا أي نوعٍ من الإساءة، لكني لم أَرَ امرأةً تبدو بهذا القدر من الصدق كالخالة دون. كانت أمي تقول إن الأمر كان سيختلف تمامًا، بالطبع، لو رُزِقا بأطفال. لنتخيَّل هذا؛ أطفال يعترضون سبيل العم جاسبر، ويسعون بقوةٍ من أجل الحصول على جزءٍ من اهتمام أمهم، وتراهم يمرضون، ويتجهَّمون، ويشيعون الفوضى في المنزل، ويرغبون في تناول طعامٍ لا يفضِّله هو. هذا دربٌ من المستحيل؛ فالمنزل ملكه هو فقط، وقائمةُ الطعام هو الذي يختارها، وكذلك برامجُ التليفزيون والراديو. وحتى لو كان في عيادته بالجوار، أو في زيارةٍ منزليةٍ، يجب انتظار موافقته قبل القيام بأي شيء. لكن شيئًا فشيئًا أدركتْ أن هذا النظام يمكن أن يكون نظامًا مريحًا للغاية؛ فها هي الملاعق والشوكات الفضية الخالصة اللامعة، والأرضيات الداكنة اللون المتلألئة، والأغطية الكتانية الباعثة على الراحة؛ كانت كل تلك الأشياء المنزلية الرائعة تشرف عليها خالتي، وتعمل برنيس الخادمة على نظافتها والحفاظ عليها. كانت برنيس تقوم بكل أعمال الطهي وكَيِّ مناشف المائدة؛ كان كل الأطباء الآخَرين في البلدة يُرسِلون الأغطية الكتانية خاصتهم إلى المغسلة الصينية، بينما كانت برنيس والخالة دون نفسها تعلِّقان أغطيتنا على حبل الغسيل، وهكذا تصبح ذات لون أبيض زاهٍ عند تعرُّضها للشمس، وعَطِرة من أثر الريح، وكذا تجد كل الملاءات وما شابَهها فائقةَ النظافة وذات رائحة جميلة. كان زوج خالتي يرى أن الآسيويين الصفر يضعون الكثيرَ من النشا عند غسلهم تلك الأشياءَ. وكانت خالتي تقول بصوت هادئ يحمل بعض المزاح، كما لو أنه كان يجب عليها أن تعتذر لكلٍّ من زوجها ومَن يعملون في المغسلة: «إن اسمهم الصينيون.» قال زوج خالتي بصوتٍ عالٍ: «بل الآسيويون الصفر.» كانت برنيس هي الوحيدة التي كانت تردِّد تلك الكلمة بصورة تلقائية. وبالتدريج أصبحت أقل ولاءً لمنزلي، بكل ما يَحْوِيه من جديةٍ فكرية وفوضى فعلية. بالطبع، كانت المحافظة على بيتٍ أو ملاذٍ كهذا تستنزف كلَّ طاقة أيِّ امرأةٍ؛ فلا يمكنكِ أنْ تفعلي هذا وأنتِ تكتبين بياناتٍ رسميةً عن الفكر التوحيدي، أو وأنتِ في طريقكِ للهروب إلى أفريقيا. (كنت أقول في بادئ الأمر: «إن والدَيَّ قد ذهبا «للعمل» في أفريقيا.» وذلك في كل مرة كان يتحدَّث فيها أيُّ شخصٍ في ذلك المنزل عن هروبهما، ثم سئمتُ بعد ذلك من تصحيح الأمر.) كانت الكلمة المهمة هنا هي الملاذ. «إن أهم وظيفة لأي امرأةٍ هي أن تكون بمنزلة الملاذ لزوجها.» هل قالت الخالة دون هذا بالفعل؟ لا أعتقد هذا؛ فهي تتجنَّب التصريح بمثل هذه العبارات. ربما قرأتها في واحدةٍ من مجلات الإدارة المنزلية الموجودة في هذا المنزل، والتي كانت ستصيب أمي بالغثيان. ••• في البداية، أخذتُ أستكشف البلدة، وقد عثرتُ على درَّاجة قديمة ثقيلة الوزن في الجزء الخلفي من الجراج، وأخرجتُها كي أقودها دون التفكير في الحصول على إذنٍ بذلك. وبينما كنتُ أهبط أحدَ المنحدرات في طريق مفروش بالحصب حديثًا فوق الميناء، اختلَّ توازني؛ أُصِبتُ بخدوشٍ شديدة في إحدى ركبتَيَّ، وكان عليَّ أن أذهب إلى زوج خالتي في عيادته الملحَقة بالمنزل. تعامَلَ بخبرةٍ مع الجرح، وكان مركِّزًا بشدة في عمله وجادًّا مع بعض الرفق، ولكن دون إظهارِ أي مشاعر، ولا أي نوعٍ من المزاح. قال إنه ليس بمقدوره أن يتذكَّر من أين جاءت تلك الدرَّاجة؛ إنها بمنزلة وحش قديم غادَرَ، وإنني إذا ما كنتُ أحبُّ قيادةَ الدراجات فإنه يمكنني التفكير في إحضار درَّاجة ملائِمة لي. وعندما تعوَّدْتُ أكثر على مدرستي الجديدة، والقواعد المتعلِّقة بما تفعله الفتيات بعدما يَصِلْنَ إلى سنِّ المراهَقة، أدركتُ أنه كان غير مسموحٍ لنا بقيادة الدراجات؛ لذا لم أحصل على واحدةٍ. لكنْ ما أثار دهشتي هو أن زوج خالتي نفسه لم يُثِرْ أيَّ مسألةٍ تتعلَّق بقواعد اللياقة، أو ما ينبغي أو لا ينبغي أن تفعله الفتيات؛ فقد بدا أنه نسي في عيادته أنني شخص بحاجةٍ إلى مَن يقوِّمني في العديد من الأمور، أو لمَن يحثُّني، وخاصةً على مائدة العشاء، على أن أحذو حذْوَ الخالة دون. «هل قدتِ الدراجةَ إلى هناك هكذا بمفردك؟» هذا ما قالَتْه عندما سمعَتْ بالأمر، وأضافَتْ: «عمَّ كنتِ تبحثين؟ لا عليكِ، فسرعان ما سيكون لديك بعض الأصدقاء.» كانت محقة بشأن اكتسابي بعض الأصدقاء، وبشأن الطريقة التي يمكن أن تحد من الأشياء التي كان يمكنني فعلها. لم يكن العم جاسبر مجرد طبيب، لكنه كان طبيبًا ذا مكانة كبيرة؛ فقد كان هو مَن وقف وراء بناء مستشفى البلدة، رافضًا أن يُطلَق اسمه عليه. لقد نشأ فقيرًا، لكنه كان ذكيًّا، وقد درس بالمدرسة حتى يتمكَّن من تحمُّل تكاليف دراسته للطب. وقد أجرى عمليات ولادة، وعمليات استئصال للزائدة الدودية في مطابخ المنازل الريفية، بعدما كان يشق الطريق بسيارته عبر العواصف الثلجية، وحتى في فترة الخمسينيات والستينيات، كانت تقع مثل هذه الحالات. كان يُنظَر إليه على أنه شخص لا يستسلم أبدًا، وكان يعالج حالات تسمُّم الدم والالتهاب الرئوي، وينجح في إنقاذ المرضى في الأيام التي لم تكن قد عُرِفت فيها العقاقير الجديدة بعدُ. ومع هذا، كان يبدو هادئًا في عمله مقارَنةً بأسلوبه في المنزل؛ بَدَا الأمر كما لو أن المنزل في حاجةٍ إلى مراقَبة مستمرة، أما الإشراف في العيادة فلا ضرورةَ له بالرغم من أن المرء قد يعتقد أن العكس تمامًا هو المطلوب. حتى الممرضة التي تعمل هناك لم يكن يوجد في تعاملها معه أي شكل من أشكال الخنوع؛ فهي لم تكن كالخالة دون. أطلت برأسها من باب الحجرة حيث كان يعالج جروحَ ركبتَيَّ، وقالت إنها ستغادر إلى منزلها مبكرًا. «عليك أن تجيب على مكالمات الهاتف، دكتور كاسل. تذكَّرْ أني أخبرتك.» قال: «حسنًا.» كانت بالطبع متقدِّمةً في العمر، ربما تخطَّتِ الخمسين، وامرأةٌ في مثل هذا العمر يمكن أن تحظى بقدرٍ من السلطة. لكني لا يمكنني تخيُّل أن الخالة دون يمكنها أن تحصل أبدًا على هذا القدر. كانت لا تتغير في شبابها الزاهي الذي يحدوه الخوف. وفي أيام إقامتي الأولى معهما، عندما كنتُ أعتقد أن لديَّ الحقَّ في التجوُّل في أي مكان، صعدت إلى غرفة نوم خالتي وزوجها كي أُلقِي نظرة على صورةٍ لها موضوعةٍ على طاولة الفراش التي بجواره. كانت لا تزال تتمتع بتلك المنحنيات الجذابة في جسدها، والشعر المموج ذي اللون الداكن، اللذين كانت تظهر بهما في تلك الصورة، لكنها كانت تضع فوق رأسها قبعة حمراء غريبة الشكل تُخفِي جزءًا من ذلك الشعر، وترتدي كيبًا ذا لون أرجواني. وعندما نزلت للطابق السفلي، سألتها عمَّا كانت ترتديه في تلك الصورة، فردت: «ماذا تقصدين؟ أوه! إنه لباس طالبات التمريض.» «هل كنتِ ممرضة؟» قالت: «أوه، لا.» ثم ضحكَتْ كما لو أن ذلك يحمل قدرًا من الجرأة الشديدة. ثم أضافت: «لم أكمل دراستي في هذا المجال.» «هل هذا هو ما جعلك تلتقين بالعم جاسبر؟» «أوه، لا. لقد كان يمارس الطب قبل ذلك بسنوات عديدة، لقد التقيتُ به عندما كانت زائدتي الدودية على وشك الانفجار. لقد كنتُ أُقِيم عند إحدى صديقاتي — أعني عند عائلة إحدى صديقاتي هنا — وشعرتُ بآلام شديدة لكني لم أَدْرِ كنْهَها، وشخَّصَ هو الحالةَ وأستأصل زائدتي الدودية.» أحمرَّتْ وجنتاها عند هذا الجزء أكثر من المعتاد، وقالت إنه ربما عليَّ ألَّا أصعد إلى غرفة النوم إلا عندما أحصل على إذنٍ بذلك، لكني فهمتُ أن هذا كان يعني أنه ليس من حقي ذلك مطلقًا. «هل ما زالت صديقتك هذه تقيم هنا؟» «أوه، يجب أن تعرفي أن المرء لا يحتفظ بصداقاته بمجرد أن يتزوج.» وتقريبًا في نفس الوقت الذي علمتُ فيه هذه الحقائق، اكتشفتُ أيضًا أن العم جاسبر لديه عائلة، وذلك بخلاف ما كنتُ أعتقد من قبلُ؛ فقد كانت له أخت تحقِّق هي الأخرى نجاحاتٍ كبيرةً، على الأقل من وجهة نظري؛ فقد كانت عازفة؛ عازفة كمان. وكان اسمها مونا، وربما هذا هو اسم الشهرة، أما اسمها الحقيقي الذي عُمِّدَتْ به فهو مود، كان اسمها مونا كاسل. المرة الأولى التي علمتُ فيها بوجودها كانت عندما أقمتُ في البلدة لنحو نصف العام الدراسي، ولمحت في طريق عودتي من المدرسة إلى المنزل ذاتَ يومٍ ملصقًا من الملصقات الموضوعة على نافذةِ مكتبِ الجريدة، يعلن عن إقامة حفل موسيقي في مبنى البلدية بعد أسبوعين، وسيحيي الحفلَ ثلاثة عازفين من تورونتو. كانت مونا كاسل في الإعلان هي المرأة الطويلة القامة ذات الشعر الشائب، وكانت تُمسِك بيدها آلة كمان، وعندما عدت إلى المنزل أخبرت الخالة دون بتشابُه الأسماء، ولكنها قالت: «أوه، نعم. إنها أخت زوجي.» ثم أردفت قائلةً: «لكن لا تذكري شيئًا عن هذا ثانيةً.» ثم شعرَتْ أنَّ عليها أنْ تُفْصِح عن المزيد. «أتعلمين أن زوجي لا يروق له مثل هذا النوع من الموسيقى؛ الموسيقى السيمفونية؟» ثم أضافت المزيد. قالت إن أخته تكبره ببضع سنوات، وقد حدث شيءٌ ما حينما كانا صغيرين؛ فقد رأى بعض الأقارب أنه لا بد من أخذ الفتاة ومنحها فرصةً أفضل لأنها تتمتع بموهبة موسيقية كبيرة؛ لذا فقد شبَّتْ بطريقة مختلفة، ولم تكن ثمة صفات مشتركة بينها وبين أخيها. وقد كان هذا بالفعل هو كل ما تعرفه عنها، وحتى هذا القدرُ الضئيل الذي حكَتْه لي خالتي من القصة، ما كان العم جاسبر ليرضى بأن تقصه على مسامعي. قلتُ: «هل هو لا يحب حقًّا هذا النوع من الموسيقى؟ إذن ما نوع الموسيقى الذي يفضِّله؟» «يمكنكِ القول إنه يفضِّل الأشكالَ الأكثر قدمًا من الموسيقى، لكنْ بالقطع ليس الموسيقى الكلاسيكية.» «هل يحب فرقة البيتلز؟» «أوه يا إلهي، بالطبع لا.» «ولا موسيقى لورنس ويلك؟» «لا يجوز لنا أن نناقش هذا، أليس كذلك؟ لم يكن ينبغي عليَّ الخوض في هذا.» تجاهلتُ ما قالَتْه. «إذن ماذا تفضِّلين أنت؟» «إنني أحب كل أشكال الموسيقى.» «لكن يجب أن تفضِّلي بعض الأشكال على الأشكال الأخرى.» لم تقل شيئًا واكتفَتْ بواحدة من ابتساماتها الصغيرة. كانت ابتسامة يشوبها بعض التوتر، وكانت تشبه تلك الابتسامة التي تمنحها، على سبيل المثال، للعم جاسبر وهي تسأله عن رأيه في طعام العشاء، وإن كانت هذه الابتسامة تنمُّ عن قلقٍ أكبر. وكان في الغالب تقريبًا يعبِّر لها عن استحسانه، لكنْ مع إبداء بعض الملاحظات؛ فكان يقول: جيد، لكنه حار بعض الشيء، أو تنقصه بعض التوابل، وربما كان يقول إنه يحتاج إلى مزيدٍ من النضج، أو إنها قد تركَتْه ينضج لفترة طويلة. وذات مرة قال: «إنه لا يروق لي.» ورفض أن يفصح عن السبب، وتلاشَتِ ابتسامتها ومطَّتْ شفتَيْها وسيطرَتْ على أعصابها بنحوٍ بطوليٍّ. ماذا كان يحتوي هذا العشاء؟ أعتقد أنه كان كاري، لكن ربما اعتقدت كذلك لأن والدي لم يكن يفضِّله، بالرغم من أنه لم تكن تصدر عنه أي شكوى عندما كان يُطهَى. وقد نهض زوج خالتي وصنع لنفسه سندوتشًا من زبدة الفول السوداني، وتأكيده على رأيه هو ما كان يرقى لمستوى الشكوى. ولم تكن خالتي تهدف إلى إثارة استفزازه من خلال تقديم أي نوعٍ من الطعام، وربما كان هناك شيء غير مألوف قليلًا في إحدى المجلات وبدا بمثابة وجبة جيدة. وحسبما أتذكر، تناوَلَ العم جاسبر وجبته عن آخِرها قبل أن يصدر حكمه؛ لذا فما كان يحركه ليس هو الشعور بالجوع، لكنها الحاجة إلى التفوُّه بعبارةٍ تنمُّ بصورةٍ تامة وقوية عن عدم استحسانه لنوع الطعام المقدَّم له. يُخَيَّل إليَّ الآن أنه ربما يكون قد حدث شيء خطأ بالمستشفى في ذلك اليوم؛ فربما تُوفي أحدهم، ولم يكن من المفترض أن يحدث ذلك، وربما لم تكن المشكلة تكمن في الطعام على الإطلاق، لكني لا أعتقد أن ذلك قد خطر على ذهن الخالة دون، وإنْ حدَثَ ذلك بالفعل، فإنها لم تفصح عن شكوكها؛ فقد كانت آسفةً بشدة على ما حدث. ••• في ذلك الوقت، كانت الخالة دون تواجِه مشكلة أخرى، ولكني لم أدركها إلا فيما بعدُ؛ فقد كانت لديها مشكلة مع الزوجين اللذين يقطنان في المنزل المجاور. لقد انتقلا إلى منزلهما الجديد في نفس الوقت الذي قَدِمتُ فيه أنا تقريبًا إلى منزل خالتي. كان الزوج هو المفتش على مدرسة المقاطعة، وكانت الزوجة معلمةَ موسيقى، وقد كانا تقريبًا في نفس عمر الخالة دون، وكان يصغران العم جاسبر. ولم يكن لديهما أطفال أيضًا، ممَّا جعلهما يتفرغان للحياة الاجتماعية. كما أنهما كانا في مرحلة التعرف على مجتمع جديد يبدو فيه كل شيء مُشرِقًا وبسيطًا؛ ومن هذا المنطلق، فقد دعَوَا الخالةَ دون والعم جاسبر إلى منزلهما لتناوُل بعض المشروبات. كانت الحياة الاجتماعية لخالتي وزوجها محدودةً للغاية، ومعروفٌ في المدينة أنها كذلك، حتى إن خالتي لم تعتَدْ أن تردَّ بالرفض لأي دعوة من قبلُ؛ وهكذا، وجدا أنفسهما يزورانهما، ويتناولان المشروبات معهما ويتجاذبان أطراف الحديث، وأتخيَّل أن العم جاسبر قد راقَتْ له تلك المناسبة، على الرغم من أنه لم يغفر لخالتي فداحة جرمها بقبولِ دعوةِ هذه الزيارة. والآن قد أصبحت خالتي في مأزقٍ؛ فقد أدركَتْ أنه حينما يدعوك أحد لمنزله وتذهب بالفعل، فمن المفترض أن ترد أنت أيضًا له الدعوةَ؛ فتقدِّم له المشروبات وكذلك القهوة في المقابل، وليس ثمة داعٍ لإعداد طعام لهم. لكنْ حتى ذلك القدر الضئيل المطلوب لم تَدْرِ كيف تقدِّمه. لم يجد زوج خالتي ما يعيب الجيران، لكنه ببساطة لا يحبِّذ استضافةَ شخصٍ غريبٍ في منزله، تحت أي ظرف. ثم لاحت إمكانيةٌ لحلِّ تلك المعضلة من خلال الأخبار التي أحضرتها إليها؛ فالموسيقيون الثلاثة الذين كانوا سيأتون من تورونتو — والذين من بينهم مونا بالطبع — كانوا سيقدِّمون عرْضَهم في مبنى البلدية لليلةٍ واحدةٍ فقط، وتصادَفَ أنها تلك الليلة التي سيكون فيها العم جاسبر خارج المنزل ويُضطر للبقاء خارجه لوقتٍ متأخِّرٍ بعض الشيء؛ فهي ليلة الاجتماع والعشاء السنويَّيْن العامَّيْن لأطباء المقاطعة. وهي ليست بوليمة، وكانت الزوجات غير مدعوَّات. كان الجاران ينويان حضورَ الحفل الموسيقي، وكان لزامًا عليهما هذا، إذا ما وضعنا في الاعتبار مهنة الزوجة. لكنهما وافقَا على ردِّ الزيارة بمجرد أن ينتهي الحفل الموسيقي، لتناول القهوة والأطعمة الخفيفة، وأن يلتقَوْا — وهو الأمر الذي جاوزَتْ به خالتي حدودَها — الموسيقيين الثلاثة الذين سيأتون للزيارة أيضًا ويمكثون لبضع دقائق. لا أدري القدْرَ الذي أفصحَتْ عنه خالتي بشأن علاقتها بمونا كاسل. وإنْ كان لديها القليل من حُسْن التقدير، فمن المفترض ألَّا تكون قد أفصحَتْ عن شيء. وحُسْنُ التقدير هو شيء تتمتَّع بالكثير منه معظمَ الوقت، وأنا على ثقةٍ من أنها قد أوضحَتْ بالفعل أن زوجها لن يتمكَّن من الحضور في تلك الليلة، لكنها ما كانت لتتجاوز حدودَ المنطق وتخبرهما بأنه ينبغي أن يُخْفَى أمر ذلك اللقاء عنه. وماذا عن إخفائه عن برنيس التي تعود لمنزلها في وقت العشاء، وبالقطع ستشتمُّ رائحةَ تلك الترتيبات؟ لا أدري. والأهم من هذا كله كيف استطاعت خالتي توجيه الدعوة للعازفِين؟ هل كانت على اتصالٍ بمونا طوالَ الوقت؟ لا ينبغي أن أفكِّر على هذا النحو؛ فليس من شِيَمها بالقطع أن تخدع زوجها هكذا على مدًى طويل. أتخيَّل أنها قد تصرَّفَتْ بتهوُّر وكتبَتْ رسالةً وذهبت بها إلى الفندق الذي كان يُقِيم فيه أفراد الفرقة؛ فلم يكن لديها عنوانهم في تورونتو. وحتى عندما دخلت الفندق، لا بد أنها تساءلَتْ عمَّن يمكن أن يكون قد لمحها، وتضرَّعَتْ للرب بألَّا تصل الرسالةُ إلى المدير، الذي كان يعرف زوجها، لكن الموظفة الجديدة، التي كانت سيدة شابة، كانت غريبة بعض الشيء عن البلدة، وربما حتى لا تعرف أنها زوجة الطبيب. وربما تكون قد ألمحَتْ للعازفين أنها لا تتوقَّع أن يمكثوا إلا لفترة قليلة؛ حيث إن الحفلات الموسيقية مُتعِبةٌ للغاية، ويكون على العازفين فيها أن يشقُّوا طريقَهم إلى بلدةٍ أخرى مبكرًا في صباح اليوم التالي. لكن لماذا تحمَّلَتْ تلك المخاطَرة؟ لماذا لم تستقبل الجارين فقط وترحِّب بهما بنفسها؟ من الصعب التكهُّن بذلك. ربما شعرَتْ بأنْ ليس بمقدورها إدارة الحوار بمفردها؛ ربما أرادَتْ أن تُظهِر لمحةً من الصداقة أو القَبُول لأخت زوجها، التي لم تلتقِ بها مطلقًا من قبلُ على حد علمي. لا بد أنها كانت تشعر بالارتباك بسبب تآمُرها ذلك، فضلًا عن قلقها الشديد وتضرُّعها بأن يسير كلُّ شيء كما تريده، وأن يحالفها الحظ خلال الأيام السابقة على اللقاء، عندما كانت هناك خطورة بأن يكتشف العم جاسبر الأمرَ عن طريق الصدفة؛ فقد يلتقي بمعلمة الموسيقى، على سبيل المثال، في الشارع، وتشرع في التعبير له بحماسٍ عن شكرها وترقُّبها لِلِّقاء. ••• لم يكن العازفون يشعرون بإرهاقٍ شديد بعد انتهاء الحفلة الموسيقية، كما قد يعتقد المرء، ولم تثبط همتهم بسبب صِغَر عدد الجمهور في مسرح مبنى البلدية، وهو الأمر الذي ربما لم يمثِّل مفاجأةً؛ فحماسُ الجارين، والدفْءُ الذي كان يشعُّ من غرفة المعيشة (حيث كان مبنى البلدية شديد البرودة)، وكذلك توهُّج الستائر القطيفة ذات اللون الأحمر الفاتح، التي كانت تبدو ذات لون كستنائي باهت أثناء النهار لكنها كانت باعثة على البهجة بعد أن يحل الظلام؛ كل تلك الأشياء كانت كفيلةً برفع معنوياتهم؛ فالوحشة التي لمسوها بالخارج كانت تتناقض مع ما شعروا به في الداخل، وقد أدَّتِ القهوة التي قُدِّمت إلى أن يسرِي الدفْءُ في أوصال أولئك الغرباء الذين أعياهم الطقس السيئ، فضلًا عن خمر الشيري الذي أعقب القهوة؛ فقد قُدِّم خمر الشيري أو البورت في كئوس من الكريستال ذات أحجام وأشكال ملائمة، بجانب قِطَعِ الكعك الصغيرة المزيَّنة بشرائح جوز الهند، والبسكويتِ الناعم الذي على شكلِ مُعَيَّنٍ أو هلالٍ، وبسكويتِ ويفر الشوكولاتة. إنني لم أرَ مثل هذه الأشكال من قبلُ؛ فأبواي كانا يُقِيمان حفلاتٍ يتناول فيها الضيوفُ الفلفلَ الحار في أواني من الفخار. ارتدَت الخالة دون ثوبًا ذا تصميمٍ بسيط مصنوع من قماش الكريب باللون القرنفلي المائل لِلَّون الأصفر، وكان من ذلك النوع من الثياب الذي يمكن أن ترتديه امرأةٌ أكبر سنًّا منها ويجعلها وقورةً في ثوبٍ لا يخلو من زينة، لكن خالتي كانت تبدو وكأنها تشارِك في احتفالٍ فاضحٍ بعض الشيء. وكانت جارتها متأنقةً هي الأخرى، وربما بصورةٍ أكثر ممَّا تتطلَّبها المناسبة. أما الرجل القصير الممتلئ الذي كان يعزف على آلة التشيلو، فقد ارتدى بذلة سوداء، ورابطة عنق فراشية الشكل أنقذَتْه من أن يظهر بمظهر متعهِّد دفْنِ الموتى، وارتدَتْ عازفةُ البيانو، التي كانت زوجته، ثوبًا أسود اللون به الكثير من الكشكشة التي لا تلائم قوامَها العريض. لكن مونا كاسل كانت مُشرِقةً كالقمر بفستانها الانسيابي ذي الحِلَى الفضية؛ كانت ذات قوام ضخم، وأنف كبير كأنف أخيها. لا بد أن الخالة دون قد أعَدَّتِ البيانو، وإلا لما التفوا حوله هكذا. (وإذا ما بَدَا أن وجود البيانو في المنزل شيء غريب، مع الوضع في الاعتبار آراء عمي عن الموسيقى التي سرعان ما سيكشف عنها، فلا يسعني إلا أن أقول إنَّ كل المنازل التي من نفس طرازِ منزلِ خالتي، وتنتمي لنفس الفترة التي كان موجودًا فيها؛ كان يجب أن تضم واحدًا.) طلبت جارتنا أن تستمع إلى مقطوعة «موسيقى الليل الصغيرة» لموتسارت، وقد أيَّدْتُها في طلبها كنوعٍ من التباهي؛ والواقع أنني لم أكن أعرف شيئًا عن المقطوعة الموسيقية سوى عنوانها فقط، وذلك من خلال دراستي لِلُّغة الألمانية في مدرستي القديمة بالمدينة. ثم طلب الزوج أن يستمع لمقطوعةٍ ما، وبالفعل عزفه العازفون، وعندما انتهوا طلَبَ الصفْحَ من الخالة دون بسبب وقاحته لأنه أسرع بطلبِ عزْفِ مقطوعته المفضَّلة قبل أن يتسنَّى للمضيفة أن تطلب اللحنَ الذي تُفضِّل سماعَه. قالت الخالة دون إنَّ عليه ألَّا ينزعج بشأنها، فإنه يروق لها سماع كل شيء، ثم غرقت في موجةٍ من الخجل الشديد. ولا أدري إذا ما كانت تهتم بالموسيقى على الإطلاق، لكنْ بَدَا الأمر بالقطع كما لو أنها تشعر بالإثارة بشأن شيءٍ ما؛ ربما لأنها مسئولةٌ شخصيًّا عن هذا اللحظات، عن تلك البهجة المنتشرة في المكان. هل يمكن أن تكون قد نسيَتْ، لكن كيف يتسنَّى لها هذا؟ ينتهي اجتماع أطباء المقاطعة، العشاء السنوي، وكذلك انتخاب المسئولين في الغالَب بحلول العاشرة والنصف، وقد أضحت الآن الحادية عشرة مساءً. لقد فات الأوان، لقد فات الأوان. ولاحَظَ كلانا تأخُّرَ الوقت. ••• إن الباب الخارجي الحاجز كان يُفتَح آنئذٍ، ثم الباب المؤدي إلى البهو الأمامي، ودون أن يتوقَّف العم جاسبر هناك كعادته كي يخلع حذاءَه العالي الرقبة، أو معطفه الثقيل أو وشاحه، دلف بخطًى واسعة إلى غرفة المعيشة. لم يتوقَّف العازفون الذين كانوا في منتصف عزفهم لإحدى القِطَع الموسيقية، وحيَّا الجاران زوجَ خالتي بابتهاجٍ لكنْ بصوت خفيض مراعاةً للموسيقى التي كانت تُعزَف. وقد بَدَا بضِعْف حجمه الحقيقي بمعطفه الذي فكَّ أزراره، ووشاحه الذي حله، وبحذائه العالي الرقبة الذي كان لا يزال يرتديه. حدَّقَ بغضب، لكنْ لم تكن نظراته مصوَّبةً نحو شخصٍ بعينه، ولا حتى نحو زوجته. ولم تكن هي تنظر باتجاهه، وقد شرعت في رفع الأطباق من المائدة التي بجوارها واضعةً كلَّ طبقٍ فوق الآخَر، ولم تلحظ حتى وجود بقايا الكعك التي تفتَّتت بدورها عند وضع الأطباق بعضها فوق بعض. وبخطواتٍ ليست بسريعة أو وئيدة، سار عبر غرفة المعيشة المزدوجة، ومنها إلى غرفة الطعام، ومر عبر الباب الدوار إلى المطبخ. كانت عازفة البيانو تجلس ويدها ساكنة فوق مفاتيح البيانو، وقد توقَّف عازف التشيلو عن عزفه، أما عازفة الكمان فقد استمرت في العزف بمفردها؛ ولا أدري حتى الآن إن كانت تلك طريقة عزف المقطوعة، أم أنها كانت تهزأ به عن عمد. لم ترفع بصرها — بقدر ما أستطيع أن أتذكَّر — لمواجهة ذلك الرجل المتجهِّم، واهتزَّ رأسها الضخم، الذي كان يكسوه الشعر الأبيض الذي يشبه شعره، لكنه كان أكثر جفافًا وتلفًا بفعل الطقس السيئ بعض الشيء، لكن ربما كانت تهتزُّ طوالَ الوقت من قبلُ. عاد وهو يحمل في يده طبقًا مليئًا بقِطَع لحم الخنزير وحبات الفاصوليا. لا بد أنه فتح لتوِّه إحدى عبوات الطعام المعلَّب وأفرَغَ محتوياتها باردةً في الطبق. لم يأبه بخلع معطفه الثقيل، وشرع في تناوُل الطعام كما لو كان يجلس بمفرده ويشعر بالجوع، وظل كما هو لا يتطلَّع إلى أحدٍ وإنما كان يُحدِث ضجيجًا بشوكة الطعام. قد تعتقد أنهم لم يقدِّموا ولو القليل من الطعام في الاجتماع والعشاء السنويَّيْن لأطباء المقاطعة. لم أَرَه يأكل على هذا النحو مطلقًا من قبلُ؛ فسلوكياته على المائدة كانت دومًا تحمل بعض الغطرسة، لكنها كانت مهذَّبة. انتهت المقطوعة التي كانت أخته تعزفها، ربما بعد أن عُزِفت بالكامل، وقد انتهت قبل إحضار العم جاسبر لحمَ الخنزير والفاصوليا بقليلٍ. نهض الجاران واتجها نحو البهو الأمامي وارتديا ملابس الخروج وأومآ برأسَيْهما مرةً واحدةً تعبيرًا عن وافر امتنانهما، وذلك بعد أن تملَّكَهما اليأسُ من البقاء. والآن شرع العازفون في المغادرة لكن دون عجالة؛ فعليهم حَزْم الآلات الموسيقية أولًا بنحوٍ مناسب، حيث لا يمكن أن تُدَسَّ بنحوٍ عشوائي فحسب في حقائبها. لقد رتَّبَ العازفون أشياءَهم بطريقتهم التي لا بد أنها المعتادة وبصورة منظَّمة، ثم رحلوا هم أيضًا بعد ذلك. لا يمكنني تذكُّر شيء آخَر ممَّا قيل بعد ذلك، وما إذا كانت الخالة دون قد استجمعت شتات نفسها كي تعبِّر عن شُكْرِها لهم، أو تَتْبَعهم حتى باب المنزل؛ فلم يكن بإمكاني أنْ أُعِير ذلك اهتمامًا لأن العم جاسبر قد شرع في الحديث بصوتٍ عالٍ جدًّا، والشخص الذي وجَّهَ إليه كلامَه هو أنا. أعتقد أنني أتذكَّر أن عازفة الكمان صوَّبَتْ إليه نظرَها حينما شرع في الحديث، لكنه تجاهَلَها تمامًا أو ربما لم يَرَها من الأساس. لم تكن نظرةً تنمُّ عن الغضب كما يتوقَّع المرء، أو حتى تُوحِي بالدهشة؛ لقد كانت متعبةً بشدة فحسب، وكان وجهها باهتًا بصورةٍ ربما لا يتخيَّلها المرء. قال العم جاسبر موجِّهًا حديثَه نحوي كما لو أنه لا يوجد غيري بالمكان: «والآن أخبريني: هل يستمتع والداكِ بمثل هذه الأشياء؟ أعني، هذا النوع من الموسيقى؟ الحفلات الموسيقية وما شابَهَها؟ هل دفَعَا نقودًا من قبلُ من أجل الجلوس لساعتين وهم يتململان من التعب في مقعدَيْهما من أجل الاستماع لشيءٍ لن يتذكَّراه بعد انقضاء نصف يوم فقط؟ هل يدفعان النقودَ هكذا ببساطةٍ لكي يُخدَعا على هذا النحو؟ هل تعرفين إنْ كانا يفعلان ذلك أم لا؟» أجبتُ بالنفي، وكانت هذه هي الحقيقة؛ فلم أَرَهما يذهبان إلى حفلة موسيقية من قبلُ، بالرغم من أنهما كانا يحبان الحفلات الموسيقية بوجهٍ عام. «أرأيتِ؟ إنهما يتحليان بقدرٍ كبير من التعقُّلِ؛ الكثيرِ من التعقُّل الذي يمنعهما من الانضمام إلى كل هؤلاء الأشخاص الذين يُحدِثون كلَّ ذلك الهرج والتصفيق، ويستمرون في تلك الحماقة كما لو أن الأمر من إحدى عجائب العالَم، هل تعرفين تلك النوعية من الأشخاص التي أعنيها؟ إنهم كاذبون، مجرد كومة من روث الخيول؛ إنهم يفعلون ذلك على أمل أن يبدوا من أبناء الطبقة العليا، أو على الأرجح أن يجعلوا زوجاتهم يظهرْنَ بمظهرِ مَن ينتمينَ للطبقة العليا. تذكَّرِي ذلك عندما تخرجين إلى العالم. اتفقنا؟» وافقتُه في ذلك. إنني لم أشعر بالدهشة على الإطلاق حيال ما قاله؛ إن الكثير من الأشخاص كانوا يفكِّرون على هذا النحو، وبخاصةٍ الرجال؛ فهناك الكثير من الأشياء التي يبغضها الرجال، أو التي ليس لها أي فائدة، كما كانوا يقولون. وهذا شيء صحيح تمامًا؛ فهم لا يرون طائلًا من ورائها؛ ومن ثَمَّ فهم يكرهونها. وربما كان ذلك هو نفس شعوري تجاه علم الجبر؛ فأنا أشكُّ بشدةٍ في أنه سيكون له أي استخدامٍ بالنسبة إليَّ. لكني لم أرغب في تجاوُز الحدود بالرغبة في أن يُمحَى هذا العلمُ من الوجود تمامًا من أجل ذلك السبب. ••• عندما هبطتُ للأسفل في الصباح، كان العم جاسبر قد غادَرَ المنزل بالفعل، وكانت برنيس تنظِّف الأطباق في المطبخ، والخالة دون تضع الكئوس الكريستالية في الخزانة المخصَّصة للأواني الخزفية. ابتسمَتْ لي لكنْ لم تكن يداها ثابتتَيْن تمامًا؛ لذا اصطكَّتِ الأكواب بعضها ببعض قليلًا مُحدِثةً صوتًا تحذيريًّا. قالت: «إن منزل الرجل هو قلعته الحصينة.» قلتُ لها كي أروِّح عنها: «هذه توريةٌ، إنك تقصدين العم كاسل (في إشارةٍ إلى النطق المتشابِه لاسمه ونطق المقابل الإنجليزي لكلمة «قلعة» في العبارة السابقة).» ابتسمتُ ثانيةً، لكني أعتقد أنها لم تكن تعرف حتى ما الذي أتحدَّث عنه. قالت: «عندما تكتبين لأمك في غانا، لا أعتقد أنه ينبغي أن تذكري لها … أعني أنني أعتقد أنه لا ينبغي أن تذكري لها تلك المشكلة البسيطة التي حدثت ليلة أمس؛ أعني أنها عندما ترى الكثير من المشكلات الحقيقية، والناس الذين يتضوَّرون جوعًا وكل تلك الأشياء، فسنبدو أمامَها أشخاصًا تافهين متَّسِمين بالأنانية.» لقد تفهمتُ ما قالَتْه، لكني لم أهتم أن أقول لها إنه حتى الآن لم تَرِد أنباء بأن هناك مجاعةً في غانا. وعلى أية حال لم أرسل لوالدَيَّ أية خطابات إلا في الشهر الأول فقط، وكانت مليئةً بالوصف الساخر والشكوى؛ أما الآن فقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا بدرجةٍ يصعب شرحها. بعد حوارنا عن الموسيقى، أضحى تعامُل العم جاسبر معي أكثر احترامًا؛ فقد كان يستمع لآرائي عن الرعاية الصحية التي تقدِّمها الحكومة كما لو أنها آرائي وليست مستقاة من آراء والدَيَّ. وقال ذات مرة إنه من دواعي سروره أن يجد شخصيةً ذكيةً مثلي يتجاذب معها الحديث أثناء تناوُل الطعام، وقد وافقَتْه خالتي الرأي، لمجرد أن تبدو شخصيةً لطيفةً، لكن عندما ضحك بطريقة غريبة، احمرَّ وجهها خجلًا. كانت معاملتُه لها قاسيةً في تلك الفترة، لكنْ بحلول عيد الحب كان قد سامَحَها، وتلقَّتْ منه هديةً وهي عقد من عقيق الهيلوتروب، ممَّا جعلها تبتسم وتتنحى جانبًا لتذرف في نفس الوقت دموعًا تنمُّ عن ارتياحها. ••• إن شحوبَ وجه مونا الشديد، وبروزَ عظامها التي لم ينجح ثوبها الفضي في إخفائه؛ ربما كانا من علامات مرضها. لقد أعلنَتِ الجريدة المحلية عن موتها في ذلك الربيع مع ذِكْرٍ للحفل الموسيقي الذي قدَّمَتْه في مبنى البلدية. أعادت جريدة تورونتو نشر النعي الخاص بها بجانب لمحةٍ عن مسار حياتها بَدَتْ ملائمةً لتعزيز مكانتها، إنْ لم تكن جيدةً جدًّا. وعبَّرَ العم جاسبر عن دهشته، لكن ليس حيال موتها، إنما لأنها كانت ستُدفَن في تورونتو. ستقام مراسم الجنازة والدفن في كنيسة هوزاناس التي تقع على بُعْد أميالٍ قليلة من شمال بلدته؛ أيْ في الريف. لقد كانت كنيسةَ العائلة عندما كان العم جاسبر ومونا/مود صغيرَيْن، وكانت كنيسة أنجليكانية. كان العم جاسبر والخالة دون من رعايا الكنيسة المتحدة آنئذٍ، كما كان يفعل معظم الموسرين في البلدة حينها، وكان رعايا تلك الكنيسة متشدِّدين في معتقداتهم، لكنهم لم يعتقدوا أنه ينبغي عليهم أن يذهبوا للكنيسة كلَّ أحدٍ، وكانوا لا يرون أن الرب يغضب من تناوُل أحدهم كأسًا من الخمر بين الحين والآخَر. (كانت برنيس، الخادمة، تذهب إلى كنيسةٍ أخرى وتعزف على آلة الأرغن هناك، وكانت رعايا تلك الكنيسة صغار العدد وغريبي الأطوار؛ فقد كانوا يتركون منشورات عند أبواب المنازل في البلدة، وكانت تضم قوائمَ بأسماء الأشخاص الذين سيذهبون إلى الجحيم، الذين لم يكونوا من الأشخاص العاديين، إنما من الأشخاص المعروفين مثل رئيس الوزراء بيير ترودو.) قال العم جاسبر: «إن كنيسة هوزاناس لم تَعُدْ تُقِيم أيَّ طقوسٍ دينية، فما الجدوى من إحضارها إلى هنا؟ فلا أعتقد حتى أن ذلك مسموح به.» لكن اتضح أن الكنيسة قد فتحت أبوابها لممارسة كل الطقوس الدينية؛ فالأشخاص الذين كانوا يتردَّدون عليها في شبابهم كانوا يفضِّلون الذهابَ إليها لإقامة مراسم الجنازات، وفي بعض الأحيان كانوا يُزوِّجون أولادَهم فيها. كانت بحالةٍ جيدة من الداخل، بفضْلِ هبةٍ بمبلغ كبير أوصى بها أحدُ رعاياها لتطويرها، وكانت وسائلُ التدفئة بها عصريةً. ••• وصلنا أنا والخالة دون إلى هناك بسيارتها، وكان العم جاسبر مشغولًا حتى آخِر لحظة. لم أحضر من قبلُ أيَّ جنازات؛ فلم يكن أبواي يعتقدان أن الطفل بحاجةٍ إلى أن يمر بتجربةٍ كهذه، حتى إن كان يُشار إليها — حسبما أتذكر — في محيط معارفهم بتأبين الميت. لم تتشح الخالة دون بالسواد، كما كنتُ أتوقَّع، وإنما كانت ترتدي بذلةً من اللون الأرجواني الفاتح الهادئ، وسترةً من جلد الحمل الفارسي، وقبعةً صغيرة مستديرة تماثلها. كانت تبدو جميلةً للغاية، وبَدَا أن معنوياتها كانت مرتفعةً بدرجةٍ لم تستطِعْ إخفاءها. لقد انتهت من مشكلةٍ كانت تؤرِّقها؛ الخلاف الذي كان بينها وبين العم جاسبر؛ وهذا الأمر جعلها تشعر بالسعادة. لقد تغيَّرَ بعض أفكاري خلال الفترة التي قضيتُها مع خالتي وزوجها؛ فعلى سبيل المثال: لم أَعُدْ شخصيةً غير ناقدة لأشخاصٍ مثل مونا، أو لمونا نفسها، ولموسيقاها، وحياتها المهنية. فلم أَعُدْ أعتقد أنها شخصية استثنائية، أو كانت كذلك، لكني أستطيع أن أتفهَّم كيف أن بعض الأشخاص قد يرونها كذلك. ولم تكن المسألة تتعلَّق ببنيتها الضخمة، وأنفها الأبيض الضخم، والكمان والطريقة المضحكة التي تحمله بها؛ وإنما الأمر يتعلَّق بالموسيقى نفسها وحبها الشديد لها. إن ولع المرأة الشديد بشيءٍ ما قد يجعلها تبدو سخيفةً. لكن ذلك لا يعني أنني اعتنقتُ طريقةَ تفكيرِ زوج خالتي بالكامل؛ إنما كلُّ ما في الأمر أنها لم تَعُدْ غريبةً جدًّا بالنسبة إليَّ كما كانت من قبلُ. بينما كنتُ أنسلُّ ذات مرة من أمام غرفة نوم خالتي وزوجها المغلقة في الصباح الباكر في أحد أيام الآحاد، وأنا في طريقي لكي أحضر واحدةً من كعك القرفة الذي كانت تعدُّه خالتي في ليلةِ كلِّ سبتٍ، ترامَتْ إلى مسامعي أصواتٌ لم يَصْدُر مثلها عن أبي وأمي أو عن أي شخصٍ آخَر، كانت أصواتَ همهماتٍ وصيحاتٍ ممزوجة بالمتعة التي توحي بالاشتراك في اقترافِ شيءٍ ما، وتوحي بحالة من التقصير أربكتني وأحبطتني. قالت الخالة دون: «لا أعتقد أنه سيأتي الكثيرون من تورونتو إلى هنا. وحتى آل جيبسون لن يتمكَّنَا من المجيء أيضًا؛ فالزوج لديه اجتماع، والزوجة لن تتمكَّن من تغييرِ جدولِ حصص طلابها.» آل جيبسون هما مَن يقطنان بالمنزل المجاور لنا، وقد استمرت صداقتنا لهما لكنها كانت محدودةً؛ فلم تكن هناك زيارات متبادَلة بيننا وبينهما. قالت لي فتاةٌ بالمدرسة: «انتظري حتى يجعلوك تُلْقِين النظرةَ الأخيرة عليها؛ فلقد كان عليَّ أن أُلقِي نظرةً على جثمان جدتي، وقد فقدت الوعي بعدها.» لم أسمع من قبلُ عن النظرة الأخيرة هذه، لكني استطعتُ أن أخمِّن ما يجب أن تكون، وقرَّرْتُ أن أنظر لجثمان مونا بمؤخرة عينَيَّ وأتظاهر بأنني أحدق فيه. قالت الخالة دون: «ما دامت الكنيسة لا تحتوي على تلك الرائحة العَطِنة، فإنها لن تؤثِّر على الجيوب الأنفية لزوجي.» لم تكن هناك أية رائحة عَطِنة، ولا يوجد أي أثر لرطوبة شديدة تتسرَّب من الأرضية والجدران الحجرية ممَّا يوقع الكآبة في النفس. لا بد أن أحدهم قد استيقظ في الصباح الباكر وأدار جهازَ التدفئة. امتلأَتِ المقاعد تقريبًا عن آخِرها. قالت الخالة دون بصوتٍ هادئ: «هناك كثيرٌ من المرضى الذين يعالجهم زوجي جاءوا إلى هنا، هذا شيء لطيف. ما من طبيبٍ آخَر في البلدة يفعل المرضى من أجله شيئًا كهذا.» كانت عازفة الأرغن تعزف مقطوعةً أعرفها جيدًا؛ فلديَّ صديقة، في فانكوفر، قد عزفَتْها في إحدى الحفلات الموسيقية في عيد الفصح. إنها مقطوعة «أيها المسيح، يا فرحة رغبة الإنسان.» كانت السيدة التي تعزف على آلة الأرغن هي عازفة البيانو في الحفلة الصغيرة التي أُقِيمت في المنزل ولم تكتمل، وكان عازف التشيلو يجلس في أحد مقاعد الجوقة بالجوار، وربما كان سيعزف إحدى المقطوعات لاحقًا. بعدما جلسنا ننصت لفترةٍ شعرنا ببعض الجلبة في خلفية الكنيسة. لم أُدِرْ رأسي كي أعرف مصدرَها لأنني لاحظتُ لتوِّي الصندوقَ الداكن اللون الخشبي اللامع الذي كان موضوعًا بالعرض أسفل المذبح مباشَرةً؛ النعش، وكان بعض الناس يطلق عليه التابوت. وقد كان مغلقًا. لم يكن عليَّ أن أشعر بالقلق حيال النظرة الأخيرة على الجثمان إلا ريثما يفتحونه، ومع هذا تخيَّلْتُ شكلَ مونا بداخله؛ بأنفها الضخم البارز الذي يشير قليلًا إلى أعلى، وجسمها وقد نحل تمامًا، وعينَيْها المغلقتين. رحتُ أثبت تلك الصورة جيدًا في مخيلتي حتى شعرتُ بدرجةٍ من القوة كفيلةٍ بأن تمنعني من الشعور بالغثيان. ولم تُدِر الخالة دون رأسها هي الأخرى مثلي كي ترى ما الذي كان يدور خلفنا. كان مصدر ذلك الإزعاج الطفيف يأتي من الممر الجانبي، وتبيَّنَ أن العم جاسبر هو المتسبِّب فيه. لم يتوقَّف عند المقعد الذي كنَّا نجلس فيه أنا والخالة دون حيث احتفظنا بمكانٍ له؛ مرَّ بجوارنا بخطًى وقورة لكنها عملية، وكان بصحبته شخصٌ ما. الخادمة برنيس التي كانت في كامل زينتها، وقد ارتدت بذلةً بلون أزرق داكن وقبعةً بنفس اللون مزركشة ببعض الورود. لم تكن تنظر نحونا أو باتجاهٍ أي شخص، وقد احمرَّتْ وجنتاها وأطبقَتْ شفتَيْها. ولم تكن الخالة دون أيضًا تنظر نحو أحد؛ فقد انهمكت في تلك اللحظة في قلب صفحات كتاب الترانيم الذي أخذته من جيب المقعد الذي أمامها. لم يتوقف العم جاسبر عند النعش؛ فقد كان يقود برنيس نحو آلة الأرغن. كانت هناك دقات عالية غريبة تثير الدهشة في الموسيقى التي تُعزَف، ثم تبعتها نغماتٌ خافتة، ثم ما لبثَتْ أن توقَّفَتْ، وبعدها ساد الصمت فيما عدا الأصوات الصادرة من بعض الأشخاص الذين كانوا يتحركون ببطء ويحاولون الإصغاء لما يدور في القاعة. اختفت الآن عازفة البيانو التي كانت تعزف على الأرغن وكذلك عازف التشيلو، لا بد أن هناك بابًا جانبيًّا قد خرجا منه. أجلَسَ العم جاسبر برنيس مكانَ المرأة. وبمجرد أن بدأَتْ برنيس في العزف، تحرَّكَ عمي للأمام، وأشار إلى الجمع في القاعة. كانت هذه الإيماءة تعني أنْ ينهضوا ويشرعوا في الغناء، وقد فعل عدد قليل منهم بالفعل ما أراد، ثم زاد عددهم إلى أن أصبح الجميع يغني. راحوا يهمهمون وهم يقلِّبون صفحات كتب الترانيم الذي بأيديهم، لكن معظمهم استطاع أن يبدأ الغناء قبل حتى أن يعثر على الكلمات: «الصليب العتيق القوي.» انتهت مهمة العم جاسبر، وكان بمقدوره الآن أن يعود ويشغل المكان الذي كنَّا نحتفظ له به. لكن كانت هناك مشكلة واحدة؛ شيء لم يأخذه في الحسبان. هذه كنيسة أنجليكانية، أما في الكنيسة المتحدة التي يتردَّد عليها العم جاسبر، فإن أفراد الجوقة كانوا يدلفون من بابٍ خلف منبر الوعظ، ويستقرون في أماكنهم قبل أن يدخل القس، وهكذا كانوا يتمكَّنون من التطلُّع نحو الجمع المتواجِد ولسان حالهم يقول: نحن نشعر بالطمأنينة لتواجدنا معًا في هذا المكان. ثم كان يدخل القس، ودخوله كان بمنزلة إشارة لإمكانية بدأ الطقوس. أما في الكنيسة الأنجليكانية فإن أفراد الجوقة يسيرون عبر الممر حيث يأتون من الخلف، وهم ينشدون ويعلنون عن ظهورهم بطريقةٍ جادةٍ لا تكشف عن شخصيةِ أحدٍ منهم. يرفعون أعينَهم عن الكتب من أجل التطلُّع إلى المذبح فقط، ويبدون مختلفين قليلًا وكأنهم قد انسلخوا عن هوياتهم المعتادة، ولا يدرون مَن حولهم من أقارب أو جيران أو أي أحدٍ آخَر في الجموع المتواجدة. وها هم يأتون عبر الممر الآن ويردِّدون كالباقين: «الصليب العتيق القوي»، ولا بد أن العم جاسبر قد تحدَّثَ إليهم قبل أن يشرعوا في الغناء، وربما قد أوضَحَ لهم أنها الترنيمة المفضَّلة لدى المتوفَّاة. أما المشكلة فكانت تكمن في المساحة المتاحة وأعداد الأشخاص المتواجدين. فمع تواجُد أفراد الجوقة في الممر، لم يكن هناك سبيلٌ كي يعود العم جاسبر إلى مقعدنا؛ فما من سبيل أمامه للرجوع. ولم يكن أمامه سوى شيء واحد يفعله، وبسرعة، وقد فعله. فلم يكن أفراد الجوقة قد بلغوا المقعد الأمامي بعدُ؛ لذا فقد أقحَمَ نفسه بداخله، واعترت الدهشةُ مَن يقفون بجواره لكنهم أفسحوا له مكانًا بينهم؛ أيْ أفسحوا له مكانًا قدرَ المستطاع. وكانوا بالمصادفة ممتلئي الجسم، وكان هو عريضَ المنكبين على الرغم من كونه شخصًا نحيفًا. سأتمسك بذلك الصليب العتيق المهترئ حتى لا أتباهى بما قمتُ به من أعمال صالحة. سأتشبَّث بالصليب العتيق المهترئ وسأستبدل به تاجًا في يومٍ ما. هذا ما كان عمي يغنيه، وبكل ما أوتي من حماسةٍ في المساحة التي أُتِيحت له، ولم يكن بمقدوره أن يستدير ليواجه المذبح، بل كان عليه أن ينظر جانبًا نحو الخارج باتجاه أفراد الجوقة الذين كانوا يتحركون. ولم يستطع أن يخفي شعوره بأنه قد حُوصِر في مكانه. سار كل شيء على ما يرام، ولكن ليس بنفس الصورة التي تخيَّلَها تمامًا. وحتى بعد أن انتهى الغناء، بقي في مكانه؛ حيث جلس حاشرًا نفسه قدرَ المستطاع في تلك المساحة الضيقة مع أولئك الأشخاص. ربما ظنَّ أنها لن تكون خاتمةً مناسبةً آنئذٍ أن ينهض ويعود أدراجه عبر الممر كي ينضمَّ إلينا. لم تشارِك الخالة دون في الغناء لأنها لم تعثر على مكان الترنيمة في كتاب الترانيم؛ يبدو أنها لم تتعقبها بالطريقة التي فعلتُها أنا. أو ربما لمحَتْ أثرًا من خيبةِ أملٍ على وجه العم جاسبر حتى قبل أن يشعر هو نفسه به. أو ربما أدركَتْ، ولأول مرة في حياتها، أنها لم تكن تهتم. لم تكن تهتم على الإطلاق. ••• قال القس: «دعونا نصلِّ.» حياتي العزيزة
الكبرياء هناك بعض الأشخاص الذين لا تسير أمورهم وفق أهوائهم. كيف لي أن أوضح ذلك؟ أعني أنهم هؤلاء الذين قد يكون كلُّ شيء ضدهم — يتعرَّضون لصدمةٍ تلو الأخرى — وبعدها يسير كلُّ شيء على ما يرام. إنهم هؤلاء الذين يرتكبون الأخطاء في وقت مبكر — على سبيل المثال، يوسخون بناطيلهم في الصف الثاني — وبعدها يستكملون حياتهم في بلدةٍ كبلدتنا حيث لا يُنسَى بها أيُّ شيء (أي بلدة، أعني أن أي بلدة تكون هكذا)، وينجحون في ذلك، ويظهرون بمظهر الأشخاص الودودين، المَرِحين الذين يزعمون أنهم لن يرضوا بالعيش في مكانٍ آخَر غير هذا، ويعنون ذلك حقًّا. أما بالنسبة إلى بعض الأشخاص الآخَرين، فالأمر مختلف؛ إنهم لا ينتقلون لأي مكانٍ آخَر، لكنك تتمنَّى لو أنهم فعلوا ذلك، وبمقدورك أن تقول إن هذا من أجل مصلحتهم هم. ومهما كانت الأخطاء التي يقعون فيها حينما يكونون صغارًا — والتي لا تكون واضحةً بأي حال من الأحوال كخطأ توسيخ بناطيلهم — فإنهم يستمرون في ارتكابها، وباقتدارٍ، بل يبالغون أيضًا في ذلك ما دام ثمة احتمالٌ بألَّا يلاحظها أحد. لقد تغيَّرَتِ الأمور بالطبع؛ فأضحى هناك مَن يقدِّمون الاستشارات النفسية، وهناك العطف والتفهُّم. يقال لنا إن الحياة قاسيةٌ أكثر بالنسبة إلى البعض. إنه ليس خطأهم، حتى لو كانت الصدمات التي يتعرَّضون لها وهميةً تمامًا. إن هذه الصدمات يستشعرها بشدةٍ مَن يتعرَّض لها ومَن لا يتعرَّض لها على حد سواء، وذلك وفقًا للحالة. لكن يمكن تحقيق الاستفادة الجيدة من كل شيء، وذلك إذا ما رغب المرء في هذا. ••• لم تذهب أونيدا للمدرسة مع بقيتنا، على أية حال؛ أعني أنه لم يكن بها ما يؤهِّلها جيدًا للحياة. لقد ذهبَتْ إلى مدرسةٍ للبنات، مدرسة خاصة، لا أستطيع تذكُّرَ اسمها، هذا إنْ كنتُ أعرفه بالأساس. حتى في أوقات الصيف لم تكن تتواجد هنا كثيرًا. أعتقد أن عائلتها كانت تمتلك منزلًا آخَر يطلُّ على بحيرة سيمكو؛ كانوا يمتلكون أموالًا كثيرة، بل كانت كثيرة جدًّا في واقع الأمر بدرجةٍ لا يمكن معها تصنيفهم مع أي شخصٍ آخَر في البلدة، حتى لو كانوا الأثرياء بها. كان أونيدا اسمًا غير مألوف، ولا يزال كذلك، ولم يكن متداولًا حينها هنا. ولقد اكتشفتُ فيما بعدُ أنه اسم هندي، ومن الأرجح أنه كان اختيار أمها التي ماتَتْ حينما كانت أونيدا في فترة المراهَقة، وأعتقد أن والدها كان يناديها بإيدا. تجمعت لديَّ كلُّ الأوراق؛ أكوام من الأوراق عن تاريخ البلدة الذي كنتُ أعكف على دراستها. لكن على الرغم من ذلك كانت هناك بعض الفجوات؛ فلم يكن ثمة تفسيرٌ مُرْضٍ عن كيفية اختفاء الأموال. ومع ذلك لم تكن هناك حاجة لذلك؛ فما يتناقله الأشخاص شفهيًّا كان كافيًا لإيضاح الأمر، لكن الغريب هو تلاشِي ما تناقَلَه الأشخاص بمرور الوقت. كان والد إيدا يدير المصرف، وحتى في تلك الأيام، كان المصرفيون يُغيَّرون باستمرار، وكان يحدث ذلك في رأيي حتى لا تتوطد صلاتهم بالعملاء. لكن آل جانتزن كانوا قد أمضوا بالبلدة وقتًا طويلًا جعلهم لا يخضعون لأي لوائح أو قواعد، أو هكذا بدا الأمر. كان هوراس جانتزن بالقطع من الرجال الذين كان يبدو عليهم أنهم خُلِقوا ليكونوا ذوي نفوذ. كانت لديه لحية بيضاء كثيفة، بالرغم من أن اللحى، طبقًا للصور الفوتوغرافية، كانت تُعَدُّ نمطًا قديمًا، وذلك بحلول الحرب العالمية الأولى. كان ذا قامة متوسطة، وسمينًا، ويحمل وجهُه تعبيراتٍ تتَّسِم بالجدية. في تلك الأوقات الصعبة التي اتسمت بها فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، كان الناس لا يزالون يأتون بأفكار جديدة، وكانت السجون تأوي الرجال الذين كانوا يتسكعون بخطوط السكك الحديدية، ولكنْ حتى بعضهم، بالتأكيد، كانت لديهم فكرة كان من الممكن أن تجلب لهم الملايين من الدولارات. والمليون دولار في ذلك الوقت كان بالفعل مبلغًا كبيرًا جدًّا. ومع ذلك لم يكن أحد متسكعي السكك الحديدية هؤلاء هو مَن ذهَبَ إلى المصرف لكي يتحدَّث إلى هوراس جانتزن، ولا أحدَ يدري إن كان مَن ذهب إليه شخصًا واحدًا أم مجموعة من الأشخاص؛ ربما كان أحد الغرباء أو بعضًا من أصدقاء الأصدقاء. ومن المؤكد أنه كان متأنِّقًا وذا مظهر مقبول؛ إذ كان هوراس يهتم بالمظاهر، ولم يكن بالشخص الأحمق، لكنه لم يستشعر سريعًا — كما هو المفترض منه — أنه قد تكون هناك خدعة. كانت الفكرة تدور حول تجديد السيارات التي تعمل بالبخار، وهو نوع من السيارات كان متواجدًا في مطلع القرن العشرين، وربما كان هوراس جانتزن نفسه يمتلك واحدةً وربما كان مولعًا بها كثيرًا. وبالطبع سيكون هذا الطراز الجديد نسخة محسنة، من مزاياه توفير الوقود وعدم إحداث جلبة كبيرة أثناء السير. ليس لديَّ المزيد من التفاصيل عن هذا الأمر؛ إذ كنتُ في المدرسة الثانوية حينها، لكني أستطيع تخيُّلَ الكلامِ الذي تسرَّبَ، وكَمِّ السخرية والحماسة والأخبار التي كانت تتوارد عن استعداد بعض أصحاب الأعمال في تورونتو، أو وندسور، أو كتشنر للتصنيع المحلي لهذا الطراز، الذين قيل إن بعضهم لديه من الأموال ما يكفي للاستثمار في هذا المشروع، في حين أن البعض الآخَر تساءَلَ إن كان من الممكن أن يحصلوا على بعض الدعم من أجل القيام بذلك. حصلوا بالفعل على هذا الدعم؛ لأن المصرف قدَّمَ قرضًا لهم من أجل تنفيذ المشروع، وكان هذا قرار جانتزن، وتضارَبَتِ الأقوال حول إنْ كان قد شارَكَ بأمواله فيه أم لا. ربما فعل هذا، لكنْ تبيَّنَ فيما بعدُ أنه أخذ من أموال المصرف على نحوٍ غير مسئول، معتقِدًا بالطبع أنه سيردُّ هذه الأموال دون أن يعلم أحد بشيء. ربما لم تكن القوانين صارمة جدًّا حينها. كان هناك بعض الرجال الذين تم تعيينهم بالفعل، وقد أُخْلِي الإسطبل القديم الخاص بتربية الخيول ليصبح مكان عملهم. وعند هذا الحد تخونني ذاكرتي لأني كنتُ قد تخرَّجْتُ في المدرسة الثانوية، وكان عليَّ أن أفكر في كسب عيشي، إنْ كان هذا ممكنًا؛ فإعاقتي في الكلام، حتى بعد خياطة الشفاه، جعلَتْني أستبعد أيَّ عملٍ يتضمَّن الكثير من الكلام؛ لذا فقد وقع اختياري على مسك الدفاتر الحسابية؛ ولذلك كان عليَّ أن أغادر البلدة كي أتدرَّب لدى إحدى الشركات في جودريتش. وبحلول الوقت الذي عدتُ فيه إلى البلدة، كان يتم الحديث بازدراءٍ عن مشروع السيارة التي تعمل بالبخار من قِبَل أولئك الأشخاص الذين كانوا ضد الفكرة، أما مَن روَّجوا لها، فلم يذكروا عنها شيئًا على الإطلاق، وقد اختفى زوَّار البلدة ممَّن كانوا يساندون تلك الفكرة تمامًا. وخسر المصرف الكثير من الأموال. وتردَّدَتْ أقاويل ليس عن الغش، بل عن سوء الإدارة. وكان لا بد من معاقبة أحدٍ، ولو كان المدير شخصًا عاديًّا لأُجبِر على ترك وظيفته، لكنْ لأن المدير هو هوراس جانتزن، لم يتم هذا. ما حدث له كان أسوأ؛ فقد نُقِل لوظيفة مدير مصرف في قرية هوكسبرج الصغيرة، التي تبعد حوالي ستة أميال عن الطريق السريع، ولم يكن لهذا المصرف مديرٌ قبلَ ذلك على الإطلاق؛ لأنه لم يكن بحاجةٍ إلى مدير؛ فلم يكن هناك سوى صراف وصراف أول، وكلاهما كان امرأة. كان بمقدوره الرفض بالطبع، لكن كبرياءه، كما اعتقد البعض، اختار الذهابَ إلى هناك؛ ونتيجةً لهذا الاختيار كان يُصطحَب بالسيارة كلَّ صباح هذه الأميال الستة، كي يجلس خلف حاجز جزئي مصنوع من ألواح خشبية مطليَّة رخيصة، لم يكن مكتبًا لائقًا على الإطلاق. وكان يجلس هناك دون أن يفعل شيئًا حتى يأتي موعد اصطحابه بالسيارة إلى منزله. والشخص الذي كان يصطحبه بالسيارة هو ابنته. في وقتٍ ما خلال سنوات القيادة هذه، جعلت الناس ينادونها بأونيدا بدلًا من إيدا، وها هي أخيرًا قد قامَتْ بشيءٍ ما. ومع هذا لم تَقُمْ بإدارة المنزل؛ لأنهم لم يستطيعوا الاستغناء عن السيدة بيرتش، وهذا هو أحد الاحتمالات. وهناك احتمال آخَر وهو أنهم لم يدفعوا مطلقًا للسيدة بيرتش قدرًا كافيًا من النقود بحيث لا تُضطر للذهاب إلى ملجأٍ لإيواء الفقراء، هذا إنْ كانوا قد فكَّروا من قبلُ في مسألة الاستغناء عنها. إذا تخيَّلتُ أونيدا ووالدها في هذه الانتقالات من هوكسبرج وإليها، فإنني أراه يجلس في المقعد الخلفي، وهي في المقعد الأمامي كالسائق الخاص به. ربما كان مكتنزًا جدًّا بدرجةٍ يصعب معها الجلوس بجوارها، أو ربما كانت لحيته تحتاج إلى مساحة. لم أرَ أونيدا تشعر بالاضطهاد أو التعاسة إزاء هذه الترتيبات، ولم تَبْدُ أماراتُ التعاسة على والدها أيضًا؛ كل ما كان يمتلكه هو الكرامة، الكثير منها في الواقع. أما هي، فكان لديها شيء مختلف؛ فحينما كانت تذهب إلى أحد المتاجر أو حتى كانت تسير في الشارع، كانت تبدو وكأنَّ حولها مساحة صغيرة خالية مجهَّزة لتحقيقِ ما قد تريد، أو لتسع التحيات التي قد توزِّعها في طريقها. كان يبدو عليها قليل من الارتباك الممزوج بالكياسة، وكانت على استعدادٍ للسخرية قليلًا من نفسها أو من الموقف الذي كانت فيه. بالطبع، كانت ذات بنية قوية، ونظرات مشرقة، وبشرة بيضاء برَّاقة، وشعر أشقر لامع؛ لذا ربما كان من الغريب أن أشعر بالأسف حيالها؛ حيث كانت الطريقة التي تتعامل بها مع الأشياء في الظاهر تُوحِي بشعورها بالاطمئنان والثقة في النفس. تخيَّلوا أنني كنتُ أشعر بالأسف حيالها. ••• اشتعلت الحرب، وبَدَا الأمر وكأنَّ الأشياء تغيَّرَتْ بين عشية وضحاها، ولم يَعُدِ المحتالون يتسكعون بخطوط السكك الحديدية؛ فقد أُتيحت الوظائف، ولم يَعُدِ الشباب الصغار يبحثون عن وظيفةٍ أو يسافرون متطفِّلين على أصحاب السيارات، وإنما تراهم في كل مكان بزيِّهم العسكري ذي اللون الأزرق الباهت أو الكاكي. قالت أمي إن الوضع الذي كنتُ عليه لهو من حُسْن حظي، وأعتقد أنها كانت محقةً، لكني أخبرتها بألا تتحدَّث عن هذا عندما تكون خارج المنزل. فقد عدتُ إلى بلدتي من جودريتش بعدما أنهيتُ فترة تدريبي، وحصلتُ سريعًا على عملٍ حيث كنتُ مسئولة عن الدفاتر في متجر آل كريبس المتعدد الأقسام. بالطبع، ربما ردَّدَ البعض — وأعتقد أن هذا قد حدث بالفعل — أنني حصلتُ على الوظيفة بفضل أمي التي كانت تعمل هناك في قسم المنسوجات، لكنْ تصادَفَ أيضًا أنِ انضمَّ كيني كريبس، المدير الشاب للمتجر، إلى القوات الجوية وقد لَقِي مصرعه في أحد تدريبات الطيران. كانت هناك صدمات من هذا القبيل، ومع هذا كانت هناك هالة من النشاط في كل مكان، وكان الناس يتنقَّلون وبجيوبهم نقود. شعرتُ بالانعزال عن الرجال ممَّن هم في مثل عمري، لكن هذا الانعزال لم يكن بالشيء الجديد بالنسبة إليَّ. وكان هناك آخَرون في نفس وضعي؛ فقد أُعفِي أبناء المزارعين من الخدمة العسكرية كي يعتنوا بالمحاصيل والحيوانات، وقد علمت أن البعض منهم قد حصل على الإعفاء بالرغم من وجود مَن يستأجرونه للقيام بأعمالهم الزراعية. أعلم أنه إذا حدث أنْ سألني أحدهم عن عدم التحاقي بالخدمة العسكرية، فإن الأمر كان سيبدو مزحة، ولكني كنت جاهزًا بالإجابة المناسبة، وهي أنه عليَّ أن أهتمَّ بالدفاتر الحسابية؛ دفاتر متجر آل كريبس ودفاتر أخرى لاحقًا. كان عليَّ أن أهتم بالحسابات، ولم يكن مقبولًا حينها أن تؤدِّي المرأة هذه المهمة، واستمرَّ ذلك الأمر حتى حلول نهاية الحرب عندما كنَّ يقمْنَ بجانبٍ منها لفترةٍ من الوقت؛ فقد كان الكثيرون لا يزالون يعتقدون أن الرجل هو خير مَن يقوم بهذا العمل. وقد سألتُ نفسي في بعض الأحيان: لماذا تُعَدُّ الشفة الأرنبية — ذات المظهرِ المقبول إنْ لم يكن بالطبيعي تمامًا، والصوتِ الغريب بعض الشيء لكنْ يمكن فهمه — من الأشياء التي تجعل صاحبها يبقى في المنزل ولا ينضم للخدمة العسكرية؟ لا بد أنني قد تسلَّمْتُ إخطارًا بالالتحاق بالخدمة العسكرية، ولا بد أنني قد ذهبتُ للطبيب المعنيِّ كي أحصل على الإعفاء. إنني ببساطة لا أتذكَّر ما حدث حينها تمامًا؛ هل ذلك لأني اعتدتُ الحصولَ على الإعفاء من شيءٍ تِلْو الآخَر، حتى إنني نظرتُ إلى ذلك الأمر كشيءٍ مسلَّمٍ به، شأنه في ذلك شأن الأمور الأخرى؟ ربما أخبرتُ أمي ألَّا تتحدَّث بشأن بعض الأمور، لكنْ ما كانت تقوله لم يكن عادةً يمثِّل أهميةً كبيرة بالنسبة إليَّ. ومن الواضح أنها كانت تنظر للجانب المشرِق من الأمور. وقد علمتُ بعض الأشياء لكنْ ليس عن طريقها؛ فقد علمتُ أنه بسبب حالتي كانت تخشى أن تُنجِب أطفالًا آخَرين، وخسرَتْ رجلًا كان يحبها في إحدى المرات عندما أخبرَتْه بذلك. لكنْ لم يخطر ببالي أن أشعر بالأسف حيالَ أيٍّ منَّا؛ فأنا لم أفتقد أبًا قد تُوفِّي حتى قبل أن أراه، أو فتاةً كان يمكن أن أقيم معها علاقةً لو كان مظهري مختلفًا، كما أنني لم أفتقد ذلك الشعور الوجيز بالتيه الخاص بالذهاب للمشاركة في الحرب. كنا أنا وأمي نفضِّل تناوُلَ أشياء بعينها على العشاء، وكنَّا نحب الاستماع إلى برامج إذاعية معينة، ودائمًا ما كانت الأخبار العالمية من قناة بي بي سي، وذلك قبل أن نأوي إلى الفراش. كانت عينا أمي تلمعان عندما يتحدَّث الملك أو وينستون تشرشل. وقد اصطحبتُها لمشاهدة فيلم «السيدة مينيفر»، وقد تأثَّرَتْ به أيضًا. لقد كانت الدراما تملأ حياتنا، سواء أكانت الخيالية أم الواقعية. الانسحاب من دانكرك، السلوك الذي اتسم بالشجاعة من جانب العائلة الملكية، انفجارات لندن المتتالية، وساعة بيج بن التي لا تزال تدق مُعلِنةً الأخبار الكئيبة. سفن فُقِدت في البحر، والأكثر فزعًا، غَرَق مركب مدني، زورق، ما بين كندا ونيوفوندلاند، بالقرب من شواطئنا. لم أستطع النوم في تلك الليلة، وخرجت للمشي في شوارع البلدة. أخذتُ أفكِّر في أولئك الأشخاص الذين استقروا في قاع البحر؛ لا بد أنه كانت هناك سيدات عجائز، تقريبًا في مثل عمر أمي، وقد تشبَّثْنَ بما كنَّ يَحِكينه من أشياء، وطفل انزعَجَ من ألم أسنانه التي اصطكَّتْ من الخوف، وآخَرون أمضَوْا نصف الساعة الأخيرة قبل غرقهم وهم يعانون من دوار البحر. انتابني شعورٌ غريب جدًّا، وحسبما أستطيع وصفه: كان شعورًا يتقاسمه الفزع، والإثارة الممزوجة بالتبلُّد. لقد تبدَّدَ كلُّ شيء، وظهرَتْ فجأةً المساواةُ، عليَّ أن أقول ذلك؛ المساواة، بين أشخاصٍ مثلي ومن هم أسوأ حالًا مني وبين الآخرين. لقد تلاشى ذلك الشعور بالطبع عندما اعتدتُ رؤيةَ أشياء أخرى أثناء الحرب فيما بعدُ. لقد رأيتُ أردافًا عارية ممتلئة بالصحة، وأخرى هزيلة، يُساق أصحابها كالقطيع إلى غرف الإعدام بالغاز. وحتى لو لم يتلاشَ ذلك الشعور تمامًا، فقد تعلَّمْتُ أن أكتمه بداخلي. ••• لا بد أنني قد التقيتُ مصادَفةً أونيدا خلال هذه السنوات، وتتبعتُ مسار حياتها. وكان عليَّ أن أفعل هذا؛ فلقد مات والدها مباشَرةً قبل اليوم الذي أُعلِن فيه انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وامتزجَتْ مراسمُ الجنازة الحزينة باحتفالات انتهاء الحرب بطريقةٍ غريبة. وقد تكرَّرَ ذلك مع أمي التي ماتت في الصيف التالي، وذلك بعدما سمع الجميع عن القنبلة الذرية. وقد ماتَتْ بطريقةٍ أكثر غرابةً وأمام الناس، وذلك في مكان عملها، بعدما قالت: «أريد أن أجلس.» لم يَرَ أحد والد أونيدا أو يسمع عنه شيئًا خلال السنة الأخيرة من عمره. انتهت تمثيلية هوكسبرج الزائفة، لكنْ بَدَتْ أونيدا أكثر انشغالًا من ذي قبلُ. وربما كان سينتابك حينها ذلك الشعور بأنَّ كلَّ مَن تقابله منهمِكٌ في شيءٍ ما؛ إما في تتبُّع دفاتر الحصص التموينية، وإما في إرسال خطابات للجبهة، وإما في الحديث عن الخطابات التي تسلَّموها من هناك. أما بالنسبة إلى أونيدا، فقد كانت منهمكةً في العناية بالمنزل الكبير الذي كانت تعيش فيه، والذي أصبح عليها الآن إدارة شئونه بمفردها. أوقفتني ذات يوم في الشارع وقالَتْ لي إنها تريد مشورتي بشأن بيعه؛ أي المنزل. أخبرتها أنني لستُ الشخص المناسب الذي ينبغي أن تتحدَّث إليه في أمرٍ كهذا. قالت ربما كان الأمر كذلك، ولكنها تعرفني. بالقطع، هي كانت لا تعرف عني شيئًا يزيد عمَّا تعرفه عن أي شخصٍ آخَر في البلدة، ولكنها صمَّمَتْ على رأيها، وجاءت إلى منزلي لنتحدَّث أكثر عن الأمر. أبْدَتْ إعجابَها بأعمال الطلاء التي قمتُ بها، وإعادة ترتيب موضع الأثاث، وأشارَتْ إلى أن التغييرَ لا بد أنه ساعدني على التغلُّب على الشعور بفقد أمي. هذا صحيح، لكن معظم الأشخاص كانوا سيتردَّدون كثيرًا قبل أن يقولوا ذلك على نحوٍ مباشِر. لم أكن معتادًا على استقبالِ أحدٍ؛ لذا لم أقدِّم لها أيَّ مرطبات، وكل ما فعلتُه أنني أسديتُ إليها بعضَ النصائح التحذيرية والجادة بشأن البيع، ورحتُ أذكِّرها بأني لستُ بخبيرٍ في هذه الأمور. لكنها استمرت قدمًا في عملية البيع، وضربَتْ بكلامي عرضَ الحائط، وباعته عند أول عرض تلقَّتْه، وقد فعلَتْ ذلك خاصة لأن المشتري حدَّثَها عن مدى حبه للمكان، وأنه يتطلَّع أن تنشأ عائلتُه به. وكان آخِر شخص بالبلدة يمكن أن أثق به، سواء أكان لديه أطفال أم لا، وكان السعر الذي اشترى به المنزل زهيدًا جدًّا، وكان عليَّ أن أخبرها بهذا. قلتُ لها إن الأطفال سيشيعون الفوضى في المكان، فردَّتْ أن هذا ما يفعلونه دائمًا؛ فهم يُحدِثون جلبةً شديدة وإزعاجًا كبيرًا لكلِّ مَن حولهم، وذلك على العكس تمامًا ممَّا كانَتْ عليه وهي طفلة. ولكن في الواقع، لم تكن لتُتاح لهم الفرصة لذلك؛ لأن المشتري شرع في هدم المنزل وأقام مكانه عمارة سكنية، تتكوَّن من أربعة طوابق، وبها مصعد كهربائي، وقد أحال الدورَ الأرضي إلى جراج للسيارات. وقد كان أولَ بناء حقيقي من نوعه تَشْهَده البلدة. جاءت إليَّ وهي مصدومة بشدة عندما بدأ كل هذا، وكانت تريد أن تعرف إنْ كان بمقدورها أن تفعل شيئًا حيالَ الأمر؛ كأنْ تعلن أن المبنى أثريٌّ، أو أنْ تُقاضِي المشتري لأنه أخلَّ بكلمته التي لم تُسجَّلْ في العقد، أو ما شابه. كانت مندهشةً من أن يُقدِم شخصٌ على شيء كهذا؛ شخصٌ يتردَّد باستمرارٍ على الكنيسة. قالت: «لم أكن لأفعل شيئًا كهذا، بالرغم من أنني لا أذهب إلى هناك إلا في عيد الميلاد.» ثم هزَّتْ رأسَها وانفجرت في الضحك. قالت: «يا لحماقتي! كان ينبغي عليَّ أن أنصت لنصيحتك، أليس كذلك؟» كانت تعيش في نصف منزل مستأجر مقبول في ذلك الوقت، لكنها كانت تشتكي من أن كل ما يمكنها رؤيته هو منزلها وهو يقف ممتدًّا عبر الشارع. قالت هذا كما لو أن معظم الناس لا يرون هذا، لكني لم أقل لها ذلك. وعندما تمَّ الانتهاء من بناء جميع الشقق بالعمارة، كان كل ما فعلَتْه أنها عادَتْ لتقطن في إحداها في الطابق العلوي، وكنتُ أعلم أنها لن تحصل على إيجار مخفض أو أنها لن تطلب حتى ذلك. لقد تخلَّصَتْ من مشاعرها السلبية نحو المالك، بل راحت أيضًا تُثنِي على المنظر الخارجي للمكان وحجرة تنظيف الملابس الموجودة في البدروم، حيث كانت تدفع عملةً معدنية في المكان المخصَّص للدفع في كل مرة تنظِّف فيها ملابسَها. قالت: «إنني أتعلَّم أن أكون مدبِّرةً، بدلًا من منْحِ أشياء دونَ مقابلها الحقيقي حينما تَحْدُوني الرغبةُ في التخلُّص منها.» ثم تحدَّثَتْ عن محاميها غير الشريف قائلةً: «على أية حال، إن أمثال هؤلاء هم مَن يُدِيرون هذا العالَمَ.» ثم دعتني للزيارة كي أرى المنظر من شقتها، لكني اعتذرت. ومع هذا كانت تلك بداية فترةٍ عرَفَ فيها كلٌّ منَّا الكثيرَ عن الآخَر؛ فقد اعتادَتْ أن تزورني بمنزلي كي تتحدَّث عن مشكلات شقتها وقرارها بشأنها، واستمرت على هذا المنوال حتى بعد استقرار الأمور فيها بالنسبة إليها. كنتُ قد اشتريتُ تليفزيونًا، وهو شيء لم تفعله هي؛ لأنها قالت إنها تخشى أن تدمن مشاهدته. أما أنا، فلم أَخْشَ من شيءٍ كهذا لأني أتواجد خارجَ المنزل معظم اليوم. وكان يوجد الكثير من البرامج الجيدة في تلك الأيام، وبوجهٍ عامٍّ، كانت ميولنا متوافِقةً؛ فقد كنَّا نهوى مشاهدة قنوات التليفزيون الحكومية، وبخاصة المسلسلات الكوميدية البريطانية التي شاهدنا بعضها مرارًا وتكرارًا، وكانت تستهوينا كوميديا الموقف وليس مجرد إطلاق النكات. وقد كنتُ في البداية أشعر بالخجل وأنا أرى مدى جرأة المسلسلات البريطانية، التي قد تصل إلى حد الإسفاف، لكن أونيدا كانت تستمتع بذلك أكثر من أي شيء آخَر. وكنا نتذمَّر عندما تبدأ إعادة أحد المسلسلات مرةً أخرى، لكننا سرعان ما ننجذب لمشاهدته ومتابعته مرةً أخرى؛ لقد كنا حتى نشاهد هذه المسلسلات حين كانت الألوان باهتةً فيها. وفي الوقت الحاضر، قد أصادِفُ في بعض الأحيان واحدًا من هذه المسلسلات القديمة وقد تم تلوينه وأصبح كالحديث تمامًا، ولكني أغيِّر القناة لأنه يجعلني أشعر بالحزن. كنت قد تعلَّمْتُ منذ وقت مبكر أن أكون طاهيًا جيدًا، وحيث إن بعضًا من أفضل البرامج التليفزيونية كانت تُعرَض مباشَرةً بعد العشاء، فقد كنتُ أُعِدُّ لكلَيْنا وجبةَ العشاء، وكانت تأتي هي ببعض الحلوى من المخبز. واشتريتُ طاولتين من ذلك النوع الذي يمكن طيُّه، وكنا نتناول الطعام ونحن نشاهد الأخبار، وبعدها نتابع برامجنا المفضَّلة. كانت أمي تُصِرُّ دومًا على أن نتناول طعامَنا على المائدة؛ لأنها كانت تعتقد أنها الطريقة الوحيدة كي يكون المرء ذا مستوًى اجتماعي جيد، لكن يبدو أن أونيدا لم يكن لديها أيُّ محظورات في هذا الشأن. ربما تجاوزَتِ الساعةُ العاشرةَ عندما كانت تغادر المنزل، ولم تكن تمانع في الذهاب إلى منزلها سَيْرًا على الأقدام، لكني لم أكن أحبذ الفكرة؛ لذا كنتُ أحضر سيارتي كي أصطحبها إلى المنزل. لم تشترِ هي مطلقًا أيَّ سيارة أخرى بعدما تخلَّصَتْ من تلك السيارة التي اعتادَتْ أن تقلَّ فيها أباها إلى عمله. لم تكن تَخْشَى على الإطلاق أن يراها أحدٌ وهي تتجوَّل في البلدة، بالرغم من أن الناس كانوا يسخرون من ذلك؛ وكان هذا قبل أن يصبح كلٌّ من المشي وممارسة التمرينات الرياضية شيئًا شائعًا. لم نذهب مطلقًا لأيِّ مكان معًا، وكانت تمر أوقات دون أن أراها لأنها كانت تذهب خارج البلدة، أو ربما تظل بها لكنْ تستضيف بشقتها بعض الأشخاص الذين لا أعرفهم ولم أَسْعَ للقائهم. لا، فذلك كان يُشعِرني بالتجاهل؛ لذا لم أفعل. إن مقابلة أناس جدد كانت تمثِّل مشكلةً لي، ولا بد أنها كانت تتفهَّم ذلك. أما اعتيادنا تناوُل الطعام معًا، وقضاء الأمسيات أمام شاشة التليفزيون، فذاك كان أمرًا مريحًا وهيِّنًا ولم تكن لديَّ أية صعوبة في التعامُل معه. ولا بد أن كثيرين كانوا يعلمون بهذا الأمر، لكنْ لأنها كانت تمضي الوقتَ معي أنا تحديدًا، لم يعيروا الأمر الكثيرَ من الاهتمام. وكان معروفًا أيضًا أنني أنا مَن يقوم بحساب ضريبة الدخل لها، ولِمَ لا؟ فهو شيءٌ أعرف كيف أفعله جيدًا بينما لا يتوقَّع أحدٌ منها أن تعرف كيف تقوم به. ولا أدري إنْ كان أحد يعلم أنها لم تسدِّد لي أيَّ شيء مطلقًا مقابل ذلك. كنتُ سأطلب منها مبلغًا بسيطًا كي تسير الأمورُ بنحوٍ طبيعي، لكنها لم تُثِرِ الموضوع، ليس لأنها بخيلة، بل لأن الأمر لم يَرِد بخاطرها. وإذا ما حدَثَ أنْ تفوَّهْتُ باسمها لأيِّ سبب من الأسباب، فكان يصدر عني في بعض الأحيان اسم إيدا بنحوٍ عفوي. وكانت تتعمَّد إغاظتي قليلًا إذا ما قلتُ ذلك أمامها، وكانت توضِّح لي كيف أنني أفضِّل دائمًا أن أنادي الأشخاصَ بألقابهم القديمة التي كانوا يُعرَفون بها أيامَ الدراسة، إنْ أُتِيحت لي الفرصة لذلك. ولكني لم أَلْحَظْ ذلك بنفسي. قالت: «لا أحدَ يهتم بهذا، أنت فقط مَن يفعل هذا.» كان ذلك يغضبني قليلًا، بالرغم من أنني كنتُ أحاول جاهدًا أن أُخفِي شعوري هذا؛ فأي حقٍّ تمتلكه هي كي تعلِّق على ما يشعر به الناس حيال الأشياء التي أفعلها أو التي لا أفعلها؟ قد يكون مغزى ما تقول أنني إلى حدٍّ ما أفضِّل الرجوعَ لأيام طفولتي؛ لذا كنتُ أرغب في البقاء في تلك المرحلة، وجعل الآخرين يبقون معي فيها. كان هذا يجعل الأمور بسيطة للغاية؛ فلقد أمضيتُ كلَّ سنوات دراستي، كما تراءى لي، في الاعتياد على مظهري — أيْ مظهر وجهي — وعلى مظهر الأشخاص الآخَرين مقارَنةً به. كنتُ أعتقد أنه انتصار من نوعٍ ما أنْ أنجح في ذلك، وأن أعرف أنه بمقدوري التعايُش هنا وكسب قوت يومي، وألَّا يكون عليَّ باستمرارٍ أنْ أعتاد على أناسٍ جدد. ولكنْ أن نعود جميعنا للصف الرابع ونتوقَّف عند تلك المرحلة، لا، لم أكن أريد ذلك. ومَن تكون أونيدا حتى تكون لها آراء سديدة؟ لم يَبْدُ لي أنها قد استقرَّتْ بعدُ؛ ففي الواقع، لقد ضاع منها المنزل الكبير، وضاع معه جزءٌ كبير منها. وكانت البلدة تتغَيَّر، ومكانُها بها كان يتغَيَّر هو الآخَر، وهي بالكاد كانت تعرف ذلك. بالطبع كانت هناك دائمًا تغَيُّرات تطرأ، لكنْ في الأوقات التي سبقت الحرب كان التغَيُّر يتمثَّل في ترْكِ أهل البلدة لها للبحث عن فُرَصٍ أفضل في مكان آخَر، أما في فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فتبدَّلَتْ أحوالُ البلدة من خلال النوعيات الجديدة من الأشخاص الذين توافدوا إليها. قد تعتقد أن أونيدا كانت ستقرُّ بذلك عندما ذهبَتْ للعيش في العمارة السكنية، لكنها لم تُدرِك ذلك على الإطلاق؛ فما زال فيها ذلك التردُّد الغريب والطيش، كما لو أنها كانت تنتظر الحياةَ لتبدأ. كانت تذهب بالطبع في رحلاتٍ خارج البلدة، وربما اعتقدَتْ أن الحياة كانت ستبدأ هناك، لكنَّ هذا لم يحدث. ••• وخلال تلك الأعوام عندما شُيد مركز التسوق الجديد على الأطراف الجنوبية للبلدة، وأُغلِق متجر آل كريبس (لم يكن ذلك يمثِّل مشكلةً لي؛ فقد كان لديَّ الكثير من الأعمال التي كانت تمكِّنني من الاستغناء عن العمل به)، بدا أن هناك المزيد والمزيد من الأشخاص في البلدة الذين كانوا يذهبون في رحلاتٍ في فصل الشتاء، وكان هذا يعني الذهاب إلى المكسيك أو جزر الهند الغربية أو أي مكان لم نَعْتَدِ السماع عنه. وتكون النتيجة، في رأيي، العودة محمَّلين بأمراضٍ لم نَعْتَدِ السماع عنها أيضًا، وقد حدث ذلك لفترةٍ ما. ربما يتم الإعلان عن انتشار مرضٍ ما في كل عام، ويكون له اسم مميز خاص به، وربما لا تزال تلك الأمراض منتشرةً، لكن لم يَعُدْ أحدٌ يلاحظها كثيرًا الآن، أو أن الأشخاص ممَّن هم في مثل عمري الآن قد تخطَّوْا مرحلةَ الملاحظة. يمكن أن تثق في أنك لن تموت بسبب مرضٍ خطير؛ لأنه لو كان هناك مرضٌ خطير، لَكنتَ قد أُصِبْتَ به ومتَّ الآن. وفي إحدى الأمسيات نهضتُ في نهاية أحد البرامج التليفزيونية كي أُعِدَّ لكلَيْنا قدحَيْن من الشاي، وذلك قبل أن تغادر أونيدا إلى منزلها. واتجهت نحو المطبخ وفجأةً شعرتُ بألم شديد، ترنَّحْتُ وسقطتُ على ركبتيَّ ثم على الأرض. جذبَتْني أونيدا وعاونَتْني على النهوض والجلوس فوق أحد المقاعد، واستعدتُ الوعي. أخبرتها بأن تلك النوبات كانت تنتابني في بعض الأحيان، وأنه لا داعيَ للقلق. وتلك كانت كذبة، ولا أدري لِمَ قلتُ هذا، لكنها لم تصدِّقني على أية حال. اصطحبَتْني إلى غرفتي الموجودة بالطابق السفلي حيث خلدتُ إلى النوم، وقد خلعَتْ عني حذائي، ثم ساعدتني — بعد قليل من الاعتراض من جانبي — في خلع ملابسي وارتداء ملابس النوم. كنتُ أدرك الأشياءَ من حولي بصعوبةٍ. طلبتُ منها أن تستقلَّ إحدى سيارات الأجرة وتعود إلى منزلها، لكنها لم تُعِرْ كلامي أي اهتمام. نامَتْ في تلك الليلة على الأريكة المتواجدة في غرفة المعيشة، وبعد استكشاف بقية غُرَفِ المنزل في اليوم التالي أقامَتْ في غرفة نوم والدتي. لا بد أنها ذهبَتْ إلى شقتها خلال النهار كي تُحضِر بعض الأشياء التي تحتاجها، وربما ذهبت أيضًا إلى المركز التجاري من أجل شراء بعض البقالة كي تُكمِل بها ما ينقصني من أشياء. كما أنها تحدَّثَتْ أيضًا إلى الطبيب، وأحضرَتْ بعض الأدوية من الصيدلية، وقد كنتُ أتناولها عندما كانت تعطيني إياها. انتابَتْني لبقية الأسبوع حالةٌ من فقدان الوعي واستعادته والإعياء والحمى. كنتُ بين الحين والآخَر أخبرها بأنني شُفِيتُ، وأنَّ باستطاعتي تصريفَ أموري بنفسي، لكنْ لم يكن هذا صحيحًا؛ فقد كنتُ معظم الوقت أُطِيع أوامرها وأعتمد عليها بنفس الأسلوب الذي يعتمد فيه المرءُ على إحدى الممرضات في المستشفى. لكنْ لم تكن لديها نفس مهارة الممرضة في التعامُل مع الجسم المحموم، وإذا ما توافَرَتْ لديَّ الطاقةُ في بعض الأحيان، كنتُ أتذمَّر كطفلٍ في السادسة من عمره، وكانت تعتذر حينها ولا تشعر بأي استياءٍ. وعندما كنتُ أخبرها بأني أصبحتُ أفضل، وأنَّ عليها أنْ تعود إلى منزلها، كنتُ أنانيًّا بدرجةٍ تجعلني أنادي عليها بلا سببٍ سوى أن أطمئن أنها كانت لا تزال متواجِدةً. ثم أصبحتُ على نحوٍ أفضل، وشعرت بالقلق من أن تلتقط المرضَ الذي أصابني، أيًّا كان نوعه. «ينبغي أن ترتدي كمامةً طبيةً.» قالت: «لا تقلق. لو كنتُ قد التقطتُ أيَّ شيء، لَظهَرَ عليَّ الآن بالفعل.» وعندما شعرتُ لأول مرة بأني قد أصبحتُ أفضلَ بالفعل، كنتُ أتوانى في الاعتراف بحقيقةِ أنني أشعر أحيانًا كما لو أنني طفل صغير مرةً أخرى. لكنها ليسَتْ بالطبع أمي، وكنت سأستيقظ ذات صباح وأدرك ذلك. وكان عليَّ أن أفكِّر في كل الأشياء التي فعلَتْها من أجلي، وكان هذا يُشعِرني بحرجٍ شديد؛ وهذا هو الحال بالنسبة إلى أي رجل، وبخاصة أنا عندما أتذكَّر مظهري. كنتُ قد نسيتُ ذلك بنحوٍ أو بآخَر، وبَدَا لي الآن أنها لم تكن تشعر بالحرج، وأنها تفعل تلك الأشياء بصورةٍ تلقائية لأني كنتُ بالنسبة إليها مجرد شخص ناقص أو طفل بائس. أصبحتُ لطيفًا الآن وامتزجَتْ كلماتي ما بين التعبير عن الامتنان، ورغبتي الصادقة في أن تعود إلى منزلها. وفهمَتِ الرسالةَ التي أردتُ إيصالَها لها، ولم تشعر بأي ضيق. لا بد أن التعبَ قد ألَمَّ بها من فترات النوم المتقطعة والعناية التي لم تعتَدْها بشخصٍ آخَر. قامَتْ لآخِر مرة بالتسوُّق من أجل شراء الأشياء التي كنتُ أحتاجها، وراحت تقيس درجة حرارتي للمرة الأخيرة ثم رحلَتْ وهي تشعر، في اعتقادي، برضا شخصٍ أدَّى مهمتَه على الوجه الأكمل، وقبل أن تفعل ذلك مباشَرةً كانت قد انتظرَتْ في الغرفة الأمامية لترى إنْ كان بمقدوري ارتداء ملابسي دونما مساعدة، وشعرَتْ بالارتياح لقدرتي على ذلك. وبالكاد خرجتُ من المنزل عندما أحضرتُ بعض الحسابات وعكفتُ على استئناف العمل الذي كنتُ أؤدِّيه في اليوم الذي أصابني فيه المرض. كان عقلي يعمل على نحوٍ أبطأ، لكنْ بدقةٍ، وهو الأمر الذي أشعرني بارتياح كبير. تركتني بمفردي حتى ذلك اليوم — أو بالأحرى المساء — الذي اعتَدْنا فيه مشاهَدةَ التليفزيون معًا، ثم وصلَتْ وهي تحمل في يدها عبوةً من الحساء، التي لم تكن تكفي لصنْعِ وجبةٍ متكاملةٍ قائمةٍ بذاتها، ولم تكن شيئًا صنعَتْه بنفسها، ومع هذا كانت بمنزلة مساهَمةٍ لا بأسَ بها في الطعام. وقد وصلَتْ مبكرةً كي يكون هناك وقتٌ كافٍ لذلك. فتحَتْها أيضًا دون أن تسألني. كانت تعرف طريقَها جيدًا إلى المطبخ؛ سَخَّنَتْها، وأحضرت سلطانيتَيْ حساءٍ وتناولنا ما بهما معًا. ذكَّرَني سلوكها بأني رجلٌ مريض يحتاج إلى تغذية عاجلة، وكان هذا صحيحًا بدرجةٍ ما؛ فقد كنتُ في ظهيرة ذلك اليوم غيرَ قادرٍ — بسبب رعشةٍ ألَمَّتْ بي — على استخدام فاتحة العبوات بنفسي. كان هناك برنامجان نشاهدهما معًا، الواحد تلو الآخَر، لكننا في تلك الأمسية لم نشاهد البرنامجَ الثاني مطلقًا، ولم تستطِعْ هي الانتظارَ حتى ينتهي البرنامج الثاني لتشرع في حوارٍ لم يكن مريحًا بالنسبة إليَّ. وخلاصةُ ذلك الحوار أنها كانت تُعِدُّ نفسَها للانتقال للعيش معي في منزلي. قالت إنها من ناحيةٍ لا تشعر بالسعادة في الشقة التي تعيش فيها، والتي كان الانتقال إليها بمنزلة خطأ كبير؛ حيث إنها تحب الإقامة في المنازل. لكن هذا لم يكن يعني أنها تشعر بالندم لأنها تركَتِ المنزلَ الذي وُلِدت فيه؛ فقد كانَتْ على وشْكِ الإصابة بالجنون وهي تعيش في ذلك المنزل بمفردها. وخطؤها أنها اعتقدَتْ أن الشقة يمكن أن تكون ببساطةٍ هي الحل. وأضافَتْ أنها لم تكن سعيدةً على الإطلاق في هذا المكان، ولن تكون كذلك أبدًا. وما جعلها تدرك تلك الحقيقة هو الوقت الذي أمضَتْه في هذا المنزل، عندما كنتُ مريضًا، وقد كان عليها أن تدرك ذلك منذ فترة طويلة جدًّا، عندما كانت فتاةً صغيرةً وترى منازلَ بعينها وتمنَّتْ أن تعيش فيها. والشيء الآخَر الذي قالَتْه هو أننا غير قادرَيْن بنحوٍ كامل على الاعتناء بأنفسنا؛ فماذا لو مرضتُ أنا وكنتُ بمفردي تمامًا؟ وماذا لو تكرَّرَ ذلك الأمر ثانيةً؟ أو ماذا لو حدث هذا الأمر لها؟ قالت إننا نكنُّ بعضَ المشاعر أحدنا تجاه الآخَر، وهي ليست بالمشاعر المعتادة. وأضافت أنَّ بمقدورنا العيش معًا كأخ وأخت، وأن يعتني كلٌّ منَّا بالآخَر على هذا النحو، وسيكون ذلك من أكثر الأشياء الطبيعية في هذا العالَم. وقالت إن الجميع سيتقبَّل ذلك الأمرَ، ولِمَ لا يفعلون هذا؟ كنتُ أشعرُ بالانزعاج طوال الوقت الذي تتحدَّث فيه، بل أيضًا بالغضب والخوف والروع، وكان الأسوأ هو ما ختمَتْ به حديثَها عندما قالت إنه ما من أحدٍ سيعتقد أن في الأمر شيئًا ما. وكنت أستطيع أن أستشفَّ ما تقصده، وربما أتفق معها أن الناس سيعتادون على الأمر، وربما يُلْقُون بمزحة أو مزحتين سيئتين، وقد لا نسمع حتى بهما. قد تكون محقة، وربما يكون حديثها منطقيًّا. شعرتُ حينَها كما لو أن أحدهم قد ألقى بي في قبوٍ وصفَقَ البابَ فوق رأسي. ولكنني لم أكن لأجعلها تعرف عن الأمر شيئًا. قلتُ لها إنها فكرة جيدة، لكنَّ هناك شيئًا يجعلها مستحيلة. قالت: ما هو هذا الشيء؟ قلت لها إنني نسيتُ أن أخبرها، مع كل ما مرَّ بي من المرض والقلق وسائر الأشياء الأخرى، بأنني عرضتُ المنزلَ للبيع، وقد اشتراه أحدهم. قلتُ في نفسي: أوه، أوه! ولِمَ لم أخبرها بذلك؟ قلتُ بصدقٍ حينها، إنه لم يكن لديَّ أدنى معرفةٍ بما كانت تريده، لم أعرف أنها تخطِّط في ذهنها لذلك. قالت: «إن هذا الأمر لم يَرِد على ذهني في الوقت المناسب، شأنه شأن كثيرٍ من الأمور الأخرى في حياتي. يبدو أنه شيء يتعلَّق بي أنا؛ فإنني لا أفكِّر في الأمور في وقتها الصحيح؛ دائمًا ما أعتقد أن هناك متسعًا من الوقت.» لقد أنقذتُ نفسي ولكنْ ليس دون تكلفة؛ فقد كان عليَّ أن أعرض المنزل، هذا المنزل، للبيع وأبيعه بأسرع ما يمكن، تمامًا كما فعلَتْ هي بمنزلها. وقد بعتُه بالسرعة نفسها تقريبًا، لكنْ لم أكن مُجبَرًا أن أقبل عرضًا تافهًا كما فعلَتْ هي. ثم كان عليَّ أن أواجِه مهمةَ التعامل مع كل الأشياء التي تراكَمَتْ في المنزل منذ أن انتقَلَ إليه والداي في شهر العسل، حيث لم يكن معهما نقود للقيام بأي رحلة. واندهَشَ الجيران مما حدث. لم يكونوا جيراني منذ وقت طويل؛ فهم لم يكونوا يعرفون أمي، لكنهم قالوا بأنهم اعتادوا مجيئي وذهابي، ومواعيدي المنضبطة. كانوا يريدون أن يعرفوا خططي بخصوص الوقت الحاضر، وأدركتُ أنْ ليس لديَّ أيَّ خطط؛ فبخلاف عملي لم يكن هناك ما أفعله، وقد كنت بالفعل قد أقللتُ من مهام عملي حيث كنتُ أتطلَّع أن أمضي شيخوختي بعنايةٍ وحرصٍ. ••• بدأتُ أجوبُ البلدة بحثًا عن مكانٍ أعيش به، واتضح أنه من بين كل الأماكن التي يمكن أن تناسبني لم يكن هناك سوى مكانٍ واحد فقط شاغر، وكان هذا المكان شقة في العمارة التي شُيِّدت مكان منزل أونيدا القديم، ولم تكن الشقة بأعلى طابق، وتطلُّ على منظر رائع كما كانت شقتها، بل كانت بطابق سفلي. وعلى أية حال، لم أكن أهتم بأن تطلَّ شقتي على منظر رائع؛ لذا أخذتُها، ولم أَدْرِ ما الذي يمكنني أن أفعله بعد ذلك. بالطبع كنتُ أنوي أن أخبرها بالأمر، ولكنه ذاعَ حتى قبل أن أنتقل إلى شقتي. وعلى أية حال، فقد كانت لها خططها الخاصة بها، وكان فصل الصيف قد حلَّ، ولم تكن برامجنا تذاع في ذلك الوقت. وفي تلك الأيام، لم نكن يرى كلٌّ منَّا الآخَرَ بانتظام، ولم أعتقد أنه عندما يحدث ذلك يجب عليَّ أن أعتذر لها أو أطلب إذنها بالسماح لي بالإقامة في نفس عمارتها. وعندما ذهبتُ لأُلقِي نظرةً على المكان وأوقِّع عقدَ الإيجار، لم تكن هي متواجِدةً هناك. هناك شيء واحد أدركْتُه في تلك الزيارة، أو حينما فكَّرْتُ بها فيما بعدُ. تحدَّثَ إليَّ رجل لم أتعرَّف عليه في البداية، وبعد دقيقةٍ أدركتُ أنه شخصٌ عرفتُه لسنواتٍ، وظللتُ نصف عمري أُحَيِّيه في الطريق. لو كنتُ رأيته هناك لَكنتُ عرفتُه بالرغم من آثار تقدُّم العمر، لكني لم أتعرَّف عليه، وقد ضحكنا على ذلك، وأراد أن يعرف إنْ كنتُ سأنتقل بالقرب من ساحة العظام (أيْ منطقة تخزين وتفكيك المركبات القديمة). قلتُ له إنني لم أكن أدري أنهم يُطلِقون عليها ذلك، ولكني كنتُ سأفعل. ثم أراد أن يعرف إنْ كنتُ أمارس لعبة اليوكر، وقلت إني ألعبها، ولكن ليس كثيرًا. قال: «هذا شيء جيد.» ثم فكَّرْتُ حينها أن العيش لفترة طويلة بدرجة كافية كفيلٌ بأن يمحو كلَّ المشكلات، ويضعك ضمن مجموعة مختارة من الناس. ومهما كانَتْ إعاقتك، فإن مجرد العيش حتى هذا العمر الذي كنت فيه يمحوها إلى حدٍّ بعيد؛ فكل وجه سيُعَانِي، وليس وجهك فقط. وهذا جعلني أفكِّر في أونيدا، وكيف كان مظهرها حينما كانت تتحدَّث عن الانتقال إلى منزلي؛ فلم تَعُدْ رشيقةً، لكنها كانت هزيلةً متعبةً، بلا شك، من الليالي التي أمضَتْها مستيقظةً بجواري، لكن عمرها كان يكشف عمَّا هو أبعد من ذلك. كانت تتمتَّع بجمال هادئ طوال الوقت؛ فقد كانت امرأةً شقراء تعلو وجهَها حمرةٌ، وبه ذلك المزيجُ الغريب الذي يكشف عن رغبةٍ في الاعتذار، وينمُّ عن ثقةِ أبناء الطبقة العليا حيال ما تمتلكه وما فقدْتَه. عندما قدَّمَتْ عرضَها لي كانت تبدو متوترةً ويعلو وجهها تعبيرٌ غريب. بالطبع لو كان لي الحق في الاختيار، لَكنتُ بطبيعة الحال، وبالنسبة إلى طولي، اخترتُ فتاةً أقل حجمًا، كالفتاة الجامعية الجميلة، ذات الشعر الداكن، التي كانت من معارف آل كريبس، وعملت في متجرهم لفترة الصيف. وفي أحد الأيام قالت لي هذه الفتاة بطريقةٍ لطيفة إنه يمكنني الحصول على نتيجةٍ أفضل بالنسبة إلى وجهي في هذه الأيام، وقالت إنني سأندهش من النتيجة، وإن ذلك لن يكلفني كثيرًا خصوصًا في ظل برنامج التأمين الصحي بأونتاريو. كانت محقة، لكن كيف لي أن أوضح لها أنني لا أستطيع الذهاب إلى عيادة أحد الأطباء وأقول له إنني أرغب في شيء لا أعرف كنْهَه؟ ••• بدت أونيدا على نحوٍ أفضل مما كانت عليه قبل ذلك، وذلك عندما ظهرت أثناء حزمي لأمتعتي وأشيائي وتخلُّصي من بعضها. كان شعرها مصفَّفًا، وقد تغيَّر لونُه بعض الشيء، ربما أضحى بنيًّا أكثر. قالت: «لا يتعيَّن عليك أن تُلقِي بكل شيء دفعةً واحدة؛ أيْ كل ما جمعتَه عن تاريخ هذه البلدة.» قلت لها إنني كنتُ انتقائيًّا في فرز الأشياء، بالرغم من أن ذلك لم يكن صحيحًا تمامًا. بَدَا لي أن كلَيْنا كان يتظاهر بالاهتمام بما حدث بدرجةٍ أكبر مما نحن عليه بالفعل، وعندما فكَّرْتُ في تاريخ البلدة في ذلك الوقت، تراءى لي أن كل البلدات يجب أن تشبه بعضها بعضًا في النهاية. لم نذكر أي شيء عن انتقالي إلى العمارة التي تقطن بها، كما لو أننا ناقشنا الأمر بالكامل وأصبح شيئًا مسلَّمًا به منذ فترة طويلة. قالت إنها ستذهب في واحدة من رحلاتها، وفي هذه المرة ذكرت اسم المكان؛ وهو جزيرة سافاري، كما لو أن هذا كان كافيًا. سألتها بأدبٍ عن المكان الذي كانَتْ ستقيم فيه، فأجابَتْ قائلةً: «أوه، إنه قبالة الساحل.» قالت ذلك وكأنَّ هذه إجابةٌ وافية لسؤالي. وأردفَتْ قائلةً: «حيث تعيش صديقةٌ قديمة لي.» بالتأكيد، قد يكون ذلك صحيحًا. «لقد بعثَتْ لي رسالةً بالبريد الإلكتروني، وقالت إن ذلك ما يجب أن أفعله. أنا لستُ مهتمةً بالأمر إلى حدٍّ ما، لكن ربما عليَّ أن أجرِّب الذهابَ إلى هناك.» «أعتقد أنكِ لن تعرفي شيئًا عن المكان إلا إذا جرَّبْتِ الذهابَ إليه.» شعرتُ كما لو أنه كان عليَّ أن أضيف شيئًا آخَر؛ كأنْ أسأل عن أحوال الطقس هناك، أو شيء آخَر يتعلَّق بالمكان الذي كانت ستذهب إليه، لكنْ قبل حتى أن أفكِّر فيما يجب أن أقوله، أطلقَتْ صيحةً أو صرخةً صغيرة غريبة، ثم وضعَتْ يدَها على فمها، وسارت بخطواتٍ شديدةِ الحذر نحو نافذتي. قالت: «سِرْ بهدوءٍ، بهدوء. انظرْ، انظرْ هناك.» كانت تضحك بلا صوت تقريبًا، ضحكة قد تُوحِي حتى بأنها كانت تتألم، وأشارت إليَّ بيدها من خلف ظهرها بينما كنتُ أنهض من مكاني حتى أتحلَّى بالهدوء. كان يوجد بالفناء الخلفي لمنزلي حوض للطيور، ولقد وضعتُه منذ سنوات حتى تتمكَّن أمي من مشاهدة الطيور. كانَتْ مولعةً جدًّا بها، وكان بمقدورها التعرُّف عليها من خلال أصواتها وأشكالها كذلك. كنت قد أهملتُه لفترةٍ، لكني ملأْتُه بالماء هذا الصباح. والآن ماذا حدث؟ امتلأ بالطيور، طيور ذات لونين أبيض وأسود تندفع نحوه كالعاصفة. لم تكن طيورًا؛ فقد كانت أكبر حجمًا من طيور أبي الحناء وأصغر من الغربان. قالت: «إنها ظَرَابِيُّ، ظَرَابِيُّ صغيرة. إن اللون الأبيض بها يفوق اللون الأسود.» لكن يا لجمالها! كانت تتحرَّك برشاقة وتتمايل، ولا يعترض أحدها طريقَ الآخَر، حتى إنك لا تستطيع أن تعرف عددَها، وأيها تحرَّكَ أو توقَّف. وبينما كنا نشاهدها، دفع كلٌّ منها بنفسه الواحد تلو الآخَر خارجَ المياه، وشرعَتْ في السير عبر الفناء بسرعةٍ لكنْ في خطٍّ قطري مستقيم، كما لو أنها كانت تزهو بنفسها لكنْ في هدوء. كان عددها خمسة. قالت أونيدا: «يا إلهي! في البلدة.» بَدَتْ علاماتُ الانبهار على وجهها. «هل رأيتَ مثل هذا المنظر من قبلُ؟» قلتُ لها لا، مطلقًا. خُيِّلَ إليَّ أنها ربما تقول شيئًا آخَر قد يُفسِد المشهد، لكنها لم تفعل، لم يفعل كلانا ذلك. كنا في أقصى قدرٍ من السعادة يمكن أن نصل إليه. حياتي العزيزة
