Document stringlengths 40 198k |
|---|
الفصل الأول الحياة الشاعرة
(١) الخُلُق والذات
المرء مُسيَّر بخُلقه لا بذكائه.
تتكون الذاتية من عناصر متنافرة غالبًا، فوحدتها صناعية كوحدة الجيش.
روح الفرد مؤلفة من أرواح مجتمعة: روح الشعب، وروح العائلة، وروح الفريق الذي هو فيه عادة، وقلما أفلت من هذا الجمع المطبق عليه.
سبب تغير الخلق تغيرًا فجائيًّا، طروء حوادث من شأنها إيقاظ إحدى الأرواح الكامنة فينا.
من المتعذر الحكم على مشاعر الإنسان بما قد يأتيه في أمر معين، فالمرء في حال ليس هو هو في جميع الأحوال.
إنما يُعرف المرء عند عظائم الأمور، ولا سيما حين الفتنة (الثورة) فهناك تظهر مكنونات خُلقه.
أصل ثبات الخلق ثبات البيئة.
قلما تكون الأسباب التي ينتحلها المرء لأعماله هي الداعية إليها حقيقة، وإنما هي تصلح لتعليل نزعاته الداعية إلى العمل الصادرة عن المشاعر أو التدين.
سبب تناقض خلق المرء، راجع في الغالب إلى مغايرة إرادته الشاعرة لإرادته اللاتنبُّهيَّة.
قد تكون الفطنة والإرادة اللاتنبُّهيتان، أرقى من الفطنة والإرادة الشاعرتين؛ لذلك تجد من الناس من سقم رأيه وحسن عمله.
مَن ظن لغيره من المشاعر ما عرفه لذاته، فقد سد على نفسه باب معرفة الناس.
العادة تهدي المرء في كل يوم إلى ما يجب التفكير فيه وقوله وعمله.
المتردد لا يسير بمقتضى رغباته، بل بمقتضى ما يفترضه من ذلك لنفسه وقت اضطراره للعمل.
من لم يزاحم بإرادته، أضر غالبًا بسكونه.
ليس الذي تكبر الجماعات شأنه متصفًا حتمًا بما يعزى إليه من الأخلاق، ولكنه كثيرًا ما يكسبها في النهاية.
قلما تترتب عظائم الأعمال على مجهود عظيم، ولكنها في الغالب ثمرة مجهودات صغيرة.
مثل «من قدر على الكثير قدر على القليل.» ليس صحيحًا دائمًا؛ فذو العقل الكبير ينجح في العظائم أكثر مما ينجح في الصغائر.
الغرور علَّة رضا البليد عن نفسه، لأنه يُسهل عليه أن يرى لنفسه من الفضائل ما لا يكون له أبدًا.
مَن وثق من نفسه، غير محتاج إلى مدح غيره إياه. ومن طلب الثناء، فقد دل على ارتيابه في قيمة نفسه.
من انحاز لمذهب، فقد أضاع ذاتيته، ومن لم يكن من فريق فلا يطمحن إلى النفوذ في الناس.
أخطأ مَن قال إن كبار الأفكار تأتي من القلب، فمصدرها العقل. وإنما هي تستمد من القلب قوتها.
قلما اجتمع لامرئ خُلق وذكاء، لذلك ينبغي له أن يختار أصدقاءه من أهل الخلق، ومعاشريه من أهل الذكاء.
روح من كان سريع التأثر كالبحر المائج: تنعكس فيه أشعة الأشياء في كل يوم بلون جديد.
ما أشبه العقول الكبيرة بالنباتات الضخمة التي تعظم بالمعالجة ويرجع خلفها على الدوام إلى المثال الوسط لنوعها.
لا يملك الإنسان رغباته، ولكنه يملك إرادته غالبًا.
لا شيء يقف أمام إرادة قوية دائمة، حتى الطبيعة، حتى البشر، حتى القدر.
من كان له إرادة قوية، غلب أن يكون له رغبة قوية تدعمها، فالرغبة روح الإرادة.
(٢) الشعور والمعقول
المشاعر أُسُّ الحياة، فإذا ما حلَّ التعقل محل الإخلاص والبر والحب والخيالات، وهي التي تُسير المرء في الحياة، فقد انتفى كل داع إلى الحركة.
إنما ظهر شأن العقل في كوكبنا الأرضي متأخرًا، فكم عاشت الكائنات وتقلبت بدونه.
تطور المشاعر مستقل عن الإرادة، وليس في طوع امرئ أن يحب أو يكره كما يهوى، وأقوى الناس نفسًا لا سلطان له على ما فيه من إحساس وشعور إلا بقدر ما يكسر من حدتهما.
المشاعر قليلة التغير ولكن محلها متغير غالبًا، ومن هنا يظنون أنها متقلبة.
ما أسرع تولد اليقين من الخيال في دائرة المشاعر.
قد يؤدي التظاهر بمشاعر كاذبة إلى اكتسابها.
قوة البديهيات الإحساسية، تظهر في عدم الاعتداد بالبديهيات العقلية.
قد تجتمع في النفس الواحدة معقولات شتى، كالتي منشؤها الدين والشعور والعقل، ولكنها لا تأتلف أبدًا.
إنما يعالَج الشعور بالشعور، أو يتصور الشعور في الذهن. ولكن المعقول لا ينجع فيه.
ما يأتيه المرء كبرًا، أكبر مما يأتيه وجوبًا.
دوافع الشعور والاعتقاد أشد فعلًا في سيرة المرء من مستظهرات العقل كلها.
إذا لم يكن للرأي سند من الشعور أو الدين، بطل فعله وأشبه الطيف لا نفوذ له ولا قوة ولا بقاء.
حياة الأمم قائمة على المشاعر والمؤثرات الدينية والاجتماعية.
صحة الأمر عقلًا لا تقتضي الأخذ به دائمًا.
(٣) اللذة والألم
ما عرف المرء إلا حقيقتين مطلقتين: اللذة والألم، فعليهما تقوم حياته منفردًا ومجتمعًا.
ما اهتدت الشرائع الدينية، ولا القوانين الاجتماعية، إلى أُسٍّ تدعم به تعاليمها، إلا رجاء اللذة وخوف الألم: فعقاب أو ثواب، وجنة أو جحيم.
أطوار الشعور محدودة؛ لذلك لا يلبث المرء أن يصل إلى غاية اللذة أو منتهى الألم.
لكثرة تجدد الإحساس بذاته أثر نفسي، قد نسميه قانون الفتور وهو يُلجئ إلى تنويع الرغبات غالبًا.
يعترف المؤمنون بأن شدة الشوق إلى الجنة آتية من خوف الجحيم.
اللذة عارضة، والرغبة أبقى؛ لذلك يُقاد الناس برغباتهم، أكثر مما يقادون باللذات.
الغالب في السعادة أنها أمل محقق ولمَّا يتحقق.
الرجل الذي يعمل بمشورة البوذية، فيقتل الرغبة في نفسه، يفقد كل باعث له على العمل.
الرغبة مقياس مقدرة الرجال. وخيال كل أمة جامع رغباتها.
أكبر قواد الرجال خلاقون للرغبات. وما المصلحون إلا قوم يُحلون رغبة محل رغبة.
لولا الأمل في السعادة الوهمية، والأسف على عدم تحقيق ما يتصور منها، لسئم الناس طول الحياة.
الرجل العاقل يملك نزعات قلبه كلها، غير أن العقل لا يقتضي السعادة حتمًا.
السعيد نَفور من مرأى التعاسة. وقلما تدوم المحبة بين شَقي وسعيد.
الجذب والدفع يحكمان تطور العوالم كلها. والحب والكراهية صورتان منهما يسودان تطور الأشخاص.
ما طول الحياة بعدد سِنيها، بل بتنوع المشاعر في مداها.
(٤) الروح النسائية
خُلقت المرأة أشد تأثرًا بالمشاعر والدين منها بالمعقول.
الغالب أن الإلهام فوق العقل. فبه تفطن المرأة، وإنْ ضَعُف معقولها، إلى أمور لا يفقهها الرجل قويم النظر.
النساء حساسات أكثر منهن متعقلات، فلا يحسُن حالهن بقهرهن على إطالة التفكير.
تفضل المرأة الرجل أو يفضلها على حسب متعلق حركة كل منهما. ولكنها لا تساويه في موضع منها.
ليس للمرأة في عالم الفنون والأزياء إلا ذوق مستعار.
لا تَغتفر المرأة للرجل أن يستنبط ما يجول بخاطرها من خلال كلامها.
إما أن تسود وإما أن تساد، كذا شأن النساء ولا وسط.
من المتعسر الإعراب عن المشاعر بألفاظ مناط معانيها العقل، فمحاولة تعقل الحب ضرب من الهذيان.
لو صح للنساء كسب فضيلة الإخلاص، لفقدنَ سلطانهن على الرجال.
قلما يصدِّق الرجل المرأة إلا إذا كذبت، وهو بهذا يُلجئها إلى الكذب غالبًا.
إصرار النساء والسياسيين عادة على إنكار البديهيات، هو أهم الأسباب التي تحمل الناس على الشك فيما يقولون.
تلوم النساء الرجالَ لكونهم لا يفهمونهن، وأي عقلين تنافرا وتفاهما؟
إنما يطيب المرء في الحب بالكلام هربًا من سماع معقول.
الحب يرفع أو يخفض، ولا يدع المرء كما كان.
لا تزال أفعال المرأة صادرة عن الإلهام، لذلك تفضل الحب وإن كان خاملًا، على المجد وإن علا.
عجبًا للحب يخاف الريب، والشك ينميه، واليقين يميته.
أبقى المشاعر أكثرها اعتدالًا، والإفراط في الحب مهدد بسرعة الضجر منه.
بشِّر الحب إذا أبصر بالزوال.
من يحاول استبقاء حب ينصرم، كمن يحاول استبطاء تعاقب الأيام.
(٥) الآراء
آراؤنا على الدوام مقدمات لمعتقدات تتكون ولمَّا تستقر.
مصدر الرأي إما شعور أو دين أو عقل، والأخير أندرها.
رأي السواد الأعظم من الناس ليس قائمًا بالدليل، بل مبناه كراهية، أو عطف، أو رجاء.
البيئة تلد الآراء، والشهوات والمنافع تقلبها.
معظم الناس ضعيف عن الرأي الذاتي، ولكنه يتناول ما يختمر من الرأي في عشيرته.
قلَّ من يقدر على النظر في الأشياء على حقيقتها: فمنهم من لا يرى إلا ما يريد، ومنهم من لا يرى إلا ما يريه غيره إياه.
لا يتحصل للمرء مدى الحياة خمسة أفكار ذاتية أو ستة إلا إذا كان عقله مطلقًا من كل قيد.
السبب في أن الآراء السقيمة أعلق بالنفوس، كونها قائمة على شعور أو دين، مما لا سلطان للعقل عليه.
قد يتغير الرأي هنيهة من مطالعة كتاب، ولا تلبث الآراء اللاتنبُّهية أن تعود إلى سلطانها.
التشدد في الرأي يغلب على التسامح فيه؛ لأن الأول مبني على الشعور أو الدين، والثاني مبني على العقل.
عدم التسليم برأي مبناه الشعور أو الدين، تقوية له.
لا تخلق الجماعة الرأي، ولكنها تُكسبه قوة؛ لأن رأي الجماعة شديد العدوى.
قلما تجد في هذا الزمان صحيفة بلغ من استقلالها أن تسمح لمحرريها برأي من عندياتهم.
فقدان ملكة النقد، يُسهل قبول الآراء العامة اللازمة في حياة الأمة، فإذا انتشرت روح النقد في كل فرد من أفرادها، حان حينها.
قوة الرأي إذا عم لا تُصد: من أوجده ملكه، ومن لم يقدر على إيجاده وجب عليه أن يذعن إليه.
(٦) الألفاظ والصيغ
لا مقابل للشعور من العقل، فلا يتيسر الإعراب عنه بلفظ مناطه العقل. وعليه يتعذَّر ترجمة المشاعر بالألفاظ ترجمة دقيقة.
من الألفاظ ما يُشعر بوجود أفكار عدة لا تتناولها تلك الألفاظ.
إذا شاع اللفظ تشعبت معانيه، بحسب معقول مستعمليه.
لا دواء لعدم التفاهم بين من اختلفوا جنسًا ومكانة، وذكورة وأنوثة؛ فاللفظ بذاته يثير في نفس كلٍّ معنى خاصًّا، فكأنهم لا يتكلمون لغة واحدة.
ليس للألفاظ الدالة على صور ذهنية في لغة، ترجمة محكمة في لغة أخرى، فاللفظ يدل على صورة عند أمة، وعلى صورة تخالفها عند أمة أخرى.
قد تثير الألفاظ الواحدة معاني مختلفة، في نفوس الذين تباين معقولهم، وتلك علة الخلف بين الأمم في أحوال كثيرة كما رواه التاريخ.
من ضرورات فن سياسة الأمم، معرفة طائفة من الألفاظ المؤثرة؛ لأن فعلها أشد من فعل الأدلة العقلية غالبًا.
لبعض الصيغ الدينية قوة سحرية هائلة، فكم من أناس ضحَّوْا نفوسهم في سبيل أقوال لم يدركوا مراميها، وإن تجردت عن كل معنى معقول.
أهمية المسميات في السياسة، دون أهمية الأسماء، فكم نفذت نظريات من الخرق بمكان، في ظل ألفاظ حسنة الانتقاء.
لبعض الألفاظ والجمل، قوة في استحضار الصور. لكنها لا تدوم طويلًا، فتبلى ولا تعود ذات أثر في الناس.
لا يتغير اللفظ المخطوط إلا ببطء. أما معانيه والصور التي يحدثها، فسريعة الزوال، وعليه لا يدل الكلام القديم، إلا على معنى قديم.
اللسان يسبق العقل في كثير من الناس. أولئك إنما يعرفون ما يجول بخواطرهم، بعد أن يسمعوا ما يقولون.
(٧) الإقناع
(٧-١) الإلقاء في النفس، والتكرار، والعدوى
التوكيد والتكرار والنفوذ والتلقين والعدوى، خمسة أبواب لكتاب تام في فن الإقناع.
الإقناع حمل المخاطب على العمل، لا إلزامه الحجة.
قد تُلزم الأدلة المخاطب الحجة، ولكنها لا تحمله على العمل دائمًا، وأما التلقين والتكرار والعدوى، فإنها تنفذ إلى المشاعر اللاتنبهية فتنقلب أفعالًا.
عدوى العقول آكد عامل في نشر الأفكار والمعتقدات، وقلما تأتي المعتقدات السياسية من غير هذا السبيل، ثم يحاول صبغها بصبغة المعقولات لتبريرها.
سبب خطأ الجماعات دائمًا في نظرها كونه في الأصل خيال فرد تسرب إلى الجماعة بالعدوى.
متى ثبت في النفوس رأي بالعدوى أو الإلقاء، اختفى هذيانه، وقصر العقل عن النيل منه، وساد هو على الإرادة، وقاد الخطى.
إذا كثر تكرار النظريات الباطلة، نزلت إلى عالم اللاتنبهي وأمست بواعثَ للأفعال.
نيل المراد بالإلقاء في النفس، أفضل دائمًا من نيله بالرهبة.
ينحصر فن كبار قائدي الأفكار، في كونهم يخلقون فيمن يقودون أرواحًا جديدة.
إذا أردت أن يكون لك سلطان مؤقت، كفاك غالبًا أن تقنع الغير بأنه لك.
تقاد الأمم باستثارة شهواتها، أسهل مما تقاد بالاهتمام بمرافقها.
إذا أردت أن تؤثر تأثيرًا صحيحًا في الأمة، فاقصد روحها اللاتنبهية، واجتنب مخاطبة روحها الشاعرة.
من عرف كيف يهيمن أو يخلب، استغنى عن الخطاب ليقنع.
(٧-٢) النفوذ
ذو النفوذ غنيٌّ عن القوة.
قد يغني النفوذ عن القوة، ولا تغني القوة عن النفوذ.
القوة تقهر النفوس على الطاعة، والنفوذ ينزع منها خاطر العصيان.
لا طاعة بالاختيار من غير احترام، ولا احترام لمن لا نفوذ له.
النفوذ يملأ النفوس إعجابًا واحترامًا، فيعطل ملكة النقد، ويسهل تأثير الإلقاء في النفس.
الخطأ يمده النفوذ، أفعل من الحقيقة وحدها.
إذا فقدت الحكومات والأمم نفوذها، أوشكت أن تفقد كل شيء.
جوامع الكلم |
الفصل الثاني الحياة الاجتماعية
(١) روح الشعوب
الشعب الصحيح لا وجود له إلا عند القوم الأولين، أما الأمم المتحضرة فإن كثرة اختلاط التناسل ووحدة البيئة، ولَّدت منها شعوبًا تاريخية جديدة تشبه الشعوب الصحيحة.
صفات الشعب النفسية ثابتة ثبات صفاته الجسمانية، وتنتقل بالوراثة على قاعدة واحدة وبالاستمرار.
قد يُخضع السيف أممًا شتى لسلطان واحد، ولكنها تحتاج في تكوين روح مليّ عام إلى التناسل ووحدة أحوال الحياة عدة قرون.
تاريخ الأمة عبارة عن حكاية مجهوداتها لإقرار روحها والخروج من همجيتها.
قوة الأمة بوحدة المشاعر المتولدة من تمكن روحها الملي، أكبر من قوتها بالجند. فلقد ساد الرومانيون على الدنيا بروحهم، فلما أضاعوها أضاعوا ملكهم.
التقهقر أسرع من التقدم، فالأمة تشيد بناء مزاجها العقلي في أحقاب، وتفقده في زمن يسير.
الأمة المتحضرة جماعة ثبت روحها، بتراكم آثار الآباء والأجداد.
روح الأمة الثابت في حرب دائم مع روح الجماعة المتقلب، فالثورات عن عمل الجماعات، وروح الجنس تؤثر في امتداد زمنها أو قصره.
لكل شعب تاريخ، ولكل دور من أدوار حياته نظامات خاصة، وآداب وفنون وفلسفة كذلك، ولا تحتمل غيرها، وما استعارت أمة مدنية أجنبية عنها، إلا حورتها تحويرًا كليًّا.
محاولتنا إلزام أهل مستعمر عادتنا وشرائعنا، كمحاولة إبدال ماضي أمة أخرى.
لا دوام لروح الآباء والأجداد، إن لم تكن متصلبة وإذا لم يكن فيها بعض المرونة تعذر انطباعها على مقتضيات تغير البيئة الناشئ من تطور الحضارة، وكان نصيبها عدم الرقي.
لا يفل الوراثة إلا الوراثة. والتناسل بين أفراد غير متساوين يفكك أواصر الروح الوراثي، وكم هلكت أمم لجهلها هذا الناموس.
الوطنية خلاصة ما ترمي إليه روح الأمة.
المولَّد رجل تتجاذبه مؤثرات مختلفة: من الوراثة، والذكاء، والآداب، والأخلاق.
أمة أهلها كلهم موَلَّدون لا تُساس.
الماضي لا يموت أبدًا، فهو حي فينا، وهو أقدم مرشد في حياة الأفراد والأمم، وما روح الأحياء إلا مؤلفه من أفكار الأموات.
ما أشد استبداد الأموات، في غالب الأوقات.
خلق أفكار تؤثر في الناس، معناه نقل المرء جزءًا من نفسه إلى من يخلفه.
(٢) روح الجماعات
إذا اجتمع القوم، تولد فيهم روح كلي مغاير كل المغايرة لروح كل فرد منهم.
روح الجماعات خاضع لمعقول خاص غير تنبهي، هو معقول الجمع.
الرجل في الجماعة ليس هو الرجل الفرد، لاختفاء ذاتيته، واندماجها في ذاتية الكل، ولفقدان ملكة النقد، والقدرة على التعقل بالدليل، فيصير رجلًا فطريًّا، له شجاعته ونزعاته وقسوته.
أخص مميزات الجماعة: سرعة الانفعال، والتعجل بالغضب، وعدم قابلية التعقل، والغفلة المتناهية، والتعصب الأعمى، والخنوع للقواد.
الجماعة دون الفرد معقول دائمًا، ولكنها قد تَفضله في الشعور وقد تكون دونه، فمن السهل صيرورتها شجاعة أو آثمة.
الجماعة كائن ساذج، لا تريد إلا بقوادها، ولا تعمل إلا بهم، فكأنما روحها متعقلة في روحهم.
الجماعات مغالية في مشاعرها، وتطلب الغلو من قوادها.
التأثير في الجماعة، أسهل من التأثير في الفرد.
علة غلو الجماعة في تعصبها ونزقها، اعتقادها بقوتها، وعدم التبعة عليها.
الجماعة أكثر قابلية للشجاعة منها للفضائل.
لا بد للجماعة من معبود: شخصًا كان، أو مذهبًا، أو صيغة.
شدة قابلية الجماعات للتأثر، تجعل مشاعرها متقلبة جدًّا، فتراها تنتقل بالسهولة من الإعجاب إلى الجفاء.
روح الدين المنتشر في الجماعات، يجعلها تظن في الصيغ السياسية التي تشوقها، أو في الشخص التي يخلب لبها، قوة سحرية خفية.
الجماعة تعيش في جو قوامه التأثر والتدين، فلا قدرة لها على استكناه ما يراه الفرد واضحًا جليًّا، لذلك يغلب عليها الخطأ فيما ترى.
قلما نحفظ الجماعة من الحوادث، غير جهتها التي أثارت الإعجاب، لذلك كانت الأقاصيص عندها أبقى من التاريخ.
أول ما تطلب الجماعات آمال، وهي بعيدة عن تصور الطوارئ كثيرة التصديق، فهي تقبل حتى الأماني التي لا يحتمل تحققها.
تتأثر الجماعات بالمشاعر، والهزات النفسية، والمعتقدات المطلقة تأثرًا سريع الشيوع فيها، لا تنفع فيه حجة، ولا يوهنه دليل.
التأثير كل التأثير في الجماعات، للتوكيد، والتكرار، والعدوى، والنفوذ.
لا يروج في الجماعة فكر إلا إذا صيغ لها في قالب موجز قوي اللهجة.
محبة الغير فضيلة اجتماعية، والمنفعة الذاتية الشديدة التأثير في الفرد، لا تؤثر في الجماعة إلا قليلًا.
تتأثر الجماعات دائمًا بالقوة، وقلما يستميلها المعروف.
لا تحترم الجماعات إلا الأقوياء، وقد كان احتقار الضعف على الدوام شعارها.
تفضل الجماعات غالبًا، المساواة في الذل على الحرية.
متى تفللت القيود الاجتماعية التي ترد الجموع عن الاسترسال مع شهواتها، هوت على عجل إلى درك الهمجية الأولى.
قد يستفيد السياسي من نسبة الحكمة وسداد الرأي والاعتدال للجماعات. لكن اعتقاد هذه الصفات فيها، يجعله غير أهل لتولي زمامها.
الاستسلام مرة للجماعة، اعتراف بقوتها، وقضاء على النفس بالرضوخ لحكمها على الدوام.
تحل قوة العدد شيئًا فشيئًا محل العقل. غير أن العدد، وإن قهر العقل، فإنه لا يقوم مقامه.
قلما تدرك الجماعات حقيقة ما يأتي على يدها من الحوادث.
(٣) روح الجمعيات
للجمعيات الكبيرة، ما للجماعات من المميزات الأولية: كضعف المعقول، وسرعة التهيج، وفجائية الغضب، وعدم التسامح المطلق، والخنوع للقواد.
ليس للجماعة إلا روح عرضية، إن تألفت من عناصر مختلفة، اجتمعت على غير موعد. لكن إذا اتحدت العناصر، كما في الجمعيات السياسية أو الصناعية أو الطوائف، تولد لها روح عام يستقر بوحدة المنافع.
لا تسير الجمعية السياسية غالبًا سير الجماعة، وإن كانت خاضعة مثلها لمقتضيات الاجتماع النفسية. وذلك لاختلاف منافع الأحزاب التي تتألف منها، ولأن لكل فريق قوادًا.
الرجل العاطل يزداد قوة بانضمامه إلى فريق، والرجل الكبير يصغر بذلك.
قد يتمكن بعض القواد ذوي الحدة والنفوذ، من ضم جميع الفرق في الجمعية إلى جماعة خاضعة لإرادتهم. وفي الجمعيات الثورية الكبيرة أمثلة كثيرة لذلك.
كثيرًا ما يقود الروح الكلي الجمعية إلى الإقرار على أمر لا يريده كل فرد من أفرادها بذاته. ولا يفهم تاريخ الثورة، إلا مَنْ تمكنت من نفسه هذه القاعدة.
لا يمكن التأثير في قوم، إلا إذا بدئ بالتأثير في دعاتهم.
الأقلية العنيفة الجريئة، تقود على الدوام الأغلبية الخائفة المترددة.
الخوف من أكبر بواعث العمل في الجمعيات السياسية وشدة الخوف هي التي تحملها أحيانًا على كل شيء من الإقدام.
(٤) حياة الأمم
ليست الكثرة شرطًا في صلاح المبادئ الكلية لسير الأمة. وإنما اللازم هو استقرارها في الأذهان واحترامها من الكافة.
يتوقف مصير الأمة على خلقها، أكثر مما يتوقف على ذكائها.
تطور الأمة محكوم بروح آبائها الأولين، ولا تؤثر الانقلابات السياسية إلا في مظاهر ذلك الروح.
من عوامل القوة في الأمة: الاحتفاظ بنظاماتها الأصلية، وتقاليدها الأولية، والتأني في تعديلها شيئًا فشيئًا. وقلما وجد بين الأمم من حقق هذا المقصد إلا الرومان قديمًا، والإنكليز في هذا الزمان.
ما حاولت أمة أن تنخلع عن ماضيها، إلا قلبت حالها رأسًا على عقب.
نير العادة يبهظ الفرد ويعطل حركته، ولكنه يقوي الأمة ويزيد في مكنتها.
خلو الأمة من ماضٍ كالولايات المتحدة: قوة لها، وضعف فيها معًا.
لا تستطيع أمة أن تنقل إلى أمة نظاماتها، كما أنها لا تستطيع أن تنفخ فيها روحها.
ليس الفتح الدائم الأثر، فتح البنادق والمدافع. وإنما يدوم الفتح، متى تولد بين الغالب والمغلوب، اشتراك في المشاعر، والمنافع، والأفكار.
لا تكون الأمة قوية في الواقع، إلا إذا كثرت المنافع المشتركة بين طبقاتها؛ لأن الفرد يعمل إذ ذاك لمصلحة الكل، مدفوعًا بحب الذات.
إذا كانت الروح الملية متمكنة من أمة، انمحت الخلافات السياسية عندها على عجل، أمام كل حادث له أثر في مصالحها الكلية.
الأمم اللاتينية أسرع إلى التعب من الحرية، منها إلى الضجر من العبودية.
إن لم يكن للأمة ضابط من نفسها، فعليها احتمال ضابط من دونها.
رقي الأمة بنخبتها، وقوتها بأواسطها.
لا يفيد في حياة الأمة إلا مجهود دائم. أما المجهود المتقطع فقد يحدث انقلابًا، لكنه لا يوجد رقيًّا دائمًا.
إذا كثر النسل في أمة، تعسر عليها البقاء هادئة، واندفعت إلى شن الغارة على جاراتها، ممن وقفت حركة النسل فيهن.
لا تنمحي الأوهام أبدًا من نفوس الأمم، فلا تزال تعتقد بقوة تأثير القوانين والنظامات والحكومات، وإن في قدرتها تغيير مجرى الحوادث كما تشتهي.
روح الرجل في بداوته متأثرة بروح جماعته. لذلك ضعف الفرق بين الروحين.
تشتمل الحضارة الراقية على رواسب من جميع المراحل التي قطعتها، فلا تزال فيها بقية من تقاليد سكان الكهوف، وشيء من روح البرابرة أصحاب (آتيلا).
لن يأتي برابرة الغد من الخارج، بل يخرجون من تلك الجموع التي تخلفت عن اللحاق بالحضارة وهي سائرة في طريق رقيها.
مهما انحطت كفاءة رجل ممن يقال لهم رجال الدولة، فإن قوة حكمه في الأمور، وبصره بها، أكبر من قوة جمع من السياسيين وبصرهم؛ لأن هؤلاء يكتسبون من اجتماعهم معقول الجماعة، وهو من درجة منحطة. لذلك ساء حال أمة جرت على رأي المؤتمرات.
حضارة أمة رداء روحها، وشامة ظاهرة تدل على القوى الخفية التي تسيرها.
الحضارة تستخدم العلم، ولكنها لا تقوم عليه.
اليقين المتين يمنع أهله، إلا إذا لقوا من هو أشد يقينًا.
تخرج الأمم من الهمجية، بما تضع لشهواتها من القيود. فإذا كسرتها، عادت إلى همجيتها.
لا ترقى الأمة بحكومتها أو ثورتها، بل باجتماع مجهودات أفرادها.
الأمم كالعناصر الحية: تزال إذا طال الأمد عليها وهي واقفة مكانها، متعلقة بماضيها. فتفقد بذلك ملكة الانطباع على مقتضيات فائدة غير حياتها.
(٥) النظامات والقوانين
لا حياة لقوم مجتمعين إلا قهرًا. وأيسر القهر قبولًا قهر القوانين.
حاكم الأمم معقولها، لا ما تلتزمه من النظامات. فوجب أن تكون هذه صادرة عن ذلك المعقول. ورب قانون نافع في أمة ضار في أمة أخرى.
ليس من وظيفة القوانين الاشتغال بالقواعد المنطقية؛ لأنها بنات حاجات مستقلة عن هذه القواعد.
يجب أن تكون القوانين مقررة لحاجات الأمة لا لشهواتها، فإن بنيت على الشهوات لا تدوم.
القوانين تقرر العادات، وقلما تحدثها.
القانون الذي لا يقتصر فيه على تقرير مألوف، أي تجربة سابقة، إنما يسجل جهل واضعه بالمستقبل.
تطور مقتضيات الحياة أسرع من تطور القوانين، فعلى القضاء أن يكمل النقص، ويجمع بين النص والمصلحة.
لا تحدث مشاعر الأمة من نظاماتها؛ لأن الثانية ثمرة الأولى.
النظامات التي تلتزمها الأمة بقاهر الأوامر، تحدث دائمًا اضطرابًا في العوامل السياسية. غير أن المقتضيات الطبيعية لا تلبث أن تعيدها إلى نظامها.
القول بقدرة النظامات على حمل الأمة على التطور، كما يذهب إليه المتسيسون، جهل بأن وراء الحوادث الظاهرة، قوة خفية هي العلة فيها.
إنما زادت القوانين في الأدواء التي وضعت لعلاجها؛ لأن الذين وضعوها لم يفقهوا آثارها.
قد يكون القانون ظالمًا، فإذا لم يقصد به فريق دون فريق فلا تحكم فيه.
إذا انسل القوم من سلطان القانون، عاجلهم الاستبداد.
توشك المخالفة يعم ارتكابها، أن تصبح حقًّا سائغًا.
لا مقوم للقوانين إلا القوة، لذلك هي لا تدوم كثيرًا.
من السهل تغيير القانون على القرطاس، إلا أن ذلك لا يغير من روح الأمة شيئًا.
(٦) الحق
الطبيعة تجهل الإنصاف، والعدل من صنع الإنسان.
الحق يكون حيث القوة تؤيده.
لا يستنجد بالعدل قوي.
لا قيمة للحق ولا للعدل بين أمم اختلفت قواها.
الحق لا يعترض القوة، فكأنهما شيء واحد، إنما الحق قوة مستمرة.
(٧) الأخلاق
ليست نواميس الأخلاق أمورًا فرضية، ولكنها ضرورات لازمة.
أخلاق كل زمن خلاصة حاجاته، وكل مجتمع لا بد له بمقتضى وجوده من ميزان يتميز به الخير من الشر.
لا بقاء لحضارة من دون أخلاق، فمهما اشتدت صرامة القانون لتأييد مبادئ الأخلاق، لا تعد شدتها غلوًّا.
لما كانت الأخلاق نتيجة ضرورات الأمة، في كل دور من أدوار حياتها، لزم أنها تتطور بتغير تلك الضرورات.
ما كل ضرورة حقيقة، يستوي في ذلك الأخلاق والقانون. لكن من العبث الجدل في الضرورات.
لا ثقة بالأخلاق إلا إذا صارت غير تنبهية، بفعل الوراثة والتربية والقوانين.
لا تكتسب الأخلاق قوة صحيحة، إلا إذا صار الناس لا يعدون مراعاتها من الفضائل الممتازة.
إذا جرت الفضيلة بغير جهد فهي ملكة لا فضيلة.
من الخطأ الضار، محاولة بناء الأخلاق على المعقول وحده، كما ذهب إليه كثير من الفلاسفة؛ لأنه إذا لم يكن للأخلاق سند من المشاعر والروح الديني، فلا بقاء لها ولا قوة.
إنما تكتسب الأخلاق بمزاولتها، فهي كالفنون من المعلومات التي لا تكتسب من الكتب.
البيئة والقدوة مؤثران كبيران في الأخلاق.
قد تقطع الأمة قرونًا حتى تكتسب أخلاقًا، وقد تضيع ما كسبته في بضع سنين.
أخلاق كل أمة مقياس كفاءتها.
أقل حظ للأمة من الأخلاق، ما أمرت به القوانين، وقامت الشرطة بحراسته، فإذا لم يراع هذا النذر فتلك فوضى الأخلاق.
هناك مرتبة أخلاقية أرقى من مرتبة الأخلاق المأمور بها في القانون، وهي التي تفضل فيها منافع الكل على المنافع الخاصة، وقد تعيش الأمة بالمرتبة الأولى، أما رقيها فمتوقف على الثانية.
مما يصح اتخاذه شارة قوية على سقوط الأمة، انحطاط أخلاق الطبقات المحكومة.
لما لم يكن بين الأمم قانون عام معترف به من الكل، فشلت مساعي الذين يقولون بعلم أخلاق عام، والمعروف منه هو ما تعرفه جمعية من الذئاب: افتراس الضعيف وخوف القوي.
الشعور الواحد يكون فضيلة أو رذيلة، نظرًا لفائدته الاجتماعية. فالأثرة تعد فضيلة، إذا اتصفت بها العائلة أو القبيلة أو الوطن بأكمله، كذلك الخيلاء في الفرد عيب، وفي الجماعة فضيلة.
لا يندر أن يكون الخلق الواحد فضيلة في الفرد، وعيبًا في المجموع، فلو لانت طباع أمة إلى حد أنها لا تثأر لنفسها من إهانة لحقتها، أصبحت هزءًا بين الأمم.
التسامح ممكن بين الأفراد، ومتعذر بين الأمم.
ربما كان عدم التسامح فضيلة في الأمة، تدفعها إلى عمل وجب.
إذا أخذنا بآثار مذهب حب الإنسانية، صعب علينا التسليم بأنه من الفضائل، بل رأيناه أشد أعداء علم الأخلاق؛ لأنه إذا عظم ذلك ضعفت هذه.
تزداد الجرائم في الأمة، بتقدم مذهب حب الإنسانية فيها لأنه يقلل من دواعي الزجر، فيضعف بذلك ما في العقوبات من الردع.
إذا أغضيت عن الضرر، فقد ساعدت على انتشاره.
سرعة أهل هذا العصر في هدم الأخلاق، أكبر من سرعتهم في تحصيلها.
لا تدفع الفضيلة صاحبها دائمًا إلى العمل، وقد كانت الرذائل أهم بواعثه: كالكراهية وحب الانتقام والغيرة والميل إلى السلب، وهذه النزعات هي التي تجعل أوروبا على أهبة من الحرب دائمة.
الرجل الفاضل يتسلى عما يلتزمه من الحرمان، بما يحدثه في نفس الغير من الضجر.
العمل المجرد عن المنفعة الذاتية، يعظم فاعله أمام نفسه، وكثيرًا ما يجب عليه السرور، أكثر من الأعمال ذات الفائدة الشخصية.
الشجاعة الصغيرة الدائمة، أصعب مزاولة من الإقدام الكبير عرضًا.
من أقوى دعائم الأخلاق، الخوف من نقد الناس.
تعلو حضارة الأمة بقدر تمكنها من ضبط نفسها، أعني بقدر ثبات أخلاقها وتمكنها.
إذا تداعت أخلاق الأمة، عاجلها الفناء.
(٨) الغاية
مبنى الرجاء في الحياة شعور فطري وتدين، وقد قالوا إنه يرجع أيضًا إلى نظريات عقلية، غير أنا لا نعلم غاية تولدت من تلك النظريات.
الثورة والفوضى دليل على حدوث أمر خطير في حياة الأمة وهو تغير غايتها.
من كانت غايته فداء معتقده بحياته كالثوريين الروسيين، تعذرت استمالته.
لا قوة لأمة ليس لها غاية مجمع على احترامها، وتلك الغاية هي التي تهديها في حياتها كما تهتدي الباخرة بالبوصلة.
إذا عظمت غاية أمة وقلَّت حاجاتها، تغلبت دائمًا على الأمة التي ضعفت غايتها وكثرت حاجاتها.
هدم غاية فرد، أو طائفة، أو أمة، تجريد لها مما به رابطتها ومجدها وحركتها.
الوطن مشخص حياة الآباء والأجداد، فهو غاية طلبها من أمتن الأسس الاجتماعية.
تفنى حياة الأمة في تكوين غايتها وفي هدمها.
(٩) الأرباب
لا تؤمن بكثرة الأرباب، فما عبد الناس في جميع العصور إلا ربًّا واحدًا، وإن اختلفت الأسماء، وذلك المعبود هو الأمل.
ما الروح الديني الذي ساد في جميع الأزمان إلا اعتقاد بسلطان خفي لمؤثرات علوية مثلت في النصب والأزلام والصيغ الكلامية.
كثيرًا ما غير الإنسان اسم ما عبد من الأرباب، لكنه ما استغنى عنها في زمن من الأزمان، كأن التدين حاجة من حاجات العقل لا يؤثر فيه مؤثر أبدًا.
قد يستعلي الروح الديني على المشاعر إلى حد أنه يعطل في المرء غريزة المحافظة على الذات.
الشجعان والأرباب صورة شفافة لما للأمم من النزعات الخفية.
الدين عنوان عاقلة الأمة.
تتطور الأرباب وتبقى الأصول التي جاءت بها الكتب على حالها، وإنما الذي يتغير منها هو معناها، فإنه يختلف باختلاف الأمم والأزمان.
مظهر الدين مستقل عن الأصول التي يستقي منها، فلقد كانت العاقلة واحدة عند يعاقبة (الهول) وقسوس (محكمة التفتيش).
ضعف الإنسان عن الحياة بلا يقين، ففضل المعتقدات وإن وهن أساسها على الزندقة وإن وضح برهانها.
لو انتشرت الزندقة لصارت دينًا لا قِبَل لأحد بمتارضته كما هو شأن الديانات القديمة.
عدم احتمال المناظرة من بعض ذوي العقول المطلقة، آتٍ في الغالب من تشبعهم بالروح بالوراثة وهم لا يشعرون.
الخلو من الاعتقاد هو في الغالب يقين يعفي صاحبه من تعب التأمل والنظر.
ميل المرء إلى تعقل دينه خطر دائم.
لقد أفادت الديانات الأمم بإحداثها الأمل في الحياة الباقية أكثر من جميع من خلق الله من الفلاسفة والحكماء.
إنما الديانات قوة ينبغي الانتفاع بها لا معارضتها.
إذا صح أن الدين كان سببًا في تأجيل اكتشاف بعض الحقائق العلمية، فمن المشكوك فيه أن الإنسان كان يستفيد كثيرًا من هذه الحقائق في الأدوار الأولى من تطوره.
إنما تظهر منفعة الأرباب بعد هدم معابدها.
العقل خالق الرقي غير أن مشيدي الديانات هم قُواد الأمم، ولا يزال عظماء الخياليين مثل (بوذا) و(محمد) يخضعون الملايين من الخلائق بجلال أحلامهم.
قلما تعيش الأمم بعد موت معتقداتها.
(١٠) الفن
ظهرت الفنون دائمًا قبل الفلسفة والعلم؛ لأنها بنت مشاعر الأمم وروحها الديني، وسيادة هذين الأصلين سابقة على سيادة العقل، لذلك صح ازدهار الفنون في أعصر الهمجية.
الفنون ولا سيما الموسيقى لغة المشاعر والروح الديني، والكلام لغة العقل.
يصغر الفني إذا استعمل عقله بدل شعوره.
لما كان الفن ابن المشاعر، تعذر التعبير عنه إلا من جهة أجزائه الإصلاحية.
الفن كالسياسة، زمامه بيد بعض القواد، والجموع من خلفهم.
الجميل ما أعجبنا، والإعجاب لا يصدر عن ذوقنا الخاص بمقدار ما يصدر عن مشاعر بعض ذوي النفوذ الذين تؤثر فينا عدواهم العقلية، فتحملنا على أن نحكم حكمهم.
ليس للتنسيق قواعد ثابتة، لهذا احتقر السلف المباني (الغوطية) ورسوم بعض المصورين قبل أن يعجب بها أهل هذا الزمان.
يحدث في بعض الأحايين جو خاص يسود فيه على الناس ذوق واحد وشعور واحد وإن بلغ استقلال فكر بعضهم ما بلغ.
عدوى الفنون شديدة التأثير إلى حد أنها تلبس صنع بعض الأزمان ثوبًا عائليًّا يستدل منه على زمن ظهورها.
يتأثر الفن تأثرًا شديدًا بالمكان والأمة إلى حد أنا لا نجد أمة استعارت فن أمة أخرى إلا حورته وبدلته، ولا عبرة ببعض الظواهر الدالة على خلاف ذلك.
الطرف الفنية الفائقة الصنع تصدر عن شعور لاتنبهي، فإن كانت تنبهية فهي شخصية ولا تدل على روح العصر الذي صنعت فيه.
الموسيقى تثير في النفس خواطر مبهمة تصحبها انفعالات شديدة، لذلك يسهل تأثيرها في غير ذوي العقول الكبيرة متى رق شعورهم، ولقد أصاب من قال: إنها فن النساء والجماعات.
رجل الفن يبتدع وإن احتذى.
(١١) الطقوس والرموز
الطقوس والرموز، أعني الاحتفالات والأعلام والأعياد العامة والعرف المألوف في علاقات الناس بعضهم مع بعض، كلها فوق إرادة الإنسان. وهي أقوى سند تقوم عليه الحياة الدينية والاجتماعية.
من ظن أنه أكبر من أن يتقيد بطقوس أمة واحتقر تقاليدها فهو أجنبي عنها.
إنما تصير المعتقدات الفردية عامة بعامل الطقوس والسنن.
إذا تجرد القضاء من الطقوس والرموز فليس قضاءً.
يقوم المعتقد الديني أو السياسي على اليقين به، لكنه لا يدوم إلا بالطقوس والتقاليد.
بلغ من أخذ الطقوس والرموز بالنفوس أنها تبقى بعد زوال المعتقد الذي حدثت لأجله.
أكبر الناس استقلالًا وأشدهم إطلاقًا في الفكر، يخضعون حياتهم طوعًا لطقوس سياسية وعرفٍ جارٍ في روابطهم الاجتماعية أو الشخصية تنزع منهم الحرية الصحيحة.
الطقوس تخلص الإنسان من شر التردد: فيها يعرف بلا تأمل ما يجب قوله وفعله في جميع الأحوال.
أهم طقوس الأمم تقاليدها من عمل أسلافها.
جوامع الكلم |
الفصل الثالث الحياة القومية
(١) الدِّين والعِلم
الدين والعلم طريقان تجري فيهما حركة الإنسان، وليسا من أصل واحد.
لا يكون العلم أبدًا إلا تنبهيًّا وعقليًّا، أما الدين فغير تنبهي ولا دخل للعقل فيه.
أخف مميزات الدين أنه لا يتغير بالنظر ولا بالتعقل ولا بالتجربة.
تحصيل أحقر المعلومات العلمية يقتضي جهدًا كبيرًا، وتحصيل الاعتقاد الديني لا يقتضي من الجهد شيئًا.
ينتشر العلم بالكتب، والدين بالرسل.
العلم أكبر العوامل في تقدم الحضارة المادي، والمعتقدات تقود الأفكار والمشاعر، فهي هادية المرء في حركته.
العلم يقرر الحقائق، والمعتقدات تمثل الرغبات، لهذا فضل الناس المعتقد على العلم.
الدين يكسو الخيال المتولد عن الرغبة صورة الشيء الواقع، وإنما العلم هو الذي يوجِد الحقائق مجردة عن الرغبات.
المعتقد السياسي أو الديني أو الاجتماعي أمر وجداني لاتنبهي ولا يدركه النظر إلا وقد رسخ في النفوس.
قوة المعتقد راجعة إلى ما يُولده في النفوس من الآمال، وما يُحدثه من الصور الذهنية التي تقتضي السعادة.
لن تجد في التاريخ معتقدًا سياسيًّا أو دينيًّا رده النظر والاستدلال، فالعقل يتحطم دائمًا على أسوار الدين.
الدين التزام لا استدلال: فإذا ما بحث الناس فيه فذلك لكونه ضَعُفَ ومال إلى الزوال.
قلما تجد من يخاطر بحياته في نصرة حقيقة عقلية، ولكنك تجد عشرات المئات يضحون حياتهم لما يعتقدون.
يعيش أهل كل زمان بقليل من المعتقدات السياسية والدينية والاجتماعية ولا يتحولون عنها إلا بِكر الدهور أو بحلول معتقد جديد.
إيجاد معتقد، إيجاد وجدان جديد، تصدر عنه حركة جديدة في سير الناس.
أقل تغيير في معتقد أمة، يغير من مصيرها.
إذا احتدم الخلاف في بحث، صح القول بأنه من طائفة المعتقدات لا من مباحث العلم.
ليس العقل هو الذي يقوم في وجه المعتقد حين يضطهد الدين من السياسة، بل هذان معتقدان اعترض كل منهما صاحبه.
الخلف على المسائل العلمية سهل الاحتمال، ولا احتمال في خلف ديني، لذلك كان التنازع الديني أو السياسي دائمًا شديدًا.
التشدد مصاحب للمعتقدات القوية، وهو بين أهل المذاهب في المعتقد الواحد، أشد منه بين أهل مذهبين مختلفين.
إنما يبحث العقل عن اليقين في المعتقدات غالبًا.
الفرضيات معتقدات يظنونها في الغالب معلومات.
لما كانت أحوال المعتقد غير خاضعة لمقياس العلم، فتصديق العالم والجاهل بها سواء.
إذا استولى المعتقد على المرء سهل عنده جمع النقيضين عقلًا.
لا يعيق انتشار المعتقد ما فيه من الخطأ والهذيان؛ لأنه ليس مبنيًّا على النظر والاختيار.
عدم تصديق الشيء الممكن يجعله مستحيلًا، ومن قوى اليقين جعله بالمستحيل.
المعتقد القوي يحدث الإرادة القوية، فلا تقوى عليه إرادة ضعيفة.
خلق الإنسان في حاجة إلى معتقد يهدي فكره وأعماله، ولما تقم مقامه الفلسفة ولا العلم.
أوجدت المعتقدات مصنوعات فنية من العدم، ما كان لمجرد العقل إيجادها.
المعتقدات تقوم الأمم، وإن ضعفت في نظر العقل، وهي التي تمنعها من الوقوع في همجية لا رابطة بين أفرادها ولا قوة فيها.
(٢) التعليم والتربية
التربية فن تنتقل به المعقولات إلى مشاعر.
إذا حسنت تربية الشعور اللاتنبهي ملكناه وأفادنا، وإذا ساءت ملكنا وأضرَّ بنا.
قيمة المرء خلقه لا علمه كما يذهب إليه أساتذة التعليم عندنا.
عدة المرء الداخلية المتينة في خلقه لا في علمه، فإن لم تكن له هذه الأداة، أصبح ألعوبة في يد الأحوال والظروف.
من أكبر خطأ اللاتينين اعتقادهم بتلازم التعليم والأخلاق والذكاء.
ليس التعليم تربية، فالأول يعني الحافظة، وأما التربية فإنها تولد في الإنسان ميولًا نافعة، وتمكنه من قمع الميول الفاسدة.
يكفيك لتعليم رجل من الهمج بضع سنين، وقد تحتاج إلى قرون في تربيته.
إنماء الفكرة وملكة الحكم والهمة والثبات، أشد لزومًا من تكليف المرء رص الجُمل الباردة كما تفعل المدارس الآن.
حصر العقل في دائرة صناعية، وإفقاده قوة النظر والتأمل، نتيجة محققة من طريقة تعليم أحوال الدنيا بين سطور الكتب.
تعلو الرجولة بالعلم أو تنحط، بحسب طبيعة عقل من يتلقاه، ولا يستفيد من المعارف العالية إلا أهل العقول السامية.
إذا أردت منحط الفكر على علم راقٍ، فقد أفسدت عاقلته، وضعفها يفقده ملكاته الفطرية فيصبح في عالم المعقول كالمولَّدين.
دلت التجارب المتكررة في الألوف من أهل المستعمرات على أن التعليم الذي لا يناسب حالة المتعلم يضعف الذكاء ويحط الخلق والآداب.
ما أشد خطر القضايا الكلية مجردة عن مناشئها، فإنها تؤدي إلى الاستهتار وسوء الفهم.
لا بد من جهد كبير قبل أن تصير العادات الطبيعية غير تنبهية في الإنسان، فإذا تمكنت منه مكنته من العمل بلا عناء.
إذا ضُبطت حركات العقل وسُيرت في سبيل قويم تَرقَّى، وإن كان في الأصل ضعيفًا.
كسب ملكة ضبط العمل يكسب فن توفير الوقت، وذلك يؤدي إلى إطالته.
محاولة تعليم الأحداث أشياء كثيرة تجعلهم لا يحرزون شيئًا، وقد غفلت مدارسنا عن هذا المبدإ الأولي.
ينبغي أن يكون المربي قادرًا على أن يميز ما في كل تلميذ من الملكات الطيبة القابلة للرقي، أما إذا ترك اختيار الدرس والحرفة إلى الاتفاق انحط عمل المتعلمين.
من أكبر أوهام الديمقراطية، تخيلها أن التعليم يسوي بين الناس، وهو لا يصلح في الغالب إلا في تجسيم الفروق.
الامتحان الذي يدور على قوة الحافظة يزيد الفروق الاجتماعية أكثر من طريقة الخلف، والغالب أن هذه الفروق تكون غير عادلة.
آل الأمر بطريقة التربية عندنا إلى إيجاد نخبة من أهل الحافظة، لا علاقة بينها وبين نخبة أهل العظمة وقوة الحكم.
التعليم إما أن يربي الحافظة، أو ملكة النظر. ويتخرج عن الأول أهل اللسن وعن الثاني أهل الجد والعمل.
استقر التعليم بالاستظهار في الأمم اللاتينية وحدها فصار علة كبيرة في ضعفها؛ لأن نتيجته تفويض الوظائف الاجتماعية الكبرى إلى أناس هم غالبًا من ذوي الكفاءة المنحطة.
اختيار طريقة التعليم أهم في مصلحة الأمة من اختيار حكومة مناسبة لها.
(٣) الطبقات الممتازة فيها
لا تقاس قوة الأمة بعدد أهلها بل بقيمة الطبقة الممتازة فيها.
نخبة الأمة صناع حضارتها، فلا ترقى إلا بهم، وإذا فقدتهم حاق بها الفقر وتولتها الفوضى.
العامة خزانة قوة الأمة، لكن لا تنفع هذه القوة إلا إذا وجهتها الخاصة في الأغراض العامة.
الاختراعات الراقية أفرادية دائمًا، ويعم نفعها متى صارت في ملك المجموع.
إذا اجتمع أفراد ممتازون بطلت ميزتهم؛ لأن العقل الممتاز لا يبقى كذلك إلا إذا دام منفردًا.
تنوعت أسباب الامتياز إلى حسب ونبوغ ومال، وما استغنى العالم قط عنها.
لما كانت الملكات العقلية وراثية كما كان الشرف كذلك قديمًا، لزم أن الجماعات، وهي من طلاب المساواة المطلقة، تعد التمايز العقلي إجحافًا كالتمايز بالشرف.
تنازع الجموع الجاهلة والطبقات الممتازة التي هي روحها، دليل على بقاء الحياة القومية. والتاريخ يدلنا على أن غلبة العدد كانت دائمًا نذيرًا بزوال الحضارة.
ما سادت الحضارات العظمى إلا بتمكنها من ضبط عناصرها الدنيا.
الخاصة تبني والغوغاء يهدمون.
(٤) النظريات الفلسفية
العقل أقرب للإنشاء منه للتفسير، فقد غير وجه المسكونة، ولكنه لما يبين لنا الناموس الخفي الذي تتطور بمقتضاه الحشائش.
البون شاسع بين عاقلتنا ونظام الكون، فلا أمل لنا باكتناه سره.
إذا قيل إن كل ما لا يدركه العقل معجزة، فحياة كل كائن معجزة دائمة.
بعدت الشقة بين القوى الخفية التي تبدئ الكائنات وتنميها وتعدمها وبين إدراكنا، حتى انثنى العلم في هذه الأيام عن محاولة تفسيرها.
أصغر الخليات الحية يحمل ماضيًا عتيقًا ومستقبلًا غامضًا.
رأينا الفلسفة تجيب في غابر الزمن على: هل العلم قديم أم حادث؟ حقيقي أم خيالي؟ وهل جنس الإنسان أبدي أو قابل للعدم؟ ونجدها الآن قد تراجعت عن الجواب.
من المسائل الخطيرة ما ينبغي عدم التعمق فيه: كمن أين أتينا؟ وإلى أين نسير؟ حتى يكون لها لباس من الشك لا يزول معه كل أمل للإنسان.
ربما كان أفضل نظريات الحياة الثلاثة وهي الرجاء واليأس والاستسلام هذا الأخير، لكنه أقلها حملًا للإنسان على العمل.
المرء في الحياة بين حرب معها، أو انطباع عليها.
أبان العلم أن المادة غير خالدة، فهدم أحد مقاصد الفلسفة التي بقيت لها.
الفلسفة الحقيقية للوجود في جانب، والفلاسفة في جانب، فلا يد لهم في تكوينها.
قد تبطل النظريات الفلسفية، لكن لا بد للإنسان من فلسفة يرى الحوادث من خلالها.
آخر ما وصلت إليه الفلسفة، أنه لا قدرة للعقل حتى الآن على فهم أسرار العالم.
لكل حادث سر، والسر هو الروح المجهول في الأشياء.
(٥) المبادئ العلمية
إنما العلم في الحقيقة خروج من الإنسان على الطبيعة وجهد يحاول به التملص من القوى العمياء التي يئن تحتها.
كان الإنسان في أول أمره يرى تسخير الطبيعة إياه قدرًا مقدورًا. فلما تمكن بالعلم من تحليل الأقدار، جعل يجردها شيئًا فشيئًا من صبغتها القدرية.
اللزوم شيء والقدر شيء آخر، فقد يتبين من تعرف لزوم الأمر أنه غير مبرم.
قالوا إن علة نظام الكون سابقة في الأزل، والواقع أنه ثمرة التوازن اللازم بين القوى التي يتكون منها.
حياة الحقائق العلمية مهما كانت دقيقة فهي قصيرة.
مبنى كل علم مبادئ معدودة: فعلم الكيمياء قائم على مبدأ عدم تغير المجموع، كما أن الطبيعة والميكانيكا قائمتان على مبدأ حفظ القوة.
المبدآن الثابتان للكون هما المقاومة والحركة، ومصدر الأولى السكون، ومنشأ الثانية القوة.
تتولد صور القوة وحوادث الحياة من اختلال التوازن الكوني الناشئ غالبًا من اختلاف السموت.١
تقدم العلم سريع في استقراء الحوادث، وهو مستقر مكانه منذ زمن في بيان عللها.
قدم العلم ثابتة، لكنها على جزيرة صغيرة في بحر من المجهولات لا يُدرك غوره.
تقدم العلم إنما ينقل حدود المستحيل من مكان إلى مكان عالم اللانهائي.
حسب الماديون أن مذهبهم يحل محل الدين، غير أن المادة أصبحت سرًّا من الأسرار كالأرباب الذين جاءت هي لنحل محلهم.
ربما كان تقرير القضايا العلمية ستارًا يختفي من ورائه التردد في تقرير حقيقة المبادئ.
من مميزات العالِم على الجاهل معرفة الأول أين يبدأ الغموض.
إذا وصلت نظرية علمية إلى حد الجمود وقف الرقي في جانبها.
يتولد عن العلم من الأسرار الغامضة، أكثر مما يكشف لنا منها.
(٦) المادة٢
ظنوا قديمًا أن المادة لا تفنى، وهي تزول على مهل بتفكك ذراتها المستمر.
من متحصل تحول المادة عن ماديتها ما له خواص تجعله وسطًا بين الأجسام القابلة للوزن وبين الأثير الذي لا يقبله، وهما أمران كان العلم يفرق بينهما تفريقًا كليًّا إلى هذا العصر.
ظنوا قديمًا أن المادة جامدة لا تصدر منها إلا قوة تكون قد اكتسبتها من قبل، والواقع أنها مصدر هائل للقوة المسماة القوة الكامنة في الذرات، وتلك القوة قابلة للانتشار بذاتها.
أغلب قوات الكون وعلى الأخص الكهربائية وحرارة الشمس آتية من القوة الكامنة في الذرات والتي تنتشر من تحلل المادة.
القوة والمادة صورتان لشيء واحد، فالمادة صورة من صور القوة الكامنة في الذرات وهي أكثر استقرارًا، والحرارة والضوء والكهربائية وما هو من نوع ذلك صورة ثانية لتلك القوة ولكنها أقل استقرارًا.
فصل الذرات بعضها عن بعض، أو بعبارة أخرى إفقاد المادة ماديتها، عبارة عن تحويل صورتها المستقرة إلى صورها غير المستقرة المسماة: كهرابائية أو ضوءًا أو حرارة أو غير ذلك.
توازن القوى الهائلة المتجمعة في الذرات علة استقرارها ذلك الكبير، غير أنه يكفي الإخلال بهذا التوازن بواسطة جوهر كشاف مؤثر لتأخذ تلك الذرات في التفرق والانفكاك، ومن هنا نرى الأجزاء السطحية من جسم ما تتفكك بتأثير بعض الأشعة الضوئية.
لما كان الضوء والكهربائية وأكثر القوى المعروفة متولدة من تحول المادة، صح أن الجسم متى تشعع فقدَ جزءًا من جرمه بمجرد هذا التشعع، فإذا استطاع أن يشعع قوته كلها تفانى بتمامه في الأثير.
تتحول المادة إلى قوة على صور شتى، ومن المؤكد أن القوة تكاثفت في مبدأ التكوين فقط فصارت مادة.
إن قانون التطور الخاضعة لحكمة الكائنات الحية، سار أيضًا على الأجسام الجامدة البسيطة، فلا الأنواع الكيماوية ولا الأنواع الحية ثابتة أبدًا.
(٧) الحقيقة والخطأ
كانت حاجة المرء إلى التحقق، أشد دائمًا من حاجته إلى الحقيقة.
قيمة الحقيقة عملًا، على قدر درجة الاعتقاد بها.
لا فرق بين أثر الاعتقاد السطحي، في أفعال المرء، وبين أثر الاعتقاد الصحيح.
قد لا يتحرى المرء اختيار معتقده، ولكنه يصعب عليه دائمًا احتمال معارضته فيه.
لا يصلح المعقول الإلهامي ولا المعقول الديني لكشف حقائق غامضة بل لإخفاء ما خيف منه من الحقائق.
يكفي غالبًا إلباس الخطأ ثوبًا جذابًا ليقبله الناس حقيقة ثابتة.
قد تحتاج الحقائق بعد تقرير صورها إلى زمن طويل في قبولها مما يضر باكتشاف الحقيقة النظر إليها من جهة تقدير فائدتها كما يفعل البراغماتيست.٣
ليست الحقيقة وحدة ولا راحة ولا منفعة ولكنها ضرورة.
ما كان الإنسان يعرف قبل العلم من الحقائق إلا ما كان نسبيًّا أي له متعلق معلوم، فكان من وظيفة العلماء أن أظهروا أن هناك حقائق لذاتها.
تتسلل الكائنات في هذا العالم ولا تتأيد.
ما من حقيقة أبدية عند الإنسان، كما أنه لا يوجد كائن أبدي أمام الطبيعة.
الحقيقة كالجسم الحي لا تعرف ماهيتها إلا بمعرفة حالاتها السابقة.
تتبدل الذوات والأشياء بلا انقطاع. ولكل أمر وقع، حقيقة واقعة تلحق به.
الحقيقة مرحلة عرضية من طريق لا نهاية له.
من الحقائق ما هو حقيقة مطلقة من حيث حياتها، وليس منها ما هو كذلك أبد الآبدين.
كثير من الحقائق ينقلب خطأ بمرور الأيام.
تختلف صور الحقائق باختلاف الأمزجة التي تتلقاها.
إذا صيغ الخطأ في صورة حسابية صحيحة، كان كبير التأثير، وأشد الناس جحودًا يعتقد أن للمعادلات الجبرية سرًّا عجيبًا.
كثير من الناس يستغني عن الحقائق، وما من أحد يستغني عن الخيال.
خيال يعتبر صحيحًا، مؤثر كالواقع.
فقدان الخيال ليس دليلًا على معرفة الحقيقة.
أغلب الرقي جاء من تشبث المرء بتحقيق خياله، لا من جده في طلب الرقي نفسه.
إذا سرى الخيال من الفرد إلى الجماعة، اكتسب قوة الحقيقة.
ربما كانت فائدة الناس من الخطإ أكبر من فائدتهم من الحقيقة.
(٨) القصص والتاريخ
يسير التاريخ بعيدًا عن المعقول، وقد يجري على نقيضه.
كثير من الحوادث يبقى غامضًا، ما دام الاعتقاد سائدًا بأن لها عللًا معقولة.
لا هم للتاريخ بتحقيق مقدار انطباق المعتقد على المعقول. وإنما همه معرفة مقدار أثر ذلك الاعتقاد في نفوس أهله.
كل جيل يتناول حياته العقلية من الأجيال التي سبقته، فمعظم نسيج المستقبل من سدى الحاضر.
الأقاصيص أصح غالبًا من التاريخ، فهي تترجم مشاعر الأمة الحقيقية، وهو يسرد حوادث متأثرة بعاقلة من يحكيها.
لا سبيل إلى كتابة التاريخ على وجهه إلا إذا كان الكاتب بعيدًا من جميع الأحزاب، حتى لا تكون له الأغراس التي هي قوام الحزبية.
تنازع الحوادث النفسية قائد التاريخ. فإن أكبرها راجع على الأكثر إلى تنازع المعتقدات منه إلى تضارب المنافع.
الأثر الغالب في التاريخ آت من المشاعر والدين، وقلما جاء المعقول، فمحرك الكون الحقيقي هو غير الواقع.
هوامش (١) جمع سمت. (٢) قال المؤلف: كانت القضايا التي ستمر عليك جديدة جدًّا لما صغتها أول مرة، وهي خلاصة أبحاث وتجارب دامت نحو عشر سنين وضمنتها ثماني عشرة رسالة جمعت في مؤلفين وهما: (تطور المادة) و(تطور القوى)، وقد عدلت عن هذه الأبحاث لما كثرت نفقتها وعدت على مضض إلى الأبحاث النفسية. (٣) هم المتعسفون في الاستشهاد بالحوادث سعيًا وراء تقرير المبادئ.
جوامع الكلم |
الفصل الرابع الفكر والعمل
(١) العمل
العقل مفكر، والاعتقاد فعال.
لو أن الإنسان بدأ بالتفكير قبل العمل، لانتهت دائرة التاريخ من زمن بعيد.
الاعتقاد يبعث على العمل، سواء بني على الخيال أو على الواقع، والرجل لا عقيدة له، كالسفينة لا دفة لها، أو هو آلة بلا محرك.
إذا تمكن الاعتقاد بعث إلى العمل، وإن كان باطلًا أو مستحيلًا.
إنما يستدل على عقل المرء وخلقه بعمله.
التفكر نافع، وقد يجب العمل دون إطالة النظر، فأعظم نزعات الشجاعة، كانت لقوم ما فكروا إلا قصيرًا.
الأفكار مثل جميع مظاهر الحياة: علتها توازن غير ثابت متحول على الدوام.
قلما تتحول الأفكار الكلية من المطالعة، وإنما الكتب تسجل في الغالب تغير الأفكار.
كل عمل متبوع بآثاره والمرء يدعو تسلسل هذه الآثار مقدورًا.
علمك ما يجب عمله غير علمك بما أنت فاعل.
(٢) أوهام الديمقراطية
يظن دعاة الديمقراطية أنها نظرية عقلية، والحقيقة أن مبناها المشاعر والدين مما لا دخل للعقل فيه.
الديمقراطية عند العامة شيء، وعند المتعلمين شيء آخر.
أول ما يفهمه العامة من الديمقراطية المساواة، فلا يقولون بالإخاء بين الطبقات وليس لهم أقل عناية بالحرية، أما المستنيرون فظمؤهم إلى الحرية شديد، وميلهم للمساواة قليل.
ذاتية الديمقراطي الحقيقية فانية في فريقه، فليس له شخصية إلا بها.
يمتاز علم النفس عن الديمقراطية بكونه يرى أن ذاتية المجموع المسمى أمة أحط بكثير من ذاتية الفرد.
لا فرق بين تعدي فريق العمال في هذا الزمان، وتعدي الشرفاء ورجال الدين في الزمن السابق، مما تعبت الملوكية زمنًا طويلًا في محاربته.
كم من أمم تحتمل الاستبداد بلا عناء، ولا تطيق الحرية إلا بالجهد، وهي على الدوام تبدي كراهيتها للأول وحبها للثانية.
مبادئ الديمقراطية من فريق الأفكار التي برح الإنسان لا إلزام الغير بها، ولا يرضاها لنفسه إلا قليلًا.
كلما سطرت المساواة في القوانين، اشتد ميل الناس إلى الفروق الظاهرة المميزات بينهم.
حاجة الديمقراطية إلى الزهو والظهور، من أغلى الحاجات ثمنًا وأقلها نفعًا.
السر في شدة الميل إلى المساواة، هو في الغالب رغبة المرء في أن يتقدم على غيره، ولا يتقدم أحد عليه.
المساواة نظرية صناعية ولدت كراهية كل تفوق يبنى عليه مجد الأمة.
عاقبة الديمقراطية إقامة حرب الطبقات المستمر، مقام حرب الأمم المتقطع.
الطبيعة لا تعرف المساواة، وما كان من رقي فسببه التفاوت المتزايد كل يوم.
لا تميل الحضارة إلى التسوية بين الناس، بل هي تزيد في فرجة الفروق دائمًا.
ادعت الديمقراطية للعلم قوة لا وجود لها إلا في الخيال، وآل أمرها إلى أن عبدته وهو رب كاذب.
(٣) الأوهام الاشتراكية
الاشتراكية غاية مبدأ المساواة القصوى، وما هي إلا حالة ذهنية أكثر من كونها مذهبًا.
الديمقراطية والاشتراكية بعيدان بعدًا سحيقًا عن بعضهما، وإن كان الظاهر غير ذلك.
الاشتراكية تدعو إلى تسوية المقامات، فهي نقيض الديمقراطية في رأي المستنيرين الذين يقولون بإعلاء كلمة الكفاءة والنبوغ.
إبهام المبادئ الاشتراكية إحدى علل انتشارها، فمن حاجة المذهب أيًّا كان أن لا يتحدد ويستبين إلا بعد انتصاره.
انتشار الاشتراكية راجع في الأكثر إلى كونها صورة من صور مذهب (الحكومية)، وهي غاية الغايات لجميع الأحزاب السياسية في البلاد الفرنساوية.
مما يكثر أنصار الاشتراكية، قساوة بعض أصحاب المال وضعف أخلاقهم.
إذا مالت الحكومة إلى المغالاة في حماية الأفراد، قعدوا عن حماية أنفسهم، وفقدوا فضيلة الهمة الذاتية.
لما كانت المعتقدات لا تحتمل التكذيب، وضعت جناتها حيث لا وصول إليها، وإنما ضعفت الاشتراكية في كونها جعلت دار نعيمها في هذه الدنيا.
السعادة المنكمشة، وبعبارة أخرى المساواة في التسخير، مما تبشر به الاشتراكية، ليس خيالًا قويًّا يأخذ بلب الأمم طويلًا.
من لوازم تقدم الحضارة في هذا الزمان، إيجاد منبوذين يكثرون يومًا عن يوم، لا ينطبعون على عصرهم، ولا ينفكون عن محاربته، أولئك هم السواد الأعظم بين الاشتراكيين.
كانت الثروة قديمًا، قائمة على جمود رأس المال في مكانه، فأصبحت لا حياة لها إلا في تداوله، أعني في الفطانة التي يقتضيها استخدامه.
ستفضي الاشتراكية إلى استعباد عام، وكذلك شأن مذهب النقابات، غير أن هذا محدود في دائرة منافع كل فريق بحسب مهنته، فهو يمكِّن الفرد من مغالبة استبداد الهيئة الحاكمة.
السبب في معظم ما وصلت إليه الحضارة من الرقي، أمور معدودة: هي الهمة الذاتية، والمخاطرة، والمسابقة، وما كان من قبيل ما ذُكر، مما ترمي الاشتراكية إلى إعدامه.
إقامة همة الجماعة وتبعتها، مقام همة الفرد وتبعته، إنزال الإنسان إلى أحط دركات الكفاءات البشرية.
من المجاميع الإنسانية ما تفنى فيه روح الفرد، وذلك تقهقر تتطور به الأمة إلى الوراء.
ما خرج الإنسان من الهمجية إلى الحضارة، إلا بهروبه من مساواة العصور الأولى، مما ترمي الاشتراكية إلى إرجاعنا إليه.
(٤) السلْم والحرب
الحياة جهاد، والجهاد ناموس عام، ولو أن الناس كانوا سلميين لما ارتقوا.
لولا أنه لا رحمة في الطبيعة بالضعفاء، لسادت الوحشية، ولما انبثق شعاع واحد من نور الحضارة.
الأمم التي يحق لها أن تجنح إلى السلم وتطيقه، هي التي كثرت مدافعها.
أحكام الأهبة، وقوة الاعتقاد، وشدة كراهية العدو، هي شروط الظفر في الحروب دائمًا.
الإحجام لتصور نافلة الإقدام، رغبة من أول الأمر عن النجاح.
إذا تألف الجيش من جنود يجادل بعضهم بعضًا، ظفر به الجيش من الهمج الذين لا قدرة لهم على النظر ولكنهم سباقون إلى الطاعة من غير جدال.
الخوف من الهزيمة يزيد التعرض لها، وحمل الجيش على الاعتقاد بأرجحيته يضاعف شجاعته وحظه في النصر.
شجاعة الفرد أندر من شجاعة الجماعة.
قد تكون عاطفة الميل وحدها، سبب المحبة بين الأفراد، وأساس المصافاة بين الجماعات، المنافع المادية، تدوم بدوامها، وتنعدم بانعدامها.
منافع الأمم الاقتصادية تحملها على حب السلام. ولكن اختلاف المشاعر والمعتقدات، يدفعها دائمًا إلى الخصام.
لو أن هناك أمة سلمية بطبيعتها لمحيت من التاريخ على عجل.
(٥) الثورات
أبقى الانقلابات ما كان في المعقولات.
أساس الانقلابات العلمية، تصورات عقلية، أما الثورات السياسية والدينية فمنشؤها مشاعر ومعتقدات وأفكار عامة.
تتأثر حياة الأمم من الانقلابات العلمية، أكثر كثيرًا من الثورات السياسية.
قد تبنى الثورة السياسية في أول أمرها على اعتبارات معقولة لكنها لا تنتشر إلا بضغط المشاعر والمعتقدات والجماعة، مما لا دخل لشيء من العقل فيه.
الثورات والحروب دليل على انتقال تنازع القوى النفسية من عالم الكون إلى عالم الظهور.
ليست الثورة على الدوام حادثًا ينقضي متبوعًا بحادث يبتدى، بل قد تكون حادثة واحدة مستمرة سريعة الخُطى.
تشدد الأمة في الاحتفاظ بالتقاليد، يسلمها إلى الثورة العنيفة؛ لأنها لا تقدر على التطور فتضطر إلى التحول فجأة.
الشقي من ألقي في قلبه أنه شقي، وكذلك يفعل القواد ليضرموا نار الثورة في النفوس.
يظن قواد الثورة أن العقل رائدهم، وما هم إلا مُسيرون بمشاعر ومعتقدات، وروح جماعات لا يتنبهون لها.
العدوى الفكرية أعظم البواعث على انتشار روح الثورة.
الجماعات محط الثورة لا مصدرها.
أساطين الثورة: أفكار، وقواد، وجند وجماعة.
كل ثورة ناجحة تقوم بها العامة، رجوع وقتي إلى الهمجية، لما فيها من انتصار الشهوة على العقل، وتخطي القيود الاجتماعية التي هي الفارق بين المدني والهمجي.
لا تذهب الثورة ببناء شاده العقل جيلًا بعد جيل، وإنما تنال من صورته فقط.
أثر الثورة القريب، الخروج من رق إلى رق.
ليست الاصطلاحات الاجتماعية الكبرى من عمل الثورات، بل لها، كالتغيرات الچيولوچية، أسباب صغيرة تتوفر على مهل.
يطلب السواد الأعظم من الناس أن يساسوا لا أن يثوروا.
قلما تعقل الأمة شيئًا من الثورة التي تقوم بها.
لا تدرك الأمة سبب ثورتها إلا بعد أن تكون هذه انطفأت منذ زمن طويل.
من السهل نزول الملك عن عرشه، لكن المبادئ التي يمثلها تدوم من بعده، فأغلب الثورات إنما تأتي بملوكية بدل أخرى.
إذا تفككت روابط الجيش فأنذر الأمة بالثورة، وقد ماتت الملوكية في فرنسا يوم تمرد الجند فقعد عن حماية الملك.
الثورة عند بعض الناس حالة عقلية بقطع النظر عن محلها، وإذا كان هذا مصدرها فلا شيء يطفئ نارها.
الغالب أن سبب الثورة المقبلة نهاية معتقد مدبر.
(٦) حكومة الأمة
ما حكومة الأمة إلا حكومة طائفة من الزعماء.
أبعد ما يرمي إليه خيال المتسوسين، اعتبار الأمة إلهًا معصومًا لا يسأل عما يفعل.
شرط بقاء الحكومة الديمقراطية، عملها بالأفكار الباطلة السائدة في الجموع.
الحكومات الديمقراطية مسيرة على الدوام بالمغالاة والتظاهر بمحبة الإنسانية والخوف.
لا إنصاف ولا تسامح في حكومة الأمة؛ لأنها خاضعة لشهوات كثيرة، وهي لا تدوم إلا بالإيغال في الاستبداد.
استبداد الفرد أقل عسفًا، حذر التبعة، من استبداد الجماعة إذ لا تبعة عليها.
من السهل قلب الاستبداد الفردي، ولا حيلة للمظلوم من استبداد الجماعة.
ليس الظلم هو المكروه غالبًا، بل المكروه دائمًا هم الظالمون.
أقسى المظالم محتمل، إذا جهل مصدره.
لا يستقيم أمر حكومة الأمة إلا إذا ساد فيها روح اليعاقبة.١
تتولد روح اليعاقبة من ضيق الفكر، وتطرف الشهوة وثورة المعتقد وعدم قابلية التعقل الصحيح.
ليس اليعقوبي من أهل النظر العقلي، بل هو من أهل الاعتقاد، فهو لا يحاول مطابقة معتقده للعقل، بل يعمل على إدماج العقل في معتقده.
تنقسم بعض الأمم من حيث السياسة إلى يعاقبة لا يفقهون للماضي سرًّا، وإلى محافظين لا يدركون ضرورات الحاضر.
سياسة الجمع منحطة دائمًا، وليس لحكومة الأمة إلا هذه السياسة.
لولا أن الضرورات الاقتصادية تصد من شهوات حكومة الأمة، لكانت يدها معول خرابها.
تبدأ الديمقراطية إذا انتصرت بهدم الطبقات الممتازة قديمًا ثم توجد طبقات ممتازة مرة أخرى.
جرائم الملوك لا تعد بجانب آثام الأمم.
ورثت حكومة هذا العصر في نظر الجموع سلطان الملوك أيام كانوا ظل الله في الأرض.
لطيف الخوف شأن كبير في حكومة الأمة، فالخوف من الجيش ومن الكنيسة ومن العمال ومن الموظفين، هو الذي يملي أكثر قوانيننا منذ عشرين عامًا.
سلطة الحكومة الديمقراطية التي تنتقل وزاراتها مسرعة من وزير إلى وزير، بيد المصالح التابعة إليهم. فالوزراء يحسبون أنهم يحكمونها، وهم بها محكومون.
كلما ضعفت الحكومة عظم سلطان فريق الموظفين.
ما أسرع الفوضى إلى أمة، إذا حلت فيها كلمة الجماعة محل كلمة القانون.
يخف عسف حكومة الأمة بقلة ثباتها؛ لأن سرعة تعاقب الأحزاب في دست الحكم، يجعل ظل كل منها سريع الزوال.
إما تصير الحكومة الديمقراطية هيمنة عسكرية، وإما تؤول إلى حكومة ذوي الأموال، وتلك صورة من أشد صور الاستبداد ظلمًا.
لا يستدل على حقيقة حال الأمة السياسي بدستورها، ولا بقوانينها، وإنما مقياس ذلك في المقابلة بين شأن الحكومة وشأن الأفراد في الأعمال العامة وفي الأعمال الخاصة.
ترى حكومة الأمة أن إقفال المعابد أقل ضررًا من إقفال حانات الخمور، وسترى أن الأول أعظم خطرًا.
أمة تنشد المساواة على الدوام، هي قاب قوسين من الاسترقاق.
(٧) روح السياسة
المسائل السياسية في هذا الزمان، شبيهة بأسئلة أبي الهول المذكور في القصص القديمة: إما أن يحلها من يزاولها، وإما أن يغتال.
لا يدرك السياسة من جهل روح الشعوب والأمم والأفراد والجماعات.
الأمة وحدة ذات قوى متنافرة تحتاج إلى التوازن، فإذا اختل توازنهم بدت الفوضى.
تنحصر السياسة في أمرين: علم وبصر.
الحكومة بنت عصرها، لا أمه.
إذا لم يكن من القوى ما يمهد للذرات الطبيعية والخلايا الحية والأفراد البشرية طريق فعلها، فهي عثير لا فائدة منه.
سلطان الحكومة بخضوع المحكومين طوعًا أكبر من سلطانها بقوتها.
ما عرفت الأمم حتى الآن من أشكال الحكومات إلا أثرة الفرد أو أثرة الجماعة، والثانية كانت على الدوام أقسى من الأولى.
العلم بالنتائج البعيدة للأعمال السياسية متعذر، ولهذا كان الشغف بالإصلاحات الكلية خطرًا كبيرًا.
لا تنبت الحوادث السياسية فجأة، ولكنها نتيجة سلسلة أسباب سابقة.
عدُّك الحادث لا مفر منه، يجعله قضاءً محتومًا.
الفوز في السياسة كما في الحياة لأهل اليقين، وقلما فاز المترددون.
ضعف ثقة طائفة بحقوقها يضيعها كما وقع للشرفاء قديمًا، وما هو واقع لأهل الطبقة الوسطى حالًا.
الأمور المعروفة الواضحة أقل أهمية من التي يغشاها الإبهام سيان في ذلك السياسة والحياة الفردية.
لا تتولد الحرية بنقل الأثرة من يد إلى أخرى.
ليس ضرر الحكومة المطلقة من المستبد بالأمر فيها، بل من ألوف صغار المستبدين الذين يتقاسمون سلطانه.
اختلاط السلطات نتيجة اختلاط الأفكار.
النظريات السياسية كالمعتقدات الدينية، لا ينبغي الحكم عليها من جهة انطباقها على العقل، بل من حيث أثرها في الناس.
كثير من الخطأ السياسي صادر عن نظريات صحيحة عقلًا.
عدم الأفكار الرئيسية في السياسة، أقل ضررًا من الأفكار الباطلة.
زوال الحكومات بخطئها، أكثر من زوالها بفعل أعدائها.
لولا أن استبداد الأحياء محدود باستبداد أسلافهم فيهم، لتجاوزوا فيه كل حد.
(٨) فن الحكم
الاجتماع بلا وازع متعذر، كما أنه لا نهر إلا بضفاف تحصر تيار مياهه.
أنجع الوسائل في هدم مبدإ السلطة، إلفات الناس إلى ما لهم من الحقوق، وإغفال تذكيرهم بما عليهم من الواجبات، فكل على استعداد للأخذ بالأولى، وقليل يأبه للثانية.
لا يكفي أن تهتم الحكومة بمنافع الأمة المادية، بل لا بد من العناية أيضًا بآمالها.
السلطان الأدبي لا يقاوم بالقوانين ولا بالجند.
لا يسوس الناس إلا من عرف أنه لا تلازم بين تطور النفس الشاعرة وتطور النفس العاقلة، وأن الواحدة منهما لا تتأثر بالأخرى إلا قليلًا.
من أسرار فن سياسة الأمم استخدام نزعات النفس الشاعرة والنزعات الدينية وتوجيهها في طريق معقول.
يحتاج الفكر الجديد إلى سند يتكئ عليه حتى ينتشر، فإذا ما ثبت صار مُتَّكَأً.
ينبغي للوازع أن لا يشارك قومه في شهواتهم، لكن يجب عليه أن يكون على علم بها.
سياسة الأمة متعذرة على من جهل أن من المفتقدات الباطلة عقلًا، ما هو أفعل في الناس من الحقائق الناصعة.
من الخطر معاداة الدين، وكل حكومة تضطهد الأمة في معتقدها هالكة من يد هذا المعتقد.
ينبغي للحكومة أن تبتعد عن الاضطهاد، ولو لم تقصد من عملها إلا المنفعة الحقة؛ لأن العنف يفيد المذاهب المضطهدة أكثر مما ينفع مضطهديها.
وظيفة العالم قتل الأوهام، ووظيفة السياسي استخدامها.
إذا عمدت الحكومة إلى متابعة الرأي العام ولم توجهه، بطلت سيادتها.
سلطان غير موثوق به، يوشك أن تزول حرمته.
إذا تفرقت التبعة فهي الإباحة.
استخدام السلطان لفائدة طائفة يزيد في جشعها، ولا تلبث أن تنقلب عدوة لصاحبه.
من وسائل فن الحكم، اجتذاب قواد الأغلبيات أو معارضتهم بأمثالهم.
لا يفل الزعماء إلا الزعماء.
من السهل تمزيق روح الجماعة لأنها عرضية، لكن من المتعذر إماتة روح الأمة لأنها روح دائمة.
الإرجاء للاستعداد حكمة كما قال «ميكاڨيل»، لكن من الخطر أن يكون الغرض منه ترك تمهيد السبيل للزمن.
عدم الرضا علة المجهود، فما طمحت إلى الرقي نفس راضية برزقها.
ينبغي للحكومة أن تجعل من الأخلاق سدودًا، قبل أن تصير هذه ضرورة حالة، ولات حين بنائها.
إذا لاح وجوب التسليم، وجب أن لا ينتظر به حتى لا يكون مهرب منه.
من عوامل التفريق بين الأمم، مذهب حب الإنسانية والخوف ولا عذر لمن تصدى للحكم في الأخذ بهما.
التساهل دائمًا أمام التهديد، والطرق القهرية، يولد في النفوس اعتقادًا بأن المطالب تنال من طريق الوعيد أو التخريب.
التساهل لا يمنع حربًا لزمت، ولكنه يزيد في نفقتها ويكثر من ضررها.
عقوبة صارمة مؤقتة، أفضل من عقوبة هينة مستمرة.
إنما يفيد الإرهاب في زجر النفوس إذا لم يطل أمده.
حكومة تعودت التحالف مع الاضطراب، مقتولة به.
إذا تعذر حكم الأمة طبقًا لمبادئ صحيحة، وجب التعويل على حكمها طبقًا لما اتفق على أنه صحيح.
من الخرق معارضة اندفاع الأمة، بل الحكمة تقضي بتحويله شيئًا فشيئًا.
الرجل الممتاز يعرف كيف يستخدم القدر، كما يستخدم الربان الرياح من أي ناحية هبت.
لكل حادث ظهر أسباب خفية اقتضته، من لم يستطع استكناهها جاهل بفن سياسة الأمة.
السياسة التي لا تعنى إلا بالحاضر، سياسة منحطة.
سلامة الذوق والخلق، أنفع غالبًا للسياسي من حدة الذكاء.
لا دوام لمجتمع إن لم يكن له أفكار ثابتة، ولا يترقى الفرد إلا بتطور أفكاره.
الحاضر مثقل بالماضي، فمن أراد النظر إلى ما هو آت، وجب عليه أن يذكر ما فات.
التبصر مفيد، والتقية أفيد: ذاك يعصم من المفاجأة وهذه تعصم من آثارها.
سياسي لا بصر فيه، محدث أقدار كبير ضررها.
هوامش (١) فريق من أهل الثورة الفرنساوية اشتهر بالعسف والقسوة.
جوامع الكلم |
من أفضل ما قيل عن الكتاب
تحفة فنية … مقدرة فائقة … عبقرية فريدة كالماس … بديعة؛ كلها أوصاف تليق بأليس مونرو.
مجلة «كريستيان ساينس مونيتور»
أليس مونرو هي تشيكوف العصر، وستتفوق على معظم معاصريها.
سينثيا أوزيك
كيف يدرك المرء أنه أمام موهبة عظيمة وفن أصيل يخلب الألباب؟ إنه الفن الذي ينساب من صفحات قصص أليس مونرو.
صحيفة «ذا وول ستريت جورنال»
رقصة الظلال السعيدة |
راعي بقر ووكر براذرز
بعد العشاء يقول أبي: «أتودين الخروج ومشاهدة البحيرة؟» نترك أمي تحيك في ضوء حجرة تناول الطعام، تصنع ملابس لي قبيل بدء العام المدرسي. كانت قد مزَّقت من أجل ذلك بذلة قديمة وثوبًا صوفيًّا مربع النقش من ثيابها، تقص القماش وتوائمه في براعة شديدة وتجعلني أقف وأستدير لضبط المقاس مرات كثيرة، أتعرَّق وأشعر بحكة الصوف الساخن، غير ممتنة لذلك. ونترك أخي في سريره في الرواق الصغير المُطوَّق بالستائر والواقع في نهاية الشرفة الأمامية، وأحيانًا ما يجثو فوق سريره ويلصق وجهه بالستارة ويصيح في حزن: «أحضرا لي بعض الآيس كريم!» لكنني أجيبه دون أن ألتفت إليه حتى: «ستكون نائمًا حين نعود.»
نمضي بعدها أنا وأبي شيئًا فشيئًا عبر شارع طويل حالته متردية نوعًا ما، وتظهر على الرصيف لافتات لسيلفروودز آيس كريم أمام متاجر ضيقة مضاءة. نحن في تابر تاون، بلدة عتيقة تطل على بحيرة هورون، ميناء عريق لتجارة الحبوب. تظلل أشجار القيقب الشارع في بعض أجزائه، والتي صدَّعت جذورها الرصيف لينبعج سطحه، وانتشرت كالتماسيح في الأفنية الجرداء. يجلس الناس في الخارج، لم يرتدِ الرجال سوى قمصان ومن تحتها فانلات، وارتدت النساء المآزر. لم نكن نعرفهم، لكن إذا أبدى أيُّ شخص استعدادًا للإيماء برأسه وقول «ليلة دافئة»، يومئ أبي برأسه أيضًا ويرد بالعبارة نفسها. لا يزال الأطفال يلعبون بالخارج، ولم أكن أعرفهم أيضًا؛ إذ لا تسمح أمي لي ولأخي إلا بالبقاء في فناء منزلنا، مُعلِّلةً أن أخي صغير جدًّا على أن يلعب بالخارج وأنا عليَّ الاعتناء به. لم أشعر بالأسف الشديد وأنا أشاهد ألعاب الأطفال المسائية؛ حيث إن ألعابهم نفسها خلت من النظام والتجديد. يتفرق الأطفال، بمحض إرادتهم، في جزر منعزلة من اثنين أو حتى واحد تحت الأشجار الكثيفة، يشغلون أنفسهم بمثل هذه الطرق الانعزالية كما أفعل طيلة اليوم، يغرسون الحصى في الطين أو يكتبون عليه بالعصيِّ.
نواصل سيرنا متجاوزين تلك الأفنية والمنازل وراءنا، ونمر بمصنع سُدَّت نوافذه بألواح خشبية، كان مخزنًا للأخشاب تُغلق أبوابه الخشبية العالية ليلًا. ثم تنتهي البلدة بمجموعة عشوائية متهدمة من السقائف وبقاع مهملات صغيرة. يصل الرصيف إلى نهايته ثم نسير عبر طريق رملي ويحيط بنا نبات الأرقطيون ولسان الحمل وأعشاب بسيطة لا أعرف لها اسمًا. نصل إلى قطعة أرض خاوية، أشبه بالمتنزهات حقيقةً، فقد كانت تخلو من المهملات، وثمة مقعد واحد كان لوحٌ خشبيٌّ مفقودًا من مسنده الخلفي، كان مكانًا نجلس عليه ونراقب المياه التي تبدو عادةً رمادية في المساء، تحت سماء ملبدة بالغيوم قليلًا، لا نرى غروب الشمس، ويبدو الأفق معتمًا. نسمع ضجيجًا خافتًا للغاية لارتطام المياه بصخور الشاطئ. وبعيدًا جدًّا تجاه الجزء الرئيسي للبلدة، توجد مساحة من الأرض مغطاة بالرمال، وأنبوب تزلج مائي، وعلى سطح منطقة السباحة الآمنة تطفو العوَّامات، ويطل عليها المقعد الطويل المتداعي الخاص بعامل الإنقاذ. وكذلك ثمة مبنى مرتفع أخضر قاتم، كأنه شرفة مسقوفة، يُدعى السرادق، يعج بالمزارعين وزوجاتهم، مرتدين ملابس أنيقة للغاية، أيام الآحاد. كنا نعرف ذلك الجزء من البلدة حينما كنا نعيش في دانجانون، وكنا نأتي ثلاث أو أربع مرات خلال الصيف لنزور البحيرة. كنا نذهب إلى البحيرة وأحواض السفن حيث نراقب مراكب الحبوب العتيقة والصَّدِئة التي تتقاذفها الأمواج؛ مما يجعلنا نتساءل كيف اجتازت حاجز الأمواج، ناهيك عن وصولها إلى فورت ويليام.
يتسكع المتسولون حول أحواض السفن وأحيانًا ما يتجولون في تلك الأمسيات على الشاطئ المتضائل ويتسلقون الطريق المعاكس والمتداعي الذي صنعه الصبية، متشبثين بالشجيرات الجافة، ثم يقول المتسول شيئًا لأبي — الذي كان يرتعد من المتسولين — لم أفهمه من شدة فزعي. يخبره أبي أنه فقير أيضًا ويقول: «سألف لك سيجارة إذا كان ذلك سينفعك بشيء.» ثم يُخرِج التبغ بعناية فوق إحدى الأوراق الرقيقة المزخرفة، ثم يحركها سريعًا فوق لسانه، ويُحكِم لفَّها ليقدمها للمتسول الذي يأخذ السيجارة ويمضي بعيدًا. يلف أبي أيضًا سيجارةً لنفسه ويشعلها ويدخنها.
يحدِّثني عن نشأة البحيرات العظمى، يقول إن منطقة بحيرة هورون الآن كانت أرضًا منبسطة، سهلًا مسطحًا فسيحًا، ثم زحف الثلج من الشمال نحوها، وشقَّ طريقه بقوة إلى الأماكن المنخفضة «هكذا»؛ موضحًا لي بالضغط بيده مبسوطة الأصابع فوق الأرض الصلبة كالصخر حيث كنا نجلس، لكن أصابعه لا تحدث تأثيرًا على الإطلاق، فيقول: «حسنًا، كان الغطاء الثلجي القديم يحمل قوة من ورائه أكبر كثيرًا من قوة هذه اليد.» ثم انحسر الثلج وتقهقر تجاه القطب الشمالي حيث أتى، وترك أصابعه الثلجية في الأماكن العميقة التي شقها، وتحول الثلج إلى بحيرات، وها هي هنا اليوم. كانت البحيرات جديدة، مع مرور الزمن. وأحاول تصور السهل ممتدًا أمامي والديناصورات تسير فوقه، لكنني لم أستطع تخيُّل شاطئ البحيرة عندما كان يعيش عليه الهنود الحمر، قبل تابر تاون. إن القدر الضئيل من الزمن الذي نعيشه يفزعني، رغم أن أبي يبدو أنه ينظر إلى الأمر بسكينة، حتى أبي، الذي بدا لي أحيانًا مطمئنًا إلى العالم ما دام باقيًا، لم يعِشْ حقًّا فوق هذه الأرض سوى ما يزيد بقدر ضئيل عني، من منظور زمان العيش كله. لم يشهد أبي زمنًا، أكثر مني، لم تكن فيه السيارات والمصابيح الكهربية موجودة على الأقل. لم يكن على قيد الحياة عند بداية هذا القرن، وسأكون على قيد الحياة بالكاد، طاعنة في السن للغاية، عند انتهائه. لا أحب أن أفكر في هذا الأمر. ليت البحيرة تظل دائمًا بحيرة ليس إلا، تطفو عليها العوامات في مكان السباحة الآمن مميِّزةً إياها، وكذلك حاجز الأمواج وأضواء بلدة تابر تاون. •••
يعمل أبي بوظيفة، فهو بائع بشركة ووكر براذرز، وهي شركة تبيع على مستوى البلد بأسره تقريبًا؛ أعني المناطق النائية من البلاد: صانشاين وبوليزبريدج وتيرناروند؛ هذه هي المناطق التي يبيع أبي فيها، لا في دانجانون حيث كنا نعيش؛ فدانجانون بلدة قريبة للغاية، وأمي ممتنة لذلك. يبيع أبي أدوية السعال، ومكمِّلات الحديد، ولاصق مسمار القدم، ومليِّنًا للأمعاء، وحبوبًا للاضطرابات الأنثوية، وغسولًا للفم، وشامبوهات، ومراهم، ودهانات، ومُركَّز الليمون والبرتقال والتوت لصنع مشروبات منعشة، وفانيليا، ومكسبات اللون للأطعمة، وشايًا أسود وأخضر، وزنجبيلًا، وقرنفلًا وغيرها من التوابل، وسمًّا للفئران. كان قد ألَّف أغنية لبضاعته من هذين السطرين:
لديَّ كل المراهم والزيوت، تعالج كل شيء من مسمار القدم إلى البثور …
لم تكن أغنية مضحكة في رأي أمي، كانت أغنية بائع متجول، وهكذا كان أبي، بائعًا متجولًا يطرق أبواب المطابخ بالمناطق النائية. حتى الشتاء الماضي كان له مشروعه الخاص: مزرعة ثعالب. ربَّى أبي الثعالب الرمادية وباع فراءها إلى أناس يصنعون منها العباءات والمعاطف وقفازات الفراء لتدفئة اليدين. انخفضت الأسعار، وثابر أبي آملًا أن تتحسن العام التالي، لكنها انخفضت ثانية، فثابر عامًا آخر ثم آخر، وأخيرًا لم يكن في الإمكان الاستمرار أكثر من ذلك، فأصبحنا مدينين بكل شيء لشركة العلف. سمعتُ أمي تشرح هذا الأمر، مرات عدة، للسيدة أوليفانت، وهي الجارة الوحيدة التي تتحدث معها أمي. (فقدت السيدة أوليفانت أيضًا مكانتها الاجتماعية لكونها معلمة تزوجت بحارس.) أخبرتها أمي أننا وضعنا في التجارة كل ما كنا نملك، ولم نجنِ منها شيئًا. كثير من الناس يقولون الأمر نفسه هذه الأيام، لكن أمي لم يكن لديها وقت للاهتمام بالمأساة الوطنية، فقط مأساتنا نحن. ألقت بنا الأقدار إلى شارع يقطنه الفقراء (بغض النظر عن أننا كنا فقراء من قبل، فقد كان هذا نوعًا مختلفًا من الفقر)، والسبيل الوحيد للتعامل مع الأمر — حسبما ترى أمي — هو التعامل معه بكبرياء ومرارة ودون تصالح. لن تجد مواساة في حمام به حوض استحمام مزود بأربع أرجل أو مرحاض مزود بصندوق لطرد المياه، أو وجود مياه بالصنبور وأرصفة أمام المنزل ولبن بالزجاجات، أو حتى دوري عرض الأفلام ومطعم فينس ومتجر وولورز البديع للغاية حتى أنه يوجد به طيورٌ تغرد في زواياه المبردة بهواء المراوح، وأسماكٌ صغيرة بحجم الظفر ومضيئة كالأقمار تسبح في الأحواض الخضراء. لا تأبه أمي بذلك.
في فترات بعد الظهيرة غالبًا ما تذهب أمي إلى بقالة سايمونز وتأخذني معها لأساعدها في حمل الأشياء. ترتدي ثوبًا أنيقًا، كحليَّ اللون منقوشًا بزهور صغيرة، وشفافًا، ترتديه فوق لباس داخلي كحلي اللون، وكذلك قبعة صيفية من القش الأبيض، تميلها إلى جانب رأسها، وحذاء أبيض كنت قد لمَّعته توًّا باستخدام صحيفة على السلم الخلفي. أما شعري فقد صففَتْه لي في تموجات طويلة رطبة سيحلها الهواء الجاف سريعًا لحسن الحظ، ووضعت في أعلى رأسي شريطًا أبيض كبيرًا مشدودًا بإحكام. كان الخروج مع أمي مختلفًا أيما اختلاف عن خروجي مع أبي بعد العشاء؛ لا نلبث أن نمر بمنزلين حتى أشعر بأننا أصبحنا هدفًا للسخرية من الجميع، حتى الكلمات البذيئة المكتوبة بالطباشير أعلى الرصيف تسخر منا، لا يبدو أن أمي تلحظ هذا. تسير في طمأنينة كسيدة مجتمع تتسوق، «كسيدة مجتمع» تتسوق، تمر بربات البيوت اللاتي يرتدين ثيابًا فضفاضة بلا حزام وممزقة من تحت آباطهن. أما أنا فصنيعتها، بتموجات الشعر البائسة وشريط الشعر المبهرج وركبتيَّ النظيفتين والجوارب البيضاء؛ كل ما لم أكن أريده. أكره حتى اسمي عندما تقوله على الملأ، بصوت مرتفع للغاية، متعالٍ ورنان، مختلف بتعمد عن صوت أي أم أخرى بالشارع.
أحيانًا ما تُحضِر أمي معها إلى المنزل الآيس كريم، على سبيل الترفيه، الذي يكون بطعوم مختلفة، ولأننا لا نملك ثلاجة في منزلنا نوقظ أخي ونأكله في الحال في حجرة الطعام، التي كان جدار المنزل المجاور يجعلها معتمة على الدوام. أتناول الآيس كريم بالملعقة على مهل وأترك الشكولاتة إلى النهاية على أمل أن يكون لديَّ ما آكله عندما يُفرِغ أخي صحنه. تحاول أمي بعد ذلك محاكاة الأحاديث التي كانت تدور بيننا عندما كنا في دانجانون، وتستعيد الأيام الأولى الأكثر رفاهية قبل أن يولد أخي، عندما كانت تقدم لي قليلًا من الشاي وكثيرًا من اللبن في كوب ككوبها ونجلس في الخارج فوق السلم في مواجهة مضخة المياه وأشجار اللَّيْلَك وحظائر الثعالب من ورائها، لم يكن بوسعها الامتناع عن ذكر تلك الأيام. «هل تذكرين عندما كنا نضعك في المزلجة ويجذبك ميجور؟» (ميجور كان كلبنا واضطررنا إلى تركه مع الجيران عند انتقالنا)، «هل تذكرين الصندوق الرملي الخاص بك أمام نافذة المطبخ بالخارج؟» أتظاهر بأنني أذكر أقل كثيرًا مما أذكره، حذرةً من الوقوع في حصار الشفقة أو مشاعر غير مرغوب فيها.
تعاني أمي من نوبات صداع، غالبًا ما تضطر إلى الاستلقاء، فترقد فوق سرير أخي الضيق في الرواق المستَّر الصغير، الذي تظلله الفروع الكثيفة. تقول: «أنظر إلى الشجرة بالأعلى وأفكر أنني في منزلي.»
يخبرها أبي: «إن ما تحتاجين إليه هو تنشق الهواء المنعش وجولة بالسيارة في الريف.» ويقصد أن تأتي معه في جولة عمله بشركة ووكر براذرز.
لم تكن هذه فكرة أمي عن جولة بالسيارة في الريف.
«هل يمكنني المجيء؟»
«ربما تحتاجك أمك لتجربة الملابس.»
قالت أمي: «لست في حال تسمح لي بالحياكة اليوم.»
«سأصحبها معي، سأصحبهما هما الاثنين لتنعمي بقسط من الراحة.»
ما الذي بنا يجعل الناس بحاجة إلى نيل قسط من الراحة منا؟! لا بأس. كنت سعيدة للبحث عن أخي وحثِّه على الدخول إلى المرحاض، بعد ذلك صعدنا سويًّا السيارة، دون أن ننظف ركبتينا وشعري غير معقوص. أحضر أبي من المنزل حقيبتيه البنِّيَّتين الثقيلتين، المكتظتين بالزجاجات، ثم وضعهما على المقعد الخلفي. كان يرتدي قميصًا أبيض، يبرق تحت ضوء الشمس، ورباط عنق، وبنطلون بذلته الصيفية الخفيف (كانت بذلته الأخرى سوداء، خاصة بالجنازات، وقد كانت لعمي قبل وفاته) واعتمر قبعة من القش فاتحة اللون. كان هذا زي عمله كبائع، كما علق أقلامًا رصاصية في جيب قميصه. رجع إلى المنزل مرة أخرى، على الأرجح ليودِّع أمي، وليسألها ما إذا كانت متأكدة أنها لا تود المجيء معنا، وسمعتها تقول: «كلا، كلا، شكرًا لك، سأكون أفضل حالًا بأن أستلقي هنا وعيناي مغمضتان.» ثم رجع أبي بالسيارة إلى الخلف للخروج من الممر وبداخلنا أمل متصاعد لخوض مغامرة، إنه ذلك الأمل الصغير فحسب الذي يصعد بك فوق المطب ومنه إلى الشارع، بدأ الهواء الساخن في التحرك، وتحول إلى نسيم، وأخذت المنازل تبدو غير مألوفة شيئًا فشيئًا ونحن نسلك الطريق المختصرة التي يعرفها أبي، المسار السريع للخروج من البلدة. مع ذلك، ماذا كان بانتظارنا ساعات ما بعد الظهيرة كلها سوى ساعات حارة في أفنية المزارع، وربما التوقف عند متجر ببلدة وشراء ثلاثة قراطيس من الآيس كريم أو ثلاث زجاجات مياه غازية، وغناء أبي؟ كانت الأغنية التي ألَّفها أبي عن نفسه تحمل عنوان «راعي بقر ووكر براذرز»، وتبدأ بهذه السطور:
نيد فيلدز العجوز، قد مات الآن، وها أنا أتنقل بدلًا منه …
من نيد فيلدز هذا؟ لا بد أنه الرجل الذي حلَّ أبي محله، وإن كان ذلك، فقد مات حقًّا؛ إلا أن صوت أبي الذي يشوبه الحزن والفرح في الوقت نفسه يجعل من موته لغوًا فارغًا نوعًا ما، مأساة كوميدية. غنى أبي معظم الوقت أثناء القيادة: «صمتًا، لقد عدت إلى ريو جراندي، أغوص في الرمال المظلمة.» حتى وهو يتجه خارج البلدة، يعبر الجسر ويسلك المنعطف الحاد إلى الطريق السريع، يهمهم بشيء، ويدمدم بأغنية ما لنفسه، مُدخِلًا بعض التعديلات عليها، مستعدًا للارتجال، وعلى امتداد الطريق السريع، نمر بمخيم المعمدانيين، ومخيم مدارس الكنيسة بالإجازات، لينطلق أبي في أغنيته:
أين المعمدانيون، أين المعمدانيون، أين جميع المعمدانيين اليوم؟ ها هم في المياه، تحت مياه بحيرة هورون، جميع خطاياهم تزول عنهم.
يأخذ أخي هذا الكلام على محمل الجد وينهض على ركبتيه محاولًا أن ينظر إلى البحيرة، ويقول في شك: «لا أرى أي معمدانيين.» فيرد أبي: «ولا أنا أيضًا يا بني. لقد أخبرتك أنهم تحت مياه البحيرة.»
لم يعد هناك طرق ممهدة بعد أن تركنا الطريق السريع. اضطررنا إلى رفع زجاج النوافذ لتفادي الغبار. كانت الأرض مسطحة، تسفعها أشعة الشمس سفعًا، وخاوية. توفر الشجيرات في نهايات المزارع الظل، أما ظلال الصنوبر السوداء فتبدو كالبرك لا يستطيع أحد الاقتراب منها. ترتفع السيارة لنسير فوق ممر طويل، وفي نهايته، ماذا يمكن أن يبدو أكثر تنفيرًا وأكثر وحشة من منزل ريفي مرتفع غير مطلي، وحشائش نامية غير مشذبه عند الباب الأمامي، وستائر معتمة خضراء مسدولة، وباب بالأعلى مفتوح على لا شيء سوى العدم؟ منازل كثيرة بها هذا الباب، ولم أستطع قط اكتشاف السبب. أسأل أبي فيخبرني أنها للسير أثناء النوم. «ماذا؟!» حسنًا إذا تصادف أنك سرت أثناء النوم وأردت الخروج من المنزل. أشعر بالاستياء بعد أن تبينت متأخرةً أنه يمزح كعادته، لكن أخي يقول في شدة: «إذا فعل شخص ذلك فمن الممكن أن يدق عنقه.»
إنها ثلاثينيات القرن العشرين. إلى أي مدى يبدو لي هذا النمط من المنازل الريفية وهذا النمط من فترات ما بعد الظهيرة أنه ينتمي إلى ذاك العقد من الزمان، شأنه شأن قبعة أبي، ورباطة عنقه العريضة الزاهية، وسيارتنا بدرجها الجانبي العريض (من طراز إسكس، وقد فقدت زهوها منذ زمن بعيد)؟ نرى سيارات تشبه سيارتنا بعض الشيء، كثيرة أقدم منها، وقطعًا لم نرَ إحداها مغطاة بالغبار كسيارتنا، تقف في أفنية المزارع. بعضها لم يعد يعمل، وانتُزعت أبوابها وأُزيلت مقاعدها لاستخدامها في أروقة المنازل. لا توجد حيوانات في مجال رؤيتنا، دجاج أو ماشية، لا يوجد سوى الكلاب، نرى كلابًا ترقد في أي بقعة ظليلة تجدها، تستغرق بالأحلام، جوانبها الهزيلة ترتفع وتنخفض سريعًا، تنهض الكلاب عندما يفتح أبي باب السيارة، ويضطر إلى التحدث معها: «كلب لطيف، هذا كلب لطيف، كلب كبير لطيف.» وتهدأ الكلاب، وتعود إلى البقعة الظليلة. لا بد أن أبي يعرف كيفية تهدئة الحيوانات، فقد أمسك بثعالب مستقتلة باستخدام كلَّابات حول رقابها. صوت رقيق لتهدئة الكلاب وصوت آخر مرتفع ومرح للصياح أمام الأبواب: «مرحبًا سيدتي، أنا مندوب شركة ووكر براذرز، ماذا نفد لديك اليوم؟» يُفتَح الباب، ويتوارى أبي داخل المنزل. محظور علينا الذهاب خلف أبي، أو حتى مغادرة السيارة، لم يكن علينا سوى الانتظار والتساؤل عما يقوله أبي. عندما كان أبي يحاول إضحاك أمي، كان يتظاهر بأداء ما يقوم به في مطابخ أحد المنازل، فينثر حقيبة العينات، ويقول: «الآن يا سيدتي، هل تزعجك الطفيليات (بفروة رأس أطفالك أقصد)؟ تلك الأشياء الصغيرة الزاحفة التي نعف عن ذكرها وتظهر في رءوس من هم من أفضل العائلات؟ إن الصابون وحده عديم الفائدة، والكيروسين ليس بطيب العطر، لكن لدي هنا …» أو قد يقول: «صدقيني! بسبب جلوسي وقيادتي طيلة اليوم فإني «أعرف» حقًّا قيمة هذه الأقراص الرائعة، راحة طبيعية، وهي مشكلة شائعة لدى كبار السن أيضًا، ما إن تولي أيام النشاط. ماذا عنك يا جدتي؟» وقد يلوِّح بعلبة الأقراص الوهمية أسفل أنف أمي التي تضحك في النهاية، على مضض. وأتساءل أنا: «هو لا يقول ذلك حقًّا، أليس كذلك؟» فترد أمي: كلا بالطبع، فهو رجل مهذب للغاية.
مررنا بعد ذلك بمنزل تلو الآخر، سيارات قديمة، مطبات طريق، كلاب، مشاهد لحظائر رمادية وسقائف منهارة، وطواحين هوائية معطلة. الرجال، إذا كانوا يعملون في الحقول، فلا نراهم في أي حقل في مرمى البصر، والأطفال بعيدون للغاية، يجرون على قيعان الجداول المائية الجافة، أو يبحثون عن ثمار العليق، أو يختبئون في المنازل، يراقبوننا من بين فراغات الستائر المعتمة. أصبح كرسي السيارة زلقًا جراء العرق. تحديت أخي أن يضغط على بوق السيارة، أريد أن أفعل ذلك بنفسي لكنني لا أريد أن أُلام على ذلك، لكنه كان يدرك عاقبة الأمر. نلعب لعبة التخمين، إلا أنه كان من الصعب العثور على ألوان كثيرة. الحظائر والسقائف والمراحيض والمنازل رمادية اللون، والأفنية والحقول بُنِّية، والكلاب سوداء أو بنية. أما السيارات الصدئة فعكست ألوان قوس قزح، أعتصر عينيَّ لأنتقي منها البنفسجي أو الأخضر؛ وبالمثل أدقق النظر في الأبواب بحثًا عن طلاء عتيق تقشر، كستنائي أو أصفر. ليس بوسعنا أن نلعب لعبة الحروف، وهو ما كان أفضل؛ نظرًا لأن أخي لم يتعلم الهجاء بعد. تفسد اللعبة على أية حال. يدَّعي أخي أنني ظالمة في اختياري للألوان، ويرغب في أدوار إضافية من اللعب.
عند أحد المنازل، لا ينفتح أي باب، رغم أن هناك سيارة تقف في الفناء. يطرق أبي الباب ويطلق صفيرًا، ويصيح: «مرحبًا! أنا مندوب شركة ووكر براذرز!» لكن لا يأتي أي رد على الإطلاق من أية جهة. لا يوجد بهذا المنزل رواق، فقط بلاطة أسمنتية منحدرة يقف عليها أبي. يستدير أبي باحثًا في فناء الحظيرة، التي لا بد أن مخزن التبن بها فارغ لأنه يمكنك رؤية السماء من خلاله، وفي النهاية انحنى أبي ليلتقط حقيبتيه. وحينئذ انفتحت نافذة بالأعلى، وظهر إناء أبيض عند عتبة النافذة، ثم يميل الإناء لأسفل، وينسكب محتواه خارج الجدار. لم تكن النافذة فوق رأس أبي مباشرة؛ لذا لم يمسسه سوى قطرات شاردة. يلتقط حقيبتيه دون عجلة، ويتجه نحو السيارة وقد توقف عن الصفير. أقول لأخي: «أتعرف ماذا كان ذلك؟ إنه بول.» لينفجر أخي ضاحكًا.
يلف أبي سيجارة ثم يشعلها قبل أن يدير محرك السيارة. أُغلقت نافذة المنزل بعنف وأرخيت الستارة المعتمة، ولم نر قط يدًا أو وجهًا. يغني أخي في طرب: «بول، بول، سكب أحدهم بولًا!» فيقول أبي: «لا تخبر أمك فحسب، فليس من المحتمل أن تراه مزحة.» فيسأل أخي أبي أمرًا: «هل هذا الحدث في أغنيتك؟» يجيبه أبي بالنفي لكنه سيرى ما في وسعه لإدخاله في أغنيته.
لاحظت بعد برهة أننا لا ندخل في أي ممرات، بيد أنه لا يبدو لي أننا نتجه إلى المنزل. سألت أبي: «هل هذا الطريق يقودنا إلى صانشاين؟» فأجابني: «لا يا سيدتي، ليس كذلك.» «هل ما زلنا في منطقة عملك؟» يهز رأسه نفيًا. يقول أخي في استحسان: «نحن نسير بسرعة.» وفي واقع الأمر كنا نثب فوق حفر طينية جافة بحيث كانت جميع الزجاجات في الحقيبتين تحدث صليلًا وقرقرة على نحو وعدنا بتجربة جديدة.
نصل إلى ممر آخر، منزل آخر، غير مطليٍّ أيضًا، بدا تحت أشعة الشمس فضيَّ اللون.
«خلت أننا خرجنا من منطقة عملك.»
«وهو كذلك بالفعل.»
«إذن لمَ جئنا إلى هنا؟»
«سترين.»
تقف أمام المنزل امرأة قصيرة القامة وقوية البنية تلتقط الملابس المغسولة، والتي كانت منثورة فوق الحشائش لتبييضها وتجفيفها. عندما توقفت السيارة حدَّقت فيها بنظرة حادة للحظة، ثم انحنت لتلتقط منشفتين أخريين لتضعهما فوق الكومة الموجودة تحت إبطها، ثم تتجه نحونا وتقول بصوت فاتر، لا هو بمُرَحِّب ولا هو بجافٍ: «هل ضللتم الطريق؟»
يترجل أبي من السيارة بأريحية ويقول: «لا أظن ذلك، أنا مندوب ووكر براذرز.»
تقول المرأة: «إن جورج كولي هو مندوب ووكر براذرز الذي يأتينا، وكان هنا منذ أقل من أسبوع مضى. آه، يا إلهي!» تقول بصوت غليظ: «إنه أنت؟!»
يقول أبي: «أجل، هو كذلك في آخر مرة نظرت فيها في المرآة.» تجمع السيدة جميع المناشف أمامها وتمسك بها جيدًا، وتضمها إلى بطنها كما لو أنها تؤلمها.
«من بين كافة الأشخاص الذين لم أتوقع رؤيتهم قط، وها أنت تخبرني أنك مندوب ووكر براذرز.»
يقول أبي في تواضع: «آسف إن كنت تتطلعين إلى رؤية جورج كولي.»
«يا لمظهري! كنت أستعد لتنظيف حظيرة الدجاج، ستعتقد أن هذه ذريعة، لكنها الحقيقة. لا أتجول بهذا المظهر كل يوم.» كانت ترتدي قبعة مزارعين من القش، تتخلل من ثقوب فيها أشعة الشمس لتطفو على وجهها، وترتدي ثوبًا فضفاضًا منقوشًا ومتسخًا، وحذاءً رياضيًّا. وتسألني: «من معك في السيارة، بن؟ ليسا طفليك؟»
فيرد أبي: «إنهما طفلاي بالفعل»، ثم يخبرها باسمَيْنا وعمرَيْنا. «هيا، بإمكانكما الترجل من السيارة، هذه نورا؛ الآنسة كرونين. نورا، عليك أن تخبريني، هل ما زلت آنسة، أم لديك زوج مختبئ في السقيفة الخشبية؟»
تخبره: «إذا كان لديَّ زوج فلن يكون هذا هو المكان الذي سأضعه فيه.» يضحك الاثنان، كانت ضحكتها حادة وغاضبة بعض الشيء. «ستظنون أنني فظة، هذا إلى جانب مظهري الذي يبدو كالمتسولين. تعالوا إلى الداخل بعيدًا عن الشمس، الجو لطيف في المنزل.»
نعبر الفناء. («معذرة لأنني آخذكم من هذا الطريق لكنني لا أعتقد أن الباب الأمامي فُتح منذ جنازة أبي، أخشى أن تسقط المفصلات.») نعبر سلم الرواق، ثم إلى المطبخ، الذي كان الجو فيه لطيفًا حقًّا، كان بسقف مرتفع، والستائر المعتمة مسدولة بالطبع، حجرة بسيطة ونظيفة ورثَّة، مشمع الأرض متآكل، زهور الغرنوقي موضوعة في أصيص، ودلو به مياه للشرب، ومغرفة، وطاولة مستديرة مغطاة بمفرش نظيف. ورغم نظافة الحجرة، والأسطح الممسوحة والمكنوسة، ثمة رائحة كريهة ضعيفة، لعلها منشفة الصحون أو المغرفة الصفيح أو المشمع، أو السيدة العجوز؛ إذ كانت هناك سيدة عجوز تجلس على مقعد وثير تحت رف الساعة. تدير رأسها ببطء تجاهنا وتقول: «نورا، هل معك رفقة؟»
تقول نورا بصوت مفسر سريع لأبي: «إنها ضريرة»، ثم تقول: «احزري من هنا يا أمي، اسمعي صوته.»
يذهب أبي إلى أمام المقعد وينحني ويقول آملًا أن تتعرف عليه: «مساء الخير سيدة كرونين.»
تقول السيدة العجوز بلا دهشة: «بن جوردن، لم تأتِ لرؤيتنا منذ زمن بعيد، هل كنت خارج البلاد؟»
يتبادل أبي ونورا النظرات.
تقول نورا في سرور وقوة: «إنه متزوج يا أمي، متزوج ولديه طفلان وها هما.» تجذبنا للأمام، وتجعل كلًّا منا يلمس يد السيدة العجوز الجافة والباردة بينما تقول أسماءنا تباعًا. ضريرة! إنها أول شخص ضرير أراه عن قرب. كانت عيناها مغمضتين، وجفناها ساقطين لأسفل، بما لا يُظهِر أي شكل لمُقلَتَي العين، تجويفان فحسب. من أحد التجويفين، تظهر قطرة من سائل فضي، ربما دواء أو عبرة تحدت إصابة عينيها.
تقول نورا: «دعني أرتدِ ثوبًا لائقًا. تحدث مع أمي، فهذه مفاجأة سارَّة لها، نادرًا ما نحظى برفقة، أليس كذلك يا أمي؟»
تقول العجوز في هدوء: «لا يمر الكثير من الناس من هذا الطريق، والأشخاص الذين اعتادوا أن يكونوا في الجوار، الجيران القدامى، غادر بعض منهم.»
يقول والدي: «يحدث هذا بالفعل في كل مكان.»
«أين زوجتك إذن؟»
«بالمنزل، لا تحب الأجواء الحارة، تصيبها بتوعك.»
«حسنًا.» من عادات سكان الريف، كبار السن، قول «حسنًا» قاصدين بها: «أهذا صحيح؟» بقليل من الاهتمام والأدب الزائدين.
خرجت علينا نورا تخطو بقوة فوق السلم بالردهة في حذاء له عقب عريض متوسط الارتفاع، وكانت ترتدي ثوبًا مزينًا بالزهور على نحو مفرط أكثر من أي ثوب لدى أمي، كان أخضر اللون وأصفر مائلًا إلى البُنِّية، من الكريب الشفاف الطري، وكان الثوب عاري الذراعين. كانت ذراعاها متينتين، وكل جزء مكشوف من بشرتها كان مُغطًّى بنمش داكن صغير كالحصبة. شعرها أسود وقصير، خشن ومجعد، وأسنانها قوية وناصعة البياض.
قال أبي وهو ينظر إلى ثوبها: «إنها المرة الأولى التي أعلم فيها بوجود خشخاش أخضر اللون.»
ردت نورا: «ستدهشك كافة الأشياء التي لم تكن تعلمها قط.» كانت تنثر رائحة الكولونيا هنا وهناك مع تحركها، وتتحدث بصوت مختلف يتماشى مع الثوب، صوت أكثر ودًّا وشبابًا. «إنها ليست نبات الخشخاش، بل زهور فقط. اذهب وضُخَّ لي بعض المياه الباردة لأصنع لهذين الطفلين مشروبًا.» تُخرِج من خزانة المطبخ عصير برتقال ووكر براذرز المركَّز.
«أخبرتني أنك مندوب ووكر براذرز!»
«إنها الحقيقة يا نورا، اذهبي وألقي نظرة على حقيبَتَي العينات في السيارة في حال أنك لم تصدقيني. منطقة عملي في الجزء الجنوبي من هنا مباشرة.»
«ووكر براذرز؟ هل هذا صحيح؟ تبيع لصالح ووكر براذرز؟»
«أجل يا سيدتي.»
«لطالما سمعنا أنك تربي الثعالب في طريق دانجانون.»
«هذا ما كنت أفعله، لكن لم يعد يحالفني الحظ في تلك المهنة نوعًا ما.»
«إذن أين تعيش؟ ومنذ متى تعمل في البيع؟»
«انتقلنا إلى تابر تاون، وأعمل في هذه المهنة منذ شهرين أو ثلاثة، إنها تدفع عنا غائلة الجوع، تدفعه بالكاد.»
تضحك نورا. «حسنًا أعتقد أنك تعد نفسك محظوظًا لعملك بهذه الوظيفة. زوج إيزابيل في برانتفورد عاطل عن العمل منذ مدة طويلة. فكرت في أنه إذا لم يعثر على شيء في القريب فسأدعو أسرتهما للمجيء إلى هنا للعيش، لكن حقيقةً لم أتُقْ لذلك، فهذا كل ما أستطيع تدبيره لي ولأمي.»
قال أبي: «أتزوجت إيزابيل؟ هل تزوجت مورييل أيضًا؟»
«كلا، غادرت لتعمل بالتدريس غربًا. لم تعد إلى منزلها منذ خمسة أعوام. أعتقد أنها تجد شيئًا أفضل تفعله في عطلاتها. كنت سأفعل ذلك إن كنت محلها.» تُخرِج نورا بعض الصور الفوتوغرافية من درج الطاولة وتبدأ في عرضها على أبي. «هذا ابن إيزابيل الأكبر، التحق بالمدرسة، وها هي الطفلة الصغيرة تجلس في عربتها، إيزابيل وزوجها، مورييل، هذه رفيقتها التي معها بالسكن، وهذا رجل كانت تواعده، وهذه سيارته، كان يعمل في مصرف هناك، وهذه المدرسة التي تعمل بها، بها ثماني حجرات، تدرِّس لطلاب الصف الخامس.» يهز أبي رأسه. «لا أستطيع تخيُّلها إلا وهي في طريقها إلى المدرسة، خجلة للغاية، كنت أُقِلُّها أثناء سيرها على الطريق — وأنا في طريقي لرؤيتك — وهي لا تنبس ببنت شفة، ولا حتى توافقني الرأي بأنه يوم جميل.»
«لقد تغلبَتْ على ذلك.»
تقول العجوز: «عمن تتحدثان؟»
«مورييل، أقول إنها تغلبت على خجلها.»
«كانت هنا في الصيف الماضي.»
«كلا يا إمي، كانت إيزابيل. إيزابيل وأسرتها كانوا هنا الصيف الماضي. سافرت مورييل غربًا.»
«قصدت إيزابيل.»
بعد ذلك بوقت وجيز تستغرق السيدة العجوز في النوم، وتميل رأسها جانبًا، فاغرة فاها. تقول نورا: «أستميحكم عذرًا عن تصرفاتها. إنه كبر السن.» ثم تضع فوقها غطاءً صوفيًّا مغزولًا وتقول: «بإمكاننا الجلوس بالحجرة الأمامية بحيث لا يزعجها حديثنا.»
توجه أبي بالحديث إليَّ وإلى أخي: «أنتما، هل تودَّان الخروج وتسلية نفسيكما؟»
كيف نسلي أنفسنا؟ على أية حال أردت البقاء. كانت الحجرة الأمامية أكثر تشويقًا من المطبخ، رغم أنها لم تكن تحوي الأثاث نفسه. كان هناك فونوغراف وبيانو عتيق، وصورة معلقة على الجدار للسيدة مريم، أم يسوع — هذا كل ما أعرفه — ملونة بدرجات اللونين الأزرق والقرنفلي الزاهية وطوق مدبب من الضوء حول رأسها، أعلم أن هذه الصور لا تتواجد إلا في بيوت الروم الكاثوليك؛ إذن لا بد أن نورا كذلك. لم نعرف أحدًا من الروم الكاثوليك على الإطلاق معرفة جيدة بدرجة كافية تجعلنا نزورهم في منازلهم. أفكر فيما اعتادت جدتي والخالة تينا، في دانجانون، قوله دائمًا للإشارة إلى أن شخصًا ما كاثوليكي: «فلان متمسك بالجاروف العتيق.» هكذا كانتا تقولان. «فلانة متمسكة بالجاروف العتيق.» كانتا ستقولان هكذا عن نورا.
تمسك نورا بزجاجة ممتلئة لنصفها من فوق البيانو العتيق، وتصب بعضًا منها في كوبها وكوب أبي بعد أن فرغا من عصير البرتقال.
يقول أبي: «أتحتفظين بها في حال مرضت؟»
«إطلاقًا، أنا لا أمرض أبدًا، أحتفظ بها فحسب. زجاجة واحدة تكفيني لوقت لا بأس به، لأنني لا آبه بالشرب وحدي. ها أنا محظوظة!» تحتسي هي وأبي الشراب، أدري ما هو، إنه شراب الويسكي، من بين الأشياء التي أخبرتني بها أمي في أحاديثنا معًا أن أبي لا يحتسي الويسكي أبدًا. لكنني أراه يفعل ذلك. يحتسي أبي الويسكي ويتحدث عن أناس لم أسمع بأسمائهم قط، لكن بعد برهة يتحدث عن حادثة مألوفة؛ يخبرها عن النونية التي سكبت من النافذة. يقول: «تصوري أنني أقف هناك، وأصيح بأعلى صوتي: «يا سيدتي، أنا مندوب ووكر براذرز، هل يوجد أحد بالمنزل؟»» يصيح بالفعل ويبتسم ابتسامة عبثية في ترقب سار ثم … ينكس رأسه ويغطيه بذراعيه ويبدو كما لو أنه يستجدي الرحمة (في حين أنه لم يفعل أيًّا من ذلك، فقد شاهدته)، وتضحك نورا ضحكة مجلجلة كما فعل أخي حينئذ.
«هذا ليس صحيحًا! لم يحدث أيٌّ من هذا!»
يقول في جدية: «بالطبع صحيح يا سيدتي. لدينا أبطال في صفوف ووكر براذرز. سعيد أنك ترينه مضحكًا.»
طلبتُ منه في خجل: «أنشد لنا الأغنية.»
«أية أغنية؟ هل تحولتَ إلى مغنٍّ إلى جانب سائر الأشياء الأخرى؟»
يشعر أبي بالإحراج، ويقول: «آه، إنها فقط أغنية ألَّفتها فيما كنت أتجول بالسيارة، فهي تشغل وقت فراغي بنظم القوافي.»
لكن بعد بعض الإلحاح يغني أبي، ينظر إلى نورا ويرتسم على وجهه تعبير مضحك معتذر، وتنفجر ضاحكة حتى أنه في بعض المقاطع كان يضطر إلى التوقف وانتظارها حتى تنتهي من الضحك كي يستأنف الغناء، لأنها تدفعه إلى الضحك أيضًا. ثم يخبرها بأجزاء متعددة من حديثه المنمق كرجل مبيعات. عندما تضحك نورا تضغط بصدرها الكبير أسفل ذراعيها المطويتين. وتخبره: «أنت مجنون، لست سوى مجنون.» ترى أخي يحدق في الفونوغراف فتنهض قافزة وتتجه نحوه. «ها نحن نجلس ونسلي أنفسنا ولا نلقي لك بالًا، أليس هذا بشعًا؟ هل تود أن أضع أسطوانة لك؟ هل تود سماع أسطوانة جميلة؟ هل تستطيع الرقص؟ لا بد أن شقيقتك تجيد الرقص، أليس كذلك؟»
أجيبها بالنفي. تقول نورا: «فتاة كبيرة وجميلة مثلك ولا تجيد الرقص! آن الأوان لتتعلمي. أؤكد لك أنك ستكونين راقصة رائعة. سأضع أسطوانة اعتدت الرقص على أنغامها مع أبيك، أيام كان يرقص، تعلمين أن أباكِ كان راقصًا، أليس كذلك؟ حسنًا، إنه رجل موهوب، أعني أباك!»
تغلق غطاء الفونوغراف وتمسكني على نحو مفاجئ من حول خصري، وتمسك بيدي الأخرى وتبدأ في حثي على الرجوع للخلف. «هكذا الآن، هكذا يرقصون، حاكيني، هذه القدم، هكذا. واحد وواحد اثنان. واحد وواحد اثنان. هذا رائع، هذا جميل، لا تنظري إلى قدمك! حاكيني، هذا صحيح، أترين كم هو سهل؟ ستكونين راقصة رائعة! واحد وواحد اثنان. واحد وواحد اثنان. بن، أترى ابنتك وهي ترقص؟!» واستمرت الأغنية: «نهمس حين تضمني إليك، نهمس فيما لا يستطيع أحد آخر سماعنا …»
أخذنا ندور وندور فوق مشمع الأرض، أشعر بالفخر والعزم، ونورا تضحك وتتحرك بخفة شديدة، تطوقني بفرحتها الغريبة، وأشم منها رائحة الويسكي والكولونيا ورائحة عرقها. ابتلت ثيابها من تحت إبطها، وتتكون قطرات عرق صغيرة بمحاذاة شفتها العليا تعلق بالشعيرات السوداء الناعمة عند زاوية فمها. ثم تلفني سريعًا أمام أبي — مما أدى إلى تعثري، فأنا لست بتلميذة سريعة التعلم بأية حال من الأحوال كما تدَّعي — لتتركني وأنا ألهث.
«ارقص معي يا بن.»
«أنا أسوأ راقص في العالم يا نورا، وأنت تعلمين ذلك.»
«قطعًا لم أعتقد ذلك.»
«ستعتقدين الآن.»
تقف أمامه وذراعاها مرتخيتان في رجاء، ونهداها اللذان أشعراني بالخجل منذ لحظة لدفئهما وضخامتهما، يعلوان ويهبطان أسفل ثوبها الفضفاض المزدان بالورود، ووجهها يلمع جرَّاء المجهود والبهجة.
«بن!»
ينكس أبي رأسه ويقول في هدوء: «ليس أنا يا نورا.»
لذا لا تجد أمامها سوى أن تُخرِج الأسطوانة، وتقول: «بمقدوري احتساء الشراب وحدي، لكن ليس باستطاعتي الرقص وحدي، ما لم أكن أكثر جنونًا مما أظن.»
يقول أبي مبتسمًا: «لست مجنونة يا نورا.»
«امكث حتى العشاء.»
«كلا، لن نزعجك بهذا.»
«ليس بإزعاج، سأسعد بذلك.»
«كما ستقلق أمهما، ستعتقد أن السيارة انقلبت بنا.»
«آه، حسنًا، أجل.»
«لقد أخذنا كثيرًا من وقتك الآن.»
تقول نورا في مرارة: «وقتي، هل ستأتي مجددًا؟»
يقول أبي: «سآتي إن استطعت.»
«أحضر طفليك، أحضر زوجتك.»
يقول أبي: «أجل، سأحضرهم إن استطعت.»
عندما رافقتنا إلى السيارة، قال أبي: «عليك أن تحضري لزيارتنا أيضًا يا نورا، نحن نعيش في جروف ستريت، تسيرين على الجانب الأيسر شمالًا، منزلنا من تلك الجهة — شرقًا — من بايكر ستريت.»
لم تكرر نورا تلك الاتجاهات. تقف بالقرب من السيارة بثوبها الباهر الرقيق. تلمس رفرف السيارة تاركة علامة غامضة على الغبار هناك. •••
في طريق عودتنا إلى المنزل لم يبتع أبي الآيس كريم أو المياه الغازية، لكنه دخل إلى متجر ريفي واشترى عبوة عرقسوس، وتقاسمها معنا. يدور بخلدي عبارة «إنها متمسكة بالجاروف القديم»، وتبدو الكلمات حزينة كما لم تكن من قبل، غامضة وضالة. لم يخبرني أبي بأي شيء حيال عدم ذكر أيٍّ مما حدث في المنزل، لكنني أعلم — من شروده في التفكير، وصمته وهو يمرر لنا العرقسوس — أن ثمة أشياء لا يجب ذكرها؛ الويسكي، وربما الرقص. ليس هناك داعٍ للقلق من أخي، فهو لم يلحظ الكثير، على أكثر تقدير ربما يذكر السيدة العجوز وصورة السيدة مريم.
يقول أخي في أمرٍ لأبي: «أنشد أغنية»، لكن أبي يقول في جدية: «لا أدري، يبدو أنني استنفدت جميع الأغاني توًّا. لتراقب لنا الطريق وأخبرني إن رأيت أي أرانب.»
يقود أبي السيارة ويراقب أخي الطريق بحثًا عن أرانب، أشعر أن حياة أبي تنساب خلف السيارة مع نهاية الظهيرة، تزداد قتامةً وغرابةً، وكأنها منظر طبيعي به سحر، يجعله عاديًّا ومألوفًا على نحو مواتٍ عندما تنظر إليه، لكنه يحوله ما إن تدير إليه ظهرك إلى شيء لن تعرفه أبدًا، في أجواء وأماكن بعيدة ليس بوسعك تخيلها.
عندما اقتربنا من تابر تاون أضحت السماء ملبدة بالغيوم على نحو طفيف، كما هي الحال دومًا، دومًا تقريبًا، في أمسيات الصيف بجانب البحيرة.
رقصة الظلال السعيدة |
منازل مضيئة
جلست ماري على السلم الخلفي لمنزل السيدة فولرتن، تتحدث — أو تستمع في واقع الأمر — مع السيدة فولرتن، التي تبيع لها البيض. كانت قد مرت بها كي تعطيها ثمن البيض وهي في طريقها إلى حفل عيد ميلاد ديبي ابنة إديث. لم تكن السيدة فولرتن تزورهم أو تدعوهم، لكن ما إن تنشأ حجة عمل، حتى تحب أن تتحدث. وجدت ماري نفسها تستكشف حياة جارتها كما استكشفت من قبلُ حيوات الجدات والخالات، بادِّعائها أنها تعرف أقل مما تعرفه في الواقع، وطلبها منهن حكاية بعض القصص التي سمعتها من قبلُ؛ وبهذه الطريقة، تتذكر أحداثًا تظهر في كل مرة مع اختلافات طفيفة في المحتوى أو المغزى أو الصبغة، لكن بواقع خالصٍ عادةً ما تصاحبه أشياءُ أسطوريةٌ جزئيًّا على الأقل. كانت قد نسيت تقريبًا أن ثمة أناسًا يمكن رؤية حياتهم هكذا؛ فهي لم تَعُدْ تتحدث مع كثير من كبار السن، ومعظم الأشخاص الذين عرفتهم لا تختلف حياتهم عن حياتها؛ حياتها التي لم تُصنَّف فيها الأشياء بعدُ، ولم يَعُدْ من المؤكد أن هذا الشيء أم ذاك يجب أخذه على محمل الجد أم لا. لم يساور السيدة فولرتن أية شكوك أو تساؤلات من هذا النوع. على سبيل المثال، كيف كان من الممكن عدم التعامل جديًّا مع الغياب الطائش تمامًا للسيد فولرتن، الذي اختفى في يوم من أيام الصيف، ولم يَعُدْ مجدَّدًا؟
قالت ماري: «لم أكن أعلم ذلك، كنتُ أعتقد دومًا أن السيد فولرتن وافته المنية.»
قالت السيدة فولرتن: «هو ما زال حيًّا يرزق مثلي.» واستقامت في جلستها. مرت دجاجة كبيرة من فصيلة بليموث روك فوق درجة السلم الأولى، فنهض ابن ماري الصغير، داني، ليلاحقها بحذر. «لقد انطلق في رحلاته فحسب، فهذا ما يفعله. ربما اتجه شمالًا، وربما ذهب إلى الولايات المتحدة، لا أدري، لكنه لم يَمُتْ، كنتُ سأشعر بذلك. وهو ليس عجوزًا أيضًا، ليس عجوزًا مثلي؛ فهو زوجي الثاني، وكان يصغرني سنًّا، لم أُخفِ هذا الأمر. اشتريت هذا المنزل وربَّيْت أطفالي ومات زوجي الأول قبل أن يظهر السيد فولرتن في حياتي بكثير، ففي إحدى المرات ذهبنا إلى مكتب البريد ووقفنا معًا بجانب النافذة، ثم توجَّهْتُ لأضع خطابًا في الصندوق وتركت حقيبتي، وتوجَّه السيد فولرتن ليلحق بي، فنادته فتاة وقالت: «خُذْ، لقد نسيت أمك حقيبتها!»»
ابتسمت ماري استجابةً لضحكة السيدة فولرتن العالية غير الواثقة. كانت السيدة فولرتن متقدمة في العمر، كما قالت، أكثر مما يمكنك اعتقاده، بشعرها الأسود شديد التموج، وملابسها الرمادية بفعل الاتساخ، ودبابيس الزينة الرخيصة المعلَّقة بسترتها ذات النسيج المنسول. لكنَّ عينَيْها كانتا تعكسان ذلك، فكانتا سوداوين كلون البرقوق ولهما بريق جامد خافت، تختفي الأشياء فيهما ولا تتغير أبدًا. لم ترتسم الحياة في وجهها إلا في أنفها وفمها اللذين كانا دائِمَي الحركة والاهتزاز، ممَّا جذب خطوطَ وجهها العابسة أسفل وجنتيها. عندما كانت تأتي كل يوم جمعة لتحضر طلبيات البيض كان شعرها معقوصًا، ومجموعة من الزهور القطنية تجذب طرفي بلوزتها، وشفتاها مطليتين بخط أحمر ثقيل غير منتظم، فما كانت لتظهر أمام جيرانها الجدد بأي مظهر فوضوي لسيدة عجوز حزينة.
قالت: «ظنَّتْ أنني أمه، لم آبَه بذلك، بل ضحكت بشدة. لكن ما أخبرك به أنه في يوم من أيام الصيف، كان زوجي في إجازة من العمل، فارتقى السلم ليجمع بعض ثمار الكرز من شجرة الكرز الأسود. خرجتُ لأعلق بعض الملابس لتجفيفها لأجد رجلًا لم أره من قبلُ في حياتي، يأخذ دلو الكرز الذي ناوله زوجي إياه، متصرفًا دون قيد أو خجل، جلس لتناوُل الكرز من الدلو خاصتنا. سألت زوجي عمَّن يكون ذلك الشخص، فأجابني أنه عابر سبيل. أخبرته أنه إذا كان صديقًا له، فبإمكانه المكوث ليتناول العشاء معنا، فقال: عمَّ تتحدثين؟ لم أَرَه من قبلُ. لذا لم أنبس بكلمة أخرى. اتجه السيد فولرتن وتحدَّث معه وهو يأكل الكرز الذي كنتُ أنوي استخدامه في صنع كعكة، لكن ذلك الرجل كان يتحدث مع الجميع، متسولًا كان أو أحد مبشري شهود يهوه، أي شخص — لم يكن من الضروري أن يعني ذلك شيئًا.»
واصلت حديثها: «بعد نصف ساعة، رحل ذلك الرجل. خرج السيد فولرتن بسترته البُنِّيَّة مُعتمِرًا قبعته، وأخبرني أنه سيقابل شخصًا ما في وسط المدينة، فسألته: هل ستطيل البقاء؟ فقال: لن أتأخر. لذا خرج على الطريق، ومضى جنوبًا إلى حيث اتجه المتسول العجوز — كنَّا جميعًا في الجنبة حينها — شيء ما جعلني أتتبعه بناظري. قُلْتُ في نفسي لا بد أنه يشعر بالحر وهو يرتدي ذلك المعطف، وحينها عرفت أنه لن يعود. بَيْدَ أنني لم أكن أتوقع ذلك؛ فقد كان يحب المكان هنا، وكان يتحدث عن تربية الشنشيلة في الفناء الخلفي. لن تعرفي أبدًا ما يجول بخاطر الرجل حتى وإن كنتِ تعيشين معه.»
قالت ماري: «هل حدث ذلك منذ زمن بعيد؟»
«اثني عشر عامًا. أراد أولادي أن أبيع بيتي وأنتقل للعيش في الأحياء السكنية، لكنني رفضت، فأنا أربِّي الدجاج هنا، وكان لديَّ عنزة حينذاك، كانت حيواني المدلَّل. كان لديَّ أيضًا راكون مدلَّل لفترة من الزمان، اعتدت إطعامه العلك. قلت حسنًا، يأتي الأزواج ويرحلون، لكن المكان الذي عشْتُ فيه خمسين عامًا شيء آخَر. جعلت من الأمر مزحة مع عائلتي. إلى جانب هذا، فكَّرْتُ أنه إذا عاد السيد فولرتن، فسيأتي إلى هنا، فلا يدري مكانًا آخَر يذهب إليه. بالطبع لن يعرف أين يعثر عليَّ، فالطريق تغيَّر الآن. لكن دائمًا ما كانت تراودني فكرة أنه ربما أُصِيب بفقدان الذاكرة، وربما تعود إليه، فهذا يحدث.
أنا لا أتذمر. أحيانًا ما يبدو لي أن الرجل الحكيم سيجد ما يجعله يرحل مثلما سيجد ما يجعله يمكث. لا أنزعج من وقوع التغيرات أيضًا، فهذا ساعدني في تجارتي في البيض. لكن مسألة مجالسة الأطفال هذه … طوال الوقت يطلب مني أحدهم مجالسة الأطفال. أخبرهم أنني أملك منزلي الخاص لأجلس به وأخذت نصيبي من تربية الأطفال.»
نهضت ماري عندما تذكَّرَتْ حفل عيد الميلاد ونادت على ابنها الصغير. قالت السيدة فولرتن: «فكرت في عرض الكرز الأسود لديَّ للبيع في الصيف القادم. تعالي وانتقي لكِ منه، سيكون الصندوق بخمسين سنتًا. لم يَعُدْ بوسعي تعريض عظامي العجوزة للخطر بارتقاء السلم.»
قالت ماري مبتسمةً: «هذا سعر غالٍ جدًّا، إنه يباع بسعر أرخص من ذلك في المتجر الكبير.» كانت السيدة فولرتن قد كرهت بالفعل المتجر الكبير لأنه خفَّض سعر البيض. أخرجت ماري آخِر سيجارة من العلبة وتركتها معها، وقالت إن لديها علبةً أخرى في حقيبتها. كانت السيدة فولرتن تعشق السجائر، لكن ما كانت ستقبل بواحدة إلا إذا قُدِّمت إليها على حين غرة. كانت ماري ترى أن مجالسة الأطفال ستغطي ثمنها. في الوقت نفسه أُعجِبت ماري إلى حدٍّ ما بأن السيدة فولرتن لم تكن لينة العريكة للغاية. عندما خرجت ماري من ذلك المكان، دائمًا ما كانت تشعر كما لو أنها تمر عبر حواجز. كان المنزل والمنطقة المحيطة يوفران الاكتفاء الذاتي بدرجة كبيرة، فكانا يتألَّفان من ترتيب معقَّد يبدو أنه غير قابل للتغيير من أحواض الخضراوات والفاكهة، وأشجار الكرز والتفاح، وحظيرة الدجاج المُسَيَّجة، وحديقة التوت والممرات الخشبية، وكومة الحطب، وسقائفه الصغيرة المعتمة المبنية على نحو عشوائي للدجاج أو الأرانب أو العنزة. لا يوجد هنا خطة صريحة أو مباشِرة، لا وجود لنظام يتسنَّى لغريبٍ فهمُه، مع ذلك ما كان عشوائيًّا جعله الزمن نهائيًّا؛ بات المكان ثابتًا، ومنيعًا، وجميع ما يتكدس به ضروري، حتى بدا أن أوعية الغسيل والماسحات وزنبركات الأرائك وأكوام مجلات الشرطة العتيقة حتى في الرواق الخلفي، قُدِّر لها أن تبقى هناك.
مضى كلٌّ من ماري وداني بالطريق الذي كان يُدعَى في السابق ويكس رود، إبَّان شباب السيدة فولرتن، لكنه أصبح الآن على خرائط التقسيم السكني يحمل اسم هيذر درايف. كان اسم التقسيم السكني جاردن بليس، وسُمِّيَتْ شوارعه على أسماء الزهور. على كل جانب من جانبي الطريق كانت الأرض غير معبَّدَة، ومصارف المياه ممتلئة على آخرها. وُضِعت ألواح خشبية فوق المصارف المفتوحة، ووُضِعت ألواح خشبية بالقرب من أبواب المنازل الجديدة. تنتصب المنازل الجديدة البيضاء والمضيئة بعضها إلى جانب بعض في صفوف طويلة على امتداد الطريق. لطالما رأتها ماري على أنها منازل بيضاء، رغم أنها لم تكن بالطبع بيضاء تمامًا؛ فقد كانت من الجص ومكسوَّةً بالألواح الخشبية، وكان الجص فقط أبيض اللون، أما الكسوة الخارجية فكانت مطلية بدرجات الأزرق والوردي والأخضر والأصفر، جميعها ألوان حديثة وزاهية. في العام الماضي، في هذا الوقت تحديدًا، في مارس، جاءت الجرارات لإزالة الجنبات والأشجار التي نمت مرة أخرى بعد قطعها والأشجار الضخمة من غابة الجبل، بعد برهة وجيزة برزت المنازل بين جلاميد الصخور وجذوع الأشجار الضخمة المقطوعة، وتضاريس الأرض البديعة. كانت المنازل واهية في البداية، هياكل خشبية جديدة تقف في الظلام في أيام الربيع الباردة. لكن بُنِيت بعد ذلك الأسقف، سوداء وخضراء، زرقاء وحمراء، ثم الجص والكسوة، ورُكِّبَت النوافذ، وأُلصِقت عليها علامات مكتوب عليها: موري للزجاج، وفرنش للأرضيات الخشبية الصلبة. وتسنَّت رؤيتها كمنازل حقيقية. توافَدَ الأشخاص الذين سيقطنون بالمنازل يسيرون بتثاقل في الوحل أيام الآحاد. كانت المنازل لأناس مثل ماري وزوجها وطفلهما، لا يملكون الكثير من المال لكن لديهم تطلعات كبيرة، استقرت جاردن بليس، في أذهان الأشخاص الذين يفسرون العناوين، على أنها أقل ترفًا من باين هيلز، لكن أكثر جاذبية من ويلنجتون بارك. كانت الحمامات جميلة، بها مرايا من ثلاثة أجزاء، وبلاط خزفي، ولوازم ملونة، وكانت خزانات المطابخ من الماهوجني أو خشب البتولا الفاتح، وكان هناك تركيبات إضاءة نحاسية في المطبخ وفي زوايا تناول الطعام، كما تفصل أحواض نباتات من القرميد — تتوافق مع المدفآت — بين حجرات المعيشة والردهات. والغرف جميعها رحبة وفاتحة اللون، وكانت الأقبية جافة، ظهرت كل هذه المتانة والامتياز في وضوح وفخر في واجهة كل منزل، تلك المنازل المتشابهة على نحوٍ خلا من الإبداع، ينظر بعضها إلى بعض في هدوء، على امتداد الشارع.
ولما كان اليوم هو يوم السبت، كان جميع الرجال بالخارج يعملون حول منازلهم؛ يحفرون قنوات لتصريف المياه، ويصنعون حدائق صخرية، ويزيلون الأغصان والشجيرات المقطوعة ويحرقونها. عملوا بجد وجهد تنافسيَّين لم يألفوهما، حيث إنهم لم يكونوا رجالًا يكسبون قوت يومهم بالجهد البدني. عملوا طوال اليوم في أيام السبت والآحاد على هذا المنوال، بحيث يكون لديهم في غضون عام أو عامين حدائق خضراء، وجدران صخرية، وأحواض زهور وشجيرات زينة بهية المنظر. لا بد أن الأرض صعبة الحفر الآن، فقد كانت تمطر اللية الماضية وهذا الصباح، لكن اليوم يزداد إشراقًا، وانقشعت السحب كاشفةً عن مثلث رفيع طويل من السماء، زرقتها لا تزال باردة ورقيقة؛ إنه لون الشتاء. وقفَتْ خلف المنازل على أحد جانبي الطريق أشجارُ الصنوبر، بتماثُلها الرتيب الذي لم تهزَّه الرياح كثيرًا. ستتم إزالتها في أي يوم الآن لإخلاء مساحة لإقامة مركز تسوُّق كان هناك وعدٌ بإنشائه عندما بِيعت المنازل.
وأسفل هيكل هذا التقسيم السكني الجديد، كان هناك شيء آخَر يمكن تبيُّنه؛ المدينة القديمة؛ المدينة القديمة في البرية، والتي كانت تقع على جانب الجبل. كان من الضروري أن يطلق عليها مدينة إذ تمر بها خطوط الترام إلى الغابات، وكانت المنازل تحمل أرقامًا، وبها كافة المباني العامة التي تتواجد في المدن، تقف إلى جانب المسطح المائي، لكن المنازل التي تشبه منزل السيدة فولرتن انفصل أحدها عن الآخَر بغابة غير مقطوعة الأشجار وأيكة من ثمار العليق البري وشجيرات العليق الشوكي. كانت هذه هي المنازل المتبقية، التي ينبعث دخان كثيف من مداخنها، وجدرانها غير مطلية ومرقَّعة وتعكس درجات مختلفة من القِدَم والظلمة، وسقائفها بدائية والحطب وكومات السماد متكدسة حولها، وسياجها الخشبي رمادي اللون. وكثيرًا ما كانت هذه المنازل تظهر بين المنازل الجديدة الكبيرة في ميموزا وماريجولد وهيذر درايف. كانت مظلمةً ومطوقةً وتوحي بشيء من الهمجية في فوضويتها، وزوايا أسطحها المنحدرة غير المتجانسة المستحيل تواجدها في شوارع كهذه. كانت موجودة هناك وحسب. •••
قالت إديث وهي تصب المزيد من القهوة: «ماذا يقولون؟» كانت محاطةً في مطبخها ببقايا حفل عيد الميلاد؛ قالب الحلوى والهلام المقولب والكعك الذي يحمل وجوه الحيوانات، ويتدحرج بالون على الأرض. كان الأطفال قد تناولوا طعامهم، ووقفوا لالتقاط الصور الفوتوغرافية لهم، ولعبوا ألعاب عيد الميلاد، والآن يلعبون في غرف النوم الخلفية والقبو، فيما يحتسي الآباء القهوة. قالت إديث: «تُرَى ماذا يقولون هناك؟»
ردَّتْ ماري، وهي تحمل وعاء القشدة الفارغ: «لم أسترق السمع.» ثم توجَّهت نحو النافذة أعلى حوض المطبخ، انقشعت السحب وتباعَدَتْ أكثر وكانت الشمس بارقة، وبدا المنزل حارًّا للغاية.
قالت إديث وهي تسرع عائدةً إلى حجرة المعيشة: «منزل السيدة فولرتن.» كانت ماري تعلم عما يتحدثون؛ فجيرانها — الذين لا يتحدثون في العموم في موضوعات مزعجة — قد يخوضون في أية لحظة في هذا الموضوع ويدور الحوار بشكل خطير في دوائر مألوفة من الشكوى، مما يقودها إلى النظر في يأس خارج النافذة، أو في حجرها، في محاولة للعثور على كلمة تعليلية رائعة تنهي الحديث، لكنها لم تنجح في ذلك. كان عليها العودة، فهم في انتظار القشدة.
جلس لفيف من سيدات الحي في حجرة المعيشة، يحملن دون اكتراث البالونات التي أعطاهن إياها أطفالهن. ولما كان الأطفال الذين يلعبون في الشارع حديثي السن، ولما كان أي تجمُّع للأشخاص الذين يعيشون هناك يُعَدُّ أمرًا إيجابيًّا في حد ذاته، كان معظم حضور حفلات أعياد الميلاد هم الأمهات والأطفال أيضًا. ارتدت الآن الأمهات اللاتي يقابل بعضهن بعضًا بصفة يومية الأقراط وجوارب النايلون والجونلات، وصفَّفْنَ شعرهن وتبرَّجْنَ. حضر بعض الرجال أيضًا؛ على غرار ستيف زوج إديث، وآخَرين ممن دعاهم لاحتساء الجعة، وكانوا جميعهم بملابس العمل. كان موضوع الحديث الذي طُرِح توًّا واحدًا من الموضوعات القليلة التي تحوز اهتمام الرجال والنساء على حد سواء.
قال ستيف: «سأخبركم ماذا سأفعل إن كنتُ أعيش بجوار ذلك المنزل.» وتعلو وجهَه ابتسامةٌ عريضةٌ دمثةٌ متوقِّعًا إضحاكهم، «سأرسل أطفالي إلى هناك ليلعبوا بالثقاب.»
قالت إديث: «هذا مضحك، لقد تجاوز الأمر حد المزاح، أنت تمزح وأنا أحاول فعل شيء، حتى إنني هاتفت المجلس المحلي.»
قالت ماري لو روس: «وماذا أخبروكِ؟»
«حسنًا قلتُ لهم أليس بوسعكم حملها على طلاء منزلها، على الأقل، أو إزالة بعض من أكواخها؟ لكنهم قالوا إنهم ليس بوسعهم ذلك. قلت لهم أعتقد أنه يوجد شيء من قبيل قانون محلي يُطبَّق على أناس مثلها، وقالوا إنهم يتفهمون «شعوري» وإنهم في غاية «الأسف» …»
«لكن لم يفعلوا شيئًا؟»
«لم يفعلوا شيئًا.»
«لكن ماذا عن الدجاج، فكرت …»
«آه، لن يسمحوا لكِ أو لي بتربية الدجاج، أما هي فتحظى بإعفاء خاصٍّ حيال ذلك أيضًا، نسيت كيف تسير الأمور.»
قالت جاني إنجر: «سأتوقف عن شراء البيض منها، فالمتجر الكبير يبيعه بثمن أرخص، ومَن يعبأ كثيرًا بكونه طازجًا؟ رباه! والرائحة أيضًا. أخبرت كارل أنني مدركة أننا سننتقل إلى منطقة نائية، لكنني لم أتصور أن نعيش بطريقة أو بأخرى بجوار حظيرة.»
«العيش على الجهة المقابلة من الشارع أسوأ كثيرًا من العيش بجانبها، أتساءل لمَ تكبَّدْنا صنع نافذة كبيرة تطل على المنظر بالخارج، في حين أنه إذا حضر أيُّ شخص لزيارتنا فإنني أرغب في إسدال الستار كي لا يرى ما يوجد في الجهة المقابلة؟!»
قال ستيف: «حسنًا، حسنًا.» مقاطِعًا بصعوبة تلك الأصوات النسائية. «ما شرعنا أنا وكارل في إخباركن إياه هو أنه إذا نجحنا في مسألة الممر تلك، فستضطر إلى الرحيل؛ فالأمر بسيط وقانوني، وهنا روعة الأمر.»
«أي ممر؟»
«سنشرح الأمر. لقد كنتُ أنا وكارل نخطِّط لهذا الأمر منذ عدة أسابيع، لكننا لم نود أن نذكر شيئًا عن الأمر في حال لم يفلح ذلك. تولَّ أنت الحديث يا كارل.»
كان كارل وكيل عقارات ناجحًا، قصيرًا وقويَّ البِنية، فقال: «حسنًا، لقد تعَدَّتْ على المساحة المسموح بها للممرات، هذا كل ما في الأمر. طرأَتْ لي فكرة أن يكون هذا هو الحل؛ لذا توجَّهْتُ إلى المجلس المحلي وبحثت في الأمر.»
قالت جاني بطريقة عفوية محبة: «ماذا يعني ذلك يا عزيزي؟»
قال كارل: «هذا كل ما في الأمر، هناك أماكن مخصَّصة للممرات، لطالما كان الأمر كذلك، تتلخص الفكرة في أنه إذا شُيدت منطقة ما يخططون لممر بها، لكنهم لم يعتقدوا أبدًا أن هذا ما سيحدث، فالناس تبني منازلها حيث يحلو لها، وهي بَنَتْ جزءًا من منزلها وستة أكواخ فوق المكان الذي ينبغي أن يجتازه الممر؛ لذا سنجعل المجلس المحلي يضع ممرًّا، فنحن بحاجة إلى ممر على أية حال؛ ومن ثَمَّ ستضطر إلى الرحيل، فهذا هو القانون.»
قال ستيف ووجهه يشع بالإعجاب: «إنه القانون، يا لك من رجل ذكي! إن وكلاء العقارات هؤلاء رجال أذكياء.»
قالت ماري لو: «هل ستحصل هي على أي شيء؟ لقد سئمتُ المنظر لكنني لا أودُّ أن أرى أي شخص يعيش في ملجأ للفقراء.»
«أوه، ستحصل على مبلغ مالي، أكبر مما يستحقه المكان. انظري، إن الأمر لصالحها. ستحصل على مبلغ مالي، فليس بوسعها بيعه، وليس بوسعها وَهْبُه.»
وضعت ماري قدح القهوة قبل أن تتحدث وتمنَّتْ أن يبدو صوتها منطقيًّا، ليس عاطفيًّا أو مرتعدًا. فقالت: «لكن تذكروا أنها تعيش هنا منذ زمن بعيد، عاشت هنا قبل أن يُولَد معظمنا.» حاولت باستماتة التفكير في كلمات أخرى، كلمات تبدو سليمة ومنطقية أكثر من هذه، فليس بمقدورها طرح أية فكرة، ربما ينظرون إليها على أنها واهية ورومانسية أمام هذا المد الإيجابي، وإلا فستهدم حُجتها. لكن لم يكن لديها حُجة، لن تتمكن حتى وإن فكرت طوال الليل من إيجاد كلمات تواجه كلماتهم، والتي انهالت عليها الآن من جميع الاتجاهات بصورة لا يمكن دحضها: «كوخ، منظر قبيح، مشهد قذر، ملكية، قيمة.»
قالت جاني وهي تشعر أن خطة زوجها تتعرض للهجوم: «هل تظنين بصدق أن أولئك الأشخاص الذين يَدَعُون ممتلكاتهم تتعرض للإهمال على هذا النحو جديرون بأن ننظر إليهم بعين الاعتبار؟»
قال كارل: «لقد عاشت هنا لأربعين عامًا، والآن نحن هنا. هكذا تسير الأمور، وسواء أدركَتِ الأمر أم لا، فإن وجود ذاك المنزل هنا فحسب يُخفِّض قيمة إعادة البيع لكل منزل بالشارع. أنا أعمل في هذا المجال وأؤكد لك ذلك.»
انضمت إليهما أصواتٌ أخرى، لم يهم كثيرًا ماذا قالوا ما دام أنه كان مشبعًا بالآراء الشخصية وبالغضب. كان ذلك موطنَ قوتهم، برهانًا على رشدهم، على أنفسهم وعلى جديتهم. ارتفعت روحُ الغضبِ بينهم، تشجِّع أصواتهم الشابة، وتجتاحهم جميعًا كطوفان سُكْر، وأُعجب بعضهم ببعض في هذا السلوك الجديد بوصفهم أصحاب ملكية مثلما يعجب بعض الناس ببعضهم لكونهم سُكارى. •••
قال ستيف: «ربما يتعيَّن علينا أيضًا أن ندعو الجميع الآن، سنوفِّر على أنفسنا عناء الذهاب إلى الكثير من المنازل.»
حان وقت العَشاء، والظلام يسدل أستاره على المكان. تهيَّأ الجميع للعودة إلى المنزل، تغلق الأمهات معاطف الأطفال بالأزرار، بينما يمسك الأطفال، دون سعادة كبيرة، ببالوناتهم وصفَّاراتهم والدلاء الورقية تمتلئ بالحلوى الهلامية. توقفوا عن العراك، توقفوا تقريبًا عن ملاحظة بعضهم، وتفرَّق الحفل، كما ازداد الكبار صمتًا وشعروا بالتعب.
«إديث، إديث، هل لديك قلم؟»
أحضرَتْ إديث قلمًا وبسطوا عريضة المطالبة بممرٍّ — التي كتبها كارل — على طاولة تناول الطعام، بعد إزالة الأطباق الورقية التي تحمل آثار آيس كريم جاف. بدأ الناس في التوقيع دون تفكير أثناء توديع بعضهم بعضًا. كان ستيف لا يزال متجهمًا قليلًا، ووقف كارل واضعًا إحدى يديه على الورقة، متخذًا هيئة رجل الأعمال، ولكن بفخر. جثت ماري على ركبتيها وحاولت بصعوبة غلق سحَّاب بنطال داني، ثم نهضت وارتدت معطفها، وهذبت من شعرها، وارتدت قفازها ثم خلعته مرة أخرى. وعندما لم يَعُدْ بمقدورها التفكير في شيء آخَر لفعله، مرت بجانب طاولة تناول الطعام في طريقها إلى الباب، فلوَّح كارل بالقلم نحوها.
قالت ماري: «لا أستطيع التوقيع على هذا.» احمرَّ وجهها في الحال، وكان صوتها مرتعدًا، فوضع ستيف يده على كتفها.
«ما الأمر يا عزيزتي؟»
«لا أظن أننا نملك هذا الحق. نحن لا نملك هذا الحق.»
«ماري، أَلَا تكترثين بالشكل الذي تبدو عليه الأشياء؟ أنت تعيشين هنا أيضًا.»
«كلا، أنا … أنا لا أكترث.» أليس هذا غريبًا؟ كيف أنه في مخيلتك؟ عندما تدافع عن شيء ما، يكون صوتك مجلجلًا، ويشعر الناس بالصدمة والخجل، لكن في الواقع يبتسم الجميع بطريقة خاصة إلى حد ما، وتدرك أن ما فعلته حقًّا هو أنك قد جعلت من نفسك موضوعَ حديثٍ ممتعٍ في حفل القهوة القادم.
قالت جاني: «لا تقلقي يا ماري، فهي لديها مال في البنك، لا بد أنها كذلك، لقد طلَبْتُ منها أن تجالِس أطفالي لكنها نهرتني فعليًّا؛ فهي ليست سيدة محبوبة، أنت تعلمين هذا.»
قالت ماري: «أعلم أنها سيدة عجوز غير محبوبة.»
قال ستيف وهو لا يزال واضعًا يده فوق كتف ماري: «كيف تريننا يا ماري، مجموعة من الوحوش؟»
قال كارل: «لا يود أحد رحيلها على سبيل اللهو، فالأمر قاسٍ، ندرك جميعًا ذلك، لكن علينا أن نفكر في مجتمعنا.»
قالت ماري: «أجل.» لكنها وضعت يدها في جيب معطفها والتفتت لتوجِّه الشكر لإديث على حفل عيد الميلاد. جال في خاطرها أنهم على حق، لأنفسهم، لأيِّ شيء كانوا عليه. والسيدة فولرتن امرأة عجوز، عيناها فاترتان، لن يؤثِّر فيها شيء. خرجت ماري وسارت مع داني على امتداد الطريق. رأت الستائر وهي تُسدل فوق نوافذ حجرة المعيشة، ومتتاليات من الزهور والأغصان، مصمَّمة بطريقة هندسية، تعزل تلك الحجرات ليلًا. كان الجو معتمًا تمامًا بالخارج، وازدادت المنازل المضيئة قتامة، وأخذت السحب تنقشع أكثر فأكثر، والدخان يتصاعد من مدخنة السيدة فولرتن. بدا الشكل الذي يتخذه جاردن بليس، والذي كان واضحًا ومحدَّدَ المعالم وقت النهار، أنه يتقلص ليلًا إلى سفح الجبل القفر المعتم. •••
أخذت ماري تفكِّر في أن الأصوات بحجرة المعيشة تبدَّدَتْ. ليتها تتبدد ويطوي خطتهم النسيان، ليت شيئًا واحدًا يمكن تركه على حاله. لكن أولئك أشخاص يفوزون، وهم أناس طيبون، يرغبون في منازل لأطفالهم، يساعد أحدهم الآخَر وقت الضيق، يقيمون مجتمعًا، قائلين هذه الكلمة كما لو أنهم يجدون سحرًا حديثًا مناسبًا تمامًا، لا يوجد احتمال فيه على الإطلاق لوقوع خطأ.
لا شيء يمكن فعله حاليًّا سوى أن تضع يديها في جيبيها وتشعر بالسخط.
رقصة الظلال السعيدة |
فستان أحمر — ١٩٤٦
كانت أمي تحيك لي فستانًا. طوال شهر نوفمبر كنت أعود من المدرسة فأجدها في المطبخ، حولها قطع من قماش المخمل الأحمر وقصاصات «باترون» من الورق الشفاف. كانت تعمل على ماكينة خياطة قديمة ذات دوَّاسة، موضوعة إلى الجدار الذي فيه النافذة؛ كي يتوفر لها الضوء، وكي يتسنَّى لها أيضًا أن تنظر للخارج، إلى الحقول المجزوزة وبستان الخضر العاري من النباتات، وترى الرائح والغادي في الطريق. لكن نادرًا ما كان يمرُّ أي شخص لتراه.
كان العمل على قماش المخمل صعبًا؛ لأن نسيجه «يُنَسِّل»، فضلًا عن أن القَصَّة التي اختارتها أمي لم تكن سهلة. لم تكن خيَّاطة ماهرة في الواقع. لكنها كانت تحب حياكة الأشياء؛ وهذا أمر مختلف. كانت تحاول تخطِّي خطوتي «التسريج» والكي متى تسنَّى لها ذلك، ولا تحفل كثيرًا بالتفاصيل الدقيقة للخياطة، و«تشطيب» عرى الأزرار، ولفق الثنيات، مثلًا، مثلما كانت تفعل خالتي وجدتي. بل كانت — على عكسهما — تبدأ من الإلهام، من فكرة مبهرة جريئة؛ ومن تلك اللحظة فصاعدًا، يتراجع ابتهاجها شيئًا فشيئًا. بادئ ذي بدء، لم تكن تستطيع قط أن تجد موديلًا مناسبًا. ولا عجب من ذلك؛ لأنه ما من موديل كان يمكن أن يوافق الأفكار التي يتفتَّق عنها ذهنها. كانت قد صنعت لي — في مناسبات عدة حينما كنت أصغر سنًّا — فستانًا من قماش الأورجانزا المنقوش بالورود برقبة مرتفعة على الطراز الفيكتوري يحيطها شريط من الدانتيل المشرشر، مع قبعة بحافة مرتفعة كي تلائمه؛ كما صنعت لي طقمًا من القماش المنقوش بالمربعات اسكتلندي الطراز مع سترة مخملية وقلنسوة صوفية؛ وبلوزةً مطرزةً ريفية الطراز، أرتديها مع تنورة حمراء بالكامل وصديرية من الدانتيل الأسود. كنت أرتدي هذه الملابس مذعنة — وربما مسرورة — في الأيام التي لم أكن فيها على دراية برأي الناس. أما الآن وقد صرت أكثر فطنة، فصرت أتمنى أن يكون لدي فساتين كتلك التي لدى صديقتي لوني، والتي اشترتها من متجر «بيل».
كان لا بد أن أجربها. فقد كانت لوني في بعض الأحيان تأتي معي من المدرسة إلى منزلي وتجلس على الأريكة تراقب ما يحدث. كنت أشعر بالحرج من الطريقة التي تتحرك بها أمي ببطء من حولي، بركبتيها اللتين تطقطقان، وأنفاسها التي تخرج ثقيلة. كانت تتمتم بأشياء لنفسها، ولم تكن ترتدي في البيت مشدًّا للخصر أو جوارب طويلة، وكانت ترتدي حذاءً ذا كعب من قطعة واحدة، وجوارب كاحل تكشف عن ساقين تعلوهما تكتلات من العروق الخضراء المزرقة. كنت أرى أن منظرها في وضع القرفصاء مخزٍ، بل فاحش؛ فكنت أظل أتحدث إلى لوني كي أحوِّل انتباهها عن أمي قدر المستطاع. كانت لوني ترسم على وجهها تعبيرًا هادئًا مهذبًا ممتنًّا كانت تتصنَّعه في حضور الكبار. عدا ذلك، كانت تهزأ منهم وتقلِّدهم بسخرية لاذعة، لكنهم لم يعلموا بذلك قط.
أخذت أمي تجذبني يمينًا ويسارًا، وتغرس الدبابيس في الفستان. وجعلتني أستدير حول نفسي، وأسير أمامها، وأقف ثابتة. ثم قالت والدبابيس بفمها: «ما رأيك في الفستان يا لوني؟»
قالت لوني بطريقتها الوديعة المخلصة: «إنه جميل.» كانت أم لوني متوفاة. وكانت تعيش مع والدها الذي لم يكن يراقبها قط، وهذا في نظري، كان يجعلها محظوظة ومعرَّضة للأذى في الوقت نفسه.
قالت أمي: «سيكون جميلًا، إذا استطعت فقط أن أضبط المقاس.» ثم قالت بطريقة مسرحية: «آه، حسنًا، أشك في أنها ستقدِّر قيمته.» قالتها وهي تهب واقفةً، وتصدر منها تنهيدة بائسة وصوت طقطقة مروع. غاظني أن تتحدث هكذا إلى لوني، وكأن لوني ناضجة وأنا ما زلت طفلة. قالت: «قفي ثابتة.» بينما كانت تخلع الفستان المسرَّج والمشبك بالدبابيس فوق رأسي. انكتم رأسي داخل المخمل، وظهر جسمي في قميص تحتاني مدرسي قطني قديم. شعرت أنني كتلة ضخمة عارية، خرقاء ومقشعرة الجلد. كم تمنيت لو كنت مثل لوني، رقيقة البنية، واهنة ونحيلة؛ حتى إنها كانت حين ولادتها «طفلة مُزْرَقة».
قالت أمي: «حسنًا، لم يَحِكْ لي أحدٌ فساتين قط حينما كنت أرتاد المدرسة الثانوية، كنت أحيكها لنفسي، أو أستغني عنها.» كنت أخشى أن تبدأ ثانيةً قصة مشيها سبعة أميال إلى البلدة وعثورها على وظيفة نادلة في بنسيون، كي يتسنَّى لها أن تلتحق بالمدرسة الثانوية. كانت كل القصص عن حياة أمي — والتي كانت من قبل تثير اهتمامي — قد بدأت تبدو ميلودرامية وغير واقعية ومملة.
أخذت تروي: «ذات مرة أُهديت فستانًا، كان من صوف الكشمير القشديِّ اللون مزينًا بشريط أزرق غامق من الأمام، وأزرار رائعة من الصدف، تُرى إلامَ انتهى به الحال الآن؟»
حينما انتهينا أنا ولوني صعدنا للدور العلوي إلى حجرتي. كانت باردة، لكننا مكثنا فيها. كنا نتحدث عن الصبيان في الفصل، فنذكرهم واحدًا واحدًا في كل صف ونحن نسأل إحدانا الأخرى: «هل أنت معجبة به؟ حسنًا، نصف معجبة؟ هل «تكرهينه»؟ هل كنتِ ستخرجين برفقته إن طلب منكِ ذلك؟» ولم يحدث قط أن طلب أحدهم من إحدانا أن تخرج برفقته. كنا ثلاثة عشر طالبًا وطالبة، نرتاد المدرسة الثانوية منذ شهرين. وكنا نقضي الوقت في الإجابة على الاستبيانات بالمجلات، لتعرف الواحدة منا إذا كانت تتمتع بحضور وإذا كانت محط إعجاب. وكنا نقرأ مقالات عن كيفية وضع أدوات التجميل بطريقة تُبرِز مواطن الجمال، وعن كيفية إدارة الحديث في أول موعد مع فتى، وعمَّا ينبغي فعله عندما يحاول فتى ما تجاوز حدوده. كنا نقرأ أيضًا مقالات عن الفتور الجنسي في فترة انقطاع الطمث، وعن الإجهاض وعن أسباب بحث الرجل عن الإشباع خارج المنزل. وحينما لا نعمل على أداء الواجب المدرسي، كنا ننشغل معظم الوقت بجمع المعلومات الجنسية وتبادلها ومناقشتها. تعاهدنا على أن تخبر إحدانا الأخرى كل شيء. لكن ثمة أمر أخفيته، بشأن حفل الرقص، حفل عيد الميلاد المدرسي الراقص، الذي كانت أمي تحيك لي فستانًا من أجله؛ أخفيت أنني راغبة عن الذهاب. •••
في المدرسة الثانوية لم أشعر بالراحة لدقيقة. لم أكن أدري إن كان هذا حال لوني أيضًا. قبل الامتحان، كانت يداها تكتسبان برودة الثلج ويزداد وجيب قلبها، أما أنا فكنت أقرب إلى اليأس في كل الأوقات. وحينما كان يوجه إليَّ سؤال في الفصل، أي سؤال في منتهى البساطة والسهولة، كان صوتي يميل لأن يخرج حادًّا رفيعًا، أو أجشَّ ومتهدجًا. وحينما كنت أُضطر للذهاب إلى السبُّورة كان يراودني شعور يقيني — حتى في أيام الشهر التي لا يمكن أن يحدث فيها ذلك — بأن ثمة دمًا على تنورتي. كانت يداي تصيران زلقتين بفعل العرق عندما ينبغي أن أستخدمهما على نطاق السبُّورة. كنت لا أستطيع ضرب الكرة في لعبة الكرة الطائرة؛ لأنني كنت حينما يُطلب مني أن أؤدي أي حركة أمام الآخرين تتعطل كل ردود أفعالي. كنت أكره مادة أخلاقيات العمل؛ لأنني كنت أُطالب بتسطير صفحات لدفتر حسابات، باستخدام قلم قائم، وحينما كان المعلم ينظر — من خلف كتفيَّ — على ما أفعل، كانت كل الخطوط الدقيقة تميل وتتداخل. وكنت أكره مادة العلوم؛ فقد كنَّا نجلس منتصبين على كراسيَّ بلا ظهر تحت أضواء مزعجة خلف طاولات عليها معدات غريبة سهلة الكسر، وكان يُدرِّسنا مدير المدرسة، وهو رجل له صوت رزين مزهو — كان يتلو آيات من الكتاب المقدس كل صباح — وصاحب موهبة كبيرة في الإذلال وتوجيه الإهانة. وكنت أكره مادة اللغة الإنجليزية؛ لأن الفتيان كانوا يلعبون لعبة «البينجو» في مؤخرة الفصل بينما المعلمة — وهي فتاة سمينة مهذبة، في عينيها حَوَل خفيف — تقرأ شعر ووردز وورث في مقدمة الفصل. كانت تتوعدهم، وترجوهم، بينما يحمرُّ وجهها ويستحيل صوتها مضطربًا كاضطراب صوتي. وكانوا هم يقدمون اعتذارات مطعَّمة بالسخرية، وحينما تبدأ في القراءة ثانيةً يتخذون وضعيات توحي بالافتتان، وترتسم على وجوههم علامات الوجد، ويحركون أعينهم بحيث تصبح مُحْوَلَّة، ويضعون أيديهم فوق قلوبهم. أحيانًا كانت تجهش بالبكاء، شعورًا بالعجز حيال ما يحدث؛ فتضطر لأن تهرع إلى الخارج نحو الردهة. عندئذٍ كان الفتيان يصدرون صوتًا عاليًا كخوار البقرة، بينما ضحكاتنا الجائعة — أه، وضحكتي أنا أيضًا — تُلاحقها. كان يسود الصف جو كرنفالي من الوحشية بالفصل في تلك الأوقات، يخيف الأشخاص الضعفاء المهزوزين أمثالي.
لكن ما يجري في المدرسة في حقيقة الأمر لم يكن يتعلق باللغة الإنجليزية والعلوم وأخلاقيات العمل، ثمة شيء آخر كان يُضفي على الحياة إثارتها وبهجتها. ذلك المبنى العتيق، بأقبيته الرطبة ذات الجدران الحجرية وحجرات الملابس المظلمة وصور موتى الأُسرة المالكة والمستكشفين المفقودين، كان حافلًا بإثارة التنافس الجنسي وتوتره؛ وفي هذا الشأن، ورغم أحلام يقظتي الحافلة بنجاحات باهرة، كانت تنتابني هواجس هزيمة محققة. لا بد من وقوع أمر ما يمنعني من الذهاب إلى ذلك الحفل الراقص.
مع حلول شهر ديسمبر جاء الجليد، وخطرت لي فكرة؛ كنت قد فكرت من قبل في السقوط من فوق دراجتي وليِّ كاحلي، وحاولت أن أحتال بذلك بينما كنت أقود دراجتي إلى المنزل على طرق البلدة التي كانت مليئة بالأخاديد ويكسوها الجليد المتصلب. لكن كان الأمر صعبًا للغاية. مع ذلك، كان حلقي وشُعَبي الهوائية يتَّسمان بالضعف، فلمَ لا أعرضهما للهواء البارد؟ بدأت أقوم من الفراش ليلًا وأفتح نافذتي قليلًا. كنت أجثو وأدع تيار الهواء، الممزوج بوخزات الصقيع، يندفع إلى حلقي المكشوف. كنت أخلع قميص البيجاما، وأقول لنفسي «تجمَّدي من البرد!» بينما أنا جاثية مغمضة العينين، أتصور صدري وحلقي يستحيلان إلى الزرقة، وأتخيل البرد، والعروق الرمادية المزرقة تحت البشرة. ظللت جالسة حتى لم أعد أحتمل الجلوس أكثر، وعندئذٍ تناولت حفنة من الجليد من فوق عتبة النافذة ومسحت بها على صدري كله، قبل أن أُغلق أزرار البيجاما فوقها. كان الجليد سيذوب في نسيج «الفانيلا» لقميصي القطني الداخلي فأنام وأنا مرتدية ثيابًا مبللة، وهو ما يفترض أن يكون أخطر الأمور على الإطلاق. في الصباح، ما إن صحوت، حتى حمحمت بحلقي لأتحقق من الشعور بأي وجع، وسعلت سعلةً تجريبيةً، مفعمة بالأمل، ولامست جبهتي كي أرى إن كنت قد أصبت بالحمى. ولكن خاب أملي. في كل يوم — بما في ذلك يوم الحفل الراقص — كنت أصحو مهزومة، وفي أتم صحة وعافية!
يوم الحفل الراقص صففت شعري بالاستعانة ببكرات حديدية كي أجعله مموَّجًا. لم أفعل ذلك قط من قبل؛ لأن شعري كان بطبيعته مموَّجًا، لكن اليوم كنت بحاجة لكل ما يمكن أن توفره الطقوس الأنثوية من حماية. كنت مستلقية فوق الأريكة الموجودة في المطبخ، أقرأ «آخر أيام بومبي»، وأتمنى لو كنت أعيش أحداثها. وكانت أمي — الساخطة أبدًا — تحيك «ياقة» من الدانتيل الأبيض في الفستان، فقد رأت أن مظهره يفوق سنِّي بكثير. كنت أعدُّ الساعات، وكان هذا أحد أقصر أيام السنة. أعلى الأريكة، على ورق الحائط، كانت هناك رسومات قديمة للعبة «إكس أو»، ورسومات وشخبطات كنت أنا وأخي قد رسمناها حينما كنا مريضين بالالتهاب الشُّعَبي. نظرت إليها واشتقت للعودة إلى الشعور بالأمان وراء حدود الطفولة.
حينما فككت البكرات طفر شعري، المثار طبيعيًّا وصناعيًّا، كأنه أجمة لامعة غزيرة الأوراق. بللته ومشَّطته بالفرشاة وجذبته نحو الأسفل لأجعله بمحاذاة وجنتي، ووضعت بودرة الوجه، التي ظهرت بمظهر طباشيري، على وجهي الحار. أخرجت أمي «كولونيا رماد الورد» التي لم تستعملها قط، وجعلتني أرش منها على ذراعيَّ، ثم أغلقت لي سحَّاب الفستان، وأدارتني نحو المرآة. كان الفستان من طراز «برينسيس»؛ أي محكمًا جدًّا أسفل الصدر مباشرةً. رأيت كيف ظهر ثدياي، في الصدرية الصلبة الجديدة، ناهدين على نحو غير متوقع، لهما مظهر ناضج، تحت الكشكشة الطفولية التي تحيط الياقة.
قالت أمي: «حسنًا، أتمنى أن ألتقط لك صورة. أنا بالفعل فخورة حقًّا بذلك التوافق. وأنت ينبغي أن تشكريني على هذا.»
قلت: «شكرًا.»
كان أول ما قالته لوني حين فتحت لها الباب: «يا إلهي! ماذا فعلتِ بشعرك؟»
«رفعته.»
«تشبهين أحد أفراد قبيلة الزولو. حسنًا، لا تقلقي. ائتيني بمشط وسوف أصفف مقدم شعرك في شكل لفيفة. سيبدو مضبوطًا تمامًا، بل سيجعلك تبدين أكبر سنًّا.»
جلست قبالة المرآة ووقفت لوني خلفي، تصفِّف شعري. بدت أمي عاجزة عن تركنا. وددت لو تركتنا. كانت تراقب تصفيف اللفيفة قائلة: «أنت مدهشة يا لوني. ينبغي أن تحترفي تصفيف الشعر.»
قالت لوني: «فكرة.» كانت ترتدي فستانًا من قماش الكريب الأزرق الفاتح، مكشكشًا حول الخصر وبه أنشوطة، كان ثوبها يفوق ثوبي من حيث كونه أكثر ملاءمةً للكبار، حتى إذا أزلت من ثوبي الياقة المكشكشة. وكان شعرها يبدو أملسَ كشعر الفتاة الموجودة على صورة بطاقات دبابيس الشعر. لطالما كنت أفكر في قرارة نفسي أن لوني لا يمكن أن تبدو جميلةً بسبب أسنانها المعوجة، لكن الآن رأيت أنها — بتلك الأسنان المعقوفة أو من دونها، وبفستانها الأنيق وشعرها الأملس — تجعلني أبدو إلى حد ما مثل دمية «جوليووج» محشورة في ثوب مخملي أحمر، فاغرة العينين، ومُشعَّثة الشعر، في منظر يوحي بالهذيان.
تبعتنا أمي حتى الباب وصاحت في الظلام بالفرنسية: «إلى اللقاء!» كانت هذه هي طريقتي المعتادة أنا ولوني لقول وداعًا؛ لكن أمي قالتها بوقع أحمق وبائس. ولشدة غضبي من استخدامها هذه الكلمة لم أرد عليها. لوني فقط هي التي ردَّت مشجِّعة إياها في مرح: «طابت ليلتك!» •••
عبقت صالة الجمنازيوم برائحة الصنوبر وخشب الأرز. تدلَّت الأجراس الخضراء والحمراء المصنوعة من الورق المحزَّز من حلقات كرة السلة، وحُجبت النوافذ العالية ذات القضبان بأغصان خضراء كبيرة. وبدا أن جميع من في الصفوف العليا قد أتوا أزواجًا. بعض فتيات الصفين الثاني عشر والثالث عشر اصطحبن خِلَّانًا تخرَّجوا مسبقًا، من رجال الأعمال الشباب في البلدة. كان هؤلاء الشباب يدخنون في الجمنازيوم، لم يستطع أحد منعهم، كانوا أحرارًا يفعلون ما طاب لهم. وكانت الفتيات يقفن إلى جانبهم، مريحات أيديهن دون تكلف فوق أذرع الرجال، ووجوههن مرتسم عليها الملل، والسأم، والجمال. تُقْتُ لأن أكون هكذا. كانوا يتصرفون — الأكبر سنًّا — كما لو كانوا هم الوحيدين الموجودين في الحفل الراقص، وكأننا — نحن الواقفين وهم يتحركون وسطنا ويرمقوننا بأطراف أعينهم — جمادات، إن لم نكن غير مرئيين. حينما أُعلن بدء الرقصة الأولى — رقصة بول جونز الجماعية — تحركوا بتثاقل، يبتسم بعضهم لبعض وكأنهم طُلب منهم أن يشاركوا في لعبة طفولية كادوا ينسونها. شبكنا أيدينا ونحن نرتجف، وتزاحمنا سويًّا — أنا ولوني وفتيات الصف التاسع الأخريات — ولحقنا بهم.
لم أجرؤ على النظر نحو الحلقة الخارجية وهي تمر بي، خشية أن أشهد تسارعًا فظًّا. وحين توقفت الموسيقى ظللت حيث أنا، ورأيت وأنا أرفع عيناي بنصف نظرة فتًى يُدعَى مايسون ويليامز آتيًا نحوي على مضض. بدأ يراقصني وهو بالكاد يلمس خصري وأصابعي. كانت ساقاي ترتجفان، وذراعاي ترتعشان من مبتدأ كتفيَّ، لم أستطع التكلم. كان مايسون ويليامز أحد الأبطال في المدرسة، يلعب كرة السلة والهوكي ويمشي في الردهات بخيلاء يكللها تجهُّم ملكي وازدراء قاسٍ. ومن ثم كان اضطراره للرقص مع نكرة مثلي أمرًا مؤذيًا كأذى اضطراره لحفظ نصوص شكسبير. شعرت بذلك بقوة تضارع قوة شعوره به، وتخيَّلته يتبادل نظرات الهلع مع أصدقائه. ساقني — وأنا أتعثر — حتى حافة حلبة الرقص، ورفع يده عن خصري وأسقط ذراعي قائلًا:
«إلى لقاء!» وذهب.
استغرقت دقيقة أو اثنتين كي أستوعب ما حدث وأدرك أنه لن يعود. مضيت فوقفت وحيدة إلى جانب الحائط. رمقتني معلمة التربية البدنية، التي كانت ترقص بحماس بين ذراعي فتًى في الصف العاشر، بنظرة متسائلة. كانت المعلمة الوحيدة في المدرسة التي تستخدم تعبير «التكيُّف الاجتماعي»، كنت أخشى من أنها إذا شاهدت ذلك، واكتشفت ما حدث، فقد تقدِم على محاولة علنية، علنية على نحو مريع، لجعل مايسون ينهي رقصته معي. أنا نفسي لم أكن غاضبةً أو مندهشةً مما فعله مايسون، كنت أتفهم وضعه، ووضعي، في عالم المدرسة، وكنت أرى أن ما فعله هو التصرف الواقعي الذي كان ينبغي فعله. كان «بطلًا بالسليقة»، ليس من نوعية بطل «اتحاد الطلبة» المُقدر له النجاح بعد المدرسة؛ فأي واحد من هؤلاء كان سيرقص معي بلطف وتسامح ويتركني في سرور لا يفوقه سرور. ومع ذلك، تمنَّيت ألَّا يكون عدد كبير من الأشخاص قد رأى ذلك. كنت لا أحب أن يرصد الآخرون ما يحدث. ورحت أقرض الجلد الناتئ حول إبهامي.
حينما توقفت الموسيقى انضممت إلى حشد الفتيات في طرف الجمنازيوم. قلت لنفسي: تظاهري بأن ذلك لم يحدث. تظاهري بأن الحفل يبدأ، الآن.
بدأت الفرقة تعزف مجددًا. اعترت الحشد الكثيف الموجود ناحيتنا حركة، كان يتضاءل سريعًا؛ فقد جاء الفتيان لدعوة الفتيات، اللائي ذهبن لمراقصتهم. ذهبت لوني، وذهبت الفتاة التي كانت تقف إلى جانبي الآخر. لم يطلب مني أحد أن أراقصه. تذكرت مقالة قرأتها في مجلة، كانت تقول: «كوني مرحة! دعي الفتيان يرون عينيك تتألَّقان، دعيهم يسمعون الضحك في وقع صوتك! هذا أمر بسيط وواضح، لكن كم من فتاة تنسى ذلك!» كان هذا صحيحًا، لقد نسيت. كان حاجباي معقودين من التوتر، لا بد أنني كنت أبدو مذعورةً وقبيحة. سحبت نَفَسًا عميقًا وحاولت أن أُرخي وجهي. ابتسمت، لكنني شعرت بالسخف وأنا أبتسم للا أحد. لاحظت أن الفتيات في حلبة الرقص — الفتيات المحبوبات — لم يكنَّ يبتسمن، كثير منهن كانت وجوههنَّ بليدة، متجهِّمة، ولم يكُنَّ يبتسمن مطلقًا.
كانت الفتيات لا يزلن ينصرفن إلى حلبة الرقص. منهن من ذهبن — يأسًا — برفقة فتيات مثلهن، لكن معظمهن ذهب برفقة فتيان. فتيات بدينات، فتيات ببثور، فتاة فقيرة لم تكن تملك ثوبًا لائقًا واضطرت لارتداء تنورة وسترة لحضور حفل الرقص؛ كلهن دُعين للرقص، ورقصن دون تردد. لماذا دُعين ولم أُدعَ أنا؟ لمَ كل الفتيات ما عداي؟ أنا أرتدي فستانًا مخمليًّا أحمر، وموَّجت شعري بالبكرات، واستخدمت مزيل رائحة العرق، ووضعت الكولونيا. قلت في نفسي متضرعة: «يا إلهي!» لم أستطع أن أغمض عينيَّ أثناء ذلك، لكني رحت أردد في نفسي: «أرجوك يا إلهي! أنا! أرجوك!» وشبكت أصابعي خلف ظهري بطريقة أكثر فعالية من شبك السبابة والوسطى، كانت هي نفسها الطريقة التي كنت أنا ولوني نستخدمها كي نتحاشى إرسالنا إلى السبورة في حصة الرياضيات.
لم تنجح تلك الطريقة، وحدث ما كنت أخشاه. سأظل منبوذة. كان ثمة أمر غامض بشأني، أمر لا يمكن علاجه مثل رائحة النفس الكريهة أو أمر لا يمكن إغفاله كبثور الوجه، والجميع كان يعلم بذلك، أنا أيضًا كنت أعلم، طوال الوقت. لكنني لم أكن متأكدة، كنت آمل أن أكون مخطئة. تصاعد اليقين بداخلي كالمرض. مررت بفتاة أو اثنتين كانتا هما الأخريان منبوذتين، وذهبت إلى حمام الفتيات، واختبأت داخل إحدى الكبائن.
هناك مكثت. بين الرقصات كانت الفتيات يدخلن ويخرجن على عجل. كانت الكبائن كثيرة، فلم تلحظ إحداهن أنني لست شاغلةً مؤقتة لتلك الكابينة. أثناء الرقصات، استمعت للموسيقى التي أحبها لكني لم أشارك بأكثر من ذلك؛ لأنني لم أكن أنوي المحاولة ثانيةً. كنت أرغب فقط في الاختباء هنا، والخروج دون أن أرى أي شخص، ثم العودة للمنزل.
ثم حدث في مرة من المرات بعد أن بدأت الموسيقى العزف أن تخلَّفت إحداهن. تركت الماء يجري وقتًا طويلًا، وهي تغسل يديها وتمشط شعرها. كان مكوثي في الكابينة كل هذا الوقت سيبدو مدعاة للضحك في نظرها. من الأفضل أن أخرج وأغسل يديَّ لعلها تغادر أثناء ذلك.
كانت تلك هي ماري فورتشن. كنت أعرفها اسمًا؛ لأنها كانت مرشدة في «جماعة الفتيات الرياضية» وكانت على لوحة الشرف ودائمًا تنظم فعاليات. كانت مشاركة على نحو ما في تنظيم هذا الحفل الراقص، فقد جالت على كل الفصول تنشد متطوعين للمشاركة في أعمال التزيين. كانت في الصف الحادي عشر أو الثاني عشر.
قالت: «الجو هنا لطيف ومنعش، دخلت هنا ليهدأ جسمي؛ فقد شعرت بحر شديد.»
كانت لا تزال تمشط شعرها حينما انتهيت من غسل يديَّ. فسألتني: «هل تعجبك الفرقة الموسيقية؟»
«إنها على ما يرام.» لم أدرِ حقًّا ما ينبغي أن أقول. كنت مستغربة منها، فهي مع كونها فتاة كبرى، تستغرق هذا الوقت في التحدث إليَّ أنا.
«أنا لا تعجبني الفرقة، لا أطيقها. أكره أن أرقص إذا لم تعجبني الفرقة. استمعي إليهم! موسيقاهم متداخلة للغاية وغير متناغمة. لا أحب الرقص على موسيقى كهذه.»
مشطتُ شعري، واستندَتْ هي إلى أحد الأحواض، تراقبني.
«لا أود أن أرقص ولا أود أن أظل هنا تحديدًا. دعينا نخرج لندخن سيجارة.»
«أين؟»
«تعالي، سأريكِ.»
في نهاية الحمام كان ثمة باب. لم يكن مغلقًا بمفتاح، وكان يؤدي إلى حجرة صغيرة مظلمة مليئة بالمماسح والدِّلاء. جعلتني أُبقي الباب مفتوحًا، كي يتسنَّى لنا رؤية ضوء الحمام، إلى أن عثرت على مقبض باب آخر. كان هذا الباب ينفتح على عتمة.
قالت: «لا يمكنني أن أضيء النور وإلا فسيرانا أحدهم. هذه غرفة البواب.» خطر لي أن الطلبة الرياضيين دائمًا ما يعرفون أكثر من بقية الطلبة عن المدرسة من حيث مبناها، كانوا على دراية بأماكن الاحتفاظ بالأشياء، وكانوا دائمًا يخرجون — في جرأة وشيء من الانشغال — من أبواب أماكن لا يسمح لأي طالب بالدخول إليها. قالت: «احترسي لموطئ قدمك. هناك في الطرف الآخر ثمة سلالم. إنها تصعد إلى حجرة صغيرة في الدور الثاني. الباب موصد من الأعلى، لكن يوجد ما يشبه الحجيرة بين السلالم والحجرة. ومن ثم، لن يتمكَّنوا من رؤيتنا إذا جلسنا فوق السلالم، حتى إذا حدث وجاء أحد إلى هنا.»
قلت: «هل سيشمون رائحة السجائر؟»
«حسنًا. عيشي الخطر.»
كانت ثمة نافذة عالية أعلى السلالم منحتنا بصيصًا من الضوء. وكانت ماري فورتشن تحتفظ في حقيبة يدها بسجائر وثقاب. لم أكن قد دخنت من قبل إلا السجائر التي كنا أنا ولوني نلفها بأنفسنا، من الورق والتبغ المسروق من والدها، كانت تلك السجائر تتفكَّك عند منتصفها. أما هذه السجائر فأفضل كثيرًا.
قالت ماري: «السبب الوحيد الذي جعلني آتي الليلة هو أنني مسئولة عن التزيين، فأردت أن أرى، أنتِ تعرفين، كيف سيبدو الأمر حالما يدخل الناس هناك وما إلى ذلك. عدا ذلك، ما الذي كان سيدفعني لأتجشم المجيء؟ لست مهووسة بالفتيان.»
على ضوء النافذة العالية استطعت أن أرى وجهها الساخر النحيل، وبشرتها السمراء المنقَّرة بحب الشباب، ومطبقة أسنانها الأمامية، على نحو يجعلها تبدو بالغة ومسيطرة.
«معظم الفتيات مهووسات بالفتيان. ألم تلحظي ذلك؟ أضخم مجموعة يمكن أن تتخيليها من الفتيات المهووسات بالفتيان موجودة هنا في هذه المدرسة.»
كنت ممتنَّة لاهتمامها، ولصحبتها ولسجائرها. ووافقتها الرأي.
«مثل ما حدث ظهيرة يومنا هذا. كنت أحاول ظهيرة اليوم أن أجعلهنَّ يعلِّقن الأجراس وتلك الأشياء. كنَّ يتسلَّقن السلم ويمزحن مع الفتيان. لم يكن يعنيهن الانتهاء من أمر التزيين … فالتزيين مجرد ذريعة. كانت تلك غايتهن الوحيدة في الحياة، ممازحة الفتيان. في نظري، هن بلهاوات.»
تكلَّمنا عن المدرسين، وكل الأمور في المدرسة. قالت إنها تود أن تكون مدرِّسة للتربية البدنية وإن ذلك يتطلب منها ارتياد الجامعة، لكن والديها لا يملكان ما يكفي من المال لذلك. وإنها تخطط لأن تعمل كي يتسنَّى لها الحصول على المال اللازم لمصاريف الجامعة، تريد أن تكون مستقلَّةً على أية حال، وإنها ستعمل في الكافيتيريا وحين يحل الصيف ستعمل في أعمال زراعية، كأن تعمل في جني التبغ مثلًا. شعرت وأنا أصغي إليها أن جزءًا كبيرًا من تعاستي ينقشع. ها هي فتاة أخرى تعاني ما أعانيه من هزيمة — أحسست هذا — لكنها مفعمة بالهمَّة والاعتزاز بالنفس. فقد فكرت في اللجوء لحلول أخرى، كجني التبغ.
ظللنا هناك نتحدث وندخن أثناء الاستراحة الموسيقية الطويلة بينما كان الباقون، بالخارج، يتناولون الفطائر المحلاة والقهوة. وحينما استؤنِفت الموسيقى مجددًا قالت ماري: «اسمعي، هل ينبغي أن نظل هنا لأطول من ذلك؟ دعينا نحضر معطفينا ونذهب. يمكننا أن نقصد مقهى «لي»، نتناول شراب الشوكولاتة الساخن ونتحدث على راحتنا، لم لا؟»
تحسسنا طريقنا عبر حجرة البواب، حاملتين الرماد وأعقاب السجائر في أيدينا. وفي الحجرة الصغيرة توقفنا وأرهفنا السمع لنتأكَّد من عدم وجود أي أحد في الحمام. عدنا إلى الضوء ورمينا بالرماد في المرحاض. كان علينا أن نخرج ونعبُر حلبة الرقص نحو غرفة الملابس، التي كانت بجانب الباب الخارجي.
كانت إحدى الرقصات قد بدأت للتوِّ، قالت ماري: «امشي حول حافة حلبة الرقص، لن يلحظنا أحد.» وتبعتها. لم أنظر إلى أي شخص، لم أبحث عن لوني. ثمة احتمال بأن لوني لن تكون صديقتي بعد الليلة، على الأقل ليس بقدر ما كانت صديقتي قبل الليلة. كانت من النوع الذي وصفته ماري بالمهووس بالفتيان. •••
وجدت أنني لست خائفةً للغاية، بعد أن عقدت العزم على أن أغادر الحفل. لم أكن في انتظار أي فتًى ليختارني. صارت لي خططي الخاصة. لم أكن مضطرة لأن أبتسم أو لأن آتي بحركات تجلب الحظ. لم يعد للأمر أهمية بالنسبة لي. كنت في طريقي لتناول شراب الشوكولاتة الساخن برفقة صديقتي.
حينئذ قال لي أحد الفتيان شيئًا ما. كان يقف في طريقي. ظننت أنه يقول لي إنني أسقطت شيئًا ما، أو إنني لا يمكنني المرور من هنا، أو إن غرفة الملابس مغلقة. لم أفهم أنه طلبني للرقص إلا بعد أن كررها ثانيةً. كان ذلك هو رايموند بولتينج من فصلنا، والذي لم يسبق لي قط أن تحدثت إليه في حياتي. اعتَقَد هو أنني قصدت الموافقة على دعوته، فوضع يده على خصري وبدأت أرقص وأنا لا أكاد أقصد ذلك.
تحركنا إلى منتصف الحلبة. كنت أرقص. نسيَت ساقاي التعثر وودعت يداي التعرق. كنت أرقص مع فتًى طلبني للرقص. لم يطلب منه أحد أن يفعل، لم يكن مضطرًّا، طلبني وحسب. هل هذا ممكن؟ هل لي أن أصدق؟ أما كان هناك أي أمر كريه يعيبني في نهاية المطاف؟
فكرت أن عليَّ أن أخبره بأن ثمةَ خطأً ما، وأنني كنت منصرفةً للتو لأتناول شراب الشوكولاتة الساخن برفقة صديقتي، لكنني لم أقل أي شيء. كان وجهي يتخذ تغيرات رقيقة معينة، لترتسم عليه دون أي مجهود على الإطلاق تلك النظرة التي لا تلقي بالًا على وجوه من جرى اختيارهن، الفتيات اللائي رقصن. كان هذا هو وجهي الذي رأته ماري فورتشن، حينما نظرت إليَّ من باب حجرة الملابس، ووشاحها ملفوف بالفعل حول رأسها. لوَّحت لها بحركة خفيفة باليد الموضوعة على كتف الفتى، في إشارة إلى أنني أعتذر عن الخروج، وأنني لم أدرِ ما حدث، وأيضًا، أن لا جدوى من انتظاري. ثم أشحت برأسي بعيدًا، وحينما نظرت ثانيةً كانت قد ذهبت.
أوصلني رايموند بولتينج إلى المنزل وأوصل هارولد سايمونز لوني إلى منزلها. مشينا جميعًا معًا حتى ناصية منزل لوني. كان الفتَيان في جدال بشأن مباراة هوكي، لم نستطع أنا ولوني أن نجاريه. بعد ذلك انفصلنا إلى زوجين وواصل رايموند معي الحديث الذي كان يخوضه مع هارولد. لم يبدُ عليه أنه لاحظ أنه صار يتحدث إليَّ لا إلى هارولد. قلت مرةً أو اثنتين: «حسنًا، لا أدري، لم أر المباراة.» لكن بعد وهلة قررت أن أكتفي بقول: «هممم هممم.» وبدا أن هذا هو كل ما يلزم فعله.
قال لي شيئًا آخر: «لم أكن أظن أنك تسكنين بعيدًا هكذا.» ونشِق بصوت مسموع. كان البرد قد جعل أنفي يسيل أنا أيضًا، فأخذت أجول بأصابعي خلال أغلفة الحلوى داخل جيب معطفي إلى أن عثرت على منديل ورقي بالٍ. لم أدر إن كان ينبغي لي أن أعرضه عليه أم لا، لكنه كان ينشق بصوت عالٍ إلى حد جعلني أقول له في نهاية المطاف: «ليس لديَّ سوى هذا المنديل الورقي، ربما لا يكون نظيفًا حتى، قد يكون ملوثًا بالحبر، لكن إذا مزقتُه شطرين يمكننا أن نتقاسمه.»
قال: «شكرًا، طبعًا يمكنني أن أستخدمه.»
جيد أنني فعلت ذلك، هذا ما خطر لي؛ لأننا حين وصلنا إلى باب منزلنا وقلت: «حسنًا، تصبح على خير.» وبعد أن قال «أه، حسنًا، تصبحين على خير.» مال ناحيتي وطبع قبلة، قبلة خاطفة، على زاوية فمي، بطريقة توحي بأنه شخص يعلم مهمته حين يحين وقتها. ثم استدار عائدًا إلى البلدة، دون أن يدري بأنه كان منقذي؛ لأنه أعادني من عالم ماري فورتشن إلى العالم الطبيعي.
درت حول المنزل إلى الباب الخلفي وأنا أفكر في أنني ذهبت إلى حفل راقص، وأن فتًى أوصلني إلى المنزل وقبَّلني. كان هذا حقيقيًّا. حياتي ممكنة. مررت بجانب نافذة المطبخ ورأيت أمي. كانت تجلس واضعة قدميها على باب الفرن المفتوح، تشرب الشاي من فنجان بدون الصحن المخصص له. كانت فقط تجلس في انتظار أن أعود إلى المنزل وأخبرها بكل ما حدث. لم أكن لأفعل ذلك، أبدًا. لكن حين رأيت انتظارها بالمطبخ وهي في «روبها» الفضفاض، المشجَّر المزغَّب باهت الألوان، ووجهها الذي كان ناعسًا لكنه مترقب في لهفة؛ أدركت حجم الالتزام المُلِح الذي لا يمكن تفسيره المفروض عليَّ: أن أكون سعيدة، وكيف أنني كدت لا أفي به، وكيف من الممكن ألَّا أفي به، دون أن تدري هي عن ذلك شيئًا.
رقصة الظلال السعيدة |
بعد ظهيرة يوم الأحد
دخلت السيدة جانيت المطبخ تخطو بخفة على وقع لحن يُعزف في رأسها، وتلوِّح بذيل ثوبها الصيفي من القطن المصقول الموشَّى بالورود. كانت ألفا بالداخل تغسل الأكواب. كانت الساعة الثانية والنصف، وكان الناس قد بدءوا يدخلون لاحتساء الشراب في حوالي الثانية عشرة والنصف. كانوا الأشخاص المعتادين؛ فقد سبق لألفا أن رأت معظمهم عدة مرات من قبل، خلال الأسابيع الثلاثة التي عملت فيها لدى آل جانيت. كان هناك أخو السيدة جانيت، وزوجته، وآل فانس وآل فريدريك. وحضر والدا جانيت لمدة قصيرة، بعد أدائهما الصلاة في كنيسة سان مارتن، مصطحبَين معهما ابن أخ، أو ابن عم، شابًّا ظل ماكثًا بعد مغادرتهما إلى المنزل. كان فرع العائلة من ناحية السيدة جانيت يشكِّل الجانب القويم من العائلة؛ فقد كان لها ثلاث أخوات، كلهن جميلات، ومحترمات وغير طائشات، وأكثر نشاطًا إلى حد ما من السيدة جانيت. ولها أيضًا هذان الأبوان اللذان يتَّسمان بدرجة عظيمة من بهاء المنظر والبيان في الكلام، واللذان اكتسى شعرهما باللون الأبيض الناصع. كان والد السيدة جانيت هو صاحب الجزيرة الواقعة في خليج جورجيا، التي بنى فيها منزلًا صيفيًّا لكل بنت من بناته؛ إنها الجزيرة التي كانت ألفا ستراها في غضون أسبوع. من ناحية أخرى، كانت والدة السيدة جانيت تعيش في شطر من البيت المبني بالآجُر الأحمر في شارع يخلو من الشجر ويحوي منازلَ مماثلةً مبنيةً بالآجُر الأحمر، بالقرب من قلب المدينة. كانت السيدة جانيت تمر عليها مرة في الأسبوع، فتأخذها في جولة بالسيارة ثم تأتي بها إلى المنزل لتناول طعام العشاء، ولا يشرب أحدٌ حينئذ إلا عصير العنب إلى أن تعود إلى منزلها. حدث ذات مرة، حينما اضطر السيد والسيدة جانيت للخروج مباشرةً بعد العشاء، أن جاءت إلى المطبخ ورتبت الأطباق بدلًا من ألفا. كانت حادةً وفاترةً معها إلى حدٍّ ما، مثلما كان نساء عائلة ألفا يتصرفن مع أية خادمة. لكن لم تُلقِ ألفا بالًا لذلك مثلما تُعنى بما تجده من عذوبة العشرة ومراعاة المشاعر لدى أخوات السيدة جانيت.
فتحت السيدة جانيت الثلاجة ووقفت أمامها ممسكة ببابها، ثم قالت أخيرًا، بما يشبه القهقهة: «ألفا، أظن أننا ينبغي أن نتناول الغداء …»
قالت ألفا: «حسنًا.» فوجهت السيدة جانيت ناظريها نحوها. لم تتفوه ألفا قط بأي خطأ، خطأ حقيقي، شيء فظ، ولم تكن السيدة جانيت خيالية بحيث تنتظر من فتاة في المرحلة الثانوية، بل وريفية، أن ترد: «أمركِ سيدتي» مثلما كان يفعل الخدم المسنون في مطبخ والدتها؛ لكن نبرة ألفا كانت تحمل دائمًا طبيعية مصطنعة، نغمة عدم اكتراث مفرط وود يبعث على الانزعاج أكثر من أي شيء آخر لأنه كان لا يتيح للسيدة جانيت أن تفكر على الإطلاق في أن تعترض على ذلك. لكنها توقفت عن ضحكها على كل حال. وفجأة، ارتسمت الجدية والوجوم على وجهها الذي اكتسب سمرة وكانت تعلوه مساحيق التجميل.
وقالت: «سلطة البطاطا وخلاصة المرق واللسان، ولا تنسَي أن تسخني اللفائف. هل قشرتِ الطماطم؟ حسنًا … أوه، اسمعي ألفا، لا أظن أن ذلك الفجل يبدو جذابًا بأية حال، أليس كذلك؟ من الأفضل أن تقطعيه إلى شرائح، كانت جين تقطعه في شكل وردات، تعرفين كيف يقطعون البتلات في شكل دائري، كان يبدو رائعًا.»
بدأت ألفا تقطع الفجل بغير إتقان. كانت السيدة جانيت تجول في المطبخ، عابسة، تمرر أطراف أصابعها فوق مناضد المطبخ الزرقاء والمرجانية. كانت قد رفعت شعرها ولفَّته فوق قمة رأسها، مما جعل رقبتها تبدو نحيفة للغاية، سمراء وخشنة إلى حد ما بفعل لفح الشمس، وكانت قتامة سُمرتها تجعلها تبدو مشدودة البدن وصلبة العود. رغم ذلك، فإن ألفا — التي لم تحمل بشرتها أي قدر تقريبًا من سمرة الشمس لأنها كانت تمضي الوقت الحار من اليوم داخل المنزل، والتي كانت وهي في السابعة عشرة من عمرها أكثر سمنة مما تتمنى عند الساقين والخصر — كانت تحسد سيدتها على هذه السمرة وهذا القوام الرفيع، فقد كانت للسيدة جانيت هيئة تجعلها تبدو كأنها قُدَّت من مواد صناعية وراقية تمامًا.
«قطِّعي كعكة الملاك بخيط رفيع، تعرفين هذا، وسأخبرك بعدد الحلوى المثلجة وعدد حلوى شراب القيقب. فانيليا فقط للسيد جانيت، موجودة في المجمِّد؛ ثمة الكثير منها، حتى ما يكفي لتحليتك أنتِ …» ثم هرعت إلى الفناء صائحة «أوه، ديريك، يا عفريت، ديريك، ديريك!» بنبرة من الحدة والغضب الجذل. عندئذٍ تذكرت ألفا — التي كانت تعرف أن ديريك هو السيد فانس، وهو سمسار أسهُم — في الوقت المناسب ألَّا تسترق النظر من النصف العلوي للباب الهولندي كي ترى ما يجري. كان هذا أحد الصعوبات التي تواجهها أيام الآحاد، حينما كانوا جميعًا يحتسون الشراب، ويستحيلون إلى حالة من الاسترخاء والإثارة؛ فقد كان عليها أن تتذكر أنه يحظر عليها أن تبدي أي قدر من الاسترخاء والإثارة هي الأخرى. بطبيعة الحال لم تكن تحتسي الشراب، إلا من قعور الأكواب بعد أن تُعاد إلى المطبخ، على أن يكون الشراب من نوع «الجِن» وأن يكون باردًا ومُحلًّى. •••
لكن بحلول منتصف فترة ما بعد الظهيرة، صار الشعور بالانفصال عن الواقع، الإحساس بتعاقب مشاعر اللامبالاة والطيش، قويًّا جدًّا في البيت. كانت ألفا تلتقي أشخاصًا خارجين من الحمام، مهمومين ومغتمين، وتلمح نساءً في غرف النوم خافتة الإضاءة يمِلْنَ ناحية انعكاس صورهن في المرآة، ويطلين شفاههن بأحمر الشفاه في بطء شديد، وقد يغلب شخصًا ما النعاسُ فوق الأريكة الطويلة في حجرة التلفاز. بحلول هذا الوقت تكون الستائر قد أُسدلت فوق الحوائط الزجاجية لحجرتَي المعيشة والطعام، لتقيها حرارة الشمس، فتبدو تلك الحجرات المفروشة بالسجاجيد والستائر الطويلة المسدلة بألوانها الباردة كأنها سابحة في إضاءة تحت سطح الماء. أحست ألفا أنه يصعب عليها أن تتذكر أن حجرات البيت، هذه الحجرات الصغيرة، يمكن أن تحوي هذا الكم الكبير من الأشياء؛ فهنا، حيث توجد هذه الأسطح الملساء الخاوية، هذه المساحات: رواق واسع وطويل وخالٍ، إلا من مزهريتين طويلتين على الطراز الدانمركي واقفتين قبالة الجدار الأبعد، وسجادة، وجدران وأسقف كلها بدرجات زرقاء من اللون الرمادي؛ هنا تمشي ألفا عبر هذا الرواق، دون أن تُحدِث أي صوت، تتمنى لو تجد مرآة، أو أي شيء تصطدم به، كي تتأكد من أنها موجودة هنا بالفعل.
قبل أن تحمل طعام الغداء إلى الفناء مشطت شعرها أمام مرآة صغيرة في طرف رف المطبخ، وجعلت تلف خصلات من شعرها تحيط وجهها. حلت رباط ميدعتها وربطته من جديد، وشدت الرباط العريض بإحكام. كان هذا كل ما ينبغي لها أن تفعله، كان هذا اللباس يخص جين من قبل، وقد علَّقت ألفا، عندما ارتدته لأول مرة، بأنه قد يكون كبيرًا جدًّا بالنسبة لمقاسها، لكن السيدة جانيت لم توافقها الرأي. كان اللباس أزرق — اللون الغالب في المطبخ — بياقة وأطراف أكمام بيضاء اللون ومئزر ذي حافة مزينة بفستونات مدورة. كان عليها أن ترتدي جوارب أيضًا، وحذاءً أبيض متوسط الكعب كان له وقع صاخب وهي تخطو فوق حجارة الفناء، وهذا ما جعل صوته متناقضًا مع وقع الصنادل والأحذية الرياضية، صوت ثقيل عازم يوحي بفقدان الكياسة. لكن أحدًا لم يكن ينظر إليها، وهي تحمل الأطباق ومناديل المائدة وألوان الطعام إلى طاولة طويلة من الحديد المشغول. لم يأتِ إلا السيدة جانيت وأعادت ترتيب الأشياء؛ فقد كانت طريقة ألفا في وضع الأشياء تبدو أنها تفتقر أمرًا ما، رغم أنها في هذا الأمر، أيضًا، لم ترتكب أي خطأ حقيقي.
وبينما كانوا يتناولون غداءهم كانت هي أيضًا تتناول غداءها، جالسةً إلى طاولة المطبخ تطالع نسخة قديمة من مجلة «تايم». لم يكن ثمة جرس في الفناء بالطبع؛ فكانت السيدة جانيت تصيح منادية «حسنًا، ألفا!» أو فقط «ألفا!» بنبرات متحفظة ونافذة كوقع الجرس. كان من الغريب أن أسمعها تصيح على هذا النحو، بينما تتحدث إلى شخص ما، ثم تعود فتبدأ الضحك؛ بدا الأمر وكأنها تملك صوتًا آليًّا، أو مزودة بزر تضغط عليه فتنادي: ألفا.
بعد انتهائهم من تناول الطعام حملوا جميعًا ما أكلوا فيه من أطباق التحلية وفناجين القهوة إلى المطبخ. قالت السيدة فانس إن سلطة البطاطا كانت لذيذة؛ وقال السيد فانس، الذي كان ثملًا تمامًا، إنها لذيذة لذيذة. كان يقف خلف ألفا مباشرةً عند الحوض، قريبًا جدًّا منها بحيث كانت تشعر بأنفاسه وتحس موضع يديه، لم يلمسها تمامًا. كان السيد فانس ضخمًا جدًّا، بشرته ضاربة إلى الحمرة، أجعد الشعر، أشيبه. كانت ألفا تجده مقلقًا؛ لأنه كان من نوعية الرجال الذين اعتادت أن تُظهر الاحترام لهم. كانت السيدة فانس تتحدث طوال الوقت، وتبدو، حين تتحدث إلى ألفا، أقل اعتدادًا بنفسها، لكن أكثر ودًّا، من أيٍّ من النساء الأخريات. كان ثمة اضطراب ما في وضع آل فانس، لم تكن ألفا تدرك ما هو تحديدًا، ربما كان أنهم ليسوا بثراء الآخرين. على أية حال، كانوا دائمًا مسلِّين جدًّا ومتحمسين جدًّا، وكان السيد فانس دائمًا يفرط في السُّكر.
قال السيد فانس: «هل ستصحبيننا نحو الشمال يا ألفا، إلى خليج جورجيا؟» وأضافت السيدة فانس: «أوه، سيعجبك المكان، عائلة السيد جانيت تملك مكانًا رائعًا هناك»، وقال السيد فانس: «لمَ لا تحظين ببعض الشمس على بشرتك هناك، ها؟» ثم ذهبوا. استدارت ألفا، التي صار بمقدورها أن تتحرك الآن، لتجمع بعض الأطباق المتسخة، ولاحظت أن ابن عم السيد جانيت، أو أيًّا كان من أقربائه، ما زال موجودًا. كان نحيلًا، ذا هيئة خشنة، مثل السيدة جانيت، وإن كان أكثر سمرة منها. سألها: «ألم يتبقَّ لديك بعض القهوة هنا؟» صبَّت ألفا له ما تبقى من القهوة؛ نصف فنجان. وقف يحتسيه، وراح يراقبها وهي تكدس الأطباق، ثم قال: «الجو مرح للغاية، أليس كذلك؟» وحين رفعت بصرها، ضحك وذهب.
لم يكن لدى ألفا ما تفعله بعد أن أنهت غسل الأطباق، فالعشاء سيكون في ساعة متأخرة. لم يكن باستطاعتها فعلًا أن تترك البيت، فقد تحتاجها السيدة جانيت في أمر ما. ولم يكن باستطاعتها أن تخرج إلى الخارج، فقد كانوا جميعًا هناك. صعدت إلى الأعلى، ثم حين تذكرت أن السيدة جانيت كانت قد سمحت لها أن تقرأ أيًّا من الكتب الموجودة في حجرة التلفاز، نزلت للأسفل ثانيةً كي تحضر أحدها. قابلت في الردهة السيد جانيت، الذي نظر إليها بجدية كبيرة، وبتفرس، وبدا أنه على وشك أن يمر بها دون أن يتفوه بشيء، لكنه قال: «اسمعي ألفا، انظري … هل تحصلين على ما يكفيكِ من الطعام؟»
لم يكن يمزح، لأن السيد جانيت لم يكن معتادًا على المزاح معها. في الواقع، كان قد سألها هذا السؤال مرتين أو ثلاثًا من قبل. بدا أنه يحس بمسئولية نحوها، وكان حينما يراها في البيت يشعر أن الشيء المهم هو أنها ينبغي أن تُغذَّى جيدًا. طمأنته ألفا، وقد تصاعد الدم إلى وجهها من الضيق. فكَّرت: هل هي بقرة صغيرة؟ قالت: «كنت ذاهبة إلى ركن التلفاز لأحضر كتابًا. قالت لي السيدة جانيت إنها لا تمانع ذلك.»
فقال السيد جانيت: «نعم، نعم، أي كتاب يعجبك» وفتح لها، على نحو غير متوقع، باب حجرة التلفاز وأخذها نحو أرفف الكتب، حيث وقف مقطبًا. سألها: «أي كتاب ترغبين؟» ومد يده نحو رف الروايات التاريخية والبوليسية ذات الأغلفة البديعة، لكن ألفا قالت: «لم تسبق لي قراءة «الملك لير».»
فقال «الملك لير! أوه.» لم يكن يدري أين يبحث عنها، فأتت به ألفا بنفسها، ثم قالت: «ولم أقرأ أيضًا رواية «الأحمر والأسود».» لم تعجبه هذه الرواية كثيرًا، لكنها كانت رواية يمكن أن تقرأها بالفعل؛ لم تكن لتعود إلى حجرتها ومعها «الملك لير» فحسب. خرجت من الحجرة شاعرة بسرور بالغ، فقد أرته أنها تفعل شيئًا آخر إلى جانب أكل الطعام. إن مسرحية «الملك لير» قد تعجب الرجال أكثر مما تعجب النساء. لكن لا شيء كان ليحدث فرقًا في نظر السيدة جانيت، فبالنسبة لها، الخادمة خادمة. •••
لكن في حجرتها، لم ترغب في القراءة. كانت حجرتها أعلى الجراج، وحارَّة للغاية. كان الجلوس على الفراش يجعِّد لباسها، ولم يكن لديها لباس آخر مكوي؛ فخلعته وجلست مرتدية قميصها التحتاني، لكن السيدة جانيت قد تناديها، وتطلب مجيئها فورًا. وقفت عند النافذة، تتطلع إلى ناحيتي الشارع. كان الشارع هلاليَّ الشكل، عريضًا ومتدرج الانحناء، من دون رصيفٍ للمشاة. شعرت ألفا في المرة أو المرتين اللتين مشت فيهما في هذا الشارع أنها تجذب الانتباه إليها بعض الشيء؛ إذ لم يُشاهَد أي شخص يمشي فيه قط. كانت المنازل متباعدة عن بعضها للغاية، ومتراجعة مسافة بعيدة عن الشارع، خلف مروج وحدائق صخرية وأشجار زينة باهرة؛ وفي هذه المساحة الموجودة أمام كل منزل، لم يكن ثمة أحد عدا الجنائنيين الصينيين؛ وكانت المقاعد بالمروج، والمراجيح، وطاولات الحدائق موضوعة في المروج الخلفية، المحاطة بسياجات من الشجيرات أو جدر من الحجارة أو أسوار على الطراز شبه الريفي. كانت السيارات مصطفة على طول الشارع عصر هذا اليوم؛ وكانت تنبعث من خلف المنازل أصوات حديث وضحك كثير. ورغم حرارة الجو، ما من سديم أثناء النهار، هنا في الأعلى؛ كل شيء — البيوت المبنية بالحجارة والجص، والأزهار، والسيارات زاهية الألوان — كان يبدو متماسكًا ولامعًا، متقنًا ومثاليًّا. ما من شيء عشوائي في المشهد. كان الشارع، كأنه إعلان، يحمل منظرًا حيًّا لأجواء الصيف الساطعة، وهذا بهر ألفا، بهرها الضحك، وبهرها الناس الذين تتلاءم حياتهم مع الشارع. جلست على كرسي صلب قبالة طاولة أطفال عتيقة الطراز؛ كل الأثاث بهذه الغرفة جاء من فضلة الغرف الأخرى التي جُددت ديكوراتها؛ كانت المكان الوحيد في البيت الذي يمكنك أن تجد فيه أشياء غير منسجمة مع بعضها، لا علاقة بينها، وقطعًا خشبية ليست ضخمة، قصيرة وغير جذَّابة. ثم شرعت تخط رسالة لأسرتها. •••
«… والبيوت، وكل الأشياء الأخرى أيضًا، عظيمة حقًّا، غالبًا على أحدث طراز. ليس هناك عشب ضار واحد في حدائق البيوت، كل بيت هنا به جنائني يقضي يومًا كاملًا من كل أسبوع في تنظيف ما يبدو مثاليًّا بالفعل. أعتقد أن هؤلاء الرجال حمقى بعض الشيء، نظرًا للعناية المفرطة التي يولونها لحدائق البيوت وما شابهها من الأشياء. صحيح أنهم يخرجون ليعيشوا حياة تخلو من الرفاهيات المعتادة بين الفينة والفينة، لكن الأمر يكون معقدًا جدًّا ويجب أن يكون كل شيء مرتبًا بدقة. هذه حال كل ما يفعلونه وكل مكان يقصدونه.
لا تخشي من أن أكون وحيدة أو مضطهدة أو ما إلى ذلك من الأمور التي تتعرض لها الخادمات؛ فأنا لم أكن لأتهاون مع أي أحد يفعل أي شيء من هذا القبيل. علاوة على أنني لست خادمة بالمعنى الحقيقي، أنا أعمل في الصيف وحسب. لا أشعر بالوحدة، ولمَ ينبغي لي؟ أنا أراقب فقط وأتسلى. أمي، بالطبع لا يمكنني أن آكل معهم. لا تكوني مضحكة. وضعي ليس مثل وضع عاملة أجيرة، فضلًا عن أنني أفضِّل أن آكل بمفردي. وإذا حدث وكتبتِ رسالة للسيدة جانيت بهذا الشأن فلن تفهم عما تتحدثين أصلًا، ثم إنني لا أبالي بهذا الأمر. فلا تبالي أنتِ أيضًا به!
أعتقدُ أيضًا أنه سيكون من الأفضل عندما تحضر ماريون أن أقابلها في وسط المدينة، إذا تمكنت من أخذ إجازة في فترة ما بعد الظهيرة؛ فأنا لا أرغب تحديدًا في حضورها هنا. لا أعلم كيف يتعاملون مع حضور أقارب الخادمات. بالطبع إذا كانت ترغب ذلك فلا بأس. لكني لا يمكنني أن أعلم دائمًا كيف سيكون رد فعل السيدة جانيت، هذا ما في الأمر، وأنا أحاول أن أهوِّن على نفسي هنا من دون أن أجعل السيدة جانيت تأخذ عليَّ أي مأخذ. لكنها رغم ذلك امرأة طيبة.
في غضون أسبوع سنسافر إلى خليج جورجيا، وبالطبع أنا أتطلع لذلك؛ إذ سيتسنى لي أن أذهب للسباحة كل يوم، هذا ما قالته (السيدة جانيت) و…»
كانت غرفتها حارةً للغاية. وضعت الرسالة غير المكتملة أسفل النشَّافة فوق المنضدة. ثمة صوت مذياع كان ينبعث من حجرة مارجريت. اتجهت عبر الردهة نحو باب حجرة مارجريت، آملةً أن تجده مفتوحًا. لم تكن مارجريت قد أتمت الرابعة عشرة من عمرها بعد، لكن الاختلاف في السن كان يعوض عن اختلافات أخرى، ولم يكن من السيئ جدًّا التواجد مع مارجريت.
كان الباب مفتوحًا، وعلى الفراش كانت فساتين مارجريت الصيفية والتنانير التحتانية مفروشة. لم تكن ألفا تعرف أن لديها كل هذا الكم من الفساتين.
قالت مارجريت: «أنا لا أحزم حقيبتي فعلًا. أعلم أن هذا جنوني، أنا أرى فقط ما لديَّ. آمل أن تكون حاجياتي على ما يرام. آمل ألَّا تكون مفرطة اﻟ …»
لامست ألفا الملابس المفروشة فوق الفراش، شاعرةً بسرور عظيم بهذه الألوان الرقيقة، وبالصدارات الصغيرة الناعمة، فخمة التصميم والتشطيب، والتنانير التحتانية بشبكاتها المموجة والرائعة؛ كانت هذه الملابس تحمل براءة صناعية غاية في الجمال. لم تكن ألفا تحسدها، لا، فهذا أمر بعيد كل البعد عنها؛ إن ذلك جزء من عالم مارجريت، ذلك النمط الصارم للمدارس الداخلية (السترات القصيرة والجوارب السوداء الطويلة)، والهوكي، والكورس، والإبحار في الصيف، والحفلات، والفتيان الذين يرتدون السترات الرياضية …
سألتها ألفا: «أين سترتدينهم؟»
«في فندق «أوجيبواي»، إنهم يقيمون حفلات راقصة في نهاية كل أسبوع، الجميع يرتادون يخوتهم. ليل الجمعة للأولاد وليل السبت للآباء وغيرهم من الناس.» ثم أضافت في شيء من خيبة الأمل: «هذا هو الذي سوف أقصده، إذا لم أكن فاشلة اجتماعيًّا. إن ابنتَي عائلة ديفيس ستقصدانه.»
قالت ألفا مشجعة: «لا تقلقي، ستبلين حسنًا.»
قالت مارجريت: «لا أحب الرقص حقيقةً، لا أحبه قدر حبي للإبحار مثلًا. لكن المرء يضطر للرقص.»
قالت ألفا: «ستحبينه.» إذن ستكون هناك حفلات رقص، سيرتادون اليخوت، وستراهم يغادرون المنزل وتسمعهم حين يعودون له. وكل هذه الأمور، التي كان ينبغي لها أن تتوقعها …
بينما مارجريت جالسة القرفصاء على الأرض، نظرت إليها بنظرة بليدة، ووجه بريء، وقالت: «هل تظنين أن عليَّ أن أبدأ التقبيل والمداعبات الغرامية هذا الصيف؟»
قالت ألفا: «نعم.» ثم أضافت بشيء من الحقد: «لو كنت مكانك لفعلت.» بدت مارجريت متحيِّرة، ثم قالت: «قيل لي إن هذا كان السبب في عدم دعوة سكوتي لي في عيد الفصح …»
لم يُسمع أي صوت، لكن مارجريت انتفضت واقفة على قدميها. قالت بشفتيها فقط من دون صوت: «أمي قادمة»، وعلى الفور دخلت السيدة جانيت الحجرة، وبذلت جهدًا لترسم ابتسامة على وجهها، وقالت: «أوه، ألفا. إذن فأنتِ هنا.»
قالت مارجريت: «كنت أخبرها عن الجزيرة، مامي.»
«أوه، ثمة كمٌّ رهيب من الأكواب موجود في الأسفل يا ألفا، هلا غسلتها كلها فورًا كي تنتهي منها حينما ترغبين في تناول طعام العشاء و… ألفا، هل لديك مئزر آخر نظيف؟»
قالت مارجريت: «الأصفر ضيق للغاية مامي، لقد جربته …»
«اسمعي عزيزتي، لا داعي الآن لإخراج كل ما لديك من «هلاهيل»، ما زال أمامنا أسبوع قبل أن نسافر …» •••
نزلت ألفا للأسفل، ومرت عبر الردهة المائلة للزرقة، فسمعت أشخاصًا يتحدثون في جدية، وشيء من السُّكر، في حجرة التلفاز، ورأت باب غرفة الحياكة يُغلق برفق، من الداخل، مع اقترابها ناحيته. دخلت المطبخ. صارت تفكر في الجزيرة الآن. جزيرة بأكملها يملكونها هم، لا شيء فيها على مرمى البصر لا يملكونه: الصخور والشمس وأشجار الصنوبر ومياه الخليج الباردة العميقة. ما الذي يمكن أن تفعله هناك؟ ماذا يمكن أن تفعل الخادمات هناك؟ ربما يمكنها أن تسبح، في ساعات فراغها، أو تخرج لتتمشَّى وحدها، وقد يمكنها أحيانًا — ربما عندما يذهبون لشراء البقالة — أن تركب اليخت. لن يكون هناك عمل كثير ينبغي إنجازه مثلما هي الحال هنا، هكذا قالت السيدة جانيت. قالت إن الخادمات دائمًا ما يستمتعن بوقتهن هناك. فكرت ألفا في الخادمات الأخريات، اللائي يفُقنَها مهارةً، الفتيات اللائي يفقنها لياقةً ولطفًا، هل يستمتعن حقًّا هناك؟ أي نوع من الحرية أو السرور وجدنه هناك، ولم تجربه هي من قبل؟
ملأت الحوض بالماء، وأخرجت رف تجفيف الصحون والأكواب ثانيةً وبدأت تغسل الأكواب. لم يكن ثمة ما يهُم خاطرها، لكنها شعرت بأن صدرها يضيق، يضيق من الحرارة، وأنها متعبة وغير عابئة، تسمع من حولها ثرثرةً غامضةً غير مفهومة — عن حياة أناس آخرين، عن يخوت وسيارات وحفلات رقص — وترى هذا الشارع، وتلك الجزيرة الموعودة، تحت إبهار الشمس الطاغي والمتواصل. لم يكن بوسعها أن يكون لها صوت هنا، ولا همسة.
وعليها أن تتذكر، قبل ميعاد العشاء، أن تصعد لترتدي مئزرًا نظيفًا.
سمعت الباب يُفتح، جاء شخص ما من الفناء. كان ابن عم السيدة جانيت.
قال: «إليكِ كوبًا آخر. أين يمكنني وضعه؟»
قالت ألفا: «في أي مكان.»
«قولي شكرًا.» هكذا قال ابن عم السيدة جانيت بينما استدارت ألفا وهي تنشف يديها في مئزرها، في استغراب، سرعان ما زال عنها. توقفت، وظهرها مستند إلى طاولة المطبخ، حينما جذبها ابن عم السيدة جانيت إليه برفق، كما يحدث في أي لعبة جماعية مألوفة، وأمضى بعض الوقت يلثم فمها.
قال: «لقد طلبَتْ مني أن أذهب إليهم في الجزيرة في إحدى عطلات الأسبوع في شهر أغسطس.»
استدعاه نداء من الفناء، فخرج بالرشاقة، والانسلال المضحك إلى حد ما، اللذين يميزان بعض الأشخاص صغيري البنية. وقفت ألفا لا تحرك ساكنًا وظهرها مستند إلى طاولة المطبخ.
أراحتها لمسة هذا الشخص الغريب. كان جسدها ممتنًّا ومتلهفًا، فشعرت بسعادة وثقة لم تعرفهما من قبل في هذا البيت. وهكذا، كانت هناك أمور لم تكن قد أخذتها في الحسبان، عن نفسها، وعن أساليب العيش معهم التي لم تكن مبهرة إلى الحد الذي حسبته. إنها لا تضيق من التفكير في الجزيرة الآن، في الصخور العارية المغمورة بأشعة الشمس وفي أشجار الصنوبر الصغيرة المعتمة. صارت تراها بعين أخرى الآن، بل لعلها صارت ترغب في أن تذهب إليها. لكن الأمور تأتي دائمًا مجتمعةً، ثمة أمر لم تكن قد تبينته بعد؛ نقطة حساسة، نوع جديد وغامض من الإذلال والمهانة.
رقصة الظلال السعيدة |
رحلة إلى الساحل
«بلاك هورس»، بقعة موجودة على الخريطة، لكن لا شيء في هذا المكان سوى متجر وثلاثة بيوت ومقبرة قديمة وسقيفة إسطبل يخص كنيسة احترقت عن آخرها. المكان حار في الصيف، يخلو من أي ظل على الطريق وأي جدول بالقرب منه. البيوت والمتجر مبنية بآجُر أحمر، تشوبه صفرة باهتة، ومزينة عشوائيًّا بطوب رمادي أو أبيض على المداخن وحول النوافذ. خلفها تمتلئ الحقول بنباتات الصقلاب والقضبان الذهبية والقصوان. والأشخاص الذين يمرون على المكان، في طريقهم إلى بحيرات موسكوكا والأجمة الشمالية، يمكنهم أن يلاحظوا هنا المناظر الطبيعية الوارفة تضيق وتتسع، والقباب الصخرية البالية تظهر في الحقول المتآكلة، وأحراج الدردار والقيقب الكثيفة المتناغمة وهي تنفتح على أحراش أكثر كثافة وأقل رحابةً من أشجار البتولا والحور، والراتنج والصنوبر، في حرارة ما بعد الظهيرة تستحيل الأشجار المدببة الموجودة عند نهاية الطريق شفافةً، زرقاء اللون، منسحبة في الأفق مثل صُحبة من الأشباح.
كانت ماي مستلقية في غرفة كبيرة في خلفية المتجر مليئة بالصناديق. كانت تلك الغرفة مكان نومها في الصيف، حينما تشتد الحرارة في الطابق العلوي. وكانت هيزل تنام في الغرفة الأمامية على الأريكة وتشغِّل المذياع طوال نصف الليل؛ أما جدتها فظلت تنام في الدور العلوي، في حجرة صغيرة ضيقة مزدحمة بقطع أثاث كبيرة وصور فوتوغرافية قديمة، وعبقة برائحة قماش مشمع حار ورائحة جوارب النساء العجائز الصوفية. لم تستطع ماي أن تميِّز أي وقت كان ذلك لأنها لم تستيقظ من قبل قط في وقت مبكر كهذا. فقد كانت تستيقظ في معظم الأصباح فتجد رقعة من الشمس الحارة على الأرض عند قدميها، وتسمع رجرجة شاحنات المزارعين التي تنقل الحليب وهي مارة على الطريق السريع، بينما جدتها تسرع الخطى جيئةً وذهابًا من المتجر إلى المطبخ، حيث تكون قد وضعت فوق الموقد برَّاد القهوة ومقلاة فيها لحم الخنزير المقدد الثخين. وحينما كانت الجدة تمر على الأريكة القديمة التي تنام عليها ماي والتي كانت فيما مضى مخصصة للشرفة (ما تزال وسائدها تفوح بنذر يسير من رائحة العفن والصنوبر)، كانت تكبش قبضتها بحركة أوتوماتيكية جاذبةً الملاءة، وهي تقول: «هيا استيقظي الآن، أفيقي، أتظنين أنك ستظلين نائمة حتى ميعاد العشاء؟ ثمة رجل يريد بنزينًا.»
وإذا لم تستيقظ ماي وراحت تتشبث بالملاءة، وتتمتم في غضب، تأتي جدتها مرةً أخرى حاملةً قليلًا من الماء البارد في مغرفة، تصبه فوق قدمي حفيدتها. فتنتفض ماي، وهي تدفع خصلات شعرها الطويل عن وجهها، الذي يكون عابسًا عبوس الوسن لكنه ليس حانقًا؛ كانت ترتضي سيطرة جدتها كما ترتضي الرياح المطيرة أو ألم المعدة، بيقين أساسي وقوي من أن مثل هذه الأشياء ستمر. كانت ترتدي كل ملابسها تحت لباس النوم، وذراعاها متحررتان أسفل هذا كله من كُمَّيهما، وكانت وهي في الحادية عشرة قد دخلت مرحلة احتشام جنوني؛ إذ كانت ترفض أن تأخذ حقن التطعيم في مؤخرتها وتصرخ ثائرةً إذا دخلت هيزل أو جدتها الغرفة التي ترتدي فيها ملابسها؛ لأنها كانت تظن أنهما تفعلان ذلك بغرض التسلية والاستهزاء بخصوصيتها. كانت تخرج وتضع البنزين في السيارة ثم تعود في منتهى اليقظة جائعة؛ وتأكل في إفطارها أربع أو خمس شطائر من خبر «التوست» مع المربى، وزبدة الفول السوداني ولحم الخنزير المقدد.
لكنها حينما استيقظت هذا الصباح كان الصبح لا يزال يبدأ نشر ضوئه في الغرفة الخلفية، لم تكن تستطيع أن تتبين إلا الكتابة المطبوعة على الصناديق الكرتونية. قرأت «حساء طماطم هاينز» و«مشمش جولدن فالي». راحت تمارس طقسًا خاصًّا اعتادته، بأن تقسِّم الحروف إلى ثلاثات؛ فإذا نتجت في نهاية ذلك مجموعات متساوية، كان هذا يعني أنها ستتمتع بحسن الحظ في ذلك اليوم. وبينما كانت تفعل ذلك، خالت أنها سمعت جلبة، وكأن شخصًا ما يتحرك في الفناء، فاعترى جسدها اضطراب مريع حتى أخمص قدميها جعلها تثني أصابع قدميها وتمط ساقيها حتى لامست طرف الأريكة. كان الشعور الذي اجتاح جسدها كله كالشعور الذي يستولي على دماغها حين تكون على وشك العطس. نهضت بأبطأ ما يمكنها وسارت في حذر فوق الألواح الخشبية للغرفة الخلفية، التي شعرت بها تحت قدميها رمليةً رطبةً، إلى المشمع الخشن الذي يغطي أرضية المطبخ. كانت ترتدي لباس نوم قطنيًّا قديمًا يخص هيزل، يموج من خلفها في خفة وانسيابية.
كان المطبخ خاليًا، والساعة تتكتك بانتظام فوق الرف الذي يعلو الحوض. إحدى الحنفيات كانت تقطر باستمرار، وأسفلها قماشة مسح الصحون مطوية في شكل لفافة صغيرة. كانت واجهة الساعة تكاد تكون مخفيةً وراء حبة طماطم صفراء، لم تنضج بعد، وعلبة بودرة كانت جدتها تضع منها على طقم أسنانها. كانت الساعة السادسة إلا الثلث. تحركت نحو الباب السلكي، وبينما هي مارة بصندوق الخبز امتدت إحدى يديها بحركة عفوية داخله وخرجت بكعكتين من كعك القرفة راحت تأكلهما دون أن تنظر إليهما، كانتا جافتين بعض الشيء.
في هذا الوقت من اليوم كان الفناء الخلفي غريبًا ومُقبضًا ومُظلمًا، والحقول رماديةً، وكل الأجمات الشعثاء المتشابكة على طول الأسوار كثيفةً بما عليها من الطير، والسماء باهتةً باردةً، تنبسط عليها أذرع الضوء في نعومة وتتوهج حوافها، كأنها باطن محارة. سرَّها أن جدتها وهيزل كانتا بمعزل عن هذا، لأنهما ما زالتا نائمتين. لم يكن أحد قد رأى هذا اليوم بعد، أدهشها نقاؤه. راودها إحساس قوي بالتحرر والخطر، كشعاع فجر يخترق تلك السماء. عند ركن المنزل، حيث يوجد ركام الحطب، سمعت صوت قعقعة خشن واهن.
قالت ماي بصوت مرتفع: «من هناك؟» بعد أن ازدردت ملء فمها من كعك القرفة. قالت: «أعرف أنك هناك.»
جاءت جدتها من المنزل حاملة بعض الأعواد لإشعال النار ملتحفة بميدعتها، وهي تتمتم بتمتمات ساخطة خافتة غير مفهومة. رأتها ماي قادمة، دون أن تشعر بالمفاجأة وإنما بشعور غريب بالخذلان، شعور بدا أنه ينتشر على نحو لم تنجح في إخفائه من اللحظة الراهنة إلى كل أرجاء حياتها، السابقة والقادمة. بدا لها أن أي مكان تذهب إليه ستسبقها جدتها إليه، وأن أي شيء تكتشفه ستكون جدتها قد عرفت بأمره قبلها، أو تبين أنه غير ذي قيمة.
قالت مدافعة: «حسبت أحدًا ما في الفناء.» نظرت إليها جدتها بلا اكتراث واتجهت إلى المطبخ.
قالت ماي: «لم أكن أظن أنك يمكن أن تستيقظي في ساعة مبكرة كهذه. ما الذي يجعلك تستيقظين في ساعة مبكرة كهذه؟»
لم تجب جدتها. كانت تسمع لكل ما تقوله لها لكن لا تجيب إلا إذا شاءت ذلك. بدأت العمل بأن أشعلت نار الموقد. كانت ترتدي أثناء النهار فستانًا مطبوعةً عليه رسومات، وميدعة زرقاء مهترئة ومتسخة من عند بطنها، وسترة حائلة اللون مُنسَّلة غير مزررة كانت لزوجها من قبل، وزوجًا من الأحذية القماشية. كانت الملابس تتهدل عليها، بالرغم من محاولاتها أن تصلح من هندامها وتغلق ملابسها، وذلك لأن جسمها لم يكن صحيح الشكل بحيث تتماسك الملابس فوقه؛ فقد كانت ضعيفة التضاريس ونحيلة الجسم، عدا تقبب صغير في بطنها، كامرأة حامل في شهرها الرابع، يبرز على نحو يتناقض مع صدرها الهزيل. كانت ساقاها نحيلتين، وركبتاها بارزتين، وذراعاها سمراوين مُعرَّقتين ومعقوفتين كأنهما سَوْطان، وكان رأسها كبيرًا بعض الشيء بالنسبة لجسمها، ومع شعرها المسحوب بإحكام أعلى جمجمتها، كانت تبدو كطفل سيئ التغذية لكنه خبيث الذكاء.
قالت لماي: «عودي أنتِ للنوم.» لكن ماي اتجهت ناحية مرآة المطبخ وبدأت تمشط شعرها وتلفه حول إصبعها كي ترى إن كان سيبدو لائقًا في قصة شعر «بايج بوي». تذكرت أن اليوم هو موعد قدوم بنت عم يوني باركر. كانت ستأخذ بكرات الشعر التي تخص هيزل لترفع بها شعرها، في حال رأت أنها يمكنها فعل ذلك من دون أن تدري جدتها.
أغلقت جدتها باب الغرفة الأمامية حيث تنام هيزل. أفرغت براد القهوة وملأته بماء وقهوة جديدين، ثم أحضرت إبريق الحليب من الثلاجة، وشمته كي تتأكد من أنه ما يزال صالحًا، وانتشلت بملعقتها نملتين من سلطانية السكر، ولفَّت لنفسها سيجارة على ماكينة كانت لديها لهذا الغرض، ثم جلست إلى الطاولة وراحت تقرأ جريدة اليوم السابق. لم تتفوه بكلمة أخرى إلى ماي إلا بعد أن نضجت القهوة وهدَّأت هي نار الموقد وصارت الغرفة مضاءة بنور أقرب إلى ضوء النهار.
قالت: «هاتي فنجانك إن كنتِ تريدين بعض القهوة.»
عادةً كانت تقول إن ماي صغيرة للغاية على شرب القهوة. جاءت ماي لنفسها بفنجان جميل عليه طيور خُضر. لم تقل جدتها أي شيء. جلستا إلى الطاولة تحتسيان القهوة، وماي مرتدية لباس النوم السابغ وشاعرة بأنها نالت امتيازًا وأنها مضطربة. كانت جدتها تنظر إلى أرجاء المطبخ بجدرانه وتقاويمه المبقعة كما لو كان عليها أن تحفظ المنظر في ذهنها، كانت نظرتها متأملةً أريبةً نوعًا ما.
قالت ماي محاولةً بدء حديث: «ابنة عم يوني باركر آتية اليوم. اسمها هيذر سو موراي.»
لم تُعِر الجدة حفيدتها أي انتباه، ثم سرعان ما سألتها: «أتعلمين كم عمري؟»
ردت ماي: «لا.»
«حسنًا، خمني.»
فكرت ماي ثم قالت: «سبعون؟»
تأخرت الجدة في الرد كثيرًا إلى حد أن ماي اعتقدت أن هذا الحديث لم يكن سوى واحد آخر من أزقة حديثها المسدودة. قالت، على سبيل الإحاطة: «هيذر هذه كانت تمارس الرقص الاسكتلندي منذ أن كانت في الثالثة. إنها ترقص في المسابقات وما إلى ذلك.»
قالت جدتها: «ثمانية وسبعون. لا أحد يعلم بهذا، فأنا لم أخبر أحدًا قط، وليس لي شهادة ميلاد، ولم أحصل قط على معاش حكومي، أو إعانة.» فكرت قليلًا ثم استطردت: «لم أرقد قط في المستشفى. ادخرت ما يكفي في البنك لتغطية مصاريف الجنازة والدفن. أما شاهد القبر فينبغي أن يأتي حسنةً من مؤسسة خيرية أو عن طريق ما سيشعر به أقاربي من وخز للضمير.»
قالت ماي مكتئبةً وهي تنتف القماش المشمع من بقعة بالية فيه: «وما حاجتك إلى الشاهد؟» كرهت هذا الحديث؛ كان يذكرها بخدعة لئيمة نوعًا ما كانت جدتها قد مثلتها عليها منذ ثلاث سنوات. حينها كانت عائدةً للتو إلى المنزل من المدرسة، فوجدت جدتها مستلقيةً على نفس أريكة الحجرة الخلفية التي صارت ماي تنام عليها فيما بعد. كانت الجدة راقدةً ويداها ساقطتان إلى جانبيها، ووجهها بلون الحليب المتخثر، وعيناها مغلقتان؛ وعلى وجهها فتور البراءة والمسالمة. فحاولت ماي إيقاظها وقالت أولًا: «مرحبًا»، ثم نادتها بنبرة صوتها المعتادة: «جدتي.» لم تكن جدتها تحرِّك أي عضلة في وجهها الذي عادةً ما يكون متوهجًا وعصبيًّا. قالت ماي ثانيةً، بمزيد من التوقير: «جدتي» ومالت عليها فلم تسمع أدنى صوت لأنفاسها. فمدت يدها لتلامس خدَّ جدتها، لكن صدمها أمر غير مطمئن لم تتوقعه في هذا التجويف البارد المتهدل. ثم راحت تبكي، بالطريقة الجزعة المتقطعة لمن يبكي دون أن يسمعه أحد. كانت تخاف أن تذكر اسم جدتها ثانيةً، خائفة أن تلمسها، وفي الوقت نفسه خائفة أن تشيح بعينيها عنها. لكن جدتها فتحت عينيها. من دون أن ترفع ذراعيها أو تحرك رأسها، نظرت إلى ماي ببراءة مفرطة زائفة وبريق ظافر مستفهم، قائلة: «ألا يمكن للمرء أن يستلقي قليلًا هنا؟ من العار أن تكوني طفولية هكذا.»
ردت الجدة على سؤال ماي عن شاهد القبر: «لم أقل قط إنني «أريد» شاهدًا.» ثم قالت في برود، بعد أن رأت ماي مخرجة إحدى كتفيها من الرقبة الواسعة للباس نومها: «الآن اذهبي وارتدي بعض ثيابك، إلا إذا كنت تظنين نفسك إحدى ملكات مصر.»
قالت ماي: «ماذا؟» وهي تنظر إلى كتفها الموسومة ببقعة مزعجة من أثر حرق شمس تقشَّر.
«أوه، أرى أنهم أحضروا إحدى ملكات مصر لمهرجان مدينة كينكايد.»
حينما عادت ماي إلى المطبخ كانت جدتها ما تزال تحتسي القهوة وتنظر إلى قسم «مطلوب» من الإعلانات المبوبة في جريدة المدينة، وكأنها لا تملك متجرًا ينبغي أن يُفتح أو طعام إفطار ينبغي أن يُعد أو أي شيء ينبغي عمله على الإطلاق. كانت هيزل قد استيقظت وبدأت تكوي فستانًا لتذهب به إلى العمل. كانت تعمل في متجر في مدينة كينكايد التي تبعد ثلاثين ميلًا، وكان عليها أن تغادر إلى العمل في ساعة مبكرة. حاولت أن تقنع والدتها بأن تبيع المتجر وتنتقل للعيش في كينكايد التي تحوي دارين لعرض الأفلام السينمائية، والكثير من المحال والمطاعم وفرعًا من فروع «رويال دانس بافيليون»، لكن المرأة العجوز لم تكن لتتزحزح. وأخبرت هيزل أن تذهب لتعيش حيثما طاب لها ذلك، لكن هيزل لم تفعل لسبب ما. كانت فتاةً طويلةً واهنةً في الثالثة والثلاثين من عمرها، ذات شعر أشقر، ووجه متحفظ طويل، يرتسم عليه دائمًا تعبير ساخط يبرزه حَوَل خفيف، شرود متعمد في إحدى العينين. كان لديها صندوق مليء بأغطية وسائد مطرزة وفوط وأوانٍ فضية. واشترت طقمًا من الأطباق وطقمًا من القدور ذات القعور النحاسية وأودعتهما ذلك الصندوق؛ وظلت هي والمرأة العجوز وماي يأكلن في أطباق متكسرة الحواف ويطبخن في قدور من كثرة ما تخبطت كانت تتأرجح فوق الموقد.
كانت المرأة العجوز تقول: «هيزل لديها كل ما يلزمها لتتزوج لكن يعوزها فقط أمر واحد.»
كانت هيزل تطوف البلدة لحضور حفلات راقصة مع فتيات أخريات يعملن في كينكايد أو يدرسن في المدرسة. وفي صباح يوم الأحد كانت تصحو تَعِبةً من آثار الإفراط في الشراب، فتتناول قهوةً وأسبرينًا، وترتدي فستانها الحريري المطبوعة عليه رسومات وتركب سيارتها وتولي مغادرةً كي تغني ضمن جوقة المنشدين بالكنيسة. أما أمها، التي كانت تقول إنها لا تدين بدين، فتفتح المتجر وتبيع البنزين والآيس كريم للسائحين.
علَّقت هيزل طاولة الكي وهي تتثاءب وتفرك برفق وجهها بينما المرأة العجوز تقرأ بصوت مرتفع: «رجل مجتهد طويل القامة، في الخامسة والثلاثين، يرغب في التعرف إلى امرأة حسنة الخُلُق، لا تدخِّن ولا تشرب الخمر، تحب حياة المنزل، العابثات يمتنعن رجاءً.»
قالت هيزل: «أوه، لا يا أمي.»
سألت ماي: «ماذا يعني بالعابثات؟»
راحت المرأة العجوز تقرأ في عناد: «رجل في أَوْج رجولته، يرغب في صداقة امرأة صحيحة البنية، لا أعباء لديها، برجاء إرسال صورة فوتوغرافية في أول رسالة.»
قالت هيزل: «أوه، أمي كُفِّي عن هذا.»
سألت ماي: «ما هي الأعباء؟»
«ماذا سيحدث لكِ إذا تزوجت أنا؟» قالتها هيزل على نحو كئيب وعلى وجهها ارتضاء ممتعض.
«متى شئت أن تتزوجي، يمكنك أن تفعلي.»
«لديَّ أنتِ وماي.»
«أوه، دعكِ من هذا. هذا ليس صحيحًا.»
«حسنًا هذه هي الحقيقة.»
«أوه، أنتِ تمزحين» قالتها المرأة العجوز بقرف، واستطردت: «أنا أتولى شئوني بنفسي. ودائمًا ما كنت كذلك.» كانت ستردف بالمزيد، لأن هذا الحديث كان في حقيقة الأمر علامة توجيهية فارقة في مسار حياتها، لكن في اللحظة التي أعقبت استحضارها ذلك المشهد الذي كان زاهي الألوان وبريئًا كرسم طفل بألوان الشمع، ثم أحدثت مثل هذه التحريفات الماهرة، أغمضت عينيها كما لو كان الشعور بالزيف كبتها، ثمة شك معقول بأن أيًّا من هذا لم يكن له وجود قط. دقت بملعقتها على الطاولة وقالت لهيزل: «حسنًا، لا أعتقد أن حلمًا كالذي راودني ليلة الأمس راودكِ قط.»
قالت هيزل: «أنا لا أحلم بالمرة على أية حال.»
جلست المرأة العجوز تدق بملعقتها وتنظر في تركيز إلى لا شيء سوى واجهة الموقد.
ثم قالت: «حلمت أنني أسير في الطرق. كنت أسير في الطريق المار على بوابة آل سيمونز وشعرت كأن سحابة تغشِّي الشمس، وأحسست بالبرد. فنظرت إلى الأعلى ورأيت طائرًا ضخمًا، أوه، أضخم طائر يمكن أن ترينه، أسود اللون سواد غطاء الموقد هذا، كان فوقي تمامًا حاجبًا الشمس عني. هل سبق لك أن حلمتِ بشيء كهذا؟»
«لا أحلم بأي شيء على الإطلاق.» قالتها هيزل بشيء من الغطرسة.
قالت ماي: «هل تذكران الكابوس الذي راودني حينما كنت نائمة في الغرفة الأمامية عقب إصابتي بالحصبة؟ هل تذكرانه؟»
قالت المرأة العجوز: «لا أتحدث عن أية كوابيس.»
«كنت أرى أشخاصًا يرتدون قبعات ملونة يغدون ويروحون في أرجاء الغرفة، ثم صاروا يتحركون أسرع فأسرع حتى صرت أرى قبعاتهم تتداخل معًا. كانت بقية أجسامهم جميعًا غير مرئية، ولم أكن أرى منهم إلا هذه القبعات الملونة.»
أخرجت الجدة طرف لسانها لتلعق بضع شذرات جافة من التبغ كانت عالقة بشفتيها، ثم قامت ورفعت غطاء الموقد وبصقت في النار. قالت: «ربما أتحدث إلى الجدار.» ثم أردفت: «ماي، ضعي بعض أعواد الحطب في هذه النار، سأقلي لنا بعض لحم الخنزير المقدد. لا أرغب أن أُبقِي الموقد مشتعلًا اليوم أكثر من ذلك فيصعب عليَّ إطفاؤه.»
قالت هيزل في هدوء: «الجو سيكون أكثر حرارة من جو الأمس. اتفقنا أنا ولويز على ألًّا نرتدي أية جوارب. وإذا وجَّه لنا السيد بيبلز كلمة فسنقول له: لمَ في اعتقادك عينوك هنا؟ كي تجول الأرجاء وتتفحص سيقان الجميع؟ فيصاب بالخجل.» اختفى رأسها الأشقر في تنورة فستانها وهي تطلق قهقهة تشبه صوت جرس قُرع مرةً واحدةً بالصدفة، ثم سكت.
قالت المرأة العجوز في استهجان: «هه.» •••
جلست ماي ويوني باركر وهيذر سو موراي عصرًا على الدرجات الأمامية للمتجر. كانت الشمس قد اكفهرت خلف الغيوم خلال وقت الظهيرة لكن اليوم بدا أنه يزداد حرارة مع ذلك. لم يكن بالإمكان سماع صرصور أو طير، لكن كانت ثمة ريح خفيفة، ريح ساخنة زاحفة تهب من أعشاب البلدة. ولأن اليوم كان السبت، لم يتوقف أي شخص تقريبًا عند المتجر، بل كانت سيارات المنطقة تولي عابرة في طريقها إلى المدينة.
قالت هيذر سو: «ألا تحظين يا بنات بأية توصيلات مجانية من هذه السيارات المارة؟»
قالت ماي: «لا.»
قالت يوني باركر صديقة ماي المقربة منذ سنتين: «أوه، لم تكن ماي ليُسمح لها بذلك. أنتِ لا تعرفين جدتها. ماي لا تستطيع فعل أي شيء.»
جرَّت ماي قدميها في التراب وسحقت بعقبها بيتًا للنمل، ثم قالت: «ولا أنتِ أيضًا تستطيعين فعل شيء.»
قالت يوني: «بل أستطيع. أستطيع أن أفعل ما يحلو لي.» نظرت إليهما هيذر سو بطريقة تشي بشعورها كضيف لا يعلم شيئًا عن المكان وقالت: «ما الذي يمكن فعله هنا في هذا المكان؟ أعني ما الأنشطة التي تمارسنها أنتن يا بنات»؟
كان شعرها مقصوصًا قصيرًا يحيط بوجهها، وكان خشنًا، أسود، مموجًا. وكانت تضع أحمر شفاه بلون أحمر قانٍ كلون حلوى التفاح، وبدت كأنها حفت شعر ساقيها.
قالت ماي في جمود: «نذهب إلى المقابر.» وقد كانت ماي ويوني تذهبان إلى المقابر بالفعل، فقد كانتا تذهبان للجلوس في المقابر بعد ظهيرة كل يوم تقريبًا؛ لأن هناك كان يوجد ركن ظليل تنأيان فيه عن إزعاج الأطفال الأصغر سنًّا، ويتسنى لهما الحديث عما يدور بخلديهما بمأمن من أن يستمع أحد إلى ما تقولانه.
قالت هيذر: «تذهبان إلى «أين»؟» قطبت يوني حاجبيها وهي تنظر إلى التراب تحت قدميهما وقالت: «أوه، لا نذهب إلى هناك، أكره تلك المقابر السخيفة.» لكن في بعض الأحيان كانت هي وماي تقضيان طوال فترة ما بعد الظهيرة تنظران إلى شواهد القبور وتنتقيان الأسماء التي تعجبهما وتؤلفان قصصًا عن الأشخاص المدفونين تحت تلك الشواهد.
قالت هيذر سو: «يا إلهي! لا تخيفيني هكذا. الجو حار بدرجة رهيبة، أليس كذلك؟ أحسب أنني لو كنت في منزلي في هذا الوقت، لذهبت أنا وصديقتي إلى بركة السباحة.»
قالت يوني: «يمكننا أن نذهب للسباحة عند «ثيرد بريدج».»
«وأين يقع هذا؟»
«على مقربة من هنا. نصف ميل.»
قالت هيذر سو: «في هذا الحر؟»
قالت يوني: «سآخذك معي على دراجتي.» ثم قالت لماي بمرح وود زائدين: «أنتِ أيضًا أحضري دراجتك، هيا.»
فكرت ماي للحظة ثم قامت ودخلت المتجر، الذي كان معتمًا في كل أوقات النهار، وحارًّا أيضًا، ويحوي ساعةً خشبيةً كبيرة على الجدار، وسلالًا مليئة بفتات بسكويت محلًّى وبرتقال رخو وبصل. ذهبت نحو الخلفية حيث تجلس جدتها فوق كرسي بلا ظهر إلى جانب مجمد الآيس، أسفل لافتة كبيرة عليها إعلان عن مسحوق خبيز خلفيتها من ورق القصدير الرقراق، كبطاقات عيد الميلاد.
قالت ماي: «هل يمكنني أن أذهب للسباحة مع يوني وهيذر سو؟»
سألت الجدة بنبرة تكاد تكون محايدة: «أين ستذهبن للسباحة؟» كانت تعلم أن لا مكان يصلح للسباحة إلا مكان واحد.
«ثيرد بريدج.»
كانت يوني وهيذر سو قد دخلتا المتجر ووقفتا عند الباب. ابتسمت هيذر سو برقة وأدب إلى المرأة العجوز.
«لا، لا يمكنك.»
قالت ماي: «المياه ليست عميقةً هناك.»
بدرت عن الجدة غمغمة غير مفهومة، ثم جلست منحنية، مرفقها فوق ركبتها وذقنها مستند على إبهامها. لم تكلف نفسها رفع ناظريها.
قالت ماي بعناد: «لمَ لا يمكنني الذهاب؟»
لم تجب الجدة. بينما يوني وهيذر سو تراقبان المشهد من عند الباب.
قالت ثانيةً: «لمَ لا يمكنني؟ جدتي، لم لا؟»
«تعلمين السبب.»
«لماذا؟»
«لأن هذا هو المكان الذي يرتاده كل الفتيان. أخبرتك هذا من قبل. لقد صرت الآن كبيرة بما يحول دون هذا.» أطبقت فمها بشدة، وارتسمت على وجهها تجعدات تحفُّظ راضٍ وكريه، ثم سددت نظرة طويلة إلى ماي حتى علا وجهها توهج خزي وغضب، ثم اعترى وجهها هي حيوية ما وأضافت: «دعي الأخريات يلاحقن الفتيان، وانظري ما سيجلبه عليهم ذلك.» لم تكن قد وجهت أية نظرة إلى يوني وهيذر سو لكن حينما قالت ذلك استدارتا وهرعتا إلى خارج المتجر. كان بالإمكان سماعهما تجريان بجانب مضخة البنزين وتنفجران في نوبة مجلجلة، ويائسة نوعًا ما، من الضحك. لم يبد على المرأة العجوز أنها سمعت ذلك.
لم تقل ماي أي شيء. كانت تستكشف في العتمة بُعدًا آخر للشعور بالمرارة. كانت تشعر بأن جدتها لم تعد «مقتنعة» بالأسباب التي تسوقها هي نفسها، وأنها لا تكترث لذلك، لكنها تخرج نفس تلك الأسباب من جعبتها، وتلوح بها بخبث، لا لشيء سوى أن ترى كمَّ الأذى الذي يمكن أن تحدثه. قالت الجدة: «البنت هيذر … ماذا كان اسمها؟ رأيتها تترجل من الحافلة صباح اليوم.»
سارت ماي خارجة من المتجر إلى الغرفة الخلفية مارةً بالمطبخ إلى الفناء الخلفي. ذهبت وجلست إلى جانب المضخة. ثمة قناة خشبية عتيقة، تعلوها خضرة العفن، ممتدة من صنبور المضخة إلى جزيرة من الطين المبتل وسط مجموعات من الأعشاب الجافة. كانت تجلس هناك، وبعد وهلة رأت علجومًا ضخمًا، حسبته هي مسنًّا ومنهكًا، يتقافز متعثرًا وسط العشب، فأوقعت به بين يديها.
سمعت الباب السلكي يُغلق، فلم تنظر، ثم رأت حذاء جدتها، وكاحليها النحيلين يتحركان نحوها فوق العشب. أمسكت بالعلجوم بإحدى يديها والتقطت باليد الأخرى عصًا صغيرة، وبدأت تنخسه بوتيرة منتظمة في بطنه.
قالت الجدة: «توقفي عن هذا.» فرمت ماي العصا. قالت لها الجدة: «أفلتي هذا المخلوق البائس.» ففتحت ماي أصابعها ببطء شديد. وفي الوقت الذي يعقب الظهيرة مباشرةً كانت ماي تستطيع أن تشم الرائحة المميزة المنبعثة من جسم جدتها التي كانت واقفة تراقبها؛ كانت رائحة مائلة إلى الحلاوة والعطب كرائحة قشر التفاح القديم الذي بات رخوًا، وكانت تنفذ فتغطي على الروائح المعتادة أكثر للأشياء التي كانت تحملها معها دائمًا كالصابون الصلب والقماش القطني المكوي والتبغ.
«أراهن بأنك لا تعرفين.» قالتها الجدة بصوت مرتفع. «أراهن بأنكِ لن تتوقعي ما كان يجول بخاطري في المتجر.» لم ترد ماي لكنها انحنت وبدأت تقشِّر في اهتمام قشرة جرح في ساقها.
«كنت أفكر في بيع المتجر.» قالتها جدتها بنفس الصوت المرتفع الرتيب وكأنها تتحدث إلى شخص أصم أو إلى سلطة ما عليا. كانت واقفة تنظر إلى الأفق الأزرق الصنوبري غير المنتظم، تشد ميدعتها إلى الأسفل بيديها المنبسطتين في حركة من حركات النساء العجائز، وقالت: «أنا وأنتِ يمكننا أن نستقل القطار ونذهب لرؤية لويس.» كان لويس هو ابنها الذي يعيش في كاليفورنيا، والذي لم تره منذ نحو عشرين عامًا.
عندئذٍ كان لا بد أن ترفع ماي عينيها لترى ما إذا كانت جدتها تمارس خدعةً ما. فالمرأة العجوز كانت دائمًا تقول إن السائحين حمقى لاعتقادهم أن أي مكان أفضل من سواه وأنهم كانوا أفضل حالًا في موطنهم.
استطردت الجدة: «يمكنا أنا وأنتِ أن نذهب في رحلة إلى الساحل، لن تكلفنا الكثير جدًّا، نستطيع أن نسهر لياليَ ونصُرَّ بعض الطعام لنأخذه معنا. من الأفضل أن تصري طعامك بنفسك، فأنتِ أدرى بما سيكفيكِ.»
قالت ماي بفظاظة: «لكنكِ مسنَّة للغاية. أنتِ في الثامنة والسبعين.»
«مَن في سنِّي يسافرون إلى بلداتهم الأصلية في الأرياف وإلى كل مكان، اقرئي الجريدة لتعلمي.»
قالت ماي: «قد تصابين بأزمة قلبية.»
قالت المرأة العجوز: «حينئذ يمكنهم أن يضعوني في تلك السيارة التي ينقلون فيها الخضار، مع الخس والطماطم، ويشحنوني إلى بلدتي الأم مبرَّدة.» في تلك الأثناء، كانت ماي تتخيل الساحل أمام عينيها؛ فرأت الرمال الممتدة مثل الشاطئ الطويل عند البحيرة ولكنه أكثر اتساعًا وإشراقًا؛ إن كلمة «الساحل» نفسها خلقت شعورًا بالانتعاش والسرور في نفسها، ولكنها لم تصدقه، فلم تفهم ما يجري؛ فمتى حدث أن وعدتها جدتها بشيء جميل من قبل؟ •••
ثمة رجل كان واقفًا عند واجهة المتجر يتناول مشروبًا غازيًّا بطعم الليمون. كان رجلًا صغير البنية في أواسط العمر ذا وجه ممتلئ تعلوه لمعة الحر؛ كان يرتدي قميصًا أبيض، غير نظيف، وربطة عنق حريرية باهتة. وكانت المرأة العجوز قد حركت كرسيَّها إلى النَّضُد الأمامي وجلست هناك تتحدث إليه. وكانت ماي واقفة وظهرها لكليهما تنظر من الباب الأمامي. كانت الغيوم رمادية، والدنيا يملؤها ضوء كريه مغبر عتيق بدا أنه لا يأتي من السماء فحسب، وإنما يأتي أيضًا من جدران الآجر الجامدة، والطرق البيضاء، ومن حفيف أوراق الأجمة الرمادية، ومن صفع رفرفة اللافتات المعدنية في مهب الريح الرتيبة الحارة. كانت ماي قد شعرت، منذ أن تبعتها جدتها إلى الفناء الخلفي، بأن شيئًا ما تغيَّر، شيئًا ما انبلج؛ نعم، إنه النور الجديد الذي رأته في الدنيا. وشعرت بشيء ما حيال نفسها، كأنه قوة، قوتها العدائية التي لم تتصور أنها تملكها لكنها لم تستكشفها بعد، فأرادت أن تحتفظ بها لفترة لحين استخدامها.
سألت الجدة: «لحساب أي شركة تسافر؟» فأجاب الرجل: «شركة روج.»
«ألا يسمحون للمرء أن يعود لأسرته في عطلة نهاية الأسبوع؟»
قال الرجل: «لست مسافرًا في مهمة عمل حاليًّا، على الأقل لست مسافرًا في عمل لشركة «روج». يمكنك أن تقولي إنني مسافر في مهمة عمل خاصة.»
«أوه، حسنًا.» قالتها المرأة العجوز بنبرة مَن لا يريد أن يحشر أنفه فيما يخص أي شخص آخر من عمل خاص، وأردفت: «هل تعتقد أنها ستمطر؟»
قال الرجل: «ممكن.» وتناول شربة كبيرة من مشروب الليمون ووضع الزجاجة جانبًا ثم مسح فمه بمنديله في أناقة. كان من النوع الذي يمكن أن يتحدث عن عمله الخاص على أية حال، بل إنه لم يكن ليتحدث عن أي شيء سوى هذا. قال: «أنا في طريقي لرؤية شخص من معارفي، يقيم في كوخه الصيفي. إنه يعاني من أرق حاد إلى حد أنه لم ينل نومًا هانئًا لليلة واحدة منذ سبع سنوات.» قالت المرأة: «أوه، حسنًا.»
«وأنا ذاهب لأرى إن كان بإمكاني أن أعالجه. سبق أن حققت نجاحًا عظيمًا مع بعض حالات الأرق، ليس بنسبة مائة بالمائة، لكنه نجاح جيد جدًّا.»
«هل تمارس الطب أيضًا؟»
قال الرجل القصير: «لا، لا أفعل. أنا منوِّم مغناطيسي. هاوٍ، ولا أعتبر نفسي إلا هاويًا.»
نظرت إليه المرأة العجوز لعدة لحظات دون أن تقول شيئًا. لكن هذا لم يُثِر استياءه، بل تحرك نحو واجهة المتجر وراح يلتقط أشياء وينظر إليها بطريقة مزهوة ومفعمة بالنشاط. «أراهن بأنكِ لم تري أي شخص في حياتك يقول إنه منوِّم مغناطيسي.» قالها ممازحًا المرأة العجوز. «أنا أبدو كأي شخص آخر، أليس كذلك. أبدو أليفًا تمامًا.»
قالت: «أنا لا أومن بأيٍّ من هذه الأمور.»
أجابها بضحكة. ثم سألها: «ماذا تعنين بأنك غير «مؤمنة» به؟»
«لا أومن بأي نوع من الأمور الخرافية.»
«سيدتي، هذا ليس خرافيًّا، إنه حقيقة واقعة.»
«أدري ما هو في الحقيقة.»
قال: «حسنًا الآن ثمة عدد كبير من الأشخاص يوافقونك الرأي، كبير بدرجة مذهلة. لعلك لم تقرئي مقالًا نُشر منذ نحو سنتين في مجلة «دايجست» بشأن هذا الموضوع؟ كنت أتمنى لو كان معي. كل ما أعرفه هو أنني عالجت رجلًا من إدمان الشراب. عالجت أشخاصًا من كل أنواع الحكة والطفح الجلدي والعادات السيئة، ومن العصبية. لا أدعي أن في استطاعتي علاج كل الناس من عاداتهم العصبية، لكن أستطيع أن أقول إن عددًا من الأشخاص كانوا ممتنين للغاية لي. في غاية الامتنان.»
رفعت المرأة العجوز يديها إلى رأسها ولم تجب.
«ما الأمر سيدتي، هل أنتِ بخير. هل تعانين الصداع؟»
«أنا على ما يرام.»
سألته ماي في جرأة: «كيف عالجت هؤلاء الأشخاص؟» مع أن جدتها طالما حذرتها قائلة: إياك أن أجدك تتحدثين إلى أشخاص غرباء في المتجر.
التفت الرجل القصير في اهتمام، ثم سألها: «لماذا أنومهم مغناطيسيًّا، آنستي الصغيرة؟ أنا أنومهم مغناطيسيًّا. هل تطلبين مني أن أشرح لكِ ما هو التنويم المغناطيسي؟»
احمرَّ وجه ماي التي لم تكن تعلم عمَّ تسأل، ولم تدرِ ما ينبغي أن تقول. رأت جدتها تنظر إليها مباشرةً. كانت المرأة العجوز قد وجهت ناظريها من رأسها إلى ماي بنظرة حادة وكأن نيرانًا اشتعلت ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئًا حيال ذلك، لم تكن تستطع حتى أن تخبرهما ما الأمر.
قالت الجدة: «إنها لا تدري عم تتحدث.»
«حسنًا، الأمر بسيط.» هكذا قال الرجل لماي مباشرةً، بصوت بالغ الحنو، لا بد أنه اعتقد أنه يناسب التحدث إلى الأطفال. «الأمر يشبه أن تنومي شخصًا. إلا أنهم لا ينامون نومًا حقيقيًّا، هل أنت منتبهة إلى ما أقول عزيزتي؟ يمكنك أن تتحدثي إليهم. واسمعي، اسمعي هذا، يمكنك أن تتوغلي داخل عقولهم وتكتشفي أشياء ما كانوا ليتذكروها وهم مستيقظون. وتكتشفي ما خفي من مخاوفهم ومصادر قلقهم التي تسبب لهم المتاعب. والآن، أليس هذا شيئًا رائعًا؟»
قالت المرأة العجوز: «لن تستطيع أن تفعل ذلك معي. سأعلم ما يجرى. لن تستطيع فعل ذلك معي.»
فقالت ماي: «أراهن أنه يستطيع.» قالتها وهي مندهشة من نفسها إلى حد أنها ظلت فاغرة فاها. لم تكن تدري لماذا قالت ذلك. كانت مرارًا وتكرارًا قد شهدت جدتها تواجه العالم الخارجي، لا تواجهه بكبرياء بقدر ما تواجهه بقناعة أساسية صلبة بأن المرأة العجوز ستنتصر. الآن، ولأول مرة بدا لها ثمة احتمال بأن تنهزم جدتها، رأت ذلك على وجه جدتها لا على وجه الرجل القصير الذي اعتقدت أنه لا بد أن يكون مجنونًا، والذي جعلها ترغب في الضحك. ملأتها الفكرة بخوف وبإثارة موجعة لا تُقاوم.
«حسنًا، لا يمكنك الحكم ما لم تجربي.» قالها الرجل كما لو كانت نكتة، ونظر إلى ماي. اتخذت المرأة العجوز قرارها وقالت في ازدراء: «الأمر ليس مهمًّا بالنسبة لي.» ووضعت كوعيها فوق النَّضُد وأمسكت برأسها بين يديها كما لو كانت تضغط شيئًا ما بداخلها. قالت: «أشفق أن أضيِّع وقتك.»
«عليكِ أن تستلقي كي تسترخي أكثر.»
«الجلوس …» قالتها ثم بدت للحظة أنها تلهث، ثم أردفت: «الجلوس جيد جدًّا بالنسبة لي.»
عندئذٍ أخذ الرجل فتاحة قنانيَّ من على بطاقة حُليٍّ صغيرة رخيصة كانوا يبيعونها في المتجر، ومشى خطوات كي يقف أمام النَّضُد. لم يكن في عجلة من أمره. وعندما بدأ يتكلم، كان بصوت طبيعي لكنه مختلف بعض الشيء، فقد بات صوته أهدأ ولا يحمل أي انفعالات. قال بهدوء: «الآن، أعرف أنكِ تقاومين هذه الفكرة. أعلم أنكِ تقاومينها وأعلم السبب. السبب هو أنكِ خائفة.» ندا عن المرأة العجوز صوت ينم عن احتجاج أو انزعاج، فرفع هو يديه، لكن برفق. ثم واصل: «أنتِ خائفة. كل ما أرغب أن أريك إياه، كل ما أقصد أن أريكِ إياه، أن لا شيء ينبغي أن تخشيه. ليس هناك ما ينبغي أن تخشيه. لا شيء. لا شي ينبغي أن تخشيه. أريدكِ فقط أن تثبتي نظرك على هذا الشيء المعدني اللامع الذي أمسكه بيدي. هذا جيد، فقط أبقي عينيك مثبَّتتين عليه. لا تفكري. لا تقلقي. فقط قولي لنفسك: ليس هناك ما ينبغي أن أخشاه، ليس هناك ما أخشاه، ليس هناك ما أخشاه …» ثم أصبح صوته عميقًا، ولم يعد باستطاعة ماي أن تتبين ما يقول. مكثت مستندة إلى ثلاجة المشروبات الغازية. أرادت أن تضحك، لم يكن يسعها أن تمنع نفسها من ذلك، وهي ترى مؤخر رأس هذا الرجل المتواضع المظهر بعض الشيء وكتفيه المستديرتين المنتفضتين البيضاوين. لكنها لم تضحك لأنها كانت يجب أن تنتظر رؤية ما ستفعله جدتها. إذا حدث واستسلمت جدتها للأمر فسيكون هذا حدثًا مزلزلًا شأنه شأن الزلازل أو الفيضانات، سيُحدِث تصدعًا في أساسات حياتها ويمنحها حرية مهولة. حملقت المرأة العجوز في فتاحة القناني في يد الرجل في طاعة هائلة دون أن يرمش لها جفن.
قال: «الآن أريدكِ فقط أن تخبريني، إذا كنتِ ما تزالين تستطيعين رؤية … إذا كنت تستطيعين رؤية …» وانحنى للأمام لينظر في وجهها. «أريدكِ أن تخبريني إذا كنتِ ما تزالين تستطيعين رؤية …» كان وجه المرأة العجوز بعينيه الباردتين الكبيرتين وهيئته الضارية المتيبسة في بُعد خاص وحده. توقف الرجل وتراجع بظهره.
قال: «مهلًا، ما الأمر؟» لم يقلها بصوته المنوِّم بل بصوته العادي، بل بصوت أكثر حدة من العادي، ما جعل ماي تقفز معتدلة. راح يقول: «ما الخطب سيدتي؟ هيا، استيقظي.» ولمس كتفها ليهزها هزةً خفيفة. فسقطت المرأة إلى الأمام، ونظرة ازدراء مفرط ما تزال على وجهها، مرتطمةً بالطاولة بصوت عالٍ، ومبعثرةً على الأرض عددًا من علب المناديل الورقية والعلكة الفقاعية وزينة الكعك. أسقط الرجل فتاحة القناني ونظر إلى ماي مصدومًا وهو يصيح: «لست المسئول … هذا لم يحدث من قبل.» وركض خارجًا من المتجر إلى سيارته. حين سمعت ماي صوت تشغيل محرك السيارة هرعت خلفه، كما لو كانت تريد أن تطلب شيئًا ما، كما لو كانت تريد أن تقول: «ساعدني» أو «لا تذهب.» لكنها لم تطلب أي شيء، بل وقفت فاغرةً فاها وسط سحابة الغبار أمام مضخة البنزين، ولم يكن هو ليسمعها على أية حال؛ فقط انعطف بحركة عنيفة نحو الطريق ملوحًا بيده في استنكار من نافذة السيارة، وزمجر محرك السيارة وهو يبتعد نحو الشمال.
وقفت ماي خارج المتجر ولم تمر أية سيارات أخرى على الطريق السريع، ولا واحدة. كانت كل الأفنية خاوية في «بلاك هورس». كانت حبات المطر قد بدأت تتساقط قبل ذلك بوهلة قصيرة، وتتقاطر حولها منفصلةً، ومحدثةً صوت طقطقة جراء ارتطامها بالتراب. أخيرًا، عادت وجلست على عتبة المتجر التي يتساقط المطر عليها أيضًا. كان الجو دافئًا للغاية ولم تكن تشعر بانزعاج من المطر. جلست وساقاها مطويتان تحتها تتطلع إلى الطريق، إلى حيث يمكنها أن تذهب الآن في أي اتجاه تشاء، وإلى العالم الذي بدا مبسوطًا ومتاحًا وغارقًا في الصمت أمامها. كانت تجلس في انتظار أن تأتي تلك اللحظة، اللحظة التي لن يسعها فيها أن تنتظر أكثر، والتي ستضطر فيها للنهوض والدخول إلى المتجر حيث المكان أكثر عتمةً من أي وقت مضى، بسبب المطر، وحيث ترقد جدتها ملقاةً فوق الطاولة ليست ميتةً فحسب، بل ومنتصرة أيضًا.
رقصة الظلال السعيدة |
سلام أوترخت
١
لي ثلاثة أسابيع حتى الآن في منزل العائلة ولم يكن الأمر موفقًا. فأنا ومادي، مع أننا نتحدث بمرح عن بهجتنا بزيارة طويلة وحميمة كهذه، سنرتاح من حمل يثقلنا حين تنتهي هذه الزيارة. الصمت يربكنا؛ لذا نضحك على نحو مبالغ فيه. أخشى — وأغلب الظن أن كلتينا تخشى — حين تأتي لحظة قول إلى اللقاء، إذا لم تسارع إحدانا بتقبيل الأخرى وتعصر إحدانا كتف الأخرى بحرارة زائفة، أن نضطر لأن نواجه المسافة الشاسعة بيننا ونعترف بأن كلًّا منا ليست فقط غير مكترثة للأخرى، بل يُضاف إلى ذلك أننا في صميم قلبينا ترفض إحدانا الأخرى؛ وبالنسبة لذلك الماضي الذي نبالغ في الحديث عن تشاركنا إياه، فنحن لم نتشاركه على الإطلاق، بل تحتفظ به كلٌّ منا لنفسها في غيرة وحرص، تفكر في نفسها بأن الأخرى صارت غريبة عنها، وخسرت ما لها من حقوق عليها.
وعندما يهبط الليل، كثيرًا ما نجلس في الخارج على سلالم الشرفة، نشرب الجين وندخن بشراهة كي نهزم الناموس ونرجئ وقت الذهاب إلى النوم إلى ساعة متأخرة. الجو حار، والمساء يستغرق طويلًا حتى ينبلج الصبح، والمنزل القرميدي المرتفع، الذي يظل باردًا إلى حد ما حتى منتصف ما بعد الظهيرة، يُبقِي حرارة النهار حبيسة فترة طويلة بعد حلول الظلام. كانت هذه هي الحال دائمًا؛ وأتذكر أنا ومادي كيف كنا نجر مرتبتنا إلى الشرفة في الدور السفلي، حيث نستلقي ونعد النجوم التي تتهاوى ونحاول أن نظل مستيقظتين حتى طلوع الفجر. لكننا لم نفعل قط؛ لأن النعاس كان يغلبنا كل ليلة في الوقت الذي يَنسِم فيه تيار هواء بارد قادم من ناحية النهر، حاملًا رائحة البوص ورائحة الطين الأسود في قاع النهر. في العاشرة والنصف تمر حافلة عبر المدينة، لا تبطئ كثيرًا، نراها مارةً عند طرف شارعنا. إنها الحافلة نفسها التي كنت أستقلها عند عودتي من الكلية إلى المنزل. وأتذكر وأنا أدخل جوبيلي في إحدى الليالي الحارة، رؤية الأرض عارية حول الجذور الضخمة للأشجار، ونافورة الشرب محاطة ببريكات ماء صغيرة في الشارع الرئيسي، ولافتات صعبة القراءة مكتوب عليها بالأضواء الزرقاء والحمراء والبرتقالية «بلياردو ومقهى»، شاعرةً وأنا أتبين هذه اللافتات بإحساس غريب من القمع والتحرر، وأنا أستبدل بعالم المدرسة الترويحي كله — عالم الأصدقاء، وفيما بعد، عالم الحب — العالم المظلم لمحنة لا تنتهي، عالم المنزل. لا بد أن مادي التي كانت تقطع نفس الرحلة منذ أربع سنوات راودها هذا الشعور أيضًا؛ أود أن أسألها: هل يمكن لأطفال في مرحلة نشأتهم، مثلما كنا، أن يفقدوا القدرة على أن يصدقوا وجود — أن يألفوا — أي واقع مستقر وعادي؟ لكنني لا أسألها، فنحن لا نتحدث عن أي شيء من هذا. لا سلوى هنا! هكذا قالت مادي بصوتها المبتهج الرفيع بطابع اللهجة العامية التي كنت نسيتها، لن تكئب إحدانا الأخرى. وهذا ما فعلناه.
ذات ليلة أخذتني مادي إلى حفلة عند البحيرة، التي تبعد نحو ثلاثين ميلًا إلى الغرب من هنا. كانت الحفلة مقامة في كوخ استأجرته امرأتان من جوبيلي لهذا الأسبوع. معظم النساء هناك بدا أنهن أرامل أو عَزَبات أو منفصلات أو مطلقات؛ أما الرجال فكان أغلبهم شُبَّانًا غير متزوجين، من كانوا من جوبيلي من بينهم كانوا صغار السن إلى درجة أنهم ذكَّروني بفتيان الصفوف الأولى. كان هناك رجلان أو ثلاثة أكبر سنًّا، من دون زوجاتهم. أما النساء فمن المستغرب أنهن كن يذكِّرنني بنساء كنت أعرفهن في طفولتي، مع أنني بطبيعة الحال لم أكن أرى قط شخصيات هؤلاء النساء في الحفلات، لم أكن أرى إلا عملهن في المتاجر والمكاتب، وفي كثير من الأحيان، في مدارس الأحد في جوبيلي. كن يختلفن عن النساء المتزوجات في كونهن أكثر دراية بوضعهن في الدنيا، وأنشط وأذكى وأغلظ قليلًا (مع أنني أُكنُّ لهن جميعًا الاحترام عدا واحدة أو اثنتين). كن يرتدين ملابس لا شك في أناقتها وإن كانت وقورة، وكثيرًا ما كانت تهف وترف فوق كورسيهاتهن المطاطية المشدودة بإحكام، ويضعن العطور، قدرًا كبيرًا منها، على أزهارهن الصناعية. وكانت صديقات مادي متمدينات إلى حد كبير، فقد كن يستخدمن على شعورهن غسول اللون النحاسي، ويصبغن جفونهن باللون السماوي، ويتمتعن بقدرة عاتية على ألا يسكرن من احتساء الشراب.
كنت أرى أن مادي لا تبدو واحدة منهن، بجسدها الضئيل وشعرها الداكن الذي ما زالت تصففه دون عناية، ووجهها الذي صار نحيلًا ومشدودًا من دون أن يفقد تمامًا نظرة الفتاة التي تعلوه والتي تشي بالصفاقة والزهو. لكنها ما زالت تتكلم بالخُنَّة الفجة للهجة المحلية، التي كنا في الماضي نسخر منها. وكانت رابطة الجأش وهي تعربد وتشرب. فقد بدا لي أنها لا تدخر جهدًا كي تبدو واحدة من هؤلاء الأشخاص وأنها قد تنجح في ذلك سريعًا. بدا لي أيضًا أنها كانت تود أن أراها تنجح، أراها تتنكر لتلك الخيلاء السرية المبهجة الرهيبة بحق، التي كانت فينا حينما كنا طفلتين معًا، وكنا نمنِّي نفسينا، بطبيعة الحال، بأمور أكبر بكثير من جوبيلي.
أثناء اللعبة التي تضع فيها كل واحدة من النساء قطعة من الملابس — يبدأ الأمر بفردة حذاء من باب الاحتشام والتأدب — في سلة، ثم يأتي كل الرجال ويتنافسون في محاولة ملاءمة كل قطعة على صاحبتها الأصلية، خرجت للخارج ومكثت في السيارة، حيث شعرت بوحشة لزوجي وأصدقائي، واستمعت إلى أصوات الجذل الصادرة من الحفل وإلى الأمواج وهي تتهاوى على الشاطئ، ثم غلبني النعاس. جاءت مادي بعد ذلك بفترة طويلة جدًّا وقالت: «بحق السماء!» ثم ضحكت وقالت بعبث سيدة في فيلم سينمائي إنجليزي: «ألا تروق لكِ هذه الفعاليات؟» ضحكنا نحن الاثنتان، وشعرتُ برغبة في الاعتذار، وبشيء من الاعتلال لأنني شربت ولم أثمل. «قد لا تكون لهم قدرة تُذكر على خوض حوار فكري لكن قلوبهم بيضاء، كما يقول المثل.» لم أجادل في هذا، وقطعنا رحلة العودة من إنفرهورون إلى جوبيلي بسرعة ثمانين ميلًا في الساعة. ومنذ ذلك الحين لم نذهب إلى أي حفل آخر.
لكننا لا نكون وحدنا دائمًا حين نجلس على السلم؛ ففي كثير من الأحيان ينضم إلينا رجل يُدعى فريد باول. كان موجودًا في الحفل، جالسًا في الخلفية في استرخاء يحاول أن يتذكر صاحب كل كأس من كئوس الشراب، بينما يقف بالقرب من سور الشرفة المتهالك. كان قد نشأ في جوبيلي مثلنا لكنني لا أتذكره، ربما لأنه ارتاد المدرسة قبلنا ببضع سنوات ثم ذهب بعد ذلك إلى الحرب. فاجأتني مادي بدعوته إلى العشاء في أول ليلة وصلت فيها هنا، وبقضائه الأمسية معنا، وأمسيات عديدة بعد ذلك، جاعلةً هذا الغريب شاهدًا على طفولتنا، أو على نسخة طفولتنا المحفوظة في أمان في حكي النوادر، في شيء يشبه السيلوفان الفكري. كم كانت الخيالات التي نسجناها حول صورتينا الواهيتين ونحن طفلتين رائعة، إلى حد أنهما ظهرتا مرحتين وتغيرتا تغيرًا جعلهما صورتين أخريين لا نعرفهما. إننا ماهرتان في سرد القصص معًا. فريد باول يقول: «لديكما ذكريات رائعة أيتها الفتاتان» ويجلس يراقبنا بإعجاب وبشيء آخر — تحفظ واضطراب واستهجان — كالذي يبدو على وجوه الأشخاص المتروين الهادئين وهم يشاهدون المهازل المثيرة للممثلين الكوميديين.
الآن وأنا أفكر في فريد باول، أعترف بأن ردة فعلي إزاء هذا — هذا «الوضع»، كما أسميه — كانت أكثر تقليدية بكثير مما توقعت، بل كانت حمقاء. أنا لا أدري حتى ما هو الوضع في الواقع. أعلم أنه متزوج؛ فمادي أخبرتني بذلك في الأمسية الأولى، بطريقة من تريد إخباري بالأمر وحسب. لكن زوجته عليلة، ومادي تقول إنه يأخذها إلى البحيرة في الصيف، وإنه بار بها للغاية. أنا لا أدري إن كان عشيقًا لمادي، وهي لن تخبرني أبدًا. لكن لماذا ينبغي أن يعنيني هذا الأمر؟ إن مادي تعدت سن الثلاثين منذ زمن. لكنني لا أكفُّ عن التفكير في الطريقة التي يجلس بها على سلالمنا ويداه منبسطتان فوق ركبتيه الممدودتين، ووجهه الهادئ الممتلئ متجه باستغراق شبه تام ناحية مادي وهي تتحدث. إن له نظرة رجولية محببة توحي بأنه مستمتع لكنه غير مهتم. تغيظه مادي مازحة، فتخبره بأنه بدين جدًّا، أو أنه لن يدخن سيجارته، أو تقحمه في جدالات لطيفة ذات طبيعة خاصة تحتدم بينهما، ولا معنى لها ولا نهاية. وهو لا يمانع في ذلك. (وهذا ما يخيفني، أعلم الأمر الآن: هو لا يمانع، «وهي محتاجة لذلك».) حين تكون مادي ثملة قليلًا تقول بنبرات تهكمية تحمل ما يشبه التبرير إنه صديقها الحقيقي الوحيد. وتقول عنه إنه يفهمها ولا أحد غيره قادر على ذلك. ليس لديَّ رد على هذا.