كوري قال السيد كارلتون: «إنه ليس بالشيء الجيد أن تتركز الأموال كلها في عائلة واحدة، كما هو الحال في مكان كهذا؛ أعني بالنسبة إلى فتاةٍ كابنتي كوري هنا. ما أقصده على سبيل المثال أنه ليس بالشيء الجيد لفتاةٍ مثلها؛ فما من أحدٍ في مستواها.» كانت كوري تجلس قبالة المائدة وأخذت تنظر مباشَرةً في عيني الضيف، وكان يبدو لها الحوارُ باعثًا على الضحك. وأردف والدها قائلًا: «مَن ذا الذي يمكن أن تتزوَّجه؟ لقد أصبحَتْ في الخامسة والعشرين من عمرها.» رفعت كوري حاجبَيْها وتظاهرَتْ بأنها متجهِّمة. ثم قالت: «لقد أسقطتَ عامًا، إنني في السادسة والعشرين.» قال والدها: «استمري، اضحكي كما يحلو لكِ.» ضحكت بصوتٍ عالٍ، وحقًّا، ماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟ هذا ما حدَّثَ به الضيف نفسه، الذي كان اسمه هاورد ريتشي، وكان يكبرها بأعوام قليلة، لكنْ كانت له زوجة وعائلة صغيرة بالفعل، وهذا ما اكتشفه والدها لتوِّه. تغيَّرَتْ تعبيراتُ وجهها بسرعةٍ شديدة. كانت أسنانها بيضاءَ لامعةً، وشعرها قصيرًا مجعدًا يميل لونه للسواد، وكانت وجنتاها عريضتَيْن على نحوٍ جذَّاب، ولم تكن ضعيفةَ البنية ولا ممتلئةً، وهو الشيء الذي يمكن لوالدها أن يقوله لاحقًا. كان هاواد ريتشي ينظر إليها على أنها من ذلك النوع من الفتيات اللاتي يمضينَ أوقاتًا طويلة في لعب الجولف والتنس، وبالرغم من لسانها اللاذع، فإنه توقَّعَ أن يكون لها عقلٌ تقليدي. كان يعمل مهندسًا معماريًّا، وكان في بداية حياته العملية، وأصرَّ السيد كارلتون على أن يناديه بالمعماري الكنسي؛ وذلك لأنه كان يقوم في الوقت الحالي بترميم برج الكنيسة الأنجليكانية بالبلدة؛ وهو البرج الذي كان على شفا الانهيار حتى هبَّ السيد كارلتون لإنقاذه. ولم يكن السيد كارلتون أنجليكانيًّا، وقد أشار لهذا الأمر مراتٍ عدةً؛ فقد كان أحد رعايا الكنيسة الميثودية، وكان ميثوديًّا حتى النخاع، ولهذا السبب لم يكن يحتفظ في منزله بأي نوعٍ من الخمور، لكنْ لم يكن يجوز تَرْك كنيسةٍ عريقة كالكنيسة الأنجليكانية تتعرَّض للانهيار، ولا أملَ في انتظار الأنجليكانيين لكي يفعلوا شيئًا؛ فهم فئة فقيرة من البروتستانت الأيرلنديين الذين كان من الممكن أن يزيلوا البرج ويضعوا مكانه شيئًا يؤدِّي إلى تشويه منظر البلدة. إنهم كانوا بالقطع لا يمتلكون نقودًا كافيةً لإصلاح البرج، وما كان لهم أن يفهموا أن الأمر بحاجةٍ إلى مهندس معماري أكثر منه إلى نجارٍ؛ معماري كنسي. كانت غرفة الطعام قبيحةَ الشكل، في رأي هاورد على الأقل. كانت هذه فترةَ منتصف خمسينيات القرن العشرين، لكنْ بدا كلُّ شيء وكأنه قبلَ مطلع القرن. كان الطعام مقبولًا إلى حدٍّ ما، ولم يتوقَّف الرجل الذي يجلس على رأس المائدة عن الحديث مطلقًا، وقد يُخَيَّل إليك أن الفتاة قد أصابها التعبُ من فرط حديثه، لكنْ كانت تبدو وكأنها على وشك الضحك معظم الوقت. وقبل أن تنتهي من تناول الحلوى، أشعلت سيجارة، وعرضَتْ على هاورد واحدة وهي تقول بصوت مسموع: «لا عليكَ من أبي.» وتناوَلَها لكنْ لم تَرُقْ له شخصيتها. فقد رآها فتاةً ثرية مدلَّلة، ليست مهذَّبة. وفجأةً سألَتْه عن رأيه في تومي دوجلاس، حاكِم مقاطعة ساسكاتشوان. قال إن زوجته تؤيِّده، لكنها لم تكن تعتقد في الواقع أنه يَسَارِيٌّ راديكاليٌّ بالقدر الكافي، ولكنه لم يكن ليخوض في ذلك. «إن أبي يحبه؛ فأبي شيوعي.» نخر السيد كارلتون تعبيرًا على اعتراضه على ما تقول، لكنْ لم يمنعها هذا من الاستمرار. فقالت لأبيها: «حسنًا، إنك تضحك على نكاته.» وبعد ذلك بفترة قصيرة، اصطحبت هاورد للخارج ليُلقِي نظرةً على الأراضي المحيطة بالمنزل. كان المنزل يطلُّ مباشَرةً على الطريق ويقع قبالة المصنع الذي ينتج الأحذية العالية الرقبة وأحذية العمل الخاصة بالرجال؛ ومع ذلك كانت توجد خلف المنزل مساحةٌ شاسعة من المروج، وذلك النهر الذي يلتفُّ حول البلدة بنحوٍ جزئي، وكان هناك طريقٌ غير ممهَّد منحدر يصل لضفته. قادَتْ هي الطريق إلى النهر، وتمكَّنَ من رؤيةِ شيءٍ لم يكن واثقًا من وجوده من قبلُ؛ فقد كان لديها عرجٌ في إحدى رجلَيْها. سألها قائلًا: «أَلَنْ يكون الصعود عبر هذا الطريق المنحدر صعبًا؟» «أنا لستُ معاقةً.» قال: «أرى أنَّ لديك قاربَ تجديفٍ.» معتبرًا هذا شبه اعتذار. «سأصطحبك في نزهةٍ به ولكنْ ليس الآن، أما الآن فعلينا أن نشاهد منظرَ الغروب.» وأشارت إلى مقعد مطبخ قديم قالت إنه يُستخدَم من أجل مشاهدة الغروب، وطلبَتْ منه أن يجلس هناك، أما هي فقد جلسَتْ على الحشائش. وكان على وشك أن يسألها إنْ كان بمقدورها أن تنهض بمفردها، لكنه رأى أنْ ليس من الصواب أن يفعل ذلك. قالت: «إنني أعاني من شلل الأطفال، وهذا كلُّ ما في الأمر. وكانت أمي تعاني منه أيضًا وقد ماتَتْ.» «يا له من أمر مؤسف!» «أعتقد أنه كذلك، لكني لا أستطيع تذكُّرَها. إنني ذاهبةٌ إلى مصر الأسبوع المقبل. لقد كنتُ متلهِّفة جدًّا للذهاب إلى هناك، لكني لم أَعُدْ أهتمُّ بهذا كثيرًا الآن. هل تعتقد أنها ستكون رحلةً ممتعةً؟» «أنا لا أريد أن أخسر عملي.» دُهِش مما قاله، وبالطبع جعلها ذلك تنفجر في الضحك. قالت بغرورٍ بعد أن انتهَتْ من الضحك: «إنني أتحدَّث بوجهٍ عام.» «وأنا أيضًا.» قد يتهافت عليها أحدُ صائدي الفُرَص ويُوقِعها في شباكه؛ ربما يكون أحدَ المصريين أو غيرهم. كانت تتسم بالجرأة والسلوك الطفولي في نفس الوقت؛ إنها قد تأسر أيَّ رجلٍ في البداية، لكن فيما بعدُ ستصبح صراحتُها ورضاها عن نفسها، إنْ صحَّ ذلك، مصدرَ إزعاجٍ له. لكن بالطبع هناك أموالها، وبالنسبة إلى بعض الرجال لن تكون حينها أيٌّ من هذه الأشياء مصدرَ إزعاجٍ لهم على الإطلاق. قالت: «يجب ألَّا تذكر أيَّ شيءٍ يتعلَّق برجلي أمام أبي وإلا فسيغضب غضبًا شديدًا؛ فلقد فصل ذات مرةٍ ليس فقط طفلًا تعمَّدَ إغاظتي، بل عائلته بأسرها؛ أعني حتى أقاربه.» ••• أرسلَتْ من مصر عدة بطاقات بريدية غريبة على عنوان شركته، وليس منزله. وهذا طبيعي بالقطع؛ فكيف كان لها أن تعرف عنوان منزله؟ ولم تحمل هذه الكروت صورًا لهرمٍ واحد من الأهرامات، أو حتى صورة لأبي الهول. لكنْ كان أحدها يحمل بدلًا من ذلك صورة لصخرة جبل طارق وبجوارها تعليقٌ يشير إلى أنها صورة لهرم منهار، وكان هناك آخَر يحتوي على منظرٍ لحقول ممتدة يغلب عليها اللونُ البني الداكن، والربُّ وحده يعلم أين مكانها، وكُتِب عليها: «بحر الظلمات.» كانت توجد رسالة أخرى مكتوبة بخط صغير تقول: «العدسة المكبرة متوافرة، أرسِلِ النقود.» ولحسن الحظ لم يلحظ أيًّا من تلك البطاقات أحدٌ في المكتب. لم يكن ينوي أن يردَّ على تلك الرسالة، بَيْدَ أنه فعل وقال: «العدسة المكبرة مَعِيبة، نرجو ردَّ النقود.» قاد سيارته إلى بلدتها من أجل القيام بعمليةِ فحْصٍ غير ضرورية لبرج الكنيسة، وهو يعلم أنها قد عادت من بلد الأهرامات، لكنه لم يَدْرِ إنْ كانت في منزلها أم خرجَتْ في نزهة قصيرة. لقد كانت في المنزل، وستمكث به لبعض الوقت؛ فقد أُصِيب والدها بسكتة دماغية. لكنْ لم يكن هناك الكثير من الأشياء لتفعلها في حقيقة الأمر؛ فهناك ممرضة تأتي إلى المنزل يومًا بعد يوم، وكان ثمة فتاةٌ تُدعَى ليليان وولف مسئولةٌ عن إيقاد النار التي دائمًا ما كانت تُشعَل عندما يصل هاورد، وبالطبع كانت لها مهامُّ منزلية أخرى. أما كوري نفسها فلم يكن باستطاعتها إشعال النيران بصورة صحيحة، أو إعداد وجبة من الوجبات، وهي لا تستطيع كذلك النَّسْخَ على الآلة الكاتبة، أو قيادة السيارة، حتى مع وجود حذاءٍ خاصٍّ لمعاونتها في ذلك. عندما وصل هاورد تولَّى أمورَ المنزل؛ فقد اعتنى بمسألة إيقاد النيران وتحمَّلَ مسئوليةَ العديد من الأشياء الأخرى في المنزل، حتى إنهم اصطحبوه لرؤية والد كوري، إنْ كانت حالةُ الرجل تسمح بذلك. لم يكن يدري كيف كان سيتعامل مع رِجْلها العرجاء في الفراش، لكنها كانت بنحوٍ ما تبدو أكثر جاذبيةً وتفرُّدًا عن باقي جسمها. أخبرته بأنها ليست عذراء؛ لكنِ اتَّضَحَ أن ذلك بمنزلة نصف حقيقةٍ معقَّدة، نتيجةً لتحرُّش مدرس البيانو بها جنسيًّا حينما كانت في الخامسة عشرة من عمرها. لقد كانت تتجاوب مع ما كان يريده مدرس البيانو هذا؛ لأنها كانت تتعاطف مع الأشخاص الذين كانوا في حاجةٍ ماسة لأشياء معينة. قالت: «لا تعتبر ذلك بمنزلة إهانة.» موضِّحةً أنها لم تَعُدْ تتعاطف مع الناس على هذا النحو. قال: «آمل ألَّا يحدث ذلك.» ثم كانت لديه أشياء ليخبرها بها عن نفسه؛ فحقيقةُ أنه عرَضَ استخدامَ واقٍ ذكري لم تكن تعني أنه اعتاد غواية النساء. ففي واقع الأمر، لم تكن هي سوى ثاني امرأة يضاجعها، والأولى كانت زوجته؛ فلقد نشأ في منزلٍ شديدِ التديُّن وكان لا يزال يؤمن، إلى حدٍّ ما، بالرب. وقد احتفظ بذلك كأحد الأسرار التي لم يخبر بها زوجته، التي كانت ستتندر على ذلك، لكونها يسارية راديكالية. قالت كوري إنها كانت سعيدةً لأنَّ ما كانا يفعلانه — أو ما فعلاه معًا لتوِّهما — لا يبدو مصدرَ إزعاجٍ له بالرغم من معتقداته الدينية، وقالت إنها هي ذاتها لم يكن لديها قطُّ أيُّ وقتٍ لعبادة الرب؛ لأن والدها كان كافيًا للانشغال عن مثل ذلك الأمر. لم يكن الأمر صعبًا بالنسبة إليهما؛ فوظيفةُ هاورد كانت تتطلَّب منه السفر في فترة النهار من أجل إجراء عملياتِ فحصٍ للمباني أو لرؤيةِ أحد العملاء، ولم تكن المسافة من كتشنر تستغرق وقتًا طويلًا بالسيارة، وقد أصبحَتْ كوري بمفردها في المنزل الآن؛ فلقد تُوفِّي والدها، أما الفتاة التي كانت تعمل لديها فقد ذهبَتْ للبحث عن وظيفةٍ في المدينة، واستحسنَتْ كوري تلك الفكرة، بل إنها منحَتْها نقودًا من أجل دروس الكتابة على الآلة الكاتبة، وذلك حتى تعمل على تحسين مستواها. قالت: «إنكِ أكثر مهارةً من مجرد الخدمة في المنازل، وَلْتخبريني كيف ستمضي الأمور معكِ.» وسواء أنفقَتْ ليليان وولف النقودَ على دروس الكتابة على الآلة الكاتبة أم على شيء آخَر، فهذا أمر لا يعلمه أحد، لكنها استمرت في الخدمة في المنازل، وقد انكشَفَ ذلك الأمر في إحدى المناسبات التي دُعِي فيها هاورد وزوجته لتناول العشاء، بصحبة آخَرين، في منزل أحد الأشخاص المهمين الذين وصلوا مؤخرًا إلى كتشنر، وكانت ليليان تقف عند المائدة، والتقَتْ وجهًا لوجهٍ مع الرجل الذي رأَتْه في منزل كوري؛ الرجلِ الذي طالما رأَتْه يطوِّق كوري بذراعَيْه عندما كانت تدلف لرفع الأطباق أو توزيع النيران. وكشف الحوار الدائر أن الزوجة التي كانت تجلس على المائدة كانت زوجته أيضًا وقتذاك كما هو حالها الآن. ••• قال هاورد إنه لم يخبر كوري بشأن حفل العشاء في حينه لأنه كان يأمل ألَّا يحمل هذا الأمرُ الكثيرَ من الأهمية، ولم يكن المضيفُ والمضيفةُ من الأصدقاء المقرَّبين له أو لزوجته. بالقطع لم يكونا كذلك بالنسبة إلى زوجته التي سخرت منهما فيما بعدُ من منطلق سياسي. لقد كانت إحدى مناسبات العمل الاجتماعي، ومن المرجَّح أن المنزل لم يكن من ذلك النوع الذي تثرثر فيه الخادماتُ مع ربة المنزل. في واقع الأمر، لم يكن من ذلك النوع، وقالت ليليان إنها لم تثرثر بشأن ذلك الأمر على الإطلاق. قالت هذا في خطابٍ، ولم تكن سيدتها هي مَن كانت تنوي أن تتحدَّث إليها عن هذا الأمر، إنْ كان يجب عليها ذلك، بل إنها زوجته هي مَن تود إخبارها. تُرَى هل كانت ستهتم زوجتُه بالحصول على تلك المعلومة؟ كان ذلك هو الأسلوب الذي صاغَتْ به الخطاب. لقد أرسلَتِ الخطابَ على عنوان مكتبه الذي تمكَّنَتْ بذكاءٍ من العثور عليه، ولكنها عرفت أيضًا عنوان منزله؛ لقد كانت تتلصَّص عليه. لقد ذكرَتْ له ذلك في الخطاب، كما أشارَتْ إلى معطف زوجته الفضي اللون المصنوع من فراء الثعلب، وكان هذا المعطف يسبِّب ضيقًا لزوجته، وكانت عادةً ما تشعر بأنها مضطرة لأن تخبر الناس بأنها ورثته ولم تشتَرِه. وكانت هذه هي الحقيقة بالفعل؛ ومع ذلك كانت تحب ارتداءَه في مناسباتٍ معينة، كحفل العشاء هذا، وذلك لكي تكون مساويةً للآخَرين، كما بَدَا، حتى لو كانوا أناسًا لا حاجةَ لها بهم. وكانت ليليان قد كتبَتْ في الخطاب: «أكره أن أكسر قلبَ تلك المرأة اللطيفة ذات الياقة الفضية اللون المصنوعة من فراء الثعلب.» ••• قالت كوري، عندما شعر أنه كان يجب عليه أن ينقل لها تلك الأخبار: «كيف لليليان أن تعلم بأمر الياقة الفضية التي من فراء الثعلب؟ إنها لا تفقه شيئًا، هل أنت واثقٌ أنَّ هذا هو ما قالَتْه؟» «تمام الثقة.» كان قد أحرق الخطاب على الفور، فقد شعر أنه قد تأذَّى منه. قالت كوري: «لا بد أنها علمَتْ بأمر الكثير من الأشياء حين كانت هنا. دائمًا ما كنتُ أعتقد أنها ماكرةٌ. أعتقد أن قتْلَها ليس أحدَ الخيارات المطروحة، أليس كذلك؟» لم يرسم حتى ابتسامة على شفتَيْه؛ لذا قالت بجديةٍ شديدة: «إنني أمزح فقط.» كان ذلك في شهر أبريل، ولكن الطقس كان لا يزال باردًا بدرجةٍ تجعلك ترغب في إيقاد النيران للتدفئة. عزمَتْ على أن تطلب منه ذلك طوال فترة العشاء، لكنَّ سلوكه الغريب المتسم بالكآبة جعلها تُحجِم عن ذلك. أخبرها أن زوجته لم تكن تريد أن تذهب إلى ذلك العشاء، قال: «إنه مجرد حظٍّ عاثرٍ.» قالت: «كان عليك أن تأخذ بنصيحتها.» قال: «إنه أسوأ شيء، أسوأ شيء يمكن أن يحدث.» كان كلاهما يحدِّق في الشبكة الحديدية السوداء للمدفأة، ولم يمسَسْها سوى مرة واحدة فقط، وذلك عندما حياها. قالت كوري: «لا، ليس الأمر كذلك. لا.» «لا؟» قالت: «لا، بمقدورنا أن نمنحها النقود. إنه ليس بمبلغ كبير في حقيقة الأمر.» «أنا لا أمتلك …» «ليس أنت، بل أنا الذي بمقدوري ذلك.» «أوه، لا.» «نعم.» أخذت تتكلَّم برفق، لكنها كانت تتجمَّد من شدة البرد. ماذا لو رفض؟ لا، لا يمكن أن أسمح لك بذلك. لا، إنها علامة؛ علامة على أننا ينبغي أن نتوقَّف عمَّا نفعله. كانت واثقةً من أن هناك شيئًا يدل على هذا في صوته، قسمات وجهه. كل ما يتعلق بتلك الخطيئة القديمة، هذا الشر. قالت: «إن تلك النقود لا تعني لي شيئًا، وحتى إنِ استطعتَ أن تُدَبِّرها بسهولةٍ، فإنك لن تستطيع أن تدفعها لها؛ إنك ستشعر حينها بأنك تنتزع شيئًا من حقِّ عائلتك؛ فكيف سيكون بمقدورك أن تفعل ذلك؟» العائلة! ما كان ينبغي لها أن تقول ذلك مطلقًا، ما كان يجب عليها أن تتفوَّه بتلك الكلمة على الإطلاق. لكن في الواقع تهلَّلَتْ أساريره، وقال: لا، لا، لكنْ كان يشوب صوتَه بعضُ الشك. ثم أدركَتْ أن كل شيء سيكون على ما يرام، وبعد فترة قصيرة استطاع التحدُّثَ بطريقة عملية، وقد تذكَّرَ شيئًا آخَر من الخطاب؛ فقال إنه يجب أن يُدفَع لها نقدًا وليس بشيكاتٍ حيث إنها لا تستخدمها. كان يتحدَّث دون أن يرفع بصره وكأنه يعقد إحدى صفقات العمل. كان الدفع نقدًا شيئًا جيدًا بالنسبة إلى كوري أيضًا؛ فهو لم يكن ليورِّطها في شيء. قالت: «حسنًا، إنه ليس بمبلغ ضخم على أية حال.» لكنه حذَّرَها قائلًا: «لكنْ يجب ألَّا تدرك أننا نرى الأمر على هذا النحو.» كانت النقود ستُرسَل على صندوق بريدي باسم ليليان، وتُوضَع النقود في مظروفٍ موجَّه لها، وتُرسَل لها النقود مرتين في العام، والتواريخ كانت متروكة لها. وينبغي ألَّا يكون هناك تأخيرٌ في إرسال النقود حتى ليوم واحد، وإلا فإنها ستبدأ في القلق، على حد قولها. لم يلمس كوري إلا حينما حيَّاها بتحية وداعٍ تنمُّ عن الامتنان وتكاد تكون شبه رسمية، وكان لسان حاله يقول: إن هذا الموضوع ينبغي أن يكون بعيدًا كلَّ البُعْد عمَّا بيننا. سنبدأ من جديد، وسنشعر ثانيةً بأننا لا نجرح أحدًا ولا نقترف إثمًا. هذا ما أفصحت عنه لغته الصامتة، أما ما أفصحت عنه لغتها، فقالت فيما يشبه المزاح الذي لم يفلح في تخطِّي الأمر. «لقد ساهمنا بالفعل في تعليم ليليان؛ فهي لم تكن على هذا القدر من الذكاء من قبلُ.» «نحن لا نريدها أن تصبح أكثر ذكاءً، وتطلب المزيدَ من النقود.» «سنفكِّر حينَها فيما يجب فعله. على أية حال يمكننا حينئذٍ أن نهدِّد بإبلاغ الشرطة، بل بمقدورنا فعل ذلك من الآن.» قال: «لكن هذا معناه نهاية علاقتنا أنا وأنت.» وكان بالفعل قد حيَّاها بتحيةِ الوداع وأدار رأسه مبتعدًا، وكانا حينها يقفان في الشرفة الخارجية. قال: «وأنا لا أستطيع تحمُّل نهاية علاقتنا أنا وأنت.» قالت كوري: «إنني سعيدة لسماع ذلك.» ••• مر الوقت سريعًا حتى إنهما لم يعودا يتحدثان عن هذا الأمر. كانت تعطيه النقودَ بالفعل في مظروفٍ حتى يُرسِله لليليان. في البداية، كان ينخر تعبيرًا عن اشمئزازه من الأمر، لكن هذا الصوت تحوَّلَ فيما بعدُ إلى تنهُّدٍ ينمُّ عن الإذعان، كما لو أن أحدهم قد ذكَّرَه بأن عليه أداء مهمةٍ روتينيةٍ ما. «كم يمر الوقت سريعًا!» «حقًّا، أليس كذلك؟» ربما قد قالت كوري: «مال ليليان الحرام.» وبالرغم من أنه لم ينتبه إلى هذا التعبير في البداية، فإنه قد اعتاد هو الآخر أن يستخدمه فيما بعدُ. وكانت تسأله في البداية إنْ كان قد رأى ليليان ثانيةً، أو إنْ كانت هناك حفلات عشاء أخرى. فكان يذكِّرها قائلًا: «إنهما ليسا من أصدقائنا المقرَّبين.» ويضيف أنه بالكاد يلتقي بهما ولا يدري حتى إنْ كانت ليليان لا تزال تعمل لديهما أم لا. ولم تكن كوري تراها هي الأخرى، وكان أهلها يعيشون في الريف، وإنْ حدث أنْ أتَتْ ليليان لزيارتهم، فإنه من غير المرجَّح أن يأتوا للتسوُّق في هذه البلدة، التي كانت تتدهور الأحوال فيها على نحوٍ سريع؛ فقد أضحى الشارعُ الرئيسي خاليًا من المتاجر إلا من متجرٍ صغير يشتري منه الناسُ تذاكرَ اليانصيب أو البقالة التي يحتاجونها، ومتجرٍ آخَر للأثاث تعرض واجهتُه نفسَ المناضد والأرائك منذ فترة طويلة، ويبدو أنه لا يفتح أبوابَه مطلقًا، ومن المحتمل ألَّا يحدث هذا، وظلَّ هكذا حتى مات مالكه في فلوريدا. بعد وفاة والد كوري، تولَّى إدارة مصنع الأحذية إحدى الشركات الكبيرة التي وعدت — أو هكذا اعتقدَتْ كوري — بأن تستمر في تشغيله في نفس النشاط. ولكن خلال عام واحد أضحى المبنى خاويًا، ونُقِلت الآلات إلى بلدة أخرى، ولم يتبقَّ فيه سوى بعض الآلات التي عفى عليها الزمن والتي كانت تُستخدَم من قبلُ في صناعة كلٍّ من الأحذية العادية والأحذية العالية الرقبة. وتبادَرَتْ إلى ذهن كوري فكرةُ أن تُقِيم متحفًا صغيرًا طريفًا لعرض مثل هذه الأشياء، وشرعت هي ذاتها في ترتيب الأمر، وكانت ستقوم بدور المرشدة التي ستشرح كيف كانت تُصنَّع الأحذية باستخدام تلك الآلات. كان المدهش في الأمر معرفة كيف أنها أصبحت على هذا القدر الكبير من المعرفة، لكن الذي ساعَدَها في ذلك بعض الصور الفوتوغرافية التي كان والدها قد التقَطَها كي تكون وسائلَ توضيحيةً في محاضرةٍ ربما يكون قد ألقاها هو بنفسه — وكانت مكتوبةً على الآلة الكاتبة بنحوٍ سيئ — على الملتحقات بمعهد السيدات، حينما كنَّ يدرسْنَ الصناعات المحلية وقتَها. وبالفعل، بحلول نهاية فصل الصيف استطاعت كوري جلْبَ بعض الزائرين إلى المكان، وكانت على ثقةٍ من أن الأمور ستكون أفضلَ في العام التالي، وخاصةً بعد أن وضعَتْ لافتةً دعائية عن المكان على الطريق السريع، ووضعَتْ إعلانًا عنه في أحد الكتيبات الدعائية السياحية. تطلَّعَتْ من النافذة صباحَ يوم في بداية فصل الربيع، فرأَتْ مجموعةً من الغرباء يشرعون في هدم المبنى، واتضح فيما بعدُ أن العقد الذي أبرمَتْه مع الشركة واعتقدَتْ أنه يمكِّنها من استخدام المبنى ما دامَتْ تسدِّد مبلغًا من المال كإيجارٍ؛ لا يسمح لها بعرض أي أشياء موجودة داخل المبنى أو الاستيلاء عليها، مهما بَدَتْ تلك الأشياء عديمةَ القيمة. وليس ثمة شكٌّ في أن تلك الآلات كانت تئول إليها، بل إنه في واقع الأمر من حُسْن حظها أنه لم يتم استدعاؤها للمحكمة بعد أن علمت الشركة — التي كانت متعاوِنةً جدًّا في وقتٍ من الأوقات — ما كانت مُقدِمةً عليه. ولولا اصطحاب هاورد عائلتَه إلى أوروبا الصيف الماضي، عندما بدأَتْ هذا المشروع، لَكان قد استطاع الاطلاع على العقد ووفَّرَ عليها الكثيرَ من المتاعب. قالت عندما هدأت: لا بأسَ ممَّا حدث. وسرعان ما عثرَتْ على مصدرِ اهتمامٍ جديد. وقد بدأ الأمر عندما قرَّرَتْ أنها قد سئمت من ذلك المنزل الكبير الخاوي، فأرادت أن تتركه، وعزمت على أن تكون وجهتها المكتبة العامة التي تقع في الطريق الرئيسي. كان مبنى المكتبة جميلَ الشكل، يسهل إدارته، وكان مشيدًا من الطوب الأحمر، ولكون المكتبة واحدة من مكتبات كارنيجي، فلم يكن من السهل التخلُّص منها بالرغم من أنه لا يَفِدُ إليها سوى عددٍ قليلٍ من الناس، لم يكن كافيًا لسداد أتعاب أمين المكتبة. كانت كوري تذهب إلى هناك مرتين في الأسبوع، وتفتح الأبواب وتجلس أمام مكتب أمين المكتبة. وكانت تزيل الغبار كلما دعت الحاجة لذلك، وتهاتف الأشخاصَ الذين أظهرَتِ السجلاتُ أنهم قد استعاروا بعضَ الكتب منذ سنواتٍ ولم يُعِيدوها للمكتبة. وفي بعض الأحيان كان الأشخاص الذين يُجِيبون عليها يزعمون أنهم لم يسمعوا مطلقًا عن هذه الكتب؛ مدَّعِين أنه لا بد أنه قد استعارتها إحدى العمات أو الجدات في عائلاتهم التي اعتادت القراءة، والتي ماتت الآن. ثم كانت تتحدَّث فيما بعدُ عن ملكية المكتبة للكتب، وكان الكتاب يظهر في بعض الأحيان بالفعل في سلة المرتجعات. أما الشيء المزعج الوحيد الذي كان يتعلَّق بالجلوس في المكتبة فهو الضوضاء المحيطة، وكان مصدرها هو جيمي كازنس، الذي كان يجزُّ الحشائشَ حول مبنى المكتبة، وكان يقوم بما يقوم به عدة مرات إذ ليس ثمة شيءٌ آخَر لديه ليفعله؛ لذا استأجرَتْه ليقلِّم لها الحديقةَ في منزلها؛ وهو الشيء الذي كانت تفعله بنفسها كنوع من التمرينات البدنية، لكن بنيتها لم تكن تحتاج إليه في واقع الأمر، كما أنها كانت بطيئةً جدًّا في القيام به بسبب إعاقتها. كان هاورد منزعجًا إلى حدٍّ ما من التغيير الذي حدث في حياتها. صحيح أنه كان نادرًا ما يأتي في الوقت الحالي، لكنه كان بمقدوره المكوث لفترةٍ أطول في كل مرة. يعيش الآن في تورونتو، بالرغم من أنه يعمل في نفس الشركة. كان من أولاده مَن هم في مرحلة المراهقة أو المرحلة الجامعية، وكانت الفتيات يبلين بلاء حسنًا في دراستهن على عكس الصِّبْية بخلاف ما كان يأمل، لكنْ كان هذا هو الحال مع الصِّبْية دائمًا. كانت زوجته تعمل بدوام كامل، بل أحيانًا ما يزيد عن دوام كامل وذلك لدى أحد الساسة المحليين، وكان راتبها ضئيلًا للغاية، بَيْدَ أنها كانت سعيدة، بل أكثر سعادةً ممَّا رآها من قبلُ. وفي الربيع الماضي كان قد اصطحبها إلى إسبانيا، وكانت الرحلة بمنزلة مفاجأة بمناسبة عيد ميلادها. وظلت كوري لا تعرف عنه شيئًا لفترةٍ في ذلك الحين؛ فليس من اللائق أن يكتب لها أثناء العطلة التي يقضيها مع زوجته في عيد ميلادها. ما كان له أن يفعل شيئًا كهذا مطلقًا، وهي ما كان ليروق لها أن يفعل ذلك أيضًا. قالت كوري بعدما عاد من رحلته: «من خلال طريقة زيارتك لي، يُخَيَّل إليَّ أنك ترى منزلي على أنه أحد المزارات.» وردَّ قائلًا: «هذا صحيح تمامًا.» لقد أصبح الآن عاشِقًا لكل شيء في الحجرات الفسيحة، بأسقفها المزخرفة، وجدرانها الداخلية المكسوَّة بالألواح الخشبية الداكنة الكئيبة. كان هناك شيء عبثي كبير يغلِّفها، لكنه استطاع أن يستشفَّ أن الأمر مختلفٌ بالنسبة إليها، وأنها بحاجةٍ إلى مغادرة المنزل في نزهةٍ للخارج بين الحين والآخَر. وبدآ في الذهاب في رحلات قصيرة، ثم رحلات أطول بعض الشيء حيث كانا يمكثان لليلةٍ واحدةٍ في أحد الفنادق الصغيرة الموجودة على الطرق العامة — ولم يتعدَّ الأمرُ أكثرَ من ليلة واحدة على الإطلاق — وكانا يتناولان الطعامَ في أحد المطاعم التي تميل للفخامة. لم يصادفا مطلقًا أحدًا يعرفانه، وكانا متأكدين تمامًا أن هذا كان سيحدث في إحدى المرات. أما الآن فقد اختلفَتِ الأمور، بالرغم من أنهما كانا لا يعرفان سبب ذلك؛ هل لأنهما لن يواجِهَا أيَّ خطرٍ في حالةِ إنْ حدث هذا بالفعل؟ فالحقيقة أن الناس الذين كان من المحتمل أن يلتقيا بهم، ولم يحدث هذا مطلقًا، لن يشكوا في أنهما ذلك الثنائي الآثم الذي هما عليه الآن؛ إذ يمكنه أن يقدِّمها على أنها ابنة عمٍّ له دون أن يخلف أيَّ انطباعٍ؛ فهي مجرد قريبة عرجاء فكَّرَ أن يمر لزيارتها. وقد كان لديه بالفعل بعض الأقارب الذين لم ترغب زوجته في أن تزعج نفسَها بمعرفتهم على الإطلاق. ومَن ذا الذي سيلاحِق امرأةً في منتصف العمر ذات قدمٍ عرجاء؟ لن يحتفظ أحدهم بتلك المعلومة الخطيرة كي يفصح عنها في لحظة حاسمة. لقد التقينا بهاورد عند شاطئ بروس مع أخته، ألن يكون الأمر هكذا؟ كان يبدو على ما يرام. ربما ابنة عمه هي التي كانت في صحبته. هل هي عرجاء؟ لا يبدو أن الأمر يستحق كل هذا العناء. وبالطبع كانا لا يزالان يتضاجعان، وفي بعض الأحيان كانا يفعلان ذلك بحذر، متجنِّبَيْن ما قد يؤثِّر على الكتفين أو الركبتين. كانا تقليديَّيْن في ذلك الأمر، وظلَّا هكذا وهما يهنِّئان أنفسهما بأنهما لم يكونا في حاجةٍ إلى أي عوامل خارجية مثيرة؛ فقد كان هذا من أجل المتزوجين فقط. وفي بعض الأحيان كانت الدموع تملأ عينَيْ كوري، التي كانت تدفن وجهَها بين ذراعَيْه. كانت تقول: «إننا محظوظان بشدة.» ولم تسأله على الإطلاق إنْ كان سعيدًا أم لا، لكنه أشار بطريقةٍ غير مباشِرة إلى أنه كان كذلك بالفعل، وقال إنه قد أصبح لديه أفكار أكثر تحفُّظًا، أو ربما أقل تفاؤلًا، فيما يخص مجال عمله. (وقد احتفظَتْ لنفسها برأيها الذي يقول إنه كان دومًا يميل لأن يكون محافظًا.) كان يتلقَّى دروس البيانو، ممَّا أثارَ دهشةَ زوجته وعائلته؛ إنه لشيءٌ جيد أن يكون للمرء نوعٌ من الاهتمامات الخاصة به، أثناء ارتباطه بعلاقة زواج. قالت كوري: «أنا واثقة من هذا.» «لم أكن أعني …» «أعلم هذا.» ••• وفي أحد الأيام، وكان في شهر سبتمبر، دلف جيمي كازنس إلى المكتبة ليخبرها بأنه لن يتمكَّن من تقليم الحشائش في حديقة منزلها اليومَ لأنه يجب عليه الذهاب إلى الجبانة كي يحفر أحدَ القبور، وقال إنه من أجل أحد الأشخاص الذين كانوا يعيشون هنا. سألَتْه، وهي تضع إصبعها بين صفحات رواية «جاتسبي العظيم»، عن اسم الشخص المتوفَّى، وقالت إنه لَشيءٌ مثير أن يظهر بعضُ الأشخاص هنا، أو جثامينهم، ويطلبون ذلك المطلبَ الأخير من أقربائهم، الذي قد يكون مصدرَ إزعاجٍ لهم؛ فربما يكونون قد أمضوا حياتهم بأسرها في مدن قريبة أو بعيدة، وبَدَا أنهم كانوا يشعرون بالرضا عن حياتهم في تلك الأماكن، لكنْ لم تكن لديهم رغبةٌ في البقاء بها بعد وفاتهم. إن كبار السن هم مَن لديهم تلك الأفكار دومًا. قال جيمي إن المتوفاة ليسَت امرأة عجوزًا، واسمها هو وولف، لكن اسمها الأول سقط من ذاكرته. «ليليان؟ ليليان وولف؟» كان يعتقد أنه كذلك. واتضح أن اسمها كان موجودًا في النسخة التي تصل للمكتبة من الجريدة المحلية، التي لم تكن تقرؤها كوري على الإطلاق. لقد تُوفِّيت ليليان في كتشنر عن عمرٍ يناهز السادسة والأربعين، ومن المفترض أن تقام مراسم دفنها في كنيسة أصفياء الرب، وستبدأ المراسم في الساعة الثانية. هذا جيد. كان هذا أحد يومَي الأسبوع الذي من المفترض أن تفتح المكتبةُ أبوابَها خلالهما؛ ولذا، لم يكن باستطاعة كوري الذهاب. كانت كنيسة أصفياء الرب من الكنائس الجديدة في البلدة، ولم تكن تزدهر أيُّ معتقداتٍ أخرى في تلك البلدة فيما عدا تلك التي كان يُطلِق عليها والدها «ديانات غريبة». كان بمقدورها رؤية مبنى الكنيسة من إحدى نوافذ المكتبة. وقفت أمام النافذة قبل الساعة الثانية تتابِع عددًا لا بأس به من الأشخاص وهم يدلفون إلى الكنيسة. ولم يكن ارتداء القبعات شيئًا ضروريًّا في تلك الأيام في الجنائز، سواء بالنسبة إلى الرجال أم النساء. كيف لها أن تخبره بهذا؟ ينبغي أن ترسل خطابًا له على مكتبه. كان بمقدورها أن تهاتفه، لكن حينها سيتَّسِم ردُّه بالحذر والتحفُّظ الشديدَيْن، ممَّا كان سيضيع نصفَ السعادة التي كان سيشعر بها لتخلُّصِهما من تهديد ليليان. استأنفَتْ قراءةَ الرواية، لكنها كانت تقرأ الكلمات فحسب دون تركيز. لقد كانت تشعر بالارتباك. أغلقت المكتبة وراحت تتجوَّل عبر البلدة. كان الناس يقولون دومًا إن هذا البلدة كانت تبدو وكأنها في مراسم جنازةٍ ما، لكن حينما كان يكون بها جنازة بالفعل، تجدها وقد بدَتْ في أوج حيويتها. لقد تذكَّرَتْ ذلك عندما رأَتْ، على بُعْد بناية، الأشخاصَ الذين حضروا الجنازة وهم يخرجون من أبواب الكنيسة، ويتجاذبون أطرافَ الحديث للتسرية عن أنفسهم وللحد من هيبة الموقف. ويا لدهشتها حين رأت بعد ذلك العديدَ منهم يسيرون حول الكنيسة متَّجِهِين نحو بابٍ جانبيٍّ بها حيث يعاوِدون دخولَها مرةً أخرى. كانت قد نسيت ذلك بالطبع. بعد انتهاء مراسم الجنازة، ووَضْع التابوت المغلَق في مكانه على عربة نقل الموتى، اتجه الجميع لتناوُل المرطبات المقدَّمة بعد القداس، فيما عدا أولئك المقرَّبين من المتوفاة الذين تبعوها حتى وارَوْها الثرى. وكانت تلك المرطبات تنتظر مَن يتناولها في جزءٍ آخَر من الكنيسة حيث توجد حجرةٌ خاصة بمدرسة الأحد ومطبخ عامر. لم تَرَ أيَّ سببٍ يمنعها من الانضمام إليهم. لكنْ في آخِر لحظة كانت ستقرِّر أن تسير مبتعِدةً عنهم. لكنْ كان الأوان قد فات؛ فقد نادتها امرأةٌ بصوتٍ فيه تحدٍّ — أو على الأقل خالٍ بنحوٍ كبير من أي نبرة حزن — وذلك من خلال الباب الذي يدخل منه الآخَرون. قالت لها تلك المرأة، مقترِبةً منها: «لقد افتقدناكِ في القداس.» لم يكن لدى كوري أي فكرةٍ عمَّن تكون هذه المرأة. قالت إنها آسِفة لأنها لم تتمكَّن من حضور القداس، لكن كان عليها أن تُبقِي المكتبةَ مفتوحةً. قالت المرأة: «نعم، بالطبع.» لكنها في نفس الوقت كانت قد استدارت بالفعل لتتحدَّث مع امرأة أخرى تحمل في يدها قطعة من الكعك. «هل توجد مساحة في الثلاجة من أجل تلك القطعة؟» «لا أدري، يا عزيزتي. عليكِ أن تذهبي وتَرَي بنفسك.» خُيِّلَ إلى كوري من خلال الرداء المزيَّن بالزهور الذي كانت ترتديه تلك المرأةُ التي حيَّتْها؛ أنَّ كل النساء بالداخل كنَّ يرتدين فساتين مماثلةً؛ أفضل الملابس التي يرتديها المرءُ يومَ الأحد، فضلًا عن أفضل ملابس للحداد. لكن ربما تكون أفكارُها عن ملابس يوم الأحد قد أضحَتْ أفكارًا باليةً؛ فبعض النساء هنا كنَّ يرتدين بناطيل عادية، مثلها تمامًا. أحضرَتِ امرأةٌ أخرى قطعةً من كعكة التوابل في طبق من البلاستيك. قالت: «لا بد أنكِ جائعة؛ فالجميع هنا كذلك.» قالت امرأة كانت مصفِّفةَ شعرِ كوري: «لقد أخبرتُ الجميعَ أنكِ ربما ستأتين إلى هنا، وقلتُ لهم إنك لن تتمكَّني من ذلك قبل موعد غلق المكتبة. وقلتُ أيضًا إنه لَشيءٌ سيئٌ أن يفوتك القداس. لقد قلتُ ذلك.» قالت امرأةٌ أخرى: «لقد كان قداسًا رائعًا. من المؤكد أنكِ سترغبين في قدح من الشاي بمجرد انتهائك من تناوُل تلك القطعة.» وهكذا سارت الأمور على هذا المنوال؛ لم تستطع أن تتذكَّر اسمَ واحدةٍ منهن. لم يكن يوجد إلا الكنيسة المتحدة والكنيسة المشيخية، وقد أُغلِقت الكنيسةُ الأنجليكانية منذ زمنٍ بعيد. أهي المكان الذي كان يذهب إليه الجميع؟ لم تكن هناك سوى امرأة واحدة فقط تحظى بنفس القدر من الاهتمام الذي حظيت به كوري في الغرفة، وكانت ترتدي تمامًا ما تتوقَّع كوري أن ترتديه أيُّ امرأةٍ تذهب لحضور جنازة؛ كان رداءً جميلًا يمزج بين اللونين الرمادي والبنفسجي الفاتح، وكانت ترتدي فوق رأسها قبعةً صيفيةً من اللون الرمادي الهادئ. دعت النساءُ تلك المرأةَ لمقابلة كوري، كان عنقها محاطًا بقلادة رقيقة من اللؤلؤ الخالص. قالت في صوت ناعم حاولَتْ أن تجعله سعيدًا بأقصى ما تسمح به المناسبة: «أوه، نعم. لا بد أنكِ كوري. كوري التي سمعتُ عنها كثيرًا. وبالرغم من أننا لم نلتَقِ من قبلُ، فإنني أشعر أني أعرفك. لكنْ لا بد أنكِ تتساءلين مَن أكون.» ثم ذكرَت اسمَها الذي لم يَعْنِ شيئًا لكوري، ثم هزت رأسها وأطلقت ضحكةً صغيرةً تنمُّ عن الآسِف. ثم قالت: «كانت ليليان تعمل لدينا منذ أن قدِمَتْ إلى كتشنر. وكان الأطفال متيَّمِين بها، ثم الأحفاد؛ فقد كانوا يهيمون بها في واقع الأمر. أوه يا إلهي، في يوم عطلتها كنتُ أنا أكثر البدائل غير المرضية لليليان، لقد كنا جميعًا نحبها في واقع الأمر.» قالت ذلك بأسلوبٍ فيه ارتباكٌ لكنه لم يكن يخلو من ابتهاج. إن مثل هذا النوع من السيدات قد يُظهِر بعضًا من الاستخفاف بالنفس ولكنْ على نحوٍ جذاب. لقد نظرت إلى كوري على أنها الشخص الوحيد في الحجرة الذي يمكن أن يتحدَّثَ لغتَها ولا يأخذ كلامها على علاته. قالت كوري: «لم أكن أعلم أنها كانت مريضة.» قالت المرأة التي كانت تحمل إبريق الشاي، والتي عرضَتِ المزيدَ منه على السيدة التي ترتدي قلادة اللؤلؤ لكنها رفضت: «لقد ماتت بسرعة.» قالت السيدة التي تحمل قدح الشاي: «إنَّ مَن في مثل عمرها تتدهور حالتُهم بصورة أسرع ممَّن هم أكبر عمرًا.» ثم سألت في صوتٍ يشوبه بعضُ الحسد بسبب تلك اللآلئ: «كمْ مكثت في المستشفى؟» «إنني أحاول أن أتذكر، هل كان عشرة أيام؟» «ما ترامى إلى مسامعي أنه كان وقتًا أقصر من هذا، بل أقصر من هذا عندما أخطروا ذويها في بلدها.» قالت المرأة التي كانت تعمل لديها ليليان، بهدوء وثبات: «لقد كانت تحتفظ بالأمر لنفسها، إنها لم تكن من ذلك النوع من الأشخاص الذين يُحدِثون جلبةً.» قالت كوري: «لا، لم تكن كذلك.» وفي تلك اللحظة انضمَّتْ إليهن سيدةٌ شابة بدينة تعلو وجهَها ابتسامةٌ، وقدَّمَتْ نفسها على أنها القسيسة. سألتهن: «هل تتحدَّثْنَ عن ليليان؟» ثم هزت رأسها في تعجُّب، وقالت: «إن ليليان كانت مباركة؛ لقد كانت من الشخصيات التي يندر وجودها.» وافَقَها الجميع الرأْيَ، بما فيهن كوري. ••• كتبت كوري لهاورد في ذلك الخطاب الطويل الذي أخذت تعدُّه في ذهنها وهي في طريقها لمنزلها: «أشكُّ في القسيسة ميلادي.» وفيما بعدُ في مساء ذلك اليوم جلسَتْ وشرعَتْ في كتابة الخطاب، بالرغم من أنها لن تتمكَّن بعدُ من إرساله؛ فقد كان هاورد يمضي أسبوعين في كوخه في مسكوكا بصحبة عائلته. لكنْ كان الجميع هناك يشعرون ببعض الاستياء، وذلك وفقًا لما وصفه قبل ذلك — فزوجتُه كانت تجلس دون ممارسةٍ للسياسة، وهو دون عزفٍ على البيانو خاصته — لكنهم لم يريدوا التخَلِّي عن عادة الذهاب لهذا الكوخ في هذا الوقت من العام. كتبَتْ تقول له: «من السخف الاعتقاد بأن مال ليليان الحرام يمكن أن يُبنَى به كنيسة، لكني أراهن على أنها شيَّدَتْ برج الكنيسة. إنه برج ذو مظهرٍ مضحك على أية حال؛ لم أفكِّر مطلقًا فيما تنمُّ عنه تلك الأبراج المقلوبة التي تشبه مخروط الآيس كريم. إن غياب الإيمان موجود هناك، أليس كذلك؟ إنها لا تدري ذلك، لكنها تعلن عنه.» مزَّقَتِ الخطاب، وبدأت من جديدٍ بنبرة أكثر ابتهاجًا. «ولَّتْ أيامُ الابتزاز، وقد عاد كلُّ شيء كما كان من قبلُ.» وأضافَتْ أنها لم تدرك مطلقًا من قبلُ كَمْ كان هذا الأمر يثقل كاهلها، لكنها أصبحَتْ ترى ذلك بوضوح الآن. إن الأمر لم يكن يكمن في النقود؛ فكما كان يعرف هو جيدًا، لم تكن تهتم هي كثيرًا بشأن النقود، وعلى أية حال، لقد أضحى المبلغ ضئيلًا وقلَّتْ قيمته بمرور السنوات، بالرغم من أنه يبدو أن ليليان لم تلحظ ذلك قطُّ. إنه ذلك الشعور بعدم الراحة، الشعور بعدم الأمان المطلق، الثقل الذي كان يرزح تحته حبُّهما الطويل، هو ما جعلها تشعر دومًا بالتعاسة. لقد كان ينتابها هذا الشعورُ في كل مرة ترسل فيه نقودًا لليليان. تساءلت في نفسها إنْ كان من الممكن أن يسمع بتلك الأخبار قبل أن يصل إليه الخطاب. لا، ليس هذا ممكنًا؛ إنه لم يصل لمرحلة الاطِّلاع على صفحة الوفيات بعدُ. كان شهرا أغسطس وفبراير من كلِّ عامٍ هما الشهرين اللذين تضع خلالهما كوري تلك النقود الخاصة في مظروفٍ ويدسُّها هو في جيبه، وربما كان يُعِيد عدَّ تلك العملات الورقية فيما بعد ثم يكتب اسم ليليان على المظروف قبل أن يضعه في صندوقها البريدي. والسؤال هو: هل نظر في الصندوق ليرى إنْ كانت قد أخذَتِ النقودَ المرسَلة لها في الصيف؟ لقد كانت ليليان على قَيْد الحياة عندما حوَّلَتْ لها كوري النقودَ، لكنْ لم يكن باستطاعتها بالتأكيد التوجُّه إلى الصندوق البريدي. بالقطع لم يكن باستطاعتها ذلك. آخِر مرة رأت كوري فيها هوارد كانت قبل مغادرته إلى الكوخ بوقت قصير، وقد أعطَتْه خلالَها مظروفَ النقود. حاولَتْ أن تعرف متى حدث ذلك على وجه التحديد، وهل كان لديه وقتٌ ليُلقِي نظرةً ثانية على الصندوق بعدَ وَضْعِ مظروف النقود، أم أنه توجَّهَ مباشَرةً إلى الكوخ. في بعض الأحيان وأثناء وجوده في الكوخ في وقتٍ سابقٍ، كان يجد الوقت ليكتب خطابًا لكوري، لكنه لم يفعل ذلك هذه المرة. ••• أوت إلى فراشها ولم تكن قد انتهَتْ بعدُ من خطابها الذي كانت سترسله إليه. واستيقظَتْ مبكرًا عندما كانت السماء مضيئةً، ولم تكن الشمس قد أشرقَتْ بعدُ. هناك دائمًا صباحٌ لأحد الأيام تدرك فيه أن الطيور جميعها قد اختفت. لقد أدركَتْ شيئًا، ولقد أيقنَتْه في منامها. ليس ثمة أخبارٌ تقصُّها عليه. ليس هناك أخبار؛ لأنه لم تكن هناك أخبار مطلقًا من قبلُ. ليس هناك أخبار بشأن ليليان؛ لأن ليليان غير مهمة ولم تكن ذات أهمية مطلقًا. ولا يوجد صندوقٌ بريديٌّ؛ لأن النقود كانت تذهب مباشَرةً لأحد الحسابات أو ربما تستقر في حافظةِ نقودٍ؛ وذلك من أجل المصروفات العامة، أو لتكن مجموعة مدخرات متواضعة، أو لتُنفَق في رحلةٍ لإسبانيا. مَن ذا الذي يهتم؟ إن الأشخاص الذين لديهم عائلات، ولديهم أكواخٌ يمضون فصلَ الصيف بها، وأطفالٌ بحاجةٍ إلى التعليم، وفواتير ليسددوها، لا يتساءلون كيف ينفقون ذلك القدر من النقود؛ إنه حتى لا يُطلَق عليه كسبٌ غير متوقَّع. وهم ليسوا بحاجةٍ إلى تحديدِ تفسيرٍ له. نهضت من فراشها وارتدت ملابسها على عجل، وسارت عبر كل حجرة من حجرات المنزل وكأنما تُعلِّم الجدران والأثاث بتلك الفكرة الجديدة. كانت تشعر وكأنَّ هناك فجوةً في كل مكان، وبالأحرى في صدرها هي. صنعَتْ قدحًا من القهوة لكنها لم تتناوله، ثم انتهى بها المطاف إلى حجرةِ نوْمِها مرةً أخرى، واكتشفَتْ أن عرض هذا الواقع الجديد ينبغي أن يتكرَّر ثانيةً. ••• كان أقصر خطاب بعثَتْ به. «لقد ماتت ليليان، ودُفِنت بالأمس.» لا يهم إنْ كانت قد أرسلَتْه إلى مكتبه أو بعثَتْه بالبريد السريع. أغلقَتِ الهاتف، حتى لا تعاني من الانتظار. إنه صمت مطبق. لكن سرعان ما وصل خطابٌ كان مقتضبًا مثل خطابها. «كل شيء على ما يرام الآن، ابتهجي. أراكِ عما قريب.» إذن ذلك هو الحد الذي سيتركان الأمر عنده؛ فالوقت قد فات لفعل شيء آخَر؛ فقد كان من الممكن أن يحدث ما هو أسوأ من ذلك، أسوأ من ذلك بكثير. حياتي العزيزة
القطار إنه لقطار بطيء على أية حال، وقد ازداد بطئًا عند المنعطف. كان جاكسون هو الراكب الوحيد المتبقي، وكانت المحطة التالية، وهي كلوفر، تبعد نحو عشرين ميلًا، وكان يعقبها ريبلي، ثم كينكاردين، ثم البحيرة. إنها كانت فرصته وعليه ألَّا يضيعها. أخذ كعب تذكرته بالفعل من المكان المخصَّص لها بأعلى ظهر المقعد. ألقى بحقيبته ورآها وهي تستقر بين القضبان تمامًا. ليس ثمة خيار الآن؛ فالقطار لن يهدِّئ من سرعته أكثر من ذلك. لذا انتهَزَ الفرصة. كان شابًّا ذا بِنْية قوية، خفيف الحركة كعهده دائمًا، لكن القفزة — سقوطه على الأرض — أحبطَتْه؛ لقد كانت أصلبَ ممَّا تخيَّل، فقد جعله ثباته يندفع إلى الأمام، واستقرت راحتاه بقسوةٍ على الحصب الموجود بين العوارض، ممَّا أدى إلى خدْشِ جلده. كان هذا بسبب شعوره بالقلق. غاب القطار عن الأنظار الآن، وترامى إلى مسامعه صوتُه وقد زاد من سرعته قليلًا بعدما تجاوَزَ المنعطف. بصق على يدَيْه المخدوشتين وراح يزيل الحصب بعيدًا عنهما، ثم رفع حقيبته وشرع في أن يعود أدراجه في نفس الاتجاه الذي كان قد قطعه لتوِّه بالقطار. لو كان قد تعقَّبَ القطار لَوصَلَ إلى محطة كلوفر تمامًا بعد حلول الظلام. لا يزال قادرًا على التبرم من أنه قد غطَّ في النوم واستيقَظَ مشوَّشَ الذهن معتقِدًا أن النوم غلبه أثناء محطته، بينما لم يفعل. قفز وهو مرتبكٌ تمامَ الارتباك، ثم كان عليه أن يسير. كان سيعتقد هذا لأن العودة من مسافة بعيدة جدًّا، العودة للوطن من الحرب، كفيلةٌ بأن تجعل الأمورَ مشوَّشةً في ذهنه. لكن الوقت لم يتأخَّر بعدُ؛ فقد كان سيصل إلى المكان الذي من المفترض أن يذهب إليه قبل منتصف الليل. لكنه كان يسير في الاتجاه الخاطئ طوالَ الوقت الذي فكَّرَ فيه على هذا النحو. لم يكن يعرف العديد من أسماء الأشجار؛ هناك أشجار القيقب التي يعرفها الجميع، وأشجار الصنوبر، وليس هناك المزيد. اعتقَدَ أن المكان الذي قفَزَ به هو إحدى الغابات لكنه لم يكن كذلك. كانت الأشجار تمتد بطول الطريق فحسب وتزداد كثافتها عند الجسر، لكنْ كان بمقدوره أن يلمح وميضَ الحقول من ورائها، وكان لون الحقول أخضر أو أحمر مائلًا للَّوْن الأصفر أو أصفر؛ فقد كانت مراعيَ أو محاصيلَ، أو بقايا زرعٍ بعد الحصاد. لم يكن يعرف سوى هذا فقط، وقد كان لا يزال في شهر أغسطس. بمجرد أن تلاشى ضجيج القطار أدرَكَ أن المكان لا يسوده ذلك الهدوء الأمثل الذي كان يمكن توقُّعه؛ فهناك الكثير من الإزعاج هنا وهناك؛ صوت أوراق أغسطس الجافة وهي تهتزُّ لكنْ ليس بفعل الرياح، وضجيج بعض الطيور التي لم يكن يراها، ذاك الضجيج الذي بَدَا وكأنه يعاقبه. من المفترض أن يكون القفز من القطار لحظةَ انفصالٍ؛ فأنت تحرِّك جسدك، وتهيِّئ ركبتَيْك، لكي تدخل في كتلة مختلفة من الهواء؛ إنك تتطلَّع إلى الخواء. لكن ماذا تحصل بدلًا من ذلك؟ تحصل على بعضٍ من الأجواء المحيطة الجديدة التي تأتيك على عجلٍ وتحاول جذْبَ انتباهك بطريقةٍ لم تفعلها حينما كنتَ جالسًا في القطار وتتطلَّع فقط خارج النافذة. ماذا تفعل هنا؟ إلى أين أنت ذاهب؟ شعورٌ بأنك مراقَب من أشياء لا تعرف عنها شيئًا، شعورٌ بأنك مصدرُ إزعاجٍ. وتأتي الحياة من حولك ببعض الاستنتاجات عنك من خلال نقاط مراقَبة ليس بمقدورك أن تراها. بَدَا أن الأشخاص الذين التَقَى بهم في السنوات القليلة الماضية كانوا يعتقدون أنه ما لم يكن المرء من المدينة، فهو من الريف. وهذا ليس صحيحًا؛ فهناك بعض الفروق التي يمكن أن تفوتك بين الريف والمدينة إنْ لم تكن قد عشتَ في الريف؛ فجاكسون نفسه كان ابنًا لسباك، ولم يخطُ داخلَ إسطبل طوال حياته، أو قام برعي الأبقار، أو تجميع حِزَم الحبوب، أو وجَدَ نفسه كما هو الآن يمشي بخطًى متثاقلةٍ عبر قضبان السكك الحديدية التي بَدَتْ وكأنما حادَتْ عن هدفها الطبيعي المتمثِّل في نقل الأفراد والبضائع، لكي تصبح منطقةً تغطِّيها أشجارُ التفاح البرية وشجيراتُ التوت الشائكة وعناقيد العنب المتدلية والغربانُ — لقد كان يعرف اسمَ هذا النوع من الطيور على الأقل — التي تنعق من أماكن عالية لا تستطيع رؤيتها. والآن ثمة واحدة من أفاعي الغرطر التي تزحف بين القضبان، والتي كانت على ثقةٍ تامة من أنه لن يكون بالسرعة الكافية التي تمكِّنه من السير فوقَها وقتْلِها. كان لديه من المعرفة ما يمكِّنه من إدراك أنها لا تضرُّ، لكنَّ تلك الثقة أثارَتْه. ••• كانت البقرة الجيرزي الصغيرة، التي تُدعَى مارجريت روز، تأتي عادةً عند باب الحظيرة لكي تُحلَب مرتين في اليوم؛ صباحًا ومساءً. وفي الغالب لم تكن بيل بحاجةٍ إلى إحضارها، لكنْ في هذا الصباح كان هناك شيءٌ ما يثير اهتمامها بشدة أسفلَ منحدرٍ عند حقول المرعى أو في الأشجار التي تُخفِي قضبان السكك الحديدية على الجانب الآخر من السياج. لقد سمعَتْ صفيرَ بيل ثم نداءَها وشرعَتْ في السير نحوها مُرغَمةً، لكنها قرَّرَتْ بعد ذلك أن تعود لكي تُلقِي نظرةً أخرى. وضعت بيل الدلْوَ والمقعد الصغير وشرعت في السير عبر حشائش الصباح المبتلَّة. «ماذا بعدُ، يا صغيرتي؟ ماذا بعدُ؟» قالت ذلك بنبرة يشوبها الاستمالة والتوبيخ في نفس الوقت. كان هناك شيء يتحرَّك وسط الأشجار؛ صوت رجل يقول إن كل شيء على ما يرام. بالطبع، كان كل شيء على ما يرام. هل دار بخلده أنها كانت تخشاه؟ من الأحرى به أن يخاف هو من البقرة التي كانت لا تزال تمتلك قرنين. عندما تسلَّقَ سياجَ السكك الحديدية، لوَّحَ بأسلوبٍ ربما اعتقَدَ أنه مطَمْئِن. كان هذا بالشيء الكثير بالنسبة إلى مارجريت روز؛ لذا كان لزامًا عليها أن تستعرض بعضًا من قدراتها. قفزت للأمام، ثم للخلف، ثم راحت تهزُّ قرنَيْها الصغيرين الحادين، ولا شيءَ أكثر من هذا، لكن أبقار الجيرزي دائمًا ما تُفاجِئُك بطريقةٍ غير سارة، بسرعتها وبالتغيُّر المفاجئ في حالتها المزاجية. صاحت بيل لتنهرها ولتطمئنه. «إنها لن تؤذيك. عليك فقط ألَّا تتحرَّك. إنها فقط تشعر بالقلق.» لاحظَتِ الآن الحقيبةَ التي كان يحملها، وهذا هو ما تسبَّبَ في تلك المشكلة. اعتقدَتْ أنه كان يسير بالخارج فحسب على القضبان، لكنه كان يتجه لمكانٍ ما. «إنها منزعجةٌ من حقيبتك. هل يمكن أن تضعها على الأرض للحظاتٍ؟ على أن أُعِيدَها إلى الحظيرة لحَلْبِها.» نفَّذَ ما طلبَتْه، ووقف يرقب ما يحدث وهو لا يرغب في التحرُّك قيدَ أنملة. أعادت مارجريت روز إلى حيث يوجد الدلو والمقعد الصغير عند ذلك الجانب من الحظيرة. قالت له: «بإمكانك أن تحملها الآن.» وتحدَّثَتْ إليه بلطفٍ وهو يقترب منها قائلةً: «ما دمتَ لا تحرِّكها نحْوَها، فستبقى هادئةً. إنك جندي، أليس كذلك؟ إنِ انتظرتَ حتى أنتهي من حلبها، فبمقدوري أن أعدَّ لك بعضًا من طعام الإفطار. مارجريت روز، يا له من اسم سخيف عليك أن تناديها به!» كانت امرأةً قصيرةَ القامة، قويةَ البنية، ذات شعرٍ مسترسل رمادي اللون ممتزجٍ بما تبقَّى من شعرها الأشقر، الذي اتَّخَذَتْ مقدمتُه مظهرًا طفوليًّا جميلًا. قالت وهي تستوي على مقعدها: «أنا المسئولة ها هنا. أنا أؤيد الملكية أو اعتدتُ أن أكون كذلك. أصنع بعضًا من العصيدة خلف الموقد، ولن يستغرق حلب البقرة وقتًا طويلًا. إنْ لم يكن لديك مانعٌ، خُذْ جولةً حول الحظيرة وانتظر حيث لا يمكنها رؤيتك. إنه لشيءٌ سيئٌ ألَّا أستطيع أن أقدِّم لك بيضةً. لقد كنا نربي دجاجًا، لكنَّ الثعالب أخذت تنقضُّ عليها وتأكلها حتى مللنا تربيتها.» اعتدنا، اعتدنا أن نربي دجاجًا. كان هذا يعني أن هناك رجلًا في مكانٍ ما هنا. «تكفي العصيدة. ويسرني أن أدفع مقابلها.» «لا داعيَ لذلك. عليك فقط أن تبتعد قليلًا. إنها منتبهة بدرجةٍ تمنع نزول اللبن.» غادَرَ المكان ليتجوَّل حول الحظيرة. كانت في حالة سيئة. اختلَسَ النظرَ بين الألواح الخشبية ليرى نوعَ السيارة التي كانت تقتنيها، لكن كان كلُّ ما رآه هو عربة صغيرة قديمة وبقايا لبعض الآلات الأخرى المتحطمة. كان المكان ينمُّ عن بعض الترتيب، وفي المنزل كان كل الطلاء الأبيض مقشرًا وأخذ يحيل للون الرمادي، وكانت هناك نافذة مثبت عليها ألواح خشبية لا بد أنها وُضِعت مكانَ لوحِ زجاجٍ محطَّم. وها هي حظيرة الدجاج المتهدمة التي ذكرَتْ أن الثعالب كانت تنقضُّ على ما فيها من دجاج. وكانت هناك كومة من الألواح الخشبية الصغيرة. إنْ كان هناك رجلٌ في المكان، فلا بد أنه مُقعَد، أو أن ما يعجزه هو الكسل. كان هناك طريق يمتد بطول المنزل؛ حقل صغير محاط بسياج أمام المنزل، طريق قذر. وبداخل الحقل يقف حصان مُرَقَّط ذو مظهر مسالم. كان يمكنه أن يرى أسباب الاحتفاظ بالبقرة، لكن ماذا عن الحصان؟ إن الناس في المزارع حتى قبل الحرب كانوا يتخلَّصون من الخيول؛ فالجرارات كانت هي البديل. ولم تكن هي من ذلك النوع الذي يمكنه أن يتنزه فوق ظهر أحد الخيول من أجل المتعة. ثم جالت بذهنه صورة العربة الصغيرة المتواجدة في الحظيرة؛ إنها لم تكن أثرًا قديمًا، بل هي كل ما تملكه. أخذ يترامى إلى مسامعه الآن لفترة قليلة صوتٌ غريبٌ. كان الطريق يرتفع عبر تل، ومن فوق ذلك التل كانت هناك أصوات تشبه صوت الخيول، ويختلط بها القليل من الجلجلة أو الصفير. وبعدها قَدِمتْ من فوق التل عربةٌ صغيرة تسير على عجلٍ يجرها حصانان صغيران للغاية؛ لقد كانا أصغر من ذلك الموجود في الحقل لكنهما كانا يفوقانه حيويةً. وكان يجلس في العربة ستة أو نحو ذلك من الرجال القصار القامة؛ كانوا جميعهم يتَّشِحون بالسواد ويرتدون فوق رءوسهم قبعات سوداء تلائم ما يرتدونه. كان هناك صوت يصدر عنهم؛ لقد كان صوتَ غناء، وكانت أصواتهم بسيطة وعالية ورصينة، عذبة بقدر المستطاع. لم ينظروا باتجاهه مطلقًا وهم يمرون من جانبه. أصابه ذلك بالانزعاج؛ فلم تكن العربة الصغيرة في الحظيرة ولا الحصان في الحقل يمثِّلان شيئًا عند المقارنة بتلك العربة. كان لا يزال واقفًا ينظر هنا وهناك حينما سمعها تناديه قائلةً: «لقد انتهيتُ.» كانت تقف بجوار المنزل. قالت عن الباب الخلفي: «من هنا تستطيع أن تلج وتخرج؛ فالباب الأمامي عالقٌ منذ الشتاء الماضي، ونعجز عن فتحه. يمكن أن يعتقد المرء أنه لا يزال متجمدًا.» سارا فوق بعض الألواح الخشبية الموضوعة فوق أرضية متسخة غير مستوية، وفي عتمة تسبَّبَتْ فيها الألواح الخشبية التي تغطي النافذة. كان المكان باردًا هناك مثله مثل الحفرة التي كان ينام فيها؛ فقد كان يستيقظ مرات ومرات وهو يحاول أن يجعل نفسه في موضعٍ يستشعر معه بعضَ الدفء. لم تكن المرأة ترتجف هناك؛ بل كانت تنبعث منها رائحة النشاط الذي ينمُّ عن الصحة وما يشبه رائحةَ جلد البقرة. صبَّتِ اللبن الطازج في وعاء خزفي وغطت الوعاء بقطعة من القماش الجُبني كانت تحتفظ بها بجانبه، ثم قادته نحو الجزء الرئيسي من المنزل. لم تكن هناك ستائر فوق النوافذ، ولذا كان الضوء يتسلَّل منها، وكانت المدفأة التي تعمل بالحطب أيضًا مشتعلة. كان هناك حوضٌ بمضخة يدوية، ومنضدةٌ مغطَّاة بغطاءٍ من المشمع كانت بعض جوانبه باليةً وممزَّقةً، وأريكةٌ عليها لحاف قديم مُرقَّع. وكانت هناك أيضًا وسادةٌ برز منها بعض بطانتها. إلى الآن لا يبدو الأمر سيئًا، بالرغم من أن كل شيء كان قديمًا وباليًا. هناك فائدة لكل شيء يمكن أن تقع عليه عيناك، ولكن عندما ترفع عينَيْك لأعلى سترى فوق الأرفف أكوامًا متراكمةُ من المجلات أو الصحف، أو ربما مجرد نوعٍ ما من الأوراق التي تكاد تصل إلى السقف. كان عليه أن يسألها إنْ كانت لا تخشي النيران؛ نيران الموقد الذي يعمل بالحطب، على سبيل المثال. «أوه، إنني أتواجد هنا دومًا؛ أعني أنني أنام هنا. ليس هناك مكان آخَر يمكن أن أحتفظ فيه بهذه الأوراق، ولكني أتخذ حذري؛ إنني حتى لا أمتلك مدخنة. لقد حدث مرتين أن ازداد لهيب النيران مما جعلني أُلقِي بعضًا من مسحوق الخبيز عليها، وهذا أمره هيِّن.» وأضافت: «كان ينبغي أن تتواجد أمي هنا على أية حال. لم يكن ثمة مكانٌ آخَر يمكن أن تشعر بالراحة فيه غير هذا المكان، وقد كنت أضع فراشها هنا. أنا أراقب كل شيء هنا. ولقد فكرتُ بالفعل أن أنقل كلَّ الأوراق إلى الغرفة الأمامية لكنها شديدة الرطوبة وستتلف جميعها.» ثم ذكرتُ أنَّ عليها أنْ توضِّح الأمور، فقالت: «إن أمي متوفاة. لقد تُوفِّيت في شهر مايو عندما تحسَّنَتْ حالة الطقس. لقد كانت على قيد الحياة عندما انتهت الحرب وسمعت هذا الخبر في الراديو. لقد كانت تَعِي ذلك جيدًا. صحيح أنها فقدت القدرة على الكلام منذ فترة طويلة، لكن كان بمقدورها أن تَعِي ما يجري حولها. لقد اعتدتُ على عدم حديثها لدرجة أنه يُخَيَّل إليَّ في بعض الأوقات أنها موجودة هنا، لكنها بالطبع ليست كذلك.» شعر جاكسون أنه يجب عليه أنْ يعبِّر عن أسفه. «أوه، لا بأس. إنه أمر حتمي، ومن حسن الحظ أنه لم يحدث في فصل الشتاء.» قدَّمَتْ له عصيدة الشوفان، وصبَّتْ له بعضًا من الشاي. «هل تريده ثقيلًا؟ أعني الشاي.» هزَّ رأسَه بالموافقة وفمه ممتلئٌ بالطعام. «إنني لا أقتصد على الإطلاق عند وضع الشاي. إن كان الاقتصاد في ذلك، فلِمَ لا نحتسي الماء المغلي إذن؟ لقد نفد أو توقَّف كلُّ شيء بالفعل لدينا عندما ساءَتْ أحوالُ الطقس في الشتاء الماضي؛ فلقد نفَدَ الماء وتعطَّلَ الراديو، ونضب الشاي. لقد كان لديَّ حبلٌ عند الباب الخلفي لكي أتشبَّث به عندما أخرج للحَلْب، وكنتُ سأصطحب مارجريت روز إلى المطبخ الخلفي، لكني أدركتُ أنها قد تشعر بالانزعاج الشديد من جرَّاء العاصفة ولم أكن لأقوى على الإمساك بها. على أية حال، لقد تخطَّتِ الأمر، وتخطَّيْناه جميعًا.» سألها عندما وجد مساحة للحديث: هل هناك أي أقزام في الجوار؟ «لم ألحظ ذلك.» «الأشخاص القصار الذين كانوا يركبون عربة صغيرة؟» «أوه، هل كانوا يغنون؟ لا بد أنهم أولاد المينوناتيين الصغار. إنهم يقودون عربتهم إلى الكنيسة وينشدون طوال الطريق، أما الفتيات فعليهن أن يذهبْنَ في عربات أخرى مع آبائهن الذين يَدَعون الصِّبْيةَ يستقلُّون العربةَ الصغيرة.» «لقد بَدَوْا وكأنهم لم يروني مطلقًا.» «إنهم لم يفعلوا. لقد اعتدتُ أن أقول لأمي إننا نحيا على الطريق القويم لأننا كنا مثل المينوناتيين تمامًا؛ الحصان والعربة القديمة وشرب اللبن غير مُبَسْتَر. والاختلاف الوحيد هو أنه لا أحدَ منَّا يمكنه الغناء.» وأضافَتْ: «عندما تُوفِّيت أمي أحضروا الكثيرَ من الطعام الذي ظللتُ أتناوله لأسابيع. لا بد أنهم اعتقدوا أنه ستكون هناك حفلة تأبين قبل الدفن أو نحو ذلك. إنني محظوظة لأنهم يعيشون بجواري، لكني حدَّثْتُ نفسي قائلةً إنهم أيضًا محظوظون لأنه من المفترض أنهم يمارسون العمل الخيري، وها أنا ذا تقريبًا أقطن بالقرب من عتبة دارهم وسبب للعمل الخيري.» عرض أن يدفع لها حينما ينتهي من الأكل، ولكنها رفضَتْ أن تأخذ نقوده. لكنها قالت إنها تطلب منه شيئًا واحدًا، وهو إنْ كان بمقدوره أن يصلح لها حاويةَ علف الحصان قبل أن يمضي. كان هذا في الواقع يعني صنع حاوية جديدة، ومن أجل أن يفعل ذلك كان عليه أن يبحث عن المواد أو الأدوات التي كان يحتاجها ويمكن أن يجدها. وقد استغرق ذلك اليوم بأكمله، وقدَّمَتْ هي له على العشاء بعضَ الفطائر المحلَّاة وشراب القيقب الذي أعَدَّه المينوناتيون. وأخبرته أنه لو قَدِم بعد أسبوعٍ فقط فقد تقدِّم له بعضًا من المربى الطازجة؛ فلقد قطفَتْ عناقيد من التوت البري الذي كان ينمو على امتداد السكة الحديدية. جلسا على كرسيَّي المطبخ خارج الباب الخلفي إلى ما بعد غروب الشمس. كانت تقصُّ له شيئًا عن كيفية قدومها إلى المكان، وكان ينصت لها، لكنه لم يكن يُعِيرها كاملَ اهتمامه؛ لأنه كان يتفحَّص المكان حوله، ويرى أن المكان في حالة مزرية، لكنه ليس ميئوسًا منه على الإطلاق إذا أراد المرء الاستقرارَ فيه وإصلاحَ الأشياء الموجودة فيه. لقد كان يحتاج إلى استثمار بعض المال فيه لإصلاحه، لكنَّ قدر الوقت والطاقة المطلوب استثماره فيه كان أكثر. قد يكون الأمر نوعًا من التحدي. كان على وشك الشعور بالندم لأنه كان سيرحل. والسبب الآخَر في أنه لم يُعِر كاملَ اهتمامه لما كانت تخبره به بيل — ذلك كان اسمها — هو أنها كانت تتحدَّث عن حياتها التي لم يمكن بمقدوره تخيُّلها جيدًا. قالت له إن والدها — الذي كانت تناديه بأبي — قد اشترى ذلك المكان فقط من أجل قضاء الصيف فيه، ثم قرَّرَ أنه من الممكن أن يُقِيموا أيضًا فيه طوال العام. لقد كان بإمكانه العمل في أي مكانٍ؛ لأنه كان يكسب عيشه من خلال كتابة عمودٍ في صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام»، وكان رجلُ البريد يأخذ ما يكتب ثم يُرسَل عن طريق القطار. لقد كتب عن كل الأشياء التي وقعَتْ حولنا، بل إنه حتى ذكَرَ بيل في مقالاته، مشيرًا إليها بالقطة بوسي. وقد كان يذكر أيضًا أم بيل بين الحين والآخَر، لكنه كان يطلق عليها الأميرة كاساماسيما، وهو اسم مستقًى من كتابٍ لم يَعُد اسمه يعني شيئًا على الإطلاق، كما قالت أمها. ربما كانت أمها السبب في بقائهم في هذا المكان طوال العام؛ فلقد أُصِيبت بوباء الإنفلونزا الرهيب الذي انتشر عام ١٩١٨ وتُوفِّي بسببه العديد من الأشخاص، وعندما تعافت أضحت غريبةً. لكنها لم تكن بكماء تمامًا؛ لأنه كان بإمكانها إنتاج بعض الكلمات، لكنها فقدت العديد منها، أو بالأحرى الكلمات هي التي فقدَتْها. لقد كان عليها أن تتعلَّم من جديدٍ كيف تُطعِم نفسها وتذهب إلى الحمام. وبجانب الكلمات كان عليها أيضًا أن تتعلَّم عدم خلع ملابسها في الطقس الحار؛ فأنت لا تريدها أن تكون مجرد شخصٍ هائم يصبح أضحوكةً في شوارع المدينة. كانت بيل تذهب في الشتاء إلى المدرسة. كان اسم المَدرسة الأسقف ستراون، وقد اندهشت لأنه لم يسمع بها مطلقًا من قبلُ؛ فراحَتْ توضِّح له تهجئةَ الاسم. لقد كانت تلك المدرسة في تورونتو، وكانت مليئةً بالفتيات الثريات، لكنها كانت تضمُّ فتياتٍ مثلها ممَّن كنَّ يتلقَّيْنَ إعاناتٍ من الأقارب أو يُذْكَرن في وصايا من أجل الذهاب إلى هناك. قالت إنها علَّمَتْها أن تكون متغطرسةً بعض الشيء، ولم تساعدها في معرفة ما تفعله من أجل كسب العيش. لكن الحادث تولَّى أمرَ ذلك كله؛ فقد صدم القطارُ والدَها وهو يسير بجانب السكة الحديدية كما كان يحب أن يفعل في الغالب في أمسيات الصيف. وكانت هي وأمها قد خلدتا إلى فراشهما قبل أن يحدث ذلك، وقد اعتقدت بيل أنه حيوان هارب من أحد المزارع عند السكك الحديدية، لكن أمها كانت تَئِنُّ بنحوٍ فظيعٍ، وبَدَتْ وكأنها عرفَتِ الأمر قبل أن يعلمه أحدٌ. في بعض الأحيان كانت تراسلها إحدى صديقاتها بالمدرسة لتسألها عمَّا يمكن أن تفعله في هذا المكان، ولكنهن لم يعلمْنَ إلا القليل عن الأمر؛ فهناك الحلْبُ والطهْيُ والعنايةُ بأمها، كما كان لديها أيضًا الدجاج آنذاك. ولقد تعلَّمَتْ أنْ تقطع البطاطس بحيث يكون لكلِّ جزءٍ عينٌ أو برعمٌ، ثم تزرعها وتجمعها الصيفَ التالي. لم تتعلَّم القيادة، وعندما اندلعَتِ الحرب باعَتْ عربةَ أبيها. لقد جعلها المينوناتيون تقتني حصانًا لم يَعُدْ يصلح لعمل الحقل، وعلَّمَها أحدُهم كيف تَسُوسه وتقوده. جاءت إحدى صديقاتها القدامى — تُدعَى روبين — لزيارتها، وكانت تعتقد أن أسلوب الحياة الذي كانت تعيشه مثيرٌ للضحك، وكانت تريدها أن تعاوِد إلى تورونتو، لكنْ ماذا عن أمها؟ لقد أصبحَتْ أمها أكثر هدوءًا الآن، وكانت لا تخلع ملابسها، كما أنها كانت تستمتع أيضًا بالاستماع إلى الراديو؛ حفلات الأوبرا في أوقات ما بعد ظهيرة أيام السبت. يمكنها أن تفعل ذلك بالطبع في تورونتو، لكن بيل لم تكن تبغي أن تقتلعها من المكان. قالت روبين إنها تتحدَّث عن نفسها هي؛ فهي كانت تخشى أن تقتلع نفسها من المكان الذي كانت تعيش فيه، لكنها ذهبت وانضمَّتْ إلى ما كانوا يُطلِقون عليه جيشَ النساء. ••• كان أول شيء عليه أن يفعله هو أن يجعل بعض الغرف بخلاف المطبخ ملائمةً للنوم فيها؛ فالطقس البارد كان يقترب. وكان هناك بعض الفئران التي توجَّبَ عليه أن يتخلَّص منها، بل من بعض الجرذان أيضًا، التي كانت تأتي الآن هربًا من الطقس البارد. سألها لماذا لم تشترِ قطةً من قبلُ، وسمع جزءًا من منطقها الغريب في هذا الشأن؛ إذ قالت إن القطة دائمًا ما ستقتل بعضَ الأشياء ثم تجلبها إليها لكي تريها إياها، وهو شيء لا تريد أن تفعله. راح ينصت باهتمامٍ لأصوات المصايد، ثم تخلَّصَ منها قبلَ أن تَعِي ما حدث. ثم حظَّرَها بشأن الأوراق التي تملأ المطبخ، ومشكلة التعرُّض للحريق، ووافقَتْ على نقلها إذا ما أصبحَتِ الغرفةُ الأمامية خاليةً من الرطوبة. وأصبحت تلك مهمته الأساسية؛ فقد اشترى مدفأة، وأصلح الجدران، وأقنَعَها بأن تمضي القسمَ الأكبر من الشهر في الصعود وإحضار الأوراق، وإعادة قراءتها وترتيبها ورصها في الأرفف التي صنعها. أخبرَتْه حينها أن الأوراق تحتوي على كتاب والدها، وكانت تطلق عليه رواية في بعض الأحيان. لم يفكِّر في أن يسألها عن تلك الرواية، لكنها أخبرَتْه ذات يومٍ أنها عن شخصين يُدْعَيان ماتيلدا وستيفن، وأنها رواية تاريخية. «هل تتذكر تاريخك؟» لقد أنهى خمس سنوات من الدراسة الثانوية بدرجاتٍ مقبولة، وأداءٍ جيد جدًّا في علم حساب المثلثات والجغرافيا، لكنه لم يكن يتذكَّر الكثيرَ من التاريخ. وفي عامه الأخير، على أية حال، كان كل ما يمكنه تذكُّره هو أنه ذاهب للحرب. قال: «ليس تمامًا.» «كنتَ ستتذكَّره تمامًا إنْ كنتَ قد ذهبتَ إلى مدرسة الأسقف ستراون؛ إذ كنتَ ستُجبَر حينها على حفظه. إنه التاريخ الإنجليزي، على أية حال.» قالت إن ستيفن كان بطلًا؛ كان رجلًا رفيعَ الأخلاق، شديدَ الصلاح مقارَنةً بمَنْ هم في عصره؛ فقد كان من الأشخاص النادرين الذين لا يكرِّسون حياتهم من أجل ذاتهم، ولا يخرقون عهدًا في الوقت الذي كان من المناسب فيه أن تفعل ذلك؛ ونتيجةً لذلك لم ينجح في حياته في النهاية. ثم بعد ذلك ذكرت ماتيلدا. كانت تنحدر مباشَرةً من نسل ويليام الفاتح، وكانت تتَّسِم بالقسوة والغطرسة كما هو متوقَّع، بالرغم من أنه قد يكون هناك أشخاص أغبياء بدرجةٍ كافية بحيث يدافِعون عنها لأنها امرأة. «لو أمكنه الانتهاء منها، لَأصبحَتْ روايةً رائعة جدًّا.» كان جاكسون يعلم بالطبع أن الكتب تظهر للنور لأن هناك أشخاصًا يجلسون ويكتبونها؛ فهي لا تظهر من عدم. لكنَّ السؤال هو: لِمَ ذلك؟ كانت هناك كتب موجودة بالفعل، هناك الكثير منها، ومنها اثنان كان عليه أن يقرأهما أيام المدرسة؛ «قصة مدينتين» و«مغامرات هاكلبيري فين»، وكان كلٌّ منهما مكتوبًا بلغةٍ تُتعِبك على الرغم من اختلاف أسلوبهما في هذا الإطار. وكان ذلك شيئًا مفهومًا؛ فلقد كُتِبا في الماضي. لكن الشيء الذي أثار حيرته، بالرغم من أنه لم يكن ينوي الإفصاحَ عنه، هو السبب وراء رغبةِ أيِّ شخصٍ في تأليف كتابٍ آخَر في الحاضر؛ أيْ في وقتنا هذا. قالت بيل في خفة: المأساة. ولم يكن جاكسون يدري إنْ كانت تتحدَّث عن والدها أم عن أحد الأشخاص الموجودين في الكتاب الذي لم يكتمل. على أية حال، والآن بعد أن أصبحَتْ هذه الغرفة ملائمةً للعيش، كان تفكيره يتجه نحو سقفها؛ فليس ثمة فائدة من إصلاح غرفةٍ وحالةُ سقفها تجعلها غير ملائمة للعيش ثانيةً في غضون سنة أو اثنتين. لقد نجح في ترميمه، وهكذا سيظل صالحًا لفصلَيْ شتاء آخَرين، لكنه لم يكن ليضمن لها أكثر من ذلك. وكان لا يزال عازمًا على الرحيل بحلول عيد الميلاد. ••• كانت عائلات المينوناتيين في المزرعة المجاورة تعتمد على الفتيات الأكبر سنًّا؛ حيث إن الصِّبْية الأصغر سنًّا الذين رآهم لم يكونوا على درجة كافية من القوة تمكِّنهم من أداء المهام الأكثر صعوبةً. وقد استطاع جاكسون أن يحصل على عمل لديهم خلال فترة الحصاد في فصل الخريف، وقد تمَّتْ دعوته لتناول الطعام مع الآخَرين، ويا لدهشته حين وجد أن الفتيات كنَّ يتصرَّفْنَ بحماسٍ وهن يقدِّمْنَ له الطعام، ولاحَظَ أنهن لا يعانين من البكم، كما توقَّعَ. لاحَظَ أن الأمهات كانت تعتني بهن، وأن الآباء كانوا يراقبونه هو عن كثبٍ، وشعر بالسعادة لعلمه أنه كان بمقدوره إرضاء كلا الطرفين. ولقد لمسوا أنْ ليس ثمة ما يثير المشاكل بالنسبة إليه؛ فكل شيء كان على ما يرام. وبالنسبة إلى بيل، فليس بالطبع ثمة شيءٌ يشوبها. لقد كانت تكبره بستة عشر عامًا، وهذا هو ما اكتشفه. وذِكْرُ ذلك، وحتى المزاح بشأنه، كان سيفسد كلَّ شيء؛ فهي امرأة ذات طبيعة خاصة، وهو نوع خاص من الرجال. ••• كانت البلدة التي كانا يذهبان إليها للتسوُّق، حينما كانا يحتاجان إلى ذلك، تُسمَّى أوريول. كانت تقع في الاتجاه المعاكس من البلدة التي نشأ بها. ربط الحصان في المكان المخصَّص لذلك والملحق بالكنيسة المتحدة، حيث لم تكن توجد بالطبع مرابط للحيوانات في الشارع الرئيسي. في البداية كان يشعر بالارتياب تجاه متجر الأدوات المعدنية وصالون الحلاقة، لكنه سرعان ما أدرك شيئًا عن البلدات الصغيرة، وهو شيء كان ينبغي أن يدركه من خلال نشأته في واحدة من تلك البلدات؛ فليس بينها أي علاقة، اللهم إنْ كانت هناك مباريات بين فِرَقها في ملاعب البيسبول أو ملاعب الهوكي؛ حيث يكون ثمة نوعٌ مصطنع ومحموم من العداء بينها. وحينما كانا بحاجةٍ إلى شراء شيءٍ لا توفِّره لهما المتاجر التي يتعاملان معها، كانا يذهبان إلى إحدى المدن. وكانا يفعلان ذلك بالمثل عندما يريدان استشارة طبيب بخلاف الأطباء الذين توفرهم لهما بلدتهما. ولم يكن يَلْتقِي بأي شخص يعرفه، ولم يُظهِر أحدٌ فضولًا نحوه، بالرغم من أنهم قد ينظرون باهتمامٍ نحو الحصان الذي كان معه. ولأن الطرق الخلفية في شهور الشتاء، أو غيرها، لم تكن تُجرَف، فقد كان يجب على الأشخاص الذين يأخذون ألبانَهم إلى متجر الألبان أو بيضَهم إلى متجر البقالة؛ الاستعانةُ بالخيول، مثلما كان يفعل هو وبيل. كانت بيل دائمًا ما تتوقَّف لترى ما هي الأفلام المعروضة، بالرغم من أنها لم تكن تنوي الذهاب لمشاهدة أيٍّ منها. كانت معلوماتها عن الأفلام ونجومها غزيرة، ولكنها كانت مستقاةً منذ سنواتٍ مضَتْ؛ مثل رواية ستيفن وماتيلدا، فيمكنها على سبيل المثال أن تخبرك عن المرأة التي تزوَّجَها كلارك جيبل في الواقع قبل أن يمثِّل شخصيةَ ريت بتلر. وسرعان ما أصبح جاكسون يحلق رأسه حينما يكون بحاجة إلى ذلك، ويشتري التبغ حينما ينفد ما لديه منه. وقد أصبح الآن يدخِّن مثله مثل أي مزارع؛ فقد كان يلفُّ سجائرَه ولا يشعلها مطلقًا داخل المنزل. ظلت السيارات المستعملة غير متاحة لفترة، ولكن عندما أضحت متاحةً مع ظهور الأنواع الجديدة أخيرًا، ومع وجود مزارعين كسبوا نقودًا من خلال الحرب وكانوا على استعدادٍ للتخلِّي عن السيارات القديمة؛ كان عليه حينها أن يتحدَّث عن الأمر مع بيل؛ فالرب وحده كان يعلم كيف أصبح الحصان فريكلز عجوزًا وعنيدًا عند صعود أيِّ تلٍّ. اكتشف أن تاجر السيارات كان يلاحظ وجودَه، بالرغم من عدم توقُّعه زيارته له. قال تاجر السيارات: «لقد كنتُ أعتقد دائمًا أنك أنت وأختك من المينوناتيين، لكنكما ترتديان ملابس مختلفة.» صدم هذا الكلام جاكسون قليلًا، لكنه على الأقل كان أفضلَ من وصفهما بأنهما زوج وزوجة، ولقد جعله ذلك يدرك أنه لا بد أن العمر قد تقدَّمَ به وشابَه التغييرُ عبر السنوات، وكيف أن الشخص الذي قفز من القطار، ذلك الجندي الهزيل المحطم الأعصاب، لم يَعُدْ ليعرفه أحدٌ وقد توارى خلف الرجل المتمثِّل الآن. هذا بخلاف بيل التي توقَّفَتْ، بقدر ما يراها الآن، عند نقطةٍ بعينها في الحياة حيث ظلَّتْ طفلةً كبيرة. وحديثها يرسِّخ ذلك الانطباعَ؛ فقد كانت تقفز للأمام والخلف، تقفز نحو الماضي وتخرج منه ثانيةً، بحيث كان يبدو الأمر وكأنها لا تفرِّق بين رحلتها الأخيرة للبلدة والفيلم الأخير الذي شاهدَتْه بصحبة والدها ووالدتها، أو الحادث الطريف الذي وجَّهَتْ فيه مارجريت روز — التي نفقت الآن — قرنَيْها نحو جاكسون القَلِق. ••• كانت تلك هي السيارة الثانية التي امتلكاها، وكانت مستعملةً بالطبع، وقد أقلَّتْهم لتورونتو في صيف عام ١٩٦٢. لم تكن هذه الرحلة في حسبانهما، وجاءت في وقتٍ حَرِج بالنسبة إلى جاكسون؛ فقد كان يبني إسطبل خيول جديدًا للمينوناتيين، الذين كانوا مشغولين بالمحاصيل، وهناك سببٌ آخَر وهو اقتراب موسم حصاد خضرواته التي كان يبيعها لمتجر البقالة في أوريول. لكنَّ بيل كان لديها ورمٌ، وقد أُقنِعت أخيرًا بأن تُعِيره بعض الاهتمام، وقد حُجِز موعدٌ لها لإجراء عملية في تورونتو. ظلت بيل تقول: يا له من تغيير! هل أنت على يقينٍ من أننا ما زلنا في كندا؟ كان هذا قبل أن يمرا بكتشنر، وبمجرد أن وصلا إلى الطريق السريع الجديد، شعرت بالذعر بالفعل، وأخذت تستجديه أن يبحث عن طريقٍ جانبي، أو يلف ثانيةً ويعود أدراجه إلى المنزل. وجد نفسه يتكلَّم بحدة فيما يتعلَّق بهذا؛ فالمرور قد أثار دهشتَه هو الآخَر. ظلت هادئةً بعد ذلك طوال الطريق، ولم يكن يدري إنْ كانت أغلقت عَيْنَيْها لأنها قد استسلمَتْ للأمر، أم أنها كانت تصلي. لم يعرف عنها قطُّ أنها كانت تصلي. حتى في هذا الصباح كانت تحاول أن تَثْنِيه عن رأيه بشأن الذهاب؛ فقالت إن الورم كان يقلُّ حجمُه ولا يزيد، وقالت إنه منذ أن أصبح هناك تأمينٌ صحي لكل فرد، أضحى كلُّ شخص لا يفعل شيئًا سوى أن يهرع إلى الطبيب، ويجعل من حياته دراما طويلة من المستشفيات والعمليات الجراحية التي لا تعود بشيء إلا بإطالة الفترة التي يكون فيها الشخص مصدرَ قلقٍ في نهاية الحياة. هدأت وابتهجت عندما وصلا إلى الطريق الفرعي الذي يقصدانه وأصبحا بالفعل في المدينة، ووجدا نفسيهما في طريق أفنيو، وبالرغم من تعجُّبها من الكيفية التي قد تغَيَّر بها كل شيء، فقد كان بمقدورها عند كل بناية أن تتعرَّف على شيء كانت لها به معرفة مسبقة؛ فهناك عمارة كان يقطن بها أحدُ معلميها في مدرسة الأسقف ستراون، وأسفلَها كان هناك متجرٌ يمكنك أن تشتري منه اللبن والسجائر والصحف. قالت: ألن يكون غريبًا أن تدلف إليه فتجد صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام» التي لن يكون بها اسم والدها فحسب، وإنما أيضًا صورته غير الواضحة التي التُقِطت له عندما كان بشعره كاملًا. ثم أطلقت صيحة خفيفة، وعند شارع جانبي رأت الكنيسة التي تزوج بها والداها؛ لقد كادت تُقسِم أنها ذات الكنيسة. لقد اصطحباها إلى هناك لكي يُرِياها إياها، بالرغم من أن هذا المكان لم يكن كنيسةً على الإطلاق؛ فهما لم يرتادا أية كنيسة قطُّ. لقد كانت مزحةً؛ فقد قال والدها إنهما تزوَّجَا في الطابق الأرضي بالكنيسة، لكن أمها قالت إنهما تزوَّجَا في غرفة الاجتماعات والصفوف الملحقة بالكنيسة. لقد كانت أمها تتكلَّم بسهولةٍ وقتَذاك، فكانت مثلها مثل أي شخص عادي. ربما كان هناك قانون في ذلك الوقت يُلزِمك بالزواج في الكنيسة وإلا فلن يُعَدَّ الزواجُ قانونيًّا. وعند محطة إيجلنتون رأت علامةَ مترو الأنفاق. «تخيَّلْ أنني لم أستقلَّ مترو الأنفاق مطلقًا من قبلُ.» قالت ذلك بمزيجٍ من الألم والكبرياء. «تخيَّلْ أن تظل بذلك الجهل.» وفي المستشفى كانوا مستعدين لاستقبالها، واستمرت هي في حيويتها، مُخبِرةً إياهم بفزعها من المرور ومن التغيرات التي طرأت على كل شيء، مُتسائِلةً إنْ كان لا يزال هناك ذلك العرض الذي يُقام في عيد الميلاد بجوار متجر إيتون، وإنْ كان لا يزال أحدٌ يقرأ صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام». قالت إحدى الممرضات: «كان عليك أن تزوري الحي الصيني؛ فقد أصبح الآن شيئًا آخَر.» قالت: «أتطلَّع لرؤيته في طريق عودتي إلى المنزل.» ثم ضحكَتْ قائلةً: «هذا إنْ رجعتُ إلى المنزل.» «لا تكوني سخيفةً.» كانت هناك ممرضةً أخرى تتحدَّث مع جاكسون عن المكان الذي ركن به سيارته، وأخبرَتْه أين ينقلها حتى لا يحصل على مخالَفةٍ. وتأكدَتْ أيضًا من معرفته بكل شيء يتعلَّق بإقامة أقارب المرضى الذين يُقِيمون خارج المدينة، ومن أنها أقل تكلفةً ممَّا سيدفعونه إنْ أقاموا في أحد الفنادق. قالوا إنه يجب على بيل أن تأوي إلى الفراش حالًا وسيأتي أحد الأطباء لفحصها، وبمقدور جاكسون أن يأتي لاحقًا لكي يودِّعها قبل النوم، لكنه قد يجدها شبه مخدَّرة في ذلك الوقت. ترامى إلى مسامعها ما يقولون، وقالت إنها لم تكن في كامل وعيها طوال الوقت، وإنَّ كَوْنها شبه مخدرة ما كان ليدهشه، وقد ظلل المرحُ المكانَ بعضَ الشيء. أخذته الممرضة لكي يوقِّع على شيءٍ قبل أن يغادر. تردَّدَ عندما طُلِب منه أن يكتب صلة القرابة، فكتب «صديق». ••• عندما عاد في المساء، رأى بالفعل تغييرًا، بالرغم من أنه ما كان ليصف بيل وقتَها بأنها شبه مخدرة. لقد ألبسوها رداءً فضفاضًا أخضر اللون ترك عنقَها ومعظم ذراعيها عاريَيْن. نادرًا ما رآها عاريةً هكذا أو لاحَظَ تلك الحبال المشدودة الممتدة بين عظمة الترقوة والذقن. كانت غاضبةً من أن فمها كان جافًّا. «إنهم لا يسمحون لي بشيءٍ سوى رشفةٍ من الماء.» كانت تريده أن يذهب ويأتي إليها بزجاجةِ ماء غازية، وهو شيء لم تشربه في حياتها من قبلُ على حدِّ علمه. «هناك ماكينة في البهو بالأسفل؛ لا بد أن تكون هناك واحدة. لقد رأيتُ أناسًا يمرون بي وهم يحملون زجاجةَ ماء غازية في أيديهم، وقد جعلني هذا أشعر بعطش شديد.» قال إنه لا يستطيع أن يخالف الأوامر. رقرقت عيناها بالدموع وأشاحت وجهها في تذمُّر. «أريد العودة إلى المنزل.» «سرعان ما ستعاودين.» «هل يمكنك أن تساعدني في العثور على ملابسي؟» «لا يمكنني ذلك.» «إنْ لم تفعل، فسأقوم بذلك بنفسي. وسأذهب إلى محطة القطار بمفردي.» «لم يَعُدْ هناك أيُّ قطارِ ركَّابٍ يذهب لبلدتنا من هنا.» وفجأةً بَدَا أنها تخلَّتْ عن خططها في الهرب، وفي غضون لحظات راحَتْ تسترجع المنزل وكل التحسينات التي أدخلاها، وبالأحرى التي أدخلها هو، عليه؛ الطلاء الأبيض الذي كان يتلألأ على واجهة المنزل، حتى المطبخ الخلفي الذي طُلِي بالجير وفُرِش بالألواح الخشبية، والسقف الذي أُعِيدت تغطيته بالخشب، والنوافذ التي استعادت طرازها القديم البسيط، وأعظم الأشياء كلها، أنابيب الماء التي كانت تمثِّل متعةً في أوقات الشتاء. «لو لم تظهر أنتَ لَكنتُ سأحيا الآن في مكانٍ قَذِرٍ للغاية.» لم يفصح عن رأيه بأنها كانت بالفعل تعيش في مكان كهذا. قالت: «حينما أخرج من هنا سأكتب وصيةً؛ سيئول المنزل كله إليك. فلن يضيع جهدك هباءً.» كان قد فكَّرَ في ذلك بالطبع، ومن المتوقَّع أن آمال التملُّك كانت ستجلب له شعورًا رصينًا بالرضا، بالرغم من أنه كان سَيُعَبِّر عن رغبة صادقة وودودة بألَّا يحدث شيءٌ من هذا القبيل في القريب العاجل. لكن ليس الآن. بَدَا أن الأمر لم يكن يعنيه كثيرًا؛ فقد كان من المبكر التفكير في هذا. استعادت شعورها بالغضب مرة أخرى. «أوه، أتمنَّى لو كنتُ هناك وليس هنا.» «ستشعرين بأنك أفضل كثيرًا عندما تستفيقين بعد العملية.» على الرغم من أن ذلك كان كذبةً كبيرةً، وذلك من خلال كل ما سمعه من الأطباء. وفجأةً انتابه شعورٌ بتعب شديد. ••• كان ما قاله أقرب إلى الحقيقة أكثر مما يمكن أن يتصوَّر. وبعد مرور يومين من استئصال الورم كانت بيل تجلس في حجرة منفصلة متلهفة لرؤيته، ولم يزعجها على الإطلاق التأوهات الصادرة عن السيدة التي كانت تقبع خلف الستارة على الفراش المجاور. كان ذلك تقريبًا هو حال بيل في اليوم السابق حينما لم يجعلها تفتح عينيها مطلقًا أو تلاحظ وجوده كلية. قالت بيل: «لا تُعِرْها اهتمامًا؛ فهي فاقدة للوعي تمامًا، ومن المحتمل أنها لا تشعر بشيء. لكنها إما ستستعيد وعْيَها في الغد وتتحسن صحتها، وإما لن يحدث ذلك على الإطلاق.» أظهرت سيطرة قوية وراضية بعض الشيء؛ شيئًا من صلابة المتمرسين. كانت تجلس على الفراش ترتشف بعضًا من عصير البرتقال اللامع باستخدام ماصة ملتوية بعناية. لقد بَدَتْ أصغر سنًّا بكثيرٍ من المرأة التي أحضَرَها إلى المستشفى منذ وقت قصير. ••• أرادت أن تعرف هل كان يحصل على قسطٍ كافٍ من النوم، وهل عثر على مكان جيد يتناول فيه طعامه، وهل الطقس لم يكن دافئًا بدرجةٍ منعَتْه من المشي، وهل وجد الوقت الكافي لزيارة متحف أونتاريو الملكي، كما نصحته بحسب اعتقادها. لكنها لم تكن قادرةً على التركيز في إجاباته. لقد بَدَا أنها في حالة من الدهشة؛ دهشة بمقدورها السيطرة عليها. قالت وهي تقاطع تبريره لعدم الذهاب إلى المتحف: «أوه، عليَّ أن أخبرك بشيء. أوه لا تبدو منزعجًا هكذا، ستجعلني أضحك من تعبيرات وجهك، وذلك سوف يُفسِد الغُرَز. تُرَى لِمَ عليَّ أن أفكِّر في الضحك على أية حال؟ إنه شيء مؤلم بشدة في الواقع. إنها لمأساة. إنك تعرف أشياء عن والدي، ما أخبرتُك به عن والدي …» الشيء الذي لاحظه هو أنها قالت «والدي» بدلًا من «أبي». «لقد كان والدي ووالدتي …» بدا أنه كان عليها أن تبحث عن الكلمات وتبدأ من جديد. «لقد كان المنزل في هيئةٍ أفضل من تلك التي رأيتَها عليها أولَ مرةٍ. لقد كنَّا نستخدم تلك الغرفة الكائنة أعلى الدَّرَج للاستحمام، وكان علينا بالطبع أن نحمل الماءَ النظيف لأعلى ثم نحمل الماء القَذِر لأسفل. ولم يحدث أن استخدمتُ، إلا مؤخرًا عندما أتيتَ أنت، لهذا الغرض الغرفةَ الموجودة في الطابق السفلي؛ المكان الذي كان يحتوي على الأرفف، والذي كان بمنزلة مخرن، أتتذكَّره؟» كيف لم يتسنَّ لها أن تتذكَّر أنه هو الذي فكَّ الأرفف من تلك الغرفة التي حوَّلَها إلى حمام؟ قالت وكأنها تتعقَّب أفكاره: «أوه، حسنًا، فيمَ يهمُّ ذلك؟» ثم أضافت: «ذات مرة، سخنتُ بعض الماء وحملتُه لأعلى كي أستحم، وخلعت ملابسي. حسنًا، كنت أفعل. كانت هناك مرآة كبيرة فوق الحوض، لقد رأيتُ كيف كان هناك حوض وكأنه حمام حقيقي، وكان كلُّ ما على المرء فعله هو أن يجذب سدادةَ الماء، ثم يُصرِّف الماء في الدلو حينما ينتهي. أما المرحاض، فقد كان في مكان آخَر. هل تخيَّلْتَ المنظر؟ وهكذا شرعتُ في الاستحمام وكنتُ عاريةً تمامًا، بطبيعة الحال. لا بد أن الساعة كانت نحو التاسعة مساءً، حيث كان هناك قدرٌ من الضوء. وقد كنا في الصيف، أَلَمْ أقل ذلك؟ كانت تلك الغرفة الصغيرة تواجِه الغرب.» ثم استمرَّتْ قائلةً: «ثم سمعتُ وقْعَ خطوات، وكانت خطوات أبي بالطبع. لا بد أنه كان قد انتهى من وضع أمي في فراشها، لقد سمعتُ وقْعَ خطواته وهو يصعد لأعلى، ولاحظتُ أنها بدَتْ ثقيلةً، ليست كالمعتاد بعض الشيء؛ كانت متمهلة جدًّا، أو ربما كان هذا انطباعي فيما بعدُ؛ فالمرء يميل لتهويل الأمور فيما بعدُ. توقَّفَتِ الخطوات خارج باب الحمام تمامًا، وإنْ كان قد دار بخلدي شيءٌ وقتَها، فهو أنه لا بد أنه كان يشعر بالتعب. لم يكن باب الحمام مغلقًا بالمزلاج؛ لأنه بالطبع لم يكن هناك مزلاج به، وكنا نفترض أن هناك أحدًا بداخل الحمام إنْ كان بابه مغلقًا. وهكذا كان هو يقف بالخارج ولم أفكِّر أنا في شيءٍ، ثم فتح هو الباب ووقف في مكانه وراح يتطلع إليَّ. عليَّ أن أصرِّح بما أعنيه؛ كان يتطلَّع إلى كل جزءٍ في جسدي، ليس فقط وجهي. كان وجهي ينظر نحو المرآة وهو ينظر إليَّ في المرآة وأيضًا إلى ما كان خلفي ولا أستطيع أن أراه. لم تكن بنظرة طبيعية بأي حال من الأحوال. سأخبرك بما اعتقدتُ وقتَها؛ لقد اعتقدتُ أنه يسير أثناء نومه. لم أَدْرِ ما أفعله لأنه ليس من المفترض أن تُفزِع شخصًا يسير أثناء النوم. ثم قال بعد ذلك: «معذرة.» وأدركتُ حينها أنه لم يكن نائمًا، لكنه تحدَّثَ بصوتٍ حاوَلَ أن يبدو مَرِحًا، أعني أنه كان صوتًا غريبًا، غريبًا للغاية كما لو أنه كان يشعر نحوي بالاشمئزاز، أو أنه غاضب مني، لا أدري. ثم ترك الباب مفتوحًا وغادَرَ ونزل إلى البهو بالأسفل. جفَّفْتُ جسدي وارتديتُ رداءَ النوم وآويتُ إلى الفراش وخلدتُ إلى النوم على الفور، وحينما استيقظتُ في الصباح كانت لا تزال هناك المياه التي لم أصرفها، ولم أكن أريد أن أقترب منها، لكني فعلتُ. بدا كل شيء طبيعيًّا، وكان قد استيقظ هو بالفعل وكان يكتب على الآلة الكاتبة بعيدًا. ألقى تحيةَ الصباح فقط وطلب مني تهجِّي كلمةٍ ما؛ وهو ما كان يفعله عادةً لأنني كنتُ أفضلَ في هجاء الكلمات. قلت له هجاء الكلمة التي كان يريدها، وأخبرتُه أنه يجب عليه أن يتعلَّم تهجئةَ الكلمات إنْ أراد أن يصير كاتبًا. كان يائسًا. لكن في وقت لاحق من اليوم عندما كنتُ أنظِّف بعضَ الأطباق أتى ووقف خلفي مباشَرةً وتسمَّرْتُ مكاني. قال: «إني آسف يا بيل.» وقلت في نفسي: أوه، أتمنَّى لو أنه لم يقل ذلك. لقد أرعبني. أعرف أنه كان آسِف بحقٍّ، لكنه أعلَنَها صراحةً بطريقة لم أستطع تجاهُلَها، وكل ما قلته هو: «لا عليك.» لكني لم أستطع أن أُجبِر نفسي على قول ذلك بصوت عادي، أو كأن الأمور بالفعل على ما يرام. لم أستطع، كان عليَّ أن أجعله يفهم أنه قد غيَّرَ كلًّا منَّا. ذهبتُ لكي أُلقِي بمياه تنظيف الأطباق، وعدتُ ثانيةً للأشياء الأخرى التي كنتُ أفعلها ولم أتفوَّه بكلمةٍ. وفيما بعدُ، أيقظتُ أمي من قيلولتها وأعددتُ طعامَ العشاء وناديته، لكنه لم يأتِ. قلت لأمي لا بد أنه ذهب لكي يمشي لبعض الوقت؛ كان يفعل ذلك غالبًا عندما ينهمك في الكتابة. ساعدتُ أمي في تقطيع طعامها، لكني لم أمنع نفسي من التفكير في أشياء مقزِّزة، وبالأساس الضجيج الذي كنتُ أسمعه يأتي في بعض الأحيان من حجرتهما وكنتُ أتدثَّر حتى لا أسمعه. وتساءلت الآن بشأن أمي التي كانت تجلس هناك تتناول طعامها، وماذا كان اعتقادها آنذاك أو كانت تفهم من الأمر برمته. لم أكن أعرف المكان الذي من الممكن أن يكون قد ذهب إليه. لقد وضعتُ أمي في فراشها وجهَّزْتُها للنوم على الرغم من أن هذه كانت مهمته هو. ثم سمعت صوتَ القطار يقترب، وفجأةً سمعت الهرج وذلك الصرير الذي صدر عن فرامل القطار، ولا بد أنني علمت بما حدث بالرغم من أنني لا أدري متى علمت بالفعل. لقد أخبرتُك قبل ذلك أن القطار صدمه ممَّا أدى إلى وفاته. لكني أخبرك بهذا، وليس هدفي أن أُفزِعك. في البداية لم أستطع تحمُّلَ ذلك، وظللتُ لفترة طويلة أقنع نفسي بأنه كان يسير على شريط السكك الحديدية وذهنه مشغول بعمله ولم يسمع صوت القطار. تلك هي القصة التي كنتُ أراها ملائمةً. لم أترك نفسي لتعتقد أن الأمر كان يتعلَّق بي أو حتى أفكِّر في الشيء الذي كان يتعلَّق به في المقام الأول. الجنس. لقد فهمت الآن، لقد فهمتُ حقيقةَ الأمر. إنه لم يكن خطأ أحد؛ إنه خطأ الجنس البشري في وضع مأساوي. نشأتي أنا هناك، وحالة أمي التي كانت عليها، وأبي والحالة التي كان من الطبيعي أن يكون عليها. إنها لم تكن غلطتي أو غلطته. يجب أن يكون هناك إقرار بذلك، هذا كل ما أعنيه، يجب أن تكون هناك أماكن يمكن للأشخاص الذهاب إليها إنْ كانوا في وضعٍ صعب، ويجب ألَّا يشعروا بالخزي أو الذنب حيال ذلك. إنْ كنتَ تعتقد أنني أقصد بيوت الدعارة، فأنت على حقٍّ. وإنْ فكرتَ في العاهرات، فأنت محقٌّ أيضًا. هل تفهمني؟» قال جاكسون نعم، وهو يتطلَّع فوق مستوى رأسها: «أشعر بأني أزحتُ شيئًا عن كاهلي. لا يعني الأمر أنني لا أستشعر المأساة، لكن ما يعنيه هو أنني خرجتُ منها. إنها خطايا البشرية. لا تعتقد أنني لا أشعر بالشفقة لمجرد أنني أبتسم؛ إنني أشعر بالشفقة الشديدة. لكن يجب أن أقول إنني استرحتُ، أشعر إلى حدٍّ ما بالسعادة. إنك لا تشعر بالحَرَج لسماعك لكل هذا، أليس كذلك؟» «بلى.» «إنك تدرك أنني لستُ في حالة طبيعية. أعلم أنني كذلك بالفعل. لقد أضحى كل شيء واضحًا أمامي. إنني ممتنة جدًّا لذلك.» لم تخفِّف المرأة التي تتمدَّد على الفراش المجاور من حدة أنينها المنتظم خلال كل ذلك. شعر جاكسون بأن ذلك الصوت الرتيب كان يتردَّد داخل رأسه. سمع صوت حذاء الممرضة الخفيف في البهو، وتمنَّى لو تدلف إلى تلك الحجرة. وقد فعلَتْ. قالت الممرضة إنها جاءت لتعطيها قرصًا منوِّمًا. خشي أن يُطلَب منه أن يمنحها قبلةً قبل أن يتركها ويخرج؛ فقد لاحَظَ تبادُل القبلات كثيرًا في المستشفى، وشعر بالسرور لأنه لم يأتِ ذِكْرُ ذلك عندما نهض. «أراك غدًا.» ••• استيقظ مبكرًا وقرَّرَ أن يمشي لبعض الوقت قبل تناول الإفطار. لقد أخذ قسطًا وافرًا من النوم، لكنه حدَّثَ نفسه بأنه يجب عليه أنْ يأخذ راحةً من جو المستشفى. لم يكن يشعر بقلقٍ شديدٍ بسبب التغيير الذي طرأ على بيل؛ فقد كان يعتقد أن من الممكن أو حتى من المحتمل أنها ستعود إلى حالتها الطبيعية خلال يوم أو خلال عدة أيام. إنها ربما حتى لن تتذكر القصة التي قصَّتْها على مسامعه، وتلك نعمة في حدِّ ذاتها. كانت الشمس ساطعةً، كما يمكن أن يتوقَّع المرء في ذلك الوقت من العام، وكانت الحافلات وعربات الترام ممتلئةً بالفعل عن آخِرها. سار قليلًا باتجاه الجنوب، ثم اتجه نحو الغرب إلى شارع دانداس، وبعد فترة وجد نفسه في الحي الصيني الذي كان قد سمع به. كانت هناك أكوام من خضراوات معروفة، وأكوام أكثر من خضراوات غير معروفة تمامًا يتم نقلها إلى المتاجر، كما كانت هناك حيوانات صغيرة منزوعة الجلد بَدَتْ صالحةً للأكل معلَّقة ومعروضة للبيع. كانت الشوارع ممتلئة بالشاحنات التي ركنت بنحوٍ غير قانوني، وشذرات صاخبة من اللغة الصينية بَدَتْ يائسةً. اللغة الصينية. كل ذلك الصخب العالي بَدَا وكأن هناك حرب دائرة، لكن من المحتمل أن ذلك بالنسبة إليهم هو مجرد شيء اعتيادي يحدث كل يوم. ومع ذلك شعر أنه كان يرغب في الابتعاد عن كل هذا، فذهب إلى مطعمٍ يديره الصينيون لكنه كان يُعلِن عن إفطارٍ عادي مكوَّن من البيض ولحم الخنزير المقدَّد، وعندما غادَرَ المكانَ كان ينوي أن يستدير ويعود أدراجه من حيث أتى. لكنه وجد نفسه يتجه أكثر نحو الجنوب، وسار في شارع سكني تصطفُّ فيه منازل عالية وضيقة بعض الشيء مصنوعة من الطوب. لا بد أنها بُنِيت قبل أن يستشعر الأشخاص في هذه المنطقة حاجتَهم إلى ممرات خاصة بالسيارات، أو ربما حتى قبل أن يقتنوا سياراتٍ بالأساس، أو حتى قبل أن تكون هناك تلك الأشياء المعروفة بالسيارات. سار حتى وجد لافتةً كُتِب عليها شارع كوين ستريت الذي سمع عنه. استدار متَّجِهًا نحو الغرب ثانيةً، وبعد عدة بنايات وجد أمامه عائقًا؛ فأمام متجر لبيع الكعك المحلَّى وجَدَ جَمْعًا صغيرًا من الناس. كانت قد أوقفتهم سيارة إسعاف ركنَتْ مباشَرةً فوق رصيف المشاة بحيث لا يتمكَّن أحدٌ من المرور. كان بعضهم يتذمَّر من التأخير ويتساءل بصوتٍ عالٍ إنْ كان رَكْن سيارة الإسعاف فوق الرصيف تصرُّفًا قانونيًّا، بينما بَدَا البعض الآخَر هادئًا وهم يتحدَّثون عمَّا يمكن أن يكون كُنْه المشكلة. لقد أتى ذِكْرُ الموت، وتحدَّثَ بعض الناظرين عن الأشخاص الذين من المحتمل أنْ ماتوا، بينما قال البعض الآخَر إن الموت هو الذريعة القانونية الوحيدة لأن تتواجد المركبةُ في هذا المكان. لم يكن الرجل الذي خرج محمولًا ومحزمًا إلى النقالة قد فارَقَ الحياة، وإلا فإنهم كانوا سيغطون وجهه؛ ومع هذا، كان فاقد الوعي، وكانت بشرته بلون الإسمنت الرمادي. لم يكن محمولًا من داخل متجر الكعك المحلَّى، كما توقَّعَ البعض وهم يتندرون — حيث كان هذا نوعًا من الانتقاد لجودة الكعك المقدَّم في هذا المتجر — إنما من داخل الباب الرئيسي للبناية. كانت بنايةً سكنيةً ذات مظهر مقبول، مصنوعة من الطوب ومكوَّنة من خمسة طوابق. وكان يقع في الطابق الرئيسي مغسلة تعمل بالعملة ومتجر الكعك المحلَّى. وكان الاسم المحفور فوق الباب الرئيسي يوحي بالكبرياء وببعضٍ من حُمْق الماضي. بوني داندي. وأخيرًا خرج من المبنى رجلٌ لا يرتدي زيَّ رجال الإسعاف، وقف ينظر في سخطٍ نحو الجمع الذي كان يفكِّر الآن في أن ينفضَّ. والشيء الأخير الذي يمكن انتظاره الآن هو صوت سيارة الإسعاف الهائل الذي يشبه العويل وهي تشق طريقها وتختفي بعيدًا. كان جاكسون واحدًا من أولئك الذين لم يهتموا بالانصراف. لم يكن ليقل إنه كان ينتابه الفضول بشأن أيٍّ من هذا، أكثر من أنه كان ينتظر المنعطف الذي لا مفرَّ منه، والذي كان ينتظر أن يمر منه لكي يعود به من حيث أتى. سار نحوه الرجل الذي خرج من المبنى وسأله إنْ كان على عجلٍ. «لا، ليس بوجه خاص.» كان هذا الرجل مالكَ المبنى، أما الرجل الذي حملَتْه سيارةُ الإسعاف فهو الحارس والملاحظ. «يجب أن أذهب إلى المستشفى لأعرف ما المكروه الذي وقع له. لقد كان على ما يرام بالأمس، ولم يشتكِ من شيء من قبلُ، وليس هناك شخصٌ قريب الصلة به يمكن أن أتصل به، بقدر علمي. والأسوأ من هذا أنني لا يمكنني إيجاد المفاتيح. لم تكن معه أو في المكان الذي يعتاد الاحتفاظ بها فيه؛ لذا عليَّ أن أعود إلى منزلي وأُحضِر النسخةَ الاحتياطية، وإنني أتساءل إنْ كان بمقدورك أن تحرس المكانَ في هذه الأثناء؟ عليَّ أن أذهب إلى المنزل والمستشفى أيضًا. بإمكاني أن أطلب ذلك من أحد المستأجرين، لكني أفضِّل ألَّا أفعل هذا، إنْ كنتَ تدري ما أقصد؛ فأنا لا أريد أن يزعجوني بالسؤال عمَّا حدث في حين أنني لا أعرف أكثر مما يعرفون.» وسأل ثانيةً إنْ كان جاكسون لا يمانع، وأجاب جاكسون أنه لا بأسَ في هذا. «عليك فقط أن تراقِب أيَّ شخص يدلف أو يغادر، ويطلب رؤية مفتاحه، وأخبره أنها مجرد حالة طوارئ ولن تستمر طويلًا.» غادَرَ، ثم استدار مرةً أخرى. «يمكنك أيضًا أن تجلس.» كان هناك مقعد لم يَرَه جاكسون. كان قد طواه أحدهم وأزاحه عن الطريق حتى تستطيع سيارة الإسعاف أن تركن. كان أحدَ المقاعد المصنوعة من القماش، لكنه كان مريحًا بدرجةٍ كافية ومتينًا. وضعه جاكسون في مكانٍ لا يزاحم فيه المارة أو قاطني العقار، وذلك بعد أن شكره. لم يلاحظه أحدٌ. كان على وشك أن يذكر للرجل المستشفى، وأنه هو ذاته عليه أن يعود إلى هناك بعد فترة قصيرة، لكنَّ الرجلَ كان في عجلةٍ من أمره، وكان لديه بالفعل ما يكفي لينشغل به ذهنه، وقد أوضح أنه سيعود سريعًا بقدر ما يستطيع. أدرك جاكسون، بمجرد أنْ جلس، طولَ الوقت الذي ظلَّ فيه واقفًا على قدمَيْه وهو يتجوَّل هنا وهناك. كان الرجل قد أخبره أنه إذا رغب في بعض القهوة أو أي شيء ليتناوله، فعليه أن يطلبه من محل الكعك المحلَّى. «فقط قُلْ لهم إنك من طرفي.» لكن جاكسون لم يكن يعرف هذا الرجل. وحينما عاد المالك، اعتذر له عن تأخيره، والسبب أن الرجل الذي حملَتْه سيارة الإسعاف قد فارَقَ الحياة، ويجب إعداد بعض الترتيبات، وأضحى من الضروري أن تكون هناك مجموعة جديدة من المفاتيح، وها هي معه. سيكون هناك شكل من أشكال الجنازة يضمُّ الأشخاصَ الذين يقطنون بالمبنى منذ فترة طويلة، ونَشْر خبر وفاته في الجريدة قد يجلب المزيدَ من المعزِّين. ستكون فترةَ عملٍ مزعجةً حتى يتم ترتيب كل هذا. إنْ كان في مقدور جاكسون أن يقوم بالحراسة، فهذا من شأنه أن يحلَّ المشكلة. مؤقتًا؛ سيكون الأمر بنحوٍ مؤقت فقط. سمع جاكسون نفسَه وهو يعلن عن موافقته على العرض وأنه غير معترض. وإنْ كان يودُّ أنْ يعمل لفترة قليلة، فيمكن تدبير ذلك الأمر. لقد سمع هذا الرجل — رئيسه الجديد — وهو يقول ذلك. بعد الجنازةِ مباشَرةً والتخلُّصِ من بعض الأغراض، يمكنه بعدها بأيامٍ قلائل أن يدبِّر أمورَه وينتقل إلى المكان. قال جاكسون إن ذلك ليس ضروريًّا؛ فأموره مدبَّرة بالفعل وممتلكاته فوق ظهره. كان من الطبيعي أن يثير ذلك بعض الشك. ولم يندهش جاكسون بعد أن علم بعد مرور يومين أن رئيسه الجديد قد ذهب إلى قسم الشرطة، لكن من الواضح أنه لم يكن هناك أي شيء عليه؛ فقد بَدَا أنه واحد من أولئك المحبين للانعزال الذين يمرون بظروف صعبة بطريقة أو بأخرى، لكنه ليس متهمًا بخرق القانون. وبَدَا كما لو أن لا أحد يبحث عنه على أية حال. ••• بوجه عام، كان جاكسون يفضِّل أن يضمَّ المبنى أشخاصًا عجائز؛ وبوجه عام، أشخاصًا عُزابًا. لكن ليس ممَّن يمكن أن يُوصَفوا بالتقليديين، لكن ممَّن لديهم اهتمامات خاصة، أو يمكن أن تقول في بعض الأحيان موهبة. تلك الموهبة التي يلاحظها المرء فيما مضى، ويكسب قوت عيشه من ورائها، لكنها لا تكفي للاعتماد عليها خلال الحياة. ها هو مذيع كان صوته مألوفًا في الراديو منذ سنواتٍ مضَتْ خلال الحرب، لكنَّ أحباله الصوتية قد تلفت الآن. معظم الناس اعتقدوا أنه مات، لكن ها هو ذا في شقته الصغيرة يتابع الأخبار ويشترك في صحيفة «ذا جلوب أند ميل» التي كان يعطيها لجاكسون في حالة ما إذا كان هناك شيء يثير اهتمامه فيها. كان هناك ذات مرة شيء من هذا القبيل. ماتت مارجوري إيزابيلا تريس، ابنة ويلارد تريس الذي ظلَّ يكتب عمودًا لفترة طويلة لصحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام»، وزوجته هيلينا (أبوت)، التي كانت الصديقة الطويلة لروبين (شلنجهام) فورد، وذلك بعد معركة شجاعة مع السرطان. صحيفة أوريول، عدد ١٨ يوليو ١٩٦٥. لم يُرِدْ ذِكْرَ المكان الذي كانت تعيش فيه؛ ربما كان ذلك في تورونتو بصحبة روبين الذي كان يعلم كلَّ شيء عنها. ربما عاشت أكثرَ مما هو متوقَّع، وربما كانت حتى تحيا في راحةٍ لا بأسَ بها وروحٍ معنوية عالية حتى قرب النهاية بالطبع. لقد أظهرَتْ قدرةً كبيرة على التكيُّف مع الظروف، ربما أكثر من تلك التي كان يمتلكها هو نفسه. لم يكن يمضي وقته في تخيُّل الغرف التي شارَكَها فيها أو العمل الذي قام به في منزلها. لم يكن بحاجةٍ إلى ذلك؛ فتلك الأشياء عادةً ما كان يسترجعها في أحلامه، ويكون شعوره حينها أقرب إلى الغيظ منه إلى الحنين، كما لو أنه كان عليه العودة على الفور لاستئناف شيءٍ لم يكتمل بعدُ. كان المستأجرون في مبنى بوني داندي يشعرون بالقلق بوجهٍ عامٍّ حيال أي شيء يمكن أن يُطلَق عليه تحسينات، معتقدين أن ذلك قد يؤدِّي لرفع قيمة الإيجار. كان ينجح في إقناعهم بأساليب لائقة وحسٍّ ماليٍّ جيد. أُدخِلت تحسينات على المكان وزاد الإقبال عليه لدرجةِ أنْ أصبحت هناك قائمةُ انتظارٍ للراغبين في الإقامة به. وكان المالك يشتكي من أنه قد يصبح مأوًى لغريبي الأطوار، لكن جاكسون أخبره بأنهم بوجه عام أكثر نظامًا من الناس العاديين، وأنهم ناضجون بدرجة كافية تمنعهم من سوء التصرف. هناك سيدة كانت تعزف في وقتٍ من الأوقات في الأوركسترا السيمفوني لتورونتو، ومخترع لم يستفِدْ بعدُ من مخترعاته لكنه ما زال متفائلًا، ولاجئ مجريٌّ مهنته التمثيل كانت لكنته عائقًا أمام نجاحه، لكن كان لا يزال هناك إعلان تجاري عنه في مكانٍ ما في العالم. كانوا جميعًا يتصرفون بنحو لائق، ويوفرون بعض النقود للذهاب إلى مطعم إيبكيور وقصِّ حكايتهم طوال فترة ما بعد الظهيرة. وكان لديهم أيضًا بعض الأصدقاء الذين كانوا حقًّا من المشاهير، والذين نادرًا ما كانوا يأتون لرؤيتهم، والشيء المثير للاهتمام أن مبنى بوني داندي كان يسكن به كاهن متنقل كان على خلاف مع الكنيسة، أيًّا كان طبيعته، لكنه كان دائمًا ما يرأس القداس حينما يتم استدعاؤه لذلك. كان من عادة الأشخاص البقاء حتى يصبح الرحيل ضرورةً، ولكنَّ ذلك كان أفضلَ بكثيرٍ من التسلُّل والهروب. والاستثناء الوحيد كان لزوجين شابين يُدْعَيان كانديس وكوينسي لم يصفِّيَا حسابهما وهربا في منتصف الليل، وتصادَفَ أن المالك كان هو المسئول حينما قَدِمَا للبحث عن غرفة، والتمَسَ العذْرَ لنفسه على اختياره السيئ بقوله إن الوجوه الشابة كان مطلوبًا تواجُدُها في المكان. بالطبع وجه كانديس وليس وجه صديقها؛ فصديقها كان أحمق. ••• في يومٍ حار من أيام الصيف فتح جاكسون الأبوابَ الخلفية المزدوجة وأبواب التوصيل ليدخل أكبر قدرٍ من الهواء بينما كان منهمكًا في طلاء طاولة. كانت طاولةً جميلة حصل عليها دونَ مقابل لأن طلاءَها قد اختفى تمامًا، ورأى أنها ستبدو جميلة في المدخل عندما تُستخدَم لوضع البريد عليها. ابتعَدَ عن المكان الذي كان يجلس فيه لأن المالك كان هناك يتفحص بعض الإيجارات. كان هناك قرع خفيف على الباب الأمامي. كان جاكسون على استعدادٍ لكي يترك مكانه، وراح ينظِّف فرشاةَ الطلاء لأنه اعتقد أن المالك قد لا يرغب في المقاطعة وهو يقوم بحساب الأرقام. لكن لا بأسَ، فقد سمع الباب وهو يُفتَح وترامى إلى مسامعه صوتٌ نسائي. وبالرغم من أن الصوت كان على عتبة التعب، فإنه كان لا يزال يحتفظ بشيءٍ من سحره، وثقته المطلقة بأن أيًّا ما يقول فهو كفيلٌ بإقناع أي شخص يكون في محيط السمع. ربما ورثت ذلك من أبيها الكاهن. كان جاكسون يعتقد ذلك قبل أن يصيبه ذلك التأثير. قالت إن ذلك كان آخِر عنوان لديها لابنتها. لقد كانت تبحث عن ابنتها؛ ابنتها كانديس، التي ربما كانت ترتحل مع صديق لها. وأضافت أنها جاءت من كولومبيا البريطانية، وتحديدًا من كيلونا حيث كانت تقيم هي ووالد الفتاة. إنها إليان؛ لقد عرف جاكسون صوتها دون شك. تلك المرأة هي إليان. سمعها وهي تطلب الإذن بالجلوس. فسحب المالك مقعدَه؛ مقعدَ جاكسون. كانت تورونتو أكثر حرارةً مما توقَّعَتْ، بالرغم من أنها كانت تعرف أونتاريو حيث إنها قد نشأَتْ هناك. وتساءلت إنْ كان من الممكن أن تحصل على كوب من الماء. لا بد أنها وضعت رأسها بين يديها لأن صوتها أخذ يخفت. خرج المالك إلى المدخل وأسقَطَ فكة في الماكينة لكي يُخرِج لها علبة سفن أب. ربما اعتقد أنها أنسب للسيدات من الكوكاكولا. ولمح جاكسون يقف في الركن يستمع إلى ما يدور، وأشار له بأن يتولَّى الأمر حيث إنه ربما أكثر تعوُّدًا منه على التعامل مع المستأجرين الذين يشوبهم الاضطراب. لكن جاكسون هزَّ رأسه بالنفي بشدةٍ. لا. ولم تَبْقَ مضطربة كثيرًا. استماحت المالك عذرًا، فقال لها إن الحرارة قد تسبِّب مشاكل هذه الأيام. والآن بالنسبة إلى كانديس، فقد غادرَتْ هي وصديقها المكان خلال الشهر الجاري؛ ربما منذ ثلاثة أسابيع، ولا يوجد عنوانٌ للمكان الجديد يمكن مراسلتها عليه. «في هذه الحالات، غالبًا ما لا يكون هناك واحد.» فهمَتْ ما كان يرمي إليه. «أوه، بالطبع، بإمكاني أن أصفي حسابها …» كان هناك بعض الهمهمات والأصوات الخافتة أثناء تسوية ذلك. قالت بعدها: «أعتقد أنه لا يمكنك أن تجعلني أُلقِي نظرةً على المكان الذي كانا يعيشان فيه …» «إن المستأجر غير متواجد الآن. وحتى إنْ كان هنا، فأنا لا أعتقد أنه سيوافق على ذلك.» «بالطبع؛ فهذا أمر سخيف.» «هل هناك شيء بعينه تهتمين بمعرفته؟» «أوه، لا. شكرًا لسعة صدرك. لقد أخذتُ كثيرًا من وقتك.» نهضت الآن، وتحرَّكَا إلى خارج المكتب، ثم أسفل السلالم المؤدية للباب الأمامي، ثم انفتح الباب وابتلعت ضوضاء الشارع كلمات الوداع إنْ كان هناك أيٌّ منها. مهما كان قَدْر خيبة أملها، فستنجح في تخطِّي ذلك عن طيب نفس. خرج جاكسون من مَخْبَئه أثناء عودة المالك للمكتب. كل ما قاله المالك هو: «إنها لمفاجأة. لقد استردَدْنا أموالنا.» كان رجل يتسم باللامبالاة في الأساس، على الأقل فيما يخص الأمور الشخصية. وهو شيء كان يكنُّ له جاكسون التقدير. بالطبع كان جاكسون يرغب في رؤيتها. والآن وقد رحلت، بَدَا نادمًا على ضياع الفرصة. وبالطبع ما كان ليحطَّ من قدره ويسأل المالك إنْ كان شعرها لا يزال داكنًا؛ مائلًا إلى السواد، وهل يتسم جسمها بالطول والنحافة ولا يزال نهداها صغيرين. لم يتكوَّن لديه انطباعٌ عن الشكل من خلال ابنتها؛ كانت ذات شعر أشقر لكنه على الأرجح مصبوغ. كان عمرها لا يزيد على عشرين عامًا بالرغم من أنه من الصعب في بعض الأحيان التكهُّن بذلك في هذه الأيام. كانت واقعةً بشدة تحت سيطرة صديقها؛ الهروب من المنزل، والتهرُّب من سداد الفواتير، والتسبُّب في كسر قلب الوالدين، كل هذا من أجل أمرٍ كئيبٍ مثل الارتباط بصديقٍ. أين تقع كيلونا؟ في مكانٍ ما بالغرب. ألبرتا، كولومبيا البريطانية. طريق طويل قطعَتْه للبحث عن ابنتها. بالطبع هذه الأم هي امرأة مثابرة، متفائلة. ربما ظلَّ هذا منطبقًا عليها. لقد تزوَّجَتْ، اللهم إنْ كانت تلك الفتاة وُلِدت خارج نطاق الزواج، ولكنْ طاف بذهنه أن ذلك غير محتمل تمامًا. ستكون واثقةً، واثقةً من نفسها أنه في المرة القادمة لن تتعرَّض لمأساةٍ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الفتاة التي كانت ستعود إلى المنزل حينما يضيق بها الحال. وقد تعود وفي يدها طفل، لكنْ كان ذلك هو الحال في تلك الأيام. ••• قبل عيد الميلاد بفترة قصيرة من عام ١٩٤٠ كانت هناك جلبة شديدة في المدرسة الثانوية، حتى إنها بلغت الطابق الثالث حيث كان ضجيج الآلات الكاتبة وآلات الجمع يحجب ضوضاء الطابق الأرضي. كانت الفتيات الأكبر سنًّا يتواجَدْنَ بالأعلى؛ وهنَّ الفتيات اللاتي كنَّ يدرسْنَ في السنة الأخيرة اللغةَ اللاتينية والأحياءَ والتاريخَ البريطاني، ويتعلَّمْنَ الآن النَّسْخَ على الآلة الكاتبة. وكانت إليان بيشوب واحدةً من تلك الفتيات، والشيءُ الغريب أنها كانت ابنةً لأحد القساوسة، بالرغم من أنه لم يكن هناك أساقفة في كنيسة والدها التابعة للكنيسة المتحدة. قَدِمت إليان بيشوب مع أسرتها، وهي في الصف التاسع، وظلت لخمس سنوات تجلس خلفَ جاكسون آدامز، بسبب اتِّباع طريقةِ الترتيب الأبجدي في الجلوس. وفي ذلك الوقت كان خجَلُ جاكسون وصَمْتُه الشديدان قد أصبحا أمرًا يقبله الجميع غيرها في الفصل، لكنه كان أمرًا جديدًا بالنسبة إليها، وخلال الخمس سنوات التالية، ودون الاعتراف بذلك نجحَتْ في أن تولِّدَ بينهما نوعًا من الألفة. كانت تقترض منه الْمَماحي وأسنان الأقلام الحبر والأدوات الهندسية، ولم يكن ذلك لكسب صداقته بقدر ما كان سببه أنها كانت شخصية غير منظَّمة. وكان يتبادلان حلولَ بعض المسائل، وكانا يصحِّحان الاختبارات كلٌّ منهما للآخَر. وحينما كانا يلتقيان في الطريق، كانا يتبادلان التحية، وتحيته بالنسبة إليها كانت في الواقع همهمة غير واضحة. ولم يكن هناك أي شيء آخَر فيما وراء ذلك، فيما عدا أنهما كان يتبادلان بعض النكات. لم تكن إليان فتاة خجولة، لكنها كانت ذكية ومتحفظة ولم يكن لها الكثير من الأصدقاء، وربما كان هذا يناسبه. ومن موقعها فوق الدَّرَج عندما ذهب الجميع لمشاهدة مصدر الجلبة، دهشَتْ إليان عندما علمت أن أحد الولدين المتسبِّبَيْن فيها هو جاكسون، والآخَر كان بيلي واتس. لقد تغيَّرَ الآن الأولاد الذين كانوا منذ عامٍ واحدٍ فقط يجلسون منكَبِّين فوق كتبهم وينتقلون على نحوٍ مطيعٍ من فصلٍ إلى آخَر؛ فبَدَوْا في زيِّ الجيش أكبرَ مرتين من حجمهم الأصلي، وكانت أحذيتهم العالية الرقبة تُحدِث جلبةً كبيرةً وهم يركضون بها. وكانوا يهتفون بأن الدراسة قد أُلغِيت في ذلك اليوم لأن الجميع يجب أن يذهب إلى الحرب. كانوا يوزِّعون السجائر في كل مكان، ويلقون بها على الأرض حيث يمكن أن يلتقطها الأولادُ الذين حتى لم يحلقوا أذقانهم من قبلُ. كانوا جنودًا طائشين، مقاتلين متهورين. سكارى حتى الثمالة. «أنا لا أهاب شيئًا.» كان هذا هو ما يهتفون به. حاوَلَ مدير المدرسة تنظيمهم، لكنْ لأنَّ هذا كان في وقت مبكر من الحرب، وكان لا يزال هناك بعض التقدير والاحترام الخاص للأولاد الذين انضمُّوا للجيش، لم يستطِعْ إظهارَ القسوة التي أظهَرَها بعد ذلك بعام. قال: «اهدءوا، اهدءوا.» قال له بيلي واتس: «أنا لا أهاب شيئًا.» همَّ جاكسون بفتح فمه ربما ليقول نفس الشيء، لكن في تلك اللحظة التقَتْ عيناه بعينَيْ إليان بيشوب وتبادَلَا خلالَها معلومةً ما. أدركَتْ إليان بيشوب أن جاكسون كان ثَمِلًا بالفعل، لكنه لم يكن ثَمِلًا تمامًا، وهكذا فإن مظاهر السُّكْر الواضحة عليه كان يمكن السيطرة عليها. (بيلي واتس كان ثَمِلًا تمامًا بحيث لا يمكن السيطرة عليه.) ومع تفهُّم ذلك هبطَتْ إليان الدَّرَج وهي تبتسم، وقَبِلت سيجارةً قُدِّمت إليها وأمسكَتْ بها بين إصبعَيْها دون أن تشعلها. شَبَّكَتْ كلَّ ذراعٍ بذراعٍ لكلٍّ من البطلين، وسارت بهما خارج المدرسة. وبمجرد أن أصبحوا في الخارج، أشعلوا السجائر. كان هناك تضارُب في الآراء بشأن ذلك فيما بعدُ، بين رعايا كنيسة والدها؛ فقال البعض إن إليان لم تدخِّن سيجارتها، بل كانت تتظاهر فقط بذلك لكي تسترضي الولدَيْن، بينما قال البعض الآخَر إنها بالتأكيد دخَّنَتْ سيجارتها؛ ابنة قِسِّهم دخَّنَتْ سيجارتها. طوَّقَ بيلي إليان بذراعَيْه وحاوَلَ تقبيلها، لكنه تعثَّرَ وجلس على دَرَج المدرسة وراح يصيح كالديك. ومات خلال عامين. في ذلك الوقت كان ينبغي أن تتم إعادته إلى منزله، فجذَبَه جاكسون حتى يضعا ذراعَيْه فوق كتفَيْهما ويجرَّانه لمنزله بطول الطريق. لحسن الحظ لم يكن المنزل بعيدًا عن المدرسة. تركاه هناك وهو غير واعٍ، عند الدَّرَج، ثم دخلا في حوار. جاكسون لم يكن يرغب في العودة إلى منزله؟ لماذا؟ قال لأن زوجة أبيه كانت تقيم هناك، وهو كان يبغضها. لِمَ؟ دون سبب. كانت إليان تعلم أن والدته تُوفِّيت في حادث سيارة حينما كان صغيرًا جدًّا؛ ربما كان ذلك يُذكَر أحيانًا لتفسير خجله. اعتقدَتْ أن الشراب ربما جعله يبالغ، لكنها لم تحاول أن تجعله يتحدَّث عن الأمر أكثر من هذا. قالت: «لا بأسَ، يمكنك أن تُقِيم في منزلي.» تصادَفَ أن والدة إليان كانت بعيدةً عن المنزل لأنها كانت تعتني بجدة إليان المريضة. كانت إليان في ذلك الوقت تدير المنزل لوالدَيْها وأخوَيْها الأصغر سنًّا بأسلوب عشوائي، وكان هذا أمرًا سيئًا في رأي البعض؛ ليس لأن أمها كانت ستُحدِث جلبةً بشأنه، ولكنْ لأنها كانت ستريد معرفة التفاصيل، ومَن عساه يكون ذلك الولد. على الأقل، كانت ستجعل إليان تذهب إلى المدرسة كالمعتاد. جندي وفتاة، أصبحَا فجأةً قريبَيْن جدًّا كلٌّ منهما من الآخَر، بينما لم يكن بينهما شيءٌ طوال هذا الوقت سوى تبادُل المعلومات بشأن تصريف الأسماء واللوغاريتمات. لم يُعِرْهم والد إليان أيَّ اهتمام؛ لقد كان يهتمُّ بالحرب بصورةٍ أكبر مما يعتقد بعض أفراد رعيته أن يكون عليها قسٌّ، وجعله هذا يفتخر بأن لديه جنديًّا في منزله. لكنه كان أيضًا حزينًا لعدم تمكُّنه من إرسال ابنته إلى الجامعة، كان عليه أن يدَّخِر لكي يُرسِل أخوَيْها هناك في يومٍ ما؛ فعليهما أن يعملا كي يكسبا عيشهما. وجعله هذا يتساهل مع إليان في أي شيء تفعله. لم يكن جاكسون وإليان يذهبان للسينما لمشاهدة الأفلام، ولا لصالة الرقص؛ كان يذهبان للتمشية، وذلك في أي طقسٍ، وعادةً ما يكون هذا بعد حلول الظلام. وفي بعض الأحيان كانا يذهبان إلى المطعم ويحتسيان القهوة، لكنهما لم يحاولا أن يتقربا لأي أحدٍ. ما خطبهما؟ أَوَقَعا في الحب؟ حينما كانا يسيران جنبًا إلى جنب، قد تتلامس أيديهما بالمصادفة، وقد عوَّدَ جاكسون نفسه على ذلك. وحينما غيَّرَتْ هي هذا الأمر العرضي إلى أمر متعمَّد، وجد أنَّ بمقدوره الاعتياد على ذلك أيضًا، متغلِّبًا على شعوره ببعض الارتباك. أصبح أكثر هدوءًا، بل حتى أكثر استعدادًا أيضًا لتبادل القبلات معها. ••• ذهبَتْ إليان بنفسها إلى منزل جاكسون لكي تحزم حقيبته. كشفَتْ زوجةُ أبيه عن أسنانها الصناعية اللامعة، وحاولت أن تبدو وكأنها مستعِدَّةٌ لبعض اللهو. سألَتْها عمَّا كانا ينويان فعله. فقالت لها: «من الأحرى الاهتمام بأشيائه.» كانت مشهورة بسلاطة لسانها، وكانت ألفاظها قبيحةً بالفعل. «اسأليه إنْ كان لا يزال يتذكَّر أني كنتُ أنظِّف مؤخرته.» قالت إليان، وهي تبلغه بما حدث، إنها كانت تتعامل معها بأدبٍ جمٍّ وصَلَ إلى حدِّ الغطرسة؛ إذ لم يكن بإمكانها تحمُّل تلك المرأة. لكن جاكسون شعر بالإحراج والقلق واليأس، وهي نفس المشاعر التي كانت تنتابه حينما كان يُلقَى عليه سؤالٌ بالمدرسة. قالت إليان: «ما كان ينبغي عليَّ حتى أنْ أذكرها. ستعتاد على السخرية من الأشخاص بما أنك تحيا في بيت قس.» قال لها إنه على ما يرام. اتضح أن ذلك الوقت هو آخِر إجازة يمضيها جاكسون معها، وأخذا يتراسلان. كتبت له إليان عن انتهائها من دراسة الكتابة على الآلة الكاتبة والاختزال، وحصولها على وظيفةٍ في مكتب كاتب مجلس البلدة. كانت ساخرةً بشدة بشأن كل شيء بصورةٍ أكبر مما كانت عليه في المدرسة؛ ربما كان ذلك بسبب اعتقادها أن الشخص الذي يحارِب بحاجةٍ إلى المزاح، وكانت هي تُصِرُّ على أن تكون الشخص العالِم ببواطن الأمور؛ فحينما كان يجب ترتيب زيجات على عجلٍ في مكتب كاتب مجلس البلدة، كانت تشير إلى العروس بأنها العروس العذراء. وحينما ذكرَتْ أن أحد القساوسة قد زار منزلهم ونام في الحجرة الإضافية، تساءَلَتْ إنْ كانت مرتبة الفراش تثير بداخله أحلامًا غريبة. كتب لها يحدِّثها عن الحشود في منطقة إيل دو فرانس والتحرك بحذرٍ لتجنُّب الغواصات الحربية الألمانية، وأنه حينما ذهب إلى إنجلترا، اشترى درَّاجةً وأخبرها عن الأماكن التي زارها بالدرَّاجة، إذا كان مسموحًا بزيارتها. وبالرغم من هذا كانت خطاباته أقل تشويقًا من خطابتها، فإنها كانت تُذيَّل دائمًا بعبارة «مع خالص حبي». وحينما حلَّتْ ساعةُ الصفر ووقت الهجوم، ساد ما وصفَتْه بالصمت المؤلم، لكنها كانت تتفهَّم سببَ ذلك، وحينما عاد لمراسلتها أخبرها أن كل شيء على ما يرام، بالرغم من أن التفاصيل لم يكن البوح بها مسموحًا. تحدَّثَ في هذا الخطاب، مثلما كانت تفعل هي، عن الزواج. وأخيرًا جاء يوم النصر والعودة إلى الوطن. وكما قال كانت تلمع فوق رأسه مجموعات من نجوم الصيف. كانت إليان قد تعلَّمَتِ الحياكة، وكانت تصنع رداءً صيفيًّا جديدًا على شرف عودته إلى الوطن؛ كان رداءً من الحرير الصناعي ذا لون أخضر ليموني، وذا تنورة طويلة وأكمام قصيرة ويُلبَس مع حزام ضيق من الجلد الصناعي الذهبي اللون. وأرادَتْ أن تضع شريطًا من اللون الأخضر بنفس خامة الرداء حول مفرق قبعتها الصيفية. «لقد وصفتُ لكَ كلَّ هذا حتى تلاحظني وتعرف أنه أنا التي تنتظرك، وذلك حتى لا تهرب مع امرأةٍ جميلةٍ أخرى يتصادف وجودها في محطة القطار.» أرسَلَ لها خطابًا من مدينة هاليفاكس يخبرها بأنه سيستقلُّ القطارَ الذي سيصل في مساء يوم السبت، وقال إنه يتذكرها جيدًا، وليس ثمة احتمالٌ في أن يخلط بينها وبين امرأةٍ أخرى، حتى إنْ كانَتْ محطةُ القطار تعجُّ بالنساء الجميلات في ذلك المساء. ••• وفي مسائهما الأخير معًا قبل أن يرحل، جلسا حتى وقت متأخر في مطبخ منزل القس حيث عُلِّقَتْ صورةُ الملك جورج السادس التي تراها في كل مكان هذا العام. وكانت الكلمات المكتوبة أسفلها كالتالي: وقلت للرجل الذي كان يقف على أعتاب العام: «امنحني ضوءًا حتى أخطو في أمانٍ نحو المجهول.» وردَّ قائلًا: «اخرجْ إلى الظلام وضَعْ يدَكَ في يدِكَ في يد الرب؛ هذا أفضل لك من الضوء وأكثر أمانًا من الخطو في طريق معلوم.» ثم صعدا للطابق العلوي بهدوءٍ شديدٍ، وأوى إلى فراشه في الحجرة الإضافية. لا بد أن قدومها إليه كان باتفاقٍ مشترك بينهما، ولكن ربما لم يفهم تمامًا السببَ وراء ذلك. لقد كانت بمنزلة كارثة؛ لكن الطريقة التي تصرَّفَتْ بها كانت تُنْبِئ بأنها ربما لم تكن تدرك هذا. وكلما ازدادَتْ أركان الكارثة واصلَتْ هي بطريقة محمومة. لم تكن ثمة طريقةٌ يستطيع أن يوقف بها محاولاتها أو أن يوضِّح لها. هل من الممكن أن فتاةً يمكن أن تعرف هذا القدر الضئيل عن الأمر؟ وافترقا أخيرًا كما لو أن الأمور سارت على ما يرام. وودَّعَ كلٌّ منهما الآخَرَ في صباح اليوم التالي في حضور والدها وأخوَيْها، وبدأ تبادُلُ الخطابات بينهما في غضون فترة وجيزة. ذات مرة، ثمِلَ وحاوَلَ مرة أخرى في ساوثهامبتون، لكن المرأة التي حاوَلَ إقامةَ علاقةٍ معها قالت له: «يكفي هذا، يا صغيري، إنك ضعيف.» كان الشيء الذي لا يهواه هو تأنُّق السيدات والفتيات؛ القفازات، والقبعات، والتنورات التي تُصدِر حفيفًا أثناء السير، وكل تلك الأشياء التي يطلبنها ويهتممن بها. لكن كيف كان لها أن تعرف هذا؟ اللون الأخضر الليموني. لم يكن واثقًا من أنه يعرف هذا اللون؛ لقد بَدَا وكأنه نوع من الأحماض. ثم خطر على باله بسهولةٍ بأنها من الممكن ألَّا تأتي لاستقباله. هل كانت ستحدِّث نفسها أو تحدِّث أيَّ شخصٍ آخَر بأنها لا بد أنها أخطأت في التاريخ؟ يمكنه أن يقنع نفسه بأنها ستعثر على كذبةٍ ما، بالطبع ستفعل. إنها واسعة الحيلة، على أية حال. ••• والآن وقد خرجت إلى الطريق، شعر جاكسون بالفعل برغبةٍ في رؤيتها. لم يكن بإمكانه قطُّ أن يسأل المالك عن هيئتها؛ هل كان شعرها داكنًا أو تسلَّلَ إليه الشيب، وهل كانت لا تزال نحيفةً أم أضحَتْ بدينةً. إن صوتها حتى في لحظات الكرب لم يتغيَّر، وذلك على نحوٍ يثير الدهشة. فهو يرسم كلَّ الأهمية لنفسه، لطبقاته الموسيقية، وفي نفس الوقت يُصدِر نبراتِ الأسف الشديدة. لقد قطعَتْ مسافةً طويلة، لكن بمقدورك أن تقول إنها امرأة مثابرة. وستعود الابنة؛ فهي مدلَّلة بدرجةٍ تمنعها من الإقامة بعيدًا لفترة طويلة. أيُّ ابنة لإليان ستكون حتمًا مدلَّلة، ترتب العالَم والحقيقة لتلائِم ما تريد وكأنه ليس ثمة شيء يمكن أن يهزمها طويلًا. لو كانت رأته، أكانت ستعرفه؟ اعتقد أنها كانت ستفعل، مهما كانت التغيرات التي طرأت عليه. وكانت ستسامحه، نعم، على الفور؛ كي تحافظ عن فكرتها عن ذاتها، على الدوام. وفي اليوم التالي تلاشت أي راحة كان يشعر بها حيال خروج إليان من حياته. لقد عرفت ذلك المكان، وربما تعاود مرة أخرى. ربما تبقى هنا لفترة وتجوب الشوارع وهي تحاول أن تقتفي أثر ابنتها. كانت تطرح الاستفسارات على الناس بتواضع، لكنه ليس تواضُعًا في الواقع، بذلك الصوت الذي يحمل رنة التوسُّل ويَشُوبه الدلالُ في نفس الوقت. كان من الممكن أن يلتقي بها مصادَفةً خارج ذلك الباب؛ وحينها لن تصيبها الدهشة إلا لِلَحظةٍ، كما لو أنها كانت دائمًا تتوقع قدومه. لقد كانت تتوقع كل احتمالات الحياة، وهذا هو الأسلوب الذي كانت تعتقد أن بمقدورها دائمًا اتباعه. يمكن إيقاف كل الأشياء، ولا يستلزم الأمر سوى بعض التصميم. حينما كان صغيرًا في السادسة أو السابعة من عمره، استطاع أن يوقف حماقات زوجة أبيه، ما كانت تطلق عليه هي حماقات أو مضايقات؛ فقد هرب إلى الشارع بعد حلول الظلام، واستطاعت إرجاعه، لكنها شعرت أن من الممكن أن يكون هناك هروب حقيقي من جانبه إنْ لم تتوقَّف عن مضايقته، فتوقَّفَتْ، وقالت إن ذلك ليس مزاحًا من جانبه؛ لأنها لا تستطيع أن تقول مطلقًا أن شخصًا ما يكرهها. ••• أمضى ثلاث ليالٍ أخرى في المبنى الذي كان يُطلَق عليه بوني داندي. كتب للمالك بيانًا بما تدفعه كل شقة وموعد استحقاق مصاريف الصيانة وما تتضمنه من بنود. قال إنه تم استدعاؤه، وذلك دون الإشارة لجهة الاستدعاء والسبب. صرف كل الأموال الموجودة بحسابه المصرفي وحزم أشياءه القليلة، وفي المساء، في وقت متأخر من المساء استقلَّ القطار. أخذ يغفو ويستيقظ أثناء الليل، وفي واحدة من تلك الغفوات القصيرة رأى أولاد المينوناتيين الصغار في عربتهم الصغيرة، وسمع أصواتهم الصغيرة وهم ينشدون. وفي الصباح هبط في كابوسكايسينج، وتسلَّلَتْ إلى أنفه رائحةُ المصانع، وقد شجَّعَه الهواء البارد. سيعمل هناك، بالطبع سيعمل في بلدة مليئة بالغابات. حياتي العزيزة
على مرأًى من البحيرة ذهبت سيدة إلى طبيبتها لتجديد تذكرتها الطبية، إلا أنها لم تجدها؛ إذ كان هذا يوم عطلتها. في واقع الأمر، ذهبت السيدة في اليوم الخطأ؛ فقد اختلطت عليها الأيام ولم تُفرِّق بين يوم الإثنين ويوم الثلاثاء. كان ذلك هو الأمر الذي أرادت أن تتحدَّث مع طبيبتها بشأنه، إلى جانب تجديد تذكرتها الطبية. أرادَتْ أن تعرف ما إذا كان عقلها قد بدأ ينسى قليلًا. توقَّعَتْ أن تقول لها الطبيبة: «يا لها من مزحة! عقلك أصح من عقل الجميع.» (ليس هذا لأن الطبيبة كانت تعرفها جيدًا إلى هذه الدرجة، ولكن لأن هناك العديد من الأصدقاء المشتركين فيما بينهما.) بدلًا من ذلك، تلقَّتِ السيدة — التي كانت تُدعَى نانسي — مكالمةً هاتفية من مساعدة الطبيبة لتخبرها بأن تذكرتها الطبية جاهزة، وأنه قد تم ترتيب موعدٍ لها لفحصها من قِبَل اختصاصيٍّ فيما يتعلَّق بالمشكلة العقلية تلك التي تعاني منها. لم يتعلق الأمر بعقلها، وإنما فقط بذاكرتها. وأيًّا كان الأمر، كان هذا الطبيب متخصِّصًا في علاج المرضى المسنين. في واقع الأمر، علاج المرضى المسنين الذين لديهم مشكلة في عقولهم. ضحكت الفتاة. أخيرًا، هناك مَن ضحك. وأخبرتها أن مقر عمل الاختصاصي يبعد عن المكان الذي تقطن فيه نانسي بعشرين ميلًا أو قرابة ذلك، في قرية تُسمَّى هايمن. قالت نانسي: «أوه، يا عزيزتي، هل هو اختصاصي في الشئون الزوجية؟» (كان هجاء اسم القرية هو Highman، لكن نانسي مازحَتْها متظاهرةً بأنها سمعته Hymen التي تعني غشاء البكارة.) لم تسمع الفتاة ما قالته، وطلبت منها بأدبٍ أن تُعِيده. «لا عليكِ، سأكون هناك في الميعاد.» ما حدث خلال السنوات القليلة الأخيرة هو أن الاختصاصيين تقع مقارُّ عملهم في أماكن متباعدة؛ فتجد أن اختصاصي الأشعة المقطعية الذي تتعامل معه موجودٌ في بلدةٍ ما، واختصاصي السرطان في بلدةٍ أخرى، واختصاصي المشكلات الرئوية في بلدةٍ ثالثة، وهكذا. وعلى الرغم من أنك لن تُضطر إلى الذهاب إلى المستشفى المركزي بالمدينة، فإن زيارة هؤلاء الاختصاصيين قد تستغرق منك نفس الوقت الذي كنتَ ستستغرقه إذا ذهبتَ لهذا المستشفى؛ نظرًا لأنه لا توجد مستشفيات في كل البلدات، وسيكون عليك البحث الدءوب عن مقر عمل الاختصاصي الذي تريده بمجرد وصولك إلى بلدته. وكان هذا هو السبب وراء أن نانسي قرَّرَتِ الذهاب بسيارتها إلى القرية التي كان يعمل فيها اختصاصي المسنين — كان ذلك هو اللقب الذي قرَّرَتْ أن تُطلِقه عليه — في عشية اليوم السابق على موعدها معه. كان هذا سيمنحها متسعًا من الوقت لمعرفة مكانه تحديدًا، ومن ثَمَّ لن تُعرِّض نفسها للذهاب في حالةِ ارتباكٍ أو التأخُّر قليلًا عن موعدها، تاركةً انطباعًا سيئًا عنها من اللقاء الأول. كان في إمكان زوجها الذهاب معها، إلا أنها كانت تعلم أنه يرغب في مشاهدة إحدى مباريات كرة القدم على التليفزيون. كان عالِمَ اقتصاد يشاهد المباريات الرياضية في النصف الأول من الليل، ويُمضِي النصفَ الآخَر في تأليف كتابه، على الرغم من أنه طلب منها أن تقول للناس إنه على المعاش. أعرَبَتْ نانسي عن رغبتها في العثور على المكان بنفسها، وقد أخبرَتْها مساعِدةُ الطبيبة على الهاتف بكيفية الوصول إلى البلدة المرادة. كان المساء بديعًا، ولكنها عندما تركت الطريق السريع، متَّجِهةً بسيارتها إلى الغرب، وجدَتْ أن الشمس انخفضت بالدرجة الكافية بحيث سطعَتْ في وجهها. إلا أنه كان باستطاعتها أن تُبقِي عينَيْها في الظل بجلوسها مستقيمةً على مقعدها ورفعها ذقْنَها لأعلى. كما كانت لديها نظارة شمسية جيدة، وكان بمقدورها قراءة اللافتة التي تشير إلى أن أمامها ثمانية أميال للوصول إلى قرية هايمن. هايمن. كان ذلك هو اسم القرية؛ ليست هناك دعابة في الأمر. كان تعداد سكانها ١٥٥٣ نسمة. لماذا هذه الدقة في كتابة التعداد؟ لا يوجد شخصٌ غير مهم. كان من عادتها تفقُّد الأماكن الصغيرة من قبيل التسلية فقط، لترى ما إذا كان في مقدورها العيش هناك أم لا. وبَدَا أن ذلك المكان مناسِبٌ تمامًا؛ فهناك سوق كبيرة، حيث يمكنك شراء خضراوات طازجة إلى حدٍّ ما، بالرغم من أنها ربما لم تكن تُجلَب من المزارع المحيطة، وكذلك كان هناك مكانٌ جيد لتناول القهوة، وكانت هناك أيضًا مغسلة تعمل بالعملة، وصيدلية حيث يمكنك صرف تذاكرك الطبية، لكنْ لم يكن بها مجموعات المجلات الشهيرة التي قد ترغب في شرائها. هناك شواهد بالطبع على أن ذلك المكان شهد أيامًا كان على حالٍ أفضل فيها؛ فهناك ساعة متوقِّفة عن العمل تعلو نافذة عرض متجرٍ تنمُّ عن أنه كان يُعرض بها مجوهرات، أما الآن فبَدَتْ مليئةً بأوانٍ خزفية وقدور ودلاء قديمة، وأكاليل سلكية مفكَّكة. بدأت تتفحَّص بعض تلك النفايات لأنها اختارَتِ الوقوفَ بسيارتها أمام المتجر الذي كان يعرضها، ورأَتْ أنَّ في مقدورها أيضًا البحثَ عن مقر عمل ذلك الطبيب سيرًا على الأقدام. وما حدث بسرعة كبيرة وجعلها تشعر بالرضا هو أنها رأت على بُعْدٍ بنايةً ذات طابق واحد مبنية من قرميد بُنِّيٍّ، وبَدَا من طرازها النفعي أنها تعود للقرن الماضي، وكانت مستعِدَّةً للتخمين بأنها وجهتُها المقصودة؛ فقد اعتاد الأطباء في البلدات الصغيرة على جعل أماكن عملهم جزءًا من منازلهم، موفِّرين مساحةً كافيةً لانتظار سيارات مرضاهم، وكان هذا هو نوع البنايات التي يقيمون فيها. ها هو القرميد البني المائل للحمرة، وبالطبع اللافتة المكتوب عليها طبيب/طبيب أسنان، وساحة الانتظار التي توجد خلف البناية. كان اسم الطبيب في قُصاصة ورقية موجودة في جيبها، فأخرجَتِ القصاصة لتقرأ ما فيها. كان مكتوبًا على باب البناية الذي كان من الزجاج البلوري الدكتور إتش دبليو فورثيز؛ طبيب أسنان، والدكتور دونالد ماكميلن؛ طبيب. لكنْ لم يكن أيٌّ من هذين الاسمين مكتوبًا في القصاصة الورقية التي كانت مع نانسي، ولا عجب في ذلك؛ إذ لم يكن مكتوبًا على القصاصة سوى رقمٍ وحرفٍ؛ أ ٧٫٥. كان الرقم يمثِّل مقاس حذاء أخت زوجها، أوليفيا، التي تُوفِّيت. واستغرَقَ الأمرُ منها برهةً قبل أن تتذكَّر أن الحرف هو أول حروف اسم أوليفيا الذي دوَّنَتْه بسرعة، وتمكَّنَتْ بالكاد أن تتذكَّر أمرَ شراء أحذية لأوليفيا عندما كانت في المستشفى. ليس لهذا فائدة على أية حال. ربما تَمَثَّلَ أحدُ الحلول في أن الطبيب الذي كانت تقصده قد انتقَلَ مؤخرًا إلى تلك البناية، ولم يُغَيِّر بعدُ الاسمَ الذي على الباب الخارجي. كان عليها أن تسأل أحدهم، وكان عليها أن تدقَّ الجرسَ لتعرف إنْ كان أحد بالداخل، يعمل لوقت متأخر. فعلَتْ هذا، ومن حُسْن حظِّها إلى حدٍّ ما أن أحدًا لم يُجِبها؛ لأنَّ اسم الطبيب الذي كانت تقصده قد ذهب لِلَحظةٍ عن بالها. فكرة أخرى راوَدَتْها؛ أَوَليس من الممكن جدًّا أن هذا الشخص — طبيب المجانين، كما اختارَتْ أن تُطلِق عليه في ذهنها — يدير عمله من المنزل؟ (أو أنها لم تفترض ذلك الاحتمال تلقائيًّا، مثل معظم الناس في عمرها) فهذا منطقي وأقل تكلفةً، وهو ليس بحاجةٍ إلى العديد من الأجهزة لعلاج المرضى العقليين. ومن ثَمَّ، استأنفَتْ سَيْرَها بعيدًا عن الشارع الرئيسي، وها هو اسم الطبيب الذي كانت قد نسيَتْه عاد إلى ذاكرتها مرةً أخرى، وكان ذلك وارِدَ الحدوث في الأوقات التي تخلو من التوتر. شُيِّدت معظم المنازل التي كانت تمر بها في القرن التاسع عشر؛ بعضها كان من الخشب والبعض الآخَر من القرميد. وكانت البنايات القرميدية في الغالب مكونة من طابقين كاملين، أما الخشبية فكانت على نحوٍ ما أكثرَ تواضُعًا؛ حيث كانت مكوَّنةً من طابق ونصف، مع وجود سقف مائل في غُرَفِها العلوية. كان بعض الأبواب الأمامية مفتوحًا على بُعْد أقدام قليلة من الرصيف، والبعض الآخَر على شُرفات واسعة، عادةً ما تكون محاطةً بجدران من الزجاج. منذ قرنٍ مضى، في مساء مثل هذا، كان الناس سيجلسون في شُرفاتهم أو ربما على الدَّرَجَات الأولى أمام منازلهم. كانت ربَّاتُ المنزل ستجلس هناك بعد فراغها من غسيل الأطباق وتنظيف المطبخ، وكذلك الرجال بعد تجميع الخراطيم التي استخدموها في تندية حشائش حدائقهم بالماء. حينَها لم يكن ثمة أثاثُ حدائق، ذاك الذي لم يكن ليخلو من الناس مثلما هو الحال الآن، بل مجرد درجات خشبية أو بعض كراسي المطبخ. وكانت المحادثات في أغلبها ستدور حول الطقس، أو حصان هارب، أو شخصٍ أصبح طريح الفراش ولا يُتوقَّع له التعافي. كانوا سيبدءون التخمين بشأنها بمجرد أن تبعد وتصبح غير قادرة على سماعهم. ولكنْ ألن تُرِيح فضولَهم حينها، وتتوقَّف لتسألهم مباشَرةً: رجاءً، هل يمكن أن تخبروني بمكان منزل الطبيب؟ موضوع جديد للحديث. ما حاجتها للطبيب؟ (كانوا سيتحدَّثون في هذا عندما لم يَعُدْ بإمكانها سماعهم.) ••• الآن كان جميع الناس داخل منازلهم برفقة مراوحهم أو مكيِّفات الهواء خاصتهم. وظهرت الأرقام على المنازل، تمامًا كما هو الحال في المدن. ولم تكن توجد لافتة لطبيبٍ على أيٍّ منها. ومع انتهاء الرصيف، كان هناك مبنًى قرميدي ضخم به جمالونات وبرج ساعة. ربما كان هذا المبني مَدرسةً، قبل أن يُنقَل الطلاب إلى مركز للتعلُّم أكثر اتساعًا وكآبةً. توقَّفَتْ عقاربُ ساعة البرج عند الثانية عشرة، صباحًا أو مساءً، ولكنها حتمًا لم تكن تشير إلى الوقت الصحيح. كما كانت هناك وفرة من أزهار الصيف التي بَدَتْ مُنسَّقةً بعنايةٍ؛ بعضها ممتد من عربة يدوية، والكثير منها من أحد جوانبِ دَلْوِ لبنٍ. وكانت هناك لافتة لم تتمكَّن من قراءة ما كُتِب عليها بسبب سطوع الشمس عليها مباشَرةً؛ لذا، اشرأَبَّتْ على المرج حتى تتمكَّن من رؤية المكتوب عليها من زاويةٍ أخرى. بيت جنازات. كان بإمكانها الآن رؤية الجراج الذي ربما كانت تقبع فيه سيارة نقل الموتى. لا مشكلة. كان عليها أن تواصِل البحث. انعطفَتْ إلى شارع جانبي حيث كانت توجد أماكن منظَّمة بشدة حقًّا، ممَّا يُثبِت أنه حتى بلدة بهذا الحجم كان يمكن أن تكون لها ضاحية سكنية. اختلفت المنازل هناك قليلًا بعضها عن بعض، إلا أنها بصفةٍ عامة كانت بنفس الشكل؛ دُهِنت جدرانها الصخرية بدهان رقيق والقرميدية بلون فاتح، أما نوافذها فكانت مقبَّبة أو مستديرة، ممَّا يعبِّر عن رفضٍ للمظهر النفعي، النمط الريفي الذي كان سائدًا في العقود السابقة. كان هناك أشخاص. لم يتمكَّن الجميع هنا من البقاء في منازلهم برفقة مكيِّفاتهم؛ فهناك صبي كان يقود دراجته، متخذًا مسارات قطرية عبر الرصيف. كان هناك شيء غريبٌ في قيادته للدراجة، بَيْدَ أنها لم تتمكَّن من معرفته في البداية. كان يقود على نحو عكسي؛ هذا هو الغريب في الأمر. امتدَّ الجاكيت الذي يرتديه بفعل الهواء على نحوٍ يجعل المرء — أو يجعلها — غيرَ قادرٍ على معرفة ما يحدث. وكانت توجد سيدة ربما تبدو أكبر سنًّا من أن تكون أمه — لكنها بَدَتْ في الوقت نفسه مُهندَمةً ومفعمة بالحيوية جدًّا — تقف هناك في الشارع تراقبه. وكانت تُمسِك في يدها حبلَ نطٍّ وتتحدَّث إلى رجلٍ لا يمكن أن يكون زوجَها، بَدَا أن هناك علاقةً ودية شديدة كانت تجمع بينهما. كان الشارع ينتهي بطريق مسدود مُنْحَنٍ، ولم يكن هناك مجالٌ للمضي قُدمًا. قاطعت نانسي حديثَ الرجل والمرأة، متأسِّفةً لهما عن ذلك، وأخبرتهما عن أمر بحثها عن الطبيب. قالت نانسي: «كلا كلا، لا تنزعجا. أرغب فقط في معرفة عنوانه؛ اعتقدتُ أنكما ربما تعرفانه.» ثم ظهرت المشكلة من جديدٍ حين أدركَتْ أنها لا تزال غير متيقِّنةٍ من الاسم. وكانا من دماثة الخُلُق ما جعلهما لا يُظهِران اندهاشهما من ذلك، إلا أنهما في نهاية الأمر لم يتمكَّنَا من مساعدتها. تقدَّمَ الصبي على دراجته متمايلًا مندفعًا، عابرًا بجوارهم مباشَرةً، وبالكاد لم يصدمهم. ضحك الرجل والمرأة، ولم يوبخاه على ذلك. كان صبيًّا صغيرًا شديد التهور، ولكن من الواضح أنهما كانا يحبانه بشدة. تحدَّثَا عن جمال ذلك المساء، في الوقت الذي استدارَتْ فيه نانسي لتعود أدراجها. لم تَعُدْ كلَّ الطريق الذي قطعَتْه؛ فإنها لم ترجع حتى إلى بيت الجنازات. كان هناك شارع جانبي تجاهلَتْه قبل ذلك، ربما لأنه لم يكن مرصوفًا ولم تفكر أنه من الممكن أن يعيش فيه طبيب. فلم يكن هناك رصيف، وكانت المنازل محاطة بالقمامة. وجدَتْ رجلَيْن مشغولين أسفل غطاء محرك شاحنة، ورأت أن فكرة مقاطعتهما لن تُجدِي نفعًا، هذا علاوة على أنها لمحَتْ شيئًا مثيرًا أمامها. كان هناك سياج من الشجيرات يقترب من الشارع، كان مرتفعًا بالقدر الذي لا تتوقَّع أن يكون في مقدورها رؤية ما يحجبه من فوق، لكنها اعتقدت أنها قد يمكنها النظر فيما بين الشجيرات. لم يكن هذا ضروريًّا؛ فعندما تجاوزَتِ السياج، وجدَتْ أنه كان يُخفِي قطعةَ أرض — تبلغ مساحتها نحو مساحة أربع قِطَع أرض زراعية مندمجة معًا — مفتوحة تمامًا على الشارع الذي كانت تسير فيه الآن. بدت قطعة الأرض هذه أشبه بمتنزه، ذي ممرات مُبلَّطة تتقاطع قُطْرِيًّا عبر الحشائش المقصوصة واليانعة، وفيما بين الممرات برَزَ من الحشائش الكثير من الأزهار المختلفة. تعرَّفَتْ على بعضٍ من أنواع تلك الأزهار — على سبيل المثال: أزهار الأقحوان باللونَيْن الذهبي الداكن والأصفر الفاتح، وأزهار الفلوكس القرنفلية والوردية والبيضاء ذات القلب الأحمر — ولكنها على الرغم من ذلك لم تكن بستانيةً بارعة؛ فقد كان أمامَها العديدُ من الأزهار المتجمِّعة أو المتدلية من كافة الألوان التي لم تستطع تحديد أنواعها وأسمائها. كان بعضها يتسلَّق التعريشات، والبعض الآخَر يفترش الأرض بحريةٍ. كان كل شيء رائعًا ومتقنًا، حتى تلك النافورة التي ترتفع مياهها سبع أقدام أو نحو ذلك قبل أن تهبط ثانيةً على حوضها المُبطَّن بالصخور. مشتْ عبر هذا المكان لتترطب ببعض الرذاذ البارد للمياه الخارج من النافورة، وهناك وجدَتْ مقعدًا من الحديد المُطاوع حيث كان يمكنها الجلوس. قَدِم رجلٌ عبر أحد الممرات حاملًا في يده مقص حشائش؛ من الواضح أن البستانيِّين هنا يعملون لأوقات متأخرة. لكن هذا الرجل لم يكن يبدو عليه أنه عاملٌ أجيرٌ. كان طويلَ القامة وبالغَ النحافة ويرتدي قميصًا أسود اللون وبنطالًا ملاصقًا بشدة لجسده. لم يخطر ببالها أن هذا المكان لا يمكن أن يكون بأي حالٍ متنزه البلدة. «هذا جميل حقًا.» قالت هذا موجِّهةً الحديث للرجل بصوتٍ واثق ومؤيد، وأضافَتْ: «إنك تُحسِن الاعتناءَ بالمكان حقًّا.» قال لها: «شكرًا لكِ، مرحبًا بك هنا.» أخبَرَها ببعض الغلظة أن هذا المكان ليس متنزهًا عامًّا وإنما ملكية خاصة، وأنه صاحبه وليس عاملًا أجيرًا فيه. «كان عليَّ أن أطلب الإذن منك أولًا.» «لا بأس.» قال هذا وهو منهمِك في قصِّ أحد النباتات الزاحفة على الممر. «إنه ملككَ، أليس كذلك؟ هل كله مِلْكٌ لكَ؟» بعد دقيقة من الانشغال، ردَّ: «كله مِلْكٌ لي.» «كان عليَّ إدراك ذلك. إنه أروع من أن يكون مكانًا عامًّا؛ فهو ليس بالمكان العادي على الإطلاق.» لم تتلقَّ ردًّا. كانت على وشك أن تسأله إنْ كان يحب الجلوس هنا في المساء، ولكنها فضَّلَتْ ألَّا تزعجه أكثر من ذلك؛ حيث بَدَا أنه ليس من الأشخاص الذي يسهل التعامُل معهم؛ ربما كان أحدَ هؤلاء المفتخرين بأنفسهم فيما يتعلَّق بهذا الأمر. كانت ستشكره بعد دقيقة وتنصرف. ولكن ما حدث، في واقع الأمر، أن الرجل بعد مرور دقيقة ذهب وجلس إلى جوارها، وتحدث كما لو كان ثمة سؤالٌ قد طُرِح عليه. «إنني حقًّا أشعر فقط بالارتياح حين أفعل شيئًا يتطلَّب العنايةَ والانتباه؛ فإذا جلستُ، يجب أن أحوِّل نظري عن كل شيءٍ هنا، وإلا فسأكتشف المزيدَ من العمل الذي عليَّ القيام به.» كان عليها أن تدرك على الفور أنه رجل لا يحب المزاح، ولكن الفضول كان لا يزال يُثِيرها. ماذا كان هنا قبل ذلك؟ قبل أن تُنشَأ الحديقة؟ «كان هناك مصنع حياكة. كل تلك الأماكن الصغيرة كان بها شيء مثل ذلك، حيث تستطيع أن تفلت بالأجور الضعيفة التي تعطيها لعمَّالك. ولكن بمرور الوقت أفلَسَ المصنع، وكان هناك مقاوِلٌ فكَّرَ في تحويل المكان إلى دار لرعاية المسنين، إلا أن مشروعه واجَهَ بعضَ المشكلات؛ حيث رفَضَ المسئولون بالبلدة مَنْحَه التصريح اللازم؛ حيث اعتقدوا أن البلدة ستصبح ملتقًى للكثير من المسنين ممَّا سيجعلها بلدةً كئيبةً؛ لذا أضرم المقاول النار في المكان أو هدمه، لا أدري على وجه التحديد.» أدركتُ أنه ليس من هذه المنطقة. علمتُ أنه لو كان كذلك، لَمَا تحدَّثَ أبدًا على هذا النحو المنفتح جدًّا. وأردف قائلًا: «أنا لستُ من هذه المنطقة. لكنْ كان لديَّ صديقٌ يعيش هنا وعندما تُوفِّي، جئتُ فقط لأبيع أرضه وأذهب.» «لكنني حصلتُ على تلك الأرض بثمنٍ زهيدٍ؛ نظرًا لأن المقاول تركها مجرد بقعةٍ مهملة، وكان شكلها مُقبِضًا.» «أعتذر إذا ما بَدَوْتُ فضوليةً.» «ليس ثمة داعٍ للاعتذار. إني لا أُقْدِم على تفسيرِ شيءٍ ما لم تكن لديَّ الرغبة في ذلك.» قالت: «لم آتِ إلى هنا من قبلُ. بالطبع لم أفعل وإلا لوقعَتْ عيناي على تلك البقعة. كنتُ أتجوَّل هنا باحثةً عن أمرٍ ما، واعتقدتُ أن فُرَصَ وصولي إليه ستكون أفضلَ لو تركتُ سيارتي وترجَّلْتُ بحثًا عنه. إني أبحث في الواقع عن طبيب.» شرحَتْ موضِّحةً له أنها ليست مريضةً، وأنَّ كلَّ ما في الأمر أنَّ لديها موعدًا معه في الغد، ولا ترغب في الهرع صباح الغد بحثًا عن المكان. ثم أخبرَتْه عن ركن سيارتها ودهشتها حيال عدم العثور على اسم الطبيب في أي مكان. «ولم يمكنني كذلك البحث في دليل الهاتف؛ لأن أدلة وأكشاك الهواتف لم تَعُدْ، كما تعلم، متوافرةً الآن؛ حيث اختفت جميعًا، أو تجد أن محتوياتها قد اقتُلِعت. بدأ حديثي يتسم بالسخافة الشديدة.» أخبرته باسم الطبيب الذي كانت تبحث عنه، ولكنه قال إن الاسم لم يتبادر إلى مسامعه من قبلُ. «ولكني لا أذهب للأطباء.» «ربما أنت من الذكاء بحيث لا تفعل ذلك.» «أوه، لا أعني ذلك.» «على أية حال، من الأفضل أن أعود إلى سيارتي.» نهض الرجل حين نهضَتْ هي، وقال إنه سوف يتمشَّى معها. «هل سترافقني حتى لا أضل الطريق؟» «لا، ليس لهذا السبب على الإطلاق. إنني دائمًا ما أحب أن أرخي رجلَيَّ في مثل هذا الوقت من كل مساء؛ فأعمال البَسْتَنَة يمكن أن تُصِيبها بالشدِّ.» «إني على يقينٍ من أن ثمة تفسيرًا ما منطقيًّا بشأن هذا الطبيب. هل فكَّرْتَ من قبلُ في أن ثمة تفسيراتٍ للأمور كانت في الماضي أكثرَ منطقيةً ممَّا هي عليه الآن؟» لم يُجِبها؛ ربما تذكَّرَ صديقَه الراحل، وربما عُدَّتِ الحديقةُ بمنزلة نُصُبٍ تذكاري لصديقه المُتوفَّى. وبدلًا من شعورها بالإحراج نظرًا لطرحها سؤالًا دون تلقِّي جوابٍ عليه من جانبه، شعرَتْ بعذوبةٍ وسلامٍ في الحوار. مشيَا معًا دون أن يصادِفَا أحدًا. وسرعان ما وصلا إلى الشارع الرئيسي؛ حيث كانت البناية الطبية على بُعْد بناية واحدة، وشعرَتْ لدى رؤية تلك البناية ببعضٍ من عدم الارتياح، ولكنها لم تكن تعرف سببَ ذلك، وبعدَ دقيقة صار ذلك الشعور هو المسيطر عليها. كان يتملَّكُها حينَها شعورٌ غريب بالانزعاج؛ ماذا لو أنَّ الشخص المطلوب، الشخص الذي ذكرَتْ أنها لم تتمكَّن من العثور عليه، كان موجودًا هناك طوال ذلك الوقت؟ تحرَّكَتْ بسرعةٍ أكبر، واكتشفَتْ أنها كانت ترتجف، وبنظرها الجيد إلى حدٍّ بعيد، قرأَت الاسمين الموجودين على باب البناية كما حدث من قبلُ، واكتشفَتْ أن اسم الطبيب الذي كانت تريده لم يكن من بينهما. تظاهرَتْ بأنها كانت تُسرِع لرؤية الأشياء المعروضة بنافذة العرض الخاصة بالمتجر الذي ركنَتْ سيارتها أمامه؛ الدُّمى ذات الرءوس الخزفية والزلاجات القديمة والأوعية المستخدمة كمَباوِل والألحفة التي كانت جميعها بالية ورَثَّة. قالت: «أنا حزينة.» لكنه لم يكن منتبِهًا لما تقول، وقال إنه قد واتَتْه فكرةٌ لتوِّه. قال: «هذا الطبيب.» «ماذا بشأنه؟» «أفكِّر فيما إذا كانت له صلةٌ بدار الرعاية.» مشيا معًا مرةً أخرى حيث مرَّا بشابَّيْن جالسين على رصيف الشارع، أحدهما كانت رجلاه ممدودتين ممَّا جعلهما يلفان من حوله ليتمكَّنَا من مواصَلة السَّيْر. لم يُلْقِ الرجل المرافِق لنانسي بالًا للشابين، ولكنه أخفَضَ صوته بعض الشيء. قالت: «دار الرعاية؟» «ما كان لكِ أن تلاحظي مكانها إذا كنتِ قادمةً من الطريق السريع، لكنك إذا واصَلْتِ السَّيْرَ للخروج من البلدة باتجاه البحيرة التي مرَرْتِ بها، على مسافةٍ لا تتجاوز نصفَ ميلٍ، فستمرين بكومةٍ من الحصى على الجانب الجنوبي من الطريق، وهي لا تبعد كثيرًا عن هناك، على الجانب الآخر. لا أدري إنْ كان هناك طبيبٌ مُقِيمٌ أم لا، ولكنْ من المنطقي أنه ربما يوجد واحد هناك؟» قالت: «من المنطقي أنه ربما يوجد واحد هناك.» كانت تأمل بألَّا يعتقد أنها تردِّد ما قاله عن قصدٍ؛ فهذا يجعل من الأمر دعابةً سخيفةً. والحقيقة الظاهرة أنها كانت تريد أن تُطِيل الحديثَ معه، سواء بدعابات سخيفة أم بأي شيء آخَر. لكنْ ظهرَتِ الآن مشكلةٌ أخرى من مشاكلها؛ إذ كان عليها أن تتذكَّر مكانَ مفاتيح السيارة، وذلك كما كانت تفعل غالبًا قبل ركوبها إياها؛ فكثيرًا ما كان يعتريها القلق بشأن إنْ كانت قد تركت المفاتيح داخلَ السيارة أم أضاعَتْها في مكانٍ ما. وها هي تشعر بأن حالةً من الذعر المألوفة والمزعجة تقترب من السيطرة عليها، ولكنها الآن وجدَتِ المفاتيح في جيبها. قال: «الأمر يستحق المحاولة.» وأبدَتْ هي موافقتها على ذلك. «لا يزال لديك وفرة من المساحة لتغيير اتجاهك والخروج عن الطريق السريع وإلقاء نظرة هناك. فإذا كان يوجد طبيب مُقِيم بانتظامٍ هناك، فلن يكون في حاجةٍ إلى ترك اسمه — أو اسمها، حسبما يقتضي الأمر — على لافتة في البلدة.» بدا هو أيضًا غير منشغل على الإطلاق بالانصراف. «إني مَدِينة لك بالشكر.» «لا عليكِ، كان هذا مجرد تخمين.» فتح لها باب السيارة كي تدخل، وأغلقه وراءَها وانتظر حتى استدارَتْ بالسيارة لتذهب في الاتجاه الصحيح، ثم لوَّحَ لها مودِّعًا. بينما كانت في طريقها إلى خارج البلدة، رأَتْه مرةً أخرى في مرآة الرؤية الخلفية، ووجدته قد انحنى ليتحدَّث إلى الصبيَّيْن أو الشابَّيْن اللذين كانا يجلسان على رصيف الشارع ويسندان ظهرَيْهما إلى جدار المتجر. كان قد تجاهلهما قبل ذلك لدرجةٍ جعلَتْ نانسي تُفاجَأ الآن بحديثه معهما. ربما كان عليه أن يقول لهما ملحوظةً بشأنها؛ دعابة حول غرابتها أو سخافتها، أو ربما حدَّثَهما فقط عن عمرها. ربما كانت ملحوظةً ضدها من أكثر الرجال لطفًا. اعتقدَتْ أنَّ عليها أنْ تعود مرةً أخرى إلى البلدة لتشكره ثانيةً وتخبره إن كانت قد وجدَتِ الطبيب الذي كانت تبحث عنه أم لا. كان في مقدورها حينها أن تتمهَّل في قيادتها وتضحك وتناديه عبر النافذة. ولكنها الآن قرَّرَتْ أن تسلك طريقَ شاطئ البحيرة وتبتعد عن طريقه تمامًا. قالت في نفسها إنَّ عليها نسيانه، وها هي ترى كومة الحصى تقترب، وكان عليها أن تنتبه إلى وجهتها. كما قال لها تمامًا، كانت هناك لافتة؛ إشارة إلى دار رعاية ليكفيو. ومن هناك بالفعل كان يمكن رؤية البحيرة، على هيئة خيط رفيع باللون الأزرق الفاتح بطول الأفق. كانت هناك ساحة انتظار فسيحة للسيارات، وجناح طويل به ما يشبه مقصورات منفصلة، أو غُرَفًا بمساحات جيدة على الأقل، لكلٍّ منها حديقةٌ صغيرة أو مكانٌ للجلوس. وهناك سياج مُشبك عالٍ جدًّا أمام كلِّ واحدٍ منها مراعاةً للخصوصية أو حفاظًا على السلامة. لكنْ لم يكن أيٌّ من النزلاء جالسًا هناك في ذلك الوقت بحسب ما يمكنها رؤيته. بالطبع لا يوجد أحد هناك؛ فموعد النوم يكون مبكرًا في تلك المؤسسات. أعجَبَها نمَطُ التشبيك في السياج وكيف أنه كان مُبتكَرًا. لقد تغيَّرَ شكلُ البنايات العامة في السنوات القليلة الماضية، كما هو الحال بالنسبة إلى المنازل الخاصة؛ فاختفى الشكل المعماري الرتيب الكئيب، الذي كان الخيار الوحيد المتاح في فترة شبابها. وهنا أوقفَتِ السيارةَ أمام قبة برَّاقة لها مظهرٌ مُرحب معبِّر عن الإفراط المُبهِج. افترضَتْ أن بعض الناس ربما يجدون أن لتلك القبة مظهرًا زائفًا، ولكنْ أَلَمْ يكن هذا هو الشيء المطلوب؟ كل هذا الزجاج يجب أن يُبهِج أرواحَ المسنين، أو ربما بعض الناس الذين ليسوا بالضرورة من كبار السن ولكن يعانون من اضطرابٍ عقليٍّ ما. بحثَتْ عن زرٍّ لتضغط عليه أو جرسٍ لتدقه، عندما وصلت إلى الباب. ولكن لم يكن هذا ضروريًّا؛ فقد فُتِح الباب من تلقاء نفسه، وعندما دخلَتْ وجدَتْ أن المكان أكثر رحابةً واتساعًا وفخامةً، وأن هناك مسحةً زرقاء على الزجاج، والأرض كلها كانت مغطَّاة بالبلاط الفضي اللون، الذي كان من النوع الذي يحبُّ الأطفالُ التزحلق عليه، ولِلَحظةٍ تصوَّرَتِ المرضى وهم يتزحلقون ويسقطون من أجل المتعة، وقد جعلتها تلك الفكرة تشعر بالبهجة. ولكنها قالت في نفسها إنه بالطبع لا يمكن أن يكون زلقًا كما يبدو؛ فالمسئولون بالدار لا يريدون لمرضاهم أن يُصابوا بأذًى. قالت في صوتٍ ساحرٍ لشخصٍ ما في رأسها، ربما كان زوجها: «أنا لا أجرؤ على تجربة ذلك بنفسي. لا يمكنني فعل هذا، أليس كذلك؟ فقد أجد نفسي أمام الطبيب، الشخص الذي يستعِدُّ لاختبار اتِّزاني العقلي؛ فماذا سيكون رد فعله حينها؟» في تلك اللحظة، لم تكن ترى أي طبيب. قالت في نفسها: حسنًا، لن يكون هناك أيٌّ منهم، أليس كذلك؟ فالأطباء لا يجلسون خلف هذه المكاتب في انتظار المرضى للكشف عليهم. كما أنها ليسَتْ هنا حتى للحصول على استشارة طبية، وستكون مضطرةً لأنْ تشرح مجدَّدًا أنها قادمةٌ للتأكُّد من الوقت والمكان الخاصَّيْن بموعدٍ في الغد. كلُّ هذا جعلها تشعر بالتعب بعضَ الشيء. كان هناك مكتب مستدير، مرتفع من الوسط، تبدو ألواحه التي من الخشب الداكن كأنها مصنوعةٌ من خشب الماهوجني، على الرغم من أنها من المحتمل ألَّا تكون كذلك. لم يكن أحدٌ يجلس وراءَه الآن؛ فقد انتهت ساعاتُ العمل الرسمية بطبيعة الحال. راحت تبحث عن جرسٍ ولكنها لم تجد واحدًا؛ فراحت تبحث إنْ كانت هناك قائمةٌ بأسماء الأطباء أو اسم الطبيب المسئول عن المكان، ولكنها لم تجد شيئًا أيضًا. يظن المرء أن هناك سبيلًا لإيجاد شخصٍ يمكن استدعاؤه في مكانٍ كهذا، بغضِّ النظر عن الوقت. لم تكن هناك أشياء هامة خلف المكتب أيضًا؛ لا كمبيوتر ولا هاتف ولا أوراق ولا حتى أزرار ملوَّنة يمكن الضغط عليها. بالطبع، لم تكن قادرةً على الوصول إلى ما وراء المكتب؛ إذ ربما يوجد بعض الأقفال أو بعض المقصورات التي لا تستطيع رؤيتها، أو أزرار يمكن لموظف الاستقبال أن يصل إليها ولكنْ لا يمكنها ذلك. تجاهلَتْ أمرَ المكتب لِلَحظةٍ، وأخذَتْ تفحص أرجاءَ المكان الذي وجدَتْ نفسها فيه. كان سداسيَّ الشكل، به أبواب في أماكن متباعدة، وكانت هناك أربعة أبواب: أولها كان الباب الكبير الذي يدخل منه ضوء الشمس والزائرون، وثانيها كان بابًا رسميًّا وخاصًّا يوجد خلف المكتب ولم يكن من السهل الوصول إليه، أما البابان الآخَران، فكانا متشابهين تمامًا ويواجه كلٌّ منهما الآخَر، وبدا أن كلًّا منهما يُعَدُّ مدخلًا إلى الأجنحة الطويلة، وإلى الممرات والغُرَف التي يوجد فيها النزلاء. وكل باب من تلك الأبواب كان له جزءٌ علوي من الزجاج الشفاف الذي يمكن الرؤية بوضوحٍ من خلاله. ذهبَتْ نانسي إلى أحد هذين البابين اللذين من الممكن الوصول إليهما وطرقَتْ عليه، ثم حاولَتْ فتح المقبض ولكنها لم تستطع؛ فقد كان مغلقًا تمامًا. كما أنها لم تستطع الرؤيةَ من خلال الجزء الزجاجي من الباب؛ فبالاقتراب منه وجدت زجاجَه مموجًا ومموهًا بشدة. حاولَتْ مع الباب المقابِل، لكنها صادفَتْ نفسَ المشكلة مع الزجاج ومع مقبض الباب. وَقْعُ صوت حذائها على الأرض، وتموُّهُ الزجاج وعدمُ فتح البابين باستخدام المقابض المصقولة، كلها أمور جعلتها تشعر بالإحباط بقدرٍ أكبر مما يمكن أن تعترف به. ومع ذلك، لم تستسلم، وظلت تحاول مرةً أخرى مع البابين بنفس الطريقة، ولكن هذه المرة حرَّكَتِ المقبضين ونادتْ: «هل هناك من أحدٍ؟» بصوتٍ بَدَا في البداية ضعيفًا وسخيفًا، ثم بَدَا مهمومًا ويائسًا. حشرَتْ نفسها وراء المكتب وطرقت على الباب الذي وراءَه، في يأسٍ كامل في واقع الأمر؛ فهذا الباب كان بلا مقبض، فقط ثقب مفتاح. قالت في نفسها إنه لم يَعُدْ أمامَها سوى تَرْكِ هذا المكان والعودة إلى منزلها. اعتقدَتْ أن كل شيء هنا مبهج وفخم جدًّا، ولكنْ لا يوجد ما يدل على أنه مكان يقدِّم خدمةً للجمهور. بالطبع كانوا يدفعون النزلاء أو المرضى، أو أيًّا كانت التسمية، إلى النوم مبكرًا؛ إنها نفس القصة القديمة في كل مكان، بغضِّ النظر عن روعة الأجواء المحيطة. بينما كانت تفكِّر في هذا، دفعَتْ باب الدخول، لكنه كان ثقيلًا جدًّا. دفعَتْه مرةً أخرى. ومرةً ثالثة، لكنه لم يتزحزح. كان في مقدورها من مكانها رؤية أُصص الزرع بالخارج في الخلاء، وسيارة تمر على الطريق، وضوء المساء اللطيف. والآن كان عليها أن تتوقَّف وتفكِّر. ليست هناك أضواء صناعية هنا، وكان المكان سيصبح مُظلِمًا. الآن، وعلى الرغم من الضوء المتناقص بالخارج، فقد بدأ المكان يُظلِم، وبَدَا أن لا أحد سيأتي؛ فقد أتمُّوا مهامَّ عملهم أو على الأقل المهام الخاصة بهذا الجزء من المكان. وأيًّا كان المكان الذي ذهبوا إليه الآن، فهو المكان الذي سيبقون فيه حتى صباح اليوم التالي. فتحَتْ فمها لتصرخ ولكنْ بَدَا أنه لن يخرج منه أي صوت. كان كل جسمها ينتفض، ومهما حاولَتْ، فما كان بإمكانها أن تتنفَّس. بَدَا الأمر وكأنَّ هناك شيئًا يسدُّ حلقها. كانت تعاني من اختناقٍ. كانت تعرف أنه يجب عليها أن تتصرَّف بنحوٍ مختلفٍ، والأكثر من ذلك، يجب عليها أن تفكِّر بطريقةٍ مختلفة؛ فكان عليها أن تستعيد هدوءَها ثم تحاوِل التنفس تدريجيًّا. لم تَدْرِ إنْ كانت نوبةُ الهلع تلك استغرقَتْ وقتًا طويلًا أم قصيرًا. كان قلبها يخفق بشدة، إلا أنها أصبحَتِ الآن في أمان تقريبًا. ••• كانت توجد امرأةٌ هنا تُدعَى ساندي؛ هذا ما كان مكتوبًا على الشارة التي كانت ترتديها، وكانت نانسي تعرفها على أية حال. قالت ساندي: «ما الذي سنفعله معك؟ كل ما نريده هو أن نجعلك ترتدين ملابس النوم، وأن تتصرفي كالدجاجة التي تخشى أن تُذبَح وتُؤكَل في وجبة العشاء.» وأردفَتْ قائلةً: «لا بد أن هناك حلمًا قد راوَدَكِ. ما الذي حَلَمتِ به لتوِّك؟» «لا شيء. لقد عدتُ إلى الماضي حين كان زوجي على قيد الحياة وكنتُ لا أزال أقود سيارتي.» «هل لديك سيارة لطيفة؟» «فولفو.» «أترين كيف أنك تتمتعين بذاكرة قوية؟» حياتي العزيزة