ثم أبدأ أتساءل ثانيةً: هل هو «وحده» صديقها؟ لقد نسيتُ قيودًا معينة مفروضة على الحياة في جوبيلي — وهذا واقع حقيقي بصرف النظر عما تقوله روايات الجيب عن الحياة في المدن الصغيرة — ونسيت أيضًا كيف يمكن أن تزدهر في ظل هذه القيود صداقات محترمة قوية، لا يقال صراحةً أبدًا إنها جنسية، بل وتتغذى على هذه القيود أيضًا، إلى حد أن العلاقات من هذا النوع تستحوذ في نهاية المطاف على نصف حياة المرء. أكأبتني هذه الفكرة كثيرًا (العلاقات التي لا تُكلل بالزواج قد تخيب أمل من ليسوا طرفًا فيها أكثر من أي شخص آخر) لدرجة أنني وجدت نفسي أتمنى أن يكونا في حالة حب حقيقي. •••
إيقاع الحياة في جوبيلي موسمي بإيقاع ثابت؛ فالوفيات تحدث في الشتاء، والزيجات تُعقد في الصيف. لكن ثمة سبب وجيه لهذا، هو أن الأشتية طويلة وحافلة بالعناء، ومن ثم، قد لا يقوى الضعفاء والمسنون دائمًا على اجتيازها. فالشتاء الماضي كان كارثيًّا، على نحو يمكن توقع حدوثه كل عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة؛ كان من الممكن أن ترى كيف كانت أرصفة الشوارع مكسرة، كما لو كانت المدينة قد خرجت لتوها من قصف مدفعي على هامش حرب. في هذه الأوقات، يتعامل الناس مع الموت في خضم صعوبات بالغة؛ ثم يأتي في الصيف وقت للتفكير في الأمر، والحديث عنه. فأنا أرى الناس يستوقفونني في الشارع للحديث عن أمي. سمعت منهم عن جنازتها؛ نوع الزهور التي حظيت بها وحالة الطقس في ذلك اليوم. والآن وقد ماتت، لم أعد أشعر حين يقولون كلمة «أمُّكِ» أنهم يتعمدون توجيه ضربة ماكرة لكبريائي. كنت من قبل أشعر بهذا، حين أسمع هذه الكلمة كنت أشعر أن كياني كله، ذلك الصرح الفتي الزائف، يتداعى وينهار.
الآن أسمعهم يتحدثون عنها، بلطف ولياقة، فأدرك أنها صارت من ممتلكات المدينة وعجائبها، من أساطيرها الموجزة. وقد حَققَت هذا رغمًا عنا، لأننا كنا نحاول، بفجاجة وبدهاء، أن نبقيها في المنزل، بعيدًا عن تلك السمعة المحزنة؛ لا لصالحها، بل لصالحنا، فنحن اللتان كانتا تعانيان من مثل هذا الخزي العظيم من منظر مقلتيها اللتين كانتا تنقلبان لأعلى في محجريهما نتيجة شلل مؤقت في عضلات العين، ومن وقع صوتها المتثاقل، الذي كانت وظيفتنا أن نترجم للغرباء منطوقاته المحرجة. كانت التأثيرات التي يحدثها مرضها غريبةً بدرجة جعلتنا نشعر أننا نضجُّ بالاعتذار (مع أننا كنا نحتفظ بصلابتنا وتحفظنا) كأننا ضمن أحد العروض البالغة الرداءة التي تقام في الشوارع أثناء الكرنفالات. كل هذا قضى على كبريائنا؛ تخلصنا من حدة حنقنا من خلال رسم صور كاريكاتورية جامحة كانت إحدانا تعدُّها للأخرى (لا، ليست صورًا كاريكاتورية، إنما محاكاة، لأنها كانت نفسها صورة كاريكاتورية). كان ينبغي لنا أن نتركها لرعاية أهل المدينة، كانت ستلقى معاملةً أفضل.
إنهم لا يتحدثون عن مادي وسهرها على رعاية أمي طوال عشر سنوات إلا بأقل القليل، ربما رغبةً منهم في الحفاظ على مشاعري، غير ناسين أنني أنا التي رحلت، وها هما طفلاي أمارة على ذلك، بينما مادي وحيدة ولا شيء لديها الآن سوى ذلك المنزل الكئيب. لكنني لا أعتقد ذلك، ففي جوبيلي لا تُراعى المشاعر بهذه الطريقة. فهم يسألونني مباشرةً عن السبب وراء عدم مجيئي المدينة لحضور الجنازة. أنا مسرورة أن العاصفة الثلجية العنيفة التي تسببت في وقف حركة الطيران في ذلك الأسبوع وفرت لي عذرًا لعدم الحضور، لأنني لا أدري ما إذا كنت سأحضر هذه الجنازة على أية حال، بعد أن كتبت إليَّ مادي رسالة ملتهبة المشاعر تحثني فيها على أن أظل بعيدة. راودني شعور قوي بأن من حقها أن تنفرد بهذه المناسبة، إذا شاءت ذلك، بعد مرور كل هذه الفترة.
بعد مرور كل هذه الفترة، مادي هي التي بقيت. كانت هي من رحل أولًا للالتحاق بالكلية، ثم رحلتُ أنا. قالت لي: امنحيني أربع سنوات، ثم أمنحك أنا بعد ذلك أربعًا مثلها. لكنني تزوجت. لم تتفاجأ؛ كانت حانقة عليَّ بسبب ما أشعر به من شعورٍ بائس وغير مجدٍ بالذنب. قالت إنها دائمًا كانت عازمة على البقاء. وإن أمي لم تعد تشكل مصدر «ضيق» لها. قالت: «لقد فاض الكيل بي من أمنا غريبة الأطوار الآن، ولم أعد أفعل شيئًا حيالها. كففت عن محاولاتي المستمرة أن أجعل منها «إنسانة»، كما تعلمين.» لكن من قبيل التبسيط المفرط أن أفترض بأن مادي متدينة، وأنها كانت تشعر بمباهج التضحية بالذات، بالجاذبية الروحانية القوية لنكران الذات التام. لكن من ذا الذي يمكن أن يقول ذلك عن مادي؟ في مراهقتنا، عندما كانت خالتانا، الخالة آني والخالة لو، تتحدثان إلينا عن أحد الأبناء أو البنات البررة الذين ضحوا بكل شيء في سبيل رعاية أحد الأبوين في مرضه، كانت مادي تستشهد بآراء الطب النفسي الحديث على نحو لا يدل على تدين. لكنها بقيت. كل ما يمكنني قوله عن هذا — كل ما أمكنني أن أفكر فيه على الإطلاق — لتعزية نفسي إنها ربما كانت قادرة على ذلك، بل وربما اختارت أن تعيش بمعزل عن الزمن في حرية تامة متخيلة، كما يفعل الأطفال، مستقبل لا يعبث به أحدهم، حيث كل الخيارات متاحة دائمًا. •••
يسألني الناس — كي يغيِّروا الموضوع — عن شعوري حيال العودة إلى جوبيلي، لكنني لا أدري، ما زلت أنتظر شيئًا يخبرني بذلك، يجعلني أدرك أنني عدت. ففي اليوم الذي وصلت فيه من تورونتو بصحبة طفليَّ في المقعد الخلفي للسيارة كنت في غاية التعب في آخر مراحل رحلة طولها ألفان وخمسمائة ميل. كنت مضطرة للسير خلال منظومة معقدة من الطرق السريعة والفرعية، لأن ما من طريق سهل للوصول إلى «جوبيلي» من أي مكان على الأرض. ثم في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر رأيت أمامي القبة المبهرجة المقشرة، المألوفة والمفاجأة، لمجلس المدينة، التي لا تمتُّ بأي صلة على الإطلاق إلى معمار أبنية المدينة المبنية على نحو بسيط، بالقرميد الأحمر والرمادي المتسخ. (معلق أسفل هذه القبة جرس هائل الحجم، يُقرَع في حال حدوث كارثة لن تحدث.) قدت سيارتي نحو الشارع الرئيسي — مركز خدمة جديد، وواجهة زخرفية جديدة لفندق كوينز — وانعطفت نحو الشوارع الجانبية المتهالكة تمامًا التي تعيش فيها العَزَبات المُسنَّات، اللائي لديهن في حدائقهن فسقيات الطيور وزهور نباتات العائق الزرقاء. كانت البيوت الكبيرة المبنية بالقرميد التي عرفتها، بشرفاتها الخشبية ونوافذها ذات الأسلاك الداكنة، تبدو لي حقيقية لكن غير واقعية. (كان كل من أتحدث إليه عن الجو العام المقبض الشبيه بجو الأحلام لهذه الشوارع يرغب في أخذي إلى الجانب الشمالي من المدينة حيث يوجد مصنع جديد لتعبئة زجاجات المياه الغازية، وعدد من البيوت على طراز بيوت المزارع وفرع من فروع تيستي فريز.) أوقفت سيارتي في بقعة ظليلة صغيرة أمام المنزل الذي كنت أسكن فيه. تساءلت ابنتي الصغيرة مارجريت بصوت هادئ حمل قدرًا من عدم التصديق: «أمي! هل هذا منزلك؟»
شعرت في صوت ابنتي بخيبة أمل مضاعفة — بدت أنها، كعادتها، تصالحت معها، أو فعلت ذلك «سلفًا» قبل أن ترى المنزل — احتوت كل فتور وغرابة اللحظة التي انكشفت فيها الحقيقة، المحبطة، المؤسفة، المستعصية لمنبع الأساطير. بدا القرميد الأحمر للبيت قاسيًا وحارًّا تحت الشمس، يعلوه في موضعين أو ثلاثة شقوق طويلة تشوِّه منظره؛ أما الشرفة، التي كانت دائمًا فقيرة الزينة، فكانت مائلة متداعية على نحو جَلِيٍّ. كانت هناك — ولا تزال — نافذة وهمية ذات زجاج ملون إلى جانب الباب الأمامي. ظللت أحدق فيها، متحيرة لا أدرك ما أحس به. ظللت أنظر إلى البيت ولم تتحرك مصاريع النوافذ، ولم ينفتح الباب بغتة، ولم يخرج أحد إلى الشرفة؛ لم يكن ثمة أحد بالمنزل. كان هذا ما توقعته، لأن مادي تعمل الآن في مكتب مجلس المدينة، لكنني فوجئت من استحالة البيت إلى هذا المنظر الفقير الأجرد الموصد، لمجرد عدم وجود أحد به. وأدركت، وأنا أمشي عبر الباحة الأمامية إلى السلالم، أنني قد نسيت، بعد قضائي كل هذه الأصياف على الساحل، ما تتسم به المدن الداخلية من حر قائظ، يجعلك تشعر وكأنك تحمل فوق رأسك السماء المحرقة برمتها.
ثمة لافتة، مكتوبة بخط مادي المنمق والطفولي بعض الشيء، معلقة على الباب الأمامي تقول: «مرحبًا بالزوار، الأطفال مجانًا، والأسعار سنتفق عليها لاحقًا (ستندمون) تفضلوا بالدخول.» فوق طاولة الردهة توجد باقة من زهور الفلوكس الوردية، عبَّقت بعبيرها الناعم الهواء الحار لمنزل مغلق بعد ظهيرة يوم صيفي. قلت للطفلين: «إلى الدور العلوي!» آخذة بيد طفلتي وأخيها الأصغر، الذي كان قد نام في السيارة، وأخذ يتمسح فيَّ، ناشجًا، وهو يسير. ثم توقفت، وإحدى قدميَّ على أولى درجات السلم، واستدرت لأستقبل، دونما قصد منِّي، صورة امرأة على وجهها علامات طول السهر، مسمرة، نحيلة، لها ملامح أُمٍّ شابة، شعرها معقود فوق قمة رأسها، لها صدغان لم يعودا لحيمين انسيابيين، ورقبة سمراء تطل بمنظر مشدود من العقد العظمية الحادة للترقوة؛ كان هذا في مرآة الردهة التي كنت قد طالعت فيها، آخر مرة نظرت إليها، صورة فتاة عادية الجمال، وجهها غير متأثر بما يجيش داخلها، وناعم كثمرة التفاح، مهما كان ما يخبئ وراءه من ذعر أو اضطراب.
لكنني لم أكن قد استدرت لهذا الغرض؛ أدركت أنني ربما كنت أنتظر أن تنادي أمي، من فوق أريكتها في غرفة الطعام، حيث ترقد والستائر مُسدلة لحجب حر الصيف، تحتسي فناجين الشاي التي لم تُنهِ أيًّا منها قط، وتأكل — كانت، كطفل سقيم، ليس لها مواعيد للوجبات على الإطلاق — سلطانيات صغيرة فيها فاكهة محفوظة وفتات الكعك. تراءى لي أنني لا يمكن أن أغلق الباب ورائي دون أن أسمع صوت أمي الضعيف ينادي، فأشعر بنفسي متثاقلة تمامًا وأنا أهم بإجابتها. كانت تصيح: «من هناك؟»
أخذت طفليَّ إلى غرفة النوم الكبيرة في خلفية المنزل، حيث كنت أنام أنا ومادي. كانت تحوي فوق نوافذها ستائر بيضاء رقيقة، تكاد تكون ناحلة بالية، ومشمعًا مربعًا فوق الأرضية؛ كان بالحجرة سرير يتسع لشخصين، وطاولة عليها حوض وإبريق للاغتسال كنت أنا ومادي نستخدمها كطاولة حينما كنا في المدرسة الثانوية، ودولاب للملابس ذو مرايات صغيرة في الجوانب الداخلية لأبوابه. وأنا أتحدث إلى طفليَّ كنت أفكر — لكن بإمعان، ودون استعجال — فيما كانت تفكر فيه أمي وهي تصيح «من هناك؟» كنت أسمح لنفسي — وكأنني لم أجرؤ على فعل ذلك من قبل — بأن أسمع التماس المساعدة — السافر، آه، السافر والفج والمتضرع على نحو مهين — في نبرة صوتها. كانت الصيحة تتردد كثيرًا، ولا يتغير شيء، دون أي جدوى، حتى صرت أنا ومادي نعتبرها مجرد صوت من الأصوات التي يصدرها المنزل ويتعين معالجة سببها، كي لا تنتهي إلى ما هو أسوأ. كانت إحدانا تقول للأخرى: «اذهبي لتتعاملي مع أمي» أو «عليَّ أن أتعامل مع أمي، لن أستغرق أكثر من دقيقة.»
قد يتضمن الأمر أن نقوم ببعض الخدمات البسيطة والكريهة التي لا تكف عن احتياجها، أو أن نضطر لمنحها خمس دقائق من حديث مبهج على نحو مقتضب، وكنا نفعل ذلك بعدم اكتراث لا يعرف الرحمة لدرجة أننا لم نكن ندرك للحظة حقيقة الأوضاع، من دون أية بارقة شفقة تفك ولو لمرة حصار دموعها المضني الطويل. لكن الشفقة لم تعرف طريقها إلى قلبينا، والدموع كانت لتسيل على أية حال، بحيث كنا ننهزم، فنضطر — رغبةً في إيقاف هذه الضوضاء — للتظاهر بإبداء الحب. لكننا صرنا أكثر دهاءً، وصرنا نقدم العناية الفاترة؛ فنزعنا غضبنا وفراغ صبرنا واشمئزازنا، نزعنا كل المشاعر من تعاملنا معها، كما يحدث عندما يُمنع اللحم عن سجين رغبةً في إسقامه، حتى الموت.
كنا نأمرها أن تقرأ، أن تستمع إلى الموسيقى وتستمتع بتعاقب الفصول وتشعر بالامتنان لأنها لم تُصَب بالسرطان، وأنها أيضًا لا تعاني من أية آلام، وهذا صحيح؛ إن لم يكن الحبس في حد ذاته ألمًا من الآلام. في الوقت نفسه كانت هي تطلب حبنا بكل طريقة تخطر على بالها، دون خجل أو حساسية، بتشبث كتشبث الأطفال. قلت في نفسي: كيف لنا أن نحبها، كانت منابع الحب داخلنا شحيحة، وكان قدر الحب المطلوب منا هائلًا أكثر مما يمكن. ثم إن هذا لم يكن ليغيِّر أي شيء.
كانت تقول: «لقد سُلب مني كل شيء.» كانت تقولها للغرباء، ولأصدقائنا الذين كنا نفشل دائمًا في محاولاتنا أن نعزلهم عنها، ولصديقاتها القديمات اللائي كن يأتين، مدفوعات بالشعور بالذنب، لرؤيتها على فترات متباعدة، كانت تتكلم بنفس الطريقة، بنفس الصوت الثقيل الحزين الذي لم يكن مفهومًا أو لم يكن بشريًّا تمامًا؛ وكنا نضطر لترجمة ما تقول. كانت هذه السلوكيات المسرحية تشعرنا بإذلال يكاد يقتلنا، لكني الآن أرى أنها لولا إصرارها على تغذية تلك الأنانية حتى وهي على شفا كارثة، كانت ستغرق سريعًا في حياة مضجرة كئيبة. ظلت تجعل نفسها على صلة بالعالم قدر ما استطاعت، دون أن تعبأ بمدى تقبل الناس لها؛ كانت لا تكف عن الطواف في المنزل وفي شوارع جوبيلي. أوه، لم تكن تستسلم؛ لا بد أنها ذرفت الدمع وكافحت حتى النهاية في ذلك المنزل الحجري (كما أستطيع أن أتخيل، لكني لن أفعل).
لكني لا أزال أرى الصورة ناقصة؛ صورة أمنا الغريبة الأطوار، وراء ما يمثله الشلل الرعاش من قناع مريع بارد جاثم فوق ملامحها، بتثاقلها وبكائها وشرهها لأن تحظى بالاهتمام متى تسنى لها أن تناله، بعينيها الميتتين الحمراوين، المطلتين بثبات على داخل نفسها؛ وليس هذا كل شيء. فهذا المرض عشوائي وبطيء في تدهوره، فقد كانت في بعض الأصباح (التي أخذت تقل شيئًا فشيئًا وتتباعد فيما بينها) تصحو في حال أفضل، وتخرج للفناء وتسوي نبتة من النباتات بالطريقة البسيطة لربة المنزل، وتقول لنا كلامًا رصينًا وواضحًا ومفهومًا، وتنصت في اهتمام إلى الأخبار. وتحاول، كمن استيقظ من حلم مزعج، أن تعوِّض ما ضاع من الوقت، فترتب المنزل، وتُجبِر يديها المتيبستين المرتجفتين على العمل قليلًا على ماكينة الخياطة، وتصنع لنا أحد أطباقها المميزة؛ كعك الموز أو فطيرة كِريمة الليمون. منذ أن ماتت، أحلم بها من آن لآخر (لم أكن أحلم بها قط حينما كانت على قيد الحياة) وأراها تفعل شيئًا من هذا القبيل، وأفكر: لماذا أضخِّم لنفسي الأمر؟ انظري، إنها على ما يرام، جلُّ ما هنالك أن يديها ترتجفان …
في نهاية فترات الهدوء هذه كان يعتريها نوع من الطاقة الهدامة، فتتحدث على نحو مُلحٍّ بترابط منطقي يقل شيئًا فشيئًا، وتطلب منا أن نضع لها أحمر الخدود ونصفف شعرها؛ وقد تستأجر في بعض الأحيان خيَّاطة لتأتي وتحيك لها بعض الملابس في غرفة الطعام حيث يمكنها أن تراقبها وهي تعمل، وتعود لتمضي وقتها أكثر فأكثر فوق الأريكة. كان هذا زائدًا عن الحد، ومبالغًا فيه من أي وجهة نظر عملية (إذ ماذا كانت حاجتها إلى هذه الملابس، أين كانت سترتديها؟) ومرهقًا للأعصاب لأن الخيَّاطة لم تكن تفهم ما تريده أمي، ولا كنا نحن أيضًا نفهم في بعض الأحيان. أتذكر بعد أن رحلت أنا أنني تلقيت من مادي عدة رسائل حائرة، ومسلية، وعصبية تمامًا، تصف فيها هذه الجلسات مع الخياطة. قرأتُها متعاطفة لكن دون أن أقدر على دخول مناخ الإحباط والخبل الذي أَلِفته يومًا ما والذي كانت طلبات أمي كفيلة بصنعه. على أرض الواقع، لم يكن من الممكن بعثها من جديد، وبدت لي صورة وجهها التي يحملها عقلي مروعة للغاية، وغير حقيقية. بالمثل، كان التوتر المضاعف الناجم عن العيش معها، ومشاعر الهستيريا التي كنت أنا ومادي نبددها في الماضي من خلال قدر هائل من الضحك المر، كل هذا قد بدأ الآن يبدو لي خياليًّا إلى حد ما؛ وشعرت ببوادر إحساس مذنب وسري بالوحشة. •••
جلست في الغرفة مع طفليَّ فترة قصيرة لأنها كانت مكانًا غريبًا، فبالنسبة لهما لم تكن سوى مكان غريب آخر ليناما فيه. حينما نظرت إليهما في هذه الغرفة شعرت أنهما محظوظان للغاية وأن حياتهما آمنة وسهلة. أظن أن معظم الآباء يفكرون على هذا النحو في وقت من الأوقات. نظرت في دولاب الملابس لكنه كان خاويًا، إلا من قبعة مزينة بزهور من متجر السلع الرخيصة، لا بد أن إحدانا صنعتها لأحد أعياد الفصح المبهجة. حينما فتحت درج طاولة الاغتسال رأيت أنه مكتظ بصفحات من مفكرة مفكوكة الأوراق. قرأت: «سلام أوترخت، عام ١٧١٣، وضع حدًّا لحرب الخلافة الإسبانية.» وتبين لي أن الخط المكتوب كان خطي. من الغريب أنه لا يزال هنا منذ عشر سنوات، والأكثر غرابة، أنه بدا وكأنني كتبته اليوم.
لسبب ما، كان لقراءة هذه الكلمات تأثير غريب عليَّ؛ فقد شعرت كأن حياتي القديمة مبعثرة حولي، في انتظار أن ألتقط شتاتها ثانيةً. لم يراودني هذا الشعور إلا حينها وللحظات قليلة في غرفتنا القديمة. تكشفت أمامي صورة القاعات البنية للمدرسة الثانوية القديمة (مبنًى متهالك منذ ذلك الحين)، وتذكرت ليالي السبت في فصل الربيع، بعد أن يذوب الجليد وتعج المدينة بكل أهل الريف. تذكرتنا ونحن نمشي جيئةً وذهابًا في الشارع الرئيسي، متشابكي الأذرع بصحبة فتاتين أو ثلاثٍ أخريات، إلى أن يخيِّم الظلام، ثم نذهب إلى مرقص آل كي نرقص، تحت مجموعة من الأضواء الملونة الخافتة. كانت نوافذ قاعة الرقص مفتوحة، تسمح بدخول هواء الربيع المنعش وما يحمله من رائحة الأرض والنهر. كانت أيدي الفتيان الذين يعملون في المزارع تُجعِّد بلوزاتنا البيضاء وتوسخها عندما نراقصهم. من الغريب أن تجربةً لم تكن جديرة بالتذكر على الإطلاق حينها (في الواقع، كان مرقص آل مكانًا كئيبًا، وكنا نعتبر طقس المشي جيئةً وذهابًا في الشارع لاستعراض أنفسنا حماقةً وسخفًا، مع أننا لم نكن نستطيع مقاومته) تحولت الآن إلى شيء ذي معنًى بالنسبة لي، ومكتمل؛ كان الأمر يتضمن أكثر من مجرد رقص الفتيات والشارع الوحيد، فقد امتد للمدينة برمتها، نمط شوارعها البدائية وأشجارها العارية وأفنيتها الموحلة بعد زوال الجليد عنها، إلى الطرق الترابية حيث كانت أضواء السيارات تبدو مسددة نحو المدينة، تحت غلالة سماوية شديدة الشحوب.
كنا أيضًا نرتدي أحذية «باليرينا»، وتنورات واسعة ضيقة من الخصر من قماش التافتا الأسود، ومعاطف قصيرة بألوان مثل الأزرق الفيروزي، أو الأحمر الزاهي، أو الأخضر الليموني. وكانت مادي ترتدي قوسًا جنائزيًّا كبيرًا حول رقبة بلوزتها وإكليلًا من الزهور اللؤلؤية الاصطناعية في شعرها. كانت هذه موضات إحدى السنوات التي تلت الحرب، أو هكذا كنا نظن. مادي، هذه نظرتها المتشككة المتألقة، أختي. •••
سألتُ مادي: «ألا تتذكرين كيف كانت قبل المرض؟»
فأجابت: «لا، لا أستطيع.»
فأقول في تردد: «أظن أنني أستطيع أحيانًا، ليس كثيرًا.» حنين هشٌّ جبان، يحاول العودة إلى حقيقة ألطف.
قالت مادي: «أعتقد أنكِ كان لا بد أن تبتعدي. كان لا بد أن تبتعدي خلال تلك السنوات الأخيرة — القليلة — كي يتأتى لك الحصول على هذه الذكريات.»
كان هذا الموقف الذي قالت فيه: «لا سلوى هنا.»
لم تقل شيئًا آخر سوى أن أمي «كانت تمضي الكثير من الوقت في فرز الأشياء. كل أنواع الأشياء؛ بطاقات التهاني، الأزرار والخيوط. كانت تفرزها وتضعها في أكوام. كان ذلك يجعلها هادئة على مدار الساعة.»
٢
ذهبت لزيارة الخالة آني والخالة لو. هذه ثالث مرة أذهب إليهما منذ عودتي، وفي كل مرة كانتا تمضيان فترة ما بعد الظهيرة في صنع سجاجيد من الخرق المصبوغة. إنهما هرمتان الآن. تجلسان في شرفة صغيرة حارَّة تظللها ستائر من الخيزران. تُشيع حولهما الخرق والسجاجيد التي لم تكتمل بعد نوعًا مبهجًا من الفوضى يحمل ألفة المنازل. لم تعودا تخرجان من البيت، لكنهما تستيقظان مبكرًا، ثم تغتسلان وتضعان المساحيق على وجهيهما ثم ترتدي كلٌّ منهما أحد فساتينها المطبوعة العديمة الشكل والمزينة بأشرطة متعرجة وجديلة بيضاء. ثم تعدَّان القهوة والعصيدة وتنظفان المنزل. تعمل الخالة آني في الطابق الأعلى وتعمل الخالة لو في الأسفل. بيتهما نظيف للغاية، معتم ومنمق، وعبق برائحة الخل والتفاح. بعد الظهيرة تستلقيان ساعة ثم ترتديان فستانيهما لفترة ما بعد الظهيرة، وتضعان بروشين عند الرقبة، ثم تجلسان لمباشرة العمل.
إنهما من النساء اللائي يذوب لحمهن أو يتبدد لسبب غير معلوم مع تقدمهن في السن أكثر فأكثر. لا يزال شعر خالتي لو أسود، لكنه يبدو قاسيًا وجافًّا من غطائه الشبكي مثل شوشات الشعر الميتة التي تكون في نهاية كوز ذرة ناضج. تجلس منتصبة وتحرك ذراعيها اللتين نحلتا حتى ظهر عظمهما بحركات وئيدة وشديدة الإتقان؛ تبدو مثل مصرية فرعونية، برقبتها الطويلة ووجهها الحاد الصغير وبشرتها شديدة السمرة والتجعد. أما خالتي آني — ربما بسبب ما تتمتع به من طابع ألطف، بل ولعوب — فتبدو أكثر هشاشة وتدهورًا. سقط شعرها كله تقريبًا، وباتت ترتدي نوعًا من أغطية الرأس اللطيفة التي ترتديها الزوجات الشابات فوق بكرات الشعر عند ذهابهن للنوم. وهي تلفت نظري لهذا وتسألني: ألا ترينه جذَّابًا؟ إن كلتيهما بارعة في هذه الملاحظات الساخرة الصغيرة، وتجذلان قليلًا من الإشارة إلى كل ما هو بشع فيهما. صُحبتهما مرحة إلى أقصى حد، وحديث إحداهما مع الأخرى يتخذ إطارًا بارعًا من الإغاظة والاحتجاج. لقد تراءت لي لمحات رائعة رأيت فيها نفسي ومادي، وقد تقدم بنا العمر، وجمعتنا ثانيةً علاقة الأخوة بعد أن تبدد كل شيء آخر، ونحن نعد الشاي لقريبة من القريبات، شابة ومحبوبة ولا تمثل أهمية كبيرة لنا، ونتظاهر بنفس هذه العلاقة الممتازة. ما الذي سيعلمه عنا أي شخص؟ أتساءل، وأنا أراقب خالتيَّ المسنتين المسليتين: هل يؤدي الأشخاص المسنون مثل هذه الأدوار النموذجية المبسطة معنا لأنهم يخشون من أن أي شيء آخر أكثر صدقًا سيستنفد صبرنا، أم يفعلون ذلك من باب اللطف — لشغل الوقت الاجتماعي — بينما في الحقيقة هم يشعرون بأنهم بعيدون كل البعد عنا، إلى حد عدم وجود أي إمكانية على الإطلاق للتواصل معنا؟
على أية حال، شعرت أنهما تُبقيانني على مسافة منهما، على الأقل حتى هذه الزيارة الثالثة، حينما أظهرتا أمامي بعض علامات الخلاف بينهما. أعتقد أن هذه أول مرة يحدث فيها ذلك؛ فأنا بالتأكيد لم أرهما تتجادلان قط طوال كل السنوات التي اعتدت أنا ومادي أن نزورهما خلالها؛ ليس من قبيل الواجب فحسب، بل أيضًا لأننا كنا نجد عندهما جو التعقل والسكينة مقابل الفوضى التي نعيش فيها، الميلودراما الرهيبة، في بيتنا بالمدينة.
كانت الخالة آني تريد أن تأخذني إلى الأعلى لتريني شيئًا. فاعترضت خالتي لو، في رفض واستياء، كما لو كان الموضوع برمته مصدر حرج لها. كان هذا الشعور بالرغبة في الكتمان، أسلوب المراوغة المُتَّبع في ذلك البيت، هو الذي جعل من غير الوارد أن أسألهما عما تتحدثان بشأنه.
قالت خالتي لو: «أوه، دعيها تتناول شايها.» فردت خالتي آني: «حسنًا، «بعد» أن تتناول شايها.»
«افعلي ما طاب لك إذن. هذا الطابق العلوي حار.»
«هل ستأتين للأعلى يا لو؟»
«ومن الذي سيراقب الطفلتين إذن؟»
«أوه، الطفلتان، لقد نسيت.»
وهكذا انسحبنا أنا وخالتي آني إلى الأجزاء الأكثر عتمة من المنزل. من الحمق أن خطر لي أنها سوف تعطيني ورقة مالية من فئة الخمسة دولارات. فقد تذكرت حينما كانت معتادة على أن تأخذني إلى الردهة الأمامية بهذه الطريقة التي يلفها الغموض ثم تفتح كيس نقودها وتفعل ذلك. لا أظن أن خالتي لو كانت تعلم شيئًا عن هذا السر أيضًا. لكننا ذهبنا إلى الأعلى، وفي غرفة نوم الخالة آني، التي بدت مرتبة للغاية كما لو لم يستخدمها أحد من قبل، ومغطاة بورق حائط مزهر هادئ، كانت طاولة الزينة مفروشة بأوشحة بيضاء. وكان الجو حارًّا للغاية، كما قالت خالتي لو.
قالت الخالة آني وهي لاهثة الأنفاس قليلًا: «الآن، ائتيني بذلك الصندوق الموضوع على الرف العلوي للدولاب.»
ففعلتُ. ثم فتحته وقالت بمرح المتآمر المتلهف: «الآن، أراهن أنك تتساءلين عما حل بكل ملابس أمك.»
لم يكن هذا الأمر قد خطر على ذهني من قبل. جلستُ فوق السرير، ناسيةً أن الأسرَّة يجب ألَّا يُجلس عليها في هذا المنزل، وأنه كان يوجد في كل غرفة نوم كرسي مستوٍ لهذا الغرض، لكن خالتي آني لم تمنعني، وراحت تخرج الملابس وهي تقول: «لم تذكر مادي شيئًا عنها، أليس كذلك؟»
قلت: «لم أسألها قط.»
قالت: «لا، وما كنت أنا لأسألها. ما كنت لأقول أي كلمة بشأن ملابس أمك لمادي، لكنني رأيت أنني يمكن أن أريها لكِ، ولم لا؟ انظري، لقد غسلنا وكوينا كل ما أمكننا غسله وكيه، أما ما لم نستطع فأرسلناه لمحل التنظيف. دفعت أجرة التنظيف من جيبي. ثم أصلحنا كل ما كان بحاجة منها للإصلاح. إنها جميعها بحالة جيدة. هل ترين؟»
ظللت أنظر وأنا مغلوبة على أمري بينما أخذت هي تعرض عليَّ الملابس الداخلية التي كانت على السطح. أرتني أشياء جرى رَفْيها وإصلاحها بمهارة وجرى تجديد أشرطتها المطَّاطية. أرتني سروالًا تحتيًّا قالت إنه كان باليًا قبل ذلك. ثم أخرجت ملابس النوم، وروبًا، وشالًا ذا رباط يُلبَس للنوم. قالت: «هذا ما كانت ترتديه آخر مرة رأيتها. أظن ذلك، نعم.» ميزت في شجو هذا الشال الدرَّاقي اللون الذي كنت قد أرسلته إليها بمناسبة عيد الميلاد.
«كما ترين، تكاد تكون جديدة. كأنها لم تستعمل بتاتًا.»
قلت: «نعم.»
قالت: «في أسفل الصندوق توجد فساتينها.» وراحت تجيل يديها في الأسفل خلال تلك الحرائر المزهرة والمزركشة — التي تزداد غرابة عامًا بعد عام — التي كانت أمي تتمنى أن ترتديها. حتى الخالة آني كانت تبدي ترددًا في ارتداء هذه الألوان الطاوُسية الزاهية بعدما تخيلت نفسها فيها. سحبت بلوزة من الأسفل وقالت: «غسلت هذه غسيلًا يدويًّا. تبدو كالجديدة. ثمة معطف معلق في الصوان، في حالة ممتازة؛ فهي لم ترتدِ معطفًا قط، ارتدته فقط حين حجزت في المستشفى. ألن يكون مقاسك؟»
قلت: «لا.» كرَّرتُ «لا» لأن الخالة آني كانت تتحرك بالفعل نحو الصوان، فأردفت: «لقد اشتريت مؤخرًا واحدًا جديدًا. لدي عدة معاطف يا خالة آني!»
قالت الخالة آني بطريقتها لطيفة العناد: «ولمَ تشترين، بينما توجد أشياء بجودة الأشياء الجديدة تمامًا؟»
قلت: «أفضِّل أن أشتري.» أسِفت فور شعوري بالفتور في صوتي. ومع ذلك أردفتُ قائلة: «حينما أحتاج شيئًا، أذهب وأشتريه.» هذا الإيحاء بأنني لم أعد فقيرة جعل نظرة عتاب وتحفظ تعلو وجه خالتي. لكنها لم تقل شيئًا. رحت أنظر إلى صورة كانت معلقة فوق المكتب للخالة آني والخالة لو وإخوانهما الكبار وأمهم وأبيهم. كانوا يحدقون فيَّ هم أيضًا بوجوه رزينة علتها نظرة اتهامية محتجة، لأنني اجتزت الحالة المادية المتواضعة التي كانت تشكل العقبة الكئود في حياتهم. يجب أن يُستخدم كل شيء، يستخدم إلى أن يبلى، ويُدخر ويُصلح ويُصنع منه شيء جديد ليستخدم ثانيةً؛ كان لا بد أن تسمل الملابس. شعرت أنني جرحت مشاعر الخالة آني، والأكثر، أنني على الأرجح أكدت ما توقعته خالتي لو، لأنها كانت حساسةً إزاء بعض المواقف الدنيوية التي كانت أعقد من أن تهتم بها الخالة آني، وربما قالت إنني لن أرغب في ملابس أمي.
قالت الخالة آني: «لقد رحلت بأسرع مما توقع أي أحد.» استدرتُ مندهشة. فأضافت: «أمكِ.» تساءلتُ عما إذا كانت الملابس هي الشيء الأهم الباقي، لعل الملابس كانت مجرد مقدمة للحديث عن موت أمي، وهو أمر ربما شعرت الخالة آني أنه جزء ضروري من زيارتنا. أما الخالة لو فستشعر شعورًا مختلفًا؛ فهي لديها كره نابع من الخرافات لبعض طقوس التأثُّر بتذكر الموتى، وحديث كهذا لم يكن ليجري قط في وجودها.
قالت الخالة آني: «بعد شهرين من دخولها المستشفى. رحلت بعد شهرين.» رأيتها تبكي ذاهلة، كعادة كبار السن، بدموع زهيدة بائسة. ثم سحبت من ثوبها منديلًا ومسحت وجهها.
قالت: «لم تقل لها مادي سوى أنها ستدخل لتجري فحصًا طبيًّا، وأن الأمر سيستغرق نحو ثلاثة أسابيع. دخلت أمكِ وهي تظن أنها ستخرج في غضون ثلاثة أسابيع.» كانت الخالة آني تهمس كما لو كانت خائفةً من أن يسمعنا أحد. واصلت: «هل تعتقدين أنها كانت راغبة في البقاء هناك حيث لا أحد يستطيع أن يفسر ما تقول، وحيث لن يسمحوا لها بأن تبرح فراشها؟ كانت تريد العودة إلى المنزل.»
قلت: «لكن مرضها كان أشد من أن يُسمح لها بذلك.»
«لا، هذا ليس صحيحًا، كانت على حالها المعتادة، تتدهور قليلًا شيئًا فشيئًا بمضي الوقت. لكن بعد أن دخلت هناك شعرت بأنها سوف تموت، كل شيء من حولها كان مغلقًا، فتدهورت سريعًا.»
قلت: «لعل هذا كان سيحدث على أية حال. ربما عاجلًا أو آجلًا.»
لم تُعرنِي الخالة آني اهتمامًا، وأكملت: «ذهبتُ لرؤيتها، ولشدَّ ما سُرَّت لرؤيتي لأنني كنت أستطيع تفسير ما تقوله. قالت: خالتي آني، إنهم لن يبقوني هنا إلى الأبد، أليس كذلك؟ فقلت لها: بلى.
فقالت أمكِ: «خالتي آني، اطلبي من مادي أن تعيدني إلى المنزل ثانيةً وإلا فسأموت.» لم تكن ترغب في الموت. ألم يخطر على بالك قط أن إنسانًا يمكن أن يرغب في الموت لا لسبب سوى أن الجميع من حوله يرون أنه لا داعي لبقائه على قيد الحياة؛ لذلك أخبرتُ مادي أن تخرجها، لكنها لم تقل شيئًا. كانت تذهب إلى المستشفى يوميًّا وترى أمك، ولا تأخذها إلى المنزل. قالت لي أمكِ إن مادي قالت لها: «لن آخذكِ إلى المنزل.»»
قلت: «لم تكن أمي تقول الحق في بعض الأحيان. تعلمين هذا خالتي آني.»
«هل نما إلى علمكِ أن أمك خرجت من المستشفى؟»
أجبتها: «لا.» لكنني لم أشعر بالمفاجأة، لم أشعر إلا بشعور بالخوف يسري في جسدي، توق إلى ألا أعرف؛ وفوق هذا شعور بأنني أعلم مسبقًا ما سيجري إخباري به، دائمًا كنت أعلمه.
«مادي، ألم تخبرك؟»
«لا.»
«حسنًا لقد خرجتْ. خرجَتْ من الباب الجانبي الذي تدخل منه سيارة الإسعاف، إنه الباب الوحيد الذي لا يُغلق. حدث ذلك ليلًا حينما لم يكن هناك عدد كبير من الممرضات لمراقبة المرضى. ارتدت روبها وخُفَّها — كانت هذه أول مرة ترتدي شيئًا بنفسها منذ سنوات — وخرجت من المستشفى. كان ذلك في يناير، فوجدت الجليد يتساقط، لكنها لم تعد إلى الداخل. كانت قد توغلت مبتعدة في الشارع حينما أمسكوا بها. وبعد ذلك ثبتوا لوحًا على فراشها.»
«الجليد، الروب والخف، لوح فوق الفراش!» صورة كنت أميل كثيرًا إلى مقاومتها. ومع ذلك لم يكن لدي ثمة شك بأنها حقيقية، كل هذا كان حقيقيًّا وكما حدث تمامًا. كان هذا ما يمكن أن تفعله، فكل حياتها التي كنت أعرفها خلالها أدت إلى ذلك الهروب.
قلت: «إلى أين كانت ذاهبة؟» لكني كنت أعلم أن هذا السؤال لم تكن له إجابة.
«لا أدري. ربما لم يكن ينبغي أن أخبرك. أوه، هيلين، حينما عثروا عليها حاولت أن تركض. حاولت أن «تركض».»
الهروب الذي يكدر الجميع. حتى وراء وجه خالتي المألوف الناعم، توجد امرأة أخرى مسنة وأكثر بدائية، يمكن أن ترتعب في مكان لم يمسه إيمانها قط.
بدأت تطوي الملابس وتضعها ثانيةً في الصندوق. وقالت: «ثبتوا لوحًا بالمسامير فوق فراشها. لقد رأيته. لا يمكنِك أن تلومي الممرضات. إنهن لا يستطعن مراقبة الجميع. ليس لديهن وقت لذلك.
قلت لمادي عقب الجنازة: «مادي، أتمنى ألَّا يحدث لك مثل هذا أبدًا.» لم أستطع منع نفسي، فكان هذا ما قلته.» جلست هي الأخرى على الفراش الآن، وراحت تطوي الملابس وتعيدها إلى الصندوق، وهي تبذل جهدًا كي تعيد صوتها إلى نبرته العادية؛ وسرعان ما نجحت في ذلك. فمن ذا الذي يمكن أن يعيش عمرًا مديدًا كهذا من دون أن يكون قد اكتسب حنكة في اللوعة وتمالك النفس؟
قالت أخيرًا: «وجدنا الأمر صعبًا. أنا ولو وجدنا أن هذا الأمر كان صعبًا.»
أهذه آخر وظيفة يمكن أن تؤديها امرأة عجوز، بعد صنع سجاد الخِرَق وإعطائنا ورقات الخمسة دولارات؛ أن تطمئن إلى أن هواجس العذاب التي انتابتنا موجودة معنا، لم يفلت منها أحد؟
كانت تخشى مادي؛ ومن خلال هذا الخوف نبذتها للأبد. فكرت فيما كانت مادي قد قالته: لا يفكر الجميع بالطريقة نفسها. •••
حينما عدت إلى البيت كانت مادي في المطبخ الخلفي تعد سلاطة، وكانت مستطيلات من ضوء الشمس ساطعة فوق مشمع الأرضية الخشن. كانت مادي قد خلعت حذاءها ذا الكعب العالي، ووقفت هناك حافية القدمين. المطبخ الخلفي عبارة عن غرفة كبيرة لطيفة غير مرتبة تطل، من وراء الموقد ومناشف تجفيف الأطباق، على الفناء الخلفي المنحدر، ومركز إنعاش القلب والرئتين، والنهر السبخي اللامع الذي يكاد يتحلق حول مدينة جوبيلي. طفلاي اللذان كانا قد شعرا بشيء من الكبت في البيت الآخر بدآ على الفور يلعبان تحت الطاولة.
قالت مادي: «أين كنتِ؟»
«لا عليكِ. كنت أزور الخالتين.»
«كيف حالهما؟»
«بخير. لا شيء يقهرهما.»
«حقًّا؟ نعم، أظن أنهما كذلك. لم أرهما منذ فترة. في الواقع لم أعد أرهما كثيرًا.»
قلت: «حقًّا.» وعلمت مادي حينئذٍ ما أخبرتاني به.
«كانتا قد بدأتا تضغطان على أعصابي قليلًا، بعد الجنازة. فريد وفَّر لي هذه الوظيفة وكل شيء وكنت مشغولة للغاية …» ثم نظرت إليَّ، تنتظر في صبر ما سأقول، وعلى وجهها ابتسامة تشي بشيء من الاستهزاء.
قلت في رفق: «لا تشعري بالذنب مادي.» طوال هذا الوقت كان الطفلان يركضان جيئةً وذهابًا ويتصايحان بين أرجلنا.
قالت: «لا أشعر بالذنب. من أين أتيتِ بهذا؟ أنا لا أشعر بالذنب.» وذهبت لتشغل المذياع، وهي تتكلم وظهرها إليَّ. «سيتناول فريد الطعام معنا ثانيةً لأنه وحيد. لقد أحضرت بعض توت العليق للتحلية بعد الطعام. موسم التوت هذا العام انتهى تقريبًا. هل تبدو لك الحبات جيدة؟»
قلت: «جيدة تمامًا. هل تريدين مني أن أُعِدَّها؟»
قالت: «لا بأس. سأذهب لأحضر السلطانية.»
دخلت حجرة الطعام وعادت حاملةً سلطانية زجاجية كبيرة للتوت.
قالت: «لم أستطع التحمل. أردت حياتي.»
كانت تقف على الدرجة الصغيرة الموجودة بين المطبخ وحجرة الطعام، وفجأة انزلقت منها السلطانية، إما لأن يدها بدأت ترتجف أو لأنها لم تكن قد أمسكتها من البداية على النحو الصحيح؛ كانت السلطانية قديمة وفاخرة وثقيلة للغاية. انزلقت من يديها وحاولت أن تمسك بها لكنها تهشمت على الأرض.
بدأت مادي تضحك. وقالت: «أوه، يا للجحيم! أوه، اللعنة، أوه هيل … ين» مستخدمةً واحدة من عبارات اليأس الحمقاء القديمة التي كنا نستخدمها. «انظري ماذا فعلتُ الآن. وأنا حافية القدمين أيضًا. ائتيني بمقشَّة.»
«استردي حياتك يا مادي. اقتنصيها.»
قالت مادي: «نعم، سأفعل. سأفعل.»
«ارحلي. لا تمكثي هنا.»
«حاضر، سأفعل.»
ثم انحنت وراحت تلتقط جُذاذات الزجاج المكسر، ووقف طفلاي إلى الخلف يرقبانها في خشية بينما كانت هي تضحك وتقول: «لم أخسر شيئًا. لدي رف كامل مليء بالسلطانيات الزجاجية. لدي من السلطانيات الزجاجية ما يكفيني لبقية عمري. أوه، لا تقفي هناك تنظرين إليَّ، اذهبي وأتيني بمقشَّة!» فذهبتُ إلى المطبخ أبحث في أنحائه عن مقشَّة وقد بدا أنني نسيت مكان وضعها. وقالت مادي: «لكن لمَ لا أستطيع يا هيلين؟ لماذا لا أستطيع؟»
رقصة الظلال السعيدة |
رقصة الظلال السعيدة
الآنسة مارسيللا ستقيم حفلةً أخرى. (وهي لا تدعوها «عزفًا»، إما من باب الالتزام الموسيقي أو لعشقها الجارف للاحتفال.) لكن أمي ليست مُبتكِرة أو مقنعة في الكذب، والأعذار التي تخطر لها واهية دون شك؛ فهي قد تقول أعذارًا من عينة: سيحضر عمال الطلاء، أو أصدقاء من أوتاوا، أو كاري المسكينة ستستأصل لوزتيها. وفي نهاية المطاف، لا يسعها إلا أن تقول: أوه، ألن يسبب كل هذا الكثيرَ من المشكلات، الآن؟ و«الآن» هذه تحمل عدة تفسيرات مزعجة، ولك أنت أن تختار؛ الآن وقد انتقلت الآنسة مارسيللا من الكوخ المبني بالقرميد والخشب في شارع بانك، حيث أقيمت الحفلات الثلاث الأخيرة في حيز ضيق، إلى مكان أصغر — لو كان وصفها له صحيحًا — في شارع بالا. (شارع «بالا»، أين يقع هذا؟) أو، الآن وقد أصبحت الأخت الكبرى للآنسة مارسيللا طريحة الفراش، عقب إصابتها بسكتة دماغية؛ الآن وقد صارت الآنسة مارسيللا نفسها — علينا أن نواجه هذه الأمور، كما تقول أمي — مسنةً «للغاية».
تتساءل الآنسة مارسيللا في دهشة: «الآن؟» وهي تتظاهر بالتحير، أو ربما هذا شعورها حيال هذا الأمر. فهي تسأل كيف يمكن أن تشكل حفلتُها لشهر يونيو كثيرًا من التعب، في أي زمان، وأي مكان؟ إن هذه هي التسلية الوحيدة التي ما زالت تقدمها (وبحسب معلومات أمي، هذه هي التسلية الوحيدة التي كانت تقدمها على الإطلاق، لكن صوت الآنسة مارسيللا المسن الناعم، الثابت العزم، الفياض الود، يمنح روحًا لحفلات الشاي، وحفلات الرقص الخاصة، وفي المنازل، وولائم عشاء العائلات الضخمة العدد). وإذا حدث واضطرت لعدم إقامتها فقد تُصاب بخيبة الأمل بالقدر نفسه الذي يصيب الأطفال. تقول أمي لنفسها ما هو أكثر من ذلك، لكنها بالطبع لا يمكن أن تعلنه على الملأ؛ فهي تُعرِض بوجهها عن الهاتف بتلك النظرة الممتعضة — وكأنها رأت شيئًا متسخًا لم تتمكن من تنظيفه — التي تمثل تعبيرها الخاص عن الشفقة، فتعدها بالحضور. وقد تخطر لها قصص واهية للتملص من الذهاب خلال الأسبوعين التاليين، لكنها تعلم أنها ستذهب.
تتصل بمارج فرنش، وهي مثلها من تلميذات الآنسة مارسيللا القديمات، والتي أرسلت ولديها التوءمين لتلقِّي الدروس لديها، فتتعاطفان لوهلة وتتواعدان على الذهاب سويًّا كي تؤازر إحداهما الأخرى. وتتذكران السنة قبل الماضية حينما كان المطر يهطل وكانت القاعة الضيقة مليئة بمعاطف المطر، مكومةً فوق بعضها لأنه لم يكن ثمة متسع لتعليقها؛ وكانت على الأرضية الداكنة برك صغيرة كوَّنتها قطرات الماء التي كانت تتقاطر من المظلات. تكسرت فساتين البنات بسبب اضطرارهن للتكدس، ولم تكن نوافذ الغرفة تُفتح. والعام الماضي أصيب أحد الأطفال بالرُّعاف.
«بالطبع لم تكن هذه غلطة الآنسة مارسيللا.»
تقهقهان في يأس. «لا، لكن مثل هذه الأمور لم تكن تحدث من قبل.»
وهذا صحيح، هذا هو الأمر برمته. ثمة شعور لا يمكن التعبير عنه بالكلمات حيال الحفلات التي تقيمها الآنسة مارسيللا؛ فالأمور تزداد خروجًا عن السيطرة، وقد يحدث أي شيء. بل إن المرء في لحظة ما — وهو مستقل سيارته إلى حفلة كهذه — يراوده سؤال مثل: هل سيتواجد أي شخص غيري هنا؟ فأحد أكثر الأمور إثارة للقلق بشأن الحفلتين أو الثلاث الأخيرة كان يتمثل في التناقص المستمر في أعداد مرتادي هذه الحفلات؛ أي التلاميذ القدامى الذين يبدو أن أطفالهم هم التلاميذ الجدد الوحيدون الذين تنالهم الآنسة مارسيللا. ويكشف حلول شهر يونيو من كل عام عددًا جديدًا وكبيرًا دون شك من المتخلِّفين عن الحضور. فابنة ماري لومبر لم تعد تأخذ دروسًا لدى الآنسة مارسيللا، وكذلك ابنة جون كريمبل. ماذا يعني هذا؟ هكذا تتساءل أمي ومارج فرنش؛ وهما المرأتان اللتان انتقلتا إلى ضواحي المدينة واعتراهما في بعض الأحيان شعور بأنهما تخلفتا عما يحدث؛ لدرجة أن قدرة كلٍّ منهما على تمييز الصواب صارت مشوشة. إن دروس البيانو الآن لم تعد ذات أهمية كبرى مثلما كانت في السابق، والجميع يعرف ذلك. بل يُعتقد أن الرقص أكثر نفعًا لتطور الطفل تطورًا كاملًا؛ والأطفال — البنات منهم على الأقل — لا يمانعون في تعلمه قدر ممانعتهم في تعلم دروس البيانو. لكن كيف لك أن توضح ذلك للآنسة مارسيللا، التي تقول: «كل الأطفال بحاجة للموسيقى. كل الأطفال يحبون الموسيقى في صميم قلوبهم»؟ من المعتقدات الراسخة لدى الآنسة مارسيللا أنها تستطيع رؤية ما في قلوب الأطفال، وأنها تجد فيها كنزًا من النوايا الطيبة والحب الفطري لكل ما هو خَيِّر. إن الخداع الذي تمارسه عاطفيتها، بوصفها عانسًا، على حكمها السليم، خياليٌّ ومبالغٌ فيه، فهي تتحدث عن قلوب الأطفال كما لو كانوا من القديسين؛ وأمام هذا لا يدري أي أب أو أم ما يقول.
في الأيام الخوالي، حينما كانت أختي وينفريد تأخذ دروسًا في البيانو، كان المنزل يقع في حي روسدل، حيث كانت تقام الحفلة دائمًا. منزل ضيق، مبني بالقرميد باللونين الأسود والتوتيِّ، ذو شرفات زخرفية صغيرة كئيبة المنظر، تبرز في تقوُّس من نوافذ الطابق الثاني، من دون أبراج في أي جزء منه، لكنَّ له طابعًا مبرَّجًا بعض الشيء؛ منزل معتم، مبهرج، سيتفنن الشعراء في وصف قبحه؛ إنه منزل العائلة. وفي روسدل لم تكن الحفلة السنوية تجري على غير ما يرام. كانت دائمًا ما تسبق تقديم الشطائر فسحة قصيرة مثيرة للحرج؛ لأن المرأة التي كانت قائمة لديهم على إعدادها في المطبخ لم تكن معتادةً على الحفلات، وكانت بطيئة إلى حد ما، لكن عندما تظهر الشطائر كانت دائمًا ما تكون لذيذة للغاية، وتحتوي أشياء صحية ومألوفة مثل: الدجاج ولفائف الهليون؛ طعام دور حضانات لكنه مُعد جيِّدًا. وكان العزف على البيانو، كالعادة، عصبيًّا ومتقطِّعًا أو نكدًا وكئيبًا، يصاحبه بث شعور بالمفاجأة والإثارة المصاحبتين لكارثة مثيرة. من المفهوم أن النظرة المثالية التي كانت الآنسة مارسيللا ترى بها الأطفال، ورقتها وسذاجتها في هذا الصدد، كل هذا جعلها تكاد تكون مدرسةً عديمة الجدوى؛ فهي لم تكن تستطيع أن تنتقد أي طفل إلا بأكثر الطرق رقةً واعتذارًا، أما مديحها لأحدهم فكان غير حقيقي على نحو يتعذر تبريره، فكان التعامل معها يتطلب أن يتمتع التلميذ بجد وحرص استثنائيين كي يخرج من تحت يديها يعزف بأداء مشرفٍ.
لكن في المجمل، كانت المسألة في تلك الأيام تتسم بالإحكام، كان لها نسق تسير عليه، وطابع خاص لا يعكر صفوه أي شيء والذي عفى عليه الزمان. كان كل شيء يجري على النحو المتوقع؛ فكانت ميس مارسيللا بنفسها تنتظر في رواق المدخل ذي الأرضية المبلطة والرائحة المكتومة التي تشبه رائحة غرف تخزين الأردية الكهنوتية في الكنيسة، واضعةً مساحيقها، ومصفِّفةً شعرها في تسريحة عتيقة لا تتخذها إلا لهذه المناسبة فحسب، ومرتديةً فستانًا يصل للأرض، مرقطًا بلطخات خوخية ووردية ربما أُخِذت من قماش تنجيد قديم؛ كانت بهيأتها هذه لا تدهش أحدًا سوى أصغر الأطفال. لم يكن الظل الذي يقبع خلفها لآنسة مارسيللا أخرى — تزيد عنها قليلًا في الحجم والسن، وتفوقها كآبة بعض الشيء، كان وجودها يغدو منسيًّا بين يونيو من كل عام إلى يونيو الذي يليه — ظلًّا كريهًا، ولو أنه كان — ولا شك — يمثل حقيقة دامغة بأن من المستحسن ألَّا يحوي العالم وجهًا آخر بهذا الشكل سوى هذين الوجهين فقط، كلاهما طويل بلون الحصى، يوحي بالطيبة والقبح في الوقت نفسه، ذو أنف ضخم، وعينين حمراوين خرزيتين حانيتين وضعيفتي البصر. لا بد أن هذا القبح صار في نهاية المطاف من قبيل حسن الحظ بالنسبة لهما، حمايةً لهما من أن تترك صروف الحياة أثرها عليهما بطرق عديدة، و«مستحيلة»، فقد كانتا تبدوان مرحتين وطفوليتين كأنهما منيعتان أمام الهموم؛ بدتا عديمتي الجنس، مخلوقتين برِّيتين ولطيفتين في نفس الوقت، غريبتين لكنهما أليفتان، تعيشان في منزلهما الواقع في روسدل بعيدًا عن تعقيدات العصر.
في الحجرة التي تجلس بها الأمهات، على الأرائك الصلبة وبعضهن على الكراسي التي تُطوى، لسماع الأطفال وهم يعزفون مقطوعات مثل «أغنية الغجر» و«الحدَّاد الطروب» و«المسيرة التركية»، ثمة صورة للملكة ماري، ملكة اسكتلندا، مرتدية ثوبًا مخمليًّا وسترًا حريريًّا، أمام «قلعة هوليرود». كانت توجد أيضًا صور ضبابية بنية اللون لمعارك تاريخية، ومجموعة كتب «كلاسيكيات هارفرد»، وأحصنة حديدية لسند حطب المدفأة، وتمثال برونزي للحصان المجنح «بيجاسوس». لم تكن أيٌّ من الأمهات تدخن، ولم تكن هناك منافض لرماد السجائر. كانت هذه هي نفس الغرفة، هي نفسها، التي كن يعزفن فيها حينما كنَّ صغيرات؛ هذه الغرفة الكئيبة الموحشة الطراز (كانت الباقة المنسقة من زهور الفاوانيا والاسبيريا المتساقطة منها البتلات فوق البيانو هي لمسة الآنسة مارسيللا الشخصية والخالية من البهجة) كانت لا تبعث على الراحة لكنها في الوقت نفسه تبعث على الطمأنينة. هنا وجدن أنفسهن — عامًا تلو الآخر — مجموعة من النساء الشابات المشغولات اللائي قُدْنَ سياراتهن على مضض عبر شوارع روسدل المهملة، وظللن يتذمرن لأسبوع قبل الحفلة بسبب الوقت الذي سيضيع، والجلبة التي ستصحب تنسيق ملابس الصغار، وفوق هذا كله، الملل الذي سيلاقينه، لكنهن اجتمعن معًا بدافع من الولاء الزائف نوعًا ما، لا للآنسة مارسيللا نفسها بقدر ما هو لطقوس طفولتهنَّ، لنمط حياة أكثر انضباطًا كان يتفكك حتى في ذلك الوقت لكنه ظل باقيًا، باقيًا على نحو غير مفهوم، في غرفة معيشة الآنسة مارسيللا. أخذت البنات الصغيرات في فساتينهن ذات التنانير اليابسة كالأجراس يتحرَّكن أمام الجدران الداكنة التي عليها أرفف الكتب، وبداخلهن إدراك طبيعي لقواعد هذا الطقس الاحتفالي، بينما تطل من وجوه أمهاتهن نظرة ضجرة مزعجة توحي بالإذعان، وشيء من الحنين الأحمق والمتصنع نوعًا ما الذي يعينهن على اجتياز أي طقس عائلي طويل المدة. كن يتبادلن ابتسامات تبدي أنهن لا تعدمن لياقة السلوك، لكنها تعبر عن دهشة هزلية مألوفة من تكرار الأمور على نفس النحو، بما في ذلك حتى: مجموعة المقطوعات المختارة التي ستُعزف على البيانو، ونوعية الحشو داخل الشطائر؛ وهكذا، فإنهن يدركن ما تعيشه الآنسة مارسيللا وأختها وما تنطوي عليه حياتهما من ثبات غير معقول وتكرار غير واقعي بالمرة.
بعد عزف المقطوعات على البيانو، يأتي وقت طقس قصير دائمًا ما يشيع شيئًا من الحرج. فقبل أن يُسمح للأطفال بأن يفروا إلى الحديقة — الضيقة جدًّا، حديقة منزل ببلدة، لكنها تظل حديقة، لها سور شجري وظلال ولها حد من زهور السوسن الصفراء — توضع طاولة طويلة مغطاة بورق الكوريشة بلوني هدايا الأطفال حديثي الولادة، الوردي والسماوي، وتبدأ المرأة المسئولة عن المطبخ في رص أطباق الشطائر، والآيس كريم، وبعض مشروبات معلبة عديمة الطعم أنيقة التعليب؛ كان الأطفال يضطرون، واحدًا واحدًا، إلى قبول هدايا نهاية العام، الملفوفة كلها والمربوطة بشرائط، من الآنسة مارسيللا. لم تكن هذه الهديَّة تحرك أي حماسة لدى الأطفال عدا الجديد الساذج منهم الذي لا دراية له بما تحوي هذه الهدايا. كانت عادةً ما تحوي كتبًا، وكان السؤال الذي يطرأ على الذهن هو: أين عثرت على هذه الكتب؟ كانت تأتي بها من حصيلة الكتب العتيقة التي توجد في مكتبات مدارس الأحد، وفي عليَّات متاجر الأشياء المستعملة وأقبيتها، لكنها كانت جميعها متيبسة التغليف، لم تُقرأ قط من قبل، جديدة كليًّا، ذات عناوين من نوعية: «البحيرات والأنهار الشمالية»، «معرفة الطيور»، «حكايات أخرى من جراي آول»، «أصدقاء الإرسالية الصغار». كانت أيضًا تقدم صورًا مثل: «كيوبيد نائمًا ومستيقظًا»، «بعد الحمام»، «حراس الأمن الصغار»، معظمها كان يمثل ذلك العري الطفولي اللطيف الذي كان اهتمامنا المتشدد بالاحتشام واللياقة يجعلنا نجده في منتهى السخف وإثارة الاشمئزاز. حتى اللعب الموضوعة داخل صناديق صغيرة كان يتبيَّن أنها مملة ولا يمكن اللعب بها؛ حافلة بالقواعد المعقدة وتتيح للجميع الفوز.
لم يكن الحرج الذي تستشعره الأمهات في تلك اللحظة ناجمًا عن نوعية الهدايا بقدر ما كان ناجمًا عن معرفتهنَّ برقة حال الآنسة مارسيللا المادية وتشككهن حيال قدرتها على تحمل كلفة هذه الهدايا. وتذكر أن أجرتها لم تشهد زيادةً خلال عشر سنوات إلا مرةً واحدةً فقط لم تُحدِث فارقًا (رغم ذلك، سحبت اثنتان أو ثلاث من الأمهات أبناءهن من دروسها). كانت الأمهات دائمًا ما يستنتجن أنها لا بد وأن لها مصادر دخل أخرى. كان ذلك واضحًا، وإلا لما عاشت في منزل كهذا. ثم إن أختها كانت مُدرسة، أو لم تعد تدرس، بل يُعتقد أنها تقاعدت لكنها تعطي دروسًا خاصة في اللغتين الفرنسية والألمانية. لا بد أن لديهما ما يكفيهما هما الاثنتين. فامرأة مثل الآنسة مارسيللا وأختها ستكون احتياجاتهما بسيطة بالضرورة ولن تحتاجا كثيرًا من النقود للإنفاق على معيشتهما.
لكن بعد زوال منزل روسدل، وانتقالهما إلى الكوخ المبني بالقرميد والخشب في شارع بانك، لم تعد تدور هذه الأحاديث حول مصادر الآنسة مارسيللا المادية، وصار هذا الجانب من حياتها يشكل موضوعًا جارحًا، من الفظاظة وعدم التهذُّب التحدث بشأنه. •••
قالت أمي: «سأموت إن أمطرت، سأموت من الإحباط إن أمطرت في هذه المناسبة.» لكنها لا تمطر يوم الحفلة، بل إن الطقس يكون حارًّا للغاية. وجدنا اليوم صيفيًّا حارًّا مغبرًّا ونحن نسير بالسيارة عبر شوارع المدينة وضللنا الطريق بحثًا عن شارع بالا.
وحينما عثرنا عليه وجدناه أفضل مما صورت لنا توقُّعاتنا. هذا في الأغلب لأنه كان يحوي صفًّا من الشجر، بينما كانت الشوارع الأخرى التي سرنا فيها بالسيارة، بجانب سور السكك الحديدية، جرداء عديمة الظلال وقذرة. البيوت هنا من النوع المقسوم إلى قسمين، ومزودة بحاجز خشبي فاصل ذي ميل يقسم المدخل الأمامي؛ وفيها درجتان خشبيتان وفناء ترابي. والظاهر أن الآنسة مارسيللا تعيش في أحد أنصاف تلك البيوت. كلها مبنية بالقرميد الأحمر، وأبوابها ونوافذها الأمامية متناسقة الشكل، ومداخلها مطلية بألوان: القشدي والرمادي والأخضر الزيتوني والأصفر. تبدو أنيقة ومتناغمة. الجزء الأمامي للمنزل المجاور لمنزل الآنسة مارسيللا تحول إلى متجر صغير، تعلوه لافته كُتب عليها «بقالة وحلويات».
الباب مفتوح، والآنسة مارسيللا محشورة بين الباب وعلَّاقة المعاطف والسلالم؛ لا متسع تقريبًا للمرور من جانبها إلى غرفة المعيشة، وسيكون من المستحيل — في ظل الوضع الحالي — على أي شخص الخروج من غرفة المعيشة إلى الدور العلوي. كانت الآنسة مارسيللا قد وضعت مساحيق التجميل، وكان شعرها مصففًا في التسريحة المعتادة لهذه المناسبة، وارتدت فستانها المقصَّب، الذي يصعب ألَّا يدوس عليه أحد بقدمه. كانت تبدو في هذا الضوء السابغ كإحدى شخصيات الحفلات التنكرية، كمحظية مهتاجة فاقعة البهرجة صنعتها مخيلة متزمتة بغيضة. لكن الاهتياج لا يتجسَّد إلا في زينتها المبهرجة فحسب؛ لأنك إذا أمعنت النظر في عينيها فستجدهما كما عهدتهما دائمًا؛ مُحمرَّتَي الحواف، مرحتين، خاليتين من الهموم. قبَّلتنا أنا وأمي — وحيتني أنا، كالمعتاد، كما لو كنت في الخامسة من عمري — ومررنا إلى الداخل. بدا لي أن الآنسة مارسيللا تنظر إلى ما وراءنا وهي تقبِّلنا، متطلعة إلى الشارع تبحث بعينيها عمَّن لم يأتوا بعد.
في البيت غرفة طعام وغرفة معيشة، بينهما بابان من خشب البلوط مفتوحان، وهما غرفتان صغيرتان. على الحائط صورة عملاقة للملكة ماري ملكة اسكتلندا. لا توجد مدفأة، ومن ثم لا وجود للأحصنة الحديدية التي يستند إليها حطب المدفأة، لكن البيانو موجود، علاوة على باقة فاوانيا واسبيريا يعلم الرب وحده من أين قُطفت. ولأن غرفة المعيشة ضيقة، فهي تبدو مزدحمة، لكن عدد من فيها لم يبلغ العشرة، بمن فيهم الأطفال. راحت أمي تتحدث إلى الموجودين وتبتسم لهم ثم جلست. قالت لي: مارج فرنش لم تأتِ بعد، ترى هل ضلت الطريق هي الأخرى؟
لا نعرف المرأة الجالسة إلى جانبنا. هي متوسطة العمر وترتدي فستانًا من التافتا المتموج اللون عليه مشبك من حجر الراين، تفوح منه رائحة مواد التنظيف. قدمت نفسها لنا بصفتها السيدة كليج، جارة الآنسة مارسيللا في النصف الآخر من المنزل. كانت الآنسة مارسيللا قد سألتها إن كانت تحب سماع عزف الأطفال، فرأت أن هذا سيكون ممتعًا، فهي مغرمة بالموسيقى على اختلاف أنواعها.
سألت أمي — التي بدت مسرورة وإن كانت منزعجة بعض الشيء — عن أخت الآنسة مارسيللا: هل هي في الطابق العلوي؟
«أوه، نعم إنها بالأعلى. المسكينة، صارت امرأة أخرى.»
قالت أمي: هذا مؤسف للغاية.
«نعم، إنه لأمر مخجل. أعطيتها شيئًا لتنام فترة ما بعد الظهيرة. لقد فقدت قدرتها على الكلام، كما فقدت قدرتها على التحكم بشكل عام.» كان صوت المرأة وهو يتخافت على نحو بالغ ينذر أمي بأنها ستسترسل في قول المزيد من التفاصيل الخاصة، فكررت ثانيةً: هذا مؤسف للغاية.
«آتي هنا لأعتني بها بينما تذهب الأخرى لتعطي دروسها.»
«هذا كرم منكِ. لا بد أنها تقدِّر لكِ هذا.»
«حسنًا، أشعر بنوع من الرثاء لامرأتين مسنتين مثلهما. إنهما كالأطفال، الاثنتان.»
ردت أمي بتمتمة ما دون أن تنظر للسيدة كليج، لوجهها المعافى الذي تعلوه حمرة القرميد أو للفُرج الهائلة — كما أراها — الموجودة بين أسنانها. كانت تحدق إلى جانبها نحو غرفة الطعام بقدر من الوجل تحكمت به جيدًا.
رأت هناك طاولةً مفروشة، مُعدَّة تمامًا لمأدبة حفلة، لا ينقصها شيء. أطباق الشطائر مرصوصة، ربما منذ عدة ساعات؛ لأنك تستطيع أن تلاحظ أن حواف الشطائر العلوية المكشوفة للهواء قد اتخذت التواءً خفيفًا. الذباب يطن فوق الطاولة ويحط فوق الشطائر ويزحف دون عائق داخل أطباق الكعك المجلوب من المخبز والمغطى بطبقة من السكر. والسلطانية الزجاجية، قابعة كالعادة في وسط الطاولة، مليئة بشراب البنش البنفسجي، الواضح أنه آسن وخالٍ من الثلج.
همست السيدة كليج: «حاولت أن أنصحها بألَّا تضع كل شيء على الطاولة قبل الحفلة بوقت طويل.» قالت ذلك وهي تبتسم في حبور كأنها تتحدث عن نزوات وأخطاء طفلة جامحة. وواصلَتْ: «تعلمين، لقد استيقظَتْ في الخامسة صباحًا كي تعد الشطائر. لا أدري كيف سيكون طعمها الآن. كانت تخشى ألَّا يسعفها الوقت لتجهيز كل شيء، تخشى أن تنسى أي شيء. إنهما تكرهان النسيان.»
قالت أمي: «كان ينبغي ألَّا يُترك الطعام خارجًا في الطقس الحار.»
«أوه، حسنًا، لا أعتقد أن الطعام سيسمِّمنا هذه المرة. كنت أفكر فقط كم من المخزي أن تُقدَّم الشطائر يابسة. وحينما أضافت شراب الزنجبيل الغازي إلى شراب «البنش» عند الظهيرة لم يسعني أن أمنع نفسي من الضحك. يا له من تبديد!»
استدارت أمي وعدَّلت تنورتها المصنوعة من قماش الفوال، وكأنما أدركت فجأة قُبح، بل شناعة، أن تتحدث عن ترتيبات مضيفتها بهذه الطريقة وهي جالسة في غرفة معيشتها. قالت لي بصوت جامد: «مارج فرنش ليست موجودة. لقد قالت إنها آتية.»
قلت في قرف: «أنا أكبر بنت هنا.»
«صه! هذا يعني أنك يمكن أن تكوني آخر من تعزف. حسنًا، سيكون برنامج الحفلة هذا العام طويلًا للغاية، أليس كذلك؟»
مالت بيننا السيدة كليج، فانطلقت من بين ثدييها هبوة دافئة من ريح عطنة، وقالت: «سأذهب لأرى إن كانت قد رفعت درجة تبريد البراد بما يكفي لتجميد الآيس كريم. ستنزعج كثيرًا لو ذاب كله.»
سارت أمي عبر الغرفة وراحت تتحدث إلى امرأة تعرفها. أكاد أجزم أنها تقول لها إن مارج فرنش «قالت إنها آتية» ولم تأتِ. بدأت تظهر على وجوه النساء — اللائي وضعن عليها الزينة قبلها بوقت طويل — آثار الحر وحالة عامة من التململ. رُحْنَ يتساءلن فيما بينهن: متى ستبدأ الحفلة؟ سريعًا ولا شك، لا سيما وأن أحدًا لم يحضر في ربع الساعة الأخيرة. كنَّ يقُلن: كم من الخسَّة ألَّا يأتيَ الباقون، مع أنَّ هذا المكان — في هذا الحر الشنيع بدرجة استثنائية — سيكون أسوأ مكان في المدينة بلا شك. فيتفهمن إلى حد ما سبب عدم مجيء من لم يحضروا. نظرت حولي في الغرفة وحسبت الأعمار فوجدت أن لا أحد قريب من سني بسنة أكثر أو أقل.
بدأ الصغار العزف. وكانت الآنسة مارسيللا والسيدة كليج تصفِّقان في حماس، بينما تصفق الأمهات تصفيقة أو اثنتين بعد كل أداء، يغمرهن شعور بقرب الانفراج. بدت أمي عاجزةً، رغم ما تبذله من جهد جهيد، عن إبعاد عينيها عن الطاولة في غرفة الطعام وعن الطلعات الجسورة للذباب المغير. أخيرًا، نجحت في تثبيت عينيها في نظرة بعيدة حالمة على مكان ما أعلى سلطانية شراب البنش، مكنتها من أن تبقي رأسها ملتفتة نحو هذا الاتجاه دون أن ينفضح ما تحس به بأي طريقة معبرة. الآنسة مارسيللا أيضًا كانت تواجه مشكلة في إبقاء عينيها على الأطفال العازفين، وهي تنظر من آن لآخر نحو الباب. هل ما زالت تتوقع إلى الآن ظهور أحد ممن تغيبوا عن الحضور؟ هناك أكثر بكثير من نصف دستة هدايا في الصندوق المحتوم الموجود إلى جانب البيانو، ملفوفة كلها بورق أبيض ومربوطة بشريط فضي، لم يكن الشريط من النوع الأصلي، بل من النوع الرخيص الذي ينسِّل ويتهرأ.
بينما أعزف على البيانو موسيقى رقصة «بيرنيس»، حدث الحدث الاستثنائي ووصل من لم ينتظر حضورهم أحد عدا الآنسة مارسيللا. لأول وهلة، بدا وكأن في الأمر خطأ ما؛ فقد لمحت بطرف عيني موكبًا كاملًا من الأطفال، ثمانية أو عشرة، بصحبة امرأة صهباء مرتدية ما يشبه اللباس الرسمي، وهم يخطون جميعًا من العتبة الأمامية للبيت. بدوا كأنهم مجموعة أطفال من إحدى المدارس الخاصة في رحلة ما (كانت ملابسهم متماثلة الشكل واللون) لكنهم دخلوا بقدر كبير من التدافع والفوضى بالنسبة لمجموعة مدرسية يفترض أن تكون منظمة. أو هكذا بدا لي؛ لم أكن أستطيع أن أنظر جيدًا. لا بد أنهم ضلوا ودخلوا هنا بطريق الخطأ، ربما كانوا في طريقهم للطبيب ليعطيهم حقنًا، أو إلى أحد الفصول الدراسية الكنسية التي تقيمها الكنيسة في الإجازات؟ لا! فقد صَدَر من الآنسة مارسيللا همسٌ يحمل أسفًا مسرورًا، وذهبت لاستقبالهم. من خلفي، كنت أسمع صوت أشخاص يتجمعون متقاربين، وصوت فتح الكراسي القابلة للطي، وقهقهة غامضة غريبة لا أدري لها سببًا.
وفوق كل هذا الاضطراب الذي صاحب هذا الوصول — أو بالأحرى وراءه — خيَّم صمت مهيب على نحو غامض. أمر ما حدث، أمر غير متوقع، ربما أمر كارثي؛ يستطيع المرء أن يدرك أمورًا كهذه وإن حدثت وراء ظهره. واصلت العزف. ملأت الصمت المبدئي الصارم بمحاولاتي الخرقاء بالغة العناد لعزف موسيقى هاندل. وحينما انتهيت وقمت من أمام البيانو كدت أتعثر فوق أحد الأطفال الجالسين على الأرض.
كان أحدهم — صبيٌّ في التاسعة — هو التالي من بعدي في العزف على البيانو. أخذت الآنسة مارسيللا بيده وابتسمت له. لم تتشنج يده، ولم تكن حركة رأسها هي مضطربةً حرجًا بحيث تتنكر لابتسامته. كم هذا غريب، لا سيما أنه ولد، وليس بنتًا. التفت برأسه نحوها وهو يجلس، وتحدثت هي إليه مشجعة. لكن انتباهي كان مركزًا على صورة ملامحه الجانبية وهو ينظر نحوها: ملامح غليظة ينقصها شيء ما، وعينان صغيرتان ومسحوبتان بدرجة غير طبيعية. نظرت إلى الأطفال الجالسين على الأرض فرأيت نفس الملامح الجانبية مكررة في اثنين أو ثلاثة منهم؛ ورأيت صبيًّا آخر ذا رأس ضخم وشعر قصير مزغب كشعر حديثي الولادة، وأطفالًا آخرين لهم ملامح عادية وغير شاذة، لا يميزها إلا انفتاح طفولي وسكينة. كان الأولاد يرتدون قمصانًا بيضاء وسراويل رمادية قصيرة، وكانت البنات يرتدين فساتين قطنية لونها أخضر رمادي ذات أزرار وأحزمة حمراء.
قالت السيدة كليج: «هذا النوع من الأطفال يمتاز في بعض الأحيان بموهبة موسيقية كبيرة.»
همست أمي متسائلة: «من هؤلاء؟» وهي غير مدركة لما يشي به صوتها من ضيق.
«إنهم من ذلك الفصل الذي تدرِّس له الآنسة مارسيللا في مدرسة جرين هيل. مخلوقات صغيرة لطيفة وبعضهم يتمتع بموهبة موسيقيَّة عظيمة، لكن بالطبع ليس كلهم كذلك.»
أومأت أمي برأسها في شرود، ثم نظرت حولها في أرجاء الغرفة فضبطت أعين غيرها من النساء متحفزة، لكن دونما اتخاذ قرار ما. لا شيء يمكن عمله. وهؤلاء الأطفال سيعزفون. عزفهم ليس أسوأ — ليس أسوأ بكثير — من عزفنا، لكنهم يعزفون ببطء شديد، ومن ثم لا مكان يمكن أن ينظر المرء نحوه؛ لأنه من قبيل التهذيب عدم التحديق في هذا النوع من الأطفال، لكن إلى من يمكن أن ينظر المرء أثناء عزف على البيانو إلا إلى العازف نفسه؟ يسود الغرفة جو كأنه جو حلم مرعب لا يستطيع المرء أن يفيق منه. يكاد صوت أمي والأخريات يُسمَع وهن يحدثن أنفسهن قائلات: «لا، أعلم أن من الخطأ أن أنفر من أطفال كهؤلاء، أنا لا أشعر بالنفور. لكن أحدًا لم يخبرني أنني سآتي هنا لأستمع لعزف مجموعة من الأطفال … الأطفال المعتوهين، فهذا هو الوصف الفعلي لهم … أي نوع من الحفلات هذه؟» رغم ذلك زاد تصفيقهن، وصار أكثر نشاطًا، وكأن لسان حالهم يقول: دعونا على الأقل نتلهَّى بهذا التصفيق حتى ننتهي من هذا الأمر. لكن لا أمارات تدل على أن البرنامج سينتهي.
تذكر الآنسة مارسيللا اسم كل طفل كما لو كان سببًا للاحتفال. الآن تذكر اسم دولوريس بويل! فتاة في سنِّي، طويلة الساقين، نحيفة إلى حد ما ولها نظرة حزينة وشعر أشقر مائل للبياض، ها هي تقوم من تكومها على الأرض. جلست إلى البيانو وبعد أن التفتت لفتةً خفيفة وأزاحت شعرها الطويل إلى خلف أذنيها، بدأت تعزف.
اعتدنا أن ننتبه للعزف، في حفلات الآنسة مارسيللا، لكن هذا لا يعني أن أحدًا من الموجودين كان يتوقع أن يستمع إلى موسيقى حقيقية. لكن هذه المرة كانت الموسيقى تفرض نفسها بسلاسة، دون أن تبذل جهدًا كبيرًا في شحذ الاهتمام، لدرجة أننا لم نندهش. لم يكن ما تعزفه هذه البنت مألوفًا. كان شيئًا رقيقًا ولطيفًا ومرحًا، يحمل في طياته الحرية الموجودة في سعادة ليست مشبوبة العاطفة. جلُّ ما تفعله هذه البنت — وهو الشيء الذي لم يكن المرء يتوقع أن أحدًا سيفعله — هو أنها كانت تعزف على نحو يجعل هذه الأشياء محسوسة. كل هذا أحسسناه، حتى في غرفة معيشة الآنسة مارسيللا في شارع بالا ذات عصر سخيف. كل الأطفال كانوا هادئين، أطفال مدرسة جرين هيل والآخرون أيضًا. وكانت الأمهات جالسات، تستحوذ على وجوههن نظرة احتجاج، وقلق أشد من ذي قبل، وكأنَّ شيئًا ما ذكَّرهن بشيء كُنَّ قد نسينه. كانت جلسة الفتاة الشقراء الشعر إلى البيانو تفتقر إلى الرشاقة، رأسها متدلٍّ للأسفل، بينما كانت موسيقاها تسبح عبر الباب والنوافذ المفتوحة إلى الشوارع الرمادية الحارة.
جلست الآنسة مارسيللا إلى جانب البيانو وهي تبتسم للكل ابتسامتها المعتادة. لم تكن ابتسامة انتصار أو تواضع. لم تكن تبدو مثل ساحر يرقب وجوه الأشخاص كي يشاهد عليها ما أحدثه أحد العروض المبتكرة من تأثير. لا! لم تكن من هذا النوع؛ لكن يمكن أن تقول إنها، وقد شارفت حياتها على النهاية، ووجدت من تستطيع أن تُعلِّمه — بل من يجب أن تُعلِّمه — العزف على البيانو، فإن من شأنها أن تتوهج إشراقًا من أهمية هذا الاكتشاف. لكن يبدو أن عزف البنت بهذا المستوى كان دائمًا أمرًا متوقعًا بالنسبة لها، تراه طبيعيًّا ومرضيًا، فالأشخاص الذين يؤمنون بالمعجزات لا يحدثون الكثير من الهرج والجلبة انبهارًا برؤيتهم إحداها في الواقع. بل إنها لا يبدو عليها أنها تنظر لهذه البنت نظرةً أكثر تعجبًا من نظرتها لبقية أطفال مدرسة جرين هيل، الذين يحبونها، أو بقيتنا نحن، الذين لا نحبها. بالنسبة للآنسة مارسيللا، ما من هدية غير متوقعة، وما من احتفال يشكل مفاجأة.
انتهت البنت من العزف. كانت الموسيقى تملأ الغرفة ثم ذهبت، وبطبيعة الحال لم يدرِ أحد ما ينبغي أن يقول؛ لأنها حالما انتهت تبيَّن واضحًا أنها نفس البنت التي كانت قبل العزف، مجرد بنت من مدرسة جرين هيل. إلا أن الموسيقى لم تكن من نسج الخيال. لا مجال للهروب من الحقائق. وهكذا بعد دقائق قليلة بدأ العزف يبدو — برغم براءته — مثل خدعة، خدعة في غاية النجاح والتسلية، بالطبع، لكن ربما — كيف يمكن قول ذلك؟ — ربما ليست «ملائمة» تمامًا؛ لأن موهبة البنت، التي لا سبيل لإنكارها، عديمة الفائدة رغم كل شيء، في غير محلها، ولا تشكل في حقيقة الأمر شأنًا يحب أي شخص أن يتحدث عنه. بالنسبة للآنسة مارسيللا هذا أمر مقبول، أما بالنسبة للأشخاص الآخرين، الذين يعيشون في العالم، فهو ليس كذلك. لكن لا بأس، عليهم أن يقولوا شيئًا ما، وهكذا راحوا يشيدون بالموسيقى نفسها: يا لروعتها! يا لجمال المقطوعة! ما اسمها؟
قالت الآنسة مارسيللا: «رقصة الظلال السعيدة» ثم كررتها بالفرنسية، وهو ما لم يُضِفْ أي شيء لأي أحد من الحضور. •••
بعد ذلك، ونحن في طريقنا بالسيارة عبر الشوارع الحارة ذات القرميد الأحمر، تاركين المدينة، تاركين وراءنا الآنسة مارسيللا وحفلاتها التي لم تعد محتملة بعد الآن، ولن نحضرها ثانيةً للأبد، أخذت أتساءل: لماذا كنا عاجزتين عن أن نقول ما كان يفترض بنا أن نقوله: «يا للآنسة مارسيللا المسكينة!»؟ إن رقصة الظلال السعيدة هي التي منعتنا، تلك الرسالة البليغة من ذلك العالم الآخر الذي تحيا فيه الآنسة مارسيللا.
رقصة الظلال السعيدة |
صور
حضرت ماري ماكويد الآن، لكني تظاهرتُ بأني لا أتذكرها. بدا أنه من أحكم الأمور فعل ذلك. فقد قالت هي نفسها: «إذا كنتِ لا تذكرينني، فأنتِ لا تذكرين الكثير.» لكن دعنا من هذه المسألة، وأضافت ذات مرة: «لا بد أنكِ لم تحضري إلى بيت جدتك قطُّ الصيف الماضي. لا بد أنك لا تذكرين ذلك أيضًا.»
كان يُسمَّى، حتى ذاك الصيف، منزل جدتي، رغم أن جدي كان لا يزال على قيد الحياة حينها. كان قد اعتزل الحياة في إحدى الحجرات؛ حجرة النوم الأمامية الكبرى. بها مصاريع خشبية في الجهة الداخلية من النوافذ، مثل حجرة المعيشة وحجرة الطعام، أما حجرات النوم الأخرى فلم يكن بها سوى ستائر معتمة. كما أن الشرفة كانت تحجب الضوء بحيث كان جدي يرقد طوال اليوم في شبه ظلام، بشعره الأبيض — المغسول والمصفف والناعم كشَعْر طفل رضيع — ومنامته البيضاء على الوسائد البيضاء، فبدا كجزيرة داخل الحجرة، يقترب منها الناس على استحياء، لكن بإصرار. كانت ماري ماكويد بزيِّها تمثل الجزيرة الأخرى في الحجرة، جلست بلا حراك في أغلب الأحيان، حيث كانت المروحة، كما لو كانت تَعِبَةً، تحرِّك الهواء كالحساء. لا بد أن الجو كان مُظلمًا للغاية بما لا يسمح بالقراءة أو الغزل، على فرض أنها أرادت فعل هذه الأشياء، ومن ثَمَّ انتظرت وأخذت تتنفس فحسب، مُحدِثةً صوتًا كالذي تصدره المروحة، مشبعًا بشكوى قديمة لا تفصح عنها.
كنتُ صغيرة جدًّا حينها، وكان يتم وضعي في مهدٍ للخلود إلى النوم — ليس بمنزلي لكن هذا المهد كان مخصَّصًا لي بمنزل جدتي — في حجرة في الجهة المقابلة من الردهة. لم يكن بها مروحة، وصنَعَ الضوءُ المتلألئ بالخارج — جميع الحقول المنبسطة حول المنزل أضحت تتلألأ تحت ضوء الشمس كالمياه — تشققاتٍ مضيئةً في الستائر المعتمة المنسدلة. مَن عساه يستطيع النوم؟ تناهت أصواتُ أمي وجدتي وخالاتي وهن يتحدثن حديثهن المعتاد المتكرر، في الشرفة أو في المطبخ أو في حجرة الطعام (حيث كانت أمي تنظِّف بفرشاةٍ مقبضها من النحاس المفارشَ البيضاء، والثريَّا غير المضاءة ذات الفروع المصنوعة من الزجاج السميك البُنِّي الفاتح التي تعلو الطاولة المستديرة.) إن كل الوجبات والطهي والزيارات والأحاديث حتى عَزْف إحداهن على البيانو (كانت عمتي الصغرى — إديث — غير المتزوجة، تغني وتعزف بيد واحدة، «نيتا، جوانيتا، يقترب قمر الجنوب في هدوء».) في هذا المنزل، كل هذا مستمر دون توقف. إلا أن أسقف الحجرات كانت عالية للغاية، وأدناها جزء كبير من المساحة المهدرة المعتمة، وعندما أرقد في مهدي شاعرةً بالحر الشديد بدرجة تجعل النوم يجافي عينيَّ، أنظر إلى أعلى وأرى ذلك الفراغ من حولي، الزوايا الملطخة، وأشعر — دون أن أدرك ما هو هذا الشعور — بما لا بُدَّ وأن شعر به جميع مَن في المنزل؛ تحت الحرارة الشديدة لاحت حقيقة الموت، ذلك المكعب الصغير من الثلج السحري. كانت ماري ماكويد تنتظر في ثوبها الأبيض المتيبس، ضخمة الحجم وعابسة، كأنها جبل جليدي عنود، تنتظر وتتنفس. حمَّلتُها مسئولية ذلك الشعور.
لذا تظاهرت بعدم تذكُّرها، لم تكن ترتدي زيَّها الأبيض، وهو ما لم يجعلها حقيقةً أقل خطورة، لكن ربما يعني — على أقل تقدير — أن وقت سيطرتها لم يَحِنْ بعدُ. في ضوء النهار بالخارج، وهي لا ترتدي زيها الأبيض، اتَّضَح أن جسدها كله مُغَطًّى بالنَّمش، بجميع الأجزاء المكشوفة التي يمكنك أن تراها من جسدها، كما لو أن شوفانًا منثور عليها، وكان شعرها مجعَّدًا لامعًا بنيَّ اللون بصورة طبيعية. صوتها مرتفع وأجش، والشكوى على لسانها يوميًّا. صاحت عليَّ في الفناء: «هل سأضطر إلى تعليق الملابس المغسولة كلها وحدي؟» فتتبعتها إلى مكان أحبال الغسيل حيث وضعت سلة الملابس المبتلة على الأرض وهي تتأوَّه. «أعطيني هذه المشابك. واحدًا في كل مرة، أعطيني إياها من ناحية جانبها الأيمن. لا ينبغي لي الخروج وسط هذه الرياح على الإطلاق، فأنا أعاني مرضًا بالشعب الهوائية.» أخذت أناولها المشابك ورأسي معلَّق كحيوان مقيَّد إلى جانبها. خارج المنزل، في هواء شهر مارس البارد، فقدَتْ شيئًا من ضخامتها ورائحتها. استطعْتُ في المنزل دائمًا اشتمام رائحتها، حتى في الحجرات التي نادرًا ما كانت تدخلها. كيف كانت رائحتها؟ كانت تشبه رائحة المعدن ورائحة نوع من البهار الأسود (القرنفل؛ فقد كانت تعاني بالفعل من آلام الأسنان)، ومثل المستحضر الذي يُدلَّك به صدري عندما أصاب بالبرد. ذكرت الأمر ذات مرة لأمي، التي أخبرتني: «كفاك سخفًا، أنا لا أشم أي شيء.» لذا لم أخبرها عن المذاق، فقد كان لها مذاق أيضًا. كان مذاق ماري ماكويد في كافة الأطعمة التي تعدها، وربما كافة الأطعمة التي تؤكل في حضورها: العصيدة في فطوري، والبطاطا المقلية في الظهيرة، وشريحة الخبز والزبد والسكر البني التي كانت تعطيني إياها في الفناء؛ مذاق غريب ورملي وكئيب. كيف لم يدرك أبي وأمي ذلك؟ لكن لأسباب خاصة بهما، ربما يتظاهران بذلك؛ فهذا أمر لم أعرفه منذ عام مضى.
بعد أن علَّقَتِ الملابس كان عليها أن تنقع قدمها. أخرجت ساقيها مباشَرَةً — مستديرتين كأنابيب الصرف — من الحوض الذي ينبعث منه البخار، ووضعت يدًا على كل ركبة، ثم انحنت في البخار وأطلقت صيحات الألم والرضى.
قلتُ في جرأة كبيرة: «هل أنتِ ممرضة؟» رغم أن أمي أخبرتني أنها كذلك.
«نعم، وأتمنى لو لم أكن كذلك.»
«هل أنتِ خالتي أيضًا؟»
«لو كنتُ خالتك، لكنتِ ناديتني بالخالة ماري، أليس كذلك؟ حسنًا أنتِ لا تنادينني كذلك، أليس صحيحًا؟ أنا قريبة لكِ، أنا قريبة أبيك؛ لذا أتَوْا بي بدلًا من الإتيان بممرضة عادية، فأنا ممرضة عملية، ودائمًا ما يمرض أحد أفراد هذه العائلة وأضطر إلى الذهاب إليه؛ لا أنعم براحة أبدًا.»
ارتبت في هذا الأمر. ارتبت في أنه طُلِب منها المجيء. كانت تأتي وتطهو ما يحلو لها وتعيد ترتيب الأشياء بما يناسبها، وتشكو من لعب الداما، وتطلق العِنان لسيطرتها على المنزل. لو لم تأتِ قطُّ، لما اضطرت أمي إلى ملازمة الفراش قطُّ.
وُضِع سرير أمي في حجرة تناوُل الطعام، كي لا تضطر ماري إلى صعود السلم. صُفِّف شعر أمي في ضفيرتين طويلتين سوداوين، وكانت وجنتاها شاحبتين، ورقبتها دافئة وتنبعث منها رائحة الزبيب كما الحال دومًا، لكن باقي جسدها أسفل الأغطية تحوَّلَ إلى شيء متضخم وهشٍّ وغامض، من الصعب أن يتحرك. كانت تتحدث عن نفسها بحزن بضمير الغائب فتقول: «احترسي، لا تؤذي الأم، لا تجلسي فوق ساق الأم.» وفي كل مرة تقول فيها «الأم» تنتابني قشعريرة، ويغمرني شيء من البؤس والخزي، كما أشعر عند سماع اسم يسوع. إن هذه «الأم» التي جعلتها أمي الحقيقية المُطمئِنة، الحادة المزاج، ذات الرقبة الدافئة بيننا كانت طيفًا مجروحًا بصورة أبدية، حزينًا مثل يسوع حيال كافة الشرور التي لم أعرف بعدُ أنني سأرتكبها.
غزلت أمي نسيجًا على شكل مربعات لصنع غطاء صوفي، بجميع درجات اللون البنفسجي. كانت القطع المغزولة تسقط بين أغطية السرير دون أن تهتم بذلك. وما إن تنتهي منها حتى تنسى أمرها. لقد نسيْتُ جميع قصصها التي كانت تدور حول أمراء البرج، والملكة التي قُطِع رأسُها فيما كان كلب صغير يختبئ تحت ثوبها، وملكة أخرى مصَّتِ السم من جرح زوجها، وأيضًا قصص أخرى عن طفولتها، وهو وقت لا أراه أسطوريًّا شأنه شأن غيره من الأوقات. بعد أن تولَّتْ ماري رعايتها، كانت تَئِنُّ على نحوٍ طفوليٍّ: «ماري، أتوق شوقًا لأن تدلكي لي ظهري.» «ماري، هل من الممكن أن تصنعي كوبًا من الشاي لي؟ أشعر أنني إذا احتسيت مزيدًا من الشاي فسأثب من مكاني إلى السقف، كبالون ضخم، لكن تعلمين أن هذا كل ما أريد.» قالت ماري: «أنتِ لن تثبي إلى أي مكان. نحتاج إلى رافعة لتحريكك. هلمي الآن، انهضي، ستسوء حالتك قبل أن تتعافَي!» ثم أبعدتني عن السرير وبدأت في جذب الملاءات بحركات عنيفة. «أنت ترهقين أمك. ماذا تريدين إزعاج أمك به في هذا اليوم الجميل؟» قالت أمي في دفاع واهن وغير صادق: «أظن أنها تشعر بالوحدة.» قالت ماري بأسلوبها المهيب الغامض المتوعد: «ستشعر بالوحدة في الفناء تمامًا كما تشعر هنا. ارتدي ملابسك واذهبي إلى الخارج!»
تغيَّر أبي أيضًا منذ أن جاءت ماري. عندما كان يأتي إلى الحجرة ليتناول وجباته كانت تنتظره دائمًا، فمزحة مع أبي تجعلها تتورم كضفدع كبير، فتبدو بمظهر شرس ويحمرُّ وجهها. كانت تضع حبات الفاصوليا البيضاء غير المطهوة في حسائه، قاسية كالحصى، وتترقب لترى هل ستجعله آداب الطعام يأكلها أم لا. كانت تُلصِق شيئًا بقاع كوبه الزجاجي كي يبدو كالذبابة، وتعطيه شوكة بسن ناقص وتتظاهر أنه من قبيل الصدفة. فيقذفها عليها، دون أن تصيب الهدف، مما أفزعني على نحو هائل. كان أمي وأبي يتحدثان بهدوء وبجدية عندما يتناولان العشاء، لكن في عائلة أبي حتى الراشدون يمارسون الحيل بالديدان والخنافس المطاطية، ودائمًا ما تُدعَى العمَّات السمينات للجلوس على مقاعد متداعية، والأعمام يُخرِجون الريح على الملأ ويقولون: «ووه! إلى أين؟» فخورين بأنفسهم كما لو أنهم عزفوا بالصفير لحنًا مركَّبًا. لا أحد قد يسأل عن عمرك دون إغاظتك بلغو فارغ؛ لذا كان أبي يعود إلى السلوكيات العائلية مع ماري ماكويد، مثلما عاد إلى تناول أكوام من البطاطا المقلية ولحم الخنزير المملح وفطائر الطحين السميكة، واحتساء الشاي السادة والمركَّز كالدواء من إبريق الشاي المعدني، وهو يقول في امتنان: «ماري، تعلمين ما يجب على الرجل تناوله!» مضيفًا: «أَلَا تظنين أنه آنَ الأوان ليكون لك رجلٌ تُطعِمينه؟» وهو ما جلب عليه، ليس شوكة مقذوفة، بل منشفة تنظيف الأطباق.
دومًا ما تتركز إغاظته لماري على الأزواج. كان يقول: «فكرت في زوج لك هذا الصباح! أنا لا أخدعك الآن يا ماري، عليك أن تفكري في الأمر.» يبدأ ضحكها أولًا في صورة نفخات غاضبة بسيطة وزمجرات من بين شفتيها المغلقتين، فيما يزداد احمرار وجهها أكثر مما يمكن توقعه، وينتفض جسدها، وتهمهم في توعُّد وهي جالسة على كرسيها. ليس ثمة شكٌّ أنها استمتعت بكل ذلك، كل هذه الزيجات المتخيلة المستحيلة، رغم أن أمي كانت ستقول بالطبع إنه أمر قاسٍ، قاسٍ وغير لائق مضايقة امرأة عانس بالرجال. في عائلة أبي بالطبع كان هذا محور المضايقات لها على الدوام، ماذا كان هنالك بخلاف ذلك؟ وكلما ازدادت ماري فظاظة وخشونة وصعوبة، ازدادت المضايقات المُوجَّهة إليها أكثر. كان من قبيل السُبة في هذه العائلة أن يوصف المرء بأنه «مرهف الحس»، كما وصفت أمي. وجميع العمات والأقارب والأعمام ترعرعوا على أن يكونوا منيعين بصورة هائلة أمام أي نوع من القسوة الشخصية، وطائشين وحتى فخورين — على ما يبدو — بأي نوع من الفشل أو العاهات قد يكون من شأنه أن يتسبَّب في إضحاك الجميع.
في وقت العشاء، كان الجو معتمًا في المنزل، رغم أوقات النهار الطويلة. لم يكن لدينا حينها كهرباء بالمنزل بعدُ. وصلتنا الكهرباء سريعًا بعدها، ربما في الصيف التالي، لكن حينها كان لدينا مصباح على الطاولة. وعلى ضوئه شكَّلَ أبي وماري ماكويد ظلالًا ضخمةً، تأرجح رأساهما على نحو أخرق أثناء حديثهما وضحكهما. أخذتُ أراقب الظلال بدلًا من الأشخاص. قالا: «بماذا تحلمين؟» لكنني لم أكن أحلم، كنتُ أحاول استيعاب الخطر وقراءة إشارات الهجوم. •••
قال أبي: «هل تودين المجيء معي ورؤية المصائد؟» كان لديه مجموعة من مصائد فئران المسك على امتداد النهر. عندما كان أصغر سنًّا اعتاد قضاء أيام وليالٍ وأسابيع بين الأجمة، مسافرًا على امتداد الجداول شمال وجنوب مقاطعة واواناش، لم يصطد فقط فئران المسك حينئذٍ بل الثعالب الحمراء والمنك البري والسمور، وجميع الحيوانات التي يبلغ فراؤها أَوْجَه فصلَ الخريف. أما فأر المسك فهو الحيوان الوحيد الذي يمكن صيده في الربيع. وبعدما تزوَّج أبي وامتهن مهنة الزراعة، احتفظ بمجموعة مصائد واحدة؛ وهذا لبضع سنوات فقط، ربما كان هذا آخِر عام يمتلكها.
عبرنا الحقل الذي حُرِث الخريف الماضي. كان هناك قليل من الثلج يغطي الأخاديد، لكنه لم يكن ثلجًا حقيقيًّا، كان قشرة رفيعة تشبه الزجاج المثلج أستطيع تحطيمها بعقبي. أخذ الحقل ينحدر ببطء نحو سطح النهر. كان السياج متهدمًا في بعض الأماكن من وطأة الثلوج، استطعنا أن نخطو من فوقه.
سار أبي أمامي منتعلًا حذاءه طويل الرقبة. كان حذاء أبي بالنسبة لي فريدًا ومألوفًا كسمة مميزة له مثل وجهه. وعندما يخلع حذاءه ويضعه في زاوية المطبخ، تنبعث منه رائحةٌ معقَّدَةٌ من السماد، وزيت الماكينات، والكتل الطينية السوداء، والمادة كريهة الرائحة المتناثرة الملتصقة بالنعل. كان حذاؤه جزءًا منه، يقف منبوذًا بصفة مؤقتة في انتظاره. كان مظهره عنيدًا، بل وقاسيًا، فرأيته جزءًا من مظهر أبي، الجزء المتمِّم لوجهه، بجاهزيته لإلقاء النكات وكياسته. كما لم تفاجئني تلك القسوة أيضًا؛ فقد كان أبي يأتينا دائمًا، أنا وأمي، من مواضع لا نستطيع أن نكوِّن آراء إزاءها.
ذات مرة، كان هناك فأر مسك في المصيدة. في بادئ الأمر رأيته يتموَّج عند ضفة المياه، ككائن استوائي، كالسرخس الأسود. جذبه أبي فتوقَّف شعره عن التموج، والتصق ببعضه، اتضح أن ما بدا كالسرخس هو ذيل الفأر الزلق الذي يتقطر منه الماء. كانت أسنانه ظاهرة، وعيناه مبتلتين من أعلى، وكانتا متبلدتين وفاقدتين للحياة، وتلمعان كحصوات مغسولة. هزَّه أبي ولفَّه لينزل منه رذاذ قليلٌ من مياه النهر الجليدية. قال: «إنه فأر عجوز جيد، إنه ملك عجوز كبير، انظري إلى ذيله!» ثم لعله ظن أنني أشعر بالقلق، أو لعله أراد أن يريني سحرَ الآلات الميكانيكية المثالية البسيطة، رفَعَ المصيدة من المياه وشرح لي آلية عملها، جاذبًا رأس الفأر إلى أسفل مرة واحدة وأغرقه بلا رحمة. لم أفهم أو أهتم. لم أرغب إلا في لمس الجسد المتيبس المبتل، حقيقة الموت، لكنني لم أجرؤ.
وضع أبي الطُّعْم في المصيدة مجدَّدًا مستخدمًا قطعًا من التفاح الأصفر الذي تجعَّدَ في فصل الشتاء. ووضع جثمان الفأر في كيس أسود وعلَّقه على كتفه، كأنه بائع متجول في إحدى اللوحات. عندما قطع التفاحة رأيته ممسكًا بسكين السلخ، بنصله الرفيع اللامع.
ثم سرنا على امتداد النهر، نهر واواناش، الذي ارتفع منسوبه وزخر بالماء عن آخره، واكتسى باللون الفضي في منتصفه حيث صفعته أشعة الشمس، وحيث تتسارع حركة المياه في أقصى درجاتها. حسبت أنه التيار المائي، تصورت أن التيار شيء منفصل عن المياه، مثلما أن الرياح منفصلة عن الهواء ولها شكلها الخاص الذي تهب به. كانت ضفتا النهر منحدرتين وزلقتين وتصطف بطولهما شجيرات الصفصاف، التي ما زالت جرداء ومنحنية وتبدو واهنة كالحشائش. لم يكن هدير مياه النهر عاليًا لكنه كان عميقًا، وبدا أنه يأتي من بعيد من منتصفه، من مكان خفي حيث تخرج المياه من تحت الأرض مُحدِثة زئيرًا.
اتخذ النهر مسارًا منحنيًا، وفقدت أنا حس الاتجاه. وجدنا في المصائد مزيدًا من الفئران، فأخرجها أبي وهزها وخبأها في الكيس، واستبدل الطُّعْم. ازداد شعوري بالبرودة في وجهي ويديَّ وقدميَّ، لكنني لم أخبر أبي بذلك، لم أستطع. وهو لم يخبرني قطُّ بأن أتوخى الحذر، وأن أبتعد عن حافة المياه، فقد افترض جدلًا أنني أتمتع بحسٍّ كافٍ يجعلني لا أسقط في المياه. لم أسأله إلى أي مدى سنبتعد، أو ما إذا كان لمجموعة المصائد نهاية ما. بعد برهة كانت هناك شجيرات من خلفنا، واقتربت الظهيرة من نهايتها. لم يطرأ على ذهني، إلا بعد فترة طويلة من ذلك، أنها الشجيرات نفسها التي يمكن رؤيتها من فناء منزلنا، برزت من بينها تلة على شكل مروحة بأشجار جرداء وقت الشتاء، بدت كأغصان صغيرة هزيلة تتجه نحو السماء.
في ذلك المكان الآن نما على ضفة النهر، بدلًا من الصفصاف، شجيرات كثيفة بارتفاع يفوق رأسي. مكثت أنا على الطريق، في منتصف المسافة تقريبًا أعلى ضفة النهر، فيما نزل أبي إلى النهر. عندما انحنى فوق المصيدة، لم يَعُدْ باستطاعتي رؤيته. نظرت حولي ببطء ورأيت شيئًا آخَر. بعيدًا على امتداد ضفة النهر، ظهر رجل يشق طريقه باتجاهنا. كان يتحرك بخفة ولم يصدر أي صوت أثناء مروره من بين الشجيرات، كما لو أنه يتتبع مسارًا لم أتمكن من رؤيته. في بادئ الأمر لم أَرَ سوى رأسه والجزء العلوي من جسده. كان أسمر البشرة، بجبهة صلعاء طويلة، وشعر طويل خلف أذنيه، وتجاعيد عمودية غائرة بوجنتيه، وحيثما قلَّتْ كثافة الشجيرات استطعتُ تبيُّن باقي هيئته: ساقيه الطويلتين الرشيقتين، نحافته، ملابسه المموهة باهتة اللون، وما كان يحمله في يده، كان ما يحمله يلمع تحت أشعة الشمس — فأس صغيرة أو بلطة.
لم أتحرك قيد أنملة لأحذِّر أبي أو أنادي عليه. اجتاز الرجل الطريق الذي كنتُ أقف عليه ومضى قُدمًا، وهبط باتجاه النهر. يقول الناس إنهم أُصيبوا بالشلل من شدة الخوف، لكنني تسمَّرْتُ في مكاني، وكأن البرق صعقني، وما انتابني لم يكن شعورًا بالخوف بقدر ما كان إدراكًا. لم أتفاجَأ؛ فهذا المنظر الذي لا يفاجئك، الشيء الذي طالما عرفت أنه موجود ويأتي بصورة طبيعية للغاية، يتحرك برفق ورضى وعلى مهل، وكأنه جاء في المقام الأول لأمنية تمنيتها، أو أمل في شيء ختامي ومرعب. طيلة حياتي عرفت أن هناك رجلًا مثل هذا الرجل يقبع خلف الأبواب وفي الزوايا في النهاية المظلمة بالردهة؛ لذا أراه الآن وأترقب فحسب، كطفلٍ في صورة سلبية قديمة، مصعوقٍ تحت سماء الظهيرة القاتمة، بشعر متوهج وعينين مرهقتين كعينَيْ آني اليتيمة. تسلَّل الرجل بين الشجيرات باتجاه أبي، ولم أتوقع قطُّ — أو أمَّلت حتى — في حدوث أي شيء سوى الأسوأ.
لم يعرف أبي بوجوده. عندما اعتدل واقفًا، كان الرجل على بُعْد ثلاثة أقدام منه وحجبه عني. سمعت صوت أبي بعد لحظة، بهدوء وود:
«مرحبًا جو. حسنًا جو. لم أَرَك منذ مدة طويلة.»
لم ينبس الرجل ببنت شفة، لكنه تحرَّك ببطء حول أبي ليدقِّق النظر فيه. قال أبي: «جو! أنت تعرف مَن أكون، بن جوردن، كنت بالخارج أتفقَّد المصائد. هناك الكثير من الفئران السمينة في النهر هذا العام يا جو.»
رمق الرجل المصيدة التي وضع أبي بها الطُّعْم بنظرة سريعة مرتابة.
«عليك أن تنصب مصائد لنفسك أيضًا.»
لم تأتِ أية إجابة. أمسك الرجل ببلطته وحرَّكها بخفة في الهواء.
«لكن الوقت تأخَّر هذا العام، فقد بدأت مياه النهر في التراجع بالفعل.»
قال الرجل في دهشة كبيرة، وبجهد جهيد، كشخص يتجاوز تلعثمه: «بن جوردن!»
«ظننتُ أنك ستعرفني يا جو.»
«لم أعرف قطُّ أنه أنت يا بن، ظننت أنك أحد السيلاسيس.»
«أخبرتك مرارًا أنه أنا.»
«إنهم يأتون إلى هنا طوال الوقت يقطعون أشجاري ويخلعون سياجي. تعلم أنهم أشعلوا بي النيران يا بن؟ كانوا هم مَن فعلوا ذلك.»
قال أبي: «سمعت بذلك.»
«لم أعلم أنه أنت يا بن، لم أعلم أنه أنت. جئتُ بهذه الفأس، أحملها معي لأرعبهم قليلًا. ما كنتُ سأحملها معي لو علمتُ أنه أنت. لتأتِ معي وتَرَ أين أعيش الآن.»
ناداني أبي. «لقد أحضرت طفلتي الصغيرة معي اليوم.»
«حسنًا، لتأتِ أنت وهي وتستدفِئا قليلًا.»
تبعنا ذاك الرجل، الذي كان لا يزال يحمل فأسه ويؤرجحها في طيش، وصعدنا المنحدر ومنه إلى الشجيرات. زادت الأشجار من برودة الجو، وأدناها كان يوجد ثلج حقيقي خلَّفه فصلُ الشتاء، يصل عمقه لقدم أو اثنين، وجذوع الأشجار تطوقها في حلقات، صانعةً مساحة مظلمة غريبة كالدفء الذي تصنعه بأنفاسك.
وصلنا إلى حقل من الأعشاب الهالكة، واتخذنا طريقًا عبره ووصلنا إلى حقل آخَر أفسح حيث يوجد شيء يبرز من الأرض. كان سقفًا يميل في اتجاه واحد وليس له قمة، وخرج من السقف أنبوب يعلوه غطاء، والدخان يتصاعد منه. نزلنا درجات سلم قادتنا إلى قبو؛ وكان هذا كل شيء؛ قبو له سقف. قال أبي: «يبدو أنك هيَّئْتَ الأمور تمامًا لنفسك يا جو.»
«الجو دافئ، هذا هو حال العيش تحت الأرض، يكون الجو دافئًا بطبيعة الحال. فكرت في الجدوى من بناء منزل مجدَّدًا، فقد حرقوا لي منزلًا مرةً، وسيحرقونه مجدَّدًا. ولماذا أحتاج إلى منزل على أية حال؟ لديَّ المساحة التي أحتاج إليها هنا، لقد صمَّمْتُه بحيث يبعث على الراحة.» ثم فتح الباب عند قاع السلم قائلًا: «خُذْ في اعتبارك يا بن أنني لا أقول إن على الجميع العيش في حفرة تحت الأرض، رغم أن الحيوانات تفعل ذلك، وما يفعله الحيوان، على وجه الإجمال، يحمل معنًى ومغزًى. لكن إذا كنتَ متزوجًا، فهذا أمر مختلف.» ثم ضحك الرجل واستطرد: «أما أنا فلا أخطط للزواج.»
لم يكن المكان مظلمًا تمامًا. كانت هناك نوافذ القبو العتيق، تسمح بدخول قليل من الضوء المشبع بالسخام. إلا أن الرجل أشعل مصباحًا يعمل بالكيروسين ووضعه فوق الطاولة.
«هكذا تستطيع رؤية مكانك.»
لم يحوِ المكان سوى حجرة واحدة، حجرة أرضية بها ألواح خشبية غير مثبتة بمسامير، لكنها ممتدة على الأرض لتصنع ممرات للسير، وُضِع موقد على شيء أشبه بمنصة، وتوجد طاولة، وأريكة، وكراسي، بل وخزانة مطبخ، وعدة أغطية سميكة متسخة للغاية من النوع المستخدم في زلاجات الجليد لتغطية الخيول. ربما لولا تلك الرائحة المريعة التي تفوح من المكان — رائحة الكيروسين، والبول، والهواء الثقيل الراكد — لكنتُ عرفتُ أنه المكان الذي أود العيش فيه، مثل البيوت التي أصنعها بركام الثلوج في الشتاء، مستخدمةً عِصِيًّا من الحطب كأثاث، مثل المنزل الذي صنعته منذ مدة طويلة أسفل الشرفة، صنعت أرضيته من التراب العجيب الذي لا تطوله شمس أو مطر.
لكنني توخيت الحذر، جلست فوق الأريكة المتسخة، وتظاهرت بعدم النظر إلى أي شيء. قال أبي: «تنعم بالدفء والسكينة هنا يا جو، أليس كذلك؟» وجلس بجانب الطاولة حيث وضع الفأس.
«كان حريًّا بك أن تراني قبل بدء ذوبان الثلوج. لم يظهر شيء من المنزل سوى المدخنة.»
«ولا تشعر بالوحدة أيضًا؟»
«ليس أنا. لم أُحبِّذ الوحدة قطُّ. لديَّ هنا هر يا بن. أين ذاك الهر؟ ها هو ذا خلف الموقد. إنه لا يستمتع بالصحبة، ربما.» ثم جذب الهر، كان هرًّا ضخمًا رماديَّ اللون بعينين عابستين. «سأريك ما بإمكانه فعله»، ثم أخذ صحن فنجان من فوق الطاولة، وأخرج برطمانًا من الخزانة وصبَّ شيئًا منه في الصحن، ثم وضعه أمام القط.
«جو، هذا القط لا يحتسي الويسكي، أليس كذلك؟»
«انتظر وسترى.»
نهض القط وتمدَّد بصعوبة، ثم ألقى نظرةً شريرةً حوله ونكس رأسه ليشرب من الصحن.
قال أبي: «ويسكي غير مخفَّف!»
«من المؤكد أنك لم ترَ مثل هذا المشهد من قبلُ. وليس من المحتمل أن تراه مرةً أخرى. فهذا الهر يحتسي الويسكي قبل اللبن كل يوم. في واقع الأمر لم يَعُدْ يحصل على اللبن، لقد نسي شكله. أتريد شرابًا يا بن؟»
«لا أعلم من أين حصلت على هذا، ليس لديَّ مَعِدة كمعدة هرِّك.»
بعد أن انتهى الهر سار على غير هدًى بعيدًا عن الصحن، وانتظر للحظة، ثم وثب بمخالبه وهبط بغير ثبات، لكنه لم يسقط. تأرجح الهر، وضرب الهواء بمخالبه عدة مرات، وماءَ في يأس، ثم اندفع نحو الأمام وانزلق تحت طرف الأريكة.
«جو، إنْ تماديت في هذا الأمر، فلن يعودَ لديك هرٌّ.»
«أنا لا أؤذيه، فهو يستمتع بالأمر. لِنَرَ ماذا لدينا للفتاة الصغيرة لتناوله» لا شيء، هكذا تمنيت، لكنه أحضر علبةً من حلوى الكريسماس، والتي بدا أنها ذابت ثم تجمدت ثم ذابت مرة أخرى؛ لذا اختفت الخطوط الملونة من عليها، وكان لها مذاق المسامير.
«إن السيلاسيس يضايقونني يا بن. يأتون ليلًا ونهارًا. الناس لا تكفُّ عن مضايقتي أبدًا. أستطيع سماعهم عند السطح ليلًا. إذا رأيتهم يا بن، فلْتُخبرهم بما أعددتُ لهم.» ثم التقط الفأس وضرب بها على الطاولة، فتمزَّق المفرش المتعفن. «لديَّ بندقية صيد أيضًا.»
«ربما لن يعودوا لمضايقتك مجدَّدًا يا جو.»
تأوَّه الرجل وهزَّ رأسه نافيًا: «لن يتوقفوا أبدًا. كلا، لن يتوقفوا أبدًا.»
«حاوِلْ ألَّا تعيرهم أي اهتمام، سيسأمون ويرحلون.»
«سيحرقونني في سريري، لقد حاولوا من قبلُ.»
لم يقل أبي شيئًا، لكنه فحص نصل الفأس بإصبعه. أما أسفل الأريكة، فأخذ الهر يضرب بمخالبه ويموء في تشنجات متوهمة واهية أكثر. بعد أن استبد بي التعب، وشعرت بالدفء بعد البرودة، وقد تجاوز شعوري بالحيرة حدَّ الاحتمال، بدأ النعاس يغلبني وعيناي مفتوحتان. •••
أجلسني أبي: «استيقظي الآن. قفي. أترين؟ لا أستطيع حملك وحمل كيس ممتلئ بالفئران معًا.»
وصلنا إلى قمة تلة مرتفعة وهناك استيقظت. كان الليل يرخي سدوله. كان حوض البلدة بأكمله الذي نضب بفعل نهر واواناش ماثلًا أمامنا؛ آثار شجيرات بنية مائلة إلى الخضرة أوراقها لم تنمُ بعدُ، والنباتات دائمة الخضرة الداكنة التي أنهكها فصل الشتاء تظهر في حقول بنية؛ وأخرى لا تزال قاتمة اللون بعد حرثها العام الماضي، بها طبقات رقيقة من الثلج تكوَّنَتْ عليها هنا وهناك (مثل الحقل الذي مررنا عبره قبل ساعات عديدة بالنهار)، وسياج ضئيلة ومستعمرات من الحظائر الرمادية، ومنازل متفرقة تبدو منخفضة وصغيرة.
سأل أبي وهو يشير بإصبعه: «منزل مَن هذا؟»
كان منزلنا، أدركت ذلك بعد دقيقة. لقد اتخذنا في سيرنا نصف دائرة، وكان هناك جانب المنزل الذي لا يراه أحدٌ في فصل الشتاء، والباب الأمامي الذي لم يُفتَح من شهر نوفمبر إلى إبريل، ولا يزال محشوًّا بقطع القماش البالية حول حوافه لتقينا الريح الشرقية.
«إنه لا يبعد أكثر من نصف ميل نحو سفح التلة. يمكنك السير بيُسْر إلى المنزل. سرعان ما سنرى الضوء في حجرة تناول الطعام حيث تمكث أمك.»
قلت في طريقنا إلى المنزل: «لماذا يحمل معه فأسًا؟»
قال أبي: «أنصتي إليَّ، أتسمعينني؟ هو لا يقصد إيذاءَ أحدٍ بتلك الفأس. إنها عادته فحسب، أن يحملها معه في تجواله. لكن لا تذكري شيئًا عن الأمر في المنزل. لا تذكريه لأمك أو ماري، لأيٍّ منهما؛ لأنه من الممكن أن تشعرا بالفزع حيال ذلك الأمر. أنا وأنت لا نشعر بذلك، لكن ربما تشعران هما بالخوف. ولن نجني شيئًا من ذلك.»
بعد برهة قال: «ما الشيء الذي لن تذكريه هناك؟» قلتُ: «الفأس.»
«لم ينتَبْكِ الخوف، أليس كذلك؟»
قلتُ وأنا مفعمة بالأمل: «بلى، ولكن مَن سيحرقه ويحرق سريره؟»
«لا أحد، إلا إذا فعلها بنفسه مثلما فعلها في المرة الماضية.»
«مَن هو سيلاسيس؟»
قال أبي: «لا أحد، لا أحد فحسب.» •••
«لقد وجدتُ الرجلَ المناسب لكِ اليوم يا ماري. ليتني أحضرته معي إلى المنزل.»
قالت ماري ماكويد بحنق: «ظننا أنك سقطت في نهر واواناش.» وقامت بخلع حذائي وجواربي المبتلة على الفور.
«إنه جو فيبن العجوز الذي يعيش في العراء خلف الشجيرات.»
انفجرت ماري صائحةً: «هو، إنه الرجل الذي أحرق منزله، أعرفه!»
«صحيح، والآن هو يتدبر أموره جيدًا بدون منزله، يعيش في حفرة في الأرض. ستشعرين بالدفء يا ماري مثل خنزير الأرض.»
«من المؤكد أنه يعيش في الطين، حسنًا.» قدَّمت العشاء لأبي وأخبرها قصة جو فيبن، والقبو المسقف، والألواح الخشبية فوق الأرضية الطينية، وذَكَرَ الويسكي والهر لكنه أغفل ذِكْر الفأس. كان ذلك كافيًا لماري.
«إن المرء الذي يُقدِم على شيء كهذا يجب حبسه.»
قال أبي: «ربما. أتمنى ألَّا يقبضوا عليه إلا بعد فترة. جو العجوز.»
قالت ماري وهي تنحني فوقي: «تناولي عشاءك.» لم أدرك لبعض الوقت أنني لم أَعُدْ أخشاها. قالت: «انظر إليها، تكاد عيناها تخرجان من محجريهما، جرَّاء كل ما مرَّتْ به وشاهدته. هل قدَّمَ إليها الويسكي أيضًا؟»
قال أبي: «ولا قطرة منه.» وظل متطلعًا إليَّ عبر الطاولة. ومثل الأطفال في القصص الخيالية، الذين رأوا آباءهم يعقدون معاهدات مع غرباء مروِّعين، والذين اكتشفوا أن مخاوفهم لا ترتكز على شيء سوى الحقيقة، لكن عادوا مجدَّدًا من هروب مثير للعجب، وأمسكوا بالسكين والشوكة بتواضع وتهذيب، مستعدين للعيش بسعادة من ذلك الحين فصاعدًا؛ شأني شأنهم، أشعر بالانبهار والقوة بما أحمل من الأسرار — لم أنبس ببنت شفة.
رقصة الظلال السعيدة |
شكرًا على النزهة
جلست أنا وابن خالتي جورج في مطعم يدعى «كافيه بوب»، يقع في بلدة صغيرة بالقرب من البحيرة. بدأ الظلام يخيِّم على المكان بالداخل، دون أن يشعلوا الإضاءة، مع ذلك كان لا يزال بوسعك قراءة اللافتات الملصقة على المرآة بين قطع مثلجات الفراولة المصفرة قليلًا وشطائر الطماطم التي يقف عليها الذباب.
قرأ جورج: «لا تسأل عن معلومات، لو كنا ندري أي شيء لما مكثنا هنا.» و«إذا لم يكن لديك ما تفعله، فقد انتقيت مكانًا جيدًا للغاية للقيام بذلك.» لطالما قرأ جورج كل شيء بصوت مرتفع: الملصقات واللوحات الإعلانية، ولافتات كريم الحلاقة بورما شيف، «ميشن كريك، التعداد السكاني ١٧٠٠، بوابة للوصول إلى بروس. نحن نحب أطفالنا.»
تساءلت: من ذاك صاحب حس الدعابة الذي كتب لنا هذه اللافتات؟ ظننت أنه الرجل الذي يجلس خلف ماكينة تسجيل النقود. أيكون هو بوب؟ كان يمضغ عود ثقاب، وينظر إلى الشارع بالخارج، لا يترقب أحدًا سوى شخص تزل قدمه في صدع في الرصيف أو ينفجر إطار سيارته، أو يجعل من نفسه أضحوكة بطريقة لا يُحتمل مطلقًا حدوثها معه هو، بوب الذي يقبع في رسوخ خلف ماكينة تسجيل النقود، ضخم الجثة وساخر وغير مبالٍ. بل ربما لا يكون الأمر كذلك، ربما يثبت باقي العالم سخافته عبر التجول شمالًا وجنوبًا، وقيادة السيارة شمالًا وجنوبًا وارتياد مختلف الأماكن ليس إلا؛ إذ تتبيَّن عندها ذلك الحُكم على وجوه الناس وهم ينظرون من النوافذ، أو يجلسون على السلالم الأمامية للمنازل في بعض البلدات الصغيرة، تتبدَّى لامبالاتهم شديدة الترسُّخ، كما لو كان لديهم منابع للإحباط يبقونها سرًّا، بقدر من الرضى.
لم يكن في المكان سوى نادلة واحدة؛ فتاة قصيرة وبدينة انحنت فوق المنضدة الطولية تخدش طلاء أظافرها. وعندما قشَّرت معظم أجزاء الطلاء من ظفر الإبهام وضعت إبهامها في مواجهة أسنانها وأخذت تحك الظفر للخلف وللإمام في انهماك. سألناها عن اسمها لكنها لم تُجِبنا. بعد دقيقتين أو ثلاث أخرجت إبهامها من فمها وقالت وهي تتفحَّصه: «هذا ما عليك اكتشافه، فأنا أحتفظ به لنفسي.»
قال جورج: «حسنًا، هل تمانعين في مناداتك بميكي؟»
«لا أبالي.»
قال جورج: «لأنك تذكِّرينني بميكي روني، قولي لي أين يذهب الناس في هذه البلدة؟ أين يذهب الجميع؟» أدارت ميكي ظهرها وبدأت في صب القهوة وبدا كأنها لم تعد ترغب في التحدث أكثر؛ لذا شعر جورج بالتوتر قليلًا، كما يشعر عندما يواجه تهديدًا بضرورة التزام الصمت أو البقاء وحده. قال في شبه أسًى: «انتظري، ألا توجد أية فتيات في هذه البلدة؟ ألا توجد أية فتيات أو قاعات رقص أو أي شيء؟ نحن غريبان عن البلدة. ألا ترغبين في مساعدتنا؟»
قالت ميكي في برود: «إن قاعة الرقص عند الشاطئ تغلق أبوابها في عيد العمال.»
«ألا توجد قاعات رقص أخرى؟»
قالت ميكي: «هناك حفل راقص الليلة في مدرسة ويلسون.»
قال جورج في حنق مبهم: «ذاك الرقص عتيق الطراز؟ كلا، كلا، أنا لا أحبذ ذلك الرقص العتيق. من نوع «جميع الرجال جهة اليسار» وتلك الأمور، اعتدت الرقص هكذا في قبو الكنيسة. أجل، على طريقة «فليتمايل الجميع»، لا أحبِّذ هذا. فقط في قبو الكنيسة.» ثم قال لي: «أنت لا تذكر هذا، كنت صغيرًا للغاية.»
كنت قد أنهيت توًّا دراستي الثانوية في ذاك الوقت، وكان جورج يعمل منذ ثلاثة أعوام في قسم الأحذية الرجالي بمتجر متعدد الأقسام بوسط المدينة؛ لذا كان هناك ذلك الفارق بيننا. بيد أننا لم نهتم أحدنا بالآخر قطُّ حين كنا في المدينة. نحن الآن معًا لأننا تقابلنا على نحو غير متوقع في مكان غريب، ولأني أملك القليل من المال، فيما كان جورج مفلسًا. كما كنت أقود سيارة أبي، وكان جورج في إحدى الفترات التي لا يمتلك أثناءها سيارة، وهو الأمر الذي جعله دائمًا ناقمًا وسريع الغضب قليلًا. لكنه كان مضطرًّا إلى إعادة ترتيب تلك الحقائق بعض الشيء، فقد جعلته مضطربًا. استشعرت أنه يصطنع قدرًا كافيًا من المشاعر الطيبة، ومشاعر الصداقة القديمة، ويجعلني أظهر بمظهر صديق العمر، ديك؛ الفتى الطيب، صاحب الشخصية المميزة، وهو ما لم يهمني بطريقة أو بأخرى، رغم أني لم أعتقد — بينما كنت أتطلع إلى وسامته الشقراء الفجة واللطيفة في ذات الوقت، وفمه الوردي الجذاب، وتجعيدات الغضب والدهشة التي بدأت الحيرة المتكررة في طبعها على جبهته — أنني سأتكمن من إثارة حماسة شخصية مثل شخصية جورج.
كنت قد ذهبت بالسيارة إلى بحيرة هورون لإحضار أمي إلى المنزل من منتجع شاطئي للنساء، وهو مكان يتناولن فيه عصائر الفاكهة والجبن القريش لخفض الوزن، ويمارسن السباحة بالصباح الباكر في البحيرة، ويؤدين بعض الشعائر الدينية — على ما يبدو — إذ كان هناك كنيسة صغيرة ملحقة بالمنتجع. كانت خالتي — والدة جورج — تمكث هناك في الوقت نفسه، ووصل جورج بعد ساعة تقريبًا من حضوري، لا ليأخذ أمه إلى المنزل، بل ليحصل على بعض المال منها. لم تكن الأمور على ما يرام بينه وبين أبيه، ولم يجن الكثير من المال من العمل بمتجر الأحذية؛ لذا كان مفلسًا في أغلب الأحيان. أخبرته أمه أن بمقدورها إقراضه المال إذا مكث وذهب إلى الكنيسة معها في اليوم التالي، أخبرها جورج بموافقته. ثم لُذنَا بالفرار معًا وقدت السيارة لنصف ميل على امتداد البحيرة إلى تلك البلدة الصغيرة التي لم يرها أيٌّ منا من قبل، والتي أخبرني جورج أنها ستكون ممتلئة بالفتيات ومهرِّبي المشروبات الكحولية الممنوعة.
كانت بلدة بشوارع فسيحة رملية غير ممهدة وأفنية جرداء. لم ينمُ في أرضها المتصدعة سوى النباتات قوية التحمل كنبات أبي خنجر الأحمر والأصفر، أو شجيرات الليلك بأغصان بنية متجعدة. كانت المنازل متباعدة عن بعضها، ملحقة بها من الخلف مضخات وسقائف ومراحيض خارجية؛ معظمها بُني من الخشب ومطلي بالأخضر أو الرمادي أو الأصفر. كانت الأشجار التي نمت هناك أشجار الصفصاف أو الحور الضخمة، تحوَّلت أوراقها الجميلة إلى اللون الرمادي بفعل الثرى. لم يكن هناك أشجار على امتداد الشارع الرئيسي، لم يوجد سوى مساحات من الأعشاب الطويلة والهندباء البرية ونبات الشوك المتطاير، ومساحات خضراء شاسعة تفصل بين مباني المحال التجارية. كان مجلس البلدة كبيرًا على نحو غير متوقع، ويضم برجًا يحوي جرسًا ضخمًا، وكان القرميد الأحمر للمبنى يلمع إلى حدٍّ ما بين جدران البلدة الخشبية الذابلة وبين الطلاء الباهت. كانت اللافتة بجوار الباب تقول إنه نصب تذكاري للجنود الذين لقوا حتفهم في الحرب العالمية الأولى. وقد شربنا مياهًا من سبيل أمام هذا النصب التذكاري.
قدنا السيارة ذهابًا وإيابًا طوال الشارع الرئيسي لبرهة، بينما كان جورج يعلق قائلًا: «يا له من مكان قذر! يا إلهي، يا له من مكان قذر!» و«انظر، انظر هناك! لا، لا داعي، ليس مكانًا جيدًا!» عاد الناس بالشارع إلى منازلهم لتناول العشاء بينما كانت ظلال المتاجر تمتد عبر الشارع عندما دخلنا إلى مطعم بوب.
قال جورج: «قل لي، هل هناك مطعم آخر بالبلدة؟ هل رأيت أي مطعم آخر؟»
قلت: «كلا.»
قال جورج: «في أية بلدة أذهب إليها، تكون الخنازير معلقة خارج نوافذ المحلات، تتدلى فعليًّا من الأشجار. لكن ليس هنا. يا إلهي! أعتقد أننا في وقت متأخر من الموسم.»
«هل تود الذهاب لمشاهدة استعراض فني؟»
فُتح الباب ودخلت فتاة، سارت بالداخل ثم جلست فوق كرسي صغير، بينما تجمَّعت معظم تنورتها أسفلها. كان لها وجه طويل ناعس، ونهد صغير للغاية، وشعر متجعد. كانت شاحبة الوجه، قبيحة تقريبًا، لكن تتمتع بتلك الهالة من الجاذبية الجنسية التي يتعذَّر تفسيرها. ابتهج جورج — لكن ليس كثيرًا — ثم قال: «لا بأس، هذه ستفي بالغرض. هذه ستفي بالغرض إذا اقتضت الضرورة، صحيح؟ إذا اقتضت الضرورة.»
اتجه جورج إلى نهاية المنضدة الطولية وجلس بجانبها وبدأ يتحدث معها. وفي غضون خمس دقائق عادا معًا إليَّ، كانت الفتاة تحتسي زجاجة من عصير البرتقال.
قال جورج: «أقدِّم إليكَ أديليد، أديليد، أديلين … أديلين الجميلة. سأناديها بالجميلة إيه، الجميلة إيه.»
مصت أديليد من العصير بقصبة الشرب، دون أن تعيره الكثير من الانتباه.
قال جورج: «ليس معها رفيق، ليس معك رفيق، أليس كذلك يا حبيبتي؟»
هزت أديليد رأسها قليلًا بمعنى: بلى.
قال جورج: «هي لا تسمع نصف ما تقوله لها. أديليد، الجميلة إيه، هل لديك أية صديقات؟ هل تعرفين أية فتاة صغيرة جميلة لتخرج مع ديكي؟ أنا وأنت وهي وديكي؟»
قالت أديليد: «هذا يتوقف على المكان الذي تريدان الذهاب إليه.»
«أي مكان تختارينه. هل تودين الذهاب في نزهة بالسيارة، والذهاب حتى مدينة أوين ساوند، إذا أحببتِ؟»
«هل لديك سيارة؟»
«أجل، أجل، لدينا سيارة. بربك، لا بد أن لديك صديقة صغيرة جميلة تصلح لديكي.» ثم لف ذراعه حول الفتاة، وبسط أصابعه فوق بلوزتها. «هيا بنا إلى الخارج وسأريك السيارة.»
قالت أديليد: «أعرف فتاة يمكن أن تأتي معنا. الرجل الذي تخرج معه خاطب، وقد حضرت خطيبته وتمكث في منزله عند الشاطئ، الذي هو منزل والديه، و…»
قال جورج: «هذا أمر شائق جدًّا بالطبع، ما اسمها؟ هيا بنا، لنذهب إليها ونحضرها. هل تودين الجلوس هنا واحتساء العصير طوال الليل؟»
قالت أديليد: «لقد انتهيت من شرابي. ربما لا تأتي، لا أدري.»
«لماذا؟ ألا تسمح لها أمها بالخروج ليلًا؟»
قالت أديليد: «لا، هي تفعل ما يحلو لها، لكنْ ثمة أوقات لا تود الخروج فيها. لا أدري.»
خرجنا وركبنا السيارة، وجلس جورج وأديليد بالمقعد الخلفي. وبينما نتحرك في الشارع الرئيسي بعد بناية واحدة من المقهى مررنا بفتاة نحيلة، شقراء، ترتدي بنطالًا فضفاضًا، صاحت أديليد: «توقف! إنها هي! إنها لويس!»
أوقفت السيارة وأخرج جورج رأسه من النافذة وأطلق صفيرًا. صاحت أديليد وجاءت الفتاة بغير تردد، وعلى مهل إلى السيارة. ابتسمت، في برود وأدب إلى حدٍّ ما، عندما شرحت لها أديليد الأمر. وطوال الوقت ردد جورج: «أسرعي، هلمي بنا، اصعدي إلى السيارة! بإمكاننا التحدث في السيارة.» ابتسمت الفتاة، ولم تنظر حقًّا إلى أيٍّ منا، وفي غضون لحظات قليلة، ولدواعي دهشتي، فتحت الباب ودخلت السيارة. قالت: «ليس لديَّ ما أفعله، فرفيقي خارج البلدة.»
قال جورج: «أحقًّا؟» ورأيت أديليد، في مرآة الرؤية الخلفية، تحذره بتعبير متجهم من وجهها، لكن لم يبدُ أن لويس قد سمعته.
قالت: «يجدر بنا الذهاب إلى منزلي، فقد خرجت توًّا لأشتري بعض الكولا، لهذا السبب أرتدي بنطالي الفضفاض؛ لذا يجدر بنا الذهاب إلى هناك وسأرتدي ثوبًا آخر.»
قالت: «إلى أين سنذهب كي أعرف ماذا سأرتدي؟»
قلت: «إلى أين تودين الذهاب؟»
قال جورج: «حسنًا، حسنًا. الأهم فالمهم، علينا شراء زجاجة خمر، وبعدها سنقرر. أتعرفان مكانًا لشراء الخمر؟» قالت أديليد ولويس: أجل. ثم أخبرتني لويس: «بمقدورك الدخول معي إلى المنزل وانتظاري فيما أبدل ملابسي، إذا أردت ذلك.» ألقيت نظرة خاطفة على مرآة الرؤية الخلفية وفكرت أنه ربما يوجد اتفاق ما بينها وبين أديليد.
على الشرفة الأمامية بمنزل لويس كانت توجد أريكة عتيقة وبعض السجاجيد الصغيرة المعلقة فوق سور المنزل. سارت أمامي عبر الفناء. كان شعرها الطويل الباهت مربوطًا خلف رقبتها، وبشرتها يتناثر عليها النمش، لكنها لم تكن مسمرة، حتى عيناها كانتا فاتحتي اللون. كانت فاترة ونحيلة وشاحبة. ثمة سخرية، وجاذبية كبيرة أيضًا، في فمها. اعتقدت أنها في نفس سني أو تكبرني قليلًا.
فتحت لويس الباب الأمامي ثم قالت بصوت واضح ورسمي للغاية: «أود أن أعرفك على عائلتي.»
كانت الحجرة الأمامية الصغيرة مغطَّاة بمشمع الأرضية، بينما تنسدل ستائر ورقية مزينة بالزهور على النوافذ. احتوت الغرفة كذلك على أريكة لامعة تحمل وسادة منقوشة عليها شلالات نياجرا وأخرى منقوشًا عليها «إهداء إلى أمي»، وموقد أسود صغير مطوق بغطاء لحمايته من حرارة الصيف، وزهرية كبيرة تحوي أزهار التفاح الورقية. دخلت امرأة طويلة القامة وهزيلة إلى الحجرة وهي تجفف يدها بمنشفة صحون قذفتها فوق أحد الكراسي. كان فمها مليئًا بأسنان من البورسلين بيضاء مائلة إلى الزرقة، بينما تهتز سلاسل طويلة حول رقبتها. قلت لها: كيف حالك؟ وأنا أستشعر الحرج من إعلان لويس المفاجئ للغاية والتقليدي على نحو متعمد لحضورنا. تساءلتُ إن كان لديها أية تصورات خاطئة عن هذا الموعد الغرامي، الذي دبره جورج لأغراض معينة؟! لكني استبعدتُ ذلك. فلم يحمل وجهها أية سذاجة ظاهرة، بل كان ينمُّ عن سعة معرفة وهدوء وعدائية. ربما فعلت ذلك، إذن، لتستهزئ بي، لتجعلني أظهر في صورة كاريكاتورية ساخرة «للرفيق»، الصبي الذي يبتسم ابتسامة واسعة ويمشي متثاقلًا في الردهة الأمامية منتظرًا تقديمه إلى أسرة الفتاة الجميلة. لكن ذلك بعيد الاحتمال قليلًا، لماذا سترغب في إحراجي في حين أنها وافقت على الخروج معي دون أن تنظر إلى وجهي حتى؟ لماذا ستهتم بهذا الأمر لهذا الحد؟
جلست أنا ووالدة لويس على الأريكة. وبدأت تتجاذب معي أطراف الحديث؛ مما جعل الموقف يتفق مع سيناريو «الرفيق» الكاريكاتوري. لاحظت الرائحة المنتشرة بالمنزل؛ رائحة الحجرات الصغيرة العتيقة، أغطية الأسرة، والقلي، والغسيل، والمراهم الطبية، ورائحة القذارة، رغم أن البيت لم يبدُ قذرًا. قالت أم لويس: «إنها سيارة جميلة تلك التي تقف بالخارج. هل هي سيارتك؟»
«إنها سيارة أبي.»
«أليس هذا رائعًا! أن يمتلك أبوك مثل هذه السيارة الجميلة؟ لطالما اعتقدت أنه من الرائع أن يقتني الناس الأشياء. لا أحتمل التعامل مع أولئك الناس الذين يملؤهم الحقد والحسد. إنه لأمر رائع. من المؤكد أن أمك، في كل مرة ترغب في أي شيء، تتجه إلى المتجر فحسب وتشتريه، سواء كان معطفًا جديدًا، ملاءة سرير، مقلاة أو وعاءً. ماذا يعمل أبوك؟ أهو محامٍ أم طبيب أم شيء من هذا القبيل؟»
«هو محاسب قانوني.»
«آه، يعمل لدى مكتب، أليس كذلك؟»
«أجل.»
«شقيقي — خال لويس — يعمل في فرع شركة سي بي آر في لندن. إنه يتولى منصبًا رفيعًا هناك. حسب علمي.»
ثم بدأت في إخباري عن ملابسات مقتل والد لويس في حادث عند الطاحونة. لاحظت وجود امرأة عجوز — الجدة على الأرجح — تقف عند مدخل الحجرة. لم تكن نحيلة مثلهم، لكنها كانت رخوة وبلا قوام مثل طبق من حلوى البودنج المنسكبة، تنتشر على وجهها وذراعها بقع بنية شاحبة متداخلة، وتنمو شعيرات قصيرة خشنة حول الجزء المبتل المحيط بفمها. بدا أن جزءًا من الرائحة في المنزل ينبعث منها. كانت رائحة تعفُّن خفي، كما لو كان هناك حيوان ما صغير ميت أسفل الشرفة. الرائحة، والصوت اللامبالي والمفعم بالثقة أعطياني انطباعًا بأن ثمة خطبًا ما في هذه الحياة لم أعهده من قبل، ثمة خطب ما بهؤلاء الناس. خطر ببالي أن أمي وأم جورج ساذجتان. حتى جورج، جورج ساذج. لكن أولئك الآخرين، ولدوا ماكرين وحزانى وواسعي الخبرة.
لم أسمع الكثير عن والد لويس فيما عدا أن رأسه قُطِع.
«انفصل رأسه تمامًا، لك أن تتخيل، وتدحرج فوق الأرض! لم أستطع فتح النعش. كان ذلك في شهر يونيو، كان الجو حارًّا. وقد جرد جميع من في البلدة حدائقهم، جردوها من أجل الجنازة، قطفوا زهور شجيرات الزينة وورود الفاوانيا والياسمين البري المتسلق. أعتقد أنه كان أسوأ حادث وقع في هذه البلدة على الإطلاق. كان للويس رفيق لطيف هذا الصيف. اعتاد اصطحابها للخارج وأحيانًا ما كان يمكث للمبيت عندما لا يكون أهله في الكوخ الصغير وهو لا يرغب في قضاء الوقت هناك وحده. كان يُحضِر الحلوى للأطفال وحتى أنا كان يحضر لي هدايا. هذا الفيل المصنوع من البورسلين بالأعلى هناك، يمكن زراعة زهور به، لقد اشتراه لي. كما أصلح الراديو لنا ولم أضطر إلى أخذه إلى محل التصليحات. هل يملك أهلك كوخًا صيفيًّا هنا؟»
أجبتها بالنفي، دخلت لويس، ترتدي ثوبًا ملونًا بالأخضر والأصفر، مشدودًا ولامعًا كأوراق تغليف هدايا الكريسماس، وحذاءً ذا كعب عالٍ، وحليًّا من الماس الزائف، بينما نثرت الكثير من البودرة الداكنة فوق النمش. تحمَّست أمها لرؤيتها.
قالت: «أنت تحبين هذا الثوب، لقد قطعَتِ المسافة إلى لندن كاملةً وابتاعتْ ذاك الثوب، لم تشترهِ من أي مكان من هنا!»
اضطررنا إلى المرور بجانب السيدة العجوز أثناء خروجنا. نظرت إلينا بإدراك مفاجئ، واستقرت عيناها الشاحبتان الهلاميتان. ارتعد فمها فاغرًا، ودفعت وجهها في مواجهتي.
ثم قالت بصوت عجوز قوي، صوت المرأة الريفية الأجش: «افعل ما يحلو لك مع حفيدتي، لكن عليك توخِّي الحذر. أنت تعي ماذا أقصد!»
دفعت أم لويس الجدة خلفها، وهي تبتسم في تزمت وحاجباها مرفوعان وبشرتها مشدودة فوق صدغها، ثم أخبرتني وهي عابسة الوجه في شرود ذهن: «لا عليك. لا عليك. خرف الشيخوخة.» ظلت الابتسامة تعلو وجهها، وارتخت بشرتها، وبدا أنها تستمع طيلة الوقت إلى جلبة وضجة مستمرة برأسها. ثم أمسكت بيدي أثناء سيري خلف لويس وهمست: «إن لويس فتاة طيبة، فلتحظَ بوقت طيب، لا تدعها تكتئب! عمتم مساءً!» بينما اختلج حاجباها وجفونها في حركة سريعة غريبة يبدو على ما أظن أن غرضها الأصلي هو المغازلة.
مضت لويس متخشبةً أمامي، بينما تصدر تنورتها الرقيقة للغاية حفيفًا. قلت: «هل تريدين الذهاب إلى حفل راقص أو شيء من هذا القبيل؟»
قالت: «كلا، لا أهتم.»
«لكنك تأنقت في ملبسك …»
قالت لويس بصوت خفيض ساخر: «دومًا ما أتأنق في أمسيات السبت.» ثم بدأت في الضحك، ورأيت لمحة من أمها بها، ذاك الطابع الفظ الهيستيري. همست: «يا إلهي!» فأدركت أنها تقصد ما جرى في المنزل، فضحكت أيضًا، إذ لم أدرِ شيئًا آخر أفعله. وهكذا عدنا إلى السيارة ونحن نضحك كما لو كنا أصدقاء، لكننا لم نكن كذلك. •••
خرجنا من البلدة بالسيارة ووصلنا إلى منزل ريفي حيث باعت لنا امرأة زجاجة ويسكي تمتلئ بخمر منزلية الصنع متعكرة، شيء لم نحتسِه — أنا وجورج — من قبل قط. أخبرتنا أديليد أن هذه المرأة ربما تسمح لنا باستخدام الحجرة الأمامية في بيتها، لكنها لم تسمح لنا في النهاية بسبب لويس. فعندما حدقت المرأة بي من أسفل القلنسوة الرجالي التي كانت ترتديها فوق رأسها وقالت للويس: «إن التغيير يجدد النشاط مثله مثل الراحة، أليس كذلك؟» لم تجبها لويس، ونظرت إليها في برود. بعد ذلك أخبرتنا المرأة أنه إذا كنا متعالين لهذا الحد هكذا فإن حجرتها الأمامية لن تليق بمقامنا، وأحرى بنا العودة إلى الأجمة. وطوال الطريق على امتداد الممر أمام المنزل أخذت أديليد تردد: «بعض الأشخاص لا يقبلون المزاح، أليس كذلك؟ أجل، إن التعالي …» حتى أعطيتها زجاجة الخمر لإبقائها صامتة. نظرت إلى جورج، فوجدت أنه لا يبالي، ظنًّا منه أن هذا الأمر سيصرف ذهنها عن التفكير في الذهاب إلى أوين ساوند.
أوقفنا السيارة عند نهاية الممر وجلسنا فيها نحتسي الخمر. احتسى جورج وأديليد أكثر مما احتسينا. لم يتحدثا، فقط كانا يمدان يديهما لأخذ الزجاجة ثم يعيدانها مرة أخرى. كان هذا الصنف مختلفًا عن أي شيء تذوقته من قبل؛ كان ثقيلًا ويثير الغثيان في معدتي، ولم يكن له أي تأثير آخر، وبدأ يتملَّكني شعور كئيب بأني لن أثمل. وكانت لويس كلما ناولتني الزجاجة تقول: «شكرًا لك.» بطريقة مهذبة تحمل احتقارًا خفيًّا. وضعت ذراعي حولها، دون أن يكون لديَّ رغبةٌ كبيرة في ذلك، بل كنت أتساءل ما خطبها، هذه الفتاة التي تستلقي على ذراعي، متهكِّمة ومذعنة وغاضبة وغامضة، وبعيدة المنال. أردت التحدث معها أكثر مما أردت لمسها، لكن ذلك مستحيل، فالحديث ليس أمرًا تافهًا في نظرها كما اللمس. في تلك الأثناء أدركت أنه عليَّ تخطِّي هذا؛ تخطِّي المرحلة الأولى والدخول مباشرة في المرحلة الثانية، (إذ كان لدي دراية، رغم أنها لم تكن شاملة تمامًا، بتتابع المراحل المنهجي، وبطقوس الإغواء المتَّبعة في المقاعد الأمامية والخلفية للسيارات). تمنَّيت إلى حد بعيد أني قد رافقت أديليد.
قلت: «هل ترغبين في الذهاب في نزهة على الأقدام؟»
قال جورج من المقعد الخلفي: «هذه هي أول فكرة نيرة تقولها طيلة الليل.» ثم أخبرني أثناء خروجنا: «لا تتعجلا.» كان هو وأديليد متدثرين ويضحكان معًا. «لا تتعجلا في العودة!»
سرت أنا ولويس بمحاذاة طريق للعربات بالقرب من الأجمة. كانت الحقول مضاءة بضوء القمر، باردة والنسيم يهب. شعرت الآن برغبة في الانتقام، فقلت بصوت خفيض: «حظيت بحديث شائق مع أمك.»
قالت لويس: «أتصور ذلك.»
«حدثتني عن الشاب الذي كنت تواعدينه الصيف الماضي.»
«هذا الصيف.»
«لقد أصبح الآن الصيف الماضي، كان خاطبًا أو شيئًا من هذا القبيل، أليس كذلك؟»
«أجل.»
لم أنوِ تركها وشأنها. قلت: «هل أحبَّك أكثر من خطيبته؟ هل كان الأمر كذلك؟ هل أحبك أكثر؟»
أجابت: «كلا، لن أقول إنه أحبني.» ظننت — مع اشتداد النبرة التهكمية في صوتها — أنها بدأت تثمل. ثم قالت: «أحب أمي والأطفال أيضًا لكنه لم يحبني. يحبني! ما هذا الذي تقوله؟»
«حسنًا، ألم يكن يخرج معك …»
«كان يتسكع معي فترة الصيف فحسب. هذا ما يفعله أولئك الشبان من منطقة الشاطئ على الدوام. يأتون إلى هنا إلى الحفلات الراقصة ويصادقون فتاة يتسكَّعون معها لفترة الصيف. يفعلون هذا دائمًا.»
ثم أضافت: «أما كيف عرفت أنه لا يحبني، فقد أخبرني أنني أتذمَّر دائمًا. إذ عليك التعامل بامتنان مع أولئك الشبان، كما تعلم، وإلا فسيخبرونك أنك تتذمَّر.»
تملكني قليل من الفزع لأنني جعلتها تفصح عن كل هذه الأمور. قلت: «هل أحببته؟»
«آه، بالطبع! يجدر بي هذا، أليس كذلك؟ يجدر بي أن أجثو على ركبتيَّ وأشكره. هذا ما تفعله أمي. فقد ابتاع لها فيلًا عتيقًا ملطخًا ورخيصًا …»
قلت: «هل كان ذاك الشاب هو العلاقة الأولى؟»
«العلاقة الأولى الجادة. أهذا ما تعنيه؟»
لم يكن ذلك ما أعنيه. سألتها: «كم عمرك؟»
فكرت وقالت: «سبعة عشر عامًا تقريبًا. لكني أبدو في الثامنة أو التاسعة عشرة، وأستطيع دخول الحانات، فعلت ذلك مرة.»
«في أية مرحلة دراسية تدرسين؟»
تأملتني، متعجبة بعض الشيء. «هل ظننت حقًّا أنني ما زلت أرتاد المدرسة؟ لقد تركتها منذ عامين. أعمل بوظيفة الآن في مصنع القفازات بالبلدة.»
«لا بد أن هذا مخالف للقانون. أعني عندما تركت الدراسة.»
«لا، بمقدورك الحصول على تصريح إذا كان أبوك ميتًا أو شيئًا من هذا القبيل.»
قلت: «ماذا تفعلين في مصنع القفازات؟»
«أدير ماكينة، ماكينة تشبه ماكينة الحياكة. سأحصل على أعمال بالقطعة عما قريب. سأجني المزيد من المال.»
«هل تحبين عملك؟»
«لن أقول إني أعشقه، لكنه مجرد وظيفة … أنت تطرح الكثير من الأسئلة.»
«هل تمانعين في ذلك؟»
عاد صوتها فاترًا وخافتًا وقالت: «لست مضطرة للإجابة عن تساؤلاتك، إلا إذا أردت ذلك.» رفعت تنورتها وبسطتها فوق يدها قائلةً: «يوجد نبتات شائكة بتنورتي.» ثم انحنت وأخذت تنزعها واحدة تلو الأخرى وهي تكرر: «يوجد نبتات شائكة في ثوبي. إنه ثوبي الأنيق. هل ستترك أثرًا؟ إذا جذبتها جميعًا — ببطء — فلن أنزع أية خيوط من الثوب.»
قلت: «ما كان يجدر بك ارتداء هذا الثوب؟ لماذا ارتديت هذا الثوب؟»
هزت تنُّورتها، فطرحت نبتة شائكة أرضًا، مجيبة: «لا أدري.» وأخذت تستعرض قماش الفستان المشدود واللامع برضًى تشوبه آثار الثَّمَل، ثم قالت في نوبة حقد صغيرة ومباغتة: «أردت التباهي أمامكم أيها الشبان!» أصبح الآن ذلك الشعور بالرضى الذي يشوبه الازدراء وفقدان الاتزان من أثر الثمل واضحًا وضوح الشمس؛ إذ وقفت في سخف واستهزاء وتنورتها منبسطة مضيفة: «أملك كنزة مقلدة من الكاشمير بالمنزل. كلفتني اثني عشر دولارًا. ولدي معطف من الفراء، ما زلت أسدِّد ثمنه للشتاء القادم. أملك معطفًا من الفراء …»
قلت: «هذا رائع، أعتقد أنه من الرائع أن يقتني الناس الأشياء.»
تركت تنورتها وصفعتني براحة يدها على وجهي، فاستشعرت براحة، كلانا شعر بذلك. إذ كنا طيلة الوقت نستشعر صراعًا يتزايد داخلنا. وقفنا بمواجهة أحدنا الآخر بحذر قدر استطاعتنا مدركين أننا ثملان بعض الشيء. كانت تستعد كي تصفعني مجددًا، بينما كنت أستعد لأمسكها أو أرد لها الصفعة، كانت فرصة لنسوِّي الأمور بيننا، ونفصح عما نحمل داخلنا من ضغائن تجاه أحدنا الآخر، لكن هذه اللحظة الاندفاعية مرَّت، والتقطنا أنفاسنا؛ إذ لم نتحرك في الوقت المناسب. وفي اللحظة التالية — دون أن نعبأ بإزالة العداوة بيننا، أو نفكر في التسلسل المنطقي للأشياء — تبادلنا القبلات. كانت أول مرة — بالنسبة لي — أُقبِّل فيها أحدًا دون تدبر، أو تردد، أو تعجُّل زائد، ودون أن أشعر بالإحباط المبهم المعتاد الذي يلي القبلة. شرعت لويس في الحديث ثانية وهي تضحك في انعدام ثقة قبالتي، وعادت إلى الجزء الأسبق من حديثنا وكأن شيئًا لم يقطعه.
قالت: «أليس الأمر مضحكًا؟ أتعرف، طيلة الشتاء كل ما تفعله الفتيات هو التحدث عن الصيف الماضي، يتحدَّثن ويتحدثن عن أولئك الفتية، وأراهنك أن أولئك الفتية لا يذكرون حتى أسماءهن …»
لكنني لم أرغب في التحدث أكثر، بعد أن تجلَّى لي موطن قوة آخر بها يكمن جنبًا إلى جنب مع عدائيتها، والذي كان — في واقع الأمر — لا يقل تغلغلًا وجمودًا. بعد برهة همست إليها: «أليس هناك مكان يمكننا الذهاب إليه؟»
أجابتني: «ثمة حظيرة في الحقل التالي.»
كانت على دراية بالريف؛ فقد ذهبت إلى هناك من قبل. •••
بعد منتصف الليل قدنا السيارة في طريق العودة إلى البلدة. كان جورج وأديليد مستغرقين في النوم بالمقعد الخلفي. لم أعتقد أن لويس كانت نائمة، على الرغم من أنها أبقت عينيها مغلقتين ولم تنطق بكلمة. كنت قد قرأت في مكان ما عن العبارة اللاتينية: كل حيوان يشعر بالحزن بعد الجماع، وكنت سأخبرها بها، لكنني فكرت بعد ذلك أنها لا تعرف كلمات لاتينية وستظن أنني مدعٍ ومتعالٍ كما هو متوقع. بعد ذلك تمنَّيت لو أنني أخبرتها بها. كانت ستفهم معناها.
إنه ذلك الشعور بارتخاء الجسد ثم البرودة يليها الافتراق. عندما أخذنا نزيل بقايا القش عنا ونهندم أنفسنا بحركات ثقيلة عشوائية، عندما خرجنا من الحظيرة لنجد القمر قد غاب، لكن الحقول المسطحة بعد الحصاد وأشجار الحور والنجوم لا تزال هناك، أن نجد ذاتينا كما هي، باردة ومرتعشة، ذواتنا التي ذهبت في تلك الرحلة الطائشة ولم تزل موجودة، أن نعود إلى السيارة ونجد الآخرين متمددين ومستغرقين في النوم. هذا هو ما تعنيه حقًّا عبارة كل حيوان يشعر بالحزن بعد الجماع.
تلك الرحلة الطائشة، هل كانت هكذا لأنها كانت المرة الأولى لي، أم لأني كنت ثملًا قليلًا على نحو غريب؟ كلا. كانت كذلك بسبب لويس. ثمة أشخاص لا يسعهم سوى التمادي قليلًا في علاقة الحب وآخرون بإمكانهم التمادي كثيرًا، وتقديم إذعان أكبر، كالزاهدين. ولويس — زاهدة الحب تلك — جلست الآن في الجانب البعيد من مقعد السيارة، تبدو باردة وشعثة الشعر، ومنغلقة تمامًا داخل نفسها. كل الأشياء التي أردت إخبارها بها أخذت تضطرب في رأسي بلا معنى: سأحضر لرؤيتك مجددًا … اذكريني … أحبك، لكني لم أنطق بأي كلمة من هذا. لن تبدو هذه الكلمات حتى شبه صادقة عبر المسافة التي تفصل بيننا. كنت أفكر: سأتحدث إليها قبل أن نصل إلى الشجرة التالية، قبل الهاتف التالي، لكنني لم أفعل. كل ما فعلته هو قيادة السيارة أسرع فأسرع مقتربًا أكثر من البلدة.
ومضت أنوار الشوارع من خلف الأشجار المظلمة أمامنا؛ كان هناك حراك بالمقعد الخلفي.
قال جورج: «كم الساعة الآن؟»
«الثانية عشرة وعشرون دقيقة.»
«لا بد أننا أفرغنا تلك الزجاجة. لا أشعر بأنني على ما يرام. يا إلهي، لا أشعر أنني على ما يرام. كيف تشعر؟»
«بخير.»
«بخير، أليس كذلك؟ تشعر أنك أنهيت دراستك اليوم، أليس كذلك؟ أهذا ما تشعر به؟ هل فتاتك نائمة؟ إن فتاتي نائمة.»
قالت أديليد في نعاس: «لست نائمة. أين حزامي؟ جورج … يا إلهي. والآن أين فردة حذائي؟ ما زال الوقت باكرًا بالنسبة لليلة سبت، أليس كذلك؟ بإمكاننا الذهاب وإحضار شيء نأكله.»
قال جورج: «لست في مزاج يسمح لي بالأكل. أريد أن أنال قسطًا من الراحة، عليَّ النهوض باكرًا غدًا لأذهب إلى الكنيسة مع أمي.»
قالت أديليد في ريبة، لكن دون غضب كبير: «أجل، أعلم هذا. كان بإمكانك على أية حال ابتياع شطيرة هامبرجر لي!»
قدت السيارة حتى منزل لويس، التي لم تفتح عينيها حتى توقفت السيارة.
جلست ساكنة للحظة، ثم مررت يدها فوق تنورة ثوبها، لفردها. لم تنظر إليَّ. تحركت لتقبيلها، لكن بدا أنها تبتعد قليلًا للوراء، وشعرت بوجود شيء مخادع ومصطنع حيال تلك اللفتة الأخيرة رغم كل شيء. فليس ذلك من طبعها.
قال جورج لأديليد: «أين تسكنين؟ هل تسكنين بالقرب من هنا؟»
«أجل، على بعد بنايات قليلة.»
«حسنًا، هل يمكنك النزول هنا أيضًا؟ علينا العودة إلى المنزل الليلة.»
قبَّلها، وترجلت الفتاتان من السيارة.
أدرت المحرك وبدأنا نبتعد بالسيارة، استقرَّ جورج في المقعد الخلفي لينام، حينها تناهى إلى سمعنا صوت أنثوي ينادي، صوت أنثوي غليظ ومرتفع، يهتف بنبرة مهينة وبائسة:
«شكرًا على النزهة!»
لم تكن أديليد، بل كانت لويس.
رقصة الظلال السعيدة |
المكتب
لاح في خاطري — ذات مساء، فيما كنتُ أكوي قميصًا — الحل لحياتي. كان حلًّا بسيطًا لكنه جريء. دخلت إلى حجرة المعيشة، حيث كان زوجي يشاهد التلفاز، وقلت: «أعتقد أنني بحاجة إلى مكتب.»
بدت الفكرة عجيبة، حتى بالنسبة لي. لماذا أنا بحاجة إلى مكتب؟ فلديَّ منزل جميل ورحب، ومطلٌّ على البحر، كما أنه يضم أماكن ملائمة لتناول الطعام والنوم والاستحمام وتجاذب أطراف الحديث مع الأصدقاء، وبه حديقة؛ إنه منزل لا يفتقر إلى الرحابة.
هذا صحيح. لكني ها هنا أكشف لكم سرًّا، وهو ليس بالأمر الهين عليَّ: أنا كاتبة. لا يبدو هذا القول ملائمًا، يبدو غايةً في العجرفة والزيف، أو على الأقل غير مقنع. فَلْأحاول مرة أخرى: أنا أكتب. هل هذا أفضل؟ «أحاول» أن أكتب. هذا يزيد الطين بلة. تواضع زائف. ماذا إذن؟
لا يهم. بغض النظر عن الصياغة، تخلق الكلمات مساحتها من الصمت، تخلق لحظة المجاهرة الهشة تلك. لكن الناس طيبون، فسرعان ما يبتلع الصمت اهتمام الأصوات الودودة، التي تصيح بأشياء مختلفة من قبيل: يا له من أمر رائع! هنيئًا لك، وهذا مثير للاهتمام. يسألونني في حماس: ماذا تكتبين؟ فأجيبهم بأنني أكتب الأدب القصصي، حاملة خزيي حينئذٍ بهدوء، بل وبشيء من جسارة لم تكن يومًا من سماتي؛ ومجدَّدًا، تكسر مثل هذه الأصوات المهيَّأة اللبقة — والتي، مع ذلك، تكون قد استنفدت ذخيرتها من العبارات المشجعة، ولم يَعُدْ بوسعها سوى قول: «أجل!» — دوائر الهلع الملموسة.
قلت لزوجي: ها هو السبب الذي أود امتلاك مكتب من أجله؛ لأكتب فيه. أدركت على الفور أن هذا بدا مطلبًا صعبًا، شيئًا من ترف استثنائي. كي أكتب — كما يعلم الجميع — أحتاج إلى آلة كاتبة أو على الأقل قلم رصاص وبعض الأوراق وطاولة وكرسي؛ وأنا لديَّ كل هذه الأشياء في ركن بغرفة نومي، لكنني الآن أريد مكتبًا أيضًا.
إذا ما تطرقنا إلى هذا الأمر، لم أكن واثقة حتى أنني سأمارس الكتابة فيه. لعلي سأجلس هناك وأحدِّق في الجدار؛ وحتى هذا الاحتمال لم يكن سيئًا بالنسبة لي. في حقيقة الأمر، إن وقع كلمة «مكتب» هو ما أعجبني، وقعها الذي يوحي بالوقار والسلام، والعزم والأهمية. لكنني لم أهتم بذكر هذا الجانب لزوجي؛ لذا شرعت بدلًا من ذلك في شرحٍ بلاغيٍّ منمَّق دار — على ما أذكر — على هذا النحو:
المنزل مكان ملائم ليعمل به الرجل؛ فهو يحضر عمله إلى المنزل، فتُخلى له مساحة ليعمل بها، ويعيد المنزل تنظيم نفسه على أفضل نحو ممكن حوله. يدرك الجميع أنه يعمل؛ فليس من المنتظر منه أن يجيب على الهاتف، أو يبحث عن أشياء مفقودة، أو يتحقَّق من سبب بكاء الأطفال، أو يُطعِم القطة. بإمكانه غلق بابه. (قلتُ) تخيَّل لو أن أمًّا أغلقت باب حجرتها، وأطفالها يعلمون أنها خلف ذلك الباب؛ يا إلهي! إن الفكرة في حد ذاتها مثيرة لحنقهم. أيضًا تبدو المرأة التي تجلس محدقةً في الفراغ، في مكان ليس به زوجها أو أولادها، مخالفة للطبيعة تمامًا. من ثَمَّ، المنزل لا يعني الشيء نفسه للمرأة، فهي ليست بشخص يأتي إلى المنزل، يحقِّق منه نفعًا، ثم يغادره مرة أخرى. إنها «هي» المنزل، يستحيل الفصل بينهما.
(وهذا حقيقي، بالرغم من أنني كعادتي حين أجادل حول شيء أخشى أنني لا أستحقه، أصوغ حديثي بمصطلحات تأكيدية وعاطفية أكثر مما ينبغي. في أوقات بعينها — ربما في أمسيات الربيع الطويلة، بينما الجو لا يزال مطيرًا وكئيبًا، وقد أزهرت بصيلات النبات الباردة، والضوء خافت للغاية بما لا يُمنِّي بالسباحة في البحر — أفتح النوافذ وأشعر بالمنزل يتقلص عائدًا إلى الخشب والجص وتلك المواد البسيطة المصنوع منها، والحياة بداخله تهمد، فيتركني في العراء، خالية الوفاض، لكنني أشعر حينها برجفة من الحرية عنيفة وجامحة، أشعر بوحدة غاية في القسوة والمثالية لدرجةٍ لا أتحملها في تلك اللحظة. ثم أدرك كم أنني طيلة الوقت محمية ومثقلة بالأعباء، وكم أنني مستدفئة ومقيدة بإصرار.)
كل ما قاله زوجي: «إذن، لتمضي قدمًا، إذا ما استطعتِ العثورَ على مكان رخيص بالحد الكافي.» إنه ليس مثلي، هو لا يرغب حقًّا في سماع تفسيرات. كثيرًا ما تسمعه يردد — ودون أدنى شعور بالندم: إن قلوب الآخرين كتب مغلقة.
حتى ذلك الوقت لم أعتقد أن رغبتي هذه شيء يمكن تنفيذه. ربما — في الواقع — بدا لي أنها أمنية غير ملائمة إلى حد يتعذَّر معه تحقيقها. كان من الأيسر كثيرًا أن أطلب معطفًا من المنك أو عقدًا من الألماس؛ فهذه أشياء تحصل عليها النساء. استقبل أولادي مخططاتي، عندما علموا بها، بأكثر أساليب اللامبالاة والارتياب إثارةً، ومع ذلك ذهبت إلى مركز التسوق الذي يبعد شارعين عن منزلي؛ حيث لاحظت على مدى عدة شهور، ودون أن أعتقد أن هذا يمكن أن يمُتَّ لي بصلةٍ، بضعَ لافتاتٍ مكتوب عليها «للإيجار» معلَّقة على نوافذ الأدوار العليا لمبنى به صيدلية وصالون تجميل. تملَّكَني شعور بالانعدام التام للواقعية وأنا أصعد الدرج؛ إن الاستئجار بالتأكيد عملية معقَّدة، هذا في حالة استئجار المكاتب؛ فالمرء لا يطرق باب العقار الشاغر ببساطة وينتظر السماح له بالدخول، فالأمر ينبغي أن يتم عن طريق وسطاء، بالإضافة إلى ذلك، قد يطلبون مبلغًا طائلًا.
حسبما جرت الأمور، لم أضطر حتى إلى طرق الباب. خرجت امرأة من إحدى المكاتب الفارغة وهي تجر مكنسة كهربائية، وتدفعها بقدمها نحو الباب المفتوح على الناحية الأخرى من الردهة، والذي كان من الواضح أنه يؤدي إلى شقة في الجزء الخلفي من البناية. كانت المرأة تعيش مع زوجها في هذه الشقة، وكان لقب العائلة «مالي»، وكانا بالطبع مَن يمتلكان البناية ويؤجِّران المكاتب. أخبرتني المرأة أن الغرف التي كانت تنظِّفها للتوِّ مجهَّزَةٌ لتلائِم عيادة طبيب أسنان، ومن ثَمَّ لن تثير اهتمامي، لكنها ستأخذني لأتفقَّد مكانًا آخَر. دعتني إلى شقتها في حين وضعت المكنسة الكهربائية جانبًا وجلبت مفتاحها. أخبرتني — بتنهد لم أستطع تفسيره — أن زوجها ليس بالمنزل.
كانت السيدة مالي امرأة سوداء الشعر رقيقة المظهر، ربما كانت في أوائل الأربعينيات، متسخة لكنها لا تخلو من مسحة جاذبية، مع تلك اللمسات العشوائية للأنوثة؛ كالخط الرفيع من طلاء الشفاه اللامع، والخفَّين المكسُوَّين بالريش الوردي اللذين يغطيان قدمين ناعمتين متورمتين. كانت تتسم بالسلبية المتأرجحة، مع ذلك المظهر الموحي بالإرهاق والخوف الصامت، مما يعكس حياةً أُفنِيت في الاعتناء الشديد برجل قوي وسريع الغضب ومتواكل. من المستحيل تحديد مقدار ما رأيته من هذه الملاحظات منذ الوهلة الأولى، ومقدار ما قررتُ بشأنه لاحقًا، لكني اعتقدتُ بالفعل أن ليس لديها أطفال، فضغوط حياتها — أيًّا كانت — لم تسمح بذلك. وفي هذا الأمر لم أكن مخطئة.
كان واضحًا أن الحجرة التي كنتُ منتظرةً فيها مزيج ما بين حجرة معيشة ومكتب. كان أول الأشياء التي لاحظتها نماذج لسفن — من طراز الغليون، وسفن شراعية سريعة، وعابرات محيطات ضخمة — مرصوصة فوق الطاولات وأعتاب النوافذ والتلفاز. وفي الأماكن التي لا تتواجد بها نماذج السفن يوجد أُصُص نباتات ومجموعة مما يُسمَّى في بعض الأحيان بالتحف «الذكورية»؛ رءوس غزلان من البورسلين، وخيول برونزية، وطفايات سجائر ضخمة من مادة معرقة براقة. وعلى الجدران، عُلِّقَت صور فوتوغرافية وأشياء ربما كانت شهادات علمية موضوعة في براويز. في إحدى الصور يظهر كلب بودل وكلب بول دوج، يرتديان ملابس ذكورية وأنثوية، متخذَيْن وقفة عاطفية بخجل حزين، ومكتوب على الصورة «أصدقاء العمر». مع ذلك، كانت ثمة صورة تستحوذ على الحجرة بإضاءتها وبروازها المطلي بالذهب؛ كانت الصورة لرجل وسيم أشقر في منتصف العمر، يجلس وراء مكتب، يرتدي بذلة عمل رسمية وتشع منه سيماء النجاح والتفاؤل واللطف. وأيضًا، ربما بالنظر للأمر الآن، اتضح لي أن في الصورة شعورًا واضحًا بالارتباك كذلك، شيئًا من فقدان الثقة تملَّك الرجل في هذا الدور الذي يؤديه، لديه تلك النزعة للانبساط بإسهاب وإصرار بالغين، وهذا — برغم كل شيء — ربما يؤدي إلى كارثة كما يعلم الجميع.
دعنا من آل مالي. ما إن رأيتُ ذلك المكتبَ حتى رغبتُ في استئجاره. كان أفسح مما أردتُ ومقسَّمًا بطريقة تلائم عيادة طبيب. (أخبرتني السيدة مالي بأسلوبها النادم الذي يضنُّ بالمعلومات أن إخصائي تقويم العمود الفقري بالمعالجة اليدوية كان يعمل في هذا المكتب، لكنه غادره.) كانت الجدران باردة وجرداء، بيضاء مع شيء من اللون الرمادي، لتقليل أثر حدة اللون على العين. وبما أنه لا يوجد أطباء في المشهد، ولم يكن هناك لبعض الوقت، كما أخبرتني السيدة مالي بصراحة، عرضتُ عليها دفع خمسة وعشرين دولارًا شهريًّا، فأخبرتني أن عليها التحدث مع زوجها.
عند قدومي في المرة التالية كان عرضي قد حظي بالقبول، والتقيت السيد مالي شخصيًّا. شرحت له — كما فعلتُ مع زوجته سابقًا — أنني لست بحاجة إلى استخدام مكتبي أثناء ساعات العمل الاعتيادية، بل أثناء العطلات، وفي المساء أحيانًا. سألني عن سبب احتياجي للمكتب، فأخبرته دون أن أتساءل أولًا عمَّا إذا كان يتعيَّن عليَّ قول إنني أمارس الكتابة الاختزالية.
استوعب الرجل المعلومة بروح مرحة وقال: «آه، أنت كاتبة.»
«حسنًا. نعم، أنا أكتب.»
قال بأسلوب ودود: «إذن سنبذل قصارى جهدنا لنضمن لك الشعور بالراحة هنا، فأنا رجل أعشق الهوايات أيضًا، فكل نماذج السفن التي ترينها هذه أصنعها بنفسي في أوقات الفراغ، إنه أمر رائع لتهدئة الأعصاب؛ فالناس بحاجة إلى شغل أنفسهم بشيء لتهدئة أعصابهم. أحسب أن الأمر نفسه ينطبق عليك.»
«شيء من هذا القبيل.» قلتها له موافقةً إياه في تصميم، بل وشاعرةً بالارتياح لأنه نظر إلى تصرُّفي في هذا الضوء المبهم المتسامح. على الأقل لم يسألني مثلما توقَّعْتُ إلى حد ما عمَّن سيعتني بالأطفال، وعمَّا إذا كان زوجي قد وافق. عشرة أعوام — أو ربما خمسة عشر عامًا — أوهنَتْ ذلك الرجل الذي يظهر بالصورة وزادته بدانةً وهزمته بدرجة بالغة؛ فالآن تتراكم على أردافه وفخذيه كمية هائلة من الدهون، مما يجعله يتحرك متأوِّهًا حاملًا كومة من الشحم اللين ومتثاقِلَ الخطى في إرهاق أمومي، وقد بهت لون عينيه وشعره، وانطمست ملامحه، وتهافت التعبير اللطيف النهم إلى تعبير يعكس هوانًا مزعجًا وارتيابًا مزمنًا. لم أنظر إليه، ولم أخطط عند تفكيري في استئجار مكتب أن أحمل على عاتقي عبء التعرُّف إلى مزيد من الأشخاص. •••
انتقلت إلى المكتب في العطلة، دون مساعدة من عائلتي التي كان من الممكن أن تكون من اللطف لتقدِّم لي المساعدة. أحضرت آلتي الكاتبة وطاولة صغيرة قابلة للطي وكرسيًّا، إضافةً إلى طاولة خشبية صغيرة وضعت فوقها موقدًا كهربيًّا، وغلَّاية، ووعاءً به قهوة سريعة التحضير، وملعقة وكوبًا أصفر كبيرًا بيدٍ. هذا كل شيء. تأملت في رضى الجدران الجرداء، وقطعَ الأثاث الأساسية زهيدة القيمة، والغياب الملحوظ للأشياء التي تحتاج إلى التنظيف أو الغسل أو التلميع.
لم يكن المنظر سارًّا للغاية للسيد مالي، الذي طرق باب مكتبي بعد أن استقررتُ على الفور، وقال إنه يود شرحَ بعض الأمور لي؛ أمور تتعلق بفك المصباح في الحجرة الخارجية، التي لن أحتاجها، وعن جهاز التدفئة، وكيفية التعامُل مع مظلة النافذة. تطلَّعَ في الأشياء حوله بأسًى وحيرة وقال إن المكان غير مريح إطلاقًا لسيدة.
قلت: «إنه يناسبني تمامًا.» ليس بأسلوب رادِعٍ كما أردت، لأنني دائمًا ما أميل إلى استرضاء الناس الذين لا أحبهم بغير سبب وجيه، أو ببساطة لسبب لا أود معرفته. في بعض الأحيان أقدِّم لهم قرابين منمَّقَة من المجاملات، على أمل — ينمُّ عن حماقة — أنهم سيرحلون ويتركونني وشأني.
«إن ما تحتاجينه هو مقعد جميل مريح تجلسين عليه، فيما تنتظرين الوحي ليأتيك. لديَّ مقعدٌ في القبو، لديَّ شتى الأشياء هناك منذ أن تُوفِّيَتْ أمي العام الماضي. هناك أيضًا سجادة صغيرة مطوية في زاوية ما، لا أحد يحتاج إليها. بإمكاننا إجراء بعض التحسينات في هذا المكان بحيث يكون أكثر راحة ودفئًا لك.»
قلت له: لكن حقًّا، حقًّا أنا أحب هذا المكان على هذه الحال.
«إذا أردتِ أيضًا وضع مزيد من الستائر، فسأسدِّد لك ثمن لوازمها. إن المكان بحاجة إلى لمسة مبهجة، أخشى أن تصبحي سوداوية بجلوسكِ هنا.»
قلت: كلا، أنا واثقة من أن هذا لن يحدث. وضحكت.
«لو كنتِ رجلًا، لكان الأمر مختلفًا؛ فالمرأة ترغب الأشياء أكثر دفئًا قليلًا.»
نهضتُ، وسرتُ باتجاه النافذة، ونظرت من بين شرائح الستارة المعدنية إلى الشارع الخاوي كعادته أيام الآحاد، لأتحاشى الضعف الاتهامي الذي يطلُّ من وجهه السمين؛ وجربت الحديث بنبرة باردة كثيرًا ما أسمعها تتردد في ذهني لكنها تواجه صعوبةً بالغةً في الخروج من فمي الجبان. «سيد مالي، من فضلك لا تزعجني بهذا الأمر أكثر من ذلك. أخبرتك أن المكان يلائمني. لديَّ كل ما أحتاج إليه. شكرًا لك على إخباري بأمر المصباح.»
كان أثر كلامي مدمِّرًا بما يكفي ليشعرني بالخجل. رد بكلمات مقتضبة وبحزن متحفظ: «بالطبع لم أتصور أنني أضايقك. لم أرغب عند تقديم تلك المقترحات إلا في راحتك الشخصية. لو أدركت أنني أشكِّل عائقًا لك، لغادرت قبل ذلك.» عندما غادر شعرتُ بأنني أفضل حالًا، بل وبقليل من البهجة لما حقَّقْتُه من نصر على الرغم من شعوري بالخجل للسهولة التي جرى بها الأمر. قلت في نفسي إنني كنتُ سأردعه عاجلًا أو آجلًا، وكان من الأفضل حدوث ذلك في البداية.
في عطلة نهاية الأسبوع التالية، طرق بابي، وقد تعاظَمَ تعبير الإهانة على وجهه بدرجة كافية تقريبًا ليبدو تعبيرًا ساخرًا — مع ذلك — من جانب آخَر كان تعبيرًا حقيقيًّا فشعرت بانعدام الثقة في نفسي.
قال: «لن آخذَ سوى دقيقة من وقتك. لم أقصد أبدًا أن أكون مصدرًا للإزعاج. أنا لم أُرِدْ سوى إخبارك أنني آسِف لمضايقتك في المرة الماضية وأعتذر لك. ليتك تقبلين هذه الهدية البسيطة.»
كان يحمل نبتة لم أعرف اسمها؛ كانت لها أوراق سميكة ولامعة، ومزروعة في أصيص ملفوف بإسراف في ورق قصديري وردي وفضي.
قال وهو يضع النبتة بتنسيق في إحدى زوايا الحجرة: «إذن، لا أريد أن يكون هناك أية مشاعر سلبية بيننا. أعترف بمسئوليتي عما حدث. وفكرت في أنك قد لا تقبلين قطع أثاث، لكن ما المانع من نبتة صغيرة جميلة، إنها ستضفي البهجة على المكان من حولك.»
كان من المستحيل في تلك اللحظة أن أخبره أنني لا أريد نباتًا؛ إنني أكره النباتات المنزلية. أخبرني كيفية الاعتناء بها، وكم مرة ينبغي ريُّها وما إلى ذلك؛ شكرته. لم يكن بوسعي فعل شيء آخَر، وترسَّخَ لديَّ شعور منفر بأن وراء ما يقدِّمه من اعتذارات وهدايا إدراكًا جيدًا لموقفي هذا، وأن هذا بطريقة ما أشْعَرَه بالرضى. واصَلَ حديثه، مستخدمًا كلمات «مشاعر سلبية»، «مستاءة»، «أعتذر». حاولت مرة مقاطعته، بنِيَّة أن أوضِّح له أنني قد أعددت لمنطقة في حياتي لا تدخلها مشاعر سلبية أو إيجابية، وأن بيني وبينه — في واقع الأمر — لا داعي لأية مشاعر من الأساس؛ لكن جال بخاطري أن هذه خطوة مستحيلة. كيف سأواجه علانيةً هذا التوق للتودُّد؟ هذا إلى جانب أن النبتة في ورقها اللامع تثير فيَّ شعورًا بالحيرة.
قال لي بأسلوب مَن يضع كافة الاختلافات التعيسة بيننا وراء ظهره: «كيف تُبلِين في الكتابة؟»
«أُبلي فيها كالمعتاد.»
«حسنًا، إذا نفِدَت ذخيرتك من الأشياء التي تريدين الكتابة عنها يومًا، فلديَّ مخزون هائل منها.» صمت برهةً ثم قال بشيء من الابتهاج الأليم: «لكن أعتقد أنني أستنفد وقتك هنا.» كان ذلك اختبارًا لي، لكني لم أَجتَزْهُ. ابتسمتُ، محدِّقةً في تلك النبتة، وقلت إنه لا بأس.
«كنتُ أفكر توًّا في الرجل الذي مكث هنا قبلكِ. اختصاصي المعالجة اليدوية. كان بإمكانك تأليف كتاب عنه.»
اعتدلتُ متخذةً وضعية إنصات، وتوقَّفَتْ يدي عن الحوم فوق المفاتيح؛ حيث إنه إذا كان الجبن وعدم الصدق أسوأ عيوبي، فالفضول بالتأكيد عيب آخَر.
«لقد أسَّس عيادةً ناجحةً هنا، لكن المشكلة الوحيدة أنه كان يُجرِي تقويمات أكثر من تلك المدرجة في كتاب تقويم العمود الفقري بالمعالجة اليدوية. أوه، كان يقوِّم جميع أجزاء الجسم. جئتُ إلى هنا بعد أن رحل وماذا وجدتُ في ظنِّك؟ أجهزة عازلة للصوت! كانت هذه الحجرة بكاملها مزوَّدة بأجهزة عازلة للصوت، كي يجري عمليات التقويم دون أن يزعج أحد. هذه الحجرة التي تجلسين فيها لكتابة قصصك.
علمنا بالأمر للمرة الأولى عندما طرقت سيدة بابنا ذات يوم، وطلبَتْ أن أعطيها المفتاح الرئيسي لعيادته؛ فقد أغلق الباب في وجهها.
أعتقد أنه قد سئم من معالجة حالتها. أعتقد أنه أدرك أنه أخذ يدق على عظامها لوقت طويل. كانت سيدة متقدمة في العمر، وهو لا يزال شابًّا. كانت له زوجة شابة جميلة وطفلان من أجمل الأطفال الذين يمكنك رؤيتهم. هذا جزء قذر من الأشياء التي تجري في هذا العالم.»
استغرقتُ بعض الوقت كي أدرك أنه لم يخبرني بتلك القصة من قبيل النميمة ببساطة، بل باعتبارها شيئًا سيهتم أي كاتب بالاستماع إليه. كانت ثمة صلة لذيذة غامضة بين الكتابة والفسق في ذهنه. مع ذلك، حتى هذه الفكرة، بدت كئيبة للغاية، وطفولية للغاية، حتى إنه خطر ببالي أن في انتقادها إهدارًا للطاقة. أدركت حينئذٍ أنني يجب أن أتحاشى إيذاء مشاعره إكرامًا لي، وليس له. لقد كان خطأً جسيمًا اعتقادي أن قليلًا من الغلظة سيسوِّي الأمور. •••
كانت الهدية التالية إبريق شاي. أصررتُ على أنني لا أحتسي سوى القهوة، وطلبت منه أن يعطيه لزوجته. قال إن الشاي أفضل لتهدئة الأعصاب، وإنه قد أدرك على الفور أنني شخص عصبي، مثله. كان إبريق الشاي مطليًّا بالذهب ومزخرفًا بالورود، أدركت أنه ليس زهيد الثمن، على الرغم من قبحه الشديد، واحتفظت به فوق الطاولة. كذلك واظبت على الاعتناء بالنبتة التي ترعرعت إلى حدٍّ مثير للاشمئزاز في زاوية حجرتي. لم أستطع تحديد ما يمكنني فعله أكثر من ذلك. ابتاع لي سلة مهملات، سلة فاخرة نُقِشَت فاكهة اليوسفي الصينية على جهاتها الثماني، وأحضر لي وسادةً مطاطية لأضعها على مقعدي. ازدريت نفسي لأنني استسلمت لهذا الابتزاز. إنني حتى لم أشفق عليه في الحقيقة؛ كل ما في الأمر أنني لم أستطع صده، لم أستطع صد ذاك الاشتهاء الذليل. وقد أدرك بنفسه أنه قد اشترى قدرتي على الاحتمال، بطريقة كان يجب أن يمقتني بسببها.
في ذلك الوقت، حينما كان يتلكأ في مكتبي، كان يخبرني قصصًا عن نفسه، وتبادر إلى ذهني أنه يكشف لي عن حياته على أمل أن أكتبها. بالطبع، ربما يكون قد كشف عنها أمام كثيرين من الناس دون سبب معين، لكن في حالتي بَدَا أن ثمة ضرورة خاصة، بل وملِحَّة. كانت حياته سلسلة من النكبات، كما هي حياة الناس في الغالب؛ فقد خذله أشخاص وضع ثقته بهم، ورفض مساعدته أشخاصٌ اعتمد عليهم، وخانه نفس الأشخاص الذين أحسن إليهم وقدَّم لهم مساعدات مادية. وحمل آخَرون — ممَّن لم يكونوا سوى غرباء وعابري سبيل — على عاتقهم تعذيبه بلا مبرر بأساليب جديدة ومبتكرة. بين الحين والآخَر، تعرَّضَتْ حياته للتهديد، فضلًا عن ذلك، كانت زوجته إحدى صعوبات حياته، مع صحتها المعتلة ومزاجها المتقلب؛ فماذا كان بيده أن يفعل؟ قال لي وهو يرفع يده: «ها أنت ترين كيف تجري الأمور، لكني على قيد الحياة رغم كل شيء.» ونظر إليَّ لأوافقه الرأي.
بدأت ألجأ لصعود الدَّرَج على أطراف أصابعي، محاولةً إدخال المفتاح دون إصدار صوت؛ كان تصرفًا أحمق بالطبع لأنني لا أستطيع كتم صوت الآلة الكاتبة. فكَّرْتُ بالفعل في الكتابة بخط اليد، وتمنيت مرارًا وجود ذلك الجهاز العازل للصوت الذي كان يملكه إخصائي المعالجة اليدوية البارع. أخبرت زوجي بالمشكلة، فقال إنها ليست بمشكلة على الإطلاق. قال لي: أخبريه بأنك منشغلة. في واقع الأمر أخبرته بذلك فعلًا؛ في كل مرة كان يأتي إلى بابي — مسلَّحًا على الدوام بهدية صغيرة أو عذر ما — ويسألني كيف حالي، أخبره أنني اليوم منشغلة، وحينها كان يقول وهو يجتاز الباب في سلاسة إنه لن يأخذ من وقتي أكثر من دقيقة. وطيلة الوقت — كما قلت — كان يعلم ما يدور بخلدي، وكم كنتُ أتوق في وهن إلى التخلُّص منه. كان يدرك ذلك لكنه لم يكن يعبأ بالأمر. •••
ذات مساء بعد أن عُدْتُ إلى المنزل اكتشفت أنني تركت في المكتب خطابًا أنوي إرساله بالبريد؛ لذا عدت إلى المكتب لأحضره. من الشارع رأيت النورَ مُضاءً في الحجرة التي أعمل بها، ثم رأيته منحنيًا فوق الطاولة القابلة للطي. بالطبع كان يأتي ليلًا ويقرأ ما أكتبه!
سمع خطواتي عند الباب، وعندما دخلت كان يلتقط سلة المهملات خاصتي، وقال إن كل ما هنالك أنه فكَّر في ترتيب الأشياء هنا من أجلي، ثم خرج على الفور. لم أنبس ببنت شفة، لكنني وجدت نفسي أرتجف في غضب ورضى. كان عثوري على سببٍ عادلٍ أعجوبةً، بل كان نجدةً لا تُحتمَل.
في المرة التالية التي أتى فيها عند بابي كنتُ قد أغلقته من الداخل. عرفت وَقْع أقدامه، وطرقته المتزلفة الودودة. واصلت الكتابة على الآلة الكاتبة بصوت مرتفع، مع التوقُّف بين لحظة وأخرى، كي يعلم أنني سمعته. ناداني باسمي، كما لو كنتُ أمارس عليه حيلةً؛ عضضْتُ على شفتي كي لا أجيبه. لكن، كما الحال دومًا، سطا عليَّ ذلك الشعور غير العقلاني بالذنب، لكنني واصلت الكتابة. في ذلك اليوم رأيتُ التربة قد جفَّتْ حول جذور النبتة؛ لكني تركتها.
لم أكن مهيَّأة لما حدث بعد ذلك. وجدت ورقة ملصقة على بابي، مكتوبًا بها أن السيد مالي سيكون مُمتنًّا كثيرًا إذا حضرت إلى مكتبه. ذهبتُ على الفور لأنتهي من هذه المسألة. كان جالسًا إلى مكتبه محاطًا بدلائل مبهمة على نفوذه؛ تطلَّعَ إليَّ من بعيد، كما لو أنه مضطر إلى رؤيتي في ضوء جديد غير محبَّب إلى حدٍّ مؤسف، وبدا أن الحرج الذي ظهر عليه ليس لنفسه، بل لي أنا. بدأ حديثه قائلًا — بتردد مصطنع إلى حدٍّ ما — إنه علم بالطبع عندما أجَّرَ لي المكتب أنني كاتبة.
«لم أدَعْ هذا الأمر يقلقني. على الرغم من أنني سمعتُ أمورًا عن الكُتَّاب والفنانين ومثل أولئك الأشخاص لم تَبْدُ لي مبشِّرة كثيرًا. تعلمين هذه الأشياء التي أقصدها.»
كان هذا كلامًا جديدًا؛ لم أستطع التفكير إلى ما سيقود إليه.
«لقد جئتِ إليَّ وقلتِ: سيد مالي أنا أريد مكانًا أكتب فيه. صدَّقْتُكِ، وأعطيتكِ إياه. لم أطرح عليكِ أية أسئلة؛ فهذه طبيعة شخصيتي، لكن أتدرين كلما فكَّرتُ في الأمر — حسنًا — زاد ميلي للتساؤل.»
قلتُ: «عمَّ التساؤل؟»
«وكذلك طريقة تعاملك، التي لم تسهم في بثِّ الطمأنينة في قلبي؛ فأن تغلقي الباب على نفسك وترفضي الردَّ عمَّن يطرق باب مكتبك ليس بسلوك طبيعي يسلكه الشخص، ذلك إذا لم يكن هناك ما يخفيه. وليس بسلوك طبيعي بالمثل لشابة — تقول إن لديها زوجًا وأطفالًا — أن تمضي وقتها في القرع فوق آلة كاتبة.»
«لكنني لا أعتقد أن …»
رفع يده بإشارة عفو. «كل ما أطلبه الآن أن تتحلي بالوضوح والصراحة معي — أعتقد أنني أستحق هذا القدر منك — وإذا كنتِ تستخدمين هذا المكتب لأية أغراض أخرى، أو في أية أوقات أخرى غير معروفة، وتستضيفين أصدقاءك أو أيًّا مَن كانوا يأتون لزيارتك …»
«لا أدري ماذا تقصد.»
«ثمة أمر آخَر، أنت تدَّعِين أنك كاتبة. إنني أقرأ كثيرًا، لكني لم أَرَ اسمك منشورًا قطُّ. ربما تكتبين تحت اسم آخَر؟»
قلتُ: «كلا.»
قال بأسلوب ودود: «حسنًا، لا أشك في أن هناك كُتَّابًا لم أسمع بأسمائهم. دعينا من هذا الأمر. كل ما عليك أن تعديني به هو ألَّا يكون ثمة مزيد من الخداع أو الحماقات، أو ما إلى ذلك، في ذلك المكتب الذي تشغلينه …»
تأخَّرَ غضبي بعض الشيء، أعاقه حالةُ عدمِ التصديق الحمقاء التي كنتُ عليها. سمعت ما يكفي لأنهض وأسير عبر الردهة، بينما صوته يلاحقني، وأغلقت الباب. فكَّرْتُ أن لا بد أن أرحل. لكن بعد أن جلستُ في حجرتي، ورأيتُ عملي أمامي، فكَّرتُ مجدَّدًا كم أحببت هذه الحجرة، وكيف أدَّيْتُ فيها عملًا جيدًا، وقررت ألَّا يجبرني أحد على الرحيل. شعرت، رغم كل شيء، أن الصراع بيننا وصل إلى طريق مسدود. بإمكاني رفض فتح الباب، ورفض النظر في الرسائل القصيرة التي يتركها لي، ورفض التحدُّث معه عندما نلتقي. لقد دفعتُ الإيجار مقدمًا وإذا رحلتُ الآن فمن المستحيل أن أستردَّ أي مبلغ متبقٍّ. عزمت على عدم الاكتراث. كنتُ أصطحب معي مخطوطتي كل ليلة، لأمنعه من قراءتها، والآن بدا أيضًا أن هذا الإجراء الاحترازي تافه. ما الضير إذا قرأ المخطوط، هل هذا يزيد أهميةً عن مرور فأرٍ فوقه في الظلام؟ •••
وجدت رسائل قصيرة منه عند بابي عدة مرات بعد ذلك. اعتزمت عدم قراءتها، لكني دائمًا ما كنتُ أقرؤها. أضحت اتهاماته أكثر تحديدًا. يقول إنه سمع أصواتًا بحجرتي، وإن سلوكي يسبِّب الإزعاج لزوجته عندما تحاوِل أخذ قيلولة في فترة الظهيرة، (لم أحضر قطُّ في فترات الظهيرة سوى في العطلة الأسبوعية!) وإنه عثر على زجاجة ويسكي في قمامتي.
تساءلت كثيرًا حيال أمر إخصائي المعالجة اليدوية ذاك؛ فرؤية الكيفية التي تتشكَّل بها أساطير حياة السيد مالي ليست مريحةً.
مع ازدياد نبرة الشر في الرسائل، توقَّفَتْ مصادفات التقائنا. مرة أو مرتين رأيت ظهره المنحني — مكتسيًا بإحدى كنزاته — يتوارى عند دخولي إلى الردهة. شيئًا فشيئًا تحوَّلَتْ علاقتنا إلى شيء خيالي تمامًا. الآن يتهمني، عبر رسائله القصيرة، بأنني أقيم علاقات مع أشخاص من «نوميرو سينك»؛ وهو مقهى يقع في الجوار، أعتقد أنه استحضر هذا المكان لأغراض رمزية. شعرت بأن لا شيء أكثر من ذلك سيحدث في الوقت الحالي، ستستمر الرسائل، سيصير محتواها أكثر بشاعة وعلى الأغلب أقل تأثيرًا فيَّ.
وفي صبيحة أحد أيام الأحد، طرق بابي، في الحادية عشرة صباحًا تقريبًا. كنتُ قد وصلت توًّا وخلعت معطفي ووضعت الغلاية فوق الموقد الكهربي.
هذه المرة كان وجهه مختلفًا — باردًا ومتعاليًا — يشع منه ذلك الضوء البارد للفرحة العارمة باكتشافه دلائل الخطيئة.
قال بانفعال: «تُرَى هل تمانعين أن تتبعيني إلى الناحية الأخرى من الردهة؟»
تبعته. كان النور مضاءً في الحمام، كان هذا الحمام خاصًّا بي، ولم يكن أحد آخَر يستخدمه، لكن السيد مالي لم يعطني مفتاحه، وكان الحمام مفتوحًا على الدوام. توقَّفَ أمام الحمام ودفع الباب ووقف وهو ينظر إلى الأسفل، ويُخرِج زفيره بهدوء.
قال بصوت خالص الأسف: «الآن مَن فعل هذا؟»
كانت الجدران أعلى المرحاض وأعلى حوض الاستحمام مغطَّاة برسومات وتعليقات من قبيل تلك التي تراها في الحمامات العامة على الشواطئ، وفي مراحيض المجلس المحلي في البلدات المضمحلة الصغيرة كتلك التي نشأت فيها. كانت الرسوم والتعليقات مكتوبة بأحمر شفاه، كالعادة. دار بخلدي أن لا بد من أن شخصًا صعد إلى هنا الليلة السابقة، ربما يكون شخصًا من المجموعة التي تتسكع وتتجول دائمًا حول المركز التجاري في ليالي السبت.
قلتُ في برود وثبات كما لو أنني بذلك أتنصَّلُ من المشهد: «كان من المفترض أن يُغلَق، يا لها من فوضى!»
«إنه مغلق بالفعل. إنها لغة بذيئة بالنسبة لي. ربما هي ليست سوى مزحة بالنسبة لأصدقائك، لكنها ليست كذلك لي. ناهيك عن الرسوم. يا له من منظر جميل ترينه عندما تفتحين أحد الأبواب في عقارك في الصباح!»
قلت: «أعتقد أن أحمر الشفاه سيزول بالغسيل.»
«إنني مسرور لأن زوجتي لم تَرَ شيئًا كهذا. إنه أمر يثير حنق امرأة حظيت بتربية حسنة. الآن لِمَ لا تطلبين من أصدقائك أن يُقِيموا حفلًا هنا بالدلاء والفرش؟ أود أن أرى الأشخاص الذين يتمتعون بهذا الحس الفكاهي.»
استدرت لأمضي بعيدًا، فتحرَّك أمامي بثقل.
«لا أظن أن ثمة شكًّا حول الكيفية التي وصلت بها هذه النقوش إلى جدراني.»
قلت في فتور وضجر: «إذا كنتَ تريد أن تقول إن لي صلة بهذا الأمر، فلا بد أنك مجنون.»
«كيف وصلتْ هذه النقوش إلى هنا إذن؟ لمَن هذا المرحاض؟ لمَن؟»
«إنه بلا مفتاح. أي شخص بإمكانه الصعود إلى هنا ودخوله. ربما صعد بعض الصبية من الشارع إلى هنا وفعلوا ذلك الليلة الماضية بعد أن غادرتُ إلى المنزل، كيف لي أن أعرف؟»
«إنه لشيء مؤسف أن نلقي باللوم على الصِّبْيَة في كل شيء بهذه الطريقة، في حين أن الكبار هم مَن يفسدونهم. يمكنك تأمُّل هذا الأمر قليلًا. هناك قوانين. قوانين مكافحة الفحشاء. تسري على مثل هذه الأمور، وعلى المطبوعات أيضًا حسبما أظن.»
هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أذكر أنني تنفست فيها بعمق وبتعمد، لأغراض تتعلق بضبط النفس. لقد أردتُ قتله حقًّا. أذكر كم بدا وجهه رخوًا ومثيرًا للاشمئزاز، وعيناه مغلقتين تقريبًا، ومنخاره منفوشًا مستنشقًا رائحة الاستقامة المطمئنة، رائحة النصر. لو لم يحدث ذلك الشيء الأحمق، ما انتصر أبدًا. لكنه انتصر. ربما رأى شيئًا في وجهي أوهن عزيمته — رغم لحظة الانتصار هذه — إذ تراجَعَ إلى الجدار، وبدأ يقول إنه حقيقةً، في واقع الأمر، لم يشعر أنني يمكن أن أفعل مثل هذه الأشياء شخصيًّا، بل ربما يفعلها أصدقاء معينون لي — فما كان مني إلا أن دخلت حجرتي وأغلقت الباب.
كانت الغلاية تصدر ضجيجًا مخيفًا، فقد غلى الماء بها حتى تبخَّرَ كله تقريبًا. جذبتها سريعًا بعيدًا عن الموقد، وجذبت القابس ووقفت لبرهة أختنق من فرط الغضب. مرَّتْ نوبة الانفعال هذه وفعلتُ ما توجَّبَ عليَّ فعله من قبلُ؛ وضعتُ آلتي الكاتبة وأوراقي فوق المقعد وطويت الطاولة. أغلقتُ غطاء القهوة السريعة الذوبان بإحكام، ووضعتُ الوعاء والكوب الأصفر وملعقة الشاي في الحقيبة التي أحضرتها فيها؛ كانت لا تزال مطوية فوق الرف. تمنَّيْتُ على نحو طفولي أن آخُذَ بثأري من أصيص النبات الموضوع بالركن بجانب البرَّاد المزخرف بالزهور وسلة المهملات والوسادة، وأيضًا — نسيت ذلك — مبراة أقلام بلاستيكية صغيرة موضوعة خلفه.
وفيما كنتُ أُنزِل الأشياء إلى السيارة جاءت السيدة مالي. لم أَرَها كثيرًا منذ أول يوم جئتُ فيه إلى هنا. لم تبدُ منزعجةً، بل بدت عملية ومذعنة.
قالت: «إنه مستلقٍ. هو ليس على طبيعته.»
حملَتْ الحقيبة التي بها القهوة والكوب. كانت هادئةً للغاية لدرجةٍ جعلتني أشعر بغضبي يغادرني، ليحل محله كآبة غامرة. •••
لم أعثر على مكتب آخَر بعدُ. أظن أنني سأحاول مجدَّدًا يومًا ما، لكن ليس الآن. عليَّ الانتظار على الأقل حتى تنزوي تلك الصورة التي أراها بوضوح شديد في ذهني، رغم أنني لم أَرَها قطُّ في الواقع: السيد مالي يحمل قطع قماش وفُرشًا ودلوًا ممتلئًا بالماء والصابون، ينظِّف بطريقته الخرقاء، طريقته الخرقاء المتعمدة، جدران المرحاض، وينحني بصعوبة، ويتنفس في أسًى، ويرتِّب في ذهنه روايته الغريبة — التي لن يرضى عنها تمامًا بطريقة أو بأخرى — عن شخص آخَر خان ثقته. وفي الوقت نفسه أنظِّم أنا كلماتي، بينما يدور بخلدي أنَّ من حقي التخلُّصَ منه.
رقصة الظلال السعيدة |
العلاج
لم يحتسِ والداي الشراب، لكنهما لم يكونا متشدِّدَين حيال الأمر، بل أذكر حين وقَّعت على عهد الامتناع عن الشراب وأنا في الصف السابع، مع بقية ذاك الصف الملقَّن على نحو ممتاز وإنْ كان مؤقتًا؛ قالت أمي: «إنه محض هراء وتعصُّب أن يقوم بذلك أطفال في ذلك العمر.» كان من الممكن أن يحتسي أبي الجعة في يوم حارٍّ، لكن أمي لم تكن تنضم إليه في ذلك، إلى جانب أنه دائمًا ما كان يحتسي هذا الشراب «خارج» المنزل، سواء كان ذلك عن غير قصد أو لدلالة رمزية. أغلب الناس الذين عرفناهم كانوا على هذا المنوال، في البلدة الصغيرة حيث عشنا. لن أقول إن هذا الأمر هو ما أوقعني في صعوبات؛ إذ إن الصعوبات التي واجهتها كانت تعبيرًا صادقًا عن طبيعتي المثيرة للإزعاج؛ الطبيعة نفسها التي دفعت أمي للنظر إليَّ، في أية مناسبة تستدعي على نحوٍ تقليدي مَشاعِرَ الفخرِ والشعور بإنجاز الأم (أقصد عند مغادرتي لأداء أول رقصة رسمية لي، أو التحضيرات المتعنتة للالتحاق بالكلية)، بتعبير يعكس يأسًا يطاردها ولا تستطيع الفكاك منه، كما لو أنه لم يكن بإمكانها أن تتوقع — ولم تتمنَّ — أن تصير الأمور معي مثلما صارت مع الفتيات الأخريات؛ فما تحلم به الفتيات من مغانم — أزهار الأوركيد، الشباب الجذابين، الخواتم الماسية — هي أشياء من الممكن أن يحملها بناتُ صديقاتها إلى منازلهن في الوقت المناسب، وليس أنا؛ كل ما بوسعها فعله هو تمني وقوع كارثة أخف وطأة من كارثة كبرى، على سبيل المثال، هروبي مع شابٍّ لن يستطيع أبدًا كسب قوت يومه، بدلًا من اختطافي للاتِّجَار بي في تجارة الرقيق البيض.
قالت أمي: لكن الجهل، أو السذاجة إن شئتَ، ليس شيئًا طيبًا على الدوام كما يعتقد الناس، ولست واثقة من أنه قد يكون مأمونَ العواقب لفتاة مثلك. ثم أكدت وجهة نظرها، كعادتها، باقتباس اتَّسَم بتفاخر ساذج وطابع عتيق. لم أُبْدِ أية ردة فعل، مدركةً تمامًا كيف أن أثر ذلك لا بد وأنه كان بالغًا على السيد بيريمان.
لا بد أن الأمسية التي جالستُ فيها أطفال آل بيريمان كانت في شهر إبريل. كنت أمرُّ بقصة حب طيلة العام، أو على الأقل منذ الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، عندما ابتسم لي فتًى يُدعَى مارتن كولينجوود ابتسامةَ إعجاب متفاجئة، تنمُّ عن رضى مبالغ فيه على نحوٍ ينذر بسوء، وذلك أثناء الاجتماع المدرسي. لم أعرف قطُّ ما فاجأه، لم أكن بغير مظهري العادي؛ كنتُ أرتدي قميصًا قديمًا، وتصفيفة شعري المموجة الثابتة كانت سيئة للغاية. بعد بضعة أسابيع من ذلك خرجت معه للمرة الأولى، وقبَّلَني في الجانب المظلم من الشرفة الأمامية، يتعين عليَّ قول إنه قبَّلَني في فمي، أنا واثقة من أن هذه كانت المرة الأولى التي يقبِّلني فيها أحدهم بمثل هذه الطريقة المؤثرة على الإطلاق، وأعلم أيضًا أنني لم أغسل وجهي تلك الليلة أو في صباح اليوم التالي، كي أحافظ على آثار تلك القبلات كما هي. (أظهرتُ أكثر السخافات إيلامًا في سير هذه العلاقة برُمَّتها، كما سترى.) بعد شهرين، وبعد بضع مراحل غرامية قطعناها، هجرني؛ فقد وقع في غرام الفتاة التي لعبت دور البطولة معه في مسرحية عيد الميلاد «كبرياء وتحامُل».
قلت إنني لن أشارك في الإعداد لتلك المسرحية، وأتيتُ بفتاة أخرى لوضع مساحيق التجميل بدلًا مني، ومع ذلك ذهبت لمشاهدة المسرحية بالطبع، وجلست في الصف الأمامي مع صديقتي جويس، التي كانت تشد على يدي عندما ينتابني الألم والبهجة لرؤية السيد دارسي في بنطاله الأبيض الضيق، والصديري الحريري، وسالفتيه الطويلتين. كانت رؤية مارتن يؤدي دور السيد دارسي ما أثَّر فيَّ بالتأكيد؛ فجميع الفتيات تحب السيد دارسي على أية حال، كما أضفى الدور على مارتن غرورًا ورونقًا ذكوريًّا في عينيَّ، الأمر الذي جعل من المستحيل تذكُّر أنه ليس سوى فتى في السنة النهائية من المدرسة الثانوية، وسيم إلى حدٍّ مقبول، متوسط الذكاء (وله سمعة تشوبها بعض الشوائب، بسبب تفضيله لنادي الدراما والفرقة الموسيقية العسكرية للمبتدئين)، تصادف أنه أول فتى، أول فتى حَسَن المظهَر حقيقةً، يُظهِر اهتمامًا بي. في الفصل الأخير يحظى بفرصةٍ لعناق إليزابيث (ماري بيشوب، ذات البشرة الباهتة والقوام الدميم، ولكنَّ لها عينين كبيرتين نابضتين بالحياة)، وخلال ذلك اللقاء الواقعي غرسْتُ أظافري بمرارة في راحة جويس التي كانت ممسِكَة بيدي.
مثَّلَتْ تلك الليلةُ البدايةَ لشهور من البؤس الحقيقي، الذي ألحقْتُه بنفسي بطريقة أو بأخرى. لماذا ننجذب إلى الإشارة إلى هذا الضرب من الأمور باستخفافٍ وتهكُّمٍ بل وبدهشةٍ، لدى اكتشاف أن المرء مُثقَل بتلك المشاعر السخيفة في الماضي غير المسئول عنه؟ هذا ما ننزع إلى فعله عند الحديث عن الحب؛ أما حب المراهَقَة، فبالطبع الأمر حتمي غالبًا؛ ستظن أننا كنا نجلس في فترات ما بعد الظهيرة المثيرة للضجر، نسلي أنفسنا بتلك الذكريات المثيرة من الألم. لكن لا يُشعِرني بالسعادة حقيقةً — بل والأسوأ، لا يدهشني فعلًا — أن أتذكَّرَ تلك الأشياء الحمقاء والحزينة والمخجلة إلى حدٍّ ما التي فعلتُها، والتي يفعلها مَن يقع في الحب دومًا. تسكعتُ حول الأماكن التي ربما يوجد بها، ثم تظاهرتُ بعدم رؤيته، وفي محادثاتي اقتربت عدة مرات بطرق غير مباشِرة على نحوٍ سخيف من ذكر اسمه عرضًا، مستمتعة بما يصاحب ذلك من لذة مريرة. رأيته في أحلام اليقظة مرات لا حصر لها، في واقع الأمر إذا أردتُ التعبير عن المسألة حسابيًّا، فربما أمضيت من الساعات الطوال في التفكير في مارتن كولينجوود عشرة أمثال الوقت الذي أمضيته معه على الإطلاق. أجل، أمضيتها أتحرَّق شوقًا إليه وأذرف الدموع من أجله. هيمنت فكرة وجوده على فكري بضراوة، وبعد برهة، رغمًا عني. فإذا كنتُ بالغت بشدة في مشاعري في البداية، فقد أتى الوقت الذي سأشعر بسعادة الفرار من تلك المشاعر، فقد أضحت أحلام اليقظة المبتذلة محزِنةً ولم تَعُدْ حتى تواسيني بصفة مؤقتة. وفيما أحل المسائل الرياضية كنتُ أعذِّب نفسي — بصورة روتينية تمامًا وأنا مغلوبة على أمري — بذكرى مارتن بتفاصيلها وهو يقبِّل عنقي. كانت لديَّ ذكرى تفصيلية عن «كل شيء». ذات ليلة اجتاحتني رغبة ملِحَّة لابتلاع كافة أقراص الأسبرين الموجودة بخزينة الحمام، لكنني توقَّفْتُ بعد أن ابتلعت ستة أقراص. •••
لاحظت أمي أن ثمة خطبًا ما وأعطتني بعض أقراص الحديد. قالت: «هل أنت واثقة أن كل شيء على ما يرام بالمدرسة؟» المدرسة! وعندما أطلعتُها بشأن انفصالي أنا ومارتن، كل ما قالته كان: «حسنًا، هذا أفضل كثيرًا. لم أَرَ مطلقًا فتى مفتونًا بنفسه هكذا.» قلتُ متجهمةً: «إن مارتن يملك من الغرور ما يكفي لإغراق سفينة حربية.» ثم صعدتُ إلى أعلى وأخذتُ أبكي.
كانت الليلة التي ذهبتُ فيها إلى آل بيريمان ليلة سبت. عملت كجليسة أطفال لديهم مرات كثيرة ليالي السبت لأنهما أحبَّا التنزُّه بالسيارة إلى بايلي فيل — وهي بلدة أكبر كثيرًا ونابضة بالحياة أكثر، تبعد ما يقرب من عشرين ميلًا — وربما تناولا العشاء وشاهدا عرضًا فنيًّا. عاش آل بيريمان في بلدتنا منذ عامين أو ثلاثة أعوام فقط؛ أُحضر السيد بيريمان للعمل كمدير وحدة بمصنع الأبواب الجديد، ومكث هو وأسرته، باختيارهم على حدِّ اعتقادي، وعاشوا غرباء على المجتمع؛ أغلب أصدقائهما كانوا أزواجًا صغار السن مثلهما، وُلِدوا في أماكن أخرى، وعاشوا في منازل على طراز منازل المزارع فوق تلة خارج البلدة حيث اعتدنا الذهاب للتزلُّج. في ليلة السبت تلك كانا قد دَعَوا زوجين آخرين لاحتساء الشراب قبل أن يتوجَّهوا معًا إلى بايلي فيل لحضور افتتاح نادي عشاء جديد، كانوا جميعًا مبتهجين إلى حدٍّ ما. جلستُ أنا في المطبخ وتظاهرت بأنني أستذكر دروس اللاتينية. في الليلة الماضية كان «حفل الربيع الراقص» بالمدرسة الثانوية. لم أذهب إلى الحفل، بما أن الفتى الوحيد الذي طلب مرافقتي كان ميلارد كرومبتون، والذي طلب كذلك من الكثير من الفتيات مرافقته، حتى إننا شككنا في أنه يتقرَّب إلى فتيات الصف بأكمله بترتيب الحروف الأبجدية. أقيم الحفل الراقص في أرموريز، والذي كان لا يبعد سوى نصف شارع عن منزلنا، استطعتُ رؤيةَ الأولاد وهم يرتدون البذلات الداكنة، والفتيات يرتدين ثياب المناسبات الطويلة الفاتحة اللون تحت المعاطف، وهم يمرون برزانة أسفل مصابيح الشارع، ويتجنبون آخِر نُدَف الثلج. بل إنني تمكَّنْتُ من سماع الموسيقى ولم أنسَ حتى هذا اليوم أنهم عزفوا أغنية «راقصة الباليه»، وكذلك — أغنية قلبي المتألم — «قارب بطيء إلى الصين». هاتفَتْني جويس هذا الصباح وأخبرتني بطريقتها السرية (كما لو كنَّا نتحدث عن داء مستعصٍ أعاني منه) أن إم كيه كان بالفعل برفقة إم بي بالحفل، وكانت ترتدي ثوبَ مناسبات لا بد وأنه مصنوع من مفرش مائدة أحدهم بلونه الأصفر الباهت، وكان متهدلًا عليها ليس إلا.
عندما خرج آل بيريمان وأصدقاؤهم، دخلتُ أنا إلى حجرة المعيشة وقرأت مجلةً. كنتُ يائسةً على نحو قاتل. كانت الحجرة الفسيحة خافتةَ الإضاءة، بألوانها الخضراء والبنية كأوراق الشجر، خلفية بسيطة لتطور المشاعر، وكأنك ستصعد إلى خشبة المسرح مثلًا. في المنزل كانت المشاعر على ما يرام، لكن بدا دائمًا أنها تُدفَن تحت أكوام الملابس التي بحاجة إلى رتق، إضافةً إلى الكي، وترتيب أحجيات الصور وجمع الصخور مع الأطفال. كان المنزل من النوع الذي يحتكُّ فيه الأفراد دائمًا أحدهم بالآخَر عند الدرج، ويستمعون إلى مباريات الهوكي وحلقات سوبرمان في المذياع.
نهضتُ من مكاني ووجدتُ نسخة من «رقصة الموت» خاصة بآل بيريمان، فوضعتها على مشغل الموسيقى وأطفأت ضوء حجرة المعيشة. كانت الستائر مُسدَلة جزئيًّا. لمع ضوء من الشارع على نحو مائل على زجاج النافذة، مشكِّلًا مستطيلًا ذهبيًّا رفيعًا خافت اللون، تتحرك داخله ظلال الأغصان العارية التي أدركتها رياح الربيع العليلة القوية. كانت ليلة متوسطة العتمة حين تذوب آخِر الثلوج. منذ عام مضى كانت كل هذه الأشياء — الموسيقى، والرياح والظلمة، وظلال الأغصان — تمدني بسعادة هائلة، لكنها لا تفعل ذلك الآن، بل تستدعي داخلي أفكارًا مألوفةً مَلِلْتُ منها، وشخصيةً على نحو مهين، فيتملكني اليأس، وأدخل إلى المطبخ وأقرِّر أن أثمل.
كلا، لم يكن الأمر كذلك. دخلت إلى المطبخ لأبحث عن مشروب الكولا أو شيء من هذا القبيل في الثلاجة، لأجد هناك فوق مقدمة الطاولة ثلاث زجاجات طويلة جميلة، جميعها ممتلئة إلى نصفها تقريبًا بمشروب أصفر، لكن حتى بعد أن نظرتُ إليها ورفعتها لاستشعار وزنها لم أكن قد قررتُ أن أثمل بعدُ؛ وهنا قررت أن أحتسي شرابًا.
في تلك اللحظة ظهر جهلي، سذاجتي الكارثية. صحيح أنني رأيت آل بيريمان وأصدقاءهم يحتسون الخمر كما أحتسي أنا المشروبات الغازية، لكنني لم أطبِّق هذا السلوك على نفسي، بل نظرت إلى المشروبات الكحولية باعتبارها شيئًا يُشرَب في أوقات المحن، ويُوكَل إليه الوصول إلى نتائج متهورة، بطريقة أو بأخرى. وما كان موقفي ليكون أقل عفويةً حتى لو كنتُ الحورية الصغيرة التي تحتسي الإكسير الشفاف الذي أعطته إياها الساحرة. وبعد نظرة إلى وجهي العازم بالنافذة السوداء أعلى الحوض، صببت القليل من الويسكي من كل زجاجة (أعتقد الآن أن الزجاجات كانت تحوي نوعين من ويسكي الجاودار ونوعًا من الويسكي الاسكتلندي باهظ الثمن) حتى امتلأت كأسي، ولمَّا لم أَرَ في حياتي أحدًا يصب الخمر، لم تكن لديَّ فكرة أن الناس في العادة يخفِّفون الشراب بالماء أو الصودا وغير ذلك، وقد رأيت الكئوس التي يحملها ضيوف آل بيريمان ممتلئةً تقريبًا عندما كنت أمر بحجرة المعيشة.
احتسيت الكأسَ كلها بأسرع ما يمكن، ثم وضعت الكأس ووقفت أنظر إلى وجهي في النافذة، في شبه توقُّع أن أراه مختلفًا. شعرت بحرقة في حلقي، لكنني لم أشعر بأي شيء آخَر. كانت خيبة أملي كبيرة، بعد أن هيَّأْتُ نفسي للأمر، لكنني لم أكن لأدَع الأمرَ يقف عند هذا الحد. صببت كأسًا ممتلئةً أخرى، ثم ملأتُ كل زجاجة بالماء حتى المستوى الذي رأيتُها عنده تقريبًا عندما أتيتُ. احتسيت الكأس الثانية على نحوٍ أبطأ قليلًا من المرة السابقة. أنزلت الكأس الفارغة فوق الطاولة بعناية، ربما شعرت في رأسي بمجموعة متداخلة من الأشياء تحدث، فذهبت وجلست فوق كرسي بحجرة المعيشة. مددت ذراعي وأشعلت ضوء أباجورة أرضية بجانب الكرسي، وشعرت بأن الحجرة تنقلب فوقي. •••
عندما قلت إنني توقَّعْتُ نتائج متهورة لم أقصد أنني توقعت هذا. فكرت في حدوث تغيُّر عاطفي عارم، زيادة مفاجئة في الشعور بالسعادة وانعدام المسئولية، شعور بالجموح والانصراف عن الواقع، يصاحبه دوار خفيف وربما رغبة في الضحك بصوت عالٍ. لم يطرأ بذهني أن السقف سيدور كأنه صحن ضخم قذفه أحدهم تجاهي، ولا أن تنتفخ البقع ذات اللون الأخضر الفاتح بالكرسي وتلتقي لتتفتت، فتلعب معي لعبة حافلة بقدر هائل من العداء الجامد العديم المعنى. تراجَعَ رأسي إلى الخلف وأغلقتُ عينيَّ. فتحتهما على الفور، فتحتهما مُحملِقة بهما، ودفعت نفسي من فوق الكرسي وعبرْتُ الردهةَ ووصلت — حمدًا لله! حمدًا لله! — إلى حمام آل بيريمان، حيث شعرت بالإعياء في كل أجزاء جسدي، في كل أجزاء جسدي، وسقطت على الأرض كالحجر.
ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا، لم يكن لديَّ تصوُّر ثابت عمَّا حدث؛ فذكرياتي عن الساعة أو الساعتين التاليتين انقسمت إلى أجزاء حيَّة وأخرى غير محتملة الحدوث، ولا شيء سوى ضبابية وريبة بينهما. أتذكر بالفعل استلقائي فوق أرضية الحمام أنظر بزاوية جانبية إلى البلاط الأبيض السداسي الجوانب، والذي امتد في نمط منطقي وجذَّاب للغاية، أنظر إليه بامتنان متقطع مقتضب وبسلامة شخص مزَّقَه القيء إلى أشلاء توًّا. ثم أذكر جلوسي أمام هاتف الردهة، أطلب بوَهَنٍ رقم هاتف جويس. لم تكن جويس بالمنزل. أخبرتني أمها (امرأة حمقاء إلى حدٍّ ما، لم يبدُ أنها لاحظت أي شيء؛ الأمر الذي جعلني أشعر بامتنان تلقائي وواهن) أنها تمكث بمنزل كاي سترينجر. لم أعرف رقم كاي لذا طلبته من عامل الهاتف؛ شعرت أنني لا أستطيع المجازفة بالنظر في دليل الهاتف.
لم تكن كاي سترينجر صديقةً لي، لكنها كانت صديقة جديدة لجويس. كانت لها سمعة غامضة عن سلوكها الجامح، وكانت تضع ضفيرة طويلة ملوَّنة، على نحو غريب للغاية، وإنْ كان طبيعيًّا، بصفرة الصابون وبنية الكراميل. كانت تعرف الكثير من الشباب ممَّن هم أكثر إثارة من مارتن كولينجوود، شباب انقطعوا عن الدراسة أو استُقْدِموا إلى البلدة لِلَّعِب ضمن فريق الهوكي. ركبتَ هي وجويس في سيارات هؤلاء الشبان، وأحيانًا ما ذهبتا برفقتهم — بعد أن كذبت كلتاهما على أمهما بالطبع — إلى قاعة رقص «جاي لا» التي تقع على الطريق السريعة شمال البلدة.
تحدَّثْتُ مع جويس على الهاتف، كانت متوترة للغاية، كما هي دومًا عندما يكون هناك شباب من حولها، وبدت أنها تسمع بالكاد ما أقول.
قالت: «لا أستطيع الليلة. بعض الشباب هنا. سنلعب الورق. تعرفين بيل كلاين؟ إنه هنا. روس أرمور …»
قلت وأنا أحاول أن أنطق الكلمات بوضوح: «أنا «مريضة».» لكنها خرجت كحشرجة غير آدمية، «أنا ثملة يا جويس!» ثم تهاويتُ من فوق المقعد الصغير وسقطَتْ سماعة الهاتف من يدي، وأخذَتْ ترتطم على نحو بائس بالجدار لبرهة.
لم أخبر جويس بمكاني؛ لذا بعد أن فكَّرَتْ جويس في الأمر للحظة هاتفَتْ أمي، وبعد استخدامها لحيلة متقنة غير ضرورية تستمتع بها الفتيات الصغار، عرفت بمكاني. خرجت هي وكاي والفتية — كان هناك ثلاثة فتيان — وأخبروا والدة كاي بقصةٍ ما حول المكان الذي سيذهبون إليه وصعدوا إلى السيارة وانطلقوا. عثروا عليَّ ممدَّدَة فوق السجاد الواسع النسيج بالردهة. شعرت بالغثيان مجدَّدًا، وفي تلك المرة لم أنجح في الوصول إلى الحمام.
اتضح أن كاي سترينجر، التي لم تصل إلى المكان إلا من قبيل المصادفة، هي الشخص الذي احتجت إليه بالضبط. كانت تحب الأزمات، لا سيما الأزمات من هذا القبيل، التي تحمل سمة الشبهة والفضيحة والتي يجب إخفاؤها عن الكبار. أضحَتْ متحمسةً وجريئةً وفعَّالة، تلك الطاقة التي اصطُلِح على تسميتها بالجموح كانت ببساطة فيضًا لغريزة أنثوية هائلة لإدارة الأمور والمواساة والتحكم. استطعتُ سماعَ صوتها موجَّهًا نحوي من الاتجاهات كافة، تخبرني بألَّا أقلق، وتخبر جويس بأن تعثر على أكبر إبريق قهوة بالمنزل وتملأه بالقهوة (قهوة مركَّزَة كما أخبرَتْها)، وأخبرَتِ الفتية بأن يمسكوا بي ويحملوني إلى الأريكة. فيما بعدُ، في ضبابية الأحداث التي تتجاوز إدراكي، كانت تصيح في طلب فرشاة تنظيف.
بعد ذلك كنتُ مستلقية فوق الأريكة، ومغطَّاة بشيء يشبه الوشاح مصنوع من النسيج المحبوك وجدوه بحجرة النوم. لم أرغب في رفع رأسي. امتلأ المنزل برائحة القهوة. دخلت جويس شاحبة الوجه؛ قالت إن الأطفال استيقظوا لكنها أعطتهم الكعك المُحلَّى وأمرتهم بالعودة إلى فراشهم، وسار الأمر على ما يرام، كما لم تدَعْهم يخرجون من حجرتهم، ولا تعتقد أنهم سيتذكرون. قالت إنها وكاي نظَّفَتَا الحمام والردهة إلا أنها تخشى من وجود بقعة على السجاد.
أصبحت القهوة جاهزة. لم أعِ شيئًا بصورة جيدة. شغَّل الفتية المذياع وكانوا يقلِّبون في مجموعة أسطوانات آل بيريمان، بعد أن وضعوها فوق الأرضية. شعرتُ بأن هناك شيئًا غريبًا حيال هذا الأمر، لكنني لم أستطع التفكير في ماهيته.
أحضرَتْ كاي كوبًا كبيرًا ممتلئًا بالقهوة.
قلت: «لا أدري إن كان باستطاعتي احتساء القهوة. شكرًا لكِ.»
قالت في حماسة وكأن التعامل مع أشخاص ثملين أمرًا روتينيًّا «اجلسي.» ولم أكن بحاجة إلى الشعور بالأهمية. (سمعتُ نبرة الصوت تلك وميَّزتُها بعد سنوات في جناح الولادة.) وقالت: «اشربي الآن.» شربت القهوة، وأدركتُ في الوقت نفسه أنني كنتُ أرتدي لباسي الداخلي فقط؛ فقد نزعت جويس وكاي قميصي وتنورتي، ونظَّفَتَا التنورة وغسلتا القميص، لما كان قميصي من النايلون، علَّقتاه في الحمام. جذبتُ الوشاح لأعلى تحت ذراعي فضحكت كاي. قدَّمَتِ القهوة للجميع. أحضرت جويس إبريق القهوة، وبأمر من كاي أخذت تملأ كوبي كلما شربتُ منه. أخبرني أحدهم باهتمام: «لا بد أنك أردتِ أن تثملي.»
قلتُ بطريقة عابسة إلى حدٍّ ما وأنا أحتسي القهوة في إذعان: «كلا، لقد احتسيتُ كأسين فقط.»
ضحكت كاي: «حسنًا لا بد أنهما أثَّرَا فيكِ. أؤكد ذلك. متى تتوقعين عودتهما؟»
«في وقت متأخر، بعد الساعة الواحدة حسبما أظن.»
«ستكونين على ما يرام حينها. احتسي المزيد من القهوة.»
بدأت كاي ترقص مع أحد الفتية على أنغام المذياع. رقصت كاي بطريقة مثيرة للغاية، لكن اعتلت وجهها تلك النظرة المتساهلة والمتفوقة على نحوٍ رقيقٍ، والتي كانت باردة حين كانت ترفعني لاحتساء القهوة. كان الفتى يهمس إليها فتبتسم وتهز رأسها. قالت جويس إنها تشعر بالجوع، واتجهت نحو المطبخ لترى ماذا يوجد به؛ رقائق بطاطس أو مقرمشات، أو شيء من هذا القبيل، مما يمكن تناوله دون ترك أثر ملحوظ. اتجه بيل كلاين نحوي وجلس فوق الأريكة إلى جانبي، وربَّتَ على ساقَيَّ من فوق الوشاح المحبوك. لم ينطق بكلمة، فقط ربَّتَ فوق ساقَيَّ ونظر إليَّ بما بدا لي تعبيرًا أحمق للغاية، ومقزِّزًا إلى حدٍّ ما، وسخيفًا ومفزعًا. شعرت بالانزعاج للغاية؛ وتساءلت كيف يُقال إن بيل كلاين جذَّاب للغاية، بذلك التعبير على وجهه. حركت ساقَيَّ في توتُرٍ فرمقني بنظرة ازدراء، دون أن يتوقف عن التربيت. جاهدت لأقوم من فوق الأريكة بعد ذلك، وجذبت الوشاح حولي، عازمة على الذهاب إلى الحمام لأرى ما إذا كانت جفَّتْ سترتي. ترنحت قليلًا عندما بدأت السير، ولسبب ما — ربما لأظهر لبيل كلاين أنه لم يُثِرْ ذعري — بالغتُ في الأمر على الفور، وصحت: «انظروا إليَّ وأنا أسير في خط مستقيم!» ترنحتُ وتعثرتُ تجاه الردهة، تصاحبني ضحكات الجميع. كنت أقف بالمدخل بين الردهة وحجرة المعيشة عندما استدار مقبض الباب بنقرة مقتضبة مألوفة، وساد الصمت كل شيء من خلفي باستثناء المذياع بالطبع، وانزلق الوشاح المحبوك بإيعاز من خبث، من تلقاء نفسه، حتى قدمي، وهناك — أوه، لحظة جذل في مسرحية هزلية محبوكة جيدًا! — وقف آل بيريمان، السيد والسيدة بيريمان، يعلو وجهيهما تعبيرٌ ملائمٌ للموقف، كما سيتمنى أي مخرج عتيق الطراز للمسرحيات الهزلية أن يراه على وجوه ممثِّليه. لا بد أنهما كانا متأهِّبين بتلك التعبيرات، فمن المؤكد أنهما لن يُظهِرا تلك التعبيرات في لحظة الصدمة الأولى، فمع الضجيج الذي كنَّا نصدره، لا شك أنهما سمعونا حالما ترجَّلَا من السيارة، وهو السبب نفسه الذي حال دون سماعنا لهما. لا أظن أنني علمت قطُّ سببَ حضورهما إلى المنزل في وقت مبكر للغاية — شعورهما بالصداع، نشوب شجار! — ولم أكن حقيقة في موقف يؤهِّلني لسؤالهما. •••
أقَلَّني السيد بيريمان بسيارته إلى منزلي. لا أذكر كيف دخلت إلى السيارة، أو كيف عثرتُ على ملابسي وارتديتها، أو كيف قلتُ طابت ليلتك، إن كنت قلتُها في الأساس، للسيدة بيريمان. لا أذكر ما حدث لأصدقائي، رغم ذلك أتصوَّر أنهم جمعوا معاطفهم ولاذوا بالفرار، ويخفون مهانةَ رحيلهم بأن عمدوا إلى الزوم في تحدٍّ. أذكر جويس وهي تحمل علبة المقرمشات في يدها، تقول إنني أُصِبْتُ بإعياء شديد من الطعام — أذكر أنها قالت الملفوف اللاذع — على العشاء، وإنني اتصلتُ بها لنجدتي. (عندما سألتُها فيما بعدُ ماذا فهموا من ذلك قالت: «كان بلا جدوى، كان ينبعث منك «رائحة كريهة».») أذكر أيضًا أنها قالت: «أوه، لا، سيد بيريمان، أتوسَّل إليك، إن أمي شخص حادُّ المزاج بدرجة هائلة، لا أدري ماذا يمكن أن تسبِّب لها الصدمة. سأركع لك إذا شئتَ لكن «لا تتصل بأمي».» لا أذكر أنها ركعت على ركبتيها — وكانت لتفعل ذلك على الفور — لذا يبدو أن هذا التهديد لم يُنفذ.
أخبرني السيد بيريمان: «حسنًا، أعتقد أنك تدركين أن سلوكك الليلة هو أمر غاية في الخطورة.» جعل الأمر يبدو وكأنني سأُتَّهم بالإهمال الجنائي أو شيئًا أسوأ من ذلك. وقال: «سأكون مخطئًا للغاية إن غضضتُ الطرف عمَّا حدث.» أعتقد أنه إلى جانب شعوره بالغضب والاشمئزاز مني، كان قلقًا حيال أخذي إلى المنزل في هذه الحالة إلى والديَّ المتزمتين، اللذين سيقولان إنني كنت أحتسي الخمر دومًا بمنزله. الكثير من أرباب الاعتدال في شرب الخمر سيظنون هذا ويلقون باللوم على السيد بيريمان، وكانت البلدة تعج بأرباب الاعتدال في شرب الخمر. كانت العلاقات الطيبة مع أهل البلدة أمرًا مهمًّا للغاية له من الناحية العملية.
قال: «أفكر في أنها ليست المرة الأولى، فإذا كانت المرة الأولى، فهل ستتمتع أي فتاة بالذكاء الكافي لملء الزجاجات الثلاث بالماء؟ كلا. حسنًا، في هذه الحالة، كانت ذكية بما يكفي، لكن ليس بالقدر الكافي لمعرفة أنني سأكتشف الأمر. ما رأيك في هذا؟» فتحتُ فمي للإجابة، ورغم شعوري بأنني في كامل وعيي، فإنه لم يخرج من فمي سوى صوت قهقهة عالية بطنين بائس. توقَّفَ أمام منزلنا. قال: «الأضواء مشتعلة بالمنزل. الآن ادخلي وأخبري والديك بالحقيقة الكاملة. وإذا لم تفعلي، فتذكَّرِي أنني سأفعل ذلك.» لم يذكر شيئًا يتعلق بدفع النقود مقابل خدمات مجالسة الأطفال عن هذه الأمسية، ولم يطرأ الأمر بذهني أيضًا.
دخلتُ المنزل وحاولت أن أصعد مباشَرَةً إلى الطابق العلوي، لكن أمي نادتني. دلفت إلى الردهة الأمامية، حيث لم أشعل الضوء. لا بد وأنها اشتمت رائحتي على الفور لأنها هرعت إلى الأمام مُطلِقة صرخة اندهاش تامٍّ، كما لو أنها رأت شخصًا يسقط، وأمسكتني من كتفي حيث كنتُ سأسقط بالفعل من فوق درابزين الدرج، وأنا يغمرني الشعور بتعاسة حظي العجيبة، وأخبرتُها بكل شيء من البداية، دون أن أغفل ذِكْرَ اسم مارتن كولينجوود ومحاولة انتحاري غير الجدية بالأسبيرين، والتي كانت خطأً.
في صباح يوم الإثنين استقلت أمي الحافلة المتجهة إلى بايلي فيل، وسألت عن متجر خمور وابتاعت لي زجاجةً من الويسكي الاسكتلندي، ثم اضطرت إلى انتظار حافلة تعيدها إلى المنزل، والتقت ببعض الناس الذين تعرفهم ولم تكن قادرةً تمامًا على إخفاء الزجاجة في حقيبتها؛ شعرَتْ بالحنق من نفسها لأنها لم تحضر حقيبة تسوُّقٍ ملائمة. وبمجرد أن عادت، ذهبَتْ إلى منزل آل بيريمان؛ لم تتناول وجبة الغداء حتى. لم يكن السيد بيريمان قد عاد إلى المصنع. دخلت أمي وتحدَّثَتْ مع كليهما وتركت انطباعًا ممتازًا لديهما، ثم أقلها السيد بيريمان إلى المنزل بسيارته. تحدَّثَتْ معهما بأسلوبها الهادئ والصريح، والذي دائمًا ما كان يثير الدهشة على نحوٍ مستحَبٍّ لدى أشخاص مهيَّئِين للتعامل مع أم، كما أخبرَتْهما أنه رغم أنني فيما يبدو أبلي بلاءً حسنًا في المدرسة، فقد كنتُ متأخرةً للغاية — أو ربما غريبة الأطوار — في تطوُّري العاطفي. تصورت أن هذا التحليل لسلوكي كان فعَّالًا على نحو استثنائي للسيدة بيريمان، التي كانَتْ قارئةً نهمة لكتب توجيه الأطفال. توطَّدَتِ العلاقة بين أمي وآل بيريمان إلى الحد الذي جعلها تثير مثالًا محدَّدًا للصعوبات التي أمُرُّ بها، فرَوَتْ على نحوٍ استرضائيٍّ قصةَ مارتن كولينجوود كاملة.
في غضون بضعة أيام انتشر خبر أنني حاولت الانتحار حزنًا على مارتن كولينجوود في أرجاء البلدة والمدرسة، وانتشرت بالفعل كذلك قصة حضور السيد بيريمان وزوجته إلى المنزل ليلة سبت، وأنهما وجداني ثملة ومترنحة، ولا أرتدي شيئًا سوى لباسي الداخلي، في حجرة بها ثلاثة فتية، كان بيل كلاين من ضمنهم. أخبرتني أمي أنني سأسدد ثمن زجاجة الخمر التي أخذَتْها إلى آل بيريمان من دخلي من مجالسة الأطفال، لكن عملائي تلاشوا كما تلاشت آخِر ثلوج إبريل، وما كنتُ سأسدد ثمنها إلى الآن لولا أن الوافدين الجدد إلى البلدة انتقلوا للسكنى قبالتنا في الشارع في شهر يوليو، واحتاجوا جليسة أطفال قبل أن يتحدَّثوا إلى أي أحدٍ من جيرانهم.
قالت أمي أيضًا إنها ارتكبَتْ خطأً فادحًا بالسماح لي بالخروج برفقة الفتية، وإنني لن أخرج مجدَّدًا حتى أتجاوز عامي السادس عشر بفترة طويلة. تبيَّنَ أن ذلك لم يكن بمأزق حقيقي مطلقًا؛ نظرًا لأنه لم يطلب أحدٌ الخروج معي طيلة تلك الفترة على الأقل. إذا خلْتَ أن أخبار مغامرة آل بيريمان جعلَتْ مني شخصًا مطلوبًا في حفلات اللهو والحفلات الماجنة التي كانت تُقام في البلدة ومن حولها، فأنتَ مخطئ للغاية، فالشهرة الاستثنائية التي صاحبت حفلتي الماجنة الأولى ربما جعلتني أبدو موسومة بنوع خاص من سوء الحظ، مثل الفتاة التي تبيَّنَ أنها حبلى على نحو غير شرعي في ثلاثة توائم؛ فلا يود أحدٌ أن تجمعه علاقةٌ بها. على أية حال لم يتصل أحد بي على الإطلاق، واكتسبت السمعةَ الأكثر إثمًا بالطبع في المدرسة الثانوية بأكملها. اضطررت إلى تحمُّل الأمرِ حتى فصل الخريف التالي، عندما فرَّتْ فتاة شقراء سمينة في الصف العاشر مع رجل متزوِّج، وشُوهِدت بعد شهرين وهي تعيش في الخطيئة — لكن ليس مع الرجل نفسه — في مدينة سو سانت ماري. بعد ذلك نسي الجميع قصتي.
بَيْدَ أنه كان لذلك الشأن نتيجة إيجابية، وغير متوقعة على نحو رائع؛ تغلَّبْتُ تمامًا على مارتن كولينجوود. لم يكن الأمر فحسب أنه قال ذات مرة، على الملأ، إنه كان يعتقد دومًا أنني مختلة العقل؛ فمتى أتى ذكره لم أكن أشعر بالفخر، وكان بإمكان خيالي الرقيق إيجاد سبيل للتغاضي عن ذلك قبلها بشهر أو بأسبوع. ماذا كان ذلك الذي أعادني إلى العالم مجدَّدًا؟ كان الواقع المريع والمذهل للكارثة التي حلَّتْ بي؛ كان «الطريقة التي تجري بها الأمور». لا أعني أنني استمتعت بما حدث، فقد كنتُ فتاة خجولة وعانيتُ كثيرًا من تلك الفضيحة، لكن تطوُّرَ الأحداث في ليلة السبت تلك هو ما أثار اهتمامي؛ شعرت أنني أدركت لمحةً من العبثية السافرة والساحرة والمتشظية التي تُرتجَل بها الحبكات الدرامية للحياة، ولم تكن في الأدب القصصي. لم أستطع التوقف عن تأمُّل هذا الأمر.
وبالطبع تقدَّمَ مارتن كولينجوود في شهر يونيو من ذلك العام للقبول في الجامعة، ورحل إلى المدينة ليحضر دروةً تدريبية عن دفن الموتى — كما أظن أنه اسمها — وعندما عاد عمل مع عمه في دفن الموتى. عشنا في البلدة نفسها واستطعنا معرفة معظم الأمور التي وقعت لكلٍّ منا، لكنني لا أعتقد أننا التقينا وجهًا لوجه أو رأى أحدنا الآخر، إلا من مسافة بعيدة، لسنوات. ذهبتُ إلى حفل هدايا عرس الفتاة التي تزوَّجَ منها، ولكن بعدها ذهب كلٌّ منَّا إلى حفلات هدايا العرس لأناس لم تجمعنا المعرفة بهم. كلا، لا أعتقد أنني رأيته فعلًا مرة أخرى، حتى عُدْتُ إلى بلدتي بعد أن تزوَّجْتُ بعدة سنوات لحضور جنازة أحد أقاربي. ثم رأيته، لم يكن يُشبِه السيد دارسي تمامًا، لكن كان وسيمًا للغاية مع ذلك في تلك الملابس السوداء. ورأيته ينظر تجاهي بتعبير يشبه ابتسامة حافلة بالذكريات في حدود ما تسمح به المناسبة؛ علمتُ أنه اندهش بذكرى، إما ذكرى وفائي أو كارثتي الصغيرة المدفونة. رمقته بنظرة رقيقة حائرة في المقابل. أنا امرأة يافعة الآن؛ دَعْه يكشف هو عن كوارثه الخاصة.
رقصة الظلال السعيدة |
وقت الموت
بعد فترة، تمددت الأم، ليونا باري، فوق الأريكة، ملفوفةً بلحاف، وأخذت النساء في وضع مزيد من الحطب في المدفأة على الرغم من أن المطبخ كان ساخنًا للغاية، ولم يشعل أحد الضوء. احتست ليونا بعض الشاي ورفضت تناول أي طعام، وقالت بادئةً حديثها كما يلي، بصوت أجشَّ ومُصرٍّ، لكن ليس هيستيريًّا بعدُ: لم أكد أخرج من المنزل، لم أغِبْ عن المنزل سوى عشرين دقيقة …
(قالت آلي ماكجي في نفسها: ثلاثة أرباع الساعة على الأقل. لكنها لم تنطق بذلك؛ ليس في هذا الوقت. لكنها تذكرت ذلك؛ إذ كانت هناك ثلاثة مسلسلات يبثها المذياع تحاول الإصغاء إليها، والتي كانت تتابعها كل يوم، لكنها لم تتمكن من سماع نصفها؛ فقد كانت ليونا هناك في مطبخها تتحدث عن باتريشيا. كانت ليونا تحيك زِيَّ راعية بقر من أجل باتريشيا على ماكينة خياطة آلي، سرَّعت من حركة الماكينة وجذبت الخيط بشكل مباشر إلى الخارج لقطعه بدلًا من أن تجذبه إلى الخلف، على الرغم من أن آلي أخبرتها بألا تفعل ذلك حتى لا تتسبب في كسر الإبرة. كان من المفترض أن ترتدي باتريشيا هذا الزي في الليلة التي ستغني بها في حفل بأعلى الوادي؛ فقد كانت تنشد الأغاني الغربية الخاصة برعاة البقر. كانت باتريشيا تغني مع فرقة ميتلاند فالي إنترتينرز التي كانت تجوب أرجاء البلاد لتقدِّم فقرات في الحفلات الموسيقية والراقصة، وكان يتم تقديمها في تلك الحفلات على أنها «محبوبة ميتلاند فالي الصغيرة»، و«الشقراء الصغيرة»، و«الطفلة ذات الجسم الصغير والصوت القوي». كانت تملك صوتًا قويًّا بالفعل، مفزعًا إلى حد ما لأن يخرج من طفلة ضعيفة للغاية كباتريشيا. جعلتها ليونا تغني أمام الناس عندما بلغت الثالثة من عمرها.
قالت ليونا وهي تنحني للأمام ضاغطة بقدميها على دوَّاسة الماكينة: لا تخاف أيَّ شيء قط، فكان من السهل عليها أن تغني أمام الناس. فُتحت بلوزتها الشفافة عن غير قصد، فانكشف صدرها الهزيل، ونهداها الذابلان، بعروقهما الزرقاء الكبيرة التي تنحدر داخل القميص الداخلي الرمادي المائل للَّون الوردي. لا يهمها أي شيء، حتى وإن كان ملك إنجلترا نفسه يشاهدها، ستقف وتغني، وعندما تنتهي من الغناء، ستجلس، هذا كل ما يحدث فحسب. حتى إن لها اسمًا ملائمًا لمغنية، باتريشيا باري، ألا يبدو لكِ كاسمٍ سمعتِهِ يُذكَر بالمذياع؟ هناك أمر آخر وهو شعرها الأشقر الطبيعي، يتعيَّن عليَّ أن أعقص شعرها كل ليلة، لكن ذلك الشعر الأشقر الطبيعي ليس من المفترض أن يتم عقصه، كما أنه لا يتغير لونه للَّون الداكن أبدًا؛ لدينا هذا النوع من الشعر الأشقر الطبيعي في بعض أفراد عائلتنا والذي لا يصير داكنًا أبدًا؛ فقريبتي التي أخبرتكِ عنها، التي فازت بلقب ملكة جمال سانت كاثرينز لعام ١٩٣٦، كانت من بين هؤلاء، وكذلك خالتي التي توفيت …)
لم تقل آلي ماكجي أي شيء، والتقطت ليونا أنفاسها ثم قالت باندفاع: عشرون دقيقة. كان آخر شيء قلته لها أثناء خروجي من الباب هو: عليكِ الاعتناء بالأطفال! إنها في التاسعة من عمرها، أليس كذلك؟ سأذهب فقط إلى الجهة المقابلة من الطريق لأحيك لك هذا الزي، اعتني بالأطفال. وخرجت من الباب ونزلت الدرج ووصلت حتى نهاية الحديقة، وما إن نزعت الخطاف من البوابة، حتى أوقفني شيء ما، وحدثتني نفسي: «هناك خطب ما!» قلت في نفسي: ما الأمر؟ وقفت هناك وتطلعت خلفي إلى الحديقة، وكل ما استطعت رؤيته هو سيقان الذرة والكرنب المتجمد، واللذين تأخرنا في حصدهما هذا العام، ونظرت عبر الطريق ولم أرَ سوى كلب ماندي العجوز يتمدد أمام منزله، لا توجد سيارات آتية من أي اتجاه، وجميع الأفنية خالية، وكان الجو باردًا حسبما أظن، ولم يكن هناك أطفال يلعبون بالخارج — وقلت في نفسي: يا إلهي! ربما اختلطت الأيام في ذهني وهذا ليس صباح يوم السبت، ربما هو يوم خاص لا أستطيع تحديده — ثم فكرت في أن كل ما في الأمر هو أن الثلوج على وشك التساقط؛ استشعرت ذلك في الهواء، وتعلمون كم يكون الجو باردًا حينئذٍ، كانت البرك الصغيرة في الطريق قد تجمدت وتباعدت — لكن الثلوج لم تبدأ في التساقط، أليس كذلك؟ لم تتساقط الثلوج بعد — فركضت عبر الطريق، ثم توجهت نحو منزل ماكجي وصعدت الدرج الأمامي وقالت لي آلي: ليونا، ماذا بك؟ تبدين شاحبة للغاية …
سمعت آلي ماكجي ذلك أيضًا دون أن تنطق بشيء؛ فلم يكن الوقت مناسبًا لأي نوع من التدقيق. ارتفع صوت ليونا أكثر فأكثر أثناء حديثها، وفي أية لحظة الآن من الممكن أن تتوقف عن الحديث وتبدأ في الصراخ: لا تجعلوا هذه الطفلة تقترب مني، لا تدعوني أراها، لا تجعلوها تقترب مني فحسب.
تحتشد النساء في المطبخ حول الأريكة، وقد أضحى من المتعذر تمييز أجسامهن الضخمة في شبه الظلام السائد، وتبدو وجوههن كأطياف شاحبة وثقيلة، يرتدين أقنعة الحداد والتعاطف الطقسية. يقُلنَ لها: استريحي الآن، بالنبرات المهيبة للتهدئة والعزاء. استريحي يا ليونا، هي ليست هنا، لا بأس.
وتقول الفتاة العضوة في جماعة جيش الخلاص الخيرية الدينية بصوتها الرقيق الرزين: يجب أن تغفري لها سيدة باري، إنها مجرد طفلة صغيرة. أحيانًا كانت هذه الفتاة تقول: إنها إرادة الرب، نحن لا نفطنها. تقول المرأة الأخرى العضوة أيضًا في جماعة جيش الخلاص، والتي كانت أكبر سنًّا، وذات وجه دهني باهت وصوت ذكوري إلى حد بعيد: في جنات النعيم يتفتح الأطفال كالزهور. احتاج الرب إلى زهرة أخرى، فأخذ طفلك. يا أختاه، عليك أن تشكريه وتفرحي.
أصغت النساء الأخريات في انزعاج حينما كانت تتحدث تلك الفتاة والمرأة؛ ارتسمت على وجوههن لدى سماع تلك الكلمات نظرة إجلال طفولية مرتبكة. صنعن الشاي ووضعن فوق الطاولة الفطائر وكيك الفواكه والكعك المحلَّى الذي أرسله الناس والذي صنعوه بأنفسهم، لم يأكل أحد أي شيء لأن ليونا كانت ترفض الأكل. كان كثير من النساء يبكي، لكن لم تبكِ عضوتا جماعة جيش الخلاص، بكت أيضًا آلي ماكجي. كانت امرأة بدينة، ذات وجه هادئ وصدر كبير، ولم يكن لديها أطفال. ثنت ليونا ركبتيها أسفل اللحاف وأخذت تهز نفسها للأمام والخلف وهي تنتحب، وتحرك رأسها لأسفل ثم للخلف (مظهرة، كما لاحظت بعض النساء بشعور من الخزي، الخطوطَ المتسخة برقبتها)، ثم هدأت وقالت بطريقة أشبه بالمفاجأة: لقد أرضعته حتى بلغ عشرة أشهر، كان طفلًا رائعًا للغاية، أيضًا، ما كنت أشعر بوجوده في المنزل قط، لطالما قلت إنه أفضل أطفالي على الإطلاق.
شعرت النساء في المطبخ المظلم شديد الحرارة بمهابة هذا الحزن من منظورهن كأمهات؛ كن متواضعات أمام ليونا القذرة وغير المحبوبة والبائسة. عندما حضر الرجال — الأب وأحد الأقارب وأحد الجيران، حاملين كومة من الحطب أو طالبين في استحياء شيئًا يأكلونه — أدركوا على الفور أن هناك شيئًا يردعهم، ويوبِّخهم. خرجوا وقالوا للرجال الآخرين: أجل، ما زلن على حالهن. وقال الأب — الذي بدا منفعلًا وثملًا قليلًا؛ لأنه شعر بأن الناس كانوا يتوقعون منه أن يتصرف بشكل معين في موقف كهذا، لكنه لم يفعل، ولم يكن هذا منصفًا: أجل، لن يفيد هذا بيني بأي شيء، حتى وإن بكين للأبد. •••
كان جورج وآيرين يلعبان لعبة القص واللصق، يقصان الأشكال من أحد الكتالوجات، كانا قد قصَّا صورًا لأسرة: الأم والأب والأبناء، والآن يقصان لهم الثياب. شاهدتهما باتريشيا وهما يقصان وقالت: انظرا إلى الطريقة التي تقصان بها! انظرا إلى كل هذه المساحة البيضاء الزائدة حول الأطراف! كيف ستتناسب هذه الملابس مع الصور، ولم تقصا أي أجزاء زائدة مكافئة لها؟! أمسكت هي بالمقص وقصت بدقة كبيرة، ولم تترك أية مساحات زائدة بيضاء حول الأطراف؛ كان وجهها الصغير الشاحب والفطن مائلًا إلى أحد الجانبين، وشفتاها مضمومتين معًا. كانت تقوم بالأشياء كما يقوم بها الكبار؛ لم تكن تدَّعي شيئًا، لم تدَّعِ أنها مغنية، على الرغم من أنها كانت تنوي أن تكون مغنية عندما تكبر، ربما في الأفلام، أو في الإذاعة. أحبت مطالعة مجلات الأفلام والمجلات التي توجد بها صور الملابس والحجرات، أحبت النظر في نوافذ بعض المنازل في الجزء العلوي من المدينة.
حاول بيني التسلق أعلى الأريكة، انتزع الكتالوج فضربته آيرين على يده؛ بدأ في البكاء، فأمسكته باتريشيا بمهارة وحملته إلى النافذة، أوقفته فوق كرسي لينظر إلى الخارج، وقالت له: باو-واو، بيني، أترى باو-واو؟ — كان هذا هو كلب ماندي الذي نهض وهز نفسه وانطلق بعيدًا في الطريق.
قال بيني بأسلوب استفهامي: باو-واو؟ وهو يبسط يديه وينحني في مقابل النافذة ليرى أين ذهب الكلب. كان بيني يبلغ ثمانية عشر شهرًا من العمر والكلمات الوحيدة التي كان يعرف أن ينطقها هي باو-واو وبرام، ويقصد ببرام شاحذ المقصات والسكاكين الذي كان يمر من على الطريق أحيانًا؛ كان اسمه براندون، يتذكره بيني، ويركض إلى الخارج ليقابله عندما يحضر. كان الأطفال الآخرون الأصغر ممن يبلغون ثلاثة عشر أو أربعة عشر شهرًا يعرفون كلمات أكثر من بيني، وكان بإمكانهم القيام بحركات أكثر منه، كالتلويح عند الوداع، والتصفيق، ومعظمهم كانوا أجمل وأذكى منه. كان بيني طويلًا ونحيفًا وهزيلًا، ووجهه مثل وجه أبيه — شاحب، وصامت، وغير آمل — لم يكن ينقصه سوى قبعة مدببة متسخة. لكنه كان طفلًا مطيعًا؛ كان يقف لساعات ينظر فقط من النافذة ويقول باو-واو، باو-واو، بنبرة استفهامية خافتة، وبدندنة، يضرب بيده على اللوح الزجاجي للنافذة. كان يحب أن يرفعه الناس ويحملوه، وكأنه طفل رضيع؛ كان يستلقي ناظرًا لأعلى ومبتسمًا، بشيء من الحياء أو الريبة. علمت باتريشيا أنه أحمق؛ كانت تكره الحماقة، كان هو الشيء الأحمق الوحيد الذي لم تكرهه. كانت تذهب وتمسح له أنفه ببراعة وجدية، كانت تحاول أن تجعله يتحدث، وأن يكرر الكلمات وراءها، وتلصق وجهها بوجهه، وتقول بلهفة: أهلًا يا بيني، أهلًا. فكان ينظر إليها ويبتسم بطريقته البطيئة المرتابة. كان يجعلها ذلك تشعر بشيء ما، شيء من الحزن والسأم، ثم كانت تنصرف وتتركه، تذهب لتتصفح إحدى المجلات السينمائية.
كانت قد تناولت كوبًا من الشاي وقطعة من كعكة محلاة بالسكر في الإفطار؛ والآن شعرت بالجوع. فتشت بين الصحون المتسخة وخليط اللبن والعصيدة فوق طاولة المطبخ؛ التقطت كعكة، لكنها كانت غارقة في اللبن، فتركتها مرة أخرى. قالت: إن هذا المكان مُذرٍ. لم يكترث جورج وآيرين. خطت فوق كمية من العصيدة جفت فوق مشمع الأرضية. قالت: انظروا! انظروا! لماذا يبدو المكان فوضويًّا هكذا دائمًا؟ تحركت في المكان وهي تخطو فوق الأشياء بلامبالاة، ثم أحضرت الدلو المعدني والفرشاة من أسفل الحوض ومغرفة، وبدأت في غرف المياه من صهريج الموقد.
قالت: سأنظِّف هذا المنزل جيدًا؛ فهو لا يحظى بالنظافة اللائقة أبدًا كبقية المنازل الأخرى. إن أول شيء سأفعله هو دعك الأرضية بالفرشاة، وعليكما يا أطفال مساعدتي …
وضعت الدلو فوق الموقد.
قالت آيرين: بدايةً، هذه المياه ساخنة جدًّا.
ليست ساخنة بما يكفي، يجب أن تكون مياهًا مغلية ونظيفة؛ فقد رأيت السيدة ماكجي وهي تدعك «أرضيتها» بالفرشاة. •••
مكثوا في منزل السيدة ماكجي طيلة الليل، كانوا هناك منذ أن وصلت سيارة الإسعاف. رأوا ليونا والسيدة ماكجي وجيرانًا آخرين يبدءون في نزع ملابس بيني عنه، وبدا أن أجزاءً من جلده تخرج من جسمه، وكان بيني يصدر صوتًا ليس كصوت البكاء، بل صوتٌ يشبه صوتًا سمعوا كلبًا يصدره بعد أن داست سيارة على رجليه الخلفيتين، لكن كان أسوأ، وأعلى، لكن السيدة ماكجي رأتهم؛ فصاحت: ابتعدوا، ابتعدوا من هنا! اذهبوا إلى منزلي. بعد ذلك حضرت سيارة الإسعاف وأخذت بيني إلى المستشفى، وجاءت السيدة ماكجي وأخبرتهم أن بيني سيمكث في المستشفى لفترة وأنهم سيبيتون في منزلها. أعطتهم قطعة خبز بزبدة الفول السوداني وأخرى بمربى الفراولة.
كان الفراش الذي ناموا عليه له مرتبة من الريش وملاءات ناعمة مكوية؛ كانت البطانيات فاتحة اللون وناعمة وتفوح منها قليلًا رائحة النفتالين، فضلًا عن ذلك كان يوجد لحاف نجم بيت لحم؛ علموا أنه يُسمَّى كذلك لأنه عندما كانوا يستعدون للخلود إلى النوم قالت باتريشيا: يا إلهي، يا له من لحاف جميل! فبدت السيدة ماكجي مندهشة وحائرة إلى حدٍّ ما، وقالت: أوه، أجل، إنه نجم بيت لحم.
كانت باتريشيا مهذبة للغاية بمنزل السيدة ماكجي. لم يكن المنزل جميلًا مثل بعض المنازل الموجودة في الجزء العلوي من المدينة، لكنه كان مكسوًّا من الخارج بطوب زخرفي وبداخله كان يوجد مدفأة ديكورية، إضافةً إلى نبات سرخس موضوع في سلة؛ لم يكن مثل المنازل الأخرى الممتدة بمحاذاة الطريق السريع. لم يكن السيد ماكجي يعمل في المصنع كباقي الرجال الآخرين، بل في أحد المتاجر.
كان جورج وآيرين خجولَيْن وخائفَيْن للغاية في هذا المنزل حتى إنهما لم يستطيعا الإجابة عندما كان يُوجَّه الحديث إليهما.
استيقظوا جميعًا في ساعة مبكرة للغاية؛ استلقوا على ظهورهم، وهم يشعرون بالانزعاج على الملاءات النظيفة، وشاهدوا الحجرة وهي تزداد نورًا، كانت الحجرة بها ستائر معدنية وستائر حريرية لونها بنفسجي زاهٍ، وتوجد نقوش على هيئة زهور بنفسجية زاهية وصفراء على ورق الحائط؛ كانت حجرة الضيوف. قالت باتريشيا: نحن ننام بحجرة الضيوف.
قال جورج: يجب أن أتبول.
قالت باتريشيا: سأرشدك إلى مكان الحمام، إنه عبر الردهة.
لكن جورج رفض النزول إلى الحمام، لم يحب المنزل. حاولت باتريشيا إقناعه، لكنه رفض.
قالت آيرين: لنرَ ما إذا كانت هناك مبولة أسفل السرير.
قالت باتريشيا في غضب: إن لديهم حمامًا هنا وليست لديهم أية مباول، لماذا سيحتفظون بمبولة عتيقة كريهة الرائحة هنا؟
قال جورج في تبلُّد إنه لن يذهب إلى الأسفل.
نهضت باتريشيا وسارت على أطراف أصابعها إلى التسريحة وأحضرت زهرية كبيرة. عندما تبول جورج، فتحت النافذة بحرص بالغ بلا صوت تقريبًا وأفرغت الزهرية وجفَّفتها بسروال آيرين التحتي.
قالت: لتصمتا الآن أيها الطفلان وترقدا في هدوء، لا تتحدثا بصوت عالٍ، اهمسا فقط.
همس جورج: هل بيني لا يزال في المستشفى؟
قالت باتريشيا بفظاظة: أجل، هو كذلك.
هل سيموت؟
أخبرتك مئات المرات، كلا.
هل «سيموت»؟
كلا! لقد احترق جلده فحسب، لم يحترق من الداخل، لن يموت بسبب حرق صغير بجلده، أليس كذلك؟ لا تتحدث بصوت عالٍ هكذا.
بدأت آيرين في إخفاء رأسها في الوسادة.
قالت باتريشيا: ما خطبك؟
قالت آيرين ووجهها في الوسادة: كان يبكي على نحو مريع.
حسنًا، ألمه شديد، ولهذا السبب كان يبكي. عندما وصل إلى المستشفى، أعطوه شيئًا لتسكين الألم.
قال جورج: كيف علمتِ بذلك؟
أعلم ذلك.
صمتوا لبرهة ثم قالت باتريشيا: لم أسمع بحياتي قط عن شخص مات لاحتراق جلده، من الممكن أن يحترق جلدك كله، إن هذا لن يهم؛ فسينمو لك جلد آخر. توقفي عن البكاء يا آيرين، وإلا ضربتك.
رقدت باتريشيا في سكون، تنظر إلى أعلى نحو السقف، ينعكس جانب وجهها الشاحب على الستائر الحريرية البنفسجية بحجرة الضيوف بمنزل السيدة ماكجي.
تناولوا في الإفطار عصير جريب فروت، الذي لم يتذكروا أنهم تذوقوه من قبل، ورقائق الذرة والتوست والمربى. راقبت باتريشيا جورج وآيرين ثم أخبرتهما في حدة: قولا رجاءً! قولا شكرًا! قالت للسيد والسيدة ماكجي: يا له من جو بارد اليوم! لن يكون من المدهش أن تتساقط الثلوج اليوم، أليس كذلك؟
لكنهما لم يجيبا عليها. كان وجه السيدة ماكجي متجهمًا. بعد الإفطار قالت: لا تنهضوا يا أطفال، أعيروني السمع، إن شقيقكم الأصغر …
شرعت آيرين في البكاء ودفع هذا جورج إلى البكاء أيضًا؛ قال لباتريشيا وهو ينتحب، وعلى نحو منتصر: لقد مات! لقد مات! لم تجب باتريشيا. قال جورج في نحيب: «هي المذنبة!» فقالت السيدة ماكجي: أوه، كلا، أوه، كلا! لكن باتريشيا جلست في هدوء، بوجه حذر ومهذب، لم تنبس ببنت شفة حتى هدأ البكاء قليلًا ونهضت السيدة ماكجي وهي تتنهد وبدأت في تنظيف الطاولة، ثم أبدت باتريشيا رغبتها في مساعدتها في غسل الصحون.
اصطحبتهم السيدة ماكجي إلى وسط المدينة لتشتري لهم أحذية جديدة من أجل الجنازة، لن تذهب باتريشيا إلى الجنازة لأن ليونا قالت إنها لا ترغب في رؤيتها ثانيةً طيلة حياتها، لكنها ستحصل على حذاء جديد أيضًا؛ سيبدو الأمر فظًّا إن لم يشترِ لها آل ماكجي حذاءً. أخذتهم السيدة ماكجي إلى المتجر وجعلتهم يجلسون وشرحت الموقف للرجل الذي يملك المتجر؛ وقفا معًا يومئان برأسيهما ويهمسان في جدية، طلب منهم الرجل أن يخلعوا أحذيتهم وجواربهم؛ فخلع جورج وآيرين أحذيتهما وجواربهما وبدت أقدامهما، بأظافر سوداء شديدة القذارة. همست باتريشيا إلى السيدة ماكجي لتخبرها بأنها تود الذهاب إلى الحمام، فأخبرتها السيدة ماكجي أنه في نهاية المتجر، فاتجهت إلى هناك وخلعت حذاءها وجوربها، ونظَّفت قدمها قدر استطاعتها بالمياه الباردة والمناشف الورقية، وعندما عادت، سمعت السيدة ماكجي وهي تقول بصوت خافت لصاحب المتجر: كان عليك أن ترى الملاءات التي ناموا عليها. مرت باتريشيا من جانبهما ولم تتظاهر بأنها سمعتهما.
حصل آيرين وجورج على حذاءين خفيضين برباط، في حين حصلت باتريشيا على حذاء من اختيارها، بشريط. نظرت إلى حذائها في المرآة المنخفضة، وسارت جيئةً وذهابًا وهي تنظر إليه حتى قالت السيدة ماكجي: يا باتريشيا لا يهم الحذاء الآن! قالت لصاحب المتجر بنفس الصوت الخافت أثناء خروجهم: هل تصدق هذا؟
بعد انتهاء الجنازة، عادوا إلى المنزل. كانت النساء قد نظفن المنزل ونحَّين جميع متعلقات بيني جانبًا. أصاب الأب الإعياء نتيجةً لتناول الكثير من الجعة في السقيفة الخلفية بعد الجنازة ومكث بعيدًا عن المنزل. أما الأم، فقد وُضِعت بالفراش، مكثت بالفراش ثلاثة أيام واعتنت شقيقة الأب بالمنزل.
أخبرتهم ليونا بألا يسمحوا لباتريشيا بالاقتراب من حجرتها. صاحت: لا تدعوها تقترب من هنا، لا أريد أن أراها، لن أنسى ولدي الصغير. لكن باتريشيا لم تحاول الصعود إلى الطابق العلوي، لم تكترث بأيٍّ من ذلك؛ فكانت تتصفح المجلات السينمائية وتعقص شعرها بقطع القماش، وإذا بكى أحد، لم تكن تهتم؛ شعرت في داخلها وكأن شيئًا لم يحدث.
حضر الرجل الذي كان يعمل مديرًا لفرقة ميتلاند فالي إنترتينرز لمقابلة ليونا، أخبرها أنهم يعدُّون برنامجًا لحفل موسيقي وراقص ضخم بروكلاند، ويريدون أن تغني باتريشيا به، إن لم يكن الأمر متعجلًا للغاية بعد كل ما حدث. قالت ليونا إنه يتعين عليها التفكير في الأمر. نهضت من الفراش وذهبت إلى الطابق السفلي، كانت باتريشيا تجلس على الأريكة تتصفح إحدى مجلاتها، أبقت رأسها منخفضًا.
قالت ليونا: إن شعرك يبدو جميلًا، أرى أنك كنت تصففينه بنفسك، أحضري لي الفرشاة والمشط!
قالت لأخت زوجها: أليست هذه هي الحياة؟ إنها لا تتوقف أبدًا.
ذهبت إلى وسط المدينة واشترت النوتة الموسيقية لأغنيتين: «ليت الدائرة لا تنكسر»، و«ليس خفيًّا: ما يمكن أن يفعله الرب». جعلت باتريشيا تحفظهما، وغنت باتريشيا هاتين الأغنيتين في الحفل الموسيقي بروكلاند. بدأ بعض الحضور من الجمهور في التهامس، لأنهم سمعوا بما حدث لبيني؛ فقد نُشِر الخبر في الصحف. أشاروا إلى ليونا، التي ارتدت الملابس الرسمية وجلست فوق المسرح، وأبقت رأسها منخفضًا، وأخذت تبكي. بكى بعض الناس من الحاضرين أيضًا، لكن باتريشيا لم تبكِ. •••
في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر (والذي لم تبدأ الثلوج فيه في التساقط بعد) حضر شاحذ المقصات والسكاكين بعربته وسار بمحاذاة الطريق السريع، كان الأطفال يلعبون في الأفنية وسمعوا صوته يقترب؛ على الرغم من أنه كان لا يزال بعيدًا على الطريق، فإنهم سمعوا نداءه غير المفهوم، الذي كان حزينًا ورنانًا، وغريبًا للغاية لدرجة أنك قد تتصور — إن لم تكن تعرف صاحبه — أن ثمة رجلًا مجنونًا طليقًا يعوي في الطريق. كان يرتدي المعطف البني المتسخ ذاته، والذي كانت حاشيته تتدلى مهترئة، ونفس القبعة المصنوعة من اللباد؛ اقترب على الطريق، يصيح بصوته، فركض الأطفال إلى منازلهم لإحضار السكاكين والمقصات، أو ركضوا في الطريق يصيحون في بهجة: براندون العجوز، براندون العجوز (إذ كان ذلك اسمه).
بعد قليل في فناء آل باري، بدأت باتريشيا في الصراخ: أكره هذا الرجل العجوز! ثم صرخت بصوت عالٍ: أكرهه! أكره هذا الرجل العجوز، أكرهه! صرخت، ووقفت بلا حراك في الفناء ووجهها يبدو ذابلًا وشاحبًا. تسبب هذا الصراخ العالي المرتعش في أن جاءت ليونا تركض نحو الخارج، وكذلك الجيران؛ جذبوها داخل المنزل، وكانت لا تزال تصرخ، لم يتمكنوا من إقناعها بأن تخبرهم بما بها؛ ظنوا أنها تعاني من نوبة ما. كانت عيناها مثبتتين لأعلى وفمها مفتوحًا على آخره، وأسنانها الصغيرة المدببة بارزة بالكامل تقريبًا، ومتآكلة على نحو طفيف عند نهاياتها؛ جعلها هذا تبدو أشبه بالنمس، حيوان صغير بائس ومجنون في نوبة غضب أو ذعر. حاولوا هزَّها، وصفعها، وإلقاء الماء البارد على وجهها، وفي النهاية نجحوا في جعلها تبتلع جرعة كبيرة من شراب مهدئ به الكثير من الويسكي، ثم وضعوها في الفراش.
قال الجيران بعضهم لبعض أثناء خروجهم من المنزل: هذه ابنة ليونا الغالية. قالوا: هذه «المطربة»، ولأن الأمور عادت إلى ما كانت عليه الآن وعادوا يبغضون ليونا كما كانوا من قبل، ضحكوا في كآبة وقالوا: أجل، نجمة السينما المستقبلية هذه، عندما تراها تصرخ في الفناء، تظن أنها فقدت صوابها. •••
كان هناك هذا المنزل، والمنازل الخشبية الأخرى التي لم تُطلَ من قبل، بأسقفها المرقعة المنحدرة وشرفاتها الضيقة المائلة، والتي ينبعث من مداخنها الدخان الناتج عن حرق الحطب، ووجوه الأطفال الشاحبة وهي تلمس نوافذها، وخلفها مساحة صغيرة من الأرض، محروثة في بعض الأماكن، وفي أماكن أخرى ينمو العشب، وتمتلئ بالصخور، ومن ورائها كانت توجد أشجار الصنوبر، والتي ليست شديدة الارتفاع. في المقدمة كانت توجد الأفنية، الحدائق الهالكة، والطريق السريع الكئيب يمر عبر البلدة. بدأت الثلوج تتساقط ببطء، وبانتظام، بين الطريق السريع والمنازل وأشجار الصنوبر، في ندفات كبيرة في البداية ثم في ندفات أصغر فأصغر، والتي لم تَذُبْ فوق الأخاديد الصلبة وصخور الأرض.
رقصة الظلال السعيدة |
يوم الفراشة
لا أذكر متى حلت مايرا سايلا بالبلدة، لكنها كانت — ولا شك — في صفنا في المدرسة منذ سنتين أو ثلاث سنوات. بدأتُ أتذكَّرها في العام الماضي، حينما كان أخوها الصغير جيمي سايلا في الصف الأول. لم يكن جيمي سايلا معتادًا على الذهاب إلى الحمام بمفرده، وكان يأتي إلى باب الصف السادس ينشُد مايرا، فكانت تأخذه إلى الطابق السفلي. وفي كثير من الأحيان كان يأتي إلى مايرا — بعد فوات الأوان — وبقعة داكنة كبيرة تغطي سرواله القطني المزرَّر. حينئذٍ كانت مايرا تضطر لأن تسأل المعلمة: «إذا سمحتِ، هل لي أن آخذ أخي إلى المنزل، لقد بلَّل نفسه؟»
كان هذا ما قالته أول مرة وسمعه جميع الجالسين في المقاعد الأمامية — رغم أن صوت مايرا كان رخيمًا ومنخفضًا للغاية — فصدرَتْ منهم ضحكات مكتومة جذبت انتباه بقية تلاميذ الصف. كتبت معلمتنا — فتاة رقيقة رزينة ترتدي نظارات يحدها إطار ذهبي رقيق، وتبدو في بعض اللحظات من فرط الكبرياء التي تنمُّ عنها وضعيات معينة كزرافة — شيئًا ما على ورقة ثم أرتها لمايرا. قرأت مايرا ما في الورقة في ارتباك: «من فضلك يا معلمتي، تعرَّض أخي لطارئ.»
كان الجميع يعرف فضيحة جيمي سايلا، وفي وقت الراحة (إذا لم يحدث ما كان يحدث في أكثر الأحيان ومُنع من الخروج لفعله أمرًا لم يكن ينبغي له أن يفعله في المدرسة) لم يكن جيمي يجرؤ على الخروج إلى فناء المدرسة حيث كان غيره من الأولاد الصغار، وبعض الأولاد الأكبر سنًّا، ينتظرونه كي يطاردوه ويحاصروه قبالة السور الخلفي ليشرعوا في ضربه بفروع الشجر؛ لذا كان عليه أن يظل مع مايرا. لكن في مدرستنا كان للفناء ناحيتان؛ ناحية للأولاد وأخرى للبنات، وكان يُعتقد أنك إذا خطوت فقط إلى الناحية المخالفة لناحيتك فستعرِّض نفسك للعقاب. ومن ثم؛ لم يكن بمقدور جيمي الخروج إلى ناحية البنات، ولم يكن بمقدور مايرا الخروج إلى ناحية الأولاد، ولم يكن يُسمَح لأيٍّ من التلاميذ بالمكوث داخل المدرسة إلا في حالة هطول المطر أو تساقط الجليد؛ لذا كان الأخَوان دائمًا ما يقضيان أوقات الراحة واقفَين داخل رواق خلفي صغير يتوسط الناحيتين. ربما كانا يرقبان مباريات البيسبول، والملاحقة والقفز وبناء منازل من ورق الشجر في الخريف وبناء قلاع من الجليد في فصل الشتاء، وربما لم يرقبا أي شيء على الإطلاق. كلما نظرتَ إليهما ترى رأسيهما مائلين قليلًا، وجسديهما النحيلين منحنيين نحو الأمام، لا يحركان ساكنًا. كان لهما وجهان بيضاويان أملسان يشوبهما نوع من الحزن والتكتم، أما الشعر فكان دهنيًّا لامعًا قاتم السواد. كان شعر الصبي الصغير طويلًا، يُقص في المنزل، وكان شعر مايرا معقوصًا في ضفائر غليظة ملفوفة حول قمة رأسها على نحو كان يجعلها تبدو — من بعيد — كما لو كانت ترتدي عمامة كبيرة للغاية بالنسبة لحجم رأسها. تعلو أعينهما السوداء أجفان لا تنفتح بالكامل قط، لهما نظرة منهكة. كان الأمر أكثر من ذلك. لقد كانا كأطفال لوحات القرون الوسطى، كتمثالين منحوتين من الخشب — لممارسة العبادة أو السحر — لهما وجهان ناعمان ومُسِنَّان، وديعان، يتميزان بصمت يشوبه الغموض. •••
كان معظم المعلمين في مدرستنا يدرسون منذ وقت طويل، وفي وقت الراحة كانوا يختفون في غرفة المعلمين ولا يضايقوننا. لكن معلمتنا نحن — الشابة ذات النظارات المؤطرة بإطار ذهبي رقيق — كانت تقف لترقبنا من النافذة، وكانت أحيانًا تخرج وعليها علامات الغضب والانزعاج كي تنهي عراكًا بين الفتيات الصغيرات، أو تستهل لعبة «حقيقة أم أسرار» بين الفتيات الكبار، اللائي يتجمعن معًا للعب. ذات يوم خرجت صائحة: «يا فتيات الصف السادس، أود التحدث إليكن!» وابتسمت ابتسامة مُشجِّعة، جديَّة، يشوبها قلق يثير التوجس، كاشفة عن حوافَّ ذهبية رفيعة تحيط بأسنانها. قالت: «ثمة فتاة في الصف السادس تُدعَى مايرا سايلا، إنها في صفكم أنتم، أليست كذلك؟»
صَدَرت منَّا غمغمة. لكن جلاديس هيلي قالت بصوت ناعم: «بلى يا آنسة دارلينج!»
«حسنًا، لماذا لا أراها تلعب أبدًا معكن؟ أراها يوميًّا تقف في الرواق الخلفي، لا تلعب أبدًا. هل تعتقدن أنها تبدو سعيدة للغاية بوقوفها هناك؟ هل تعتقدن أنكن ستسعدن للغاية إذا ما تُركتُنَّ وحيدات هناك؟»
قوبل سؤالها بالصمت. كنا نقف قبالة الآنسة دارلينج، في منتهى الاحترام والهدوء، شاعرات بالضجر من غرابة سؤالها. عندئذٍ قالت جلاديس: «إن مايرا لا تستطيع الخروج معنا يا آنسة دارلينج؛ لأن عليها أن تعتني بأخيها الصغير!»
ردت الآنسة دارلينج متسائلة: «أوه، حسنًا، ينبغي أن تحاولن أن تكنَّ أكثر لطفًا معها على أية حال، ألا تعتقدن ذلك؟ ستحاولن أن تكُنَّ أكثر لطفًا معها، أليس كذلك؟ أعلم أنكن ستفعلن.» يا للآنسة دارلينج المسكينة! سرعان ما اضطربت مناشداتها، وتحولت محاولاتها لإقناعنا إلى ثغاء سخيف واستعطاف مرتبك.
حينما ذهبت همست جلاديس هيلي بصوت خافت: «ستحاولن أن تكن أكثر لطفًا، أليس كذلك؟ أعلم أنكن ستفعلن!» ثم مطَّت شفتها كاشفة عن أسنانها الكبيرة وصاحت في انفعال: «لا آبه إذا كان المطر يهطل أو الجليد يتساقط.» ومضت تكمل بقية المقطع إلى آخره، واختتمته بدورة استعراضية بتنورتها الاسكتلندية الصوفية ذات المربعات. كان والدها السيد هيلي يدير متجرًا للأقمشة وملابس السيدات، وكان السبب فيما نالته ابنته من زعامة في صفنا يُعزَى جزئيًّا إلى ما ترتديه من تنورات زاهية ذات نقوش مربعة، وقمصان من «الأورجانزا»، وسترات مخملية ذات أزرار نحاسية، ويُعزى — إلى جانب ذلك — إلى النضج المبكر لنهديها، وإلى قوة شخصيتها التي تتميز بالصرامة والرقي في الوقت نفسه. بعد ذلك ما لبثنا أن بدأنا جميعًا نقلد الآنسة دارلينج.
قبل ذلك لم نكن نُعِير كثيرًا من الانتباه لمايرا. لكن الآن، ظهرت لعبة جديدة، كانت تبدأ بقول: «فلنكن لطيفات مع مايرا!» ثم نبدأ في السير نحوها في مجموعات منظمة من ثلاث أو أربع فتيات ونردد معًا على إثر إيماءة ما من إحدانا: «مرحبًا مايرا، مرحبًا مايرا!» ثم نتبع ذلك بشيء مثل: «بم تغسلين شعرك يا مايرا، إنه جميل ولامع يا ماي-را.» «أوه، إنها تغسله بزيت كبد الحوت، أليس كذلك مايرا؟ إنها تغسله بزيت كبد الحوت، ألا تشمون رائحته؟»
وبصراحة كانت تنبعث من مايرا رائحة ما، لكنها كانت رائحة عفنة تميل إلى الحلاوة كرائحة الفاكهة العطِبة. كان هذا هو مصدر رزق عائلتها؛ متجر متواضع للفاكهة. كان والدها يجلس طوال النهار فوق كرسي بلا ظهر بجانب النافذة، مرتديًا قميصًا مفتوحًا يبرز كرشه الضخم وخصلات الشعر الفاحم التي تؤطِّر سُرته، ويلوك فصوصًا من الثوم. لكن إذا دخلتَ المتجر فستجد السيدة سايلا هي التي تقوم على خدمتك، وكانت تبرز في هدوء من بين الستائر المطبوعة المتهدِّلة التي تغطي خلفية المتجر. كان شعرها جعدًا مموجًا أسود اللون، وكانت تبتسم وشفتاها مطبقتان تمامًا وممطوطتان إلى أقصى مدًى لهما، وكانت تخبرك بالسعر بصوت مقتضب، وكأنها تتحداك أن تتجرأ وتتحداها، وعندما لا تفعل، تسلمك كيس الفاكهة وعيناها تشيان باستهزاء صريح. •••
ذات صبيحة شتوية، وبينما كنت أرتقي الربوة التي تقبع فوقها المدرسة في وقت مبكر للغاية، عرض عليَّ أحد الجيران أن يُقلَّني إلى داخل البلدة، التي كنت أسكن في مزرعة تبعد عنها نصف ميل تقريبًا. لم يكن يفترض أن أذهب إلى مدرسة البلدة على الإطلاق، وإنما إلى مدرسة ريفية مجاورة يرتادها عدد من التلاميذ لا يتجاوز أصابع اليدين ومعلمة مصابة بشيء من الخبل إثر بلوغها سن اليأس. لكن أمي — التي كانت امرأة طموحة — أقنعت أولي الأمر في البلدة بقبولي شرط أن يدفع والدي مصروفات دراسية إضافية، فالتحقت بمدرسة البلدة. كنت التلميذة الوحيدة التي تحمل معها علبة غداء وتأكل شطائر زبدة الفول السوداني في حجرة إيداع الملابس الخالية ذات الجدران العالية واللون الخردلي، والوحيدة التي كانت تضطر لارتداء حذاء مطاطي ذي رقبة في فصل الربيع، حينما تكون الطرق موحلة. كنت أشعر أنني أواجه خطرًا ما جراء ذلك، لكنني لم أستطع أن أدرك تحديدًا ما هو.
رأيت مايرا وجيمي وقد سبقاني على الربوة، كانا دائمًا يذهبان إلى المدرسة في وقت مبكر للغاية، إلى حد أنهما كانا في بعض الأحيان يضطران للوقوف خارج المدرسة في انتظار أن يفتح لهما البواب. كانا يمشيان على مهل، وكانت مايرا تلتفت نصف التفاتة من آن إلى آخر. كنت في كثير من الأحيان أتباطأ بتلك الطريقة آملة أن تلحق بي أي فتاة مهمة فأمشي بصحبتها، لكن لم أجرؤ يومًا على التوقف والانتظار. في هذه اللحظة خطر لي أن مايرا ربما تفعل الشيء نفسه معي. لم أدرِ ما ينبغي لي فعله. لم أكن لأتحمل أن تراني الفتيات وأنا أمشي بصحبتها، ولم أكن راغبة في ذلك أيضًا، لكن من ناحية أخرى، لم تكن نفسي منيعة أمام هذا الالتماس الذي تشي به التفاتاتها الآملة الذليلة. وكأن دورًا ما كان يصاغ لي لم يكن بوسعي أن أحجم عن أدائه. فقد غمرتني دفعة ممتعة من الرغبة في عمل الخير نابعة من إحساسي بذاتي، وقبل أن أفكر فيما أنا مقدمة على فعله صحت: «مايرا! مرحى، مايرا، تمهلي، معي بعض الفشار المغطى بالكراميل!» وأسرعت الخطو بينما توقفت هي عن السير.
انتظرت مايرا لكنها لم تنظر إليَّ، كانت في انتظاري ولكن بنفس الطريقة المنطوية المتحفظة التي كانت تقابلنا بها دائمًا. ربما كانت تظن أنني سأحتال عليها، ربما كانت تتوقع أن أركض بجانبها وألقي بعلبة الفشار خاوية في وجهها! فتحت العلبة ومددت بها يدي إليها. أخذت القليل. توارى جيمي وراءها ولم يأخذ أي شيء من العلبة حين قدمتها له.
قلت في نبرة متفهمة مُطمئنة: «إنه خجول. هذا حال كثير من الأولاد الصغار، لكنه سيكبر ويتخلص من خجله هذا ولا شك.»
ردت مايرا: «أجل.»
قلت: «لي أخ في الرابعة. إنه خجول للغاية.» لم يكن كذلك في حقيقة الأمر. ثم قلت: «خذي بعض الفشار. كنت لا أكفُّ عن تناول الفشار المغطى بالكراميل طوال الوقت، ولكني لم أعد أفعل. أظن أنه يضر البشرة.»
خيَّم الصمت … ثم سألتني مايرا بصوت ضعيف: «هل تحبين الرسم؟»
«لا، أنا أحب الدراسات الاجتماعية والتهجئة ومادة التوعية الصحية.» قالت مايرا: «أنا أحب الرسم والحساب.»
كانت مايرا أسرع من تستطيع إجراء عمليات الجمع والضرب في عقلها في الفصل.
قلت: «كم أتمنى أن أكون بمهارتك في الحساب!» وغمرني شعور بالنُّبل.
قالت مايرا: «لكنني لست ماهرة في التهجئة، فأنا أخطئ كثيرًا جدًّا، ربما أرسب.» لم تبدُ حزينة حيال ذلك، وإنما سعيدة لأن لديها ما تقوله. ظلت معرضة برأسها عني تحدق في تلال الجليد المتسخة على جانبي شارع فيكتوريا، وكانت تصدر صوتًا وهي تتكلم يوحي بأنها تبلل شفتيها بلسانها.
قلت: «لن ترسبي، فأنت ماهرة للغاية في الحساب. ماذا ستصبحين حين تكبرين؟»
بدت حائرة، ثم قالت: «سأساعد أمي وأعمل في المتجر.»
قلت: «حسنًا، أنا سأصبح مضيفة طيران، لكن لا تذكري هذا لأحد. أنا لم أخبر بهذا أشخاصًا كثيرين.» قالت مايرا: «لا، لن أفعل. هل تقرئين لستيف كانيون في الجريدة؟»
«نعم.» من الغريب التفكير في أن مايرا، أيضًا، تقرأ القصص الهزلية المصورة، أو تفعل أي شيء أصلًا، عدا دورها الذي تضطلع به في المدرسة. «هل تقرئين قصص ريب كيربي؟»
«هل تقرئين لأورفان آني؟»
«هل تقرئين «بيتسي والأولاد»؟»
قلت: «لم تأخذي شيئًا يُذكَر من الفشار المُحلَّى. تناولي المزيد. خذي ملء قبضتك.»
نظرت مايرا داخل العلبة وقالت: «ثمة هدية في الداخل.» ثم جذبتها إلى الخارج. كانت الهدية عبارة عن «بروش» على شكل فراشة معدنية صغيرة، مذهبة ومرصعة بقطع من الزجاج الملون المثبت عليها كي تبدو كالمجوهرات. أمسكته بيدها السمراء، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
قلت: «هل يعجبك؟»
قالت مايرا: «أحبه مرصعًا بالأحجار الزرقاء؛ الياقوت الأزرق.»
«أعرفه. إنه حجر يوم ميلادي. ما حجر يوم ميلادك؟»
«لا أدري.»
«متى يحين عيد ميلادك؟»
«إنه في شهر يوليو.»
«إذن، فحجرك هو الياقوت الأحمر.»
قالت مايرا: «أفضِّل الياقوت الأزرق. يعجبني حجرك أنت.» وناولتني البروش.
قلت: «يمكنك الاحتفاظ به. الشيء لمن يعثر عليه أولًا.»
ظلت مايرا مادةً يدها به وكأنها لم تفهم ما عنيت. فقلت: «الشيء لمن يعثر عليه أولًا.»
قالت في رهبة ووجل: «لكن العلبة كانت علبتك. أنت اشتريتها.»
«حسنًا، وأنت عثرت على الهدية.»
قالت مايرا: «لا.»
قلت: «هيا، خذيه! هاكِ، سأعطيه لك.» وتناولت البروش من يدها ثم دفعته إليها مجددًا.
كان كلانا يشعر بالدهشة. نظرنا إحدانا إلى الأخرى، وتورد وجهي لكن وجه مايرا لم يتورد. شعرت بالالتزام مع تلامس أصابعنا؛ كنت مذعورة، لكن لا بأس. وفكرت في أنني يمكن أن آتي مبكرًا وأمشي بصحبتها ثانية في صبيحة أيام أخرى. ويمكن أيضًا أن أذهب وأتحدث إليها في وقت الراحة. لم لا؟ ماذا يمنع؟
دست مايرا البروش داخل جيبها ثم قالت «أستطيع أن أضعه فوق فستاني الأثير. إنه أزرق اللون.»
كنت أعلم أنه كذلك. فقد كانت مايرا ترتدي فساتينها الأثيرة في المدرسة. حتى في منتصف الشتاء وسط التنانير الصوفية ذات المربعات والسترات الصوفية، كانت تظهر بشكل حزين بقماش تافتا سماوي اللون، أو كريب فيروزي مغبر، في ثوب نسائيٍ جرى تعديله ليلائم مقاسها، محاط عند فتحة العنق برباط كبير منعقد في ارتخاء فوق صدر مايرا الهزيل.
سعدت لأنها لم تضع البروش؛ إذ ماذا كنت سأقول لو سألها سائل من أين أتت به فأخبرته أنني من أعطيتها إياه؟
ثم حدث بعد يوم، أو بعد أسبوع، أن تغيبت مايرا عن المدرسة. كانت كثيرًا ما تُستبقى في المنزل كي تساعد أبويها. لكنها لم تعد مجددًا هذه المرة. ظلت متغيبة لأسبوع، ثم لأسبوعين، وظل مقعدها خاويًا. ثم حل يوم انتقلنا فيه إلى غرفة صف آخر في المدرسة، فأُخِذَت كتب مايرا من درج مقعدها ووُضِعت فوق أحد أرفف خزانة الصف. قالت الآنسة دارلينج: «سنجد لها مقعدًا حينما تعود.» وتوقفت عن مناداة اسم مايرا عند تسجيل الحضور.