دوللي شَهِد ذلك الخريف بعضَ النقاش حول الانتحار، عن انتحارنا أنا وفرانكلين. ولما كان فرانكلين في عامه الثالث والثمانين، وكنتُ أنا في عامي الحادي والسبعين، خطَّطْنا كما اقتضَتِ العادة لجنازتنا (حيث قرَّرْنا ألَّا تُقام لنا جنازة)، ولدفننا (الذي رأينا أن يتم مباشَرةً بعد موتنا)، وذلك في قطعة أرض اشتريناها بالفعل. وقرَّرْنا ألَّا تُحرَق جُثَّتَانا، على الرغم من شيوع هذا بين أصدقائنا. وكانت الطريقة الفعلية للانتحار هي فقط الأمر الذي لم نفكِّر فيه أو تركناه للصدفة. في أحد الأيام كنا نقود السيارةَ متجوِّلَيْن في الريف في مكانٍ ليس ببعيدٍ عن مسكننا، ثم وجدنا طريقًا لم نرتَدْه من قبلُ. بَدَا أن الأشجار هناك، أشجار القيقب والبلوط وغيرهما، قد نمَتْ من جديدٍ، وإنْ كان على نحوٍ كثيفٍ بحيث وصلت إلى حجمٍ كبيرٍ؛ ممَّا يشير إلى أن المنطقة أُخْلِيَتْ قبل ذلك واقْتُلِعَتْ أشجارها، وأنها احتوَتْ فيما مضى على مزارع ومروج ومنازل وحظائر، ولكن لم يَبْقَ أثرٌ لأيٍّ من هذا. أما الطريق، فكان غيرَ مرصوفٍ، إلا أنه كان مطروقًا؛ فقد بدا أنه ربما كان يشهد القليلَ من المركبات كلَّ يوم، ويُرجَّح أن تكون شاحناتٍ متخذةً إياه كطريقٍ مختصَرٍ. قال فرانكلين إن هذا الطريق كان مثاليًّا؛ فلم يكن واردًا أن نرغب في أن نبقى هناك لمدة يومٍ أو يومين أو حتى أسبوع، دون أن يمر بنا أحد، ولا أن نترك السيارة خالية، ويكون على الشرطة اجتياز الأشجار للبحث عمَّا قد تبقَّى منَّا بعد هجوم ذئاب البراري علينا. كذلك، يجب ألَّا يكون اليومُ الذي سننتحر فيه هناك كئيبًا للغاية؛ فيجب ألَّا تكون هناك أمطارٌ أو ثلوجٌ. أما الأوراق، فيجب أن تكون قد انحنَتْ ولكنْ لم يسقط منها الكثير، ويجب أن تبدو وكأنها مكسوَّةٌ بطبقةٍ من الذهب، كما كان الحال في ذلك اليوم. لكنْ ربما يجب ألَّا تكون الشمس ساطعةً، حتى لا يُشعِرنا هذا اللونُ الذهبي وسِحْرُ اليومِ بأننا مدلَّلان. اختلفنا بشأن ترْكِ خبرٍ عن رحيلنا؛ أيْ إنْ كان واجبًا علينا أن نُعلِم الآخَرين بالأمر أم لا. كنتُ أرى أن معارفنا يستحِقُّون منَّا تفسيرًا لما سنقوم به؛ حيث ينبغي أن يعلموا أنها ليسَتْ مسألةَ مرضٍ مُمِيت، أو بدايةَ إحساسٍ بالألم منَعَ احتمالَ عيشنا لحياةٍ كريمة. يجب أن يكونوا متأكدين أنه كان قرارًا جاء بصفاء ذهنٍ، ويمكن القول أيضًا إنه كان قرارًا مُبهِجًا. أن نرحل حين يكون الرحيلُ الخيارَ الأفضل. ردَّ فرانكلين: لا. أعترض على ذلك؛ فهذه وقاحةٌ وإهانةٌ. رأى فرانكلين أن تقديم أي تفسيرٍ — مهما كان — يُعَدُّ إهانةً، ليس للآخَرين، ولكن لنا، لنا نحن؛ فحياتنا مِلْكٌ لنا وحدنا، وأيُّ تفسيرٍ سنقدِّمه كان سيجعله ينتحب. أدركْتُ ما كان يقصده، ولكنْ كنتُ لا أزال أميل للاختلاف معه. وتلك المسألة — مسألة خلافنا — بَدَا أنها جعلَتْه يستبعد احتمال قيامنا بالأمر من رأسه. قال إن الأمر كله لا قيمةَ له، وإنه لا بأسَ بالنسبة إليه، ولكني ما زلتُ صغيرةً جدًّا، وإنه يمكننا أن نتحدَّث مرةً أخرى عن الأمر عندما أصل إلى الخامسة والسبعين من العمر. قلتُ إنَّ الشيء الوحيد الذي أزعَجَني، قليلًا، كان الافتراض بأنه لن يحدث شيءٌ أكثر ممَّا حدث في حياتنا، وأنه لا شيءَ مهمٌّ بالنسبة إلينا، ولا شيءَ يمكن أن ننجح فيه بعدَ الآن. قال إننا قد دخلنا في جدالٍ للتوِّ، فماذا عساي أن أرغب في أكثر من ذلك؟ قلتُ له إنَّ هذا لطفٌ كبيرٌ منه. ••• لم أشعر يومًا بأنني أصغر سنًّا من فرانكلين، ربما باستثناء النقاش الذي كان يأتي فيه ذِكْرُ الحرب — أعني هنا الحرب العالمية الثانية — وذلك قلَّمَا يحدث في الوقت الحاضر. يرجع هذا لسببٍ واحدٍ، وهو أنه كان يقوم بمجهودٍ بدني أكبر كثيرًا مني؛ فلبعض الوقت كان يُشرِف على إسطبل؛ أعني أحد الإسطبلات حيث يُربِّي الناس خيولَ الركوب، وليس خيول السباق. إنه لا يزال يذهب هناك مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًّا، ويركب حصانه، ويتحدَّث مع الرجل المسئول هناك الذي يطلب نصيحتَه من آنٍ لآخَر، هذا على الرغم من أنه في معظم الوقت يقول إنه يحاول تجنُّب ذلك. إنه في واقع الأمر شاعرٌ؛ شاعر حقيقي ومُدرِّب خيول بارع. وقد عمل لمدة فصلٍ دراسيٍّ واحد في كليات مختلفة، ولكن لم يعمل يومًا في مناطق بعيدة جدًّا بحيث تنقطع صلته بالإسطبلات. كما أنه يعترف بقراءة شعره على الناس، ولكن — كما يقول — كان هذا يحدث على نحوٍ نادر جدًّا؛ فهو لا يركز على العمل في مجال الشعر. وأحيانًا أنزعج من هذا الموقف — أُرجِع هذا لشخصيته الخجولة — ولكن أستطيع أن أتفهَّم وجهةَ نظره؛ فعندما تنشغل بالخيول، فإن الانشغال سيبدو عليك بالفعل، ولكن عندما تنشغل بكتابة قصيدة، فستبدو كما لو كنتَ في حالةٍ من الكسل، وستشعر بشيءٍ من الغرابة أو الإحراج بحيث يكون عليك تفسير ما يحدث. هناك مشكلةٌ أخرى قد تتمثَّل في أنه على الرغم من كونه شخصًا متحفظًا، فإن القصيدة التي اشتُهِر بها في المنطقة هنا — أقصد المنطقة التي نشأ فيها — يمكن وصفها بأنها فجَّة؛ فجَّة بعضَ الشيء، وقد سمعتُه يقول عنها ذلك بنفسه، ليس بدافع الاعتذار ولكن ربما لدفع شخصٍ ما لعدم قراءتها. إنَّ لديه مراعاةً لمشاعر الناس الذين يعرفهم والذين قد ينزعجون من أمورٍ معينة، على الرغم من أنه يدافِع بشدة عن حريةِ التعبير بوجهٍ عام. لا يعني هذا أنه لم تحدث تغيُّرات هنا بشأن ما يمكن قوله علنًا وما يمكن أن يُقرَأ في الأعمال المطبوعة. كانت الجوائز عاملًا مساعدًا في هذا الشأن، بالإضافة إلى تداوُل الأعمال في الصحف. ••• خلال جميع السنوات التي قمتُ بالتدريس بها في مدرسة ثانوية لم أُدرِّس مادة الأدب، كما قد تتوقَّع، ولكن كنتُ أُدرِّس الرياضيات. لكن بعد مكوثي في المنزل، بدأتُ أشعر بالملل وحصلتُ على عملٍ جديد، تمثَّلَ في كتابةِ سِيَرٍ ذاتيةٍ جيدة ومشوِّقة — حسبما أتمنَّى — للروائيين الكنديين الذين أُهمِلوا دون أن يستحقوا هذا، أو الذين لم يَلْقَوْا قطُّ الاهتمامَ الملائم. أعتقد أني لم أكن لأحصل على هذا العمل لولا فرانكلين وخلفيتي الأدبية التي لم نكن نتحدَّث عنها؛ حيث وُلِدتُ في اسكتلندا، ولم أكن أعرف في واقع الأمر أي كُتَّاب كنديين. أنا لا أرى على الإطلاق أن فرانكلين أو أي شاعِر آخَر يستحِقُّ التعاطُفَ الذي أمنَحَه للروائيين؛ أعني بسبب ضعف إنتاجهم أو حتى اختفائهم. وأنا لا أعرف لماذا أعتقد هذا على وجه التحديد؛ ربما لأني أعتقد أن نَظْمَ الشعر يميل أكثر إلى أنْ يكون غايةً في حدِّ ذاته. أحببْتُ هذا العملَ واعتقدتُ أنه مهم، وبعد سنوات قضيتُها داخلَ الفصول الدراسية، كنتُ مسرورةً من قدرتي على التحكُّم في عملي والحصول على بعض الهدوء. وعلى الرغم من ذلك، ربما كان هناك وقتٌ — لنَقُلْ نحوَ الساعة الرابعة عصرًا — تراودني فيه الرغبة في الاسترخاء والحصول على بعض الصحبة. ••• خلال تلك الفترة تقريبًا في يومٍ كئيبٍ مزدحِم، جاءت امرأةٌ تدقُّ على بابي وهي تحمل كميةً كبيرة من مستحضرات التجميل. في أيِّ وقتٍ آخَر ما كان لي أن أسعد لرؤيتها، لكني سررتُ حينَها. كان اسمها جوين، قالت إنها لم تحضر إلى هنا من قبلُ لأنَّ البعض أخبَرَها أنني لستُ ممَّن قد يهتمون بما تقدِّمه. قالت: «لكني قررتُ أنْ آتي إلى منزلك أيًّا كان الأمر، وقلتُ في نفسي: لماذا أترك الآخَرين يتحدَّثون بالنيابة عنها؟ فكلُّ ما عليها هو أن ترفض دخولي، وتجعلني أغادر منزلها.» فسألتُها إنْ كانت ترغب في الحصول على كوبٍ من القهوة كنتُ قد صنعْتُه للتوِّ، فلم تمانع. ثم قالت إنها كانت تستعِدُّ للرحيل على أية حال. ثم وضعَتْ أغراضها على الأرض وهي تتأوَّه. «أعتقد أنكِ لا تستخدمين مستحضرات التجميل. أنا أيضًا ما كنتُ لأستخدمها ما لم أكن في هذا المجال.» إن لم تقل ذلك، لظننتُ أن وجهها خالٍ من مساحيق التجميل مثل وجهي؛ فوجهها كان خاليًا من مساحيق التجميل، وشاحبًا، وبه مجموعة غريبة من التجاعيد حول الفم. كما كانت ترتدي نظارةً أعطَتْ حجمًا أكبر لعينَيْها ذواتَي اللون الأزرق الفاتح. كان الشيء الوحيد اللافت في مظهرها هو الشعر الخفيف النحاسي اللون المتدلِّي على جبهتها. ربما شعرت بعدم الارتياح لسماحي لها بالدخول؛ فراحَتْ تتفحَّص المكانَ بنظراتٍ قصيرة مضطربة. ثم قالت: «الطقسُ شديدُ البرودة اليومَ.» ثم أضافَتْ سريعًا: «أنا لا أرى أي منفضة سجائر هنا. أَلَا توجد واحدة؟» وجدت واحدة في إحدى الخزانات وأحضرتها، فأخرجَتْ علبةَ سجائرها واستراحَتْ في جِلْستها شاعرةً ببعض الارتياح. «أَلَا تدخنين؟» «كنتُ أدخِّن في السابق.» «ليس الجميع مثلك.» صببتُ لها القهوة. قالت: «من دون لبن.» ثم أضافت: «أوه، يبدو أنكِ تقومين بعملٍ كبيرٍ. آمل أنني لم أقاطِع ما كنتِ تفعلينه، هل كنتِ تكتبين رسائل؟» وجدتُ نفسي أخبرها عن الكُتَّاب المهمَّشين، حتى إنني ذكرتُ لها اسمَ الكاتبة التي كنتُ أعمل على كتابةِ سيرتها الذاتية في ذلك الوقت؛ مارثا أوستنسو، التي ألَّفَتْ كتابًا بعنوان «الإوز البري» وحشدًا آخَر من الكتب التي أصبحَتْ كلها الآن طيَّ النسيان. «هل تقصدين أن كل هذه الأشياء ستظهر في شكل مطبوع مثل الصحف؟» رددتُ قائلةً إنها ستظهر في سلسلة كتب. زفرتُ بطريقةٍ متوترة بعض الشيء، وأدركتُ أنني كنتُ أرغب في إخبارها بشيء أكثر إثارةً للاهتمام. «من المفترض أن زوجَ هذه الكاتبة كتب أجزاءً من هذا الكتاب، ولكنَّ الشيء الغريب هو أن اسمه لم يَرِد في أيِّ مكانٍ به.» قالت: «ربما لم يرغب في أن يسخر منه الرجال.» ثم أضافَتْ: «كما تعلمين، كيف سينظرون للرجل الذي يؤلف كتبًا؟» «لم أفكِّر في ذلك.» قالت: «لكنه لم يكن سيمانع في أخذ المال؛ أنتِ تعرفين كيف يفكِّر الرجال.» ثم بدأت تبتسم وتهزُّ رأسها، وقالت: «لا بد أنكِ شخصٌ حادُّ الذكاء. انتظري حتى أخبر مَن أسكن معهم أنني رأيتُ كتابًا وهو في مرحلةِ التأليف.» للابتعاد عن هذا الموضوع الذي بدأ في التسبُّب بشعوري بالإحراج، سألتُ عن هؤلاء الذين كانت تقيم معهم. فذكرَتْ أُناسًا كثرًا لم أستطع استيعابهم كلهم، أو ربما لم أهتمَّ بذلك. ولم أكن متأكدةً من الترتيب الذي ذكرَتْهم به، باستثناء أنها ذكرت زوجها في النهاية وقالت إنه قد فارَقَ الحياة. «في العام الماضي. إلا أنه لم يكن زوجي رسميًّا. أنتِ تدركين ما أعنيه.» قلت: «إن زواجي لم يكن رسميًّا أيضًا؛ أعني ليس كذلك.» «هل هذا صحيح؟ هناك كثيرون يفعلون ذلك الآن، أليس كذلك؟ كان رد الفعل تجاه هذا الأمر هو: يا إلهي! أليس هذا أمرًا مفزعًا؟ أما الآن، فأصبح: ولِمَ لا؟ وهناك مَن يعيشون معًا لفترة طويلة، وفي النهاية يتزوَّجون رسميًّا. حينها تتساءل لماذا يفعلون ذلك؛ هل من أجل الهدايا؟ أم من أجل فكرة تأنُّق العروس وارتدائها الثوبَ الأبيض. إن هذا يمكن أن يُضحِكك، لكنْ يمكن أن يجعلني أموت.» ثم أضافَتْ أن لديها ابنةً مرَّتْ بعملية التفاخر والاحتفال بتلك الطريقة بالكامل، ولم يَعُدْ ذلك عليها بأي نفعٍ لأنها الآن في السجن بتهمة الاتجار غير المشروع. كم هي غبية! إن الرجل الذي ذهبَتْ وتزوَّجَتْه هو مَن ورَّطَها في هذا الأمر. والآن يجب عليها أن تبيع مستحضرات التجميل إلى جانب الاعتناء بابنتَيِ ابنتها الصغيرتين؛ فما من أحدٍ آخَر يمكن أن يعتني بهما. طوال الوقت الذي كانت تخبرني فيه بقصة ابنتها، كانت تتمتع بروح دعابة مدهشة، ولم تصبح متردِّدةً ومنزعجةً بعض الشيء إلا عندما بدأَتْ تحدِّثني عن موضوعٍ آخَر يتعلَّق بابنةٍ أخرى لها كانت ناجحةً إلى حدٍّ بعيد وتعمل ممرضةً معتمدة، لكنها تقاعَدَتْ وذهبت لتعيش في فانكوفر. هذه الابنة أرادَتْ منها أنْ تترك كلَّ مسئولياتها وتذهب للعيش معها. «ولكني لا أحب فانكوفر. أعلم أن الجميع يحبها، لكني لا أحبها فحسب.» إلا أن المشكلة الحقيقية كانت تتمثل في أنها إنْ ذهبَتْ للعيش مع ابنتها، فسيجب عليها الإقلاع عن التدخين. فلم يكن الأمر يتعلَّق بهذه المدينة، بل بالتخلِّي عن التدخين. دفعتُ ثمنَ أحد مستحضرات التجميل الذي قد يُضفِي على بشرتي بعضَ الحيوية، ووعدَتْني هي بأنها ستُحضِره في المرة القادمة التي تأتي فيها إلى المنطقة. ••• أخبرتُ فرانكلين بكل شيء عنها، وقلتُ له إن اسمها جوين. وأضفتُ: «لكنها من عالم آخَر مختلِف استمتعتُ به بشدة.» ثم أحسستُ بأنَّ ما قلتُه لم يَرُقْ لي إلى حدٍّ بعيد. فقال لي إنني ربما أكون بحاجةٍ إلى الخروج والتنزُّه على نحوٍ أكبر، وإنني يجب أن أسعى للعمل كمدرِّسة بديلة. ••• اندهشتُ عندما جاءَتْ جوين بعد ذلك بفترة قصيرة جالِبةً معها مستحضرَ التجميل الذي كنتُ أريده. كنتُ قد دفعتُ ثمنَه بالفعل، ولم تحاوِل حتى أن تبيعني أيَّ شيءٍ آخَر، وبَدَتْ تقريبًا أكثرَ ارتياحًا لذلك، ولم يكن أمرًا مخططًا له من جانبها. قدَّمْتُ لها قهوةً مرةً أخرى وتحادَثْنا بكل أريحية واندفاعٍ كما في المرة السابقة. أعطيتُها نسخةَ كتاب «الإوز البري» التي كنتُ أستخدمها للكتابة عن مارثا أوستنسو، وقلتُ لها إنَّ باستطاعتها الاحتفاظَ بها لأنني سوف أحصل على نسخةٍ أخرى عندما تصدر السلسلة التي كنتُ أؤلِّفها. فقالت إنها سوف تقرؤه، أيًّا كانت الظروف، وأضافَتْ أنها لا تتذكَّر آخِر مرة قرأَتْ فيها كتابًا لكونها مشغولةً للغاية، ولكنها وعدَتْني بأنْ تقرأ هذا الكتاب. ثم استطردَتْ قائلةً إنها لم تَلْتَقِ قطُّ بشخصٍ مثلي يجمع ما بين التعليم الراقي والبساطة في التعامل. شعرتُ حينها بقليلٍ من الإطراء، والتحفُّظ في الوقت نفسه، تمامًا كما تشعر عندما تدرك أن أحد الطلاب معجَبٌ بشدةٍ بك. ثم شعرت بالإحراج لأنه لم يكن لديَّ الحقُّ في أن أشعر بأنني أعلى منزلةً منها. حل الظلام عندما خرجَتْ من المنزل وبدأَتْ تدير سيارتها، ولكنها لم تتمكَّن من ذلك. حاولَتْ مرارًا وتكرارًا وأصدَرَ المحرك صوتًا مزعجًا، ثم توقَّفَ عن العمل تمامًا. عندما وصل فرانكلين إلى فناء المنزل ولم يستطع تجاوُزَه ودخولَ المنزل، ذهبْتُ لإخباره بالمشكلة؛ أما هي، فنزلت من السيارة عندما رأَتْه قادمًا نحوها، وشرعت في شرح الموقف قائلةً إن السيارة كانت تضعها في مواقفَ سيئةٍ للغاية خلال الآونة الأخيرة. حاوَلَ هو أيضًا إدارتها، في حين وقفنا إلى جانب شاحنته، مُفسِحَتَيْن له المجال، ولكنه لم يستطع إدارتها كذلك، ودخل إلى المنزل ليتصل بورشة إصلاح السيارات الخاصة بالقرية؛ أما هي، فلم ترغب في الدخول إلى المنزل مرةً أخرى، على الرغم من أن الجو كان باردًا في الخارج. بَدَا أن وجود رجل المنزل جعلها متحفظةً؛ فانتظرتُ معها، ثم خرج فرانكلين إلينا لإخبارنا بأن الورشة مغلقة. لم يَعُدْ هناك ما يمكن القيام به سوى أن أطلب إليها البقاء لتناوُل العشاء وقضاء الليلة معنا. قَدَّمَتِ اعتذاراتٍ كثيرة ثم أخذت تشعر براحةٍ أكبر عندما أدخلْتُها وجلست وأشعلت سيجارة جديدة. بدأتُ في إعداد الطعام، وذهب فرانكلين لتغيير ملابسه. سألتُها إنْ كانت تريد أن تهاتف أحدًا في منزلها. قالت: نعم، من الأفضل أن أفعل ذلك. اعتقدتُ أنه ربما يأتي أحدهم لاصطحابها للمنزل؛ فلم أكن أتطلَّع إلى الحديث طوال المساء مع وجود فرانكلين مستمِعًا لما أقوله. بالطبع كان من الممكن أن يذهب إلى غرفته الخاصة — التي ما كان يسمِّيها مكتبه — ولكن كنتُ سأشعر أن إقصاءَه بتلك الطريقة كان خطئي. كذلك، كنا نودُّ مشاهدةَ نشرة الأخبار، وكانت هي سترغب في التحدُّث خلالَها. فحتى أكثر صديقاتي ذكاءً كنَّ يفعلْنَ هذا، وكان هو يكره ذلك. أو ربما كانت ستجلس صامتةً في استغرابٍ شديد، وكان ذلك سيكون أمرًا سيئًا كذلك. بَدَا أن أحدًا لم يردَّ على مكالمتها، فاتصلَتْ بمنزل جيرانها حيث كانت الطفلتان الصغيرتان، وفي أثناء تلك المكالمة قدَّمَتْ قدرًا كبيرًا من الاعتذارات وهي تضحك، ثم تحدَّثَتْ إلى الطفلتين لحثِّهما على أن تسلكَا سلوكًا مهذبًا، ثم عادت للحديث مع الجيران مرةً أخرى مقدِّمةً لهم الشكرَ العميق والمزيدَ من التأكيدات على أن الطفلتين لن تُحدِثا الكثير من الجلبة. كان هذا على الرغم من أنه تبيَّنَ أن هؤلاء الجيران كانوا سيذهبون إلى مكانٍ ما في اليوم التالي، ومن ثَمَّ كان عليهم أخذ الطفلتين معهم، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنًا في نهاية المطاف. عاد فرانكلين إلى المطبخ تمامًا في الوقت الذي أنهَتْ فيه المكالمة؛ فالتفتَتْ هي إليَّ وقالت إن جيرانها للأسف خطَّطوا للخروج، وإنَّ ذلك كان طبعهم؛ حيث كانوا ينسون كلَّ المواقف التي وقفَتْ إلى جانبهم فيها عندما احتاجوا إليها. وفجأةً ظهرَتْ علاماتُ الاندهاش على وجهَيْ فرانكلين وجوين في نفس الوقت. صاحت جوين: «يا إلهي.» قال فرانكلين «لا. إنه أنا.» تسمَّرَا في مكانهما، وتساءلا كيف أنهما لم ينتبِهَا من قبلُ إلى الأمر. وأدركا، بحسب افتراضي، أنه لا يمكنهما أن يفتحا ذراعَيْهما ليتعانَقَا. بدلًا من ذلك، قاما ببعض الحركات الغريبة غير المترابطة، كما لو كان عليهما أن ينظرا في كل ما كان حولهما من أجل التأكد أنهما لا يحلُمان. كما كرَّرَ كلٌّ منهما اسمَ الآخَر بنبرةٍ تحمل بعض السخرية والارتباك، وعلى نحوٍ لم أكن لأتوقَّعه تمامًا. «فرانك.» «دوللي.» بعد لحظاتٍ، أدركتُ أن اسم جوين، جويندولين، يمكن في الواقع أن يُختزَل إلى دوللي. وأن أي شاب كان سيفضِّل أن يُدعَى فرانك بدلًا من فرانكلين. لم ينسيا وجودي — أو لم يَنْسَ فرانكلين ذلك — إلا في تلك اللحظة. «هل سمعتِني أذكر اسم دوللي؟» أصرَّ صوتُه على العودة إلى الوضع الطبيعي، في حين أصرَّ صوتُ دوللي أو جوين على تضخيم المفارَقة الكبيرة أو حتى المذهلة المتعلِّقة بإيجاد كلٍّ منهما الآخَرَ. «لا أستطيع أن أذكر لك آخِر مرةٍ نُودِيتُ فيها بهذا الاسم؛ فما من شخصٍ آخَر في العالَم أجمع يعرفني بهذا الاسم؛ دوللي.» كان الشيءَ الغريب حينها أنني بدأتُ المشارَكة في جوِّ البهجة العام الذي كان يسود المكان؛ فالدهشة كانت تتغيَّر إلى بهجة أمام عينيَّ، هذا ما كان يحدث. كان على هذا الاكتشاف أن يجعل هذا التغيُّر سريعًا. وكم كنتُ حريصةً، على ما يبدو، على أداء دوري في الأمر، حتى إنني أحضرتُ زجاجةً من النبيذ. كان فرانكلين قد أقلَعَ حينها عن شرب الكحول. لم يكن يشرب كثيرًا في الأساس وقد أقلَعَ عنه تمامًا في هدوءٍ؛ فكان الأمر متروكًا لي ولجوين للشرب والدردشة والإسهاب عن الاكتشاف الجديد، وذلك بمعنويات مرتفعة وللحديث عن دور الصدفة في الحياة. قالت لي إنها كانت تعمل مربيةَ أطفال عندما عرفَتْ فرانكلين، وإنها كانت تعمل في تورونتو وترعى طفلين إنجليزيين أرسلهما والداهما إلى كندا لإبعادهما عن الحرب. كان هناك مساعدون آخَرون يعملون في المنزل، فكانت تقضي معظم أمسياتها بالخارج لقضاء بعض الوقت السعيد، كما تفعل أي فتاة شابة. والتقت فرانكلين عندما كان في إجازته الأخيرة قبل سفره للخارج، وقضيَا معًا وقتًا صاخبًا مجنونًا، وربما كتَبَ لها رسالةً أو رسالتين ولكنها كانت مشغولةً جدًّا بحيث لم تستطع الردَّ عليها. وعندما انتهَتِ الحرب انطلقَتْ على متن سفينةٍ في أقرب وقتٍ ممكن لإعادة الطفلين الإنجليزيين إلى بلدهما، والتقَتْ رجلًا على متنها وتزوَّجَتْه. لكن هذا الزواج لم يستمر طويلًا؛ فإنجلترا كانت مكانًا موحشًا للغاية بعد الحرب، حتى إنها ظنَّتْ أنها ستموت هناك، فعجَّلَتْ بعودتها إلى كندا. لم أكن أعرف شيئًا عن هذا الجانب من حياتها، ولكنني لمت بشأن الأسبوعين اللذين قضَتْهما مع فرانكلين، وهكذا — كما قلت — فعل الكثير غيري. على الأقل إنْ كانوا قد قرءوا شعره. كانوا يدركون كَمْ كانَتْ معطاءةً في حبِّها له، لكن لم يعلم أحدٌ، مثلما علمتُ أنا، كيف أنها اعتقدَتْ أنها لا تستطيع الإنجابَ لأنها أحد توءمَيْن، وترتدي دلَّاية حول عنقها بها خُصَل من شَعْر توءمها المتوفَّاة. كانت تؤمن بكافة المعتقدات المماثلة، وقدَّمَتْ لفرانكلين سنًّا سحرية — لم تكن تعرف صاحبها — لحمايته عندما سافَرَ إلى خارج البلاد، لكنه فقَدَها بعد ذلك على الفور ولكن لم يفقد حياته. كانت لديها قاعدةٌ أخرى، وهي أنها إنْ نزلَتْ عن الرصيف مستخدِمةً القدمَ الخطأ، أصبح ذلك اليومُ يومًا سيئًا بالنسبة إليها، ويتعيَّن عليها وعلى فرانكلين العودة مرةً أخرى لهذا الرصيف والقيام بالأمر على النحو الصحيح. وكان فرانكلين مُعجَبًا بقواعدها تلك. حقيقةً، لم أكن بنحوٍ شخصيٍّ مُعجَبةً بتلك الأمور عندما علمتُ بها. تأمَّلْتُ كيف أن الرجال يُعجَبون بالأمور الغريبة فقط إذا صدرَتْ عن فتاةٍ حسناء. بالطبع لم يَعُدْ هذا معتادًا الآن أو على الأقل آمل أن يكون كذلك؛ كل هذا الإعجاب بالعقل الأنثوي الطفولي. (عندما بدأتُ العملَ في مهنة التدريس أخبروني أنه منذ وقتٍ غير بعيد كان النساء لا يقمن بتدريس مادة الرياضيات لأن مستوى ذكائهن المحدود حال دونَ ذلك.) بالطبع تلك الفتاة الفاتنة، التي ألححتُ على أن يخبرني عنها، يمكن أن تكون بوجه عام صنيعة أحدهم. ولكنني لا أعتقد ذلك؛ فهي نتاج خياراتها الجريئة، كما أنها أحبَّتْ بشدةٍ نفسَها على ما هي عليها. بطبيعة الحال لم أخبر أحدًا بما قاله لي أو ورد عنها في القصيدة. وكذلك، لم يكن فرانكلين يتحدَّث عن ذلك معظمَ الوقت، إلا ليذكر بعضَ الأشياء عن تورونتو، وكيف كانت في أيام الحرب الصاخبة هذه، وعن قوانين الخمور السخيفة أو مَهْزَلة مواكب الجنود وهي ذاهبةٌ للكنيسة. لو اعتقدتُ في تلك المرحلة أنه قد يجعلها ملهمةً لإحدى كتاباته، لَبَدَا لي أنني كنتُ مخطئةً. أحسَّ بالتعب وذهب إلى النوم، بينما جهزتُ أنا وجوين أو دوللي الأريكةَ لتنام عليها، ثم جلسَتْ هي على جانبٍ منها وهي تُدخِّن سيجارتها الأخيرة، طالِبةً مني ألَّا أقلق؛ حيث إنها لن تتسبَّب في إحراق المنزل لأنها ما كان لها أن تنام حتى تنتهي من تدخين سيجارتها. كانت غرفتنا باردةً، والنوافذ مفتوحةً أكثر من المعتاد. وكان فرانكلين نائمًا؛ كان كذلك بالفعل حيث كان بإمكاني دومًا تحديد ما إذا كان يتصنَّع النومَ أم لا. كنتُ أكره النومَ مع علمي بوجود أطباق متَّسِخة على الطاولة، ولكنني شعرتُ فجأةً بتعبٍ شديد بحيث لم أستطع غسلها، مع علمي بأن جوين كانت ستساعدني في القيام بذلك. بَيْدَ أنني نويتُ الاستيقاظ مبكرًا في الصباح لغسلها وترتيب المكان. لكنني استيقظتُ على ضوء الشمس وصوت جلبةٍ آتٍ من المطبخ، ورائحة الإفطار، وكذلك رائحة السجائر؛ هذا بالإضافة إلى صوتِ حديثٍ، وكان المتحدث هو فرانكلين، بينما كنتُ أتوقَّع أن تكون جوين. سمعتُها تضحك على كل ما يقوله؛ فنهضت على الفور وارتديتُ ملابسي وصففتُ شعري، وهو شيء لم أكن أهتمُّ بفعله عادةً في وقت مبكر كهذا. تلاشى كلُّ ما أحسستُ به في المساء من بهجةٍ وأمانٍ، وأحدثتُ قدرًا كبيرًا من الجلبة وأنا أنزل درجات السلم. وكانت جوين تقف أمام حوض الغسيل وبجانبها صفٌّ من الأوعية الزجاجية النظيفة البرَّاقة الموضوعة على لوح التجفيف. «غسلتُ الأطباق كلها يدويًّا لأنني خشيتُ ألَّا أستطيع تشغيلَ غسَّالة الأطباق بطريقة صحيحة. ثم رأيتُ تلك الأوعية الموجودة هناك وظننتُ أنه يجب عليَّ أن أغسلها أيضًا بما أني بجانب حوض الغسيل.» قلتُ لها: «إنها لم تُغسَل منذ فترة طويلة للغاية.» «حقًّا؟ لم أعتقد ذلك.» قال فرانكلين إنه خرج وحاوَلَ إدارةَ السيارة مرةً أخرى، لكنه فشل مجددًا، لكنه نجح في الاتصال بورشة إصلاح السيارات، وقالوا إن شخصًا قد يأتي ويُلقِي نظرةً على السيارة عصرَ ذلك اليوم. لكنه ظن أنه من الأفضل بدلًا من الانتظار جرُّ السيارة إلى الورشة، بحيث يمكن إصلاحها خلال هذا الصباح. قلتُ: «إن هذا يعطي لجوين الفرصةَ لغسل ما تبقَّى من أشياء في المطبخ.» ولكن لم يهتم أيٌّ منهما بالمزحة التي قلتُها، ورفض هو ذلك وقال إنه من الأفضل لجوين أن تذهب معه لأنهم سيرغبون في الورشة في التحدُّث معها؛ نظرًا لأنها مالكة السيارة. لاحظَتْ أنَّ ثمة صعوبة كانت لديه في ذِكْر اسم جوين، حيث كان عليه مقاوَمة ذِكْر اسم دوللي. فقلتُ إنني كنتُ أمزح. سألني إنْ كنتُ أرغب في أن يَعُدَّ إفطارًا لي، ورددتُ عليه بالرفض. قالت جوين: «هذا هو سر حفاظها على قوامها.» وبطريقةٍ ما، تحوَّلَتْ هذه المجاملة إلى شيءٍ يمكن أن يضحكا عليه معًا. لم تظهر عليهما أيُّ علامةٍ تدل على معرفتهما بما كنتُ أشعر به، على الرغم من أنه بَدَا لي أنني كنتُ أتصرَّف على نحوٍ غريب، وكانت كلُّ ملحوظةٍ تَصْدُر عني نوعًا من السخرية الهشة. اعتقدتُ أنهما كانا مزهوَّيْن بنفسيهما بشدة، وكان هذا تعبيرًا طرَأَ على ذهني دون أن أعلم مصدره. عندما خرج فرانكلين لتجهيز السيارة لجرِّها، تبعَتْه جوين على الفور كما لو أنها أرادَتْ ألَّا يغيب عن نظرها ولو حتى لِلَحظةٍ واحدة. وبينما كانت تغادر تذكَّرَتْ أن تخبرني أنها لن تستطيع أن تَفِيني حقِّي من الشكر. أطلق فرانكلين نفيرَ سيارته ليودعني، وهو شيء لم يكن يفعله في العادة. وددتُ أن ألحق بهما وأنْ أُقَطِّعَهما إربًا. رحتُ أسير في المكان في كل اتجاهٍ مع ازديادِ تمكُّن انفعالي الموجع هذا مني، ولم يَعُدْ لديَّ شكٌّ على الإطلاق فيما كان يجب عليَّ أن أفعله. وخلال وقتٍ قصيرٍ إلى حدٍّ ما، خرجتُ من المنزل وركبتُ سيارتي، بعد أن مرَّرْتُ مفتاحَ منزلي عبر الفتحة الموجودة في الباب الأمامي، ووضعتُ حقيبةَ السفر بجانبي على الرغم من أني بنحوٍ أو بآخَر نسيتُ ماذا وضعتُ بداخلها. كما أنني كتبتُ رسالةً مختصرةً تقول إنني ذهبتُ لأتحقَّق من بعض المعلومات عن مارثا أوستنسو، ثم بدأتُ في كتابة رسالةٍ أطول كنتُ أنوي توجيهها إلى فرانكلين دون أن تراها جوين عندما تعود معه مرةً أخرى إلى المنزل، وهو الأمر الذي كان سيحدث بالتأكيد. قلتُ في هذه الرسالة أنه حرٌّ في القيام بالشيء الذي يريده، وأن الشيء الوحيد الذي كان غير محتمَل بالنسبة إليَّ هو الخداع، أو ربما قصدتُ الخداع الذاتي؛ فلم يكن هناك داعٍ لما فعله، ولكنْ كان عليه فقط أن يعترف ويكشف عن رغبته. لقد كان شيئًا سخيفًا وقاسيًا منه أن يجعلني أرى ذلك المشهد؛ ولذلك وددتُ فقط أن أفسح لهما المجال. أضَفْتُ أنه لا توجد أكاذيبُ، في نهاية المطاف، قويةٌ مثل تلك التي نُخبِر بها أنفسَنا، وللأسف نستمر في إخبار أنفسنا بها، حتى تستقر بداخلنا وتبدأ في القضاء علينا، وذلك كما سيكتشف في القريب العاجل. ظللتُ أوجِّه اللومَ له حتى لم تَعُدْ هناك مساحةٌ تكفي مع تكرار الأفكار وتخبُّطها دون إبداءِ أيِّ نوعٍ من الكياسة أو الاهتمام بكرامتي. ثم أدركتُ أنه سوف يتعيَّن عليَّ إعادة كتابة الرسالة قبل إعطائها إلى فرانكلين، فاضطررتُ لأخذها معي وإرسالها بالبريد بعد ذلك. في نهاية الممر المؤدِّي إلى الطريق اتخذتُ الاتجاهَ الآخَر الذي لا يؤدِّي إلى القرية وورشة إصلاح السيارات، وخلال وقت قصير، كما بَدَا لي، كنتُ أتجه شرقًا على طريق سريع رئيسي. سألتُ نفسي إلى أين أنا ذاهبة. فإذا لم يطرأ شيءٌ على خاطري بسرعة، فسوف أجد نفسي في تورونتو، وبَدَا لي أنه على الرغم من أنني قد أجد هناك مكانًا كي أختبئَ به، فقد أصادِف أُناسًا وأماكنَ تذكِّرني بفرانكلين والأوقات السعيدة التي قضيتُها معه. ولتجنُّب حدوثِ هذا، استدرتُ بالسيارة وتوجَّهْتُ إلى كوبورج، البلدة التي لم نذهب إليها معًا قطُّ. لم يكن وقتُ الظهر قد حان بعدُ عندما استأجرتُ غرفةً في نُزل في وسط البلدة. مررتُ بعاملات النظافة اللواتي كنَّ ينظِّفْنَ الغُرَفَ التي كانت مشغولةً في الليلة الماضية. أما غرفتي، فنظرًا لأنها لم تكن مشغولةً في الليلة السابقة، فقد كانت باردةً جدًّا. شغلتُ المدفأة ثم قررتُ الذهابَ للتمشية، وعندما حاولتُ فتحَ الباب لم أستطع حيث كنتُ أرتجف وأرتعش؛ فأوصدتُ الباب وذهبتُ للنوم وأنا مرتديةٌ ملابسي كاملةً، وكنتُ لا أزال أرتجف؛ لذا سحبت الغطاءَ حتى غطَّى أذنَيَّ. استيقظتُ من نومي قبل الغروب بفترةٍ، وكانت ملابسي ملتصقةً بجسدي من العَرَق؛ فأغلقت المدفأة وأخرجتُ بعض الملابس من حقيبتي وارتديتُها ثم خرجت من الغرفة. مشيت بسرعةٍ شديدة. كنتُ جائعةً لكنني شعرتُ بأنه لا يمكنني أن أُبطِئ أبدًا من خطواتي، أو حتى أن أجلس لتناول الطعام. اعتقدتُ أن ما حدث لي كان أمرًا مألوفًا، في الكتب وفي الحياة، وقد تكون — بل يجب أن تكون — هناك طريقة ما مجرَّبة يمكن التعامُل بها معه. والمشي على هذا النحو يُعَدُّ إحداها بكل تأكيد، ولكن كان يجب عليك أن تتوقَّف، حتى في بلدةٍ بهذا الحجم الصغير، للسماح بمرور السيارات وحين تكون إشارات المرور حمراء. كما كان هناك أيضًا أشخاصٌ يَجُوبون الطرقاتِ بطريقةٍ خرقاء، يقفون ثم يسيرون مرةً أخرى، بالإضافة إلى حشودٍ من تلاميذ المدارس مثل أولئك الذين اعتدتُ أن أجعلهم يلتزمون بالنظام. لماذا كان يوجد العديد منهم؛ الحمقى بصراخهم وصياحهم؟ ولماذا هذا التكرارُ في أفعالهم وعدمُ الضرورة الكاملة لوجودهم؟ كانت رؤيتهم في كل مكانٍ إهانةً في وجهك. كما كانت أيضًا المتاجر ولافتاتها إهانةً، وكذلك ضوضاء السيارات مع توقُّفها وسَيْرها؛ كلُّ مكانٍ يعلن أن هذه هي مظاهر الحياة، كما لو كنَّا في حاجةٍ إلى المزيد منها. بعدما انتهى أخيرًا صفُّ المتاجر، كانت توجد بعض الكبائن الخالية، المغطَّاة نوافذها بالألواح، التي كان من المنتظر هَدْمها. هذه الكبائن هي الأماكن التي اعتاد الناس البقاء فيها في رحلات العطلات البسيطة قبل ظهور الفنادق. ثم تذكرتُ أنني أيضًا أقمتُ هناك؛ نعم، في واحدة من تلك الكبائن عندما كان هناك تخفيضٌ في أسعار الإقامة بها — ربما لأنه لم يكن موسم العطلات — بحيث يذهب إليها الآثمون في فترةِ ما بعد الظهيرة، والذين كنتُ واحدةً منهم. كنتُ حينها أعمل بمهنة التدريس وأنا لا أزال طالبةً، وما كنتُ سأتذكَّر أنَّ ما حدث كان في هذه البلدة، لولا تلك الكبائن المغلقة بالألواح الآن. كان الرجل يعمل مدرسًا وكان أكبر سنًّا مني، وكانت زوجته ربةَ منزل، ومن دون شك كان لديهما أطفال، حياة أشخاص يتم العبث بها. كان يجب ألَّا تعرف؛ لأن ذلك كان سيكسر قلبها. وكنت لا أهتم بهذا على الإطلاق؛ فَلْينكسر قلبها. كان من الممكن أن أتذكَّر أكثر من ذلك إذا حاولتُ، لكنه أمرٌ لم يكن يستحقُّ العناء. إلا أن هذا التذكُّر جعلني أُبطِئ من حركتي وأعود إلى وتيرة أكثر طبيعيةً، وألتفتُ وأعود إلى النُّزُل. وهناك على التسريحة كانت توجد الرسالةُ التي كتبتُها، مختومة ولكنْ ينقصها طابعٌ؛ فخرجتُ مرةً أخرى وذهبتُ لمكتب البريد واشتريتُ طابعًا ووضعتُ الظرفَ في المكان المخصَّص لإرساله، دونَ أي تفكير أو تخوُّف. كان من الممكن أن أتركه على الطاولة هناك، فما جدوى الأمر في نهاية المطاف؟ فقد انتهى كل شيء. وأثناء سيري كنت قد لاحظت مطعمًا يُنزَل إليه عبر بضع درجات. تمكَّنْتُ من الذهاب إليه مرةً أخرى، ونظرتُ إلى قائمة الطعام المعلقة. لم يكن فرانكلين يفضِّل تناوُلَ الطعام خارجَ المنزل، بينما كنتُ أفضِّل ذلك. مشيتُ بعض خطوات أخرى، بوتيرة طبيعية هذه المرة، منتظرةً حتى يفتح المكان أبوابه. رأيتُ وشاحًا أعجَبَني في واجَهة متجرٍ، وارْتَأَيْتُ أن أدخل وأشتريه حيث ظننتُ أنه سيكون ملائمًا لي. ولكن عندما أمسكتُه تركتُه على الفور؛ فقد أصابني ملمسُه الحريري بالغثيان. وفي المطعم شربتُ بعضَ النبيذ وانتظرتُ وقتًا طويلًا حتى وصل طعامي. كان هناك عدد قليل جدًّا من الأشخاص الذين كانوا منشغلين بإعداد المكان للفرقة الموسيقية التي كانت ستعزف هناك في المساء. ذهبتُ إلى الحمام، واندهشتُ من مدى التغيُّر الكبير الذي طرأ على مظهري، وتساءلتُ في نفسي هل كان من الممكن أن يفكِّر رجلٌ — رجل متقدِّم في السن — في التعرف عليَّ وإقامة علاقةٍ معي. لكن الفكرة كانت منفرةً بالنسبة إليَّ؛ ليس بسبب كِبَر سنِّه المحتمل، ولكنْ لأنني لم أكن لأفكِّر قطُّ في أيِّ رجلٍ غير فرانكلين. بالكاد استطعتُ تناوُلَ بعض الطعام عندما وُضِع أمامي. لم يكن السبب أن الطعام كان سيئًا، ولكن غرابة جلوسي وتناولي للطعام بمفردي، والشعور الفظيع بالوحدة والذهول ممَّا كان يحدث لي. فكرتُ في إحضار أقراص منوِّمة على الرغم من أنني لم أستخدمها إلا نادرًا. في الواقع كان لديَّ بعضها منذ فترة طويلة جدًّا، حتى إنني تساءلتُ إنْ كانت لا تزال صالحةً للاستخدام أم لا. إلا أنها كانت فعَّالة؛ إذ نمتُ حتى حوالي الساعة السادسة صباحًا، دونَ أن أستيقظ خلال نومي ولو لمرة واحدة. كانت بعض الشاحنات الكبيرة تخرج بالفعل من أماكن انتظارها داخل النُّزُل. كنت أعرف أين أنا، كما كنت أعرف أيضًا ما فعلتُه، وأدرك أنني ارتكبتُ خطأً فظيعًا؛ لذا، ارتديتُ ملابسي وفي أسرع وقتٍ ممكن وغادرتُ النُّزُل. وبالكاد استطعتُ تحمُّلَ المحادَثة الودية التي أجرَتْها معي موظفةُ الفندق؛ حيث أخبرَتْني أن الثلوج سوف تتساقط في وقتٍ لاحق، وأنَّ عليَّ الاعتناء بنفسي. كان الزحام يشتدُّ بالفعل على الطريق السريع، كما كان هناك حادث أدَّى إلى بطء السَّيْر بصورة أكبر. ظننتُ أن فرانكلين ربما خرج ليبحث عني، وأنه قد يتعرَّض لحادثٍ أيضًا، وأننا حينها قد لا يرى كلٌّ منَّا الآخَر مرةً أخرى. لم أكن أفكِّر في جوين إلا باعتبارها الشخصَ الذي عطَّلَ سيْرَ حياتنا وخلق مشاكلَ سخيفةً، برجلَيْها البدينتين القصيرتين، وشعرها المضحك، وتجاعيد وجهها المتشابكة. يمكن أن تقول إنها كانت شخصيةً كاريكاتوريةً، شخصًا لا يمكن إلقاء اللوم عليه ولا يجب أبدًا أخذه على محمل الجد. وصلتُ إلى المنزل، الذي لم يتغيَّر فيه شيء، وتوجَّهْتُ إلى الممر ورأيتُ سيارته، وحمدتُ الرب أنه كان موجودًا هناك. لاحظتُ أن السيارة لم تكن متوقِّفةً في مكانها المعتاد. وكان السبب أن سيارةً أخرى، سيارة جوين، كانت متوقِّفةً في مكانها. لم أستطع استيعاب الأمر؛ فطوال تلك الرحلة، نظرتُ إليها — هذا إنْ كانت قد جالَتْ بخاطري على الإطلاق — كشخصٍ كان سيُنحَّى جانبًا، وأنها منذ الفراق الأول لا يمكن أن يكون لها دورٌ في حياتنا. كان الشعور بالراحة لا يزال يغمرني لعودتي إلى المنزل، ولكون فرانكلين أيضًا في المنزل سالِمًا. سرى الاطمئنان عبر كل أوصالي، حتى إن جسدي كان على استعدادٍ للخروج من السيارة والذهاب مُسرِعًا إلى المنزل. حتى إني أخذتُ أبحث عن مفتاح المنزل، ناسيةً ما فعلتُه به. لم أكن أحتاجه على أي حال؛ كان فرانكلين قد فتح باب منزلنا، ولم تَبْدُ عليه المفاجأةُ أو الارتياحُ، حتى عندما نزلتُ من السيارة وأخذتُ أتجه نحوَه. نزل درجات المنزل بطريقةٍ متوازِنةٍ وأوقفَتْني كلماته قبل أن أصل إليه. قال: «انتظري.» انتظري. بالطبع، كانت هي موجودة بالداخل. ثم أضاف: «عودي إلى السيارة مرةً أخرى. لا يمكننا أن نتحدَّث في الخارج هكذا؛ إن الجو بارد جدًّا.» وعندما دخلنا إلى السيارة، قال: «إن الحياة لا يمكن أبدًا التنبُّؤ بأحداثها.» كان صوته على غير المعتاد رقيقًا وحزينًا. لم يكن ينظر إليَّ، بل ينظر باتجاه الزجاج الأمامي للسيارة، ومنزلنا. قال لي: «أعرف أنه لا جدوى من الاعتذار لكِ.» ثم تابَعَ: «كما تعلمين، لا يتعلَّق الأمر حتى بالشخص؛ إنه نوع من الهالة، أو السحر المرتبط به. لا شك أن الأمر يتعلَّق بالشخص، ولكنه يحيط بهذه الهالة والسحر ويجسِّدهما، أو هما مَن يجسدانه، لا أعرف الصواب على وجه التحديد. هل تفهمين قصدي؟ إنه أمر يحدث فجأةً ككسوف الشمس أو ما شابه.» هزَّ رأسه المحني، في حيرةٍ كاملة. كان بإمكانك أن تشعر أنه كان يتطلَّع للحديث عنها، ولكن تلك الطريقة المعسولة في الحديث كانت ستجعله يشعر بالغثيان في المعتاد؛ وهذا ما جعلني أفقد الأمل. شعرتُ ببرودة شديدة تسري عبر جسدي. كنتُ سأسأله إنْ كان قد أخبَرَ الطرفَ الآخَر بهذا التحوُّل، ولكني ظننتُ أنه بالتأكيد فعل هذا، وأنها كانت هنا، في المطبخ مع الأشياء التي كانت تلمِّعها. كان افتتانه حزينًا جدًّا، وكان مثل افتتان أيِّ شخصٍ آخَر، حزينًا. فقلت: «توقَّفْ عن الكلام. لا تتكلَّم فحسب.» التفَتَ ونظَرَ إليَّ للمرة الأولى، وتحدَّثَ دون أيٍّ من نبرات الحيرة الهادئة التي كانت في صوته. قال: «يا إلهي! لقد كنتُ أمزح. اعتقدتُ أنكِ ستكتشفين الأمر. حسنًا، حسنًا. أوه، بالله عليكِ، اصمتي، واستمعي إليَّ.» ففي أثناء ذلك، كنت أصرخ من الغضب والارتياح. «حسنًا، لقد كنتُ غاضبًا منكِ بعض الشيء. قررتُ أن أجعلك تمرِّين ببعض الوقت العصيب عقابًا لكِ على ذلك. ماذا كان من المفترض أن أظنَّ عندما عدتِ إلى المنزل وقد رحلتِ عنه لتوِّك؟ حسنًا، أنا أحمق. كُفِّي عن هذا. كُفِّي عن هذا.» لم أرغب في التوقُّف عن الصراخ. أدركتُ أنَّ كل شيء كان على ما يرام الآن، ولكنه كان من المريح لي أن أصرخ بتلك الطريقة. ثم وجدتُ أمرًا جديدًا ألومه عليه. «ما الذي تفعله سيارتها هنا إذن؟» «إنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا مع تلك السيارة؛ فهي مجرد خردة.» «لكنْ لِمَ هذه السيارة موجودة هنا؟» قال إنها موجودة هنا لأنَّ بها بعض الأجزاء الصالحة للعمل، وهي ليست كثيرة، وإنها أصبحتْ مِلْكَه أو مِلْكنا الآن. لأنه قد اشترى لها سيارة. «سيارة؟ جديدة؟» سيارة جديدة بما يكفي لتعمل على نحوٍ أفضل من السيارة التي كانت تمتلكها. «إنها تريد أن تذهب إلى مدينة نورث باي لأنَّ لديها هناك أقاربَ أو ما شابَهَ ذلك. وتلك المدينة هي المكان الذي أرادَتْ أن تتجه إليه عندما تستطيع الحصولَ على سيارةٍ تساعدها على القيام بذلك.» «إن لديها أقاربَ هنا، في المكان الذي تعيش فيه. كما أن لديها طفلتَيْن في الثالثة من عمرهما يجب أن تعتني بهما.» «حسنًا من الواضح أن أقاربها في نورث باي هم مَن يلائمونها الآن. إنها لم تخبرني عن أيِّ أطفالٍ في الثالثة من عمرهم. ربما ستأخذهما معها.» «هل طلبَتْ منكَ أن تشتري لها سيارة؟» «لم تطلب أي شيء.» قلتُ: «إذن، أصبحَتْ هي الآن جزءًا من حياتنا.» «إنها في نورث باي. لنذهب إلى داخل المنزل؛ إنني حتى لم أرتدِ معطفًا.» ونحن في طريقنا، سألتُه ما إذا كان قد أخبرها عن قصيدته، أو ربما قرأها لها. قال: «يا إلهي، لا. ولِمَ أفعل ذلك؟» كان أولُ شيء رأيتُه داخلَ المطبخ لمعانَ الأوعية الزجاجية النظيفة. جذبتُ كرسيًّا ووقفتُ عليه وبدأتُ في وضع تلك الأوعية بأعلى الخِزانة. قلتُ: «هل يمكنكَ مساعدتي؟» وأخذ يناولني إياها. تساءلتُ في نفسي: هل من الممكن أن يكون قد كذب بشأن القصيدة؟ وهل من الممكن أن تكون قد استمعَتْ إليها منه؟ أو أعطاها لها وقرأَتْها هي بنفسها؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن ردَّ فعلها لم يكن مُرْضِيًا، مهما كان. فإذا افترضنا أن رأيها هو أن القصيدة جميلة، فإنه كان سيكره ذلك. أو ربما أنها قد تساءلت كيف أنه لم يُحاسَب على فِعْلَتِه تلك؛ على الكلام البذيء الذي تحتويه. ربما كان هذا ما قالَتْه. كان سيكون هذا أفضل، ولكن ليس للدرجة التي قد تظنها. فمَن يستطيع أن يخبر شاعرًا بالرأي المثالي بشأن قصائده؟ الرأي الذي لا يبالغ في الثناء عليه أو الانتقاص من حقه، ولكنْ يوضِّح الحقيقة كما هي. وضَعَ ذراعَيْه حولي وأنزَلَني عن الكرسي. قال: «إننا لم نَعُدْ نتحمَّل الشجارَ.» هذا صحيح بالطبع؛ فقد نسيتُ تقدُّمَنا في العمر، نسيتُ كلَّ شيء، معتقِدةً أن هناك مزيدًا من الوقت للمعاناة والشكوى. تمكَّنْتُ من رؤية المفتاح، ذلك المفتاح الذي أدخلتُه عبر فتحة الباب الأمامي. كان داخل شقٍّ بين ممسحة الأرجل البُنيَّة المزغبة وعتبة الباب. كما كان يجب أن أكون حَذِرة من تلك الرسالة التي كتبتُها أيضًا وأمنعها من الوصول إليه. ماذا لو مِتُ قبل وصولها؟ يمكنك أن تظن أنك في حالةٍ صحيةٍ جيدة، ثم يأتي الموت هكذا بكل بساطة؛ فهل يتعيَّن عليَّ أن أترك رسالةً بهذا الشأن لفرانكلين من باب الاحتياط؟ أقول له فيها: إنْ وصلَتْكَ رسالةٌ مني، فمزِّقها. أعتقد أنه كان سيفعل ما طلبْتُه منه. أما أنا فلو كنت مكانه، لَمَا كنتُ لأفعل هذا؛ كنتُ سأفتحها، بغضِّ النظر عن كلِّ الوعود التي قطعتُها له في هذا الشأن. أمَّا هو، فكان سيُطِيعني. يا له من مزيجٍ من الغضب والإعجاب الذي كنتُ أحسُّ به لاعتقادي باستعداده للقيام بذلك؛ وكان هذا ينطبق على حياتنا بأكملها التي قضيناها معًا. حياتي العزيزة
من أفضل ما قيل عن الكتاب أليس مونرو روائية تتمتع بموهبة فريدة من نوعها، وهي بصدد أن تكون واحدة من أعظم الكتاب على مستوى العالم … إن كل قصة قصيرة تكتبها لهي ملحمة متعددة الفصول. ملحق النقد الأدبي بصحيفة «ذا نيويورك تايمز» يا لها من مجموعة قصصية بديعة الجمال وبالغة الإحساس … إنها جولة تخلب الألباب في عالم من الحب والوعيد والمفاجأة … إن أليس مونرو ذات مواهب جمة وحس راقٍ. صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» مجموعة قصصية رائعة … متعة لا حدود لها. صحيفة «سياتل بوست إنتليجنسر» رحلة ثرية في خفايا عالم المرأة … إنها مجموعة تتفوق في خصوبة خيالها وأمانتها وحساسيتها وتعاطفها مع قضايا المرأة على أدب اليوم وكتابه. مجلة «إم إس» رائعة أدبية … برهان لا يطاله نقد على مقدرة أليس مونرو الواضحة على نقل جوهر الشخصية بكل ما يموج بها من أهواء النزوات البشرية … لَكَمْ يصعب تخيل وجود إدراك للنفس البشرية يتميز بنظرة ثاقبة كهذه! صحيفة «هيوستن بوست» سر يؤرقني
سر يؤرقني «على أي حال، إنه يعرف كيف يفتن النساء.» هكذا قالت إت لِشار. لم يكن بمقدورها أن تعرف ما إذا كانت شار قد صارت أكثر شحوبًا لدى سماعها ذلك؛ نظرًا لأن شار كانت بالفعل شاحبة لأقصى درجة، ومع ابيضاض شعرها الآن، صارت أشبه بشبح إنسان. بيد أنها لا تزال جميلة؛ إذ لم تفقد رونقها. واصلت إت قائلة: «إنه لا يكترث بالسن أو الحجم. أعتقد أنها موهبة فطرية يتمتع بها، لكني آمل ألا تكون السيدات ينخدعن فيه ويقعن بين براثنه.» قالت شار: «هذا أمر لا يقلقني.» قبل يوم واحد، قبلت إت دعوة بلايكي نوبل للذهاب معه في واحدة من جولاته والاستماع إلى معسول كلامه. ووُجهت الدعوة أيضًا إلى شار، ولكنها لم تذهب بالطبع. كان بلايكي نوبل يقود حافلةً، كان الجزء السفلي منها مطليًّا باللون الأحمر فيما كان الجزء العلوي مخططًا، بحيث تشبه المظلة. وعلى جانب الحافلة كُتبت الكلمات التالية: «جولات على شواطئ البحيرات، مقابر الهنود، الحدائق الجيرية، منتجع المليونيرات، مع السائق والمرشد بلايكي نوبل.» كان بلايكي يقيم في غرفة بالفندق، وكان يعمل أيضًا مع أحد مساعديه بالأرض في تجزيز العشب وتقليم أشجار أسوار الحدائق وحفر الحواف. يا له من ذل بعد عز! قالتها إت في بداية فصل الصيف عندما اكتشفت عودته؛ فقد عرفته هي وشار في الأيام الخوالي. وهكذا وجدت إت نفسها محشورة في حافلته مع الكثير من الغرباء، لكنها بحلول عصر اليوم كوَّنت صداقات مع عدد منهم، وقطعت على نفسها وعودًا بتوسعة بعض السترات، كما لو أنه لم يكن لديها ما يشغلها بالفعل. كان هذا كله على هامش الأحداث، أما ما كان يشغل بالها حقًّا فهو مراقبة بلايكي. وما الذي لديه ليستعرضه؟ بضع رُبًى ينمو عليها العشب، مدفون تحتها جثث الهنود، بقعة من الأرض مليئة بمنحوتات جيرية غريبة الشكل، كئيبة المنظر، ذات لون أبيض مائل للرمادي — في محاكاة متكلفة لنباتات (يمكنك أن تعتبرها مقبرة إن أردت ذلك) — ومنزل عتيق ذو هيئة بشعة بُني بأموال الخمور، غير أن بلايكي حقق أقصى استفادة منه؛ إذ بدأ عرضه بحديث تاريخي عن الهنود، أتبعه بحديث علمي حول الحجر الجيري. لم يكن أمام إت وسيلة لمعرفة مدى صحة ما يرويه لهم. أما آرثر فيعرف، ولكنه لم يكن هناك؛ فلم يكن هناك سوى نسوة سخيفات، يأملن أن يمشين بجانب بلايكي من المعالم السياحية وإليها، والدردشة معه وهن يحتسين الشاي في جناح الحجر الجيري، متطلعات إلى أن يضع يده القوية أسفل مرافقهن، بينما تمسد يده الأخرى مكانًا ما حول الخصر، وهو يساعدهن في النزول من الحافلة (همست إت بحدة: «أنا لست سائحة» عندما حاول فعل ذلك معها). أخبرهن أن المنزل كان مسكونًا. وكانت أول مرة في حياتها تسمع إت عن ذلك، وهي التي تعيش على بعد عشرة أميال منه طوال حياتها؛ إذ إن امرأة قتلت زوجها، ابن المليونير، أو على الأقل يُعتقد أنها هي من قتله. «كيف؟» هكذا صاحت إحدى السيدات في إثارة جنونية. عندها قال بلايكي بصوت رقيق، جمع بين السخرية والحنو في الوقت نفسه: «آه، إن السيدات حريصات دائمًا على معرفة الوسيلة. لقد قتلته بالسم … البطيء، أو هذا ما قالوه. بيد أن هذا كله محض إشاعات، ثرثرة أهل البلدة.» (قالت إت لنفسها: ثرثرة أهل البلدة! مستحيل.) «كل ما هنالك أنها لم تحب صديقاته من السيدات. لم تحبهن الزوجة. بالقطع لم تحبهن.» أخبرهن أن الشبح أخذ يذرع الحديقة جيئة وذهابًا، بين صفين من شجر التنوب الشائك. لم يكن القتيل هو من يمشي، بل زوجته، نادمة على فعلتها. ابتسم بلايكي في أسف لمن جاءوا معه في الحافلة. في البداية اعتقدت إت أن اهتمامه مصطنع، مجرد مغازلة تجارية عادية، لمنحهم بضاعة تعادل قيمة ما دفعوه من أموال، ولكن فكرتها تلك أخذت في التغير شيئًا فشيئًا؛ فقد كان ينحني على كل امرأة يتحدث إليها — بصرف النظر عن بدانتها أو نحافتها أو سخافتها — كما لو كان هناك شيء خاص فيها يود العثور عليه. كانت نظرته لطيفة وضاحكة ولكنها في حقيقتها جادة وثاقبة (هل كانت تلك هي النظرة التي تطل من أعين الرجال في نهاية المطاف عندما يمارسون الحب، تلك النظرة التي لن تراها إت أبدًا؟) جعلته يبدو وكأنه يريد أن يكون غواصًا في أعماق البحار، يغوص ويغوص عبر الفراغ والبرد والحطام لاكتشاف شيء واحد وطَّن نفسه على اكتشافه، شيء صغير ولكنه ثمين، شيء يصعب إيجاده، كياقوتة في قاع المحيط. تلك هي النظرة التي تود أن تصفها لشار. لا شك أن شار رأتها من قبل، لكن هل عرفت كيف يجري توزيعها بالمجان؟ ••• كانت شار وآرثر يخططان لرحلة ذلك الصيف لمشاهدة حديقة يلوستون وأخدود جراند كانيون، لكنهما لم يذهبا؛ إذ تعرض آرثر لسلسلة من نوبات الدوار قبيل نهاية المدرسة، ونصحه الطبيب بملازمة الفراش. كان آرثر يعاني العديد من الأمراض؛ فقد كان مريضًا بالأنيميا ويعاني عدم انتظام ضربات القلب، علاوة على متاعب كليتيه. وكانت إت تخشى إصابته بسرطان الدم، حتى إن الأرق داهم لياليها من فرط القلق. قالت لها شار بهدوء: «لا تكوني سخيفة، كل ما هنالك أنه مجهد وحسب.» استيقظ آرثر في المساء وجلس مرتديًا منامته. جاء بلايكي نوبل للزيارة، وقال إن غرفته بالفندق تقع فوق المطبخ مباشرة، وإنه كان يشعر كما لو أنهم كانوا يحاولون طهوه بالبخار، وهو ما جعله يستحسن هواء الشرفة اللطيف. لعبوا الألعاب التي يحبها آرثر، ألعاب معلم المدرسة. لعبوا لعبة الجغرافيا، وحاولوا معرفة من بمقدوره تكوين أكبر عدد من الكلمات من اسم «بيتهوفن». فاز آرثر؛ فقد حصل على أربع وثلاثين نقطة، وكان مسرورًا أيما سرور. قالت شار: «تحسب نفسك وجدت الكأس المقدسة!» لعبوا لعبة «من أنا؟» حيث كان على كلٍّ منهم اختيار شخصية ما — حقيقية أو خيالية، حيَّة أو ميتة، إنسان أو حيوان — فيما كان على الآخرين محاولة تخمين من تكون تلك الشخصية من خلال طرح عشرين سؤالًا فقط. استطاعت إت تخمين حقيقة الشخصية التي يقصدها آرثر بعد السؤال الثالث عشر: السير جالاهاد. «لم يَدُر بخلدي قطُّ أن تعرفيه بهذه السرعة.» «لقد تذكَّرت ما قالته شار عن الكأس المقدسة.» قال بلايكي مقتبسًا عن السير جالاهاد: «قوتي تساوي قوة عشرة؛ لأن قلبي نقي!» ثم أضاف: «لم أكن أعرف أنه بمقدوري تذكُّر ذلك.» قالت إت: «كان حريًّا بك أن تكون الملك آرثر. فاسمك على اسمه.» «كان حريًّا بي ذلك، فالملك آرثر كان متزوجًا من أجمل امرأة في العالم.» قالت إت: «ها، نعرف جميعًا نهاية تلك القصة.» توجهت شار إلى غرفة المعيشة وأخذت تعزف على البيانو في الظلام: الزهور تتفتح في الربيع، ترا … را، ما بيدها حيلة حيال هذا الصنيع … عندما جاءت إت لاهثة في يونيو الماضي، وقالت: «خَمِّني مَن رأيتُ وسط البلدة بالشارع؟» أجابتها شار التي كانت جالسة متكئة على ركبتيها تلتقط حبات الفراولة: «بلايكي نوبل.» «أرأيتِهِ؟» قالت شار: «كلا، كل ما هنالك أنني خمَّنت ذلك، أعتقد أنني خمَّنتُه من نبرة صوتك.» اسمٌ لم يأتيا على ذكره طوال ثلاثة عشر عامًا. وكانت إت مندهشة للغاية، حتى إنها لم تستطِع التفكير في التفسير الذي طرأ على بالها لاحقًا. فما الذي يدعو إلى أن يكون هذا الأمر مفاجِئًا لشار؟ فخدمة البريد متاحة في هذه البلدة، متاحة طوال الوقت. قالت: «سألته عن زوجته، تلك المرأة المغرمة بالدُّمى» (كما لو أن شار لا تتذكَّر ذلك). «وقال لي إنها قد ماتت منذ زمن طويل. ليس هذا وحسب، بل تزوج مرة أخرى وماتت أيضًا. ولم تكن أيٌّ منهما ثرية. وأين كل مال آل نوبل، من الفندق؟» قالت شار وهي تقضم حبة فراولة: «لن يتسنَّى لنا أبدًا أن نعرف.» ••• افتُتح الفندق مؤخرًا مرة أخرى. كان آل نوبل قد تخلَّوا عنه في العشرينيات وتولَّت البلدة تشغيله فترة من الوقت كمستشفى؛ أما الآن فقد اشتراه بعض الناس من تورونتو، وجددوا غرفة الطعام، ووضعوا فيه ركنًا للمشروبات، واستصلحوا المروج والحديقة، مع أن ملعب التنس بدا غير قابل للإصلاح. كذلك وُضعت أدوات الكروكيه بالخارج مرة أخرى، وجاء الناس للإقامة فيه في فصول الصيف، لكنهم ليسوا من نوعية الأشخاص الذين اعتادوا المجيء إليه: أزواج متقاعدون، وكثيرٌ من الأرامل والسيدات غير المتزوجات. ما من أحدٍ يكلِّف نفسه عناء المشي مسافة مربع سكني واحد لرؤيتهم وهم ينزلون من على متن القارب، ناهيك عن أنه لم يَعُد هناك قارب. هذا ما دار بخلد إت. في المرة الأولى التي التقت فيها بلايكي نوبل في الشارع حرصت على ألا تُفاجَأ. كان يرتدي بدلة كريمية اللون، وشعره الذي طالما اكتسى بالبياض بفعل الشمس، صار الآن أبيض، كله. «بلايكي. عرفتُ أنه إما أنت أو أن ما أراه ليس إلا مخروط آيس كريم الفانيليا. أراهن أنك لا تعرف من أنا.» «أنتِ إت ديزموند، والشيء الوحيد المختلف فيك هو أنك قصصت ضفائر شعرك.» وطبع قبلة على جبينها؛ لا يزال جريئًا كعهدها به. قالت إت وهي تتساءل في نفسها عمن رأى ما حدث: «إذن فقد عدت مرة أخرى لزيارة ديارك القديمة.» «لم آتِ للزيارة فحسب، وإنما سترينَني كثيرًا.» ثم أخبرها كيف أنه علم بافتتاح الفندق مرة أخرى، وكيف أنه أصبح يمتهن قيادة الحافلات في الجولات السياحية في أماكن مختلفة بفلوريدا وبانف. وعندما سألته أخبرها بأمر زيجتيه الاثنتين، ولم يسألها قطُّ إن كانت قد تزوجت؛ ليقينه من عدم زواجها، كما لم يسأل إن كانت شار تزوجت، حتى أخبرته هي بنفسها. ••• تذكَّرت إت أول مرة أدركت فيها أن شار جميلة. كانت تنظر إلى صورة التُقطت لهم: هي وشار وشقيقهما الذي مات غرقًا. كانت إت في العاشرة من عمرها في الصورة، أما شار فكانت في الرابعة عشرة، في حين كان ساندي يبلغ حينذاك سبعة أعوام ولم يُكتب له أن يعيش بعدها سوى أسبوعين فقط. كانت إت جالسة على كرسي بدون مساند للذراعين، وشار من خلفها، طاوية ذراعيها على ظهر الكرسي، فيما كان ساندي مرتديًا بدلة بحَّار وجالسًا القرفصاء على الأرض، أو الشرفة الرخامية، كما يخيَّل للرائي؛ نظرًا للمؤثرات التي لم تُحدِثها سوى ستارة متربة مصفرة اللون، ولكنها ظهرت في الصورة عمودًا رخاميًّا مشدودة إليه ستارة، لتنحسر عن شجر الحور ونوافير عن بعد. كانت شار تزين شعرها من الأمام بدبابيس، وترتدي فستانًا حريريًّا ذا لون أزرق متألق يصل إلى كاحلها — بالطبع لم يظهر لونه في الصورة — مع شرائط مخملية معقدة سوداء اللون. كانت تبتسم ابتسامة رقيقة تنمُّ عن الرزانة. يُخيَّل لمن يراها أنها في الثامنة عشرة أو الثانية والعشرين. لم يكن جمالها من النوع المبهرج المفتقر للثقة بالنفس الذي كان يظهر كثيرًا على التقويمات وعلب السيجار في تلك الفترة، بل كان ذكيًّا ومرهفًا، عنيدًا، ومفعمًا بروح التحدي. أطالت إت النظر إلى الصورة، ثم ذهبت ونظرت إلى شار التي كانت في المطبخ. كان هذا يوم الغسيل. كانت المرأة التي جاءت للمساعدة تسحب الملابس عبر العصَّارة، فيما كانت أمهما تجلس للاستراحة محدقة عبر الباب السلكي (إنها لم تتجاوز وفاة ساندي قط، ولم يتوقع أحدٌ منها أن تتجاوزها). كانت شار تنشِّي ياقات أبيها الذي كان يمتلك محلًّا يبيع فيه التبغ والحلوى في الساحة ويرتدي ياقة جديدة يوميًّا. كانت إت مهيأةً نفسيًّا لرؤية بعض التحوُّل، كما في الخلفية، ولكن خاب أملها؛ إذ كانت شار منحنية على حوض النشا متعكرة المزاج تلوذ بالصمت (فهي تبغض يوم الغسيل حيث الحرارة والبخار وخفق الملاءات وضجيج الغسالة الشديد، في الواقع لم تكن شار مغرمة بأيٍّ من الأعمال المنزلية)، مما جعلها تُظهِر وجهها الحقيقي بنفس الانسجام المعبِّر عن الترفُّع، كما في الصورة تقريبًا. هذا جعل إت تفهم — وإن كان بطريقة غير محببة تمامًا — أن صفات الشخصيات الأسطورية حقيقية، وأنها تظهر على السطح حيثما وحينما لا تتوقع ظهورها. فلطالما حسبت أن النساء الجميلات هنَّ مِن صُنع الخيال؛ فقد اعتادت هي وشار الذهاب لمشاهدة الناس وهم ينزلون من قارب الرحلة، أيام الآحاد، ويمشون حتى الفندق. كان اللون الأبيض من الكثرة بحيث إنه يؤذي عينيك؛ فساتين السيدات، ومظلات الشمس، وملابس الرجال المناسبة لفصل الصيف، وقبعات بنما المصنوعة من القش، ناهيك عن ضوء الشمس المبهر المنعكس على صفحة الماء، وفرقة العزف. ولكن بالنظر عن كثب إلى أولئك السيدات، وجدتْ إت ما يعكِّر صفو هذه الصورة؛ بشرة متجعدة أو أردافًا سمينة أو رقبة هزيلة كرقبة الدجاج أو شعرًا مجعدًا كأعشاش الطيور. لم يكن أي شيء كهذا يفوت إت، على صغر سنها آنذاك. وفي المدرسة كانت محل احترام الجميع؛ نظرًا لرباطة جأشها وسلاطة لسانها؛ إذ لم تكن تتورع عن إخبارك بأنك كنت تقف عند السبورة وجوربك مثقوب أو حاشية ثوبك ممزقة. كانت تقلد المدرس وهو يقرأ قصيدة «دفن السير جون مور» (ولكن في ركنٍ آمن بفناء المدرسة بعيدًا عن مسامع المدرسين). مع ذلك كان سيلائمها كثيرًا، هي وليس شار، أن تجد الجمال في إحدى أولئك السيدات. كان ذلك سيلائمها أكثر مقارنة بشار في مئزرها المبلل وتعابير وجهها المكفهر وهي منحنية على حوض النشا. فلم تكن إت ممن يحبون المتناقضات، لم تكن تحب أن تكون الأشياء في غير محلها، لم تكن تحب الألغاز أو المبالغات. لم تعجبها السمعة السيئة البائسة التي التصقت بها جراء الربط بينها وبين غرق ساندي، لم تحب احتفاظ الناس في ذاكرتهم بمشهد والدها وهو يحمل الجثمان من الشاطئ. كان يمكن رؤيتها في الشفق، مرتدية سروالها الرياضي، تتقافز بحركات دائرية في حديقة المنزل المنكوب. وقد مطَّت شفتيها ساخرة، دون أن يراها أحدٌ، عندما قالت شار يومًا ما في المنتزه: «هذا أخي الصغير الذي مات غرقًا.» ••• كان المنتزه يطل على الشاطئ. كانوا يقفون مع بلايكي نوبل، ابن مالك الفندق الذي قال: «تلك الأمواج قد تكون خطرة؛ فمنذ ثلاث أو أربع سنوات مضت غرق طفلٌ ها هنا.» «إنه أخي الصغير الذي مات غرقًا.» عندما قالتها شار، تصديقًا على كلامه، لم تَقُلها بتأثُّر، بل من باب التسلية تقريبًا، ولتثبت له أنه لا يعرف إلا أقل القليل عن أهل موك هيل. لم يكن بلايكي نوبل أكبر من شار سنًّا، ولو كان كذلك لالتحق بجبهة القتال في فرنسا، ولكنه لم يكن مضطرًّا للعيش في موك هيل طوال حياته؛ لذا لم تكن معرفته بأهالي البلدة الحقيقيين أفضل حالًا من معرفته بنزلاء فندق والده المعتادين. وفي شتاء كل عام كان يذهب مع والديه إلى كاليفورنيا بالقطار؛ حيث شاهد أمواج المحيط الهادي، وتعهد بالولاء لعلم بلاده. كان ذا مظهر غير متكلِّف، وذا بشرة لوَّحتها الشمس. كان هذا في وقت لا يكتسب فيه الناس بشرة ملوَّحة عادةً نتيجة لقضاء أوقات الفراغ، بل بسبب العمل فقط. كذلك ابيضَّ شعره من أشعة الشمس. كان جمال هيئته يضاهي جمال هيئة شار تقريبًا، ولكن وسامته أفسدها سحره، أما هي فلا. كان ذلك اليوم هو يوم الذروة في موك هيل وجميع البلدات الأخرى الواقعة على البحيرات، وبجميع الفنادق التي ستتحول في وقت لاحق إلى مخيمات سانشاين كامبس لأطفال المدينة، ومصحات للسل، وثكنات لتدريب الطيارين بالسلاح الجوي الملكي إبان الحرب العالمية الثانية. كان يتم تجديد الطلاء الأبيض للفندق في ربيع كل عام، وتُوضع قطع خشبية مفرغة مليئة بالزهور على الأسوار، فيما تُشد أصص الزهور بسلاسل وتتأرجح فوقها. تم نثر أدوات الكروكيه والأرجوحات الخشبية على المروج في الخارج، وجرى تمهيد ملعب التنس. وبالنسبة لسكان المدينة الذين لا يستطيعون تحمل نفقات الإقامة في الفندق، من عمال المصانع وكتبة المتاجر وفتيات المشاغل، فكانوا يقيمون في صفٍّ من أكواخ صغيرة يربط بينها سورٌ شبكي يخفي سلال القمامة ودورات المياه الجماعية، ممتدٌّ حتى الشاطئ. أما فتيات موك هيل، أو تحديدًا مَن كانت لهنَّ أمهات يَقُلنَ لهنَّ ما يجب عليهنَّ فعله، فكنَّ يُحذَّرنَ من السير هناك. لكن لم يخبر أحدٌ شار بما عليها فعله؛ لذلك كانت تسير على طول الممشى أمامهم في وضح النهار، مصطحبة معها إت بغرض الصحبة. لم يكن في نوافذ الأكواخ زجاج، وإنما مصاريع خشبية متهالكة تُغلَق في الليل. ومن وراء الثقوب المظلمة كانت تأتيهما دعوة أو اثنتان خافتتان، تنمَّان عن الأسى أو السُّكْر، وهذا كل شيء. لم يكن في مظهر شار ولا أسلوبها ما يجذب الرجال، بل ربما كان يثنيهم. وفي جميع مراحل دراستها بالمدرسة الثانوية في موك هيل لم تتخذ صديقًا واحدًا. كان بلايكي نوبل أول أصدقائها، إذا اعتبرناه كذلك. ما الذي آلت إليه تلك العلاقة بين شار وبلايكي نوبل في صيف عام ١٩١٨؟ لم يتسنَّ لإت قطُّ أن تعرف على وجه اليقين؛ فهو لم يتصل بهاتف المنزل، على الأقل ليس لأكثر من مرة أو مرتين، وبقي مشغولًا بعمله في الفندق. وفي عصر كل يوم كان يقود سيارة الرحلات المكشوفة، مع مظلة أعلاها، على طريق شاطئ البحيرة مصطحبًا السياح لزيارة مقابر الهنود الحمر وحديقة الأحجار الجيرية ولإلقاء نظرة عبر الأشجار على القصر الحجري المبني على الطراز القوطي، الذي بناه أحد مصنِّعي الخمور في تورونتو، والمعروف محليًّا باسم قلعة الخمر. كذلك كان بلايكي مسئولًا عن برنامج المنوعات الذي يقدِّمه الفندق أسبوعيًّا، مع مجموعة من المواهب المحلية، والضيوف الذين يستعين بخدماتهم، والمغنين والممثلين الكوميديين المحترفين الذين يجلبهم خصوصًا من أجل العرض. بدا أن الأوقات المتأخرة من الصباح هي الأوقات المفضلة له هو وشار؛ حيث دأبت شار على قول: «هيا، يجب أن أذهب إلى وسط البلدة.» وكانت في الواقع تلتقط البريد وتمشي جزءًا من الطريق حول الساحة قبل أن تغير وجهتها إلى المنتزه، وسرعان ما يخرج بلايكي نوبل من الباب الجانبي للفندق ويأتي مهرولًا على الممر المنحدر. في بعض الأحيان لم يكن يعبأ حتى بالممر ويقفز من فوق السور الخلفي؛ ليثير إعجابهما. لم يكن يفعل شيئًا من هذا، من هرولة أو قفز، بالطريقة التي يفعلها بعض الصبية من مدرسة موك هيل الثانوية، برعونة ولكن بتلقائية. كان بلايكي نوبل يتصرف كرجل يقلد الصبيان؛ وكان يسخر من نفسه ولكن كان رشيقًا كممثل. قالت إت لشار وهي تشاهده: «أليس مغرورًا؟» كان رأيها المبدئي في بلايكي أنه شخص بغيض. قالت شار: «بلى، هو كذلك.» ثم وجهت حديثها إلى بلايكي، قائلة: «إت تقول إنك مغرور.» «وماذا قلتِ لها أنتِ؟» «لقد قلتُ لها إنك يجب أن تكون كذلك، فلا أحد غيرك يُعجب بك.» لم يُلقِ بلايكي بالًا؛ وكان رأيه المبدئي في إت أنها جديرة بالإعجاب. يمكنه بحركة سريعة مفاجئة منه أن يفك ضفائرها ويفسد تسويتها. حكى لهما أشياء عن فناني الحفل، وأخبرهما أن المغني الاسكتلندي كان سكيرًا يلبس مشد الصدر، وأن مقلد الشخصيات النسائية حتى في فندقه يرتدي ثياب نوم كحلية مكسوة بالريش، وأن محركة العرائس كانت تتحدث إلى دميتيها (ألفونس وأليسيا) كما لو كانتا شخصيتين حقيقيتين، وأنها أجلستهما في الفراش من حولها ونامت بينهما. سألته شار: «وأنَّى لكَ أن تعرف ذلك؟» «لقد أخذتُ لها إفطارها في غرفتها.» «أعتقد أن لديكم خادمات في الفندق يتولَّين تلك المهمة.» «اعتدتُ في الصباح التالي للعرض أن أفعل ذلك. هذا عندما أسلِّمهم مظروف أجرهم وأوراق مغادرتهم؛ فبعضهم قد يمكث أسبوعًا كاملًا إن لم تخبريه بالمغادرة. جلستْ محركة العرائس في الفراش وحاولتْ إطعامهما فتات لحم الخنزير المقدد والحديث إليهما وجَعْلهما تردَّان عليها. كان سيُجَنُّ جنونُك لو رأيتِها.» قالت شار بهدوء: «أعتقد أنها مجنونة.» ••• ذات ليلة من صيف ذلك العام استيقظت إت متذكِّرة أنها تركت فستانها الوردي المصنوع من قماش الأورجانزا على الحبل بعد غسله بيديها، وظنت أنها سمعت صوت هطول الأمطار، بضعًا من أولى قطراتها وحسب. في الواقع لم تكن السماء تمطر، وما سمعته لم يكن سوى حفيف أوراق الشجر، ولكنها ارتبكت لاستيقاظها هكذا. اعتقدتْ أيضًا أن الوقت متأخِّر جدًّا من الليل، ولكن بالتفكير في الأمر لاحقًا تبيَّن لها أنها في منتصف الليل تقريبًا. نهضت ونزلت السلم، وأضاءت مصباح المطبخ الخلفي وخرجت من الباب الخلفي. وقفت بالشرفة الصغيرة وجذبت حبل الغسيل نحوها، عندئذٍ وتحت قدميها تقريبًا من بين العشب النامي بجوار الشرفة مباشرة، حيث كانت هناك أجمة كبيرة من زهور الليلك نمت وانتشرت دون أن يعتني بها أحدٌ لتصل إلى حجم شجرة، كان هناك شخصان لا هما بواقفَيْن ولا بجالسَيْن، يُطِلَّان برأسيهما كما لو كانا راقدَيْن على الفراش، وهما لا يزالان متشابكَيْن بطريقة أو بأخرى. لم يُضِئ مصباح المطبخ الخلفي الخارجَ إضاءة مباشرة، ولكنه أضاء الفناء بما يكفي كي ترى وجهيهما. كانا بلايكي وشار. لم يتسنَّ لها قطُّ معرفة الحالة التي كانت عليها ملابسهما لترى إلى أي مدى وصلا أو سيمضيان. لم تكن تريد ذلك؛ فيكفيها أن ترى وجهَيْهما، وفمويهما المفتوحين المتورمين، وخديهما المصعرين للقبلات، وعيونهما الجاحظة. تركت إت فستانها وهرولت عائدة إلى المنزل، ومن ثم إلى فراشها حيث فوجئت بالنعاس يهبط عليها. في اليوم التالي لم تَقُل لها شار كلمة واحدة عما حدث، كل ما قالته: «إت، لقد أحضرتُ لكِ فستانك؛ فقد خشيت أن تمطر ليلًا.» كما لو أنها لم ترَ إت في الخارج ليلة أمس تجذب حبل الغسيل، هكذا تساءلت إت. كانت تعرف أنها لو قالت: «لقد رأيتِني» فلربما ردَّت عليها شار بأنها كانت تحلم. تركت شار تعتقد أنها انخدعت بتصديق ذلك، إذا كان هذا ما اعتقدته شار. بتلك الطريقة انفتح الطريق أمام إت لمعرفة المزيد؛ انفتح أمامها الطريق لترى كيف تبدو شار حينما تخور قواها وتترك لنفسها العنان. لم يكن ساندي يبدو أكثر ضياعًا منها حينما غرق وسُدَّت فتحتا أنفه بتلك الأشياء الخضراء. ••• قبل الكريسماس وصلت موك هيل أخبار زواج بلايكي نوبل. تزوج محركة العرائس صاحبة الدميتين (ألفونس وأليسيا)، هاتين الدميتين اللتين تُلبِسهما ملابس سهرة وتصفِّف شعرهما تصفيفات أنيقة على طريقة فيرنون وإيرين كاستل، لدرجة أنهما علقتا بالذاكرة أكثر من السيدة نفسها. الشيء الوحيد الذي يتذكَّره الناس على وجه اليقين عنها هو أن سنَّها لا تَقِلُّ عن الأربعين بكل تأكيد، فيما كان بلايكي صبيًّا في التاسعة عشرة من عمره. ولأنه لم يتربَّ كسائر الأولاد الآخرين؛ فقد سُمح له بإدارة الفندق والسفر إلى كاليفورنيا والاختلاط بكل أنواع الناس؛ وكانت النتيجة فساد الأخلاق وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته. شربت شار سمًّا، أو ما حسبت أنه سمٌّ، ولم يكن في الواقع سوى مزهرة الغسيل؛ إذ كانت أول ما أمكنها الوصول إليه على رف المطبخ الخلفي. رجعت إت إلى البيت بعد المدرسة — كانت قد سمعت الخبر ظهيرة ذلك اليوم من شار نفسها في الواقع، وأخذت تضحك وقالت: «ألم يكن ذلك ليقتلك؟» — ووجدت شار تتقيَّأ في دورة المياه. صاحت فيها شار قائلة: «اذهبي وأحضري الدليل الطبي.» وندَّت عنها آهة ألم فظيعة لم تستطِع أن تتمالكها، مستطردة: «هيا اقرئي ما يقوله عن السم.» بيد أن إت ذهبت للاتصال بالطبيب. خرجت شار مترنحة من الحمام وممسكة بزجاجة مبيض الغسيل التي كانوا يحتفظون بها خلف الحوض، وقالت بصوت هامس يخرج بصعوبة: «إذا لم تضعي السماعة فسأشرب الزجاجة كلها.» كان من المفترض أن أمهما نائمة خلف باب غرفتها المغلق. اضطرت إت إلى وضع السماعة والنظر في الكتاب القديم القبيح الذي قرأت فيه منذ أمدٍ بعيد عن الولادة وعلامات الوفاة، وتعرَّفت فيه على كيفية فحص الفم بمرآة. كان لديها انطباع خاطئ بأن شار قد شربت بالفعل من زجاجة مبيض الغسيل، ومن ثم قرأت كل ما يخص ذلك الموضوع، ثم اكتشفت أنها شربت من المزهرة. ولم يكن الدليل يحوي شيئًا عنها، ولكن بدا لها أن أفضل شيء يمكنها فعله أن تحثَّ شار على التقيؤ، كما ينصح الدليل حيال معظم السموم — وإن كانت شار تتقيأ بالفعل ولم تكن في حاجة إلى حثِّها على ذلك — ثم شُرْب لتر من اللبن. وعندما تجرَّعت شار اللبن أصيبت بالغثيان مرة أخرى. وقالت شار بين تقلصات الألم: «لم أفعل ذلك بسبب بلايكي نوبل. لا تفكري في هذا أبدًا؛ فأنا لست بتلك الحماقة، وما هو إلا منحرف تافه، وإنما فعلتها لأنني سئمت حياتي.» قالت إت بتأثر بعدما مسحت شار وجهها: «ما الذي أصابك بالسأم من حياتك؟» «لقد سئمت تلك البلدة وكل أهلها الأغبياء، وأمي ومرضها بداء الاستسقاء، وتولِّي شئون المنزل وغسيل الملاءات كل يوم. لا أظن أنني سأتقيأ مرة أخرى. أعتقد أنه يمكنني شرب بعض القهوة؛ فالقهوة مناسبة الآن.» أعدَّتْ إت إبريقًا من القهوة وانتقت شار أفضل كوبَيْن، وأخذت الاثنتان تضحكان مقهقهتَيْن وهما ترتشفان القهوة. قالت إت: «لقد سئمت اللاتينية، وسئمت الجبر. أظن أنني سأتجرَّع بعضًا من مزهرة الغسيل.» قالت شار: «الحياة كلها منغِّصات. أيتها الحياة، أين لدغَتُك؟» «بل أيها الموت، أيها الموت، أين لدغتك؟» «هل قلتُ الحياة؟ كنت أقصد الموت. أيها الموت، أين لدغتك؟ معذرةً.» ••• في عصر أحد الأيام بقيت إت مع آرثر فيما ذهبت شار للتسوق وتغيير الكتب في المكتبة. أرادت إت أن تُعِدَّ له شراب البيض، فذهبت للبحث عن جوزة الطيب في خزانة شار. ومع الفانيليا ومستخلص اللوز وشراب الرم الاصطناعي، وجدت بالخزانة زجاجةً صغيرة لسائل غريب؛ فوسفيد الزنك. قرأت الملصق وقلبتها في يديها. إنه مبيد للقوارض؛ فهو سمُّ فئران إذن. إنها لم تسمع شار وآرثر من قبل يشتكيان من متاعب مع الفئران، وهم يتركون القط توم العجوز نائمًا عند أقدام آرثر. فتحت إت غطاء الزجاجة واشتمَّتها للتعرف على رائحة السم. كان عديم الرائحة، بالطبع، ومن المؤكد أنه عديم الطعم أيضًا، وإلا فلن يخدع الفئران. أعادت الزجاجة حيث وجدتها، وأعدَّت لآرثر شراب البيض ثم قدَّمته له وشاهدته وهو يشربه. سمٌّ بطيء؛ هكذا عادت بها ذاكرتها إلى قصة بلايكي السخيفة. شرب آرثر كطفل صغير مُحدِثًا ضوضاء تنمُّ عن إعجابه بالشراب، وهو ما أثار سعادتها أكثر من سعادة آرثر نفسه؛ فقد كان آرثر سيشرب أي شيء تقدمه له. تلك طبيعته. «كيف حالك هذه الأيام يا آرثر؟» «أوه، إت، في بعض الأيام أحسُّ بأنني أقوى قليلًا، ثم لا ألبث أن أصاب بانتكاسة. الأمر يستغرق بعض الوقت.» ولكن لم ينقص من الزجاجة شيء، فالزجاجة تبدو ممتلئة. يا له من هراء فظيع! كتلك الأشياء التي تقرؤها في روايات أجاثا كريستي. سوف تتحدث إلى شار عن الأمر، ولا بد أن شار ستخبرها بالسبب. ثم سألت آرثر: «هل تريدني أن أقرأ لك؟» فقال لها نعم. جلست بجوار الفراش وقرأت له من كتاب عن دوق ولنجتون. كان يقرأ من الكتاب بنفسه ولكنَّ ذراعَيْه تعبتا من الإمساك به. كل تلك المعارك والحروب والفظاعات، ما الذي يعرفه آرثر عن تلك الأشياء؟ لماذا يهتمُّ بها لهذه الدرجة؟ لم يعرف شيئًا. لم يعرف لماذا حدث ما حدث، ولماذا لم يستطِع الناس التصرف على نحو عقلاني. لقد كان خيِّرًا على نحو مثالي، وقارئًا للتاريخ، ولكنه لم يقرأ شيئًا عما يجري أمام عينيه؛ لا في بيته ولا في أي مكان. كانت إت مختلفة عنه في معرفتها أن ثمة شيئًا يجري في الخفاء، حتى وإن كانت لا تفهم السبب؛ كانت تختلف عنه في معرفة أن هناك من لا يمكنك الوثوق بهم. لم تَقُل شيئًا لشار على كل حال، وكلما كانت في المنزل حاولت اختلاق الأعذار للبقاء وحدها في المطبخ، حتى تستطيع فتح الخزانة والوقوف على أطراف أصابعها وإلقاء نظرة داخلها لترى الزجاجة من بين الزجاجات الأخرى حتى تتأكد من أنه لم ينقص منها شيء. أخذت تعتقد أنها ربما أمست غريبة الأطوار قليلًا، كما تفعل العجائز؛ وخوفها هذا أشبه بالمخاوف السخيفة والبريئة التي تنتاب الفتيات الصغيرات في بعض الأحيان، من أنهن سوف يقفزن من النافذة، أو يخنقن طفلًا بجلوسهن في عربته؛ مع أن مصدر خوفها لم يكن نابعًا من تصرفاتها هي. ••• نظرت إت إلى شار وبلايكي وآرثر، وهم جلوس في الشرفة، محاوِلة أن تقرِّر ما إذا كانوا يريدون الدخول وإضاءة الأنوار ولعب الورق. أرادت أن تقنع نفسها بسخافة أفكارها. لمع شعر كلٍّ من شار وبلايكي في الظلام. وبينما أوشك آرثر على الصلع الكامل، كان شعر إت متناثرًا داكنًا. بدت لها شار وبلايكي من نفس الفصيلة؛ نفس الطول وخفة الوزن والقوة مع أبهة جامحة. جلسا متباعدَيْن أحدهما عن الآخر، ولكنهما كانا ملحوظَيْن معًا. عشيقَان. ليست كلمة رقيقة كما يظنُّ الناس، بل قاسية ومدمرة. كان آرثر جالسًا على الكرسي الهزَّاز واضعًا لحافًا على ركبتيه، يبدو لها غِرًّا كشيء لم يكتمل نموه؛ غير أن مَن هم على شاكلة آرثر هم، بطريقة ما، السبب في معظم المتاعب. «أحب حبيبي واسمه يبدأ بحرف الراء؛ لأنه رقيق، واسمه ريكس، ويعيش في مطعم.» «أحب حبيبي واسمه يبدأ بحرف الألف؛ لأنه أليف، واسمه آرثر، ويعيش في قفص.» قال آرثر: «عجبًا يا إت! لم يخطر ذلك على بالي قط. ولكني لا أعرف إن كنت سأحب القفص.» قالت شار: «تعتقد أننا كنا جميعًا في الثانية عشرة من العمر.» ••• بعد حادثة مزهرة الغسيل أصبحت شار مشهورة؛ أخذت تشارك في الأعمال المسرحية التي تنظمها جمعية مسرح الهواة وجمعية أوراتوريو، مع أنها لم تمتلك قطُّ موهبة ممثلة أو مغنية. ودائمًا ما كانت تقوم بدور البطلة الباردة والجميلة في المسرحيات، أو سيدة المجتمع العصبية الفاتنة. تعلَّمت التدخين، وذلك بسبب اضطرارها للقيام بذلك على خشبة المسرح. في مسرحية لن تنساها إت أبدًا، لعبت دور تمثال، أو بمعنًى أدق، لعبت دور فتاة مضطرة للتظاهر بأنها تمثال، بحيث يقع شاب معين في حبها، ثم يكتشف في وقت لاحق، مما يصيبه بالحيرة وربما خيبة الأمل، أنها إنسان. كان على شار أن تقف مدة ثماني دقائق ساكنة تمامًا على خشبة المسرح، ملتحِفة بملاءة بيضاء، تطل على الجمهور بسحنة جميلة لا تنقل أي مشاعر. وقد تعجَّب الجميع من قدرتها على أداء هذا الدور. والذي شجعها على الانضمام إلى جمعية مسرح الهواة وجمعية أوراتوريو كان آرثر كومبر، المدرس في المدرسة الثانوية الوافد حديثًا إلى موك هيل، الذي كان يدرِّس التاريخ لإت في سنتها النهائية. كان الجميع يقولون إنه يعطيها درجة الامتياز لأنه يحب شقيقتها، ولكن إت كانت تعلم أن ذلك مرده إلى استذكارها بجد أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تعلمت تاريخ أمريكا الشمالية كأن لم تتعلم شيئًا آخر في حياتها. لم تنسَ قط تسوية ميسوري ورحلة ماكينزي إلى المحيط الهادي عام ١٧٩٣. كان آرثر كومبر يناهز الثلاثين من العمر أو نحو ذلك، يتميز بجبهة عالية صلعاء، ووجه أحمر مع أنه لم يقرب الشراب (اعترى وجهه الشحوب في وقت لاحق)، وسلوك أخرق أهوج؛ فقد أوقع بزجاجة الحبر من على مكتبه ولطخ أرضية حجرة التاريخ بعلامة لن تزول. «يا إلهي! يا إلهي!» قالها وهو يخرُّ على الأرض متتبعًا أثر الحبر المنتشر، ليمسحه بمنديله. أخذت إت تقلِّده، قائلة: «يا إلهي! يا إلهي!» وكل صيحاته الهوجاء وإيماءاته المشوشة. ثم، عندما أخذ مقالها عند الباب، ولمع وجهه الأحمر بإشراقة تنمُّ عن اللهفة، ورحَّب بعملها وبها هي نفسها أيما ترحيب، شعرت بالأسف. وقد رأت إت أن هذا هو السبب الذي دفعها للعمل بجد؛ حتى تكفِّر عن سخريتها منه. كان لديه عباءة أكاديمية سوداء يرتديها على بدلته وهو يلقي الدروس. حتى عندما لم يكن يرتديها، كان بمقدور إت أن تراها عليه. وعندما كان يهرول بطول الشارع إلى إحدى مهامه العديدة التي يؤديها بكل سرور، مسرعًا إلى مطربي أوراتوريو، قافزًا على خشبة المسرح — التي كانت ترتجُّ تحت قدميه — ليُري شيئًا للممثلين في مسرحية، بدا لها وهو يقوم بذلك وكأنه يمتلك أجنحة الغراب الطويلة المضحكة تلك ترفُّ من ورائه، الأمر الذي يجعله مختلفًا عن غيره من الرجال، سخيفًا ولكنه مثير للاهتمام، كقس متخرج في كلية هولي كروس. أقنعته شار بالتخلي عن العباءة تمامًا، وذلك بعد زواجهما؛ فقد سمعت أنه تعثَّر بها وهو يرتقي درجات سلم المدرسة فانبطح أرضًا. وكانت تلك نهاية أمر العباءة التي مزَّقتها إربًا. «خشيتُ أن يأتي يوم تتأذَّى منها حقًّا.» لكن آرثر قال لها: «آه. لعلك اعتقدتِ أنني أبدو فيها أخرق.» لم تنكر شار ذلك، مع أن عينيه الناظرتين إليها وابتسامته العريضة كانت تستجديها أن تنكره؛ إذ التوت شفتاها عند الزوايا رغمًا عنها، تعبيرًا عن الازدراء والغضب. رأت إت — كلاهما رأَيَا — موجة جارفة هائلة من هذا الشعور تجتاحها قبل أن تتمكن من أن تبتسم في وجهه وتقول: «لا تكن سخيفًا.» ثم حاولت جاهدة أن تُبقي ابتسامتها وعينيها مثبتتَيْن عليه، في محاولة للتشبث بصلاحه (الذي رأته، كما رآه الجميع، ولكنه لم يؤدِّ في النهاية إلا إلى إثارة ثائرتها، في رأي إت، شأنه شأن أي شيء آخر فيه، مثل جبهته المتعرِّقة وتفاؤله الزائد عن الحد)، قبل أن تعاودها موجة الغليان مرة أخرى وتجتاحها تمامًا. تعرضت شار للإجهاض خلال السنة الأولى من زواجها، وظلت بعدها مريضة فترة طويلة، ولم تحمل بعدها قطُّ. في ذلك الحين لم تكن إت تعيش في المنزل؛ إذ كانت تقطن في سكن خاص في الساحة، ولكنها كانت تحضر للمنزل مرة واحدة في يوم الغسيل، لمساعدة شار في تعليق الملاءات على حبل الغسيل. حينها كان والداهما قد توفيا — توفيت أمهما قبل الزفاف أما أبوهما فتوفي بعدها — ولكن بدا لإت أن الملاءات تخص سريرين. «هذا يجعلك تغسلين كمًّا هائلًا.» «ما هذا؟» «تغيير الملاءات بطريقتك تلك.» كثيرًا ما كانت إت تذهب هناك مساءً لتلعب الريمية بأوراق اللعب مع آرثر بينما تعزف شار على البيانو في الظلام في غرفة أخرى. أو تتحدث إلى شار وتقرأ من كتب المكتبة معها، بينما يعلِّم آرثر أوراقه. كان آرثر يوصلها إلى منزلها. فوبخها ذات مرة قائلًا: «ما الذي يدعوك إلى مغادرتنا والعيش بمفردك؟ يجب أن تعودي وتعيشي معنا.» «ثلاثة معًا عدد كبير.» «هذا لن يدوم طويلًا؛ فلا بد أن أحدهم سيأتي يومًا ويقع على رقبته.» «إذا كان هو من الحماقة لأن يقع على رقبته، فلن أقع أنا من أجله أبدًا في المقابل، ومن ثم نعود من حيث بدأنا.» «لقد كنت أحمق ووقعت على رقبتي من أجل شار، وانتهى بها الأمر بالفوز بي.» الطريقة التي نطق بها اسمها توحي بأن شار فوق وخارج كل الاعتبارات التقليدية؛ أعجوبة ولغز لا يمكن لأحدٍ أن يأمل في حلِّه، وأنهما محظوظان لمجرد السماح لهما بالتفكير فيها. كانت إت على وشك أن تقول: «لقد ابتلعت فاتنتك مزهرة الغسيل ذات مرة حزنًا على رجل لم يكن لها»، ولكنها فكرت في أنه سيكون لذلك تأثير إيجابي عليه؛ إذ ستبدو شار أكثر روعة في عينيه، مثل بطلة بإحدى مسرحيات شكسبير. اعتصر آرثر خصر إت كما لو كان يؤكد على الإبهام الذي يكتنف علاقتهما الودية، وإكباره اللاإرادي لها، أمام أختها. شعرت بعد ذلك بشدة ضغطة أصابعه كما لو أنها قد تركت خدوشًا حيث تربط تنورتها. بدا كما لو أن شخصًا شارد الذهن يجرب الضغط على مفاتيح البيانو. ••• اشتغلت إت بمهنة تفصيل الملابس. كانت تمتلك غرفة ضيقة تطل على الساحة، كانت متجرًا ذات يوم؛ حيث تقص القماش وتخيطه وتقيس الملابس وتكويها، أما النوم والطبخ فكانت تتدبر أمرهما خلف ستارة في نفس الغرفة. كانت تستلقي في فراشها وتحدق في مربعات القصدير المضغوط في سقف غرفتها، وشكل الورود الذي تتخذه. كل ذلك ملكها وحدها. لم يكن آرثر يحب حديثها عن تفصيل الملابس؛ لأنه يعتقد أنها أذكى من ذلك العمل. كل الجهد الشاق الذي بذلته في دراسة التاريخ أعطاه فكرة مبالغًا فيها عن ذكائها. وقالت له: «إن قص القماش وقياس الملابس، إذا فعلته بالطريقة الصائبة، يتطلب من الذكاء أكثر مما يتطلبه تدريس حرب ١٨١٢؛ لأنك ما إن تدرسها حتى تعرف أحداثها وينتهي الأمر دون أن تغير فيك تلك المعرفة شيئًا. أما كل قطعة ملابس جديدة فتمثل منتجًا جديدًا تمامًا.» قال آرثر: «ما زلت مندهشًا مما آل إليه حالك.» لقد فاجأتِ الجميع، ولكن ليست إت نفسها، التي تغيرت بسهولة من فتاة تتقافز بحركات دائرية إلى أحد معالم البلدة؛ فقد استأثرت بسوق تفصيل الملابس على حساب الحائكات الأخريات؛ إذ كانت المشتغلات بتلك المهنة مجرد مخلوقات متواضعة غير مهمة على أي حال، يَدُرنَ على بيوت الناس، وَيَحُكْنَ الملابس في الغرف الخلفية ويعبِّرن عن امتنانهن لزبائنهن شكرًا لهم على ما يقدمونه من وجبات. وطوال سنوات عمل إت لم يظهر أمامها سوى منافِسة جدية، وهي امرأة فنلندية أطلقت على نفسها لقب مصممة أزياء. جرَّبها بعض الناس؛ لأن الناس لا يرضون أبدًا، لكن سرعان ما تبيَّن أنها مجرد مظهر مخادع دون مهارة حقيقية. لم تأتِ إت على ذكرها قط، بل تركت الناس يكتشفون حقيقتها بأنفسهم؛ ولكن بعد ذلك، عندما غادرت هذه المرأة البلدة وذهبت إلى تورونتو — حيث ما من أحدٍ يعرف التفصيل الجيد من السيئ بحسب ما استنتجت إت مما رأته في الشوارع — لم تَعُد إت تكبح جماح نفسها؛ إذ كانت تقول للزبونة التي تفصِّل لها: «أرى أنك لا تزالين ترتدين ذلك الثوب من القماش المقصوص على شكل رقم ٧ الذي فصَّلته لك صديقتي الأجنبية، رأيتُك في الشارع.» فتقول لها الزبونة: «أوه، أعرف. ولكني مضطرة إلى ارتدائه حتى يبلى.» «لا تستطيعين رؤية نفسك من الخلف؛ لا فارق إذن.» كانت الزبائن يقبلن منها هذا التقريع، بل وأصبح شيئًا متوقعًا بالنسبة لهن. صرن يلقِّبنها بالفظيعة، إت الفظيعة. دائمًا ما تضعهن في موقف غير مؤاتٍ، ولا عجب، فهي تحادثهن وهن في ملابسهن التحتية يرتدين مشدات الجسم. حتى السيدات اللاتي يبدون حازمات وقويات جدًّا في الخارج يتحولن هنا إلى نسوة مسلوبات الإرادة كاسفات البال يكشفن عن أفخاذ تدعو للرثاء مضغوطة بفعل المشدات، وثنيات طويلة مؤسفة في الثديين، وبطون انتفخت ثم فُرِّغت فتجعَّدت بسبب الولادة والعمليات. دأبت إت على إغلاق الستائر الأمامية بإحكام، مشبكة الفرجة بينها بدبوس. «هذا لمنع الرجال من التطفل.» فتضحك السيدات بعصبية. «هذا لمنع جيمي ساندرز من أن يعرج إلينا ويتلصص علينا.» كان جيمي ساندرز أحد قدامى المحاربين بالحرب العالمية الأولى، ويمتلك محلًّا صغيرًا بجوار محل إت يبيع فيه سروج الأحصنة والمنتجات الجلدية. «أوه، إت. جيمي ساندرز لديه ساق خشبية.» «ولكن ليست لديه عيون خشبية، أو أي شيء آخر أعرفه.» «إت، أنتِ فظيعة.» ••• حرصت إت على أن تفصِّل لشار ملابس تُظهر جمالها. وأكثر انتقادَيْن كانا يوجَّهان إلى شار في موك هيل هما أنها ترتدي ملابس أنيقة جدًّا، وأنها تدخِّن؛ نظرًا لأنها زوجة مُعلِّم وينبغي لها أن تمتنع عن كلا هذين الأمرين، ولكن آرثر بالطبع سمح لها بفعل كل ما يعجبها، بل إنه اشترى لها مبسم سيجار حتى تبدو كسيدة تظهر على غلاف مجلة. كانت تدخِّن في إحدى حفلات الرقص بالمدرسة الثانوية، وارتدت فستان سهرة عاري الظهر مصنوعًا من الساتان، وراقصت صبيًّا سبق له أن تسبَّب في حمل فتاة في المدرسة الثانوية، ولم يأبه آرثر لذلك. لم تتمَّ ترقيته إلى منصب ناظر المدرسة؛ بعد أن تجاوزه مجلس المدرسة مرتين واستقدم نظَّارًا من خارجها، وعندما منحوه الوظيفة في النهاية، في عام ١٩٤٢، كان ذلك بشكل مؤقت فقط؛ لأن الكثير جدًّا من المعلمين كانوا بعيدين في الحرب. كافحت شار كثيرًا لكي تحافظ على قوامها. وما من أحدٍ باستثناء إت وآرثر يعلم كمَّ الجهد الذي بذلته لتحقيق تلك الغاية. وباستثناء إت فلا أحد يعلم كل شيء عن تلك المسألة؛ فقد كان والداهما بدينَيْن، وورثت شار عنهما الميل إلى البدانة، مع أن إت دائمًا ما كانت نحيفة كالعصا. اعتادت شار ممارسة التمارين الرياضية وشرب كوب من الماء الدافئ قبل كل وجبة. ولكن في بعض الأحيان كانت تعكف على الأكل بنهم. كانت إت تعلم عنها أنها يمكن أن تلتهم دستة من كعك الكريمة واحدة تلو الأخرى، أو رطلًا من حلوى الفول السوداني أو فطيرة ليمون المارنج كاملة، ثم لا تلبث أن تصاب بالشحوب والرعب فتقوم بابتلاع كميات كبيرة من الملح الإنجليزي بكميات تفوق الكمية المقررة بثلاث أو أربع أو خمس مرات، فتظل مدة يومين أو ثلاثة مصابة بالإعياء والجفاف للتكفير عن خطاياها، على حسب قول إت. وخلال تلك الفترات لا تستطيع النظر إلى الطعام. ويكون على إت أن تأتي وتطهو الطعام لآرثر، الذي لم يكن على علم بأمر الفطائر أو حلوى الفول السوداني أو خلافه، ولا حتى بأمر الملح الإنجليزي. كان يعتقد أنها زادت رطلًا أو اثنين وتمر بمرحلة محمومة من الحمية الغذائية. كان يشعر بالقلق عليها. دأب آرثر على أن يقول لإت: «ما الفارق، ما أهمية ذلك؟ فهي لا تزال جميلة.» «لن تؤذي نفسها.» هكذا ترد عليه إت مستمتعة بطعامها، وسعيدة لأن قلقه لم يفسد شهيته، فدائمًا ما تطبخ له طعام عشاء شهيًّا. ••• يتبقى أسبوع على عطلة عيد العمال، وقد ذهب بلايكي إلى تورونتو مدة يوم أو يومين، على حد قوله. قال آرثر: «الجو هادئ من دونه.» قالت إت: «لم أجد قطُّ أنه ذلك المحاور البارع.» قال آرثر: «إنما أعني الطريقة التي تعتادين بها على أحدهم.» قالت إت: «ربما ينبغي لنا ألا نعتاد عليه.» لم يكن آرثر سعيدًا؛ فهو لن يعود إلى المدرسة بعد حصوله على إجازة بدون مرتب حتى نهاية عطلة الكريسماس. لم يَدُر بخلد أحدٍ أنه سيعود عندئذٍ. قال: «أعتقد أن لديه خططه الخاصة لهذا الشتاء.» «قد تكون لديه خططه الخاصة لهذه اللحظة؛ فأنت تعرف أن لديَّ زبائني من نزلاء الفندق، ولديَّ أصدقائي، ومنذ أن ذهبت في تلك النزهة وأنا أسمع أشياء.» لم تعرف كيف أتاها ذلك الخاطر لتقول ما قالت، فلا تعرف من أين جاءها ذلك الخاطر. لم تخطط له، ولكنه جاءها بكل سهولة وبصدق. «أسمع أنه اصطحب امرأة موسرة إلى الفندق.» كان آرثر يهتم لتلك الأحاديث، وليس شار. «أرملة؟» «مرتين على ما أعتقد. تمامًا كما ترمَّل هو مرتين. وقد ورثت أموالًا من كليهما. كان الأمر محل شكٍّ لبعض الوقت وكانت هي تتحدث عنه صراحة. أما هو فلم يَقُل شيئًا في المقابل. ألم يَقُل لك شيئًا، ألم يَقُل لكِ يا شار؟» قالت شار: «كلا.» «سمعت عصر اليوم أنه خارج البلدة في الوقت الحالي، وأنها قد غادرت أيضًا. ليست تلك المرة الأولى التي يفعل فيها شيئًا كهذا؛ فأنا وشار نتذكَّر شيئًا كهذا.» عندئذٍ أراد آرثر أن يعرف ما ترمي إليه، فأخبرته بقصة السيدة محركة العرائس، متذكِّرة حتى اسمَي دميتيها، مع أنها لم تأتِ بالطبع على ذكر حكاية شار، التي حضرت ذلك الحوار بل وكانت تشارك فيه قليلًا. «قد يرجعان، ولكني أظن أنهما قد يستشعران الحرج. قد يستشعر الحرج من المجيء هنا، على أي حال.» قال آرثر: «لماذا؟» وقد سعد بقصة محركة العرائس، ثم أضاف: «نحن لا نمنع أي شخص من أن يتزوج.» نهضت شار ودخلت المنزل. وبعد برهة تناهى إلى سمعهما صوت البيانو. ••• السؤال الذي دائمًا ما كان يلحُّ على بال إت في السنوات الأخيرة: ما الذي كانت تعتزم فعله بشأن هذه القصة عند رجوع بلايكي؟ نظرًا لأنه لم يكن لديها سبب يجعلها تعتقد أنه لن يرجع. والإجابة هي أنها لم تُعِدَّ أي خطط على الإطلاق. كل ما هنالك أنها افترضت أنها ربما تثير مشكلة بينه وبين شار، تجعل شار تتشاجر معه، وتستثير شكوكها حتى لو لم تكن الإشاعات حقيقية، وتجعل شار تستنبط ما قد يفعله مرة أخرى في ضوء ما فعله من قبل. لم تكن تعرف ما تريده. كل ما أرادته أن تخلق حالة من الريبة؛ لأنها اعتقدت عندئذٍ أن شخصًا ما عليه فعل ذلك قبل فوات الأوان. تعافى آرثر بالقدر المتوقع ممن هم في سنه، وعاد إلى تدريس التاريخ لطلاب السنة النهائية في المدرسة الثانوية، مع العمل نصف الوقت حتى يحين موعد تقاعده. أما إت فقد احتفظت بمكانها بالساحة وحاولت أيضًا النهوض وطبخ بعض الطعام والقيام ببعض أعمال النظافة لآرثر. أخيرًا وبعد تقاعده عادت إت إلى المنزل، تاركة مكانها الآخر لأغراض العمل فقط، حيث قالت: «دعِ الناس يعيدوا ويزيدوا كما شاءوا عن عمرنا.» عاش آرثر حياة مديدة بالرغم من ضعفه البدني وبطء حركته. مشى يومًا ما إلى الساحة قاصدًا إت، فاصطحبها معه وذهبا إلى المنتزه. كان الفندق قد أُغلق وبيع مرة أخرى، وسَرَتْ إشاعة أنه سيتم افتتاحه مركزًا لإعادة تأهيل مدمني المخدرات، ولكن البلدية تلقَّت عريضة احتجاج فتراجعت عن المشروع، وفي نهاية المطاف تم هدمه. لم يَعُد بصر إت بنفس قوته المعتادة، مما اضطرها إلى الإبطاء في العمل، وردِّ بعض الزبائن، بيد أنها لا تزال تعمل كل يوم. في المساء كان آرثر إما يشاهد التليفزيون أو يقرأ، بينما هي إما تجلس في الشرفة أيام الطقس الدافئ، أو في غرفة الطعام أيام الشتاء، مسترخية على الكرسي الهزاز ومريحة عينيها. جاءت وشاهدت نشرة الأخبار معه، وأعدَّت له مشروبه الساخن، من الكاكاو أو الشاي. ••• لم يكن هناك أثر للزجاجة. ذهبت إت وألقت نظرة على الخزانة بأسرع ما يمكن؛ بعد أن هرولت إلى المنزل استجابة لمكالمة آرثر في الصباح الباكر، ووجدت الطبيب، ماكلين العجوز، يدخل البيت في الوقت نفسه. أسرعت وفتشت في القمامة، ولكنها لم تجد لها أثرًا. هل كان لدى شار الوقت لدفنها؟ كانت ترقد على السرير وهي متأنقة في كامل ملابسها، وشعرها ملموم بعناية. لم تكن هناك ضجة حول سبب الوفاة كما هي الحال في القصص. كانت قد اشتكت إلى آرثر من شعورها بالضعف في الليلة السابقة بعد رحيل إت، وقالت إنها تعتقد أنها ستصاب بالأنفلونزا. وهكذا قال الطبيب العجوز أزمة قلبية، وقضي الأمر. بيد أن إت لم تستطِع معرفة السبب. ما الذي كان في الزجاجة ولا يترك أثرًا على الجسم على الإطلاق؟ ربما ما كان في الزجاجة ليس ما هو مكتوب عليها، حتى إنها غير متأكدة أصلًا من أن تلك الزجاجة كانت موجودة في الليلة الماضية؛ فقد كانت متحمسة للغاية تجاه ما كانت تقوله مما حال دون ذهابها وإلقاء نظرة، كما اعتادت أن تفعل. وربما تم التخلص منها في وقت سابق وتجرعت شار شيئًا آخر، كالحبوب مثلًا. وربما كانت أزمة قلبية حقًّا؛ فعمليات التطهير القاسية تلك من شأنها أن تضعف قلب أي إنسان. كانت جنازتها في يوم عيد العمال بحضور بلايكي نوبل الذي قطع جولته بالحافلة. أما آرثر، وفي خضم أحزانه، فقد نسي القصة التي حكتها إت، ولم يُفاجأ بحضور بلايكي، الذي رجع إلى موك هيل في يوم دفن شار، متأخرًا بضع ساعات، كما في القصص. وفي خضم ارتباكها الطبيعي لم تستطِع إت تذكُّر اسم مسرحية روميو وجولييت التي تذكَّرتها لاحقًا. بيد أن بلايكي نوبل لم يقتل نفسه بالطبع، بل عاد إلى تورونتو. وظل مدة عام أو عامين يرسل بطاقات المعايدة في الكريسماس، ثم انقطعت أخباره تمامًا. وما كانت إت لتُفاجَأ لو ثبت في النهاية عدم صحة حكاية زواجه، فقط توقيتها هو الخاطئ. في بعض الأحيان كان الكلام يقف على طرف لسان إت قبل أن تقول لآرثر: «ثمة سر يؤرقني كنت أعتزم إخبارك به.» فهي لم تصدق أنها كانت ستدعه يموت دون أن يعرفه. لم تكن لتسمح له بذلك. وقد احتفظ بصورة لشار على مكتبه، وهي صورة التُقطت لها وهي ترتدي ملابس تلك المسرحية التي لعبت فيها دور الفتاة التمثال. غير أن إت تغاضت عن الأمر، يومًا بعد يوم. وظلت هي وآرثر يلعبان الريمية بأوراق اللعب وقامَا على رعاية حديقة صغيرة، مع قصب التوت. لو أنهما كانا متزوجين لقال عنهما الناس إنهما في غاية السعادة. سر يؤرقني