لم يكن جيمي سايلا يأتي إلى المدرسة هو الآخر، لا سيما وأنه لن يجد من يأخذه إلى الحمام. •••
في الأسبوع الرابع أو الخامس من غياب مايرا، جاءت جلاديس هيلي إلى المدرسة وقالت: «هل تدرون … مايرا سايلا ترقد مريضة في المستشفى.»
كان ذلك صحيحًا. كانت لجلاديس عمة تعمل ممرضة في المستشفى. رفعت جلاديس يدها في منتصف حصة التهجئة وقالت للآنسة دارلينج: «اعتقدت أنك ربما ترغبين في معرفة الخبر.» قالت الآنسة دارلينج: «آه، نعم، أنا أعرف بالفعل.»
سألنا جلاديس «ما خطبها؟»
وردت جلاديس: «أكيميا أو شيء من هذا القبيل. إنها تخضع لعمليات نقل دم.» ثم قالت للآنسة دارلينج: «إن عمتي ممرضة.»
أمرت الآنسة كل تلاميذ الصف أن يكتبوا رسالة لمايرا، يقولون فيها:
«العزيزة مايرا، إننا جميعًا نكتب إليك هذه الرسالة. نتمنى أن تتحسَّن صحتك سريعًا وتعودي إلى المدرسة، المخلص/المخلصة …» وقالت الآنسة دارلينج: «فكرت في أمر ما. من منكم يود الذهاب إلى المستشفى وزيارة مايرا يوم العشرين من مارس، كي نحتفل بعيد ميلادها؟»
قلت: «إن عيد ميلادها في يوليو.»
قالت الآنسة دارلينج: «أعرف ذلك، إنه في العشرين من يوليو. لكن يمكنها أن تحتفل به هذا العام في العشرين من مارس؛ لأنها مريضة.»
«لكن عيد ميلادها يحين في شهر يوليو.»
قالت الآنسة دارلينج في نبرة حادة منذرة: «لأنها مريضة؛ سيصنع طاهي المستشفى كعكة ويمكنكم جميعًا أن تقدموا لها هدية صغيرة، بتكلفة خمسة وعشرين سنتًا أو نحو ذلك. ينبغي أن تكون الزيارة بين الثانية والرابعة؛ لأن هذه هي ساعات الزيارة. لكن لا يمكننا أن نذهب جميعًا، سيكون عددنا كبيرًا للغاية. إذن من يود الذهاب ومن يود المكوث هنا وقراءة مواد إضافية؟»
رفعنا جميعًا أيدينا. فأخرجت الآنسة دارلينج سجل درجات التهجئة واختارت أول خمسة عشر تلميذًا في القائمة، اثنتي عشرة فتاة وثلاثة فتيان. عندئذ لم يرغب الفتيان الثلاثة في الذهاب، فوقع الاختيار على الفتيات الثلاث التاليات في السجل. لا أدري متى حدث ذلك، لكني أعتقد أنه في هذه اللحظة على الأرجح صار حفل عيد ميلاد مايرا سايلا موضة رائجة.
ربما كان ذلك لأن جلاديس هيلي كانت لها عمة ممرضة، وربما لما ينطوي عليه المرض والمستشفيات من إثارة، أو ربما لمجرد أن مايرا قد تحررت تمامًا وعلى نحو مثير من كل القواعد والأوامر التي تحكم حياتنا. بدأنا نتحدث عنها كما لو كانت ملكًا لنا، وصار حفلها يشكل قضية، ناقشناها بجدية نسويَّة في وقت الراحة، وقررنا أن مبلغ خمسة وعشرين سنتًا متواضع للغاية. •••
توجهنا جميعًا إلى المستشفى بعد ظهر يوم مشمس حين كان الجليد يذوب، حاملات هدايانا، وقادتنا إحدى الممرضات إلى الدور العلوي، مصطفَّات في طابور مفرد، حيث مررنا عبر رواق على جانبيه أبواب مواربة تسمع منها أحاديث خافتة. ظلت الممرضة والآنسة دارلينج تقولان لنا: «ششش صه.» لكننا كنا نتحرك على أطراف أصابعنا على أية حال، وكان سلوكنا في المستشفى مثاليًّا.
في هذا المستشفى الريفي الصغير لم يكن يوجد جناح للأطفال، ولم تكن مايرا طفلة في حقيقة الأمر، فوضعوها بصحبة امرأتين مسنتين ذواتي شعر رمادي. كانت الممرضة تشد حولهما الستائر أثناء دخولنا.
كانت مايرا تجلس منتصبة في السرير، في لباس مستشفيات ضخم مضجر. كان شعرها منسدلًا، تتدلى الضفيرتان الطويلتان على كتفيها وتمتدان حتى أسفل غطائها. لكن وجهها كان على حاله، دائمًا على حاله.
كانت الآنسة دارلينج قد أخبرتها بشيء ما عن الحفل، حتى لا تزعجها المفاجأة، لكن كان يبدو أنها لم تصدق، أو لم تستوعب ما سيحدث. كانت ترقبنا كما اعتادت أن تفعل في فناء المدرسة حينما نلعب.
قالت الآنسة دارلينج: «حسنًا، نحن هنا! ها قد أتينا!»
وقلنا في صوت واحد: «عيد ميلاد سعيد يا مايرا! مرحى يا مايرا! عيد ميلاد سعيد!» فقالت مايرا: «عيد ميلادي في شهر يوليو!» كان صوتها واهنًا أكثر من أي وقت مضى، هائمًا، يخلو من كل تعبير.
قالت الآنسة دارلينج: «لا يهم ميعاده الحقيقي، تظاهري أنه الآن! كم عمرك يا مايرا؟»
قالت مايرا: «أحد عشر عامًا … في شهر يوليو.»
ثم خلعنا جميعًا معاطفنا وبدونا في ثياب الاحتفال، ثم وضعنا هدايانا، ذات الأغلفة المزهرة الباهتة على سرير مايرا. كانت بعض أمهاتنا قد تفنَّنَّ في صنع ربطات بارعة من أشرطة الساتان الفخم، وبعضهن ثبتن باقات صغيرة من الزهور والزنابق الصناعية. قلنا: «تفضلي يا مايرا» «تفضلي يا مايرا، عيد ميلاد سعيد.» لم تكن مايرا تنظر إلينا، وإنما إلى الأشرطة، وردية وزرقاء ومرقطة باللون الفضيِّ، وباقات الزهور المصغرة، وقد سرتها، كما سرتها الفراشة من قبل. علت وجهها نظرة بريئة، وابتسامة بسيطة متوارية.
قالت الآنسة دارلينج: «افتحيها يا مايرا؛ إنها لك!»
جمعت مايرا الهدايا حولها، وجعلت تتحسَّسُها، وعلى وجهها هذه الابتسامة، وإدراكٌ حَذِرٌ، وكبرياء غير متوقعة. قالت: «سأذهب يوم السبت إلى مستشفى «سان جوزيف» في لندن.»
هتفت إحداهن: «كانت أمي في هذا المستشفى. ذهبنا ورأيناها هناك. كل العاملات هناك راهبات.» قالت مايرا في هدوء: «أخت أبي راهبة.»
شرعت تفض أغلفة الهدايا، في خيلاء لم تكن جلاديس نفسها لتفوقها فيها، وتطوي الورق الرقيق والأشرطة، فتخرج كتبًا وأحاجي من الصور المجزأة وأشكالًا مقطوعة، وكأن هذه الأشياء جوائز ربحتها. أخبرتها الآنسة دارلينج أنه ربما ينبغي أن تشكر كل شخص باسمه مع كل هدية تفتحها، كي تتحقق من شخصية مقدم الهدية، فقالت مايرا: «شكرًا لك ماري لويز، شكرًا لك كارول …» وحينما أتت على هديتي قالت: «شكرًا هيلين.» راحت كلٌّ منا تعرض لها هديتها؛ فسرى حديث وحلت إثارة وغمر الجوَّ شيءٌ من البهجة التي تصدرتها مايرا، مع أنها لم تكن مبتهجة. ثم جيء بكعكة نُقِش عليها: «عيد ميلاد سعيد يا مايرا» باللونين الوردي والأبيض، وثُبِّتت فيها إحدى عشرة شمعة. أشعلت الآنسة دارلينج الشمع وأنشدنا جميعًا: «عيلاد ميلاد سعيد.» ثم هتفنا: «هيا يا مايرا، تمنَّي أمنية، تمنَّي أمنية.» ونفخت مايرا في الشمع فأطفأته. ثم تناولنا جميعًا من الكعكة، كما أكلنا آيس كريم الفراولة. •••
في الرابعة دوَّى صوت أزيز فجاءت الممرضة وحملت ما تبقى من الكعكة، فضلًا عن الأطباق المتسخة، وارتدينا معاطفنا كي نعود إلى منازلنا. قال الجميع مودعًا: «إلى اللقاء يا مايرا.» وجلست مايرا في الفراش ترقبنا بينما كُنَّا نغادر، وظهرها منتصب من دون أن تسنده أي وسادة، ويداها رابضتان فوق هداياها. لكن عند الباب سمعتها تنادي: «هيلين!» لم يسمع نداءها إلا اثنتان من الفتيات الأخريات، ولم تسمعه الآنسة دارلينج؛ لأنها كانت قد تقدمت الفتيات إلى الخارج، فعدتُ إلى فراشها.
قالت مايرا: «لقد حصلتُ على أشياء كثيرة للغاية. خذي بعضًا منها.» قلت: «ماذا؟ إنها هدايا عيد ميلادك. والمرء دائمًا ينال أشياء كثيرة في عيد ميلاده.»
قالت مايرا: «حسنًا، خذي شيئًا.» والتقطت حقيبة جلدية بها مرآة ومشط ومبرد أظافر وأحمر شفاه طبيعي اللون ومنديل صغير مُؤطَّر بخيط ذهبي. كنت قد لاحظته قبل ذلك. قالت: «خذي هذا.»
«ألا تريدينه؟»
«بل خذيه أنتِ.» ثم وضعته في يدي. وتلامست أصابعنا ثانيةً.
قالت مايرا: «حينما أعود من لندن، يمكنك أن تأتي وتلعبي في منزلي بعد المدرسة.»
قلت: «حسنًا.» ومن خارج نافذة المستشفى تناهى صوت واضح لشخص ما يلعب في الشارع، ربما يلاحق آخر ما تبقى من كرات الثلج في هذا العام. هذا الصوت غمر مايرا — بهجتها وكرمها، والأهم من كل ذلك، مستقبلها الذي أوجدت لي فيه مكانًا — بالكآبة والقتامة. كل الهدايا الموضوعة فوق فراشها، والأوراق والشرائط المطوية، تلك العطايا المشوبة بالإحساس بالذنب، غمرتها هذه الكآبة، وما عادت أشياء بريئة يمكن لمسها وتبادلها وقبولها دون خطر. لم أعد أرغب في أخذ الحقيبة، لكنني لم أستطع أن أفكر كيف يسعني أن أتملص، وأي كذبة يمكن أن أختلق. فكرت أن أهبها لأي شخص، لن ألهو بها أبدًا. سأدع أخي الصغير يمزقها.
عادت الممرضة، حاملة كوبًا من الحليب بالشوكولاتة.
قالت: «ما الأمر، ألم تسمعي أزيز الجرس؟»
هكذا أُطلق سراحي، حررتني الحوائل التي باتت مغلقة حول مايرا، حررني عالم المستشفى الجليل المجهول الذي يفوح برائحة الأثير المخدر، وحررني غدر قلبي. قلت: «حسنًا، شكرًا لك، شكرًا لك على هذا. وداعًا.»
هل حدث أن قالت مايرا وداعًا؟ على الأرجح لا. جلست في فراشها المرتفع، وعنقها الأسمر النحيل يطل من لباس المستشفى الواسع جدًّا عليها، بينما وجهها الأسمر المنحوت غافل عن غدري، وقد صارت هداياها — بعد أن دُبر لها أن تُستخدَم استخدامات نبيلة — منسيةً مثلما كانت هي تقبع منسية في الرواق الخلفي في المدرسة.
رقصة الظلال السعيدة |
صبيان وبنات
كان والدي مُربِّي ثعالب؛ فكان يربي الثعالب الفضية في أقفاص، وفي الخريف وبواكير الشتاء، حينما يَغزُر فِراؤها، يقتلها ويسلخها ثم يبيع فراءها إلى شركة «هدسون باي» أو شركة «مونتريال فير تريدرز». كانت هاتان الشركتان تقدِّمان لنا تقويمات عليها مشاهد بطولية كنا نعلِّقها، واحدة على كل جانب من جانبي باب المطبخ. أمام خلفية من السموات الزرقاء الباردة وغابات الصنوبر السوداء والأنهار الشمالية الغادرة، يقف مغامرون يرتدون قبعات مزينة بالريش وهم يغرسون علم إنجلترا أو فرنسا، بينما ينحني أشخاص همج ضخام الجثث أمام عربات الجر.
كان والدي يظل يعمل لعدة أسابيع قبل حلول «عيد الميلاد» في قبو منزلنا بعد وقت العشاء. كان القبو مطليًّا باللون الأبيض، ومضاءً بمصباح قوته مائة وات معلق فوق طاولة الشغل. وكنت أنا وأخي ليرد نجلس على درجة السلم العليا ونراقبه. كان والدي يسلخ الفرو من فوق جثة الثعلب، الذي كان يتبيَّن حينئذ صغير الحجم على نحو غير متوقع، هزيلًا كالجرذ، بعد أن يُنزَع عنه فراؤه الذي يختال به. كانت الجثث الزلقة العارية تُجمع في جِوَال وتُدفن عند المزبلة. حدث ذات مرة أن دفع الأجير الذي يعمل لدينا — هنري بيلي — الجوال نحوي مازحًا وهو يقول: «هدية عيد الميلاد!» ظنت أمي أن هذا أمرٌ لا يبعث على الضحك. في الواقع كانت تكره عملية السلخ برمتها — أعني القتل والسلخ وتجهيز الفراء — وكم تمنت ألَّا يكون ثمة اضطرار لأن تُجْرَى هذه العملية في المنزل. كانت تنبعث رائحة ما جراء ذلك. فبعد أن يسلخ والدي الفراء ويفرده فوق لوح طويل، كان يكحته في حرص ليزيل تجمعات الدم المتخثر عليه، وكتل الدهن، كانت رائحة الدم والدهن الحيواني — مصحوبة بالرائحة الأصلية للثعلب نفسه — تنفذ إلى كل أرجاء المنزل. بالنسبة لي كانت هذه الرائحة رائحة موسمية، شأنها شأن رائحة البرتقال وأوراق شجر الصنوبر.
كان هنري بيلي يعاني مرضًا صدريًّا. فكان يظل يسعل ويسعل حتى يستحيل وجهه النحيل إلى اللون القرمزي، وتمتلئ عيناه الساخرتان السماويتان بالدموع، فيرفع غطاء الموقد، ثم يقف على مبعدة مناسبة منه، ثم يسدد كتلة عظيمة من البلغم مباشرةً إلى قلب اللهب، فيُسمع هسيس انطفائها. كنا نعجب بأدائه هذا وبقدرته على جعل معدته تقرقر متى شاء ذلك، وبضحكه الذي كان يضج بصوت صفير وقرقرة مرتفع، ويدل على البنية المتهالكة لصدره المريض. أحيانًا كان من الصعب معرفة سبب ضحكه، ودائمًا كان من الممكن أن نكون نحن السبب.
كنا نستطيع شم رائحة الثعالب وسمع ضحك هنري حتى بعد أن نؤمر بالذهاب إلى الفراش، لكن هذه الأمور، التي تذكرنا بعالم القبو الدافئ الآمن ساطع الضوء، تبدأ في التلاشي والاضمحلال طافية فوق هواء الطابق العلوي البارد العطن. كنا نشعر بالخوف في ليالي فصل الشتاء. لم نكن نخاف مما هو في «الخارج» رغم أنه في هذا الوقت من العام كان الجليد يتكدس حول منزلنا فيبدو كحيتان جاثمة، وكانت الريح تزعجنا طوال الليل، آتيةً من الحقول المدفونة، والمستنقع المتجمد، يصاحبها «كورَس» التهديدات والبؤس العتيق «البُعبُعي» المخيف. كنا نخاف مما هو في «الداخل»، من الغرفة التي ننام فيها. ففي ذلك الوقت لم يكن الطابق العلوي من منزلنا قد اكتمل بناؤه. كانت توجد مدخنة من الطوب ذات جدار واحد، وكانت توجد في منتصف الأرضية حفرة مربعة، يحيط بها سور خشبي، ويبرز منها الدرج إلى الأعلى. وعلى الجانب الآخر من بئر السلم كانت توجد الأشياء المهملة التي لم يعد يستخدمها أحد؛ لفة مشمع من أيام الجندية واقفة على طرفها، عربة أطفال من الخيزران، وسلة من نبات السرخس، وأباريق وأحواض خزفية مشروخة، وصورة لمعركة «بالاكلافا»، كئيبة المنظر للغاية. كنت قد أخبرت ليرد، بمجرد أن صار كبيرًا كفايةً بحيث يفهم أمورًا كهذه، أن ثمة خفافيش وهياكل عظمية تعيش هناك، وكنت كلما هرب رجل من سجن المقاطعة، الذي يبعد عشرين ميلًا، أتخيل أنه دخل من النافذة واختبأ خلف لفة المشمع. لكن كانت هناك قواعد للحفاظ على سلامتنا. فحينما يكون النور مضاءً نكون بأمان طالما لا نتخطى محيط السجادة البالية التي تغطي مساحة غرفة نومنا، وحينما يكون النور مطفأً لم يكن أي مكان آمنًا سوى الفُرُش نفسها. كنت أضطر لإضاءة المصباح المتدلي فوق طرف فراشي، فأمط جسدي بأقصى قدر ممكن كي أطال السلك.
في الظلام كنا نستلقي فوق فرشنا، أطواف نجاتنا الضيقة، ونثبت أعيننا على الضوء الخافت المنبعث من بئر السلم، ونتغنى بأغانٍ. كان ليرد يغني أغنية «جينجل بيلز»، كان يحب غناءها في أي وقت، سواء وقت «أعياد الميلاد» أو غيره، وكنت أغني أغنية «داني بوي». كنت أحب وقع صوتي، الذي كان ناعمًا مبتهلًا يرتفع في الظلام. في هذا الوقت كنا نستطيع أن نتبيَّن الأشكال السامقة داكنة اللون التي يعلوها الجليد من خلف زجاج النافذة. وحينما كنت آتي على غناء المقطع الذي يقول: «حينما أموت، لأنني سأموت بالضرورة.» تنتابني رعشة ليست ناجمة عن برودة الأغطية وإنما عن شعور الغبطة الذي يكاد يسكت صوتي. «ستركع فوقي وتلقي صلاة العذراء مريم.» ما صلاة العذراء مريم؟ كان اليوم يمر تلو الآخر وأنا أنسى السؤال عمَّا تعنيه الكلمة.
كان ليرد ينتقل من الغناء إلى النوم مباشرةً. كنت أستطيع سماع تردد أنفاسه الطويلة المطمئنة العالية. وفيما تبقى لي من وقت، هو الأكثر خصوصية وربما الأفضل في يومي كله، كنت أُحكِم شدَّ الأغطية فوق جسدي وأشرع في رواية إحدى القصص التي كنت أرويها لنفسي من ليلة إلى أخرى. كانت قصصًا عني حينما أكبر، أكبر أكثر قليلًا، تقع أحداثها في عالم يدور حولي بالأساس، لكنه عالم يمنحني فرصًا أُظهِر فيها الشجاعة والجرأة والتضحية بالنفس، وهي فرص لم أكن أنالها في عالمي الحقيقي قطُّ. في هذه القصص أنقذت حياة أشخاصٍ من مبنًى مفخخ بالقنابل (لخيبة أملي كانت الحرب الحقيقية قد اشتعلت بعيدًا جدًّا عن بلدتي «جوبيلي»)، وأطلقت الرصاص على ذئبين مسعورين هاجما فناء المدرسة (كان المدرسون منكمشين ذعرًا من خلفي)، وامتطيت في شجاعة جوادًا بديعًا سرت به عبر الشارع الرئيسي في «جوبيلي»، كي أتلقَّى شكر سكان البلدة على عمل بطولي سوف أنجزه (لم يحدث أن قاد أحدٌ جوادًا هناك سوى الملك بيلي في المسيرة الاحتفالية بيوم «البرتقاليين»). كانت هذه القصص دائمًا ما تتضمَّن امتطاء أحصنة وإطلاق رصاص، رغم أنني لم أمتطِ جوادًا من قبل سوى مرتين — ومن دون سرج لأننا لم نكن نملك واحدًا — وفي المرة الثانية انزلقت وسقطت تحت أرجل الحصان، الذي خطا فوقي برفق. أما إطلاق الرصاص فكنت أتدرب عليه في الحقيقة، لكنني لم أكن أستطيع أن أصيب أي هدف بعد، ولا حتى علب الصفيح فوق أعمدة السياج. •••
كانت الثعالب الحية تسكن عالمًا من صنع أبي، محاطًا بسياج مرتفع، كبلدة من العصور الوسطى، له بوابة توصد بقفل عند حلول الليل، تتراص في شوارع هذه البلدة أقفاص محكمة ضخمة، لكلٍّ منها باب حقيقي يتسع لمرور رجل، ومنحدر خشبي بطول أسلاك القفص، كي يتسنى للثعالب أن تتقافز وتجري صعودًا وهبوطًا عليه، ووجار — شيء يشبه دولاب الملابس ومزود بفتحات تهوية — تلجأ إليه عند نومها وفي الشتاء وتحمي فيه صغارها. كانت توجد أطباق للطعام والسقاية مثبتة إلى أسلاك القفص على نحو يتيح إفراغها وتنظيفها من خارج القفص. كانت الأطباق مصنوعة من الصفيح القديم، وكانت المنحدرات الخشبية والأوجرة مصنوعة من فضلات الخشب القديم وسقط المتاع. كان كل شيء مرتبًا ومنظمًا بإحكام؛ كان أبي يُبدع دون كلل، وكان أفضل كتاب في العالم بالنسبة له هو كتاب «روبنسون كروزو». كان قد أعد برميلًا من الصفيح وتحايل بحيث نجح في تركيبه على عربة يدوية، كي يُستخدَم في جلب الماء إلى الأقفاص. كانت هذه وظيفتي في الصيف حيث تحتاج الثعالب لأن تشرب مرتين يوميًّا. فكنت أملأ البرميل عند الطلمبة مرتين، بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحًا ثم مرة أخرى بعد العشاء، ثم أدفعه عبر فناء الحظيرة إلى الأقفاص حيث كنت أركن العربة وأملأ وعاء السقاية الذي أستخدمه أنا، وأمضي عبر الشوارع الفاصلة بين الأقفاص. كان ليرد يأتي هو الآخر، حاملًا وعاءه الصغير ذا اللونين الأخضر والقشدي مملوءًا عن آخره، يصطدم بساقَيْه فتنسكب دفقات من الماء فوق حذائه القماشي. أما أنا، فكان معي وعاء السقاية الفعلي، الذي يستخدمه أبي، ولو أنني لم أكن أستطيع ملأه إلا بمقدار ثلاثة أرباعه فقط.
كانت للثعالب أسماء، تُطبَع على لوحة من الصفيح تُعلَّق بجانب أبواب الأقفاص. لم تكن تُمنَح أسماءها تلك وهي حديثة الولادة، وإنما بعد أن تفلت من موسم السلخ في عامها الأول فتُلحق بثعالب سلالة التربية. كانت الثعالب التي يختار أبي أسماءها تحمل أسماءً مثل «برينس» و«بوب» و«والي» و«بيتي». والثعالب التي أختار أنا أسماءها تحمل أسماءً مثل «ستار» أو «تُرك» أو «مورين» أو «ديانا». ثمة ثعلبة أسماها ليرد «مود» تيمنًا باسم فتاة كانت تعمل لدينا حينما كان صغيرًا، وثعلب أسماه «هارولد» على اسم صبي في المدرسة، وآخر أسماه «مكسيكو» ولم يذكر سبب ذلك.
لم تكن تسمية الثعالب تحيلها إلى حيوانات أليفة، أو أي شيء من هذا القبيل؛ إذ لم يكن أحد يدخل إلى الأقفاص قط سوى والدي، الذي أصيب بتسمم في الدم مرتين جراء ما ناله من عضَّاتها. أما أنا فكنت أراها حين أجلب لها الماء تجوس جيئة وذهابًا على طول الدروب التي صنعتها داخل الأقفاص، ولا تصدر ضُباحًا إلا نادرًا — كانت تدخر ذلك لليل، حينما تشكل جوقة تجمعها نوبة اهتياج — لكنها كانت دائمًا تراقبني، بأعينها المتوقدة، الصافية صفاء الذهب، فوق وجوهها الحاقدة المدببة. كانت جميلة بأرجلها الرقيقة وذيولها الأرستقراطية الأنيقة، وفروها الفضي البراق المنتثر فوق أسافل ظهورها الغامقة — سبب وصفها بالفضية — لكن جمالها كان يتجلى على نحو خاص في أعينها الذهبية ووجوهها المسحوبة بحدة متقنة والتي توحي بعداء صرف.
إلى جانب حمل الماء، كنت أساعد والدي عندما يجز العشب الطويل، ويحش نبتات الزربيح الأبيض والمسك المكسيكي المُزهِرة، التي كانت تنمو بين الأقفاص. كان هو يحش بالمنجل وأنا أجمع ما يحشه في أكوام. ثم يأخذ مذراةً وينشر العشب المقصوص لتوه فوق أسقف الأقفاص، كي تكون الثعالب في جو ألطف ويحمي معاطفها الطبيعية التي كانت تستحيل إلى اللون البني من كثرة التعرض للشمس. لم يكن أبي يتحدث إليَّ إلا في شيء يتعلق بالشغل الذي نقوم به. وهو في هذا يختلف كل الاختلاف عن أمي التي كانت — حين تشعر بالابتهاج — تتحدث إليَّ عن كل شيء — اسم الكلب الذي اقتنته حينما كانت فتاةً صغيرة، أسماء الفتيان الذين خرجت بصحبتهم حينما كانت صبية يافعة، وأشكال فساتين معينة كانت لديها — لكن لم يكن يسعها أن تتصور إلامَ وصل حال كل هذه الأشياء. في المقابل، كانت كل أفكار أبي وقصصه خصوصية، وكنت أستحي منه فلا أطرح عليه أية أسئلة. مع ذلك، كنت أعمل تحت ناظريه عن طيب خاطر، شاعرةً بالفخر. حدث ذات مرة أن جاء بائع علف إلى الأقفاص كي يتحدث إلى والدي، وسمعت والدي يقول: «أود أن أعرفك بعاملي الجديد.» استدرت وجعلت أجمع العشب في همة، ووجهي يتورد سرورًا.
قال البائع: «لا بد أنك تمزح، اعتقدت أنها مجرد فتاة.»
بعد أن قمنا بجز العشب، بدا فجأة أن السنة قد مر منها وقت طويل. كنت أسير فوق بقايا العشب في وقت مبكر من المساء، بينما السماء مخضبة بالحمرة وسكون الخريف يعم الأرجاء. وحينما انتهيت من دفع وعاء المياه إلى خارج البوابة وسكَّرتها بالقفل، كان الظلام على وشك أن يخيم. في إحدى الليالي في هذا التوقيت، رأيت أمي وأبي واقفين يجمعهما حديث عند الممر الترابي القصير الذي كنا ندعوه الممشى، أمام الحظيرة. كان والدي عائدًا لتوه من المجزر، مرتديًا مريلته الفظة المخضبة بالدماء، يحمل في يده ملء دلو من قطع اللحم.
كان من غير المعتاد رؤية أمي في الأسفل عند الحظيرة؛ فهي لم تكن تخرج من المنزل إلا لأداء أمر ما؛ نشر الغسيل أو استخراج ثمار البطاطا من بطن تربة الحديقة. بدت في غير مكانها الصحيح، بساقيها العاريتين المكتنزتين اللتين لم تريا الشمس من قبل، وهي ما تزال مرتديةً مريلة المطبخ المبتلة حول بطنها من أثر غسل أطباق طعام العشاء. كان شعرها مربوطًا تحت وشاح تنفلت خارجه شعيرات بسيطة. كانت تربط شعرها على هذا النحو في الصباح، قائلةً إنها لم يسعها تصفيفه لضيق الوقت، فيظل مربوطًا طوال اليوم. كان هذا صحيحًا، أيضًا، فقد كان الوقت ضيقًا بالفعل. في تلك الأيام كان رواقنا الخلفي يعج بأكوام من سلال الدُّرَّاق والعنب والكمثرى، جرى شراؤها من البلدة، إلى جانب البصل والطماطم والخيار الذي نزرعه في منزلنا، كل ذلك في انتظار أن يتحول إلى جيلي ومربَّى ومحفوظات أخرى كالمخلل وصوص الفلفل. كانت نار الموقد تظل موقدة طوال النهار، تعلوها أوعية يبقبق فيها الماء المغلي، وفي بعض الأحيان كان الكيس القماشي المستخدم في صنع الجبن يُعلق فوق عصًا قائمة على كرسيين، وفيه العنب الأزرق يصفي ماءه لنصنع منه الجيلي. كانت تُحدد لي مهام معينة، فكنت أجلس إلى الطاولة أقشر ثمار الدراق الذي سبق غمره في الماء الساخن، أو أقطِّع حبات البصل، فتلتمع عيناي وتدمعان. وبمجرد أن أنتهي من عملي كنت أنطلق إلى خارج المنزل، محاولةً أن أختفي من أمام ناظري أمي قبل أن تفكر في المهمة التالية التي ستكلِّفني بها. كنت أكره المطبخ المعتم الحار في فصل الصيف، والستائر الخضراء والورق الصمغي المخصص لصيد الذباب، والطاولة القديمة المكسوة بالقماش «المزيَّت» التي لا تتغير، والمرآة المموجة والمشمع ذا الفقاعات. كان التعب والانشغال ينالان من أمي كل منال بحيث لا تقوى على الحديث إليَّ، ويفتُرُ فؤادها عن أن تحكي لي عن حفل التخرج الراقص الذي أقامته كلية المعلمين. كانت حبات العرق تسيل فوق وجهها، وكانت دائمًا تحصي عدد الأوعية هامسة وهي تشير إليها بسبابتها، ثم تفرغ بعددها أكوابًا من السكر. كنت أرى أن عمل البيت لا ينتهي، كئيب بدرجة استثنائية وممل، وأن العمل خارج المنزل، وفي خدمة أبي، مقدس الأهمية.
وبينما كنت أدفع العربة أمامي وفوقها وعاء المياه مُتَّجهةً إلى الحظيرة حيث كانت توضع، سمعت أمي تقول: «انتظري ريثما يكبر ليرد قليلًا، وعندئذٍ سيتوفر لكِ عونٌ حقيقيٌّ.»
لم أسمع ما قاله أبي. كنت مسرورة من طريقة وقوفه منصتًا، بالاحترام الذي قد ينصت به لبائع أو لشخص غريب، لكن بشيء من الرغبة في متابعة عمله الحقيقي. شعرت أنه لا عمل لأمي في هذا المكان في الأسفل ورغبت أن يراوده نفس الشعور. ماذا كانت تعني بما قالته عن ليرد؟ إن ليرد لم يشكل أدنى عون لأي شخص. أين هو الآن؟ يتأرجح فوق الأرجوحة حتى يصاب بالغثيان، أو يجول في دوائر، أو يحاول التقاط يرقات الفراشات. لم يحدث قط أن مكث معي حتى أفرغ من عملي.
سمعتها تقول: «وحينئذ يمكنني أن أستعين بها أكثر في المنزل.» كانت طريقتها في التحدث عني متناهية الفتور، تنم عن الشعور بالحسرة ودائمًا تصيبني بالضيق. أضافت قائلة: «لقد انقصم ظهري وهي تعاف شغل المنزل. وكأنني لم أنجب بنتًا في هذه الأسرة.»
ذهبتُ وجلستُ فوق كيس من أكياس العلف عند زاوية الحظيرة، غير راغبة في الظهور أثناء استمرار هذه المحادثة. كنت أشعر أن أمي ليست أهلًا للثقة. كانت أكثر حنانًا من أبي ويسهل التحايل عليها، لكن لا يمكن الاعتماد عليها، ولم يكن من الممكن معرفة الأسباب الحقيقية وراء ما تقوله وما تفعله. كانت تحبنا، وتظلُّ حتى وقت متأخر من الليل تحيك لي ثوبًا ذا قَصَّة صعبة كنت أرغبه، كي أرتديه عندما يبدأ العام الدراسي، لكنها كانت عدوتي أيضًا، كانت تكيد وتتآمر دائمًا. كانت تتآمر الآن بهدف أن تجعلني أقبع في المنزل لفترة أطول، رغم أنها تعرف أنني أكره ذلك (بل ربما لأنها تعرف أنني أكره ذلك)، وتمنعني من العمل لدى والدي. خطر لي أنها تفعل ذلك لمجرد المعاندة، ولكي تختبر سطوتها. لم يخطر لي أنها ربما كانت تشعر بالوحدة، أو الغيرة. لم أتصور أن يشعر بهذا أي شخص من الكبار، الكبار محظوظون للغاية. جلست أركل كيس العلف بعقبَيْ قدميَّ في حركة رتيبة، تثير الغبار، ولم أخرج إلا بعد أن ذهبَتْ.
لم أكن أتوقع بأية حال أن يعير أبي أي اهتمام لما قالته. من يتصور أن ليرد يستطيع أن يؤدي عملي؟ هل يستطيع ليرد أن يتذكر وضع القفل أو أن ينظف أوعية السقاية من القاذورات بليفة من السعف مربوطة في نهاية عصًا طويلة، أو حتى أن يجر وعاء الماء دون أن يسقطه من فوق العربة؟ بيَّن لي هذا الموقف إلى أي مدى تفتقر أمي أي دراية تُذكر بحقيقة الأمور. •••
نسيت أن أخبركم عن طعام الثعالب. ذكرتني به مريلة أبي الملوثة بالدم. كنا نطعم الثعالب لحم الجياد. ففي ذلك الوقت، كان معظم المزارعين لا يزالون يحتفظون بجياد في مزارعهم، وحينما كان يشيخ أي جواد بحيث لا يعود قادرًا على العمل، أو تنكسر رجله، أو تتدهور حالته ولا يستعيد عافيته، كما كان يحدث في بعض الأحيان، كان صاحبه يستدعي والدي، فيذهب هو وهنري إلى المزرعة بالشاحنة. كان المعتاد أن يطلقا النار على الجواد ويذبحاه هناك، مقابل مبلغ يدفعانه للمزارع يتراوح بين خمسة دولارات واثني عشر دولارًا. لكن عندما يكون لدينا بالفعل كمية كبيرة من اللحم، كانا يأتيان بالجواد حيًّا، ويستبقيانه لبضعة أيام أو أسابيع في الإسطبل، حتى ينتهي مخزون اللحم الموجود. عقب الحرب، صار الفلاحون يشترون الجرارات الزراعية وبدءوا يستغنون شيئًا فشيئًا عن الجياد، ومن ثم، كان يحدث في بعض الأحيان أن نحصل على جواد قوي معافًى، لا عيب فيه إلا أنه لم تعد هناك حاجة إليه. إذا حدث شيء كهذا في الشتاء، كان من الممكن أن نستبقي الجواد في الإسطبل حتى حلول الربيع؛ لأن العشب يكون موفورًا، وإذا سقطت كميات كبيرة من الجليد — لم تكن الجرافة تنجح دائمًا في إزالة الجليد من طريقنا — كان من الملائم الذهاب إلى البلدة بجواد وزلاجة.
في شتاء العام الذي كنت فيه في الحادية عشرة من عمري كان لدينا جوادان في الإسطبل. لم نكن نعلم اسميهما الأصليين، فأسميناهما ماك وفلورا. كان ماك حصان شغل مسنًّا، حالك السواد وفاتر الطبع. أما فلورا فكانت فرسًا صهباء تُستخدم في جر العربات. أخذناهما معًا بغرض الذبح. كان ماك بطيئًا تسهل السيطرة عليه. أما فلورا فانتابتها نوبات من الذعر العنيف، وراحت تجنح نحو السيارات أو حتى الجياد الأخرى، لكننا أعجبنا بسرعتها وخطواتها الشمَّاء، وما لها من طابع عام يتسم بالنبل والترفع. يوم السبت نزلنا إلى الإسطبل، وما إن فتحنا الباب على عتمته الدافئة العبقة برائحة حيوانية، حتى نفضت فلورا رأسها، وأدارت عينيها، وصهلت في قنوط، وانتابتها حالة عصبية في موضعها. لم يكن من المأمون الدخول إلى حجيرتها، فربما ترفس.
في هذا الشتاء أيضًا بدأت أسمع ما هو أكثر بكثير عن الموضوع الذي أثارته أمي حينما كانت تتحدث أمام الحظيرة. لم أعد أشعر بالأمان. كان يبدو أن في عقول كل الأشخاص من حولي تيارًا ثابتًا من الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع، والتي لا سبيل لإثنائهم عنها. كانت كلمة «بنت» تبدو لي من قبل بريئة خالية من أي مدلول، ككلمة «طفل»؛ لكن الآن تبيَّن لي أنها ليست كذلك. لم تكن صفة «بنت» تنطبق على الحال التي كنت عليها، كما كنت أعتقد، وإنما على الحال التي يجب أن أصبح عليها. كانت تعريفًا، دائمًا تقال بنبرة مؤكدة تنضح بالتوبيخ وخيبة الأمل. كانت أيضًا أداة للاستهزاء بي. فقد حدث ذات مرة أن كنا نتعارك أنا وليرد، حينئذ اضطررت لأول مرة على الإطلاق أن أستجمع كل ما أملك من قوة كي أواجهه، ومع ذلك، قبض على ذراعي وشل حركتها لوهلة، شعرت فيها بألم حقيقي. كان هنري يراقب ما يحدث، فضحك قائلًا: «أوه، ها هو ليرد سيُريكِ، يا له من يوم!» كان ليرد يزداد كبرًا في الحجم. لكنني كنت أكبر أيضًا.
جاءت جدتي لتمكث معنا لبضعة أسابيع، فسمعت أشياء أخرى. «البنت لا ينبغي لها أن تَصفِق الباب هكذا.» «البنت ينبغي أن تضم ركبتيها معًا عندما تجلس.» كان هناك ما هو أسوأ، كنت حينما أطرح بعض الأسئلة يقال لي: «هذا أمر لا شأن للبنات به.» ظللت أصفق الأبواب وأجلس بأخرق طريقة ممكنة، ظنًّا مني أنني سأستطيع من خلال هذه التصرفات أن أحافظ على حريتي.
حينما حل الربيع، بات يُسمَح للجوادين أن يخرجا إلى فناء الحظيرة. وقف ماك قبالة جدار الحظيرة محاولًا حك عنقه وفخذيه، لكن فلورا هرولت جيئة وذهابًا واشرأبَّت من السور، وجعلت تركل السياج بحوافرها. سرعان ما تضاءل الجليد، كاشفًا عن الأرض الصلبة السمراء الرمادية، وعن وهادها ومرتفعاتها المألوفة، عارية مكشوفة عقب زوال المشهد الشتوي الرائع. كان ثمة شعور بالانبساط والتحرر. لم نعد نرتدي فوق نعالنا إلا حذاءً مطاطيًّا طويل الرقبة، وبتنا نشعر بأرجلنا خفيفة على نحو لا يُصدَّق. وفي أحد أيام السبت خرجنا إلى الإسطبل فوجدنا كل الأبواب مفتوحة، على نحو جعل قدرًا غير معتاد من أشعة الشمس والهواء المنعش يدخل إلى الداخل. كان هنري موجودًا هناك، يضيع الوقت في النظر إلى مجموعة التقاويم التي كانت معلقة خلف حجيرات الجياد في جزء من الإسطبل لا أظن أن أمي رأته قط من قبل.
صاح هنري: «أجئت لتودع صديقك العجوز ماك؟ هيا أعطه بعضًا من الشوفان.» ثم سكب بعض الشوفان في يدَي ليرد الذي ضمهما إلى بعضهما، وراح يطعم ماك. كانت حالة أسنان ماك مزرية. كان يأكل على مهل، ويحرك الشوفان متأنِّيًا في أنحاء فمه، محاولًا أن يجد جذر ضرس كي يطحن به ما يأكل. قال هنري في رثاء: «يا لماك العجوز المسكين! إن الحصان ينتهي أمره ما إن يفقد أسنانه، هكذا هي الحال.»
سألت: «هل ستطلق عليه النار اليوم؟» كان ماك وفلورا قد ظلَّا لفترة طويلة في الإسطبل إلى درجة أنني نسيت أنهما سيُقتلان.
لم يردَّ هنري على سؤالي، وإنما راح يغني بصوت ساخر متهدج مرتفع: «أوه، لم يعد هناك عمل إضافي للعم نيد المسكين، لقد ذهب إلى حيث يذهب الزنوج الطيبون.» كان ماك يحرك لسانه الغليظ المائل إلى السواد بهمة في يد ليرد. خرجت قبل أن تنتهي الأغنية وجلست عند الممشى.
لم يسبق أن رأيتهما يطلقان النار على حصان، لكنني كنت أعرف أين يجري ذلك. في الصيف الماضي عثرت أنا وليرد على أمعاء حصان لم تدفن بعد. للوهلة الأولى ظنناها حية ضخمة سوداء، ملفوفة تحت أشعة الشمس. كان ذلك بالقرب من الحقل الممتد بجانب الحظيرة. فكرت أننا إذا دخلنا الحظيرة وعثرنا على شق أو ثقب ننظر من خلاله، فسيتسنى لنا أن نراهما وهما يقتلانه. لم يكن ذلك أمرًا أحب رؤيته. مع ذلك، كنت أعتقد أنه إذا كان هناك أمر ما يحدث حقًّا، فمن الأفضل أن أراه وأن أعرف.
خرج والدي من المنزل، حاملًا البندقية.
سأل: «ماذا تفعل هنا؟»
أجاب: «لا شيء.»
«هيا اصعد والعب في المنزل.»
وأخرج ليرد من الإسطبل. قلت لليرد: «هل تود أن تراهما يطلقان النار على ماك؟» ودون أن أنتظر ردًّا منه جذبته نحو باب الحظيرة الأمامي، وفتحته حذرةً ودلفت إلى الداخل. قلت: «ابق هادئًا وإلا فسيسمعوننا.» كان باستطاعتنا أن نسمع هنري وأبي يتحدثان في الإسطبل، ثم صوت الجلبة الثقيلة لخطوات ماك وهو يُسحَب من حجيرته.
في مخزن التبن، كان الجو باردًا معتمًا رقيقًا، وكانت خيوط من نور الشمس تدخل عبر الشقوق وتتقاطع. كان التبن منخفضًا. كانت الأرضية كأرض الريف غير الممهدة، التي تتخللها الوهاد والهضاب، تنزلق تحت أقدامنا. على ارتفاع أربعة أقدام تقريبًا كانت ثمة عارضة خشبية تحيط بالجدران من الداخل. كوَّمنا التبن في أحد الأركان وقمت أنا برفع ليرد عاليًا ثم رفعت نفسي. لم تكن العارضة الخشبية عريضة، زحفنا فوقها وأيدينا منبسطة فوق جدران الحظيرة. كانت هناك ثقوب عديدة، عثرت بينها على واحد من شأنه أن يمنحني المنظر الذي أردت؛ زاوية من فناء الحظيرة والبوابة وجزءًا من الحقل. لم يعثر ليرد على أي ثقب وبدأ يتذمَّر.
أريته شقًّا متسعًا بين لوحين. وقلت له: «اهدأ وانتظر، إذا سمعاك فستوقعنا في مشكلة.»
ظهر أبي في المشهد حاملًا البندقية. كان هنري يسوق ماك ممسكًا زمامه. أسقط الزمام وأخرج ورق لف السجائر والتبغ، وراح يلف سيجارتين واحدة له والأخرى لوالدي. في تلك الأثناء كان ماك يمط أنفه ويتشمم العشب الميت القديم الموجود بجانب السياج. حينئذ فتح أبي البوابة وأخرج ماك. ثم ساق هنري ماك بعيدًا عن الممر إلى رقعة من الأرض وهما يتحدثان سويًّا بصوت لم يكن مرتفعًا بحيث نستطيع سماعه. بدأ ماك يبحث ثانيةً عن عشب طازج يلوكه في فمه، ولكنه لم يكن ليجده هناك. مشى أبي مبتعدًا في خط مستقيم، ثم توقف على مسافة قصيرة، بدت مناسبة له. كان هنري يبتعد هو الآخر عن ماك، لكن في اتجاه جانبي، وهو ما يزال ممسكًا في إهمال بالزمام. رفع أبي البندقية ثم رفع ماك ناظريه إلى الأمام كأنه لاحظ شيئًا ما، ثم أطلق والدي النار عليه.
لم ينهرْ ماك على الفور، وإنما ترنَّح وتمايل من جانب إلى آخر ثم سقط أولًا على جانبه، ثم انقلب على ظهره، وللمفاجأة، ظل يرفس بأرجله في الهواء لبضع ثوانٍ. أثار هذا ضحك هنري كما لو كان ماك يؤدي حيلة لإضحاكه. أما ليرد، الذي سحب نَفَسًا مفجوعًا طويلًا لدهشته عندما أُطلقت الرصاصة، فقال بصوت عالٍ: «إنه لم يمت.» ظننت أن ذلك ربما يكون حقيقيًّا لكن أرجله توقفت، وعاد فانقلب على جانبه ثانيةً، وانتابت عضلاته رجفة ثم خمد جسده تمامًا. تحرك الرجلان نحوه وألقيا عليه نظرة عملية، ثم انحنيا وتفحصا جبهته حيث اخترقت الرصاصة رأسه، حينئذٍ رأيت دمه على العشب البنيِّ.
قلت: «الآن سيسلخانه ويقطعانه، هيا نذهب.» كانت رجلاي ترتعشان قليلًا، وقفزت في إثارة إلى الأسفل فوق التبن. قلت لليرد بنبرة مهنئة: «ها قد رأيت كيف يقتلون جوادًا.» وكأنني قد رأيت هذا المشهد مرات كثيرة من قبل. ثم أردفت: «دعنا نرَ إذا كانت أيٌّ من قطط الحظيرة قد خبَّأت قططًا صغيرة في التبن.» قفز ليرد ورائي، وبدا صغيرًا ومطيعًا من جديد. حينئذ تذكرت فجأة كيف، حينما كنت صغيرة، جلبته إلى الحظيرة وطلبت منه أن يتسلق السلم الخشبي إلى العارضة العلوية. كان هذا أيضًا في الربيع، حينما كان كوم التبن منخفضًا. كنت قد فعلت ذلك رغبةً في الإثارة، رغبةً في حدوث شيء ما يمكن أن أحكي عنه. كان ليرد يرتدي معطفًا واسعًا بالنسبة إليه إلى حد ما، ذا مربعات باللونين الأبيض والبني. كان المعطف لي قبل أن يجري تصغيره كي يرتديه. أخذ يتسلق ليرد صاعدًا إلى الأعلى كما طلبت منه، وجلس فوق العارضة. كان التبن في الأسفل بعيدًا عنه في أحد جانبي الحظيرة، وكانت الأرضية وبعض الماكينات القديمة في الجانب الآخر. عندئذٍ ركضت أنادي أبي صارخة: «ليرد صعد فوق عارضة الحظيرة!» جاء أبي وجاءت أمي، ثم صعد أبي درجات السلم وهو يتحدث في هدوء وأنزل ليرد حاملًا إياه تحت ذراعه، بينما اتكأت أمي إلى السلم وأجهشت بالبكاء. قالا لي: «لماذا لم تحرصي على مراقبته؟» لكن لم يعرف أحد حقيقة ما حدث. ولم يكن ليرد يعرف ما يكفي لأن يحكي ما حدث. لكنني كنت كلما رأيت المعطف ذا المربعات البنية والبيضاء معلقًا في دولاب الملابس، أو في قاع كيس الملابس البالية حيث انتهى أمره، أشعر بثقل في معدتي، ندمًا على ذنب لم أتطهر منه.
نظرت إلى ليرد الذي كان لا يتذكر ذلك أصلًا، لم أكن أحب تلك النظرة التي تعلو هذا الوجه النحيل الشاحب شحوبًا شتويًّا. لم يبدُ مذعورًا أو متكدرًا، وإنما بدا شاردًا مركِّزًا تفكيره في أمر ما. قلت بصوت مرح وودود على غير المعتاد: «اسمع، لن تخبر أحدًا، أليس كذلك؟»
قال ذاهلًا: «بلى!»
«أتعدني بهذا؟»
قال: «أعدك.» جذبت اليد التي خلف ظهره كي أضمن أنه لم يضع إصبعه الوسطى فوق السبابة (دلالة على أنه لن يفي بالوعد). مع ذلك، ربما ينتابه كابوس، فينفضح الأمر بهذه الطريقة. قررت أنني من الأفضل أن أعمل بهمة على انتزاع كل الأفكار المتعلقة بما رآه من عقله، الذي بدا لي أنه لا يستطيع أن يستوعب قدرًا كبيرًا من الأشياء معًا. كان لدي بعض النقود التي كنت قد ادخرتها فأخذته ذلك المساء وذهبنا إلى «جوبيلي» وشاهدنا عرضًا، للممثلة جودي كانوفا، ضحكنا منه كثيرًا. بعد ذلك فكرت أن الأمر سيكون على ما يرام.
بعد أسبوعين علمت أنهم سيقتلون فلورا. علمت ذلك في الليلة السابقة لقتلها، حينما سمعت أمي تسأل أبي عما إذا كان مخزون التبن كافيًا وعلى ما يرام، فقال أبي: «حسنًا، بعد الغد لن يكون لدينا إلا البقرة، وغالبًا سنتمكَّن من إخراجها لترعى الكلأَ الطازجَ بعد أسبوع.» فأدركت أن دور فلورا سيحين في الصباح.
هذه المرة لم أفكر في مشاهدة ما سيحدث، فقد كان هذا أمرًا ينبغي ألَّا يُرى سوى لمرة واحدة. وكنت مذ رأيت قتل ماك لا أفكر فيما رأيت كثيرًا، لكن في بعض الأحيان حينما أكون منشغلة، في المدرسة، أو واقفة أمام المرآة أمشط شعري وأتساءل عما إذا كنت سأصبح جميلة حين أكبر، كان المشهد برمته يبرق في ذهني؛ فأرى طريقة أبي المسترخية المتمرسة في رفع البندقية، وأسمع هنري يضحك لمرأى ماك يرفس بأرجله في الهواء. لم يترك هذا في نفسي قدرًا كبيرًا من الشعور بالرعب والاعتراض، كالذي كان سيصيب أي طفل تربى في المدينة، فقد كنت معتادةً جدًّا على رؤية قتل الحيوانات مدركةً أن ذلك ضرورة بالنسبة لمصدر رزقنا. ومع ذلك، كنت أشعر بالعار إلى حد ما، وطرأ على موقفي من أبي وعمله شعور جديد بالتحفظ، وربما بالإحجام والاتقاء.
كان جو اليوم التالي صحوًا معتدلًا، وكنا نمشي في أنحاء الفناء نلتقط أفرع الشجر التي كانت عواصف الشتاء قد مزقتها. كانت هذه مهمة قيل لنا أن نقوم بها، فضلًا عن أننا كنا نريد استخدام الأفرع في صنع «تيبة» (خيمة مخروطية تشبه خيام الهنود الحمر). سمعنا صهيل فلورا، ثم صوت أبي وصراخ هنري، فركضنا نحو فناء الحظيرة لنرى ما الأمر.
كان باب الإسطبل مفتوحًا، وكان هنري قد أخرج فلورا للتو، فهربت منه. كانت تنطلق حرةً في فناء الحظيرة، من ناحية إلى أخرى. تسلقنا السياج. كان من المثير رؤيتها تركض وتصهل وترتفع على رجليها الخلفيتين، تتبختر وتتوعد كخيل أفلام الغرب الأمريكي، الخيل البريَّة، مع أنها لم تكن سوى فرس عجوز من خيل جر العربات، فرس صهباء عجوز. راح أبي وهنري يركضان ليلحقا بها وحاولا أن يقبضا على زمامها المتدلي. حاولا أن يحاصراها في إحدى الزوايا، وكادا ينجحان لولا أنها ركضت مفلتةً من بينهما، يلوح في عينيها هياج، واختفت خلف زاوية الحظيرة. سمعنا صوت طقطقة أعمدة السياج إثر اجتيازها السور، وصرخ هنري: «إنها في الحقل الآن!»
كان هذا يعني أنها في الحقل الممتد على شكل حرف L باللغة الإنجليزية بجانب المنزل. كانت إذا وصلت بالقرب من المنتصف، واتجهت نحو الممر الضيق، فستجد البوابة مفتوحة، فقد أُدخلت الشاحنة إلى الحقل صباح ذلك اليوم. صرخ أبي فيَّ لأنني كنت على الجانب الآخر من السور، في أقرب بقعة من الممر الضيق: «أسرعي وأغلقي البوابة!»
كان باستطاعتي أن أجري بسرعة، جريت عبر الحديقة، بجانب الشجرة المعلقة عليها أرجوحتنا، ووثبتُ عابرةً قناة الماء إلى الممر الضيق. ووصلت إلى البوابة المفتوحة. لم تكن فلورا قد خرجت بعد، ولم أكن ألمحها في الطريق، لا بد أنها ركضت إلى الجانب الآخر من الحقل. كانت البوابة ثقيلة. رفعتها من الحصى ودفعتها كي أغلقها. كنت قد أغلقتها حتى المنتصف حين ظهرَتْ في المشهد، تعدو مباشرةً نحوي. كان لدي من الوقت ما يكفي لوضع الجنزير، وجاء ليرد يستبق عبر قناة الماء كي يساعدني.
لكن بدلًا من أن أغلق البوابة، فتحتها بأوسع ما استطعت. لم أتخذ قرارًا بأن أفعل ما فعلت، وإنما كان هذا ما فعلته وحسب. لم تبطئ فلورا قط، وجرت سريعًا مارةً من أمامي، بينما ليرد يتقافز ويصيح: «أغلقيها، أغلقيها!» حتى بعد أن فات أوان ذلك. ظهر أبي وهنري في الحقل بعد ذلك بدقيقة واحدة فلم يدركا ما فعلت. رأيا فقط فلورا تتجه صوب طريق البلدة. كانا يظنان أنني لم أدرك البوابة في الموعد المناسب.
لم يضيِّعا أي وقت في سؤالي عن ذلك، وعادا إلى الحظيرة وأحضرا البندقية والسكاكين، ووضعا هذه الأشياء في الشاحنة، ثم اتجها بها صوبنا وتقدما بسرعة ناحيتنا عبر الحقل. ناداهما ليرد: «دعاني أذهب معكما، دعاني أذهب!» فأوقف هنري الشاحنة وأخذاه. أغلقت البوابة بعد أن ذهب ثلاثتُهم.
خمَّنت أن ليرد سيحكي ما حدث، وتساءلت عما سيحل بي. لم يسبق لي قط أن عصيت والدي، ولم يسعني أن أفهم لماذا فعلت ذلك. لا سيما أن فلورا لن تتمكن من الهرب فعلًا؛ فهم يستطيعون اللحاق بها بالشاحنة. وحتى إذا لم يستطيعوا الإمساك بها هذا الصباح، فسيراها أحدهم ويتصل بنا عصرًا أو في الغد، فليست هناك منطقة برية هنا لتهرب إليها، لا شيء سوى المزارع. إلى جانب أن أبي قد دفع ثمنها، ونحن بحاجة إلى اللحم كي نطعم الثعالب، ونحن بحاجة إلى الثعالب كي نكسب عيشنا. كل ما فعلته هو أنني ألقيت بمزيد من الشغل على كاهل أبي الذي كان على كاهله الكثير من الشغل بالفعل. ثم إنه حالما يكتشف أمر ما حدث لن يثق فيَّ بعد ذلك، وسيعلم أنني لست إلى جانبه تمامًا. كنت إلى جانب فلورا، وهذا جعلني عديمة النفع لأي شخص، حتى لها. رغم ذلك، لم آسف على ما فعلت حينما جاءت تعدو نحوي وفتحت لها البوابة؛ إذ لم يكن يسعني أن أفعل غير ذلك.
عدت أدراجي إلى المنزل. سألتني أمي: «لمَ كل هذه الجَلَبة؟» أخبرتها أن فلورا حطمت السياج وهربت. قالت: «يا لأبيك المسكين! الآن سيضطر لملاحقتها في كل أنحاء الريف. حسنًا، لا جدوى من تحضير طعام العشاء قبل الواحدة.» ونصبت طاولة الكي. أردت أن أخبرها، لكنني ظننت أن هذه ليست فكرة سديدة، فصعدت إلى الأعلى وجلست على فراشي.
كنت في الآونة الأخيرة أعمل على تنميق الشطر الخاص بي من الغرفة، أفرش الفراش بستائر «الدانتيل» القديمة، وأهيئ لنفسي منضدة للزينة فرشت فوقها بعضًا من قماش الكريتون الذي تبقَّى من حياكة تنورة. وخطَّطت لأن أنصب ما يشبه الحاجز بين فراشي وفراش ليرد، كي أجعل شطري منفصلًا عن شطره. تحت ضوء الشمس، لم تكن قطع ستائر «الدانتيل» سوى أسمال متربة. لم نعد نغنِّي ليلًا مثلما كنا نفعل. فقد حدث ذات ليلة بينما كنت أغني أن قال لي ليرد: «تبدين حمقاء وأنت تغنين»، فلم أحفل بما قال وواصلت الغناء، لكن في الليلة التالية لم أبدأ الغناء. لم يكن هناك ما يستدعي ذلك على أية حال، فنحن لم نعد نشعر بالخوف. بتنا نعلم أن الأشياء الموجودة في الركن ليست سوى أثاث قديم، ركام عتيق وفوضى. لم نعد نلتزم بالقواعد، لكنني كنت أظل مستيقظة بعد أن ينام ليرد وأحكي لنفسي القصص، لكن حتى هذه القصص كان يحدث فيها شيء مختلف، لقد طرأ عليها تغيُّر غامض. كان من الممكن أن تبدأ القصة على النحو المعتاد بخطر محدق، كحريق أو حيوانات متوحشة، ثم أشرع في إنقاذ أشخاص لبعض الوقت، ثم يتغير كل شيء، ويأتي من ينقذني بدلًا من أن أكون أنا من ينقذ. يمكن أن يكون المنقذ صبيًّا من صفنا في المدرسة، أو حتى السيد كامبل معلمنا، الذي كان يدغدغ البنات تحت إبطهن. عند هذه المرحلة كانت القصة تتمحور بقدر أكبر حول شكلي، مثلًا، كم كان شعري طويلًا وأي نوع من الفساتين كنت أرتدي، وما إن تبدأ هذه التفاصيل في التطور حتى تتلاشى الإثارة الأصلية للقصة.
كانت الساعة قد تعدَّت الواحدة حينما عادت الشاحنة. وكان ثمة مشمع مفروش في خلفيتها، ما يعني أن هناك لحمًا بداخلها. اضطرت أمي لتسخين الطعام ثانيةً، وكان أبي وهنري قد غيَّرا رداءي العمل المخضَّبَين بالدماء بآخرَين خاصَّين بالعمل المعتاد في الحظيرة، وغسلا أذرعهما ورقبتيهما ووجهيهما عند الحوض، ونثرا الماء على شعريهما ومشَّطاهما. رفع ليرد ذراعه متباهيًا بخط دقيق من الدم كان عليها وقال: «قتلنا فلورا، وقطعناها إلى خمسين قطعة.»
قالت أمي: «حسنًا، لا أريد أن أسمع شيئًا عن ذلك، ولا تأتِ لمائدتي بهذه الحال.»
أمره أبي أن يذهب ويغتسل من الدم.
جلسنا جميعًا وشرع أبي يتلو صلاة ما قبل الأكل، وألصق هنري العلكة التي كان يلوكها على نهاية شوكته كما اعتاد أن يفعل. كان حينما يخلعها يجعلنا نستحسن الطريقة التي يؤدي بها ذلك. بدأنا نمرر سلطانيات الخضار المطبوخ أكثر من اللازم، التي يتصاعد منها البخار. صوَّب ليرد نظره إليَّ عبر المائدة وقال في غطرسة ظاهرة: «على أية حال كان هروب فلورا غلطتها هي.»
قال أبي: «ماذا!»
«كان بوسعها أن تغلق البوابة ولم تفعل، بل فتحتها على مصراعيها وهربت فلورا.»
تساءل أبي: «هل هذا صحيح؟»
كان جميع الجالسين إلى الطاولة ينظرون إليَّ. أطرقت، ورحت أزدرد الطعام في صعوبة بالغة. ولخزيي الشديد، انهمرت الدموع من عيني.
نَدَّ من أبي صوت يوحي بالازدراء، وسألني: «لمَ فعلتِ ذلك؟»
لم أُجب، ووضعت شوكتي وظللت جالسة في انتظار أن أُصرَف عن المائدة وأنا لا أزال أنظر إلى الأسفل.
لكن هذا لم يحدث. لم ينبس أحد بكلمة لبعض الوقت، ثم قال ليرد بنبرة تخلو من أي عاطفة: «إنها تبكي.»
قال أبي: «لا بأس.» ثم تحدث بنبرة تنم عن التسليم بالأمر الواقع، وربما بشيء من المرح، فقال الكلمات التي أعفتني من مهامي إلى الأبد. قال: «ليست سوى فتاة.»
لم أحتجَّ، حتى في نفسي. لعل ما قاله صحيح.
رقصة الظلال السعيدة |
بطاقة بريدية
بعد ظهر البارحة، بالأمس، كنت في طريقي إلى مكتب البريد، أفكر كم سقمت من الجليد، ومن التهابات الحلق، ومن التثاقل الذي يجرجر به الشتاء أذياله، وتمنيت لو كنت أستطيع أن أشد الرحال إلى فلوريدا، مثل كلير. كان ذلك بعد ظهر يوم الأربعاء، اليوم الذي أعمل فيه لمنتصف النهار فقط. أنا أعمل في متجر كينج الشامل، الذي — بالرغم من اسمه — لا يزيد على كونه متجرًا للأقمشة والملبوسات الجاهزة. من قبل، كانوا يبيعون مواد البقالة، لكنني بالكاد أتذكر ذلك. كانت ماما تأخذني إلى هناك وتجلسني على الكرسي المرتفع، وكان السيد كينج العجوز يعطيني حفنة من الزبيب ويقول لي: «أنا لا أعطيها إلا للبنات الجميلات.» وحينما مات السيد كينج العجوز أزالوا قسم البقالة، بل إن المتجر لم يعد متجر كينج، وإنما صار ملكًا لشخص يُدعَى كروبرج. لكن آل كروبرج أنفسهم لا يقربون المتجر أبدًا، فقد اكتفوا بإرسال السيد هوز مديرًا له. أنا مسئولة عن الدور العلوي، قسم ملابس الأطفال، وعن نصب «أرض الألعاب» وقت عيد الميلاد. طوال أربعة عشر عامًا وأنا في ذلك المكان، وهوز لا يضايقني، لعلمه أنني ما كنت لأتقبل ذلك.
ولما كان اليوم هو الأربعاء، كانت نوافذ مكتب البريد مغلقة، لكن كان معي مفتاحي. فتحت قفل صندوقنا وأخرجت صحيفة جوبيلي، المرسلة باسم ماما، وفاتورة الهاتف وبطاقة بريدية كدت لا أراها. نظرت إلى الصورة التي عليها أولًا، فرأيت نخيلًا وسماء زرقاء وشمسًا دافئة، وواجهة فندق صغير عليها لافتة على شكل امرأة ضخمة شقراء، أظن أنها تضاء بأنوار النيون في الليل. كانت اللافتة تقول «اقضِ ليلتك عندي.» كان هذا مكتوب على بالون حوار يخرج من فم المرأة. قلبت البطاقة وقرأت ما هو مكتوب: «مع ذلك لم أقضِ الليلة عندها، فقد كان الفندق غاليًا جدًّا. الطقس هنا غاية في الروعة. درجة الحرارة تتراوح حول منتصف السبعينيات بمقياس فهرنهايت. ترى ما حال الشتاء معك في جوبيلي؟ أرجو ألَّا يكون سيئًا. كوني فتاةً عاقلة. كلير» كان تاريخ البطاقة يعود لعشرة أيامٍ مضت. حسنًا، أحيانًا تتأخر البطاقات البريدية في الوصول، لكنني أراهن أن ما حدث هو أنه ظل يحملها في جيبه لبضعة أيام قبل أن يتذكر إرسالها بالبريد. كانت هذه البطاقة الوحيدة التي أتسلمها منذ رحيله إلى فلوريدا منذ ثلاثة أسابيع، بينما كنت أنا هنا أتوقع عودته شخصيًّا يوم الجمعة أو السبت. كان يذهب في هذه الرحلة كل شتاء مع أخته بوركي وزوجها هارولد، اللذين يعيشان في مدينة ويندسور. كان لدي شعور بأني لا أعجبهما، لكن كلير قال إنني أتصور ذلك فحسب. كنت كلما جمعني حديث ببوركي ارتكبت خطأً ما، كأن أقول مثلًا إن «كذا لا علاقة بي له» بالرغم من علمي أن العبارة الصحيحة هي «كذا لا علاقة له بي»، فلا تدع ذلك يمر قط دون أن تثرثر بشأنه، لكنني كنت أظل أفكر في ذلك فيما بعد وأتميز غيظًا. مع أنني أعرف أن في صالحي أن أحاول التحدث بالطريقة التي لا يمكن أن أتحدث بها عادةً في جوبيلي، وأن أحاول نيل إعجابها لأنها من آل ماكواري، بالرغم من كل المحاضرات التي ألقيها على مسامع أمي لأُفهِمها أننا لا نقلُّ عنهم وجاهةً ونُبلًا.
كنت أقول لكلير: اكتب لي رسالة حينما تكون مسافرًا. فكان يقول: «ماذا تريدينني أن أكتب لك؟» فطلبت أن يصف المناظر التي يراها والأشخاص الذين يقابلهم، أي شيء يمكن أن يكون مسليًا بالنسبة لي أن أعرفه، بما أنني لم يسبق لي قط أن أخرج لأبعد من بافالو للمتعة (لن أضع في حسباني رحلة القطار التي اصطحبت فيها ماما إلى وينيبج لزيارة بعض الأقارب). لكن كلير قال: «أستطيع أن أخبرك بكل ما تريدين معرفته حين أعود.» لكنه لم يكن يفعل ذلك قط. كنت حينما أراه ثانيةً أقول: «حسنًا، احكِ لي كل شيء عن رحلتك»، فكان يقول: «ماذا تريدينني أن أحكي؟» كان هذا يغيظني جدًّا؛ إذ كيف لي «أنا» أن أدري؟
رأيت ماما في انتظاري، تراقبني عبر النافذة الصغيرة في الباب الأمامي. فتحت الباب حينما أصبحت في الممشى وصاحت: «احترسي لنفسك، الأرض زلقة. لقد كاد بائع الحليب يسقط على رأسه هذا الصباح.»
قلت: «ثمة أيام أظن أنني لا أبالي فيها أن تنكسر لي رجل.» فقالت: «لا تتفوهي بأشياء كتلك، كأنك تستنزلين لنفسك العقاب.»
قلت: «كلير أرسل لك بطاقة بريدية.»
«أوه، لا يمكن!» قلبت البطاقة على وجهها الآخر وقالت: «إنها موجهة إليكِ، كما توقعت تمامًا.» لكنها تجاوزت ذلك بابتسامة. «أنا لا آبه للصورة التي اختارها، لكن ربما لا يتسنى للمرء مجال واسع للاختيار هناك.»
على الأرجح كان كلير محل إعجاب السيدات المتقدمات في السن منذ أن استطاع المشي. كان في نظرهم ما يزال ولدًا سمينًا ظريفًا، دمث الخلق، ولا يبدي أي غرور مع أنه من آل ماكواري، وله طريقة في الممازحة ترفع معنوياتهن وتحمرُّ لها وجناتُهن خجلًا. كان لماما وكلير طرق كثيرة للمزاح لم أستطع أبدًا أن أجاريها. منها أنه كان يأتي فيطرق الباب ويقول شيئًا مثل: «عمتِ مساءً سيدتي، كنت أتساءل فقط إن كان يمكنني أن أقنعك بدورة لتحسين لياقة الجسم أُسوِّق لها كي يتسنى لي دفع مصاريف الكلية.» فتتظاهر أمي بكظم غيظها وتعبس في وجهه وتقول: «اسمع أيها الشاب، هل أبدو بحاجة إلى دورة لتحسين لياقتي البدنية؟» أو يمكن أن يبدو محزونًا ويقول: «سيدتي، أنا هنا لأنني قلق على روحك.» فكانت أمي تنفجر ضاحكةً وتقول: «يجدر أن تقلق على روحك أنت.» ثم تطعمه كفتة الدجاج وفطيرة مارينج الليمون، وهما من أكلاته المفضلة. كان يقول لها على المائدة نكتًا لم أكن أتصور أن تستمع لها؛ مثل «هل سمعتِ عن ذلك الرجل المحترم المسن الذي تزوج من زوجة شابة ثم ذهب إلى الطبيب؟ دكتور أواجه بعض المتاعب …» فتقول أمي «لا تكمل.» لكنها كانت تنتظر إلى أن يتم النكتة، وتقول: «أنت تحرج هيلين لويز.» كنت قد تخلصت من اسم لويز الذي يلتصق باسمي في كل مكان ما عدا في المنزل. علم به كلير من ماما، أخبرته أنني لا أحب هذا الاسم لكنه ظل يناديني به. أحيانًا كنت أشعر بأنني صغيرتهما، حينما كنت أجلس بينه وبين ماما بينما يمزحان ويستمتعان بطعامهما ويخبرانني بأنني أسرف في التدخين وأنني إذا لم أستقم في جلستي فسيتحدب كتفاي للأبد. كان كلير — ولا يزال — يكبرني باثني عشر عامًا، ولا أذكره أبدًا إلا في صورة رجل كبير. •••
كنت أراه في الشارع وكان يبدو كبيرًا بالنسبة لي حينئذ، على الأقل كما كان كل الكبار يبدون بالنسبة لي. إنه من أولئك الذين يبدون أكبر سنًّا وهم صغار ويبدون أصغر سنًّا وهم كبار. كان دائمًا يُوجد في فندق كوينز. فلأنه من آل ماكواري لم يكن مضطرًا لأن يعمل بجد. وكان له مكتب صغير ويعمل أحيانًا كموثق عقود، أو يؤدي بعض مهام التأمين أو العقارات. وهو ما يزال يملك هذا المكان، الذي دائمًا ما تُرى نافذته الأمامية غائمة ومتربة، ويوجد نور متقد في خلفيته، صيفًا وشتاءً، حيث تجلس سيدة في الثمانين من عمرها تقريبًا، تدعى الآنسة ميتلاند، تقوم بما يأمرها به من الطباعة على الآلة الكاتبة أو غيرها من المهام التي يكلفها بها. وحينما لا يكون في فندق كوينز، يكون برفقة صديق أو اثنين من أصدقائه يجلسون حول المدفأة الكهربائية ويلعبون بأوراق اللعب، بينما يحتسون الشراب في هدوء، وغالبًا يتحدثون فحسب. ثمة نوع من الرجال في جوبيلي، وفي كل بلدة صغيرة على ما أظن، يمكنك أن تصفه بأنه مشهور. لا أعني بذلك «شخصيات» بارزة عامة، ذات شأن يؤهلها للترشح لانتخابات البرلمان أو حتى لمنصب العمدة (مع أن كلير يستطيع ذلك إن أراد أن يأخذ الأمر على محمل الجد)، وإنما أعني رجالًا موجودين دائمًا في الشارع الرئيسي ولهم وجوه معروفة. إن كلير وأصدقاءه من هذا النوع.
قالت ماما: «أهو هناك برفقة أخته؟» وكأنني لم أخبرها بذلك من قبل. إن كثيرًا من حديثي مع ماما يكون معادًا. سألتْ: «ما ذلك الاسم الذي ينادونها به؟»
أجبت: «بوركي.»
«نعم، أذكر أنني ظننت أن هذا اسم امرأة كبيرة. وأذكر أن اسمها عند التعميد كان إيزابيل. كان هذا قبل أن أتزوج بوقت طويل، كنت لا أزال أنشد في جوقة الكنيسة. حينئذ ألبسوها أحد أثواب التعميد المستحدثة «المجرجرة»، تعرفينها؟» كانت أمي مغرمة بكلير لكن ليس بآل ماكواري. كانت تعتقد أنهم يتكبرون حتى في التقاط أنفاسهم. أتذكر منذ سنة أو سنتين أننا كنا مارَّتَين بجانب مسكنهم، فقالت شيئًا ما عن الحرص على ألَّا أطأ بقدمي فوق نجيل «القصر»، فقلت لها: «ماما، في غضون بضع سنوات سأكون مقيمة هنا، سيكون هذا «منزلي أنا»؛ لذا من الأفضل أن تكُفِّي عن وصفه بالقصر بنبرة الصوت هذه.» نظرنا معًا إلى أعلى المنزل بكل مظلاته ذات اللون الأخضر الغامق والمزينة بحرفي Ms بخط أبيض كبير، وكل شرفاته الواسعة ونوافذه ذات الزجاج المعشق المثبتة في الجدار الجانبي، كأنه كنيسة. ما من علامة تدل على وجود حياة، لكن في الأعلى كانت السيدة ماكواري راقدة، وما تزال، مشلولة شللًا نصفيًّا جانبيًّا ولا تستطيع التكلم، تعتني بها ويلا مونتجومري نهارًا ويعتني بها كلير ليلًا. تزعجها أصوات الغرباء في المنزل، وكل مرة يأخذني فيها كلير إلى هناك لا يسعني إلا الهمس كي لا تسمع صوتي وتدخل في نوبة من نوبات الشلل. قالت أمي بعد أن نظرت طويلًا: «هذا مضحك، لكنني لا أتصور أن تحملي اسم ماكواري.»
«اعتقدت أنك مولعة بكلير.»
«حسنًا، أنا كذلك، لكنني لا أستطيع أن أتصوره إلا آتيًا لاصطحابك للخروج ليلة السبت، أو لتناول عشاء يوم الأحد، ولا أتصوركما زوجين.»
«انتظري لتري ما سيحدث حينما تموت السيدة العجوز.»
«أذلك ما قاله لك؟»
«هذا مفهوم.»
قالت ماما: «حسنًا، قد تكونين محقة!»
«إنك لست مضطرة لأن تتصرفي وكأنه يقدم لنا معروفًا، لأنني أستطيع أن أخبرك أن كثيرًا من الناس يمكن أن يروا الأمر على نحو معاكس.»
قالت أمي بصوت لطيف: «ألا أستطيع أن أفتح فمي من دون أن تشعري بالإهانة؟»
كنت أنا وكلير ندلف من الباب الجانبي في ليالي السبت ونصنع قهوة وشيئًا نأكله في المطبخ عتيق الطراز ذي الجدران العالية، متسلِّلَين في منتهى الهدوء والسرية كأننا ولد وبنت يلتقيان بعد المدرسة، ثم نخطو على أطراف أصابعنا صاعدين السلم الخلفي إلى غرفة كلير فنفتح التلفاز بحيث تظن السيدة العجوز أنه وحده يشاهده. كنتُ إذا نادته استلقيتُ وحدي في الفراش الواسع أشاهد البرامج أو أنظر إلى الصور القديمة المعلقة على الجدار، صوره في فريق هوكي المدرسة الثانوية يلعب حارس مرمى، وصورة بوركي في لباس التخرج، وصورته مع بوركي في إحدى العطلات مع بعض أصدقاء لا أعرفهم. وكنت إذا استبقته عندها طويلًا أشعر بالملل فأهبط إلى الدور السفلي مستترة بصوت التلفاز وأتناول المزيد من القهوة. (لم أشرب قط أي مشروب مُسْكِر، كنت أترك هذا لكلير.) في النور الوحيد المضاء، نور المطبخ، كان يتسنى لي أن أدخل حجرة الطعام وأفتح الأدراج وأنظر إلى مفارشها، وأفتح خزانة الأواني الخزفية وصندوق أدوات المائدة الفضية، فأشعر كأنني لصة. لكنني كنت أفكر، لمَ لا أستمتع بهذا وباسم ماكواري طالما أنني أفعل هذا بالفعل على أية حال؟ قال لي كلير: «تزوجيني» بعد وقت قصير من بداية خروجنا معًا، فقلت له: «لا تزعجني، لا أود أن أفكر بشأن الزواج» فكَفَّ عن الحديث في هذا الموضوع. وحينما أثرت أنا هذا الموضوع مجددًا، بعد سنوات، بدا مسرورًا. قال «حسنًا، لا أعتقد أن ثمة كثيرًا من الذكور العجائز أمثالي يسمعون فتاةً جميلة مثلك تقول إنها ترغب في الزواج منهم.» فكرت في نفسي، انتظروا إلى أن أتزوج وأذهب إلى متجر كينج وأجعل هوز يهرع في كل الأرجاء ملبيًا طلباتي، ذلك العجوز السخيف. كم أود أن أذله وأضايقه، لكنني سأتمالك نفسي، من باب التأدب. •••
قلت لماما: «سآخذ تلك البطاقة البريدية الآن وأضعها في صندوقي، ولا يسعني أن أفكر في طريقة أفضل نقضي بها عصر اليوم من أن نحظى بقيلولة.» صعدتُ إلى الدور العلوي وارتديت الروب (صيني مطرز، كان هدية من كلير). وضعت شيئًا من الكريم على وجهي ثم أخرجت الصندوق الذي أحفظ فيه البطاقات البريدية والخطابات وغيرها من التذكارات، ووضعتها مع البطاقة البريدية التي كانت قد وصلت من فلوريدا منذ سنوات، وبعض البطاقات من متنزهات بانف وجاسبر وجراند كانيون ويلوستون. ثم لتضييع الوقت شرعت في مشاهدة صوري أيام المدرسة وشهادات درجاتي وصور برنامج «إتش إم إس بينافور»، الذي عرضته المدرسة الثانوية وكنت أنا بطلته — ماذا كان اسمها؟ — ابنة القبطان. أتذكر كلير حينما التقى بي في الشارع وهنأني على غنائي وروعة جمالي، وأذكر كيف كنت أتغنَّج عليه بعض الشيء لا لشيء إلا لأنه كان يبدو كبيرًا جدًّا ولا خطر منه، كنت أتغنج دون أن ألقي بالًا، كنت مزهوة بنفسي. ألم أكن لأفاجأ لو كنت علمت ما سيحدث؟ لم أكن حتى قد التقيت بتيد فورجي بعد.
ميزت رسالته بمجرد أن رأيتها من الخارج، ولم أقرأها قط، لكن بدافع الفضول فتحتها وبدأت القراءة: «عادةً أكره أن أكتب رسالة بالآلة الكاتبة لأن الرسالة تفتقر بذلك اللمسة الشخصية، لكنني في غاية الإنهاك الليلة إلى جانب كل الضغوط الطارئة هنا؛ لذا آمل أن تعذريني.» كان مجرد النظر إلى الرسالة، مكتوبة بالآلة الكاتبة أو غير ذلك، يمنحني شعورًا بالحب، إن كان لكم أن تسموه حبًّا، قويًّا إلى حد أنه يكاد يعتصر قلبي ويطرحني أرضًا. تيد فورجي كان مذيعًا في محطة إذاعة جوبيلي لمدة ستة أشهر في الوقت الذي كنت فيه على وشك أن أنهي دراستي الثانوية. كانت ماما تقول إنه كبير السن للغاية بالنسبة لي — لم تقل ذلك قط عن كلير — لكنه لم يكن إلا في الرابعة والعشرين من عمره. كان قد قضى سنتين في إحدى المصحات مصابًا بمرض السل، وهذا جعله يبدو أكبر من عمره الحقيقي بسنوات. كنا نصعد معًا إلى تل سوليفان فيحكي كيف كان يعيش والموت يحدق في وجهه، وكيف أدرك قيمة أن يكون قريبًا من إنسان واحد، لكنه لم يجد إلا الوحدة. كان يقول إنه يرغب في أن يدس رأسه في حضني ويبكي، لكن طوال الوقت كان ما «يفعله» أمرًا آخر. وحينما رحل صرت كمن يسير وهو نائم. لم أكن أستيقظ إلا بعد الظهر حين أذهب إلى مكتب البريد وأفتح الصندوق بينما ركبتاي لا تكادان تحملانني، كي أرى إن كنت قد تلقيت رسالة. ولم يحدث قط أن تلقيت منه رسالة بعد تلك. صارت أماكن تصيبني بالضيق؛ تل سوليفان ومحطة الإذاعة ومقهى فندق كوينز. لا أدري كم ساعةً قضيتها في ذلك المقهى، أسترجع في عقلي كل حديث دار بيننا وأتصور كل نظرة علت وجهه، غير مدركة بعدُ أن التمني لم يكن ليجره عبر ذلك الباب ثانيةً. صارت علاقتي ودية بكلير هناك. كان يقول إنني أبدو كأنني بحاجة إلى من يبهجني، وراح يحكي لي بعضًا من قصصه. لم أصارحه قط بمشكلتي، لكن حينما بدأنا نخرج معًا وضحت له أن الصداقة هي كل ما يمكن أن أقدمه له. قال إنه يقدِّر ذلك وإنه سينتظر الوقت المناسب. وقد فعل.
قرأتُ الرسالة حتى آخرها وفكرت، ليس للمرة الأولى، أن أي أبله سيقرأ هذه الرسالة سيستطيع أن يدرك أنها الأخيرة. «أريدك أن تعلمي كم أنا ممتن لكل لطفك وتفهُّمك.» كانت كلمة «لطف» هي الوحيدة التي التصقت بذهني حينئذ، كي تمنحني الأمل. فكرت أنني سأتخلص من رسالته حين أتزوج أنا وكلير. إذن، لمَ لا أفعلها من الآن؟ مزقتها إلى نصفين ثم مزقت النصفين إلى نصفين وبدا الأمر سهلًا كتمزيق الكراسات بعد انتهاء أيام الدراسة. ولما لم أكن أريد أن تعلق ماما على ما في سلة مهملاتي دسست الرسالة الممزقة في حقيبة يدي. وبعد أن انتهيت استلقيت على فراشي وفكرت في عدة أمور. مثلًا، لو لم أكن في سكرة بسبب رحيل تيد فورجي، فهل كانت نظرتي لكلير ستتغير؟ هذا احتمال ضعيف. فلولا تلك السكرة ما كنت لأحفل بكلير على الإطلاق، كنت سأنطلق وأفعل شيئًا مختلفًا، لكن لا جدوى من التفكير في ذلك الآن. الجلبة التي أثارها كلير جعلتني آسف له في أول الأمر. كنت أزدري رأسه المستدير الأصلع، وأسمع تأوهه وهياجه وأفكر، ماذا يسعني الآن إلا أن أكون مهذبة؟ لم ينتظر مني أكثر من ذلك، لم ينتظر قط ما هو أكثر، فقط أن أستلقي وأتركه يفعل ما يشاء، وقد اعتدت على ذلك. تذكرت ذلك وتساءلت عما إذا كنت عديمة الشعور، فقط لأنني استلقيت هناك وتركته يجذبني ويجامعني ويتأوه حول عنقي ويقول ما قال، دون أن أنطق في المقابل بكلمة حب واحدة له؟ لم أرد قط أن أكون امرأة بلا قلب ولم أكن خسيسة مع كلير، وتركته يفعل ما يشاء، ألم أفعل ذلك، في أغلب الأحيان؟ •••
سمعت ماما تنهض من قيلولتها وتذهب لتشغيل غلاية الماء كي تعد لنفسها فنجانًا من الشاي وتقرأ الصحيفة. بعد وقت قصير أطلقَتْ صرخة، ظننت أن أحدًا مات فقفزت من فراشي وركضت إلى الردهة، لكنها كانت هناك في الأسفل تقول: «عودي إلى قيلولتك، أعتذر لأنني أخفتك. لقد أخطأتُ.» عدت بالفعل ثم سمعتها تجري مكالمة تليفونية، على الأرجح تتصل بإحدى صديقاتها القديمات لتخبرها بشأن خبر ما في الصحيفة، بعد ذلك أظن أنني غلبني النعاس.
استيقظت على صوت توقف سيارة، وترجل شخص ما منها واتجه نحو الممشى الأمامي. تساءلت، أيكون هذا كلير قد عاد باكرًا؟ وعندئذ، بينما أنا مشوشة ونصف نائمة، فكرت أنني قد مزقت الرسالة بالفعل، هذا جيد. لكن لم يكن ذلك وقع خطواته. فتحت ماما الباب دون أن تمنحه فرصة لقرع الجرس، وسمعت صوت آلما ستونهاوس، التي تدرس في مدرسة جوبيلي الحكومية وهي أقرب صديقاتي. خرجتُ إلى الردهة وانحنيت للأمام وصحت: «مرحبًا آلما، هل ستأكلين هنا ثانيةً؟» كانت تتناول طعامها في مطعم بيلي حيث يكون الطعام جيدًا في بعض الأحيان ورديئًا في أحيان أخرى، لكن كانت حينما تشم رائحة «فطيرة الراعي» التي يُعدُّونها هناك، كانت تتجه رأسًا إلى منزلنا دون دعوة.
صعدت آلما مباشرة إلى الدور العلوي دون أن تخلع معطفها، ووجهها الأسمر النحيل يتوهج إثارةً، فأدركت أن شيئًا ما وقع. ظننت أنه لا بد يتعلق بزوجها، فهما منفصلان وهو يكتب لها رسائل فظيعة. قالت لي: «هيلين، أهلًا، كيف حالك؟ هل استيقظت للتو؟»
قلت: «سمعت صوت سيارتك، ظننت لوهلة أنه صوت سيارة كلير لكنني لا أتوقع عودته قبل عدة أيام أخرى.»
«هيلين، هلا جلستِ؟ تعالي ندخل حجرتك حيث يمكنك الجلوس. هل أنت مهيأة لصدمة؟ كم كنت أتمنى ألَّا أكون من يخبرك بهذا. تمالكي نفسك.»
رأيت ماما تقف خلفها مباشرةً، فقلت: «ماما، أهذه مزحة؟»
قالت آلما: «كلير ماكواري تزوج.»
قلت: «إلامَ ترميان أنتما الاثنتان؟ إن كلير ماكواري في فلوريدا وقد وصلتني منه اليوم فقط بطاقة بريدية كما تعلم ماما جيدًا.»
«لقد تزوج في فلوريدا. اهدئي يا هيلين.»
«كيف يمكن أن يتزوج في فلوريدا؟ إنه يقضي إجازته هناك؟»
«إنهما في طريق عودتهما إلى جوبيلي الآن وسيعيشان هنا.»
«آلما، أينما سمعت بهذا فإنه محض هراء. لقد لقيت منه اليوم فقط بطاقة بريدية. ماما …»
حينئذ رأيت ماما تنظر إليَّ كأنني في الثامنة من عمري وأُصبتُ بالحصبة وكانت درجة حرارتي تتجاوز المائة والخمس فهرنهايت. كانت ممسكة بصحيفتها فمدتها إليَّ كي أقرأ. قالت: «الخبر هنا.» وهي غير مدركة على الأرجح أنها تهمس. «الخبر مكتوب هنا في صحيفة باجل هيرالد.»
قلت: «لا أصدق ذلك البتة.» وبدأت أقرأ وأقرأ الخبر كله وكأن الأسماء المكتوبة لأشخاص لم أسمع بهم قط من قبل. بعضهم كان كذلك فعلًا. في احتفال بسيط في كورال جيبلز بفلوريدا، تزوج كلير ألكسندر ماكواري، من مدينة جوبيلي، ابن السيدة جيمس ماكواري من نفس المدينة، والراحل السيد جيمس ماكواري، وهو رجل أعمال محلي مرموق وعضو البرلمان لفترة طويلة، من السيدة مارجريت ثورا ليسون، ابنة الراحلين السيد والسيدة كلايف تيبوت من لينكن بولاية نبراسكا. لم يضم الحفل سوى السيدة هارولد جونسون شقيقة العريس وزوجها. ارتدت العروس بدلة أنيقة باللون الأخضر الزيتوني مزينة بإكسسوارات ذات لون بني قاتم وسوارًا من زهور الأوركيد البرونزية. وارتدت السيدة جونسون بدلة باللون البيج مزينة بإكسسوارات سوداء اللون وسوارًا من زهور الأوركيد الخضراء. العروسان في طريقهما الآن بالسيارة إلى منزل المستقبل في جوبيلي.
قالت آلما في حدة: «ألا تزالين تعتقدين أن هذا هراء؟»
قلت إنني لا أدري.
«هل أنتِ بخير؟»
«بخير.»
قالت ماما إننا سنشعر جميعًا بتحسن إذا نزلنا إلى الدور السفلي وتناولنا فنجانًا من الشاي وبعض الطعام، بدلًا من حبس أنفسنا في حجرة النوم الضيقة هذه. كان الوقت يقترب من موعد العشاء على أية حال. فنزل ثلاثتنا، وكنت لا أزال مرتدية الروب، وراحت ماما وآلما تعدان وجبة من تلك النوعية التي يمكن أن تأكلها كي تقيم أودك عندما يدخل مرض ما المنزل ولا يسعك أن تتذمر كثيرًا بشأن الطعام؛ شطائر اللحم البارد مع أطباق صغيرة من مختلف أنواع المخلل وشرائح من الجبن وفطائر مربعة محشوة بالبلح. قالت لي ماما: «دخني سيجارة إن شئتِ.» هذه أول مرة تقول لي ذلك في حياتها. ففعلت، وكذلك فعلت آلما. قالت آلما: «جلبت بعض المهدئات معي في حقيبة يدي، إنها ليست من النوع القوي المفعول ويمكنك أن تتناولي حبة أو اثنتين.» قلت: لا، شكرًا، ليس الآن على أية حال. قلت إنه يبدو أنني لست بحاجة بعدُ لتناولها.
«هو يذهب إلى فلوريدا كل سنة، صحيح؟»
قلت: «نعم.»
«حسنًا، أظن أن ما حدث هو أنه التقى هذه المرأة من قبل — قد تكون أرملة أو مطلقة أو أيًّا ما كانت — وأنهما كانا يتراسلان ويخططان لهذا طوال الوقت.»
قالت ماما إن من الصعب أن نظن هذا بكلير.
«أنا فقط أقول لكما كيف يبدو الأمر لي. وأراهن أنها صديقة لشقيقته. أخته دبرت كل شيء. كانا حاضرين في الحفل، الشقيقة وزوجها. لم تكن على وفاق معكِ قط يا هيلين، أذكر أنك قلتِ لي ذلك.»
«كنت بالكاد أعرفها.»
قالت ماما: «هيلين لويس، قلتِ لي إنكما تنتظران فقط موت السيدة العجوز، ألم يكن هذا ما قاله لك؟ كلير؟»
قالت آلما بانفعال: «يستخدم السيدة العجوز كعذر له.»
قالت ماما: «أوه، لا أظنه يفعل. من الصعب استيعاب ذلك … كلير!»
قالت آلما: «الرجال دومًا لا يتوانون عن نيل ما يمكنهم نيله.» مرت برهة من الصمت، نظرت فيها الاثنتان إليَّ. لم أستطع أن أخبرهما أي شيء. لم أستطع أن أخبرهما بما كنت أفكر فيه، بشأن ما دار في آخر ليلة سبت قضيناها في الدور العلوي بمنزله، قبل أن يسافر، كان عاريًا كما ولدته أمه، راح يجذب شعري ويمرره فوق وجهه وخلال أسنانه ويتظاهر بأنه سيمزقه. لم أكن أستحسن لعاب أي شخص على شعري لكنني تركته يفعل ما يفعل، لكن حذرته من أن يمزقه وإلا فسيدفع لي ثمن ذهابي إلى مصفف الشعر لتسويته. في تلك الليلة لم يتصرف كشخص ينوي أن ينهي العلاقة ويتزوج.
مضت ماما وآلما تتحدثان وتخمنان بينما بدأ النعاس يتملك مني أكثر فأكثر. سمعت آلما تقول: «كان من الممكن أن يحدث ما هو أسوأ. لقد عشت جحيمًا لأربع سنوات.» فقالت ماما: «لطالما كان طيب الروح وكان مولعًا بتلك الفتاة.» تعجبتُ كيف لي أن أكون نعسانة إلى هذا الحد، في هذا الوقت المبكر من المساء وبعد ما نلته من قيلولة بعد الظهر. قالت آلما: «جيد جدًّا أنك نعسانة، إنه أسلوب الطبيعة. أسلوب الطبيعة مثل المخدر تمامًا.» تعاونتا على إيصالي إلى فراشي في الدور العلوي ولم أسمعهما تنزلان إلى الدور السفلي. •••
لم أستيقظ مبكرًا أيضًا. استيقظت في الموعد الذي أستيقظ فيه عادةً، وتناولت إفطاري. استطعت أن أسمع الجلبة الصادرة عن نشاط ماما في المنزل لكنني صحت عاليًا، كما أفعل كل صباح، طالبةً منها أن تتوقف. ردَّت عليَّ: «أمتأكدة من أنك ترغبين في الذهاب إلى العمل؟ يمكنني أن أتصل بالسيد هوز وأخبره أنك مريضة مرضًا شديدًا.» قلت: «ولماذا ينبغي لي أن أمنح أيًّا منهم هذا الشعور بالرضى؟» وضعت زينتي أمام مرآة الردهة في غياب الإضاءة، وخرجت ومشيت حتى وصلت إلى متجر كينج على بعد نحو ثلاثة مربعات سكنية، دون أن ألحظ طقس ذلك الصباح، لا سيما أن الطقس لم يكن قد تحول إلى ربيع بين عشية وضحاها. داخل المتجر كانوا في انتظاري، أوه، يا للطف! صباح الخير يا هيلين، صباح الخير يا هيلين. أصواتهم حنونة مفعمة بالأمل في انتظار أن يروا ما إذا كنت سأهوي أرضًا وأبدأ في الدخول إلى نوبة هستيرية. السيدة ماكول، بيريل آلن وخاتم خطوبتها، والسيدة كريس التي هجرت حبيبها منذ خمس وعشرين سنة ثم ارتبطت بشخص آخر غيره — السيد كريس — ثم اختفى هذا الشخص. ما الذي يجعلها تنظر إليَّ؟ هوز العجوز الذي يعض على لسانه بأسنانه حينما يبتسم. قلت صباح الخير بمنتهى الابتهاج وصعدت إلى الدور العلوي شاكرةً الرب على أن لي مرحاضي الخاص، قلت في نفسي: أراهن أن هذا اليوم سيشهد مبيعات هائلة في قسم ملابس الأطفال. وقد كان. لم أشهد صباحًا قط فيه كل هذا العدد من الأمهات اللائي أتين لشراء شريط للشعر أو زوج من الجوارب الصغيرة، وهن على استعداد لصعود تلك السلالم من أجل ذلك فحسب.
اتصلت بماما لأخبرها بأنني لن أكون في المنزل وقت الظهيرة. فكرت أنني سأمر فقط على فندق كوينز وأتناول الهامبرجر، مع كل فريق العاملين بمحطة الإذاعة الذين لا أكاد أعرفهم. لكن في الثانية عشرة إلا الربع جاءت آلما. «لم أكن لأدعك تأكلين وحدك في هذا اليوم!» لذا اضطررنا للذهاب إلى فندق كوينز معًا. كانت تنوي أن تجعلني أتناول شطيرة بيض، لا هامبرجر، وكوبًا من اللبن لا المياه الغازية، لأنها قالت إن معدتي على الأرجح لن تكون بحالة مستقرة، لكنني اعترضت على ذلك. انتظرت إلى أن حصلنا على طعامنا وجلسنا لنتناول الطعام قبل أن تقول: «حسنًا، لقد عادا.»
استغرقت برهة قبل أن أعلم من الذي عاد. ثم قلت: «متى؟»
أجابت: «الليلة الماضية في ميعاد العشاء تقريبًا. حينما كنت آتية بسيارتي إلى منزلك كي أنقل إليك الخبر. كان من الممكن أن ألتقيهما في طريقي.»
«من أخبرك؟»
«حسنًا، إن آل بيتشر يسكنون بالقرب من آل ماكواري، أليس كذلك؟» كانت السيدة بيتشر تدرِّس للصف الرابع، وآلما تدرِّس للصف الثالث. «جريس رأتهما. كانت قد قرأت الصحيفة قبل ذلك فعرفتها.»
سألت رغمًا عني: «كيف تبدو؟»
«قالت جريس إنها ليست شابة. في مثل سنه على أية حال. ألم أقل لك إنها صديقة لشقيقته؟ ولن تحظى بأي ترتيب في مسابقة الجمال. يمكنك أن تقولي إنها لا بأس بها.»
لم أستطع أن أكبح نفسي الآن: «هل هي ضخمة أم صغيرة الحجم؟ سمراء أم شقراء؟»
«كانت معتمرة قبعة فلم تتمكن جريس من رؤية لون شعرها لكنها حسبته غامقًا. إنها امرأة ضخمة الجسم. قالت جريس إن لها مؤخرة بحجم بيانو ضخم. ربما هي غنية.»
«هل قالت جريس ذلك أيضًا؟»
«لا لم تَقُلْ، أنا أخمِّن فقط.»
«كلير ليس بحاجة للزواج من أي امرأة ذات مال؛ فهو يملك المال.»
«هذا وفقًا لمعاييرنا نحن، لكن ربما الأمر ليس كذلك بالنسبة له.» •••
ظللت أفكر طوال فترة ما بعد الظهر في أن كلير قد يأتي، أو على الأقل يتصل بي. حينئذ يمكنني أن أسأله عما فعله. صوَّر لي عقلي بعض التبريرات الجنونية التي قد يقدمها لي، كأن يقول إن هذه المرأة المسكينة مصابة بالسرطان ولم يتبق لها على قيد الحياة سوى ستة أشهر، وإنها عاشت حياتها في فقر مدقع (ربما عاملة نظافة في الفندق الذي يرتاده) فأراد أن يمنحها أيامًا من يسر العيش، أو إنها كانت تبتز زوج شقيقته بسبب ارتباط غير شريف فتزوجها كي يسكتها. لكن لم يتسنَّ لي الوقت لتصور عدد كبير من القصص بسبب تيار الزبائن الذي لم ينقطع. كانت السيدات المسنات يصعدن السلالم لاهثات بحجة رغبتهن في شراء هدايا عيد ميلاد للأحفاد. لا بد أن يكون لكل حفيد في جوبيلي عيد ميلاد في شهر مارس. فكرت أن عليهن أن يشعرن بالامتنان لي، ألم أُضف إلى يومهن شيئًا من الإثارة؟ حتى آلما، كانت تبدو أفضل حالًا من حالتها طوال الشتاء. أنا لا ألومها، لكن هذه هي الحقيقة. ومن يدري، قد أكون أفضل حالًا أنا أيضًا إذا ظهر دون ستونهاوس كما يهدد واغتصبها وترك على جسدها مجموعة من الكدمات البنفسجية — هذه كلماته لا كلماتي أنا — من رأسها حتى أخمص قدميها. سأشعر بمنتهى الأسف، وأفعل أي شيء لمساعدتها، لا شك في ذلك، لكنني قد أفكر حسنًا، أن حدثًا كهذا — بالرغم من فظاعته — هو على الأقل حدث وقع في هذا الشتاء الطويل الممل.
لم يكن هناك داعٍ للتفكير في عدم العودة للمنزل بحلول ميعاد العشاء، أمر كهذا كان سيقضي على ماما. كانت في انتظاري وقد أعدت رغيف السالمون وسلطة الملفوف والجزر ووضعت فيها الزبيب، الذي أحبه، وحلوى براون بيتي. لكن وسط هذا كله بدأت دموعها تنساب فوق أحمر شفاهها. قلت: «أظن أنه إذا كان لأحد أن يبكي، فهو بالتأكيد أنا. ما الخطب الجلل الذي حلَّ بكِ؟»
قالت: «حسنًا، كنت أحبه جدًّا، كنت أحبه إلى هذا الحد. ففي مثل سني هذه لا تتطلعين لزيارة الكثيرين طوال الأسبوع.»
قلت: «حسنًا، أنا آسفة.»
«لكن بمجرد أن يفقد الرجل احترامه لفتاة، فمن المتوقع أن يسأم منها.»
«ماذا تعنين بقولك هذا يا ماما؟»
«إذا كنتِ لا تعرفين، فهل يفترض بي أن أخبرك؟»
قلت وقد بدأت أجهش بالبكاء أيضًا: «ينبغي أن تشعري بالخجل، لأنك تتحدثين هكذا إلى ابنتك.» هأنذا! وكنت أظن طوال الوقت أنها لا تدري. بالطبع لن تلوم كلير أبدًا، ستلقي كل اللوم عليَّ.
استأنفت حديثها وهي تنتحب: «لا، لست أنا من ينبغي أن تشعر بالخجل. أنا امرأة مسنة لكنني أعرف. إذا فقد رجل احترامه لفتاة فإنه لا يتزوجها.»
«لو كان هذا صحيحًا لما تمَّت زيجة واحدة في هذه البلدة.»
«أنت من ضيعتِ فرصك.»
قلت: «لم تقولي أي كلمة من حديثك هذا طالما كان يأتي إلى هنا، ولست على استعداد لأن اسمع هذا الآن.» ثم صعدت للأعلى. لم تأتِ ورائي. جلست أدخن، ساعة بعد أخرى. ظللت بثيابي ولم أخلعها. سمعتها تصعد للأعلى وتأوي إلى الفراش. بعد ذلك نزلت للأسفل وشاهدت التلفاز لفترة، أخبار عن حوادث سيارات. ثم ارتديت معطفي وخرجت. •••
أملك سيارة صغيرة أهداها لي كلير العام الماضي في عيد الميلاد؛ سيارة «موريس» صغيرة. لا أستخدمها في الذهاب إلى العمل لأنه على بعد حوالي ثلاثة مربعات سكنية فحسب، وتبدو القيادة هذه المسافة القصيرة أمرًا سخيفًا، وكأنني أتباهى، وإن كنت أعرف أشخاصًا يفعلون ذلك. ذهبت إلى المرأب وأخرجت السيارة. كانت هذه أول مرة أقودها منذ يوم الأحد الذي أخذت فيه ماما إلى تابرتاون لتزور العمة كاي في دار المسنين. أستخدمها أكثر في فصل الصيف.
نظرت إلى ساعتي واندهشت من الوقت؛ الثانية عشرة وعشرون دقيقة. شعرت برعشة ووهن بسبب الجلوس لفترة طويلة. تمنيت لو كان معي أحد تلك الأقراص التي جلبتها آلما. لقد طرأت لي فكرة الخروج، والانطلاق بالسيارة، لكنني لم أدرِ إلى أين أذهب. قُدت في أنحاء شوارع جوبيلي ولم أرَ سيارةً أخرى إلا سيارتي. كل المنازل تبدو مظلمة، والشوارع سوداء، والأفنية تبدو شاحبة بسبب ما تبقى فوقها من الثلج. بدا لي أن داخل كل منزل من هذه المنازل يعيش أشخاص يعلمون أمرًا لا أعلمه. فهموا ما جرى، وربما كانوا يعلمون أنه سيجري، وكنت أنا الوحيدة التي لم تدر عن ذلك شيئًا.
مضيت أقود إلى شارع جروف ثم إلى شارع ميني ورأيت منزله من الخلف. لا أنوار مضاءة بالداخل أيضًا. درت حول المنزل كي أراه من واجهته. تساءلت، هل يضطران للتسلل إلى الدور العلوي وتشغيل التلفاز؟ لا امرأة لها مؤخرة بضخامة البيانو ستحتمل ذلك. أراهن أنه صعد بها مباشرةً إلى حجرة السيدة المُسنَّة وقال لها: «هذه السيدة ماكواري الجديدة.» وهذا ما كان وقُضي الأمر.
ركنت السيارة وأنزلت زجاج النافذة. ودون أن أفكر فيما سأفعل اتكأت على بوق السيارة وأطلقته بأشد وأطول ما يمكنني أن أحتمل.
منحني الصوت حرية أن أصيح. ففعلت: «هاي، كلير ماكواري، أود أن أتحدث إليك!»
ما من إجابة. «كلير ماكواري!» صرخت في مواجهة هذا المنزل المظلم. «كلير اخرج إليَّ!» وأطلقت البوق، مرة ثانيةً وثالثةً، لا أدري كم مرة. كنت أنادي صارخة أثناء ذلك. شعرت كأنني أراقب نفسي، هنا في الأسفل، تافهة للغاية، أدق بقبضتي وأصرخ وأضغط على البوق. مصابة بهياج، أفعل كل ما يخطر بذهني. كان هذا ممتعًا، على نحو ما. كدت أنسى سبب فعلي ذلك وبدأت أضغط على البوق بوقع منتظم وأصيح في الوقت نفسه. «كلير، ألن تخرج أبدًا؟» ورحت أنشد باسمه بصوت عالٍ وأطلب منه الخروج. كنت أبكي وأنا أصيح، علنًا في الشارع، ولم يزعجني ذلك على الإطلاق.
قال بادي شيلدز وهو يدخل رأسه من نافذة السيارة المفتوحة: «هيلين، هل تريدين إيقاظ كل من في البلدة؟» بادي شرطي وردية الليل، وكنت أدرِّس له في صفوف أيام الآحاد.
قلت: «كنت فقط أنشد أنشودة للعروسين، ماذا في ذلك؟»
«أنا مضطر لأن أطلب منك أن تكفي عن إحداث تلك الضوضاء.»
«لا أشعر أني راغبة في ذلك.»
«أوه، هيلين، بل ترغبين، أنتِ فقط منزعجة قليلًا.»
قلت: «لقد ناديته وناديته ولم يخرج، كل ما أريده هو أن يخرج إليَّ.»
«حسنًا، ينبغي أن تكوني فتاةً عاقلة وتكفِّي عن إطلاق ذلك البوق.»
«أريده أن يخرج.»
«توقفي. لا تطلقي ذلك البوق ثانيةً.»
«هل ستجعله يخرج إليَّ؟»
«هيلين، أنا لا أستطيع أن أجعل رجلًا يخرج من منزله إذا لم يكن راغبًا في ذلك.»
«ظننت أنك تمثل السلطة، يا بادي شيلدز.»
«أنا كذلك، لكن هناك حدود لما يمكن أن تفعله السلطة. إذا كنت تريدين رؤيته فلماذا لا تعودين في النهار وتطرقين بابه بلطف، كما يمكن أن تفعل أي آنسة مهذبة؟»
«لقد تزوج. ألا تعرف ذلك؟»
«حسنًا هيلين، إنه متزوج بالليل وبالنهار أيضًا.»
«أيفترض أن يكون هذا مضحكًا؟»
«لا، يفترض أن يكون صحيحًا. والآن لمَ لا تفسحين وتدعينني أقود لأُقِلَّك إلى منزلك؟ ها أنت ترين الأنوار التي أُضيئت في المنازل على امتداد الشارع. وها هي جريس بيتشر تراقبنا، وبوسعي أن أرى آل هولمز يفتحون نوافذهم. لا أظنك تريدين منحهم المزيد ليثرثروا بشأنه، أليس كذلك؟»
«هؤلاء لا عمل لهم إلا الثرثرة على أية حال، لا يهمني أن يثرثروا بشأني.»
ثم انتصب بادي في وقفته وابتعد قليلًا عن نافذة السيارة، فلمحت شخصًا في الظلام بملابس قاتمة آتيًا من حديقة منزل ماكواري، كان ذلك كلير. لم يكن مرتديًا الروب أو أي شيء من هذا القبيل، كان بكامل هيئته، مرتديًا قميصًا وسترة وبنطالًا. اتجه صوب السيارة مباشرةً بينما أنا جالسة في انتظار ما يمكن أن أقوله له. كان على حاله؛ رجلًا بدينًا ناعس الوجه مرتاح البال. لكن نظرته فقط، نظرته المعتادة الهادئة، أزالت رغبتي في البكاء. كان من الممكن أن أصرخ وأبكي حتى يحتقن وجهي، ولم يكن ذلك ليغير تلك النظرة أو يجعله يقوم من فراشه ويمشي عبر حديقته بأسرع مما فعل بثانية واحدة.
قال: «هيلين، عودي إلى المنزل.» وكأننا كنا نشاهد التلفاز طوال المساء معًا ثم حان موعد العودة إلى المنزل والذهاب إلى فراشي كما ينبغي. وأضاف: «بلِّغي حبي لأمك، هيا امضي إلى المنزل.»
كان هذا كل ما أراد قوله. نظر إلى بادي وسأله: «هل ستقود سيارتها وتقلها إلى المنزل؟» ردَّ بادي بالإيجاب. كنت أنظر إلى كلير ماكواري وأفكر، هذا رجل يفعل ما يحلو له. لم يكن يعنيه كثيرًا ما كنت أشعر به حينما كان يفعل ما يفعل وهو يعتليني، ولم يكن يعنيه كثيرًا أي نوع من الصخب أحدثت في الشارع حينما تزوج. كان رجلًا لا يقدم تبريرات، ربما لأنه لا يملك أيًّا منها. وإذا كان ثمة شيء لا يستطيع تفسيره، حسنًا، ينسى أمره وحسب. ها هم كل جيرانه يراقبوننا، لكن في الغد، إذا قابلهم في الشارع، فقد يخبرهم قصة مضحكة. وماذا عني؟ ربما إذا قابلني في الشارع في يوم ما، فقد يقول «كيف حالك يا هيلين؟» ويقول لي نكتة. آهٍ لو كنت فكرت حقًّا في حقيقة كلير ماكواري، لو كنت أعرت ذلك اهتمامًا، لكنت بدأت معه بداية مختلفة كل الاختلاف أيضًا، ولربما كنت سأشعر بمشاعر مختلفة أيضًا، ولكن الرب وحده يعلم ما إذا كان ذلك سيحدث أي فرق في نهاية المطاف.
قال بادي: «الآن، ألست نادمة على إحداثك كل هذه الجلبة؟» انزلقت إلى المقعد ورحت أراقب كلير وهو عائد إلى منزله، أقول في نفسي: نعم، هذا ما كان ينبغي لي أن أفعله، أن أعير اهتمامًا. قال بادي: «لن تعودي لمضايقته هو وزوجته ثانية يا هيلين، أليس كذلك؟»
قلت: «ماذا؟»
«لن تعودي لمضايقة كلير وزوجته بعد الآن، أليس كذلك؟ إنه رجل متزوج الآن، انقضى الأمر. غدًا صباحًا ستشعرين بضيق بالغ حيال ما فعلته الليلة، لن تعرفي كيف ستواجهين الناس. لكن دعيني أقُل لك إن مثل هذه الأمور يحدث طوال الوقت، والأمر الوحيد الذي ينبغي للمرء أن يفعله هو أن يواصل حياته، تذكري أنك لست الوحيدة التي تتعرض لذلك.» لم يبدُ عليه أنه فكر أن من المضحك أنه يوجه الوعظ لي، ذلك الذي كنت أسمعه يتلو آيات الكتاب المقدس وأمسكت به يقرأ «سفر اللاويين» خلسة.
قال: «دعيني أحكِ لك ما حدث الأسبوع الماضي.» بينما كان يبطئ السير عبر شارع جروف، غير متعجل وصولي إلى المنزل قبل أن ينهي محاضرته، «الأسبوع الماضي تلقينا مكالمة واضطررنا للذهاب إلى مستنقع دانوك حيث كانت هناك سيارة عالقة. كان ذلك المزارع العجوز يلوح ببندقية محشوة، ويتحدث عن إطلاق النار على هذين الاثنين بتهمة التعدي على أرضه إذا لم يخرجا من أرضه حالًا. كانا قد اتخذا أحد طرق الشاحنات بعد حلول الظلام، حيث يمكن لأي أبله أن يدرك أن السيارة سوف تعلق في هذا الوقت من العام. إذا قلت لك اسميهما فستعرفينهما وستعرفين أنه ما من شأن يمكن أن يجمع بينهما في تلك السيارة معًا. أحدهما امرأة متزوجة. والأسوأ أنه بحلول ذلك الوقت كان زوجها يتساءل عما منعها من العودة من تدريب جوقة الكنيسة — كلاهما يغني في الجوقة، لن أخبرك من هما — وبلَّغ عن غيابها. اضطررنا لأن نأتي بجرار كي نسحب السيارة، وتركناه «هو» يتصبب عرقًا ويهدئ غضب ذلك المزارع العجوز، ثم أخذناها إلى المنزل في وضح النهار، وهي تبكي طوال الطريق. هذا ما أعنيه بأن ثمة أشياء كهذه تحدث. رأيت ذلك الرجل وزوجته في الشارع يشتريان بقالتهما بالأمس، لم يبدوا سعيدين لكنهما ماضيان في حياتهما. لذا، كوني فتاةً عاقلة هيلين وواصلي حياتك كبقيتنا جميعًا، وفي القريب العاجل سنشهد الربيع.» •••
أوه، يا بادي شيلدز، يمكنك أن تواصل الكلام، وكلير يلقي نكات، وماما تبكي إلى أن تتجاوز الأمر، لكن ما لن أفهمه هو لماذا، الآن تحديدًا، حينما رأيت كلير ماكواري، رجلًا لا يقدم تبريرات، شعرت لأول مرة أنني أرغب في أن أمد يديَّ وألمسه؟
رقصة الظلال السعيدة |
ساكن الغرفة الخلفية بالطابق الثالث
لم يَكُن ميدان بلومزبيري سكوير، مع دقات الساعة الرابعة في عصر أحد أيام نوفمبر، مُزدحمًا إلى حدٍّ يَقي الغريب، ذا المظهر المختلِف بنحوٍ أو بآخَر عن المعتاد، من الملاحَظة. ففي أثناء مروره، توقَّف صبيُّ متجَر تيبس فجأةً عن الصَّدْح بالغناء، وتراجع خطوة للخلف حتى خَطا على أصابعِ قدمِ شابةٍ طَلْقةِ اللسان تدفعُ عربةَ أطفال، وبدا أن أذنَيْه قد صُمَّتا عن سماعِ تعليقاتها الشخصية بعض الشيء عليه. ولم يَستجمِع شتات نفسه ويَسترجع اهتمامَه بشئونه إلا بعدما بلغَ ناصيةَ الشارع التالية، مُستكمِلًا أغنيتَه التي بَدَت الآن دمدمةً خفيضة بلا معنًى. أمَّا السيدة الشابة نفسُها، فقد نسِيَتْ ما لحِقَ بها من أذًى بينما كانت تتأمَّلُ ظَهرَ الغريب الذي تخطَّاها ببضعِ ياردات. كان هناك شيء غريب في ظهره؛ إذ لم يكُنْ مستقيمًا تمامًا؛ بل كان مُنحنيًا انحناءةً لا تُخطِئها العين. حدَّثَت السيدةُ الثرثارة نفسَها قائلة: «إنها ليستْ حَدَبةً ولا تبدو لي تقوُّسًا في العمود الفقري. يا للعجب، يبدو وكأنه يحملُ كومةً من الغسيل أعلى ظهرِه تحت مِعْطفِه.»
لمح الشرطيُّ، في خِضَم مُحاوَلاته للتظاهُر بالانشغال، الغريبَ بينما كان يَقترب منه، فحوَّلَ اهتمامَه ناحيتَه. وقال في نفسه: «يا لمِشْيتك العجيبة، أيها الشاب! عليك الاحتراس كي لا تَتعثَّرَ فتسقط مُنقلبًا.»
ثم غمغَمَ بعدما تجاوَزَه الغريب: «إنه شابٌّ كما توقَّعتُ. وجهُه وجهُ شابٍّ دون شك.»
كان ضوءُ النهار آخِذًا في الخفوت. ولمَّا عجز الغريب عن قراءة اسم الشارع الموجود فوق البيت الذي عند ناصية الشارع، استدارَ عائدًا.
حدَّثَ الشرطيُّ نفسَه قائلًا: «عجبًا، إنه بالفعل شابٌّ صغير؛ بل مجردُ فتًى.»
توجَّهَ إليه الغريبُ بالحديث قائلًا: «عُذرًا، هلَّا تُرشِدني إلى ميدان بلومزبيري سكوير؟»
ردَّ الشرطيُّ مُوضِّحًا: «هذا ميدان بلومزبيري سكوير، أو بدءًا من الناصية القادِمة على وجه الدقة. ما رقمُ البيتِ الذي تُريده؟»
أخرَجَ الغريبُ من أحد جيوب مِعْطفِه الطويل المُغلَقِ الأزرار قُصاصةً من الورق، ثم فتَحَها وقرأ: «نُزُل السيدة بنيتشيري. رقم ٤٨.»
قال له الشُّرطي: «الناصية القادِمة، جهة اليسار، المنزلُ الرابع. هل أوصى لكَ أحدُهم بالإقامة هناك؟»
«نعم … صديقٌ لي. أشكرُكَ جزيلَ الشكر.»
غمغَمَ الشرطيُّ في سرِّه: «هكذا إذن، أُراهِن أنك لن تَظَلَّ تدعوه صديقي بعدما تَقْضي أسبوعًا في هذا المكان، أيها الشاب …»
ثم أضاف بينما كان يُحدِّق في هيئةِ الغريب المبتعِدة: «يا للعجب! لقد رأيتُ الكثيرَ ممَّن يَبدون أصغرَ سنًّا من ظهورِهم وعندما تَطَّلِع على وجوههم تَجِدهم أكبرَ عمرًا. لكنَّ هذا الرجل على ما يبدو يحملُ وجهَ شابٍّ وظهرَ شيخ. أُراهِن أن جانبَه الشابَّ سيَشِيخ بدوره إنْ أقامَ طويلًا عند هذه المرأة التي تُدعى بنيتشيري؛ تلك العجوز البخيلة.»
كان لدى رجال الشرطة، ممَّن تتضمَّن مُناوباتهم ميدان بلومزبيري سكوير، أسبابٌ تَدْفعُهم لكراهيةِ السيدة بنيتشيري. وحقًّا قد يكون من الصعب العثورُ على إنسانٍ لديه ما يدفعه لحب هذه السيدةِ ذات الملامح الحادَّة. وربما كانت إدارةُ نُزُلٍ من الدرجة الثانية في ميدان بلومزبيري سكوير نشاطًا لا يؤدِّي بصاحبِه إلى اكتسابِ فضيلتَي الكرم واللُّطف.
في هذه الأثناء، كان الغريب قد بلَغَ وجهتَه، وقرَع جرسَ البيت رقم ٤٨. استرَقَت السيدةُ بنيتشيري النظرَ من أعلى السلالم المؤدِّية إلى المنزل لامحةً رجلًا ذا وجهٍ وسيم وإنْ كان ذا طابعٍ أُنثويٍّ بعضَ الشيء، فأسرعتْ بتعديلِ قبعة الأرملة التي تَرتديها أمام المرآة، وأمرَت الخادمةَ ماري جين باصطحاب الغريب إلى غُرفة الطعام، تَحسُّبًا لأن يكون مُستأجرًا مثيرًا للمَتاعب، وإشعال مصابيح الغاز.
وكانت تعليماتها الأخرى كالتالي: «ولا تتوقَّفي عن الثرثرة معه، ولا تأخُذِي على عاتقِكِ الإجابة عن أسئلته. قولي له إنَّني سأَحضرُ في غضون دقيقة، وراعي ألا تُظهِري يدَيْكِ قدرَ استطاعتكِ.» •••
سألت السيدة بنيتشيري ماري جين، الخادمة المتَّسخة الثياب، بعدما عادت عَقبَ بضعِ دقائق: «علامَ تضحكين؟»
ردَّت ماري جين بنَبرةٍ خانعة: «لم أكن أضحك؛ كنتُ أبتسم لنفسي فقط.»
«لماذا؟»
قالت: «لا أعرف.» وواصَلَت الابتسام بالرغم من ذلك.
سألت السيدة بنيتشيري: «كيف يبدو إذَن الرجل؟»
كان رأيُ ماري هو: «ليس من النوع المُعتاد.»
فصاحت السيدة بنيتشيري في ورع: «حمدًا لله على ذلك.»
«يقول إنَّ صديقًا قد أوصى له بهذا النُّزُل.»
«مَن يكون هذا الصديق؟»
«قال «صديقًا» فحسب. ولم يَذكر اسمًا.» صمتَتِ السيدة بنيتشيري لحظةً مُفكِّرةً. ثم سألتها: «لم تَبْدُ عليه أَماراتُ السخرية، أليس كذلك؟»
قالت لها ماري جين إنه لم يَبدُ عليه ذلك على الإطلاق. وقد كانَت واثِقة من ذلك.
صعدت السيدة بنيتشيري السلالمَ بينما لا تزال غارقةً في أفكارها. وما إنْ دلفَتِ إلى الغرفة حتى قام الغريب وانحنى لها. لقد كانت تلك الانحناءة في غاية البَساطة، إلا أنها بعثَتْ في قَلبها دَفْقةً من أحاسيسَ طواها النِّسيانُ منذ سنوات. ولِلَحظةٍ رأت نفسَها سيدةً لطيفةً ذاتَ أصلٍ راقٍ، أرملةَ مُحامٍ، تَستقبِل ضيفًا جاء لزيارتها. لكنَّ هذا الخيالَ العابر تبخَّرَ بسرعة. ففي اللحظة التالية عاوَدَها واقِعُها. إنها لا تزال نفْسَها، السيدةَ بنيتشيري، صاحبةَ النُّزُل التي تَقتاتُ بين الحين والآخَر على وجباتٍ يومية من البُخل الحقير، وهي الآن تَستعدُّ لخوْضِ سِجالٍ مع ساكن جديد مُحتمَل، يبدو، لحُسْن الحظ، شابًّا مهذبًا بلا خبرة.
بدأت السيدة بنيتشيري حديثَها قائلة: «تقول إنَّ أحدَهم قد رشَّحَ لك نُزُلي، هلا تذكر مَن هو؟»
لكن الغريب رفَض الرد على السؤال مُعتبرًا إياه غير مُهم.
وقال مُبتسمًا: «قد لا تتذكَّرينه. لقد رأى أن في وُسْعي قضاءَ الأشهُرِ القليلة التي تبقَّتْ لي … في لندن أعني، هنا في نُزُلك. فهل تَقْبلين استضافتي؟»
اعتقدت السيدة بنيتشيري أنَّ في وُسْعِها استضافتَه.
أضاف الغريبُ مُوضِّحًا: «كلُّ ما أحتاجه هو غرفةٌ للنوم — أيُّ غرفةٍ ستَفِي بالغرض — وطعامٌ وشراب يَكْفي لرجلٍ واحد.»
استأنفَت السيدة بنيتشيري حديثَها قائلةً: «دائمًا ما أُقدِّم في وجبة الإفطار …»
فقاطَعَها الغريب: «بالتأكيد، طعامًا جيدًا ومُناسِبًا، أنا واثِقٌ من ذلك. أرجوكِ لا داعيَ لإرهاقِ نفسِكِ بسرْدِ التفاصيل يا سيدة بنيتشيري. سأَرضى بأيٍّ ممَّا ستُقدِّمينه لي.»
ألقَتِ السيدةُ بنيتشيري وهي مُتحيِّرة نظرةً سريعة على الغريب، لكنَّ وجهَه، على الرغم من ابتسامِ عينَيْه الطيبتَين، كان صادقًا وجادًّا.
قالت السيدة بنيتشيري مُقترحة: «على أيِّ حال، سترى الغرفةَ قبل أن نُناقِشَ الشروط.»
قال الغريب مُوافقًا: «بالتأكيد. إنني مُتعَب قليلًا وسأكون مُمتنًّا لو ارتحتُ هناك بعض الوقت.»
قادت السيدة بنيتشيري الغريبَ عبر السلالم حتى وصَلا إلى بسطة الطابق الثالث، وحينها توقَّفتْ لحظةً في تردُّد، ثمَّ فتحتْ بابَ غرفةِ النوم الخلفية.
علَّقَ الغريب قائلًا: «إنها مُريحةٌ جدًّا.»
اندفعت السيدة بنيتشيري قائلةً: «إيجارُ هذه الغرفة، مع الإقامة الكاملة التي تَشتمِل على …»
قاطَعَها الغريب مجددًا بابتسامته الهادئة الجادة: «كل ما يَحتاجه المرءُ. هذا أمر معروف.»
عاوَدت السيدةُ بنيتشيري الحديثَ قائلة: «عادةً ما أتقاضى أربعةَ جنيهات أسبوعيًّا لقاءَ هذه الغرفة. أما بالنسبة إليك …» ثم فجأةً غشيَ صوتَها دونَ درايةٍ منها نبرةُ كرمٍ بالغ وأضافت: «فلأنَّ أحدًا قد أوصى لكَ بهذا النُّزُل، فَلْنَقُل إن إيجارَها سيكون ثلاثة جنيهات وعشَرة شلنات.»
رد الغريبُ: «سيدتي العزيزة، هذا كرمٌ منكِ. كما خمَّنتِ، أنا لستُ رجلًا ثَريًّا. وإذا لم يُعدَّ ذلك إثقالًا عليكِ، فإني أقبلُ هذا الإيجارَ المُخفَّض بكلِّ امتنان.»
مرةً أخرى ألقتِ السيدة بنيتشيري، التي تَأْلف جيدًا الأسلوب الساخر، نظرةً مُتشكِّكة على الغريب، لكنها لم تَجِد في ذاك الوجهِ الصَّبُوح الصافي أيًّا ممَّا قد يُعبِّر ولو للحظة عن سخرية. حقًّا كان وجهُه بسيطًا مثل طَبْعه.
«الغاز، بالطبع، له حسابٌ مُنفصِل.»
وافَقَها الغريب قائلًا: «بالطبع.»
«أمَّا الفحم …»
للمرة الثالثة قاطَعَها الغريب قائلًا: «لن نَختلِف. لقد كنتِ في غايةِ اللطف معي حتى الآن. وأشعر، يا سيدة بنيتشيري، أنَّ في وُسْعي أنْ أَعهدَ نفسي إلى رعايتِكِ بكل اطمئنان.»
بدا الغريب يَتُوق إلى الانفراد بنفسِه. فتوجَّهت السيدةُ بنيتشيري نحو الباب مُغادِرةً بعدما أوقَدَتِ المِدفأة. لكنَّ تلك اللحظةَ شَهِدتْ تطورًا غير مُتوقَّع، فقد بدَرَ من السيدة بنيتشيري، المعروفةِ بسجلٍّ لا تَشُوبه شائبةٌ من رجاحة العقل، سلوكٌ كانت قبلَ خمسِ دقائقَ فحسب تظنُّ هي نفسها استحالةَ صدورِه عنها؛ سلوكٌ لن يُصدِّقه كائنٌ حيٌّ عرفها من قبلُ، حتى وإن جثَتْ على ركبتَيْها وأقسمت له على حدوثه.
إذ سألت الغريب ويدُها على مقبض الباب: «لقد طلبتُ منك ثلاثةَ جنيهات وعشَرةَ شلنات، أليس كذلك؟» كانت تتحدَّث بضِيق. وكانت تَشعُر باستياءٍ من الغريب ومن نفسها، وخاصةً من نفسها.
رد الغريب: «لقد بلَغْتِ من الكرم حدَّ تخفيضِه إلى ذلك القدْرِ، لكن إذا وجدْتِ بعد تَفكيرٍ أنكِ لن تَقْدِري على …»
قاطَعَتْه السيدة بنيتشيري بقولها: «لقد ارتكبتُ خطأً؛ كان عليَّ أن أُخبركَ أن الإيجار جنيهان وعشَرةُ شلنات.»
صاح الغريب: «لا أستطيع … لن أَقْبلَ بتضحيةٍ كهذه، فبوُسْعي التكفُّلُ بثلاثة جنيهات وعشَرة شلنات.»
قالت السيدة بنيتشيري بحدة: «جنيهان وعشَرةُ شلنات، هذا شَرْطي. إذا كنتَ مُصِرًّا على دفع المزيد، فَلْتتوجَّه إلى نُزُل آخَر. ستجد الكثيرَ ممَّن يُسعِدهم تلبية رغبتِك.»
لا بدَّ أن احتدادَها قد أثَّرَ على الغريب. فابتسم قائلًا: «لن نتجادلَ أكثرَ من ذلك. لقد كنتُ أخشى فحسب أن تَدْفعَكِ طِيبةُ قلبِكِ البالغة …»
دمدمتِ السيدةُ بنيتشيري مُقاطِعةً إياه: «أوه! لستُ بتلك الطِّيبة أبدًا.»
رد الغريب: «لستُ واثقًا من ذلك. إني أشكُّ قليلًا في كلامكِ هذا. لكنَّ امرأةً في مثلِ إصرارك، لا بدَّ لها، كما أرى، من تحقيقِ إرادتها.»
مدَّ الغريب يدَه ليُصافِحَها، وبدا للسيدة بنيتشيري في هذه اللحظة أن التصرُّف الأمثل والأكثر طبيعية هو مُصافَحته مُصافَحةَ صديقٍ قديم عزيز، وإنهاء المحادَثةِ بضحكةٍ تشعُّ سرورًا، بالرغم من أن الضحك نشاطٌ لا تَسمح السيدةُ بنيتشيري لنفسها بالانغماس فيه كثيرًا.
كانت ماري جين تقف بجوار النافذة عاقِدةً يدَيها عندما عادت السيدة بنيتشيري إلى المطبخ. والواقفُ بجوارِ النافذة كان يَلْمح أشجارَ ميدان بلومزبيري سكوير، وعبْرَ أغصانها العارية كان يرى السماء.
قالت السيدةُ بنيتشيري مُقترحة: «لا يُوجد أمامنا الكثيرُ من العمل في نصف الساعة القادمة، إلى أن تأتيَ الطبَّاخة. سأراقب الباب إذا رغبتِ في الخروج بعضَ الوقت.»
قَبلَت الفتاةُ العرضَ بمجرد أن استعادتْ قُدْرتَها على الكلام: «سيكون ذلك رائعًا؛ فذلك الوقت من اليوم هو المفضَّل لديَّ.»
أضافت السيدة بنيتشيري: «لا تتأخَّري عن نصف ساعة.»
اجتمع سكانُ النُّزل بعد العَشاءِ في غُرفةِ المعيشة وتناقَشوا في أمر الغريب، بالتحرُّرِ والجُرْأة اللذَين يتَّسِم بهما هؤلاء السكان عند التحدُّث عن شخصٍ غائب.
«لا يبدو لي شابًّا ذكيًّا»، كان هذا رأي أوجستس لونجكورد، صاحب إحدى الشركات في الحي التجاري بلندن.
أمَّا شريكُه إزيدور فكان تعليقُه: «بالحديث عن نفسي، لا أرى نفعًا للشابِّ الذكي. إن العالَمَ يَعجُّ بأمثاله.»
ضحك شريكه قائلًا: «لا بدَّ أنه ذكيٌّ جدًّا إذا كنت تراه من الأذكياء الكُثر الذين تتحدَّث عنهم.»
إذا وُجِد وصفٌ يَنطبق على الدردشة المَرِحة الذكية لصُحْبةِ سكانِ هذا النُّزل، فهو كالتالي: كانت مُحادَثتهم بسيطةً في تركيبها، وسهلةً في فَهْمها.
قالت الآنسة كايت ذات الشعر المصبوغ باللون الذهبي والوجه الذي تُغطِّيه مساحيق التجميل: «أمَّا أنا، فإنَّ النظر إليه فحسب يُولِّد لديَّ شعورًا طيبًا. ربما كانت ملابسُه هي السبب؛ فقد ذكَّرَتْني بنُوح وسفينته، وما إلى ذلك.»
ردَّتْ عليها الآنسة ديفاين، الفاترة الهمَّة، في تثاقُل: «الملابسُ هي ما تجعلك تفكِّرين في أيِّ شيء.» كانت الآنسة ديفاين فتاةً طويلةً حسنةَ المظهر، وكانت مُنشغلة في هذه اللحظة بمُحاوَلاتٍ عقيمة للتمدُّد على أريكةٍ من شَعر الحِصان، في وضعٍ يُوفِّر لها الراحةَ ويُحافظ على مَظْهرها الأنيق على حدٍّ سواء. ولأنَّ شعبيةَ الآنسة كايت كانت قليلة في تلك الأمسية، إثرَ استيلائها على الكرسيِّ الوحيد المريح في المكان، فإنَّ تعليقَ الآنسة ديفاين على عباراتها لاقَى من الحضور استحسانًا يزيد على الأرجح عمَّا يستحقُّه.
تساءلَت الآنسة كايت في جدية: «ما قَصدكِ بهذا الرد؛ الطرافة أم الوَقاحة؟»
«الاثنتان»، كان هذا زعم الآنسة ديفاين.
صاح والِدُ الفتاة الطويلة، المعروفُ بالكولونيل، قائلًا: «هلا أدلي بدلوي في الأمر؟ يجب أن أعترف بأنني أراه رجلًا أحمق.»
همهمتْ زوجتُه، وهي سيدةٌ قصيرةٌ ممتلئةُ الجسم، مبتسمةً: «لقد بدا لي أنَّ هناك الكثيرَ من الانسجامِ بينكما.»
رد زوجها بسرعة: «ربما كان الأمرُ كذلك بالفعل. لقد عوَّدَني القدَرُ على مُصاحَبة الحمقى.»
صاحَت ابنتهما البارَّةُ من فوق الأريكة: «من المُحزِن أن تبدآ في الشِّجار بعد العشاء مباشَرةً، فلن تجدا على هذا النحو ما يُسلِّيكما في باقي الأُمسية.»
علقت السيدة التي كانت قريبة أحد البارونيتات: «لم يَبْدُ لي مُتحدِّثًا لَبقًا، إلا أنه مرَّرَ طبقَ الخضراوات قبل أن يتناوَلَ نصيبَه. تلك اللفتات تنمُّ عن حُسْن التربية.»
رد عليها أوجستس الظريفُ ضاحكًا: «أو ربما لم يَكُن يعرفكِ وظنَّ أنكِ قد تَتْركين له نصفَ ملعقة من الخضراوات.»
صاح الكولونيل: «ما لا أستطيع فَهْمه بشأنه …»
دخل الغريب الغرفةَ.
فانزوى الكولونيل في ركنٍ حاملًا صحيفةَ المساء. أمَّا الآنسةُ كايت، فتناوَلتْ من فوقِ رفِّ المدفأة مروحةً ورقية ورفعَتْها أمامَ وجهها في خجلٍ مُتصنَّع. بينما اعتدلت الآنسة ديفاين في جلستها على الأريكة المصنوعة من شعر الخيل وعدَّلتْ من تنورتها.
سأل أوجستس الغريب، كاسِرًا حاجزَ الصمت الذي بدأ يُلاحَظ: «ألديكَ أيُّ أخبار؟»
بدا جليًّا أن الغريب لم يَفْهم سؤالَه. وكان لازمًا على أوجستس، الظريف، مُواصَلة الحديثِ لتجاوُزِ هذا الصمت الغريب.
«مَن تَعتقِد سيفوز بسباق لينكولن لتحمُّل الخيل؟ قُلْ لي اسمَ الحِصان الفائز، وسوف أخرجُ من فوري وأُراهِن عليه بكل ما أملك.»
ابتسم الغريب قائلًا: «سيكون ذلك تصرُّفًا غيرَ حكيمٍ في رأيي. فليس لديَّ خبرة بهذا الموضوع.»
«حقًّا؟! لِمَ أخبروني إذن أنك كاتبُ عمودِ «أسرار السباق» في صحيفة «سبورتنج لايف»، لكنك مُتنكِّر؟»
سيكون من الصعب أن تكون هناك دُعابة أسخف من تلك الدُّعابة. لم يضحك أحدٌ بالطبع على دعابة السيد أوجستس لونجكورد، وعجَزَ هو عن فَهمِ سبب ذلك، وربما لم يكن لأيٍّ من الحاضرين أن يُخبرَه به؛ لأن السيد لونجكورد في هذا النُّزل كان يُعَد صاحبَ حسِّ دعابة. أمَّا الغريب نفسه فبدا أنه لم يُدرِك كونَه محلَّ سخرية.
إذ ردَّ مُؤكِّدًا: «معلوماتُك خاطئةٌ يا سيدي.»
قال السيد أوجستس لونجكورد: «مَعذرة إذن.»
ردَّ الغريب بصوته العَذْب الخفيض: «لا داعيَ للاعتذار»، وتجاوَزَ الأمر.
تحوَّل السيد لونجكورد إلى صديقِه وشريكه سائلًا إياه: «حسنًا، فيما يتعلَّق بالذهاب إلى المسرح، أترغبُ في الذهاب أم لا؟» كان السيد لونجكورد مُتوترًا.
رد السيد إزيدور: «لدينا التذاكرُ، فَلْنذهب على أي حال.»
«سمعتُ أنها مسرحيةٌ في غاية التفاهة.»
قال إزيدور: «معظمُ ما يُعرَض هذه الأيامَ تافه على نحو أو آخر.» وأضاف: «لكن من الخسارة أن نُهدِر التذاكر»، وخرج الاثنان معًا.
رفعت الآنسة كايت عينَيْها المُتمرستَيْن نحو الغريب وسألته: «هل ستمكثُ طويلًا في لندن؟»
أجابها الغريب: «لا، ليس لفترةٍ طويلة. أنا لا أعرف تحديدًا. الأمر يَعتمِد على الظروف.»
ساد في غرفة المعيشة هدوءٌ استثنائي، وهي الغرفةُ التي عادةً ما كانت تَعجُّ بأصواتِ شاغليها الصاخبة في هذا الوقت من اليوم. ظلَّ الكولونيل مشغولًا بجريدته. بينما جلسَت السيدةُ ديفاين عاقدة يدَيها البيضاوين المُمتلئتين فوق حِجرها، وكان مُستحيلًا معرفةُ أهي نائمةٌ أم مُستيقِظة. أمَّا السيدةُ قريبة البارونيت، فقد حرَّكتْ كرسيَّها تحت الثُّريا المُضاءة بالغاز، وأخذت تَحِيكُ قطعةَ الكروشيه التي لا تنتهي أبدًا. وتوجَّهَت الآنسةُ ديفاين الفاترة الهمَّة نحو البيانو، وجلست على مقعده وأخذتْ أصابعُها تُداعِبُ برفقٍ مَفاتيحَه التي بحاجةٍ إلى ضبط، مُولِيةً ظهرَها للغرفةِ الباردة القليلةِ الأثاث.
قالت الآنسةُ كايت للغريب بأسلوبها الوَقِح، مُشِيرةً بمروحتِها إلى الكرسي الشاغر بجوارها: «اجلس. وحدِّثني عن نفسِك. إنك تُثير اهتمامي.» كانت الآنسة كايت تتبنَّى سلوكًا سُلطويًّا إلى حدٍّ ما مع جميعِ أعضاء الجنس الآخَر ممَّن تبدو عليهم أمارات الشباب. وكان ذلك مُنسجمًا مع بشرتها الخوخية اللون وشَعرها الذهبي، ومُناسِبًا لها عمومًا.
رد الغريب ساحبًا الكرسيَّ الذي أشارت إليه: «سعيد أني أثَرْتُ اهتمامَك. كنتُ بالفعل أرغب في ذلك.»
ردَّت الآنسة كايت: «أنت فتًى جريء للغاية.» ثم أخفَضَت مروحتَها من أجل النظر بخُبثٍ مِن فوق حافتها، وعندئذٍ التقتْ عيناها لأول مرةٍ بعينَي الغريب اللتَين كانتا تنظران إلى عينَيها. وحينها اختبرَت الآنسة كايت الشعورَ العجيب نفسَه الذي بثَّ الاضطرابَ في نفس السيدة بنيتشيري قبل ساعةٍ أو أكثر، عندما أقدَمَ الغريبُ لأول مرة على الانحناءِ لها. وبدا للآنسة كايت أنها لم تَعُد المرأةَ التي تَثِق أنها كانت ستَراها إذا ما نهضَت عن كرسيِّها وتحرَّكتْ نحو المرآة المتَّسِخة المعلَّقة فوق رفِّ المِدفأة الرخامي، بل امرأة أخرى، مُبتهجة تشعُّ عيناها حيويةً ونشاطًا وتدنو من مُنتصَف العمر، لكن لا تزال حسنةَ المظهر على الرغم ممَّا اعترى بشرتَها من ذبول وخصلات شعرِها البُنِّي من ضعف. وشعرتْ بموجةٍ من الغيرة تجتاحها؛ فتلك المرأةُ المُتوسِّطةُ العمر بَدَتْ لها إجمالًا أكثرَ جاذبيةً. كانت تعكس قَدْرًا من رجاحةِ العقل وحُسنِ الأخلاق وسَعَةِ الأُفق، يجعل المرءَ يَنجذِب إليها غريزيًّا. إنها امرأةٌ لا تقيِّدها — مثل الآنسة كايت نفسِها — الحاجةُ للظهور بمَظهرِ فتاةٍ يتراوح عمرها بين الثامنة عشرة والثانية والعشرين؛ كان المرءُ يشعر أن في وُسعِ تلك النسخة الأخرى من الآنسة كايت التحدُّثَ بمَنطقٍ واضح، بل بذكاءٍ متَّقِد. إنها امرأةٌ لطيفة بمعنًى الكلمة، وتلك حقيقةٌ لم يَسَع الآنسة كايت، وإن كانت تَشعُر بالغِيرة، إنكارُها. وقد تمنَّت الآنسة كايت مِن أعماقِ قلبها لو لم تَرَ قطُّ تلك النسخةَ الأخرى منها. فصورتُها الخاطفة تركتها شاعرةً بالاستياء من نفسها.
استأنَفَ الغريب المحادَثةَ قائلًا: «أنا لستُ فتًى، ولا أريد أن أكون من النوع الجريء.»
ردَّت الآنسة كايت: «أعرف ذلك. إنها مجردُ ملاحظةٍ سخيفة. لا أعرف لمَ قُلْتُها. يبدو أنني أصبحتُ عجوزًا حمقاء.»
ضحك الغريب. وقال: «قطعًا أنتِ لستِ عجوزًا.»
ردت الآنسة كايت بحدَّة: «عمري تسعةٌ وثلاثون عامًا. لا أظنُّك تَراني في ريعانِ الشباب؟»
أصَرَّ الغريبُ على رأيه قائلًا: «أرى أنكِ في مرحلة عمرية رائعة؛ فأنتِ لم تَتقدَّمي في العمر إلى حدٍّ يُفقِدُكِ بهجة الشباب، لكنكِ بلغتِ من كِبَر السن ما يَكفي للتحلِّي بالتعاطف.»
ردَّت الآنسة كايت: «أوه، جميعُ الأعمار جميلةٌ في نظركَ على ما أَعتقِد. سأخلد إلى النوم.» ثم نهضت. وكانت مروحتُها الورقية قد انحلَّت دون أن تَدْري كيف. فألقَتْ أجزاءها في المدفأة.
قال الغريب مُتوسِّلًا: «لا يزال الوقتُ مُبكرًا، كنتُ أتطلَّعُ للتحدُّث إليكِ.»
ردَّت الآنسة كايت: «حسنًا فَلْتستمرَّ في التطلُّع إذن. تُصبِح على خير.»
في الحقيقة كانت الآنسة كايت تَتُوق إلى مُطالَعة صورتها في المرآة في حرم غُرفتها وخلف بابها المغلَق. ونظرًا لأنَّ صورتها ذات الوجه الصافي الشاحب والشعر البُني كانت حيةً بشدة في خيالها، فقد تساءلت هل حلَّتْ عليها نوبةٌ من فقدان الذاكرة المؤقَّت بينما كانت تَرتدي ملابسها لتناوُل العشاء هذا المساءَ جعلتها تَنْسى صورتها الأخرى.
أمَّا الغريب، بعدما ترَكه الآخَرون لشأنه، فقد سار نحو الطاولة المُستديرة باحثًا عن شيء يَقْرؤه.
فخاطَبَته السيدةُ قريبة البارونيت قائلةً: «يبدو أنكَ أخَفْتَ الآنسةَ كايت.»
أومأ الغريبُ برأسه مقرًّا: «يبدو الأمر كذلك.»
قالت السيدة التي كانت تَحيك قطعة الكروشيه: «إن ابنَ عمي، السير ويليام بوستر، مُتزوِّج من ابنة أخت اللورد إيجام العجوز؛ هل قابَلتَ أحدًا من آل إيجام من قبل؟»
رد الغريب: «حتى الآن، لم أحظَ بهذا الشرف.»
«إنها عائلةٌ في غايةِ اللطف والاحترام. السير ويليام، ابن عمي، يَعْجز عن فَهْم ما يَدفعني للبقاء هنا. في كل مرةٍ يراني، لا يَملُّ من قول: «عزيزتي إميلي، كيف تتحمَّلين البقاءَ وسطَ نوعية الأشخاص الذين يُصادفهم المرء في أي نُزُل؟» لكن الناس هنا يُسَلونَني كثيرًا.»
وافَقَها الغريب قائلًا إن حسَّ الفكاهة ميزةٌ في جميع الأحوال.
واصَلَت السيدةُ قريبة السير ويليام حديثَها بصوتٍ رتيب هادئ: «إن عائلتَنا من جهةِ أمي كانت تَمُتُّ بصلةٍ إلى آل تاتون-جونز، الذين كانوا في عهد الملك جورج الرابع …» ثم قطَعتْ حديثَها للحظةٍ كي تَجلبَ كرةً إضافية من خيوط الكروشيه، وعندئذٍ رفعتْ عينَيْها فالتقَتا بعينَي الغريب.
ثم أضافَت السيدةُ قريبة السير ويليام بنَبرةٍ يَشُوبها التوتُّر: «لا أعرف بالتأكيد لمَ أخبرك بكل هذا! إنها أمورٌ على الأرجح لن تُثِير اهتمامَك.»
طَمْأنها الغريبُ بجدية قائلًا: «كل ما يتعلَّق بكِ يُثير اهتمامي.»
تنهَّدَت السيدةُ قريبة السير ويليام ثم ردَّت دونَ اقتناع: «ذلك لطفٌ شديد منك، وأخشى أنني أسبِّب أحيانًا المللَ لمَن حولي.»
امتنَعَ الغريبُ المهذَّب عن مُناقَضة كلامها.
فواصَلَت السيدة المسكينة حديثها: «أتدري، أنا أنتمي حقًّا إلى عائلةٍ نبيلة.»
قال الغريب: «سيدتي العزيزة، يَشهد وجهُكِ النبيل وصوتُكِ الرقيق وسلوكُكِ الدَّمِث جميعًا لكِ بهذا.»
نظرت السيدةُ إلى عينَي الغريب في ثبات، وشيئًا فشيئًا شاعَت على وجهِها ابتسامةٌ طرَدتْ ما خيَّمَ على ملامحِها مِن بلادة.
«يا لحماقتي!» واصَلتِ السيدة حديثَها، وإن بَدَتِ الآن تُحدِّث نفسَها لا الغريب. «لا شك أن الناس — الذين يُهمُّك ترْكُ انطباعٍ حسنٍ لديهم — يَحْكمون عليكَ بما أنتَ عليه حقًّا، لا بما تدَّعِيه لنفسكَ في كل مناسَبة.»
ظلَّ الغريب صامتًا.
قالت: «إني أرملةُ طبيبٍ كان يعمل في المقاطَعات، ودَخْلي السنوي لا يَزيد عن مائتين وثلاثين جنيهًا فحسب. لذا تَقتضي الحكمةُ أن أُحسِن استغلالَ ذلك المبلغ المحدود، وألَّا أَشغَل بالي بأقاربي الأرستقراطيين وذوي النفوذ هؤلاء إلا بقدرِ ما يَشْغلون هُمْ بالَهم بي.»
بدا على الغريب أنه لا يستطيع أن يَجِد ما يستحقُّ القول.
أردفَت ابنةُ عمِّ السير ويليام متذكرةً: «لديَّ أقاربُ آخَرون؛ أهل زوجي المسكين، الذين يمكن ألَّا أبدوَ في أعيُنِهم «القريبة الفقيرة»، بل الراعية الكريمة. إنهم أهلي الحقيقيُّون؛ أو كانوا سيُصبحون كذلك — مُضيفة بمرارة — لو لم أكُن امرأةً مُتكبِّرة فظَّة.»
تورَّدَ خدُّها خجلًا فورَ أن لفظتْ بتلك الكلمات، ثم نهضَتْ من مكانها وبدأتْ تستعدُّ في عُجالةٍ لمغادَرة الغرفة.
تنهَّدَ الغريب قائلًا: «يبدو أني أفسدتُ أمسيتَكِ.»
ردَّت السيدةُ بشيءٍ من الانفعال: «بعدما دُعِيت بالمتكبِّرة الفظَّة، أظنُّ أن الوقت قد حان لرحيلي.»
قال الغريب مُذكِّرًا إياها: «لكنَّ تلك كانت كلماتك.»
تمتمت السيدة المستاءة: «أيًّا كان دافعي لذلك، لا يَصحُّ أن تصِفَ سيدةٌ محترمة نفسَها بتلك الألفاظ، خاصةً في صُحبةِ شخصٍ غريب عنها تمامًا.» ثم صمتَت السيدة المسكينة في حيرة. وأضافت موضحةً: «هناك شيء غريب للغاية فيَّ هذه الأمسية لا أستطيع فهمه. يبدو أنَّني عاجزةٌ عن تجنُّبِ الإساءة إلى نفسي.»
وهكذا، بينما لا تزال تُحاوِطُها الحيرة، تمنَّتْ ليلةً سعيدة للغريب، آملةً أن تكون في حالةٍ أفضلَ مع لقائهما التالي. فتح الغريبُ لها الباب، آمِلًا في ذلك أيضًا، وأغلقَه ثانيةً وراءَها.
ضحكت الآنسة ديفاين، التي تمكَّنتْ بفعل موهبتِها من تطويعِ ذاك البيانو المتهالِك ليُصدِرَ قَدْرًا من التناغُم، ثم سألت الغريب: «قل لي كيف تمكَّنتَ من فِعلِ ذلك؟ أريد أن أَعرف.»
تساءَلَ الغريب: «فِعل ماذا؟»
«تدبُّر التخلُّص من هاتَين العجوزَين الشمطاوَين بتلك السرعة.»
قال الغريبُ: «يا لبراعَتِكِ في العزف! لقد أدركتُ موهبتَكِ الموسيقية الفذَّة ما إن وقَعتْ عيناي عليكِ.»
«كيف تمكَّنتَ من ذلك؟»
«موهبتُكِ تَظهر جَلِيةً على وَجهكِ.»
ضحكت الفتاةُ مسرورةً. وقالت: «يبدو أنك أَخضعتَ وجهي لدراسةٍ مُتأنية.»
قالَ الغريب: «إنه وجهٌ جميلٌ وباعِث على الاهتمام.»
أدارت الآنسة ديفاين مقعدَ البيانو بقوة، والتقتْ عيناها بعينَيه.
«أتستطيع قراءةَ الوجوه؟»
«نعم.»
«أخبِرْني إذن، ماذا قرأتَ أيضًا في وجهي؟»
«قرأتُ الصراحةَ والشجاعة …»
«آه، نعم، كلَّ الفضائل. ربما. سنَعتبر ذلك من المسلَّمات.» كان تحوُّلُها المفاجئ إلى الجدية غريبًا. «حدِّثني عن الجانب الآخَر مني.»
ردَّ الغريب: «لا أرى جانبًا آخَر. لا أرى سوى فتاةٍ جميلة تقفُ على أعتابِ أنوثةٍ نبيلة.»
«فقط؟ أَلَم تَرَ أثرًا لطمعٍ أو غرورٍ أو خِسَّة أو …» ثم فلتَتْ منها ضحكةٌ غاضبة. واستطردت: «وتدَّعي أنكَ قارئُ وجوه!»
قال الغريب: «أَلا تُصدِّقينني؟» ثم ابتسم. وأضاف: «هل تَعرفين ما أراه مكتوبًا على وجهكِ في هذه اللحظة؟ أرى حبَّ الحقيقةِ في أشدِّ صوره، أرى ازدراءً للكذب والنِّفاق، أرى تَوْقًا إلى كلِّ ما هو نقي، واحتقارًا لكلِّ ما يستحقُّ الاحتقار، لا سيما ما يستحقُّ الاحتقارَ في النِّساء. أخبريني، هل قراءتي صحيحة؟»
فكَّرتِ الفتاة مُتعجِّبة: ألهذا هُرعَت السيدتان الأُخريان كلتاهما خارجَ الغرفة؟ هل يَشْعر الجميعُ بالخِزْي ممَّا تنطوي عليه أنفُسُهم من خِسَّة أمام عينَيكَ الصافيتَيْن اللتَين تُؤمِنان بأفضل ما في البشر؟
خَطَرَ لها أن تسأله: «يبدو أن أبي كان لدَيه الكثيرُ ليُخبِركَ به في أثناء العشاء بينما تتحدَّثان معًا. قُلْ لي عمَّ كنتما تَتحدَّثان؟»
«أتقصدين الرجلَ المهذَّبَ ذا المظهر العسكري الذي كان يَجلس على يساري؟ لقد تحدَّثنا معظمَ الوقت عن أمِّك.»
ردَّت الفتاةُ شاعرة بالندم على طرح السؤال: «أنا آسفة. كنت آمُلُ أن يكونَ قد اختار موضوعًا آخَرَ للحديث بينكما في أول مساء تَقْضيه معنا هنا!»
ردَّ الغريب: «لقد حاوَلَ بالفعل فتْحَ موضوعٍ أو موضوعَين آخرَين، لكنَّ معرفتي بشئون العالَم محدودةٌ للغاية؛ لذا سعدتُ عندما أخَذ يتحدَّث عن نفسِه. أشعُر أننا سنُصبحُ صديقَين. ومن ناحية أخرى، لقد تحدَّثَ بمُنتهى اللُّطْف عن السيدة ديفاين.»
علقت الفتاة: «فعلًا؟»
«قال لي إنه طوال العشرين عامًا التي قضاها مُتزوجًا من أمك لم يَندَم على زواجه سوى مرةٍ واحدة!»
حوَّلتِ الفتاةُ عينَيها السوداوين إليه فجأة، لكنَّ نظرةَ الشك تبدَّدتْ منهما ما إن الْتَقتْ بعينَيْه. فأدارتْ وجهَها كي تُخفِيَ ابتسامتَها.
«لقد نَدِم إذن على الزواج … مرةً واحدة.»
استطرد الغريب من فوره: «مرةً واحدة فحسب، في نوبةِ ضِيقٍ عابِرة. إن اعترافه يدلُّ على ما يتَّسِم به من صدقٍ شديد. قال لي … أعتقد أنه قد اطمأنَّ إليَّ. في واقع الأمر، استشعرتُ ذلك من تصرُّفاته. قال إنَّ فرصةَ الحديث إلى رجلٍ مثلي لم تُتَح له كثيرًا؛ قال إنه عندما يسافر مع أمكِ دائمًا ما يظنُّهما الناسُ زوجَيْن في شهر العسل. وقد حكى لي بعضَ المواقف البالغة الظرف حقًّا.» ضحك الغريب عندما تذكَّرها ثم أضاف: «حتى هنا في هذا المكان، عادةً ما يُشار إليهما ﺑ «الزوجَيْن المحبَّين بعضهما لبعض إلى الأبد».»
قالت الفتاة: «نعم، هذا صحيح. إنَّ السيد لونجكورد هو مَن أطلق عليهما هذا، في مساء اليوم الثاني لوصولنا. لقد اعتُبر لقبًا مُعبِّرًا، لكنه مُبتذَل قليلًا في رأيي.»
قال الغريب: «لا يُوجد ما هو أجمل، فيما أرى، من الحبِّ الذي صمَد في مواجَهةِ تقلُّباتِ الحياة ومِحَنها. إن بُرْعُم الحبِّ النقي والرقيق الذي يَنْبت في قلوب الشباب، في قلبٍ كقَلبِك، جميلٌ أيضًا. حُبُّ الشباب هو بدايةُ الحياة. لكنَّ حبَّ الكبار هو بدايةٌ … لمشاعرَ أبقى.»
قالت الفتاةُ في تذمُّر: «يبدو أنك ترى كلَّ الأشياء جميلة.»
رد الغريب: «لكن أليسَتْ جميعُ الأشياء جميلة؟»
كان الكولونيل قد فرغ من جريدته بحلول ذلك الوقت. فقال ملاحظًا وهو يقترب نحوهما: «يبدو أنكما مُنهمِكان في محادَثةٍ مُشوِّقة للغاية!»
قالت له ابنتُه موضحةً: «كنا نتحدَّث عن «الأزواج المحبِّين بعضهم لبعض للأبد»، وعن جمالِ الحب الذي صمد في مواجَهةِ تقلُّبات الحياة ومحنها!»
ابتسم الكولونيل مُعلِّقًا: «هكذا إذن، ذلك ليس عدلًا. يبدو أن صديقي كان يُعِيد على آذانِ الشباب الساخر اعترافاتِ زوجٍ عاشِق بحبِّه لزوجته التي بلغَتْ مُنتصفَ العمر و…» وهنا وضع الكولونيل، في مزاجه الهازل، يدَه على كتفِ الغريب؛ ما حتَّمَ عليه النظرَ مباشَرةً في عينَيْه. عندئذٍ اعتدل في وقفتِه مُتصلبًا واحمرَّ وجهُه.
كان هناك شخص يدعو الكولونيل بالوغد. ولم يَكتفِ بذلك، بل أخذ يَشرح بوضوحٍ بالغ الأسبابَ التي تجعل منه وغدًا كي يتأكَّد من ذلك.
«إن حياةَ القِط والفأر التي تَحْياها مع زوجتِكَ عارٌ عليكما معًا. على الأقل راعِ آدابَ اللياقة وحاوِلْ إخفاءَ الأمر عن الناس، بدلًا من المزاحِ حول عارِكَ مع كلِّ عابرِ سبيلٍ. أنت وَغدٌ، يا سيدي، وَغد!»
مَن جَرُؤ على التلفُّظ بتلك العبارات؟ بالتأكيد ليس الغريب؛ إنه لم يَتفوَّه بكلمة. هذا فضلًا عن أن الصوتَ ليس صوتَه. بل هو في واقع الأمر أشبهُ كثيرًا بصوتِ الكولونيل نفسِه. حوَّل الكولونيل نظَرَه من ابنتِه إلى الغريب، ثم مِن الغريب إلى ابنته. من الواضح أنهما لم يَسمعا الصوت؛ لقد كان الأمر مجردَ هلوَسة. لذا استردَّ الكولونيل أنفاسَه أخيرًا.
بالرغم من ذلك بقِيَ أثرُ الصوت في نفسِه عَصِيًّا على التبدُّد. لا شكَّ أن مزاحَه مع الغريب حولَ موضوعِ زوجتِه كان يَنمُّ عن انعدام الذوق. فذلك أمرٌ لا يُقدِم عليه رجلٌ مهذَّب أبدًا.
لكنْ ما مِن رجلٍ مُهذَّب يَسْمح أبدًا بوضْعٍ كالذي بين الكولونيل وزوجتِه. فالرجلُ المهذَّب ما كان ليقضيَ جُلَّ وقتِه في التشاحُن مع زوجته، وقطعًا ما كان ليفعلَ ذلك على مَرْأًى من الناس. فمهما كانت زوجته مصدر إزعاج له، كان سيكون قادرًا على التحكُّم في نفسه.
نهضَت السيدة ديفاين من مكانها وتقدَّمتْ ببطءٍ عبر الغرفة نحوَهم. تملَّكَ الخوفُ من الكولونيل. قال في نفسه إنها سوف تَتوجَّهُ إليه بملحوظةٍ ما مُستفِزَّة؛ إذ قرأ ذلك في عينَيْها، والتي كانت ستُثير سخطَه إلى حدٍّ يَدفعُه إلى ردٍّ فظٍّ قاسٍ.
حتى هذا الغريب الأحمق كان سيَفْهم لِمَ لقَّبَهما ظريفُ النُّزُل ﺑ «الزوجَيْن المحبَّين بعضهما لبعض إلى الأبد»، وسوف يَسْتوعب أن الكولونيل الشَّهْم كان يَتسلَّى بالسخرية من زوجته في حديثٍ مع غريبٍ جلَس بجواره على مائدة العشاء.
هُرع الكولونيل كي يبدأ الحديث، فصاح مُخاطِبًا زوجته: «عزيزتي، أَلَا تَشعُرين بالبرد في هذه الغرفة؟ هلا أحضرتُ لكِ شالًا!»
شعر الكولونيل بعبثيةِ مُحاوَلته. فطالما جرَت العادةُ بينه وبين زوجته على إلباسِ أقسى ما يَتبادَلانه من إهاناتٍ قناعَ التهذيب. تقدَّمت الزوجةُ نحوه بينما تُفكِّر في ردٍّ مناسِب؛ مناسب حسب وجهةِ نظرِها بالطبع. قال في نفسه: ستَنكشِفُ الحقيقةُ في أيِّ لحظةٍ الآن. عندئذٍ خطَر بباله احتماليةٌ جامحة رائعة: إذا كان للغريب هذا التأثيرُ عليه، فلماذا لا يكون له نفس التأثير عليها؟
صاح الكولونيل بنَبرةِ صوتٍ فاجأتْ زوجتَه ودفعتها للصمت: «ليتيشا، فَلْتُلقِي نظرةً مُتمعِّنة على وجهِ صديقِنا هنا. ألا يُذكِّركِ بأي أحد؟»
ألقَت السيدةُ ديفاين نظرةً طويلة مُتمعِّنة على وجه الغريب كما حثَّها زوجُها. ثم غمغمت وقد تحوَّلتْ إلى زوجها: «نعم، إنه يُذكِّرني بأحد، لكن مَن هو؟»
رد الكولونيل: «لا أستطيع التذكُّر تحديدًا؛ ظننتُ أنكِ قد تتذكَّرين.»
أردفت السيدة ديفاين مُتأمِّلةً: «سأتذكَّر مع الوقت. إنه وجهُ شخصٍ عرفتُه منذ سنواتٍ بعيدة، في سنواتِ صِبايَ بمُقاطَعة ديفونشاير. سأكون شاكرةً إن أحضرتَ لي شالي يا هاري. لقد تركتُه في غرفة الطعام.»
كانت حماقةُ الغريب البالغة هي سببَ كلِّ المتاعب، هكذا شرح السيد أوجستس لونجكورد لشريكه إزيدور. وأضاف: «أنا على أتمِّ استعدادٍ لعَرضِ براعتي في المُعامَلات التجارية على رجالٍ لهم دراية بالأمور، أو يظنُّون أنهم كذلك. لكن هذا الطفل الذي لا حولَ له ولا قوة عندما يَرفُض حتَّى أن يَطَّلِعَ على تقاريري وحساباتي، زاعِمًا أن كلمةَ شرفٍ مني تَكْفيه، ثم يُعطيني دفترَ شيكاته كي أضعَ الرقمَ الذي يُناسبني، حسنًا، أؤكِّد لك أنه لا يَحِيكُ مَكيدةً ما، بل هو مَعتوهٌ تمامًا.»
ردَّ شريكه باقتضاب: «المعتوه هو أنتَ يا أوجستس.»
رد أوجستس مُقترحًا: «حسنًا، فَلْتذهب إليه يا عزيزي وتتحدَّث إليه بنفسك.»
قال الشريك في إصرار: «ذلك تحديدًا ما أنوي فِعلَه.»
في المساء التالي لحديثهما، وقف السيد لونجكورد مُستقبلًا شريكَه بينما يصعد السلالمَ بعد حديثٍ طويل أجراه مع الغريب وحدهما في غرفة الطعام، وقال له: «كيف سارَ الأمر؟»
رد إزيدور مُحْتدًّا: «أرجوك، لا تَسْألني، إنه رجلٌ أحمقُ سخيف، ذلك كلُّ ما في الأمر.»
«ماذا قال لك؟»
«لن تَتصوَّرَ ما قاله لي، لقد أخذ يتحدَّث عن اليهود، عن مدى طِيبتِهم، وعما يتعرَّضون له من سوءِ تقديرٍ مِن الناس، إلى آخِر هذا الهراء!
لقد أضاف أن بعضًا من أكثر مَن قابلهم احترامًا على مدى حياته كانوا يهودًا. وقد كان يظنُّني واحدًا منهم!»
«حسنًا، وهل توصَّلتَ إلى أيِّ اتفاقٍ معه؟»
«اتِّفاق! بالطبع لا. لا يَسَعني تشويه صورة اليهود كلِّهم مقابلَ بضعِ مئاتٍ من الجنيهات. تبدو صفقةً خاسرة.»
شيئًا فشيئًا توصَّلَ قاطنو النُّزل إلى أن هناك الكثير من الأفعال التي لا تستحقُّ كلَّ هذا العناء الذي يتكبَّدونه من أجلها؛ أفعال مثل التصارُع على طبقِ المرق، والتسابُق لحيازةِ طبقِ الخضراوات أولًا، وغَرْف المرء أكثرَ مِن نصيبه المُستحَق، والتحايُل بغرضِ الاستيلاء على الكرسي المريح، والجلوس على صحيفةِ المساء ثمَّ التظاهُر بعدم رؤيتها، إلى آخِر تلك التصرُّفات الطفولية التافهة. إذ أدركوا أنَّ ما يَتحصَّلون عليه من مَكاسِبَ ضئيلةٍ من تلك السخافات لا يُوازِي الجهدَ المبذولَ في سبيلها. وهكذا توقَّفوا أيضًا عن الأفعالِ السُّوقية على غرارِ التذمُّرِ الدائم من الطعام، والشَّكوى المُتواصِلة من معظم الأشياء، وذمِّ صاحبةِ النُّزل في غيابها أو ذمِّ رفاقِ السكن على سبيل التغيير، والتشاحُنِ فيما بينهم دونَ سببٍ وجيه، وتهكُّمِ بعضهم على بعض، وإذاعةِ الفَضائح بعضهم عن بعض، وإطلاقِ الدُّعابات السخيفة بعضهم على بعض، والتباهي بإنجازاتٍ لا يُصدِّقها أحدٌ. تلك سفاهات ربما يَنخرِط فيها مُستأجِرو الأنزال الأخرى، لكنَّ سكانَ هذا النُّزل كان لديهم من الشرف ما يَحُول بينَهم وبينَ تلك الأفعال.
في الحقيقة أصبح سكانُ النُّزل يُحسِنون الظنَّ بأنفسهم، وهم يَدِينون بذلك إلى الغريب وحْدَه. فقد قَدِم الغريب إلى منزلهم ولديه تصوُّر مسبق — الله وحده يَعلم من أين جاء به — مُفاده أن قاطنيه الذين بدَوا أنَّهم من عموم الناس الخَشِني الطباع السيئِي الخُلق، هم في الواقع سادة وسيدات من أرقى الناس وأنبلهم، والظاهرُ أن الوقتَ الذي قضاه بينَهم وملاحظتَه لهم لم يُسهِما إلا في تأكيدِ ذلك التصوُّر اللامعقول. ومن ثَم كانت النتيجةُ الطبيعية أنهم بدءوا في التحوُّل بما يتوافَق مع رأي الغريب فيهم.
كان الغريب يُصِرُّ على أن السيدة بنيتشيري سيدةٌ نبيلة بحكم الميلاد والنشأة أجبَرتْها ظروفٌ خارجة عن إرادتها على الانضمام إلى صفوفِ الطبقة الوسطى في عملٍ كادحٍ شريف؛ حيث تضطلع بدورِ الأم الرَّءوم التي لا تَستحقُّ مِن عائلتها الكبيرة سوى كل شُكرٍ وعرفان؛ وهو رأيٌ تشبَّثَت به السيدة بنيتشيري نفسُها الآن عن اقتناعٍ لا يَتزحزح. بالطبع لا يخلو دورُها الجديد من بعضِ المتاعب، لكنها بَدَتْ مُستعدةً لتحمُّلِها عن طِيبِ خاطرٍ. فسيدةٌ نَبيلة مثلها لا يَلِيق بها أن تَحصُل من ضيوفها الكِرَام على ثمنَ فحمٍ وشمع لم يَستخدمُوه قط، والأمُّ الرَّءوم لا يُمكِن أن تُطعِم أولادَها لحمًا مُتوسِّط الجودة مدَّعِيةً أنه من أفضلِ أنواعِ اللحوم. تلك حِيَل قد تَلْجأ إليها صاحبةُ نُزُلٍ عاديةٌ كي تدسَّ الأرباحَ في جيبها. لكنَّ سيدةً على خُلقٍ وتهذيب مثلَها لا يُمكِن لها أبدًا ارتكابُ أفعالٍ كهذه؛ أو بعبارةٍ أخرى شعرت السيدة بنيتشيري أنها لم تَعُد قادرةً على ارتكابِ تلك الأمور.
أمَّا الآنسة كايت ففي عين الغريب كانت مُحاوِرةً ذكية ومُثيرة للإعجاب وذاتَ شخصية شديدة الجاذبية. بَيْد أنها كانت تُعانِي من عيبٍ واحد؛ ألا وهو قلةُ الاعتدادِ بالذات. فهي لم تكن تَعِي طبيعةَ جمالِها الرقيق النَّقِي. ولو أُتِيحتْ لها — فحسب — فرصةُ رؤيةِ نفسها بعين الغريب لَتخلَّتْ فورًا عن ذلك التواضُع الذي يَدْفعها إلى التشكُّك في حُسْنها الطبيعي. بدا الغريبُ على يقينٍ شديد من رأيه، حتى إنَّ الآنسة كايت عقَدت العزمَ يومًا ما على وضع ذلك الرأي مَوضعَ التجرِبة. فقد دلفتْ في إحدى الأمسيات قبلَ العشاء بساعة إلى غرفةِ المعيشة، وكان الغريب جالسًا هناك وحْدَه ولم تكُن مصابيحُ الغاز قد أُضِيئتْ بعدُ، وعندما رفَعَ عينَيه وجد أمامه سيدةً لطيفة، حسَنةَ المظهر، ذاتَ بشرةٍ شاحبة قليلًا وشَعرٍ بُنِّي مُصفَّفٍ بعناية، تسأله إنْ كان يَعرفها. كانت تَسْري في جسدِ الآنسة كايت رعشةٌ وبدا صوتُها مُرتجِفًا يُوشِك في أيِّ لحظة على التحوُّل إلى نَحيب. لكنه انقلَبَ إلى ضحكةٍ عندما نظر الغريبُ مباشَرةً إلى عينَيْها وأخبَرَها أنه لِما يُلاحظ من تشابُهٍ بينها وبين الآنسة كايت، فلا بدَّ أنها أختُها الأصغر منها سنًّا، والأجمل منها بكثير، وهكذا كانت تلك هي الأمسية التي اختفَتْ فيها الآنسةُ كايت ذاتُ الشعرِ الذهبي إلى الأبد، ولم يُلمَح وجهُها المُغطَّى بمَساحيق التجميل مجددًا قطُّ في النُّزل، والأعجبُ ربما من هذا والذي كان سيُدهش أيًّا من قاطِني النُّزل فيما سبق، أنه لم يَسأل أيٌّ منهم، ولو عَرَضًا، عما حلَّ بها.
وكان الغريب يرى أن السيدة ابنة عم السير ويليام تُعَدُّ مَكْسبًا لأيِّ نُزُل. فهي سيدةٌ تنحدرُ من إحدى عائلات الطبقة الراقية. بالطبع لم يَبْدُ عليها ظاهريًّا أيٌّ مما قد يُوحِي بانتمائها إلى عائلةٍ أرستقراطية. وهي نفسها، بطبيعة الحال، لم تكن لتَذْكر الأمر، غير أنَّ المرء يَستشعِر هذا الانتماءَ بطريقةٍ ما. كانت، بلا وعي منها، تَعكس هالةً من الرُّقِي، وتُشِيع جوًّا من دماثةِ الخُلق. وبالرغم من أن الغريب لم يَقُل لها ذلك تحديدًا، لكنَّها استشفَّتْ ذلك منه وشعرتْ بأنها تتَّفِق معه.
وكان الغريب يُكنُّ للسيد لونجكورد وشريكِه احترامًا كبيرًا بوصفهما نموذجَيْن لرجالِ الأعمال كما ينبغي أن يكونوا. وقد كان لهذا الاحترام أثره السيِّئ عليهما. وممَّا يُثير العجبَ أنهما بدَوا راضيَيْن عن الثمن الذي دفعَتْه شركتُهما لأجل أن تظلَّ عند حُسْن ظنِّ الغريب، بل يُقال أيضًا إنها أصبحتْ تستهدفُ في المقام الأول اكتسابَ احترامِ أصحابِ الشرف والنزاهة، في خطوةٍ يُتوقَّع أن تُكلِّفَها ثمنًا غاليًا على المدى الطويل. لكن بالرغم من كل شيء لدينا جميعًا مبادئُ لا نُمانِعُ التضحيةَ بالمال في سبيلها.
في البداية، عانى الكولونيل والسيدة ديفاين كثيرًا؛ إذ لم يَكُن سهلًا على مَن في سنِّهما تعلُّمُ طرقٍ جديدة للحياة. وهكذا أخذ كلٌّ منهما يُواسِي الآخَر خلف باب غرفتِهما المُغلَقة.
صاح الكولونيل مُتذمِّرًا: «هذا هراء وجنون، أيليق بنا في هذه السن أن نَرجع إلى التغزُّل والتودُّد؟!»
ردَّت زوجته: «إن وجهَ اعتراضي هو الإحساس بأني مدفوعةٌ إلى ذلك دفعًا بعض الشيء.»
صاح الكولونيل مُزمجِرًا: «أحرامٌ على المرءِ وزوجتِه أن يَسْخرا قليلًا أحدهما من الآخَر، مخافةَ رأيِ ذاك المدَّعي الصفيق؛ تلك مَهزلة لا تُحتمَل؟!»
ردت زوجته: «حتى في غيابه، يُخيَّل إليَّ أني أراه ينظر إليَّ بتلك العينَين المزعجتَين. حقًّا لقد أضحى يُطارِدني في كل مكان.»
قال الكولونيل مُتأملًا: «لقد قابَلتُه في مكانٍ ما، أُقسِم على ذلك. ليته يُغادر ويُرِيحنا.»
مئاتُ التعليقات رغبَ الكولونيل في قولها للسيدة ديفاين على مدى اليوم، ومئات الملاحظات كانت سترغب السيدة ديفاين في توجيهها للكولونيل طوال اليوم. لكن بمجرَّد أن تُتاحَ لهما فرصةُ الانفراد أحدهما بالآخَر؛ حيث لا يستطيع أحدٌ سماعهما، تكون تلك الرغباتُ قد تبدَّدت تمامًا.
كان يُواسي الكولونيل نفسَه قائلًا: «النساء هنَّ النساء. لا بدَّ للرجال من احتمالهنَّ؛ فعلى الرجل ألَّا يَنْسى أبدًا أنه سيِّد مُهذَّب.»
أمَّا السيدة ديفاين، فبعدما بلغتْ مرحلةً مِن اليأس التي لا ملجأَ منها سوى المزاح، فقد كانت تضحك في سرها قائلة: «أوه، حقًّا، الرجالُ جميعهم على الشاكلة نفسِها. لا فائدة من محاوَلةِ توجيههم؛ ذلك جهدٌ عبثي لا يجلبُ للمرء سوى الضِّيق والإزعاج.» يُوجد نوع خاص من الرضا، ينبع من إحساسِ المرء أنه يتحمَّل بصبرٍ بُطوليٍّ حماقاتِ الآخَرين المُستفِزة. وقد تأتَّى أخيرًا للكولونيل وزوجته التمتُّعُ بهذا الإحساس الرائع مِن الرضا عن الذات.
لكن مَن انزعج جدِّيًا من إيمان الغريب الذي لا يتزحزح بالخير المُتأصِّل في طبيعةِ كلِّ مَن كان يقابله كانت الآنسةَ ديفاين الجميلة الفاترة الهمَّة. كان الغريب مُصمِّمًا على أنها شابة تَحْمل من المشاعر أنبلَها، ومن الأخلاق أسماها، وأنها جديرةٌ بمكانة بين جان دارك والبطلةِ الاسكتلندية فلورا ماكدونالد. إلا أنَّ الآنسة ديفاين، على النقيض، كانت تَعْلم جيدًا أنها مُجردُ فتاةٍ لا تملك سوى جمالها، ولا تعشق سوى تَرَفِ العيش؛ فقد كانت على أتمِّ استعدادٍ لبيع نفسها لأول شارٍ قادر على منْحِها أرقى الثياب، وإغراقها بأفخر الأطعمة، وإسكانها أفخمَ البيوت. وكان الشاري المتاحُ أمامَها حاليًّا هو وكيل مُراهَنات مُتقاعِد، كان رجلًا عجوزًا بغيضًا بعض الشيء، لكنه فاحشُ الثراء ومُغرَمٌ بها دون شك.
كانت الآنسة ديفاين، بعدما عقَدَت عزمَها على قبولِ هذا الزواج، مُتلهِّفةً على ضرورة إتمام الأمر سريعًا. لذا كان رأيُ الغريب السخيف فيها لا يُثِير سخطَها فحسب، بل يبثُّ الاضطرابَ في نفسها. فمن الصعب على امرأةٍ التصرُّفُ كما لو كانت أحطُّ الغرائز هي دافِعَها الوحيد في الحياة، تحت مَرْأًى ومسمعٍ من الرجل الذي آمَن بأنها التجسيدُ الحي لكلِّ ما هو حَسَن في النساء، مهما كانت حماقته. مرات عديدة عزمَت الآنسة ديفاين على وضْعِ نهايةٍ لتلك المسألة بالقَبول الرسمي لليد الضخمة والمترهِّلة لعاشِقها الكَهْل، ومرات عديدة تدخَّلَ طيفُ عينَي الغريب المَهيبتَين الصادقتَين ليَمْنعها من إعطاءِ جوابٍ نهائي. لكن الغريب كان سيَرْحل يومًا ما. في الواقع، هو نفسه قال لها ذلك، فما هو إلا عابر سبيل. ستُصبح الأمورُ أسهلَ قطعًا عند رحيله. هكذا فكَّرت.
وفي عصرِ أحدِ الأيام دلفَ الغريبُ إلى غرفةِ المعيشة بينما كانت الآنسة ديفاين تقف بجوار النافذة مُتطلِّعةً إلى الأغصان العارية للأشجار بميدان بلومزبيري سكوير. وقد تذكَّرتْ فيما بعدُ أن عصرَ يومٍ ضبابي كهذا شهِدَ مجيءَ الغريب منذ ثلاثة أشهر. كانا وحدَهما في الغرفة. أغلَقَ الغريبُ البابَ وتقدَّم نحوها بخُطواته الوثَّابة الغريبة. كان قد أحكَمَ إغلاقَ أزرارِ مِعطَفِه الطويل، وحمَلَ بين يدَيْه قبعتَه القديمة المصنوعة من اللباد وعصاه الغليظة ذات المقبض الأشبه بعكاز.
قال الغريب مُوضِّحًا: «لقد جئتُ لأودِّعَكِ. إني راحلٌ اليوم.»
سألته الفتاة: «ألن أراكَ مُجدَّدًا إذن؟»
رد الغريب: «لا يُمكنني القول. لكن أرجو ألَّا تَنْسيني.»
ردَّت الفتاة مبتسمةً: «لن أنساك. أستطيع أن أَعِدك بذلك.»
وعَدَها الغريب بدوره: «وأنا لن أنساكِ أبدًا، وأتمنَّى لكِ كلَّ فرحة وبهجة؛ فرحة الحب، وبهجة الزواج السعيد.»
جفلت الفتاة. ثم قالت: «الحبُّ والزواجُ قد لا يَجتمعان معًا في جميع الأحوال.»
وافَقَها الغريب قائلًا: «نعم ليس في جميع الأحوال، لكن في حالتكِ أنتِ تحديدًا سيَجتمعان.»
نظرت إليه.
واستكملَ الغريب حديثه مُبتسمًا: «أتظنِّين أنني لم أُلاحِظْ ذلك الشابَّ الوسيمَ المهذَّب والذكي؟ إنه يُحبك وأنتِ تُحبِّينه. لم أكُن لأغادِر دون الاطمئنان على مُستقبلكِ.»
شردتْ عيناها نحو الضوء الخافت.
ثم ردَّت في نَزَق: «آه! نعم، أنا أُحبه بالفعل. إن عينَيْكَ قادرتان على رؤيةِ الحقيقة متى رغبتا في ذلك. لكنَّ المرءَ لا يَحْيا على الحب في عالَمنا هذا. سأُخبركَ عن الرجل الذي أَنْوي الزواجَ منه إذا كنتَ مُهتمًّا.» كانت عيناها تَتحاشى عينَيْه. وظلَّت مُثبتةً على الأشجار الداكنة والضباب خلفها، بينما تدفَّقت العِبارات مِن فمها سريعةً جارفة: «سأتزوَّج رجلًا قادرًا على مَنْحي كلَّ ما أشتهيه؛ المالَ وكلَّ ما يَقْدر المالُ على شرائه. أنت تظنُّني امرأة، لكنَّني لستُ سوى خنزيرة. إنه كائنٌ مُقزِّز ويتنفَّس مثل الخنازير البَحرية؛ لا يَعرف سوى المَكر والخداع، ولا يُعظِّم سوى شهواتِه. لكني لا أُمانِعُ كلَّ هذا.»
كانت تأمُلُ أن تَصْدم كلماتُها الغريبَ دافعةً إياه للمُغادَرة. وأثار سخطَها أنْ سمعَته يَضحك ليس إلا.
قال: «لا، لن تتزوَّجيه.»
صاحت في غضب: «مَن سيَمْنعني؟»
«رُوحُكِ النبيلة.»
كان لصَوته رنينٌ آمِرٌ عجيب أجبَرَها على الالتفاتِ والنظر إلى وجهِه. عندئذٍ أدركتْ أنَّ الصورة التي كانت تَحْملها له في مُخيلتها منذ أن وقعَتْ عيناها عليه للمرة الأولى كانت صحيحة. كانت قد الْتَقَته وتحدَّثت إليه؛ في الطُّرُقات الريفية الساكنة وشوارع المدن المُزدحمة؛ لا تَدري أين على وجه التحديد. وكلما كانت تُحادثه كان يَسْمو بروحها: لقد كانت مِثلما كان دومًا يراها.
أكمَلَ الغريب حديثَه (وللمرة الأولى لاحظَتِ الآنسةُ ديفاين حضورَه المهيب، وأدركَتْ أن عينَيه الوديعتَين الطفوليتَين يُمكن أن تكونا آمرتَين كذلك): «هناك أناس يُقْدِمون على ذبْحِ رُوحِهم النبيلة بأيديهم والتخلُّص للأبد ممَّا تَجْلبه مِن مَتاعِب. لكنك يا صغيرتي تَركْتِ رُوحَكِ تَبْلغ من القوة ما يُعجِزكِ عن كبتِها؛ لذا ستظلُّ لها اليد العليا دومًا عليكِ. يجب أن تُطِيعيها. وإذا حاوَلتِ الفرارَ منها فستَتْبعكِ، حتى تُدرِكي أنه لا مَهْرب منها. أما إهانتُكِ لها، فلن تَجْلب لكِ سوى شعورٍ مُحتدِم بالعار وتقريعٍ مُؤلم لا يَنتهي للنفس.» ثم تلاشَتِ الصرامةُ من وجهِ الغريب الجميل وعاوَدَتْه رِقَّتُه مجددًا. ووضع يدَه على كتفِ الفتاة الشابَّة. ثم قال: «سوف تتزوَّجين حبيبَك. ومعه ستَقْطعين دُروبَ الحياة، سهلَها ووعرَها.»
تطلَّعَتِ الفتاةُ إلى وجهه القوي الهادئ، وأدركت يقنيًا أنَّ ما تلفَّظَ به واقعٌ لا محالةَ، وأنَّ مُقاوَمتها لرُوحِها النبيلة قد تلاشَت من داخلها إلى الأبد.
استطرد الغريب: «والآن، فَلْتَصْحبيني إلى الباب. إنَّ لحظات الوداع ليست سوى أحزانٍ لا داعيَ لها. دَعِيني أغادرُ في هدوء. وأَغْلِقي البابَ برِفق من خلفي.»
ظنَّت أنه قد يُدِير وجهَه مجددًا ناظرًا إليها، لكنها لم تَلْمح منه سوى الجزء المُستدير العجيب من ظهره البارز من تحت مِعْطَفه المُغلَق بإحكام قبل أن يتلاشى طيفُه مع تكاثُف الضباب.
فأغلقَت البابَ برفق.
مختارات من القصص القصيرة |
مُزحة الفيلسوف
عن نفسي أنا لا أصدق هذه القصة. لدى ستَّة أشخاص قناعة بصحتها، ولديهم كذلك أمل بإقناع أنفسهم بأنها كانت مجرد هلوسة. لكن ثمَّة مُشكلة واحدة تعترض سبيلهم، وهي أنهم ستة أشخاص. وكل فرد منهم يُدرك بوضوح استحالة أن يكون ما حدث هلوسة. ولسوء الحظ، هم أصدقاء مُقربون، ولا يُمكن لبعضهم تجنُّب البعض؛ وعندما يَلتقون وينظر كلٌّ منهم في أعيُن الآخرين تتجسَّد تلك الواقعة مجددًا في أذهانهم.
كان مَن حكى لي القصة، ثم تمنَّى فور انتهائه من سَردها لو لم يكن قد أفصح عنها، هو آرمتيدج. ففي إحدى الليالي، عندما كنتُ أنا وهو الجالسَين الوحيدَين في غُرفة التدخين بالنادي، أخبرني بما حدث. وقد كان سردُه لي عفو الخاطر، حسبما أوضح لي لاحقًا. كان الموقف يلح على ذهنه طوال ذلك اليوم بإصرار غريب؛ وبينما كنتُ أدخل الغرفة خطَرَ له أن عقلًا بليدًا مثل عقلي — دون أن يقصد إهانتي بتلك الكلمات طبعًا — من المؤكَّد أن ينظر إلى تلك المسألة بتشكُّك هزلي، ما قد يُساعد على توجيه انتباهه نحو الجانب غير المعقول منها. وأظنُّ أنني فعلت ما أراده. إذ شكَرني عندما رفضت تصديق القصة برمَّتها واعتبرتها وهمًا وليد عقلٍ مُشوَّش، ورجاني ألا أجيء على ذكر تلك المسألة لأيِّ كائن كان. وعدته بذلك؛ وربما يَجدُر بي هنا التنبيه على أنني لا أَعتبر القصة التي سأَشرع في سردِها الآن ذِكرًا لتلك المسألة. فاسم الرجل الحقيقي ليس آرمتيدج، بل إنَّ اسمه الحقيقي لا يبدأ حتى بحرف الألف. وقد تقرأ هذه القصة ثم تتناول العَشاء بجوار ذلك الرجل في الأمسية نفسها، ولن تعرف مُطلقًا أنه هو مَن ورَد ذكره بالقصة.
وبالتأكيد لم أظنَّ أن وعدي له يَمنعني من التحدث عن المسألة، بحذر شديد، مع السيدة آرمتيدج، وهي امرأة في غاية اللطف. وقد انفجَرَت في البكاء ما إن تلفظت بأولى كلماتي حول الموضوع. ولم تهدأ إلا بعد جهد جهيد مني. ثم قالت إنها يُمكن أن تشعر بالراحة عندما تَعزف عن التفكير في هذا الأمر. وأضافت أنها هي وآرمتيدج لا يتحدَّثان عنه قطُّ فيما بينهما؛ وكانت ترى أنهما لو تُركا لحالهما، فربما تمكَّنا أخيرًا من تجاوز هذه الذكرى برمتها. تمنَّت أيضًا لو لم يكونا مُقرَّبين إلى هذه الدرجة من السيد إيفريت وزوجته. كان قد راود هذَين الزوجَين الحلم نفسه الذي حلمت به هي وزوجها؛ على افتراض أنَّ ما حدث كان حلمًا. فالسيد إيفريت ليس من نوعية الرجال الذين ربما يجدر برجل دين، مثل السيد آرمتيدج، مُصادقتهم؛ لكن آرمتيدج لا ينفكُّ يُحاجج بأنه من غير المنطقي أن يكون معلمًا للقيم المسيحية ثم يُنهي صداقته مع رجل لا لسبب سوى أنه آثمٌ نوعًا ما. بل كان يُفضِّل أن يُحافظ على صداقته ويسعى لفرض تأثيره الحسن عليه. كانا يَتناولان العشاء مع آل إيفريت بانتظام في أيام الثلاثاء، وبينما كانا يَجلسان قبالتهما بدا من المستحيل قبول حقيقة أنهم الأربعة قد وقعوا جميعًا، في الوقت نفسه وبالطريقة نفسها، فريسة لنفس الوهم. أظنُّ أنني نجحت في بث قدر من الأمل في نفسها قبل أن أغادر. فقد أقرت بأن القصة تبدو بالفعل سخيفة من منظور المنطق السليم، وهدَّدتني بأن لسانها لن يخاطب لساني مجددًا إذا نبست ببنت شفة عن تلك المسألة أمام أي شخص. إنها امرأة لطيفة حقًّا، كما ذكرت قبلًا.
وتشاء الصدفة العجيبة أن أكون في هذا الوقت أحد المديرين في شركة يملكها إيفريت، والتي كان قد رشحها لتوه للاستحواذ على تجارة ساحل البحر الأحمر وتطويرها. لذا تناولت معه هو وزوجته طعام الغداء يوم الأحد التالي للقائي بالسيدة آرمتيدج. إنَّ حديثه مُمتع، وانتابني فضول لمعرفة كيف سيُبرر رجل حصيف للغاية مثله صلته بهذا الوهم المجنون، البالغ الاستحالة الذي حُكيَ لي، ما دفَعني إلى التلميح بمَعرفتي بالقصة. وفجأةً تغيَّر سلوكه هو وزوجته. وأرادا معرفة مَن أخبَرني بالأمر. لكني رفضت الإفصاح عن تلك المعلومة؛ لأنه بدا من الجليِّ أنهما كانا سيَغضبان من ذاك الشخص. كان لدى إيفريت نظرية مُفادها أن ما حدث كان حلمًا راوَدَ واحدًا منهم، كاملفورد على الأرجح، وقد أوحى إلى بقيتِهم أنهم رأوا الحلم نفسه عبر الإيحاء التنويمي. وأضاف أنه كان ليهزأ منذ البداية من الرأي القائل بأن ما حدث لم يكن حلمًا لولا حدث واحد تافه. لكنه رفض أن يخبرني ما هو. إذ إن هدفه، حسبما أوضح لي، هو مُحاولة نسيان الأمر، لا الاستغراق في التفكير فيه. ثم نصَحني، بصفته صديقًا لي، ألَّا أثرثر كثيرًا حول هذه المسألة؛ لكيلا أواجه أي مشكلات فيما يتعلق بما أتلقاه من أتعاب نظير عملي في شركته. كان إيفريت يستخدم أحيانًا أسلوبًا فظًّا في توضيح الأمور.
وفي منزل آل إيفريت قابلت، فيما بعد، السيدة كاملفورد، وهي واحدة من أجمل من رأيت في حياتي من النساء. غير أنَّني ارتكبتُ يومها حماقة نابعة من ضعف ذاكراتي فيما يتعلق بالأسماء. فقد نسيت أن السيد كاملفورد وزوجته كانا الطرف الثالث فيما وقع من أحداث، وذكرت القصة زاعمًا أنها حكاية غريبة قرأتها منذ سنوات بعيدة في مجموعة قصصية قديمة. كنتُ آمل أن تكون فاتحة نقاش بيننا عن الصداقة البريئة. لكن السيدة كاملفورد هبت واقفةً ونظرت لي في غضب. عندئذٍ تذكرتُ، وتمنيتُ لو أنَّني لم أقل شيئًا مما قلته. أخذت وقتًا طويلًا كي أصالحها، وسامحَتني أخيرًا بعدما قبلت اعتبار ما قلتُه غلطة نابعة من غبائي ليس إلَّا. كانت هي مُقتنعة تمامًا، كما قالت لي، بأنَّ الأمر كله محض خيال. ولم يكن يُساوِرُها أي شك في ذلك إلا عندما تكون في صحبة باقي الأطراف. كانت ترى أنه إذا اتَّفق الجميع على تجنُّب ذكر هذا الأمر مجددًا، فسوف يتبدَّد كليًّا بنسيانهم له. افترضت السيدة كاملفورد أن زوجها هو مَن أخبرني بالأمر؛ فطالَما كان يرتكب مثل هذه الحماقات. لكن قولها ذلك لم يكن نابعًا من قسوة. إذ قالت إنه في بداية زواجهما، قبل عشر سنوات، لم يكن يضايقها أحد مثله؛ لكنها صادفت العديد من الرجال الآخرين منذ ذلك الحين، وقد جعلها ذلك تعيد النظر إليه بعين الاحترام. وأنا أحبُّ أن أسمع امرأة تُثني على زوجها. وأرى أنه أمر غير معتاد ينبغي، في رأيي، التشجيع عليه أكثر. أكدتُ لها أن كاملفورد ليس المُذنب هنا؛ وبعدما وعدتني بأن تسمحَ لي بزيارتها، لكن ليس كثيرًا، في أيام الخميس، وافقتُها على أن التصرُّف الأمثل هو صرف المسألة برمتها من ذهني والانشغال بدلًا من ذلك بالأمور التي تخصني.
لم أكن قد تحدثت كثيرًا مع كاملفورد من قبل، رغم أني أراه في النادي عادةً. هو رجل غريب، يُشاع عنه الكثير من الحكايات. فهو يكسب زرقه من الكتابة في الصحف، ثم يُنفقه في نشر الشعر الذي يكتبه، فيما يبدو، للترويح عن النفس. خطر لي أن النظرية التي كوَّنها عن الحدث ستكون بلا شك مشوقة حقًّا؛ بيد أنه رفض التحدُّث عن الأمر بتاتًا في البداية، وتظاهر أنه قد صرف النظر عن المسألة كلها بوصفِها تُرهات فارغة. كدتُ أن أيأس مِن دفعه إلى الكلام حتى سألني في إحدى الأمسيات، من تلقاء نفسه، عما إذا كنتُ أظنُّ أن السيدة آرمتيدج، التي كان يعلم أن علاقة صداقة تجمعني بها، لا تزال تُعطي أهمية لتلك المسألة. وعندما عبَّرت عن رأيي بخصوص هذه المسألة، الذي كان مُفاده أن السيدة آرمتيدج هي أكثرهم انزعاجًا مما حدَث، بدا مُتضايقًا؛ وحثَّني على ترك بقيتِهم لحالهم، وأن أُكرِّس كل جهدي لمُحاولة إقناعها هي بالذات أن المسألة برمَّتها كانت محض وهم، ولا يُمكن أن تكون سوى ذلك. ثم أقرَّ صراحةً أن الأمر لا يزال لغزًا بالنِّسبة إليه. وكان مِن السهل عليه اعتباره وهمًا، لولا حدث واحد تافه. وظلَّ لفترة طويلة عازفًا عن إخباري عما كان، لكن لهذا النوع من المواقف خلقت المثابرة، وفي النهاية تمكَّنتُ من استخلاص الأمر منه. وإليكم ما حكاه لي.
«شاءت الصُّدفة أن نجد أنفسنا، نحن الستة، بمُفردنا في حديقة النباتات الداخلية، في ليلة الحفل الراقص. كان أغلب الحضور قد غادَرُوا بالفِعل. وبينما كانت تَعزف الفِرقة آخر مقطوعة، كان صوت الموسيقى يَتناهى إلى أسماعنا خافتًا. انحنيت كي ألتقط مروحة جيسيكا التي كانت قد أسقطتها أرضًا عندما لفت نظري فجأة شيءٌ ما يَلمع فوق عتبة من الفسيفساء أسفل مجموعة من النخل. لم يكن أيٌّ منا قد تحدث من قبل مع الآخَرين؛ بل كان ذلك المساء أول مرة نتقابل فيها؛ إن كان ما حدث مجرَّد حلمٍ. التقطت ذلك الشيء. وتجمع الآخرون حولي، وعندما نظر كلٌّ منَّا في عين الآخر أدركنا ماهيته؛ كان كأس نبيذ مكسورة، قدحًا غريب الشكل مصنوع من الزجاج البافاري. لقد كان القدح الذي حلمنا جميعًا أننا شربنا منه.»
لقد جمعت أجزاء القصة كما تراءى لي أنها قد حدثَت. وعلى أي حال، الأحداث التي سأرويها كلها حقائق. وقد تبدَّلت أحوال أبطال تلك الحكاية منذ ذلك الحين، ما يجعلني آمُل أنهم لن يقرءوها أبدًا. وما كنت لأتكبَّد عناء سردها من الأساس، لولا أنها تحوي عبرة.
جلس ستة أشخاص حول الطاولة الكبيرة المصنوعة من خشب البلوط، في قاعة الطعام المكسوَّة جدرانها بألواح خشبية بذلك النُّزل المريح الذي يُدعى «كنيبر هوف» في مدينة كونيجسبيرج الألمانية. كان الوقت قد تأخر ليلًا. في الظروف العادية، ما كانوا ليظلُّوا مُستيقِظين حتى هذه الساعة، لكن بما أنهم وصلُوا في القطار الأخير القادم من دانتسك، وتناولوا عشاءً من أصناف الطعام الألماني؛ فقد بدا من الأفضل البقاء قليلًا وتبادل الحديث. كان الصمت يعمُّ المنزل على نحوٍ غريب. كان قد ترك صاحب المنزل السمين الشموع المخصَّصة للضيوف على البوفيه، وتمنى لهم «ليلة سعيدة» منذ ساعة. وهكذا حوتهم رُوح المنزل القديم بين جنباتها.
إذا صُدِّقت الأقاويل، فإن هنا، في هذه الغرفة تحديدًا، طالَما جلس الفيلسوف إيمانويل كانط وتَحاوَر بنفسِه مع آخرين. وعلى الجانب الآخر من الممر الضيق، كسا ضوء القمر الفضي الجدران التي أوت الرجل الضئيل الجسد ذا الوجه الشاحب بينما كان يعمل ويُفكِّر طوال أربعين عامًا؛ في حين أطلَّت النوافذ الثلاث العالية في قاعة الطعام على بُرج الكاتدرائية القديمة الذي يَرقُد جُثمانه أسفله. كانت الفلسفة — التي تهتمُّ بالظواهر البشرية، وتتُوق للتجربة، ولا تخضع للقيود التي يَفرضُها العرف على كافة أشكال التفكير — تحُوم في هواء الغرفة المشبع بالدخان.
كان القس ناثانيال آرمتيدج يتحدَّث قائلًا: «لا ليس الأحداث المستقبلية، فمِن الأفضل أن تظل خافية عنا. لكن أرى أنه يَنبغي أن يُسمَح لنا بالاطلاع على مُستقبَل ذواتنا، أي طبعنا وشخصيتنا. ففي سنِّ العِشرين يكون المرء على شاكلة ما؛ وفي الأربعين، يُصبح على شاكلة أخرى كُليةً، فتصير لديه آراء مُختلِفة، واهتمامات مُغايرة، ونظرة أخرى للحياة؛ تجذبُه سمات مختلفة تمامًا عما اعتاد، ويَنفر من الصفات نفسها التي رآها يومًا ما جذَّابة. إنه أمرٌ مُربك حقًّا، لجميع البشر.»
ردَّت السيدة إيفريت، بصوتها الحاني المُتفهِّم: «يُسعدني سماع شخصٍ آخر يتحدَّث عن هذا الأمر. لطالَما فكَّرت فيه كثيرًا. في بعض الأحيان كنتُ ألوم نفسي، لكن كيف يسع المرء تجنُّب ذاك المصير؛ الأشياء التي بدَت لنا مُهمَّة، أضحت بلا أهمية؛ واهتمامات جديدة استحوذَت على عقولنا؛ والأبطال الذين نظَرنا إليهم بعين التقديس نراهم اليوم وقد هوَوا من فوق عروشهم.»
ضحك السيد إيفريت المرِح قائلًا: «إذا كنتِ تَعتبرينني واحدًا من هؤلاء الأبطال الهاوين، فلا تتردَّدي في قول هذا.» كان رجلًا ضخمًا أحمر الوجه، ذا عينَين صغيرتَين لامعتَين، وفم قوي وجذَّاب. ثم تابع: «فأنا لم أُخلق إنسانًا عاديًّا بإرادتي. ولم أَطلُب من أحد قطُّ اعتباري قديسًا من المرسومين على زجاج النوافذ الملوَّن. لست أنا مَن تغير.»
ردَّت زوجته النحيلة بابتسامة خانعة: «أعلم يا عزيزي، أنا مَن تغيَّرت. كنت جميلة بلا شك عندما تزوجتني.»
وافقها زوجها قائلًا: «كنت جميلة بالفعل يا عزيزتي. قليل مَن كان يُضاهيك جمالًا في شبابك.»
تابعت زوجته: «كانت تلك هي الصفة الوحيدة التي أعجبتك فيَّ، جمالي، ولقد تبدَّدت سريعًا. أشعر أحيانًا وكأنَّني خدعتك.»
علَّق القس ناثانيال آرمتيدج: «لكن هناك أيضًا جمال العقل، جمال الروح، الذي يعتبره بعض الرجال أكثر جاذبية من الجَمال الجسدي.»
تألقت العينان الحانيتان للسيدة، التي ذوي جمالها، بوميضٍ لحظي مِن السرور. ثم تنهَّدت قائلة: «أخشى أن ديك ليس من هذه النوعية من الرجال.»
رد الزوج بنَبرة ودودة: «حسنًا، كما قلت لتوي، أنا لم أَخلق نفسي. لطالما كنتُ عبدًا للجمال وسأظل كذلك على الدوام. لا أرى معنًى في التظاهُر أمام الأصدقاء بأنكِ لم تَفقِدي جمالك، أيتها الفتاة العجوز.» ثم وضع يده القوية على كتفها الهزيل في تعاطف. وأضاف: «لكن لا داعيَ لأن تُزعجي نفسك بهذا الأمر كما لو كنتِ ارتكبتِ تلك الفعلة عن عمد. لا أحد يَعتقِد أن المرأة تزداد جمالًا عندما تتقدم في العمر سوى عاشق.»
قالت زوجته: «لكن بعض النساء يَزددن جمالًا مع السن، على ما يبدو.»
وتحوَّلت عيناها لا إراديًّا إلى حيث تجلس السيدة كاملفورد التي أراحَت مرفقَيها على الطاولة؛ وتبعتها عينا زوجها الصغيرتَان اللامعتَان إلى الاتجاه نفسه، لا إراديًّا أيضًا. ثمة نوع من النساء يبلغ ذروة جماله في مُنتصَف العمر. في سن العشرين، كانت السيدة كاملفورد، أو جيسيكا ديروود كما كانت تُدعى قبل زواجها، فتاة غريبة الشكل، تخلو من أيِّ ملمح جذاب حسب الذوق الذكوري العام سوى عينيها الكبيرتَين، وحتى عيناها كانتا مُخيفتَين أكثر من كونهما ساحرتَين. أما في سن الأربعين، فهي ربما تَصلُح نموذجًا لتمثال بالحجم الحقيقي للإلهة جونو.
غمغم السيد إيفريت، بصوت لا يُسمَع تقريبًا: «أجل، الزمن، إنه ذلك المهرِّج القديم الماكر.»
كانت السيدة آرمتيدج تلفُّ لنفسها سيجارة بأصابعها الرشيقة عندما علقت بقولها: «ما كان يجب أن يحدث هو أن يتزوَّج ناثانيال من نيلي.»
تحول وجه السيدة إيفريت الشاحب إلى اللون القُرمزي.
في حين صاح ناثانيال آرمتيدج مصدومًا وقد احمرَّ وجهُه كذلك: «ماذا تقولين يا عزيزتي؟!»
ردَّت زوجته بغضب طفولي: «أوه، ألا يُمكن أن ينطق المرء بالحق بين حين وآخر؟ أنا وأنت لا يصلح أحدنا للآخر بتاتًا؛ الجميع يرى ذلك. عندما كنتُ في التاسعة عشرة من عمري، ظننتُ أن الزواج من قسٍّ أمر رائع ومقدَّس، وتخيَّلت نفسي أحارب الشر بجانبه. هذا فضلًا عن أنك قد تغيَّرت منذ ذلك الحين. في تلك الأيام، كنتَ بشرًا يا عزيزي ناث، وكنتَ أفضل من عرفتهم في الرقص. لو كنت أعرف نفسي حينها، لكنتُ أدركت أن مهارتك في الرقص هي على الأرجح السبب الرئيسي وراء انجذابي إليك. لكن كيف يتأتَّى للمرء معرفة ذاته في سن التاسعة عشرة؟»
علق القس آرمتيدج مُذكرًا إياها: «كنا نحبُّ بعضنا.»
ردَّت السيدة آرمتيدج: «أعرف أننا كنا نحبُّ بعضنا، بشدَّة حينها، لكننا لم نعد كذلك الآن.» ثم ضحكت ضحكة قصيرة يشوبُها قدر من المرارة. وأضافت: «مسكين ناث! أنا لست سوى ابتلاء آخر يضاف إلى فيضِ ما تعرضتَ له من ابتلاءات. فالمُعتقَدات التي تُؤمن بها والمثُل العليا التي تُجلُّها تبدو لي بلا معنًى؛ مجرَّد عقائد جامدة ضيقة الأفق، فِكر خانق. نيلي كانت هي الزوجة التي ارتضتها لك الطبيعة حالَما تبدَّد جمالها وتبدَّدت معه جميع أفكارها الدنيوية. كان القدر يُهيئها لك، ليتنا عرفنا. أما أنا، فكان سيُناسبني أن أكون زوجة فنان، أو شاعر.» ودون وعي منها، ألقَت عيناها القلقتان دومًا نظرةً خاطفة على حيث جلس هوراشيو كاملفورد، الذي كان ينفث في هواء الغرفة سحابات من الدخان، مُنبعثة من غليون مرشومي أسود ضخم. ثم استطرَدت: «أنا أنتمي إلى العالم البوهيمي. وما كنتُ لألقاه هناك من فقر ومعاناة كانا ليَصيرا مصدر سعادتي. وتنفُّس الهواء المنعش في ذلك العالم، كان ليجعل الحياة تَستحق أن تُعاش.»
أرجع هوراشيو كاملفورد ظهره إلى الوراء بينما تركزت عيناه على سقف الغُرفة المصنوع من خشب البلوط. ثم قال: «يُخطئ الفنان عندما يتزوج.»
ضحكت السيدة كاملفورد الجميلة بروح مَرِحة. وعلقت: «الفنان، حسبما رأيته منه، ما كان ليعرف الطريقة الصحيحة لارتداء قميصه لو لم تكن زوجتُه موجودة لتُخرج القميص من الدرج وتُساعده في ارتدائه.»
رد زوجها: «إنَّ ارتداء الفنان لقميصه بالمقلوب لم يكن ليُحدث فارقًا كبيرًا في العالم. لكن العالم سيتأثَّر إذا ضحَّى بفنِّه في سبيل إعالة زوجته وأسرته.»
قال ديك إيفريت بصوته المبتهج: «حسنًا، على أيِّ حال، لا يبدو أنك ضحيت بالكثير يا صديقي.» ثمَّ أضاف: «فالعالم كله يُردِّد اسمك.»
رد الشاعر قائلًا: «أبلُغ من العمر واحدًا وأربعين عامًا، وقد انقضَت أفضل سنوات عمري.» ثم أردف: «كرجل، أنا لستُ نادمًا على شيء في حياتي. لقد حظيت بزوجة من أفضل ما يكون، ولديَّ أطفال رائعون. وقد عشت الحياة الهادئة للمُواطن الناجح. لكن لو كنت قد استمعت إلى ما تُمليه عليه ذاتي الحقيقية، لكان ينبغي عليَّ الارتحال إلى البرية؛ فهي الوطن الوحيد للمُعلم، أو النبي. جدير بالفنان أن يتزوَّج فنه. أما الزواج مِن امرأة فهو فعل لا أخلاقي بالنِّسبة إليه. إذا عاد بي الزمن، كنتُ سأظلُّ عَزَبًا.»
ضحكت السيدة كاملفورد قائلة: «إنه انتقام الزمن، كما ترى.» ثم أردفَت: «عندما كان ذاك الرجل شابًّا في العشرين من عمره هدَّد بأنه سيَنتحِر إذا لم أُوافق على الزواج منه، وقد وافقتُ حينها رغم أنه لم يكن يُعجبني بتاتًا. والآن بعد انقضاء عشرين عامًا، وما إن بدأت في الاعتياد عليه، يُغير كلامه في هدوء ويقول إن حاله كانت ستُصبح أفضل بدوني.»
تدخَّلت السيدة آرمتيدج مُعلقةً: «لقد سمعت بعض أجزاء من تلك الحكاية وقتها.» ثم تابعَت مُوجِّهة حديثها إلى السيدة كاملفورد: «كنتِ واقعة في غرام شخص آخر حينها، أليس كذلك؟»
ضحكت السيدة كاملفورد قائلةً: «ألا تَعتقدُون أن هذه المُحادَثة تنساق نحو مسار خطر بعض الشيء؟»
وافقتْها السيدة إيفريت معلقةً: «ذلك نفسه ما كنت أفكر فيه. أتصوَّر أن قُوًى غريبة قد استحوذَت علينا، ودفعتنا إلى التصريح بأفكارنا بصوت عالٍ.»
قال القس ناثانيال مُقرًّا: «أخشى أنَّ الذنب في ذلك يقع عليَّ.» ثم تابع قائلًا: «لقد أضحى جو هذه الغرفة خانقًا. ألا يُستحسَن أن نأوي إلى أسرَّتنا؟»
أصدر المصباح العتيق المُتدلي من عارضة تُلطخها آثار الدخان صوت قرقرة خافتة أشبه بنشيج، ثم انطفأ. وزحف ظل برج الكاتدرائية القديمة ممُتدًّا عبر الغُرفة التي لم يعد يُضيئها سوى ضوء القمر المنسلِّ بين الحين والآخر من وراء السُّحب. وعند الطرف الآخر من الطاولة كان يجلس رجل ضئيل الجسم، ذو وجه شاحب، وذقن حليق، مُرتديًا شَعرًا مُستعارًا ينسدل حتى كتفَيه.
قال الرجل الضئيل: «عذرًا.» كان يتحدَّث إنجليزية تشوبها لكنة ثقيلة. ثم أضاف: «يبدو لي أننا في موقف يشتمل على طرفين في وسع كلٍّ منهما تقديم العون للآخر.»
تبادل الأصدقاء الستة، المُجتمعُون حول الطاولة، النظرات، لكن لم يَنطِق أحدهم بكلمة. كانت الفكرة التي خطَرت ببال كلٍّ منهم، كما أوضحَ بعضهم لبعضٍ لاحقًا، أنهم قد حملوا الشموع التي تركها لهم صاحب النُّزُل وصعدوا إلى غُرَفهم حيث خلدوا إلى النوم، دون أن يتذكَّروا قيامهم بذلك. وكان ما يرونه الآن هو حلم بكل تأكيد.
واصل الرجل الضئيل الشاحب الوجه حديثه قائلًا: «إذا سمحتم لي بإعادتِكم عِشرين سنة إلى الوراء، فسوف يُساعدني ذلك كثيرًا في التجارب التي أُجريها حول الظواهر المُرتبطة بالميول البشرية.»
لم يردَّ أيٌّ منهم. وبدا لهم أن هذا السيد العجوز الضئيل الجسد لا بدَّ أنه كان جالسًا بينهم طيلة الوقت، دون أن يُلاحظوا وجوده.
تابع الرجل الضئيل ذو الوجه الشاحب: «حسب حديثكم هذه الليلة، يُفترَض أن تُرحِّبوا بعرضي. جميعكم تَبدُون لي في غاية الذكاء. وتُدركون ما ارتكبتُمُوه مِن أخطاء؛ وتتفهَّمون الأسباب التي دفعَتْكم إلى ارتكابها. لم يكن في وسعكم تجنُّبها؛ لأنكم لم يكن بوُسعِكم الاطلاع على المُستقبل. ما أقترحه عليكم هو إعادتكم عشرين سنة إلى الوراء. ستَرجعُون فتيانًا وفتيات من جديد، ولن يَختلِف شيءٌ سوى أمرٍ واحد فقط: سوف تَحتفظون بما عرفتُمُوه عن المُستقبل، عما حدَث لكم تحديدًا.»
ثم أردَف مُشجِّعًا: «هيا، لا تتردَّدوا، إنه أمرٌ بسيط حقًّا. فمثلَما أثبتُّ … أقصد مثلَما أثبتَ أحد الفلاسفة بوضوح، العالم ليس سوى نتاج تصوُّراتنا. وعبر وسيلة قد تبدو لكم سحرًا — رغم أنها مجرَّد عملية كيميائية — سوف أمحو مِن أَذهانكم أحداث العشرين عامًا الماضية كلها، باستثناء الأحداث التي تمسُّ شخصياتكم فحسب. سوف تَحتفظُون بالمعرفة التي تخص التغيرات الجسمانية والعَقلية التي يُخبئها لكم المستقبل، ما عدا ذلك سوف يَنمحي من أذهانكم.»
أخرج الرجل العجوز الضئيل قارورة صغيرة من جيب صدريته، ثم ملأ كأس نبيذٍ كبيرة من دورق النبيذ، وأضاف إليه نحو ستِّ قطرات من القارورة. ووضع الكأس بعد ذلك في منتصف الطاولة.
وتابع الرجل الضئيل الشاحب الوجه حديثه مُبتسمًا: «الشباب مرحلة تحلو العودة إليها. قبل عشرين عامًا من الآن، كانت ليلة الحفل الراقص؛ احتفالًا بموسم الصيد. أتتذكرونها؟»
كان إيفريت أول من شرب من الكأس. وقد شرب منه وعيناه الصغيرتان المُتألِّقتان شاخصتان في توق نحو وجه السيدة كاملفورد الجميل والنبيل؛ ثم ناول الكأس إلى زوجته. وكانت هي على الأرجح مَن شرب بأكبر قدر مِن اللهفة. فحياتها مع إيفريت — منذ لحظة أن قامت مِن سرير المرض، بعدما سلَبَها الداء جمالها كله — كانت مريرة. شربَت ويحدوها أمل مجنون ألا يكون ما يحدث حلمًا؛ وبابتهاج نابع مِن لمسة يد الرجل الذي أحبَّته ناولت الكأس إلى آرمتيدج الذي مدَّ يده عبر الطاولة ليأخذها من يدها. كانت السيدة آرمتيدج هي رابع الشاربين. فبعدما تناولت الكأس من زوجها، شربت بابتسامة هادئة، ثم ناولتها إلى كاملفورد. وشرب كاملفورد دون أن يَنظر إلى أحد، ثم وضع الكأس على الطاولة.
قال الرجل العجوز الضئيل مُخاطبًا السيدة كاملفورد: «هيا، لم يتبقَّ سواكِ. لن تَكتمل التجربة دون مشاركتك.»
ردت السيدة كاملفورد، وعيناها تنشدان عينيَ زوجها، الذي عزف عن النظر إليها: «ليست لديَّ رغبة في الشرب.»
ألحَّ الرجل الضئيل مجددًا: «هيا.» وحينئذٍ نظر لها كاملفورد، وضحكَ ضحكةً خاوية.
ثم قال: «يُستحسَن أن تَشربي.» وأضاف: «فهذا كله مجرَّد حلم.»
أجابته قائلة: «كما تريد.» وتناولت الكأس من يدَيه.
ما سأَحكيه لكم الآن استقيت مُعظمه ممَّا حكاه لي آرمتيدج تلك الليلة في غرفة التدخين بالنادي. لقد بدا له أن جميع الأشياء في غرفة الطعام بالنُّزل بدأت تَرتفع ببطء، في حين ظلَّ هو ثابتًا، بيد أنه كان يُعاني من ألم شديد كما لو أن أحشاءه تتمزق؛ وقد شبَّه ذلك الإحساس بما يشعر به المرء أثناء الهبوط في المصعد لكن أشد ألف مرة. وطوال الوقت كان الصمت والظلام يُحاوطانه. وبعد فترة من الزمن، ربما كانت دقائق، وربما كانت سنوات، دنا منه ضوء خافت. ثم اشتد الضوء، وعبر نسمات الهواء التي هبَّت على وجهه تَناهى إلى مسامعه صوت موسيقى آتٍ من بعيد. علا الضوء والموسيقى معًا، وشيئًا فشيئًا، استعاد وعيه. كان جالسًا على مقعد مُبطَّن مُنخفِض تحت مجموعة من النخل. وبجواره كانت تجلس فتاة شابة، لكن وجهها كان مُحولًا عنه.
وسمع نفسه يقول: «لم أنتبِه إلى اسمك.» ثم أضاف: «هل تمانعين في إخباري به؟»
أدارت الفتاة وجهَها نحوه. كان وجهًا ذا جمال رُوحاني لم يرَ مثيله أبدًا. وضحكت قائلة: «يبدو أني واقعة في وَرطة مُماثلة.» ثم أضافت: «يُستحسَن أن تكتب اسمك على النسخة الخاصة بي من برنامج الحفل، وسوف أكتب اسمي على نُسختك.»
وهكذا كتب كلٌّ منهما اسمه على نسخة البرنامج التي تخص الآخر، ثم استعاد كل منهما نسخته. كان الاسم الذي كتبتْه هو أليس بلاتشلي.
لم يكن قد رآها قبلًا قط؛ كان بإمكانه أن يتذكَّر هذا. رغم ذلك، كان ثمة جزء قصيٌّ من عقلِه كان مُصرًّا أنه يَعرفها. لقد التقيا في مكانٍ ما منذ زمن بعيد، وتحدَّثا معًا. وشيئًا فشيئًا، مثلَما يتذكَّر المرء حلمًا، عادَت إليه ذكرى ما حدث. في حياة أخرى، تبدو له الآن ضبابية ومُبهَمة، كان قد تزوَّج هذه المرأة. وفي السنوات القليلة الأولى من زواجها، كان كلٌّ منهما يُحبُّ الآخر؛ ثم تباعَدا وازدادت الفجوة بينهما اتساعًا. كانت أصوات قوية صارِمة قد دعَته لأن يَهجُر أحلامه الأنانية، وطموحاته الصبيانية، وأن يَحمل على عاتقه مسئولية واجبٍ عظيم. كان يَحتاج وقتها، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، إلى مَن يُقدِّم له يد العون وينظر إليه بعين العطف، لكن زوجته تخلَّت عنه. فمُثُله العليا لم تسبب لها سوى الضيق. وقد تمكَّن مِن مقاومة مُحاولاتها لإبعاده عن مساره، لكن ثمن ذلك كان تراكم مشاعر الغضب والاستياء بينَهما يومًا بعد يوم. ثم تجلَّى عبر حلمِه الضبابي وجه آخر، وجه يكسوه تعبير من التفهم لامرأة ذات عينَين حانيتَين؛ وجه المرأة التي كانت ستَجيء له يومًا في المُستقبل بيدَين مُمددتَين سوف يتُوق إلى احتوائهما بين يدَيه.
سمع صوت الفتاة التي بجوارِه يقول: «هلا رقَصنا؟» ثم أضاف: «لا أرغب في أن تفوتَني رقصة الفالس.»
سارَعا إلى قاعة الرقص. والتفَّ ذراعُه حول خصرها، وبينما كانت عيناها الرائعتان الخجلتان تسعيان، في لحظات نادِرة، إلى مُلاقاة عينَيه، ثم تتوارَى مجددًا خلف رموشها المُرسلة، شعر آرمتيدج الشاب بعقله يغيب وبروحه نفسها تنفلت من عقالها. أثنت الفتاة على رقصه بأسلوبها الساحر، الذي يجمع بين الحياء والاستعلاء في مزيج محبب.
فقالت له: «أنت بارع بشدة في الرقص.» ثم تابعت: «يُمكنك أن تطلب مني الرقص مجددًا، في وقت لاحق.»
دوَّتْ في عقله كلمات سمعها في ذلك المستقبل الضبابي الذي يُطارد مخيلته. «لو كنت أعرف نفسي حينها، لكنتُ أدركت أن مهارتك في الرقص هي على الأرجح السبب الرئيسي وراء انجذابي إليك.»
طوال تلك الأمسية، وطوال الأشهر العديدة التي تلتها كان الحاضر والمستقبل يَتصارعان بداخله. ومثلما عانى ناثانيال آرمتيدج، طالب اللاهوت، عانت أليس بلاتشلي، التي وقعَت في حبِّه من أول نظرة، بعدما أدركت أنه أروع راقص جالت معه قاعة الرقص على أنغام موسيقى الفالس المُثيرة للحواس؛ وعانى هوراشيو كاملفورد، الصحفي والشاعر المغمور، الذي كان عملُه بالصحافة يُكسبه دخلًا يَكفيه بالكاد، لكن شِعرَه كان محطَّ إعجاب النقاد؛ وكذلك عانت جيسيكا ديروود، ذات العينين الباهرتَين، والبشرة الباهتة، التي كانت غارقة حتى أذنَيها وبلا أمل في غرام ديك إيفريت الوسيم، ذي الجسد المفتول واللحية الحمراء، والذي كان رد فعله الوحيد عندما عرف بحبها أن ضحك منها، بطريقتِه الودودة والمتعالية في آنٍ واحد، وأخبرها بصراحة قاسية أن امرأة بلا جمال لا دور لها في الحياة؛ ونال ديك إيفريت أيضًا نصيبه من المعاناة، ذلك الشاب الداهية، الذي لم يَذُق طعم الهزيمة قط، والذي نجح في ترك بصمتِه في الحي التجاري بلندن وهو لم يَتجاوَز الخامسة والعشرين من عمره، ذلك الشاب الذكي، البارِد الأعصاب كالثعالب، باستثناء عندما يَلمح وجه امرأة مليحة، أو يدًا أو كاحلًا حسَن الشكل؛ وعانَت نيلي فانشو، التي كانت وقتها في أوج جمالها الفتَّان، ومَوضع حسد النساء الأخريات وتودُّد جميع الرجال، والتي لم تحبَّ أحدًا سوى نفسها، ولم تُقدِّس شيئًا في حياتها سوى المجوهرات والفساتين الفاخرة والموائد العامرة.
في تلك الأمسية، أمسية الحفل الراقص، تشبَّث كلٌّ منهم بأمل أن تكون تلك الذكرى المستقبلية ليست سوى حلم. كانوا قد تعرَّف بعضهم على بعضٍ، وسمع كلٌّ منهم أسماء الآخرين لأول مرة بجفلة نابعة من المعرفة، وتجنَّبوا النظر في أعين بعضِهم، وسارعوا بالانخراط في حديثٍ بلا معنًى، حتى اللحظة التي انحنى فيها كاملفورد الشاب كي يَلتقِط مروحة جيسيكا، ووجَد بقايا تلك الكأس المكسورة المصنوعة من الزجاج البافاري. وعندئذٍ تحوَّلت تلك الذكرى إلى قناعة لا يُمكن التخلص منها، وأصبحت تلك المعرفة التي اكتسبوها عن المستقبل حقيقة لا بدَّ مِن تقبُّلها، مع الأسف.
الأمر الذي لم يتوقَّعوه كان أن معرفة المستقبل لم تُؤثِّر إطلاقًا على مشاعرهم في الحاضر. فيومًا بعد يوم، كان ناثانيال آرمتيدج يَزداد عشقًا لأليس بلاتشلي الساحرة. وكانت فكرة زواجها من غيره، لا سيما كاملفورد، ذلك المُتعجرِف، ذو الشَّعر الطويل، تجعل الدم يَغلي في عُروقه؛ هذا فضلًا عن أن أليس الرقيقة قد اعترَفَت له، وذراعاها تُحيطان بعنقِه، أن حياتها بدونه ستكون شقاءً يتعذَّر احتماله، وأن فكرة زواجه من امرأة أخرى، نيلي فانشو تحديدًا، تبدو لها ضربًا من الجنون. ربما كان التصرف السليم، بعدما عرَفا ما يَنتظرهما، أن يُودِّع كلٌّ منهما الآخر. فهي كانت ستَجلب التعاسة إلى حياته. ربما كان من الأفضل أن يُبعدها عنه، وأن يتركها تموت مفطورةً الفؤاد، فذلك مصيرها المحتوم. لكن كيف يستطيع هو، العاشق المتيم، أن يَجعلها تُعاني هكذا؟ كان ينبغي عليه الزواج من نيلي فانشو بطبيعة الحال، لكنه كان لا يُطيق تلك الفتاة. ألا يُعدُّ الزواج من فتاة يَكرهها بشدة لأنها قد تُصبح بعد عشرين عامًا أكثر ملاءمة له بدَلًا من الزواج من المرأة التي يُحبُّها وتُحبُّه الآن أمرًا في قمة العبث؟
أما نيلي فانشو، فلم تَستطِع مُناقشة اقتراح الزواج من قسٍّ تكرهُه فعليًّا، ولا يتجاوَز دخلُه مائة وخمسين جنيهًا سنويًّا، دون أن تَضحك. كان سيأتي زمن لا تعبأ فيه بالثروة، ولن تَكترِث روحها السامية حينها إلا بالرضا النابع من التضحية بالذات. لكن ذاك الزمن لم يكن قد حلَّ بعد. والمشاعر التي كان سوف يَجلبها معه لم يُمكنها حتى تخيُّلها، في وضعها الحالي. إن كيانها كله كان يشتهي كنوز الحياة الدنيا، وتلك الكنوز كانت في مُتناول يدَيها. أيُعقَل أن يُطلب منها التخلي عن ذلك كله لأنها لن تَكترِث به لاحقًا؛ الأمر أشبه بأن تنصح تلميذًا بالمدرسة ألا يَذهب إلى متجر الحلوى؛ لأنه عندما يَكبُر ويَصير رجلًا سوف يَتقزَّز من فكرة الحلوى التي تَلتصِق بالأسنان؟! إذا قُدِّر لقُدرتها على الاستمتاع أن تكون قصيرة الأجل، فذلك سببٌ أدعى كي تُسارع باقتناص مسرات الحياة.
وكانت أليس بلاتشلي، عندما لم يكن حبيبها بجانبِها، لا تنفكُّ تُرهق ذهنها مُمعنة التفكير في المسألة منطقيًّا. ألم يكن من الحماقة أن تتسرَّع بالزواج مِن ناث العزيز؟ في سنِّ الأربعين كانت سوف تتمنَّى لو كانت قد تزوَّجت شخصًا آخر. لكن معظم النساء في سن الأربعين يتمنَّين لو كنَّ قد تزوَّجن من شخص آخر، وقد توصَّلَت إلى هذا الاستنتاج من المحادثات التي كانت تسمعها فيما حولها. إذا أنصتت كل فتاة في العشرين من عمرها إلى ما سوف تقوله عندما تبلغ الأربعين، فلن تتزوَّج أي فتاة. ففي سنِّ الأربعين، ستكون امرأة مختلفةً كليًّا. وتلك المرأة الأخرى الكبيرة في السن لم تُثِر اهتمامها. ولم يبدُ لها من الصواب أن يُطلَب من فتاة شابَّة أن تُفسد حياتها لا لسبب إلا لإرضاء نفسها عندما تكون في مُنتصَف العمر. وعلاوة على ذلك، من كانت ستتزوَّج غيره؟ كاملفورد ما كان ليَقبل بها أبدًا؛ فهو لم يرغب فيها حينها؛ وما كان ليرغب فيها في سن الأربعين. لأسباب عمَلية، كان كاملفورد خيارًا مُستحيلًا. قد تتزوَّج شخصًا آخر كليًّا، وتُعاني من مصير أسوأ. وقد تصير عانسًا؛ كانت تكره الكلمة نفسها. إنْ حالَفَها الحظ، قد تُصبح صحفية ذات أصابع ملطَّخة بالحبر؛ وهي لم يكن يُعجبها ذاك المصير. أيكون زواجها مِن ناث العزيز فعلًا أنانيًّا؟ أيَنبغي أن ترفض الزواج منه حفاظًا على مصلحته؟ إنَّ نيلي، تلك القطة الصغيرة، التي سوف تُناسبه في سن الأربعين، ما كانت لترضى به الآن. وإذا كان سيتزوَّج امرأة أخرى غير نيلي، فليتزوَّجها هي إذن. لا يُمكن أن يُصبح قسًّا عَزَبًا؛ فكلمة عَزَب نفسها تكاد تبدو وصفًا غير مُلائم لقس. هذا فضلًا عن أن ناث الحبيب ليس من النوع الذي يظلُّ عَزَبًا. إذا أبعدته عنها لكانت ستَدفع به إلى أحضان فتاةٍ لَعُوب ماكرة. ماذا بوُسعِها أن تفعل؟
في سن الأربعين، وتحت تأثير ثناء النقاد على شعره، كان سيُقنع كاملفورد نفسه بأنه نبيٌّ مُرسَل، وأن حياته كلها يَنبغي أن تُكرس لإنقاذ البشرية. بيد أنه، في سنِّ العشرين، كان يشعر بالرغبة في عيش حياته. وكانت جيسيكا، تلك الفتاة غريبة المظهر ذات العينين الخلابتَين بما تُخفيانه من أسرار، تهمه أكثر مِن باقي أفراد الجنس البشري مُجتمعين. إن معرفة المستقبل، في حالته، لم تُفضِ إلى شيء سوى تأجيج شهوته. فالبشَرة الباهتة سوف يَكسُوها اللونان الأبيض والوردي، والذراعان والساقان النحيفتان سوف تُضحِيان مُمتلئتَين ومتناسقتَين، والعينان اللتان يلمح فيهما الآن نظرة ازدراء سوف تشعان يومًا ما ببريق الحب عند رؤيته. لقد كان يأمُل في حدوث ذاك التحوُّل؛ والآن أضحى متيقنًا من حدوثه. في سنِّ الأربعين، يكون الفنان أقوى من الإنسان؛ لكن في سنِّ العشرين يكون الإنسان أقوى من الفنان.
«فتاة غريبة المظهر»، هكذا كان أغلب الناس سيَصِفون جيسيكا ديروود. وقليلون من كانوا سيتخيَّلون أنها ستَصير السيدة كاملفورد اللطيفة الهادئة البال عند بلوغها منتصف العمر. فشهواتها الجسدية التي تأجَّجت في سن العشرين استُنفدت طاقاتها في سن الثلاثين. في سن الثامنة عشرة، كانت جيسيكا غارقة بجنون في حبِّ ديك إيفريت ذي اللحية الحمراء والصوت العميق، حتى إنها كانت لتُلقي بنفسها مسرورةً تحت قدمَيه إذا أشار إليها بطرف إصبعه، وذلك كله على الرغم من المعرفة التي تُحذِّرها مسبقًا من الحياة البائسة التي كانت تَنتظرُها حتمًا معه، على الأقل حتى يَنضج جمالها على المهل بما يجعلُه رهن إشارتها؛ وحينئذٍ ستكون قد أضحت تزدريه. لكن نفسها حدَّثتها بأنَّ الحظ الحسن حليفها؛ إذ لا داعيَ لأن تخشى تغيرًا في موقف ديك، على الرغم من معرفة كلٍّ منهما بالمستقبل. فجمال نيلي فانشو كأنَّما قد أسرَه بسلاسل من حديد، ونيلي ما كانت لتدَع هذ الصيد الثمين يُفلت من يدَيها. وصحيح أن الرجل الذي يهواها يُثير ضيقها أكثر من أي رجل آخر، لكنه على الأقل سيؤمِّن لها ملاذًا يَقيها العوز. إذ كانت جيسيكا فتاة يتيمة، ربَّاها قريب بعيد لها. ولم تكن من الأطفال الذين يَجتذبون محبَّة الآخرين. بل كانت ذات طابع صامت جدِّي، ترى كل فعلٍ فظٍّ طائش إهانة لها أو خطيئة في حقِّها. وبدا لها أن قبول كاملفورد الشاب هو المهرَب الوحيد من حياة أصبحت تراها ابتلاءً. وفي سنِّ الواحدة والأربعين كان سيتمنَّى كاملفورد لو ظل عَزَبًا؛ لكنها كانت ستكون وقتها في الثامنة والثلاثين ولن يُضايقها ذلك. بل ستكون هي نفسها على يقين أن وضعه الآن أفضل كثيرًا. ففي غضون تلك السنوات، كان سيكون قد تولَّد بداخلها إعجاب ناحيته واحترام له. سيكون مشهورًا، وسوف تَفتخِر به. كانت دموعها تَنهمِر رغمًا عنها فوق وسادتها شوقًا لديك الوسيم، لكن خفَّف مِن حزنها فكرة أن نيلي فانشو كانت، بطريقة ما، تحرُسها، وتحميها من رغباتها.
أما ديك فكان يُحدِّث نفسه عشر مرات يوميًّا بأنه كان يَنبغي عليه الزواج من جيسيكا. ففي سن الثامنة والثلاثين، كان سيراها نموذجًا للكمال. بيد أنه كان يقشعر عند النظر إليها الآن وهي في الثامنة عشرة. في سن الثلاثين، كانت ستَفقِد نيلي جمالها وسيَفقِد هو اهتمامه بها. لكن متى نجح التفكير في المستقبل في كبح جماح الهوى؛ هل توقَّف عاشق أبدًا لحظة ليُفكِّر فيما يحمله الغد؟ إذا كان جمال نيلي سريع الزوال، ألا يُعدُّ ذلك سببًا أدعى لاقتناصِه بينما لا يزال مُتوهجًا؟
في سن الأربعين، كانت ستُصبح نيلي فانشو قديسة. غير أن هذا المستقبل المُحتمَل لم يُسعدها؛ فهي تكره القدِّيسين والقديسات. وكانت ستُحبُّ حينئذٍ ناثانيال، الرصين المُمل؛ ما جدوى تلك المعرفة لها الآن؟ إنَّ ناثانيال لم يكن يَرغب فيها؛ فقد كان يحبُّ أليس وكانت هي تُبادله الحب. بأي منطق يجلب الثلاثة التعاسة لأنفسهم في شبابهم لربما يَشعُرون بالرضا في كُهولتهم؟ فليَعتنِ الكهول بأنفسهم وليدَعُوا الشباب لفطرتهم. فليُعانِ القدِّيسون الكهول، فالمعاناة هي اختصاصهم على أي حال، وليتركوا الشباب يشربوا من كأس الحياة. من المؤسف أن ديك كان «الصيد» الوحيد المتاح، لكنه كان شابًّا ووسيمًا. الفتيات الأخريات كنَّ لا يَجدن بُدًّا من تحمُّل رجال عجائز في الستين من العمر، ومصابين بالنَّقرس.
وفوق ذلك، ثمة نقطة في غاية الخطورة جرى إغفالها. كل الأحداث التي بلغتهم من ذلك المستقبل الضبابي الذي يتذكَّرونه قد حدثت لهم لأنهم عقَدُوا الزيجات التي قد عقدوها بالفعل. لكن تلك المعرفة المستقبلية لم تُخبرهم بالمصير الذي كانوا سيَلقونه إن اختلفت اختياراتهم. في سنِّ الأربعين أصبحت نيلي فانشو شخصية لطيفة وودودة. ألا يَحتمل أن الحياة الشاقة التي خاضتها مع زوجها — بما تطلبته من تضحيات مُستمرة ورباطة جأش يومية — قد ساعدت على هذا التحول؟ أكان من الممكن أن تتحقَّق النتيجة نفسها إن كانت، عوضًا عن ذلك، زوجة قس فقير يضع القيم الأخلاقية السامية صوب عينَيه؟ إن الحُمى التي كانت قد سلبتْها جمالها وحوَّلت مسار أفكارها نحو العقل والرُّوح أصيبت بها لأنَّها جلست بصُحبة كونت إيطالي في شرفة دار الأوبرا بباريس؛ حيث أقيم حفل راقص بملابس تنكرية. لو كانت زوجة قسٍّ تعيش في حي إيست إند بلندن، فمِن المُرجَّح أنها كانت ستُفلت من الإصابة بتلك الحُمى ولن تتعرَّض لتأثيرها المُطهِّر للروح. وألَيْس من الخطر ترك امرأة فاتِنة الجمال مثلها، تفكيرها منصبٌّ على الحياة الدنيا، وتتُوق لتذوُّق ملذَّاتها، كي تحيا في فقر مع رجل لا تُحبه؟ إن تأثير أليس على ناثانيال آرمتيدج، أثناء السنوات الأولى التي شهدَت تكوُّن شخصيته، كان تأثيرًا حسنًا. أكان هو واثقًا من أن زواجَه مِن نيلي لن يُؤدي إلى تردِّي حاله؟
إذا تزوَّجت أليس بلاتشلي من فنان، فكيف كان سيَسعها التأكُّد من أنها في سن الأربعين ستظلُّ متعاطفة مع المُثُل العليا الفنية؟ فحتى عندما كانت طِفلة، ألم تكن رغباتها دائمًا تَسير في الاتجاه المعاكس لرغبات مُربيتها؟ ألم تُؤدِّ قراءة الصحف المحافظة إلى دَفعها بخُطًى ثابتة نحو الراديكالية، وألن يُؤدِّي الفيض المتواصل من الأحاديث الراديكالية حول طاولة زوجها، الفنان، إلى دفعها دفعًا للبحث عن حُججٍ تَدعم النظام الإقطاعي؟ ألا يُمكن أن يكون تنامي النزعات البيورتانية لدى ناثانيال هي التي دفعتْها إلى اشتهاء البوهيمية؟ وبفرض أنها تزوَّجت فنانًا جامحًا، ثم ما إن قاربت مُنتصَف العمر حتى قررت فجأة أن «تتديَّن»، حسب التعبير الشائع، كيف كان سيكون حالها حينئذٍ؟ كان سيَصير وضعها أسوأ من وضعها الأصلي.
كاملفورد رجل ضعيف البِنية. وإذا ظلَّ عَزَبًا شارد الذهن، لا يجد من يهتمُّ بتنظيم وجباته والتأكد من تعرُّض ملابسه وأغراضه لتهوية جيدة، فهل كان سيَعيش ليبلغ الأربعين؟ كيف كان سيَسعه التأكد من أن الحياة الأسرية لن تُضيف إلى فنِّه أكثر مما أخذت منه؟
أما جيسيكا ديروود، ذات الطابع العاطفي والانفعالي، فإذا ارتبطَت بزوجٍ سيئ، فربما كانت ستَصلُح في سنِّ الأربعين نموذجًا لتمثالٍ يُجسِّد إيرينيس، إحدى إلهات الانتقام. فجمالها لم يكن ليتبدَّى لو لم تكن حياتها هادئةً ومريحة. إنَّ جمالها من النوع الذي يَتطلَّب سكونًا وطمأنينة كي يَنضجَ على مهَل.
كان ديك إيفريت رجلًا يَعرف نفسه جيدًا. ومن ثَم كان يعرف أنه إذا تزوَّج جيسيكا، فمن المستحيل أن يَظلَّ طوال عشر سنوات زوجًا مُخلصًا لزوجة بلا جمال. هذا فضلًا عن أن جيسيكا لم تكن من النساء التي يُمكنُها الصبر كثيرًا على زوجها. فإذا تزوَّجَها في سن العشرين من أجل جمالها عندما تبلغ الثلاثين، فمِن المرجَّح أن تطلب منه الطلاق مع بلوغها سنَّ التاسعة والعشرين.
كان إيفريت رجلًا عمليَّ التفكير. لذا أخذ على عاتقه مُهمَّة حسم هذه المسألة. وهكذا اعترف المسئول عن توزيع المشروبات في الحفل الراقص أنَّ مخزون الكئوس لديه قد يَتسرَّب إليه أحيانًا كأسٌ أو اثنتان مصنوعتان من الزجاج الألماني. وقد اعترف أحد النُّدُل بالحفل أنه كسر أكثر من كأس نبيذ في تلك الأمسية بعينها؛ وذلك بعدما تلقَّى وعدًا بأنَّ أحدًا لن يُطالبه بدفع ثمنها؛ وأضاف كذلك أنه مِن غير المُستبعَد أن يكون قد حاوَلَ إخفاء بقايا تلك الكئوس أسفل نخلة قريبة منه. من الواضح إذن أنَّ المسألة برمَّتها كانت حلمًا. كان ذلك هو القرار الذي خلصَت إليه المجموعة الشابَّة وقتها، وبناءً عليه عُقدت ثلاث زيجات في غُضون تسعة أشهر.
بعد ذلك بنحو عشر سنوات حكى لي آرمتيدج القصَّة في تلك الأمسية في غرفة التدخين في النادي. كانت السيدة إيفريت قد تعافَت لتوِّها مِن حُمى روماتيزمية حادَّة، أصيبت بها في الربيع السابق في باريس. أما السيدة كاملفورد، التي لم أَلتقِها قبل زواجها، فقد بدَت لي بالتأكيد واحدة مِن أجمل مَن رأيتُ في حياتي من النساء. وأرى أنَّ السيدة آرمتيدج، التي كنتُ أعرفها قبل زواجها، قد أضحت تتمتَّع بجاذبية تفوق ما كان لديها في شبابها. لم أستطع أبدًا أن أفهم ما الذي جذبها إلى آرمتيدج. بعد نحو عشر سنوات من تلك الأُمسية في النادي، سطع نجم كاملفورد في عالم الشعر، لكن المسكين لم يَعِش طويلًا ليتمتَّع بشهرته. أما ديك إيفريت فلا يزال أمامه ستُّ سنوات أخرى من العمل كي يُسدِّد ديونه، بيد أنه حسَنُ السلوك، ويُقال إنَّ التماسًا سوف يُقدَّم للعفو عنه.
أعرف أنها قصة عجيبة من أوَّلها إلى آخرها. وكما قلتُ في البداية، أنا نفسي لا أُصدقها.
مختارات من القصص القصيرة |
روح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام
في سالف الأيام، عاش في مدينة زاندام، التي تقَع بالقرب من خليج زويدر زي، رجلٌ شرير يُدعى نيكولاس سنايدرز. كان رجلًا بخيلًا وقاسيًا، وغليظ الطبع، ولم يَهوَ في هذا العالم سوى شيء واحد؛ ألا وهو الذهب. وحتى الذهب لم يكن يُحبُّه لذاته. بل أحب السلطة التي كان الذهبُ يَمنحها له؛ سلطة ممارسة الظلم والقهر، سُلطة التسبُّب في معاناة الخلق متى شاء. قال الناس إنه بلا رُوح، لكنهم أخطئوا في ذلك. فجميع الرجال يَملكون روحًا، أو بالأصح تمتلكهم أرواحهم؛ وروح نيكولاس سنايدرز كانت رُوحًا شريرة. كان يعيش في طاحونة هوائية قديمة لا تزال قائمة على المرسى، حيث تخدمه فقط الفتاة كريستينا وتتولَّى جميع المهامِّ المنزلية. كانت كريستينا فتاةً يتيمة، مات والداها وهما مَدينان. كان نيكولاس قد برَّأ ذمَّتهما، ولم يُكلِّفه ذلك سوى بضع مئات مِن الفلورين، في مقابل أن تعمل كريستينا لدَيه دُون أجر، وكان ذلك جميلًا لم تنسَه كريستينا أبدًا. كانت كريستينا هي جُلُّ أهل بيته، ولم يَكن يزوره أحد، طوعًا، سوى الأرملة تولاست. كانت السيدة تولاست غنيةً، وكادَت أن تُضاهيَ نيكولاس في البُخل. وذات مرة سألها بصوتِه الأجش: «لمَ لا نتزوَّج أنا وأنتِ؟» ثم أضاف: «إذا وحَّدنا قُوانا فسوف نَصير سادة زاندام كلها.» أجابَتْه السيدة تولاست بضِحكة مُجلجِلة، لكن نيكولاس لم يكن مُتعجِّلًا أبدًا.
وفي عصر أحد الأيام، كان نيكولاس سنايدرز جالسًا وحده إلى مكتبِه، في مركز الغرفة الكبرى الشبه الدائرية التي شغلَتْ نصف الطابق الأرضي مِن الطاحونة الهوائية، والتي كانت بمَنزلة مقرِّ عمله، عندما سمع طرقاتٍ على الباب الخارجي.
صاح نيكولاس سنايدرز قائلًا: «ادخل.» بيد أن نَبرة صوته كانت ألطف كثيرًا من نبرته المعتادة. إذ كان متيقنًا بشدة مِن أنَّ الطارق هو يان، يان فان دير فورت، البحار الشاب، الذي امتلَكَ سفينة لتوِّه، والذي جاء طالبًا يد كريستينا. وبينما جلَس نيكولاس يترقَّب هذا اللقاء، كان يَتلذَّذ بتخيُّل البهجة التي سيَشعُر بها عند تحطيم آمال يان، عند سماع توسُّلاته ثم هذَيانه الغاضب، عند مُشاهدة الشحوب وهو يَغزُو وجهه الوسيم تدريجيًّا بينما يُوضِّح له نيكولاس، تفصيلًا، عواقب تحدِّي إرادته؛ فأولًا سوف يَطرُد أم يان العجوز مِن منزلها، وسيُودِع أباه العجوز في السجن لما عليه مِن ديون؛ وثانيًا، سيُنزل انتقامه بِيان نفسه دون ذرَّة ندم، فسيَبتاع السفينة التي يَنوي شراءها قبل أن يُتم صفقتَه. كان اللقاء المُرتقَب مع يان تسلية تُلائم روح نيكولاس الدنيئة. ومنذ أن عاد يان أمس، كان نيكولاس يتطلَّع إلى هذا اللقاء. لذا، تخلَّلت البهجة صوتَه عندما صاح: «ادخل»؛ إذ كان متأكِّدًا أنَّ القادم هو يان.
لكن القادم لم يكن يان. كان شخصًا لم يرَه نيكولاس سنايدرز قبلًا. ولم يكن ليراه مُجدَّدًا بعد هذه الزيارة الوحيدة. كان ضوء النهار آخذًا في التلاشي، لكنَّ نيكولاس سنايدرز لم يكن ليُضيء الشموع قبل حُلول الظلام التام، لذا لم يَستطِع قطُّ وصفَ مظهر الغريب بأيِّ وجه مِن الدقة. بدا له رجلًا عجوزًا، لكن جميع حركاته كانت تُوحي بالتيقُّظ والانتباه؛ أما عيناه، وهما الشيء الوحيد الذي رآه نيكولاس بقدرٍ من الوضوح، فكانتا ثاقبتَين ومتَّقدتَين ببريقٍ غريب.
سأله نيكولاس سنايدرز، دون أن يَبذل جهدًا لإخفاء إحباطه: «مَن أنت؟»
أجابه الغريب: «أنا بائع مُتجوِّل.» كان صوته واضحًا، لا يخلو مِن رخامة، ومن مسحة ضئيلة من الخبث.
رد نيكولاس سنايدرز بجفاء: «لا أريد شيئًا.» ثم أضاف: «اخرُج وأَغلِق الباب خلفَك، وانتبه لعتبة الباب في طريقِك.»
لكن الغريب لم يُغادر، بل حمَل كرسيًّا وجلس على مقربة من نيكولاس، مُتواريًا في الظل، ثم نظر مباشرةً إلى وجهِه وضحك.
ثم قال: «أأنت مُتأكِّد من ذلك، يا نيكولاس سنايدرز؟ أأنتَ مُتأكِّد من أنك لا ترغَب في شيء؟»
دمدم نيكولاس قائلًا: «لا أرغب في شيء سوى أن أرى ظَهرك وأنت تُغادر.» انحنى الغريب إلى الأمام ولمَس بيده الطويلة النَّحيلة ركبة نيكولاس سنايدرز مازحًا. ثم سأله: «ألا تَرغب في رُوح، يا نيكولاس سنايدرز؟»
وقبل أن يَستعيد نيكولاس قُدرتَه على الكلام، أردف البائع المُتجوِّل الغريب: «فكِّر في الأمر.» ثم تابع: «لقد تلذَّذتَ بمَذاقِ القسوة والدناءة طوال أربعين عامًا. ألم تسأم مِن ذاك المذاق يا نيكولاس سنايدرز؟ ألا تُحبِّذ تغييرًا؟ فكِّر في الأمر يا نيكولاس سنايدرز؛ فكِّر في مُتعة أن يُحبَّك الناس، في أن تَسمعَهم يُثنون عليك بدلًا من أن يَلعنوك! ألن يكون ذلك أمرًا مُسليًا، يا نيكولاس سنايدرز، على سبيل التغيير ليس إلا؟ وإذا لم يُعجبْك الوضع، فبإمكانك العودة عن قرارك والرجوع إلى طبيعتِك مجدَّدًا.»
لم يستطع نيكولاس سنايدرز، بينما كان يَستعيد ما حدَث لاحقًا، أن يُدرك أبدًا لمَ ظلَّ جالسًا في مكانه، يَستمِع في صبر لحديث هذا الغريب؛ إذ بدا له الأمر، وقت حُدوثه، مجرَّد دُعابة صادِرة من عابر سبيل أحمق. لكنَّ شيئًا ما في ذلك الغريب كان قد أثَّر في نفسه.
تابَع البائع الغريب الأطوار: «معي الوسيلة التي ستُمكِّنك من ذلك؛ أما فيما يخصُّ المقابل …» قام الغريب بحرَكة تُشير إلى أنَّ هذه التفاصيل المُملة لا تُهمه. ثم أضاف: «إنَّ مشاهدة نتيجة التجربة هي المقابل الذي أُريده. اعتبِرني فيلسوفًا. فلديَّ اهتمامٌ بتلك المسائل. انظر.» ثم انحنى وأخرج مِن حقيبتِه الموضوعة بين ساقَيه قنينةً فضِّية مُتقَنة الصنع ووضَعَها على الطاولة.
وواصل حديثه شارحًا: «إنَّ طعم المادة التي بها ليس كريهًا.» ثم أضاف: «إنه مُرٌّ بعض الشيء، لكن لا تَحتسِ كوبًا كاملًا منها، بل ملء كأس نبيذٍ فحسب، مثلما تَحتسي نبيذ توكاي العتيق، وينبغي أن يُركز ذهن الطرفَين الشاربَين على فكرة واحدة: «فلتحلَّ رُوحي فيه، ولتحلَّ روحُه فيَّ!» إنها عملية بسيطة حقًّا، والسر يَكمُن في هذه المادة.» ثم ربَّت على القنينة الغريبة كما لو كانت كلبًا صغيرًا.
«ستقول: «ومَن ذا الذي سيُبادل رُوحه بروح نيكولاس سنايدرز؟»» هكذا أضاف الغريب الذي بدا أنه جاء وهو جاهِز بإجابات على جميع الأسئلة. ثم استطرد قائلًا: «يا صديقي أنتَ رجلٌ ثري، فلا داعي لأن تَخشى شيئًا. فالرُّوح هي الأقل قيمة بين جميع ما يَملكه الرجال. اختر الرُّوح التي ترغب بها واعقِد الصفقة بشُروطكِ. سأدَع ذلك الأمر لك لكنِّي سأُخبرُك بنصيحة واحدة فقط: ستَجد الشباب أكثرَ ترحيبًا بعقد تلك الصفقة مِن العَجائز؛ الشباب الذين يَعدُهم العالم بكل شيء شرط أن يَدفعوا مقابله ذهبًا. اختَر رُوحًا شابَّة ونضرة ورقيقة وجميلة يا نيكولاس سنايدرز، واختَرها سريعًا. فقد بدأ الشيب يَغزو شَعرك يا صديقي. فلتُسرع كي تتذوَّق لذة العيش قبل أن يُدركَك الفناء.»
ضحكَ البائع الغريب وبينما كان يَنهض أغلق حقيبتَه. وظلَّ نيكولاس سنايدرز جالسًا دون أن يَتحرَّك أو يَنطق، حتى انتبه مع صليل الباب الضخم إذ يَنغلِق. فانتزع القنينة التي تركها الغريب، وانتفَض واقفًا، عازمًا على إلقائها خلفه في الشارع. لكن انعكاس ضوء النيران على سطح القنينة المصقول أوقَف يده.
ثم ضحك ضحكة خافتة أتبعها بقوله: «على أيِّ حال، تبدو قنينة قيِّمة»، ووضعها جانبًا، وأضاء الشمعتَين الطويلتَين، وجلس دافنًا وجهه مجددًا في سجلِّ الحسابات ذي الغلاف الأخضر. ورغم ذلك كانت عيناه تَشرُدان، بين الحين والآخر، ناحية القنينة الفِضية التي ظلَّت في مكانها تكاد الأوراق المتربة تُخفيها. ولاحقًا سمع ثانيةً طرقًا على الباب، وهذه المرة دخل يان الشاب.
مدَّ يان يده الفتية عبر المكتب الذي تعمُّه الفوضى.
وقال: «لقد افترَقنا غاضبَين في لقائنا السابق يا نيكولاس سنايدرز. وقد كان الخطأ خَطئي. أرجو أن تُسامحَني. كنتُ فقيرًا وقتها. وكان فعلًا أنانيًّا منِّي أن أطلب يد الفتاة الصغيرة كي تُشاركني الفقر. لكني لم أَعُد فقيرًا الآن.»
رد نيكولاس سنايدرز بنَبرة لطيفة قائلًا: «اجلس.» ثم أضاف: «لقد سمعتُ بما آل إليه أمرك. لقد أصبحت الآن قائد سفينة ومالكها، سفينتك الخاصة.»
ضحك يان مُعلِّقًا: «ستُصبِح سفينتي الخاصة بعد رحلة واحدة أخرى.» ثم أضاف: «لقد وعَدَني ألارت، عمدة المدينة، بذلك.»
قال نيكولاس: «الوعد شيء، والوفاء به شيء آخر.» ثم أردَف: «العمدة ألارت ليس رجلًا ثريًّا، وقد يُغريه عرضٌ آخر أعلى سِعرًا. وقد يَسبقُك أحدُهم ويَستحوِذ على مِلكية السفينة.»
ضحك يان. ثم قال: «لن يُقدِم على ذلك سوى عدوٍّ لي، لكنِّي، والحمد لله، ليس لي أعداء.»
علَّق نيكولاس: «يا لحُسنِ حظك؛ قليلٌ منَّا مَن ليس لهم أعداء. ماذا عن والدَيك، يا يان؛ هل سيَعيشان معكما؟»
أجابه يان: «كنَّا نتمنَّى ذلك، أنا وكريستينا. لكنَّ أمي أضحت ضعيفة. وقد اعتادَت على الحياة في الطاحُونة القديمة.»
وافقه نيكولاس قائلًا: «يُمكنني تفهُّم ذلك. إذا اقتلعتَ نباتًا مُعترشًا قديمًا بعيدًا عن الحائط الذي ينمو عليه، فسوف يَذبُل ويموت. وماذا عن أبيك يا يان؛ إذ سوف يُثرثِر الناس بشأنه؟ هل الطاحونة تدرُّ دخلًا؟»
هز يان رأسه نافيًا. وردَّ بقوله: «لن تدرَّ دخلًا مجدَّدًا أبدًا، والديون تُحاصرُه. لكنِّي أخبرته أن تلك أمور مضَت وانتهَت. فقد وافق الدائنون على التوجُّه إليَّ بمَطالبهم والانتظار حتى أُسدِّدَها.»
تساءل نيكولاس: «جميع الدائنين؟»
ضحك يان مُعلِّقًا: «كل مَن عرفتُ بوجُودهم.»
دفع نيكولاس سنايدرز كرسيَّه إلى الوراء، ونظر إلى يان بينما تَرتسم ابتسامة على وجهه المجعَّد. ثم أردف: «إذن، رتَّبتَ أنت وكريستينا كل شيء؟»
رد يان: «شريطة أن نحُوز مُوافَقتك يا سيدي.»
سأله نيكولاس: «هل ستَنتظِران حتى تَحصُلا على مُوافَقتي؟»
«نودُّ أن نَحصُل عليها يا سيدي.» هكذا قال يان مبتسمًا، بيد أن نبرة صوته كان لها وقعٌ حسن في أذن نيكولاس سنايدرز. فلَطالَما فضَّل ضرب الكلاب التي تُزمجر وتَكشِف عن أنيابها.
قال نيكولاس سنايدرز: «حريٌّ بكما ألا تَنتظراها.» ثم أضاف: «فقد يطُول انتظاركما.»
نهض يان وقد احمرَّ وجهُه غضبًا. وردَّ قائلًا: «إذن لن يُغيِّر شيء من رأيك يا نيكولاس سنايدرز. حسنًا افعل ما في وُسعِك.»
رد نيكولاس: «هل ستتزوَّجها رغمًا عن إرادتي؟»
صاح يان ثائرًا: «رغمًا عنك، وعن أصدقائك الشياطين، وعن سيِّدك إبليس نفسه!» فقد كانت رُوح يان روحًا كريمة وشجاعة وحسَّاسة، لكنَّها سريعة الغضب إلى حدٍّ بعيد. فحتى أفضل الأرواح لها عيوبها.
قال نيكولاس العجوز: «أنا آسِف.»
رد يان: «يسرُّني سماع ذلك.»
لكن نيكولاس استطرد قائلًا: «أنا آسف على أمِّك.» ثم تابع حديثه: «أخشى أن السيدة المسكينة ستُصبِح مشرَّدة في شيخوختها. فسوف تُباع الطاحونة القديمة المرهونة في يوم عُرسِك يا يان. وأنا آسف على والدك يا يان. فقد أغفلتَ واحدًا من دائنيه يا يان. يُؤسفني ما سيَلقاه من مصير يا يان. فلطالَما خشيَ السجن. وآسِف حتَّى عليك أنت أيضًا، يا صديقي الشاب. سوف تُضطرُّ إلى بدء حياتك مِن الصفر مجدَّدًا. فالعمدة ألارت رهن إشارتي. وكلُّ ما عليَّ فعله هو التصريح برغبتي في شراء السفينة وسوف تُصبِح لي. أتمنَّى لك السعادة مع عَروسِك، يا صديقي الشاب. لا بد أنك تُحبُّها حبًّا جمًّا؛ فسوف تدفع ثمنًا غاليًا مُقابل الزواج منها.»
كانت الابتسامة العريضة التي علَت وجه نيكولاس سنايدرز هي ما أثارت جنون يان. فأخذ يبحث عن شيء يُلقيه مباشرة تجاه ذلك الفم الكريه ليُخرسَه، وبالصدفة وقعت يده على قنينة البائع الفضية. في اللحظة نفسها كانت يد نيكولاس سنايدرز تَقبِض عليها أيضًا. وتبدَّدت البسمة العريضة من فوق وجهِه.
صاح نيكولاس سنايدرز آمرًا: «اجلس.» ثم تابع قائلًا: «دعنا نُواصِل حديثنا.» وكان ثمة شيء في نبرة صوتِه حملت يان الشاب على إطاعته.
«ربما تتساءل، يا يان، لمَ أَنشُد الغضب والكراهية دومًا. أحيانًا ما أسأل نفسي السؤال نفسه. لمَ لا تَرِد بذهني أفكارٌ حسنة أبدًا، مثلَما ترد إلى غيري من الرجال؟! اسمع، يا يان، أشعُر أنني في مزاج طائش. ما سأقولُه مُستحيل الحدوث، وإذا ظننته مُمكنًا فذلك مجرَّد نزوة مِن نزواتي. بِع لي روحك يا يان، بع لي رُوحك، كي أتمكَّن بدوري من تذوُّق الحب والسعادة اللذَين أسمع عنهما. بعها لي لبعض الوقت يا يان، لبعض الوقت ليس إلا، وسوف أمنحُك كلَّ ما تَشتهيه في المقابل.»
وعلى الفور أمسَكَ الرجل العجوز بقلمِه وشرع يكتب.
«انظر يا يان، ها هي السفينة قد صارتْ مِلكَكَ، بدون مشاكل؛ والطاحونة صارت خالصة من الديون، ويستطيع أبوك أن يَرفع رأسه عاليًا من جديد. كلُّ ما أطلبه، يا يان، هو أن تحتسيَ كأسًا معي راغبًا في أن تَنتقِل رُوحك من جسدك كي تُصبح رُوح نيكولاس سنايدرز العجوز؛ لبعض الوقت، يا يان، لبعض الوقت ليس إلا.»
وبيدَين محمومتَين نزع الرجل سدادة القنينة التي أعطاها له البائع المتجوِّل، وصبَّ القليل من محتواها في كأسين متماثلتين. رغبَ يان في الضحك، لكن تلهُّف الرجل كاد يبلغ حالة من الهياج. لا شك أنه كان مجنونًا، لكن ذلك لا يجعل الورقة التي وقَّعها غير مُلزِمة. الرجل الحقُّ لا يمزح عندما يتعلَّق الأمر برُوحه، لكنَّ وجه كريستينا كان يتراءى ليان مُضيئًا وسط العتمة.
همس نيكولاس سنايدرز: «ستَعني ما ستقول، أليس كذلك؟»
أجاب يان، بينما يُعيد كأسه فارغة إلى الطاولة: «فلتَنتقل رُوحي من جسدي ولتحلَّ بجسد نيكولاس سنايدرز!» وللحظة من الزمن وقَف الرجلان يَنظر كلٌّ منهما في عينَي الآخر.
عندئذٍ ارتجفَ ضوء الشمعتَين الطويلتَين على المكتب المكتظ، ثم انطفأتا، وكأن أحدًا قد أطفأهما، الواحدة تلو الأخرى، بنفحة هواء من فمِه.
تردَّد صوت يان في الظلام قائلًا: «عليَّ أن أعود إلى منزلي.» ثم استطرد قائلًا: «لمَ أطفأت الشمعتَين؟»
أجابه نيكولاس: «يُمكننا إشعالهما مجددًا مِن نيران المدفأة.» ولم يُضِف أنه كان ينوي طرح السؤال نفسه على يان. دفع نيكولاس الشمعتَين، الواحدة تلو الأخرى، نحو الحطب المُستعِر في المدفأة، وسرعان ما زحفت الظلال عائدةً إلى أركان الغرفة.
سأل نيكولاس: «ألن تمرَّ على كريستينا قبل ذهابك؟»
أجابه يان: «لا، ليس هذه الليلة.»
قال نيكولاس مُذكِّرًا إياه: «الورقة التي وقَّعتها، هل أخذتها؟»
ردَّ يان: «لقد نسيتها.»
تناوَلَ الرجل العجوز الورقة من فوق المكتب وناولها له. فدفَعها يان في جيبه ومضى خارجًا. أوصد نيكولاس الباب خلفه وعاد إلى مكتبِه؛ وجلَس طويلًا إليه ساندًا مِرفقَيه على سجلِّ الحسابات المفتوح.
ثم دفَع السجلَّ بعيدًا وضحك. وحدَّث نفسه قائلًا: «يا لها مِن حماقة! تلك أمور مُستحيلة! لا بد أن ذلك الرجل الغريب قد سحَرني.»
عبر نيكولاس الغرفة متَّجهًا نحو المدفأة، وشرع في تدفئة يدَيه أمام النيران المتوهِّجة. وقال في نفسه: «رغم كل شيء، يُسعدني أنه سيتزوَّج الفتاة الشابة. إنه فتًى صالح، فتًى صالح.»
لا بد أن النعاس قد غلب نيكولاس أمام المدفأة. فعندما فتح عينَيه، استقبلهما ضوء الفجر الرمادي. كان جسده مُتيبسًا وكان يَشعُر بالبرد والجوع، وبغضبٍ أكيد. لمَ لم توقظه كريستينا وتجلب له عشاءه؟ أظنَّت أنه يَنوي قضاء ليلته جالسًا على الكرسي الخشبي؟ إنها فتاة حمقاء. كان سيصعد السلالم ويُخبرها عبر الباب برأيه فيها.
كان الطريق إلى الدَّور العُلوي يمرُّ بالمطبخ. وهناك اندهش لمرأى كريستينا جالسة على مقعد، غافية أمام الموقد المنطفئ.
تمتمَ نيكولاس محدثًا نفسه: «عجبًا، يبدو أن أهل هذا البيت لا يَعرفون فائدة الأسِرَّة!»
لكن تلك الفتاة النائمة لم تكن كريستينا، هكذا حدث نيكولاس نفسه. إذ إن وجه كريستينا كان يكسُوه تعبير يُذكِّر المرء بأرنبٍ مذعور؛ لطالَما أثار ذاك التعبير ضيقَه. بيد أن تلك الفتاة، حتَّى في نومها، كان يعلو وجهها تعبيرٌ وقح؛ تعبير وقح بيد أنه محبَّب إلى النفس. وعلاوةً على ذلك، تلك الفتاة كانت جميلة؛ رائعة الجمال. وقطعًا لم يرَ نيكولاس فتاة جميلة هكذا طيلة حياتِه. عجبًا، كانت الفتيات مُختلفات تمامًا عندما كان نيكولاس شابًّا! وفجأةً استحوذ على نيكولاس شعورٌ شديد بالمرارة؛ كأنَّما أدرك لتوِّه أنه سُلب شيئًا منذ زمن بعيد دون أن يَعيَ ذلك حينها.
تلك الطِّفلة لا بدَّ أنها كانت تشعر بالبرد. جلب نيكولاس عباءَته المبطَّنة بالفِراء ولفها حولها.
ثمَّة شيء آخر كان عليه فعله. خطرت له تلك الفكرة بينما يَبسُط عباءته حول كتفَيها، برفقٍ شديد كي لا يُقلق منامها؛ ثمَّة شيء رغب في فعله، ليته يتذكر ما هو. كانت شفتا الفتاة مُنفرجتَين. وبدت كأنَّما تُحدِّثه، تطلُب منه فعل ذاك الشيء؛ أو تُخبرُه بألًّا يفعله. لم يكن نيكولاس مُتأكدًا أي الأمرَين صحيح. مرةً تلو الأخرى، كان يُغادر المطبخ، ثم يتسلَّل عائدًا إلى حيثما جلست غافية بينما يعلو وجهَها ذاك التعبير الوقح المحبَّب إلى النفس، وشفتاها مُنفرجتان. لكن نيكولاس ظلَّ لا يَعرف ماذا تريد، أو ماذا يُريد هو.
ربما كانت كريستينا تعلم. ربما كانت كريستينا تعلم مَن هذه الفتاة وكيف جاءت إلى هناك. صعد نيكولاس السلالم، لاعنًا إياها لما تُصدرُه من صرير.
كان باب غرفة كريستينا مفتوحًا. لكنَّ الغرفة كانت خالية، وكان السرير مُرتبًا لأنَّ أحدًا لم يَنَم عليه. هبط نيكولاس السلالم التي تُحدِث صريرًا.
كانت الفتاة لا تزال نائمة. أتكون هي كريستينا؟ تفحَّص نيكولاس ملامحها الفاتنة، مَلمحًا تلو الآخر. لم يسبق له قط، قدر ما تُسعفه ذاكرته، أن رأى تلك الفتاة؛ رغم ذلك كانت قلادة كريستينا، التي لم يَلحَظها نيكولاس قبلًا، تُطوِّق عنقها، وتعلو وتَهبط مع حركة أنفاسها. كان نيكولاس يعرفها جيدًا؛ فقد كانت هي الشيء الوحيد الذي أصرَّت كريستينا على الاحتفاظ به من مُقتنيات أمها. لقد كانت الشيء الوحيد الذي تحدَّت إرادته كي تَحتفِظ به. إن كريستينا لم تكن لتدَع تلك القلادة تُفارقها قط. لا بدَّ أن هذه الفتاة هي كريستينا نفسها. لكن ماذا حدَث لها؟ أو ماذا حدَث له؟ فجأة تداعَت عليه الذكريات. البائع الغريب! ولقاؤه مع يان! لكن كلُّ ذلك كان حلمًا قَطعًا، أليس كذلك؟ بيد أن القنينة الفضية الخاصة بالبائع كانت لا تزال هناك على سطح المكتب الفوضوي، وبجانبِها كأسا النبيذ المتماثلتان المتَّسختان.
حاول نيكولاس أن يُفكر، لكن عقله كان يلفُّ ويدور. مرَّ شُعاع من ضوء الشمس عبر النافذة وسقَط على أرضية الغرفة المُتربة. لم يكن قد رأى نيكولاس الشمس قطُّ قبلًا؛ تلك حقيقة كان بإمكانِه أن يتذكَّرها جيدًا. مدَّ يدَيه لا إراديًّا ناحية الضوء، وشعر بحزنٍ مُفاجئ عندما تلاشى، مخلفًا وراءه الضوء الرمادي فحسب. حلَّ نيكولاس مزاليج الباب الكبير الصَّدئة ثم فتحه على مصراعَيه. أمام ناظرَيه تبدَّى عالم غريب، عالم جديد مليء بأضواء وظلال، تُغازله بجمالها؛ عالم مليء بأصوات خفيضة ناعمة تُناديه. ومجددًا راودَه ذاك الإحساس المرير بأن شيئًا قد سُلبَ منه.
غمغم نيكولاس العجوز إلى نفسه: «كانت السعادة في مُتناول يدَيَّ طوال تلك السنوات.» ثم أضاف: «هذه المدينة الصغيرة كان بوُسعي أن أُحبَّها، تلك المدينة القديمة الهادئة، ذات الطابع المحبَّب إلى النفس، طابع الوطن. كان من المُمكن أن أحظى بأصدقاء، برفاق حميمين قُدامى، بل أن أُنجب أبناءً من صُلبي …»
ثم تراءَت لعينَيه صورة كريستينا الغافية. كانت قد قَدِمت إلى بيته وهي لا تزال طفلة، لا تَحمل له سوى مشاعر الشُّكر والعرفان. لو كانت لدَيه عينان تَستطيعان رؤيتها، لربما تغيَّر كل شيء.
هل فات الأوان؟ إنه ليس عجوزًا جدًّا؛ لا يُعتبَر رجلًا هَرِمًا بأيِّ حال. بل إن دماءً جديدة تَسري في شرايينه. هي لا تَزال تحبُّ يان، لكنها تحبُّ يان الذي كان بالأمس. في المستقبل، ستتحكَّم الروح الشريرة، التي كانت يومًا ما رُوح نيكولاس سنايدرز، في كلِّ كلمة سيَنطقُها يان، وكلِّ فعل ستَقترفُه يداه؛ يتذكَّر نيكولاس هذا جيدًا. أيُمكِن أن تحبَّ امرأة رُوحًا كتلك، حتى وإن كانت تسكن جسدًا ذا وسامة لا تُضاهى؟
أيجبُ عليه، بوصفه رجلًا أمينًا، الاحتفاظ بالرُّوح التي كان قد حازها من يان بوسيلة قد يشوبُها بعض الخداع؟ أجل، يستطيع الاحتفاظ بها؛ إذ كانت الصفقة عادلة، وقد تلقَّى يان الثمن. علاوة على ذلك، يان لم يُشكِّل رُوحه بنفسه؛ بل تشكيل الأرواح يحكمه قانون الصدفة. لمَ يَنبغي أن يُمنح رجلٌ ما ذهبًا ويُمنَح آخر حصى؟ إن حقَّه في رُوح يان لا يقلُّ عن حقِّ الأخير فيها. إنه أكثر حكمة منه، وفي وسعه فعل خيرٍ أكبر بتلك الروح. إن رُوح يان هي التي أحبَّت كريستينا؛ فلندَع رُوح يان تفُز بها إن استطاعت. استمعَت رُوح يان إلى تلك الحُجج، ولم تستطِع إيجاد ما تَعترض به عليها.
كانت كريستينا لا تزال غافية عندما دخل نيكولاس المطبخ مُجدَّدًا. أشعل النار، وأعدَّ طعام الإفطار، ثم أيقظَها برفق. وحينئذٍ لم يَعُد يُساورُه شكٌّ في أنها كريستينا. ففي اللحظة التي وقعَت عيناها على وجهه العجوز، عادَت إليها نظرة الأرنب المذعور التي لطالَما ضايقَتْه في الماضي. وقد ضايقَته الآن، لكنَّ الضيق كان موجهًا نحو نفسه.
استهلَّت كريستينا الحديث قائلة: «كنتَ مُستغرقًا في نومٍ عميق عندما دلفتُ إلى الغرفة ليلة أمس …»
قاطعها نيكولاس قائلًا: «وخفتِ أن تُوقظيني.» ثم أضاف: «ظننتِ أن العجوز الفظَّ سوف يغضب. اسمعي يا كريستينا. لقد دفعتِ أمس آخر دَين مِن دُيون أبيكِ. كان يَدين به لبحَّار عجوز؛ لم أستطِع العثور عليه قبلًا. لقد قضيتِ دينكِ لي، بل يتبقَّى لكِ قدرٌ من المال، جزء مِن أجرك مقابل العمل لديَّ، مقداره مائة فلورين. ذلك مالك الخاص يُمكنكِ أن تطلُبيه منِّي وقتما تشائين.»
لم تَستطِع كريستينا فهم ما جرى، لا وقتَها ولا في الأيام التالية؛ ولم يُعطها نيكولاس تفسيرًا. إذ إن رُوح يان كانت قد انتقلت إلى رجل عجوز بالغ الحكمة، أدرك أن الطريقة المُثلى لتَناسي الماضي هو عيش الحاضر بجرأة وشجاعة. كانت مُتأكِّدة وحسب من أن نيكولاس سنايدرز القديم قد اختفى في ظروف غامِضة، وحلَّ محلَّه نيكولاس جديد، كان يتطلَّع إليها بعينَين حانيتَين؛ عينَين صريحتَين وصادقتَين، تُجبِران المرء على الوثوق بهما. وعلى الرغم من أنَّ نيكولاس لم يَقُل ذلك قط، خطر لكريستينا أنها هي نفسها مَن أحدثَت ذلك التغيير العجيب، عبر أثرِها الطيب وطبعِها الدمث. ولم يَبدُ هذا التفسير مُستحيلًا لكريستينا؛ بل بدا مُرضيًا.
أضحى منظر المكتب المكدَّس بالأوراق كريهًا في عين نيكولاس. لذا كان يخرج في الصباح الباكر، ويقضي اليوم كله بالخارج، ثم يعود في المساء مُتعبًا لكن مُبتهجًا، جالبًا معه زهورًا، كانت كريستينا تُخبره، وهي تَضحك، أنها مجرَّد حشائش. لكن ماذا تهمُّ المُسمَّيات؟ كان نيكولاس يَراها زهورًا جميلة. في مدينة زاندام، كان الأطفال يهربون منه، والكلاب تَنبح خلفه. لذا كان يفرُّ عبر الطرق الجانبية، مُتوغلًا في الريف المُحيط بالمدينة. وهناك في القرى المتناثِرة، اعتاد الأطفال على رؤية ذلك الرجل العجوز طيب القلب، الذي يَسير مُتمهلًا متكئًا على عصاه، ويُشاهدُهم بينما يلعبون مُستمعًا إلى ضحكاتهم؛ ذاك الرجل الذي كانت جيوبُه الرحبة تَذخر بالحلوى اللذيذة. وكان أهل القرى المارُّون به يتهامسون فيما بينهم مُلاحِظين التشابه بين ملامحِه وملامح نيك العجوز اللئيم، بخيل زاندام، ويتساءلون تُرى مِن أين أتى؟ ولم تكن وجوه الأطفال وحدَها هي ما علَّمت شفتَي نيكولاس الابتسام. في بداية تحوُّله، كان مُنزعجًا من حقيقة أن العالم يعجُّ بفتيات ذوات جمالٍ فتَّان، بل بنساء جميلات كذلك، جميعهنَّ جديرات بالإعجاب. أربَكَه ذلك. لكنه وجد أن كريستينا ظلَّت دومًا في خاطره الأجمل بين جميع مَن رأى من نساء، وأكثرهنَّ إثارة للإعجاب. ومنذ ذاك الحين صار كلُّ وجه جميل يُبهجه؛ إذ كان يُذكِّره بوجه كريستينا.
عند عودتِه من تجواله في اليوم الثاني، قابلتْه كريستينا والحزن في عينَيها. كان قد جاء المزارع بيرستراتر، وهو صديق قديم لوالدِها، لزيارة نيكولاس؛ وعندما لم يجدْه، تحدث قليلًا مع كريستينا. حكى لها أن دائنًا قاسيَ القلب كان يسعى لطردِه مِن مزرعتِه. تظاهرت كريستينا أنها لا تَعلم أن ذلك الدائن كان نيكولاس نفسه، وأبدَت تعجُّبها من تصرُّفات أولئك الرجال ذوي الطابع اللئيم. لم يردَّ نيكولاس بشيء، لكن في اليوم التالي قدِم المزارع بيرستراتر مُجددًا بوجهٍ فرحٍ مُستبشِر، وشرع يُردِّد عبارات الشكر ويُعبِّر عن عظيم دهشتِه.
أخذ يتساءل المزارع بيرستراتر مرةً تلو الأخرى: «لكن ما الذي يُمكن أن يكون قد حلَّ به يا تُرى؟»
ابتسَمَت كريستينا مجيبةً أنَّ الرب الرحيم قد زَرَع في قلبه الرحمة على الأرجح؛ لكنَّها فكرت في نفسها أنه ربما كان تحوُّله بفعل تأثير طيب من مصدر آخر. ذاعت القصة في المدينة. وأحاط الناس بكريستينا من كلِّ صوب، طالِبين شفاعتها لدى نيكولاس، ولما كان لتدخُّلاتها من أثر ناجع، زاد رضا الفتاة عن نفسِها يومًا بعد يوم، وزاد رضاها عن نيكولاس بالتبعية. إذ كان نيكولاس عجوزًا ماكرًا. وقد استمتَعَت رُوح يان التي بداخلِه بمحو ما ارتكبتْه رُوح نيكولاس من شرور. لكن عقل نيكولاس سنايدرز الذي لم يُغادِره قطُّ كان يَهمِس له: «فلتدَع الصَّبية الشابة تظنُّ أنها هي مَن تسبَّبت في ذلك كله.»
بلغت الأخبار مسامع السيدة تولاست. وفي الليلة نفسها كانت جالسة على المقعد المُجاوِر للمدفأة في مقابل نيكولاس سنايدرز، الذي كان يُدخِّن وبدا عليه الملل.
خاطبته السيدة تولاست قائلة: «إنَّ أفعالك تجعلُك تبدو كالأحمق يا نيكولاس سنايدرز.» ثم أضافت: «الجميع يَسخرُون منك.»
رد نيكولاس مُمتعضًا: «أُفضِّل أن يَسخروا منِّي على أن يَلعنوني.»
سألته السيدة تولاست: «هل نسيتَ كلَّ ما دار بيننا؟»
تنهَّد نيكولاس ثم أردف: «ليتَني أستطيع ذلك.»
تابعت السيدة تولاست حديثها قائلة: «في سنِّك هذا …»
قاطعها نيكولاس: «أشعر أنني أكثر شبابًا ممَّا شعرت طيلة حياتي.»
علَّقت السيدة تولاست قائلة: «لا يبدو عليك ذلك الشباب.»
ردَّ نيكولاس بحدَّة: «ماذا تُهمُّ المظاهر؟» ثم أردَف قائلًا: «إنَّ رُوح الإنسان هي الأهم.»
ردَّت السيدة تولاست مُوضِّحة: «بل لها أهمية، على أرض الواقع.» ثم استطردت قائلة: «عجبًا، إن وددتُ السير على خطاك وجعل نفسي أضحوكة، فسأَجد الكثير من الرجال الأكثر شبابًا وفتوَّة ووسامة …»
قاطعها نيكولاس بسرعة قائلًا: «لا تدعيني أقف في طريقكِ إذن.» ثم استطرد قائلًا: «أنا عجوز سيئ الطِّباع مثلما تقولين. لا بدَّ أن هناك رجالًا كُثرًا أفضل منِّي، رجالًا أجدر بكِ مني.»
ردَّت السيدة تولاست: «أعرف ذلك، لكن لا أحد يُناسبُني أكثر منك. الفتيات يُناسبهنَّ الصبيان، أما النساء الكُبريات سنًّا فيُناسبهنَّ رجالٌ مِن سنِّهن. لو كنتَ قد فقدت عقلَك، يا نيكولاس سنايدرز، فأنا لم أُجنَّ بعد. عندما تَرجع إلى طبيعتِك مرةً أخرى …»
انتفض نيكولاس وافقًا. وصاح مقاطعًا: «أنا على طبيعتي، وأنوي أن أظلَّ على طبيعتي! مَن يجرؤ على زعم أني لستُ على طبيعتي؟»
ردَّت السيدة تولاست ببرُود يُثير الغيظ: «أنا أزعم ذلك.» وتابعت قائلةً: «نيكولاس سنايدرز لا يكون على طبيعتِه عندما يُلقي بأمواله من النافذة بكلتا يدَيه بأمرٍ مِن دُمية حسَنة الوجه. بل هو رجل مسحُور، وأنا أرثي لحاله. سوف تخدعُك لمصلحة أصدقائها حتى تُبدِّد آخر سنتٍ لديك، وعندئذٍ سوف تَسخر منك. عندما تعود لطبيعتِك يا نيكولاس سنايدرز، سوف تَشعُر بغضب عارم من نفسك؛ تذكَّر كلماتي.» ثم غادرت السيدة تولاست وصفقت الباب خلفها.
«الفتيات يُناسبهنَّ الصبيان، أما النساء الكُبريات سنًّا فيُناسبهنَّ رجال من سنِّهن.» ظلت تلك العبارة تتردَّد في أذنَي نيكولاس. قبل الآن كانت السعادة التي وجَدَها مُؤخرًا تملأ عليه حياته، دُون أن تترك مجالًا للفكر. لكن كلمات السيدة تولاست العجوز زرَعت في نفسه بذور التأمل.
هل كريستينا كانت تخدعُه؟ الفكرة نفسها مستحيلة. فهي لم تَطلُب لنفسها شيئًا قط، ولم تشفع ليان مُطلقًا. تلك الفكرة الشريرة وليدة عقل السيدة تولاست الخبيث. إن كريستينا كانت تحبه. فوجهها يُضيء عندما تراه. وقد تبدَّد خوفها منه؛ وحلَّ محلَّه نوع لطيف من التحكم. لكن هل كان الحب مُبتغاه؟ إن رُوح يان التي حلَّت بجسد نيك العجوز رُوحٌ شابة متَّقدة العاطفة. تلك الروح لم تنظر إلى كريستينا بوصفِها ابنة، بل رغبَت فيها كزوجة. أمن المُمكن أن تفوز تلك الرُّوح بحبِّها رغمًا عن جسد نيك العجوز؟ لم يكن الصبر من خصال روح يان. فمن الأفضل للمرء أن يَعرف يَقينًا بدلًا من أن يُترك لشكوكه.
قال نيكولاس لكريستينا: «لا تُضيئي الشموع، دعينا نتحدث قليلًا على ضوء المدفأة فقط.» سحبت كريستينا مُبتسمة كرسيَّها مُقتربةً من اللهب المتوهِّج. لكن نيكولاس ظلَّ جالسًا في الظل.
قال نيكولاس: «أنتِ تزدادين جمالًا يومًا بعد يوم يا كريستينا، وتزدادين عذوبة وأُنوثة كذلك. يا لسعدِ مَن سيَحظى بك زوجة له.»
تبدَّدت الابتسامة مِن وجه كريستينا. وردَّت قائلة: «لن أتزوَّج أبدًا.» علق نيكولاس: «أبدًا كلمة كبيرة يا صغيرتي.»
ردَّت كريستينا: «المرأة الشريفة لا تتزوَّج رجلًا لا تحبُّه.»
ابتسم نيكولاس قائلًا: «لكن ألا تَستطيع الزواج مِن الرجل الذي تُحبُّه؟»
أجابته كريستينا: «في بعض الأحيان لا تَستطيع.»
«ومتى يَحدث ذلك؟»
أشاحت كريستينا بوجهِها. وأجابت: «عندما يَتوقَّف عن حبها.»
غمرت البهجة الرُّوح في جسد نيك العجوز. فقال: «إنه لا يَستحقُّك يا كريستينا. لقد غيَّرَته الثروة الجديدة التي جمَعها. أليس هذا ما حدَث؟ إنه لا يُفكِّر إلا في المال. يبدو وكأن رُوح رجلٍ بخيل قد حلَّت بجسده. لن يتورَّع عن الزواج حتَّى مِن السيدة تولاست نفسها، لما تملك مِن طواحين، وزكائب مليئة بالذهب، وأراضٍ شاسعة، فقط إذا قَبلَت به. ألا تستطيعين نسيانه؟»
ردَّت كريستينا: «لن أنساه أبدًا. ولن أحبَّ رجلًا آخر أبدًا. أُحاول إخفاء مشاعري؛ وفي أغلب الأحيان أشعر بالرضا لأنَّ بوسعي تقديم الكثير إلى هذا العالم. لكنَّ قلبي يَنفطر.» ثم نهضَت وركعت بجواره، وأحاطَته بذراعَيها. وقالت: «أنا مُمتنَّة لأنكَ تركتَني أحكي لك.» ثم أضافت: «لولا وجودُك لم أكن لأتحمَّل تلك المِحنة. أنت تُعاملني برِفق وطيبة لا تُضاهى.»
ردَّ نيكولاس بمُداعبة شعرها الذهبي الذي تبعثَر فوق ركبتَيه الضعيفتَين بيده العجوز. فتطلعت إليه بعينَين ملؤهما الدمع، لكنَّهما كانتا تبتسمان.
أردفت كريستينا: «لا أستطيع فهم ماذا حدث.» وأضافت: «أشكُّ أحيانًا في أنَّكما قد تبادَلتُما رُوحَيكما. فهو أصبح قاسيًا وبخيلًا وغليظ القلب، مثلما كنتَ أنت سابقًا.» ثم ضحكَت وشعر نيكولاس بذراعَيها تتمسَّكان به أكثر للحظة. واستطردَت: «والآن أصبحتَ أنت طيب القلب وحنونًا ورائعًا، مثلما كان هو قبلًا. يبدو الأمر كما لو أنَّ الرب الرحيم قد حرَمَني مِن حبيبي كي يَمنحني أبًا.»
قال نيكولاس: «اسمَعي يا كريستينا.» ثم أضاف: «إن رُوح الرجل هي التي تُهمُّ، لا جسده. ألا يُمكنكِ أن تحبِّيني لأجل روحي الجديدة؟»
أجابته كريستينا، مبتسمةً من بين دموعِها: «لكني أُحبك بالفعل.»
فسألها: «ألا يُمكنك أن تحبِّيني بصفتي زوجًا؟» عندئذٍ سقَط ضوء المدفأة على وجه كريستينا. وكانت يدا نيكولاس العجوزتان تُحيطان بوجهها، فتطلَّعت عيناه إليه طويلًا وبتمعُّن؛ ولما قرأ ما على صفحته، ضمَّه إليه وشرع يُربِّت على شعر كريستينا مهدئًا بيده العجوز.
قال نيكولاس: «لقد كنتُ أُداعبك ليس إلا يا صغيرتي.» ثم أضاف: «الفتيات يُناسبهنَّ الصبيان، أما النساء الكُبريات سنًّا فيُناسبهنَّ رجال من سنِّهن. حسنًا، ألا زلتِ تُحبِّين يان، رغم كل شيء؟»
أجابته كريستينا: «أحبُّه. ولا أستطيع التوقُّف عن حبِّه.»
قال نيكولاس: «وإذا رغب في الزواج منكِ، فهل ستتزوجينه، أيًّا كانت الرُّوح القابعة داخل جسده؟»
كرَّرت كريستينا مجيبةً: «أُحبُّه. لا أستطيع التوقُّف عن حبه.»
جلس نيكولاس العجوز وحده بجوار النِّيران التي أوشكت أن تخمد. وتساءل في نفسه: أيهما يمثل جوهر الرجل، رُوحه أم جسده؟ ولم تكن الإجابة بالبساطة التي اعتقدها.
تمتَم نيكولاس مُحدِّثًا النِّيران المُحتضَرة: «كريستينا أحبَّت يان، عندما كانت رُوحه في جسده. وهي لا تزال تحبُّه على الرغم مِن أن رُوح نيكولاس سنايدرز قد انتقلَت إليه. عندما سألتها هل بوسعها أن تحبَّني، قرأت الذُّعر في عينَيها، على الرغم مِن أن رُوح يان تسكن الآن بداخلي؛ وقد استشعرَت كريستينا وجودَها. لا بدَّ إذن أن جسد يان هو جوهر يان الحقيقي، وجسد نيكولاس هو جوهر نيكولاس الحقيقي. إذا انتقلَت رُوح كريستينا إلى جسد السيدة تولاست، فهل يَنبغي عليَّ حينئذٍ الابتعاد عن كريستينا، عن شَعرها الذهبي، وعينَيها العميقتَين، وشفتَيها الجذابتَين، كي أشتهيَ جسد السيدة تولاست الضامر المُتغضِّن؟ لا، سيظلُّ النفور يَنتابني عند التفكير بها. رغم أنني لم أكن أمقتها عندما كانت رُوح نيكولاس سنايدرز بداخلي، وطوال ذلك الوقت لم تُهمَّني كريستينا البتَّة. لا بد أننا نحبُّ بأرواحِنا إذن، لولا ذلك لظلَّ يان يحبُّ كريستينا ولظللتُ أنا نيك البخيل. لكن ها أنا ذا أحب كريستينا وأستغلُّ عقل نيكولاس سنايدرز وذهبَه لإحباط جميع مُخططاته، وأمارس جميع الأفعال التي أعرف أنها ستُثير غضبه عندما يعود إلى جسده؛ وعلى النقيض من ذلك، لم يَعُد يان يَعبأ بكريستينا، وسوف يتزوَّج السيدة تولاست لما تَملِك من أراضٍ شاسعة وطواحين عديدة. لا شك أن الروح هي الجوهر الحقيقي للإنسان. إذن، أمن المفترض أن تُسعدَني فكرة الرجوع إلى جسدي، عالِمًا أنني سأستطيع حينها الزواج من كريستينا؟ لكنِّي لست سعيدًا؛ بل أشعر بتعاسة لا حد لها. فأنا، نيكولاس، لن أنتقل مع روح يان، أشعر بذلك؛ بل إنَّ روحي، روح نيكولاس، سوف تعود إليَّ. وسأُصبح مجددًا ذلك العجوز البخيل القاسي الغليظ القلب الذي كنتُه قبلًا، باستثناء أني سأكون فقيرًا ولا حول لي ولا قوة. سوف يَسخر الناس مني، وسوف ألعنُهم، لكنِّي سأعجز عن إيذائهم. وحتى السيدة تولاست لن ترغب فيَّ عندما تعرف كل شيء. ومع ذلك، لا بدَّ أن أنفِّذ تلك الخطة. طالَما أن رُوح يان تسكن جسدي، فسأظلُّ أحب كريستينا أكثر مما أحبُّ نفسي. لا بد أن أفعل ذلك لأجل خاطرها. أنا أُحبها، ولا أستطيع التوقُّف عن حبها.»
نهض نيكولاس العجوز، وأخرج القنينة الفضية المُتقَنة الصنع، مِن حيث خبَّأها قبل شهر.
ثم قال متأملًا، بينما يرجُّ برفق القنينة بجوار أذنه: «لم يتبقَّ بها سوى ملء كأسَين.» ووضعها على المكتب أمامه، ثم فتَح سجلَّ الحسابات الأخضر القديم من جديد، فكان لا يزال أمامه عمل لا بد مِن إنجازه.
أيقَظ كريستينا مبكرًا. وقال لها آمرًا: «خذي تلك الخطابات، يا كريستينا.» ثم أضاف: «عندما تُسلمينها كلها، وليس قبل ذلك، اذهبي إلى يان، وأَخبريه أنني أرغب في مقابلته هنا لمناقشة أمر عاجل يتعلَّق بالعمل.» ثم قبَّلها وبدا أنه كاره لرُؤيتها وهي ترحل.
ابتسمت كريستينا قائلةً: «سأَغيب لبعض الوقت فحسب.»
ردَّ عليها: «وما الفراق سوى غياب لبعض الوقت فحسب.»
كان نيكولاس العجوز قد توقَّع المتاعب التي كان سيَلقاها بعد ذلك. فيان كان سعيدًا بحاله، ولم يَرغب مُطلقًا في أن يعود شابًّا عاطفيًّا أحمق، يتُوق إلى تكبيل نفسِه بالزواج من فتاة لا تملك سنتًا. بل كان لدى يان أحلام أخرى.
بيد أن نيكولاس صاح به في نفاد صبر: «اشرَب، يا رجل، اشرب، قبل أن أُغيِّر رأيي. سوف تُصبح كريستينا أغنى عَروس في زاندام إذا تعهَّدت بالزواج منها. إليك عقد البيع هذا؛ اقرأه، اقرأه بسرعة.»
عندئذٍ قبِل يان، وشرب الرجلان. ومرة أخرى شعَرا بنفحة من الهواء تمرُّ بينهما، فغطَّى يان بيديه عينَيه للحظة.
كان ذلك مِن سوء حظِّ يان على الأرجح؛ لأنَّ نيكولاس انتزع في اللحظة نفسها عقد البيع الموضوع بجوار يان على المكتب. وفي اللحظة التالية كان يَحترق بلهيب نيران المدفأة.
وتعالى صوت نيكولاس الخشن مُردِّدًا: «أنا لستُ فقيرًا مثلما ظننت! أنا لستُ فقيرًا مثلما ظننت! أستطيع البدء مِن جديد، أستطيع البدء من جديد!» وشرع ذلك المخلوق يتراقَص بينما تتردَّد ضحكاته الشنيعة، فاردًا ذراعَيه العجوزَين أمام النيران المشتعلة، تحسبًا لأن يُحاوِل يان إنقاذ مهر كريستينا المُحترِق قبل أن يَصير هباءً.
لم يُخبر يان كريستينا بما حدث. فمهما قال لها، كانت سوف تعود إلى بيت نيكولاس. وعندما رجعت طردها نيكولاس قبل أن تدلف من الباب مصحوبةً باللعنات. لم تستطع فهم ما جرى. كل ما أدركتْه بوضوح هو أن يان كان قد عاد إليها.
فسَّر يان موقفه قائلًا: «نوبة عجيبة من الجنون تملَّكتني.» ثم أضاف: «سوف يُساعدنا نسيم البحر العليل على استعادة صحتنا.»
وهكذا وقف يان وكريستينا على سطح سفينة يان، وراقَبا مدينة زاندام القديمة وهي تَبتعِد رويدًا رويدًا إلى أن اختفَت عن ناظريهما.
بكت كريستينا قليلًا عندما فكرت أنها لن ترى المدينة مجددًا أبدًا؛ لكن يان واساها، وفيما بعد حلَّت وجوه جديدة محلَّ الوجوه القديمة.
أما نيكولاس العجوز فتزوَّج من السيدة تولاست، ولحُسن الحظ لم يَعِش ليمارس شرَّه إلا لبضع سنوات إضافية.
وبعد زمن طويل، حكى يان لكريستينا القصة كاملةً، لكنها بدت لها بعيدة الاحتمال جدًّا، ولم تُصدِّقها — رغم أنها لم تَقُل ذلك ليان طبعًا — بل اعتقدت أن يان كان يُحاول تفسير الشهر الغريب الذي كان قد قضاه في التودُّد للسيدة تولاست. رغم ذلك، كان مِن العجيب حقًّا أن نيكولاس تبدَّل كليًّا في ذلك الشهر القصير نفسه.
فكَّرت كريستينا: «ربما لو لم أُخبر نيكولاس أني أحبُّ يان، لما عاد إلى سيرته الأولى. يا لَلرجل العجوز المسكين! لا شكَّ أنه رجع كما كان بدافع اليأس.»
مختارات من القصص القصيرة |
مقدمة المترجم
يحيط بحياة السيد المسيح غموضٌ، وَوُجِدَ مَن أفرطوا في النقد فقالوا: إنه من صُنْعِ الخيال، وذهب مَن اعتقدوا ظهورَه مذاهب شتَّى في اكتناهه مما لا نرى الخوض فيه.
ويضع المستشرق الفرنسيُّ إميل درمنغم في سنة ١٩٢٩م كتابًا عن سيرة السيد الرسول فيسميه «حياة محمد»، ويقول في مقدمته: «لم يشك أحد بعدُ في ظهور النبي العربي، ولم يفكر أكثر النقاد تطرفًا في إنكار وجوده.» ونتصدَّى لنقل هذا الكتاب إلى العربية، فَتُطْبَع الترجمة في سنة ١٩٤٥م.
ويضع الكاتب العالمي إميل لودفيغ قبل ذلك بسنتين؛ أي في سنة ١٩٢٧م، كتابه المشهور: «ابن الإنسان»، وفيه يذهب إلى ظهور السيد المسيح، وَيُتَرْجم هذا الكتاب إلى أرقى اللغات، وتظلُّ المكتبة العربية عاطلةً من ترجمةٍ له، ولم يَتَعَرَّضْ أحدٌ لنقله إلى العربية مع افتقار مكتبتنا العربية إلى مثله ليكون بجانب كتاب «حياة محمد».
ويلوح لي أن أترجمه والكتابُ قد وُضِعَ باللغة الألمانية التي لا أعرفها، وأطالعُ ترجمته إلى اللغات الثلاث: الإنكليزية والفرنسية والتركية، فيروعني ما وجدته فيها من غموضٍ والتواءٍ.
وكان على رأيي في صعوبة الكتاب واستغلاقه جميعُ مَن حدثتهم عنه، ولكنني رأيت مع ما كان يساورني من عوامل الإقدام والإحجام، أن أنقله من تلك الترجمات المتطابقة — تقريبًا — على أن أضاعف الجهود فأجعل الترجمة جَلِيَّةً حرفيةً ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، فكانت الحال التي أعرضها بها على القراء.
أجل، قد يكون النقل من الأصل الألماني أَولَى من «النقل عن التراجم حين يمكن النقل عن الأصل»، ولكنَّ سكوتَ مَن يجيدون اللغة الألمانية واللغة العربية مدة عشرين سنة مع هضمٍ للموضوع، يجعل لي ما أعتذر به عن اعتمادي في ترجمة هذا الكتاب على تلك التراجم الثلاث الصحيحة.
ومما حدث أنْ ترجمتُ إلى العربية كتاب «نابليون» الذي وضعه إميل لودفيغ سنة ١٩٢٤م، فطُبعتْ ترجمتي له سنة ١٩٤٦م، وقد اعتمدتُ في نقله أيضًا على تراجمه لتلك اللغات الثلاث. ومما ذكرته في مقدمتي لذلك الكتاب: «وفي كتاب نابليون خيالٌ وغموضٌ وإبهام … والغموض والإبهام مما لا يلائم الروح الفرنسية الجلية الواضحة … فكان ما تراه من بُعْدِ الترجمة الفرنسية النسبي عن روح الغموض … وما كانت الترجمة الفرنسية لتبلغ هذا إلا باختصارٍ يَعْدِل خُمس الكتاب … وقد قابلت بين ترجمة كتاب «نابليون» إلى اللغات الثلاث … فوجدتها تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا في غير موضع، فعَزوتُ ذلك إلى ما في الأصل الألماني من إبهامٍ والتباس … والأمر مهما يكن فقد نقلتُ الكتاب في البداءة نقلًا يكاد يكون حرفيًّا، مع اجتهادي في التوفيق بين ما اختلف في تلك الترجمات الثلاث … ثم أعدتُ النظر في الترجمة بعد سنة، فرأيت أن أهذبه وأصقله، وأوجز القليل من فقراته مع تقديم وتأخير في بعضها أحيانًا، فجعلته أكثر انسجامًا وارتباطًا، وأقلَّ إبهامًا، وأحسن أسلوبًا، وأجزل عبارة، وأسهل منالًا … ولا أَدَّعِي خُلُوَّ هذه الترجمة من أيِّ خطأ؛ لِمَا ذكرته من غموض الأصل، واختلاف تلك الترجمات الثلاث فيما بينها …»
ويقول كاتبٌ مصريٌّ: «ولعل الترجمة الفرنسية أدقُّ من الإنكليزية إلى حدٍّ ما وإن جنحت أحيانًا إلى الاختصار …» والترجمة الفرنسية هي التي اعتمدتُ عليها في ترجمة ذلك الكتاب على الخصوص؛ لردها النُّصُوص التي اقتطفها لودفيغ — وهي تعدِل ثلث الكتاب — إلى أصلها الفرنسي. ومن غريب المصادفات أن بلغت صفحاتُ الترجمة العربية لكتاب «نابليون» ٥٦٠ صفحة من القطع الكبير، وأن كانت صفحاتُ الترجمة الفرنسية ٥٦٠ صفحة من القطع الكبير.
وقد جعلنا ترجمتنا لكتاب «نابليون» الضخم في جزءٍ واحدٍ كالأصل لا في جزأين، ولم نقصِّر في طبعها وحروفها وحركاتها وورقها، ولم نتوخَّ الربح المادي عند وضع ثمنٍ للنسخة منها ما كانت وجهتنا خالصةً لوجه الثقافة والأدب وخدمة العرب، مع ما كابدناه من جهود عنيفة مُضاعَفة في سبكِ عباراتها، وجعلها بعيدةً من العُجْمَةِ والألفاظ الحُوشِيَّة، ومع ما زهدنا عنه في أثنائها من كسبٍ نناله من مهنة المحاماة وغيرها، فكان ما لاحظه القراء من إتقانها، وَبُعْدِها من التَّعَجُّلِ والاختطاف، وإقبالهم على مطالعتها، وتقديرهم إياها بما لا يقل عن كلمة أحد الأساتذة الأفاضل الآتية، التي نشرها عنها في صحيفةٍ راقيةٍ: «لا يكفي أن يكون عمل المترجم نقل العبارة الأجنبية إلى العربية، بل إن ما هو أهم وأعظم من هذا بمراحل كثيرة هو أن يَنفُذَ المترجم إلى روح الكاتب، وروح الكتاب، وأن يفهم شخصية المؤلف تمام الفَهْم، ويهضم مادة الكتاب أكثر من مرة، وكلُّ هذا استعداد للبدء في كتابة الترجمة لتخرج عربيةً مائةً في المائة؛ أي إن المترجمَ البارعَ هو مَن ينقل الكتاب إلى لغته وكأنه هو الكاتب المؤلف. وهذا هو رأينا في ترجمة كتاب نابليون التي بين أيدينا، فأنت حين قراءتك لها تكاد تجزم بأن العبارة ليست منقولة عن لغة أجنبية؛ لِمَا تقع عليه فيها من فصاحةٍ وبلاغةٍ ملازمتين للأسلوب العربي الرفيع الذي يمتاز به الأستاذ عادل زعيتر …»
ونعود إلى كتاب «ابن الإنسان» فنقول: إننا لم نُسَوِّغ السير في ترجمته ما سَوَّغْنَاه في صيغة ترجمة كتاب «نابليون» الثانية، من إيجاز بعض الفقرات، ومن تقديم وتأخيرٍ فيها، ومن تهذيبٍ يُخرجها أحيانًا عن الترجمة الحرفية؛ لِمَا رأيناه من تقارب ترجماته إلى تلك اللغات الثلاث؛ وَلِمَا وَطَّنَّا عليه أنفسنا — جهد الاستطاعةِ — من نشر ترجمةٍ حرفيةٍ له، مع جعل عبارة هذه الترجمة سائغةً غير مُمِلَّة.
ولم يشِر لودفيغ إلى محالِّ النُّصُوص التي اقتطفها من التوراة والأناجيل الأربعة، وهي تعدل ثُلُث الكتاب؛ شأنه في كتاب «نابليون». فكنا نضطر إلى البحث عدة ساعات في أسفار التوراة الكثيرة والأناجيل الأربعة؛ كي نعثُر فيها على النص العربي الأصلي للعبارة الصغيرة الواحدة، وكثيرًا ما رأينا الأمر الواحد يَرِدُ في غير إنجيل بعبارات مختلفة، فكنا نُضطر إلى المقابلة بين هذه العبارات وما عَوَّلَ عليه المؤلف منها، فنقضي في ذلك وقتًا غير قليل، فبلغت مطالعتنا للتوراة والأناجيل عشرات المرات، وكان توقُّع هذه المشاقِّ من أسباب تردُّدنا في ترجمة الكتاب في بدء الأمر.
ومما كان يجعلني أتهيَّبُ نقلَ الكتاب إلى العربية ما أبصرته من سلوك المؤلف طريقًا قد لا تُرْضِي رجال الأديان؛ غير أنني رأيت، بعد امتناعٍ، أن ما وسِعته المكاتب: الألمانية والإنكليزية والفرنسية والتركية وغيرها لا تضيق المكتبة العربية به ذرعًا، والعرب مَن تعلم من شدَّة تساهلٍ وكبير تسامح، كما أثبت ذلك تاريخُ حضارتهم العظيمة الشأن.
والمؤلف، كما ذكر في كلمته التي وجَّهها إلى القراء، ذهب إلى أن السيد المسيح ظهر حقًّا، غير أن المؤلف وجده إنسانًا ابن إنسانٍ، فوَفَّقَ — على رأيه — بين ما جاء في الأناجيل عن سيرته توفيقًا ملائمًا للسنن النفسية، غير ناظر إلى ما طرأ على النصرانية من الطقوس والمبادئ اللاهوتية بعده. ومن قول المؤلف: «فسَّرتُ ما أشرتُ إليه من معجزات يسوع تفسيرًا طبيعيًّا. ما قصدت كتابة تاريخِ رجلٍ، وما أردت بيان أخلاق إنسان؛ فليس مما يزيد يسوع عظمةً أو يحط من قدره عزو مائة معجزة جديدة إليه، أو إنكار أية معجزة له. فتراني قد مزجت مختلف الروايات مزجًا تبدو به الحقائق … من أجل ذلك تَجِدُ لِمَا هو مسطورٌ في هذا الكتاب من قولٍ ليسوع أو عملٍ له أصلًا في الأناجيل، ولم نرَ إتمام ذلك إلا بما تصورناه له من نظراتٍ وأوضاعٍ وأوجُه تعبيرٍ، ووصلٍ بين الفكر والكلام، وبيانٍ للأسباب، وتسلسلٍ للمشاعر.»
وتجد تفصيلًا لمناحي المؤلف في وضع هذا الكتاب في كلمته تلك. والمؤلف ظل مخلصًا لتلك المناحي في جميع الكتاب. ومما لاحظناه في أثناء ترجمتنا أن المؤلف يُحَوِّلُ أحيانًا بعض الوقائع التي وردت في الكتاب المقدس تحويلًا تقتضيه السنن النفسية التي يراها، والمؤلف قد سار في وضع الكتاب على أسلوبه في القَصص والوصف كما سار عليه في كتاب نابليون، مبتعدًا عن الأسلوب التاريخي.
وإنني — ككل مسلم — لا أوافق المؤلف على ما ذهب إليه في أمر السيد المسيح. ويدرك القارئ مما تقدَّم أن إقدامي على ترجمة هذا الكتاب الذي يمثل ناحيةً من التفكير الغربي هو حرصي على عدم خلو المكتبة العربية من ترجمةٍ له. وإنني إذ أقتصر في عملي على الترجمة، أترك البحث في آراء المؤلف لغيري. فإذا كنتُ قد وُفِّقْتُ لترجمة هذا الكتاب ترجمةً صحيحةً لم يَضِعْ فيها معنًى، ولم يضطربْ فيها لفظٌ؛ فإنني أكون قد أصبت الهدف.
عادل زعيترنابلس «فلسطين»
ابن الإنسان: حياة نبي |
إلى القارئ
يعلم النَّاس ما أقصُّه في هذا الكتاب من تاريخ بني قومي ما رجع البحث التاريخي الخالص في سيرة يسوع إلى القرن الثامن عشر، الذي هو عصر النقد العقلي.
ومن الصعب وصفُ رجلٍ كيسوع لا نكاد نعلم شيئًا عن حياته وأوصافه وسريرته قبل بلوغه الثلاثين من عمره، وليس لدينا غير معارف متناقضة عن عامَيْ سِنِّه الأخيرين؛ فالأناجيل الأربعة التي هي كل ما لدينا متباينة، ويدحضها ما هو غير نصراني من المصادر القليلة. ونحن إذا حذفنا الأقوال المُكرَّرة لم يبقَ لدينا من ذلك كله سوى خمسين صفحة تحتاج إلى تمحيص جديد.
أضف إلى ذلك ما تراه في تاريخ حوادث يسوع من خلْطٍ أثار أسف الباحثين في كل قرن. وأول تلك الحوادث وآخرها؛ أي العِمَاد وَالحُكْم، فقط هما ما صح مكانه منها، وأما أخبار ما بين هذين الحادثين فبادية التخليط.
قال لوثر: «الأناجيل غير منظَّمة، وليس في هذا كبير أهمية، فإذا ما بُحِثَ في نصوص الكتاب المقدس ولم يمكن التوفيق بينها وجب العدول عن البحث.»
فعدم انتظام هذه النُّصُوص هو سبب تناقضها تقريبًا، ويصبح كل شيء منطقيًّا فيها عند الرجوع إلى ما يقول به علم النفس من الترتيب. وبهذا وحده يمكن تَفَهُّم دَوْرَيْ حياة يسوع: دور الخُشُوع والهدوء والتعليم، ودور الرسالة. والباحث حين يفترض تتابُع هذين الدورين يرى تواري ما في سجية يسوع من التناقض، ويطَّلع على تطور حياته تطورًا طبيعيًّا.
ولا نُلِم بعلم اللاهوت الذي وُضع بعد يسوع بطويل زمنٍ إلا قليلًا، فلا نَعُدُّ يسوع في هذا الكتاب إلا إنسانًا، لا مُخَلِّصًا. ولا نقصُّ من أنباء يسوع إلا ما هو مجردٌ مما أضيف إليها بعد زمن مما لم يعرفه يسوع ولم يُرِدْه، فترى هذا الكتاب خاليًا مما ذهبت إليه تفاسير الأناجيل من تأييدٍ لنبوءات سابقة، أو دعمٍ لكنيسة حادثة.
ولا يجد القارئ في هذا الكتاب ما نقضه العلم من شتى الأمور. والقارئ إذا لم يعثر في هذا الكتاب على نصٍّ مألوف لديه منذ صباه؛ فليذكر أن هنالك كتبًا كثيرة أُلِّفَتْ لدحض مثل هذا النص، فأكثر النَّاس لا يعرفون حياة يسوع من الأناجيل كما يعرفونها من الأقاصيص اللاحقة. فغابت عنهم تفاصيل غير قليلة لهذا السبب، فلم يلاحظوا مثلًا أن متَّى ومرقص لم يُدْخِلا يسوع الطفلَ إلى المعبد، كما أن ثلاثة من الأناجيل الأربعة أماتت يسوع في غياب مريم ويُوحَنَّا.
وهنا أقول: إنني فسرتُ ما أشرت إليه من معجزات يسوع تفسيرًا طبيعيًّا، ما قصدتُ كتابة تاريخ رجلٍ، وما أردتُ بيان أخلاق إنسان؛ فليس مما يزيد يسوع عظمةً أو يحطُّ من قدره عزوُ مائة معجزة جديدة إليه، أو إنكار أية معجزةٍ له، فتراني قد مزجت مختلف الروايات مزجًا تبدو به الحقائق، فلم أعتمد إلا قليلًا على إنجيل يُوحَنَّا، الذي وُجِّهَ إليه من الانتقاد في الوقت الحاضر ما يُوَجَّه إلى غيره، مستندًا إلى إنجيل مرقص وإنجيل متَّى على الخصوص.
ولم أُضِفْ إلى هذا الكتاب ما هو جديد، فكان ما ترى من صغر حجمه، فليس القصص التاريخي الذي هو مسخٌ للقصة والتاريخ معًا — كما قال غوته — بجائز عند قلة المصادر، وإن أُحِلَّ عند كثرتها؛ فيجب على مَن يرغب في وضع أقوال على لسان يسوع للدلالة على مقاصده أن يكون شبيهًا له في بصيرته ووجدانه.
من أجل ذلك، تجد لِمَا هو مسطور في هذا الكتاب من قولٍ ليسوع أو عملٍ له أصلًا في الأناجيل. ولم نَرَ إتمام ذلك إلا بما تصورناه له من نَظَرَاتٍ وأوضاعٍ وأوجُه تعبيرٍ، ووصلٍ بين الفكر والكلام، وبيانٍ للأسباب، وتسلسلٍ للمشاعر.
ولم نَسِرْ في هذا الكتاب على طراز الأناجيل ما أدى ذلك إلى ابتعاد المعاصرين عن مطالعته. وما دمنا على علمٍ باعتراك الأهواء، واصطدام الأغراض، وضروب المحرِّضات، واختلاف الأحكام، وما إلى ذلك من الأمور الملازمة لضمائر النَّاس.
ونحن إذ اجتنبنا في كتابة هذه القصة تزويق الكلام؛ لِمَا يَجُرُّ إليه من الخيال، لم يبقَ لدينا غير ما هو مماثل لِحَفْر الخشب.
وليس من مقاصد هذا الكتاب زعزعةُ إيمان مَن يُؤَلِّهُون يسوع؛ وإنما نُثبت فيه للذين يرونه من صنع الخيال أنه بشرٌ حقيقيٌّ، قال روسو: «لو لم يظهر يسوع حقًّا لكان واضعو الأناجيل عظماء مثله.»
ولم أَعْرِض في هذا الكتاب مذهبًا معروفًا، بل أوضحتُ فيه باطن حياة ذلك النبي الذي فاق جميع معاصريه، وإن لم يكن لديه من السلاح ما يغلبهم به، ولم أُبالِ بما نُسِبَ إليه من عمل لاحقٍ ما دام ذلك من فعل الآخرين، لا من فعله، بل حاولتُ أن أوضح فيه تاريخ قلبه، وإن شئتَ فَقُلْ تاريخَ شعوره ومقاصده، وعوامل قيادته للناس، وميوله وأحلامه، وتبدُّد أوهامه، وما قام في نفسه من صراع بين الإقدام والإحجام، وبين البأس واليأس، وبين الدعوة والسعادة.
وإذ إن غايتي هي كما ذكرتُ لم أكن جازمًا فيما شرحتُ وفسرتُ، فكان ما تراه من البساطة، وعدم التصنع، وملاءمة روح الزمن الحاضر.
وقد صَدَّرْتُ كتابي بمقدمةٍ رسمتُ فيها البيئة السياسية الفكرية التي ظهر فيها نبيٌّ من ذلك الطراز، وَأَبَنْتُ فيها كيف نَضِجَتْ فيه الأفكار السائدة لذلك العصر، وكيف بَشَّر بها. وفي هذا ما يكفي لإثبات عظيم عبقريته.
وهذا إلى أنَّ سِرَّ عمله العجيب في قلبه الإنساني، لا في عبقريته.
إميل لودفيغموشيا ١٩٢٧
ابن الإنسان: حياة نبي |
المقدمة أُورَشلِيم «القدس»
لا يزال الليل مُرْسِلًا سُدُوله١ على أروقة الهيكل، وينظر كهنةُ الهيكل إلى الظَّلام جثِيًّا أو ضاجعين، ولا يكادون يتعارفون بين سَدَفٍ٢ وَهَمْسٍ، ولا عند حركة أذرُعهم حينما يَرُدُّون إلى أنفسهم أرديتهم ليشتملوا بها، ويَمُور٣ البَحْر وتضطرب أمواجه في شهر الاعتدال مارس؛ فَتَكْنُسُ عواصفُه قناطرَ الرصيف العالي.
وترى المدينة الكبرى الحجرية هاجعةً في أسفل الهيكل، وترى فيها الأبناء، والغرباء، والحكماء، والأغنياء، والأحبار، والسائلين، والمؤمنين والكافرين نيامًا، وترى الحقد بين بيوتها، والمَحَبَّة في منازلها، وترى قليل سرور وكبير أمل فيها، وتراها مُعَبَّدَةً يزدري المغلوبُ فيها الغالبَ، وترى السلطة فيها ساكنةً، والحديدَ باردًا، والأسلحةَ صامتةً، ولا تسمع للأوامر صوتًا، فكأن السماء تُمطِرُها سلامًا.
تلك العاصمة لم تعرف صَلْصَلَة السيوف منذ عشرات السنين، ولكنَّ ما يغلي في صدور هؤلاء القوم من الحقد على الفاتحين لم يفتُر فائره؛ فمع ما كان يبدو من عدم اتِّقاده في الظاهر لم يفتأ أولئك النَّاس المؤمنون بإله واحد يَسْبَحُون في الرُّؤَى قائلين: «سيعود هذا الإله مَلِكًا لليهود، وَرَبًّا للعالم.»
والأمر فيما هو كذلك إذ كان يُسمع صليل حديد، وخَفْق نِعالٍ، ويُرى التِمَاع نور تحت قِبَاب الرواق وتواريه؛ ليعود فينصبَّ بشدة، فينهض الكهنة النائمون لحضور الضابط العسكري الذي يطوف هو وجنوده ثلاث مرات حول ذلك الهيكل في كل ليلة؛ لحراسته ظاهرًا، ومراقبته باطنًا، فتلتقي أنظار الفريقين على ضوء المَشَاعِل من غير أن يتبادلا كلامًا، مع اشتعال قلب كلٍّ منهما غِلًّا على الآخر.
وماذا يرى الكهنة على ضوء المَشَاعِل؟ يَرَوْنَ بضعة جنود ذوي التِمَاعٍ كالذهب الضارب إلى حُمْرَة، مربوعي القامة، مكشوفي الذُّرْعان والسِّيقان، مُدَرَّعي الأجسام، حاملين سيوفًا ورماحًا، ويرون تحت خُوَذ هؤلاء الجنود وجوهًا مُرْدًا سُمْرًا مَلِزة٤ جافية تدل على قلة التفكير، وكثرة الضحك، والأكل والسير، وسرعة العشق والغرام، ويرون رداءً فوق لَأْمَة٥ ضابطهم اللطيف القسمات، والشارد الفكر. والحق أنَّ من عادة هذا الضابط أن يُخفي وراء ذلك ما يشعر به في كل مرة من الهزؤ بأولئك الكهنة، والحق أنَّ نور المَشَاعِل يُسفر عن نظره إلى أولئك الكهنة الغريبي الأطوار، المائلين إلى الأمام، والبادين طورًا طِوَالًا عاطلين من الظَّرْف، وطورًا قِصَارًا سِمَانًا، وَالمُجَرِّرِين أذيالهم فوق نعالهم، والذين تظهر بين شعورهم ولحاهم السُّود، وجوهُهم المصفرة المتكرِّشة بفعل السهر والسهاد، والذين تدل عيونهم السود على التعصب المملوء أملًا وزهوًا.
ومن ثَمَّ تُبصر تقابُل عالَمين: عالَم المؤمنين وعالَم المقاتلين، أو عالَم المغلوبين وعالَم الغالبين؛ ومن ثَمَّ تبصر التقاء اليهود والرومان في أُورشلِيم ليلًا.
مضت ثلاث ساعات فطلعت الشمس فوق جبال الأُرْدُن الجُرد؛ فكشفت للكهنة والحرس عمَّا تعوَّدوا أن يروه كل يوم من المناظر، ومن ذلك منظر التلال الباردة الجافية الخُضْر الصُّفْر العاطلة من الماء والشجر، والمحيطة بالمدينة الكبيرة البيضاء، التي يُخيَّل إلى الناظر اختلاط الصخر بأسوارها؛ فلم تكن بالحقيقة سوى قلعة طبيعيَّة، فلم يصنع الإنسان في هذه القلعة غير تحويل حجارتها إلى متاريس، وتلالها الخمسة إلى أسوار، فأسفر ذلك في مجموعه عن قيام تلك المدينة بينها.
يسوع وصيادو السمك.
وقَدِيمًا مَهَّدَ الملك سليمانُ التلَّ الذي أُقيم عليه الهيكل الأول وسوَّاه، ثم أُقيم عليه الهيكل الثاني بعد إسارة بابل. وفي هذا التلِّ تبصر أولئك الكهنة والحرس، ويقع في جنوبه الغربي تلٌّ آخر يُوصَلُ إليه بجسرٍ، فيبدو أعلى من ذلك وأجمل. وعلى هذا التَّل الذي يُدْعَى بجبل صهيون شاد الملك داود صرحه في أيام سعادة وَلَّت، فيأمل اليهود عودتها. وعلى جبل صهيون هذا بنى الأغنياء بيوتهم، فكان حَيًّا لهم. وفي الأمام من جهة الشمال، قامت قلعة أنطونيا الرومانية البغيضة على الربوة التي اعتصم بها المكابيون، عندما ثار إسرائيل على عبَدة الأصنام قبل ذلك بمائتي سنة. وخلف تلك القلعة من جهة الشمال مستنقع لم يُقِمْ به غير الفقراء؛ ومن ثَمَّ ترى أن مَن يملك تلك القلعة يسيطر على الهيكل، والمداخل، وعاصمة أولئك القوم المشاغبين وجنوبِ ذلك البلد الضيق الواقع بين الصحراء والبَحْر المتوسط، فيمكن اجتيابه في قليل زمن. •••
أفاق النَّاس في الأَحْياء المُكْتَظَّة الواقعة في سفوح الجبال، فدبَّت الحياة في شوارعها الضيقة، وردَّدتْ جُدُرها صدى أصوات الباعة، وأخذت تَعِجُّ بألوف الغرباء ما اقترب عيد الفصح، وبدأت الفنادق والحظائر تَغَصُّ بالنَّاس والجمال، وصار التجار والصنَّاع والسَّكافون والخيَّاطون والحلَّاقون والبقَّالون وكاتبو العرائض يصيحون، ويسيرون، ويدفعون دوابَّهم من سوق إلى سوقٍ عارضين سلعهم وأعمالهم؛ طلبًا للزُّبُن.
ويتوجَّه النَّاس في تلك الأثناء إلى تل الهيكل، وإن كان ما يقع اليوم لا يختلف عما يقع عادةً، ويقوم هذا الهيكل على أَرْضٍ مربعة يبلغ كل ضلع منها خمسمائة ذراع، ويحيط بجُدره ثلاثة أرصفة مُنَضَّدَةٍ رائعةٍ. وإلى هذه الأرصفة يسير الجمهور بُغْيَةَ مجاوزة أدنى القناطر، والالتقاء في فِناء الغرباء. وفي هذا الفِناء ألواحٌ ذاتُ كتابات باللغتين اللاتينية واليونانية يُحَذَّر الكافرون فيها من دخول الرصيف الثاني، الذي يُرْقَى إليه بتسع عشرة درجة فاصلة بين الإيمان والكفران. والكافرون يعلمون من تلك الألواح أن القتل جزاءُ مَن يَصْعَدُ في تلك الدرج.
ذلك حدٌّ لا يقدر على تَعَدِّيه أحدٌ من الرومان الغالبين واليونان المُثْرِين، ولا من البابليين والعرب الذين كانوا من الأعداء، فَتَمَّ لهم السُّلْطَان على تلك المدينة في غابر الأزمان، ولا ممَّن ليسوا على الإيمان الصحيح.
واليهوديُّ — مهما يكن تَرَبُه٦ — ينتفخ غرورًا وتكبُّرًا حينما يرتقي في تلك الدرج التسع عشرة المؤدية إلى الرصيف الثاني، فيقف على الساحة الواقعة بين الجُدُر والعَمَد ناظرًا إلى ما فوقه، فإذا ما تقدَّم اثنتي عشرة خطوةً بلغ الهيكل الحقيقي حيث قُدْس الأقداس.٧
ترى الجمع منتظرًا، ويغادر الكهنة حُجُراتهم، ويوزعون أعمال يومهم بينهم بالقرعة، فَيُلْزَمُ أحدهم بإحضار قربان الصباح، وَيُلْزَمُ آخر بجلب الحطب إلى الهيكل، وَيُلْزَمُ ثالثٌ برفع الرماد منه، والعناية بالبخور، وأمور النور، وخبز التقدمة والآنية، فإذا أُعِدَّ كل شيء سيق الكبش إلى المذبح، وأخذ كل مرتلٍ مكانه، وَهُيِّئَت الأجران، وفُتِحَ الباب الكبير، ونُقِرَ في النواقير٨ ثلاث مرات، فتشخص أبصار مَن هم على الرصيفين الأسفلين حين ذبح ذلك الكبش المنذور.
هنالك يتقدم الكهنة تحت الأروقة رافعين أصواتهم بالصلوات، راكعين ما أُحْرِقَ البخور في المذبح الذهبي، ويقرع اللَّاوِيُّون الأجرانَ، وتَعْزِف المعازف، ويرتِّلُ المنشدون الزبور، وفي كل ثماني فواصل يُنْفَخُ في الصُّور٩ فَيَخِرُّ القوم ساجدين.
وكلما تقدَّم النهار ضاقت أروقة الهيكل بالنَّاس، فإذا حلَّ وقت الظهر ودنا وقت الشعائر الثانية ازدحموا، وعلت الأصوات، فكانت سوقٌ في فِنَاء الغرباء؛ حيث يُباع ويُشْرَى جميع ما يعرضه الأهلون، وما قد ينتفع به الغرباء. وممَّا يحدث أن يَعْرِضَ شائبٌ جالس على دَرَجٍ كبشًا للبيع، فيعيشَ بثمنه ثلاثة أشهر على أن يَسُومه يهوديٌّ إسكندريٌّ زائر لأورشليم في عيد الفصح مقدرٌ له، عارفٌ بأن تقريبه مما يرضي الرب. وإلى أورشليم يُؤتى بقِطَاع الشياه لحفز الحجيج إلى تقديم القرابين، وإنعاش التجارة. وفي أورشليم حركةٌ للأخذ والعطاء، وفي أورشليم ضروب للأطياب المترجحة بين عنبر آسية وعطور مصر، وفي أورشليم جريدٌ للنخل يُباع للذكرى، وقراطيس مشتملة على حديث الأنبياء بحروف عبرية دالة على الرجولة، وحروف يونانية ذات مَسحة نسوية، وفي أورشليم صرافون جُثِيٌّ خلف موائد صغيرة قائمون بأعمالهم المالية وراثةً. والهيكل يرفض النقود الإغريقية والرومانية المشتملة على صور بشرية، فعلى اليهودي الأجنبي أن يستبدل بنقوده نقودًا أخرى قبل أن يؤدي إلى الهيكل ما يجب، أو أن يضع دينارًا في صندوق الفقراء.
ويزدحم الحجاج فوق تلك الدرج هادئين فيُصلُّون وقوفًا، وأنظار هؤلاء كانت قد توجهت منذ سنوات من أثينة، وسراكوسا، ومراكش، والغول إلى تلك البُقْعَة، منتظرةً اليوم الذي ترى فيه موطن الإيمان؛ الهيكل الثاني الذي أقامه هِيرُودس في مكان الهيكل الأول فزيَّنه. والآن يتدرج هؤلاء الذين أَوْلَهَتْهُم الأدعية والصلوات إلى الأبواب المقدسة، مبصرين ذلك الحجاب المُوَشَّى الذي حدَّثهم عنه آباؤهم، وتلك الكَرْمة الذهبية التي هي رمز الخِصْب والبركة. والآن تطأ أقدام هؤلاء الرواق الكبير الذي يتقدم الهيكل، مضيفين إلى مئات قرابين الشكر الثمينة تَقَادِمَهم، التي هي ثمرة ما اقتصدوه بجدٍّ، فضمُّوها بالأمس إلى صدورهم عند هياج البَحْر، ووضعوها بالأمس تحت وسائدهم في الفنادق. والآن يتمثلون ما لا يجوز لهم أن يرَوْه في غير يوم العيد، فيتنورون من خلال ذلك الرواق ذي الظلِّ الحوضَ النحاسيَّ المحمول على ثيران؛ ليكون رمزًا إلى الماء الذي استوت عليه روح الربِّ في بدء الخلق.
ويجلس بضع عشرات من الصبيان حول سارية مستمعين لكاتب يقرأ لهم مفسرًا ما في قَدِيم القراطيس، فلا يأبهون لدعاء الغرباء، وضوضاء التجار. ويستطيع هؤلاء الصبيان أن يقاطعوه مستوضحين، وكلما وضع أسئلة بدَوا بارعين في الأجوبة، ثم ينقلب الدرس إلى مناظرة، فَمَن يَبُزَّ رفقاءَه فيها يُشَرْ إليه بالبنان؛ فَيَصِلْ ذات يوم إلى مرتبة كاتب.
والآن يقطع المعلم محاوَرة طلَّابه؛ فهو يبصر موكبًا كبيرًا من فلَّاحي بلاد الجليل قضوا الليلة في العراء، فَيُعرَفون بأزيائهم وبثَورهم ذي القرنين الذهبيَّين الذي يجلبونه ليكون قربانًا، وبِسِلَالِهم المشتملة على بواكير ثمارهم. ويسير أمام هؤلاء كهنةٌ، ويُنشدون قائلين: «تقف أرجلنا في أبوابك، يا أورشليم.» ثم يأتي موكبٌ آخر آتٍ من مكان بعيد مُؤَلَّفٌ من رجال لابسين ثيابًا زاهية، وراكبين جمالًا مُحَمَّلةً هدايا ثمينة في صُرَرٍ. •••
حَلَّ وقت الظهر، فيقصد الكهنة في موكبٍ الحاكم الروماني، فما أقرب رومة من أَرْض الميعاد ما قامت المسافة بينهما على النزول من رَبْوَةٍ، والصعود في رَبْوَةٍ أخرى! ولكن الجمهور الذي يملأ الشوارع يبصر الهُوَّةَ العميقة بين الرَّبْوَتَيْن فيشتاط غيظًا من ذلِّ تلك الزيارة التي يُبْدَأُ بها كلُّ عيد، والحاكم الروماني يرغب في إهانة ذلك الشَّعْب المختار، فيجيء إلى قلعة أنطونيا أربع مرات في كل سنة؛ ليدلَّه على أن رومة صاحبة السُّلْطَان. والحاكم الروماني هذا يحفظ الحُلَلَ المقدسة في صُوَانٍ خاص ليُعِيرَ أولئك الضَّرَعة المبتهلين إياها في كل مرة، ولماذا تظل حُلَّةُ رئيس الكهنة قبضةَ الكافرين بين موسمٍ وموسم ما اقتضى تطهيرها بالبَخُور؟
يدخل الكهنة باب القلعة فيستقبلهم الحاكم الروماني واقفًا، لابسًا خُوذَةً وسلسلة، متقلدًا حُسَامًا لامعًا، فينحني الكهنة منتظرين، فيأتي جنديان بالصُّوَان المختوم، فيكسر الحاكم الخُتُمَ الرومانية، ويكسر الكهنةُ خُتُمَهم اليهوديةَ التي لم ينالوا حقَّ وضعها إلا بعد طويل جدل، فَيُخْرِجون من الصُّوَان الحُلَلَ المُطَرَّزَةَ بالذهب وثمين الحجارة، فيتبادلون هم والحاكم التحية من غير أن يُنْطَقَ بكلمة، فينصرفون من حضرته حاملين تلك الحُلَلَ عائدين إلى الهيكل.
بيلاطُس حاكمٌ غليظ القلب، أفليس لذلك الذلِّ من آخِر؟ أفتعجز رومة التي فتحت العالم عن إخضاع ذلك الشَّعْب الصغير الضعيف؟ مضى أكثر من خمس سنوات على قيامه بشئون الحكم باسم القيصر، وعلى ما في تقاريره من أخبار السكون والطاعة، كان يعلم أن النار تحت الرماد، وأن الشرر قد ينتشر منها في أيِّ وقت.
ما أبعد عجزَ بيلاطُس عن رسم صورة القيصر على نقود اليهود من الصواب! وما هو الضرر في اشتمال هذه النقود على صورة القيصر؟ حقًّا يُحْتَرَم القيصر كإله، ولا يخرج عن كونه قيصرًا مع ذلك، فأين البلد الآخر الذي يكون إلهه ملكًا؟ وماذا يَقْصِد اليهود بتسمية مدينتهم بلد الرب؟ وحقًّا لم يتعرَّض أحدٌ لِمَا يقوم به اليهود من الشعائر في هيكلهم، ولم تفكر رومة في فرض آلهتها عليهم، فما هو سرُّ ما يثيرونه من الضجيج حول بعض الرموز والصور والأفكار؟
لقد أتى بيلاطُس في أول ولايته بالرايات الحاوية لصور القيصر ورفعها فوق المدينة المقدسة؛ فكانت فتنةٌ، وكان احتشادٌ أمام القلعة خمسة أيام، فحاصرت كتائب بيلاطُس اليهود، فهددهم بضرب رقابهم إذا لم يعودوا، فَمَدُّوها طالبين الموت، فماذا بقي له غير طَيِّ الرايات؟
لم يكن اليهود ليبالوا بغير ما يدفعونه إلى الهيكل من الخَرْجِ، واليهود ينادون بالويل والثبور إذا ما دُعُوا إلى إعطاء رومة ما يُفْرَضُ عليهم من الضرائب الخفيفة، مع أنهم يدفعون المال إلى الهيكل طائعين؛ واليهود إذا صنعوا ذلك فلكيلا تكون رومة رقيبةً على ثرواتهم. وَمَن يدري ماذا يُصْنَع بالأموال التي يؤدونها إلى الهيكل إذا ما اشتعلت الفتنة في أورشليم، وإذا ما اضطربت بلاد الجليل، وإذا ما وُجدَ مَن يُبَلِّغ رومة حبوطَ سياسة بيلاطُس عُزِلَ من ولايته؟
اتَّجهت أفكار بيلاطُس إلى رومة، وساورته الهواجس حول بقاء حامية سيجانوس حيًّا؛ فَمَن ذا الذي يخبره بذلك؟ ومن المحتمل أن يكون القيصر قد مات، ورأت زوجة بيلاطُس أحلامًا مزعجة. وزوجته هذه تؤمن بالرؤى، فألقت الرعب في قلبه، فصار يفكر في أمر القيصر.
كان القيصر طيباريوس شيخًا، وكان يقيم بكابري معتزلًا، وعاش سيدُ العالم هذا سنواتٍ في هذه الجزيرة الصغيرة بعيدًا من عاصمته، مهملًا لشئون حكومته، عاطلًا من العمل، عبوسًا خصمًا للجميع، وأنشأ فوق هذه الجزيرة الصخرية قصرًا فسكنه، فأخذ يقضي أوقاته في تأمُّل البَحْر وفي أمور السِّحْر، فيبدو خليًّا يومًا وظالمًا يومًا، فيعفو مرةً ويقتل مرةً، ويضطهد ساعةً وَيُحَرِّرُ ساعةً، وهو إذا ما فوَّض أمور السلطة إلى أناسٍ آخرين ذات حينٍ؛ فلكي يقبض على زمامها في كلِّ حين مستبدًّا متحَرِّزًا مُحَوَّطًا كئيبًا.
سال ما سفكه القيصر طيباريوس من الدماء كالنهر، ولماذا؟ فَقَدَ ابنَه الوحيد فلم يقدِر على الانتقام، فوطَّنَ نفسه على الحقد والقتل، فصار حرسُه يَحْذَرُ وزيرَه سيجانوس، وصار هو يَحْذَرُ حرسَه، وصار الجميع يَحْذَرُونه.
رأى ذلك القيصر الأمان في تلك الجزيرة الصخرية، وهل يجد في غيرها ما يعتصم به؟ وهل يبصر في الفلسفة الملجأَ؟
جاء في رسالةٍ لسينيكا عن ديوجين: «إن مما يَعْدِلُ مملكةً أَلَّا يُصِيبَ المرءَ أذًى في عالم من المنافقين والقاتلين والمفسدين.» وقرأ القيصر في مقالةٍ لسينيكا قوله: «ليس بيننا مَن لم يقترف ذنبًا، ولن ننفك عن اجتراح السيئات حتى نهرم، ولا يكون مصدر الآثام إلا فينا، وما الجسم إلا إِصْرُ١٠ الروح وعقابُها، وما مَرَدُّ النفس إلا مأتاها حيث السكون والنور، واليومُ الذي تتحرر النفس فيه من أوزار الحياة آتٍ لا ريب فيه، والفضيلة في أن يُقَرَّنَ المرءُ في الأصفاد، أو أن يُبْتَرَ منه عضوٌ، أو أن يُسَمَّرَ على الصليب.»
أَلَا ترى في هذا ما يشابه معتقد أورشليم الغريب؟ فَكَّر القيصرُ في اليهود ففوَّض إليهم في رومة أمر القيام بشئون خاصة به وبالدولة، وأرسل إلى هيكلهم ثمينَ الهدايا مع الإشارة بأن يُقَرَّبَ فيه كلَّ يوم ثور وحملان «تمجيدًا لله العَلِيِّ». ومَن هو هذا الإله العَلِيُّ؟ هذا الإله هو الذي لا يقدرون على تصويره، ولا على النطق باسمه المقدس، وهل نَجَّاهم هذا الإله حينما استردَّ القيصرُ بغتةً ما حَبَاهم به من حُظْوَةٍ، وما شملهم به من حماية؟ كلا، لم يأتِ هذا الإله لِنُصْرَتِهم، ولكن الألوف منهم فَضَّلُوا العقاب على حرق آنية القربان المقدس، فيا لغرابة طبائعهم! كان هِيرُودُس رفيقًا لدروزوس ابن القيصر في الطلب، وكان كلٌّ منهما محبًّا لصاحبه، فلما قُتِلَ ابن القيصر أُقْصِيَ هِيرُودُس من البلاط؛ لِمَا في وجوده من إيلامٍ للقيصر. والقيصر هذا لم يُعَتِّمْ أن استدعى هِيرُودُس إلى كابري ليكون بجانبه قبل أن يلحق بولده، وإلى أين؟ إلى عالم الفناء حيث الراحة والسكون، كما قال سينيكا.
مَرَّت تلك الأمور بخاطر بيلاطُس، فترجَّحت أفكاره بين كابري ورومة، ولم يكن بيلاطُس أسوأ من الولاة الآخرين، وإن بدا أحيانًا مستبدًّا متكبرًا فَظًّا بسبب منصبه الاستعماري، وسار بيلاطُس كأسلافه على قاعدة القَبَالة١١ في أمر المكوس والضرائب، وهل كانت تهمُّه حسرة القوم من ظلم العَشَّارين الجائرين السالبين، الذين يزيد ما يأخذونه لأنفسهم عمَّا يؤدونه إليه؟ هؤلاء العَشَّارون عادمو الأمانة فاقدو الاستقامة، وبيلاطُس ذو يدين نَقِيَّتَين. •••
ينعقد، بعد الظهر، المجمعُ اليهوديُّ الكبيرُ المعروف بالسنهدريم في الرَّدْهَة الحجرية الغَضَّة الواقعة بين الرواق وَقُدْسِ الأقداس، ويتألَّف ذلك المجمع من خواصِّ الكهنة، فَيُؤَلِّفُ هؤلاء الذين وَخَطَهم١٢ الشيبُ حلقةً، على أن يكون صدر الاجتماع العالي للحَبْر الأكبر الزعيمِ يوسف قيافا، الذي صار رئيس الكهنة قبل أن يصبح بيلاطُس واليًا على اليهودية، فلم يصنع بيلاطُس غير تثبيته مع رفقائه في وظائفهم، ولم تكن عادة إجازة الوالي الروماني لقرارات ذلك المجمع سوى أمرٍ شكليٍّ، فإذا عَدَوْتَ هذا وجدتَ ذلك المجمع حُرًّا في ممارسة أعماله؛ فذلك المجمع الذي هو مجلس شيوخ، هو صاحب السلطة المدنية والدينية والقضائية، ولا تُسْتَأْنف أحكامه التي يخضع لها كافة اليهود وأُمَراؤهم وكهنتهم، خلا حكمَ القتل الذي لا بد من موافقة الوالي الروماني عليه إذا ما صدر بأكثرية الآراء.
أجل يختار أعضاءَ ذلك المجمع أندادُهم، بيدَ أن وظائف هؤلاء وِراثيةٌ محصورةٌ في قَدِيم الأُسرِ بالحقيقة، وستظل رئاسته في آل الحكيم هِلِّل لبضعة قرون أخرى. وقيامُ ذلك المجمع على الشَّيْبَة والوِراثة يجعل منه مجلسًا محافظًا، وَتَمَكُّنُ الرومان في كلِّ مرةٍ من انتخاب أناسٍ مُثرِينَ ليكونوا أعضاءً فيه يجعل منه مجلسًا متسامحًا.
وَالصَّدُوقِيُّون هؤلاء شِرْذَمةٌ قليلون من الأشراف الأقوياء الذين لم يريدوا أن يكدروا صفو حياتهم الناعمة، الناشئة عن امتيازاتهم، ويُعَرِّضُوها للخطر بأن يثوروا على الأجنبي الغالب، وبأن يغالوا في القيام بالشعائر الدينية. ويرى الصَّدُوقِيُّون اتِّبَاعَ شريعة موسى، لا ما طرأ عليها من التفاسير التي لم يُوحَ بها إلى هذا النبي. ومما قالوه: أين نصُّ تلك الشريعة على حَظْرِ جمع الأموال، والأكل بآنيةٍ من فضة، وتحريم ما أحلَّ اللهُ من أطايب النعم؟ أجل، إن الرومان من الأرجاس، ولكن الأموال التي يجلبونها من الغرب غير مُحَرَّمةٍ علينا ما صُمْنَا في الأيام المقرَّرة؛ فهذه أمورٌ لا يقدر العوام على إدراكها، وليس في تفهُّمهم لها من فائدةٍ، فَعِدُوهم بما حكى عنه الأنبياء من الأجر الدنيوي كطول الحياة، وَعِظُوهم بصدق العيش واجتناب الآثام غيرَ خائفين من آخرةٍ أو آمِلينَ فيها، واذكروا لهم أن خلودهم بأبنائهم، وحَرِّضُوهم على كثرة النسل لِيُبَارَكَ لهم.
يسوع يُعَلِّم.
وبجانب هؤلاء الأغنياء المُتْرَفِين الجالسين في تلك المحكمة العليا، والبعيدين من التعصُّب في المَسَائِل الروحية، والمتشددين في المَسَائِل الدنيوية، يجلس أعداؤُهم الفَرِّيسِيُّون. فَالفَرِّيسيُّون هؤلاء أناسٌ شاحبون ذوو وجوه مستطيلة، ونظراتٍ تدلُّ على التعصب، ويعني اسمهم «المتجانبين، الخُلَّص»، ومنهم يتألَّف الحزب الوطني الكبير، ويبلغ عدد المنتسبين إليه نحو ستة آلاف، وهم إذ كانوا ديموقراطيين نسبًا وعلمًا وسَيْرًا لم تَغِبْ عنهم تفاسير الشرع الحديثة، وهم إذ كانوا أبناء لِحَدَّادين ودَبَّاغين وسَكَّافين، أو إخوة لهم، طالبهم حزبهم بأن يقضوا ثلث النهار في الأعمال اليدوية، أو أن يقضوا جميع الصيف في هذه الأعمال، على أن يقضوا الشتاء كله في الدرس، وهم إذ كان أكثرهم من الفقراء راعوا أحكام الشرع الذي يُحَرِّمُ عليهم أن يأخذوا أجرًا على تعليمهم له، فنالوا بذلك احترام الشَّعْب.
وَالفَرِّيسِيُّون بَدَوْا بعيدين من حياة الشَّعْب اليومية مع ظهورهم من صميمه، فكان ذلك ثمنًا لِمَا أصابوه من الاعتبار، وَالفَرِّيسِيُّون مع زهدهم في السلطة وحطام الدنيا خلافًا لأعدائهم الصَّدُوقِيِّين، أدركوا مكانًا عليًّا؛ بفضل وقوفهم على الشريعة، ومباحثهم فيها، وتفسيرهم لها. ولو اطلعت على سرائرهم لوجدتهم يزدرون الفلاحين والمحترفين من إخوانهم؛ لِعَجْزِ هؤلاء عن تلاوة التوراة، وجهلهم تفسيرَها، وعدم إتقانهم العمل بأحكامها. ومن شأن العصائب التي يمسكها الفَرِّيسِيُّون بأيديهم على الدوام، والأهداب المجهزة بها ثيابهم أَلَّا تغيب الشريعة عن بالهم ثانيةً.
وَالفَرِّيسِيُّون إذ كانوا يَحسُبون، في كل مرة، درجةَ تَقَبُّلِ الأزليِّ الصَّمَدِ لكلِّ قربان، وَالفَرِّيسِيُّون إذ كانوا يُظْهِرون المكث في الصَّلَاة والتقشف وإيتاء الزكاة على مرأًى من النَّاس في الميدان العام، وفي الهيكل، ويُفْرِطون في الصوم والوضوء والغسل، وَالفَرِّيسِيُّون إذ كانوا يقومون بشعائر الدين غير تاركين شيئًا منها، وغير غافلين عن أمرٍ أو نهي من أوامر الشريعة ونواهيها؛ بَدَوْا أئمةً للشعب، مهَذِّبين له، فيتساءل الصَّدُوقِيُّون، الذين وَطَّنُوا أنفسهم على الشك والارتياب، مستهزئين عن الوقت الذي يصقل الفَرِّيسيون قرصَ الشمس فيه.
والعبرة للأعمال لا للنيات عند الفَرِّيسيين؛ فالذي يكثر من الهبات للهيكل يُعْفَى، عندهم، من الإنفاق على والديه العاجزين، والذي يذكرونه في دروسهم هو عدد الخطوات المباحة يوم السَّبْت، أو عدد الجلدات التي يُجلد بها المذنبون، لا الخطايا والبغاء ونقاء الضمير. وقد دام جدلهم عدة سنوات حول صلاح الغَلَّات التي تقدَّم إلى الهيكل إذا ما حُصدت سنابلها في اليوم الثاني من عيد الفصح، وكان هذا اليوم سبتًا. ومن مسائلهم: هل تنعقد اليمين بالقسم على الهيكل أو ذهب الهيكل؟ وهل تظل النُّفساء دَنِسة في الأيام السبعة الأولى أو الأيام الأربعة عشر الأولى؟ وهل يجب في يوم الغفران أن يُحرق البخور أمام قُدْس الأقداس قبل حضور رئيس الكهنة أو بعد حضوره؟
وبينما كان الفَرِّيسيون يأتون تلك السفاسف فتطفو على اللباب كانوا ينفخون في الشَّعْب روح الأمل في مقاديره السياسية، فيحدثونه عن موسى، وعن الخلاص، وعن مملكة الرب، وعن احتقار المشركين. واليومَ تراهم يرفضون يمين الولاء للرومان كما رفض آباؤهم قَسَمَ الإخلاص لآل الملك هِيرُودُس في غابر الأزمان.
والموضوع الذي يبحث فيه المجمع اليهودي «السنهدريم» في هذا النهار هو تعيين الشخص المجرم الذي يطالبون الرومان بإطلاقه؛ فمن العادة التي استقرت منذ جيل أن يلتمس اليهود من الوالي الروماني في كل عيد فصح العفوَ عن مجرم محكوم عليه بالقتل، فَمَن هو الذي سيطلبون العفو عنه في هذه المرة من بيلاطُس؟ •••
من عادة أغنياء الأشراف أن يجوبوا الشوارع على هوادج عند امتداد الظل، وعلى ما كان هؤلاء يسدلونه من الستائر بين حين وحين عندما تنقبض صدورهم، لم يأنفوا من نظر الدهماء إليهم. وهم حين يفكرون في أمر أورشليم التي أضحت، بعد قوة، عاصمة فقيرة لولاية فلسطين الحقيرة، إذا ما قيست بالولايات الاثنتين والعشرين الواقعات في عبر البَحْر، تتجه أنظارهم إلى رومة والإسكندرية. وما هي صادرات فلسطين البائسة؟ قليل زيتٍ وفواكه، مضافًا إلى ما تبذره في العالم جميعه من أعمال الذكاء، ودقائق الذهن، والإيمان القوي بالله الذي لا تدركه الأبصار، ورفض تقديس ملوك الدنيا، والقيصر منهم، بشممٍ، والأمل بالله أن يَكُبَّ الآلهة القَديمة، وما إلى ذلك من الشئون التي تجعل اسم إسرائيل يتغلغل في مراكز الحضارة والثقافة، وبنو إسرائيل القليلون كلما خسروا سلطانهم عَمَّت شهرتهم في عالم المال والجبروت، ولا مِرَاء في استهزاء بعض النَّاس بهم، ولكن لا مِراء في خشية أناس آخرين من ثبات معتقدهم، وتركهم إياهم أحرارًا في ممارسته.
أولئك الأشراف اللابسون ديباجًا، فيحملهم عبيدهم على ذلك النمط مارِّين بهم من ضيق الشوارع هم حفدةُ عبيدٍ؛ فقد استرقَّ فاتح أورشليم الأول بومبي أسرى اليهود في رومة، ثم فك رقابهم، فبدوا من صغار التجار في جزيرة طيبر التي تجمَّعوا فيها، فلما آل السُّلْطَان إلى يوليوس قيصر الأكبر عرف ذكاءهم، فقرَّبهم منه ومنحهم حق التصويت في مجلس الأمة، وعهِد إليهم في تدارك ما يحتاج إليه الجيش من الميرة وَالعُدَد، فلم يمضِ وقت قصير حتى أصبحوا موضع ثقة، فأضحَوا صرَّافين للقيصر، ودائنين للملوك المخلوعين، وملتزمين لدور التمثيل والرقص، فكانوا جَمَّاعين لفضائل الشرقيين ونقائصهم في المرونة والملاءمة والمعرفة وما إلى ذلك.
ومستعمرة اليهود الرومانية تلك كانت تشتمل على ثمانية آلاف يهودي، فزاد عدد سكانها بِمَن قصدها من الغرباء والأفَّاقين، فلم تَنْشَب أن اغتنت وزادت نفوذًا، مع ظهورها منعزلة في مدينة رومة العظيمة، والقليلون غدَوا مشركين، وتَسمَّى بعضُهم بأسماء لاتينية منتحلين عادات الرومان، غير مقاطعين لألعاب البرابرة كاتمين ختانهم، ولكنهم ظلُّوا أوفياء لدينهم تقريبًا، فيقوم به أكثرهم علانيةً، ويعمل به آخرون منهم سِرًّا غير مختلطين بالمشركين إلا عند الضرورة.
ومما أصبح عادةً أن تجتمع الرومانيات المُتبرِّمات على الخصوص في صلوات١٣ اليهود. وهؤلاء النسوة المترفات حين يتَّكئن لتناول الغداء فيَعْبَثنَ بشواء الطاووس الساموسي، أو الشِّلْق١٤ الطرطسوسي، أو المحار الساقزي، أو حين ينظرن إلى تبديل أثاث المائدة، بعد أن يَقِئْنَ، منتظراتٍ عودة شهوة الطعام إليهن، يُبْصرن حلول الزمن الذي يعتنقن فيه دين الله الواحد الخفي.
ألم تُشرِف الآلهة القَدِيمة على الموت منذ طويل زمن؟ ألم يَدْعُ الرواقيون النَّاس جهرًا إلى عبادة إله واحدٍ، مستندين إلى أفلاطون الذي أسِف، قبل ظهور يوليوس قيصر بثلاثمائة سنة، على هبوط الروح إلى الجسم من العالم الأثيري، فانتظر مسرورًا يوم رجوعها إلى حيث كانت؟ أفيكفي هذا وحده للزهد في ملاذِّ الحياة؟ فاسمع ما قاله حديثًا الحَبْرُ الروحاني العلماني، والخطيب السياسي الفيلسوف سينيكا: «مَثَلُ الحياة العاطلة من الاضطراب، والآمنة من النوازل كمثل البَحْر الميت، والأب الربُّ قد أنعم علينا بأطايب النعم قبل أن نبتهل إليه بصلواتنا.»
«أبٌ وربٌّ»! يا له من تعبيرٍ غريب! يا لعظيم الخطر في الانتساب إلى أبٍ واحد، وما يجرُّ إليه هذا الانتساب من المساواة! وأبعدُ من هذا قولُ سينيكا: «ليس العبيد من الآدميين فقط، بل هم أيضًا ندماء وأصدقاء ورفقاء لنا في الرِّقِّ. وبيان الأمر أن زينة الحياة التي نبدو أصحابًا لها؛ كالأولاد والعزِّ والشرف وفتنة الغواني، ليست ملكًا لنا، بل هي ودائع أُعِدَّت لزخرفة العيش، على أن تعود إلى ربها كما يعود الأثاث إلى الفُنْدُقِيِّ بعد سفر السياح.» فإذا ما سمع العبيد هذا تداعت دعائم الدولة!
ولم يكن ذلك كله مقصد الفيلسوف سينيكا؛ فقد قال: «أسرعوا في التمتع بالمسارِّ التي يوحي بها أولادكم، ولا تبطئوا في اقتطاف اللذة التي تلوح لكم؛ فالعمر قصير، وأمسكوا بكل ما يَعْرِضه الحظُّ عليكم؛ فستُحرَمونه بعد حين.» ومثل هذا ما قاله الفيلسوف أبيقور، وإن حذَّر من أكل الكمأة والمَحَار.
ذلك ما يفكر فيه أولياء الأمور برومة، ولم يروا غير صنع ما يُسَكِّنُون به اضطراب النفوس على ضوء ما في المذاهب الفلسفية الأجنبية من التِّرْياق الروحي. وفي المجتمع زال متوسطو الحال، ولم يبقَ فيه غيرُ الأغنياء والفقراء، وفي الشوارع يتسكع ألوف الكسالى فيأكلون من أَهرَاء١٥ الدولة، ويُنجِز الأفَّاقون والوسطاء وَالمُضَلِّلون وَالوُشاة كلَّ عمل ثم يفسدونه، ويختلُّ في العهد الإمبراطوري ما كان في الدور الجمهوري من النظام، ويَحُوكُ الولاة الدسائس حول الحرس، ويحوك الحرسُ الدسائسَ حول المُقرَّبين، ويَحُوكُ المقرَّبون الدسائس حول القيصر الغائب، وتَلطِم موجةُ البؤس مُهدِّدة نفائس القادة، وإن كان ذلك كلَطْم موج البَحْر للصخر. ويرى هؤلاء القادة أن الوقت لا يزال ملائمًا للاحتراز من أي طارئ، والوصول إلى ما فيه خير الدارين، وإن كان الصخر يهتزُّ تحت قصورهم الفخمة. وكيف يُعْلَمُ أن قدرة رب اليهود القَدِيم أو أرباب السفسطائيين المعاصرين لا تكون في عجز الأبصار عن إدراكها لهم؟
واليهوديُّ الغنيُّ، حين يكون في هَوْدَجِه فيجوب شوارع بلد الرب، يُنعم النظر في آراء أصدقائه من المشركين، وهو حين ينزل بفندقه يلاقي فيه، على ما يحتمل، صاحبًا عميلًا من الإسكندرية، فيخبره هذا الإسكندري بإفلاس ملك مخلوعٍ، ويحدِّثه عن أنباء أبناء دينه بمصر، وعن مطالعاتهم ومناظراتهم، وعن الحدِّ الذي يمزجون به الروح بالإيمان ويَفْصِلُون بينهما …
والواقع أن اليهود استقروا بمصر منذ عهد بطليموس، فبلغ عددهم الآن مليونَ شخصٍ، وأن نصف الأحرار في الإسكندرية منهم، وأن لهم في هذه المدينة حَيَّيْن، وأنهم قابضون على زمام التجارة بين الشرق والغرب، وأنهم يديرون معظم أمور النقل في البَحْر منذ أن وثق بهم القيصر أغسطس، فعهِد إليهم في مراقبة مستودعي الحبوب لرومة: النيل والدلتا.
والإسكندرية أصبحت عاصمة العالم الثقافية قبل أن تصبح رومة عاصمتَه السياسية بقرنين، ولِمَ يُعْرِض اليهودُ برُومة عن الفن الإغريقي، الذي أُدخل إلى عبر البَحْر المتوسط منذ زمن الإسكندر الأكبر، فلا يتخذونه في معبدهم المنافس لهيكل القدس زهاءً ورقَّةً؟ إذا كان اليهود يقرءون كتب أفلاطون وهوميروس؛ فلأن هذه الكتب رواياتٌ تعجز عن زلزلة حكم رجال الدين الرباني، وقد نُقلت صحف موسى وسليمان وشريعة الشَّعْب المختار وحكمته إلى اليونانية في زمن بطليموس الأول، فكان لها بذلك حظُّ الانتشار في العالم بأسره. وفي الأساطير أن اثنين وسبعين عالمًا من اثنتي عشرة قبيلة هاجروا إلى جزيرة، فترجموا في اثنين وسبعين يومًا أسفار موسى الخمسة، فأسفر ذلك عن خروجهم من دائرتهم القبَلية إلى الدائرة العالمية، وعن تمجيد اليوم الذي ذهبوا فيه إلى تلك الجزيرة بأمر ملك مصر المفضال بطليموس فيلادلفوس، فعلم النَّاس أن موسى أعظم من فيثاغورس.
واليومَ، في الفندق، يسأل يهوديُّ رومة يهوديَّ الإسكندرية عن أنباء فيلو: أيذهب رسولًا إلى القيصر؟ أليس كتابه الأخير عن الأحلام ذا مناحٍ طليقةٍ حرَّةٍ؟ ألا يؤدي إلى ضعف الإيمان بالأنبياء؟
فيلو؛ ذلك اليهودي الذي هو قَبَسُ دين اليهود في الخارج، يبلغ الستين من عمره، فيجمع في كتبه العالَمَيْن المتقابلين على ضِفَافِ النيل، وإن شئت فقل: تنطوي كتبه على الأفكار السائرة التي تختلط أمواجها في دلتا عصره، وفيلو؛ ذلك الحكيم الذي هو من أبناء الدولة الأولى في العالم، والذي هو تلميذ حضارتين، يقطن بميناء تَجْلِبُ السفن إليه سلعًا وأفكارًا، وفيلو؛ ذلك الفيلسوف، يتحرر من ربقة الخرافات فلا يداري بني قومه؛ فيضع الروح بعيدةً من حدود اليونان وإسرائيل مستندًا إلى تعاليم الأنبياء وآراء أفلاطون، فيرسم صورةً لإلهٍ إنسانيٍّ يَعُدُّ النَّاس إخوةً ما دام أبًا لهم جميعهم، فيقيم بذلك على سُدَّةِ المملكتين مملكةَ الروح للمرة الأولى.
يرى فيلو أن الإنسان سقط، وأن الله يريد أن يقيل عثرته بمعرفته لنفسه وبالتوبة. ومن قول فيلو: لا تُقسِموا بالله، وادعوا إلى الألفة والاتحاد وشيوع الأموال، واحترموا جميع الأمم على السواء، وأعينوا عدوَّكم إذا خانَه الحظ فتضوَّر جوعًا، واعْنَوا بأسير الحرب، وداروا العبيد، وارفقوا بالحيوان والأشجار المثمرة، وابتعدوا عن المادة، واتركوا الملاهي، واطلبوا العزلة، وكفُّوا عن الشهوات؛ ففي ذلك كله قهر أجسامكم، وسموُّ أرواحكم إلى الله، واجتنبوا الخصومات، ورفع الدعاوى، ولا تتردَّدُوا إلى الأسواق والمجتمعات العامة، والتزموا جانب البساطة والحلم والدَّعة، وإياكم والتفاخر والغِنَى؛ فالدنيا هي المنفى، والسماء هي الوطن، فَمَن يعرف ذلك ويفعله، وَمَن يعمل الصالحات ويقف نفسه على الله؛ فهو ابنُ الله، كما في الشرع، فالله يحب الخاشعين وَيُنَجِّيهم، والله في عون مَن يؤمنون به قبل أن يولدوا، وروح الله تتجلى في نفوس الأولياء فتنير بصائرهم، فيرتقون من المنطقة البشرية إلى المملكة الإلهية. •••
لنفترض أن شيخين من الفَرِّيسيين جالسان في ناحية من الفندق، فيستمعان إلى ما يدور بين اليهودي الروماني واليهودي اليوناني من الحديث، لنعلم أنهما يَعُدَّان كل كلمة ينطقان بها إهانةً لهما، كما تدل عليه نظراتهما، وإن اليهودي الروماني ليلبسُ ثوبًا ثمينًا ويبدو سمينًا، حليقًا، حسن المنظر، محاكيًا المجتمع الذي يعيش فيه، وإن اليهودي اليوناني الإسكندري ليظهر طليق الوجه، لَيِّنَ العريكة، حلو العينين، وإن الفَريسيين لَيَلُوحَان أعجفَين١٦ جائعَين، مُتَجَهِّمَين، مستطيلَي الوجهين، أبيضَي اللحيتين، مرسلَيهما، متميزَين من الغيظ والحقد على ذينك الفاتري الإيمان أكثر مما على الكافرين.
ومن الحِنْثِ١٧ العظيم عند الفَرِّيسيين أن نقل شيوخ الزنادقة التوراة إلى لسان المشركين، فاطلع هؤلاء على عهد الله لشعبه المختار. ومما يجهر به الفَرِّيسيون في مدارسهم أن مَن يقرأ كتاب إشراكٍ يُحرم السعادة في الدار الآخرة، وأن اليونانية هي لغة العبيد لا الأحرار، وأن دَوْرَ الانحطاط الثاني بُدِئَ بتلك الترجمة، وأن يهود اليوم إذا كانوا عبيدًا لا سادة، فَلِمَا أنزله الله من العقاب على اليهود بسبب تلك الترجمة، وأن أولئك الطُّلَقَاء أدخلوا إلى أَرْض الميعاد، حتى درج الهيكل، عاداتِهم وطبائعهم الخطرة.
ومما يعلنه الفَرِّيسيون قولهم: آلروح؟ لنا مذهبٌ في الروح أيضًا، وأما كبح جماح الشهوات الجسدية وإماتة البدن بذلك، فمما يُضعف قوة شعبنا، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء الأجانب ذوو أجسام منفوخة، ولم يكن لهم غير أبناء ضعفاء ملحدين بأوامر الأنبياء، فقَصرُ كل وحي على الروح وحدها يعني جحودًا بالعالم الحسيِّ، وإنكارًا لماضي بني إسرائيل الجليل، ومستقبلهم المجيد، مع أنه يجب علينا تجاه العدوان الذي نضام به أن نبذل أنفسنا في الدفاع عن روح أجدادنا، ومذهبنا وشريعتنا التي لن تقدر رومة على نزعها منا!
ألم يَسِرْ آباؤنا على هذا النهج؟ حتى إن بومبي نفسه لم يَسْطِعْ أن يفتح أورشليم إلا لأن اليهود لم يريدوا أن يَعْدُوا في السَّبْت فيردُّوا عادِيَة الغزاة بالسلاح. وفي ذلك الحين كان اليهود شعبًا واحدًا تسري فيه روح المكابيين، فأطفأ هِيرُودُس جذوة تلك الروح فيما بعدُ.
يتكلم ذانك الشائبان الجالسان القرفصاء في زاوية من ذلك الفندق في شأن الملك هِيرُودُس الكبير، الذي أدركا آخر عهده أيام صباهم، فكان أدوميًّا ظالمًا آثمًا ملحدًا خائنًا لبلاده، فسلمها إلى القنصل سيسرون، وأتى ببومبي وكراسوس ليحاصرا أورشليم. وهِيرُودُس هذا كان ابن رقيق، فسمَّ أباه وإخوته، فاشترى من أفَّاقي الرومان عرش الملك بالذهب والكنوز، ثم خسر هذا العرش في آخر الأمر، وما الذي ناله بنو إسرائيل في زمن حكمه الطويل؟
حقًّا أنه وَسَّعَ رُقْعَةَ مملكته إلى حدود سورية وجزيرة العرب فَجَدَّدَ مملكة داود، ولكنه لم يصنع ذلك بإيمان داود، بل بحيل أبشالوم ومكايده، وذلك بأن قَدَّمَ إلى رومة ألوف الهدايا، وبأن أنشأ للمشركين، حتى منطقة فنيقية، معابدَ وحماماتٍ ودور تمثيل، وبأن نظَّم حتى أبواب الهيكل مبارياتٍ لمصارعي الرومان، وبأن تذرَّع بالظلم والقسوة لينزع من العالم مجدًا واسمًا لنفسه، وإن استحق ازدراء بني قومه له، وحقًّا أنه أنفق ملايين الدراهم لإعادة الهيكل، وذهَّب أبراج هذا الهيكل، وَفَرَش صُحُونه١٨ بالرخام، وصفَّح أبوابه بنحاسٍ من كورنتوس، وستر قُدْسَ الأقداس بحجابٍ من الديباج، ولكنه لم يَسْطِعْ أن يكتم بالذهب والستار ما جَنَتْه يداه، وحقًّا أنه قَرَّبَ للهيكل ثلاثمائة ثور، ولكن ذكرى الخمسة والأربعين فَرِّيسيًّا الذين حمل المجمع اليهودي الكبير على إعدامهم لم تفتأ تحوم حول ذلك الهيكل، وحقًّا أنه أنزل الراية الرومانية بعد أن رفعها فوق الباب الأكبر، ولكنه كان لنصب تلك الراية من الأثر ما لم يقدر على إزالته صَدَأُ نصف قرنٍ ومطره.
وهو لأنه أقام الهيكلَ وَمَلَكَ عِدَّةَ نسوةٍ، ظن نفسه سليمان الثاني، وهو لأن كليوباطرة أرسلت إليه أربعمائة رَمَّاح، ولأن حرسه من الدروز والجرمان، رأى نفسه قيصر الثاني، وهو لأنه كان لديه خِصْيَان وعرَّافون وعيونٌ ونَدَامَى كثيرون، ولأنه انتحل صفة الخطيب، ولأنه سَمَّى أولاده بأسماء رومانية، ولأنه تزوج عشر مرات فَوَلَدْنَ له اثني عشر ولدًا؛ اعتقد أنه أبو الوطن!
فهل من العجيب إذن أن تصبح البلاد فريسة الفتن عند موت هِيرُودُس؟ نادى الجنود بأنفسهم ملوكًا في كل مكان، فتقاتلوا إلى أن أرسل العقلاء إلى رومة رسلًا لينضموا إلى مهاجري اليهود فيها، فيضرعوا إلى القيصر المشرك أن يطرد ملوك اليهود الغاصبين الكاذبين، ويعيد الأمن والنظام إلى أَرْض الميعاد، فاستمع أغسطس لدعاء ثمانية آلاف يهودي في معبد أبولون متكلفًا الجد، ضاحكًا في قرارة نفسه، فاستجاب لهم تبعًا لمبدأ «فَرِّقْ تَسُدْ» الروماني، فقسم فلسطين إلى خمسة أقسام، معطيًا أبعد هذه الأقسام وأفقرها لأبناء هِيرُودُس الذين تباهَوا انتفاخًا بما تَمَّ لهم من ألقاب المُلْكِ، واحتفظ باليهودية فجعل منها ولاية رومانية، فصار الوالي الروماني يُشْرِفُ من حصنه على الهيكل بأورشليم، قابضًا بذلك على قلب فلسطين النابض.
يذكر ذانك الفَرِّيسيان الشائبان البلايا التي أصيبت بها بلادهما، ما ذكرا الماضي ونظرا إلى المُسْتَقْبَل في كل عيد فصح، فيسألان: ألا نزال شعب الله المختار؟ لم يلمع على صدر رئيس الكهنة منذ مائتي سنة؛ أي منذ زمن مَتَّيَاس، العقيقُ الذي هو رمزٌ لحضور الرب تقريب القرابين، فأين الخلاص؟ كل شيء في أورشليم مُرْتَجٌ١٩ موقوفٌ مراقبٌ مُهَدَّدٌ. فلتُرْفَع راية العصيان في الشمال، في بلاد الجليل المُرْتجاة حيث الشبان الحُمْسُ عازمون على فكِّ قيود العبودية. ألم يكف إحصاء النفوس لحمل يهوذا الجليلي على الثورة؟ صاح هذا الوطني الحر أمام الحامية الأجنبية قائلًا: «الإحصاء خزي وعار!» فجمع كتيبة من ذوي الحمية، فاشتعلت الفتنة في وجه رومة، وفي وجه أذناب الرومان من اليهود، وعلى رأسهم هِيرُودُس، وفي وجه الثراء، وفي وجه السلطة الزمنية، فقيل: لا ينبغي ليهوديٍّ أن يعترف بسيادة أحد؛ فالله هو رئيس دولتنا، وشريعة موسى هي دستورنا، والرب في عوننا ما دمنا في عون أنفسنا، فنحن أرباب السيف، ونحن أهل القتال، ذلك ما رفعوا به أصواتهم حينما زحفوا لينازلوا كتائب القائد فاروس الروماني، بعد أن تسلَّحوا في مصانع الجليل السرية.
أجل، إنهم غُلبوا، ولكن الحماسة التي اشتعلت في نفوسهم لم تَخْبُ، بل زادت سعيرًا في قلوب أبناء مَن خروا صرعَى في ميدان الوغى، فلم يبقَ لهؤلاء غير اهتبال الفرص عندما تلوح، ما تسلحوا سرًّا ووطنوا نفوسهم على دفع الشر بالشر، ومقابلة العدوان بالعدوان، فهذا جيش غير جيش قدِّيسي الأُرْدُن الذين طمعوا في إعادة بناء المملكة بالصلوات وَالحِلْمِ وماء العماد؛ فمن بلاد الجليل، ومن بلاد الجليل وحدها يأتي الخلاص. •••
تَزَاوَرُ٢٠ الشمسُ عن سطح الهيكل الذهبي فتغرب في البَحْر، وتنير أشعتها الأخيرة معبد جوبيتر «المشترى» في قيصرية لا ريب. وتلك الشمس هي الشمس نفسها، وملك اليهود هِيرُودُس الذي زخرف هيكل أورشليم بضروب الزينة، هو الملك هِيرُودُس نفسه الذي أنشأ معبد جوبيتر ذلك، ونقص إيمان النَّاس منذ تَمَّ للسلاح فلاح لم تسمع بمثله أذنٌ، فقامت دولةٌ عالميةٌ على شواطئ البَحْر المتوسط، فارتقى أناس إلى مصافِّ الآلهة، وإن لم تختلف أفكار المؤمنين عن أفكار آبائهم، وبلغت الآلهة زوس وجوبيتر ويهوه من الكِبر درجةً لم يرَ الإنسان معها أن يناضل عنها، ويقاتل إخوته في سبيلها، وانتشرت في رومة والإسكندرية وأورشليم مذاهب متعارِضة متناقضة، فعاد الوحيُ الواضح لا ينير بصيرة الباحث الناصح، وقيل: إن أمثال الأجداد وشرائعهم ذوت في جميع الممالك واللغات والصحف المقدسة، وتذبذب السُّلْطَان، واحتُقرت التقاليد، وصارت الصواعق لا تلقي الرعب في القلوب، وأضحت الشمس لا تغري النَّاس بالعبادة، وَنُصِبَتْ تماثيل للآلهة صَرْفًا للنفوس عن الآلهة الخفية، ولا سيما ذلك الإله الواحد الذي لا تدركه الأبصار، ولا يناله خيال.
مَثَلُ الانقلابات الكبيرة، وأطوارِ النفس الكثيرة، وَتَمَوُّجِ المعتقدات القَدِيمة كَمَثَلِ الشَّفَق الذي يبدو فوق أورشليم، وَيَتَرَجَّحُ نوره بين جبالها والبَحْر المتوسط إلى أن يغيب، فإذا ما تلاشى المعتقد القَدِيم كتلاشي آخر ضياء للشمس بعد غروبها كان ظلامٌ، فتتابعُ نجومٍ، فإنارةُ فلكٍ، وتتقدم الفلسفة حيث تتأخر الآلهة، وتتناجز المذاهب وتتناقض بدلًا من أن تتحد، فهل في العالم مذهبٌ نَقِيٌّ بعدُ؟ وأيُّ الرجلين أشد عُجْبًا وانتفاخًا: آلرواقيُّ اللَّوْذَعيُّ الذي يتصنع الزهدَ فيلبس لباس الزهاد، ويؤمن بالقضاء والقدر، ثم يكافح وينافح، أم الأبيقوريُّ الشهوانيُّ الخليُّ النَّكَّات في قاعات ذوي الثروات سعيًا وراء أطايب النعم؟ كلاهما يدعو إلى الإخاء، والعناية بالفقراء، وتحسين حال الأَرِقَّاء، وَلْتُعْطَ الدولة ما تطلبه من المال والخدم لتكافئ كل واحد على حسب جَدَارته، وعكسُ ذلك ملكوت السماوات المُفَتَّحُ الأبواب للجميع، ولا سيما البائسين والمذنبين التائبين من غير نظرٍ إلى الفروق والأهليات وَالقُوَّات.
ويرى فيلو أن الشر في الصدر، وأن الإثم في الجسم، وأن البدن سجن للروح، وأن النَّاس متساوون أمام الرب الأب، فيطمعون أن يجتمعوا عنده حيث وطنهم الأبدي. فما أقرب هذا من قول الفَرِّيسي هِلِّل، الذي جَهَرَ بمذهبه قبل فيلو بجيلين فجعل من نفسه المثلَ، فتصدق على الفقراء بما يملك فعاش وفق قوله: «لا تفرح بسقوط عدوك خشية غضب الله وانتقامه، وكن مع الضعفاء المظلومين لا مع الأقوياء الظالمين، واحذَرْ نفسَك بنفسِك حتى يأتيك اليقين.»٢١ ثم لخَّص ذلك في مثل واحد فجعل منه أساسَ اليهودية؛ وهو: «لا تعامل غيرك بما لا تُحبُّ أن يعاملوك به.» وَمِثْلُ ذلك قول أبيقور في بلد قاصٍ: «عملُ الخير أفضل من نَيْله.»
وهنالك ما يباين ذلك، فلو نظرت إلى أكثر أتباع هِلِّل تشدُّدًا لرأيت أفئدتهم تهفو٢٢ حبًّا لمتاع الحياة الدنيا، فهم يقولون: إن الله إذا كان ربًّا جبارًا رءوفًا معًا؛ فإن الدنيا طيبة، فالله لم يُحَرِّم الغِنَى ولا نِعَم العيش، وقد أمر أبناءه بأن ينالوا حظًّا من الحياة، فيراعوا أحكام الشريعة من غير زهد، ويتزوجوا شبابًا للإكثار من الأولاد، ويحظوا بالنساء والخمر ضمن حدود التوراة، وفي التلمود: «الجنة لِمَن يسرُّ أصحابه.»
وَوُجِدَ ما ينقض مذهب أولئك أيضًا؛ فقد سأل بعض الأنبياء: لماذا يريد الإله الخفي المقدس تقريب القرابين تسكينًا لغضبه؟ وإذا كان الله قد جعل من اليهود شعبًا مختارًا؛ فَلِمَ يسومهم خسفًا٢٣ على الدوام، ويأذن في استعبادهم؟ أَلِيُجَازِيَهم؟ أَلَا يدلُّ ذلك على عدم نصره لهم؟ أليس اليونان أكثر حرية وأعظم أدبًا من اليهود الذين قَيَّدَتْهم شريعتهم بما لا يُحْصِيه عَدٌّ من القيود؟
تبدد سحر العزلة بفعل اللغات الأجنبية في أثناء الإسارة البابلية، واليوم يخاطب الوالي الروماني اليهود باللغة اليونانية، واليوم تتم المرافعات أمام القاضي الروماني باللغة اليونانية، واليوم تكتب العقود التجارية باللغة اليونانية، واليوم يُضطرُّ الكهنة وَالعَلْمَانِيُّون والعمال والفلاحون إلى التفاهم هم والجنود باللغة اليونانية، وأخذت التوراة الأصلية المقدسة تُفسحُ المجال لترجمتها الإغريقية، فأخذ اليهود الذين ذلك شأنهم يفضلون هذه الترجمة على الأصل العبري، فبدت بذلك ثغرات في السد المنيع، فصارت مياه الغرب تغمر غيرها.
تجاه ذلك الترَهُّلِ،٢٤ رأى الفَرِّيسيون أن يُمعنوا في المحافظة على صفاء الشريعة والشعائر، فأسفر هذا الشعور عن وجْدٍ وولَهٍ فيهم، فغدوا يعدُّون كل عمل في أَرْض الميعاد أمرًا مقدسًا، فالأَرْض إذا ما أُعطيت زكاة ثمراتها تَقَدَّسَت، والحبوب إذا ما نُظِّفَتْ تَقَدَّسَتْ، وأورشليم إذا ما قُرِّبَتْ فيها القرابين كل يوم تَقَدَّسَتْ، فيتجلى الربُّ في قُدْسِ الأقداس.٢٥ وفي مراعاة الشَّعْب لأوامر الدين استردادٌ لحريته، وعودةٌ لسلطان الأَرْض المقدسة السياسي، وطردٌ لرومة كما طُرِدَتْ مصر وبابل وآشور من قبلُ!
ولكن الوصول إلى ذلك يتطلب حياةً مثاليةً، فيجب على اليهوديِّ عند الفَرِّيسيين أن يقوم بشعائر الأعياد والصيام، وأن يُمَيِّز بين ما أُحِلَّ وما حُرِّمَ من الطعام، وبين الخبز الخمير والخبز الفطير، وأن يراعي عيد المَظَالِّ،٢٦ وأن يعمل بشريعة موسى، ويجب أن يُدْخِل إلى قلوب الأولاد حبَّها، وأن يُعَلِّم الأب أبناءَه الطقوسَ منذ السنة الثالثة من أعمارهم، وأن يُعَلِّم المعلم تلاميذَه معاني التوراة، وأن يُحْتَرَم هذا المعلم الذي لا يسأل طلابه على دروسه أجرًا، فيطرد الوساوس، ويزيل الشبهات بنصوص التوراة والزبور.
وَالفَرِّيسيون يقفون عند ظاهر الشريعة غير معتمدين في تفسيرها على الباطن، وذلك في زمنٍ تعقدت فيه الأفكار وتصادمت؛ فحلَّ فيه الشك محل اليقين، وما دَرَى الفَرِّيسيون أن الفناء لا الشفاء في تشدُّدهم. •••
أرخى الليل سُدُولَه فوق أورشليم مرة ثانية، واقترب عيد الفصح، فَغَصَّتْ أورشليم بألوف الحجيج الذين وجفت٢٧ قلوبهم انتظارًا، وفيم كان يفكر أولئك الأتقياء في صلواتهم مساء؟ وصحف أي نبي كانوا يقرءون على نور الشموع قبل أن يخالط الكَرَى أجفانهم؟ أحلام دانيال! أربعة حيوانات عظيمة شرسة تعاقبت، وهي الممالك العالمية: بابل والإسكندرية وآشور، التي اضطهدت شعب الله فانهارت، و«الحيوان الرابع الذي كان مخالفًا لكلها، وهائلًا جدًّا، وأسنانه من حديد، وأظفاره من نحاس، وقد أكل وسحق وداس الباقي برجليه.» هو رومة التي أخبر عنها النبي العظيم دانيال؛ صاحب المنقذ يهوذا المكابي، والتي ستسقط كما سقطت أخواتها الثلاث، «والمملكة والسُّلْطَان وعظمة المملكة تحت كل السماء تُعْطَى لشعب قِدِّيسي العَلِيِّ، ملكوته ملكوتٌ أبديٌّ، وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون … كنت أرى في رُؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسانٍ أتى وجاء إلى القَدِيم الأيام فَقَرَّبُوه أمامه، فَأُعْطِيَ سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لِتَتَعَبَّدَ له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانُه سلطانٌ أبديٌّ ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض.»
ابن إنسان! لم ينطق قدماء الأنبياء بهذه الكلمة، وإن دلَّ كلامُهم عليها؛ فقد عرفوا ذلك جميعهم منذ سقوط مملكة داود التي كانت تمتد من لبنان إلى البَحْر الأحمر؛ فمن آل داود سيخرج ملك إسرائيل القوي الجديد «فَيَغْرِس الربُّ غصنًا من الأرز المكسور في صهيون»، وهل يأتي المُنقذ بالسلم أم بالحرب؟ أخبر بعض الأنبياء فَرِحين أن الربَّ سينصر في البداءة شعبه في قتالٍ يقع في صهيون فيقيم له المملكة التي وُعِدَ بها، «وسيكون في الأيام الأخيرة يقول الله: إني أفيض من روحي على كل بشرٍ فَيَتَنَبَّأُ بنوكم وبناتكم، ويرى شُبَّانكم رؤًى، ويحلم شيوخكم أحلامًا … ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيرًا، والتلال تفيض لبنًا، وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماء، ومن بيت الرب يخرج ينبوع.»
بيد أن زكريا لم يُنْبِئْ بغير ظهور مَلِكٍ للسلام، فجاء في سفره: «ابتهجي جدًّا يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هُوَذا مَلِكُك يأتي إليك، هو عادل ومنصور وديع، وراكب على حمار وعلى جحشٍ ابنِ أتَانٍ، وأقطع المركبة من أفرايم، والفرس من أورشليم، وتقطع قوس الحرب، ويتكلم بالسلام للأمم، وسلطانه من البَحْر إلى البَحْر، ومن النهر إلى أقاصي الأَرْض.»
ومثل ذلك نبوءة هركانوس الذي رأى في المنام، منذ قرن، ثورًا أبيض ذا قرون ذهبية قد دخل الهيكل أبًا كبيرًا، وجاء في نشيد وُضِعَ في زمن الملك هِيرُودُس: «انظر يا ربِّ، وأيقظ ملكهم، ابنٌ لداود وعبدٌ لك، سيظهر ليحكم إسرائيل في الزمن الذي عَيَّنْتَ.»
وَمَن يكون المُخلِّص؟ وهل ولدته أمُّه؟ وهل يعيش في فلسطين؟ وهل يحمل بعض الطامعين لقب ذلك المنقذ المنتظر كما فعلوا بعد موت هِيرُودُس؟ هذا ما كان يسأله الفَرِّيسي المدقق عند صلاة كل مساء، وبين الشَّعْب أفاقون خادعون يحاولون إغواءه بكتبهم السِّحْرية، وبشفائهم المرضى، وفي بلاد الجليل مَرَدَةٌ لا يَتَوَرَّعُون عن ارتداءِ أي رداءٍ وصولًا إلى السُّلْطَان، وعلى ضفاف الأُرْدُن يمارس الآزيُّون عماد الصباح، فيبكون في مياهه مبشرين بدنو سيادة الروح، فويل لبني إسرائيل إذا ما انتحل أحد أولئك العصاة أو المتهوسين قول النبي، فبدا رسولًا لنسخ كلام الرب، وويلٌ لمثل هذا الدجال! لم يولد ملك اليهود بعدُ إذن!
وهكذا كان المؤمنون يترجحون بين الشك والرجاء، ولم يشذَّ عن ذلك الحُجَّاج الآتون من رومة والإسكندرية بعد أن قرءوا في قصائد شاعري أغسطس: فيرجيل وهوراس، خبر اقتراب العصر الذهبي الذي يسود السلام فيه العالم، وليس قليلًا عدد الذين رأوا الحظ حليفًا لسيدة العالم رومة مع اعتقادهم صحة نبوءة دانيال وصدق وعده. وفي السُّحُب رأى فيلو «الوجه الرباني يقود اليهود إلى بقعة واحدة من الأَرْض، فيشفع لهم عند الأب فيعفو عنهم، فَيُعَادُ بناء المُدُن الخربة، وتصبح البراري عامرةً، والأراضي الجديبة خصيبةً.»
يسوع والمرضى.
يطول الليل تحت أروقة الهيكل، ويتجاذب الكهنة يقظةٌ وكرى، وينسون جنود رومة، ويغفلون عن سوء ما هم فيه ما اقترب عيد الفصح، وتدور في رءوسهم أغنية المنقذ المنتظر.
وتحلم أورشليم النائمة بالمسيح.
١
السدول: جمع سدل؛ وهو الستر.
٢
السدف: الظُّلمة.
٣
مار البحر: ماج واضطرب.
٤
ملزة: عضلة.
٥
اللأمة: الدِّرْع.
٦
ترب الرجل يترب تربًا: افتقر وكأنه لصق بالتراب.
٧
قدس الأقداس — عند اليهود: مكان من الهيكل كان يدخله عظيم الأحبار عندهم مرة في السنة.
٨
نقر في الناقور: نفخ في البوق.
٩
الصور: البوق.
١٠
الإصر: الذنب.
١١
قبِل العامل العمل: جعله يلتزمه بعقد، والاسم «القبالة».
١٢
وخطه الشيب: خالط سواد شعره.
١٣
الصلاة: كنيسة اليهود، يقال: اجتمعت اليهود في صلاتهم وصلواتهم، أصلها بالعبرانية: صلوتا.
١٤
الشِّلق: واحد «الأشلاق»؛ وهي طائفة من الأسماك رخصة العظم.
١٥
الأهراء: جمع الهُرْي؛ وهو بيت كبير يجمع فيه القمح وغيره.
١٦
الأعجف: هو الذي ذهب سِمنه.
١٧
الحنث: الذنب والإثم.
١٨
صحن المعبد: ساحته أو وسطه.
١٩
أرتج الباب: أغلقه إغلاقًا وثيقًا.
٢٠
تزاور الشمس: تميل.
٢١
اليقين: الموت.
٢٢
هفا الفؤاد: خفق، ذهب في أثر الشيء.
٢٣
سامه خسفًا: أذله.
٢٤
ترهَّل: صار رهلًا؛ أي مسترخيًا منتفخًا.
٢٥
قدس الأقداس — عند اليهود: مكان من الهيكل كان يدخله عظيم الأحبار عندهم مرة في السنة.
٢٦
عيد المظال: عيد لليهود ينصبون فيه خيامًا من ورق الشجر يقيمون فيها عدة أيام؛ تذكارًا لخروجهم من عبودية مصر.
٢٧
وجف: خفق.
ابن الإنسان: حياة نبي |
الفصل الأول النداء
فتًى مضطجعٌ على العشب فوق الجبل، ناظرٌ إلى السماء، فتلقي الشمس أشعتها المائلة عليه وقت الصباح؛ فيظن أنه راعٍ ما مَرَّت قِطَاع الضأن قريبةً منه.
يبدو كل شيء هادئًا، وتنحدر الجبال برفق إلى الوادي، فلا تسمع للإنسان رِكْزًا، فيستطيع ذلك الفتي أن ينام، فإذا ما ذهب عنه الكرى وجد شياهه كاملة.
ليس ذلك الفَتَى بنائم، وليس للغنم بصاحب، وقد حُبِّب إليه أن يتسلل في صباح كل سبت ما كان السَّبْت يوم راحة، وما هجر العامل فيه المصنع، فلا احتياج إلى ذلك الفَتَى في ذلك اليوم إذن، ويكون طليقًا ساعةً بين صلاة الصبح وقصد المعبد، وله مُتْعَةٌ في تأمل الزرقاء١ وحيدًا فوق الطُّور.٢
فعلى الطور وفيما وراء السحب يقيم أبوه الأعظم …
أجل لا تدرك الأب أبصار فتًى وإن رآه موسى ذات مرة، وتجلَّى لقدماء الأنبياء أحيانًا، غير أنه قريبٌ مع بعده، والريح حين تهب من البَحْر فيسجد شجر الزيتون، فَتَئِنُّ سوقه، والماء حين ينزل من السماء فَيَخُرُّ٣ في السواقي بين ثُغَاءِ الشاءِ، والغمام حين يتراكم على جبل حرمون فيحجب ذروته يُسْمَعُ صوت الرب المحب للجبال لا السهل.
ذلك الفَتَى بين الجبال، فيُبصر من هنالك جميع الجبال، فيرى عن شماله جبل تابور المدور، ويرى عن يمينه جبال السامرة، ويرى في آخر السلسلة جبل الكرمل الحادَّ المُهَدد بِغَرَقِه في البَحْر.
ويصعد الفَتَى جبل تابور فلا يبصر شواطئ البحيرة المستترة خلفه، جاهلًا أمر ذهابه يومًا إلى مينائها، ولا شيء يجذبه إلى ذلك، والنَّاس يكثرون على مسمعٍ منه من الحديث حول المُدُن والسفن، وحول الأمم التي تملك هذا أو ذلك، أو التي انتزعت هذا أو ذلك، فلا تجد أقوالهم إلى قلبه سبيلًا واضحًا كما يبدو.
هنا المكان حسنٌ؛ فهو ذو أُشْنَة٤ ناعمة، وهو ذو شجر تينٍ ظليلٍ، فلا يؤذي وهج الشمس عيني مَن يجلس تحته، وهو ذو دَغَلٍ يسهل اجتناب شوكه، وهو ذو قنابر تدنو من الإنسان من غير أن تنفر ما راعاها الرعاة إذا ما كانوا فيه، وما رَعَتْ أنعامهم كلأه هادئةً صامتة. ولا ريب في أن الرب الأب ينظر إلى هذه الأنعام بِحُنُوٍّ وإن عجزت عن الدعاء إليه، ولا ريب في أن الرب الأب الموجود في كل مكان يرى شجرة التين، ويرى الفَتَى يَتَفَيَّؤها.
ويذهب الفَتَى إلى الناصرة المدينة الصغيرة ذات البيوت البيض؛ حيث يتكلم القوم عن الرب وبيت الرب، وعن استيلاء المشركين على بلد المؤمنين، وعن سلطان الكافرين على الشَّعْب المختار، ويخوض الأغنياء والكتبة في ذلك أكثر من الفقراء، فيدخلون دورهم ليروا هل يصلون كما يجب، وَيَصِلُ فَرِّيسِيٌّ إلى النَّجَّار أبي الفَتَى، فينظر إليه هذا الأب من مَنجَرِه مغمومًا؛ فهو يعلم أن الفريسي هذا سيبحث مدققًا في آنيته وجُدُرِه ليعرف مقدار نظافتها، ودرجة قيام صاحبها بما يأمر به الشرع، فَيُضيع عليه ساعةً من نهار فلا يُنْجِز عمله.
يا لَرَوْعة التوراة! تلا أبو الفَتَى سِفْرَ دانيال ليلة أمس على حين كانت أَخَوَاته نائماتٍ، وكانت أمُّه جالسةً في ركنٍ من البيت صامتةً مُنْصِتَةً، ويفكِّر الفَتَى في إخوته وأخواته الأحدث منه سنًّا، وفي لغة أبويه الجافية، وفي عجزه عن النظر إلى الله بعين بصيرته في حضرة هؤلاء جميعهم.
بلغ الفَتَى البيت فوجد آله متأهبين للذهاب إلى الكنيس نظيفي الثياب بعد أن غسلتها أمه أمس، ويجمع الأب الأمتعة في بيته الحقير المُؤلَّف من غرفة واحدة يأكل آله فيها وينامون، فيذهب وتذهب معه الأم حاملة أصغر أولادها، وتبدو مائدة النَّجَّار أمام البيت خالية، ويظل باب البيت مفتوحًا، وَمَن يجرؤ على السرقة يوم السَّبْت؟ وَمَن يأتي ليسرق هنا؟
ويمر أولئك بجانب الحوض المُقَبَّب حيث تملأ أمُّ الفَتَى جَرَّتها في كل صباح، فتحملها على كتفها، ثم يسيرون من حدائق كثيرة يملكها الأغنياء حول بيوتهم، فيدخلون في أفيائها، وما أنضر ما في ذلك الوادي المرتفع ذي المياه الوافرة! يكثر فيه ارتفاع أشجار السَّروِ ذوات الرءوس المنحنية قليلًا، ويكاد النخيل فيه يعدل تلك الأشجار عُلُوًّا، وتُورِق الكروم، وَتُخْرِج أَشْطَاءَها،٥ وتبرز أزهار الرمان الحُمْر بين أوراقه الخُضر، وتحيط بتلك الحدائق أشجارٌ شائكةٌ لمنع النَّاس من دخولها، وتسترها طبقةٌ من الغبار، فَيَخْفَى أمرُها على الصبيان فَتَخْمِشُهُمْ وتبكيهم.
ويلاحظ الفَتَى نظرَ فريق من النَّاس إلى البيوت المزخرفة وأعمدتها شَزْرًا ما فُطِر على الدقة والنفوذ إلى ما يخالج الأفئدة، ولم يأكل قلبَه الحسدُ من ذلك ما بعُد من ذهنه أن يعيش كأولئك الأغنياء، أَفَلَمْ يَكْفِه لبنُ المواعز وَإقْطُ٦ الضوائن والتين؟ أفيكون النَّجَّار أقل قيمة من المتعلم عند الله؟ أَفَلَمْ يسمع أن فَرِّيسيين كثيرين كانوا صنَّاعًا؟ هو حين يدخل الكنيس، يفضل أن يدفن تحت الأَرْض على أن يجلس في الصف الأول حيث يكون الأغنياء.
ولم يَسْطِعْ آل الفَتَى أن يذهبوا إلى أورشليم حُجَّاجًا منذ طويل زمن لفقرهم، فيثير ذلك في نفوسهم أشد الآلام. ومدة السفر إلى أورشليم ثلاثة أيام، ونفقة السفر إلى أورشليم تُكَلِّف غاليًا. وفي العام الماضي، زار جارٌ للفتى أورشليم فحدَّثه عن كل ما رآه، وعن زُخْرُفِ هيكل هِيرُودُس، وعن كثرة القرابين في المذبح، وعن حُلَّةِ رئيس الكهنة الزاهية، وعن الضوضاء في الأسواق.
ولكن يسوع لم يتمنَّ السفر إليها ولم يشتق إلى الهيكل فيها. •••
دَرَجٌ تؤدي إلى الكنيس البارد الطويل، فيصعد فيها الأب وأولاده الكبار فيدخلونه، وتدخل الأم المكان المفصول الخاص بالنساء، فتعلو أصوات الرجال ويحتدم جدلهم، فيدعوهم إلى السكوت كاهن القداس الجالس على كرسي عالٍ في صدر المحل، فيقفون لتلاوة دعاء، ثم يسأل عن أيِّهم يرغب اليوم في قراءة ما تيسر من التوراة، فينهض من الصف الأول رجل بادن ذو لحية بيضاء، لابسٌ رداءً من حرير، وشالًا موشَّى بكريم الحجارة، فيفسح الجميع له في المجال، فيرتقي المنبر، ويرتل ما يقرأ. وهذا الرجل من أغنى أبناء بلده، وهو كثير العلم، وهو لا يُبَارَى في إيتاء الصدقات، وهو لا يعطيها إلا جهرًا، وهو أول الداخلين لبيت الله، وآخر الخارجين منه، فيقضي أوقاته فيه بالصلوات، وهو يتقن الصوم، ويحسن تربية أولاده الكثيرين خشية الله، وهو يعطي المعبد والفقراء أكثر من عُشْرِ دَخْلِه، وهو أسوةٌ حسنة للقوم، والقوم لا يحبونه مع ذلك؛ لأنه لا يحب أحدًا.
بدا فاترًا مغمومًا ذلك الفَتَى البائس الواقف على أطراف أصابعه ليُبصِر من بين الجمع الكرسي العالي الموضوع في صدر القاعة، ولم يَرُقه ما ينطق به ذلك السمين الأمين، ثم لام نفسه على هذا ما نزَّه ذلك الرجل من إيذاء أي إنسان، وما امتدح أبوه كرَمه الذي تجلى حينما دفع إليه أكثر مما اتفق عليه ثمنًا لبابٍ صنعه له، وما الذي يُباعِد بين الفَتَى وبينه إذن؟ وإن النِّقَاشَ ليشتدُّ بين أولئك غير موافقين على تفسير ما قرأ، وإن النقاش ليشتدُّ بين أولئك حول دلالة كلمة «المسيح» على معنى «ابن الله» أو «ابن داود»، فيستند كل واحدٍ منهم إلى آية من التوراة دعمًا لرأيه؛ إذ يترجح ذلك الفَتَى بين الاحمرار والاصفرار ضنينًا بما في نفسه من الكنوز الخفية، فيودُّ لو يفرُّ بها من الكنيس الضيق الخانق إلى ذلك الجبل؛ حيث تدنو القنابر فيه، وحيث يألف جدول الماء، وحيث يظلل الغمام رأسه، وحيث يتيه نظره من خلال السحب في ملكوت السماوات.
ويقصد الصبيان الكنيس البارد بعد الظهر فيتألف من جلوس بعضهم بجانب بعض حلقة، ويمسك كل واحد منهم قرطاسًا ذا كتابات فيرددون ما يتلوه المعلم الجالس في وسط الحلقة، مشيرين بأصابعهم إلى ما في قراطيسهم مما يقرؤه حرفًا حرفًا، ولا تلبث الحروف أن تتحول إلى كلمات، والكلمات إلى جُمَل فيُرتِّلها الطلاب.
تلك هي مدرستهم الوحيدة، فإذا ما كدَّر أحدهم صفو الدرس ضربه المعلم، ومن الإنصاف أن يقال: إن عمل المعلم شاقٌّ ما اختلفت اللغة التي يتكلمون بها عن اللغة التي يقرءون بها، فلبلادهم الجبلية لهجةٌ مختلطةٌ يضحك من نبراتها الآرامية جميع إسرائيل، فإذا ما تم الدرس انصرفوا إلى حيث أرادوا.
وفي الشارع أشياء كثيرة تستوقف النظر؛ فمن هذا الشارع الناصري، الذي هو شارع أمم بالحقيقة، يمر مَن ينزلون إلى مرفأ بتولمايس، مع ما لديهم من السلع وغيرها، قاصدين الداخل وطبرية والمناطق الشمالية ودمشق، ويشاهد الصبيان في هذا الشارع تتابُعَ الجمال والخيل والحمير والمركبات والجنود والتجار ونساء هؤلاء وعبيدهم، فيتعلمون بضع عبارات إغريقية، وتَبْعُدُ صفوري ثلاث ساعات من هنالك، ويزيد في صفوري عدد المشركين عن اليهود.
ويأتي من الشرق إلى ذلك الشارع تجَّار فنيقيون وعلماء عرب، ويأتي إليه أيضًا أفاقون من الأجانب ليعودوا إلى أوطانهم بحرًا، وإذا ما اهتزت الأَرْض وعلا الضجيج كان مصدر ذلك جنودٌ حاملون سيوفًا قصيرة، مدرعون، جمعهم قيصر رومة من جميع البلدان، فترى بينهم السُّمر، وترى بينهم الشُّقر، وتُبصر بينهم الممشوقين، وتبصر بينهم المتوحشين، ويولِّي جميع اليهود الرايات الرومانية ذوات الصور الوثنية ظهورهم لكيلا يُلزموا بتحيتها، ويشير صبيانهم إليها بأصابعهم كَمَن يريد أن يتبين في صورها المحرمة مكان اللعنة والشر.
واليهود حين يرون تدفق أولئك المشركين من كل صوب وحدب يستحوذ عليهم ذعر مع ثبات إيمان، فيثير ذلك بينهم من الأحاديث ما لا حدَّ له، وذلك الفَتَى الصامت، حين يجلس مساء على عتبة المنزل بالقرب من أبيه فيسمع تحسُّره مع جاره من بؤس الزمن، يرى في ذلك إيضاحًا لما شاهده في الشارع، فينقش في ذاكرته أن جميع المنطقة التي يراها من أعلى جبل تابور، وجميع الأراضي التي تحيط بها إلى مسافة مئات الأميال كانت ملك اليهود، فنزعها الرومان منهم، فضلًا عما يطالبونهم به من الضرائب والمكوس. والرومان هؤلاء استولوا منذ بضع سنوات على الهيكل بالنار والحديد، فَوَلَجُوا قُدْسَ الأقداس كما قيل، فظهر سمعان الجميلُ عبدُ الملك هِيرُودُس فحرق قصر الملك بأريحا، وظهر عِمْلَاقٌ قويُّ الشَّكيمة كموسى، فوضع التاج على رأسه وحارب الرومان.
بَيْدَ أن هؤلاء جميعهم غُلِبُوا. •••
اشتعلت الفتنة بغتةً في الناصرة وسائر بلاد الجليل التي ارتجفت أيام نشوب الثورة في مناطق الحدود؛ ففي جمالا، البعيدة بضع ساعات من الناصرة، التفَّ حول يهوذا الجليليِّ رجالٌ أشداء لتحرير الوطن، ولدى يهوذا هذا ما يحفزه إلى الثورة؛ فقد قَتَلَ صنيعةُ الرومان هِيرُودُس أباه، فأصبح لِزَامًا عليه أن يثأر به، فبدا ساعد حزب المتطرفين الجديد الذي يرأسه صادوق، فكان من برنامجه عدم الخضوع للرومان، ومن أقوال رجاله: نحن أحرار فلا نشعر بواجبٍ نحو أحدٍ غير الله، أتريدون حمل الأهالي على دفع الضرائب؟ ألا تعلمون أن الأنبياء هددوا الملك داود عندما ود إحصاء بني إسرائيل؟ أنتم راغبون في جمع إتاوة من أقل سنبلة نُنْبتها، وأصغر زجاجة زيت نصدرها! أنتم تجاوزون حدود الطمع بهذا! أنتم تقصدون إذلال شعب الله المختار على مرأى من المشركين! وَالفَرِّيسيون إذا صبروا على ذلك فلجهلهم سرَّ ما جاء به قدماء الأنبياء، وأما نحن فإننا — بما عليه من عدم الاحتمال، وشدة السخط، وزيادة الحركة — نوجب ظهور المسيح المُخَلِّصِ.
رفع يهوذا الجليلي وصحبه راية العصيان فباغتوا مستودع الأسلحة بصفوري، فأخذوا ما فيه من عُدَدِ الرومان ونقودهم، فدعا لهم الكهنة بالنصر والتوفيق، فانطلقوا إلى طرد الأجانب من فلسطين، ولم يفتأ جيشهم يعظم حتى ضاق ما وراء جبال الجليل بهم ذرعًا، وعلم القائد الروماني فاروس ذلك فأسرع في الحضور من سورية، وحضر معه جنودٌ يزيد عددهم على عدد أولئك العصاة خمس مرات، وانضمت إليه كتائب الأمراء المجاورين، فألقى الرعب في أورشليم بعد إنقاذ، وَقَمَعَ الثورة وقتل أَلْفَيْ ثائر على الصلبان، وَفَرَّ يهوذا.
يقص آباء الفتيان وأساتذتهم عليهم أنباء انتصار شبان الجليل وانكسارهم، فيرتجفون، فتتجاذبهم عوامل الحقد والأمل، فيتمثل لهم يهوذا بطلًا مختبئًا في كهوف لبنان مفكرًا في وضع خطة جديدة للثأر، ولكنهم لم يلبثوا أن علموا أن الرومان اعتقلوه وصلبوه، فطأطئوا رءوسهم. ولسُرْعَان ما رُفع ذكر يهوذا فَعُدَّ شهيد الأمة! فَنُظمت القصائد تكريمًا لذكراه، فقيل فيها: إنه قتل في سبيل حرية بلاده، والثأر بأبيه وأجداده، وأضحى القوم ينظرون إلى الصليب المُصْلَتِ على أبواب أورشليم رمزًا للمجد والشرف، وصاروا يَتَحَرَّقون انتظارًا لعمل شيء جديد بعد غيظٍ، وَغَدَوْا يعتقدون أن ظهور المسيح المنتظر موقوفٌ على رفع نِير الرومان عنهم.
ويظل ذلك الفَتَى المفكر وحده هادئًا في الكنيس متعطشًا إلى المعرفة، مستمعًا إلى أحاديث الكبار راجيًا أن يكتشف ما يدور في أفئدتهم، وإذا ما مَرَّ يهوديٌّ إسكندريٌّ اتفاقًا من الناصرة، فتكلم عن مكتبة الإسكندرية العظيمة وحكمائها المعاصرين، أنصت له وعلق بذهنه ما في كلامه من طريف المعاني. ومن المحتمل أن سمِع يونانيًّا يُحَدِّثُ عن نبيٍّ وثنيٍّ كان يعظ القوم في الشارع أيام ازدهار أثينة وعظمتها، فيضع الصانعَ السوقيَّ فوق المعبد والمدرسة فيقول: «مَن يَجِدُّ في معرفة نفسه يعمل الصالحات على الدوام فيصبح سعيدًا.» فأمورٌ مثل هذه تَقْرَعُ ذهن ذلك الفَتَى؛ فيستنبطُ منها أغربَ النتائج.
بدا ذلك الفَتَى ثابتًا رابط الجأش حينما قيل بمقت المشركين، وازدراء الرومان، ورأى غليان شعور الغرور في بني قومه، فجالت في خاطره الأسئلة الآتية: أيعني حب الله لنا كرهه للآخرين؟ أنحن مُبرَّءون من العيوب حتى نضع أنفسنا فوق الآخرين؟ وما أهمية مُلْكِ الفنيقيين لجبل الكرمل ومُلْكِ فيليبس بن هِيرُودُس لشمال بحيرة طبرية؟ وما احتياجنا إلى المُدُن والجبال ما كنا شعب الله المختار؟ ألا يكفينا التصرف في الهيكل؟ وما ضرر فرض الرومان علينا ضرائب ومكوسًا؟ وما ضرر نقص ثروات الأغنياء ما وجد النَّاس ما يأكلونه في نهاية الأمر؟ وما هي علاقة مملكة إسرائيل بملكوت الله؟ وما اضطرار صادوق ويهوذا إلى أسلحة المشركين في مستودع صفوري ما ابتغيا ملكوت الرب؟ •••
لم يخب أُوارَ الفتنة عدَّة سنين، وستدوم عشرات السنوات، فالصواب في سَلْوها والتفكير في غيرها.
وترعرع يسوع فغدا شابًّا، وَيَفْرِقُ شعره الأسود على الطراز الناصري، وسيكون ذا لحية عمَّا قليل، وهو ضليعٌ جيدُ الصحة ما جال في الجبال، وليس الهواء في مَنجَر أبيه حارًّا كما في أسفل الوادي، ويُسمع للرياح هزيزًا بين التلال، ويُرى اخضرار سفوح الجبال بفعل المياه، ويُروى أنه فقد أباه يوسف حين كان في السنة التاسعة عشرة من عمره، فكفل هو وأمه إخوته الصغار.
ولم يفكر يسوع في الزواج مع أن الشريعة تحرض عليه مباركةً للأب الكثير الأولاد، ويُكِنُّ يسوع محبةً للنساء والصبيان فيحبونه. ومن المحتمل أن كان يبدو شاذًّا ما ظهر هادئًا كريمًا رءوفًا رحيمًا بالنَّاس، مجتنبًا للخصام، أنيسًا، مصغيًا أكثر منه متكلمًا، وكان جامعًا لمقادير البشر في صدره، مدققًا في عواطفهم وآلامهم، كاشفًا لعوامل السير فيهم كما لو كان قابضًا على عصًا سحرية، وأظهر ما يكشفه على الخصوص هو الضعف الخفي خلف الظواهر الصاخبة التقليدية، ويسوع إذ عرف كل شأن كان يلتمس المعاذير لكل إنسان، ويسوع إذ ابتعد عن الظهور حكمًا قاضيًا كان موضع ثقة لكل إنسان.
ومن المحتمل أيضًا أن كان القوم يعطفون على يسوع ما رأوا تجرده من الحرص، وابتسامه عند غضب الآخرين، ويدعوه الأغنياء إلى بيوتهم لاطلاعه على التوراة وعدم اندفاعه إلى الأمام، ويجلس حول موائدهم، ويشرب خمرًا من التي تستخرج من عنب تلال البلاد، وما كان ليهرب من الأعياد ولا من مجالس النساء، وما كان ليُقَصِّر في مداعبة المدعوين.
ويُفَضِّل يسوع مجالسة أقرانه الفقراء على حافة الطريق أو على درج الكنيس، فيصغي إلى شكاواهم، ويصاحب يسوع المشردين مع تجنب الأتقياء العابدين إياهم، وما كان ليخشى البغايا، وما كان ليبتعد عن الجلوس حول موائد العَشَّارين مع ازدراء العالمين إياهم، وما كان اليهود بالحقيقة ليعفُوا عن أي واحد منهم يجمع الضرائب والمكوس التي يفرضها الأمير، فيدفعها الأمير جزية إلى رومة، فما يبقى للعَشَّارين من الثروات حريٌّ بالاحتقار لذلك، والمال العامُّ مالٌ مسروق لذلك، وليس على اليهوديِّ التقيِّ أن يدفع شيئًا إلى غير الهيكل لذلك.
وما الذي يدفع ذلك النَّجَّار الفَتَى إلى محادثة تلك الطُّغْمَة؟ يعلم كلُّ واحدٍ في الناصرة أنه لا مَغْنَمَ له من وراء ذلك، فعليه أن يَعْرِفَ أن مصاحبة العَشَّارين والآثمين مما يشِينُه، والقوم لم يَنْشَبُوا، مع ذلك، أن أدركوا أن بحث هؤلاء الضُّلَّال عنه هو لعدم شتمه لهم، ولاستماعه إليهم عندما يَقُصُّون عليه سبب سلوكهم سبيل المال والغرام، وكيف أنهم لم يتركوا بابًا إلا طرقوه قبل ذلك، ويظهر أن في الفَتَى استعدادًا عجيبًا لاكتشاف بقية الشرف في أرذل الآثمين، من غير أن يُدْرِك هؤلاء ذلك، فإذا ما حَضَرَ فَتَحَ المَرَدَةُ أفئدتَهم، وَلَانَتْ قلوبُ الأشرار القاسية.
وأبناءُ الجليل أولئك مُتَقَلِّبُو المزاج، فطورًا تراهم من الشجعان المخلصين المتحمسين لمثلٍ عالٍ، وطورًا تراهم من المنحطين النادبين القانطين لغير سبب، وليس من صفاتهم الاعتماد على النفس. ومما زادهم عدمَ ثباتٍ اتصالهم بالمشركين من جيرانهم بصلة النسب، بعد أن انتحل هؤلاء ديانة اليهود، ولا بَلَدَ كالجليل يشتمل على ذوي الحماقة وَالخَبَل، وليس يسوع ممَّن يخاف الممسوسين؛ فهو يرى الشيطانَ الذي يَتَخَبَّطُهم فلم يُحْجِم عن زيارتهم مع ابتعاد الآخرين عنهم مذعورين.
وإذا وُجِدَ مَن يمقتهم يسوع، أحيانًا، فهم الكهنة وَالفَرِّيسيون الذين يجهرون بالزهد، ويُبْدُون الطُّهْرَ على ملأٍ من النَّاس، وكلما تَبَحَّرَ يسوع في التوراة وجد خلافًا بين النصِّ والروح، والمثل الفَرِّيسِيُّ يقول: «إذا اجتمع اثنان من غير أن يتباحثا في الشريعة؛ كان مجلسُهما مجلسَ تجديفٍ وإلحاد.» ومن أقوال الفَرِّيسيين: «ويلٌ لِمَن يسير مفكرًا في الشريعة فَيَقِفُ ليقول: ما أجمل هذه الشجرة! ما أحسن هذا الحقل الذي أُثِيرَ حديثًا! فهو بهذا يُعَرِّضُ حياته للهلاك، وويلٌ لِمَن يفسر الشريعةَ بما يخالف ما نصَّ عليه الكهنة! فهو بهذا يخسر نصيبَه في الحياة الآخرة!» ماذا؟ بهذا يُحْظَرُ علينا الإعجاب بنخلةٍ إذَنْ؟ ماذا؟ بهذا يُحَرَّم علينا أن ننعم النظر في الأَرْض حينما نفكر في الرب إذَنْ؟ ماذا؟ بهذا يفرض علينا أن نستعين بالكتبة حينما نرغب في الاطلاع على معنى الزبور إذن؟
ويسوع لا يَقِلُّ عن الكهنة علمًا بالعادات والوصايا وحقوقِ الكَهَنُوتِ، وأحكامِ النكاح والشريعة والصدقات وتاريخِ إسرائيل والأنبياء، ويسوع في قَرَارَةِ نفسه كاهنٌ أيضًا مع زهده عن الاشتهار بذلك، وَلِمَ يَمْشِي أولئك في الأسواق وَيَبُثُّون الأرصاد والعيون ليراقبوا نظافة الفقراء، وهم إذا ما سُئلوا عن فكِّ رقاب عبيدهم عند انقضاء سبع سنوات قالوا: «سننتظر حلول السنة الخامسة!» والأغنياء يَمْتَصُّون الفقراءَ غير تاركين لهم ما يسدُّ الرَّمَقَ خلافًا لِمَا تأمر به الشريعة؟ وهم حين يطالبون الفقراء ببواكير الفواكه السبع في سبيل الهيكل يأخذون منهم صوفًا وحطبًا وغنمًا ضريبةً للهيكل أيضًا، فيزيدونهم فقرًا، ولا يزيدونهم تقوى.
ويرى يسوع أن الأحرى بالفقير أن يجلس على طرف الطريق منتظرًا مَن يستأجره ليومه، فالربُّ لا يَدَعُه يموت جوعًا، فَلِمَ يفكِّر في غده إذن؟ ومن المناسب أن تذهب أمه وإخوته معه إلى الجبل للاغتذاء باللبن والتين ما اشتغل أهل المدينة هنا بأنفسهم، وما أحبوا أن يرى النَّاسُ ما يصنعون من خيرٍ، وما التمعت عيونهم؛ حينما يقرءون التوراة أكثر من التماعها حينما ينظرون إلى نجوم السماء.
بمثل هذا يُحَدِّثُ يسوع صاحبين أو ثلاثة أصحاب له فَيُنْصِتُون له، فينقلون ما سمعوه إلى أناسٍ آخرين، ويأتي إليه بعض النَّاس في مساء الغد فَيُذَكِّرونه بذلك الحديث، وهو إذ يجلس على عتبة البيت الصغير؛ حيث تقوم أمه بشئون المنزل، يستمع إلى نداء ضميره، ويسهلُ عليه اتخاذُ التوراةِ نقطةَ ارتكازٍ بعد أن عَرَفَ ما في قَدِيم الكتب وحديثها. ومن المحتمل أن تَكَلَّمَ يسوع في ذلك المساء عن الحَبْر الفاضل هِلِّل الذي مات أيام كان يسوع صبيًّا، فذكر قوله: «لا تعامل غيرك بما لا تحبُّ أن يعاملوك به.» وذكر أن هذا مما ورد في كتاب طوبيا مع ذلك، واليوم أُلقيت مقاليدُ مجمع السنهدريم القضائي بِأُورشليم إلى تلاميذ شَمْعي العابسين الزاهدين القائلين: «أحرى بالإنسان ألا يكون قد وُلِدَ.» أفلا ترى الحنث٧ في هذا ما أُنْعِمَ علينا بِمَا نتأمل به الشمسَ والجبال وَالحُمْلَانَ والأولادَ والأزهار؟
وفي الغد ينضمُّ مستمعان إلى الآخرين، فيجلس هؤلاء جميعهم حوله فَيُنْصِتُون له، كما كانوا يُنْصِتُون لرجل من الشَّعْب، فيلتهب حماسةً التهاب الأنبياء، فيختار من كلامهم ما يلائم أفكاره، فيذكر قول إشَعْيَاء على لسان الربِّ: «لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ … اتَّخَمْتُ من محرقات كِبَاش وشحم مُسَمَّنَاتٍ … البخور هو مكرَهَةٌ لي … أيديكم مملوءةٌ دمًا … تَعَلَّمُوا فعلَ الخير، اطلبوا الحقَّ!» ثم يردِّدُ يسوع قول الربِّ في سفر هُوشَع: «إني أريد رحمةً لا ذبيحة.» فيشعر بأن هذا شِعَارُه.
وفي مساء اليوم الرابع، لم يَجِدْه مستمعوه؛ فقد قصد الجبل وحدَه؛ لِيُلْقِيَ السكينة إلى قلبه ما تأَجَّجَ ضدَّ الكهنة، وما خَشِيَ أن يزيد سعيرًا، ففي الجبل ما يهدأُ به فؤاده، وفي غاب الجبل يسمع عزيفًا، وفي المساء ينشر الزنبقُ البريُّ رائحةً ذكية، وفي البُعْدِ ترى مدينة شكيم «نابلس» حيث مقر الأنبياء فيما مضى.
هنالك ترى يسوع مستلقيًا فوق الكلأ، وتراه ناظرًا إلى النجوم، وترى قلبه مفعمًا بحب الأب. •••
عَلِمَ ذلك النَّجَّار الشاب المشترع قيامَ مذهبٍ بلا ضوضاء بين الأحزاب المتناجزة في جميع البلاد، ولم يكن من مقاصد أَتْبَاعِ هذا المذهب المعروف بالطريقة الآزية السعي في إصلاح البلد، أو الكَنيس، أو إقناع إنسان، بل العيشُ الهانئُ فيما بينهم فقراء أطهارًا. ويبلغ عددُ هؤلاء الآزيين أربعةَ آلاف رجلٍ وامرأة، وظاهرتُهم أنهم من الشيوعيين الأتقياء فلا يكافحون الغنى وَالفَرِّيسيين، ولا يُغْضِبُون إنسانًا؛ وإنما يعملون بمبادئ محبة الأقربين وشيوع الأموال التي بَشَّر بها الأنبياء، وهم ليسوا من الكهنة مع ذلك؛ وإنما هم من العمال والفلاحين والرُّعَاة والنَّحَّالين، وما كانوا لِيُحَرِّمُوا على أنفسهم غير المهن الرَّجِسَة، فلا يكون أحدهم تاجرًا أو ملاحًا أو حدادًا.
يسوع يَشْفِي.
وعلى مَن يصبح آزيًّا أن يجعل ما عنده من عُرُوضٍ ونقودٍ مِلْكَ زُمْرَتِه، وعلى مَن يكسب أكثر مما يحتاج إليه أن يسلم الزيادة إلى هذه الزمرة، فينال كل واحد من أفرادها ما يعوزه مبادلةً من حيث النتيجة. ولكل واحد من هؤلاء أن يتصرف فيما يملك كما يشاء في سبيل الفقراء، لا في سبيل الأقرباء، ولتلك الزمرة وحدها أن تُقَرِّرَ كيفية استعمال المال المشترك، والكلمة الأخيرة في مباحثاتها للسنِّ والأكثرية، وهي التي تقوم على مبدأ «إن ما أَمْلِكُ وما تَمْلِكُ هما لَكَ».
قامت تلك الزمر في حدود الصحراء، ثم اقتربت خطوةً خطوةً من المراكز الزاخرة بالسكان، وهي تعيش في الأرياف أو في المُدُن الصغيرة تبعًا لِمَا تقتضيه الأعمال اليومية المباحة، فإذا ما ساح أناسٌ منها في أية ناحية من بلاد إسرائيل وجدوا إخوانًا من أبناء طريقتهم يقومون بقضاء احتياجاتهم، ما ابتعدوا عن مسائل السياسة والدولة والهيكل التي تُفَرِّقُ بين بني إسرائيل وما بَدَوْا يهودَ.
أولئك من المؤمنين وإن كانوا يأتون غير أمر لا تقول به الشريعة، فهم يقيمون، بعد أن يصبحوا، صلاة روحية مقدار ساعة، ثم يُقَدِّسُون لمصدر النور الشمس عند طلوعها، وهم لا يذكرون منبع الحكمة الربَّ في الظَّلام ما تَجَلَّى في النهار، وهم يغتسلون وقت الظهر ويلبسون ثيابًا بيضًا، ثم يأكلون معًا، فلا يُؤْذن لاثنين منهم في الكلام في وقت واحد، وهم لا يتناولون لحمًا ولا خمرًا، مغتذين بالخبز والبقول واللبن والعسل والفواكه، وهم يبالون بالطهارة والوضوء أكثر من مبالاتهم بالمظاهر، وهم لا يقربون القرابين ولا يحلفون أيمانًا، وهم يصومون كثيرًا ويراعون يوم السَّبْت فلا يمسون فيه آنية مَنزِلِيَّة، ولا يسُدُّون فيه خَلَّةً، وهم يدرسون أمور النَّبَات والحجارة بحسب ما ورد في قَدِيم النُّصُوص، فيستعينون بها على السِّحْر وقراءة العَزَائِم، وتفسير الأحلام، وكشف المُسْتَقْبَل، ويتمتع أولئك بثقة الشَّعْب، والشَّعْب يستشيرهم في كثير من المَسَائِل لِتَجَنُّبِهِم جَرَّ المغانم، وَتَجَرُّدِهم من المطامع.
وليس النكاح حرامًا عليهم، والكثيرون منهم عُزْبٌ مع ذلك، فيقومون بتهذيب أبناء الآخرين، وَتُقَسَّمُ زمرتهم إلى أربع طبقات، ولا يبوحون إلى إخوانهم وأخواتهم بأسرار الطريقة إلا بالتدريج، مُحلِّفين إياهم بيمينهم الوحيدة المباحة على كتم أسرار مذهبهم، وكتم أسماء إخوانهم، فَمَن يحنث منهم أو ينقض عهدًا؛ يُطرد من الزمرة ويُشرَّد، فيهلك مُعَذَّب الضمير، وهو لا يُسمَح له بالعودة إلى إخوانه إلا في آخر عمره رحمةً به، ويسمو أتباع تلك الطريقة فوق المادة بابتعادهم عن الحرب والغضب والعنف والتملك، وتحليهم بحب أعدائهم، وبتواضعهم، ورأفتهم، وقلة طقوسهم، والروح عندهم لا تموت، والروح عندهم تحلِّق في النور بعد حياة مثالية، والروح عندهم تستقر تحت الأَرْض بعالم من العَذَاب والظَّلام بعد حياة شَرٍّ وأذًى.
ظهرت تلك الطريقة في شواطئ البَحْر الميت، وانتشرت في بلاد الجليل بهدوء ومن غير مبشرين، فاستوقف أمرها نظر يسوع لمشابهتها أفكاره في مجموعها. أجل، إن يسوع لم ينتسب إليها، ومن الجميل حقًّا أن يصلي أتباعها للشمس وإن خالفوا أحكام الشريعة، وكان عملهم ذلك من الشرك، ومن الجميل حقًّا أن زهدوا في المال والسلاح، ومن الجميل حقًّا أن قالوا بعدم تقديم القرابين، ولكن لماذا يصومون أكثر مما تأمر به الشريعة؟ ولماذا يمتنعون من تناول الخمر وَيُحَرِّمون الوَلائِم وَالغِنَاء؟ ولماذا يعتزلون ويبتعدون أسرارًا جديدة؟ ولماذا يجتنبون النَّاس إذا كانوا يحبونهم؟ من أجل ذلك لن يكون يسوع آزيًّا وإن كانت آراؤه الخاصة قريبةً من آراء أولئك.
ولم يُعَتِّم النَّاس أن شاع بينهم خبر وجود رجلٍ في جوار الصحراء وعلى ضفاف نهر الأُرْدُن يأمر بالتوبة، ويستبدل بالختان العماد بالماء تطهيرًا للروح والبدن كما يصنع الآزيون، وذلك الرجل ذو شعر أشعث، ولحية طويلة، وثوب وبريٍّ، ونطاق جلدي، وقد نهكته الصَّلَاة، وألهبه الإيمان، فينذر القوم بصوتٍ مرهوب، وقد قيل: إنه إيليا الذي سكن كهفًا في جبل الكرمل، فكان يخرج منه بين حين وحين لِيَنْصِبَ ملوكًا ويخلع آخرين، والذي لم يمت فلا بد من ظهوره ذات يوم لينقذ إسرائيل، كما أنبأ به الأنبياء، فكان هذا الذي هو آية الهول والانتقام.
اسم ذلك الرجل يُوحَنَّا، ويُوحَنَّا رَبَّاه أبواه تربيةَ زهدٍ وَنُسْكٍ منذ نعومة أظفاره إيفاءً بِنَذْرٍ أوجباه على نفسيهما، ويُوحَنَّا تعوَّد عيش البرية التي ولد في جوارها، وَتُبْصِرُ سلسلة الجبال الجُرْدِ في تلك البُقْعَة متاخمةً للأرياف المَرْوِيَّة الخُضرِ، وَتُبْصِر النهر في تلك البُقْعَة قريبًا من البرية ساعةً واحدةً في الغالب، وخطوةً واحدةً في بعض الأحيان، والبريَّة هنالك هي غرفة نائية من بيت كبير كما وصفها بعضهم. وفي أورشليم حُمِلَ يُوحَنَّا على تَعَلُّمِ الشريعة ليكون كاهنًا كأبيه، ثم فَرَّ من المدرسة لِمَا رآه من كثرة ما يجب عليه أن يتعلمه أو قِلَّتِه، فهجر تلك المدينة وَكُهَّانَها وسكانَها عائذًا بالبَرِّيَّة معتزلًا فيها.
ومن المحتمل أن كان يُوحَنَّا ذا صلة بالآزيين، وإن لم ينتسب إلى طريقتهم؛ فقد قضى سنوات لا ريب في الصيام والفقر، ولكنه لم يشاطرهم عملًا، ولم يتبع لهم نظامًا، وقد انقضت سنوات قبل أن يعرف يُوحَنَّا نفسه ويعلم رسالته، وما في المَسَائِل التي تساور يُوحَنَّا من عنفٍ، أو ما فيه من شوق إلى الحياة الروحية كان يحفزه إلى الزهد، وما فيه من حرارة التوبة، وحب دعوة النَّاس والتأثير فيهم كان يدفعه إلى الخروج من العزلة. وهنالك؛ حيث خُسف قسم من البرية في البَحْر الميت على حدود جزيرة العرب، وحيث تبحث الضواري عن الفرائس عبثًا، وحيث اضطر الشجاع الثائر يُوحَنَّا إلى طلب الملجأ بين الصخور وفي المغاور، كان طعام يُوحَنَّا هذا من الجراد المُحَمَّس في النار على الطريقة الشَّرْقِيَّة، ومن قليل عسل يجتنيه النحل البري من نادر الأزهار وآخرها، وهنالك عاش يُوحَنَّا عاطلًا من سلاح الصيد، راغبًا عن الصيد، مجردًا من وسائل الدفاع، مفتقرًا إلى الطعام، مفكرًا في غضب الرب وعذابه، أفلم تزدهر سدوم في تلك البُقْعَة فخرَّبها الربُّ، فصرت لا ترى فيها غير قليل نبات؟ أفلا يصيب أريحا، البعيدة بضع ساعات من هنا، مثل ما أصاب سدوم؟
لقد بَرَّحَ الصوم والتقشف بيُوحَنَّا فدعا ربه أن ينير له السبيل الذي يسلكه، فلم يسمع نداءً مثل نداء الربِّ: «قم أيها النبي ودع الشَّعْب يرى وجهك!» ولكنه سمع صوتًا في أعماق نفسه يدعوه إلى تبليغ الآخرين دُنُوَّ أمرٍ جَلَلٍ، محذرًا إياهم من الحياة الدنيا التي هي متاع الغرور، آلآخرون؟ وَمَن هم هؤلاء الآخرون؟ أجميع شعبه؟ وَمَن يعلم؟ وَمَن يدري أن إيليا قد بُعِثَ في شخصه؟ تقهقر يُوحَنَّا مذعورًا مما استحوذ عليه، ثم تجلد حينما تذكر قول إشعياء: «صوتُ صارخٍ في البرية! أَعِدُّوا طريق الرَّبِّ! قَوِّمُوا في القَفْرِ سبيلًا لإلهنا!»
قضى يُوحَنَّا زمنًا مضطرب النفس مذبذبًا بين الشك واليقين، وبرز معلنًا سبب هجره لأورشليم واعتزاله النَّاس، وعاد إلى الأُرْدُن حيث تهيمن الجبال الجُرْدُ على البَحْر الميت، وحيث النهر المنهوك يجمع قواه الأخيرة، فيجيش ويدور ويتلوَّى، وحيث اختفى داود من شاول والتجأ الملك صِدْقِيَّا فِرَارًا من البابليين، وحيث السهول الرملية التي تُنبت ما يُقيت قليلًا من القِطاع، ويتوجه يُوحَنَّا إلى أول ما يصادفه في طريقه من البيوت، وهل يُوَلِّي الرعاة فرارًا من هذا المخلوق الوحشي أو يطرحونه ليقيدوه بالسلاسل؟ كلا، فأمورٌ مثل هذه لا تقع في بلاد اليهودية التي يظهر فيها كل سنة قدِّيسون غريبو الأطوار، والتي لم تفتأ ترى أناسًا ينتحلون صفات الأنبياء بأزيائهم وأوضاعهم، والتي من طبيعتها التمرد على كل نظامٍ وَقَيْدٍ، والتي يبدو كل عجيبٍ أمرًا محتملًا فيها.
وبضعة رعاة هم أول من وجَّه يُوحَنَّا دعوته إليهم، ثم أخذوه إلى أقرب واحةٍ لينظر إليه جميع مَن في القرية ويستمعوا له، ولسُرْعان ما التف حول هذا الغريب الشبه العاري أكثر من مائة رجل ليسمعوا قوله: «توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات!» فيمتثلوا أمره فَيَتَعَمَّدُوا بماء الأُرْدُن.
لا تبعد أورشليم من هنالك أكثر من عشرة أميال، وأورشليم يقظةٌ ساخطةٌ منتظرةٌ حدوث أمرٍ عظيم على الدوام، أفيكون ذلك الرجل الذي ذاع خبره فيها دَجَّالًا، وهنالك ما يحمل على الظن بأنه إيليا؟ يقال: إنه يشابه إيليا بِقَدِّه المتوعد، وصوته المحرِّض، وبحفائه وثوبه المصنوع من وبر الجمل، وأخبر الكهنة وَالفَرِّيسيون منذ عدة سنوات بقرب الزمن الذي يظهر فيه المنقذ المنتظر، أفيكون ذلك الرجل ككل آزِيٍّ يرى محو الذنوب بماء المعمودية والحالة ما ترى؟ ألا إن قلب أورشليم أخذ يخفق أملًا عندما ذاع فيها نبأ وصول يُوحَنَّا إلى الأُرْدُن …
غادر أورشليم بضعة أناسٍ ليروا النبي الجديد، ولم يلبث عدد قاصديه أن زاد فيتوجه إليه الأغنياء من هؤلاء؛ حبًّا للاستطلاع، ويتوجه إليه الفقراء منهم بدافع الرجاء، ولم يلبث ذكر ذلك الذي عُرِفَ بِالمَعْمَدَان أن عَمَّ البلاد، فيتقاطر النَّاس إلى مصبِّ الأُرْدُن عن شكٍّ ويقينٍ، وعن يأسٍ وأملٍ لِيَرَوْه.
وهكذا يظهر في بلاد إسرائيل نبيٌّ بعد فترة مائة سنة. •••
يخالج قلب يسوع النَّجَّار عدة مسائل؛ فقد شاعت أنباء المَعْمَدَان في عَقْرِ الناصرة، فعلم يسوع الكثير منها، وبيان الأمر: أن أصحابًا له ذهبوا إلى عبر الأُرْدُن فعادوا حاملين لأغرب الأخبار، فسألهم بشوقٍ عن أوصاف المَعْمَدَان، وعن صوته وكلامه، وعن أثر رسالته، فأخبروه أنهم سألوا المَعْمَدَان عما يفعلون، فكان جوابه: «مَن له ثوبان فَلْيُعْطِ مَن ليس له، وَمَن له طعامٌ فليفعل هكذا.» وأن المَعْمَدَان لا يرد عَشَّارًا يأتي لِيَتَعَمَّدَ، وأن العَشَّارين سألوه عما يعملون فقال لهم: «لا تستوفوا أكثر مما فُرِضَ لكم.» وأنه قال للجنود حينما سألوه عما يصنعون: «لا تظلموا أحدًا، ولا تَشُوا بأحدٍ، واكتفوا بعلائفكم.»
وكلما استمع يسوع لهم خفق فؤاده فيقول: أآزِيٌّ فواعظٌ؟ أمعتزلٌ فرسولٌ؟ أصامتٌ فمتكلمٌ؟ أليست هذه هي المرة الأولى التي يسمع يسوع فيها خبر ظهور رجل يجهر بمثل ما في قَرَارَة نفسه، فلم يَبُحْ به إلا إلى أصحابه القليلين فقط؟ أليست هذه هي المرة الأولى التي يهاجم بها رجلٌ علنًا رِئَاءَ الفَرِّيسيين، وتقَدِيم القرابين والطقوس وَالغِنَى، داعيًا إلى تقسيم الأموال بين الجميع؟ أليست هذه هي آراء يسوع التي يتعهدها النبيُّ الجديد بالماء على ضفاف الأُرْدُن؟ يا له من رسولٍ هجر البادية والعزلة ليعود إلى مَن يفكر في سعادتهم من النَّاس! يا له من مصلح جاوز دور التأمل وعدل عن صوم الآزيين وحياتهم الضيقة ليكون لسان الخلق الناطق! قَلَّبَ يسوع الأمورَ فسأل في نفسه: «لِمَ لا تنهض؟ لِمَ لا تجهر أمام الملأ بأفكارك في الإيمان الصحيح وفي الورع الكاذب؟» فإذا كان يُوحَنَّا قد هجر البرية ليدعو القوم إلى الحق؛ فلماذا يلتزم يسوع جانب الصمت أكثر مما صنع إذن؟
نَبَّهَ مثالُ المَعمَدان من يسوع غافلًا، وأيقظ فيه روحَ المسئولية. ومن المحتمل أن يكون قد أثار حرصَه فذهب مع قافلة الحجاج التالية إلى الأُرْدُن.
انتهى يسوع بعد سفرٍ دام ثلاثة أيام إلى أَخْلاطٍ من الرجال والنساء منتظرةٍ التعميد في الوادي الضيق بين جبالٍ مهيمنةٍ على الضفة ذات العَوْسَجِ٨ والقصب والبَرْديِّ، وتمتد حول ذلك الوادي أخاقيق٩ جُردٌ، ومرتفعات مُلْس، وتأتي ريح الجنوب إلى ذلك المكان بهواء البَحْر الميت المالح، فيبدو موحشًا قاسيًا، فإليه يُهرع مئات النَّاس بخيولهم وحميرهم ومواعزهم ذوات الألبان الصالحة لتغذية أطفالهم، وجميع أولئك من الفقراء تقريبًا، وبعضهم من الهَرْمَى، والكثيرون منهم مَرْضَى، ولا يُقْرَأُ على وجه أي واحد منهم معنى السعادة، ولا يُرَى فيهم سوى الحنين، ومنهم القاعدون، ومنهم الواقفون، وكلهم مُصَلُّون، ويبصر يسوع يُوحَنَّا المَعْمَدَانَ فوق شفير النهر.
برز رجل لابس ثوبًا مَزَّقَه شَوْكُ العَوْسَج، طويلٌ، هزيلٌ، أشعثُ، لِحْيَانِيٌّ، غضوب، مُشابه لإشَعياء إذا ما تكلم، فيختم كل موعظة بقوله: «توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات!» والجميع قريبون منه، ويحف به بعضهم فيلوح أنهم تلاميذه، وهو بعد أن يفرغ من كل موعظة يَجْبِذُ واحدًا من الحضور لبضع خطواتٍ، فيدخل معه مكانًا من النهر قريب القعر، فيصب عليه بِدَلْوٍ قَدِيم ماءً أسمرَ أصفرَ من الأُرْدُن.
وإن الأمر لكذلك إذ يُسمع للجمع ضوضاء، فتتوجه أبصار الجميع إلى الشرق لمشاهدة أناس ينزلون إلى الوادي من طريق أورشليم، وكان يسوع أول مَن عَرَف أمر أعدائه الخفيين، هؤلاء الذين لم يزد عددهم عن العشرة إلا قليلًا، هؤلاء الذين هم من الكهنة واللاويين وَالفَرِّيسيين، فجاءوا للبحث في شأن ذلك الرجل الذي يأتي بالمعجزات، ويبدو التناقض بينهم وبين أولئك الفقراء؛ لثيابهم الحسنة وأوضاعهم مع تركهم أردية الأعياد في منازلهم بأورشليم، ويبدون فاترين؛ لأنهم لم يأتوا إلا ليروا ماذا يحدث في ذلك المكان الذي يبعد من أورشليم يومًا واحدًا، وفي أورشليم عُقِدَ مجلس، وَعُيِّنَت لَجْنَةٌ لترى وتسمع وتسأل ما قضت المصلحة بألا تقع تلك التجمعات طليقة، ومما ورد في التقارير أن المَعْمَدَان يحرِّض على نظام التملُّك، ومما وقع أن بيلاطُسَ نفسه عَلِمَ ذلك.
فَسَّحَ الجمع للقادمين المجال احترامًا أو اتباعًا للعادة، فصار القادمون أمام يُوحَنَّا المَعْمَدَان، فتقابلت عيونهم الفاترة وعيناه الملتهبتان، وكان في كلامه ما يستفزهم، ما انطوى كل جواب منه على معنى التحدي، وما انقلب الوضع إلى ظهوره بمظهر المتهم، وظهورهم بمظهر المتهمين، وظهور الحجيج بمظهر الحضور.
سألوه: «مَن أنت؟»
فأجاب معترفًا: «لست أنا المسيح.»
– «إذن ماذا؟ إيليا أنت؟»
– «لستُ أنا.»
– «آلنَّبيُّ أنتَ؟»
– «لا.»
– «مَن أنت لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟»
كان صمتٌ وتوترٌ مع انتظار، وكان شعورٌ من يسوع بأن المَعْمَدَان سينطق بكلامٍ كالصاعقة، وكان جوابُ المَعْمَدَان الشديد: «أنا صوتُ صارخٍ في البرية، قُوِّمُوا طريقَ الرَّبِّ كما قال إشَعْيَاء النبيُّ.»
فسألوه: «فما بالك تُعَمِّدُ إن كنتَ لستَ المسيحَ ولا إيليا ولا النبيَّ؟»
فأجابهم: «أنا أُعَمِّدُكم بماءٍ، ولكن يأتي مَن هو أقوى مني، مَن لستُ أهلًا لأن أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائه، هو سَيُعَمِّدُكم بالنار.»
ارتعش الحاضرون وتنفسوا الصُّعَدَاء؛ لأن يُوحَنَّا تفلت من الشَّرَك الذي نصبه الكهنة له بأسئلتهم، وساور القلق قلوب الحاضرين مع ذلك؛ لأنه تكلم عن المسيح وأعلن أنه ليس بالمسيح، وتبادل الفَرِّيسيون النظرات مضطربين، ورأوا أنهم لا يَنْقُضُون دفاعه بمثل ذلك، فسأله أحدهم عن السبب في عدم ذهابه إلى السامريين أو غيرهم من عبدة الأصنام ما احتاج هؤلاء إلى التوبة، فقال لهم بغلظة: «يا أولادَ الأفاعي! مَن أراكم أن تَهْرُبُوا من الغضب الآتي؟ فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة، ولا تبتدئوا بالقول في أنفسكم: لنا إبراهيم أبًا؛ لأني أقول لكم: إن الله قادرٌ أن يُقِيمَ من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم. والآن قد وُضِعَت الفأس على أصلِ الشجرة، فكلُّ شجرةٍ لا تصنع ثمرًا جيدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى في النار.»
قال بعض اللاويين والكهنة لبعضٍ: لقد علمنا ما فيه الكفاية. ثم عادوا، ومن المحتمل أن ساور الخوف غير واحدٍ من هؤلاء فَتَدَبَّر وهو في الطريق قول إشَعْيَاء: «من أجْل ذلك حَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ على شعبه، ومد يده عليه وضربه حتى ارتعدت الجبال.» ويسود الصمت ذلك الجمع عبر النهر، ولم يَسْطِع الجمع أن يهتف كما يودُّ ابتهاجًا بيُوحَنَّا المَعْمَدان، الذي أنذر مهددًا أولئك الأقوياء والأغنياء، وأحاط به من غير أن يَبْدُر منه صوت.
ويسوع وحده هو الذي ظل واقفًا بعيدًا من الجمع، ويسوع لم يسمع اللعنة الأخيرة التي صَبَّها المَعْمَدَان، فلم يزل قول المَعْمَدَان: «يأتي مَن هو أقوى مني» يَرِنُّ في أذنيه ويخالج فؤاده، فكان مثل يسوع وقتئذٍ كمثل النائم الذي يواثبه الفكر فيتلاشى ليعود إليه وليتلاشى مرةً أخرى، فكان كلام المَعْمَدان يصعد في قلب يسوع ويهبط ليزول منه عند صَحْوِه من غَفْوِه!
وفي الغد جاءت نَوْبَةُ يسوع لِيُعَمَّد، ومما لا ريب فيه أنْ ذَكَرَ يسوع ليُوحَنَّا اسمَه وبلدَه وحِرْفته وما إلى ذلك، ومما لا ريب فيه أنه لم يَدُرْ في خَلَدِ يسوع شيءٌ يعترف به حينما جاء دور الاعتراف؛ فهو وإن كان يستغفر ويدعو الربَّ كبقية النَّاس؛ حبًّا للربِّ وشعورًا بالذنب، لم يكن لديه إثمٌ معينٌ يذكره، وهو لو عَدَّ حقده على الكهنة ذنبًا فاعترف به ليُوحَنَّا؛ لتضمن ذلك عَدَّ يُوحَنَّا نفسه مذنبًا أيضًا. من أجل هذا آثر يسوع السكوت على الكلام ما استطاع، مدققًا عن كثب في يُوحَنَّا المتعصب الشديد الذي يبدو عليه جلال النبوة من غير أن ينتحل لقب النبي، والذي يدعو إلى الثورة على المال والسُّلْطَان من غير أن يغادر البرية، فهذا هو الوضع الذي كان عليه يسوع تِجَاه المَعْمَدَان.
ولم يكن تدقيق يُوحَنَّا القوي الفِرَاسَة في يسوع حينما طلب منه هذا باتِّزَانٍ أن يُعَمِّدَه أقلَّ من ذلك، فلاحظ يُوحَنَّا في يسوع مع فقره وهدوئه من أوضاع الملوك ما لم يجد له تفسيرًا، فرآه ذا نظر ثاقبٍ، وصوتٍ عذبٍ، وطراز تحيةٍ بعيدة من الذل، ورأى فيه عظيم قيمة مع محاولته إخفاءها؛ فمن أين اتفق لهذا النَّجَّار ذلك؟ أفيعرف هذا الناصريُّ حقيقة أمره؟ أخفى كلٌّ منهما عن صاحبه ما دار في خَلَدِه ودخلا النهر.
وقف كل من الصاحبين العاريين بجانب الآخر في الأُرْدُن، ويترجح عمر كل واحدٍ منهما بين الثلاثين والأربعين سنة، ويغمرهما الماء الفاتر الثقيل الأصفر إلى سُرَّتَيْهما، ويبدو سيد البرية يُوحَنَّا طويلًا ذاويًا، بادي العظام، أشعث الشعر واللحية، ناسكًا متعصبًا، ويبدو صديق الحدائق يسوع أهيف متناسبًا مُزَرْفَنَ١٠ الشعر شاعرًا خياليًّا، أفليس من طبيعة الأمور أن يَحْنِيَ ألطف الرجلين رأسَه، وأن يضع أخشنُهما يده عليه ليصبَّ الماء على بدنه؟ ويفكر يُوحَنَّا في عمله، ويفكر يسوع في أبيه.
ويخرج يسوع من الماء مُطَهَّرًا من ذنوبٍ لم يقترفها منقبض الصدر أكثر من قبل؛ لِمَا يراه من عدم انطباق سبب العِمَاد عليه، حائرًا أكثر منه مغَاثًا، مرتبكًا من تعاقب صور الماء وَالمَعْمَدَان والجمهور في ذهنه، فيتنحى قليلًا ليجمع حواسه، فيتكئ على العَوْسَجِ وَيُغْمِضُ عينيه، وفيما هو كذلك إذ يسطع نورٌ أمامه فيرى رؤيا ويسمع صوتًا: يرى أبواب السماء فُتِحَتْ، وحمامةً منها نزلت، ويسمعُ من السماء صوتًا قائلًا: «أنت ابني الحبيبُ الذي به سُرِرْتُ.»
هنالك ارتعد يسوع وألقى السمع فقال: هذا هو صوت أبي، ويسوع كان قد سمع هذا الصوت غير مرة في خرير السواقي، ونور الكواكب، وكلام الأولاد، فلم يعد ذلك، آنئذٍ، حد الشعور والهمس بغير نطق، وأما الآن فيسمعه برفقٍ ووضوحٍ مخاطبًا إياه بلغته، وداعيًا إياه بابنه.
ذُعِرَ يسوع فَفَرَّ من الجمهور ومن المَعْمَدَان إلى البرية. •••
يخرج يسوع من ذهوله بعد يوم من دخوله البرية، فيتذكر بالتدريج ما حدث مع دوام دهشه، وتزيد نفس يسوع اضطرابًا في تلك العزلة القاسية التي اختارها لنفسه، وهو الذي لم يَرَ البرية فيما مضى، فأخذ يَضْغَنُ عليها الآن. والبرية عاطلةٌ مما تعود أن يرى فيه، منذ طفولته، وجهَ الرب، من المياه والأزهار والحيوان والإنسان وضروب الأعمال، والبرية مشتملةٌ على الحصى والرمال المتفتتة المتموجة تلالًا، فلا يقدر على الصَّلَاة فيها.
ناداه الرب، فهل كان ذلك بالأمس فقط؟ دَوَّى في أعماق قلبه صوتٌ غريبٌ بعيدٌ داعيًا إياه بالابن، وحدث هذا حينما غادر ماء العِمَاد منقبضَ الصدر، وحدث هذا حينما رأى في المنام حمامةً تنزل من السماء فتطير إليه، والآن في البرية يسأل نفسه عن معنى ذلك، فلم يجد فيما حوله حَلًّا لذلك وبلدته وحرفته بعيدتان من هنالك، والآن يخرج من طور حياته الواضحة الهادئة التي تعودها معتزلًا ليناضل الروح التي نادته عازمًا، على أَلَّا يغادر البرية قبل ظهور فجر الحقيقة.
وهل كان ذلك نداء أبيه الرباني؟ أما كان ذلك النداء يبدو أوضح مما حدث لو صدر عن الرب مثل ما اتفق للعظماء من قدماء الأنبياء؟ وإذا كان ذلك النداء قد أتى من السماء لشد عزيمته، فما هو سر مطابقته لأفكاره الخفية؟ هو قد قابل في أثناء وجوده عبر الأُرْدُن بين نفسه وبين الذي عمده وعمد الآخرين، فسأل: هل يُرْضِي الربَّ منظرُ المَعْمَدان وصوته؟ وهو قد وضع نفسه في مكان يُوحَنَّا المَعْمَدَان، فسأل: كيف يقضي شعائر المعمودية بذاته على وجه آخر؟ ألم يساوره شيءٌ من الغيرة حينما رأى الجمهور ملتفًّا حول ذلك الغيور الهزيل الذي لا يفوقه فِقْهًا بالإيمان، ألم يظهر هَلُوعًا١١ حين خروجه من النهر فيسأل: لماذا سلم أمره طوعًا إلى آخر لأول مرة في حياته؟ ألم يسمعه الربُّ العَالِمُ بِمَا يُخْفِي صدره؟ فلماذا اختار الربُّ ذلك الوقت الذي بدا فيه أضعف مما في أي زمن، لِيُثَبِّتَ قدميه، مع أنه لم يسبق أن كلَّمه بغير واسطة؟
كلا، لا بد من وجود معنًى لذلك أسمى من ذلك، لا بد من أن ينطوي ذلك النداء على معنى الرسالة، أفيعمل كما عَمِلَ المَعْمَدان؟ أفيدعو النَّاس إلى التوبة وَيَسِيحُ وَيُعَلِّم؟ أفيهجر حرفته وبلدته وهناءته وقرابته وقصيدته ليدخل دور العمل والحركة؟ أفيقتدي بيُوحَنَّا المَعْمَدَان، وبيُوحَنَّا المَعْمَدَان وحده في كل شيء؟ أفلم يُحِلَّ يُوحَنَّا المَعْمَدَان طريقةً جديدة محل طريقةٍ قَدِيمةٍ؟ ولِمَ الزهد والبرية والصيام وإماتة النفس؟ ألا تَقْرُبُ هذه الأمور من الضحايا التي ردَّها المَعْمَدَان؟ وَلِمَ الحديث عن العَذَاب والبلايا بدلًا من الحديث عن حلم الأب الرب؟ وما نفع الوعيد في تخويف النَّاس وحملهم على الركوع؟ أَمنْ شأن الوعيد أن يُقَوِّيَ اليقين؟ ألا يُرْضِي الربَّ إنهاضُ الخلق عبر النهر أكثر من خفضهم؟ أليس الأفضلُ أن يُقْصَدَ النَّاس في ديارهم وأماكن أعمالهم، وأن يُجمعوا في روضة أو على سفح جبلٍ بالقرب من قُرَاهم فَيُخَاطَبُوا بالقول اللين عن مشاعر أبينا الرب ورغائبه؟
ومع ذلك: ما أعظم يُوحَنَّا! ما أشبه عينيه بالبرق عند نظره إلى الكهنة! ما أروع سخريته بهم حينما ذكر أولاد إبراهيم قاصدًا أن مؤمنًا بعد شِرْكٍ قد يكون خيرًا منهم! لم يحرض يُوحَنَّا على قتال الرومان ولم يَدْعُ إلى الثورة، بل كان يوصي بالشيوع والفقر والتواضع، وما كان يُوحَنَّا ليرضى بأن يُدْعَى نبيًّا.
قال يُوحَنَّا: «يأتي مَن هو أقوى مني!» أهذا هو يسوع؟ أمن أجل ذلك سمع يسوع نداء أبيه آنئذٍ؟ ماذا؟ أيكون يسوع خليفة يُوحَنَّا؟ أَيَحِلُّ محلَّه؟ حاول يسوع أن يَرُدَّ بشدةٍ هذا الوسواس الحافز إلى خيانة يُوحَنَّا الذي وضع يديه الكريمتين على رأسه منذ هُنَيْهَة.
وإن يسوع لفي هذا الغمِّ إذ رأى أن يصوم كما صنع يُوحَنَّا قبله في البرية، وبذلك يكون يسوع قد أمات نفسه أكثر من يومٍ للمرة الأولى في حياته ما بَعُدتْ روحه من الاضطراب، وما كان في غنًى عن التجربة والابتلاء، وما عطل من الدافع إليهما فيما مضى، وكلما مضى يومٌ على يسوع النَّاسك الجائع بعد ذلك راقَ قلبه، ودقَّ عصبه، ورقَّ فكره.
ويترجَّح يسوع بين الحماسة والهزال، وتتعاقب عليه صور الحياة التي لم يعرفها فيتأملها قبل، ويضعف الجوع جسمه فتتجاذبه التجارب فتكاد تفتنه.
ورأي يسوع في أنه الصفيُّ المختار كان يحُثُّه على مطالبة نفسه بما لا عهد له به، فينمو بذلك شعوره بقدر نفسه، فيسمع في باطنه صوتًا يسأله عن السبب في عدم تحويله الحجارة إلى خبز كما بَشَّرَ به يُوحَنَّا، وينتبه يسوع فيُحْجِم عن التجربة عند سماعه: «ليس بالخبز وحده يحيا الإِنسَان، بل بكل كلمةٍ تخرج من الله.» ويصحو يسوع من غفوته، فيعلم أن ذلك المُجَرِّب هو إبليس الهائج في المجانين؛ فَيُحَصِّنُ يسوع نفسه من جديد.
ويرى يسوع في المنام أنه نُقِلَ إلى جناح الهيكل فوق جميع الشَّعْب، فيسمع صوتًا كالذي أخذ بمجامع قلبه، حينما كان في حضرة المَعْمَدان يقول له: «إن كنتَ ابنَ الله فاطْرَحْ نَفْسَك إلى أسفل؛ لأنه مكتوبٌ أنه يوصِي ملائكتَه بك، فعلى أياديهم يحملونك لكيلا تَصْدِم بحجرٍ رِجْلَك.» ويلمع السطح الذهبي تحت قدميه، وتسطع أورشليم التي لم يَرَها بعدُ، فيتمنى أن يكون نبيًّا فيها، ولو طرفة عين، ولكنه يرى المخرج بصوت قلبه القائل: «مكتوبٌ أيضًا: لا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إلهك!»
تزاحمت على يسوع التجارب، فغدا في حالة يُرْثَى لها، فَأَنَّ فَحَنَّ شوقًا إلى وطنه، فأين راحة البال التي كان يتمتع بها أيام عيشه في كنف أبيه؛ حيث لا جحود ولا طمع، وهل يكافح؟ عاودته حُمَّى الخيال، وهو الذي امْتُحِنَ غير مرة في البرية؛ حيث اعتزل وجاع وارتجف؛ فقد رأى في المنام في هذه المرة أنَّه نُقِلَ إلى ذروة جبلٍ عالٍ فرأى ممالك العالم، فقال له إبليس: «أعطيك هذه جميعها إن خَرَرْتَ وسجدتَ لي.» فرده بعنفٍ صارخًا: «اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب: للربِّ إلهك تَسْجُد، وإيَّاه وحده تَعْبُدُ!»
اتبع يسوع دويَّ صوته في أذنيه فهرب من منطقة الهول الصحراوية؛ حيث كدَّرَت الرؤى صفوه بأشد مما فرَّ به إليها مغتمًّا قانطًا، فأراد أن يعود إلى بلده، إلى كوخه، إلى منْجَرِه، إلى قريته الصغيرة الواقعة على سفح الجبل، إلى عالم السلام؛ حيث ينْبُتُ العشب.
دنا يسوع من النهر، فرأى أن يدور اجتنابًا لمنطقة المَعْمَدَان، وفيما هو كذلك إذ وقفه جمع كبير فارٌّ، فرأى في مكان بعيد جنودًا متوجهين إلى الشرق، فاستوقف الأمر نظره، فاقترب من الهاربين سائلًا عن النبأ، فعلم أن أمير تلك الإيالة هِيرُودُس أنتيباس قد أرسل جنوده المرتزقة فقبضوا على يُوحَنَّا المَعْمَدَان، فساقوه مُقَرَّنًا في الأصفاد إلى سجنٍ لا يقدر أحد على إطلاقه منه.
بُهِتَ يسوع؛ فقد وجد في ذلك تأويلًا لِمَا رأى، فما كذَب فؤادُه، فالرب هو الذي أمره، فاطمأنت نفسه؛ فقد أُذِنَ له في العمل، فليعمل إذن! من أجل ذلك كان نداء الرب! من أجل ذلك جربه الشيطان! كان ذلك لشد عزيمته فيَخلُف المَعْمَدَان القائل: «يأتي مَن هو أقوى مني.» توترت ملامح يسوع بعد حِلْمٍ فنظر إليه أولئك مذعورين، فلو كان بينهم مَن عرفه اتفاقًا لعاد غير راضٍ؛ لِمَا رُئي من تَشَنُّجه الدالِّ على الصَّلَفِ والكبرياء.
ويسوع، بعد أن تخلص من دَهَشِه، توجَّه إلى بلده مفكرًا على طرازٍ آخر، فأخذ يرسم الخطط على خلاف عادته، ويسأل في نفسه: كيف يبدأ؟ وأين يبدأ؟ وهل يُصَدِّقُهُ بعض أصدقائه؟ ويقابل يسوع، في أثناء توجهه إلى الشمال وحيدًا، بين ما صنعه المَعْمَدَان وما يصنعه فيقول: هل أصاب يُوحَنَّا في مناهضته للفَرِّيسيين؟ أما كان ينتهي إلى ما هو أفضل مما تَمَّ لو تذرَّع بالحلم والقول اللين، فلم يستفِزَّ السلطة الزمنية؟ ثم يسأل عن قدرة إخوته على القيام بشئون الحرفة لو تُرِكوا وحدهم، وَمَن يقوم منهم مقامه في إمساك المطرقة ودقِّ المسامير؟
وصل يسوع إلى الناصرة، فعلم أن أمه وإخوته ذهبوا إلى قانا البعيدة ساعتين لحضور عرسٍ، فهل يذهب إليها أيضًا؟ تمثلت له الثياب الفاخرة والأصوات الجميلة، وله في عادات بلده الطيبة فتنةٌ، وفيه ميلٌ إلى اللهو والراحة مع ما حدث.
ذهب إلى قانا، وفي قانا وجد الفرح بالغًا غايته، فرأى الفلاحين يرقصون أمام البيت على صوت الصُّنوج١٢ والمزامير كما لو كانوا جاهلين لأمر اليوم الآخر، فراقبهم عن كثبٍ قصيرَ وقتٍ، فأبصرهم سُكارَى من غير أن يراهم يشربون، فهل الخمر قليلة؟ وهل استنفد العُرْس في ثلاثة أيام جميع ما يمكن أولئك الفقراء أن يأخذوه من قَبْوِهِم؟ وهل هؤلاء الراقصات غير أخواته حقًّا؟ وهل ذلك الذي يَخْبِطُ الوِرْكَ ضاحكًا غير شقيقه حقًّا؟ هنالك الصراع بين ما في ذهنه من جديد الأفكار وقَدِيم الخواطر …
ولم يَسُد السكون إلا حينما دنا يسوع منهم فعرَفوه؛ فقد شعروا بأنه أخذ يراقبهم غير عاطف، فليست أوضاعه بالتي تلائم الأعراس، فكان لهم بها ما يكدِّرُ صفْوَهم، وسأله بعضهم ضاحكًا على ما يحتمل عن عودته من الأُرْدُن، وعن رأيه في العِمَاد، وَوَكَزَ آخر ثالثًا بِكوعه مشيرًا إلى تَرَصُّد يسوع الطارئ للمائدة، وقال له رابع: إن الخمر نَفِدَتْ، فهل لديه وسيلة للحصول عليها؟ بيد أن يسوع ظلَّ واقفًا صامتًا مراقبًا.
ثم التفتت إليه أمه الجالسة حول المائدة قاصدةً إنقاذه من خياله، فقالت له برفق: «ليس لهم خَمْر.»
ويسوع إذ سمع صوت أمه وفهم معناه امتعض، فلم يَنْشَبْ أن شعر بانفصاله عن كل ما يحيط به، وقد أقصته الرؤى والنداءات عن عوامل الفرح والسرور فتنكَّر، فألقى على أمه التي وضعته نظرةً فاترةً وقال لها: «ما لي ولك يا امرأة؟»
ذعر الضيوف النَّشَاوَى وامتُقعت أمُّه، فصحا الجميع فطفقوا يُحدِّقون إلى النَّجَّار الناصري يسوع الذي ما انفكوا يَعُدُّونه ابنًا طيبًا وصاحبًا كريمًا مع غرابته، فما دَهَاهُ؟ أَجُنَّ؟ وإلا فما الذي ينظر إليه شاخصَ البصر؟
بنت يايرس.
وأما يسوع فيظهر أن روحه تَقَوَّت، فكانت تلك هي المرة الأولى التي يشعر فيها بقدرةٍ على التأثير في الآخرين وتوجيههم وقيادتهم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يشعر فيها بأنه نبيٌّ، والآيات منقادةٌ ليسوع، وفقدان الخمر هو الآية المُلِحَّة، أفيعجز يسوع عن تحويل الماء إلى خمرٍ وقد اختِيرَ ليَخلُف يُوحَنَّا المَعْمَدَان؟ فإذا كان عاطلًا من مثل هذه القدرة، فكيف يستطيع أن يهدي الشَّعْب؟ أحسَّ يسوع حلول الوقت الذي يجرب فيه قدرته التي لا يعلمها أحد، وقد أفزع الضيوف حينما كَلَّمَ أُمَّهُ منذ هُنَيْهَة!
أمر يسوع الخدم بأن يأتوه بالأجران الستة الموضوعة هنا، وبأن يملئوها ماءً، وبأن يأخذوا نموذجًا منها إلى الطاهي الذي لا علمَ له بما حدَث، ويصنع يسوع ذلك والحضور ينظرون إليه وإلى الذي دخل من الباب حائرًا قائلًا للعريس: «كلُّ إنسان يضع الخمرَ الجيدةَ أوَّلًا، فمتى سَكِرُوا وَضَعَ الدُّونَ، وأما أنت فقد أبقيت الخمرَ الجيدةَ إلى الآن!»
هنالك حَدَّقوا مرةً ثانيةً إلى يسوع الذي اتفق له من القدرة ما استطاع به أن يُلَقِّنَ الطاهي من خلال الجدار ما أراده له من الإيمان فقالوا: يا له من ساحر!
ثم كانت عَرْبَدَةٌ؛ فقد دارت الخمرُ في رءوس الحضور، ولم يَسْلَم منها سوى واحد، فصار ينظر إليهم مدققًا متسامحًا ما كان صَفِيًّا، فذلك أمر أولئك القوم الذين أُرْسِلَ إليهم هاديًا، فهل يتَّبِعُونه ولم يأتهم بغير الفِكَر؟ استوعبت يسوع تأملاتُه فترك العُرْسَ.
تلك هي الآية الأولى التي أتى بها ذلك النبيُّ الناصريُّ.
١
الزرقاء: السماء.
٢
الطور: الجبل.
٣
خرَّ الماء يخُرُّ خريرًا: أسْمَعَ صوتَه.
٤
الأشنة: شيء نباتي يكون على الشجر والصخور.
٥
الأشطاء: جمع الشَّطْء؛ وهو من الشجر ما خرج حول أصوله.
٦
الإقط: الجبن.
٧
الحنث: الذنب والإثم.
٨
العوسج: من شجر الشوك.
٩
الأخاقيق: جمع الأخقوق والإخفيق؛ وهو الشق في الأرض.
١٠
زرفن شعره: جعله كالزرافين؛ وهي الحلق الصغيرة واحدها: زرفين.
١١
الهلوع: الجزوع.
١٢
الصنوج: جمع الصنج، وهو صحيفة مدورة من النحاس الأصفر تضرب على أخرى مثلها للطرب.
ابن الإنسان: حياة نبي |
الفصل الثاني البُشْرَى
آمنوا بِالبُشْرَى!
ذلك ما جَهَرَ به الغريبُ المجهولُ الأمرِ في البَهْوِ الكبير على حين كان يُحَدِّقُ إليه مَن غَصَّ بهم الكَنِيسُ من النَّواتي والتجار والصُّنَّاع والسيَّاح، فنحن في كَفْرِ نَاحُوم الواقعةِ في شمال بحر الجليل؛ حيث تمرُّ القوافل التي تسير من الطريق الكبرى الممتدة من البَحْر إلى دمشق، وفي القوافل العلماءُ وَالهُوَاةُ والأغنياءُ وَالكُهَّانُ والحكماء. وفي السُّبُوتِ يزور المسافرون الكَنِيسَ، ومنهم يعلم الأهالي أخبارَ العالم الخارجيِّ، وَيُقَدِّمُ ناحوميٌّ إلى الغريب الكتابَ المقدس ليتلوَ منه ما تَيَسَّرَ طالبًا إليه أن يُفسِّره على أحدث طريقةٍ في أورشليم.
والذي يحدث في هذا اليوم قد وصل إلى مدينة كَفْرِ نَاحُوم أمس، وليس البلد الذي سافر منه بعيدًا، كما قال النَّاس هنالك؛ فالذي يغادر الناصرة وقت الفجر يصل إلى كَفْرِ نَاحُوم في نهارٍ واحدٍ، وهل يأتي من الناصرة ما هو صالح؟ قام ذلك الناصريُّ وأخذ يُصَلِّي، فَبُهتَ القوم من صوته الخافت، وَلَمَّا علا المنْبَرَ أيقنوا أنه ليس معلمًا لِعَطَلِ ردائه من الأهداب الأربعة التي تأمر بها الشريعة، وهل هو من تلاميذ يُوحَنَّا الذي اعْتُقِلَ؟ ومنذ أيِّ وقت يطوف هؤلاء المُعَمَّدُون في البلاد بدلًا من البقاء عَبْرَ الأُرْدُن؟ كلا، إن أُنْسَه ولطفَه دليلان على أنه ليس منهم، وهو لا يَلْبَسُ مِسْحًا١ كَالنُّسَّاك، وهو لا يَلْبَسُ حُلَّةَ نبيٍّ كما يَحْلُمُ به مَن يودُّ أن يكون إيلِيَّا المنتظر، وتخلو نَظَرَاتُه وكلماتُه من الكآبة والوعيد.
قال يسوع: «قد كَمَلَ الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بِالبُشْرَى «الإنجيل»!»
هذا غيرُ ما يَعِظُ به مُعَمَّدُو الأُرْدُن، فيسوع لا يُهَدِّد ولا يُحَرِّض ولا يطالب باعترافٍ ولا عِمَاد، وهو يفسر قَدِيم النبوءات على ضوء الحياة الراهنة، وهو إذا لم يَلْبَسْ حُلَّة الكاهن ذات الأهداب، وهو إذا لم يَسْتَعِنْ في مواعظه بالكتاب مقتصرًا على توكيدها بلغة الإقناع المألوفة، وَمُبَلِّغًا أن الرجاء مع الإيمان، لم يلبث أن ملك قلوب الصيادين والفلاحين الذين مَلُّوا ما في مناظرات الفَرِّيسيين من الدقائق، وأولئك لم يسمعوا أحدًا يُحَدِّثُهُم عن «البُشَرى» مع بساطة هذه الكلمة، وقدرة الصبيان على فهمها، وهو يُشَبِّهُ ملكوت السماوات بالشرَك الذي يُلْقَى في البَحْر فيجمع جَيِّدَ السمك ورديئَه.
يتلاكز٢ الصيادون برفقٍ مُتَبَسِّمين تَبَسُّمَ القبول لمطابقة هذا المثل ما يَرَوْنَ في الغالب، ويستمر الرجل على الكلام، وَيُلْقِي الجميع أسماعَهم إليه حين ذِكْرِه للزارع الذي يبذُر بعضَ حبوبه على الطريق، وبعضَها بين الأدغال٣ الشائكة، وبعضَها بين الحجارة، وبعضَها في الأَرْض الصالحة. ويدور حديثُ الرجل حول ملكوت السماوات، وَيَعِي الحضُور ما يقول في الدائنين والمدينين والمرابين، مشيرًا إلى أهمية الحساب مع الله في آخر العمر، وتُصْغِي إليه النسوةُ الجالساتُ خلف سياجهنَّ مُطْرِقاتٍ عند بحثه في قميصٍ رَثٍّ لا يمكن رَقْعه، وفي زجاجاتٍ قَدِيمة قصفة غير نافعةٍ لحفظ الخمر الجديدة، وفي أرملةٍ تشتكي إلى القاضي، وفي ربَّةِ منزل تسأل في كل مكان عن دينار أضاعته. ولا غرو، فالرجل يُعَبِّرُ عن العالم الذي يَعْرِفْنَه، وهن اللائي سَئِمن أدعيةَ الكُهَّان النَّمَطِيَّةَ، ومواعظَهم الصاخبةَ، والرجلُ يروقهن بلحيته الأنيقة، وشعره الممسوح بالزيت، وصوته العذب الرخيم وإن كان غريبًا لم يولد على شاطئ البحيرة.
ولم يَرُق يسوع ثلاثةً أو أربعةً من الكتبة جالسين في الصف الأول؛ فقد ظهر لهم أنه لم يلازم مدرسةً للكهنة، وأنه وإن كان مُلِمًّا بالتوراة يجهلُ التفاسيرَ التي هي أمرٌ مهمٌّ، ويرون أنه لا خطر لأناسٍ كيسوع تخرَّجُوا على الطبيعة ما بَقُوا في قُرَاهم؛ حيث يعرفهم أهلها فلا يعبئون بهم، فإذا ما تَغَرَّبوا ظَنَّ الفلاحون أنهم أعلم من شيوخهم، فيخسرُ هؤلاء الشيوخ ما يتمتعون به من الثقة، وَيَرَوْنَ أن يسوع ابتكرَ طريقةً جديدة لحمل النَّاس على الإنصات له، فالمستمعون إذا ما أصْغَوْا إليه خُيِّلَ إليهم أنهم يسمعون حديثًا زمنيًّا من أحاديث الأسواق، فبذلك يَتَقَبَّلون يسوع بقبولٍ حسن، فَيَرْتَعُ أسابيعَ على حساب البُسَطاء.
وإن أولئك لجالسون هنالك في غَمٍّ منتظرين ختام كلام يسوع، وإن يسوع ليتكلَّم فَيَرْسُم بيديه ما يصفه بلسانه؛ إذ دَوَّى صوتٌ في الكَنيس، فَيُقْطع حديثه، وينْهَض ويلتفتُ القوم إلى الركن الذي صدر منه ذلك الصوت؛ فقد حدث أن رجع الحضور إلى الوراء أمام رجلٍ سقط مُتَشَنِّجًا وهو يقول: «آه، مَا لَنَا ولكَ يا يسوع الناصريُّ؟! أتيتَ لِتُهْلِكنا. أعرف أنكَ قُدُّوسُ اللهِ!»
بمثل تلك الكلمات يُعَبِّرُ شِباه المجانين عن جميع الانطباعات الملائمة والمخالفة الناشئة عن فعل كلام ذلك الغريب في الأفئدة، فكأنَّ أعصاب ذلك الأرعن قد سَجَّلت ارتباكَ بعض الفَرِّيسيين الصامت، واستحسانَ الأُمِّيِّين الكثيرين الصامت، فكان ما رأيتَ من اختلاط التدنيس بالتقديس في كلمته تلك.
وَجِلَ يسوع، ويسوع، الذي جهر للمرة الأولى أمام جمعٍ بأمور كان يتأملها طويل زمن، قد شعر بأن تلك القاعة الطويلة الشهباء تميد، وأن تلك الرءوس تتموَّج كالدخان فيعتريه غَمُّ مَن يُنْتظرُ قيامه بالأعمال، ويسوع الذي أعلن أمام الجمهور ما أخفاه في نفسه كبير وقت، قد أبعده من بلده إلى شواطئ تلك البحيرة، التي يعرف فيها كثيرًا من المُدُن والقرى، ما أصابه من الفتور عندما كلَّمته أمه في ذلك العُرْسِ بقانا، وما وطَّن نفسه عليه من تبليغ النَّاس رسالته في عالم أوسع من منطقة الناصرة، وما عزم عليه من التأثير البالغ في الرجال. ويسوع الذي انقبض صدره في أوائل تلك الخطبة حينما التقى نظره وأنظار أولئك الكتبة التي تنم على معنى السؤال والاعتراض، لم يلبث أن وقع بصره على أبصار الحضور من الفلاحين والصيادين والفتيان والنساء، فأدرك كيف يخاطب عقولهم، ويلمس قلوبهم، ولكن صراخ ذلك الممسوس، ومنظر تلك القاعة التي استولى عليها الذعر والهيجان أعادت يسوع إلى مثل حالة التوتر التي استحوذت عليه في ذلك العُرْس حينما نَفِدَت الخمر وكلَّمته أُمُّه.
تقدم يسوع إلى الممسوس بخطًى واسعةٍ، وفسح الحضور له في القاعة كما لو كان طبيبًا، فجثا بالقرب منه فأمسكه وجبذه قائلًا: «اخْرَسْ يا شيطان، واخْرُج منه!» ويسقط المريض مرةً أخرى على الأَرْض، ويتقلب ويتقلَّص ويُدير نظره، ثم يسلم أمره إلى ذلك الحليم ذي الناظرين الثاقبين، فَيُرْخي أعضاءَه، وَيُغْمِضُ عينيه، ويهدأُ تنفسُه، ثم ينظر إلى ذلك الذي راضه، فيشعر معه بأن الشيطان غادر المكان، وهو يشعُر بذلك؛ لأن ذلك الغريب قد حمله على اعتقاده ذلك، وهكذا هدأت الزوبعة، ونهض المريض مُفَرَّجَ الغَمِّ، تَعِبًا قليلًا، متعافيًا كما يظهر.
رأى مئاتُ الشهود هذه المعجزةَ فقالوا: إن ذلك الغريبَ من أولئك السَّحَرة الذين يقدِرون على طرد الشياطين كما كان يصنع قدماء الأنبياء، وغادر الغريبُ المكان محترمًا تَعِبًا، فزالت منه لذة الوعظ التي زادت فيه كلما تقدم في خطبته تلك، وزالت منه قوة العزم التي تَجَلَّى فيها نشاطه عندما بدا طبيبًا، فَفَرَّ من الجمهور، وترك الشارع، وهجر المدينة، وهو حين وصل إلى الرِّيف على شاطئ البحيرة، جلس على الرمل بين القَصَبِ مُسْتَجِمًّا جامعًا لحواسَّه وأفكاره. •••
يبدو بحر الجليل من منحدرات الجبال أخضرَ رائقًا لامعًا بعد الظهر، وتمتدُّ كَفْرُ نَاحُوم على فُرْضَةٍ واقعةٍ بين الماء والجبل الواقي لها من الريح، وتُرى من مرتفعات الشمال عِدَّة مدن وقُرًى في تلك الفُرْضَة، وَتُسَمَّى القرية القائمة عن اليمين، فتبعد ميلين، فتبدو بيضاء ساطعة ذات برجٍ بطبرية التي بُنِيَتْ حديثًا؛ حيث يملك هِيرُودُس أنتيباس أمير الإيالة فيتملَّق القيصر الروماني ما ثبت ملكه تبعًا لهوى هذا القيصر، ويصبُّ نهر الأُرْدُن في شمال تلك البحيرة، ويستطيع يسوع أن يَتَمَثَّلَ، عند عدم الرؤية، المكانَ الذي يترك فيه هذا النهرُ تلك البحيرة ليجري إلى الجنوب حتى يصبَّ في البَحْر الميت.
ومن المحتمل أن ذكر يسوع في تلك الساعة مصب النهر الجنوبي، والرجل الذي عَمَّدَه، وصوت الأب العذب الذي أيقظه من سُبَات السنين، ولا يفكر يسوع في هِيرُودُس ما ابتعد عنه ابتعاده عن القيصر الروماني طيباريوس، المقيم بجزيرة في بحر غير قريب، وابتعاده عن جميع دول العالم الزائلة، ويفكر يسوع في الطيور التي ترفرف حوله، ومنها القُمْرُ٤ التي يعرفها في بلده، فتعرفه أيضًا؛ لخروجها من بين البَرْدِيِّ وَدُنُوِّها منه وَقَفْزِها على الإناء، ويظل البَجَعُ٥ الطويل بعيدًا منه؛ لحذره من الإنسان أكثر من حذر القُمْر، والمسافر يسوع إذا ما أزاح الصدف وحكَّ الأَرْض بطرف صدفة كبيرة وصل إلى صخرٍ أسود نجم عن بركان ثار هنالك منذ سنين قليلة دافنًا تحته مئات الآدميين.
ونظر يسوع إلى تلك الأمور غير نظر الآخرين إليها؛ فهو يحس ما تنطوي عليه من المعاني كما يحس الشاعر، وهو يجعل دائرة تأملات من الجبال والصخور والنهر والقصر وَالزَّلْزَلَة والبركان وَالسُّفوح الخصبة التي يستوي العنب والبطيخ فيها على السُّوق منذ شهر أبريل. ويبدو وراء يسوع جبل حرمون ذو الصخور وَالقُعُور والتخاريم والثلوج نذيرًا، وتمتد البحيرة على سَفْح ذلك الجبل المتوعِّد رائعةً رَوْعةَ الحياة، فيعرِف يسوع السِّرَّ في اختيار الربِّ لها من بين بحيرات إسرائيل السبع.
ثم يبدأ الليل بإرخاء سدوله، فيبصر يسوع السائح زوارقَ كثيرةً تخرج من المراسي لرفع الشِّباك، ما اقترب السمك من سطح الماء عند الشفق على الخصوص، وَيُعَدُّ بزوغ النجم الأول من الشرق علامة انتهاء السَّبْت وإباحة العودة إلى العمل، فيتنادى الصيادون من القوارب، ويجذبون الشِّباك وَيَشُولُونها وَيُقَلِّبونها، ويرمون الأسماك في المراكب وهي تنتفض، ثم يجدف الصيادون بالمجاديف مسرعين إلى الشاطئ ما كان الليل يَحِلُّ سريعًا في ذلك العَرْض.
أقبل صَيَّادان على يسوع الغريب فعرفا فيه الساحر الواعظ في ذلك المعبد صباحًا، وعرف يسوع أحدهما أَنْدَراوُس الذي وَجَده تلميذًا لِيوحَنَّا المَعْمَدَان عَبْرَ الأُرْدُن، فَعَرَّفه أَنْدَراوُس هذا بأخيه سِمْعَان، فتصافحوا جميعهم بحرارة، وما كان هؤلاء ليشعروا بما سيُسْفِر عنه هذا اللقاء، وما كان يسوع لِيعلَم أنه سيسمِّي سِمْعَان هذا ببطرسَ ذات يومٍ.
ثم أقبل صيادان آخران على صانع المعجزات يسوع راغبين في معرفته أكثر مما في الماضي، وكان اسم هذين الصيادين الأخوين يعقوب ويُوحَنَّا، ثم جاء آخرون وبدوا كلهم واثقين بيسوع الغريب مطمئنين إليه، ولم تنشأ ثقتهم به عن طرده الشيطان من رجل ممسوس فقط. ما كان بين الفَرِّيسيين مَن يفعلون مثل ذلك، بل نشأت أيضًا عن خروج ما وَعَظَ به في المعبد من قلبه، ونفوذه في قلوبهم، وساد الظَّلام فكان لا بدَّ من أن يأوي أولئك إلى بيوتهم، فدعا سِمْعَانُ يسوع إلى بيته، وطلب إليه أن يتعشَّى من مائدته، وما عتَّم نصف أهل المدينة الصغيرة أن تَجَمَّع أمام الباب، فالوقتُ وقتُ راحة، وودَّ الجميع رؤية ذلك الغريب الذي استطاع أن يَشْفِيَ ذلك المريض.
وفي البيت كانت حماةُ سِمْعَان مضطجعةً محمومةً، ويسوع إذ أقام دليلًا قويًّا على استعداده لشفاء المرضى جيء به إليها، فَحَدَّقت إليه العيون، فعلم ما يُنْتَظر منه، أفيأتي بالعجائب؟ هذا ما كان راغبًا عنه، وقد دخل النَّاس البيتَ فازدحموا خلفه منتظرين ما يصنع؛ أفلم يأتِ موسى وغيره من الأنبياء بالمعجزات لكي يؤمن النَّاس برسالاتهم؟ كانت تلك الحماة العجوز قد آمنت بيسوع، وكانت قد سمعت عن شفاء ذلك الممسوس في المعبد على يد يسوع، فصارت تنظر إلى هذا الغريب الذي هو مصدر الحلم والصلاح مطمئنةً ضارعةً إليه أن يشفيَها، فلم يُخَيِّبْ رجاءَها؛ فمن إيمانيهما المزدوج انبثقت القوة التي تشفي، فأمسكها بيده ونظر إليها، فحملها على تسليم أمرها إلى سلطانه، فقهر مرضها فنهضت.
نظر الحاضرون إلى يسوع نظر شكر واحترام، وأما يسوع فَذُعِر واغتَمَّ خشيةَ أن يرى النَّاس في تلك الأعمال معنى السِّحْر، وأخذ المرضى يتقاطرون إلى باب سِمعان منذ الغد، ومن المرضى مَن نُقِلوا إليه على فُرُشهم، ومنهم الكُمْه وَالبُرْص والمفاليج، فانتظر هؤلاء جميعهم أن يبرئهم، ولم يألُ يسوع جهدًا في ذلك، فشفَى بعضهم لطويل زمن، وشفَى بعضًا آخر لوقت قصير، ومسح بعضهم بالزيت، ومسح بعضًا آخر بالطين؛ ولكنه لم يُبْرِئْ أي واحدٍ من هؤلاء بغير الإيمان، وحمله على الإيمان. ويسوع مع مقته لهذا العمل كان يرحم المصاب فَيطِبُّه، فإذا ما شُفِيَ طلب منه أَلَّا يبوح لأحد بما تَمَّ؛ ولكن خبر الشفاء ما كان لِيُكْتَم، بل كان يذاع مع مبالغة، فهرب يسوع وقت الفجر إلى كَفْرِ ناحوم جمعًا لِقُواه.
ويتبعه العامة والصيادون والفلاحون ليستمعوا إلى مثل قوله في ذلك الكنيس، ويتبعه النساء وعلى رأسهن أم يعقوب ويُوحَنَّا. وَلَسُرْعان ما تَعَوَّد القوم أن يَرَوْه بينهم حينما يجلسون على شاطئ البحيرة ليرقعوا شِبَاكهم، أو لِيُزَفِّتوا قواربهم، أو لِيُشَذِّبوا مقاذيفهم، فيشعُر يسوع بغبطةٍ وسرور عندما يحيط به هؤلاء النَّاس فيرفعون عيونهم من أعمالهم؛ لينظروا إليه جالسًا بين الصدف، أو تحت ظلال الأَثْل،٦ أو بين حفيف القصب وصوت الأمواج، أو بين الأميين والمؤمنين والطيبين، فتجري أفكاره إذ ذاك في مجرى الرموز ما كان عليه أن يُشير بإصبعه إلى السماء وقتما يتكلم في تلك الأمكنة عن ملكوت الرب.
وما أصغر ذلك العالم الواسع! فعلى مسافة كل ميل تقوم قرية، ويكفي سير ساعة للوصول إلى الشاطئ المقابل، ويحتاج يسوع مع ذلك إلى عدة أسابيع، وإلى قسمٍ من الصيف قبل أن يزور جميع مدن بحر الجليل وقُرَاه، وما كان يسوع لينتظر مجيء النَّاس إليه؛ خلافًا ليوحنَّا المَعْمَدَان، بل كان يأتي إليهم بعد أن يكون تلاميذه المرافقون له قد مَهَّدُوا له السبيل بين قرية وقرية، فَيَسْبِقه صيته إليها.
وليس بمستبعدٍ أن يجد سيدٌ سائحٌ كيسوع في زمن الانتظار ذلك، تلاميذَ بين شعب الرب يتبعونه ويساعدونه، وما هو الخسر الذي يصيب أبناء أولئك الصيادين إذا ما غادروا بلدهم؟ فأولئك إذ كانوا قومًا أميين فلا يكادون يفرقون بين ملكوت السماء واستقلال بني إسرائيل في الأَرْض، وهم إذ كانوا مُفْعَمين بالأخيلة والآمال كان من السهل عليهم أن يتبعوا رجلًا قادرًا على الإتيان بمثل تلك البشارات، وعلى إيقاظ مبادئ أروعَ من التي عَرَفوها فيما مضى. وهذا إلى أن يسوع أنيسٌ مولعٌ بالجلوس حول المائدة غير مُحَرِّمٍ للخمر ولا لمعاشرة النساء؛ فالفتوة وروح المخاطرة، وحسن البشائر، والشخصية المحبوبة، والتفاؤل، ورجاء ثواب الآخرة أمورٌ كلها كانت تحفز الشباب إلى اتباع يسوع النبيِّ الجديدِ في رحلاته.
والقوم ينسِلُون٧ من كلِّ صَوْبٍ وحدَبٍ لمشاهدة ذلك الراقي٨ الشافي وسماع كلامه. ويجتمع أهل القرى التي ليس فيها كَنيسٌ على شاطئ البحيرة، فيعتلي يسوع زورقًا فيطلب من أصحابه أن يبتعدوا عن الشاطئ، فالماء ينقل إليهم صدى بشائره. ويسوع إذا ما كان واقفًا على سفينة بدا كصخرة سائدة لأولئك الجالسين القرفصاء على الشاطئ، أو المستلقين عليه، فيحدثهم عن رسالته بالرموز والأمثال الطريفة المقتبسة من حياتهم اليومية النقية، والأمثال ما كان يراها خير وسيلة لتثقيف الجموع، ولم يُحْجم عن تشخيص الربِّ بالصور القولية تقريبًا لأذهان الجمهور، مع أن تصوير الربِّ مُحَرَّمٌ على اليهود، فيجعل من الربِّ ملِكًا جالسًا على عرشه مالكًا لِلْكَرْم، قاريًا للضيف، سيدًا للعبيد.
هنالك يرى يسوع بعين بصيرته ما لكلامه من الأثر في قلوب البسطاء، ويسوع يجيب عن أسئلة هؤلاء، ويشفي مَن يأتون من المرضى ما استطاع، ويداوم على سيره، والنَّاس يجتمعون أمام بيت مضيفه ليسمعوا كلامه، فيقف على مفرق الطرق فيخطب فيهم مهما كان عددهم قليلًا، وإذا ما كان المجتمعون من النساء والصبيان رَقَّ لسانه، ووضح كلامه أكثر من قبل، وأفضلُ شيء عنده هو أن يجلس حول الموائد ومعه تلاميذه؛ فهو يميل إليهم إذ ذاك واثقًا، كما كان أمره في غابر الأيام تِجَاه أصدقائه القليلين الذين كانوا يقصِدونه أمام بيت النَّجَّار بالناصرة لِيُنْصِتوا له.
وكبريات المُدُن وحدها هي ما كان يجتنبه يسوع؛ فهو لم يذهب إلى طبرية مع أن كل صبيٍّ من أبناء تلك المنطقة كان يمتع ناظريه بها عن كَثَبٍ، وظلَّ يسوع بعيدًا من طرشيحة وصفوري ما شعر بأنه يسود تلك الأماكنَ حياةٌ صاخبةٌ، وروحُ القهر والحرصُ والتأثُّلُ٩ فلا يُلْقِي ساكنوها سمعًا إلى رسالته.
وفي الجنوب، حيث بلاد اليهودية تقوم المدينة الكبيرة التي يقيم بها الكهنة النافذون، ومفَسِّرُو الكتاب المقدس، وقارئو العَزَائِم، فما بدا ليسوع في كَنيس كَفْرِ ناحوم من عَداءِ الكَتَبَة الخفيِّ أثبت له أن أناسًا من هذا الطراز هم أعداؤه.
فظلَّ يسوع بعيدًا من أورشليم لذلك. •••
يشعر جميع الذين يقتربون من يسوع بحُبِّه لهم، ويسوع لم يظهر ليُبغِض النَّاس، بل ليُحبَّهم، وما كان ليسعى إلى مقاتلة أحد، وما كان يُعَلِّم أهلَ بحر الجليل الفقراء الهادئين إياه، فمصدره قلبه، وما كان علماء البلد يقابلون ما يلقيه في الأفئدة بغير الشك الذي هو وليد التعليم.
وينفذ كلام يسوع نفوس البسطاء، ويتألَّف من هؤلاء الصيادين الذين تعودوا الصبر والانتظار جالسين على الشاطئ، أو في زوارقهم، بالقرب من شباكهم جمعٌ من المستمعين الحلماء الطيبين البعيدين من المطامع، وليس في خُطَب يسوع ما قد يزعجهم، فلا تجد فيها بحثًا عن سيادة العالم، ولا عن المجد، ولا عن الاستعباد الراهن، ولا عن ماضي الشَّعْب العظيم، ولا عن انتقام الله وعقابه وغضبه وقصاصه.
ويفيض فؤاد يسوع الذي هو مَعْدِن الحبِّ رأفةً وحنانًا، ويقابل يسوع بالمَحَبَّة أباه الربَّ الذي أنعم عليه بها، والجميعُ أبناء للربِّ، وأكثر النَّاس معرفةً بالأب الرب هم الخالصو النية، السليمو السريرة، الرُّحمَاء الأَمِّيُّون الذي يشابهون الأولاد في أفكارهم. وَمَن يعتمد على كرم الربِّ يَنَلْ حمايته، وَيَعِشْ تحت رعايته، والربُّ «يُشْرِق شمسَه على الأشرار والصالحين، وَيَمْطُرُ على الأبرار والظالمين»، فَمَن يعتقد هذا لا يَنْشَبْ أن يملك ملكوت السماوات على الأَرْض، فيجد كنزًا في حقل هذا العالم.
ويدرك الفلاحون الخرافيون المحيطون بيسوع مغزى تلك الكلمات، فالهواء مملوءٌ بقصص العجائب، والأنبياءُ رأوا فتح أبواب السماء، وأولئك الفلاحون سمعوا قصة الكنز الذي اكتُشِفَ بحرث الأَرْض، وهم لا يجهلون أن المطر يروي حقل جارهم البغيض كما يروي حقولهم، وهم يكادون يعرفون أن النبي دانيال حدَّث بمثل ذلك عن نزول السماء إلى الأَرْض، وهم لا يكادون يعرفون أن ذلك النبي الناصري ألقى في صباه السمع إلى الأَرْض، فشعر بحضور الرب المحب الذي يصفه الآن، وليس على أولئك البسطاء إلا أن يثقوا بيسوع ما أتى بالبشرى، وابتعد عن الوعيد، وقرب إليهم السعادة التي سمَّاها بملكوت السماوات فلم يُحَرِّق الأُرَّم١٠ مثل المَعْمَدَان حين قال: «اسألوا تُعْطَوْا، اطلبوا تجدوا، اقْرَعوا يُفْتَح لكم.» فهل خاطب كاهنٌ الفقراء بمثل هذا الكلام المُسرِّي الكاشف للغمِّ؟
أليس من الصواب دعوة يسوع لنا بالإخوة ما دام الرب أبًا للجميع؟ وهل يجب أن يُعْمَل بما يقول به الصَّدُوقيون في أورشليم من أن يأخذ الأخ حقَّه من أخيه، وأن تكون العين بالعين، والسنُّ بالسنِّ؟ كلا، ولكن ما يأمر به يسوع ليس أخفَّ وطئًا من ذلك؛ فقد قال: «مَن لَطَمَكَ على خَدِّك الأيمن فَحَوِّلْ له الآخر أيضًا، وَمَن أراد أن يُخَاصِمَك ويأخذَ ثوبَك؛ فاترك له الرِّدَاءَ أيضًا.» فبينما يتساءل أولئك الفلاحون والصيادون عن سبب ذلك، وعن قدرتهم على العمل بذلك إذ سمعوا يسوع يقول: «اغْفِرُوا يُغْفَرْ لكم.» فَرَضُوا بذلك ما عَلِمُوا الآن أن كلَّ واحد منهم سَيُثَابُ على إنكار ذاته.
وأمرهم يسوع بأكثر من ذلك أيضًا، فيسوع إذا اقتصر على توصيتهم بأن يحبوا مَن يحبهم، فإنه لا يكون قد حَثَّهم على أكثرَ مما يقدر عليه المشركون، ولكن يسوع قال لهم: «أَحِبُّوا أعداءَكم، باركوا لاعِنِيكم، أحسنوا إلى مُبغِضيكم، وَصَلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.» بيد أن حب المرء لأعدائه هو أصعب شيء، فسأل بعضهم يسوع: «كم مَرَّةً يُخْطِئُ إِليَّ أخي وأنا أغفر له، هل إلى سبع مرات؟» فنظر إليه يسوع بحزمٍ وأجابه من فَوْرِه قائلًا: «لا أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرةً سبع مرات.»
ظل أولئك جالسين حيارى متسائلين عن مبالغة يسوع في ذلك كله، ولكنهم لم يلبثوا أن أدركوا مقصده حينما نصحهم بصوته الرخيم قائلًا: «لا تَدِينوا فلا تُدَانوا، لا تَقْضُوا على أحدٍ فلا يُقْضَى عليكم … وكما تريدون أن يفعل النَّاس بكم، افعلوا أنتم أيضًا بهم هكذا؛ لأن هذا هو الناموس والأنبياء.»
ويجهل أولئك أن الكاهن الأكبر هِلِّلَ قال مثل ذلك منذ خمسين سنة، وما يجهلون أن هِلِّلَ كان من العمال كما هم الآن، ويرى أولئك بأعينهم أن يسوع ليس من رجال المجمع اليهودي الكبير بأورشليم، فلا يعيش في بيوت الأقوياء، ولا على موائد الأغنياء، وما يرونه إلا زائرًا لهم في أكواخهم على شاطئ البحيرة بعيدًا من المعبد والقصور، ويسوع إذا أحب الجلوس حول موائد هؤلاء فلِمَا يقتضيه ذلك من انحنائه ليمرَّ من أبوابهم الواطئة، ودنوِّه من الأطفال في مُهُودهم، وسؤالِه عن مواشيهم، ولَعِبِه مع أولادهم، وإسعافه نساءَهم، وهنالك يؤمنون به حينما يقول لهم في أثناء طعامه من مائدتهم المعتدلة: «طوبى لكم أيها المساكين؛ لأن لكم ملكوت الله … لا تَكْنِزُوا لكم كنوزًا على الأَرْض؛ حيث يُفْسِد السُّوسُ وَالصَّدأُ، وحيث يَنْقُبُ السارقون ويَسْرِقون، بل اكْنِزُوا لكم كنوزًا في السماء؛ حيث لا يُفْسِد سُوسٌ ولا صَدَأٌ، وحيث لا يَنْقُبُ سارقون ولا يَسْرِقون؛ لأنه حيث يكون كنزُك هناك يكون قلبُك أيضًا.» وهنالك ينظرون إليه خافضين رءوسهم استحسانًا لِمَا في الجليل من كثرة اللصوص، ويسوع يعرف ما يقول، ويعتقد أولئك صحةَ ما يَعِدُهم به من ملكوت السماوات.
أَلَا يَعْمَلُ يسوع نفسه بما يأمر به؟ قال يسوع: «إذا صنعت غَدَاءً أو عَشَاءً؛ فلا تَدْعُ أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء؛ لئلا يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأةٌ، بل إذا صنعت ضيافةً؛ فادْعُ المساكين الجُدْعَ العُمْيَ، فيكون لك الطُّوبَى؛ إذ ليس لهم حتى يُكَافُوك؛ لأنك تُكَافَى في قيامة الأبرار.»
قَتْل يُوحَنَّا المَعْمَدَان.
لم يَرْتَح الأغنياء لسماعهم ذلك القول. أليس ذلك الذي يدعو القومَ إلى تلك المبادئ الخَطِرَة ثائرًا مُحَرِّضًا؟ بيد أن بين أولئك المستمعين مَن هم شبابٌ وارثون، فَنَفَذَتْ تلك الكلمات في قلوبهم. ومن هؤلاء الشباب الأغنياء مَن سأله: «أيَّ صلاحٍ أَعْمَلُ لتكون لي الحياة الأبدية؟» فأجابه: «إن أردتَ أن تدخل الحياة؛ فاحفظ الوصايا.» فقال له الشاب: «هذه كلُّها حَفِظْتُها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعدُ؟» فراقت آمالُه واتِّضَاعُه يسوع، فودَّ يسوع أن يظفر به فقال له: «إن أردت أن تكون كاملًا؛ فاذهبْ وَبِعْ أملاكَك وأعْطِ الفقراء، فيكون لك كنزٌ في السماء.» فكان لهذا القول وقعٌ شديدٌ على ذلك الفَتَى الغَنِيِّ، فنظر إلى يسوع نظرَه إلى مفتونٍ، فمضَى مُغْتَمًّا حزينًا، فَتَبِعَه يسوع بعينيه، ثم قال لتلاميذه: «ما أعسرَ دخولَ ذوي الأموال إلى ملكوت الله؛ لأن دخول جمل من ثَقْبِ إبرة أيسرُ من أن يدخل غَنِيٌّ إلى ملكوت الله.»
لاحظ المستمعون معاملة يسوع لذلك الفَتَى الغنيِّ بِرفْقٍ مع عدِّه الغِنَى إثمًا، ولاحظوا تفضيله الآثمين على الصالحين، فيا له من تناقض! قرأ يسوع على وجوه أولئك هذا المعنى؛ فلاح له مَثَلٌ أوحت به روح تلك الساعة فقال: «أيُّ إنسان منكم له مائة خَرُوفٍ وأضاع واحدًا منها، أَلَا يترك التسعة والتسعين في البَرِّيَّة ويذهب لأَجْلِ الضالِّ حتى يجده؟ وإذا وجده يضعه على مَنكِبيْه فرحًا، ويأتي إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلًا لهم: افرحوا معي؛ لأني وجدت خَرُوفيَ الضالَّ، أقول لكم: هكذا يكون فرحٌ في السماء بخاطئٍ واحدٍ يتوب أكثر من تسعةٍ وتسعين بارًّا لا يحتاجون إلى توبة.»
ثم يَقُصُّ يسوع نبأ ابنٍ أنفق ما يملِكه سَفَهًا فعاد إلى أبيه تائبًا، فَيُقَبِّلُه أبوه وَيُلْبِسُه ثيابًا حسنة، ويذبح من أجله العجل المُسَمَّن، فيغضبُ الابن الثاني الذي لم ينفكَّ يعملُ ما يُرْضِي أباه من غير أن ينال جَدْيًا، فيصنع منه طعامًا لأصدقائه، فيقول له أبوه: «يا بُنَيَّ، أنت معي في كلِّ حين، وكلُّ مالي فهو لك، ولكن كان ينبغي أن نَفْرَح وَنُسَرَّ؛ لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًّا فَوُجِد.»
ماذا؟ أَلَا يحقُّ للولد المُجِدِّ الطائع أن يألَم من أبيه الذي ضَنَّ عليه بِجَدْي مقابل خِدَمه الكثيرة؟ أيجب أن يؤدي حب النَّاس إلى مثل ذلك الإجحاف؛ حينما تخرب الأسداد فيفيض سيل الرحمة فيض رحمة الأب الرب؟ ألا يعني ذلك أن العبرة فيما يشعر به الإنسان وما يفكر فيه، لا فيما يصنعه وما لا يصنعه؟ هنالك عينٌ تنفذ ما وراء الظواهر فترى دقات قلب الإنسان وضعفه، وما أبصره يسوع الصبيُّ في صُلَّاح بلده يُبْصِرُ مثله الآن، فيبدو أشدَّ من الشريعة نفسِها تِجَاه الذنوب الخفية.
ويعرِف يسوع أن النَّاس يُوَكِّدون اليمين من أجل الأمور المشكوك فيها، وَلِمَ يحلف الإنسان بالله؟ «فلا تَحْلِفوا … لأنك لا تقدر أن تجعل شعرةً واحدةً بيضاء أو سوداء، بل ليكن كلامكم نعم، نعم، لا، لا، وما زاد على ذلك فهو من الشِّرِّير.» وَلِمَ يتصدق الإنسان على الفقراء فيذيع ذلك نافخًا في الصُّوْر؟١١ «فاحترزوا من أن تضعوا صدقتكم أمام النَّاس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجرٌ عند أبيكم الذي في السماوات، فمتى صنعتَ صدقةً فلا تُصَوِّتْ أمامك بالبوق كما يفعل المراءون في المجامع وفي الأزقة؛ لكي يُمَجَّدُوا من النَّاس، الحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم، وأما أنت فمتى صنعتَ صدقةً فلا تُعَرِّفْ شمالَك ما تفعل يمينُك؛ لكي تكون صدقتُك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاءِ هو يجازيك علانية.» وَلِمَ يُصَلِّي الإنسان جهرًا حتى يراه الجميع؟ «فمتى صَلَّيْتَ فادخل إلى مِخْدَعك، وَأَغْلِقْ بابَك، وَصَلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.» وَلِمَ يبدو الإنسان شاحبًا؟ «فمتى صُمْتَ فادْهُنْ رأسَك، واغسِلْ وجهَك؛ لكيلا تظهر للناس صائمًا، بل لأبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانيةً.»
ولا تظنوا أن قرابينكم تُكَفِّر عن كلِّ شيء، «فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك؛ فاترك قربانك أمام المذبح واذهب أوَّلًا اصطلح مع أخيك، وحينئذٍ تعالَ وَقَدِّمْ قُرْبانَك.» ويسوع الذي لم يَقْرَبِ النساءَ قد عَرَفَ خائنة الأعين؛ فقد قرأ ذات يوم في عَيْنَيْ رجلٍ ينظر إلى امرأةٍ جالسةٍ مع نسوة في المعبد معنى الشهوة، فتتظاهر بأنها تجهله فلا يبدو من الحضور ما يدل على علمهم أمرَ خيانتهما، فأبصر يسوع ما يدور في خَلَدِهما، فقال مخاطبًا سامعيه: «إن كل مَن ينظر إلى امرأةٍ لِيَشْتَهِيَها فقد زنى بها في قلبه.»
هنالك ارتبك مَن رأوا من السامعين انطباق ذلك القول عليهم فَغَضُّوا أبصارَهم. •••
ولا تَجِدُ في يسوع واعظَ توبةٍ مع ذلك، فيسوع الذي يأتي عوام القوم بِالبُشْرَى لم يَعُدَّ الفقر أو المرضَ فضيلةً، بل كان يُوَاسِي وَيَشْفِي، ويسوع لم يُشَجِّع الخَطَأةَ ولم يَعِدْهم بتَحَمُّلِ خطاياهم، فكان يقول لِمَن يُنْقِذُ: «اذهبْ ولا تُخْطِئْ أيضًا.» وبهجة الحياة التي كانت تُدْنِي ذلك الولد الشاكرَ من الأب الربِّ أضحت ضعفي ما كانت عليه، بعدما أصبح الفَتَى البالغ الذي يستطيع أن يصبَّ الآن كنوزَ محبته في قلوب كثيرة، وقد قال لِمَن يُظْهِرُون غُلُوًّا في التقوى: «لا تكونوا عابسين كالمرائين …» والمرضُ خطيئةٌ، أو دليلٌ عليها؛ فقد قال لرجلٍ شفاهٍ: «ها إنك قد عوفيت فلا تُخْطِئْ بَعْدُ لئلا يُصِيبَك أعظمُ.» ويسوع إذْ هو في عافيةٍ يستطيع أن ينام في زَوْرَق فوق بحر هائج، ويسوع إذْ هو مغتبط بِحِسِّه أنه ابنُ الربِّ لا يبالي بالغد الذي تكلَّم بعضُهم عنه في حضرته لا ريب، ويسوع إذْ يفكر في الحيوانات والنَّبَاتات التي رافقها منذ صباه يقول: «لا تَهْتَمُّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تَلْبَسون، أليست الحياة أفضلَ من الطعام، والجسدُ أفضلَ من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء، إنها لا تَزْرَعُ ولا تَحْصُدْ، ولا تَجْمَعُ إلى مخازن، وأبوكم السماويُّ يَقُوتُها، ألستم أنتم بِالحرِيِّ أفضل منها؟ وَمَن منكم إذا اهْتَمَّ يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدةً؟ ولماذا تَهْتَمُّون باللباس؟ تأَمَّلُوا زنابقَ الحقلِ كيف تنمو، لا تَتْعَبُ ولا تَغْزِلُ، ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمانُ في كل مجده كان يلبس كواحدةٍ منها، فإن كان عشب الحقل الذي يُوجَدُ اليوم وَيُطْرَحْ غدًا في التَّنُّور يُلْبِسُه الله هكذا، أفليس بالحريِّ جِدًّا يُلْبِسُكم أنتم يا قليلي الإيمان؟ … فلا تَهْتَمُّوا للغد، فإن الغد يَهْتَمُّ بما لنفسه.»
ويسوع يرضى شاكرًا بما يأتيه به النهار اتفاقًا؛ سواءٌ عليه اجتمع بالنَّاس في مكان عام، أم اجتمع بتلاميذه، أم قضى ساعةً على شاطئ البحيرة وحيدًا هادئًا مفكرًا، أم تناول طعامًا حول مائدة عيدٍ مشتملةٍ على خبز أبيض، وحَمَلٍ وخمرٍ حمراء مستخرجة من كروم البلاد. ويسوع قد سُئل ذات يوم: «لماذا يصوم تلاميذُ يُوحَنَّا، وأما تلاميذك فلا يصومون؟» فأجاب مسرورًا: «هل يستطيع بَنُو العُرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم؟ ولكن ستأتي أيامٌ حين يُرْفَع العريس عنهم فحينئذٍ يصومون؟»
وما كان يسوع ليرضى بأن تشُوب صيغةٌ دينيةٌ نفوسَ تلاميذه حينما يجلسون معه ليتناولوا طعامًا حول مائدة، وما كان يسوع ليطالب بأن تُغْسَل الأيدي والأطباق على حسب الطقوس، ولا بأن يُنْطَقَ بسلسلة من الأدعية، أفلا تكفي جملةٌ قصيرة لذلك؟ فالحقُّ أن يسوع لم يحظر شيئًا، ولم يفرض على أحدٍ أن يقتدي به في صلواته ودعواته، وهو الذي لم يقرب قربانًا، ولم يُعمِّد إنسانًا، ولم يحدث أن انقلب الدعاء الذي يقوله يسوع إجابةً لرغبة تلميذٍ له إلى صيغة مقررة، فكان لا يعاد إليها ثانيةً، وبلغ يسوع من الجرأة واستقلال النفس ما كان يُصَرِّح به أن البشرى تناجي القلوب بغير صيغة معينة؛ فيسوع كان يرى الإثم أو العفو أمرًا باطنيًّا، وإن شِئْتَ فَقُلْ: ثمرة لِمَا لا يُعَبَّر عنه بالكلام من الأعمال الذهنية.
من أجل ذلك كان يسوع يحب الصغار والفتيان والجهال والفقراء وَمَن إليهم من الذين ليس عندهم من الأموال ما يحيدون به عن الصراط المستقيم، وقد انتهز تلاميذه نسوةً أَتَيْنَ بأولادهن لكي يَلْمِسَهم فقال: «دعوا الأولاد يأتوا إليَّ ولا تمنعوهم؛ لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله، الحقَّ أقولُ لكم: مَن لا يُقَبِّلُ ملكوتَ الله مثلَ ولدٍ؛ فلن يَدْخُلَه.» فهنالك احتضن الأولاد ووضع يديه عليهم وباركهم، ولم يلبث يسوع أن رأى نفسه مضطرًّا إلى معاملة تلاميذه بأشد من قِبلُ. ويسوع كجميع الأنبياء الذين ظهروا قبله وَكَيُوحَنَّا المَعْمَدَان نفسه قد احتاج إلى تلاميذ قليلين يتبعونه، فبهؤلاء يستطيع أن ينال بسرعة ما لا بدَّ له من الصيت الضروري ليكون نافذًا مؤثرًا، ويسوع قد اعتمد على انطباعاته الأولى في اختيارهم، وهو الذي طلب منهم أن يتبعوه، فإذا حدث أن عرض أحدهم نفسه عليه أساء الظن به فردَّه، مع أن الجميع خذَلوه في نهاية الأمر.
وكان بعض أولئك تلاميذَ لِلْمَعْمَدَان، وكثيرون منهم من أهل الثراء، فأمرهم بأن تكون أموالهم مشَاعةً كما بين الآزيين؛ ليعيش هو وتلاميذه منها، وكان أحبهم إليه سِمْعَانُ بطرس ذو النفس العملية، ويعقوبُ الحَمس، وَيُوحَنَّا الحليم، وعلى ما عليه هؤلاء الثلاثة من التقوى وحرارة الإيمان والحب ليسوع كانوا من ذوي الأَثَرَة والتردد، ومما وقع أن مرَّ يسوع ذات مرة من شاطئ البحيرة، فرأى عَشَّارًا جالسًا عند مكان الجباية، فأراد أن يجعل منه مثلًا فقال له: «اتبعني!» فَلَبَّى هذا العَشَّار المُسَمَّى لَاوِي دعوته هاجِرًا كل شيء، فَلَاوِي هذا الذي يُدْعَى مَتَّى أيضًا عمِل فيما بعدُ أكثر من أي واحدٍ إعلاءً لشأن معلمه، ومن الذين اختارهم يسوع إليه: سِمْعَان الغيور الذي كان فيما مضى تلميذًا ليهوذا الجليلي الثائر. ويهوذا الجليليُّ هذا مَن كان لأعمال بطولته وخاتمته الفاجعة أبلغ الأثر في يسوع أيام صباه.
وجميعُ أولئك من أبناء الجليل، عدا يهوذا الإِسْخَرْيُوطي الذي هو من أبناء الجنوب؛ أي من اليهودية، ولم يسمع يسوع نداءً يُحَذِّرُه من اصطفاء هذا الرجل الذي هو وليد بيئة أورشليم.
وكان أكثر أولئك أصغر سنًّا منه، فيسهل عليه قيادتهم، فيدعوهم بأبنائه وعماله، فيأمرهم بتجهيز السفينة والتجذيف وتهيئة الطعام، وكان يقول لهم بصوتٍ عالٍ عند عدم إدراكهم لكلامه: «إذا كنتم لا تعرِفون هذا المثل، فكيف تعرِفون كلَّ مثل؟»
ولم يُؤلِّفْ يسوع جمعيةً، بل كان يحمِل تلاميذَه على تسميته بالمعلم والسيد عندما يقول مفاخرًا: إنهم مِلْحُ الأَرْض ونور العالم.
وما كان يسوع ليبدو فارغ الصبر تِجَاه النساء اللاتي تَبِعْنَه في تَرْحاله، فظلت ثلاث أو أربع منهن بالقرب منه في أثناء ذلك، وجميع هؤلاء غريباتٌ، فلم تكن واحدةٌ منهن من بيته، ولا من بلده، وَكُنَّ أغنى من الرجال، وكانت إحداهن حنة زوجة وكيل خرج هِيرُودُس، فآمنت به كما آمنت سُوسَنَّة؛ لأنه شفاهما، وتبعت اثنتان من أولئك أبناءهما الذين هم من تلاميذه.
ويسوع إذ قامت تعاليمه على المَحَبَّة كان النساء أكثر إدراكًا له من الرجال، فَيُضْفُون على اغترابه من الإعزاز ما يلائمه وما لا يلائمه، وَيُمَجِّدْنَه بما لم يَسْعَ إليه، وما لا غُنْيَةَ له عنه، وهنَّ حين يمسحنه بالعطور والأطياب فيستمعن إليه سابحاتٍ في عالم من الأخيلة، تنقلب المَحَبَّة التي يحملها في فؤاده إلى حقيقة، فيوزع بين عِدَّة نسوة من المَحَبَّة ما يُوجِّهه الرجل العاديُّ إلى امرأة واحدة.
ويسوع إذ كان صَفِيَّ اللهِ شاعرًا بِقَدْرِ نفسه وكفايتها؛ فإنه يُنَدِّدُ بالزواج الذي يعمل فيه كلٌّ من الزوجين على ما فيه رِضَا الآخر من دون الله، ولا يطالب يسوع النَّاس، ومنهم أقرب تلاميذه، بالطُّهْرِ والعزوبة في الحياة العملية ما وُجِد بين تلاميذه المختارين فَتَيَان متزوجان، وما رافقت بطرسَ زوجتُه، وما دافع عن الزواج بأن الله جامعُ الزوجين، وما حَظَرَ الطلاق بأشد مما في شريعة موسى نفسها، ولا يرفض يسوع شيئًا تُقَدِّمُه النساء إليه، فَيُسَرُّ ممَّن تبدو أحمسَ من غيرها في ذلك. ومن هذا القبيل أن كان يسوع في بيت أختين بإحدى القرى، فأخذت إحداهما مَرْثَا تعمل في أمور المنزل على حين جلست الأخرى مريم عند قدميه، فسألته مَرْثا أن يأمر أختها مريمَ بأن تصنع مثلها، فتبسم قائلًا: «مَرْثَا! مَرْثَا! أنت تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد، فاختارت مريمُ النصيبَ الصالح الذي لن يُنْزَعَ منها.»
وَيَعُدَّ الجميعُ المعلمَ الجديدَ نبيًّا، ويبدو المعلم الجديد نبيًّا، ولم يفكر يسوع في أنه أكثر من نبيٍّ، وليس بقليلٍ أن يرى نفسه في بعض الأحيان دون النبي، ولم يحدث أن بدا من يسوع ما يُخَيَّل به إلى السامع أن له خواطر وآمالًا فوق خواطر البشر وآمالهم، وما كان يسوع ليذهب إلى أبعد من ذلك فَيَدَّعي أنه المنقذ المنتظر، فإذا ما قال النَّاس: إنه أحدُ قدماء الأنبياء رَاقَهُ ذلك مُوَجِّهًا أفكارَهم إلى ملكوت السماوات، إلى أبينا جميعًا، وإذا ما قال: إنه ابن الرب كان ذلك محمولًا على أنه ابنُ الرب كجميع الذين يشعرون بانطواء أنفسهم على القوى المُبْدِعة التي يُشْتَقُّ منها وجودنا. والآن يَجِدُ يسوع كلمةً جديدة صالحة للتعبير عن تواضعه بقوله عن نفسه: إنه ابن الإنسان، وقَدِيمًا أراد الأنبياء أن يَلْفِتوا الأنظار إلى الهُوَّةِ الواسعة التي تفصلهم عن الله، فكانوا يُسَمُّون أنفسهم بأبناء الإنسان، ومن هؤلاء دانيالُ وَحِزَقْيال اللذان أظهرا الرَّبَّ مخاطبًا كلَّ واحدٍ منهما بابن الإنسان؛ أي بآدميٍّ ضعيفٍ هالك وُلِدَ لِيَفْنَى بعد ألمٍ، ولكن مع استعدادٍ لنَيْل عفو الربِّ.
اختار يسوع هذه التسمية من الكتاب المقدس؛ وذلك حينما بحث عن أوضع اسم تصوره الأنبياء، فابن الإنسان وُلِدَ لِيَخْدُم لا لِيُخْدَم كما قال. وسار يسوع على غرار يُوحَنَّا في الكلام عن مأتى الإنسان ومردِّه، فلما دعاه الفَتَى الغنيُّ ﺑ «المعلم الصالح» رفض هذا ولامه بقوله: «لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحدٌ صالحًا إلا واحد؛ وهو الله.» •••
تلك هي حياة يسوع التي ظهر بها في معزلٍ عن يومه وقومه، ويجتنب يسوع، كجميع اليهود، أية صلةٍ بالمشركين، محذرًا تلاميذه منهم، ولم يخطر ببال يسوع أن يرشد المشركين أو يشفي مرضاهم، وهو إذا حَدَّث عنهم فباشمئزاز، وهو إذا وصف خطيئةً قال: «أليس الوثنيون أيضًا يفعلون هكذا؟» فالمشركون يَجِدُّون في طلب الفلوس والأموال، فلا ينبغي لتلاميذه أن يحملوا إليهم البشرى، كما أنه لا يجوز إعطاء ما هو مقدس للكلاب، وطرح اللآلئ أمام الخنازير، ويجب على تلاميذه أن يبتعدوا عن السَّامِرَة الآهلة بأخلاط السكان، والحاجزة بين الجليل واليهودية، ويسوع على ما يبدو من تحاشيه عن أورشليم لا يرى أن يحمِل إلى السامريين رسالةَ الربِّ الذي يعبده اليهود في الهيكل المقدس.
وما كان يسوع لِيَمَسَّ شعور أحدٍ في أمور الدنيا؛ فهو لم يرفع عَقِيرَته ضد هِيرُودُس مع سَجنه لِيوحَنَّا المَعْمَدَان، وهو لم يَفُه بكلمةٍ ضِدَّ رومة ولا ضِدَّ دولتها العالمية، ولا ضِدَّ أيِّ قويٍّ، وما كان يسوع ليبالي بالخصومات الراهنة مهما صغرت أو عظمت، فلما قال له أحد تلاميذه: «قُلْ لأخي أن يقاسمني الميراث.» أجابه بعنفٍ: «مَن أقامني عليكما قاضيًا أو مُقَسِّمًا؟» ويسوع لم يألُ جهدًا في ربط مذهبه الجديد بالمذهب القَدِيم بلباقة فقال: «لا تظنوا أني جئتُ لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقضَ بل لأكَمِّلَ، فإني والحقَّ أقولُ لكم: إلى أن تزول السماء والأَرْض، لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتى يكون الكلُّ.» حتى إن يسوع يأمر الجمهور باتباع الفَرِّيسيين في أمور الشريعة، فقال: «إنكم إن لم يَزدْ بِرُّكم على الكَتَبة وَالفَرِّيسيين لن تدخلوا ملكوتَ السماوات.»
ويسوع عدوُّ أولئك الكهنة وهم أعداؤه مع ذلك، فكانوا يتبعون خَطواته بِحَذَرٍ في البَدَاءة، وكانوا يدعونه إلى الطعام معهم، وفي كَفْرِ نَاحوم باحثه مديرو المعبد وَدَعَوْه ﺑ «السيد»، وأنصتوا لتفاسيره اللَّبِقَة، بيد أن الغَمَّ ساورهم بعد قليل زمن عندما ذاع صيته، فأخذوا يتحينون الفرص لفضِّ الجمهور من حوله، فمما حدث أن رَأَوْه ذات يوم يأكل من مائدة العَشَّارين وَالخَطأَةِ فَرِحًا مسرورًا، فسأل فَرِّيسِيٌّ أحد تلاميذه: «لماذا يأكل معلمكم مع العَشَّارين والخطأَةِ؟» فسمع السؤال يسوع الجالس أمام ناحيةٍ أخرى من المائدة، فعرف مغزاه، فاستشاط غيظًا فقال له بِحِدَّةٍ: «لا يحتاج الأَصحَّاء إلى طبيب، بل المرضى؛ فاذهبوا وتعلموا … لم آتِ لأدعو أبرارًا، بل خَطَأَةً إلى التوبة.»
هذه هي الضربة الأولى التي وَجَّهَها يسوع إلى أعدائه، فنالت من نفوسهم كثيرًا، فغادروا المكان من غير أن يَنْبِسُوا بكلمة، فكان هذا أول الخصام.
ولكن كيف يُؤْخذ يسوع؟ إذا راقه الجلوس اليوم حول مائدة الخَطَأَة وَحَلَّ المعبد في الغد، سأله الجمهور أن يعظه، فلا يقدر أولئك على منع ذلك، أليس يسوع من المبدعين الخطرين الذين يبدءون مواعظهم في أقاصي البلاد بين فقراء القرى؛ حيث لا تحاسبهم جمعية على ما يقولون؟ ألم يهاجم الأغنياءَ كأن الغِنَى إِثْمٌ؟ لم يكن ما بدأ به يُوَحَنَّا المَعْمَدانُ غير ذلك، وكاد خَطْبُه يتفاقم لو لم يَزُجَّه هِيرُودُس بالسجن. أَجَلْ، أَجَلْ، يجب أن يُراقَبَ يسوع بِحَذَرٍ على أن يُتْرَكَ حبلُه على غاربه لوقتٍ معين؛ فهو كلما سار طليقًا فيما يقول، دنا من الساعة التي يخالف فيها الشريعة، فَيُقْبَض عليه.
ذهب يسوع وتلاميذه في يوم سبتٍ من أيام مايو للنزهة؛ أي حين حلَّ وقت حصاد القمح، فجاعوا، فقلع شبانهم وهم سائرون سنابلَ ليأكلوا حبوبها، فلقيهم فَرِّيسيَّان من الرقباء مصادفةً فسألاهم عن سبب خرقهم لحرمة السَّبْت — والسَّبْت عند أولئك القوم هو الناموس المقدس الأعظم القادر على تقييد الطبيعة، فيصفون الينابيع التي لا تجري منتظمةً بالسَّبْتية — فقال لهم يسوع الذي يخاطب العوام بلغتهم، ويخاطب الكهنة بلسان الشريعة: «أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه؛ كيف دخل بيت الله وأكل خبز التَّقْدِمَةِ الذي لم يَحِلَّ أكله له ولا للذين معه، بل للكهنة … السَّبْت إنما جُعِلَ لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السَّبْت، إذن ابن الإنسان هو رب الشَّعْب أيضًا.»
فتبادل الفَرِّيسيان النظراتِ مُغَاضِبَيْن عند سماعهم كلام هذا الذي انتهك حرمة السَّبْت.
وبعد قليل زمنٍ أُتِيَ إلى يسوع بمفلوجٍ يحمله أربعة رجالٍ على سرير، فلم يستطيعوا الوصول إليه لشدة الزحام؛ فنقلوه إلى بيته، ويسوع إذ كان يرى الخطيئة في المرض قال للمريض: «يا بُنَيَّ، مغفورةٌ لك خطاياك.» وكان هذا على مسمعٍ من بعض الكتبة فسألوا في قلوبهم: «لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ مَن يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟» فَتَنَبَّأ يسوع بما لم ينطقوا به، ويسوع قد فُطِرَ على تَبَيُّنِ أعدائه حتى بين الجمهور، فأجاب عن ذلك بقوله الحازم: «لماذا تُفَكِّرُون بهذا في قلوبكم؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ أن يقال للمفلوج: مغفورةٌ لك خطاياك، أم يقال: قُمْ واحْمِلْ سريركَ وامْشِ؟»
هنالك أَثَّرَتْ جاذبية عَيْنَيْ يسوع في المريض، فنهض المريض وحمل السرير وانصرف.
بُهِتَ الحاضرون، ولم يَسْطِع أحدٌ منهم أن يُعْرِبَ للمعلم عن سروره بالهُتَاف، فقالوا: «ما رأينا مثل هذا قطُّ!» وأما الفَرِّيسيون فعادوا إلى بيوتهم، ورفعوا أيديَهم إلى السماء قائلين: إنه جَدَّف١٢ على الله! إنه غَفَر الذنوب! إنه يستحق القتل!
لم يَجْرُؤ الفَرِّيسيون على الجهر بذلك؛ فالجمهور مُحِبٌّ له، وهو في بلاد الجليل المضطربة بعيدٌ من العاصمة، فلا يسهل القبض على مثله فيها، ثم تمخضت أذهانهم عن زعمهم لزمنٍ محدود أن يسوع يُغْرِي النساء بالتحول عن واجباتهم المَنزِلِيَّة، فرأى يسوع أن يسير على خلاف ما توحيه إليه طبيعته بأن يدافع عن نفسه مهاجمًا، فضرب مثلًا رجلين: أحدهما عَشَّار، والآخر فَرِّيسِيٌّ صَعِدَا إلى الهيكل لِيُصَلِّيا. أما الفَرِّيسِيُّ فوقف يصلي في نفسه هكذا: «اللهم أنا أشكركَ، إني لستُ مثلَ باقي النَّاس الخاطفين الظالمين الزُّنَاة، ولا مِثلَ هذا العَشَّار. أصوم مرتين في الأسبوع، وَأُعَشِّرُ كلَّ ما أقتنيه.» وأما العَشَّار فَوَقَفَ من بعيدٍ لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قَرَعَ على صدره قائلًا: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ.» فعند ذلك فرغ صبر السامعين لِيَرَوْا خاتمة المثل، وهل يكون دفاعًا عن المذنب؛ فاسمع قول يسوع: «أقول لكم: إن هذا نَزَلَ إلى بيته مُبَرَّرًا دون ذلك؛ لأن كلَّ مَن يرفع نفسه يَتَّضِع، وَمَن يَضَعَ نَفْسَه يرتفع.»
ولم يُعَتِّم يسوع الناصريُّ أن عُرِفَ أنه عدوٌّ لِلْكَتَبَة، ولم يُعَتِّم يسوع الناصريُّ أن عُرِفَ أمرُه في أورشليم لدى المجمع الكبير المعروف بالسنهدريم، كما أخبره به وكلاؤُه المُنْبَثُّون في بلاد الرب ليراقبوا أقوال المبدعين وأعمالهم، فقال هذا المجمع: «تَعَقَّبُوه! تَصَيَّدُوه!» فدعاه أحد الفَرِّيسِيِّين إلى تناول الغداء في بيته، فَلَبَّى يسوع دعوته، وإن الآكلين لجالسون حول المائدة؛ إذ فُتِح الباب فدخلت البيتَ فتاةٌ حسناء بَغِيٌّ كانت قد سمعت عن محبة يسوع الرحيم للآثمين، وكيف تدنو منه؟ فهي إذا ما اقتربت منه عند وجوده بين الجمهور سَخِرَ النَّاس منها فلم يَدَعُوها تَمُرُّ، فهي ترصدت لذلك وجوده في بيت رِيفِيٍّ يَقِلُّ فيه النَّاس لتدخل عليه، وقد فكرت في أيِّ الأمور تفعل لتروقه، فلم يخطر ببالها سوى العطور التي تدهن بها بدنها لإغواء الفاسقين.
والآن ترى يسوع حول المائدة، فقرأت في ناظريه من الرأفة ما لم تجده في عيون الآخرين القاسية، فاضطربت ورمت نفسها على قدميه الحافيتين باكيةً، فَبَللَتْهُما بدموعها، فنظر إليها الجميع بصمتٍ، فبدت باحثةً عن نسيجٍ، فلم ينهضْ أحدٌ لمساعدتها على ذلك، فوجدت شعرها الذي كانت تُغْوِي النَّاس به، فَطَفِقَتْ تمسح به قدميه منتحبةً مُقَبِّلةً لهما بِلَهَف، ثم بدأت تدهن رجليه بيديها المرتجفتين مما في زجاجتها، خافضة البصر غير مجترئةٍ على النظر إلى وجهه.
قال صاحب البيت في نفسه ساخطًا: «لو كان هذا نبيًّا لَعَلِم مَن هذه المرأة التي تَلْمِسُه وما هي. إنها خاطئة.»
فعلم يسوع ما دار في خَلَده فقال بصوتٍ عالٍ: «يا سِمْعَانُ، عندي شيءٌ أقوله لك!»
سِمْعَان : «قُلْ يا معلم!»
يسوع : «كان لمداين مدينان، على الواحد خمسمائة دينار، وعلى الآخر خمسون، وإذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعًا، فَقُلْ أيهما يكون أكثرَ حُبًّا له؟»
سِمْعان : «أَظُنُّ الذي سامحه بالأكثر.»
يسوع : «بالصواب حَكَمْتَ.»
ثم التفت يسوع إلى تلك التي هي عند رجليه، وقال لِسِمْعَان: «أتنظر هذه المرأة؟ إني دخلت بيتك وماءً لأجل رجلي لم تُعْط، وأما هي فقد غسلت رجلي بالدموع، ومسحتهما بشعر رأسها، قُبْلَةً لم تُقَبِّلْني، وأما هي فمنذ دخلت لم تكُفَّ عن تقبيل رِجْليَّ، بزيتٍ لم تَدْهُنْ رأسي، وأما هي فقد دَهَنَتْ بالطيب رِجْليَّ؛ من أجل ذلك أقول لَكَ: قد غُفِرَتْ خطاياها الكثيرةُ؛ لأنها أَحَبَّتْ كثيرًا، والذي يُغْفَرُ له قليلٌ يُحِبُّ قليلًا.»
دُهِشَ الجالسون حول المائدة حين سَمِعوا ذلك الكلام الإلحاديَّ، فلم يستطيعوا قولًا؛ لِمَا استحوذ عليهم من شديد نفورٍ. وكان من الصمت الذي استولى على القاعة ما يُخَيَّلُ به أنه لم يكن فيها سوى يسوع وَالبَغِيِّ، فاتحدا حينًا من الزمن باللمس واللثم والشَّعر والدمع وكلام الحب، وهي المرأة التي كانت تبيع نفسها من كل طارقٍ، وهو الرجل الذي لم يعرف امرأةً، وكان من القول أن دَوَّى في بيت تاجرٍ واقعٍ على شاطئ بحيرةٍ مجهولةٍ بعيدةٍ من ضوضاء العالم، كلامٌ جديدٌ لا تزال القرون تُرَدِّده …
أعان يسوع تلك المرأة على النهوض، فقال لها بِرِفْقٍ: «مغفورةٌ لكِ خطاياكِ، إيمانُك قد خَلَّصَكِ، اذهبي بسلام.»
ذهبت لتعود فتتبعه، فجاءت من المجدل مفعمةً بجديد الآمال، أفلم تَبْكِ أمام هذا الغريب؟ وَمَن ذا الذي كلمها مثله بلطفٍ من غير أن يرغب في التمتع بجمالها؟ هي قد زَلَّتْ فأقال عثرتها، وهي قد كانت مضطربةً فألقى السكينةَ إلى قلبها، فكان لها الطبيبَ المداويَ، وهي إذ اتبعته فرافقته سنةً قد اكتشفت من خلال لُحْمةِ نفسه زهدَه الذي لم يقدِر على اكتناهه أحد، وهي قد أدركت حقيقة أمره أكثر مما أدركه تلاميذه؛ لِمَا كان من ظهورها فريسة الشهوات قبل أن تعرفه.
من أجل ذلك ظَلَّت المجدليةُ واقفةً تحت الصليب حينما فرَّ جميع تلاميذه، فكانت وحدَها سببَ خلوده بتخيلها أمر بعثه. •••
كان يُوحَنَّا في السجن، وكلُّ ما يستطيع أن يراه من نافذة السجن ذات القضبان، فيأتيه من خلالها الهواء والطعام، هو قسمٌ من جدار القلعة الخارجيِّ المصنوع من ضخم الحجارة البركانية السُّود، وزاويةٌ من الصخر الكلسيِّ الذي تستند إليه تلك القلعة، ويمرُّ بين حينٍ وآخر من المضيق إلى السجن بخار ودخانٌ فيزيد رطوبةً، وليس الجنود الموآبيون والأدوميون — الذين يسيرون ذهابًا وإيابًا أمام حجرته فينظرون إليه فيتوجَّعون له تارةً، ويضحكون منه تارةً أخرى — إلا غرباء عنه، فلا يفهم ما يقولون.
وَفِيمَ يُفَكِّرُ صامتًا؟ تتوارد على ذهنه صور ما رآه أيام الأُرْدُن، ثم يوغل في التفكير فتتمثل له أيام البادية، ثم أيام صباه في المدينة الكبرى، ثم يقرأُ للمرة المائة سِفْرَي النبيين دانيالَ وَإِشَعْياء اللذين أنارا له السبيل، فيجد في كفاحهما أُسْوَةً تلقي السَّكِينة إلى قلبه، ألا يزال يؤمن بحريته وبنصره؟ أم يكون له مثل نصيب موسى الذي أُلْقِيَ من مكان قريبٍ في جبل نبو آخرَ نظرةٍ إلى أَرْض الميعاد؟ ألم يَغْلِ فؤاد موسى حقدًا على قومه الجاحدين؟ أيعتقد يُوحَنَّا ثبات أولئك؟ مَرَّت عليه أسابيع وأسابيع وهو يعد الأيام منتظرًا عودة أخلص تلاميذه الذين أرسلهم لِيَتَنَطَّسُوا١٣ له الأخبارَ، ما دام قد أُذِنَ له في مكالمتهم من خلال قضبان السجن، فتلاميذه هؤلاء هم الحمائم المرسلة للبحث له عن فيضان الأُرْدُن الذي يأمل ارتفاعه على الدوام من غير أن يَهْبِطَ أبدًا.
أنبأه أولئك في آخر مرةٍ ظهورَ رجلٍ ناصريٍّ يأتي بالآيات والمعجزات، فيملأ اسمه الأفواه والآذان، ويظهر أنه عَمَّده أيضًا، وحاول عبثًا أن يَتَنَوَّرَه من بين المئات التي عَمَّدَها، ومما قالوه له: إن صيته دَوَّى في بلاد الجليل، ثم لا يستطيع يوحنَّا أن يتذكره. ومما قالوه له أيضًا: إن ذلك الرجل الذي يجيء بالعجائب يلازم موائدَ العَشَّارين وبناتِ الهَوَى، وإنه لا يصوم هو وتلاميذه، وإنه مَرِحٌ ذو وجه طليق. أتلك هي البُشْرَى؟ وما فيها من البُشْرَى؟ فَلِمَ لا يُعَمِّد؟ وَلِمَ لا يقول بالاعتراف؟ ومع هذا ترى ذهن يوحنَّا مشغولًا بذلك الذي يُبَشِّرُ بملكوت السماوات، وَيُنْذِر الأغنياء وذوي البأس، ويتقاطر الجمهور إليه بما لا يسعهم به معبد، أليس من الغريب أن يظهر يسوع هذا في زمنٍ يُزَجُّ فيه يُوحَنَّا نفسُه في السجن؟ أما كان الأجدر بالشَّعْب أن ينظر إلى يسوع خليفةً له؟ ألم يُمَهِّد له السبيل بقوله: «الذي يأتي بعدي هو أقوى مني»؟ وما الأمر إذا كان ذلك الناصريُّ نبيًّا كاذبًا مشعبذًا يستغلُّ ما صنعه يوحنَّا؟
صلصلتْ سلاسلُ باب السجن فدخله جنديان وَبَلَّغوه بالإشارة أن يتبعهما، أكان هذا لِيُقْتَلَ؟ غادرَ الديمَاس١٤ بين الخوف والرجاء، بَيْدَ أنه لم يُقْتَد إلى قاعةٍ مظلمةٍ، بل سِيقَ إلى درجٍ مؤديةٍ إلى قصر وليِّ الأمر فأصعدوه فيها.
كان هِيرُدُوس أنتيباس ضعيفًا جبانًا فاسقًا، غير حقود ولا نشيط كأبيه هِيرُودُس، وهو حين كان نزيلَ أخيه برومة فيما مضى، وجدت زوجةُ أخيه هيروديَّا فيه الوسيلةَ التي تَصِلُ بها إلى السُّلْطَان، بعد أن جُرِّد زوجها من الإرث، فأضحى رَمَّاحًا عند القيصر، وهيروديَّا هذه هي سليلةُ هِيرُودُس الكبير أيضًا، فكانت تُشابه جدَّها هذا، فحققت ما كانت تَأْمُل، فهي لم تَنْشَبْ أن أَغْوَتْ أخا زوجها، فحرَّضته على تطليق زوجته، ومصاحبته لها زوجةً في إيالته، فاضطُرَّتْ زوجته الأولى التي هي ابنةُ مَلِكٍ عربيٍّ — اسمه والي الحارث — إلى الاعتصام بأبيها في قلعة مخيروس، فاشتعلت الحرب، فاستولى هِيرُودُس على تلك القلعة، ثم أخذ يقيم في الغالب بحدود بلاد العرب؛ إطفاءً لنار الفساد بأسرعَ ممَّا يَقْدِرُ عليه لو كان في طبرية من بلاد الجليل.
كان يوحنَّا العابسُ في مكانه المناسب حيث الضَّفَّة الشَّرْقِيَّة من البَحْر الميت، وما فيها من الأودية ذات الهُوِيِّ، والينابيع الكبريتية، والصخور البركانية، وإلى هنالك أتى به جنود الأمير في يوم ربيعٍ؛ لِمَا رُئِيَ من التفاف جمع كبير حوله عَبْرَ الأُرْدُن، وَلِمَا بدا من خوف ذوي السُّلْطَان بِأُورشليم اتقادَ فتنةٍ جديدةٍ. ومما لا ريب فيه أن بيلاطُس كلَّم المجمع الكبير «السنهدريم» فيما يجب اتخاذه لمنع ذلك.
وكان المكانُ الذي يجتمع فيه فريقُ الساخطين خارجَ المنطقة التابعة للحكم الروماني رأسًا، فأشار بيلاطُس على الأمير التابع هِيرُودُس بأن يحفظ النظام في إيالته، وما كان الاضطراب الأزليُّ ليهدأ في تلك البُقْعَة من الدنيا، ففي الوقت الذي وقف فيه المَعْمَدَان أرسل بيلاطُس فُرسانَه إلى جبال السَّامرة التابعة له؛ ليشتتوا فيها شملَ أنصار مذهبٍ جديدٍ، ويأسِرُوا منهم، ويقتلوا مَن يَرَوْن خشيةَ الفتنة.
سِيقَ يوحنَّا من أروقةٍ طويلةٍ وَحَمَّامَاتٍ مفروشة بحجارة ملونة، فإذا ما نظر من النافذة العالية أبصر في أسفل القصر أعتدةً للحرب، ودارًا للصناعة، ومن ذلك المحل سِيرَ بيوحنَّا مرتين فيما مضى.
السامري الصالح.
كان يوحنَّا قد زار تلك الرَّدْهَةَ الكبيرة التي يدخلها الآن، ومن دَأْبِ ذوي السُّلْطَان في هذه الدنيا أن يجلبوا الطراوةَ إلى الرِّدَاه المصنوعة من حجرٍ باستعمال الستائر السُّمْر، وأن يأتي إليهم العبيد بالفواكه المُثَلَّجَة عندما يُؤْمرون، وقد يزلُّ مَن يُنْقَلُ في بضع دقائق من سجنه المظلم ذي الهواء الخانق إلى تلك الرَّدْهَة الزاهية، كما نُقِلَ يوحنَّا، ما لم يكن من ذوي العزم من الرسل، فهل ذلك ابتلاءٌ جديدٌ ليوحَنَّا؟ أجل، إن ملامح ذلك الرجل الذي وَخَطَه الشَّيْب،١٥ وأخذ وجهه يَتَكَرَّش بعد جمالٍ، فتراه متكئًا على وسائدَ لا تدلُّ على الرغبة في تعذيب النَّاس، غير أن تلك التي تَسْتَرقُ السَّمعَ من وراء حجاب، فَتُسَمَّى هِيرُودِيَّا، فَيَلْمَحُها يوحنَّا تتوارى حينما جِيء به إلى هنالك، لا تزال في عُنْفُوَان شبابها، فتبدو ذات سلطان قويٍّ، فَتَعْرف كيف تحمل زوجها ذلك على الخضوع لإرادتها.
رفع ذلك الأميرُ عينيه من بين تلك الوسائد الحريرية ذات الألوان الكثيرة إلى ذلك النبيِّ الهزيل الرَّثِّ الثياب الواقفِ أمامه، فيحاول الأمير أن يُخْفِيَ خلف نظرِه التَّعِبِ وَجَله وإعجابه وحبه للاطِّلاع، فيكتشف النبيُّ ذلك فيزول خوفه، ولا يُعْرَف ماذا يرغب هِيرُودُس أن يسأل يُوحَنَّا عنه، وإن عُلِمَ أن يُوحَنَّا يؤاخذه على زواجه الإجراميِّ، فيطالبه بتطليق زوجته؛ لِمَا في تَزَوُّجِ امرأة الأخ الحَي من مخالفةٍ للشريعة، وَلِمَا ينطوي عليه هذا الزواج من الزنا، فضلًا عن خيانة الأخ لأخيه المُضيف له، وليست هذه هي المرة الأولى التي تُلَام فيها تلك الأسرة على مثل ذلك؛ فقد سبق أن عاب كهنة أُورشلِيم هِيرُودُس الكبيرَ على كثرة ما عقد من نكاحٍ وحلَّ من زواجٍ؛ ولكن الذي يتكلم ذلك هو الآن مسكينٌ سجينٌ في قلعة منعزلة، فيُمكن ضَرْبُ رقبته فيها على حسب هوى الأمير.
وَيَجْرُؤُ يوحَنَّا على القول، وَيَتَرَدَّدُ هِيرُودُس في القتل مع ذلك، ويتفرق أتباع يُوحَنَّا أيدي سَبَأ، ويظهر نبيُّ جديدٌ، ويبدو حَمَلَةُ الشريعة مناهضين للاثنين، فما الذي يمنع الأمير الجبان من الفتك إذن؟ وَلِمَ لا يأمر بإعدام ذلك الذي استفزَّه وأهانَ زوجته؟ ها هو ذا واقفٌ أمامه طويلًا شبه عارٍ مُجَلْجِلَ الصوت، شديدَ الوعيد، خَشِن اللحية، أشعرَ البدن، مُحَذِّرًا إياه سوءَ العَذَاب الأبديِّ، وإنه ليبتعد إذ جاءت هِيرُودِيَّا، وهي تنعت الأمير بالنذالةِ، وتنظر إليه شَزْرًا، وَيُعَادُ النبيُّ يُوحَنَّا القويُّ إلى السجن بهدوءٍ، ويستقبل فيه تلاميذه، وَيُبَلِّغُ الرِّسَالَات في البلاد لا ريب.
لم يلبث التلاميذ أن رجعوا إلى السجن حاملين لِلْمَعْمَدَانِ أنباء انتصارات الناصريِّ، ويجهر يسوع بعداوته للْفَرِّيسيِّين، ويجهر الفَرِّيسيون بعداوتهم ليسوع، ويسوع لم يفتأ يُبْرِئُ المرضى، والنزاعُ بين الفريقين يتفاقم، فلم يُعَتِّم يُوحَنَّا أن اعترف بأن يسوع يسير على سُنَّتِه، فيجاهد كما كان يجاهد، فصار يُوحَنَّا يدحض وساوسه حول يسوع النبيِّ المَرِحِ المُحِبِّ للرحلات وللولائم، فَطَفِقَ يسأل تلاميذَه عن بعض الجزئيات في مواعظِ يسوع وسلوكِه، وَتقَابُلُ الاثنين؛ إذ كان متعذرًا، وكان يوحَنَّا يسأل في نفسه كلَّ يومٍ عن مدى رسالته، وعاقبة عمله، رأى أن يستوضح يسوع أَمْرَه.
ومع ذلك تَرَجَّحَ يُوحَنَّا بين الخوف والرجاء، فإذا قال يسوع: إنه المسيح المنتظر لم تذهب آلام يُوحَنَّا سُدًى، وكان لعمله قيمةٌ، ولحياته معنًى، ومع ذلك لم يَرَ يُوحَنَّا الصواب في مناقضة يسوع لقدماء الأنبياء في أساليبه مناقضةً جالبةً للنظر، وإن كان أعظمَ منه.
أَمَرَ يُوحَنَّا التَّعِبُ المضطربُ من خلال قضبان السجن تلاميذَه بأن يسألوا يسوع: «أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» •••
لم يتكلم يسوع عن المَعْمَدَان قطُّ، فكأنه يريد أن يَتَجَنَّب ذكراه، ففي المَعْمَدَان يرتبط أشدُّ أدوار حياته عندما خرج مُعَمَّدًا بماء الأُرْدُن فرأى الحمامة بعين بصيرته، فسمِع بَعْدَ مسافةٍ صوت أبيه الربِّ، أكان ذلك في الربيع الماضي؟ أَلَمْ تَمْضِ بضعة أشهر فقط منذ كان مرتبكًا فأخبره أوائل الحُجَّاج بالقبض على يُوحَنَّا واقتيادِه إلى السجن؟
وكان يسوع يكثر من الحديث عن الأنبياء السابقين، مع تحاشيه عن ذكر يُوحَنَّا الذي هو نبيٌّ في زمانه، وما كان يسوع راغبًا في غير المحافظة على القَدِيم مع تجديدٍ، ولا شيء أبعد عنه من جهاد يهوذا الهَدَّامِ الذي نَغَّص صباه، وهو يذكر حَسَرات إِشَعْيَاء ضد الظالمين، وهو يكرر قول هوشع: «إني أريد رحمةً لا ذبيحةً.» وهو يقتدي بالأنبياء وخطباء الشَّعْب الذين وضعوا الأغنياء والزَّنَادِقة منذ قرون على مستوى واحد تعظيمًا للفقراء، وهو يجد في كتاب النبيِّ أَخْنُوخَ «إدريس» ابنَ الإنسان الذي ظهر لقذف الملوك من عروشهم إلى جهنم، فقال: «ويلٌ لكم أنتم الذين تشيدون قصوركم بِعَرَق الآخرين، فكل حجر فيها خطيئة.»
انقضى دور الانقلاب الصيفيِّ، وبدأت أوراق الكَرْمة تهتزُّ، وَجُمِعَت الغِلَالُ وَحَبُّ الزيتون، وأخذت حرارة الشمس تخفُّ، وصار يَفْتُر ما كان من الحماسة حينما لاقى يسوع المَعْمَدَان. أجل، إن عدد مَن يلتفُّون حوله يزيد، وإنه جاب جميعَ المُدُن والقرى القائمة على الشاطئ الغربيِّ من بحر الجليل، وإنه قطع هذا البَحْر وأوغل في بعض أودية شاطئه الشرقي وَضِفَّة الأُرْدُن اليسرى، بيد أن مجال رسالته ظلَّ ضيقًا بعيدًا من ولاية اليهودية التابعة لسلطان رومة، مقتصرًا على إيالة هِيرُودُس التي وجد فيها تسامحًا من موظفين لم يَرَوْا في جمعه القليل الحَمِس، المُؤَلَّف من الفلاحين والصيادين والصُّنَّاع، ما يزعج.
ويصبح شفاء المرضى أمرًا مزعجًا ليسوع، ويظهر أنه كان يخجل من قدرته على شفائهم بالتلقين، فيخشى أن يطفو ذلك على رسالته. ومن النَّاس مَن زعموا أنه ممسوسٌ. وهو القائل بوجود صراع بين شيطانين عندما يُطْرَد أحدهما من جسم الممسوس، فمما حدث أن أمسكت مريضةٌ رداءَه من الخلف ليشفيَها، فلاح له أن قوةً خرجت منه، وما أكثر ما يعود المرضُ إلى المرضى بعد أن يبتعد عنهم! وما أكثر ما سمع الممسوسين وَالعُمْيَ والمفلوجين يذكرون اسمه متحسرين في أثناء نُزَهِه بين سنابل القمح وعلى شاطئ البحيرة! ويعترض هؤلاء في طريقه، ويكدِّرون مواعظه، وَيُنَغِّصُون سروره، وإذا لم يَسْطِع أن يُبْرِئَهم لعدم إيمانهم نظروا إليه بغيظٍ؛ لظنهم أنه يقودهم إلى جهنم. ومن الغريب أَلَّا يغادر مَن يشفيهم بسلام، بل يأمرهم متوعدًا بالصمت.
وبينما كان يسوع في سوق ازدحم القوم فيها فَيُبْرِئُ وَيَعِظُ؛ إذ جاءه رسولَا يُوحَنَّا، فَدُهِشَا حين رأيَا يسوع جالسًا هادئًا، والنَّاس حولَه، فيغتاظان على ما يحتمل من أكثر النبيين هناءً، ويفكران في أمر معلمهما المسجون في قبوٍ رطيبٍ مُحْرِقٍ. ومن الجائز أن يكون يسوع قد قرأ ما في قلبيهما؛ لِمَا رآه من تناقضٍ بين مقتضى الحال ووضعهما، فَحَدَّقَ إليهما قائلًا: «ماذا تَوَدَّان أن تَعْلَما؟» فسألاه باسم يُوحَنَّا: «أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟»
طار طائر يسوع كما لو هَوَى عليه شيءٌ، فَمَن الذي يخامره هذا الرأي فيجرؤ على إبدائه؟ تلك مسألةٌ عظيمةٌ، تلك مسألةٌ ربانية، تلك مسألةٌ لا ينبغي لأحدٍ أن يسأل عنها، تلك مسألةٌ لا يجوز لغريبٍ كَيُوحَنَّا أن يطرحها، تلك أسرارٌ بين الأب والابن، تلك أمورٌ لا يُعَبَّرُ عنها فتمر كالضباب الخفيف الذي يغشى احمرارَ الشمس وقت الغروب، أو كالهواجس الأثيرية التي تساور الأفئدة في الليل البهيم، تلك معضلةٌ تؤدي إلى أَرَقِّ الاعترافات وأحلاها مع ما تتضمنه من خوف البتِّ … يَرنُّ جميع ذلك في أُذُنَيْ يسوع، ويسوع يفاجئه غريبٌ في مكانٍ عامٍّ بذلك السؤال، فَيُطْلَبُ منه أن يجيب ﺑ «لا» أو «نعم»، وكيف استطاع ذلك النبيُّ العابسُ أن يسأل من غياهب١٦ السجن يسوع الحليمَ عن ذلك؟ وما هو الجواب الذي يأمله؟ وما هو الجواب الذي يسمح به؟ يواثب ذلك كله يسوع، وتتجاذبه الأجوبة، فيجيش فيه صوتٌ فيسأل في نفسه: أتلك هي آيةٌ جديدةٌ يأتيني بها المَعْمَدَان؟ أَفَيُوحِي إليه أبوه السماويُّ بأن يكون أصلب عودًا مما كان عليه؟ أجل، قد تكون هذه آيةً جديدةً كالتي تلقَّاها حينما عَمَّده يُوحَنَّا قبيل سجنه.
تضطرب تلك الأفكار في يسوع، ولا يعرف يسوع أيبقى صامتًا على تلك الحال طويلَ وقتٍ قبل أن يعود إليه صحوه؟ يظهر أن شيئًا من روح المَعْمَدَان تَسَرَّبَ فيه فَيَهُزُّه، وإنه لكذلك إذ أخذته العِزَّة كالتي أخذته نحو أمه في قانا، فانتحل بها أوضاع الملوك، فأشار إلى الجمع بذراعه، وقال لرسولَيْ يُوحَنَّا: «اذهبا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تسمعان وتنظران، العُمْيُ يبصرون، وَالعُرْج يَمشون، وَالبُرْصُ يُطَهَّرُون، وَالصُّمُّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يُبَشَّرُون، وطوبى لِمَن لا يَعْثُرُ فِيَّ.»
وهل وُجِدَ بين الجمِّ الغفير مَن أدرك ماذا حدث؟ إن المعلِّمَ الذي ما فَتِئَ يترك أمكنة معجزاته وشفاءاتِه غير متخذٍ لها دليلًا على عِظَم قدره، يفتخر بها اليوم أكثر من افتخاره بغيرها، فيرسل خبرها إلى يُوحَنَّا الذي لم يَشْفِ مريضًا قط، فيقوم نفوذه على الكلام، ويظهر أن يسوع قال ذلك مُهَدِّدًا يُوحَنَّا؛ لِمَا أبصره من معنى السخرية وَالغَيْرَة في سؤاله، فترى من ذلك أنه أرسل إليه في سجنه وعيدًا بدلًا من السُّلْوَان والسلام!
ابتعد رسولَا المَعْمَدَان، وظلَّ يسوع مُبَلْبَلًا بفعل ذلك السؤال وذلك الجواب وكلِّ ما ساورَه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُحَدِّث فيها عن يُوحَنَّا وعن جميع الذين يُنَبِّئُون بدنوِّ اليوم المنتظر، فَيُنْذِر الجاحدين الذين عاملهم بِرِفْقٍ حتى الآن، وَذُعِرَ الجَمْعُ فَوْرَ سماعه يسوع، الذي لم يبد منه غيرُ الرِّفق فيما مضى، ينطق بالكلمات القاسية الآتية: «ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أَقَصَبَةً تحركها الريح؟ ولكن ماذا خرجتم لتنظروا، إنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة، هُوَ ذا، الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك؛ لكن ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًّا؟ نعم، أقول لكم، وأفضلَ من نبيٍّ، فإن هذا هو الذي كُتِبَ عنه. ها أنا أرسل أمام وجهك مَلَاكِي الذي يُهَيِّئُ طريقك أمامك. الحقَّ أقول لكم: لم يَقُم بين المولودين من النساء أعظمُ من يُوحَنَّا المَعْمَدَان؛ ولكن الأصغرَ في ملكوت السماوات أعظمُ منه … فهذا هو إيلِيَّا المُزْمَع أن يأتي، مَن له أذنان للسمع فليسمع.»
عَجِبَ الجميع من نَبَرَات يسوع، بَيْدَ أن قليلًا من المستمعين أدركوا ما يدور في خَلَدِه، فلم تتحول أنظارُهم عنه مذعورين، فإذا كان يسوع يذكر إيليَّا وَيَصِفُ يُوحَنَّا بالذي يُمَهِّدُ السبيلَ، فإنه يكون قد عَنَى بالمسيح نفسَه وإن لم يَقُلْ ذلك، فاسمع قوله: «وَبِمَن أُشَبِّه هذا الجيل؟ يُشْبِه أولادًا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم ويقولون: زَمَّرْنا لكم فلم تَرْقُصُوا، نُحْنَا لكم فلم تَلْطِموا؛ لأنه جاء يُوحَنَّا لا يأكلُ ولا يشرَب، فيقولون فيه شيطان، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرَب، فيقولون: هو ذا إنسانٌ أكولٌ وشرِّيب خمرٍ، محبٌّ للعشَّارين وَالخَطَأَة.» •••
يا لتلك الطريق ذات المخاطر التي فُتِحَت أمام يسوع بغتةً! يا لذلك الابتلاء في سؤال يُوحَنَّا الذي قد يكون إنذارًا من الربِّ! ظل شعور يسوع بِقَدْرِه راقدًا فيه منذ صِبَاه لسيره مع الله لا مع النَّاس، فلم يتحرك فيه إلا لوقتٍ قصيرٍ بعد العِمَاد والقبض على المَعْمَدَان، ثم تَنَبَّه فيه فجأة عند طرح ذلك السؤال عليه. ويسوع إذ رأى المَعْمَدَان يَرْبكُه للمرة الثالثة أملى احترامُه للأنبياء عليه شعورًا بأن المَعْمَدَان أُرْسِلَ لِيُمَهِّد له السبيل. ويسوع حين أبصر خصومه وفكر في المؤامرات التي تُحَاك حوله، وشاهد زيادةَ عدد مَن يؤمنون به، وَمَن شفاهم، وَمَن يعبدونه سمع النداء أعلى مما كان عليه؛ لِقُرْبه منه.
بدت حماسةٌ قويةٌ في يسوع النبيِّ بعد ذلك القول، فَلَامَ المُدُن التي تَمَّ على يديه كبيرُ شفاءٍ فيها؛ لعدم إيمانها، وَحَذَّرَها من يوم الحساب، وأنذرها بعذابٍ أشدَّ مما أصاب سدوم، وأصبح جديدًا غضبُه ولهجتُه وكلامُه، فَيُقَابَل بِهَزِّ الرءوس، وتَبِع يسوع بعضُ تلاميذه، وتوجهوا معه إلى شاطئ البحيرة الآخر، وأوغلوا بين الأودية والجبال.
وإن تلك العوامل لتُؤثِّر في يسوع؛ إذ أخبره تلاميذه بأن أمه وإخوته خرجوا ليمسكوه قائلين: «إنه مختل.» وليس قريبًا الوقت الذي أضحى به هؤلاء غرباء عنه، ومما حدث في تلك الأثناء أن كانت امرأةٌ من الشَّعْب في حالةِ وَلَهٍ وَوَجْدٍ فقالت: «طوبى للبطن الذي حَمَلَكَ!» فلم يقابلها بالشكر، بل قال: «طوبى للذين يسمعون كلامَ الله ويحفظونه!»
وإذا أضفت ما كان عليه يسوع من المحنة الروحية إلى عَدِّه ممسوسًا من أولئك؛ وجدت نفسه مكلومةً مرتين. أليس هذا الجحود مما يَحْفِزُ قلبًا جريحًا إلى السير قُدُمًا في سبيل المجد؟ يجعل مثل هذا الجحود من أهله سبب ابتلاءٍ له ما عَدُّوه مفتونًا؛ على حين تحترمه بلادُ الجليل وَتُقَدِّس له، وليست الناصرة بعيدةً من تلك الأودية، فإذا غادر هذه صباحًا انتهى إلى تلك مساءً، فأمر تلاميذه بأن يَظَلُّوا حيث هم راغبًا في الذهاب وحدَه، فسار وشاطئَ البحيرة الجنوبيَّ، ومرَّ بالقرب من المجدل، ومن المنطقة الغربية ذات العوارض تاركًا جبل تابور عن شماله، ماشيًا على طريقٍ يعرفها جيدًا.
يا لمضيِّ الزمن! يا لسرعة دقات قلبه! أَحَقًّا أنه وجد أهلَه منذ بضعة أشهر في عرسٍ بقانا الواقعة في تلك الأودية، فأحدَث للضيوف خمرًا، فَعَرَفَ أمره؟ أجل، إنه جاب عالمًا في بضعة أشهر! والآن تبدو له أنوار تلك المدينة الصغيرة البيضاء الجاثمة فوق الوادي الأعلى، فيراها كما كانت عليه حينما تركها، ويسمع خرير الماء، ويدخل الكوخ، ويكون بين أهله، يا لشدة ذعرهم حينما أبصروه! أخوه يعقوب تقيٌّ ويراعي أحكام الشريعة، ويتبع رضوانَ الفَرِّيسيين، وتظهر على أمه وأخواته، على الخصوص، علائم الخوف؛ إذ ينظرن إليه بعد أن ترك حرفة النَّجَّارة من غير سابق إنذار، فيعود الآن بهدوءٍ مثله يوم ذهابه، كما لو لم يحدث شيءٌ، وغدًا سيكون السَّبْت، فماذا يقع؟
وينهض يسوع غدًا صباحًا في المعبد؛ حيث قضى شبابه صامتًا، ويخبر الكاهن بأنه يرغب في الكلام فلا يُمْنَع، فَيُحْضِر الخادم إليه سِفْرَ إشَعْيَاء، فيتوجه إليه الحضور بين ناظرٍ وحاذرٍ، فماذا يكون وعظُ ابن الناصرة هذا؟ أفيحرِّك أفئدة الجَمْعِ بعذب الكلام كما صنع في غير مكان؟ نَشَرَ يسوع الرَّقَّ قليلًا فوجد الإصحاح الذي يرغب فيه، فقرأ من سفر إشَعْيَاء: «روحُ الربِّ عَلَيَّ؛ لأنه مسحني لأُبَشِّر المساكين، أرسلني لأَشْفِيَ المنكسرِي القلوب؛ لأناديَ للمأسورين بالإطلاق، وللعُمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وَأَكْرِزَ١٧ بِسنةِ الربِّ المقبولة.»
ثم يَطْوِي يسوع الرَّقَّ، ويعيده إلى الخادم، ويصعد في المنبر، وَيَتَفَرَّسُ في أبصار الجمهور الذي عرفه منذ سنين، فيقول بعد قليلِ صمتٍ: «اليومَ قد تَمَّ هذا المكتوب في مسامعكم.»
فدهش الحاضرون، فماذا يعني؟ ويداوم يسوع على القول مع أنه لم يَنْتَه إلينا جميعُ ما قال، وَيَهُزُّ السامعون رءوسهم استحسانًا وإن وُجِدَ بينهم مَن ارتابوا فسألوا: «من أين لهذا هذه؟ أليس هذا هو النَّجَّار ابنُ مريمَ، وأخو يعقوبَ وَيُوسِي ويهوذا وَسِمْعَان؟ أوليست أَخَوَاته ها هنا عندنا؟» فصاروا ينظرون إليه حَذِرِين.
ويبصر يسوع، وهو الذي تعوَّد مخاطبة الجمهور، علائم المقاومة الأولى، فيمتعضُ فينقلب إلى مُحَرِّضٍ فيقول: «على كل حال تقولون لي: أيها الطبيب، اشْفِ نفسك، كَمْ سَمِعْنَا أنه جَرَى في كَفْرِ نَاحُوم، فافعل ذلك هنا أيضًا في وطنك.»
كلمهم يسوع بهذا الأسلوب؛ لأنه ظَنَّ أن آياتِه قد ذاع أمرُها، فرأى أن صِيتَها مما يساعده على التأثير فيهم، فداوم على تحريك ساكنهم بقوله: «الحقَّ أقولُ لكم: إنه ليس نبيٌّ مقبولًا في وطنه، وبالحقِّ أقول لكم: إن أرامل كثيرةً كُنَّ في إسرائيل في أيام إيلِيَّا حين أُغْلِقَت السماء مدة ثلاث سنين وستة أشهر لَمَّا كان جوعٌ عظيمٌ في الأَرْض كلها، ولم يرسل إيلِيَّا إلى واحدةٍ منها إلا إلى امرأةٍ أرملة، إلى صَرْفَة صَيْدَاء، وَبُرْصٌ كثيرون كانوا في إسرائيل في زمان أَلِيَشَع النبيِّ، ولم يُطَهِّر واحدٌ منهم إلا نُعْمَانَ السرْيانيَّ.»
وينهض الجمع مغاضبًا قائلًا: «إنه يسخر منا! إنه يتخذ أمثلته من المشركين ليعلِّمَنَا الإيمان ويهدينا إلى سبيل النجاة! إنه مختلٌّ كما قالت أمه! سمعتم ما قال! أسفر تقديس نسوة شاطئ البحيرة له عن انتفاخه عجبًا فامتلأ إلحادًا! ها هو ذا يعود إلى بلده لِيُجَدِّف١٨ على الله!»
ويشاهدُ يسوع ارتفاعَ الأيدي مُهَدِّدَةً، ويلتفتُ فيرى عدوَّه الشائبَ الغنيَّ الذي كان محلَّ مقته يرفع صوته متوعِّدًا أكثر من غيره، وَيَحْدُث كما كان يسوع قد أحسَّ، ولا بدَّ من وقوع ما كُتِبَ، ويشعر يسوع الأعزل بأنه يُحْمَل على الكفاح، وَيُبْصِرُ أن طريقه حافلةٌ بالمكاره والآلام، وإنه لِيُقَلِّبُ هذه الأمور في ذهنه فلا يبدي حَرَاكًا؛ إذ يطرده الجمهور الصاخب الغاضب إلى خارج المعبد، ويدفعه إلى اتجاه ذلك الجبل الذي تَنَوَّرَ فيه أباه الربَّ، فينقذ المعْز من مهالكه.
وَيَعْرِف يسوع في بلده مخابئَ الجبل، ولا غرو فقد كان في صغره يستلقي فيه مفكرًا ناظرًا إلى القطاع. وهنا حيث المرج المقدس الذي عَرَفَ فيه أباه الربَّ قبل كلِّ شيء، يستحيل قتله، فبينما يبحث الجمع الهائج عن أصلح الأمكنة ليقضي عليه، فيسأل مجادلًا عن إمكان إعدامه بغير حكمٍ قضائيٍّ؛ إذ يتفلت من القابضين عليه، ويتوارى بين ذلك الجمع، ثم يختفي في مأوى يَعْلَمُه منذ صباه.
وينجو يسوع من الخطر فيتنفس الصُّعَدَاء، ثم ينظر إلى ما حوله فيشعُر بأن هذه المحنة جاءت مُؤَكِّدةً لثقته بنفسه، فيدور في خَلَدِه أنه كسب المعركة الأولى، أفلم يصرخوا في وجهه هازئين؟ أفلم يريدوا قتله؟ والله يُنجِّيه من الهلاك مع ذلك، ويحسُّ قطع الصلات، ويزول بقية ما في قلبه من الحب لأهله، وينكر يسوع هؤلاء الذي يستهزئون به، وَيَوَدُّون القضاء عليه مع أن من الواجب أن يكونوا أول المؤمنين به، فيرى نفسه في حِلٍّ من آله وبلده، فيذوي بذلك حبه الوطني. ويسوع إذ أُخرج من دياره طريدًا فلم يفرَّ من الموت إلا بأعجوبةٍ أضحى ذا حبٍّ بشريٍّ شامل.
ويرجِع يسوع إلى تلاميذه، ويلوذُ الجميع بالفِرَار ما صارت مغادرةُ الجليلِ أُمْنِيَّتَه، وليس عليهم إلا سيرُ يوم ليبلغوا بلادَ الشرك؛ حيث صور وصيدا اللتان لا يطالب النَّاس فيهما بحياة يسوع، فيحسُّ أنه صار بمأمنٍ من الخطر، وفي بلاد الشرك تلك لم يُجْهَل وجه يسوع، فما كاد يَصِلُ إليها حتى عرفته امرأةٌ فنيقيةٌ فَوَدَّت أن يساعدها، فتملقته بأن خاطبته بلقبٍ يهوديٍّ قائلةً له: «ارحمني يا سَيِّدُ، يا ابنَ داودَ! ابنتي مجنونةٌ جدًّا.»
بيد أن من عادة يسوع أن يُعِينَ اليهودَ لا المشركين، فيبتعدُ من غير أن يجيبها بكلمة، فيقول له تلاميذه: «اصرفها؛ لأنها تَصِيحُ وراءَنا.» ويظلُّ يسوع مخلصًا لأحكام الشريعة فَيَهُزُّ رأسَه رافضًا قائلًا: «لم أُرْسَلْ إلا إلى خِرَاف بيت إسرائيل الضالَّة.»
وَتُصرُّ المرأة، وتمنعُه من السير، وتخِرُّ عند قدميه وهي تقول: «يا سَيِّدُ أعنِّي!» فلا يغير ذلك من موقفه شيئًا فيُجيبها بعنف: «ليس حسنًا أن يُؤخذ خبزُ البنينَ وَيُطْرَحَ للكلاب.»
ولكنه يجري على لسان المرأة الجوابُ المُلْهَمُ الآتي: «نعم، يا سَيِّدُ، والكلابُ أيضًا تأكل من الفُتَاتِ الذي يسقط من مائدة أربابها.»
قُطِعَ بهذه الكلمات آخر خيط يَرْبطُه بما تَعَلَّمَه من الوصايا في صِبَاه؛ فهو يشعرُ بأن تلك المرأة الكنعانية السائلةَ الراكعةَ بين الغبار ليست أقلَّ جدارةً بعنايته من أية امرأةٍ يهودية، مهما كان عدد الأصنام التي تعبدها، فيقف متأثرًا بكلامها، فلم يلبث أن رأى فيها ببصيرته النبوية صورةَ عالَمٍ جديد يَنْشُدُ الخلاصَ، فيزيل من ذهنه الوهمَ القائل بأن اليهود هم الشَّعْب المختار، فيفتح قلبه لجميع البشر مجاوزًا حدود العادات والتقاليد، فيقول لتلك المرأة: «يا امرأة، عظيمٌ إيمانك، ليكن لكِ كما تريدينَ!»
فكانت هذه هي المرة الأولى التي يَشْفِي يسوع فيها امرأةً وثنيةً.
١
المِسْح: ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للجسد.
٢
تلاكزا: لكز كلٌّ منهما الآخر؛ أي ضربه بجمع كفه.
٣
الأدغال: جمع الدَّغَل؛ وهو الشجر الكثير الملتف.
٤
القمر: جمع القمري؛ وهو ضرب من الحَمَام حسن الصوت.
٥
البجع: طائر عريض المنقار طويله، له حوصلة عظيمة تحت منقاره، واحده: بجعة.
٦
الأثل: شجر يشبه الطرفاء، إلا أنه أعظم منها، وخشبه صلب جيد تصنع منه القصاع والجفان، واحدته: أثلة.
٧
نسل: أسرع.
٨
الراقي: مَن يصنع الرقية.
٩
تأثَّل المال: اكتسبه وثمره.
١٠
الأرم: الأضراس، فيقال: فلان يحرق عليك الأرم: إذا تغيظ فحكَّ أضراسه بعضها ببعض.
١١
الصور: البوق.
١٢
جدف على الله: تكلم عليه بالكفر والإهانة.
١٣
تنطس الأخبار: تجسسها وبحث عنها.
١٤
الديماس: السجن المظلم.
١٥
وخطه الشيب: خالط سواد شعره.
١٦
الغياهب: جمع الغيهب؛ وهو الظلمة.
١٧
كرز يكرز كرزًا: وعظ ونادى ببشارة الإنجيل.
١٨
جَدَّف على الله: تكلَّم عليه بالكفر والإهانة.
ابن الإنسان: حياة نبي |
الفصل الثالث السحب
والآن تبدأ الهجرة، فيسوع الحليمُ والسراجُ المنيرُ الذي جال صيفًا بأكمله في بلاده مُوَاسِيًا شافيًا، فلم يدْعُ أحدًا إلى مقاتلة الأقوياء، ولم يهاجم شعبَ الربِّ وزعماءَه بأُورشلِيم يُضْطَرُّ إلى الاختفاء في الغَابِ، وفي قُعُور الصخور، وإلى مجاوزة شاطئ البحيرة والحدود؛ ليقضيَ الخريف والشتاء خارجها فِرارًا من مضطهديه.
انقضى دورُ التنقُّل بين المُدُن والقرى كما بين الأعراس، انقضى دورُ لَذَّةِ تنفيذ المقاصد وسعادةِ الهداية إلى الدين الجديد، فانقلب يَنْبُوعُ المَحَبَّة الصافي، الذي كان يُفَجِّرُه كلامه في قلوب الجمهور إلى نهرٍ كبيرٍ ذي مياه صُفْرٍ عَكِرَة، انقضى دور النصر الجميل بغير قتال، فيخشع الإنسان به أمام رحمة الربِّ وكرمه، انقضى دور العِصْمَة الأول البعيد من الغَيْرَة، فعلى الرسول أن يواجه الآن خيانةً وغدرًا وافتراءً وجحودًا وسُخْرِيةً، فيثقل ذلك على نفسه، فيؤدي إلى إظهار ثقته بذاته من مخبئها الخفيِّ، فتتحول هذه الثقة إلى اعتزازٍ، فتقوم الأوضاع المَلَكِيَّة مقامَ الخُشُوع، وينتحل ابن الإنسان مظهرَ ابنِ الله.
ويظهر أن يسوع رَكِبَ سفينةً فهاجر في بدء الأمر إلى جولان، فإلى بيت صيدا الواقعة في منطقة بحر الجليل الشمالية الشَّرْقِيَّة الهادئة الخصيبة؛ حيث يصبُّ نهر الأُرْدُن فَيُؤَلِّف طبقةً غِرْيَنِيَّة،١ وبالأمس كان السُّلْطَان في تلك المنطقة لفيليبس، الذي هو أحسنُ أبناء هِيرُودُس، واليوم آلت السلطة فيها إلى أمراء تابعين لرومة، فَضُمَّتْ إلى سورية، وتبعد هذه المنطقة من العاصمة الجديدة دمشق، وأبعد من ذلك رومة التي تصدر منها الأوامر، فلا يستطيع هِيرُودُس أنتيباس أن يتدخل في شئون بلادٍ مجاورة مثلها عاطلةٍ من سيد. ومن الملحوظ أن يجد مهاجرٌ كيسوع أَمْنًا في بلدٍ يرتبك في دور انتقال كذلك البلد، ولا نعرف عدد الأسابيع التي قضاها يسوع مطمئنًّا هنالك؛ وإنما نعلم أنه وُجِدَ بعد زمنٍ من تلك السنة في مدينة جدرة الصغيرة السورية الواقعة في جنوب البحيرة الشرقي، فيقطن بها أُناسٌ من الإغريق، ففيها يرى يسوع أنه في مَأْمَنٍ من أعدائه، فَمَن ذا الذي يَظُنُّ وجودَ معلم يهوديٍّ في مثل تلك القلعة الوثنية؟
لم تلبث قدرة يسوع على الشفاء أن أخرجته من مهجره، وبيانُ الأمر أن قطيع خنازيرَ كثيرةٍ كانت تَرْعَى الكلأَ في الوادي الملاصق لتلك المدينة، فيركض من بينها مجنونٌ إلى يسوع؛ لِمَا سمعه عنه بعد أن كان يسكن القبورَ والمغاورَ، فَكَسَرَ قيوده، فلم يَسْطِعْ أحدٌ أن يزجره لرميه الحجارة على كلِّ مَن يدنو منه، فينادي يسوع قائلًا كما قال المجنونُ الأول الذي شفاه في كَفْرِ نَاحوم: «ما لي وَلَكَ يا يسوع ابنُ الله العليِّ، أستحلفُك بالله ألا تُعَذِّبني!» فيسأله يسوع: «ما اسمك؟» فيجيبه بصوت راعدٍ: «اسمي لَجِئُون؛ لأننا كثيرون.» فَيُحَدِّقُ إليه يسوع، فَيَهُزُّه، فيقرأ عليه العَزَائِم، فيهدأ جنونه فَيُشْفَى، ويراقبُ الرُّعاة ما حدث، فيسقط في تلك الأثناء بعضُ الخنازير الضالَّة من فوق الجُرُف إلى البَحْر.
ذُعِرَ أولئك الرُّعَاةُ فاعتقدوا أن الشيطان ترك ذلك المجنون ودخل في الخنازير، فَفَرُّوا إلى المدينة، فَقَصُّوا ما حدث على ساكنيها مع مبالغة، فَيُهْرَعُ هؤلاء فَيَجِدون الممسوسَ مُبَرَّأً، ويجدون الخنازير غارقةً، ويجدون الغرباء الذين هم سبب ذلك هنالك، فيستحوذ عليهم فَزَعٌ، فيطلبون من هؤلاء السَّحَرة أن ينصرفوا عن تخُومِهم.
غشاءٌ كثيف يغشى أعمال المحسنِ فَيُطْرَد، ولماذا؟ أمن أجل بضعة خنازير لم تلبث القصة أن جعلت منها ألوفًا كما اعتقد ذلك المجنونُ وجودَ جَوْقَةٍ من الشياطين فيه؟ يظهر أن يسوع خَسِر بعض فَتْنِه؛ لِمَا أصابه من الاضطهاد، فأضحى يُجْتَنَبُ وَيُطْرَد، بعد أن كانت تُفَتَّحُ له الأبواب؛ لِمَا بدا عليه من علائم التَّشَرُّد، وحبِّ الاطلاع، وتنافر الصوت، فلم يَبْق لديه سوى العودة إلى الجليل؛ حيث ينتظره أعداؤه، وحيث تَحِيقُ به الأخطار.
مرثا ومريم.
إليك الفَرِّيسِيين في الجليل يَجِدُّون في طلب يسوع، فأين يلاقونه إذن؟ يعلم جميع مَن في البلاد، منذ زمن، ماذا حدث في الناصرة، وفي هذا سببُ عدم ظهوره حتى في المعبد، حتى على رأس الجبل، حتى على شاطئ البحيرة، حتى في الميدان العام، فهل خاف فغاب عن الأنظار؟ فأما وقد عاد أخيرًا إلى البلاد، فإنه لا يستطيع الاختفاء يومًا واحدًا ما ذاع خبر رجوعه، وأخذ يطوف في المُدُن والقرى الواقعة حول البحيرة منذ اليوم الثالث، والنَّاس ليسوا من الحَمْقَى كأهل الناصرة؛ فهم لا يريدون مهاجمته بغير حَذَرٍ، وهم في ذلك كالعدوِّ الذي يفاوض عدوَّه ليكتشف محل الضعف فيه قبل أن يهاجمه.
ويعرفهم يسوع بمَشْيهِم في السوق، وتَناسُب خُطَاهم، واتِّزَانُ حركاتهم، وحدَّة نظراتهم، وانقباضَ شفاههم، وفتورَ سلامهم المؤدب، ويبصر يسوع من خلال هَلَعِه دُنُوَّ العدوِّ، فَيَنْضُبُ حُبُّه الفياضُ للناس في أعماق قلبه، ويسأله فَرِّيسِيَّان واقفان على حافة الطريق باهتمام: «متى يأتي ملكوت الله؟» فينتحل طوريهما، فيجيب عن سؤالهما كَمَن يريد أن يُعَلِّمَ لا أن يلوم: «لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ولا يقولون هُوَ ذَا ها هنا، أو هو ذا هنالك؛ لأن ها ملكوت الله داخلكم.» ثم ينصرف فيتعقبانه بعيونهما هازَّيْن أكتافهما غيرَ شاعرين بالنفحة النبوية التي صدرت عنه، وإن شئتَ فَقُلْ بالمبدأ الجديد الذي هو من القوة؛ بحيث يكفي لرجِّ العالم القَدِيم. أجل، إن يسوع النَّجَّار قال لهما: «ها ملكوت الله داخلكم.» وسار في طريقه؛ غير أن ذينك الفَرِّيسِيَّيْن كانا من الغرور ما لم يسمعا معه حفيف الأجنحة الخفيَّة، فيشعرا بحضور الربِّ الذي يريان أنه «لا يُدْرَك».
ويرى آخرون ذاتَ يومٍ امتحان النبيِّ الجديد فيسألونه أن يُرِيَهم آيةً من السماء، فتعتريه سَوْرَة غضبٍ، فيضبط نفسه بدلًا من إبدائها، فيجيب عابسًا: «إذا كان المساء قلتم صَحْوٌ؛ لأن السماء مُحْمَرَّةٌ، وفي الصباح اليومَ شتاءٌ؛ لأن السماء مُحْمَرَّةٌ بعُبُوسة. يا مُرَاءون! تعرفون أن تُمَيِّزُوا وجه السماء، وأما علاماتُ الأزمنة فلا تستطيعون! جيلٌ شِرِّيرٌ فاسقٌ يلتمس آيةً، ولا تُعْطَى له آيةٌ!»
والحقُّ أن السماء مُكْفَهِرَّةٌ، وفيها الآيات، وليس زمن نزول صاعقةٍ منها ببعيد، وَتَصِلُ أنباء يسوع الناصريِّ إلى أولياء الأمور بأُورشليم تِبَاعًا، فَيُرْسِلون إلى الجليل كَتَبَةً؛ لِيَرَوْا مَن يتبعه، وَلِيَرَوْا هل يُجَدِّف على الله، وليبحثوا عن وسائلَ للقبض عليه، ولا يصعُب العثور عليه ما التفَّ الجمهور حوله من جديدٍ، وَجَمْعُ الشهود ضدَّه هو ما يرغبُ فيه أعداؤه.
لم يسمع الكتبة إلحادًا؛ وإنما عَلِموا أن تلاميذَ يسوع لا يَغْسِلُون أيديَهم قبل الطعام، وَغَسْلٌ كهذا لم يكن واجبًا إلا قبل الأكل من الموائد القُرْبانيَّة، ثم وُسِّعَ تفسير الشريعة فقيل بضرورة غسل الأيدي قبل الطعام من الموائد العادية، فأضحى ذلك عادةً في العاصمة، لا بين فلاحي المناطق القاصية المساكين الذين لم يسمعوا شيئًا عن ذلك على ما يحتمل، وليس في ذلك كبيرُ أمرٍ؛ وإنما يُعَدُّ بَدَاءَةً يُسْتَدْرَجُ منها يسوع الثائر، ومن المحتمل أن يكون ذلك قد وقع مساءً في مكانٍ عامٍّ؛ حيث يجلس النَّاس على عَتَبِ بيوتهم، أو يتكئون على عَمَدِها، أو يسيرون ذهابًا وإيابًا طلبًا للطراوة، ويقترب أولئك الكَتَبَةُ من يسوع ويسألونه جهرًا: «لماذا يَتَعَدَّى تلاميذُك تقليدَ الشيوخ، فإنهم لا يَغْسِلُون أيديهم حينما يأكلون خبزًا؟»
ويعلم يسوع حضور الكتبة، وهو لو لم يرهم لشعر بقربهم منه، وهو يُعْتَرضُ عليه للمرة الأولى في حياته بالنظام العام وبالشريعة وبأُورشليم، ومثل هذا ما رآه حينما تَصَدَّى رسل مجلس السنهدريم ليُوحَنَّا مُؤَنِّبِين مجادلين، فكانوا رُسُلَ النَّاس أمام رسول الله، فلم يختلفوا عن هؤلاء عبوسًا ورفعَ أصابعَ، فيتمثل يسوع شخصَ المَعْمَدَان وصوتَه، ويتذكر قوله: «يأتي مَن هو أقوى مني!» وسؤاله عمَّا إذا كان هو الذي أقوى منه، فَيَنْتَبِه فيه شعورُه بقدر نفسه بغتةً، بعد أن رَقَدَ فيه بِفِرَاره، فَيُبْعَثُ فيه حبُّ مهاجمة العدوِّ علنًا، وإلى هذا يُضَاف ما يساور يسوع من القلق التقليديِّ عند نظره إلى تلك الوجوه، كما يُضاف إليه تَوَتُّر الوضع الحاضر. وليس في سؤال الكَتَبَة المضحك ما يستحقُّ أن يجيب عنه؛ وإنما يلوح أن سلاحًا خفيًّا أصبح في يديه المعصومتين، فَتَحَدَّى أعداءه في الميدان العام بصوتِ المَعْمَدَان الرخيم: «وأنتم أيضًا لماذا تَتَعَدَّوْنَ وصيةَ الله بسبب تقليدكم؟ فإن الله أوصى قائلًا: أكرم أباك وَأُمَّك، وَمَن يشتُم أبًا أو أمًّا فَلْيَمُتْ موتًا، وأما أنتم فتقولون: مَن قال لأبيه أو أمه قُرْبَانٌ هو الذي تنتفعُ به منى، فلا يُكْرِم أباه أو أُمَّه؛ فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم. يا مراءون! حسنًا تَنَبَّأَ عنكم إشَعْياء قائلًا: يقترب إليَّ هذا الشَّعْب بفمه، وَيُكْرِمُني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعدٌ عني بعيدًا، وباطلًا يعبدونني وهم يُعَلِّمون تعاليم هي وصايا النَّاس.»
وهكذا يناهضهم يسوع بتقاليدهم، وهكذا يخاصمهم بكلام أنبيائهم، وهكذا يَصْفَعُهم بما يألم به من أَثَرَتهم الأثيمة. ويظهر أن سَهْمَه مَسَّ القلبَ فلم يقولوا كلمةً، بل انقلبوا راجعين؛ وإنما أصاب سهمُهم الذي صَوَّبوه إليه مقتلًا منه حينما حَلَّ وقت انتقامهم.
ويشعرُ يسوع بأن كلامه ناريٌّ، ولم يكلم يسوع الشَّعْب منذ وقت غير قصيرٍ، ولم يَحْدُث أن خاطب يسوع الشَّعْب بمثل تلك الشِّدَّة، وَيُحَدِّث يسوع الجمهورَ بحماسةِ يُوحَنَّا، وعلى ما تراه من وجود يسوع في بلدٍ صغير كثير الغُبَار، فإنه يستأنف بذلك القول حُكْمَ أُورشليم لدى بلاد الجليل بأسْرها، ويهزأ يسوع بِحَظْر بعض أنواع الطعام على أنه غيرُ نظيفٍ خلافًا لأحبار أُورشليم، فيقول على مسمعٍ من أولئك الكتبة: «ليس ما يدخلُ الفمَ يُنَجِّسُ الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا يُنَجِّسَ الإنسان.»
وَذُعِرَ تلاميذُ يسوع، فهم لم يَرَوْه هائجًا مثلَ ذلك فيما مضى، وساورهم القلق من حدوثِ صراعٍ جديدٍ، فَدَنَوْا منه قائلين له بصوت خافت: «أتعلم أن الفَرِّيسِيِّين لَمَّا سمعوا القولَ نَفَرُوا؟» ولكنه، وهو الذي كان حليمًا حَذِرًا، لم يضبط نفسه في هذه المرة بعد أن تعاقبت الصور في ذهنه، فَتَحْفِزُه إلى الاستهزاء بِالفَرِّيسِيِّين، فيقول بصوته الداوي: «كلُّ غَرْسٍ لم يَغْرسه أبي السماويُّ يُقْلَع، اتركوهم، هم عُمْيَانٌ قادةُ عُمْيَانٍ، وإن كان أَعْمَى يقود أَعْمَى يسقُطان كلاهما في حفرةٍ.»
ألم يسمع وراءه صدًى لضحكٍ إِلْحَادِيٍّ؟ ويزيدُ تلاميذه غَمًّا، ويودُّ بطرسُ رَدْعَه فيقول له: «فَسِّرْ لنا هذا المثل!» فيألم يسوع من قطع كلامه، فيجيب مُؤَنِّبًا: «هل أنتم أيضًا حتى الآن غير فاهمين! أَلَا تَفْهَمون بَعْدُ أن كلَّ ما يدخل الفمَ يمضي إلى الجوفِ ويندفعُ إلى المخرج، وأما ما يخرج من الفمِ فمن القلب يَصْدُر، وذاك يُنَجِّسُ الإنسان؟» ويتطاير الشرر من عَيْنَيْ يسوع خلف الفَرِّيسِيِّين الذاهبين فيقول: «من القلب تخرج أفكارٌ شِرِّيرةٌ: قتلٌ، زنَى، فسقٌ، سَرِقةٌ، شهادةُ زُورٍ، تجديفٌ، هذه هي التي تُنَجِّس الإنسان. وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة؛ فلا يُنَجِّس الإنسان.»
وبهذا يكون يسوع قد أجاب عن سؤال الفَرِّيسِيِّين المثير، وَلْيَعُودوا إلى الكهنة إذن! وليُحَدِّثوهم عن جُرْأَةِ يسوع النَّجَّار المتعصبِ إذن! ولتَعْلَم أُورشليم ذلك إذن! وهكذا يُصَرِّح يسوع لأعدائه أمام النَّاس بما يجول في خاطره نحوَهم، فيفكُّ قيودَه فيصبحُ طليقًا. •••
يزيدُ عدد مستمعي يسوع مرةً أخرى فيتبعونه برًّا وبحرًا في رحلاته، ويستقرُّ يسوع أقلَّ من قبل، وتقلُّ خططه الصريحة أكثر من قبل، ويلتفت يسوع إلى خلفه في الغالب باحثًا عن مَكْمَنِ الخصم، ويضاعف إعلانُه العَداءَ عددَ أتباعه لا ريب، ما انحاز إليه الفلاحون بغرائزهم ضدَّ الكهنة، فهل قاسمهم الكهنة همومَهم؟ وهل طالبوهم بغير مراعاة الشريعة؟ أفلا يمشي الكهنة في الأسواق مفتخرين بتقواهم مجتنبين غيرهم؟ وعكسُ هذا أمرُ يسوع الذي لم يفاخر بشيءٍ، فكان يعاشر الفلاحين وَيَنْفُخ فيهم روحَ الشجاعة ما دام واحدًا منهم.