مادة قصصية أنا لا أتابع كتابات هوجو، ولكن أحيانًا أرى اسمه، في المكتبة، على أغلفة بعض المجلات الأدبية التي لا أقرؤها؛ فأنا لم أقرأ مجلة أدبية منذ أكثر من اثني عشر عامًا والحمد لله. أو ربما أقرأ اسمه في الصحف أو أراه على ملصقات إعلانية — في هذه الحالة أيضًا أكون في المكتبة أو بمتجر الكتب — وفي أحيان أخرى أرى اسمه بلوحة الإعلانات بالجامعة للإعلان عن استضافته بندوة أدبية، وذلك عندما يأتي هوجو لمناقشة موضوعات مثل وضع الرواية في العصر الحالي، أو القصة القصيرة المعاصرة، أو التحدث عن النزعة القومية الجديدة في أدبنا. حينها أتساءل هل يذهب الناس إلى الندوات الأدبية تلك حقًّا؟ هل يقوم الناس الذين في مقدورهم الذهاب للسباحة أو لاحتساء مشروب أو حتى المشي بالتوجه إلى الحرم الجامعي حتى يبحثوا عن القاعة ويجلسوا في صفوف متتالية من الكراسي للاستماع لهؤلاء الرجال المغرورين الذين يثيرون الزوبعات؟ رجال مترفون، مستبدون بآرائهم، وغير منظمين، نعم هكذا أراهم، رجال تدللهم الحياة الأكاديمية، وتدللهم الحياة الأدبية، وتدللهم النساء. يذهب إليهم الناس ليسمعوهم يتحدثون عن أن هذا الكاتب أو ذاك لا يستحق أن تقرأ له أي عمل بعد الآن، وأن هذا الكاتب أو ذاك يجب عليك أن تقرأ أعماله، يذهب إليهم الناس ليستمعوا إليهم وهم يقللون من شأن هذا ويمجدون في شأن ذاك، ويستمعون إليهم وهم يجادلون ويضحكون ويصدمون الناس. أقول الناس ولكني هنا أتحدث عن النساء، نساء مثلي في منتصف العمر، مرتجفات وفي حالة تأهب دائمة، يأملن في أن تكون الأسئلة التي يطرحنها أسئلة ذكية وألا يتمَّ النظر إليهن على أنهن سخيفات؛ وفتيات ذوات شعر ناعم غارقات في العشق والوله حتى آذانهن، يتمنين أن تلتقي أعينهن مع أعين رجل من الرجال الموجودين على المنصة. تقع الفتيات، إضافة إلى السيدات، في غرام هؤلاء الرجال، معتقدات أنهم يمتلكون قوة كامنة فيهم. وإن بحثت عن زوجات هؤلاء الرجال الموجودين على المنصة فلن تراهن في الحضور، ستجدهن يشترين الخضراوات أو ينظفن الفوضى في منازلهن أو حتى يحتسين شرابًا. دائمًا ما تجد حياتهن متمحورة حول الطعام والبيت والفوضى والسيارات والمال. ستجد أنهن المسئولات عن كل شيء؛ فهنَّ من يتذكَّرن وضع إطارات السيارة المانعة للتزحلق، وهنَّ من يذهبن للبنك، وهنَّ من يجمعن زجاجات الجعة الفارغة؛ ولِمَ يجب عليهن القيام بذلك؟ لأن أزواجهن رجال مبدعون وموهوبون، رجال عجزة ينبغي العناية بهم، وذلك في سبيل الكلمات التي تخرج من عقولهم. أما السيدات اللاتي في الحضور فستجدهن زوجات لمهندسين أو أطباء أو رجال أعمال. أنا أعرفهن شخصيًّا، فهن صديقاتي، بعضهن اتجه لعالم الأدب على نحو غير جدي، تلك هي الحقيقة، ولكن أخريات أتين على استحياء ولديهن أمل كبير ولكنه سريع الزوال. هؤلاء النساء يمتصصن ازدراء الرجال الموجودين على المنصة كما لو كنَّ يستحققنه، وهن يؤمنَّ خفية بأنهن يستحققن ذلك بسبب منازلهن وأحذيتهن باهظة الثمن، وأزواجهن الذين يقرءون للكاتب آرثر هايلي. أنا شخصيًّا متزوجة من مهندس يدعى جابرييل، ولكنه يفضل أن نناديه جايب. يفضل الاسم جايب في هذا البلد؛ حيث إن مسقط رأسه رومانيا، وقد عاش هناك حتى سن السادسة عشرة حتى انتهت الحرب الدائرة بها، ولكنه نسي كيفية التحدث باللغة الرومانية. كيف يمكنك أن تنسى؟ كيف يمكنك أن تنسى لغتك الأم التي قضيت طفولتك كلها تتحدث بها؟ لطالما اعتقدت أنه يدَّعي النسيان؛ لأن الأشياء التي رآها ومر بها خلال الفترة التي كان يتحدث فيها بهذه اللغة، أشياء مهولة ومريعة بحيث إنه يرغب عن تذكُّرها مرة أخرى. وقد أخبرني ذات مرة أن اعتقادي هذا غير صحيح؛ حيث أكد لي أن خبرته مع الحرب لم تكن بهذا السوء؛ فكان يصف الضجة التي كانت تحدث في المدرسة عندما يتم إطلاق صافرات الإنذار عند الغارات الجوية مؤذنة بإلغاء الدراسة، ولكني لم أكن أصدقه كليًّا. كنت أطالبه بأن يصبح سفيرًا قادمًا من أوقات عصيبة وبلاد بعيدة، ثم بدأت أشك في كونه رومانيًّا بالفعل، وأنه مدَّعٍ نصاب. ولكن هذا الشك كان قبل أن أتزوجه، حينما كان يأتي لزيارتي ورؤيتي في شقتي الموجودة بشارع كلارك رود، الشقة التي كنت أعيش بها مع ابنتي الصغيرة كِليا، ابنتي من هوجو، ولكن هوجو اضطر لتركها والتخلي عنها تمامًا. رزق هوجو بأبناء عديدين؛ حيث إنه سافر ثم تزوج مرة أخرى وقد أنجبت زوجته ثلاثة أطفال، وفيما بعد طلق هذه الزوجة ثم تزوج مرة أخرى، أما زوجته التالية التي كانت طالبة لديه فقد أنجبت ثلاثة أطفال آخرين، أول طفل منهم قد أنجبته وهوجو ما زال مع زوجته الثانية. في ظروف كهذه يصعب على الرجل أن يتشبث بكل شيء. أما جابرييل فكان معتادًا على البقاء طوال الليل أحيانًا على الأريكة التي يمكن استخدامها كسرير، فكنت أستخدمها في تلك الشقة الصغيرة الفقيرة التي كنت أمتلكها؛ وأتذكَّر حينها أنني حينما كنت أشاهده وهو نائم كان يدور بخلدي أنه مع علمي بهذا الشخص، إلا أنه قد يكون ألماني الجنسية، أو ربما روسيًّا، أو حتى مجرد مواطن كندي عادي يتصنَّع لكنة ويختلق ماضيًا حتى يبدو شخصًا مثيرًا للانتباه. كان جابرييل لغزًا بالنسبة لي، وحتى بعدما أصبح عشيقي بفترة طويلة وبعدما أصبح زوجي، كان ولا يزال لغزًا غامضًا بالنسبة لي؛ حتى بالرغم من كل الأشياء التي أعرفها عنه، من عاداته اليومية وسماته الجسدية؛ سواء قسمات وجهه مثل انحناءات وجهه الناعمة وشكل عينيه الضحلتين المرسومتين على وجهه تحت جفون وردية ناعمة، أو تلك التجاعيد المنقوشة على هذه الملامح الناعمة، هذا السطح الناعم الذي لا يمكن فهمه أو اختراقه؛ ومع ذلك تلك الملامح لم يكن لها أي تأثير؛ فجسده كبير وذو هيبة ويعطي إيحاءً بالهدوء والراحة. دائمًا ما كنت أراه يبدو كمتزلج بارع وإن كان كسولًا. يبدو أنني لا أستطيع وصف جابرييل دون أن أشعر بشعور مألوف من الخضوع والاستسلام. أنا لا أستطيع وصف جابرييل ولكني أستطيع أن أصف هوجو، إن سألني أحدهم عنه، أستطِع وصفه حتى أدق التفاصيل؛ حينما كان عمره ثمانية عشر عامًا — منذ عشرين عامًا مضت — كان شعره قصيرًا للغاية كشعر الجنود، كما كان نحيفًا. وجميع عظامه وحتى جمجمته تبدو كما لو كانت مجمعة ومخيطة معًا بالصدفة البحتة؛ فكان هناك شيء غير متسق وغير متوقع، وفي بعض الأحيان خطير، في الطريقة التي تتحرك بها قسمات وجهه أو حتى أسلوب حركة أطرافه. وحينما أحضرت هوجو أول مرة إلى الجامعة أخبرني زميل لي أنه يبدو كمجموعة من الأطراف تم تجميعها وربطها معًا بواسطة حزمة من الأعصاب، وما قاله كان صحيحًا؛ حيث دائمًا ما كنت أستطيع تخيل تلك الخيوط المتقدة التي تعمل على ربطه معًا بعد هذا الموقف. ومن جهة أخرى حين قابلت جابرييل في المرة الأولى التي رأيته بها أخبرني أنه يستمتع بالحياة. لم يَقُل إنه يعتقد أنه يستمتع بالحياة بل قال إنه يستمتع بها بالفعل. حينها شعرتُ بالأسف عليه؛ وذلك لأني لا أصدِّق الأشخاص الذين يقولون هذا الأمر أبدًا. وعلى كل حال دائمًا ما ترتبط هذه الجملة في ذهني بالرجال الفظاظ محبي التباهي ضيِّقي الصدر المتململين الذين يضمرون ذلك. ولكن على ما يبدو أنها حقيقة جابرييل وأنه صادق بالفعل، فهو ليس بالنوع الفضولي، بل تجده قادرًا على أخذ متعته، كما أنه قادر على الابتسام والمداعبة وأن يقول في حنوٍّ: «لماذا تقلقين بخصوص هذا الأمر؟ إنها ليست مشكلتك.» هذا إضافة إلى أنه قد نسي لغته الأم، وفي بادئ معرفتي به كانت طريقته في مطارحة الغرام تبدو غريبة عليَّ؛ حيث إنها كانت تفتقر إلى العاطفة المتأججة؛ فهو يمارس الحب بفتور — إن جاز التعبير — دون أن تخالجه ذكرى أي ذنب أو رغبة في الفُحش. فهو لا يراقب نفسه، ولن يقوم أبدًا بكتابة قصيدة شعرية عن ممارسة الحب، أبدًا، وستجد أنه قد نسي الأمر برمته بعد نصف ساعة بالفعل. هذا النوع من الرجال شائع الوجود، ربما. المشكلة أنني لم أكن أتعرَّف على أيٍّ من هؤلاء من قبل. وأحيانًا ما تطرأ على ذهني تساؤلات عديدة بخصوصه مثل: هل كنت سأحبه إن تم محو لكنته الغريبة وماضيه المنسي، المنسي تقريبًا؟ هل كنت سأحبه لو كان على سبيل المثال طالبًا يدرس الهندسة في جامعتي في نفس السنة التي كنت أدرس أنا بها؟ أنا لا أعرف الإجابة عن تلك الأسئلة، ولا أستطيع أن أخمنها. فالشيء الذي يجذب أي شخص لرجل أو لامرأة قد يكون شيئًا واهيًا مثل اللكنة الرومانية أو الاستدارة الناعمة لجفن عينه، أو حتى لغزًا ما واهي التبرير يحيط به. أما هوجو فليس لديه أي لغز كهذا على الإطلاق، هذا ليس لأنني لم ألحظ هذا الأمر أو لعدم معرفتي به، ربما لأنني لم أكن لأصدق أن تحيط به مثل هذه الألغاز. ولكني حينها كنت أُومن بشيء آخر تمامًا؛ هذا الشيء لم يكن إيماني بأني أعرفه أو أني أعرف كل شيء عنه، بل حينها كنت مؤمنة بأن ما أعرفه عن هوجو محفورٌ في وجداني ويسري في دمي ومن حين لآخر كان يتسبب في إصابتي بطفح جلدي قاتل، ولكن لا شيء من هذا يحدث أبدًا مع جابرييل؛ فهو لا يتسبب في إزعاجي أكثر مما يتسبب في إزعاج نفسه. جابرييل هو من وجد رواية هوجو وأعطاني إياها. حينها كنا موجودَيْن في المكتبة، وقد جاء إليَّ وهو يحمل في يديه كتابًا ورقي الغلاف كبير الحجم وباهظ الثمن، كانت مجموعة مختارة من القصص القصيرة، ومكتوبًا على الغلاف اسم هوجو. تساءلت كيف وجد جابرييل هذا الكتاب؟ وما الذي كان يفعله في قسم الروايات في المكتبة على أي حال؟ فهو لا يقرأ الروايات على الإطلاق، مما جعلني أتساءل عن كونه يزور المكتبة أحيانًا ليبحث عن إصدارات هوجو؛ فقد كان جابرييل يهتم بإنتاج هوجو مثلما قد يهتم بأعمال ساحر أو مغنٍّ مشهور أو أحد الساسة ممن تربطهم به — من خلالي — صلة قوية، وذلك كدليل على واقعية هذه الصلة. أعتقد أن السبب وراء ذلك هو أن مهنته مهنة مجهولة، حيث العمل الذي يقوم به معروف لأقرانه فقط، وأنه مفتون بهؤلاء الذين يعملون بجرأة على مرأًى من الجميع بدون حماية أي قواعد خاصة — لا بد أن الأمر يبدو له بهذا الشكل باعتباره مهندسًا — في محاولة من هؤلاء الأفراد أن يثقوا بأنفسهم ويطوروا ما في جعبتهم من مهارات، على أمل أن يكون هذا كافيًا ليجذبوا الانتباه. بعد أن أحضر جابرييل الكتاب إليَّ، قال لي: «اشتريه من أجل كِليا.» فقلت: «أليس هذا الثمن باهظًا على كتاب ورقي الغلاف؟» فابتسم. بعدها، توجهت بحديثي إلى كِليا: «انظري، تلك هي صورة والدك، والدك الحقيقي، وهو من كتب هذه القصة، ربما قد ترغبين في قراءتها.» كانت كِليا تقف بالمطبخ تجهز لنفسها خبزًا محمصًا لتأكل. تبلغ كِليا من العمر الآن سبعة عشر عامًا، وفي بعض الأيام قد تأكل الخبز المحمص والعسل وزبدة الفول السوداني وبسكويت الشوكولاتة والجبن المطبوخ وشطائر الدجاج والبطاطس المحمرة، وفي حال قيام أي شخص بالتعليق على الطعام الذي تأكله أو الذي لا تأكله، قد تجري إلى الطابق العلوي وتصفق باب غرفتها بقوة. «يبدو سمينًا، لطالما أخبرتِني أنه نحيف.» هكذا علَّقت كِليا على الصورة ثم وضعت الكتاب على الطاولة. يبدو أن جميع اهتماماتها فيما يتعلق بأبيها تدور في فلك الاهتمامات الوراثية ونوعية الجينات التي ورثتها عنه؛ فكانت دائمًا ما تطرح أسئلة مثل: هل نوع بشرته من النوع الجميل أم الرديء؟ هل معدل ذكائه عالٍ أم منخفض؟ هل تمتلك النساء في عائلته صدورًا كبيرة؟ رددتُ عليها قائلة: «لقد كان نحيفًا عندما كنت أعرفه.» ثم أردفتُ قائلة: «من أين يتأتى لي العلم بأحواله بعد كل هذه الفترة؟» ولكن في حقيقة الأمر يبدو هوجو الآن كما تخيلت الحال التي سيبدو عليها بعد مرور كل هذا الوقت. عندما كنت أرى اسمه في الصحف والمجلات أو على الملصقات كنت أتخيل شخصًا على هذه الهيئة؛ لقد توقعت الكيفية التي سيؤثر بها كلٌّ من أسلوب حياته والزمن على هيئته؛ فلم أُفاجَأ بأنه أصبح سمينًا وإن لم يطل الصلع رأسه، بل ترك شعره لينمو بشكل عشوائي، وقد ربَّى لحية كاملة متجعدة، بينما تتهدل الأكياس السوداء تحت عينيه إلى وجنتيه حتى عندما يضحك. هو الآن يضحك للكاميرا، وقد أصبحت أسنانه أسوأ مما كانت عليه؛ فقد كان يكره أطباء الأسنان بشدة، وكان يردد أن السبب هو أن والده توفي جراء أزمة قلبية على كرسي طبيب الأسنان في العيادة، ولكن هذا الأمر كذبة بالطبع، مثل كثير جدًّا من الأشياء الأخرى، أو على الأقل ضرب من ضروب المبالغة. فيما سبق كان معتادًا على أن يبتسم ابتسامة خفيفة أثناء تصويره؛ كي يخفي نابه الأعلى على الجانب الأيمن، ذلك الناب المكسور منذ أن قام أحدهم في المدرسة الثانوية بدفعه حتى سقط في نافورة للشراب. لكنه الآن أصبح لا يبالي بهذا على الإطلاق، إنه يضحك بحرية ويُظهر تلك الجذور المتعفنة. الآن يبدو مكروبًا وسعيدًا في الوقت نفسه. يبدو ككاتب ساخر وناقد لاذع. ويظهر هوجو بالصورة وهو يرتدي قميصًا صوفيًّا مقلمًا يظهر من تحته قميصه الداخلي، لم يَعتَدْ هوجو على لبس قميص داخلي من قبل. وجدت نفسي أوجِّه له عدة أسئلة مثل: هل تقوم بالاستحمام يا هوجو؟ هل رائحة فمك الآن كريهة بحالة أسنانك تلك؟ هل تنادي طالباتك من الفتيات بألقاب قذرة بغضب مفتعل كما اعتدت؟ هل تتلقَّى مكالمات هاتفية من آباء يشعرون بالإهانة من طريقتك؟ هل يقوم عميد الكلية أو أي شخص بشرح موقفك وأنك لم تقصد أي إهانة حقيقية، وأن المؤلفين والكتَّاب ليسوا كبقية البشر؟ ربما لا، ربما لا يمانع أحدٌ هذه الأيام. يتمتع الكتَّاب الغاضبون هذه الأيام بالعديد من النِّعم؛ فهم يتنقَّلون ما بين نعمة وأخرى هذه الأيام، حائرين بين كل تلك النعم، كما هي الحال مع الأطفال المدللين. لا أمتلك دليلًا على هذا الكلام، لقد قمت بتخيل شخصية كاملة من محض صورة واحدة مشوشة، ولكني سعيدة وراضية عن استنتاج تلك الصور النمطية؛ فأنا لا أمتلك لا المخيلة ولا النية الطيبة تجاهه لأقوم بأي استنتاج مختلف؛ كما أنني على أي حال قد لاحظت مثلما لاحظ الجميع أنه بمجرد أن يصل الشخص لمرحلة منتصف العمر كيف تتلاشى الأقنعة التي يلبسها الأشخاص أو الهويات التي يتقلدونها، إذا أردت تسميتها هكذا، وكيف تضعف مع الوقت. في الأدب القصصي، نطاق عمل هوجو، لن تكون هذه الأقنعة أو الهويات كافية ولن تقوم بالغرض، ولكن على أرض الواقع تبدو هذه الأقنعة هي كل ما نرغب فيه بالفعل، ويبدو أنها الشيء الوحيد الذي يستطيع أي شخص القيام به. على سبيل المثال، انظر لصورة هوجو، انظر لقميصه التحتي، اقرأ التعليق المكتوب عن هوجو تحت الصورة: هوجو جونسو: وُلد في الريف واكتسب جانبًا من تعليمه هناك في مدن التعدين وقطع الأشجار بشمال أونتاريو بكندا. شغل عدة أعمال منها حطاب وحامل لزجاجات الجعة وموظف ببقالة وعامل أسلاك تليفونات، إضافة إلى ملاحظ للعمال على ماكينة تقطيع الخشب؛ وذلك بالطبع بجانب انخراطه في مختلف الأوساط الأكاديمية بشكل متقطع. والآن يقيم معظم الوقت بالمناطق الجبلية شمال مدينة فانكوفر مع زوجته وأولاده الستة. يبدو أن زوجته الطالبة تورطت في رعاية كل هؤلاء الأطفال وتربيتهم. تُرى ماذا حدث لماري فرانسيس؟ هل ماتت؟ هل نالت حريتها؟ هل أصابها الجنون بسبب هوجو؟ ولكن استمع للأكاذيب، استمع لأنصاف الحقائق، استمع للحماقات المكتوبة: «والآن يقيم بالمناطق الجبلية شمال مدينة فانكوفر»، كما لو كان يعيش في كوخ بالبرية، وأكاد أجزم أنه يعيش في بيت عادي لطيف ومريح شمال أو جنوب مدينة فانكوفر التي تمتد الآن إلى المناطق الجبلية. وماذا عن قولهم: «انخراطه في مختلف الأوساط الأكاديمية بشكل متقطع»؟ ما المقصد الحقيقي من هذا الكلام؟ هل يقصدون أنه قام بالتدريس في الجامعات سنوات فترة نضوجه أو معظمها، وأن التدريس بالجامعات هو الوظيفة الوحيدة ذات المرتب المجزي التي حظي بها، فلماذا لا يكتبون هذا الأمر فحسب؟ يقومون بتصوير الأمر لتظن أنه شخص يخرج من الأدغال بين الحين والآخر كي يلقي علينا بقطوف من حكمته اللامتناهية، ليرينا كيف يكون «الكاتب»، الذكر الحقيقي و«الفنان» المبدع كما يجب أن يكون؛ من واقع صياغة هذه الجمل لن تتخيل أبدًا أنه يعمل «بالمجال الأكاديمي». ليس لديَّ علم بما إن كان عمل حطابًا أو حاملًا لزجاجات الجعة أو موظفًا ببقالة بالفعل أم لا، ولكني أعلم يقينًا أنه لم يكن عامل أسلاك تليفونات، إنما كان يعمل بدهان أعمدة التليفونات، ولكنه ترك هذه الوظيفة في منتصف أسبوعه الثاني من العمل متذرعًا بأن حرارة الشمس وتسلُّق الأعمدة يصيبانه بالغثيان. كان ذلك بعدما تخرَّجنا مباشرة في شهر يونيو، وكان الجو شديد السخونة. ربما كان على حق؛ لقد كانت كلٌّ من الشمس والحرارة يصيبانه بالغثيان حقًّا، فخلال تلك الفترة عاد مرتين إلى المنزل وتقيأ. لقد قمت بترك عدة وظائف من قبل؛ لأني لم أحتملها؛ ففي نفس فصل الصيف ذاك تركت وظيفتي في طي الضمادات في مستشفى فيكتوريا؛ حيث كدت أجنُّ من الملل في تلك الوظيفة. ولكن لو كنت كاتبة وأقوم بكتابة مسيرتي المهنية وكل الوظائف المتنوعة والمختلفة التي عملت بها من قبل، فلا أعتقد أنني سأقوم بكتابة «وظيفتي في طي الضمادات»؛ لا أعتقد أن الأمانة ستحتم عليَّ هذا. بعد تركه هذه الوظيفة، وجد هوجو وظيفة أخرى يقوم فيها بتصحيح اختبارات الصف الثاني عشر. لماذا لم يَقُم بكتابة هذه الوظيفة؟ مصحِّح اختبارات. لقد كان يحب تصحيح ورق الاختبارات أكثر من تسلُّق أعمدة التليفونات، وربما يحبها أكثر من الحطابة أو حمل زجاجات الجعة أو أي من تلك الوظائف الأخرى التي عمل بها، إن كان عمل بها بالفعل. لماذا لم يكتب هذه الوظيفة؟ لماذا لم يكتب أنه كان «مصحِّح ورق اختبارات»؟ على حد علمي، لم يكن هوجو قطُّ ملاحظًا للعمال على ماكينة تقطيع الخشب. لقد عمل مرة في مصنع عمه في فصل الصيف الذي يسبق وقت تعرُّفي عليه، وكل ما كان يقوم به هو أن يحمل قطع الخشب وأن يسمع السباب من ملاحظ العمال الحقيقي الذي لم يكن يحب هوجو لأن عمه هو رب العمل. وفي المساء عندما لم يكن متعبًا للغاية من عمله كان يمشي مسافة نصف ميل إلى جدول صغير ليعزف بآلة الفلوت الخاصة به. كان البعوض الأسود يزعجه، ولكنه كان يقوم بالعزف عليها على أي حال. كان يمكنه عزف مقطوعة «الصباح» لبيير جنت وبعض الألحان الإليزابيثية التي لا أذكر اسمها، ما عدا مقطوعة واحدة ما زلت أتذكَّرها هي مقطوعة «وولسيز وايلد»، التي تعلمتُ كيفية عزفها على البيانو كي نتمكن من عزفها معًا. تُرى ما القصد من اسم هذه المقطوعة؟ هل هي للكاردينال وولسي، وما المقصود بكلمة «وايلد»؟ هل هي رقصة؟ هيا دوِّن تلك الهواية يا هوجو، «عازف على آلة الفلوت». كان هذا سيعد أمرًا جيدًا ومقبولًا ويتبع أحدث الصيحات؛ فحسبما أفهم ما يدور من حولنا سنجد أن عزف آلة الفلوت وتلك الأشياء الغرائبية غير مغضوب عليها في العصر الحالي، بل على النقيض من ذلك، ستجد هذه الأنشطة متعارفًا عليها ومقبولة أكثر من الحطابة وحمل زجاجات الجعة. يا إلهي، انظر لنفسك يا هوجو، ألم يكفِك أن صورتك مزيفة، بل صورة عفى عليها الزمن أيضًا؟ كان من الأفضل لك أن تقول إنك ذهبت للتأمل مدة عام في جبال «أتر براديش» بالهند. كان من الأفضل لك أن تقول إنك كنت تقوم بتدريس الدراما الإبداعية للأطفال المصابين بالتوحد، كان من الأفضل لك أن تحلق شعرك، وأن تحلق ذقنك وأن ترتدي قلنسوة الرهبان، كان من الأفضل لك أن تصمت يا هوجو. عندما كنت حاملًا بكِليا كنا نعيش في منزل في شارع أرجايلز في مدينة فانكوفر. كان المنزل مطليًّا بالجص الرمادي المُقبض من الداخل؛ مما جعلنا نقرر في شتاء ممطر أن نقوم بطلاء المنزل بأكمله من الداخل، جميع الغرف، بألوان زاهية غير متناسقة؛ حيث طلينا ثلاثة جدران بغرفة النوم بلون أزرق فاتح ضارب إلى الرمادي، والجدار الرابع بالأحمر الأرجواني، حينها كنا نقول إنها تجربة لنرى إذا ما كانت الألوان يمكن أن تدفع أي شخص للإصابة بالجنون يومًا ما. أما الحمام فقد تم طلاؤه بلون أصفر برتقالي غامق، وعندما انتهينا من طلائه علق هوجو على الحمام قائلًا: «يبدو كما لو أننا بداخل قطعة جبن؛ هذا صحيح، أليس كذلك؟» ورددت عليه قائلة: «هذه جملة جيدة يا صانع الجمل.» حينها كان سعيدًا ولكن ليس بنفس مقدار السعادة التي كان سيشعر بها جراء كتابة تلك الجملة بدلًا من قولها. فيما بعد، في كل مرة يقوم بها بعرض الحمام على أي شخص يقول: «انظر، هل ترى هذا اللون؟ إنه يبدو كما لو أننا بداخل قطعة جبن.» أو يقول: «كما لو أننا نقضي حاجتنا بداخل قطعة جبن.» وليس الأمر أنني لم أَقُم بنفس الشيء، حفظ بعض الجمل وترديدها مرارًا وتكرارًا، فربما قلت تلك العبارة عن قضاء الحاجة بداخل قطعة جبن، حيث كانت لدينا العديد من الجمل المشتركة؛ فعلى سبيل المثال كان كلانا يطلق على مالكة البيت لقب الدبور الأخضر؛ إذ إنها في المرة الوحيدة التي رأيناها بها كانت ترتدي رداءً بلون السم الأخضر الذي نراه في القصص الخرافية، وكان يزين الرداء قطع من فراء الفئران وصحبة من ورود البنفسج؛ كان الرداء يعطي إيحاءً بالشر. كانت ربة البيت تتعدى السبعين من عمرها وكانت تدير بنسيونًا للرجال بوسط المدينة. أما ابنتها دوتي فكنا نطلق عليها لقب الغانية المقيمة. لا أدري لماذا اخترنا لها لقب «غانية»؛ فهذه المفردة غير مستخدمة عادة. أعتقد أننا استخدمناها بسبب كونها مفردة يبدو على طريقة نطقها الرقيُّ، طريقة نطق راقية وتدل على الانحراف في نفس الوقت، الأمر الذي يتناقض وبسخرية مع دوتي نفسها؛ فأنا وهوجو نعشق السخرية. كانت دوتي تعيش في قبو المنزل بشقة مكونة من غرفتين، وكان عليها دفع خمسة وأربعين دولارًا لأمها كإيجار شهري لتلك الشقة، وقد أخبرتني في مرة أنها تحاول تدبير المال عن طريق عملها جليسة أطفال. حينها فسرت لي اختيارها قائلة: «أنا لا أستطيع الخروج إلى العمل، فأعصابي لا تحتمل هذا الضغط. لقد أمضيت أكثر من ستة شهور مع زوجي السابق وهو يحتضر بسبب داء في الكليتين في منزل أمي، وما زلت مدينة لها بأكثر من ثلاثمائة دولار مقابل هذه الإقامة. كانت تجبرني على أن أصنع له شراب البيض بلبن خالي الدسم. لا يوجد يوم بحياتي لم أكن مفلسة فيه. كانوا دائمًا يقولون إن الصحة تغلب المال، وما دمتُ متمتعة بصحتي فكل شيء بخير، ولكن ماذا يحدث إذا لم يكن لديك لا صحة ولا مال؟ فمنذ الثالثة من عمري وأنا مصابة بالالتهاب القصبي الرئوي، ثم أصابتني الحمى الروماتيزمية وأنا في الثانية عشرة، وفي السادسة عشرة تزوجت زوجي الأول الذي لقي حتفه في حادث قطع أشجار، هذا إضافة إلى أني أُجهضت ثلاث مرات، فأصبحت رحمي متهتكة؛ مما يجعلني أستخدم ثلاث علب من الفوط الصحية شهريًّا. فيما بعد تزوَّجت من مُزارع يمتلك مزرعة ألبان في الوادي، ثم حدث أن أصابت الحمى قطيعه؛ مما جعلنا معدمين، هذا هو زوجي الذي توفي جراء داء بكليتيه. لا عجب، لا عجب على الإطلاق أن أعصابي منهارة.» لقد اختصرتُ الكثير من الحوار. تم هذا الحوار على طاولة دوتي حينما دعيت لاحتساء الشاي ثم الجعة فيما بعد، وكان هذا الحوار أطول من هذا بكثير وفي الواقع في منتهى الحزن والتعاسة، وبالرغم من ذلك كان يوجد حس بالفخر والانشداه في حديث دوتي. هذه هي الحياة الواقعيَّة بعيدًا عن الكتب أو المقالات أو الصفوف الدراسية أو المناقشات. لقد كانت شخصية دوتي على النقيض من شخصية والدتها؛ فقد كانت صريحة ورقيقة ولينة ومغلوبة على أمرها، هذا النوع من السيدات الحائرات اللواتي لا يحملن ما يميزهن عن غيرهن، واللواتي تجدهن على محطات الحافلات في المدينة منتظرات للحافلة بأيديهن أكياس التسوق. في الواقع، لقد وجدتُ دوتي في نفس هذا الوضع تمامًا، حيث رأيتها على محطة الحافلات في وسط المدينة، ولم أتعرَّف عليها في بادئ الأمر حيث كانت ترتدي معطف شتاء أزرق باهت اللون. كانت غرفة دوتي مليئة بالأثاث الثقيل، أثاث جمعته من زواجها: بيانو عمودي، وأريكة كبيرة وكراسي متخمة، وخزانة مكسوة بخشب الجوز للآنية الخزفية، إضافة إلى طاولة لغرفة الطعام، تلك التي جلسنا إليها؛ وكان يوجد بمنتصف هذه الطاولة مصباح ضخم ذو قاعدة خزفية مزخرفة، مزود بكمة حريرية مطوية ذات لون أحمر داكن، وكانت تلك الكمة موضوعة بزاوية غريبة كما لو كانت تنورة مطوقة. وصفتُ هذا المصباح لهوجو قائلة: «إنه مصباح بيت البغاء.» فيما بعد أردت أن يهنئني ويحييني على دقة هذا الوصف. وقد أخبرته أنه عليه أن يُولِي دوتي مزيدًا من الاهتمام في حال إذا أراد أن يكون كاتبًا. كما أخبرته عما حدث لزوجها ولرحمها وعن مجموعتها من الملاعق التي تباع في محلات الهدايا التذكارية، وكان ردُّه حينها أنني لديَّ مطلق الحرية في متابعتهم بنفسي. كان حينها يقوم بكتابة مسرحية شعرية. بمجرد نزولي للقبو كي أضع الحطب في المدفأة وجدت دوتي تقف على الباب مرتدية روبًا من الشانيل وردي اللون، وهي تودع رجلًا يرتدي زيًّا كالذي يرتديه العاملون في محطات البنزين أو رجال تسليم البضائع. حدث هذا الأمر في منتصف وقت العصر. لم تكن طريقتها في توديع هذا الرجل تدل على أي نوع من أنواع الفحش أو العاطفة، ولم أكُن لأستنتج أي شيء يتعلق بهذا المنحى، ربما كنت سأحسب هذا الرجل مجرد قريب أو نسيب لولا أنها بدأت وهي سكرى قليلًا في سرد قصة طويلة حول كيف ابتلَّت ملابسها بسبب المطر، وكان أن اضطرت أن تترك ملابسها في منزل والدتها ولبس فستان من فساتين والدتها التي كانت ضيقة عليها للغاية مما أدى لارتدائها هذا الروب؛ ولذلك هي تقف مرتدية إياه الآن. ثم بدأت في سرد كيف أن لاري رآها وهي مرتدية تلك الملابس أثناء توصيله لبعض الملابس التي طلب منها أن تُخيطها لزوجته، وكيف أنني أراها الآن بنفس الملابس، وأنها لا تدري كيف تبدو صورتها الآن أمامنا. الأمر كله كان غريبًا، حيث إنني قد رأيتها عدة مرات من قبل وهي مرتدية الروب. وأثناء ضحكها وشرحها للموقف قام الرجل بتجنُّب الحديث وخرج من الباب دون أن ينظر إليَّ أو يبتسم أو يقول أي كلمة من أي نوع أو حتى لدعم قصة دوتي حول ما حدث. حينها أخبرت هوجو: «يبدو أن لدى دوتي عشيقًا.» فرد عليَّ قائلًا: «أنت لا تخرجين من المنزل كثيرًا، والآن تحاولين جعل حياتك أكثر إثارة.» طوال الأسبوع التالي لهذه الحادثة قمت بمراقبة المنزل لمعرفة ما إذا كان هذا الرجل قد عاود الظهور مجددًا. لم يظهر مرة أخرى، ولكن ظهر ثلاثة رجال آخرين؛ واحد منهم جاء مرتين، كانوا يسيرون بسرعة ورءوسهم منكسة ولم يضطروا للانتظار أمام باب القبو أيضًا. حينها لم يستطِع هوجو إنكار ما يحدث، وعلق على هذا الأمر قائلًا إن الواقع يقتبس من الخيال، وبعد كل تلك الغانيات السمينات ذوات الدوالي اللائي قابلهن في الكتب، كان من المحتم أن يحدث ذلك. حينها بدأنا في إطلاق لقب الغانية المقيمة على دوتي، وبدأنا نتباهى بها أمام أصدقائنا، فكانوا يأتون لزيارتنا كي يقفوا خلف الستائر في محاولة اختلاس نظرة خاطفة لها وهي تدخل منزلها أو تخرج منه. كانوا يقولون: «ليست هي تلك! أهي تلك فعلًا؟ أليست مخيبة للآمال؟ ألا تمتلك أي ملابس خاصة بالمهنة؟» فكنا نرد عليهم أنا وهوجو قائلين: «لا تكونوا ساذجين، هل تعتقدون أنهن جميعًا يرتدين الترتر وأوشحة الريش؟» ثم لزم الجميع الصمت ليستمعوا لعزفها على البيانو، وبدأت هي في الغناء أو الهمهمة إلى جانب عزفها، لم يكن صوتها ذا وتيرة ثابتة بل ذا نبرة عالية، وكان صوتها ذلك الصوت المفعم بالتحدي والسخرية الذاتية الذي يستخدمه الناس حينما يكونون بمفردهم أو يعتقدون أنهم بمفردهم. قامت دوتي بغناء مقطوعة «وردة تكساس الصفراء» ومقطوعة «لا يمكن أن تكوني حقيقية يا حبيبتي». «على الغانيات أن يتعلمن إنشاد الترانيم.» «سوف نحاول تعليمها بعض الترانيم.» وأثناء حديثنا علَّقت فتاة تدعى ماري فرانسيس شريكر، قائلة: «جميعكم مختلسون للنظر، أنتم جميعكم تتصفون بالخسة.» كانت ماري فرانسيس فتاة ذات بنية عظمية كبيرة، وجهها ذو ملامح هادئة، ولديها ضفائر سوداء تنسدل على ظهرها، وكانت متزوجة من أعجوبة علم الرياضيات إليسورث شريكر الذي كان قد أصيب بانهيار عصبي. كانت ماري فرانسيس تعمل أخصائية تغذية، ودائمًا ما كان هوجو يقول إنه لا يستطيع النظر إليها دون أن يتبادر إلى ذهنه كلمة «سمكة العفريت»، ولكنه اعتقد أن وجودها إلى جانبه سيغذيه، مثل عصيدة الشوفان، وفيما بعد أصبحت زوجته الثانية. لطالما اعتقدت أنها الزوجة المثالية له، ولطالما اعتقد أنها ستبقى بجواره إلى الأبد تغذيه، ولكن جاءت الطالبة وأزاحتها من موضعها. كان عزف دوتي على البيانو هو وسيلة الترفيه التي نقدمها لأصدقائنا، ولكنه كان أمرًا كارثيًّا في الأيام التي يوجد فيها هوجو بالمنزل يحاول أن يعمل. كان من المفترض أن يعمل على بحثه، ولكنه في واقع الأمر كان يعمل على مسرحيته، وكان يعمل في غرفة نومنا على طاولة معدة للعب الورق موضوعة بجوار النافذة المواجهة للسياج. وحينما تعزف دوتي على البيانو كان يخرج للمطبخ ويقرِّب وجهه من وجهي ويتحدث بصوت ونبرة منخفضة توضح مدى غضبه ومحاولته للسيطرة عليه، قائلًا: «انزلي إليها وأخبريها أن تتوقف عن ذلك فورًا.» «فلتنزل أنت إليها.» فيصرخ: «اللعنة، هي صديقتك أنت، أنت من تحثينها، أنت من تشجعينها.» «ولكني لم أَقُل لها أن تعزف على البيانو!» «لقد رتبتُ جدولي كي أتفرغ عصر هذا اليوم للعمل، لكن لم أتمكن من العمل قط. لقد رتبت جدولي. أنا في مرحلة حرجة. فهذه المسرحية إما أن «تحيا» وإما أن «تموت». إذا ذهبت أنا إليها أخشى أن أقوم بخنقها.» «إذن لا تنظر «إليَّ». لا تخنقني «أنا». أرجوك سامحني على تنفسي وكل ما أقوم به.» ولكني عادةً ما كنت أنزل إلى القبو، هذا أمر مفروغ منه، ثم أطرق الباب وأطلب من دوتي إذا كان من الممكن ألا تعزف البيانو في الوقت الحالي حيث إن زوجي بالمنزل ويحاول أن يعمل. لم يحدث قط أن قلت «يكتب»؛ فقد دربني هوجو ألا أقول هذا أبدًا، وكانت تلك الكلمة كالسلك العاري في علاقتنا. وفي كل مرة كانت دوتي تعتذر؛ حيث إنها كانت تخاف من هوجو وتحترم عمله وذكاءه، وكانت تتوقف عن العزف على البيانو، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أنها قد تنسى وتبدأ في العزف مرة أخرى بعد ساعة أو نصف الساعة. كانت إمكانية حدوث هذا الأمر دائمًا ما تشعرني بالتوتر والبؤس؛ حيث إنني كنت حاملًا وقتها وأرغب في تناول الطعام طوال الوقت، وكنت أجلس إلى طاولة الطعام أتناول الطعام بنهم وتعاسة، وكنت حينها أتناول وجبات دافئة مثل طبق الأرز الإسباني. عندئذ كان هوجو يشعر بأن العالم يقف أمام كتاباته، كان يشعر أنه ليس سكان العالم من البشر فقط هم من يعادونه بل أيضًا ضوضاؤه وملهياته والفوضى اليومية جميعها متفقة ضده، يمنعونه عن قصد من عمله بشكل شيطاني خبيث. وكانت وظيفتي هي أن أحول بينه وبين العالم الواقف ضده، ولكن للأسف فشلت في أداء تلك الوظيفة، ربما كان السبب وراء هذا الفشل هو اختياري أن أكون فاشلة فيها أكثر من كوني غير كفء لأدائها. فأنا لم أكن أُومن بهوجو، ولم أكن أستوعب مدى أهمية أن أُومن به. لقد كنت مقتنعة بأنه شخص ذكي وموهوب، أيًّا كان المقصود بالذكاء والموهبة هنا، ولكني لم أكن مؤمنة بأنه سوف يصبح كاتبًا، فهو لم يكن يمتلك الملكات التي يجب أن يتحلى بها الكاتب، حسبما أراه؛ إذ كان عصبيًّا للغاية، وسريع الغضب مع كل الناس، ومغرورًا أكثر من اللازم. وكنت أرى أنه يجب على الكاتب أن يكون هادئ الطباع، وأن يكون شخصًا حزينًا، وأن يتمتع بالكثير من المعرفة. كنت مؤمنة أن هناك فرقًا شاسعًا بينهما، حيث كنت أرى أن هناك صفة واضحة ومهمة يجب أن يتحلَّى بها الكتَّاب ويفتقر إليها هوجو. لطالما اعتقدت أنه سيحين اليوم الذي سيدرك فيه هذه الأمر، ولكن في الوقت نفسه كان هوجو يعيش في عالم خاص به، عالم له امتيازات وعواقب غريبة، ولا أدرى عنها شيئًا، كما لو كان شخصًا مجنونًا. فكان يجلس لتناول العشاء شاحب اللون ويبدو عليه الاشمئزاز، وكان ينكبُّ على الآلة الكاتبة في جنون بغرفة النوم عندما كنت أدخل لإحضار شيء منها، وأحيانًا أخرى كان يقفز في غرفة المعيشة ويسألني أن أحزر مَن يكون (وحيد قرن يعتقد أنه غزال، أو الرئيس ماو تسي تونج يرقص رقصة الحرب في حلم يحلم به وزير الخارجية جون فوستر دالاس)، وفجأة يبدأ في تقبيل عنقي وحنجرتي مُصدِرًا أصوات شخص جائع يقوم بالتهام الطعام، ولكني لم أكن أدرى ما هي أسباب أو مصدر نوبات غضبه أو سعادته، ولم يكن يخبرني، ولم أكُن عاملًا مؤثرًا في تلك النوبات. أحيانًا كنت أقول له مغيظة إياه: «فلنفترض أنه بعد ولادة الطفل نشب حريق بالمنزل وكان كلٌّ من الطفل والمسرحية بداخل المنزل، فأيهما ستحاول إنقاذه؟» فيرد قائلًا: «كليهما.» فأقول: «ولكن فلنفترض أنه يمكنك أن تنقذ واحدًا فقط منهما، فأيهما ستختار؟ دع عنك الطفل، فلنفترض أنني بخطر، كلا، فلنفترض أنني أغرق «هنا» وأنت أيضًا «هنا» ولا يمكنك أن تنقذنا نحن الاثنين …» فيرد قائلًا: «أنت تصعبين هذه المسألة عليَّ كثيرًا.» «أدري ذلك، أنا أدري أنني أصعبها عليك، ألا تكرهني؟» «بالطبع أكرهك.» بعد ذلك قد نذهب إلى الفراش مثارَيْن ونصطنع الشجار ونلعب ونصيح. لقد كانت حياتنا كلها — الجزء الناجح من حياتنا معًا — عبارة عن مجموعة من الألعاب. فأحيانًا كنا نختلق الأحاديث بالحافلة لنثير اندهاش الناس. وذات مرة ذهبنا إلى حانة وقام بتوبيخي على تركي للأطفال وحدهم في المنزل لكي أخرج مع رجال آخرين بينما هو يعمل في الأدغال كي يقوم بتأمين معيشتنا، ثم يتضرَّع إليَّ كي أتذكَّر دوري كزوجة وكأم، فأنفث أنا دخان السجائر في وجهه والناس من حولنا يبدو عليهم الجدية والرضا. وعندما نخرج من الحانة نضحك حتى لا نستطيع الوقوف، ونضطر إلى أن يمسك أحدنا بالآخر متكئين على الحائط. وكنا نلعب بالفراش أدوار السيدة تشاترلي ومستر ميلرز (أبطال رواية عشيق السيدة تشاترلي)، وكنا نقتبس حوارات من الكتاب. فيقول لي هوجو بصوت أجش: «أين ذهب هذا النذل جون توماس؟ أنا لا أستطيع أن أجد جون توماس!» فأرد عليه بشكل راقٍ وأرستقراطي: «أنا في قمة الأسف، يبدو أنني قد ابتلعته.» ••• كانت هناك مضخة مياه بالقبو، وكانت تُصدر طرقات عالية منتظمة. لم يكن البيت بعيدًا عن نهر فراسر، وكانت أرضه منخفضة قليلًا عما حولها؛ لذا كان على هذه المضخة العمل معظم الوقت، في الأجواء الممطرة، لتحول دون غرق القبو تحت الماء. شهر يناير في فانكوفر دائمًا ملبَّد بالغيوم وغزير الأمطار، كذلك شهر فبراير الذي يليه. كنت أشعر أنا وهوجو بالاكتئاب؛ مما يجعلني أنام كثيرًا، على العكس من هوجو الذي لم يكن يستطيع النوم، كان يدَّعي أن صوت المضخة هو ما يجعله مستيقظًا طوال الليل، ويمنعه من العمل طوال النهار. كانت ضوضاء المضخة تحلُّ محل صوت عزف دوتي على البيانو، وهو ما أثار حنقه وأغاظه على نحو أكبر؛ ليس فقط بسبب صوتها المزعج، ولكن أيضًا بسبب تكلفتها؛ حيث إن معظم دخلنا كان يذهب لفاتورة الكهرباء، مع أن دوتي هي المقيمة في القبو، وتُعتبر هي المستفيدة الوحيدة منها؛ حيث تمنع عنها دخول الماء. قال هوجو إنه يجب عليَّ التحدث مع دوتي بهذا الشأن، لكني أجبته بأن دوتي لا يمكنها الوفاء بنفقاتها؛ فقال إنه يمكنها أن تستقبل المزيد من الرجال، فقلت له أن يخرس. فمع تقدمي في أشهر الحمل، وإذ صرت أثقل وزنًا وحركتي أبطأ، تعودت على دوتي أكثر وأكثر، وأصبحت أحبها وأحفظ كلامها عن ظهر قلب، وأردِّده، كنت أشعر وأنا معها بأنني في بيتي أكثر من شعوري بذلك مع هوجو أو أصدقائنا. قال هوجو: لا بأس، عليَّ أن أهاتف ربة المنزل. فأخبرته أن عليه فعل ذلك، فأجاب بأنه لديه الكثير ليفعله. في الحقيقة كنا نحن الاثنين نعزف عن مواجهة ربة المنزل لعلمنا مسبقًا بأنها ستربكنا وتهزمنا بهزل حديثها المزعج المراوغ. استيقظت ذات مرة في نصف الليل في منتصف أسبوع مطير متسائلة ما الذي أيقظني؟ اكتشفت أنه الهدوء. «هوجو، استيقِظْ، لقد تعطَّلت المضخة، لا أستطيع سماع صوتها.» فأجاباني: «أنا مستيقظ.» «المطر ما زال منهمرًا والمضخة لا تعمل، يبدو أنها تعطَّلت.» «كلا، إنها ليست معطلة، لقد أطفأتُها.» فاعتدلتُ في جلستي وأضأت المصباح، لأجد هوجو مستلقيًا على ظهره، وعيناه تقدحان شرارًا ويحاول النظر إليَّ بحدة في نفس الوقت، فقلت له: «أنت لم تطفئها.» «حسنًا لم أطفئها.» «أنت فعلت ذلك؟» «أنا لا أستطيع تحمُّل تلك التكاليف الملعونة أكثر من ذلك، لا أحتمل حتى مجرد التفكير بها، ولا أتحمل الضوضاء أيضًا، أنا لم يغمض لي جفنٌ منذ أسبوع.» «سيغرق القبو.» «سوف أشغلها في الصباح، كل ما أحتاجه بضع ساعات من الهدوء والسكينة.» «سوف يكون هذا بعد فوات الأوان، المطر ينهمر بغزارة.» «كلا، إنها لا تمطر بشدة.» «اذهب لترى من الشباك.» «إنها تمطر، لكن ليس بغزارة.» أطفأت المصباح ورقدت بجانبه، وقلت بصوت هادئ وحازم: «هوجو، استمع لي، اذهب وشغِّل المضخة، دوتي ستغرق.» «في الصباح.» «يجب أن تذهب وتشغِّلها الآن.» «حسنًا، لن أذهب.» «إن لم تذهب، فسأذهب أنا.» «كلا، لن تذهبي.» «بل سأذهب.» لكني لم أتحرك من مكاني، فقال بحدة: «لا تهوِّلي الأمر دون داعٍ.» «هوجو.» «لا تصيحي.» «ستتلف المياه حاجاتها.» «هذا أفضل شيء ممكن حدوثه لها. على كل حال، لن تتلف.» استلقى بجواري، دون حراك، ولكن في ترقُّب، على ما أعتقد، كان ينتظر مني أن أنزل، وأحاول أن أكتشف كيف أشغِّل المضخة، وبعدها، ماذا سيفعل؟ هو لن يضربني؛ فأنا في شهور حملي الأخيرة، وهو لم يضربني قط، إلا إذا بدأت أنا بذلك. من الممكن أن يذهب ويطفئها مرة أخرى، وأذهب أنا لأشغلها ثانية، وهكذا، إلى متى سيستمر هذا؟ ربما يعوق طريقي، لكني إذا قاومته كثيرًا فسيخاف أن يؤذيني، من الممكن أن يسبَّني ويغادر البيت، لكننا لا نمتلك سيارة، إنها تمطر بغزارة، ولن يستطيع الانتظار بالخارج طويلًا. من الممكن أن يستشيط غضبًا ويعبس، أو أن آخذ أنا البطانية وأنام على الأريكة بغرفة الجلوس بقية الليل. أعتقد أن أي امرأة ذات شخصية حازمة ستفعل ذلك، أعتقد أن أي امرأة تريد لهذا الزواج أن ينتهي ستفعل ذلك، لكنني لن أفعله، بدلًا من ذلك، حدَّثت نفسي أنني لا أعرف كيف أشغِّل المضخة، وأنني خائفة من هوجو، حدَّثت نفسي باحتمالية أن هوجو محقٌّ؛ لا شيء سيحدث، لكني أردت أن يحدث شيء ما؛ أردت أن يتراجع هوجو عن رأيه. عندما استيقظتُ كان هوجو قد رحل، وكانت المضخة تطرق كالعادة، كانت دوتي تقرع الباب المؤدي لدرجات القبو بعنف. «لن تصدقي عينيك إذا رأيت ما هنا، إني غارقة في الماء لركبتي. ما إن وضعت رجلي من السرير على الأرض حتى غرقت هكذا. ماذا حدث؟! أسمعت صوت المضخة يتوقف؟» قلت لها: «كلا.» «لا أعرف ما الذي حدث، أعتقد أنها تعطلت، لقد تناولت زجاجتَي بيرة قبل النوم ورحت في سبات عميق كأني سافرت. كنت سأشعر إن حدث مكروه، أنا دائمًا أنام نومًا خفيفًا، لكني كنت نائمة هذه الليلية كالميتة، وبمجرد أن أنزلت قدمي عن السرير … يا إلهي! لحسن حظي أنني لم أُضئ المصباح في نفس الوقت، كنت سأصعق بالكهرباء. كل شيء يطفو على الماء.» لم يكن هناك شيء يطفو، فالماء لن يصل لركبة شخص بالغ؛ كان بارتفاع حوالي خمس بوصات في بعض المواضع، وبارتفاع بوصة أو اثنتين في مواضع أخرى، فالأرض غير مستوية بشكل كبير. وصل الماء أسفل الأريكة والكراسي وترك أثره عليها، وتسرَّب إلى الأدراج السفلية والخزانة، وحجب قاعدة البيانو. وتخلخل الماء بلاطات الأرض، وتشبَّعت السجاجيد تمامًا بالماء، وكانت أطراف الشراشف تقطر ماء، وأصاب سخانها الأرضي التلف. ارتديت ملابسي، ولبست حذاء هوجو طويل الرقبة، وأخذت الممسحة ونزلت إلى أسفل. بدأت في نزح الماء باتجاه البالوعة خارج الباب، أما دوتي فصنعت لنفسها كوبًا من القهوة بمطبخي، وجلستْ بعض الوقت على الدرجة العليا تشاهدني، تتفوَّه بنفس العبارات؛ لقد شربتْ زجاجتَي بيرة وغطَّت في نوم عميق، على غير العادة، ولم تسمع المضخة تتوقف عن العمل، ولا تعرف لماذا تعطَّلت، وإذا تعطَّلت فكيف ستشرح لوالدتها أنها تعطَّلت، وهي بالتأكيد ستحمِّلها المسئولية وتحمِّلها التكاليف. ارتأيت أنا أن هذا من حسن حظنا (حسن «حظنا»؟) فتوقع دوتي القليل من سوء الحظ، واستساغتها له، جعلها أبعد عما كان سيقوم به أي شخص آخر من تحرِّي ما حدث من خطأ. وبعدما انخفض منسوب الماء قليلًا، ذهبت دوتي إلى غرفة نومها وارتدت ملابسها ولبست حذاءها — اضطرت لتنشيفه أولًا — وأحضرت ممسحتها، وأتت لمساعدتي. وقالت: هذه الأشياء لا تحدث لي، أليس كذلك؟ أنا لم ألجأ لقراءة طالعي قط. كان لي صديقات يلجأن إلى قراءة طالعهن دائمًا، وكنت أقول لا عليكن بي، فأنا أعرف ما سيحدث لي، وهو ليس بالشيء الجيد. صعدتُ إلى أعلى، واتصلت بالجامعة بحثًا عن هوجو، أخبرتهم أنه أمر طارئ، ووجدوه في المكتبة، فقلت له: «لقد غرقت.» «ماذا؟» «لقد غرقت؛ شقة دوتي تحت الماء.» «لقد شغَّلت المضخة.» «يا لطيب ما فعلت! لقد شغَّلتها هذا الصباح.» «انهمر المطر بغزارة هذا الصباح، ولم تستطِع المضخة استيعابه. كان ذلك بعد أن شغَّلت المضخة.» «لم تستطِع المضخة استيعابه الليلة الماضية؛ لأن المضخة لم تكن تعمل الليلة الماضية، ولا تَقُل لي مرة أخرى إن المطر انهمر بغزارة.» «حسنًا، لكنه بالفعل انهمر، أنتِ كنتِ نائمة.» «إنك لا تدرك ما الذي تسببتَ به، أليس كذلك؟ إنك حتى لم تحمِّل نفسك عناء البقاء لتشاهد ما حدث. كان يجب أن أرى ما حدث، كان يجب أن أتعامل مع الأمر، كان يجب أن أستمع لتلك المسكينة.» «سدِّي أذنيك.» «اخرس أيها الأحمق عديم الأخلاق.» «آسف، كنت أمزح، آسف.» «آسف! أتقول تلك الكلمة اللعينة الآن! أنت من تسببت في هذه الفوضى، وقد حذرتك من هذا، تأتي الآن لتقول مجرد كلمة لعينة.» «يجب أن أذهب إلى ندوة، آسف. لا أستطيع التحدث الآن، لا طائل من التحدث إليكِ الآن، لا أعرف ما الذي تحاولين دفعي لقوله.» «أنا فقط أحاول أن أجعلك «تدرك» ما حدث.» «لا بأس، أنا أدرك ذلك، ولكني لا أزال أعتقد أنه حدث هذا الصباح.» «أنت لا تدرك، ولن تدرك شيئًا.» «أنت تهوِّلين الأمر.» «أنا أهوِّل!» وانتهى نصيبنا معًا إلى هذا الحد. أما والدة دوتي فلم تكن مثلها يمكن أن تتغاضى عن تفسيرات لما حدث، ففي النهاية ما تلف من بلاطات الأرض وورق الحائط هو لها. لكن والدة دوتي كانت مريضة، فهذا الجو البارد الرطب هدَّ قواها، وانتقلت إلى المستشفى لإصابتها بالتهاب رئوي هذا الصباح، في حين ذهبت دوتي إلى منزل والدتها لرعاية المقيمين به. كانت رائحة القبو عفنة ومقزِّزة. انتقلنا نحن أيضًا من المكان بعد مدة قصيرة؛ كان هذا قبل ولادتي كِليا، ونزلنا بيتًا شمال فانكوفر، يمتلكه بعض أصدقائنا الذين سافروا إلى إنجلترا. تراجع الشجار ما بيننا في غمار الانتقال، لكنه في الواقع لم يُحلَّ قط؛ لم يتنازل أحدنا عن المواقف التي اتخذها أثناء المحادثة الهاتفية؛ حينما قلت له أنت لا تدرك، ولن تدرك، وقال لي ما الذي تدفعينني لقوله؟ وتساءل بعقلانية: لِمَ كل هذه الجلبة بشأن هذا الموضوع؟ وقد يتساءل أي شخص هذا التساؤل. بعد فترة طويلة، رحلت بعيدًا عنه، وتساءلت أيضًا؛ كان من الممكن أن أشغِّل المضخة كما قلت، وأتحمل مسئولية كلينا، وأتصرف كامرأة واقعية وصبورة — أي امرأة متزوجة بحق كانت ستفعل ذلك — كما أنني متأكدة من أن ماري فرانسيس كانت ستفعل ذلك، بل فعلته عدة مرات طوال مدة زواجها التي استمرت عشر سنوات؛ أو كان من الممكن أن أخبر دوتي حقيقة ما حدث، مع أنها ليست فكرة جيدة. كان يمكن أن أقول لشخص ما، إذا كان ذلك مهمًّا، مسبِّبة لهوجو المتاعب، وأتركه يتجرَّع مرارة التعب، لكني لم أفعل، لم أستطِع حمايته حماية كاملة أو رفع الغطاء عنه وتركه عاريًا، ظللت فقط أجلده بسوط اللوم، أو سوط اليأس أحيانًا، وأنا أشعر أنني سأغرس أظافري برأسه وأفتحه، وأصبُّ به وجهة نظري وتصوري عما يجب عليه فهمه. يا للغطرسة! يا للجبن! يا لسوء النية! شيء لا يمكن تجنبه. «مشكلتكما هي الاختلاف.» هذا ما قاله لنا مستشار الزواج بعد ذلك، ضحكنا حتى البكاء في القاعة الموحشة بمبنى البلدية بشمال فانكوفر، حيث تجرى مباشرة استشارات الزواج، قلنا إنه من المريح أن نعرف مشكلتنا؛ إنه الاختلاف. ••• لم أقرأ قصة هوجو هذه الليلة؛ تركتها مع كِليا، التي لم تقرأها أيضًا كما اكتشفتُ فيما بعد. قرأتُها عصر اليوم التالي؛ فقد عدت إلى المنزل حوالي الساعة الثانية من مدرسة البنات الخاصة؛ حيث أعمل هناك مدرِّسة تاريخ بدوام جزئي. أعددت كوبًا من الشاي كعادتي، وجلست بالمطبخ لأستمتع بالساعة المتبقية قبل عودة الأولاد من المدرسة؛ أبناء جابرييل. رأيت الكتاب لا يزال فوق الثلاجة، فأخذته وبدأت في قراءة قصة هوجو. كانت القصة بالطبع عن دوتي، لقد تغيرت بالطبع في بعض المواضع غير المهمة، كما كان الحدث الأساسي بها مختلقًا، أو نستطيع القول إنه منقَّح قليلًا عن الحقيقة. لكن المصباح مذكور هنا، وثوب الشانيل الوردي، وأيضًا أمر آخر كنت قد نسيته بخصوص دوتي: عندما تتحدث إليها تستمع إليك وفمها مفتوح قليلًا، وتومئ برأسها، ومع آخر كلمة من الجملة التي تقولها تصدر صوتًا كأنها تتابع الكلام، إنها عادة مؤثرة ومزعجة. كانت تتعجَّل بالموافقة، كانت تتمنَّى فهم الموضوع. تذكَّر هوجو ذلك جيدًا، ولكن متى تحدَّث هوجو إليها؟ هذا لا يهم، المهم هو أن هذه القصة التي كتبها هوجو جيدة جدًّا بالفعل، هذا مبلغ ما يمكنني أن أصفها به. لكم أجدها صادقة وبديعة، هذا ما وجدت القصة عليه وأنا أقرؤها. يجب أن أعترف أنني تأثرت تأثرًا جمًّا بقصة هوجو، وكنت ولا أزال سعيدة بها، ولم أتأثَّر بحيله. وإذا تأثرت بها فإنها حيل جيدة ولطيفة وصادقة. فأجد دوتي كأنها انتقلت هنا بكيانها من الحياة، بارزة في تلك الهالة البديعة الواضحة التي قضى هوجو طوال حياته يتعلم كيف يرسمها. إنه سحر لا سبيل إلى مقاومته، من الممكن أن تقول إنه نوع خاص من الحب السخي دون عواطف، نوع رقيق من الإحسان سعيد الحظ من يحظى به. كانت دوتي إنسانة محظوظة، والناس الذين يفهمون ويقدرون هذا الفعل يعلمون ذلك (بالطبع لن يفهم كل شخص أو يقدر هذا الفعل)؛ كانت محظوظة لتعيش بالقبو هذه الشهور القليلة ليئول بها المطاف إلى هذا، مع أنها لا تعي ما حدث، ولا تهتم به، غالبًا، حتى إن عرفته. لقد دخلت عالم الأدب، وهذا لا يحدث لكل الناس. لا تستَأْ، فالاعتراضات التهكُّمية من عاداتي؛ وأخجل من هذه العادة قليلًا، فأنا أحترم ما حدث، وأحترم النية، وأحترم المجهود، وأحترم النتيجة. تقبَّل شكري. اعتقدتُ أنني سوف أكتب خطابًا إلى هوجو. وطوال الوقت الذي أعددت فيه العشاء، وتناولته، وتحدثت فيه مع جابرييل والأولاد، كنت أفكر أني سأقول له: كم من الغريب أننا تشاركنا، وما زلنا نتشارك، نفس المخزون من الذكريات، وأن التوافه والخلافات، ما اعتبرتُهُ سقط متاع؛ كانت له شيئًا يانعًا، وصالحًا، وقابلًا للاستثمار. وأيضًا أود أن أعتذر له — ليس بالمطلق — عن أنني لم أصدِّق أنه سيصبح كاتبًا؛ في الواقع هو اعتراف، وليس اعتذارًا، هذا ما أنا مدينة له به، بعض عبارات الامتنان. في نفس الوقت، على العشاء، كنت أنظر إلى زوجي جابرييل، وتوصلت إلى أنه وهوجو ليسا على قدر كبير من الاختلاف أحدهما عن الآخر؛ فكلاهما قرر ما الذي يجب أن يفعله فيما يصادفه من أمور على مدار الحياة، وما الموقف الذي يجب أن يتخذه تجاهها، وكيف يتجاهلان الأشياء أو ينتفعان بها؛ كلٌّ منهما لديه سيطرة على حياته بطرائقه المحدودة والمجازفة، فهما «ليسا تحت رحمة» هذه الأمور، أو يعتقدان ذلك. لا أستطيع لوم أحدهما في اتخاذ التدابير التي يرتئيها. بعدما ذهب الأولاد للنوم، وذهب كلٌّ من جابرييل وكِليا لمشاهدة التليفزيون، وجدت ورقة وقلمًا أمامي، فانقضَّت يدي عليهما لكتابة الخطاب. بدأت في كتابة جمل قصيرة متقطعة، لم أخطط لها: هوجو، هذا ليس كافيًا، تعتقد أنه كافٍ، لكنه ليس كذلك، أنت مخطئ يا هوجو. إنها ليست برسالة ذات معنًى لإرسالها بخطاب. أنا ألومهم، أحسدهم وأزدريهم. أتى جابرييل للمطبخ قبل أن يخلد للنوم، رآني جالسة بالأقلام وكومة الورق التي حاولت كتابة الخطاب عليها أمامي. اعتقدتُ أنه كان آتيًا للتحدث معي، لطلب قهوة أو لطلب شيء ما يشربه، لكنه كان مقدرًا لحزني، مثلما يفعل دائمًا؛ لذا فقد احترم تظاهري بأني مشغولة ولست حزينة، ومثقلة بمحاولات كتابتي للخطاب؛ فتركني وشأني وذهب. سر يؤرقني
رياح الشتاء من نافذة غرفة نوم جدتي يمكنك أن تطل عبر الطريق السريع على امتداد كبير لنهر واواناش الذي يتلوى بين عيدان القصب. سطحه كله مجمَّد الآن يكسوه الجليد، والثلوج المنتشرة في كل مكان تخفي معالمه. حتى في الأيام العاصفة قد تنقشع الغيوم قبل وقت العشاء، يتبعها غروب الشمس شديدة الاحمرار. قالت جدتي حانقة، وكأننا في سيبيريا: هذا الطقس يجعل المرء يظن أننا نعيش على حافة البرية. كانت كل تلك البقاع تغطيها المزارع، وبطبيعة الحال أشجار يانعة، لم تكن هناك براري على الإطلاق، ولكن الشتاء غطى كل شيء، حتى أعمدة السياج. بدأت العاصفة قبل الظهيرة، عندما كنا في حصة الكيمياء، وشاهدنا تقدمها مفعمين بالأمل، ونتطلع إلى شيء غير مألوف، شيء يسد الطرق ويؤدي إلى نقص الإمدادات ويستقر في ممرات المدرسة. تخيلت نفسي أنال حريتي بسبب أزمة تسببها موجة الطقس السيئ، ويساعدني على ذلك انقطاع التيار الكهربائي، وعلى ضوء الشموع أستمع للأغاني الصاخبة مصحوبة بهدير الرياح، وأتدثر ببطانية مع السيد هارمر، المدرس المبتدئ الذي كثيرًا ما حاولت لفت نظره في طابور الصباح، يعانقني حتى يشعرني في البداية فقط بالدفء والطمأنينة، ذلك العناق الذي ربما يتحول في ظل هذا الارتباك والظلمة الحالكة — ففي هذا الوقت تنطفئ الشمعة الوحيدة بفعل الرياح — إلى شيء أكثر إلحاحًا وإثارة. بيد أن الأمور لم تَصِل إلى هذا الحد، وجاءت تعليمات بالانصراف في وقت مبكر، فتأهبت حافلات المدرسة في الخارج مشغلة مصابيح الإنارة بينما نحن في منتصف النهار. عادة ما أستقل حافلة «وايتشيرش» إلى الحي الأول غرب المدينة، ومن هناك أمشي سيرًا على الأقدام، ثلاثة أرباع ميل أو نحو ذلك، وصولًا إلى بيتنا عند حافة الغابة. هذه الليلة ذهبت إلى بيت جدتي في المدينة، وهو ما أفعله مرتين أو ثلاثًا كل شتاء. كان مدخل هذا البيت مكسوًّا كله بالخشب المصقول، المعطر، الأملس، والمريح حتى إنك لتشعر فيه كما لو أنك داخل قشرة ثمرة جوز. كانت غرفة الطعام مضاءة بمصباح أصفر. أديت واجباتي المنزلية — الشيء الذي لم أشغل بالي به كثيرًا في المنزل؛ نظرًا لعدم وجود مكان أو وقت لتأديته من الأساس — على طاولة الطعام، بعدما فردت عليها الخالة مادج جريدة لحماية المفرش. كانت الخالة مادج أخت جدتي، وكلتاهما أرملتان. كانت الخالة مادج تكوي (كانتا تكويان كل شيء، حتى الملابس الداخلية وفوط المطبخ) فيما كانت جدتي تعد بودنج الجزر للعشاء. انبعثت منه رائحة زكية. قارن هذا بالمشهد في منزلنا؛ حيث المطبخ هو الغرفة الوحيدة الدافئة؛ كان لدينا موقد خشبي، وكان أخي يحضر الحطب اللازم لتشغيله، تاركًا وراءه آثارًا من الثلج القذر على المشمع المفروش على الأرضية، بالرغم من توبيخي له. كانت الأوساخ والفوضى تحيط بنا في كل وقت وحين. أما أمي فهي في أغلب الأحيان مستلقية على الأريكة، تندب حظها العاثر. كنت أجادلها كلما أتيحت لي الفرصة، فترد عليَّ قائلة إن قلبي سينفطر عندما أنجب أطفالًا. كنا نشتغل ببيع البيض في ذلك الحين؛ لذا كنت تجد سلال البيض في كل مكان مع بقايا القش والريش وروث الدجاج العالق بها، في انتظار من ينظفها. أعتقد أن رائحة روث الدجاج تدخل البيت على الأحذية والملابس ولا يمكن التخلص منها بأي حال من الأحوال. في غرفة الطعام كانت هناك لوحتان زيتيتان معلقتان أعلى الحائط، رسمتهما شقيقة أخرى لجدتي، التي توفيت في سن مبكرة. إحدى اللوحتين تصوِّر كوخًا على جدول ينساب به الماء أمامه، فيما تعبِّر اللوحة الثانية عن كلب يمسك بطائر في فمه، علقت عليها أمي ذات مرة بأن حجم الطائر كبير جدًّا مقارنة بالكلب. فردت عليها جدتي، قائلة: «حسنًا، لم يكن هذا خطأ تينا؛ فقد نسختها من أحد التقويمات.» قالت الخالة مادج مؤمِّنة على كلامها: «كانت فنانة موهوبة ولكنها كفَّت عن الرسم بعد زواجها.» كانت هناك أيضًا في الغرفة صورة لجدتي والخالة مادج، مع والديهما، وأختهما المتوفاة، وشقيقة أخرى تزوجت من كاثوليكي، وهو الأمر الشائن في نظر العائلة لدرجة أنهم اعتبروها في عداد الأموات، وإن كان السلام قد حل بينهم في وقت لاحق. كنت أمر على هذه الصورة مرور الكرام ولا أتوقف عندها كثيرًا، ولكن بعد وفاة جدتي وانتقال الخالة مادج إلى دار لرعاية المسنين (حيث لا تزال حية حتى الآن، حية ولكن لا تعرف أحدًا ولا أحد يعرفها، وقد فقدت عقلها وذاكرتها ولعلها نسيت ماضيها تمامًا بكل منغصاته، تحررت من كل ذلك)، أخذتُ الصورة لأصحبها معي أينما ذهبت. كان والداها جالسين، حيث كانت الأم متخشبة في جلستها دون أن يرف على شفتيها شبح ابتسامة، مرتدية فستانًا أسود حريريًّا، شعرها خفيف ومفروق من المنتصف، وعيناها جاحظتان ذابلتان. أما الأب فلا يزال وسيمًا، ملتحيًا، ويداه على ركبتيه مجسِّدًا دور السيد المطاع في الأسرة. البصمة الأيرلندية ظاهرة قليلًا هنا، حيث يستمتع الأب بدوره، وربما كانت تلك المتعة نابعة أيضًا من عدم قدرته على الهروب منه الآن. ففي شبابه كان معروفًا بارتياده الحانات؛ وحتى بعد إنجاب أولاده ظل محتفظًا بلقب السكير، العربيد الكبير. لكنه تخلى عن تلك العادات، وأدار ظهره لأصدقائه وجلب عائلته هنا، لاستصلاح قطعة أرض بمشروع هورون تراكت الذي افتُتح مؤخرًا. وكانت هذه الصورة علامةً وسجلًّا لأهم إنجازاته: الاحترام والرخاء المعقول، زوجة حنون ترتدي فستانًا حريريًّا أسود اللون، وبنات حسناوات المظهر طويلات القامة. ومع ذلك؛ فقد كانت ملابسهم في واقع الأمر تبدو مبالغًا فيها؛ تحفل بالكشكشات والذوق الفلاحي. كلهم ما عدا الخالة مادج؛ فقد كان فستانها ضيقًا، بسيطًا، برقبة طويلة، تزينه قطع لامعة صغيرة، ربما من الكهرمان الأسود. وطريقتها في ارتداء الفستان تنمُّ عن ذوق رفيع، لا سيما مع إمالة رأسها قليلًا إلى الجانب، والابتسام دون حرج للكاميرا. كانت خيَّاطة متميزة، وتفصِّل ملابسها بنفسها، وتفهم ما يناسبها. ولكن من المرجح أنها هي من فصَّلت فساتين شقيقاتها أيضًا، وما الحيلة تجاه ذلك؟ كانت جدتي تلبس فستانًا بأكمام فضفاضة وياقة مخملية واسعة، وما يشبه الصديري المقلم بخطوط مخملية متقاطعة، كان شكله مستغربًا عند الخصر. كانت ترتدي تلك الملابس دون أيٍّ من مظاهر السلطة، بل كانت حمرة الخجل تعلو وجهها، كمن تعتذر بنصف ابتسامة غير واثقة في قبول اعتذارها. تبدو جدتي في الصورة مسترجلة إلى حد بعيد، حيث شعرها الأشعث الملفوف لأعلى وإن كان ممشطًا للأمام، مما يعرضه للسقوط. لكنها ترتدي خاتم الزواج، ففي ذلك الحين كانت قد أنجبت أبي، وكانت الوحيدة المتزوجة من بينهن حينذاك، والبنت البكر للأسرة، وأيضًا أطول شقيقاتها. على العشاء، سألتني جدتي: «كيف حال أمك؟» وفي لحظتها شعرت بانقباض النفس. «بخير.» لم تكن بخير، ولن تكون بخير أبدًا. كانت تعاني من مرض يتطور ببطء وليس له علاج معروف. علقت الخالة مادج بنبرة المتأثر: «مسكينة.» أردفت جدتي متنهدة: «لقد وجدت صعوبة في فهمها على الهاتف. أعتقد أنه كلما ازدادت حالة صوتها سوءًا، أصبحت أكثر رغبة في الحديث.» كانت الحبال الصوتية لأمي تعاني شللًا جزئيًّا، وفي بعض الأحيان كنت أعمل مترجمةً لها، وهي الوظيفة التي جعلتني أشعر بخزي شديد. قالت الخالة مادج مشفقة: «لا عجب أنها ستشعر بالوحدة هناك. يا لها من مسكينة!» فعلقت جدتي، قائلة: «إن مكوثها في أي مكان لا يصنع فارقًا ما دام الناس لا يفهمونها.» بعدها طلبت جدتي تقريرًا عن أعمالنا المنزلية. هل غسلنا الملابس والمفروشات؟ هل جففنا الغسيل؟ هل كوينا الغسيل بعد جفافه؟ ماذا عن الخبيز؟ هل خيطنا جوارب أبي؟ كانت تقدم يد العون لنا. كانت تخبز البسكويت والكعك، والفطيرة (هل لدينا فطيرة؟) ما علينا إلا إحضار المكونات وتتولى هي خبزها، وكانت تتولى كذلك أعمال الكي. دأبت على المجيء إلينا يومًا واحدًا للمساعدة بمجرد توقف الأمطار عن الهطول. كانت فكرة احتياجنا إلى المساعدة تصيبني بالإحراج، وقد حاولت جهدي درء تلك الزيارات. قبل مجيء جدتي كنت أضطر إلى تنظيف المنزل، وإعادة تنظيم الخزائن قدر الإمكان، وإخفاء كل ما من شأنه أن يخزيني، كإناء تحميص لم أقربه قطُّ بالغسيل والدعك، أو سلة بها ملابس ممزقة سبق أن أخبرت جدتي بأنني قد أصلحتها، كل ذلك كنت أخفيه تحت الحوض أو الأسرَّة. ولكني لم أكُن أؤدي أعمال النظافة بالقدر الكافي قط؛ إذ كانت عمليات إعادة التنظيم التي أقوم بها عشوائية، وكانت مسببات الخزي تنكشف بجلاء، ويتضح مدى فشلنا، وعدم ارتقائنا إلى المستوى النموذجي من النظام والنظافة والآداب المنزلية، التي كنت أُومن بها كأي شخص آخر، ولكن الإيمان وحده ليس كافيًا. لم أكُن أشعر بالخزي من أجلي فقط، بل من أجل أمي أيضًا. «أمك ليست على ما يرام ولا تستطيع مباشرة الأمور بنفسها.» قالتها جدتي بنبرة تشي بالشك بما سأقوم بإنجازه. حاولت تقديم تقارير جيدة قدر الإمكان. في الأيام الخوالي حينما كانت تلك الأشياء وأمثالها صحيحة أحيانًا، كنت أقول إن والدتي قد خللت بعض البنجر، أو إنها مشغولة في قص الحواف المهترئة للملاءات وخياطة الحواف السليمة لجعلها تستمر فترة أطول. فكانت جدتي تنظر إلى كم الجهد المطلوب لفعل ذلك، وتدرك الزيف الواضح لتلك الصورة (زائفة، حتى لو كانت تفاصيلها صحيحة)؛ ثم تعقب قائلة: حسنًا، هل فعلت هذا حقًّا؟ قلت لها ذات مرة: «إنها تدهن خزائن المطبخ.» لم تكن تلك كذبة من نسج خيالي؛ إذ دأبت أمي على دهان خزائننا باللون الأصفر ورسم بعض الزخارف على كلٍّ من الأدراج والأبواب: زخارف كزهور أو أسماك أو مراكب شراعية أو حتى أعلام. وبالرغم من ارتعاش يديها وذراعيها، فإنه كان بمقدورها السيطرة على الفرشاة بما فيه الكفاية فترة قصيرة، لذلك لم تكن هذه التصاميم بالغة السوء، بيد أنه كان بها شيء من الفظاظة والفجاجة التي تعكس قسوة وشدة المرحلة المرضية التي تمر بها أمي الآن. لم آتِ على ذكر تلك المسألة على الإطلاق أمام جدتي، لعلمي أنها كانت ستجدها غريبة ومستهجنة. فجدتي والخالة مادج تعتقدان، شأنهما شأن الكثيرين، أن المنازل ينبغي أن تبدو مثل بيوت الآخرين قدر الإمكان. كذلك فإن بعض الأفكار التي تصوَّرتها ونفَّذتها أمي لم تؤدِّ إلا إلى زيادة اقتناعي بضرورة هذا التماثل. كانت أمي أيضًا تترك الطلاء والفرش وزيت التربنتين لي لأتولى تنظيفها؛ حيث إنها اعتادت العمل حتى تصاب بالإنهاك التام، ثم تتمدد على الأريكة وهي تئن. وعقبت جدتي على حكاية الدهان تلك، قائلة بنبرة تنمُّ عن الانزعاج وعدم الرضا: «سوف تورط نفسها في شيء كهذا، كان يجدر بها أن تعرف أنه سينهكها، ومن ثم لن تستطيع القيام بأيٍّ من واجباتها التي يتعيَّن عليها القيام بها. إنها ستدهن الخزائن في وقت يجدر بها أن تجهِّز عشاء أبيكِ فيه.» كلام في محله تمامًا. ••• بعد العشاء خرجتُ، بالرغم من الطقس السيئ، حيث هبَّت على المدينة عاصفة ثلجية، ولكنها لم تبدُ عاصفة ثلجية قوية بالنسبة لي، حيث حجبت المنازل والمباني قدرًا كبيرًا من شدتها. التقيتُ صديقتي بيتي جوسلي؛ فتاة ريفية أخرى مع شقيقتها المتزوجة. كنا سعيدات ومتحمسات لكوننا في المدينة، حيث كنا قادرات على الخروج وتجربة الحياة المسائية، بدلًا من اقتصار الأمر على معايشة العواصف والظلام والبرد الذي تُعاني منه منازلنا في الريف. في المدينة تجد الشوارع التي يؤدي بعضها إلى بعض، والأضواء المنتشرة على مسافات متساوية، ويمكن أيضًا أن تجد ما صنعه البشر من تصميمات وقد أثبتت وجودها ونجحت. تجد الناس هنا يمارسون لعبة الكيرلنج ويتزلجون على الجليد في الساحة، ويشاهدون العرض في مسرح الليسيوم، ويلعبون البلياردو في نادي البلياردو، ويجلسون على المقاهي. كنا محرومات من معظم هذه الأنشطة بسبب سننا أو نوعنا أو افتقارنا إلى المال، لكننا تمكنا من التجول، وشربنا كوكا الليمون — وهي أرخص مشروب في مقهى بلو أول كافيه — وأخذنا نراقب من يحضرون إلى المكان، ونحن نتحدث مع فتاة تَعرَّفنا بها ممن كانوا يعملون هناك. لم أكُن أنا وبيتي في موضع قوة، وقضينا الكثير من الوقت، مثل التفهاء في بلاط الملك نتحدث في شئون من هم أكثر حظًّا وقوة، ونثرثر بشأن ما تمر به حياتهم العملية من صروف وتقلبات، وكنا نحكم بقسوة على أخلاقهم. قالت كلٌّ منا للأخرى إنها لن تخرج مع فتيان بعينهم ولو مقابل مليون دولار، والحقيقة هي أننا سنكون في منتهى السعادة إذا دعانا هؤلاء الأولاد باسمينا فقط. تحدثنا عن الفتيات اللائي قد يكن حملن (في الشتاء التالي حملت بيتي جوسلي من مُزارع في جوارنا يعاني من صعوبة في التحدث ويمتلك قطيعًا من الماشية ينتج الألبان، لم تحدِّثني عنه قط. بعد ذلك استغرقتها حياة النسوة المتزوجات شاعرة بالخجل والفخر، ولم تَعُد تتحدث عن أي شيء سوى أعمال المطبخ، وغسيل المفروشات وملابس الأطفال، وغثيان الصباح؛ مما جعلني أشعر بالحسد والفزع في الوقت ذاته). مشينا بجوار المنزل الذي يعيش فيه السيد هارمر. كان يسكن في الطابق العلوي، وكانت الأضواء منيرة. ماذا كان يفعل في أمسياته؟ لم يستمتع بوسائل الترفيه المتاحة في المدينة، ولم يكن من مرتادي السينما أو مباريات الهوكي. لم يكن معروفًا للجميع، وكان هذا سبب اختياري له. أحببت أن أظن أن لي ذوقًا خاصًّا. كان شعره خفيفًا باهت اللون، وله شارب ناعم، لم يبدُ عريض المنكبين في سترته من الصوف الخشن المرقعة بالجلد، وكان يعتمد على الكلمات اللاذعة في الصف الدراسي بدلًا من استخدام القوة الجسدية. تحدثت إليه ذات مرة — وكانت تلك المرة الوحيدة التي تحدثت إليه فيها — وذلك في مكتبة المدينة، حيث رشح لي رواية عن عمال مناجم الفحم في ويلز، ولكنها لم تعجبني. لم تكن رواية عن الجنس، كانت تدور فقط حول الإضرابات والنقابات والرجال. كنت أمشي مع بيتي جوسلي بجوار منزله، نتسكع تحت النوافذ. لم أكن أظهر اهتمامي بصورة مباشرة، ولكن بدلًا من ذلك حكيت لها نكات ساخرة عنه، فقلت عنه إنه جبان ومعتزل للنساء، ورميته بالممارسات المشينة الخاصة التي تبقيه في الأمسيات بالمنزل دائمًا. انضمت بيتي إلى هذه الثرثرة، ولكنها لم تفهم حقًّا لماذا كان يجب عليها أن تكون قاسية على هذا النحو وطويلة على هذا الشكل. ولكي أبقيها على مهاجمته تظاهرت بأنني أعتقد أنها كانت في علاقة معه، وقلت إنني كنت قد رأيته ينظر إلى تنورتها عند صعودها للسلم، وإنني سأرمي كرة ثلج على نافذة منزله، وأدعوه للنزول للقائها. كانت مستمتعة في البداية بهذه التخيلات، ولكن بعد فترة شعرت بالبرودة وسئمت الحديث وتعكر مزاجها، وتوجهت نحو الشارع الرئيسي فاضطرتني للحاق بها. كان كل هذا الجموح، والفظاظة، والمرح جزءًا من أحلامي الخاصة إلى أقصى حد ممكن، التي كانت في معظمها حول اللقاءات العاطفية والأحضان العفيفة، والذوبان في العاطفة المقدسة، والوئام قبل الفراق الذي لا مفر منه، والحب بالغ الرومانسية. ••• كان زواج الخالة مادج سعيدًا، وكان الجميع يتذكر سعادة زواجها ويحكي عنها، وحتى في هذا المجتمع حيث عادة ما يعتقد الناس أنه من الأفضل عدم الحديث حول مثل هذه الأمور (وحتى اليوم، إذا سألت عن حال شخص ما، فإن الإجابة سوف تكون في كثير من الأحيان أنه يبلي بلاءً حسنًا، وأنه اشترى سيارتين وغسالة صحون، وهذه الطريقة في الرد مبنية في جزء منها على مادية بسيطة وطبيعية موروثة عن الفقر، وفي جزء آخر على التطير من التحدث بكلمات مثل: «سعيد»، «خائف»، «حزين»). كان زوج الخالة مادج من نوع المزارعين الذين يحبون التروِّي في كل شيء، وكان يهتم بالشئون السياسية، وصاحب رؤية، وعنيدًا، ومسليًا. لم ينجبا أطفالًا ومن ثم لم يُنتقص شيءٌ من مشاعرها تجاهه. كانت تشعر بالسعادة في صحبته، وما كانت لترفض أي دعوة للذهاب معه إلى المدينة، أو أن تذهب معه في نزهة بسيارته، مع أنها أمضت حياتها تشعر بالقلق كلما ركبت معه السيارة؛ فقد كان أسلوب قيادته مخيفًا، علاوة على أنه في السنوات الأخيرة من حياته عانى من ضعف الإبصار، ولكنها لم تشعره بذلك فلم تحاول تعلُّم القيادة بنفسها، كان دعمها له دائمًا، وبذلك يمكن وصفها نموذجًا للزوجة المثالية، إلا أنها لم تعطِ قطُّ انطباعًا بالتضحية، أو الصبر، أو القيام بواجباتها، مثل تلك الصفات التي يبحث عنها المرء في المثل العليا. تجدها مرحة، ولكن وقحة أحيانًا؛ لذا فإن الناس لم تكن تحترمها بسبب حبها، بل كانوا يرونها محظوظة أو حتى خفيفة العقل. وبعد وفاته لم تَعُد تهتم بحياتها، وكانت تنظر لها باعتبارها فترة انتظار، حيث كانت تؤمن إيمانًا راسخًا بالنعيم واليوم الآخر، وقد حالت نشأتها دون وقوعها فريسة للاكتئاب. أما زواج جدتي فكان قصة مختلفة؛ فقد تزوجت جدي في حين كانت لا تزال في حالة حب مع رجل آخر. كانت والدتي قد أخبرتني بهذا؛ فقد كانت تحب القصص، خاصة القصص التراجيدية المليئة بالمآسي وما يفعله القدر من صروف وتقلبات. وبطبيعة الحال، لم تذكر الخالة مادج وجدتي أي شيء حول هذا الموضوع. ولكن عندما كبرت وجدت أن الجميع على علم بهذا الأمر. ظل الرجل الآخر في الحي، كما فعل معظم الناس؛ فقد كان مزارعًا وتزوج ثلاث مرات. وكان ابن عم كلٍّ من جدي وجدتي؛ ولذلك كان يزورهما في كثير من الأحيان بمنزلهما، كما يفعلان أيضًا معه. وقبل أن يتقدم لزوجته الثالثة جاء لرؤية جدتي، وكان هذا ما قالته لي والدتي. خرجت من المطبخ وركبت معه عربة تجرها الأحصنة وكان من السهل أن يراهما الجميع. فهل طلب نصيحتها، أو استأذنها؟ تعتقد أمي اعتقادًا قويًّا أنه طلب منها أن تهرب معه. تعجبت؛ فقد كانا يبلغان من العمر نحو خمسين سنة في ذلك الوقت، أين يمكنهما الهروب؟ إلى جانب ذلك؛ فقد كانا ملتزمَيْن دينيًّا، ولم يتهمهما أحدٌ بسوء السلوك. التقارب، والاستحالة، والتخلي، تلك التركيبة تجعل الحب دائمًا ومستمرًّا. وأعتقد أن هذا كان خيار جدتي؛ تلك العاطفة الخطرة المنكرة للذات والممجدة لها في ذات الوقت، تلك العاطفة التي لم تشبعها قطُّ، لتستمر مدى الحياة. لم نتحدث قطُّ في هذا الأمر في حياتنا ربما باستثناء مرة واحدة أو مرتين، لظروف معينة. كان جدي رجلًا لا يحب الشكوى، وكان يفضل العزلة. كان قد تزوج في وقت متأخر من حياته، واختار حبيبة رجل آخر لأسباب لم يفصح لأحدٍ عنها. في فصل الشتاء كان ينهي أعماله في وقت مبكر، ويقوم بكل شيء بدقة ومهارة، ثم يبدأ في قراءة كتب في الاقتصاد والتاريخ. درس لغة الإسبرانتو، قرأ رفوفًا من روايات العصر الفيكتوري عدة مرات. كان لا يناقش ما يقرؤه ويحتفظ بآرائه لنفسه، على عكس صهره. مطالبه من الحياة، وتوقعاته من الآخرين كانت منخفضة للغاية، لذلك لم تكن هناك أي إمكانية لتعرضه لخيبة الأمل. ولا أحد يعرف إن كانت جدتي قد أصابته بخيبة الأمل في حياتهما الخاصة، وإن كان قد توقف عن محاولات التقرب منها، لا أحد يعرف. وأنى لأي شخص أن يعرف؟ كيف لي أنا أن أعرف ما أدعي معرفته؟ لقد استغللتُ هؤلاء الأشخاص، ليس جميعهم ولكن البعض منهم، من قبل. لقد غررت بهم وغيرتهم وشكلتهم بأي شكل من الأشكال أريده ليتناسب مع أهدافي. أنا لا أفعل ذلك الآن، وأحرص قدر ما أستطيع، ولكني أتوقف وأتعجب، وأشعر بوخز الضمير مع أنني لا أفعل على نحو علني إلا ما فعلته دائمًا، ما فعلته أمي، وما فعله الآخرون، الذين حكوا لي قصة جدتي. حتى في هذا المكان الذي حُكيت لي القصة فيه، يجري اختلاق العديد من القصص. كان الناس يتبادلون قصصهم فيما بينهم. جدتي كانت تحتفظ بقصتها، ولم يتحدث أحدٌ حول هذه القصة في وجهها. لكن حديثي هذا يقتصر فقط على الحقائق. لقد قلت أشياء أخرى، لقد قلت إن جدتي اختارت نوعًا معينًا من الحب، لقد أشرت إلى أنها كانت مدمرة عاطفيًّا ولكنها كانت تخفي ذلك داخلها بعناد. لم تحدثني عن أي شيء، ولم أسمعها تحدِّث أحدًا غيري، حول هذا الأمر. ولكنني لم أخترع ذلك، وأنا حقًّا أصدقه، دون أي دليل أصدقه، ولذا أصدق أنه كانت تصلنا رسائل بطريقة أخرى تفيد بأن هناك صلات بيننا لا يمكننا أن نلمسها، ولكن يجب الاعتماد عليها. ••• تحولت العاصفة بعد ذلك لعاصفة عاتية شديدة استمرت أسبوعًا. ولكن بعد ظهيرة اليوم الثالث، أثناء مكوثي بالمدرسة، نظرت من النافذة ورأيت أن الرياح قد هدأت على ما يبدو، لم تكن هناك ثلوج تتساقط، وكانت السحب متقطعة. فكرت أنه بعد انتهاء العاصفة سأكون قادرة على العودة إلى بيتنا تلك الليلة. دائمًا ما يكون البيت أفضل بعد قضاء بضع ليالٍ في منزل جدتي، حيث لم أكن مضطرة للانتباه لما أقول وأفعل دائمًا. كانت والدتي تعترض على بعض الأشياء، ولكن كان لي اليد العليا عليها. ومع ذلك، كنت أنا من يقوم بتسخين المياه على الموقد ونقل الغسالة من الشرفة وكذلك الغسيل، مرة واحدة كل أسبوع، إضافة إلى تنظيف الأرضية البالية، وكنت أعد لها على مضض أكواب الشاي التي لا نهاية لها. لذلك كنت أقول: «يا له من شيء مقرف!» عندما أنظف الموقد ويعلق بي بعض التراب. يمكنني القول إنني اعتزمت تكوين علاقات واستخدام وسائل منع الحمل وعدم إنجاب أطفال. كنت أتوق إلى زواج يثير غيرة الآخرين، يكتنفه الأمان ومليء بالعاطفة على حد سواء، وتخيلت قميص النوم الذي أود ارتداءه عندما أكون مع زوجي حبيبي للمرة الأولى. أستطيع أن أقول إنه ليس ثمة خطأ في الكتابة عن الجنس في الكتب وكذلك لا يوجد ما يُعرف بالكلمات القبيحة. لم تكن شخصيتي صاحبة الصوت العالي الفاضح التي كنت عليها في منزلي شبيهة بشخصيتي الكتومة الحصيفة في بيت جدتي، ولكن إذا حكمنا على ظروف كل شخصية باعتبارها أدوارًا أؤديها يمكن رؤية أن للشخصية الأولى بُعدًا أعمق. أنا لم أتعب من ذلك بسهولة، في الحقيقة أنا لم أتعب من ذلك على الإطلاق. الأغطية، والملاءات المكوية، واللحاف الجميل، وصابون الياسمين؛ أنا مستعدة للتخلي عن كل ذلك الآن لكي أتمكن من إلقاء معطفي حيثما أختار، وترك الغرفة دون الحاجة إلى قول أين سأذهب، بل والقراءة وقدمي في الفرن، إن أحببت. بعد المدرسة عرجت على بيت جدتي لأقول لهم إنني ذاهبة إلى منزلنا. عندئذٍ كانت الرياح قد بدأت تهب مرة أخرى، وأي شخص يسير على الطريق معرض لأن تطيره الرياح، والعاصفة لم تنتهِ بعد، ولكنني أردت العودة إلى بيتنا أكثر من أي وقت مضى. عندما فتحت الباب شممت رائحة فطير يخبز، فطير تفاح الشتاء، وسمعت صوت السيدتين العجوزين تحييانني (دائمًا ما كانت الخالة مادج تصيح قائلة: «ومن عساه يكون الزائر؟» تمامًا كما كانت تفعل عندما كنت فتاة صغيرة)، اعتقدت أنني لا أستطيع التحمل أكثر من ذلك؛ التنظيف، والمجاملات، والانتظار. كل أوقاتهم أوقات انتظار. انتظار البريد، انتظار العشاء، انتظار النوم. قد تتصور أن أوقات أمي كانت أوقات انتظار أيضًا، لكن لم يكن الأمر كذلك؛ فبالرغم من استلقائها على الأريكة وبالرغم من مرضها وعجزها، إلا أنها كانت لا تزال محتفظة بخطط وخيالات وطلبات غير تقليدية لا يمكن تلبيتها، بل وتفتعل شجارات في بعض الأحيان؛ باختصار كانت تشغل نفسها. في بيتنا كان الارتباك والضرورة حاضرَيْن على الدوام، حيث البيض وضرورة تنظيفه، الخشب وضرورة جلبه، والنار وضرورة إبقائها مشتعلة، والطعام وضرورة إعداده، والفوضى وضرورة التخلص منها. دائمًا ما كنت أهرول وأتذكر وأنسى، ثم أجلس بعد العشاء وسط كل شيء، في انتظار ماء غسيل الأطباق حتى يسخن على الموقد، وأغوص في كتاب من مكتبتي. ثمة اختلاف أيضًا بين الكتب التي أقرؤها في بيتنا وتلك التي في منزل جدتي؛ حيث لا يسعك إخراج الكتب من موضعها، تحس أن جو المكان نفسه يدفعها إلى الوراء، يكبحها، يطفئ بريقها. لم يكن هناك متسع. أما في بيتنا، وبالرغم من كل ما كان يجري؛ فقد كان هناك متسع لكل شيء. قلت لهما: «لن أكون هنا على العشاء. سأعود إلى بيتنا.» حزمت أغراضي وجلست لاحتساء الشاي الذي كانت تعده جدتي. قالت بثقة: «لا يمكنك الذهاب في هذا الجو. هل أنت قلقة حيال العمل؟ هل تخشين ألا يستطيعوا المضي قدمًا من دونك؟» «كلا ولكني أفضل العودة إلى البيت. والرياح لا تهب بشدة، حتى إن المحاريث تعمل بالخارج.» فردت جدتي محاولة إقناعي: «ربما على الطريق السريع، فلم أسمع بعدُ صوت محراث على طريقك.» كان المكان الذي نعيش فيه، شأنه شأن الكثير من الأشياء الأخرى، خطأ في خطأ. وهنا صاحت الخالة مادج بنبرة حزينة مكسوة بالسخرية: «إنها خائفة من فطيرتي، كل ما هنالك أنها تحاول الهروب من فطيرتي.» فقلت بلامبالاة: «ربما كان الأمر كذلك.» «عليكِ أن تأكلي منها قطعة قبل أن تغادري. فلن تستغرق الكثير من الوقت حتى تبرد.» فقالت جدتي برفق: «لن تخرج. لن تخطو خارج عتبة هذا الباب في هذه العاصفة.» فرددت عليها: «ليست عاصفة.» ونظرت إلى النافذة بحثًا عما يدعم كلامي فوجدت شبورة كثيفة. وضعت جدتي كوبها بقوة على صحنه محدثة صوتًا عاليًا وقالت: «حسنًا، اذهبي إذن. اذهبي إن أردتِ، اذهبي وتجمدي حتى الموت.» لم أرَ جدتي تفقد السيطرة على أعصابها من قبل، ولم أتصوَّر قطُّ أنها يمكن أن تفقد السيطرة على أعصابها. يبدو لي هذا غريبًا الآن، ولكن الحقيقة هي أنني لم أسمع قطُّ ألمًا أو غضبًا في نبرة صوتها، أو أراهما على وجهها. كانت أحكامها تدل على الانعزال ولم تكن شخصية، وإن كانت تصدرها بسلطة تقليدية. كان تراجعها هنا هو ما أذهلني. كانت هناك دموع في لهجتها، وعندما نظرت في وجهها وجدت دموعًا في عينيها ثم سالت على وجهها. كانت تبكي. كانت غاضبة وتبكي. «لا عليكِ، إذن، اذهبي وتجمدي حتى الموت مثلما حدث للمسكينة سوزي هيفرمان.» قالت الخالة مادج مؤمِّنة على كلامها: «أوه يا عزيزتي، هذا صحيح، هذا صحيح.» قالت جدتي مخاطبة إياي كما لو كان ذلك ذنبي أنا: «المسكينة سوزان كانت تعيش وحيدة.» قالت الخالة مادج معزية: «كانت بالخارج في حيِّنا القديم، يا عزيزتي. لن تعرفي من نقصد. سوزي هيفرمان التي كانت متزوجة من جرشوم بيل. السيدة بيل أو سوزي هيفرمان كما نعرفها نحن، كانت تذهب معنا إلى المدرسة.» مسحت جدتي عينيها وأنفها بكمها، مستجمعة شتات نفسها إلى حد ما، ولكن من دون التوقف عن النظر إليَّ بغضب، قائلة: «وتوفي زوجها جرشوم العام الماضي وتزوجت ابنتاها وتركتاها وحيدة. المسكينة سوزان كان عليها الخروج بنفسها لحلب الأبقار. لقد احتفظت بأبقارها وتولت رعايتها بنفسها. خرجت الليلة الماضية وكان ينبغي لها أن تربط حبل الغسيل بالباب ولكنها لم تفعل، وفي طريق العودة ضلت طريقها، ووجدوها ظهر اليوم.» أردفت الخالة مادج، قائلة: «اتصل بنا أليكس بيتيه ليخبرنا، فهو أحد مَن وجدوها.» قلت بحماقة: «هل كانت ميتة؟» ردت جدتي وقد كفت عن البكاء: «لا يمكنهم إذابة الجليد وإعادتك إلى الحياة بعدما قضيت ليلة كاملة مطمورة تحت الجليد في هذا الطقس.» وأضافت الخالة مادج متأثرة: «تخيلي أن كل هذا حصل لسوزي وهي تحاول الوصول من الإسطبل إلى البيت فقط. ما كان ينبغي لها أن تذهب إلى أبقارها، ولكنها ظنت أنها تستطيع تدبر الأمر، ومما زاد الطين بلة أن إحدى ساقيها كانت مصابة. أراهن أن هذا هو ما قضى عليها.» فقلت خائفة: «هذا فظيع. لن أرجع إلى البيت.» فقالت جدتي دفعة واحدة: «يمكنك الذهاب إن أردت.» «كلا، سأبقى هنا.» استأنفت الخالة مادج: «لا يعلم الواحد منا ما سيحدث له.» وراحت تنتحب هي الأخرى، ولكن كان بكاؤها طبيعيًّا أكثر من جدتي. بالنسبة لها لم تكن دموعها سوى بعض الارتشاح حول العينين، ويبدو أن دموعها أراحتها شيئًا ما، ثم استأنفت: «من كان يفكر في تلك النهاية المأساوية لسوزي، كانت صديقة عمري، كانت صديقتي أكثر من جدتك، ويا لها من فتاة في الرقص! دائمًا ما كانت تقول إنها على استعداد لأن تسافر عشرين ميلًا في عربة مكشوفة تجرها الخيل من أجل رقصة جيدة. وقد تبادلنا الفساتين ذات مرة على سبيل المزاح. آه لو كنا نعرف حينذاك ما سيحدث!» قالت جدتي في أسى: «ليس بمقدور أحدٍ أن يعرف، لا طائل من وراء ذلك!» ••• تناولت عشائي بنهم وأكلت كثيرًا، فيما لم يعاود أحدٌ ذكر حكاية سوزي هيفرمان. أفهم الآن العديد من الأشياء، مع أن فهمي لها لا يفيد أحدًا في شيء. أفهم أن الخالة مادج تشعر بالتعاطف مع أمي؛ لأن الخالة مادج رأت أمي بكل تأكيد كامرأة بائسة، حتى قبل مرضها. وأي شيء استثنائي كانت تنظر إليه ببساطة على أنه بؤس. أما جدتي فيجب أن ترى مثالًا. لقد علمت جدتي نفسها؛ راقبت نفسها، تعلمت ما ينبغي فعله وقوله؛ فهمت أهمية القبول، حنت إليه، حققته، وعرفت أن هناك احتمالية لعدم تحقيقه. فيما لم تعرف الخالة مادج أيًّا من ذلك. شعرت جدتي بالخطر من أمي، ولعلها فهمت — عند مستوى معين دائمًا ما تضطر إلى الإنكار — تلك الجهود من جانب أمي، فكانت تسخر منها كثيرًا وتوجه إليها اللوم بطريق غير مباشر. أفهم الآن أن جدتي بكت غضبًا على سوزي هيفرمان وعلى نفسها أيضًا، وأنها عرفت كم أشتاق إلى بيتنا، ولماذا أشتاق إليه. عرفت ولم تفهم كيف حدث ذلك أو كيف كان يمكن أن يكون مختلفًا أو كيف أنها هي نفسها، ما إن تحيرت وعانت بشدة، قد أصبحت امرأة عجوزًا أخرى يخدعها الناس ويسترضونها ويحرصون على الابتعاد عنها. سر يؤرقني