ولم يمنع ذلك من أن يكون إيلِيَّا أو غيرَه من الأنبياء الذين يظهرون قبل بدء العصر السعيد، ولكن أولئك لم يفكروا في أنه هو ابن داود أو المسيح، فكانوا يدعونه بابن الإنسان الذي سَمَّى به نفسَه مؤمنين بأنه صالحُ الأعمال في هذه الدنيا، أفلا يجيء إليه الفَرِّيسِيُّون أنفسهم طالبين منه العون عند اشتداد الحاجة؟ ليس قليلًا أن يلجأ إليه كهنة المعابد راكعين. ومن هذا أن جاءه رئيس المجمع فقال له متوسلًا: «إن ابنتي الآن ماتت، ولكن تعالَ وضع يَدَكَ عليها فَتَحْيَا.» فيوافق يسوع على ذلك فيتبعه الجمهور فيسمع صُرَاخَ الخَدَم وهم يقولون: «ماتت البنت!» ويعرِف يسوع تَسَرُّعَ الخدم في نَعْيِ المُحْتَضَر، فَيُسْرع ماشيًا ومعه بعضُ تلاميذه، فيدنو من البنت المُغْمَى عليها فيقول: «لماذا تَضجُّون وتبكون؟ لم تَمُت الصَّبِيَّة؛ لكنها نائمة!» فيضحكون عليه، فَيُخْرِج الجميع خلا أبوي البنت فيقول لأبيها: «لا تَخَفْ، آمن!» ثم يُمْسِكُ بيدها ويقول لها: «يا صبيَّة، قومي!» فَيُخْضِعها لإرادته على حسب عادته فتقوم.
ويستولي الدَّهَشُ والخوف على الجميع، فإذا كان يسوع قادرًا على إحياء المَوْتَى؛ فإنه يكون ساحرًا من النوع الهائل لا ريب، وإن قدرة الشفاء التي كانت تُمَهِّدُ له السبيل في البَدَاءَة فتبدو عاملةً في انضواء النَّاس إليه؛ تَقِفُ حائلًا بينه وبين الجمهور كما حدث في أمر خنازير جدرة، ثم تَفُضُّ النَّاس من حوله كما هو واقع اليوم.
خاب أملُ يسوع في ذلك الشَّعْب بعد أن أسرف في حُبِّه والصبر عليه، وكيف لا يفكر في تلك المرأة الوثنية التي هي على خلاف أهل ذلك البلد؛ حَطَّمَتْ قيودَ العِنَادِ بإيمانها المتين؟ والآن يبدأ يسوع بتعزير الجمهور الذي أكثر من إلقاء السكينة إلى قلبه، فيقول مُغَاضِبًا: «ويلٌ لك يا كُورَزِين، ويلٌ لك يا بيتَ صَيْدَا؛ لأنه لو صُنِعَتْ في صُورَ وَصَيْدَاءَ القُوَّاتُ المصنوعةُ فيكما لتابتا قَدِيما في المُسُوح والرَّمَاد؛ ولكن أقولُ لكم: إن صوَر وصيداءَ تكون لهما حالةٌ أكثرُ احتمالًا يوم الدِّين مما لكما، وأنتِ يا كَفْرَ نَاحوم المرتفعةَ إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية؛ لأنه لو صُنعَتْ في سَدُومَ القُوَّاتُ المصنوعة فيكِ لَبَقِيَتْ إلى اليوم.»
ويستمع اليهود إلى كلام يسوع مُنْغِضِين٢ رءوسَهم، ويقولون: كان يسوع يخاطبنا كراعٍ، فأخذ الآن يخاطبنا كيُوحَنَّا، فهل هو المَعْمَدَانُ نفسه؟ ولماذا يستشهد لنا بالوثنيين؟ ولماذا يفتخر بالآيات التي أتى بها مع أنه لم ينكرها أحد؟ ألم يطالب مَن أبرأهم بكتمان السِّرِّ؟
وإن قنوطَ يسوع من ذلك الشَّعْب الضالِّ ومقتَه حَمَلَةَ الشريعة يُبْعِدَانه من هذين الفريقين، فيزيد مَيله إلى ترك بلاد الجليل والطواف في بلاد الإشراك، وسواءٌ أتوجَّه يسوع إلى السامرية في الجنوب، أم إلى صور في الغرب، فإنه يُعِينُ أهلَ الإلحاد فيهما، ويشفي مَرْضَاهُما من غير أن يحاول بينهم وعظًا، أو دعوةً إلى إيمان، ومما لا ريب فيه أن جوابه عن سؤال ناموسيٍّ: «مَن هو القريب الذي يجب أن أُحِبَّه أكثر من أيِّ شخص آخر؟» أمرٌ واقعيٌّ عَرَفَهُ في بلاد الإشراك، فهذا الجواب الذي هو: «إنسانٌ كان نازلًا من أُورشلِيم إلى أريحا، فوقع بين لصوص فَعَرَّوْه وَجَرَّحُوه وَمَضَوْا وتركوه بين حي وميت، فَعَرَضَ أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مُقَابِلَه، وكذلك لاوِيٌّ أيضًا؛ إذ صار عند المكان جاء ونظر وَجَازَ مقابِلَه، ولكنَّ سامريًّا مسافرًا جاء إليه، ولما رآه تَحَنَّنَ فتقدَّم وضمد جراحاته، وصبَّ عليها زيتًا وخمرًا، وأركبه على دابَّته، وأتى به إلى فندقٍ واعتنى به، وفي الغد لَمَّا مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: اعْتَنِ به، ومهما أنفقتَ أكثر فعند رجوعي أوفيك، فأيُّ هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟ … اذهب أنت أيضًا واصنعْ هكذا.» قد عَلِمَه ملايينُ البشر منذ قرونٍ فَخَلَّدَ السامريُّ المجهولُ به اسمَ شعبه المُشْرِك.
ويشعر يسوع بأنه مطارَدٌ ومشتبَهٌ فيه، فلا يخالط الشَّعْب مقتصرًا على تلاميذه، وليَعلم تلاميذُه أفكارَه، ولينشروا من الأقوال ما يجادَل فيه، فلا يُوثَق به في كلِّ مكان، وكلما حُمِلَ يسوع على العزلة تَصَوَّر مذهبه في باطنه، لا على صِيَغٍ مُقَرَّرَةٍ، وعاد يسوع لا يُكَلِّم بلهجةٍ عاطفية كما يكلِّم الأبُ أبناءَه، بل أخذ يبدو سيدًا آمرًا، ويلوح من خلال تعاليمه لتلاميذه الذين يدعوهم بالحواريين أيضًا، مقدار المرارة فيه بعد أن مَدَّ ذراعيه لكسب القلوب فقوبل بالمقاومة تارةً، وبعدم الاكتراث تارةً أخرى.
قال يسوع: «ها أنا أرسلكم كغنمٍ في وَسْطِ ذئابٍ، فكونوا حكماءَ كَالحَيَّات وبسطاء كالحمام.» ولم تفارق السذاجةُ يسوع في أيِّ وقت، ولم يَبْدُ حكيمًا كالحية في أي حين. ويسوع إذ أصبح أبًا لتلاميذه وجب على هؤلاء الأبناء أن يعتبروا بتجاربه، فَيَغْدُوا أشدَّ حكمةً منه.
وَيَتَجَنَّبُ يسوع كلَّ ما يُشْعِرُ بأنه صاحبُ طريقةٍ خاصةٍ كالآزيين، ويحظر يسوع كلَّ شعارٍ، ويطالب يسوع تلاميذَه بأن يكونوا ذوي عَوَزٍ لم يأمر بمثله سيدٌ قبله، فلا فَلْسَ ولا خبزَ ولا كِيسَ، ولا عصا عند السفر، فهم يجدون بيوتًا مِقْرَاةً٣ كما يجد، فعلى مَن يأتي الفقراءَ وَالعُزْلَ بالبشرى أن يكون فقيرًا أعزل، «فأي بيتٍ دخلتموه فهناك أقيموا، ومن هناك اخرجوا، وكل مَن لا يقبلكم فاخرجوا من تلك المدينة وانفضوا الغبار أيضًا عن أرجلكم شهادةً عليهم.» فيا لقسوة المعلم بعد حلمٍ! وإلى أين ذهبت نبرات المَحَبَّة؟ لقد أضحى شبيهًا بِنَبِيٍّ غضوبٍ.
وقد بدا تلاميذه خُرْقًا ذات مرة فَعَنَّفَهُم بقوله: «لماذا تَدْعُونني بالمعلم ما دمتم لا تعملون بما أقول؟ … تقولون: إِنَّا أكلنا وشربنا أمامَك، وقد عَلَّمْتَ في شوارعنا … أقول لكم: إني لا أعرفكم. من أين أنتم؟ أبْعِدوا عني يا جميعَ فاعلي الإثم.» وَيُحِسُّ بُعْدَه من جلسائه، وَيُؤَنِّبُ متجبرًا تلاميذَ جُدُدًا أتَوه بقوله: «ليس من تلاميذي مَن يأتيني غير مُزْدَرٍ لأبيه وأمه وزوجته وأولاده وإخوته وأخواته وحياته أيضًا.»
وراقه رجلٌ يومًا فقال له باختصارٍ: «اتبعني!» فقال له هذا الغريب: «يا سيد، ائذن لي أن أمضي أَوَّلًا وأدفنَ أبي!» فقال له يسوع: «دَعِ الموتى يدفنوا مَوْتاهم، وأما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله.»
وأراد أحدهم أن يُوَدِّعَ أبويه قبل أن يتبعه فتركه حيث هو قائلًا بازدراءٍ: «ليس أحدٌ يضع يده على المِحْرَاث وينظرُ إلى الوراء يَصْلُحُ لملكوت الله.» وعاد يسوع لا يكون ذلك الرجلَ الذي يلوم الفَريسِيِّين على منعهم الابن من العناية بأبيه وَفْقَ تعاليمهم.
ولم يتورع يسوع عن تهديد أمه في مكانٍ عام؛ فقد أرادت أمُّه وإخوته ذات مرةٍ ردعه عن سلوكه سبيلَ الخطر، فأرسلت إليه أمه مَن يخبره بأنها راغبةٌ في محادثته، فخاطب تلاميذه قائلًا لهم بحدَّةٍ: «مَن هي أمي؟ وَمَن هم إخوتي؟» ثم مَدَّ يده إلى تلاميذه وقال: «ها هي أمي وإخوتي؛ لأن مَن يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي.»
ويعود يسوع بين حينٍ وحينٍ إلى حِكْمَةِ ماضيه المَرِح؛ فقد سَمِعَ تلاميذَه في نزهةٍ يتحاجُّون في مَن هو أعظم في ملكوت السماوات، فيجلس على صخرةٍ في حافة الطريق كاتمًا ما تُورِثُه تلك المجادلة الغليظة فيه من خيبة الأمل، فينادي ولدًا كان يَلْعَب على قارعة الطريق فيحتضنه ويخاطب تلاميذه قائلًا: «الحقَّ أقول لكم: إن لم ترجِعوا وتصيروا مثلَ الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات، فَمَن وَضَعَ نفسه مثلَ هذا الولد فهو الأعظمُ في ملكوت السماوات.» •••
تُدَوِّي أصوات العيد في قلعة مخيروس؛ فقد دَعَا هِيرُودُس قادةَ الجيش وأكابر الموظفين والأعيان إلى الاحتفال بعيد ميلاده جاهلًا ماذا يُحَاكُ في غيابه.
ما فَتِئَ رؤساء الكهنة بالقدس يُحَرِّضُون هِيرُودُس على قتل يُوحَنَّا المَعْمَدَان الذي هو سجين في ديْمَاسٍ٤ واطئٍ فيزيد شهرةً منذ إساره؛ لِمَا يرونه في ذلك من إرهاب تلميذه يسوع الناصريِّ الذي يسير على غِرَارِه بما هو أشد خَطَرًا كما يظهر، ولكن هِيرُودُس رفض ذلك حتى الآن؛ فهو يعلم — كقطبٍ سياسيٍّ — ما للشهيد من سلطان، وهو يتذوق كفيلسوفٍ محادثةَ حكيمٍ. وهذا إلى خوفه مَغَبَّةَ قتلٍ لا ينفع أحدًا.
وتزيد هِيرُودِيَّا عن زوجها حقدًا وجسارةً وحرصًا، فَتُنْصِتُ لنصائح مجلس اليهود الكبير «السنهدريم»، وهيردويَّا هذه وإن لم تشعر بأن زواجها في خطرٍ بفعل ذلك الأسير، ترى في الصورة التي ينظر بها إلى زواجها ما يجرحها في الفؤاد، ويعرِف الفَرِّيسيون والصَّدُوقيُّون هذا فَيُوَجِّهُون نَزَقَها إلى تنفيذ مآربهم السياسية، وتجعل هيروديَّا لابنتها سالومة إصبعًا في حَوْكِ الدسيسة ما كانت فتاةً بعد وفاة زوجها المسن فيلبُّس، وما كانت تَطْفَحُ حياةً، وما وَصَلَتْ شهرتها في الرقص إلى رومة.
هَيَّأت الأمُّ ابنتها، وترقص الابنةُ في قاعة الوليمة أمام الضباط والموظفين، وترقص على الخصوص من أجل هِيرُودُس الذي يُخَيَّل إليه حين يراها وهي ابنةُ زوجته رجوعُ صِبَاه إليه، ويحلُّ منتصف الليل وَيَتَّكِئُ هِيرُودُس إلى المائدة بفعل الخمر، ويسمع هُتَافات الإعجاب، ويرى التماعَ عيون النُّدَماء، وَغَضَّ أبصار العبيد، ويرى رَبِيبَتَه تلك ترقص عاريةً على أنغام المزمار والصَّنْجِ ذي الأوتار، فتتحرك فيه شهوةُ العطاء التي لا يخلو قلبُ شرقيٍّ منها، ويتنبَّه فيه حبُّ عرض قدرته وثروته على حاشيته تقديرًا للجمال. ومن المحتمل أن حَثَّتْ هيروديَّا زوجها على إكرام ابنتها ملكةِ السهرة بسخاءٍ مع امتعاضها عادةً من عَرْضِ فتنة ابنتها هذه على زوجها التَّعِب، ومن المحتمل أن فكَّر زوجها في أَسْتِير ذات الحُظْوَة لدى الشَّعْب، فَرَغِب في نَسْجِ أسطورةٍ لنفسه، فخاطب الراقصةَ سالومة بكلمات أَحَشْوِيرُوش: «مهما طلبتِ مني لأُعْطِيَنَّكِ حتى نِصْفَ مملكتي.»
وينهض الحاضرون شاعرين بأن تلك الساعة من الأوقات النادرة الثمينة، راغبين في سماع جواب الراقصة، أفتطلب أَسْوِرَة من لؤلؤٍ لتزيِّن بها مِعْصَمَيْها وكعبيها؟ أم تطلب مدينة؟ أم تطلب نصف ولاية؟ ولماذا تعرب عن رغبتها بصوتٍ خافتٍ لكيلا يسمعها أحد؟ أفي رغبتها هذه ما هو شائن؟ وما هو سبب اصفرار وجه هِيرُودُس ونهوضِه بغتةً واضعًا يده على قلبه؟ وأيُّ شيءٍ أقدمت عليه؟ لم يُدْرِكْ ذلك أحد؛ وإنما رُئي بروق عيني هيرودِيَّا، وتوارى الأمير.
ينزوي هِيرُودُس في الرَّدْهَة المجاورة فيسأل في نفسه مبهورًا: أرأسُ يُوحَنَّا؟ أجعل الربُّ ابتلاءه في نِقَاب الراقصة الحسناء؟ ألا يستطيع أن يمنحها شيئًا آخر؟ فيستدعيها ويستحلفُها بأن تعدِل فَيَتَمَثَّل لها أمرُ أُمِّها، فلا تتنزل عن رغبتها، فلا ترضى بأية مدينة أو ولاية بدلًا من ضرب رقبة يُوحَنَّا، ووضعِ رأسه على طبقٍ من ذهبٍ، وعبثًا حاول هِيرُودُس أن يحمِل زوجته على دعوة سالومة إلى سبيل العقل والحكمة، بل ظلَّت هذه الزوجةُ صامتةً جامدةً، وَلِمَ لا بعد كلِّ هذا؟ ليس يُوحَنَّا غير مسكينٍ مفتونٍ مسجونٍ في الديماس هنالك، ليس يُوحَنَّا غيرَ عدوٍّ للأغنياء والأقوياء، ليس يُوحَنَّا غير حاقدٍ على الناموسيين؛ فما فائدة مداراته؟ ألم يَسْعَ في عَبْر الأُرْدُن فسادًا؟ ألم يُهَيِّئ النفوس للعصيان؟
ويشير هِيرُودُس على عبيده ويأمر بقطع الغناء.
ولا أحد يَدْرِي ما حدث ولا ما يحدث، وينتظر الضيوف، ويصمت بعضهم، ويتكلم بعضهم همسًا، ولا يتناول أحدٌ منهم خمرًا، ويحاول هِيرُودُس أن يَتَجَلَّد تِجَاه ما يقع، وَتُسْمَعُ خطواتٌ ثقيلةٌ على الدرج، ويصعد فيه رجالٌ مسلحون باتِّزَان، ويحمِل آخرُهم طبقًا عليه رأسُ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وَيُقَدِّمُه الجلَّادُ إلى سالومة فترتد متكمشةً ثم تَتَقَوَّى، فتأخذ الطبقَ وَتُسَلِّمُه إلى أمها.
ذاع الخبر في البلاد بسرعة البرق، والبلاد تهتز لحوادث وقعت قبل ذلك، فبلاد الجليل على الخصوص كانت مضطربة، ففيها خَلَفتْ عِصابةٌ من ذوي الحميَّة يهوذا الجليليَّ فتقدمت إلى أُورشليم؛ حيث شتمت الرومان، وهاجمت حرس الهيكل، فتمكن بيلاطُس من القبض عليهم، فكان المُسَمَّى باراباسُ أحدهم، فعلِم يسوع ذلك في أثناء عزلته، فرآه أمرًا متصلًا برسالته، نذيرًا لفتنة شاملة مُصَدِّقَةٍ لآياته، ويسقط في تلك الأثناء بُرْجٌ بالقرب من بركة سلوام، فَيَهْلِكُ ثمانية عشر رجلًا، فتزيد أعصاب يسوع توترًا.
هنالك أخبر يسوعَ تلاميذُه بإعدام يُوحَنَّا المَعْمَدَان فبُهتَ، فَيَتَمَثَّلُ حوادثَ الأُرْدُن وسجنَ يُوحَنَّا وذبحه، فيرتعد وَتُشَلُّ حركته، ثم يجد في يُوحَنَّا المثلَ الذي يُعَيِّن مكانه، فيلوح أن يُوحَنَّا يصرخ من قبره قائلًا له: «يأتي بعدي مَن هو أقوى مني.»
أفيأتي؟ أفتكون حياة المَعْمَدَان مثلًا لمصيره؟ تُثيرُ زوبعة من المشاعر قلبه، فتبدو الطريق التي كان يَسُرُّه أن يرى غيره سائرًا فيها خاليةً، فلم يبقَ ما يجعله مُتردِّدًا، فَلْيُطَبِّقْ على العمل ما ساوره في الأسابيع الأخيرة من السوانح إذن.
وهكذا يَحْفِزُه يُوحَنَّا إلى سلوك طريقٍ مجهولةٍ للمرة الرابعة، فَلَمَّا غسله يُوحَنَّا بماء المَعْمُودية أوجب خروجَه من جباله ليختلط بالجمهور، وَلَمَّا قُبض على يُوحَنَّا حمل عبءَ عمله، وَلَمَّا سأله يُوحَنَّا أيقظ المسيحَ الراقدَ فيه، واليومَ يحمله قتلُ يُوحَنَّا على البتِّ جهرًا، ويُوحَنَّا حين يُتَوِّجُهُ تتويجًا خَفِيًّا يكون قد عَيَّنَ له طريق الآلام.
يستحوذ الخوف على يسوع للمرة الثانية، فيسمع من جديدٍ صوتَ أبيه البعيد كما سمِعَ في المرة الأولى، ولكن صوتَ اليوم هو صوتُ صاعقةٍ، لا صوت حمامة كالذي جاء ليخبره عن أيام البهجة والسرور.
وَيَحِيقُ الخطرُ بيسوع من الخارج ما عزَمَ هِيرُودُس على ذبح كلِّ ذي بدعة، ويلوح شبح الاضطهاد ليسوع من الخارج ما شعر الفَرِّيسِيُّون بأنهم في مأمن؛ غير أنك ترى يسوع متعطشًا في صميم فؤاده إلى تأدية دَيْنِ رسالته الثقيل إلى الربِّ، وإلى بلده وشعبه ونفسه.
يَفِرُّ يسوع مذعورًا هو وتلاميذه إلى شرق البحيرة، فيعبر الأُرْدُن فيتوجَّهَ إلى الشمال حتى سفح جبل حرمون. •••
يقع على ضِفَّةِ الأُرْدُن اليُمنى وادٍ واسعٌ خصيبٌ، فيرتفع بالتدريج إلى سفوح الجبل، وَيَنْدَلِقُ الأُرْدُن فيبدو نشيطًا في هذا المكان الذي لا يزيد عرضه فيه عن عشرين خطوةً، فإذا ما رفع السائح عينيه إلى ذروة التلال وجدَ فوق رأسه قلعةَ قيصريةِ فيلبُّس الجبارةَ، والمدينةَ الجديدة الجميلة المحيطةَ بها، وليس ببعيدٍ زمن حكمها من قبل فيلبُّس بن هِيرُودُس؛ زوجُ سالومة التي أجادت الرقص، فأسفر رقصُها عن قطع رأس المَعْمَدَان، فلو كان فيلبُّس حَيًّا، وظلَّت زوجته سالومة بجانبه؛ لأنقذت حياةَ يُوحَنَّا مع أمورٍ شتى، وما كان يسوع ليجيء إلى هنا على ما يحتمل.
وما كان يسوع ليجهلَ أن ذلك المكان واقعٌ على حدود إسرائيل في زمن الاستقلال والسُّلْطَان، وما كان أيُّ أميرٍ يهوديٍّ، حتى داود، لِيُوَسِّع رُقَعَةَ دولته إلى ما هو أبعد من ذلك في الشمال. واليومَ يسكُن الإغريق وَمَن إليهم من عَبَدَةِ الأصنام تلك البُقْعَة، ومن هنا يسير النهر الغريب نحو الجنوب بسرعة، ويسوع حين يكون في ذلك المكان فَيَرْجِعُ بصرَه إلى منبع الأُرْدُن يتعقبه بفكره إلى مَصَبِّه، فيتمثلُ ما اتَّفقَ له هنالك.
ويسوع إذ أصبح في ذلك المكان في شهر فبراير كان الزمن الذي انقضى بين الأمرين سنةً كاملةً، وهذه السنة غَنِيَّةٌ بحوادثَ أكثر مما حدث له في السنين الثلاثين التي عاش فيها من قبل، وما هو عدد السنين التي ستنقضي بعدئذ؟ أفلا يكون الأُرْدُن مع منبعه ومصبه مرآةً لحياته؟ لقد ضُرِبَ عنقُ يُوحَنَّا.
ويجد يسوع وتلاميذه خلفَ تلك المدينة المكانَ الذي يَعُدُّه أولئك المشركون منبعًا للأردن، ويدخل يسوع كهفَ إله الرُّعَاة، فيرى فيه ما لا يَعْرِفُه من ألواح مَنذُورَةٍ، وتماثيلَ رخاميةٍ، وكتاباتٍ يونانية، فيمرُّ رجلٌ من قيصرية فيلبُّس فَيُبْصرُ يسوع وتلاميذَه، فيوضحُ لهم كلَّ ما في المغارة فيقول لهم: هذا تمثالُ الحُورِيَّة التي تعيش في اليَنْبُوع، وهذه تماثيل آلهة النهر، وذلك تمثال الصَّدَى الذي ينقل الصوت من صخرةٍ إلى أخرى، ويقول لهم: إن جميع ذلك خاصٌّ بإله الرُّعَاةِ الأكبر الذي يَمْلِكُ ما بين الهواء والماء في كل مكان، فيباغته الرُّعَاةُ نائمًا عاريًا على صخرةٍ وقت الظهر، فيغتاظ تلاميذُ يسوع عند سماع ذلك، فَيُدِيرون ظهورَهم خَشْيَةَ الفتنة.
غير أن يسوع ينظر إلى كلِّ شيءٍ، وَيُنْصِتُ مدققًا لكل ما يقوله ذلك الوثنيُّ الغريبُ، ثم يخرج ويلحق تلاميذَه، فيستلقي الجميع فوق ظلِّ الكهف، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يسمع يسوع فيها حديثًا عن التماثيل الإلهية، وإن لم يسمع قبلها شيئًا عن إله الرُّعَاةِ الأكبرِ؛ صاحب ذلك اليَنْبُوعِ المقدس، ولم يُصَوَّرْ إله الرُّعَاةِ ذلك، فهل هو روح؟ وإذا كان يَمْلِكُ جميع ما بين الهواء والماء؛ فهل من المحتمل أن يكون قد تَاهَ في جبال الناصرة؟
وكيف يستطيع الرُّعَاةُ أن يَرَوْه؟ يسوع راعٍ، وقد سَمِعَ أصوات العَوْسَجِ والهواء والكلأ والشجر من غير أن تَتَمَثَّلُ له روحٌ، فأبوه وحدَه هو الذي يُشْرِفُ على هذه الأصوات لا إله الرُّعَاة.
مضى وقتٌ غير قصير على الزمن الذي كان فيه قليلَ الاختبار كتلاميذه، فيا لهم من أغبياء! يا لضعف إدراكهم للأمور! هم لا يكادون يَعْرِفون الذي يَتَّبِعُونَ وَيُطِيعُون، ومن أين يعرفونه إذا لم يكشف لهم عن حقيقته؟ وهل يمتحنهم؟ لن يعترف به تلاميذه إذا ما ظهر أن الحق الذي أدخله إلى رُوعه قتلُ يُوحَنَّا هو من عمل الشيطان، وَمَن يدري أنهم ينكرونه ولو ظهر أن الله مصدر هذا الحق؟ فالله وحده قادرٌ على أن يشرح صدورهم لذلك؛ فهل يفعل ذلك؟
وإن تلك الأمور لتدور في خَلَد يسوع؛ إذ سألهم: «مَن يقولُ النَّاسُ إني أنا؟» فلكلٍّ جوابه، «فقالوا — قومٌ: يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وآخرون: إيلِيَّا، وآخرون: إرْمِيَا، أو واحدٌ من الأنبياء.»
ثم يتباحثون في أيِّ الأجوبة أصحُّ من الآخر، وهل يَجْرُؤُ على وضع السؤال العظيم الخَطِر؟ ألا يَعْنِي وضعُه طلبًا إلى الربِّ أن يظهر قدرتَه؟ يكاد هذا السؤال يخرج من بين شَفَتَيْه ثم ينطق به على الرغم منه، فيقول: «وأنتم مَن تقولون إني أنا؟»
فيعتري تلاميذه صمتٌ، ويعتري تلاميذه دَهَشٌ، فيطأطئون رءوسهم، فَيَخْشَوْن الإفصاح عمَّا يجول في خواطرهم، خلا سِمْعَان «بطرس» الذي هو أَمْتَنُهم خُلْقًا، فينظر إليه مجيبًا: «أنت المسيح!»
تَهَلَّلَ وجه يسوع وأضاء العالَمُ في نظره، وما يبغي؟ فقد نُطِقَ بالكلمة المُقَدَّرَة التي خالجت ضميرَه منذ سؤال يُوحَنَّا المَعْمَدَان، فلم يَبُحْ بها، فبهذه الكلمة أشرق النهار عنده، وبها يكون قد عُرف فيثق بنفسه، فينهض فيمدُّ ذِرَاعَيْه فيبارك سِمْعَان «بطرس» بما لم يَسْبِق أن بارك به، فيقول: «طوبى لك يا سِمْعَانُ بنَ يُونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعْلِنْ لك؛ لكنَّ أبي الذي في السماوات.»
بَيْدَ أن يسوع لم يُعَتِّمْ أن نَدِمَ على إظهاره سِرَّ قلبه، فأوصى تلاميذَه مُتَوَعِّدًا بِأَلَّا يقولوا لأحدٍ: إنه المسيح.
وقع هذا المنع متأخرًا، فأما وقد نُطق بتلك الكلمة؛ فإن الزمنَ يدفعه، والعزَّةَ والاضطهادَ وَالجُرْأَةَ تَحْفِزُه إلى السير قُدُمًا في طريق المختار، وماذا يصنع المسيح في أقصى شمال المملكة بين الوثنيين إذن؟ فهل بَقِيَ في الجليل ما يأتيه من عمل؟ فَلْيَذْهَبْ إلى حيث امتنع عنه حتى الآن! فَلْيَذْهَبْ إلى أُورَشلِيم ليفتحها! دنا عيد الفصح فيُهرع الشَّعْب اليهوديُّ إلى العاصمة من كلِّ ناحيةٍ في العالم، وحان الوقت المناسب، فيجب على المسيح أن يختار ذلك المكان لِيَعِظ وليكافح كما أخبر به الأنبياء.
وَيُدْنِي المسيحُ تلاميذَه منه، وَيُبَلِّغُهم بصوتٍ خافتٍ عزمَه على السفر إلى أُورَشلِيم، وَيُنَبِّئُهم بانتظار الموتِ له فيها.
اقْشَعَرَّتْ جلود تلاميذه، فذلك لم يخطر ببالهم قط، فلم يكن الذهاب إلى هنالك تنفيذًا لِمَا جاء في العهد القَدِيم إلا ضربًا من الجنون، حتى إن بطرسَ نفسه أمسكَ ذِراعَ معلمه منتهرًا: «حاشاك يا ربُّ، لا يكون لك هذا!»
ويشعرُ يسوع بأن أحدًا لم يُدْرِكْ أمرَه حتى ذلك الذي اعتقد منذ هنيهة أنه مُلْهَمٌ من الربِّ، ماذا؟ أيجهلُ جميعُ تلاميذِه الأوفياءُ السِّرَّ العظيمَ الذي أطلعهم عليه بِحَذَرٍ؛ حينما نطق بكلمة المسيح؟ ألا يدلُّ ذلك على أن هؤلاء لا يفكرون في غير الأكل والنوم والسَّبْت؟ ويدفع يسوعُ بطرسَ بعنفٍ ويقول: «اذهب عني يا شيطان، أنت مَعْثَرَة لي؛ لأنك لا تَهْتَمُّ بما لله، لكن بما للناس.» وَيَثِبُ تلاميذه من مكانهم وينظرون إليه مترجحين بين هولٍ واحترام، ويدعو تلميذَه المفضل بالشيطان، ويقال حينما دفعه: إنه عظمَ بين ثانيةٍ وثانيةٍ، ويُشابه الآن قدماء الأنبياء، ويتفرس في كلِّ واحدٍ من أولئك، ويشعر بشدةِ إقدامهِ أكثرَ من شعوره في أي وقتٍ، ويبدو مستعدًّا للكفاح للمرة الأولى، فيعزِم على ملاقاة نصيبه فيقول: «مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يومٍ ويتبعني؛ لأن مَن أراد أن يخلِّص نفسه يهلكها، وَمَن أهلك نفسه من أجلي يُخَلِّصُها، فإنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أم ماذا يُعْطي الإنسانُ فِدَاء نفسه؛ لأن ابن الإنسان مزمعٌ أن يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذٍ يُجَازَى كل أحدٍ بحسب أعماله. الحقَّ أقول لكم: إن قومًا من القائمين ها هنا لا يذوقون الموتَ حتى يروا ملكوتَ الله.»
ويعود يسوع وينصرف كَمَلِكٍ على رأس تلاميذه. •••
«مَن ليس معي فهو عليَّ!» هذا هو الشِّعار الجديد للنبيِّ يسوع الذي قصد بلده لوقتٍ قصير كي يتأهب للسفر إلى أُورَشلِيم، بعد أن وَطَّنَ نفسه على الكفاح؛ فقد لاح له بعد طويلِ تردُّدٍ أن ما بدا من إحجامه وتسويفه وحلمه وَطَبِّه لم يُرِدْه الربُّ؛ فلتقع الحرب إذن. ودُعِيَ الربُّ، الذي لم يُقَصِّرْ يسوع في إظهار خالص الحبِّ له إلى الفصل بين الأشرار والأبرار من أبنائه.
يسوع يُصَلِّي.
كَلَّا، ليس ذلك بين جميع أبنائه، فلقد استحوذ على يسوع وَجْدٌ وانجذابٌ منذ شعر بأنه المسيح فَبَلَّغَ رسالته، الملائمة للنبوءات القَدِيمة، إلى تلاميذه، فيعتقد يسوع بعد الآن أن عليه أن يُنْجِزَ ما جاء في التوراة، وعاد «الابنُ» لا يكون واحدًا من الأبناء الكثيرين المتساوين في حب «الأب» لهم؛ فهو المختار الوحيد الوسيط الحَكَمُ بين إخوانه، ويرى يسوع كما يرى العالم أن زمن الهناء والسلام قد انقضى، وأن ملكوت السماوات الذي أنبأ به منذ زمن طويل سيأتي من الخارج مع الحساب والصواعق، على أن تتحقق جميع النبوءات، وأن يقبض أعداؤه من بني قومه عليه بلؤم، وأن يحكموا عليه ويقتلوه قتلًا مخجلًا.
ويقوم بذلك حاجزٌ كبير بين المعلم وتلاميذه، وبين الواعظ الجائل ومستمعيه، وبين يسوع والعالم، ويغدو كلامه مع الرب أمرًا خفيًّا، وَيَشُقُّ عُجْبٌ شَغْفَ فؤاده الرقيق الذي بدا منذ صباه فريدًا في تواضعه وخشوعه، كما لو نُسِجَ ليمنع بروزَ نزواته للأعين، ويتمازج فيه ضبطه لنفسه واتِّزَانه وسُمُوُّه وعظمته، وصفاؤُه الضروريُّ لِمَن يعتقد أنه ذو رسالة عامة، وعزمه على استقبال موتٍ فيه سرُّ مجده، فتكمل بذلك رجولته، وتزيد أَنَاتُه، ويُضْحِي من العبوس ما لا ينمُّ عليه مزاجه ومذهبه وطيبته ونظراته وَشَفَتَاه وكلامه.
وإنَّ يسوع وصحبَه لفي طريقهم إلى بلدهم في يومٍ عاصفٍ؛ إذ يشير يسوع إلى ثلاثةٍ من أفضل تلاميذه — وهم: بطرس ويعقوب ويُوحَنَّا — بأن يتبعوه، فيصعد هؤلاء في جبلٍ تاركين الآخرين خلفهم؛ ففي ذلك الجبل، حيث كان يَقْطُنُ فيه بعض الأنبياء العِظَام، يستطيع يسوع أن ينفذ في نفوس أولئك الثلاثة، فيلقي السمع إلى نصائحهم، ويغشى المكان سحابٌ كثيفٌ، فيستولي عليه ظلامٌ فلا يكاد الإنسان يرى أقرب شجرةٍ فيه، وَيُغَيِّرُ السحاب وجه الإنسان فيبدو أعظم مما عليه عادةً، ويخامر التلاميذ الثلاثة شَكٌّ فيما يحدث، فيدنو بعضهم من بعض، ويغيب المعلم عن أبصارهم فيتمثل لهم طيفًا أبيض لامعًا، فَيَكِلُّون فيستلقون فينامون.
ويملأ النبيان موسى وإيلِيَّا ذهنَ بطرسَ، فيرى في المنام أنهما يُكَلِّمان يسوع، ويلتمس بطرسُ طريقًا لخلاص يسوع من الأخطار عند ظهور المسيح له في شخص يسوع، فيقول صارخًا وهو نائم: «يا ربِّ، جيدٌ أن نكون ها هنا، فإن شئتَ نصنعُ هنا ثلاث مَظَالَّ؛ لك واحدةٌ، ولموسى واحدةٌ، ولإيلِيَّا واحدةٌ.» ولكنه لم يلبث أن يَصْحُوَ فيتسرب بالتدريج إلى ذهنه المرتاب ما بلَّغه يسوع، فيسمع من بعيد صوتًا مرددًا لِمَا سمعه يسوع بعد العِمَاد في الأُرْدُن: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرْتُ؛ فاسمعوا له.»
وينتصب بطرس بين اليقظة والمنام فجأةً ويسجد فيقتدي به الآخران، ما جاز أن يظهر الربُّ بين السحاب فوق الجبال، بيد أنهم لم يَرَوْا أمامهم غيرَ يسوع عندما رفعوا رءوسهم، ولم يسمعوا غير يسوع يقول لهم بصوته العذب: «قوموا ولا تخافوا!» ثم يوصيهم يسوع بصوته العادي المملوء خشوعًا بِأَلَّا يُفْشُوا للشعب سِرَّ ما رَأَوْا.
وَلَسُرْعَان ما عادوا إلى البحيرة، وَلَسُرْعَان ما أصبح عُرْضَةً لاستطلاع الفلاحين، وأنظار خصومه، وأبصار الحجيج في طريقهم إلى أُورشلِيم، فيشتد عزمه على السير بما تقتضيه رسالته المسيحية، فيكون كلُّ قولٍ يصدر عنه أمرًا، ويكون كلُّ أمرٍ يصدر عنه وعيدًا.
قال يسوع لتلاميذه: «مَن سَمِعَ منكم فقد سَمِعَ مني، وَمَن احتقركم فقد احتقرني، وَمَن احتقرني فقد احتقر الذي أرسلني … كلُّ مَن اعترف بي أمام النَّاس يعترف به ابن الإنسان أمام ملائكة الله، وَمَن أنكرني أمام النَّاس يُنْكَر أمام ملائكة الله.» وَلَمَّا عجِز تلاميذه عن شفاء صبي مجنونٍ قال مُؤَنِّبًا: «أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتمِلُكُم؟»
وجاء عَشَّارُو هِيرُودُس يطلبون من بطرس «سِمْعَان» ضرائبَ عنه وعن الآخرين، فيسأل يسوع عمَّا يصنع، فَيَقَعُ بينهما ما يأتي:
يسوع : «ممَّن يأخذ ملوك الأَرْض الجباية أو الجزية، أَمنْ بنيهم أم من الأجانب؟»
بطرس : «من الأجانب.»
يسوع : «فإذن البنون أحرار.»
وأضحى يسوع يعلم قَدْرَ نفسه كما لو كان ملكًا، فتؤذيه معاملةُ الدولة له كواحدٍ من رعاياها، على أن ما بقي فيه من الحذر يدفعه إلى أن يرى من الصواب ألا يَدَعَ لأعدائه حجةً عليه، فله في مصير يهوذا الجليليِّ الذي نَغَّصَ صِبَاه نذيرٌ، فيجد ذريعةً لدفع ما تطلبه الدولة من الضريبة.
والحقُّ أن يسوع راغبٌ عن أي مجدٍ دنيويٍّ، وأنه لم يعمل لدنياه بفكره ولا بعمله؛ ظَانًّا أن الإيمان به وبرسالته يكفي لتجديد عالم الروح من غير خطةٍ مرسومةٍ، ووضع وسائل لتنفيذها، ويسوع يعيش في صميم شعب الربِّ الذي ينتظر ظهور المسيح، أفلا يكفي شعوره الربَّاني المنير الصافي لإقناع جميع مَن يبوح إليهم بِسِرِّه؟ والآن يُساق إلى زوبعةٍ مهلكةٍ. يسوع الذي لم يُرِد انقلابًا مدة طويلة ولم يَدْعُ إلى غير الألفة والمَحَبَّة.
ويتدرج يسوع يومًا بعد يوم إلى تعظيم ما قُدِّرَ له، فيعلن أنه أكبر من إبراهيم وسليمانَ فيقول: «كلُّ شيءٍ قد دُفِعَ إليَّ من أبي، وليس أحدٌ يعرف من هو الابن إلا الأبُ، ولا مَن هو الأب إلا الابن.» وينقلب شعورُه الرقيق نحو الأب المُحِبِّ إلى عُجْبٍ كأن أباه لم يُحِبَّ غيره ولم يعرف سواه، وينتحل يسوع أفكار قدماء الأنبياء الانتقاميةَ المنافيةَ لطبيعته الخاصة ما شَعَرَ بضرورة النضال، غيرَ مُقَدِّرٍ لوسائله التي ستقوده إلى مصيره المحتوم، فَيُخَيَّلَ إلى الناظر أنه يَدُعُّ نفسَه إلى شديد القول؛ لِيُخْفِيَ صوته الملائم لحلمه الطبيعي، فاسمع قوله: «جئت لألقي نارًا على الأَرْض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ … أتظنون أني جئت لأعطي سلامًا على الأَرْض؟ كلَّا، أقول لكم، بل انقسامًا؛ لأنه يكون من الآن خمسةٌ في بيتٍ واحدٍ منقسمين ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثةٍ، ينقسم الأب على الابن، والابنُ على الأب، والأمُّ على البنت، والبنتُ على الأمِّ، والحماةُ على كَنَّتِها، وَالكَنَّةُ على حماتها.»
ويعلم يسوع مما أصاب يُوحَنَّا المَعْمَدَان، أن الله يَدَعُ أنبياء يألمون ويهلكون في الحال كما في الماضي، وليس بخافٍ عليه ما ابتُلي به إبراهيم وموسى وأيوب، وهو يحبُّ الحياة مع ذلك، وهو يجاهد لِيُنْصرَ مع ذلك، ولا يجد في حديث الأنبياء الذي يَحْفِزُه إلى أن يكون المسيحَ ما يوجب عليه أن يألم، وهو يعلن أحيانًا أنه يطلب الموت ليقيم ملكوتَ السماوات، وهو يبحث، أحيانًا، عن الألم والعَذَاب حيثما يكون؛ لِمَا يرى فيهما من اللذة، وهو يلوح له أحيانًا تمامُ كلِّ شيءٍ مع عرقلة الأشرار لِمَا هو تامٌّ؛ فمن أجل ذلك تبصر ارتباط روحه في البعث والحساب، وشعورِه بدنوِّ أجله، فيقيم في الآخرة عالم نصره.
وعند يسوع أن يوم البعث الذي أنبأ به دانيالُ وَأَخْنُوخُ «إدريس»، فلا يؤمن به اليهود، آتٍ لا ريب فيه، فتراه يُبشِّر به الأبرار تارةً، وَيُهَدِّدُ به الأشرار تارةً أخرى، وعند يسوع أن يوم الحساب آتٍ لا ريب فيه مع جهل الزمن الذي يَحِلُّ فيه، أفيأتي بغتةً كلصٍّ في الليل أم كبرقٍ في الأُفق؟ يعلم ذلك الأب وحده، وَيَعِدُ يسوع مع ذلك تلاميذه برؤية ملكوت السماوات بعيونهم عندما يحثُّهم ويشدُّ عزائمهم، وهكذا تجد تناقضَ يسوع في مسألة اقتبسها من قدماء الأنبياء؛ فَفُرِضَتْ عليه مع ما فُطِرَ عليه من محبة الآخرين.
ولم يخامر يسوع شكٌّ في مكانه بالسماء، وأستاذُ يسوع المُفَضَّلُ في هذا هو أيضًا دانيالُ الذي رأى «ابن الإنسان» يَصْعَدُ إلى الربِّ مع سُحُبِ السماء، فيعلن يسوع أنه سيجلس عن يمين أبيه، فيملك بعد الدينونة إلى الأبد، وأنه سيمنح السُّلْطَان الذي احتفظ الأب به لنفسه حتى الآن، «فلا يدين الأبُ أحدًا، بل قد أعطى كلَّ الدينونة للابن؛ لكي يكرم الجميعُ الابن كما يكرمون الأب.» ويسوع الذي أُعطِيَ من القدرة ما لم ينله أحدٌ قبله، يستطيع أن يقضي منذ اليوم، ويحكم ويختار، كما يريد، الأبرارَ، ويرفض الأشرارَ: «مَن يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياةٌ أبديةٌ، ولا يأتي إلى دينونة … أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا كما أسمع أَدينُ ودينونتي عادلة؛ لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الذي أرسلني.»
وهكذا يُسْفِرُ وَلَهُه المسيحيُّ عن وعدٍ ووعيدٍ متعاقبين، وهكذا يحمل نَجَّارٌ فقيرٌ الربَّ في قلبه، فيكافأُ بحبٍّ فياضٍ لأبيه وإخوانه، وللأبناء والحيوان والنَّبَات، فَيُحْمَلُ في سنة واحدة على سلوك طرقٍ تضيق وتصعب مقدارًا فمقدارًا؛ وذلك لأنه أُكْرِهَ على الإتيان بمعجزاتٍ يستثقلها، ولأن الجمهور يهتف له، ولأنه أضحى عُرْضَةً لريب الكبراء وهجماتهم وتقديس أهله وازدرائهم، ولأنه صاحب وجهٍ بشيرٍ، ومصيرٍ نذيرٍ، ثم يعتقد أنه المنقذ الذي ينتظره شعبٌ جريءٌ مُعَذَّبٌ لِيُنَجِّيَهُ فيسوسَه، وبدا ميدانُ القتال صغيرًا، وأسبابُ القتال تافهةً في البداءة، فَمنْ قَلْع بضع سنابل قمح في السَّبْت، فإلى عدم غَسْلِ الأيدي قبل الطعام، فإلى محادثة العَشَّارين والآثمين، وما كان النبيُّ الجديد لِيُحَرِّضَ الشَّعْب عن نَبْذِ الوصايا، وتجاهُلِ النُّصُوص، وإهمال القرابين، وإن كان ينفر من هذه الأمور، ولكن الذى يَفْصِلُه عن أعدائه أمرٌ نفسيٌّ أعمق من الشعائر والطقوس، وأبعد من أن يُعْرِبَ عنه ناطقٌ بِفَم.
حقًّا إن ذلك الرجل يعلن الآن أنه المسيح، وَيَدَّعِي أنه مثل الله، وحقًّا أنه يهز الآن أقدم أَعْمِدَة هيكل موسى فيهتزُّ ملكوت الرَّبِّ، وحقًّا أنه يُهَدِّدُ حكومة الكهنوت من أساسها، فأية حكومةٍ تظلُّ مكتوفة الأيدي تِجَاه أعمال رجلٍ يلوح أنه دَجَّالٌ أو ممسوس؟ فالآن يبدأ الكاهن الأكبر بِزُوِيِّ ما بين عينيه؛ فقد أُنْبِئَ بأن رجل الناصرة عاد إلى معبد كَفْرِ نَاحوم، حيث أعلن أمام جميع النَّاس: «أنا خُبْزُ الحياة، مَن يُقْبِلْ إليَّ فلا يجوع، وَمَن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا … لأني قد نَزَلْتُ من السماء ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئةَ الذي أرسلني … لأن هذه هي مشيئةُ الذي أرسلني. إن كلَّ مَن يرى الابن ويؤمن به تكون له حياةٌ أبديةٌ، وأنا أقِيمُه في اليوم الأخير.»
وتذمَّر اليهود لأنه قال: «أنا الخبز الذي نزل من السماء.» فقالوا: «أليس هذا هو يسوع بن يوسفَ الذي نحن عارفون بأبيه وأمه؟ فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟»
ويكرر كلامه غير مرة مؤكدًا، فيقول كثيرون من تلاميذه: «إن هذا الكلام صعبٌ، مَن يقدر أن يسمعه؟» فيعرف أنهم أصبحوا من المرتابين، فينظر إليهم نَظَرَ الظافر فيقول: «أهذا يُعْثِرُكم؟ فكيف إذا رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أوَّلًا؟ الرُّوح هو الذي يحيا، وأما الجسد فلا يفيد شيئًا، والكلام الذي أُكلمُكم به هو روحٌ وحياةٌ؛ ولكن منكم قومًا لا يؤمنون.»
هنالك ينهض أولئك الذين استمعوا له منذ زمن طويل، ويطوون كشحًا عنه ويهجرونه، ويقول الشَّعْب: «به شيطان!»
وَيَطَّلِعُ المجمع الكبير بأورشليم على كل ما حدث منذ اليوم الثالث، فيأمر عيونه بأن يكونوا آذانًا، ويعرف هِيرُودُس نفسُه ذلك، فيرتعش حينما يعلم أن الناصريَّ يُعْلِن أنه المسيح، وحينما يخبره النَّاس مذعورين بأنه إيلِيَّا، فيصرخ قائلًا: «هذ هو يُوحَنَّا الذي قطعتُ أنا رأسه. إنه قام من الأموات؛ ولذلك تعمل به القُوَّات.»
ولم يكد الفَرِّيسِيُّون يسمعون ذلك حتى أخذوا يُلْقُون شِبَاكهم بين مخيروس وأُورشليم، وبين كَفْرَ ناحوم وأُورشلِيم، فيهمسون إلى يسوع بقولهم: «اخرج واذهب من ها هنا؛ لأن هِيرُودُس يريد أن يقتلك.»
هذا هو الوقت الذي يدفعه المَلِكُ المُتَجَلِّي فيه إلى البتِّ؛ فهو يسمع الكلام الغادر الذي يُهْمَسُ به إليه، وهو يرى أعداءَه ينظرون إليه بأطراف أعينهم، وهو يشعر بأن تلاميذه لم يدركوا حقيقته، وهو يَعْرِف أن الشَّعْب يَعُدُّه مجنونًا، وهو يعلم أن هِيرُودُس والرومان يترصدونه، وهو يختار لذلك ميدانًا للقتال، تلك المدينةَ المقدسةَ وغير المقدسة التي ظلَّ بعيدًا منها مع إمكان وصوله إليها في ثلاثة أيام، فإما هنالك وإما لا، وإما الآن وإما لا! واليومَ تُدَوِّي في البلاد إذاعةُ الفلكيين خبرَ حلول نيسان (أبريل)، فسيحُلُّ عيدُ الفصح قريبًا إذن، وسيصل إلى ذلك البلد ألوف الساخطين منتظرين مَن يقودهم إذن.
ولا يعلم يسوع ماذا يصنع، ولكنه يبدو مطمئنًّا؛ لِمَا عرفه من استياء العاصمة وجميع البلاد ومن روح الوقت وحال الجمهور، وينظر يسوع شَزْرًا إلى أولئك المرائين الذين يتظاهرون بأنهم يريدون نجاته ويقول لهم: «امضوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أُخْرِجُ شياطين، وأشفي اليوم وغدًا، وفي اليوم الثالث أُكَمِّل، بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه؛ لأنه لا يمكن أن يهلك نبيٌّ خارجًا عن أورشليم.»
١
الغرين: الطين الذي حمله السيل فيبقى على وجه الأرض رطبًا كان أو يابسًا.
٢
أنغض رأسه: حَرَّكه كالمتعجب أو المستهزئ.
٣
المقراة: الكثيرة الضيافة.
٤
الديماس: السجن المظلم.
ابن الإنسان: حياة نبي |
الفصل الرابع الكفاح
ترن أصوات التجار في الشوارع الضيقة بتلك المدينة الكبيرة، وَتُرَدِّدُ جُدُر بيوتها الحجرية صداها، وتصل مواسي الحلاقين، ويخبط السَّكَّافون النِّعَال بعضها ببعضٍ، ويقرع باعة العطور أطباقهم النحاسية، وتصرف١ محاور٢ العَجَل،٣ وَتَشْحِج٤ البغال أَلَمًا من سياط العُبْدَان، ويحلف السائقون في مفارق الطرق المزدحمة، ويصب باعة الفواكه الشتائم عندما تمر كتيبةٌ من جنود الرومان، فتشق لنفسها طريقًا بغلظة فتكبُّ سِلالهم، وتعوي الكلاب، ويزعق الصبيان بين الجمهور الحانق. وإن ذلك الصخب ليحدث في الشوارع المائلة؛ إذ تنبعث روائح كريهةٌ عند الظهر؛ ففي أبريل الشديد الحرارة يتميع الشَّمَّام، وتتعفن نفاية كل شيء، وتتسع الأخاديد، ويسطع قُتَار٥ شحم الضأن ودهن الكعك من ألف مطبخٍ ومطبخ، وينتشر بخار المراحيض والأصابل والأزقة فيختلط بدخان البخور والمر٦ الصاعد من مائدة هيكل الرب الذهبية، فيتكاثف هذا كله في سحابةٍ غير شفافة، في سحابةٍ جارضة٧ معلقة في هواءٍ ساكن فوق المدينة الحجرية.
ويجد جمع الحجاج من الغرباء هواءً أنقى لا ضوضاء أقل؛ حينما يأتون ليشهدوا عيد الفصح فيسيرون سيرًا وئيدًا إلى المرتفعات، فيصلون إلى الأَحْيَاء الخارجية. واليوم آخر جمعة قبل عيد الفصح فتمر القوافل الأخيرة مسرعةً لقضاء هذا الأسبوع الأخير في ضوضاء، ثم للقيام بشعائر ذلك العيد في رحابةٍ وسكون، والقوم يحتفلون بذكرى الخروج من مصر وبدخول دور الحصاد، والقوم إذ إنهم مستعبدون في الوقت الحاضر يجدون في ذكرى غابر مجدهم تذكيرًا بقيمتهم، وإلى الشمال الغربي يتوجه محبو الاطلاع من الأهالي والأجانب؛ حيث تمر طريق أريحا من بين جبل الزيتون وجبل المعصية ما جاء من هذه الطريق حجيج البلاد فانتظرهم أقرباؤهم كما في كل عام؛ ليقتسموا الخروف الفصحي، والحجاج كلما دنوا من المدينة اقترب بعضهم من بعض، ويكاد الموكب لا ينقطع بين هذا المكان وأورشليم البعيدة ساعةً واحدةً؛ على حين يكون المُسْتَقبلون على حافتي الطريق.
وبينما يبتعد محبو الاطلاع والأصدقاء والغرباء والأهالي الراغبون في مشاهدة ذلك المنظر عن المدينة المقدسة، متوجهين إلى الطريق الضيقة النافذة إلى البرية فلا يُرى منها آخر البيوت؛ إذ يقف هذا الجمع المرصوص دهشًا فيسد هذه الطريق؛ فقد وُجِد بين العجل والخيل والبغال والجمال، الحاملة رجالًا ونساءً مع حقائبهم وزنابيلهم، فريقٌ تعبٌ أغبر منفصلٌ من الجماعة سابقٌ لها بسرعة.
وَيُؤَلَّفُ هذا الفريقُ الفَتِيُّ من اثني عشر رجلًا وبضع نسوة، وَيُعْرَفُ أنه من الجليل بشعوره المسدولة، ويتقدم على الطريق لامعَ العيون مُتَّسِعَها، وينشد ويهتف متزن الخُطَى، ويهز بعض أفراده غصون التوت والتين، ويجمع بعضٌ آخر سعوفَ النخل من طرف الطريق، فيصلون جميعهم مكثرين من الحركات، ناشرين ورق الشجر، هازجين متكتفين ماشين بغير ترتيب، طافحين شبابًا، فرحين مشيرين بأصابعهم، ودالِّين بأصواتهم إلى ذلك الذي يَحِفُّون من حوله.
ويركب ذلك أتانًا ويبدو أسن من أصحابه، ويلبس مثلهم رداءً رماديًّا أغبر عاديًّا، ويريد أصحابه أن يزينوه قليلًا، فيضعون تحته ثياب العيد لا سرجًا، ويتبع الأتان فِلْوُها فيضربها برأسه بين حين وآخر من العطش، ويدنو هذا الفريق من النَّاس ويسمعون أنشودته: «أُوصَنَّا، مباركٌ الآتي باسم الرب، مباركةٌ مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب، أُوصَنَّا في الأعالي.»
أليس هِلِّلُ الكبير هو الذي يُنْشِدون له في الكنيس سائرين حول المذبح محركين جديد الأوراق؟ وما معنى إنشاد المزمار الخاصِّ بابن داود؟ وينظر القوم بعضهم إلى بعضٍ ويتبادلون إشارات الاستفهام والتعجب حين يسمعون إنشادهم: «افرحي يا بنتَ صهيونَ، هو ذا مَلِكُكِ يأتيك وديعًا على أتانٍ وجحش ابنِ أتانٍ!»
ويضحك الكثيرون منهم ويتدافعون بالمرافق ويسألون: «مَن هم هؤلاء؟ أهم من المجانين؟ أيظنون أنهم آتون بالمسيح إلى أورشليم؟»
ويزيد الجمهور بين دقيقةٍ ودقيقةٍ، ويزدحم حول ذلك الفريق القليل، ويداوم ذلك الفريق على الإنشاد وَهَزِّ الغصون، وَيَذِيع الخبر بسرعةٍ في الطريق كلها فيقال: هذا نبيٌّ! هذا هو الذي حدثنا عنه صديقنا بطبرية! هذا من الجليل! هذا نبيُّ الناصرة!
أَمنَ الناصرة؟ أَلَا يعلم هؤلاء الفلاحون الجاهلون أن المسيح سيجيء من بيت لحم، وأنه سيكون من آل داود؟ وهل أتت الناصرة بصالحٍ في أيِّ زمن؟ فيا لهم من مفسدين! ويا لهم من لصوص! ويا لهم من مجانين! لا تدلُّ ملامح هذا على الخطر وهو يركب أتانًا، ويدل مظهره على بُؤْسه أكثر مما يدل على بَأْسِه، ويظهر أن رفقاءَه عاطلون من السلاح! اسمعوا ماذا ينشدون!
«مباركٌ المَلِكُ الآتي باسم الربِّ، سلامٌ في السماء ومجدٌ في الأعالي!»
ويعظم ذلك الفريق الصغير فيبلغ مائةً، ثم ألفًا عند اقترابه من المدينة نصف ساعة مجاوزًا الطريق الغاصَّةَ بالنَّاس، وينشد هؤلاء ويهتفون وإن كان أكثرهم لا يعرف حقيقة الأمر، وتلمع عيون التلاميذ، وتنظر النِّسْوَةُ إلى الجمهور بعيونٍ ملتهبة، ثم يَرْفَعْنَ عيونهن إلى مُعَلِّمهنَّ كأنهن يُرِدْن الاطمئنان. سبحان الله «هَلِّلُولْيا»!
بيد أن المعلم يظل راكبًا أتانه غامض الأمر ناظرًا إلى أمامه، غير ملتفتٍ إلى الجمهور ولا رادٍّ تحيةً إليه، وإن لم يمنع أصحابه من الهتاف له وقول الأناشيد بالثناء عليه.
ويسوع بعد أن خرج هو وصحبه من أريحا المرحة ودخل منطقة التلال الصخرية الباردة المقفرة العاطلة من الحياة والنَّبَات، أخذ يَغْتَمُّ ويخشى، خلافًا لِمَا كان عليه في المراحل السابقة من رحلته، فيشعر بأن هذه هي طريق سجن أكثر من أن تكون طريقًا لمدينة مقدسة، وهو يُمْعِنُ في الصمت كلما زاد تلاميذه ثرثرةً وحركةً، وهو لم يرفض ركوب أتان عندما دنا هو وتلاميذه من الشِّعْب٨ بالقرب من قرية بيت فاجي، فعرضوا عليه ذلك وفقًا للحال التي يكون عليها المسيح عند دخوله أورشليم بحسب النُّصُوص.
ويخالطه شكٌّ حينما وُضِعَ على ثيابهم فرآهم كالأولاد لا كالحكماء يُحْبَرُون،٩ وحينما أخذوا يربطون الغصون، وينشدون، وَيُغِذُّون في السير؛ لتشاهد المدينة الكبيرة مَن هو الذي يصحبون، وحينما سمع الزبور فَمُجِّدَ للمرة الأولى في حياته راكبًا على دابةٍ بين مشاةٍ، وحينما دَوَّى في أذنيه مدحه تحت سماء أبيه على مسمع من النَّاس، وحينما أبصر في أطراف تلك المدينة اجتذاب تلاميذه لجمهورٍ لا يعرفه من الغرباء.
هَلِّلُوليا «سبحان الله»! ويبدو أسير الموكب الغريب، ويرى المدينة المزعجة التي سمع عنها منذ صباه، ولا بد من أن يكون بُرْج أنطونيا ذلك البناء الذي يَسْطَع عظمةً في الجنوب، فكان يعلم أنه عن اليسار، ولا بد من أن يكون البناء القائم عن اليمين — فيظهر أزهى من ذلك ببياضه وباحاته وأبوابه وقبابه وسقفه الرخامي، فَيُخَيَّل إلى الناظر أنه صخرٌ فاترٌ متوعدٌ خارجٌ من صخر — هيكل هِيرُودُس الحِصْنَ المَلَكِيَّ الذي يجب فتحه بالروح ما كان مَقَرًّا لأعدائه.
وَلِمَ لا يرى شجرةً؟ هنالك مُنْحَدَرٌ أخضر فيه عينٌ جارية لا ريب، والمدينة العظيمة البيضاء المنيعة عاطلةٌ من الظلِّ قاسيةٌ حاقدةٌ جافيةٌ مع ذلك! وَلِمَ يهتفون قائلين: المجدُ لله «أُوصَنَّا» إذن؟ ألا يرون أن هذه المدينة صماء لا تسمع دعوةً إلى الرحمة إذن؟ هي تستقبل الغرباء بين الدخان والعفن صاخبةً صَالَّةً١٠ نابحةً، ويتخلل في الهواء عجاجها وذَفَرُها،١١ فيتحولان إلى سحابٍ كثيفٍ حاجبٍ بين المدينة والسماء، وبين الله والنَّاس.
هَلِّلُوليا «سبحان الله»! يكثر الجمهور، ويفرش الكثيرون منه ثيابهم في الطريق ليسير عليها أتانه، وتزيد الأغصان التي تهز حوله كثافةً، ويقترب الصِّبيان من دابِّتِه فيعمل على منعها من دَوْسِ أحد.
أُوْصَنَّا «المجد لله»! وَيْ! ما أشد رغبته في ختام ذلك! ألا يرى أصحابه في ذلك ما يزعج؟ ألا يعجبون من عدم سجود أحدٍ في طريقه؟ لمَ يفعل الجمهور غير الصراخ والإنشاد وهزِّ الأغصان كما لو كان ذلك للسخرية والمجون؟!
لم يلبث أن نفض عنه غبار الفتور والوجل والوضع السلبي؛ فقد بدت وجوهٌ معاديةٌ أمامه؛ أي وقف سير الموكب. فَرِّيسِيُّون أعداء له كانوا يعرفونه فاقتربوا منه بعجبهم وحقدهم، فقال له بعضهم: «يا معلم، انتهر تلاميذك!»
هنالك ينتبه النبيُّ ويستوي على الأتان وتتحرك فيه جميع المشاعر التي حفزته إلى المجيء هنا، وينتحل وضع المقاتل ما عَلِمَ قبل أن يتوجه إلى أورشليم أن على كل واحد أن يناضل فيها بنفسه، وما وَطَّنَ نفسه على السير إليها لفتحها! فيخلع عن ذلك السائل نقاب هدوئه المصنوع، ويعرب منذ وصوله إلى أبواب المدينة عمَّا يغلي في صدره، فيجيب عن ذلك بصوتٍ جهيرٍ يسمعه أقصى عددٍ ممكن: «أقول لكم: إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ!»
فيرتبك الفَرِّيسِيُّون ويغضبون وينصرفون من غير أن ينطقوا بكلمة على حسب عادتهم، ويتجدد هتاف الجمهور حول يسوع، ثم يسود نداءٌ حادٌّ ضوضاء المدينة، فهذا بوق التل! هذا صوت الكهنة!
يُحَدِّقُ يسوع إلى التل وَيَنْكُزُ الأتان ويسير من أقصر الطرق إلى الهيكل. •••
أتلك سوق؟ أيهزأ بهم الدليل؟ أيبدأ بإراءتهم مركز الحياة الفاسقة قبل أن يسير بهم إلى الهيكل؟ أهنا الهيكل؟ أمكان الشغب هذا هو بيت الله حقًّا؟ قد يسود هذه الرِّدَاهَ الرُّخَامية الصاخبة إلهٌ شديدٌ، أو رئيس دولة، أو قاضٍ منتقمٌ، لا الأب اللطيف الذي سَمِع يسوع صوته في الجليل، ولا يجد النبيُّ حوله غير الضوضاء والهياج، ويُؤخذ إلى الباب الشرقيِّ الأساسيِّ المعروف بباب شُوشَنَ، فيكاد يخلع نعليه ويضعهما مع عصاه جانبًا وَفْقَ أحكام الشريعة، فَيُدْهَش من عدم وجود أحد من ألوف الذين يَصْعَدون مسرعين في الدَّرَج يصنع ذلك، فيرى أنه في ساحة الوثنيين، وأن ذلك الجمع مُؤَلَّفٌ من مشركين أتوا للاطلاع لا للعبادة. ويؤيد وجهة نظره هذه ما يسمعه من غريب اللَّهَجَات، وما في الإعلان المكتوب بثلاث لغات من الأمر بالوقوف هنالك، ومن إنذار من يُجاوز الحدَّ من غير المختونين بالموت. ويأتي الصوت من الداخل حيث الرُّوَاق المسقوف.
يسوع والمرأة الزانية.
ويبلغ يسوع وسط الرُّوَاق، وَيُهَاجَمُ ببحرٍ من الصراخ متموج صعودًا وهبوطًا بين بلاطٍ كثيرة الألوان وسقفٍ من خشب الأَرْز، وَتَثْغُو الشياهُ قطيعًا قطيعًا حول باعتها الجالسين على الأَرْض. ويقف يسوع مبهوتًا حين يشاهد هؤلاء البائعين ينادون الحجاج ليحملوهم على اشتراء أحسن الضأن وأسمنها، وحين يرى تجارًا وَزُبنًا يساومون محركين أيديهم على حين تبحث العجول عن أُمَّاتِها وهي تَخُور، وحين يبصر بالقرب من هذا الركن باعةَ الحمام يَعْرِضون طيورهم للبيع وهم يرفعونها مربوطة الأرجل زوجين زوجين، فَتُصَفِّقُ بأجنحتها جافلةً، وحين يسمع الخَمَّارَ صاحب القِنِّينَة الملفوفة بِالمَوْص١٢ والزياتَ الجالسَ القُرْفصَاء بجانبه يَدْعُوَان المشترين إلى ابتياع ما عندهما، وحين ينظر آخرين يَسْعَوْن إلى بيع أكياس القمح والملح إلخ، فيظنُّ يسوع ذلك كله حُلْمًا في الكرَى لا تُقاس به أحلامه في الجليل.
ويدفع الجمهور يسوع فيفصله عن أصحابه، فيجد نفسه وحيدًا بين أوباش، وترن على مائدة صَرَّافٍ نقودٌ وتتدحرج، ويؤدي الصيارفة إلى الغرباء ما يصحُّ دفعه إلى الهيكل من النقود بدل ما عندهم، ويهزُّ الصيارفة أكياسهم معلنين أنهم يستبقون لأنفسهم السدس وَفْقًا لنظام الهيكل ما أَذِنَ لهم الكهنوت في ذلك واعترف بهم، ويساوم الغرباء رافضين أن يأخذ الصَّرَّاف السُّدس منهم، فيرضى صَرَّافٌ آخر بأخذ السُّبْع فقط، فيعلن الصَّرَّافُ الأول عدم استقامة هذا الآخر فَيَشِي به، وَيَعُدُّ الجميع ويحسبون، ويروزون الذهب والفضة والنحاس، فتثير هذه المناظر غضب يسوع، وما هَزَّ يسوع في اليوم الأخير من رحلته، وما أحسه من القلق والهوان والغيظ وَالتَّرَدُّدِ والأمل واليأس منذ دخوله المدينة المقدسة، وما اتفق له من قصد الهيكل، كلها أمورٌ حرمته النوم وشهوة الطعام، والصَّوْلَة التي ساورته بعد مغادرته شواطئ البحيرة الهادئة، فكانت عواملَ أعنف ثورةٍ في حياته، كما أنها كانت الأولى والأخيرة فيه.
يضرب يسوع بِجُمْعِ كَفِّه الأيمن أقرب مائدةٍ إليه، مع أنه لم يسبق أن ضمَّ يده لمثل ذلك فيما مضى، فتتناثر النقود في الهواء، ويقبض يسوع بيده اليسرى على هذه المائدة فيلقيها إلى الأَرْض، وينتقل النبيُّ يسوع الهائج إلى المائدة التالية فيقلبها قبل أن يتدبر الحاضرون أمر ما حدث، وقبل أن يفكر ذلك الصَّرَّاف المبهوت في العَدْوِ وراء ماله، ويخبط يسوع خَبْطَ رجلٍ مُحْتَدِمٍ قويٍّ مباغتٍ جميعَ ما حوله ذات اليمين وذات الشمال فَيُكَبْكِبُه، ويركض تحت الرُّوَاق بعنفٍ، فيفِرُّ النَّاس ويتفرقون مذعورين.
وينتهي يسوع إلى الأنعام المُعَدَّةِ لتُقَرَّبَ قرابين فيختطف سَوْطَ راعٍ فيضربها ويضرب التجار من غير تمييزٍ، ويختلط الحابلُ بالنابل، فَيَعْدُو الباعة والغرباء والملحدون والمؤمنون والعجول والخراف إلى الدرج بغير انتظام فِرَارًا من السوط كما لو زُلزلت الأَرْض زِلزالها، على حين ينال بعض الحمام حريته فيطير، ويدوي خلف الفارِّين صوتُ يسوع الراعد: «مكتوبٌ أن بيتي بيتُ الصَّلَاة، وأنتم جعلتموه مغارةَ لصوصٍ!»
ويدهش سَدَنَةُ الهيكل فلا يبدون حراكًا، ولم يَنْشَب الشَّعْب الذي ظنَّ أول وَهْلَةٍ أن يسوع ممسوسٌ هائجٌ يضرب كل ما حوله، أن زال وهمه، فأخذ يرى من خلال انتظاره ومذهبه ظهور إله هنا، أو أن هذا هو مَتَّيَاس الثاني، أو الحَمِيُّ يهوذا الجليلي في شخص ابن بلده، أفلم ينطق بكلام إرْمِيا؟ وَلِمَ يبالي الشَّعْب بخسارة تُجَّارٍ كثيري الربح؟ يرى حرس الهيكل ما حدث فلم يتحرك، ويشاهد ضابط الهيكل ذلك أيضًا فيشعر بأن ذلك الرجل ينطوي على قدرة علوية، فلم يأمر بالقبض عليه، ولا يتدخل أحدٌ في الأمر.
ويبقى يسوع وحده في الرُّوَاق الواسع، وتبدو خلفه الأعمدة التي يُمَرُّ من بينها إلى قدس الأقداس، ويجلس على درجة، وتهدأ الزوبعة التي أثارها هذا الرجل السلمي، ورجلٌ كهذا عاش منزويًا عن العالم، فلا حول له هنا؛ لا يستطيع أن يُقَدِّرَ مدى ما ناله من النصر بأورشليم منذ الساعة الأولى، فيوسع نَطَاقَ فَتْحِه، فتراه يمكث جالسًا تعبًا صامتًا.
وإليك عُصْبَةً من الأولاد في الرُّوَاق محبةً للشغب غيرَ خائفةٍ، فيسير هؤلاء الأولاد في الرُّوَاق طليقين من غير أن يُزْعَجُوا، ويدنو أشجعهم من يسوع الوحيد هنالك فتعلو وجهَ يسوع بشاشةٌ كالتي يقابل بها الصبيانَ والنساء عادةً، ويحتضن أحدهم وهو لا ريب من الذين شاهدوا دخوله أورشليم فسمع الأناشيد فأنشد مع الآخرين، وهو لا ريب قد عَرَفَ في يسوع الراكبَ على الأتان، فهنالك يُرَتِّلُ برفقٍ وَتَرَدُّدٍ قوله في الطريق: «أُوصَنَّا، مباركٌ الآتي باسم الربِّ!» فيشاركه رفقاؤه في إنشاده عن كَيْدٍ على ما يحتمل: «أُوصَنَّا في الأعالي!»
والآن يستمع يسوع لنداء فؤاده مرةً أخرى، فيبتعد عنه الحلم الهائل بغتةً، وَيَهُدُّه الهجوم الأول الذي قام به كمكابيٍّ يشتعل قلبه بنار رَبَّانِيَّة، فلا يبقى لديه من القدرة ما يستطيع به متابعة القتال، وَيُسَرُّ يسوع المعلم المرشد أن يجد في أولئك الأولاد حين يكلمهم موضع لطفه، وأن يكون مَلِكَهم ما دام ملكوتُ السماوات لهم.
وفيما هو كذلك إذ ينهض فجأةً فيهرب كأولئك الذين هزمهم، ليجد بعض تلاميذه، فيغادر الهيكل مسرعًا نازلًا من جبل الزيتون قاصدًا أصحابًا يُعْنَوْنَ به في بيت عَنْيَا. •••
في صباح الغد يحفز أمرٌ جديدٌ يسوع إلى المدينة إلى الهيكل، فهل سأل أباه ليلًا؟ وهل اشتدَّت عزيمته برؤية تلاميذه وأصحابه وما سمعه عن أثر عمله بالأمس، فَوَجَدَ ما يدعوه إلى استئناف الجهاد؟ يَجِدُ يسوع في رسالته ما يُثَبِّتُ فؤاده فَيَدُعُّه إلى مواصلة الكفاح دَعًّا، فيجب أن يُمَثِّلَ الدور المنصوص عليه في التوراة حتى النهاية إذن! أجل قد يكون أعداؤه أمهر منه، ولكن لِيُثْبِتُوا ذلك أمام الشَّعْب بأسره إذن!
وَيُكَلَّلُ بنجاحٍ باهرٍ هجوم ذلك الذي اجتذبه الفَرِّيسيُّون إلى أورشليم فانتظروه فيها، وينال هذا الغريب صوت الشَّعْب إذا لم يكن أخرقَ، فيقف في منتصف الطريق ما كان هذا الشَّعْب متقلبًا عادم الثبات، كما دلَّ عليه أمره بعد ثلاثين سنة مرةً أخرى، وَيُوَجِّهُ الله خطوات هذا الغريب إلى خارج الهيكل لتكون الشريعة سالمةً. وليس من الحكمة اتهام هذا الغريب من أجل زَلَّةٍ، وإن أمكن إثبات حق الصَّيَارِفة والتجار في وجودهم هنالك مع مواشيهم ونقودهم، ولكن رجلًا من هذا الطراز يُفْتَرَضُ خطره على الكهنوت، فيجب إيقاعه في شَرَكِ إلحاده، وَعَدُّه مُجَدِّفًا على الناموس.
ويسوع حين يعود في هذه المرة إلى الهيكل مع بعض تلاميذه يَتَجَنَّبُ التجار في الرُّواق الغربيِّ، فيبدو في هذه المرة مُعَلِّمًا لا سَلَفِيًّا، ويعرفه الكثيرون ولا يهاجمه أحد، ويمتدحه غير واحدٍ سرًّا، ويجيء إليه بعض الأحبار وَيُحَيُّونَه بأدبٍ، ويجلسون بين الآخرين، وتتألَّف حولهم حَلْقَةٌ من المستمعين ما عُلِمَ أنهم سيناظرونه في التلمود، ويتساءل القوم عن معرفة نبي الجليل شيئًا آخر غير كَفْتِ الموائد بيدٍ قويةٍ، وَهَزْمِ الباعة والأنعام، ويسأله الأحبار عن شتى المواضيع، ثم يسأله بعضهم عن فعلته تلك بقوله: «بأيِّ سلطانٍ تفعل هذا، وَمَن أعطاك هذا السُّلْطَان؟»
وهل كان يسوع منتظرًا هذا السؤال؟ يعلم يسوع أن الربَّ في حكومة الكهنوت مصدر السلطة، وأن انتحال سلطان الربِّ مما يصعب إثباته. ويسوع إذ كان يَحْذِقُ الجدل في أمور الشريعة يُحَوِّلُ السؤال بسؤاله: «وأنا أيضًا أسألكم كلمةً واحدةً، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأيِّ سلطانٍ أفعل هذا: مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا من أين كانت؟ من السماء أم من النَّاس؟»
ويسكت ويفكرون في أنفسهم قائلين: «إن قُلْنا من السماء يقول لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من النَّاس نخاف من الشَّعْب؛ لأن يُوحَنَّا عند الجميع مثل نَبِيٍّ.»
فيرون من الحكمة إذن أن يصمتوا، وأن يكون جوابهم: «لا نعلم.»
فينظر يسوع إليهم ساخرًا قائلًا: «ولا أنا أقول لكم بأيِّ سلطانٍ أفعل هذا.»
وَيُومِئُّ المستمعون برءوسهم إيماء الاستحسان ما رَغِبَ الشَّعْب أن يضع السائلُ سؤالًا فلا يستطيع المسئول جوابًا، وسيعلم نصف أهل المدينة في المساء ما حدث لا ريب، ويداوم يسوع، ويسوع قد أخطأ أمس؛ لأنه لم يَلْحَق نصرَ القوة أمس حتى النهاية، ويخطئ الآن؛ لأنه أراد أن يَلْحَقَ اليوم نصر الروح إلى النهاية، أفيرى ضرب أعدائه علنًا؟ أفيستنفد في هذا الهيكل وفي أورشليم جميعَ قدرته على الكفاح؟ يَقُصُّ الآن مَثَلَ الولد الصالح والولد العاصي، فيقول: «كان لإنسانٍ ابنان، فجاء إلى الأول وقال: يا ابني، اذهب اليومَ اعْمَلْ في كرمي، فأجاب قائلًا: ما أريد؛ ولكنه نَدِمَ أخيرًا ومضى، وجاء إلى الثاني وقال مثلَ ذلك، فأجاب قائلًا: أذهب يا سيدي، ولم يَمْضِ، فأيُّ الاثنين عَمِل إرادة الأب؟»
قال الكتبة له: «الأول!» آملين أن يكون في جوابه قذفٌ، فكان ما انتظروا؛ فقد التزم يسوع خطة الهجوم فقال بصوتٍ عالٍ: «الحقَّ أقولُ لكم: إن العَشَّارين والزُّنَاة يسبقونكم إلى ملكوت الله؛ لأن يُوحَنَّا جاءكم بطريق الحقِّ فلم تؤمنوا به، وَالعَشَّارُون والزُّناة آمنوا به، وأنتم رأيتم ذلك ولم تندموا أخيرا لتؤمنوا به.»
ويستمع الشَّعْب إليه بخوفٍ واحترامٍ، أفلا يذكر النَّاس يُوحَنَّا حينما يسمعون كلامه، بَيْدَ أن أولئك الذين يتربصون به الدوائر يتجاذبهم الغضب والطرب، فهم يرون أنه يقع في الشَّرَك الذي نصبوه له حينما يَسُبُّهُم، وهو لا يُحِسُّ غير أثره في الجمهور لا في الفَريسِيِّين، وهو لجهله ما في أورشليم من النفاق، حينما طعن أولئك بتلك الضربة، هَزَّ سلاحه الروحيَّ مرةً أخرى فأكثر من ضرب الأمثال، فاختلط بعضها ببعض، فأفسد أثرها، فأصبح ما قاله في أمر الوالد والكَرْمَة أمرًا مُعَقَّدًا، فقال مُهَدِّدًا: «إن ملكوت الله يُنْزَع منكم وَيُعْطَى لأمةٍ تعمل أثمارَه.»
وتؤذي هذه الكلمات مستمعيه، فلا يريد أحدٌ منهم سماعَها، فينهض الكتبة ويختلطون بالجمهور فيذيعون بينه أن يسوع مختلُّ الشعور.
وتشبه الحُظْوَة لدى الشَّعْب نقابًا مُتَرَجِّحًا، فترتدُّ هذه الحُظْوَة عن يسوع بعد أن مالت إليه، وبيان الأمر أنه سَهُلَ على الرؤساء وأولياء الأمور أن يُؤَثِّرُوا في الرأي العام بأورشليم، فعاد التجار إلى موائدهم، وعادت التجارة بين البائعين والمشترين إلى ما كانت عليه؛ لعجز الحجاج الغرباء عن تقريب القرابين الفصحية بغير هذا، فَيُسْتَهْزَأُ عمَّا قليل بجليليٍّ ممسوسٍ رَغِبَ بالأمس في تقويض ثابت التقاليد، فلا يُحَرِّكُ اليوم ساكنًا تِجَاه عَوْدَة الأمور إلى مجاريها، قانعًا بالجلوس على الدرج ليكذب الكتبة ويناقضهم.
ويشعر يسوع بما يقع، وينفُذ إلى سرائرهم من أسارير وجوههم، ولا يرضيه ما ناله من نصرٍ ناقصٍ، ويحس أن تلك المدينة قد تُضْنِي بنظمها أصلبَ النَّاس عودًا، فيغادر الهيكل للمرة الثانية راجعًا إلى عزلته الهادئة، حاملًا أفكارًا بائسةً مُخْتالةً في آنٍ واحدٍ.
ويعطش يسوع فقد تكلم نصف ما قبل الظهر من ذلك اليوم، ويكاد يحترق من حرارة ذلك الجو، ويجتنب سوق التجار، وتكثر أشجار الفواكه في المنحدر الغربي من جبل الزيتون، ويباح للمارِّ أن يقتطف منها. ويسوع إذ يبتعد كثيرًا عن جذور طبيعته منذ يومين يَذْهَلُ عن الموسم فيبحث قبل حلوله عن تينةٍ في شجرةٍ ليس عليها غيرُ الورق، ويسوع إذ كان مُلِمًّا بنمو النَّبَات لم يسبق أن طلب في بلده تينةً قبل شهر يونيو، فتراه يريد تينةً في اليهودية الصخرية منذ شهر أبريل، والشجرة إذ لم تجبه إلى طلبه فيتضاعف عطشه، يرفع يديه إليها ويلعنها قائلًا: «لا يأكل أحدٌ منك ثمرًا بعد إلى الأبد.»
وعلى ما قام به يسوع من وعظٍ منذ سنة فيُكثِرُ من منح البركات، وعلى كثرة إنذار يسوع ووعيده في المدة الأخيرة لم يسبق أن نطق باللعنة في تلك الأثناء، واليوم تراه في الهيكل يلفظ بأفظع نبوءةٍ ضد المرائين فيطردهم من ملكوت السماوات، والآن تراه في تلك الطريق الصاعدة الجافَّة تَعِبًا صَادِيًا١٣ مغاضبًا متأثرًا من الجدل الأخير، فيلعن نباتًا بريئًا يثمر وَفْقَ سُنَّة الله، فينسى بركاته الطيبات، فيستدعي قدرته التي اتفقت له ابنًا لله؛ لإفناء إحدى مخلوقات الربِّ الأب التي لا تؤذي أحدًا!
وهكذا تُبصِرُ أن شمس أورشليم تحرق قلب نبيٍّ وَتجَفِّفُه بعد أن كان هذا النبيُّ لا يَنِدُّ عن طريقه في بلاد الجليل النَّدِيَّة. •••
يَنْسَى الفَرِّيسِيُّون وَالصَّدُوقِيُّون تباغضَهم فيتفقون ضدَّ عدوهم المشترك، فيتشاورون فَيُقَرِّرُون ما يصنعون، ما بدا هذا العدوُّ لهم أخطر مما يتصوره هو وتلاميذه، ويعرِف الكهنة طَيْشَ أورشليم وَخِفَّتَها، ويعلمون — أحسن مما يعلم هؤلاء الجليليون — تقلُّبَ الجمهور، وحبَّه للاطلاع، ومحاباتَه وفتورَه، ويراقب الفَرِّيسيُّون الشَّعْب ويخبرهم رسلهم في نواحي البلاد بظهور مذاهبَ جديدةٍ فيها، وبذيوع تفاسيرَ حديثةٍ للشريعة، فيدركون أنه يمكن رجلًا نشيطًا ناريَّ القول أن يُثِير الفتنة، وينشرَ رايةَ العصيان في أثناء العيد.
يقول الفَرِّيسِيُّون: حَقًّا لا تدل مظاهرُ ذلك النبي على أنه رجل عمل، وليست فيه شعلة يُوحَنَّا، ولكنه يعرف كيف يوجه التوراة ضد الكهنة. ومما لا يطاق أن يعمل ذلك جهرًا. وَحَقًّا أن دخوله الغريبَ في المدينة من عمل تلاميذه الحُمْس. وها هو ذا ينسى ما فعله ضد الباعة، غير أن إعلانه في فِنَاء هيكل الربِّ أن العَشَّارين والزُّنَاةَ والمشركين سيدخلون ملكوت السماوات قبلنا ينطوي على أعظم الأخطار، فيجب إسكات هذا الرجل إذن!
ويقول الفَرِّيسِيُّون: لو نعلم ماذا يرى الصَّدُوقيون الهَيِّنُون أن يُصْنَع تِجَاه ذلك، أفيكتفون في هذه المرة أيضًا بالاستهزاء لا بالعمل؟ وماذا يُعْمَل لتحريك الهِيرُودِيِّين؟ يمكن وصل ما بين طرفي الهُوَّة؛ فمن المعلوم أن أنصار دولة هِيرُودُس ما فتئوا يَرْجُون إحياءها، فيمقتون الرومان مقتهم لأيِّ قِدِّيسٍ شعبيٍّ، وأن الصَّدُوقيين — وإن كانوا أصدقاء للرومان — أعداء للمسيح، فإذا ما تضافرت أيدي ذينك الفريقين قام بذلك جسرٌ، وقد يكفي لاصطياد ذلك النبي وضع سؤال سياسي له، فإذا كان قولُه ضد رومة أُقيمت عليه قضيةٌ سياسيةٌ وَقَبَضَ عليه الوالي، وإذا جاء قوله مؤيدًا للمسيح خاصمه الهيروديون الذين يَشْعُرون اليوم بقوتهم، بعد أن جاء أميرهم هِيرُودُس أمس لحضور عيد الفصح، وليكن السير على مَهْلٍ!
حَلَّ اليوم الثالث، وكان يسوع في الهيكل، فدنا منه شبانٌ أَعَدَّهم الفَريسِيُّون والهيروديون، فقال له أحدهم بأدبٍ: «يا مُعَلِّمُ، نعلم أنك صادقٌ وَتُعَلِّمُ طريقَ الله بالحقِّ ولا تبالي بأحدٍ؛ لأنك لا تنظر إلي وجوه النَّاس، فَقُلْ لنا: ماذا تَظُنُّ، أيجوز أن تُعْطَى جزيةٌ لقيصرٍ أم لا؟»
لم يسبق أن شَغَلَ يسوع باله في أمور الضرائب ولا في أمر القيصر، فإذا حدث أن أراد عدم دفع الضريبة في كَفْرِ نَاحُومَ فلكي يظهر بمظهر ابنِ ملكٍ قبل أن يدفع، ويذكر يسوع الآن ابنَ بلده يهوذا الجليليَّ الذي أوقد نار الفتنة، فكان زعيمَها من أجل تأدية جزيةٍ إلى الرومان؛ لِمَا رآه من العار في ذلك، ويشعر بما بُيِّتَ له فَيُجِيب: «لماذا تُجَرِّبُونني يا مراءون؟ أروني معاملة الجزية!»
يُعرض عليه دينارٌ رومانيٌ، ويُظَنُّ أنه يزيد هياجًا عندما ينظر إلى الصورة المُحَرَّمَة فيه، ولكنه يسأل: «لِمَن هذه الصورة والكتابة؟»
فيقولون له: «لقيصر!»
«أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر، وما لله لله!»
كان هذا جواب مُعَلِّمٍ فصمتوا مرتبكين شاعرين بأنهم أُخْزُوا وهُزموا، ويعلم الصَّدُوقيُّون ذلك فيشمتون بخصومهم الفَرِّيسِيِّين ساخرين لا ريب، ويأتي دور الصَّدُوقيين فلا يرون خيرًا في غير الهزوء به، أفلم يُحَدِّث عن البعث الذي يؤمن به الفَريسِيُّون من دونهم؟ فلذلك يسأله الصَّدوقيُّون في الهيكل عن سبعة إخوة تزوجوا بالتعاقب امرأةً واحدةً من غير أن تلد لهم ولدًا، ثم تموت هذه المرأة فتلاقي في السماء أزواجها السبعة، فزوجة أيِّهم تكون في الحياة الآخرة بعد أن كانت زوجةً لهم جميعهم في هذه الحياة الدنيا؟ وينتظر الصَّدُوقيُّون الجواب، وينتظره معهم الجمهور المستمع، وكل جوابٍ عن هذا السؤال سيثير سخرية السامعين ما خُصَّ بها واحد من الأزواج السبعة، وظلَّ الستة الآخرون غير أزواجٍ لها.
فاسمع جواب يسوع: «تَضِلُّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله؛ لأنهم في القيامة لا يُزَوَّجون ولا يَتَزَوَّجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء، وأما من جهة قيامة الأموات أفما قرأتم ما قيل لكم من قِبَل الله القائل: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، ليس الله إله أمواتٍ، بل إله أحياءٍ؛ لأن الجميع عنده أحياء.»
وَيُدْهَش رجال الشريعة، ويُعجب بعضهم باطلاع هذا العلمانيِّ على التوراة من غير أن ينطقوا بكلمة، وَيُسَرُّ الفَرِّيسِيُّون في هذه المرة بما صفع به النبيُّ خصومهم، وقد قيل: إن كلا الفريقين يتبارى في إسقاطه، فالآن يرسل الفَرِّيسِيون كاتبًا ليسأله: «أَيَّةُ وصيةٍ هي أَوَّلُ الوصايا؟»
فيجيبه يسوع: «إن أولَ كلِّ الوصايا هي اسْمَعْ يا إسرائيل، الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ، وتحبُّ الربَّ إلهك من كلِّ قلبك، ومن كلِّ نفسك، ومن كلِّ فكرك، ومن كلِّ قدرتك، هذه هي الوصية الأولى، وثانيةٌ مثلها هي: تحب قريبك كنفسك. ليس وصيةٌ أخرى أعظم من هاتين.»
كان لهذه الكلمة أبلغ الأثر؛ فقد شعر السائل شعورًا مبهمًا بأن المعتقد القَدِيم والتفسير الجديد يتعارضان في جملتين، فيهُزُّ رأسه، وينسى رسالته، ويقول حائرًا: «جيدًا يا مُعَلِّم بالحق قلت.» ثم يكرر كلمات يسوع مضيفًا إليها: «هذه هي أفضل من جميع المُحْرَقات والذبائح.» ويبدو يسوع متساهلًا بعد أن سمع لهجة السائل السِّلْمِيَّة، فيقول له: «لست بعيدًا عن ملكوت الله.»
وهكذا يقترب ذانِك العَالَمَان أحدهما من الآخر لوقتٍ قصيرٍ.
ويستمع الفَرِّيسِيُّون إلى ما قَصَّهُ صاحبهم فيقولون: أيمكن القبض عليه إذن؟ أَلَا يُؤْخذ بسبب عطفه على الخطأة المذنبين؟
وَيَعِنُّ لأحدهم رأيٌ؛ فقد قُبِضَ في هذه الليلة على امرأةٍ وهي تزني، فيخوض أهل المدينة في أمرها، فَلْيُؤْت بها إلى النبيِّ، فَمَن يدري أنه لا يُبَرِّئُها؟
طُلبت المرأة السجينة، وبُحِثَ عنه فوُجِدَ في إحدى الباحات الدنيا جالسًا مع أصحابه على الأَرْض في أسفل الدرج الأربع عشرة المؤدية إلى داخل الهيكل، فيدهش إذ يرى الجمع الآتي إليه، ويرى امرأةً يُؤْتَى بها من الشوارع، فيسأل في نفسه مُتَفَرِّسًا: مَن هي هذه المرأة؟ فيقول الذي يُمْسِكُها: «يا مُعَلِّمُ، هذه المرأة أُمْسِكَتْ وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرْجَمُ، فماذا تقول أنتَ؟»
نظر يسوع إلى المرأة عن كَثَبٍ وإلى المُتَّهِم لها، فوجده سيئ الحَمِيَّةِ، ووجدها حزينةً خَجِلَةً، فهل يجيب بما يُمْلِي عليه قلبه؟ وهل بين الجمهور مَن يُدْرِك أمرَه إذا ما فعل ذلك؟ تُحَدِّقُ إليه العيون، وَيَغُضُّ البصر ناظرًا إلى الأَرْض كاتبًا عليها بإصبعه، ويتبادل الحضور النظرات ويتساءلون عمَّا يدل عليه ذلك وينتظرون، ثم يفرغ صبرهم فيسألونه ثانيةً، فيرفع عينيه فيرى أنه لا يستطيع الدفاع عن تلك الأثيمة، وإن كان راغبًا في توبتها، مُبْغِضًا لعرضِ الفضائل والجهر بها، فيخاطب أفئدة المُتَّهِمين بقوله: «مَن كان منكم بلا خطيئةٍ فليرمها أَوَّلًا بحجر!»
ثم يحني رأسه ثانيةً على استحياءٍ ويكتبُ على الأَرْض.
ولم يحدث أن كان لقولٍ له فعلٌ وأثرٌ أكثر مما كان لتلك الكلمة.
وما أكثر مَن تابوا في الجليل لِمَا سمعوه منه؛ فقد عَدَلَ عَشَّارُون بفضله عن مهنتهم الآثمة، وأتته البغيُّ مريمُ المجدلية باكيةً، فاقتبست منه نوعًا جديدًا للحب. وفي هذا الصباح، يجد كاتبٌ الحقَّ بجانبه فيعترف بغَلَبه، والآن ينفذ كلامه العذب في قلوب هؤلاء القابضين على تلك الأثيمة الراغبين في قتلها، فيجد كل واحدٍ منهم خطيئةً لم يُكَفِّرْ عنها، فلا يجرؤ على رفع حجرٍ ليرجمها به فيتركونها، وَيَنْفَضُّون بهدوءٍ كما لو كان كل واحدٍ منهم يَوَدُّ أن يُخْفِيَ نفسه عن الآخرين، ويظلُّ النبيُّ وحده والآثمة واقفة أمامه.
هنالك ينتصب يسوع ويسأل ما رأى تَفَرُّقَ أولئك مع شعورِ كلِّ واحدٍ منهم بخطيئةٍ اقترفها: «أين هم أولئك المُشتكُون عليكِ؟ أما دانكِ أحدٌ؟»
فقالت: «لا أحد يا سيد!»
وَيَذْهَل عن شأنه الجديد وينطفئ فيه شعوره بأنه المسيح طرفة عين، فيُحِسُّ أنه ابن إنسانٍ كالآخرين، فيخاطبها بالكلمة ذات المعنى الخفيِّ: «ولا أنا أَدِينُكِ، اذهبي ولا تُخْطِئي أيضًا!» •••
أشكَّ في نفسه، أم إن جوَّ أورشليم الجافَّ استنزف مَعِين خياله؟ مضت ثلاثة أيام من غير أن يحدث شيءٌ خلا مجادلاتٍ حول بعض الكلمات والعادات، فأين معجزاته؟ وأين يَنْبُوعُ المَحَبَّة الذي وَدَّ تفجيرَه بضربه تلك الصخور الجديبة كما فعل موسى في حوريب؟ يقول تلاميذه: إن الشَّعْب تحرك قليلًا فكان فريقٌ قائلًا له وفريقٌ ضدَّه، وأسفر العيد وانصراف أذهان الأجانب إلى ألف طُرْفَةٍ وَطُرْفَة عن نسيان سابقِ مكافحته للتجار، ولم يقع ما يستفزُّ الإيمان، أو يحرك في النفوس حبَّ الاطلاع، فلاح بُعْدُ الهدف، وَتَبَدَّدَ دور الرجاء والخوف.
يَتَوَجَّهُ إلى الهيكل للمرة الرابعة، ويرى أن يكون هو واضعَ السؤال في هذه المرة؛ ليعلم وجود أناسٍ من غير تلاميذه يؤمنون برسالته، وكان قد اغتمَّ حين سأل تلاميذه أمام كهف إله الرُّعَاة بالقرب من قيصرية فيلِبُّس عن رأيهم في حقيقة أمره، واليوم يغتمُّ أكثر مما في ذلك اليوم؛ لِمَا يراه من مخاطبة الفَرِّيسِيِّين، لا تلاميذه، حول المسيح، وَيُلْبِس سؤاله شكلًا ملائمًا للمناظرات الدينية فيقول: «ماذا تَظُنُّون في المسيح؟ ابن مَن هو؟»
فيقولون: «ابن داود!»
فيقول: «كيف يدعوه داود بالروح ربًّا قائلًا: قال الربُّ لربي: اجْلِسْ عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لِقَدَمَيْك، فإن كان داودُ يدعوه رَبًّا؛ فكيف يكون ابنه؟»
لم يُجِبْ أحدٌ عن السؤال، بَيْدَ أن الفَرِّيسِيِّين الذين هم على شيءٍ من الفطنة والذكاء استنبطوا من السؤال أن يسوع يشعر في نفسه بأنه هو المسيح، وبأن ولادته في الجليل وعدمَ اتصالِ نَسَبِه بداودَ مما يَقِفَ حَجَرَ عَثْرةٍ في طريقه، وأنه ينتظر اعتراضًا عليه، فيحاول أن يُحَرِّفَ معاني النُّصُوص القَدِيمة ما تأصل فيه إيمانه بأنه المسيح مع قليل شكٍّ في أنه هو.
ولكن يسوع إذ لاحظ صُمُوتًا ولم يسمع جوابًا، وكان قادرًا على قراءة أفكار النَّاس من وجوههم، فلم يجد عطفًا عليه في عيون الجَمْع، وكان تَعِبًا من الصَّدِّ والردِّ بين جماعةٍ معادية، فيتلمَّسُ مخرجًا على غير جَدْوَى، رأى أن يكافح كفاح اليائس فيهاجم.
يجب أن يقع ذلك في ساعةٍ يتقاطر الجمهور فيها إلى الهيكل، فيلتفُّ حوله متعطشًا إلى سماع كلامه، كما كان يحدث على شاطئ البحيرة من بلاد الجليل، فيجمع يسوع قُوَاه لِيَتَّهمَ الفَرِّيسِيِّين بما يجول في خاطره، فيفضحهم بصادقِ القول، ولا يهمُّه أن يُؤخذ بكلامه بعد ذلك.
قال يسوع من غير أن يُحَرِّضَ على الفتنة رأسًا: «على كرسيِّ موسى جلس الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون، فإنهم يَحْزِمُون أحمالًا ثقيلةً عَسِرَةَ الحمل، ويضعونها على أكتاف النَّاس، وهم لا يريدون أن يُحَرِّكُوها بإصبعهم، وكلُّ أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم النَّاس، فَيُعَرِّضُون عصائبهم، وَيُعَظِّمُون أهدابَ ثيابهم، ويحبون المُتَّكَأَ الأولَ في الوَلائِم، والمجالسَ الأولى في المجامع، والتحياتِ في الأسواق، وأن يدعوهم النَّاس: سيدي سيدي … ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُغْلِقُون ملكوت السماوات أمام النَّاس، فلا تدخلون أنتم، ولا تَدَعُون الداخلين يدخلون.»
«ويلٌ لكم أيها القادة العميان القائلون: مَن حَلَفَ بالهيكل فليس بشيءٍ، ولكن مَن حلف بذهب الهيكل يَلْتَزِم. أيها الجهال والعميان، أَيُّمَا أعظمُ: القربان أم المذبح؟ … ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُعَشِّرُون النعنع والشِّبْثَ١٤ وَالكَمُّون، وتركتم أثقل الناموس: الحقَّ والرحمةَ والإيمانَ، كان ينبغي أن تعمَلوا هذه ولا تتركوا تلك. أيها القادة العميان، يُصَفُّون عن البَعُوضَة ويبلعون الجمل. ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَريسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُنَقُّون خارج الكأس والصفحة وهما من داخل مملوءان اختطافًا ودعارةً. أيها الفَرِّيسِيُّ الأعمى، نَقِّ أَوَّلًا داخل الكأس والصفحة؛ لكي يكون خارجهما أيضًا نَقِيًّا. ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءُون؛ لأنكم تشبهون قبورًا مُبَيَّضَةً تظهر من خارجٍ جميلةً، وهي من داخلٍ مملوءةٌ عظامَ أمواتٍ وكلَّ نجاسةٍ، هكذا أنتم أيضًا من خارجٍ تظهرون للناس أبرارًا، ولكنكم من داخلٍ مشحونون رياءً وإثمًا. ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءُون؛ لأنكم تبنون قبورَ الأنبياء، وَتُزَيِّنُونَ مدافنَ الصِّدِّيقِين وتقولون: لو كنَّا في أيام آبائنا لِمَا شاركناهم في دم الأنبياء، وأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء، فاملئوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحَيَّات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من دَيْنُونة جهنم؟»
ويُذعَر الحضور، فهل ظنوا أن يُوحَنَّا قد بُعِثَ؟ وهل ذكر يسوع ما كان من شدة يُوحَنَّا فرأى أن سبيل الندم والتوبة أَولَى فعاد اليوم إلى مثل سُنَّةِ يُوحَنَّا؟ كلَّا، لم يذكر ذلك، ويرى يسوع أن يترك الهيكل الذي لم يجد فيه أثرًا للتقوى فَيَهُمُّ بالخروج من الجمع، وإنه لفي الفِنَاء التالي هو وتلاميذه؛ إذ يرى القوم مجتمعين حول ثلاث عشرة خِزَانة؛ كي يضع المؤمنون فيها ما عليهم، وتقف نظرَه عجوزٌ تَفُكُّ عُقْدَة منْدِيلها بصعوبةٍ؛ لتُخْرِجَ منه فَلْسَيْنِ باحثةً عن ثقب خزانةٍ لتدخلهما فيه، ويدفعها الأغنياء اللابسون أزهى ثيابٍ، والذين من عادتهم أن يضعوا في تلك الخزائن مبالغ كبيرةً على مرأًى من النَّاس، فتتنحى العجوز المسكينة الرَّثَّةُ الثياب جانبًا مرتجفةً، ثم يخلو الجو فتضع بأصابعها الشَّثْنَة الفَلْسَيْن في خِزَانة، فيؤثِّرُ ذلك في يسوع؛ لِمَا يجده في القدس من خالص التقوى في آخر الأمر فيقول: «الحقَّ أقول لكم: إن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين أَلْقَوْا في الخِزَانة؛ لأن الجميع من فضلتهم أَلْقَوْا، وأما هذه فمن إعوازها أَلْقَتْ كلَّ ما عندها كلَّ معيشتها.» •••
لم يدرك تلاميذُ يسوع أمره في هذه المرة أيضًا، فلم يعرفوا المصيبة التي تساوره، ولا الرِّيَبَ التي تخامره، ولا القنوط الذي يعتوره، ولم تمتد آمالهم ورغباتهم إلى ما هو أبعد من اليوم التالي، وهم إذا ما خاطبوه في أحوال خَاصَّةٍ لم يَدُرْ ذلك حول الأمور الروحية. ومن هذا أن جاءت سالومة أمُّ يعقوبَ ويُوحَنَّا وولداها خلفها لتراه، فدلَّ هذا على أنهما هما اللذان أرسلاها إليه، فركعوا وقالت سالومة: «قُلْ أن يجلسَ ابناي هذان، واحدٌ عن يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك.»
ذلك، إذن، ما كان يشغل بال أفضل تلاميذه! هما رافقا المعلم أكثر من سنة فلم يَرَيَا في مذهبه غير ذلك! فاسمع جوابه مغاضبًا: «لستما تعلمان ما تطلبان، أتستطيعان أن تشربا الكأسَ التي أشربها؟»
فيقولان له: «نستطيع!»
فيقول بِرِفْقٍ: «ليس لي أن أعطي الجلوس عن يميني وعن يساري إلا للذين أُعِدَّ لهم من أبي!»
وفي الغد يحتدم النقاش بين تلاميذه فيخرجونه من صمته؛ فقد كثر اللغط بينهم حول مَن هو أعظمهم، ناسين قول المعلم لهم: إنه لا ينبغي لأحدٍ أن يرتفع فوق الآخر، وإنه لا يكون في الملكوت الجديد قوةٌ ولا سلطانٌ ولا سلسلة مراتب، فاسمع قوله المُرَّ لهم: «أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلطون عليهم؛ فلا يكون هذا فيكم، بل مَن أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن خادمًا، وَمَن أراد أن يكون فيكم أَوَّلًا فليكن لكم عبدًا، كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخْدَم، بل لِيَخْدِم.»
وفيما هم يتجادلون على هذا المنوال، وفيما هم يتكلمون حول ما أجاد المعلم في صنعه، وما وجب أَلَّا يفعله في تلك الأيام بأُورَشليم، كان أحدهم يهوذا صامتًا مستمعًا مفكرًا.
ويهوذا هذا وحدَه هو غيرُ الجليليِّ بين أولئك الرجال والنساء، ويهوذا هذا قد ترك المنطقة اليهودية منذ طويل زمن؛ ليتبع المَعْمَدَان في البداءة على ما يحتمل، ثم لَحِقَ بيسوع الذي أعجبه كلامه ومذهبه أكثرَ من أن يعجبه شخصه على ما يظهر، ويلوح لنا أنه هجر أهله وَطَلَّقَ صنعةً ونقدًا ومالًا، وقد جُعِلَ قَيِّمًا على المال المشترك لروحه العملية، وهو الوحيد من بين رفقائه في الاطلاع على العالَم قبل التحاقه بالنبيِّ الناصريِّ الذي لم يعرفه سابقًا، فكان يعرف أولياء الأمور ويعرف أورشليم، ويعرف ماذا ترك ولماذا ترك، وغيرُ ذلك أمرُ الذين وجدهم مُقَرَّبِين لدى المعلِّم فأصبحوا إخوانًا له؛ فقد كانوا خياليين متحمسين من الجنسين، وقد نُشِّئُوا في مدنٍ صغيرةٍ، وبيئاتٍ ضيقةٍ، وفيهم ما في أهل الجليل من اتِّقَاد الذهن والحماسة، وهم لم يتركوا شِبَاك صيدهم ومحاريثَهم إِلَّا تلبيةً لنداء ذلك الناصريِّ العَذْبِ الكلام في شواطئهم.
ويسأل يهوذا عمَّا كان يعمل في هذه الحال أو تلك الحال لو كان في محلِّ معلمه، وَعمَّا فعل هذا المعلِّم من خيرٍ، وكلما دنا يهوذا من وطنه القَدِيم تَنَبَّهَتْ فيه دوافع صِبَاه السابق، وكلما حَنَّ إلى أسرته ومهنته وعاودته أفكارُه التي أقصته عن أهله اغْتَمَّ بما لا يقلُّ عن غَمِّ المُعَلِّمِ نفسه على ما يحتمل، وماذا حدث؟ وماذا صنع المعلِّم لينالَ السُّلْطَان، ويحققَ واسع الآمال؟ أيعتقد حَقًّا أن الربَّ سَيَغْمِسُ يده من أعلى السماء في هذا العالم المُعَقَّدَةِ أمورُه، فَيُمَهِّدُ السُّبُلَ لابنه؟ أَجَلْ زاد التلميذ بين يومٍ ويومٍ أَلَمًا من الانتظار، واستمع في الهيكل مع الآخرين إلى الأمثال وَالتُّهَمِ والأجوبة، ولكن من غير أن تتمخض حركةٌ منذ طَرَدَ يسوع أعداءَه من الهيكل في اليوم الأول، وها هو ذا البطلُ يَصْفَرُّ وجهه غير متقدِّمٍ إلى الأمام!
جَثْسَيْماني.
ويقول ليهوذا هَمْسًا أصدقاؤه القدماء وأقرباؤه فيزيدون رِيَبَه: أهذا هو معلمه؟ أمن أجل هذا ترك صنعته وماله وهجر كل شيء؟ أمن أجل اتباع مجنونٍ لم يَسْطِعْ أن يحمل النَّاس على إطاعته؟ وَيَجِدُ يهوذا بعد عودته ما يجذبه في السلطة، وفي الكهنة، وَحُلَلِهم واتِّزَانِ خُطَاهم، وفي إعجاب الأجانب، وأما ذلك الذي ضَحَّى من أجله بكلِّ شيء فقد دخل أورشليم بسيط المظهر عابسًا راكبًا أتانًا! وهو الآن لا يبدي حَرَاكًا!
وَتُسَاوِر الشكوكُ يهوذا فيما يقوله معلِّمُه، فيعزم على البتِّ بإخلاصٍ لا عن طفرةٍ، ويرى يهوذا معلِّمه مُغْتَمًّا فيألم؛ لِمَا يبصره من إضاعته للساعات الأخيرة التي يمكن العمل فيها، وَلِمَا يشعر به أكثر من إخوانه، من أن الشريعة تجمع قواها لتدوس ذلك الممسوسَ المزعجَ، ويهوذا هو أول مَن قَدَّرَ أن شعور يسوع بدنو أجله هو الذي أملى عليه خطبته الأخيرة التي قالها في الهيكل، فأخاف بها تلاميذَه أكثر مما أنار بها بصائرهم.
والآن يبدو يسوع جامعًا لقُوَاه مرةً أخرى، فيظهر أمام تلاميذه أنه المسيح بِمَا أوتي من قوةٍ، فَيَعْرِضُ نفسه على أنه المُخَلِّصُ بين الشدائد والزلازل والمجاعات، فاسمع ما يقوله وهو جالسٌ هو وتلاميذه في المساء الخامس حول المائدة في بيت عَنْيَا: «وحينئذٍ تبصر جميع قبائل الأَرْض ابنَ الإنسان آتيًا على سحابِ السماء بقوةٍ ومجدٍ كثير، فيرسل ملائكَته ببوقٍ عظيمِ الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقاصي السماء إلى أقاصيها … لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كلُّه، السماء والأَرْض تزولان، ولكنَّ كلامي لا يزول … ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميعُ الملائكة القِدِّيسِين معه، فحينئذٍ يجلِس على كرسيِّ مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فَيُمَيِّزُ بعضَهم من بعض كما يُمَيِّزُ الراعي الخِرَافَ من الجِدَاءِ، فيقيمُ الخِرَافُ عن يمينه، وَالجِدَاءُ عن اليسار، ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تَعَالَوْا يا مُبَارِكي أبي، رِثُوا الملكوتَ المُعَدَّ لكم منذ تأسيس العالم؛ لأني جُعْتُ فأطعمتموني، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُوني … بما أنكم فعلتموه بأحدِ إخوتي هؤلاء الأصاغر، فَبِي فعلتم.»
وهكذا يُسْعِدُ يسوع أو يَدِينُ مَن يعمل الخير أو الشر، وهكذا يعلن نفسَه قاضيًا رَبَّانِيًّا بأصرحَ مما في أيِّ زمنٍ، فلا يَتَرَدَّدُ في إنْبَاءِ هؤلاء الذين يسمعون كلامه بأنهم سَيَرَوْنَهُ نازلًا من السماء في هذه الحياة الدنيا، وهكذا يبوح بذلك إلى جَمْعِه الصغير متمثلًا ما فَكَّرَ فيه بقيصرية فِيلِبُّس، بعد أن طَوَتْ أورشليم كَشْحًا عنه فعادت لا تُصْغِي إليه، وينظر إليه أولئك الذين يحيطون به فيؤمنون به، ويهوذا وحدَه هو الذي يَصْعُبُ عليه أن يَرْضَى بذلك فيسأل: لماذا يرتدُّ يسوع في معترك الحياة فيذكرُ مُتَمَدِّحًا أمام خُلَصَائه سلطانَه ذلك، ومجدَه ذلك؟ فبهذا تشتدُّ شكوك يهوذا!
وإن السكوت ليسود المائدةَ بعد ذلك؛ إذ يفاجأ الجالسون حولها بامرأةٍ رأت يسوع حديثًا، فهذه المرأة الجميلةُ جمالَ مريمَ المجدليةِ فيما مضى لم تُبْدِ من الضَّرَاعة مثل ما أبدت، فتتوجه إلى يسوع الذي أدخل الإيمان إلى قلبها كتمثالٍ، تتوجه إليه وهي تحمل بيديها قارورةً من رُخَامٍ أبيض، فتكسرُ عنقها، فتصبُّ جميعَ ما فيها من الطيب الهنديِّ الثمينِ على شعره، فتدهنُ جسمَه، فَيُدْهَشُ الحاضرون خلا يهوذا الذي تَحَوَّلَ الشكُّ فيه إلى أزمةٍ، فيجرؤ على لَوْمِ المعلِّم الذي لم يمنع مثل هذا التبذير فيقول: «لماذا كان تلفُ الطيب هذا؟ كان يُمكن أن يُباع هذا بأكثرَ من ثلاثمائة دينارٍ وَيُعْطَى للفقراء!»
لم يَسْبِقْ أن عامله تلميذٌ بمثل هذا، وَيُحَدِّقُ إلى هذا الذي يرفع صوته فوقه، فهل شَعَرَ ببذرة التَّمَرُّدِ في بيته، أو يَعُدُّ يهوذا عصبيًّا مُقَدِّرًا أن دخول الهدايا في خِزَانَتِه خيرٌ من تبذيره على شَعْرِ المُعَلِّم؟ فاسمع تعنيفَ يسوع إياه بِرِفقٍ.
«اتركوها! لماذا تزعجونها؟ قد عَمِلَتْ بي عملًا حسنًا؛ لأن الفقراء معكم في كلِّ حين، ومتى أردتم تَقْدِرُون أن تعملوا بهم خيرًا، وأما أنا فلستُ معكم في كلِّ حين، عَمِلَتْ ما عندها، قد سبقت وَدَهَنَتْ بالطيب جسدي للتكفين.»
وَيَهُزُّه كلامه ذلك فيَصمُت قليلًا، ثم يودُّ أن يُطَيِّبَ خاطرَها بأكثر من ذلك فيقول بلهجة قدماء الأنبياء: «الحقَّ أقول لكم: حيثما يُكْرَزْ بهذا الإنجيل في كلِّ العالَم يُخْبَرْ أيضًا بِمَا فعلته هذه تذكارًا لها.» •••
غَضِبَ يهوذا، أفلم يَبْذُلْ جهودًا عظيمةً لكسب أموالٍ في سبيل الفقراء؟ أَفَلَمْ يُضَحِّ بجميع ما يملك في سبيل حياته الأدبية؟ ولماذا؟ لقد شَعَرَ بفساد احترام امرأةٍ للمعلِّم بِدَهْنه بِمَا يساوي ثلاثمائة دينار، فأحسَّ أنه خُدِعَ، فاشتعل قلبه ارتيابًا، فتذكَّرَ قول موسى: «إذا تكلم النبيُّ باسم الربِّ فلم يُتَّبَعْ؛ كان ذلك افتراضًا فلا تَخْشَه.» ويؤثر فيه ما رآه بأورشليم من إنذار أهله له، وَسُخْرِيَتهِم به، فلا يدفع عن نفسه مُؤَثِّرات الشباب وقوةَ قَدِيم العادات، ويرى المعلِّمَ ساكنًا لا يُبْدِي حَرَاكًا فيعزم على الحركة والعمل، وَلِمَ لا يطوي دور الانتظار الذي أضحى لا يُطاق؟
أَيُعْرِضُ عن معلِّمه؟ أيهجره؟ ليس هذا قليلًا ولا كثيرًا؛ وإنما أراد أن يَحْمِلَ يسوع وأعداء يسوع على اتخاذ خطوةٍ حاسمةٍ، فأخذ يبحث عن أسبابٍ سائغةٍ ليست بالحقيقة سوى انتقام شخصيٍّ؛ لِمَا اعتوره من قنوط، فوجد في ذهنه ما يطلبه، أَفَلَمْ يَقُل المعلِّم في الأيام الأخيرة مُكَرِّرًا بمختلف الصِّيَغ: إن آلامه المنتظرة هي مرحلةٌ إلى المجد الأبدي؟ ألم يخبر بدنوِّ أجله؟ فإذا كان هو المسيح حقًّا، وكان يَتَرَدَّدُ في إثبات ذلك بالأعمال، لم يستطع أن يثبته للناس بغير آلامه، وتتضح عداوته للهيكل وللقائمين بأموره من الوثائق والشتائم، ومن شكاوى كلا الحزبين، فإذا ما سُلِّمَ لأعدائه بدا في العالم جوهرُه وحقيقةُ إنجيله لكل ذي عينين.
والتلميذ الذي يقود المعلِّم إلى حيث يألم يكون وحده قد فتح له طريق المجد، ومن المحتمل أن يكون يسوع العالي النُّسْكِ منتظرًا اليد التي تُعِينُه على الوصول إلى النهاية، ومن ثَمَّ إلى البداية، فإذا ما أتى الرب إذ ذاك بمعجزةٍ فنصر ابنه؛ وجد التلميذ الملحد ما يُسَوغُ به فعلته من وجهين: فالمعلِّم يثبت آنئذٍ لنفسه ولتلميذه سلطانَه الرباني، وتكون جميع الشكوك والرِّيَب حول رسالته قد تَبَدَّدَتْ بذلك إلى الأبد.
حاول يهوذا أن يستر بتلك التأملات ضعفه وتأثره من إيمانه الماضي بيسوع وكفره الحاضر به، فذهب إلى أحد بيوت الكهنوت التي يعرفها بأورشليم لا ريب.
أُوصِد الباب دونه بسرعةٍ ثم استُمع إليه؛ فقد كان أعضاء من المجمع الكبير مجتمعين لاتخاذ قرارٍ في الأمر ما أَلْحَفَ الوقت عليهم بذلك، فلم يبقَ لعيد الفصح سوى يومين، فإذا ما برز يسوع الناصريُّ أمام الجموع المجتمعة، فَكَرَّرَ تُهمه الشائنة ضد الجالسين على كرسيِّ موسى بدا الخطر، فيجب القبضُ عليه ليلًا في مكان بعيدٍ من الهيكل والمدينة، ومن أعين النَّاس إذن، وليحاكم وليُحكم عليه، وَلْيُنَفَّذ الحكم فيه قبل يوم العيد بالاستناد إلى شهادة شاهدين أو ثلاثة شهود إذن؛ ففي ضوضاء العيد ما يُؤَدِّي إلى نسيان أمره عاجلًا.
قَدَّر أولئك الأعضاء ذلك وعلموا أيضًا، أن من الخطر أن تُرْسَل إلى بيت عَنْيَا كتيبة مسلحةٌ لحصار بيتٍ مطمئنٍّ، والقبض على نفرٍ من النَّاس قد يقاومون فَتُسْفرُ مقاومتهم عن شغبٍ، ثم رأوا المُعِينَ في تلميذٍ له أتى من تلقاء نفسه ليساعد على ذلك، فوجدوا إنجاز الأمر منذ هذا المساء ممكنًا، فأوعزوا إلى يهوذا بِأَلَّا يَغْفُلَ عن مراقبة معلِّمه.
أراد يسوع أن يصنع كل يهوديٍّ تقيٍّ في خميس العيد، فأوصى على خروفٍ فصحيٍّ من المدينة، ما ظل وفيًّا لهذه العادة القَدِيمة مع مقته تقريب القرابين، وما فكر، على ما يحتمل، في الأكل من الخروف الفصحيِّ للمرة الأولى والأخيرة بأورشليم، ويُخَصُّ الأغراب بغرفةٍ وفقًا للعادة، وَتُسَلَّمُ إليهم أغطيةٌ ووسائد، ويأتي هؤلاء بلَحْمِ وخَمرٍ، وَتُهَيَّأُ كعكةٌ رقيقةٌ قليلة الحلاوة مصنوعةٌ من دقيق البُرِّ، وسليقةٌ غليظةٌ مصنوعةٌ من الفواكه وَمُرِّ الكلأ تخليدًا لذكرى مِحَنِ مصر، ويأخذ التلاميذ الخروف إلى الهيكل، وينتظرون البركة مع ألوف النَّاس، ثم ينتهون إلى الكهنة المُقَرِّبي الذبائح، المرتلين لمزاميرهم رابطي الجأش بين الدماء والأحشاء، وأصوات الأنعام والأبواق.
وينزل يسوع إلى المدينة مساءً فيجد في الغرفة أربع وسائد كبيرةٍ، وأغطيةً منظمةً على شكل نصف دائرة، فيستطيع أن يتَّكئ على كل وسادةٍ ثلاثة أشخاص، وَيُخَصُّ يسوع بمكان الشرف في الوسط على أن يستند أحد تلاميذه إلى ظهره، وآخر إلى صدره، ويختار بطرس ويُوحَنَّا لذلك، ويبدو رَبًّا لأُسرةٍ مراعيًا للتقاليد، ويقوم بجميع الشعائر وَيَقْرِنها بكلِّ ما يدلُّ على اقتراب أجله، ويقول منذ جلس حول المائدة: «شهوةً اشتهيتُ أن آكل هذا الفصحَ معكم قبل أن أتألم؛ لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نِتَاجِ الكَرْمَةِ حتى يأتي ملكوت الله.» وَتُصَبُّ له خمرٌ حمراء فيَخلِطها بالماء وينطق بالبركة عند أول كأس: «حمدًا لإلهنا ربِّ العالمين خالق ثَمَرَة الكَرْمَة.» ثم يدير الكأس فيقول: «خذوا هذه واقتسموها بينكم؛ لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نِتاج الكَرْمَة حتى يأتي ملكوت الله.»
والمائدة وطيئةٌ فيستطيع الآكلُ أن يتناول الطعام منها متكئًا، ويُبدأ بالأعشاب المُرَّةِ ثم بسليقة الفواكه مع حمد الربِّ على جميع ذلك، وَتُرْفَعُ المائدة قبل أن تُخْلَطَ الكأس الثانية، وتُدار الخمر مع الإنشاد، ثم تُعاد المائدة وعليها رغيفان رقيقان مُدَوَّرَان، ويقطع يسوع أحدهما، ويضع القِطَعَ على الرغيف الآخر ويقول: «حمدًا لذلك الذي يُخْرِجُ الخبز من الأَرْض.» ثم يلفُّ قطعةً من الخبز بأعشابٍ وَيَغْمِسُها في سليقة الفواكه ويأكلها وينطِق بدعاءٍ آخر، وإنهم لكذلك إذ يُؤْتَى بالخروف فيغمسون أصابعهم في الصَّحْفَةِ معًا على حسب عادة الشرق ويأكلون.
وَمَن ينظر إلى هنالك من بعيد يشاهد أصحابًا مَرِحين اجتمعوا لِيَحْمَدُوا الله على ما أنعم به عليهم، ويشاهد يسوع آكلًا معهم كما في كلِّ وقتٍ، مع أن نفس يسوع بعيدةٌ منهم أكثرَ مما في أي وقت، فيسوع يشعر بأنه خَسِرَ المعركة، خسرها بين أصحابه، فهل هم أصحابه إذن؟ وعلى أيهم يعتمد؟ أفيدرك أحدُهم أمره؟ أفيقاتلون من أجله وعددهم اثنا عشر وهم رجال سِلْمٍ لا حربٍ؟ أفينطِقون بكلمةٍ ويرفعون صوتًا في سبيل إنقاذه؟ هم ضِعَافٌ على الدوام، وقد فَتُرَ إيمانهم منذ وصولهم إلى تلك المدينة المعادية، فلا تجد بينهم مَن هو مستعدٌّ لكفاحٍ عَدَلَ عنه يسوع، فيا أورشليم!
أَفَيَشُكُّ فيهم جميعًا؟ أفيلاحظ جميع الأيدي التي تَغْمِسُ في الصَّحْفَةِ؟ أينتقل نظره الثاقب من يد يهوذا السافرة المرتعشة الأصابع إلى وجهه السافر؟ قد يكون ذلك؛ وإنما الذي لا ريب فيه هو أن المعلِّم تركَ الصَّحْفَةَ فقال بعد صمتٍ: «الحقَّ أقول لكم: إن واحدًا منكم يسلمني!»
ذُعروا كلهم وتركت الأيدي الصَّحْفَة وتبادلوا النظرات، ثم نظروا إلى يسوع، ثم تبادلوا النظرات، فماذا حدث؟ أفلاح له عندما أحسَّ دُنُوَّ أجله أنه لن ينصره أحدٌ من تلاميذه، وأن تلاميذه الاثني عشر سيخونونه؟ أفيعلم أن ذلك الذي يَتَّكِئُ على ظهره سينكره منذ هذه الليلة؟ أفليست هذه هي الخيانة؟ أم إن بصرَه الحديد القادرَ على معرفة الرجال اكتشف العدو الخفي في صمت يهوذا الذي ينتظر؟
يعلم يهوذا وحده فِيمَ يُفَكِّر المعلِّم فيُصاب في فؤاده، وماذا يحدث لو أن يسوع نهض حالًا وأشار إلى يهوذا بإصبعه قائلًا: أنت الذي عقدت نِيَّتَك على خيانتي؟! كان يجد في يهوذا آثمًا تائبًا فَيُسَرُّ به أكثر مما يُسَرُّ بالأحد عشر الباقين الذين سَيَخْذُلُونَه في نهاية الأمر! هذه هي الساعة التي ينتظر يهوذا المرتاب أن يُظهِرَ فيها المَلِكُ الذي هو ابن الربِّ قدرتَه، فلو فعل ذلك لكان وقعه عليه كالصاعقة، ولخرَّ على قدميه من فوره ساجدًا عابدًا هذا الذي لم يُدْرِك أمره، أفشاهد المعلِّم اصفرار وجه ذلك الذي أصابه بكلامه؟ أَوَحْدَه هو الذي رأى درجة ارتعاش يده محاولًا إخفاء وجهِه بعيدًا من نور المِصْبَاح؟
«هل أنا؟ هل أنا؟» هذا ما سأله تلاميذُ يسوع، ويبدي هؤلاء كالأولاد ثِقَتَهُم بمصدر ذلك القول، ولكن يهوذا الذي يضع هذا السؤال كالآخرين ينتظر السهم الذي سيصيبه من عيني المعلِّم، والمعلِّم يكتفي بقوله: «هو واحدٌ من الاثني عشر الذي يَغْمِسُ معي في الصَّحْفَة. إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوبٌ عنه؛ ولكن ويلٌ لذلك الرجل الذي به يُسَلَّمُ ابنُ الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد!»
ويسأل يهوذا في نفسه: أهذا كلُّ شيء؟ ويهدأ روعه فيقول في نفسه: أأجد في ذلك غير الرغبة في الموت؟ ألم يكن قد عَطِلَ من النشاط فلا يشير إليَّ بإصبعه أمام جميع الشهود؟ أهذا هو النبيُّ الذي آمنا به؟ هو لا يعرِف حتى الذي سيخونه، وهو لو عرفه ما أراد الكفاح. الموتُ وحده هو الذي يَحُلُّ هذه الألغاز.
إكليل من الشوك.
وتنتهي الوليمة بِغَمٍّ بين حديث ذاوٍ، وما قاله يسوع عن الخيانة كان كَخَتْمِه حكمَ موته على ما يظهر؛ فقد أخبر في تلك الليلة غيرَ مرةٍ بقرب موته، وها هو ذا يُنْبِئُ في زهدٍ بأنه سيتلاشى ويتوارى من بين تلاميذه.
أصحيحٌ أن هؤلاء الصيادين الفقراء والفلاحين البائسين ناقصو الحَميَّة والإيمان، فلم يتبعوه من شواطئ بحر الجليل إلى المدينة المقدسة إلا ليجتمعوا به في تلك الغرفة الضيقة؟ تَغَصُّ المدينة بالنَّاس انتظارًا للعيد، وَتَخْفُقُ ألوف القلوب عن تقوى بسبب العيد، ولا يبحث أحد، مع ذلك، عن الاحتفاء بالنبيِّ الذي أتى ليفتح أورشليم، من أجل هذا كان ذلك العشاء الرَّبانِيُّ مع أول تلاميذه وآخرهم، وهو حينما تناول في نهاية العشاء رغيفًا ثانيًا، فَقَسَمَه شَعَر بأنه يَقْسِمُ حياته بأصابعه، وهو حينما عَرَضَ على تلاميذه الخبز بيديه التَّعِبَتَيْن أكثرَ من تعبهما وقتما قَسَمَ الرغيفَ الأول قال برفقٍ: «خذوا كُلُوا، هذا هو جسدي!»
ثم أدار آخر كأسٍ بحسب العادة، فلما رأى ضياءً أحمر فيها قال: «هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسْفَك من أجل كثيرين، الحقَّ أقول لكم: إني لا أشرب بعدُ من نِتَاجِ الكَرْمَة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشرَبُه معكم جديدًا في ملكوت الله.»
وينهض يسوع ويُنشِد مُسَبِّحًا وينصرف، ويتبعه تلاميذه إلى جبل الزيتون خلا يهوذا.
ظلَّ يهوذا في المدينة، وذهب ليخبر الخفراء.
١
صرف الباب يصرف صريفًا: صوَّت عند فتحه أو إغلاقه.
٢
المحاور: جمع المحور.
٣
العجل: جمع عجلة؛ وهي الآلة التي تحمل عليها الأثقال.
٤
شحج البغل يشحج شحيجًا: صوَّت.
٥
القتار: رائحة اللحم والشواء إلخ.
٦
المر: مائع يسيل من شجرة فيجمد، وهو طيبُ الرائحة مرُّ الطعم.
٧
جارضة: خانقة.
٨
الشعب: الطريق في الجبل.
٩
يحبرون: يسرون.
١٠
صل السلاح يصل صليلًا: سُمع له طنين.
١١
الذفر: شدة الرائحة، النتن.
١٢
الموص: التبن.
١٣
صدى يصدى صدًى فهو صادٍ: عطش عطشًا شديدًا.
١٤
الشبث: بقلة.
ابن الإنسان: حياة نبي |
الفصل الخامس الآلام
عاد يسوع وصحبُه إلى جبل الزيتون في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، وكانت السماء صافيةً، والهواء رطيبًا، ويصل إليهم ضجيج المدينة المُعَيِّدَة فلا يسمعونها ما تذكَّرُوا صامتين كلام المعلِّم.
ويبدو أنه تَحَوَّل، أفنشأ هذا عن طراوة الهواء؟ أم عما رآه من تواري يهوذا؟ أم عن شعوره باقتراب الخطر؟ لا مراء في أن النشاط دَبَّ فيه منذ خروجه من المدينة، فأخذت تساوره عوامل الكفاح والنضال، ومن المحتمل أن فَكَّرَ في الفرار ما خاطب تلاميذه بقوله: «حين أرسلتكم بلا كيسٍ ولا مِزْوَدٍ ولا أحذيةٍ، هل أعوزكم شيءٌ؟»
فقالوا: «لا.»
فقال لهم: «مَن له كيسٌ فليأخذه وَمِزْوَدٌ كذلك، وَمَن ليس له فَلْيَبِعْ ثوبَه وَيَشْتَرِ سيفًا.»
وَيَجْفُلُ التلاميذ عند سماع ذلك كما لو أُخِذوا متلبسين بجرمٍ، ولا سيما أن بعضهم كان قد فكَّر في القتال وما يتطلبه القتال من السلاح، فتشجع اثنان منهم فجازفا بإظهار سلاحيهما فقالا: «ها هو ذا هنا سَيْفَان!» ويتكمَّش عند رؤيته هذه الأسلحة الضعيفة؛ وذلك على حسب عادته عند مواجهة الحقائق، مُقَدِّرًا بطلان المقاومة؛ لتمثُّلِه مناقضة الروح للقوة، ولمقابلته بين الله والعالم، فيعدل عن رأيه في بضع ثوانٍ، فيكتفي هادئًا بقوله المبهم: «يَكْفِي!»
ويواثبه تفكيره بدنوِّ أجله، ويحاول بين حين وحين أن يُلَطِّفَ وقْعه في نفسه على ضوء التوراة، ويقول لتلاميذه كَمَن يريد امتحانهم: «كلكم تَشُكُّون فيَّ هذه الليلة؛ لأنه مكتوبٌ أني أضرِب الراعي فَتَتَبَدَّدُ خِرَاف الرعية.»
ويقاطعه بطرس بحماسةٍ كما في قيصرية فيلبُّس فيقول: «إن شَكَّ فيكَ الجميع فأنا لا أشكُّ أبدًا.» فينظر يسوع إلى بطرس مُغْتَمًّا ما عرف تقلُّبه وتقلُّب أصحابه فيقول: «إنك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديكٌ تنكرني ثلاث مرات.»
فيقول له بطرس: «لو اضطررتُ أن أموت معك لا أنكرك.» فيردد التلاميذ الآخرون قوله.
ويدهش يسوع حين يسمع عهود الإخلاص والوفاء هذه، وتتجاذبه المتناقضات، أَفَيُسَلِّمُ نفسه إلى العدو بغير مقاومة؟ أليس تلاميذه مسلَّحين؟ كلَّا، لا يذهب في هذه الليلة إلى بيت عَنْيَا؛ حيث يُبْحَث عنه لا ريب، فإذا كان يهوذا الغائب شريكًا في المؤامرة؛ فإن مجيء هذا الخائن مع العدو إلى هنالك يكون غير مُجْدٍ، ثم تشتعل فيه روح النضال مرةً أخرى، فيترك الطريق بغتة، ويأمر تلاميذه باتباعه، ويبحث عن مختبَأ، وهكذا يودُّ يسوع في آخر أيام حياته أن يختفي على غير هدًى، كما كان يفعل عندما يسير ضدَّ العالم في كل مرةٍ، ويدخل يسوع في الليل البهيم في بستان زيتونٍ يُرْوِية وادي قدرون، ويقع على المنحدر الغربيِّ من الجبل، ويحيط به سياج صُبَّار، فيحميه من اللصوص كما تُحْمَى بساتين الأهالي الأخرى.
وإليك يسوع وصحبه في ذلك البستان، ودخولُ بستانٍ للاختفاء تجربةٌ حديثةٌ مزعجةٌ ليسوع الحليم الذي بلغ السنة الحادية والثلاثين من عمره، فلم يدخل قبل ذلك في غير أفئدة النَّاس، وفي تلك الأيام يسمع يسوع طقطقةً وهمسًا، وَتُحَاكُ حوله المؤامرات، وَيُكَشِّرُ الموت الذي أكثرَ من ذكره عن أنيابه له فَجْأَةً، ويزحف إليه بما لا عهد له بمثله، فتصول فيه من جديدٍ أرواح الحياة الحِسِّيَّة بذلك البستان، بعد أن ديست فيه شتاءً بأجْمَعِه، وبعد أن خُنِقَتْ فيه خلال الأسبوع الأخير بأورشليم، ويستهويه من جديدٍ ما حوله من الهدوء، وتفتنه رائحة شجر الزيتون، وَطَلُّ الليل والكلأ الناعم تحت قدميه، والنجوم التي تُلْقِي أشعتها من بين الأغصان، وتبدو التوراة ووحي التوراة أمرًا منسيًّا، أو معنًى مبهمًا، وتثور في نفس يسوع رغبةٌ حارَّةٌ في الابتهال إلى أبيه أن يدع له حياته.
وهل يُبِيحُ يسوع لنفسه أن يبوح لتلاميذه بما فيه من ارتباك أفكار واختلاط مشاعر؟ انتحى يسوع بتلاميذه الثلاثة المُفَضَّلِين: «بطرس ويعقوب ويُوحَنَّا» جانبًا، تاركًا الآخرين تحت الشجر، وأخذ يسير هو وإياهم قليلًا في الظَّلام، وصار يرتعش ويتردَّد ويخاف أن يُتْرَكَ وحيدًا، فقال لهم: «نفسي حزينةٌ جدًّا حتى الموت، امكثوا هنا واسهروا معي!»
ثم تقدَّم بضع خطواتٍ وسجد ومسَّ جبينه وشعره الأَرْض النَّدِيَّةَ ودعا قائلًا: «يا أبتاه، إن أمكن فَلْتَعْبُر عني هذه الكأسُ؛ ولكن ليس كما أريد، بل كما تريدُ أنت.»
ويداوم يسوع على الدعاء من أجل حياته، وَيُفَوِّضُ أمره إلى أبيه، ويعاوده الغمُّ فينهض مرةً أخرى، وَيُخَيَّل إليه أنه أُحيط به، فيشعر شعور الفريسة عند اقتراب كلب الصيد منها، ويعود ضعيفًا بائسًا حزينًا إلى رفقائه، باحثًا عن المُعِين فيهم، أفلا يبسطون ذرعانهم لمعاضدته؟ أفلا يُحِلُّونه محلَّ القلب في نفوسهم؟
وجدهم نائمين، ووجد يعقوب ويُوحَنَّا وبطرس نائمين.
فقال لبطرس: «أهكذا ما قدرتُم أن تسهروا معي ساعةً واحدةً؟»
ألا يتجلى قنوط الحياة في تلك الكلمة؟ أليس أولئك هم أخلص أتباعه الذين وهب لهم قلبه منذ سنةٍ وبعض سنةٍ؟ هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها صاحبهم ومعلِّمهم العونَ منهم لا من الربِّ الذي يدبر الأمر في عالم السِّرِّ، وهذه هي المرة الأولى التي ثَلَمَت الخمرة والظُّلمة حدَّهم فيها فتراهم نيامًا!
وتُساور النبيَّ شكوكٌ، أفلم يخترْ طريقًا ضالَّةً؟ أفلم يَرَ بطرسَ هذا التَّعِبَ روحًا وجسمًا يَنشدُ الراحة غير مرةٍ لدى زوجته كالولد الصغير على صدر أمه، فتحتضنه احتضانَ الوالدة لولدها؟ ألم يكن انفراده خطأً؟ كان يمكنه أن يجد على الدوام ملجأً في قلبٍ نسويٍّ، وأيديًا ناعمةً تداري شعره، وشفاهًا تُقَبِّل قدميه، وعطفًا عليه في أعماله اليومية، وكان يمكنه أن يشاهد ازدهارَ مَن يحبهم من الأولاد ونموَّهم، وكان يمكنه أن يقضي حياته بين أهل مدينة صغيرة هادئة من الجليل، وأن يمتاز منهم بمخاطبته الأب فوق الجبل، وأن يحفظ سِرَّه في نفسه!
وَلِمَ جاء النَّاسَ بالبشرى مُعَرِّضًا حياته المطمئنة للخطر؟ فأين، إذَن، القلوب التي أيقظها وملأها سعادةً بتعاليمه؟ فانظر إلى سِمْعَان الذي عَدَّه صخرةً يُشَاد عليها الإيمان فَسَمَّاه بطرسَ؛ تجده نائمًا في تلك الساعة الخطرة، وانظر إلى يُوحَنَّا الذي كان يضمه إلى قلبه كالولد الصغير؛ تجده نائمًا أيضًا، وانظر إلى يعقوب تجده نائمًا أيضًا، فإذا كان هؤلاء لم يسمعوا رجاء معلِّمهم للمرة الأولى، وإذا كانوا يَكِلُونه وحده إلى كَرْبِه وتردُّده، فيا خيبة الأمل! لقد نسي الغرباء — الذين سمعوه فشفاهم — رسالتَه منذ طويل زمنٍ، فهم لا يزالون في مراكبهم وسفن صيدهم فاتِرِي الأفئدة، مع ظنه أنه ألهبها، فهل البُشرى التي أتى بها هي من هذه البشارات التي تستحق أن يُضَحِّي بحياته في سبيلها؟ «يا أبتاه! إن لم يمكن أن تَعْبُرَ عني هذه الكأسُ إلا أن أشربها؛ فلتكن مشيئتك!»
هنالك ضوضاء وصليل سلاح؛ فقد كُشِفَ المَخْبَأُ، فدخل البستانَ جماعةٌ تحمل مصابيح ومشاعل، وكان قائدها رئيس حرس الهيكل، فهذا القائد تعذَّر عليه أن يُقلِّل في هذا العيد عدد خفراء الهيكل، فاستعان بخَدَمَةِ رئيس الكهنة فَسَلَّحهم بسيوفٍ وَعِصيٍّ، فذهب هؤلاء إلى بيت عَنْيَا للبحث عن يسوع، فلم يجدوه، فقادهم يهوذا إلى حيث المدينة، فأخذ يدقق في الطريق إلى أن عُثِرَ له على أثر، وما كان ليُثنيَه شيءٌ عمَّا عزم عليه، وما كان ليبالي بغير إنقاذ إخوانه الذين يرى أنهم خُدِعُوا مثله.
وإن أولئك لجالسون على الأَرْض في الظُّلمة فلا يستطيع القائد وَمَن معه أن يعرفوا يسوع، فيصعب إطلاق مَن يُقْبَض عليه منهم؛ إذ عَنَّ ليهوذا رأيٌ فقال للقائد: «الذي أُقَبِّلُه هُوَ هُوَ، أَمْسِكُوه!»
الصلب.
وَيُقْبِلُ يهوذا على يسوع وَيُقَبِّلُه وهو يقول: «السلام يا سيدي!» فيرفع أولئك الخدم مصابيحهم ليتحققوا فريستَهم، وينظر يسوع إلى تلميذه الخائن قائلًا: «يا صاحبُ! لماذا جئت؟»
وَيُبْهَتُ الخدم الحاملون عِصِيًّا، ويترددون بعد أن سمعوا كلمة «صاحب»؛ وذلك خَشْيَة أن تكون قد نُسِجَت خيانةٌ هنا.
أفلا ترى يا يهوذا، تحطُّم حِذقك كقدحٍ كَنَسَتْه نَفْثَةُ النبي؟ هكذا يتكسَّر العقل والحساب؛ حينما تنظر عينان بشريَّتان بريئتان إلى ذلك الذي يخادع نفسه راغبًا في مخادعة الآخرين.
ويقطع بطرس ما ساد من الصمت، ويستلُّ سيفه من غير تفكير وَرَوِيَّة كما هي عادته، فيقطع أُذن أقرب رجلٍ منه، فكان هذا سببًا في انتقال الخدم من السكون إلى الحركة، فيقبضون على الذي حاول أن يمنع بطرسَ من فعلته، لا على بطرسَ الذي لاذ بالفِرَار.
يقبضون على المعلِّم، يقبضون على الرجل الطريد الحَصُور؛ حينما كانت المَشَاعِل تنير الوجوه الغليظة، وكان ضياؤها ينعكس على الخُوَذِ والسيوف، وحينما كان العدوُّ مسلَّحًا، وكانت الحكومة ضده، وينتحل الوضع الذي يلائمه تِجَاه القوة، ويجري في عروقه شعوره بأنه المختار، ويستردُّ ما خسره في اليومين الأخيرين من العِزَّةِ، وفي الظَّلام ببستان جَثْسَيْمَاني هذا، وينتهي فيه عذاب الانتظار، فأما وقد حَلَّت المحنة وأيقظته، نطق بهذا القول الجامع الملائم لرسالته: «رُدَّ سيفك إلى مكانه؛ لأن كلَّ الذين يأخذون السيفَ بالسيفِ يهلكون.»
ثم ينظر إلى مَن حوله ويخاطب جنودًا أكثر من أن يخاطب أصحابًا، معربًا بصوتٍ عالٍ عن فكره السامي: «أتظنون أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فَيُقَدِّمَ إليَّ أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة؟ فكيف تُكَمَّلُ الكتبُ أنه هكذا ينبغي أن يكون؟ كأنه على لصٍّ خرجتم بسيوفٍ وَعصِيٍّ لتأخذوني. كلَّ يوم كنتُ أجلس معكم أُعَلِّمُ في الهيكل ولم تُمْسِكُوني.»
لم يكن لكلامه هذا صدًى، ولم يفهمه أحد، ويأمر القائد فيُقبَض عليه، ويستولي الذعر على تلاميذه فلا يدافع أحدٌ منهم عنه فيخذلونه.
وَيُسْمَعُ في بستان الزيتون حفيف شجر وتواري ظِلَالٍ في الظَّلام؛ فقد فَرَّ جميع الحواريين. •••
سِيق يسوع إلى قصر رئيس الكهنة في ساعةٍ متأخرةٍ، فسير به من مسالكَ ومراقٍ عريضة إلى غرفةٍ واسعةٍ خاليةٍ من الهواء ذات ستائر صفيقةٍ، فرأى فيها على نور الشمع نحو عشرين رجلًا جالسين على وسائد في نصف دائرةٍ صامتين منتظرين، ثم وقع نظره في وسط هؤلاء على شيخ كُنْتِيٍّ هزيلٍ، مُتَكَرِّش الوجه، شاحبِ اللون، مُتَلَفِّفٍ في أغطيةٍ، مستندٍ إلى مَخَادَّ مشابهٍ لِرَقِّ الناموس الذي رآه في الهيكل. ومن وجه هذا الشيخ كان يخرج ألفاظ وشَخِير.
هذا هو حَنَّان الذي كان رئيس الكهنة في عصر أغسطس الزاهر، ثم خَلَفَه خمسةٌ من أبنائه في وظيفته مع بقائه قابضًا على زمام الأمر مرهوبًا ممقوتًا، وقيافا الذي هو رئيس الكهنة اليوم هو أصغر أولاده سنًّا، والرومان أصحاب السُّلْطَان هم الذين نصبوا قيافا هذا، فظلَّ مع شَيْبَتِه مطيعًا لأبيه حَنَّانَ البالغ من العمر مائة سنة.
ويتعذر جمع المجمع الكبير كلِّه في تلك الليلة القريبة من العيد، فاجتمع ثلث الأعضاء، وهذا ما يكفي. ومن أحكام الشريعة أنه لا بد من انقضاء يومين للحكم بالإعدام وتنفيذه، فيمكن للضرورة المُلِحَّة عَدُّ تلك الليلة اليومَ الأولَ، وعدُّ الصباح التالي اليومَ الثاني.
إعدامُه أمرٌ بُتَّ فيه؛ فالصَّدُوقيون النافذون في المجمع الكبير لا يُحِبُّون الجدال كَالفَرِّيسِيِّين، بل يَرَوْن قرن الأقوال بالأفعال، وَضَلَّ مَن يقول غير هذا، والسُّلْطَان والمال ينتقلان إلى الصَّدُوقيِّين جيلًا بعد جيلٍ. ومن امتيازاتهم: بيعُ أنعام القرابين، وإيجارُ الأماكن في الهيكل للباعة، وتوزيعُ الوظائف، وتحديدُ الأثمان، والصَّدُوقيُّون إذا ظلوا هادئين صابرين؛ على حين يثور الفَريسِيُّون وَيَهيجون، فليعملوا في الوقت المناسب، وَلِيَقْضُوا على عوامل الخطر في ساعةٍ واحدةٍ؛ فقد دقَّت هذه الساعة، فالشهود ينتظرون في خارج القاعة، والمتهم حاضرٌ.
جيء بيسوع الجليليِّ أمام هؤلاء الذين نَضِجَتْ أعمارهم، وَحَنَّكَتْهُم التجارب، فأنعموا النظر فيه منذ دخوله أكثر من أن يُنْعِمه فيهم، فرأوا في منظره وسلوكه مثلَ أوضاع ناقضي الناموس، ولم يكترث يسوع في محاكمته الجائرة لغير الشكل، ويعرف كلا الفريقين ما تسفر عنه هذه المحاكمة، ويغتمُّ المُتَّهِمون، مع ذلك، أكثرَ من المُتَّهَم الذي يعلم هلاكه، أفلا يمكنه أن يصنع كما صنع زكريا في بدء حرب اليهود، فيمزق شبكة دسائسهم بصوتٍ راعدٍ يوجهه إلى الشَّعْب؟ فما الذي يؤاخذه عليه الشيخ حَنَّان؟ أيؤاخذه على الطراز الذي دخل به أورشليم؟ أم يؤاخذه على طرده الصَّيَارِفة من الهيكل؟ أم يؤاخذه على ما قَذَف به الفَرِّيسِيِّين؟
لم يحدث شيءٌ من هذا، وَيَقُصُّ الشهود ما عندهم، ويحاول الشيخ حَنَّان أن يُلْبِس المحاكمة مظهرًا نزيهًا مع أنه خصمٌ وحكمٌ في آنٍ واحدٍ، ولم يسمع صوتَ المتهم بعدُ، فغاظه صمتُه تجاه ما وُجِّه إليه من تُهَمٍ وأسئلة، فطلب منه أن يُوَضِّح مذهبه.
النبيُّ واقفٌ هنالك بين أعدائه، فهل يكشف عن روحه الخفية أمام تلك الوجوه؟ لقد أجاب بفتورٍ: «أنا كَلَّمْتُ العالَم علانيةً، أنا عَلَّمْتُ كلَّ حينٍ في المجمع وفي الهيكل؛ حيث يجتمع اليهود دائمًا، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء، لماذا تسألني أنا؟ اسأل الذين قد سمعوا ما كَلَّمْتُهُم، هُوَ ذَا هؤلاء يعرفون ماذا قلتُ أنا.»
ما كان أحدٌ ليجرؤ قبل الآن على النطق بمثل ذلك أمام السائل الهَرِم، فَلَطَمَ أحدُ الخدم المتهمَ بيده قائلًا: «أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟» وذلك قبل أن يكون لدى الشيخ حَنَّان من الوقت ما يُعَنِّفُ به يسوع.
بَيْدَ أن يسوع أجاب بهدوءٍ على طريقة الفَرِّيسِيِّين: «إن كنتُ قد تكلمت رَدِيًّا فاشهدْ على الرديِّ، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟»
ولم يَرْتَح الكهنة لهذه الغلظة، فَوَدُّوا احترام المظاهر والنظام. ويدرك الشيخ حَنَّان أن ما حدث حتى الآن لا يؤدِّي إلى نتيجةٍ فاستدعى الشهودَ لإثبات أفظع التُّهم، فأجمعوا على أنهم سمعوا يسوع يقول حديثًا: «إني أنقضُ هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخرَ غيرَ مصنوعٍ بأيادٍ.»
ويظلُّ المتهم صامتًا أيضًا في هذه المرة، فمما لا ريب فيه أن يكون قد نَطَقَ بمثل ذلك، فلا تحتاج إقامة بيوت ملكوت الله التي هي مقرُّ التقوى الخالصة إلى سنواتٍ، وإلا لاقتضت الأبدية. ويتقدم الشيخ حَنَّان قليلًا نحوه زاحفًا بِوِسَادَتِه، ويرمي أحد أغطيته ويقول: «أما تجيب بشيءٍ؟»
لا صوتَ يَرِن في الغرفة ذات الستائر الصفيقة، وينظر بعض الحضور إلى بعض حائرين، فَلِمَ لا يبدأ الشيخ حَنَّان بجمع الأصوات منذ الآن؟ لقد جَدَّفَ المتهم على الله ولم ينكر كلامه، ولكن القاضيَ المُحَنَّكَ يرغب في برهانٍ أمتنَ مما حدث؛ فهو يعرف روح الجدل في الفَرِّيسِيِّين، وأنهم سيعترضون في آخر الأمر، وهو يعرف تشدُّدَ الوالي الروماني الذي يطلب دليلًا ساطعًا؛ فمن أجل ذلك يسعى في حمل النبي الزائف على الاعتراف، فيطرحُ أخطر المَسَائِل لِيُغْرِيَ يسوع على الخروج من موقفه السلبي، فيزحف قليلًا أيضًا نحو المتهم، فيكادُ يَمَسُّ رداءَه العاديَّ بذراعيه المدثرتين بنسيجٍ من حرير، فيقول: «إن كنتَ أنت المسيحَ فَقُلْ لنا!»
ويتجاذب يسوعَ إيمانُه برسالته واحتقارُه لأولئك الذين يسألونه، وتتصادم فيه عِزَّتُه واشمئزازُه، ويتعارك فيه اعتزازٌ واعتزاز، فيكتفي بالجواب الجافِّ الآتي: «إن قلتُ لكم لا تُصَدِّقُون، وإن سألتُ لا تجيبونني ولا تُطْلِقُونني.»
وَيَتَذَمَّرُ القُضَاةُ من عناد يسوع ومن سَعَةِ صدرِ رئيسهم، ولا يرى هذا الرئيس أن خطَّته أُحْبِطَتْ مع ذلك؛ فهو لا يزال يُصِرُّ على اقتطاع اعترافٍ من يسوع، فيقوم بآخر حملةٍ، فيحاول النهوض مستندًا بيديه المرتعشتين إلى وِسَادَتِه، فيسرع إليه أولاده ليساعدوه على ذلك؛ لِمَا يعرفون من نهوضه لِيَدْعُوَ الربَّ، فيبرز هذا الفاني من بين الأغطية والوسائد، فيرفع ذراعه العَظْمِيَّةَ فيسأل ناعقًا كالغراب: «أستحلفُك بالله الحيِّ أن تقول لنا هل أنت المسيحُ ابن الله؟»
الآن يشعر يسوع بحلول الوقت الذي يُعْلِنُ فيه بين الأعداء ما يأمر به الربُّ الذي نَفَذَ اسمه جوَّ هذا المكان الخانق، ولا يرى يسوع، مع ذلك، أن يعتزَّ؛ فهو يجيب بصوتٍ خاشعٍ كصوته في بدء رسالته فيقول بِرِفْقٍ: «أنت قُلْتَ.»
ولم يَنْشَبْ يسوع أن رفع يدَه، فنظر إلى ما حوله، فقال بصوت مَلِكٍ: «أقول لكم من الآن تُبصرون ابنَ الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء.»
وَيَثِبُ الجميع على أرجلهم، مذعورين بعد تَوَتُّر ما توقعوا جوابًا غير هذا؛ فقد تَمَّ لهم ما أرادوه منذ ساعة بجواب يسوع الجريء، فأصابهم به في الصميم، فها هو ذا يُسِيءُ استعمال قول دانيالَ بأن المسيح سيجلس عن يمين الربِّ، فَلْيَجُرَّ الشيخُ حَنَّان حُلَّتَهُ بيديه المرتجفتين وَلْيُمَزِّقْها، وليقُلْ بصوته الجافِّ: «قد جَدَّفَ. ما حاجتنا بعدُ إلى شهود؟! ها قد سمعتم تجديفه. ماذا ترون؟»
فيقولون: «إنه مستوجبٌ الموتَ.»
شُفِيَت الصدور فإذا كانت القضية قد أُقيمت على يسوع، وكان القبض عليه قد تَمَّ عن غرضٍ وفي الظَّلام، فإن جميع أولئك يشعرون بأن النبيَّ دان نفسه بنفسه وَفْقًا لأحكام الشرع؛ فهو قد اقترف جرم الخيانة العظمى تِجَاه شعبِ الربِّ، فَلْيُكَفِّرْ عن حبوط عمله إذن! حقًّا لقد حُكِم على كثيرٍ من العظماء الخائنين وعلى كثيرٍ من الأنبياء بالإعدام، فَقُتِلُوا قبل يسوع الناصريِّ وبعدَه كما تأمر الشريعة، فأُقيمت التماثيل، وَوُضِعَت الأناشيد بعد زمنٍ تعظيمًا لهم، وتخليدًا لذكراهم.
ذهب ما يجب أن يكون للمحكمة من كريم المقام والشرف أدراج الرياح؛ فقد نُسِيَ أن الشريعة تأمر بالصوم وَالنَّدْبِ قبل التنفيذ، وأما يسوع فقد تهافت النَّاس حولَه مستهزئين ضاربين كَمَن يَوَدُّ أن يَمْتَحِن ضعفَه، ثم دُفِعَ بعنفٍ واحتقارٍ إلى خارج القاعة؛ لكي ينتظر هنالك أخذه في الصباح إلى محكمة بيلاطُس.
ومن بين التلاميذ نَدِمَ بطرس على عار الفِرَار؛ ففي وقت الفجر يرى اتِّباعَ معلِّمه فينساب من بين الأرصفة، فيجد الخدم جالسين حول النار في ساحة دار رئيس الكهنة ذاكرين حوادث الليلة، فيدنو منهم لِيَتَسَقَّطَ بعض الأخبار، فَتَرِدُ بغتةً خادمةٌ كانت تمازح الخدم. وهذه الخادمة كانت قد نظرت النبيَّ في الهيكل فتعرف الآن تلميذه، فتقول له: «وأنت كنت مع يسوع الجليليِّ!»
فيقول بطرس: «لستُ أعرِفه، ولستُ أدري ما تقولين!»
وينتبه الخدم لذلك، فيجرُّ أحدهم الغريب قريبًا من النار لِيَتَبَيَّنَ وجهه فيقول: «ألم أركَ في هذه الليلة معه في البستان؟»
فيقول بطرس: «يا إنسان، لست أنا.»
ويعرف شخصٌ ثالثٌ لغة أهل الجليل فيقول اتفاقًا: «حقًّا أنت منهم؛ لأنك جليليٌّ، ولغتُكَ تُشْبِه لغتَهم.»
ويصرُّ بطرسُ على الإنكار، ويلعنُ ويحلِفُ وَيُكَرِّرُ قولَه: «إني لا أعرِف هذا الرجل.»
ويتفلَّتُ بطرسُ منهم خائفًا يَتَرَقَّبَ، فيسير إلى الباب فيسمع من خُمٍّ صياح ديك، فيتذكر قول المعلِّم فينصرف باكيًا.
ويُساق يسوع المحكوم عليه في الصباح إلى مجمع اليهود الكبير «السنهدريم»، ويستمع هذا المجمع إلى خلاصة أقوال الشهود وأقواله، فيوافق على حكم المجمع الصغير في الليل، فتُرفع الجلسة وَيُسْتَعَدُّ للذهاب إلى الوالي الروماني الذي لا بد من إجازته لأحكام الإعدام كي ينفذها، ويتوجه موكب السبعين إلى برج أنطونيا ويتوسطه يسوع مُوثقًا. •••
لا يقيم بيلاطُس ببرج أنطونيا الذي أصبح مقرًّا للشرطة إلا في الأعياد، ويحرس أبوابه وجسوره كتائب من الرومان، وينظر بعض ألوف الغرباء إلى هذا البرج القيصريِّ المسيطر على المدينة بعين الخوف، وبعضهم بعين الاحترام، ويتجمهر جمعٌ كبيرٌ خلف الكهنة المتوجهين إليه لابسين حُلَلَ العيد. وليس دخوله مباحًا لهم، فمما يدنِّسهم أن يدخلوا قلعة المشركين في يوم عيد، فرُئي للخروج من هذا المأزق أن يُصنع أمام حائط القلعة محكمةٌ من خشب؛ ليجلس فيها الوالي الروماني أيام إقامته هنالك.
وبيلاطُس يرى اقتراب الموكب فيمرُّ من الباب محاطًا بضباطه وحمَلة فئوسه، فيستقبل واقفًا رئيس الكهنة ورئيس المجمع الكبير قيافا، وينظر إلى المُقَيَّدِ بين الكهنة فيسأل بغلظةٍ: «أية شكايةٍ تقدِّمون على هذا الإنسان؟» والوالي الروماني إذا ما خلا إلى رئيس الكهنة؛ ليفاوضه في غرفته، حاول الاثنان أن يتفاهما بأدبٍ ما رَغِبَتْ رومة في إرْضاء رعاياها، وما رغب قيافا في والٍ أنيس. واليوم يتكلم الوالي أمام الشَّعْب بصوتٍ جافٍ قاسٍ ما بدا ممثلًا لرومة العظمى!
ومن أقصى أهداف الوالي ألا يبدو مُحَابِيًا لحزبٍ من أحزاب اليهود، فأمر حمَلة الفئوس بفصل يسوع عن قُضَاتِه، وجلبه إلى قاعة الحكم بداخل القلعة. ومن المحتمل أن يكون قد فعل هذا اتِّبَاعًا لأحد التقاليد، ومن المحتمل أن يكون قد فعله لِمَا ألقاه في رُوعِه منظر مَدِينٍ عرَف أوضاعه وأحواله منذ زمن طويل، ثم يعود إلى الكهنة فيسمعهم يقولون بلسانٍ واحدٍ: «إننا وجدنا هذا يُفسد الأمَّة ويمنع أن تُعْطَى جزيةٌ لقيصر.» ويكررون ذلك إلى أن يشير عليهم قيافا بالسكوت فيقول لبيلاطُس: «يقول إنه المسيحُ، ملكُ اليهود!»
والذي رَسَمَ لرئيس الكهنة قيافا خطتَه هذه هو الداهية حَنَّان؛ فقد نصحه بأن يجعل من القضية الدينية قضيةً سياسيةً ضدَّ شخص خائن لرومة؛ لِمَا للقضية الدينية وحدَها من قليل أثرٍ في والٍ مُشْرِكٍ كبيلاطُس، وَيَحَارُ بيلاطُس، ويدخل من الباب ليسأل يسوع المُتَّهَم.
ويظلُّ يسوع، في تلك الأثناء، هادئًا ناظرًا وهو واقف إلى ما يحيط به، فيرى داخل القاعة مصنوعًا من الحجارة الثمينة المزينة، ويرى خلف تلك القاعة حديقةً جميلةً يُوصَلُ إليها بمسالَك رائعةٍ، ويرى الحمائم تطير حول حوض الماء، فيقول في نفسه صامتًا غير حاقد: بمثل هذه المنازل يُقِيمُ الأقوياء في هذا العالَم! وهو الذي لم يدخل قصرًا أو برجًا قبل ذلك قط.
دخل بيلاطُس فدنا منه فأخذ يسأله باليونانية موجزًا، فلا يكاد يفهم سؤالَه، قال بيلاطُس: «أأنت ملكُ اليهود؟»
يشعرُ النبيُّ بموجة عطفٍ في عروقه كالتي كان يشعر بها في الغالب عند مصاقبته للمشركين، فلا يجد فيهم ما يجده في اليهود من الغرور. وليس بمستبعَدٍ أن اعتقد وجودَ حُنُوٍّ في هذا الجنديِّ مع عَطَلِ أولئك الكهنة منه، كما يدلُّ عليه جوابه عن أسئلة بيلاطُس بأسئلةٍ أخرى؛ كقوله: «أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟»
تبسَّم بيلاطُس فقال على الطريقة اليهودية: «أَلَعَلِّي أنا يهودي؟» ثم سأله بأسلوب القضاء: «أُمَّتُك ورؤساء الكهنة أَسْلَمُوكَ إليَّ، ماذا فعلت؟»
رأى يسوع أن يُوَضِّح لهذا المشرك ما عَجِزَ عن فهمه أعداؤُه من بني قومه، فلعله يجد في هذا الجندي رجلًا يستطيع أن يدرك حقيقة أمره، فقال له بصوته الناصريِّ الرخيم: «مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خُدَّامي يجاهدون لكيلا أُسَلَّمَ إلى اليهود.»
ويستمع بيلاطُس له متعجبًا فيجد فيه متهوسًا متحمسًا يمكن الانتفاع به ضدَّ أولئك اليهود المغرورين، فيسأله باهتمامٍ: «أفأنت إذَن مَلِكٌ؟»
فَيُومِئُ يسوع بالإيجاب مضيفًا إلى هذا قولَه: «أنت تقول إني مَلِكٌ؛ لهذا قد وُلِدْتُ أنا، ولهذا قد أتيتُ إلى العالم لأشهد للحقِّ، كلُّ مَن هو من الحقِّ يسمع صوتي.»
لم يحدث أن فَسَّرَ يسوع رسالته تفسيرًا زمنيًّا بمثل هذا، ويقول بيلاطُس في نفسه: «يبدو فيلسوفًا بعد كل شيء لا أجد فيه علةً.» ثم يقول بيلاطُس بِأَنَفَةٍ: «ما هو الحقُّ؟»
وهكذا في سواءِ١ القاعة بالقلعة بين الخُوَذِ والسيوف يواجه أحدهما الآخر، فيبدو بيلاطُس مُسَلَّحًا لابسًا حُلَّتَه الرومانية القصيرة، ويبدو يسوع يهوديًّا أعزلَ مُقَرَّنًا في الأصفاد لابسًا رِداء أسمر، ويتبادل الاثنان هنالك بعض الأفكار، لا كَمُتَّهَمٍ وقاضيه، ولا كصُعلوكٍ أمام أميرٍ كبيرٍ، ولا كرجلٍ يدافع عن حياته، على حين يَزِنَ الآخر هذه الحياة في يديه المسلَّحتين، بل كما لو كان الصُّعْلُوكُ مَلِكًا والآخر سفير قيصرٍ يسير أسير وظيفته. ويظلُّ يسوع وبيلاطُس متقابلَين متأملَين متسائلَين، منصتًا أحدهما للآخر إلى أن نُطِقَ بكلمة «الحق»، فَفُصِلَ بها رجل الدنيا عن النبيِّ.
ويخرج بيلاطُس من القاعة فيقول للكهنة: «أنا لست أجدُ فيه عِلَّةً واحدةً.»
فيعترض الكهنة على ذلك بصوتٍ عالٍ قائلين: «إنه يُهَيِّجُ الشَّعْب، وهو يُعَلِّم في كلِّ اليهودية مبتدئًا من الجليل إلى هنا.»
آلجليل؟ وجد بيلاطُس الرومانيُّ في هذه الكلمة ما يتمسك به في وسط ذلك اللَّغَط، فطوى صحيفة التفكير والمداراة، فرأى تسكينَ ما يضطرب له شعبُ الله الغريبُ الأطوار، فما كاد يسمع أن يسوع جليليٌّ حتى وجد في هذا ما يخرجه من المأزق؛ وبيان الأمر: أن بلاد الجليل تابعةٌ لهِيرُودُس لا لرومة، وأن هِيرُودُس هو الآن في أورشليم، فزار بيلاطُسَ أمس. فيعود بيلاطُس إلى القاعة من غير أن يُخْبِرَ أحدًا أو يقولَ جوابًا، فَيُسَلِّمُ يسوع إلى قائد مائة وإلى بضعة جنودٍ، فَيُخْرِجُه من بابٍ خلفيٍّ ويرسلُه إلى هِيرُودُس مع سؤاله: هل يرغب في النظر إلى قضيته ما دامت بلادُ الجليل منطقةَ حكمِه؟
اضطرب هِيرُودُس في هذه الأيام؛ لِمَا علمه من وجود يُوحَنَّا في أورشليم مبعوثًا، واطلع لا ريب على ما أسفرت عنه الخصومات، وانتهى إليه في هذا الصباح خبر القضية وَالحُكْم، فعندما أُنْبِئَ بوصول النبيِّ نظر إلى الباب برغبةٍ ورهبةٍ، فوجده ليس شبيهًا بيوحَنَّا، ولكنه طَمِعَ أن ينطق بحكمةٍ فيسكِّنَ بكلمةٍ ما كان لقتله المَعْمَدان من الذِّكْرَيَات الفظيعة التي تساوره، فأخذ يسأل يسوع عن عِدَّةِ أمورٍ لم تُرْوَ إلينا.
لم يجبه يسوع عن أسئلته؛ لِمَا أَوْحَى إليه منظرُه من السوانح الآتية: «هذا الذي غَيَّرَتْ أحكامُه مَجْرَى حياتي، هذا الذي لولاه ما أضحت حياتي عَامَّةً على ما يحتمل، هذا الذي لولاه ما وَقَفْتُ هذا الموقف فصارت أوقاتُ حياتي معدودةً.»
فهل عليه أن يجيب عن أسئلته فيفسر له أمرَ النجوم والنبوءات والمُسْتَقْبَل؟ يَسْكُتُ؛ لأنه لا ينتظر الخلاص على أيدي النَّاس، يَسْكُتُ؛ لأن هذا اليهودي وذلك المشرك ليسا في نظره الذي يستطيع أن يَخْرِقَ به حُجُبَ السماوات سوى مظهرين.
من أجل ذلك عَدَّه هِيرُودُس مجنونًا غاصبًا لصيت يُوحَنَّا من غير أن يكون وارثًا لحكمته اللاذعة، فلا يصلحُ إلا ليكون مهزأةً، فَيُلْبِسه هِيرُودُس لباسَ المجانين اللامع وَيُعِيدُه إلى بيلاطُس.
وفي ذلك الحين تلاحظ زوجةُ الوالي من النافذة ذلك الرجلَ الذي عَلِمَتْ عنه أمورًا مُحَيِّرَةً للعقول في تلك الأيام، وهي قد تأملت في السنوات التي قضتها بين اليهود أشياءَ كثيرةً فَسَّرَها لها فلاسفَة رومة والإسكندرية وأساتذة أُورَشليم، وَيَشُوب معارفَها خرافاتٌ غير قليلة يُضاف إليها ما تشعُر به، لا ريب، من العطف على ذلك الناصريِّ الذي يملأ منظرُه أفئدةَ النساء، وترسل رسولًا إلى زوجها؛ ليبلِّغ إليه قولَها: «إياك وذلك البَارَّ؛ لأني تَأَلَّمْتُ اليوم كثيرًا في حُلْمٍ من أجله.»
جاء إنذارُها ذلك مؤيدًا لرأي بيلاطُس في هَوَس يسوع وحماسته، ويغضب بيلاطُس من عناد الكهنة ذوي الأَثَرَة الذين يَوَدُّون أن يُضَحُّوا من أجل مذاهبهم بمُنافسٍ قادرٍ على اختطاف ما لهم من الحُظْوَةِ لدى الشَّعْب، ويخرج إليهم للمرة الثالثة ويقول لهم: «لم أَجِدْ في هذا الإنسان عِلَّةً مما تشتكون به عليه، ولا هِيرُودُس أيضًا، فأنا أُؤدِّبُهُ وَأُطْلِقُه.»
وإن الأمر لكذلك؛ إذ يُقْبِلُ جَمٌّ غفيرٌ من المدينة ليتجمع في يوم عيد الفصح هذا تبعًا لعادةٍ قَدِيمةٍ؛ فمن عادة الرومان أن يعفوا في عيد الفصح من كل سنةٍ عن محكوم عليه؛ وذلك ابتهاجًا بالخروج من مصر، وتخفيفًا لوطأةِ سلطانهم، وجعلِها أقلَّ إيلامًا في نفوس المغلوبين، ويصل الجَمْعُ إلى باب القلعة، ويبدأ بِالصُّرَاخ كالأولاد مطالبًا باتباع العادة القَدِيمة، وطامعًا في إنقاذ حياة رجل، فيقول: «جاء الفِصْحُ، فَأَطْلِقْ سجينًا!»
قال بيلاطُس في نفسه: أليست هذه آية؟ وخاطب بيلاطُس الجَمْعَ بقوله: «أتريدون أن أُطْلِقَ لكم مَلِكَ اليهود؟»
وَيَخْفَى ما في قول بيلاطُس هذا من التهكم الخفيِّ على الجمهور وعلى الكهنة، الذين كان يدور في رءوسهم من القلق ما يَشْغَلُهم، والكهنة يعرِفون تقلُّب الشَّعْب؛ فيكفي تكريرُ كلمةٍ أو هُتَافٍ لإطلاق ذلك النبيِّ الخَطِر، الذي يلوح أن رومة تودُّ حمايته، فهنالك يذكر أحدهم سجينًا آخر من أبطال الحرية الذين يمقتهم الكهنة مع حبِّ الشَّعْب لهم، فهذا السجين الحَمِس هو الذي وصل مع عصابة من الجليليين إلى هنا في الخريف الماضي، فسبَّ الحرسَ الرومانيَّ فوُقِفَ، هو من أتباع يهوذا، هو باراباس!
«باراباس!» هذا ما صرخ به أعضاء المجمع الكبير عالمين ما فيه من معنى، «باراباس!» هذا الذي هُتِفَ باسمه في الصفوف الأمامية.
دوى المكان كله باسم باراباس، وقال الجميع، حتى الذين لا يعرفون باراباس، بصوتٍ عالٍ: «أطلق لنا باراباس!»
ويعمل بيلاطُس مرةً أخرى على إنقاذ يسوع المتهوسِ من الكهنة، ويعمل أيضًا على إلقاء المسئولية عن عاتقه في حكمٍ صعبٍ كذلك، وأن يَغْسِل يديه منه أمام الشَّعْب، فيجد في بهجة العيد ما يُجيز له أن يُصْدِرَ عفوًا آخر، فيجعل الكلمة الأخيرة للشعب فيسأله: «ماذا تريدون أن أفعل بالذي تدعونه مَلكَ اليهود؟»
فيصرخ الشَّعْب قائلًا: «اصْلِبْه!» هذا ما نَعَقَ به الكهنة بصوتٍ واحدٍ: «اصْلبْه!» هذا ما رَدَّدَه المكان والطرق «اصْلِبْه!» هذا نعيق ألوف النَّاس بِمَا لا يعرِفون، ومثلُ هذا نعيق الجمهور في كلِّ زمنٍ، وفي ألفي السنة القادمَين!
وَيُجَرِّب بيلاطُس الجمهورَ للمرة الثالثة فيسأل: «وأيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟»
فيجيبه أحدُ الأذكياء من الحضور بقوله: «إن أطلقتَ هذا فلستَ مُحِبًّا لقيصرَ، كلُّ مَن يجعل نفسه مَلِكًا يقاوم قيصرَ.»
وَيَتَبَسَّم بيلاطُس في باطنه، فيودُّ أن يؤكد حبَّ هذا الشَّعْب العجيب لقيصرَ، فَيُبَلِّغ خبره إلى رومة، فيسأل الجمهورَ: «أَأَصْلِبُ مَلِككم؟»
فيجيبه الجمهور بقوله: «ليس لنا مَلِكٌ إلا قيصر.»
وَيَعْدِلُ بيلاطُس عن الكفاح في سبيل مُتَهَوِّسٍ لا يُهِمُّه أمرُه بالحقيقة، فيأمر بإخراجه فَيُنْقَل.
وبيلاطُس فيما هو يفاوض في الخارج كان الجنود يَتَلَهَّوْن بالسجين في البرج، فهم بعد أن سمِعوا قول قائدهم: إنه سَيُؤَدَّب على كل حالٍ نزعوا منه ثوبَ هِيرُودُس اللامعَ وضربوه بِالعِصِيِّ، وهو لإصراره على التسربل عَنَّ لهم أن يُنَكِّرُوه مَلِكًا؛ لِمَا قيل عن تمثيله هذا الدور، ويخلَع أحدُ الجنود على كتفيه دِثارًا حربيًّا مشدودًا بشوكةٍ، ويناوله جنديٌّ آخر قصبةً كَصَوْلَجَان، ويقطع جنديٌّ ثالث شَوْكًا من سياج الحديقة فيصنع منه تاجًا ويضعُه فوق شعره الطويل.
وَيَمُرُّ يسوع من الباب صامتًا فَيُغْرِقُ الجمهورُ في الضحك، ويشعر رجل الدنيا بيلاطُس باحترام رجل الروح يسوع للمرة الأخيرة، حينما يقع نظره عليه خارجًا، فيدلُّ عليه بإصبعه لضباطه المحيطين به، قائلًا باللاتينية التي لا يفهمها غيرهم: «هو ذا الإنسان!» •••
يا لَثِقَل هذا الصليب! يا لبعد الطريق! سيكون الموت سهلًا، لن يكون موت، فَسَيَمُدُّ أبوه ذراعيه له، وسيفتح له باب المجد والجلال!
الجوُّ حارٌّ، وخشب السِّدر ثقيلٌ، وفي وسط هذا الخشب فُرْضَةٌ عميقةٌ لتندمج به إحدى القطعتين في الأخرى، وهو من القوة ما يكفي لِحَمْلِ رجل.
الصليبُ غيرُ ضروريٍّ لنقله إلى ملكوت السماوات من خلال السحاب، فيكفي لذلك عونُ أبيه، فمتى يأتي؟ أَيُغَطِّي الغيمُ وجهَه أم يبقى ظاهرًا؟ أيلفُّ الصليبَ بالضَّبَاب ويرفعُ يسوع حَيًّا؟ ألا يُرْسِلُ حمامته كما صنع عَبْرَ الأُرْدُن ما دام لا يبدو بذاته كما أخبر الأنبياء؟ ألا يدوي صوته كصاعقةٍ؟ ومن الزعم أن يقال: إنه لم يسمع ذلك الصوت بعدئذٍ واضحًا رخيمًا كما في الماضي! ومن الزعم أن يقال: إن كلمة «ابني الحبيب» لم تُكَرَّر له! لقد سَمِعَ بطرس ذلك فوق الجبل بالقرب من قيصرية فيلبُّس، واليوم سيسمع من جديد!
وَلِمَ يدفعه هؤلاء الجنود إلى الأمام بقسوةٍ؟ أهؤلاء الجنود من الأشرار إذن؟ هم يُنَفِّذون ما أُمِرُوا به، وآمِرُهم قائدُ المائة لا يعمل بغير ما يريده الكهنة، وإذا كان الكهنة لا يعرفون الله؛ فما هو ذنبهم؟ هم يجهلون بالحقيقة مَن يقتلون، ويجهلون ماذا يصنعون، مع أن الله قد يكون قريبًا منهم بأكثر مما يشعرون. أجل، تدلُّ ملامحهم على ما فيهم من غِلْظَة؛ ولكن الجمهور هو الذي يَحُثُّهم، وبيلاطُس نفسه هو أيضًا عبدُ الجمهور في نهاية الأمر. أَلَا إن «حديث ساعةٍ مع الرومانيِّ تكفي لحمله على اتباعي، فإلى أين؟ لنرجع إلى شاطئ بحر الجليل، فالفاكهة لا تَنْضَج هنا، وَأُورَشليم ليست إلا محلَّ حجارة.»
الصليبُ ثقيلٌ عليه؛ فلم تجفَّ عُصَارَةُ خشبه، وذلك الذي يمشي من هنالك شابٌّ قويٌّ، فليحملْه بدلًا من المَدِين، فالمسافة التي بقيت قصيرة … يدلُّ وجهه على الخير، وهو يحمل صليب غيره، وينال البشارة من حيث لا يدري، وبه ينضمُّ إلى يسوع تلميذٌ، فأين الآخرون إذن؟
ويتقدم الصليبُ الموكبَ على كتفَي ذلك الفَتَى المفتول الساعدين مترجحًا، وَيُمْتَقَعُ يسوع ويبدو طاعنًا في السن بغتةً، ويدفعه الجنودُ بِشِدَّةٍ.
ويسير قائدُ المائة راكبًا حِصانًا صامتًا عابسًا على طرف الطريق، ويبدو هو وجنوده مُتَأَفِّفِين؛ فهؤلاء يرون أن القيام بأعمال الجَلَّادين لا يلائم كرامة الجنديِّ، وقد اضطروا في المرة الأخيرة إلى البقاء يومين تحت الصليب ريثما مات المصلوب.
وتسبق أولئك كتيبةٌ أخرى إلى التلِّ فتَدُقُّ وَتُسَمِّرُ، فهنالك يوجد أيضًا يهوديان آخران من القتلة واللصوص يجب صَلْبهما، وبعض الجنود يوسِّعون الحُفَرَ في الأَرْض، وبعضهم يُسَمِّرُون ذينك الرجلين على الصليبين الممدودين على الأَرْض، ويقاوم أحدهما فَيُزْجرُ بأيدٍ قويةٍ، ويتجاهلون صُرَاخَه، وَتُسَمَّرُ كلُّ واحدة من يديه بمسمارين عظيمين، وَتُوضع إحدى رجليه فوق الأخرى، فَتُسَمَّرَان بمسمارٍ كبيرٍ واحدٍ، ويكون التسمير متينًا توفيرًا للحبل، وَيُسْنَدُ الجسم إلى مقعدٍ مائلٍ، وَتُسْنَدُ الرِّجْلان إلى لوحٍ؛ لكيلا تَزْلُقَا فَتَجُرَّا الجسم، وَيَجُرُّ الجنود ذينك الصليبين فيُدْنُونَهما من الحفرتين، فينادون رفقاءَهم ليساعدوهم على نصْبهما وتركيزهما، وإملاء تَيْنك الحُفْرَتَيْن بسرعةٍ، وَيُنْصَبُ الصليبان مع الرجلين الصارخين ألمًا في جَوٍّ حَارٍّ خانق …
ويرى يسوع ذلك كما لو كان في منامٍ، فيجد أن ذينك الرجلين من القتلة واللصوص قد ضَلَّا فحوكما، فَنُفِّذَ حكم الإعدام فيهما، كما يدل على ذلك اللوحان الصغيران المُسَمَّرَان في أعلى الصليبين، والمكتوبُ عليهما في لغاتٍ ثلاث: الحكمُ ونوع الجرم، ولا بدَّ من أن يُوضع على صليبه مثلُ ذينك اللوحين، فينظر فيجد الجنديَّ الغليظ الذي كان يَرْفُسُه منذ هنيهة يُسَمِّرُ في أعلى صليبه الخاصِّ الممدود على الأَرْض لوحةً مكتوبًا عليها: «مَلِك اليهود»، فهل حدث أن انتحل هذا؟ أليس ما يقع هنا غيرَ وهمٍ، أو أَثَرَ جنون أناسٍ أصابهم الله بِالعَمَى؟ سيكشف الأب الغطاء عن الحقِّ وَيَتَجَلَّى مجدُه حالًا!
وإنه ليفكر ويأمل إذ يشعر بأيدٍ هائلة ذات أظفار تُمسِك ذراعيه بغلظة، وتطرحه على الصليب، فيبدو له مِسْمَارٌ عظيم، فيستولي عليه ذُعْرٌ، فَيُغْمَى عليه من شِدَّةِ الألم.
ويصحو، ويشعُر بالتهاب جروحه، ويعلم أين هو من الصليبين القائمين عن يمينه وعن شماله؛ فهو لم يَصْحُ في السماوات! ويرى في أسفله جنودًا يَقْصُفُون٢ ويلعبون النردَ، ويتبيَّن رداءه على الأَرْض فيرى اللاعبين يقترعون عليه، ويألم وَيَتَنَهَّد. وينظر أحد أولئك إليه، ويشير رجلٌ آخر فَتُرْفَع إلى شفتيه إسْفَنجة مُبَلَّلة كي يشرب منها؛ لِمَا في هذا من تخفيف آلامه.
ويتمُّ صحوه فيرفض ذلك بهزِّ رأسه المحموم، فَيَهُزُّ رافعُ الإسْفَنجة إليه كَتِفَيْه مستردًّا لها، فيسوع راغبٌ عن الغَشَيَان، فهل يَدَع تلك الساعة التي انتظرها كثيرًا تفوته مكتفيًا بتسكين أَلَمِ يديه؟ ليت تلاميذَه هنا فَيَرَوْا تَجَلِّيَ نعمة الله عمَّا قليل!
الدفن.
بيدَ أن التلاميذ بعيدون والنظار قليلون؛ لأن النَّاس يحتفلون بعيد الفصح في تلك المدينة القاسية الواقعة بين تلالها الصخرية، فيا أُورَشليم! وهنالك قِبَابٌ لامعةٌ تبدو من بعيد عن الشمال، فذلك هو الهيكل؛ حيث أراد النصر، فماذا صُنِعَ فيه؟ أَفَلَمْ يُصِب الكهنوتَ بضرباتٍ قاتلةٍ؟ لقد أحسَّ الكهنة أنه يُبَشِّرُ بنظامٍ جديدٍ يُقَوِّضُ دعائمَ الهيكل القَدِيم، فيا له من كفاحٍ! فمتى ينتهي؟
ويمرُّ من هنالك رجلان فينظران إليه من الطريق، فيسمع قول أحدِهما مُسْتَخِفًّا: «يا ناقِضَ الهيكلِ وبانيه في ثلاثة أيام؛ خَلِّصْ نفسك!» ويسمع قولَ الآخر: «لينزِل الآن المسيحُ ملكُ إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن.»
فيرتعش؛ أفليسا على حقٍّ؟ فمتى تقع المعجزة؟ ويقول له القاتل المصلوبُ عن يمينه متهكمًا مُرَدِّدًا لذلك: «إن كنتَ أنت المسيحَ فَخَلِّصْ نفسَك وإيَّانا!»
فيجيبه اليائسُ المصلوبُ عن شماله: «أَوَلَا أنت تخافُ اللهَ؛ إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟ أمَّا نحن فبعدلٍ؛ لأننا ننال استحقاقَ ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله. اذكرني يا ربُّ متى جِئْتَ في ملكوتك!»
يجد يسوع في هذه الكلمات إلهامًا. أجل، يضحك الرومان الذين هم في أسفل الصُّلْبَان حين يسمعون محاورة اليهود الثلاثة المصلوبين، غير أن يسوع لا يسمع سوى صوت الإيمان؛ فهو يشعر بأن لِصًّا قاتلًا شَعَرَ بقدرة ابن الإنسان فيوقظ أمله، فيجد أن الله أجرى على لسانِ رجلٍ من أحطِّ إخوانه ما يحثُّه على الثبات على الإيمان، وتأتي كلمة الملكوت من فوق، من السماء، فتدوِّي في أذنيه، ولا يهمُّ في ذلك أن تصدر عن رأس صليب! ويفتح شَفَتَيْه الداميَتين المرتجفتَين فيقول بِمَا لا يكاد المصلوب الآخر يسمعه: «إنك اليوم تكون معي في الفردوس.»
هذا اليوم! إذن هو يرجو أن ينقذه أبوه من فوره! لا يمكن أن يكون أبوه قد أراد إصابة جسمه وأعضائه بهذه الآلام الشديدة! هو جَاهَدَ في سبيل الإيمان منذ أشارت عليه الحمامة، وأشار عليه صوت الرب بأن يهجر مهنته ليبشر بملكوت أبيه، فإذا كانت عقيدتُه غرورًا، وإذا كانت رُؤْيته وهمًا، فلماذا يرهقه النَّاس وَيُسَمِّرُون يديه اللتين لم يرفعهما للطْم إنسان أو صفعه؟ وإذا كانت هذه الآلام عرضًا، فما هي عِلَّة تبريحها وامتدادها؟
وهكذا تتجاذبه الآلام والذِّكْرَيَات وتختلط فيه، فَتَرْبُكه وتنيره في آنٍ واحدٍ، وتنقلب أفكارُه إلى سهامٍ جارحةٍ، وَشُهُبٍ زافرةٍ كالأشعة التي تُلْقِيها شمس الظهيرة على أعضائه المنهوكة، وكالنبال الصارمة التي يرمي الفلك الظالم جبينه بها.
ويدير ناظِرَيْه بحثًا عن تلاميذه وعن أصدقائه، فأين هم؟
لقد فَرُّوا!
لا أحد هنالك يُلْقِي آخرَ سُلْوَانٍ في قلب المعلِّم، لا أحد هنالك يُخَفِّفُ ألم المُعَلِّم بمذهبه، لا أحد هنالك يُدَوِّنُ أقوالَ المُعَلِّم الأخيرة فَتُحْفَظَ للذراري.
اليوم هم نِيَامٌ كما في الأمس، واليوم حَميَّتُهُم راقدةٌ أيضًا على ما يظهر. قُطِعَ تأثير المُعَلِّم فيهم، وانهار إيمانهم، وضاعت الرسالة ضَياعَ مياه الساقية في الرمال، وَنضَبَ معين الحبِّ الأَخَوِيِّ، فكأنَّ ما حدث عَبَثٌ يتوارى خلفه بضعُ نسوةٍ مبرقعاتٍ باكياتٍ على ما رُوِيَ، فهل يَخَفْنَ أن يُحيِّينه؟ تبعد عنه أمه وإخوته وَأَخَوَاته! فاللائي ينتظرن هنالك ناحباتٌ غريباتٌ، وتلك التي تحترق ألمًا من أجله هي مُذْنِبَةٌ، هي التي مسحت بشعرها رِجْلَ يسوع ذات يومٍ في مدينةٍ صغيرةٍ على شاطئ بحر الجليل، وآخر مَن ينظر ثلاثُ نساءٍ صيادين عَرَفْنَ رسالةَ المَحَبَّة التي بَشَّرَ بها، فأين الألوف؟ أفيبقى أثرٌ لِمَا عَلَّمَه في الصيف الأخير؟ وهل يدوم إنجيله إذا ما تَفَرَّقَ تلاميذه أيدي سبأ؟ وإذا ما ذَرَت الرياح رسالتَه فماذا يبقى منه؟ لا يُعَدُّ إذ ذاك أسمى من إخوته الذين رَأَوْه ممسوسًا!
وتزيد آلام بدنه المنهوك بين دقيقةٍ ودقيقةٍ كما لو كانت نيرانٌ تشتعل فيه أو ضَوَارٍ تُمَزِّقه.
وينقضي بضع ساعات فقط فيشعرُ بانكسار قلبه الرقيق فيه، ويغشى عقلَه وخيالَه غيوم، ويستغلق إيمانُه وَأَلَمُه، ويبدو نسيجَ آلام فيفتح شفتيه بعد طويل صمت، فزاد فيه ما ساوره من قنوطٍ في بستان جَثْسَيْمَاني، وتتحول الرغبة في الفِرَار من التضحية إلى اتهام، وتَذوِي أحلام الحياة المثالية، ويتفرق جميع مَن شفاهم وَمَن عَلَّمَهم كَغُبَارٍ في ريح، وَيُحَوِّلُ أبوه الذي فَوَّضَ أمره إليه وجهَه عن أحبِّ أبنائه إليه، فلا يَعْطِف عليه مُبَرِّحًا به الألم، وتبدو روحه بعيدة من هنا، ويطوي كشحًا عن الأَرْض، ويظل الابنُ وحيدًا، ويعود الأبُ غيرَ أب، ويسوع إذ يرى أنه هُجِرَ وتُرِكَ وحده، ويرى ذبول جسمه وانكسارَ فؤادِه يصرُخُ قائلًا: «إلهي! إلهي! لماذا تركتني؟»
ويسمعه الجند فَيَكُفُّون عن لَعب النَّرْدِ، ويرفع قائد المائة عينيه فيأمر أحدهم أن يَصُبَّ على الإِسْفَنْجَة قليلًا من الخلِّ الموضوع في إناء، فتقدم إلى فمه، فينظر إليها بعينيه المنطفئتين، فَيُرْخِي شَفَتَيْه فيرتشفها ما انقطع كلُّ أملٍ فيه، ثم تعود آلام أعضائه إلى أشدَّ مما كانت عليه؛ فيصرخ بصوتٍ عظيمٍ.
وَتُخْتَمُ بهذا الصوت حياةٌ ما فَتِئَتْ تُعَبِّرُ عن نفسها في ثلاثين سنة بصوت المَحَبَّة العَذْب الذي يُلْقِي السُّلْوَان إلى الآخرين، وبموسيقَى القلب الصامتة. •••
«هل مات؟» هذا ما سأله بيلاطُس عندما جاءَه مشيرٌ من المجمع الكبير ليطلب تسليم الجُثْمَان إليه ما أعلن إيمانه به. ومن عادات الرومان أن جُثَّةَ الجاني الذي يُنَفَّذُ فيه حكم الإعدام تُسَلَّمُ إلى أقربائه أو أصدقائه، وما كان هذا لِيَتِمَّ إلا بعد أن استدعى بيلاطُس قائد المائة، فَبَيَّن أن يسوع مات على الصليب بعد انقضاء بضع ساعاتٍ، فوافق الوالي بيلاطُس على وضعه عن الصليب من غير أن تُكْسَرَ ساقاه، كما كُسِرَت سِيقان المصلوبيْنِ الآخرَيْنِ تعجيلًا لهلاكهما، ما كان الغد يومَ سبت، وما وَجَبَ تمامُ كلِّ شيءٍ قبل حلوله.
وَيُنْزِلُ هذا الغريبُ وَالنِّسْوَةُ يسوع عن الصليب بسرعةٍ؛ خوفًا من تدخُّل أيِّ رجلٍ آخر، وَيُلَفُّ جُثْمَانُه بكفنٍ أبيض، وَيُنْقَلُ إلى قبرٍ جديدٍ نُحِتَ في صخر بستانٍ يملكه المشير قريبًا من أبواب المدينة لِيُوضعَ فيه مؤقتًا؛ درءًا لاحتمال تَدَخُّلِ الكهنة في الأمر، وذلك من غير أن يُمْسَحَ بِحَنُوطٍ وأطيابٍ، فإذا ما انقضى السَّبْت دفنوه على حسب الطقوس، وَيُكْتَفَى بدحرجة حجر كبير على باب القبر ما سطع نجم المساء ووجب إنجاز الأمر بعد السَّبْت.
وتجيء النساء في مساء اليوم التالي حاملاتٍ حَنُوطًا وأطيابًا، وترغب مريم المجدلية في دهنه ميتًا كما دهنته حَيًّا، وَمَن يُزحزح الحجر الكبير لهنَّ؟ لَسْنَ قوياتٍ ولم ينظُرنْ هنالك أحدًا، وَيَصِلْنَ إلى حيث دُفِنَ بالأمس فَيَجِدْنَ الحجر في غير محله، والقبرَ خاليًا من الجُثْمَان!
تَعْلَمُ أُورَشليمُ الخبرَ، وَتَذِيعُ فيها مئات الشائعات المتناقضة، فقال بعض النَّاس: إن بيلاطُس نَدِمَ على إذنه في صلب يسوع فأخرج الجُثْمَان من هنالك ودفنه في مكانٍ آخر، وقال بعضٌ آخر: إن الكهنة سَرَقوا الجُثَّةَ لكيلا يعبُدَها الجمهور، وقال آخرون: إن البستانيَّ هو الذي صنع ذلك منعًا لِمَا يَنْجُمُ عن زيادة الآتين والذاهبين من إتلاف بستانه، وقال أناسٌ: إن ذلك من عمل أوغادٍ يَعْتَدُون على القبور في الغالب لانتهابها، وقال فريقٌ خامسٌ: إن إنسانًا لا يموت على الصليب في ثلاث ساعات؛ فقد أخرجه تلاميذُه من موته الظاهر وَأَخْفَوْهُ في مكانٍ أمين. ويذهب الكهنة إلى بيلاطُس ويلومونه على تساهله، وَيُعْرِبون له عن الارتباك الكبير الذي يسفر عن سماحه لتلاميذه بأن يختطفوا جُثَّتَه؛ لأنهم سيزعمون أنه بُعِثَ بعد موته.
غير أن النسوةَ المُحِبَّات له اعْتَقَدْنَ عن شِدَّةِ وَجْدٍ أنهن رأينه بأعينهن قد بُعِثَ حَقًّا.
١
السواء: الوسط بين حدين.
٢
قصف يقصف قصفًا وقصوفًا: أقام في أكلٍ وشربٍ ولهوٍ وأكثر من ذلك.
ابن الإنسان: حياة نبي |
من أفضل ما قيل عن الكتاب
تستحق أليس مونرو عن جدارة لقب أفضل كاتبة روائية في أمريكا الشمالية الآن. ومجموعة «الهروب» ما هي إلا رائعة أخرى من روائعها.
ذا نيويورك تايمز بوك ريفيو
تُعتبر مونرو واحدة من أرقى كتَّاب الرواية المعاصرين، ويمكنك الرجوع إلى أيٍّ من القصص الثمانية في المجموعة القصصية «الهروب» لتعرف سبب ذلك.
تايم
مجموعة قصصية مثالية … تشعرك وكأنها مجموعة مصغرة من الروايات، فحياة الشخصيات التي ترسمها لنا مونرو على هذه الصفحات ثرية وعميقة ومكتملة الجوانب.
شيكاجو تريبيون
أليس مونرو كاتبة تتمتع بالحس المرهف ولديها رؤية عميقة. تقدم لنا مونرو شخصيات واقعية برؤية متسقة.
جائزة قراء مجلة إل
تتمتع أليس مونرو بالحكمة في ضروب العواطف البشرية، كما أن قصصها شديدة الثراء … حتى إن قصة قصيرة لا تتعدى خمسين صفحة تشعرك بأنها مكتملة الأركان وكأنها رواية طويلة.
جائزة اختيار نقاد مجلة بيبول
هذه المجموعة مليئة بالروائع الصغيرة التي تنير الحياة الواقعية … إنها عميقة في كثير من النواحي المهمة.
سياتل بوست إنتيليجِنسر
هذه المجموعة القصصية أروع من أن يفيها حقها اقتباس أو ملخص؛ السبيل الوحيد لذلك هو قراءتها … وهو ما يعود بي إلى الجملة التي رددتها كثيرًا: اقرءوا أعمال أليس مونرو.
جوناثان فرانزن، ذا نيويورك تايمز بوك ريفيو
مونرو واحدة من عظماء القرن العشرين.
نيوزداي
تنبض هذه القصص بالتألق والحكمة الموجعة، كما تتسم بالطرافة والروعة والمأساوية، وتظل مسيطرة على القارئ لساعات بعد قراءتها مثلها مثل الطقس المحيط به.
هيوستن كرونيكل
مجموعة متميزة مكتوبة ببراعة. تبرع مونرو في نقل الحياة الداخلية. إن أي مجموعة من قصص أليس مونرو بحكمتها ورقتها واستبصارها هي بلا شك متعة.
إنترتينمنت ويكلي
إنها ببساطة تأسر الألباب.
فورت وورث ستار تيليجرام
ليس من الشائع أن تجد قصصًا موجعة مثل الجروح، قصصًا تخطف الأنفاس، إلا إذا قرأت قصص أليس مونرو … إن قصصها لا تقدم لنا أفكارًا متكررة ولا مجرد حِكَم مريحة حول اكتساب القوة من خلال الصعاب، بل تقدم لنا إحدى أهم النعم التي يمنحنا إياها الأدب؛ وهي أن يجعل الأشياء التي لا تُحتمل محتملة إلى حدٍّ ما.
ذا بالتيمور صن
مجموعة قصصية آسرة … إن مونرو تفعل ما يحلم معظم الكتاب بفعله وتنجح في ذلك، صفحة بعد صفحة، وقصة بعد قصة، ومجموعة بعد مجموعة.
ذي أوريجونيان
هذه المجموعة تمثل مونرو تمامًا بكل ما تتميز به من أداء استثنائي.
كويل آند كواير
مجموعة قصصية كُتبت ببراعة وتتميز بواقعية مذهلة … فشخصياتها حقيقية للغاية، حتى إنك تراها تنظر إليك على صفحات الكتاب. كنت أضطر إلى إغلاق الكتاب بعد أن أنتهي من قراءة كل قصة حتى أترك هذه التجربة تترسخ في ذهني.
آشلي سيمبسون شايرز، روكي ماونتن نيوز
أليس مونرو كاتبة رفيعة الطراز … إن قصصها من أثرى القصص على الإطلاق؛ فصداها يتردد مثل أي رواية متميزة.
ذا بلين ديلر
رائعة … مذهلة … إن مونرو لم تضعفها السنون، وإنما زادها مرور الزمن ذكاءً وفطنة.
فرانسين بروز، مور
مجموعة قصصية تترك أثرًا في النفس ولا تُنسى.
ذا نيويورك أوبزرفر
ترصد أليس مونرو أسرار النفس البشرية وألغازها، ويستطيع المرء تلمُّس ما بها من تشويق … إن عنصر المفاجأة المشوق في الحياة الواقعية التي تصر عليه أليس مونرو دائمًا — ولها الحق في ذلك — هو ما يشد القارئ إلى النهاية.
لوري مور، ذي أتلانتك مَنثلي
إن أقصر اللحظات بين يدَي أليس مونرو تحوي أهم الحقائق في حياة الإنسان.
ماكلينز
استطاعت مونرو من مجموعة محدودة من المكونات الأساسية أن تغزل بيديها تباديل لا نهاية لها من الرغبات ومشاعر اليأس والآمال الخائبة ووابلًا من التجليات … فكل واحدة من هؤلاء النساء اللاتي ظهرن في قصصها مختلفة عن الأخرى، وهذه روعة أليس مونرو.
ذا فيليدج فويس
تعد هذه المجموعة القصصية عملًا إبداعيًّا لأحد أكثر الأدباء تعمُّقًا في الروح البشرية.
يو إس إيه توداي
تتفوق أليس مونرو على جيمس جويس وتقهر تشيكوف … كل قصة من قصص هذه المجموعة تحوي تفاصيل حياتية كاملة تكفي لأن تكون رواية بذاتها … نساؤها يتَّسمن بالبطولة … فتلتصق في ذهن القارئ ولا تغادره.
ذا بوسطن جلوب
كما هو حال الكثير من قصص أليس مونرو، عندما نقرؤها نشعر بأن مواقفنا كلها تتغير وتكتسب عمقًا. فهل هناك ما هو أفضل من ذلك؟ … إنه حقًّا عمل جديد رائع.
لوس أنجلوس تايمز
تثبت العظيمة أليس مونرو مجددًا أن كُتَّاب القصة القصيرة لا يملكون إلا الانحناء لها إجلالًا وتقديرًا.
فانيتي فير
الهروب |
الهروب
سمعتْ كارلا صوت السيارة وهي قادمة حتى قبل أن تعتلي ذلك المرتفع الصغير في وسط الطريق، والذي يطلقون عليه التل هنا في الجوار. إنها هي، هكذا قالت لنفسها. رأت السيدة جاميسون — سيلفيا — في طريقها إلى منزلها بعد أن أمضت إجازتها في اليونان. ومن خلال باب الإسطبل — حيث وقفت مبتعدة حتى لا يستطيع أن يلمحها أحدٌ بسهولة — راحت ترقُب الطريق الذي كان على السيدة جاميسون أن تقطعه بالسيارة؛ فقد كان منزلها يبعد حوالي نصف ميل بطول الطريق عن منزل كلارك وكارلا.
ولو أن أحدًا على وشك الانعطاف بسيارته مقتربًا من بوابة منزلهم، لكان عليه أن يهدئ من سرعته الآن، ولكن لا يزال الأمل يداعب كارلا، فقالت في نفسها: «ليتها لا تكون هي.»
ولكنها كانت هي بالفعل. التفتت السيدة جاميسون مرة واحدة صوب منزل كارلا بسرعة — وقد كانت تبذل أقصى ما تستطيع وهي تراوغ بسيارتها عبر الحفر الصغيرة والأوحال التي خلَّفها المطر على الأرض المفروشة بالحصى — بَيْدَ أنها لم ترفع يدها عن عجلة القيادة لتلوِّح بها؛ إذ إنها لم تلحظ كارلا. لمحت كارلا ذراعها المكتسبة سمرة من الشمس وقد كشفت عنها حتى كتفها، وشعرها وقد أضحى فاتحًا عن ذي قبل؛ فقد أصبح يميل أكثر الآن إلى اللون الأبيض منه إلى اللون الأشقر الفضي، وقد لمحت أيضًا تعبيرًا ينمُّ عن الإصرار والحنق، وقد كانت هي نفسها منشغلة بهذا الحنق، تمامًا على النحو الحري بالسيدة جاميسون وهي تقطع مثل هذا الطريق. عندما أدارت السيدة جاميسون رأسها كان هناك شيءٌ أشبه بالنظرة اللامعة — التي تشي بالتساؤل والأمل — وهو الأمر الذي جعل كارلا تجفل.
إذن.
ربما لم يعلم كلارك بقدومها بعد. إن كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر، فلا بد وأن ظهره كان باتجاه النافذة والطريق.
ولكن قد تضطر السيدة جاميسون إلى أن تقطع رحلة أخرى، فربما لم تتوقف عند أيٍّ من مَحال البقالة لابتياع احتياجاتها وهي في طريقها من المطار إلى المنزل؛ إذ إنها لن تفعل حتى تصل إلى المنزل وترى ما الذي تحتاجه؛ وعندئذ قد يراها كلارك، أو قد يعرف بقدومها عندما يهبط الظلام وتُضاء أنوار منزلها، ولكنه شهر يوليو، ولا يحل الظلام حتى وقت متأخر، وربما يواتيها الشعور بالتعب والإرهاق فلا تحفل بأمر الأضواء، وقد تأوي إلى الفراش مبكرة.
ولكنها من ناحية أخرى، قد تهاتفهم في أي وقت من الآن. •••
إنه موسم الأمطار، بل الأمطار الغزيرة؛ فهي أول شيء يترامى إلى مسامعك في الصباح؛ حيث تتساقط زخاتها محدِثة صوتًا عاليًا على سطح المنزل المتنقل. وترى الطرق وقد تراكمت بها الأوحال، والحشائش الطويلة غمرتها مياه المطر، وأوراق الشجر تبعث بالماء المنهمر على نحو عشوائي بين الحين والآخر حتى في تلك الأوقات التي لا تنهمر خلالها الأمطار وتبدو السماء وكأنها في سبيلها إلى الصفاء. وكانت كارلا كلما ذهبت للخارج في ذلك الوقت ترتدي تلك القبعة العالية العريضة من اللباد ذات الطابع الأسترالي القديم، وتدس بجديلتها الكثيفة الطويلة داخل القميص الذي ترتديه.
لم يأتِ أحدٌ لتَلَقِّي دروس الفروسية وتعلُّم ركوب الخيل عبر الطرق الوعرة، بالرغم من أن كلارك وكارلا جابوا حول المدينة واضعين الملصقات في كل المخيمات، والمقاهي، واللوحات الإعلانية المخصصة للسائحين، وفي أي مكان آخر يَرِد على أذهانهم. ولم يأتِ للدروس سوى بضعة تلاميذ، وكانوا من المجموعة التي تتردد بانتظام، وليسوا من مجموعات أطفال المدارس التي تمضي عطلاتها الصيفية، أو ممن تقلُّهم الحافلات من المخيمات الصيفية، وهو ما جعلهم مشغولين كثيرًا خلال الصيف الماضي. وحتى طلاب تلك المجموعة المنتظمة التي كانوا يعتمدون عليها، كان منهم من يأخذ إجازة من الدروس من أجل القيام برحلات أيام العطلة، أو من كان يلغي ببساطة تلك الدروس بسبب أحوال الطقس غير المشجعة، وإذا ما حدث واعتذر أحدهم في وقت متأخر، فإن كلارك كان يطالبه بثمن الوقت المهدر على أي حال. وحدث أن تذمر اثنان منهما، وغادرا بلا رجعة.
ولكن لا يزال هناك بعض الدخل يأتي إليهم من وراء العناية بثلاثة خيول. وكانت تلك الخيول الثلاثة، إضافة إلى الخيول الأربعة التي يمتلكونها تتجول بالخارج الآن، وتجوب بحرية في الحقول وسط الحشائش التي تظللها الأشجار. وبدا وكأنها لا تهتم بملاحظة توقُّف الأمطار في تلك اللحظة، وهو ما اعتادت عليه لبرهة في معظم الأيام خلال فترة ما بعد الظهيرة. أضحت السحب أكثر بياضًا وصفاءً، وسمحت بتخلل بعض الضوء خلالها بما يكفي لترتفع المعنويات، ولكنه ضوء خافت لا يصل إلى درجة إشراقة الشمس، بل سرعان ما يذوي قبل موعد العشاء.
انتهت كارلا من إزالة الروث من الإسطبل. واستغرقت وقتها المعتاد — فهي تهوى إيقاع أعمالها الروتينية اليومية، والمسافة العالية أسفل سقف الإسطبل، والروائح المنتشرة في المكان — وها هي قد ذهبت الآن لتتفقد حلقة التدريبات وترى مدى جفاف الأرض، وذلك في حال قدوم تلميذ الساعة الخامسة للتدريب.
معظم الأمطار التي تهطل بانتظام ليست أمطارًا غزيرة على وجه الخصوص، ولا تصاحبها أي رياح، غير أنه حدث في الأسبوع الماضي أن نشطت الرياح نشاطًا مفاجئًا، وأعقبها هبوب عاصفة شديدة راحت تهز قمم الأشجار العالية وصاحبها هطول أمطار غزيرة. وفي غضون ربع ساعة، كانت الرياح قد هدأت، ولكن سقطت من جرَّائها بعض فروع الأشجار وتمدَّدت بعرض الطريق، وهوت خطوط الطاقة الكهربائية المائية، وتمزَّق جزء كبير من السقيفة البلاستيكية التي تظلل حلقة التدريب. وتجمَّعت المياه مكوِّنة بركة صغيرة أشبه بالبحيرة في نهاية مضمار التدريب، وعكف كلارك على العمل إلى ما بعد حلول الظلام وهو يحاول حفر قناة لتصريف تلك المياه.
ولم يَقُم كلارك بإصلاح السقف إلى الآن، ولكنه وضع سياجًا من الأسلاك حول حلقة التدريب حتى لا تدلف الخيول وسط الأوحال، ووضعت كارلا علامات جديدة لتحديد مضمار أصغر للتدريب.
جلس كلارك يبحث عبر مواقع الإنترنت عن مكان يبتاع منه سقيفة، كأحد منافذ بيع الأشياء المستعملة، التي تعرض أسعارًا في متناول أيديهما، أو عن طريق شخص ما يريد الاستغناء عن مثل هذه المواد ويعرضها للبيع. فهو لن يذهب إلى متجر هاي آند روبرت باكلي لمواد البناء في المدينة، والذي يُطلق عليه متجر اللصوص والمنحرفين على الطريق السريع؛ فهو يدين لهم بالكثير من المال، علاوة على أنه قد تشاجر معهم من قبل.
ولا يتشاجر كلارك مع الأشخاص الذين يدين لهم بالأموال فحسب؛ فأسلوبه الودود الكيس، والذي يكون رائعًا في البداية، قد ينقلب فجأة إلى غضب شديد؛ فهناك على سبيل المثال بعض الأماكن التي لا يمكن أن يذهب إليها بسبب شجار ما، ويجعل كارلا تنوب عنه في ذلك. ومن بين هذه الأماكن متجر الأدوية؛ فقد حدث ذات مرة أن دفعت سيدة عجوز نفسها في صف الانتظار وتقدَّمته — كانت قد عادت لتأخذ شيئًا نسيته ورجعت مرة أخرى ودفعت بنفسها للأمام بدلًا من أن تقف في نهاية الصف — وعندئذ تذمَّر كلارك واشتكى، فقال له الكاشير: «إنها تعاني من انتفاخ الرئة.» فقال كلارك: «أحقًّا هو الأمر كذلك؟ وأنا عن نفسي أعاني من البواسير.» واستُدعي المدير المسئول وقال إن هذا ليس له داعٍ على الإطلاق. وفي المقهى الذي يقع على الطريق السريع لم يحصل على الخصم المعلن عنه على وجبة الإفطار؛ وذلك لأن الساعة كانت قد جاوزت الحادية عشرة صباحًا، واعترض كلارك على ذلك، ورمى قدح القهوة الذي طلبه على الأرض، والذي أوشك أن يصيب طفلًا في عربته كما قال القائمون على المقهى، فأجابهم بأن الطفل يبعد عن القهوة مسافة نصف ميل، وأن قدح القهوة سقط من يده لأنهم لم يقدِّموه بالسوار الخاص به، فأجابوه بأنه لم يطلبه، فرد بأنه لا ينبغي له أن يفعل.
قالت كارلا: «إنك تستشيط غضبًا.»
قال: «هكذا يتصرف الرجال.»
ولم تنبِس ببنت شفة عن شجاره مع جوي تاكر. وجوي تاكر هي أمينة مكتبة في المدينة تحتفظ بفرسها لديهما ليوفِّرا لها العناية اللازمة. كانت الفرس كستنائية اللون، حادة الطباع، تسمَّى ليزي، وتُطلق عليها جوي تاكر — عندما تكون في حالة مزاجية جيدة — ليزي بوردِن. وبالأمس توقفت لتلقي نظرة على الفرس، ولم تكن في حالة مزاجية جيدة، وراحت تشتكي بشأن السقف الذي لم يُصلح بعد، ومظهر ليزي الذي يبدو مزريًا، كما لو أنها مصابة بالبرد.
وفي حقيقة الأمر، لم يكن ثَمة مشكلة تتعلق بليزي. وقد حاول كلارك من جانبه أن يلطِّف الأمر حتى لا يفقد أعصابه، ولكن كانت جوي تاكر هي من انفجرت غاضبة، وقالت إن المكان ليس سوى مقلب للنفايات، وإن ليزي تستحق ما هو أفضل من ذلك، فرد كلارك قائلًا: «افعلي ما يتراءى لكِ.» ولم تأخذ جوي ليزي من المكان — أو أنها لم تفعل بعد — كما توقعت كارلا. وقد رفض كلارك — الذي كان يعامل الفرس كأنها حيوانه الأليف — أن يواصل اهتمامه بها. وحزنت الفرس نتيجة لتغيُّر المعاملة، فأصبحت أكثر عنادًا وتشبثًا أوقات التدريبات، وصارت تُحدِث جلبة كبيرة عند تقليم حوافرها، كما يفعلان كل يوم خشية نمو الفطريات. وكان على كارلا أن تحترس من عضة الفرس.
ولكن الشيء الأسوأ في اعتقاد كارلا هو غياب فلورا؛ وهي النعجة البيضاء الصغيرة التي تصاحب الخيل في الإسطبل وفي الحقول. فلم تلمح لها أثرًا منذ يومين، وتخشى كارلا أن يكون أحد الكلاب الشرسة أو ذئاب القيوط قد افترسها، أو حتى أن يكون قد فتك بها دبٌّ.
كانت قد رأت فلورا في أحلامها الليلة الماضية والليلة قبل الماضية. في الحلم الأول رأت فلورا وهي تقترب نحو الفراش وفي فمها تفاحة حمراء، ولكن في الحلم الثاني — ليلة البارحة — جرت فلورا مبتعدة عندما رأت كارلا تتجه نحوها. وبدت رجلها مصابة، ورغم ذلك هرولت مبتعدة. قادت فلورا كارلا إلى حاجز من الأسلاك الشائكة من ذلك النوع الذي تراه في ساحة المعارك، ثم تسللت فلورا خلاله، وقد جرحت ساقها ومعظم جسدها، ولكنها انزلقت خلاله مثل ثعبان البحر الأبيض وغابت عن النظر.
لمحت الخيول كارلا وهي تمر عبر حلقة التدريبات، وتحرَّكت جميعها حتى وصلت إلى السياج لكي تراها كارلا في اتجاه عودتها، وقد بدت الخيول متسخة بعض الشيء بالرغم من أغطيتها الجديدة الواردة من نيوزيلاندا. تحدثت إليها كارلا بصوت خفيض، واعتذرت لأنها جاءت خالية الوفاض. أخذت كارلا تُرَبِّت على أعناقها وتمسح على أنوفها برفق وتسألها إن كانت تعلم شيئًا عن فلورا.
أصدر جريس وجونيبر صهيلًا عاليًا، وراحا يحرِّكان أنفيهما لأعلى كما لو أنهما قد أدركا الاسم ويشاركانها القلق، ولكن ليزي دفعت برأسها بينهما وأخذت تدق برأسها على رأس جريس حتى تبعدها عن يد كارلا التي تُرَبِّت عليها، بل إنها عضَّت يدها، وأمضت كارلا بعدها بعض الوقت في توبيخها. •••
حتى ثلاث سنوات مضت لم تكن كارلا تفكر في أمر المنازل المتنقلة، بل إنها لم تكن تطلق عليها مثل هذا الاسم أيضًا. ومثلها كمثل والديها، كانت تنظر إليها كشيء ينمُّ عن التكلف والمظهرية؛ فهناك بعض الأفراد يعيشون في عربات سكنية جاهزة، هذا كل ما في الأمر. ولم تكن هناك عربة سكنية تختلف عن الأخرى؛ فكلهم سواء، ولكن عندما انتقلت كارلا للعيش هنا، واختارت هذه الحياة مع كلارك، بدأت ترى الأشياء بطريقة مختلفة، فأخذت تردد تعبير المنزل المتنقل، وتلاحظ كيف يجهِّزونه ويعدُّونه؛ تلاحظ مثلًا أنواع الستائر التي يعلِّقونها، والطريقة التي يتمُّ بها طلاء الأطراف التزيينية، وكيفية إعداد الأرضيات والأفنية الداخلية، وبناء المزيد من الغرف. ولم تُطِق صبرًا حتى تُدخِل هي الأخرى تلك التحسينات.
وقد شاركها كلارك أفكارها لفترة؛ فقد قام بتركيب بضعة سلالم جديدة، فاستغرق بعض الوقت وهو يبحث عن درابزين من الحديد المُطوع. ولم يشتكِ بشأن النقود التي أنفقها على طلاء المطبخ، أو دورة المياه، أو شراء بعض المواد اللازمة من أجل الستائر. وكانت كارلا تقوم بمهام الطلاء على عجل آنذاك، فلم تكن تعرف وقتها أنه ينبغي نزع مفصلات باب الخزانة قبل طلائها، أو أنه يتعيَّن تبطين الستائر، التي بهت لونها الآن بعد مرور كل هذا الوقت.
ولكن الأمر الذي عارضه كلارك هو التخلص من الأبسطة، التي كانت متشابهة في كل غرفة، وهو الشيء الذي رغبت في تغييره بشدة. لقد كان البساط مقسَّمًا إلى مربعات بنية صغيرة، وكل مربع يحتوي على أنماط وخطوط مائلة وأشكال بنية اللون بلون الصدأ. وقد اعتقدت لفترة طويلة أن الخطوط المائلة والأشكال منظمة بنفس الطريقة داخل كل مربع، ثم كان لديها الوقت الكافي فيما بعد — بل وقتًا طويلًا — لكي تركز انتباهها وتتأملها جيدًا، ثم فطنت إلى أن هناك أربعة نماذج وأشكال مجتمعة معًا لتكون مربعات كبيرة متماثلة. وكانت تستطيع في كثير من الأحيان أن تلمح ذلك النسق بسهولة، وفي أحايين أخرى كانت تستغرق بعص الوقت لكي تتبيَّنه مرة أخرى.
لقد كانت تفعل ذلك وقت سقوط الأمطار، وعندما يكون مزاج كلارك معتلًّا بدرجة تملأ المنزل بالكآبة، ولا يريد أن يعير اهتمامه لأي شيء سوى شاشة جهاز الكمبيوتر، فإنه كان من الأفضل بالنسبة لها أن تختلق أو تتذكر عملًا تؤديه في الإسطبل. ومن عادة الخيل ألا تلتفت إليها عندما تبدو حزينة، ولكن فلورا — التي لم يكن من عادة كارلا أن تقيِّدها قط — هي الوحيدة التي كانت تقترب منها وتتمسَّح بها، وتنظر إليها بعينين خضراوين لامعتين تميل إلى الصفرة بتعبير هو أقرب إلى سخرية ودودة منه إلى التعاطف.
كانت فلورا لا تزال صغيرة عندما أحضرها كلارك من إحدى المزارع التي ذهب إليها لمساومة أصحابها على شراء أطقم للأحصنة، كان هؤلاء الأشخاص ممن سئموا حياة الريف، أو على الأقل من تربية الحيوانات، وقد أفلحوا في بيع الخيول، ولكنهم لم يستطيعوا التخلص من الماعز. كان كلارك قد سمع عن قدرة الماعز على جلب الإحساس بالراحة والطمأنينة داخل الإسطبل؛ لذا أراد أن يجرب ذلك، وكانا ينتويان أن يجعلا النعجة تتزاوج، ولكن لم تبدُ عليها أيٌّ من علامات البلوغ.
كانت فلورا في أول الأمر أشبه بحيوان كلارك المدلل، تتعقبه في كل مكان، وتُحدِث جلبة من أجل أن تلفت انتباهه، فكانت سريعة ورشيقة، ومحبَّة للعب كهُرَيْرة، وأشبه بفتاة ساذجة واقعة في الحب، وهو ما كان يدفعهما إلى الضحك. ولكن عندما تقدَّمت في العمر، أضحت أكثر ارتباطًا بكارلا، ومن خلال ذلك الارتباط أصبحت فجأة أكثر استكانة، وأقل نشاطًا ولعبًا، وبدت قادرة على إظهار بعضٍ من الدعابة والسخرية غير الصاخبة. كان أسلوب كارلا في معاملة الخيول ينطوي على الرفق والحزم، وأقرب إلى الأمومة، ولكن كانت رفقة فلورا مختلفة تمامًا، فلم تكن تسمح لكارلا بأي شعور بالسيادة عليها.
قالت وهي تخلع الحذاء الخاص بالإسطبل: «أمَا من أخبار بشأن فلورا؟» فقد كان كلارك قد نشر إعلانًا على شبكة الإنترنت يحمل عنوان «نعجة مفقودة».
أجابها بلهجة تنمُّ عن انشغاله، ولكنها تحمل بعض الود في ذات الوقت: «ليس بعد.» وكان في رأيه — وليست هي المرة الأولى التي يعبر فيها عن ذلك — أن فلورا قد ذهبت لتبحث لنفسها عن شريك للتزاوج.
ليس ثَمة خبرٌ عن السيدة جاميسون. أوقدت كارلا الغلاية، وكان كلارك يتمتم ببعض الكلمات لنفسه كما كان يفعل عادة وهو يجلس أمام شاشة الكمبيوتر.
كان يتحدث إلى الجهاز في بعض الأحيان، وقد يتفوَّه بكلمة «هراء» عندما يواجه صعوبة أو تحديًا ما، أو قد ينفجر ضاحكًا على مزحة، ولكنه لا يتذكرها عندما تسأله عنها فيما بعد.
نادته كارلا قائلة: «هل تريد قدحًا من الشاي؟» ولدهشتها الشديدة وجدته قد نهض من مكانه واتجه صوب المطبخ.
قال: «إذن كارلا …»
«ماذا؟»
«إذن، فقد اتصلت.»
«مَنْ؟»
«جلالة الملكة؛ الملكة سيلفيا، لقد عادت لتوِّها.»
«لم أسمع صوت سيارتها.»
«لم أسألك إن كنتِ قد سمعتِ.»
«إذن ما الشيء الذي اتصلت من أجله؟»
«لقد كانت تريدك أن تذهبي وتساعديها في ترتيب المنزل. هذا هو ما قالته. غدًا.»
«وبماذا أجبتها؟»
«لقد قلت لها: بكل تأكيد، ولكن من الأفضل أن تحادثيها بنفسك وتؤكدي على ذلك.»
قالت كارلا وهي تصب الشاي في الأقداح: «ولِمَ أفعل طالما أنك أخبرتها بذلك؟ لقد قمت بتنظيف المنزل بالفعل قبل أن تغادره، ولا أدري ما الذي يمكن أن أفعله ثانية بهذه السرعة.»
«لا تدرين، ربما تكون قد تسللتْ إلى المنزل بعض حيوانات الراكون وأحدثت بعض الفوضى.»
ردت قائلة: «لستُ مضطرة لمحادثتها في التو واللحظة، فأنا أريد أن أحتسي الشاي، ثم آخذ حمامًا.»
«لو عجَّلتِ بالأمر لكان أفضل.»
أخذت كارلا قدح الشاي معها إلى الحمام وهي ترد عليه قائلة: «علينا أن نذهب إلى المغسلة؛ فالمناشف عطنة الرائحة بالرغم من أنها قد جفَّت.»
قال: «لا تُديري دفة الحديث يا كارلا.»
وحتى بعد أن دخلت بالفعل لتأخذ حمامها وقف هو خلف الباب وقال لها:
«لن أسمح لك بالهروب من مسئولياتك يا كارلا.»
اعتقدتْ كارلا بعدما انتهت من حمامها أنه ربما لا يزال واقفًا في مكانه، ولكنه عاد ليجلس أمام شاشة الكمبيوتر. ارتدت ملابسها كما لو أنها ذاهبة إلى المدينة، وأملت في أنهما لو تمكنا من الخروج وذهبا إلى المغسلة، وجلسا في أحد المقاهي، فمن الممكن حينها أن يتحدثا بأسلوب مختلف، وأن تخفَّ حدة التوتر ويسود بعض الهدوء. اتجهت نحو غرفة المعيشة بخطوة رشيقة وطوَّقته بذراعيها من الخلف، ولكن بمجرد أن فعلت ذلك اعترتها موجة من الحزن — ربما كانت حرارة المياه هي ما جعلتها تطلق العنان لدموعها — وانحنت أمامه وهي تبكي منهارة.
رفع يده عن لوحة المفاتيح، ولكنه لم يحرك ساكنًا.
قالت: «لا تغضب مني.»
رد قائلًا: «لست غاضبًا، أنا فقط أكره تصرفك على هذا النحو، هذا كل ما في الأمر.»
«إنني أفعل هذا لأنك غاضب.»
«لا تملي عليَّ الحالة التي أنا عليها، إنك تخنقينني. فلتُعدِّي طعام العشاء.»
كان هذا هو ما قامت به بالفعل؛ إذ كان من الواضح أن متدرِّب الساعة الخامسة لن يأتي. أحضرت حبات البطاطس وشرعت في تقشيرها، ولم تتوقف دموعها عن الانهمار، حتى إنها لم تكن تتبين ما تفعله. جفَّفت وجهها بمنديل ورقي، ثم سحبت منديلًا آخر لتأخذه معها وذهبت للخارج وسط الأمطار. لم تتجه نحو الإسطبل؛ لأنه كان كئيبًا دون فلورا، بل سارت عبر الممر في اتجاه الغابة، وكانت الخيول في الحقل الآخر، وقد اقتربت من السياج لمشاهدة كارلا. وكانت كل الخيول — ما عدا ليزي التي أخذت تثب بأرجلها وتصهل — تفهم جيدًا أنها تركِّز انتباهها في مكان آخر. •••
بدأ الأمر كله عند قراءة ذلك النعي؛ النعي الخاص بالسيد جاميسون. لقد كان ذلك في جريدة المدينة، وعُرِضَت صورته في أخبار المساء. قبل هذا بنحو عام لم يعرفا عن عائلة جاميسون سوى أنهم بعض الجيران المنغلقين على أنفسهم. كانت السيدة جاميسون تُدَرِّس علم النباتات في الجامعة التي تبعد عن مسكنهم بنحو أربعين ميلًا؛ لذا كان عليها أن تمضي وقتًا طويلًا في الطريق، أما السيد جاميسون، فقد كان شاعرًا.
كان الجميع يعرفون عنهم نفس القدر من المعلومات، إلا أن السيد جاميسون بدا مشغولًا بأشياء أخرى؛ لقد كان قوي البنيان صارمًا ويتميز بالنشاط والخفة برغم كونه شاعرًا ورجلًا متقدمًا في العمر، ربما يكبر السيدة جاميسون بنحو عشرين عامًا. كان قد طوَّر نظام الصرف بمنزله، ونظَّف المجرى المائي وفرشه بالصخور، وحرث حديقة المنزل وزرعها بالخضراوات وأحاطها بسياج، علاوة على أنه حفر ممرات عبر الغابة، وكان يعتني بكل ما هو بحاجة للإصلاح في منزله.
لقد كان منزلهم ثلاثيَّ الأضلاع على نحو غريب، شيَّده بمعاونة بعض أصدقائه منذ سنوات عدة على أطلال بيت مزرعة قديم. وقد قال عنهم البعض إنهم من الهيبيز، رغم أن السيد جاميسون كان كبيرًا في السن لدرجة لا تسمح له بأن ينتمي لهذه الحركة الشبابية، حتى قبل وجود السيدة جاميسون. وهناك قصة أخرى يتداولها الناس عن زراعتهم لمخدرات الماريجوانا في الغابة، وقيامهم ببيعها، وإخفاء النقود في برطمانات محكمة الغلق من الزجاج مدفونة حول مسكنهم. سمع كلارك بهذه القصة من أشخاص تعرَّف عليهم في المدينة، ولكنه عقَّب بأن ذلك ما هو إلا هراء.
وأضاف: «وإلا لكان أحدهم قد تسلل وحفر الأرض وأخرج النقود منذ زمن طويل؛ فلا بد وأن هناك من كان يستطيع أن يجد طريقة تجعله يُفصح عن مكان النقود.»
عندما قرأ كلٌّ من كارلا وكلارك النعي الخاص عَلِما لأول مرة بأن السيد ليون جاميسون كان قد حصل على جائزة مالية ضخمة قبل وفاته بنحو خمس سنوات؛ نالها عن كتابة الشعر، ولم يذكر أحد شيئًا عن هذا مطلقًا من قبل. يبدو أن الناس تصدق أن ثَمة أموالًا مُخبأة في برطمانات زجاجية مصدرها تجارة المخدرات، ولا تقتنع بأن النقود يمكن أن تأتي من كتابة الشعر.
بعد الوفاة بفترة قصيرة قال كلارك: «كان من الممكن أن نجعله يدفع لنا بعض النقود.»
أدركت كارلا على الفور ما يرمي إليه، ولكنها أخذت الحديث على محمل المزاح.
وقالت: «لقد فات أوان ذلك، لا يمكنك دفع النقود بعد الوفاة.»
«ربما لا يستطيع هو أن يدفع، إنما هي بمقدورها.»
«لقد ذهبتْ إلى اليونان.»
«إنها لن تمكث في اليونان إلى الأبد.»
ردَّت كارلا بهدوء أكثر: «إنها لا تعلم شيئًا.»
«لم أقل إنها تعلم.»
«ليس لديها أدنى فكرة عن الأمر.»
«يمكننا معالجة ذلك الأمر.»
ردت كارلا: «لا، لا يمكن ذلك.»
استمر كلارك في حديثه كما لو أنه لا يُنصت إليها بالمرة.
فقال: «بإمكاننا أن نقول إننا سنلجأ إلى القضاء؛ فالناس تحصل على النقود من وراء تلك الأمور طوال الوقت.»
«كيف تفعل ذلك؟ ليس بإمكانك مقاضاة رجل ميت.»
«سأهدِّد بالذهاب للصحف. شاعر مرموق ذو مكانة، وستتهافت الصحف على هذا الخبر. كل ما علينا أن نهدِّد بذلك وستنهار على الفور وتستسلم تحت الضغط.»
قالت كارلا: «لا بد وأنك تتخيل، أنت تمزح بالقطع.»
رد كلارك: «لا، لا أمزح في الواقع.»
أخبرته كارلا أنها لا تريد أن تتحدث بشأن هذا الأمر مرة أخرى، فوعدها كلارك بألا يفعل.
ولكنهما تحدَّثا بالفعل بشأنه في اليوم التالي، بل وفي اليوم الذي يليه ولعدة أيام بعدها. لقد كانت تراوده في بعض الأحيان أفكار وآراء غير قابلة للتطبيق، بل إنها قد تكون غير قانونية على الإطلاق، وكان يعبِّر عنها بشغف متزايد ثم يطرحها جانبًا دون أن تدري ما السبب. لو كانت الأمطار توقفت، أو تحول اليوم إلى مجرد يوم صيفي طبيعي، لتخلَّى هو عن فكرته كغيرها من الأفكار، لكن ذلك لم يحدث، وظل طوال الشهر الماضي يضرب على نفس الوتر كما لو أن الأمر يتسم بالجدية ومن الممكن تنفيذه على نحو مثالي. وكان السؤال المطروح هو كم من الأموال يمكن أن يطلباها؟ فلو طلبا مبلغًا ضئيلًا، فقد لا تأخذ السيدة حينها الموضوع مأخذ الجد، وتعتقد أنهما يخدعانها، وفي الوقت نفسه لو كان المبلغ ضخمًا، فربما تجفل وترفض وتصبح أكثر عنادًا.
توقفت كارلا عن قولها بأن الأمر مجرد مزحة، وبدلًا من ذلك، أخذت تخبره بأنه لن ينجح؛ لسبب واحد؛ وهو أن الناس يتوقعون أن يكون سلوك الشعراء على هذا النحو؛ لذا فالأمر لن يستحق سداد أي نقود للتغطية على الأمر وإخفائه.
فقال كلارك إنه من الممكن أن ينجح لو نُفِّذ على نحو سليم؛ فكل ما على كارلا أن تفعله هو أن تتصنَّع الانهيار وتقصَّ على السيدة جاميسون القصة بأكملها، ثم يتحرَّك كلارك بعدها، كما لو أنه اكتشف الأمر لتوِّه، ثم بعد ذلك ينفجر غاضبًا، ويهدد بأن يخبر العالم كله، بل سيجعل السيدة جاميسون هي التي تعرض النقود.
«لقد جُرحتِ؛ إذ تحرَّش بك ولحق بك الخزي والعار، وتأذيتُ أنا بدوري وشعرت بالخزي والمهانة لأنك زوجتي. إنها مسألة كرامة واحترام.»
كرَّر عليها هذا الحديث بهذا الأسلوب مرارًا وتكرارًا، وحاولتْ أن تثنيه عن ذلك ولكن بلا جدوى، فقد كان مصرًّا.
قال: «اتفقنا؟» فردت: «اتفقنا.» •••
كل هذا بسبب ما قد كانت تحكيه له، وهي أشياء لا تستطيع أن تتراجع عنها أو تنكرها الآن.
«كان يُظهر اهتمامه بي في بعض الأحيان.»
«الرجل العجوز؟»
«أحيانًا كان يدعوني إلى غرفته عندما لا تكون زوجته هناك.»
«نعم.»
«عندما كانت تذهب للتسوق، ولا تكون الممرضة موجودة أيضًا.»
لقد كان ذلك بمثابة إلهام وفكرة جديدة منها، مما أسعده على الفور.
«وماذا كنتِ تفعلين حينها؟ هل كنتِ تدخلين إليه؟»
تصنَّعت الخجل وقالت: «في بعض الأحيان.»
«هل كان يستدعيك لغرفته إذن يا كارلا؟ ثم ماذا؟»
«كنت أذهب لأرى ماذا يريد.»
«وماذا كان يريد؟»
كانت كل تلك الأسئلة والإجابات تدور بينهما بهمس، حتى لو لم يكن هناك أحد يسمع، حتى عندما يكونان في أرض أحلامهما البعيدة … في الفراش. كانت كقصة ما قبل النوم؛ حيث تصبح التفاصيل أكثر أهمية، وبحاجة إلى إضافات في كل مرة، وكل ذلك بإحجام وممانعة يشوبهما الإقناع، وبخجل وضحكات، بل وبذاءة. ولم يكن هو وحده الذي يشعر بالشغف والإثارة والامتنان، بل كانت هي أيضًا كذلك؛ كانت حريصة على أن تسعده وتجعله يشعر بالإثارة، وأن تشعر هي نفسها بالإثارة، وكانت تشعر بالامتنان في كل مرة كان ينجح فيها هذا الأمر.
ولكن في جانب من عقلها كان ذلك حقيقيًّا؛ فقد كانت ترى ذلك العجوز الشهواني، وحركاته المشينة أسفل المُلاءة، حيث كان طريح الفراش حقًّا، ولا يتحدث كثيرًا في الغالب، ولكنه كان ماهرًا في لغة الإشارة، ويعبِّر عن رغبته وهو يحاول أن يَكِزَها أو يتلمَّسها؛ لكي يدفعها أن تشاركه فيما يريده من أفعال وعلاقة حميمية. لقد كان رفضها ضرورة، ولكنه مخيب لآمال كلارك إلى حدٍّ ما وبطريقة غريبة.
وبين الحين والآخر تأتي على ذهنها فكرة تحاول قمعها خشية أن تُفسِد كل شيء؛ فقد كانت تفكر في ذلك الجسد الهزيل الملفوف بالملاءة، وهو تحت تأثير المخدر ويزداد انكماشًا كل يوم في فراش المستشفى المستأجر، والذي لم تلمحه سوى مرات قليلة عندما تنسى السيدة جاميسون أو الممرضة إغلاق باب الغرفة، وكانت هي ذاتها لا تقترب منه بما هو أكثر من ذلك.
وفي واقع الأمر، كانت تخشى الذهاب إلى منزل عائلة جاميسون، لكنها كانت بحاجة إلى النقود، وكانت تشعر بالأسف من أجل السيدة جاميسون التي كانت تبدو كما لو كانت ممسوسة أو مرتبكة، كما لو كانت تسير وهي نائمة. ولمرة أو مرتين انفجرت كارلا ضاحكة وفعلت أشياء تافهة لمجرد أن تلطف الأجواء، وهو الشيء الذي تفعله مع أي متدرب جديد يمتطي الحصان لأول مرة ويشعر بالإحراج والخزي بسبب قلة مهاراته، وكانت تفعل نفس الشيء مع كلارك عندما لا تكون حالته المزاجية على ما يرام، ولكن لم يعد الأمر يُفلح معه، غير أن قصة السيد جاميسون كانت قد نجحت، بالقطع ودون شك. •••
ليس ثَمة وسيلة لتفادي تلك الأوحال المتراكمة في الممر، أو الحشائش الطويلة المغمورة بطول الطريق، أو نباتات الجزر التي أينعت حديثًا، ولكن الهواء كان دافئًا بدرجة لم تشعر معها بأي برودة. لقد ابتلَّت ملابسها كما لو أنها كانت بسبب العرق المتساقط منها أو بسبب دموعها التي انسابت على وجهها واختلطت برذاذ المطر. خفَّت دموعها الآن، ولم تجد شيئًا تمسح به أنفها — فلقد تشبَّعت المناديل الورقية بالمياه — فانحنت نحو الأرض المغطاة بالأوحال وأخرجت ما في أنفها بقوة.
رفعت رأسها وراحت تُطلق صفيرًا طويلًا كالذي اعتادت عليه لتنادي على فلورا وعلى كلارك أيضًا. انتظرت بضع دقائق ثم أخذت تنادي باسمها، وراحت تكرِّر ذلك عدة مرات؛ فتنادي على الاسم وتطلق صفيرها.
ولم تردَّ عليها فلورا.
وبرغم هذا، كان هناك إحساس بالارتياح لشعورها بأن الألم الذي تشعر به الآن ما هو إلا لفقد فلورا — ربما فقدها للأبد — وذلك مقارنة بالفوضى التي اجتاحتها بشأن موضوع السيدة جاميسون وتعاستها المتأرجحة مع كلارك. على الأقل لم يكن غياب فلورا بسبب غلط اقترفته كارلا. •••
في المنزل، لم يكن هناك ما تفعله سيلفيا سوى أن تفتح النوافذ فحسب، وأن تفكر — بشغف أثار خشيتها دون أن يكون سببًا في دهشتها — في موعد مجيء كارلا.
تم التخلص من كل الأدوات التي كان يستعملها في فترة المرض، وتنظيف غرفة النوم الخاصة به هو وسيلفيا — وهي الغرفة التي تُوفي بها — وترتيبها وكأن شيئًا لم يحدث فيها. لقد ساعدت كارلا في كل ذلك، وعاونت بكل طاقتها أثناء تلك الأيام العصيبة ما بين حرق الجثة والسفر إلى اليونان. وقد جمعوا كل قطعة من الملابس التي ارتداها ليون وتلك التي لم يرتدِها — بما في ذلك بعض الهدايا التي أهدتها له أخته والتي ما زالت في تغليفها — وحزموها داخل حقيبة السيارة وأعطوها «لمحل بيع الأشياء المستعملة». وحتى أقراص الدواء الخاصة به، وأدوات الحلاقة، وزجاجات المقويات التي لم تُفتح، والتي كانت تقيم أوَدَه طيلة الوقت، وعُلب مقرمشات السمسم التي كان يتناول منها بالعشرات، وزجاجات الملطِّف البلاستيكية التي كانت تريح ظهره، وجلد الغنم الذي كان يضطجع عليه؛ فقد جُمعت في أكياس القمامة وتم التخلص منها، ولم تحاول كارلا أن تقول أي شيء؛ فلم تقل قط: «ربما يمكن أن يستفيد منها شخص آخر.» أو أن تشير إلى أن هناك صندوقًا بأكمله من زجاجات الدواء لم يُفتح بعد. وعندما قالت سيلفيا: «ليتني لم آخذ الملابس إلى المدينة، ليتني قمت بإحراقها جميعًا في المحرقة.» لم تعبِّر كارلا عن دهشتها.
ثم قاموا بتنظيف الموقد، وتنظيف الخزانة، وغسلوا كل الجدران والنوافذ. وفي أحد الأيام كانت سيلفيا تجلس في غرفة المعيشة تتصفَّح رسائل التعزية التي تلقَّتها (لم يكن هناك وجود لأي مجموعة من الأوراق أو المفكرات، كما هو متوقع في منزل كاتب، أو حتى أعمال غير مكتملة أو مسودات لأعمال مكتوبة. لقد أخبرها منذ بضعة أشهر أنه قد تخلَّص من كل شيء «ودون أي ندم»).
لقد كان جدار المنزل المائل نحو الجنوب يحوي نوافذ ضخمة. ورفعت سيلفيا بصرها، وأثار دهشتها ضوء الشمس الذي يتخلل الأمطار؛ أو بالأحرى طيف كارلا، بساقيها العاريتين، وذراعيها المكشوفتين، وهي تعتلي سُلَّمًا، ووجهها الذي يكسوه الحزم مزيَّن بخصلات شعرها الملون بلون الهندباء الذي لم يسمح قصره بعقد جديلة. وكانت كارلا ترش زجاج النوافذ وتلمعه بكل همة ونشاط، وعندما لمحت سيلفيا وهي تنظر إليها توقفت عن ذلك، وراحت تحرك ذراعيها وتمدهما للأمام وترسم تعبيرات مضحكة بوجهها، وأخذتا تضحكان، وقد شعرت سيلفيا بأن موجة الضحك هذه تتدفق من أعماقها وتبعث فيهما بعض المرح. وعادت مرة أخرى تنظر إلى الأوراق التي بين يديها في حين استأنفت كارلا تنظيف الزجاج. وقد قررت سيلفيا أن كل تلك العبارات الرقيقة — سواء أكانت صادقة أو مصطنعة؛ للمدح أو للرثاء — ستلقى نفس مصير جلد الماشية أو مقرمشات السمسم.
وعندما سمعت كارلا وهي تنزل من فوق السُلَّم، وترامى إلى مسامعها وقع الحذاء ذي الرقبة على الأرضية، شعرت فجأة بالخجل. كانت لا تزال جالسة في مكانها وتحني رأسها عندما دخلت كارلا الغرفة ومرَّت بجانبها وهي في طريقها إلى المطبخ لكي تضع الدلو وقطع القماش بجوار المغسلة، وكانت كارلا لا تتوقف لحظة أثناء عملها؛ فقد كانت سريعة كالعصفور، ولكنها توقفت لتطبع قُبلة على رأس سيلفيا المحني، وراحت تتمتم بشيء لنفسها.
ظلت تلك القُبلة عالقة في ذهن سيلفيا منذ ذلك الحين، ولم تكن تعني شيئًا بعينه، بل مجرد قولها هوني عليكِ وابتهجي، أو أن الأمر على وشك الانتهاء. لقد كانت تعني أنهما صديقتان وفيَّتان مرَّتا بالكثير من الأوقات العصيبة، أو ربما تعني أن الشمس قد أشرقت، وأن كارلا تفكر في الحصول على مكان يلائم خيولها. ومع ذلك، فقد رأتها سيلفيا كبرعم زهرة مشرقة، تنتفش بتلاتها بداخلها بحرارة شديدة أشبه بهبَّات الحرارة في سن انقطاع الطمث.
وبين الحين والآخر كانت ثَمة طالبة صغيرة متميزة ممن يتلقَّون العلم لديها في محاضرات علم النباتات، وكانت مهارة تلك الطالبة، وتفانيها، وكبرياؤها الشديد واعتزازها بذاتها، أو ربما أيضًا ولعها بالعالم الطبيعي يذكِّرها بنفسها عندما كانت في سنِّها. ومثل أولئك الفتيات كنَّ يتقرَّبن من سيلفيا في ودٍّ وتبجيل؛ طلبًا لمزيد من التقرب والحميمية التي لم يكنَّ يتخيَّلن — في معظم الأحوال — أنهن سيحصلن عليها، وسرعان ما كنَّ يسبِّبن لها الضيق بسبب ذلك.
ولم تكن كارلا تشبه أولئك في شيء، وإن كانت تشبه أحدًا في حياة سيلفيا، فسيكون بعض الفتيات اللاتي عرفتهن في مدرستها الثانوية؛ هؤلاء الفتيات اللاتي يتَّسمن ببعض الذكاء ولسن متَّقدات الذكاء؛ فتيات يمارسن الرياضة ببساطة ولكن لا يدخلن ساحة المنافسة الشديدة، متفائلات ولسن مسبِّبات للمشاكل مفتقدات للتهذيب. ببساطة سعيدات بطبيعتهن. •••
«في المكان الذي كنت أعيش فيه، في تلك القرية الصغيرة، بل شديدة الصغر، مع اثنتين من صديقاتي القديمات، كانت تقف حافلات السياح من آن لآخر، كما لو أنها ضلَّت طريقها، ويغادرها السائحون ويتلفَّتون حولهم وقد غلبتهم الحيرة؛ لأنهم لا يجدون شيئًا أو أي أماكن حولهم، فليس ثَمة شيء يبتاعونه.»
هكذا تحدثت سيلفيا عن اليونان. وكانت كارلا تجلس على بعد سنتيمترات. وأخيرًا كانت تجلس في الغرفة — تلك الغرفة التي طالما امتلأت بأفكار عنها — تلك الفتاة المبهرة، القلقة ذات الأطراف الضخمة؛ وكانت تبتسم بوهن، وتومئ برأسها ببطء.
قالت سيلفيا: «وكنت أنا أيضًا أشعر بالحيرة في البداية، كان الطقس شديد الحرارة، ولكن الأمر كان صحيحًا بشأن ضوء النهار، لقد كان رائعًا بحق، ثم قررتُ ما يمكن أن أقوم به، ولم تكن هناك سوى بعض الأشياء القليلة البسيطة، ولكنها كانت كافية لملء اليوم؛ فقد كنت أسير مسافة نصف ميل عبر الطريق لشراء القليل من الزيت، ونصف ميل آخر في الطريق المعاكس لشراء الخبز أو النبيذ، وهكذا ينقضي الصباح، ثم أتناول طعام الغداء تحت الأشجار، وبعد ذلك يكون الطقس حارًّا بدرجة شديدة؛ بحيث لا يكون بمقدورك فعل أي شيء سوى إغلاق مصراع النافذة والاستلقاء على الفراش، وربما القراءة. في البداية تقرئين، ثم تزداد الحرارة فتتوقفين حتى عن فعل ذلك، فلِمَ القراءة؟ وبعد أن ألاحظ أن الظلال امتدت، كنت أنهض لأمارس السباحة.»
قطعت سيلفيا حديثها قائلة: «أوه، كدت أنسى.»
ثم هبَّت من مكانها وذهبت لكي تحضر الهدية التي جاءت بها من اليونان، والتي لم تنسَ أمرها على الإطلاق في حقيقة الأمر؛ فلم تكن تريد أن تعطيها لكارلا على الفور، بل أرادت أن يأتي الأمر بصورة طبيعية، وحين كانت تتحدث كانت تفكر مقدمًا في اللحظة التي يمكن أن تذكر خلالها البحر، والذهاب للسباحة، وأن تقول — كما تقول الآن — لقد ذكرتني السباحة بالهدية؛ لأنها نسخة طبق الأصل من الحصان الذي وجدوه في البحر، وهو مصنوع من البرونز. لقد التقطوه بعد مرور كل هذا الوقت؛ إذ يعود للقرن الثاني قبل الميلاد.
عندما دخلت كارلا، وأخذت تبحث عن عمل تقوم به، قالت لها سيلفيا: «أوه، اجلسي لدقائق، فإنني لم أجد أحدًا أتحدث معه منذ أن عُدتُ من اليونان، أرجوكِ.» جلست كارلا على حافة المقعد، وساقاها منفرجتان بعض الشيء، واتكأت بيديها على ركبتيها، وبدت مكتئبة إلى حدٍّ ما. قالت وهي تحاول أن تبدو دمثة: «كيف كانت اليونان؟»
والآن وقفت، ورقائق الورق الشفاف تحيط بالحصان، ولم تكن قد أزالتها عنه تمامًا.
قالت سيلفيا: «يقال إنه يمثِّل خيل السباق، وهو يقفز تلك القفزات النهائية، أقصى ما يبذل من جهد في الدقائق الأخيرة من السباق. وكما ترين الصبي الفارس أيضًا، يدفع الحصان ليجري بأقصى ما يستطيع من قوة.»
لم تذكر لها أن ذلك الفارس الصغير قد ذكَّرها بكارلا، ولم تستطع أن تعرف السبب حتى الآن. لقد كان الولد لا يتعدى العاشرة أو الحادية عشرة. ربما قوة ورشاقة الذراع التي تقبض على الزمام، أو تلك التغضنات في جبهته الطفولية، أو ذلك الانهماك والجهد الخالص الذي يشبه بشكل أو بآخر طريقة سيلفيا في تنظيف النوافذ الضخمة في الربيع الماضي، وربما ساقاها القويتان داخل سروالها القصير، وكتفاها العريضتان، وضرباتها القوية فوق الزجاج لتنظيفه، ثم الطريقة التي مدَّت بها ذراعيها وجسمها على سبيل المزحة، والتي دفعت، بل أجبرت سيلفيا على الضحك.
قالت كارلا، وهي تتفحص بعناية التمثال الأخضر الصغير المصنوع من البرونز: «إنك ترين هذا، أشكرك بشدة.»
«على الرحب والسعة، لِنحتسِ القهوة، لقد أعددتُ بعضًا منها. كانت القهوة في اليونان ذات نكهة قوية بعض الشيء، ربما أكثر قوة مما أفضِّل، ولكن الخبز كان غاية في الروعة، ناهيك عن التين الناضج، لقد كان مدهشًا بحق. اجلسي لدقائق أخرى، أرجوكِ. عليكِ أن توقفيني عن الاسترسال هكذا. ماذا عن هنا؟ كيف كانت الحياة تسير هنا؟»
«لقد كانت تمطر معظم الوقت.»
ردَّت سيلفيا من خلال المطبخ الذي يقع عند نهاية الغرفة الكبيرة: «أرى هذا، أرى أنها كانت تمطر باستمرار.» قررتْ وهي تصب القهوة أن تخفي أمر الهدية الأخرى التي أحضرتها، إنها لم تكلِّفها شيئًا (في الواقع كلَّفها الحصان أكثر مما تتخيل الفتاة)، كانت مجرد صخرة صغيرة جميلة ذات لون أبيض ضارب إلى الوردي التقطتها من الطريق.
«هذه لكارلا.» هكذا قالت حينها لصديقتها ماجي التي كانت تسير بجوارها: «أعلم أنه قد يبدو الأمر ساذجًا، ولكني أرغب في أن يكون لديها قطعة صغيرة من هذه الأرض.»
كانت قد أخبرت صديقتها ماجي عن كارلا، كما أخبرت أيضًا صديقتها الأخرى سورايا، وكيف أن وجود الفتاة قد أصبح يعني الكثير والكثير لها، وأنه ثَمَّةَ رباط لا يمكن وصفه تولَّد بينهما، وهو الشيء الذي ساعدها وواساها في الأشهر الفظيعة التي مرت بها خلال الربيع الماضي.
«إنه لشيء جميل أن يرى المرء شخصًا كهذه؛ شخصًا صغير السن يمتلئ صحة وحيوية يأتي إلى المنزل.»
ضحكت كلٌّ من ماجي وسورايا بودٍّ، إلا أن ضحكاتهما شابها بعض الانزعاج.
قالت سورايا وهي تمد ذراعها البنية الممتلئة في كسل: «هناك دائمًا مثل هذه الفتاة.» وقالت ماجي: «نتعرض جميعنا لذلك في بعض الأحيان؛ إنه الافتتان بفتاة.»
شعرت سيلفيا بقليل من الغضب بسبب تلك الكلمة: افتتان.
قالت: «ربما يرجع ذلك إلى أنني وليون لم ننجب أطفالًا. إنه غباء … مشاعر أمومة موجَّهة في غير موضعها.»
تحدَّثت صديقتاها في الوقت نفسه، وقالتا شيئًا ما بطريقتين مختلفتين، مفاده أنه قد يكون حقًّا من الغباء، ولكنه الحب على أي حال. •••
ولكن الفتاة، بالنسبة إلى سيلفيا اليوم، لا تشبه كارلا التي كانت تتذكَّرها سيلفيا في أي شيء؛ فلم تعد تغلب عليها تلك الروح المرحة الهادئة، ولم تعد ذلك الشخص الخالي من الهموم الذي لطالما لازمها في اليونان.
لقد كانت بالكاد تهتم بأمر الهدية، وكان يغلب عليها الحزن والكآبة وهي تمد يدها لتأخذ قدح القهوة.
قالت سيلفيا بحماس: «هناك شيء آخر أعتقد أنكِ كنتِ ستهوينه بشدة؛ وهو الماعز؛ فالماعز هناك كانت صغيرة الحجم للغاية حتى في تمام نموها. كان بعضها أبيض اللون والبعض الآخر كان مرقَّطًا، وكانت تقفز حول الصخور كأنها … كأنها أرواح منتشرة في المكان.» كانت تضحك بطريقة مصطنعة، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الضحك. «لم أكن لتصيبني الدهشة إن وجدتُ أكاليل الزهور حول قرونها. كيف حال نعجتك الصغيرة؟ لقد نسيتُ اسمها.»
قالت كارلا: «فلورا.»
«فلورا.»
«لم يعد لها وجود.»
«لم يعد لها وجود؟ هل قمتِ ببيعها؟»
«لقد اختفت ولا نعلم مكانها.»
«أوه، إنني جد آسفة، ولكن أما من فرصة لعودتها مرة أخرى؟»
لم تُجِبها. نظرت سيلفيا مباشرة نحو الفتاة، وهو الشيء الذي لم تكن لتستطيع أن تفعله قبل الآن. وقد رأت عينيها مغرقة بالدموع، وتكسو وجهها بعض البقع، بل إنه في الواقع كان متسخًا بعض الشيء، وكانت تعتريها موجة من الحزن الشديد.
لم تفعل شيئًا لتتفادى نظرات سيلفيا. ضمت شفتيها، وأغلقت عينيها، وأخذت تهتز في مكانها للأمام وإلى الخلف كما لو أنها تصرخ بصوت مكتوم، وفجأة، ولصدمة سيلفيا، راحت تتأوَّه وتصرخ بالفعل. أخذت تصرخ وتبكي، وتحاول استنشاق الهواء، وسالت الدموع على خديها، وسالت أنفها، وراحت تتلفَّت حولها بحثًا عن شيء تمسح به وجهها. وهبَّت سيلفيا من مكانها وأحضرت حفنة من المناديل الورقية.
قالت، وهي تعتقد أنه من الأفضل أن تأخذ الفتاة بين ذراعيها: «لا تقلقي، ستكونين بخير، سيكون كل شيء على ما يرام. تفضَّلي المناديل.» إلا أنها لم يكن لديها أدنى رغبة في أن تفعل ذلك، وقد يزداد الأمر سوءًا إثر ذلك؛ فقد تشعر الفتاة بعدم رغبة سيلفيا في احتضانها، أو أنها انزعجت في الواقع بسبب ذلك الانفعال الصاخب.
وقالت كارلا شيئًا، وأخذت تقوله مرارًا.
لقد قالت: «مروِّع، مروِّع بحق.»
«لا عليكِ، جميعنا نكون بحاجة للبكاء في بعض الأحيان، لا بأس، لا تقلقي.»
«إنه أمر مروِّع.»
ولم تستطع سيلفيا أن تمنع نفسها من الشعور — إبَّان كل لحظة من لحظات التعاسة التي عبَّرت عنها كارلا — بأن الفتاة جعلت من نفسها واحدة من أولئك الطالبات الباكيات اللاتي يأتين لمكتب سيلفيا؛ فبعضهن يبكين بسبب الدرجات التي حصلن عليها، ولكن غالبًا ما يكون بكاءً متصنَّعًا، ويُظهرن بعض التشنجات المتكلفة غير المقنعة. أما عندما تكون الدموع حقيقية، وهو نادرًا ما يحدث، فيكون بسبب شيء يتعلق بقصة حب، أو بشجار مع الوالدين، أو بسبب حمل إحداهن.
«لا يتعلق الأمر بفقدان النعجة، أليس كذلك؟»
«لا، لا.»
قالت سيلفيا: «من الأفضل أن أُحضر لكِ كوبًا من الماء.»
واستغرقت بعض الوقت لإحضار كوب من الماء البارد، وهي تفكر فيما ينبغي أن تقوله أو تفعله بعد ذلك، وعندما عادت به كانت كارلا قد هدأت بالفعل.
قالت سيلفيا بينما تتجرع كارلا الماء: «والآن، ألستِ أفضل حالًا؟»
«نعم.»
«الأمر لا يتعلق بالنعجة، فما الخطب إذن؟»
«لا أستطيع أن أتحمَّل أكثر من هذا.»
ما الذي لا تستطيع تحمُّله؟
واتضح أن الأمر يتعلق بالزوج.
إنه يُظهر غضبه منها طوال الوقت، يتصرف كما لو أنه يكرهها. لم تعد تفعل أي شيء سليم، ولم تعد تقول أي شيء. إن الحياة معه ستصيبها بالجنون، بل إنها تعتقد في أحايين كثيرة أنها جُنَّت بالفعل، أو أنه هو الذي فقد عقله في أحيان أخرى.
«هل آذاكِ يا كارلا؟»
لا، إنه لم يؤذِها جسديًّا، ولكنه يبغضها، إنه يحتقرها، إنه لا يحتمل بكاءها، وهي لا تتوقف عن البكاء؛ لأنه يثور في وجهها دائمًا.
لم تعد تدري ما الذي يمكنها فعله.
قالت سيلفيا: «ربما تعرفين ما عليكِ فعله.»
شرعت كارلا في البكاء مرة أخرى وقالت: «هل أهرب؟ لو كان بمقدوري ذلك لكنت فعلته.»
«سأفعل أي شيء لأهرب، ولكني لا أستطيع؛ فليس معي أي نقود، وليس لدي مكان آوي إليه.»
قالت سيلفيا بأسلوب ناصح قدر الإمكان: «فكِّري جيدًا، هل هذا هو الحال بالفعل؟ أليس لديكِ أبوان؟ ألم تخبريني أنكِ نشأتِ في كينجستون ولكِ عائلة هناك؟»
كان أبواها قد انتقلا للعيش في بريتيش كولومبيا، وهما يكرهان كلارك، ولا يهتمان هل ماتت أم ما زالت على قيد الحياة.
وماذا عن الإخوة والأخوات؟
هناك أخ واحد يكبرها بتسع سنوات، متزوج ويقيم في تورونتو، لا يهتم لشأنها ولا يحب كلارك، وزوجته من ذلك النوع الذي يتسم بالتكبر والغرور.
«ألم تفكري في الذهاب إلى «مأوى السيدات»؟»
«لا يقبلونكِ هناك إلا إذا كنتِ قد تعرَّضت للضرب أو ما شابه، وسرعان ما يكتشف الجميع الأمر، وهو ما سيؤثر بالسلب على عملنا.»
ابتسمت سيلفيا في رقة وهي تقول:
«أهذا هو الوقت الذي تفكرين فيه في أمر العمل؟»
ضحكت كارلا وقالت: «أعرف هذا، أنا مجنونة.»
قالت سيلفيا: «أنصتي، أنصتي إليَّ جيدًا، لو كنتِ تملكين نقودًا كافية للرحيل، هل كنتِ سترحلين؟ وإلى أين ستذهبين؟ وماذا ستفعلين؟»
ردت كارلا سريعًا: «كنت أذهب إلى تورونتو، لكني لن أذهب إلى أخي، بل سأقيم في أي نُزُل صغير، وأبحث لنفسي عن وظيفة في أي إسطبل.»
«هل تعتقدين أنه بمقدورك فعل ذلك؟»
«لقد كنتُ أعمل في أحد إسطبلات الخيول في الصيف الذي قابلتُ فيه كلارك، ولقد أصبحت الآن أكثر تمرسًا من ذلك الحين، أكثر بكثير.»
«تتحدثين كما لو أنكِ قررتِ ذلك بالفعل.»
قالت كارلا: «لقد قررتُ ذلك الآن.»
«إذن متى يمكنكِ الرحيل إن كان بوسعك هذا؟»
«الآن، اليوم، في التوِّ واللحظة.»
«وهل كلُّ ما يمنعك هو قلة النقود؟»
أخذت كارلا نفسًا عميقًا وقالت: «كل ما يمنعني هو قلة النقود.»
قالت سيلفيا: «حسنًا، الآن أنصتي إلى ما سأعرضه عليك، أعتقد أنه لا ينبغي أن تذهبي إلى أي نُزُل، بل عليك استقلال الحافلة إلى تورونتو لتقيمي عند واحدة من صديقاتي وهي تُدعى روث ستايلس. إنها تمتلك منزلًا كبيرًا تقيم فيه بمفردها، وأعتقد أنها لن تمانع في أن يشاركها أحد الإقامة فيه، وبمقدورك أن تمكثي هناك حتى تجدي عملًا مناسبًا، وسأساعدك ببعض النقود، ولا بد أن هناك الكثير والكثير من إسطبلات الخيل في تورونتو.»
«هناك الكثير بالفعل.»
«ما رأيكِ إذن، هل تريدين مني أن أتصل هاتفيًّا لأعرف موعد تحرُّك الحافلة؟»
وافقت كارلا، وكانت ترتعد من الخوف، وأخذت تمرِّر يدها على فخذَيْها، وتحرِّك رأسها بعصبية من جانب إلى آخر.
قالت: «لا أصدِّق هذا، سأسدِّد لك المبلغ، أعني أشكرك بشدة، سأرد لك كل هذا. لا أدري ماذا أقول في الواقع.»
وكانت سيلفيا بالفعل تدير قرص الهاتف، وتطلب محطة الحافلات.
قالت: «اهدئي، إنني أحاول معرفة المواعيد.» وأخذت تُنصت، ثم أغلقت سماعة الهاتف، وأردفت: «أعلم أنكِ ستفعلين. هل اتفقنا بشأن روث؟ سأخبرها بالأمر، ولكن ثمة مشكلة واحدة.» نظرت سيلفيا لقميص كارلا وسروالها القصير على نحو انتقادي وقالت: «لا يمكنك أن تذهبي بتلك الملابس.»
قالت كارلا في فزع: «لا يمكنني الذهاب إلى المنزل لإحضار أي شيء، سأكون على ما يرام.»
«ولكن الحافلة مكيفة الهواء، وستتجمدين من البرودة، لا بد أن أعطيك شيئًا من عندي لترتديه، ألسنا بنفس الطول تقريبًا.»
«إنكِ أنحف بنحو عشر مرات.»
«لم أكن كذلك.»
واستقر الأمر في نهاية المطاف على سترة بنية اللون مصنوعة من الكتان، نادرًا ما كانت ترتديها سيلفيا — كانت تعتبر أن شراءها كان خطأً؛ فالتصميم كان غريبًا بعض الشيء — وسروال بني اللون ناسبها تمامًا، وقميص حريري بلون القشدة. وكان لا بد أن يتناسب حذاء كارلا الرياضي مع هذه الملابس؛ لأن مقاس قدميها كان أكبر بدرجتين عن مقاس سيلفيا.
ذهبت كارلا لتأخذ حمامًا — وهو الشيء الذي لم تهتم به عندما كانت في تلك الحالة المزاجية السيئة هذا الصباح — بينما حادثت سيلفيا روث هاتفيًّا ووجدت أنها ستكون في اجتماع ذاك المساء، ولكنها ستترك المفتاح عند بعض المستأجرين بالطابق الأعلى، وكل ما على كارلا فعله هو قرع جرس منزلهم فقط.
قالت روث: «ولكن عليها أن تستقل سيارة أجرة من موقف الحافلات، فهل هي في حالة جيدة تمكِّنها من ذلك؟»
ضحكت سيلفيا وقالت: «إنها ليست عرجاء، لا تقلقي، إنها مجرد شخص في موقف سيئ، كما يحدث في الكثير من الحالات.»
«حسنًا، هذا جيد، أعني أنه لأمر جيد أن تستطيع تخطِّي ذلك.»
«إنها قطعًا ليست عرجاء.» قالت تلك العبارة وهي تفكر في كارلا التي تقيس السروال والسترة المصنوعة من الكتان. كم شُفيت الفتاة الصغيرة سريعًا من نوبة اليأس التي كانت تعتريها، وكم تبدو جميلة في تلك الملابس الجديدة.
ستتوقف الحافلة في المدينة في الساعة الثانية وعشرين دقيقة. وقررت سيلفيا أن تُعدَّ البيض المقلي لطعام الغداء، وأن تفرش المائدة بالمفرش ذي اللون الأزرق الداكن، وأن تضع الأكواب المصنوعة من الكريستال، وتقدم لها زجاجة من النبيذ.
قالت سيلفيا عندما أطلت كارلا وكانت تبدو نظيفة ومشرقة في ملابسها التي استعارتها: «آمل أن تكوني جائعة لتتناولي قدرًا من الطعام.»
تورَّدت بشرتها المليئة بالنمش من أثر الاستحمام، وكان شعرها الداكن مبللًا بالمياه، وقد تحرَّر من ضفيرته، وانسدلت الخصلات التي لم تعد مجعدة على نحو جميل على رأسها، وقالت إنها بالفعل جائعة، ولكن عندما همَّت لتتناول قطعة من البيض المقلي، جعلت يداها المرتعشتان ذلك الأمر مستحيلًا.
«لا أدري لِمَ أرتعد من الخوف هكذا، فمن المفترض أن أشعر بالإثارة، فلم أتوقع أن يكون الأمر بهذه السهولة.»
قالت سيلفيا: «جاء الأمر بصورة مفاجئة تمامًا، ربما لا يبدو وكأنه أصبح أمرًا واقعًا الآن.»
«رغم كل شيء يبدو أنه بالفعل أمرٌ حقيقيٌّ الآن، أما قبل ذلك فقد كنتُ في ذهول.»
«ربما عندما تقررين فعل شيء، عندما تقررينه حقًّا، يكون الأمر على هذا النحو، أو هكذا يجب أن يكون.»
قالت كارلا بابتسامة واثقة، وقد احمرَّ وجهها: «هذا إن كان للمرء صديق حقيقي بمعنى الكلمة، أعني صديقًا مثلك.» ثم وضعت الشوكة والسكين، ورفعت كأس النبيذ بكلتا يديها بصعوبة، وقالت بصوت قلق: «نخب صديقتي الحقيقية. من المفترض ألا أتناول أي رشفة من النبيذ، ولكني سأفعل.»
قالت سيلفيا وهي تتظاهر بالسعادة: «وأنا أيضًا.» ولكنها سرعان ما أفسدت اللحظة حين قالت: «ألن تتصلي به هاتفيًّا؟ أم ماذا ستفعلين؟ يجب أن يعرف، على الأقل يجب أن يعرف مكانك في الوقت الذي ينتظر فيه عودتك إلى المنزل.»
قالت كارلا بانزعاج: «لا، ليس من خلال الهاتف، لا أستطيع ذلك، ربما يمكنك أنت أن …»
قالت سيلفيا: «لا، لا.»
«لا، هذا ضرب من الغباء، ما كان ينبغي أن أقول ذلك، لكن من الصعب التفكير بصورة سليمة الآن؛ فما ينبغي أن أفعله هو ترك ورقة صغيرة في صندوق البريد، لكني لا أريد أن يراها سريعًا. لا أريد حتى أنْ نمر من هناك ونحن في طريقنا للمدينة، أريد أن نسلك الطريق الخلفي، فإذا ما كتبتها … إذا ما كتبتها، فهل يمكنك أن تضعيها في صندوق البريد وأنت عائدة؟»
وافقت سيلفيا على ذلك؛ حيث إنها لم ترَ بديلًا أفضل.
أحضرت قلمًا وورقة، ثم صبَّت قليلًا من النبيذ.
جلست كارلا تفكر، ثم شرعت في كتابة بعض الكلمات القليلة. •••
«لقد رحلتُ. سأكون على ما يرام.»
كانت هذه هي الكلمات التي قرأتها سيلفيا عندما فضَّت الورقة وهي في طريق عودتها من موقف الحافلات، وكانت واثقة من أن كارلا تعرف جيدًا كيف تكتب؛ إذ إنها أخطأت في تهجية الكلمة، إلا أنها كانت في حالة من الارتباك الشديد، ربما كانت مرتبكة بصورة أكثر مما تتخيلها سيلفيا. ولقد جعلها النبيذ تُخرِج ما بداخلها من كلام، ولكنه كلام لا يشوبه أي نوع من الحزن أو الكآبة. راحت تتحدث عن إسطبل الخيل الذي عملت به ورأت فيه كلارك لأول مرة، وكانت وقتها في الثامنة عشرة من عمرها وقد أنهت لتوِّها دراستها في المدرسة الثانوية. رغب والداها في أن تلتحق بالجامعة، ووافقت ما دام يمكنها أن تصبح طبيبة بيطرية وتعيش في الريف. لقد كانت من ذلك النوع من الفتيات الساذجات غير المسايرات للتطور، من الفتيات اللاتي يتندر الآخرون عليهن في المدرسة الثانوية، لكنها لم تكن تبالي بذلك.
كان كلارك من أفضل مدربي الفروسية لديهم، وكانت تلاحقه عشرات النساء؛ فقد كنَّ يأخذن دروسًا في ركوب الخيل لمجرد أن يتقرَّبن منه، وعمدت كارلا إلى أن تثير غيظه وتتندر على صديقاته، وكان يروق له ذلك في بادئ الأمر، ثم أصبح الأمر يثير ضيقه، فاعتذرت له كارلا، ثم حاولت أن تصلح الأمور بأن جعلته يتحدث عن حلمه — أو بالأحرى عن خطته — وكان في الواقع هو أن يمتلك مدرسةً للتدريب على ركوب الخيل؛ أو إسطبلًا للخيل، في مكان ما في الريف. وفي يوم من الأيام دخلت الإسطبل ورأته وهو ينشر سرج الخيل، فأدركت أنها قد وقعت في حبه.
وأدركت الآن أن الأمر كان مجرد جاذبية جنسية، ربما كان جاذبية جنسية فحسب. •••
وعندما حلَّ فصل الخريف، وكان عليها أن تترك العمل لتلتحق بالجامعة في جيلف، رفضت أن تذهب، وقالت إنها ترغب في أن تؤجل ذلك للعام التالي.
كان كلارك يتميز بالذكاء، لكنه لم ينتظر حتى ينهي دراسته في المدرسة الثانوية، وانقطعت علاقته مع عائلته. لقد كان يعتقد أن العائلات بمثابة السم الذي يسري في الدم. وعمل مساعدًا في إحدى المصحات النفسية، ومشغلَ أسطوانات في إحدى محطات الإذاعة بليثبريدج بألبرتا، وأحدَ أفراد فرق صيانة الطرق السريعة بالقرب من ثاندر باي، وحلاقًا تحت التمرين، ومندوبَ مبيعات في متجر آرمي سيربلس؛ وكانت هذه هي الوظائف التي أخبرها بها فقط.
كانت كارلا تناديه «الجوَّال الغجري»، كما في إحدى الأغنيات القديمة التي كانت أمها تشدو بها في بعض الأوقات، وقد راحت تردِّدها طوال الوقت في جميع أركان المنزل، وشعرت أمها بأن هناك شيئًا ما وراءها.
وكانت كلمات الأغنية تقول:
نامت بالأمس في فراشها الوثير من الريش تلتحف غطاءها الحريري أما اليوم فستفترش الأرض الباردة الصلبة في أحضان حبيبها الغجري.
قالت لها أمها: «إنه سيكسر قلبك في يوم ما، وهذا أمر مؤكد.» أما زوج أمها، الذي كان يعمل مهندسًا، فلم يَرَ أن لكلارك أي أهمية أو شأن، وقال عنه: «إنه فاشل، واحد من أولئك الهائمين على وجوههم.» كما لو أن كلارك مجرد حشرة يستطيع أن يزيحها عن ملابسه.
ردت كارلا قائلة: «هل يستطيع الهائم على وجهه أن يدَّخر النقود الكافية التي تمكِّنه من شراء مزرعة؟ وهو الأمر الذي فعله بالمناسبة.» فكان رده فقط: «لن أدخل في جدال معك.» وأضاف بأنها ليست ابنته على أي حال، كما لو أن تلك هي النقطة الحاسمة.
لذا كان من الطبيعي أن تهرب كارلا مع كلارك؛ فالطريقة التي تَعامَل بها والداها مع الأمر ضمنت ذلك بالفعل.
قالت سيلفيا: «هل ستحاولين الاتصال بوالديك عندما يستقر بك المقام في تورونتو؟»
رفعت كارلا حاجبيها، ومطَّت شفتيها وهي تقول: «كلا.»
لقد كانت بالقطع ثملةً بعض الشيء. •••
وعند عودتها إلى المنزل، وبعدما تركت الرسالة في صندوق البريد، غسلت سيلفيا الأطباق التي كانت لا تزال على المائدة، وغسلت المقلاة وجفَّفتها، وألقت غطاء المائدة والمفارش الصغيرة ذات اللون الأزرق في سلة الغسيل، وفتحت النوافذ، وقد فعلت ذلك بشعور متضارب من الندم والقلق. كانت قد وضعت للفتاة قطعة صابون جديدة للاستحمام برائحة التفاح فعلقت رائحته في أرجاء المنزل، كما انتشرت رائحته بالسيارة أيضًا.
توقفت الأمطار شيئًا فشيئًا، ولم تستطع أن تجلس ساكنة، فخرجت لتتريض قليلًا عبر الممر الذي كان ليون قد نظَّفه وجعله ممهدًا، وقد تلاشت كميات الحصى التي فرشها في أماكن المستنقعات. اعتادا أن يذهبا للتريُّض كل ربيع بحثًا عن زهور الأوركيد البرية، وكانت تعلِّمه اسم كل زهرة من الزهور البرية، وكان ينسى أسماءها جميعًا، فيما عدا زهرة الثالوث البرية. اعتاد أن ينادي سيلفيا باسم الشاعرة الشهيرة دوروثي وردزورث.
وفي الربيع الماضي، ذهبتْ للخارج واقتطفتْ من أجله مجموعة من زهور الزنبق البنفسجي، لكنه نظر إلى الزهور — كما كان ينظر إليها في بعض الأحيان — بنظرات تحمل شيئًا من الوهن والإنكار.
أخذت تراقب كارلا وهي تصعد إلى الحافلة. لقد كان تعبيرها عن الامتنان صادقًا، وغير رسمي، وقد لوَّحت لها بمرح، كانت كارلا قد اعتادت على فكرة خلاصها.
عندما عادت سيلفيا إلى المنزل في نحو السادسة، أجرت مكالمة لتورونتو، حيث حادثت روث، وهي تعلم أن كارلا لم تصل بعد، ولكن سمعت آلة الرد الآلي.
قالت سيلفيا: «روث، أنا سيلفيا. بخصوص الفتاة التي أرسلتها إليك، آمل ألا تكون مصدر إزعاج لكِ، وأتمنى أن تسير الأمور على ما يرام. قد تجدينها معتزة بنفسها بعض الشيء، ولكنها فورة الشباب كما تعرفين، فقط أخبريني عندما تصل.»
وهاتفَتْها مرة أخرى قبل أن تأوي إلى الفراش، وسمعت ماكينة الرد الآلي مرة أخرى، فقالت: «سيلفيا مرة أخرى، أردتُ فقط الاطمئنان.» ثم وضعت السماعة. كان الوقت ما بين التاسعة والعاشرة، ولم يكن الظلام حالكًا بعد، ولا بد أن روث ما زالت بالخارج، والفتاة لن تلتقط سماعة الهاتف بالقطع في منزل غريب. حاولت أن تتذكر أسماء جيران روث المستأجرين بالطابق الأعلى؛ فهم بالطبع لم يأووا للفراش بعد، لكنها لم تستطع تذكُّر أسماء أيٍّ منهم، وكذلك فإن محاولة الاتصال تعني إثارة المزيد من الجلبة، وإبداء الكثير من القلق، وتحميل الأمر أكثر مما يستحق.
أوت إلى الفراش، ولكن كان من المستحيل البقاء في غرفة النوم طويلًا، فأخذت غطاءً خفيفًا واتجهت صوب غرفة المعيشة واستلقت فوق الأريكة، حيث اعتادت النوم خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من حياة ليون. ولم تكن تعتقد أنها ستخلد إلى النوم على الأريكة كذلك، ولم يكن هناك ستائر على حافة النافذة فاستطاعت أن تتبيَّن من خلال منظر السماء أن القمر يضيئها بالرغم من أنها لا تراه.
كان الشيء التالي الذي رأته هو أنها في إحدى الحافلات في مكان ما — ربما تكون اليونان؟ — وبصحبتها أناس كثيرون لا تعرفهم، وكان المحرك يُصدر أصواتًا مزعجة، فاستيقظت لتدرك أن تلك الأصوات ما هي إلا قرعٌ على باب المنزل الأمامي.
«كارلا؟» •••
ظلت كارلا تحني رأسها حتى غابت الحافلة عن المدينة، ورغم أن زجاج النوافذ ملون ولا يستطيع أحد من الخارج أن يرى ما بداخلها، إلا أنه كان عليها أن تتخذ حذرها خشية أن يلمحها أحد، أو أن يظهر كلارك فجأة؛ فربما يكون خارجًا لتوِّه من أحد المتاجر، أو يعبر الشارع، وهو لا يدري تمامًا بأنها في طريقها للرحيل، معتقدًا أنها فترة من فترات ما بعد الظهيرة التي تمر كالمعتاد، بل يعتقد أنها في طريقها لوضع مخططهما — أو مخططه بالأحرى — موضع التنفيذ، ويتوق لأن يعرف ما الذي آلت إليه الأمور.
بمجرد أن جاوزت الحافلة المناطق الداخلية وخرجت إلى الريف، رفعت رأسها وتنفَّست الصعداء، ورأت الحقول التي ازدانت بزهور البنفسج من خلال النوافذ. لقد أحاطها وجود السيدة جاميسون بنوع من الطمأنينة والسكينة الشديدتين، وجعل هروبها أكثر الأمور التي يمكن تخيلها تعقلًا، بل ربما الشيء الوحيد الذي ينمُّ عن احترام الذات يمكن لأي شخص في موقف كارلا أن يفعله. شعرت كارلا بقدرتها على أن تبدي ثقة غير معتادة في النفس، بل وحتى روح دعابة متعقلة، وهي تكشف عن حياتها بأسلوب لا بد وأن يجذب التعاطف، وفي الوقت نفسه ساخر وصادق، وحاولت أن ترقى، بقدر ما أمكن، إلى مستوى توقعات السيدة جاميسون. ساورها شعور بأنه ثَمَّةَ احتمال بأن تخذل السيدة جاميسون، التي فاجأتها بأنها شخصية تتسم بالحساسية والحزم في ذات الوقت، ولكنها اعتقدت أنها بالتأكيد لن تفعل ذلك.
إن لم تكن مضطرة إلى أن تبقى بجانبها لفترة طويلة.
كانت الشمس مشرقة، كما كان الحال منذ فترة، فعندما جلستا لتناول طعام الغداء، كانت تلقي بأشعتها على أكواب النبيذ فتزيدها تلألُؤًا، ولم تسقط أي أمطار منذ الصباح الباكر، وقد هبَّت بعض الرياح وكانت كافية لإزاحة الأعشاب المنتشرة عبر الطريق، وتلك الحشائش الضارة المزهرة بعيدًا عن مجموعات الأشجار الغارقة بمياه الأمطار. وكانت سحب الصيف، وليست تلك المشبعة بالأمطار، تنتشر وتتحرك بسرعة عبر السماء. كان الريف بأسره في حالة تغيُّر، في حالة تحرُّر، نحو إشراقة يوم من أيام يوليو، ولم تستطع أن تلمح مع ازدياد سرعة الحافلة كل ما خلَّفه الماضي القريب من آثار، ولم يكن هناك الكثير من البرك وسط الحقول التي تظهر أماكن البذور التي جرفتها الأمطار، ولم تلمح سيقان الذرة الضعيفة، أو أيًّا من الحبوب على أرضها.
جال بخاطرها أنه يجب عليها إخبار كلارك بذلك؛ أنهما ربما قد اختارا — لسبب غريب — ذلك الجانب الموحش المبتل من الريف، في حين أن هناك أماكن أخرى كان يمكن أن يحققا نجاحًا بها.
أو ربما لا يزال بإمكانهما تحقيق النجاح فيها.
ثم تذكَّرت أنها بالطبع لن تقول أي شيء من هذا القبيل لكلارك، لن تقوله ثانية مطلقًا؛ فهي لن تهتم بعد الآن بما يمكن أن يحدث له، أو لجريس، أو مايك، أو جونيبر، أو بلاك بيري، أو ليزي بوردِن. وإن حدث وعادت فلورا فلن تعرف بالأمر.
كانت تلك هي المرة الثانية التي تترك وراءها كل شيء؛ كانت المرة الأولى تشبه في أحداثها أغنية فرقة «البيتلز» القديمة؛ حيث تركت رسالة فوق المنضدة، وغادرت المنزل في الخامسة صباحًا، وقابلت كلارك في ساحة انتظار السيارات بالكنيسة عند نهاية الشارع، وكانت تتمتم بتلك الأغنية وهما يثرثران ويذهبان بعيدًا: «إنها تغادر المنزل، وداعًا وداعًا.» وقد استرجعت الآن منظر الشمس وهي تطل من خلفهما، وكيف كانت تنظر إلى يدَي كلارك وهو يمسك بعجلة القيادة، وتلمح الشعر الأسود الذي يكسو ساعدَيْه القوييين، وكانت تشم رائحة الشاحنة من الداخل؛ حيث رائحة الزيوت والمعادن، ورائحة الأدوات وإسطبلات الخيل. وقد كان النسيم البارد في صباح هذا اليوم من أيام الخريف يتسلَّل داخل الفواصل المعدنية بالشاحنة التي يعلوها الصدأ، وكانت من ذلك النوع من الشاحنات التي لم يحدث أن استقلَّها أحد من أفراد عائلتها، أو حدث وأن رأتها تمر من الشارع الذي كانت تقطن به.
وقد أثارها وأسعدها في ذلك الصباح انشغال كلارك بالطريق (فقد بلغا الطريق السريع ٤٠١)، واهتمامه بالشاحنة، وإجاباته المقتضبة، وعيونه الضيقة، بل وحتى بعض الضيق الذي أظهره إزاء سعادتها الطائشة. وأثارها أيضًا اضطراب حياته الماضية؛ شعوره بالوحدة التي أعلنها لها، والأسلوب اللطيف الناعم الذي يعامل به الخيل، ويعاملها به. لقد كانت تراه مهندسَ حياتهما القادمة، وكانت ترى نفسها أسيرةً له، وتعتبر خضوعها وإذعانها شيئًا منطقيًّا ورائعًا.
كتبت أمها تقول في الخطاب الوحيد الذي أرسلته لها، ولم ترد هي عليه: «إنكِ لا تعرفين قيمة ما تركتيه.» ولكنها في تلك اللحظات الباردة المضطربة من رحلة الصباح الباكر كانت تعرف جيدًا ماذا تركت وراءها، حتى وإن لم يكن لديها سوى فكرة مبهمة عما ستذهب إليه. لقد كرهت والديها، ومنزلها، والفناء الخلفي، ومجلدات صورهم، وعطلاتهم، ومستلزمات المطبخ ماركة كويزين آرت، و«دورة المياه الخاصة بالضيوف»، وغرفة الملابس، ونظام رش المرج بالمياه المدفون تحت الأرض، وفي الرسالة المختصرة التي تركتها لوالديها استخدمت كلمة «حقيقي».
لطالما كنت أشعر دومًا بالحاجة إلى أن أحيا حياة حقيقية صادقة، ولا أتوقع منكم أن تدركوا ما أعنيه.
توقفت الحافلة الآن عند أول بلدة على الطريق، وكانت نقطة الوقوف هي إحدى محطات الوقود. كانت محطة الوقود التي اعتادت هي وكلارك أن يذهبا إليها بالسيارة، في أولى أيام حياتهما معًا، للتزود بوقود زهيد الثمن. وفي تلك الأيام، ضم عالَمهما العديد من البلدات التي تحيط بالريف، وكانا يتصرفان كالسائحين؛ يتذوقان بعضًا من عينات الطعام الذي تقدمه حانات الفنادق الزهيدة مثل أقدام الخنزير، أو الكرنب المخلل المخمَّر، أو فطائر البطاطس، أو الجعة، ثم يشدوان بالأغاني في طريق عودتهما للمنزل مثل الحمقى.
ولكنهما بعد فترة اعتبرا تلك النزهات مضيعة للوقت والنقود، كانا يفعلان كما يفعل الناس قبل أن يدركوا حقيقة حياتهم.
كانت تبكي الآن؛ اغرورقت عيناها بالدموع من دون أن تدري، وأخذت تفكر في تورونتو، وأولى خطواتها القادمة هناك؛ سيارة الأجرة، المنزل الذي لم ترَه من قبل، الفراش الغريب الذي ستنام عليه بمفردها، وغدًا سوف تنظر في دليل الهاتف بحثًا عن عناوين الإسطبلات التي تدرِّب من يريد على ركوب الخيل، ثم تذهب إلى عناوينها بحثًا عن وظيفة لها هناك.
لم تستطع تخيُّل نفسها هناك، وهي تركب قطار الأنفاق، أو الترام، أو وهي تعتني بخيول جديدة، تتحدث إلى أشخاص جدد، تحيا على نحو يومي وسط حشود من البشر ليس من بينهم كلارك.
إنها حياة ومكان اختارتهما لهذا السبب بالتحديد؛ أن تكون حياة ليس فيها كلارك.
والشيء الغريب والمفزع الذي ظهر جليًّا أمامها بشأن ذلك العالم المستقبلي، كما تتخيله الآن، هو أنها لن تكون موجودة فيه؛ فقط ستتجول هنا وهناك، ستفتح فمها وتتحدث، ستفعل هذا وذاك، ولكنها لن تكون جزءًا منه في حقيقة الأمر؛ لن تنتمي إليه. والغريب والمتناقض في ذلك هو أنها تفعل كل هذا، وتستقل تلك الحافلة على أمل استعادة نفسها. وكما تقول السيدة جاميسون — وكما كانت تقول هي ذاتها بنوع من الرضا — «تتولى مسئولية حياتها» من دون أن يكون هناك أحد يصبُّ جام غضبه عليها، أو يسبِّب لها مزاجُه المتقلب الكثيرَ من التعاسة.
ولكن ما الذي ستهتم بشأنه؟ ما الذي سيشعرها أنها تحيا؟
وبينما كانت تهرب مبتعدة عنه — الآن — لا يزال كلارك يحتفظ بمكانه في حياتها، ولكن بعد أن تنجح في الهروب، وتستمر في حياتها، ما الذي ستضعه في مكانه؟ ما عساه — أو من عساه — يرقى لذلك التحدي ويحل محله؟
استطاعت أن تتوقف عن البكاء، ولكن سَرَت في جسدها رعدة. كانت في حالة سيئة، ولكن كان عليها أن تكون أكثر قوة، كان عليها أن تتماسك. كان كلارك يقول لها في بعض الأحيان وهو يدلف إلى إحدى الغرف التي انكمشت بداخلها محاولة كبت دموعها: «عليكِ أن تتماسكي.» وهو الشيء الذي عليها أن تفعله حقًّا الآن.
توقفت الحافلة في بلدة أخرى. كانت البلدة الثالثة التي بلغوها منذ استقلَّت الحافلة، مما يعني أنهم مروا ببلدة أخرى دون أن تلاحظ هي ذلك؛ فلا بد وأن الحافلة قد توقفت، وأن السائق قد ردَّد اسم البلدة، ولكنها لم تسمع أو ترى شيئًا في خضم موجة الخوف التي اعترتها. وسرعان ما سيصلون إلى الطريق السريع الرئيسي، وسيهرعون مباشرة نحو تورونتو.
وستضيع هي.
ستضيع بالفعل. ما الغاية من استقلالها إحدى سيارات الأجرة وإعطاء سائقها العنوان الجديد؟ وما جدوى أن تستيقظ في الصباح الباكر وتنظف أسنانها وتلتقي بالعالم من حولها؟ لمَ تريد أن تحصل على وظيفة؟ لمَ تضع الطعام في فمها؟ لمَ تستقل المواصلات العامة من مكان لمكان؟
انتابها شعور بأن قدميها تبعد عن جسمها بمسافة هائلة، وأن ساقيها، في ذلك السروال الجديد والنظيف غير المعتاد، تثقلهما أغلال حديدية. لقد كانت تغوص في الأرض كحصان مصاب لن يقوى على النهوض مرة أخرى.
امتلأت الحافلة ببعض الركاب الآخرين، وبالطرود التي كانت تنتظر في تلك البلدة. وها هي سيدة وطفلها في عربته يلوِّحان مودِّعين شخصًا ما، بينما يتحرك المبنى من خلفهما والمقهى الذي كان بمثابة محطة انتظار الحافلة. شعرت بأن هناك موجة تسللت عبر قوالب الطوب بالبناية ونوافذها، وكأنها على وشك أن تذيب كل شيء. ومع شعورها بأن حياتها في خطر، أخذت كارلا تدفع بكلٍّ من جسمها الضخم، وأطرافها التي كانت كالحديد الثقيل إلى الأمام. وراحت تتعثَّر في خطاها وهي تنادي بأعلى صوتها: «أنزلني هنا.»
جذب السائق مكابح السيارة وقال في حدة: «اعتقدت أنكِ ذاهبة إلى تورونتو؟» رمقها الركاب بنظرات مليئة بالفضول، ولم يكن لأحد أن يدري بكم الألم الهائل بداخلها.
«يجب أن أنزل هنا.»
«هناك دورة مياه في الخلف.»
«لا، لا، عليَّ أن أنزل هنا.»
«لن أنتظر، أتفهمين؟ هل معك أمتعة بالأسفل؟»
«لا، نعم. لا.»
«ليس لديك أمتعة؟»
قال أحد الركاب: «إنه رهاب الأماكن المغلقة. هذا كل ما في الأمر.»
قال السائق: «هل أنتِ مريضة؟»
«لا، لا، أريد أن أنزل فحسب.»
«حسنًا، لا بأس.»
تعال خذني، تعال خذني أرجوك. سأفعل.
كانت سيلفيا قد نسيت أن تُحكِم غلق الباب، وأدركت أنه ينبغي لها أن تفعل ذلك الآن، لا أن تفتحه، ولكن كانت تلك الفكرة متأخرة، فقد فتحته بالفعل.
لكن ما من أحد بالباب.
لكنها كانت على يقين من أن صوت قرع الباب كان حقيقيًّا.
وأغلقت الباب، ولكنها أحكمت الغلق هذه المرة.
ترامى إلى مسامعها صوت غريب، نقرات عالية تصدر من جوانب النافذة. أضاءت الأنوار، لكنها لم ترَ شيئًا، فأطفأتها مرة أخرى. قد يكون صوت أحد الحيوانات — ربما يكون سنجابًا — ولم تكن الأبواب الفرنسية التي تفتح بين النوافذ وتؤدي إلى الفناء مُحكَمة الغلق أيضًا، فلم تكن مغلقة تمامًا، بل كانت مفتوحة بنحو بوصة أو ما شابه للتهوية. وشرعت في غلقها عندما سمعت صوت شخص يضحك بالقرب منها، وكأنه بجوارها في الغرفة.
قال الرجل: «إنه أنا، هل أفزعتك؟»
لقد كان ملاصقًا للزجاج، بجوارها تمامًا.
قال: «إنه أنا كلارك، كلارك الذي يقطن نهاية الشارع.»
لم تكن لتطلب منه أن يدخل، لكنها لن تغلق الباب في وجهه؛ فمن الممكن أن يجذب الأبواب قبل أن تفعل ذلك. ولم تكن ترغب في إضاءة الأنوار أيضًا؛ فقد كانت ترتدي قميصًا قصيرًا، كان ينبغي لها أن تجذب الغطاء من فوق الأريكة وتلفه حولها، ولكن كان الوقت قد فات لفعل ذلك.
قال: «أكنتِ ترغبين في تغيير ملابسك؟ إن ما أحمله هنا هو ما تحتاجينه تمامًا الآن.»
كان يحمل حقيبة تَسَوق في يده، دفع بها إليها ولكنه لم يحاول أن يقترب.
قالت في صوت قلق: «ما هذا؟»
قال: «انظري بنفسك لتري ما بداخلها، إنها ليست قنبلة، ها هي أمسكي بها.»
تحسَّست ما في داخل الحقيبة دون أن تنظر إليها، لقد كان بها شيء طري، ثم تبينت فيما بعد أزرار السترة، والقماش الحريري المصنوع منه القميص، والحزام في السروال.
قال: «اعتقدتُ أنه من الأفضل أن تستعيديها، إنها ملكك، أليس كذلك؟»
أطبقت على فكَّيها حتى لا تصطك أسنانها بعضها ببعض؛ حيث انتاب فمها وحلقها حالة من الجفاف المخيف.
قال بصوت هادئ: «عرفت أن تلك الأشياء تخصُّكِ.»