مراسم التأبين استيقظت إيلين من النوم على ضوء الشمس في وضح النهار لترى جون واقفة بجوار سريرها حاملة صينية في يديها، عليها قدح من القهوة وسكر وقشدة، وشرائح من توست القمح كامل الحبة المصنوع بالمنزل. «يا إلهي! هذا ما كنت أنوي صنعه لك.» «ما الذي كنت تنوين صنعه؟» «أن أحضر لك القهوة إلى السرير. وقد استيقظت من قبلك، ولكني انتظرت. أردت الانتظار حتى تشرق الشمس.» لم تقل إيلين إنها ظلت مستيقظة طوال الليل تقريبًا، تتحسس صلابة حشية الفراش، ونعومة الملاءات، وهي نفسها كشيء غريب، لا ضرورة له أعلاها. وضعت جون صينية الطعام، قائلة بلهجة انتقادية: «كيف يمكنك أن تعيشي بدون ساعة يد؟ هذا لا يقل بشاعة عن عدم قيامك من السرير ومحاولة عمل أي شيء. إنك لم تستطيعي حتى إدارة مطحنة البن.» في الواقع، نسيت إيلين ذلك تمامًا، نسيت أنهم يطحنون قهوتهم بأنفسهم. يحضرون نوعين أو ثلاثة من الحبوب من متجر مشهور في وسط المدينة، ويصنعون مزيجًا خاصًّا بهم من البن المطحون. أردفت جون: «على أي حال كان يجب أن أستيقظ من النوم؛ فهناك كم لا يصدق من الأشياء لعملها.» «أستطيع المساعدة.» «ساعديني فقط الآن بشرب قهوتك هذه والبقاء مكانك بينما أبعد القطيع الهادر بعيدًا عن الطريق.» كانت تعني بذلك الأولاد، كانت ولا تزال تطلق عليهم هذا اللقب دائمًا. لم يحدث أي اختلاف عما كان، نفس الأسلوب المرتجل البراق. كانت ترتدي ملابسها بالفعل، بنطلونًا برتقالي اللون وبلوزة مكسيكية مطرزة من قطن غير مبيض. كانت تبدو كالمعتاد بشعرها الكستنائي المسحوب إلى الخلف والمربوط بشريط مطاطي، وخصلات طويلة ناعمة من شعرها تنساب على جبينها. إنه نفس المظهر الذي ينم عن الحماس المفرط والسيطرة والانشغال، الذي يؤثر فيك ويثيرك في الوقت نفسه. تلك صفات تليق بزوجة مسيطرة. كانت بشرتها متوردة، خشنة الملمس عند وجنتيها وعنقها. ولا بد أن فجيعتها بثكل ابنها قد أدت إلى زيادة احتقان بشرتها، إن كان هناك ما يمكن أن يؤثر فيها. رأت إيلين أنه من السذاجة أن تتوقع أي تغيير بها. كانت تحسب أن جسد جون قد تعرض للنحول والذبول بسبب أحزانها، وأن صوتها قد أمسى غير واضح، أو لعله أصبح صامتًا تمامًا. ولكن ليلة أمس عندما تعانقا، في المطار، أحست بأن جسد أختها نشيط مفعم بالحيوية كعادته دائمًا كما لو كان له مصدر طاقته الخاص. وعندما حاولت قاطعتها جون مواساتها في إصرار حاد، بل وبنبرة تدل على الابتهاج تقريبًا قائلة: «الرياح عاصفة اليوم، هل كانت رحلتك مروعة؟» ••• أرسلت جون الأولاد الصغار إلى المدرسة. كان لدى جون وإيوارت من الأطفال سبعة، إذا حسبنا دوجلاس واحدًا منهم. الخمسة الكبار منهم صبية، ثم تبنيا فتاتين، كانتا هنديتين أو نصف هنديتين. أما الطفل الأصغر فكان لا يزال في روضة الأطفال. كان دوجلاس يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا. تناهى إلى مسامع إيلين صوت جون وهي تتكلم في الهاتف، قائلة: «أنا لا أريد كبت مشاعرهم، ولكني لا أريد إثارتهم على نحو مصطنع أيضًا. هل تفهم قصدي؟ نعم. هذه هي بيئتهم الطبيعية. أنا أعتقد أنهم في حال أفضل هنا. ولكني أريد أن تتاح أمامهم الفرصة لكي يعبروا عن أحزانهم. لو كانوا يريدون التعبير عن هذا الحزن. نعم. بالضبط. نعم. شكرًا لك. شكرًا جزيلًا.» ثم أجرت مكالمة هاتفية للترتيب لشراء ماكينة صنع القهوة. «أعرف أنه كان يجدر بي حينها شراء الماكينة التي تصنع خمسين كوب قهوة وليس التي تصنع ثلاثين. دائمًا ما تنتهي بي الحال هكذا. أوه لا، لا، كل هذه الأشياء تم الترتيب لها. لا، أنا أفضِّل هذا. شكرًا جزيلًا.» بعد ذلك اتصلت بعدة أشخاص وسألتهم إن كانوا قد وجدوا وسيلة مواصلات لحضور الجنازة، أو مراسم التأبين، كما كان يُطلق عليها آنذاك. اتصلت بآخرين وسألتهم إن لم يكن لديهم مانع في توصيل هؤلاء الذين يجدون صعوبة في تدبير وسيلة مواصلات للذهاب، ثم عاودت الاتصال بأولئك الذين اتصلت بهم أولًا وأخبرتهم بالمكان والزمان حيث يمكن للآخرين أن يقلوهم بسياراتهم. كانت إيلين قد نهضت من فراشها وارتدت ملابسها في ذلك الوقت، وكانت تغدو وتروح إلى الحمام. ومن غرفة الاستجمام بالطابق السفلي سمعت موسيقى الروك بصوت منخفض على غير العادة، ربما مراعاة للظرف الذي يمر به أهل البيت. لا بد أن الأولاد الكبار بالطابق السفلي. تساءلَتْ عن مكان إيوارت. كان لديها انطباع بأنه ليست كل هذه الترتيبات التي تقوم جون بإعدادها ضرورية، أو على الأقل، لم يكن مطلوبًا من جون أن تعدها. فبمقدور الناس بكل تأكيد تدبر وسائل مواصلات تقلهم إلى هناك بأنفسهم. وجدت إيلين أنها تكره حتى نبرة صوت جون في الهاتف. «صباح الخير، أهلًا! أهلًا، معك جون!» كان في واقع الأمر صوتًا عمليًّا مرحًا مبتهجًا، ألم يكن هناك في هذا المرح الشديد بعض التحدي، إصرار شديد على السيطرة؟ هل كان يمكن أن يقال إن جون كانت تسعى لأن تنال التقدير على ما تفعله؟ حسنًا، ولِمَ لا؟ إذا كان هذا سيفيد، لو كان هناك ما يفيد. بيد أن إيلين كرهت تلك النبرة في صوتها؛ فقد أصابتها بالإحباط. في المطبخ غسلت كوبها وطبقها؛ إذ لم يكن هناك غيرهما في مجال رؤيتها. فالمطبخ، في التاسعة والربع من الصباح الباكر، كان نظيفًا ولامعًا كالمطابخ الموجودة في الإعلانات. كانت الأطباق كلها في غسالة الأطباق، فهذا هو مكانها الطبيعي. لم تفكر إيلين في استخدام غسالة الأطباق؛ فهي نفسها تعيش في منزل قديم، منزل مستأجر في مدينة أخرى. كانت تعيش وحيدة لأنها مطلقة وابنتها الوحيدة كانت تتجول في أوروبا. لم تكن تعرف كيف تشغل غسالة الأطباق. كانت قد تركت بقايا من الخبز المحمص في إفطارها، ولكنها الآن التهمتها كلها؛ لأنه كان من الصعب معرفة في أي من سلال المهملات من المفترض أن تلقيها. ربما يستغرق منها الأمر هنا يومًا كاملًا، على الأقل، لكي تفهم النظام على الوجه الصحيح. كانت قد عرفت ليلة أمس أن ثمة نظام جديد ومعقد لتقسيم النفايات، يساهم في عملية إعادة التدوير. أعربت إيلين عن استعدادها لتعلمه ولكنها قالت: «عليَّ أن أجرب كل هذا لكي أقوم به أنا أيضًا.» فردت عليها جون: «ولكن، ألم تفعلي من قبل؟» بالمقارنة مع جون، كانت إيلين تعيش بطريقة غير مسئولة. كان يجب أن تعترف بذلك. كانت قمامتها ملقاة بإهمال في كل مكان؛ وتحت مظهرها المرتب، تعج خزائن مطبخها بالفوضى. ذات مرة حدثت مشادة بينها وبين جون بسبب الأكياس الورقية بنية اللون، حيث كانت إيلين تحفظ الأكياس الورقية بحشرها في أحد أدراج المطبخ، أما جون فقد فردتها وسوتها، ثم رصتها بعضها فوق بعض، وبفضل ذلك زادت سعة الدرج كثيرًا وأصبح إخراج الأكياس أسهل كثيرًا. كلتا الأختين ضحكت غاضبة. علقت جون قائلة: «أنا أعني أن الأمر أسهل بهذه الطريقة. إنه دائمًا أسهل بهذه الطريقة. في الحقيقة، في النهاية يمكنك بذلك أن توفري لنفسك وقتًا كثيرًا.» فردت عليها إيلين: «أنت موسوسة.» قالتها بنبرة من يحاول يائسًا أن يستخدم لغة جون الخاصة ضدها، فهي تستخدمها بتهكم وعجرفة. واستطردت: «النظام انحراف عن الطبيعة. أنا مندهشة منك.» ولكنها حاولت. في مطبخ جون حاولت طوال الوقت أن تتذكر النظام والترتيب، أن تتذكر المنطقي دائمًا، على الرغم من التصنيفات غير المتوقعة. كانت دائمًا ما تخطئ. عندما كان إيوارت يكتشف أحد أخطائها، شيء في غير مكانه، كان يربت على ذراعها مع نظرة تنمُّ عن الاعتذار والتواطؤ، دون أن ينبس ببنت شفة، ثم يضع الشيء في مكانه الصحيح بتلويحة ماكرة. ومن هذه الإيماءات من جانبه، وهذا اللطف والقلق من جانبها، فهمت إيلين إلى أي مدى كان كل هذا أبعد ما يكون عن المزاح، فهمت كم سيكون غضب جون عميقًا وحقيقيًّا. في منزل جون وإيوارت أحست طوال الوقت بثقل ظل عالم النظام، والمتطلبات الجادة، والاختلافات التي استخفت بها، كانت هنا أخلاقيات في الشراء والاستخدام، أخلاقيات في النزعة الاستهلاكية. لم يكن لدى إيلين أي أموال قط؛ لذا لم يكن عليها من بأس في التبذير، كانت مهملة وراضية بذلك. أما جون وإيوارت، بما يتمتعان به من ثراء عظيم، فكانا يشتريان ويستخدمان كل الأشياء مع إحساس عظيم بالمسئولية، ليس فقط مسئولية امتلاك الأفضل، الأكثر فاعلية وكفاءة ومتانة، ولا مسئولية الحفاظ على ما يمتلكونه، بل مسئولية نحو المجتمع، على حد وصفهم. وهؤلاء الذين لا يقرءون مجلة كَستمر ريبورتس، المعنية بتقارير الاستهلاك، كانوا يبدون بالنسبة لهم مثل من لا يكلفون أنفسهم عناء الإدلاء بصوتهم في الانتخابات. الأشياء التي كان من الصعب عليهم شراؤها هي الأشياء التي لا تخدم أي غرض ولكنها ذات أهمية لأي منزل، مثل الصور والزينة. وقد حلوا هذه المشكلة أخيرًا بأن اختاروا لوحات ومنحوتات الإسكيمو، معلقات الحائط الهندية، منافض السجائر، السلطانيات، وبعض القدور المسامية رمادية اللون المصنوعة بواسطة سجين سابق ترعاه كنيسة التوحيديين بوصفه خزافًا! كل هذه الأشياء يتوافر بها قدر من المعايير الأخلاقية، وكانت إضافة إلى ذلك تضفي الزينة بطريقة مقبولة. فتجد زوجًا من أقنعة شعب الكوكيوتل الهندي — يعبر عن خطر داهم وشراسة قاتلة — معلقًا على جدار المدفأة، ويلقى قدرًا كبيرًا من الإعجاب. أرادت إيلين أن تسأل: ماذا تفعل أشياء مثل هذه في غرفة المعيشة؟ لقد لمست في نفسها تلك الأيام إصرارًا غير محبب على التدقيق في بعض الأشياء، كالملابس، مثلًا، والديكور. رغبة في تجنب الخداع، عدم إقحام أشياء جدية في استعمالات سخيفة، عدم ابتذال الأشياء بإدخالها في موضات مختلفة. رغبة محكوم عليها بالفشل. هي نفسها استاءت. وإيوارت وجون لم يقصدا الابتذال، كانا في الحقيقة معجبين بالفن الهندي، وقد قالا: «أليس هذا شرسًا؟ أليس هذا رائعًا؟» في غرفة المعيشة بمنزل إيلين كانت تشيع الألوان المائية الباهتة بألوان الزهور، مجموعة غير متوافقة من الأثاث المستعمل، ومن سيقول إن هذا التدني ومجافاة الذوق لم يكن فعلًا أقل بشاعة من التكلف الظاهر في عرض أقنعة الكوكيوتل، آلهة الخصوبة المشوهة؟ جاء إيوارت من المرأب مرتديًا قميص العمل وبنطلونه. كان شعره قد نما حتى شحمة أذنيه. ثم صاح قائلًا لإيلين: «هل تحبين أن تري حديقتي اليابانية؟ كنت لتوي بالخارج أعتني بالشجيرات. لن تستطيعي رفع عينيك عن هذه الشجيرات عندما تبدأ في النمو.» كان بصوته نبرة ابتهاج، ولكنها اكتشفت وهي قريبة منه أن رائحة نفسه سيئة، لشخص حزين لم ينم؛ رائحة يغطيها غسول الفم، غير أنه لم يفلح في إزالتها؛ فأجابت: «بالطبع أود هذا.» ثم قامت بتتبعه خلال المرأب ثم إلى الخارج. كان يومًا خفيف الغيوم معتدل الحرارة من شهر فبراير. قال إيوارت: «يبدو أنه سيكون يومًا مشمسًا.» وثنى لها الأغصان الرطبة لكي تعبر، محذرًا إياها من المنطقة المائلة من البقعة حيث كانت المرجة الكبيرة زلقة، كان كالمعتاد مضيفًا طيبًا ولطيفًا. الثروة جعلت منه إنسانًا دمث الخلق يسمو فوق كل المتطلبات العادية، كتومًا، استرضائيًّا، غامضًا. عندما قابلته جون لأول مرة، في الجامعة — كلٌّ منهما ذهب إلى الجامعة المحلية بمنح دراسية — بدا أنه ليس لديه أي أصدقاء، فطاردته جون بنفس الإزعاج المستمر والحماسة المشجعة اللذين أظهرتهما بعد ذلك تجاه الطلاب الأفارقة، ومدمني المخدرات، والسجناء، والأطفال الهنود. اصطحبته معها للحفلات حيث وجد فيها مبكرًا وظيفة مقدم المشروبات، ومساعد المضيف والمضيفة، ومهدئ الجار الثائر، وأحيانًا ضابط الشرطة، ويمسك رءوس الناس الذين يتقيئون في الحمام نتيجة كثرة الشرب، كما كان صديقًا مقربًا من الفتيات يبحن له بأسرارهن مع الشبان الذين أساءوا إليهن. قالت جون إنها تريه الحياة؛ إذ كانت تعتبره محرومًا، معاقًا. كان اسمه وماله قد وسماه فقط بالحزن، من وجهة نظرها، كبقعة داكنة بالوجه أو قدم مشوهة. لم يفكر أي أحدٍ أنها كانت تعني بذلك أن تتزوجه، ولا هي نفسها اعتقدت ذلك أيضًا، أخذ هذا منها بعض الوقت لكي تزن الاحتمالات كلها. اعتقدت جون أنها قد أعطته بيتًا، ولكن هذا كله كان ضمن برنامجها لكي تريه الحياة الحقيقية. كانت إيلين وجون وأمهما في ذلك الحين لا يزلن يسكنَّ في الطابق العلوي من منزل يقع خلف صالون الحلاقة، في شارع بيكر ستريت. غرف المنزل كانت مظلمة، ولكن بها معوضات عن ذلك، رائحة ذكورية صابونية منعشة، تنبعث من صالون الحلاقة، وفي الليل وميض وردي يدخل الغرفة الأمامية من المقهى في ركن الشارع. كانت أمهما تعاني من إعتام العدسات في كلتا العينين، كانت تستلقي على الأريكة الطويلة — كانت لها هيبة، حتى وهي مستلقية — ثم تصدر الأوامر. كانت تريد كئوسًا من الماء، حبوب الأدوية، أكوابًا من الشاي، كانت تريد وضع الأغطية عليها، وعندما تستيقظ تريد إزالتها عنها، وتريد أن يمشط شعرها ويضفر، وتريد أيضًا ضبط محطات الراديو على الموجة الصحيحة، وتستنكر استخدام اللهجة العامية، المبتذلة، لغة بلا قواعد، كانت تريد إيصال الشكاوى إلى صالون الحلاقة ومتجر البقالة، كانت تريد منا الاتصال بأصدقائها القدامى ومعارفها وتسليمهم تقارير عن صحتها المتدهورة، وتساءلت عن سبب عدم قدومهم لزيارتها. أحضرت جون إيوارت وجعلته يجلس ويستمع. وقد حاولت جون تجنب مشكلة والدتها بالتخصص في علم النفس في الجامعة، وهو عين ما حاولت إيلين فعله بدراسة الأدب الإنجليزي، ولكن كانت جون أكثر توفيقًا، حيث قوبلت إيلين بالكثير من الحالات لأمهات مهووسات في كتب الأدب، ولكنها فشلت في الاستفادة من هذا الاكتشاف، أما جون، على الجانب الآخر، فكانت قادرة على تعريف أصدقائها بأمها من دون أي اعتذارات، ولكن بالكثير من التفسيرات المسبقة والمناقشات فيما بعد. كانت تجعل الناس يحسون بالتميز. كان على إيوارت أن يستمع إلى قصة طويلة، كئيبة، مشوهة، وغير صحيحة عن كيف أن عائلتهنَّ تربطها صلة قرابة بآرثر ميجان، رئيس الوزراء السابق في كندا، وقد أخبرته جون أنه بصدد أن يفهم بنفسه الضلالات الراسخة لدى الناس ذوي الطبيعة الخاصة التي نتجت عن موقف اجتماعي اقتصادي لا مخرج له (كانت تقطع قفزات على طريق تعلم اللغة التي يمكن أن تخدم مطامحها جيدًا بقية حياتها)، أما إيلين فلم تستطِع أن تفعل شيئًا سوى التأثر بهذا الحصاد غير المتوقع من المكاسب، هذه الموضوعية المفاجئة. قالت جون مسمعة إيلين وأي شخص آخر يتسمع الكلام: «هذا أسهل بالنسبة لي بكل تأكيد؛ لأنني الطفلة الثانية؛ فقد تحررت من الشعور بالذنب، الذي تراكم كله لدى إيلين.» بالفحص الهادئ ولكن الدقيق من جانب أولئك المتخصصين في علم النفس وعلم الاجتماع، كانت إيلين — المكتئبة في ذلك الوقت على أي حال كطالبة دراسات عليا — ترى نفسها تتحرك والشعور بالذنب يثقل كاهلها، من دون وعي منها، تتعثر في مقررات دراسية خاطئة، غير مناسبة في الأدب، وفي علاقتها بحبيبها المزعج (هاوي، كان هذا اسمه، الرجل الذي تزوجته بعد ذلك ثم حصلت على الطلاق منه)، متخبطة كخفاش في ضوء النهار. كانت مندهشة كيف أن جون في سنة واحدة استطاعت أن تتخلص من سمنة المراهقة، وتلعثمها في الكلمات، وبراءتها، واعتمادها على الغير، وارتباكها، وشعورها بالامتنان لمن حولها. من الذي كان يمكن أن يعتقد أنها تملك هذا الصوت العالي الواضح والوجه النضر وذلك الجسم الرشيق، كل هذا إضافة إلى الثقة؟ قبل مضي سنتين فقط، كانت تنظم الشعر، وتقرأ نفس الكتب التي كانت إيلين تقرؤها، كانت تبدو أنها تسير على خطى أختها الكبرى وتصنع من نفسها نسخة منها. ولكن هيهات! تزوجت إيلين من هاوي، الصحفي غريب الأطوار الذي تركها وطفلة صغيرة تعولها، أما جون فتزوجت من إيوارت وبدآ تأسيس حياتهما. وبينما لم تأخذ حياة إيلين أي شكل على الإطلاق وانهارت بفعل الأزمات وخلت من المسرات، كانت حياة جون مبنية على أسس متينة مخطط لها، تسير بسلاسة. كانت تعوز أسرتهما الأحزان والكآبة، ومهمة المناسبات الحزينة أن تعوض ذلك النقص. فهل كانت تلك مناسبة أخرى للتعويض؟ قال لها إيوارت: «هذه الشجرة ساعدني دوجلاس في زراعتها الأسبوع الماضي.» ثم عرض عليها شجيرة هلباء قصيرة. كان يستخدم اسم ابنه تمامًا كما تفعل جون، عرضيًّا ولكن بحزم. رقته وتردده الطبيعيان وغير الملحوظين جعلا حزمه أقل إزعاجًا من حزمها. وواصل حديثه عن الحدائق اليابانية، وقال لها، في وقت من الأوقات في اليابان كانت هناك قوانين دقيقة موضوعة فيما يتعلق بأقصى ارتفاع لأحجار الممشى في الحديقة، بالنسبة للإمبراطور كان ارتفاعها ست بوصات، نزولًا حتى العامة والنساء الذين كانوا يمشون على حجارة ارتفاعها بوصة ونصف. ثم أشار إلى الماء، قائلًا: «صوت الماء في الحديقة اليابانية لا يقل أهمية عن مظهرها. سوف يسقط الماء في ذلك المكان، هل ترين! سوف يكون هذا أشبه بشلال ماء صغير، سوف يتشعب لمجريَيْن عند هذه الصخرة، كل شيء مصمم بدقة، بهذه الطريقة تحصلين على التأثير الاستثنائي؛ إذا نظرتِ إليه وحده دون أي شيء آخر، فبعد قليل سوف يبدأ في الظهور كشلال ماء حقيقي، منظر طبيعي حقيقي.» وتكلم عن الترتيبات التي اتخذها لجلب هذا الماء، نظام أنابيب المياه تحت الأرض. كان دائمًا ما يهتم بالتفاصيل، والمعلومات الدقيقة عن مشاريعه الحالية، وكان حماسه لا يخبو. كان دائمًا ما يبدو عليه أنه يعرف أكثر حتى من شخص يحترف هذا الشيء ويتخذ منه عملًا يكسب منه قوت يومه. ربما بسبب أنه هو نفسه لم يكن لديه عمل ليتكسب منه قوت يومه؛ إذ لم يكن مضطرًّا لذلك. مناسبة، ولِمَ لا؟ مناسبة لاستعراض تلك القيم التي نحيا بها، لعرضها على الملأ، لوضعها على المحك. إيوارت وجون عاشا حياتهما على القيم والمثل، كان هذا ما يقولانه. ولِمَ لا؟ كانت إيلين تفكر بهذا، مستمعة إلى حديثه بشأن الأنابيب، وتحول الحديث إلى الشجيرات. كانت تفضل أن ترى الموت حقيقة ماثلة ولا مفر منها، أمام عيون كل الناس، أكانت تفضل ذلك حقًّا؟ من دون عقيدة دينية قوية لا يمكن أن يحدث هذا، لا يمكن أن يحدث بحال من الأحوال. وبفرض أن ابنتها هي من تعرضت للحادث، ماذا لو أنها مارجوت؟ كانت قد فكرت في هذا ذات مرة، بمجرد سماعها للخبر، وانتابها شعور غريب بالراحة يعقبه الذعر. بدا الأمر كما لو أن دوجلاس، بجذبه للأضواء، قد أعطى أبناء كل الناس قبلة الأمان، وفي نفس الوقت مذكرًا أن الضوء لا يزال هنا ويمكن أن يبلغه أيٌّ منهم. مارجوت، التي من الممكن أن تركب في أي لحظة قاربًا مثقوبًا أو ربما طائرة مخطوفة، أو حافلة بفرامل معطوبة، أو قد تدخل مبنًى فخخه الإرهابيون بالقنابل، كانت مارجوت تخاطر أكثر من دوجلاس الذي كان يعيش بالمنزل. ومع ذلك، لقي دوجلاس حتفه في حادث سيارة، فيما لم يُصَب الفتيان الثلاثة الآخرون الذين كانوا معه بأذًى شديد. فتًى مكتنز الجسد. على متن الطائرة، كانت إيلين تحاول أن تتخيل صورة واضحة له، كان شعره الأشقر الطويل غير المسوَّى، مربوطًا بشريط إلى مؤخرة عنقه، مثل شعر أمه، ولكنه لم يشارك شباب جيله ذوي الشعر الطويل نفس الاهتمامات والأفكار؛ فلم يكن لديه أي اهتمام بالحالات المتغيرة من الوعي والإدراك، أو المفاهيم السامية، بل شغل نفسه بالمسائل الدنيوية والمادية، والاهتمامات العلمية، بالرحلات إلى القمر، والرياضة (كمتفرج فقط)، وحتى سوق الأوراق المالية. كان مثل أبيه في دأبه الحثيث، ربما متحمسًا، جامعًا ومتعلقًا وساردًا للتفاصيل. كان يستمتع بالشرح، وكان لديه القليل من الأصدقاء. كان يتجول حول المنزل تكتنفه هالة من التحفظ والاستبداد، ويشرب الكولا الخالية من السعرات الحرارية. إيوارت وجون كانا دائمًا ما يملآن نهايات الأسبوع والعطلات الرسمية بالنشاطات الأسرية، كانا يمتلكان مركبًا للإبحار، كانا يذهبان إلى تسلق الجبال واستكشاف الكهوف، كانا يمارسان التحليق والتزلج ومؤخرًا اشتريا دراجتين ذواتي عشر سرعات. افترضت إيلين أن دوجلاس كان يشارك في كل ذلك؛ إذ كان من العسير أن يتجنبه، ولكن جسمه الثقيل ونمط حياته المفتقر للحركة أثارا شكوكًا حول مدى إخلاص وعمق تلك المشاركة. كان قد ذهب إلى المدرسة التجريبية التي اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على مساعدات والديه المالية. ربما لم يكن ذلك الإصرار على الحرية، تلك الجهود المبذولة من أجل الإبداع، مناسبة له. لم يكن بوسع إيلين إلا أن تخمن ذلك فقط؛ إذ لم يكن ثمة شيءٌ في دوجلاس يشير إلى هذا. لم يكن دوجلاس شاعريًّا بدرجة كافية في أي وقت مضى لكي يرى نفسه كمتمرد، كمتشكك في هذه المعتقدات التقليدية. جلس أبوه القرفصاء لكي يلمس الشجيرات، أظهر لها أنواعًا كثيرة من أوراق الشجيرات، متحدثًا عن متطلباتها المعقدة، عن تحليل التربة، والماء والتغذية التي أعطاها جميعًا اهتمامه. هو لم يكن من نوع الرجال الجذابين جنسيًّا. ولِمَ لا؟ هل السبب هو مؤخرته العريضة ومظهره الضعيف الأشبه بالخنزير؟ في مرة قالت جون لإيلين إنها وإيوارت ذهبا لمشاهدة فيلم إباحي في السينما، مع أزواج آخرين مما كان يُطلق عليه مجموعة التنمية في الكنيسة التوحيدية، كانوا مهتمين باستكشاف المحفزات الجديدة. كانت إيلين قد قالت هذا للناس، عن أختها، فجعلت منها أضحوكة، والآن هي تعتقد أنها كانت مخطئة في سخريتها، ليس لأنها بهذا كانت غير لطيفة، مثلما كانت تشعر ووخز الضمير يعتريها في ذلك الوقت، ولكن لأنها كانت جاهلة. لم تكن الجدية مدعاة للضحك. كان هناك نظام لتصنيف الأشياء يضع كل شيء في خدمة مقاصده، لم يكن بإمكان شيء أن يوقفه، لا الحدائق اليابانية أو الأفلام الإباحية أو حتى الموت العرضي. كل ذلك تم تقبله، هضمه، تعديله، استيعابه، ثم تم تحطيمه. ••• بعد مراسم التأبين كان المنزل يعج بأصدقاء جون وإيوارت وجيرانهما وأصدقاء أبنائهما المراهقين. كان المراهقون في الطابق السفلي في غرفة الاستجمام، قبالة المدفأة الحجرية الممتدة من الأرض إلى السقف، الكثيرون منهم ادعوا أنهم كانوا أصدقاء دوجلاس، ربما كانوا كذلك، وجاءوا معهم أيضًا بالقيثارات، وأجهزة التسجيل، والشموع. فتاة واحدة جاءت ملفوفة في حشية من الريش، وسألت عند الباب بصوت رقيق: «هل هذا هو المكان الذي يقيمون فيه مراسم التأبين؟» وأخريات ارتدين شالات بأهداب وملابس مهلهلة تجرجر على الأرض. لم يبدوا مختلفين عن الأكبر منهم كما كانوا يتمنون. في الطابق السفلي أشعلوا الشموع، وأطفئوا كل ما عداها من أضواء باستثناء الضوء الصادر من نار المدفأة، أشعلوا البخور، وغنوا وعزفوا على آلاتهم، فيما كانت رائحة البخور تنتشر في أرجاء المكان محدثة تأثيرًا كتأثير رائحة الماريجوانا. وهو المشهد الذي علقت عليه امرأة طويلة الشعر، رثة الملابس، تلتحف أيضًا بشال، متكئة على الدرابزين: «هذه طريقتهم في توديع دوجلاس. ويا لها من طريقة جميلة حقًّا تهز المشاعر!» ولكن هل كان دوجلاس سيهتم بذلك، بمراسم التأبين تلك؟ لم يكن ليقول أي شيء، بل كان سيبقى معهم بعض الوقت، على أي حال، من باب الأدب؛ بعدها ربما كان سيذهب إلى غرفته ومعه الجريدة لقراءة صفحة الاقتصاد. أردف رجل يقف خلف تلك المرأة، قائلًا: «إن معهم سيجارة أو اثنتين محشوة بالمخدرات، رائحتها تبدو كذلك.» واستنتجت إيلين من عدم رد المرأة، ومن الطريقة التي اقتربت بها منه بوجهها وبسائر جسدها، أنه زوجها بالتأكيد. وعلى عكس زوجته؛ فقد جاء مرتديًا ملابسه بشكل محافظ، كان يبدو كما كان الرجال قد تعودوا الظهور في الجنازات. مثل هؤلاء الأزواج كانوا شائعين في هذه الأيام؛ الزوج المسئول، المحترم، سريع التأثر، طويل الشعر قليلًا، وقصير السوالف، أكمامه نظيفة ومربوطة، تحيط به هالة حقيقية، وإن كانت مؤسفة، من المال والسلطة، هالة سخيفة أو لها ما يبررها؛ أما الزوجة فتبدو لا مبالية، لا تضع إلا قليلًا من مساحيق التجميل، تعوزها الرزانة، تجرجر ملابس توحي بالفقر المدقع. من آن لآخر، كان يأتي زوجان متناقضان؛ الزوجة تتشح بقلنسوة وترتدي زيًّا فاتح اللون وتضع في أذنيها أقراطًا صغيرة، أما الزوج فيلبس سترة مخملية مطرزة، مطوقًا عنقه بالتمائم والصلبان المتلألئة فيما بين شعيرات صدره. انتقل هذا الزوج هو وإيلين إلى غرفة المعيشة، التي تعج بأناس على هذه الشاكلة، شالات وقفاطين، ملابس قطنية موشاة من الهند، بنطلونات من الجينز. لم يكن صعبًا، منذ عامين أو ثلاثة أعوام مضت، تمييز أصدقاء إيوارت وجون الأغنياء عن التوحيديين، أصدقاء «مجموعة التنمية»، أما الآن فقد بات هذا مستحيلًا؛ نظرًا لأن بعض هؤلاء أصبحوا ربما ينتمون للفئتين معًا. كان إيوارت يتحرك فيما بينهم يقدم لهم المشروبات، فيما كانت جون في غرفة الطعام، إلى جوار المنضدة حيث القهوة والشطائر؛ ولفائف النقانق ولفائف الهليون. كانت قد وجدت بعض الوقت لعملها. كانت ملابسها جميلة: فستان طويل منسوج يدويًّا من اللونين الذهبي والبرتقالي ودثار طويل متناسق مع لون الفستان، سميك وقوي، مكسيكي أو إسباني الطراز. أما جفونها المطلية باللون الأخضر الفضي فكانت مفاجئة وخاطئة تمامًا، وهي الخطأ الوحيد الذي يشي بتسرعها واضطرابها. قالت لأختها: «هل أنت بخير؟ لم أستطِع أن آخذك في جولة وأقدمك للناس، لقد تركتك تتصرفين من تلقاء نفسك.» فردت إيلين قائلة: «أنا بخير تمامًا. أحتسي الشراب.» لم تعد تطرح السؤال حول ما يمكن أن تقوم به للمساعدة. يئست من البحث عن شيء تفعله. كان المطبخ وغرفة الطعام يعجان بالنساء اللاتي كن يعرفن أين يوضع كل شيء، ولكنهن لم يكنَّ أفضل حظًّا منها؛ فقد استبقت جون كل هؤلاء، وكل شيء كان معدًّا سلفًا. كان الخشب يكسو جدران غرفة المعيشة وسقفها العالي المائل، أما السجادة فكانت وثيرة والستائر ثقيلة، كريمية اللون، ناعمة الملمس. شربت إيلين الفودكا، ولم تكن الستائر مسدلة بالكامل. كانت تتأمل في أزيائهم الرائعة، المحيرة (كانت هي أيضًا ترتدي قفطانًا أزرق غامقًا مطرزًا بالخيوط الفضية، وهو ما يعني أنها خانت أحكامها الصارمة). كانوا يتحركون، يشربون، يتكلمون، طيلة عصر ذلك اليوم وحتى بداية المساء. وفي المساء المظلم الممطر شاهدتهم جميعًا ساطعين حقًّا، شاهدت بساطًا من الأضواء لم يكن سوى المدينة، يشقه خيط معتم لم يكن سوى النهر. سألها زوج تلك المرأة: «أتدرين أين أنت؟» ثم أردف سريعًا: «أنت على جانب جبل هوليبورن. وتلك ضاحية بوينت جراي هناك.» وجعلها تتحرك لكي تقترب أكثر من النافذة لكي يشير في الاتجاه المعاكس لجسر ليونز جيت بريدج، الذي كان أشبه بإكليل بعيد من الأضواء المتحركة. وهو ما علق عليه بقوله: «مشهد رهيب.» وافقته إيلين الرأي. قال لها إنه جارهم، كان قد بنى منزلًا فوق الجبل. وشأنه شأن الكثير من الأغنياء كانت تبدو عليه سيماء الإخلاص والحيرة والهم، والسعي وراء نيل ما يجب نيله. ثم استطرد: «كان لدينا منزل في نورث فانكوفر، ولم أكُن متأكدًا لوقت طويل إن كنا محقين في التخلي عنه. لم أكن متأكدًا أنني قد أحب هذا المشهد بهذا القدر. تعودنا أن ننظر إلى الخارج ونرى انحدار هذا الجبل، في المكان الذي نحن به الآن تمامًا. والجسر والمدينة، وفي يوم صافٍ نستطيع أن نرى جزيرة فانكوفر، وبالنظر غربًا ترين غروب الشمس. منظر بديع، ولكني واقع في غرام هذا المشهد بالقدر نفسه لدرجة أنني لا أرغب في العودة أبدًا.» بادرته إيلين متسائلة: «هل أنت مغرم دومًا بالمناظر الطبيعية؟» فكرر كلامها: «مغرم دومًا بالمناظر الطبيعية؟» ثم مال برأسه عن يمينه وأسبل عينيه كمن ينتظر أن يُسحر. فأردفت: «حسنًا، تخيل أنك في حالة مزاجية سيئة، أنت تعرف، من الممكن أن تكون في حالة مزاجية سيئة، ثم تنهض وتفرد ذراعيك عن آخرهما وأمامك هذا المنظر الرائع. وطوال الوقت لا تستطيع الذهاب بعيدًا عنه، ألا تحس أبدًا أنك لست أهلًا لذلك؟» «لست أهلًا لذلك؟» «مذنب.» قالتها إيلين بإصرار بالرغم من لهجتها المتأسفة، ثم أوضحت قائلة: «ألا تشعر بالذنب لأنك لست في مزاج أفضل؟ تشعر بأنك لا تستحقه؛ هذا المنظر الخلاب؟» ثم أخذت رشفة كبيرة من الشراب، متمنية بالتأكيد أنها لم تدخل في هذا الحوار من الأساس. رد الرجل في زهو: «ولكن ما إن أرى هذا المنظر الخلاب، حتى أنسى حالتي المزاجية السيئة على الفور. إن تأثير هذا المنظر عليَّ يفوق تأثير بضع كئوس من الشراب، أكثر من تلك الأشياء التي يشربونها بالأسفل. إضافة إلى أنني لا أُومن بالحالات المزاجية السيئة، الحياة أقصر من أن نضيعها في تلك السخافات.» قوله هذا ذكَّره أنهما ليسا في حفلة؛ فقال من فوره: «الحياة أقصر من أن نضيعها في السخافات. ليس هناك أي تفسير واضح لما يحدث، أليس كذلك؟ إن أختك رائعة، وإيوارت أيضًا.» قطعت إيلين الردهة وصولًا إلى غرفة الضيوف، وهي تحمل شرابًا قويًّا أعدته لتوها. دلفت من باب الغرفة التي كان بها الأطفال الصغار، أطفال الأصدقاء يلعبون مع ابنتَي جون الصغيرتين المتبنَّيَتين، كانوا يلعبون لعبة، وقفت هناك وشاهدتهم. شعرت بالرهبة نوعًا ما من الطفلتين الهنديتين، شعرت بأنها في امتحان أمامهما. بكل تأكيد كان هذا عندما كانت جون هناك، كان بإمكانها أن تحس أن جون تنصت وتشاهد؛ بدت وكأنها ترتعش، مع حرصها على كشف الإخفاقات في المواقف. من الذي يمكن أن يصدق أن جون — وكذلك إيلين — كانت تتحدث داخل المنزل بإنجليزية مبسطة كالتي كان يتحدث بها الزوجان الصينيان في بقالة شارع بيكر؟ كانت إيلين تشاهد الوجهين الأملسين بنيي اللون للطفلتين الهنديتين. ماذا كانتا تحديدًا؟ شارات جون؟ جوائزها؟ لم تستطِع أن تراهما كذلك، جون وحدها استطاعت. أغلقت باب غرفة الضيوف، ثم استلقت في الظلام، عاقدة كاحليها، دافعة بالوسادة إلى الأعلى خلف رأسها، ما زالت ممسكة بالكأس ولكنها أسندتها على بطنها. كانت قد وصلت إلى المرحلة التي كانت دائمًا تصل إليها في منزل جون. لم يُحدِث دوجلاس أي فارق، لم يُحدِث الموت أي فارق، كانت تصاب بالشلل غير قادرة على تمالك نفسها. في هذا المنزل تشعر أن حياتها واختياراتها (إن كان هناك أي اختيار أمامها)، وهي نفسها، لا تترك أي انطباع محبوب، أو حتى متماسك. كان يجب التسليم بأنها قد عاشت حياة عشوائية، أنها ضيعت وقتًا كثيرًا جدًّا، أنها لم تَقُم إلا بعمل القليل جدًّا من الأشياء الجيدة. لا يهم كيف كان كل هذا يبدو عندما تبتعد عن هنا، كيف حولت كل هذا إلى قصص طريفة للأصدقاء. علاوة على ذلك، لم تكن قادرة على تقديم المساعدة. وهي في طريقها إلى هنا بالطائرة حسبت أنه يمكن أن تصنع بسكويت الشاي، كما لو كان هذا ممكنًا حقًّا، في مطبخ جون. حينما علموا بوفاة أبيهم في الحرب، جاءهم الخبر لسبب ما عبر مكالمة هاتفية، في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة مساءً. كانت أمهم قد صنعت بسكويتًا وشايًا، وأيقظت إيلين لتشاركها فيهما، وليس جون؛ لأنها كانت صغيرة جدًّا آنذاك. كان لديهم مربى، وكانت إيلين جشعة ولكن جبانة. كانت أمهما معظم الوقت شخصًا خطيرًا، تشكو من آلام غامضة، ومآسٍ لا أول لها ولا آخر. بدت كما لو أنها تخلَّت عن موقعها المعتاد، لتتحوَّل إلى إنسانة غير مزعجة، مقلَّة من طلباتها، وفوق كل ذلك، خجولة. لم تخبرها بهذا النبأ (كانت ستوقظهما في الصباح بوجه أبيض شاحب، وتقبِّلهما قبلة بغيضة، وتقول لهما بصوت رتيب: بابا مات). بعد سنوات حاولت إيلين أن تتحدث مع جون عن عشية ذلك اليوم مع البسكويت، هذه الطريقة التي تصرفت بها أمهما كشخص ضعيف ساكن؛ تقريبًا تصرفت كامرأة عادية، وهو الشيء الذي كانتا تأملانه آنذاك. قالت جون إنها تجاوزت كل هذا. «منذ سنوات مضت، وبنظرية الجشطلت أيضًا. حقيقة لقد تجاوزت الأمر بنظرية الجشطلت، لقد تجاوزت الأمر وانتهيت منه.» فكرت إيلين في نفسها: «أنا لم أتجاوز أي شيء، علاوة على ذلك، لم أكُن أُومن أن الأحداث وُجدت ليتم تجاوزها.» الناس يموتون؛ هم يعانون، ثم يموتون. لقد ماتت أمهما بالالتهاب الرئوي العادي، بعد كل هذا الجنون. أمراض وحوادث، يجب احترامها، لا تفسيرها. الكلمات كلها مخزية. يجب أن تتوارى خجلًا. أثارت الكلمات التي قرئت من كتاب «النبي» أثناء مراسم التأبين عصر ذلك اليوم استياء إيلين؛ فهي في نظرها مجرد خداع وإهانة، كانت غير متعمدة؛ إذ كانت في الواقع المرادف العصري للتقوى، إن لم يكن هذا عذرًا. والآن مع تأثير الشراب رأت أنه ما من كلمة قد تجدي أي نفع. الآن في أمل مؤكد ويقيني أيضًا … لا خداع في الكلمات ولكن الخداع الآن في قولها. الصمت الآن هو الشيء الوحيد الممكن. في وقت ما كانت هي وجون يستحقان اعتبارًا أكثر مما هما الآن، في وقت ما كانتا غير كريهتين. أليس كذلك؟ إيوارت أيضًا، والجيران أيضًا، والتوحيديون أيضًا. في وقت من الأوقات كان يمكن الوثوق في أننا نعرف ما نعنيه، ولكن ليس الآن، على الرغم من أننا في حال أفضل الآن. انضمت جون لمجموعة التنمية، وتعلمت أيضًا اليوجا، وبحثت في التأمل السامي، سبحت عارية، مع آخرين، في مسبح دافئ في جزيرة للصفوة؛ أما بالنسبة لإيلين، فقد قرأت كتبًا كثيرة، وعرفت كيف يكون التعرض لكل أشكال الخسة. قد تظن أنهما أفضل حالًا من أمهما، ولكن ثمة شيئًا خاطئًا بهما مثلها تمامًا. الشيء الوحيد الذي نتمنى حدوثه هو أن نهرب الآن إلى الواقع، هكذا فكرت إيلين، ثم استغرقت في النوم ثواني معدودة، لتقوم مفزوعة بعد ذلك، وأصابعها قابضة بقوة على الكأس. كادت أن تسكبه على السجادة والمفرش. شربت كل المتبقي من الشراب ووضعته على المنضدة إلى جانب السرير وغلبها النوم من فورها. استيقظت وهي ما زالت مخمورة، لم تعرف كم الوقت الآن، كان المنزل هادئًا. قامت من النوم، تفكر في أنها يجب أن تغير ملابسها إلى ملابس النوم. ذهبت أولًا إلى الحمام، مرتدية قفطانها الأزرق الغامق، ثم إلى المطبخ لكي ترى الوقت في الساعة. نور المطبخ كان مضاءً. كانت الساعة الحادية عشرة والربع فقط. شربت كوبًا كاملًا من الماء البارد، الذي كانت تعرف من خبرتها أنه سيقلل صداعها الصباحي أو يقضي تمامًا عليه إذا كانت محظوظة. خرجت من الباب الجانبي إلى المرأب، معتقدة أنها من الممكن أن تقف هناك بعيدًا عن المطر وتتنفس الهواء النقي. كان الباب مفتوحًا. ولما كانت تسير مترنحة، تحسست طريقها بطول الحائط المعلق عليه بمسامير خرطوم الحديقة وأدوات الزراعة. سمعت خطوات شخص قادم ولكن لم تكن قلقة من ذلك، كانت مخمورة جدًّا، فلم تُبالِ به أيًّا كان ولا بما سيظنه بها، إذا وجدها هنا على هذه الحال. كان هذا إيوارت حاملًا مرشة النباتات. صاح قائلًا: «جون؟ أهذه أنت يا جون؟ إيلين! لا أدري كيف حسبتُكِ جون؛ فقد تناولَتْ حبتين من حبوب النوم.» فردت إيلين: «ماذا تفعل هنا؟» كان صوتها مخمورًا، به نبرة تحدٍّ ولكنه يخلو من أي عدوانية. «أروي النباتات.» «إنها تمطر يا إيوارت. أنت أحمق.» «لقد توقف المطر.» «كانت تمطر قبل ذلك، لقد لاحظت هذا عندما كنا في غرفة المعيشة.» «كان يجب أن أروي الشجيرات الجديدة. إنها تحتاج كميات مذهلة من المياه في البداية. لا يمكنك أن تعتمدي على المطر لكفايتها من المياه. حتى في يومها الأول.» وضع المرشة جانبًا. ثم جاء من خلف السيارات إليها. «إيلين. من الأفضل أن تدخلي إلى المنزل. لقد احتسيتِ الكثير من الشراب. ألقت جون نظرة عليك في وقت سابق. قالت إنك كنتِ كالميتة من فرط الشراب.» كان مخمورًا هو أيضًا. كانت تعرف ذلك؛ ليس من خلال صوته ولا من الطريقة التي يمشي بها، ولكن من تثاقله، من بلاهته وعناده، وهو واقف أمامها مباشرة. «إيلين. أنت كنت تبكين. هذا لطف شديد منك.» ليس من أجل دوجلاس، لم تكن إيلين تبكي من أجل دوجلاس. «إيلين. أنت تعرفين أن وجودك هنا كان عونًا كبيرًا لجون.» «أنا لم أفعل أي شيء. كنت أتمنى لو أستطيع فعل أي شيء.» «مجرد وجودك هنا يكفي، جون تقدر لك هذا الصنيع كثيرًا.» قالت إيلين مندهشة: «حقًّا؟» ليس تكذيبًا له، بل كان مصدر اندهاشها هو قدرة إيوارت على المجاملة بأدب، حتى وهما الاثنان مخموران. «إنها لا تستطيع التعبير عن نفسها أحيانًا. هي تبدو … كما تعرفين، أحيانًا هي تبدو متسلطة قليلًا. إنها تدرك ذلك. ولكن من الصعب أن تتغير.» قال إيوارت: «إيلين.» ثم خطا نحوها خطوتين وعانقها. إيلين امرأة مضيافة، خاصة عندما تكون مخمورة. لم يفاجئها هذا العناق تمامًا. كان هذا متوقعًا، مع أنه سيكون من العسير عليها شرح كيف توقعته. ربما مع إيلين — إيلين الوحيدة، متقلبة المزاج، الرخوة بشكل عجيب في بعض الأحيان، مع أنها حادة بما يكفي في أحيان أخرى — عناق مثل ذلك دائمًا ما يكون متوقعًا. سمحت به، وتقريبًا رحبت به، ولكن كيف تخلِّص نفسها بدون أن تبدو فظة؟ حتى لو لم يكن هذا ضمن ما خططت له، يمكنها أن تزيح توقعاتها جانبًا لخلق مساحة له، هكذا فكرت، كما تعودت أن تفكر دائمًا في لحظات مثل هذه، ولِمَ لا؟ النسوة مثلها، النسوة اللاتي يفكرن بهذه الكيفية، يُعتقد أنهن ضعيفات، تعوزهن الروح، سريعًا ما يصبن بالدوار أمام أي إغراء، وحالهن يرثى له. نسوة أخريات يعتنقن هذا الرأي، ورجال أيضًا، لا سيما الرجال الذين يتحينون كل فرصة لإبداء الإعجاب والتقدير. كانت إيلين تعرف هذا، ولكنها وجدته بعيدًا عن الحقيقة، وحسبت أنها تُثار بسهولة. لكن في تلك اللحظة، لم تكن تتوقع كل تلك الإثارة من زوج أختها إيوارت — الذي كان الآن يقودها، بتصميم ومهارة أكثر مما توقعت على الإطلاق، باتجاه المقعد الخلفي من السيارة الأكبر — ولكنها فعلت ما هو أكثر من السماح له، تقريبًا كانت تفعل دائمًا ما هو أكثر من ذلك. كم أحبت وجهيهما في هذه الأوقات، كانت معجبة بجديتهما؛ تفانٍ محبب وجدية مجردة، انتباه للواقع، واقعهما الخاص. ترديد اسمها كان كل الحديث الذي تفوه به معها، كانت قد سمعت هذا من قبل. ماذا كان إيوارت يعني بهذا الاسم؟ ماذا كانت إيلين بالنسبة له؟ النساء يجب أن يتساءلن. كانت مثبتة على مقعد السيارة في وضعية غير مريحة تمامًا، إحدى رجليها ملتوية ومرفوعة على ظهر المقعد معرضة لخطر الإصابة بشد عضلي. كانا سيستمران في البحث عن دلالات، وتخزين الأشياء في سرعة ليتم النظر فيها فيما بعد. كان عليهما أن يصدقا أن ما يحدث أكثر مما يبدو لهما، وهذا جزء من المشكلة. فيما بعد كانت إيلين تفكر في نفسها: ماذا كنت أعني بالنسبة لإيوارت؟ كان هذا محيِّرًا. النقيض التام من جون! أليس هذا ما كانت هي عليه؟ الشيء الطبيعي الذي يبحث عنه رجل يتألم، رجل يحب زوجته ويخاف منها. سقطة موجزة. إيلين بلا هدف ولا تتحمل المسئولية، إنها تأتي من نفس المكان في العالم الذي تأتي الحوادث منه. إنه يضاجعها بهدف الإقرار والتسليم — ولو في أمان مؤقتًا — بما حدث لابنه، بما لا يمكن أن يقال في منزله. وبهذا تستطيع إيلين، مع خلفيتها المثمرة في القراءة، وعادتها البارعة في التحليل (المادة والتوجه مختلفان عن جون، ولكن العادة ليست مختلفة تمامًا، في النهاية)، فيما بعد تفسير الأمر لنفسها. إنها لا تعرف، ولن تعرف أبدًا، ما إذا كان كل هذا أدبيًّا، خياليًّا. جسم المرأة. قبل وأثناء الفعل يبدو أنهم يهبون لهذا الجسد قوى فردية معينة، يقول الرجال اسمه بطريقة توحي بشيء معين، شيء فريد، شيء يتم السعي وراءه. بعد ذلك يبدو وكأنهم قد غيروا رأيهم. إنهم يتمنون أن يُفهم أن هذه الأجساد قابلة للتبادل، أجساد النساء. ••• أخذت إيلين تحزم ملابسها، طوت قفطانها المكرمش المتسخ ووضعته في قاع حقيبتها، على عجل، وخشية أن تقرر جون، التي مرت مرتين أو ثلاث أمام باب غرفتها، الدخول إليها. هي وجون كانتا وحدهما في المنزل، كان الأطفال قد عادوا إلى المدرسة في هذا اليوم، وإيوارت قاد سيارته إلى المدينة ليحضر بعض الأنابيب لنظام ري الماء. كانت جون هي التي ستقوم بتوصيل إيلين إلى المطار. دخلت عليها جون، قائلة: «يسوءني أن ترحلي سريعًا. إنني أحس بأننا لم نفعل أي شيء من أجلك. نحن لم نصحبك إلى أي مكان هنا. أتمنى أنك تستطيعين البقاء عدة أيام أخرى.» ردت إيلين بحزم: «لم أكن أتوقع مكوثي كل هذه المدة.» لم تكن تشعر بالرهبة كما كانت في اليوم الأول، ولم تكن مندهشة. كانت تعرف أنها لو بقيت عدة أيام أخرى كانت جون ستبذل ما بوسعها لتريها المدينة، مع أنها قد شاهدتها من قبل، كانت ربما ستصحبها إلى التليفريك، وتصحبها في جولة بالسيارة عبر المنتزهات، وتأخذها لتشاهد أعمدة الطوطم. فقالت لها جون يائسة: «إذن، يجب أن تأتي في زيارة حقيقية.» قالت إيلين: «أنا لم أساعدك بالطريقة التي كنت أتمناها.» لم تكد تتلفظ بهذه الجملة حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة. كان هذا يومًا لا يمكن أن تتفوه فيه بالكلام الملائم. «دائمًا ما أحزم أشياء أكثر مما أحتاج.» جلست جون على السرير، وقالت بنبرة يجللها الحزن: «أتدرين! إنه لم يمت في الحادث.» «لم يمت في الحادث؟» «ليس في التصادم الفعلي. لم يكن الأمر بهذا السوء، حقًّا. أصيب الأطفال الآخرون بخدوش بسيطة وكان هو مصابًا بالدوار في الغالب. أعتقد أنه كان مصابًا بالدوار، وقد زحف خارجًا من السيارة، كلهم فعلوا ذلك. كانت السيارة مقلوبة بزاوية غريبة جدًّا على جانب الطريق، من يراها يحسب أنها تسلقت سور الطريق وكانت على جانبها، لا بد أنها كانت على جانبها، هكذا.» وفردت جون إحدى يديها وأصابعها مفروقة وترتعش قليلًا، فوق يدها الأخرى. ثم واصلت: «ولكن في ركن، أيضًا، مائلة بانحراف نوعًا ما. أنا حقًّا لا أستطيع أن أفهم كيف حدث هذا، أحاول أن أتخيله ولكن لا أستطيع حقًّا. أعني أنني لا يمكنني فهم الزاوية التي كانت عليها السيارة. وكيف كانت عالية لتسقط … لتسقط عليه … السيارة سقطت عليه … فمات بهذه الطريقة. لا أعرف فعلًا كيف كان يقف حينها، أو لعله لم يكن واقفًا حينها، لعله زحف للخارج وحاول النهوض. لا أستطيع فهم كيف كان ذلك. هل يمكنك تصور هذا؟» قالت إيلين: «لا.» «لا يمكنني أنا أيضًا.» «من أخبرك بذلك؟» «أحد الأولاد الذين … أحد الأولاد الآخرين أخبر أمه وهي أخبرتني.» «لعل ذلك كان قاسيًا.» ردت جون في صوت رصين: «أوه، لا، لا. لا أعتقد ذلك، ففي أحوال كهذه يرغب المرء في معرفة ما حدث.» في المرآة فوق التسريحة كانت إيلين تستطيع رؤية وجه أختها من الجانب وهي منكسة رأسها، منتظرة، ربما في ارتباك، بعد أن تحدثت عن هذا الأمر. أيضًا كانت تستطيع رؤية وجهها، الذي بدا لها مفاجئًا لما اعتلاه من نظرة مناسبة تمامًا تحمل اللباقة والاهتمام. كانت تشعر بالبرد والتعب، كان أكثر شيء تريده أن تذهب بعيدًا. كانت تجد صعوبة حتى في أن تمد يدها. إن الأفعال التي تتم دون إيمان ربما تسترجع الإيمان. وقد آمنت، بكل الطاقة التي يمكنها استجماعها في تلك اللحظة، بذلك، كان يجب أن تؤمن بذلك وأن تأمل في أنه حقيقي. سر يؤرقني
وادي أوتاوا أحيانًا أتذكر أمي وأنا في المتاجر متعددة الأقسام. لا أدري لماذا، فهي لم تصحبني إلى أي منها قط، ولكني أعتقد أنها كانت ستشعر بالرضاء والسعادة بسبب وفرة البضائع بها والصخب المعتدل الذي يميز هذه المتاجر. أتذكرها بالطبع عندما أرى شخصًا في الطريق يعاني من داء باركنسون، وأتذكرها أكثر وأكثر كلما نظرت في المرآة. ويحدث ذلك أيضًا في محطة قطارات يونيون ستيشن في تورونتو حيث كانت معي في أول مرة ذهبت فيها إلى هناك وكانت بصحبتنا أختي الصغيرة. كنا في فصل الصيف إبان الحرب، كنا ننتظر بين القطارات، حيث كنا متجهتَيْن مع أمي إلى بيتها القديم في وادي أوتاوا. لم تكن ابنة عمها، التي كان من المخطط أن تلتقي بها ونحن ننتظر القطار التالي، في انتظارنا، وعلقت أمي وهي تجلس على مقعد جلدي في استراحة السيدات المكسوة بالألواح الخشبية: «هي بالتأكيد لم تتمكن من الحضور؛ لأنها تصنع شيئًا لا يمكنها تكليف شخص آخر بعمله.» كانت ابنة عمها تعمل سكرتيرة قانونية لشريك رئيسي بمكتب محاماة كانت أمي تصفه بمكتب المحاماة الرائد في المدينة. ذات مرة جاءت لزيارتنا وكانت ترتدي قبعة كبيرة سوداء وبدلة سوداء، وكانت شفتاها وأظافرها تشبه الياقوت، ولم يأتِ زوجها معها، لقد كان سكيرًا، وكانت أمي تخبرنا دائمًا أنه سكير بعدما كانت تخبرنا أنها حصلت على وظيفة هامة في مكتب المحاماة الرائد في المدينة. كانت ترى أن هذين الشيئين متلازمان دائمًا، على نحو لا يمكن فصمه. وبنفس الطريقة كانت أمي تخبرنا عن العائلة التي تمتلك كل شيء يمكن شراؤه بالمال ولكن ابنهم الوحيد كان مصابًا بالصرع، أو أن والدَيِ الشخصِ الوحيد الذي يتمتع بشهرة محدودة في مدينتنا — وهي عازفة بيانو تدعى ماري رينويك — يقولان إنهما على استعداد للتضحية بشهرة ابنتهما مقابل إنجاب طفل آخر. إنجاب طفل؟ في عالمها، لم يأتِ الحظ الحسن دون ثمن. خرجت مع أختي من الاستراحة إلى المحطة التي كانت تشبه الشارع في متاجرها المضيئة وتشبه الكنيسة بسقفها المرتفع المقوس ونوافذها الضخمة عند كل طرف. كانت المحطة تهدر بأصوات القطارات وكانت الحوائط تزيد قوة الصوت، ويرتفع صوت يردد أسماء الأماكن لا يمكن فهم كل ما يقول. اشتريت مجلة أفلام واشترت أختي قطع الشوكولاتة بالنقود التي أعطتنا إياها أمي، وكنت سأقول لأختي: «أعطني قطعة شوكولاتة وإلا فلن أدلك على طريق العودة»، لكنها فعلت ذلك قبل أن أطلب، وهو ما حدث على الأرجح بسبب افتتانها بضخامة المكان أو تسليمها باعتمادها عليَّ. بنهاية فترة بعد الظهيرة ركبنا القطار المتوجه إلى أوتاوا. كان الجنود يحيطون بنا في كل مكان، واضطرت أختي للجلوس على رجل أمي. ظل أحد هؤلاء الجنود يمزح معي، وكان يشبه بوب هوب بدرجة كبيرة، وسألني من أين جئت؟ وسألني: «هل بنوا الطابق الثاني من المتجر بعد؟» بنفس الطريقة الحادة والذكية التي كان سيسأل بها بوب هوب دون أن تداعب الابتسامة شفتيه. تخيلت أنه بالفعل هوب يسافر متنكرًا في زي جندي. ولكن توقفت عن التفكير في هذا الأمر، حيث إنه بعيدًا عن مدينتي يوجد كل المشاهير يروحون ويجيئون ويظهرون في أي مكان يريدونه. التقتنا الخالة دودي في المحطة مساءً واصطحبتنا إلى منزلها على بعد أميال من المدينة. كانت صغيرة الجسم وحادة الملامح وتضحك في نهاية كل جملة تقولها. كانت تقود سيارتها مربعة السقف ذات الدرج. «هل جاءت سموها لتراكِ؟» كانت تشير إلى أختها، السكرتيرة القانونية. لم تكن الخالة دودي خالتنا في واقع الأمر، بل ابنة عم أمي وكانت على خلاف مع أختها. فردت أمي بلهجة محايدة: «كلا، لم تأتِ ولكن بالتأكيد هي مشغولة.» فقالت الخالة دودي: «بالتأكيد مشغولة في إزالة آثار فضلات الدواجن عن حذائها.» كانت تقود في سرعة فوق المطبات والحُفَر. أشارت أمي إلى الظلام المحيط بنا على كلا الجانبين وقالت: «يا أطفال، يا أطفال، هذا هو وادي أوتاوا.» ••• لم يكن هناك أي وادٍ؛ فقد بحثتُ عن جبال، أو حتى تلال، ولكن في الصباح لم يكن هناك سوى حقول شجيرات. وكانت الخالة دودي خارج النافذة تحمل سطل الحليب للعجل الصغير، الذي وضع رأسه في السطل بقوة، حتى إن اللبن انسكب منه، وكانت الخالة دودي تضحك وتوبخه وتضربه، في محاولة لجعله يبطئ، قائلة: «يا لكَ من فتى صغير جشع!» كانت ترتدي زي حلب الأبقار، وكان يتكون من عدة طبقات وألوان. كان مهلهلًا وواسعًا مثل ملابس المرأة المتسولة في المسرحية التي عرضت في المدرسة، وتعتمر قبعة رجل دون قمتها، لا أدري ما الهدف منها. لم تجعلني أمي أشكُّ قطُّ في أننا يمكن أن نكون على صلة قرابة بأشخاص يرتدون مثل تلك الملابس أو يطلقون على العجل كلمة فتى، وكانت دائمًا تقول: «أنا لن أسمح بهذه الألفاظ»، ولكن يبدو أنها تسامحت مع الخالة دودي، وقالت إنها تُعتبر في مقام أختها، وإنهما تربَّتا معًا (كانت السكرتيرة القانونية، برنيس، أكبر سنًّا وقد غادرت المنزل فيما مضى). ثم إن أمي كانت تقول إن الخالة دودي عاشت حياة مأساوية. كان منزل الخالة دودي مجردًا من كل مظاهر الثراء، وكان أفقر بيت رأيته في حياتي. وبعد قطع كل هذه المسافة، أعتقد أن منزلنا كان باهر الأثاث ويتمتع بالفخامة بعد أن كنت أراه دائمًا فقيرًا؛ لأنه بعيد جدًّا خارج المدينة ولم تُتَح لنا المرافق والمياه الجارية، وبالطبع لم تكن لدينا لمسات من الفخامة الحقيقية، مثل الستائر المعدنية، ولكن منزلنا كان يحتوي على الكتب والبيانو وطقم جيد من الأطباق وسجادة واحدة ليست مصنوعة من القماش البالي. في الغرفة الأمامية بمنزل الخالة دودي كان هناك كرسي واحد مكتظ الحشو ورف مجلات مزدحم بالكامل بكمية من الأوراق القديمة من مدرسة الأحد. كانت الخالة دودي تعيش مع أبقارها، وكانت أرضها لا تستحق الزراعة. كل صباح، وبعد أن تنتهي من حلب الأبقار وفصل الألبان، تحمل أسطال اللبن في الجزء الخلفي من الشاحنة الصغيرة، وتقود سبعة أميال حتى مصنع الجبن. وكانت تشعر دائمًا بالخوف من مفتشي الحليب، الذين كان من الممكن أن يقرروا إعلان أن أبقارها تعاني من السل، لا لسبب سوى الحقد، والرغبة في إبعاد المزارعين الفقراء لمصلحة المزارع الكبرى، حيث تقول الخالة دودي إن أصحابها يدفعون لهم الكثير ليفعلوا ذلك. كانت المأساة الأكبر في حياتها أن أحدهم هجرها، ودأبت على قول: «أتدرون، لقد هجرني أحدهم.» وقالت لنا أمي إننا لا ينبغي بحال من الأحوال أن نأتي على ذكر تلك المسألة أمامها أبدًا. في هذا الوقت كانت الخالة دودي في المطبخ تغسل أطباق الغداء، وكنت معها أقوم بتجفيفها وأختي تضعها في أماكنها بينما كانت أمي ترتاح قليلًا، وكانت الخالة دودي تقول بفخر إن أحدهم هجرها، كما لو أن شخصًا يقول لك: «أتدري؟ إنني أعاني من شلل الأطفال.» أو أحد تلك الأمراض المزمنة. ثم استطردت قائلة: «لقد خبزوا لي كعكة الزواج، وكنت أرتدي فستان الزفاف.» «هل كان من الساتان؟» قالت الخالة دودي: «كلا، كان من صوف المرينوس الأحمر الداكن؛ لأن الزفاف كان في أواخر الخريف. حضر القس وكل شيء كان معدًّا. وأخذ والدي يذهب إلى الطريق للتأكد من قدومه، حتى حل الظلام، وقلت إنه وقت الخروج لحلب الأبقار! ثم خلعت الثوب ولم أرتَدِه قطُّ مرة أخرى، تبرعت به، كان ذلك الموقف سيثير بكاء الكثير من الفتيات، ولكني أنا ضحكت.» فيما قالت أمي وهي تحكي نفس القصة: «عندما عدت إلى المنزل بعد ذلك بعامين، وكنت أقيم معها، اعتدت على الاستيقاظ على صوت بكائها ليلًا، كل ليلة»: لقد كنت هناك أنتظر في الكنيسة، أنتظر في الكنيسة، أنتظر في الكنيسة، وعندما وجدته، تركني وحدي مسكينة، أوه، لقد غرس في قلبي سكينًا. هذا ما غنته لنا الخالة دودي، وهي تغسل الأطباق على مائدتها المستديرة المغطاة بمشمع بالٍ. كان مطبخها كبيرًا مثل المنزل، وله باب خلفي وباب أمامي، وكان هواء النسيم دائمًا فيه. وكان لديها مبرد صنعته بنفسها، لم أرَ مثله من قبل، وبه قطعة كبيرة من الثلج تحضرها من مستودع الثلج في عربة طفل من مسافة بعيدة. كان مستودع الثلج نفسه مميز الشكل، وهو عبارة عن مخبأ مسقوف يتم تجميع قطع الجليد فيه من البحيرة في فصل الشتاء للاحتفاظ بها في فصل الصيف في نشارة الخشب. ثم قالت لنا: «بالطبع لم يكن هذا خطئي، ولا خطأ الكنيسة.» ••• عبر الحقول وبعد مزرعة الخالة دودي وفي المزرعة التالية لها كان يعيش شقيق أمي، الخال جيمس وزوجته الخالة لينا وأبناؤهما الثمانية. كان ذلك المنزل حيث نشأت وترعرعت أمي. كان منزلًا أكبر وبه أثاث أكثر ولكنه ليس مطليًّا من الخارج، ولونه رمادي داكن، وأثاثه في الغالب عبارة عن أَسرَّة خشبية عالية، مزودة بوسائد من الريش وشبابيك منحوتة داكنة اللون، ووضعوا تحت الأسرَّة قدورًا لا يتم تفريغها كل يوم. زرنا المنزل ولم تأتِ الخالة دودي معنا؛ فقد كانت على خلاف مع الخالة لينا. والخالة لينا لم تكن اجتماعية؛ حيث لا تتحدث كثيرًا إلى أي شخص. وقد حكت لنا أمي والخالة دودي أنها كانت فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عامًا، وكانت تعيش في منطقة غير مأهولة حين تزوجت الخال جيمس (وهو ما جعلنا نتساءل: كيف تعرَّف عليها الخال جيمس؟) في هذا الوقت كانا قد تزوجا منذ عشرة أعوام أو اثني عشر عامًا. كانت طويلة القامة ذات جسد نحيل من الأمام والخلف على الرغم من أنها كانت على وشك ولادة طفلها التاسع قبل الكريسماس، وكان وجهها مليئًا بالنمش الداكن وعيناها ملتهبتين قليلًا مثل عيون الحيوانات. وكان لجميع الأطفال نفس هذه العيون بدلًا من عيون الخال جيمس الزرقاء. قالت الخالة دودي: «عند احتضار أمك سمعتها تقول: لا تلمس هذه المنشفة، استخدم مناشفك الخاصة؛ إذ كانت تعتقد عن جهل أن السرطان يمكن أن ينتقل مثل الحصبة بسبب استخدام الأدوات الشخصية للمريض.» «لا يمكن أن أسامحها أبدًا.» «ولم تكن تدع أيًّا من الأطفال يقترب منها. وقد اضطررت للذهاب وتغسيل أمك بنفسي؛ كنت شاهدة على كل شيء.» «لا يمكن أن أسامحها أبدًا.» كانت الخالة لينا قاسية طوال الوقت، وأُدرك الآن أن السبب هو الخوف. لم تترك أطفالها يسبحون في البحيرة خوفًا من أن يغرقوا، وكانت تقول إنها لن تسمح لهم بالتزلج في فصل الشتاء خوفًا من أن يتسبب التزحلق في كسر رقابهم، كما أنها لم تسمح لهم حتى بتعلم التزلج خوفًا من كسر أرجلهم أو إصابتهم بالشلل مدى الحياة. كانت تضربهم طوال الوقت خوفًا من أن يصبحوا كسالى أو كذابين عندما يكبرون، أو حمقى يحطمون الأشياء. وبالفعل لم يكونوا كسالى ولكنهم على أي حال كانوا يحطمون الأشياء؛ فقد كانوا دائمي الاندفاع وانتزاع الأشياء من الآخرين، وبالطبع كانوا جميعًا كذابين، وحتى الصغار كانوا يكذبون باستمرار بصورة غريزية؛ فقد كانوا يكذبون حتى عندما لم يكن ذلك ضروريًّا، يكذبون لمجرد الكذب، وربما كان ذلك يشعرهم بالسرور. كانوا دائمًا يقولون الكذب ويخلفون العهد، كانت لديهم أكثر مواهب الساسة قسوة. كانوا يعوون عندما يُضربون، كانت الكرامة تعتبر نوعًا من الرفاهية التي تجاهلوها منذ فترة طويلة، أو لم يفكروا فيها قط. إذا لم تعوِ للخالة لينا عندما تضربك فلن تتوقف أبدًا! فقد كانت ذراعاها قويتين كالرجال، وتعبير وجهها يحمل ضراوة لا قبل لهم بها. ولكن بعد خمس أو ثلاث دقائق، ينسى أبناؤها كل ذلك، ولكن بالنسبة لي يمكن لمثل هذا الإذلال أن يتسبب في حزني لأسابيع أو إلى الأبد. احتفظ الخال جيمس باللهجة الأيرلندية التي فقدتها أمي وأوشكت الخالة دودي على فقدانها. كان صوته جميلًا عندما ينطق أسماء الأطفال، ماري أو رونالد أو روثي. كان ينطق الأسماء بحنان وارتياح حتى في توبيخه لهم، وكأن الأسماء أو الأطفال أنفسهم عبارة عن نكات تُحكى له. لكنه لم يحاول أن يمنع أمهم من ضربهم قط، أو حتى لم يُبدِ مجرد الاعتراض، كما لو أن الأمر لا يمتُّ له بصلة، كما لو أن الخالة لينا ليست لها صلة به. قالت الخالة دودي إن أصغر طفل لديهم ينام في سرير الوالدين حتى يحل محله طفل جديد. ثم استطردت: «اعتاد أن يأتي إليَّ مرارًا لزيارتي، حيث كنا نضحك كثيرًا، وكان يصطحب اثنين أو ثلاثة من الأطفال، لكنه توقف عن ذلك لسبب أعرفه؛ وهو أنهم يَشُون به عند أمهم، ثم توقف هو نفسه عن زيارتي، إنها هي من تفرض القوانين ولكنه يعاقبها بموجب قوانينها، أليس كذلك؟» ••• لا تحصل الخالة دودي على صحيفة يومية، مكتفية بالصحيفة الأسبوعية التي تنشر في المدينة والتي حصلت عليها عندما أقلَّتنا. فصاحت قائلة: «الصحيفة بها خبر عن ألِن دوراند.» تعجبت أمي من ذلك قائلة: «ألِن دوراند، إنه رجل عالي المقام الآن من هولشتاين بألمانيا، وقد تزوج من غربية.» «ماذا يقول الخبر؟» «إنه عن حزب المحافظين. أراهن أنه يريد ترشيح نفسه، أراهن على ذلك.» كانت أمي تجلس على الكرسي الهزاز خالعة حذاءها، وكانت تضحك وظهرها متكئ على عمود الشرفة، وهي تقطع الفاصوليا الصفراء لتعبِّئها. علَّقت الخالة دودي، قائلة: «أتذكَّر عندما قدَّمنا له عصير الليمون.» ثم التفتت إليَّ لتواصل: «عندما كان مجرد صبي كندي فرنسي، يعمل هنا بضعة أسابيع في فصل الصيف.» فصححت لها أمي: «اسمه فقط كان فرنسيًّا، لكنه لم يكن يتحدث الفرنسية.» «لو رأيته الآن ما عرفته؛ فقد غيَّر ملته أيضًا، ويذهب إلى كنيسة سانت جون.» «لطالما كان يتمتع بالذكاء.» «بالتأكيد هو كذلك، ولكننا استملناه بعصير الليمون.» استأنفت الخالة دودي: «هل تتصورين أكثر يوم سخونة في الصيف؟ كنت أبقى أنا وأمك في المنزل ولم نكُن نهتم لذلك كثيرًا، ولكن كان على ألِن أن يذهب إلى مخزن التبن، حيث كانوا يقومون بتخزين التبن. كان والدي يقوم بإحضاره من الحقول وكان ألِن يقوم بنشره حتى يجف، كما كان الخال جيمس يقدم المساعدة أيضًا.» أكملت أمي: «جيمس كان ينتقي التبن، وكان والدك يقود السيارة ويرفع الأحمال عليها.» فأردفت الخالة دودي بلهجة المتعاطف: «وكانوا يتركون ألِن في مخزن التبن، وما أدراك كيف يكون مخزن التبن في مثل ذلك اليوم، إنه كالجحيم على الأرض، لذلك كانت فكرة طيبة أن نقدم له بعض عصير الليمون. لقد نسيت أن أخبركم عن بذلة العمل في البداية.» ثم أضافت: «لقد أحضر ألِن بذلة العمل لأصلحها في الوقت الذي كان فيه الرجال يتناولون العشاء، وكان يرتدي سروالًا قديمًا ثقيلًا، وقميصًا للعمل، كانا بالطبع يشعرانه باحترار شديد، فأعتقد أنه خلع قميصه داخل الحظيرة. لكنه كان يريد بذلة العمل؛ لأنه كما تعلمون سيشعر بالبرودة بسبب سخونة الدورة الدموية بعد خلع الثياب الثقيلة. لقد نسيت ما كان مثبتًا على هذه الملابس، ولكنها كانت أشياء صغيرة وقليلة. لا بد أنه كان يعاني في تلك السراويل القديمة عند ارتدائها، وهو ما اضطره لأن يطلب مني ذلك؛ لأنه كان خجولًا للغاية. كان في … كم كان يبلغ من العمر حينذاك؟» أجابت أمي: «سبعة عشر عامًا.» «ونحن الاثنتين كنا في الثامنة عشرة. وكان ذلك قبل ذهابك إلى نورمال بعام واحد. حسنًا، أخذت سرواله وقمت بإصلاحه، وهو شيء بسيط قمت به وأنت تقدمين العشاء لهم. وجلست في زاوية المطبخ إلى جانب ماكينة الخياطة عندما خطرت لي فكرة، هل تتذكرين؟ لقد تظاهرت أنني أناديك لتفردي معي الثياب، وقد رأيتِ ما أفعل، ولم تضحك إحدانا أو تختلس نظرة إلى الأخرى، أتذكرين؟» «كلا.» «لأن الفكرة التي خطرت لي هي أن أخيط السحابة! وبعد وقت العصر بقليل، خرج معهم إلى العمل مرة أخرى، وجاءتنا فكرة عصير الليمون، فأعددنا ملء دلوين. ثم قمنا بإخراج أحدهما للرجال الذين يعملون في الحقل، ناديناهم ووضعنا الدلو تحت شجرة. وأخذنا الآخر وقدمناه له عند مخزن التبن، وقد استخدمنا كل الليمون الذي كان لدينا، ومع ذلك لم يكن العصير ثقيلًا بدرجة كافية، وأذكر أننا اضطررنا لوضع الخل عليه، وأتذكر أنه لم يلاحظ ذلك، فلم أرَ قطُّ أي شخص مثله بهذا القدر من العطش في حياتي، كان يشرب دون أن يحاول التذوق، وكنا نقف ونراقب، ولكن كيف نمنع أنفسنا من الضحك؟» عقبت أمي: «لم أكن لأعرف لو كنت مكانه.» واستأنفت الخالة دودي: «ثم أخذنا الدلو وتوجهنا إلى المنزل وانتظرنا حوالي ثانيتين قبل العودة مرة أخرى، واختبأنا في الصومعة، التي كانت مثل الفرن أيضًا، ولا أعرف كيف تحملنا ذلك، ولكننا اعتلينا أكياس الأعلاف ووجدت كلٌّ منا لنفسها فرجة أو ثقبًا أو شيئًا من هذا القبيل لتختلس النظر منه عليهم. كنا نعرف أن الرجال يبولون في زاوية الحظيرة دائمًا ويبولون أسفل المجرفة عندما يكونون في الطابق العلوي. أما في الإسطبل فأعتقد أنهم يبولون في القناة. وبعد قليل بدأ في السير في هذا الاتجاه وترك شوكته وأخذ يمشي متبخترًا، وكان العرق ينهمر على وجوهنا من فرط الحرارة، وكنا نضع أيدينا على فمنا حتى لا تفضحنا ضحكاتنا. أوه، كم كنا قساة عليه! كان الأمر سهلًا بالنسبة له في البداية، أليس كذلك؟ ثم عندما اكتشف الأمر زاد شعوره بالحاجة إلى التبول؛ وأخذ ينظر لأسفل متسائلًا عما يحدث. وسريعًا ما أخذ يجذب بذلته ويحاول نزعها بكل وسيلة ممكنة لتحرير نفسه. ولكنني خيطت السحابة خياطة قوية. وأتساءل متى اكتشف الأمر؟ متى عرف ما حدث؟» «حقيقة أنا أعتقد أنه لم يكن غبيًّا قط.» «لم يكن يومًا كذلك، لا بد أنه استنتج المكيدة برمتها، من عصير الليمون وغيره. الشيء الوحيد الذي أعتقد أنه لم يفكر فيه هو أن يتصور إقدامنا على الاختباء في الصومعة، وإلا فما كان ليفعل ما أقدم عليه بعدها.» قالت أمي بحزم: «نعم ما كان ليفعل ذلك؟» «لا أدري، لعله تجاوز مرحلة الاهتمام بالتصرف اللائق، أليس كذلك؟ لقد تجاوز هذه المرحلة وما حدث أنه مزق بذلته تمامًا، وتمكنَّا نحن من رؤية كل ذلك.» «كان ظهره في اتجاهنا.» «كلا، بل كان يقف قبالتنا، وعندما تبول رأينا كل شيء، ثم أولانا جانبه.» «أنا لا أتذكر ذلك.» «حسنًا، أنا أتذكر. فأنا لم أرَ الكثير من هذه المشاهد؛ لذلك لا أستطيع أن أنسى.» صاحت أمي مستهجنة: «دودي!» ولكن يبدو أن أوان التحذير قد فات (فقد كانت أمي دائمًا تقول أنا لا أحب الاستماع إلى هذه الأحاديث). «أوه! أنت لم تهربي، أليس كذلك؟ ألم تبقي عينك في الفرجة التي كنا ننظر منها؟» نظرت أمي لي وللخالة دودي مع تعبير غير عادي على وجهها ينم عن العجز. لا أعتقد أنها ضحكت، ولكن بدا الأمر كما لو أنها قد استسلمت. البداية بطيئة للغاية، وغالبًا ما تمر سنوات قبل أن يعلم المريض أو عائلته أنه أصبح من المعاقين. يظهر أنه يعاني من تصلب بالجسم يزيد ببطء، وتصاحبه ارتجافات بالرأس والأطراف. قد يكون هناك العديد من الأعراض مثل الارتعاش وتشنجات العضلات وحركات لاإرادية أخرى، كذلك فإن زيادة إفراز اللعاب والترويل من الأمور الشائعة عند الإصابة. علميًّا هذا المرض معروف باسم الشلل الرعاش، ويسمى أيضًا داء باركنسون. الشلل الرعاش يؤثر أولًا على ذراع أو ساق واحدة، ثم ينتقل إلى الطرف الثاني على نفس الجانب، وفي النهاية ينتقل إلى الأطراف بالجانب الآخر. ويبدأ الوجه في فقدان التعبيرات المعتادة ويتغير ببطء أو لا يتغير مطلقًا مع المرور بمختلف الحالات المزاجية. وهذا المرض عادة ما يصيب المسنين، في الغالب يكون الأشخاص في الستينيات والسبعينيات هم الأكثر عرضة له، ولم يتمَّ تسجيل حالات شفاء منه. ولكن تتوفر الأدوية التي تستخدم للسيطرة على الارتعاش وفرط اللعاب، وذلك مع أن فوائد هذه الأدوية لا تزال محدودة. [فيشباين، الموسوعة الطبية]. كانت أمي ستبلغ خلال ذلك الصيف واحدًا وأربعين أو اثنين وأربعين عامًا، وهو ما يقارب سنِّي حاليًّا. كان ساعدها الأيمن فقط هو المصاب بالرعشة، ثم بدأت اليد بالاهتزاز أكثر من الذراع، وكان الإبهام لا يتوقف عن الاهتزاز. وعلى أي حال؛ فقد تمكنت من إخفاء أصابعها ومنع ذراعها من الارتجاف بتثبيتها بقوة إلى جسدها. ••• شرب الخال جيمس شراب البورتر بعد العشاء، وسمح لي أن أذوقه، كان جعة داكنة اللون ومُرة. وكان هنا تناقض جديد. كانت أمي قد أخبرتنا قائلة: «قبل أن أتزوج أباكم طلبت من خالكم أن يعدني ألا يشرب مجددًا، وقد التزم بوعده بالفعل.» لكن الخال جيمس كان يشرب دون اعتذار. ليلة السبت ذهبنا جميعًا إلى المدينة. ذهبت والدتي وأختي في سيارة الخالة دودي، وركبت أنا مع الخال جيمس والخالة لينا والأطفال. راح الأطفال يشكون مني، كنت أكبر بقليل من أكبرهم، وقد عاملوني كما لو كنت غنيمة، شخصًا يتنافسون من أجل كسب وده. وهكذا كنت في سيارتهم مربعة السقف مثل سيارة الخالة دودي. كنا في طريق العودة إلى البيت، وقد فتحنا النوافذ للحصول على الهواء المنعش، وبشكل غير متوقع بدأ الخال جيمس في الغناء. كان صوته عذبًا بالطبع، عذبًا لكنَّه حزين، شجي. أستطيع أن أتذكر جيدًا لحن الأغنية التي كان يغنيها، وصوته يخرج من النوافذ السوداء، ولكني أستطيع أن أتذكر بضع كلمات من الأغنية، هنا وهناك، وذلك مع أنني كثيرًا ما حاولت أن أتذكر أكثر من ذلك؛ لأنني أحب الأغنية كثيرًا. فلا أتذكر سوى: كنت أعتلي جبل كيليكيني … أعتقد أن الأغنية كانت تبدأ بهذه الكلمات. ثم تتناول كلمات مسجوعة وتتحدث عن اغتنام بعض البهجة من أشياء مختلفة، وأخيرًا المقطع الشعري الشجي: ولكني أغتنم بهجتي من الخمر … خيم الصمت على السيارة والخال جيمس يغني، وكان الأطفال لا يتشاجرون وإنما يهتزون مع حركة العربة، وبعضهم راح في النوم. كانت الخالة لينا تضع أصغرهم على رجليها، وكانت السيارة تسير على طريق كما لو أنها ستمضي في طريق لا ينتهي في ليلة مظلمة تمامًا مع أضواء ضعيفة على جانب الطريق. وكانت هناك أرانب تسير على الطريق وتتقافز أمامنا، ولكن لم يلحظ أحدٌ ذلك، ولم يقاطع أحدٌ الغناء والحزن الذي يتصبب منه. ولكني أغتنم بهجتي من الخمر … وصلنا إلى الكنيسة في وقت مبكر، بحيث تمكنا من أن نزور القبور. كانت سانت جون كنيسة مبنية بالخشب ومطلية باللون الأبيض على الطريق السريع والمقابر خلفها. توقفنا أمام شاهدي قبور كان مكتوبًا على أحدهما «الأم» والآخر «الأب»، وتحتهما بأحرف أصغر بكثير أسماء وتواريخ ميلاد ووفاة جدي وجدتي لوالدتي. كانا شاهدين صغيرين وليسا كبيرين، مثل حجارة الرصف المستخدمة لإحاطة العشب المجزوز. ذهبت باتجاه آخر لأرى أمورًا أكثر إثارة للاهتمام مثل رسوم الجرار والملائكة والكفوف المرفوعة بالدعاء. وبعد ذلك بقليل وصلت أمي والخالة دودي. علقت الخالة دودي وهي تلوح قائلة: «من الذي يحتاج كل هذه التفاهات؟» وكانت أختي التي لا تزال تتعلم القراءة تحاول قراءة النقوش: حتى طلوع الشمس. لم يكن ميتًا بل راقدًا. في سلام. تساءلت أختي عن اللغة المكتوبة بها النقوش. كانت الكتابة باللاتينية، هذا ما أكدته أمي. وقالت الخالة دودي: «هناك الكثير من الناس يضعون هذه الأحجار وكل ذلك أمور مظهرية ولا يزالون يدفعون مقابلها حتى الآن. وبعضهم لا يزال يحاول الدفع مقابل المقبرة نفسها ولم يبدءوا في تجهيز الحجارة حتى الآن، انظروا إلى هذا على سبيل المثال.» وأشارت إلى حجر كبير من الجرانيت الأزرق الداكن على شكل مكعب مائل متزن على إحدى زواياه وكان عليه بقع بيضاء. قالت أمي وهي مشدوهة: «كم هو متطور وحديث.» «إنه شاهد قبر ديف ماكول. انظروا إلى حجمه! وأنا أعرف يقينًا أنهم قالوا لزوجته إن لم تسرع بالدفع مقابل المقبرة فسينبشون القبر ويلقون به على الطريق السريع.» تساءلت أمي: «هل هو مسيحي؟» «بعض الناس لا يستحقون المسيحية.» شعرت بشيء ما ينزلق عن خصري وأدركت أن مطاط ملابسي الداخلية قد تمزق، إلا أنني وضعت يدي على جانبي قبل أن تسقط — إذ لم يكن لديَّ أرداف يمكنها حمل أي شيء — وقلت لأمي في همسة غاضبة: «كان يجب أن أستخدم دبوسًا.» قالت أمي بصوتها الطبيعي أو بطبقة أعلى منه قليلًا: «لماذا تريدين دبوسًا؟» عادة لا يمكن الاعتماد على أمي في مثل هذه الظروف. لم أُجِب، ولكني نظرت في وجهها في استعطاف امتزج بالتهديد. ضحكت الخالة دودي وقالت: «أراهن أن ملابسها الداخلية على وشك السقوط.» فردت أمي ولم تخفض صوتها: «هل الأمر كذلك بالفعل؟» «نعم.» قالت أمي: «حسنًا اخلعيها.» فقالت الخالة دودي بصرامة: «ليس هنا، فهناك مرحاض للسيدات، خلف كنيسة سانت جون كان هناك مرحاضان خشبيان، كمراحيض المدارس.» قلت لأمي: «إذا خلعتها فلن يكون هناك أي ملابس على جسدي.» كنت أشعر بالخزي؛ إذ لم أتصور أن أمشي في الكنيسة في ثوب علوي أزرق بدون ملابس داخلية، وأن أقف لأغني الترنيمات ثم أجلس، كل هذا وأنا دون ملابس داخلية، وأن أجلس على مقاعد الكنيسة الباردة دون ملابس داخلية. كانت الخالة دودي تبحث في حقيبتها وتقول: «أتمنى لو كان لديَّ دبوس لكني لم أعثر على شيء. يمكنك أن تسرعي لخلعها ولن يدري أحدٌ بما جرى. يا لك من محظوظة! فليس هناك رياح.» بيد أنني لم أتحرك من مكاني. فقالت أمي بكثير من الشكوك: «حسنًا لديَّ دبوس واحد، ولكن لا أستطيع إخراجه؛ فقد تمزق حزام ردائي الداخلي هذا الصباح عندما كنت ارتدي ملابسي؛ ولذلك وضعت دبوسًا لأثبته؛ ولذلك لا يمكنني فكه.» كانت أمي ترتدي ثوبًا رماديًّا منقوشًا بالزهور الصغيرة التي بدت كما لو أنها مطرزة عليه، وتحته رداء داخلي رمادي؛ لأن الثوب كان شفافًا يمكن أن تُرى من خلاله. كانت تعتمر قبعة ذات لون وردي كئيب مطابق للون بعض الزهور التي تلون بها الفستان، وكانت تلبس قفازات عليها نفس الزهور تقريبًا، وتنتعل حذاءً أبيض يكشف عن أصابع قدميها. كانت غالبًا ترتدي كل ذلك خصوصًا عندما تكون في كنيسة سانت جون. وكانت تتصور أنه سيكون صباحًا مشمسًا، مع صوت رنين الأجراس، تمامًا كما يحدث الآن. بالطبع كانت تخطط لذلك وتتصوره تمامًا، كما أخطط وأتصور في بعض الأحيان ما سوف أرتديه عندما أذهب إلى حفلة. أردفت أمي: «لا أستطيع خلع الدبوس وإلا فسوف ينزلق ردائي الداخلي.» ردت الخالة دودي: «الناس يتوافدون!» «إما أن تذهبي إلى المرحاض وتخلعيه أو تذهبي وتجلسي في السيارة.» اتجهت إلى السيارة، وكنت في منتصف الطريق إلى بوابة المقبرة عندما نادتني أمي، وقادتني إلى مرحاض السيدات، ودون أن تنطق بكلمة واحدة وضعت يدها داخل جيب ملابسها وأخرجت دبوسًا. أدرت ظهري ولم أقُل شكرًا؛ لأنني كنت غارقة في شعوري بسوء حظي ومتأكدة أن ما تفعله هو من حقي، وقامت بربط خاصرة ملابسي الداخلية. ثم قادتني أمي بعيدًا عن طريق المرحاض وحول جانب الكنيسة. كنا قد تأخرنا والجميع قد دلفوا. كان علينا أن ننتظر، فيما راحت الجوقة بقيادة القس يسيرون بالممر في وقع المراسم الدينية. كل شيء مشرق وجميل، جميع المخلوقات الكبير منها والصغير، كل الأشياء الحكيمة والرائعة، كلها جميعًا من صنع القدير. عندما أخذ أفراد الجوقة أماكنهم واستدار القس لمواجهة الحضور، اتجهت أمي بجرأة وانضمت للخالة دودي وأختي على مقعد بالمقدمة، تمكنت من رؤية ثوبها الداخلي الرمادي وقد انزلق إلى أسفل نصف بوصة، وكان يظهر في جانب واحد بشكل غير أنيق. بعد انتهاء العظة استدارت أمي وهي جالسة في المقعد لتتحدث إلى الناس الذين أرادوا معرفة اسمي واسم أختي ثم قالوا لأمي: «إنها تشبهك كثيرًا.» «ربما تلك الفتاة تشبهك أكثر منها.» «أرى أمك متى نظرت إلى هذه الفتاة.» وسألوها عن عمرنا وفي أي صف دراسي وإن كانت أختي تذهب إلى المدرسة، وسألوا أختي متى ستذهبين إلى المدرسة؟ فأجابت: «لن أذهب.» وهو ما جعل الجميع يضحك مرات عديدة (أختي كثيرًا ما تجعل الناس يضحكون دون قصد؛ فهي دائمًا ما تُشعر الجميع أنها تعاني من سوء الفهم، ولكن ما جعلها تعتقد هذه المرة أنها لن تذهب إلى المدرسة هو أن المدرسة الابتدائية القريبة من مكان سكننا يجري هدمها، ولم يخبرها أحدٌ أنها ستذهب إلى مدرسة المدينة على متن حافلة). وقال اثنان أو ثلاثة أشخاص لي: «خمني من علَّمنا عندما ذهبنا إلى المدرسة؟ إنها أمك.» وقال رجل آخر: «إنها لم تعلمني الكثير، ولكنها كانت أكثر مدرسة أنيقة رأيتها في حياتي.» وكانت تفوح منه رائحة العرق لدرجة أنها لم تُرِد مصافحته. ••• «هل ظهر ردائي الداخلي؟» «كيف ذلك؟ فقد كنتِ تجلسين على المقعد.» «عندما كنت أسير في الممر، شعرت بذلك.» «لم يَرَ أحدٌ شيئًا، الجميع كانوا منشغلين في الترانيم.» «مع ذلك، يمكن أن يلاحظوا شيئًا.» «شيءٌ واحد فقط يدهشني، لماذا لم يأتِ ألِن ليسلم علينا؟» «هل كان هناك؟» «ألم ترَيْه، كان يجلس على المقعد الغربي تحت النافذة التي تم وضعها من أجل الأب والأم.» «لم أَرَه، هل كانت زوجته معه؟» «نعم، لا بد أنكِ رأيتِها، كانت ملابسها بالكامل زرقاء وتعتمر قبعة مثل عجلة العربات التي تجرها الدواب، لقد كانت أنيقة جدًّا، ولكن لا يمكن مقارنتها بكِ اليوم.» كانت الخالة دودي نفسها تعتمر قبعة زرقاء داكنة مصنوعة من القش مع بعض الزهور من القماش، وترتدي فستانًا مزررًا من الحرير الصناعي. «ربما لم يعرفني، أو لم يرني.» «كيف لم يركِ؟» «حسنًا.» «لقد بدا حسن المظهر يصلح لأعمال السياسة، كما أن طوله مناسب لذلك، فقليلًا ما نرى رجلًا قصيرًا يتم انتخابه لشئون السياسة.» «ولكن ماذا عن ماكنزي كينج؟» «أنا أقصد الانتخاب عندنا هنا، فنحن لم ننتخبه هنا.» ••• «أصيبت أمك بسكتة دماغية خفيفة، وهي تنفي ذلك، ولكني رأيت الكثير جدًّا مثل حالتها. لقد أصيبت بسكتة خفيفة، وفي يوم من الأيام ستصاب بسكتة تودي بحياتها، ومن ثم عليكِ أن تتعلمي أن تكوني أمًّا حينها. مثلي، لما بدأ مرض أمي وأنا في العاشرة من عمري. لقد توفيت عندما كان عمري نحو خمسة عشر عامًا، ما بين ذلك عشت معها وقتًا عصيبًا! وكان جسدها كله متورمًا، كانت تعاني حالة استسقاء، حتى جاءوا ذات مرة وأخرجوها منها بكميات رهيبة.» «ما الذي أخرجوه منها؟» «السوائل.» جلست في كرسيها حتى أصبحت غير قادرة على الجلوس أكثر من ذلك، وكان عليها أن تأوي إلى السرير. كان عليها أن ترقد طوال الوقت على جانبها الأيمن لتبعد ضغط السائل عن قلبها. يا لها من حياة! وظهرت بعد ذلك تقرحات الفراش. كانت تعيش في بؤس، حتى جاء يوم قالت لي فيه: دودي من فضلك ساعديني على الاستدارة إلى الجانب الآخر لبعض الوقت. كانت تحاول الاستراحة قليلًا، توسلت إليَّ، فقمت باحتضانها وأدرتها إلى الجانب الآخر. كانت ثقيلة الوزن، أدرتها إلى جانب القلب، وبعد ذلك بدقيقة ماتت. «لماذا تبكين الآن؟ أنا لم أكُن أقصد قطُّ أن أحزنك! حسنًا أراكِ الآن طفلة كبيرة، ولا يشق عليكِ الاستماع لصروف الحياة.» ضحكت الخالة دودي في وجهي لكي تخفف عني، ولأن وجهها كان أسمر نحيفًا كانت عيناها كبيرتين وحمراوين. كانت ترتدي وشاحًا حول رأسها في هذا اليوم، وكانت تبدو أشبه بامرأة غجرية، كانت تنظر في وجهي بخبث ولطف، بنظرة تهدد بالإفصاح عن المزيد من الأسرار ما لم أتمكن من تحمل ما تقوله. ••• قلت وأنا متجهمة: «هل أصبتِ بسكتة دماغية؟» «ماذا؟» «قالت الخالة دودي إنك أصبتِ بسكتة دماغية.» «لم يحدث ذلك، قلت لها ذلك، وقال الطبيب ذلك، ولكنها تعتقد أنها تعلم كل شيء، إنها تعتقد أنها تعرف أكثر من الطبيب.» «هل ستصابين بسكتة دماغية؟» ردت بهدوء: «كلا؛ أعاني من انخفاض ضغط الدم، وهذا هو عكس ما يؤدي إلى السكتات الدماغية.» قلت لها: «إذن، أنت لن تمرضي أبدًا؟» شعرت بالارتياح كثيرًا؛ لأنها لا تعاني أعراض السكتات الدماغية، وهو ما يعني أنني يجب ألا أتعلم كيف أكون أمًّا، أغسل وأمسح وأطعمها وهي ترقد على السرير، مثلما كان على الخالة دودي أن تفعل مع أمها. لقد شعرت بالارتياح؛ لأنها فسرت لي الأمر وأقنعتني. وطوال فترة حياتها، وخلال كل التغيرات التي حدثت لها، وحتى بعد أن تلقيت تفسيرات طبية عن حالتها، كنت أشعر بداخلي أنها لا تشعر بالراحة، وكانت تفعل ذلك لغرض في نفسها، كنوع من الانتقام ولم يستطِع أحدٌ أن يفهم ذلك. لم تردَّ عليَّ، ولكنها سارت قدمًا، كنا في طريقنا من منزل الخالة دودي إلى منزل الخال جيمس، كنا نتخذ مدقًّا يخترق مرعى الأبقار المحدب مما جعل الرحلة أقصر من اتخاذ الطريق. تابعت بتهور وعناد: «هل ستتوقف ذراعك عن الاهتزاز؟» ثم طلبت منها أن تستدير وتعدني بما أردت سماعه. لكنها لم تفعل، وللمرة الأولى تجاوزتني مبتعدة، ومضت كما لو أنها لم تسمعني، وأخذت تسير أمامي وهيئتها المألوفة تتحول إلى هيئة غريبة. كانت تبتعد، وكل ما حدث في الواقع أنها استمرت في المشي في الطريق الذي اعتادت قطعه مع الخالة دودي عندما كانتا فتاتين ذهابًا وإيابًا. كان لا يزال موجودًا. ••• ذات ليلة جلست أمي والخالة دودي في الشرفة وتغنتا بالشعر. ولكني نسيت كيف بدأ هذا، أظن إحداهما بدأت في تذكر مقطع شعري، ربما، والأخرى فعلت مثلها تمامًا. الخال جيمس كان يتكئ على الدرابزين، وكان يدخن. ولأننا كنا في زيارة، سمح لنفسه أن يأتي ليرانا. غنت الخالة دودي بفرح: كيف يمكن لرجل أن يموت ميتة أكرم من أن يموت وهو يواجه الخوف ورماد آبائه ومعابد الآلهة؟ وردت أمي: طوال اليوم ضجيج المعركة يتصاعد. يصدح بين الجبال إلى جانب بحر الشتاء. لا دعوة لجنازة ولا احتفاء، في الوقت الذي أسرعنا بالجثة للمقابر … قطعنا شوطًا طويلًا حتى وادي جزيرة أفلون ولم يسقط المطر أو البرد أو أي ثلج … كان صوت أمي يرتجف في تحرج، لذلك كنت سعيدة عندما قاطعتها الخالة دودي قائلة: «يا للسماء! ألم تكن كلها حزينة، تلك السطور التي كانوا يحشون بها كتاب المطالعة؟» قال الخال جيمس: «أنا لا أتذكر شيئًا من ذلك باستثناء» ثم تلا دون انقطاع: على طول التلال التي يحيط بها الضباب كانت الغابة القرمزية وطوال اليوم يغني طائر أبو زريق عبر أشجار الخريف. ردت الخالة دودي: «بديع!» وانضمت لهما أمي، كانوا ينشدون كل ذلك معًا، ويضحك كلٌّ منهم على الآخرين: تحلق فوق البرك وسط السديم، أو تمضي فوق مصب النهر، طوال يوم الخريف الطويل إنها الطيور المهاجرة إلى الجنوب. قالت الخالة دودي: «حتى عندما نفكر في الكلمات، نجد نغمًا شجيًّا حزينًا.» ••• إن كنت سأؤلف قصة جيدة من كل هذا، فسأنهيها بأن أمي لم تردَّ عليَّ ومضت قدمًا عبر المرعى. ستكون نهاية تفي بالغرض. ولكني لم أتوقف عند هذه النهاية على ما أظن؛ لأنني أردت أن أعرف أكثر، وأتذكر أكثر من ذلك. أردت أن أتذكر كل ما يمكن تذكره. الآن أنظر إلى كل ما أقدمت عليه ليبدو لي مثل سلسلة من اللقطات، مثل اللقطات الضاربة إلى اللون البني التي كانت تلتقطها كاميرا والدي القديمة. في هذه اللقطات تظهر الخالة دودي والخال جيمس، بل والخالة لينا، وحتى أولادها، يظهرون في وضوح شديد (كل هؤلاء في عداد الأموات الآن باستثناء الأطفال الذين كبروا وأصبحوا يعملون حاليًّا في وظائف مرموقة، ولا يوجد بينهم — حسب علمي — مجرم أو متعاطٍ للمخدرات). المشكلة — والمشكلة الوحيدة — هي أمي؛ فهي بالطبع الوحيدة التي أحاول تذكرها طوال هذه الرحلة كلها. ولكن ما الغرض؟ كي أخلدها، كي أصفها، كي أحتفي بها، ثم كي أنساها، ولكن ذلك لم يُجدِ نفعًا، إنها تلوح قريبة جدًّا مني، تمامًا كما كانت تفعل دائمًا. تحضرني بقوة دائمًا، وتلقي بظلالها على أي شيء آخر. وحتى على الرغم من أنها بعيدة الآن، فهي أقرب لي من أي وقتٍ مضى. يمكنني أن أسترسل وأستخدم المهارات والحيل التي أملكها، ولكن ستكون النهاية نفسها دائمًا. سر يؤرقني