تحرَّك لسانها ككتلة من الصوف، وبالكاد استطاعت أن تقول: «أين كارلا؟»
«تقصدين زوجتي كارلا؟»
أصبحت ترى وجهه بوضوح أكثر الآن، واستطاعت أن تراه وهو يزهو بنفسه.
«زوجتي كارلا في المنزل، نائمة في فراشها، حيث يجب أن تكون.»
كان رجلًا وسيمًا، ولكنه ذو مظهر سخيف في نفس الوقت، وكان طويلًا، ونحيفًا، وقويَّ البنية، ولكن مع انحناءة تبدو مصطنعة. وقد بدا متكلِّفًا في محاولاته للتهديد المشوب بالزهو، وتدلَّت خصلة من خصلات شعره الأسود فوق جبهته، له شارب خفيف للغاية، عينان تمتلئان بالأمل والسخرية، وله ابتسامة صبيانية، ودائمًا ما تكون على حافة التجهم والعبوس.
كانت دومًا تكره رؤيته، وقد أخبرت ليون بمدى كرهها له، فقال لها إن الرجل لا يثق بنفسه، وإنه ودود ربما على نحو زائد عن الحد.
وحقيقة أنه لا يثق بذاته لن تجعلها تشعر بالأمان الآن.
قال: «إنها منهكة بعض الشيء بعد مغامرتها الصغيرة. كان ينبغي أن ترَيْ وجهك … أن تشاهدي النظرة التي ارتسمت على وجهك عندما تعرَّفتِ على تلك الملابس. ما الذي جال بخاطرك؟ هل اعتقدتِ أنني قتلتها؟»
قالت سيلفيا: «لقد اندهشتُ.»
«أراهن أنكِ فعلتِ، بعد مساعدتك الهائلة لها لكي تهرب.»
قالت سيلفيا بجهد كبير: «لقد ساعدتها … ساعدتها لأنها بدت لي في ضائقة.»
قال كما لو أنه يدرس الكلمة بعناية: «ضائقة …» ثم أردف قائلًا: «أعتقد أنها كانت كذلك بالفعل؛ لقد كانت في ضائقة شديدة عندما قفزت خارجة من تلك الحافلة، وهاتفتني كي أذهب وآخذها إلى المنزل. لقد كانت تبكي بشدة لدرجة أنني لم أفهم ما الذي كانت تقوله.»
«هل كانت ترغب في العودة؟»
«نعم، أتشكِّين أنها كانت ترغب في العودة؟ لقد كانت في حالة هستيرية وترغب بشدة في الرجوع. إنها فتاة ذات مشاعر متقلبة إلى أقصى حد، ولكني أعتقد أنكِ لا تعرفينها جيدًا مثلما أعرفها أنا.»
«ولكنها كانت شديدة السعادة برحيلها.»
«هل كانت كذلك حقًّا؟ حسنًا، سأصدقك، فأنا لم آتِ إلى هنا لأجادلك.»
لم تتفوَّه سيلفيا بحرف واحد.
«لقد أتيتُ إلى هنا لكي أقول لك إنني لا أقدِّر تدخلك في حياتي أنا وزوجتي.»
قالت سيلفيا وهي توقن جيدًا أنه من الأفضل لو صمتت: «إنها بشر بجانب كونها زوجتك.»
«يا إلهي، هل هي كذلك بالفعل؟ زوجتي من البشر؟ حقًّا؟ أشكرك على تلك المعلومة الثمينة. لا تحاولي أن تستغلي ذكاءك معي يا سيلفيا.»
«لا أستغل ذكائي.»
«حسنًا، أنا سعيد أنكِ لم تفعلي، فأنا لا أريد أن أنفجر غضبًا، لكن لديَّ أمران أود أن أقولهما لك؛ الأمر الأول هو أنني لا أريد أن تدسي أنفك في أي مكان، ولا في أي وقت في حياتي أو حياة زوجتي، والأمر الثاني أنني لن أدعها تأتي إلى هنا بعد الآن، وهي نفسها لن ترغب في المجيء، إنني على ثقة من ذلك، فهي تحمل فكرة سيئة عنكِ الآن. حان الوقت لتتعلمي كيف تنظفين منزلك بنفسك.»
قال: «والآن، هل هذا مفهوم؟»
«تمامًا.»
«أوه، آمل ذلك، أتمنى أن يكون الأمر كذلك.»
قالت سيلفيا: «نعم.»
«أوَتدرين ما الذي أفكر به الآن؟»
«ماذا؟»
«أعتقد أنكِ مدينة لي بشيء.»
«ما هو؟»
«أعتقد أنك مدينة لي — ربما — باعتذار.»
قالت سيلفيا: «حسنًا، إن كنتَ تعتقد ذلك، أنا آسفة.»
تحرك كلارك من مكانه، ربما ليذهب، ولكن مع حركة جسمه أطلقت صرخة عالية.
فراح يضحك، ثم وضع يده على إطار الباب ليتأكد أنها لم تغلقه.
قالت: «ما هذا؟»
فرد عليها: «ماذا؟» كما لو كانت تجرِّب خدعة ما ولكنها لم تنجح، ولكنه لمح شيئًا انعكست صورته على الزجاج، فاستدار بسرعة ليرى ما الأمر.
كانت هناك على مسافة ليست ببعيدة من المنزل قطعة واسعة من الأرض الضحلة، وكانت عادة ما تمتلئ بالضباب ليلًا في هذا الوقت من العام، وقد كساها الضباب في تلك الليلة، وطوال تلك الفترة، ولكن فجأة تغير ذلك الآن، فلقد تكاثف الضباب، واتخذ شكلًا منفصلًا، وحوَّل نفسه إلى شيء متوهج وله رأس حادة. في البداية اتخذ شكل كرة من الهندباء، تتقدم للأمام متعثرة، ثم سرعان ما انكمشت تلك الكرة لتتخذ شكل حيوان غريب لونه أبيض ناصع، أشبه بوحيد قرن عملاق يهرع في اتجاههما مندفعًا.
قال كلارك بهدوء وجدية: «يا إلهي!» ثم قبض على كتف سيلفيا. ولم يفزعها ذلك على الإطلاق؛ فلقد تقبَّلت ذلك وهي مدركة تمامًا أنه قد فعل هذا لكي يحميها أو ليُطَمئِن نفسه.
ثم اتضحت الرؤية؛ فمن بين الضباب الكثيف، ومن بين ضوءٍ عمل على تكبير الصورة — وهو ضوء اتضح أنه لسيارة كانت تمر عبر الطريق الخلفي، ربما بحثًا عن مكان لكي تقف فيه — من بين ذلك كله ظهرت نعجة بيضاء صغيرة تتهادى لا يكاد حجمها يزيد عن حجم كلب راعٍ.
ترك كلارك كتفها، ثم قال: «من أين أتيتِ بحق السماء؟»
قالت سيلفيا: «إنها نعجتكم، أليست هي؟»
قال: «فلورا، إنها فلورا.»
توقفت النعجة على بعد أقل من متر، وقد بدا عليها الخجل وهي تحني رأسها.
قال كلارك: «من أين أتيتِ يا فلورا؟ لقد أفزعتِنا.»
اقتربت فلورا، ولكنها لم تقوَ على رفع رأسها، وأخذت تتمسَّح في أرجل كلارك.
قال كلارك مرتجفًا: «يا لكِ من حيوان غبي، من أين أتيتِ؟»
قالت سيلفيا: «لقد كانت مفقودة.»
«نعم بالفعل، اعتقدنا في حقيقة الأمر أننا لن نراها ثانية.»
رفعت فلورا رأسها، وقد انعكس بريق ضوء القمر في عينيها.
قال لها كلارك: «لقد أفزعتِنا. أذهبتِ للبحث عن صديق؟ أفزعتِنا حقًّا، أليس كذلك؟ لقد خُيل إلينا أنكِ شبح.»
قالت سيلفيا: «إنه تأثير الضباب.» وقد خرجت من الباب ووقفت في الفناء الآن بعد أن شعرت بالأمان.
«نعم.»
«ثم جاء ضوء تلك السيارة.»
قال وقد استعاد رباطة جأشه: «بدت مثل شبحٍ.» وقد أسعده أنه فكر في هذا الوصف.
«نعم.»
قال وهو يُرَبِّت على فلورا: «نعجة من الفضاء الخارجي، هكذا أنتِ؛ نعجة لعينة من الفضاء الخارجي.» ولكن عندما مدت سيلفيا يدها الخالية لكي تفعل مثله — فقد كانت يدها الأخرى ما زالت ممسكة بحقيبة الملابس التي كانت ترتديها كارلا — خفضت فلورا رأسها كما لو كانت تتأهب لتنطحها.
قال كلارك: «إن ردود أفعال النعاج غير متوقعة؛ فقد يبدو أنها مستأنسة، لكنها ليست كذلك بعد أن تكبر.»
قالت سيلفيا: «وهل كبِرت؟ إنها تبدو صغيرة للغاية.»
«لقد كبرت، ولن تتجاوز ذلك.»
وقف كلاهما ينظران إلى النعجة كما لو كانا يتوقعان أنها ستوفر لهما مساحة أكبر من الحديث، ولكن كان من الواضح أن ذلك لن يحدث؛ فمنذ تلك اللحظة لم يكن باستطاعتهما المضي قدمًا واستئناف الحديث أو التراجع عما بدر منهما، اعتقدت سيلفيا أنها ربما لمحت مسحة من الندم فوق وجهه بسبب ذلك.
وقد أقرَّ هو قائلًا: «لقد تأخَّر الوقت.»
قالت سيلفيا وكأنها زيارة عادية: «أعتقد هذا.»
«حسنًا، هيا بنا يا فلورا، لقد حان الوقت للعودة إلى المنزل.»
«سأقوم ببعض الترتيبات الأخرى لطلب المساعدة إذا ما احتجتها، وعمومًا، فإنني لن أحتاجها الآن.» ثم أضافت ضاحكة: «وسأتوقف عن إزعاجك ومضايقتك.»
قال: «بالقطع، من الأفضل أن تدخلي الآن حتى لا تصابي بالبرد.»
«كان الناس في الماضي يعتقدون أن تكاثف الضباب بالليل يمثل خطورة.»
«هذا شيء جديد بالنسبة لي.»
قالت: «إذن طابت ليلتك، طابت ليلتك يا فلورا.»
ثم دق جرس الهاتف.
«أستأذنك.» وقد رفع يده واستدار وهو يقول: «طابت ليلتك.»
لقد كانت روث على الهاتف.
قالت سيلفيا: «أوه، لقد تغيَّرت الخطة.» •••
لم تنَم؛ فقد كانت تفكر في تلك النعجة الصغيرة، التي بدا ظهورها من بين الضباب وكأنه شيء مليء بالسحر، وتساءلت لو مرَّ ليون بشيء كهذا كيف كان يمكن أن يتناوله؟ لو كانت شاعرة لكتبت قصيدة عما مرت به، ولكنها من خلال تجربتها كانت تدرك أن الموضوعات التي اعتقدت أنه يمكن للشاعر أن يعبر عنها لم تكن تروق لليون على الإطلاق. •••
لم تسمع كارلا صوت كلارك وهو يغادر المنزل، ولكنها شعرت به عندما عاد.
أخبرها أنه خرج لتوِّه كي يتفقد الأمور حول الإسطبل.
«مرت سيارة عبر الطريق منذ فترة، وتساءلت عما يمكن أن يفعله أصحابها هنا، ولم أستطع النوم حتى خرجت لأطمئن بأن كل شيء على ما يرام.»
«وهل كان الأمر كذلك؟»
«على قدر ما رأيت.»
قال: «وبينما كنت بالخارج، أدركت أنني لا بد أن أقوم بزيارة لأول الطريق، لقد قمت بإعادة الملابس.»
اعتدلت كارلا وجلست في فراشها.
«هل أيقظتَها؟»
«لقد كانت مستيقظة، لقد سارت الأمور على ما يرام، لقد تبادلنا حديثًا قصيرًا.»
«أوه.»
«سارت الأمور على ما يرام.»
«لم تذكر لها شيئًا عن ذلك الأمر، أليس كذلك؟»
«بلى، لم أذكر لها شيئًا عن ذلك.»
«لقد كان الأمر كله مختلقًا، لقد كان كذلك بالفعل، يجب أن تصدقني، لقد كانت كذبة.»
«لا عليكِ، حسنًا.»
«يجب أن تصدقني.»
«أنا أصدقك.»
«لقد اختلقت كل هذا.»
«حسنًا.»
وصعد إلى الفراش.
قالت: «ساقاكَ باردتان كما لو أنهما قد ابتلتا.»
«إنه الندى الكثيف.»
قال: «اقتربي هنا، عندما قرأتُ رسالتك شعرت داخلي بالخواء. هذا صحيح. لو كنتِ تركتِني، لكنت شعرتُ بأنه لم يتبقَّ لي شيء في حياتي.» •••
استمر الجو صحوًا، وراح الناس يحيي بعضهم بعضًا، في الشوارع، والمتاجر، وفي مكتب البريد، مشيرين إلى أن فصل الصيف قد وصل أخيرًا، وراحت الحشائش في المراعي، وحتى المحاصيل المنكمشة، ترفع رأسها معلنة تحيتها لقدوم الصيف. وجفَّت البرك والمستنقعات، وتحوَّل الطين إلى تراب، وهبَّت بعض الرياح الخفيفة الدافئة، وشعر كل فرد بقدرته على ممارسة مهامه مرة أخرى بهمة ونشاط. ولم يتوقف رنين الهاتف، وانهالت التساؤلات عن مواعيد سباقات الخيل، وعن أوقات التدريب، وأبدى القائمون على مخيمات الصيف اهتمامهم الآن، بعد أن ألغوا الرحلات المتجهة إلى المتاحف. واقتربت المركبات الصغيرة محملة بالأطفال الصغار دائمي الحركة، وراحت الخيول تقفز عبر السياج، وقد تحررت من أغطيتها.
نجح كلارك في العثور على تسقيفة كبيرة بما يكفي بسعر معقول، وقد أمضى طوال اليوم الأول الذي أعقب «يوم الهروب» (وهو الاسم الذي أطلقوه على رحلة كارلا بالحافلة) في إصلاح سقف حلقة التدريب.
وظلا طوال يومين يلوِّح أحدهما لآخر، وهما يؤديان أعمالهما اليومية المعتادة. وإذا ما تصادف ومرت كارلا بجواره ولم يكن هناك أحد يراهما، فإنها كانت تطبع قبلة على كتفه من فوق قماش قميصه الصيفي الخفيف.
قال لها: «إن حاولتِ مرة أخرى أن تهربي بعيدًا، فسأضربك.» فردت قائلة: «أحقًّا ستفعل؟»
«ماذا؟»
«تضربني؟»
«تمامًا، هو ذاك.» كانت روحه المعنوية مرتفعة بشدة، وكانت جاذبيته لا تقاوَم مثلما رأته أول مرة.
وكانت الطيور تنتشر في كل مكان، وقد امتلأت السماء بالطيور السوداء ذات الأجنحة الحمراء، وبعصافير أبي الحناء، وكان هناك زوج من اليمام راح يغرِّد منذ أن طلع الصباح، وظهرت الكثير من الغربان والنوارس التي انطلقت من فوق البحيرة في مهمات استطلاعية، بينما حطَّت طيور البغاث الضخمة فوق أحد أشجار السنديان الذابلة التي تقع على مسافة نصف ميل عند أطراف الغابة. وقد جلست في البداية لتجفف أجنحتها الكثيفة، وكانت ترفعها بين الحين والآخر في محاولة للتحليق؛ فقد كانت ترفرف وتطير في دورة حول المكان، ثم تجتمع وتنظِّم نفسها لكي تسمح للشمس والهواء الدافئ بأن يؤديا مهامهما في تجفيف أجنحتها. وفي غضون يوم أو نحو ذلك استردت الطيور قوتها، وحلقت عاليًا، ثم راحت تدور وتقترب من الأرض، وتختفي حينًا بين الغابات وتعاود مرة أخرى لتستقر فوق شجرتها الجرداء التي اعتادت عليها.
وظهرت جوي تاكر — مالكة ليزي — مرة أخرى وقد اكتسبت بشرتها بعض السمرة، ولكنها بدت ودودة هذه المرة. كانت قد سئمت من الأمطار وذهبت لتمضي إجازتها في تسلق جبال روكي، وها هي قد عادت الآن.
قال كلارك: «جئتِ في الوقت المناسب؛ أعني من حيث الطقس.» وراح هو وجوي تاكر يمزحان كما لو أنه لم يحدث بينهما شيء من قبل.
قالت: «تبدو ليزي في حالة جيدة، ولكن أين هي صديقتها الصغيرة؟ ما اسمها؟ … فلورا؟»
فقال كلارك: «رحلت، ربما ذهبت إلى جبال روكي.»
«ثمة الكثير من النعاج البرية هناك، نعاج ذات قرون رائعة.»
«لقد سمعت ذلك من قبل.» •••
لنحو ثلاثة أو أربعة أيام انشغل كلٌّ من كلارك وكارلا في ممارسة أعمالهما بدرجة لم تمكِّنهما من الخروج وإلقاء نظرة على صندوق البريد، وعندما فتحته كارلا فيما بعد، وجدت به فاتورة الهاتف، وإعلانًا بجائزة قدرها مليون دولار إذا ما اشتركا في إحدى المجلات، وخطابًا من السيدة جاميسون.
عزيزتي كارلا كنت أفكر في الأحداث التي وقعت في الأيام القليلة الماضية (ربما أقول الدرامية بعض الشيء)، وقد وجدت أنني كنت أتحدث إلى نفسي، غير أني في الواقع كنت أتحدث إليك، وقد حدث ذلك كثيرًا؛ لذا وجدت أنه من الأفضل أن أتحدث معك بالفعل حتى لو كان ذلك من خلال رسالة — وهي أفضل وسيلة في الوقت الحالي — ولا تقلقي، فليس عليكِ أن ترسلي أي رد.
واسترسلت السيدة جاميسون قائلة إنها كانت تخشى أن تكون قد بالغت في التدخل في حياة كارلا، وإنها ربما ارتكبت خطأً حين اعتقدت بأن سعادة كارلا وحريتها شيء واحد، ولكن كل ما كان يهمها هو سعادة كارلا فحسب، وأنها ترى أنه ينبغي لها — أي كارلا — أن تلتمس تلك السعادة في زواجها. وكل ما تأمله الآن أن تكون رحلة كارلا وأحاسيسها المضطربة قد ساعدتها على إخراج مشاعرها الحقيقية إلى السطح، وربما ساعدت زوجها أيضًا على أن يدرك مشاعره هو الآخر تجاهها.
وقالت إنها ستتفهم جيدًا إذا ما رغبت كارلا في تجنُّب الذهاب إليها في المستقبل، وإنها ستظل ممتنة لكارلا دومًا لحضورها ووقوفها بجانبها في مثل ذلك الوقت العصيب من حياتها.
ولكن كان الشيء الأغرب والأعجب بالنسبة لي في خضم كل تلك الأحداث هو ظهور فلورا مرة أخرى، بل إنه قد بدا لي أمرًا أشبه بالمعجزة. أين كانت طوال كل ذلك الوقت؟ ولمَ اختارت ذلك التوقيت بالذات للظهور؟ إنني على ثقة من أن زوجك قد وصف لكِ ما حدث. لقد كنا نتحدث عند باب الفناء، وكنت أنا أول من رأى ذلك الشيء الأبيض الذي ظهر لنا فجأة من وسط الظلام حيث كنت أنا في مواجهه باب الفناء. أعلم جيدًا بالطبع أن ذلك كان من تأثير الضباب، لكنه كان شيئًا مرعبًا بحق. أعتقد أنني أطلقت صيحة عالية حينها، وأظن أنني لم أمرَّ من قبل بمثل هذا الوجل بمعناه الحقيقي، بل إنني أعتقد أنه يجب أن أكون صادقة وأقول إنه إحساس بالفزع والخوف. وهكذا كنا رغم أننا شخصان راشدان إلا أننا تَسَمَّرنا في مكاننا من شدة الخوف وإذا بفلورا الصغيرة المفقودة تظهر من وسط الضباب. كان هناك شيءٌ غريب ومميز في هذا الأمر. أعلم جيدًا أن فلورا ما هي إلا مجرد حيوان عادي صغير، وأنها قد ذهبت بعيدًا بحثًا عن شريك للتزاوج لكي تُنجب نعاجًا صغيرة. وبشكل أو بآخر فإن عودتها لا تتعلق على الإطلاق بحياتنا كبشر، إلا أنه برغم ذلك، فظهورها في تلك اللحظة كان له تأثير عميق على زوجك وعليَّ في آنٍ واحد؛ فعندما ينتاب اثنين من البشر فرَّقهما العداء شعورٌ بالحيرة — لا بالفزع — في الوقت نفسه لرؤيتهما شبحًا ما فإنه يتولَّد في تلك اللحظة رباط ما، ويجدان نفسيهما وقد اتحدا بطريقة غير متوقعة. اتحدا في الإنسانية؛ فهذا هو الوصف الوحيد الذي يمكن أن أطلقه. لقد تفرقنا تقريبًا كأصدقاء؛ لذا فإن فلورا وجدت مكانها في حياتي كملاك جميل، وأعتقد أنها كانت كذلك في حياة زوجك وحياتك.
مع خالص تحياتي: سيلفيا جاميسون
بمجرد أن انتهت كارلا من قراءة الرسالة، طوتها، ثم أحرقتها في الحوض، وقد ارتفعت ألسنة اللهب ارتفاعًا مزعجًا، وراحت كارلا تفتح ماء الصنوبر، وتلتقط البقايا المتفحمة المثيرة للاشمئزاز وألقت بها في المرحاض، وهو الأمر الذي كان ينبغي أن تفعله في بادئ الأمر.
ثم انشغلت كارلا في عملها لبقية اليوم، وفي اليوم التالي، وما تلاه. وخلال ذلك الوقت، كان عليها أن تأخذ فريقين في نزهة بالخارج فوق الخيول، وأن تعطي دروسًا لبعض الأطفال سواء أكانوا منفردين أو في مجموعات. وفي المساء، عندما كان يطوِّقها كلارك بذراعَيْه — فرغم كونه منشغلًا كما هو الآن، لم يكن يشعر قط بالتعب أو بالغضب للدرجة التي تمنعه من احتضانها — فإنها لم تكن تجد صعوبة في أن تكون متعاونة معه.
لقد كان الأمر يبدو كما لو أن إبرة قاتلة تخترق صدرها، وعليها أن تلتقط أنفاسها بهدوء وحذر؛ حتى تتجنب الشعور بها، ولكن كان عليها بين الحين والآخر أن تأخذ نفسًا عميقًا فتشعر أنها لا تزال موجودة في نفس المكان. •••
أخذت سيلفيا شقة في المدينة الجامعية حيث تدرِّس، ولم تعرض منزلها للبيع، أو على الأقل لم تكن هناك لافتة أمامه تشير إلى ذلك. وذكرت الصحف أن ليون جاميسون حصل على إحدى الجوائز بعد وفاته، ولم يرد ذكر أي نقود هذه المرة تتعلق بالجائزة. •••
وبحلول أيام الخريف الذهبية الجافة — وهو من الفصول المثمرة التي تدرُّ عليهم الربح — وجدت كارلا نفسها وقد اعتادت على التفكير الحاد الذي استقر بداخلها، ولكنه لم يعد حادًّا الآن، بل إنه لم يعد يثير دهشتها، ولكن ما أصبح مستقرًّا بداخلها هو بعض الأفكار المغرية؛ إغواء مستتر مستقر في ذاتها.
وكان كل ما عليها هو أن ترفع عينيها، أن تنظر فقط في اتجاه واحد، لتعرف إلى أين يمكن أن تتجه. تتريض في المساء عندما تنتهي من أعمالها المنزلية المعتادة، وتذهب إلى أطراف الغابة، حيث الشجرة الجرداء، وحيث تعقد الصقور الجارحة حفلاتها.
ثم ترى هناك تلك العظام الصغيرة القذرة ملقاة فوق الحشائش. والهيكل العظمي ما زال يتشبث به بعض الجلد الممزق الملطخ بالدماء؛ هيكل عظمي تستطيع أن تحمله ككوب الشاي بيد واحدة. تحمل المعرفة في يد واحدة.
أو ربما لا، لا يوجد شيء هناك.
ربما تكون قد حدثت أشياء أخرى، ربما يكون قد طارد فلورا حتى أبعدها، أو أوثقها في ظهر الشاحنة، وذهب بها إلى مسافة بعيدة ثم أطلق سراحها، قد يكون أعادها إلى المكان الذي أحضرها منه؛ لكي لا تكون موجودة أمامهما لتذكِّرهما دائمًا بما حدث.
قد تكون حرة.
مرت الأيام ولم تقترب كارلا من المكان، لقد قاومت ذلك الإغواء.
الهروب |
صدفة
في منتصف شهر يونيو من عام ١٩٦٥، كان الفصل الدراسي قد انتهى في تورانس هاوس، ولم تُعرض على جولييت وظيفة دائمة — فالمدرس الذي كانت تحل محله تماثل للشفاء — وبمقدورها الآن أن تعود إلى منزلها. بَيْدَ أنها قررت قبل عودتها أن تعرِّج على صديقتها التي تعيش بالقرب من الشاطئ.
منذ شهر تقريبًا، كانت قد ذهبت مع مُدرِّسة أخرى — تُدعى خوانيتا، وهي الوحيدة من ضمن فريق العمل التي تقاربها في العمر، وهي أيضًا صديقتها الوحيدة — لمشاهدة معالجة جديدة لفيلم قديم وهو فيلم «هيروشيما مون أمور»، وقد اعترفت خوانيتا فيما بعد أنها كانت — مثلها مثل المرأة التي في الفيلم — تحب رجلًا متزوجًا؛ وهو والد أحد الطلاب. ثم قالت جولييت إنها وجدت نفسها في مثل هذا الموقف أيضًا إلى حدٍّ ما، لكنها لم تسمح للأمور أن تتطور؛ وذلك بسبب داء زوجته المأساوي. لقد كانت زوجته ميئوسًا من شفائها وعلى شفا الموت الدماغي. فعلَّقت خوانيتا أنها كانت تتمنى أن تكون زوجة حبيبها في مثل هذه الحالة من الموت الدماغي، ولكنها لم تكن كذلك، بل كانت مفعمة بالحيوية والقوة، وكان من الممكن أن تتسبَّب في فصل خوانيتا من عملها.
وبعد ذلك بفترة قصيرة وصل خطاب ما، كما لو كانت استحضرته تلك الأكاذيب غير اللائقة أو أنصاف الحقائق. وقد بدا الظرف متسخًا بعض الشيء كما لو أنه مكث في جيب حامله فترة طويلة، وكان موجهًا إلى «جولييت (المدرسة)، تورانس هاوس، ١٤٨٢، شارع مارك، فانكوفر بريتيش كولومبيا»، وأعطته مديرة المدرسة لجولييت قائلة: «أعتقد أن هذا الخطاب لكِ، لكن من العجيب أنه لا يحمل اسم العائلة، ولكن العنوان صحيح، بمقدورهم تحري ذلك.» كان هذا هو نص الخطاب: عزيزتي جولييت كنت قد نسيت اسم المدرسة التي تعملين بها، لكنني، فجأة تذكرتها من دون سبب، فتراءى لي الأمر وكأنه إشارة لكي أكتب لك. آمل أن تكوني ما زلت في المدرسة؛ فإنه من الصعب أن تتركي الوظيفة قبل انتهاء الفصل الدراسي، وعلى أي حال لا أظن أنك شخصية انهزامية. ما رأيك في طقس الساحل الغربي لدينا؟ إن كنت تعتقدين بأن الأمطار تهطل بغزارة في فانكوفر، فعليك أن تتوقعي إذن ضعف ما تتخيلين، وهذا هو الحال لدينا هنا. دائمًا ما أتخيلك وأنت جالسة تتطلعين إلى التخوم، النجوم. أرأيتِ لقد كتبتُ تخوم، إنه وقت متأخر من الليل، وهو الوقت الذي اعتدت فيه الدخول إلى الفراش. ما زالت آن كما هي. عندما عدت من رحلتي اعتقدت أنها قد أخفقت إخفاقًا كبيرًا، ولكن ذلك راجع بدرجة كبيرة لأنني رأيت التدهور الذي حدث لها في السنتين أو الثلاث الأخيرة مرة واحدة. ولكني لم أكن ألحظ تدهورها عندما كنت أراها كل يوم. أظن أنني لم أخبرك بتوقفي في ريجينا لرؤية ابني الذي أصبح يبلغ من العمر الآن أحد عشر عامًا. إنه يعيش مع أمه. لقد لاحظت تغيرًا كبيرًا طرأ عليه هو الآخر. أنا سعيد الآن لأنني تذكرت اسم المدرسة، لكني أخشى أني ما زلت لا أذكر الاسم الأخير لك، ولكني سأضع طابع البريد وأرسل الخطاب هكذا على أي حال، وآمل أن يصلني الاسم. أفكر فيك دائمًا. أفكر فيك دائمًا. أفكر فيك داااااااااااائمًا.
استقلَّت جولييت الحافلة من قلب مدينة فانكوفر إلى هورس شو باي، ثم استقلت إحدى العبَّارات، ومرَّت بعد ذلك من شبه الجزيرة بالبر الرئيسي، ثم عبَّارة أخرى ثم إلى اليابسة ثانية، وهكذا حتى بلغت المدينة التي يقطن بها الرجل الذي أرسل الخطاب، وهي مدينة ويل باي. ويا لها من سرعة كبيرة تلك التي ينتقل بها المرء من المدينة إلى البرية، حتى قبل بلوغ هورس شو باي! وكانت جولييت طوال فترة الفصل الدراسي تعيش وسط المروج والحدائق بكيريسديل بما فيها من جبال الشاطئ الشمالي، التي تبدو أشبه بستارة المسرح عندما تنقشع عنها الغيوم، ويصبح الطقس صافيًا. لقد كانت ملاعب المدرسة محمية، وحضارية تحيط بها الأشجار والزهور اليانعة طوال العام، وتحتضنها الجدران الحجرية، وكانت أراضي البيوت المحيطة تشبه ملاعب المدرسة. وقد تمثَّلت تلك الوفرة والجمال في زهور: الوردية، البهشية، والغار والحلوة. ولكن قبل أن تتوغل بعيدًا لتصل هورس شو باي، تقترب الغابات من الرائي، وهي غابات حقيقية وليست حدائق الغابات، وانطلاقًا من هذه المنطقة وعلى امتداد البصر لا توجد سوى مناظر المياه والصخور، والأشجار الداكنة، والطحالب المعلقة. وبين الحين والآخر، تجد آثار الدخان متصاعدة من بعض المنازل الصغيرة المتهدمة والرطبة والتي تحيط بها أفنية مليئة بالحطب، وألواح الخشب، والسيارات، وبعض أجزاء من السيارات، والدراجات المستعملة أو المكسورة، وبعض اللعب، وسائر الأشياء الأخرى التي يضعها الأشخاص بالخارج عندما يفتقرون إلى وجود مرأب أو قبو بالمنزل.
ولم تكن المدن التي توقفت بها الحافلة بالمدن المنظمة على الإطلاق. وفي بعض الأماكن، شُيدت بعض البيوت المتجاورة المتشابهة — التابعة لشركة ما — وعلى مقربة شديدة بعضها من بعض، غير أن معظم تلك البيوت كانت مشابهة للبيوت التي تقع في الغابات؛ حيث تجد كل منزل يحيط به فناؤه الذي تتراكم فيه أشياء متناثرة، كما لو أن هذه البيوت بُني كل منها على مرأًى من الآخر من قبيل المصادفة فقط. لم تكن هناك طرق ممهدة، فيما عدا الطريق السريع الذي يمتد بينها، ولا أرصفة جانبية، ولم توجد مبانٍ ضخمة متراصة لتضم «مكاتب البريد»، أو «مكاتب البلدية»، ولم تحتوِ هذه المدن أيضًا على أي أبنية بها متاجر مزيَّنة ومنمقة، ولا يوجد بها أثر لتماثيل تخلِّد ذكرى الحروب، أو أي نافورة للشرب، أو حتى متنزه صغير تكسوه الزهور. قد ترى في ناحية ما أحد الفنادق، ولكنه عادة ما كان يشبه الحانة الصغيرة، أو تجد مدرسة حديثة أو مستشفًى … قد يتسم أيٌّ منهما بالوقار والاحترام، لكنه بسيط ومتواضع كالحظيرة.
وقد شعرت في لحظة ما — وخاصة عند العبَّارة الثانية — ببعض الشكوك التي قلبت لها معدتها حول الأمر برمته.
«أفكر فيكِ دائمًا.»
«دائمًا ما أفكر فيكِ.»
هذه هي دومًا الأشياء التي يعمد بعض الناس لقولها لإراحة الآخرين، أو بدافع رغبة قوية لإحكام السيطرة على شخص ما.
ولكن لا بد وأن هناك فندقًا ما، أو كبائن للسائحين على الأقل، في ويل باي. ستذهب إلى هناك. كانت قد تركت حقيبتها الضخمة في المدرسة، على أن تعود لإحضارها لاحقًا؛ فهي لا تحمل سوى حقيبة ترحال صغيرة تضعها على كتفها، حتى لا تكون لافتة للنظر. ستمضي ليلة واحدة فقط. ربما تهاتفه.
وماذا تقول؟
تصادف أنها مرت من ذلك الطريق لزيارة صديقة لها؛ وهي خوانيتا صديقتها من المدرسة؛ حيث تمتلك مكانًا هنا لتمضي به الصيف … أين؟ لدى خوانيتا كوخ في الغابة؛ فهي من ذلك النوع من النساء اللواتي يتَّسمن بالجرأة ويفضِّلن الانطلاق (على خلاف خوانيتا الحقيقية التي نادرًا ما تتخلى عن حذائها ذي الكعب العالي). واتضح أن الكوخ لا يبعد عن جنوب ويل باي. وحالما أنهت زيارتها إلى الكوخ وإلى خوانيتا، أخذت جولييت تفكر … لقد كانت تفكر — بما أنها كانت هناك بالفعل — أنه ربما بمقدورها أيضًا أن … •••
الصخور، والأشجار، والمياه، والثلوج؛ كانت هذه الأشياء، التي يتغير ترتيبها ومكانها باستمرار، هي ما تزين المشهد منذ ستة أشهر مضت وهي تطل من نافذة أحد القطارات في صباح أحد الأيام ما بين أعياد الميلاد والسنة الجديدة. كانت الصخور ضخمة، ذات بروز في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى ناعمة مثل الجلمود، وقد يتباين لونها ما بين الرمادي الداكن، أو الأسود. أما الأشجار فكانت دائمة الخضرة في أغلبها؛ سواء أشجار الصنوبر، أو الراتينج، أو الأرز. وكانت أشجار الراتينج — وخاصة السوداء منها — تحتوي على ما يشبه الأشجار الصغيرة الزائدة؛ أي شجيرات صغيرة منفصلة قائمة في الجزء العلوي منها. أما الأشجار التي لم تكن دائمة الخضرة فكانت ضعيفة وعارية؛ مثل أشجار الحور، أو الطمراق، أو جار الماء. وكان لهذه الأشجار بعض الجذوع المبقعة. وقد استقرت الثلوج بكثافة فوق قمم الصخور، والتصقت على جانبَي الأشجار ناحية اتجاه الرياح، أو كوَّنت غطاءً رقيقًا وناعمًا فوق أسطح العديد من البحيرات المتجمدة سواء الصغيرة أو الكبيرة. ولا تتحرَّر المياه من الثلوج إلا قليلًا في الجداول الضيقة المظلمة التي تنساب بسرعة شديدة.
وضعت جولييت كتابًا مفتوحًا على ركبتها، ولكنها لم تكن تقرأ، فلم ترفع عينيها عما مرت به من مناظر طبيعية. جلست وحيدة على مقعد مزدوج، وفي مواجهتها مقعد آخر كان شاغرًا، وكان هذا هو المكان الذي يتحول فيه مقعدها لفراش في المساء. وبدا الحمال في تلك اللحظة منهمكًا في إعداد عربة النوم، وإجراء بعض الترتيبات من أجل المساء. وفي بعض الأماكن من العربة كانت الأغطية الخضراء الداكنة ذات السحَّابات لا تزال تلامس الأرض، وكانت تنبعث رائحة من أقمشتها، التي تشبه قماش المخيمات، وقد انبعثت أيضًا بعض روائح ملابس النوم ودورات المياه. وكلما فُتِح الباب في أي من طرفي العربة هبَّت لفحة من هواء الشتاء البارد. وقد ذهبت الدفعة الأخيرة من الناس إلى تناول طعام الإفطار، في حين عاد آخرون.
كان هناك آثار أقدام وسط الثلوج؛ آثار أقدام حيوانات صغيرة، وكأنها أعقاد مكونة من حبات صغيرة تتحلَّق ثم تغيب عن الأنظار.
كانت جولييت في الحادية والعشرين من عمرها، وقد حصلت بالفعل على درجة الليسانس والماجستير في الكلاسيكيات، وتعكف في الوقت الحالي على تحضير رسالة الدكتوراه، ولكنها اقتطعت بعضًا من وقتها من أجل تدريس اللغة اللاتينية في مدرسة خاصة للبنات في فانكوفر. ولم تتلقَّ جولييت أي دورات تدريبية في التدريس، إلا أن ما جعل المدرسة تقدم على تعيينها هو خلو الوظيفة في منتصف الفصل الدراسي بصورة مفاجئة، وربما بسبب عدم تقدم أحدٍ للإعلان المنشور، وكان المرتب أقل بكثير مما يتقاضاه أي مدرس مؤهَّل، ولكن جولييت كانت راضية بحصولها على أي نقود، بعدما أمضت سنوات كثيرة في المنح الدراسية الشحيحة.
كانت فتاة طويلة القامة، ذات بشرة بيضاء، ومظهر جميل، وشعر بني فاتح اللون لا ينتفش إذا ما طاله رذاذ الماء. كانت تشبه طالبات المدرسة النشيطات النابهات، رأسها دومًا مرفوعٌ عاليًا، ولها ذقن دقيق مستدير، وفم عريض ذو شفاه رفيعة، وأنف أفطس، وعينان لامعتان، وجبهة تتوهج غالبًا من فرط المجهود أو التقدير. وكان معلموها سعداء بها؛ فهم ممتنون لأي شخص يدرس اللغات القديمة هذه الأيام، وبخاصة إن كان هذا الشخص يتمتع بموهبة كبيرة، لكنهم كانوا يشعرون نحوها بالقلق في الوقت نفسه. وتكمن مشكلتها في كونها فتاة؛ فإذا ما حدث وتزوَّجت — وهو شيء قد يحدث بالطبع؛ حيث إنها لم تكن ذات مظهر سيئ بالنسبة لطالبة دراسات عليا — فإن كل مجهوداتها ومجهوداتهم ستضيع سدًى، وإذا لم تتزوج فقد تصبح بائسة ومنعزلة ووحيدة وتفقد جاذبيتها لدى الرجال (الذين هم أيضًا بحاجة إليهن؛ حيث إنه عليهم الإنفاق على عائلاتهم عكس النساء)، ولن تستطيع أن تدافع عن اختيارها الغريب لدراسة الكلاسيكيات، وأن تتقبل ما يراه الناس شيئًا عديم الفائدة وكئيبًا، ولن تنجح في التخلص من تلك الآراء مثلما يفعل الرجال؛ فالخيارات الغريبة تعد أسهل بالنسبة للرجال؛ حيث يجد معظمهم الكثير من النساء اللواتي يسعدن بالارتباط بهم، ولكن العكس ليس صحيحًا بالنسبة للنساء.
وعندما عُرضت عليها فرصة التدريس، حثَّها الكثيرون على الإقدام عليها قائلين إنه لشيء جيد بالنسبة لها أن تخرج للعالم، وتتعرف على الحياة الحقيقية.
وكانت جولييت معتادة على ذلك النوع من النصائح، ولكن الأمر المحبط بالنسبة لها هو أن تصدر تلك النصيحة من أولئك الرجال الذين لا يبدو عليهم أي أثر أنهم قد جابوا العالم الخارجي بشغف وإثارة. وفي المدينة التي نشأت بها، كان ذكاؤها يصنَّف وكأنه نوع من العرج أو كإبهام زائد لديها، وعلى الفور كان الناس يشيرون إلى العيوب والنواقص المتوقعة التي قد تصاحب هذا النوع من الذكاء — كعدم قدرتها على تشغيل آلة الحياكة، أو ربط طرد على نحو أنيق، أو ملاحظة أن ملابسها الداخلية قد تتكشف في بعض الأحيان. كانت المسألة تتعلق بما سيحل بها مستقبلًا.
وقد حدث ذلك حتى لأبيها وأمها اللذين كانا يفخران بها. أرادتها أمها أن تكون شخصية مشهورة، ولتحقيق ذلك شجَّعتها على أن تتعلم رياضة التزلج والعزف على البيانو، ولكنها لم تفعل أيًّا منهما برغبتها ولم تتفوق فيهما. وكان كل ما يريده والدها هو أن تنسجم وتتكيف مع الوسط المحيط.
وكان يقول لها دومًا: يجب أن تتكيفي مع مَن حولك، وإلا سيجعل الناس من حياتك جحيمًا (وهو بهذا يغفل حقيقة أنه هو ذاته ووالدة جولييت لا ينسجمان مع من حولهما تمامًا، ومع هذا فهما ليسا بتعيسين. ربما ساوره الشك في أن جولييت قد تكون محظوظة مثلهما).
بمجرد أن التحقت بكُلِّيتها قالت جولييت إنها تشعر بالفعل بالتوافق والانسجام، وإنها تشعر بالتوافق والانتماء مع من حولها في قسم الكلاسيكيات، وهي على ما يرام تمامًا.
ومن هذا القسم جاءتها نفس الرسالة، من أساتذتها، الذين كانوا يقدِّرون موهبتها، ومبهورين بها؛ فسعادتهم بها لم تُخفِ قلقهم؛ فقد نصحوها بالخروج للعالم، يقولون ذلك كما لو أنها لم تكن تعيش في العالم حتى الآن، وكأنها كانت في اللامكان.
ومع هذا فقد كانت تشعر بالسعادة وهي في القطار.
إنها غابة «التايجا»، هكذا حدَّثت نفسها. لم تكن تعلم إن كانت هذه هي الكلمة الصحيحة التي تُطلق على ما تتطلع إليه الآن. ربما واتتها — على صعيد ما — فكرة تخيُّل نفسها سيدة شابة في رواية روسية، تخرج إلى أرض غير مألوفة، مثيرة، باعثة على الرعب؛ حيث تعوي الذئاب في ظلمة الليل، وحيث تتقابل وقدرها، ولا تبالي إن كان من المرجح أن ينتهي المقام بذلك القدر — في الرواية الروسية — ليكون كئيبًا أو مأساويًّا أو كليهما معًا.
وعلى أي حال، فالأقدار الفردية ليست هي النقطة الأهم؛ إذ إن ما كان يجذبها — بل ويفتنها في الواقع — هو تلك اللامبالاة، والتكرار، وعدم الاهتمام، والازدراء للتناغم الذي تجده في أسطح صخور الدرع الكندية في حقبة ما قبل الكامبري.
وفجأة لمحت بجانب عينها خيالًا لشخص ما، ثم ساقَيْن داخل سروال تدخلان إلى مكانهما.
«هل هذا المقعد مشغول؟»
بالطبع لا. ماذا عساها أن تقول؟
كان يرتدي حذاءً أنيقًا ذا شُرَّابة، وسروالًا بني اللون، وسترة بمربعات تجمع بين اللونين البني والأصفر ذات خطوط رفيعة كستنائية اللون، وقميصًا أزرقَ داكنًا، وربطة عنق كستنائية مرقطة باللون الذهبي والأزرق. كان كل ما يرتديه من ملابس جديدًا، وبدت جميعها — فيما عدا الحذاء — واسعة كما لو أن الجسد الذي بداخلها قد تقلص وانكمش بعد شرائها.
كان رجلًا في الخمسينيات من عمره على الأرجح، ذا شعر بني ذي خصلات ذهبية لامعة تملأ فروة رأسه (لا يمكن أن يكون ذلك الشعر مصبوغًا، أليس كذلك؟ من عساه يصبغ تلك الخصلات القليلة من الشعر؟) وكان ذا حواجب داكنة، مائلة إلى الاحمرار، مستدقة الطرف وكثيفة، وكانت بشرة وجهه مليئة بالنتوءات وسميكة مثل سطح اللبن الرائب.
هل كان قبيحًا؟ نعم، بالقطع. لقد كان قبيحًا، ولكنها كانت تعتقد أن مثله مثل العديد من الرجال ممن هم في مثل عمره، لكنها لم تكن لتقول، فيما بعد، إنه كان قبيحًا بصورة ملحوظة.
رفع حاجبَيْه، واتسعت عيناه اللامعتان ذات اللون الفاتح كما لو أنه يرسم الود والاجتماعية، ثم جلس في مواجهتها وقال: «ليس هناك الكثير ليشاهده المرء من هنا.»
قالت وهي تخفض عينيها لتطالع الكتاب: «لا.»
قال كما لو أن الأمور تسير بسلاسة: «آه، أرى ذلك، وإلى أين تتجهين؟»
«فانكوفر.»
«وأنا أيضًا. لا بد وأن نمر بطول الطريق عبر الريف، وسوف ترين ذلك وأنت هناك، أليس كذلك؟»
«مممم.»
ولكنه أصر على الاستمرار في الحديث.
«هل ذهبتِ إلى تورونتو من قبل؟»
«نعم.»
«إنها مدينتي، تورونتو. لقد أمضيتُ بها حياتي كلها، هل هي موطنك أنتِ أيضًا؟»
قالت جولييت: «لا.» ثم نظرت مرة أخرى إلى الكتاب وهي تحاول جاهدة أن تطيل فترة الصمت، ولكن كان هناك شيء قوي — ربما نشأتها، شعورها بالإحراج، ربما رقَّتها — هو ما دفعها لكي تنطق باسم مدينتها، ثم تخبره بموقعها من خلال المسافة التي تبعدها عن بعض المدن الكبرى، ومكانها بالنسبة لبحيرة هورون وجورجيان باي.
«لديَّ ابنة عم في كولينجوود، إنها مدينة جميلة هناك، لقد ذهبتُ لزيارتها هي وعائلتها مرتين. هل تسافرين بمفردك؟ مثلي؟»
وأخذ يلوِّح بيديه ويضرب برفق كفًّا بكف.
«نعم.» وظنَّت في نفسها أنه يكفي ذلك، كفى عند هذا الحد.
«هذه هي المرة الأولى التي أسافر فيها في رحلة طويلة لأي مكان. إنها رحلة طويلة بمفردك.»
ولم تنبس جولييت ببنت شفة.
«لقد رأيتُك وأنت تقرئين بمفردك، وحدَّثت نفسي قائلًا بأنها ربما تسافر بمفردها، وعليها أن تقطع مسافة طويلة أيضًا، فلمَ لا نتجاذب أطراف الحديث معًا كأصدقاء؟»
سرت موجة من الاضطراب والارتباك بداخل جولييت عندما تفوَّه بتلك الكلمات: «التحدث كأصدقاء.»
ففهمتْ أنه لا يحاول أن يقيم معها علاقة؛ فمن بين الأشياء اللاأخلاقية التي قد تواجهها في بعض الأحيان هي التلميح الصريح من جانب بعض الرجال لإقامة علاقة معها، مشيرين إلى أنها بالقطع في نفس موقفهم وتواجه نفس ظروفهم؛ حيث دائمًا ما يكون هؤلاء الرجال غريبي الأطوار، يشعرون بالوحدة، ويفتقرون إلى أي نوع من أنواع الجاذبية. لكنه لم يفعل ذلك، لقد كان يريد رفيق درب لا صديقة.
وكانت جولييت تدرك ذلك؛ فهي تعلم أنها قد تبدو بالنسبة لكثيرين شخصية غريبة الأطوار ومنعزلة — وهي، إلى حد ما، كانت كذلك بالفعل — ولكنها قد مرت — في جزء كبير من حياتها — بشعور أنها محاطة ببعض الأشخاص الذين كانوا يرغبون في الاستحواذ على انتباهها، ووقتها، ودواخلها، وكانت عادة ما تتركهم يفعلون ذلك.
كوني منفتحة، كوني ودودة (وخاصة إذا لم تكوني مشهورة)؛ فهذا ما تتعلمه الفتاة في مدينة صغيرة، أو في مدينة سكنية للفتيات. عليكِ أن تتعاوني مع أي شخص يرغب في أن يستنزف كل طاقتك، حتى لو لم يكن يعرف عنكِ شيئًا.
نظرت في عينَي الرجل مباشرة، لكنها لم تبتسم، ورأى عزمها وتصميمها على ألا تتحدث، وارتسمت بعض أمارات الانزعاج على وجهه.
«أهو كتاب جيد الذي تقرئينه؟ ما الموضوع الذي يتناوله؟»
لن تخبره بأنه يتحدث عن اليونان القديمة، والارتباط الهائل الذي أبداه اليونانيون للامنطق. إنها لن تدرِّس اللغة اليونانية، ولكنها ستحاضر في مادة تسمى الفكر اليوناني؛ لذا فقد كانت تقرأ كتاب دودز مرة أخرى لكي تعرف ما الذي ستختاره. قالت: «إنني أرغب حقًّا في القراءة، سأذهب إلى عربة المشاهدة.»
ونهضت بالفعل وسارت مبتعدة وهي تفكر بأنه ما كان ينبغي لها أن تخبره بوجهتها؛ فمن الجائز أن ينهض، ويتبعها، ويعتذر لها، ويواصل حججه للحديث. علاوة على ذلك، سيكون الطقس باردًا في عربة المشاهدة، وتمنَّت لو أنها تذكرت إحضار سترتها، ولكن من المستحيل أن تعود مرة أخرى لإحضارها.
لم يحظَ المنظر المحيط الذي أطلَّت عليه من عربة المشاهدة، في خلفية القطار، برضاها واستمتاعها مثل المنظر الذي كانت تطل عليه من خلال نافذة عربة النوم؛ حيث يقحم هيكل القطار نفسه أمامك.
وربما كانت المشكلة في شعورها بالبرد، مثلما توقعت بعد أن غادرت العربة. وأيضًا كانت تشعر بالانزعاج، لكنها لا تشعر بالأسف. دقيقة أخرى وكانت يده الرطبة ستمتد — واعتقدت أنها يمكن أن تكون رطبة ولزجة أو جافة وخشنة — وربما كانا يتبادلان الأسماء مما سيحبسها هناك. وكان هذا أول انتصار من نوعه تحقِّقه، ولكنه كان ضد أكثر الخصوم حزنًا وإثارة للشفقة. بمقدورها الآن أن تسمعه وهو يلوك تلك الكلمات: «التحدث معًا كأصدقاء.» الاعتذار والوقاحة. ربما الاعتذار عادته، أما الوقاحة فهي نتاج أمله وتصميمه على كسر حاجز عزلته، وحالته الجائعة المتشوقة.
لقد كان ما حدث ضروريًّا، لكنه لم يكن بالشيء الهين على الإطلاق. لقد كان أكثر من مجرد انتصار، بالقطع، أن تقف متحدية شخصًا في تلك الحالة. كان انتصارًا أكبر من أن تتحدى شخصًا ماكرًا أو معتدًّا بذاته، ولكنها للحظة من اللحظات كانت ستشعر بالتعاسة.
كان هناك شخصان فقط يجلسان في عربة المشاهدة؛ سيدتان متقدمتان في العمر، وكل واحدة تجلس بمفردها. وعندما شاهدت جولييت ذئبًا كبيرًا يعبر السطح الثلجي الأملس للبحيرة الصغيرة اعتقدت أن السيدتين رأتاه أيضًا، ولكنَّ أيًّا منهما لم تكسر حاجز الصمت، وكان ذلك شيئًا سارًّا بالنسبة لها. ولم يلمح الذئب القطار؛ فهو لم يقف مترددًا أو يجري مهرولًا. وكان فراؤه طويلًا بلون الفضة التي تميل للأبيض، فهل اعتقد أن ذلك اللون يجعله مختفيًا عن الأنظار؟
وبينما كانت تشاهد الذئب، دلف راكب آخر، وكان رجلًا، وقد اتخذ المقعد المواجه للممر أمامها.
كان هو الآخر يحمل كتابًا، وتبعه إلى العربة زوجان طاعنان في السن، وكانت السيدة صغيرة الحجم ونشيطة، أما الرجل فكان ضخمًا ولا يتسم بالرشاقة، وكان يتنفس بصوت عالٍ غير مبالٍ بمن حوله.
قال عندما استقرَّا بمقعديهما: «إن الطقس بارد هنا.»
«أتود أن أحضر لك سترتك؟»
«لا أريد مضايقتك.»
«ليس ثَمَّةَ مضايقة.»
«سأكون على ما يرام.»
وقالت المرأة خلال دقيقة: «إنك ترى المنظر من هنا جيدًا.» لكنه لم يُجِبها، فحاولت مرة أخرى قائلة: «بإمكانك رؤية كل شيء من هنا.»
«وما الذي يمكن رؤيته؟»
«انتظر حتى نتوغل في الجبال؛ حينها سيكون هناك ما يستأهل رؤيته. هل استمتعتَ بطعام الإفطار؟»
«لقد كان البيض مائعًا.»
قالت المرأة بأسًى: «أعلم هذا، لقد كنتُ أفكر أنه لو كان بإمكاني أن أهرع إلى المطبخ وأقوم بإعداده بنفسي.»
«غرفة الطهي، يطلقون عليها غرفة الطهي.»
«أعتقد أن ذلك الاسم يطلقونه على مطبخ السفينة.»
رفعت جولييت عينَيْها عن كتابها في نفس اللحظة التي فعل فيها الرجل الجالس عبر الممر نفس الشيء، وتلاقت نظراتهما بهدوء ولم يكن بها أي تعبيرات. وفي تلك اللحظة أو التي تلتها أبطأ القطار من سرعته، ثم توقف، وحوَّل كلٌّ منهما نظره إلى موضع آخر.
كانا قد وصلا إلى مستوطنة صغيرة في الغابات، وعلى أحد الجانبين ظهرت المحطة، وقد طُليت باللون الأحمر الداكن، وعلى الجانب الآخر، انتصبت بعض البيوت التي ظهرت باللون الأحمر نفسه. كانت بيوتًا أو منازل إيواء لعمال القطارات. وارتفع صوتٌ يعلن أن هناك استراحة لمدة عشر دقائق.
نُظِّفت أرصفة المحطة من الثلوج، وأطلَّت جولييت برأسها ورأت بعض الأشخاص الذين غادروا القطار، وراحوا يأخذون جولة حوله. لقد كانت تريد أن تفعل مثلهم، ولكن ليس دون معطفها.
نهض الرجل الذي كان يجلس عبر الممر وهبط الدرج دون أن يلتفت حوله. وقد فُتحت الأبواب في مكان ما بالأسفل، وجلبت تيارًا من الهواء البارد. وتساءل الزوج العجوز عن سبب توقفهم هنا، وعن اسم المكان. على أي حال، ذهبت زوجته إلى مقدمة القطار لتحاول أن تعرف اسم المكان، لكنها لم تنجح في ذلك.
كانت جولييت تقرأ عن طقوس الميناد، يقول دودز إن الطقوس كانت تمارس في المساء، في منتصف فصل الشتاء، وكانت النسوة يصعدن إلى قمة جبل بارناسوس، وعندما تستوقفهن في وقت من الأوقات عاصفة ثلجية، يُرسَل فريق إنقاذ لهن، ويتم إنزال نساء الميناد بملابسهن التي كانت تبدو صلبة كألواح خشبية؛ حيث يتقبَّلن إنقاذهن وهن وسط طقوسهم الصاخبة. وكان ذلك بالنسبة لجولييت سلوكًا معاصرًا، فهو يلقي الضوء على بعض جوانب تصرفات كهنة القداس. هل سيرى الطلبة الأمر على هذا النحو؟ لا ليس من المرجح؛ إنهم من المحتمل أن يرفضوا أي نوع من التسلية، أو الانهماك في أي نشاط، كشأن الطلبة، وأما الذين لا يرفضونه، فإنهم لن يبدوا ذلك.
انطلق نداء للعودة إلى داخل القطار، وتوقف انسياب الهواء النقي، ثم حوَّل القطار مسار القضبان ببطء. رفعت جولييت عينيها لتشاهد ما يجري، ورأت، على بُعد مسافة أمامها، القاطرة وهي تختفي عند أحد المنعطفات.
ثم كان هناك تمايل أو ارتجاج؛ ارتجاج عبر القطار بأسره، ثم شعور باهتزاز العربة بشدة، وبعدها توقف القطار فجأة.
جلس الجميع في انتظار أن يتحرك القطار ثانية، ولم يتفوَّه أحد بكلمة، حتى الزوج الذي كان كثير الشكوى لم يتحدث بشيء. ومرت الدقائق، والأبواب تفتح وتغلق، وتعالت أصوات الرجال، وانتشر شعور بالذعر والقلق، وارتفع صوت يوحي بأنه ذو سلطة من عربة الاستراحة التي كانت أسفلهم تمامًا، قد يكون صوت محصِّل القطار، ولكن كان من الصعب سماع ما يقوله.
نهضت جولييت، وذهبت إلى مقدمة العربة وهي تنظر أعلى العربات التي أمامها، وقد رأت بعض الأشخاص يجرون وسط الثلوج.
نهضت إحدى السيدتين اللتين جلستا بمفردهما، ووقفت بجانبها.
قالت السيدة: «كان لديَّ شعور بأن شيئًا ما سيحدث، لقد شعرت بذلك عندما كنا بالخلف حينما توقف القطار. لم أكن أرغب في أن نستأنف هكذا ثانية، لقد شعرت بأن هناك شيئًا ما سيقع.»
جاءت السيدة الأخرى التي كانت تجلس بمفردها أيضًا، ووقفت خلفهما.
وقالت: «لن يكون شيئًا كبيرًا، ربما فرع شجرة هو ما أعاق الطريق.»
ردت السيدة الأولى قائلة: «لكنهم لديهم ذلك الشيء الذي يضعونه أمام القطار، وهو يعمل على أن يزيح هذه الأشياء كفروع الأشجار التي تعيق الطريق أو ما شابه.»
«ربما سقط لتوِّه.»
كانت السيدتان تتحدثان بنفس اللكنة؛ لكنة أهل شمال إنجلترا، ودون اللياقة التي تستخدم عادة مع الغرباء أو المعارف الجدد. وهنا أمعنت جولييت النظر إليهما، فخمَّنت أنهما قد تكونان أختين، رغم أن واحدة منهما كان لها وجه أعرض وأصغر. إذن فهما تسافران معًا ولكنهما جلستا بمعزل إحداهما عن الأخرى، أو ربما دبَّ نزاع ما بينهما.
كان محصِّل التذاكر يصعد الدرج إلى عربة المشاهدة، ثم استدار في منتصف المسافة ليتحدث.
«ليس ثَمَّةَ شيء خطير يبعث على القلق، أيها السادة، يبدو أننا قد ارتطمنا بشيء أعاق المسار. نحن نأسف لهذا التأخير، وسوف نستأنف المسير بأسرع ما يكون، لكننا سنمكث هنا لفترة قصيرة.» وقد أخبرني النادل بأنه سيتم تقديم بعض القهوة مجانًا في غضون دقائق.
تبعته جولييت وهو يهبط الدرج؛ حيث أدركت بمجرد أن نهضت من مكانها أنها هي ذاتها تواجه مشكلة جعلت من الضروري أن تعود إلى مقعدها وحقيبة سفرها، سواء أكان الرجل الذي عاملته بازدراء موجودًا أم لا. وبينما كانت تقطع طريقها عبر العربات، رأت الكثير من الأشخاص الذين يتحركون هنا وهناك؛ فقد كان منهم من يتزاحم ويتجمَّع عند النوافذ على أحد جانبي القطار، بينما توقَّف آخرون بين العربات كما لو أنهم يتوقعون أن يفتح القطار أبوابه، ولم يكن هناك وقت أمام جولييت لكي تطرح أي أسئلة، ولكن ترامى إلى مسامعها وهي تمر أنه قد يكون ما أعاق الطريق دبٌّ أو ظبي، أو بقرة. وتساءل الناس عما يمكن أن تفعله بقرة هنا في تلك الأدغال، أو عن سبب استيقاظ الدببة حتى الآن، أم تراه شخص ثمل قد غلبه النوم فوق القضبان؟
في غرفة الطعام التف الناس حول المناضد التي أزيحت عنها الشراشف البيضاء، وقد جلسوا يحتسون القهوة المجانية.
لم يكن هناك أحد يشغل مقعد جولييت، أو المقعد المقابل، فأخذت حقيبتها وهرعت إلى دورة مياه السيدات. لقد كانت الدورة الشهرية مصدر أذًى لها طوال حياتها، لقد كانت تضايقها، في بعض الأحيان، أثناء امتحانات هامة تستغرق مدتها ثلاث ساعات، ولا تستطيع حينها مغادرة غرفة الامتحان لتغيير فوطتها الصحية.
جلست على المرحاض وهي تشعر ببعض الألم، وقد احمرَّ وجهها، وانتابها القليل من الإعياء والدوار، ونزعت الفوطة الصحية الغارقة، ولفَّتها في ورق التواليت، ووضعتها في سلة المهملات، وعندما نهضت أخرجت الفوطة الجديدة من حقيبتها. وقد رأت أن الماء والبول في المرحاض قد اختلطا بالدماء. رفعت يدها لتضغط على زر صندوق طرد الفضلات، لكنها لاحظت بأن هناك تحذيرًا يشير إلى عدم الضغط على الزر عندما يكون القطار متوقفًا؛ وهذا ينطبق بالطبع في حالة توقف القطار بالقرب من المحطة، ويكون هناك عملية تفريغ، فيمكن للناس أن يروا الفضلات، وهذا شيء كريه، إلا أنها هنا يمكن أن تغامر وتضغط على الزر.
غير أنها سمعت أصواتًا قريبة عندما كانت على وشك الضغط على الزر، ولكنها لم تكن صادرة من القطار ذاته، وإنما من خارج نافذة دورة المياه ذات الزجاج الخشن. ربما هم عمال القطار يسيرون خارجه ويتفقَّدون الطريق.
بإمكانها أن تنتظر حتى يتحرك القطار، ولكن كم من الوقت سيستغرقه ليستأنف الرحلة؟ وماذا لو كان أحدٌ في حاجة ماسة للدخول؟ لذا قررت أن تغلق غطاء المرحاض وتغادر.
عادت إلى مقعدها، وجلس على الجانب الآخر منها طفلٌ صغير في الرابعة أو الخامسة من عمره، وكان يلهو بأقلام التلوين في صفحات أحد كتب التلوين، وتحدثت أمه مع جولييت بشأن القهوة المجانية.
قالت: «هي مجانية بالفعل، ولكن على المرء أن يحضرها بنفسه، هل تمانعين في مراقبته حتى أحضر القهوة؟»
قال الطفل دون أن يرفع بصره: «لا أرغب في المكوث معها.»
قالت جولييت: «سأذهب أنا لإحضارها.» ولكن في تلك اللحظة دلف النادل وهو يدفع عربة القهوة أمامه.
قالت الأم: «ها هي القهوة، ما كان ينبغي أن أتذمَّر بسرعة، هل سمعتِ بأنها كانت جثة شخص ما؟»
هزَّت جولييت رأسها بالنفي.
«إنه لم يكن حتى يرتدي معطفًا. لقد رآه أحدهم وهو ينزل من القطار، ويستأنف السير للأمام، ولكنهم لم يدركوا ما الذي كان يفعله، ويبدو أنه دار حول المنعطف ولم يرَه المهندس حيث كان قد قُضي الأمر وفات الأوان.»
وعلى بُعد عدة مقاعد أمامهم، على نفس صف الأم من الممر، انطلق أحد الأشخاص قائلًا: «ها هم قد عادوا.» نهض بعض الأشخاص بجانب جولييت، وأحنوا رءوسهم ليشاهدوا، ونهض الطفل الصغير أيضًا من مكانه، وضغط بوجهه على الزجاج، وطلبت منه أمه أن يجلس مكانه.
«استأنفِ التلوين، انظر إلى الفوضى التي صنعْتَها عبر السطور.»
ثم قالت لجولييت: «لا أستطيع النظر، ليس بمقدوري رؤية شيء كهذا.»
نهضت جولييت من مكانها لكي تشاهد ما يجري، ورأت مجموعة من الرجال يهرولون عائدين إلى المحطة، وخلع بعضهم معاطفهم التي تكوَّمت فوق النقالة التي حملها اثنان منهم.
قال رجل يقف خلف جولييت لإحدى السيدات التي لم تنهض لتشاهد: «لا يمكن رؤية أي شيء، لقد غطوا جسده بالكامل.»
لم يكن كل الرجال الذين عادوا مطأطئي رءوسهم من موظفي السكك الحديدية؛ إذ تعرَّفت جولييت من بينهم على الرجل الذي كان يجلس بجوارها في عربة المشاهدة.
وبعد مرور عشر أو خمس عشرة دقيقة تحرك القطار، ولم يكن هناك أي آثار للدماء يمكن رؤيتها على جانبي القطار حول المنعطف، ولكن كانت هناك منطقة عليها آثار وطء أقدام تجمَّعت على جانبها كومة من الثلوج. ونهض الرجل الذي يجلس خلفها مرة أخرى وقال: «أعتقد أن الحادثة وقعت هنا.» وأخذ يتطلع برهة ليرى إن كان هناك شيء آخر، ثم التف وجلس مكانه مرة أخرى.
وبدلًا من أن يسرع القطار لكي يعوِّض الوقت الذي ضاع، سار بمعدل أبطأ عن ذي قبل. ربما كان ذلك نابعًا من الاحترام، أو من تخوفٍ مما قد يقابلهم في المنعطف التالي. ومر رئيس النُّدُل بعربات القطار لكي يعلن عن أول موعد لتناول طعام الغداء، وعلى الفور نهضت الأم وطفلها وتبعاه، وبدأ الناس يصطفون، وسمعت جولييت إحدى السيدات تقول وهي تمر بجانبها: «أحقًّا؟»
وأجابتها السيدة الأخرى التي تتحدث معها بهدوء قائلة: «هذا ما قالته. كان ملطخًا بالدماء؛ فلا بد وأنه قد تناثر عندما مرَّ فوقه القطار.»
«لا تقولي ذلك.» •••
بعد فترة وجيزة، وعندما انتهى اصطفاف الجموع المبكرة، وجلسوا لتناول الطعام، دلف رجل إلى العربة؛ وهو ذلك الرجل الذي كان يجلس في عربة المشاهدة ورأته وهو يسير خارج القطار وسط الثلوج.
نهضت جولييت من مكانها وتبعته على الفور. وأثناء وجوده في المساحة المظلمة الباردة التي تقع بين العربات حيث كان يدفع الباب الثقيل الذي أمامه بصعوبة، قالت: «من فضلك، أود أن أطرح عليك سؤالًا.»
وامتلأ المكان فجأة بضوضاء شديدة؛ فقد كانت قعقعة عجلات القطار الثقيلة.
«ما الخطب؟»
«هل أنت طبيب؟ هل رأيت ذاك الرجل الذي …»
«أنا لست بطبيب، ولا يوجد طبيب في القطار، كل ما في الأمر أنني لديَّ بعض الخبرات الطبية.»
«كم كان عمره؟»
نظر إليها الرجل وقد حاول أن يواصل صبره وعلى وجهه بعض علامات الاستياء.
«من الصعب أن أعرف، لكنه لم يكن صغير السن.»
«هل كان يرتدي قميصًا أزرقَ؟ هل كان شعره بنيًّا أشقر؟»
هزَّ رأسه رافضًا الإجابة واستنكر السؤال برمته.
قال: «هل كنتِ تعرفين ذلك الشخص؟ عليك بإخبار محصل التذاكر إن كان الأمر كذلك.»
«لم أكن أعرفه.»
«إذن، اسمحي لي بالذهاب.» ودفع الباب ليفتحه وتركها وذهب.
لقد اعتقد بالطبع أنه يتملَّكها الفضول الشديد الذي ينتاب الكثير من الناس.
ملطخ بالدماء. لقد كان ذلك شيئًا مثيرًا للاشمئزاز إذا جاز التعبير.
لن تستطيع أن تخبر أحدًا قط عن الخطأ الذي ارتُكب، والمزحة الفظيعة عما حدث. سيعتقد الناس إنْ تكلمتْ عنها أنها فظة وعديمة الرحمة إلى حدٍّ كبير، وسيبدو سوء التفاهم في جانب منه — وهو الجسد الذي سُحق جراء الانتحار — أثناء روايتها، أكثر شرًّا وقذارة من دم الدورة الشهرية الذي ينزف منها.
لن تخبر أحدًا بذلك (في الواقع لقد فعلت وروت ما حدث، بعد مرور عدة سنوات، لسيدة تدعى كريستا، وهي سيدة لم تكن جولييت تعرف اسمها بعد).
لكنها كانت ترغب بشدة في أن تقصَّ ما حدث لشخص ما. أخرجت مفكِّرتها وعلى إحدى صفحاتها راحت تخط رسالةً لوالديها: لم نصل بعد لحدود مانيتوبا، ومعظم الناس يشتكون من كآبة المناظر، لكنهم لا يستطيعون القول بأن الرحلة ينقصها الحدث الدرامي. لقد توقفنا في هذا الصباح عند إحدى المستوطنات الصغيرة البائسة والمهجورة في الغابات الشمالية، وكانت مطلية بأكملها «بلون السكك الحديدية الأحمر الموحش». كنت أجلس في خلفية القطار في عربة المشاهدة، وكدت أتجمد من شدة البرد؛ لأنهم يبخلون بالتدفئة هناك (ولا بد وأن السبب وراء ذلك هو أن روعة المشاهد الخلابة ستنسيك أي شعور بعدم الراحة)، وكنت أشعر بكسل شديد منعني من العودة إلى العربة وإحضار المعطف، لقد مكثنا هناك نحو عشر أو خمس عشرة دقيقة ثم استأنفنا المسير بعدها، ورأيت أن المحرك يدور عند أحد المنعطفات ثم وقع فجأة ارتطام عنيف.
لقد كان شغلها الشاغل دومًا هي ووالدها وأمها جلب القصص المسلية إلى المنزل، وكان ذلك الأمر يتطلب تعديلًا بسيطًا ليس فقط للحقائق بل ولمكانة المرء في هذا العالم، أو هذا ما وجدته جولييت عندما كانت المدرسة هي كل عالمها؛ لذا فقد جعلت من نفسها مراقبًا فوق العادة ولا يستهان به، والآن وهي بعيدة عن منزلها كل الوقت، أصبح ذلك الأمر شيئًا معتادًا، بل إنه أضحى واجبًا.
ولكن بمجرد أن كتبتْ كلمة «ارتطام عنيف»، وجدت نفسها غير قادرة على الاستمرار في الكتابة، غير قادرة على الاستمرار بلغتها المعتادة.
حاولت أن تتطلع خارج النافذة، ولكن المشهد، الذي يتضمن نفس العناصر، قد تغيَّر. وعلى مسافة تقل عن مائة ميل قطعوها، بدا وكأن الطقس قد أصبح أكثر دفئًا؛ فكانت الثلوج تملأ بعض البحيرات بدلًا من أن تغطيها تمامًا، وقد أضفت المياه الداكنة والصخور الداكنة، اللتان تظللهما السحب الشتوية، بعض الظلمة على الجو المحيط. ثم سئمت من المشاهدة، فأمسكت بكتاب دودز، وكانت تفتحه على أي صفحة؛ وذلك لأنها قد قرأته بأكمله من قبل. وكل بضع صفحات كانت تضع خطوطًا كثيرة تحت الأسطر؛ حيث تجذبها أفكار بعض القِطَع، ولكنها بعد أن قرأتهم وجدت أن ما استوعبته تمامًا في وقت ما بدا غامضًا ومشوشًا الآن.
… ما قد يبدو من وجهة نظر الأحياء القاصرة أنه من أعمال الشيطان، يراه الأموات من منظور أكبر مظهرًا من مظاهر العدالة الكونية …
سقط الكتاب من يدها، وأغمضت عينيها، ورأت نفسها الآن وهي تسير بصحبة بعض الأطفال (ربما مجموعة من الطلبة) على سطح إحدى البحيرات. وفي أي مكان يخطو فيه كلٌّ منهم يظهر صدع يأخذ شكلًا خماسيًّا متساوي الأضلاع على نحو جمالي، حتى بدا الثلج وكأنه أرض مكسوة بالبلاط. وسألها الأطفال عن اسم ذلك البلاط الثلجي، فأجابت بكل ثقة «الشِّعر خماسي التفعيلة»، فراح الأطفال يضحكون، ومع ارتفاع ضحكات الأطفال ازدادت التصدعات اتساعًا. عندئذ أدركت خطأها، وأيقنت أن الكلمة الصحيحة هي التي ستنقذ الموقف، لكنها لم تتمكن من إدراكها ومعرفتها.
استيقظت ورأت نفس الرجل، وهو الرجل الذي تتبَّعته بين العربات وأزعجته بسؤالها، وكان يجلس مقابلًا لها.
«لقد كنتِ نائمة.» وارتسمت على وجهه شبه ابتسامة على ما قاله، وتحدَّث قائلًا: «هذا واضح.»
لقد راحت في النوم وسقطت رأسها للأمام، وكأنها امرأة طاعنة في السن، وقد سال بعض اللعاب على جانبَي فمها. أدركت أيضًا أنه عليها أن تذهب لدورة مياه السيدات على الفور، وهي تأمل ألا يكون هناك شيء قد طبع على تنورتها. قالت: «معذرة، اسمح لي بالذهاب.» (تمامًا كما قال لها)، وحملت حقيبتها وسارت مبتعدة وهي تحاول أن تخفي عجلتها التي شابها الخجل.
عندما عادت أدراجها، وقد اغتسلت وهندمت من ثيابها ووضعت بعض التعزيزات، كان الرجل لا يزال جالسًا في مكانه هناك.
وتحدَّث على الفور بمجرد أن رآها، وقال إنه أراد أن يعتذر.
«لقد خطر بذهني أنني كنت أجيب بوقاحة عندما سألتِني عن …»
ردت قائلة: «نعم.»
قال: «لقد أصبتِ عندما كنتِ تصفينه.»
لم يبدُ كلامه كعرضٍ لتبادل الحديث من جانبه، وإنما نوع من المعاملة المباشرة والضرورية؛ فلو لم تهتم بالحديث، فقد ينهض ويمضي مبتعدًا دون أي شعور بخيبة الأمل بالضرورة، بما أنه قد فعل ما جاء من أجله.
وعلى نحو مخزٍ، ترقرقت الدموع في عينَي جولييت، وكان أمرًا غير متوقع، حتى إنه لم يكن لديها الوقت لتشيح بوجهها بعيدًا.
قال: «لا عليكِ، سيكون كل شيء على ما يرام.»
أومأت برأسها سريعًا عدة مرات، وراحت تستنشق الهواء بشدة، ثم راحت تُخرج ما في أنفها في منديل عثرت عليه أخيرًا في حقيبتها.
قالت: «لا بأس.» ثم راحت تقص عليه بصورة مباشرة كل ما حدث؛ كيف انحنى الرجل نحوها، وسألها إن كان أحد يشغل المقعد، وكيف جلس أمامها، وأنها راحت تتطلع إلى النافذة، ولم يكن بمقدورها أن تفعل ذلك طويلًا؛ لذا حاولت أو تظاهرت بقراءة كتابها، وكيف سألها عن المكان الذي استقلت منه القطار، وعرف أين تقطن، وأنه استمر في محاولته لإطالة الحديث حتى نهضت هي وغادرت المكان.
ولكن الشيء الوحيد الذي لم تُفصح عنه هو ما قاله بخصوص «أن نتجاذب أطراف الحديث كأصدقاء»؛ فقد اعتقدت أنها لو تفوهت بذلك فستنفجر في البكاء مرة أخرى.
«الناس عادة ما يقطعون خلوة النساء؛ فهذا أيسر من مقاطعة الرجال.»
«نعم، صحيح هم يفعلون ذلك.»
«هم يعتقدون أن النساء يجب أن يكونوا أكثر لطفًا.»
قالت وهي تغير الجهة التي تدافع عنها قليلًا: «ولكنه كان يريد شخصًا ليتحدث معه فقط. كان يريد الحديث أكثر مما كنت أريد الصمت. لقد أدركت ذلك الآن، وأنا لا أبدو وضيعة، ولا قاسية، لكني كنت كذلك بالفعل.»
سادت فترة من الصمت، إلا أنها هذه المرة لم تستنشق الهواء بشدة، واستطاعت التحكم في عينيها المغرورقتين بالدموع.
«هل انتابتِك الرغبة من قبل في أن تفعلي هذا مع أي شخص؟»
«نعم، ولكني لم أفعل ذلك مطلقًا، لم أبالغ في ردة فعلي هكذا من قبل، ولكن لماذا فعلتُ ذلك هذه المرة؟ ربما لأنه كان شخصًا متواضعًا للغاية؛ لقد كان يرتدي ملابس جديدة ربما ابتاعها من أجل الرحلة، ربما كان يشعر بالاكتئاب وفكَّر في الذهاب في رحلة ربما يستطيع من خلالها التعرف على أناس جدد وتكوين صداقات.
ربما لو كان سيقطع طريقًا أقصر لكنت … لكنه قال إنه سيذهب إلى فانكوفر، وكنت سأبقى مرتبطة به لعدة أيام.»
«نعم.»
«ربما كنتُ سأرتبط به بالفعل.»
«نعم.»
«لذا …»
قال وقد ارتسمت على وجهه شبه ابتسامة: «إنه لحظ سيئ، فالمرة الأولى التي تستجمعين فيها شجاعتك وتعاملين شخصًا بطريقة فظة يُلقي بنفسه تحت عجلات القطار.»
قالت وهي تتخذ موقفًا دفاعيًّا بعض الشيء: «قد يكون ما حدث كالقشة التي قصمت ظهر البعير، قد يكون الأمر كذلك.»
«أعتقد بأنه عليكِ أن تأخذي حذرك في المستقبل.»
رفعت جولييت ذقنها ونظرت إليه بثبات:
«هل تعني أنني أبالغ؟»
وفجأة حدث شيء مفاجئ وغير مطلوب كدموعها، وبدأ فمها يرتعش، وارتسمت ابتسامة شريرة على وجهها.
«أعتقد أن هناك قليلًا من المبالغة.»
قال: «قليلًا.»
«هل تعتقد أنني أضخم الأمر؟»
«هذا طبيعي.»
قالت وهي لا تزال تتحكم في ضحكتها: «لكنك تعتقد أنه مجرد خطأ، وأن الشعور بالذنب ما هو إلا نوع من المبالغة والتضخيم.»
قال: «ما أعتقده هو … أعتقد أن ما حدث شيء بسيط وثانوي، فستحدث أشياء في حياتك … أعني قد تحدث أشياء في حياتك، تجعلك ترين ما حدث شيئًا ثانويًّا؛ فهناك أشياء أخرى ستشعرين نحوها بالذنب عن جد.»
«ألا يقول الناس ذلك أيضًا إلى شخص أقل في العمر؟ فهم يقولون: أوه، في يوم من الأيام ستفكر بطريقة مختلفة، عليكَ أن تنتظر وترى. كما لو أنه ليس لديك الحق في أن تنتابك أي مشاعر جادة وحقيقة، كأنك لست قادرًا على هذا.»
قال: «مشاعر؟ إنني أتحدث عن الخبرة.»
«لكن كأنك تقول إنه لا طائل من الشعور بالذنب، والناس يقولون ذلك. هل هذا صحيح؟»
«فلتخبريني أنتِ.»
واستمرا يتناولان هذا الأمر لفترة من الوقت، وبصوت خفيض، ولكن بحدة لدرجة أصابت من كان يمر بجانبهم بالدهشة، بل وحتى بالضيق، كما هو الأمر في العادة عندما يسمع الناس بعض المناقشات التي تبدو مجرد أفكار نظرية مجردة ليس لها داعٍ. أدركت جولييت بعد فترة أنه برغم أنها كانت تتناقش بصورة جيدة في اعتقادها — ونظرًا لضرورة وجود بعض الشعور بالذنب في الحياة الخاصة والعامة — فإنها قد توقفت عن الشعور بذلك في تلك اللحظة. ويمكن القول بأنها كانت تستمتع بوقتها.
اقترح عليها أن يذهبا إلى عربة الجلوس حيث يمكنهم احتساء بعض من القهوة. وبمجرد أن دلفت جولييت إلى العربة شعرت بالجوع الشديد، بالرغم من أن ساعات الغذاء كانت قد انتهت منذ وقت طويل، وكل ما كان يمكن تقديمه آنذاك هو المقرمشات المملحة، والفول السوداني، وراحت هي تزدردها بطريقة جعلت من الصعب استرجاع المناقشة العميقة التي غلبت عليها بعض التنافسية؛ لذا راحا يتحدثان عن نفسيهما بدلًا من ذلك، وكان اسمه إيريك بورتيوس، ويعيش في مكان يُطلق عليه ويل باي، ويقع في مكان ما شمال فانوكوفر على الساحل الغربي، لكنه لن يذهب إلى هناك على الفور، بل سيقطع الرحلة ليذهب إلى ريجينا ليزور بعض الأشخاص الذين لم يرَهم منذ فترة طويلة. كان صيادًا، يصطاد القريدس. سألته عن الخبرة الطبية التي أشار إليها فقال: «أوه، إنها ليست بخبرة كبيرة؛ فلقد قمت ببعض الدراسات الطبية؛ فعندما تكونين وحدك بالغابة أو على متن مركب، فمن الجائز أن يقع أي شيء للأشخاص الذين يعملون معكِ، أو ربما لكِ.»
كان متزوجًا، وزوجته تُدعى آن.
قال إن آن أصيبت في حادث سيارة منذ ثماني سنوات مضت، وظلت في غيبوبة لعدة أسابيع، وبعدها أفاقت من غيبوبتها، لكنها أصيبت بشلل، ولم تستطع السير أو حتى إطعام نفسها، وكانت تعرفه بالكاد، وتعرف المرأة التي تعتني بها — وبمساعدة تلك المرأة استطاع أن يبقيها في المنزل — ولكن محاولاتها الحديث، أو فهم ما يدور حولها، سرعان ما تضاءلت.
كانا قد ذهبا إلى إحدى الحفلات، ولم تكن لديها الرغبة في الذهاب ولكنه كان يريد ذلك، ثم قررت أن تعود إلى المنزل بمفردها سيرًا على الأقدام؛ حيث لم يكن يروقها ما يحدث في الحفل.
وكان هناك مجموعة من الأشخاص الثملين العائدين من حفلة أخرى، يسيرون بسرعة كبيرة عبر الطريق وصدموها. كانوا مجموعة من المراهقين.
ولحسن الحظ لم يكن لديه هو وآن أطفال. نعم، لحسن الحظ.
«ما إن تخبري الناس بذلك حتى تجديهم يشعرون بضرورة المواساة بأقوال من قبيل: يا لبشاعة الأمر! أو إنها لمأساة! وغيرها من العبارات.»
قالت جولييت: «هل تلومهم على ذلك؟» وقد كانت هي نفسها على وشك أن تتفوه بما هو مشابه لتلك العبارات.
أجاب بالرفض، ولكن الأمر برمته أكثر تعقيدًا من مجرد تلك الكلمات. هل شعرت آن بأنها مأساة؟ ربما لا. هل شعر هو بذلك؟ إنه شيء يعتاد المرء عليه، لقد كان كنوع جديد من الحياة. هذا كل ما في الأمر. •••
كانت كل تجارب جولييت الممتعة عن الرجال نابعة من الخيال؛ بطل سينمائي أو اثنان، ذوا صوت رخيم — وليس البطل الذكوري القوي البنيان المتحجر القلب — كما كانت تسمعه في التسجيلات القديمة لأوبرا دون جيوفاني. وهناك أيضًا «هنري الخامس» كما قرأت عنه في مسرحية شكسبير، وكما أدى دوره لورانس أوليفييه في الفيلم السينمائي.
كان هذا باعثًا على السخرية والشفقة، ولكن من عساه أن يعرف؟ أما في الحياة الواقعية، فلم يكن هناك سوى الخزي وخيبة الأمل، وهما ما حاولت بقدر المستطاع أن تطردهما من ذهنها بأسرع ما يمكن.
في المدرسة، عايشت تجربة أن تكون على رأس قائمة الفتيات غير المرغوب فيهن في حفلات الرقص بالمدرسة، ولكن في الكلية كانت تشعر بالملل. بَيْدَ أنها كانت تحاول باستماتة أن تكون مفعمة بالمرح والحيوية عندما تواعد بعض الفتيان الذين لم يروقوا لها كثيرًا، ولم تَرُقْ لهم هي الأخرى. واعدت ابن أخت المشرف على رسالتها أثناء زيارته في العام الماضي، وقد حدثت بينهما معاشرة كاملة على الأرض ليلًا في متنزه ويليس بارك، ولا تستطيع أن تُطلق على ما حدث أنه اغتصاب؛ لأنها هي أيضًا كانت عازمة على أن يحدث هذا.
وفي طريق عودتهما للمنزل أخذ يوضح لها بأنها ليست من نوع النساء الذي يفضِّله. وقد شعرت بمهانة شديدة منعتها من أن ترد بحزم — أو حتى من أن تدرك حينها — بأنه هو الآخر ليس من النوع الذي يروق لها.
ولم يكن لها أي تصورات عن رجال بعينهم في الواقع، وبخاصة مدرسيها؛ فقد كان الرجال المتقدمون في العمر بالنسبة لها — في الواقع — كشيء كريه.
أما هذا الرجل، فيا ترى كم يبلغ عمره؟ إنه متزوج منذ ثماني سنوات على الأقل، أو ربما أكثر من هذا بسنتين أو ثلاث؛ لذا فمن المحتمل أن يكون في الخامسة أو السادسة والثلاثين من العمر. كان شعره أسودَ داكنًا ومجعدًا، وبه بعض الخصلات الرمادية على الجانبين، كان ذا جبهة عريضة بها بعض التجاعيد، عريض الكتفين، به بعض الانحناء البسيط، يكاد يقاربها في الطول، كانت عيناه واسعتين، داكنتين، تلمعان بالحماس وتعكسان بعض الحرص والحذر في الوقت نفسه، ذا ذقن مستدير، مزين بطابع حُسن يشي بطبع عنيف.
أخبرته عن وظيفتها، واسم المدرسة؛ وهي تورانس هاوس. أخبرته أنها ليست مُدرِّسة بالأساس، لكنهم كانوا على استعداد لقبول أي شخص تخصَّص في اللغة اليونانية واللاتينية بالكلية، ونادرًا ما يتخصص أحدٌ في ذلك الفرع.
«ولمَ تخصصتِ أنت فيه؟»
«لكي أكون متميزة في اعتقادي.»
ثم أخبرته أنها كانت تدرك أنه عليها ألا تخبر رجلًا أو صبيًّا بذلك؛ حتى لا يفقد اهتمامه بها على الفور.
«ولأنني أحب ذلك الفرع، فقد أحببت كل ما يتعلق به، بالفعل.»
تناولا طعام العشاء معًا، واحتسى كلٌّ منهما كأسًا من النبيذ، ثم ذهبا إلى عربة المشاهدة حيث جلسا في الظلام بمفردهما، وقد أحضرت جولييت معطفها هذه المرة.
قال لها: «يعتقد الناس أنه لا يوجد شيء يستحق المشاهدة في الليل، لكن تَطلَّعي للنجوم التي يمكن رؤيتها في ليلة صافية كهذه.»
لقد كانت السماء صافية بالفعل، والقمر مختفيًا، أو على الأقل لم يظهر بعد، وظهرت النجوم في تجمُّعات كثيفة، وكانت منها الخافتة واللامعة. وشأنه كشأن أي شخص عمل فوق ظهر مركب، فقد كان على دراية بخريطة السماء، أما هي فلم تستطع أن تحدد سوى مجموعة الدب الأكبر.
قال: «ابدئي من هنا، تتبَّعي هذين النجمين على جانبَي مجموعة الدب الأكبر في الجهة المقابلة للمقبض. هل رأيتِهما؟ هذان هما المؤشران، تتبَّعيهما جيدًا وسترين النجم القطبي.» وهكذا.
ثم عثر لها على كوكبة الجوزاء (أوريون باليونانية)، والتي قال عنها إنها من الكوكبات الأساسية في نصف الكرة الشمالي في الشتاء. أما الشعرى اليمانية فهو من أكثر النجوم لمعانًا في السماء الشمالية بأسرها في مثل هذا الوقت من العام.
كانت جولييت سعيدة وهي تتلقَّى الدرس، ولكنها شعرت أيضًا بسعادة عندما جاء دورها لتُلقي الدرس هذه المرة. كان يعرف الأسماء اليونانية، لكنه لم يكن يعرف تاريخها.
أخبرته أن إينوبيون أفقد أوريون بصره، لكنه استرده مرة أخرى عندما نظر باتجاه الشمس.
«أصيب بالعمى لأنه كان شديد الجمال، غير أن هيفِستوس أنقذه، لكنه قُتل على أي حال على يد أرتيميس، وتحول إلى كوكبة. غالبًا ما يتحول أي أحدٍ ذي شأن ويقع في مشكلة كبيرة إلى كوكبة. أين كوكبة ذات الكرسي؟»
أشار لها إلى حرف الدبليو باللغة الإنجليزية، لكنه لم يكن واضحًا.
«من المفترض أنها تتخذ شكل امرأة جالسة.»
قالت: «كان هذا بسبب الجمال أيضًا.»
«هل كان الجمال شيئًا خطيرًا؟»
«بالطبع. لقد كانت متزوجة من ملك إثيوبيا، وكانت أم أندروميدا، وكانت تتفاخر بجمالها، وعقابًا لها على ذلك نُفِيت إلى السماء. أليس هنا في السماء أندروميدا أيضًا؟»
«إنها مجرة، وبمقدورك أن تشاهديها الليلة، إنها أبعد الأشياء التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة.»
لم يمسها على الإطلاق حتى عندما كان يرشدها ويخبرها عن الوجهة التي يجب أن تتطلع إليها في السماء. بالقطع لم يفعل هذا، فهو رجل متزوج.
سألها: «من هي أندروميدا؟»
«لقد كُبِّلت إلى إحدى الصخور، لكن بيرسيوس أنقذها.» •••
ويل باي.
رصيف ميناء ممتد، أعداد كبيرة من السفن، ومحطة وقود ومتجر موضوعة عليهما لافتة تشير إلى أنهما يضمان أيضًا محطة انتظار حافلات، ومكتب بريد.
وقفت سيارة بجانب المتجر حملت على النافذة لافتة فقيرة الصنع تشير إلى أنها سيارة أجرة. وكانت جولييت لا تزال تقف في المكان الذي غادرت فيه الحافلة. وقد شقَّت الحافلة طريقها مبتعدة، وانطلق صوت بوق سيارة الأجرة، وغادرها سائقها متجهًا نحوها.
قال: «أأنتِ بمفردك؟ ما وجهتك؟»
سألته إن كان هناك مكان يمكن للسائحين أن يقيموا به؛ فقد كان من الواضح أنه لا يوجد أي فنادق بالبلدة.
«لا أدري إن كان هناك من يؤجِّر بعض الغرف هذا العام أم لا. بإمكاني أن أسأل داخل المتجر. ألا تعرفين أحدًا هنا؟»
لم يكن أمامها ما تفعله سوى أن تنطق باسم إيريك.
قال وقد بدت على وجهه علامات الارتياح: «أوه، بالطبع، تفضلي بالركوب، وسأوصلك في أسرع وقت، ولكن هذا سيئ، لقد فاتتك ليلة الوداع.»
في البداية اعتقدت أنها لم تسمع جيدًا ولم تفهمه.
قال السائق وقد جلس وراء عجلة القيادة: «لقد كانت أوقاتًا حزينة، ولكنها لم تكن تتحسن إلى الأفضل.»
ليلة الوداع، وداع آن زوجة إيريك.
قال: «لا عليكِ، أعتقد أن هناك العديد من المعزِّين ممن لا يزالون في البلدة. لقد فاتتك مراسم الجنازة أمس بالطبع، كانت كبيرة للغاية. ألم تتمكني من الوصول؟»
قالت: «لا.»
«ما كان ينبغي أن أقول إنها ليلة الوداع، أليس كذلك؟ إن ليلة الوداع تتضمن مراسم ما قبل الدفن، أليس كذلك؟ لا أعرف ما الذي تطلقونه على طقوس ما بعد الدفن؟ بالطبع لن نقول عليها حفلة، أليس كذلك؟ سأوصلك سريعًا، وأجعلك ترين كل الزهور وما يحيط بالمكان من إجلال وتقدير. هل هذا مناسب لك؟»
وفي داخل المدينة، وبعيدًا عن الطريق السريع، على مسافة ربع ميل أو نحو ذلك عبر طرقات وعرة مليئة بالقاذورات، كانت تقع مقابر اتحاد ويل باي. وبالقرب من السياج، كانت توجد هضبة صغيرة مغطاة بأكملها بالزهور، وقد تنوعت ما بين مجموعة من الزهور الطبيعية الذابلة، ومجموعة أخرى صناعية ذات ألوان براقة، ووُضع فوقها صليب خشبي صغير يحمل الاسم والتاريخ. وامتدت بعض الشرائط الملفوفة والمزينة لتفرش حشائش المقبرة بأسرها. ولفت السائق انتباهها إلى الخطوط المتعرجة والأخاديد والفوضى التي أحدثتها إطارات العديد من السيارات بالأمس.
«نصف من قدموا لم يرَوْها، لكنهم يعرفونه جيدًا؛ لذا أرادوا المجيء على أي حال؛ فالجميع يعرفون إيريك.»
انعطفا بالسيارة، ثم عادا أدراجهما مرة أخرى، ولكن ليس باتجاه العودة إلى الطريق السريع. أرادت أن تخبر السائق أنها غيرت رأيها، وأنها لا ترغب بزيارة أحد، تريد فقط أن تنتظر عند المتجر لتستقل الحافلة التي ستأخذ طريق العودة، بإمكانها أن تقول إنها حقًّا جاءت في اليوم الخطأ، وهي الآن تشعر بالخجل لأنها لم تحضر الجنازة؛ لذا فهي لا تود أن تظهر على الإطلاق.
لكنها لا تستطيع أن تشرع في قول هذا، وربما يخبر السائق الآخرين بشأنها مهما كان الأمر.
سارا في طرق ضيقة، كثيرة الالتواءات، ومرَّا بالقليل من المنازل، وفي كل مرة يصلان لطريق خاص دون الانعطاف باتجاهه، ينتابها شعور بالرغبة في تأجيل هذه الزيارة.
قال السائق وهما ينعطفان أخيرًا بالسيارة: «وها هي مفاجأة، ولكن أين ذهب الجميع؟ كانت ثَمَّةَ نصف دستة من السيارات عندما مررتُ من هنا منذ ساعة، حتى شاحنته غير موجودة. انتهت الحفلة. آسف ما كان ينبغي أن أقول هذا.»
قالت جولييت بشغف: «إذا لم يكن ثَمَّةَ أحد هنا، فبإمكاني أن أعود أدراجي.»
«لا تقلقي، فهناك شخص هنا، لا تقلقي بشأن هذا، فإلو موجودة، وها هي دراجتها. هل التقيتِ بها من قبل؟ أتدرين أنها الوحيدة التي تعتني بكل شيء؟» ثم خرج من السيارة وفتح لها الباب.
بمجرد أن خطت جولييت خارج السيارة، ظهرت كلبة صفراء وراحت تثب وتنبح في اتجاههما، وراحت سيدة تناديها من شرفة المنزل.
قال السائق وهو يضع الأجرة في جيبه ويعود مسرعًا إلى سيارته: «أوه! اذهبي إلى الداخل يا بت.»
صاحت السيدة في الكلبة: «اصمتي، اصمتي يا بت، اهدئي.» ثم وجهت كلامها إلى جولييت: «لا تقلقي، لن تؤذيك، إنها مجرد جرو.»
أخذت جولييت تحدِّث نفسها بأن كونها مجرد جرو لا يعني أنها لن تستطيع أن تهاجمها. والآن وصلت كلبة أخرى ذات لون بني مائل للاحمرار وانضمت لتشارك في حالة الفوضى والهياج. وهنا هبطت السيدة الدرج وهي تصرخ قائلة: «بت، كوركي، تصرفا بأدب. إذا ما شعرتا أنكِ خائفة فستهاجمانك بشراسة.»
كانت تنطق حرف السين كحرف الثاء.
قالت جولييت وهي تثب للوراء عندما كادت الكلبة ذات اللون الأصفر تمسح أنفها في ذراعها: «لستُ خائفة.»
«إذن تفضلي بالدخول. واصمتا أنتما الاثنان وإلا قطعت رأسيكما. هل اختلط عليكِ الأمر بشأن يوم الجنازة؟»
هزت جولييت رأسها وكأنها تعبِّر عن اعتذارها وأسفها، ثم قدَّمت نفسها.
«إنه لأمر سيئ، أنا إلو.» وصافحت إحداهما الأخرى.
كانت إلو امرأة طويلة القامة، عريضة الكتفين، ذات جسم مكتنز ولكنه ليس مترهلًا، وشعر أشقر يميل إلى الأبيض ومنسدل على كتفيها. كان صوتها قويًّا يوحي بالعزم والإصرار، وكانت حنجرتها تُصدر أصواتًا كثيرة؛ أكانت لكنتها ألمانية، أم هولندية، أم تراها إسكندنافية؟
«من الأفضل أن تجلسي هنا في المطبخ؛ فالفوضى تسود كل شيء بالداخل. سأعدُّ لك بعضًا من القهوة.»
كان المطبخ مضيئًا، وبه نافذة تتوسط سقفه العالي المنحدر، وتراكمت الصحون والأكواب، والأواني في كل مكان، وتبعت بت وكوركي إلو بخنوع إلى المطبخ، وراحتا تلعقان ما تخلَّف من بقايا الطعام في وعاء الشوي الذي وضعته على الأرضية.
وكان يوجد خلف المطبخ — على ارتفاع درجتين عاليتين — غرفة معيشة واسعة ذات إضاءة خافتة، وافترشت أرضيتها بعض الوسائد الضخمة.
جذبت إلو أحد المقاعد نحو المنضدة وقالت: «والآن تفضلي بالجلوس، اجلسي هنا وتناولي بعضًا من الطعام والقهوة.»
قالت جولييت: «لا عليكِ، لستُ بحاجة لذلك.»
«لا، فها هي القهوة التي أعددتها لتوي، وسأحتسي قهوتي أثناء عملي، وقد تبقَّى الكثير من الطعام.»
وضعت أمام جولييت — بجانب القهوة — قطعة من الفطير؛ ذات لون أخضر فاتح ومغطاة بقطع صغيرة من المارينج.
قالت وهي تعبِّر عن عدم رضاها: «أوه، إنه جيلي الليمون، لكن قد يكون مذاقه جيدًا، أم تفضلين بعضًا من الفطير بالرواند؟»
قالت جولييت: «لا بأس، فهذا جيد.»
«إن الفوضى تعم المكان، قمت بالتنظيف بعد انتهاء مراسم ليلة الوداع، ورتبت كل شيء، ثم جاءت مراسم الجنازة، والآن وبعد أن انتهت الجنازة، عليَّ ترتيب كل شيء مجددًا.»
كان صوتها ينمُّ عن التظلم الشديد، حتى إن جولييت شعرت أنه عليها أن تقول: «عندما أنتهي من هذا يمكنني مساعدتك.»
قالت: «لا، لا أعتقد هذا، إنني أعرف مكان كل شيء.» كانت تتحرك في أرجاء المكان دون سرعة كبيرة إنما بفاعلية وتصميم من يعرف هدفه جيدًا (مثل هؤلاء السيدات لا يحتجن معاونتك، يمكنهن معرفة شخصية مَن أمامهن). استمرت في تنظيف الزجاج والصحون، وأدوات المائدة، وكانت تضع ما جفَّفته في الخزانة أو في الأدراج، ثم أخذت تكشط بقايا الطعام من الأواني والأوعية — بما فيها الوعاء الذي استردته من الكلبتين — وغمرتها في المياه المشبعة بالصابون، وراحت تنظف المائدة والنضد، وتلوي قماش تجفيف الأطباق وكأنه أعناق دجاج، وكانت تتحدث إلى جولييت، ويتخلل حديثها بعض فترات الصمت.
«هل أنتِ صديقة لآن، هل تعرفينها من قبل؟»
«لا.»
«كلا، لا أعتقد هذا؛ فإنك صغيرة في العمر. إذن لمَ أردتِ حضور الجنازة؟»
قالت جولييت: «لم أكن أعلم، لقد أتيت إلى هنا من أجل الزيارة.»
كانت تحاول أن تبدو كما لو أن الأمر جاء مصادفة، وأن لديها العديد من الأصدقاء، وهي فقط تتجول وتقوم بزيارات عارضة.
وبمزيد من الطاقة والعزم راحت إلو تلمِّع أحد الأوعية وقد اختارت ألا ترد على هذا الكلام، وجعلت جولييت تنتظر ولم تتحدث إلا بعد أن انتهت من تنظيف عدة أوانٍ.
«لقد أتيتِ لزيارة إيريك. إنك عثرتِ على المنزل الصحيح؛ فإيريك يعيش هنا.»
قالت جولييت في محاولة لتغيير دفة الحوار: «إنك لا تقيمين هنا، أليس كذلك؟»
«بلى، إنني لا أقيم هنا، بل أعيش أسفل التل مع زوجي.» كان لكلمة زوجي ثقلها، وحملت بعض الفخر والتوبيخ.
صبَّت إلو بعض القهوة في قدح جولييت دون أن يُطلب منها ذلك، ثم ملأت قدحها بعد ذلك، وأحضرت فطيرة لنفسها، وكانت مغطاة بطبقة وردية أسفلها، وعلتها طبقة من الكريمة المخفوقة.
«فطيرة الراوند بالكريمة، يجب تناولها وإلا ستفسد، لا أحتاجها، ولكني أتناولها على أي حال. هل أُحضر لك قطعة منها؟»
«لا، أشكرك.»
«لقد رحل إيريك الآن، وهو لن يعاود الليلة، لا أعتقد هذا؛ لقد ذهب إلى منزل كريستا. هل تعرفين كريستا؟»
هزَّت جولييت رأسها بالنفي بشدة.
«نحن نعيش هنا ويعرف كلٌّ منا ظروف الآخر، نعرفها جيدًا. لا أدري كيف يسير الأمر حيث تعيشين. في فانكوفر، أليس كذلك؟» أومأت جولييت رأسها بالإيجاب، ثم استأنفت إلو حديثها: «ولكني أعتقد أن الأمر ليس على هذا النحو في المدينة. وبالنسبة لإيريك، فكان يحتاج للمساعدة حتى يتمكن من العناية بزوجته جيدًا. أتفهمين ذلك؟ وكنت أنا من ساعدته.»
قالت جولييت قولًا خاليًا من الحكمة: «لكن ألا تتقاضين مرتبًا مقابل ذلك؟»
«بالطبع أتقاضى مرتبًا، لكن الأمر أكثر من مجرد كونه وظيفة، بالإضافة إلى أن إيريك يحتاج إلى نوع آخر من المساعدة … مساعدة امرأة. هل تفهمين ما أعنيه؟ لا أقصد امرأة وزوجها، أنا لا أومن بذلك، إنه ليس بالأمر اللطيف، فهو السبيل إلى وقوع خلافات. في البداية كان إيريك يصادق ساندرا، ثم رحلت، بعدها تعرَّف إلى كريستا، وكانت هناك فترة قصيرة جمع خلالها الاثنتين، ولكنهما كانتا صديقتين، ومضى الأمر على ما يرام، ولكن ساندرا لها أطفال، وكانت ترغب في الرحيل لتُلحق أولادها بمدارس أكبر. أما كريستا فهي فنانة؛ فهي تصنع أشياء من الخشب؛ من النوع الذي تجدينه على الشاطئ. ماذا نسمي ذلك النوع من الخشب؟»
قالت جولييت على مَضَض، وقد شلتها مشاعر الخيبة ومشاعر الخزي والخجل: «الأخشاب الطافية.»
«آه هي ذي. كانت تأخذ ما تصنعه إلى بعض المحال حيث يمكن بيعها. تصنع أشياء كبيرة؛ حيوانات أو طيورًا، ولكنها ليست واقعة، ليست واقعة؟»
«أتعنين ليست واقعية؟»
«نعم، نعم. وهي ليس لديها أطفال، ولا أعتقد أنها ستفكر في الرحيل. هل أخبركِ إيريك بذلك؟ أترغبين في مزيد من القهوة؟ لا يزال بعض منها في القدر.»
«لا لا، أشكرك. إنه لم يخبرني بشيء.»
«إذن فها قد أخبرتُكِ. إن كنتِ انتهيت من تناول القهوة فسآخذ القدح لأغسله.»
استدارت لتَكِز بحذائها الكلبة الصفراء التي ترقد على الجانب الآخر من الثلاجة.
«هيا استيقظي أيتها الكلبة الكسولة، سنعود لمنزلنا بعد قليل.»
ثم قالت وهي منهمكة في حوض الغسيل وظهرها للحجرة: «هناك حافلة عائدة إلى فانكوفر حوالي الثامنة وعشر دقائق، فبإمكانك العودة معي إلى منزلي، وعندما يحين موعد قيام الحافلة، سيوصلك زوجي. تفضلي بتناول طعامك معنا. إنني أستقل دراجتي، وسأقودها على مهل حتى تتمكني من السير بجانبي. المنزل ليس ببعيد.»
وهكذا تحدَّد المستقبل القريب بالنسبة لجولييت، حتى إنها لم تستغرق وقتًا في التفكير فيه، وراحت تبحث عن حقيبتها، ثم جلست ثانية، لكن على مقعد آخر هذه المرة، وكأنما رؤية المطبخ من زاوية جديدة قد جعلتها تتخذ قرارًا آخر.
قالت: «أعتقد أنني سأبقى هنا.»
«هنا؟»
«ليس لديَّ أي أمتعة لحملها؛ لذا فسأسير على قدمي حتى مكان الحافلة.»
«وأنَّى لكِ أن تعرفي الطريق؟ إنها مسافة ميل.»
قالت جولييت: «لا ليست بمسافة بعيدة.» وقد تساءلت في نفسها إذا ما كانت تعرف الطريق، ولكنها فكرت بأنه عليها أن تسير لأسفل التل فحسب.
قالت إلو: «لكنكِ تعرفين أنه لن يعود، لن يعود الليلة.»
«لا يهم.»
هزت إلو كتفيها بلامبالاة، بل ربما بازدراء شديد.
استدارت لها وقالت: «هيا يا بت انهضي. كوركي ستظل هنا، هل تريدينها هنا بالداخل، أم بالخارج؟»
«أعتقد بالخارج.»
«سأقوم بتقييدها حتى لا تتبعني؛ فهي ربما لا ترغب في البقاء مع غريب على أي حال.»
لم تتفوَّه جولييت بكلمة.
«الباب يغلق عندما نغادر. أرأيتِ؟ فإذا خرجتِ وأردتِ الدخول مرة أخرى، فعليكِ بالضغط على هذا، ولكن إذا ما غادرتِ المنزل فلا تضغطي على شيء، سيغلق من تلقاء نفسه. أفهمتِ؟»
«نعم.»
«لم نعتَد الاهتمام بإحكام غلق الأبواب، ولكن هناك الكثير من الغرباء هذه الأيام.» •••
بعدما تطلَّعا للنجوم، توقف القطار لفترة في وينيبيج، فهبطا منه، وسارا وسط رياح كانت شديدة البرودة لدرجة تعذَّر معها التنفس بسهولة، ناهيك عن الحديث. وعندما صعدا إلى القطار مرة أخرى، جلسا في عربة الاستراحة، وطلب لهما كأسين من البراندي.
قال: «سيُشعرنا بالدفء ويساعدك على النوم.»
ولكنه لم يُرِد أن يخلد للنوم، فسيظل مستيقظًا حتى ينزل في ريجينا التي سيبلغها قرب الساعات الأولى من الصباح.
عندما سار معها حتى عربتها كانت معظم الأَسِرَّة قد أُعدت للنوم، وكانت الستائر ذات اللون الأخضر الداكن تضيق المسافة عبر الممر. كانت العربات تحمل أسماء، وكان اسم عربتها ميراميتشي.
همست بصوت خفيض وهما يقفان في المسافة التي تفصل بين العربات: «ها هي العربة.» وكانت يده تدفع الباب من أجلها.
«فلتودِّعيني هنا إذن.» ثم سحب يده وحاولا الوقوف بتوازن وسط اهتزاز القطار كي يتمكن من تقبيلها. وعندما انتهى من هذا، لم يتركها، بل ضمها وأخذ يمسح على ظهرها، ويقبِّل وجهها كله.
لكنها ابتعدت وقالت سريعًا: «إنني عذراء.»
ضحك قائلًا: «نعم، نعم.» وقبَّل عنقها، ثم أطلق سراحها ودفع الباب الذي أمامها. سارا معًا عبر الممر حتى وصلت إلى مكان نومها، وأسندت جسمها على الستارة المنسدلة. استدارت وهي تتوقع أن يقبِّلها مرة أخرى أو أن يلمسها. بَيْدَ أنه انسلَّ بهدوء كما لو أنهما قد اقترب أحدهما من الآخر مصادفة. •••
يا للغباء! يا للصدمة! خائفة بالطبع من أن تمتد يده لأبعد من هذا، وتبلغ العقدة التي صنعتها لتأمين الفوطة الصحية وربطها بالحزام الذي ترتديه. لو كانت من هذا النوع من الفتيات اللاتي يعتمدن على استخدام السدادة القطنية لما ظهرت الحاجة لذلك.
ولمَ قالت إنها عذراء؟ ألم تستمر فيما حدث في متنزه ويليس بارك حتى وصلت إلى تلك المرحلة الكريهة وقد فعلت هذا لتضمن أن تلك الحالة لن تكون عائقًا أمام فعل أي شيء؟ لا بد وأنها كانت تفكر فيما ستقوله له — فهي بالقطع لن تستطيع أن تخبره بأنها في فترة حيضها — وذلك إن أراد أن تتطور الأمور لأكثر من هذا. ولكن كيف له أن ينوي فعل هذا على أي حال؟ كيف؟ وأين؟ في فراشها الصغير هذا؟ في هذه المساحة الضيقة ومع احتمالية أن يكون من حولهما من الركاب لا يزالون مستيقظين؟ أم تراه سيكتفي بالوقوف والتحرك للأمام والخلف، والالتصاق بالباب الذي يمكن لأي شخص أن يأتي ويفتحه، في تلك المساحة غير المستقرة بين العربات؟
والآن يمكنه أن يخبر أي شخص أنه كان ينصت طوال الليل لفتاة حمقاء تتفاخر طوال الليل بمعلوماتها عن الأساطير اليونانية، وفي نهاية المطاف — وعندما أراد تقبيلها قبلة الوداع في المساء ليتخلص منها — راحت تصرخ بأنها عذراء.
ولكنه لم يبدُ من ذلك النوع من الرجال الذين يقدمون على فعل هذا، أو يتحدثون بهذا الأسلوب، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها على أي حال من تخيل ذلك.
ظلت مستيقظة طوال الليل، إلا أنها راحت في النوم عندما توقف القطار في ريجينا. •••
عندما أصبحت بمفردها، كان باستطاعتها أن تستكشف جوانب المنزل، لكنها لم تفعل ذلك الشيء. لقد استغرقت عشرين دقيقة — على الأقل — حتى تتمكن من التخلص من وجود إلو. لم تكن خائفة من أن تعود إلو مرة أخرى لكي تطمئن على ما يمكن أن تفعله، أو لكي تأخذ شيئًا نسيته. لم تكن إلو من ذلك النوع الذي يمكن أن ينسى شيئًا، حتى لو كان هذا في نهاية يوم شاقٍّ. ولو كانت اعتقدت أن جولييت يمكن أن تسرق شيئًا، لطردتها على الفور بكل بساطة.
ومع هذا، كانت من ذلك النوع من النساء اللواتي يفرضن سطوتهن على المكان، وخاصة هنا في المطبخ. وقد نضح كل شيء رأته جولييت بحوذة إلو؛ بدءًا من أصص الزرع (أهي أعشاب؟) على عتبات النوافذ، مرورًا بلوح تقطيع الطعام، حتى مشمع الأرضيات اللامع.
وعندما نجحت في إبعاد إلو، ليس خارج الغرفة، وإنما للوراء قليلًا بجوار الثلاجة ذات الطراز القديم، راحت جولييت تفكر في كريستا. إيريك لديه امرأة. بالطبع هو على علاقة بامرأة … كريستا. ورأت جولييت أمامها إلو أخرى، ولكن أصغر سنًّا وأكثر إثارة؛ فخذان عريضتان، ذراعان قويتان، شعر طويل منسدل — أشقر لا يحوي أي شعيرات بيضاء — صدر بارز للأمام بوضوح أسفل قميص واسع. نفس عدوانية إلو غير أنها بصورة أكثر إثارة في كريستا، نفس أسلوب الاستمتاع في لَوْك الكلمات قبل التلفظ بها.
طافت بذهنها صورة امرأتين أخريين؛ وهما بريسيس وكرايسيس، وهما رفيقتا آخيل وأجاممنون، وكانتا توصفان كلاهما بأنهما ذواتا «خدود جميلة». وعندما كان المدرس يقرأ هذه الكلمة (التي لا تتذكرها الآن)، كانت تصطبغ جبهته باللون الوردي، ويبدو وكأنه يكتم ضحكته. ومنذ هذه اللحظة، أصبحت جولييت تحتقره.
فماذا لو كانت كريستا أكثر حدة واتصافًا بسمات أهل الشمال من بريسيس وكرايسيس؟ هل ستبدأ جولييت في ازدراء إيريك أيضًا؟
ولكن أنَّى لها أن تعرف إن سارت باتجاه الطريق الرئيسي واستقلَّت الحافلة؟
في الواقع إنها لم تكن تنتوي على الإطلاق أن تستقل تلك الحافلة. هذا ما يبدو. وفي ظل ابتعاد إلو عن طريقها وتفكيرها كان من السهل أن تكتشف نواياها وطريقة تفكيرها. نهضت أخيرًا، وصنعت المزيد من القهوة، وصبَّتها في كوب كبير ذي يد، وليس في قدح من الأقداح التي وضعتها إلو.
كانت شديدة القلق والتوتر بدرجة منعتها من الشعور بالجوع، لكنها راحت تتفحص الزجاجات الموضوعة على النضد، التي لا بد وأن أحضرها الآخرون من أجل ليلة الوداع. وجدت براندي الكرز، شراب الخوخ المسكر، مشروب تيا ماريا، شراب فيرموت المحلَّى. فُتحت هذه الزجاجات لكن من الواضح أنها لم تَنَل إعجاب الزائرين؛ فالمشروبات التي أقبل الناس عليها بحق كانت في الزجاجات الفارغة التي صفَّتها إلو بجوار الباب؛ حيث وجدت زجاجات فارغة لمشروبات الجين، والويسكي، والجعة، والنبيذ.
صبَّت من شراب تيا ماريا فوق القهوة، وأخذت الزجاجة معها وهي تصعد الدرج الذي يؤدي إلى غرفة المعيشة الواسعة.
كان هذا واحدًا من أطول أيام العام، ولكن الأشجار المحيطة — أشجارًا ضخمة دائمة الخضرة ذات أغصان ملتفة، وشجرة القطلب ذات الأطراف الحمراء — كانت تحجب ضوء الشمس المائلة إلى المغيب، بينما ألقت نافذة السقف بعض الضوء على المطبخ فجعلته ساطعًا، أما النوافذ في غرفة المعيشة فلم تكن سوى فتحات طولية في الحائط، وقد بدأ الظلام يحل عليها بالفعل. لم تكن أرضية الغرفة مفروشة بالكامل؛ إذ غطَّت الأرضية ألواح الخشب الرقائقي وكستها الأبسطة الرثة، وكانت الغرفة مؤثثة بطريقة عشوائية وغريبة؛ حيث ضمت في معظمها الوسائد الملقاة على الأرض، وزوجًا من الوسائد المغطاة بالجلد المتشقق. وثَمة مقعد ضخم من الجلد؛ من ذلك النوع الذي يميل للوراء، وله مسند للقدمين. بينما غطى الأريكة لحاف أصلي ذو قماش من قطع ملونة مختلفة لكنه رثٌّ، وبالحجرة أيضًا جهاز تليفزيون قديم، ورفٌّ للكتب مصنوع من الألواح الخشبية والطوب، بينما لا توجد فوقه أي أنواع من الكتب، ما عدا كومة من مجلات ناشونال جيوجرافيك، مع أعداد قليلة من مجلات عن الإبحار، وإصدارات من مجلة بوبيولر ميكانكس.
كان من الواضح أن إلو لم تأتِ لتنظيف هذه الغرفة؛ فالأرض ملطخة بالرماد حيث منافض السجائر ملقاة على الأبسطة، وبقايا الطعام متناثرة في كل مكان. وخطر على ذهن جولييت أن تبحث عن المكنسة — إن كانت هناك واحدة — لكنها عادت وفكرت أنه حتى لو أدارتها فمن المحتمل أن تقع بعض الحوادث؛ فربما شفطت المكنسة الأبسطة الخفيفة؛ لذا جلست فحسب على المقعد المصنوع من الجلد، وأضافت المزيد من مشروب تيا ماريا حيث انخفض منسوب القهوة في الكوب.
لم تَرُق لها أشياء كثيرة في هذا الساحل؛ فقد كانت الأشجار شديدة الضخامة، ومتكاثفة بعضها بجانب بعض، وليس لها أي سمات متفردة بها؛ فهي ببساطة تكوِّن غابة من الغابات، وكانت الجبال ضخمة بصورة يصعب تصديقها، أما الجزر التي تطفو فوق مضيق جورجيا فكانت أشبه بصورة مصطنعة. وهذا المنزل — بمساحته الكبيرة وسقفه المائل، وأخشابه غير المكتملة — قد بدا فظًّا وغير مريح.
كانت الكلبة تنبح من آنٍ لآخر، ولكن ليس بصورة سريعة ومتلاحقة، ربما كانت تريد أن تدلف إلى المنزل من أجل بعض الرفقة. ولكن جولييت لم تقتنِ كلبًا من قبل مطلقًا؛ فالكلب في المنزل يكون شاهدًا، وليس رفيقًا، وسيجعلها تشعر بعدم الارتياح.
ربما كانت الكلبة تنبح لاكتشافها غزالًا، أو دبًّا، أو أسد الجبال. لقد تناولت الصحف في فانكوفر خبرًا عن أحد أسود الجبال الذي هاجم طفلًا وأصابه، وهي تعتقد بوجوده في هذا الساحل.
من ذا الذي يرغب في العيش في مكان تشاركه كلَّ جزء خارجه الحيواناتُ العدوانية المفترسة؟
«كاليباريوس» أو ذات الخدود الجميلة. ها قد تذكَّرتها الآن. لقد لمعت الكلمة التي قالها هوميروس وعلقت بذهنها. والأكثر من هذا، أنها تذكرت فجأة كل كلماتها اليونانية، كل شيء بدا أنها وضعته في خزانة لما يقرب من ستة أشهر حتى الآن. ولأنها لم تكن تدرس اللغة اليونانية في تلك الفترة، فقد وضعتها بعيدًا.
هذا ما يحدث؛ إنك تضع شيئًا جانبًا لفترة ما، وبين كل فترة وأخرى تُلقي نظرة على ما في الخزانة بحثًا عن شيء آخر، وتتذكره على الفور، أو هكذا تظن. ثم يتحول بعدها هذا الشيء إلى مجرد شيء موجود في الخزانة فحسب وتتراكم فوقه وبجانبه بعض الأشياء الأخرى، وفي نهاية المطاف تجد نفسك لا تفكر في ذلك الشيء على الإطلاق.
هذا الشيء الذي كان كنزك الثمين اللامع، لم تعد تفكِّر به، إنها خسارة لا تتأملها مرة واحدة في حينها، وتصبح الآن شيئًا تتذكره بالكاد.
هذا ما يحدث.
لكن هل يحدث هذا حتى لو لم تضعه جانبًا، حتى لو كنت تكسب من ورائه قوت يومك، كل يوم؟ راحت جولييت تفكر في مدرسيها الأكبر سنًّا بالمدرسة؛ حيث كان معظمهم لا يولي سوى القليل من الاهتمام لما يدرِّسونه. فلنأخذ خوانيتا مثالًا على هذا؛ فهي التي اختارت اللغة الإسبانية لأنها تتماشى مع اسمها المسيحي (هي من أصل أيرلندي)، وأرادت أن تتقن التحدث بالإسبانية جيدًا لتستخدمها في رحلاتها؛ ولا يمكنك الجزم بأن الإسبانية كنزها الثمين.
القليل من الناس، بل القليل جدًّا، هم من يحوزون ثروة ثمينة، وإذا ما حدث وأصبحتَ تمتلك واحدة، فعليكَ بالتمسك بها، يجب ألا تعرض نفسك لأي هجوم، حتى لا يسلبها منك أي أحد.
أحدث شراب تيا ماريا مع القهوة أثره بطريقة ما؛ مما جعلها تشعر باللامبالاة وعدم الاهتمام، ولكن بالقوة في الوقت نفسه؛ فجعلها تعتقد أن إيريك — في نهاية الأمر — ليس على هذا القدر من الأهمية. إنه شخص بمقدورها أن تتسكع معه فحسب. نعم التسكع هي الكلمة الصحيحة، وذلك كما فعلت أفروديت مع أنكيسيس، وفي صباح أحد الأيام ستفلت من يده وتذهب بعيدًا.
نهضت من مكانها، ووجدت طريقها إلى دورة المياه، ثم عادت واستلقت على الأريكة متدثرة باللحاف، ومن شدة النعاس، لم تلحظ شعر كوركي أو رائحتها فوقه.
عندما استيقظت كان الصبح قد أشرق، برغم أنها لا تزال السادسة وعشرين دقيقة في ساعة المطبخ.
كانت تشعر بصداع، ووجدت قنينة من أقراص الأسبرين في دورة المياه، فتناولت قرصين واغتسلت، ومشطت شعرها، وأخرجت فرشاة الأسنان من حقيبتها وغسلت أسنانها، ثم أعدت قدرًا من القهوة، وتناولت شريحة من الخبز المعد في المنزل ولم تعبأ بتسخينه أو وضع الزبد فوقه. جلست قبالة مائدة المطبخ، وقد تسلل ضوء الشمس من خلال الأشجار، وألقى بظلال نحاسية على جذوع شجرة القطلب الملساء. شرعت كوركي في النباح، وأخذت تنبح لفترة طويلة قبل أن تنعطف إحدى الشاحنات وتدخل الفناء مما جعلها تتوقف عن النباح.
سمعت جولييت صوت باب الشاحنة وهو يغلق، وسمعته يتحدث إلى الكلبة، وعندئذ تملَّكها الخوف، وأرادت أن تختبئ في أي مكان (قالت فيما بعد: «كان بإمكاني أن أزحف تحت المائدة»، لكنها لم تفكر بالقطع أن تفعل شيئًا في مثل هذه السذاجة). ذكَّرها هذا الموقف بتلك اللحظة في المدرسة قبل إعلان الفائز بالجائزة، لكن هذا الموقف كان أسوأ؛ لأنه ليس لديها أي أمل منطقي للفوز، ولن تكون هناك فرصة أخرى على هذا القدر من الأهمية في حياتها.
عندما فتح الباب لم تستطع أن ترفع بصرها، وتشابكت أصابع يديها وهي تقبضهما وتضعهما على ركبتيها.
قال: «إنك هنا.» كان يضحك في ابتهاج وشعور بالنصر والإعجاب كما لو أنه أمام أكثر المشاهد جرأة وشجاعة. وعندما فتح ذراعيه، بدا وكأن هناك رياحًا هبَّت في الغرفة وجعلتها ترفع بصرها.
منذ ستة أشهر لم تكن تعرف أن هذا الرجل موجود على قيد الحياة. منذ ستة أشهر كان الرجل الذي صرعته عجلات القطار لا يزال على قيد الحياة، وربما ينتقي بعض الملابس من أجل القيام برحلته.
«إنك هنا.»
استطاعت أن تستشفَّ من صوته أنه يناديها، فنهضت، وهي لا تقوى على الحراك، ولاحظت أنه أكبر، وأضخم، وأكثر تهورًا مما تتذكر. اقترب منها وشعرت بأنه يتفحصها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، وغمرها ذلك الشعور بالارتياح، واجتاحتها السعادة. كم هو مدهش هذا الذي يحدث، كم هو قريب إلى الحيرة والخوف. •••
اتضح فيما بعد أن إيريك لم يكن مندهشًا كما تظاهر بذلك؛ إذ هاتفَتْه إلو الليلة الماضية؛ لكي تحذره بشأن الفتاة الغريبة — جولييت — وعرضت عليه أن تتحقَّق وتعرف إن كانت الفتاة قد استقلت الحافلة بالفعل أم لا. واعتقد هو أنه من الصواب أن يغتنم هذه الفرصة بأنها ستفعل ذلك — ربما ليختبر القَدَر — ولكن عندما هاتفته إلو لتخبره بأن الفتاة لم ترحل، أصابته الدهشة من شعوره بالفرح الذي اعتراه. ومع ذلك، لم يرجع إلى المنزل على الفور، ولم يخبر كريستا، بالرغم من أنه يدرك أنه عليه إخبارها في القريب العاجل.
استوعبت جولييت كل تلك الأحداث شيئًا فشيئًا في الأسابيع والأشهر التالية؛ فبعض المعلومات جاءتها عن طريق الصدفة، والبعض الآخر جاء نتيجة لطريقة استقصائها التي اتسمت بالتهور.
واعتبر مصارحتها عن عدم عذريتها شيئًا ثانويًّا.
لم تكن كريستا تشبه إلو؛ فليس لديها فخذان عريضتان أو شعر أشقر؛ فهي امرأة ذات شعر داكن، نحيفة، لمَّاحة وذكية، وفي بعض الأحيان متجهمة، وهي التي ستصبح صديقة جولييت الرائعة وسندها خلال السنوات التالية، بالرغم من أنها لم تتخلَّ تمامًا عن عادتها في إغاظتها بمكر، وعن اللمحات الساخرة للمنافسة الدفينة بينهما.
الهروب |
في القريب العاجل
وجهان جانبيان يواجه أحدهما الآخر؛ أحدهما لبقرة صغيرة بيضاء اللون يحمل تعبيرًا هادئًا ولطيفًا، والآخر لرجل أخضر الوجه، ليس بصغير أو متقدم في العمر، يبدو عليه أنه موظف صغير، ربما ساعي بريد أو شيء من هذا القبيل؛ فقد كان يرتدي ذلك النوع من القبعات التي يرتديها سعاة البريد. كانت شفتاه باهتتين، ويطل من عينيه بريقٌ لامع، وكانت هناك يدٌ — تقريبًا يده — تمتد لتقدم — من الهامش الأسفل للوحة — شجرةً صغيرة أو فرعًا ضخمًا مثمرًا بالمجوهرات الثمينة.
وفي الهامش الأعلى من اللوحة، ظهرت السحب الداكنة، تظلِّل تحتها بعض البيوت الصغيرة المائلة، وبجوارها لعبة على هيئة كنيسة تحمل صليبًا صغيرًا وقد استقرت على السطح المنحني للأرض، وبداخل ذلك الانحناء بدا رجل ضئيل (غير أنه مرسوم بمقياس أكبر من المباني) يسير بثبات وعزم حاملًا منجلًا فوق كتفه، وبجانبه سيدة رُسمت بنفس المقياس، وكان يبدو أنها تنتظره، لكنها كانت معلَّقة على نحو مقلوب.
كانت اللوحة تتضمن أشياء أخرى؛ فعلى سبيل المثال كانت توجد فتاة تحلب بقرة بجوار البقرة الصغيرة.
قررت جولييت على الفور أن تبتاع تلك اللوحة لوالديها كهدية في عيد الميلاد.
قالت لكريستا، صديقتها التي جاءت معها من ويل باي للقيام ببعض التسوق: «إنها تذكِّرني بوالديَّ.» كانا في متجر الهدايا بمعرض فانكوفر للفنون.
ضحكت كريستا قائلة: «الرجل الأخضر والبقرة؟ سيشعران بالإطراء والثناء.»
كانت كريستا لا تأخذ أي أمرٍ من الأمور في البداية على محمل الجِد؛ إذ كان لا بد وأن تسخر منها بطريقة ما، ولم تشعر جولييت بالضيق من ذلك، وكانت في شهرها الثالث من الحمل وقد وضعت طفلة بعد ذلك أسمتها بينيلوبي. تخلصت فجأة من الشعور بالغثيان؛ ولهذا السبب — أو لسبب آخر — انتابتها نوبات من المرح الزائد. كانت تفكر في الطعام طوال الوقت، لدرجة أنها لم تكن ترغب في الدخول إلى متجر الهدايا؛ لأنها لمحت أحد المطاعم.
راق لها كل شيء في اللوحة، وبخاصة الشخصيات الصغيرة والأبنية المائلة للسقوط فوقها، والرجل ذي المنجل، والمرأة المتدلية بالمقلوب.
نظرت إلى عنوان اللوحة «أنا والقرية».
كان عنوانًا منطقيًّا بامتياز.
قالت كريستا: «شاجال، إنني أهوى شاجال؛ فبيكاسو كان وغدًا.»
كانت جولييت تشعر بسعادة شديدة لما وجدته جعلتها بالكاد تنتبه لما يقال.
قالت لها كريستا: «أتعرفين ما كان يفترض أنه يقول؟ شاجال من أجل بائعات المتاجر.» فردَّت جولييت: «وما العيب في بائعات المتاجر؟ كان ينبغي لشاجال أن يقول إن لوحات بيكاسو هي من أجل الأشخاص ذوي الوجوه المضحكة.»
قالت جولييت: «أعني أن اللوحة جعلتني أفكر في حياتهم، لا أدري لمَ، لكنها كذلك.»
كانت جولييت قد قصَّت لكريستا بالفعل بعض الأشياء التي تتعلق بوالديها؛ كيف أنهما يعيشان في عزلة غريبة، لكنها في الوقت نفسه تفيض بالسعادة؛ عزلة برغم أن والدها كان مدرسًا محبوبًا. كان جزءٌ من تلك العزلة راجعًا إلى مشاكل القلب التي تعاني منها سارة، ولكن كان السبب أيضًا يرجع إلى اشتراكهما في بعض المجلات التي لم يكن أحدٌ بالجوار يقرؤها، أو سماعهما لبرامج في الإذاعة المحلية لا ينصت إليها أحدٌ من المحيطين بهما، أو لأن سارة كانت تصنع ملابسها بنفسها — حتى وإن لم تكن ملائمة — من خلال نماذج التفصيل الخاصة بمجلة فوج، بدلًا من نماذج بيتريك. أو ربما بسبب احتفاظهما بطابع الشباب بدلًا من الحركة بكسل وتباطؤ مثل آباء زملاء جولييت في المدرسة. وصفت جولييت سام بأنه يشبهها — ذو عنق طويل، به بعض النتوءات الخفيفة عند الذقن، وشعر بني خفيف مسترسل. أما سارة فكانت شقراءَ نحيفةً وشاحبة، وذات جمال ناعم غير مهندم. •••
عندما بلغت بينيلوبي شهرها الثالث عشر، اصطحبتها جولييت وطارت إلى تورونتو، ثم استقلت القطار بعد ذلك، وكان هذا عام ١٩٦٩، ونزلت في إحدى المدن التي تبعد نحو عشرين ميلًا عن المدينة التي نشأت بها، وحيث لا يزال سام وسارة يعيشان. من الواضح أن القطار لم يعد يتوقف هناك.
شعرت باستياء لنزولها في تلك المحطة الغريبة، ولم تتراءى لها، كما اعتادت دومًا، تلك الأشجار، والأرصفة، والمنازل التي ما زالت تذكرها، التي يتبعها على الفور منزلها؛ منزل سام وسارة، الرحب رغم بساطته، بطلائه الأبيض المتقادم خلف شجرة القيقب اليانعة.
وها هما سام وسارة في تلك المدينة التي لم ترَهما بها من قبل، تكسو وجهيهما ابتسامةٌ مشوبة بالقلق، وقد تضاءل حجمهما بعض الشيء.
أطلقت سارة صيحة غريبة قصيرة، كما لو أن شيئًا قرصها، واستدار شخصان بالمحطة ينظران نحوها.
كان من الواضح أنها صيحة نابعة من فرط إثارتها.
قالت: «برغم أن إحدانا قصيرة والأخرى طويلة فإنه ما زال هناك توافق وانسجام.»
لم تفهم جولييت في البداية ما تعنيه سارة، ثم سرعان ما أدركت مقصدها؛ كانت سارة ترتدي تنورة من الكتان الأسود تتدلى حتى منتصف ساقيها، وسترة تلائمها. وكانت ياقة السترة وأطراف أكمامها مصنوعة من قماش أخضر بلون الليمون ومرقط بالأسود. وقد اعتمرت قبعة من نفس القماش الأخضر. لا بد أنها صنعت تلك الملابس بنفسها، أو جعلت إحدى الخياطات تحيكها لها. ولم تكن الألوان تتماشى مع بشرتها، التي بدت وكأن هناك بعضًا من غبار الطبشور الناعم قد استقر عليها.
كانت جولييت ترتدي فستانًا أسودَ قصيرًا.
قالت سارة: «كنت أتساءل عما سيكون رأيك عني، وأنا متشحة بالسواد في فصل الصيف، وكأني في حداد، وها أنتِ وقد ارتديت نفس اللون ليكون هناك توافق بيننا، تبدين أنيقة، تعجبني بشدة تلك الفساتين القصيرة.»
قال سام: «ولها شعر أسود طويل وكأنها من الهيبيز.» ثم انحنى ليتطلع إلى وجه الرضيعة وقال: «أهلًا بينيلوبي.»
قالت سارة: «يا لها من دمية جميلة!»
ومدَّت يديها نحو بينيلوبي لتحملها؛ بالرغم من أن الذراعين اللتين انزلقتا من كميها بدتا شديدتي الوهن بدرجة يصعب معها حمل أي شيء. ولم تكن بحاجة إلى ذلك؛ لأن بينيلوبي التي توترت عند سماعها لصوت جدتها لأول مرة، راحت تصرخ وتبعد نفسها، وتدس وجهها في عنق جولييت.
ضحكت سارة قائلة: «هل أنا مخيفة إلى هذا الحد؟» مرة أخرى لا تستطيع سارة التحكم في صوتها جيدًا؛ فكان يعلو في نبرات حادة ثم يتهدج وينخفض، مما يلفت الأنظار إليها. لم يكن هذا بالأمر الجديد تمامًا. كانت جولييت تدرك أن الناس ربما كانوا يتطلعون دائمًا إلى طريقة أمها عندما تضحك أو تتحدث، ولكن قديمًا، كان الأمر يبدو أنه مرح فجائي، كان شيئًا محببًا وينطوي على الأنوثة والجاذبية (بالرغم من أن ذلك لم يكن يروق للجميع؛ فبعضهم كان يقول إنها تحاول أن تلفت الانتباه فحسب).
قالت جولييت: «إنها متعبة للغاية.»
قدَّم لها سام السيدة الشابة التي كانت تقف وراءهم، وتبعد عنهم بمسافة كما لو أنها تحرص على ألا يعرفها الآخرون كجزء من مجموعتهم، وفي الواقع، لم يَدُرْ بخَلَد جولييت أنها يمكن أن تكون كذلك بالفعل.
«جولييت، هذه آيرين إيفري.»
مدَّت جولييت يدها قدر المستطاع بينما كانت تحمل بينيلوبي، وحقيبة الحفاضات، وعندما رأت أن آيرين لن تمد يدها بالمصافحة — أو ربما لم تلحظ نية جولييت على فعل ذلك — اكتفت بالابتسام. ولكن آيرين لم تردَّ لها الابتسامة بأخرى. كانت تقف ساكنة في مكانها مخلِّفة الانطباع بأنها تريد أن تفرَّ هاربة.
قالت جولييت: «مرحبًا.»
ردَّت آيرين بصوت مسموع بما يكفي، ولكنه خالٍ من أي تعبيرات: «سعيدة لرؤيتك.»
قالت سارة: «آيرين، ملاكنا الطيب.» وتغيَّر وجه آيرين قليلًا، فقطَّبت جبينها وظهر عليها بعض الإحراج.
لم تكن طويلة القامة كجولييت، ولكنها كانت ذات كتفين وفخذين أعرض منها، وذراعين قويتين، وذقن حاد. كان شعرها أسود اللون، يتسم بالكثافة والنعومة، وقد عقصته من الخلف على هيئة ذيل حصان قصير وثقيل، حواجبها سوداء اللون كثيفة تبدو عدوانية، وبشرتها من ذلك النوع الذي يكتسب سمرة بسهولة. وكانت عيناها خضراوين أو زرقاوين لونهما فاتح يثير الدهشة لمخالفته لون بشرتها، يصعب التطلع إليهما طويلًا لفرط ما بهما من عمق شديد، ولأنها كانت تحني رأسها قليلًا وتدير وجهها جانبًا. بدا حرصها شديدًا ومتعمدًا.
قال سام بابتسامته العريضة المتعمدة: «إنها تقوم بالكثير من الأعمال التي تفوق قدرة الملاك، سأخبر العالم كله أنها تفعل ذلك.»
تذكرت جولييت بالطبع الآن أن الخطابات كان يَرِد بها ذكر امرأة كانت تأتي للمساعدة بسبب التدهور الشديد في صحة سارة، لكنها اعتقدت أنها أكبر سنًّا، بالقطع لم تكن آيرين أكبر من جولييت نفسها.
استقلا نفس السيارة البونتياك التي اشتراها سام مستعملة ربما منذ عشر سنوات، وظهرت آثار لونها الأزرق الأصلي في صورة مسحات هنا وهناك، ولكن معظم اللون كان قد بهت، وتحول إلى الرمادي، وكان من السهل رؤية تأثيرات الأملاح المستخدمة في الطريق أثناء الشتاء من خلال بعض الصدأ الذي كسا دواخلها.
قالت سارة وقد تقطعت أنفاسها بعد المسافة القصيرة التي قطعتها سيرًا من رصيف المحطة: «الفرس الرمادية العجوز.»
قالت جولييت: «إنها لا تستسلم أبدًا.» بدا الإعجاب من حديثها كما هو متوقع. كانت قد نسيت أن هذا هو ما أطلقوه على السيارة من قبل، بالرغم من أن ذلك الاسم كانت هي من فكرت به واختارته.
قالت سارة بعد أن استقرت في المقعد الخلفي بمساعدة آيرين: «أوه، إنها لا تستسلم أبدًا، ونحن لن نتخلى عنها أبدًا.»
جلست جولييت في المقعد الأمامي — وهي تلاعب بينيلوبي — التي راحت بدورها تتذمر مرة أخرى. كانت الحرارة داخل السيارة صادمة، بالرغم من أنها كانت واقفة ونوافذها مفتوحة تحت الظلال المتفرقة لأشجار الحور بالمحطة.
قال سام وهو متردد بعض الشيء: «إنني أفكر حقيقة في أن أستبدلها بشاحنة.»
صاحت سارة قائلة: «لا، إنه لا يعني ذلك.»
لكن سام استطرد قائلًا: «من أجل مصلحة العمل، سيكون هذا أكثر نفعًا، وسنحصل على نوع من الدعاية في كل مرة أقود بها الشاحنة عبر الطرقات، فقط من خلال الملصقات الموضوعة على بابها.»
قالت سارة: «إنه يتعمد إغاظتي، كيف لي أن أقود سيارةً مكتوبًا عليها «خضراوات طازجة»؟ هل من المفترض أن أكون أنا إذن ثمرة القرع أم تراني أنا الكرنب؟»
قال: «من الأفضل أن تهدئي الآن يا سيدتي، وإلا لن تتمكني حتى من التقاط أنفاسك عندما نصل إلى المنزل.»
بعد قرابة نحو ثلاثين عامًا من التدريس في المدارس العامة التي تنتشر في المدينة — منها عشر سنوات في آخر مدرسة التحق بها — قرر سام فجأة أن يعتزل مهنة التدريس، ويتجه إلى نشاط بيع الخضراوات لدوام كامل. كان دومًا يزرع الكثير من الخضراوات في الحديقة، ويزرع التوت البري في قطعة الأرض الخالية بجوار المنزل، وكانا يبيعان الفائض لقليل من الأشخاص بالجوار، لكن تغيَّر هذا الآن ليصبح بيع الخضراوات إحدى سبل كسب العيش وذلك من خلال البيع لمتاجر البقالة، أو ربما فيما بعد ينصب كشكًا صغيرًا لعرض السلع قبالة البوابة الأمامية.
قالت جولييت بهدوء: «أأنت جاد بهذا الشأن؟»
«إنني جاد تمامًا.»
«لكن ألن تشعر أنك تفتقد التدريس؟»
«لا سأتركه تمامًا. لقد سئمت. لقد سئمت حتى النخاع.»
إنه حقًّا بعد كل تلك السنوات لم يُعرض عليه في أي مدرسة شَغْل منصب المدير، كانت جولييت تعتقد أن هذا هو مصدر استيائه. لقد كان مدرسًا مميزًا، وكل فرد يتذكر جيدًا كيف كانت تصرفاته مرحة ويشع طاقة؛ فالصف السادس لم يكن كشأن أي صف دراسي يمكن أن يمر به الطلبة في حياتهم. وبرغم ذلك كان هناك من يتخطاه ويشغل المنصب — مرات ومرات — وربما كان هذا هو السبب؛ فالكثيرون ينظرون إلى طريقته على أنها تضعف من السلطات وتجعلها تبدو أقل فاعلية؛ لذا فمن السهل تخيل أن رؤساءه يرون أنه ليس بالرجل الذي يمكن أن يوضع في منصب المسئولية، وربما يكون ضرره في موقعه أقل بكثير من أي موقع إداري.
كان يحب العمل والأنشطة الخارجية، كان بارعًا في التحدث مع الآخرين، وربما كان ماهرًا في بيع الخضراوات.
لكن سارة كانت تكره ذلك.
ولم تكن جولييت تحب ذلك أيضًا، لكن لو كان عليها أن تختار، لاختارت الانحياز لجانبه. لم تكن لتعتبر نفسها من الشخصيات المتكبرة.
والسبب الحقيقي وراء ذلك يكمن في أنها ترى نفسها — ترى نفسها هي وسام وسارة، وهي وسام بوجه خاص — أسمى وأكثر تميزًا في طريقتهم من أي فرد حولهم؛ لذا ماذا يضير في التجول بالخضراوات؟
تحدَّث سام بصوت أهدأ: «ما اسمها؟»
كان يقصد الرضيعة.
«بينيلوبي. لن نناديها أبدًا ببيني. بينيلوبي فقط.»
«لا، أعني … أعني اسمها الأخير.»
«أوه، إنه هندرسون بورتيوس على ما أظن، أو بورتيوس هندرسون، لكني أعتقد أنه سيكون صعبًا في النطق؛ وخاصة أننا قد أسميناها بينيلوبي بالفعل. نحن نعرف أن الاسم كبير، لكننا أردنا اسم بينيلوبي. علينا أن نتعامل مع هذا بطريقة ما.»
قال سام: «إذن أعطاها اسمه، حسنًا، هذا شيء جيد.»
اعترت جولييت الدهشة للحظة، ثم سرعان ما زالت.
قالت وهي تحاول التظاهر بالتحير والدهشة: «بالقطع أعطاها اسمه، إنها ابنته.»
«أوه، نعم، لكن بالنظر إلى الظروف …»
قالت جولييت: «نسيت أمر هذه الظروف، إن كنتَ تعني حقيقة أننا لسنا متزوجَيْن، فهذا شيء قلما نضعه في اعتبارنا؛ ففي المكان الذي نحيا به، وبين الأشخاص الذين نعرفهم، هو أمر لا يفكر به أحدٌ على الإطلاق.»
قال سام: «لنفترض ذلك، ولكن هل كان متزوجًا رسميًّا ممن سبقتك؟»
كانت جولييت قد حكت لهما عن زوجة إيريك التي كان يعتني بها خلال الثماني سنوات التي عاشتها بعد الحادث الذي وقع لها.
«آن؟ لا أعرف حقيقةً، لكن نعم، أعتقد أنه كان متزوجًا بها.»
قالت سارة لمن يجلسان بالمقعد الأمامي: «ألن يكون من اللطيف أن نتوقف لتناول بعضٍ من المثلجات؟»
رد عليها سام قائلًا: «لدينا الكثير منها في المبرِّد بالمنزل.» وأردف بصوت منخفض موجِّهًا كلامه إلى جولييت على نحو صدمها: «اصطحبيها إلى أي مكان لتناول الحلوى وستقدِّم استعراضًا.»
كانت نوافذ السيارة لا تزال مفتوحة، وهبَّت الرياح الدافئة إلى داخل السيارة. كان الجو صيفيًّا تمامًا؛ وهو موسم لا يأتي — حسبما رأت جولييت — إلى الساحل الغربي على الإطلاق. انحنت الأشجار الصلبة بفروعها عند أطراف الحقول البعيدة، راسمةً كهوفًا من الظلال باللون الأزرق الداكن، وظهرت المروج والمحاصيل أمامها بلونيها الأصفر والأخضر اللامعَيْن يحتضنها شعاع الشمس القوي. أما أعواد القمح والشعير والذرة والفول الفتيَّة النشطة، فراحت تتمايل بسرعة وتعكس بريقها في العيون.
قالت سارة: «ماذا يدور في المؤتمر المنعقد في المقعد الأمامي؟ ليس باستطاعتنا أن نسمع بسبب الرياح.»
قال سام: «ليس ثَمَّةَ ما يهم، كنت أسأل جولييت إن كان رفيقها لا يزال يمارس الصيد؟»
كان إيريك يكسب قوت يومه من صيد القريدس، وكان يفعل ذلك منذ فترة طويلة. في يوم من الأيام كان يدرس الطب، ولكن انتهى ذلك الأمر؛ لأنه أجرى عملية إجهاض لإحدى صديقاته (وليست معشوقته). انتهت العملية بسلام، لكن كانت القصة قد عُرفت. كان هذا شيئًا أرادت جولييت أن تُفصح عنه لوالدَيْها ذوَي العقول المنفتحة. ربما أرادت بذلك أن تقدمه كرجل متعلم، وليس مجرد صياد، ولكن ماذا يهم في ذلك؛ وبخاصة أن سام أصبح يبيع الخضراوات؟ بالإضافة إلى أن سعة أفقهما لم تعد شيئًا يعوَّل عليه كما كانت تعتقد. •••
كانت توجد أشياء أخرى للبيع أكثر من الخضراوات الطازجة والتوت البري، فتبيَّن أن المطبخ يحتوي على المربى، وزجاجات العصير، والمشهيات، وفي أول صباح أعقب زيارة جولييت كانت مربى التوت تُعد، وكانت آيرين هي المسئولة عن ذلك، كانت كنزتها مبتلة إما نتيجة البخار أو العرق، والتصقت بجسمها ما بين لوحي الكتف. وبين الحين والآخر كانت آيرين تلقي نظرة سريعة على جهاز التليفزيون الذي نُقل من الحجرة الخلفية إلى مدخل المطبخ، وقد أصبح لزامًا أن تُقحم نفسك بصعوبة وتلتف من حوله حتى تدلف إلى الحجرة. وكان يُعرض على شاشة التليفزيون أحد برامج الأطفال الصباحية التي تقدم حلقة «بول وينكل» الكرتونية، وكانت آيرين تُطلق ضحكة عالية بين الحين والآخر على حركات الشخصيات الكرتونية المضحكة، وكانت جولييت تضحك قليلًا كي تبدو ودودة، ولكن لم تلحظ آيرين ذلك.
كان لا بد من تنظيف سطح النضد حتى تتمكن جولييت من سلق بيضة وهرسها لتتناولها بينيلوبي في الإفطار، ولكي تصنع بعض القهوة والخبز أيضًا من أجلها. سألتها آيرين بصوت متردد: «هل هذه المساحة الكافية؟» كما لو أن جولييت كانت دخيلة ومن الطبيعي ألا تتوقع احتياجاتها.
وبالاقتراب من آيرين يمكن رؤية بعض الشعر الأسود الناعم الذي نما على ساعدَيْها، وهناك أيضًا بعض الشعر على وجنتَيْها أمام أذنَيْها مباشرة.
واستطاعت وهي تقف جانبًا أن تراقب كل ما تفعله جولييت؛ فرأتها وهي تعبث بمقابض الموقد (حيث لم تتذكر في البداية ما الشعلة التي يتحكم بها كل مقبض)، وراحت تتطلع لها وهي تنتشل البيضة من القِدر الصغيرة، وتنزع القشرة (التي التصقت هذه المرة، وخرجت على شكل فتات صغيرة، بدلًا من أن تخرج بسهولة على شكل قطع كبيرة)، ثم راقبتها وهي تختار أحد الأطباق كي تهرسها فيه.
«أنتِ لا تريدينها أن تُسقط ذلك الطبق على الأرض؟» كان هذا إشارة إلى الطبق الصيني الذي اختارته جولييت. ثم استأنفت متسائلةً: «ألم تُحضري معكِ طبقًا بلاستيكيًّا؟»
قالت جولييت: «سأراقبها.»
واتضح أن آيرين كانت أمًّا هي الأخرى؛ فلديها صبي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وابنة لم تبلغ عامين، وكان اسماهما تريفور وتريسي. لقي والدهما مصرعه الصيف الماضي في حادث بمزرعة للدواجن حيث يعمل. وهي نفسها كانت تصغر جولييت بثلاثة أعوام؛ فكانت تبلغ الثانية والعشرين من العمر. جاءت المعلومات بشأن الأطفال والزوج كإجابة على تساؤلات جولييت، واستطاعت أن تعرف عمرها من خلال ما قالته لاحقًا.
قالت جولييت: «إنني جد آسفة.» كانت تتحدث عن الحادثة، وشعورها بأنها كانت فظة بتطفُّلها، وأنه نوع من الرياء أن تحاول مواساتها الآن. فقالت آيرين: «لا بأس. وقع الحادث في عيد ميلادي الحادي والعشرين، كما لو أن المصائب تجتمع كما تتجمع الأحجار في القلادة.»
بعد أن تناولت بينيلوبي كل البيض الذي تقبَّلته، حملتها جولييت ساندةً إياها على عظام وركها وصعدت بها إلى الطابق العلوي.
وتنبَّهت في منتصف المسافة إلى أنها لم تغسل الطبق.
لم يكن هناك مكان تُترك فيه الطفلة التي لم تمشِ بعد، لكنها كانت تزحف بسرعة كبيرة، ولم يكن من الممكن بالطبع أن تتركها في المطبخ حتى ولو لمدة خمس دقائق وسط المياه التي تغلي في المعقم، والمربى الساخنة، والسكاكين الحادة، وسيكون عبئًا إضافيًّا على آيرين لو طلبت منها أن تراقبها. وكان أول شيء فعلته بينيلوبي هذا الصباح هو رفض صداقة سارة؛ لذا حملتها جولييت وصعدت بها السلم الذي يؤدي إلى الغرفة العلوية أسفل السقف مباشرة — وأغلقت الباب وراءها — ووضعتها على الدرج لتلهو، بينما راحت هي تبحث عن بيت اللعب القديم، ولحسن الحظ كانت بينيلوبي خبيرة في اللعب على الدرج.
كان المنزل على ارتفاع طابقين، وكانت الغرفه ذات سقف عالٍ ولكنها كانت مربعة، أو هكذا تبدو لجولييت الآن، وكان السقف مائلًا بشدة، فيكون بإمكانك أن تتجول في منتصف الغرفة العلوية. وقد اعتادت جولييت أن تفعل هذا عندما كانت طفلة صغيرة؛ فكانت تتجول بالغرفة وهي تقص لنفسها بعض الحكايات التي قرأتها، مع بعض الإضافات أو التعديلات، وكانت ترقص أيضًا أمام جمهور خيالي. وكان الجمهور الحقيقي يتكون من قطع الأثاث المكسورة أو المهملة؛ حقائب قديمة، معطف ثقيل وضخم من فراء الجاموس الأبيض، بيت خشبي لطائر السنونو الأرجواني (وكان هدية من أحد طلاب سام منذ فترة طويلة، والذي فشل في اجتذاب أيٍّ من طيور السنونو)، خوذة ألمانية من المفترض أن جدَّ سام أحضرها من الحرب العالمية الأولى، لوحة كوميدية على نحو غير مقصود لهاوٍ تعبِّر عن غرق سفينة «إمبراطورة أيرلندا» في خليج سانت لورانس، بينما تقفز منها شخصيات صغيرة الحجم في كل اتجاه.
وهناك كانت لوحة «أنا والقرية» موضوعة أمام الحائط، ووجهها للأمام؛ لم يكن هناك أي محاولة لإخفائها، ولم تكن تعلوها ذرات الغبار؛ مما يعني أنها لم توضع هنا منذ فترة طويلة.
عثرت على صندوق اللعب بعد دقائق من البحث. لقد كان عبارة عن قطعة ثقيلة من الأثاث، له أرضية من الخشب، وجوانبه على هيئة أعمدة ملتفة. ثم وجدت عربة الأطفال. احتفظ والداها بكل شيء؛ لأنهما كانا يتطلعان لإنجاب طفل آخر، غير أن أمها عانت من إجهاض حملها لمرة أو أكثر. وكانت الضحكات التي تملأ فراشهما في صباح أيام الآحاد، تُشعر جولييت كما لو أن المنزل قد احتلَّه نوع من الإزعاج الخفي، بل والمخزي الذي لا يروق لها على الإطلاق.
كانت عربة الأطفال من ذلك النوع الذي يمكن طيُّه وفرده، كان هذا شيئًا نسيته جولييت أو ربما لم تكن تعرف بوجوده. وعليها الآن بعد أن تصبَّب منها العرق وعلاها الغبار أن تعمل لكي تتمكن من فردها. لم تكن هذه المهمة هيِّنة بالنسبة لها، ولم تكن تجيد فهم طريقة تركيب الأشياء معًا على نحو سريع، كان بإمكانها أن تقوم بجرها لأسفل، وتذهب إلى الحديقة، وتطلب مساعدة سام، لولا أنها فكرت في آيرين؛ آيرين وعينيها الباهتتين المختلجتين، ونظراتها الحادة غير المباشرة، ويديها الماهرتين، ومراقبتها التي شابها شيء لم تستطع القول بأنه قد ينطوي على الازدراء. لم تعرف جولييت ما الذي يمكن أن يوصف به ذلك؛ إنه سلوك ينم عن اللامبالاة، وينطوي في الوقت نفسه على التصلب والعناد كأسلوب القط تمامًا.
استطاعت جولييت أخيرًا أن تقوم بفرد عربة الأطفال. كانت ثقيلة الوزن، وتكاد تكون أكبر من حجم العربة التي اعتادت عليها بمرة ونصف، وكانت متسخة بالطبع. وبينما هي تجلس بمفردها الآن، وبينيلوبي تحبو على الدرج، وإلى جوار يد الطفلة كان هناك شيء لم تلاحظه جولييت، كان هناك مسمار؛ فهو من بين تلك الأشياء التي لا تلاحظها حتى يكون عندكَ طفل في مرحلة التقاط الأشياء ووضعها في الفم، ويكون عليك أن تراقبه طوال الوقت.
لكنها لم تكن تراقبها؛ فكل شيء كان يشتت انتباهها؛ الحرارة، وآيرين، وتلك الأشياء المألوفة والأخرى غير المألوفة و…
«أنا والقرية». •••
قالت سارة: «كنت آمل ألا تلاحظي. لا تأخذي الأمر على محمل الجد.»
أصبحت الغرفة المشمسة الآن هي غرفة نوم سارة، وكانت الستائر المصنوعة من الخيزران المعلقة على كل النوافذ تلقي على الغرفة الصغيرة — التي كانت يومًا جزءًا من الشرفة — ضوءًا أصفرَ داكنًا، وحرارة معتدلة. وبرغم هذا، كانت سارة ترتدي منامة من الصوف وردية اللون، وقد بدت لجولييت بالأمس في المحطة بحاجبَيْها الرفيعَيْن المحددَيْن بالقلم، وأحمر شفاهها المائل إلى الحمرة، وبقبعتها وحلتها وكأنها امرأة فرنسية عجوز (بالرغم من أن جولييت لم ترَ الكثير من النساء الفرنسيات المتقدمات في العمر)، لكنها تبدو الآن بشعرها الرمادي المسترسلة خصلاته، وعينيها اللامعتين اللاهثتين تحت حواجب تكاد تكون مختفية، وكأنها طفلة عجوز غريبة الشكل. كانت تسند ظهرها إلى الوسائد والألحفة تغطيها حتى وسطها، وعندما صحبتها جولييت إلى دورة المياه قبلها بفترة اكتشفت أن سارة ترتدي جوارب قصيرة وخفًّا وهي في فراشها بالرغم من أن الطقس كان حارًّا.
بجوار فراشها وُضع مقعد مستقيم الظهر؛ حيث كان من الأيسر لها أن تصل يدها إلى قاعدته بدلًا من المائدة، وقد وُضعت عليه أقراص وزجاجات من الدواء، وبودرة تَلك، وسائل مرطب، وقدح من الشاي بالحليب الذي شُرب نصفه فقط، وكوب به بعضٌ من بقايا أحد المقويات داكنة اللون، ربما كان الحديد. وأعلى الفراش مجموعة من المجلات؛ نسخ قديمة من مجلة فوج، وليديز هوم جورنال.
قالت جولييت: «أنا لا آخذه على محمل الجد.»
«لقد قمنا بتعليقها بالفعل، وكانت موضوعة في البهو الخلفي بجوار باب غرفة المعيشة، ثم أنزلها أبوكِ.»
«لمَ؟»
«لم يقل لي شيئًا بشأنها، لم يخبرني بأنه سيفعل ذلك، وذات يوم لم أجدها في مكانها.»
«ولمَ أنزلها من على الجدار؟»
«أوه، ربما لديه أفكار ما بشأنها.»
«أي نوع من الأفكار هذه؟»
«أوه، أعتقد أنه شيء له علاقة بآيرين؛ فربما تسبِّب بعض الإزعاج لآيرين.»
«إنها لا تحوي أي رسومات عارية؛ فهي ليست كلوحات بوتيتشيلي.»
بالفعل كانت توجد لوحة له تحمل عنوان مولد فينوس، معلَّقة في غرفة المعيشة الخاصة بسام وسارة، وكانت مثار التندر في المناسبات التي يدعون فيها بعض المدرسين إلى العشاء.
«لا، ولكنها «حديثة»، وأعتقد أنها لا تُشعر أباكِ بالراحة، أو ربما ينظر إليها من وجهة نظر آيرين، وهو الأمر الذي جعله يشعر بالانزعاج، أو لعله خشي أن تشعرها بنوع من الازدراء تجاهنا؛ بمعنى أن تشعر بأننا قد نكون غريبي الأطوار، وهو لا يحب أن تعتقد آيرين ذلك.»
قالت لها جولييت: «تقصدين نوع الأشخاص الذين يضعون هذا النوع من اللوحات؟ تعنين أنه يهتم إلى هذه الدرجة بما تعتقده آيرين في لوحاتنا؟»
«أنت تعرفين أباكِ.»
«إنه لا يخشى الاختلاف مع الأشخاص. ألم تكن تلك هي المشكلة التي يواجهها دومًا في عمله؟»
قالت سارة: «ماذا؟ نعم بإمكانه الاختلاف مع الآخرين، لكنه يتحلى بالحرص في بعض الأحيان. وبالنسبة لآيرين، فهو حريص معها؛ إنها تمثل قيمة كبيرة بالنسبة لنا.»
«هل دار بخَلَده أنه يمكن أن تترك آيرين العمل بسبب وجود لوحة غريبة لدينا.»
«كنت لأتركها في مكانها يا عزيزتي. إنني أقدِّر أي شيء تحضرينه لنا. لكن أباكِ …»
لم تتفوَّه جولييت بشيء؛ فمنذ أن كانت في التاسعة أو العاشرة من عمرها حتى الرابعة عشرة، أصبح لديها هي وسارة تفهمًا مشتركًا بشأن سام، يتلخص في «أنتِ تعرفين أباكِ.»
كان هذا هو الوقت الذي تعاملتا فيه معًا كامرأتين ناضجتين؛ فكانت سارة تضع مواد تمويج الشعر على شعر جولييت الناعم العنيد، أما جلسات الحياكة فكانت تنتج عنها ملابس لا يرتدي مثيلها أحد. وعن العشاء في الأمسيات التي كان سيمكث فيها سام لوقت متأخر بالخارج لحضوره أحد الاجتماعات بالمدرسة، فكان عبارة عن شطائر زبدة الفول السوداني مع الطماطم والمايونيز، وقصص ترويها سارة لجولييت، وتعيد روايتها عن أصدقائها وصديقاتها القدامى، والنكات التي كانوا يلقونها، والأوقات الممتعة التي أمضوها في الأيام التي عملت فيها سارة كمدرسة أيضًا قبل أن تعاني من مشاكل في القلب، بل وقصص تحكيها عن أوقات سبقت ذلك؛ تلك الأوقات التي كانت تستلقي في فراشها وهي تعاني من الحمى الروماتيزمية، وتتخيل وجود صديقين متخيَّلين هما رولو وماكسين اللذان كان باستطاعتهما حل كل الألغاز، بل وجرائم القتل، مثلهما مثل بعض الشخصيات في كتب الأطفال. لمحات سريعة عن مغازلات سام وحبِّه المتهور، والكوارث التي أحدثها بالسيارة المستعارة، والوقت الذي كان يظهر فيه أمام منزلها وهو متنكِّر في زي أحد المتشردين.
كانت سارة وجولييت تصنعان الحلوى معًا، والشرائط المزينة لزخرفة أثوابهما الداخلية. لقد ارتبطت كلٌّ منهما بالأخرى ارتباطًا شديدًا. وفجأة، لم تعد جولييت كسابق عهدها؛ فقد أرادت بدلًا من ذلك أن تتجاذب الحديث مع سام في وقت متأخر من الليل في المطبخ؛ لتسأله عن الثقوب السوداء في الفضاء، والعصر الجليدي، والرب. لقد كانت تبغض أسلوب سارة في التقليل من أهمية حديثهما بتساؤلاتها الساذجة التي تتسع لها عيناها، وهو الأسلوب الذي حاولت من خلاله إدارة دفة الحديث نحوها؛ ولهذا كانت الحوارات تتم في وقت متأخر من الليل، وكان لا بد من وجود نوع من التفاهم لم يتحدث عنه كلاهما أمام سارة. «انتظري حتى نتخلص من سارة.» وكان هذا لبعض الوقت بالطبع.
لكن كانت هناك تذكرة لها بأحد الأمور أثناء ذلك: «عليكِ أن تكوني أكثر لطفًا مع سارة؛ إنها خاطرت بحياتها لتحظى بك، هذا أولى أن تضعيه نصب عينيك.»
قالت سارة وهي تأخذ نفسًا عميقًا: «أبوك لا يعبأ بالخلاف مع من هم يفوقونه في المستوى، لكنك تعرفين كيف يكون تعامله مع من هم أدنى منه، فإنه يفعل أي شيء ليتأكد من أنهم لا ينتابهم الشعور بأنه يفوقهم بأي صورة، فهو يحاول أن يقترب من مستواهم …»
كانت جولييت تدرك ذلك جيدًا بالطبع؛ فهي تعرف كيف كان يتحدث إلى الصبي الذي يقف في محطة ضخ الوقود، وأسلوب مزاحه في متجر الأدوات المنزلية، لكنها لم تقل شيئًا.
قالت سارة وقد تغيرت لهجتها فجأة، وأطلقت ضحكة مكتومة تنطوي على بعض من خبث: «كان عليه في بعض الأحيان أن ينافقهم لاقتناص قلوبهم.» •••
نظَّفت جولييت عربة الأطفال، ثم اغتسلت هي وبينيلوبي أيضًا، ثم شرعت في التجول حول المدينة، وكانت حجَّتها أنها تحتاج ماركة بعينها من الصابون المطهر الذي تغسل به حفاضات ابنتها؛ لأنها إن استعملت الصابون العادي فربما تصاب الطفلة بطفح جلدي.
لكن في حقيقة الأمر كانت لديها أسباب أخرى؛ أسباب مخجلة، لكنها لا تقاوم.
كان هذا هو الطريق الذي ظلت تقطعه لسنوات عند ذهابها للمدرسة، وحتى عندما التحقت بالجامعة، وكانت تأتي للمنزل في زيارات، ظلت كما هي؛ فتاة تذهب للمدرسة. سأل أحدهم سام ذات مرة عند فوزها بجائزة الترجمة اللاتينية التي تُجرى بين الكليات قائلًا: «ألن تنهي ذهابها للمدرسة؟» ورد هو قائلًا: «أخشى ألا تفعل.» كان يقص تلك القصة عن نفسه، وكان لا يرغب أبدًا في أن يقص أمر تلك الجوائز على أحد، كان يترك سارة تفعل ذلك، بالرغم من أن سارة كانت تنسى السبب الذي مُنحت الجائزة من أجله.
وها هي الآن قد تحرَّرت؛ تدفع برضيعتها أمامها كأي امرأة أخرى، تهتم بأمر صابون الحفاضات؛ فهي ليست رضيعتها فحسب، بل ثمرة عشقهما غير المكلل بالزواج. كانت في بعض الأحيان تتحدث بهذا الأسلوب عن بينيلوبي مع إيريك فحسب. كان يأخذ كلامها على أنه مزحة، كانت هي ذاتها تقوله كمزحة؛ لأنهما بالطبع يعيشان معًا، وقد عاشا معًا لبعض الوقت، ويعتزمان أن يظلا معًا. وحقيقة أنهما غير متزوجين لم تكن تعني له الكثير، على حد علمها هي، بل إنها هي ذاتها كانت تغفلها في بعض الأحيان، ولكن بين الحين والآخر؛ وخاصة الآن وهي في بلدتها، فإن حقيقة عدم زواجها تمنحها بعض الشعور بالاستقلالية؛ نفحة قليلة من السعادة لا تفهم كنهها. •••
قال سام: «إذن، لقد خرجتِ إلى الشارع اليوم؟» (هل كان دومًا يقول الشارع؟ جولييت وسارة تقولان المدينة!) ثم تساءل: «أرأيتِ أحدًا تعرفينه؟»
قالت جولييت: «كان عليَّ الذهاب إلى الصيدلية؛ لذا تحدثت إلى تشارلي ليتل.»
دار هذا الحوار بينهما في المطبخ، بعد أن تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلًا، وقد قررت جولييت أن هذا هو أفضل وقت لإعداد زجاجات رضاعة بينيلوبي لليوم التالي.
قال سام: «تشارلي الصغير»، وكان لا يزال متمسكًا بتلك العادة التي لم تكن تذكرها، وهي مناداة الأشخاص بأسماء التدليل التي أُطلقت عليهم أيام الدراسة، وأردف قائلًا: «هل أعجبته ابنتك؟»
«بالطبع.»
«ربما كثيرًا.»
كان سام يجلس قبالة المائدة، يحتسي بعضًا من الويسكي، ويدخن سيجارة، وكان تناوله للويسكي شيئًا جديدًا. كان والد سارة مدمنًا للخمر — غير أنه لم يكن مدمنًا بلا مصدر للرزق؛ لأنه استمر يمارس عمله كطبيب بيطري، لكنه كان يتسبب في إحداث الذعر بالمنزل بصورة جعلت ابنته تفزع من تناول الخمر — لذا فإن سام لم يعتَد على احتساء الكثير حتى من الجعة أو على الأقل في المنزل على حدِّ علم جولييت.
كانت جولييت قد ذهبت إلى الصيدلية؛ لأنها المكان الوحيد الذي يمكن ابتياع صابون الحفاضات منه. لم تكن تتوقع أن ترى تشارلي هناك بالرغم من أنه متجر عائلته، وآخر ما سمعته عنه، هو أنه سيصبح مهندسًا. وذكرت له ذلك عندما رأته اليوم، ربما بأسلوب خالٍ من الكياسة، لكنه كان سلسًا ولطيفًا عندما أخبرها بأن الأمر لم ينجح. كان قد اكتسب بعض الوزن عند منطقة الوسط، وقلَّت كثافة شعره، وفقد بعضًا من تموجه ولمعانه. حيَّا جولييت بحرارة، مبديًا بعض الإطراء والتملق لها وللطفلة؛ مما أربكها لدرجة أنها شعرت ببعض الحرارة التي انبعثت من وجهها ورقبتها، وسال منها بعض العرق طيلة الوقت الذي تحدَّث فيه إليها. في المدرسة الثانوية، لم يكن لديه وقت من أجلها؛ فيما عدا أنه كان يحييها تحية مهذبة؛ حيث إن أسلوبه كان دومًا لطيفًا محبوبًا. كان يرافق أكثر الفتيات جاذبية في المدرسة، وهو الآن متزوج من واحدة منهن، وذلك كما أخبرها؛ وهي جيني بييل، ولديهما طفلان؛ أحدهما في عمر بينيلوبي، والآخر يكبرها. كان هذا هو السبب — كما قال لها بصراحة بدت أنها نابعة من موقف جولييت المشابه — الذي جعله لم يستكمل دراسته ليصبح مهندسًا.
والآن استطاع أن يحصل على ابتسامة، ثم ضحكة عالية من بينيلوبي، ثم تحدَّث مع جولييت كأب مثلها؛ شخصٍ في نفس مستواها. انتابها شعور أبله بالسرور وبإشباع غرورها، لكن ثَمَّةَ أمرًا آخر جذب انتباهها أكثر من هذا؛ وهو نظرته الخاطفة إلى يدها اليسرى التي لا يزيِّنها أي خاتم، وتندُّره بشأن زواجه. وكان هناك شيء آخر، لقد أطرى عليها ومدحها، بأسلوب خفي؛ ربما لأنه يراها الآن امرأة مكتملة الأنوثة ولا تخجل من ثمرة ارتباطها غير الشرعي. جولييت التي كانت من بين كل الأشخاص الطالبة الخرقاء.
سأل عندما انحنى يتطلع إلى بينيلوبي: «هل تشبهك؟»
قالت جولييت بتلقائية، ولكن بفيض من الفخر والكبرياء، وقد التمعت حبات العرق على شفتها العليا: «إنها تشبه أباها أكثر.»
قال تشارلي وقد انتصب واقفًا، وراح يتحدث كمن يقول سرًّا: «أحقًّا؟ سأخبرك شيئًا، أعتقد أنه من المخجل أن …» •••
قالت جولييت لسام: «لقد قال لي إنه من المخجل ما حدث لك.»
«أقال هذا حقًّا؟ وبماذا أجبتِ على ذلك؟»
«لم أكن أعرف بماذا أجيب، لم أكن أعرف ما يقصده، لكني لم أكن أرغب في أن يفهم أني لا أعرف.»
«بالطبع لا.»
جلست إلى الطاولة وقالت: «أرغب في بعض الشراب، لكني لا أحب الويسكي.»
«إذن فأنتِ تشربين الآن أيضًا.»
«أحتسي النبيذ فقط، ونحن نصنع النبيذ بأنفسنا، وهكذا يفعل الجميع في ويل باي.»
ثم راح يقص عليها مزحة، وهي من النوع الذي لم يكن يخبرها به من قبل، عن اثنين ذهبا إلى أحد الفنادق الصغيرة، ختمها بقوله: «لذا، الأمر مثلما أُخبر دومًا طالباتي في دروس تعليم المسيحية يوم الأحد، ليس بتناول الشراب وتدخين السجائر يكون قضاء الأوقات الطيبة.»
ضحكت، ولكنها شعرت بحرارة في وجهها مثلما حدث مع تشارلي.
قالت: «لماذا تركتَ عملك، هل تركته بسببي؟»
ضحك سام وقال: «أوه، مهلًا، لا تعتقدي أنكِ على ذلك القدر من الأهمية. لم يُستغنَ عني، ولم أُفصَل.»
«حسنًا، فأنتَ من تركت الوظيفة.»
«نعم، تركت العمل.»
«هل لهذا علاقة بي؟»
«لقد تركت العمل لأنني سئمت من أن يظل ذلك الحبل الملعون ملفوفًا حول عنقي دائمًا. ظللت لسنوات على شفا ترك العمل.»
«ألهذا علاقة بي؟»
قال سام: «حسنًا، دخلت في جدال، وهنالك أشياء قيلت.»
«أي أشياء هذه؟»
«ليس من الضروري أن تعرفي.»
ثم قال بعد لحظة توقف: «ولا تقلقي، فهم لم يفصلوني، لم يكن باستطاعتهم الإقدام على فعل ذلك؛ فهناك قوانين تحكم هذه الأمور، وكما أخبرتك من قبل، لقد كنتُ على استعداد لترك الوظيفة على أي حال.»
قالت جولييت: «لكنك لا تدرك، إنك لا تدرك كمَّ الحماقة والغباء في ذلك، ويا له من مكان مقزز ذلك الذي تعيشون فيه! حيث يتحدث الناس عن مثل تلك الأمور والموضوعات، وكيف يكون الأمر إن أخبرتهم بأنني أعلم ذلك، لن يصدقوا بالطبع، سيكون الأمر حينها أشبه بالمزحة.»
«حسنًا، لسوء الحظ أنني وأمك لا نعيش حيث تعيشين أنتِ. إننا نعيش هنا. هل يعتقد رفيقك أن الأمر أشبه بالمزحة أيضًا؟ لا أريد أن أتحدث بشأن هذا الأمر ثانية الليلة. سآوي إلى فراشي، سأذهب أولًا لألقي نظرة على والدتك ثم آوي إلى الفراش.»
قالت جولييت بطاقة متواصلة، وقد غلب عليها بعض الازدراء: «إن قطار المسافرين لا يزال يمر من هنا، أليس كذلك؟ لم تكن تريدني أن أتوقف وأنزل هنا، أليس هذا هو الأمر؟»
لم يُجِبها أبوها بشيء وهو في طريقه لمغادرة الحجرة. •••
تسلل آخر ضوء في المدينة من الشارع إلى فراش جولييت الآن. كانت شجرة القيقب الناعمة الضخمة قد قطعت، وحلَّ محلها بعضٌ من أعشاب الراوند الخاصة بسام. وفي البارحة، كانت قد أسدلت الستائر لتظلل الفراش، لكنها شعرت الليلة بأنها ترغب في استنشاق بعضٍ من الهواء المنعش؛ لذا كان عليها أن تغير من وضع الوسائد وتضعها على الناحية الأخرى من الفراش على الطرف الآخر من الفراش، وكذا فعلت مع بينيلوبي التي كانت تغط في النوم كالملاك، وغطى وجهها كله الضوء المنبعث من الخارج.
تمنَّت لو أنها ارتشفت بعضًا من الويسكي؛ إذ كانت متصلبة في فراشها من الغضب والإحباط، تسطر في ذهنها كلمات خطابها لإيريك. «لا أدري ماذا أفعل هنا. ما كان ينبغي لي أن آتي من الأساس. لا أطيق انتظارًا حتى أعود للمنزل.»
المنزل. •••
عند بزوغ ضوء الصباح الخافت، استيقظت جولييت على صوت المكنسة الكهربائية، ثم صوت — صوت سام — ينبعث ويقطع تلك الضوضاء، ثم لا بد وأنها واصلت نومها مرة أخرى؛ حيث ظنَّت عندما استيقظت بعد ذلك بفترة، أنه كان من المؤكد حلمًا، وإلا لكانت بينيلوبي استيقظت، لكنها لم تفعل.
كان المطبخ أكثر برودة هذا الصباح، ولم يعد ممتلئًا برائحة الفاكهة المطبوخة. كانت آيرين تقوم بتثبيت بعض الأغطية الصغيرة المصنوعة من القماش القطني ذي المربعات، والملصقات على برطمانات المربى.
قالت جولييت وهي تتصنَّع البهجة: «هُيئ لي أني سمعتك تنظفين بالمكنسة، لا بد وأني كنت أحلم، كان هذا في حوالي الخامسة صباحًا.»
ظلت آيرين صامتة للحظة؛ حيث كانت تقوم بالكتابة على أحد الملصقات. كانت تكتب بتركيز شديد، وهي تَعَضُّ على شفتها بأسنانها.
قالت عندما انتهت: «لقد كانت هي، أيقظَت أباك وكان عليه أن يذهب إليها ويجعلها تتوقف عن ذلك.»
بدا أنه من غير المحتمل أن تفعل ذلك؛ إذ لم تغادر سارة فراشها البارحة إلا لكي تذهب إلى دورة المياه.
قالت آيرين: «أخبرني بأنها تستيقظ في منتصف الليل وتعتقد أنه عليها أن تفعل شيئًا، ثم يضطر للاستيقاظ وجعلها تتوقف عما تفعله.»
قالت جولييت: «لا بد وأنها تنتابها دفقة من الطاقة حينها.»
قالت آيرين وهي تواصل الكتابة على ملصق آخر: «نعم.» وعندما انتهت استدارت بوجهها نحو جولييت.
«إنها تريد أن توقظ أباك وتجذب انتباهه، هذا كل ما في الأمر، ويكون هو في شدة التعب، لكنه يضطر للنهوض والذهاب إليها.»
سارت جولييت مبتعدة قليلًا. لم تكن تريد أن تُنزل بينيلوبي — وكأن الطفلة لن تكون بأمان في المطبخ — فحملتها ساندة إياها على جنبها بيدٍ بينما كانت تنتشل البيضة بملعقة، ثم تقوم بتقشيرها وهرسها باليد الأخرى.
وبينما كانت تُطعم بينيلوبي خشيت أن تتحدث حتى لا تنزعج الرضيعة من طبقة صوتها وتشرع في النحيب والصراخ. ومع ذلك، ثَمَّةَ شيء أرادت أن تقوله لآيرين، فقالت بصوت خافت لكنه ينطوي على بعض التحدي: «هذا هو ما يئولون إليه؛ فعندما يمرضون بهذا الشكل، لا يكون باستطاعتهم كبح جماح أنفسهم، ولا يكون بإمكانهم التفكير في أحد سوى ذاتهم فقط.» •••
كانت عينا سارة مغلقتين، لكنها فتحتهما على الفور وقالت وكأنها تضحك على نفسها: «أوه، أحبائي الأعزاء، جولييت، بينيلوبي.»
بدا وكأن بينيلوبي قد اعتادت عليها؛ فهي على الأقل لم تشرع في البكاء هذا الصباح أو تشيح بوجهها بعيدًا.
قالت سارة وهي تمد يدها نحو إحدى المجلات: «أنزليها هنا، ودعيها تعبث بهذه.»
بدت بينيلوبي متشككة للحظات، ثم جذبت صفحة ومزَّقتها بتحمس ونشاط.
قالت سارة: «ها قد بدأت، كل الأطفال يهوون تمزيق المجلات. أتذكر هذا جيدًا.»
على المقعد الموضوع بجوار الفراش وُضع صحن من كريمة القمح، بالكاد مسَّته وتناولت منه شيئًا.
قالت جولييت: «إنك لم تتناولي فطورك، أليس هذا ما رغبتِ بتناوله؟»
نظرت سارة باتجاه الصحن كما لو أنها تستحضر شيئًا هامًّا، لكنها لم تستطع أن تتذكره.
قالت: «لا أتذكر، أعتقد أنني لم أكن أريده.» وانتابتها نوبة من الضحك واللهاث: «من يدري؟ جال بذهني أنها ربما دسَّت لي السم.»
قالت عندما استعادت هدوءها: «إنني أمزح فقط. لكن آيرين عنيفة، لا ينبغي أن نقلل من قدر تلك المرأة. أرأيتِ الشعر الذي يملأ ذراعيها؟»
قالت جولييت: «إنه مثل شعر القطط.»
«مثل حيوان الظربان.»
«علينا أن نأمل ألا يتساقط أيٌّ منه في المربى.»
«لا تجعليني … أنفجر في الضحك ثانية.»
انهمكت بينيلوبي انهماكا شديدًا في تمزيق المجلات، لدرجة أنه كان بمقدور جولييت بعد فترة أن تتركها في غرفة سارة لتحمل صحن كريمة القمح وتذهب به إلى المطبخ. ودون أن تقول شيئًا، شرعت في إعداد مخفوق البيض بالحليب المُحلى. وكانت آيرين تغدو جيئة وذهابًا حاملة صناديق المربى من المطبخ إلى السيارة. وعند السلالم الخلفية، راح سام يروي الأرض التي تحتضن حبات البطاطس المزروعة حديثًا، وشرع يغني، ولكن بصوت خفيض في البداية يصعب معه تبيُّن كلماته، ثم عندما صعدت آيرين الدرج علا صوته قائلًا:
ليلة سعيدة آيرين ليلة سعيدة آيرين طابت ليلتك آيرين، طابت ليلتك آيرين سأراكِ في أحلامي آيرين.
استدارت آيرين نحوه وهي لا تزال في المطبخ وراحت تصرخ قائلة: «لا تردِّد هذه الأغنية التي تتحدث عني.»
قال سام بدهشة مصطنعة: «أي أغنية تلك التي تتحدث عنكِ؟ من الذي يتغنى بأغنية عنك؟»
«أنتَ، كنتَ تغني لتوك أغنية عني.»
«أوه، تلك الأغنية عن آيرين؟ الصبية التي في الأغنية؟ أوه، يا للعجب! لقد نسيت أن هذا اسمك أيضًا.»
ثم شرع في الغناء ثانية، لكن بهمهمة وخلسة هذه المرة. وقفت آيرين تسترق السمع، واندفع الدم في وجنتيها، وراح صدرها يعلو وينخفض، على وشك الانقضاض إن سمعت كلمة واحدة.
«لا تردِّد أغنية عني. إن ذُكِر اسمي بها، فإذن هي عني.»
وفجأة انفجر سام يغني بكامل قوته:
تزوجت يوم السبت الماضي، سيستقر بي المقام أنا وزوجتي.
صرخت آيرين واتسعت حدقتا عينيها، واستشاطت غضبًا وقالت: «توقف عن ذلك، إن لم تتوقف سآتي إليك وأسلط خرطوم المياه عليك.» •••
كان سام يسلِّم المربى بعد الظهيرة لمتاجر بقالة عدة، والقليل من محال الهدايا التي كانت قد طلبت بعضًا منها، ودعا جولييت لكي تصحبه. وكان سام قد ذهب إلى متجر الأدوات المنزلية وابتاع مقعدَ سيارةٍ جديدًا للأطفال من أجل بينيلوبي.
قال: «هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يكن لدينا في الغرفة العلوية؛ فعندما كنتِ صغيرة، لم أكن أدري إن كان لديهم مقاعد سيارة للأطفال أم لا، على أي حال لم يكن ذلك يهمُّ كثيرًا، فلم يكن لدينا سيارة.»
قالت جولييت: «إنه أنيق للغاية، أتمنى ألا يكون كلفك نقودًا كثيرة.»
قال سام وهو يُدخلها السيارة: «إنه شيء تافه.»
كانت آيرين في الحقل تلتقط بعض التوت، وقد اعتزمت أن تخصصها لصنع الفطائر. أطلق سام بوق السيارة مرتين ولوَّح بيديه وهما ينطلقان، وقررت آيرين أن تُظهر استجابتها هذه المرة، فرفعت ذراعها تلوِّح كما لو أنها تهش ذبابة.
قال سام: «إنها شديدة الاعتداد بذاتها، لا أدري كيف كنا سنعيش بدونها، ولكني أتصور أنكِ ترينها فظة معك.»
«إنني بالكاد أعرفها.»
«لا، إنها تخافك بشدة.»
«بالقطع لا.» وفي محاولة للتفكير في سبب للمديح، أو على الأقل شيء محايد تقوله عنها، راحت تسأل عن الكيفية التي قُتل بها زوجها في مزرعة الدواجن.
«لستُ أدري إن كان من النوع الإجرامي أم أنه كان طائشًا فحسب. على أي حال فقد دخل إلى المزرعة مع بعض الحمقى الذين كانوا يخطِّطون بدورهم لسرقة بعض الدجاج، وبالطبع دق جرس الإنذار وخرج المزارع وفي يده بندقيته، وسواء أكان ينوي قتله أم لا، فقد فعل …»
«يا إلهي!»
«وهكذا، ذهبت آيرين وأصهارها إلى المحكمة، ولكن الرجل أُخلي سبيله. بالطبع كان ذلك سيحدث. ومن المؤكد أن الأمر كان قاسيًا بالنسبة لها، حتى لو بدا أن الرجل لم يكن بالمكسب الكبير.»
قالت جولييت بالطبع كان الأمر كذلك، وسألته إن كانت آيرين ممن درَّس لهم في المدرسة.
«لا، لا. إنها بالكاد التحقت بالمدرسة، بقدر ما فهمت.»
قال إن عائلتها تعيش في الشمال، في مكان ما بالقرب من هانتسفيل، نعم في مكان ما بالقرب من هناك. وفي يوم من الأيام ذهبوا جميعًا إلى المدينة؛ الأب، والأم، والأطفال. أخبرهم الأب أن لديه بعض الأشياء التي عليه أن يتمها، وسيقابلهم بعد فترة وجيزة، وحدَّد لهم المكان والزمان الذي سيتقابلون فيه. وهكذا راحوا يتجولون وليس معهم أي نقود ينفقونها حتى حان الوقت الذي سيلتقون به، وحينها لم يظهر ثانية.
«لم يكن ينوي الظهور. أراد أن يتخلص منهم. فاضطروا للذهاب إلى الشئون الاجتماعية للحصول على المساعدات، وعاشوا في أحد الأكواخ في الريف حيث الحياة زهيدة هناك. وتوفيت أخت آيرين الكبرى، إثر انفجار الزائدة الدودية على ما أذكر، وكانت لهم بمثابة الدعم والسند أكثر من الأم ذاتها. لم يكن هناك من سبيل لنقلها إلى المدينة؛ حيث هبَّت حينها العواصف الثلجية، ولم يكن لديهم هاتف بالجوار. لم ترغب آيرين في الذهاب إلى المدرسة بعد ذلك؛ لأن أختها كانت تحميها من الطريقة السيئة التي كان يتعامل بها الأطفال الآخرين معها. قد تبدو الآن أنها لا تتأثر بسهولة، لكني أعتقد أنها لم تكن دومًا هكذا، وربما لديها المقدرة الآن على إخفاء مشاعرها.
وتعتني أم آيرين الآن بالولد والبنت الصغيرين، لكن تخيلي بعد مرور كل تلك السنوات ظهور الأب، وهو يحاول أن يجعل الأم تعود إليه مرة أخرى، وإذا ما حدث ذلك فآيرين لا تعرف ماذا ستفعل؛ حيث إنها لا تريد لأولادها أن ينشئوا بالقرب منه.
أطفالها لطفاء أيضًا، وتعاني البنت الصغيرة من مشكلة الحنك المشقوق، وقد أجرت عملية بالفعل، لكنها بحاجة إلى عملية أخرى فيما بعد. ستكون على ما يرام، لكنه عبء إضافي.»
عبء إضافي!
ما الذي ألمَّ بجولييت؟ إنها لا تشعر بأي تعاطف نحوها، إنها تشعر في أعماقها بالثورة تجاه كل تلك الأحداث المملة التي لا جدوى منها. وعندما ظهر موضوع الحنك المشقوق في القصة كان كل ما تريده حقًّا هو أن تتذمر وتشتكي. «لقد زاد الأمر عن الحد.»
كانت تعلم أنها مخطئة، لكن ليس بمقدور المرء تغيير المشاعر، كانت تخشى أن تقول شيئًا إضافيًّا؛ حتى لا تفضح كلماتها ما يكنُّه قلبها القاسي. كانت تخشى أن تقول لسام: «ما الرائع في كل هذا الشقاء؟ هل يجعل هذا منها قديسة؟» أو ربما تقول بأسلوب لا يغتفر: «أتمنى ألا يكون مقصدك هو أن تجعلنا نختلط بأناس مثل هؤلاء.»
قال سام: «في الوقت الذي قدمتْ فيه لمساعدتنا كنت أنا على وشك أن أفقد صوابي؛ ففي الخريف الماضي كانت أمك تمثل كارثة حقيقية، وليس ذلك لأنها تركت كل شيء وأهملته، يا ليتها تركت كل شيء، بل يا حبذا لو أنها لم تفعل شيئًا. ولكن ما حدث أنها كانت تشرع في مهمة ما، ثم لا تستطيع أن تكملها. وكان هذا يحدث مرارًا وتكرارًا، ولم يكن بالشيء الجديد على الإطلاق. أعني أنه كان عليَّ دومًا أن أستأنف العمل وراءها، وأعتني بها وأساعدها في أداء الأعمال المنزلية. كلانا — أنا وأنت — كنا نفعل ذلك، أتتذكرين؟ كانت دومًا تلك الفتاة الرقيقة الجميلة التي تعاني مشاكل في القلب واعتادت أن يساعدها الجميع. وخلال كل تلك السنوات كان يُهيأ لي بين الحين والآخر أنها ربما كان عليها أن تحاول أكثر وتبذل أقصى ما في استطاعتها.»
ثم واصل حديثه قائلًا: «لكن الأمر ازداد سوءًا؛ ازداد سوءًا لدرجة أني كنت أعود إلى المنزل وأجد المغسلة في وسط المطبخ والملابس المبتلة تملأ المكان كله، أو أجد الكثير من الفوضى التي خلَّفتها محاولة كانت بدأتها لخبز بعض الفطائر وعدلت عنها، وقد تفحَّم ما بداخل الفرن عن آخره. كنت أخشى أن تحرق نفسها، أو تشعل النيران في المنزل. كنت أطلب منها دائمًا أن تمكث في الفراش، ولكنها لم تكن تفعل، وكانت تقف وسط الفوضى التي تُحدِثها وهي تبكي. جئت بفتاتين من قبل لكن لم يكن باستطاعتهما التعامل معها، ثم بعد ذلك جاءت آيرين.»
قال وهو يزفر بشدة: «آيرين، إنني أبارك ذلك اليوم، أصدقك القول إنني أبارك ذلك اليوم.»
لكن شأنها شأن كل الأشياء الجميلة، لا بد لها من نهاية، فستتزوج آيرين من أرمل يبلغ الأربعين أو الخمسين من العمر، يعمل مزارعًا. ومن المفترض أنه يمتلك بعض النقود، وتمنَّى سام من أجلها أن يكون هذا صحيحًا؛ لأن الرجل ليس لديه شيء آخر يزكيه.
«بحق السماء ليس لديه شيء، وبقدر رؤيتي ليس لديه سوى سِنَّة واحدة في فمه، وهذا في رأيي مؤشر سيئ؛ فإما أن يكون فخورًا بنفسه هكذا أو أنه بخيل للغاية لا يود تركيب طقم أسنان. فكِّري في الأمر، فتاة ذات مظهر رائع مثلها.»
«ومتى سيكون ذلك؟»
«في الخريف، في وقت ما من الخريف.» •••
كانت بينيلوبي نائمة طوال كل هذا الوقت؛ فقد غطَّت في النوم في مقعدها بمجرد أن شرعوا في التحرك. كانت النوافذ الأمامية مفتوحة، واستطاعت جولييت أن تشم رائحة القش، كان قد قُطِع لتوِّه وضُم إلى حزم معًا؛ فلم يعد هناك أحد الآن يصنع لفائف القش. وكانت لا تزال تقف هناك بعض أشجار الدردار، وبدت رائعة الآن في عزلتها تلك.
توقفا عند قرية شُيدت بطول الطريق في وادٍ ضيق، وبرزت صخور القاعدة على جدار الوادي، وهو المكان الوحيد بعد عدة أميال قطعوها حيث يمكن رؤية مثل هذه الصخور الضخمة. تذكرت جولييت أنها كانت تأتي إلى هنا عندما كان هناك متنزه يتطلب دخوله دفع بعض الرسوم. وكان بالمتنزه نافورة، ومكان لاحتساء الشاي؛ حيث تقدَّم فطيرة الفراولة، والآيس كريم، وبالقطع أشياء أخرى لا تتذكرها. أما الكهوف الموجودة في الصخور فكانت مسماة على اسم كل واحد من الأقزام السبعة. وذات مرة جلس كلٌّ من سام وسارة على الأرض بجوار النافورة يتناولان الآيس كريم، بينما كانت تهرع هي لاكتشاف تلك الكهوف (التي لم تحوِ الكثير، ولم تكن غائرة للغاية). كانت تريدهما أن يصاحباها، لكن سام كان يقول لها: «تعلمين أن أمك لا تستطيع التسلق.»
وكانت سارة تقول: «اركضي أنتِ، ثم عودي لتحكي لنا عنه.» كانت متأنقة، ترتدي تنورة سوداء مصنوعة من قماش التفتة، وتفترش الحشائش في دائرة حولها. وكانت تلك التنورات تسمى تنورات لاعبات الباليه.
لا بد وأنه كان يومًا مميزًا.
سألت جولييت سام عن ذلك المكان عندما خرج من المتجر، لم يستطع أن يتذكر في البداية، لكنه تذكر بعد ذلك، فقال إنه كان مكانًا يقدم خدماتٍ بأسعار عالية، ولم يعرف متى اختفى.
ولم تستطع جولييت أن تلمح أي أثر للنافورة أو لمكان احتساء الشاي عبر الطريق.
قال سام: «لقد جلبتْ الهدوء والنظام.» استغرق منها الأمر دقيقة لكي تدرك أنه كان لا يزال يتحدث عن آيرين. «إنها تعاون في أي شيء؛ قطع الحشائش، وعزق الحديقة، وتبذل قصارى جهدها في أي شيء تفعله، وتتصرف كما لو أنها تحظى بشرف وامتياز من وراء عملها، وهو ما يجعلني لا أتوقف عن دهشتي.»
ماذا عساها كانت تلك المناسبة المبهجة؟ عيد ميلاد؟ عيد زواج؟
تحدث سام بإصرار، وبأسلوب جاد، وسط الضوضاء التي تُحدِثها السيارة وهي تصعد فوق التل بصعوبة.
«لقد أعادت ثقتي في النساء.» •••
كان سام يهرع نحو كل متجر بعد أن يخبر جولييت أنه لن يستغرق سوى دقيقة واحدة، ويعود إلى السيارة بعد فترة موضحًا لها أنه لم يكن باستطاعته أن يتملص منهم؛ فبعض الناس كان يريد التحدث معه، والبعض الآخر كان يدخر النكات ليلقيها على مسامعه، واتبعه القليل إلى الخارج لرؤية ابنته وطفلتها الرضيعة.
قالت إحدى السيدات: «إذن هذه هي الفتاة التي تتحدث اللاتينية.»
قال سام: «لقد علاها الصدأ هذه الأيام؛ فيداها مشغولتان في الوقت الحاضر.»
قالت السيدة وهي تمد رقبتها لتلقي نظرة على بينيلوبي: «أراهن على ذلك، لكن أليسا هبةً من الله؟ وتلك الصغيرة.»
فكرت جولييت أنه بمقدورها أن تتحدث مع سام عن الرسالة الدراسية التي تنوي استئنافها، بالرغم من أنها تدرك أن هذا الأمر يُعد مجرد حلم الآن. كان من المعتاد أن تثار تلك الموضوعات بينهما بصورة تلقائية، ولكن الأمر ليس كذلك مع سارة؛ فسارة كانت تقول: «والآن عليكِ أن تخبريني بما تفعلينه في دراستك.» وتشرع جولييت في إيجاز بعض الأشياء لها، وربما تسألها سارة عن كيفية حفظ كل تلك الأسماء اليونانية. أما سام فكان يعي جيدًا ما تتحدث عنه، وكانت تذكر لهم في الجامعة كيف أن والدها شرح لها معنى الثاوماتورجي (أي صناعة المعجزات)؛ وذلك عندما قابلت تلك الكلمة وهي لا تزال في الثانية أو الثالثة عشرة من عمرها، وسألها مَن حولها إن كان والدها من المدرسين.
كانت تقول: «بالطبع، إنه يدرِّس للصف السادس.»
اعتراها شعور بأنه ربما يحاول بمهارة أن يقلل من مكانتها. أو ربما ليس بمهارة؛ فقد يستخدم كلمة «غير عملي»، وربما يدَّعي أنه نسي أشياء لا تستطيع أن تصدق أنه نسيها.
لكن ربما يكون نسيها حقًّا؛ فحجرات عقله أغلقت، ونوافذها أظلمت؛ فما كان في الداخل كان يحكم هو عليه بأنه غير ذي فائدة، وأنه مخزٍ ومعيب بدرجة لا يستحق معها أن يخرجه إلى النور.
تحدثت جولييت بصورة أكثر حدة مما أرادت.
«هل تريد آيرين الزواج؟»
أدهش سام هذا السؤال؛ خاصة بعد أن خرج بتلك اللهجة وبعد فترة كبيرة من الصمت.
قال: «لا أدري.»
وأردف بعد دقيقة: «لا أدري كيف يمكنها أن تفعل.»
قالت جولييت: «اسألها، من المؤكد أنك ترغب في ذلك، أرى ذلك من خلال ما تشعر به حيالها.»
قطعا مسافة ميل أو ميلين تقريبًا قبل أن يتحدث. كان من الواضح أنها أساءت إليه.
قال: «لا أدري ما الذي تتحدثين عنه.» •••
قالت سارة: «سعيد، غاضب، متبلد، ناعس، كثير العطاس.»
قالت جولييت: «طبيب.»
«طبيب، طبيب، سعيد، كثير العطاس، طبيب، غاضب، خجول، كثير العطاس، لا، كثير العطاس، خجول، طبيب، غاضب، ناعس، سعيد، طبيب، خجول.»
قالت سارة وهي تعد الصفات على يديها: «أليست ثمانيًا؟»
قالت: «ذهبنا إلى هناك أكثر من مرة، لقد اعتدنا أن نطلق عليها مقام كعك الفراولة. أوه، كم أود أن أذهب إلى هناك ثانية.»
قالت جولييت: «حسنًا، لا يوجد شيء هناك، لم أستطع حتى أنْ أتبين أين كان مكانه.»
«أنا واثقة بأنه كان بإمكاني ذلك. لماذا لم أذهب معكما؟ إنها جولة صيفية بالسيارة. ما القوة التي تتطلبها نزهة بالسيارة؟ يقول أبوك دائمًا إنني ليس لديَّ أي نوع من القوة.»
«لقد أتيتِ لاستقبالي.»
قالت سارة: «نعم، لكنه لم يكن يرغب في أن آتي، كان عليَّ أن أُظهر له غضبي.»
مدَّت يدها لتجذب الوسائد الموضوعة خلف رأسها وتصحِّح وضعها، لكنها لم تتمكن من هذا، فقامت جولييت بذلك.
قالت سارة: «يا إلهي! أي سلعة عديمة النفع صرت أنا؟! وبرغم هذا بمقدوري أن آخذ حمامًا بنفسي. ماذا لو جاءنا زوار؟»
سألتها جولييت إن كانت تنتظر أحدًا.
«لا، لكن ماذا لو قدم أحدهم؟»
لذا اصطحبتها جولييت إلى دورة المياه، وراحت بينيلوبي تزحف خلفهما، ثم عندما أصبح الماء مُعدًّا، واستلقت فيه الجدة، رأت بينيلوبي أنه ينبغي أن يكون الحمام من أجلهما هما الاثنتان. فجرَّدتها جولييت من ملابسها، وهكذا اغتسلت الرضيعة والمرأة العجوز معًا. ولم تبدُ سارة وهي عارية كامرأة عجوز بقدر ما كانت تبدو كفتاة كبيرة؛ فتاة يمكن القول بأنها تعاني من مرض غريب، أضعفها وسلبها قوتها.
تقبَّلت بينيلوبي وجودها دون أي إزعاج، لكنها تشبَّثت بصابونتها الصفراء على شكل بطة.
وفي حوض الاستحمام استطاعت سارة أخيرًا أن تسأل عن إيريك، وكان ذلك بحذر.
قالت: «إنني على ثقة أنه رجل لطيف.»
قالت جولييت بتلقائية: «أحيانًا.»
«لقد كان طيبًا مع زوجته الأولى.»
قالت جولييت مصحِّحة: «إنها زوجته الوحيدة، حتى الآن.»
«لكني على ثقة أنكِ سعيدة، بما أن لديك الآن هذه الطفلة؛ أعني، أنا واثقة أنك سعيدة.»
قالت وقد فاجأت أمها عندما أخذت منشفة تقطر ماء وعصرتها على رأس أمها المليء بالصابون: «سعيدة بقدر ما يسمح لي شعوري بالعيش في الخطيئة.»
قالت سارة بعد أن تفادت قطرات المياه وخبأت وجهها وهي تطلق صيحة تنم عن السعادة: «هذا ما أعنيه.» ثم أردفت قائلة: «جولييت.»
«ماذا؟»
«تعلمين أنني لا أقصد شيئًا سيئًا عندما أتفوه بأشياء كريهة عن والدك؛ فأنا أعلم أنه يحبني، لكن كل ما في الأمر أنه غير سعيد.» •••
حلمت جولييت بأنها عادت طفلة من جديد في هذا المنزل، بالرغم من أن ترتيب الغرف كان مختلفًا بعض الشيء. نظرت عبر نافذة إحدى الغرف التي بدت غير مألوفة، فرأت قوسًا من المياه يتلألأ في الهواء، وكانت المياه مندفعة من خرطوم الري، ووقف أبوها يروي الحديقة، جاعلًا ظهره في مواجهتها. تحرَّك شخص ما وسط حقول التوت، وبعد وهلة اتضح بعد ذلك أنها آيرين، ولكنها كانت أكثر طفولة، وقد بدت أكثر رشاقة وليونة في حركتها وتشع مرحًا. كانت تحاول تفادي المياه المتناثرة من الخرطوم، تختبئ حينًا ثم تعاود الظهور حينًا آخر، تنجح محاولاتها في الابتعاد، ولكن تطولها المياه ثانية للحظات قبل أن تجري مبتعدة. كان من المفترض أن تكون هذه اللعبة مرحة، إلا أن جولييت كانت تراقبها ببعض الازدراء والاشمئزاز من خلف النافذة. كان أبوها يدير ظهره لها دائمًا، لكنها اعتقدت أنها «رأته» على نحو ما وكأنه يصوِّب الخرطوم لأسفل أمام جسمه، وأنها لم تكن سوى فوهة الخرطوم التي كان يحركها للأمام والخلف.
كان الحلم يغلب عليه الرعب الكريه؛ فلم يكن ذلك الرعب الذي يترك أثره عليك من الخارج، إنما من ذلك النوع الذي يمر ويتسرب عبر كل نقطة من دمائك.
عندما استيقظت كانت لا تزال تستشعر آثاره، ووجدت أن الحلم كان باعثًا على الخجل، وبدا وكأنه يتسم بالتفاهة والابتذال، ولم يكن سوى انعكاس للأفكار السيئة بداخلها. •••
في منتصف فترة ما بعد الظهيرة، كان هناك طَرْقٌ على الباب الأمامي، لم يكن هناك أحد يستخدم الباب الأمامي، وقد وجدت جولييت أنه لا يفتح بسهولة.
كان الرجل الواقف هناك يرتدي قميصًا أصفر مفرودًا بعناية، ذا أكمام قصيرة، وسروالًا بني اللون، وربما كان يكبرها ببضع سنوات، كان طويلًا ولكنه يبدو ضعيف البنية، صدره غائر بعض الشيء، وكان يحييها بحرارة والابتسامة لا تفارق شفتيه.
قال الرجل: «جئتُ لمقابلة سيدة المنزل.»
تركته جولييت واقفًا في مكانه وذهبت إلى الحجرة المشمسة.
فقالت: «هناك رجل بالباب، ربما كان يعرض أشياء للبيع، هل أصرفه؟»
دفعت سارة بنفسها وهي تحاول النهوض وقالت بأنفاس لاهثة: «لا، لا، هلا ساعدتِني على أن أهندم مظهري؟ لقد سمعت صوته، هذا دون، إنه صديقي دون.»
كان دون قد دلف بالفعل إلى المنزل وبدا صوته مسموعًا من خارج الغرفة قائلًا:
«ما من داعٍ للقلق والضجيج يا سارة، إنه أنا فقط، هل أنت محتشمة؟»
وبنظرة ملأتها السعادة والكثير من المشاعر والانفعالات مدت سارة يدها نحو فرشاة الشعر التي لم تستطع الوصول إليها، فعدلت عن ذلك ومررت أصابعها بين خصلات شعرها وقالت وقد علا صوتها وامتلأ مرحًا: «أخشى أنني محتشمة وأنيقة بأقصى قدر ممكن بالنسبة لي. تفضَّل بالدخول.»
ظهر الرجل وتوجَّه مسرعًا إليها فرفعت ذراعيها نحوه قائلة: «رائحتك مثل رائحة الصيف، ما هذا؟» وتحسست قميصه قائلة: «قميصك تم كيه بعناية، إنه من القطن، إنه جميل.»
قال لها: «لقد كويته بنفسي، إن سالي بالكنيسة، تعبث ببعض الزهور، ليس سيئًا، أليس كذلك؟»
قالت سارة: «بل رائع، كدتَ ألا تتمكن من الدخول إلى المنزل، ظنَّتك جولييت أحد البائعين. جولييت هي ابنتي، ابنتي العزيزة، لقد أخبرتك عنها، أليس كذلك؟ أخبرتك أنها قادمة. ودون كاهن يا جولييت، إنه صديقي وكاهن.»
اعتدل دون في وقفته وأمسك بيد جولييت قائلًا:
«جميل أنكِ هنا، سعيد بلقائك، وأنت لم تخطئي كثيرًا في الواقع؛ فأنا نوع ما من البائعين.»
ابتسمت جولييت برقة على دعابة الكاهن، ثم سألته قائلة: «أنت كاهن بأي كنيسة؟»
أضحك السؤال سارة، وقالت: «يا عزيزتي، هذا يفصح عن الكثير من الأسرار، أليس كذلك؟»
فأجابها دون بابتسامة غير منزعجة: «أنا من كنيسة ترينيتي، وبالنسبة للإفصاح عن الأسرار، إنه ليس بجديد عليَّ أن سام وسارة لا يذهبان لأي كنيسة من الكنائس في المجتمع المحيط، إنني فقط آتي للزيارة على أي حال؛ لأن أمك امرأة شديدة الجاذبية.»
لم تتمكن جولييت من تذكُّر ما إذا كانت هي الكنيسة الإنجيلية أم الكنيسة المتحدة تلك التي تتبعها كنيسة ترينيتي.
فقالت لها سارة: «عزيزتي، هلا تحضرين مقعدًا مناسبًا لدون حتى يجلس؟ فهو هنا يقف منحنيًا فوقي كطائر اللقلق. أتود أن تشرب شيئًا منعشًا يا دون؟ ما رأيك في مخفوق البيض؟ فجولييت تعد لي أشهى مخفوق بيض. ولكن لا، لا، ربما يكون دسمًا جدًّا على الأغلب؛ فلقد أتيت من طقس شديد الحرارة بالخارج، ما رأيك ببعضٍ من الشاي؟ هذا أيضًا شراب ساخن، أم جعة الزنجبيل؟ أو ما رأيك في بعض العصير؟ ماذا لدينا من عصائر يا جولييت؟»
فقال دون: «أنا لا أحتاج أي شيء سوى كوب ماء، سيكون هذا جيدًا.»
قالت سارة بأنفاس لاهثة: «ألا تريد قدحًا من الشاي؟ حقًّا؟ ولكنني أظن أني أريد القليل منه، تستطيع أن تشرب نصف قدح بالتأكيد، أتسمحين يا جولييت؟» •••
وقفت جولييت بمفردها في المطبخ — وكان يمكنها رؤية آيرين وهي تعزق الأرض حول حبوب الفاصوليا — وتساءلت إن كان الشاي ما هو إلا حيلة لإخراجها من الغرفة كي تتبادل معه بعض الكلمات على انفراد. بعض الكلمات على انفراد، أم تراها بعض الصلوات؟ لقد أصابتها الفكرة بالاشمئزاز.
لم ينتمِ سام وسارة لأي كنيسة طيلة حياتهما، برغم أن سام قد أخبر أحدهم في بادئ حياتهم هنا أنهم ينتمون لطائفة الدرويد. وهكذا تناثرت الأقاويل بأنهم ينتمون إلى كنيسة لا توجد في المدينة، وأدت هذه المعلومة إلى الاعتقاد بأنهم لا ينتمون لأي دين على الإطلاق. وظلت جولييت لفترة تذهب أيام الآحاد إلى الكنيسة الإنجيلية؛ وذلك في الغالب لأنها كان لها صديقة تنتمي للطائفة الإنجيلية. ولم يعترض سام قط على قراءة الكتاب المقدس في المدرسة، أو أن يتلو الصلوات كل صباح، تمامًا مثلما لم يعترض على النشيد الوطني «فليحفظ الله الملكة».
وكان سام يقول: «هناك أوقات للمجازفة وأخرى لا تستطيع فيها ذلك؛ فأنت ترضيهم بهذه الطريقة. ربما أمكنك في بعض الأحيان أن تحكي للأطفال بعض الحقائق عن نظرية التطور والإفلات بذلك دون أن يلحظ أحد.»
ولفترة من الفترات، كانت سارة مهتمة بالديانة البهائية، ولكن جولييت اعتقدت أن هذا الاهتمام قد تلاشى.
صنعت من الشاي ما يكفي لثلاثتهم، ووجدت بعضًا من البسكويت المهضِّم في الخزانة، وعثرت أيضًا على صينية التقديم النحاسية التي كانت سارة عادة ما تُخرجها في المناسبات الهامة فقط.
لم يعترض دون على قدح الشاي، وتجرَّع الماء المثلج الذي تذكَّرت أن تحضره له، إلا أنه هز رأسه رافضًا تناول البسكويت.
«لا، لا أريد أيًّا منه.»
وبدا وكأنه يؤكد على رفضه بشدة، وكأن إيمانه بالله منعه من ذلك.
ثم سأل جولييت عن محل إقامتها، وعن طبيعة المناخ في الساحل الغربي، وعن العمل الذي يقوم به زوجها.
فأجابته جولييت بعذوبة: «هو صياد جمبري، ولكنه في الحقيقة ليس بزوجي.»
أومأ دون برأسه إيجابًا. آه، نعم.
ثم أضاف: «هل الأمواج عالية هناك؟»
«أحيانًا.»
«ويل باي، لم أسمع بهذا المكان من قبل، ولكنني سأتذكره الآن. إلى أي كنيسة تذهبين في ويل باي؟»
«لا نذهب، نحن لا نذهب إلى الكنيسة.»
«أليس هناك كنيسة قريبة تتبع طائفتكم؟»
هزت جولييت رأسها مبتسمة وقالت:
«ليس هناك كنيسة لطائفتنا، نحن لا نؤمن بوجود الله.»
أحدث فنجان دون بعض الجلبة وهو يعيده إلى صحنه، ثم قال إنه آسف لسماع هذا.
«أنا حقًّا آسف لسماع هذا، منذ متى وأنتِ على هذا الرأي؟»
«لا أعلم، ربما منذ أن أعملت عقلي في هذا الأمر.»
«أخبرتني والدتك أن لديك طفلًا، لديك ابنة، أليس كذلك؟»
قالت جولييت إن لديها ابنة بالفعل.
«ولم تُعَمَّد حتى الآن؟ هل تريدينها أن تنشأ وثنية؟»
قالت جولييت إنها تتوقع أن تتخذ بينيلوبي قرارها في هذا الشأن يومًا ما بنفسها.
«أجل، نحن نريدها أن تنشأ دون أن تتقيد بأي دين أو معتقدات.»
قال دون بهدوء: «هذا شيء يبعث على الحزن، إني آسف لك ولرفيقك — أيًّا كان ما تعتبرينه — فلقد قررتما أن ترفضا نعمة الله. حسنًا؛ فأنتما ناضجان، ولكن أن تنكراها على ابنتكما، فهذا كحرمانها من التغذية السليمة.»
شعرت جولييت بأنها تفقد رباطة جأشها، قالت: «ولكننا لسنا مؤمنين، نحن لا نؤمن بنعمة الله، وهذا لا يشبه حرمانها من التغذية السليمة، إننا نرفض أن تنشأ على الأكاذيب.»
«أكاذيب؟ ما يؤمن به ملايين من البشر حول العالم تسمينه أكاذيب؟ ألا تعتقدين أنه من الغطرسة أن تدَّعي بأن الله كذبة؟»
قالت جولييت وقد شاب صوتها بعض الحدة: «الملايين من الناس لا يؤمنون به، هم فقط يذهبون إلى الكنيسة، هم لا يفكرون. إن كان هناك إله، فهذا الإله قد أعطاني عقلًا، ألم يقصد أن أستخدمه؟»
«وأيضًا …» استطردت في محاولة لكي تبقى ثابتة: «وأيضًا، يؤمن ملايين الناس بشيء مختلف؛ فهم يؤمنون ببوذا على سبيل المثال؛ فهل إيمان الملايين بشيء يجعله حقيقة؟»
قال دون بلا تردد: «المسيح حي، بوذا ليس كذلك.»
«هذا مجرد كلام يتردد، ماذا يعني؟ أنا لا أرى أي دليل على حياة أيٍّ منهما على حد علمي.»
«أنتِ لا ترين، ولكن الآخرين يرون الحقيقة. أتعلمين أن هنري فورد، هنري فورد الثاني الذي كان لديه كل شيء يمكن أن يتمناه المرء في الحياة، ومع ذلك، كان يجثو كل ليلة على ركبتيه ويصلي لله؟»
صاحت جولييت: «هنري فورد؟ … هنري فورد؟ وماذا يعنيني أي شيء بشأن هنري فورد؟»
اتخذ النقاش ذلك المسار الذي تتخذه مثل هذه النقاشات، واكتسى صوت الكاهن — الذي كان قد بدأ بنبرة الأسى أكثر منه الغضب، بالرغم من أن صوته ينم دائمًا عن اقتناع في صلابة الحديد — برنَّة الإدانة والاستنكار ولهجة حادة تنم عن التوبيخ، بينما شعرت جولييت الآن — التي اعتقدت في البداية أنها كانت تقاوم آراءه وتتمرد على مفاهيمه بهدوء، ومهارة، وأدب جم — بقدر من الغضب اللاذع، وكلاهما ينقب عن الحجج والأفكار التي تسبِّب الإهانة وليس تلك التي تقنع الآخر.
وأثناء ذلك النقاش، كانت سارة تمد يدها لتتذوق القليل من البسكويت وهي لا ترفع بصرها نحوهما، وكانت تقشعر بين الحين والآخر، كما لو كانت تصدمها كلماتهما، ولكنهما لم يلاحظا هذا.
وما أنهى ذلك العرض هو صراخ بينيلوبي العالي، التي استيقظت من نومها مبللة، وتذمرت على نحو هادئ للحظة، ثم عبَّرت عن تذمرها بصورة أقوى وبصوت أعلى، وأخيرًا أطلقت العِنان لغضبها. سمعتها سارة أولًا وحاولت أن تلفت انتباههما.
فقالت بوهن: «بينيلوبي!» ثم بذلت جهدًا أكبر: «جولييت، إنها بينيلوبي.» فنظر إليها كلٌّ من جولييت والكاهن بشرود، ثم قال الكاهن وقد هدأت حدة صوته: «طفلتك.»
أسرعت جولييت خارج الحجرة. كانت ترتجف وهي ترفع بينيلوبي، وكادت أن تؤذيها بالمشبك وهي تشبك حفاضها الجاف، فتوقفت بينيلوبي عن البكاء؛ ليس لأنها شعرت بالارتياح، بل لأنها انزعجت من ذلك الاهتمام الحاد المفاجئ. وقد نجحت عيناها الواسعتان المبللتان بالدموع، ونظرات الدهشة التي اعتلت وجهها، في أن تخرج جولييت من حالة الشرود والانشغال التي مرَّت بها. حاولت أن تهدِّئ من نفسها متحدثة برفق قدر ما استطاعت ثم حملت طفلتها إلى الردهة بالطابق العلوي وراحت تذرع المكان جيئة وذهابًا بها. لم تطمئن بينيلوبي على الفور، ولكن زال التوتر منها بعد مرور بضع دقائق.
شعرت جولييت بنفس الشيء يحدث معها، وعندما اطمأنت إلى أن كليهما قد استعادا بعضًا من الهدوء والسيطرة، حملت بينيلوبي وهبطت بها إلى أسفل.
خرج الكاهن من غرفة سارة وكان ينتظرها، فقال في صوت يشوبه بعض الندم وإن بدا منزعجًا في حقيقة الأمر: «يا لها من طفلة لطيفة!»
قالت جولييت: «أشكرك.»
ظنت أنه يمكن لكلٍّ منهما توديع الآخر على نحو مناسب الآن، ولكن كان هناك شيء يمنعه من ذلك، فظل ينظر إليها دون أن يتحرك، فمدَّ يده وكأنه سيضعها على كتفها، لكنه أنزلها.
«أتدرين إن كان عندك …» قالها ثم هز رأسه برفق، فقد تلعثم في قوله كلمة «عندك.»
«بعض من العصير.» قال هذا ثم ربَّت بيده على حلقه، ثم أشار في اتجاه المطبخ.
ظنَّت جولييت في بادئ الأمر أنه لا بد وأن يكون ثملًا، كانت رأسه تهتز قليلًا للأمام والخلف، وبدت عيناه وكأنهما مغطاتين بغشاء رقيق. هل أتى إلى هنا وهو ثمل أم أنه أحضر معه شرابًا في جيبه؟ ثم تذكرت إحدى الفتيات التي كانت طالبة في المدرسة التي عملت بها لنحو نصف عام. كانت تنتاب هذه الفتاة — المصابة بداء السكري — بعض النوبات المرضية، فتشعر بثقل في لسانها، وببعض الدوار لو ظلت بلا طعام لمدة طويلة.
حملت بينيلوبي ساندة إياها على أحد جانبيها وأمسكت بذراعه وقادته نحو المطبخ. إنه العصير، هذا ما كانوا يمنحونه للفتاة، هذا ما كان يتحدث عنه هو.
فقالت له: «دقيقة، دقيقة واحدة. ستكون على ما يرام.» حاول أن يتماسك ويستقيم في وقفته، واتكأ بيديه على الطاولة وأخفض رأسه.
لم يكن هناك عصير برتقال، تذكَّرت أنها قد أعطت ما تبقى منه لابنتها هذا الصباح، وفكرت في أنها يجب أن تبتاع منه، غير أنه كانت هناك زجاجة من المياه الغازية بنكهة العنب، الذي يحب سام وآيرين تناوله عندما يدلفان بعد الانتهاء من العمل في الحديقة.
«تفضل.» قالتها بعد أن نجحت في أن تصبَّ له كوبًا منها بيدٍ واحدة، كما اعتادت أن تفعل دائمًا، وأردفت وهو يحتسي الشراب: «أنا آسفة، ليس لدينا عصير، لكن المهم هو تناول السكر، أليس كذلك، ينبغي أن تتناول بعضًا من السكريات في تلك الحالة.»
احتسى الشراب وهو يقول: «أجل، السكر، أشكرك.» وبدأ صوته في التعافي بالفعل. لقد تذكرت هذا أيضًا بشأن الفتاة التي كانت في المدرسة، وكيف أنها كانت تتعافى بسرعة وبطريقة عجيبة. لكن قبل أن يتعافى أو يهدأ، عندما كان لا يزال يمسك برأسه التي كانت تتمايل، التقت عيناه بعينيها، وقد بدا أنها مصادفة وليست عن عمد، ولم تكن تلك النظرة تعبر عن الامتنان، أو التسامح؛ لم تكن نظرة لشخص، بل بدت لحيوان مشدوه زائغ النظرات، يريد أن يتشبث بأي شيء يراه أمامه.
وفي غضون لحظات، تحولت عيناه ووجهه إلى وجه ذلك الإنسان، الكاهن، الذي وضع كوب المياه الغازية على المنضدة، وبدون أن يتفوه بكلمة غادر المنزل. •••
عندما ذهبت جولييت لكي تأخذ صينية الشاي كانت سارة إما تغطُّ في النوم، أو تتظاهر بذلك، وقد تحولت تمامًا طريقة نومها، وغفوتها، حتى حالتها عندما تستيقظ، فقد زال الفرق بين الحالتين بحيث يصعب فيها تبيُّن حالتها. وأيًّا كانت حالتها، فقد تحدثت بصوت يكاد يقترب من الهمس وقالت: «جولييت.»
توقفت جولييت عند عتبة الباب.
قالت سارة: «لا بد وأنك اعتقدتِ أن دون ربما يكون أحمق، لكنه ليس على ما يرام. إنه مريض بداء السكري. إن حالته جد خطيرة.»
قالت جولييت: «نعم.»
«إنه يحتاج إلى إيمانه.»
قالت جولييت بهدوء: «لقد كان جدالًا عقيمًا.» لكن يبدو أن سارة لم تسمعها؛ إذ إنها استمرت في حديثها.
قالت سارة بصوت مرتعش (وقد بدا لجولييت في هذه اللحظة أنه يبعث على كثير من الشفقة والتعاطف): «إن ما أومن به ليس شيئًا بسيطًا يمكن شرحه، ولا أستطيع وصفه، لكن كل ما يمكن قوله إنه شيء ما؛ شيء رائع. عندما تبدو الأمور سيئة بالنسبة لي، وعندما تزداد سوءًا، أتدرين ما يدور بخَلَدي حينها؟ أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام. أعتقد … حسنًا أعتقد أنني سأرى جولييت قريبًا.»
عزيزي إيريك من أين أبدأ؟ إنني بخير وكذلك بينيلوبي. إجمالًا؛ فهي تسير الآن بكل ثقة حول فراش سارة، ولكنها لا تزال حذرة عندما تحاول الاعتماد على نفسها والوقوف دون مساعدة. طقس الصيف هنا في غاية الروعة مقارنة بالساحل الغربي، حتى عند سقوط الأمطار. وأمر جيد أن تسقط الأمطار؛ لأن سام يركز جلَّ اهتمامه الآن على مشروع تجاري لتسويق منتجات الحديقة، وقد صاحبتُهُ منذ بضعة أيام في الشاحنة القديمة لتوصيل بعض طلبات التوت البري ومربى التوت (التي تصنعها شخصية تشبه إلسي كوخ (مجرمة نازية) وهي تحتل مطبخنا الآن)، وبعض من محصول البطاطس الجديد لهذا الموسم. ويغلب على سام الحماس الشديد. أما عن سارة، فهي تمضي أغلب الوقت في فراشها إما نائمة أو تطالع بعض مجلات الموضة القديمة. ولقد أتى أحد القساوسة لزيارتها، ودخلت أنا وهو في شجار أحمق بشأن وجود الله، وبعض الموضوعات الساخنة التي تدور في هذا الإطار. ومع هذا فالزيارة تسير على ما يرام …
عثرت جولييت على هذا الخطاب بعد مرور سنوات. لا بد وأن إيريك احتفظ به مصادفةً؛ فهو لا يمثل أي أهمية في حياتهما. •••
عادت إلى المنزل الذي شهد طفولتها مرة أخرى؛ وذلك لحضور جنازة سارة، بعد بضعة أشهر من كتابة هذا الخطاب. ولم تجد آيرين بالمنزل، ولم تتذكر جولييت إن كانت قد سألت عن مكانها أو أن أحدهم أخبرها به. من المرجح أنها تزوجت، تمامًا كما فعل سام، بعد مرور عامين؛ فقد تزوج من إحدى زميلاته في التدريس، وكانت امرأة لطيفة، حسنة المظهر، ذات مهارات كثيرة. وعاشا بمنزلها، وهدم سام المنزل الذي عاش فيه هو وسارة، وقام بتوسيع الحديقة. وعندما تقاعدت زوجته، اشترى عربة مقطورة كبيرة، وكانا يذهبان في رحلات طويلة في فصل الشتاء. وزارا جولييت مرتين في ويل باي، وقد اصطحبهما إيريك في نزهة بمركبه، وسارت الأمور بينه وبين سام على ما يرام؛ كما قال سام: إن كل شيء سار على نحو جيد بينهما سريعًا.
جفلت جولييت عندما قرأت الخطاب كما يفعل أي شخص عندما يكتشف تلك الأصوات الخفية الباعثة على القلق التي تتولد من ذاته القديمة الزائفة، وتعجَّبت من التستر الشديد الذي يناقض تمامًا آلام ذكرياتها، ثم اعتقدت أنه لا بد وأن حدث تحوُّلٌ ما، في ذلك الوقت، وهو تحوُّل لم تتذكره؛ تحول يتعلق بمكان وطنها، ليس وطنها في ويل باي حيث تعيش مع إيريك، ولكن هناك حيث كانت تعيش في الماضي؛ كل حياتها السابقة بأكملها.
لأن ما يحدث في وطنك هو ما تحاول حمايته، بكل ما أوتيت من جهد، ولأطول فترة ممكنة.
لكنها لم تقم بحماية سارة؛ فعندما قالت سارة: «حسنًا، أعتقد أنني سأرى جولييت قريبًا.» لم تعثر جولييت على إجابة مناسبة. ألم يكن من الممكن البحث على كلام مناسب؟ لمَ بدا الأمر صعبًا؟ أن تقول فقط نعم. كان سيعني هذا الكثير بالنسبة لسارة، لكنه بالطبع لن يعني لها شيئًا كبيرًا. لكنها استدارت، وهي تحمل الصينية إلى المطبخ، وهناك راحت تغسل وتجفف الأقداح والكوب الذي كان يحتوي على المياه الغازية بنكهة العنب، ووضعت كل شيء في مكانه.
الهروب |
الصمت
أثناء الرحلة البحرية القصيرة بين خليج باكلي وجزيرة دينمان، نزلت جولييت من سيارتها ووقفت بمقدمة القارب، بينما يداعبها نسيم الصيف. تعرَّفت عليها امرأة تقف هناك، وشرعتا في التحدث؛ فقد اعتادت أن يحملق بها الناس قليلًا ويتساءلون أين رأوها، قبل أن يتذكروا، في بعض الأحيان؛ فهي تظهر دومًا على قناة بروفينشال تليفيجن؛ حيث تعقد مقابلات مع هؤلاء الذين حققوا إنجازات رائعة ومميزة في حياتهم، وتدير ببراعة نقاشات جماعية في برنامج يسمى قضايا العصر. كان شعرها قصيرًا الآن، أقصر ما يمكن أن يكون، واصطبغ بلون بني مائل إلى الحمرة، يلائم لون إطار نظارتها. وهي عادة ما ترتدي سراويل سوداء — مثلما تفعل اليوم — وقميصًا حريريًّا عاجيًّا، وفي بعض الأحيان سترة سوداء؛ فهي تطابق التشبيه الذي كانت والدتها تستخدمه: امرأة خاطفة للأبصار.
«أستميحكِ عذرًا. لا بد أن الناس يزعجونك دائمًا.»
قالت جولييت: «لا، مطلقًا، إلا إذا كنتُ قد وصلت لتوي لعيادة طبيب الأسنان أو شيء من هذا القبيل.»
كانت السيدة في نفس عمر جولييت تقريبًا؛ شعرها طويل وأسود يتخلله بعض الشعر الرمادي، ولا تضع مساحيق تجميل، وترتدي تنورة طويلة من قماش الدنيم القطني. كانت تعيش في دينمان؛ لذا سألتها جولييت عما تعرفه عن مركز الاتزان الروحي.
قالت جولييت للمرأة: «لأن ابنتي هناك. إنها معتكفة هناك أو تأخذ دورة دراسية، لا أعرف ماذا يسمون هذا. وهي هناك منذ ستة أشهر. إنها المرة الأولى التي أراها فيها منذ ستة أشهر.»
قالت السيدة: «هناك مكانان مثل هذا الذي تتحدثين عنه، وهما غير ثابتين. لا أقصد أن هناك أي شيء مريب بشأنهما؛ فكل ما في الأمر أنهما موجودان بالغابة، ومنفصلان عن المجتمع. حسنًا، فكيف كان يصبح اعتكافًا لو كان المكان متصلًا بالمجتمع المحيط به؟»
قالت لها السيدة إنها لا بد أن تكون متشوقة لرؤية ابنتها مرة ثانية، ووافقتها جولييت الرأي بشدة.
قالت السيدة: «أنا مدللة للغاية. إن ابنتي في العشرين من عمرها — في الواقع عيد ميلادها الحادي والعشرين في هذا الشهر — ونحن لا نفترق كثيرًا.»
قالت السيدة إن لديها ابنًا في العشرين من عمره، وابنة في الثامنة عشرة، وواحدة أخرى في الخامسة عشرة، وتمر بأيام ترغب فيها أن تغريهم بالمال مقابل أن يذهبوا للاعتكاف فرادى أو معًا.
ضحكت جولييت قائلة: «حسنًا، ليس لدي سوى ابنة واحدة. بالطبع، لن أستطيع أن أمنع نفسي من بذل قصارى جهدي لإعادتها معي، في غضون بضعة أسابيع.»
كان هذا النوع من أحاديث الأمهات الحنون المزعج في نفس الوقت هو ما تجد جولييت من السهل الانخراط به (فكانت جولييت خبيرة في الإدلاء بالإجابات المطمئنة)، ولكن الحقيقة هي أن بينيلوبي لم تفعل شيئًا تقريبًا يجعلها تشكو منها، وإن أرادت أن تكون صادقة للغاية في هذه اللحظة فإنها ستقول إنها لا تتحمل قضاء يوم واحد دون الاتصال بابنتها، ناهيك عن ستة أشهر. كانت بينيلوبي تعمل في بانف، كإحدى فتيات خدمة الغرف خلال الصيف، وذهبت في رحلات بالأتوبيس إلى المكسيك، وسافرت متطفلة إلى نيوفاوندلاند من خلال استيقاف السيارات، ولكنها ظلت تعيش دومًا مع جولييت، ولم يسبق أن انفصلا طيلة ستة أشهر.
«كان بإمكان جولييت أن تقول عنها: إنها تمدني بالبهجة؛ وليس هذا لأنها من تلك الشخصيات التي تنضح مرحًا وطربًا وتنظر دومًا للجانب المشرق من الأمور. فأتمنى أن أكون قد أنشأتها لتكون أفضل من هذا. إنها تتمتع باللباقة والعطف، وهي حكيمة كما لو كانت تعيش على هذا الكوكب منذ ثمانين عامًا. وهي شخصية تأملية وليست مشتتة مثلي. إنها كتومة بعض الشيء مثل أبيها، وهي أيضًا جميلة كالملائكة، إنها تشبه والدتي؛ فهي شقراء ولكنها ليست ضعيفة مثلها؛ إنها قوية ونبيلة. وهي منحوتة كتمثال المرأة الذي يقوم مقام عمود في مبنى. وعلى عكس المفاهيم الشائعة، أنا لا أشعر بالغيرة منها على الإطلاق؛ فطوال هذه الفترة التي قضيتها بعيدًا عنها — ودون أن أعرف عنها شيئًا؛ لأن الاتزان الروحي لا يسمح بإرسال خطابات أو إجراء مكالمات — أشعر وكأني في الصحراء، وعندما وصلتني رسالتها كنت مثل قطعة الأرض العطشى المشققة التي حصلت على جرعة ماء كاملة من المطر.» •••
«أتمنى أن أراك في عصر يوم الأحد. لقد حان الوقت.»
كانت جولييت تتمنى أن يكون معنى هذا هو أنه قد حان وقت العودة للمنزل، ولكنها بالطبع ستترك هذا القرار لبينيلوبي. •••
كانت بينيلوبي قد رسمت لها خريطة أولية، وسرعان ما أوقفت جولييت سيارتها أمام كنيسة قديمة. وقد كانت كنيسةً أُنشئت منذ خمسة وسبعين أو ثمانين عامًا، ومغطاة بجص الزخرفة، لم تكن في قدم أو إبهار الكنائس التي كانت موجودة في هذا الجزء من كندا الذي نشأت فيه جولييت. وخلفها كان يوجد مبنًى أحدث، ذو سقف منحدر ونوافذ تملأ الجزء الأمامي، وكانت مرفقةً به أيضًا منصة بسيطة ومقاعد خشبية للجلوس وما بدا أنه ملعب كرة طائرة يحتوي على شبكة متراخية. كان كل شيء رثًّا، وهذه الرقعة من الأرض التي كانت فيما سبق بلا حشائش وأشجار استعادتها أشجار الصنوبر والحور.
كان هناك شخصان — لم تستطع أن تميز ما إذا كانا رجلين أو امرأتين — يقومان ببعض أعمال النجارة فوق المنصة، وجلس آخرون على المقاعد الخشبية في مجموعات صغيرة منفصلة. كانوا جميعًا يرتدون ملابس عادية، وليس معاطف صفراء أو أي شيء من هذا القبيل. طوال بضع دقائق لم يلحظ أحد سيارة جولييت، ثم نهض شخص من الجالسين على المقاعد الخشبية وتوجه دون عجلة نحوها. كان رجلًا قصيرًا متوسط العمر يرتدي نظارة.
خرجت من سيارتها وحيَّته وسألت عن بينيلوبي. لم يتحدث — ربما كانت هناك قاعدة تلزمه بالصمت — ولكنه أومأ واستدار ودخل الكنيسة، وسرعان ما استطاعت أن ترى من مكانها، ليس بينيلوبي، ولكن سيدة بدينة تتحرك ببطء ذات شعر أبيض، ترتدي سروالًا من الجينز ومعطفًا فضفاضًا.
قالت: «شرفت بمقابلتك. تفضلي إلى الداخل. لقد طلبت من دوني إعداد بعض الشاي لنا.»
كان لها وجه عريض نضر، وابتسامة مرحة وحانية في الوقت ذاته، وما افترضت جولييت أنها لا بد وأن تكون عينين برَّاقتين. قالت: «اسمي جوان.» كانت جولييت تتوقع اسمًا مستعارًا مثل سيرينيتي (التي تعني سكينة بالإنجليزية)، أو اسمًا ذا طابع شرقي، وليس اسمًا بسيطًا ومألوفًا مثل جوان. ولاحقًا، بالطبع، تذكرت اسم البابا جوان.
قالت بنبرة لطيفة: «لقد جئتُ إلى المكان الصحيح، أليس كذلك؟ أنا غريبة عن دينمان. تعلمين أني جئتُ لمقابلة بينيلوبي؟»
«بالطبع، بينيلوبي.» أطالت جوان في نطق الاسم، مع تخلل صوتها نبرة احتفالية.
كان الجزء الداخلي من الكنيسة معتمًا بسبب القماش الأرجواني الذي غطَّى النوافذ العالية، وقد رُفعت المقاعد الخشبية الطويلة وأي أثاث آخر كان بالكنيسة، وكانت الستائر البيضاء البسيطة تتدلى لتشكل حجيرات خاصة، فيما يشبه أقسام المستشفيات. لكن الحجيرة التي دُلت جولييت إليها لم يكن بها فراش؛ فقط طاولة صغيرة ومقعدان من البلاستيك، وبعض الأرفف المفتوحة المكدس بها في غير نظام ورقٌ مبعثر.
قالت جوان: «أخشى أننا ما زلنا نُجري بعض الإصلاحات هنا يا جولييت. هل يمكنني أن أناديك جولييت؟»
«نعم بالطبع.»
«أنا لست معتادة على التحدث مع شخص مشهور.» عقدت جوان يديها أسفل ذقنها في وضعية تشبه وضعية الصلاة. «لا أعرف إذا ما كان ينبغي لي التعامل معك بطريقة رسمية أم لا.»
«لستُ شهيرة تمامًا.»
«بل أنت شهيرة. الآن لا تقولي أشياء كهذه. وسوف أعترف لك على الفور إلى أي مدًى أنا معجبة بأعمالك؛ إنها بمثابة الشعاع في الظلام. إن برنامجك هو البرنامج التليفزيوني الوحيد الذي يستحق المشاهدة.»
قالت جولييت: «شكرًا. وصلتني رسالة من بينيلوبي …»
«أعرف، ولكني آسفة لأني مضطرة أن أخبرك يا جولييت، ولا أريد منكِ أن تصابي بالإحباط … بينيلوبي ليست هنا.»
قالت السيدة هذه الكلمات — بينيلوبي ليست هنا — بأكبر قدر ممكن من الاستخفاف؛ فقد تظن أن غياب بينيلوبي يمكن أن يتحول إلى موضوع للتسلية؛ لإثارة بهجتهما في حوارهما المتبادل.
اضطرت جولييت أن تأخذ نفسًا عميقًا، ولم تستطع التحدث لدقيقة. تسرَّب الفزع إلى نفسها، إنه الحدس، ثم شرعت في جمع شتات نفسها للتفكير بطريقة عقلانية في هذه الحقيقة، وأخذت تفتش في حقيبتها.
«قالت إنها تأمل …»
قالت جوان: «أعرف، أعرف، كانت تنوي أن تكون هنا، ولكن الحقيقة أنها لم تتمكن …»
«أين هي؟ إلى أين ذهبت؟»
«لا أستطيع أن أخبرك بهذا.»
«لا تستطيعين أم أنك لا تريدين أن تخبريني؟»
«لا أستطيع. لا أعرف، ولكني أستطيع أن أخبرك بشيء قد يريحك. أيًّا كان المكان الذي ذهبت إليه، ومهما كان القرار الذي اتخذته، فإنه الشيء الصحيح بالنسبة لها؛ سيكون الشيء الصحيح بالنسبة لروحانيتها ونموها.»
قررت جولييت ألا تعلق على ما سمعته. أوقفتها كلمة روحانية، والتي تبدو وكأنها تشمل — كما تقول عادة — كل شيء بدءًا من عجلات الصلاة (في الحضارة الصينية القديمة) إلى القداس الاحتفالي. فلم تتخيل قط أن فتاة في ذكاء بينيلوبي قد تشارك في شيء كهذا.
قالت: «أعتقد أنني لا بد أن أعلم أين هي، في حال ما أرادت أن أرسل لها أيًّا من أشيائها.»
«مقتنياتها؟» بدت جوان وكأنها عاجزة عن قمع ابتسامة عريضة، بالرغم من أنها عدَّلتها على الفور برسم تعبير حانٍ على وجهها. «بينيلوبي لا تكترث الآن كثيرًا بمقتنياتها.»
في بعض الأحيان كانت جولييت تشعر، في منتصف مقابلة ما، أن الشخص الذي تحاوره لديه مخزون من العدوانية لم يكن ظاهرًا قبل تشغيل الكاميرا؛ شخص ما قد أبخسته جولييت حقَّه — بأن تعتقد أنه غبي مثلًا — قد يمتلك قوة من هذا النوع؛ عدائية مازحة وإن كانت قاتلة. وما كان عليها فعله هو ألا تُظهر أبدًا أنها مندهشة أو مرتبكة، ولا تنتهج بدورها سلوكًا عدائيًّا من أي نوع.
قالت جوان: «ما أعنيه بالنمو هو نمونا الداخلي بالطبع.»
قالت جولييت وهي تنظر في عينيها: «أتفهَّم هذا.»
«لقد سنحت لبينيلوبي فرصة عظيمة في حياتها كي تقابل أشخاصًا رائعين. يا إلهي، إنها لم تكن بحاجة لمقابلة أناس رائعين؛ فقد نشأت مع شخص رائع؛ والدتها. ولكن كما تعلمين، هناك دومًا بعدٌ مفقود؛ فالأولاد البالغون يشعرون دومًا أن هناك شيئًا مفقودًا …»
قالت جولييت: «آه، نعم. أعلم أن الأطفال بعد أن ينضجوا قد يشْكون من كل شيء.»
قررت جوان أن تكون صريحة.
«عليَّ أن أصارحك؛ إنه البعد الروحي، ألم تكن حياة بينيلوبي تفتقر تمامًا إلى الروحانية؟ أعتقد أنها لم تنشأ في منزل يملؤه الإيمان.»
«لم يكن الدين من الموضوعات المحظور مناقشتها. كان يمكننا التحدث بشأنه.»
أضافت في عطف: «لكن ربما كانت المشكلة في طريقة تحدُّثك عنه. طريقتك العقلانية؟ هذا إن كنتِ تدركين ما أعنيه. أنت ذكية للغاية.»
«حسنًا، هذا هو رأيك.»
أدركت جولييت أن أي سيطرة لديها على المقابلة، وعلى نفسها، بدأت في الترنح، وربما تكون قد فُقدت تمامًا.
«إنه ليس رأيي يا جولييت، إنه رأي بينيلوبي؛ فهي فتاة محبَّبة إلى النفس وتتمتع بالفراسة، ولكنها أتت إلى هنا وهي تشعر بنهم بالغ؛ نهم للأشياء التي لم تكن متاحة لها في المنزل؛ فأنتِ كنت مشغولة بحياتك الرائعة الناجحة … ولكنني يجب أن أخبرك يا جولييت أن ابنتك كانت تشعر بالوحدة. لقد عرفت طريقها إلى التعاسة.»
«ألا يمر معظم الناس بهذه المشاعر في مرحلة ما من عمرهم؟ الوحدة والتعاسة؟»
«لستُ الشخص الذي يمكنه معرفة ذلك. آه يا جولييت، أنت امرأة تملك بصيرة نافذة؛ فلطالما شاهدتُكِ بالتليفزيون، وكنت أتساءل كيف يمكنك الوصول لجوهر الأمور بهذه الطريقة وتعاملين الناس في الوقت نفسه بكل هذا العطف والأدب؟ لم أظن قط أنني سأتحدث إليك يومًا وجهًا لوجه. والأكثر من هذا، أنني سأكون في وضع يمكنني من مساعدتك.»
«أعتقد أنكِ ربما تكونين مخطئة بهذا الشأن.»
«أنت تشعرين أنك مجروحة. من الطبيعي أن تشعري بالجرح.»
«هذا شأني وحدي أيضًا.»
«آه حسنًا. ربما ستهاتفك بالرغم من كل شيء.» •••
وقد هاتفتْ بينيلوبي جولييت بالفعل، بعد بضعة أسابيع؛ فقد تسلَّمت بطاقة تهنئة في يوم ميلاد بينيلوبي، التاسع عشر من يونيو، كان عيد ميلادها الحادي والعشرين، كانت من نوعية البطاقات التي ترسلها لأحد معارفك ممن لا تعرف أذواقهم؛ فهي لم تكن بطاقة بسيطة مازحة، ولا بطاقة تعكس فطنة وذكاء، ولا عاطفية. ففي الجهة الأمامية منها كان هناك صورة لباقة من زهور الثالوث مربوطة بشريط أرجواني والذي يشكل ذيله عبارة عيد ميلاد سعيد. وكانت هذه الكلمات مكررة بالداخل مسبوقة بعبارة أتمنى لك.
ولم يكن هناك توقيع. ظنَّت جولييت في البداية أن شخصًا ما أرسل هذه البطاقة لبينيلوبي، ونسي أن يوقِّعها، وأنها — جولييت — فتحتها على سبيل الخطأ. شخص لديه اسم بينيلوبي وتاريخ ميلادها في ملف ما. ربما يكون طبيب أسنانها أو معلم القيادة. ولكنها عندما فحصت الكتابة على الظرف، رأت أنه لم يكن هناك خطأ … فاسمها كان منسوخًا بخط يد بينيلوبي نفسها.
وأختام البريد لم تعد تدلُّك على أي شيء؛ فجميعها يقول بريد كندا. تراءى لجولييت أنه لا بد وأن هناك طرقًا لمعرفة من أي مقاطعة ورد الخطاب على الأقل، ولكن كي تفعل هذا، عليك سؤال موظفي مكتب البريد، الذهاب إلى هناك ومعك الخطاب، وعلى الأرجح سوف يسألونك بجدية عن سبب الاستفسار؛ مدى أحقيتك في معرفة هذه المعلومات، وسوف يتعرف عليها أحد لا محالة هناك. •••
ذهبتْ لرؤية صديقتها القديمة كريستا، والتي كانت تعيش في ويل باي، عندما كانت هي الأخرى تعيش هناك، حتى قبل مولد بينيلوبي. كانت كريستا في كيتسيلانو، في دار رعاية المعاقين؛ فكانت تعاني من تصلب الشرايين المتعدد. كانت غرفتها بالطابق السفلي، وملحق بها فناء خاص صغير، وقد جلست جولييت معها هناك، وأخذت تنظر إلى المرج الصغير المشمس، ونبات الحُلوة اليانع الذي يغطي السور والذي حجب صفائح القمامة.
قصّت جولييت على مسامع كريستا قصة الرحلة إلى جزيرة دينمان كاملة، ولم تخبرها لأحد آخر، وتمنَّت لو أنها لم تضطر أن تخبر بها أحدًا. في كل يوم في طريق عودتها للمنزل من العمل كانت تتساءل ما إذا كانت بينيلوبي تنتظرها في الشقة، أو يكون قد وردها على الأقل خطابٌ منها. وبعد ذلك لم تجد سوى هذه البطاقة غير الحانية والتي فتحتها بسرعة بينما ترتعد يداها.
قالت كريستا: «إنه يعني شيئًا ما، إنه يحيطك علمًا أنها على ما يرام، سوف يتبع ذلك حدوث شيء ما، سوف يحدث هذا، فقط تحلي بالصبر.»
تحدثت جولييت بمرارة عن الأم شيبتون. هكذا أطلقت عليها في النهاية، بعد أن كانت تسميها البابا جوان أصبحت غير راضية عن هذا الاسم بعد أن فكرت فيه جيدًا. قالت، يا لها من امرأة مخادعة! فهي تخفي وراء واجهة دينية معسولة عديمة القيمة قدرًا كبيرًا من البغض والدناءة. من المستحيل تخيُّل أن بينيلوبي قد افتتنت بها.
اقترحت كريستا أن بينيلوبي ربما زارت المكان لأنها فكرت في كتابة شيء ما عنه؛ أحد أنواع الصحافة الاستقصائية، عمل ميداني، الزاوية الشخصية — ذلك العمل الشخصي طويل النفس الذي أصبح شائعًا اليوم.
قالت جولييت: «تجري تحقيقات لمدة ستة أشهر؟ إن بإمكان بينيلوبي فهم شخصية الأم شيبتون في عشر دقائق.»
اعترفت كريستا: «إنه أمر غريب حقًّا.»
قالت جولييت: «أنت لا تعلمين سوى ما تفصحين به، أليس كذلك؟ أكره حتى أنْ أسأل هذا السؤال. أشعر بالارتباك، أشعر بالغباء. هذه المرأة قصدت أن تُشعرني بالغباء، أشعر وكأنني في مسرحية كشخصية أفشت شيئًا ويدير الجميع لها ظهورهم لأنهم يعرفون شيئًا لا تعرفه.»
قالت كريستا: «مثل هذه الأنواع من المسرحيات لم يعد له وجود الآن. الآن ليس هناك من يعرف أي شيء، ولم تكن بينيلوبي لتأتمنني على شيء لم تأتمنك عليه؛ فلماذا تفعل وهي تعرف أنني سأخبرك بما أعرفه؟»
ظلَّت جولييت صامتة للحظات، ثم تمتمت في عبوس: «كانت هناك أمور لم تخبريني بها.»
قالت كريستا ولكن بدون إبداء أي عداء: «آه، يا إلهي! لا تفتحي هذا الموضوع مجددًا.»
وافقتها جولييت: «حسنًا، لن أفتح هذا الموضوع مجددًا. أنا في حالة مزاجية سيئة، هذا هو كل ما في الأمر.»
«فقط تماسكي. إن ذلك هو أحد اختبارات الأمومة. إنها لم تدعك تخوضين الكثير منها بالرغم من كل شيء. في خلال عام واحد ستكونين قد نسيتِ كل هذا.»
لم تخبرها جولييت أنها في النهاية لم تستطع أن ترحل بكرامة؛ فقد استدارت وصرخت في توسل وغضب.
«ما الذي أخبرتكِ به؟»
وقد وقفت الأم شيبتون ترقبها، كما لو أنها توقعت هذا، وارتسمت ابتسامةُ شفقة كبيرة على شفتيها المغلقتين وهي تهز رأسها. •••
خلال العام التالي، كانت جولييت تتلقى مكالمات هاتفية، من حين لآخر، من معارف بينيلوبي، وإجابتها على استفساراتهم كانت واحدة دومًا؛ وهي أن بينيلوبي قررت أن تأخذ إجازة لمدة عام، لقد سافرت، وجدول سفرها كان غير محدد على الإطلاق، ولم تكن لدى جولييت وسيلة للاتصال بها، وليس لديها عنوان يمكنها إعطاؤه لأحد.
ولم يتصل بها أحد من أصدقائها المقربين؛ مما قد يعني أن المقربين لبينيلوبي كانوا يعرفون جيدًا أين هي، أو ربما هم أيضًا سافروا في رحلات لبلاد أجنبية، ووجدوا وظائف في مقاطعات أخرى، وبدءوا حيوات جديدة محمومة أو محفوفة بالمخاطر للغاية في الوقت الحاضر لدرجة لا تجعلهم يسألون عن الأصدقاء القدامى.
(والأصدقاء القدامى في هذه المرحلة من الحياة تعني شخصًا لم تَرَه منذ نصف عام.)
كلما دخلت جولييت المنزل، كان أول شيء تفعله هو تفقُّد الضوء الوامض على جهاز الرد الآلي — نفس الشيء الذي اعتادت تجنُّبه، معتقدة أنه سيكون هناك من يزعجها بشأن تصريحاتها العامة. كانت قد جرَّبت العديد من الحيل السخيفة، ذات الصلة بعدد الخطوات التي سارتها نحو الهاتف، وكيف رفعت السماعة، وكيف التقطت أنفاسها، وهي تقول في نفسها: «ليتها تكون هي.»
لم يُجدِ شيء نفعًا، وبعد فترة بدا العالم خاليًا ممن كانت بينيلوبي تعرفهم؛ الرفقاء الذين تركتهم وهؤلاء الذين تركوها، الفتيات اللاتي شاركتهن أحاديث النميمة وربما وثقت فيهن. كانت قد ارتادت مدرسة داخلية خاصة للبنات فقط تُدعى تورانس هاوس، ولم تذهب إلى مدرسة ثانوية حكومية، مما يعني أن معظم أصدقاء عمرها — حتى هؤلاء الذين ظلوا أصدقاءها في الجامعة — أتوا من خارج المدينة؛ فبعضهم من ألاسكا أو برينس جورج أو بيرو.
ولم تتلقَّ رسالة منها في الكريسماس، ولكن في يونيو، تسلَّمت بطاقة أخرى، تشبه كثيرًا سابقتها، بدون كلمة واحدة بالداخل. ارتشفت جولييت كأسًا من النبيذ قبل أن تفتحها، ثم ألقت بها بعيدًا على الفور. كانت تداهمها بين الحين والآخر نوبات من البكاء مع الارتجاف لا تستطيع أن تتحكم بها، ولكنها كانت تخرج من هذه الحالة إلى نوبات سريعة من الغضب؛ حيث تسير حول المنزل وهي تضرب بقبضة يدها على راحة اليد الأخرى. كان غضبها موجَّهًا إلى الأم شيبتون، ولكن صورة هذه السيدة ذوت في مخيلتها، وكان على جولييت أن تدرك في النهاية أنها المشجب الذي علَّقت عليه غضبها.
كل صور بينيلوبي كانت قد نقلت إلى غرفة نومها، بالإضافة إلى حزمٍ من رسوماتها ولوحاتها التي لوَّنتها بأقلام الشمع والفحم، والتي كانت قد رسمتها قبل مغادرة ويل باي، وكُتبها، وجهاز إعداد القهوة الأوروبي الذي يعد فنجانًا واحدًا والمزوَّد بكباس، والذي كانت قد اشترته كهدية لجولييت من أول راتب تقاضته من وظيفتها الصيفية في ماكدونالدز. وهناك مثل هذه الهدايا الغريبة التي وضعتها بالشقة؛ مثل المروحة البلاستيكية الصغيرة التي تلصق على الثلاجة، والجرار اللعبة ذي الزنبرك، والستارة من الخرز الزجاجي والمعلقة على نافذة دورة المياه. وقد ظل باب غرفة النوم مغلقًا، وبمرور الوقت أمكنها المرور من أمامه دون شعور بالانزعاج. •••
فكَّرت جولييت كثيرًا في مسألة الرحيل من هذه الشقة؛ بحيث يعمل المحيط الجديد على تهدئة أعصابها، ولكنها قالت لكريستا إنه ليس في مقدورها القيام بهذا؛ لأنه هو العنوان الذي تعرفه بينيلوبي، ولا يمكن تحويل البريد إلا لثلاثة شهور فقط؛ لذا لن تستطيع ابنتها العثور عليها.
قالت كريستا: «يمكنها دومًا الذهاب إليك في العمل.»
قالت جولييت: «من يدري كم من الوقت سأظل هناك؟ إنها على الأرجح تعيش مع مجموعة غير مسموح لها بالتواصل مع الآخرين، وهم لديهم على الأحرى معلمٌ روحي يمارس الجنس مع كل النساء ويرسلهن إلى الشوارع كي يشحذن. لو كنت قد أرسلتها إلى فصول الآحاد الدينية وعلَّمتها كيف تتلو صلواتها، ما كان هذا ليحدث على الأرجح. كان يجب عليَّ القيام بهذا، كان يجب عليَّ. لربما كان هذا كاللقاح. لقد أهملت روحانيتها. الأم شيبتون هي من قالت هذا.» •••
عندما كانت بينيلوبي بالكاد في الثالثة عشرة من عمرها، ذهبت إلى معسكر تخييم في جبال كوتيناي في بريتيش كولومبيا، مع صديقة لها من تورانس هاوس وأسرة الصديقة. راق هذا الأمر لجولييت؛ فلم تكن بينيلوبي قد أمضت سوى عام واحد في تورانس هاوس (التي قُبلت بها بتسهيلات مالية جيدة؛ لأن والدتها سبق لها التدريس هناك)، وقد سعدت جولييت بالرحلة؛ لأن بينيلوبي أنشأت بالفعل صداقة قوية مع صديقة وتقبَّلتها بسرعة أسرةُ صديقتها. كانت سعيدة أيضًا لأن ابنتها كانت ذاهبة إلى معسكر — وهو الشيء الذي كان الأطفال العاديون يفعلونه، ولكنها، أي جولييت، لم تُتَح لها الفرصة لفعله وهي طفلة. وليس معنى ذلك أنها كانت ترغب في هذا؛ حيث إنها كانت مدفونة وسط كتبها — ولكنها رحَّبت بأمارات تحوُّل بينيلوبي إلى فتاة طبيعية، بخلاف ما كانت هي عليه.
كان إيريك قلقًا من الفكرة برمتها، فظنَّ أن بينيلوبي كانت صغيرة على مثل هذه الرحلة. لم تَرُق له فكرة ذهاب بينيلوبي في رحلة مع أشخاص لا يعرف الكثير عنهم. وبما أنها تذهب إلى مدرسة داخلية فهما لا يرونها كثيرًا؛ فما الداعي لتقليص الوقت الذي يمضيانه معها؟
كان لدى جولييت سبب آخر؛ فقد أرادت إبعاد بينيلوبي في أول أسبوعين من الإجازة الصيفية؛ لأن الأمور لم تكن مستتبة بينها وبين إيريك؛ فأرادات أن تُحَل المشكلات بينها بين إيريك، ولكن ذلك لم يحدث. لم ترغب أن تدَّعي أن كل شيء كان على ما يرام؛ وذلك لأجل خاطر الطفلة.
أما إيريك على الجانب الآخر، فلم يكن يريد شيئًا سوى التلطيف من مشكلاتهما وإخفائها من الطريق. فوفقًا لطريقة إيريك في التفكير، فإن التحضُّر بوسعه إعادة المشاعر الطيبة، وأن التظاهر بالحب سيكون كافيًا للمضي قدمًا حتى يُعاد اكتشاف الحب نفسه. وإن لم يكن هناك أي شيء سوى مجرد التظاهر … حسنًا، فذلك سيفي بالغرض. يمكن لإيريك التعايش مع هذا.
فكَّرت جولييت في قنوط؛ نعم كان باستطاعته هذا.
ووجود بينيلوبي في المنزل كان سببًا يدفعهما لإحسان التصرف — يدفع جولييت لإحسان التصرف بما أنها هي من كانت، في رأيه، تستثير المشاحنات — كان هذا ليناسب إيريك تمامًا.
هكذا أخبرته جولييت، وخلقت مصدرًا جديدًا للمرارة واللوم؛ لأنه كان يفتقد بينيلوبي بشدة.
وكان السبب وراء شجارهما قديمًا وعاديًّا؛ ففي الربيع، ومن خلال تصريح تافه — والصراحة أو ربما تعمُّد الأذى من قِبَل إلو التي كانت تقطن بجوارهما منذ وقت طويل، والتي كانت تشعر بولاء تجاه زوجة إيريك المتوفاة ولديها بعض التحفظات إزاء جولييت — اكتشفت جولييت أن إيريك مارس علاقة مع كريستا. لطالما كانت كريستا صديقتها المقربة، ولكنها كانت قبل ذلك صديقة إيريك، وعشيقته (بالرغم من أن أيًّا منهم لم يعد يذكر هذا الأمر الآن)، وكان قد تركها عندما طلب من جولييت الانتقال لتعيش معه. كانت تعرف كل شيء عن كريستا في ذلك الحين، ولم يكن بوسعها الاعتراض على ما حدث في الوقت السابق لعلاقتها بإيريك. لم تفعل، لكن ما عارضته — وما ادعت أنه كسر فؤادها — هو ما حدث بعد ذلك (ولكنه حدث أيضًا منذ فترة طويلة كما قال إيريك)؛ فعندما كانت بينيلوبي تبلغ من العمر عامًا واحدًا، وكانت جولييت قد أخذتها وعادت بها إلى أونتاريو لزيارة والديها؛ كي تزور — كما كانت تشير دومًا الآن — والدتها التي كانت تحتضر، وعندما كانت بعيدة، وتشعر بالحب وبافتقاد إيريك من كل قلبها (فهي الآن تعتقد هذا)، عاود إيريك الانخراط في عاداته القديمة.
في البداية اعترف أنه فعل هذا مرة واحدة (لأنه كان ثملًا)، ولكن من خلال مزيد من الضغط، وبشرب الخمر والإلحاح بالمصارحة في التوِّ واللحظة، قال إنه ربما يكون قد فعل هذا أكثر من مرة.
ربما؟ ألا يستطيع التذكر؟ هل تكرَّر هذا الأمر كثيرًا حتى إنه لا يتذكر عدد المرات؟
كان يستطيع التذكر. •••
أتت كريستا لزيارة جولييت كي تطمئنها أنه ليس ثمة شيء جاد بينهما (كانت تلك هي لازمة إيريك أيضًا)، فطلبت منها جولييت الرحيل وعدم الحضور لزيارتها مجددًا. قررت كريستا أن هذا هو الوقت المناسب للذهاب لزيارة شقيقها في كاليفورنيا.
وهذا الغضب الذي سلَّطته جولييت على كريستا كان في الواقع نوعًا من أنواع التصرفات الشكلية؛ فكانت تتفهم أن بعض اللقاءات الجنسية العابرة الخالية من المشاعر مع صديقة قديمة (على حد وصف إيريك الكارثي، ضمن محاولته غير الحصيفة للتقليل من شأن الأمور) لا تُعد ذات بالٍ على الإطلاق، ولا تشكل تهديدًا، كعناق دافئ لامرأة تعرَّفت عليها للتو. كذلك، كان غضبها من إيريك شرسًا، ولم تستطع كبته، ولم يترك مجالًا كبيرًا لإلقاء اللوم على أي أحد آخر.
وتمثَّلت ذريعتها في أنه لا يحبها، ولم يحبها قط، وأنه استهزأ بها، مع كريستا، من وراء ظهرها؛ فقد جعل منها أضحوكة أمام أشخاص مثل إلو (التي طالما كرهتها). لقد عاملها بازدراء، ونظر لحبها له (عندما كانت تحبه) بازدراء، وعاش معها كذبة. فلم يكن الجنس يعني أي شيء له، أو لم يعنِ بأي شكل من الأشكال ما يعنيه (أو ما كان يعنيه) لها، وأنه كان على استعداد لممارسته مع أي امرأة متاحة.
فقط الزعم الأخير من هذه المزاعم هو ما كان ينطوي على ذرة من الحقيقة، وكانت هي تدرك ذلك في فترات هدوئها، ولكن حتى هذه الحقيقة الصغيرة كانت كافية لتدمير كل شيء حولها. ما كان ينبغي لها أن تتسبَّب في هذا، ولكن هذا هو ما فعلته. ولم يكن إيريك قادرًا — بالفعل لم يكن قادرًا — على رؤية السبب في هذا. لم يكن مندهشًا من اعتراضها، وإثارتها للجلبة، بل وحتى بكائها (بالرغم من أن امرأة مثل كريستا لم تكن لتفعل هذا أبدًا)، ولكنه اندهش من شعورها بأنها قد دُمِّرت، ومن اعتقادها أنها حُرمت من كل ما كانت تستند إليه، ومن غضبها من شيء حدث منذ اثني عشر عامًا؛ فهذه الأمور لم يستطع فهمها.
في بعض الأحيان كان يعتقد أنها تتصنَّع كل هذا، أو أنها تبالغ وتستغل هذا الأمر، وفي أحيان أخرى يشعر بأسف حقيقي؛ لأنه جعلها تعاني بهذا الشكل. كان حزنهما يثيرهما، فكانا يستمتعان كثيرًا بممارسة الجنس. وفي كل مرة يعتقد أن المشكلة انتهت، وأن تعاستهما ولَّت لحال سبيلها. وفي كل مرة يكون مخطئًا.
في الفراش، كانت جولييت تضحك وتحكي له عن السيد والسيدة بيبس، اللذين كان يشتعل الحب بينهما في ظل ظروف مشابهة (منذ أن هجرت دراستها الكلاسيكية على نحو ما، كانت تقرأ بنَهَم، وفي هذه الأيام كان كل شيء تقرؤه يبدو أن له علاقةً بالزنا). قال بيبس إن ممارستهما الجنس لم تكن قط بمثل هذه الكثرة وبكل هذه الحرارة، بالرغم من أنه ذكر أن زوجته فكَّرت في قتله وهو نائم. ضحكت جولييت من هذا الأمر، ولكن بعد نصف ساعة عندما أتى إريك لتوديعها قبل أن يذهب إلى قاربه ليتفقد شراك القريدس، بدت متجهمة وقبَّلته في خنوع، كما لو كان ذاهبًا لمقابلة امرأة في منتصف الخليج وتحت السماء الممطرة. •••
وكان هناك أكثر من مجرد المطر. ورغم أن الأمواج لم تكن متلاطمة عندما خرج إيريك للبحر، ولكن لاحقًا في فترة العصر هبَّت عاصفة فجائية من الناحية الجنوبية الشرقية وجعلت مياه ممر ديزوليشن ساوند المائي ومضيق مالاسبينا تموج. واستمرت حتى حلول الظلام تقريبًا — والذي لم يحلَّ حتى حوالى الساعة الحادية عشرة في هذا الأسبوع الأخير من يونيو. في ذلك الحين ثَمَّةَ مركب شراعي من كامبل ريفر كان مفقودًا، يحمل ثلاثة بالغين وطفلَيْن على متنه، وقاربا صيد آخران مفقودان؛ أحدهما يحمل رجلين والآخر لا يحمل سوى رجل واحد هو إيريك.
كان صباح اليوم التالي هادئًا ومشمسًا؛ فالجبال والمياه والشواطئ كانت جميعًا لامعة ومتلألئة.
وكان هناك احتمال بالطبع ألا يكون هؤلاء الأشخاص مفقودين، ربما قد وجدوا ملاذًا يحتمون به وأمضوا الليلة على أيٍّ من الخلجان الصغيرة التي لا حصر لها. ويمكن أن يكون هذا هو ما حدث مع الصيادين، ولكن ليس مع الأسرة في المركب الشراعي؛ لأن أفرادها لم يكونوا من السكان المحليين، ولكن جاءوا من سياتل لقضاء إجازة. خرجت القوارب على الفور، في ذلك الصباح، للبحث في البر الرئيسي وشواطئ الجزيرة والمياه.
كان أول ما عُثر عليه هما جثتَي الطفلين اللذين ماتا غرقًا، يرتديان سترات النجاة، وفي نهاية اليوم عُثر على جثتَي الوالدين أيضًا، ولم يُعثر على جثة الجد الذي كان بصحبتهما حتى اليوم التالي. ولم تظهر قط جثتا الرجلين اللذين كانا يصطادان معًا، بالرغم من أن بقايا قاربهما ظهرت بالقرب من ريفيودج كوف.
بينما عُثر على جثة إيريك في اليوم الثالث، غير أنه لم يُسمح لجولييت برؤيتها؛ فقالوا إن حيوانًا ما نهش جثته، بعد أن جرفتها المياه إلى الشاطئ.
وربما لهذا السبب — لأنه لم يكن بوسع أحد رؤية الجثة ولم تكن هناك حاجة لحانوتي — راودت فكرة حرق جثة إيريك على الشاطئ أذهانَ أصدقائه القدامى وزملائه من الصيادين. لم تعترض جولييت على هذا. كان لا بد من استخراج شهادة وفاة؛ لذا اتصل أحدهم بالطبيب الذي يأتي إلى ويل باي مرة في الأسبوع في عيادته في باول ريفر، وهو بدوره خوَّل إلو، مساعِدته الأسبوعية وممرضته المعتمدة، بفعل هذا.
ثَمة الكثير من الأخشاب المجروفة إلى الشاطئ، والعديد من اللحاء المتشرب بملح البحر، والذي يمكن إضرام نار ضخمة فيه. وفي خلال بضع ساعات كان كل شيء جاهزًا؛ فانتشرت الأخبار على نحو ما، وحتى دون أن يتاح لهن وقت كافٍ شرعت النساء بالقدوم وبحوزتهن الطعام. وكانت إلو هي من تتولى إدارة الأمور — فدماؤها الإسكندنافية، وقامتها المنتصبة، وشعرها الأبيض المنسدل، بدت جميعًا وكأنها تتلاءم طبيعيًّا مع دور أرملة البحر. كان الأطفال يركضون على الأخشاب، وكانوا يُبعدون عن الخشب المعد للمحرقة، وعن الكتلة النحيلة المكفنة التي كانت في أحد الأيام إيريك. قدَّمت النساء من إحدى الكنائس لهذا المرسم شبه الوثني القهوةَ، وتُركت صناديق البيرة وزجاجات المشروبات من كل نوع بحرص، في الوقت الحالي، في صناديق السيارات وكبائن الشاحنات.
تساءل الحاضرون من سيلقي كلمة ومن سيشعل المحرقة. سألوا جولييت: هل ستقومين بهذا؟ قالت جولييت — المكسورة والمشغولة في توزيع أقداح القهوة — إنهم لا يستوعبون الأمر؛ حيث إنها، بوصفها الأرملة، لا بد وأن تلقي بنفسها في ألسنة اللهب. ضحكت في الواقع وهي تقول هذا، وهؤلاء الذين طرحوا عليها السؤال تراجعوا؛ خوفًا من أن تصاب بحالة هستيرية. وافق الرجل الذي كان يصاحب إيريك في معظم رحلاته بالقارب أن يشعل النار، ولكنه قال إنه ليس خطيبًا جيدًا. خطر للبعض أنه لم يكن اختيارًا جيدًا بأي حال من الأحوال، بما أن زوجته كانت أنجليكانية إنجيلية، وربما شعر بضرورة قول أشياء كانت تثير استياء إيريك لو كان بإمكانه سماعها. ثم عرض زوج إلو أن يلقي الكلمة — وكان رجلًا قصيرًا شوَّه وجهَه حريقٌ اندلع في قارب منذ عدة سنوات، وهو اشتراكي كثير الشكوى وملحد — وفي أثناء خطبته انفلت منه خيط الحديث عن إيريك، فيما عدا أنه وصفه بالأخ في المعركة. ألقى خطبة طويلة على نحو أثار الدهشة، وفسَّر السبب وراء هذا بعد ذلك في حياة الكبت التي يعيشها في ظل تسلُّط إلو. ربما ظهر بعض التململ في الحشد قبل توقف سرده لشكاويه، شعورٌ ما بأن الحدث لم يكن عظيمًا أو مهيبًا أو مفجعًا كما كان متوقعًا، ولكن عندما أُضرمت النيران، ذوى هذا الشعور، وحدَّق الجميع بها، حتى الأطفال — أو هم على وجه التحديد — إلى تلك اللحظة التي صاح فيها أحد الرجال: «أخرجوا الأطفال من هنا.» كان هذا عندما وصلت ألسنة اللهب للجثة، وأدرك الجميع، إدراكًا متأخرًا بعض الشيء، أن احتراق الدهون والقلب والكليتين والكبد قد ينتج عنه أصوات فرقعة أو أزيز تتأذى الأذن من سماعها؛ لذا أبعدت الأمهات الكثيرَ من الأطفال، ومضى البعض بإرادته والبعض الآخر سيقوا على غير رغبتهم. وهكذا أصبح الجزء الأخير من عملية الإحراق طقسًا ذكوريًّا، ومخزيًا بعض الشيء، حتى إن كان في هذه الحالة قانونيًّا.
بقيت جولييت في مكانها وهي مذهولة من المشهد، تهتز في جلستها، بينما يواجه وجهها الحرارة. لم تكن حاضرة معهم بذهنها؛ فكانت تفكر في شخصية ما، أيا تُرى هي شخصية الروائي إدوارد جون تريلوني الذي انتزع قلب شيلي من ألسنة اللهب؟ القلب، وما يحمله من معنًى قديم. إنه لغريب حقًّا أنه حتى في هذا الوقت، ليس منذ فترة بعيدة للغاية، كان هذا العضو من الجسم يُعد ثمينًا للغاية، موضع الشجاعة والحب. لقد كان مجرد لحم يحترق. ليس هناك ما يربط كل ذلك بإيريك. •••
لم تعرف بينيلوبي شيئًا مما كان يحدث. نُشر فقط خبر قصير في صحيفة فانكوفر — ليس عن إحراق الجثة على الشاطئ بالطبع، وإنما فقط عن الغرق — ولكن لم تكن تصلها أي صحف أو محطات إذاعية في أعماق جبال كوتيناي. وعندما عادت إلى فانكوفر، اتصلت بالمنزل، من بيت صديقتها هيذر. ردت عليها كريستا — التي كانت قد وصلت إلى المراسم متأخرة للغاية ولكنها بقيت مع جولييت وحاولت تقديم المساعدة قدر استطاعتها. أخبرتها كريستا أن جولييت ليست بالمنزل — كانت تكذب — وطلبت التحدث إلى والدة هيذر. أخبرتها بما حدث، وقالت إنها ستصطحب جولييت إلى فانكوفر، وإنهما سترحلان على الفور، وسوف تحادث جولييت بينيلوبي بنفسها عندما تصلان إلى هناك.
أوصلت كريستا جولييت إلى المنزل الذي تقيم فيه بينيلوبي، ودخلت جولييت وحدها. تركتها والدة هيذر في الغرفة المشمسة حيث كانت بينيلوبي تنتظرها. تلقَّت بينيلوبي الخبر في فزع ثم شعرت — عندما طوَّقتها جولييت بذراعيها بطريقة رسمية بعض الشيء — بالإحراج. فربما لا يمكنها استيعاب مثل هذا الخبر الرهيب في منزل هيذر، في الحجرة المشمسة المطلية باللون الأبيض والأخضر والبرتقالي، أثناء ممارسة أشقاء هيذر كرة السلة في الفناء الخلفي. ولم تأتِ على ذكر عملية الحرق — فسيكون مثل هذا الأمر غير متحضر وغريب في هذا المنزل وفي هذا الحي. في هذا المنزل أيضًا اتصف سلوك جولييت بالخفة والنشاط دون عمد — وكاد أن يكون سلوكًا مرحًا.
دخلت والدة هيذر بعد أن طرقت الباب طرقة صغيرة وهي تحمل أكوابًا من الشاي المثلج. ارتشفت بينيلوبي مشروبها وذهبت لتنضم لهيذر التي كانت تنتظر في الردهة.
تحدَّثت والدة هيذر بعدها مع جولييت، اعتذرت لاضطرارها التدخل في أمور عملية، ولكنها قالت إن الوقت محدود؛ فهي ووالد هيذر سيسافران في غضون أيام قليلة شرقًا لرؤية بعض الأقارب، وسيتغيبان لمدة شهر، وقد خططا لاصطحاب هيذر معهما (بينما سيذهب الفتيان إلى معسكر). ولكن هيذر قررت الآن أنها لا تريد الذهاب، وتوسَّلت لهما كي يتركاها في المنزل مع بينيلوبي. ولا ينبغي ترك فتاتين، إحداهما في الرابعة عشرة من عمرها والأخرى في الثالثة عشرة، وحدهما في المنزل، وقد خطر لها أن جولييت ربما تود قضاء بعض الوقت بعيدًا عن منزلها؛ فترة استرخاء، بعد كل ما مرت به، وبعد فقدانها لزوجها وهذه المأساة التي عاشتها.
وهكذا وجدت جولييت نفسها تعيش لفترة وجيزة في عالم مختلف، في منزل ضخم لا عيب فيه، ومطلي بعناية وبألوان براقة، لديها كل ما يُسمى بوسائل راحة — التي كانت وسائل ترف بالنسبة لها — في كل مكان. كان المنزل يقبع بشارع متعرج تصطف على جانبَيْه المنازل المتشابهة، وتوجد أمامه شجيرات مشذبة وأحواض كثيرة لزهور رائعة. حتى الطقس، في هذا الشهر، كان جميلًا — دافئًا وعليلًا ومشرقًا. كانت هيذر وبينيلوبي تذهبان للسباحة، وتلعبان تنس الريشة في الفناء الخلفي، وتذهبان للسينما، وتخبزان الكعك، وتأكلان الطعام بنَهَم، وتتبعان حميات غذائية، وتكتسبان سمرة، وتملآن المنزل بموسيقى بدت كلماتها لجولييت حمقاء ومزعجة، وفي بعض الأحيان كانتا تدعوان صديقاتهما إلى المنزل، ولم تدعوا الفتيان، ولكنهما كانتا تخوضان محادثات طويلة تهكمية غير هادفة مع بعض الفتيان ممن يمرون بالمنزل أو يجتمعون في المنازل المجاورة. ومن قبيل المصادفة، سمعت جولييت بينيلوبي تقول لواحدة من صديقاتها التي كانت تزورها: «حسنًا، لم أكن أعرفه جيدًا في الواقع.»
كانت تتحدث عن أبيها.
يا له من أمر غريب!
وهي التي لم تخشَ قط الذهاب في رحلة بالقارب، كما كانت جولييت، عندما تكون الأمواج متلاطمة. كانت تضغط عليه كي يأخذها معه، وعادة ما كانت تلاقي محاولاتها النجاح. وعندما كانت تتبع إيريك، وهي ترتدي معطف النجاة البرتقالي الذي يشبه معاطف العمل، حاملة ما تستطيع حمله من أدوات، كانت ترسم على وجهها دومًا تعبيرًا بالجدية والتفاني. كانت تلاحظ بعناية أماكن الأشراك وصارت ماهرة وسريعة وجريئة في فصل رأس القريدس وتعبئته في أكياس. وفي مرحلة معينة من مراحل طفولتها — من الثامنة إلى الحادية عشرة تقريبًا — كانت تقول طوال الوقت إنها ستذهب لصيد الأسماك عندما تكبر، وأخبرها إيريك أن هناك فتيات يفعلن هذا في أيامنا هذه. فكَّرت جولييت أن هذا ممكن، بما أن بينيلوبي كانت ذكية وليست مولعة بالكتب، بالإضافة إلى أنها تتمتع بلياقة جسدية وشجاعة. ولكن إيريك كان يقول، من وراء بينيلوبي، إنه يتمنى أن تنسى هذا الأمر بمضي الوقت؛ لأنه لا يتمنى مثل هذه الحياة لأحد؛ فكان يتحدث دومًا عن صعوبات ومخاطر العمل الذي اختاره، ولكنه كان يفتخر، كما ظنَّت جولييت، بنفس هذه الأمور.
والآن نسيت بينيلوبي والدها الذي ملأ حياتها؛ فها هي قد طلت أظافر قدميها مؤخرًا باللون الأرجواني، ورسمت وشمًا غير حقيقي على بطنها. لقد أخرجته تمامًا من حياتها.
ولكن جولييت شعرت وكأنها تفعل الشيء نفسه. بالطبع؛ فهي مشغولة في البحث عن وظيفة ومكان تسكن فيه. فقد عرضت بالفعل منزلهم في ويل باي للبيع — فلم تتخيل بقاءها هناك — وقد باعت الشاحنة وتبرعت بأدوات إيريك، والشراك التي استُعيدت، وزورقه. وقد أتى ابن إيريك البالغ من ساسكاتشيوان وأخذ الكلب.
تقدَّمت لوظيفة بقسم المراجع في مكتبة الجامعة، ووظيفة في المكتبة العامة، وراودها شعور أنها ستحصل على إحداهما. بحثت عن شقة في كيتسيلانو أو دنبار أو بوينت جراي. وقد ظلت نظافة ونظام ومرونة المدينة تبهرها؛ ففي المدينة يعيش الناس دون أن يضطر الرجل للعمل في الأماكن المفتوحة، وحيث لا يضطر أن يقوم بالمهام العديدة المتعلقة بعمله داخل منزله، وحيث يكون الطقس عاملًا يؤثر ربما على حالتك المزاجية ولكن ليس على حياتك بأكملها، وحيث لا تعد موضوعات رهيبة مثل العادات المتغيرة للقريدس والسلمون وتوافرهما من الموضوعات المثيرة، أو حتى من الموضوعات التي تُثار على الإطلاق؛ فالحياة التي كانت تعيشها في ويل باي، منذ فترة ليست ببعيدة، بدت عشوائية وفوضوية ومرهقة مقارنة بالحياة في المدينة. وقد تخلصت هي أيضًا من الحالة المزاجية التي لازمتها في الشهور الماضية؛ فكانت مفعمة بالحيوية وبدت أقوى وأكثر جمالًا.
لا بد أن يراها إيريك الآن.
كانت تفكر في إيريك على هذا النحو طوال الوقت؛ لم يكن الأمر أنها فشلت في أن تدرك أنه مات، فهذا لم يحدث للحظة واحدة، ولكنها ظلت تشير إليه طوال الوقت في عقلها وكأنه لا يزال الشخص الذي يهمه وجودها أكثر من أي شخص آخر، كما لو أنه لا يزال الشخص الذي تمنَّت أن تلمع دومًا في عينيه، وأيضًا الشخص الذي تجادله وتقدم له المعلومات والمفاجآت. كانت تلك هي إحدى عاداتها التي كانت تحدث تلقائيًّا … فحقيقة موته لم تبدُ وكأنها لها دخل في الأمر.
كما أن خلافهما الأخير لم يُحلَّ على نحو كامل؛ فهي لا تزال تلومه لخيانته. وعندما كانت تتباهى بنفسها الآن؛ فذلك لأنه فعل هذا بها.
العاصفة، العثور على الجثة، المحرقة على الشاطئ؛ كل هذه الأمور كانت شبيهة بالموكب الذي كانت مضطرة لمشاهدته وتصديقه، والذي لا يزال لا صلة له بها أو بإيريك. •••
حصلت على الوظيفة بقسم المراجع بالمكتبة، ووجدت شقة مكونة من حجرتين تستطيع دفع إيجارها، وعادت بينيلوبي إلى تورانس هاوس كطالبة نهارية. جميع شئونهما في ويل باي كانت متوترة، وقد انتهت حياتهما هناك. حتى كريستا كانت ستنتقل إلى مكان آخر، وسوف تأتي إلى فانكوفر في الربيع.
في يوم ما قبل هذا، في أحد أيام شهر فبراير، كانت جولييت تقف تحت المظلة في محطة الحرم الجامعي بعد انتهائها من عملها بعد الظهيرة. كان المطر قد توقف ذلك النهار، وكانت هناك رقعة من السماء الصافية ناحية الغرب، والتي كانت حمراء حيث غربت الشمس فوق مضيق جورجيا. وقد كان لهذه الإشارة على زيادة طول النهار، وأمارات تبدُّل الموسم، تأثير غير متوقع ومدمر عليها.
لقد أدركت أن إيريك قد مات.
طيلة تلك المدة عندما كانت في فانكوفر بدا الأمر كما لو أنه كان ينتظر في مكان ما؛ ينتظر ليرى ما إذا كانت ستواصل حياتها معه، كما لو أن البقاء معه كان خيارًا لا يزال متاحًا؛ فهي تعيش حياتها منذ أن أتت إلى هنا دون أن تسدل الستار على إيريك، دون أن تتفهم تمامًا أن إيريك لم يعد له وجود، لم يعد متبقيًا منه شيء؛ فقد ذوت ذكراه في العالم اليومي والعادي.
إذن هذا هو الحزن. فشعرت كما لو أن جوالًا من الأسمنت قد سُكب فوقها وسرعان ما تحجَّر. استطاعت الحركة بالكاد. صعدت إلى الحافلة ثم هبطت منها، وقطعت مسافة قصيرة حتى منزلها (لماذا تقطن هنا؟) تشبه تسلُّق جرف. والآن لا بد وأن تخفي هذه المشاعر عن بينيلوبي.
وعلى طاولة العشاء بدأت ترتعد، ولكنها لم تستطع فتح أصابعها لإسقاط السكين والشوكة. استدارت بينيلوبي حول الطاولة وفتحت يديها بصعوبة. قالت: «إن لهذا علاقة بأبي، أليس كذلك؟»
قالت جولييت بعد ذلك لعدد قليل من الناس — مثل كريستا — إن تلك الكلمات كانت الأكثر تحريرًا من شعورها بالذنب والأكثر عطفًا، والتي سبق وأن سمعتها من أي شخص.
راحت بينيلوبي تدلِّك ذراعَي جولييت من الداخل لأعلى وأسفل، واتصلت بالمكتبة في اليوم التالي وأخبرتهم أن والدتها مريضة، وظلت تعتني بها لبضعة أيام؛ حيث تغيبت عن المدرسة حتى تعافت جولييت، أو حتى انتهى، على الأقل، الجزء الأسوأ من الأمر.
وخلال هذه الأيام أخبرت جولييت بينيلوبي بكل شيء؛ أخبرتها عن كريستا، والشجار، والمحرقة على الشاطئ (وهو الأمر الذي استطاعت أن تخفيه عنها، بما يشبه المعجزة). أخبرتها بكل شيء.
«ما كان يجب أن أُثقل كاهلك بكل هذا.»
قالت بينيلوبي: «آه، حسنًا، ربما لا.» ولكنها أضافت برباطة جأش: «أسامحك. أعتقد أنني لست طفلة.»
عادت جولييت إلى العالم، وتكررت ثانية هذه النوبة التي داهمتها في محطة الحافلة، ولكن ليس بمثل هذه القوة.
أثناء عملها البحثي في المكتبة، قابلت بعض العاملين في قناة بروفينشال تليفيجن، وقبلت بالوظيفة التي عرضوها عليها. ظلت تعمل هناك قرابة العام قبل أن تبدأ في عقد مقابلات؛ فكل هذه الكتب العشوائية التي قرأتها طوال سنوات (والتي لم تكن تحظى بإعجاب إلو في الأيام التي قضتها في ويل باي)، وكل هذه المعلومات التي اكتسبتها، وذوقها العشوائي واستيعابها السريع، باتت أمورًا أسدتها كثيرًا من النفع الآن. كذلك فإنها نمَّت لديها شعورًا بالتواضع وأسلوبًا استفزازيًّا بعض الشيء بدا أنه يساعدها في عملها. وأمام الكاميرا، لم يكن يقلقها أي شيء تقريبًا. بالرغم من أنها عندما تعود للمنزل، فإنها تذرعه جيئة وذهابًا، منفِّسة عن تشنجاتها أو سبابها عندما تتذكر خطأً أو ارتباكًا ما أو ما هو أسوأ؛ خطأً في النطق. •••
وبعد خمس سنوات، لم تعد تتلقى بطاقات التهنئة بعيد الميلاد.
قالت كريستا: «إنها لم تكن تعني شيئًا؛ إذ كان الغرض من كل البطاقات السابقة هو إخبارك بأنها على قيد الحياة في مكان ما، وهي تتصور الآن أنكِ فهمت المقصود، وتثق في أنك لن ترسلي أحدًا للبحث عنها. هذا هو كل ما في الأمر.»
«هل أثقلت كاهلها بالكثير؟»
«يا إلهي يا جولييت.»
«لا أقصد وفاة إيريك فحسب؛ أعني الرجال الآخرين الذين عرفتهم لاحقًا. لقد جعلتها تشهد الكثير من التعاسة. تعاستي الحمقاء.»
كانت جولييت قد دخلت في علاقتين عاطفيتين خلال ست سنوات منذ أن كانت بينيلوبي في الرابعة عشرة من عمرها وحتى أصبحت في الحادية والعشرين، وقد استطاعت في كلٍّ منهما أن تقع في الحب بجنون، بالرغم من أنها كانت تشعر بالخزي بعد ذلك. أحد الرجلين كان يكبرها بسنوات عدة، وكان متزوجًا وينعم بالاستقرار في زواجه، والآخر كان يصغرها كثيرًا، وأفزعته مشاعرها المتأججة. وقد أدهشتها حقًّا هذه المشاعر التي راودتها عندما فكرت فيها لاحقًا. قالت إنها لم تكن تكترث لأمره كثيرًا.
قالت كريستا التي كانت متعبة: «لا أعتقد أنك اهتممت لأمره، لا أعرف في الواقع.»
«يا إلهي، كم كنت حمقاء! لم تعد تراودني مثل تلك المشاعر إزاء الرجال، أليس كذلك؟»
لم تُشِر كريستا إلى أن ذلك ربما يكون بسبب عدم تودد الكثيرين لها.
«بلى يا جولييت.»
قالت جولييت بعدما صارت أكثر ابتهاجًا: «في الواقع لم أفعل شيئًا سيئًا للغاية. لماذا أنتحب طوال الوقت معتقدة أنه خطئي؟ إنها فتاة غامضة ملغزة، هذا هو كل ما في الأمر. لا بد أن أواجه هذه الحقيقة.»
ثم أضافت في تصميم: «غامضة وملغزة وباردة المشاعر.»
قالت كريستا: «لا.»
قالت جولييت: «لا، ليس صحيحًا.»
وبعد أن مرَّ شهر يونيو الثاني دون أن يَرِدها شيء من ابنتها، قررت جولييت أن ترحل؛ فطوال الخمس سنوات الأولى ظلت تخبر كريستا أنها تنتظر مجيء شهر يونيو، متسائلة ما الذي قد يحدث في ذلك الحين؟ فكان عليها التفكير كل يوم بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور الآن. ولا يتغير شعورها بالإحباط كل يوم.
انتقلت إلى مبنًى متعدد الطوابق في ويست إند. أرادت أن تتخلص من محتويات غرفة بينيلوبي، ولكنها في النهاية جمعتها كلها في أكياس القمامة وأخذتها معها. لم يكن لديها سوى غرفة نوم واحدة الآن، ولكن كان هناك مكان للتخزين في القبو.
بدأت تمارس الركض في متنزه ستانلي. والآن لم تعد تأتي تقريبًا على ذكر بينيلوبي، حتى لكريستا. وقد أصبح لديها صديق حميم — هكذا يسمونهم الآن — والذي لم يسبق له أن سمع شيئًا قط عن ابنتها.
صارت كريستا أكثر نحافة ومتقلبة الحالة المزاجية؛ وفجأة، في يناير، ماتت. •••
لا يستمر الظهور على التليفزيون للأبد؛ فمهما راق وجهك للمشاهدين، يأتي وقت يفضلون فيه شخصًا مختلفًا. عُرضت وظائف أخرى على جولييت؛ منها إجراء أبحاث، أو كتابة التعليق الصوتي للبرامج التي تهتم بالطبيعة، ولكنها رفضتها وهي مبتهجة، واصفة حالها بأنها في حاجة لتغيير جذري. عادت إلى دراستها الكلاسيكية، وقد تراجع حجم القسم عما كان عليه، ورغبت في كتابة رسالة الدكتوراه. ثم انتقلت من شقتها في المبنى متعدد الطوابق إلى شقة مكونة من غرفة واحدة لتوفير المال.
بينما حصل صديقها على وظيفة مدرس في الصين.
كانت شقتها تقع في قبو أحد المنازل، ولكن الأبواب المنزلقة في الخلف كانت تؤدي إلى الطابق الأرضي. وهناك كان لديها فناء ممهد بالحجارة، وتعريشة تضم البازلاء الحلوة وياسمين البر، وأعشاب وزهور في أصص. وللمرة الأولى في حياتها، وعلى نحو محدود للغاية، اهتمت بالبستنة كما فعل والدها.
في بعض الأحيان، يستوقفها الناس — في المتاجر أو في حافلة الحرم الجامعي — «عذرًا ولكن وجهك مألوف.» أو «أوَلستِ السيدة التي كانت تظهر في التليفزيون؟» ولكن بعد عام تقريبًا لم تعد تمر بهذه المواقف. أمضت كثيرًا من الوقت في الجلوس والقراءة وشرب القهوة على طاولات المقاهي على جوانب الطرقات، ولم يكن أحد يلاحظها. تركت شعرها ينمو؛ فخلال السنوات التي ظلت تصبغه فيها باللون الأحمر فقد الحيوية التي كان يستمدها من لونه البني الطبيعي؛ كان بنيًّا مشوبًا بالفضي الآن، جميلًا ومتموجًا. لقد ذكَّرها بوالدتها سارة. شعر سارة الناعم الجميل المتطاير والذي صار رماديًّا ثم أبيضَ.
لم تعد لديها مساحة كافية كي تدعو الناس للعشاء، وكذلك فقدت اهتمامها بوصفات الطبخ. كانت تتناول الوجبات المغذية بالقدر الذي يكفي ولكنها مملة. ودون أن تتعمد هذا، فقدت اتصالها بمعظم أصدقائها.
لم يكن هذا مستغربًا؛ حيث إنها تعيش الآن حياة مختلفة تمامًا عن حياة المرأة الشهيرة كشخصية عامة مفعمة بالحيوية وتمتلئ بالمشاغل وعلى قدر عالٍ من المعرفة والاطلاع. أصبحت تعيش بين الكتب، وتقرأ طوال معظم ساعات يقظتها، وأُرغمت على تغيير أي فرضيات كانت تملكها قبل ذلك أو التعمق فيها. وعادة ما كانت تفوتها أخبار العالم لمدة أسبوع في المرة.
تخلَّت عن فكرة كتابة رسالة الدكتوراه، ووجهت اهتمامها للروائيين الإغريق، الذين كتبوا في وقت متأخر من تاريخ الأدب الإغريقي (بدءًا من القرن الأول قبل الميلاد وحتى بداية العصور الوسطى)؛ أريستيدس، لونجس، هليودورس، أخيل تاتيوس. وقد فُقدت معظم أعمالهم أو وجدت غير كاملة، وقد اتصفت بالفحش. ولكن هناك رواية رومانسية كتبها هليودورس وتسمى إثيوبيكا أو (الإثيوبية) كانت توجد في الأصل في مكتبة خاصة واستعيدت في حصار بوذا، وكانت قد عُرفت في أوروبا منذ أن طُبعت في بازل في ١٥٣٤.