كيف التقيت زوجي! كنا وقت الظهيرة حين سمعنا صوتًا صاخبًا لطائرة تحلق في السماء اخترق نشرة الأخبار التي كنا نستمع إليها، وكنا متأكدين من أن الطائرة ستصطدم بالمنزل؛ فركضنا جميعًا إلى الفناء، حيث رأيناها تحلق بالقرب من قمم الأشجار، وكانت مطلية باللونين الأحمر والفضي؛ إنها أول طائرة أراها عن قرب. فصرخت السيدة بيبلز. وصاح ولدها الصغير جووي: «إنه هبوط اضطراري!» قال الدكتور بيبلز: «لا بأس، فهو يدرك جيدًا ما يفعله.» كان الدكتور بيبلز طبيبًا بيطريًّا، ولكنه كان يتحدث بتلك النبرة الهادئة التي يتحدث بها جميع الأطباء. كنت أعمل لدى آل بيبلز، وكانت تلك هي الوظيفة الأولى في حياتي. اشترى آل بيبلز بيتًا قديمًا في جادة فيفث لاين التي تبعد حوالي خمسة أميال عن المدينة؛ وكان هذا عندما جرت العادة أن يشتري أهل المدينة مزارع قديمة، ليس لتشغيلها وإدارتها ولكن ليعيشوا بها. شاهدنا الطائرة تهبط على الجانب الآخر من الطريق حيث ساحة كانت تقام بها المعارض والأسواق فيما مضى. كانت الساحة مهبطًا ممتازًا للطائرة، ومضمار سباق قديمًا رائعًا ومستويًا؛ وقد أزيلت الحظائر ومخازن العروض لتستخدم أخشابها بحيث لم يكن هناك ما يعيق طريق الطائرة. حتى المدرجات القديمة احترقت. قالت السيدة بيبلز بسرعة كعادتها عندما تتعصب: «حسنًا! لنعُد إلى المنزل، لا داعي للوقوف هنا والتحديق كالفلاحين البلهاء.» لم تَقُل ذلك لتجرح مشاعري؛ فهي لم تتعمَّد ذلك قط. كنت أضع أطباق الحلوى عندما أتت لوريتا بيرد لاهثة أمام الباب السلكي، وصاحت قائلة: «خِلتُ الطائرة ستصطدم بالمنزل وتقتلكم جميعًا!» كانت لوريتا بيرد تعيش في الجوار، واعتقد آل بيبلز أنها فلاحة، لكنها على العكس من ذلك لم تكن يومًا هي أو زوجها من المزارعين؛ فزوجها جوَّال في عمله، والتصقت به سمعة سيئة جراء معاقرته الخمر. كان لديهما من الأبناء سبعة، ولم يمتلكوا من المال ما يكفي لشراء حاجاتهم الأساسية من بقالة هاي واي. عندما أتت لوريتا حيَّاها آل بيبلز على أنها فلاحة، كما قلت، وعرضوا عليها الحلوى. لم تكن الحلوى شيئًا مهمًّا بالنسبة لهذا المنزل، فطبق من الجيلي أو شرائح الموز أو الفاكهة المعلَّبة هو أقصى ما يقدمونه كحلوى. كانت أمي تقول دائمًا: «بيت بدون فطير التوت، مُعاب حتى الموت»، لكن عند آل بيبلز كان الأمر يسير على نحو مختلف. عندما رأتني لوريتا بيرد أحضر إليها علبة من شرائح الخوخ صاحت: «أوه، لا داعي لذلك؛ فمعدتي لا تتحمل محتويات تلك العلب، أستطيع فقط تناول الأطعمة المجهزة بالمنزل.» أراهن أنها لم تَذُق طعم الفاكهة في حياتها، لو كان الأمر بيدي لصفعتها على وجهها! أضافت لوريتا بيرد: «أعلم لماذا أتى هذا الطيار هنا، فهو يمتلك تصريحًا ليهبط على هذه الأرض ويأخذ الناس في رحلات. الفرد الواحد مقابل دولار. إنه الطيار نفسه الذي كان يحلِّق فوق بالميرستون الأسبوع الماضي، وحلَّق أيضًا فوق البحيرة من قبل. أنا لن أركب هذا الشيء أبدًا ولو أعطوني مالًا.» قال دكتور بيبلز: «عن نفسي سأقفز على متنها مع أول فرصة تواتيني، لكَمْ أود أن أرى الجوار وأنا محلِّق في السماء.» وقالت السيدة بيبلز إنها ستقفز بالطائرة حالما تراها. وقال الطفلان جووي وهيذر إنهما يرغبان في الصعود أيضًا؛ كان جووي في التاسعة من عمره وهيذر في السابعة. سألتني هيذر: «وماذا عنكِ إيدي؟» أجبتها بأنني لا أعلم؛ فقد كنتُ خائفة ولكني لا أستطيع البوح بذلك، خاصة أمام الطفلين اللذين أتولَّى رعايتهما. قالت لوريتا بيرد: «يأتي الناس هنا في سياراتهم ويثيرون التراب ويخرِّبون ممتلكاتكم، لو كنتُ مكانكم لتقدَّمت بشكوى.» جلست لوريتا بيرد على الكرسي وشبَّكت رجليها حول رافدة الكرسي، حينها علمتُ أننا بصدد زيارة طويلة. ذهب الدكتور بيبلز إلى مكتبه أو خرج لمكالمة ما، وذهبت السيدة بيبلز لقيلولتها المعتادة، بعدها لم يتبقَّ لي سوى لوريتا بيرد تتسكَّع حولي وأنا أحاول غسل الأطباق. هذه المرأة لا تجد حرجًا أبدًا في انتقاد آل بيبلز هنا في منزلهم. «لو كان لديها سبعة من الأبناء مثلي، لما استطاعت ترك كل شيء والنوم في منتصف النهار هكذا.» ثم أخذت تسألني عن أشياء خصوصية مثل: هل يتشاجران؟ وهل يستخدمان وسائل لمنع الحمل؟ وقالت إنهما إذا فعلا ذلك فهما مذنبان. تظاهرتُ أنا بعدم معرفتي عمَّ تتحدث. كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، وكانت تلك أول مرة في حياتي أعيش بعيدًا عن منزلي. بذل والداي جهدًا كبيرًا لكي ألتحق بالمدرسة الثانوية، واستمر ذلك عامًا واحدًا، ولكني لم أحبَّ الدراسة هناك. كنت أخجل من الغرباء، وكانت الدراسة صعبة، ولم يكن المدرسون يشرحون بالطريقة التي يشرحون بها الآن، أو يذلِّلون لك الأمور. في نهاية العام نشرت الجريدة درجات الطلاب، وجاءت درجاتي في ذيل القائمة؛ ٣٧ بالمائة، قال أبي إنه يكفيني هذا القدر، ولم ألُمْه قط؛ فآخر شيء كنت أتمناه هو إكمال دراستي وأن تنتهي بي الحال مدرِّسة بمدرسة. في ذلك اليوم، عندما نشرت الجريدة تلك الفضيحة كان الدكتور بيبلز حاضرًا لدينا للعشاء؛ حيث قد ساعد لتوِّه إحدى البقرات لدينا في ولادة عجليها الصغيرَيْن، وأبدى إعجابه بذكائي، وقال إن زوجته تبحث عن فتاة تساعدها، فهي تشعر بأن الطفلَيْن قيَّدا حركتها منذ انتقالهم من المدينة. حينها وافقتْ أمي متصنِّعة التهذيب، حسبما أعتقد، مع أنني أستطيع الجزم من ملامح وجهها بأنها تتساءل متعجِّبة عما يجعل امرأة ليس لديها سوى طفلين وغير مسئولة عن أي أعمال في الحظيرة تشتكي! عندما كنت أعود إلى المنزل، وأحكي لهم ما أؤديه من عمل عند آل بيبلز يضحك الجميع. تمتلك السيدة بيبلز غسالة ومنشفة أوتوماتيكية، وكانت الأولى التي أراها في حياتي؛ أمتلك مثلها في منزلي منذ مدة طويلة لدرجة أنه بات من العسير عليَّ تذكُّر كم كان الأمر كالمعجزة بالنسبة لي؛ حيث إنني لم أكن لأضطر إلى بذل مجهود مضنٍ لتشغيل العصَّارة، وتحريكها إلى أعلى وأسفل، فضلًا عن عدم اضطراري لتسخين الماء. كما لم أكن عادة أخبز في هذا المنزل. تقول السيدة بيبلز إنها لا تعرف كيف تصنع الفطيرة العادية؛ الاعتراف بهذا القول كان أغرب شيء من الممكن أن أسمعه من امرأة؛ فبالطبع أستطيع أنا صُنع تلك الفطيرة كما أستطيع أيضًا صُنع البسكويت والكعك الأبيض وبالشوكولاتة، لكن السيدة بيبلز لم تُرِد منِّي صنع ذلك في منزلهم، وقالت إنهم يحافظون على وزنهم من الزيادة. في الواقع إن الشيء الوحيد الذي لم أكن أحبه في عملي لدى آل بيبلز هو شعوري بشيء من الجوع معظم الوقت؛ فكنت أحضر علبة من الدوناتس المصنوعة بالمنزل وأخفيها تحت سريري، حتى اكتشف الطفلان وجود الدوناتس، ولم أمانع قطُّ في إعطائهما بعضًا منه، ولكني شعرت بعد ذلك أنه يجب إخفاء الأمر عنهما. في اليوم التالي لهبوط الطائرة أخذت السيدة بيبلز طفلَيْها بالسيارة إلى تشيسلي؛ فقد كانت تريد تصفيف شعرها عند نفس السيدة الماهرة التي اعتادت الذهاب إليها هناك، ومعنى ذلك أنها ستبقى في الخارج فترة لا بأس بها. كان عليها اختيار يوم لن يحتاج الدكتور بيبلز السيارة فيه خارج المدينة؛ فلم تكن اشترت سيارة؛ إذ كان لا يزال هناك نقص في المطروح من السيارات بعد الحرب. أحببتُ فكرة وجودي وحدي بالمنزل والقيام بأعمالي دون استعجال. كان المطبخ مطليًّا باللونين الأبيض والأصفر البراق، ومُضاء بلمبات الفلورسنت. كان هذا قبل أن يفكِّر آل بيبلز في تغيير ألوان أدوات المطبخ، بل حتى الخزائن جعلوها بلون أسود كالخشب القديم، فحجبت الإضاءة. لقد أحببت الإضاءة كثيرًا، وأحببت الحوض المزدوج، شأني شأن أي شخص لم يعرف سوى الغسيل في طبق كبير سُدَّ ثقب فيه بقطعة قماش بالية وذلك على منضدة مغطاة بمشمَّع، على ضوء مصباح الكيروسين. كنت أجعل كل شيء لامعًا. أحببت الحمام أيضًا. في الواقع كان مسموحًا لي بالاستحمام هناك مرة في الأسبوع، ولم يكن آل بيبلز ليمانعوا إذا استحممت مرة أخرى من وقت لآخر، لكن بدا الأمر لي كأنني أُكثر من الطلبات، أو ربما سأخاطر بالانتقاص من متعته. كان كل شيء في الحمام بلون وردي؛ الحوض والبانيو والمرحاض، وكانت هناك أبواب زجاجية لغلق البانيو مرسوم عليها طيور البشروش، حتى الإضاءة كانت وردية. وكانت قدمي تغوص في حاشية الأقدام كأنها الثلج، غير أنها كانت تبعث على الدفء. كانت المرآة تغطِّي ثلاثة جدران، وكان البخار يعلو المرايا ويفوح الجو بسحابة معطرة من أشياء سُمح لي باستخدامها؛ فكنت أقف على جانب البانيو معجبة بشكلي عارية بالمرآة، من الاتجاهات الثلاثة. أحيانًا كنت أفكِّر في معيشتي بمنزل أهلي ومعيشتي هنا، وأنه كيف من الصعب جدًّا أن يتخيَّل المرء العيش بطريقة مختلفة تمامًا، لكني كنت لا أزال أعتقد أن من عاش بالطريقة التي كنت أعيش بها في منزلنا سيكون من الأسهل عليه أن يتخيَّل أمورًا مثل الدفء وحاشية الأقدام وطيور البشروش، من أن يكون العكس. تُرى ما السبب؟ أنجزتُ عملي في وقت وجيز، وقشَّرت الخضراوات للعشاء وتركتها جانبًا في ماء بارد. بعدها ذهبت إلى غرفة نوم السيدة بيبلز. كنت قد دخلتها قبل ذلك مرات عديدة لأنظِّفها، وكنت دائمًا أنعم النظر إلى خزانتها، إلى الملابس التي تعلقها فيها. لم أكن لأنظر في أدراجها الخاصة، لكن الخزانة كانت مفتوحة لأي أحدٍ ينظر ما بداخلها. الحقيقة أنا أكذب! كنت أنظر في أدراجها الخاصة، لكني كنت أشعر بعد ذلك بالذنب، وأرتعب من فكرة أنها قد تعلم بما فعلته. كانت السيدة بيبلز تلبس بعضًا من الملابس المعلقة في خزانتها طيلة الوقت؛ لدرجة أني اعتدت رؤيتها بها، والبعض الآخر لم تلبسه قط وأصبح منسيًّا في خلفية الخزانة. خاب أملي حين لم أجد فستان الزفاف؛ لكن كان هناك فستان طويل، لم أستطِع رؤيته كاملًا، فلم أرَ منه سوى تنورته، وكنت أتوق دائمًا لرؤيته كاملًا. والآن عرفت أين هو معلَّق، فأخرجته من الخزانة؛ كان من الساتان، ذا وزن معقول، ناعم الملمس، لونه أخضر مزرق، ذا طبقة لامعة. وكان وسطه مضبوطًا تمامًا ومفصلًا بدقة، وله تنورة طويلة، وله غطاء يتدلى على الكتفين ليخفي أكمامه القصيرة. لم أجد صعوبة فيما فعلتُهُ بعد ذلك؛ خلعت ملابسي ثم تركته ينزلق على جسمي. كنت آنذاك وأنا في الخامسة عشرة أنحف مما يتخيَّل مَن يعرفني الآن، وكان الفستان مناسبًا لي على نحو بديع. كان الفستان يحتاج لصدرية بدون حمالات، لكن بالطبع لم أكن أمتلك واحدة؛ لذا أخفيت حمالات صدريتي تحت الفستان. بعدها بدأتُ في تثبيت شعري بدبابيس الشعر، لتبدو الصورة متكاملة. وأخذتْ كل خطوة تجرني إلى أخرى؛ وضعت أحمر الخدود وأحمر الشفاه واستخدمت محدِّد العيون من تسريحتها. وبينما أضع الرتوش الأخيرة شعرت بالعطش؛ فثقل الساتان، وإحساسي بالإثارة لما أفعله جعلني أشعر بالعطش، فذهبت بالفستان إلى المطبخ لأحضر من الثلاجة كأسًا من شراب الزنجبيل مع مكعبات الثلج. طوال اليوم يشرب آل بيبلز ذلك الشراب أو مشروبات الفاكهة مثل الماء، وبطبيعة الحال اعتدت على ذلك أيضًا! كان الثلج موجودًا بكثرة، وكنت أنا مولعة بوضعه على أي شيء حتى كوب الحليب! حينما التفتُّ لإعادة مكعبات الثلج مكانها، رأيت رجلًا يراقبني من خلال الباب السلكي. من حسن حظي أني لم أسكب شراب الزنجبيل من فرط المفاجأة. «لم أقصد إخافتك، لقد طرقتُ الباب، ولكنك كنتِ تُخرجين مكعبات الثلج ولم تسمعيني.» لم أستطِع رؤيته جيدًا؛ فكان يبدو كالشبح كهيئة أي شخص يقف أمام الباب ومن خلفه ضوء النهار المبهر. كل ما استطعتُ إدراكه أنه ليس من أهل المنطقة. «أنا كريس واترز، قادم من تلك الطائرة هناك، وكنت أتساءل إن كان بإمكاني استخدام تلك المضخة.» اعتاد الناس في ذلك الوقت استخدام المضخات للحصول على الماء، وكانت مضخة المنزل موجودة في الفناء، ولاحظت حينها أنه يحمل دلوًا. قلت: «على الرحب والسعة! يمكنني أن أملأ لك الدلو من الحنفية، وأوفر عليك عناء الضخ.» أعتقد أني قلت ذلك فقط لأعلمه أننا نستخدم الحنفية ولا نضخ الماء بأنفسنا. «لا مانع من ممارسة بعض التمارين.» ومع ذلك لم يتحرك من مكانه، بل أردف في النهاية: «هل أنت ذاهبة لحفل راقص؟» كنت قد نسيت تمامًا ماذا كنت أرتدي من فرط مفاجأتي برؤية هذا الغريب. «أم هذه هي الملابس التي تعتاد السيدات في هذه البلدة ارتداءها وقت العصر؟» لم أستطِع ممازحته؛ فقد كنت محرجة جدًّا. «هل تقيمين هنا؟ هل أنت سيدة هذا المنزل؟» «أنا الخادمة.» تتغير نظرة بعض الناس لي عندما يعرفون ذلك ويتغير أسلوب كلامهم تمامًا، لكنه لم يفعل ذلك. «حسنًا، فقط أردت أن أقول كم تبدين لطيفة، لقد انبهرت عندما نظرت عبر الباب ورأيتك؛ لأنك بحق لطيفة وجميلة.» آنذاك لم أكن ناضجة بعد بقدر يجعلني أعي ما معنى أن يقول رجل لامرأة إنها «جميلة»، ولم أكُن ناضجة بعد بقدر يمكنني من الرد عليه، أو في الواقع بقدر يمكنني من أي شيء إلا أن أتمنى في تلك اللحظة أن يتلاشى تمامًا، ليس لأنه لم يعجبني، ولكن بسبب شعوري بالبلاهة وهو ينظر إليَّ وأنا أقف أمامه أفكر في أي كلمة لأقولها. ويبدو أنه أدرك ذلك؛ فحياني، وشكرني، ثم ذهب ليملأ الدلو من المضخة. وقفت أنا لأراقبه من وراء ستائر حجرة الطعام البندقية. وعندما رحل، عدت إلى غرفة النوم وخلعت الفستان ووضعته مكانه، وارتديت ملابسي، ونزعت الدبابيس من شعري وأعدته كما كان، وغسلت وجهي لإزالة ما عليه، ومسحته جيدًا بمنديل ورقي، ثم ألقيت المنديل في سلة المهملات. ••• عندما عاد آل بيبلز سألوني عن ذلك الرجل؛ كيف كان شكله؟ شاب أم في منتصف العمر؟ قصير أم طويل؟ ولم أكُن أنبس ببنت شفة. قال الدكتور بيبلز مغيظًا لي: «هل هو وسيم؟» لم يستطِع عقلي التفكير في أي شيء إلا أنه من الممكن أن يعود ليملأ دلوه مرة أخرى، وحينها سيتجاذب أطراف الحديث مع الدكتور بيبلز والسيدة بيبلز، ومن الممكن أن تتكوَّن صداقة بينهم، ويذكر لهما أنه رآني بذلك الفستان وقت العصر. لِمَ لا؟ من الممكن أن يعتقد أنها مزحة لطيفة، ولا يعلم ما الذي سأجنيه أنا من مشكلات جراء ذلك. بعد العشاء ذهب السيد والسيدة بيبلز بالسيارة إلى السينما، حيث أرادت السيدة بيبلز الذهاب لأي مكان لتستمتع بشعرها المصفف اليوم، في حين جلست أنا بالمطبخ المضيء أفكر ماذا أفعل، وأعلم جيدًا أنه لن يغمض لي جفن. إذا علمت السيدة بيبلز بهذا الأمر فقد لا تطردني، ولكنَّ نظرتها لي وطريقة معاملتها لي ستتغير تمامًا؛ فمع أن هذا المكان هو أول مكان أعمل به، لكني استطعت معرفة كيف يشعر الناس حيال مَن يعملون لديهم؛ فهم يحبون ألا يجدوك فضوليًّا، فليس الأمر أن تكون أمينًا وحسب، فهذا لا يكفي، فهم يحبون الشعور بأنك لا تلحظ ما يدور حولك، وألا تفكر أو تسأل في شيء إلا عن رغبة أهل البيت في طعام اليوم، وكيف يريدون الملابس مكوية، وما إلى ذلك. لا أعني بذلك أنهم لم يعاملوني جيدًا؛ بالعكس؛ فقد كنت أتناول طعامي معهم على نفس المائدة، (وللأمانة توقعت ذلك، فلم أكُن أعرف أن ثمة عائلات لا تفعل ذلك)، بل وكانوا في بعض الأحيان يصطحبونني بالسيارة؛ ولكن هذا لا يغير من الأمر شيئًا. ذهبت للتأكد من أن الطفلَيْن نائمان، ثم خرجت. يجب أن أفعلها. عبرت الطريق، ودلفت عبر بوابة أرض المعارض القديمة. بدت الطائرة غير مألوفة وهي قابعة هناك وهي تلمع تحت ضوء القمر. وبعيدًا عند الجانب الأقصى من الساحة حيث تكثر الشجيرات رأيت خيمته. كان يجلس خارجها ويدخن سيجارة. رآني مقدمة عليه. «مرحبًا، هل تودين الركوب في رحلة بالطائرة الآن؟ أنا لن أبدأ الرحلات قبل الغد.» نظر لي مرة أخرى متفحصًا وقال: «أوه، هذا أنت، لم أعرفك بدون الفستان الطويل.» كان قلبي ينبض بشدة لدرجة أني شعرت أنه سيقفز خارج صدري. حاولت الحديث، لكن لساني كان متيبسًا، وحلقي مغلقًا تمامًا، فلم أستطِع أن أنبس ببنت شفة. «هل أردتِ ركوب الطائرة؟ تفضلي بالجلوس، هاكِ سيجارة.» لم أستطِع حتى أن أهز رأسي لأقول لا؛ فأعطاني واحدة، وأردف قائلًا: «ضعيها في فمك، أو يمكنني إشعالها لك، من الجيد أني معتاد على التعامل مع السيدات الخجولات.» وضعتها بفمي، في الواقع لم تكن هذه السيجارة الأولى التي أدخِّنها؛ فلقد اعتدت أنا وصديقتي ماريل لوير التدخين حينما كانت تسرقها من أخيها. «انظري ليديك، إنهما ترتعشان، هل أتيت لمجرد الحديث أم أن هنالك شيئًا آخر؟» انفجرتُ دفعة واحدة، قائلة: «أتمنى ألا تقول لأحدٍ إنك رأيتني بذلك الفستان.» «أي فستان، آه، ذاك الفستان الطويل.» «إنه يخص السيدة بيبلز.» «مَن؟ آه، السيدة التي تعملين لديها؟ هكذا إذن! انتهزتِ فرصة عدم وجودها بالمنزل ولبستِ فستانها، صحيح؟ لبستِه ولعبتِ دور الملكة. لا ألومك على هذا أبدًا. أنت لا تدخنين هذه السيجارة بطريقة صحيحة، لا تنفثي الدخان بسرعة، بل اسحبيه ببطء. ألم يعلِّمكِ أحدٌ من قبل كيف تدخنين؟ أنت خائفة من أن أَشِي بك؟ أليس كذلك؟» كنت خجلى عندما ذهبت لأسأله التستر على ما فعلت، ولم أستطِع حتى هزَّ رأسي بالإيجاب، فقط نظرت إليه وفهم أني أقول نعم. «حسنًا، لن أفعل ذلك، لن أقول أي شيء من الممكن أن يحرجك لأي سبب من الأسباب، هذه كلمة شرف.» لم أستطِع حتى قول شكرًا لك، فغيَّر الموضوع تمامًا لمساعدتي في التغلب على إحراجي. «ما رأيكِ بهذه اللافتة؟» كانت لافتة خشبية موجودة تحت قدمي ومكتوب عليها: شاهد العالم من السماء بصحبة طيار ممتاز، التذكرة بدولار للبالغين، وخمسين سنتًا للأطفال. «تلك اللافتة القديمة أصبحت مملة جدًّا، أعتقد أنه يتعين عليَّ كتابة واحدة جديدة، وهذا ما أمضيت فيه يومي.» لم تكن اللافتة مخطوطة بطريقة جيدة بالمرة، كنت سأصنع أفضل منها في نصف ساعة. «لم أكن يومًا خبيرًا بكتابة اللافتات.» قلت: «إنها جيدة جدًّا.» «إني لا أحتاجها للدعاية، فالإعلان شفاهة كافٍ عادة؛ لدرجة أني قمت برحلتين اليوم، ولم أَعُد أبذل جهدًا كبيرًا في الدعاية. لكني لم أعلم أن السيدات سيأتين لزيارتي.» تذكَّرتُ الطفلين، فشعرت بالرعب مرة أخرى خوفًا من أن يستيقظ أحدهما وأنا بالخارج. «هل أنتِ مضطرة للمغادرة بهذه السرعة؟» تذكَّرت أن أتحلى ببعض الخلق، فقلت: «شكرًا على السيجارة.» «لا تنسَي، لقد أعطيتُك كلمة شرف.» نهبت الطريق نهبًا، وارتعتُ من فكرة أن أرى السيارة متجهة إلى المنزل. واختلط إحساسي بالوقت ولم أعرف كم أمضيت في الخارج. عندما وصلت أدركت أن كل شيء على ما يرام، فلم يتأخَّر الوقت بعدُ، وما زال الأطفال نائمين. استلقيتُ على السرير، وأخذت أفكِّر في أحداث اليوم، وشكرت الله أن اليوم انتهى على ما يرام بعد كل ما حدث، وأهم ما شكرت الله عليه هو أن لوريتا بيرد لم تكن الشخص الذي رآني بالفستان. ••• في اليوم التالي كان الزحام كثيفًا حول المنزل، بيد أنه لم يصل إلى حد أن يطأ الناس فناء المنزل أو حدوده الخارجية. كانت اللافتة معلقة على بوابة الساحة. أتى أغلب الناس بعد العشاء للذهاب في تلك الرحلة، لكن أتى عدد لا بأس به وقت العصر أيضًا. أتى أبناء آل بيرد دون نقود التذاكر وتعلَّقوا بالبوابة. اعتدنا على إثارة إقلاع الطائرة وهبوطها، فلم يَعُد الأمر مثيرًا كما كان. لم أذهب إلى هناك مجددًا، بعد تلك المرة الأولى، لكني كنت أراه عندما يأتي ليملأ الماء. وقتها أكون جالسة على الدرج وأعمل بما لا يحتاج مني الوقوف، كإعداد الخضراوات، إن تمكنت من ذلك. «لماذا لا تأتين لركوب الطائرة؟ سآخذك معي في رحلة.» قلت له: «أنا أدَّخر المال»؛ لأني لم أجد شيئًا آخر أجيبه به. «لماذا؟ للزواج؟» هززت رأسي نفيًا. «سآخذك مجانًا إذا أتيتِ في وقت يقلُّ فيه وجود الركاب، أعتقد أنك ستأتين، ولن تمانعي أخذ سيجارة أخرى؟» رسمتُ على وجهي تعبيرًا صارمًا لأسكته، فلا يمكنني أن أحزر متى سيتسلل الأطفال هنا خفية من الشرفة، أو أن تسمع السيدة بيبلز ذلك بنفسها؛ حيث تأتي أحيانًا لتتحدث معه قليلًا، وكان يخبرها بأشياء لا يخبرني بها، لكني لم يخطر ببالي أن أسأله عنها؛ فقد قال لها إنه خَبِرَ الحرب وتعلَّم آنذاك قيادة الطائرات، ومن حينها لم يستطِع العيش بطريقة طبيعية؛ فهو يعشق الطيران في الجو. قالت إنها لا تتخيل أن هناك من يحب أن يعيش بهذه الطريقة، مع أنها صرحت له أن شعورها بالملل هنا من الممكن أن يدفعها لتجربة شيء كهذا، فهي لم تولد للعيش في الريف، إنها فكرة زوجها على حد تعبيرها. لم أكن أعرف هذا الأمر من قبل. قالت له: «ربما عليك أن تعطي دروس الطيران.» «أتريدين أن أعلمك؟» اكتفت بالضحك دون الرد. ••• كان يوم الأحد مليئًا بالرحلات؛ مع أن عظتين بالكنيسة نهتا عن ذلك. كنا جميعًا نجلس بالخارج لنشاهد الطائرة، يقف كلٌّ من هيذر وجووي على السور مع أبناء آل بيرد؛ حيث سمح لهما أبوهما بالذهاب بعدما ظلت أمهما رافضة طوال الأسبوع. في ذلك الحين جاءت سيارة وتجاوزت السيارات المتوقفة، وتوقفت بالطريق الصغير المؤدي إلى المنزل. ترجلت لوريتا بيرد من السيارة، وعليها تبدو أمارات الأهمية، في حين خرجت من وراء عجلة القيادة سيدة أخرى ترتدي نظارة شمسية. تحركت برزانة عن لوريتا بيرد. قالت لوريتا: «هذه السيدة تبحث عن قائد الطائرة؛ لقد سمعتها تسأل عنه في مقهى الفندق عندما كنت أشرب زجاجة من شراب الكولا؛ لذا أتيت بها إلى هنا.» قالت السيدة: «آسفة على الإزعاج، أنا أليس كيلينج، خطيبة السيد واترز.» كانت تلك المدعوة أليس ترتدي بنطلونًا واسعًا منقوشًا بمربعات بيضاء وبنية، وبلوزة صفراء. بدا صدرها لي متهدلًا يتقافز مع حركتها. ترك القلق آثاره على وجهها، وشعرها مموج، إلا أن أثر التموج بدأ يزول، وكانت تضع عصابة صفراء لتبقي ما تدلى منه بعيدًا عن وجهها. لا شيء مطلقًا يبدو جميلًا بها أو حتى يجعلها تبدو صغيرة السن، لكن يستطيع المرء — من خلال أسلوبها في الحديث — إدراك أنها من المدينة، أو متعلمة، أو كلاهما. وقف الدكتور بيبلز، وقدم نفسه وزوجته وعرفها بي، ثم دعاها إلى الجلوس، وقال: «إنه الآن يحلق في الهواء، لكن بإمكانك الجلوس وانتظاره، فهو يأتي ليضخ الماء الذي يحتاجه من هنا، وهو لم يأتِ بعدُ؛ وعادةً ما يأخذ استراحته في الساعة الخامسة.» قطَّبت أليس كيلينج جبينها بينما تنعم النظر إلى السماء، ثم قالت: «هذا هو إذن؟» قال الدكتور بيبلز ضاحكًا: «هو لم يعتَدِ الهرب منك مستعيرًا اسمًا جديدًا؟» كان الدكتور بيبلز مَن قام بضيافتها — وليس زوجته — وعرض عليها شرب الشاي المثلج، أما السيدة بيبلز فقد أمرتني بإعداد الشاي المثلج مكتفية بابتسامة. كانت تضع نظارة شمسية هي الأخرى. قالت: «لم يذكر السيد واترز أن له خطيبة.» من الجدير بالذكر أن الدكتور بيبلز كان لا يقرب الخمر، على الأقل هنا في المنزل؛ وإلا لما سُمح لي بالعمل هنا طيلة هذه الفترة. كنت أحب تجهيز الشاي المثلج وأضع له الكثير من الثلج مع شرائح الليمون في الأكواب الطويلة، وكان يتعيَّن عليَّ تحضير كوب آخر للوريتا بيرد مع أن ذلك عكَّر صفوي، عندما أتيتُ بالشاي وجدتها قد جلست على كرسيَّ، تاركة درجات السلم لي للجلوس عليها. «لقد علمتُ من أول نظرة لك في المقهى أنك ممرضة.» «كيف عرفتِ شيئًا كهذا؟» «أستطيع معرفة الناس بالحاسة السادسة، هل قابلتِ السيد واترز من خلال عملك، أثناء تمريضه؟» «كريس؟ نعم، نعم، إنه كذلك.» قالت السيدة بيبلز: «أوه، أكان هذا وأنتم خارج البلاد؟» «كلا؛ فقد كان ذلك قبل أن يسافر، كنا لا نزال في زمن الحرب، وكان هو مرابطًا في سنتريليا عندما انفجرت زائدته الدودية؛ حينها كنت أنا من أمرِّضه. تقدَّم لخطبتي في ذلك الحين، وسافر بعد ذلك خارج البلاد. يا إلهي، كم هو منعش ذلك المشروب بعد قيادة تلك المسافة الطويلة.» قال الدكتور بيبلز: «سيُسَرُّ بالطبع لوجودك، لكنها حياة صاخبة تلك؛ أن يتنقَّل المرء من مكان لآخر دون الاستقرار في مكان وتكوين صداقات.» سألتها لوريتا بيرد: «هل أنتما مخطوبان منذ فترة طويلة؟» أكملت أليس كيلينج حديثها كأن لم تسمعها، قائلة: «كنت أنوي المكوث في الفندق، لكن عندما قادني البحث عن كريس إلى هنا أتيت مباشرة، هل لي أن أحادثهم بالهاتف؟» أجاب الدكتور بيبلز: «لا داعي لذلك، ستكونين على بعد خمسة أميال عن السيد واترز إن مكثتِ بذلك الفندق، أما هنا فما عليك إلا قطع الطريق. بإمكانك المكوث معنا، البيت كبير ويسع الجميع.» بالقطع إن دعوة الناس للمكوث بهذه الطريقة هي عادة أهل القرى، ويبدو أنها أصبحت مألوفة للدكتور بيبلز الآن، لكن ليس للسيدة بيبلز؛ إذ بدا ذلك جليًّا من الطريقة التي قالت بها: «نعم، لدينا العديد من الغرف.» ويبدو أنه لم يكن مألوفًا لأليس كيلينج أيضًا التي لم تنفك تعترض، وفي النهاية أعياها الاعتراض. انتابني شعور أن ذلك كان إغراء لها، لتكون بذلك القرب من كريس. وبينما كانوا يتحدثون، كنت أحاول أنا اختلاس النظر إلى خاتم الخطبة بيدها، كانت تضع طلاء أحمر على أظافرها، وكانت أصابعها مجعدة وبها نمش، وكان حجر الخاتم صغيرًا جدًّا. لقد رأيت خاتم ابنة عم صديقتي موريل لو، وكان يكبره بمرتين. أتى كريس آخر النهار ليملأ الماء، في نفس الوقت الذي توقَّعه الدكتور بيبلز بالضبط، ولا بد أنه علم بوجودها حين رأى سيارتها بالخارج فأقبل مبتسمًا. قالت له أليس كيلينج: «ها أنا أقوم بملاحقتك لأرى ماذا ستفعل!» نهضت من جلستها وأقبلت عليه لتقبِّله قبلة خاطفة أمامنا جميعًا. قال لها كريس: «بهذه الطريقة ستنفقين كل ما لديك على البنزين.» دعاه الدكتور بيبلز إلى العشاء، بعد أن علَّق كريس اللافتة المكتوب عليها «لا رحلات حتى الساعة السابعة.» وطلبت مني السيدة بيبلز أن أقدم العشاء في الفناء، بالرغم من وجود حشرات هناك. كان تناول الطعام بالخارج أمرًا لم يألفه أهل الريف. كنت قد أعددت سلطة البطاطس مسبقًا، وأعدَّت السيدة بيبلز سلطة الجيلي، أحد الأطعمة التي تستطيع إعدادها؛ لذا لم نقدِّم سوى هذين الصنفين مع شرائح اللحم والخيار وأوراق الخس الطازجة. أخذت لوريتا بيرد تتسكَّع قليلًا قائلة: «حسنًا، أعتقد أنني يجب أن أعود أدراجي إلى هؤلاء البؤساء، مع أن الجلسة معكم لطيفة ولا أريد القيام من مجلسي.» ومع ذلك لم يدعُها أحدٌ للمكوث، وهو ما سرَّني، وأخيرًا اضطرت إلى الرحيل. في تلك الليلة خرج كريس وأليس معًا بالسيارة إلى مكان ما بعد انتهائه من الرحلات الجوية. أما أنا فاستلقيت على السرير دون أن يغمض لي جفن حتى عادَا. عندما رأيت أنوار السيارة تضيء سقف غرفتي، قمت لأشاهدهما من النافذة مختبئة وراء الستار، لا أعلم تحديدًا ما الذي دفعني فضولي لرؤيته. عندما كنت أذهب إلى موريل لو ببيتها اعتدنا معًا النوم بشرفة المنزل الأمامية لنتمكن من رؤية أختها وصديقها وهو يودعها. بعدها لا نستطيع النوم، بل نجلس معًا وكلٌّ منا مشتاقة لشخص يقبِّلها ويداعبها، ونسترسل في الحديث سارحَيْن بخيالنا أن الواحدة منا على قارب مع صبي ولن يعيدها إلى الشاطئ حتى تمارس الحب معه، أو أن أحدهم يوقع بها في الحظيرة، وحينها لن يكون خطأها، بل ستكون مضطرة. وكانت تحكي موريل لي أن إحدى بنات عمها تمثل دور الصبي بينما تمثل الأخرى دور محبوبته. بالطبع لن نفعل شيئًا كهذا؛ فأقصى ما نفعله هو الاستلقاء وترك العنان لخيالنا يسرح بعيدًا. كل ما حدث عندما نظرتُ من الشباك أن كليهما خرجا من السيارة باتجاه مختلف، حيث اتجه كريس ناحية الساحة، في حين اتجهت هي إلى المنزل. عدت إلى السرير وتخيلتُني أعود معه من مكان ما، وبالطبع لم نفترق هكذا. في صباح اليوم التالي استيقظت أليس كيلينج متأخرة، وذهبتُ أنا لتحضير كوب من الجريب فروت لها كما علَّمتني السيدة بيبلز، التي كانت بدورها تجلس لضيافة أليس واحتساء كوب آخر من القهوة. كانت السيدة بيبلز تبدو سعيدة بوجود رفقة معها. قالت أليس كيلينج إنها تعتقد أنه من الأفضل أن يفعلا شيئًا آخر غير الجلوس فقط والفرجة على كريس يهبط بالطائرة ويعلو بها، وأجابتها السيدة بيبلز أنها لم تقترح شيئًا لأنها لا تملك السيارة الآن والبحيرة تبعد قرابة خمسة وعشرين ميلًا، وكان اليوم مناسبًا جدًّا للنزهة. أعجبت أليس كيلينج تلك الفكرة، وعندما دقَّت الساعة الحادية عشرة كانتا بالسيارة، مصطحبَيْن جووي وهيذر، وكنت قد صنعت لهم بعض الفطائر للغداء. لكن لم يكن كريس قد هبط بالطائرة بعدُ لتبلغه إلى أين هم ذاهبون. فقالت السيدة بيبلز: «ستذهب إيدي له وتخبره. لا مشكلة.» قطَّبت أليس كيلينج جبينها قليلًا، ثم وافقت قائلة لي: «تأكدي من إبلاغه، سنعود قبل الساعة الخامسة!» لم أعتقد أن شيئًا كهذا من الممكن أن يكون مهمًّا له أن يعرفه، فقط شرعتُ أفكر أنه ربما الآن يأكل شيئًا يطبخه لنفسه على الموقد الصغير، وحيدًا؛ لذا قررت أن أصنع له كعكة مخبوزة، أثناء إنجازي لباقي الأعمال المطلوبة. عندما بردت الكعكة قليلًا غطيتها بمنشفة. لم أفعل شيئًا بنفسي إلا أني خلعت مريلة المطبخ ومشطت شعري. كنت أحب أن أضع بعضًا من مساحيق التجميل، ولكني تراجعت، خوفًا من أن يتذكَّر أول مرة رآني بها، الأمر الذي سيحطُّ منِّي مرة أخرى. عندما عاد تلك المرة وضع لافتة مختلفة مكتوب عليها: «معذرة، لا رحلات هذا المساء.» شعرت بالقلق من أن يكون متعبًا؛ لم يكن هناك أثر له، وكان غطاء الخيمة مسدلًا، فطرقت عمود الخيمة. «تفضَّل بالدخول.» قالها بطريقة كمن يقول «ابقَ بالخارج». رفعت الغطاء. «أوه، إنه أنتِ، آسف، لم أكن أعرف.» لم يكن يفعل شيئًا سوى الجلوس بجانب السرير والتدخين. لماذا لا يخرج ليدخِّن في الهواء الطلق؟ قلت له: «لقد أعددتُ لك كعكة، وآمل ألا تكون مريضًا.» «مريض! لماذا؟ آه، إنها اللافتة بالخارج. لا عليكِ، فقط أعياني الحديث مع الناس، لا أقصدكِ أنت، تفضلي بالجلوس.» ثم رفع غطاء الخيمة قائلًا: «لندَعْ بعض الهواء النقي يدخل ها هنا.» جلستُ على حافة السرير، فلم يكن هناك مكان آخر غيره، كان من نوعية السرائر الخفيفة النقَّالة، ثم تذكَّرت، وأخبرته برسالة خطيبته. أكل بعضًا من الكعكة وقال: «إنها لذيذة.» «احتفظ بالباقي لتأكله عندما تجوع ثانية.» «سأخبرك بسِرٍّ، أنا لن أبقى هنا طويلًا.» «ستتزوج؟» «ها ها. متى قلتِ إنهم سيعودون؟» «الساعة الخامسة.» «حسنًا، عندما تحين تلك الساعة سأكون قد غادرت، فالطائرة أسرع من السيارة.» أكل قطعة أخرى من الكعكة وهو شارد الذهن. «لا بد أنك الآن عطشان.» «هناك بعض الماء في الدلو.» «لن يكون باردًا، أستطيع أن أحضر لك بعضًا آخر، وأُحضر مكعبات الثلج معه.» فقال: «كلا، لا أريدك أن تذهبي، أريد أن أقضي معك وقتًا لطيفًا طويلًا لأودِّعك.» أعاد الكعكة مكانها بحرص ثم جلس بجواري وشرع في تلك القبلات الصغيرة الرقيقة للغاية، لا يمكنني مطلقًا أن أنساها، كانت الرقة بادية على وجهه، وفي قبلاته الحلوة التي تنصبُّ على رموشي وعنقي وأذنيَّ، كلها، ثم بادلتُهُ أنا أيضًا التقبيل قدر استطاعتي (لم يسبق لي أن قبَّلت صبيًّا من قبل سوى مرة واحدة لأثبت أني قادرة على ذلك؛ وقبَّلت يدي مرة من أجل التمرين). بعدها رقدنا على السرير وتضاغطنا معًا، ولكن برفق، وفعل هو أشياء أخرى، ليست سيئة ولا بطريقة سيئة. كان الأمر رائعًا بالخيمة ونحن نشتمُّ رائحة العشب ورائحة قماش الخيمة التي تلفحها شمس النهار بلهيبها، ثم قال بحنان: «ما كنتُ لأُلحِق بك ضررًا من أي نوع.» وما إن اعتلاني وصرنا نهتز معًا فوق السرير، حتى قال برقة: «أوه، كلا.» وحرَّر نفسه وقفز مبتعدًا نحو دلو الماء، رشَّ بعضه على رقبته ووجهه، ورش الباقي عليَّ وأنا راقدة هناك. «هذا لكي نهدأ قليلًا يا آنستي.» عندما حانت لحظة الوداع لم أكن حزينة؛ حيث أمسك وجهي بين يديه قائلًا: «سأكتب لك خطابًا لأعلمك مكاني، ويمكنك أن تأتي لتريني، ألا تحبين ذلك؟ حسنًا، انتظري الخطاب.» كنت جد سعيدة حتى في لحظة الوداع، كان الأمر كأنه يغمرني بهدايا لن أشعر بسعادتي بها إلا وحدي. ••• لم يلحظ أحدٌ اختفاء الطائرة من الوهلة الأولى؛ فقد ظنوا أنه ربما يكون محلقًا بشخص ما، وبدوري لم أَقُل شيئًا. اتصل الدكتور بيبلز وأخبرنا أن هناك بعض الأمور التي تُحتِّم ذهابه للقرية؛ لذا لن يتبقى سوانا للعشاء، ثم أتت لوريتا بيرد وأقحمت رأسها بالباب قائلة: «أعتقد أنه رحل.» صاحت أليس كيلينج وهي تدفع كرسيها للخلف: «ماذا؟» «قال لي الأولاد إنهم رأوه آخر النهار وهو يحل خيمته، أتعتقدين أنه سيذهب إلى العمل في الأنحاء المجاورة؟ إنه لن يرحل دون إخبارك، أليس كذلك؟» قالت أليس كيلينج بنبرة متوترة: «سيرسل لي لإخباري، من المحتمل أن يتصل الليلة، إنه غير مستقر أبدًا منذ تلك الحرب.» سألتني السيدة بيبلز: «إيدي، ألم يَقُل لكِ ذلك، هل قال؟ عندما أبلغك الرسالة؟» أجبتها محاولة اصطناع الصراحة إلى أقصى حد: «نعم.» تحولت الأنظار جميعها نحوي وسألتني السيدة بيبلز: «لماذا لم تذكري هذا من قبل؟ أقال إلى أين هو ذاهب؟» «قال إنه من الممكن أن يجرب حظه في بايفيلد.» لا أعلم ما الذي جعلني أحيك تلك الكذبة؛ فلم أكُن أنتوي ذلك. قالت أليس كيلينج: «بايفيلد، كم تبعد عن هنا؟» أجابت السيدة بيبلز: «حوالي ثلاثين أو خمسة وثلاثين ميلًا.» «إنها ليست بعيدة، أوه، حسنًا، إنها ليست بعيدة على الإطلاق، تقع عند البحيرة، أليس كذلك؟» قد تعتقدون أنني سأخجل من نفسي لأنني ضللتها، لكني فعلت ذلك لأمنحه مزيدًا من الوقت. لقد كذبت لأغطي عليه، ويجب أن أعترف أنني كذبت لأغطي على نفسي أيضًا. أدركت الآن أن المرأة يجب أن تقف بجوار المرأة، ولا تفعل مثلما فعلت، ولكني لم أدرك ذلك حينها. لم أكن لأتخيل نفسي في هذا الموقف مثلها، أو أن أقع يومًا ما في مأزق من هذا النوع. لم ترفع أليس كيلينج عينها من عليَّ، أعتقد أنها تشك بأني أكذب. فسألتني: «متى ذكر لك ذلك؟» «صباحًا.» «هل كنتما على متن الطائرة؟» «نعم.» اتجهت نحوي مبتسمة، ولكن ليست ابتسامة لطيفة، قائلة: «بالتأكيد تجاذبتما أطراف الحديث، وجلستِ معه بعض الوقت.» قلت لها: «لقد أخذت له كعكة.» اعتقادًا مني أني بذكري بعض الحقيقة لن أُضطر لسرد باقي الحقيقة. قالت السيدة بيبلز بحدة: «لم تكن لدينا كعكة.» «لقد خبزت واحدة.» قالت أليس كيلينج: «لقد كان هذا سخاءً منك.» وقالت لوريتا بيرد: «هل سمح لك أحدٌ بذلك؟ هؤلاء الخادمات، لا نعرف ماذا من الممكن أن تفعل الواحدة منهن بعد ذلك! إنهن لا يقصدن إيقاع تلك الأضرار، بل هن جاهلات.» تدخلت السيدة بيبلز، قائلة: «ليس موضوعنا الآن عن الكعك. إيدي، لم أكن أعلم أنك على معرفة جيدة بكريس.» لم أعرف ماذا أقول. قالت أليس كيلينج بصوت عالٍ: «أنا لست مندهشة؛ فقد عرفت أنها من تلك النوعية بمجرد أن رأيتها للمرة الأولى؛ إني أرى أمثالها الكثير بالمستشفى طوال الوقت.» نظرت لي بعنف وبتلك الابتسامة المصطنعة، واستطردت قائلة: «يأتي أولئك النسوة بأطفالهن، ونضطر إلى وضعهن في قسم خاص بالمستشفى بسبب الأمراض اللائي يحملنها، لسن إلا حثالة الأرياف، لا تتعدى الواحدة منهن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها. لا بد أن تروا الأطفال الذين يحملنهن.» تدخلت لوريتا بيرد قائلة: «يوجد واحدة من هؤلاء النسوة سيئات السمعة هنا في القرية، لديها طفل مرضه يجعل عينيه تنزَّان صديدًا.» قالت السيدة بيبلز: «لحظة من فضلكم، ما هذا الحديث يا إيدي؟ ما الذي حدث بينك وبين السيد واترز؟ هل أقمت معه علاقة حميمية؟» قلت: «نعم.» قلتها وأنا أتذكَّر ما حدث عندما استلقينا على السرير وتبادلنا القبل، أليست تلك حميمية؟ أنا لن أنكر ما حدث. سكت الجميع دقيقة وكأن على رءوسهم الطير، حتى لوريتا بيرد. ثم قالت السيدة بيبلز بهدوء محدِّثة أليس كيلينج: «حسنًا، أنا مندهشة، أعتقد أني بحاجة إلى سيجارة الآن، إنها المرة الأولى التي أرى منها مثل هذه الأفعال.» قالت أليس كيلينج وهي تحدِّق فيَّ ودموعها منهمرة: «أيتها العاهرة الصغيرة، عاهرة صغيرة، ألستِ كذلك؟ لقد عرفتُ ذلك بمجرد أن رأيتك. الرجال يحتقرون أمثالك. نال مبتغاه منك ومن ثم ألقى بكِ، ألا تعرفين ذلك؟ البنات أمثالك لا شيء، أنت لا شيء سوى متاع عام، أيتها القذرة الصغيرة!» قالت السيدة بيبلز: «يا إلهي!» قالت أليس كيلينج وهي تجهش بالبكاء: «قذرة، أيتها القذرة الصغيرة!» ازدردت لوريتا بيرد لعابها بسعادة لوجودها بذلك الموقف، وقالت لأليس كيلينج: «لا تحزني، كل الرجال صنف واحد.» قالت السيدة: «إيدي، أنا لا أزال مندهشة بشدة، لقد اعتقدت أن أبويك صارمان، أنت لا تودين إنجاب أطفال بهذه الطريقة، أليس كذلك؟» ما زلت خجلة مما تلا ذلك؛ حيث فقدت سيطرتي على نفسي وبدأت في النحيب كطفلة في السادسة من عمرها قائلة: «لن أنجب أطفالًا من فعل ذلك!» فقالت لوريتا بيرد: «أرأيتِ، بعضهن على هذه الدرجة من الجهل.» لكن السيدة بيبلز هبَّت من مكانها، وأمسكتني من ذراعي، وهزتني قائلة: «اهدئي، لا تفقدي عقلك هكذا، فقط اهدئي، وكُفِّي عن البكاء، دعيني أسألك؛ هل تعرفين معنى الحميمية؟ أجيبيني، ماذا تعتقدين المقصود بتلك الكلمة؟» صرخت قائلة: «التقبيل!» أفلتتني السيدة بيبلز من يديها قائلة: «أوه، إيدي، كُفِّي عن ذلك، لا تكوني حمقاء، لا بأس، هذا سوء تفاهم، الحميمية تعني أكثر من ذلك. أوه، كم كنتُ «مندهشة»!» قالت أليس كيلينج سريعًا: «إنها تحاول التمويه على فضيحتها الآن، نعم، إنها ليست غبية، لقد أدركت أنها في مأزق حقيقي.» فقالت السيدة بيبلز: «أنا أصدِّقها، يا له من مشهد مروع!» قامت أليس كيلينج قائلة: «حسنًا، هناك طريقة واحدة لمعرفة الحقيقة، فأنا بعد كل شيء ممرضة!» تنفست السيدة بيبلز بعمق وقالت: «كلا، كلا، اذهبي إلى غرفتك يا إيدي، أوقفوا هذه المهزلة، هذا مثير للاشمئزاز.» اتجهتُ إلى غرفتي، وبعد قليل، سمعت صوت السيارة، حاولت الكف عن البكاء، ممسكة نفسي في كل مرة تبدأ فيها نوبة بكاء. أخيرًا نجحت في السيطرة على نفسي واستلقيت على السرير مهدئة من روعي. أتت السيدة بيبلز ووقفت عند الباب. وقالت: «لقد رحلت، وتلك المرأة لوريتا أيضًا، بالطبع أصبحتِ تدركين أنه لم يكن مسموحًا لكِ بالاقتراب من هذا الرجل، وهذا هو سبب تلك المشكلة. أشعر بالصداع الآن. في أقرب فرصة تقوين فيها على النهوض؛ اغسلي وجهك بماء بارد، ومن ثم اتجهي مباشرة لغسيل الصحون، لن نتحدث في هذا الموضوع ثانية.» ••• وهذا ما حدث بالفعل. لم أكن أتصور حتى سنوات لاحقة فداحة المأزق الذي نجوت منه. لم تَعُد السيدة بيبلز لطيفة وودودة معي بعد ذلك، ولكنها لم تظلمني في شيء. إن قولي «إنها لم تَعُد لطيفة وودودة معي» وصفٌ غير دقيق لها؛ فهي لم تكن قط لطيفة وودودة. كل ما في الأمر أنها أصبحت مضطرة لأن تراني أمامها طوال الوقت، وكان هذا في حد ذاته يزعجها، قليلًا. وبالنسبة لي؛ فقد صرفت كل هذا من عقلي كأنه كابوس، وانصبَّت حياتي على انتظار الخِطاب. كان البريد يصل يوميًّا عدا يوم الأحد، في حدود الساعة الواحدة والنصف والثانية ظهرًا؛ وكان هذا الوقت مناسبًا جدًّا لي؛ حيث إنه ميعاد القيلولة للسيدة بيبلز. فأذهب لتنظيف المطبخ، ثم أذهب لأجلس على العشب بجوار صندوق البريد، كنت في قمة سعادتي، وأنا منتظرة، وتناسيت كل ما حدث: أليس كيلينج وبؤسها وكلامها الجارح، برود السيدة بيبلز معي، وإحراجي من احتمال إطلاع الدكتور بيبلز على ما حدث، وجه لوريتا بيرد وهي تثرثر بالحديث عن مشكلات الآخرين؛ تناسيتُ كل ذلك. كنت أبتسم دائمًا عندما يصل ساعي البريد، وأظل مبتسمة حتى بعدما أتحقق من البريد وأجد أن الخِطاب الذي أنتظره لم يَصِل اليوم. كان ساعي البريد من كارميكال، عرفت من وجهه؛ فكثير منهم كانوا يقطنون بجوارنا، ويتميز عدد كبير منهم بشفة عليا بارزة قليلًا (كان شابًّا خجولًا لكنه بشوش، يمكن لأي شخص سؤاله عن أي شيء)، فسألته عن اسمه وقلت له: «عرفتك من وجهك.» سُرَّ عندما سمع مني ذلك، ودائمًا ما كان يُسَرُّ عندما يراني، وبدأ في التخلص من خجله شيئًا فشيئًا، وكان دائمًا ما يصيح من شباك سيارته قائلًا لي: «ابتسامتك هي كل ما أنتظره طوال اليوم.» لم يخطر بذهني لحظة أن الخِطاب لن يصل، ولو حتى بعد طول انتظار؛ فقد كنت أوقن بأنه حتمًا سيصل، تمامًا كما أوقن بإشراق الشمس كل صباح. كنت أنام بنفس اليقين، وأستيقظ وكلِّي أمل بحدوث مرادي اليوم التالي، حتى بدأت نباتات الذهب في النمو حول صندوق البريد، وعاد الأطفال إلى المدرسة، وبدأت أوراق الشجر في التساقط، وكان عليَّ ارتداء كنزة وأنا أنتظر البريد. ذات يوم لم يصل إلى البريد سوى فاتورة الماء، قبضت عليها يدي وأنا أنظر باتجاه تلك الساحة، بدت نباتات الصقلاب والدبساسية في أوج تفتُّحها، معلنة حلول الخريف، حينما خطر على ذهني فكرة أن «الخطاب لن يصل أبدًا». كانت فكرة من المستحيل تصديقها. كلا، ليست مستحيلة. كلما تذكَّرت وجه كريس وهو يَعِدني بأنه سيراسلني، لم تكن فكرة مستحيلة، لكن عندما أنسى ذلك وأنظر لصندوق البريد، فارغًا، تبدو الفكرة حقيقة واضحة. مع ذلك واصلتُ انتظار البريد، لكن قلبي كان ممتلئًا بحزن وهمٍّ ثقيل، كنت أبتسم فقط لأجل ساعي البريد، فابتسامتي هي ما يهوِّن عليه يوم عمل شاقٍّ مع قدوم فصل الشتاء. حتى طرأ لي ذات يوم أن هناك نساء مثلي يفعلن ذلك بحياتهن؛ يُضِعن حياتهن رهن الانتظار. هناك نساء ما برحن ينتظرن وينتظرن بجانب صناديق البريد من أجل خطاب أو خطاب آخر. تخيلت نفسي مثل واحدة منهن، أنتظر وأنتظر، يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، حتى بدأ الشيب يدق رأسي. وهنا بدأت أفكر أنني يجب ألا أصير مثلهن؛ لذا توقفت عن انتظار البريد؛ إذا كانت هناك من النساء من ينتظرن كل ذلك، وهناك من لا وقت لديهن للانتظار، فأنا أعلم جيدًا مَن أود أن أكون. ومع أن النساء من النوع الثاني قد يفوتهن أشياء، لكن ذلك أفضل من انتظار السراب. فوجئت عندما اتصل ساعي البريد بمنزل آل بيبلز، وسأل عني، قال إنه افتقدني، وطلب مني الذهاب معه إلى جودريتش حيث يُعرَض هناك فيلم مشهور، نسيت اسمه الآن، فوافقت. ظللت أخرج معه عامين إلى أن طلبني للزواج، وتمت خطبتنا عامًا آخر أجهز فيه أشيائي، ثم تزوجنا. ودائمًا ما يحكي لأطفالنا كيف كنتُ أطارده بالجلوس بجانب صندوق البريد كل يوم، وكنت أكتفي أنا بالضحك وأدعه يكمل حكايته؛ لأنني أحب أن يعتقد الناس فيما يحبونه ويجعلهم سعداء. سر يؤرقني
المشي على الماء لا تزال هذه البقعة من البلدة مأهولة بالكثير من كبار السن، بالرغم من انتقال العديد منهم إلى البنايات الشاهقة على الجانب الآخر من المنتزه. وكان لدى السيد لوهيد عدد من الأصدقاء، أو إن شئنا الدقة، عدد من المعارف الذين كان يقابلهم يوميًّا أو نحوًا من ذلك في طريقه إلى وسط البلدة أو عند محطة الحافلات أو على كورنيش البحر. في بعض الأحيان كان يلعب معهم الورق في غرفهم أو شققهم. كان عضوًا في نادي البولينج وفي نادٍ كان يجلب أفلام الرحلات ويعرضها في قاعة بوسط البلدة خلال فصل الشتاء. وقد انضم لهذه الأندية ليس رغبة منه في الانفتاح الاجتماعي بقدر ما كان إجراءً احترازيًّا للتغلب على ميوله الطبيعية التي ظن أنها ربما تقوده إلى العزلة المفضية إلى نوع من الرهبنة. إبان سنوات عمله في الصيدلية تعلم كيف يجتاز كل أنواع المحادثات مع كل أنواع البشر، والمرور عبرها بدماثة خلق مع احتفاظه بأفكاره الخاصة لنفسه. وفعل الشيء نفسه مع زوجته. وكان هدفه من ذلك أن يعطي الناس ما يعتقدون أنهم يريدونه، فيما يحافظ هو على عزلته دون أن يقضَّ أحدهم عليه مضجعه. وباستثناء زوجته، لم يشك إلا قليل من الناس فيما كان يضمره. أما الآن وبعد أن كان غير مضطر لأن يعطي أي شخص أي شيء، بالطريقة اليومية العادية؛ فقد وضع نفسه في موقف يجعله مضطرًّا إلى ذلك من حين لآخر؛ إذ كان يؤمن بطريقة أو أخرى أن هذا خير له لا محالة. فلو تُرك الخيار بيده، من ذا الذي سيتحدث إليه؟ لن يكون أمامه سوى يوجين. وهذا من شأنه أن يمثل مصدر إزعاج ليوجين. على كورنيش البحر سمع السيد لوهيد للمرة الأولى عما يطرحه يوجين. «يقول إن بمقدوره المشي على الماء.» كان السيد لوهيد متأكدًا أن يوجين لم يَقُل شيئًا كهذا. «إنه يرى أن الأمر مرتبط كليةً بطريقة تفكيرك في وزن جسمك، وما من شيء لا يمكنك التحكم فيه إذا عزمت على ذلك. هذا ما يقوله.» كان هذا الحديث يدور بين السيد كليفورد والسيد موري الجالسَيْن على المقعد الحجري يلتقطان أنفاسهما. «العقل فوق المادة.» وجَّها الدعوة للسيد لوهيد للجلوس معهما، لكنه بقي واقفًا. كان طويلًا ورفيعًا، وإذا حافظ على وتيرة معقولة من سرعة الحديث لا تنقطع أنفاسه. قال لهما: «يتحدث يوجين كثيرًا عن هذا الشيء، ولكنه من باب التفكر وحسب.» لم يهتم لرأيهما في يوجين بالرغم من معرفته بأنه مبرَّر في جزء منه. واستطرد: «إنه ذكي جدًّا. إنه ليس معتوهًا أخرق.» «سيتعين علينا أن ننتظر إثباتًا لتحديد قرارنا حيال ذلك.» «واحد منا معتوه أخرق إما أنا أو هو، وإلا فهو يسوع المسيح.» قال لوهيد بحذر وبنبرة متوجسة: «أي إثبات تنتظران؟» «إنه ذاهب لإثبات المشي على الماء قبالة رصيف روس بوينت.» قال السيد لوهيد إنه واثق من أن يوجين كان يمزح، ولكن السيد كليفورد والسيد موري أكدا له أنها ليست مزحة، بل مسألة جدية (السيد كليفورد والسيد موري كانا يضحكان قليلًا ويهزان رأسيهما بمرح وهما يقولان إنها مسألة جدية، بينما كان السيد لوهيد مقطَّب الجبين ومتحفظًا وهو يقول إنها مزحة). كانوا في يوم الجمعة، والوقت المحدد صبيحة يوم الأحد، في تمام الساعة العاشرة حتى يتمكن بعض الناس من الذهاب إلى الكنيسة بعد انتهاء عرض المشي بالنجاح أو الفشل. ولكن، وكما شكَّ السيد لوهيد، فلا السيد كليفورد ولا السيد موري قد سمعا فعلًا بتلك الترتيبات التي يجري إعدادها، وإنما سمعا بها من شخص آخر؛ لقد سمع السيد موري عنها وهو يلعب الورق مع الأصدقاء، أما السيد كليفورد فسمع عنها في غرفة القراءة البريطانية الإسرائيلية. «الجميع يروِّجون للأمر في كل مكان.» قال السيد لوهيد باقتضاب: «حسنًا، ولعل حديثهم عن الأمر سيتوقف أيضًا عندئذٍ؛ لأن يوجين ليس بأحمق، أو على أي حال ليس بتلك الحماقة.» ثم استأنف المشي، وعاد إلى المنزل عبر طريق مختصر غير الذي اعتاد أن يسلكه. ••• طرق السيد لوهيد باب يوجين الذي كان في الجهة المقابلة من بابه عبر الردهة، فردَّ يوجين بصوت خفيض وإن حمل نبرة تحذيرية: «ادخل.» فتح السيد لوهيد الباب، فلفحت وجهه رياح باردة قادمة من المحيط مباشرة إلى نافذة يوجين التي كانت مفتوحة تمامًا. كان يوجين أمام النافذة، جالسًا على الأرضية الجرداء، عاقدًا ساقيه بطريقة تبدو غير طبيعية، قال بعد ذلك إنها طبيعية تمامًا بالنسبة له. لم يكن يرتدي سوى بنطلون من الجينز. تأمل السيد لوهيد نحول الجزء العلوي من جسم هذا الشاب ورقَّته. أي عمل يمكنه القيام به؟ وكم رطلًا يمكنه رفعه؟ يمكنه فعل كل تلك الحركات والالتواءات، وثني ومد جسمه في أشد الأوضاع إيلامًا، تلك الأوضاع التي كان يدَّعي أنها ممتعة، بالطبع. كان يفخر بذلك. قال يوجين: «اجلس، فأنا في سبيلي إلى الخروج.» قصد أنه في سبيله إلى الخروج من حالة التأمل التي ينهي بها تمارينه. في بعض الأحيان كان يجلس ويتأمل دون أن يكلف نفسه عناء غلق بابه. وحينما يمر أمامه السيد لوهيد، دائمًا ما كان يحوِّل عينيه بعيدًا حتى لا يرى التعبير المرتسم على وجه يوجين. سابح في عالم آخر! هل تلك هي الحالة التي يفترض أن يكون عليها؟ كان يبدو مشدوهًا ومروَّعًا في قرارة نفسه كما لو كان يشاهد شخصًا يمارس الحب. وقد حدث هذا أيضًا. ففي الطابق السفلي بالمنزل كان يعيش ثلاثة شبان، أسماؤهم: كالا وريكس وروفر. كان من الواضح أن اسم روفر قد أُطلق على سبيل المزاح على فتى نحيل وعليل الجسم في الثانية عشرة من عمره، وإن كان في بعض الأيام يبدو بوجه كهل في الخمسين من عمره. رآه السيد لوهيد نائمًا على سجاد الصالة، ككلب. لكن ريكس وكالا كانا اسمين غريبين أيضًا، يطلقان في العادة على حيوان وزهرة؛ فهل يُعقل أن يسميهم آباؤهم تلك الأسماء؟ فوجئ السيد لوهيد بوصولهم هنا دون آباء، دون أي خبرة بالمقاعد المرتفعة أو الدراجات ثلاثية العجلات أو العربات؛ بدوا وكأنهم نبتوا فجأة من جوف الأرض، ولا شك أن هذا كان ظنهم بأنفسهم. ذات يوم، دخل البيت فوجد باب شقة الدور السفلي مفتوحًا، ويبدو أن أحدهم قد خرج منه مهرولًا للتو. وفي مؤخرة الردهة — في مكان مكشوف منها وليس تحت السلم — وجد خيال شخصين متشابكين معًا. كانا ريكس وكالا. كانت الفتاة ترتدي تنورة طويلة كالعادة وبدت راقدة على أربع وهي تصرخ وتقاوم وكأنها دُفعت دفعًا. كانت التنورة ملقاة لأعلى على وجهها، لتجعلها شبه مقيدة ومكتوفة بملابسها. لم يَرَ السيد لوهيد أكثر من جزء صغير من مؤخرة الفتاة البضة التي سرعان ما كان جسم الفتى الذي يعتليها يغطيه. ولعل ملاحظته لوجود السيد لوهيد هو ما تسبب في أن تندَّ عنه آهة — تنمُّ عن المتعة الممزوجة بالدهشة — والوقوع إلى الأمام بحيث انبطح هو والفتاة أرضًا وقد انفضَّ اتصالهما في الوقت الحاضر؛ بيد أنهما راحا يضحكان معًا بطريقة بدت للسيد لوهيد ليست خالية من الحياء وحسب، بل ومشبعة بالسخرية أيضًا. كان من الواضح أنه الطرف الذي تُوجَّه له السخرية؛ نظرًا لأنه شهد جماعهما وصُدم لرؤيته. تمنى السيد لوهيد أن يخبرهما أنه لم يُصدم بذلك؛ فعندما كان صبيًّا يرتاد مدرسة كان يُطلق عليها «ستون سكول» بجادة فيفث لاين في كيلوب تاونشيب، كان واحدًا من جمهور المتفرجين الذين يدفعون أموالًا من أجل مشاهدة عرض أحد فتية آل بروير وأخته الصغرى. كان ذلك العرض يقام في مدخل مرحاض البنين، ذلك المكان الكريه. لم يكن الأمر محض محاكاة، وما من أحدٍ كان بحاجة إلى الاعتقاد بأنهما اخترعا هذا العمل. ولكن إن لم يكن مصدومًا، فبِمَ كان يشعر إذن؟ كان قلبه يخفق بشدة، وشعر بالدماء تحتقن بشدة في رأسه، مما اضطره إلى الجلوس في غرفته. أخذت ضحكاتهما تتناهى إلى مسامعه بعض الوقت. تخيل أعضاءهما المشعرة يحتك أحدها بالآخر بقوة تؤدي لتورمها مع صدور أصوات بفعل احتكاك جسميهما، تنتهي بالضحك. كالحيوانات. كلا، تراجع عن تلك الفكرة؛ فالحيوانات تمارس حياتها الجنسية بوقار ودون محاولة جذب الانتباه. قال ليوجين إن ما يعترض عليه في هذا الجيل هو أنهم لا يستطيعون فعل شيء دون استعراض؛ لا يستطيعون زرع جزرة دون أن يهنئوا أنفسهم عليها. على سبيل المثال، كان هناك متجر صغير في الطريق إلى وسط البلدة اعتاد زيارته؛ لأنه أحب منظر السلال المتراصة على طول الرصيف، مليئة بالخضراوات الممتلئة مع قليل من الطين الذي لا يزال عالقًا بها. ذكَّرته هذه الخضراوات بتلك التي كان يراها في المحلات عندما كان طفلًا، وفي قبو بيته. ولكن الشباب في المحل، بشعرهم الطويل الأشعث وعُصابات رءوسهم الهندية وأزيائهم المكونة من أردية مخططة وملابس تحتانية مثقوبة (هل كان ذلك سوى زي؟ ما من فلاح في كامل قواه العقلية، مهما كان فقره، يرضى أن يلبس شيئًا كهذا في المدينة)، ومناقشاتهم الساخنة حول أعمال البستنة والطعام؛ كل ذلك أزعجه كثيرًا، حتى إنه قرر الكفَّ عن الذهاب إليه. كانوا فخورين أكثر من اللازم بأنفسهم. ليسوا هم أول من خبز الخبز أو أول من زرع اللفت. كان الأمر مصطنعًا، بطريقة أو أخرى كان مصطنعًا على نحو يفوق محلات السوبر ماركت. قال يوجين بعقلانية: «أعتقد أنهم مملون أكثر من كونهم مصطنعين. مثل المسيحيين الأوائل، فبالتأكيد كانوا مملين.» «لن يستمروا طويلًا، ولسوف يئول عملهم في المنتجات الزراعية إلى الفشل.» «ربما. ولكن بعض الناس يبنون حياتهم العملية على فلسفة معينة ويصيبون نجاحًا بالغًا؛ مثل الهوتريت والمينونايت.» قال لوهيد: «هؤلاء لديهم عقلية مختلفة.» لم يكن غافلًا عن الصورة التي يبدو عليها: عجوز مشاكس عنيد. والآن عندما خرج يوجين من حالة التأمل التي كان مستغرقًا بكامل حواسه فيها، وقف ومدد عضلات جسمه وسأل السيد لوهيد إن كان يحب شرب بعض الشاي، فأجابه السيد لوهيد بالموافقة. أوصل يوجين غلاية الشاي الكهربية وتنقل في الغرفة مرتبًا أغراضه. كانت غرفته مرتبة بدقة. كان ينام على مرتبة مفروشة على الأرض، ولكنه وضع الملاءات عليها وكانت نظيفة؛ فقد كان يأخذها إلى غرفة الغسيل. وكانت كتبه إما على رفوف خشبية مرفوعة على طوب أو مكدسة على الأرض والنوافذ. كان لديه مئات الكتب، وكلها تقريبًا ذات غلاف ورقي، وكانت المعلم الرئيسي في الغرفة. كثيرًا ما كان السيد لوهيد يحدق في عناوينها، مع شعور يمزج ما بين الرهبة والعبث. من هايدجر إلى كانط، وكان بالطبع يعرف من هو كانط مع أنه لم يقرأ له شيئًا من قبل، باستثناء ما قرأه عنه في «قصة الفلسفة». ولربما قرأ شيئًا ذات مرة عن هايدجر، لكنه لا يعرف الآن؛ فهو لم يلتحق بجامعة، ففي أيامه لم يكن المرء مضطرًّا للالتحاق بالجامعات لكي يصبح صيدلانيًّا، بل يكفيه التدرب مع مهني محترف، كما فعل هو مع عمه. لكنه في وقت لاحق انخرط فترة من الزمن في القراءة الجادة؛ بيد أنه لم يقرأ شيئًا كهذا؛ فقد عرف ما يكفي لأن يدرك الأسماء وحسب؛ مايستر إيكهارت، سيمون ويل، تلار دي شاردان، لورين إيزلي؛ الأسماء المعروفة، الأسماء اللامعة. المهم أن يوجين لم يكتفِ بجمع كل تلك الكتب وحسب، بل وخطط لقراءتها كلها يومًا ما. كلا! فقد قرأها يوجين، لقد قرأ فعليًّا كل ما يمكن قراءته حول الموضوعات الأكثر أهمية والأكثر إلحاحًا، من فلسفة وأديان وتصوف وعلم نفس وعلوم. كان يوجين في الثامنة والعشرين من عمره، ويمكن القول إنه قضى العشرين عامًا الأخيرة من حياته في القراءة، ونال درجات علمية وحصل على منح دراسية وفاز بجوائز، هزأ منها جميعها، أو على الأقل رفضها بنوع من الاعتذار. وقد عمل في حقل التدريس على فترات، ولكن لم يكن له عمل آخر ثابت على ما يبدو. وفي مرحة ما من حياته تعرض للانهيار في أزمة دامت طويلًا ربما يعتقد أنه لا يزال يتعافى منها حتى الآن. بلى فقد كان في حالة توحي بأنه شخص يمر بفترة نقاهة؛ فقد كان فاتر الحماس يتوخى التأني في كل حركاته وسكناته، حتى في طيشه. كن يصفف شعره تصفيفة «بايدج بوي» كما لو كان في العصور الوسطى. كان شعره ناعمًا زغبًا بنيًّا مائلًا للاحمرار، وعيناه لامعتين ماكرتين. كان شاربه صغيرًا، الأمر الذي جعله يبدو أصغر من سنه الحقيقية. قال السيد لوهيد في لهجة حاول أن تبدو مازحة: «لقد سمعتُ ما يقال عن المشي على الماء.» «أتحب العسل على الشاي؟» قالها يوجين وهو يضع منه مقدارًا كبيرًا في شاي السيد لوهيد. قبل السيد لوهيد ملعقة دون تفكير، مع أنه يحب الشاي دون تحلية. «لم أصدق ذلك.» قال يوجين: «أوه، نعم.» «لقد قلت إنك لست بتلك الحماقة.» «لقد كنتَ مخطئًا.» ابتسم كلاهما. كانت ابتسامة السيد لوهيد خفيفة لكنها مستبشرة ومحسوبة، فيما كانت ابتسامة يوجين صريحة ولطيفة. ولكن ماذا كانت تلك الصراحة؟ فهي لم تكن طبيعية بل مصطنعة؛ إذ إن يوجين الذي قرأ عن التاريخ العسكري والتصوف وعلم الفلك والأحياء، والذي يستطيع مناقشة الفن الهندي (الهنود الحمر وهنود آسيا) أو فن التسميم، يوجين الذي كان بمقدوره تكوين ثروة في أيام عروض الألغاز كما قال له السيد لوهيد ذات مرة (عندها ضحك يوجين قائلًا إنني أحمد الله لأنه منَّ عليَّ بأن جعل تلك الأيام تولي بغير رجعة)، يوجين في كل حركاته وسكناته وفي كل صروف الدهر وتقلباته التي مر بها كان يهدف إلى إنجاز مهمة محددة، مهمة لم يأتِ على ذكرها. أهي السبب وراء انهياره؟ معرفته المتفجرة؟ فهمه؟ قال السيد لوهيد: «حسنًا، لا أعلم إن كنت قد فهمت الأمر على نحو خاطئ؛ إذ إنني فهمت أن الموضوع هو المشي على الماء.» «هو كذلك بالفعل.» «وما الغرض من هذا؟» «الغرض هو المشي على الماء، إن أمكن. هل تعتقد أنه ممكن؟» لم يستطِع السيد لوهيد إيجاد إجابة. «إنه ضرب من المزاح؟» قال يوجين وهو لا يزال باسمًا: «قد يكون كذلك، ولكنه مزاح جاد.» سرحت عينا السيد لوهيد نحو رف عليه نوعية أخرى من الكتب التي قرأها يوجين، والتي بدت له غير ذات صلة بالنوع الأول. كانت تلك الكتب من تأليف أصحاب النبوءات وعن نبوءاتهم، كانت كلها عن أجرام سماوية وتجارب نفسية وقوى خارقة للطبيعة وشتى أنواع الخدع والسحر، إن أردت أن تطلق عليه هذا الاسم. حتى السيد لوهيد استعار بعض تلك الكتب وغيرها من يوجين بيد أنه لم يتمكن من قراءتها؛ فقد حال التشكك بينها وبين عقله. ومستخدمًا كلمة من سنين شبابه، أخبر يوجين أن كل هذا يسبب له الحيرة. ولم يستطِع تصديق أن يوجين يأخذ الأمر على محمل الجد، حتى عندما سمع يوجين يؤكده له. بعد فترة وجيزة من الحادث الذي وقع في صالة الطابق السفلي رجع السيد لوهيد ذات يوم إلى المنزل ليجد علامة مرسومة على بابه. كانت شيئًا أشبه بزهرة ذات بتلات حمراء رقيقة مرسومة بطريقة غير حِرَفية، وتتخللها بتلات سوداء مستدقة الطرف بطريقة خاطئة، وفي منتصف الزهرة دائرة حمراء وأخرى سوداء وثقب أسود بداخلهما. حينما لمس الطلاء وجد أنه لا يزال رطبًا، ولكن ليس رطبًا جدًّا؛ فلديهم هذه الأيام دهانات تجف بسرعة فائقة. دعا يوجين للخروج وإلقاء نظرة عليها. قال يوجين: «هذا شيء بسيط، على الأقل شيء لا يدعو للقلق. أنا لا أعرف ماذا يعني، وربما كان مجرد شيء اختلقوه.» استغرق السيد لوهيد دقيقة أو اثنتين ليستوعب معنى هذا. فقال يوجين مفسرًا: «إنها ليست علامة.» قال السيد لوهيد: «علامة!» «كتعويذة مثلًا؛ فهناك فرق بين هذا وبين العلامة الحقيقية، تمامًا كالفرق بين اللغو الفارغ والتعويذة الحقيقية، مع أنهما قد يبدوان أشبه بلغو فارغ للجاهلين.» قال السيد لوهيد مستجمعًا شتات نفسه: «لم يساورني القلق حيال كونها ﻋ … علامة. هل هذا ما تعنيه، ضرب من العلامات السحرية؟ غاية ما هنالك أنني استأت من تشويه منظر بابي. فما لهم هم والمجيء ها هنا؟ وما شأنهم والرسم على بابي؟» «حسنًا، أظنهم اعتقدوا أنها مزحة، أو لعلهم فعلوها من باب التحدي؛ فأفعالهم صبيانية جدًّا، لا سيما ريكس وكالا، فسلوكياتهما صبيانية بشكل لا يصدق. أما روفر فتبدو سلوكياته صبيانية بعض الشيء، حيث يعتريه شيء من الغموض. ربما كانت تتلبسه روح عجوز.» لم يكن السيد لوهيد مهتمًّا بسن الروح التي تتلبس روفر، كل ما كان مهتمًّا به هو إمكانية أن يكون لهذا الشيء؛ أي العلامة التي على الباب، معنًى حقيقيٌّ لشخص ليس بأحمق تمامًا، الأمر الذي استحوذ عليه تمامًا. فسأل بصوت يغلفه فضول شديد لا يمكن كبته: «هل … أكانت ستقلقك علامة على بابك؟ أتعتقد أن شيئًا كهذا يمكن أن يكون له تأثير حقيقي؟» «مطلقًا.» قال السيد لوهيد: «وهذا شيء يستحيل تقريبًا أن أصدِّقه.» ثم فكَّر وتنهَّد وأضاف بمزيد من الحزم: «يستحيل أن أصدِّقه.» قال يوجين مؤمِّنًا على كلامه: «أجل، مستحيل.» رأى السيد لوهيد أنه كان عليه أن يدرك حينها، كان عليه أن يدرك مدى هذا النوع من التفكير، ولن يفاجأ الآن. كان يوجين يقول في ثقة: «إن العالم الذي نقبله — الواقع الخارجي، كما تعلم — ليس ثابتًا بالشكل الذي قيل لنا عنه؛ إذ إنه يستجيب لطرق كثيرة من طرق تحكُّمنا فيه تفوق استعدادنا لقبولها.» عند شرح شيء للسيد لوهيد غالبًا ما كان يستخدم تلك العبارات الرصينة الجزلة، أما عندما يتحدث إلى ثلاثي الطابق السفلي فكان يستخدم لغة بسيطة وجذابة وغامضة بما فيه الكفاية للتواصل معهم، بمستوى قريب من مستوى فهمهم. فواصل قائلًا: «وما يُسمى بالقوانين ليست قواعد نهائية؛ فالقانون الذي تفكر فيه يقول إن جسمًا كهذا» وربت على كتف السيد لوهيد، مستطردًا: «لا يمكن أن يتحرك على المياه؛ لأنه لا يمكنه أن يصل إلى حالة انعدام الوزن.» لا يزال الأمر قابلًا لأن يكون مزحة. «هل تعتقد أن أشخاصًا بعينهم مشوا على فحم ساخن ولم يحترق جلدهم؟» «قرأت عنه.» «إنه أمر شائع. هل رأيت صورًا؟ هل تصدِّقه؟» «يبدو لي حقيقيًّا.» «لكن أقدامهم من لحم ودم ومغطاة بجلد، ووفقًا لما نعرفه جميعًا من المفترض أن يحترق! والآن ألا ينبغي أن نعترف بأن العقل يمكن أن يعمل بطريقة أو بأخرى على التحكم في المادة إلى الحد الذي يعطِّل بعض القوانين؟» «أود أن أراه يتحكم في قانون الجاذبية.» «لقد فعلها، فعلها بالفعل. فهناك أناس قادرون على الارتفاع عن الأرض عدة بوصات دونما مساعدة من أي نوع.» قال السيد لوهيد بقناعة تامة مع أنه حاول أن يبدو طيب المزاج: «حتى أرى بأم عيني هاتين سلة المهملات تلك وهي ترتفع وتطير فوق رأسي، فلن أصدق شيئًا من هذا القبيل.» قال يوجين: «الطريق إلى عمواس.» حتى الكتاب المقدس يعرفه! إنه الشخص الوحيد الذي لم يتجاوز الأربعين من عمره ويقرأ في الكتاب المقدس من بين كلِّ مَن قابلهم السيد لوهيد. هذا إذا استثنينا شهود يهوه. «سلة المهملات لا تستطيع التحكم في نفسها، ومن ثم لا تستطيع تسخير الطاقة. ومع ذلك فإذا كان بإمكان شخص ما يجلس في مكانك الآن تسخير نوع معين من الطاقة …» واصل نقاشه متحدثًا عن امرأة في روسيا تستطيع تحريك أثاث ثقيل في الغرفة دون أن تلمسه. كانت تقول إن طاقتها في ضفيرتها الشمسية. قال السيد لوهيد: «ولكن ما الذي يجعلك تعتقد أن لديك تلك القوى؟ وأنك قادر على تسخير الطاقة أو تعطيل الجاذبية أو ما شابه؟» «إذا أردت تعطيل أي شيء فسيكون ذلك لأضيق مساحة من الوقت، بضع ثوانٍ فقط. فما أنا إلا مبتدئ. ولكن سيكفي ذلك لأحفِّز الناس على التفكير. كما أنني مهتم أيضًا بترك الجسم؛ فلم أستطِع قطُّ ترك هذا الجسم.» «ينبغي أن تتأكد من قدرتك على العودة.» «باستطاعة الناس ذلك، لديهم القدرة على ذلك. يومًا ما قد يكون شيئًا نتعلمه، تمامًا مثل التزلج على الجليد. والآن لنفترض أنني خطوت على الماء ووضعت جسمي الظاهري — «هذا» الجسم — فغرق كالحجر، فثمة احتمال أن يطفو جسمي «الآخر»، لأتمكن من النظر في الماء ومشاهدة نفسي.» قال السيد لوهيد: «تشاهد نفسك!» فضحك يوجين ولكن ليس بطريقة مطمئنة تمامًا. إن ما أراد السيد لوهيد معرفته هو الغرض من وراء ذلك؛ فلا بد أن هناك غرضًا ما وراءه، كالسخرية أو لعبة لم يستطِع فهمها. لو أن كالا أو ريكس قالا كلامًا كهذا — بفرض أن بمقدورهما قول كلام مثله — لما شك في غرضهما. فالسذاجة حين تصدر عن شخص مثل يوجين توحي بأن في الأمر خدعة، ولو أنها مسيطرة عليه بالفعل فيه فلا بد أن في الأمر خدعة بطريقة أو أخرى. «إذن، فالغرض من هذا هو إعطاء الناس هزة، إذا جاز التعبير؟ لتشكيكهم في حواسهم؟» «ربما يؤدي الأمر إلى ذلك.» «كيف أقحمت نفسك في هذا الموضوع؟» «بدأ الأمر كمزحة؛ إذ كنت أتحدث مع السيدتين — الشقيقتين، كما تعرف — العمياء والأخرى، لا أعرف اسميهما …» «أعرفهما.» دأب يوجين على تجاذب أطراف الحديث مع العجائز، فهم يحبون حديثه؛ وكانوا ينظرون إليه كسفير لطيف من أرض الشباب الموحشة. «كنا نناقش أشياء كهذه وقلت لهما إنها ممكنة الحدوث. والمشي على الماء حقيقة وقعت بالفعل. أعني مؤخرًا. وسألتاني إن كنت على استعداد لأن أجرب ذلك بنفسي، فقلت لهما نعم.» قال لوهيد في تمعن ومكر: «لعل غرورك هو الذي حدا بك إلى قبول تلك المحاولة.» «نعم، أعرف ذلك. ففي تلك الليلة حينما كنت أتأمل أخذت أفكر مليًّا في هذا السؤال: هل أفعل ذلك بدافع من غروري؟ وتبين لي أن تلك مسألة لا تهم في شيء. الداعي الذي يحدوني لفعله لا يهم في شيء. يجب أن أثق فيما غرس تلك الفكرة في ذهني، أيًّا كان. ربما كان فعلًا له غرض ما من ورائه. أعرف كيف يبدو ذلك. لكنني أهب نفسي فحسب وأجعلها رهن الاستخدام. وأخذ الموضوع يتطور بسرعة؛ فقد كنت أنوي فعل ذلك من أجل هاتين السيدتين فقط، ولكني لم أستطِع فعله مباشرة؛ لأنني كنت بحاجة إلى بعض الوقت لكي أستعد، وهكذا حددنا يوم الأحد، وها أنا الآن أسمع الناس في الشارع يحدثونني عنه. أناس لا أعرفهم إطلاقًا. لَكَمْ أنا مندهش!» «ألا تزعجك فكرة أنك قد تجعل من نفسك أضحوكة أمام كل هؤلاء الناس؟» هذا تعبير لا يعني شيئًا بالنسبة لي، فعلًا. «تجعل من نفسك أضحوكة!» كيف يتأتى لأي إنسان أن يفعل ذلك؟ كيف تجعل من نفسك أضحوكة؟ أظهر الأضحوكة، نعم، أخرج الأضحوكة، ولكن أليست الأضحوكة هي نفسك ذاتها؟ أليست موجودة معك طوال الوقت؟ أظهر نفسك. ما الذي يمكنك فعله خلاف ذلك؟ كان بمقدور السيد لوهيد أن يقول لا يزال في إمكانك الرجوع إلى عقلك، إن أمكن، ولكنه لم يفكر في ذلك حتى وقت لاحق. وحتى لو فكر فيها حينذاك؛ فقد فات أوان قولها. ••• في صبيحة يوم الأحد وأمام باب غرفته وجد السيد لوهيد طائرًا ميتًا. كان مستعدًّا لأن يصدق أن قطًّا هو ما أحضره إلى هنا؛ فالقطط تأتي إلى المنزل وتطعمها كالا أو روفر، مخلِّفة رائحة برازها في ردهة الدور السفلي. أمسك بالطائر وحمله إلى الطابق السفلي ومنه إلى الفناء الخلفي. إنه طائر القيق الأزرق. أُعجب بألوانه غير المبهرجة، مع أن طيور القيق تلك لم تكن طيورًا محبوبة؛ فقد نشأ في مزرعة ولم يستطِع تجاوز مثل تلك الأحكام على كل أنواع الأحياء النباتية والحيوانية. تذكَّر إحدى زائرات المزرعة، سيدة ليست بالشابة، تصيح مُثنية على جمال حقل حافل بالخردل البري. كانت تعتمر نوعًا من القبعات البيج أو الوردية المتربة، والشيفون، إذا صحَّ أن يُطلق عليه شيفون، علاوة على أن الحماقة اللافتة للقبعة ممزوجة بحماقة سعادتها؛ كُل ذلك حُفر في ذهنه، وظل محفورًا حتى يومنا هذا. وبطبيعة الحال كانت مظاهر الكبار، وفي وقت لاحق كلماتهم، هي ما تعرفه مكمن الحماقة. كان يعتزم دفن الطائر، لكنه لم يستطِع إيجاد شيء يحفر به حفرة هناك. كان باب القبو قد خُلع من مكانه، وعادة ما توجد هناك أدوات حفر، لكنه افترض أنها غير موجودة. كذلك كانت أرض الحديقة متحجِّرة كالإسمنت على أي حال، وكانت الأحجار والزجاج المكسور منتشرة في كل مكان. فما كان منه إلا أن وضع الطائر النافق في صندوق القمامة. عاش السيد لوهيد في ذلك البيت اثني عشر عامًا، منذ أن باع صيدليته وجاء إلى هنا للعيش بالقرب من ابنته المتزوجة. ومع أن ابنته وعائلتها انتقلوا بعيدًا فإنه بقي حيث هو. وكان المنزل والفناء في حالة متهالكة حتى قبل الاثني عشر عامًا، مع أنه لم يكن أحدٌ يتوقع أن يكونا في الحالة التي أصبحا عليها اليوم. كان المكان ملكًا للآنسة موسجريف، التي كانت أسرتها واسعة الثراء. كانت حينذاك لا تزال تعيش في غرف الطابق السفلي حيث يعيش ريكس وكالا وروفر اليوم. بعد فترة وجيزة من انتقال السيد لوهيد اشترى منجلًا جزَّ به العشب الطويل في زوايا الفناء. كان يعتزم تهذيبه ليتحول إلى مرج جميل، بما يرضي الجميع. لكن بعد مرور وقت يسير على البدء في عمل ذلك سمع طرقًا عنيفًا على النافذة وصوتًا عاليًا، لا يشبه صوت السيدات، في الواقع صوت شخص مخمور، يدعوه للابتعاد. «هذه أملاك الآنسة موسجريف!» كانت تلك الآنسة موسجريف، المرأة المصابة بالجنون، لكن بطريقة مألوفة. في أيام عمله بالصيدلية تعامل مع سيدات مثلها يضعن أحمر الشفاه بطريقة مقززة ويعتمرن قبعات بنفس الطريقة، ويمارسن الاحتيال والتملق والكذب ويحصلن على الإهانات في المقابل عند صرف وصفاتهن الطبية. في الوقت الحالي كان قد مر على وفاة الآنسة موسجريف فترة طويلة، كما أنه افتقد مثل هذا الجنون المألوف، وتُرك مع الزمرة الحالية، التي لم يعد في مقدوره الحكم على ما إذا كانوا مجانين أم لا، ولم يكن ذلك في مقدوره مطلقًا، ولا حتى يوجين. الأهم من ذلك كله يوجين. حاول الناس كثيرًا إقناعه بمغادرة هذا المكان؛ فما الذي يدعوه إلى البقاء فيه؟ كان يقول إنه لا يحب البنايات السكنية، ولا يحب الارتفاعات، ولا يريد أن يعرِّض نفسه لمنغصات الانتقال، وغيرها من الأسباب. ومهما كان ما تعلمه ها هنا فلم يندم على تعلمه إياه يومًا، فقد استمع إلى أقرانه وهم يتحدثون، وحسب أن أدمغتهم كانت ستتصدع مثل البيض لو عرفوا معشار ما يجب معرفته. وأخيرًا، فلم يندم على رؤيته فعلة ريكس وكالا، أو قراءته للصحيفة التي يبيعها روفر، وتوجيهه له ذات يوم دفعة على سبيل المزاح. كان يقرأ كل كلمة منها بالرغم من طباعتها غير الواضحة المؤذية لعينيه. سوء الطباعة والأخطاء الهجائية وبعض الرسومات المبقعة وربما البذيئة، علاوة على الاحتياجات الواردة في الإعلانات المبوبة ومقال افتتاحي يهاجم مجلس المدينة — الذي نعتوا أعضاءه بالممثلين القذرين والأغبياء — كل هذا أثار قلقه وهيَّج أعصابه؛ لكنه واصل القراءة، مع ترقُّب عجيب من أن تومض أمامه رسالة لا تلحظها العين من شدة سرعتها، على غرار بعض الإعلانات التجارية التي شاهدها على شاشات التليفزيون. لكن كان عرض يوجين المزعوم هذا هو الشيء الوحيد الذي اعتزم عدم مشاهدته؛ فقد استاء منه كثيرًا وأصابه باضطراب بالغ. أعد إفطاره المكون كالمعتاد من شريحتين من الخبز المحمص البني والبيض المسلوق والشاي. لم يسمع يوجين، فافترض أنه خرج في وقت مبكر. وبينما كان يتناول طعامه تذكر الشعور الذي انتابه في الفناء الخلفي وهو يمسك الطائر ويفكر في السيدة المعتمرة قبعة من الشيفون وحقل الخردل ووالديه. كان يتذكر شيئًا آخر، مما سبقه، ويمكنه الآن أن يقول إنه كان يتذكر حلمه حينذاك. عرف أنه لا بد أن نفس الحلم قد راوده مرة أخرى الليلة الماضية، وبدا له أنه ليس أمامه خيار سوى الجلوس ومحاولة معرفة أي جزء منه يمكن استدعاؤه إلى الذهن. كان مبتدأ هذا الحلم، الذي ظل يراوده من حين لآخر منذ منتصف العمر، حادثة حقيقية وقعت عندما كان طفلًا يعيش في المزرعة مع أخيه الأكبر والتر وشقيقته ماري التي ماتت بالدفتيريا وهي في الثامنة عشرة. في منتصف الليل سمع رنين الهاتف، ثلاث رنات طويلة. كان لكل عائلة على طول الطريق رقم خاص بها من عدد الرنات — كان عدد رناتهم التي لا يزال السيد لوهيد يتذكرها حتى الآن رنتين طويلتين واثنتين قصيرتين — ولكن الرنات الثلاث الطويلة كانت تمثل تنبيهًا عامًّا، إشارة لجميع من على الخط بالتقاط سماعات هواتفهم. كان والد السيد لوهيد يصيح في الهاتف، الذي كان في المطبخ الواقع تحت غرفة نوم الأولاد مباشرة. لم يكن مقتنعًا قطُّ بنظام الهاتف، وبدا وكأنه يعتمد على قوة صوته في نقل الأخبار والكلام مهما بعدت المسافة. مع صياحه استيقظ الجميع ونزلوا لرؤية والدهم ينتعل حذاءه الطويل ويلبس سترته — فقد كانوا في شهر مايو، في فصل الربيع، ولكن الجو كان باردًا بالليل — ومع أن السيد لوهيد لا يستطيع تذكُّر ما قيل، فإنه يعلم أن والده قال لهم شيئًا عن المكان الذي سيذهب إليه، وأن أخاه والتر طلب الإذن بالانضمام إليهم وحصل عليه، تمامًا كما طلب هو الإذن نفسه ولكنه قوبل بالرفض على أساس أنه صغير جدًّا ولا يمكنه مسايرتهم. كانوا في طريقهم لمطاردة صبي مجنون، شاب في التاسعة عشرة أو العشرين من عمره يعيش في الجهة المقابلة من البلدة. لا يستطيع السيد لوهيد تذكر المعلومات التي ذكرها له والده حول هذا الصبي بخلاف اسمه (فرانك ماكرتر). كان فرانك ماكرتر أصغر أبناء عائلة فقيرة ولكنها كبيرة العدد وكريمة المحتد تدين بالمذهب الكاثوليكي. وقد أُبعد عن المنزل فترة من الزمن إثر سلسلة من النوبات المرضية ولكنه عاد معافًى، وعاش هناك بهدوء متوليًا رعاية والديه العجوزين، بعد مغادرة أشقائه وشقيقاته. لا يعتقد السيد لوهيد أن والده قد ذكر له في ذلك الحين أن سبب استدعاء كل الرجال لتعقب فرانك ماكرتر هو أنه، أي فرانك، في وقت مبكر من ذلك المساء، ربما قبل حلول الظلام (وقبل الحلب بالتأكيد؛ لأن خوار البقر المهتاج هو ما لفت انتباه جار يمر على الطريق)، قد قتل والده في الحظيرة، باستخدام مذراة ومجرفة، ثم قتل والدته في المطبخ مستخدمًا نفس المجرفة التي لا بد أنه قد جلبها من الحظيرة لهذا الغرض. تلك هي الحقائق التي احتواها الحلم، بحسب ما يتذكر، دون أن يكشف عنها النقاب. في حال اليقظة كانت ذاكرته تختزن كل هذه المعلومات عن جريمة القتل والقتيلين، مع أنه لا يعرف متى ولا كيف أُعطيت له. أما في الحلم فلم يتسنَّ له قطُّ أن يفهم بوضوح السبب الداعي إلى حالة الاستنفار والضجة المثارة، كل ما عرفه أن عليه إيجاد حذائه الطويل والإسراع مع والده وشقيقه (إذا أسرع في الحلم، فلن يغادروا دون اصطحابه معهم). لم يعرف إلى أين هو ذاهب، وما كان له أن يعرف حتى يمضي في صحبتهما فترة من الزمن بحيث يكتشفون شيئًا هناك. ربما كان تعاقب الحلم في البداية سهلًا ومبهجًا، ولكنه غالبًا ما يتباطأ شيئًا فشيئًا بسبب قوًى خفية محيرة ومشتتة، ومن ثم يجد السيد لوهيد نفسه وحيدًا يقوم بأشياء على غرار تركيب وصفة طبية في صيدليته أو تناول العشاء مع زوجته. ثم مع شعور عميق بالندم وبعد فوات الأوان، مرورًا بالجيران الذين يوجهون له اللوم والتقريع دون أن يقدموا له يد المساعدة، ودائمًا في طقس ضبابي لا يفصح عن الكثير، يحاول العودة إلى حيث يجب أن يكون. لم يكمل الحلم حتى النهاية قط، أو لعله أكمله، ولكنه لا يتذكر، هذا هو الاحتمال الأكبر. في أول مرة رأى فيها الحلم كان أبواه وشقيقته ميتين، أما شقيقه فكان لا يزال على قيد الحياة، في وينيبيج، وقد فكَّر في مراسلته، يسأله عن فرانك ماكرتر وما إذا كانوا قد عثروا عليه في تلك الليلة أم لا. كانت هناك فجوة في ذاكرته عند تلك النقطة. لكنه لم يراسله قط، أو عندما راسله، لم يسأله هذا السؤال؛ لأنه نسي، وإذا تذكر، فربما شعر بأنه من الحماقة أن يسأله سؤالًا كهذا على أي حال، ثم توفي شقيقه. دائمًا ما يترك هذا الحلم همًّا ثقيلًا على ذهنه، وقد افترض أن ذلك إنما يرجع إلى أنه لا يزال يحمل، لجزء من اليوم، ذكرى أناس ميتين، أبيه وأمه وأخيه وأخته، الذين لا يستطيع تذكر وجوههم بوضوح وهو في حال الاستيقاظ. كيف يصف تماسك وتعقيد وواقعية هذه الذكريات، إن كان لديه من يصفها له؟ بدا له أنه لا بد أن هناك مكانًا تنتقل فيه بحرية مطلقة دون قيد خارج عقله؛ كان من الصعب عليه أن يصدق أنه هو من ابتدعها. إنها تجربة مألوفة. تذكَّر أمه وهي جالسة إلى مائدة الإفطار قائلة في صوت مفعم بالدهشة أقرب إلى الشكوى: «لقد حلمتُ بجدتك! أوه، لقد كانت هي!» ثمة شيء آخر دُفع إلى التفكير فيه دفعًا؛ وهو الفرق بين ذلك العهد والعصر الحالي. لقد كان فرقًا شاسعًا، ليس بمقدور أحدٍ الانتقال من عهد كهذا إلى عهد آخر، وكيف فعلها هو؟ كيف يمكن لرجل أن يعرف والد السيد لوهيد وأمه ويعرف الآن ريكس وكالا؟ خطر له — وهو ليس بالخاطر الجديد — أن ثمة ما يُقال على كل حال بشأن التعامل مع الأمور بالطريقة التي يبدو أن معظم من هم في سنِّه يتعاملون بها. ربما كان من المعقول أن يكفَّ عن الملاحظة، ليصدِّق بأن هذا العالم لا يزال هو نفس العالم الذي كانوا يعيشون فيه، مع بعض الانحرافات المروعة وإن كان يمكن علاجها، وعدم محاولة فهم كيف تَغيَّر تنظيم العالم بأكمله بهذا الشكل. كان الحلم قد جعله على اتصال بعالم جعل العالم الذي يعيش فيه الآن مجرد نسخة عفوية؛ من حيث الملمس، إن جاز لنا القول، وفي الحدة، وفي التكوين. لا شك أن حواسه بالطبع قد أصيبت بالضعف، بيد أن هموم الحياة وأهميتها قد تلاشت بطريقة أو أخرى. أضحت المناسبات تُقام الآن على مساحات صغيرة وهي كلها لها نفس القدر من الأهمية أو لا أهمية لها. وخلال ركوبه الحافلة عبر شوارع المدينة أو حتى خلال الريف لم يكن السيد لوهيد يندهش كثيرًا لدى رؤيته أي شيء؛ كمسجد، مثلًا، أو دب أبيض. أيًّا كان ما يبدو أمام عينيك، فسوف يتبين لك أنه شيء آخر. فالفتيات في السوبر ماركت يرتدين تنانير مكسوة بالعشب لبيع الأناناس، كما رأى عاملًا في محطة الغاز، يمسح الزجاج الأمامي للسيارات، يرتدي على رأسه قبعة حمقاء بها أجراس. وتأخذ الدهشة تقل وتقل. في بعض الأحيان في التسجيلات التي كانوا يشغلونها في الطابق السفلي كان يتناهى إلى سمعه مقطوعة موسيقية عذبة مألوفة وغير مزعجة. وكان يعلم ما سيحدث، حيث السخرية منها والتلوي حولها بحركات جنونية خالية من أي نوع من التقدير. كما كانت هناك نكات مماثلة في كل مكان، ولا بد أن الناس وجدوها مرضية. ••• خرج رصيف روس بوينت من الخدمة منذ فترة طويلة؛ إذ انهار الرصيف واختفى كلية بفعل موجات المد والجزر حتى ابتلعه المحيط عن آخره. أقبل السيد لوهيد من عند منعطف كورنيش البحر — كان لزامًا عليه أن يأتي على كل حال؛ إذ ضاق صدره لدرجة تجعله غير قادر على البقاء بعيدًا — وهو يتوقع ألا يرى أحدًا هناك ويكتشف أن الأمر كله كان من بنات خياله هو، أو أنه مجرد خدعة متقنة حاكها الآخرون وانطلت عليه، وهذا هو الاحتمال الأكبر. ولكن سرعان ما تبين له أن الأمر ليس كذلك مطلقًا؛ فقد احتشد الناس، ولم يجد درجات للجلوس عليها، كانت هناك درجات شاغرة على بعد ربع ميل إلى الخلف وعلى مسافة قريبة إلى الأمام بعد روس بوينت، بيد أن السيد لوهيد سار إلى جنوب الضفة، متعلقًا بأجمات الوزال، دون التفكير في خطر كسر العظام حتى وقت لاحق. ثم أسرع على طول الشاطئ. أول من رآهم من الناس كانوا يجرون بطول الرصيف ويقفزون من واحدة من قطع الخرسانة المتهدمة إلى أخرى؛ ريكس وكالا وروفر وعدد من أصدقائهم الذين يتعذر عليه تمييزهم. كانت كالا ملفوفة في ما بدا وكأنه — وقد كان فعلًا — غطاء فراش قديم من الشانيل، وكان نصف خصلاته الوردية والبنية باليًا. أخذوا يتواثبون حفاة الأقدام ويقفزون في الماء. كان هناك صبي على الشاطئ يعزف على الفلوت، أو آلة مثل الفلوت، نفس الآلة التي كانت لدى يوجين. كان يعزف بشكل جيد، على الرغم من رتابة عزفه. كانت الأختان العجوزان هناك، الأخت العمياء وعصاها البيضاء التي ترفعها حين تتحدث، وتشير بها إلى الماء؛ حيث تذكرك بموسى قبالة البحر الأحمر. كانت الأخرى تتحدث إليها شارحة لها. أما السيد كليفورد والسيد موري وعدد قليل آخر من الرجال كبار السن المتصفين بالرزانة والحصافة فقد أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث، وجلسوا بمكان ليس بقريب للغاية. ربما كان إجمالي عددهم يبلغ نحو ستة وثلاثين شخصًا كلهم تجاوزوا الستين أو تحت الثلاثين. كان يوجين يجلس بعيدًا على الرصيف، وحده. رأى السيد لوهيد أنه ربما من الأفضل أن لو ارتدى يوجين لباسًا خاصًّا لهذه المناسبة، رداء من قماش متين، أو مئزرًا، إذا كان بمقدوره العثور على شيء كهذا، لكنه كان يرتدي سرواله الجينز المعتاد وقميصًا أبيض. أخرج أحد العجائز ساعة من جيبه وصاح في تلقائية كما لو كان لا يوجه كلامه إلى شخص بعينه، قائلًا: «إنها الساعة العاشرة الآن.» صاح ريكس الذي كان قد قفز في الماء ونصفه العلوي عارٍ تمامًا ومبتل حتى الفخذين: «الساعة العاشرة يا يوجين!» كان يوجين يعطي الجميع ظهره، ثانيًا ركبتيه، واضعًا رأسه عليهما. «يا إلهي، يا إلهي، يا إلهي.» قالها ريكس مرتلًا، وراميًا رأسه الأشعث إلى الوراء، وفاردًا ذراعيه عن آخرهما. قالت فتاة: «ينبغي أن نغني.» في نفس الوقت كان هناك سيدتان تعتمران قبعتين وتقفان أمام السيد لوهيد تتحدثان معًا: «لم أتوقع حضور هذا العدد الكبير من الناس هنا.» «لم آتِ إلى هنا لأسمع هذا الدنَس.» بدأت الفتاة في الغناء وحدها، على أنغام مشغل موسيقى. دارت حول نفسها بعدم ثبات على الشاطئ، مغنية من دون كلام، ووشاحها الناعم ذو الألوان العديدة يرفرف حول رقبتها. بعد قليل نظرت السيدتان الواقفتان أمام السيد لوهيد إحداهما إلى الأخرى، تنحنحتا، وأومأتا برأسيهما، وشرعتا تغنيان بصوت مرتعش حلو يعلوه التواضع: نحن هنا مجتمعون معًا تجمعنا نعمة الرب، إنه يؤدب، ويعجل، حتى تعرفنا مشيئته … صاح السيد موري بصوت صاخب: «هيا بنا نشاهد العرض من على الطريق!» قالت الأخت العمياء: «ما الذي حدث؟ هل مشى على الماء؟» وقف يوجين ومشى بعيدًا على الرصيف، ثم مشى دون تردد في الماء الذي غطى كعبيه، ثم ركبتيه، ثم فخذيه. قال السيد موري: «إنه يمشي في الماء وليس عليه. اتلُ صلاتك أيها الفتى!» جلس روفر القرفصاء على الحجارة وأخذ يدندن بصوت عالٍ: «أوم، أوم، أوم، أوم …» قالت الأخت العمياء: «ماذا حدث؟ ماذا حدث؟» وتوقَّفت الفتاة التي كانت تغني فترة طويلة عن الغناء، ثم أخذت تصيح: «أوه، يوجين! يوجين!» بصوت حنون ينمُّ عن اليأس والإنكار: وهكذا من البداية، نفوز في معركتنا حتى النهاية … مشى يوجين حتى وصل الماء إلى وسطه، ثم إلى صدره، فهتف السيد لوهيد بصوت ظن أنه فقده: «يوجين، اخرج من هذه المياه!» صاح السيد موري في الوقت نفسه: «انعدام الوزن! فكِّر في انعدام وزنك!» أحنى يوجين رأسه وغاص تحت الماء. أطلقت الفتاة المغنية صرخة مفعمة بالإثارة. نزل السيد لوهيد إلى الرصيف وتجاوزه قليلًا، وقال لكالا، الملفوفة في غطاء الفراش كامرأة من الكتاب المقدس: «هل تعرفين إن كان بمقدوره السباحة؟» صاح ريكس، ذلك المهرج: «اسبح! اسبح!» وهوى في الماء، في حين أخذت الأخت غير العمياء تدور حول نفسها صارخة: «لينقذه أحدكم! أنقذوه! لا تدعوه يغرق!» ظهر يوجين متشبثًا بالجزء البارز من الرصيف. ثم وقف على قدميه والماء يقطر منه، كان يقف هناك محتفظًا بتوازنه وهو يزيح الشعر عن عينيه، في حين صرخت فتاة قائلة: «وحش البحر! وحش البحر!» فدوى تصفيق الرجال، بقيادة السيد موري، هازئين. لم يتوقف مشغل الموسيقى خلال أيٍّ من هذه الحوادث. قال السيد موري: «هذا ما أوصلنا إليه. المشي على الماء.» قالت الأخت العمياء: «إياكم أن يقرِّعه أحدٌ؛ فقد بذل كل ما بوسعه.» مشى يوجين نحوهم ببطء مبتسمًا، وقال: «أنا حتى لا أعرف السباحة.» قالها ملوحًا بيديه في الهواء بسرور. بدا كما لو أنه خرج منتصرًا. واستطرد: «لقد زحفت على امتداد الرصيف. كان بإمكاني الوقوف سريعًا ولكنني أحببت كوني تحت الماء.» قال السيد لوهيد: «عد إلى المنزل وغير ملابسك إذا كنت لا تريد الإصابة بالتهاب رئوي.» قالت إحدى السيدتين المنشدتين: «هل كان الأمر مجرد مزحة إذن؟» ومع أنها لم توجِّه حديثها إلى السيد لوهيد، فإنه استدار نحوها وقال لها بحدة: «ماذا كنتِ تحسبينه؟» نظرت السيدتان إحداهما إلى الأخرى، وضغطتا على شفاههما تعبيرًا عن امتعاضهما من فظاظته. قال يوجين بصوت مرتفع قليلًا، ناظرًا حوله: «أنا آسف إذا لم يكن هذا ما كنتم تأملونه جميعًا. الخطأ خطئي وحدي؛ فأنا لم أصِلْ بعدُ إلى النقطة التي تمنيت الوصول إليها في التحكم بنفسي. ولكن إذا كان هذا قد خيَّب آمالكم فقد كان بالنسبة لي مثيرًا ورائعًا ولقد تعلمت منه شيئًا مهمًّا. أريد أن أشكركم.» صفَّقت السيدات بلطف هذه المرة، وانضم إليهن بعض الشباب مصفقين بمبالغة أكثر. رأى السيد لوهيد أن الناس قد انقسموا إلى مجموعتين تجمعهما قواسم مشتركة أكثر مما يظنون. لم تكن أيٌّ من المجموعتين لتقرَّ بذلك، لكن ألَمْ تكن توقعاتهما تسير في نفس الاتجاه؟ وما الذي غذَّى مثل تلك التوقعات في نفوسهم؟ إنه اليأس، كان هو اليأس في الحقيقة، إلا أن الاعتزاز بالنفس يمنع المرء من الاعتراف به. دون أن يتحدث إلى أي شخص ذهب السيد لوهيد وحده. سار على طول الشاطئ وارتقى الدرجات متسائلًا كيف استطاع النزول من الضفة دون أن يكسر ساقه — الأمر الذي كان كفيلًا بالقضاء عليه في سنِّه هذه — من أجل هذا الهراء. مشى مسافة ميل أو نحوه على طول البحر وصولًا إلى مقهى يعرفه يظل مفتوحًا أيام الأحد. جلس فترة طويلة يرتشف فنجانًا من القهوة ثم رجع سيرًا على الأقدام. تناهى إلى سمعه صوت الموسيقى القادمة من النوافذ المفتوحة بالطابق السفلي في المنزل، من نوافذ الآنسة موسجريف؛ نفس الموسيقى التي يشغِّلونها دائمًا. صعد إلى الطابق العلوي وطرق باب يوجين، مناديًا: «أردت فقط معرفة ما إذا كنتَ قد غيَّرت تلك الملابس المبللة!» لكنه لم يَرُدَّ عليه. وبعد برهة فتح الباب الذي لا يغلقه يوجين أبدًا. «يوجين؟» لم يكن يوجين موجودًا في الغرفة ولا حتى ملابسه. رأى لوهيد الغرفة من قبل ويوجين ليس موجودًا بها، عندما أعاد له كتابًا كان قد استعاره منه. بيد أن منظرها لم يزعجه كما أزعجه الآن؛ فالنافذة مشرعة عن آخرها لأعلى لسبب ما، وعادة ما يغلقها يوجين قبل خروجه، خشية أن تبلل الأمطار كتبه أو تبعثرها الرياح، وكانت هناك رياح الآن بعثرت الأوراق من فوق أرفف الكتب وتناثرت على الأرض. بخلاف ذلك كان المكان مرتبًا. كانت البطانية والملاءة مطويتين في نهاية المرتبة، كما لو أنه ينوي ألا ينام عليها مجددًا. طرق السيد لوهيد باب الطابق السفلي، فجاءته كالا. «يوجين ليس في المنزل؛ هل تعرفين أين هو؟» استدارت كالا، وصاحت في الغرفة المظلمة بسبب الستائر الحمراء والأرجوانية، والشراشف المصبوغة، المسدلة دائمًا: «هل رأى أحدكم يوجين؟» «لقد توجه نحو ملعب الجولف. كان متوجهًا شرقًا.» قال ريكس بود، متكئًا على كتف كالا: «ماذا تريد منه؟» صاح أحدهم في الخلفية، قائلًا: «اسأليه إن كان أعجبه الرسم على بابه.» «اسأليه إن كان أحب الحالة التي وجد عليها طائره.» إذن، ليس القط هو من فعلها. ابتسمت له كالا. كان وجهها كبيرًا أبيض وجميلًا، وخداها بيضاوين تنتشر عليهما العديد من البثور الصغيرة الملتهبة. قال لوهيد متجاهلًا ريكس: «شكرًا لك.» قال صوت آخر في الخلفية، لعله روفر، فصوته له رنين كرنين المعدن: «ما الذي يريده من يوجين؟» على إثر هذا الصوت قفز إلى ذهن السيد لوهيد تخمينًا تظاهر على الفور وفيما بعد ذلك بأنه لم يطرأ عليه. قالت كالا: «هل تريد تناول التين؟» ••• أخذ كلامهم على محمل الجد، فليس أمامه شيء آخر يمكنه فعله. ذهب شرقًا، ماشيًا بمحاذاة البحر، مقتفيًا أثر الطريق الذي سلكه صباح هذا اليوم. تجاوز الرصيف، المهجور الآن، ثم تجاوز المقهى الذي شرب فيه قهوته، مواصلًا إلى ملعب الجولف. كان عصر هذا اليوم لطيفًا، وكان هناك الكثير من الناس يتمشون. في بعض الأحيان كان يخيَّل إليه أنه رأى يوجين. بدا أن نصف الشبان في العالم يرتدون الجينز والقمصان البيضاء، وأنهم قصار القامة نحاف الجسم طوال الشعر. وجد نفسه يتفرس وجوه الناس ويهم بأن يسألهم: «هل شاهدتم الشاب؟» ظن أنه قد يلتقي شخصًا كان على الرصيف صباح هذا اليوم. بحث عن السيد كليفورد أو السيد موري، ولكن كانت تلك المنطقة بعيدة جدًّا، بعيدة عن حيهما. على الجانب الآخر من ملعب الجولف كانت هناك مساحة من الأجمات البرية بارتفاع قامة الرجل. كانت هناك صخور بارزة من الماء. لا شواطئ هنا. بدت المياه عميقة إلى حد ما. كان هناك رجل يقف على الصخور يمسك بخيط طائرة ورقية. كانت هناك قوارب صغيرة على المياه ذات أشرعة حمراء وزرقاء. هل يمكن أن يسقط رجل هنا دون أن يلاحظه أحدٌ؟ هل يمكن أن ينزلق رجل في هدوء دون إحداث أي ضجة، وينتهي أمره؟ في وقت سابق من اليوم، في الواقع بينما كان يجلس يرتشف قهوته في ذلك المقهى، جاءه خاطر، المشهد الذي اعتاد أن ينتهي به حلمه. كان مشهدًا واضحًا ومفصلًا استرجعه بسهولة من مكان ما، إما من الحلم أو من ذاكرته، رغم أنه لا يدرى كيف يمكن أن يأتي من ذاكرته. كان يسير خلف أبيه وسط عشب طويل رمادي اللون. كان رماديًّا لأن الليل كان في سبيله لينجلي ويمكن رؤية كل شيء بوضوح، ولكن كانت الشمس لم تشرق بعد. بدوَا وكأنهما قد انفصلا عن باقي الرجال الباحثين عن الصبي. كانا بالقرب من نهر، وفي فترة وجيزة تسلقا إحدى ضفتيه وصولًا إلى طريق موحل يفضي إلى جسر على النهر، وبما أن السيد لوهيد كان طفلًا بطبيعة الحال في هذا المشهد، فقد أسرع الخطى لاجتياز الجسر، ولكن بعد نحو ثلث الطريق فوجئ أن الجسر غير آمن؛ إذ كانت بعض ألواح أرضيته مفقودة، وبدت عوارضه وكأنها قد سُحقت بطريقة أو أخرى، وكأنه جسر لعبة داس عليه أحدهم. نظر إلى الوراء مستغيثًا بأبيه، ولكنه لم يجده هناك؛ وكان هذا متوقعًا. عندئذٍ كان عليه أن ينظر إلى أسفل من خلال أرضية الجسر حيث أحد الألواح المفقودة، وفي المياه الضحلة للنهر الذي انساب بين الحجارة البيضاء رأى جثمان صبي ممدد فيها ووجهه لأسفل. بدا هذا المشهد في الحلم — إن كان هذا ما بدا عليه — مشهدًا طبيعيًّا للغاية. ولكن في حال اليقظة بالطبع ليس بمقدوره أن يرى هذا المنظر بهذا الشكل العرضي. وسأل نفسه إذا كان ذلك الصبي هو فرانك ماكرتر؛ إذا كان هذا الشاب بعد أن قتل والديه قد ألقى بنفسه في النهر. لم يَعُد هناك سبيل لمعرفة ذلك في الوقت الحالي. ذات مرة عانى مما قال الطبيب في وقت لاحق إنها سكتة دماغية خفيفة، وفي تلك الحالة كان يرى خطًّا أبيض متعرجًا مبهرًا يتراقص في زاوية رؤيته ثمانٍ وأربعين ساعة أو نحو ذلك، ثم يختفي. لم يكن هناك أي ضرر، ولم تكن مثل هذه الأمور غير مألوفة على حد قول الطبيب. وها هو الآن الحلم، أو نهاية للحلم، يواصل فعل الشيء نفسه في ذهنه. كان يتوقع أن يختفي من حياته بعد فترة من الوقت. وثمة شيء آخر يأمل أن يبتعد عنه عندما يئوب إلى نفسه، وهي تلك المخاوف أو الأفكار الغريبة عن نزول يوجين في الماء؛ فالانتحار لن يكون الكلمة التي يصف بها تلك الفعلة، ليس يوجين؛ ولا شك أنه كان سيجد طريقة متكلفة ومراوغة لوصفه؛ ولربما لم يكن عرض هذا الصباح سوى بروفة أو محاكاة عملية له. كان مرهقًا للغاية، وأخيرًا وجد مقعدًا خاليًا فجلس هناك فترة طويلة، متسائلًا إن كان بمقدوره استجماع قواه للعودة إلى المنزل ماشيًا. ••• قال لكالا: «باب يوجين مفتوح ونافذته مشرعة عن آخرها.» كان الصمت يغلف الغرفة من خلفها هذه المرة؛ فابتسمت له كما فعلت من قبل. فكَّر في النظر إلى عينيها، ولكنهما كانا عاديين حسبما رأى. كان مرهقًا للغاية ويشعر بدوار شديد، حتى إنه اضطر إلى التشبث بقائم السلم. قالت كالا: «دائمًا ما يترك باب غرفته مفتوحًا.» قال السيد لوهيد مرتجفًا: «لديَّ من الأسباب ما يثير قلقي عليه. أعتقد أنه علينا إبلاغ السلطات.» قالت كالا بصوت خفيض يكسوه الرعب: «الشرطة؟ أوه، لا يمكنك فعل ذلك. لا يمكنك فعل ذلك أبدًا.» «أعتقد أن خطبًا ألمَّ به.» «لعله غادر البلدة.» «لو فعلها، لما ترك كل متعلقاته.» «لعله فعلها. لعله غادر وحسب؛ ربما فكَّر فجأة في الرحيل كما تعلم، ومن ثم رحل.» «أعتقد أن عقله كان مشوشًا. أحسب أنه ربما فكَّر في … لعله ذهب إلى الماء مرة أخرى.» قالت كالا: «هل تظن ذلك؟» كان يتوقع أن تُفاجَأ، أن تصيح معترضة على ذلك، أو حتى أن تجعلها تلك الفكرة تبتسم، ولكنها بدلًا من ذلك بدت وكأنها تترك الاحتمالية تتطور ببطء وعلى مهل في رأسها. «هل تظن أنه قد يفعلها؟» «لا أدري. أعتقد أنه كان مضطربًا. أعتقد ذلك، لكنني أجد صعوبة في الحكم بما إذا كان أحدكم مضطربًا أم لا.» قالت كالا: «إنه ليس واحدًا منا؛ فهو أكبر سنًّا إلى حد ما.» وأردفت: «لكنه ربما أراد أن يفعل ذلك.» ثم سكتت لدقيقة لتقول: «إن رغبته في فعل ذلك شيء آخر تمامًا؛ فإذا كان هذا هو ما ينوي القيام به، فما لأحدٍ أن يمنعه، أليس كذلك؟ أو يشعر بالحزن عليه؛ فأنا لم أكُن لأشعر بالحزن على أي شخص.» استدار السيد لوهيد مبتعدًا، وقالت كالا بلهجة مقنعة: «والآن طاب مساؤك. أنا آسفة إذا ساءك ما وجدته على بابك.» وللمرة الأولى في حياته ظن السيد لوهيد أنه قد لا يستطيع ارتقاء درجات السلم. شك حتى في قدرته على ذلك. ربما عليه الذهاب إلى بناية سكنية، مثل بقيتهم، إذا أراد أن يبقى على قيد الحياة. سر يؤرقني