في هذه القصة أنجبت ملكة إثيوبيا طفلة بيضاء، وخشيت أن تُتهم بالزنا؛ لذا وهبتها ليرعاها طائفة الفلاسفة العراه الذين كانوا نسَّاكًا وصوفيين. أُخذت الفتاة التي كانت تدعى خاريكليا في النهاية إلى دلفي؛ حيث أصبحت واحدة من كاهنات أرتيمس. وهناك قابلت نبيلًا من ثيساليا يُدعى تياجنيس، والذي وقع في حبِّها، وبمساعدة رجل مصري ذكي تمكن من اختطافها. واتضح أن الملكة الإثيوبية لم تنسَ قط ابنتها، وكانت قد استعانت بهذا المصري كي يبحث عنها. وتواصلت الأحداث المأساوية والمغامرات حتى التقت كل الشخصيات الرئيسية في مِروي (المدينة القديمة على الضفة الشرقية من نهر النيل)، وتُنقَذ خاريكليا — مرة ثانية — عندما كان أبوها على وشك التضحية بها.
كانت القصة حافلة بالأفكار المثيرة، وقد أبهرت جولييت حقًّا على نحو مستمر؛ وخاصة هذا الجزء الخاص بطائفة الفلاسفة العراة. حاولت أن تعرف أكبر قدر من المعلومات عن هؤلاء الأشخاص، الذين عُرفوا باسم فلاسفة الهندوس. هل ساد اعتقاد وقتها بأن الهند قريبة من إثيوبيا؟ لا، لقد أتى هليودورس متأخرًا كفاية ليعلم جغرافية عصره أفضل من هذا؛ فكان الفلاسفة العراة يهيمون على وجوههم في كل مكان، وينتشرون في مناطق بعيدة، جاذبين ومنفرين هؤلاء الذين كانوا يعيشون بينهم بتفانيهم الشديد لطهارة الحياة والفكر، وازدرائهم للمقتنيات، بل وحتى الملابس والطعام. ونشأة فتاة جميلة بينهم قد يخلِّف اشتياقًا لاأخلاقيًّا إلى حياة الفجور الماجنة.
تعرَّفت جولييت على صديق جديد يُدعى لاري. كان يدرِّس اليونانية، وسمح لجولييت بتخزين صناديقها في قبو منزله. كان يحب أن يتخيل كيف يمكن تحويل رواية إثيوبيكا إلى مسرحية غنائية، شاركته جولييت خياله هذا، لدرجة أنها ألَّفت الأغاني السخيفة للمسرحية ومؤثرات المسرح التي تبدو مستحيلة، ولكنها كانت تنزع سرًّا لوضع نهاية مختلفة، نهاية تنطوي على نكران للذات، وتنقيب في الماضي؛ حيث تحرص الفتاة على مقابلة بعض المحتالين والمشعوذين والدجالين ومحاكاة رثَّة لما كانت تبحث عنه حقًّا. إنها النهاية التي تنطوي على تصالح، في النهاية، مع ملكة إثيوبيا الآثمة والنادمة ذات القلب الكبير. •••
كانت جولييت شبه واثقة أنها رأت الأم شيبتون هنا في فانكوفر. كانت قد أخذت بعض الملابس التي لن ترتديها ثانية أبدًا (فأصبحت خزانة ملابسها مليئة فقط بالملابس العملية) إلى متجر جماعة جيش الخلاص المسيحية، وبينما كانت تضع الحقيبة في غرفة الاستقبال، رأت امرأة بدينة عجوزًا ترتدي ثوبًا فضفاضًا. كانت السيدة تتحدث مع العاملين الآخرين في المتجر. بدت وكأنها مشرفة عليهم؛ إذ كانت مرحة ولكنها متيقظة — أو ربما كانت تنتحل هذا الدور سواء أكانت تتقلده رسميًّا أم لا.
فإن كانت الأم شيبتون في الحقيقة فعلًا، فقد ساءت أحوالها في الحياة، ولكن ليس كثيرًا؛ فإن كانت هي، ألن يكون لديها مخزون كافٍ من الرضا عن الذات ومما ينقذها لتجعل مثل هذا الانحدار مستحيلًا؟
ومخزون من النصائح، النصائح الخبيثة، أيضًا.
تذكرت قولها: «ولكنها أتت إلى هنا وهي تشعر بنهم بالغ.» •••
أخبرت جولييت لاري عن بينيلوبي؛ فكان لا بد أن يكون هناك من يعرف عن الأمر في حياتها. قالت: «أكان ينبغي لي التحدث معها عن الحياة النبيلة؟ التضحية؟ تكريس حياتك لاحتياجات الآخرين؟ لم يسبق لي التفكير في هذا. لا بد وأنني تصرفت كما لو أنه كان ينبغي لها أن تصبح مثلي. هل أثار هذا سقمها؟» •••
كان لاري رجلًا لا يرغب في أي شيء من جولييت سوى صداقتها وحسها المرح. كان ما اعتاد الناس أن يسموه العازب عتيق الطراز، لاجنسيًّا بقدر معرفتها (ولكنها على الأرجح لا يمكنها التأكد من هذا)، شديد الحساسية تجاه البوح بالأسرار الشخصية، ومسليًا إلى أقصى حد.
ظهر في حياتها رجلان آخران كانا يريدانها رفيقة. قابلت أحدهما بينما كانت تجلس على طاولة المقهى التي اعتادت الجلوس عليها. كانت زوجته قد توفيت مؤخرًا. راق لها، ولكن وحدته كانت فجَّة، وكان يطاردها في يأس حتى إنها انزعجت منه.
كان الرجل الآخر هو شقيق كريستا، الذي كانت قد قابلته عدة مرات في حياة كريستا. كانت تحب صحبته — فكان يشبه كريستا في مناحٍ عديدة. انتهى زواجه قبل فترة طويلة، ولم يكن يائسًا — فعلمت من كريستا أن ثَمَّةَ سيدات كن يرغبن في الزواج منه، ولكنه كان يتجنبهن. بَيْدَ أنه كان متعقلًا للغاية، واختياره لها دنا من أن يكون متعمدًا ومدروسًا، فكان ينطوي على شيء مخزٍ.
ولكن لماذا يكون مخزيًا؟ فهي لا تحبه أو شيء من هذا القبيل.
وفي حين كانت لا تزال تربطها علاقة بشقيق كريستا — كان اسمه جاري لامب — قابلت هيذر مصادفة، في أحد شوارع وسط المدينة في فانكوفر. كانت جولييت وجاري خارجين لتوهما من السينما بعد أن شاهدا فيلمًا عُرض في حفلة المساء المبكرة، وكانا يتفقان حول المكان الذي سيذهبان إليه لتناول العشاء. كانت ليلة دافئة من ليالي الصيف، ولم يكن ضوء النهار قد ذوى تمامًا من السماء.
انفصلت سيدة عن مجموعة كانت تقف معها على الرصيف وتوجهت مباشرة صوب جولييت. كانت امرأة نحيفة، في أواخر الثلاثينيات تقريبًا، ترتدي ملابس مسايرة للموضة ويتخلل شعرها الداكن خصلات ملونة.
«سيدة بورتيوس. سيدة بورتيوس.»
تعرَّفت جولييت على الصوت، ولكنها لم تتعرف قط على الوجه. إنها هيذر.
قالت هيذر: «لا أصدق. أنا هنا لثلاثة أيام وسوف أغادر غدًا، وزوجي في مؤتمر. كنت أظن أنني لم أعد أعرف أي أحد هنا ثم استدرتُ ورأيتُك أمامي.»
سألتها جولييت أين تعيش الآن، وأخبرتها أنها تقطن في كونيتيكت.
«ومنذ ثلاثة أسابيع فقط كنت أزور جوش — أتذكرين أخي جوش؟ — كنت أزور أخي جوش وأسرته في إدمنتون وقابلت بينيلوبي مصادفة، في الشارع تمامًا هكذا. لا … في الواقع كان هذا في المركز التجاري؛ ذلك المركز التجاري الضخم لديهم هناك. كان معها أطفالها، فقد أخذتهم لشراء الزي الرسمي للمدرسة التي يذهبون إليها. الأولاد. كنا مذهولتَيْن حقًّا. لم أعرفها على الفور ولكنها عرفتني. لقد انتقلت جنوبًا لتعيش هناك بالطبع، بعد أن كانت في الشمال، ولكنها قالت إنه مكان راقٍ للغاية في الواقع، وأخبرتني أنكِ ما زلت تعيشين هنا، ولكني بصحبة هؤلاء الأشخاص — إنهم أصدقاء زوجي — ولم يسنح لي وقت للاتصال بك.»
أشارت جولييت إلى أنه بالطبع لن يكون لديها متسعٌ من الوقت، وأنها لم تكن تتوقع منها الاتصال.
سألت هيذر عن عدد أطفالها.
«ثلاثة. إنهم جميعًا وحوش. أتمنى لو يكبروا سريعًا. ولكن حياتي هي مجرد نزهة مقارنة بحياة بينيلوبي؛ فلديها خمسة.»
«نعم.»
«عليَّ الذهاب الآن، فنحن ذاهبون لمشاهدة فيلم لا أعرف شيئًا عنه، ولا أحب حتى الأفلام الفرنسية، ولكني سعيدة للغاية لمقابلتك بهذه الطريقة. لقد انتقل أبي وأمي ليعيشا في وايت روك، وقد اعتادا مشاهدتك طوال الوقت على التليفزيون، وكانا يتفاخران أمام أصدقائهما أنكِ عشت في منزلنا. يقولان إنك لا تظهرين بعد الآن على التليفزيون، هل مللتِ من هذا العمل؟»
«شيء من هذا القبيل.»
«أنا آتية، أنا آتية.» عانقتْ جولييت وقبَّلتتها بالطريقة التي يتبعها الجميع الآن، وركضت للِّحاق برفاقها. •••
إذن، بينيلوبي لم تكن تعيش في إدمنتون، بل انتقلت من الشمال إلى إدمنتون. انتقلت من الشمال؛ وهذا يعني أنها كانت تعيش إما في وايت هورس أو يلو نايف. فأيُّ مكان آخر يمكن وصفه بأنه راقٍ للغاية؟ ربما كانت تستخدم أسلوبًا ساخرًا، قاصدة خداع هيذر قليلًا بقولها هذا.
كان لديها خمسة أطفال، وكان اثنان منهم على الأقل صبيانًا. كانت تبتاع لهم زي المدرسة؛ وهذا يعني أنهم في مدرسة خاصة، وهذا يعني أنها ميسورة الحال.
قالت هيذر إنها لم تعرفها في البداية. هل يعني هذا أن علامات التقدم في العمر ظهرت على وجهها؟ وأنها فقدت رشاقتها بعد إنجابها خمسة أطفال؟ وأنها لم تعد تهتم بمظهرها كما كان حال هيذر، وكما هو حال جولييت، إلى حد ما؟ أكانت واحدة من هؤلاء النساء اللاتي بدت لهن فكرة مثل هذه المعاناة سخيفة وأنها بمثابة اعتراف بالشعور بعدم الأمان؟ أو أنه مجرد شيء ليس لديها وقت له — بعيد كل البعد عن تفكيرها؟
ظنت جولييت أن بينيلوبي تعتنق الفلسفة الخارقة للطبيعة، أو صارت صوفية وتقضي حياتها في التأمل، أو أنها — وهو النقيض ولكنه ما زال أمرًا بسيطًا وشجاعًا إلى حدٍّ متطرف — تكسب عيشها من خلال خوض حياة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، ربما من خلال الصيد مع زوجها، وربما أيضًا مع بعض الأطفال الصغار أقوياء البنية، في المياه الباردة في إنسايد باسيدج عند ساحل بريتيش كولومبيا.
ربما كل هذه مجرد أوهام. يحتمل أنها تعيش حياة عملية ومزدهرة كامرأة متزوجة؛ فربما تكون متزوجة من طبيب أو من أحد هؤلاء الموظفين المدنيين الذين يديرون الأجزاء الشمالية من البلاد خلال الوقت الذي يتم فيه نقل سلطاتهم، تدريجيًّا وبحذر، لأهل البلد دون أن يخلو الأمر من بعض الجلبة. إن قُدِّر لها مقابلة بينيلوبي ثانية فسوف تضحكان من الأفكار الخاطئة التي راودت جولييت. وعندما تحكيان عن مقابلتهما لهيذر، ومدى غرابة هذا، فسوف تضحكان.
لا، لا. الحقيقة أنها ضحكت بالفعل على كثير من الأمور المتعلقة ببينيلوبي؛ فالعديد من الأشياء كانت مجرد مزحة، تمامًا كما كانت أشياء أخرى عديدة — أمور شخصية، حكايات عاطفية لا تعدو كونها مجرد نزوات — مجرد مآسٍ. لقد كانت تفتقر إلى ضوابط الأمهات والكياسة وضبط النفس.
قالت بينيلوبي إنها — جولييت — ما زالت تعيش في فانكوفر. إنها لم تخبر هيذر أي شيء عن انقطاع علاقتهما. بالطبع لا؛ فإن أخبرتها بهذا، لما تحدثت معها هيذر بهذه السلاسة.
كيف عرفت بينيلوبي أنها لا تزال تقيم هنا، إلا إذا كانت قد تفقَّدت دليل الهاتف؟ وإن كانت قد فعلت، ما الذي يعنيه هذا؟
لا شيء. لا تجعليه يعني أي شيء.
سارت وهي تكبح زمام نفسها لتنضم إلى جاري، الذي ابتعد بلباقة عن مشهد لم الشمل.
وايت هورس، يلو نايف. كان مؤلمًا معرفة أسماء هذه الأماكن؛ فهي أماكن يمكنها السفر إليها؛ أماكن يمكنها التسكع في شوارعها، ووضع خطط لتُلقي نظرات خاطفة على ابنتها.
ولكنها لم تكن معتوهة إلى هذا الحد. يجب ألا تكون معتوهة إلى هذا الحد.
وعلى العشاء، ظنت أن الخبر الذي استوعبته لتوِّها وضعها في موقف أفضل للزواج من جاري، أو الانتقال لتعيش معه — حسبما يريد. لم يكن هناك شيء تقلق بشأنه، أو تنتظره، فيما يتعلق ببينيلوبي؛ فلم تكن بينيلوبي شبحًا، كانت آمنة، مثلها مثل أي شخص آخر، وسعيدة مثل أي شخص آخر. لقد فصلت نفسها عن جولييت، ويحتمل أيضًا عن ذكراها، ولم يكن على جولييت سوى أن تفصل نفسها عنها هي الأخرى.
ولكنها أخبرت هيذر أن جولييت كانت تعيش في فانكوفر. هل قالت جولييت؟ أم أمي؟
أخبرت جولييت جاري أن هيذر كانت ابنة أصدقاء قدامى. لم يسبق لها التحدث معه قط عن بينيلوبي، ولم تكن ثمة إشارة تدل على معرفته بوجود بينيلوبي من الأساس. ربما تكون كريستا قد أخبرته، وظل هو صامتًا معتبرًا أن هذا ليس من شأنه، أو ربما تكون كريستا قد أخبرته، ونسي الأمر، أو أن كريستا لم تخبره بأي شيء عن بينيلوبي، ولا حتى اسمها.
إن انتقلت جولييت لتعيش معه، فلن تأتي على ذكر بينيلوبي أبدًا، ولن يصبح لها وجود.
وبينيلوبي لم يكن لها وجود؛ فالابنة التي عرفتها جولييت رحلت، والمرأة التي رأتها هيذر في إدمنتون، الأم التي اصطحبت أطفالها لتشتري لهم زي المدرسة، والتي تغير وجهها وجسدها حتى إن هيذر لم تعرفها، لم تكن شخصًا تعرفه جولييت.
هل تصدق جولييت هذا؟
إن كان جاري قد لاحظ أنها غاضبة فقد تظاهر بأنه لا يلاحظ شيئًا، ولكن في هذه الليلة على الأرجح أدرك كلاهما أنهما لن يظلا معًا؛ فلو كان هناك أمل في استمرار علاقتهما، لكانت أخبرته: «رحلتْ ابنتي دون أن تودعني، حقيقة هي لم تكن تعلم في الغالب حينئذ أنها راحلة. لم تعلم وقتها أنها كانت سترحل للأبد، وأعتقد أنها بدأت تدرك تدريجيًّا أنها تريد أن تظل بعيدة. إنها مجرد طريقة وجدتها لتتولى أمور حياتها.»
«ربما لا تستطيع مواجهتي وتفسير الأمر لي، أو لم يكن لديها وقت لذلك. كما تعلم نحن عادة ما نعتقد أن هناك هذا السبب أو ذاك ولا نتوقف عن محاولة إيجاد أسباب، ويمكنني أن أخبرك الكثير عن الأخطاء التي ارتكبتُها، ولكني أعتقد أن السبب ربما يكون شيئًا من السهل معرفته. شيء من قبيل طبيعتها النقية. نعم؛ فهي تتمتع بالنقاء والصرامة والطهارة والصدق الشديد. اعتاد أبي أن يقول عن شخص يبغضه إنه لا يحتاجه ولا يحبه. ألا يمكن أن تعني هذه الكلمات ببساطة معناها الظاهري؟ نعم، بينيلوبي لا تحتاجني ولا تحبني، وربما لا تطيقني. هذا محتمل.» •••
كان لدى جولييت أصدقاء، ورغم أنها ليس لديها الكثير منهم الآن، ولكنهم يظلون أصدقاء. واصل لاري زيارتها والمزاح معها، وواصلت هي دراساتها. وكلمة دراسات لا تبدو أنها تصف بدقة ما تفعله؛ فاستقصاءات هي الكلمة الأفضل.
ولأنها كانت بحاجة للمال؛ فقد كانت تعمل بضع ساعات كل أسبوع في المقهى الذي اعتادت الجلوس على طاولته على جانب الشارع. وجدت أن هذا العمل يحقق توازنًا جيدًا مع انخراطها مع الإغريق القدماء — إلى حد كبير — حتى إنها اعتقدت أنها لن تتركه حتى لو تحسَّنت أوضاعها المالية.
ظلت تأمل أن تتصل بها بينيلوبي، ولكن ليس بأي جهد من جانبها؛ فهي تتمنى كما يتمنى الناس الأكثر حكمة أن ينالوا نعمًا لا يستحقونها، وغفرانًا عفويًّا، وأشياء من هذا القبيل.
الهروب |
عاطفة
منذ فترة ليست ببعيدة، ذهبت جريس للبحث عن منزل آل ترافرس الصيفي بوادي أوتاوا. لم تأتِ لهذا الجزء من المدينة منذ عدة سنوات، وبالطبع كان هناك العديد من التغييرات؛ فأصبح الطريق السريع ٧ الآن لا يمر من خلال العديد من المدن التي كان يمر من خلالها مباشرة، وأضحى يقطع مباشرة الأماكن التي تذكر أنها كانت عبارة عن منعطفات. ويحتوي هذا الجزء من الدرع الكندي على العديد من البحيرات الصغيرة التي لا يوجد لها مكان على الخريطة ليحددها. وحتى عندما استطاعت تحديد بحيرة ليتل سابوت — أو هكذا اعتقدت — بدا أن هناك العديد من الطرق التي تؤدي إليها من خلال طريق المقاطعة، ثم عندما اختارت أحد هذه الطرق، كان هناك العديد من الطرق الممهدة التي تقطعه، وكلها تحمل أسماءً لا تستطيع تذكُّرها. في الواقع لم يكن هناك أي أسماء لشوارع عندما جاءت هنا منذ أربعين عامًا، ولا أي طرق ممهدة أيضًا. لم يكن هناك سوى طريق واحد غير ممهد يمتد باتجاه البحيرة، ثم طريق آخر غير ممهد يمر على نحو عشوائي على حافة البحيرة.
أما الآن فتوجد قرية، أو يمكن أن يُطلق عليها ضاحية؛ لأنها لم تلمح أي مكتب للبريد بها، أو حتى أي متجر من المتاجر المتواضعة. وتقع المستوطنة على بُعد أربعة أو خمسة شوارع للداخل بعيدًا عن البحيرة؛ حيث تضم بعض المنازل الصغيرة التي يصطفُّ بعضها بالقرب من بعض على قطع أرض صغيرة. كان بعضها بلا شك عبارة عن أماكن لقضاء فصل الصيف؛ فالنوافذ مغلقة ومغطاة بألواح خشبية، وهذا ما يفعله الناس في العادة قبل حلول فصل الشتاء. لكن ثَمَّةَ العديد من المنازل الأخرى التي دلَّ مظهرها على أن سكانها مقيمون بها طوال العام؛ حيث كان بعض الأشخاص يملئون أفنيتها بأجهزة الألعاب الرياضية البلاستيكية الملونة، وأدوات الشواء في الهواء الطلق، والدراجات الثابتة، والدراجات البخارية، وطاولات الرحلات التي جلس قبالتها البعض يتناولون الغداء أو يحتسون الجعة في هذا اليوم من أيام شهر سبتمبر حيث ما زال الطقس دافئًا. وكان يقطنها أيضًا أناس آخرون لا يراهم الناس كثيرًا؛ علَّهم كانوا طلبة أو بعض الهيبيز الذين يعيشون بمفردهم، وقد وضعوا الأعلام أو رقائق القصدير لتحل محل الستائر. كانت هذه البيوت صغيرة، ذات مستوًى لائق في أغلبها، زهيدة الثمن، وقد عولج بعضها لتحمُّل فصل الشتاء، بينما لم يعالج البعض الآخر.
كانت جريس ستقرر أن تعود أدراجها إن لم تجد المنزل ذا الثماني زوايا، المزين سقفه بالنقوش الشبكية، والذي يحتوي على أبواب في أربعة جدران، وهذا هو منزل آل وودز. كانت دومًا ما تذكر أنه كان يحتوي على ثمانية أبواب، لكن يبدو أنها كانت أربعة فقط. في الواقع هي لم تدلف إلى داخل المنزل قط لترى كيف كان ذلك أو ما إذا كانت مساحته مقسمة إلى حجرات. إنها لا تعتقد أيضًا بأن هناك أحدًا من عائلة ترافرس قد دخل إلى هذا المنزل من قبل كذلك. وكان المنزل محاطًا بكمٍّ كبير من الشجيرات التي تشكِّل سياجًا — كانت كذلك فيما مضى — وبشجرة الحور الرائعة التي كانت تُصدر حفيفًا عندما تهزها الرياح وقت هبوبها بطول الشاطئ. كان السيد والسيدة وودز متقدمَيْن في العمر — كما هو حالها الآن — ويبدو أنهما لم يكن يزورهما أيٌّ من الأصدقاء أو الأبناء، وقد بدا على منزلهم ذي الأصالة والطراز الغريب مظهرٌ بائس كأنه مهجور؛ فكان الجيران يراكمون حول أحد جوانب المنزل المسجلات الموسيقية الضخمة، وفي بعض الأحيان أجزاء مفككة من عرباتهم وألعابهم، وغسيلهم.
أصبح هذا هو الحال الآن مع منزل ترافرس أيضًا حينما عثرت عليه على مسافة ربع ميل أو نحو ذلك على طول هذا الطريق. أصبح الطريق يمر بجواره الآن، بعدما كان ينتهي عنده من قبل. أما المنازل التي تقع على جانبَيْه فتبعد أقدامًا قليلة عن الشرفة الواسعة الملتفة حول المنزل.
كان أول منزل تراه جريس مصممًا بهذه الطريقة؛ فهو يرتفع لطابق واحد، يمتد سقفه دون انفصال فوق الشرفة المحيطة به على كافة الجوانب، لكنها رأت فيما بعد مثل هذا التصميم في أستراليا، وهو تصميم يجعلك تفكر في شدة حرارة فصول الصيف.
وكان من الممكن في السابق الانتقال من الشرفة عبر النهاية المغبرة لطريق السيارات، ثم عبر رقعة من الأرض الرملية المليئة بالأعشاب والتوت البري — وهي أيضًا من ممتلكات آل ترافرس — ثم القفز — بل في الواقع الخوض — في البحيرة. أما الآن فيمكنك بالكاد رؤية البحيرة بسبب ذلك البيت الضخم؛ وهو واحد من بعض منازل الضواحي القليلة هنا، الذي يحوي مرأبًا للسيارات يسع سيارتين، وقد تم بناؤه عبر ذلك الطريق.
لكن ما الذي كانت تبحث عنه جريس عندما قررت أن تقوم بتلك الرحلة الاستكشافية؟ ربما الشيء الأسوأ هو أن تحصل على ما اعتقدت أنها تبحث عنه وتريده. بيت ذو سقف جميل يظلله، ونوافذ ذات ستائر، والبحيرة ممتدة أمامه، وخلفه تقف أشجار القيقب، والأرز، وبلسان جلعاد. أن تظل آثار الماضي محمية جيدًا، ويظل كما هو دون أن يمسه أحد بتغيير، بينما لا ينطبق ذلك عليها هي. أن تجد شيئًا قد تضاءل بشدة، فرغم أنه موجود فإنه استُبعد — كما هو الحال مع منزل ترافرس الآن، بنوافذه الإضافية الناتئة من السقف المائل، وطلائه الأزرق المفزع — أمر قد يقل إيلامه على المدى الطويل.
لكن ماذا لو اكتشفت أن كل شيء زال تمامًا؟ قد تُحدِث جلبةً وضجيجًا. وإذا ما أتى أحد وأنصت إليك، فستنوح باكيًا على الخسارة، لكن ألن يجتاحك شعور بالراحة؛ لأن أسباب الارتباك القديمة وبعضًا من جوانب الالتزام تلاشت؟ •••
كان السيد ترافرس قد شيَّد ذلك المنزل، أو بالأحرى أمر ببنائه كهدية زواجه من السيدة ترافرس، وجعله مفاجأة لها. وعندما رأته جريس لأول مرة، كان قد مر على بنائه نحو ثلاثين عامًا. كان ثمة تباعد بين أبناء السيدة ترافرس في أعمارهم على نحو كبير؛ جريتشن تبلغ الثامنة والعشرين أو التاسعة والعشرين من عمرها، وهي الآن متزوجة وصارت أمًّا، أما موري فيبلغ الحادية والعشرين، وهو يمضي آخر عام له بالجامعة. ثم هناك نيل وهو في منتصف الثلاثينيات، لكن نيل لا ينتمي لعائلة ترافرس. إنه يُدعى نيل بورو؛ إذ كانت السيدة ترافرس متزوجة من قبل، وتوفي زوجها، فعملت كمدرسة للغة الإنجليزية المختصة بأغراض التجارة في أحد معاهد السكرتارية؛ لتكسب عيشها وتتمكن من الإنفاق على طفلها. وكان السيد ترافرس عندما يشير إلى تلك الفترة من حياتها قبل أن يلتقي بها يصفها بأنها فترة من الكد والتعب تشبه عقوبة الأشغال الشاقة، وهي فترة يصعب التعويض عنها بالعيش في دعة وراحة لبقية العمر، وهي الراحة التي وفرها لها عن رضا منه وسعادة.
لكن السيدة ترافرس ذاتها لم تتحدث عنها على هذا النحو على الإطلاق؛ فلقد عاشت مع نيل في منزل كبير مقسم إلى شقق صغيرة لا يبعد كثيرًا عن خطوط السكك الحديدية في مدينة بِمبروك. أما القصص التي كانت ترويها على العشاء، فكانت تتناول بعض المواقف والأحداث التي مرت بها هناك؛ سواء عن جيرانها من المستأجرين، أو المالك الكندي ذي الأصول الفرنسية التي كانت تقوم بتقليد لهجته الفرنسية الحادة المتداخلة مع لغته الإنجليزية. وقد تحمِل هذه الأقاصيص بعض الأسماء؛ مثل قصص ثيربر التي قرأتها جريس في «مختارات من الفكاهة الأمريكية»، التي كانت موجودة دون سبب واضح على أحد أرفف المكتبة في نهاية فصلها بالصف العاشر (كان هناك أيضًا على ذلك الرف رواية «آخر البارونات»، ورواية «العامان الأخيران قبل تنكيس العلم»).
«الليلة التي خرجت فيها السيدة كرومارتي العجوز إلى سطح المنزل»، «كيف غازل ساعي البريد الآنسة فلاورز»، «والكلب الذي التهم السردين.»
أما السيد ترافرس فلم يكن يروي أي أقاصيص، ولم يكن لديه الكثير ليقوله على العشاء، لكن إن حدث وشاهدك على سبيل المثال وأنت تتطلع إلى المدفأة المصنوعة من الأحجار، فربما يقول لك: «هل أنت مهتم بالصخور؟» ثم يشرع في إخبارك عن المكان الذي أتت منه كل صخرة، وكيف أضناه البحث عن الجرانيت ذي اللون الوردي؛ لأن السيدة ترافرس قد تعجَّبت ذات مرة من صخرة تشبهها كانت لمحتها على جانب الطريق، أو قد يعرض عليك بعض السمات التي لا تعد غير اعتيادية والتي قام هو نفسه بإضافتها إلى تصميم المنزل؛ مثل أرفف الخزانة التي تتدلى للخارج في زاوية المطبخ، ومساحة التخزين التي أضافها أسفل المقاعد الموضوعة تحت النوافذ. كان السيد ترافرس رجلًا طويل القامة، به بعض التحدُّب، ذا صوت هادئ، وشعر خفيف ينسدل بنعومة فوق فروة رأسه. كان يرتدي حذاء الاستحمام عندما كان يذهب للسباحة، وبالرغم من أنه لم يكن يبدو ممتلئًا في ملابسه المعتادة، فكانت تظهر تراكمات من اللحم الأبيض متدلية أعلى سروال السباحة القصير. •••
عملت جريس هذا الصيف في النُّزُل القابع في بيليز فولز شمال بحيرة ليتل سابوت. وكانت عائلة ترافرس قد ذهبت لتناول العشاء هناك ذات مرة في بداية فصل الصيف، لكنها لم تلحظ وجودهم؛ فلم يجلسوا على إحدى الطاولات التي تقع في نطاق خدمتها، وكانت تلك الليلة مزدحمة؛ فكانت تقوم بإعداد إحدى الموائد من أجل مجموعة جديدة عندما أدركت أن هناك شخصًا يريد التحدث إليها.
وكان موري. قال: «أتساءل إن كنتِ تودين أن نخرج معًا في وقت ما؟»
كانت جريس نادرًا ما ترفع بصرها وهي تقوم بوضع أدوات المائدة الفضية على المائدة. قالت: «أذلك رهان؟» فقد كان صوته عاليًا يشوبه بعض التوتر، وكان متسمِّرًا في مكانه دون حراك، وبدا وكأنه يجاهد ليجبر نفسه على ذلك. وكان من المعروف أنه في بعض الأحيان قد تقوم مجموعة من الشباب الذين يقطنون في بعض الأكواخ المجاورة بالمراهنة فيما بينهم على التجرؤ على دعوة إحدى النادلات للخروج معهم. ولا يكون الأمر مجرد مزحة؛ فالشخص الذي طلب إليها الخروج يأتي عادة في الموعد إذا ما وافقت هي على ذلك، لكنه قد يقصد في بعض الأحيان الجلوس معها في السيارة قليلًا، ولا يدعوها لمشاهدة أحد الأفلام أو حتى لتناول القهوة؛ لذا كان قبول هذه الدعوة أمرًا مخزيًا، بل وقاسيًا، لأي فتاة.
قال بألم: «ماذا؟» توقفت جريس عما تفعله، ونظرت نحوه. بدا لها أنها كشفت شخصيته في تلك اللحظة؛ شخصية موري الحقيقية؛ خائف، عنيف، ساذج، ذو عزم وتصميم.
ردت بسرعة: «حسنًا.» ربما كانت تعني حسنًا، اهدأ، أعلم أنه ليس رهانًا، أعلم أنك لا تفعل ذلك. أو ربما كانت حسنًا، سأذهب معك. هي نفسها كانت بالكاد تعرف مقصدها، لكنه اعتبر الكلمة موافقة على اللقاء، وعلى الفور رتَّب معها — دون أن يخفض من صوته، أو يلمح نظرات الجالسين على الطاولات المحيطة بهما — بأنه سيمر لاصطحابها في اليوم التالي بعد انتهاء عملها.
وبالفعل، اصطحبها إلى السينما، وشاهدا فيلم «أبو العروسة». وقد كرهته جريس؛ كرهت الفتيات أمثال إليزابيث تيلور في ذلك الفيلم؛ فقد كانت تكره الفتيات الغنيات المدللات، اللاتي لا يُطلب منهن شيء، لكنهن من يتدللن ويطلبن ما يشأن. فقال موري إنها فقط نوع من الكوميديا، فأجابته جريس إن ذلك ليس هو المقصد، لكنها لم توضح مقصدها. وقد يعتقد أي شخص أنها تقول ذلك لأنها تعمل نادلة، ولأنها فقيرة بدرجة منعتها من الالتحاق بالجامعة، وأنها إن أرادت أن تحظى بزفاف كهذا، فعليها أن تمضي سنواتٍ تدخر النقود حتى تتمكن من إقامة واحد مثله وتسدد هي ثمنه (وقد كان هذا أيضًا رأي موري، وغمره شعور بالاحترام تجاهها، بل ربما وصل شعوره إلى درجة التبجيل).
لم تستطع أن تشرح، أو تفهم تمامًا، أنه ليس الشعور بالغيرة الذي انتابها على الإطلاق، إنما هو الغضب الشديد. ولم يكن منبع ذلك الغضب عدم مقدرتها على التسوق بهذه الطريقة، أو أنها لا تستطيع أن ترتدي مثل ذلك، لكن لأن هذا ما يفترض الآخرون أن تكون عليه الفتيات؛ وهو ما يعتقد الرجال، والناس أجمعين، أنه ما ينبغي أن تكون عليه أي فتاة؛ جميلة، غنية، مدللة، مُحبَّة لذاتها، ولا تتسم بأي نوع من الذكاء. هذا ما يجب أن تتصف به الفتاة حتى تجد من يقع في حبها، ثم تصبح أمًّا فيما بعد وتكرِّس كل مشاعرها لأطفالها؛ وحينها لا تتسم بالأنانية، إنما بالحماقة والغباء، إلى الأبد.
كانت تستشيط غضبًا بسبب ذلك بينما تجلس بجانب صبي أحبَّها لأنه آمَن، على الفور، بتكامل عقلها وروحها وتفردهما، ورأى أن فقرها أضاف لمحة من الرومانسية على ذلك (لقد أدرك أنها فتاة فقيرة ليس فقط بسبب عملها كنادلة، وإنما لِلَهجة أهل وادي أوتاوا الواضحة التي تتحدث بها، والتي لم تنتبه إليها إلى الآن).
احترمَ مشاعرها تجاه الفيلم؛ والآن وبعد أن أصغى لمحاولاتها وهي غاضبة لتفسير وجهة نظرها، جاهد هو الآخر لأن يقول لها شيئًا في المقابل. قال إنه يرى الآن أن ما تشعر به ليس شيئًا بسيطًا، شيئًا أنثويًّا للغاية، كالغيرة. لقد رأى ذلك؛ رأى أنها ليست في موضع تنافس مع الأخريات، ولا ترضى بأن تكون مثلها مثل الأخريات. إنها مميزة.
ظلت جريس تذكر دومًا ما كانت ترتديه في تلك الليلة؛ تنورة مثل تنورات لاعبات الباليه ذات لون أزرق داكن، كنزة بيضاء تستطيع أن تلمح الجزء العلوي من صدرها من خلال عروات الأزرار ذات الكشكشة، وحزامًا مطاطيًّا عريضًا وردي اللون. كان هناك، بلا شك، تناقض شديد بين الأسلوب الذي قدَّمت به نفسها وبين الأسلوب الذي تريد أن يحكم به الآخرون من خلاله عليها. ولم يكُ ثَمَّةَ شيء جميل، أو لافت، أو مبهر بشأن طريقة ملبسها إذا ما قارناه بأسلوب ذلك الوقت؛ فكانت ملابسها المهترئة قليلًا عند أطرافها في الواقع قد أصبغت عليها مظهر الغجر، وهو ما أكَّده ذلك السوار الفضي الزهيد، وشعرها البربري الداكن الطويل المجعد، الذي كانت تعقصه بمشبك عند خدمتها للطاولات أثناء عملها.
كانت مميزة.
حكى عنها لأمه التي قالت: «عليكَ أن تدعو هذه الفتاة جريس إلى العشاء.» •••
كان هذا الأمر جديدًا عليها تمامًا، بل إنه أشعرها بالبهجة والسرور على الفور. إنها في حقيقة الأمر، قد وقعت في حب السيدة ترافرس كما وقع موري في حبِّها، ولم يكن من طبيعتها أن تبدي دهشتها وإعجابها وحبها بسهولة كما كان الحال معه. •••
تَرَبَّت جريس على يد عمها وعمتها، بل في الواقع عم والدها وعمته؛ فلقد تُوفيت والدتها عندما كانت في الثالثة من عمرها، وانتقل والدها إلى ساسكاتشيوان؛ حيث أصبح لديه عائلة جديدة. كانت أسرتها البديلة تعطف عليها، بل وتفخر بها، رغم شعورهم ببعض الحيرة تجاهها، لكنهم لم يكونوا معتادين على التحاور. كان العم يصنع الكراسي من الخيزران ليكسب قوت يومه، وقد علَّم جريس كيف تقوم بذلك؛ حتى تساعده في عمله، وقد حلَّت محله في النهاية بعد أن ضعف بصره بشدة، لكنها حصلت بعد ذلك على عمل في بيليز فولز أثناء فصل الصيف. وبالرغم من أنه كان من الصعب عليه، وعلى عمتها أيضًا، أن يدَعاها تذهب، فإنهما اعتقدا أنها تحتاج لتَذَوُّقِ بعضٍ من تجارب الحياة قبل أن يستقر بها المقام.
كانت تبلغ من العمر حينها عشرين عامًا، وقد أنهت لتوِّها مدرستها الثانوية. كان من المفترض أن تنهي دراستها منذ عام مضى، لكنها اختارت شيئًا غريبًا؛ ففي المدينة الصغيرة جدًّا التي كانت تعيش فيها — وهي لا تبعد كثيرًا عن بِمبروك حيث تعيش عائلة ترافرس — كان هناك مدرسة ثانوية بها خمسة صفوف تؤهلك لاجتياز الاختبارات الحكومية وللشهادة التي كانت تُسمَّى حينها الشهادة العليا لاجتياز مرحلة القبول بالجامعة. ولم يكن من الضروري دراسة كل المواد المتاحة بالمدرسة، وفي نهاية عامها الأول بالمدرسة — وهو من المفترض أنه عامها الأخير، وهو الصف الثالث عشر — اجتازت جريس اختبارات في مواد التاريخ وعلم النبات وعلم الحيوان، واللغات الإنجليزية واللاتينية والفرنسية، وحصلت على درجات عالية هي ليست بحاجة إليها. وعادت مرة أخرى إلى المدرسة في شهر سبتمبر لكي تدرس مواد الفيزياء والكيمياء وحساب المثلثات والجبر، برغم أن كل هذه المواد تعد شاقة وصعبة الفهم بالنسبة للفتيات. وعندما أنهت دراستها لهذا العام كان من المفترض أنها درست كل مواد الصف الثالث عشر فيما عدا اللغات اليونانية والإيطالية والإسبانية والألمانية، والتي لم يكن هناك أي مدرس في المدرسة يقوم بتدريسها. أبلت بلاءً حسنًا في كل فروع الرياضيات وفي المواد العلمية، لكن لم تكن درجاتها مبهرة مثل العام الذي قبله. وقد فكرت في أن تدرس هي بنفسها اللغات اليونانية والإسبانية والإيطالية والألمانية؛ وذلك حتى تجتاز اختبارات العام المقبل، لكن حدَث أن تحدَّث معها مدير المدرسة، وأخبرها بأنها لن تجني شيئًا من وراء ذلك طالما أنها لن تتمكن من الالتحاق بالجامعة، وعلى كلٍّ فإن أي دراسة جامعية لا تتطلب كل هذا الكم الهائل، فلِمَ تكلف نفسها مشقة ذلك؟ هل لديها خطط معينة؟
أجابت جريس بالنفي، وأنها فقط تريد أن تتعلم كل شيء طالما أنه متاح ومجاني. وذلك قبل أن تبدأ حياتها المهنية في صنع الخيزران.
كان مدير المدرسة هو من يعرف مدير النُّزُل، وقال إنه سيزكِّيها للعمل إن أرادت أن تجرب عمل الضيافة في الصيف. لقد ذكر هو الآخر مسألة تذوق خبرات الحياة.
لذا حتى الرجل المسئول عن شئون التعليم في هذا المكان لا يعتقد أن التعليم له علاقة بالحياة العملية، وكانت جريس عندما تخبر أيَّ أحد عما اجتازته في المدرسة — حيث كانت تتحدث عن ذلك لشرح سبب تأخرها في ترك المدرسة الثانوية — تسمع عبارات من قبيل: لا بد وأنكِ كنتِ مجنونة.
كلهم قالوا ذلك فيما عدا السيدة ترافرس التي أُرسِلَت إلى كلية الأعمال (التي تقتصر على دراسات السكرتارية والإدارة) بدلًا من أن تذهب لكلية حقيقية؛ لأن مَنْ حولها أخبروها أن عليها أن تكون مفيدة، وهي التي تقول الآن إنها تتمنى لو كانت قد حشت ذهنها بدلًا من هذا أو قبله بما ليس له فائدة على حد قولهم.
قالت: «ورغم ذلك كان يجب عليكِ بالفعل العمل لكسب قوت يومك. على العموم، فإن صنع مقاعد الخيزران يبدو أنه شيء مفيد على أي حال، وسنرى.»
نرى ماذا؟ لم تكن جريس ترغب في أن تفكر بالمستقبل على الإطلاق؛ كانت تريد أن تستمر الحياة كما هي عليه الآن، وقد استطاعت من خلال تبادل مناوبات العمل مع فتاة أخرى أن تحصل على إجازة أيام الآحاد بدءًا من وقت الإفطار إلى نهاية اليوم، وكان هذا يعني أن عليها أن تعمل حتى وقت متأخر في أيام السبت. وفي حقيقة الأمر فإن هذا معناه أن تستبدل الوقت الذي تمضيه مع موري بالوقت الذي تقضيه بصحبة عائلة موري. لم يكن باستطاعتها هي وموري أن يشاهدا أي فيلم معًا الآن، أو أن يتواعدا ويمضيا وقتًا معًا، لكنه كان يمر ليصحبها عندما ينتهي عملها في نحو الحادية عشرة مساءً، ويتنزها بالسيارة، ويتوقفا لتناول الآيس كريم أو الهامبورجر؛ فقد كان موري حريصًا على ألا يأخذها إلى أي من الحانات؛ لأنها لم تبلغ الحادية والعشرين بعد، ثم ينهيا رحلتهما بالتوقف بالسيارة في أي مكان.
وقد اتضح أن ذكرياتها عن الأوقات التي كانا يتوقفان فيها بالسيارة — والتي كانت تستمر حتى الواحدة أو الثانية صباحًا — أكثر تشويشًا من ذكرياتها عن الأوقات التي كانت تجلس فيها حول مائدة الطعام المستديرة في منزل عائلة ترافرس، أو عندما ينهض الجميع من أمام المائدة — حاملين في أيديهم أقداح القهوة أو العصائر الطازجة — ويجلسون على الأريكة المصنوعة من الجلد بلونها الداكن، أو الكراسي الهزازة ومقاعد الخيزران ذات الوسائد الوثيرة في طرف الغرفة (لم يكن هناك أي ضجة بشأن غسل الصحون أو تنظيف المطبخ؛ فهناك امرأة، تُلقِّبها السيدة ترافرس «بصديقتي البارعة السيدة آبل»، تأتي في الصباح لتقوم بذلك).
وكان موري يجذب عادة بعض الوسائد ويضعها على السجادة ليجلس عليها، أما جريتشن — التي لم تكن ترتدي شيئًا على العشاء سوى بنطالها الجينز أو سروال الجيش — فعادة ما كانت تجلس القرفصاء على أحد المقاعد العريضة. كانت هي وموري ذوَي أكتاف عريضة، وقد ورثا بعضًا من ملاحة أمهما؛ بشعرها المموج بلون الكراميل، وعينيها البنيتين اللتين يطل منهما الدفء. أما موري فاختُصَّ بغمازتين في وجنتيه، جعلته «وسيمًا» كما أطلقت عليه بعض النادلات الأخريات، وكن يُطلقن صفيرًا خافتًا مبدين إعجابهن به. ورغم جمال السيدة ترافرس فإن طولها كان خمسة أقدام بالكاد، ولم تبدُ سمينةً أسفل ردائها الطويل الفضفاض، وإنما ممتلئة الجسم مثل الطفل الصغير الذي لم يشبَّ عن الطوق بعد. أما ذلك البريق ونظرات العزم والتصميم التي تطل من عينيها فلا يستطيع أحد أن يقلِّدها ولا يمكن توارثها، ولا حالة التفاؤل والبهجة التي تغمرها طوال الوقت. ولم يزيِّن وجنتيها سوى ذلك الاحمرار الشديد الذي يشبه الالتهاب، والذي يحتمل أن يكون ناتجًا عن خروجها مهما كانت حالة الطقس دون التفكير في حماية بشرتها. وكقوامها الممتلئ، وفستانها الفضفاض كانت بشرتها تعكس مدى شخصيتها المستقلة.
وفي بعض الأحيان يأتي بعض الضيوف، بجانب العائلة، في أمسيات الآحاد هذه. ربما يأتي زوجان، وربما شخص واحد، وفي الغالب يقاربون السيد والسيدة ترافرس في العمر وفي الشخصية؛ حيث تجد النساء تتسم بالذكاء والتحمس، بينما تجد الرجال أهدأ وأبطأ، وأكثر تسامحًا. وكانوا يقصُّون حكايات مسلية؛ حيث كانوا يتندَّرون في الغالب على أنفسهم (أصبحت جريس تنهمك في الحديث لفترات طويلة الآن لدرجة أنها قد تسأم من ذاتها في بعض الأحيان، وأصبح من الصعب أن تتذكر كيف كانت تبدو تلك الحوارات على العشاء شيئًا جديدًا بالنسبة لها في أول الأمر. ومن حيث أتت من مدينتها الصغيرة، كانت معظم الحوارات المرحة التي تدور هناك أساسها النكات الخارجة، والتي لم يكن ليشترك فيها بالطبع عمها أو عمتها. وفي مناسبات نادرة، عندما يكون لديهم صحبة، كان الحوار يأخذ شكل إطراء على الطعام أو اعتذار عنه، أو مناقشة بشأن أحوال الطقس تصاحبها رغبة شديدة في أن تنتهي الوجبة بأسرع وقت ممكن).
وإذا ما كان الطقس باردًا بعد انتهاء العشاء في منزل عائلة ترافرس، فإن السيد ترافرس يقوم بإشعال المدفأة، وكانوا يلعبون ما أسمته السيدة ترافرس «لعبة الكلمات البلهاء»، وينبغي أن يكون الأشخاص الذين يلعبونها على قدرٍ من الذكاء، حتى لو كانوا يفكرون في تعريفات سخيفة. وأثناء اللعبة تجد الشخص الذي كان هادئًا وقت العشاء وقد بدأ يشارك ويتألق، وتتولد وتبنى المناقشات الساخرة حول بعض المزاعم السخيفة اللامعقولة. كان وات زوج جريتشن يقوم بذلك، ثم أصبحت جريس تشارك أيضًا، الأمر الذي أسعد السيدة ترافرس وموري (فيهتف موري مثيرًا بهجة الجميع فيما عدا جريس: «أرأيتم؟ ألم أقل لكم إنها تتسم بالذكاء؟») وكانت السيدة ترافرس نفسها هي التي تقود اللعبة بتكوين الكلمات وتدافع عنها بشدة، مؤكِّدة على أنه لا ينبغي أن تتحول اللعبة إلى الجد، أو أن يشعر أي لاعب بالتوتر الزائد.
والمرة الوحيدة التي لم يسعد فيها أي شخص باللعبة كانت عند حضور ميفيس — زوجة نيل ابن السيدة ترافرس — لتناول العشاء. وكانت ميفيس وطفلاها لا يقطنون بعيدًا؛ بل كانوا يقيمون في منزل والديها بالقرب من البحيرة. ولم يكن موجودًا في تلك الليلة سوى العائلة وجريس، وكان من المتوقع أن يصطحب كلٌّ من ميفيس ونيل طفليهما الصغيرين معهما، لكن ميفيس أتت بمفردها؛ لأن نيل — الذي يعمل طبيبًا — كان مشغولًا في عمله في نهاية هذا الأسبوع في أوتاوا. وشعرت السيدة ترافرس بخيبة أمل، لكنها استعادت بهجتها وقالت في حيرة مرحة: «لكن الطفلين ليسا في أوتاوا بالتأكيد؟»
«لا، للأسف، ولكنهما ليسا لطيفين، وأنا على ثقة من أنهما سيصيحان طوال العشاء؛ فقد أصيب الرضيع بحرارة شديدة، والله وحده يعلم ماذا ألمَّ بمايكي.»
كانت امرأة نحيفة القوام أكسبتها الشمس لونًا برونزيًّا، ترتدي فستانًا أرجوانيًّا، وقد عقصت شعرها الأسود الداكن للخلف بشريط أرجواني يتناغم مع ردائها. كانت جميلة، لكن تعلو جوانب فمها علامات الضجر والاستياء. تركت معظم طعامها في الصحن، موضِّحة أنها مصابة بالحساسية ضد الكاري.
قالت السيدة ترافرس: «يا للأسف! أهذا شيء جديد؟»
«أوه، لا، إنني مصابة به منذ سنوات، لكنني لم أكن أرفض الطعام أدبًا، لكني سئمت من التقيؤ طوال الليل.»
«لو أنَّك فقط أخبرتِني بذلك، ماذا يمكنني أن أحضر لك؟»
«لا تشغلي بالك، إنني على ما يرام، وليس لديَّ شهية للطعام على أي حال، يكفيني حرارة الأمومة ومتعتها.»
ثم أشعلت سيجارة.
وبعد فترة، وأثناء اللعبة، دخلت في نقاش مع وات بشأن أحد التعريفات التي استخدمها، وعندما أثبت المعجم أنها مقبولة قالت: «أوه، إنني جد آسفة، يبدو أنكم هزمتموني في اللعب.» وعندما حان الوقت لكي يقدِّم الجميع كلماتهم على قطعة من الورق للجولة القادمة، ابتسمت وهزت رأسها قائلة:
«ليس لدي واحدة.»
قالت السيدة ترافرس: «أوه، ميفيس.» وقال السيد ترافرس: «هيا يا ميفيس، أي كلمة قديمة ستفي بالغرض.»
«لكن ليس لديَّ أي كلمة قديمة، إنني آسفة، إنني أشعر بالغباء الليلة. يمكنكم أنتم اللعب وسوف أشاهدكم.»
كان هذا هو ما قاموا به بالفعل، وتظاهر الجميع أنه ليس ثَمَّةَ مشكلة، بينما راحت ميفيس تنفث سيجارتها، واستمرت ترسم ابتسامتها التي تشي بإصرارٍ عن عدم سعادتها وضيقها. وخلال فترة وجيزة، نهضت وقالت إنها تشعر بتعب شديد، وإنها لا يمكن أن تترك طفليها في رعاية أبويها لفترة أطول من ذلك، وإنها حظيت عن جد بزيارة هادفة ولطيفة وعليها أن تعود للمنزل الآن.
قالت وهي في طريقها للخروج ولا توجِّه حديثها لشخص بعينه وتضحك ضحكة لها رنة مرارة: «سأحضر لكم معجم أكسفورد هدية عيد الميلاد القادم.»
كان معجم عائلة ترافرس الذي استخدمه وات من المعاجم الأمريكية.
عندما غادرت المنزل، لم ينظر أيٌّ منهم إلى الآخر، وقالت السيدة ترافرس: «جريتشن، هل تستطيعين إعداد قدر من القهوة لنا جميعًا؟» ذهبت جريتشن إلى المطبخ وهي تتمتم قائلة: «يا لها من تسلية! لقد بكى المسيح.»
قالت السيدة ترافرس: «إن حياتها مليئة بالمتاعب بسبب الصغيرَيْن.» •••
وخلال الأسبوع، حصلت جريس ليوم واحد على فترة للراحة، ما بين انتهاء الفطار، والإعداد للعشاء، وعندما علمت السيدة ترافرس بذلك، استقلَّت سيارتها إلى بيليز فولز لكي تصحبها إلى البحيرة لهذه الساعات الثلاث، وحينها سيكون موري في عمله — حيث يعمل فترة الصيف في إصلاح الطريق السريع ٧ مع بعض العاملين المكلفين بإصلاح الطرق — أما وات ففي مكتبه في أوتاوا، وجريتشن في البحيرة تسبح أو تجدف مع أطفالها هناك. عادة ما كانت السيدة ترافرس تخبر جريس بأنها ستذهب للتسوق، أو أنها ستقوم ببعض الترتيبات من أجل العشاء، أو أن عليها كتابة بعض الخطابات، وعندئذ تترك جريس بمفردها في غرفة المعيشة الكبيرة الباردة الظليلة، وأريكتها الجلدية المنبعجة دائمًا، وأرفف المكتبة المكتظة بالكتب.
قالت لها السيدة ترافرس: «يمكنكِ قراءة أي شيء تفضلينه، أو بمقدورك أن تستريحي وتأخذي قسطًا من النوم إن كان هذا ما تريدين. إنها لوظيفة شاقة، ولا بد أنكِ متعبة، وسوف أنتبه إلى إعادتك في الوقت المناسب.»
لم تنَم جريس قط، لكنها كانت تقرأ. كانت نادرًا ما تتحرك، ومن أسفل سروالها القصير، كانت تَظهر ساقاها العاريتان وقد كساهما العرق والتصقتا بالأريكة. ربما كان هذا بسبب متعة القراءة الشديدة. وكانت في العادة لا تلمح أي أثر للسيدة ترافرس حتى يحين موعد عودتها إلى عملها حيث تقوم بتوصيلها مرة أخرى.
لم تكن السيدة ترافرس لتبدأ أي نوع من المحادثة حتى يمر وقت كافٍ تتحرر خلاله جريس من أفكار الكتاب الذي كانت منهمكة في قراءته، ثم تذكر أنها هي نفسها قرأته من قبل، وتفصح عن رأيها فيه، لكن بأسلوب يحترم الرأي المخالف ويتسم بالمرح في الوقت نفسه؛ فقد قالت على سبيل المثال بشأن رواية «آنا كارنينا»: «لا أذكر عدد المرات التي قرأت فيها هذه الرواية، لكني في البداية تعاطفت مع كيتي، ثم مع آنا. أوه لقد كان الأمر فظيعًا مع آنا، والآن أتدرين لقد وجدتُ نفسي في المرة الأخيرة أتعاطف طوال الوقت مع دوللي، عندما ذهبت إلى الريف بصحبة كل هؤلاء الأطفال، وكان عليها أن تعرف كيف تقوم بالتنظيف، وكانت ثَمَّةَ مشكلة في أحواض الغسيل. أترين كيف تتغير درجات تعاطفك كلما تقدمتِ في العمر؟ فالعواطف قد تتوارى خلف أحواض الغسيل. لا تنتبهي إلى كلامي على أي حال. إنك لا تنصتين إليَّ، أليس كذلك؟»
«لا أدري إن كنتُ أنصت لأحد على الإطلاق.» شعرت جريس بالدهشة من ردها، وتساءلت إن كانت بدت متغطرسة أم ساذجة، وأردفت قائلة: «لكني أحب الإنصات لحديثك.»
ضحكت السيدة ترافرس قائلة: «إنني أحب الإنصات لنفسي.» •••
في تلك الفترة بدأ موري يتحدث بطريقة ما عن زواجهما، وأنه لن يكون ذلك إلا بعد فترة؛ حتى يصبح مؤهَّلًا تمامًا ويعمل مهندسًا، ولكنه كان يتكلم عن ذلك الأمر وكأنه يتكلم عن شيء تأخذه هي أيضًا — مثله — كأمرٍ مسلم به. وعندما كان يقول «حينما نتزوج» كانت جريس تنصت إليه بفضول بدلًا من التشكيك في ذلك أو معارضته.
بعد الزواج سيكون لهما منزل بالقرب من بحيرة ليتل سابوت، ولن يكون شديد القرب من منزل والديه، ولن يبعد عنه كثيرًا في نفس الوقت، وسيكون بالطبع مكانًا لقضاء فصل الصيف فقط. أما أغلب الوقت فسيعيشان في المكان الذي يتطلبه عمله كمهندس. وقد يكون هذا في أي مكان؛ في بيرو، أو العراق، أو الأقاليم الشمالية الغربية. وسعدت جريس بفكرة السفر هذه أكثر من سعادتها بالفكرة التي يتحدث عنها بفخر وهو يتحدث عن «منزلنا الخاص معًا». لم يبدُ أيٌّ من هذا واقعيًّا بالنسبة لها، إلا أنها وجدت أيضًا أن فكرة مساعدة عمها والعمل في صناعة كراسي من الخيزران في المدينة والمنزل الذي نشأت فيه لم تكن واقعية هي الأخرى.
ألحَّ موري في سؤالها عما أخبرت به عمها وعمتها عنه، ومتى ستصحبه لمنزلها حتى يلتقي بهما. حتى استخدامه المبسط لتلك الكلمة «منزلها» بدا غريبًا بعض الشيء بالنسبة لها، بالرغم من أنها هي نفسها كانت تستخدمها. بدا من الأنسب أن تقول بيت عمي وعمتي.
لم تذكر لهما شيئًا بخصوصه في الواقع في رسائلها الأسبوعية المقتضبة، فيما عدا أنها ذكرت أنها «تخرج مع شاب يعمل هنا في فترة الصيف.» ربما أعطتهم الانطباع بأنه يعمل في أحد الفنادق.
لا تكمن المسألة في أنها لا تفكر في الزواج مطلقًا؛ إذ كانت تلك الاحتمالية، شبه المؤكدة، تَرِد إلى ذهنها دومًا حينما تفكر في حياتها وهي تعمل في صناعة مقاعد الخيزران. وبالرغم من أن أحدًا لم يحاول أن يخطب ودها، فإنها كانت تعتقد أن ذلك قد يحدث في يوم من الأيام وبهذه الطريقة تمامًا، ومع رجل يتخذ قراره على الفور — قد يأتي ربما لإصلاح أحد المقاعد — وبمجرد رؤيتها يقع في حبها على الفور. سيكون وسيمًا مثل موري، متأجج العواطف مثل موري، وسيعقب ذلك تلك اللقاءات الحميمية الجسدية الممتعة.
وكان هذا هو الشيء الذي لم يحدث بينهما. كانت هي راغبة في ذلك سواء في سيارة موري، أو بالخارج فوق الحشائش أسفل ضوء النجوم. وكان موري مستعدًّا، لكنه لم يكن راغبًا؛ فقد كان يشعر أن من مسئوليته أن يحميها. وكذلك فإن السهولة التي عرضت بها نفسها عليه قد أفقدته توازنه. وربما شعر أن العرض جاء ببرود؛ عرضًا متعمدًا لم يستطع أن يفهمه، ولا يتناسب تمامًا مع أفكاره عنها. هي ذاتها لم تفهم كيف كانت تتسم بالبرود هكذا؛ فقد كانت تعتقد أن إظهار مدى شغفها لا بد أن يقودها إلى المتعة التي عرفتها في عزلتها وفي خيالها، وقد شعرت أنه دور موري أن يتولى زمام الأمور، لكنه لم يفعل.
وقد جعلهما هذا الحصار الفكري مشوشين، يشعران ببعض الغضب أو الخزي؛ لذا لم يتوقفا عن التقبيل، والعناق، واستخدام كلمات الغزل؛ ليعوض أحدهما الآخر عند وداعهما متمنيًا كلٌّ منهما للآخر ليلة سعيدة. كان من المريح لجريس أن تكون وحيدة، وأن تأوي إلى فراشها في المهجع، وتطرد من ذهنها أفكارها عن آخر ساعتين أمضتهما. وقد اعتقدت أنه من المريح أيضًا بالنسبة لموري أن يقطع الطريق السريع بمفرده، ويعيد ترتيب انطباعاته عن جريس التي يعرفها، حتى يظل غارقًا في حبها بكل إخلاص وصدق. •••
غادرت معظم النادلات المكان بعد عيد العمال، وعدن إلى مدارسهن أو كلياتهن، إلا أن الفندق ظل مفتوحًا حتى عيد الشكر، ولكن بفريق عملٍ أقل عددًا؛ كانت جريس من بينه. وقد ترددت أقاويل — هذا العام — بأن الفندق سيفتح أبوابه ثانية في بداية ديسمبر من أجل موسم الشتاء — أو على الأقل خلال فترة أعياد الميلاد — إلا أن أحدًا من عمال المطبخ أو فريق صالة الطعام لم يعرف إن كان هذا صحيحًا أم لا. وقد كاتبت جريس عمها وعمتها بشأن هذا كما لو أن الأخبار بشأن فترة عيد الميلاد كانت أكيدة، بل في الواقع لم تذكر أي شيء عن إغلاق الفندق مطلقًا، إلا أن يكون هناك احتمالية بعد بداية العام الجديد؛ لذا فعليهم إذن ألا يتوقعوا مجيئها في تلك الفترة.
لماذا فعلت ذلك؟ لم يكن الأمر وكأن لديها خططًا أخرى. كانت قد أخبرت موري أنها تعتقد أن عليها أن تمضي هذا العام في مساعدة عمها، وربما تحاول أن تجد شخصًا ليتعلم صناعة المقاعد ويأخذ مكانها، بينما يجتاز هو — موري — السنة النهائية بالكلية. وقد وعدته بأن ترتب لزيارته لهم أثناء فترة عيد الميلاد؛ حتى يمكنه مقابلة عائلتها. وأجابها بأن عيد الميلاد وقت مناسب لإعلان خطوبتهما رسميًّا. لقد كان يدخر راتب عمله الصيفي كي يشتري لها خاتمًا من الألماس.
وكانت هي الأخرى تدخر راتبها؛ وذلك حتى تتمكن من أن تستقل الحافلة إلى كنجستون لزيارته أثناء الفصل الدراسي.
كانت تتحدث عن ذلك، وتقطع وعودًا هكذا ببساطة، لكن هل تعتقد، أو تتمنى، أن يحدث هذا؟
قالت السيدة ترافرس: «إن موري شخصية رائعة، تستطيعين أن تلمسي ذلك بنفسك. سيكون رجلًا محبًّا لا يتسم بالتعقيد؛ فهو يشبه والده، لكنه ليس كأخيه؛ فنيل رجل متقد الذكاء. لا أعني أن موري ليس كذلك؛ فإن المرء لا يمكن أن يصبح مهندسًا دون أن يكون له عقل ذكي، بل ذكي جدًّا، لكن نيل … شخصية عميقة.» ضحكت من نفسها … ««الكهوف المبهمة العميقة لدب المحيط»، عمَّ أتحدث؟ ظللت أنا ونيل لفترة طويلة ليس لأحدنا سوى الآخر؛ لذا أعتقد أنه مميز بعض الشيء. لا أعني أنه لا يمكن أن يكون شخصًا مرحًا، لكن في بعض الأحيان قد يكون أكثر الناس مرحًا هم أكثر مَن يشعرون بالحزن في داخلهم. أليس كذلك؟ تتعجبين منهم، لكن ما جدوى القلق بشأن أبنائك الناضجين؟ بالنسبة لنيل أنا أشعر حياله ببعض القلق، وموري لا أشعر نحوه بالكثير من القلق. أما فيما يتعلق بجريتشن فأنا لست قلقة بشأنها على الإطلاق؛ وذلك لأن النساء دائمًا ما يكون لديهن شيء يعينهن على الاستمرار، أليس كذلك؟ الرجال لا يملكون هذا الشيء.» •••
لم يغلق المنزل الذي يطل على البحيرة أبوابه حتى عيد الشكر، وعادت جريتشن وأطفالها إلى أوتاوا بالطبع بسبب الدراسة. وكان على موري الذي أنهى عمله الصيفي أن يعود إلى كنجستون. وكان السيد ترافرس لا يخرج إلا في عطلات نهاية الأسبوع. وقد أخبرت السيدة ترافرس جريس أنها عادة ما كانت تمكث بصحبة بعض الضيوف أو تجلس بمفردها.
ثم تغيَّرت خططها؛ فقد عادت إلى أوتاوا مع السيد ترافرس في سبتمبر. حدث هذا بصورة غير متوقعة، وبالتالي أُلغيت دعوة العشاء في عطلة نهاية الأسبوع.
أخبرها موري أنها كانت تعاني من بعض اضطرابات الأعصاب بين الحين والآخر. قال: «ينبغي أن تأخذ قسطًا من الراحة، وكان عليها أن تذهب إلى المستشفى وتمكث هناك لنحو أسبوعين، وهم يعملون على استقرار حالتها، وهي دائمًا ما تغادرها في حالة جيدة.»
قالت جريس إن أمه هي آخر شخص يمكن أن تتخيله يعاني من مثل هذه الاضطرابات.
«لكن ما سبب ذلك؟»
قال موري: «لا أعتقد أنهم يعرفون السبب.»
لكنه أردف بعد دقيقة: «حسنًا، يمكن أن يكون السبب هو زوجها؛ أعني زوجها الأول، والد نيل، وما حدث معه إلى آخره.»
وما حدث هو أن والد نيل قد انتحر.
«أعتقد أنه كان مضطربًا.»
استمر قائلًا: «لكن ربما لا يكون الأمر كذلك، ربما هي أسباب أخرى؛ فقد تكون تلك المشكلات التي تعاني منها بعض السيدات ممن هن في مثل عمرها. وعلى الرغم من ذلك فالأمور على ما يرام؛ فهم يستطيعون إعادتها لحالتها الطبيعية بمساعدة الأدوية الآن. لديهم بعض الأدوية الرائعة. لا تقلقي.» •••
وكما توقع موري؛ فبحلول عيد الشكر كانت السيدة ترافرس قد غادرت المستشفى وتحسنت حالتها. وأُقيم عشاء عيد الشكر على البحيرة كما هي العادة، وأقيم يوم الأحد كالمعتاد أيضًا؛ وذلك حتى تكون هناك فرصة لحزم الأمتعة وغلق المنزل يوم الاثنين. وكان هذا من حسن حظ جريس أيضًا؛ لأن إجازتها بقيت يوم الأحد.
تجتمع العائلة بأسرها هناك دون وجود أي ضيوف، إلا إذا اعتبرت جريس من بين الضيوف. وسيكون نيل وميفيس وطفلاهما في منزل والدَي ميفيس، وسيتناولون العشاء هناك يوم الاثنين، لكنهم سيمضون يوم الأحد في منزل عائلة ترافرس.
وفي الوقت الذي أحضر فيه موري جريس إلى البحيرة في صباح يوم الأحد، كان الديك الرومي في الفرن بالفعل. وسيكون العشاء مبكرًا في نحو الخامسة بسبب وجود الأطفال. وكانت الفطائر معدَّة فوق مائدة المطبخ؛ حيث أُعدت فطائر القرع، والتفاح، والتوت البري. كانت جريتشن هي المسئولة عن المطبخ، بوصفها طاهية كما كانت رياضية. كانت السيدة ترافرس تجلس قبالة المائدة تحتسي القهوة ومنهمكة في لعبة تركيب الصور المقطعة مع ابنة جريتشن الصغرى دانا.
قالت: «أوه، جريس!» وهبَّت من مكانها لتعانقها — وهي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك — وبحركة غير محسوبة بيدها نثرت قطع اللعبة.
صاحت دانا: «أوه، جدتي!» وراحت جيني، أختها الكبرى التي كانت تشاهد باهتمام، تجمع قطع اللعبة.
قالت: «يمكننا أن نعيد ترتيبها ثانية، فجدتك لم تقصد ذلك.»
قالت جريتشن: «أين تضعين صلصة التوت البري؟»
قالت السيدة ترافرس وهي لا تزال ضاغطة على ذراع جريس، ومتجاهلة قطع اللعبة المتناثرة: «إنها في الخزانة.»
«في أي مكان بالخزانة؟»
قالت السيدة ترافرس: «أوه، صلصة التوت البري، إنني أصنعها بنفسي، إنني أضع التوت البري في القليل من المياه أولًا، ثم أضعه فوق نار هادئة، لا، أعتقد أنني أقوم بنقعه أولًا.»
قالت جريتشن: «ليس لديَّ وقت لكل هذا. أتعنين أنه ليس لديك زجاجة معلَّبة منها؟»
«لا أعتقد أن لدي منها، فأنا أصنعها.»
«عليَّ أن أرسل أحدًا ليبتاع لي بعضًا منها.»
«بإمكانك أن تسألي السيدة وودز.»
«لا، بالكاد تحدثت معها من قبل. ليس لديَّ الجرأة لأطلب منها شيئًا. يجب أن يذهب أحدهم إلى المتجر.»
قالت السيدة ترافرس بهدوء: «عزيزتي، إنه عيد الشكر، ولن تجدي متجرًا مفتوحًا.»
«هناك ذاك المتجر بالقرب من الطريق السريع دائمًا ما يكون مفتوحًا.» ثم علا صوتها وهي تقول: «أين وات؟»
ردَّت عليها ميفيس من غرفة النوم الخلفية: «إنه في الخارج، في زورق التجديف.» وقد بدا صوتها يحمل بعض التحذير؛ لأنها كانت تحاول أن تحمل رضيعها على النوم. أردفت: «لقد اصطحب مايكي في الزورق.»
كانت ميفيس قد قدمت بسيارتها مع مايكي والرضيع، وسيلحق بهم نيل فيما بعد؛ فقد كان لديه بعض المكالمات ليجريها.
وقد ذهب السيد ترافرس للعب الجولف.
قالت جريتشن: «كل ما أحتاجه هو شخص يذهب إلى المتجر.» وقد انتظرتْ ولم يأتِ أي عرض من غرفة النوم، ثم رفعت حاجبَيْها وهي تنظر نحو جريس.
«لا تستطيعين القيادة، أليس كذلك؟»
وأجابتها جريس بالإيجاب.
نظرت السيدة ترافرس حولها لترى موضع مقعدها، وجلست وقد تنهَّدت تنهيدة تنمُّ عن شكر.
قالت جريتشن: «حسنًا، موري يمكنه القيادة. أين موري؟»
كان موري في غرفة النوم الأمامية يبحث عن لباس البحر الخاص به، بالرغم من أن الجميع أخبروه بأن المياه ستكون شديدة البرودة ويصعب السباحة فيها؛ فقال إن المتجر لن يكون مفتوحًا.
قالت جريتشن: «بل سيكون مفتوحًا؛ فهم يبيعون البنزين، وإذا لم تجده مفتوحًا، فهناك ذلك المتجر الآخر قبالة بيرث؛ ذلك الذي يضع مخروط الآيس كريم.»
أراد موري أن تصحبه جريس، لكن كانت الطفلتان، جيني ودانا، تحثَّانها على أن تأتي معهما لرؤية الأرجوحة التي وضعها جدُّهما أسفل شجرة القيقب النرويجي بجانب المنزل.
وأثناء هبوطها على الدرج شعرت بأن رباط فردة من حذاءَيْها قد قطع، فخلعت فردتَي الحذاء، وسارت دون صعوبة فوق الرمال الناعمة، ونبات موز الجنة الناعم، والعديد من أوراق الشجر الملتوية التي سقطت بالفعل من فوق الأغصان.
قامت أولًا بدفع الأطفال على الأرجوحة، ثم قاموا هم بدفعها بعد ذلك. وحدث عندما قفزت، وهي عارية القدمين، أن شعرت بإحدى ساقَيْها قد انقبضت، وصرخت من الألم وهي لا تدري ماذا حدث.
لقد كانت قدمها، وليست ساقها، وقد نتج الألم من باطن قدمها اليسرى؛ حيث قطعتها الحواف الحادة لصدفة محار.
قالت جيني: «لقد أحضرتْ دانا ذلك المحار؛ فقد أرادت أن تصنع منزلًا للحلزون.»
قالت دانا: «لقد ذهب بعيدًا.»
أسرعت كلٌّ من السيدة ترافرس وجريتشن، وحتى ميفيس، خارج المنزل، فقد اعتقدن أن الصراخ قد صدر من إحدى الطفلتين.
قالت دانا: «إن قدمها ملطخة بالدماء؛ فالدم يغطي الأرض كلها.»
قالت جيني: «لقد جرح المحار قدمها. تركت دانا صدفات المحار هنا. لقد أرادت أن تصنع منزلًا من أجل إيفان؛ إيفان الحلزون.»
قاموا بإحضار طست للغسيل، وبعض المياه لغسل الجرح، ومنشفة، والجميع يسألها إلى أي مدًى يؤلمها ذلك.
قالت جريس وهي تصعد الدرج بعرج، والفتاتان تتنافسان لمعاونتها في الصعود وقد كانتا تعرقلان مسيرها.
قالت جريتشن: «أوه، هذا شيء فظيع، ولكن لماذا لم ترتدي حذاءَكِ؟»
قالت دانا وجيني معًا: «لقد قطع رباطه»، بينما تدور سيارة مكشوفة بلون النبيذ تصدر صوتًا خافتًا في المساحة المخصصة لانتظار السيارات.
قالت السيدة ترافرس: «هذا ما أُطلق عليه الوقت المناسب، ها هو الرجل الذي نحتاجه تمامًا؛ الطبيب.»
كان هذا هو نيل، وكانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها جريس. كان طويل القامة، نحيفًا، وسريع الحركة.
قالت السيدة ترافرس بمرح: «أين حقيبتك؛ فلدينا حالة نريدك أن تراها.»
قالت جريتشن: «ها قد جئت بقطعة من الخردة؛ أهي جديدة؟»
قال: «إنها قطعة من الحماقة.»
«لقد استيقظ الرضيع.» أطلقت ميفيس تنهيدة تحمل بعض الاتهام غير الموجَّه لأحد بعينه، ثم هرعت إلى داخل المنزل.
قالت جيني بحدة: «إنك لا تستطيع أن تفعل أي شيء في المنزل دون أن يستيقظ ذلك الرضيع.»
قالت جريتشن: «من الأفضل أن تصمتي.»
قالت السيدة ترافرس: «لا تَقُل إنك لم تحضرها معك.» لكن نيل التقط حقيبة الطبيب من المقعد الخلفي، فقالت: «أوه، إنها معك، هذا جيد، احتياطيًّا … لا تدري ما قد يحدث.»
قال نيل لدانا: «هل أنتِ المريضة؟ ما الأمر؟ هل ابتلعت ضفدعًا؟»
قالت دانا بكبرياء: «إنها هي، جريس.»
«أوه فهمت، إنها هي من ابتلعت الضفدع.»
«لقد جرحت قدمها، إنها تنزف بشدة.»
قالت جيني: «بسبب صدفة المحار.»
وهنا قال نيل لأبناء أخته: «أفسحا المكان.» ثم جلس على الدرج أسفل جريس، ثم رفع قدمها بحرص وقال: «أحضروا لي قطعة من القماش أو ما شابه.» ثم مسح الدماء بحذر حتى يرى الجرح. وعندما أصبح قريبًا منها، لاحظت جريس رائحةً عرفتها أثناء عملها هذا الصيف بالفندق؛ وهي رائحة الخمر الممتزجة بالنعناع.
قال: «من المؤكد أنها تنزف بشدة. هذا شيء جيد؛ فهو يطهرها. هل تؤلمك؟»
قالت جريس: «إلى حدٍّ ما.»
نظر إلى وجهها نظرة فاحصة ولكنها سريعة. ربما تساءل إن كانت قد تعرَّفت على الرائحة، وماذا تظن به الآن.
«أراهن أنها تؤلمك فعلًا. أترين ذلك الجزء المقطوع، علينا أن ندلف أسفل منه ونتأكد من أنه نظيف تمامًا، ثم أخيطه بغرزة أو غرزتين. لديَّ دواء يمكن دهان الجرح به حتى لا يؤلمك بشدة كما تظنين.» نظر نحو جريتشن وقال: «دعونا نقوم بإبعاد جمهور المشاهدين عن الطريق الآن.»
لم يوجِّه أي كلمة لأمِّه بعد؛ ومع ذلك فقد راحت تكرِّر أنه من حسن الحظ حضوره في ذلك الوقت بالتحديد.
قال: «صبي الكشافة دائمًا على استعداد.»
لم تبدُ يده مختلة إثر الشراب، وكذا لم يتضح أثره في عينيه، كما لم يبدُ أنه ذلك العم المرح الذي يتقمص شخصيته حينما يتحدث إلى الأطفال، أو ذلك الشخص الذي يردد الكلام المطَمئِن كما اختار أن يكون مع جريس. كان ذا جبهة عالية شاحبة، وخصلات من الشعر الأسود المجعد المائل للون الرمادي، وعينين رماديتَي اللون لامعتَين، وفم عريض ذي شفاهٍ رفيعة تبدو ملتوية عند نفاد الصبر، أو الشهوة، أو الألم.
عندما ضمَّد الجرح بالخارج فوق الدرج، كانت جريتشن قد عادت إلى المطبخ واصطحبت الأطفال معها، وظلت السيدة ترافرس تشاهد باهتمام وهي تطبق على شفتيها وكأنما تتعهد بأنها لن تُحدِث أي مقاطعة. قال نيل إنه من الأفضل أن تؤخذ جريس إلى المدينة من أجل الذهاب إلى المستشفى هناك.
«من أجل حقنة مضادة للتيتانوس.»
قالت جريس: «إن الأمر ليس بهذا السوء.»
قال نيل: «ليس هذا هو المقصد.»
قالت السيدة ترافرس: «أوافقه الرأي، التيتانوس، هذا شيء فظيع.»
قال: «علينا ألا ننتظر طويلًا. جريس، سأصحبكِ للسيارة.» ثم أمسكها من أسفل ذراعها. ربطت فردة حذائها، ونجحت في أن تضع أصابع قدمها المصابة في الفردة الأخرى حتى تحاول جذبها وهي تسير. وكانت الضمادة نظيفة ومحكمة.
قال حينما كانت تتخذ مقعدها في السيارة: «سأنطلق الآن، وبلِّغيهم اعتذاري.»
إلى جريتشن؟ بل إلى ميفيس.
هبطت السيدة ترافرس من الشرفة، يلفُّها ذلك الحماس المبهم الذي بدا طبيعيًّا، والذي لا تستطيع كبح جماحه في ذلك اليوم. وضعت يدها على باب السيارة.
قالت: «هذا شيء جيد. جيد تمامًا جريس. لقد أرسلكِ الله اليوم. ستحاولين أن تبعديه عن الشراب اليوم، أليس كذلك؟ تعرفين كيف تفعلين ذلك.»
سمعت جريس هذه الكلمات، لكنها لم تُعِرْها أي تفكير؛ فقد كانت تشعر بالحيرة الشديدة إزاء ذلك التغير الذي طرأ على السيدة ترافرس، وما بدا وكأنه زيادة في حجمها، تيبَّس في جميع حركاتها، بل نوبة محمومة من التعاطف، سعادة غامرة تنهال من عينيها. وقد بدت على جانبَي فمها طبقة رقيقة كحبات السكر. •••
كان المستشفى يقع في كارلتون على بعد نحو ثلاثة أميال. كان هناك طريق سريع يقطع طريق السكة الحديدية، وقد قطعوا ذلك الطريق بسرعة شديدة شعرت معها كريس بأن السيارة في أعلى سرعتها قد ارتفعت عن سطح الطريق الممهد، وكأنما يحلِّقان بها. لم يكن هناك أي إشارات للمرور، ولم تكن خائفة، وعلى أي حال لم يكن في وسعها أن تفعل أي شيء حيال ذلك. •••
كان نيل يعرف الممرضة المناوبة في قسم الطوارئ، وبعد أن قام بملء استمارة الدخول وجعلها تُلقي نظرة على قدم جريس (وقد قالت دون اهتمام: «عمل جيد»)، تمكن بعدها من أن يعطي حقنة التيتانوس لجريس بنفسه: «إنها لن تؤلمك الآن، ولكن ربما فيما بعد.» وبمجرد أن انتهى، عادت الممرضة إلى غرفة التغيير وقالت: «هناك شاب في غرفة الانتظار لكي يصحبها إلى المنزل.»
ثم وجَّهت حديثها لجريس قائلة: «إنه يقول إنه خطيبك.»
قال نيل: «أخبريه أنها لم تنتهِ بعد، بل أخبريه أننا قد ذهبنا بالفعل.»
«لكني أخبرته بأنكم موجودون بالفعل.»
قال نيل: «لكنكِ عندما رجعتِ اكتشفتِ أننا ذهبنا.»
«لكنه يقول إنه أخوك، ألن يشاهد سيارتك في المرأب؟»
«لقد أوقفتُ السيارة بالخلف؛ في المرأب الخاص بالأطباء.»
قالت الممرضة وهي ذاهبة: «يا لها من خدعة!»
قال نيل لجريس: «إنك لا تريدين العودة إلى المنزل بعد، أليس كذلك؟»
قالت جريس: «بلى.» قالتها وكأن الكلمة مكتوبة أمامها على الحائط، كما لو أنها تُجري اختبارًا على بصرها.
ومرة أخرى ساعدها لكي تدلف إلى السيارة، وقد تدلَّت فردة الحذاء من خلال الرباط الملفوف حول أصابع قدمها، واستقرَّت جريس فوق فرش السيارة ذي اللون الكريمي، وقطعوا طريقًا خلفيًّا عندما غادروا المرأب؛ وهو طريق غير مألوف خارج المدينة. كانت تعرف أنها لن ترى موري، ولم يكن عليها أن تفكر به، أو تفكر كثيرًا في ميفيس.
وإذا ما وصفت جريس تلك الفترة؛ ذلك التغيُّر في حياتها فيما بعد، فإنها ستقول — أو قالت بالفعل — إنه كان أشبه بالبوابة التي أُغلقت خلفها مُحدِثة صوتًا عاليًا، لكنه لم يكن صوتًا عاليًا في وقته؛ بل هو خضوع غمرها بأكملها، وتلاشت أحقية الذين خلَّفتهم وراءها في أي شيء.
ظلَّت ذكرياتها عن ذلك اليوم واضحة ومليئة بالتفاصيل، بالرغم من أنها أدخلت بعض الاختلافات على أجزاء منها حينما كانت ترويها.
وحتى في بعض هذه التفاصيل، ولا بد وأنها كانت مخطئة. •••
قاد أولًا باتجاه الغرب على الطريق السريع ٧، وحسبما تذكر جريس، فلم يكن هناك أي سيارة أخرى تسير على الطريق السريع، وقد اقتربت سرعتهم من الطيران عند اجتيازهم الطريق السريع، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك حقيقيًّا؛ فلا بد وأنه كان هناك بعض الأشخاص على الطريق؛ أشخاص في طريقهم للعودة إلى منازلهم في صباح ذلك الأحد؛ في طريقهم لكي يمضوا عيد الشكر مع عائلاتهم؛ في طريقهم إلى الكنيسة، أو عودتهم إلى منازلهم من الكنيسة. ولا بد أن نيل قد أبطأ من سرعته حينما كان يمر من خلال القُرى، أو عند أطراف المدينة، أو عند اجتياز أيٍّ من المنعطفات على الطريق السريع القديم. لم تكن معتادة على ركوب السيارات المكشوفة، والرياح تغشِّي عينيها، وتداعب خصلات شعرها. هذا في حد ذاته منحها الشعور الزائف بالسرعة الشديدة، بل بالتحليق عاليًا؛ بالطمأنينة التي تشبه المعجزة وليست المحمومة.
وبالرغم من أن موري وميفيس والعائلة قد سقطوا جميعًا من ذهنها، إلا أن السيدة ترافرس ظلت باقية تحلِّق، وتوصِّل في همس، وبضحكة غريبة مخزية، رسالتها الأخيرة.
«تعرفين كيف تفعلين ذلك.»
بالطبع لم يتحدَّث نيل وجريس، وكما تتذكر، كان على المرء أن يصرخ لكي يسمعه الآخر. وما تتذكره، في حقيقة الأمر، لا يختلف كثيرًا عما كان في مخيلتها في ذلك الوقت عما عساه الجنس أن يكون؛ المقابلة التي حدثت مصادفة، الإشارات الصامتة وإن كانت قوية، الرحلة الصامتة تقريبًا والتي كانت ترى نفسها فيها أسيرة على نحو أو آخر، الاستسلام الحالم الخيالي؛ فجسمها الآن ما هو إلا تيار من الرغبة الجارفة التي تجتاحها.
توقفا أخيرًا في كالادر، ودخلا إلى أحد الفنادق؛ الفندق القديم الذي لا يزال موجودًا حتى الآن. أمسك بيدها، وتخللت أصابعه أصابعها، وأبطأ من سرعة خطاه حتى تتماشى مع خطواتها الوئيدة. قادها نيل إلى البار، ولقد أدركت أنه كذلك، بالرغم من أنها لم تطأ واحدًا من قبل (لم يكن فندق بيليز فولز لديه تصريح بذلك؛ فقد كان الأفراد يحتسون الخمر في غرفهم، أو في أحد الملاهي الليلية المتداعية على الطريق). كان كما توقعته تمامًا؛ غرفة كبيرة مظلمة تكاد تكون خالية من الهواء؛ حيث المقاعد والموائد تصطفُّ في الخلف بلا اعتناء بعد عملية تنظيف سريعة، ولم تستطع رائحة منظف الليسول القوية أن تغطِّي على رائحة الجعة، والويسكي، والسيجار، والغليون، والرجال أيضًا.
لم يكن ثَمَّةَ أحد هناك، ربما لا يفتح أبوابه حتى فترة ما بعد الظهيرة. ولكن ألا يحتمل أن يكون الوقت الآن بعد الظهيرة؟ بدا تقديرها للوقت خاطئًا.
ظهر رجل الآن من غرفة أخرى، وتحدَّث مع نيل. قال: «مرحبًا دكتور.» ثم وقف خلف البار.
اعتقدت جريس أن الأمر سيسير هكذا؛ فكل مكان سيذهبان إليه سيجدان به شخصًا يعرفه نيل بالفعل.
قال الرجل بصوت عالٍ تشوبه بعض الحدة، بل يكاد يصل إلى حدِّ الصراخ، كما لو أنه أراد أن يسمعه مَن بالمرأب: «تعلم أنه يوم الأحد، لا أستطيع أن أبيع لك شيئًا هنا اليوم، ولا أستطيع أن أبيع لها شيئًا على الإطلاق. إنها لا ينبغي حتى أنْ تكون هنا. أتفهم ذلك؟»
قال نيل: «نعم سيدي، حقًّا سيدي، أتفق معك بشدة.»
وأثناء حديث الرجلين، قام الرجل الواقف خلف البار بجذب زجاجة من الويسكي من فوق رفٍّ خفي، ثم صَبَّ بعضًا منها في كأس وأعطاه لنيل عبر النضد.
قال لجريس: «هل تشعرين بالعطش؟» وكان قد فتح بالفعل زجاجة من المياه الغازية وأعطاها إياها دون أن يصبَّها في كأس.
قام نيل بوضع ورقة نقدية على النضد؛ بَيْدَ أن الرجل أزاحها بعيدًا.
قال لنيل: «لقد أخبرتك بأني لا أستطيع البيع.»
قال نيل: «وماذا عن المياه الغازية؟»
«لا أستطيع البيع.»
قام الرجل بإزاحة الزجاجة بعيدًا، وتجرَّع نيل ما تبقَّى في الكأس سريعًا، وقال: «إنك رجل طيب، إنها روح القانون.»
«خذ معك علبة المياه الغازية، كلما غادرَتَ سريعًا ازدادت سعادتي.»
قال نيل: «بالطبع؛ إنها فتاة لطيفة، إنها زوجة أخي؛ زوجة أخي المستقبلية، كما فهمت.»
«هل هذه هي الحقيقة؟»
لم يعودا إلى الطريق السريع رقم ٧؛ إذ سلكا بدلًا منه الطريق المتجه شمالًا، والذي لم يكن ممهدًا، ولكنه كان واسعًا كفاية ومتدرجًا على نحو مقبول. بدا أن للشراب تأثيرًا معاكسًا لما يُفترض أن تُحدِثه المشروبات على قيادة نيل؛ فقد أبطأ للحد الذي يتناسب مع هذا الطريق، بل إنه كان حذرًا أيضًا.
قال: «أتمانعين؟»
قالت جريس: «أمانع في ماذا؟»
«الذهاب إلى أي مكان قديم.»
«لا.»
«أحتاج إلى صحبتك. كيف حال قدمك؟»
«إنها بخير.»
«لا بد أنها تؤلمك نوعًا ما.»
«ليس كثيرًا. كل شيء على ما يرام.»
أمسك يدها التي لم تكن تحمل علبة الكولا، وألصق راحة يدها على فمه ثم تركها تسقط.
«هل تعتقدين أنني اختطفتك لأغراض شريرة؟»
كذبت عليه جريس حين قالت: «كلا» وهي تفكر كيف بدت هذه الكلمة «شريرة» مثل كلام أمه.
قال، كما لو أنها أجابته بنعم: «ربما تكونين على صواب في أي وقت آخر، ولكن ليس اليوم. لا أعتقد هذا. أنت اليوم في مأمن تمامًا مثل الكنيسة.»
وكان للتغير في نبرة صوته، التي غلبت عليها الحميمية والصراحة والهدوء، وتذكُّرها لحركة شفتيه على يدها، أثر على جريس، حتى إنها صارت تسمع كلماته ولكنها لم تفهم معناها. كان بوسعها أن تستشعر مائة لمسة، بل مئات اللمسات من شفتيه، رقصة من التضرع، على جسدها بالكامل، ولكنها استطاعت أن تقول: «الكنائس ليست آمنة دومًا.»
«هذا صحيح. معكِ حق.»
«وأنا لست زوجة شقيقك.»
«المستقبلية. ألم أقل المستقبلية؟»
«أنا لست هذه أيضًا.»
«آه، حسنًا. أعتقد أنني لست مندهشًا. لا. لست مندهشًا.»
ثم تغيَّرت نبرة صوته ثانية لتصبح عملية.
«أبحث عن طريق فرعي هنا، ناحية اليمين. هناك طريق عليَّ التعرف عليه. هل تعرفين هذه البلدة على الإطلاق؟»
«لا، ليس هذا المكان.»
«ألا تعرفين فلاور ستيشن؟ أومباه، بولاند؟ سنو رود؟»
لم يسبق لها أن سمعت بهذه الأماكن.
«هناك شخص أود رؤيته.»
انعطف لليمين وهو يتمتم في تشكُّك. لم تكن هناك أي لافتات. هذا الطريق كان أضيق وأكثر وعورة، ويضم جسرًا من حارة واحدة ذا أرضية من الألواح الخشبية، وظلَّلتهما أغصان أشجار الغابة ذات الخشب الصلب التي تشابكت فوقهما. وقد تأخر اصفرار الأوراق في هذا العام بسبب المناخ الدافئ الغريب؛ لذا احتفظت هذه الفروع بلونها الأخضر، فيما عدا الشاذة منها، والتي برزت كالرايات. عمَّ المكان شعور بالقدسية. ظل نيل وجريس صامتَيْن لعدة أميال، وكانت الأفرع لا تزال تغطيهما وتبدو الغابة بلا نهاية، ولكن نيل قطع هذه السكينة.
قال: «هل تستطيعين القيادة؟» وعندما أجابت جريس بالنفي، قال: «أعتقد أنه لا بد لك أن تتعلمي القيادة.»
وكان يعني الآن. أوقف السيارة وخرج منها واستدار إلى الجانب الذي كانت تجلس فيه، وكان عليها الجلوس وراء المقود.
«ليس هناك مكان للتعلم أفضل من هذا.»
«ماذا لو اعترض طريقي شيء ما؟»
«لن يعترض طريقك شيء، وسوف نتولى الأمر إن حدث هذا. وهذا هو السبب الذي جعلني أختار طريقًا مستقيمًا. ولا تخافي، سوف تفعلين كل شيء بقدمك اليمنى.»
كانا في بداية نفق طويل تظلله الأشجار، بينما فرشت أشعة الشمس خيوطها على الأرض. لم يعبأ بشرح أي شيء حول كيفية قيادة السيارات، بل أراها ببساطة أين تضع قدمها، وجعلها تتمرس على تغيير السرعات، ثم قال: «الآن انطلقي وافعلي ما أُمليه عليكِ.»
أفزعتها القفزة الأولى للسيارة. أمسكت بناقل الحركة وظنت أنه سينهي الدرس على الفور، ولكنه ضحك. قال «تمهلي، تمهلي، استمري في القيادة.» وكان هذا هو ما فعلته. لم يعلِّق على توجيهها للسيارة أو كيف أنساها توجيه المقود الضغط على دواسة البنزين، فكل ما قاله: «استمري في القيادة للأمام، هيا، ابقي على الطريق، لا تدعي المحرك ينطفئ.»
قالت: «متى أستطيع التوقف؟»
«ليس قبل أن أخبرك.»
جعلها تواصل القيادة حتى خرجا من النفق، ثم أرشدها عن كيفية استخدام المكبح، وبمجرد أن توقفت فتحت الباب حتى يمكنهما تبادل الأماكن، ولكنه قال: «لا، إن تلك هي مجرد استراحة قصيرة. سرعان ما سيروق لك الأمر.» وعندما بدأت القيادة مجددًا وجدت أنه ربما يكون محقًّا، وكادت هذه الدفقة اللحظية من الثقة بالنفس أن تسقطهما في قناة؛ ومع ذلك، فقد ضحك عندما اضطر أن يمسك بعجلة القيادة واستمر الدرس.
لم يدعها تتوقف حتى قطعا ما يقرب من عدة أميال، بل وانعطفا — ببطء — مرات عديدة، ثم قال لها إنه من الأفضل أن يتبادلا الأماكن؛ لأنه لا يملك الحس بالاتجاهات إلا عندما يقود.
سألها عن شعورها الآن، وبالرغم من أنها كانت ترتعد، إلا أنها قالت: «لا بأس.»
دلَّك ذراعها من الكتف إلى المرفق وقال: «يا لكِ من كاذبة!» ولكنه لم يمسسها أكثر من هذا، ولم يجعل أي جزء من جسدها يستشعر شفتيه ثانية.
ولا بد أنه استعاد حس الاتجاهات بعدما قطعا عدة أميال عند بلوغهما تقاطع طرق؛ حيث إنه انعطف يسارًا وتضاءلت الأشجار وصعدا طريقًا وعرًا على تل طويل، وبعد بضعة أميال وصلا إلى قرية، أو على الأقل مجموعة من المباني على جانب الطريق. كانت هناك كنيسة ومتجر، وكلاهما لم يفتحا أبوابهما ليخدما الغرض الذي أُسِّسا من أجله؛ حيث كان يوجد على الأرجح من يعيش فيهما، وقد استدلت على ذلك من خلال السيارات الواقفة حولهما والستائر الرثة المعلقة على النوافذ. ثَمَّةَ بضعة منازل في نفس الحالة وخلف واحد منها حظيرة متداعية، مع بروز قش قديم داكن بين عوارضها المتصدعة مثل الأحشاء المنتفخة.
بدت على نيل أمارات السعادة عندما رأى هذا المكان، ولكنه لم يتوقف عنده.
قال: «كم هدأ بالي الآن … كم هدأ بالي الآن. الآن أعرف. شكرًا لكِ.»
«أنا؟»
«لأنكِ سمحتِ لي بتعليمك القيادة. لقد أراحني هذا.»
قالت جريس: «أراحكَ؟ حقًّا؟»
«نعم. حقيقي تمامًا.» كان نيل يبتسم ولكنه لم ينظر إليها، كان منشغلًا في النظر من جانب لآخر عبر الحقول التي امتدت بطول الطريق بعد أن تجاوز القرية. كان يبدو وكأنه يتحدث إلى نفسه.
«هذه هي. لا بد أن تكون كذلك. الآن نعرف.»
واستمر على هذا الحال حتى انعطف في حارة لم تمتد على نحو مستقيم، وإنما ملتوٍ عبر حقل، متجنبًا الصخور ورقع الأرض المزروعة بنبات العرعر. وفي نهاية الحارة كان ثمة منزل لا يبدو بحال أفضل من حال المنازل في القرية.
قال: «الآن، لن أصطحبك إلى داخل هذا المكان، لن أتأخر أكثر من خمس دقائق.» •••
ولكنه تأخر أكثر من هذا.
جلست في السيارة، التي كانت تربض في ظل المنزل. كان باب المنزل مفتوحًا، ولكن الباب الشبكي كان مغلقًا. كان السلك ينطوي على رُقع تم إصلاحها؛ سلك جديد مشبوك بالقديم. لم يأتِ أحد لإلقاء نظرة عليها، ولا أي مخلوق. والآن بعد أن توقفت السيارة، امتلأ النهار بهدوء غير طبيعي. كان غير طبيعي لأنك قد تتوقع أن عصرًا حارًّا كهذا سيكون مليئًا بأزيز حشرات العشب وطنينها وصريرها وسط شجيرات العرعر. حتى وإن لم تستطع رؤيتها في أي مكان، فينبغي أن يعلو ضجيجها من كل شيء ينمو على الأرض، وتمتد بامتداد الأفق، ولكنه كان وقتًا متأخرًا من العام، متأخرًا للغاية بحيث لا يمكنك حتى سماع صيحات الأوز وهو يحلِّق صوب الجنوب. بأي حال من الأحوال، هي لم تسمع شيئًا.
بدَوَا وكأنهما على قمة العالم هنا، أو فوق واحدة من أعلى بقع العالم؛ فكان الحقل يمتد أسفلهما من جميع الجوانب، والأشجار من حولهما لم ترَ منها سوى أجزاء صغيرة فقط؛ لأنها نمت على أرض أكثر انخفاضًا.
مَن الذي يعرفه هنا؟ من يعيش في هذا المنزل؟ سيدة؟ لم يبدُ ممكنًا أن نوعه المفضل من النساء يمكن أن يكون في مكان كهذا، ولكن لم يكن هناك حدٌّ للأمور الغريبة التي يمكن أن تتعرض لها جريس في هذا اليوم. ليس لها حد.
ذات يوم كان هذا منزلًا من الطوب، ولكن أحدهم قد شرع في هدم جدران الطوب، فبدت الجدران الخشبية البسيطة عارية من تحتها، وقد تم تكديس الطوب الذي كان يغطيها في الفناء، ربما انتظارًا لبيعه. والطوب الذي تُرك على هذا الجدار من المنزل شكَّل خطًّا مائلًا، وكأنه درجات سلم، ولأنه لم يكن هناك شيء تفعله جريس، فقد اتكأت للخلف دافعة مقعدها للوراء كي تَعُدَّها. كانت تفعل هذا بغباء وجدية في نفس الوقت، بالطريقة التي تنتزع بها بتلات الزهرة، ولكنها لم تكن تقول شيئًا صارخًا مثل: يحبني، لا يحبني.
«محظوظة. غير محظوظة. محظوظة. غير محظوظة.» هذا هو كل ما واتتها الجرأة لتقوله.
وجدت أنه يصعب عليها تتبع الطوب؛ لأنه جاء على نحو متعرِّج، وخاصة أن الخط أصبح مستويًا فوق الباب.
كانت تعرف. ماذا عساه يمكن أن يكون هذا غير منزل أحد مهربي الخمور؟ فكَّرت في شكل هذا المهرب في المنزل؛ رجل عجوز نحيف متعب، نكد المزاج ومتشكك، يجلس على العتبة الأمامية لمنزله بينما يمسك ببندقية في ليلة الهالوين، وقد حفر أرقامًا على أعواد الخشب التي يشعل بها المدفأة ورصَّها بجوار منزله حتى يعرف إذا ما سُرق أيٌّ منها. تخيلت هذا الرجل وهو نائم مستدفئ في حجرته القذرة وإن كانت مرتبة (عرفت أنها ستكون على هذا النحو من خلال الرقع التي تم إصلاحها على الباب الشبكي)، وتخيَّلته وهو ينهض من فوق سريره الصغير أو أريكته التي تُصدِر صريرًا، والتي يغطيها لحاف مليء بالبقع صنعته له قبل وقت طويل إحدى قريباته أو سيدة ليست على قيد الحياة الآن.
وليس الأمر أنه سبق لها دخول منزل أحد مهربي الخمور، ولكن الفوارق — في بلدتها — بين طرق الحياة المحترمة التي غلب عليها الفقر وغير المحترمة كانت دقيقة. كانت تعرف مثل هذه الأمور.
كم كان أمرًا غريبًا حقًّا أنها فكرت في الزواج من موري. كانت هذه ستكون بمثابة خيانة؛ خيانة لنفسها، ولكن استقلالها السيارة مع نيل ليس خيانة؛ لأنه يعرف أنها فعلت أمورًا من هذا القبيل قبل ذلك، وهي عرفت الكثير والكثير عنه.
والآن، بدا لها أنها تستطيع رؤية عمها في المدخل، منحنيًا ومتحيرًا، وقد أخذ ينظر لها وكأنها غائبة منذ سنوات وسنوات، كما لو أنها وعدت بالعودة إلى المنزل ونسيت هذا الأمر، وطوال ذلك الوقت كان من المفترض أن يموت، ولكنه لم يفعل.
صارعت كي تتحدث معه، ولكنه كان تائهًا. استيقظت لتجد أنها تتحرك. كانت في السيارة مع نيل، على الطريق مجددًا، كانت نائمة وفمها مفتوح؛ لذا شعرت بالعطش. استدار ناحيتها للحظات، ولاحظت، بالرغم من الرياح التي كانت تلفحهما، أن ثَمَّةَ رائحة ويسكي جديدة تفوح منه.
كان ما توقَّعته صحيحًا.
قال: «أَستيقظتِ؟ لقد كنتِ مستغرِقة في النوم عندما عدتُ. آسف … اضطررتُ أن أتحدث معهم لفترة. ألا ترغبين في دخول الحمام؟»
في الواقع، كانت هذه مشكلة تفكر فيها أثناء توقفهما عند المنزل. كانت قد رأت دورة مياه خلف المنزل، ولكنها خجلت من الترجل من السيارة والتوجه نحوها.
قال: «يبدو هذا مكانًا مناسبًا.» وأوقف السيارة. ترجلت من السيارة وسارت بين زهور القضبان الذهبية اليانعة والخلة الشيطانية ونبات زهرة النجمة، ثم جلست القرفصاء، بينما وقف هو بين هذه الزهور على الجانب الآخر من الطريق، وهو يدير وجهه للناحية الأخرى. وعندما عادت إلى السيارة رأت الزجاجة على الأرض بجوار قدميها، وقد بدا أن أكثر من ثلثها قد شُرب.
رآها وهي تحدق بالزجاجة.
قال: «آه، لا تقلقي؛ لقد صببت بعضًا منها هنا.» كان ممسكًا بقارورة صغيرة، ثم استطرد: «هكذا أسهل أثناء القيادة.»
كانت هناك زجاجة كوكاكولا على الأرض أيضًا. طلب منها البحث في درج تخزين القفازات أمامها عن فتَّاحة الزجاجات.
قالت متفاجئة: «إنها باردة.»
«بفعل الثلج. إنهم يقتطعون الجليد من البحيرات في الشتاء ويخزنونه في نشارة الخشب، وهم يحتفظون به أسفل المنزل.»
قالت: «ظننت أنني رأيت عمي في مدخل هذا المنزل، ولكني كنت أحلم.»
«يمكنكِ أن تخبريني عن عمك. أخبريني عن مكان إقامتك، وظيفتك، أي شيء. أحب فقط أن أسمعك تتحدثين.»
كانت هناك قوة جديدة في صوته، وتغيُّرٌ في وجهه، ولكنه لم يكن توهُّج الثمالة الجنوني؛ فيبدو الأمر كما لو أنه كان مريضًا … ليس مريضًا للغاية، ولكنه متوعك بعض الشيء بسبب هذا الطقس ويريد الآن طمأنتها أنه أفضل. أعاد غطاء القارورة مكانه ووضعها جانبًا وأمسك يدها. أمسكها بخفة، وكأنه يصافح رفيقه.
قالت جريس: «إنه عجوز للغاية، إنه عم والدي في الواقع، إنه يصنع مقاعد الخيزران. لا أستطيع شرح هذا لك، ولكن يمكنني أن أريك إن كان لدينا مقعد من الخيزران.»
«لا يوجد واحد هنا.»
ضحكتْ وقالت: «إنه أمرٌ ممل في الواقع.»
«أخبريني عن اهتماماتك إذن. ما الذي يثير اهتمامك؟»
قالت: «أنت.»
سحب يده من فوق يدها: «وما الذي يثير اهتمامك فيَّ؟»
قالت جريس في حسم: «ما تفعله الآن، وسببه.»
«أتعنين شرب الخمر؟ لماذا أشرب؟» أزاح الغطاء ثانية: «لماذا لا تسألينني؟»
«لأنني أعرف ما الذي ستقوله.»
«ماذا؟ ما الذي سأقوله؟»
«ستقول: وما عساني أفعل غير ذلك؟ أو شيئًا من هذا القبيل.»
قال: «هذا صحيح، هذا يشبه ما كنت سأقوله. حسنًا، إذن ستحاولين أن تخبريني سبب خطئي.»
قالت جريس: «لا، لن أفعل هذا.»
وعندما قالت ذلك، شعرت بالبرود. ظنَّت أنها جادة أكثر من اللازم، ولكنها رأت الآن أنها كانت تحاول إبهاره بهذه الإجابات؛ لتثبت له أنها خبيرة بالناس والحياة مثله، وفي خضم هذا توصلت لهذه الحقيقة المطلقة. هذا الافتقار للأمل … الحقيقي والعقلاني والدائم.
قال نيل: «ألن تفعلي؟ لا، لن تفعلي. كم ارتحت. أنت باعثة على الراحة حقًّا يا جريس.»
بعد برهة قال: «أتعلمين؟ أشعر بالنعاس. بمجرد أن أجد مكانًا مناسبًا، سوف أوقف السيارة وأنام، لفترة وجيزة. أتمانعين في ذلك؟»
«لا أمانع. أظن أن عليك القيام بهذا.»
«سوف تحرسينني؟»
«نعم.»
«حسن.»
كانت البقعة التي وجدها تقع في قرية صغيرة تُدعى فورتشن، كان هناك متنزه على أطرافها إلى جوار نهر، ومكان مكسو بالحصى لإيقاف السيارات. دفع المقعد للوراء وغطَّ في النوم على الفور. حلَّ الليل كما اعتاد أن يفعل في هذا الوقت، في وقت العَشاء، مما يثبت أنه لم يكن يومًا من أيام الصيف بأي حال. بدا أنه كان هنا أناس في نزهة يحتفلون بعيد الشكر منذ فترة قصيرة؛ فلا زال هناك دخان ينبعث من أخشاب أُشعلت للتدفئة في الهواء الطلق، وانتشرت رائحة هامبورجر في الهواء. لم تجعل الرائحة جريس تشعر بالجوع، بل جعلتها تتذكر شعورها بالجوع في ظروف أخرى.
استغرق في النوم على الفور وخرجت هي من السيارة. كان بعض الغبار قد علق بها نتيجة وقفاتهما العديدة ودرس القيادة الذي خاضته. غسلت ذراعيها ويديها ووجهها جيدًا بقدر استطاعتها في صنبور خارجي وجدته. بعد ذلك، سارت ببطء — بسبب قدمها المصابة — حتى حافة النهر، ولاحظت كم هو ضحل، مع اختراق الأعشاب لسطحه. وكانت هناك لافتة تقول إنه يحظر ممارسة الفحشاء أو القيام بأفعال تخدش الحياء أو استخدام الألفاظ النابية في هذا المكان، وأنه سوف يتم معاقبة من يفعل هذا.
جرَّبت الأرجوحات، التي كانت تواجه جهة الغرب. دفعت نفسها لأعلى، ونظرت للسماء الصافية؛ كان لونها أخضر باهتًا ممزوجًا بلون ذهبي شاحب، وكان هناك حدٌّ وردي كبير في الأفق. أصبح الجو باردًا بالفعل.
ظنت أنهما سيتلامسان؛ شفتاهما، لساناهما، جسداهما، احتكاك العظام بعضها ببعض؛ التأجج، الشغف، ولكن لم يكن هذا هو ما يخبئه لهما القدر على الإطلاق. كان هذا أشبه بلعب الأطفال مقارنة بمدى معرفتها به، مدى اكتشافها لمكنوناته، الآن.
ما رأته كان نهائيًّا، كما لو كانت على حافة مياه داكنة مستوية امتدت على مد البصر؛ مياه باردة مستوية، وبينما تنظر إلى هذه المياه الداكنة الباردة المستوية عرفت أنها كل ما كان هناك.
ولم تكن مسألة معاقرته الخمر هي التي جعلتها تفكر على هذا النحو، ولم يكن الانتظار كذلك، أيًّا كان هذا الانتظار، وطوال الوقت. شرب الخمر، أو الحاجة إلى الشرب؛ كان هذا مجرد نوع من الإلهاء، شأنه شأن أي شيء آخر.
عادت إلى السيارة وحاولت إيقاظه. تقلَّب ولكنه لم يستيقظ؛ لذا سارت في الأرجاء مجددًا كي تبقى دافئة، ولكن على مهل كي لا تؤذي قدمها. أدركت الآن أنها ستعود لعملها مجددًا؛ لخدمة الزبائن وتقديم الإفطار، في الصباح.
حاولت ثانية، متحدثة معه بإلحاح، فأجابها بالعديد من الوعود والتمتمات، وغطَّ في النوم ثانية. وعندما حلَّ الظلام كانت قد استسلمت. والآن بعد مداهمة برد الليل لها اتضحت لها حقائق أخرى؛ أنهما لن يظلا هنا، وأنهما ما زالا في هذا العالم، وأن عليها العودة إلى بيليز فولز.
وبصعوبةٍ نقلته إلى المقعد المجاور لقائد السيارة. وإن لم يوقظه هذا، فيبدو أنه ما من شيء آخر سيفعل. استغرق منها الأمر بعض الوقت لتعرف كيف تضيء المصابيح الأمامية، ثم بدأت تحرِّك السيارة وهي تهتز وتسير ببطء نحو الطريق.
لم يكن لديها أدنى فكرة عن الاتجاهات، ولم يكن هناك أحد على الطريق لتسأله. ظلت فقط تقود حتى الجانب الآخر من البلدة، وهناك، لحسن الحظ، وجدت لافتةً تشير إلى الطريق المؤدي إلى بيليز فولز، من بين أماكن أخرى. إنها على بعد تسعة أميال فقط.
قادت السيارة على الطريق السريع الذي انقسم إلى حارتين بسرعة لا تزيد عن ثلاثين ميلًا في الساعة. لم يكن هناك ازدحام مروري. مرة أو مرتان تجاوزتها سيارة وهي تطلق البوق، والسيارات القليلة التي واجهتها كانت تطلق النفير أيضًا. ربما كان هذا لأنها تقود ببطء شديد، وربما في المرات الأخرى لأنها لم تكن تعرف كيفية تخفيف الضوء الساطع. لا بأس، ليس بوسعها التوقف، فلن تستطيع أن تستجمع شجاعتها ثانية في منتصف الطريق. لم يكن بإمكانها شيء سوى مواصلة القيادة، كما قال لها: «واصلي القيادة.»
في البداية لم تتعرف على بيليز فولز؛ لأنها وصلتها بهذه الطريقة غير المعتادة. وعندما وصلت، أصبحت أكثر فزعًا مما كانت خلال التسعة أميال السابقة. كان السبب الأول لذلك هو القيادة في مكان لا تعرفه، وكان السبب الآخر هو أنه كان عليها التوقف أمام بوابات الفندق.
كان مستيقظًا عندما توقفت في ساحة الانتظار. لم يبدُ متفاجئًا لأنه استيقظ في مكان آخر، ولم يفاجأ حتى مما فعلته، بل أخبرها أن أصوات النفير أيقظته في الواقع قبل عدة أميال، ولكنه تظاهر بأنه لا يزال نائمًا؛ لأنه رأى أن المهم ألا يفزعها، ولكنه لم يكن قلقًا؛ فقد عرف أن بوسعها القيام بهذا.
سألته إن كان متيقظًا كفاية الآن ليقود.
«متيقظ للغاية، وألمع مثل الدولار.»
طلب منها خلع حذائها، واستشعرها وضغط عليها هنا وهناك قبل أن يقول: «جيد، ليس بها سخونة وليست متورمة. هل تؤلمك ذراعك؟ إنه لن تؤلمك في الغالب.» اصطحبها حتى الباب وشكرها على صحبتها. كانت لا تزال مندهشة لأنها عادت بأمان. لم تدرك تقريبًا أنه حان وقت الوداع.
في الحقيقة، إنها لا تعرف حتى يومنا هذا إن كانا ردَّدا كلمات الوداع أم لا، أم أنه فقط لفَّ ذراعيه حولها وعانقها بقوة وبضغط متغير ومستمر حتى إنه بدا وكأنه يحتاج أكثر من ذراعين، وأنه احتواها، كان جسده قويًّا وخفيفًا، يطلبها ويتخلى عنها في نفس الوقت، كما لو أنه يخبرها أنها كانت مخطئة في تركه؛ فكل شيء محتمل، ولكن مرة أخرى كأنه يقول إنها لم تكن مخطئة في ذلك الحين، لقد أراد أن يترك عليها أثرًا ثم يرحل. •••
وفي وقت مبكر من الصباح، طرق المدير على باب المهجع مناديًا على جريس.
قال: «مكالمة هاتفية لك. لا تنهضي، إنهم فقط يريدون معرفة هل أنت هنا أم لا. قلت إنني سآتي وأتأكد. حسنًا الآن.»
قالت في نفسها لا بد أنه موري. واحد منهم، على أي حال، ولكنه على الأحرى موري. الآن عليها مواجهة موري.
وعندما هبطت الدرجات لتقديم الإفطار — مرتدية نعليها المصنوعين من القماش — سمعت عن الحادث. ارتطمت سيارة بدعامة جسر في منتصف الطريق المؤدي إلى ليتل سابوت ليك، وقد تحطمت على الفور واحترقت. لم تتحطم سيارات أخرى في الحادث، ولم يُصب ركاب آخرون، وسيتم التعرف على هوية السائق من خلال أسنانه، أو ربما تم التعرف عليه بالفعل.
قال المدير: «يا لها من طريقة للموت! الأفضل أن ينحر المرء عنقه.»
قال الطاهي ذو الطبيعة المتفائلة: «يمكن أن يكون مجرد حادث، ربما غطَّ في النوم.»
«نعم، بالطبع.»
آلمتها ذراعها الآن كما لو كانت قد تلقَّت لطمة قوية. لم تستطع الحفاظ على توازن يدها وهي تحمل صينيتها، ولكنها اضطرت أن تحملها أمامها مستخدمة كلتا يديها. •••
لم تضطر أن تواجه موري وجهًا لوجه؛ فقد كتب لها رسالة: فقط أخبريني أنه أرغمك على فعل هذا. فقط أخبريني أنك لم ترغبي في الذهاب.
ردت على الرسالة بثلاث كلمات: «لقد أردتُ الذهاب.» وكانت ستضيف عبارة «أنا آسفة»، ولكنها منعت نفسها من هذا. •••
جاء السيد ترافرز إلى الفندق لرؤيتها. كان مهذبًا وعمليًّا وحاسمًا ولطيفًا وليس قاسيًا. رأته الآن في ظروف جعلته يبدو مستقلًّا وقويًّا؛ رجلًا يستطيع تولي المسئولية، يمكنه ترتيب الأمور. قال إنه كان حزينًا للغاية، إنهم جميعهم تعساء، ولكن إدمان المسكرات هو شيء بشع حقًّا. وعندما تتحسن حالة السيدة ترافرز سوف يأخذها في رحلة؛ ربما في إجازة إلى مكان دافئ.
ثم قال إن عليه الذهاب؛ فلديه الكثير من الأمور ليفعلها. وعندما كان يصافحها مودِّعًا إياها وضع ظرفًا في يدها.
قال: «كلانا يتمنى أن تستفيدي من هذا.»
كان شيكًا بألف دولار. فكَّرت على الفور أن تعيده إليه أو تمزقه، وحتى وقتنا هذا ما زالت تظن أحيانًا أن ذلك كان سيمثِّل أمرًا جللًا، ولكنها بالطبع لم تستطع في النهاية القيام بذلك؛ ففي تلك الأيام، كان هذا مبلغًا كافيًا يضمن لها أن تبدأ بداية جيدة في الحياة.
الهروب |
الخطايا
توجهوا بالسيارة إلى خارج البلدة نحو منتصف الليل؛ وجلس هاري ودلفين في المقعد الأمامي، بينما استقرت آيلين ولورن في المقعد الخلفي. كانت السماء صافية وقد انزلقت الثلوج من فوق الأشجار، لكنها لم تذب تحتها أو حتى فوق تلك الصخور التي امتدت على جانب الطريق. أوقف هاري السيارة بجانب أحد الجسور.
«هنا مناسب.»
قالت آيلين: «قد يرى أحدهم أننا توقفنا هنا، وربما يتوقف ليتبيَّن ما نحن مُقدمون على عمله هنا.»
شرع في القيادة مرة أخرى، وانعطفوا عند أول طريق ضيق غير ممهد قابلوه، حيث هبطوا من السيارة جميعًا وساروا بحذر بجانب الضفة، لمسافة قصيرة، بين أشجار الأرز الداكنة المتشابكة. صدرت بعض الأصوات الخفيفة من تحتهم نتيجة تفتُّت الثلوج، بالرغم من أن الأرض كانت لزجة وموحلة. كانت لورن لا تزال ترتدي منامتها أسفل معطفها، ولكن آيلين جعلتها ترتدي حذاءها الطويل ذا الرقبة.
قالت آيلين: «أهنا مناسب؟»
قال هاري: «لكنه لا يبعد كثيرًا عن الطريق.»
«إنه يبعد بمسافة كافية.» •••
كان هذا هو العام الذي أعقب ترك هاري لعمله في إحدى مجلات الأخبار بسبب إنهاكه الشديد، وكان قد اشترى الصحيفة الأسبوعية في تلك البلدة الصغيرة التي يتذكرها منذ أيام طفولته؛ فقد كانت عائلته لديها منزل صيفي يطل على واحدة من تلك البحيرات الصغيرة الموجودة هنا، وتذكَّر أول كوب من الجعة احتساه في ذلك الفندق المطل على الطريق الرئيسي، وقد ذهب بصحبة آيلين ولورن لتناول العشاء في أول ليلة أحد يمضونها بالبلدة.
ولكن الحانة كانت مغلقة، واضطر هاري وآيلين لشرب المياه.
قالت آيلين: «كيف ذلك؟»
وقد رفع هاري حاجبَيْه وهو ينظر نحو مالك الفندق، والذي كان هو النادل أيضًا في نفس الوقت.
قال: «أتغلق يوم الأحد؟»
«ليس لدينا تصريح.» تحدَّث المالك بلكنة ثقيلة، بدت أنها تحمل بعضًا من الازدراء. كان يرتدي قميصًا، وربطة عنق، وسترة من الصوف، وسروالًا، بدت جميعها متشابهة؛ جلُّ ما كان يرتديه ذو ملمس ناعم، به بعض الكرمشة، والتجعيدات كبشرة الجلد الخارجية الجافة، يميل لونها إلى الشحوب كما لا بد وأن تكون بشرته الحقيقية أسفل ملابسه.
قال هاري: «لقد تغيَّر الأمر واختلف عن الماضي.» وعندما لم يُجِبه الرجل استمر في حديثه وطلب وجبة اللحم البقري المشوي مع كل مشتملاتها.
قالت آيلين: «يا له من شخص ودود!»
«إنه الطابع الأوروبي، إنها ثقافتهم؛ فهم لا يشعرون بأن عليهم أن يبتسموا طوال الوقت.» ثم أشار إلى بضعة أشياء في غرفة الطعام، والتي لها نفس الطابع؛ فها هو السقف المرتفع، والمروحة التي تدور ببطء، وتلك اللوحة الزيتية القاتمة التي تحتوي على منظر لأحد كلاب الصيد وفي فمه طائر يكسوه الريش بلون أحمر يميل إلى الاصفرار.
دخل بعض المرتادين حيث كانت هناك حفلة عشاء عائلية؛ فتيات صغيرات بأحذيتهن البراقة وملابسهن المزخرفة المنفوشة، وطفل صغير، وصبي يافع يرتدي حلته، وقد غلبه الإحراج الشديد، العديد من الآباء والأجداد؛ فهناك رجل كبير في السن ونحيف يبدو شارد الذهن، وامرأة عجوز تتحرك ببطء فوق مقعدها المتحرك وترتدي طوقًا من الزهور على معصمها. وكانت أي امرأة في الحفل بردائها المنمق تماثل وحدها أربع نسوة بحجم آيلين.
همس هاري: «إنه احتفال بعيد زواج.»
وفي طريقه للخروج توقف ليقدم نفسه وعائلته، وليخبرهم بأنه زميلهم الجديد بالجريدة، وليقدم أيضًا تهانيه بعيد الزواج، وتمنى ألا يمانعوا في أن يقوم بتدوين أسمائهم. كان هاري رجلًا ذا وجه عريض، وهيئة صبيانية بعض الشيء، وبشرة خمرية وشعر لامع بلون بني فاتح. وقد غمر شعوره بالسعادة وعظيم التقدير جلَّ المائدة — بالرغم من أنه لم يمتد ليطول ذلك الصبي المراهق أو الزوجين المتقدمين في العمر. وقد سأل عن المدة التي قضياها في زواجهما، فأخبروه بأنها خمسة وستون عامًا.
صاح هاري وقد أصابته الفكرة بالدوار: «خمسة وستون عامًا؟» تساءل إن كان بإمكانه تقبيل العروس، وقد فعل، ولامست شفتاه طرف أذنها الطويلة عندما أدارت رأسها جانبًا.
قال لآيلين: «والآن عليكِ بتقبيل العريس.» فابتسمت ابتسامة خافتة وطبعت قبلة سريعة أعلى رأسه.
سأل هاري عن وصفة الزواج السعيد.
قالت واحدة من النساء اللاتي اتسمن بالضخامة: «إن أمي لا تستطيع الكلام، لكن دعوني أسأل أبي.» ثم راحت تصيح في أذن والدها: «ما الذي تنصح به من أجل زواج سعيد؟»
قطَّب حاجبَيْه بطريقة شقية وقال:
«بكل بساطة ضع عنقها تحت قدمك طوال الوقت.»
ضحك الكبار، وقال هاري: «حسنًا، سأذكر في الجريدة أنكَ دائمًا ما تحرص على أن تنال موافقة زوجتك في كل شيء.»
وبالخارج قالت آيلين: «كيف لهم أن يكونوا على هذا القدر من السمنة؟ لا أفهم. ربما عليك أن تأكل آناء الليل والنهار لتصل إلى هذا الحجم.»
قال هاري: «شيء غريب.»
قالت: «كان هناك بعض من الفاصوليا الخضراء المعلبة. في أغسطس. أليس هذا هو الوقت الذي تنضج فيه الفاصوليا الخضراء؟ وهنا وسط الريف حيث يفترض أنهم يزرعون المحاصيل؟»
قال هاري بسعادة: «إنه لشيء أعجب من العجب.» •••
سرعان ما طرأت بعض التغييرات على الفندق؛ فتمَّ تركيب سقف معلَّق في غرفة الطعام السابقة؛ عبارة عن مربعات من الورق المقوى مثبَّتة بشرائط من المعدن، واستبدلت الموائد المستديرة الضخمة بأخرى مربعة صغيرة الحجم، وكذلك تم تغيير الكراسي الخشبية الثقيلة ليحل محلها كراسي معدنية أخف وزنًا ذات مقاعد بلاستيكية من اللون البني المائل للحمرة. وبسبب وجود الأسقف المنخفضة، كان لا بد من تقليل حجم النوافذ، فأصبحت على شكل مستطيلات عريضة، وعُلِّقت على إحداها لافتة من النيون كُتب عليها «مقهى مرحبًا».
ولم يكن المالك — الذي يُدعى السيد باليجيان — يبتسم على الإطلاق أو يتفوه بكلمة تزيد عما يمكنه لأي شخص بالرغم من وجود اللافتة التي ترحب بالزائرين.
وعلى إثر التغييرات، امتلأ المقهى بالزبائن في فترة الظهيرة، أو الساعات المتأخرة في فترة ما بعد الظهيرة. وكانت الزبائن من طلاب المدرسة الثانوية، وأكثرهم من طلاب السنة التاسعة حتى الحادية عشرة. كذا كان يتردد عليها بعضٌ من طلاب المرحلة المتوسطة. أما جاذبية المكان الشديدة فكانت تكمن في أنه بمقدور أي شخص أن يدخن، لكن لا يمكنك شراء السجائر إن كنت تبدو أقل من ستة عشر عامًا. كان السيد باليجيان حازمًا بشأن ذلك؛ فكان يقول بصوته العميق الكئيب: «لا، لا يمكنك ذلك.»
وفي ذلك الوقت قام بتعيين امرأة للعمل معه، وإن تصادف وحاول أي شخص صغير السن أن يبتاع منها السجائر كانت تنفجر في الضحك وتقول:
«مع من تمزح يا ذا الوجه الطفولي.»
ولكن بالرغم من ذلك كان باستطاعة أي طالب في السادسة عشرة من عمره أو أكثر جمع النقود من أولئك الطلاب الأصغر سنًّا ليبتاع دستةً من علب السجائر.
قال هاري: «تنفيذًا لنصوص القانون فقط.»
توقف هاري عن تناول طعام الغداء هناك؛ حيث كان هناك صخب شديد بالمكان، لكنه كان لا يزال يذهب إليه ليتناول طعام الإفطار. تمنى لو أن السيد باليجيان أصبح أكثر ودًّا ليروي قصة حياته. احتفظ هاري بملف مليء بالأفكار التي تصلح للعديد من الكتب، وكان دائمًا ما يتطلع لمعرفة قصص حياة الآخرين؛ فكان يقول إن شخصًا مثل السيد باليجيان — أو حتى تلك النادلة السمينة الفظة الحديث — يمكن أن يخفيا مأساة معاصرة، أو حتى مغامرة، تصنع كتابًا من أكثر الكتب مبيعًا.
كان هاري قد أخبر لورن بأنه من الأشياء الهامة في الحياة أن يعيش المرء في العالم باهتمام وشغف؛ بمعنى أن تفتح عينَيْك وترى كل الإمكانيات، والجوانب الإنسانية، في كل شخص تقابله؛ أن تكون على دراية بما حولك. إن كان لديه أي شيء ليعلِّمه إياها فقد كان هو ذاك: «أن تكون على دراية بما حولك.» •••
كانت لورن تُعِدُّ طعام إفطارها بنفسها، ويتكون عادة من الحبوب الممزوجة بشراب القيقب المحلَّى بدلًا من اللبن، أما آيلين فتُعِدُّ قهوتها وتعود إلى فراشها وتحتسيها على مهل، وكانت دومًا لا ترغب في الحديث في ذلك التوقيت؛ إذ كان عليها أن تُعِدَّ نفسها لتبدأ عمل ذلك اليوم في مكتب الجريدة. وعندما كانت تستعيد نشاطها على نحو كافٍ — وذلك أحيانًا بعد أن تغادر آيلين إلى المدرسة — كانت تنهض من الفراش، وتأخذ حمامًا وترتدي واحدًا من أطقم ملابسها المثيرة غير الرسمية. وحيث إن فصل الخريف أوشك على الانتهاء كانت عادة ما ترتدي سترة ثقيلة، وتنورة قصيرة من الجلد، وجوارب ضيقة ذات ألوان زاهية. ومثلها كمثل السيد باليجيان؛ فقد استطاعت آيلين أن تبدو مختلفة عن أي فرد في البلدة، لكنها على العكس منه كانت جميلة بشعرها الأسود القصير، وأقراطها الذهبية الرفيعة التي تتخذ شكل علامة التعجب، وجفونها المظللة باللون الأرجواني الخفيف. كان أسلوبها في مكتب الجريدة يتسم بالحزم، وكانت تعبيراتها جامدة وخالية من الود بعض الشيء، لكن ابتساماتها المشرقة المدروسة كانت تنجح في كسر ذلك في بعض الأحيان.
كانوا قد استأجروا أحد المنازل التي تقع عند أطراف البلدة، وكانت تقع خلف فناء المنزل مباشرة أراضٍ برية شديدة الجاذبية من التلال الصخرية، ومنحدرات الجرانيت، ومستنقعات شجر الأرز، والبحيرات الصغيرة، وغابة مليئة بمختلف الأشجار؛ فهناك شجر الحور، والقيقب الناعم، والأرزية الكندية، وشجر التنوب. لقد أحب هاري المكان، وقال إنه ليس ببعيد أن يستيقظوا ذات يوم ليروا أيلًا في الفناء الخلفي. عادت لورن إلى المنزل بعد انتهاء اليوم الدراسي بعد أن انكسرت الشمس وتلاشى دفء ذلك اليوم من أيام الخريف الذي لا بأس به. كان المنزل باردًا، وتنبعث منه رائحة طعام عشاء الليلة الماضية، ومسحوق القهوة التي فسدت، والقمامة التي كان عليها أن تلقيها بالخارج. كان هاري قد صنع كومة من السماد؛ فقد كان يعتزم أن يزرع حديقة من الخضراوات في العام القادم. حملت لورن الدلو المليء بالقشور، وبقايا التفاح، ومسحوق القهوة وفضلات الطعام إلى أطراف الغابة، حيث من الممكن أن يظهر أحد الدببة أو واحد من حيوانات الأيل لتناولها. تحولت أوراق شجر الحور إلى اللون الأصفر، وكانت أشجار الأرزية الكندية تحمل بعض النتوءات البرتقالية ذات الزغب بجانب الأشجار دائمة الخضرة. قامت بإلقاء القمامة ثم هالت عليها بعضًا من الطين والحشائش تمامًا كما علَّمها هاري.
اختلفت حياتها على نحو كبير الآن مقارنة بما كانت عليه منذ أسابيع قليلة فقط؛ وذلك عندما كانت هي وهاري وآيلين يستقلون السيارة متجهين نحو واحدة من البحيرات الصغيرة من أجل السباحة في أحد الأيام الحارة في فترة ما بعد الظهيرة. وفي المساء تذهب هي وهاري في جولات مغامرة حول البلدة، بينما كانت آيلين تقوم بصنفرة جدران المنزل وطلائها ولصق أوراق الحائط زاعمة أنه بمقدورها أن تقوم بذلك بنفسها بصورة أسرع وأفضل. وكان كل ما تطلب من هاري أن يفعله هو أن يقوم بإزاحة صناديق أوراقه، وخزانة ملفاته ومكتبه بعيدًا عن طريقها، ووضعها في حجرة صغيرة متواضعة في قبو المنزل، وقد عاونته لورن في ذلك.
كان أحد صناديق الكرتون الذي حملته خفيفًا بطريقة غريبة، وبدا أنه يحوي شيئًا ناعمًا، لا يشبه الورق، بل أشبه بالقماش أو خيوط الغزل. وبمجرد أن قالت: «ما هذا؟» ورآها هاري وهي تحمله قال: «انتظري.» ثم أردف: «يا إلهي!»
وانتزع الصندوق من يدها ووضعه على الفور في أحد أدراج خزانة الملفات، ثم أغلقها بعنف وهو يقول ثانية: «يا إلهي!»
كان نادرًا ما يتحدث إليها بهذا الأسلوب الفظ الغاضب، ثم راح ينظر حوله كما لو أن هناك أحدًا يراقبهما، ثم خبط بيده على بنطاله.
قال: «إنني جد آسف، لم أتوقع أن تلتقطي هذا الصندوق.» اتكأ بمرفقه على خزانة الملفات ثم أحنى رأسه ووضع جبهته بين كفَّيه.
قال: «الآن، الآن يا لورن. بإمكاني أن أخترع أي كذبة أقولها لك، لكني سأخبرك بالحقيقة؛ لأنني أعتقد أنه ينبغي أن يعرف الأطفال الحقيقة، أو على الأقل ينبغي أن يعرفها من هم في مثل عمرك، لكن في تلك الحالة سيكون هذا بمثابة سر، اتفقنا؟»
قالت لورن: «اتفقنا.» ولكن كان هناك شيء في قرارة نفسها جعلها تتمنى ألا يفعل ذلك.
قال هاري: «هذا الصندوق به رماد.» وخفت صوته على نحو غريب وهو يلفظ كلمة رماد، ثم أردف قائلًا: «إنه ليس رمادًا عاديًّا، بل رماد ناتج عن إحراق جثة رضيع. هذا الرضيع توفي قبل مولدك. حسنًا، اجلسي.»
جلست فوق كومة من المفكرات ذات الغلاف المقوى، والتي تحتوي على كتابات هاري. رفع رأسه ثم نظر إليها.
«ما أخبرتك به أمرٌ مؤلم بالنسبة لآيلين؛ لهذا ينبغي أن يظل سرًّا؛ ولذا لم نخبرك به قط؛ فآيلين لا تحتمل أن يذكِّرها به أحد ثانية. والآن، أفهمتِ ذلك؟»
قالت ما ينبغي لها قوله في هذا الموقف: «نعم.»
«حسنًا، والآن ما حدث هو أننا رُزقنا بذلك الطفل قبل أن نرزق بكِ، وكانت بنتًا، وعندما كانت الرضيعة لا تزال ضعيفة وضئيلة الحجم، حملت آيلين للمرة الثانية. كان ذلك صدمة كبيرة لها؛ لأنها قد أيقنت لتوِّها كم المجهود الشاق الذي تتطلبه العناية بطفل حديث الولادة، وها هي لا تحصل على أي قسط من النوم وتتقيأ بسبب شعورها بالغثيان في الصباح، بل في الواقع لم يكن في الصباح فقط، بل في فترة الظهيرة والمساء، ولم تكن تدري كيف تواجه الأمر؛ فقد أصبحت حاملًا بالفعل. وذات ليلة فقدت السيطرة على مشاعرها، وواتتها فكرة الخروج. استقلت السيارة وبصحبتها الرضيعة في مهدها، وكان الظلام قد حلَّ، والأمطار تهطل، وكانت تقود السيارة بسرعة شديدة ولم تلحظ أحد منعطفات الطريق، فاصطدمت سيارتها. هذا ما حدث. لم تكن الرضيعة مثبَّتة على نحو جيد في مهدها، فوقعت منه وارتطمت بشدة. وأصيبت آيلين بكسر في ضلوعها وبارتجاج في المخ، وبدا الأمر حينها وكأننا سنفقد الطفلين.»
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
«أعني أننا فقدنا واحدًا بالفعل؛ فعندما سقطت الرضيعة من مهدها ارتطمت بشدة وماتت بالطبع، لكننا لم نفقد ذلك الآخر الذي كانت تحمله آيلين في أحشائها؛ لأنه كان أنتِ. أفهمتِ الآن؟ أنتِ.»
أومأت برأسها ببطء.
«لذا؛ فالسبب الذي لم يجعلنا نخبرك بذلك — بجانب حالة آيلين الانفعالية — هو أن الأمر قد يُشعرك بأنك شخص غير مرغوب فيه، ولم نكن نريد أن يحدث هذا في بداية هذه الظروف، لكن عليكِ أن تصدقيني بأننا كنا نرغب بوجودك بشدة. أوه يا لورن. لقد رغبنا فيك بالفعل، ونحبك بشدة.»
أبعد ذراعه عن خزانة الملفات، ثم اقترب منها وطوَّقها بذراعيه. كانت تنبعث منه رائحة العرق والنبيذ الذي احتساه هو وآيلين في العشاء، ولم تشعر لورن بالراحة على الإطلاق، وشعرت بالإحراج. لم تُحزنها القصة بالرغم من أن ذلك الرماد كان شيئًا مفزعًا ومخيفًا، لكنها سلَّمت بكلماته وأن الأمر سيزعج آيلين.
قالت بطريقة عفوية: «ألهذا السبب كنتما تتشاجران؟» فأبعد يده عنها.
قال بأسًى: «نتشاجر. أعتقد أن ثَمَّةَ شيئًا يكمن خلف ذلك؛ يكمن خلف نوبات الهياج هذه. أتدرين أنني أشعر بالأسى والحزن حيال كل ذلك. إنني كذلك حقًّا.» •••
عندما كانا يذهبان للتريُّض في الخارج معًا كان يسألها بين الحين والآخر إذا ما كان يساورها شعور بالقلق، أو الحزن، بشأن ما قصَّه عليها، فكانت تجيبه بصوت حازم يدل على نفاد الصبر بعض الشيء وتقول: «لا.» ويقول حينها: «حسنًا.»
كان لكل شارع جاذبيته ومصدر جماله؛ فهناك القصر الفيكتوري (الذي أضحى الآن إحدى دور الرعاية)، والبرج الحجري الذي كان هو كل ما تبقى من مصنع لإنتاج المكانس اليدوية، وهناك أيضًا المقابر التي يعود تاريخها لعام ١٨٤٢. ولبضعة أيام سيقام معرض في الخريف. وشاهدا الشاحنات وهي تسير الواحدة تلو الأخرى عبر الأوحال، وتزيح أحد الأرصفة المحمَّلة بالكتل الأسمنتية التي راحت تنزلق وتتزحزح للأمام؛ مما جعل مؤخرة الشاحنات ترتج وتترنح، وتوقفت الشاحنات وراحت تضبط وتنظم المسافات فيما بينها. اختار كلٌّ من هاري ولورن شاحنة من الشاحنات لتشجيعها والتهليل لها.
بدا للورن الآن أن كل ذلك الوقت الذي مرَّ لم يكن يحمل إلا وهجًا زائفًا؛ نوعًا من الحماسة الساذجة المستهترة التي لا تقيم وزنًا لما يحدث في الحياة اليومية، أو الواقع الذي كان عليها مواجهته بمجرد أن تبدأ الدراسة وتخرج طبعات الجريدة للنور ويتغير الطقس. أيضًا، كان الدب أو الأيل من الحيوانات المتوحشة بالفعل التي لا تفكر إلا في احتياجاتها الضرورية، ولم تكن تجلب أي نوع من الإثارة، ولم تعد تستطيع القفز والصراخ الآن كما كانت تفعل في أرض المعارض وهي تهلل للعربة التي تقوم بتشجيعها؛ فقد يراها أحدٌ من المدرسة ويعتقد أنها غريبة الأطوار.
وهو أقرب إلى فكرتهم عنها على أي حال.
فعُزلتها في المدرسة كانت نابعة من المعرفة والخبرة، والتي كانت تبدو وكأنها نوع من السذاجة والتحفظ، ولكنها لم تكن تدري ذلك تمامًا؛ فالأشياء التي كانت أسرارًا شريرة بالنسبة للآخرين لم تكن هكذا بالنسبة لها، ولم تكن تدري كيف تتصنَّع وتتظاهر حيالهم بغير ذلك. وكان هذا هو ما فصلها وأبعدها عن الآخرين مثلما أبعدتها أيضًا معرفتها بكيفية نطق بضع كلمات بالفرنسية وقراءتها لرواية «سيد الخواتم». كانت قد احتست نصف زجاجة من الجعة عندما كانت في الخامسة من عمرها، ونفثت الدخان عندما كانت في السادسة، بالرغم من أنه لم يَرُق لها أيٌّ منهما. كانت في بعض الأحيان تتناول القليل من النبيذ على العشاء، وكان ذلك يعجبها بعض الشيء. كانت تعرف ما هو الجنس الفموي، وكذلك كل ما يتعلق بوسائل منع الحمل وما يفعله الشواذ. وكثيرًا ما كانت ترى هاري وآيلين وهما عاريين، كما رأت حفلة لأصدقائهما وهم مجردون من ملابسهم وقد التفوا حول النيران المشتعلة في الغابة. وفي تلك الإجازة أيضًا تسللت هي ومجموعة من الأطفال الآخرين ليشاهدوا الآباء وهم يندسون سريعًا إلى خيمات الأمهات وهن لسن بزوجاتهم بناء على اتفاقات سرية مسبقة. وقد عرض عليها أحد الصبية ممارسة الجنس معها فوافقت، لكنه لم يحرز أي تقدم، وشعر كلاهما بالغضب حيال الآخر، وفيما بعد كانت تكره مجرد رؤيته.
كان كل ذلك كالحمل الثقيل بالنسبة لها هنا؛ فقد منحها شعورًا بالحرج والحزن الغريب، بل والحرمان. ولم يكن هناك الكثير لتفعله سوى أن تتذكر أن تنادي آيلين وهاري في المدرسة بأبي وأمي. كان ذلك يجعلهما أكبر، ولكن ليس أكثر عنفًا أو حدة؛ فحدود حدتهما كانت تذوب قليلًا عندما كانت تتحدث عنهما بهذا الأسلوب، وتتخفى سمات شخصيتهما بعض الشيء تحت غطاء خادع. أما حينما تكون أمامهما وجهًا لوجه فلا يكون لديها أي أسلوب لتحقِّق نفس التأثير، بل إنها حتى لا تستطيع أن تعترف أن ذلك قد يكون مصدر راحة لها. •••
كان بعض الفتيات في فصل لورن يذهبن إلى الفندق ويجدن طريقهن إلى الحمام، وقد كن يجدن المقهى المجاور إغراءً لا يقاوَم، لكنهن لم تكن لديهن الشجاعة الكافية لدخوله. وهناك في الحمام كن يمضين نحو ربع الساعة أو نصف الساعة في تصفيف شعورهن وشعور الأخريات بتسريحات مختلفة، ووضع أحمر الشفاه الذي كن يسرقنه من متجر ستيدمان، وتشم كلٌّ منهن عنق الأخرى ومعصمها الذي كن يغرقنه بكافة أنواع العطور المتاحة للتجربة دون مقابل في الصيدلية.
عندما طلبن من لورن أن تصاحبهن ذات مرة تشكَّكت في أن يكون وراء ذلك خدعة ما، لكنها وافقت على أي حال، وكان جزء من موافقتها راجعًا إلى أنها تكره العودة إلى المنزل بمفردها في فترة ما بعد الظهيرة التي تقصر باستمرار وتمكث في المنزل الذي يقع على أطراف الغابة.
وبمجرد أن دخلن إلى البهو أمسكت بيدها فتاتان، وقمن بدفعها نحو النضد حيث تجلس سيدة من العاملات في المطعم على أحد المقاعد العالية وتقوم ببعض العمليات الحسابية على الآلة الحاسبة.
كانت هذه السيدة تدعى دلفين، كانت لورن تعرف اسمها بالفعل من هاري. كانت ذات شعر طويل ناعم يميل إلى الأشقر المائل للبياض، أو ربما كان أبيض بالفعل؛ لأنها لم تكن صغيرة السن. لا بد وأنها كانت تضطر إلى إعادة شعرها للوراء دومًا لتزيحه عن وجهها تمامًا كما تفعل الآن. كانت عيناها — اللتان بدتا من وراء نظارتها ذات الإطار الداكن — تغطيهما جفونها المظللة باللون الأرجواني. كان وجهها عريضًا، كجسدها، وشاحبًا بعض الشيء وذا بشرة ناعمة، ولم يكن هناك شيء بها ينم عن التكاسل أو البلادة. رفعت عينيها الآن فظهر لونهما الأزرق الفاتح الصريح، وراحت تقلب نظرها بين الفتيات كما لو أنه لا يدهشها أي سلوك ذميم يصدر عنهن.
قالت الفتيات: «ها هي.»
نظرت المرأة — دلفين — الآن نحو لورن وقالت: «أنتِ لورن؟ أواثقة من هذا؟»
أجابت لورن في حيرة بنعم.
قالت المرأة وهي تشير إلى الفتيات وكأنهن يقفن بالفعل على مسافة بعيدة وخارج إطار حديثها مع لورن تمامًا: «لقد سألتهن إن كانت هناك في المدرسة فتاة تدعى لورن.» وأردفت قائلة: «سألتهن لأننا قد عثرنا على شيء ما هنا، ولا بد وأنه سقط من أحدهم في المقهى.»
ثم فتحت أحد الأدراج وأخرجت منه سلسة ذهبية، وكان يتدلى منها أحرف تكوِّن اسم لورن.
هزَّت لورن رأسها بالنفي.
قالت دلفين: «لا تخصكِ؟ أوه، أمر سيئ. لقد سألت الأولاد في المدرسة الثانوية بالفعل؛ لذا عليَّ أن أحتفظ بها هنا بعض الوقت؛ ربما يأتي أحدهم ليسأل عنها.»
قالت لورن: «بإمكانك أن تنشري إعلانًا في جريدة أبي.» لكنها لم تدرك حينها أنه كان ينبغي لها أن تقول «الجريدة» فقط؛ وذلك حتى اليوم التالي عندما كانت تمر بجوار فتاتين في مدخل المدرسة وهما يلمزان ويقولان بصوت يتصنع الفخر: «جريدة أبي.»
قالت دلفين: «بإمكاني أن أفعل ذلك، لكني سأجد كل أنواع البشر يأتون إلى هنا ويدَّعون أنها تخصهم، وربما يصل الأمر بهم إلى الكذب بشأن أسمائهم. إنها سلسة من الذهب.»
أشارت لورن لها قائلة: «لكنهم لن يستطيعوا ارتداءها إن لم تكن تحمل أسماءهم الحقيقية.»
«ربما لا يفعلون، لكني لن أضعها نصب أعينهم ليدَّعوا هذا على أي حال.»
كانت الفتيات الأخريات قد توجَّهن نحو دورة المياه.
فنادتهن دلفين قائلة: «أنتن، ممنوع الدخول هناك.»
فاستدرن نحوها في دهشة.
وقلن: «كيف ذلك؟»
«لأنه ممنوع الدخول، هذا هو الأمر، والآن بإمكانكن التسكع في مكان آخر.»
«لكنكِ لم تمنعينا من الدخول فيما مضى.»
«ما مضى قد مضى، والآن شيء آخر.»
«ولكن من المفترض أنها دورة مياه عامة.»
«إنها ليست كذلك، أما التي تقع في مبنى شئون المدينة فهي كذلك، والآن اغربن عن هنا.»
استدارت دلفين موجِّهة حديثها إلى لورن التي كانت على وشك أن تتبع الأخريات: «لا أقصدك بهذا الكلام، إنني جد آسفة أن السلسلة لا تخصك. بإمكانك العودة مرة أخرى في غضون يوم أو يومين، وإن لم يأتِ أحدٌ ليسأل عنها، لنرَ، فهي تحمل اسمك على أي حال.»
عادت لورن مرة أخرى في اليوم التالي، ولكنها لم تكن تهتم بأمر السلسلة على الإطلاق؛ فهي في الواقع لا تتخيل أنه يمكن أن يسير المرء واسمه يتدلى فوق عنقه. كل ما هنالك أنها كانت تريد أن تأخذ جولة ما؛ مكانًا تذهب إليه. كان بمقدورها أن تذهب إلى مكتب الجريدة، ولكن بعد أن سمعتهن وهن يرددن كلمة «جريدة أبي» على هذا النحو لم تعد راغبة في الذهاب إلى هناك.
قررت أنها لن تدخل إن كان السيد باليجيان هو الذي يقف خلف النضد وليست السيدة دلفين، ولكنها كانت دلفين من تقف هناك بالفعل، وكانت تروي نبتة قبيحة الشكل عند النافذة الأمامية.
قالت دلفين: «أوه، حسنًا، لم يأتِ أحدٌ ليسأل عنها، سأتريث حتى نهاية الأسبوع، لديَّ شعور قوي أنها ستكون لك. بإمكانك أن تأتي دائمًا في هذا الوقت من اليوم؛ فليس لديَّ عمل بالمقهى في فترة ما بعد الظهيرة، وإن حدث ولم تجديني في البهو فعليكِ فقط بدق الجرس، فسأكون في مكان ما هنا.»
قالت لورن: «حسنًا.» واستدارت لترحل.
«أتريدين أن تجلسي لبضع دقائق؟ كنت أفكر أن أتناول قدحًا من الشاي. هل تشربين الشاي؟ هل يُسمح لكِ بتناول الشاي؟ أم تفضلين مشروبًا باردًا بدلًا منه؟»
قالت لورن: «صودا الليمون لو سمحتِ.»
«في كأس زجاجي؟ أتريدين تناوله في كأس زجاجي؟ هل تفضلينه بالثلج؟»
قالت لورن: «ليس هناك داعٍ؛ فهو مناسب تمامًا كما هو. أشكرك جزيل الشكر.»
أحضرت دلفين كأسًا به بعض الثلج على أي حال، وقالت: «إنه لا يبدو لي مثلَّجًا بما يكفي.» ثم سألت لورن عن المكان الذي تفضِّل الجلوس فيه؛ هل على أحد المقاعد القديمة المكسوة بالجلد القابعة بجوار النافذة أم على أحد الكراسي العالية خلف النضد؟ اختارت لورن أحد المقاعد العالية وجلست دلفين على مقعد آخر قبالتها.
«والآن، ألا تخبرينني بما تعلَّمتِه اليوم بالمدرسة؟»
قالت لورن: «حسنًا …»
أسفر وجه دلفين العريض عن ابتسامة.
«لقد طرحتُ عليكِ هذا السؤال على سبيل المزاح، كنت أكره بشدة أن يسألني الآخرون عن ذلك؛ أولًا: لأنني كنت لا أتذكَّر أي شيء تعلَّمته في ذاك اليوم، وثانيًا: لأنني لم أرغب في الحديث عن المدرسة حينما أكون خارجها؛ لذا دعينا نغفل ذلك الأمر.»
لم تندهش لورن برغبة السيدة الواضحة في أن تصادقها. لقد نشأت وهي تعتقد تمامًا أنه يمكن أن يتساوى الأطفال والبالغون في علاقاتهم بعضهم مع بعض، على الرغم من أنها لاحظت أن العديد من البالغين لا يتفهَّمون ذلك؛ ولهذا كان من الأفضل ألا تثير هذا الأمر وتفرضه على أحد. لاحظت أن دلفين كانت متوترة بعض الشيء؛ ولهذا كانت تتحدث دون أن تلتقط أنفاسها، وتضحك في لحظات غريبة، وكيف أنها لجأت إلى المناورة وهي تمد يدها نحو أحد الأدراج وتُخرج منه لوحًا من الشوكولاتة.
«مجرد قطعة حلوى صغيرة مع الشراب؛ ربما تجعل الأمر يستحق أن تأتي لمقابلتي مرة أخرى.»
شعرت لورن بالحرج نيابة عن المرأة، بالرغم من سعادتها بقبول لوح الشوكولاتة، فلم تكن تحصل على أي حلوى بالمنزل.
قالت: «لستِ بحاجة لرشوتي كي آتي، إنني أحب ذلك.»
«أوه، حسنًا، لن أفعل، أهو كذلك؟ يا لكِ من طفلة! حسنًا، أعيديها لي.»
مدَّت يدها لتنتزع الشوكولاتة، ولكن راوغتها لورن وتفادت يدها لتحميها، وراحت تضحك هي الأخرى.
«لقد قصدتُ المرة القادمة؛ فليس عليكِ أن ترشيني في المرة القادمة.»
«ومع هذا لا بأس برشوة واحدة، أهو كذلك؟»
قالت لورن: «أحب أن أجد شيئًا أفعله، بخلاف العودة فقط إلى المنزل.»
«ألا يمكنك زيارة بعض الأصدقاء؟»
«ليس لديَّ أصدقاء في الواقع؛ فلم أبدأ دراستي في هذه المدرسة إلا في شهر سبتمبر.»
«حسنًا، إن كانت تلك المجموعة التي أتت هنا تُعَدُّ نموذجًا لمن ستنتقين منهن صديقاتك فمن الأفضل أن تظلي هكذا دونهن. هل أعجبتكِ المدينة؟»
«إنها صغيرة، وهناك بعض الأشياء اللطيفة بها.»
«إنها مقلب نفايات؛ جميعها مثل مقالب النفايات. لقد عايشت الكثير من مقالب النفايات في حياتي لدرجة أنكِ قد تعتقدين أن الفئران قد أكلت أنفي الآن.» وراحت تمرر أصابعها على أنفها لأعلى وأسفل، وكان لون طلاء أظافرها يماثل ظلال جفونها. وأردفت بارتياب: «لا تزال هناك.» •••
«إنها مقلب نفايات.» كانت دلفين تقول أشياء من هذا القبيل، كانت تتحدث بحماسة شديدة. لم تكن تحاور بل تطرح وقائع، وكانت أحكامها حادة تنمُّ عن مزاجية شديدة. تحدثت دلفين عن نفسها؛ عن ميولها وحالتها البدنية، وكأنها تتحدث عن معضلة معقدة، شيء فريد وقاطع.
كانت تعاني من الحساسية تجاه البنجر؛ فإذا ما حدث ودخلت جوفها ولو حتى قطرة واحدة من عصيره، فإن أنسجتها تنتفخ ويكون لزامًا أن تذهب إلى المستشفى؛ لأنها تحتاج إلى عملية طارئة حتى تستطيع التنفس.
«كيف هو الأمر معكِ؟ هل تعانين من أي نوع من الحساسية؟ لا؟ عظيم.»
كانت تعتقد أنه ينبغي أن تظل أيدي المرأة نظيفة بغض النظر عن نوع العمل الذي تمارسه. كانت تحب أن تضع طلاء أظافر باللون الأزرق الداكن أو بلون الخوخ، وكانت تحب أيضًا أن ترتدي الأقراط الضخمة التي تُحدِث صوتًا حتى أثناء عملها؛ فلم تكن تحب ذلك النوع الصغير الرقيق.
لم تكن تخشى الثعابين، لكنها تكنُّ مشاعر غريبة نحو القطط. كانت تعتقد أن القطة كانت تأتي وتستلقي فوقها وهي طفلة رضيعة؛ لأن رائحة اللبن كانت تجذبها.
قالت للورن: «وماذا عنكِ؟ ما الشيء الذي يخيفك؟ ما لونك المفضل؟ هل حدث ومشيتِ أثناء نومك؟ هل تعرَّضت لحمام شمس أو لضربة شمس؟ هل ينمو شعرك بسرعة أم ببطء؟»
لم يكن الأمر يبدو وكأن لورن غير معتادة على أن يهتم بها أحد؛ فهاري وآيلين، وبخاصة هاري، كانا بالفعل يهتمان بأفكارها وآرائها وشعورها حيال الأشياء، وكان هذا الاهتمام يسبِّب لها الضيق في بعض الأحيان، لكنها لم تكن تدرك مطلقًا أنه يمكن أن يكون هناك كل هذه الأشياء الأخرى؛ تلك الحقائق العشوائية، التي تبدو مهمة على نحو ممتع. ولم يعترِها مطلقًا ذلك الشعور، كما هو الحال في المنزل، أن هناك أي سؤال آخر يكمن خلف أسئلة دلفين، ولم تشعر مطلقًا أنها إن لم تأخذ حذرها فإنه يمكن أن يكون هناك تطفُّل وتدخُّل في شئونها.
علَّمتها دلفين بعض النكات. أخبرتها أنها تعرف المئات من النكات، لكنها لن تقصَّ على مسامعها إلا ما هو مناسب. لم يكن هاري ليرى أن النكات التي تُقال على قاطني نيوفاوندلاند مناسبة، لكن لورن كانت تضحك عليها من باب الكياسة. •••
أخبرت آيلين وهاري أنها ستذهب لمنزل صديقتها بعد انتهاء المدرسة. لم تكن تلك كذبة في الحقيقة، وبدا أنهما قد سعدا بذلك، لكنها — بسببهما — لم تأخذ السلسلة التي تحمل اسمها عندما أخبرتها دلفين أن بمقدورها ذلك. لقد تظاهرت بأنها قلقة من أن يأتي مالكها الذي لا يزال يبحث عنها.
كانت دلفين تعرف هاري؛ فقد كانت تحضر له طعام الإفطار في المقهى. كان من الممكن أن تذكر زيارات لورن لها، لكن من الواضح أنها لم تفعل.
كانت في بعض الأحيان تضع لافتةً مكتوبًا عليها «دُقَّ الجرس لاستدعاء الموظف المختص»، ثم تصطحب لورن معها إلى أجزاء أخرى من الفندق؛ إذ ثَمَّةَ نزلاء يمكثون بالفندق من حين لآخر، وكان يجب ترتيب أسِرَّتهم، وتنظيف دورات المياه والأحواض الخاصة بهم، وكذا أرضيات الغرف. لم تسمح للورن بأن تساعد في شيء، وكانت تقول لها: «اجلسي فقط وتحدثي إليَّ، إنه نوع من العمل الباعث على الوحدة.»
لكنها كانت هي التي تتحدث فقط. تحدَّثت عن حياتها، ولكن دون أي نوع من التسلسل أو الترتيب؛ فظهرت بعض الشخصيات واختفت، وكان من المفترض أن تعرف لورن من هم دون أن تسأل؛ فالأشخاص الذين كانت تذكر أسماءهم بعد لقب السيد أو السيدة كانوا رؤساء جيدين، أما الرؤساء السيئين فكانت تطلق عليهم الخنازير أو الأوغاد «لا تكرري لغتي.» وقد عملت دلفين في بعض المستشفيات «ممرضة؟ أتمزحين؟» وفي حقول التبغ، ومطاعم لا بأس بها، وفي أماكن الغطس، وفي أحد معسكرات تخزين الأخشاب حيث كانت تقوم بالطهو، وعملت أيضًا في إحدى محطات الحافلات حيث كانت تقوم بالتنظيف، ورأت أشياء فاضحة لن تستطيع التحدث عنها، وأيضًا في أحد المتاجر الكبرى التي تفتح أبوابها طوال الليل حيث كانت تعمل لساعات متأخرة جدًّا حتى استقالت.
في بعض الأحيان كانت تصادق لورن، وفي أحيان أخرى فِل. كان لفِل أسلوبها في استعارة الأشياء دون استئذان؛ فقد استعارت كنزة دلفين وارتدتها في حفل راقص، وتعرَّقت كثيرًا حتى اتسخت منطقة ما تحت الإبط بشدة، أما لورن فقد تخرَّجت من المدرسة الثانوية، ولكنها ارتكبت خطأً كبيرًا عندما تزوجت من ذلك الشخص الغبي، ومن المؤكد أنها تشعر بالأسف الآن.
كان من الممكن أن تتزوج دلفين؛ فبعض الرجال الذين رافقتهم شقوا طريقهم في الحياة على نحو لا بأس به، وبعضهم أضحوا مجموعة من المشردين، أما البعض الآخر فليس لديها أدنى فكرة عما حدث لهم. لقد كانت مغرمة بفتًى يدعى تومي كيلبرايد، لكنه كان ينتمي للطائفة الكاثوليكية.
«ربما لا تعرفين ماذا يعني هذا بالنسبة للمرأة.»
قالت لورن: «يعني أنه ليس بمقدورك أن تستخدمي موانع الحمل، لقد كانت آيلين تنتمي للطائفة الكاثوليكية، لكنها تركتها لأنها لم توافق على هذا. آيلين هذه هي أمي.»
«لم يكن هناك داعٍ لأن تشعر أمك بالقلق على أي حال؛ فقد انتهت الأمور إلى ما تريده.»
لم تفهم لورن ما تعنيه، ثم اعتقدت أن دلفين ربما تتحدث عنها — أي عن لورن — كونها طفلة وحيدة؛ فلا بد وأنها اعتقدت أن هاري وآيلين كانا يرغبان في إنجاب المزيد من الأطفال بعد أن رُزقا بها، لكن لم يكن باستطاعة آيلين ذلك، ولكن على حد علم لورن لم يكن الأمر هكذا.
قالت: «كان بإمكانهم إنجاب المزيد إن أرادوا هذا، بعد أن أنجباني.»
قالت دلفين مازحة: «هذا ما تعتقدينه، أليس كذلك؟ ربما لم يكن باستطاعتهم إنجاب أي طفل على الإطلاق، وربما تبنَّوكِ.»
«لا، لم يفعلوا ذلك. أعلم هذا تمامًا.» كانت لورن على وشك أن تخبرها بما حدث عندما كانت آيلين حاملًا، لكنها أحجمت عن هذا؛ لأن هاري شدَّد على أن يظل الأمر سرًّا. وكانت هي من النوع الذي يؤمن بالخرافات بشأن نكص أي عهد، بالرغم من أنها لاحظت أن البالغين لا يبالون ويحنثون بعهودهم.
قالت دلفين: «لا تأخذي الأمر على محمل الجد هكذا.» ثم احتضنت وجه لورن براحتَيْها وراحت تُرَبِّت على وجنتيها بأصابعها ذات الأظافر المطلية بلون التوت البري، وأردفت قائلة: «إنني أمزح فقط.» •••
كان المجفِّف بمغسلة الفندق لا يعمل؛ ولذا كان على دلفين أن تقوم بنشر الشراشف والمناشف المبتلة، ولأن السماء كانت تمطر فإن أفضل مكان للتجفيف هو إسطبل تأجير الخيول. عاونتها لورن في حمل السلال المكتظة بالأقمشة القطنية البيضاء عبر الفناء الصغير المفترش بالحصى خلف الفندق وحتى الإسطبل الخاوي المشيَّد من الحجارة. كانت الأرض أسمنتية، لكن لا تزال بعض الرائحة تتسلل من الأرضية بأسفله، أو ربما كانت تنبعث من الجدران المشيَّدة من كسارة الحجر والحصى. رائحة التراب الرطب، ورائحة بول الخيول وجلودها. كان المكان خاويًا إلا من بعض أحبال الغسيل وبعض المقاعد والمناضد المكسورة. وقد أصدرت خطواتهم صدى صوتٍ بالمكان.
قالت دلفين: «جرِّبي أن تنادي اسمك؟»
صاحت لورن: «دل-فيييي-ييين.»
«اسمكِ أنتِ، ماذا تفعلين؟»
قالت لورن: «إن اسمكِ له صدًى أفضل.» وشرعت تنادي اسمها ثانية «دل-فييييييي-يين.»
قالت دلفين: «إنني لا أحب اسمي، ما من أحد يفضِّل اسمه.»
«أنا لا أكره اسمي.»
«لورن جميل، إنه اسم لطيف. لقد اختاروا لك اسمًا لطيفًا.»
اختفت دلفين خلف الشراشف التي كانت تقوم بتثبيتها فوق أحد الأحبال، وراحت لورن تتجول على مهلٍ وهي تُطلق صفيرًا.
قالت دلفين: «إنه الغناء الذي يبدو ملائمًا وجميلًا هنا، هلَّا شدوتِ بأغنيتك المفضلة.»
لم تستطع لورن أن تفكر في أغنية مفضَّلة لديها، وقد استغربت دلفين الأمر تمامًا مثلما أصابتها الدهشة عندما علمت أن لورن لا تعرف أيًّا من النكات على الإطلاق.
قالت: «لديَّ الكثير من الأغاني.» ثم شرعت في الغناء:
يا نهر القمر الجميل … أكبر من مسافة ميل.
كانت هذه هي إحدى الأغنيات التي كان هاري يشدو بها في بعض الأحيان، ودائمًا ما كان يتندَّر على الأغنية أو على نفسه. أما أسلوب دلفين في غنائها، فكان مختلفًا تمام الاختلاف؛ فقد شعرت لورن أن الحزن العميق الذي يكمن في صوت دلفين يجذبها نحو الشراشف البيضاء المتمايلة، بل بدا وكأن الشراشف ذاتها تحتويها وتذوب من شدة التأثر، لا، بل كانت تحتوي دلفين أيضًا، مخلِّفة شعورًا بالعذوبة والملاحة. كان غناء دلفين أشبه بالعناق الدافئ والحضن الكبير الذي تندفع نحوه دون شعور، وفي نفس الوقت فإن تلك المشاعر الفياضة جعلتها تشعر بانقباض في معدتها مما ينذر بإصابتها ببعض الإعياء.
أنتظرك بالقرب من المنعطف يا صديقي الذي يشبه العنب البري.
قاطعتها لورن عندما جذبت أحد الكراسي التي لا تحوي مقعدًا على الأرض. •••
على طاولة العشاء قالت لورن بحزم لهاري وآيلين: «هناك شيء أود أن أسألكما عنه، هل هناك احتمال أن تكونا قد تبنَّيتماني؟»
قالت آيلين: «من أين أتيتِ بتلك الفكرة؟»
توقف هاري عن تناول الطعام، ورفع حاجبَيْه محذِّرًا لورن، ثم راح يمزح ويقول: «إن أردنا تبنِّي طفل فهل تعتقدين أننا كنا سنأتي بمن يطرح كل تلك الأسئلة المتطفلة؟»
نهضت آيلين وراحت تعبث بسحَّاب تنورتها، فسقطت التنورة على الأرض، ثم قامت بإنزال سروالها الضيق ولباسها التحتي.
قالت: «انظري هنا، من المفترض أن يخبرك هذا.»
ظهر على بطنها — الذي كان يبدو مسطحًا وهي مرتدية ملابسها — بعض الامتلاء والترهل، كذا كانت هناك آثار لبعض الخطوط البيضاء الباهتة على سطح بشرتها التي اكتسبت سمرة خفيفة حتى حدود علامة القطعة السفلية من لباس البحر، وقد ظهرت تلك الخطوط في ضوء المطبخ. كانت لورن قد رأت كل ذلك من قبل، لكنها لم تُلْقِ له بالًا؛ فقد بدت الخطوط وكأنها جزء عادي من جسد آيلين، تمامًا مثل الشامتَيْن الموجودتَيْن على عظمة التَّرْقُوَة.
قالت آيلين: «هذا بسبب علامات تمدُّد الجلد بسبب الحمل، لقد حملتك أمامي هكذا.» ثم مدت يدها أمام جسمها لمسافة مناسبة تشير إلى حجم بطنها آنذاك، ثم أردفت قائلة: «هل اقتنعتِ الآن؟»
وضع هاري رأسه على بطن آيلين العاري، وراح يداعبه بأنفه، ثم تراجع ووجَّه كلامه إلى لورن:
«في حال إن كنتِ تتساءلين عن سبب عدم إنجابنا للمزيد من الأطفال، فإن الإجابة هي أنك الطفل الوحيد الذي كنا نحتاجه. إنكِ تتسمين بالذكاء والجمال وخفة الظل. ما الذي يضمن لنا الحصول على طفل آخر بهذه السمات الجيدة؟ بالإضافة إلى أننا لسنا بعائلة عادية؛ فنحن نحب التنقل، ونحب تجربة الأشياء، ونتحلى بالمرونة. لقد رُزقنا بطفلة رائعة تتكيف تحت أي ظروف؛ فما من داعٍ لاختبار حظنا مرة أخرى، فليس ثَمَّةَ ضمان أن يكون مثلك.»
كان وجهه، الذي لم ترَه آيلين، يتَّجه نحو لورن مصوبًا نظرة تحمل قدرًا من الجدية والصرامة يفوق ما تحمله كلماته، وكانت تشي بالتحذير المستمر الذي يختلط بالدهشة وخيبة الأمل.
لو لم تكن آيلين موجودة معهم، لطرحت عليه لورن بعض الأسئلة. ماذا لو أنهما كانا قد فقدا الطفلَيْن بدلًا من طفل واحد؟ ماذا لو لم تكن هي من مكثت في بطن آيلين ولم تكن هي المسئولة عن تلك الآثار البادية عليها؟ كيف لها أن تتأكد من أنهما لم يأتيا بها عوضًا عما فقداه؟ فإذا كان هناك شيء كبير لم تعلم به من قبل، فلِمَ لا يكون هناك شيء آخر أيضًا؟
سبَّبت لها هذه الفكرة بلبلة وتشويشًا في ذهنها، لكنها كان لها بعض الجاذبية فيما بعد. •••
في المرة التالية التي ذهبت فيها لورن إلى الفندق كانت تعاني من بعض السعال.
قالت دلفين: «لتصعدي معي للطابق العلوي؛ فلديَّ علاج جيد لذلك.»
وأثناء وضعها اللافتة المكتوب عليها «دُقَّ الجرس لاستدعاء الموظف المختص»، كان السيد باليجيان يدلف إلى بهو الفندق آتيًا من المقهى. كان يرتدي في إحدى قدميه فردة حذاء، وفي القدم الأخرى خفًّا، وكان مفتوحًا ليسع قدمه التي تلتف حولها ضمادة. وكانت هناك بقعة من الدماء الجافة عند موضع أصبعه الكبير.
اعتقدت لورن أن دلفين ستقوم بإنزال اللافتة عندما ترى السيد باليجيان، لكنها لم تفعل، وكل ما قالته له هو: «من الأفضل أن تغيِّر تلك الضمادة إذا ما أتيحت لك الفرصة.»
أومأ السيد باليجيان برأسه موافقًا، لكنه لم ينظر إليها.
قالت له: «سأهبط سريعًا.»
كانت حجرتها تقع في الطابق الثالث أسفل الإفريز. قالت لورن وهي تصعد وتسعل في نفس الوقت: «ما الذي ألمَّ بقدمه؟»
قالت دلفين: «أي قدم؟ أعتقد أن أحدهم ربما يكون قد داسها، ربما بكعب حذائه.»
كان سقف حجرتها ينحدر بشدة على جانبَي النوافذ البارزة. لم يكن هناك سوى فراش واحد، وحوض للغسيل، ومقعد، ومكتب. واستقر على المقعد صحن ساخن وُضعت عليه غلاية المياه. أما المكتب فكان مزدحمًا بمجموعة من مساحيق التجميل، وأمشاط الشعر وأقراص، وعبوة من أكياس الشاي وعبوة أخرى من مسحوق الشوكولاتة الساخنة. أما مفرش السرير فكان مصنوعًا من نسيج قطني خفيف ذي خطوط رفيعة باللونين الأبيض والبيج.
قالت دلفين: «إنها ليست مرتبة، أليس كذلك؟ إنني لا أمضي الكثير من الوقت هنا.» قامت بملء الغلاية من مياه الحوض وثبَّتتها على قاعدة التسخين، ثم جذبت مفرش السرير لتأخذ بطانية، ثم قالت: «اخلعي عنكِ سترتك، ودفئي نفسك بهذه.» ثم لامست جهاز التدفئة المشع بيدها وأردفت قائلة: «إن الأمر يستغرق اليوم كله لكي تصل الحرارة إلى هنا.»
قامت لورن بالفعل بما طلبته منها، وأخرجت دلفين قدحَيْن وملعقتَيْن من الدرج العلوي، وراحت تفرغ قدرًا من مسحوق الشوكولاتة الساخنة من عبوتها. قالت دلفين: «إنني أتناولها بالمياه الساخنة فقط، أعتقد أنكِ معتادة على تناولها بالحليب، لكني لا أتناول الحليب مع الشاي أو مع أي مشروب آخر. عندما أُحضر اللبن هنا يفسد؛ فليس لديَّ مبرِّد.»
قالت لورن: «لا بأس، سأتناولها بالمياه الساخنة.» بالرغم من أنها لم تتناول الشوكولاتة الساخنة بهذه الطريقة من قبل. اجتاحتها رغبة مفاجئة بأن تكون في المنزل الآن متدثرة بالغطاء على الأريكة وهي تشاهد التليفزيون.
قالت دلفين بصوت يشوبه بعض التوتر أو العصبية: «لا تقفي هكذا، اجلسي واستريحي؛ فلن تستغرق الغلاية وقتًا طويلًا.»
جلست لورن على حافة الفراش، وفجأة استدارت دلفين وجذبتها من أسفل ذراعيها — مما جعلها تسعل ثانية — وعدلت من وضع لورن بحيث جعلتها تجلس وظهرها للحائط وقدماها تتدليان ولا تلامسان الأرض، ثم خلعت لها حذاءها الطويل ذا الرقبة، وأسرعت تتحسَّس قدميها لترى إن كانت جواربها مبتلة.
«لا، ليست مبتلة.»
«حسنًا، سأحضر لك شيئًا ليعالج ذلك السعال، أين شراب الكحة؟»
ومن نفس الدرج العلوي قامت دلفين بإخراج زجاجة ممتلئة حتى نصفها بسائل أصفر بلون الكهرمان، وصبَّت منها ملء ملعقة وقالت: «افتحي فمك، إن مذاقه ليس فظيعًا.»
قالت لورن عندما ابتلعته: «هل يحتوي ذلك الشراب على الويسكي؟»
أمعنت دلفين النظر في الزجاجة التي لم تكن تحمل أي ملصق عليها.
«لا أرى أي شيء يدل على ذلك، هل لمحتِ أنتِ شيئًا؟ هل سيشعر أبوك وأمك بالغضب إن أعطيتكِ ملعقة من الويسكي كعلاج للسعال؟»
«في بعض الأحيان يصنع لي أبي مشروبًا ساخنًا محلًّى من عصير الليمون والويسكي والماء الساخن.»
«أحقًّا يفعل؟»
كانت مياه الغلاية قد وصلت لدرجة الغليان، وصبَّت دلفين المياه في الأقداح، وراحت تقلِّب المشروب بسرعة، وهي تذيب التكتلات وكأنها تتحدث إليها.
قالت وهي تحاول أن تبدو مرحة: «هيا أيها التافهون، هيا.»
كان هناك شيء غريب بشأن دلفين اليوم؛ كانت تبدو أكثر ارتباكًا وهياجًا، وربما تُخفي غضبًا وراء هذا، إضافة إلى ذلك فقد كانت دلفين أكثر نشاطًا وحركة وبريقًا، بل وأكثر زهوًا وتكلفًا من أن تقطن في مثل هذه الحجرة.
قالت: «إنك تجولين بنظرك في المكان، وأنا أدري تمامًا ما يدور بخَلَدك؛ لا بد وأنك تحدِّثين نفسك بأني امرأة فقيرة، وتتساءلين قائلة: يا تُرى لمَ لا تقتني المزيد من الأشياء؟ لكني لا أهوى اكتناز الأشياء وتجميعها، والسبب في هذا هو أنني مررت بالكثير من تجارب الانتقال بين الحين والآخر والرحيل من مكان لمكان؛ فبمجرد أن كان يستقر بي المقام في مكان ما، يقع شيء ما، وبعدها يكون لزامًا عليَّ أن أرحل، ومع هذا فإنني أدَّخر النقود، وسيصاب الناس بالدهشة إذا ما علموا برصيد حسابي في البنك.»
أعطت لورن قدحها ثم جلست بتروٍّ عند مقدمة الفراش واضعة الوسادة خلف ظهرها وقدمها التي غطتها بالجورب مستقرة على الأغطية. كان دومًا ما يعتري لورن ذلك الشعور بالاشمئزاز عندما ترى الأقدام التي تغلِّفها الجوارب المصنوعة من النايلون. وهذا الشعور لا يعتريها حيال الأقدام العارية أو تلك المغطاة بالجوارب العادية القصيرة أو بالأحذية، أو حتى الأقدام المغطاة بجوارب نايلون داخل الأحذية، بل يعتريها تحديدًا فقط إذا ما رأت الأقدام ذات الجوارب النايلون دون أي شيء آخر؛ وبخاصة إذا ما لامست أي أقمشة أخرى. كان هذا بمثابة شعور غريب يخص شخصيتها، تمامًا كشعورها حيال فطر عيش الغراب أو حبوب القمح التي تغرق في اللبن.
قالت دلفين: «عندما أتيت إلى هنا في فترة ما بعد الظهيرة هذه كنت أشعر بالحزن؛ فقد كنت أفكِّر في فتاة كنت أعرفها، ورأيت أنه كان من المفترض أن أبعث لها برسالة إن كنت أعرف مكانها. جويس هو اسمها. لقد كنت أفكر فيما يمكن أن يكون قد حدث لها في حياتها.»
ضُغطت مرتبة الفراش إلى الداخل بفعل ثقل جسد دلفين، حتى إن لورن وجدت صعوبة في محاولة تفادي الانزلاق نحوها. وقد جعلها ذلك المجهود الذي بذلته لكيلا تصطدم بجسدها تشعر بحرج شديد، وحاولت أن تبدو أكثر ودًّا ودماثة من المعتاد.
قالت: «متى عرفتِها؟ أعندما كنتِ صغيرة؟»
ضحكت دلفين وقالت: «نعم، حينما كنت صغيرة وكانت هي صغيرة أيضًا. كانت قد اعتادت أن تخرج من المنزل وتتسكع مع أحد الشباب، وكان نتيجة ذلك أن وقعت في ورطة. أتعرفين ماذا أعني بذلك؟»
قالت لورن: «أصبحتْ حاملًا.»
«تمامًا. لقد كانت تعيش وتعبث بلا هدف، واعتقدتْ أنه ربما يمكن أن يمرَّ الأمر مثل الأنفلونزا التي تأتي وتختفي دون ضرر. وكان لدى الرجل بالفعل طفلان من امرأة أخرى لم يكن متزوجًا بها، لكنها كانت في مكانة الزوجة بأي حال من الأحوال، وكان دومًا ما يفكر في العودة إليها، ولكن قبل أن يرحل ويعود إليها تم القبض عليه، وكذلك هي، تم القبض على جويس؛ لأنها كانت تهرِّب له بعض الأشياء، كانت تضعها في الفوط الصحية. أتعرفين شكلها؟ أتعرفين ما الأشياء التي تهربها؟»
أجابتها لورن على السؤالين قائلة: «نعم أعرف شكلها. بالطبع كانت تهرِّب مخدرات.»
أحدثت دلفين ما يشبه الغرغرة وهي تحتسي مشروبها وقالت: «الأمر كله سري للغاية، أتفهمين ذلك؟»
لم يمتزج كل مسحوق الشوكولاتة بالمياه، ولم يذُب فيها تمامًا، ولم ترغب لورن في أن تقوم بتحريكه وإذابته بالملعقة التي لا تزال تحمل مذاق الشراب الذي من المفترض أنه مضاد للسعال.
«أفلتت من العقاب بحكمٍ مع إيقاف التنفيذ؛ لذا فلم تكن مسألة حملها بالشيء السيئ حينها؛ فقد كانت هي السبب في أنها لم تواجه أي عقاب. وما حدث بعد ذلك هو أنها تعرَّفت على بعض المسيحيين، وكانوا يعرفون طبيبًا وزوجته يعتنيان بالفتيات بعدما يضعن حملهن، ثم يعطيان الأطفال على الفور لمن يريد تبنيهم. ولم يكن ذلك من باب المروءة أو الأمانة، بل كانا يأخذان نقودًا مقابل هؤلاء الأطفال، ولكن على أي حال فقد جنَّبها ذلك من يعملون في مجال الرعاية الاجتماعية. وعليه وضعت طفلها ولم ترَه بعد ذلك، وكل ما علمته عنه أنه كان بنتًا.»
نظرت لورن حولها بحثًا عن ساعة تعرف من خلالها الوقت، ولكن يبدو أنه لم تكن هناك واحدة، وكانت ساعة يد دلفين تختفي تحت أكمام سترتها السوداء.
«غادرت جويس المكان وواجهت حدثًا تلو الآخر، ولم تفكر في شأن الطفلة إطلاقًا؛ فقد اعتقدت أنه بمقدورها أن تتزوج وتنجب المزيد من الأطفال، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. حسنًا، هذا لم يضايقها كثيرًا؛ نظرًا لنوعية بعض الأشخاص الذين كانت ترافقهم ولم يحدث أن حملت منهم. بل إنها أجرت بضع عمليات جراحية حتى لا يكون لها أطفال. أتعرفين أي نوع من العمليات؟»
قالت لورن: «عمليات إجهاض. كم الساعة الآن؟»
قالت دلفين: «إنكِ طفلة لديك معلومات كثيرة. نعم، صحيح، إنها عمليات إجهاض.» أزاحت كمَّ سترتها لتنظر إلى ساعة يدها، ثم أردفت قائلة: «إنها لم تصل الخامسة بعد. كنت سأقول إنها بدأت تفكر في أمر تلك الطفلة الصغيرة وتتساءل عما يمكن أن يكون قد حدث لها، ومن ثم شرعت في البحث والتقصي لتعرف. وحدث أن حالفها الحظ وعثرت على أولئك الأشخاص؛ المسيحيين، وكان عليها أن تتعامل معهم بأسلوب بغيض، لكنها حصلت على بعض المعلومات، وقد نجحت في الحصول على اسم الزوجَيْن اللذين قاما بتبني الطفلة.»
شقَّت لورن طريقها بحركات ملتوية لتهبط من الفراش، وتحرَّكت ببعض الخفة والرشاقة فوق الأغطية، ووضعت القدح فوق المنضدة.
وقالت: «يجب أن أذهب الآن.» ثم نظرت من النافذة وقالت: «إنها تمطر ثلجًا.»
«حقًّا؟ وما الشيء الجديد أيضًا؟ ألا تودين معرفة بقية القصة؟»
كانت لورن ترتدي حذاءها الطويل ذا الرقبة وحاولت أن تفعل ذلك وهي تبدو شاردة الذهن حتى لا تلاحظ دلفين ما تفعل.
«من المفترض أن الرجل يعمل في تلك الجريدة؛ لذا ذهبتْ إلى هناك وقالوا لها إنه غير موجود، لكنهم أخبروها عن المكان الذي آل إليه. لم تكن تعرف بالقطع الاسم الذي أطلقوه على الفتاة، لكن كان هذا شيئًا آخر استطاعت أن تعرفه فيما بعد؛ فلا يعرف المرء مطلقًا ما سيتكشَّف له من معلومات حتى يشرع في المحاولة. هل تحاولين الهروب مني؟»
«يجب أن أذهب الآن، إنني أشعر ببعض التعب في معدتي. أنا مصابة بالبرد.»
شرعت لورن في البحث عن سترتها التي قامت دلفين بتعليقها على مِشجب عالٍ في خلفية باب الحجرة، وعندما لم تستطع إنزاله سريعًا اغرورقت عيناها بالدموع.
قالت بأسًى: «إنني حتى لا أعرف شيئًا عن هذه الشخصية التي تُدعى جويس.»
أنزلتْ دلفين قدميها على الأرض، ونهضت من الفراش على مهل، ووضعت القدح على المكتب.
«إن كانت معدتك تؤلمك فينبغي أن تستريحي قليلًا، يبدو أنكِ احتسيت المشروب على عجل.»
«إنني فقط أريد سترتي.»
رفعت دلفين الجاكت من فوق المشجب، لكنها رفعته بيدها أعلى من متناول لورن، وعندما حاولت لورن الإمساك به لم تعطِه لها دلفين.
قالت: «ما الخطب؟ أتبكين؟ لم أكن أحسب أنكِ طفلة بكَّاءة سريعة التأثر. حسنًا، حسنًا، لقد كنتُ أغيظك فقط. ها هي السترة.»
دسَّت لورن أكمامها داخل السترة، لكنها كانت تعرف أنها لن تستطيع قفل السحَّاب الخاص بها، فوضعت يديها في الجيبَيْن فقط.
قالت دلفين: «حسنًا، هل أصبحتِ على ما يرام الآن؟ إننا ما زلنا أصدقاء، أليس كذلك؟»
«أشكركِ على الشوكولاتة الساخنة.»
«لا تُسرعي خطاكِ؛ فمعدتك بحاجة للراحة.»
انحنت دلفين نحوها، فتراجعت لورن للخلف؛ فقد فزعت من أن يدخل الشعر الأبيض — خصلات الشعر الأبيض الناعمة المنسدلة — إلى فمها.
إن كنت بلغت من الكبر ما يجعل شعرك أبيض، فينبغي ألا يكون بهذا الطول.
«إنني أعلم أنكِ تحافظين على الأسرار، وأدري أنكِ لا تبوحين بشيء عن زياراتك لي وحديثنا وتحتفظين بهما سرًّا. ستفهمين فيما بعد. إنك فتاة صغيرة رائعة. هيَّا.»
ثم طبعت قُبلة على رأسها.
وقالت: «لا تقلقي من شيء.» •••
تساقطت قطع ضخمة من الثلوج مخلِّفة طبقات رقيقة هشَّة على جانبَي الطريق، ذابت تاركةً آثار أقدام سوداء، وما لبث أن امتلأ الرصيف ثانية بطبقات أخرى من الجليد. كانت العربات تشق طريقها بتأنٍّ وحذر على الضوء الخافت لمصابيحها الصفراء. كانت لورن تتلفَّت حولها من آنٍ إلى آخر؛ خشية أن يكون هناك من يتبعها، لم تستطع أن تتبين طريقها بوضوح بسبب الثلوج الكثيفة المتساقطة والأضواء المتضائلة، لكنها لم تعتقد أنه كان ثَمَّةَ من يقتفي أثرها.
كانت تشعر بانتفاخات في معدتها، وبأنها خاوية في ذات الوقت، واعتقدت أنه يمكن أن تتخلص من ذلك الشعور بمجرد تناولها نوعية الطعام المناسبة؛ لذا اتجهت إلى خزينة المطبخ فور دخولها إلى المنزل وأعدت لنفسها صحنًا من حبوب القمح التي اعتادت تناولها في الإفطار. لم يتبقَّ شيء من شراب القيقب المحلَّى، لكنها وجدت بعضًا من شراب الذرة. وقفت في المطبخ البارد وشرعت في تناول الطعام دون أن تخلع عنها حذاءها أو حتى ملابسها، وراحت تنظر صوب الفناء الخلفي الذي اكتسى حديثًا بالبياض. لقد أضفت الثلوج وضوحًا على الأشياء بالخارج بالرغم من أن مصابيح المطبخ كانت مضاءة. رأت صورتها منعكسة ووراءها الفناء الخلفي الذي تكسوه الثلوج والصخور الداكنة التي يكسو قمتها اللون الأبيض، وتتدلى الفروع دائمة الخضرة للأشجار تحت الثلوج البيضاء.
وما كادت تضع الملعقة الأخيرة في فمها حتى هرعت إلى الحمام وأفرغت ما في جوفها كله؛ من رقائق الذرة التي تغيَّر شكلها بالكاد، والشراب اللزج، وخيوط رفيعة لزجة من الشوكولاتة ذات اللون الباهت. •••
كانت مستلقية على الأريكة عندما عاد والداها إلى المنزل، وكانت لا تزال ترتدي حذاءها وملابسها وتشاهد التليفزيون.
نزعت آيلين عنها ملابس الخروج وأحضرت لها غطاءً، وشرعت في قياس درجة حرارتها، وكانت طبيعية، ثم تحسَّست بطنها لترى إن كان متصلبًا بعض الشيء، ثم جعلتها تثني ركبتها اليمنى حتى لامست صدرها لترى إن كان ذلك سيشعرها بألم في جانبها الأيمن. كانت آيلين تشعر دومًا بالقلق حيال الإصابة بالتهاب بالزائدة الدودية؛ لأنه تصادف وأن كانت في حفلة ما — وكانت من ذلك النوع الذي يستغرق أيامًا — حيث توفيت فتاة إثر انفجار الزائدة الدودية، وقد كان الجميع في حالة سكر شديد، لدرجة أن أيًّا منهم لم يدرك أنها كانت في حالة خطيرة. وعندما تيقَّنت من أن حالة لورن لا علاقة لها بالزائدة الدودية ذهبت لتعد العشاء، وجلس هاري بصحبة لورن.
قال: «أعتقد أن كل ما تعانين منه هو رفضك للمدرسة. لقد كنتُ أشعر بذلك أيضًا وأنا صغير، إلا أنني عندما كنت طفلًا لم يكن العلاج لتلك الحالة قد تم اختراعه بعد. أتعرفين ما علاج ذلك؟ الاستلقاء على الأريكة ومشاهدة التليفزيون.»
أخبرتهم لورن في صباح اليوم التالي أنها لا تزال مريضة؛ بَيْدَ أن ذلك لم يكن صحيحًا. رفضت تناول طعام الإفطار، ولكن بمجرد أن غادر كلٌّ من هاري وآيلين المنزل، أحضرت كعكة كبيرة بالقرفة وتناولتها دون تسخينها وهي تشاهد التليفزيون. مسحت أصابعها اللزجة في الغطاء الذي تتدثر به، وحاولت أن تفكر في شأن مستقبلها. كانت تريد أن تمضيه هنا، داخل المنزل، فوق هذه الأريكة، ولكنها ما لم تدَّعي مرضًا يبدو حقيقًا فما من سبيل إلى تحقيق ذلك.
انتهت نشرة الأخبار بالتليفزيون وتبعتها إحدى حلقات المسلسل الدرامي اليومي. كان المسلسل كعالَم آخر اعتادت رؤيته عندما أصيبت بالتهاب الشعب الهوائية في الربيع الماضي، ومنذ ذاك الحين نسيت أمره تمامًا، وبالرغم من انقطاعها عن مشاهدة المسلسل لفترة طويلة إلا أنه لم يطرأ أي تغيير على الأحداث. ظهرت نفس الشخصيات، وأغلبها تقريبًا، ولكن في ظروف جديدة بالطبع، وكانوا يتصرفون بنفس أسلوبهم المعتاد (الذي ينطوي على النبل، أو القسوة، أو الشهوة، أو الحزن)، ونفس رؤيتهم لما هو أبعد في المستقبل، وذات العبارات المبهمة غير المكتملة التي تشير إلى بعض الحوادث والأسرار. استمتعت بمشاهدتهم لفترة من الوقت، لكن جال بخاطرها شيء أشعرها بالقلق؛ فقد يظهر من خلال هذه القصص فيما بعد أن الأطفال والبالغين ينتمون إلى عائلات أخرى تمامًا غير تلك التي نشئُوا في كنفها وتقبَّلوها كعائلاتهم؛ فيحدث أن يظهر فجأة وبلا مقدمات أشخاص يتسمون بالجنون والخطورة بادعاءاتهم الكارثية ومشاعرهم وانفعالاتهم المختلفة، ويقلبون حياتهم رأسًا على عقب.
كان هذا يبدو لها من قبل واحدًا من الاحتمالات المثيرة، لكنه لم يعد هكذا الآن.
لم يكن هاري وآيلين يُحكِمون غلق الأبواب؛ فيقول هاري إننا نعيش في مكان تغادر فيه منزلك فحسب دون أن يكون هناك داعٍ لإحكام غلقه. ولكن لورن نهضت الآن وأحكمت غلق البابين الأمامي والخلفي، ثم أسدلت الستائر على جميع النوافذ. لم تمطر السماء ثلجًا اليوم، لكن الثلوج الموجودة لم تذُب، وكانت هناك مسحة من اللون الرمادي بها كما لو أنها ازدادت عمرًا أثناء الليل.
لم تكن ثَمَّةَ وسيلة تستطيع من خلالها تغطية النوافذ الصغيرة عند الباب الأمامي. ثَمَّةَ ثلاث نوافذ على شكل قطرات الدمع متراصَّة في خط مائل، وكانت آيلين تكرههم بشدة. كذلك نزعت آيلين ورق الحوائط، وقامت بطلاء جدران هذا المنزل المتواضع بألوان غير معتادة؛ كلون بيض طائر أبي الحناء وهو الأزرق، والوردي بلون التوت البري، والأصفر الليموني، وقد تخلَّصت من الأبسطة القديمة، وقامت بصقل الأرضيات، لكن لم يكن هناك ما تفعله حيال هذه النوافذ الصغيرة.
قال هاري إن منظرها ليس بهذا السوء، وإنها بعددهم تمامًا، بل وبنفس الارتفاع الذي يناسب كلًّا منهم؛ فلكل واحد نافذته التي ينظر من خلالها. وأطلق عليهم أسماء الدبة الأم، والدب الأب، والدبة الصغرى.
عندما انتهت حلقة المسلسل الدرامي، وتحدث بعدها رجل وامرأة عن كيفية العناية بنباتات المنزل، راحت لورن في غفوة خفيفة لم تدرك أنها نوم، لكنها أدركت أنها راحت في النوم عندما استيقظت من حلم رأت خلاله أحد الحيوانات التي تذكِّرها بالشتاء من نوع ابن عرس رمادي اللون، أو ربما كان أحد الثعالب الهزيلة، لم تكن متيقنة من نوعه، وكان يراقب المنزل في ضوء النهار الوضاح من الفناء الخلفي، وقد أخبرها أحدهم في الحلم أن هذا الحيوان شرس؛ لأنه لا يخشى الآدميين أو المنازل التي يسكنون بها.
كان جرس الهاتف يدق، فجذبت الغطاء فوق رأسها حتى لا تسمع صوته. كانت على ثقة من أنها دلفين؛ فهي تريد أن تطمئن على حالها، وسبب اختفائها، وعن رأيها في القصة التي أخبرتها بها، ومتى ستأتي إلى الفندق. •••
لكنها كانت آيلين في الحقيقة، أرادت أن تطمئن على لورن وعلى حالة الزائدة الدودية. انتظرت آيلين على الهاتف حتى دقَّ لنحو عشر أو خمس عشرة مرة، ثم غادرت مكتب الجريدة بعدها مسرعة إلى المنزل دون حتى أنْ تضع معطفها. وعندما وجدت الباب مغلقًا من الداخل راحت تدق عليه بشدة بقبضة يدها وتدير المقبض، ثم ألصقت وجهها بزجاج نافذة الدبة الأم وصاحت باسم لورن. وترامى إليها صوت التليفزيون، فجرت نحو الباب الخلفي وراحت تدق عليه بشدة وتنادي على لورن ثانية.
سمعت لورن كل ذلك بالقطع ورأسها مختفية أسفل الغطاء، لكنها استغرقت بعض الوقت لتدرك أنها آيلين وليست دلفين. وعندما أيقنت ذلك تسللت بخفة نحو المطبخ والغطاء يتدلى وراءها على الأرضية وهي ما زالت شبه معتقدة أن الصوت قد يكون خدعة.
قالت آيلين وهي تطوِّقها بذراعيها: «يا إلهي! ماذا أصابك؟ لماذا كان الباب موصدًا؟ لماذا لم تجيبي على الهاتف؟ ما اللعبة التي تلعبينها؟»
ظلت لورن متماسكة لنحو خمس عشرة دقيقة وآيلين تحتضنها تارة وتصرخ بها تارة أخرى، ثم انهارت وراحت تقص على مسامعها كل شيء. مثَّل لها ذلك راحةً كبيرة، وأزاح حملًا ثقيلًا عن كاهلها، ولكن برغم ذلك فحتى عندما كانت تبكي وترتعش كانت تشعر بأن هناك شيئًا شديد الخصوصية والتعقيد قد تخلَّت عنه في مقابل الراحة والشعور بالأمان. لم يكن من الممكن الإفصاح عن الحقيقة كلها؛ لأنها هي نفسها لم تصل إليها كاملة. لم تستطع أن تشرح لها ما كانت تريده، بل حتى وصلت إلى أنها لم تكن تريد شيئًا على الإطلاق.
هاتفت آيلين هاري وأخبرته أنه ينبغي أن يحضر إلى المنزل، وكان عليه أن يأتي سيرًا على الأقدام؛ فهي لا تستطيع أن تذهب إليه لتأخذه؛ إذ إنها لم تستطع ترك لورن وهي في هذه الحالة.
ذهبت لتفتح الباب الأمامي، فوجدت مظروفًا أُلقي من فتحة البريد ودون طابع بريد، ولم يكن هناك شيء مدوُّن فوقه سوى اسم لورن.
قالت: «هل سمعتِ صوت هذا وهو يوضع في فتحة البريد؟ هل ترامى إلى مسامعك وقع خطوات أحدهم في الشرفة؟ كيف أتى هذا إلى هنا بحق الجحيم؟»
فتحت المظروف وأخرجت منه سلسة ذهبية يتدلى منها اسم لورن.
قالت لورن: «لقد نسيتُ أن أحكي لكِ هذا الجزء.»
«هناك رسالة قصيرة.»
صرخت لورن: «لا تقرئيها، لا تقرئيها، لا أريد أن أسمع ما بها.»
«لا تكوني سخيفة، إنها لن تعضك؛ إنها فقط تقول إنها هاتفت المدرسة ولكنك لم تكوني هناك، وتساءلت إن كنتِ مريضة، وتلك هدية لك لكي تُشعرك بالبهجة. وتقول أيضًا إنها اشترتها من أجلك أنتِ ولم يفقدها أحدهم. ماذا يعني ذلك؟ كان من المفترض أن تكون هدية عيد ميلادك عندما تبلغين الحادية عشرة في مارس القادم، لكنها فضَّلت أن تمنحها لكِ الآن. من أين أتت بفكرة أن عيد ميلادك في مارس؟ عيد ميلادك في يونيو.»
قالت لورن وقد عاد إليها الآن صوتها الطفولي الذي يشوبه الوهن والحزن: «أعرف ذلك.»
قالت آيلين: «أرأيتِ؟ كل معلوماتها خاطئة، إنها مجنونة.»
قالت لورن: «لكنها رغم ذلك تعرف اسمك، وتعرف مكانك. أنَّى لها أن تعرف ذلك إن لم تكونا تبنيتماني؟»
«لا أدري كيف عرفت ذلك بحق الجحيم، لكنها مخطئة؛ كل معلوماتها غير صحيحة. أنصتي إليَّ، سأُخرج لكِ شهادة ميلادك. لقد وُلدتِ في مستشفى ويلسلي في تورنتو. سنصحبك إلى هناك، سأجعلك ترين الحجرة التي ولدت بها …» نظرت آيلين إلى الرسالة ثانية وأطبقت عليها قبضتها.
قالت: «تلك الحقيرة. تُهاتف المدرسة، وتأتي إلى المنزل. تلك الملعونة المخبولة!»
قالت لورن وهي تعني السلسلة: «أبعدي هذا الشيء، أخفيه بعيدًا. الآن.»
لم يكن هاري على نفس درجة الغضب التي كانت عليها آيلين.
قال: «كانت تبدو شخصية طبيعية تمامًا حينما كنت أتحدث إليها، ولم تذكر شيئًا من هذا القبيل أمامي على الإطلاق.»
قالت آيلين: «إنها لم تكن لتفعل؛ فقد أرادت أن تصل للورن مباشرة. يجب أن تذهب وتتحدث معها وإلا فعلتُ أنا، وأعني ذلك، واليوم.»
قال هاري: «سأضعها عند حدها، تمامًا. لن يكون هناك المزيد من المشاكل. يا له من موقف مخزٍ!»
قامت آيلين بإعداد طعام الغداء مبكرًا. وقد أعدَّت شطائر الهامبورجر مع المايونيز والخردل تمامًا كما يفضلها هاري ولورن. وقد انتهت لورن من تناول طعامها قبل أن تدرك أنها ربما تكون أخطأت عندما أظهرت تلك الشهية في تناول طعامها.
قال هاري: «أتشعرين بتحسن؟ هل ستعودين إلى المدرسة فيما بعد الظهيرة؟»
قالت: «ما زلت أعاني من البرد.»
قالت آيلين: «لا، لن تعود إلى المدرسة، وسأمكث معها في المنزل.»
قال هاري: «لا أرى أن هناك ضرورة لذلك على الإطلاق.»
قالت آيلين وهي تدفع بالمظروف داخل جيبه: «وأعطِها هذه، لا تشغل بالك ولا تهتم بالنظر إلى المظروف، إنها هديتها الغبية، وأخبرها أن تكف نهائيًّا عن فعل مثل هذه الأشياء وإلا ستزجُّ بنفسها في مشكلة كبيرة، عليها أن تكفَّ نهائيًّا. يكفي هذا ولا تحاول فعل أي شيء.» •••
لم تضطر لورن إلى العودة للمدرسة، ليس في تلك البلدة.
قامت آيلين خلال فترة ما بعد الظهيرة بمهاتفة أخت هاري — والتي لم يكن يحادثها بسبب بعض الانتقادات التي وجهها زوجها بشأن أسلوبه؛ أسلوب هاري، في الحياة — وتحدثتا بشأن المدرسة التي كانت تذهب إليها الأخت، وهي مدرسة بنات خاصة في تورنتو، وتبعت هذه المكالمة المزيد من المكالمات الأخرى، وتم تحديد موعد بشأن ذلك الموضوع.
قالت آيلين: «إن المسألة لا تتعلق بالنقود؛ فهاري يمتلك ما يكفي من النقود، أو بمقدوره الحصول عليها.»
قالت: «ولا يتعلق الأمر بتلك المسألة فقط، بل إنك تستحقين العيش في مكان أفضل من هذه البلدة الوضيعة، ولا تستحقين أن ينتهي بكِ المطاف كأي ريفية خرقاء. لقد كنتُ أفكر في ذلك طوال الوقت، لكني كنت أُرجِئ النقاش فيه حتى تكبرين قليلًا.»
قال هاري عندما عاد إلى المنزل إن الأمر يعتمد بالتأكيد على ما تريده لورن.
«هل ترغبين في مغادرة المنزل يا لورن؟ أعتقد أنك أحببتِ المكان هنا، وأظن أنَّ لكِ بعض الأصدقاء.»
قالت آيلين: «أصدقاء؟ نعم لديها تلك السيدة التي تدعى دلفين. هل توصَّلت إليها؟ وهل تلقَّتِ الرسالة؟»
قال هاري: «نعم، فعلت، وتلقَّت الرسالة جيدًا.»
«هل أعدتَ لها رشوتها؟»
«إن أردتِ أن تطلقي عليها ذلك، نعم فعلت.»
«لا مزيد من المشاكل؟ أفَهِمَتْ؟ لا مزيد من المشاكل.»
فتح هاري المذياع وراحوا يستمعون إلى النشرة أثناء تناولهم العشاء، وقامت آيلين بفتح زجاجة من النبيذ.
قال هاري في صوت يشوبه شيء من تهديد: «ما هذا؟ أهو احتفال؟»
لقد تعلَّمتْ لورن العلامات واعتقدت أنها ترى ما عليها أن تمر به الآن، الثمن الذي سيُدفع من أجل عملية الإنقاذ الخارقة؛ عدم الرجوع للمدرسة ثانية أو الاقتراب من الفندق، بل ربما يصل الأمر لعدم السير في الشوارع على الإطلاق، وعدم الخروج من المنزل في الأسبوعين الباقيين قبل حلول إجازات عيد الميلاد.
قد يكون النبيذ أحد هذه العلامات، أحيانًا، وفي أحايين أخرى لا يكون كذلك، لكن عندما أخرج هاري زجاجة الجين وصبَّ لنفسه نصف كوب ولم يُضِف إليه شيئًا آخر سوى الثلج — ولم يضف حتى الثلج بعد ذلك — أدركت أن الأمور قد استقرت وتم إعداد كل شيء. قد لا يزال كل شيء باعثًا على البهجة، لكنها تلك البهجة الحادة كأطراف السكين. وسيتحدث هاري إلى لورن، وستتحدث آيلين إلى لورن، وذلك بصورة أكثر مما اعتادا عليه، وسيتحدثان بعضهما إلى بعض بين الحين والآخر بأسلوب يبدو طبيعيًّا. لكن سيكون هناك بالرغم من ذلك نوع من اللامبالاة في الغرفة لم تُظهره الكلمات بعد، وسوف تتمنى لورن، أو ستحاول أن تتمنى — أو تحديدًا اعتادت على محاولة تمني — أن يكفا بأي حال عن البدء في الشجار. ودائمًا ما كانت تعتقد — كانت لا تزال تعتقد — أنها ليست الوحيدة التي تمنَّت ذلك؛ فهما أيضًا كانا يأملان في هذا، إلى حدٍّ ما، إلا أنهما أيضًا كانا يتوقان لما سيأتي، ولم يكن باستطاعتهما التغلب على ذلك الشعور. فلا توجد مرة واحدة عمَّت فيها تلك الأجواء؛ أجواء التغير في الغرفة، ذلك البريق الصادم الذي يجعل كل الأشكال والأثاث والأواني أكثر حدة وكثافة، ولم يتبعها ما هو أسوأ.
ولم تعتَد لورن على أن تبقى في غرفتها، بل كانت توجد حيث يكونان، تُقحم نفسها وسطهما، تحتجُّ وتبكي حتى يحدث أن يمسكها أيٌّ منهما ويحملها إلى الفراش قائلًا: «حسنًا حسنًا، لا تزعجينا، لا تزعجينا فحسب، إنها حياتنا، اتركي لنا فرصة للحديث.» و«الحديث» كان يعني التجول في أرجاء المنزل وهما يتبادلان الخطب الرنانة التي تحمل الإدانة والاستنكار، والصرخات التي يصرِّحان خلالها بالمتناقضات في حياتهما، إلى أن يبدآ في التراشق بمنافض السجائر، والزجاجات والصحون. وفي مرة من المرات هرعت آيلين إلى خارج المنزل وألقت بنفسها فوق العشب، وهي تقطع الحشائش وتمسك بكتل الأوحال بينما كان هاري يقول لها مستهجنًا وهو على عتبة الباب: «أوه، أهذا هو الأسلوب إذن؟ حسنًا قدِّمي للناس عرضًا.» وفي مرة أخرى حبس هاري نفسه في دورة المياه وهو يصيح: «ليس هناك سوى طريقة واحدة للتخلص من هذا العذاب.» وقد هدَّدتا كلتاهما بابتلاع الأقراص أو استخدام الشفرات الحادة لإنهاء حياتيهما.
قالت آيلين ذات مرة: «أوه، يا إلهي! فلنكفَّ عن ذلك، أرجوكَ، أرجوك علينا أن نكفَّ عن هذا.» وأجابها هاري بصوت منتحب مقلدًا صوتها في قسوة: «إنكِ أنت من يفعل ذلك، كُفِّي أنتِ عن هذا.»
توقَّفت لورن عن محاولة اكتشاف سبب هذه المشاجرات؛ إذ وجدت أن لها في كل مرة سببًا مختلفًا (فقد استلقت الليلة في الظلام واعتقدت أن هذه المشاجرات ربما تكون بشأن رحيلها؛ بشأن اتخاذ آيلين لهذا القرار بمفردها)، ربما كان السبب هو نفس السبب في كل مرة؛ أنهما لا يستسلمان أبدًا.
كانت لورن أيضًا قد صرفت النظر عن فكرتها بأن هناك نقطة ضعف بداخلهما — فهاري يمزح طوال الوقت لأنه كان حزينًا بداخله، أما آيلين فكانت تتسم بالحدة واللامبالاة لأن ثَمَّةَ شيئًا بشأن هاري كان يجعلها تبتعد وتحجم — وأنها إذا كان بمقدورها — أي لورن — أن توضح ما بداخل كلٍّ منهما للآخر لسارت الأمور على نحو أفضل.
وتراهما في اليوم التالي وقد بدت عليهما الاستكانة والانكسار والخزي وبعض من النشاط والسرور بصورة غريبة. قالت آيلين للورن ذات مرة: «على الناس أن يفعلوا ذلك في بعض الأحيان؛ فمن الخطأ كبت مشاعرك، بل ثَمَّةَ نظرية تقول إن كبت الغضب يؤدي إلى الإصابة بالسرطان.»
وقد كان هاري يشير إلى مشاجراتهما بالخلاف، فيقول: «آسف بشأن خلافنا؛ فآيلين امرأة سريعة التقلب، وكل ما يمكنني قوله يا عزيزتي … أوه، يا إلهي! كل ما أستطيع قوله إن مثل هذه الأمور تحدث.» •••
في تلك الليلة راحت لورن في النوم قبل أن يبدآ شجارهما المدمر، حتى قبل أن تتأكد من أنهما سيقدمان على ذلك. ولم تكن حتى آثار زجاجة الجين قد ظهرت عليهما عندما تركتهما وذهبت إلى فراشها.
أيقظها هاري.
قال: «آسف يا حبيبتي، هل بإمكانك أن تنهضي وتهبطي إلى الطابق السفلي؟»
«أهو الصباح؟»
«لا، لا يزال الوقت متأخرًا من الليل، لكني أود أن أتحدث إليك أنا وآيلين. ثَمَّةَ شيء نود أن نتحدث إليك بشأنه؛ إنه يتعلق بما تعرفينه بالفعل. والآن هيَّا، أتودين ارتداء الخف؟»
قالت لورن مذكِّرة إياه: «تعلم بأني أبغض ارتداءه.» وتقدَّمته وهي تهبط الدرج. كان لا يزال يرتدي كامل ملابسه، وكذلك كانت آيلين وهي تنتظر في الردهة بالطابق السفلي، وقالت للورن: «هناك شخص آخر تعرفينه هنا.»
لقد كانت دلفين. كانت تجلس على الأريكة وترتدي معطفًا للتزلج فوق سروالها الأسود المعتاد وسترتها. لم تكن لورن رأتها من قبل في ملابس بخلاف ملابس العمل. كان وجهها ممتقعًا باهتًا، وبشرتها متجعدة، ويبدو جسمها واهنًا بشكل كبير.
قالت لورن: «ألا يمكننا الذهاب إلى المطبخ؟» ولم تكن تعرف لماذا قالت ذلك، لكن المطبخ كان يبدو المكان الأكثر أمانًا؛ فهو مكان أقل خصوصية، وبه مائدة تستطيع الاتكاء عليها إذا ما التفوا حولها جالسين.
قال هاري: «لورن ترغب بالجلوس بالمطبخ، فلنذهب إلى المطبخ.»
قال عندما جلسوا هناك: «لورن، لقد أوضحتُ لهما أنني أخبرتك بأمر الطفل؛ الطفل الذي كان لدينا قبل مجيئك وما حدث له.»
انتظرَ حتى قالت لورن: «نعم.»
قالت آيلين: «هل بإمكاني أن أقول شيئًا الآن؟ هل بإمكاني أن أقول شيئًا للورن؟»
قال هاري: «بالطبع.»
قالت آيلين وهي تنظر إلى يديها اللتين تضعهما على حجرها أسفل سطح المائدة: «لم يحتمل هاري فكرة وجود طفل آخر، لم يحتمل فكرة أن يكون هناك فوضى بالبيت؛ فلديه كتاباته، وكان يريد إنجاز بعض الأشياء؛ لذا فلا ينبغي أن يكون هناك أي نوع من الفوضى. وكان يريدني أن أخضع لعملية إجهاض، وقلت له بأني سأفعل، ثم أخبرته بأني لن أفعل، ثم عدت ثانية وأخبرته بأنني سأخضع لها، لكني لم أستطع، وتشاجرنا حينها وأخذت الطفل واستقللت السيارة، فكنت ذاهبة لمنزل إحدى صديقاتي. لم أكن أسير بسرعة كبيرة، وبالطبع لم أكن ثملة، كل ما في الأمر أنه لم تكن هناك إضاءة كافية على الطريق وكان الطقس سيئًا.»
أضاف هاري: «وكذلك لم يكن مهد الطفل مثبتًا جيدًا في المقعد.»
قال: «لكن دعينا من ذلك، أنا لم أكن مصرًّا على إجراء عملية الإجهاض. ربما أكون قد ذكرت إجراء العملية، لكن لم يكن من سبيل أن أجبرك عليها. إنني لم أتحدث مع لورن بشأن ذلك؛ لأنه سيكون من المؤلم أن تسمع هذا. من المؤكد أنه أمر مؤلم.»
قالت آيلين: «نعم، ولكنها الحقيقة، ولورن بإمكانها تفهُّم ذلك جيدًا؛ فهي تعلم أنها لم تكن السبب.»
قالت لورن وقد دُهشت هي ذاتها من أسلوبها:
«لقد كنتُ أنا السبب، مَن عساه يكون غيري؟»
قالت آيلين: «لكني لم أكن أنا التي أرغب في فعل ذلك.»
قال هاري: «أحقًّا؟ إنك لم تكوني معترضة تمامًا على إجرائها.»
قالت لورن: «توقفا عن هذا.»
قال هاري: «هذا تمامًا هو ما اتفقنا ألا نفعله، أليس هذا ما اتفقنا ألا نفعله؟ ونحن ندين بالاعتذار لدلفين.»
لم تكن دلفين تنظر إلى أحد أثناء ذلك الحديث الدائر بينهم. ولم تقرب مقعدها من المائدة، بل بدا أنها لم تلحظ عندما ذكر هاري اسمها. فلم يكن شعورها بالهزيمة فقط هو ما جعلها في تلك الحالة من الصمت والسكون، بل هو ثقل المكابرة والعناد، بل والاشمئزاز، الذي لم يلحظه هاري أو آيلين.
«لقد تحدثت إلى دلفين في فترة ما بعد الظهيرة يا لورن، وأخبرتها بأمر الطفلة. كانت تلك هي طفلتها، ولم أخبرك مطلقًا بأننا كنا قد تبنينا تلك الطفلة؛ لأنه من شأنه أن يجعل الأمور أسوأ؛ كيف أننا تبنينا تلك الطفلة ثم الطريقة التي أضعناها بها. مرت خمس سنوات ونحن نحاول أن يكون لدينا طفل، واعتقدنا بأن ذلك لن يحدث، ولن نرزق بأحدهم، فتبنَّينا طفلة. لكن دلفين كانت أمَّ تلك الطفلة في المقام الأول، وأطلقنا على الطفلة اسم لورن، ثم أسميناك بهذا الاسم؛ أعتقد لأنه كان الاسم المفضل لدينا، كما أنه كان يمنحنا شعورًا بأننا نبدأ من جديد. وكانت دلفين ترغب في أن تعرف أخبار ابنتها، واكتشفت أننا نحن من أخذناها، وكان من الطبيعي أن تعتقد خطأً بأنكِ أنتِ طفلتها، وقدِمت إلى هنا ووجدتْكِ. كان هذا شيئًا محزنًا. وعندما أخبرتُها بالحقيقة أرادت دليلًا على هذا الكلام، وأنا أتفهم ذلك تمامًا؛ لذا أخبرتها بأن تأتي إلى هنا الليلة وأطلعتها على المستندات الخاصة بك. إنها لم تكن ترغب في سرقتك أو أي شيء من هذا القبيل، إنها فقط أرادت أن تصادقك؛ فلقد كانت تشعر بالوحدة والحيرة.»
قامت دلفين بفتح سحَّاب معطفها كما لو أنها كانت تبغي المزيد من الهواء.
قال: «وأخبرتها بأن الصندوق لا يزال لدينا؛ إذ لم نجد قط الوقت المناسب ﻟ …» ثم أشار بيده إلى الصندوق المصنوع من الورق المقوى الذي استقر فوق النضد وأردف قائلًا: «لذا فقد جعلتُها ترى هذا أيضًا.»
وأضاف: «لذا فنحن الليلة كعائلة، وإذ أضحى كل شيء واضحًا، سنذهب إلى الخارج وننهي الأمر، سنتخلص من كل الشقاء واللوم؛ دلفين وآيلين وأنا، ونريدك أن تأتي معنا؛ فهل توافقيننا الرأي في هذا؟ هل توافقين؟»
قالت لورن: «لقد كنتُ نائمة، وأعاني من نزلة برد.»
قالت آيلين: «عليكِ أن ترافقينا كما قال هاري.»
كانت دلفين لا تزال تخفض بصرها ولا ترفعه نحوهم. أخذ هاري الصندوق من فوق النضد وأعطاها إياه وقال: «ربما أنتِ الأَوْلى بحمله. هل أنتِ على ما يرام؟»
قالت آيلين: «الجميع بخير، دعونا نذهب.» •••
وقفت دلفين وسط الثلوج وهي تحمل الصندوق، وقالت آيلين: «هل تسمحين لي؟» وأخذته منها في إجلال واحترام، وقامت بفتحه، وكانت على وشك أن تعطيه لهاري، لكنها غيَّرت رأيها ومدته نحو دلفين ثانية. قامت دلفين بأخذ حفنة صغيرة من الرماد، لكنها لم تأخذ الصندوق ومررته إليهم. أخذت آيلين حفنة هي الأخرى وأعطت الصندوق لهاري. وعندما أخذ هو حفنة من الرماد كان على وشك أن يعطي الصندوق للورن، لكن آيلين قالت له: «لا، ليس عليها أن تفعل ذلك.»
كانت لورن قد دسَّت يديها بالفعل في جيبَيْها.
لم تهُبَّ أي رياح؛ لذا سقط الرماد حيث ألقاه كلٌّ من هاري وآيلين ودلفين وسط الثلوج.
تحدَّثت آيلين كما لو كان حلقها محتقنًا: «أبانا الذي في السماوات …»
أكمل هاري بصوت واضح: «هذه لورن طفلتنا التي أحببناها، دعونا نَقُل ذلك جميعًا.» ثم نظر نحو دلفين وآيلين ورددوا جميعهم: «هذه لورن طفلتنا.» كان صوت دلفين خفيضًا تمامًا وهي تتمتم بذلك، أما صوت آيلين فكان يمتلئ بالصدق الذي يشوبه بعض التوتر، وكان هاري يقودهم بصوت رنان تعلوه الجدية الشديدة.
وفي النهاية قالت آيلين مسرعة: «ونحن نودِّعها ونُسْلِمها إلى الثلوج، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا. اغفر لنا خطايانا.»
في رحلة العودة إلى البلدة جلست دلفين في المقعد الخلفي إلى جوار لورن، وقد فتح لها هاري الباب الأمامي لكي تجلس بجواره، لكنها جاوزته لتجلس في المقعد الخلفي. وقد تخلَّت عن المقعد الأهم؛ فهي الآن لم تعد حاملة للصندوق. وضعت يدها في جيب معطفها لتخرج منديلًا ورقيًّا، وبينما هي تفعل ذلك جذبت شيئًا آخر سقط على أرضية السيارة. أطلقت شهقة لاإرادية، وانحنت لأسفل لكي تحدِّد مكانه، لكن لورن كانت أسرع منها. التقطت لورن فردة واحدة من القرط الذي طالما رأت دلفين وهي ترتديه؛ كان طويلًا يصل إلى كتفها، وبه بعض كرات الخرز التي تعكس ألوان قوس قزح وتعكس بريقًا على خصلات شعرها. لا بد وأنها كانت ترتدي هذا القرط في تلك الليلة، لكنها رأت أنه من الأحرى أن تضعه في جيبها. ومجرد ملمس ذلك القرط بكراته اللامعة الباردة المصنوعة من الخرز جعل لورن تتمنى فجأة وهو ينزلق من بين أصابعها أن تختفي بعض الأشياء، وأن تعود دلفين نفس الشخص الذي عرفته في البداية، وهي تجلس خلف النضد في الفندق حيث كانت تتسم بالجرأة والمرح.
لم تنبس دلفين بكلمة. أخذت القرط دون أن تتلامس أصابعهما، لكن لأول مرة في تلك الليلة يلتقي وجهاهما هي ولورن وينظران مباشرة إحداهما إلى الأخرى. اتسعت حدقتا عينَي دلفين، وارتسم على وجهها للحظة تعبيرًا مألوفًا بالتهكم والتآمر. هزَّت كتفَيْها ووضعت القرط في جيبها. كان هذا كل ما حدث بينهما، ومنذ ذاك الحين وجَّهت نظرها للأمام نحو مؤخرة رأس هاري.
أبطأ هاري من سرعته، ثم توقف لكي ينزلها عند الفندق وقال: «سيكون شيئًا لطيفًا أن تأتي لتناول طعام العشاء معنا في أي ليلة لا تعملين خلالها.»
قالت دلفين: «إنني غالبًا ما أعمل طوال الوقت.» غادرت السيارة وهي تقول: «وداعًا.» ولم تكن توجِّه حديثها لأيٍّ منهم على وجه التحديد، ثم سارت بخطًى متثاقلة عبر الرصيف المغطى بالثلج إلى داخل الفندق.
قالت آيلين وهم في طريقهم إلى المنزل: «كنت أعرف أنها لن تقبل الدعوة.»
قال هاري: «حسنًا، ربما شعرت بالتقدير لدعوتنا هذه على أي حال.»
«إنها لا تهتم بأمرنا. لم يكن يهمها سوى لورن حينما كانت تعتقد أنها ابنتها، والآن لم تعد تهمها هي الأخرى.»
قال هاري وقد علا صوته: «لكن نحن نفعل، إنها ابنتنا نحن.»
ثم أردف قائلًا: «نحن نحبك يا لورن، كنت أريد فقط أن أعيد عليك هذا الكلام مرة أخرى.»
«ابنتها. ابنتنا.»
ثَمة شيء شعرت لورن أنه يوخز كاحلَيْها العاريين، فانحنت لترى سبب ذلك، فوجدت بعض النباتات الشائكة؛ كتلة من النباتات الشائكة، تعلق بسروال منامتها.
«لقد علقت بي بعض النباتات الشائكة أسفل الثلوج، علقت بي المئات منها.»
قالت آيلين: «سأقوم بنزعها عنكِ عندما نصل إلى المنزل؛ فليس ثَمَّةَ ما أستطيع فعله الآن.»
راحت لورن تزيح النباتات بغضب عن منامتها، وبمجرد أن تخلَّصت منها اكتشفت أنها التصقت بأصابعها، فحاولت أن تتخلص منها بيدها الأخرى، ولكنها سرعان ما علقت بأصابع يدها كلها. شعرت بالتقزز والاشمئزاز من تلك النباتات لدرجة أنها أرادت أن تطرق يدها بعنف لتزيحها وتصرخ بأعلى صوتها، لكن كانت تدرك أنه ليس بمقدورها أن تفعل شيئًا سوى الجلوس والانتظار.
الهروب |
الخدع
١
قالت روبن ذات ليلة منذ سنوات: «سأموت، سأموت إن لم يكونوا قد انتهوا من تجهيز ذلك الرداء.»
كانوا يجلسون في الشرفة المظللة للمنزل الخشبي ذي اللون الأخضر الداكن القابع في شارع إيزاك. وكان ويلارد جريج — الذي يقطن في المنزل المجاور — يلعب الكونكان مع أخت روبن — جوان — على طاولة اللعب. كانت روبن تجلس على الأريكة وهي تتطلع في عبوس إلى إحدى المجلات. كانت رائحة التبغ تمتزج مع رائحة الكاتشاب المغلي المتصاعدة من مطبخ أحد المنازل القائمة على الطريق.
لمح ويلارد شِبه ابتسامة على وجه جوان قبل أن تتساءل في صوت غير مبالٍ: «ماذا قلتِ؟»
قالت روبن في تحدٍّ: «لقد قلت إنني سأموت، سأموت إن لم يكونوا قد انتهوا من تجهيز ذلك الرداء بحلول الغد؛ أعني من يقومون بتنظيفه.»
«هذا ما اعتقدتُ أنكِ قلتيه. ستموتين؟»
لا يستطيع أحد توجيه اللوم لجوان على أي ملاحظة من هذا النوع.
فقد كانت نبرة صوتها شديدة الاعتدال، واحتقارها يغلِّفه الهدوء الشديد، ولم تكن ابتسامتها — التي اختفت الآن — سوى حركة خفيفة لركن فمها.
قالت روبن بتحدٍّ: «نعم سأموت؛ فأنا أحتاجه بشدة.»
قالت جوان موجِّهة حديثها إلى ويلارد بلهجة مَن يفشي سرًّا: «إنها تحتاجه، ستموت بدونه، إنها ستذهب إلى المسرحية.»
قال ويلارد مستنكرًا: «والآن يا جوان!» كان والداه، وكذلك هو أيضًا، أصدقاء لوالدَي الفتاتين — كان لا يزال ينظر إليهما على أنهما فتاتين صغيرتين — والآن وبعد أن رحل الآباء والأمهات جميعهم فقد شعر أن من واجبه أن يمنع البنات — قدر المستطاع — من أن تضايق إحداهما الأخرى.
كانت جوان تبلغ من العمر الآن ثلاثين عامًا، أما روبن فكانت في السادسة والعشرين من العمر. كان جسم جوان طفوليًّا، ذات صدر نحيل، ووجه طويل شاحب، وشعر بني منسدل بنعومة. لم تحاول أن تتظاهر بأي شيء مطلقًا سوى أنها شخص غير محظوظ؛ فهي تقف في المنتصف ما بين مرحلة الطفولة والنضج الأنثوي. تعيقها إصابتها بمرض الربو الحاد والمستمر معها منذ الطفولة. ولا يمكن التوقع من شخصية مثل هذه — شخصية لا تستطيع أن تخطو إلى الخارج في الشتاء أو تُترك بمفردها طوال الليل — أن يكون لديها ذلك الأسلوب المدمر المتمثل في التقاط حماقات الآخرين ممن هم أكثر حظًّا منها والتندر عليها، أو أن تحمل كل هذا الكم من الاحتقار والازدراء. طيلة حياتهم بدا لويلارد أنه ظل يشاهد روبن ودموع الغضب تملأ عينيها، ويسمع جوان وهي تقول: «ما الخطب معكِ الآن؟»
لم تشعر روبن إلا بوخز بسيط الليلة، وغدًا هو يومها الذي تذهب فيه إلى مدينة ستراتفورد، وقد شعرت بالفعل أنها تعيش خارج نطاق جوان بعض الشيء.
سألها ويلارد في محاولة لتهدئة الأمور قدر ما يستطيع: «ما هي المسرحية يا روبن؟ أهي إحدى مسرحيات شكسبير؟»
«نعم، إنها مسرحية «كما تحب».»
«وهل بإمكانك متابعة مسرحيات شكسبير جيدًا؟»
قالت روبن إنه بإمكانها ذلك.
«إنكِ مذهلة.» •••
تواظب روبن على فعل ذلك منذ خمس سنوات؛ فقد كانت تشاهد مسرحية واحدة كل موسم صيف. بدأ الأمر حينما كانت تعيش في ستراتفورد وتتمرن على التمريض. كانت قد ذهبت مع صديقة لها حصلت على تذكرتَيْن مجانيتين من عمتها التي كانت تعمل في مجال الأزياء. شعرت الفتاة صاحبة التذكرتين بالملل الشديد من العرض — كانت مسرحية «الملك لير» — لذا كتمت روبن مشاعرها ولم تفصح عن رأيها، فلم يكن بمقدورها أن تعبِّر عنه على أي حال، وكانت تفضِّل أن تغادر المسرح بمفردها، وألا تتحدث لأي شخص لأربع وعشرين ساعة على الأقل. عقدت عزمها حينها على أن تعود إلى المسرح مرة أخرى وأن تأتي بمفردها.
لن يكون ذلك بالشيء الصعب؛ فالمدينة التي نشأت بها، والتي كان عليها أن تحصل على عمل فيها من أجل جوان، لا تبعد سوى ثلاثين ميلًا فقط، والناس هناك يعرفون أن مسرحيات شكسبير تُعرض في ستراتفورد. بَيْدَ أن روبن لم تسمع بأن أحدًا ذهب إلى هناك ليشاهد إحداها؛ فالناس ممن هم في مستوى ويلارد يخشون أن ينظر إليهم الجمهور في المسرح بشيء من الازدراء وأن يُشعروهم بالدونية، بجانب صعوبة فهم لغة المسرحية، وتعذر المتابعة معها. أما الأشخاص من أمثال جوان فكانوا على ثقة تامة من أنه ما من أحد يمكنه أن يهوى مسرحيات شكسبير؛ لذا فإن حدث وذهب أحد من مدينتها فسيكون هذا مرجعه رغبة مَنْ يذهب في الاختلاط بعلية القوم، والذين بدورهم لا يستمتعون بها، بل يذهبون لمجرد أن يعلنوا أمام الآخرين أنهم قد ذهبوا واستمتعوا بالعرض. أما القلائل ممن اعتادوا مشاهدة العروض المسرحية فيفضلون الذهاب إلى مسرح رويال ألكس في تورونتو حين تقدِّم إحدى فرق برودواي الموسيقية عروضها هناك.
كانت روبن تهوى الجلوس في مقعد ذي موقع جيد؛ ولذا لم يكن بمقدورها سوى دفع ثمن تذكرة حفلة يوم السبت الصباحية؛ كي يمكنها الحصول على مثل هذا المقعد. اختارت مسرحية تُعرض في يوم من أيام إجازتها من المستشفى، ولم تكن قد قرأتها من قبل، ولم تهتم إن كانت من اللون الكوميدي أم التراجيدي. ولم ترَ مطلقًا شخصًا واحدًا هناك ممن تعرفهم سواء في المسرح أو بالخارج في شوارع المدينة، وكان ذلك يلائمها تمامًا. وقد قالت لها إحدى الممرضات اللائي يعملن معها ذات مرة: «ليس لديَّ ما يكفي من الشجاعة التي تمكنني من القيام بذلك بمفردي.» وقد جعل هذا روبن تدرك أنها بالقطع تختلف عمَّن عداها من الأخريات. لم تشعر من قبل براحة مثل تلك التي تشعر بها في مثل هذه الأوقات؛ حيث يحيط بها الغرباء فقط. وكانت بعد انتهاء العرض تتجول في شوارع وسط المدينة، بجانب النهر، وتبحث عن مكان أسعاره زهيدة كي تتناول فيه الطعام؛ وهو ما كان في العادة عبارة عن شطيرة تتناولها وهي جالسة على أحد المقاعد المرتفعة المقابلة للنضد. وفي تمام الثامنة إلا الثلث كانت تستقل القطار عائدة إلى منزلها؛ وهذا كل ما في الأمر، لكن تلك الساعات القليلة كانت تملؤها بيقين بأن تلك الحياة التي تعود إليها ثانية، والتي كانت تبدو بالنسبة لها مجرد شيء بديل وغير مرضٍ، ما هي إلا شيء مؤقت بمقدورها أن تتقبَّله وتتكيَّف معه إلى حين. كذلك فإن ثَمَّةَ بريقًا يطل خلف ذلك، خلف تلك الحياة، خلف كل شيء؛ بريق يتمثل في ضوء الشمس الذي تراه من خلال نوافذ القطار؛ فقد كان ضوء الشمس والظلال الممتدة في حقول الصيف أشبه ببقايا المسرحية التي لا يزال يتردد صداها في رأسها.
كانت قد شاهدت في العام الماضي مسرحية «أنطونيو وكليوباترا»، وعندما انتهى العرض المسرحي، سارت بجوار النهر كالمعتاد، ولاحظت أن هناك بجعة سوداء تسبح بخفة على سطحه — وكانت أول مرة ترى فيها بجعة بهذا اللون. كانت البجعة بمثابة دخيل بارع يسبح ويأكل على مقربة من البجع الأبيض. ربما كان تلألؤ أجنحة البجع الأبيض هو ما جعلها تفكر في تناول الطعام في أحد المطاعم الحقيقية هذه المرة وليس على النضد في مكان ما؛ فستذهب إلى أحد المطاعم حيث المفارش البيضاء، وبعض الزهور الندية المتفتحة، وكوب من النبيذ، وتتناول شيئًا لا تتناوله في المعتاد مثل بلح البحر، أو الدجاج. وأقدمت على تفحُّص حقيبتها لترى كم معها من النقود.
ولكن لم تكن حقيبتها موجودة؛ فالحقيبة الصغيرة المصنوعة من قماش الكشمير ذات السلسلة الفضية، والتي نادرًا ما تحملها، لم تكن معلقة على كتفها كالمعتاد. لقد فقدتها. سارت بمفردها كل ذلك الطريق من وسط المدينة حيث يقع المسرح دون أن تلاحظ أنها اختفت. وبالطبع لم تكن هناك أي جيوب في ردائها، وليست معها تذكرة عودة، أو أحمر شفاه، أو مشط، أو أي نقود، ولو حتى مبلغًا ضئيلًا.
تذكَّرت أنها كانت تضع الحقيبة على حِجرها طوال مدة المسرحية أسفل برنامج العرض. حتى برنامج العرض ليس معها الآن هو الآخر. أيكون الاثنان قد سقطا على الأرض؟ لكن لا؛ فهي تتذكر أن الحقيبة كانت معها في دورة المياه عندما ذهبت إلى دورة المياه الخاصة بالسيدات؛ فلقد قامت بتعليقها من سلسلتها الفضية على المِشجب الموجود خلف الباب، لكنها لم تتركها هناك؛ لا لم تتركها؛ فلقد تطلعت إلى نفسها في المرآة المثبَّتة فوق حوض غسيل الأيدي، وأخرجت منها المشط وراحت تعبث بخصلات شعرها. كان شعرها أسودَ ناعمًا، وبالرغم من أنها كانت تحاول أن تجعله منتفخًا كشعر جاكي كينيدي، وتقوم بلفِّه على بكرات الشعر ليلًا، فقد كان يميل للانسدال على كتفيها. أما فيما عدا ذلك فكانت سعيدة وراضية بما ترى من هيئتها. كانت عيناها ذواتَي لون رمادي يميل إلى الخضرة، أما حاجباها فكانا أسودين، وتميل بشرتها إلى السمرة؛ سواء حاولت أن تجعلها كذلك أم لا فهي مكتسبة لهذا اللون. وما كان يُظهِر جمال ذلك ويُضفي عليه المزيد من الجاذبية هو رداؤها القطني المنفوش بلون الأفوكادو الأخضر، والذي يضيق عند الخصر وبه صفٌّ من الثنيات والطيات الصغيرة عند منطقة الورك.
ذلك هو المكان الذي تركت فيه الحقيبة؛ هناك فوق النضد بجوار حوض غسيل الأيدي عندما كانت تتطلع إلى نفسها في إعجاب، وتستدير وتنظر بجانبها لتتمكن من رؤية فتحة الفستان المصممة على شكل رقم ٧ من الخلف؛ فقد كانت تعتقد أنها تبدو جميلة من الخلف، ولتتيقن من أن حمالة الصدر لا تظهر من تحت الثوب.
وفي خضم خيلائها وزهوها بذاتها، وسعادتها الزائفة بنفسها، خرجت مسرعة من دورة المياه تاركة حقيبة يدها.
صعدت من حافة النهر إلى الطريق واستدارت عائدة مرة أخرى في اتجاه المسرح من خلال أقصر الطرق وأكثرها استقامة، وسارت بأسرع ما يمكنها. لم يكن هناك أي جزء ظليل بطول الشارع، وكان المرور مزدحمًا في ذلك الوقت الحار من فترة ما بعد الظهيرة. كادت تجري؛ مما جعل العرق يتصبب من أسفل بطانة فستانها. سارت عبر ساحة انتظار السيارات عند محلات المخبوزات، والتي أصبحت خاوية الآن، ثم صعدت التل الصغير. لم يكن ثَمَّةَ منطقة ظليلة هناك، ولم ترَ أثرًا لأي شخص حول مبنى المسرح.
لكنه لم يكن مغلقًا. وقفت لنحو دقيقة في ردهة المسرح الخالية؛ حتى تستطيع أن ترى ما بالداخل جيدًا بعدما ضعفت رؤيتها نتيجة الضوء الساطع بالخارج. كانت تسمع ضربات قلبها، وقد برزت قطرات العرق من فوق شفتها العليا. كان شباك التذاكر مغلقًا، وكذا ركن المرطبات، وأُغلقت أبواب المسرح الداخلية. هبطت الدرج الذي يؤدي إلى دورة مياه السيدات، وحذاؤها يُحدث جلبة على سلالم الدرج الرخامية.
ليتها تكون مفتوحة، ليتها تكون مفتوحة، ليت الحقيبة هناك.
لا، لم يكن هناك شيء على النضد الناعم ذي التعريقات، ولا في داخل سلة المهملات، أو على أي مِشْجَب مثبَّت في أيٍّ من الأبواب.
شاهدت رجلًا يقوم بتنظيف أرضية البهو عندما صعدت لأعلى، وأخبرها أنها ربما تكون في مكتب المفقودات، لكنه كان مغلقًا. ترك ما يقوم بتنظيفه على مَضَضٍ وقادها نحو سلم آخر يؤدي إلى الأسفل حيث توجد غرفة صغيرة لا يوجد بها أي فتحات تهوية تحوي عدةَ مظلات، وبعض الطرود، بل وحتى السترات، والقبعات، وفراء ثعلب بنِّيًّا ذا مظهر مقزز، ولكن لا أثر لحقيبة من الكشمير تُحمل على الكتف.
قال: «حظ سيئ.»
قالت له في توسل: «هل من الممكن أن تكون أسفل مقعدي؟» قالتها رغم أنها كانت واثقة أنها ليست هناك.
«لقد انتهيت من تنظيف ذلك المكان بالفعل.»
لم يكن بيدها شيء آخر تفعله سوى أن تصعد الدرج وتسير عبر الردهة، وتخرج إلى الشارع.
سارت في الاتجاه المعاكس لساحة السيارات؛ بحثًا عن مكان ظليل تسير فيه. بمقدورها تخيُّل جوان وهي تقول لها إن عامل النظافة أخفى حقيبتها ليأخذها معه إلى منزله ليعطيها لزوجته أو ابنته؛ فهذا هو ما يفعلونه في مكان كهذا. كانت تبحث عن مقعد أو حافة جدار بارزة تستريح عليها بينما تقرر ما ستفعله وتحلل الأشياء التي مرت بها، إلا أنها لم ترَ ملمحًا لشيء حولها في أي مكان.
ظهر من ورائها كلبٌ ضخم، واصطدم بها بينما يمر من جانبها، كان كلبًا ذا لون بني داكن، وأرجل طويلة وتعبيرات يعلوها الزهو والعناد.
سمعت رجلًا ينادي قائلًا: «جونو، جونو، انتبهي إلى أين تذهبين.»
ثم وجَّه حديثه لروبن: «إنها كلبة صغيرة ووقحة، إنها تعتقد أنها تملك الرصيف، لكنها ليست شريرة. هل انتابك الخوف منها؟»
قالت روبن: «لا.» كان فقدانها لحقيبتها قد شغل كل تفكيرها، ولم ترَ أن مهاجمة كلب يمكن أن تطغى على ذلك.
«عادة ما يشعر الناس بالخوف الشديد عند رؤية كلاب الدوبرمان؛ فالشائع عن كلاب الدوبرمان أنها تتسم بالشراسة، إنها مدربة على أن تُظهر شراستها وعنفها عندما تقوم بالحراسة، لكنها لا تفعل ذلك عندما آخذها لتتريض.»
كانت روبن بالكاد تستطيع التفرقة بين سلالة كلب عن الآخر؛ إذ إن أسرتها لم تقتنِ يومًا كلبًا أو قطًّا بسبب مرض الربو الذي يلازم جوان.
قالت: «لا بأس.»
وبدلًا من السير في اتجاه المكان الذي تنتظر فيه الكلبة جونو، ناداها مالكها لتعاود أدراجها ثانية، وقام بتوثيق السلسلة التي يحملها في الطوق الذي ترتديه الكلبة، وقال: «إنني أطلق سراحها على الحشائش أسفل المسرح فقط؛ فهي تهوى ذلك، لكن كان ينبغي أن أقوم بتوثيقها هنا، إلا أنني تكاسلت عن فعل هذا. ماذا بكِ؟ هل أنتِ مريضة؟»
لم تشعر روبن حتى بالدهشة حيال ذلك التغيير في دفة الحوار. قالت: «فقدتُ حقيبتي. لقد كان خطئي، تركتُها بجوار حوض غسيل الأيدي في دورة المياه بالمسرح وعدت ثانية لأبحث عنها لكني لم أجدها. لقد مضيتُ وتركتها هناك بعد انتهاء المسرحية.»
«ما المسرحية التي كانت معروضة اليوم؟»
قالت: «أنطونيو وكليوباترا. إن بها كل نقودي بالإضافة إلى تذكرة العودة بالقطار.»
«هل أتيتِ بالقطار لتشاهدي أنطونيو وكليوباترا؟»
«نعم.»
تذكَّرتِ النصيحة التي كانت تسديها أمها إليها وإلى جوان بشأن السفر بالقطار، أو السفر بوجه عام لأي مكان؛ وهي الاحتفاظ دائمًا ببعض النقود وطيها وتثبيتها في الملابس الداخلية، وعدم التحدث إلى أي شخص غريب.
«علامَ تبتسمين؟»
«لا أدري.»
قال: «ابتسمي كيفما تشائين؛ لأنه يسعدني أن أُقرضك بعض النقود من أجل تذكرة القطار؛ متى سيغادر؟»
أخبرته بموعد قيام القطار، وقال: «حسنًا، لكن قبل أن تغادري عليكِ بتناول بعض الطعام، وإلا ستشعرين بالجوع ولن تستمتعي برحلة القطار. ليس معي شيء الآن؛ لأنني لا أحمل معي أي نقود عندما آخذ جونو في جولتها اليومية، لكن متجري لا يبعد كثيرًا عن هنا، تعالَي معي وسأجلب بعض النقود من الدرج.»
كان ذهنها مشغولًا إلى الآن، لدرجة أنها لم تلحظ أنه يتحدث بلكنة مختلفة. ما عساها أن تكون؟ إنها ليست بفرنسية أو ألمانية؛ فكلتاهما تستطيع أن تميزها؛ فهي تعرف الفرنسية من دراستها لها بالمدرسة، أما الألمانية فعرفتها من خلال بعض المهاجرين ممن يترددون أحيانًا على المستشفى التي تعمل بها لتلقِّي العلاج. والشيء الآخر الذي لاحظته هو أنه تحدَّث عن استمتاعها برحلة القطار، فما من أحد تعرفه تحدَّث عن شعور شخص بالغ بذلك، لكنه تحدث عن ذاك الأمر باعتباره شيئًا طبيعيًّا ولازمًا.
عند منعطف شارع داوني قال: «سننعطف في ذلك الاتجاه؛ فمنزلي يقع هناك.»
قال «منزلي»! ألم يَقُل «متجري» من قبل، ربما يقع متجره داخل المنزل.
لم تكن تشعر بالقلق، وتعجَّبت من ذلك الشعور فيما بعد. قبلت عرضه بالمساعدة دون لحظة تردد واحدة، وسمحت له بإنقاذها، ووجدت أنه من الطبيعي تمامًا ألا يحمل معه أي نقود أثناء تريُّضه، لكنه يستطيع إحضار النقود من درج النقود بالمتجر.
ربما كانت لكنته هي سبب عدم شعورها بالقلق؛ فقد كانت بعض الممرضات يتندرن على لكنة المزارعين الألمان وزوجاتهم، وكان ذلك بالطبع من وراء ظهورهم؛ لذا اعتادت روبن على معاملة هؤلاء الأشخاص ببعض المراعاة، كما لو أنهم يعانون من مشاكل في الكلام أو من التأخر العقلي، بالرغم من أنها كانت تعلم أن ذلك محض هراء؛ ولذا فاللكنة المختلفة تولِّد بداخلها نوعًا من الدماثة واللطف.
لم تكن قد أمعنت النظر فيه جيدًا؛ فقد كانت مستاءة بشدة في البداية، إلا أنه كان من الصعب بعد ذلك تَبَيُّن هيئته عن كَثَب؛ لأنهما كانا يسيران جنبًا إلى جنب. كان طويل القامة، وذا ساقين طويلتين أيضًا، ويسير بخطوات سريعة. والشيء الوحيد الذي لاحظته بالفعل هو شعاع الشمس المتلألئ فوق شعره القصير، وبدا لها أنه بلون الفضة اللامعة؛ لقد كان رماديًّا. أما جبهته العريضة العالية فهي الأخرى تلمع في ضوء الشمس، وتولَّد لديها انطباع بأنه من الجيل الذي يسبقها. بدا لطيفا وكيِّسا، ولكنه قليل الصبر بعض الشيء، من ذلك النوع من الأشخاص الذين يشبهون معلمي المدارس؛ إذ بدا مسيطرًا، يفرض الاحترام وليس الحميمية. استطاعت فيما بعد داخل المنزل أن ترى أن خصلات شعره الرمادية تختلط ببعض الخصلات الحمراء المشوبة بالاصفرار — بالرغم من أن بشرته كانت زيتونية تميل إلى السمرة، وهو شيء غير اعتيادي لذوي الشعر الأحمر — وكانت حركته داخل المنزل غريبة بعض الشيء كما لو أنه لم يعتَد على أي نوع من الصحبة في منزله. يُحتمل أنه يكبرها بنحو عشر سنوات على الأكثر.
كانت قد وثقت به لأسباب غير صحيحة؛ بَيْدَ أنها لم تكن مخطئة في ثقتها تلك.
كان المتجر يقع بالفعل داخل المنزل. وكان منزلًا صغيرًا بُني من القرميد، بدا أنه يعود لسنوات طويلة ماضية، وكان يقع في شارع تصطف به المباني المصممة في الأساس لتكون متاجر. كان هناك ذلك النوع من الأبواب الأمامية، ثم درجة واحدة للصعود، ونافذة من ذلك النوع الذي تجده في أي منزل عادي، وكانت هناك ساعة أنيقة معلَّقة بها. قام بفتح الباب؛ بَيْدَ أنه لم يقم بقلب اللافتة المكتوب عليها مغلق. زاحمتهما جونو وتقدَّمت طريقهما، واعتذر هو مرة أخرى عن سلوكها.
«إنها تعتقد أنه من واجبها أن تتيقن من أنه لا يوجد أحد ليس من حقه الوجود هنا، ولا تختلف عن ذلك كثيرًا عندما تذهب إلى الخارج.»
كان المكان مزدحمًا بالساعات ذات اللون الخشبي الداكن والفاتح، ذات الأرقام الملونة والقباب المطلية بالذهب. كانت موضوعة فوق الأرفف والأرضية، بل حتى فوق النضد الذي يتم خلاله المعاملات التجارية. وبخلاف ذلك كانت هناك بعض الساعات التي استقرت فوق المقاعد وأجزاؤها الداخلية مكشوفة. انسلت جونو من بينهما بمهارة وخفة، واستطاعا سماعها، وهي تصعد الدرج وتدب بقوائمها.
«هل تهتمين بالساعات؟»
قالت روبن قبل أن تفكر بأنه كان عليها أن تكون أكثر لطفًا: «لا.»
قال: «حسنًا؛ فليس عليَّ أن أسترسل في حديثي الجاذب عنها.» ثم قادها عبر الممر الذي اتخذته جونو مرورًا بأحد الأبواب الذي رجَّحت أن يكون باب دورة المياه، ثم صعدا درج السلم شديد الانحدار، وأصبحا أمام المطبخ الذي رأته لامعًا ومرتبًا ونظيفًا، وكانت جونو تنتظر بجانب صحن أحمر موضوع على الأرض وهي تهز ذيلها.
فقال لها: «عليكِ بالانتظار، ألا ترين أننا لدينا ضيف؟»
أفسح الطريق لروبن لكي تدلف إلى الحجرة الأمامية الواسعة والتي لم تغطِّ ألواحها الأرضية العريضة الملونة أي نوع من الأبسطة، ولا توجد أي ستائر على النوافذ؛ مجرد شيش نوافذ فحسب. كذلك كان يوجد نظام نقل الصوت العالي، والذي يحتل مساحة كبيرة من أحد الحوائط، وأريكة تمتد بطول الحائط المقابل من ذلك النوع الذي يتم جذبه للخارج فيصير فراشًا، كان هناك أيضًا مقعدان من القماش، وخزانة كُتب موضوع على أحد رفوفها مجموعة من الكتب، وعلى رفٍّ آخر مجموعة من المجلات المكدسة بعناية وترتيب، ولم ترَ أي لوحات أو وسائد أو أي نوع من أنواع الزخارف. كانت غرفة شخص عازب؛ حيث كل شيء موضوع في مكانه عن قصد، وله ضرورة، ويعبر عن رضا صاحبه وارتياحه لكل ما هو بسيط دون تكلف. كانت تختلف عن مقر إقامة العازب الآخر الوحيد الذي تعرفه روبن؛ فحجرة ويلارد جريج كانت أشبه بأحد المخيمات المهجورة التي تأسست مصادفة وسط أثاث والدَيْه المتوفيَيْن.
قال: «أين تفضلين الجلوس؟ على الأريكة؟ إنها مريحة أكثر من المقاعد، سأعدُّ لكِ قدحًا من القهوة. فلتجلسي هنا وتحتسيه بينما أعد لك طعام العشاء. ماذا تفعلين في الأوقات الأخرى ما بين انتهاء العرض المسرحي وإقلاع القطار إلى مدينتك؟»
إن الأجانب يتحدثون بطريقة مختلفة، ويتركون مساحة صمت بين الكلمات مثلما يفعل الممثلون.
قالت روبن: «أتريَّض فحسب ثم أذهب لتناول أي طعام.»
«كما كنتِ تفعلين اليوم إذن. أتشعرين بالملل وأنت تتناولين الطعام بمفردك؟»
«لا، أفكر حينها في المسرحية.»
كانت القهوة ذات نكهة قوية، لكنها اعتادت على مذاقها. لم تشعر أن عليها أن تعرض عليه المساعدة في المطبخ كما تفعل مع أي امرأة. نهضت من مكانها وقطعت أرض الحجرة وهي تكاد تسير على أطراف أصابعها، وأحضرت مجلة لتقرأ فيها، لكن حتى عندما أمسكت المجلة أيقنت أنه لا طائل من قراءتها؛ فالمجلة مطبوعة من ورقٍ بنِّي زهيد الثمن، ومكتوبة بلغة لم تستطع قراءتها أو فهمها.
بل إنها في الحقيقة أدركت بمجرد أن فتحتها وهي تضعها على حجرها أنها حتى لا تستطيع التعرف على أحرف الهجاء.
دلف إلى الحجرة حاملًا معه المزيد من القهوة.
قال: «أوه، إذن هل تستطيعين قراءة لغتي؟»
كانت لهجته تبدو ساخرة، لكنه تجنَّب النظر إليها؛ فقد بدا الأمر كما لو أنه قد شعر بالخجل في منزله.
أجابته قائلة: «إنني حتى لا أدري ما هي هذه اللغة.»
قال: «إنها اللغة الصربية. وبعض الناس يُطلقون عليها الصربية الكرواتية.»
«وهل أتيتَ من تلك البلد؟»
«إنني من مونتينيجرو.»
شعرت بالحيرة، إنها لا تعرف أين تقع مونتينيجرو. أهي بجوار اليونان؟ لا، تلك الأخرى هي مقدونيا.
قال: «مونتينيجرو في يوغسلافيا، أو هكذا يخبروننا، لكننا لا نعتقد هذا.»
قالت: «لم أكن أعتقد أن بمقدورك أن تخرج من واحدة من تلك الدول؛ أعني الدول الشيوعية. لم أكن أعتقد أنه يمكنك أن تتركها مثل الأشخاص العاديين وتخرج منها إلى الغرب.»
تحدَّث وكأن ذلك لم يستهوِهِ كثيرًا، أو كأنما قد نسي الأمر برمته وقال: «لا، بل بمقدورك هذا، بمقدورك أن تتركيها إن أردتِ. لقد غادرتها منذ ما يقرب من خمس سنوات، وقد أصبح الأمر أيسر الآن، وقريبًا ما سأعود إليها وأتوقع أن أغادرها ثانية على عجل. والآن عليَّ أن أعدَّ طعام العشاء وإلا ستذهبين وأنت جائعة.»
قالت روبن: «هناك شيء واحد فقط أود الاستفسار عنه؛ لمَ لا أستطيع قراءة هذه الأحرف؟ أعني ما هذه الأحرف؟ هل هذه هي الأبجدية الخاصة بموطنك؟»
«إنها الأبجدية السيريلية، مثل الأحرف اليونانية. والآن إنني أعدُّ الطعام.»
جلست وصفحات المجلة المطبوعة بالأبجدية الغريبة على حجرها، واعتقدت أنها دخلت إلى عالم غريب؛ قطعة صغيرة من عالم غريب في شارع داوني بستراتفورد، مونتينيجرو، الأبجدية السيريلية. اعتقدت أنه من الوقاحة أن تواصل طرح الأسئلة عن الأشياء التي تخصه، كما لو كان إحدى العينات التي تفحصها. كان عليها أن تتحكم في نفسها بالرغم من أن لديها الآن الكثير من الأسئلة.
راحت كل الساعات الموجودة بالطابق السفلي أو معظمها تدق؛ لقد كانت السابعة بالفعل.
ناداها من المطبخ: «هل هناك قطار آخر يقوم متأخرًا؟»
قالت: «نعم، في العاشرة إلا خمس دقائق.»
قال: «أهذا يناسبك؟ ألن يشعر أحدٌ بالقلق عليك؟»
قالت: «لا، جوان ستشعر بالاستياء، لكننا لا نستطيع أن نطلق على ذلك شعورًا بالقلق.» •••
كان طعام العشاء عبارة عن اليخنة، أو نوع من الحساء الثقيل المقدم في صحون صغيرة مع قطع الخبز والنبيذ الأحمر.
قال: «إنه ستروجانوف اللحم، آمل أن يعجبك مذاقه.»
قالت بصدق: «إنه لذيذ حقًّا.» أما النبيذ فلم تكن واثقة من رأيها بشأنه؛ فهي تحبه أكثر حلاوة من ذلك. «أهذا ما تتناولونه في مونتينيجرو؟»
«لا، ليس تمامًا؛ فطعام مونتينيجرو ليس جيدًا، فنحن لا نشتهر بطعامنا.»
لذا كان من المناسب بالقطع أن تقول: «بِمَ تشتهرون؟»
سألها: «وماذا عن بلدك؟»
«أنا من كندا.»
«لا، أقصد ما تشتهرون به.»
أربكها ذلك، وشعرت بالغباء، لكنها مع ذلك ضحكت.
«لا أدري. أعتقد أننا لا نشتهر بشيء.»
«ما يشتهر به المونتينيجريون هو الصياح والصراخ والشجار؛ فهم مثل جونو بحاجة لتعلُّم النظام.»
نهض لتشغيل بعض الموسيقى، ولم يسألها عما تفضِّل سماعه، وكان هذا مريحًا لها؛ فلم تكن تريد أن يسألها عن مؤلفي الموسيقى الذين تهواهم، بينما كل من تستطيع ذكر أسمائهم هما موتسارت وبيتهوفن، ولا تثق حتى في أنه يمكنها التحدث عن مؤلفات أيٍّ منهما. إنها في الواقع كانت تهوى الموسيقى الشعبية، لكنها اعتقدت أنه ربما يرى اختيارها ذلك مزعجًا وبه شيء من التنازل، ومن الممكن أن يربط ذلك ببعض أفكارها عن مونتينيجرو.
قام بتشغيل نوع من موسيقى الجاز. •••
لم يكن لروبن قط حبيب أو حتى صديق. كيف حدث هذا، أو لم يحدث؟ لا تدري. كان ذلك بسبب جوان بالقطع، لكن هناك بعض الفتيات اللاتي نجحن في إقامة علاقات على الرغم من أنهن كن مثلها؛ مُثقَلات بالأعباء. ربما يكون سبب ذلك راجعًا إلى أنها لم تُعِر المسألة الكثير من الاهتمام في الوقت المناسب؛ ففي المدينة التي عاشت بها، كانت معظم الفتيات يرتبطن بعلاقات جدية قبل أن ينهين دراستهن في المدرسة الثانوية، وبعضهن لا ينهين دراستهن وينتهي بهن المطاف بالزواج. أما الفتيات اللاتي كن ينتمين لطبقات أعلى — وهن قليلات من اللواتي استطاع أولياء أمورهن إرسالهن إلى الجامعة — فكان من المتوقع أن يقطعن علاقتهن بأي صديق من المدرسة الثانوية قبل الذهاب للبحث عن فرص أفضل. وسرعان ما تخطف فتيات أخريات الفتيان المنفصلين. أما الفتيات اللاتي لم يتحركن سريعًا فيجدن أنفسهن أمام اختيارات رديئة. وبعد سنٍّ معينة فإن أي رجل جديد يظهر قد يأتي ومعه زوجة بالفعل.
لكن روبن قد حصلت على فرصتها بالفعل. لقد ذهبت لتتمرن على التمريض، وهو الشيء الذي يفترض أنه منحها بداية جديدة؛ فالفتيات اللاتي تُمرَّن على التمريض واتتهن فرص الارتباط بالأطباء، أما هي فقد أخفقت في هذا أيضًا؛ إذ لم تدرك تلك الفرصة في حينها. لقد كانت تتسم بالجدية، وربما هنا كانت تكمن المشكلة. كانت جادة بشأن أشياء كمسرحية «الملك لير»، ولم تكن جادة بشأن استغلال حفلات الرقص وممارسة التنس. فبعض الجدية التي تتسم بها الفتاة قد تحوِّل عنها النظرات. بَيْدَ أنه من الصعب أن تفكر في حالة واحدة حَسدت فيها أي فتاة أخرى على رجل ارتبطت به، بل إنها لا تستطيع أن تفكر في أي شخص تمنَّت الارتباط به.
وهي ليست ضد فكرة الزواج كلية؛ إنها فقط تنتظر كما لو أنها فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، غير أنها بين الحين والآخر كانت تواجه وتدرك موقفها الحقيقي بأنها ليست كذلك. وفي بعض الأحيان كانت واحدة من السيدات اللاتي يعملن معها ترتِّب مقابلة لها مع أحد الأشخاص، ثم يحدث أن تتلقى صدمة من الشخص الذي يعتبره الآخرون مناسبًا لها. بل وحتى ويلارد أفزعها منذ وقت قريب حينما مزح قائلًا إنه عليه أن ينتقل للعيش معهم في يوم من الأيام ويعاونها في العناية بجوان.
كان هناك بعض الأشخاص يلتمسون لها العذر بالفعل، بل ويثنون عليها مسلِّمين بأنها قد حسمت أمرها من البداية وخططت لتكريس حياتها لأختها جوان. •••
عندما انتهيا من تناول الطعام سألها إن كانت ترغب في جولة على ضفة النهر قبل أن تستقل القطار، ووافقت على الفور، لكنه أخبرها أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا عرف اسمها أولًا.
وقال لها: «قد أحتاج إلى تقديمك إلى أحدهم.»
أخبرته باسمها.
قال: «روبن على اسم الطائر؟»
قالت: «على اسم طائر الروبن ذي الصدر الأحمر.» قالتها تمامًا كما قالتها قبل ذلك مرارًا دون تفكير، شعرت بالحرج الشديد ولم يكن في استطاعتها فعل شيء سوى التحدث بعدم اكتراث.
«دورك الآن لكي تخبرني باسمك.»
كان اسمه دانييل، «إنه دانيلو في الواقع، لكنه هنا دانييل.»
قالت بنفس اللهجة الطائشة التي تولَّدت نتيجة شعورها بالحرج مما قالته عن طائر الروبن ذي الصدر الأحمر: «إذن ما هنا يستخدم هنا، ولكن أين تقطن هناك؟ أي في مونتينيجرو؛ هل تعيش في المدينة أم في الريف؟»
«لقد كنت أعيش في الجبال.»
بينما كانا يجلسان في الغرفة التي تعلو متجره كانت هناك مسافة تفصل بينهما، ولم تشعر مطلقًا بالخوف، ولم تتمنَّ مطلقًا أن تتبدل تلك المسافة بحركة فظة، أو جريئة، أو ماكرة من جانبه. وفي المناسبات القليلة التي حدث فيها ذلك مع رجال آخرين كانت تشعر بالحرج الشديد من أجلهم، ولكن للضرورة الآن كانت تسير هي وذلك الرجل جنبًا إلى جنب، وإذا ما حدث وصادفا شخصًا في طريقهما فقد تتلامس ذراعاهما معًا، أو ربما تحرَّكَ قليلًا خلفها ليفسح لها الطريق، وهنا قد تُلامس ذراعُه أو صدره ظهرها لثوانٍ. وقد خلَّفت هذه الاحتمالات، ونظرة الناس ممن يقابلانهم في الطريق لهما كعاشقَيْن، بداخلها نوعًا من الرجفة والتوتر اللذين يسريان من كتفَيْها إلى تلك الذراع التي لامسته.
سألها عن «أنطونيو وكليوباترا»، وهل راقت لها المسرحية أم لا، وأجابته بالإيجاب، وسألها عن أكثر جزء استهواها، فكانت مشاهد العناق الجريئة والمقنعة هي أول ما تبادر إلى ذهنها، لكنها لم تستطع أن تقول ذلك بالقطع.
قالت: «ذلك الجزء في النهاية عندما أوشكت على وضع الأفعى على جسدها.» كانت على وشك أن تقول: على صدرها، لكنها غيرت رأيها، لكن كلمة «جسدها» لم تبدُ أفضل، «ثم دخل ذلك الرجل العجوز وفي يده سلة التين وبداخلها الأفعى، وراحوا يمزحون. أعتقد أن هذا المشهد أعجبني؛ لأنك لا تتوقع شيئًا كهذا في تلك اللحظة؛ أعني أنني أحببت مشاهد أخرى أيضًا، لقد راقت لي جميعها، لكن ذلك المشهد كان مختلفًا.»
قال: «نعم، لقد أعجبني هذا المشهد أنا أيضًا.»
«هل شاهدتَ المسرحية؟»
«لا، إنني أدخر نقودي الآن، لكني قرأت العديد من أعمال شكسبير ذات مرة؛ فالطلبة يقرءونها عندما يتعلمون اللغة الإنجليزية. في الصباح كنت أتعلم كل شيء عن الساعات، وفي المساء كنت أتعلم اللغة الإنجليزية. وأنتِ ماذا تعلَّمتِ؟»
قالت: «لم أتعلم الكثير في الواقع من المدرسة، لكني بعد ذلك تعلمت ما يؤهلني لكي أصبح ممرضة.»
«أعتقد أنكِ تعلَّمتِ الكثير كي تصبحي ممرضة. أعتقد هذا.»
تحدثا بعد ذلك عن طقس المساء المعتدل، وكيف كان له وقع محبب عليهما، وأن فترة الليل قد امتدت بشكل ملحوظ بالرغم من أنهما لا يزال أمامهما شهر أغسطس كله. ثم تجاذبا الحديث بعد ذلك عن جونو وكيف أنها كانت تريد الخروج معهما، لكنها هدأت على الفور عندما ذكَّرها بأنها يجب أن تبقى لكي تحرس المتجر. بدا ذلك الحديث شيئًا فشيئًا وكأنه ذريعة متفق عليها للاسترسال؛ ستار تقليدي لشيء ينمو بداخلهما وأصبح حتميًّا ولا مفر من حدوثه بينهما.
لكن وسط أضواء محطة القطار تلاشى على الفور ذلك الشعور الذي كان غامضًا وواعدًا بحدوث أمرٍ ما. كان هناك الكثير من الأشخاص الذين اصطفوا أمام شباك التذاكر، ووقف هو خلفهم، منتظرًا دوره، ثم ابتاع لها تذكرة. ساروا على رصيف محطة القطار حيث ينتظر الركاب الآخرون.
قالت: «هلَّا كتبتَ اسمك كاملًا وعنوانك على قصاصة من الورق، وسوف أرسل لك النقود على الفور حالما أعود.»
حدَّثت نفسها قائلة بأن شيئًا ما سيحدث الآن، لكن لم يحدث شيء، ولم يطرأ جديد الآن. وداعًا، أشكركَ، سأرسل النقود، لا داعي للعجلة، أشكركَ، ليس ثَمَّةَ إزعاج، أشكركِ أنت أيضًا، وداعًا.
قال: «دعينا نَسِر هناك.» ثم سارا بطول رصيف المحطة بعيدًا عن أضوائها.
«من الأحرى ألا تقلقي بشأن النقود، ليست سوى مبلغ ضئيل، وقد لا تصل هنا على أي حال؛ لأني سأرحل من هنا قريبًا، وفي بعض الأحيان يصل البريد متأخرًا.»
«لكني يجب أن أردَّ لكَ نقودكَ.»
«سأقول لكِ كيف تردين نقودي إذن، هل تنصتين جيدًا؟»
«نعم.»
«سآتي إلى هنا الصيف القادم في نفس المكان، وذات المتجر، الصيف القادم؛ لذا ستختارين المسرحية التي تفضلينها وتأتين إلى هنا بالقطار ثم إلى المتجر.»
«سأردُّ لك النقود حينها؟»
«أوه، نعم، وسأعد طعام العشاء ونحتسي النبيذ، وسأخبرك بما حدث طيلة العام الماضي، وأنتِ كذلك ستقصين لي ما مر بك، وهناك شيء آخر أريده منك.»
«ما هو؟»
«سترتدين نفس الفستان؛ نفس فستانك الأخضر، ونفس تصفيفة الشعر.»
ضحكت قائلة: «حتى تعرفني.»
«نعم.»
وصلا إلى نهاية رصيف المحطة، وقال وهما يخطوان فوق الأرض المفروشة بالحصى: «احترسي.» ثم أردف: «اتفقنا؟»
قالت روبن: «نعم.» وقد بدا بعض الارتباك في صوتها؛ إما بسبب سطح الأرض غير الثابت بفعل الحصى، أو لأنه قد أمسكها من كتفيها ثم تحركت يداه لأسفل على ذراعَيْها العاريتين.
قال: «أعتقد أن لقاءنا كان شيئًا مهمًّا، أظن هذا، هل توافقينني في ذلك؟»
قالت: «نعم.»
«نعم، نعم هو كذلك.»
دسَّ يدَيْه تحت ذراعيها ليجذبها نحوه أكثر ويطوِّق خصرها بذراعيه، وراحا يتبادلان القبلات مرات ومرات.
كان حوار القبلات هامسًا رقيقًا، أخَّاذًا، يتسم بالجرأة والتحول. وعندما انتهيا كان كلاهما يرتعدان، واستطاع بصعوبة أن يستعيد رباطة جأشه ويحاول أن يتحدث بلهجة خالية من المشاعر.
«لن نتبادل أي رسائل؛ فالرسائل ليست بالفكرة الجيدة، سيتذكر أحدنا الآخر فحسب، وليس عليكِ أن تخبريني قبل أن تأتي، تعالَي فقط. إن كنتِ تحملين نفس المشاعر فستأتين فحسب.»
سمعا صوت القطار وهو قادم، وساعدها في الصعود إلى الرصيف ولم يلمسها ثانية، لكنه سار بسرعة بجوارها وتحسس شيئًا في جيبه.
وقبل أن يغادرها أعطاها قصاصة ورقة مطوية وقال: «كتبتُها قبل أن نغادر المتجر.»
وفي القطار قرأت اسمه؛ «دانيلو أدزيك»، والكلمات بييلويفيتشيه؛ قريتي. •••
وصلت مدينتها وسارت في الظلام تعلوها الأشجار، ولم تكن جوان قد أوت إلى فراشها؛ حيث كانت جالسة تلعب لعبة سوليتير.
قالت روبن: «آسفة، لقد فاتني القطار الذي يغادر مبكرًا، تناولت لحم الستروجانوف على العشاء.»
«إذن، فهذا ما أشم رائحته الآن.»
«وكأسًا من النبيذ.»
«يمكنني أن أشم ذلك أيضًا.»
«أعتقد أنني سأذهب إلى الفراش مباشرة.»
«أظن أن عليكِ ذلك.»
تذكرت روبن في نفسها وهي تصعد الدرج بيتَ شعر للشاعر ويليام وردزوورث.
كم كان ما حدث شيئًا سخيفًا، بل إنه مدنِّس، إن جاز القول فإنه يُعد انتهاكًا للحرمات. ما معنى أن يقبِّلها رجل غريب في رصيف محطة القطار، ويطلب منها أن تقص عليه ما حدث لها في فترة عام. إن علمت جوان بأمر ذلك ماذا ستقول؟ رجل أجنبي؟ إن الأجانب يلتقطون الفتيات اللاتي لا يرتبط بهن أحدٌ آخر.
ظلت الأختان بالكاد تتبادلان الحديث لمدة أسبوعين، وقد شعرت جوان بالراحة عندما لم ترَ أي مكالمات هاتفية أو أي رسائل تأتي، وأن روبن لا تخرج في الأمسيات إلا للذهاب إلى المكتبة. إنها تدرك أن هناك شيئًا ما قد تغيَّر، لكنها لم تكن تعتقد أنه بالأمر الجاد، وبدأت تتندر وتلقي النكات مع ويلارد.
قالت ذات مرة على مسمع من روبن: «أوَتدري أن فتاتنا هنا قد بدأت تقوم بمغامرات غامضة في ستراتفورد؟ نعم. كما أُخبرك. أتت إلى المنزل تفوح منها رائحة الشراب واللحم. أتعرف ماذا كانت تشبه تلك الرائحة؟ رائحة القيء.»
كان في اعتقادها أن روبن ذهبت إلى أحد المطاعم الغريبة التي تقدم بعض الأطباق الأوروبية وطلبت كأسًا من النبيذ بجانب وجبتها؛ معتقدة أن ذلك يجعل منها فتاة راقية.
كانت روبن قد ذهبت إلى المكتبة لتقرأ شيئًا عن مونتينيجرو.
قرأت جزءًا يقول: «لأكثر من قرنَيْن من الزمن ظل أهل مونتينيجرو في صراع مع الأتراك والألبان وهو ما كان بالنسبة لهم واجب كل إنسان (ومن هنا شاع عن أهل مونتينيجرو أنهم يتسمون بالكبرياء ويميلون إلى العدائية والشجار وينفرون من العمل، وكان هذا مصدر تندُّر ونكات اليوغسلافيين).»
لكنها لم تستطع أن تعرف أي قرنَيْن يقصدهما الكتاب. قرأت عن الملوك، والقساوسة، والحروب، والنزاعات والاغتيالات، وقرأت عن أعظم القصائد الصربية على الإطلاق، والتي كانت تحمل عنوان: «جبل جارلاند»، والتي كتبها ملك مونتينيجرو. لم تستطع أن تحتفظ بكلمة مما قرأت فيما عدا الاسم، الاسم الحقيقي لمونتينيجرو، والذي لم تعرف كيف تنطقه؛ وهو جرنا جورا.
راحت تنظر إلى الخرائط حيث كان من الصعب أن تحدِّد مكان البلد ذاته، لكنها نجحت في النهاية من خلال العدسة المكبرة أن تتعرَّف على أسماء مدن عدة — ولم يوجد بينها اسم بييلويفيتشيه — واستطاعت أن تتعرف على أنهار موراكا وتارا، وترى السلاسل الجبلية المظللة في الخريطة، والتي بدت في كل مكان ما عدا وادي زيتا.
كان من الصعب تفسير احتياجها للاستمرار في ذلك الاستقصاء، ولم تحاول هي حتى تبريره (بالرغم من أن الجميع كانوا يلاحظون حضورها الدائم في المكتبة وانهماكها في القراءة)، لكن كان كل ما تحاول فعله — وهو شبه ما نجحت في فعله على الأقل — هو أن تحدد مكان دانيلو الفعلي وتاريخه الحقيقي، وأن تعتقد أنه بالقطع يعرف كل تلك الأسماء التي تتعلَّمها، وأن ذلك التاريخ هو ما قد تعلَّمه بالفعل في المدرسة، وأنه زار بعضًا من هذه الأماكن سواء عندما كان طفلًا أو شابًّا، وربما يزور هذه الأماكن في الوقت الحالي. وعندما تُلامس أصابعها اسمًا مطبوعًا لموقع على الخريطة، تشعر أنها ربما لمست المكان الذي يوجد به الآن.
حاولت أن تعرف أيضًا من خلال بعض الكتب والرسوم البيانية أي شيء يتعلق بصناعة الساعات، لكنها لم تنجح في ذلك.
ظل ملازمًا لها في أفكارها. كانت تفكِّر به عندما تستيقظ من النوم وفي أوقات الراحة بالمستشفى. وقد جعلتها احتفالات أعياد الميلاد تفكر في طقوس الكنيسة الأرثوذكسية — التي كانت قد قرأت عنها — حيث القساوسة ذوو اللحى الطويلة في زيهم الكهنوتي الذهبي، والشموع المتلألئة، وعبق البخور والترانيم الحزينة التي تتردد بلغة أجنبية. وقد جعلها الطقس البارد والجليد المتراكم فوق البحيرة تفكر في الشتاء في الجبال. شعرت وكأنها اختيرت لكي ترتبط بذلك الجزء الغريب من العالم، اختيرت لتلقى نوعًا غريبًا من القدر. واعتادت أن تردد على نفسها كلمات مثل «القدر» و«الحبيب» وليس «الصديق» وإنما «الحبيب». كانت تتذكر في بعض الأحيان أسلوبه العفوي الذي شابَهُ بعض التردد عندما تحدَّث عن الذهاب إلى بلده والخروج منها، وشعرت بالخوف عليه، وتخيلت أن يكون قد وقع في مكائد شريرة، أو مؤامرات تشبه مؤامرات السينما، أو أنه يواجه الأخطار والأهوال. ربما كان قراره بعدم تبادل الرسائل شيئًا جيدًا، لربما كانت حياتها ستُستنزف بالكامل في كتابتها وانتظارها؛ في كتابتها وانتظار الردود ثم انتظار الردود وكتابتها؛ وبالقطع في القلق الشديد الذي كان سيعتريها إن لم تصل تلك الخطابات.
لقد أصبح لديها الآن شيء تحمله معها طوال الوقت. كانت تدرك ذلك البريق الذي تولَّد بداخلها، في جسدها، وفي صوتها، بل وفي كل أفعالها. لقد جعلها تسير بطريقة مختلفة، وتبتسم دون سبب معلوم، وتعامل المرضى بحنان غريب. كانت سعادتها تكمن في التفكير مليًّا في شيء واحد في كل مرة، وكانت تفعل ذلك بينما تقوم بواجباتها، وعندما تتناول طعام العشاء مع جوان، كانت دائمًا ما تتذكر جدران الحجرة العارية، وخطوط الضوء المنعكسة عليها من خلال شيش النوافذ ذي الأضلع، وأوراق المجلة الخشنة برسوماتها التوضيحية القديمة الموضوعة بدلًا من الصور، والآنية الفخارية التي يحيط بها طوق أصفر، والتي قدم فيها لحم الستروجانوف. كانت تتذكر أيضًا كمامة جونو بلون الشوكولاتة، وقوائمها الطويلة القوية النحيلة، ثم تذكَّرت الهواء المنعش في الطريق، ورائحة أحواض الورد التي زرعتها بلدية المدينة، وأعمدة الإضاءة الممتدة بطول النهر، والتي تدافعت والتفت حولها أعداد غفيرة من الحشرات الصغيرة.
ذاك الانقباض في صدرها، وشعورها بنهاية الموقف، وحين عاد بتذكرتها، ثم بعد ذلك سيرهما معًا، والخطوات الوئيدة المدروسة، والهبوط من رصيف المحطة والسير على الحصى، وشعورها بالألم من خلال نعل حذائها الخفيف نتيجة سيرها على الحصى الصغيرة الحادة.
لم يتلاشَ شيء من ذاكرتها، كلما تكرَّر ذلك البرنامج في ذهنها، ظلَّت ذكرياتها وما أضفته عليها من زخارف جميلة تدبُّ بعمق في ذهنها.
«أعتقد أن لقاءنا كان شيئًا هامًّا.»
«نعم. نعم.» •••
ومع ذلك عندما قدم شهر يونيو تأخرت في الذهاب؛ فلم تكن قد قررت بعد أي مسرحية ستشاهدها، أو أرسلت في حجز تذكرتها. وقد قررت في النهاية أن تختار الذكرى السنوية لذلك اليوم، فاختارت نفس اليوم الذي التقيا فيه العام الماضي، وكانت المسرحية المعروضة في ذلك اليوم هي مسرحية «كما تحب». وجال بخاطرها أنه يمكنها أن تذهب فقط إلى شارع داوني، وألا تهتم بأمر المسرحية؛ لأن ذهنها سيكون مشغولًا جدًّا وتشعر بالإثارة لدرجة لن تتمكن معها من متابعة معظم المسرحية، إلا أنها كانت تؤمن بالخرافات، وتخشى أن تغيِّر من نمط ذلك اليوم الذي اعتادت عليه. أحضرت تذكرتها، ثم أخذت فستانها الأخضر من أجل التنظيف. لم تَرتدِهِ منذ ذلك اليوم، لكنها كانت تريد أن يبدو زاهيًا وأنيقًا كالجديد.
لم تأتِ السيدة التي تقوم بالكواء في محل التنظيف لعدة أيام في ذلك الأسبوع؛ فقد كان ابنها مريضًا، لكنهم وعدوها بأن الفستان سيكون جاهزًا عندما تعود في صباح يوم السبت. •••
قالت روبن: «سأموت، سأموت إن لم يكونوا قد انتهوا من تجهيز ذلك الرداء من أجل الغد.»
نظرت إلى جوان وويلارد وهما يلعبان الكونكان على مائدة اللعب. اعتادت أن تراهما على هذا النحو مرارًا. والآن من الممكن ألا تراهما هكذا ثانية. كم هما بعيدان عن شعورها بالتوتر والتحدي، إنها مغامرة حياتها.
لم يكن الفستان جاهزًا بعد؛ فالطفل لا يزال مريضًا. فكرت روبن في أن تأخذ الفستان إلى المنزل وتقوم بكيِّه بنفسها، لكنها اعتقدت أنها ستكون في حالة توتر شديدة لن تمكِّنها من القيام بالمهمة بشكل جيد؛ وخاصة أن جوان كانت تنظر إليها. فذهبت على الفور إلى وسط المدينة، صوب المتجر الوحيد الذي يبيع الفساتين، وكانت محظوظة — هكذا اعتقدت — لأنها وجدت فستانًا أخضر آخر كان يناسب مقاسها جيدًا، لكنه كان ذا خطوط مستقيمة وبلا أكمام. ولم يكن بلون الأفوكادو الأخضر، بل الأخضر الليموني. أخبرتها السيدة التي تبيع في المتجر بأن هذا اللون هو لون هذا العام، وأنه قد ذهبت موضة الفساتين الواسعة التي تضيق عند الخصر. •••
ومن خلال نافذة القطار رأت الأمطار وقد بدأت تتساقط، ولم تكن تحمل معها مظلة. في المقعد المواجه لها جلس مسافر تعرفه من قبل، كانت سيدة أجرت عملية استئصال للمرارة منذ أشهر قليلة في المستشفى، وكانت لتلك السيدة ابنة متزوجة في ستراتفورد، وكانت من نوع الأشخاص الذين يعتقدون أنه طالما أن هناك شخصين يعرف أحدهما الآخر والتقيا في نفس القطار متوجِّهَيْن لنفس المكان، فعليهما إذن أن يتجاذبا أطراف الحديث دون توقف.
قالت: «إن ابنتي تنتظرني، وبإمكاننا اصطحابك إلى أي مكان ستذهبين إليه؛ وخاصة أنها تمطر.»
كان المطر قد توقف حينما وصلا ستراتفورد، بل كانت الشمس ساطعة والطقس حارًّا تمامًا؛ ومع هذا لم يكن في وسع روبن فعل شيء سوى أن تقبل عرض السيدة بركوب السيارة. جلست في المقعد الخلفي بجوار طفلين يتناولان الآيس كريم. لقد كانت معجزة أنه لم يتساقط أيٌّ من قطرات الفراولة أو البرتقال على ردائها.
لم تستطع الانتظار حتى انتهاء عرض المسرحية؛ إذ كانت تشعر برعشة في المسرح المكيَّف؛ لأن فستانها من قماش خفيف، كما أنه بلا أكمام، أو ربما كان شعورها بالتوتر هو سبب تلك الرعشة. شقَّت طريقها إلى نهاية الصف مقدِّمة اعتذارها للآخرين، ثم صعدت ذلك الممر بدرجاته غير المتساوية، وخرجت إلى البهو الذي يملؤه ضوء النهار. كانت السماء قد بدأت تمطر ثانية، وبشدة. وحيثما كانت بمفردها في دورة المياه — نفس المكان الذي فقدت فيه حقيبة نقودها — راحت تصفِّف شعرها الذي أفسدته الرطوبة؛ فالشعر الذي قامت بلفِّه كي يسترسل ناعمًا مفرودًا أصبح ينسدل في خصلات سوداء ناعمة ملتفة حول وجهها، ربما كان ينبغي لها أن تحضر معها مثبِّت الشعر. قامت بتصفيفه بأفضل شكل ممكن، وراحت تمشِّطه للوراء.
كانت الأمطار قد توقَّفت عندما غادرت المسرح، وسطعت الشمس مرة أخرى في كبد السماء، وراحت تلقي بأشعتها اللامعة فوق الرصيف المبتل. والآن انطلقت إلى وجهتها. شعرت بوهن في ساقَيْها يماثل تمامًا ما كانت تشعر به في تلك الأوقات التي كان ينبغي لها فيها التوجه إلى السبورة لحل مسألة رياضية، أو عندما كانت تضطر إلى الوقوف أمام الفصل لكي تلقي على مسامعهم أحد الدروس التي حفظوها. وسرعان ما أصبحت عند ناصية شارع داوني، وخلال دقائق من الآن ستتغير حياتها. لم تكن في أتم استعداد، لكنها لا تتحمَّل أي تأخير.
وعند مجموعة البنايات الثانية استطاعت أن تلمح أمامها ذلك المنزل الصغير الغريب الذي لا يزال في مكانه، الواقع بين الأبنية التقليدية التي تحوي بعض المتاجر المصطفة على جانبَيْه.
اقتربت أكثر فأكثر. كان الباب مفتوحًا كما هو الحال مع معظم المتاجر الممتدة بطول الطريق، ولم يكن في معظمها أجهزة تكييف هواء؛ فلم يكن هناك سوى باب به سلك لحجب الحشرات الطائرة.
صعدت درجتَي السلم ثم توقفت خارج المتجر، لكنها لم تدفع بابه، بل انتظرت لدقيقة حتى تعتاد عيناها على المكان شبه المظلم في الداخل، وحتى لا تتعثَّر وهي تدخل المكان.
ورأته هناك، في مكان عمله خلف النضد، مشغولًا في شيء ما أسفل المصباح الوحيد الموجود. كان منحنيًا للأمام، ورأت جانب وجهه؛ فقد كان منهمكًا في عمله الذي يؤديه في إصلاح إحدى الساعات. كانت تخشى أن يكون قد تغيَّر، بل خشيت في الواقع حقيقة أنها لا تتذكره جيدًا، أو أن مونتينيجرو قد أضفت بعض التغيير عليه؛ فيكون قد قص شعره بطريقة مختلفة، أو يكون قد أطلق لحيته. لكن لا، فإنه كما هو لم يطرأ عليه أي اختلاف. وكان المصباح الذي يتلألأ فوق رأسه يُظهر نفس خصلات شعره، التي كانت تلمع كما كانت من قبل؛ تلك الخصلات الرمادية التي تتخللها أخرى حمراء مشوبة باللون البني. كانت كتفاه عريضتين، بها قليل من التحدُّب، وكانت أكمام القميص مرفوعة لأعلى لتُظهر ذراعَيْه المفتولتين، وقد علا وجهه تعبير ينمُّ عن شدة التركيز، والاهتمام، والتقدير الشديد لما يقوم به، وللآلية التي يعمل بها. نفس النظرة المحفورة في ذهنها، بالرغم من أنها لم ترَه من قبل وهو يعمل. لقد كانت دائمًا تتخيل تلك النظرة وقد وجَّهها إليها.
لا، إنها لا تريد أن تخطو للداخل، لقد كانت تريده أن ينهض ويتجه نحوها ويفتح الباب؛ لذا نادته باسمه؛ دانييل. خجلت في آخر دقيقة من أن تناديه باسم دانيلو؛ خشية أن تنطق المقاطع الأجنبية بطريقة غريبة غير متقنة.
لم يسمعها، أو ربما لأنه كان منهمكًا فيما يعمله تأخَّر في النظر إليها، ثم رفع بصره لأعلى، لكن ليس باتجاهها؛ فقد بدا أنه يبحث عن شيء يحتاجه في تلك اللحظة، لكنه لمحها بالفعل في اللحظة التي رفع فيها عينيه، ثم قام بحذرٍ بإزاحة شيء ما بعيدًا عن طريقه، ودفع بنفسه للوراء من أمام طاولة العمل، ونهض من مكانه، وسار على مَضَض باتجاهها.
هزَّ رأسه قليلًا وهو ينظر إليها.
كانت يدها على وشك أن تدفع الباب؛ بَيْدَ أنها لم تفعل. انتظرت أن يتحدث، لكنه لم يفعل. هز رأسه مرة أخرى وظهر عليه الارتباك، ولم يحرك ساكنًا، ثم أزاح وجهه عنها، وجال ببصره في أنحاء المتجر؛ فقد راح ينظر إلى صف الساعات كما لو أنها ستمنحه بعض المعلومات، أو ستكون عونًا له. وعندما نظر مرة ثانية إلى وجهها، ارتعد، وبحركة لا إرادية، أو ربما لم تكن كذلك، كشف عن أسنانه الأمامية كما لو أن مرآها بثَّ فيه نوعًا من الخوف الحقيقي، وإدراكًا لوجود خطر محدق.
وقفت هناك، وقد تسمرت في مكانها كما لو أن هناك احتمالية أن يكون ذلك لعبة أو مزحة.
والآن اتجه نحوها ثانية كما لو أنه قد قرَّر ما سيقدم على فعله. ولم ينظر إليها ثانية، لكنه تصرف بشيء من التصميم والنفور — وفقًا لتصورها — ووضع يده على الباب الخشبي — باب المتجر الذي كان لا يزال مفتوحًا — وصفقه في وجهها.
كان هذا التصرف من جانبه بمثابة اختصار للوقت، وبفزع شديد فهمت ما كان يفعله؛ حيث لجأ إلى هذا التصرف لأنه كان السبيل الأيسر للتخلص منها بدلًا من شرح الأمور، ومواجهة دهشتها وحماقتها الأنثوية، ومشاعرها المجروحة، وربما دموعها وانهيارها المحتملَيْن. •••
كان كل ما شعرت به هو الخزي؛ الخزي الشديد. لو كانت امرأة أخرى مكانها أكثر ثقة وخبرة لشعرت بالحنق ورحلت في غضب عارم، وليذهب للجحيم. كانت روبن قد سمعت امرأة في العمل تتحدث عن رجل هجرها، فكانت تقول: «لا يستحق سوى أن أبول عليه.» «لا تثقي في أي شيء يرتدي سروالًا.» لقد تصرَّفت تلك المرأة وكأنها لم تصبها الدهشة. وبداخلها، لم تكن روبن تشعر بالدهشة هي الأخرى، لكنها كانت تلوم نفسها. كان عليها أن تفهم جيدًا أن كلمات الصيف الماضي، والوعد والوداع عند محطة القطار، لم تكن سوى نوع من الحماقة؛ عطف غير ضروري نحو أنثى وحيدة فقدت حقيبة يدها، وتأتي لمشاهدة المسرحيات بمفردها. ربما شعر هو بالندم على ما حدث حتى قبل أن يصل إلى منزله، وتمنى ألا تكون قد أخذت كلماته على محمل الجد.
ومن المحتمل بشدة أن يكون قد تزوَّج في مونتينيجرو، وزوجته بالطابق الأعلى؛ وهو ما يفسر الانزعاج الذي علا وجهه وارتجافه والفزع الذي انتابه. وإن كان قد فكَّر في روبن، فسيكون من منطلق خوفه من أن تفعل ما فعلته؛ من أن تنسج أحلامها العذرية الساذجة، وتضع خططًا وهمية سخيفة. فربما كانت هناك العديد من النساء اللاتي جعلن من أنفسهن حمقاوات أمامه قبلها، وقد وجد سبلًا كثيرة للتخلص منهن. وكان ما فعله معها أحد هذه السبل. من الأفضل التعامل بقسوة بدلًا من إظهار العطف؛ فلا اعتذارات، أو تفسيرات، أو أي أمل، فقط تظاهرْ بأنكَ لا تعرفها، وإن لم ينجح هذا، اصفق الباب في وجهها؛ فكلما أبغضتك على نحو أسرع، كان هذا أفضل.
وبالرغم من ذلك فقد كان هذا الأسلوب شاقًّا مع بعض النساء.
وهو ما حدث معها تمامًا، وها هي الآن تبكي. نجحت في أن تحبس دموعها طول الطريق، لكنها انهمرت عندما وصلت إلى النهر. ورأت نفس البجعة السوداء تسبح وحيدة، نفس أسراب البط الصغيرة وآباؤها تصيح حولها، والشمس المنعكسة أشعتها على صفحة المياه. كان من الأفضل عدم محاولة الهروب، وعدم تجاهل تلك الضربة الموجعة؛ فإن فعلت ذلك لدقيقة، فستكون عرضة لأن يعاودها الألم مرة أخرى، لكن هذه المرة سيكون كطعنة قاتلة في الصدر. •••
قالت جوان: «عدتِ في وقت أفضل هذا العام، كيف كانت المسرحية؟»
«لم أُكمل مشاهدتها، فبمجرد دخولي القاعة دخلت إحدى الحشرات الصغيرة الطائرة في عيني، فرحت أطرف بعيني عدة مرات، لكني لم أفلح في التخلص منها، فاضطررت للنهوض، والذهاب لدورة المياه كي أغسل عيني ببعض الماء لكي أخرجها، ثم أخرجت جزءًا منها في المنشفة، وقد قمت بفرك عيني الأخرى أيضًا.»
«تبدين وكأنك كنتِ تبكين بشدة، عندما أتيتِ اعتقدتُ أنها كانت مسرحية شديدة السواد. من الأحرى أن تغسلي عينك بالماء المالح.»
«كنتُ سأفعل.»
كان هناك بعض الأشياء الأخرى التي عقدت العزم على فعلها، أو بالأحرى عدم فعلها؛ ومنها أنها لن تذهب مطلقًا إلى ستراتفورد مجددًا، ولن تسير في الشوارع بمفردها، لن تشاهد مسرحيات مرة أخرى، ولا مزيد من الفساتين الخضراء؛ سواء تلك التي بلون الليمون أو الأفوكادو. ستتجنب سماع أي معلومات عن مونتينيجرو، ومن المفترض ألا يكون بالأمر الصعب.
٢
والآن أتى فصل الشتاء وقد تجمَّدت البحيرة تمامًا وصولًا إلى حاجز الأمواج. كان الثلج كثيفًا متراكمًا، وقد بدا في بعض الأماكن وكأن هناك أمواجًا هائلة قد تجمَّدت في طريقها. خرج العمال ليقوموا بإنزال أضواء أعياد الميلاد. انتشر مرض الأنفلونزا. عيون الناس تدمع عند السير عكس اتجاه الرياح، ومعظم النسوة يرتدين أزياء الشتاء من السراويل الثقيلة والمعاطف الثقيلة الخاصة بالتزلج على الجليد.
لكن روبن لم ترتدِ مثلهن؛ فعندما خطت خارج المصعد لتتفقد الطابق الثالث ثم الأخير من المستشفى كانت ترتدي معطفًا طويلًا أسود، وتنورة من الصوف رمادية اللون، وكنزة حريرية ذات لون بنفسجي فاتح يميل إلى الرمادي. وقد انسدل شعرها الرمادي بكثافة حتى كتفيها، وفي أذنيها قرط صغير من الألماس (جدير بالذكر، أن بعض النساء ذوات المظهر الأفضل والحيثية في المدينة هن اللائي لم يتزوجن)، ولم يكن عليها أن ترتدي زي الممرضات الآن؛ لأنها تعمل لجزء من الوقت وفي هذا الطابق فقط.
كان يمكنها أن تستقل المصعد حتى الطابق الثالث، لكن الهبوط هو ما كان صعبًا؛ فالممرضة الجالسة خلف النضد عليها أن تضغط على زر خفي للسماح لكَ بالنزول. فهذا الطابق هو جناح الأمراض النفسية، على الرغم من أنه من النادر أن يُطلق عليه الآخرون هذا المسمى. ولأنه يطل على الجانب الغربي من البحيرة تمامًا مثل شقة روبن فقد كان يُطلَق عليه في العادة فندق صنسيت، في حين أن بعض الأشخاص الأكبر سنًّا يُطلقون عليه رويال يورك. ومعظم المرضى يمكثون هنا لفترات قصيرة، بالرغم من أن تلك الفترات القصيرة تتكرر لبعضهم باستمرار. أما أولئك الذين يعانون من حالات مزمنة من الوُهام أو الانعزال أو الاكتئاب، فهم يُنقلون إلى مكان آخر في مستشفى المقاطعة، والذي يحمل، على نحو ملائم، اسم «دار الرعاية طويلة الأجل»، ويقع خارج المدينة مباشرة.
لم تتطور المدينة بشكل كبير خلال الأربعين عامًا الماضية، لكنها تغيرت؛ فقد تم تشييد اثنين من مراكز التسوق الضخمة، بينما كانت المتاجر الصغيرة في ذلك الميدان تصارع من أجل البقاء. كانت هناك بعض المنازل الجديدة التي شُيِّدت — مجمع مباني لكبار السن — وكانت تطل على المنحدر، وتم تحويل اثنين من المنازل الضخمة التي تطل على البحيرة إلى مجموعة من الشقق الصغيرة، وكان من حظ روبن أن حصلت على شقة فيها. أما المنزل الذي كانت تقطن به هي وجوان، والذي يقع في شارع إيزاك، فقد تم تجميله بأرضيات الفينيل وتحوَّل لمكتب للعقارات. أما منزل ويلارد فظل كما هو إلى حدٍّ ما. وكان ويلارد قد أصيب بسكتة دماغية منذ عدة أعوام، لكنه تحسَّن بشكل كبير بالرغم من أنه أصبح يسير على عكازين. وعندما كان في المستشفى، كانت روبن تراه كثيرًا، وكان يتحدث كثيرًا عن علاقة الجوار الطيبة التي كانت تربطه بها وبجوان، وأوقات المتعة والتسلية التي كانوا يمضونها في لعب الأوراق.