تسامح عائلي كثيرًا ما كنت أفكر: هَبْ أنني اضطررت للذهاب إلى طبيب نفسي، وأراد بطبيعة الحال أن أحكي له عن خلفيتي العائلية، فاستهللت حديثي معه بإخباره عن أخي؛ فحينها لن ينتظر حتى أكمل حديثي للنهاية، وسيأمر بإيداعي المصحة النفسية. حكيت ما جال بخاطري لأمي فضحكت قائلة: «أنت قاسية جدًّا على هذا الولد يا فال.» صحت قائلة: «الولد! تقصدين الرجل.» ضحكت مرة أخرى وأومأت برأسها اعترافًا بذلك، واستطردت: «لكن تذكري، الأطفال أحباب الله.» «كيف عرفتِ ذلك؟ حسبتك ملحدة.» بعض الأشياء التي جعلتني مستاءة منه لم يكن له يد في حدوثها؛ فعلى سبيل المثال صادف يوم ولادته أول يوم لي في المدرسة! ويا له من توقيت! كنت خائفة وأنا وحدي، لم يكن النظام الدراسي آنذاك مثل الآن حيث يذهب الأطفال إلى الحضانة أو الروضة أولًا بضع سنوات. كنت ذاهبة إلى المدرسة لأول مرة وأنا أرى كل الأطفال الآخرين بصحبة أمهاتهم. لكن أين أمي؟ إنها في المستشفى تضع مولودها. وكان هذا مصدر إحراج لي، فحينها صاحب تلك الأمور حرج شديد. لم يكن خطأه أنه ولد في هذا اليوم، كما لم يكن خطأه أن يتقيأ في حفل زفافي، ولك أن تتخيل، تقيأ على كل شيء؛ الأرض، والطاولة، حتى إنه وصل إلى الكعكة. لم يكن مخمورًا كما اعتقد بعض الناس، لكنه كان يعاني من أنفلونزا شديدة جدًّا، وأصابتني عدواها أنا وهارو بعد ذلك؛ كان هذا في شهر العسل! لم أسمع قبل ذلك عن أحدٍ مريض بالأنفلونزا يتقيأ بهذا الشكل على طاولة عليها مفرش من الدانتيل وعلى الشمعدانات وكعكة الزفاف. تستطيع أن تقول إن هذا سوء حظ؛ فأي شخص ربما يأتيه الشعور بالتقيؤ وهو قريب من الحمام. وأيضًا أي شخص آخر ربما يحاول قليلًا منع نفسه من التقيؤ. هذا لأن هذا الشخص الآخر ليس مميزًا مثل أخي الصغير، وهذا الشخص الآخر ليس محور الكون مثل أخي الصغير. إنه طفل بداخله، كما قال عن نفسه بعد ذلك. لن أتحدث عما حدث بين ولادته ويوم تقيأ في حفل زفافي، باستثناء أنه كان مريضًا بالربو، مما جعله يغيب عن المدرسة أسابيع طويلة، وفي هذه الأثناء كان يقضي وقته في الاستماع إلى المسلسلات الدرامية. في بعض الأحيان عندما نعقد هدنة بيننا، أجعله يقصُّ عليَّ ما حدث في مسلسل «الأخت الكبرى» ومسلسل «طريق الحياة» وذلك المسلسل الذي تظهر فيه جيجي والأب ديفيد. كان يتمتع بذاكرة قوية جدًّا تمكِّنه من تذكُّر كل الشخصيات وسرد الأحداث بالتفاصيل المملة، ومن الجدير بالذكر أنه كان يقرأ كثيرًا في سلسلة «الأبواب لعالم الكتب»، تلك المجموعة اللطيفة التي اشترتها لنا أمي، والتي هرَّبها من البيت ذات مرة ليبيعها لتاجر الكتب المستعملة مقابل عشرة دولارات. كانت أمي دائمًا تقول إنه لو أراد أن يصبح نابغة في المدرسة لكان له ذلك، وكانت تقول: أخوكِ هذا داهية، دائمًا ما يفاجئنا بأفعاله، وهو بالفعل كذلك. لم يَعُد يذهب إلى المدرسة نهائيًّا عندما كان بالصف العاشر، كان ذلك بسبب ضبطه ضمن مجموعة تغش، كانوا يسرقون امتحانات الرياضيات من مكتب المدرس؛ حيث كان يخدع البواب ليدعه يدخل المدرسة بعد انتهاء الدوام، بحجة أنه يعمل على مشروع خاص. هكذا كان أخي. كانت أمي تبرر ذلك بأنه يريد أن يكون محبوبًا وسط زملائه لإصابته بالربو وعدم استطاعته المشاركة في الألعاب الرياضية. الآن، سأتحدث عن أخي بالعمل. يستحسن أولًا أن أصرِّح باسمه، إنه كام، اختصارًا لكاميرون؛ وهو الاسم الذي اختارته أمي له؛ حيث إنه يناسب اسم رئيس جامعة، أو رجل أعمال شريف من كبار رجال الأعمال (هذا ما كانت تخطط له وتتمنى حدوثه). السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يمكن أن يفعله شخص مثل أخي لكسب عيشه؟ حتى وقت قريب لم تكن الدولة تدفع إعانة لمن لا يملك المال الكافي ولا يعمل؛ لذا كان يجب على كل شخص العمل ليجد قوت يومه. استطاعت أمي أن تجد له وظيفة مرشد بالسينما، حيث كانت تعرف صاحب العمل الذي كان مديرًا للمسرح الدولي القديم بشارع بلاك ستريت. اضطر أخي إلى ترك العمل؛ لأنه يعاني فوبيا الظلام، كما قال؛ فهو يشعر أن شكل الناس الجالسين بالظلام مريب ومرعب. ظهرت مشكلته مع الظلام في عمله مرشدًا، لكن عندما يذهب إلى السينما مشاهدًا فإنه لا يشعر بأي خوف، فهو مغرم بالأفلام؛ في الواقع، كان يقضي أيامًا بأكملها في التنقل بين دور السينما؛ فيجلس بواحدة ليشاهد نفس العرض مرتين، ثم ينتقل إلى أخرى ويشاهد ما يعرض هناك كما يحلو له. من المؤكد أنه كان يفعل شيئًا يشغل به وقته، حيث كنا نعتقد جميعًا، إضافة إلى أمي، أنه يعمل بمكتب محطة حافلات جريهاوند بعدما استقال من السينما. كان يخرج صباحًا بميعاد العمل ويعود ليلًا بميعاد نهاية الدوام، ويحكي لنا عن الرجل العجوز المسئول عن المكتب، وكيف أنه حادُّ الطبع، كما يحكي لنا عن تلك المرأة العجوز منحنية الظهر التي تعمل هناك منذ عام ١٩١٩، وكيف أنها تثور ثائرتها من البنات اللاتي يمضغن اللبان. أوه، يا لها من قصة محكمة التفاصيل تنبض بالحياة تصلح لأن تكون حبكة لمسلسل درامي؛ ما لم تكتشف أمي أنه يخدعنا، كان هذا عندما اتصلت تشكو من عدم استلامه لراتبه — بسبب خطأ مطبعي في حروف اسمه، حسب قوله — وهنا اكتشفت أنه استقال في منتصف اليوم الثاني لعمله هناك. كل ما قالته أمي تعليقًا على هذا: حسنًا، الذهاب للسينما أفضل من الجلوس في الحانات، فهو على الأقل لم يتعاطَ مع العصابات الإجرامية. سألته ما الفيلم المفضل لديه، وقال إنه «سبع عرائس لسبعة إخوة»، ثم قالت لي معقبة: أرأيتِ؟ إنه يحب الحياة في الهواء الطلق، فهو لم يُخلَق للجلوس على مكتب. لذا أرسلَتْه للعمل لدى بعض أقاربها الذين يمتلكون مزرعة في فرايز فالي. ومن الجدير بالذكر هنا أن والدي أنا وكام متوفى، كان متوفى في الوقت الذي كان كام فيه مصابًا بالربو ويجلس بالبيت ليستمع إلى المسلسلات الدرامية. وفي الواقع لم تشكِّل وفاته فارقًا كبيرًا في حياتنا؛ فقد اعتدنا غيابه الدائم بسبب عمله محصلًا لشركة الغاز والكهرباء، عندما بدأت نشاطها في سكواميش، كما عاش لبعض الوقت في ليلويت. فلم يتغيَّر أي شيء؛ حيث كانت أمي تذهب إلى عملها عند آل إيتون كما كانت قبل ذلك دائمًا، كانت تذهب بالمعديَّة ثم تستقلُّ الحافلة؛ وبينما كنت أحضِّر أنا العشاء، كانت هي تصعد التل في تثاقل في ظلمة الشتاء. رحل كام من المزرعة بزعم أن أقارب أمي كانوا متدينين جدًّا، وكانوا دائمًا يحاولون إجباره على التجاوب معهم في هذا، وتفهَّمت أمي مشكلته، فهي التي قامت بتربيته ليكون صاحب رأي. سافر بعد ذلك متطفلًا إلى الشرق، وكان يرسل لنا خطابًا من آنٍ لآخر. ذات مرة طلب أموالًا حيث عُرض عليه عمل في كيبيك إذا استطاع الحصول على المال للذهاب إلى هناك، فأرسلت له أمي المال. وكتب إلينا يخبرنا بأنه بدأ العمل، لكنه لم يَرُدَّ المال. لقد أنشأ هو واثنين من أصدقائه مزرعة للديوك الرومي؛ وأرسلوا لنا خطط دراسة الجدوى والمقايسات، وكان من المفترض أن يعملوا لحساب شركة بيورينا، ومن ثم لن يكون هناك مجال للخسارة. بعدما أرسلت أمي له المال — وأرسلنا له نحن أيضًا رغم إدراكنا أن هذا ليس قرارًا حكيمًا — علمنا بأن الديوك قد غرقت جميعًا جراء الفيضان. قالت أمي إن أي مكان يحل هذا الولد به يتحول لكارثة. وإذا قرأت عما حدث في قصة من القصص فلن تصدقها. وعلى قدر ما هو أمر فظيع فإنه مضحك في ذات الوقت. كانت أمي على علم بذلك. اعتدت زيارتها كل أربعاء — يوم عطلتها — ذاهبة إليها أدفع عربة الأطفال وبها كارين، ثم وبها تومي حيث أصبحت كارين تسير على قدميها وتمشي إلى جواري، وكنا نتخذ طريق لونسدال، وطريق كينجز رود وصولًا إليها. تُرى ما الذي كنا نتحدث عنه طوال الوقت؟ كانت أمي تقول: سأترك هذا الصبي، بالتأكيد سأتخلى عنه في يوم من الأيام. وتساءلتْ: إلى متى سيظل يعتمد عليَّ في كل شيء؟ لم أنبس ببنت شفة بشأن هذا الموضوع؛ فهي أولًا وأخيرًا تعلم رأيي فيه تمامًا، وكل مرة تنهي حديثها عنه قائلة: «مع ذلك فهو رفيق جيد بالمنزل، وصحبته لطيفة، فهو يجعلني دائمًا أضحك.» أو تقول: «مسكين؛ لديه الكثير من المشاكل التي يصارعها؛ فهو يتيم الأب، ويعاني من الربو، هذا الولد لم يقصد في أي وقت أن يجرح مشاعر أحدٍ.» وقالت ذات مرة: «الشيء الحسن الذي فعله في حياته هو تلك الفتاة، يمكنك أن تقولي إنها نقطة تحوُّل في حياته.» كانت تقصد تلك الفتاة التي أتت إلينا قائلة إنها خُطبت إليه في هاميلتون، أونتاريو، واستمرت هذه الخطبة إلى أن قال لها إنه لا يمكن أن يتمم الزفاف؛ لأنه يعاني مرضًا وراثيًّا قاتلًا بكليته. أرسل لها خطابًا بهذا؛ فأتت لتطمئن عليه وتخبره أن هذا لا يهم. كان جمالها معقولًا، وكانت تعمل في شركة بيل للهواتف. قالت لها أمي إنه حاك تلك الكذبة البيضاء لكيلا يجرح مشاعرها بأنه لن يتزوجها، في حين قلت إن هذا لطف كبير منها أن تتحمل الوقوف بجانبه بقية حياته. كانت هذه الفتاة ستسهل علينا الأمور قليلًا. لكن كان هذا ماضيًا وذهب، ونحن أبناء اليوم، وكما نعرف جميعًا لا شيء يبقى على حاله. أصبحت الأمور أيسر بالنسبة لكام؛ حيث استقر بالمنزل مدة عام ونصف، بدأ شعره يتساقط من الأمام؛ ليس غريبًا على رجل بسن الرابعة والثلاثين، وبدأ اللون الرمادي ينتشر في شعره الأشعث. كان يرتدي ثوبًا بني اللون ذا خامة قاسية؛ يخيل لي أنه مصنوع من الخيش (سألت هارو إن كانت ملابسه من الخيش)، كان يعلق على صدره كل أنواع السلاسل، والميداليات، والصلبان، وسن الأيل أو ما شابه، وكان ينتعل صندلًا من السيور، صنعه له أحد أصدقائه. كان كام يحصل على إعانات البطالة، ولم يطلب أحدٌ منه أن يعمل، ومن ذا الذي يتجرَّأ على ذلك؟ كان إذا طُلب منه أن يكتب وظيفته فإنه يكتب قسيسًا. هذه حقيقة! إذ كانت هناك مجموعة كاملة تضم من هم على شاكلته، ويسمون أنفسهم قسيسين، كانوا يمتلكون بيتًا في كيتسيلانو؛ حيث يمكث كام هناك أحيانًا كثيرة. كانوا في منافسة مع رابطة هير كريشنا، الفرق الوحيد أنهم لا ينشدون الترانيم، فهم يمشون مبتسمين فقط. كانت نبرة صوت كام غير محتملة؛ إذ كانت نبرة رفيعة جدًّا وناعمة وذات وتيرة واحدة، ولدى سماعي له أتمنى الوقوف بوجهه قائلة: «هناك زلزال في تشيلي، ومائتا ألف شخص لقوا حتفهم لتوِّهم هناك، وهناك قرية أخرى في فيتنام احترقت، وضربت المجاعة الهند كالعادة.» فقط لأرى هل سيظل ينشد بتلك النبرة الناعمة قائلًا: «لطيييف جدددًا، لطيييف جدددًا.» بالطبع هو لا يأكل اللحوم الآن، فكل طعامه أصبح من الحبوب الكاملة والخضراوات الورقية. ذات مرة دخل المطبخ بينما أقطع بعضًا من البنجر — وكان محرَّمًا لأنه من الخضراوات الجذرية، الخضراوات الورقية فقط هي المسموح بها لديه — فقال لي: «أتمنى لو تدركين أنك ترتكبين جريمة قتل بفعلتك هذه.» نظرت إليه شزرًا قائلة: «كلا، لكن سأمهلك دقيقة لتخرج من هنا، وإلا ارتكبت جريمة قتل بحق.» كما ذكرت، كان يبيت بالمنزل بعض الوقت، وقد كان موجودًا في مساء الاثنين عندما أحست أمي بإعياء شديد. كانت تتقيأ. قبل هذا بيومين كان قد أقنعها ببدء رجيم الخضراوات — كانت دائمًا تَعِده بتجربة الأمر — وكان يقنعها بأنها تتقيأ كل السموم القديمة التي اختزنتها بجسدها جراء تناول اللحوم والسكريات وغيرها. وقال لها إن هذا علامة طيبة، وإنها حينما تتقيأ كل هذا ستشعر بتحسن، لكن على العكس من ذلك؛ فقد استمرَّت في التقيؤ، ولم تشعر يومًا بأي تحسُّن. كان عليه أن يذهب، حيث يُعقد لقاؤهم الأسبوعي في مساء يوم الاثنين بمنزل القسيسين، حيث ينشدون ويشعلون البخور ويحتفلون بالقداس الأسود، على حد علمي بذلك. مكث هناك معظم الليل، وعندما عاد وجد أمي مغشيًّا عليها بالحمام. فاتصل بي: «فال، أعتقد أنه من المستحسن أن تحضري الآن وتحاولي مساعدة أمي.» «ماذا حدث لها؟» «إنها ليست على ما يرام.» «ماذا حدث لها؟ دعني أحدِّثها.» «لا تستطيع.» «لِمَ؟» أقسم أنه ضحك ضحكة مكبوتة، ثم قال: «حسنًا، أخشى أنها قد رحلت.» اتصلتُ من فوري بالإسعاف وأبلغتهم بعنوانها، وهكذا نُقلت إلى المستشفى في الخامسة صباحًا. اتصلتُ بطبيب العائلة، الذي أتى مصطحبًا الدكتور إليس بيل، أحد أفضل أطباء القلب المشهورين في المدينة، وشخَّصَا الحالة على أنها مشكلة بالقلب. ارتديت ملابسي على الفور وأيقظت هارو وأخبرته بما حدث، ثم قدت السيارة مباشرة لمستشفى لايونز جيت حيث لم يسمحوا لي بالدخول إليها قبل الساعة العاشرة؛ فقد كانت بالعناية المركزة. جلست بغرفة الانتظار، غرفة صغيرة بشعة ورطبة، بها كراسي حمراء زلقة، ذات أغطية رخيصة، ومقعد كبير مغطًّى بالحصى وأوراق الشجر البلاستيكية. جلست هناك والوقت يمر ثقيلًا، ساعة بعد ساعة، أتصفح مجلة ذا ريردز دايجيست، أقرأ صفحة الفكاهة، وأنا أفكر: هل هذا يحدث بالفعل؟ حقًّا؟ هل أمي تُحتضَر؟ الآن، خلف هذه الأبواب أمي تحتضر. لا شيء يستطيع منع هذا من الحدوث، ولا شيء يمنعني من الإحساس بالأمر بهذا الشكل. بدأتُ أفكِّر بكل تفاصيل حياة أمي منذ أن بدأتُ أعي الأشياء؛ كانت تذهب إلى العمل كل يوم، في البداية بالمعديَّة وبعد ذلك بالحافلة؛ كانت تتسوَّق بمتجر ريد آند وايت القديم قبل افتتاح سوبر ماركت سيفواي الجديد. الجديد! كان افتتاحه من خمسة عشر عامًا! كانت تذهب إلى المكتبة يومًا واحدًا بالأسبوع وتصطحبني معها، كنا نعود بالحافلة محمَّلَيْن بمجموعة ضخمة من الكتب وكيس من العنب نشتريه من السوق الصيني ليكون حلوانا. في أيام الأربعاء بعد الظهيرة، كان أطفالي صغارًا وكنت أزورها لأحتسي معها كوبًا من القهوة، وكانت هي تلف لنا السجائر على تلك الأداة العجيبة لديها. لم أكُن أظن أن تلك الأحداث هي الحياة؛ فعندما تنخرط في القيام بها، تكون مجرد أمور تقوم بها، أحداث روتينية تملأ أيامك بها، والآن عندما تفكر أن تلك الأشياء من الممكن أن تزول، حينها فقط تدرك أن تلك هي الحياة. ولكن ليس هذا ما تود حدوثه؛ أن تزول تلك الأشياء وتجد نفسك في خضم الحياة، فأنت مرتاح للكيفية التي تجري بها الأمور، لكنك تتوقع حدوث ذلك. ثم تحتضر أنت، تحتضر أمي، ويبقى كل شيء كما هو: الكراسي البلاستيكية كما هي، النباتات البلاستيكية كما هي، الحياة العادية بالخارج مع الناس الذاهبين للبقالات، والمتوجهين للمكتبة، هكذا. والآن تبدو العودة بالحافلة محملة بالكتب والعنب تستحق الرغبة فيها. يا إلهي، ليس الآن، أنا مستعدة للتضحية بأي شيء لأستعيد تلك اللحظات. عندما سمحوا لي بالدخول لرؤيتها، كان وجهها مزرقًّا، لم تكن عيناها مغلقتين تمامًا، لكن جفونها مسبلة تاركة فرجة صغيرة لا يظهر منها إلا بياض العينين. دائمًا ما كانت تبدو مريعة عندما تخلع طقم الأسنان، على كل حال، لم تكن تسمح لنا قط بأن نراها هكذا، ولطالما حاول كام إغاظتها لكبريائها المفرط، أما الآن فلا وجود له؛ لذلك كنت أعتقد أن هذا هو شكلها دائمًا حتى عندما كانت أصغر، كانت ستبدو مثل هذا. لم يعطوني أملًا بالمستشفى، وعندما أتى هارو نظر إليَّ وأحاط كتفي بذراعيه قائلًا بتأثر: «فال، يجب أن تكوني مستعدة لما سيحدث.» كان سليم النية، لكني لم أستطِع محادثته، إنها ليست أمه، إنه لا يستطيع تذكر أي شيء عنها. أعلم أن هذا ليس ذنبه، لكني لم أُرِد التحدث معه، لم أُرِد أن أسمعه يقول لي إنه من الأفضل أن أكون مستعدة. ذهبنا لتناول شيء في كافتيريا المستشفى. عندئذٍ قال لي هارو: «من الأفضل أن تتصلي بكام.» «ولِمَ؟» «أظن أنه سيرغب في معرفة ما حدث.» «لماذا تظن أنه سيرغب في معرفة ما حدث؟ لقد تركها وحدها مريضة ليلة أمس، ولم يخطر بباله حتى أن يطلب لها الإسعاف عندما وجدها بحالتها هذه هذا الصباح.» «في كل الأحوال أعتقد أن من حقه أن يعرف أين هي، أعتقد أنك يجب أن تخبريه حتى يأتي.» «قد يكون منشغلًا عنا الآن؛ لأنه يجهز لجنازة تليق بجماعته من الهيبيين.» استطاع هارو إقناعي كالعادة، فذهبت مجبرة لمهاتفته، اتصلت ولم يَرُدَّ أحدٌ، شعرت براحة لأني اتصلت، وبذلك بررت ما كنت أقوله بشأن عدم وجود كام إلى جوارنا. فعدت مكاني أنتظر وحدي. حوالي الساعة السابعة ذلك المساء ظهر كام، لم يكن وحده؛ فقد أحضر معه زمرة من القسيسين زملائه، أعتقد أنهم من نفس المنزل. كانوا جميعًا يرتدون نفس الثياب، تلك الجلاليب البنية المصنوعة من الخيش، وتلك السلاسل، والصلبان، والأدوات المقدسة، وكانوا جميعهم طوال الشعر. كانوا يبدون جميعًا في عمر أصغر من كام، ما عدا رجلًا واحدًا، كان عجوزًا جدًّا، شعره مجعد، ولديه لحية رمادية مموجة، وكان حافي القدمين — في شهر مارس — وبلا أسنان. أعتقد أنهم التقطوه من جيش الخلاص وألبسوه تلك الثياب؛ لأنهم احتاجوا إلى رجل عجوز لجلب الحظ، أو لأنه يمنحهم قدرًا أكبر من القدسية، أو شيئًا كهذا. قال كام: «هذه أختي، فال. هذا الأخ مايكل، الأخ جون، وهذا الأخ لويس.» قدمهم إليَّ جميعًا. «لم يَقُل أحدهم شيئًا يبعث على الأمل يا كام، إنها تحتضر.» قال كام بابتسامته الخفية: «نأمل ألا يكون الأمر هكذا، لقد قضينا اليوم كله نعمل من أجلها.» قلت متسائلة: «أتقصد تصلون؟» «إن كلمة «نعمل» تصف ما نفعله أفضل من كلمة «نصلي»، هذا إذا كنتِ تدركين ما نفعل.» حسنًا، بالطبع لن أدرك، فظللت صامتة، في حين استطرد: «ما الصلاة الحقة إلا عمل. صدقيني.» فابتسموا لي جميعًا نفس ابتسامته في ذات الوقت. لم يستطِع أحدهم الوقوف ثابتًا بمكانه، كانوا مثل الأطفال عندما يودون قضاء حاجتهم؛ فهم يهتزون ويميلون يمنة ويسرة بخطوات صغيرة مضطربة. أضاف كام بنبرة عملية: «والآن أين غرفتها؟» لم أفكر في شيء إلا أن أمي تحتضر بغرفتها، ومن تلك الفرجة الصغيرة بين جفونها — من يدري، لعلها ترى من حين لآخر — ربما تفتح عينيها لترى ذلك الحشد من الشياطين يقيمون الصلوات حول سريرها. فقدت أمي إيمانها المسيحي منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها وانضمت للكنيسة الوحدانية، ثم تحولت عنها لاحقًا عندما انقسموا حول شطب اسم الله من الترانيم (كانت هي مؤيدة لذلك)، أقول إذا رأتهم أمي فستقضي الدقائق الأولى من وعيها في محاولة فهم ما يجري، ربما تعتقد أنها عادت بالتاريخ إلى العصور التي يتقافز فيها المختلون أثناء إقامة مراسمهم الجنونية، وتحاول جاهدة تنظيم شتات آخر أفكارها العقلانية وسط ما يفعلونه. أحمد الله أن الممرضة رفضت دخولهم، وأرسلوا في طلب الطبيب المقيم الذي أجاب بالرفض أيضًا. لم يُصِرَّ كام على الدخول، بل ابتسم وأومأ برأسه لهم كأنه إيذان لهم ببدء شيء ما، بعد ذلك عاد بجماعته إلى غرفة الانتظار، أمام عيني مباشرة، وبدءوا مراسمهم. وضعوا الرجل العجوز بالمنتصف، وبدوره أحنى رأسه وأغمض عينيه — وكان عليهم أن ينقروه ليذكروه بما عليه فعله — ثم جلسوا جميعهم القرفصاء في دائرة غير منتظمة، ووجوههم للداخل والخارج بالتعاقب. بعد ذلك أغمضوا أعينهم، وبدءوا في التمايل للأمام والخلف، ينوحون بكلمات بأصوات ناعمة جدًّا، لكن ليس جميعهم يقولون نفس الكلام، فكما يبدو، كلٌّ منهم يردد كلمات مختلفة عن أخيه، ولم تكن الإنجليزية هي اللغة التي ينوحون بها؛ إذ بدا أنها اللغة السواحلية، أو السنسكريتية أو شيء من هذا القبيل. بدأت أصواتهم تعلو بالتدريج، ثم وقفوا وارتفعت أصواتهم بالغناء بوتيرة واحدة، عدا الرجل العجوز، ظل جالسًا وبدا كأنه قد نام، بدءوا يرقصون في هرج، ويصفقون بأيديهم، لكن ليس على نحو متزامن. ظلوا بهذه الحالة فترة طويلة، ومع أن الجلبة التي يحدثونها لم يكن صوتها عاليًا بشدة، فإنها استرعت انتباه الممرضات ومعاونيهن، وبعض الناس القليلين المنتظرين مثلي. نظر إليهم الجميع ولم يَعِ أحدٌ ما يحدث؛ فقد كان بحق شيئًا لا يصدقه عقل، فعلًا جنونيًّا جدًّا، بغرفة الانتظار الصغيرة تلك. كل الموجودين كانوا يحدقون كأنهم نائمون ويحلمون بشيء ما يتوقعون الإفاقة منه بين لحظة أو أخرى، ثم أتت ممرضة خارجة من العناية المركزة قائلة: «غير مسموح بكل هذا الإزعاج هنا، ماذا تظنون أنكم فاعلون؟» ثم أمسكت بواحد منهم من كتفه وهزته؛ إذ ما كانت لتسترعي انتباه أحدهم دون ذلك، أو توقفه عما يفعل. قال لها: «نحن نعمل لمساعدة امرأة مريضة جدًّا.» «لا أدري ما الذي تدَّعي أنه عمل، لكنك لا تساعد أحدًا بذلك. الآن أطلب منك ومن أعوانك الانصراف من هنا. معذرة، أنا لا أطلب، بل آمرك.» «أنت مخطئة إذا كنتِ تظنين أن صوتنا من الممكن أن يضر أو يزعج أحدًا هنا، فهذه الشعيرة معدة خصوصًا لتُلقى بطبقة صوت تصل العقل الباطن وتريح صاحبه، وتستخرج الأعمال الشيطانية التي أودت به إلى هنا، من جسده. إنها شعيرة تمارس منذ خمسة آلاف عام.» قالت الممرضة، وقد اتسعت حدقتا عينيها عن آخرهما من فرط الدهشة: «يا إلهي! مَن هؤلاء الناس؟» اضطررت أن أُعلِمها أن هذا أخي، ومن معه يمكنك أن تسميهم أصدقاءه، وأنا لا دخل لي بالشعيرة التي يمارسونها، أنا أريد أن أسأل عن أمي، إذا كان هناك تغيُّر بحالتها. قالت: «لا يوجد تغير.» ثم سألت: «ما الذي يمكننا فعله لنخرجهم من هنا؟» قال أحد الممرضين: «افتحي خرطوم الماء عليهم.» وطوال هذا الوقت لم يتوقف الرقص أو الطقس الجاري أبدًا، أما الشخص الذي توقف للحظات ليشرح للممرضة ما يفعلونه فقد عاد مرة أخرى لموقعه بالرقص. فاستأنفت حديثي للممرضة: «سوف أتصل لأطمئن على حالتها، سأذهب إلى المنزل لبعض الوقت.» خرجت من المستشفى، وفوجئت حينما وجدت أن الظلام قد حل، واكتشفت أني مكثت هنا يومًا كاملًا، من ليلة إلى الليلة التي تليها. وقفت في ساحة الانتظار وبدأت أبكي، وقلت لنفسي، كام حوَّل المستشفى إلى سيرك لمصلحته، وقلتها بصوت عالٍ عندما عدت إلى المنزل. أعدَّ لي هارو مشروبًا. قلت: «أمام كام فرصة كبيرة للشهرة، سيصبح مادة خصبة للصحف.» اتصل هارو بالمستشفى، ليستقصي عن أخبار جديدة، لكن لم يكن هناك جديد: «هل وجدتم صعوبة في إقناع هؤلاء الشباب بترك غرفة الانتظار؟ هل رحلوا بهدوء؟» هارو يكبرني بعشر سنوات، رجل رصين، وصبور جدًّا مع كل الناس. كنت أحيانًا أعتقد أنه يعطي كام نقودًا لا أعلم عنها شيئًا. قال لي: «لقد رحلوا بهدوء. لا تقلقي بشأن الصحف، وخذي قسطًا من النوم.» لم أقصد أن أنام على الأريكة، ولكن هذا ما حدث، بعد اليوم الطويل وبعد الشراب. استيقظت على صوت جرس الهاتف، ورأيت نور الصباح ينفذ من الشباك ليضيء الحجرة. تعثرت في طريقي إلى المطبخ، أجرُّ خلفي البطانية التي وضعها هارو عليَّ. استرقت نظرة على ساعة الحائط، وجدتها السادسة إلا الربع. كل ما خطر في بالي أنها قد توفيت. كان على الهاتف طبيبها الخاص. قال إن لديه أخبارًا مبشرة بالخير؛ فقد تحسنت كثيرًا ذاك الصباح عن أمس. سحبت كرسيًّا ليسقط جسمي عليه، وارتميت بيديَّ ورأسي على منضدة المطبخ لألتقط أنفاسي. رفعت سماعة الهاتف مرة أخرى لأسمعه يقول إنها ما زالت بحالة حرجة، وأن الثماني والأربعين ساعة القادمة هي ساعات الحسم، التي ستحدد وضعها بالضبط، وقد أرادني فقط أن أعرف أنها تستجيب للعلاج مبدئيًّا، دون أن أرفع سقف آمالي. قال إن هذا تطوُّر مفاجئ، نظرًا لوصولها المستشفى بحالة متأخرة جدًّا، وأن ما فعلوه لمساعدتها في البداية بدا أنه غير ذي تأثير كبير، إلا أن تجاوزها الساعات الأولى كان بالتأكيد علامة مبشرة. جال بخاطري أنه لم يعلمني أحدٌ بالأمس عن تلك العلامة المبشرة. جلست مدة ساعة على الأقل بعدما أغلقت الخط، أعددت كوبًا من القهوة سريعة التحضير، كانت يداي ترتعشان لدرجة أني صببت الماء في الفنجان بصعوبة، ولم أستطِع بعد ذلك رفعه إلى فمي، فتركته حتى برد. أخيرًا أتى هارو مرتديًا منامته، ألقى عليَّ نظرة سريعة وقال: «على رسلك يا فال، هل توفيت؟» «كلا، بل أصبحت أفضل إلى حدٍّ ما، إنها تستجيب للعلاج.» «لكن منظرك يوحي بالعكس.» «كل ما هنالك أني مندهشة.» «لم أكن لأراهن على نجاتها أمس.» «أعرف، أنا أيضًا لا أصدق.» قال هارو: «إنه التوتر، أعلم ذلك؛ فقد هيأتِ نفسك لحدوث شيء سيئ، وعندما لم يحدث شعرت بذلك الإحساس الغريب، لم تشعري بالسعادة لدى سماعك لهذا، هذا الإحساس يشبه خيبة الأمل تقريبًا.» خيبة الأمل! ظل معنى تلك الكلمة يلازمني. كنت سعيدة بحق، وممتنة، لكن بأعماقي كنت أفكر، فبعد كل ذلك لم يتسبب كام في قتلها، بإهماله وجنونه وتجاهله لها، هو لم يقتلها، بل أنا كنت أقتلها! نعم كنت أقتلها. شعرت بأسى كبير يعتري جزءًا مني عندما اكتشفت أن تلك هي الحقيقة. أعلم أن هارو يدرك ذلك، لكنه لن يتحدث معي أبدًا بهذا. هذه هي الحقيقة التي صدمتني، وجعلتني لا أكفُّ عن الارتعاش على هذا النحو؛ لا علاقة للأمر بأن أمي ستموت أو ستكتب لها النجاة، بل بما عرفته عن حقيقتي بجلاء. تحسَّنت أمي، نجت من وعكتها، وبعدما استعادت قواها، لم تنتكس مرة أخرى. ظلت بالمستشفى ثلاثة أسابيع، ثم عادت إلى المنزل واستمرت بفترة نقاهة ثلاثة أسابيع أخرى، ثم عادت إلى العمل، وأنقصت من عدد ساعات عملها؛ حيث أصبحت تعمل من العاشرة حتى الرابعة، بدلًا من الدوام الكامل؛ ما يُطلق عليه دوام ربات البيوت. ومن حينها أخذت تحكي لكل الناس عن كام وأصدقائه عندما أتوا للمستشفى، كانت تقول أشياء من قبيل: «حسنًا، لم ينجح ابني في أي شيء إلا أنه يمتلك موهبة لإنقاذ الأرواح، يجب على المرء الاعتراف بذلك.» أو تقول: «ربما يجب على كام العمل بمجال المعجزات، فما فعله معي معجزة بكل تأكيد.» أما كام فكان يقول حينئذٍ، كما يقول الآن، إنه غير مطمئن تمامًا لهذا الدين؛ فقد سئم من هؤلاء القساوسة، وسئم من عدم أكله اللحوم، والخضراوات الجذرية. كان يقول إنها مرحلة في حياته، وإنها تجربة سعد بخوضها، وكانت مرحلة لاستكشاف الذات. ذات يوم عندما كنت بالمنزل وجدته يقيس حُلة من ملابسه القديمة وربطة عنق، قال إنه سيجرب الالتحاق ببعض دورات تعليم الكبار؛ إذ يفكر في أن يصبح محاسبًا. كنت أنا نفسي أفكر كيف أنني تغيرت، وأنني أصبحت إنسانة مختلفة تمامًا عما كنت عليه، كنت بالفعل أتأمل ذلك، قرأت كتابًا اسمه «فن الحب»، وأثناء قراءتي له بدأت الأمور تتكشف لي أوضح، لكن بعد فترة من قراءتي له عدت كما كنت تقريبًا. كان هارو يقول لي على كل حال ما الذي اقترفه كام ليجرحك بهذا الشكل، وكيف أنني صرت أفضل حالًا منه بعد ما مررت بذلك الإحساس في الليلة التي كُتبت فيها النجاة لأمي ولم تمُت! قطعت وعدًا على نفسي أني سأحاول. ذهبت إليهم ذات يوم، وأحضرت لهم كعكة مخبوزة — التي يأكلها كام الآن بسعادة غامرة مثل أي شخص آخر — فسمعت أصواتهم في الفناء؛ إنه الصيف حيث يحبون الجلوس تحت الشمس، وسمعت أمي تقول لأحد الزائرين: «أوه، كنت على وشك أن ألقى نحبي، ثم أتى كام، ذلك المعتوه، أتى ليرقص أمام الباب مع أصدقائه المجانين …» زمجر كام قائلًا: «يا إلهي، كم مرة أقول لك يا امرأة إنهم أعضاء رابطة قديمة مقدسة.» لكن يمكن القول إنه لم يَعُد يبالي الآن. كان لديَّ إحساس غريب، كنت أشعر كمن يمشي على الجمر ويجرب تعويذة كي لا يحترق بلهيب النار. التسامح العائلي هو لغز بالنسبة لي، كيف يتحقق وكيف يستمر؟ لا علم لي. سر يؤرقني
قل لي نعم أو لا دائمًا ما أتخيلك ميتًا. لقد قلت لي إنك أحببتني منذ سنوات مضت، منذ سنوات. وقلت لك إنني أحبك أيضًا، كنت واقعة في حبك حينذاك. كانت تلك مبالغة. ••• في تلك الأيام كنت فتاة صغيرة، ولكن لم أكُن أدرك ذلك؛ لأن الأعراف كانت مختلفة آنذاك. فبينما ترسل فتيات هذه الأيام شعرهن إلى خصورهن، ويسافرن عبر أفغانستان، متنقلات في خفة وسلاسة — كما يبدو لي — بين عشاقهن العابرين المتنوعين والأبرياء، كان النعاس يغلبني وأنا أغسل الحفاضات، مرتدية روبًا قطنيًّا أحمر واجهته مبللة، وكنت أدفع عربة أطفال على طول الطريق المؤدي إلى المتجر (ومن كثرة اعتيادي على دفع العربة كنت أشعر من دونها بخفة مثيرة للقلق وبضرورة إعادة توزيع وزن جسمي فأميل إلى الخلف). كنت أقرأ وأروح في النوم على الأريكة في المساء. كانت أحوالنا نحن النساء في عصري يرثى لها لما نقوم به من عمل شاق، ونحن ذاتنا كنا نشعر بالرثاء لأنفسنا، ولكن، للحقيقة، لم يكن الأمر سيئًا دائمًا، بل كان في بعض الأحيان مريحًا؛ الأعمال المعتادة، والمكافآت الصغيرة من القهوة والسجائر، وتبادل الأحاديث المحبطة والفكاهية التي نحاول إضفاء الرسمية عليها مع نساء أخريات، وأحلام النوم المترفة. في ذلك الحين كنا نعيش في مجتمع يُسمى الأكواخ، على حافة الحرم الجامعي، التي كانت في الحقيقة معسكرات للجيش تستخدم مأوًى للطلبة المتزوجين. أخذت أقرأ رواية «الجبل المسحور» طوال شتاء كامل؛ إذ كنت أروح في النوم فتقع الرواية على صدري. في بعض الأحيان كنت أقرأ بصوت لدوجلاس، عندما يكون مرهقًا للغاية بحيث لا يستطيع بذل مزيد من الجهد، وعندما أنهيت قراءة «الجبل المسحور» كنت أعتزم قراءة رواية «البحث عن الزمن المفقود». كنا نترنح وصولًا إلى السرير يحتضن كلٌّ منا الآخر يجمعنا الاشتياق إلى النوم، ولكني كنت أقوم عن الفراش من حين لآخر في وقت لاحق وأدخل الحمام لأضع العازل الأنثوي حتى لا يحدث حمل. ولو نظرت من النصف العلوي لنافذة الحمام خلال الفجوة في الستائر البلاستيكية لاستطعت رؤية الأنوار في نوافذ بعض حمامات المستعمرة الأخرى، ويمكنني تخيل الزوجات الأخريات وهن يؤدين نفس مهمتي في المساء ويضعن العازل الأنثوي. فالمخلوقات ذوات الاستخدام النهاري اللاتي لا تراهن بعيدات عن الرضع ومواقد الكيروسين وأحواض الغسيل يتحولن الآن إلى الاستخدام المسائي لهن بما يصاحبه من شعور — سرعان ما يخبو — بالذنب والتألق في الوقت ذاته. أتذكر في ذلك الزمن البعيد — من أربع أو خمس سنوات؛ إذ تبدو تلك الفترة مدة طويلة في الواقع بالنسبة لي — كيف أن الجنس كان يبدو لي مروعًا (كنا نقرأ أعمال لورانس، وكانت العديدات منا عذارى حتى سن العشرين). أما الآن فقد تقلصت تلك العلاقات إلى علاقات خاطفة رتيبة تحتضنها بشكل مناسب بما فيه الكفاية هذه المآوي ولا تخرج عنها. لم أشعر بشيء ملموس جدًّا في حياتي كما شعرت بالحرمان. وببساطة شعرت بالتغيير كما يشعر المرء بتضاؤل بهجة الكريسماس. ظننت أن مثل تلك التغييرات قد حدثت لأنني كبرت وصارت الأمور مملة بالنسبة لي. الكلمة التي دأبنا على استخدامها هي «ناضج»؛ حيث كنا نلتقي شخصًا كنا نعرفه منذ بضع سنوات مضت فنقول إن هذا الشخص قد نضج كثيرًا. لعلك تعرف كما يعرف الجميع الأوهام التي كنا نشترك فيها جميعًا في الخمسينيات؛ فمن السهل جدًّا أن تسخر منهم، وأن تقول إن من علامات النضج امتلاك غسالات أوتوماتيكية وكتمان السخط السياسي وإدمان إنجاب الأطفال واقتناء السيارات. سهل جدًّا ولكنه ليس الحقيقة كاملة؛ لأنه يتغافل عن شيء كان جذابًا، كما أعتقد، في منطقة ثقلنا وسيطرتنا: حبنا للحدود. لم يكن للخيانة مكان في الأكواخ ولا في أي مكان آخر كنت أعرفه. كان يعيش كلٌّ منا بالقرب من الآخر، وكنا فقراء ومشغولين لأبعد الحدود. كان هناك قليل من ومضات الشهوة في الحفلات، وربما لم يكن بمقدورنا تحمل مصاريف الشرب بما يكفي لتطور الأمر. تقول إنك واقع في حبي فأردُّ عليك بأنني واقعة في حبك، ولكن الحقيقة مختلفة بالتأكيد. من المرجح أننا كنا نستشفُّ فكرة ما، من خلالنا، فكرة لم نفكر بها من قبل؛ نحَّيتَها أنت جانبًا أو لم أكتشفها أنا بعد. تذكرت نفس اليوم الذي تذكرته أنت، عندما التقينا قبل عامين بشكل غير متوقع تمامًا في مدينة لم يكن أيٌّ منا يعيش فيها. تحدثنا عن الأمر بعدما شربنا الكثير من النبيذ على غدائنا المرتجل. «ذات يوم ذهبنا للتمشية، واضطررت إلى رفع ذلك الشيء …» «عربة أطفال، كانت فيها جوسلين حينذاك.» «فوق الصخور والوحل كما أتذكر.» في يوم مشمس، يوم جميل دافئ في فصل الربيع بشهر أبريل أو ربما مارس، ذهبت إلى الصيدلية في مركز التسوق بالحرم الجامعي مرتدية معطفي الشتوي الثقيل؛ لأنني لم أكُن أعتقد أنه يوم دافئ كما بدا في الظاهر، وما إن رأيتك حتى تمنيت لو أني رجعت إلى المنزل وصففت شعري من جديد بعناية أكبر وارتديت معطفي الرمادي الصوفي الأنيق. لم يكن بمقدوري خلع معطفي الشتوي الثقيل؛ لأنني كنت أرتدي حينذاك قميصًا سكبت عليه جوسلين عصير البرتقال. أنا لا أعرفك جيدًا؛ فقد كنتَ تعيش في أقصى الجهة الأخرى من الأكواخ. كنتَ أكبر سنًّا من معظمنا، وقد عدت إلى الجامعة معيدًا، آتيًا من الحرب وعالم العمل الواقعي (وقد أخطأت إذ لم تبقَ هناك، فاستقلتَ وحصلت على وظيفة في مجلة بعد ذاك اليوم الذي تمشينا فيه). كانت زوجتك تستقل سيارتها كل صباح للتدريس في مدرسة الرقص. كانت صغيرة سمراء البشرة ذات طابع غجري وواثقة بنفسها إلى حدٍّ بعيد مقارنة بالزوجات الناعسات المشوشات المقيمات بالمنزل. تجاذبنا أطراف الحديث أمام الصيدلية، وقلت إن الجو اليوم ألطف من أن نمضيه في العمل، وأنه يجدر بنا التمشية. لم نتوجَّه إلى الحرم بطرقه الواسعة المعبَّدة، بل ذهبنا إلى رقعة برية تكسوها الغابات جزئيًّا تطل على النهر؛ حيث دأب الطلاب — غير المتزوجين بالطبع — ممارسة الحب على عجل بالنهار وممارسته كاملًا بالليل. لم يكن هناك أحدٌ ذلك اليوم؛ فقد كنا لا نزال في وقت مبكر من العام، وكان سخاء الطقس مفاجأة للجميع، كما كنا في مكان يصعب المشي فيه بعربة أطفال، وكما قلت، كان عليك رفعها فوق الصخور والطرقات الموحلة. واضطررنا إلى أن يتمحور حديثنا حول صعوبات متشابهة. لم نَقُل شيئًا ذا أهمية، لم يلمس أينا الآخر، أخذ ضيقنا يزداد شيئًا فشيئًا بعدما تبين لنا أن مشيتنا تلك لن تسفر عما تظاهرنا بأننا نريد فعله — الاستمتاع بساعة من الصحبة البريئة في نهار يوم جميل — ولا عما كنا نريد فعله في الحقيقة. كان هذا النوع من التوتر جديدًا عليَّ في ذلك الحين، ولم يكن بمقدوري تقييم الموقف والاحتيال كما اعتدت لاحقًا مع غيرك من الرجال، ولم يكن بمقدوري حتى التيقن من أن الأمر يتجاوز حدودي الشخصية. ودَّعتك وأنا أشعر كما لو أنني تصرفت بطريقة خرقاء مملة في تلك المواعدة. في اليوم التالي أو الذي يليه عندما كنت أقرأ كالعادة على الأريكة، شعرت بخيالي يسرح بعيدًا وأنا أفكر فيك، وكانت تلك البداية، على ما أعتقد؛ إدراك المزيد مما لا يزال مخبأ لي؛ ومن ثم قلت لك: «لقد وقعت في الحب.» هل تريد أن تعرف كيف تلقيت نبأ وفاتك؟ ذهبت إلى مطبخ الكلية لأعِدَّ لنفسي كوبًا من القهوة قبل فصل الساعة العاشرة، فدخلتْ عليَّ دودي تشارليز التي تخبز شيئًا دائمًا وأحضرت معها كعكة كرز متناسبة المكونات (الشيء الذي نجيده نحن جيل الخبرة، في خضم تلك الفانتازيا، هو أهمية التفصيل والتماسك؛ نعم، كعكة كرز متناسبة المكونات). كانت الكعكة ملفوفة في ورق شمعي ثم في ورقة جريدة، جريدة ذي جلوب آند ميل وليس الجريدة المحلية التي كنت قد قرأتها. كنت أنظر متكاسلة إلى تلك الجريدة التي مضى على تاريخ صدورها أسبوع كامل منتظرة غليان الماء، فرأيت عنوانًا مكتوبًا بخط صغير يقول: «وفاة صحفي معاصر للحرب». فكرت في عبارة «معاصر للحرب»؛ هل يُقصد بها شخص خاض حربًا بالفعل أم أنها مجرد صفة تفيد عمله الطويل؟ مع أنها في هذه الحالة قد تشتمل على كلا المعنيين حسبما أعتقد، بما أن العنوان يقول إن المتوفى كان مراسلًا صحفيًّا في زمن الحرب؛ ثم رأيت الاسم: إنه اسمك. ثم المدينة التي عشت ومت فيها، بسبب أزمة قلبية. اعتدت حمل آخر رسالة لك في محفظتي أينما ذهبت، وعند وصول الرسالة التالية أستبدلها بها وأضع الرسالة القديمة في صندوق بخزانتي مع كافة الرسائل السابقة. وكنت أحب إخراج الرسالة الجديدة من محفظتي وقراءتها من حين لآخر، وأنا جالسة في المقهى مثلًا أو أثناء انتظاري في عيادة طبيب الأسنان، وبمضي الزمن لا أخرجها من محفظتي مطلقًا، بل وأكره منظرها وهي مطبَّقة وحوافها مثنية تذكِّرني بالأسابيع والشهور التي مرَّت وأنا أنتظر رسالتك الجديدة. ولكني أتركها هناك، لم أضعها في الصندوق. لم أجرؤ. الآن وبعد أن درَّست لفصلي وتناولت الغداء مع زملائي وقابلت طلابي وفعلت كل ما هو مطلوب مني، عدت إلى البيت وأخرجت تلك الرسالة — الرسالة الأخيرة — من محفظتي، ووضعتها مع باقي الرسائل وأبعدت الصندوق بعيدًا عن ناظري. لقد فعلت ذلك عامدة ودونما شعور بالذنب تقريبًا؛ نظرًا لأنني فكرت في تلك الخطوة من قبل. أعد مشروبًا وأواصل حياتي. كل يوم عندما أعود من التدريس أرى صندوق البريد، وحقيقة أشعر بنوع من السعادة نابع من عدم الانتظار؛ إذ ظل ذلك الصندوق الصغير محور حياتي مدة عامين، والآن فإن مجرد رؤيته كشيء عادي مرة أخرى — رؤيته كشيء لا يَعِد بشيء أو يخفي شيئًا ذا أهمية كبيرة — أشبه بالشعور باختفاء ألم مبرح. ما من أحدٍ يعرف أنني فقدت شيئًا، ما من أحدٍ يعرف ذلك الجزء من حياتي، إلا في العموم عن طريق القيل والقال؛ فعندما جئتَ أنت إلى هنا لم نكُن نرى الناس؛ لذا فأنا قادرة على مواصلة حياتي كما لو أن شيئًا لم يحدث، ولكن بعد فترة من الزمن أخبرت أحدهم، رجلًا يعمل معي اسمه جوس ماركس انفصل مؤخرًا عن زوجته ويصطحبني إلى الغداء ونظل نشرب حتى يحكي كلٌّ منا قصصه، وبعدها غالبًا ما نذهب إلى الفراش بدعوة مني. جوس رجل مشعر وحزين، أما أنا فمهتاجة، وهو ما فاجأني. منذ بضعة أيام دعاني على فنجان قهوة قائلًا: «قلقت عليك، وتساءلت إذا ما كان عليك زيارة … أحدهم.» «تقصد طبيبًا نفسيًّا؟» «حسنًا. لمجرد التحدث معه.» «سأفكر في الأمر.» ولكنني ضحكت عليه في سريرتي؛ لأنني كنت أضمر خطة أخرى. فبمجرد انتهاء الفصل الدراسي في أواخر أبريل كنت أعتزم زيارتك وزيارة المدينة التي مت فيها، والتي لم أزُرها قط؛ فهذا لم يكن واردًا على الإطلاق. كان التطلع إلى تلك الرحلة يبقيني سعيدة أيما سعادة. اشتريت نظارة شمسية على أحدث طراز وملابس جديدة متألقة. الحب ليس شيئًا لا مناص منه؛ فالاختيار جزء منه. كل ما هنالك أنه من الصعب معرفة متى يقع الاختيار ولا متى يصبح لا رجعة فيه، حتى إن بدا حبًّا طائشًا. فما من إشارات تحذيرية تسبق ذلك. أتذكر جلوسي معك على الغداء وحينما قلت لي: «أحبك. أحبك الآن.» عندها تجاهلتك وأنا أنظر لنفسي في مرآة المطعم وشعرت بالإحراج منك. فكرت: يعلم الله لمَ تتصنع الشهامة؛ ولم آخذ كلامك على مجمل الجد، وفكرت في أنك في لحظة ما ستنظر إليَّ وترى أنك قلت هذا للمرأة الخطأ، لامرأة فقدت كل مقومات الجمال وباتت لا تصلح لتلك الصفات؛ فقد طرحت من ذهني منذ وقت طويل علاقات الحب والقصص العصيبة التي يمكن أن تتقاطع مع سير حياتي الطبيعي. أقلعت عن استخدام أصباغ الشعر السوداء ولم أعد أضع على وجهي خلطات شد البشرة مثل بياض البيض أو الشوفان المخلوط بالعسل أو كريمات الهرمونات، ولا أحمر الشفاه أو أي شيء من هذا القبيل. ثم فهمت أنك كنت تعني ما قلته، وبدا لي أكثر من أي وقت سابق أنك مخطئ بالتأكيد. فسألتك: «أأنت متأكد من أنك لا تقصد شخصًا آخر؟» فأجبتَ: «لم تتدهور حالتي العقلية إلى هذا الحد.» قبل هذا كنا نتحدث في سهولة، وقد سألت عن زوجتك. «لم تعد تمارس الرقص بسبب عملية جراحية في ركبتها.» «لا بد أن توقفها عن النشاط والحركة كان صعبًا عليها.» «إنها مشغولة الآن؛ فلديها مكتبة.» سألتَنِي عن دوجلاس وأخبرتُك أننا تطلَّقنا. أخبرتك أن الطفلين رحلا بعيدًا عني، كلاهما رحلا هذا العام وللمرة الأولى؛ فأخبرتني أنك ليس لديك أطفال. كنت أنا ثملة قليلًا حتى إنني أخبرتك كيف أن دوجلاس في العامين الأخيرين كان يكلم نفسه طوال الوقت، وأنني كنت أختبئ خلف الستائر وأشاهده يكلم نفسه ويقهقه ضاحكًا، ويلوي قسمات وجهه لصنع تعبيرات تنمُّ عن التقدير أو النفور وهو يجزِّز العشب. والأنكى من كل ذلك حديثه مع نفسه الذي ينهمك فيه بكل جوارحه أثناء حلاقة ذقنه، مع ما تفعله ماكينة الحلاقة الكهربية من حجب صوته والتشويش عليه. وقد أخبرتك أنني أدركت أخيرًا أنني لا أريد معرفة ما يقول. أقلعت طائرتي في الساعة الرابعة والنصف، في حين اصطحبتني أنت بسيارتك من المدينة إلى المطار. لم أشعر بالحزن لفكرة تركك وعدم رؤيتك مرة أخرى، مع أنني كنت جد سعيدة بالركوب بجانبك في السيارة. كنا في شهر نوفمبر وسرعان ما أصبحت السماء ملبدة بالغيوم بعد الساعة الثالثة فأضأت مصابيح السيارة. «أتعلمين، يمكنك استقلال الطائرة التالية.» «لا أعلم.» «يمكنك المجيء معي إلى الفندق والاتصال بالمطار لإلغاء الحجز، والحجز في الرحلة التالية.» «لا أعرف. كلا، لا أعتقد أنني أستطيع فعل ذلك، فأنا متعبة للغاية.» «أنا لا ألح عليك كثيرًا.» «كلا.» كان كل منا يمسك يد الآخر طوال الطريق في السيارة. خلصت يدي وأومأت بإشارة تعني أنني متعبة من شيء آخر — تجربة مررت بها؟ — وأعدتها بيسر مرة أخرى. لم أكُن متأكدة أنا نفسي مما أعنيه، ولكنني توقعت أنك ستفهم، وكنتَ عند حسن ظني. استدرنا بالسيارة متجهين إلى طريق سريع شمال المدينة؛ وحينما سلكنا طريقًا جانبيًّا منه اتجهنا غربًا. كانت خطوط الأفق بين الغيوم تتلون باللون الوردي الناري. بدت أضواء السيارات وكأنها تشكل نهرًا جاريًا، ميلًا بعد ميل. كان كل شيء أشبه برؤية العالم — رؤية غير ثابتة هادئة ومطمئنة تمامًا — الرؤية التي اعتدتها وأنا في حالة سكر. قلت لنفسي، ولمَ لا؟ جاءني خاطر يحثني على الثقة فيك، الطفو فوق اللحظة الحاضرة، الأمر الذي قد يمتد إلى ما لا نهاية. لم أكُن ثملة. كنت ثملة على الغداء، ولكن لم أَعُد كذلك. «لمَ لا؟» «لمَ لا، ماذا؟» «لمَ لا نذهب إلى فندق ونتصل بالمطار لإلغاء الحجز والحجز في رحلة تالية؟» قلت لي حينئذٍ: «هذا ما رجوته منك.» هل تعتقد أن تلك هي لحظة الاختيار، لحظة أن رأيت السماء وأضواء السيارات؟ لم تبدُ لحظة جادة بأي حال من الأحوال. كان الفندق/النزل مبنيًّا بحجارة بيضاء، وكانت الجدران في الداخل كما في الخارج تمامًا، حتى إن الستائر والسجاجيد الموحية بالثراء والأثاث الثقيل المقلد ذا الطراز الإسباني كانت تبدو على نحو لا ذوق فيه ينم عن التنافر، وكأن الحجرات مآوٍ مؤقتة جرداء. كانت الصورة التي يمكننا رؤيتها ونحن بالسرير تظهر قوارب برتقالية، ومباني قاتمة وأخرى برتقالية تنعكس على صفحة الماء الزرقاء الداكنة. وحكيت لي قصة الرجل الذي اشتهر بالتخصص في رسم الصور للفنادق، فكان يرسم القوارب وطيور البشروش وصور العراة الذين لفحتهم الشمس، لا أكثر ولا أقل. وقلت لي إنه جنى الكثير من المال من ذلك العمل. دوَّت الطائرات فوق رءوسنا في سماء المنطقة، في بعض الأحيان لم أستطِع سماع ما قلته، حتى عندما كان وجهك ملامسًا لوجهي، ولم أستطِع أن أطلب منك تكرار ما قلته؛ إذ كنت سأشعر بسخافة تلك الفكرة. وعلى أي حال فإن مثل تلك الأشياء غير قابل للتكرار في العادة. ولكن ماذا لو سألتني سؤالًا، ومع عدم سماعك جوابًا مني لم تقدر أن تعيد عليَّ السؤال؟ عذبني هذا الاحتمال كثيرًا في وقت لاحق، عندما أردت أن أعطيك كل الإجابات التي كنت تأملها. ارتعشنا معًا في آنٍ واحد، واستطعنا السيطرة على أنفسنا بالكاد؛ إذ كان يغمرنا — نحن الاثنين — شعور بالامتنان والدهشة، طوفان من الحظ والسعادة غير المستحقة، غير المشروطة، وغير المصدقة تقريبًا. توقفت الدموع في أعيننا، هذا شيء لا يمكن إنكاره. نعم. لو كنتَ رجلًا التقيته ذلك اليوم أو في ذلك الوقت من حياتي، أكنت سأحبك؟ ليس كثيرًا. لا أعتقد ذلك. ليس كثيرًا. لقد أحببتك لأنك تربطني بماضيَّ، بشبابي وأنا أدفع عربة الأطفال على طول طرقات الحرم الجامعي، وأنا بريئة دون أي جريرة اقترفتها. لو كان بمقدوري إذكاء شرارة الحب حينذاك وحملها معي الآن، لكنت بددت من حياتي أقل مما أعتقد، أقل كثيرًا مما أعتقد. إن حياتي لم تنهَر تمامًا، بل ضاعت بين السكك والدروب. ••• ثم قررتُ الرحيل في الأول من مايو، وبذلك يكون أمامي ما يقرب من الشهرين دون أي مسئوليات قبل عودة الأطفال، وقبل بدء مدارس الصيف. وأطير إلى المدينة التي كنت أرسل منها رسائلي طوال هذا الوقت، رسائلي الفرحة، رسائلي الحافلة بالثرثرة والأسرار الخاصة، رسائلي القلقة والمتوسلة، التي كنت سأواصل إرسالها لو أنني لم أكُن لماحة بما يكفي لأن ألاحظ نبأ وفاتك. إنها المدينة التي عشت أنت فيها، والتي وصفتها لي في تهكم وإن كان عن رضًا عنها في رسائلك. تلك المدينة التي تعج بالعجائز وبالسائحين الحيارى؛ كلا، بل العجائز، «مثلي»، على حد وصفك، مدعيًا كالعادة أنك أكبر من سنك الحقيقي. لطالما أحببتَ فعل ذلك، أي التظاهر بالإرهاق والكسل، وإظهار لامبالاتك. وقد رأيتُ أن إخبارك بالحقيقة فيه شيء من التصنع. الشيء الذي لم أستطِع تصديقه، الذي لم يكن لديَّ من الخيال ما يكفي لتصديقه، هو أن ذلك قد يكون حقيقيًّا؛ فقد أخبرتني ذات مرة أنك لا تهتم على الإطلاق بموتك في القريب العاجل أو امتداد العمر بك خمسًا وعشرين سنة قادمة. مجرد تجديف من عاشق ولهان. أخبرتني أنك لا تفكر في السعادة، وأن العالم كله لا يساوي عندك شيئًا. كنت أرى أن مثل تلك الآراء إنما تنمُّ عن غطرسة بينة، لا سيما وأنها تصدر عن رجل مسن مثلك وكأنك في ريعان شبابك، بيد أنني لم أكُن أرغب في إقلاق نفسي لفهم رجل كانت هذه التصريحات بالنسبة له حقيقة مؤكدة، رجل لديه قدر من الطاقة المستهلكة أو المنسية كليًّا. مع أنني قد توقفت عن صبغ شعري وحسبت أنني تعلمت أن أعيش بمستوى بسيط من التوقعات، إلا أنني كنت أؤمل فيك كثيرًا، آمالًا كبارًا. لقد رفضت رفضًا قاطعًا، وما زلت أرفض، أن أراك كما ترى نفسك فيما بدا لي. كتبت لي ذات مرة، قائلًا: كلما فكرت فيكِ شعرت أنك تغمرينني بفيض من الدفء والأحاسيس، ولما كنتُ إنسانًا كغيري من البشر فقد خشيت أن أغرق في أعماق فيضانك. فكتبتُ ردًّا عليك أنني مجرد نُهَير صغير يمكنك خوضه بكل بسهولة. وعلى العموم أنت أدرى. لكم حاولت أن أفتنك وأضللك، حتى ذلك الحين، سواء في رسائلي أو عندما التقينا معًا! أصبح نصفُ اهتماماتي في الحب منصبٌّ على كيفية إخفاء الحب، جعله غير ضار ومبهجًا. ويا لها من تمثيلية مهينة! أما أنت فكنت تبتسم بطريقة معينة، طريقة لطيفة: أعتقد أنك كنت خجلًا للغاية من أجلي. وجدت بناية سكنية على مقربة من البحر، يرجع تاريخها إلى العشرينيات فيما أعتقد، مبنى مطلي بالجص الأصفر الكريمي، ذو نوافذ متهالكة، تعلو بابه ميدالية خالية من النقوش والكتابة ومخطوطة يصعب تفسير رموزها. كثير من العجائز، كما قلت لي، يمشون في ضوء البحر المتلألئ. خرجت إلى الشوارع ومشيت في كل مكان. لا أريد تجشم عناء الذهاب إلى المقبرة؛ فأنا لا أعرف في أي مقبرة أنت مدفون، على أي حال. مشيت على الأرصفة التي ربما مشيت أنت عليها ذات يوم وأخذت أنظر إلى الأشياء التي نظرت إليها بالتأكيد، والنوافذ التي ارتسم انعكاس صورتك عليها قد عكست صورتي كذلك عليها. إنها لعبة. أجد هذه المدينة مختلفة تمامًا عن المدن التي اعتدتها؛ فشوارعها شديدة الانحدار، وبيوتها المطلية بالجص الباهت، الكثير منها مسطحُ الأسطح ومبنيٌّ على ذلك الطراز الغريب الذي يشبه طراز محطات البنزين والمسمى قبل الحرب العالمية الثانية بالطراز «الحديث». أما نوافذ الزينة المستطيلة فهي من الطوب الزجاجي السميك. في بعض الأحيان تجد سقفًا مبنيًّا على الطراز الإسباني، أو بوابات أو أرضيات لا تتناسب مع ما حولها. الحدائق الشهيرة التي تمتاز بزهور الوَرْدِيَّة والأزالية والكوبية بألوانها الحمراء والبرتقالية والأرجوانية التي تبهر العيون، وزهور التيوليب الكبيرة مثل الكئوس تتباهى في جمال لانهائي. أما المحال التجارية فهي غريبة جدًّا بالنسبة لأي شخص قادم من مدينة صناعية أو جامعية، بالرغم من وجود الملابس المبهرجة بمراكز التسوق، غريبة لشخص اعتاد قدرًا من الاحتشام والمهنية: محال الآيس كريم المواكبة للقرن العشرين، وبضائع الغرب الجامح الرياضية، وأزياء هاواي الفضفاضة المزينة بأشجار النخيل، إضافة إلى مقاهي تيودور التي تزدان أسقفها بالجملونات المستدقة، والصنادل ذات السيور في متاجر أشبه بالكهوف تصدر منها أصوات مسجلة لضوضاء الغابة. إلى جانب محال السكاكر المصممة واجهتها على شكل قلاع صغيرة، وينتشر هذا الطراز التنكري ويتنوع إلى حد الضجر منه. ذات يوم ذهبت إلى السوبر ماركت لشراء بعض الخبز والبرتقال فوجدت موظف تحصيل النقدية فتاة ترتدي كيسًا من الخيش ووجهها ملطخ بالطين وطلاء أحمر، كما أنها تضع عظمة بلاستيكية مغروسة بشعرها. كانوا يسعون إلى ترويج الزبيب واللحم البقري الأسترالي، لكنها ابتسمت في وجهي ابتسامة إنسانية تشي بالضجر من بين الطين والطلاء، مما طمأنني بأن هناك شخصًا في أغلب هذه الأماكن يمكنه الشعور بذلك. وجدت نفسي أبحث في تلك الشوارع عن بعض ذكرياتك؛ إذ بحثت ذات مرة عن إشارات في مقالاتك التي كتبتها للصحف والمجلات، في الكتب التي ألفتها بحرفية لخدمة قضايا الآخرين، وليس لشخصك. لكم كانت كتاباتك مسلية وحافلة بالمعلومات حيث كنت على قدر عظيم من المهارة أهَّلَك لتحظى بأسلوب بديع، إلا أنك تراجعت، حتى عن ذلك. سمعت نفسي أتساءل، أهذا كل ما هنالك؟ فيما كنت أنت تستغرق في الضحك وتقول: وهل هناك من مزيد؟ غير أنني لم أقتنع، فظللت وراءك، رغبة مني في أن تشفي ما يجول داخلك. لو كان عليَّ أن أصفك، كما أراك في سريرتي، لقلت إنك عنيد، وحينئذٍ كنت ستسارع قائلًا بنفاذ صبر إنك كنت متساهلًا طوال حياتك. ولكن ليس هذا ما أعنيه؛ فما أقصده أنك عنيد، قاسٍ على نحو مبالغ فيه (جسمانيًّا وروحيًّا)، عفيف ولطيف، ولكنك لست شفوقًا. أود أن أؤكد على أنك تتمتع بشيء من الشهامة، وأتوقع منك — شأنك شأن الفرسان النبلاء — أن تنتهج سلوكيات عفى عليها الزمن تنمُّ عن التضحية بالنفس، وأيضًا عن سلوكيات وحشية مثيرة للإعجاب، تقوم بكلٍّ منهما بأسلوب ينم عن انتمائك لمنظمة سرية. من ناحية أخرى، فإنك كنت ستصف نفسك بالأنيس، الفاسد، الأناني عادةً والمحب للمتع. كنت ستنظر إليَّ من فوق نظارتك كما لو كنت مدرسًا دمث الخلق متصلب الرأي أثار أسلوبي المتطرف حنقه. وسيكون علينا حينئذٍ أن ننظر إلى وقوعي في الحب، بالطريقة التي أحب بها، كما لو كان تهوُّرًا ستساعدني على الشفاء منه، اقتراحًا ستفرضه عليَّ بما لك من سلطة في مقال من المقالات. بطبيعة الحال، كنت أعرف منذ البداية أن الحياة بتلك الطريقة أمر بالغ الخطورة؛ فالعلاقات قابلة للانهيار في أي لحظة، وقد انهارت بالفعل، وليس بمقدور أحدٍ كائنًا من كان أن يضع يده على مكمن الفشل، شئنا أم أبينا؛ وليس هناك أحدٌ أستطيع أن أشكو له وأبوح إليه. وكالعادة تصل النجدة في آخر لحظة: رسالتي الساخطة الموجزة المعبرة عن يأسي الشديد، ثم رددت عليَّ برسالة اعتذار مفعمة بروح الدعابة تفيض بالرقة إلى حد ما، تقول لي فيها ليس هناك أي خطر. كنت أقف على أرض صلبة طوال الوقت ما لم تتركني وحدي. كما لو أن هذه الحفرة التي وقعت فيها، والمتمثلة في غيابك الدائم، ليست سوى حلم أخوِّف نفسي به، أو في أسوأ الأحوال مكان لا أملك إلا أن أصرخ منه بصوت عالٍ بما يكفي طلبًا للمساعدة، مؤمنة بقدوم المساعدة، وتأتي المساعدة. وجدت نفسي أقرأ مقالات في المجلات النسائية، تجارب سابقة مرت بها النساء. عندما أستعيد روحي المعنوية، أتخطى تلك القصص، أما عندما تنخفض معنوياتي، فإنني أقرؤها لعلي أجد فيها سلواي؛ لأن اكتشاف المرء أنه لا يحمل الكرب وحده أمر يبعث على الارتياح؛ فالمصيبة إذا عمت هانت. كما أن قصص النساء الأخريات تبين كيف أنهن استطعن التعافي وتقدم تشجيعًا لغيرهن. فهذه مارثا تي ظلت عشيقة لرجل مدة خمس سنوات، خدعها وسخر منها وأسرها، حيث تقول: لقد وقعت في حبه؛ لأنه بدا لي لطيفًا للغاية. وهذه إميلي آر التي لم يكن حبيبها متزوجًا كما ادعى. كثيرًا وأنا أتحدث إلى كلٍّ من الرجال والنساء أسمع نفسي أتابع هذا الموضوع بطريقة مضحكة تدعو للرثاء؛ كيف تبني النساء قصورًا على أساسات واهية تكاد لا تتحمل أكثر من عش صغير، وكيف أن النساء يخدعن أنفسهن ويعانين دون جدوى، ويضعن أنفسهن موضع استغلال بسبب الفراغ في حياتهن ولخلل ما فيهن، وإن كان خللًا غير معروف ويمكن علاجه في الوقت ذاته! وغير ذلك الكثير والكثير مما يعلمه الجميع في هذه الأيام وباتوا يحفظونه عن ظهر قلب كأغنية خفيفة، وفي الوقت نفسه صار قلبي مكسورًا كقلب تحكي أغنية عنه، ليظل قلبًا جافًّا ومشققًا مثل أرض قاحلة تنتشر بها الأخاديد. أبكي مع مارثا تي وإميلي آر وأتساءل ما الطرق التي استطاعتا اتباعها لعلاج آلامهما؛ هل عن طريق تعلم صنع المكرمية؟ أم بالتنفس العميق؟ ذات مرة قالت لي إحدى صديقاتي — صديقة بالطبع لا صديق — إنه بما أن الألم لا يلحق بالمرء إلا إذا نظر إلى الوراء في الماضي أو إلى الأمام في المستقبل فقد استطاعت القضاء على المشكلة برمتها عبر عيش كل لحظة بلحظتها؛ فكل لحظة، على حد قولها، مفعمة بالصمت المطبق. وقد جرَّبتُ هذه الطريقة، ولسوف أجرب أي شيء من شأنه أن يقلل من معاناتي تلك، ولكنني لا أفهم كيف تؤتي ثمارها. اشتريت خريطة، واستطعت العثور على الشارع الذي تقطن فيه والمربع السكني الذي يقع به منزلك، ولم يكن ببعيد للغاية عن شقتي، حيث كان على بعد عشرة مربعات سكنية أو نحو ذلك سيرًا على الأقدام. لم أذهب هناك بعدُ، وإنما مشيت مسافة مربع أو مربعين في اتجاهه ثم عدت أدراجي. إنه منزل لم تكن لتريني إياه مطلقًا (الأماكن التي أعيش بها على العكس تمامًا؛ حيث أزينها وأجملها على أحسن وجه عند مجيئك لزيارتي) وها أنا الآن بمقدوري رؤية منزلك لو أردت. يمكنني أن أسير على الجهة المقابلة الأخرى من الشارع متجاوزة إياه وقلبي يخفق غير قادرة إلا على استراق النظر إليه مرة أو مرتين، ثم أصبحت أكثر جرأة فاستطعت المشي ببطء. الغسق هو وقتي المفضل للتسكع عن قرب من النوافذ المفتوحة، لاستراق السمع للموسيقى أو للأصوات. تخيل هذا حقيقيًّا، منزلًا حقيقيًّا، حيث يغسل الناس الأطباق ويغطون في النوم. وفي الليل، إن لم تسدل زوجتك الستائر، يمكنني التلصص على غرفتك. هل تلك الصور من اختيارك، أم من اختيارها؟ لا. كلاكما. لم يسبب لي ما اكتشفته سوى الألم المعتاد. ذات مرة قرأت قصة، قصة واقعية، في مجلة — قد تكون واحدة من المجلات التي عملت بها — عن امرأة فقدت بنتيها الصغيرتين في حادث سيارة، وفي كل يوم عندما يقفل الأطفال الآخرون راجعين من المدرسة، كانت تخرج وتمشي على طول الشوارع كما لو أنها تتوقع مقابلة بنتيها. لكنها لم تذهب قطُّ إلى المدرسة، لم تنظر قطُّ في فصولهما الفارغة، لم تستطِع قطُّ أن تعرِّض نفسها لذلك. ذهبتُ إلى مكتبة زوجتك، وهذا هو ما يمكنني القيام به. لم أكُن أعرف اسم المكتبة فبحثت عن المكتبات في دليل الهاتف، وأخيرًا وجدت مكتبة باسم «باربرا بوك مارت»، لا بد أن تلك هي مكتبتها. ومن اسمها توقعت شيئًا بسيطًا وعتيق الطراز، بيد أنني دهشت حينما وجدتها مكتبة كبيرة جدًّا، فاخرة، مزدحمة مثل سائر المكتبات الكبيرة. لم تكن هناك حلي وزخارف القرون الوسطى أو لمسات العصر التيودوري، لا زخارف من أي نوع؛ فهي أشبه بمشروع ثابت يعمل على مدار السنة، دون الحاجة إلى التأنق لجذب السياح. عرفتها لحظة أن وقعت عليها عيناي، مع أنها تغيرت؛ إذ اكتسى شعرها باللون الرمادي، صار رماديًّا أكثر من شعري، وعقصتْهُ على هيئة كعكة. ملامحها أقل حدة عما كانت عليه، لا تضع مساحيق تجميل، شاحبة الجلد، غير أنها لا تزال تحتفظ بمسحة من الجمال والجاذبية، إلى جانب أسلوبها السريع المضحك سريع الانفعال. كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا أرجوانيًّا فاتحًا له أربطة موشاة بالتطريزات الهندية. كانت حركتها متصلبة، بعد أن كان عليها تعلم المشي من جديد عقب إزالة الغضروف في إحدى ركبتيها. لقد صارت أثقل وزنًا، كما قلت؛ إنها امرأة في منتصف العمر ممتلئة الجسم. جاءت من مؤخرة المكتبة تحمل كتابين من الكتب الفنية الكبيرة، ثم ذهبت وراء مكتبها ووضعتهما على أحد الأرفف، وتحدثت إلى البائعة كما لو أنها تكمل محادثة كانت قد بدأتها في وقت سابق: «حسنًا، أنا لا أعرف كيف … الفاتورة … هاتفيهم وأخبريهم أننا لا نتعامل هنا بتلك الطريقة … يجب أن نعيد البضاعة اللعينة كلها.» ما زلت أتذكر صوتها، نفس الصوت الذي سمعته منذ زمن بعيد في حفل أو اثنين؛ صوت واضح مفعم بالتحدي يبدو لي أنه يستعيد مستواه الطبيعي عند وصولها لمستوى معين من الغضب، صوت يبرع في قول: «يا إلهي ما ظن هؤلاء البلهاء بي!» هب أنها تعرفت على صوتي أو على وجهي؟ أنا لا أعتقد ذلك. لا أحسبها من النوعية التي تتذكر شخصًا هامشيًّا في حياتها، ولطالما كانت هي في المركز، وليس لديها أي معلومات عني، أليس كذلك؟ لا أظنها تتوقع مجيئي هنا. ومع ذلك فقد شعرت بأنني ملحوظة لها، كما شعرت بالذنب، وأني غريبة هنا؛ بيد أنني ظللت فترة طويلة أتجول في شتى أرجاء المكتبة دونما هدف واضح، ويا لها من مكتبة مخيفة! فهي زاخرة بكثير من الكتب. ويبدو أنني كنت دائمة التوقف أمام الكتب التي تخبر الناس بطرق مختلفة كيف يبلغون السعادة، أو السلام على أي حال. ليس لديك أدنى فكرة — حسنًا ربما كانت لديك فكرة — حول عدد الكتب الموجودة هنا من هذه النوعية. وأنا لا أستهجن ذلك، بل أعتقد أنه ينبغي عليَّ قراءتها كلها أو على الأقل قراءة بعض منها، ولكن كل ما يمكنني فعله هو التحديق بها في اندهاش. ثمة كتب أخرى عن السحر؛ فهناك مئات الكتب حول الساحرات والتعويذات والاستبصار والطقوس ومختلف أنواع الحيل والعجائب. كل تلك الكتب تبدو لي كتابًا واحدًا — كتب السعادة والسلام وكتب السحر والعجائب — فهي لا تبدو كتبًا مختلفة على الإطلاق، وهذا هو السبب في عدم اقترابي منها؛ فهي متراصة معًا في جميع أرجاء المكتبة كنهير رائع متنوع الألوان، أو نهر واسع، ولم يَعُد بمقدوري حقًّا فهم ما بداخلها تمامًا كما لا يمكنني التنفس تحت الماء. دأبتُ على المجيء يومًا بعد يوم. اشتريت بعض الكتب ذات الأغلفة الورقية، بعد أن أتصفحها، كما يظنون، لساعات. ذات مرة تطلعتْ في وجهي وابتسمتْ، لكنها ليست سوى تلك الابتسامة العابرة التي تبتسمها لعملائها، فيما أسترق السمع لها وهي تتحدث مع البائعات، وتضحك، وتصنع المقالب إضافة إلى جديتها أيضًا وعدائيتها مع أحدهم على الهاتف، كذلك سمعتها وهي تطلب الشاي مع العسل، وتدَّعي الاستقامة ساخرة برفض الكعك. سمعتها وهي تستأسد على العملاء، بطريقة ساحرة أحيانًا. يمكنني أن أتصور نفسي صديقتها التي تبوح لها بأسرارها. أشعر بالخجل من هذا الخيال، أشعر بالحسد في حضورها، وبأنني انتصرت عليها انتصارًا عارضًا، كما أشعر بهذا الفضول اليائس التافه. لكم أشعر بالخجل من كل هذا عندما أتذكره. كنت آتي في المساء؛ حيث تظل المكتبة مفتوحة حتى التاسعة مساءً، ولكنها لا تكون موجودة عادة. وذات مساء جئت فوجدتها هناك وحدها، لم يكن هناك غيرها. توجهَتْ إلى الغرفة الخلفية وعادت حاملة شيئًا، ثم قَدِمت نحوي مباشرة، قائلة: «أعتقد أنني أعرف من تكونين.» نظرتْ في وجهي مباشرة، فكان عليها أن ترفع ذقنها إلى أعلى نظرًا لأنها أقصر مني. «لقد لاحظنا جميعًا كثرة ترددك على المكتبة. في البداية حسبتك سارقة، فنبهت الجميع على ضرورة الحذر منك ومراقبتك، ولكنك لست سارقة، أليس كذلك؟» «بلى.» أعطتني ما في يدها، كيسًا ورقيًّا بني اللون مليئًا بالأوراق. «لقد مات.» قالتها وهي تبتسم لي كمعلمة تضبطك ترتكب خطأ بشعًا في المدرسة، ثم أضافت مفسرة: «ولذلك لم تتلقَّي منه أخبارًا مؤخرًا. توفي في مارس إثر إصابته بأزمة قلبية وهو جالس إلى مكتبه بالمنزل، ووجدته حينما رجعت إلى المنزل في وقت العشاء.» لم يُمكِنِّي الرد عليها، ورأيت أنه لا ينبغي ذلك. «هل ينبغي أن أقول آسفة وأنا أطلعك على هذا الخبر؟ لست آسفة؛ فما تشعرين به لا يهمني في شيء، لا يهمني مطلقًا، ولا أريد أن أراكِ هنا مجددًا! إلى اللقاء!» غادرتُ المكتبة دون أن أرد عليها بكلمة واحدة. وفي شقتي فتحت الكيس وأخرجت الرسائل. كانت رسائل خارج مظاريفها. هذا ما اعتقدت أنني سأراه، عرفت أنني سأجد رسائلي. لا أريد قراءتها، خشيت قراءتها، اعتقدت أنني سأنحيها جانبًا، ولكنني لاحظت عندئذٍ أنه ليس خطي؛ فشرعت في قراءة الرسائل. تلك الرسائل لا تخصني، فأنا لم أكتبها. تصفحت كل واحدة منها بسرعة وأنا مرعوبة حتى وقعت عيني على التوقيع المذيَّلة به الرسائل: باتريشيا، بات، بي. فعاودت قراءتها بعناية رسالة تلو الأخرى: حبيبي العزيز لقد تركتني وأنا في قمة السعادة. ذهبت إلى المنتزه بصحبة سامانتا وكان يومًا جميلًا. أركبتها على الأرجوحة وراقبتها على المزلجة، وجال بخاطري أنني سأحب هذا المنتزه إلى الأبد؛ لأنني ذهبت هناك وأنا سعيدة وبعدما كنت معك. قرة عيني هل تذكر ذلك العجوز المجنون بالجوار؟ فقد جاء وأكل تلك الأشياء من على الشجرة الوردية في الحديقة، أقصد شجرة البرقوق المزروعة بغرض الزينة، لا بد أنه انجذب إلى ثمار البرقوق بألوانها البراقة، إنها صلبة كالحجر ولا يمكن لأحدٍ أكلها. أنا متأكدة من ذلك، ولكنني رأيته يقطفها ويبتلعها حفنة حفنة. كنت أجلس على الأرضية في الغرفة الزجاجية على الوسائد القرمزية، حيث كنت أنا وأنت … نور عيني حلمت بك الليلة الماضية. كان حلمًا غريبًا جميلًا. كنت تمسك شعري بين يديك وتقول: كل هذا الشعر ثقيل بالنسبة إليك، عليك أن تقصيه؛ لأنه سيستنزف قوتك. والطريقة التي قلت بها ذلك كانت جميلة جدًّا، عاطفية جدًّا، كما لو كنت تعني شيئًا آخر وليس شعري فقط. كيف يمكنني يا حبيبي أن أحكي لك ما تقوله لي في أحلامي إن لم تكتب لي؟ لذا أرجو أن تكتب وتحكي لي، تحكي لي ما تقوله لي في أحلامي … حبيبي أحاول جاهدة أن أكف عن الكتابة إليك؛ لأنني أعتقد أنني يجب أن أعطيك الخيار، لا أريد أن أطاردك وأعذبك بإلحاحي لكن اختفاءك هكذا فجأة أمر بالغ القسوة على نفسي، فأنا أشعر بشعور فظيع حينما تتركني وحيدة. ولو أنك أخبرتني أنك لا تريد رؤيتي أو حتى مراسلتك مجددًا لتقبلت الأمر، أعتقد أنني أستطيع، أما عدم معرفتي الحقيقة فهو الأمر المريع. يمكنني تدبر أمر مشاعري إن اضطررت إلى ذلك كما يمكنني الشفاء من حبك، ولكن يجب أن أعرف أولًا إن كنت تحبني وتريدني في حياتك بعد ذلك؛ لذا أرجوك، أرجوك قل لي نعم أو لا. أما الرسالة الأخيرة فلم تكن رسالة في الواقع، بل شخبطات كبيرة على الورقة دون أي تحيات أو توقيع: أرجوك اكتب لي أو هاتفني، فأنا أكاد أصاب بالجنون. أكره أن أكون هكذا ولكن الأمر يفوق قدرتي على الاحتمال؛ لذا أتوسل إليك. «لم أكتب تلك الرسائل.» «ألست أنت من كتبتها؟» «كلا. لا أعرف من كتبتْها. لا أعرف.» «فلماذا أخذتِ الرسائل إذن؟» «لم أفهم الأمر. ولم أعرف عما كنتِ تتحدثين. لقد مررت بصدمة مؤخرًا وفي بعض الأحيان لا أستطيع … لا أستطيع الانتباه.» «لا بد أنك اعتقدتِ أنني مجنونة.» «كلا. كل ما هنالك أنني لم أعرف ما يجري من حولي.» «لعلك رأيت إذن أن زوجي قد توفي. توفي في مارس. حسنًا، لقد أخبرتك بذلك من قبل، وما زلت أتلقى تلك الرسائل، ولا يوجد عليها عنوان لإرجاعها لصاحبتها عليه. فهي مغفلة التوقيع. خاتم البريد يعود إلى فانكوفر، ولكن فيما يفيدني ذلك؟ كنت أترقب حضورها؛ فقد استشعرت من رسائلها إقدامها على عمل متهور.» «نعم.» «هل قرأتِ كل الرسائل؟» «نعم.» «هل كان الأمر يستلزم قراءتها كلها لتعرفي أن ثمة خطأً؟» «كلا، ولكن الفضول هو ما دفعني لقراءتها كلها.» «تبدين مألوفة لي. الكثير من الناس يبدون لي كذلك، بسبب طبيعة عملي في المكتبة؛ حيث أرى الكثير من الناس.» أخبرتها باسمي، اسمي الحقيقي، ولِمَ لا؟ فذلك لا يعني لها شيئًا. «أرى الكثير جدًّا من الناس.» ثم أمسكت بكيس الرسائل ورفعته فوق سلة المهملات وتركته يسقط فيها، مضيفة: «لا أستطيع الاحتفاظ بها أكثر من ذلك.» «صحيح.» «سأكتفي بتركها تعاني.» «في النهاية ستعرف الحقيقة.» «وماذا لو لم تعرف؟ هذا أمر لا يعنيني في شيء.» «صحيح.» لم تعد لديَّ رغبة في مواصلة التحدث معها، لم تَعُد لديَّ رغبة في مواصلة سماع قصصها. يبدو لي الجو حولها خانقًا، كما لو أنها كانت تشع ضوءًا يتضاءل ويتخافت. تفرَّست في وجهي، قائلة: «لا أدري لماذا خطرت لي فكرة أنك قد تكونين أنت صاحبة الرسائل، مع أنك لا تبدين أصغر مني سنًّا بكثير، ولطالما فهمت أنهن أصغر سنًّا.» ثم تنهدت، مستطردة: «إن ما تعرفينه عن حياتي يفوق ما تعرفه الفتيات اللاتي يعملن معي أو أصدقائي أو أي شخص آخر، إلا أنني أرسم لها صورة في مخيلتي. أنا آسفة، ولكني حقًّا لا أود رؤيتك مجددًا.» «أنا لا أعيش هنا، وسوف أرحل بعيدًا. في الحقيقة قد أرحل في الغد.» «هكذا هي الحياة كما تعلمين، وهذا شيء معتاد وحسب. ليس الأمر أننا لم نكُن نعيش حياة سعيدة معًا. لم يكن لدينا أطفال، ولكننا فعلنا ما أردنا. كان رجلًا رقيق الحاشية، طيب المعشر، وناجحًا في عمله. لطالما شعرت أن بإمكانه أن يكون أكثر نجاحًا، لو ضغط على نفسه. ولكن مع ذلك إن قلت لك اسمه فلربما عرفتِه.» «لا داعي لذلك.» «أوه، حسنًا، لا داعي لذلك.» كزَّت على أسنانها وبدا وجهها محتقنًا بشعور يشي بالإحساس بالمرارة، مطبقة شفتيها بشكل هزلي تعبيرًا عن رغبتها في التخلص مني. فاستدرتُ في ذات اللحظة تقريبًا حتى لا أرى منها ذلك. خرجتُ إلى الشارع ولم تكن الشمس قد غابت تمامًا في رحم المساء الطويل. مشيت ومشيت. في تلك المدينة التي تسكن مخيلتي، أمشي متجاوزة الجدران الحجرية مع صعود وهبوط التلال المنحدرة، وأرى بعين عقلي تلك الفتاة باتريشيا. امرأة فتية، ذلك النوع من النساء الذي يسمي ابنته سامانتا؛ رشيقة جدًّا، سمراء، ترتدي ملابس عصرية، عصبية قليلًا، متكلفة قليلًا، شعرها أسود طويل غير ممشط، وجهها تعلوه البثور. تجلس في الظلام، تذرع كل الغرف جيئة وذهابًا، تحاول أن تبتسم لانعكاس صورتها في الزجاج، تحاول وضع مساحيق التجميل. تسر بما يجيش بداخلها لامرأة ما، لديها عشيق ما. تأخذ ابنتها إلى المنتزه، ولكن ليس نفس المنتزه. تتجنب بعض الشوارع، ولا تقرأ مجلات معينة. إنها باختصار تعاني وفق قواعد نعلمها جميعًا، قواعد لا معنى لها، لكنها مطلقة. عندما أفكر فيها أرى كل هذا النوع من الحب الذي رأيته أنت بكل تأكيد، أو أراه، كشيء يحدث على مسافة مني؛ تبديد غريب للجهد، لا يدعو حتى للرثاء؛ طقس غامض في عقيدة غير معروفة. هل أنا محقة، هل أقترب منك، هل هذا صحيح؟ ولكنك أنت، وهو ما أنساه دائمًا، أنت من قالها أولًا. كيف لنا أن نفهك؟ لا تبالِ؛ فأنا من اختلقتها. أنا من اختلقتك، بقدر ما يخدم أغراضي. أنا اختلقت محبتي لك وأنا من اختلقت موتك. لديَّ ما يكفي من الحيل والفخاخ أيضًا. لا أفهم أفاعيلها في الوقت الحاضر، ولكن يجب أن أتوخى الحذر، لن أنتقدها أو أتحدث عنها بسوء. سر يؤرقني