مضى على وفاة جوان الآن ثمانية عشر عامًا، وبعد أن قامت روبن ببيع المنزل ابتعدت عن كل مجتمعاتها وعلاقاتها القديمة؛ فلم تعد تذهب للكنيسة، وكانت بالكاد ترى الأشخاص الذين عرفتهم منذ الصغر ومَنْ كانت تذهب معهم إلى المدرسة، فيما عدا من يأتون منهم مرضًى لتلقي العلاج في المستشفى.
لاحت فرص الزواج مرة أخرى في وقت من أوقات حياتها، لكنها كانت محدودة؛ فقد كان هناك بعض الأرامل من الرجال الذين ظهروا حولها، والذين يعيشون بمفردهم. وكانوا في العادة يريدون نساءً لديهن خبرة في الزواج؛ رغم أن الوظيفة الجيدة ميزة لا يمكن تجاهلها هي الأخرى، لكن روبن أوضحت للجميع أنها لا تهتم بموضوع الزواج. ويقول الناس الذين تعرفهم منذ أن كانت صغيرة إنها لم تهتم مطلقًا بهذا الأمر، حتى إن بعضًا ممن تعرفهم الآن يقولون عنها إنها لا بد وأن تكون مثلية، لكن ربما تمنعها نشأتها في بيئة متخلفة تعجيزية من أن تصرِّح بذلك.
أصبحت هناك أنواع مختلفة من الناس يعيشون في المدينة في الوقت الحالي، وهؤلاء هم مَنْ أقامت معهم صداقات جديدة. وبعضهم يعيشون معًا دون زواج، ومنهم من وُلد في الهند، ومصر، وكوريا، والفلبين. استمرت أنماط الحياة القديمة، وبعض تقاليد الأيام الخوالي إلى حدٍّ ما، لكن ثَمَّةَ الكثير ممن لديهم أسلوبهم الخاص في حياتهم ولا يعرفون أي شيء عن هذا. بإمكانك أن تشتري أي نوع من الطعام تريده، وأن تجلس في صباح يوم جميل من أيام الآحاد على مائدة موضوعة على الرصيف وتحتسي القهوة اللذيذة وتستمتع بصوت أجراس الكنيسة وهي تدق دون أن تفكر في ممارسة أي طقس من طقوس العبادة. ولم يعد الشاطئ محاطًا بالمخازن وبمباني السكك الحديدية؛ فيمكنك الآن أن تسير على الممر الخشبي لمسافة ميل بطول البحيرة. وكان يوجد جمعية موسيقى الكورال، وجمعية الممثلين. وكانت روبن لا تزال عضوًا نشطًا في جمعية الممثلين، بالرغم من أنها لم تعد تقف على خشبة المسرح كثيرًا كما كانت تفعل من قبل. كانت قد قامت بالتمثيل منذ عدة سنوات في مسرحية هيدا جابلر، وكان رد الفعل العام بأنها مسرحية كريهة؛ بَيْدَ أنها أدت دور هيدا بمهارة واقتدار. وقال الناس إنها أدت الشخصية جيدًا رغم أن الشخصية تناقضها تمامًا في الواقع.
العديد من الناس هنا يذهبون إلى ستراتفورد هذه الأيام، لكنها كانت تذهب لمشاهدة المسرحيات في نياجرا بجوار البحيرة. •••
لاحظت روبن ثلاثة أَسِرَّة وقد اصطفت أمام الحائط المقابل.
قالت لكورال الممرضة التي تقف خلف النضد: «ما الخطب؟»
قالت كورال في تشكُّك: «إنه أمر مؤقت؛ عملية إعادة توزيع.»
راحت روبن تعلِّق معطفها وحقيبتها في الخزانة الموضوعة خلف النضد، وأخبرتها كورال أن هذه الحالات وردت من مقاطعة بيرث، وقالت إنه نوع من التعديل نتيجة الازدحام هناك؛ فقد كان هناك نوع من الارتباك الشديد، ولم يكن مستشفى المقاطعة هنا مستعدًّا لاستقبالهم بعد؛ لذا قرر القائمون عليه نقلهم إلى هنا في الوقت الحالي.
«أعليَّ أن أذهب إليهم وأُلقي التحية؟»
«كما تشائين، لكن آخر مرة ألقيتُ عليهم نظرة كانوا جميعهم نائمين.»
كانت جوانب الأسِرَّة الثلاثة حيث يتمدد المرضى مرفوعةً لأعلى، وكانت كورال محقة، فبدا أنهم جميعًا يغطُّون في النوم. وكانوا امرأتين متقدمتين في العمر ورجلًا عجوزًا. استدارت روبن مبتعدة ثم ما لبثت أن عادت ثانية في نفس اللحظة، ووقفت تنظر نحو الرجل العجوز، كان فاغرًا فاه، وقد نُزع طاقم أسنانه إن كان لديه واحد. لم يفقد شعره بعد، بل كان له شعر قصير مَلأه الشيب. يبدو هزيلًا، ووجنتاه غائرتان، ولكن وجهه لا يزال عريضًا عند منطقة الصدغ، محتفظًا بلمحة من السيطرة التي شابها الاضطراب تمامًا كما رأته آخر مرة. رأت على جلده بقعًا باهتة، ذابلة فاتحة اللون تُقارب اللون الفضي، ربما أُزيلت منها خلايا سرطانية. كان جسمه واهنًا، تكاد ساقاه لا تُرى أسفل الغطاء، لكنه احتفظ بعرض صدره، وكتفاه عريضتان بعض الشيء، تمامًا كما كانت تتذكر.
قرأت البطاقة المعلَّقة في أرجل الفراش:
«ألكسندر أدزيك».
دانيلو، دانييل.
ربما كان هذا اسمه الثاني؛ ألكسندر، أو ربما كان يكذب وقد احتاط بأن اختلق كذبةً أو نصف كذبة من البداية حتى النهاية.
عادت إلى النضد وتحدثت إلى كورال قائلة:
«أما من معلومات بشأن هذا الرجل؟»
«لِمَ؟ أتعرفينه؟»
«أعتقد هذا.»
«سأرى إن كانت هناك معلومات عنه، وسأرسل في طلبها.»
قالت روبن: «لا داعي للعجلة، يمكنك ذلك عندما يسمح لك الوقت، إنه من باب الفضول فقط، من الأفضل أن أذهب الآن لألقي نظرة على مرضاي.»
كانت مهمة روبن هي أن تتحدث مع أولئك المرضى مرتين في الأسبوع، وأن تعد التقارير بشأنهم، والتي توضح درجة تراجع حالات الوُهام والاكتئاب لديهم، وكيفية تأثر حالتهم المزاجية بزيارات أقاربهم أو أزواجهم. عملت في ذلك القسم لسنوات؛ وذلك منذ أن كان هناك توجُّه نحو علاج المرضى النفسيين بالقرب من منازلهم، في السبعينيات، وكانت تعرف الكثير من الأشخاص الذين يداومون على التردد على المكان، وقد تلقت العديد من الدورات التدريبية الإضافية التي تؤهلها للتعامل مع الحالات النفسية، لكنه كان شيئًا تميل لممارسته على أي حال. فبعد فترة وجيزة من عودتها من ستراتفورد دون مشاهدة مسرحية «كما تحب»، شعرت بشيء يجذبها نحو ممارسة ذلك العمل؛ فقد كان هناك شيء غيَّر حياتها بالرغم من أنه لم يكن الشيء الذي تتوقع حدوثه.
كانت تُبقي السيد راي للنهاية؛ لأنه كان بوجه عام يأخذ معظم الوقت، لم يكن بإمكانها أن تمنحه كل الوقت الذي يريده؛ إذ كان ذلك الأمر يعتمد على مشكلات المرضى الآخرين. وقد رأت اليوم أن حالات بقية المرضى قد تحسَّنت بوجه عام؛ وذلك بفضل العقاقير التي يتناولونها، وكان كل ما يفعلونه هو الاعتذار عن الجلبة التي أحدثوها. أما السيد راي — الذي يعتقد أنه لم يتلقَّ التقدير والعرفان الكافيَيْن على إسهاماته في اكتشاف الحامض النووي أو دي إن إيه — فقد كان في حالة غضب شديدة بسبب خطاب أرسله لجيمس واتسون، أو جيم كما يطلق هو عليه.
قال: «ذلك الخطاب الذي أرسلته لجيم، لديَّ من الوعي والدراية ما يجعلني لا أرسل خطابًا كهذا دون أن أحتفظ بنسخة منه، لكني ذهبت بالأمس لأبحث بين ملفاتي وخَمِّني ماذا اكتشفت؟ خَمِّني.»
قالت روبن: «أخبرني أنت.»
«إنه غير موجود، لم أجده. لقد سُرق.»
«ربما وُضع في مكان آخر بالخطأ، دعني أبحث لك عنه.»
«ليس أمرًا مستغربًا، ربما كان عليَّ أن أستسلم منذ أمد طويل؛ فأنا أحارب ذوي السلطة والنفوذ. ومن ذا الذي يغلبهم إن حاربهم؟ أخبريني، هل عليَّ أن أستسلم؟»
«أنت من يقرر ذلك.»
وراح يردد على مسامعها، مرة ثانية، تفاصيل ما ألمَّ به من سوء حظ. لم يكن عالمًا، لكنه كان يعمل في مجال استقصاء الآراء، وكان يتابع التطورات العلمية طيلة حياته. ما من شكٍّ أن ما أعطاه لها من معلومات، بل وحتى الرسومات التوضيحية التي أعدَّها بقلم باهت، كانت كلها صحيحة، إلا أن القصة التي يرويها بشأن خداعه كانت سخيفة ومتوقعة، ومن المحتمل أنها مستقاة من بعض أفلام السينما أو التليفزيون.
لكنها كانت تحب ذلك الجزء من قصته الذي يصف فيه كيف يتم فك شفرة التركيب الحلزوني للحامض النووي، وكيف ينفصل الخيطان بعيدًا بعضهما عن بعض، ويريها كيف يحدث ذلك بأيدٍ ماهرة ممتنة، وكيف يبدأ كل خيط رحلته ويضاعف من نفسه بناءً على تعليماته الخاصة.
وكان ذلك يروق له هو الآخر، ويُشعره بالدهشة، حتى إن الدموع تترقرق في عينيه. وكانت هي دائمًا ما تشكره على أسلوب شرحه، وترغب في أن يتوقف عند هذا الحد، لكنه بالطبع لا يفعل.
ومع ذلك فقد كانت تعتقد أن حالته في تحسُّن؛ فعندما يبدأ في التعمق في بعض جوانب الظلم ويبحث في أسبابه، ويركز على بعض الأشياء الأخرى مثل الخطاب الذي سُرق منه، فهذا يعني أن هناك احتمالًا أن تسير حالته للأفضل.
وبقليل من التشجيع، وبتحويل جزء من انتباهه عن بعض الأشياء، كان من المحتمل أن يقع في غرامها. وهذا هو ما حدث مع اثنين من المرضى قبل الآن، وكلاهما كانا متزوجَيْن، لكن ذلك لم يمنعها من ممارسة العلاقة الحميمية معهما، وذلك بعد مغادرتهما المكان. ومع هذا، فمنذ ذاك الوقت تغيرت مشاعرهما، وشعر كلا المريضين بالامتنان لها، وأحسَّت هي بحسن نواياهما، وشعرت كما شعرا هم أيضًا بأن الأمر لم يَزِد عن مجرد حنين في غير مكانه.
وهي لا تشعر بالندم حيال ذلك؛ فليس هناك الآن سوى القليل الذي تشعر حياله بالندم، ليس من بينه بالطبع حياتها الجنسية، والتي كانت متقطعة وسرية، لكنها بوجه عام كانت باعثة على الراحة. وربما كان المجهود الذي تبذله كي تبقيها سرًّا ليس ضروريًّا بالنظر إلى ما يعتقده الناس عنها؛ فمن تعرفهم الآن كوَّنوا رأيهم على نحو خاطئ وقاطع تمامًا مثلما فعل مَنْ كانت تعرفهم منذ فترة طويلة. •••
أعطتها كورال ورقة مطبوعة.
وقالت: «إنها لا تحتوي على الكثير من المعلومات.»
شكرتها روبن وقامت بطيها، واتجهت نحو الخزانة كي تضعها في حقيبتها؛ فقد كانت تريد أن تكون بمفردها عند قراءتها، لكنها لم تُطِق انتظارًا حتى تصل إلى المنزل. ذهبت إلى حجرة الاستراحة التي كانت مخصصة للصلاة، ولم يكن ثَمَّةَ أحدٌ بها في تلك اللحظة، فكان يغلِّفها الهدوء.
ألكسندر أدزيك، من مواليد الثالث من يوليو عام ١٩٢٤، بييلويفيتشيه، يوغوسلافيا. هاجر إلى كندا في التاسع والعشرين من مايو عام ١٩٦٢، ويقوم على رعايته أخوه دانيلو أدزيك المولود في الثالث من يوليو عام ١٩٢٤ في بييلويفيتشيه، وهو حاصل على الجنسية الكندية. عاش ألكسندر أدزيك مع شقيقه دانيلو حتى وفاة الأخير في السابع من سبتمبر عام ١٩٩٥، ثم أُدخل دار الرعاية طويلة الأمد بمقاطعة بيرث في الخامس والعشرين من سبتمبر عام ١٩٩٥، وهو نزيل بها منذ ذلك التاريخ. وألكسندر أدزيك أبكم أصم منذ ولادته، أو ربما كان ذلك نتيجة مرض أُصيب به بعد الولادة بفترة وجيزة، وعندما كان طفلًا لم يدخُل أي مؤسسات تعليم لذوي الاحتياجات الخاصة، ولم يتم تحديد مستوى ذكائه على الإطلاق، لكنَّه تدرب على إصلاح الساعات، ولم يتلقَّ أي تدريبات تُذكر على لغة الإشارة؛ فكان يعتمد اعتمادًا كليًّا على أخيه، ويبدو للعيان أنه يتعذر معالجته نفسيًّا. يعاني من الخمول الشديد، وليس لديه أي شهية للطعام. يُظهر سلوكًا عدوانيًّا بين الحين والآخر. حالته في تدهور بشكل عام منذ دخوله.
مستحيل!
إخوة!
توأم.
كانت روبن تريد أن تضع هذه الورقة أمام شخص ما، سُلطة ما.
هذا سخف، لا أقبله.
ومع ذلك.
كان ينبغي أن يؤهِّلها شكسبير لذلك؛ فالتوائم كانت دومًا سببًا للخلط ووقوع الكوارث في مسرحيات شكسبير. فمن المفترض أن هذه الخدع كانت وسيلة لغاية ما، وفي النهاية يُكشف الستار عن كل الأشياء الغامضة، وتُغفر كل الحيل والزلَّات، وتتأجج نيران الحب وما شابهها من عواطف من جديد، أما من خُدع فيتقبَّل ذلك بصدر رحب دون تذمُّر أو شكوى.
لا بد وأنه قد ذهب في مهمة قصيرة، قصيرة للغاية؛ فهو لم يكن ليستطيع أن يترك مثل هذا الأخ وحده لفترة طويلة. ربما كان الباب الشبكي مؤصدًا؛ فهي لم تحاول أن تدفعه لفتحه. ربما أخبر أخاه أن يغلق الباب وألا يفتحه ريثما يأخذ جونو في جولة حول البناية. لقد تساءلتْ حينها عن سبب غياب جونو.
لو كانت قد قدمت متأخرة قليلًا أو في وقت سابق عن ذلك بقليل، لو كانت قد انتظرت حتى نهاية عرض المسرحية أو لم تذهب لتشاهدها بالأساس، لو كانت تجاهلت أمر شعرها.
ثم ماذا؟ كيف كان يمكن أن ينجحا في تخطي الصعاب؛ هو مع ألكسندر وهي مع جوان؟ إن الأسلوب الذي تصرف به ألكسندر في هذا اليوم لم يكن يوحي بأنه سيتقبَّل أي دخيل أو أي تغييرات تطرأ. وبالقطع كانت جوان ستعاني هي الأخرى، لكن كان زواج روبن من شخص أجنبي سيكون أشد وطأة على جوان من وجود ألكسندر الأبكم الأصم في المنزل.
من الصعب الآن تقدير الأمور بالنظر إلى الظروف حينها.
لقد فسد كل شيء في يوم واحد، بل في دقيقتين، لكن ليس بسبب نوبات المشاعر الغاضبة، أو البدايات الصعبة، أو الصراعات، أو الآمال أو الخسائر؛ أي ليس من خلال الأسلوب الطويل المعتاد الذي عادة ما تفسد من خلاله الأمور. وإذا كان حقيقيًّا أن الأمور عادة ما تفسد، أليس الطريق الأسرع هو الأيسر في تحمُّلها؟
لكنك لا تستطيع أن تتبنى وجهة النظر هذه لنفسك، وكذلك روبن؛ فإلى الآن ما زالت تتوق لفرصتها؛ فهي لن تدخر لحظة امتنان للخدعة التي تعرَّضت لها، لكنها ستتحول في النهاية إلى الشعور بالامتنان لاكتشافها. إنه ذلك الاكتشاف الذي يترك كل شيء كاملًا حتى تحين لحظة ذاك التدخل البسيط التافه، ويتركك في حالة غضب شديد، لكنك تشعر ببعض الراحة إذا ما نظرت إلى الأمر عن بُعد ولا يعتريك شعور بالخزي. •••
لقد كان بالقطع عالمًا آخر ذلك الذي وُجدا به هي وهو، تمامًا كأي عالم أُعد فوق خشبة المسرح؛ الترتيبات غير المحكمة، وابل القبلات، الاعتقاد الأرعن الذي طوَّقهما بأن كل شيء سيسير كما خططا له، ولكن الواقع كان غير ذلك. تحرَّكْ قيد أنملة في هذا الطريق أو ذاك وسيضيع منك كل شيء.
كان لدى روبن مرضًى يؤمنون بأنه ينبغي أن يوضع المشط وفرشاة الأسنان في ترتيب سليم، وكذلك الأحذية يجب أن توضع في الجهة الصحيحة، وينبغي عدُّ الخطوات وإلا ستكون النتيجة نوعًا من العقاب إن حدث أي تغيير.
وإن كانت قد أخفقت في شيء، فسيكون ذلك بسبب أمر الفستان الأخضر؛ فقد ارتدت يومها الفستان الخطأ بسبب السيدة التي كانت تعمل في متجر التنظيف وابنها الذي كان مريضًا.
تمنَّت لو بمقدورها أن تخبر أحدًا؛ تخبره هو.
الهروب |
القوى
استريحي من دانتي
الثالث عشر من مارس عام ١٩٢٧. الآن يأتينا الشتاء، في الوقت الذي يُفترض فيه أننا نترقَّب قدوم الربيع. عواصف هائلة تسدُّ الشوارع وتغلق أبواب المدارس، وهناك من يقول إن رجلًا طاعنًا في السن خرج للسير في الطرقات ويحتمل أنه تجمَّد. خرجتُ اليوم مرتديةً حذاء الجليد، وسرت في منتصف الشارع تمامًا، ولم يكن هناك أثر فوق الجليد إلا لقدمي، وحينما عدت من المتجر كان الجليد قد غطَّى آثار قدمي تمامًا. كان السبب أن البحيرة لم تتجمد كما هو معتاد، وكانت الرياح القادمة من الغرب تحمل الرطوبة الكثيفة وتلقيها علينا في صورة جليد. ذهبتُ لشراء القهوة إضافة إلى غرض أو اثنين من الأشياء المهمة. من كنت سأرى في المتجر سوى تيسَّا نيتربي التي لم أرَها منذ عام تقريبا! كنت أشعر بالضيق لأنني قد لا أتمكن من الخروج لرؤيتها مطلقًا؛ لأنني كنت أحاول الاستمرار في صداقتي معها بعد أن تركَت المدرسة. أظن أنني الوحيدة التي حاولت. كانت ترتدي وشاحًا أسود كبيرًا يغطيها بالكامل، وكأنها خرجت لتوِّها من إحدى القصص. كانت ضخمة في نصفها العلوي بسبب وجهها العريض وشعرها الأسود المموج الكثيف والمتشابك، وكتفيها العريضتين، على الرغم من أن طولها لا يمكن أن يتجاوز خمسة أقدام. اكتفت بالابتسام فقط، إنها تيسَّا القديمة ذاتها. سألتها عن أحوالها، وهو الشيء الذي أفعله دائمًا عندما أراها، حقًّا؛ نظرًا لما كانت تعانيه من مرض امتد لفترة طويلة — أيًّا كانت — وهو الذي أخرجها من المدرسة عندما كانت تقارب الأربعة عشر عامًا. وكذلك فإنني أسألها عن ذلك لأنه ليس هناك الكثير الذي يمكن أن أسأل بصدده؛ فهي لا تنتمي إلى العالم الذي ننتمي جميعنا إليه؛ فهي لا تذهب لأي نوادٍ، ولا تستطيع المشاركة في أي أنشطة رياضية، ولا تحيا حياة اجتماعية طبيعية. إنها بالطبع تحيا حياة تضم أناسًا كثيرين، ولا غبار على ذلك، لكني لا أدري كيف أتحدث عن هذا الأمر، وربما هي أيضًا لا تدري كيف تتحدث عنه.
كان السيد ماك ويليامز يعاون زوجته في المتجر بسبب عدم تمكُّن الموظفين من الحضور، وكان شخصًا يحب إغاظة الآخرين على نحو مستفز، وشرع في إغاظة تيسَّا، وراح يسألها إن كانت تعلم بأمر قدوم العاصفة مسبقًا، ولمَ لم تخبر الجميع بشأنها، إلى آخر مثل هذه الأمور. طلبت منه السيدة ماك ويليامز أن يتوقف، وبدت تيسَّا وكأنها لم تسمع ما قاله، وطلبت علبة من السردين. انتابني فجأة شعور كريه وأنا أتخيلها تتناول عشاءها المكوَّن من علبة سردين. وهو شيء يصعب تصوره، ولا أرى سببًا يمنعها من طهي وجبتها كأي شخص آخر.
ومن الأخبار الهامة التي سمعتها في المتجر انهيارُ سقف مسرح فرسان بيثياس، وكان هذا هو المسرح الذي كنا سنعرض مسرحية «الجناديلي» على خشبته، والتي كان من المفترض أن يبدأ عرضها في نهاية مارس. ولا يتسع مسرح مبنى البلدية لعرضها، أما دار الأوبرا القديمة فهي تستخدم الآن لتخزين النعوش لصالح متجر أثاث هاي. ومن المفترض أننا لدينا بروفة الليلة، لكني لا أدري مَن الذي سيذهب إلى هناك وما ستسفر عنه الأمور. •••
السادس عشر من مارس، قرار بوقف عرض مسرحية «الجناديلي» لهذا العام، ولم يكن قد ذهب إلى البروفة في مسرح مدرسة الأحد سوى ستة منا فقط؛ لذا توقفنا وذهبنا إلى منزل ويلف لاحتساء بعض القهوة. وأعلن ويلف أيضًا أنه كان قد قرر أن يكون هذا آخر عرض له بسبب انشغاله الشديد في عمله، وأنه لم يعد لديه متسع من الوقت، وعليهم أن يجدوا مغنيًا آخر. ستكون تلك ضربة قاصمة؛ لأنه الأفضل على الإطلاق.
ما زلت أشعر ببعض الاستغراب وأنا أنادي ويلف الطبيب باسمه الأول، حتى وإن كان يقارب الثلاثين فقط؛ فقد اعتاد الناس على أن يطلقوا على منزله منزل الطبيب كوجان، ولا يزال الكثيرون يطلقون عليه ذلك إلى الآن؛ حيث شُيد هذا المنزل خصوصًا لكي يكون منزل طبيب؛ إذ يقع جناح المكتب خارجه في أحد جوانب المنزل. لكن ويلف قام بإعادة بنائه من جديد؛ حيث قام بهدم بعض الحوائط تمامًا، فأصبح رحبًا وفسيحًا وأكثر إضاءة، ومازحه سيد رالستون قائلًا إنه يعدُّه من أجل زوجة المستقبل. كان ذلك موضوعًا شديد الحساسية بسبب وجود جيني، لكن ربما لم يكن سيد على علم بذلك الأمر (تلقت جيني ثلاثة عروض بالزواج؛ الأول من ويلف ربستون، ثم أعقبه عرض تومي شتلز، ثم عرض يوان ماكاي. طبيب، ثم طبيب عيون، ثم كاهن. إنها تكبرني بثمانية أشهر فقط، لكني لا أعتقد أن لديَّ أملًا بأن أحظى بما حظيت به. أظن أنها تغويهم بعض الشيء، بالرغم من أنها تقول دومًا إنها لا تستطيع أن تفهم ذلك الأمر، وتصيبها الدهشة الشديدة في كل مرة يطلبون فيها الزواج منها. أعتقد أن هنالك دائمًا أساليب تستطيعين من خلالها أن تحوِّلي كل شيء إلى مزحة، وتجعلي الآخرين يعرفون أنك لن ترحِّبي بعرض الزواج قبل أن تدعيهم يتمادون في الأمر ويجعلون من أنفسهم أضحوكة).
إذا ما حدث وألمَّ بي مرضٌ خطير فآمُل أن أتمكن من تمزيق تلك المذكرات، أو أن أتفحَّصها وأمحو أي شيء وضيع بها؛ خشية أن أموت فيقرأها الناس.
شرعنا في التحدث بأسلوب تشوبه الجدية بعض الشيء، ولا أدري السبب وراء ذلك. وتطرَّق الحوار إلى الأشياء التي تعلَّمناها في المدرسة، وكيف أن الكثير منها سقط من ذاكرتنا، بالفعل. وذكر أحدنا نادي النقاش الذي كان موجودًا في المدينة، وكيف أنه تم التخلص من كل هذه الأشياء بعد الحرب عندما أضحى الجميع يقتنون السيارات التي يتجولون بها، ويذهبون لمشاهدة الأفلام، وبدءوا في ممارسة لعبة الجولف. ومن بين الموضوعات الجادة التي اعتادوا الحديث عنها موضوعات من أمثال: «أيهما يمثِّل أهمية أكثر في تشكيل الشخصية الإنسانية؛ أهو العلم أم الأدب؟» هل بمقدور أي شخص تخيُّل إقناع الآخرين في الوقت الحالي بالتوجُّه للاستماع إلى ذلك؟ إننا أنفسنا نشعر بسخافة الأمر ونحن نجلس بطريقة غير منظمة ونتحدث عن ذلك الموضوع. ثم قالت جيني إنه علينا على الأقل أن نكوِّن ناديًا للقراءة، وجرَّنا ذلك للحديث عن الكتب الهامة التي كنا ننوي قراءتها، لكننا لم نشرع في ذلك على نحو جاد مطلقًا؛ فهناك كتاب «كلاسيكيات هارفرد» الذي يقبع هناك على الرف خلف الباب الزجاجي في غرفة المعيشة، ويمر عام وراء عام دون قراءته. قلت لمَ لا نقرأ كتاب «الحرب والسلام»؟ لكن جيني ادعت أنها قرأته بالفعل؛ لذا تطرَّق الأمر إلى عمل تصويت بين كتابَي «الفردوس المفقود» و«الكوميديا الإلهية»، وفاز كتاب «الكوميديا الإلهية». وكان كل ما نعرفه عنه هو أنه لا يحتوي على الكوميديا ومكتوب باللغة الإيطالية، بالرغم من أننا سنقرؤه باللغة الإنجليزية بطبيعة الحال. اعتقد سيد أنه مكتوب باللغة اللاتينية، وقال إنه قرأ شقًّا كبيرًا منه في فصل السيدة هيرت، وذلك يكفيه طيلة حياته، وصحنا جميعًا فيه، ثم تظاهر بأنه كان يعرف كل شيء طيلة الوقت. وعلى أي حال أمَا وقد توقَّف عرض «الجناديلي» فعلينا أن نخصص بعض الوقت للقراءة، وسنلتقي كل أسبوعين ليشجِّع كلٌّ منا الآخر.
أخذنا ويلف في جولة حول المنزل لنلقي نظرة عليه بأكمله. وكانت غرفة الطعام تقع على أحد جوانب الردهة، بينما تقع غرفة المعيشة على الجانب الآخر، وكان المطبخ يحوي الخزانات المدمجة في الحائط، وبه حوضان للغسيل، وأحدث موقد كهربائي. وهناك غرفة جديدة للغسيل بجانب الردهة الخلفية، ودورة مياه ذات طابع عصري. وكانت الخزانات متسعة بما يكفي للدخول فيها، ومثبَّت بأبوابها مرايا كبيرة بطول مَنْ يقف أمامها. غطَّت الأرضيات الخشبية اللامعة كل مكان في المنزل. وعندما عدتُ إلى منزلي شعرت أن المكان يفتقر إلى الأناقة، ويبدو رثًّا، وأن تلك الألواح الخشبية التي تكسو الجدران الداخلية تبدو كئيبة وذات طراز قديم. تحدثتُ مع أبي على الإفطار أنه بمقدورنا أن نشيِّد غرفة مشمسة بالقرب من غرفة الطعام حتى يكون لدينا غرفة واحدة على الأقل مشرقة وعصرية (نسيت أن أذكر أن ويلف لديه غرفة مشمسة تمتد من الجهة المقابلة للمنزل حتى مكتبه وتضفي توازنًا جميلًا). وجاء رد أبي متسائلًا فيمَ نحتاج ذلك ونحن لدينا شرفتان تستقبلان أشعة الشمس في الصباح وتصلحان للجلوس في المساء؟ لذا وجدتُ أنه من غير المرجح أن أصل لأي حلول فيما يتعلق بخطتي لتحسين المنزل. •••
الأول من أبريل. أول شيء فعلته عندما استيقظتُ هو خداع أبي بكذبة. هرعت نحو الردهة وأنا أصرخ بأن هناك خفاشًا هبط من المدخنة ودخل إلى غرفتي، فاندفع خارجًا من دورة المياه وحمالة سرواله لأسفل ورغوة الصابون تغطي وجهه، وطلب مني أن أكفَّ عن الصراخ والهستيريا، وأن أذهب لأحضر المقشة. ذهبت لأحضرها، ثم اختبأت خلف الدرج الخلفي متظاهرةً بالخوف والفزع، بينما راح هو يضرب بقوة وقد ارتدى نظارته في محاولة منه للعثور على الخفاش. وقد أشفقت عليه في آخر الأمر، فصحت قائلة: «إنها كذبة أبريل!»
عقب ذلك هاتفتني جيني وقالت: «نانسي، ماذا أفعل؟ شعري يتساقط، إنه يغطي الوسادة، كُتل كبيرة من شعري الجميل تساقطت فوق الوسادة كلها، والآن لقد أصبحت شبه صلعاء، لن أغادر هذا المنزل ثانية، هل بمقدورك المجيء إلى هنا لنرى إذا ما يمكننا أن نصنع منه شعرًا مستعارًا؟»
فقلت بشيء من البرود: «امزجي فقط بعضًا من الدقيق والمياه وقومي بإلصاق الشعر مجددًا، ولكن أليس من الغريب أن يحدث ذلك الخطب في صباح يوم كذبة أبريل؟»
والآن يأتي الجزء الذي لا أتشوق لتسجيله.
سرت حتى منزل ويلف دون أن أنتظر طعام الإفطار؛ لأنني أعلم أنه يذهب إلى المستشفى مبكرًا. فتح الباب الأمامي بنفسه وهو يرتدي صدرية يظهر قميصه من تحتها. لم أفكر أن أتجه إلى المكتب؛ إذ اعتقدت أنه ما زال مغلقًا. وكانت تلك السيدة العجوز التي أوكلَ إليها أمر العناية بالمنزل — والتي لا أعرف حتى اسمها — تتحرك محدِثة ضجة عالية في المطبخ. كان من المفترض أن تفتح هي الباب، لكنه كان هناك في الردهة وعلى وشك المغادرة. قال: «نانسي، ما الأمر؟»
لم أتفوَّه بكلمة، لكنني نظرت إليه بوجه تبدو عليه علامات التألم، وقبضتُ بيدي على حلقي.
«ماذا ألمَّ بكِ يا نانسي؟»
ازداد انقباض يدي على حلقي، وتحدَّثت بصوت متحشرج، ورحت أهز رأسي لأشير إلى أنني لا أستطيع إخباره. يا له من شيء مثير للشفقة!
قال ويلف وهو يقودني خلال الردهة الجانبية ثم عبر باب المنزل حتى وصلنا إلى المكتب: «تفضلي من هنا.» رأيت تلك السيدة العجوز تختلس النظر، لكني لم أبين أنني لمحتها، استمررت فقط في تمثيليتي.
قال وهو يدفعني برفق نحو المقعد المخصص للمرضى ويضيء الأنوار: «والآن، ما الأمر؟» كانت الستائر لا تزال مُسدله، والمكان تنبعث منه رائحة المطهِّر القوية أو ما شابه ذلك. أخرج واحدة من العُصي التي تعمل على خفض اللسان، وتلك الأداة التي يستخدمها لإضاءة موضع الحلق ورؤيته من الداخل.
«والآن افتحي فمك بأقصى ما تستطيعين.»
فعلتُ ذلك، لكن قبل أن يضغط على لساني بذلك الخافض صحت قائلة: «كذبة أبريل.»
لم تبدُ على وجهه أي ابتسامة. قام بإخراج خافض اللسان وأطفأ النور في أداة الكشف، ولم يتفوه بكلمة حتى جذب الباب الخارجي للمكتب بعنف. ثم قال: «لديَّ مرضًى يجب أن أراهم. نانسي، لماذا لا تتعلمين أن تتصرفي حسبما يليق بعمرك؟»
أسرعتُ للخروج من المكان وأنا أشعر بخجل شديد، ولم تكن لديَّ الشجاعة لأسأله لماذا لم يتقبَّل تلك المزحة بصدر رحب! وبالقطع ستقوم تلك الفضولية في مطبخه بنشر ما حدث في المدينة بأكملها، وستقص على الجميع مدى الغضب الذي شعر به، وكيف أنني اضطررت إلى التسلل خارج المنزل وأنا أشعر بمهانة شديدة. ظللت في حالة سيئة طوال اليوم، ومن أسوأ المصادفات الغبية هي أني شعرت بالتعب، والحمى بالفعل، مع قليل من احتقان الحلق؛ لذا جلست في الغرفة الأمامية ووضعت غطاءً فوق ساقيَّ، وأخذت أقرأ كتاب دانتي القديم؛ فمساء الغد هو الموعد المحدد لاجتماع نادي القراءة؛ لذا ينبغي أن أتقدم على الباقين، لكن المشكلة أنه لم يعلق بذهني أي شيء مما قرأته؛ لأنني ظللت طوال وقت القراءة مشغولة بالتفكير؛ أي شيء تافه وغبي ذلك الذي أقدمت على فعله؟ إنني أكاد أسمعه وهو يخبرني بصوت حادٍّ أن أتصرف حسبما يليق بعمري. بَيْدَ أني وجدتني أتجادل معه في ذهني وأردد أنه ليس بالشيء البغيض أن تحظى ببعض المتعة في حياتك. أعتقد أن والده كان قسيسًا، فهل كان ذلك سببًا رئيسيًّا فيما هو عليه؟ إن عائلات أولئك القساوسة تتنقل كثيرًا؛ لذا ربما لم يتسع له الوقت لكي يتعرف على مجموعة من الأصدقاء ينشئون معًا ويفهمون معنى أن يلهوا معًا ويتصرفون بحماقة بعضهم مع بعض.
أستطيع رؤيته الآن وهو يفتح الباب بالصدرية التي يرتديها، وبقميصه المُنَشَّى؛ طويل القامة ونحيل يشبه السكين في حدته، شعره مصفف ومفروق بعناية، وله شارب مستقيم. يا لها من كارثة!
رحت أتساءل إن كان بإمكاني أن أبعث له برسالة أشرح له فيها أن المزحة في رأيي لا تُعد نوعًا من الإهانة. أم يا ترى من الأفضل أن أكتب مجرد اعتذار يتسم بالوقار واللياقة؟
لا أستطيع أن أتشاور في الأمر مع جيني؛ لأنه كان قد طلب الزواج منها؛ مما يعني أنه يراها شخصًا أكثر جدارة مني. كذلك فإنني في حالة مزاجية جعلتني أتساءل إن كان من الممكن أن تستخدم جيني تلك المعلومات ضدي وتنشرها سرًّا (حتى وإن كانت قد رفضت مطلبه). •••
الرابع من أبريل. لم يظهر ويلف في اجتماع نادي القراءة؛ لأن زميلًا قديمًا له أصيب بسكتة دماغية؛ لذا كتبتُ رسالة لأبعثها له، وحاولت أن أجعلها في صورة اعتذار، لكن دون أن يشوبها الإهانة. كان ذلك الأمر يزعجني على نحو يفوق الحد، لكن لم تكن الرسالة هي مصدر ضيقي، إنما ما فعلته أنا. •••
الثاني عشر من أبريل. تلقَّيت أكثر شيء أثار دهشتي خلال حياتي القصيرة الحمقاء وأنا أفتح الباب في ظهيرة ذلك اليوم. كان والدي قد وصل لتوِّه إلى المنزل وجلس يتناول العشاء، ووجدت ويلف بالباب. لم يردَّ مطلقًا على الرسالة التي بعثتُ له بها، وسلَّمت بأنه يشعر نحوي بالاشمئزاز، وينوي تجنُّبي للأبد، وكان كل ما في وسعي أن أفعله في المستقبل هو أن أحاول تجاهله؛ لأنني ليس لديَّ خيار آخر.
سألني إن كان أزعجني وقطع عليَّ وجبة العشاء.
لم يكن ليفعل؛ لأنني كنت قد قررت الامتناع عن تناول وجبة العشاء حتى أفقد خمسة أرطال من وزني. فبينما كان والدي والسيدة بوكس يتناولان عشاءهما، كنت قد ذهبت إلى غرفتي وأغلقت الباب فحسب، واستأنفت قراءة دانتي.
أجبته بالنفي.
سألني إن كنتُ أرغب في نزهة بالسيارة؛ فبإمكاننا أن نرى الثلوج وهي تتساقط فوق النهر. ثم استأنف حديثه موضحًا أنه ظل مستيقظًا طوال الليل، وأن عليه أن يفتح عيادته في الواحدة، وهو الأمر الذي لا يسمح له بأن يأخذ غفوة قصيرة؛ لذا فإن بعضًا من الهواء المتجدد سيشعره بالانتعاش. لم يوضِّح سبب بقائه مستيقظًا طوال الليل؛ لذا خمَّنت أن يكون السبب ولادة طفل، وأنه ظن أنني قد أشعر بالحرج إن أخبرني.
أخبرته أنني كنت على وشك قراءة الجزء المخصص لهذا اليوم.
قال: «امنحي نفسك راحة من دانتي لبعض الوقت.»
لذا ذهبتُ لأحضر معطفي، وأخبرت أبي بأني ذاهبة للخارج، واستقللت معه السيارة. توجَّهنا نحو الجسر الشمالي حيث تجمَّع العديد من الأشخاص؛ معظمهم من الرجال والأطفال في ساعة راحتهم لتناول العشاء؛ وذلك لكي يشاهدوا تجمعات الثلوج. لم تكن ثَمَّةَ كتل هائلة منه هذا العام؛ حيث تأخر فصل الشتاء كثيرًا في بدايته. ومع ذلك كانت الثلوج تصطدم بدعامات الجسر فتتفتت محدِثة بعض الصوت كما هو الحال دائمًا عندما تتخلل بعض تيارات المياه الصغيرة تلك الدعامات. وليس ثَمَّةَ ما تفعله سوى الوقوف والنظر إليها مشدوهًا ومسحورًا بمنظرها الأخَّاذ. شعرتُ ببرودة في قدميَّ. قد تكون الثلوج آخذة في الذوبان، لكن يبدو أن برودة الشتاء لم تستسلم بعد، وبدا الربيع بعيدًا كل البعد، وتساءلت أنَّى لبعض الناس أن يقفوا هناك ويعتبروه شيئًا مسليًا بدرجة تجعلهم يقفون ويرقبونه لساعات؟
لم يستغرق الأمر طويلًا ليشعر ويلف بالسأم أيضًا. عدنا أدراجنا إلى السيارة، وبدا كل واحد منا منتظرًا أن يتحدث الآخر، ثم قررتُ أن أستجمع شجاعتي لأواجه الموقف، وسألته مباشرة: «هل تلقيتَ رسالتي؟»
فقال إنه تلقَّاها بالفعل.
قلت له إنني شعرتُ بحماقة ما فعلت (كان ذلك صحيحًا، لكن ربما شاب لهجتي بعض الندم على نحو أكثر مما قصدت).
قال: «لا عليكِ، دعكِ من هذا.»
عاد بالسيارة للوراء ثم اتجه صوب المدينة وقال: «كنت آمل في طلب الزواج منك، غير أنني لم أُرِد أن أقولها هكذا، كنت أريد أن أمهِّد للأمر بصورة أفضل، في موقف أكثر ملاءمة.»
سألته قائلة: «هل تعني أنك كنت تأمل في ذلك ولكنك لا تريد ذلك الآن؟ أم تقصد أنك ترغب في ذلك بالفعل الآن؟»
أُقسِم أنني حين تفوَّهت بهذا لم أكن أستحثُّه على شيء، بل كنت أريد منه توضيحًا للأمور فقط.
قال: «أعني أنني أرغب بالفعل.»
خرجت كلمة «أوافق» من فمي حتى قبل أن أتغلب على صدمتي من المفاجأة. لا أدري كيف أفسر الأمر؛ لقد قلتُ أوافق بأسلوب هادئ مهذب دون أن يبدو عليَّ شغف أو لهفة؛ مثلما تقول أوافق على تناول قدح من الشاي. بل إنني لم أتصرف بأسلوب ينمُّ عن شعوري بالدهشة. بدا وكأنه عليَّ أن أعمل على أن نتخطَّى تلك اللحظة سريعًا لنشعر بعدها بالاسترخاء ونتصرف بصورة طبيعية، برغم حقيقة أنني لم أشعر مطلقًا بأي نوع من الراحة والاسترخاء مع ويلف؛ ففي بعض الأحيان كنت أشعر بالارتباك والحيرة نحوه، وكنت أراه مخيفًا ومضحكًا في ذات الوقت، إلا أنه منذ موقف كذبة أبريل التعيس لم يكن يعتريني سوى الشعور بالإحراج الشديد. أتمنى أنني لم أوافق على طلبه حينها لمجرد التغلب على ذلك الشعور بالإحراج. أتذكر وقتها أنني حدَّثت نفسي بأنه ربما كان عليَّ أن أسحب موافقتي، وأن أخبره أنني أحتاج المزيد من الوقت لأفكر في الأمر، لكنني بالكاد كنت أستطيع أن أفعل هذا دون أن أضع كلانا في حالة من الإحراج الشديد، بالإضافة إلى أنني لا أعرف ما هو الأمر الذي سأفكر به.
تمت خطبتي لويلف. لا أستطيع أن أصدِّق هذا. هل يسير الأمر على هذا النحو مع الجميع؟ •••
الرابع عشر من أبريل. جاء ويلف إلى منزلنا وتحدَّث مع أبي، وذهبت أنا لأتحدث مع جيني؛ فتحدثتُ إليها مباشرة وبصراحة، واعترفتُ لها أنني أشعر بالحرج وأنا أخبرها بذلك، ثم قلت لها إنني أتمنى ألا تمانع في أن تكون وصيفة الشرف. قالت إنها بالطبع لا تمانع، ثم تأثر كلانا بالموقف وتعانقنا، ونحن نتنفس الصعداء.
قالت: «لا يُقارن الزملاء بالأصدقاء مطلقًا.»
غلبت عليَّ حالة من التهور، وأخبرتها أن الخطأ كان خطأها على أي حال.
وأخبرتها أنني لم أستطع أن أتحمَّل فكرة أن تخذل فتاتان هذا الرجل المسكين. •••
الثلاثون من مايو. لم أدوِّن شيئًا هنا منذ فترة طويلة؛ لأني كنت غارقة في دوامة من الأشياء التي يجب عليَّ إنجازها. حدَّدنا موعد الزفاف في العاشر من يوليو، وتعكف السيدة كورنيش على حياكة فستاني، وتُفقدني صوابي وأنا أقف أمامها مرتدية ملابسي الداخلية فقط وقد شبكتها جميعها بالدبابيس مع القماش وهي تصيح فيَّ بأن أقف ثابتة في مكاني. كان الفستان من قماش المركيزيت الأبيض، ولن يكون للفستان ذيل؛ لأنني أخشى أن أطأ فوقه وأتعثر فيه. ثم اشتريت جهاز العروس المكون من نصف دستة من قمصان النوم الصيفية، ورداء الكيمونو الياباني من الحرير المموج بنقوش زهرة الزنبق، وثلاث منامات شتوية، اشتريتها جميعًا من متجر سيمبسون في تورونتو. في الواقع ليست المنامة هي أفضل ما تبتاعه العروس في جهازها، ولكن قمصان النوم لا تُشعر بالدفء، وأنا أبغضها على أي حال؛ لأنها دائمًا ما تنكمش وتعلَّق عند الخصر في نهاية الأمر. وقد ابتعت كميات من القمصان الداخلية الحريرية وأشياء أخرى بلون الخوخ أو «بلون البشرة». قالت جيني إنه عليَّ أن أبتاع كميات من تلك الأشياء وأحتفظ بها كلما سنحت لي الفرصة؛ لأنه إن اندلعت حرب في الصين فستصبح الكثير من الملابس الحريرية نادرة للغاية؛ فهي تتابع الأخبار كعادتها دومًا. وكان رداؤها كوصيفة شرف من اللون الأزرق الفاتح.
وشرعت السيدة بوكس بالأمس في إعداد كعكة الزفاف، ومن المفترض أنها ستستغرق ستة أسابيع حتى يتم إعدادها وتنضج، وبذا سيتم إعدادها في آخر لحظة قبل الموعد. كان عليَّ أن أساعد في عملية التقليب والإعداد ليجلب لي ذلك الحظ، وكان العجين مثقلًا بالفواكه لدرجة اعتقدت معها أن ذراعيَّ ستسقطان. وكان أولي موجودًا، فراح يساعدني في التقليب دون أن تلاحظ السيدة بوكس. ما الحظ الذي سيجلبه ذلك؟ لا أدري.
أولي هو ابن عم ويلف، وقدم في زيارة إلى المدينة ستستمر شهرين. وبما أن ويلف ليس له أخ فسيكون هو — أولي — الإشبين. إنه يكبرني بسبعة أشهر فقط، فبدوت أنا وهو وكأننا لا نزال أطفالًا، بينما لم يكن ويلف كذلك (ولا أستطيع أن أتخيل أنه كان طفلًا بالفعل في يوم من الأيام). مكث أولي في مصحة لعلاج الدرن لمدة ثلاث سنوات، لكنه أصبح الآن في حال أفضل. أحدث له الأطباء انخماصًا جزئيًّا في إحدى رئتيه حينما كان هناك، كنتُ قد سمعت بهذا واعتقدت أنه ربما كان عليه أن يعيش برئة واحدة، لكن ذلك لم يكن صحيحًا؛ لقد قاموا بعمل ذلك حتى تتوقف الرئة عن وظيفتها بينما يعالجونها بالعقاقير ويعملون على تكيُّس العدوى؛ وذلك حتى لا تنشط (أترون كيف اكتسبتُ معرفة طبية الآن بما أنني خُطبت وسأتزوج من طبيب). وبينما كان ويلف يشرح ذلك، وضع أولي يده فوق أذنيه، وقال إنه لا يريد أن يفكر بما حدث لرئتيه، وراح يتظاهر بأنه أجوف من الداخل كعروسة مصنوعة من مادة السيليولويد. كانت شخصيته مناقضة لويلف تمامًا، إلا أنه كان هناك انسجام كبير بينهما.
أحمد الله أننا سنقوم بتزيين الكعك بطريقة محترفة عند صانع الحلوى؛ فلا أعتقد أن السيدة بوكس ستتحمل المزيد من الضغط. •••
الحادي عشر من يونيو. بقي أقل من شهر على حفل الزفاف، يجب ألا أكون جالسة هنا الآن لأكتب، بل عليَّ أن أراجع قائمة هدايا الزفاف، لا أستطيع أن أصدق أن كل تلك الأشياء ستئول إليَّ. كان ويلف يلحُّ عليَّ في اختيار ورق الحائط. كنت أظن أن جميع الغرف مملطة بالجص ومدهونة باللون الأبيض؛ لأن ذلك هو ما يفضله ويلف، لكن يبدو أنه كان قد تركها كذلك حتى تختار زوجته المستقبلية ورق الحوائط. أخشى أنني كنت أبدو متحيرة بالمهمة، لكني استجمعت شتات نفسي وأخبرته أن ذلك ينمُّ عن كياسته ومراعاته للرأي الآخر، غير أني لا أستطيع تخيل ما أريده إلا بعد أن أنتقل للعيش هناك بالفعل (لا بد وأنه كان يتمنى أن يكون كل شيء قد تم الانتهاء منه حين عودتنا من شهر العسل)، لكني بذلك قد أرجأت كل شيء.
ما زلت أذهب إلى الطاحونة يومين في الأسبوع، وتوقعت نوعًا ما أن يستمر ذلك لما بعد الزواج، لكن أبي أخبرني أنه بالقطع لن يستمر الوضع على ما هو عليه. واستمر في حديثه كما لو أن تعيين امرأة متزوجة أمرٌ غير قانوني، ولا يتم التعيين إلا إذا كانت أرملة أو تعاني ظروفًا قاسية، لكني أوضحت له أنه ليس بتعيين طالما أنه لا يدفع لي راتبًا على أي حال. ثم شرع في قول ما كان متحرجًا من قوله في البداية، وهو أنه حينما أتزوج سيكون هناك فترات انقطاع أتوقف فيها عن ممارسة مهامي.
قال: «هناك أوقات لن تتمكني فيها من الخروج إلى الأماكن العامة.»
احمرَّ وجهي خجلًا كالبلهاء وقلت له: «لا أعرف شيئًا مما تتحدث عنه.»
لذا خطر على ذهنه (أي أبي) أنه سيكون شيئًا جيدًا إن حلَّ أولي مكاني فيما أقوم به من عمل، وأنه يأمل (أبي) أن يبذل أولي كل ما في وسعه في هذا النشاط التجاري، ويلمَّ به تمامًا ليتمكن في النهاية من تولي جميع الأعمال والمهام. ربما كان أبي يتمنى أن أتزوج شخصًا يمكنه القيام بذلك، برغم أنه يعتقد أن ويلف «شخص ممتاز ومن الطراز الأول». ولأن أولي غير مرتبط بأي عمل في الوقت الحالي، وهو شخص متعلم يتسم بالذكاء (رغم أني لا أعلم قدر التعليم الذي تلقَّاه وأين، إلا أنه من الواضح أن لديه قدرًا من المعرفة يفوق بالفعل أي شخص هنا)؛ لذا فهو الاختيار الأمثل؛ ولهذا السبب اصطحبته إلى المكتب بالأمس وأطلعته على الدفاتر وغير ذلك، وأخذه أبي وقدَّمه إلى الرجال هناك وإلى كلِّ مَن تصادف وجوده في المكان، وبدا وكأن الأمور تسير على ما يرام. كان أولي شخصًا نابهًا وأبدى قدرًا من الجدية في المكتب، ثم بدا مرحًا ينشر الضحكات (لكن في حدود) بين الرجال، بل إنه غيَّر من أسلوب حديثه بالقدر الصحيح، وكان أبي سعيدًا بهذا، وشعر بأنه جاء عونًا له. عندما ألقيت عليه تحية المساء قال: «إنه لمن حسن حظي أن يظهر ذلك الرجل هنا الآن. إنه شخص يبحث عن مستقبل ومكان يستقر به.»
لم أعارض ذلك، بل اعتقدت أن هناك فرصة كبيرة أمام أولي ليستقر هنا ويدير طاحونة الفرم، تمامًا مثلما كانت لديَّ أنا فرصة للمشاركة في عرض زيجفيلد فوليز المسرحي.
أعتقد أنه لا يسعه إلا أن يقوم بعمله على نحو متميز.
وفكَّرت ذات مرة بأن جيني يمكن أن تحمل عني مسئولية أولي. إنها مثقفة وتدخِّن، وبالرغم من أنها تذهب إلى الكنيسة فإن آراءها من ذلك النوع الذي يعتبره الآخرون إلحادية. وأخبرتني أنها لا تعتقد أن أولي سيئ المظهر بالرغم من أنه يُعدُّ قصير القامة (أعتقد أن طوله حوالي خمسة أقدام وثماني بوصات أو تسع)، وعيناه زرقاوان كما تحب، ولديه ذاك الشعر البني بلون حلوى الزبد الاسكتلندية، الذي يسقط بعضه في تموجات خفيفة فوق جبهته ويوحي ببعض الجاذبية المتعمدة. كان لطيفًا معها بالقطع حينما التقى بها وشجَّعها على أن تتحدث كثيرًا، وبعد أن غادرت إلى منزلها قال لي: «أعتقد أن صديقتك الصغيرة على قدر من الثقافة، أليس كذلك؟»
«صغيرة؟» إن جيني تكاد تماثله في الطول، وكنت على وشك أن أخبره بذلك، لكنه من الوضاعة أن أشير إلى شيء يتعلق بالطول وأنا أتحدث مع رجل يعاني من نقص في ذلك الجانب؛ لذا آثرت الصمت. ولم أدرِ ماذا أقول فيما يتعلق بجانب الثقافة؛ ففي رأيي أن جيني على قدر من الثقافة (فهل قرأ أولي مثلًا رواية الحرب والسلام؟) لكني لم أستطع أن أخمِّن من أسلوب كلامه إن كان يقصد أنها كذلك أم لا. وكل ما أستطيع قوله هو أنه إن كان يقصد أنها مثقفة، فذلك أمر لا يهتم به، أما إن لم تكن كذلك، فقد تصرَّفت وكأنها على قدر من الثقافة؛ وذلك شيء لا يهتم به أيضًا. كان ينبغي أن أقول شيئًا ثقيل الظل مثل: «إنني لا أستطيع أن أفهمك.» لكني بالقطع لم أفكر في شيء كهذا إلا فيما بعد، لكن الشيء الأسوأ هو أنه بمجرد أن قال ذلك تكوَّنت بداخلي بعض الأفكار والآراء بشأن جيني، وبينما كنت أدافع عنها (في أفكاري)، وجدتني بطريقة خبيثة أتفق معه تمامًا، ولا أدري إن كانت ستبدو — كما كانت — في رأيي على هذا القدر من الذكاء في المستقبل أم لا.
كان ويلف موجودًا بالقرب منا، وبالطبع سمع ذلك الحوار، لكنه لم يقل شيئًا. ربما كنت أستطيع أن أسأله إن لم يكن قد شعر بأنه يريد أن يدافع عن الفتاة التي تَقدَّم للزواج منها في يوم من الأيام، لكنني لن أصرح له مطلقًا بأني أعرف ذلك الأمر. كان عادة ما يسمعني أتحدث أنا وأولي وهو يحني رأسه قليلًا للأمام (وهو الأسلوب الذي يتبعه مع معظم الناس؛ فقد كان طويل القامة جدًّا) وعلى وجهه شبه ابتسامة. ولا أدري إن كانت ابتسامة أم أن تلك حركة فمه المعتادة. كانا يأتيان كلاهما في الأمسيات إلى منزلنا، وينتهي الأمر بأن يلعب كلٌّ من أبي وويلف الورق، بينما نمضي أنا وأولي الوقت في تجاذب أطراف الحديث على نحو متباسط، أو نلعب ثلاثتنا — أنا وأولي وويلف — لعبة البريدج التي تحتاج ثلاثة لاعبين (لم يعتَد أبي على لعب البريدج؛ لأنه يعتقد أنها تنمُّ عن الغرور والتكبر)، وفي بعض الأحيان كان ويلف يتلقى مكالمة هاتفية من المستشفى أو من إلسي بانتون (مديرة منزله التي لا أتذكر اسمها دومًا، فكنت أصيح سائلة السيدة بوكس) فيضطر للمغادرة، وفي أحيان أخرى عندما ننتهي من لعب الورق، كان يجلس قبالة البيانو ويشرع في العزف بمهارة دون أن يكون أمامه نوتة موسيقية، بل وربما يستطيع العزف في الظلام. كان أبي يتجول في الشرفة ثم يأتي ليجلس معي أنا وأولي، وينصت ثلاثتنا لعزفه ونتمايل على أنغامه. كان يبدو وقتها أن ويلف يعزف لنفسه وكأن أداءه غير موجَّه لنا؛ فلم يكن يهتم إن كنا ننصت له أم لا، أو إذا ما كنا قد بدأنا في الحديث ثانية، وهو ما كنا نقوم به بالفعل في بعض الأحيان؛ لأن معزوفاته قد تكون كلاسيكية بعض الشيء لأبي الذي كانت أغنيته المفضلة «منزلي القديم في كنتاكي». فكان ينتاب أبي حينها شعورٌ بعدم الراحة؛ فقد كان ذلك النوع من الموسيقى يُشعره بالدوار وكأن العالم يلفُّ من حوله؛ لذا كنا نبدأ في الحوار ثانية من أجل أبي. ثم يكون هو — أي أبي — من يبدأ في إخبار ويلف بأننا جميعًا استمتعنا بعزفه، فيشكره ويلف بأسلوب مهذب، لكنه يكون شارد الذهن. ولم نكن أنا وأولي نعقِّب بشيء؛ لأننا نعلم أنه في تلك الحالة لا يهتم برأينا بطريقة أو بأخرى.
وفي مرة من المرات دُهشت؛ إذ وجدت أولي يشدو بهمس مع عزف ويلف.
«الفجر يبزغ وبير جينت يتثاءب …»
فهمست قائلة: «ماذا؟»
قال أولي: «لا شيء، إنها الأغنية التي يعزفها.»
جعلتُه يتهجى ببطء ب-ي-ر-ج-ي-ن-ت.
ينبغي أن أعرف أكثر عن الموسيقى؛ فهي ستكون شيئًا مشتركًا بيني وبين ويلف.
أصبح الطقس حارًّا فجأة. تفتَّحت زهور الفاوانيا بالخارج وازداد حجمها، وتساقطت زهرات سبيريا من شجيراتها وكأنها ثلوج متساقطة. تجوَّلت السيدة بوكس بالخارج وألقت نظرة على الزهور وهي تقول إذا استمر الطقس هكذا فستجفُّ الزهور كلها بحلول موعد الزفاف.
وبينما أكتب هذا كنت قد احتسيت ثلاثة أقداح من القهوة ولم أصفف شعري بعد. قالت السيدة بوكس: «سيتعيَّن عليكِ تغيير نمط حياتك في القريب العاجل.»
قالت ذلك لأن إلسي ثينجامابوب أخبرت ويلف أنها ستستقيل من عملها حتى أكون أنا مسئولة عن تدبير شئون المنزل.
لذا فأنا الآن أغيِّر من أسلوب حياتي، ووداعًا لمذكراتي على الأقل في الوقت الحالي. كان دائمًا ما يلازمني ذلك الشعور بأن هناك شيئًا غريبًا سيحدث في حياتي؛ لذا من المهم أن أدوِّن كل شيء. فهل كان ذلك مجرد شعور؟
فتاة بلباس البحارة
قالت نانسي: «لا تعتقد أن بمقدورك أن تجلس هكذا في تراخٍ وتكاسل، لديَّ مفاجأة لك.»
قال أولي: «أنتِ دومًا محمَّلة بالمفاجآت.»
كان هذا يوم الأحد، وتمنَّى أولي أن يأخذ قسطًا من الراحة والاسترخاء. لقد كانت طاقة نانسي الزائدة شيئًا لا يُكِنُّ له أولي كثيرًا من التقدير.
افترض أولي أنها ستكون بحاجة إلى هذه الطاقة في القريب العاجل؛ لأنها ستساعد في شئون المنزل، وهو ما سيعتمد عليه ويلف بأسلوبه الاعتيادي الذي يشوبه بعض البرود.
توجَّه ويلف مباشرة إلى المستشفى بعد أن غادر الكنيسة، وعاد أولي لتناول العشاء مع نانسي ووالدها. كانوا عادة ما يتناولون إحدى الوجبات الخفيفة الباردة أيام الآحاد؛ فالسيدة بوكس تذهب إلى كنيستها في ذلك اليوم وتقضي فترة ما بعد الظهيرة تستمتع براحة طويلة في منزلها الصغير. ساعد أولي نانسي في تنظيف وترتيب المطبخ، وترامى إلى مسامعهم أصوات شخير تأتي من غرفة الطعام.
قال أولي بعد أن ألقى نظرة صوب الحجرة: «إنه أبيكِ، لقد غلبه النوم وهو جالس في مقعده الهزاز ومجلة «ساترداي إيفننج بوست» على ركبتيه.»
قالت نانسي: «إنه لا يعترف أبدًا أن النوم سيغلبه بعد ظهيرة أيام الآحاد؛ فهو يعتقد دومًا أنه سيقرأ.»
كانت نانسي ترتدي مئزرًا للمطبخ وتربطه حول خصرها؛ ولم يكن من ذلك النوع الذي يُستخدم في أعمال المطبخ الشاقة. قامت بخلعه وتعليقه فوق مقبض الباب، ونفشت شعرها أمام مرآة صغيرة مثبَّتة بجوار باب المطبخ.
قالت بصوت يشوبه الشكوى، لكنه لا ينم عن الاستياء: «إن مظهري غير مهندم.»
قال: «هذا حقيقي، ولا أدري ما الذي رآه ويلف فيكِ.»
قالت: «انتبه لكلماتك وإلا لكمتُك.»
قادته خارج باب المطبخ، ثم تجولا حول شجيرات الكشمش، وأسفل شجرة القيقب حيث كانت تضع أرجوحتها كما أخبرته بالفعل مرتين أو ثلاث مرات. ثم سارا بعد ذلك عبر الممر الخلفي حتى نهاية المربع السكني. لم يكن ثَمَّةَ أحد يقوم بجز الحشائش؛ فهذا يوم الأحد، بل لم يكن هناك أحد على الإطلاق في الأفنية الخلفية، وكانت كل المنازل مغلقة على ما بداخلها، ولها تلك الهيئة الشامخة الساترة على ما فيها كما لو أن بداخل كل منزل أناسًا أجلاء كوالد نانسي يغيبون مؤقتًا عن ذلك العالم وهم يأخذون ما يستحقونه من فترة راحة.
لكن هذا لا يعني أن الهدوء يغلف المدينة بأسرها؛ فبعد ظهيرة يوم الأحد هو الوقت الذي ينزح فيه أهل الريف وبعض من أهل قرى الريف إلى الشاطئ، الذي يبعد عنهم مسافة ربع ميل بالقرب من سفح الجرف. وهناك تختلط صيحات من يلعبون على الزلاقات المائية بصرخات الأطفال وهم يغطسون ويرشون بعضهم بعضًا بالمياه، وتسمع أصوات أبواق السيارات العالية، وعربات الآيس كريم وهي تطلق صفيرها، وهتافات الشباب وهم يتباهون بأنفسهم في حماس، وكذا أصوات الأمهات اللاتي يعتريهن القلق العارم. كل ذلك يمتزج في صيحة واحدة مختلطة.
وعند نهاية الممر، وعبر شارع أقل حالًا وغير ممهد، ظهر مبنًى مهجور قالت عنه نانسي إنه مستودع الثلج القديم، وامتدت خلفه قطعة أرض خاوية، وجسر خشبي يقع فوق قناة جافة، ثم وصلا بعد ذلك إلى طريق يتسع لمرور عربة واحدة؛ أو بالأدق عربة يجرها حصان واحد فقط. وعلى كلا جانبي هذا الطريق اصطف جدار من الشجيرات الشائكة بأوراقها الخضراء الصغيرة البراقة وقد تناثرت عليها بعض الزهور الجافة وردية اللون. ولم تكن تلك الشجيرات تسمح بتخلل النسيم، أو تُلقي بأي ظلال عليهما، وحاولت أغصانها أن تتشابك بكُمَّي قميص أولي.
قالت نانسي عندما سألها في ضيق عما لامسه: «إنها زهور برية.»
«أعتقد أن هذه هي المفاجأة، أليس كذلك؟»
«سترى.»
شعر بالحر الخانق في ذلك الممر الضيق، وتمنَّى لو أنها تبطئ من خطواتها. وكثيرًا ما أدهشه التفكير في طول الوقت الذي يمضيه في التجول مع تلك الفتاة، والتي لم تكن رائعة ومميزة بأي حال من الأحوال فيما عدا كونها مدللة، وتتسم بالجرأة التي تقارب حد الوقاحة والغرور بعض الشيء. ربما كان يحب إزعاجها. إنها فقط تتسم بذكاء يفوق سائر الفتيات، وهذا هو ما يجعله يفعل ذلك.
كل ما استطاع أن يراه، من على بعد، هو سقف أحد المنازل تحفُّه بعض الأشجار لتُلقي بظلالها فوقه فتغطِّيه، وبما أنه لم يكن هناك أمل في الحصول على أي معلومات من نانسي، راح الأمل يداعبه بالجلوس في مكان بارد ومنعش عندما يصلان إلى هناك.
قالت نانسي: «ربما لديها صحبة الآن. ربما عَلِمَت.»
رأوا عند المنعطف في نهاية الطريق سيارة قديمة شديدة الاتساخ من طراز فورد موديل تي.
قالت: «على أي حال إنها سيارة واحدة فقط، لنأمل أن يكونوا قاربوا على الانتهاء.»
لكنهم عندما بلغوا السيارة لم يخرج لهم أحد من المنزل الجميل ذي الطابق والنصف، المشيد من الطوب والذي يُطلق عليه الطوب الأبيض في هذا الجزء من المدينة، والطوب «الأصفر» في المنطقة التي أتى منها أولي (وهو في حقيقة الأمر ذو لون داكن ويبدو متسخًا). لم يكن هناك سور حول المنزل؛ مجرد حاجز من الأسلاك المحيطة بالفناء الذي يحتوي على حشائش غير مقلمة. ولم يكن هناك ممر أسمنتي من البوابة إلى باب المنزل، إنما مجرد طريق تغطِّيه القاذورات. وهو شيء معتاد خارج البلدة؛ فليس لدى كل المزارعين أرصفة ممهدة أو ماكينات لتهذيب الحشائش.
من المرجَّح أنه كانت توجد هنا أحواض من الزهور؛ على الأقل بعض من الزهور البيضاء والصفراء المنتشرة حول المنزل أو هناك وسط الحشائش الطويلة. كان على ثقة أنه كانت هناك بعض زهور الأقحوان، لكنه لم يهتم بسؤال نانسي؛ إذ يحتمل أن تُسمعه بعضًا من تصحيحاتها الساخرة.
قادته نانسي نحو أثر أصلي بقي من الأيام الخوالي الجميلة التي اتسمت بالبطء والتمهل؛ أرجوحة خشبية مكتملة غير مطلية، لها مقعدان يواجه أحدهما الآخر. ويبدو أن أحدًا لم يطأ الحشائش بالقرب منها في هذا المكان؛ فمن الواضح أن تلك الأرجوحة لم تُستخدم كثيرًا، وقد استقرت أسفل ظلال شجرتين مورقتين. وبمجرد أن استقرت نانسي فوقها نهضت ثانية وراحت تدفع نفسها للأمام وللخلف بعد أن ثبَّتت نفسها وسط المقعدين لتتحرك بذلك الشيء الغريب محدثة صريرًا عاليًا.
قالت: «سيجعلها هذا الصوت تعرف أننا هنا.»
قال: «يجعل من؟»
«تيسَّا.»
«أهي صديقة لك؟»
«بالطبع.»
قال أولي دون حماس: «أهي صديقة لك كبيرة في السن؟» كانت قد تسنَّت له العديد من الفرص ليرى كم كانت نانسي تضيع الكثير من وقتها وتُظهر ما يسمى — في بعض كتب الفتيات التي ربما تكون قد قرأتها أو التي تأثرت بها — بالجانب المشرق من شخصيتها. وقد جال بخاطره مضايقتها ومداعبتها البريئة للرجال الكبار في المصنع.
«لقد كنا نذهب للمدرسة معًا، أنا وتيسَّا.»
جعله ذلك يتذكر شيئًا آخر طاف بذهنه؛ الطريقة التي رتَّبت بها لقاءه مع جيني في محاولة لجذب كليهما للآخر.
قال أولي: «وما الشيء المثير للاهتمام فيها؟»
قالت له: «سترى. آه يا إلهي!»
قفزت من منتصف الأرجوحة واتجهت نحو طلمبة المياه اليدوية بالقرب من المنزل، وبدأت تضخ بهمة ونشاط. كان عليها أن تضخ طويلًا وبعزم شديد قبل أن يبدأ تدفُّق المياه. وحتى مع هذا المجهود لم يبدُ عليها أي أمارات للتعب، بل راحت تستمر في ضخ المياه لفترة قبل أن تملأ ذلك القدح المصنوع من القصدير والمعلَّق بجوار المضخة، ثم حملته، والمياه تفيض منه، واتجهت صوب الأرجوحة. واعتقد أولي من خلال تلك النظرة المتحمسة في عينيها أنها ستقدِّمه له على الفور، لكنها في الحقيقة رفعته نحو شفتيها وتجرعته بسعادة.
قالت وهي تعطيه إياه: «إنها ليست مياه البلدة، إنها مياه الآبار، يا لها من مياه لذيذة!»
كانت فتاة من ذلك النوع الذي يمكن أن يشرب المياه غير المعالَجة من أي قدح قصديري قديم معلق فوق أي مورد مياه (لقد جعلته المصائب التي ألمَّت بجسده أكثر دراية بمثل هذه المخاطر من أي شاب آخر)، وكانت هي شخصية تحب أن تتباهى بالطبع، لكنها كانت في الواقع متهورة بطبيعتها ومحِبَّة للمجازفة، ولديها قناعة تامة بأنها تحيا حياة جذابة.
لم يكن ليقول هذا عن نفسه، إلا أنه كانت لديه فكرة — لم يستطع أن يذكرها دون أن يضفي عليها روح الدعابة — وهي أنه خُلق لشيء غير اعتيادي، وأن حياته سيكون لها معنًى وقيمة مختلفة. وربما هذا هو ما جذب كليهما للآخر، لكن الفرق بينهما هو أنه سيستمر للحصول على ما يريد ولن يرضى بما هو أقل مثلما كان عليها أن تفعل هي — أو مثلما هي الآن بالفعل — كونها فتاة. وقد شعر بالراحة فجأة إزاء فكرة أن مجال الخيارات أمامه أوسع بكثير مما يتاح لأي فتاة، وجعله هذا أيضًا يشعر حيالها بالشفقة، وأن يمرح ويمزح معها. ثَمَّةَ أوقات مرَّت عليهما لم يكن هو بحاجة لأن يسأل خلالها عن سبب وجوده معها، حينما كان يشرع في إغاظتها أو حينما تعمد هي إلى مضايقته وإغاظته، وهو ما جعل الوقت يمر بسرعة دون أن يشعرا به.
كانت المياه لذيذة ومنعشة على نحو رائع.
قالت وهي تجلس في مواجهته: «هناك كثيرون يأتون لزيارة تيسَّا، ولا تعرف أبدًا الوقت الذي يوجد فيه أي شخص عندها.»
قال: «حقًّا؟» وطافت بذهنه فكرة متطرفة بعض الشيء؛ وهي أنها قد تكون على قدر من فساد الأخلاق والتحرر يجعلها تصادق فتاة منحرفة، عاهرة ريفية يتردد عليها الأشخاص دون التقيد برسميات، أو على الأقل لا تزال باقية على أواصر الصداقة بفتاة فسدت أخلاقها.
نجحت في قراءة أفكاره؛ فقد كانت لمَّاحة في بعض الأوقات وعلى قدر من الذكاء.
فقالت: «أوه، لا، إنني لم أقصد أي شيء من هذا القبيل. أوه، إنها أسوأ فكرة يمكن أن أسمعها على الإطلاق؛ فتيسَّا هي آخر فتاة على وجه الأرض يمكن أن … أوه هذا شيء مقزز. عليك أن تشعر بالخجل حيال ما فكرت به. إنها آخر فتاة … سترى بنفسك.» اكتسى وجهها بالحمرة.
فُتح الباب، وظهر رجل وامرأة في منتصف العمر تبدو عليهما علامات الإرهاق، ولكن ليس الإنهاك الشديد، كسيارتهما البالية، ودون إلقاء تحيات الوداع الطويلة المعتادة — أو أيٍّ من تحيات الوداع المسموعة على الإطلاق — سارا عبر الممر ونظرا نحو الأرجوحة ولمحا نانسي وأولي، لكنهما لم يتفوَّها بشيء. والغريب أن نانسي لم تقل شيئًا هي الأخرى، ولم تُلْقِ عليهما أي نوع من أنواع التحية الحارة. توجه الزوجان نحو جانبي السيارة ثم استقلاها وسارا بها مبتعدَيْن.
ثم ظهر شخص عند ظل مدخل الباب وصاحت نانسي قائلة:
«أهلًا، تيسَّا.»
كانت المرأة تشبه طفلًا قوي البنيان، لها رأس ضخم يغطيه شعر مجعد داكن اللون، ولها كتفان عريضتان، وساقان قصيرتان بدينتان. كانت ساقاها عاريتين، وترتدي لباسًا غريب المظهر؛ يتكون من تنورة وكنزة ذات ياقة تشبه ياقات البحَّارة. لقد كان غريبًا بالنسبة لهذا اليوم الحار على الأقل، بالإضافة إلى حقيقة أنها لم تعد فتاةً بالمدرسة. من المرجح أنها كانت ترتدي هذه الملابس منذ أيام الدراسة، ولأنها من الأشخاص المدبرين، احتفظت بها لترتديها هنا في المنزل؛ فمثل هذه الأنواع من الملابس لا تبلى، كما أنها — في رأي أولي — لا تضفي جاذبية على أجسام الفتيات؛ فهي تبدو كالحمقاء فيها، لا تختلف كثيرًا عن غالبية فتيات المدرسة.
جاءت به نانسي وقدَّمته إلى تيسَّا، وقال هو لتيسَّا — بذلك الأسلوب الذي ينطوي على التلميحات، والذي كان مقبولًا عادة لدى معظم الفتيات — بأنه سمع عنها الكثير.
قالت نانسي: «كلا، إنه لم يسمع عنكِ. لا تصدقي حرفًا مما يقوله، إنني أحضرته معي إلى هنا لأني لم أكن أدري ماذا أفعل به في حقيقة الأمر.»
كانت عينا تيسا ناعستَيْن، ولم تكونا شديدتي الاتساع، لكنهما كانتا بلونٍ أزرق فاتح يعكس عمقًا شديدًا على نحو مدهش. وعندما رفعتهما لتنظر نحو أولي زاد تألقهما دون أن يحملا أي تعبيرات تنمُّ عن المودة أو العداء أو حتى الفضول. كان بهما عمق وثقة جعلت من المستحيل على أولي أن يستمر في التلفظ بمجاملات سخيفة.
قالت وهي تتقدم أمامهما لتريهما الطريق: «من الأفضل أن تتفضلا بالدخول، آمل ألا تمانعا في أن أنتهي أولًا من مخض اللبن، لقد كنتُ أقوم بذلك بالفعل عندما قدمت آخر مجموعة فتوقفت حينها، لكن إن لم أستأنف ذلك العمل الآن فقد يفسد الزبد.»
قالت نانسي: «تقومين بمخض اللبن يوم الأحد؟ يا لكِ من فتاة شقية! أترى يا أولي هكذا يُصنع الزبد. أراهن أنكَ تعتقد أنه يأتي جاهزًا مباشرة من البقرة ثم يتم لفه ليرسل إلى المتجر.» ثم وجهت حديثها لتيسَّا: «هيا، باشري عملك، وإن شعرتِ بالتعب يمكنك أن تدعيني أجرب هذا العمل لبرهة. إنني قدمت إلى هنا كي أدعوك إلى حفل زفافي في الواقع.»
قالت تيسَّا: «لقد سمعت بهذا الأمر.»
«كنت سأرسل لك دعوة، لكني لم أكن أدري إن كنت ستنتبهين لها أم لا، واعتقدت أنه من الأفضل أن آتي إلى هنا وأضعك تحت التهديد حتى تؤكدي أنك ستأتين.»
توجَّهوا مباشرة نحو المطبخ، كانت ستائر النافذة مُسدلة وتلامس حافتها، وثَمة مروحة عالية فوقهم تحرك الهواء. كانت تنبعث من المكان رائحة الطبخ، ورائحة بعض النباتات التي تستخدم لقتل الحشرات الطائرة، ورائحة فحم القطران، وأقمشة تجفيف الصحون. ربما تكون كل هذه الروائح عالقة في الجدران وفي الألواح الأرضية منذ عشرات السنين، لكن هناك شخصًا ما تكلَّف عناء طلاء الخزانات والأبواب باللون الأزرق المائل إلى الأخضر، بالطبع هي تلك الفتاة التي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتكاد تُطلق صوتًا كصوت الخنزير وهي تقوم بمخض اللبن.
نُثِرت أوراق الصحف حول المكان الذي تعمل به الفتاة في مخض اللبن لحماية الأرضية، التي حوت بعض النُّقر في مسارات المرور المعتادة حول المائدة وعند الموقد. كان أولي في العادة مهذبًا مع معظم فتيات المزارع، ويسألهن دومًا إن كن يرغبن في أن يساعدهن في مخض اللبن، إلا أنه في هذا الموقف لم يكن واثقًا من رغبته في ذلك. إن تيسَّا تلك لا تبدو متجهمة، بل تبدو أكبر من عمرها الحقيقي؛ فهي تتسم بالصراحة المنفرة والاستقلالية إلى حد كبير. حتى نانسي، هدأت بعد فترة ولم تعد تتحدث كثيرًا في وجودها.
تكوَّن الزبد، وقفزت نانسي لتلقي نظرة عليه، ونادته لكي يفعل ذلك هو أيضًا. وتعجَّب من لونه الباهت؛ فهو بالكاد أصفر، لكنه لم يقل شيئًا خشية أن توبِّخه نانسي على جهله، ثم قامت الفتاتان بوضع الكتلة اللزجة الباهتة على قطعة من القماش على الطاولة، ثم راحا يقرعانها قرعًا خفيفًا بملعقة التقليب الخشبية، وبعدها لفَّتاها في قطعة القماش بالكامل. رفعت تيسَّا بابًا في الأرض وحملتاها ونزلتا بها درجتين يوصلان إلى قبو صغير لم ينتبه هو لوجوده لولا أن رآه. وأطلقت نانسي صرخة عالية؛ فقد كادت قدمها أن تَزِلَّ. ظن أولي أن تيسا بمقدورها أن تنجز هذا العمل بصورة أفضل لو كانت بمفردها، لكنها لم تمانع أن تمنح نانسي مزية مساعدتها تمامًا كما يفعل المرء مع طفل لذيذ مشاكس. تركت نانسي تنظف الأرضية وترفع عنها أوراق الصحف، بينما فتحت هي زجاجات من عصير الليمون أحضرتها من القبو. أحضرت كتلة كبيرة من الثلج من مبرد صغير موضوع في أحد جوانب المطبخ، وقامت بغسلها لإزالة بعض نشارة الخشب العالقة بها، وقرعتها بالمطرقة، في حوض الغسيل، حتى تضع بعض الثلوج في أكوابهم. ومرة ثانية لم يعرض هو أي مساعدة أيضًا.
قالت نانسي بعدما تجرَّعت رشفة من عصير الليمون: «والآن يا تيسا، فقد حان الوقت، أَسْدي لي صنيعًا. أرجوكِ هيا.»
شربت تيسا كأس الليمون.
قالت نانسي: «أخبري أولي بما يحمله في جيبه، هيا، ولتبدئي بالجانب الأيمن.»
قالت تيسا دون أن ترفع بصرها نحوه: «أعتقد أنه يحمل حافظة نقوده.»
قالت نانسي: «أوه، استمري، هيا.»
قال أولي: «نعم، إنها أصابت؛ ففيه حافظة نقودي بالفعل. والآن، هل بإمكانها أن تخمِّن محتوياتها؟ فإنها لا تحوي الكثير.»
قالت نانسي: «لا عليك من ذلك، أخبريه يا تيسا بما يحتويه جيبه الأيمن أيضًا.»
قال أولي: «ما هذا على أي حال؟»
قالت نانسي في عذوبة: «هيا يا تيسا، أنت تعرفينني. أتذكرين؟ نحن أصدقاء منذ زمن، نحن أصدقاء منذ السنة الدراسية الأولى. هيا افعلي هذا من أجلي.»
قال أولي: «أهي لعبة؟ هل هذه لعبة اخترعتماها وحدكما وتتفقان عليها؟»
ضحكت نانسي من كلامه.
قالت: «ما الأمر؟ ماذا لديك في جيبك وتشعر بالخجل حياله؟ ألديك جورب قديم كريه الرائحة مثلًا؟»
قالت تيسا في هدوء: «قلم رصاص، بضع نقود، بعض العملات المعدنية، ولكني لا أستطيع أن أحدد قيمتها. أهناك قطعة من الورق مكتوب عليها؟ مطبوع عليها شيء؟»
قالت نانسي: «هيا أفرغ ما في جيبك يا أولي، أفرغ ما في جيبك.»
أردفت تيسا قائلة: «أوه، وقطعة من العلك. أعتقد قطعة من العلك هذا هو كل ما هناك.»
لم تكن العلكة ملفوفة بالورق، وإنما بقطعة من نسيج الكتان.
قال أولي: «لقد نسيتُ وجودها!» بالرغم من أنه لم يفعل.
وأفرغ ما في جيبه، فكان عبارة عن عقب قلم رصاص، بعض العملات المعدنية من النيكل والنحاس، قصاصة من إحدى الصحف مهترئة ومطوية.
قال وقد انتزعتها نانسي على الفور وفتحتها: «أعطانيها أحد الأشخاص.»
قرأت نانسي بصوت عالٍ: «نحن نهتم بشراء المخطوطات النادرة على أن تكون في حالة فوق الممتازة، مخطوطات في كلٍّ من الشعر والأدب، سيتم النظر بجدية إلى …»
انتزعها أولي من يدها.
«لقد أعطاني أحدهم إياها. كانوا يريدون معرفة رأيي إن كانت شيئًا مجديًا أم لا.»
«أوه، أولي.»
«لم أكن أدري أنها ما زالت موجودة، وهكذا الأمر مع قطعة العلك.»
«أوَلم تدهشك تيسا؟»
«بالطبع أنا مندهش، لقد نسيتُ أنا شخصيًّا ما أحمله.»
«أوَلم تُصِبك الدهشة من تيسا؟ مما عرفَتْه؟»
نجح أولي في منح تيسا ابتسامة، بالرغم من أنه كان منزعجًا بشدة، غير أنه لم يكن خطأها.
قال: «إن ما في جيبي يحمله الكثير من الرجال. عملات معدنية؟ بديهي. قلم رصاص …»
قالت نانسي: «وعلك؟»
«محتمل.»
«وماذا عن الورقة المطبوعة؟ تيسا قالت إنها مطبوعة.»
قال: «إنها قالت قصاصة ورق. إنها لم تعرف ما المكتوب عليها.» ثم وجَّه كلامه إلى تيسا قائلًا «لمْ تعرفي، أليس كذلك؟»
هزَّت رأسها نافية علمها، ونظرت باتجاه الباب وهي تنصت.
«أعتقد أن هناك سيارة بالخارج تسير عبر الممر.»
وكانت محقة؛ لقد سمعوا جميعًا صوتها الآن. ذهبت نانسي لتختلس نظرة من خلال الستائر، وخلال تلك اللحظة رمت تيسا أولي بابتسامة غير متوقعة. ولم تكن تلك الابتسامة تنم عن التواطؤ، أو الاعتذار، أو التدلل. ربما هي ابتسامة تنم عن الترحيب، لكنها خالية من أي دعوة صريحة. إنها مجرد تعبير عن الدفء؛ بعض من مشاعر اللطف تجاههما. وفي نفس الوقت حرَّكت كتفيها العريضتين؛ حيث أرختهما في ارتياح، كما لو أن الابتسامة غمرتها وتغلَّل ذلك الشعور في كيانها كله.
قالت نانسي: «أوه، رائع.» كان عليها أن تسيطر على ذلك الشعور بالإثارة، وكذلك أولي كان عليه أن يسيطر على شعوره الغريب بالدهشة والانجذاب.
فتحت تيسا الباب بينما كان هناك رجل يهبط من سيارته، وانتظر بجوار البوابة حتى تسير نانسي وأولي عبر الممر. كان يبدو في الستينيات من عمره، مكتنز الكتفين، تكسو وجهه ملامح جادة، يرتدي حلة صيفية فاتحة اللون، وقبعة من ماركة كريستي الإنجليزية الشهيرة. كانت سيارته كوبيه ذات طراز حديث. أومأ إلى نانسي وأولي برأسه سريعًا في احترام خلا من الفضول على نحو متعمد كما لو أنه أمسك لهما الباب الذي يُخرَج منه في إحدى عيادات الأطباء على سبيل المثال.
ولم يكَد باب تيسا يُغلق خلفه حتى ظهرت سيارة أخرى في أقصى نهاية الممر.
قالت نانسي: «إنه صفٌّ من السيارات، دائمًا ما يكون ما بعد ظهيرة أيام الأحد مزدحمًا؛ وبالأخص في الصيف على أي حال. يقطع الناس الأميال لكي يروها.»
«حتى تخبرهم بما يحملونه في جيوبهم؟»
تجاهلت نانسي تلك الملحوظة دون تعليق.
«إنهم يسألونها في الغالب عن أشياء فُقدت منهم، أشياء ثمينة بالنسبة لهم على أي حال.»
«هل تطلب أتعابًا مقابل ذلك؟»
«لا أعتقد هذا.»
«بل يجب عليها ذلك.»
«ولمَ؟»
«أوَليست فقيرة؟»
«إنها لا تموت من الجوع.»
«لكنها لا تصيب دائمًا فيما تقول.»
«أعتقد أنها تصيب بالفعل، وإلا لما تردد الناس عليها باستمرار، أليس كذلك؟»
تغيرت لهجة حديثهما بينما كانا يسيران جنبًا إلى جنب وسط شجيرات الورد عبر ذلك الممر الخانق المشرق بضوء الشمس. راحا يمسحان حبات العرق التي تساقطت على وجهيهما، ولم يعد لديهما أي طاقة يمكن استخدامها في النقد والجدال.
قال أولي: «لكني لم أفهم كيف تفعل ذلك؟»
قالت نانسي: «لا أعتقد أن أحدًا يفهم ذلك. إنها ليست الأشياء التي يفقدها الآخرون فحسب، إنها تستطيع أن تحدد مكان الجثث أيضًا.»
«الجثث؟»
«كان هناك رجل اعتقد الجميع أنه كان يعبر خطوط السكك الحديدية، وحدث أن هبَّت عليه عاصفة ثلجية علق فيها وتجمَّد حتى الموت، ولم يعثروا له على أثر، فطلبتْ منهم أن يبحثوا بجوار البحيرة عند سفح الجرف. وتأكَّد كلامها؛ فلم يكن موجودًا عند خطوط السكك الحديدية على الإطلاق. وذات مرة فُقدت بقرة فأخبرتهم أنها غرقت.»
قال أولي: «حسنًا، إن كان الأمر هكذا، لمَ لمْ يقم أحد بالتحقق من الأمر؟ أعني بصورة علمية.»
«إن هذا الأمر حقيقي مائة بالمائة.»
«لا أعني أنني لا أثق بها، لكني أريد أن أعرف كيف تفعل هذا، ألم تحاولي مرة سؤالها؟»
فاجأته نانسي بإجابتها حين قالت: «ألن يكون هذا نوعًا من الوقاحة؟»
بدا الآن أنها هي التي اكتفت بهذا القدر من المحادثة.
بَيْدَ أنه أصرَّ على مواصلة الحديث قائلًا: «إذن، هل كانت ترى بعض الأشياء الغريبة عندما كانت طفلة صغيرة بالمدرسة؟»
«لا. لا أدري، إنها لم تفصح عن شيء كهذا مطلقًا.»
«هل كان شأنها شأن أي شخص آخر؟»
«إنها لم تكن كذلك تمامًا، لكن مَنْ منا مثل الآخر؟ أعني أنني لا أعتقد مطلقًا أنني كنت كأي شخص آخر، أو أن جيني تعتقد أنها مثل أي شخص. أما تيسا فكانت تعيش في المكان الذي تحيا فيه الآن، وكان عليها أن تقوم بحلب البقرة قبل أن تأتي إلى المدرسة في الصباح، وهو شيء لم يكن أيٌّ منا يفعله. وكنت أحاول دومًا أن أكون صديقتها.»
قال أولي في هدوء: «أنا متأكد.»
استمرت في حديثها كأنها لم تسمع جملته.
«ومع ذلك أعتقد أن الأمر بدأ؛ أو أنه من المؤكد أنه بدأ عندما مرضت تيسا؛ فقد أصابها المرض عندما كنا في السنة الثانية من المدرسة الثانوية؛ فكانت تنتابها بعض النوبات، فتركتِ المدرسة، ولم تعد إليها مطلقًا، وهذا هو الوقت الذي انقطعت فيه صلتها بكل شيء.»
قال أولي: «أهي نوبات صرع؟»
ابتعدتْ عنه قليلًا وهي تقول: «إنني لم أسمع بشيء كهذا، كم كنتُ سَمِجة.»
توقَّف أولي عن السير وقال: «لمَ؟»
توقفت نانسي هي الأخرى.
«لقد اصطحبتُك إلى هناك عن قصد لأريك أننا لدينا شيء مميز هنا. هي. تيسا. أعني كي أريك تيسا.»
«نعم، ثم ماذا؟»
«لأنك تعتقد أنه ليس لدينا شيء هنا يستحق المشاهدة؛ فأنت تظن أننا لا نستحق إلا السخرية؛ جميعنا هنا؛ لذا أردت أن أريك شيئًا غريب الأطوار.»
«لا أستطيع أن أصفها بأنها غريبة الأطوار.»
«كان هذا مقصدي على الرغم من ذلك، ربما أستحق ضربة على رأسي.»
«ليس إلى هذه الدرجة.»
«عليَّ أن أذهب إليها لأعتذر.»
«لم أكن لأفعل ذلك.»
«حقًّا لن تفعل؟»
«لا.» •••
في ذلك المساء، ساعد أولي نانسي في إعداد عشاء خفيف بارد. كانت السيدة بوكس قد تركت دجاجة مطهوة وسلطة الجيلي في المبرد، وكانت نانسي قد أعدت كعكة الملائكة يوم السبت كي تقدمها لهم مع الفراولة. قاموا بترتيب كل شيء في الشرفة التي اكتست بظلال ما بعد الظهيرة. وفيما بين الوجبة الرئيسية والحلوى، قام أولي بحمل الصحون وأواني السلطة إلى المطبخ.
قال فجأة: «أتساءل إن كان أحدهم قد فكَّر في إحضار وجبة طعام لذيذة لها أو شيء من هذا القبيل؛ مثل الدجاج أو الفراولة.»
كانت نانسي تنتقي أفضل حبات التوت الطازجة لتغمسها في سكر الفاكهة، وقالت بعد لحظة: «آسفة. ماذا قلت؟»
«أقصد تلك الفتاة؛ تيسا.»
قالت نانسي: «أوه، إن لديها الكثير من الدجاج، يمكنها أن تذبح إحداها وقتما تشاء. ولن تصيبني الدهشة إن عرفتُ أن لديها قطعة أرض زرعتها كلها بالتوت؛ فهم عادة ما يفعلون هذا في الريف.»
كان شعورها بالندم على اصطحابه لتيسا قد أراحها بعض الشيء، ولكن تلاشى هذا الإحساس الآن.
قال أولي: «ليست المسألة فقط أنها ليست غريبة الأطوار، بل إنها لا ترى نفسها كذلك.»
«أوه، بالطبع لا.»
«إنها راضية بما هي عليه. كذلك فإن عينيها لافتة للنظر.»
راحت نانسي تنادي على ويلف لتسأله إن كان يرغب في العزف على البيانو في حين تقوم هي بإعداد الحلوى وإحضارها لهم.
«ما زال أمامي خفق الكريمة، وبالطبع ستستغرق وقتًا طويلًا للغاية في هذا الطقس.»
قال ويلف إن بمقدورهم الانتظار؛ فهو يشعر ببعض التعب.
ومع ذلك، عزف ويلف قطعة موسيقية فيما بعد عندما انتهوا من تناول الحلوى وبدأ الظلام يغلف المكان. ولم يذهب والد نانسي لحضور قداس المساء في الكنيسة — فقد كان يعتقد أنه مطلب زائد عن الحد — لكنه لا يسمح بلعب أي نوع من أنواع لعب الورق أو الشطرنج أو النرد يوم الأحد، وراح يتصفَّح مجلة «ساترداي إيفننج بوست» مرة ثانية، بينما كان ويلف يعزف على البيانو. جلست نانسي على درج الشرفة، بعيدة عن مستوى نظر أبيها، وراحت تنفث دخان سيجارة وهي تأمل ألا يشمها والدها.
قالت لأولي الذي كان متكئًا على حافة الشرفة: «عندما أتزوج سأدخِّن وقتما أحب.»
كان أولي لا يدخن بالطبع بسبب إصابة رئتيه.
ضحك قائلًا: «على رسلكِ … أهذا سبب كافٍ لتفعلي ذلك؟»
كان ويلف يعزف مقطوعة تدعى «موسيقى ليلية صغيرة» لموتسارت من دون نوتة موسيقية.
قال أولي: «إنه ماهر، له يدان ماهرتان في العزف بالرغم من أن الفتيات كن يصفنها بأنها باردة.»
ومع ذلك لم يكن يفكر في تلك اللحظة في ويلف أو نانسي أو أمر زواجهما، بل كان يفكر في تيسا؛ في شخصيتها غريبة الأطوار، وهدوئها، وكان يسأل نفسه عما تفعله الآن في تلك الأمسية الطويلة الحارة حيث تقطن عند نهاية ذلك الطريق الضيق المليء بالورد البري. هل ما زال لديها بعض الزوار والمريدين؟ هل ما زالت منشغلة بحل المشكلات التي يواجهها الناس في حياتهم؟ أم أنها ذهبت للخارج وجلست على الأرجوحة وراحت تميل بها للأمام وللخلف محدثة صريرًا وهي تجلس وحيدة دون صحبة سوى القمر الذي ينير السماء؟
سيعرف في غضون فترة قصيرة أنها تمضي الأمسيات وهي تحمل دلاء المياه من المضخة لتروي بها أشجار الطماطم، وتقوم بتقليب التربة التي تحوي محاصيل البازلاء والبطاطس، وإن أراد فرصة للحديث معها فلا بد وأن يشاركها هو الآخر في هذه الأعمال أيضًا.
خلال ذلك الوقت انهمكت نانسي في ترتيبات حفل الزفاف بصورة أكبر، دون أن تولي تيسا أي جزء من تفكيرها، وكذلك هو، فيما عدا أنها أشارت لمرة أو اثنتين أنها لا تجده بجوارها في الوقت الذي احتاجت فيه إليه.
التاسع والعشرين من أبريلعزيزي أولي كنت أتوقع أن نسمع عنك منذ أن عدنا من مدينة كيبيك، وأصابتني الدهشة عندما لم تفعل (حتى في احتفالات أعياد الميلاد!) إلا أني بعدها أعتقد أنني استطعت اكتشاف السبب؛ كنت قد شرعت في محاولة الكتابة مرات عدة، لكني اضطررت أن أرجئ الكتابة حتى أتبين مشاعري. بإمكاني القول إن المقال أو القصة أو أيًّا ما تطلق عليها في مجلة «ساترداي نايت بوست» كانت حسنة الصياغة، وإنك حققت نجاحًا كبيرًا تفتخر به بانضمامك إلى تلك المجلة، إلا أن أبي لم يعجبه وصفك للميناء بأنه ميناء صغير على البحيرة، ويود فقط أن يذكِّرك بأنه أفضل ميناء على هذا الجانب من بحيرة هيورون وأكثرها ازدحامًا، أما بالنسبة لي فلم يَرُق لي وصفك للمكان بأنه «اعتيادي يفتقر للخيال والإثارة»، ولا أدري إن كان هذا المكان «اعتياديًّا» أكثر من أي مكان آخر، وماذا تتوقع أن يكون؟ مكانًا شاعريًّا؟ ومع هذا، فالمشكلة الأساسية الآن هي تيسا، وما سيفعله هذا بحياتها، ولا أتخيل أن ذلك طاف بذهنك. لم أستطع التوصل إليها عبر الهاتف، وليس بمقدوري أن أجلس خلف مقود السيارة الآن على نحو مريح (لأسباب أتركها لمخيلتك) لكي أذهب إليها. على أي حال فما ترامى إلى مسامعي هو أن هناك طوفانًا من الناس يذهبون إليها، حتى إنه بات من الصعب تمامًا على السيارات أن تصل إليها حاليًّا؛ حيث إن عربات الإنقاذ تنتشل سيارات الأشخاص حين تسقط في مصارف المياه (ولكنهم لا يَلقون على هذا العمل أي نوع من أنواع الثناء على جهدهم، إنما درسًا أخلاقيًّا عن أحوالنا المعيشية المتخلفة التي نحيا فيها)، والطريق في حالة من الفوضى والإهمال، ووصل إلى درجة من التهالك لا تسمح بالإصلاح، أما الزهور البرية فهي بالقطع شيء من الماضي لا وجود له الآن. وقد وصل مجلس البلدة بالفعل إلى حالة من السخط الشديد؛ لأنهم لا يدرون كم سيتكلَّف إصلاح كل ذلك، وكثير من الناس في حالة غضب شديدة؛ لأنهم يعتقدون أن تيسَّا هي مَنْ كانت وراء كل تلك الدعاية وترفل في الثراء، ولا يصدقون أنها تقوم بهذا كله دون مقابل، وإن كان هناك أحد قد جمع نقودًا من وراء ذلك فهو أنت. إنني أستعير كلام أبي حينما أقول لك ذلك؛ فأنا أعلم تمامًا أنك لست بالشخصية المرتزقة. لقد كنت أنت من استفدت؛ إذ حققت مجدًا من وراء طباعة الموضوع. سامحني إن صدمك كلامي بما فيه من سخرية؛ فلا بأس أن تكون شخصًا طموحًا، لكن ماذا عن مصلحة الآخرين؟ ربما كنت تتوقع خطاب تهنئة، لكن آمل أن تعذرني؛ فقد كنت أريد أن أزيح حملًا ثقيلًا عن صدري. ومع هذا، هناك شيء إضافي، أريد أن أسألك بشأنه، هل كنت تفكر طوال الوقت في كتابة ذلك؟ لقد علمت أنك ترددت على منزل تيسا عدة مرات بمفردك. إنك لم تذكر ذلك لي مطلقًا، ولم تطلب مني أن أرافقك إلى هناك. لم تُشِر مطلقًا إلى أنك تود الحصول على مادة صحفية (أعتقد أن هذه هي الكلمة المناسبة للإشارة إلى الأمر)، وحسبما أتذكر فقد كتبتَ الموضوع برمته بطريقة فظة غلبت عليها الحدة، وليس ثَمَّةَ كلمة واحدة في الموضوع بأكمله تذكر فيها كيف أنني اصطحبتك إلى هناك أو قدمتك إلى تيسا، ليس هناك أي عرفان بذلك على الإطلاق، كما لم يكن هناك كلمة شكر أو تقدير ترسلها لي على نحو خاص. وإنني أتساءل إلى أي مدى كنت أمينًا مع تيسا فيما يخص نواياك؟ أو إذا ما كنت طلبت موافقتها على ممارسة — وأستشهد بكلماتك الآن — فضولك العلمي. هل شرحت لها ما ستفعله بها؟ أم أنك فقط ترددت عليها جيئة وذهابًا لاستغلال أولئك الناس «الاعتياديين» لتبدأ مستقبلك المهني بوصفك «كاتبًا»؟ حسنًا، حظًّا موفقًا يا أولي، ولا أتوقع أن أتلقَّى منك رسالة ثانية (فإننا لم نحظَ بشرف اتصالك بنا ولو مرة واحدة).
زوجة ابن عمك، نانسي
عزيزتي نانسي أود أن أقول إنك تُحدِثين جلبة دون داعٍ؛ فإنْ عاجلًا أو آجلًا كان هناك من سيكتشف تيسا ويكتب عنها ليعلم الجميع، فلمَ لا يكون ذلك الشخص هو أنا؟ لقد تبلورت في ذهني فكرة كتابة الموضوع تدريجيًّا حينما ذهبت لأتحدث إليها، لقد كنت حقًّا أتصرف من منطلق فضولي العلمي، وهو الشيء الذي لن أعتذر عنه؛ فهو جزء من طبيعتي. يبدو أنك ترين أنه كان عليَّ أن أطلب موافقتك على كل خططي وتحركاتي، أو أن أخطرك بها في الوقت الذي كنت فيه في حالة من الانشغال الشديد والقلق بشأن فستان زفافك وحفلاتك أو كم الهدايا والصحون الفضية التي ستتلقينها أو الأشياء الأخرى التي يعلمها الله. أما بالنسبة لتيسا، فإنك مخطئة تمامًا حينما اعتقدت أنني أغفلت أمر تيسا بعد أن ظهر المقال، أو أنني لم أضع في اعتباري ما سيُحدِثه هذا الأمر من أثر على حياتها؛ وفي حقيقة الأمر فإنني تلقيت منها رسالة قصيرة لا تشير إلى أن الأمور على تلك الدرجة من الفوضى التي وصفتِها. وعلى كل حال فلن يكون عليها أن تحتمل حياتها هناك على هذا النحو طويلًا؛ فأنا على اتصال ببعض الأشخاص ممن قرءوا المقال واهتموا بمحتواه كثيرًا. وهناك أبحاث تُجرى على مثل تلك الأمور ذات طبيعة قانونية، بعضها هنا إلا أن غالبيتها في الولايات المتحدة. أعتقد أن هناك بعض الاعتمادات المالية المتاحة للإنفاق على مثل هذا النوع من الأشياء، كما أن هناك اهتمامًا شديدًا بذلك الموضوع في الخارج؛ لذا فأنا أدرس بعض الفرص حول إمكانية الذهاب إلى بوسطن، أو بالتيمور أو نورث كارولينا؛ وذلك بالنسبة لتيسا لتكون من أفراد عينات البحث، وبالنسبة لي بوصفي صحفيًّا مختصًّا بالموضوعات العلمية من نفس النوعية. أسفت على رأيك فيَّ بهذا الشكل القاسي. لم تذكري كيف تسير حياتك الزوجية ولم تشيري إلى أي شيء عنها سوى بخبر واحد مستتر (أهو حادث سعيد؟) ولم تذكري أي شيء عن ويلف، ولكني فهمت أنكما ذهبتما إلى مدينة كيبيك وأتمنى أن تكونا استمتعتما بها، وآمل أن يكون ويلف بخير وازدهار كما هو دائمًا.
أولي
عزيزتي تيسا من الواضح أنكِ نزعتي أسلاك الهاتف، وربما كان شيئًا ضروريًّا بالقطع في خضم تلك الشهرة التي تتمتعين بها الآن. لا أقصد أن أبدو حاقدةً؛ فكثيرًا ما تخرج مني بعض الأشياء هذه الأيام بطريقة لم أكن أقصدها. إنني أنتظر مولودًا — لا أدري إن كنتِ سمعت بهذا أم لا — وهذا الأمر يجعل مني شخصية شديدة الحساسية وسريعة الغضب. أتخيل أنكِ أصبحت الآن شديدة الانشغال وتمرِّين بأوقات يشوبها الارتباك مع كل ذلك الكم من الأشخاص الذين يأتون لزيارتك، وأعتقد أنه بات من الصعب أن تواصلي نمط حياتك الطبيعية. وإن أتيحت لك الفرصة سيكون شيئًا جميلًا أن أراكِ. فهذه دعوة مني لزيارتي إن كنت تأتين إلى المدينة (لقد علمتُ من المتجر أنهم يرسلون لك كل مواد البقالة التي تحتاجينها). إنك لم تَرَيْ منزلي الجديد من الداخل؛ أعني بعد أن أضفنا إليه بعض التجديدات حديثًا والجديد بالنسبة لي أنا أيضًا، كما أنك لم تَرَيْ منزلي القديم أيضًا؛ فقد خطر على ذهني الآن وأنا أكتب لك أنني كنت أنا دومًا من تذهب لزيارتك، وليس كثيرًا أيضًا كما كنتُ أريد؛ فالحياة دومًا مليئة بالكثير من المهام والمشاغل. وما بين الحصول على الأشياء وإنفاقها نستنفذ الكثير من قوانا. لِمَ نترك أنفسنا لننشغل إلى تلك الدرجة ويفوتنا فعل الأشياء التي كان يجب علينا إنجازها أو التي كنا نحب أن نقوم بها؟ أتذكرين كيف قمنا بقرع الزبد بالملعقة الخشبية القديمة؟ لقد استمتعت بها، كان هذا هو اليوم الذي أحضرتُ فيه أولي لزيارتك وآمل ألا تكوني نادمةً على تلك الزيارة. والآن يا تيسا، آمل ألا تعتقدي بأني أدسُّ أنفي أو أتدخل فيما لا يعنيني، لكن أولي قد ذكر لي في خطاب أنه على اتصال ببعض الأشخاص الذين يُجرون بعض الأبحاث أو شيئًا من هذا القبيل في الولايات المتحدة، وأفترض أنه كان على اتصال بك بخصوص هذا الموضوع. لا أدري أي نوع من الأبحاث تلك التي يعنيها، لكني يجب أن أقول لك إني شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي عندما قرأت ذلك الجزء من خطابه. لديَّ شعور دفين بأنه ليس بالشيء الجيد أن تغادري المكان هنا — إن كان هذا هو ما تفكرين به — وتذهبي إلى حيث لا يعرفك أحد أو يفكر بك أحد كصديقة أو شخصية طبيعية. شعرت فحسب أنه يجب عليَّ أن أقول لك ذلك. هناك شيء آخر أشعر أنه ينبغي لي أن أخبرك به ولا أعرف كيف. فالأمر هكذا؛ فأولي بالقطع ليس بالشخص السيئ، لكنه ذو تأثير خاص — وأنا أفكر في هذا الأمر الآن، فتأثيره ليس فقط على النساء إنما على الرجال أيضًا — ولا يكمن الأمر في عدم معرفته بذلك، إنما هو لا يتحمل مسئولية ما يفعله ولا يدرك تَبِعاته. وبصراحة أكبر، فأنا لا أرى قَدَرًا أسوأ من الوقوع في حبه؛ إذ يبدو أنه قد تقرَّب منك بطريقة ما كي يكتب عنك أو عن تلك التجارب أو أيٍّ ما يحدث؛ وسيكون ودودًا ويتصرف بتلقائية، لكنك قد تخطئين فهم تصرفاته وتُفسرينها على نحو أكثر مما هي عليه في الحقيقة. أرجو ألا تغضبي من كلامي هذا، وأن تأتي لزيارتي.
نانسي
عزيزتي نانسي أرجو ألا تشعري بالقلق تجاهي؛ فأولي على اتصال بي ويخبرني بكل شيء أولًا بأول. وفي الوقت الذي تصلك فيه هذه الرسالة نكون قد تزوَّجنا بالفعل، وربما وصلنا إلى الولايات المتحدة. وآسف بشدة لأني لم أتمكن من رؤية منزلك الجديد.
المخلصة تيسا
ثقبٌ في الرأس
كانت التلال في وسط ولاية ميشيجان الأمريكية مغطاة بغابات البلوط، وكانت زيارة نانسي الوحيدة إلى هذا المكان في خريف ١٩٦٨ بعدما اصفرَّت أوراق شجر البلوط، ولكنها لا تزال متشبثة بفروعها. كانت معتادة على مساحات الأراضي الواسعة التي تحوي أشجار الخشب الصلد، وليست الغابات التي تحوي العديد من أشجار القيقب الضخمة، التي صبغها الخريف باللون الأحمر والذهبي. أما الألوان الداكنة لأوراق شجر البلوط الكبيرة — بألوانها المتدرجة من الأصفر إلى البني — فلم تكن ترفع من معنوياتها كثيرًا، حتى عندما ينعكس ضوء الشمس فوقها.
كان التل الذي يقع عنده المستشفى الخاص عاريًا من أي أشجار، ويبعد مسافة من أي مدينة أو قرية أو حتى مزرعة مأهولة بالسكان. كانت بناية من ذلك النوع الذي يتم تحويله إلى مستشفى في أيٍّ من المدن الصغيرة بعدما كان قبل ذلك منزلًا كبيرًا لإحدى العائلات المهمة التي توفي جميع أفرادها أو لم يستطيعوا الاحتفاظ بالمنزل. كان بها نافذتان بارزتان إلى الخارج على جانبَي الباب الأمامي، أما الطابق الثالث فكان يحوي العديد من النوافذ المستقيمة على السقف المائل. كان المبنى مصنوعًا من الطوب القديم الذي بدا متسخًا، ولم يكن هناك أي شجيرات حوله، أو أي سياج من الأشجار، ولا يحيط به أي بستان من بساتين التفاح، مجرد بعض الحشائش المقلَّمة ومرأب مفروش بالحصى.
ولم يكن ثَمَّةَ مكان يمكن للمرء أن يختبئ به إن واتته فكرة الهروب من هذا المكان.
لم تكن لتخطر على ذهنها مثل تلك الفكرة — أو ليس بهذه السرعة — في الأيام التي سبقت مرض ويلف.
أوقفت سيارتها بجوار عدة سيارات أخرى، وتساءلت إن كانت هذه السيارات تخص فريق العمل بالمستشفى أم الزائرين. أيُّ عدد من الزائرين هذا الذي يمكنه أن يأتي إلى هذا المكان المنعزل؟
كان على المرء أن يصعد عددًا من درجات السلم كي يتمكن من قراءة اللافتة الموضوعة على الباب الأمامي، والتي تطلب منك الاتجاه نحو الباب الجانبي. رأت — على مسافة قصيرة جدًّا — بعض القضبان الحديدية على بعض النوافذ؛ بَيْدَ أن النوافذ الناتئة لم تكن تحمل تلك القضبان، ولا تغطيها الستائر؛ على عكس بعض النوافذ في الجزء العلوي والسفلي من المبنى حيث يوجد ما يمكن أن يكون قبوًا فوق الأرض.
أما الباب الذي يُنصح بالاتجاه إليه فيفتح على ذلك المستوى المنخفض من المبنى. دقَّت الجرس، ثم قرعت الباب ثم عادت فدقت الجرس ثانية. هُيئ لها أنها تسمعه يدق، لكنها لم تكن واثقة؛ لأن هناك جلبة كبيرة بالداخل. أمسكت بمقبض الباب في محاولة لفتحه، وومما أثار دهشتها — بالنظر إلى أن هناك قضبانًا حديدية على النوافذ — أن انفتح الباب. وجدت نفسها تقف عند عتبة المطبخ؛ مطبخ كبير مزدحم تابع لمؤسسة، ويعجُّ بالكثير من الناس الذين يقومون بغسل الصحون وتنظيف المكان بعد الغداء.
كانت نوافذ المطبخ عارية، وكان السقف عاليًا مما ساعد على تضخيم الضوضاء، وقد طُليت كافة الجدران والخزانات باللون الأبيض. وجدت عددًا من المصابيح المضاءة بالرغم من أن ضوء النهار كان لا يزال في أوجه.
بالطبع لاحظ مَنْ بداخل المطبخ وجودها على الفور، لكن أحدًا لم يتوجه لتحيتها أو لمعرفة سبب وجودها وما تفعله في هذا المكان.
لاحظت شيئًا آخر؛ فإلى جانب وطأة الجلبة والضوء، انتابها نفس الشعور الذي كان قد اعتراها في منزلها الجديد، والذي لا بد وأن أدركه أولئك الذين كانوا يأتون لزيارتها على نحو أكثر منها.
وهو ذلك الشعور بعدم الارتياح وأن ثَمَّةَ شيئًا غريبًا بالمكان، وأنه ليس بمقدورك أن تسيطر على ذلك الشعور أو تغيره، لكن كل ما بوسعك فعله هو مقاومته فحسب بكل ما أوتيت من قوة. غير أن هناك بعض الأشخاص الذين يستسلمون على الفور لذلك الشعور؛ فهم لا يدرون كيفية مقاومته، وربما يسيطر عليهم الغضب أو الخوف ويشعرون أن عليهم أن يفروا من المكان.
اقترب منها رجل يرتدي مئزرًا ويدفع أمامه عربة عليها صندوق من صناديق القمامة. ولم تدرِ إن كان قدِم لتحيتها أم أنه يسير في وجهته، فمر أمامها، لكنه كان يبتسم، وبدا ودودًا، فقدمت له نفسها وأخبرته عن الشخص الذي أتت لزيارته. أنصت إليها وأومأ برأسه عدة مرات، وازدادت ابتسامته اتساعًا، وشرع يهز رأسه ثانية ويُرَبِّت بأصابعه على فمه لكي يجعلها تدرك أنه لا يستطيع الكلام أو أنه غير مسموح له بذلك، كما يفعل الأشخاص في بعض الألعاب، واستمر في طريقه دافعًا العربة على نحو متخبِّط وقد سلك منحدرًا يؤدي إلى القبو بالطابق الأدنى.
إنه نزيل بالمكان وليس موظفًا. لا بد وأن هذا المكان من ذلك النوع الذي يعمل فيه النزلاء إن كان بمقدورهم هذا بالطبع. وتكمن الفكرة وراء ذلك في أنه من المحتمل أن يفيدهم هذا العمل، وقد يكون ذلك صحيحًا بالفعل.
أخيرًا ظهر شخص بدا أنه المسئول، وكانت امرأة في نفس عمر نانسي تقريبًا ترتدي حلة داكنة — فلم تكن ترتدي ذلك المئزر الأبيض الذي يرتديه معظم الأشخاص في المكان — وأخبرتها نانسي بكل شيء مجددًا. أخبرتها أنها تلقَّت منهم خطابًا، فقد قام أحد المرضى — أو أحد المقيمين كما يطلقون عليهم ويريدونك أن تطلق عليهم — بإخطارهم باسمها بوصفها الشخص الذي يمكن الاتصال به.
كانت محقَّة حينما اعتقدت أن الأشخاص الموجودين في المطبخ لم يكونوا من عمال المساعدة في أعمال المطبخ.
قالت رئيسة الممرضات وهي تنظر يمينًا ويسارًا في ابتسامة يشوبها بعض التحذير: «لكنهم يبدو عليهم أنهم يحبون العمل هنا؛ إنهم يفتخرون به.» ثم قادت نانسي نحو مكتبها الذي كان عبارة عن حجرة بعيدة عن المطبخ. وأثناء حديثهما اتضح أن عليها أن تتعامل مع كافة أنواع المقاطعات؛ فهي من يتخذ أي قرار يتعلق بالمطبخ والبت في أي شكوى عندما يدلف أحد من الباب مرتديًا مئزره الأبيض ومحدقًا فيهما. كذلك كان ينبغي لها أيضًا أن تنظر في بعض الملفات والفواتير أو الإخطارات التي ثُبِّتَت على خطافات على الحوائط على نحو لا يبدو مهنيًّا أو منظمًا. بالإضافة إلى استقبالها لبعض الزوار مثل نانسي.
«لقد قمنا بمراجعة السجلات القديمة لدينا، وأخذنا الأسماء المسجلة بها في خانة الأقارب.»
قالت نانسي: «لكني لست من الأقارب.»
«أيًّا كانت صفتك. ثم قمنا بكتابة خطابات على النحو الذي وصلك؛ وذلك حتى نحصل على بعض الإرشادات لنتمكن من معرفة الطريقة التي يرغب الأقارب التعامل بها مع مثل هذه الحالات، وفي الواقع لم نتلقَّ الكثير من الاستجابات. إنه للطف منكِ أن تقطعي كل تلك المسافة.»
سألتها نانسي عما تعنيه بعبارة «مثل هذه الحالات».
قالت لها رئيسة الممرضات إنها تعني الأشخاص الموجودين بالمكان منذ سنوات، وهم ربما لا ينتمون إليه بالأساس.
قالت: «أرجو أن تتفهمي أنني حديثة العهد بالمكان، لكني سأخبرك بما أعرفه.»
وفقًا لما روته فإن المكان كان يضم الكثير من الحالات، ولكنه تحديدًا للمختلين عقليًّا، أو لمن يعانون من الشيخوخة والخرف، أو لمن لا يُرجى تطورهم الذهني على نحو طبيعي بطريقة أو بأخرى، أو لأولئك الأشخاص الذين لا تستطيع عائلاتهم التكيف معهم أو لا تود ذلك؛ فقد كان هناك دائمًا، ولا يزال، نطاق واسع من تلك الحالات المتنوعة، لكن المرضى الأكثر خطورة يوضعون في الجناح الشمالي تحت الحراسة.
كان هذا المكان بالأساس مستشفًى خاصًّا يمتلكه أحد الأطباء ويقوم بإدارته. وبعد وفاته، تولت العائلة — عائلة الطبيب — مسئولية المكان، واتضح فيما بعد أنه كان لهم أسلوبهم الخاص في الإدارة. فقد تحوَّل جزء منه إلى مستشفًى خيري، وكانوا يقومون ببعض الإجراءات غير المعتادة للحصول على نوعٍ من الإعانات لمساعدة بعض المرضى الفقراء، غير أن تلك الحالات لم تكن تستحق هذه المساعدات الخيرية على الإطلاق.
بعض تلك الحالات ما زالت أسماؤها مقيدة بالسجلات رغم أنها توفيت، والبعض الآخر ليس له حق الوجود في المكان أو الأوراق اللازمة لذلك. ويعمل العديد منهم في المستشفى في مقابل الإقامة فيها، وقد يكون هذا بالشيء الجيد من أجل معنوياتهم، لكنه في الوقت نفسه شيء مخالف للوائح والقوانين.
ويُجرى في الوقت الحالي تحقيق شامل وسيتم غلق المكان؛ فقد أصبح عتيقًا على أي حال. لقد كانت سعته صغيرة، ولم تكن الأمور كما هي عليه الآن. وسيتم نقل الحالات الحرجة إلى مستشفًى كبير في فلينت أو لانسينج، لم يتحدد هذا الأمر بعد، ويمكن لبعض المرضى الذهاب إلى دور الإيواء، أو الدور الجماعية التي تأوي حالات الإعاقة الذهنية، كما هو التوجه الآن، وثَمة مجموعة أخرى يمكنهم تدبر أحوالهم إذا ما أقاموا مع أقاربهم.
وتدخل تيسا ضمن هذه الحالات؛ فقد كانت بحاجة لبعض جلسات العلاج بالكهرباء حينما قدمت إلى هنا، لكنها تتلقى أنواعًا بسيطة من العلاج منذ أمد طويل.
قالت نانسي: «معاملة بالصدمة؟»
قالت رئيسة الممرضات: «ربما معالجة بالصدمة.» قالت هذا وكأن إضافتها أحدثت فرقًا جوهريًّا. وأردفت قائلة: «أخبرتِني أنكِ لست قريبة لها. هل هذا يعني أنك لا تنوين اصطحابها معك؟»
قالت نانسي: «لديَّ زوج كان من المفترض أن يكون في مكان كهذا حسبما أعتقد، لكني أرعاه بالمنزل.»
قالت رئيسة الممرضات وهي تتنهد على نحو لا ينم عن تكذيبها لما يقال، ولكنه لا ينم عن تعاطفها كذلك: «أوه، حقًّا، لكن المشكلة تكمن في أنها ليست حتى مواطنة، وهي نفسها لا تعتقد أنها كذلك. إذن أظن أنك لا ترغبين في رؤيتها الآن، أليس كذلك؟»
قالت نانسي: «بالقطع أرغب في ذلك، فهذا ما قدمت لأجله.»
«أوه، حسنًا، إنها لا تبعد عن هنا كثيرًا؛ فهي موجودة بالمخبز، إنها تقوم بالخبز في هذا المكان منذ سنوات طويلة. أعتقد أنه كان هناك خباز يقوم بتلك المهمة في يوم من الأيام، لكنه عندما ترك العمل لم يقوموا بتعيين أحد مكانه، ولم يكن هناك حاجة لذلك؛ فهناك البديل وهو تيسَّا.»
قالت وهي تنهض من مكانها: «والآن، ربما ترغبين في أن آتي لك بعد فترة وأقول إن هناك ما أود التحدث معك بشأنه، ومن ثم يمكنك الخروج دون أن تشعر؛ فتيسا شخصية ذكية وتفهم ما يدور حولها، وبإمكانها توقع ما سيحدث، وقد تشعر ببعض الحزن حينما تراكِ وأنت تغادرين بدونها؛ لذا سأساعدك على أن تغادري خلسة.» •••
لم يُصِب الشيب تيسا تمامًا، وكان شعرها المموج معقوصًا إلى الخلف في شبكة تمسك بشعرها، مما كشف عن جبهتها الخالية من أي تجاعيد، والتي بدت لها مشرقة، بل أعرض وأعلى وأكثر بياضًا عن ذي قبل. وقد اكتسب جسمها زيادة في الحجم أيضًا، وأضحت ذات قوام عريض. كان لها نهدان كبيران مستديران مشدودان يختبئان أسفل ملابس الخباز البيضاء. وبالرغم من تلك الحمولة وتلك الوضعية التي تتخذها في هذه اللحظة — حيث كانت منحنية على المائدة وتقوم بفرد رقاقة كبيرة من العجين — إلا أن كتفيها كانتا مفرودتَيْن في رشاقة وإجلال.
كانت تقف بمفردها في المخبز ولا يرافقها سوى فتاة طويلة نحيفة ذات ملامح جميلة، لا بل كانت سيدة، وكانت قسمات وجهها الجميل تتقلص باستمرار في حركات غريبة لاإرادية.
قالت تيسا: «أوه نانسي، إنه أنت.» كانت تتحدث بصورة طبيعية تمامًا بالرغم من أنها كانت تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة وهي تتحدث في حميمية وود لاإرادي يميزان من يحملون الكثير من اللحم فوق عظامهم. «توقفي عما تفعلينه يا إلينور، لا تكوني سخيفة، اذهبي وأحضري مقعدًا لصديقتي.»
قالت في ارتباك وهي ترى نانسي تود معانقتها، كما يفعل الناس الآن: «أوه، إن الدقيق يلطخ ملابسي كلها، وهناك شيء آخر، فربما عضتك إلينور؛ فهي لا تحب أن يتودد إليَّ أحد.»
عادت إلينور سريعًا وهي تحمل مقعدًا، وتعمَّدت نانسي أن تنظر في وجهها مباشرة وتتحدث معها بلطف.
«أشكرك جزيل الشكر يا إلينور.»
قالت تيسا: «إنها لا تتحدث، لكنها مساعدتي المخلصة، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا بدونها، أليس كذلك يا إلينور؟»
قالت نانسي: «لقد دُهشتُ عندما تعرفتِ عليَّ؛ فقد تغيرت كثيرًا عن الماضي وتقدمت في العمر.»
قالت تيسا: «نعم، لقد كنت أتساءل هل ستأتين حقًّا أم لا؟»
«كان من المحتمل أن أكون توفيت، هل تذكرين جيني روس؟ لقد توفيت.»
«نعم.»
كانت تيسا تصنع فطيرة مخبوزة؛ فقد قامت بقطع جزء من العجين على شكل دائرة، ثم قامت بفرده على صينية خبز معدنية، ثم رفعته وراحت تلف العجين بمهارة بيد واحدة وتقطعه بالسكين التي تمسكها بيدها الأخرى. وقامت بتكرار ذلك سريعًا عدة مرات.
قالت: «هل تُوفي ويلف؟»
«لا، ما زال حيًّا، لكنه أصيب بالجنون يا تيسا.»
أدركتْ نانسي متأخرًا أنه ليس من اللباقة أن تتفوه بشيء كهذا، وحاولت أن تُدخِل على الحديث بعض العبارات اللطيفة، فقالت: «وولفي المسكين؛ إنه يقوم بأشياء غريبة.» حاولت منذ سنوات أن تناديه بوولفي (كاسم تدليل مشتق من كلمة وولف التي تعني ذئب بالإنجليزية) معتقدة أن الاسم يتماشى وفكه الطويل وشاربه الرفيع وعينيه اللامعتين اللتين تعكسان شيئًا من الصرامة؛ بَيْدَ أن الاسم لم يَرُق له؛ فقد تشكَّك في أنه نوع من السخرية، فتوقفت عن مناداته به. أما الآن فلم يعد يعترض على ذلك، وكان مجرد تفوهها بهذا الاسم يُشعرها بأنها أكثر تألقًا وعطفًا تجاهه، وقد كان ذلك عونًا لها في ظل الظروف الراهنة.
«أصبح يبغض الأبسطة على سبيل المثال.»
«الأبسطة؟»
قالت نانسي وهي ترسم مستطيلًا في الهواء: «إنه يسير عبر الحجرة على هذا النحو.» ثم استطردت: «ولذا، اضطررتُ لإزاحة الأثاث بعيدًا عن الجدران؛ فهو يدور حول الحجرة بعيدًا عن البساط.» وانفجرت في الضحك بصورة غير متوقعة، إلا أن ضحكتها كانت تحمل نوعًا من الاعتذار.
قالت تيسا وهي تومئ برأسها، وقد اكتسى كلامها بنبرة تأكيد بحكم خبرتها وإقامتها بالمكان ومعرفتها بمن هم فيه: «الكثير من الأشخاص هنا يفعلون ذلك؛ فهم لا يرغبون في وجود حائل بينهم وبين الجدران.»
«إنه يعتمد عليَّ بشدة؛ فطوال الوقت ينادي «أين نانسي؟» إنني الوحيدة التي يضع فيها كامل ثقته هذه الأيام.»
مرة أخرى تحدَّثت تيسا بلهجة الخبير المحترف العالِم ببواطن الأمور: «هل بات عنيفًا؟»
«لا، لكنه مع ذلك يتشكك في كل شيء، إنه يعتقد أن الناس تأتي وتخبئ الأشياء منه؛ فيُهيَّأ له على سبيل المثال أن هناك من يغيِّر عقارب الساعة، بل وقد يغير الأيام في الصحيفة أيضًا، ثم يحدث أن يعود لطبيعته إذا ما ذكرت أي مشكلة طبية يعاني منها أحد الأشخاص ويقوم بتشخيصها على نحو سليم تمامًا. إن العقل لشيء عجيب وغريب حقًّا.»
وهنا أيضًا افتقر كلامها إلى الكياسة مرة أخرى.
«إنه مشوش، ولكنه ليس عنيفًا.»
«هذا شيء جيد.»
وضعت تيسا الصينية ثم راحت تضع الحشو على الفطيرة من وعاء ضخم ليس له ماركة معروفة، عليه ملصق مدون عليه «توت بري». وبدا أن الحشو كان ذا قوام خفيف ودبق.
قالت: «تفضلي يا إلينور، هذه البقايا لك.»
كانت إلينور تقف خلف مقعد نانسي مباشرة؛ وكانت نانسي تحرص على ألا تستدير وتنظر نحوها. انسلَّت إلينور وجلست أمام طاولة العجين دون أن ترفع بصرها نحوهما، وراحت تشكِّل قطع العجين التي خلَّفتها تيسا من تقطيعها بالسكين.
قالت تيسا: «لقد تُوفي ذلك الرجل، إنني أعرف هذا جيدًا.»
«عن أي رجل تتحدثين؟»
«هذا الرجل صديقك.»
«أولي، أتقصدين أن أولي تُوفي؟»
قالت تيسا: «ألا تعلمين ذلك؟»
«لا، لا أعلم.»
«ظننت أنك تعرفين. ألم يكن ويلف يعلم؟»
قالت نانسي بتلقائية مدافعة عن زوجها الذي ما زال على قيد الحياة: «تقصدين هل يعلم ويلف.»
قالت تيسا: «ظننت أنه يعرف، أليسا قريبَيْن؟»
لم تُجِبها نانسي. بالطبع كان عليها أن تعرف أن أولي قد توفي طالما أن تيسا موجودة في هذا المكان.
قالت تيسا: «أعتقد إذن أنه احتفظ بالأمر لنفسه.»
قالت نانسي: «لطالما كان ويلف بارعًا في المداراة. متى حدث ذلك؟ وهل كنتِ معه؟»
هزت تيسا رأسها لتقول لا، أو أنها لا تعرف.
«حسنًا، متى حدث ذلك؟ بماذا أخبروكِ؟»
«لم يخبرني أحد بشيء، إنهم لا يخبرونني بشيء على الإطلاق.»
«أوه تيسا.»
«كان لديَّ ثقب في رأسي، ظللت هكذا لفترة طويلة.»
قالت نانسي: «أكان الأمر مثلما كنت تعرفين الأشياء؟ أتذكرين الطريقة؟»
«لقد أعطوني بعضًا من الغاز.»
قالت نانسي في صرامة: «من؟ ماذا تعنين بأنهم أعطوكِ غازًا؟»
«المسئولون هنا، أعطوني الإبر.»
«لقد قلتِ إنهم أعطوك بعضًا من الغاز.»
«لقد أعطوني الإبر والغاز لعلاج رأسي حتى يجعلوني أنسى. هناك بعض الأشياء التي أتذكرها، لكني لا أستطيع تحديد وقت حدوثها. ظل هذا الثقب في رأسي لفترة طويلة.»
«هل تُوفي أولي قبل أن تأتي إلى هنا أم بعدها؟ ألا تذكرين كيف تُوفي؟»
«أوه، لقد رأيته، كانت رأسه مغطاة برداء أسود، وكان هناك حبل ملفوف حول عنقه. لقد فعل أحدهم ذلك.» أغلقت فمها وكأن شفتَيْها شُبِّكت إحداهما بالاخرى للحظة قبل أن تردف قائلة: «كان لا بد أن يُعدم أحدهم بالكرسي الكهربائي.»
«ربما كان هذا مجرد حلم سيئ، ربما اختلطت أحلامك بما حدث في الواقع.»
رفعت تيسا ذقنها وكأنها تود أن تقرر أمرًا ما وقالت: «لا ليس كذلك. لم تختلط أحلامي بالواقع.»
حدَّثت نانسي نفسها قائلة: إنها الصدمات الكهربائية، هل تخلِّف الصدمات الكهربائية ثقوبًا في الذاكرة؟ لا بد وأن هناك بعض المعلومات عن ذلك في السجلات الخاصة بها. ستذهب وتتحدث إلى رئيسة الممرضات ثانية.
راحت تنظر إلى ما تفعله إلينور ببقايا العجين؛ فقد كانت تشكِّلهم ببراعة وتصنع منها رءوسًا وأنوفًا وذيولًا وتلصقها ببعض لتكوِّن فئرانًا صغيرة من العجين.
وبحركات سريعة حادة راحت تيسا تشقُّ فتحاتٍ على الجزء العلوي من الفطائر حتى يتخللها الهواء، وقد دخلت قطع العجين الصغيرة المشكَّلة على هيئة فئران إلى الفرن مع الفطائر أيضًا.
مدَّت تيسا يدها كي تحضر لها إلينور منشفة صغيرة مبتلة لتمسح أي أثر للعجين الدبق أو غبار الدقيق من على المائدة.
قالت تيسا في صوت خفيض: «أحضري مقعدًا.» أحضرت إلينور المقعد ووضعته عند نهاية الطاولة لتجلس عليه تيسا بالقرب من مقعد نانسي.
قالت تيسا: «ربما يمكنك أن تذهبي لتُعِدِّي لنا قدحَيْن من الشاي، ولا تشغلي بالك، سنراقب ما صنعته جيدًا، سنراقب فئرانك الصغيرة.»
قالت لنانسي: «دعينا ننسَ كل ما كنا نتحدث بشأنه، ألم تكوني تنتظرين طفلًا في آخر مرة وصلتني منكِ رسالة؟ أكان ولدًا أم بنتًا؟»
قالت نانسي: «كان صبيًّا، لقد كان هذا منذ سنوات طويلة للغاية، وقد أنجبتُ بنتين بعده. لقد كبروا جميعهم الآن.»
«إن المرء لا يشعر بمقدار الوقت الذي يمر هنا، قد تكون تلك نعمة أو قد لا تكون. لا أدري. وماذا يعمل أولادك؟»
«الولد …»
«ما اسمه؟»
«آلان، ودرس الطب هو أيضًا.»
«إنه طبيب. هذا شيء جيد.»
«والفتاتان متزوجتان. وقد تزوج آلان أيضًا.»
«وما اسمهما؟ الفتاتان؟»
«سوزان وباتريشيا، وكلتاهما درست التمريض.»
«لقد اخترتِ أسماء لطيفة.»
أحضرت إلينور الشاي، وصبَّته تيسا. كانت الغلاية موضوعة على الموقد طوال الوقت.
قالت وهي تصب لنفسها في قدح به جزء مكسور: «إنه ليس بنوع فاخر من الخزف.»
قالت نانسي: «لا بأس به. هل تذكرين يا تيسا ما كنتِ تتمتعين به من قدرات في السابق؟ لقد كنت تستطيعين … لقد كانت لك القدرة على معرفة الأشياء والتنبؤ بها. كنت تستطيعين تحديد أماكن الأشياء لمن كانوا يأتون إليك ليسألوك عن مكان وجود ما فقدوه.»
قالت تيسا: «أوه، لا، كنت أتظاهر بذلك فقط.»
«لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا.»
«أشعر بألم في رأسي حينما أتحدث عن ذلك الأمر.»
«آسفة لذلك.»
ظهرت رئيسة الممرضات عند عتبة الباب.
قالت لنانسي: «لم أكن أود أن أزعجكما وأنتما تحتسيان الشاي، لكن هل تمانعين في المرور على مكتبي لدقيقة واحدة بعدما تنتهين من تناوله؟»
انتظرت تيسا بالكاد حتى تبتعد عن مرمى سمعهما.
وقالت: «وهكذا لن تضطري إلى وداعي.»
بدت وكأنها اعتادت قبول تلك المزحة المعتادة.
قالت: «إنها دومًا تقوم بتلك الخدعة. والجميع يعرفها. أعلم أنك لم تأتي لتأخذيني، وكيف لكِ ذلك؟»
«ليس ثَمَّةَ مشكلة تتعلق بكِ يا تيسا، بل إن الأمر يتعلق برعايتي لويلف.»
«هذا صحيح.»
«إنه يستحق أن أفعل له شيئًا. لقد حاول قدر استطاعته أن يكون بمثابة الزوج الصالح. لقد قطعت على نفسي عهدًا بألا يذهب لأي مؤسسة علاجية.»
قالت تيسا: «لا. لا تدعيه يذهب لأي مؤسسة علاجية.»
«يا إلهي! ما تلك الكلمات الغبية التي أتفوه بها؟»
كانت تيسا تبتسم، وقد لمحت نانسي في هذه الابتسامة نفس الشيء الذي كان يثير حيرتها منذ سنوات مضت. لم يكن نوعًا من الاستعلاء، إنما هي ابتسامة تحمل نوعًا من العطف والحنو غير العادي الذي لا مبرر له.
«إنه كرم منكِ أن تأتي لزيارتي يا نانسي، وكما ترين إني أحافظ على صحتي؛ فهذا شيء جيد على الأقل. من الأفضل أن تذهبي لتمري سريعًا على تلك المرأة.»
«ليس لديَّ أي نية في أن أتسلل خفية. بل أنوي أن أودعك.»
والآن ليس ثَمَّةَ وسيلة تستطيع من خلالها أن تسأل رئيسة الممرضات عما أخبرتها به تيسا، بل إنها لا تعرف إن كان من حقها أن تسأل بالأساس؛ على أي حال سيبدو الأمر وكأنها تتسلل خلسة من وراء ظهر تيسا، وقد يؤدي ذلك إلى نوع من الانتقام، ولكن ما الذي يحمل على الانتقام؟ حسنًا، في مكان كهذا لا يمكن للمرء أن يعرف.
«حسنًا، لا تودِّعيني قبل أن تتذوقي واحدًا من فئران إلينور. فئران إلينور العمياء. إنها تريدك أن تتذوقي أحدها. إنها تحبك الآن. ولا تقلقي، فأنا أتأكد بنفسي من أنها تحافظ على نظافة يديها جيدًا.»
أكلت نانسي فأرًا من المخبوزات، وأخبرت إلينور بأنها لذيذة جدًّا. وافقت إلينور على أن تبادلها السلام بالأيدي، وكذلك فعلت تيسا بعدها.
قالت تيسا في لهجة حادة ومنطقية: «إن لم يكن توفي، لماذا لم يأتِ إلى هنا ليأخذني؟ قال إنه سيفعل.»
أومأت نانسي برأسها وقالت: «سأكتب لك.» •••
وكانت تعني هذا حقًّا، ولكن عندما عادت إلى منزلها وجدت أن ويلف يحتاج الكثير من الرعاية، وأصبحت زيارتها إلى ميشيجان مجرد شيء مربك في ذهنها، بل وبدت وكأنها وهمًا؛ لذا لم تفعل.
مربع، ودائرة، ونجمة
في أحد أيام أواخر الصيف في بداية السبعينيات، كانت هناك امرأة تتجول في فانكوفر؛ وهي مدينة من المدن التي لم تَزُرها مطلقًا من قبل، وعلى حد علمها لن تأتي لزيارتها ثانية. سارت من الفندق الذي كانت تنزل به في وسط المدينة حتى جسر شارع بورارد، وبعد فترة قصيرة وجدت نفسها في شارع فورث أفينيو. اشتهر شارع فورث أفينيو في ذلك الوقت بأنه يضم العديد من المحلات الصغيرة التي تبيع البخور، والكريستالات، والزهور الصناعية الضخمة، والملصقات الدعائية لسلفادور دالي وأغنية وايت رابيت، كذلك توجد به أيضًا العديد من المتاجر التي تبيع الملابس زهيدة الثمن؛ سواء تلك الرديئة ذات الألوان البراقة أو ذات الألوان الترابية التي تشبه الأغطية في ثقلها، وجميعها مصنوعة في مناطق فقيرة بالعالم لا يُسمع عنها إلا في الأساطير. وتبدو الموسيقى المنبعثة من هذه المتاجر وكأنها تهاجمك — بل تصدمك — حين تمر من جانبها، وكذلك هو الحال مع الروائح الغريبة التي تشعر بنكهتها الحلوة، وأولئك الصبية والفتيات أو الشباب والشابات المتكاسلين الذين يبيتون على أرصفة الشوارع. كانت المرأة قد سمعت وقرأت عن الثقافة الشبابية الجديدة، كما يطلقون عليها؛ فقد برزت هذه الثقافة وانتشرت منذ سنوات، ولكن يقال إنها في طريقها للتراجع والاختفاء الآن. غير أنها لم تتخيل مطلقًا أن تشق طريقها وسط تجمعاتها، أو أن تجد نفسها بمفردها، كما يبدو، في وسط هؤلاء الشباب.
كانت امرأة في السابعة والستين من عمرها؛ هزيلة الجسم بدرجة اختفت معها أردافها وقلَّ حجم صدرها، تتسم مشيتها بالسرعة وهي مرفوعة الرأس، وتجول بنظرها من ناحية إلى أخرى بأسلوب فيه نوع من التحدي والفضول.
وكل من كانت تراهم كانوا أصغر منها بثلاثين سنة على الأقل.
اقترب منها شاب وفتاة باحترام شابَهُ بعض الحماقة. كانا يضعان حول رأسيهما أطواقًا من الشرائط المجدولة، وأرادا أن يبيعاها لفافة صغيرة من الورق.
سألتهما إن كان حظها مدونًا بداخلها.
قالت الفتاة: «ربما.»
قال الفتى في لهجة استنكار: «إنها تحوي الحكمة.»
قالت نانسي وهي تضع دولارًا في القبعة المطرزة التي مدَّاها نحوها: «أوه، في تلك الحالة سآخذها.»
قالت نانسي وهي تبتسم ابتسامة عريضة لم تستطع إخفاءها ولم يبادلها الاثنان تلك الابتسامة: «والآن أخبراني باسمَيْكما.»
قالت الفتاة وهي تأخذ ورقة النقود وتدسها في جزء من ملابسها: «آدم وحواء.»
شرعت نانسي في تذكُّر لعبة طفولية كان بها هذه الأغنية: «آدم وحواء وقرصة موجعة ذهبوا إلى النهر مساء السبت …»
لكن الشاب والفتاة مشيا من أمامها وقد علت وجهيهما أمارات الضجر والازدراء.
يكفي هذا. وأكملت طريقها.
هل هناك أي قانون يمنع وجودي هنا؟
رأت مقهًى صغيرًا متواضعًا يضع لافتة على إحدى نوافذه، لم تتناول شيئًا منذ طعام الإفطار الذي قُدم إليها في الفندق. كانت الساعة جاوزت الرابعة. توقفت لترى ما يعلنون عنه.
قرأت عبارة «ما أجمل العشب!» وخلف تلك الكلمات المكتوبة بخط رديء رأت امرأة يبدو عليها الغضب تكاد تبكي وتكسوها التجاعيد؛ كان شعرها خفيفًا يطير إلى الخلف من على جبهتها وقرب وجنتيها، ذا لون بني يميل إلى الحمرة ومظهر جاف. تذكرت كلام مصفف الشعر وهو يقول إن الأفضل دائمًا أن تضفي لونًا أفتح من لون شعرك الطبيعي. وكان شعر نانسي بنيًّا داكنًا، يكاد يقترب من اللون الأسود.
لا، لم يكن كذلك. إن شعرها الآن أصبح رماديًّا.
مرات قليلة في حياتكَ — أو على الأقل هي مرات قليلة إن كنتِ امرأة — التي تفاجأ فيها بنفسك على هذا النحو دونما أي استعدادات. كان الأمر بالنسبة لها أشبه بتلك الأحلام المخيفة التي كانت ترى فيها نفسها تسير في الشارع مرتديةً رداء النوم أو ذلك الجزء العلوي من منامتها فقط دون أي مبالاة بالأمر.
خلال العشر أو الخمس عشرة سنة الماضية استطاعت أن تجد وقتًا تتطلع فيه بعين فاحصة إلى وجهها في الضوء الشديد حتى تستطيع أن ترى بشكل أفضل ما يمكن أن تخفيه مستحضرات التجميل، أو إن كان الوقت قد حان لكي تبدأ في تلوين شعرها بالصبغات، لكنها قط لم تتلقَّ صدمة كهذه عندما مرت عليها تلك اللحظة التي لم ترَ خلالها فقط أماكن العيوب القديمة أو الحديثة في جسدها أو حتى ذلك الانحدار الذي لا يمكن تجاهله، إنما فوجئت أمامها بشخص غريب عنها تمامًا.
شخص لم تعرفه من قبل، ولا ترغب في معرفته.
أبدلت تعبيرات وجهها على الفور، وظهر بعض الارتياح على قسماتها. يمكن أن نقول إنها تعرَّفت حينها على ذاتها. وسرعان ما فتَّشت بلهفة واشتياق عن الأمل بداخلها كما لو أنه لم تتبقَّ دقيقة واحدة لتفقدها. كانت بحاجة لوضع بعضٍ من مثبت الشعر حتى لا يتطاير شعرها هكذا حول وجهها، كما أنها تحتاج إلى أن تضع طلاء شفاه أكثر وضوحًا؛ فالأحمر المرجاني، والذي يصعب الحصول على درجته الآن، سيكون أفضل من ذلك البيج الكئيب المائل للوردي رغم أنه يساير الموضة ولونه طبيعي. جعلها تصميمها للحصول على ما تريد تستدير عائدة أدراجها مرة أخرى؛ فقد رأت متجرًا كبيرًا لأدوات التجميل على بعد ثلاث أو أربع بنايات إلى الخلف، كذلك فإن رغبتها في ألا تمر مرة أخرى من أمام آدم وحواء دفعتها لأن تعبر الطريق.
ولولا عبورها الطريق، لما كان ذلك اللقاء بينهما.
رأت شخصًا متقدمًا في العمر يسير على الرصيف؛ رجلًا ليس بالطويل، لكنه ممشوق الجسم قوي البنية، أصلع عند مقدمة الرأس حيث لا يوجد سوى بعض الشعر الأبيض الخفيف والمتطاير في كل اتجاه مثلها تمامًا. كان يرتدي قميصًا من قماش الدنيم مفتوحًا عند الرقبة، وسروالًا وسترة من طراز قديم. لم يكن به ثَمَّةَ ما يجعله يشبه الشباب الصغار الموجودين في الطريق؛ فشعره ليس معقوصًا على هيئة ذيل حصان، ولا يضع وشاحًا أو يرتدي الجينز. لم تكن لتظنَّه خطأً من ذلك النوع من الرجال الذي اعتادت أن تراه يوميًّا على مدار الأسبوعيين الماضيين.
عرفته على الفور؛ إنه أولي، لكنها تسمرت في مكانها؛ فقد كان لديها سبب وجيه لتعتقد أن ما تراه قد لا يكون حقيقة.
إنه أولي. ما زال على قيد الحياة! أولي.
رآها وقال: «أوه، نانسي!»
لا بد وأن التعبير الذي ارتسم على وجهها (بمجرد أن تغلَّبت على لحظة الفزع التي ألمَّت بها والتي بدا أنه لم يلحظها) يشبه كثيرًا ما ارتسم على وجهه هو الآخر من تعبيرات؛ ألا وهي الشك، والابتهاج، والاعتذار.
ولكن الاعتذار عن ماذا؟ هل لأنهما لم يفترقا كأصدقاء؟ أم لأنه لم يكن هناك أي تواصل بينهما خلال كل تلك السنوات الماضية؟ أم بسبب كل تلك التغيرات التي اعترتهما، والأسلوب الذي ينبغي أن يقدما به نفسيهما الآن، لا طائل من ذلك.
بالتأكيد كان لدى نانسي أسباب لشعورها بالصدمة أقوى مما كان لديه، لكنها لن تفصح عنها في تلك اللحظة على الأقل حتى يلتقطا أنفاسهما من وقع المفاجأة ويجمعا شتات نفسيهما.
قالت نانسي: «إنني هنا لليلة واحدة فقط؛ أعني أنني هنا منذ الليلة الماضية وسأمكث هنا الليلة أيضًا، لقد كنت في رحلة بحرية متجهة إلى ألاسكا بصحبة بعض الأرامل كبار السن؛ فقد توفي ويلف كما تعلم، منذ عام تقريبًا. أتضور جوعًا، فأنا أسير منذ فترة طويلة ولا أدري كيف بلغت هذا المكان.»
أضافت بشيء من الحماقة: «لم أكن أعلم أنك تعيش هنا.» لأنها لم تكن تعتقد أنه على قيد الحياة أصلًا؛ بَيْدَ أنها لم تكن واثقة من وفاته أيضًا. على حد علمها لم يكن لدى ويلف أي أخبار في هذا الشأن، بالرغم من أنها لم تحصل على الكثير من المعلومات من ويلف؛ لأنه كان قد فقد صوابه، وحتى في رحلاتها القصيرة إلى ميشيجان لرؤية تيسا لم تستطع أيضًا أن تحصل على أي معلومات.
قال أولي إنه لا يعيش في فانكوفر أيضًا، وإنه في زيارة إلى المدينة لفترة قصيرة فقط، وهو هنا لأسباب طبية، نوع من الفحوصات الروتينية. وأخبرها أنه يعيش في جزيرة تكسادا، وقال إن مكانها أمر معقد يطول شرحه، لكن يكفي القول إنه استقل ثلاث سفن وثلاث عبَّارات لكي يصل من هناك إلى هذه المدينة.
قادها إلى شاحنة بيضاء قذرة ماركة فولكسفاجن تقف في أحد الشوارع الجانبية، وتوجَّها إلى أحد المطاعم. اعتقدت أن السيارة تنبعث منها رائحة مياه المحيط، وأعشاب البحر ورائحة السمك والمطاط. اتضح فيما بعد أنه لا يتناول إلا السمك الآن، ولا يأكل اللحم على الإطلاق. كان المطعم — الذي لا يحوي أكثر من نصف دستة من الطاولات الصغيرة — يابانيًّا، وكان هناك صبي ياباني يقطع السمك بسرعة مخيفة خلف النضد، وكان له ذلك الوجه الحزين الجميل مثل وجه كاهن صغير. ناداه أولي قائلًا: «كيف الحال يا بيت؟» رد الشاب بلهجة أهل أمريكا الشمالية الساخرة ودون أن يغفل إيقاع كلماته: «رائع.» انتاب نانسي شعور بسيط بالانزعاج؛ فهل مَكْمَنه أن أولي تفوَّه باسم الشاب في حين أن الآخر لم يذكر اسم أولي؟ أم لأنها تمنَّت ألا يلحظ أولي أنها انتبهت لذلك؟ هناك بعض الأشخاص — وخصوصًا الرجال — يولون أهمية لصداقاتهم مع العاملين في المتاجر أو المطاعم.
لم تحتمل فكرة تناول السمك النَّيئ، فطلبت بعضًا من النودلز. كانت أعواد الأكل التي أحضرها الشاب غير مألوفة بالنسبة لها — فلم تكن تشبه تلك الأعواد الصينية التي استخدمتها مرة أو مرتين من قبل — ولكنهم لا يقدمون غيرها في هذا المكان.
والآن وبعد أن استقر بهما المقام آن لها أن تتحدث عن تيسا، لكن قد يكون من اللياقة أن تنتظر قليلًا حتى يبدأ هو في إخبارها.
لذا شرعت في التحدث عن رحلتها البحرية؛ فقالت إنها لن تذهب ثانية في مثل هذه الرحلات؛ فهي تخاف على حياتها؛ وليس هذا بسبب الطقس، بالرغم من أنه كان سيئًا في بعض الأوقات حيث تساقطت الأمطار وحجب الضباب الرؤية أحيانًا، بل إنهم حظوا برؤية كافية في الواقع حيث شاهدوا الكثير من المناظر الطبيعية تكفيهم ما تبقى لهم من العمر. مروا بالكثير من الجبال والجزر والصخور والمياه والأشجار. وكان كلُّ من في الرحلة يعلق قائلًا: أليس ذلك بالشيء الخلاب؟ أليس هذا مذهلًا؟
مذهل، خلاب، رائع، مذهل.
رأوا الدببة والفقمات وأسود البحر، ورأوا أيضًا أحد الحيتان، والتقط الجميع الصور، وكانوا يتصببون عرقًا وهم يلعنون كاميراتهم الجديدة خوفًا من ألا تعمل على نحو جيد. ثم غادروا المركب، واستقلوا القطار من المحطة الشهيرة حتى المدينة الشهيرة بتعدين الذهب، والتقطوا المزيد من الصور. وكان هناك بعض الممثلين الذين ارتدوا ملابس تعود لفترة تسعينيات القرن التاسع عشر، وماذا فعل معظم الناس هناك؟ اصطفوا لشراء الحلوى.
كانوا يرددون الأغاني في القطار وعلى المركب، وأسرفوا في الشراب، بل إن هناك من كانوا يبدءون يومهم منذ وقت الإفطار بلعب الأوراق والقمار، ثم الرقص كل ليلة، عشر سيدات عجائز مع رجل واحد متقدم في العمر.
«وضعت النساء جميعهن الأشرطة على رءوسهن، وتزيَّنَّ وصفَّفن شعورهن كالكلاب في العروض، وأصدقك القول؛ لقد كانت المنافسة شديدة.»
كان أولي يضحك عند بعض أجزاء من روايتها، بالرغم من أنها لمحته مرة وهو لا ينظر إليها، بل نحو النضد بشرود وبتعبير ينمُّ على القلق. كان قد انتهى من تناول الحساء وربما كان يفكر فيما يليها من طعام. ربما شعر ببعض التجاهل والاستخفاف عندما لم يُحضَر طعامه على الفور، شأنه في ذلك شأن بعض الرجال.
لم تفلح محاولات نانسي في إحكام سيطرتها على النودلز بتلك الأعواد.
«ثم رحت أتساءل، يا إلهي، ماذا أفعل هنا؟ كان الجميع يقولون لي باستمرار إن عليَّ أن أُرَفِّه عن نفسي. لقد ظل ويلف لسنوات فاقدًا لصوابه، وتغيَّرت شخصيته، وكنت أعتني به في المنزل. وبعد وفاته، كان الناس يقولون لي إنه عليَّ أن أخرج وأشارك في الأنشطة؛ كأن أنضم إلى نادي الكتاب للكبار، أو رابطة التجول في الطبيعة، أو الرسم بألوان المياه، بل إنهم حتى نصحوني أن أنضم إلى رابطة الزوار المتطوعين الذين يذهبون ويتطفلون على المخلوقات الفقيرة البائسة في المستشفيات، لكني لم أشعر بأي رغبة في أن أفعل ذلك، ثم بدأ الجميع ينصحونني ويكررون أن عليَّ أن أخرج وأستمتع بحياتي، وكذلك قال أولادي بأنني بحاجة إلى إجازة طويلة؛ لذا أخذت أفكر وأماطل في الأمر ولم أكن أعرف حقًّا إلى أين أذهب، ثم حدث وأن سألني أحدهم: لِمَ لا تذهبين في رحلة بحرية؟ لذا رحت أفكر في الأمر، بإمكاني أن أذهب بالفعل في رحلة بحرية.»
قال أولي: «شيء مثير للاهتمام؛ فأنا لا أعتقد أن فقدان زوجة يمكن أن يجعلني أفكر فيما بعد بأن أذهب في رحلة بحرية.»
واصلت نانسي الحديث دون توقف، وقالت: «هذا ذكاء منك.»
انتظرت أن يذكر شيئًا بشأن تيسا، لكن جاء الصبي بالسمك الذي سيتناوله وراح يأكل محاولًا إقناعها بأن تتذوق منه.
لكنها لم تفعل، بل إنها توقفت عن تناول الوجبة بالكلية، وأشعلت سيجارة.
قالت إنها كانت تترقَّب وتنتظر لترى ما سيكتبه بعد هذا السبق الصحفي الذي أحدث كل هذا الصخب. لقد أثبت ذلك المقال أنه كاتب جيد.
بدا متحيرًا لوهلة كما لو أنه لم يستطع تذكُّر ما تتحدث عنه، ثم هزَّ رأسه كما لو أنه دُهش من كلامها وقال بأن هذا كان منذ سنوات طويلة؛ طويلة جدًّا.
«لكن ليس هذا ما كنت أريده حقًّا.»
قالت نانسي: «ماذا تعني بذلك؟ لقد تغيرت عما كنت عليه، أليس كذلك؟ فلست كما كنت سابقًا.»
«بالطبع لا.»
«أعني أن هناك شيئًا مختلفًا بالأساس، لقد تغيَّرت من الناحية البدنية؛ فبنيتك مختلفة؛ كتفاك. أم أنني لا أتذكر جيدًا؟»
قال: هو كذلك تمامًا. أدرك أنه يريد أن يحيا حياة بها نوع من النشاط البدني، فما حدث بالترتيب هو أن ذلك اللعين عاوده مرة أخرى (خمَّنَت أنه يعني مرض السل)، وأدرك حينها أنه يفعل كل الأشياء الخاطئة؛ لذا قرَّر التغيير. كان هذا منذ سنوات. تلقَّى تدريبًا ليصبح صانع قوارب، ثم عمل مع رجل يدير مراكب صيد متخصصة في الصيد على أعماق كبيرة. وكان يعتني بمراكب يمتلكها أحد كبار الأثرياء. كان ذلك في ولاية أوريجون بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم عاد إلى كندا، ومكث هنا فترة في فانكوفر، وبعدها اشترى قطعة أرض في سيشلت تطل على البحر، وذلك عندما كانت الأسعار لا تزال زهيدة. ثم بدأ بعد ذلك في تجارة قوارب التجديف؛ فكان يقوم ببنائها وتأجيرها وبيعها وإعطاء بعض الدروس في صناعتها. ثم مرَّ عليه وقت شعر خلاله بأن سيشلت أصبحت مزدحمة للغاية؛ لذا تنازل عن قطعة الأرض لأحد أصدقائه بثمن بخس يكاد يكون بلا مقابل في الواقع. لقد كان هو الشخص الوحيد الذي لم يتمكن من تحقيق ثروة من قطعة أرض في سيشلت.
قال: «لكن حياتي لا تدور حول تحقيق الثروة فقط.»
كان قد سمع عن إمكانية الحصول على أرض في جزيرة تكسادا، وهو الآن لا يغادرها عادة. وهناك عمِلَ في أشياء كثيرة ليكسب قوته؛ استمر في العمل في مجال صناعة قوارب التجديف إلى جانب بعض أنشطة الصيد، وقد استعان به البعض عاملًا وبنَّاءً للمنازل ونجَّارًا.
قال: «أستطيع تدبير أمري.»
ثم حدَّثها عن المنزل الذي بناه لنفسه، كان يبدو من الخارج كوخًا خشبيًّا، لكنه كان رائعًا ومريحًا من الداخل، على الأقل بالنسبة له. كان به حجرة نوم علوية تحوي نافذة صغيرة مستديرة. كل شيء يحتاجه يجده أمامه في متناول يديه، كل شيء بالخارج؛ إذ لم يكن يوجد شيء في الخزانات. وعلى بعد خطوات قليلة من المنزل كان يوجد حوض للاستحمام غاطس تحت الأرض وسط حوض من الأعشاب العطرية، وكان يحمل المياه الساخنة إليه من خلال الدلو، ويجلس للاسترخاء أسفل النجوم حتى في الشتاء.
كان يزرع الخضراوات ويتشاركها مع الغزلان.
وطوال ذلك الوقت الذي كان يسرد فيه كل هذا، اعترت نانسي مشاعر حزن، ولم يكن ذلك بسبب عدم تصديقها لما يقوله — برغم التضارب الكبير — وإنما كانت بسبب حيرتها المتزايدة، ثم شعورها بالإحباط وخيبة الأمل. إنه يتحدث بنفس الأسلوب الذي يتحدث به الرجال الآخرون (فعلى سبيل المثال، كان يتحدث مثل رجل أمضت معه بعض الوقت أثناء رحلتها البحرية، حيث لم تكن شديدة التحفظ باستمرار، أو منطوية على ذاتها كما جعلت أولي يعتقد). الكثير من الرجال ليس لديهم ما يقولونه عن حياتهم سوى ما يتعلق بالمكان والزمان الذي يعيشون فيه، لكنَّ هناك رجالًا آخرين أكثر تطورًا ومواكبة لما يجري، يتحدثون بمثل هذا الكلام الذي يبدو اعتياديًّا على نحو ينم عن الخبرة، يظهر من حديثهم أن الحياة كالطريق الوعر، لكن المصائب تمهد الطريق للنجاحات، وثَمة دروس مستفادة، وبلا شك يأتي بعد الظلمة نور.
لم يكن لديها اعتراض بشأن الرجال الذين يتحدثون على هذا النحو — إذ كان يمكنها عادة أن تفكر في شيء آخر عندما يحدث ذلك — لكن عندما فعل أولي هذا وتحدَّث بتلك الطريقة، وهو يميل نحو المائدة الصغيرة المتهالكة ويمد يده نحو الطبق الخشبي الذي يحوي قطع السمكة المقززة، غمرها الشعور بالحزن.
إنه ليس نفس الشخص الذي عرفته، إنه حقًّا ليس نفس الشخص.
ولكن ماذا عنها؟ أوه، تكمن المشكلة في أنها هي ذاتها؛ نفس الشخصية لم تتغير. عندما كانت تتحدث عن الرحلة البحرية، كانت تشعر بالإثارة، وتستمتع وهي تتحدث هكذا وتنصت لنفسها، ولعبارات الوصف التي تنهال منها. ولم يكن ذلك في الواقع لأنه هو الأسلوب الذي اعتادت التحدث به إلى أولي، بل لأنه نفس الأسلوب الذي تمنَّت أن تتحدث به معه، بل إنها كانت في بعض الأحيان تتحدث معه هكذا في عقلها؛ وذلك بعد أن رحل ولم تَعُد تراه (ولكنها لم تكن تفعل ذلك بالطبع إلا بعد أن تغلَّبت على شعورها بالغضب نحوه فيما بعد). قد يحدث في بعض الأحيان أمرٌ ما يجعلها تحدِّث نفسها بأنها تتمنى أن تخبر أولي بشأن هذا أو ذاك، وعندما كانت تتحدث للآخرين بالأسلوب الذي ترغب به، كانت تتمادى في ذلك أحيانًا، وكان يمكنها حينئذ أن تخمِّن ما يفكرون به. لعلهم يقولون عنها ساخرة أو ناقدة أو حتى لاذعة، ولم يكن ويلف ليصفها بهذه الكلمات، ولكنه ربما كان يفكر مثلهم، لم تستطع قط أن تحدد. أما جيني فكانت تبتسم، ولكن ليس بطريقتها المعتادة. لقد أصبحت جيني في منتصف عمرها الذي لم تتزوج خلاله كتومةً وديعة، ومحبة للأعمال الخيرية (لكن السر وراء ذلك التغيير انكشف قبيل وفاتها عندما اعترفت أنها اعتنقت البوذية).
لذا كانت نانسي تفتقد أولي كثيرًا دون أن تعرف ما الذي تفتقده بالتحديد. افتقدت شيئًا مزعجًا يضطرم بداخله كالحمى الخفيفة؛ شيئًا لم تستطع أن تنتصر عليه. لقد اتضح فيما بعد أن الأشياء التي كانت تثير حنقها خلال الفترة القصيرة التي عرفته خلالها هي نفسها الأشياء التي لامست ذاتها واستمرت ذكراها في ذهنها وهي تستعيد ما مضى من أحداث.
والآن يتحدث إليها بشغف؛ يبتسم وهو ينظر في عينيها. لقد ذكَّرها بأسلوبه البسيط الذي كان يتبعه، والذي كان يجعل منه شخصية جذابة، لكنها كانت تعتقد أنه لم يكن يستخدم هذا الأسلوب معها.
كانت تخشى أن يقول لها: «إنني أُشعرك بالملل، أليس كذلك؟» أو أن يقول: «أوَليست الحياة رائعة؟»
قال: «لقد كنت محظوظًا للغاية، كنت محظوظًا في حياتي. أوه، أعرف أن بعض الأشخاص قد لا يعتقدون أني كنت كذلك؛ فقد يقولون إنني لا أستمر في أي عمل، أو إنني لم أجمع ثروة. وقد يقول البعض إنني أهدرت ذلك الوقت الذي كنت فيه فقيرًا بلا شيء، لكن ذلك ليس صحيحًا.»
أردف قائلًا وهو يرفع حاجبيه وعلى وجهه شبه ابتسامة عما فعله: «لقد سمعت ذلك النداء، حقًّا لقد سمعت ذلك النداء بأن أخرج عن إطار المألوف … أخرج عن إطار القيام بشيء عظيم ينادي به الجميع — أخرج عن إطار الذات. لقد كنت محظوظًا طوال الوقت؛ محظوظًا حتى بإصابتي بمرض السل؛ فقد منعتني هذه الإصابة من الالتحاق بالجامعة حيث كنت سأملأ عقلي بهراء، كما أنها منعت تجنيدي في الجيش في حالة نشوب الحرب.»
قالت نانسي: «لم تكن لتذهب للتجنيد على أي حال إن كنت رجلًا متزوجًا.»
(تساءلت ذات مرة بأسلوب ساخر أمام ويلف إن كان الإعفاء من التجنيد يمكن أن يكون سببًا للإقدام على الزواج.)
قال ويلف حينها: «إن أسباب الآخرين لا تهمني كثيرًا.» وأضاف أنه لن تكون هناك حرب على أي حال، ولم تنشب حرب بالفعل لعقد كامل بعد ذلك.
قال أولي: «حسنًا، نعم، لكن ذلك ليس بالشيء القانوني تمامًا، لقد كنت سابقًا لوقتي يا نانسي، لكني دائمًا ما كنت أنسى أنني لم أكن متزوجًا بمعنى الكلمة. ربما لأن تيسا كانت امرأة تتسم بالجدية الشديدة والتعقيد؛ فليس ثَمَّةَ نوع من المرونة أو الشعور بالراحة معها.»
قالت نانسي بأسلوب هادئ قدر المستطاع: «إذن، احكِ لي عنك أنت وتيسا.»
قال: «لقد كان ذلك الانهيار هو الذي عرقل كل شيء.»
استكمل حديثه موضحًا ما يعنيه بذلك؛ وهو أن حالتها فقدت كل الاهتمام، وكان من تبعات ذلك توقف التمويل؛ أي تمويل الأبحاث حول هذه الحالات. حدث تغيُّر في أساليب التفكير؛ خاصة مع عزوف المجتمع العلمي عما اعتبروه بالتأكيد نوعًا من العبث. قال إن بعض التجارب استمرت لفترة، لكن على نحو غير منظم. وحتى الأشخاص الذين كانوا أكثر اهتمامًا، وأكثر التزامًا — الأشخاص الذين كانوا على اتصال به، حتى لو لم يتصل هو بهم — فقد كانوا هم أول من ابتعد، ولم يردُّوا على الخطابات التي أرسلها إليهم، ولم يحاولوا التواصل معه بأي وسيلة إلى أن قاموا في النهاية بإرسال رسائل قصيرة من خلال سكرتيراتهم يخبرونه فيها بأن الاتفاق برمته أُلغي. وعاملوه هو وتيسا معاملة سيئة للغاية وكأنهم كمٌّ من القاذورات؛ كأشخاص انتهازيين يسببون الإزعاج؛ وذلك بمجرد أن تحوَّل مسار الأمور وتغيرت الدفة.
قال: «وبعد كل ما عانيناه ذهبنا إلى الأكاديميين ووضعنا أنفسنا تحت تصرفهم، ولم أجد منهم أي استفادة.»
قالت: «ظننت أن معظم تعاملاتك كانت مع الأطباء.»
«الأطباء، وصانعي المستقبل المهني، والأكاديميين.»
ولكي تبعده عن ذكريات هذه الجراح الأليمة، وعن ذلك المزاج السيئ، راحت تسأله عن التجارب التي أُجريت بالفعل.
قال بأنها كانت تتضمن جميعها استخدام البطاقات؛ ليست بطاقات عادية إنما بطاقات الإدراك الحسي الفائق وما تحتويه من رموز؛ منها الصليب، والدائرة، والنجمة، والخطوط المتعرجة، والمربع؛ فقد كانوا يضعون على المنضدة بطاقة واحدة لكل رمز ووجهها لأعلى بينما تخلط بقية أوراق اللعب وتقلب ليكون وجهها للأسفل. ومن المفترض أن تحدد تيسا أي رمز من الرموز التي أمامها يتطابق مع رمز أول بطاقة من البطاقات الموجودة. كان ذلك اختبار المطابقة المفتوحة، أما اختبار المطابقة المُعمَّاة فهو نفس الاختبار السابق فيما عدا أنه يتم قلب الكروت الخمسة الرئيسية. وكانت هناك عدة اختبارات أخرى ذات مستويات صعوبة متزايدة، تستخدم العملات والنرد في بعض الأحيان. وأحيانًا لا يستخدم أي شيء سوى صورة ذهنية؛ مجموعة من الصور الذهنية دون أن يكون هناك أي شيء مكتوب، وإما أن يجلس الشخص الخاضع للاختبار والمسئول عن الاختبار كلاهما في نفس الغرفة، أو في غرف منفصلة، أو يُبعَد أحدهما عن الآخر مسافة ربع ميل.
وقد تم مقارنة معدل نجاح تيسا بالنتائج التي يتم الحصول عليها بالصدفة البحتة أو وفقًا لنظرية الاحتمالات التي كان يعتقد أولي أنها تبلغ عشرين بالمائة.
لم يكن ثَمَّةَ شيء في الغرفة سوى مقعد، ومائدة، ومصباح إضاءة؛ تمامًا مثل غرفة التحقيقات، وكانت تيسا تخرج من الغرفة منهكةً تمامًا. وقد أزعجتها الرموز لساعات أينما نظرت، وبدأت نوبات الصداع تنتابها.
وكانت النتائج غير حاسمة، وظهرت كل أنواع الاعتراضات؛ ليس بشأن تيسا، وإنما بشأن الاختبارات وما إذا كانت معيبة أو بها نقص، فقال البعض إن الناس لديهم أفضلية في بعض الأشياء؛ إذ إنه عند إلقاء إحدى العملات على سبيل المثال فالكثيرون سيفضلون اختيار الصورة عن الكتابة، سيفعلون ذلك ببساطة؛ هذا كل ما في الأمر. وإضافة إلى ذلك ما قاله سابقًا عن المناخ العام وقتها، المناخ الفكري الذي كان يضع كل تلك الأبحاث في نطاق العبث. •••
بدأ الظلام يهبط، ووُضعت لافتة «مغلق» على باب المطعم. وكان أولي يجد صعوبة في قراءة الفاتورة، واتضح أن السبب الذي أتى به إلى فانكوفر — ألا وهو المشكلة الطبية — له علاقة بعينَيْه. ضحكت نانسي وأخذت الفاتورة منه وسدَّدت الحساب.
«بالطبع أسدد الفاتورة؛ أوَلست الأرملة الثرية؟»
ولأنهم لم ينتهوا من حديثهم بعد — ولم ترَ نانسي مكانًا آخر بالجوار — فقد سارا حتى وصلا إلى مقهى دينيز لتناول القهوة.
قال أولي: «ربما كنتِ تريدين مكانًا أفخم، هل كنتِ تريدين بعض الشراب؟»
قالت نانسي سريعًا إنها تناولت كمية من الشراب على المركب تكفيها لفترة.
قال أولي: «لقد تناولتُ ما يكفيني طوال حياتي، لقد أقلعت عنه منذ خمس عشرة سنة؛ خمس عشرة سنة وتسعة أشهر تحديدًا. يمكنك التعرف على مَن كان سكيرًا في الماضي عندما يعد الأشهر.»
وخلال فترة إجراء التجارب، والتعامل مع المتخصصين في علم النفس الغيبي، كوَّن هو وتيسا صداقات جديدة؛ فتعرفا على بعض الأشخاص ممن كانوا يكسبون عيشهم عن طريق القدرات التي يتمتعون بها، وليس عن طريق الاهتمام بالعلم المزعوم، إنما من خلال ما يطلقون عليه قراءة المستقبل، أو قراءة الأفكار، أو توارد الخواطر، أو مختلف الأنشطة التي تتعلق بالنفس. منهم من استقر به المقام في أماكن جيدة حيث يعملون من خلال أحد المنازل، أو أمام واجهات أحد المحال التجارية وبقوا هناك لسنوات. هؤلاء هم الأشخاص الذين كانوا يُسدون النصائح الشخصية، ويتنبئون بالمستقبل، ويمارسون علم التنجيم، ونوعًا من أنواع العلاج البديل. وهناك فئة أخرى كانوا يقدِّمون العروض أمام العامة، وكان هذا يعني الانضمام إلى عروض تشبه عروض تشوتوكوا الترفيهية، والتي كانت تتضمن إلقاء بعض المحاضرات، وقراءات ومشاهد من مسرحيات شكسبير، وكان منهم من يغني غناء أوبراليًّا، بالإضافة إلى عرض شرائح عن بعض الرحلات والأسفار (محاضرات تعليمية وليست من أجل الترفيه فقط)، كل هذا ومرورًا حتى بالمهرجانات ذات الأسعار الزهيدة التي تتضمن بعض الفقرات المضحكة الخفيفة، وفقرات التنويم المغناطيسي، وفقرة لامرأة شبه عارية تلتحف بالثعابين. وبطبيعة الحال كان أولي وتيسا يعدَّان نفسيهما من المنتمين إلى الفئة الأولى؛ فالتثقيف وليس الترفيه هو بغيتهم في حقيقة الأمر، لكن للأسف مرة أخرى لم يكن التوقيت في صالحهم؛ فلقد انتهت تقريبًا مثل تلك العروض ذات المستوى الثقافي الأعلى؛ إذ أصبح بمقدور الناس أن تستمع إلى الموسيقى وأن تحصل على قسط من التثقيف من خلال الراديو، وقد شاهد الناس كافة المحاضرات المصورة عن الرحلات في قاعة الكنيسة.
واكتشف أولي وتيسا أن السبيل الوحيد لجني بعض المال هو الانضمام لتلك العروض المتنقلة والعمل في قاعات العروض والاجتماعات في البلدة أو في عروض الخريف. تشاركوا المسرح مع من يقومون بالتنويم المغناطيسي، والنساء اللاتي يلففن الثعابين حول أجسادهن، ومع من يعرضون المونولجات الرديئة، وفتيات عروض التعري اللاتي غطَّين أجسادهن بالريش، ولكن حتى ذلك النوع من العروض بدأ في الانحسار والاختفاء. إلا أن نشوب الحرب عمل على إنعاشه على نحو غريب بعض الشيء؛ إذ امتد لفترة — وإن كان هذا الامتداد مفتعلًا وغير طبيعي — عندما منعت عمليةُ ترشيد الغاز الناس من الذهاب إلى الملاهي الليلية في المدينة أو ارتياد دور السينما الكبرى. ولم يكن التليفزيون قد وصل بعد لتسليتهم بعروض السحر والحركات البهلوانية وهم جالسون على مقاعدهم الوثيرة بالمنزل. ومع بداية الخمسينيات، وظهور برنامج إد سوليفان وغيره كانت نهاية العروض في الواقع.
ومع ذلك كانت هناك بعض الحشود التي لا بأس بها لفترة من الوقت، وامتلأت القاعات عن آخرها؛ وكان أولي يستمتع بما يفعله؛ إذ كان في بعض الأحيان يلقي محاضرة بسيطة وجادة إلا أنها شائقة على سبيل الإحماء وتهيئة الجمهور وجذب انتباههم في الوقت نفسه. وسرعان ما أصبح أولي جزءًا من العرض، وكان عليهم إيجاد شيء أكثر إثارة مما يفعلونه؛ بإضافة نوع من الدراما والتشويق يفوق ما تفعله تيسا بمفردها. ثم كان هناك عامل آخر ينبغي وضعه في الاعتبار؛ استطاعت تيسا مواجهة الأمر على قدر ما تحتمل أعصابها وقدراتها البدنية، لكن ثبت أنه لا يمكن الاعتماد على قدراتها أيًّا كانت؛ فبدأت تضطرب وتخطئ في تخميناتها؛ لذا كان عليها التركيز بصورة لم تفعلها من قبل، ولكنها أخفقت كثيرًا واستمرت نوبات الصداع.
إن ما يشك به معظم الناس يكون صحيحًا، وشكوكهم في محلها؛ فمثل هذه العروض مليئة بالخدع والاحتيال والتضليل، وفي بعض الأحيان تكون كلها كذلك، ويكون هذا كل ما في الأمر، لكن ما يأمل به الناس، معظم الناس، يكون صادقًا وحقيقيًّا في بعض الأحيان؛ فهم يأملون بألا تكون تلك العروض كلها مجرد خدع. وبسبب وجود مؤدِّين على قدرٍ كبير من الأمانة والصدق مثل تيسا، وهي تعرف تلك الآمال وتتفهمها جيدًا — ومن عساه أن يفهمها أفضل منها؟ — استطاعوا أن يشرعوا في استخدام بعض الحيل والأشياء الروتينية التي كانت مضمونة النتائج؛ لأنه كان علينا أن نحقق نفس النتائج في كل ليلة.
وقد تكون الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك بسيطة للغاية، وواضحة مثل التقسيم الزائف في الصندوق الذي تدخل فيه السيدة التي يتم شقُّها إلى نصفين بالمنشار. فهناك ميكروفون خفي، والأكثر احتمالًا أن يتم استخدام شفرة بين الشخص الذي يؤدي على المسرح وشريكه الموجود وراء المسرح على الأرض. يمكننا اعتبار هذه الشفرات فنًّا في ذاتها؛ إنها شفوية وسرية، وليس ثَمَّةَ شيء مكتوب.
سألته نانسي إن كانت الشفرات المستخدمة بينه وبين تيسا تعد فنًّا في حد ذاتها؟
أشرق وجهه وقال: «لقد كان لها مدًى، وبينها فروق بسيطة.»
ثم أردف قائلًا: «كنا نبدو مُتصنعَيْن أيضًا في بعض الأحيان. كنت أرتدي عباءة سوداء …»
«أوه أولي، أحقًّا كنت ترتدي عباءة سوداء؟»
«بالقطع. عباءة سوداء، وكنت أطلب أحد المتطوعين من الجمهور وأخلع العباءة عني ثم ألفها حوله أو حولها، وذلك بعد أن تكون عينا تيسا معصوبتَيْن — حيث يقوم واحد من الجمهور بفعل ذلك ويتأكد من أن عينيها معصوبتان على نحو جيد — ثم أشرع أنا في مناداتها وأسألها: «من الذي أخفيه تحت العباءة؟» أو «من هو الشخص الذي أخفيه تحت العباءة؟» أو أقول المعطف بدلًا من العباءة أو القماش الأسود، أو «ما الذي أخفيه؟» أو «من الذي ترين؟» أو «ما لون الشعر؟» «هل الشخص طويل أم قصير؟» وبإمكاني أن أفعل ذلك من خلال الكلمات أو عن طريق التغييرات الطفيفة في طبقة الصوت. وهناك الكثير والكثير من التفاصيل. وكانت تلك فقرتنا الافتتاحية.»
«ينبغي أن تكتب عن تلك التجربة.»
«لقد كنتُ أنوي ذلك؛ لقد كنت أريد أن أكشف عن بعض أسرار المهنة، لكني تراجعت وأخذت أفكر من ذا الذي سيهتم بهذا على أي حال؟ فالناس إما يرغبون في أن يخدعهم الآخرون، أو لا يرغبون في ذلك؛ فهم لا يبحثون وراء الأدلة والحقائق. وهنالك شيء آخر فكرت به؛ وهو كتابة رواية بوليسية؛ إذ إن الوسط الذي كنا نعيش فيه كان ملائمًا لذلك. وظننت أنني أستطيع تحقيق أرباح طائلة ثم نترك البلد بعد ذلك، ثم فكرت بعدها في كتابة سيناريو أحد الأفلام. هل رأيتِ ذلك الفيلم الذي أخرجه فيليني؟»
أجابت نانسي بأنها لم تفعل.
«هراء. لا أقصد فيلم فيليني، بل الأفكار التي كانت لديَّ في ذلك الوقت.»
«حدِّثني عن تيسا.»
«لا بد وأنني قد كتبت لك، ألم أراسلك؟»
«لا.»
«أعتقد بأني كتبت لويلف.»
«أعتقد أنه كان سيخبرني بذلك.»
«حسنًا، ربما لم أفعل، أعتقد أني كنت في أسوأ أوقات حياتي.»
«في أي عام كان هذا؟»
لم يستطع أولي أن يتذكر ذلك، لكن كانت الحرب الكورية قد اندلعت، وهاري ترومان هو الرئيس وقتها. بدا في أول الأمر أن تيسا أصيبت بالأنفلونزا، لكن حالتها لم تتحسن، وأضحت أكثر وهنًا، وكانت تغطي جسمها كدمات غريبة؛ أصيبت بسرطان الدم.
كانا قد اختبئا في إحدى المدن التي تقع بالقرب من الجبال في قيظ الصيف، وأمِلا في الذهاب إلى كاليفورنيا قبل حلول الشتاء، لكنهما لم يتمكنا حتى من حجز تذاكر رحلتهما التالية، وسافرت المجموعة التي كانا برفقتها من دونهما. وحصل أولي على عمل في إذاعة المدينة؛ إذ استطاع أن يحسِّن من نبرة صوته وهو يقدِّم العرض مع تيسا، فراح يقرأ نشرة الأخبار في المذياع، بجانب الكثير من الإعلانات، وكان يكتب بعض هذه الإعلانات أيضًا حيث غاب المسئول عن ذلك لتلقي العلاج — أو شيء من هذا القبيل — في أحد المستشفيات الخاصة لعلاج إدمان الشراب.
وانتقل هو وتيسا من الفندق الذي كانا يقيمان به إلى إحدى الشقق المفروشة التي لم يكن بها — بطبيعة الحال — أي أجهزة تكييف، لكن لحسن الحظ كان بها شرفة صغيرة تتدلَّى أمامها إحدى الأشجار، وقد وضع أريكة بها حتى تستنشق تيسا الهواء المنعش؛ فلم يكن يريد أن يضطر لإيداعها في أي مستشفى — وهو الأمر الذي سيستلزم الكثير من الأموال بالطبع؛ إذ لم يكن لديهما أي نوع من التأمين — لكن كان في اعتقاده أيضًا أنها أكثر راحة وهدوءًا في ذلك المكان وهي ترى أوراق الأشجار وهي تتمايل، لكنه اضطر في نهاية الأمر أن يأخذها إلى المستشفى، وفي غضون أسبوعين كانت قد تُوفيت.
قالت نانسي: «هل دُفنت هناك؟ ألم يَجُل بخاطرك أنه كان بإمكاننا أن نرسل لك بعض النقود حينها؟»
قال: «لا؛ وأعني لا لكلا السؤالين؛ أعني أنني لم أفكر في طلب المال من أي شخص؛ إذ شعرت أنها مسئوليتي. وقمت بإحراق جثتها ثم غادرت المدينة على عجل ومعي رماد جسدها، حتى وصلت إلى الساحل. لقد كان هذا آخر شيء طلبَتْه مني في الواقع؛ كانت تريد أن تُحرق جثتها وأن يتناثر رمادها عبر أمواج المحيط الهادئ.»
إذن كان هذا هو ما فعله، كما حكى، وقد تذكَّر ساحل ولاية أوريجون، والشريط الساحلي الذي يقع بين المحيط والطريق السريع، وتذكَّر أيضًا الضباب وبرودة الصباح الباكر، ورائحة مياه البحر، ومنظر تلاطم الأمواج الباعث على الشجن والحزن. قام حينها بخلع حذائه، وشمَّر عن رجليه وراح يخوض المياه، واقتربت طيور النورس لترى إن كان يحمل شيئًا إليها، لكنه لم يكن يحمل سوى رماد تيسا.
قالت نانسي: «تيسا …» ثم لم تستطع أن تكمل عبارتها.
«أدمنتُ الشراب بعد هذا، وبالكاد استطعتُ تدبُّر أمري بطريقة أو بأخرى، لكني كنت أشعر أنني عديم النفع، إلى أن اضطررت إلى الإقلاع نهائيًّا عنه.»
لم يرفع بصره نحو نانسي وهو يتحدث. مرت لحظات ثقيلة كان يعبث خلالها بمنفضة السجائر.
قالت نانسي: «أعتقد أنكَ اكتشفت أن الحياة لا بد أن تستمر.»
تنهَّد. وكان تنهُّده ينم عن شيء من الارتياح واللوم.
«كلماتك قاسية يا نانسي.» •••
قام بتوصيلها إلى الفندق الذي كانت تنزل به، وسمعت أصوات قعقعة عالية من التروس بالشاحنة، والتي كانت ترتج وتهتز بشدة.
لم يكن الفندق فاخرًا أو غاليَ الثمن، ولا يوجد به أي حارس، ولم يريا حتى باقة ضخمة من الزهور يمكن التطلع إليها بالداخل، ولكن عندما قال أولي: «أراهن أنه لم تقترب من هذا المكان سيارة كسيارتي التي تبدو كالكومة القديمة»، ضحكت نانسي ووافقته الرأي.
«وماذا عن عبَّارتك؟»
«لقد فاتتني، منذ وقت طويل.»
«أين ستبيت الليلة إذن؟»
«عند أصدقاء لي في هورس شو باي، أو سآتي إلى هنا إن شعرت بعدم الرغبة في أن أوقظهم. لقد قضيت هنا لياليَ كثيرة من قبل.»
كانت غرفتها مجهزة بفراشَيْن، فراشَيْن متماثِلَيْن. قد ينظر إليها أحدهم نظرة بها قدر من الاشمئزاز إن دخلت وهو معها، ولكنها بالقطع تستطيع تحمُّل ذلك؛ طالما أن الحقيقة تختلف تمامًا عما يمكن أن يظنه أي شخص.
أخذت نفسًا عميقًا كما لو أنها تهيئ نفسها لتقول شيئًا.
«لا يا نانسي.»
ظلت تنتظر كل هذا الوقت لكي يتفوه بكلمة واحدة صادقة. ظلت هكذا طيلة فترة ما بعد الظهيرة، وربما لجزء لا بأس به من حياتها؛ كانت تنتظر وها هو الآن قد قالها.
لا.
كان يمكن اعتبارها نوعًا من الرفض لعرض لم تتفوَّه به. كان يمكن أن تشعر بالصدمة حيال ما بدا وكأنه نوع من الغرور، أو شيء لا يحتمل.
ولكن في الواقع كان ما سمعته واضحًا ويتسم باللين والرقة، وبدا في تلك اللحظة وكأنه يحمل الكثير من التفهم شأنه شأن أي كلمة قيلت لها على الإطلاق. لا.
كانت تعلم خطورة أي شيء قد تقوله؛ خطورة رغبتها؛ لأنها لا تدري كُنْهَ تلك الرغبة؛ ورغبة تجاه ماذا؟ لقد أحجما عن أي شيء بينهما، أيًّا كان هذا الشيء منذ سنوات، وعليهما أن يفعلا ذلك بالقطع الآن؛ لأنهما كبِرا في السن، لم يكبرا بشدة، ولكنهما كبرا بدرجة تمنعهما من أن يبدو مظهرهما قبيحًا وسخيفًا. ومن سوء الحظ أنهما أمضيا الوقت معًا وهما يكذبان.
فقد كانت تكذب هي الأخرى حتى أثناء صمتها، وحتى في هذه اللحظة ستستمر في الكذب.
قالها ثانية: «لا.» ولكن في تواضع خالٍ من أي شعور بالحرج؛ «فلن تسير الأمور على نحو جيد.»
بالقطع لن تكون كذلك، وأحد أسباب هذا هو أن أول شيء ستفعله حينما تعود إلى منزلها هو أن تبعث برسالة لذلك المكان في ميشيجان لتعرف ما الذي حدث لتيسا ولتعود بها إلى حيث تنتمي. •••
«يصبح الطريق سهلًا إن كنت حصيفًا بما يكفي لأن تسافر متخففًا من الأحمال.»
ظلت الورقة التي باعها إياها آدم وحواء في جيب سترتها، ولم تخرجها إلا في المرة التالية التي ارتدت فيها تلك السترة بعد قرابة عام من عودتها إلى منزلها، واعترتها بعض مشاعر الحيرة والقلق إزاء تلك الكلمات المطبوعة عليها.
لم يكن الطريق سهلًا؛ فالخطاب الذي أرسلته لميشيجان ارتدَّ إليها مرة أخرى دون أن يُفتح؛ فمن الواضح أنه لم يعد ذلك المستشفى موجودًا، لكن نانسي اكتشفت أن بإمكانها التحقيق في الأمر، وشرعت في أن تفعل ذلك. هناك هيئات يمكن مراسلتها للاستفسار، وهناك سجِّلات يمكن الكشف عنها إن أمكن. لم تفقد الأمل. إنها لن تعترف بأنه أصبح من الصعب أن تصل إلى مبتغاها.
أما في حالة أولي فإنها ربما أوشكت أن تعترف بذلك. كانت قد بعثت بخطاب إلى جزيرة تكسادا، معتقدة أن العنوان كافيًا؛ فلا بد وأن مَن يقطنون هناك أعداد قليلة ويمكن العثور على أيهم بسهولة، لكن الخطاب عاد مرة أخرى وهو يحمل كلمة واحدة فوق المظروف. «انتقل.»
لم تحتمل فكرة أن تفتحه ثانية وأن تقرأ ما كتبته. كانت واثقة أنها قالت الكثير؛ أكثر من اللازم.
ذباب على حافة النافذة
جلست في مقعد ويلف الريكلاينر القديم في الغرفة المشمسة بمنزلها. لم تكن تنوي الخلود للنوم، كان الوقت بعد الظهيرة في يوم من أيام الخريف وما زال الضوء ساطعًا؛ لقد كان في الواقع يوم مسابقة كأس نهائي دوري كرة القدم الكندي، ومن المفترض أنها في حفلة يشارك الجميع في إعداد طعامها ويشاهدون المباراة على التليفزيون، لكنها اعتذرت في الدقيقة الأخيرة. لقد اعتاد الناس مثل هذه الأشياء منها الآن؛ وما زال البعض يقولون إنهم قلقون حيالها، إلا أنها عندما تظهر ثانية في المحافل فإن بعضًا من عاداتها القديمة أو احتياجاتها تعيد تأكيد نفسها، وأحيانًا لا تستطيع منع نفسها من العودة لحياة التجمعات فيتوقف قلقهم عليها لفترة.
يقول أولادها إنهم يأملون ألا تكون قد اعتادت على العيش في الماضي والحنين إليه.
لكن ما تعتقد أنها تفعله، أو ما تريد أن تفعله إن أتيح لها الوقت، هو ألا تعيش في الماضي بقدر ما تريد أن تفتح ذلك الماضي وتلقي نظرة فاحصة على أحداثه.
إنها لا تعتقد أنها كانت نائمة حينما وجدت نفسها تدخل غرفة أخرى؛ فالغرفة المشمسة — تلك الغرفة الوضاءة خلفها — قد انكمشت لتصبح ردهة مظلمة. وكان مفتاح الفندق معلقًا في باب الغرفة، كما تعتقد أن ذلك هو مكانه المعتاد، بالرغم من أنه شيء لم تواجهه في حياتها.
كان مكانًا متواضعًا؛ حجرة متهالكة لمسافرين أنهكهم التعب. كان بها مصباح إضاءة يتدلى من السقف، وقضيب تتدلى منه شماعتان للملابس مصنوعتان من السلك، وستارة من قماش عليه نقوش من الزهور بألوان الأصفر والوردي يمكن جذبها لتخفي الملابس المعلقة عن النظر. ربما كانت الغاية من وراء نقوش الزهور المطبوعة على الستارة هو إضفاء مناخ من التفاؤل، وربما المرح والابتهاج، لكنها ولسبب مجهول كان لها تأثير عكسي.
ألقى أولي بنفسه فجأة فوق الفراش على نحو عنيف، حتى إن الزنبرك أطلق صوتًا بائسًا وكأنه يتأوه. بدا أنه وتيسا قد وصلا بالسيارة الآن، وقاد هو السيارة طوال الوقت. وقد جعله ذلك اليوم من أيام الربيع الحار والمحمَّل بالأتربة في حالة تعب غير عادية. وهي لا تستطيع القيادة. أحدثت قدرًا كبيرًا من الضوضاء وهي تفتح حقيبة الملابس، والمزيد من الضوضاء وهي تقف خلف ذلك الفاصل الخشبي داخل دورة المياه. تظاهر بالنوم عندما خرجت من دورة المياه، ولم يكن يطبق جفنَيْه تمامًا، فرآها وهي تنظر إلى مرآة منضدة الزينة المليئة بالبقع والرتوش في الأماكن التي أزيل فيها طلاء ظهر المرآة. كانت ترتدي تنورة طويلة تصل لكاحلها من قماش الساتان الأصفر، وجاكيت أسود قصيرًا، مع وشاح أسود مزركش بالزهور، يصل طول أهدابه لنحو نصف متر. كانت ملابسها من تصميمها، ولم تكن مبتكرة أو ملائمة لها. كانت بشرتها مصبوغة باللون الوردي، ولكنها لم تكن مشرقة. وضعت في شعرها المشابك وبعضًا من رذاذ تثبيت الشعر، وقد بدا شعرها بعد أن شدته وكأنها تعتمر خوذة سوداء. كانت تضع ظلال جفون باللون الأرجواني، وقد رفعت حاجبَيْها إلى أعلى وعززت من سوادهما كأجنحة الغراب. كانت تطبق جفنَيْها بشدة، وكأنه نوع من العقاب على عينَيْها الناعستَيْن. بدت — في الحقيقة — وكأنها ترزح تحت ثقل الملابس، ومساحيق التجميل وتصفيفة الشعر.
شعرت ببعض الضجيج الذي صدر عنه دون قصد، والذي كان ينم عن شيء من نفاد الصبر أو الشكوى. اقتربت من الفراش وانحنت لتخلع عنه حذاءه.
فطلب منها ألا تشغل بالها بذلك.
قال: «عليَّ أن أخرج ثانية بعد دقائق قليلة؛ يجب أن أذهب لأراهم.»
كان يقصد الناس الموجودين بالمسرح، أو منظمي العرض الترفيهي، أيًّا كانوا.
لم تتفوَّه بكلمة، بل وقفت أمام المرآة وهي تنظر لنفسها ولا تزال تشعر بثقل الملابس والزينة وشعرها الذي كان مستعارًا، وروحها، وراحت تتجول في الحجرة كما لو أن هناك أشياء لتفعلها، لكنها لم تجد أي شيء لتفعله. •••
حتى عندما انحنت لتخلع حذاء أولي لم تنظر في وجهه. وإذا كان قد أغلق عينيه عندما استلقى على الفراش فذلك — كما كانت تعتقد — لأنه ربما يتجنب النظر إلى وجهها. لقد أصبحا زوجين محترفين؛ فهما ينامان، ويأكلان ويسافران معًا، بل قد يكون إيقاع تنفسهما واحدًا، لكنه لا يحدث أبدًا — فيما عدا خلال ذلك الوقت الذي يحملان فيه مسئولية أداء فقرتهما أمام الجمهور — أن ينظر أحدهما في وجه الآخر خشية أن يلمحا شيئًا مخيفًا.
لم يكن ثَمَّةَ مسافة كافية على الحائط لتستند عليها منضدة الزينة ذات المرآة المليئة بالبقع، بل كان جزء منها يبرز أمام النافذة فيحجب جزءًا من الضوء الذي يتسلل منها. نظرت نحوها بشكٍّ للحظات، ثم حاولت أن تستجمع قوتها لكي تحرك جانبًا منها لمسافة صغيرة إلى داخل الحجرة. التقطت أنفاسها وأزاحت الستارة الشبكية المتسخة جانبًا. وعند أقصى جانب من حافة النافذة التي كانت مختفية وراء الستارة ومنضدة الزينة رأت كومة صغيرة من الذباب الميت.
يبدو أن شخصًا ما أقام منذ فترة قريبة في تلك الغرفة وأمضى الوقت في قتل الذباب، ثم قام بجمعه في كومة وأخفاها في هذا المكان. لقد كان الذباب الميت مرتبًا على هيئة كومة هرمية غير متماسكة جيدًا.
صاحت عند رؤيتها لهذا المنظر، ولم يكن صياحها نابعًا من شعورها بالاشمئزاز أو الفزع، بل من المفاجأة، بل يمكنك أن تقول من الابتهاج. «أوه، أوه، أوه.» فتلك الحشرات قد أشعرتها بالسعادة كما لو أنها تشبه المجوهرات حينما تضعها أسفل الميكروسكوب. تلك الومضات باللون الأزرق، والذهبي، والزمردي! تلك الأجنحة الشفافة اللامعة! صاحت، لكن لم تكن صيحتها بسبب رؤيتها لبريق تلك الحشرات على حافة النافذة؛ فليس لديها ميكروسكوب، وقد فقدت الحشرات بريقها بعد أن ماتت.
بل صاحت لرؤيتها في هذا المكان؛ فقد رأت كومة من أجسام رقيقة مجتمعة معًا ومخبأة في تلك الزاوية وغطاها الغبار. لقد رأتها هكذا في مكانها قبل أن تضع يدها على منضدة الزينة أو تزيح الستائر. كانت تعرف أنها موجودة في ذلك المكان بالطريقة التي اعتادت بها معرفة الأشياء.
لكنها لم تعرف شيئًا منذ فترة طويلة، لم تعرف شيئًا، وكانت تعتمد على الخدع والخطط التي يتدربون عليها. كادت تنسى، لقد كانت تشك إن كانت هناك طرق أخرى بالأساس.
أيقظت أولي الآن، واقتحمت فترة الغفوة التي يقتنصها بصعوبة. صاح وهو يهب من مكانه: ما الأمر؟ ألدغكِ شيء؟
قالت: لا، ثم أشارت إلى الذباب.
«كنت أعرف أنها هنا.»
تفهَّم أولي على الفور ما كان يعنيه هذا الأمر بالنسبة لها، وقدَّر الارتياح الذي لا بد وأن شعرت به، رغم أنه لم يكن ليستطيع أن يشاركها سعادتها؛ لأنه كاد هو الآخر أن ينسى بعض الأشياء؛ كاد أن ينسى أنه آمَن بقدراتها في يوم من الأيام. إنه الآن لا يشعر إلا بالقلق حيالها وحيال نفسه، فيجب أن ينجح عرضهما الزائف.
قال: «متى عرفتِ بوجودها؟»
قالت: «عندما نظرت في المرآة، عندما نظرت إلى النافذة. لا أدري متى.»
شعرت بسعادة غامرة. لم تعتَد أن تشعر بالسعادة من عدمها حيال ما يمكن أن تفعله؛ فقد كانت تعتبر الأمر مسلمًا به. والآن لمعت عيناها كما لو أنها أزالت الغشاوة والأوساخ عنهما، وبدا صوتها كما لو أن حلقها أنعشته المياه الحلوة العذبة.
قال: نعم، نعم. سارت نحوه وطوَّقت عنقه بذراعيها وألصقت رأسها على صدره بشدة؛ مما جعل الأوراق التي في جيبه تُصدر بعض الخشخشة.
كانت بعض الأوراق السرية التي حصل عليها من رجل التقى به في إحدى هذه المدن؛ وهو طبيب يُعرف عنه أنه يعتني بأمثالهما من الجوَّالين، وكان يمنُّ عليهما في بعض الأحيان من خلال تأدية بعض الخدمات التي لا تدخل ضمن المعتاد. كان أولي قد أخبر الطبيب أنه يشعر بالقلق حيال زوجته، التي تستلقي في الفراش، وتحملق في السقف لساعات ويعلو وجهها علامات التركيز الشديد، وتظل أيامًا لا تتفوه خلالها بكلمة واحدة، فيما عدا ما هو ضروري أمام الجمهور فقط (كان هذا كله صحيحًا بالفعل). وراح يسأل نفسه، ثم الطبيب، إن كانت قدراتها غير العادية ليس لها علاقة في نهاية الأمر بنوع من الخلل الخطير في قواها العقلية وطبيعتها. لقد كانت تنتابها بعض النوبات المرضية في الماضي، وتساءل إن كان يمكن أن تتكرر ثانية. إنها ليست شخصًا ذا طبيعة سيئة، وليس لها أي عادات سيئة، لكنها ليست شخصًا طبيعيًّا، إنها فقط شخصية متفردة، والعيش مع شخص متفرد يمكن أن يسبب نوعًا من الإرهاق والتوتر بقدر لا يستطيع أن يتحمله أي إنسان. تفهَّم الطبيب ما قاله، وأخبره بمكان يمكن أن يأخذها إليه لكي تأخذ قسطًا من الراحة.
كان يخشى أن تسأله عن مصدر تلك الخشخشة التي سمعتها عندما التصقت به بشدة. لم يكن يريد أن يقول بعض الأوراق؛ مما سيدفعها للسؤال: أي أوراق؟
لكن إن كانت قد استعادت هذه القوى — وهذا اعتقاده، إلى جانب استعادته هو لتقديره واهتمامه الشديد بها، والذي كاد أن ينساه — إن كانت قد عادت إلى سابق عهدها، أليس من المحتمل أن تعرف ما كان مدونًا في تلك الأوراق دون حتى أنْ تكلف نفسها عناء النظر إليها وقراءتها؟
إنها بالفعل تعرف شيئًا، لكنها تحاول جاهدة أن تتجاهله.
إن كانت معرفتها تعني استعادتها لما كانت تملكه ذات يوم، وهو استخدام عينيها ذات النظرات المتعمقة، والوحي الذي ينطق به لسانها على الفور، أفلن تكون أفضل بدون تلك القوى؟ وإن كان الأمر أنها هي من تخلَّت عن تلك القوى والقدرات، وليس العكس، ألن ترحب بذلك التغيير؟
كانت تعتقد أنه بمقدورهما أن يفعلا شيئًا آخر؛ أن يعيشا حياة أخرى مختلفة.
حدَّث نفسه بأنه سيتخلص من تلك الأوراق بأسرع وقت ممكن، وسينسى الفكرة برمتها؛ فإنه هو الآخر قادر على التحلي بالأمل والاحترام.
نعم نعم، كانت تيسا تشعر بكم الوعيد الذي صدر عن صوت الخشخشة الخافت أسفل وجنتيها. •••
كان الشعور بالراحة المؤقتة قد خفَّف قليلًا من حدة الأمور، وبعث نوعًا من الراحة. كان شعورًا جليًّا قويًّا بدرجة شعرت معها نانسي أن المستقبل المعلوم يتهاوى تحت سطوته ويتناثر بعيدًا كأوراق الأشجار القديمة القذرة. •••
لكن تلك اللحظة كانت تحمل في الانتظار شعورًا بعدم الاستقرار، وقد عزمت نانسي أن تتجاهله، ولكن لا طائل من ذلك؛ فإنها تدرك الآن بالفعل أن هناك من يبعدها، ويجذبها بعيدًا عن هذين الشخصين ويعيدها إلى ذاتها ثانية. يبدو وكأن شخصًا يتسم بالحسم والهدوء قد أخذ على عاتقه مهمة إخراجها من تلك الغرفة ذات الشماعات المصنوعة من السلك والستارة المنقوشة بالزهور؛ أيمكن أن يكون ويلف؟ شيء ما يقودها برقة وبإصرار بعيدًا عما بدأ ينهار وراءها، ينهار ويتحول ببطء إلى السواد الذي يشبه السُخام والرماد الناعم.
الهروب |
الفصل الأول
كان المكتب الإداري لمصنع «مونكتون آند هوب» الضخم يبدو وكأنه معلَّق بين السماء والأرض، وبينما كان مديره، جون سارتويل، واقفًا ينظر من النافذة نحو البوابات، كانت السماء ملبَّدةً بواحدة من سحب لندن الضبابية الجاثمة على ارتفاع مائة قدم فوق المدينة؛ مترددةً في الهبوط، بينما كانت الأرض عبارةً عن فِناء مصنع زلق مغطًّى برماد أسود انطبعت عليه آثار مئات الأحذية. كان المكتب مشيَّدًا بين المبنيَين الضخمين المعروفين باسم «الورش». كانت هيئة المكتب الإداري تشير بوضوح إلى أنه لم يكن ضمن التصميم الأصلي للمصنع؛ إذ كان مبنيًّا من الخشب، بينما كان المبنيان الضخمان اللذان يربط بينهما وكأنهما توءمان ملتصقان، مشيدين من القرميد. لم يتوقَّع أي مهندس معماري إنشاء مثل هذا المبنى بين المبنيَين الآخرين، إلا أن الحاجة، التي هي أُمُّ الاختراع، كانت سبب إنشاء المبنى الذي لطالما وصفه سارتويل بأنه المكتب الأنسب في لندن من حيث الموقع. وكان أنْ شُغل المزيد والمزيد من المساحات في المبنيَين الضخمين مع زيادة حجم أعمال المصنع، وكان على المكتب — الذي كان روح المشروع بأكمله — أن يتخذ موقعًا آخر خارج جسده الأصلي، إن جاز القول.
شُيِّد المبنى الإضافي على الطريق الذي يمر بين المبنيَين، فكان يُطل على الفناءين الأمامي والخلفي؛ ومن ثم كان يصله كمٌّ من الضوء والهواء أكبر من المكتب الذي كان يشغله سارتويل سابقًا في المبنى الأيسر. كان لموقع المبنى الفريد الفضل في أن يكون خاليًا من الاهتزازات التي تسبِّبها الآلات إلى حدٍّ كبير، ومع وجود باب يؤدِّي لكل مبنًى من المبنيَين، كان للمكتب مدخل سهل للوصول إلى كلٍّ منهما. وكان سارتويل فخورًا للغاية بهذه الغرف وموقعها؛ إذ كان هو مَن رسم مخططها؛ ومن ثم منحت الشركة مساحةً إضافيةً كبيرةً دون شغلِ مساحةٍ من الأرض أكبر من المساحة التي كانت مشغولةً من قبل؛ وهو إنجاز رائع للغاية في مدينة مزدحمة مثل لندن.
كانت ثمَّة غرفتان خلف المبنى خُصصتا لمالكَي الشركة، بينما كانت مساحة مكتب سارتويل الواقع في واجهة المبنى تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة أيٍّ من هاتَين الغرفتَين، وكان يشغل المساحة بين المبنيَين كاملة. كان هذا الوضع هو الوضع الذي ينبغي أن يكون؛ فقد كان سارتويل يؤدي ثلاثة أضعاف العمل الذي يؤديه المالكان، وإذا تطرَّقنا إلى القدرة العقلية، فقد كان يتفوق فيها بثلاثة أضعاف على مالكَي الشركة مجتمعَين؛ إذ كانا قد وصلا إلى ما هما عليه الآن فقط لأنهما ابنا الأبوين المؤسسَين. فقد أنشأ مؤسِّسا الشركة، بعملهما الجاد وإدارتهما الحكيمة، المصنع الكبير الذي يُعزى ازدهاره الحالي إلى سارتويل، وليس إلى الرجلَين المعروفَين لدى العامَّة بأنهما رئيسا الشركة.
كان مونكتون وهوب رجلَين يتسمان بالجُبن والحذر والتردُّد إلى حدٍّ ما، كحال الرأسماليين في جميع أنحاء العالم. وكانا يثقان في مدير مصنعهما ثقةً مطلقة، ولطالما ألقيا على عاتقه أي مسئولية محفوفة بالمخاطر أو أي قرار بغيض، وكان يتحمَّل الأعباء التي يُلقيانها عليه بكل هدوءٍ دون أن يرفَّ له جفن. كان سارتويل رجلًا من حديد، بشفتَين حازمتَين، وعينَين زرقاوَين فولاذيتَين تُربكان أي شخصٍ قد يُضمر نوايا ملتويةً في بعض الأحيان. حتى الشريكان أنفسُهما كانت شجاعتهما تخونهما أمام هاتَين العينَين، ويُضطران إلى التراجع أمامهما إذا ما وصل الأمر إلى اختلافٍ في الآراء. وكانت عبارة سارتويل المقتضبة: «لن يفيدَ هذا، كما تعلم» دائمًا ما تحسم الأمور.
كانت معرفة سارتويل بالمصنع تفوق معرفتهما إلى أبعد الحدود، فبينما كانا لا يزالان يدرسان في الجامعة، كان مدير المصنع المستقبلي يشقُّ طريقَه إلى القمة حتى حاز ثقة أبوَيهما، وكانت كل خطوةٍ يخطوها ترتقي بوضعِه أكثر في المصنع. كان الرجال الثلاثة في العمر نفسِه تقريبًا، وبدأ الشيب يغزو شعر كلٍّ منهم، إلا أنه غزا شعر سارتويل ربما أكثر من الرجلَين الآخرَين.
كان من الصعب أن يفكِّر في أن يقع الشريكان في الحب، ولكن من اللطيف أن نعرف أنه عندما وصل الحب إليهما في الوقت المناسب في حياتيهما، جاء حاملًا الذهب في يدٍ وضميرًا متزمتًا حيًّا في اليد الأخرى. وبذلك أضاف الرجلان ثروةً إلى ثروتَيهما عبر الزواج، وكانت زوجتاهما منهمكتَين في أفعال الخير، التي كانت تقوم على تقصٍّ صارمٍ ومنصف؛ لكيلا يستفيد منها مَن لا يستحق، ولأن مونكتون وهوب كانا رجلَين جبانَين إلى حدٍّ ما، كان عليهما الخضوع للمرأتَين اللتَين تزوَّجاهما، فوجد بعضٌ من ثروتَيهما طريقَه إلى صناديق المجتمعات المطحونة ومؤسسات إغاثة المنكوبين.
وهكذا، حمل اسمُ شركة «مونكتون آند هوب» (المحدودة) لمحةً من القداسة غير معتادة تمامًا في أوساط المال والأعمال في لندن. وبمجرد الالتحاق بالعمل بالشركة، يمكن التعويل عليها، على نحو شبه مؤكد، لاكتساب جزء من هذه السمعة، ولكن، للأسف! لم يكن من السهل الالتحاق بالعمل في الشركة. فقد كان على المتقدِّم للعمل أن يخضع لتدقيق تلكما العينَين الفاحصتَين اللتَين يمتلكهما سارتويل، الذي كان لديه عادةٌ مربكة بأن يدخل في صلب أي موضوعٍ مباشرةً وبسرعةٍ مذهلة، وعندما يقول عبارته: «لن يفيد هذا، كما تعلم»، فقد قُضي الأمر ولا مجال لمناقشة قراره.
كان ثمَّة دَرَج خاص من الفناء في الأسفل إلى بهو المبنى المعلَّق، يفصل مكتب المدير الكبير عن الغرفتَين الصغيرتَين الخاصتَين بمالكَي الشركة. ولم يكن مسموحًا لأحدٍ باستخدام هذا الدرَج إلا الرجال الثلاثة. كان الموظفون والعامة يدخلون عبر المدخل الرئيسي، حيث يجلس رجلٌ يقظٌ خلف نافذةٍ مقوَّسةٍ صغيرةٍ مفتوحةٍ مُعلَّق فوقها لوحة كُتب عليها كلمة «الاستعلامات».
أمَّا بالخارج، في وسط الظلام، فكان المصباحان الكبيران المعلَّقان على عمودَي البوابة يعكسان ضوءًا أصفر ساطعًا، على الطريق المغطَّى بالرماد والشارع الضيق الكائن خلفه. وعبر البوابة الواسعة المفتوحة على مصراعَيها المؤدِّية إلى الشارع الضيق المرصوف بالحجارة، اندفع مئات العمال. لم يحدث تدافعٌ أثناء خروج العمال، بل خرجوا من البوابة في صمت، الأمر الذي لم يكن مألوفًا. بدا الأمر وكأن شيئًا يجثم على صدورهم، شيئًا أكثر قتامةً حتى من سحابة الضباب الهائلة التي تحوم فوق رءوسهم. وقف سارتويل على مسافةٍ قصيرةٍ من النافذة في مكتبه وحيدًا متواريًا، يراقب خروجهم بوجومٍ وصرامة. زمَّت الخطوطُ المحيطة بفمه الجامد شفتَيه، وجعلتهما أكثر صرامةً من صرامتهما المعتادة. لاحظ أن أحد العمال كان يلقي نظرةً خاطفةً على نافذة مكتبه بين الفينة والأخرى، وكان يعلم أنهم يصبون عليه لعناتهم في أعماقهم؛ لأنه حالَ بينهم وبين تحقيق مطالبهم؛ إذ كانوا يعلمون يقينًا أن الشركة ستُذعن لمطالبهم شريطة أن يُصدر سارتويل الأمر بذلك. كان المدير يعلم أن قائدهم قد قال خلال اجتماعاتهم إنه لا أحد يقسو على العُمال أكثر من عامل ترقَّى من بينهم. وكان اسم سارتويل يُستهجَن سرًّا بينما كان اسم الشركة يُهلَّل له، إلا أن المدير لم يكن من النوع الذي يردعه تراجع شعبيته، على الرغم من أن توتر العلاقات بينه وبين العمال قد منحه سببًا وجيهًا للقلق.
بينما كان مستغرقًا في التفكير في الموقف يُقلِّب الأمر في ذهنه ليعرف؛ إن كان ثمة لومٌ يقع عليه بأي حال، سمع طرقًا خفيفًا على باب مكتبه. استدار سريعًا مبتعدًا عن النافذة، ووقف بجوار مكتبه وقال بحدَّة: «ادخل.»
ولج إلى الغرفة شابٌّ يرتدي زيَّ العمال ويُمسك قبعته في يده. كانت قَسَمات وجه الشاب صريحة، وواضحة، ويبدو عليها الذكاء، وكان قد غسل وجهه بعدما أنهى عمله، تلك الرفاهية التي لم يكن أغلب رفاقه ينعمون بها.
قال المدير وقد انفرج حاجباه عندما رأى القادم: «أوه، مارستن. هل أنجزت المهمة المطلوبة منك في الوقت المحدد؟»
قال مارستن: «أتممتها قبل الخامسة والنصف يا سيدي.»
«حسنًا. هل اعترضَ طريقَك أيُّ عقبات؟»
«لم تعترضني عقباتٌ لم أستطع تخطِّيها يا سيدي.»
«حسنًا مجددًا. هكذا أُحب أن تُنجَز الأمور. الشاب الذي يمكنه تحقيق المستحيلات هو الرجل المناسب لي، وهو الرجل الذي سيُفلح في هذا العالم.»
أدار الشاب قبعته بين يدَيه مرارًا، وبدا محرجًا على الرغم من السعادة التي تجلَّت عليه بوضوحٍ جرَّاء إطراء المدير له. ثم قال أخيرًا:
«لا أُطيق صبرًا لأدخل إلى هذا العالم يا سيدي.»
ردَّ عليه المدير قائلًا: «قد تسنح لك الفرصة لذلك قريبًا.»
ثم سأله فجأة:
«هل ستُضربون عن العمل؟»
«أخشى أننا سنفعل يا سيدي.»
«ولماذا «تخشى» ذلك؟ هل ستُضرب مع الباقين، أم إن قرارك مستقل؟»
«لا يمكن لأحدٍ أن يواجه النقابة بمفرده.»
«أنت تتحدَّث الآن إلى رجلٍ سيفعل ذلك.»
رفع الشاب بصره ناظرًا إلى سيده.
وقال: «بالنسبة إليك الأمر مختلف. فثمة شركة ثرية تشد من عضدك. ووضعك الوظيفي آمن سواء فزتَ أم خسرت. أمَّا إذا خذلتُ أنا النقابة حال تعرُّضها لأزمة، فلن أتمكَّن أبدًا من استعادة وظيفتي.»
ارتسمَت على شفتَي سارتويل ابتسامةٌ واجمة عندما ذكر الشابُّ الشركة. كان يُدرك أنها نقطة ضعفه وليست موطن قوته؛ فعلى الرغم من أن الشركة أخبرته بأن له حرية التصرف تمامًا، فإنه كان واثقًا من أن الهلَع سيضرب نفسَي المالكين في لحظة احتدام الصراع. وإذا شاركَت النساء في الإضراب، فسينتهي الأمر. ولو كان المُضرِبون يعرفون مَن في يده أن يناصرَهم، لكانوا أرسلوا وفدًا من زوجاتهم إلى السيدة مونكتون والسيدة هوب. ولكنهم كانوا لا يُدركون ذلك، ولم يكن سارتويل من نوعية الرجال الذين يُظهرون ضعفهم وقلة حيلتهم.
قال المدير: «نعم، ثقتي في السيد مونكتون والسيد هوب لا حدود لها. وإني لأتساءل عمَّا إذا كان العمال يُدركون هذه الحقيقة.»
«نعم يا سيدي، إنهم يُدركون ذلك.»
«أخبرني يا مارستن، هل لك أي تأثير على العمال؟»
«أخشى أنه تأثير محدود للغاية يا سيدي.»
«إذا كان لك أي تأثير عليهم، فقد حان الوقت لممارسته، لصالحهم، كما تعلم، وليس لصالحي. فهذا الإضراب مُقدَّرٌ له الفشل. ولكني لا أنسى أبدًا مَن يؤازرني.»
هزَّ الشاب رأسه.
وقال: «إذا رحل رفاقي، فسأرحل معهم. لست واثقًا تمام الثقة من أن الإضراب مُقدَّرٌ له أن يفشل، رغم أني من معارضيه. إن النقابة تملك قوةً كبيرة يا سيد سارتويل. لعلك لا تعلم أنها أقوى نقابة في لندن.»
مرَّر المدير يده على عددٍ من فتحات صندوق البريد للحظة، قبل أن يسحب ورقةً من إحداها ويُناولها إلى مارستن.
قال المدير: «هذه هي قوة النقابة مُلخَّصةً في سبعة عشر الجنيه وثمانية الشلنات والبنسين التي أودعوها في المصرف بعد ظُهر أمس. إذا أردت أي معلوماتٍ عن نقابتك يا مارستن، فسيُسعدني أن أمنحك إياها.»
اتسعت عينا الشاب بينما كان ينظر إلى الأرقام.
وقال: «إنه مبلغ ضخم جدًّا.»
علَّق سارتويل على ما قاله مارستن بنبرةٍ محايدة: «مبلغ مُعتبَر يكفي لتمويل صندوق الإضرابات. ولكن كم، في رأيك، عدد أيام السبت التي سيظل هذا المبلغ صامدًا خلالها أمام استنزاف الرواتب في هذه المؤسَّسة؟»
«ربما ليس الكثير.»
«ستُفاجأ حين تعرف مدى قلتها. إن العمال لا ينظرون إلا إلى جانب واحد فقط من هذا السؤال، أمَّا أنا فمُجبرٌ على النظر إلى كلا الجانبين. إذا لم يتلقَّوا رواتبهم في أي يوم من أيام السبت، فلن يكونوا سعداء، أليس كذلك؟ لا بد أن أخطِّط وأدبِّر لضمان وجود المال كل سبت، إلى جانب ضرورة وجود مزيدٍ من المال يكفي لتعويض الشركة عن استثماراتها ومخاطراتها. قد لا تبدو هذه التفاصيل الصغيرة مهمةً لواحدٍ من الدَّهْماء لا يعرف شيئًا عن التجارة، ولكنه يُجيد إلقاء الخطب الرنانة في جمعٍ من الرجال لِيُوغر صدورهم. سيُسعدني للغاية أن أتركَ له منصبي هذا لشهرٍ أو شهرَين وأخلُدَ إلى الراحة، ولنرَ إذا كان سيرى وجهة نظري للأمور صحيحًا أم لا.»
فجأةً نظر مارستن إلى المدير وقال: «سيد سارتويل، لقد طرح عليَّ الليلة بعضٌ من العمال الأكثر اعتدالًا سؤالًا مشابهًا لأحد أسئلتك.»
«وماذا كان هذا السؤال؟»
«سألوني عمَّا إذا كان لي أي تأثير عليك.»
«حقًّا؟ وهل أخبرتهم أن …؟»
«إنني لا أعرف.»
«حسنًا، ولن تعرف حتى تُجرِّب. هل ثمَّة ما تقترحه؟»
«الكثير من العمال يعارضون الإضراب، ولكن حتى الأكثر اعتدالًا منهم يرَون أنك مخطئ في رفضك مقابلة الوفد. ويعتقدون أن رفضك يبدو تعسفًا واستبدادًا منك، وإن كنت مُجبرًا على رفض أي مطالب قُدمت، كان يجدر بك ألَّا تدع الأمور تئول إلى أزمة دون السماح للوفد، على الأقل، بعرض مطالب العمال.»
«وهل تعتقد أنني مخطئ في ذلك؟»
«نعم.»
«عظيم. سأُسوِّي هذا الأمر في الحال. اجمع بعضًا من العمال الأكثر اعتدالًا معًا على أن ترأس الوفد بنفسك. سأُحدِّد معك موعدًا، وسنناقش الأمر معًا.»
لم يبدُ على وجه الشاب الرضا التام عن هذا التنازل الفوري كما كان متوقعًا. ولم ينبس ببنت شفة لبضع لحظات، في حين ظل رئيسه ينظر إليه متفحصًا موليًا ظهره للمكتب العالي.
وفي الأخير تحدَّث مارستن:
«لا يمكنني أن أترأَّس الوفد؛ فأنا أحد أصغر الموظفين سنًّا في الشركة. كما أن أمين النقابة هو القائد الذي اختاره العمال.»
«آه! أمين النقابة. هذا وضعٌ مختلف تمامًا. إنه ليس من موظفيَّ. ولا يمكنني السماح للغرباء بالتدخُّل في أي شأنٍ يتعلق بي. أنا على استعدادٍ دائمٍ لاستقبال رجالي، سواء فُرادى أو ضمن وفد، وهذه ليست مسألةً بسيطة تمس قلةً من العمال؛ ولكن إذا فتحت أبواب مكتبي للعالم الخارجي … حسنًا، الحياة قصيرة. على سبيل المثال، أنا أناقش هذه الأمور معك، ولكني لن أناقشها مع أي شخص من الشارع.»
«نعم، أفهم مدى صعوبة ذلك، ولكن ألَا تعتقد أنه من الأفضل أن تتنازل هذه المرة لتفادي المشكلة؟»
«هذا لن يكون تفاديًا للمشكلة، بل مجرد تأجيل لها. وستكون هذه سابقة، وسأُضطر للسماح لهذا أو ذاك بالتدخل من وقت لآخر. وسيكون عليَّ أن أتخذ موقفًا في وقت ما، وربما يحدث ذلك في وقت لا أكون فيه مستعدًّا جيدًا. إن آل الأمر إلى معركة، فلتكن الآن. نحن بحاجة إلى بعض الآلات الجديدة، ولن يضيرنا أن نغلق المصنع أسبوعًا.»
هزَّ مارستن رأسه.
وقال: «قد يمتد الإغلاق أكثر من أسبوع.»
«أعلم ذلك. سيستمر الإضراب ثلاثة أسابيع بالضبط. وفي نهاية هذه الأسابيع الثلاثة لن تكون هناك نقابة.»
«وربما لن يكون هناك مصنع أيضًا.»
«هل تعني أنه سيكون ثمَّة عنف؟ عظيم. في هذه الحالة، لن يستمر الإضراب إلا أسبوعَين فقط. اسمع يا بني، نحن في لندن، وهذا يعني أن الشرطة لن تصل إلينا في غضون لحظاتٍ من الاتصال بها فحسب، بل سيأتي خلفها جنود الجيش، ومن خلفهما أيضًا الإمبراطورية البريطانية كاملة. لا يا مارستن، هذا غير مقبول، غير مقبول.»
«إن الرجال يملكون عزمًا من حديد يا سيد سارتويل.»
«هذا أفضل وأفضل. فأنا أحب الخصم ذا العزم. حينئذٍ يمكنك أن تحسم الأمور دون رجعة. لا أمانع مواجهةً مباشرةً على الأرض، أمَّا الدخول في مساوماتٍ ومفاوضاتٍ إلى ما لا نهاية، ومقابلة عددٍ لا نهائي من الوفود ولجان التحكيم والمصالحة، وكل هذه الأمور، فلا طاقة لي بذلك. دعونا نضع حدًّا للأمور ثم نَعُد لاستئناف عملنا.»
«هل يعني ذلك أنك ليس لديك شيءٌ لتعرضه عليهم؟ أعني على سبيل الترضية.»
«بالطبع لديَّ. دع العُمال يطلبوا من ذلك الجعجاع الأحمق جيبونز أن يلتفت إلى واجباته كأمينٍ للنقابة فقط، ثم ادعُ وفدًا من عمال وِرشنا للمجيء إلى هنا لمقابلتي. سنُناقش الأمر، وإن كانت لهم أيُّ شكوى، فسأُعالجها من أجلهم. هل هناك عدلٌ أكثر من ذلك؟»
«لقد أصبحت مشاركة جيبونز في الأمر مسألةَ مبدأ بالنسبة إلى العمال في الوقت الحالي. فهي تعني الاعتراف بالنقابة.»
«حسنًا، سأعترف بالنقابة وسأرفع لها قبعتي احترامًا؛ أعني فيما يتعلَّق بموظفيَّ. ولكني لن أسمح لدخيلٍ لا يعرف شيئًا عن هذه الشركة بأن يأتي إلى هنا ويُطلق هراءه في وجوهنا. تلك مسألة مبدأ بالنسبة إليَّ، شأني شأن العمال.»
تنهَّد مارستن.
وقال: «أخشى أنه لن يكون أمامنا خيارٌ إلا القتال.»
«ربما لا. إن أحمق واحدًا يصنع حمقى كثرًا. فكِّر جيدًا يا مارستن، أي جانبٍ ستتخذ في هذه المعركة. لقد غادرتُ نقابةً عماليةً من قبل، وعلى الرغم من أنني حينها كنت أكبر منك سنًّا، فإنني لم أندم على ذلك قط. لقد تسبَّب ذلك في أن أُصبح عاطلًا لبعض الوقت، ولكن ليس لوقتٍ طويل، ولم تقبل النقابة العمالية في الشركة التي أصبحت مديرها الآن انضمامي إليها. إن النقابة العمالية قائمة على أُسس غير مقبولة. فأي نظام يقوم على مساواة العطاء بين العامل السيئ والعامل الجيد هو نظام خاطئ تمامًا.»
«لا أتفق معك في ذلك يا سيد سارتويل. إن الأمل الوحيد للعامل يكمن في توحيد الجهود. لا شك أننا نرتكب أخطاءً وأن قادتنا من الدَّهماء، ولكن يومًا ما سيكون هناك إضراب تحت قيادة قائد حقيقي كنابليون، وحينها سنُسوي الأمور إلى الأبد، كما قلتَ منذ قليل.»
ضحك سارتويل ومدَّ يده نحوه.
وقال: «هذا ما تطمح إليه، أليس كذلك؟ حسنًا، أتمنَّى لك كل التوفيق يا نابليون الصغير. كنت سأختار ويلنجتون، لو كنتُ مكانك. عِمت مساء. أنا في انتظار ابنتي التي سمحتُ لها بغباء أن تمر عليَّ هنا مستقلةً عربة أجرة.»
أطال مارستن الإمساك باليد الممدودة إليه حتى إن المدير نظر له في دهشة. وعلَت الحمرة وجه الشاب من وجنتَيه إلى حاجبَيه، بينما كانت عيناه مثبَّتتَين على الأرض.
وقال بصعوبة: «سيد سارتويل، لقد حضرت اليوم لكي أتحدَّث إليك عن ابنتك، وليس عن الإضراب.»
أسقط المدير يده كما لو كانت جمرة نار، وتراجع خطوتَين إلى الخلف.
وصاح في جديةٍ صارمة: «عن ابنتي؟ ماذا تعني؟»
اضطُر مارستن إلى لَعْق شفتَيه مرةً أو اثنتَين قبل أن يتمكَّن من الرد. وكان يفتح راحة يده التي تركها المدير ويضمُّها في عصبية.
ثم قال: «أعني أنني أحبها.»
جلس المدير على مقعد مكتبه بجوار طاولته. وغادرَت وجهَه كلُّ تعابير الود التي كانت مرتسمةً عليه، وتهدَّل حاجباه الداكنان على عينَيه الثاقبتَين اللتَين عاد إليهما بريقهما البارد المعتاد.
وصاح في غضبٍ متصاعد: «ما هذا الجنون؟ أنت صبي صغير، كما أنك نشأت في المجارير، على حسب علمي. وابنتي لا تزال طفلة، إنها لا تزال في …»، ثم صمت. كان على وَشْك أن يقول في السابعة عشرة من عمرها عندما تذكَّر أنه تزوَّج والدتها عندما كانَت تكبرها بعامٍ واحدٍ فقط.
ازداد وجه مارستن حمرةً عندما ذكر المدير المجارير بهذا الازدراء. وقال ببطء يشوبه نبرة عناد:
«لا عيب في أن أكون من المجارير، العيب أن أظل هناك. لقد غادرت المجارير، ولا أنوي العودة إليها.»
صاح المدير في نفاد صبر: «أوه. «تنوي». جميعنا نعلم الطريق المُمهد بالنوايا الحسنة. عجبًا؛ أنت لم تتحدَّث إلى الفتاة على الإطلاق!»
«لا، ولكن أنوي أن أفعل.»
«حقًّا؟ حسنًا، سوف أتخذ كل حذري حتى لا تفعل.»
«ما وجه اعتراضك عليَّ يا سيد سارتويل؟»
«وما الذي يميِّزك؟ فلتتكرَّم وتعدِّد لي مناقبك.»
«أنت تقسو عليَّ كثيرًا يا سيد سارتويل. أنت تعلم أن ما حصلت عليه من تعليم كان بجهدي، بالرغم من نشأتي في المجارير. لقد درست بجِد، وعملت بجد. أليس لذلك قيمةٌ بالنسبة إليك؟ إن أخلاقي حسنة، ومركزي الوظيفي جيد …»
«لست كذلك. أنا أفصلك من العمل. ستأتي إلى المكتب غدًا، وتحصل على راتب الأسبوع، وتُغادر.»
«يا إلهي!»
«نعم، «يا إلهي!» لم تتوقَّع مني ذلك، أليس كذلك؟»
«بلى، لم أتوقعه.»
«حسنًا، لمرة واحدة في حياتك، كنتَ محقًّا. أود فقط أن أُريك أن مركزك الوظيفي الجيد يقوم على هوى رجل واحد. لا نية لديَّ لفصلك من العمل. فلست خائفًا منك إلى هذا الحد. أمَّا ابنتي فسأتولى أمرها.»
قال مارستن في مرارة:
«إن جيبونز، رغم حماقته، محق في قوله إنه لا أحد أكثر قسوةً على العُمال من عامل صعِد من بين صفوفهم. أنت لم تكن أفضل حالًا مني عندما كنتَ في مثل سني.»
هبَّ سارتويل واقفًا وعيناه تتقدان غضبًا.
وصاح قائلًا: «اسمع أيها الشاب. كل ما فعلتَه، فعلتُه من قبلك. وكل ما تنوي فعله، فعلتُه أنا بالفعل. لقد علَّمتُ نفسي بنفسي، بقدرٍ ما، وكَدَدت في عملي مواصلًا الليل بالنهار. وبلغت مركزًا معينًا، ومسئوليةً معينة، وحقَّقت مبلغًا معينًا من المال. إن حياتي عبارة عن قليل من المتعة وكثير من الكدح، والعمر الآن يجري بي. ولكن عندما أنظر إلى حياتي أُدرك أن ما حقَّقته من نجاح نابع عن حظٍّ بقدر ما هو نابع عن جدارة. كنت مستعدًّا عندما سنحت الفرصة، هذا ما في الأمر؛ لو لم تأتِ الفرصة، لَما نفعني كل استعدادي هذا. فأمام كل رجل ينجح، ثمَّة عشرات يفشلون عن جدارة.
والآن، لماذا تحمَّلتُ كل هذه المعاناة؟ لماذا؟ هل من أجل نفسي؟ على الأرجح لا. لقد فعلتُ كل هذا حتى لا تُضطر ابنتي لأن تصبح كادحةً متعبة — زوجة عامل — وحتى يتسنَّى لها أن تُكمل حياتها من حيث انتهيتُ أنا. هذا هو السبب. أمَّا بالنسبة إليَّ، فلا أمانع أن أرتدي زي العامل مثلما ارتديت سترة المدير. والآن، بعد كل ما عانيته من أجلها، تتحدَّث عن الحب! كم يساوي حبك لها مقارنةً بحبي لها؟! وبعدما فعلت كل ذلك كي لا تعرف من الأساس ما يعنيه ذلك، هل أكون بذلك الحمق والشر والغباء لألقيَ بها إلى حيث بدأتُ تحت قدمَي أول متبجِّحٍ صفيقٍ واتَتْه الجرأة ليطلب يدها؟ لا، بربي، لا! الآن وقد حصلت على الرد، فلتخرج، ولا تُسوِّلن لك نفسك أن تخطوَ بقدمَيك إلى هذا المكتب حتى أُرسل في طلبك.»
كان سارتويل في غمرة انفعاله يضرب سطح المكتب بقبضته المضمومة للتأكيد على ما يقول. وانكمش مارستن على نفسه أمام ثورته مُدركًا أنه لا أحد من العمال رأى المدير غاضبًا من قبل، وتَخوَّف من الضغينة التي ستملأ قلب سارتويل عندما يعود له هدوءُه. وشعر أنه كان يجدر به أن يكون أكثر كياسةً ويغادر في وقت أسبق. ولكنه رأى أن الأمور لا يمكن أن تئول إلى أسوأ ممَّا هي عليه، فبقيَ واقفًا في مكانه.
وقال: «كنت أعتقد أنه سيكون من الشرف أن أدعك تعرف أن …»
«لا تتحدَّث معي عن الشرف. اخرج.»
في تلك اللحظة، انفتح الباب المؤدي إلى الدرج الخاص ودخلت منه فتاةٌ شابة. كان والدها قد نسي تمامًا موعده معها، وفوجئ الرجلان بدخولها عليهما.
قالت الفتاة: «لقد طرقتُ الباب يا أبي، ولكنك لم تسمعني.»
قال والدها في عُجالة: «سأوافيكِ خلال لحظةٍ يا إدنا. انتظري في الرَّدهة قليلًا.»
قال مارستن وهو يتجه إلى الباب الآخر ويفتحه: «أرجوكِ ألَّا تنصرفي يا آنسة سارتويل. طابت ليلتكَ يا سيد سارتويل.»
قال المدير باقتضاب: «طابت ليلتك.»
«طابت ليلتكِ يا آنسة سارتويل.»
قالت الفتاة بعذوبةٍ معطيةً إيحاءً بالانحناء: «طابَت ليلتك.»
الْتقَت عينا الرجلَين لحظة، وبدا العناد جليًّا في عينَي كلٍّ منهما، إلا أن عينَي الشاب كانتا وكأنهما تقولان في تحدٍّ:
«أرأيت؟ لقد تحدثتُ إليها.»
نفوس متقلبة |
الفصل الثاني
نحن نتحدث عن شخصياتنا الفردية كما لو أنها شيء حقيقي ملموس؛ كما لو كنا نحن أنفسنا حقيقة، متناسين أننا ما نحن سوى مجموعة من الخِصال اكتسبناها من أسلافنا الذين مات أغلبهم، ورحل وصار في طي النسيان. فرجل الأعمال المحنَّك في «المدينة» يتصوَّر أن غرائزَه القوية مقتصرةٌ عليه وحده؛ لا يدرك حقيقة أن تلك الصفات الباهرة التي تمكِّنه من إنشاء شركة مساهمة؛ قد مكَّنت أحد أسلافه من العصور الوسطى من نَهْب بلدة، أو قاطع طريق من عصر لاحق من سرقة حقيبةٍ مليئةٍ بالنقود من قاطع طريق آخر في مرجٍ خالٍ.
كانت إدنا سارتويل تملك سمةً وراثيةً واحدةً واضحة وبارزة، ومن السهل ملاحظتها؛ كانت عيناها تشبهان عينَي والدها، لكنهما أكثرُ رقةً ولمعانًا، وجميلتان إلى حدٍّ مربك؛ عينان كفيلتان بأن تطاردا أيَّ رجلٍ حتى في أحلامه. لم تحمل عيناها أيًّا من تلك الحِدة القاطعة كالسيف، تلك الحدة التي جعلت من عينَي والدها سلاحَين للهجوم والدفاع، ولكنهما كانتا عينَي والدها دون شك، مع اختلافٍ أنثوي رقيق، وفي هذا الاختلاف عاشَت والدتها المتوفاة من جديد.
قال لها والدها عندما أصبحا بمفردهما: «إدنا، يجب ألَّا تحضري إلى هذا المكتب مرةً أخرى.»
كانت نبرة صوته تكتنفها حدة تفوق تلك التي اعتادت التحدُّث بها مع ابنته، فرفعت إدنا بصرها نحوه بسرعة.
سألته: «هل قاطعتُ اجتماعًا مهمًّا؟ ماذا كان يريد هذا الشاب يا أبي؟»
«كان يريد شيئًا لم أستطِع منحه إياه.»
«أوه، يؤسفني هذا! لقد بدا محبَطًا. هل كان يطلب منصبًا أعلى؟»
«شيء من هذا القبيل.»
«ولمَ لم تستطِع منحه إياه؟ ألَا يستحقه؟»
«لا يستحقه، لا. لا، لا!»
«بدا لي أنه يملك وجهًا طيبًا؛ أعني صادقًا وصريحًا.»
«يا إلهي! ماذا تعرفين أنتِ عن الوجوه أيتها الطفلة؟ لا تتدخَّلي في أمور العمل؛ فأنتِ لا تفهمينها. وكُفي عن الثرثرة، والثرثرة، والثرثرة. إن امرأةً واحدة على هذه الشاكلة تكفي في أي عائلة؛ فلن يتحمَّل الرجل أكثر من واحدة.»
صمتت الابنة، في حين بدأ الأب يضع بعض الأوراق في فتحات صندوق البريد، ثم يُخرجها مرةً أخرى، ويُعيد ترتيبها، ثم يضعها في صندوق البريد. كان يحاول استعادة رِباطة جأشه. ثم اختلس نظرةً نحو ابنته ورأى عينَيها مُغرورقتَين بالدموع.
فقال لها: «هَدِّئي من رَوعك، لا بأس يا إدنا. كل شيء على خير ما يرام. كل ما في الأمر أني قلق قليلًا الليلة. أخشى أن مشكلةً ستحدث مع العمال. إنه موقف عصيب، وعليَّ أن أتعامل معه بمفردي. يبدو أن لا مفرَّ من حدوث إضراب، ولا يمكن لأحدٍ أن يتوقَّع متى سينتهي.»
«وهل هو أحد المُضربين؟ يبدو ذلك مستحيلًا.»
علا الضيق قسمات وجه والدها.
وقال: «هو؟ لماذا … إدنا، إنكِ تُعيدين فتح أي موضوعٍ بكل ما لدى المرأة من إصرار. نعم. من المؤكد أنه سيُضرب عن العمل غدًا مع بقية الحمقى. إنه أحد العمال، إذا كنتِ تريدين أن تعرفي من يكون، والأكثر من ذلك أنه سيُضرب عن العمل على الرغم من عدم اقتناعه به؛ سيُضرب لمجرد أن الآخرين سيُضربون. لقد أقرَّ لي بذلك قبل دخولكِ مباشرة. أعتقد الآن أنكِ تُدركين حجم قدرتكِ على قراءة وجه رجل.»
قالت الفتاة متنهدة: «لم يكن يجدر بي أن أهتمَّ بالأمر. ربما لو أعطيتَه ما أراد، لما كان ليُضرب عن العمل.»
«أوه، إنكِ تزيدين صورته في ذهني سوءًا عمَّا أراها. لا أعتقد أنه ممَّن يمكن رشوتهم.»
«وهل يُعدُّ ذلك رشوة؟»
«قد تكون كذلك على الأرجح؛ ولكن الأمر يعود إليه في أن يُضرب أو لا؛ إن عاملًا يُضاف إلى الإضراب أو ينقص منه لن يشكِّل فارقًا بالنسبة إليَّ. وأتمنى إن أضربوا، أن يُضربوا جميعهم؛ فالقلة التي ستتخلَّف عنهم لن تزيد الأمور إلا تعقيدًا. والآن، بعدما فهمتِ الموقف بأكمله، هل تشعرين بالرضا؟ إنني لا أتحدَّث عن مثل هذه الأمور مع أي امرأة، كما تعلمين؛ لذا يجدر بكِ أن تسعدي لذلك.»
كان سارتويل قد عاد إلى طبيعته مرةً أخرى، وقرَّر في نفسه ألَّا يفقد سيطرته على نفسِه مجددًا.
قالت الفتاة: «نعم يا أبي، وشكرًا لك.» ثم أضافت قائلة: «إن عربة الأجرة تنتظر»، ولم تكن تقصد بذلك إيصال المعلومة التي أفشتها كلماتها، بقدر ما كانت تقصد أن تجعلَه يُدرك أن المناقشة قد انتهَت بالنسبة إليها.
«دعيه ينتظر. هذا هو الغرض من عربات الأجرة. إن السائقين يُفضِّلون الانتظار على العجلة. اجلسي لحظاتٍ يا إدنا، سأكون جاهزًا بعد قليل.»
جلسَت الفتاة بجوار طاولة والدها. كان السيد سارتويل غالبًا ما يفضِّل مكتبه على طاولته؛ إذ كان مكتبه عاليًا على نحوٍ يجعل الرجل يقف عندما يكتب. كان هذا المكتب مكوَّنًا من ثلاث حجيرات تخزين، لكل منها غطاء خاص. وكانت هذه الحجيرات الثلاث مُقفلةً دائمًا، وكان مع موظفي سارتويل مفتاحا اثنتين منها. أما الحجيرة الثالثة، فكان من المفترض أنها تحوي وثائق المدير الأكثر خصوصية، ولم يرَ أحد، عدا هو، ما يوجد في داخلها. فقد كان الغطاء يُقفل تلقائيًّا عندما يُغلق، وكان المفتاح الصغير الذي يفتح الغطاء يتدلَّى من سلسلة ساعة سارتويل.
راقبت إدنا والدها وهو يفتح الحجيرات الواحدة تلو الأخرى، وكان يبدو أنه يعيد ترتيب أوراقه. كان دائمًا ما يوجد هدف محدَّد يكمن خلف أفعاله، إلا أن الفتاة لاحظت أنه يبدو في هذه اللحظة حائرًا ومضطربًا. كان يبدو وكأنه يراوح بين هذا وذاك دون أن يُحرز أي تقدُّمٍ في عمل محدد. تساءلت عمَّا إذا كان الإضراب الوشيك يُسبِّب له قلقًا أكثر ممَّا كان على استعدادٍ لأن يُقِر به. تمنَّت لو تمكَّنت من مساعدته، ولكنها كانت تعلم جيدًا أنه لن يقبل شيئًا سوى تركه وشأنه. وكانت تعلم أيضًا أن والدها عندما يقول إنه سيكون مستعدًّا للذهاب إلى المنزل معها في وقتٍ محدد، فإنه عادةً ما يكون جاهزًا عندما يحين ذلك الوقت. فلماذا كان يؤجِّل المغادرة إذن؟
في نهاية المطاف، أغلق سارتويل غطاء إحدى حجيرات المكتب وأقفلها بالمفتاح كما لو كان يحبس اضطرابه بداخلها، ثم أدخل المفتاح المتدلي من سلسلة ساعته في قفل الحجيرة الثالثة وفَتحَ غطاءها. ألقى مصباحٌ كهربي متدلٍّ من سلك من السقف على المكتب أشعة ضوءٍ انطلقت من غطاء أوبال دائري كان يغطي المصباح. حدَّق المدير بضع لحظات إلى داخل المكتب، ثم الْتفت إلى ابنته وقال:
«إدنا، لقد أفزعتِني عندما دخلت المكتب الليلة.»
«أنا آسفة يا أبي. ألم تكن تتوقع حضوري؟»
«بلى، ولكن ليس في تلك اللحظة كما حدث. تزدادين شبهًا بوالدتكِ يا ابنتي العزيزة كلما كبِرت.»
خيَّم الصمت على المكان برهة؛ إذ لم تكن إدنا تدري ما عليها أن تقول. كان من النادر أن يتحدث والدها عن زوجته المتوفاة، ولم تكن إدنا تتذكر والدتها.
ثم قال الوالد: «لم ألحظ حتى الليلة أنكِ تشبِّين عن الطوق. لطالما كنت أراكِ طفلتي الصغيرة. ثم دخلت عليَّ فجأة. إدنا، لم تكن والدتكِ تكبركِ إلا بأربع سنواتٍ فقط عندما تُوفِّيت. وكما ترين يا عزيزتي، على الرغم من أنني أتقدَّم في السن، تظل هي شابة؛ ولكني أعتقد أحيانًا أن الشاب الذي كان زوجها قد مات أيضًا؛ فلم يتبقَّ بداخلي أي شيء منه.»
كان سارتويل ينقر بخفة بأصابعه على سطح المكتب بينما يتحدث؛ ثم رفع يده إلى أعلى وأطفأ المصباح الكهربي بطريقة تدل على انزعاجه من ضوئه الشديد. كان المصباح في منتصف الغرفة يُرسِل ما يكفي من الضوء، وتركَه متواريًا في الظل.
«أعتقد أنه يحل وقت في حياة كل أب يدرك فيه، بشيء من الصدمة، أن ابنته الصغيرة التي كان يُلاعبها في حِجرِه قد أصبحت شابة. يشبه الأمر حين يسمع الرجل نفسه وهو يشار إليه لأول مرة بأنه مُسن. أتذكر جيدًا كيف كظمت غيظي عندما سمعت للمرة الأولى أحدهم يقول عني إني رجل مُسن.»
صاحت الفتاة بصوت شبه منتحب يتخلَّله شعور بالسخط: «ولكنك لست مسنًّا!» كانت تتمنَّى لو اقتربت من والدها وأحاطت عنقه بذراعيها، ولكن حدَّثها حدسها بأنه يريدها أن تبقى حيث هي حتى ينتهي ممَّا يريد قوله.
قال الوالد: «أنا في طريقي إلى هذه المرحلة. فلا أحد يصغر سوى الموتى. وظني أن الفتيات لا يرين تقدم آبائهن في العمر، مثلما لا يرى الآباء أنوثة بناتهم. ولكننا لن نتحدث عن عمري. سنرحِّب الليلة بالقادم، دون المسارعة إلى الرحيل. علينا أنا وأنتِ يا إدنا أن نُدرك أننا نبدأ، بشكلٍ ما، مرحلةً جديدة من حياتنا معًا. لقد أصبح كلانا بالغًا. عندما كانت والدتكِ تكبركِ بقليل، أوصيتُ برسم لوحة شخصية لها. سخرَت مني ونعتتني بالمبذِّر. فكما تعلمين، كنا نعيش في فقرٍ مدقع، ورأت المسكينة أن رسم لوحةٍ لنفسها ليس من الضروريات. وأيقنت منذ ذلك الحين أن هذه اللوحة كانت الشيء الوحيد الضروري الذي اشتريته في حياتي. وعندما أصبحت أكثر ثراءً، أعطيتها لرسام معروف لينسخها، وفعل ذلك خدمةً لي وليس من أجل المال؛ فالرسامون لا يُحبِّذون نسخ أعمال الآخرين. العجيب في الأمر أن اللوحة التي نسخها كانت أقرب شبهًا بوالدتكِ من اللوحة الأصلية. اقتربي يا ابنتي.»
هبَّت إدنا إلى جوار والدها ووضعت يدها بخفة على كتفه. وأضاء سارتويل المصباح الكهربي. وفي قاع المكتب كانت ثمَّة لوحة كبيرة لامرأة شديدة الجمال. سقط الضوء على وجه المرأة وكانت عيناها الجميلتان تنظران نحوهما باسمتين.
قال الوالد في صوت شبه هامس وكان يتحدث بصعوبة: «هذه والدتكِ يا إدنا.»
كانت الفتاة تبكي بصوتٍ خفيض كي لا يلحظ والدها ذلك. انسلَّت يدها من فوق كتف والدها المجاورة لها إلى كتفه الأخرى، وداعب والدها شعرها الأشقر بيده.
ثم قالت محاوِلةً أن تتحدث بشجاعة: «مسكين يا أبي!
لا بد أنك تشعر بوحدة موحشة. يبدو أنني قد … قد فهمت أمورًا … لم أكن أفهمها من قبل … كما لو أني قد أصبحت عجوزًا فجأة.»
ظلا يحدِّقان معًا في اللوحة لبعض الوقت في صمت، ثم قالت الفتاة:
«لمَ لمْ تُرِني هذه اللوحة من قبل؟»
«حسنًا يا عزيزتي، لطالما كانَت هنا ولم تدخل المنزل قطُّ، وعندما كنتِ في سنٍّ صغيرة، لم تعتادي الحضور إلى المكتب، كما تعلمين. وكما تعلمين، كانت زوجة والدكِ المسئولة عن تنشئتكِ … و… و… اعتقدت بصورةٍ ما أن وجود هذه اللوحة لن يمنحها فرصةً عادلةً معك. فلطالما كان العالم قاسيًا على زوجات الآباء.» ثم أغلق المكتب في عجالة. وصاح بنبرة جافة: «لا عليك، لا عليك، لن يفيد ذلك كما تعلمين يا إدنا. ولكن كان هذا ما أردت أن أقوله لك. أريدكِ أن تتذكري — بل أن تفهمي — أننا وحيدان في هذا العالم، إن جاز القول؛ وأن ثمَّة رابطًا بيننا في ذلك، مثلما في حقيقة أننا أب وابنته. وأريدكِ أن تشعري دائمًا بأنني أقرب أصدقائك، ولا بد ألَّا يحدث أي سوء تفاهم بيننا أبدًا.»
قالت الفتاة في جدية: «لا يمكن أن يحدث ذلك أبدًا يا أبي.»
«صدقت، صدقت. ومن هذه اللحظة فصاعدًا، إذا حدث أي شيء يؤرقك، أريد منكِ أن تأتي إليَّ وتخبريني عنه. آمل أن تكون بيننا ثقة تامة. وإنْ أورثكِ أي شيء الحيرة، فأخبريني به؛ إذا كان أمرًا تافهًا، أريد أن أعرفه؛ وإذا كان أمرًا خطيرًا، أريد أن أعرفه. ففي بعض الأحيان، قد تبدو المشكلة تافهةً في ظاهرها ولكنها في الحقيقة مشكلة خطيرة، والعكس صحيح؛ وتذكَّري أن تصنيف المشكلات التي تواجهكِ لا يقل أهميةً عن حلِّها. هذا ما يمكنني أن أساعدكِ به؛ فحتى إن لم أكن قادرًا على تفكيك الخيوط المتشابكة، فربما كنت قادرًا على أن أريكِ أنها لا تستحق محاولة تفكيكها من الأساس.»
كانت الفتاة ترمق والدها بنظرةٍ جادةٍ أثناء حديثه، ثم فاجأته، كما لو أنها تُريه أن حَدْس المرأة سيصيب مباشرةً النقطة التي يحوم حولها فِكر الرجل بإسهاب، عندما قالت:
«أبي، ثمَّة أمرٌ حدث يتعلَّق بي، أمر أثار في نفسكَ القلق تجاهي. ماذا حدث؟ أعتقد أنني يجب أن أعرف. هل قالَت زوجة أبي أي شيء عن …»
«لا، لا يا ابنتي، لم تقُل زوجة أبيكِ أي شيء عنك. وإن فعلت، لم أكن … أعني، لأوليت الأمر كامل اهتمامي، ولم أكن لأتردَّد في أن أُخبركِ به. يجب ألَّا تقفزي إلى أي استنتاجات؛ ربما أتحدث إليك بجديةٍ لا داعي لها؛ إلا أن الانطباع الذي آمل في تركه لديكِ هو أنه على الرغم من أني قد أبدو غارقًا في العمل حتى أذنيَّ، فإنكِ أهم بالنسبة إليَّ من أي شيءٍ آخر، بل إنكِ منذ وفاة والدتك، صِرت الإنسان الوحيد الذي يمثِّل أهميةً حقيقيةً بالنسبة إليَّ؛ لذا إن أردتِ أي شيء، فأخبريني به؛ ثوبًا جديدًا، على سبيل المثال، باهظ الثمن بصورةٍ غير مسبوقة. وظني أنكِ ستكتشفين، عندما يتعلق الأمر بسعادتك، أنني لن أسمح لأي تحيُّزاتٍ من جانبي بأن تعترض طريقها.»
رفعت الفتاة بصرها نحو والدها باسمة.
وقالت: «لا أعتقد أن عدم حصولي على ثوبٍ جديد قد يعرِّض سعادتي للخطر.»
«إن الملبس مهم للغاية يا إدنا، علينا ألَّا ننسى ذلك، وإن كنت قد استخدمت الثوب مجرد مثالٍ خشية أن تأخذي حديثي بجدية مبالغ فيها. لنعُد إلى المنزل الآن يا صغيرتي. هذا اللقاء هو الأخير بيننا في هذا المكتب، كما تعلمين، وقد اقتحمَته، بشكلٍ ما، تلك الجدية التي تتسم بها جميع الأمور التي تُؤدى للمرة الأخيرة. والآن، إذا كنت جاهزة، فأنا أيضًا جاهز.»
«ليس تمامًا يا أبي. أنت تعلم أني أحب هذا المكتب — لطالما أحببته — والآن، وبعد هذه الليلة، سيبدو مخيفًا لي دائمًا. كل هذا الحوار كان حول امرأةٍ عديمة الأهمية وملابسها؛ ولكن ما يؤثر فيَّ يا أبي هو الوَحْدة الموحشة التي عشتَها طوال حياتك تقريبًا. لم ألحظ ذلك من قبل قط. ومن الآن فصاعدًا، عليك أن تناقش أمورك معي؛ ربما لن أكون قادرةً على تقديم الكثير من المساعدة في البداية، ولكن، فيما بعد، مَن يدري؟ وسيُسعدني ذلك لأنه سيجعلني أعتقد أن تآزرنا ليس من جانبٍ واحدٍ فقط. اتفقنا يا أبي؟»
«اتفقنا يا إدنا.»
جذب الأب ابنته نحوه وتم الاتفاق. ثم أطفأ الأنوار، وهبطا الدرج معًا مسرعَين إلى حيث ينتظرهما سائق عربة الأجرة النائم. كان الضباب قد هبط ووصل إلى قمة رأسه تقريبًا.
صاح سارتويل بحدة: «محطة ووترلو، خط السكك الحديدية الرئيسي.»
قال السائق وقد استعاد يقظته كاملةً وهو يهم بإمساك اللجام: «حسنًا يا سيدي.» وفتح الحارس البوابات.
«هل كل شيء على خير ما يرام يا بركنز؟»
أجاب البواب وهو يمس طرف قبعته: «كل شيءٍ بخير يا سيدي.»
«خذ كامل حذرك.»
«أمرك يا سيدي.»
عاد صليل العربة الآخذ في التضاؤل وهي تسير في الشارع الضيق مرةً أخرى؛ إلى حيث يقف بركنز وهو يُغلق البوابات الكبيرة للمرة الأخيرة هذه الليلة.
نفوس متقلبة |
الفصل الحادي عشر
لم يُبدِ سارتويل أي أمارات إنهاك بسبب النزاع القائم. فكان يسير من المحطة إلى مكتبه كل صباح في موعده المعتاد، كما لو أن كل شيء يدور كما يريد تمامًا. وكان دائمًا ما يرتدي ملابسه بأناقة تامة، ودائمًا ما يحمل في يده شمسيةً مطوية على نحو أنيق ولم يرَه أحد يفتحها من قبل؛ فقد كان يستقل عربة أجرة عند سقوط الأمطار. كان يبدو أن الشمسية جزء منه، حِلية لا تنفصل عنه، ولم يرَه أحد يسير في الشارع من دونها. ولم يكن أحد يستطيع أن يعرف أن سارتويل اشترى حُلَّة جديدة؛ فكل حُلَّة كانت طبق الأصل من سابقتها، ودائمًا ما كان يبدأ بارتدائها قبل أن تظهر علامات الاهتراء على سابقتها.
لم يتغير الكثير في سلوك سارتويل تجاه عماله مثلما لم يتغير ملبسه. فلم يكن يبقي عينَيه في الأرض أثناء عبوره الشارع متجهًا نحو بوابات المصنع، ولم تظهر في أسلوبه أي عدوانية على الجانب الآخر. لقد ترك العمال عملهم، وهذا شأنهم؛ فكان يومئ لهم أو يلقي عليهم تحية الصباح باقتضاب، كما اعتاد أن يفعل قبل حدوث الأزمة. قلة فقط من العمال هم من كانوا يقظين بما يكفي لكي يفعلوا شيئًا خلاف رفع أصابعهم نحو قبعاتهم، أو الرد عليه بالغمغمة المعتادة، «صباح الخير يا سيدي.» فالعادة تتغلغل في الإنسان بقوة، كما ذُكر مرات عديدة من قبل.
كان أكثر الأطراف المعنية رغبةً في انتهاء الإضراب هو سارتويل نفسه، ولكنه لم يكن أقلها إصرارًا على أن ينتهي كما يريده أن ينتهي. كان سارتويل يدرك نقاط الضعف في دفاعاته التي لم يستغلها جيبونز، بانعدام بصيرة لم يكن مفهومًا لمدير المصنع.
الغريب في الأمر أن جيبونز لم يكن هو الشخص الذي يخشاه سارتويل في هذا النزاع، بل مارستن. لقد كان يدرك أن الشاب من أشد المعارضين للإضراب، ولكنه كان يدرك أيضًا أنه ربط مصيره بمصير العمال، وعلى الرغم من أن قادة الإضراب، حتى ذلك الوقت، كانوا يتجنَّبون مارستن، بدعوى أنهم يعتبرونه خائنًا مستترًا للقضية، كان سارتويل لا يزال يخشى أن يلجئوا في النهاية لاستشارته، وأن يُرشدهم إلى المخرج من المصاعب التي يواجهونها. وحمل مدير المصنع على عاتقه مسئولية معرفة كل ما يمكن معرفته عمَّا يفعله خصومه، وأدرك نجاحًا مذهلًا في ذلك. كان يعلم بزيارة مارستن لبارني والفشل الذي باءت به هذه الزيارة، ولكنه لم يكن لديه أدنى ثقةٍ في حسن إدراك بارني للأمور، وكان يخشى أن يتفوَّه الفنان بأي تلميحات، من شأنها أن تكشف للعمال مدى حرص شركة مونكتون آند هوب على التوصل إلى تسوية للنزاع مهما كانت الشروط. وبمرور الوقت، وبعدما رأى سارتويل أن جيبونز لا يزال يتجنَّب مارستن، تضاءل قلقه أكثر وأكثر. فقد كانت الأمور تتجه سريعًا نحو وضع كارثي، وحينها ستكون مساعدة مارستن بلا طائل.
بعد بضعة أيام من الإعلان عن تقليل أجر الإضراب، رأى سارتويل، بينما كان يقترب من البوابات في الصباح، مارستن يقف وحيدًا عند ناصية الشارع. وكاد مدير المصنع يتجاوزه دون تبادل أي تحية، إلا أن الرجل الأكبر سنًّا توقف فجأة، واستدار نصف استدارة ليواجه مارستن وقال بحدة:
«هل أنت في نوبة حراسة يا مارستن؟»
«لا يا سيد سارتويل.»
«لعلهم لا يثقون بك لتكون واحدًا منهم.»
«أعتقد أني لست في دائرة ثقتهم، ولا في دائرة ثقتك يا سيد سارتويل.»
«وضع غير مريح، أليس كذلك؟ كنت لأتخذ أحد الجانبَين لو كنت مكانك يا مارستن.»
«لقد اتخذت أحد الجانبَين بالفعل. أنا في صف العمال قلبًا وقالبًا.»
«في هذه الحالة، ربما تخشى أن يراك أحد تتحدث إليَّ. فربما يتصادف مرور بعض العمال من هذا الطريق.»
«لا أخشى أن يراني أحد أتحدث إلى أي شخص كان يا سيد سارتويل.»
«آه، أنت شاب صغير؛ ومن ثم تتحلى بالشجاعة. لقد شهدت أمورًا أتفه من هذه المحادثة خسر الناس حياتهم بسببها، ولكن ربما تغيَّرت العصور والأساليب عما كانت في صغري. من المؤسف أن تكون في الجانب الخطأ الذي لا يُقدِّر شجاعتك هذه. إن سادة هذا العالم دائمًا ما يقدِّرون الموهبة والشجاعة، ويُجزلون العطاء مقابلهما. ولكن عامة الناس لا يفعلون المثل. ولهذا السبب عادةً ما يُهزمون في أي معركة، وهذا السبب من بين أسباب عديدة تفسر هزيمتهم. أود أن أقول لك بضع كلمات؛ إن ناصية الشارع ليست مكانًا مناسبًا لمحادثة خاصة، هل يمكنك أن تحضر إلى مكتبي بعد ساعة؟»
«هل تريد التحدث عن الإضراب؟»
قال سارتويل وهو ينظر ببعض التركيز والاستغراق إلى الشاب: «نعم. على حد علمي لا يوجد أي موضوع يحظى باهتمام مشترك بيننا عدا ذلك.»
«رائع. لم يكن سؤالي إلا لأخبرك بأنه أيًّا كان ما ستخبرني به، فسأستغله بما يصب في صالح العمال.»
هز سارتويل كتفيه في لا مبالاة.
وقال: «لك الحرية الكاملة في استخدام المعلومات التي سأمنحها لك كما تريد. فأنا أعلم جيدًا أن العمال وقادتهم يتوقون لنصائحك.»
واصل الرجل العجوز طريقه في نشاط، بينما وقف الشاب الأصغر سنًّا وقد احمر وجهه من الغضب؛ بسبب السخرية المستترة في عبارته الأخيرة.
قال مارستن في نفسه غاضبًا: «يا إلهي، كم أود أن أقاتل هذا الرجل!»
استدار مارستن واتجه مسرعًا إلى مقر قيادة الإضراب. وهناك وجد جيبونز ولجنة الإضراب مجتمعين، بينما كان بعض العمال يتسكعون عبر المكان. توقف الحوار الدائر فيما بينهم بمجرد دخول مارستن، ونظر أعضاء اللجنة ورئيسها إليه في ازدراء.
سأله جيبونز باقتضاب: «ماذا تريد؟»
«لقد التقيت السيد سارتويل منذ قليل في الشارع، وقال إنه يريد إخباري بشيء ما عن الإضراب، وطلب مني أن أحضر إلى مكتبه بعد ساعة. ووعدته بأن أفعل، ولكني أخبرته بأن أي معلوماتٍ سأحصل عليها منه سأستخدمها بما يصبُّ في صالح العمال.»
«وأظنُّك قد حضرت إلى هنا لتحصل على بعض المعلومات لتمنحها له في المقابل؟»
كان مارستن قد قرَّر أنه لن يسمح لنفسه بأن تنجر إلى الغضب، ولكنه وجدها مهمةً ليست سهلة. وبناء على ذلك قال لنفسه إنه سيؤدي واجبه وسيساعد رفاقه إذا تسنى له ذلك؛ فالموقف شائك للغاية ولا يحتمل تبادل الاتهامات.
«لا، لن أخبره بأي شيء. إذا أراد الحصول على أي معلومات، فسأحيله إليكم. فكَّرت أنه ربما يقول شيئًا يكون ذا فائدة لنا؛ لذا حضرت لأخبركم بأني ذاهب للقائه في مكتبه.»
«لنا؟ من تعني بكلمة لنا؟»
رد الشاب بسرعة، رغم إدراكه بأنه لن يتمكن من الالتزام بقراره بالحفاظ على هدوئه أثناء الحديث، قائلًا: «العمال المضربين. أنا مضرب عن العمل أيضًا مثل الآخرين. لقد خسرت وظيفتي، حتى وإن لم تخسرها أنت.»
قال جيبونز دون أن يولي اهتمامًا لما ألمح إليه مارستن: «حسنًا، لست بحاجة لأن تأتي إلى هنا لنمنحك إذنًا بزيارة مكتب السيد سارتويل. أعتقد أنك ذهبت إليه مرات عديدة من قبل.»
«لم أخطُ إلى مكتبه منذ بداية الإضراب.»
«أوه، حقًّا؟»
«لا، لم أفعل. هل تهدف لادعاء أنني فعلت ذلك؟»
«أنا لا أدَّعي شيئًا. كل ما في الأمر أن من الغريب أن تحضر إلى هنا تصيح قائلًا إنك ستذهب للتشاور مع سارتويل. لا شأن لنا بهذه المسألة. اذهب وعُد كما يحلو لك؛ فأنا لا أهتم.»
تعالت همهمات استحسان من أعضاء اللجنة لموقف رئيسهم الصارم، فاستدار مارستن، الذي رأى أنه لا فائدة من تأخير الأمر أكثر من ذلك، على عقبَيه وانصرف. أومأ الرجال الذين يتسكعون عند الباب لمارستن في ودٍّ أثناء خروجه، واستأنفت اللجنة مباحثاتها على ما يبدو، كما لو أنها لم تُقاطع.
سار الشاب في الشارع دون أن ينظر يمينًا أو يسارًا، وفي قلبه غصة، فضلًا عما ألم به من غضب، من التفاهة الحمقاء لأحقاد جيبونز الذي يُفضِّل أن يجرح رجلًا ويهينه لأنه لا يحبه، بدلًا من قَبول يد المساعدة التي يمدها إليه عن طيب خاطر.
حادث مارستن نفسه قائلًا: «يا للاختلاف في أسلوب سارتويل! إن لديه سببًا أقوى من جيبونز ليكرهني، إلا أنه طلب أن يجتمع بي. إنه لا ينظر بعين الاحتقار حتى إلى أتفه ورقة في يده، بينما جيبونز قد يتخلَّص من ورقته الرابحة، ليتني كنت دنيئًا وخائنًا لزملائي بما يكفي لكي أرفض إخبارهم بما قد أعرفه. سارتويل، الذي غادرني غاضبًا في لقائنا الأخير، يتوقف ليتحدث معي في الشارع؛ فقط لأنه يرى أن بإمكانه الاستعانة بي لخدمة مصالح رؤسائه. لم يزد إعجاب سارتويل بي أكثر مما كان عليه عندما تركته، وبدا هذا جليًّا في النبرة اللاذعة في حديثه، ولكنه نحَّى مشاعره الشخصية جانبًا على أمل أن يربح نقطة على حساب الخصم؛ بينما جيبونز، ذلك الأحمق، على الرغم من تعاملي الودود معه، يبذل قصارى جهده ليدفع أحد الرجال إلى معسكر العدو. أتساءل عما يرغب سارتويل في اكتشافه. لن أخبره بشيء؛ ولكن أي رجل هذا لتقاتل في صفه … أو ضده!»
صاح الخفير الواقف عند البوابة: «مهلًا أيها الفتى. إلى أين أنت ذاهب؟»
«أنا ذاهب لألتقي السيد سارتويل.»
«لا، لن تفعل.»
«لا بأس يا رفيقي؛ لقد حضرت من مقر القيادة رأسًا. لقد جئت بموافقة اللجنة وبناءً على إذن من جيبونز.»
سأله الخفير هامسًا بينما تجمع مضربون آخرون حولهما: «ماذا يحدث؟»
«هل انتهى الأمر؟ هل سنستسلم؟»
«لا جديد. سأعرف المزيد بعد الاجتماع. ربما لدى سارتويل اقتراح يريد أن يعرضه علينا؛ أما نحن فليس لدينا أي اقتراحات.»
تراجع العمال إلى الخلف وهم يزفرون جميعًا في وقت واحد، زفرة ربما عبرت عن الراحة، وربما خيبة الأمل. فلم يزد عزمهم على الصمود بعدما قلت أجور الإضراب. كان تنظيمهم يتداعى ويتآكل، وكان كل عامل يدرك ذلك، ويشك في زملائه. فلم تعد لديهم أي عزيمة للقتال.
عبر مارستن الفناء المهجور الصامت، وصعد الدرج، وطرق باب مدير المصنع. وجد سارتويل بمفرده في المكتب واقفًا أمام مكتبه وأمامه بضع أوراق.
بدأ مدير المصنع حديثه بفظاظة، وقد رفع بصره عن مكتبه، قائلًا: «مارستن، أنت تعتقد أني طلبت منك الحضور إلى هنا لكي أحصل على معلومات منك، وعازم بقوة على ألا تخبرني بأي شيء. هذا صحيح. يعجبني الرجل الوفي للجانب الذي اختاره. سنُبقي السفينة عائمةً قدر استطاعتنا؛ فإن غرقت، غرقنا معها. قد تندهش إذن حين تعرف أنني لن أطرح عليك أي أسئلة. فمن شأن هذا أن يهدئ أفكارك ويُمَكِّنك من إيلاء كامل انتباهك لما أريد إخبارك به. ولكني آمل أن تحترم كلمتك، وتتذكر الوعد الذي قطعته على نفسك منذ قليلٍ في الشارع.»
«أي وعد؟»
«هل نسيته؟ ربما اعتقدتَ أنه تهديد. لقد قلت إنك ستمنح العمال المعلومات التي ستحصل عليها مني. أنا ألزمك بهذا. أن تخبر جيبونز بها لا يعني بالضرورة أن تخبر العمال. وأنت قلت إنك ستخبر العمال.»
«سأقص الحوار الذي سيدور بيننا كما هو على جيبونز واللجنة.»
«آه، ليس هذا ما قلته. لم يرد ذكر جيبونز أو اللجنة في حديثنا صباح اليوم.»
«على ما أذكر، قلت إني سأستخدم المعلومات التي أحصل عليها منك فيما يصب في صالح العمال.»
«بالضبط. أنا حريص على مصلحة العمال مثلك تمامًا، وما سأقوله لك يجب أن يصل إليهم. وإذا ما أخبرت جيبونز واللجنة به، ولم يخبروا به العمال؛ إذ سيراعون تمامًا ألَّا يخبروهم، فسأعلم حينها إذا كنت رجلًا تحترم كلمتك أم لا. سيلتقي المضربون اليوم في قاعة جيش الخلاص. وإذا لم يخبرهم جيبونز بما سيكون قد عرفه حينئذٍ، فسأنتظر منك أن تؤدِّيَ دورك وتضيف ما يوضِّح لهم الموقف. عندما كنت في هذا المكتب آخر مرة، عرضت عليك بيانًا كُتب أعلاه موارد النقابة العمالية في ذلك الوقت. وكان بقية البيان فارغًا، ولكنه امتلأ الآن. فقد أصبح يتضمن بيانات بالنفقات، الأسبوع تلو الآخر، حتى آخر أجر حصل عليه العمال المضربون. إذا ألقيت نظرةً على هذا البيان، فسترى أن النقابة قد أفلست.»
«إذا كان هذا هو كل ما تريد إخباري به يا سيد سارتويل، فسأقول لك إنه ليس خبرًا جديدًا. فقد أصبح العمال يعلمون بالفعل أنهم يعتمدون الآن على التبرعات العامة.»
«وهل ما زالوا يثقون في جيبونز قائدًا لهم؟»
«نعم.»
«عظيم. سأخبرك الآن بالأخبار الجديدة؛ جديدة بالنسبة إليك، وإلى جيبونز، وإلى العمال. إن أغلب هذه الأموال ذهب إلى أولئك المتسكعين من شرق لندن. كنت على ثقة تامة في حماقة جيبونز وغباء اللجنة، حتى إنني أرسلت عبر البوابات رجالًا، ليسوا عمالًا مثلكم، بل مجموعة من البؤساء التعساء العاطلين الذين كانوا على استعدادٍ تامٍّ لأخذ أجر الإضراب، بشرطٍ واحدٍ فقط ألَّا يتفوهوا بكلمةٍ واحدة. ولم يخطر ببال جيبونز قط أنني إذا كنت قادرًا على ملء المصنع بعمال، تمكنت من نقلهم إلى مرفئنا النهري على متن سفينةٍ بخارية، فسأكون قادرًا على إطعامهم وتسكينهم هنا، أو نقلهم إلى منازلهم ذهابًا وإيابًا بالطريقة نفسها التي جاءوا بها. جمعهم جميعًا في مقر النقابة بصيحة واحدة، وهو ما توقعته منه تمامًا، ولكنه لم يحاول أن يعرف إذا ما كانوا عمالًا بحق أم لا.»
«أنت تعني إذن أنك أفلست النقابة بواسطة خدعة.»
هز سارتويل كتفَيه.
وقال: «سمها خدعة إذا أردت ذلك. إن الإضراب عن العمل ما هو إلا حرب، ولا يجدر بك أن تتوقع أن تكون أسلحتها أوراق الزهور. ولكن فضلًا عن ذلك، أنا لا أفكر إلا في المصلحة الفعلية للعمال. كنت قادرًا على ملء المصنع بعمال مهرة؛ نعم، بل وأكثر منهم عشر مرات. ولكن، إذا فعلت ذلك، فما مصير العمال المضربين بعد انتهاء النزاع؟ سيدخل بعضهم السجن، وستُكسر جماجم البعض الآخر، وسيصبحون جميعهم عاطلين. أنا أريد أن يعود رجالي إلى هنا. أريدهم أن يدركوا أنهم اتبعوا أحمق ونصَّبوه قائدًا لهم. لقد مارسوا لعبةً سحرية جميلة لبعض الوقت؛ فقد أكلوا أموالهم وشربوها؛ وها هي ذي العطلة قد انتهت. إذا ما عادوا إلى العمل الآن، فسيجدون وظائفهم في انتظارهم؛ أما إذا ماطلوا أكثر من ذلك، فسأملأ المصنع بعمال حقيقيين، ولا تملك النقابة حاليًّا أموالًا لرشوتهم.»
«إذا أخبرت العمال بكل هذا، فسيندلع شغب. وسينقَضون على العمال المزيفين الذين استولوا على أموالهم.»
«لا، لن يفعلوا. فقد أخبرت العمال المزيفين بالمدة التي سيستمرون خلالها في الحصول على المال إذا ما التزموا الصمت. وبعد خفض الأجر الأسبوع الماضي، تفرق المتسكعون. قد ينقض العمال على جيبونز، وأعتقد أنه يستحق ذلك تمامًا.»
«والاحتمال الأكبر أن يهاجموك أنت.»
«فليجربوا. والآن، أعتقد أن هذا هو كل ما لدي يا مارستن. لم أطلب منك أي ردود، وظني أني قد منحتك بعض المعلومات المثيرة للاهتمام. أنا على استعداد لأن أواصل العمل، مع موظفي الشركة السابقين، أو من دونهم، الأمر يرجع لهم. وسيكون أفضل صديقٍ للعمال هو من ينصحهم بالتخلي عن هذا الإضراب الأحمق، والانكباب على عملهم من جديد.»
نفوس متقلبة |
الفصل الثاني عشر
وجد ألبرت لانجلي نفسه مضطرًّا إلى البحث عن غرفةٍ أرخص. فكان الشاب النحيل مستاءً للغاية من ضياع الكثير من المال على المأكل، والملبس، والإيجار. لا يمكن لإنسان أن يعيش دون طعام، وقد جرَّب لانجلي ذلك، ليس لأنه خبيرٌ اقتصادي، بل بسبب النسيان إلى حدٍّ كبير، واندهش حين اكتشف أن الجوع قد فرض نفسه فعليًّا على انتباهه، بعد انقضاء مدة كافية من الوقت. وأجبره المُناخ الإنجليزي المتقلب، فضلًا عن اللوائح التي سنها هذا الكِيان الأخلاقي المُسمى بالشرطة، على تغطية جسده؛ كما كان في حاجة إلى غرفة في الأساس للحفاظ على جفاف أكوام مؤلفاته الموسيقية. كانت كنيسة القديسين شهداء الشرق تكفل حياةً كريمة للغاية لكاهنها، وحياةً رديئة للغاية لعازف الأرغن بها، على الرغم من أنه لو كان الناس يحصلون على أجورهم وفقًا لكفاءتهم المهنية في هذا العالم، لانعكست رواتب رجال الدين والموسيقيين. فمن كانوا يدخلون الكنيسة كانوا لا يأتون من أجل سماع العظة، بل للاستماع إلى الموسيقى.
لم يطلب لانجلي زيادةً في الأجر قط؛ لأنه كان يدرك في أعماق روحه الموسيقية أنه يستفيد بالفعل من كرم السلطات الكنسية، وعاش في خوف دائم من أن يأتي يوم يكتشفون فيه ذلك، ويطردونه، ولن يلومهم أحد على ذلك. كان السماح له بالعزف على هذه الآلة الرائعة، التي تكلَّف تركيبها مبلغًا كبيرًا جدًّا من المال، امتيازًا كان يشعر بأن عليه أن يدفع مقابلًا عنه، إذا كان أمينًا بحق كما يراه الشمامسة. كان يحاول أن يرضي ضميره المُعذب عبر إخباره بأنه كان سيرفض تقاضي المال، لولا أن هذه النوتة الموسيقية الباهظة الثمن للغاية، حتى عندما كان يسير أميالًا مرةً كل أسبوع؛ ليشتريها من المتجر الذي يبيعها بأقل سعر في لندن، ولكن هكذا يفعل المذنب سعيًا لتهدئة رقيبه الداخلي، وهو يعرف تمام المعرفة، وهو يفعل ذلك، مدى سفسطائية أعذاره. كان سلوك لانجلي ولغة جسده يدلان على وعيه بسلوكه المخادع؛ فكان يتذلل إلى الكاهن ومَن هم في السلطة. ولم يكن أيٌّ من هؤلاء الرجال العطوفين المخدوعين يُبادر بالحديث إلى عازف الأرغن، من دون أن يلقيَ في صدره الرعب من أن أوان الزجِّ به إلى الخارج قد حان. ولكن بصرف النظر عن أقاويل الفلاسفة الأخلاقيين، أحيانًا ما يزدهر الأشرار على هذه الأرض حينما لا ينبغي لذلك أن يحدث، بينما يعاني الأبرياء من آثامٍ ارتكبها آخرون. ولنا في حالة بلشر مثال، وعلى الرغم من أنه من الإنصاف الإقرار بأن حظ بلشر العاثر قد تسبب لعازف الأرغن في الكثير من وخزات الضمير، فهل تُفيد وخزات الضمير إذا ما وقع الضرر بالفعل؟ إذا ما تسبَّبنا في وقوع كارثة لإنسان آخر، بسبب أنانيتنا، لا يمكن أن يكونَ في الندم الذي يعقبها إصلاحٌ للضرر.
كان بلشر هو ذلك العامل الكادح المجتهد الذي يضخُّ الهواء في أرغن كنيسة القديسين الشهداء، وإلى جانب عمله خلال القداس المعتاد، كان من ضمن مهامه أيضًا الحضور إلى الكنيسة، عندما يرغب عازف الأرغن في التدرُّب على المقطوعات الموسيقية المختارة، التي كانت تُبهج المصلين فيما بعد. وكان هذا هو الظلم الواقع على بلشر. فلم يكن لدى لانجلي ذرة «رحمة»، كما قال نافخ الأرغن المثقل بالعمل لرفاقه المتعاطفين معه في حانة «روز آند كراون». كان أهون على بلشر أن يسير خلف عربة مجلس الكنيسة طوال اليوم، حاملًا مجرفةً من العبودية التي فرضها عليه عازف الأرغن الغافل، الذي لم يفكِّر قط في أن حني الظهر على رافعة النفخ عملٌ أصعب من حني الأصابع على مفاتيح الأرغن. بالإضافة إلى ما سبق، كان لانجلي يستطيع الجلوس أثناء ممارسة عمله، بينما لا يمكن أن يفعل بلشر المثل. وبطبيعة الحال، اشتكى الرجل المُضْطهَد هذا الإجحاف، وأقر لانجلي على الفور بعدالة الشكوى، وفي الوقت نفسه أبدى خوفًا شديدًا من وصول شائعة تتعلق بسلوكه غير المُبرَّر إلى مسامع السلطات الكنسية. وندم بلشر المخلص على تحمُّله هذا العبء طوال هذه المدة الطويلة؛ إذ عرض عازف الأرغن المجحف في الحال على نافخ الأرغن اتفاقًا ينص على أن يدفع له مبلغًا إضافيًّا كل أسبوع، بشرط ألَّا يبوح بشيء عن العمل الإضافي الذي يقوم به. وكان بلشر تعس الحظ، أكثر من كونه مخطئًا؛ إذ لم يكن يجيد العمليات الحسابية، ولم ينتبه إلى حقيقة أن ثمة سقفًا لدخل عازف الموسيقى، وهو سقف منخفض للغاية. كان رجلًا يتعرض للاستغلال وسوء المعاملة، وكان يعلم ذلك؛ لذا كان عادةً ما يطلب المزيد من المال، وكان يحصل عليه، إلى الحد الذي أصر لانجلي عنده أنه لم يتبقَّ من دخله ما يسد رمقه، فضلًا عن شراء النوتات الموسيقية. كان بلشر يتوق إلى مرافقة عربة مجلس الكنيسة، وهدَّد بالشكوى إلى الكاهن، وهو ما فعله في نهاية المطاف، ولكن دون أي ذكر لمسألة حصوله على أجر إضافي؛ لأنه لم يرغب في كشف ما ارتكبه عازف الأرغن في حقه بكل ما به من بشاعة. فقد أخبر الكاهن بأنه يفضِّل مرافقة عربة مجلس الكنيسة خلال جولاتها، على أن يرافق عازف أرغن لا تأخذه الشفقة بإنسانٍ فقيرٍ بائس. كان مستعدًّا دائمًا لضخ كمية معقولة من الهواء في الأرغن، ولكن إذا كان عازف الأرغن لا يُجيد أداء وظيفته لدرجة توجب عليه التدرب كثيرًا هكذا، فمن الصعب على الرجل الذي يُدير العَتَلة أن يتحمَّل وزر عدم كفاءته. وجَّه الكاهن الشكر إلى بلشر على نقده الموسيقي، وقال إنه سينظر في الأمر.
بينما كان بلشر العفيف يتخذ طريقه إلى خارج الكنيسة مرفوع الرأس، كما يليق برجل أدى واجبه أن يفعل، كان عازف الأرغن الظالم يزحف عبر الشوارع الجانبية، ونادرًا ما كان يجرؤ على دخول الكنيسة في غير أوقات الصلوات. وكان يتجنَّب لقاء الكاهن قدر الإمكان، ولكنه عثر عليه في نهاية المطاف. وضع العجوز الطيب يده على كتف الرجل المُدان، وقال:
«سمعت أنك ترهق بلشر في العمل.»
همهم عازف الأرغن المتوتر معتذرًا: «سأكون أكثر انتباهًا في المستقبل يا سيدي. أخشى أني كنت أفرط في العزف، ولكنه فن مختلف …»
قاطعه القس قائلًا: «لا شك في ذلك. لقد وضعت بعض الترتيبات التي من شأنها أن تلبي طموح بلشر، الذي يبدو أنه يميل إلى مرافقة عربة مجلس الكنيسة، وسنركِّب النافخة الهيدروليكية التي كان يجب علينا تركيبها منذ سنوات. سترى أنها ملائمة تمامًا لعملك يا سيد لانجلي؛ فهي جاهزة للعمل طوال الوقت ولا تشكو أبدًا.»
حاول عازف الأرغن أن يشكر الكاهن، إلا أن حلقه بدا لا يطيع أوامره لبذل أي جهد آخر غير ازدراد ريقه مرةً أو مرتَين على الأكثر. ابتسم الرجل العطوف عندما رأى الالتواءات العجيبة لفم لانجلي وحركة جفنَيه السريعة، ثم استدار عازف الأرغن فجأةً وانصرف، وأخذ الخوف يؤرِّقه بعد ذلك من أن يكون الكاهن قد اعتبره وقحًا وناكرًا للجميل، إلا أن العجوز كان أدرى بعازف الموسيقى بكثيرٍ من دراية عازف الموسيقى بنفسه.
في وقتٍ لاحق، عندما التقى لانجلي مصادفةً ببلشر الساخط الذي تعرَّض لظلمٍ بَيِّن، بينما كان يَسير خلف العربة التي لطالما ذكرها، ولكنها لم تكن كما توقَّع على الإطلاق، خشي الشاب المواجهة، وشعر بذلك الإحساس الداخلي بعدم الراحة المُسمى تأنيب الضمير.
قال بلشر لزميله عندما أخذتهما جولتهما إلى مكان قريب من كنيسة القديسين الشهداء: «أهذه هي أخلاق المسيحية! يضعون مضخة ماء راشحةً على العربة، يخطفون اللقمة من فم رجل فقير كادح، ويقتطعون من أجره الذي يعيش عليه بالكاد! بل إن القانون يجبرنا على دعم الكنيسة أيضًا.»
ولكن كان بلشر رجلًا متسامحًا حقًّا، ويجب ألَّا نحكم عليه من خلال كلماته القاسية عن الكنيسة التي كان مجبرًا على دعمها ماديًّا، بموجب تشريع قانوني صارم من وجهة نظره؛ إذ كان حتى هذه اللحظة يتجاهل ما يفعله لانجلي ويذهب إليه من وقتٍ إلى آخر، ويتقبَّل البنسات القليلة التي كان يدفعها له ثمنًا لراحة ضميره.
قال بلشر برحابة صدر وشهامة، بينما كان يحتسي كوب البيرة: «أنا لا ألومه بقدر ما ألوم ذلك الأحمق العجوز اللئيم الذي يعظ الناس في الكنيسة. هو من جعلني أتبع العربة.»
كما ذكرنا من قبل، كان لانجلي مُضطرًّا إلى البحث عن مسكن أرخص، وكان هذا نتاجًا لخطئه بقدر ما كان نتاجًا لدخله المحدود. تخوض صاحبات العقارات في أحياء لندن الأكثر فقرًا حربًا لا تتوقف ضد الظروف. فالمستأجرون قليلًا ما يدفعون قيمة الإيجار، ويدفعون أقل القليل إن فعلوا، وفي بعض الأحيان يختفون تمامًا، وتخسر صاحبة المنزل أموالها؛ وإذا بقوا، فلا أمل في فرض أي مصروفات إضافية؛ تلك المصروفات المطاطة التي عادةً ما تقود أصحاب النُّزُل في ويست إند إلى الثراء. فشروط العقود نهائية وشاملة دائمًا. ولم يترك سلوك عازف الأرغن مع صاحبات العقارات العديدات والمتعاقبات اللاتي تعامل معهن؛ مجالًا للدفاع عنه. فكانت هؤلاء النساء الطيبات، بعدما يترك الشقة التي يستأجرها، يتحدثن عن أساليبه الملتوية والمخادعة في حزن ومرارة، وكان لديهن مبرر عادل في ذلك في الواقع. فعندما كان يصل إلى مكان جديد لأول مرة، كان ينزع إلى الاعتذار عن أي مضايقات تصدر عنه، ويحرص بشدةٍ على ألَّا يُسبِّب أي مشكلات؛ وهو أسلوبٌ لا يُناسب شخصًا يعيش في لندن الصاخبة المزدحمة، بل في عالم حالم لا يوجد إلا في خياله، ما كان يدفع مُضيِّفته الطيبة، فقط بدافع التجربة ودون أي أحكام سابقة، إلى وضع شيء إضافي تافه في فاتورته الأسبوعية على مضض، ولم يكن الغرض من وضعه في الفاتورة حقًّا إلا إزالته مرةً أخرى إذا ما أثار شكوى من جانبه، أو تركه كما هو إذا ما أُغفل. وفي ظل هذه الظروف، كانت صاحبة المنزل بالطبع تتوقع شجارًا، قد تنهال عليها خلاله أوصاف مهينة تنال من نزاهتها المالية، بينما تعمد إلى تصحيح الخطأ بأعذارٍ بليغةٍ لخطئها المؤسف، والتأكيد للساكن أنه لن يتكرَّر مرةً أخرى. وبعد بضع تجارب من هذا القبيل، والتي كانت مشروعةً وملائمة تمامًا في بلدٍ تجاري كإنجلترا، بل إنها في واقع الأمر الطريقة الوحيدة لاكتشاف إلى أي مدًى يمكن الاعتماد على النزيل كأحد الموارد المالية المستمرة، تعود الحياة إلى مسارها الطبيعي بهذا الهدوء الوادع، الذي يُضيف كثيرًا إلى راحة ومتعة الإقامة سواء في شقة مفروشة في البلدة أو في قصر يُطل على المتنزَّه.
ولكن، لم يكن لانجلي ينتهج أسلوبًا مباشرًا وواضحًا مع صاحبات العقارات قط. فبدلًا من الإشارة إلى الخطأ وقت اكتشافه، كان يغلق فمه في خنوع ويدفع الفواتير ما دام كان قادرًا على سدادها، وكانت قيمة الفواتير ترتفع أكثر وأكثر كل أسبوع. وهكذا لم يكن للسيدة المخدوعة أي فرصة؛ إذ لم يكن بوسعها أن تعلم حين تصل قيمة الفاتورة إلى أقصى حد يسمح به دخله الأسبوعي. وفي نهاية المطاف، كان عازف الأرغن يحمل ربطة نوتاته الموسيقية تحت إبطه، ويخرج متسللًا كاللص تحت ستار الليل، ليبحث عن مسكن أرخص، تاركًا أجرة أسبوع بدلًا من مهلة الإشعار السابق، ملفوفةً في قطعة من الورق في مكان بارز؛ إذ لم يكن يملك الجرأة الكافية لمواجهة صاحبة العقار وإخبارها بشجاعة أنه سيرحل.
في ساحة روز جاردن، كان ثمَّة أكثر من أسرة يمكن تشبيهها بآلة الأكورديون؛ في سهولة طيها وفردها حسب المساحة المتاحة. فأسرة سكيمينس، على سبيل المثال، يمكنها أن تشغل الغرف الثلاث التي استأجرتها في الساحة، أو يمكنها أن تكتفي بغرفتين، أو حتى غرفة واحدة عند الحاجة لذلك. وكانت المساحة المتبقية تؤجَّر من الباطن عند توافر الفرصة لذلك، وهنا عثر لانجلي على مسكن يمتاز على الأقل بانخفاض إيجاره. رمق رجل الشرطة الواقف عند مدخل الساحة الوافد الجديد بشك، وقرَّر أن يراقبه. كان عازف الأرغن معتادًا على التحدُّث إلى نفسه بعنف بينما يسير في الشوارع، ولم تكن يداه العصبيتان تهدآن ولو لحظةً واحدة؛ فقد كانت أصابعه الطويلة النحيلة تعزف لحنًا ما على مفاتيح أو أوتار خيالية، لحنًا لا يمكن سماعه خارج نطاق مخيلته الموسيقية.
عندما رأى الشرطي المتشكك الواقف عند مدخل الساحة عازفَ الموسيقى يخرج، وهو يخمش الهواء الفارغ أمامه بسبابتَي يدَيه المعقوفتَين كالمخالب، مقطبًا جبينَه بصورةٍ مخيفة، وفي حلقه غمغمة متوعدة، قال الشرطي في نفسه:
«ها هو ذا أحد الفوضويين، إذا كان لهم وجود من الأساس»، ولم يكن يعلم أن هذا الرجل الضئيل المسكين كان يجذب مقابض أرغن خيالي ضخم يُصدر نغمات سماوية. كان رجال الشرطة دائمًا ما ينظرون إلى لانجلي بارتياب عندما ينتقل إلى مكان جديد، حتى عرفوا أنه عازف الأرغن في كنيسة القديسين الشهداء في الشرق.
ذات ليلة، بعد فترة قصيرة من استئجاره الغرفة الخلفية في الطابق الثاني في المنزل رقم ٣، كان لانجلي يهبط الدرج عندما توقف مشدوهًا على بسطة الدرج المقابلة لباب غرفة برونت. فقد سمع أحدهم داخل الغرفة يغتال ببطء وتردُّد الجزء الأول من «اللحن الجنائزي» لشوبان. أصابه صوت العزف بغصة، فظل يقترب ببطء حتى وصل إلى الباب، وأصابعه تدق تلقائيًّا على إطاره، كابتًا بصعوبة رغبةً في الصراخ احتجاجًا على انتهاك لحن بدا له مقدسًا. وفجأةً توقف العزف، ولم تمر لحظة حتى فُتح الباب على مصراعَيه ما جعل المستمع المشدوه يتعثَّر إلى داخل الغرفة، حيث قفز عليه عملاق، كما بدا له، وأمسكه من كتفَيه، وطرحه أرضًا بجوار الجدار المقابل حيث سقط مكوَّمًا. ثم ركل العملاقُ الباب مغلقًا إياه ضامًّا قبضتَيه، وقد الْتوت قسمات وجهه من الغضب، ووقف فوق الرجل الممدَّد على الأرض ينظر إليه متوعدًا.
صاح برونت قائلًا: «أيها الخسيس المتلصص التعس! لهذا السبب إذن استأجرت غرفةً مع عائلة سكيمينس؛ حتى تتلصص عليَّ وتستطلع أخباري. لقد رأيتك تصعد هذا الدرج زاحفًا خشية النظر في وجه أي رجل نزيه. لأنني لم أتقاضَ أجر الإضراب، يريد جيبونز أن يعرف كيف أعيش، أليس كذلك؟ أنا أعلم ألاعيبه جيدًا. أنت جاسوس جيبونز، وأرسلك لتعيش مع ذلك الخائن الآخر؛ سكيمينس. إن سكيمينس نفسه خائف؛ لأنه يعلم مدى ثقل يدي.» واستطرد برونت وهو يشمِّر عن ساعدَيه: «والآن، ستتلقَّى ما تلقَّاه سكيمينس. سأُلقي بك من فوق الدرابزين، ويمكنك أن تخبر جيبونز بذلك، وأخبره بأن يحضر بنفسه المرة القادمة، وسأكسر كل عظمةٍ في جسده.»
تعلَّقت جيسي بوالدها وهي ترجوه باكيةً ألَّا يؤذيَ الرجل المسكين. فدفعها برونت بعيدًا عنه، ولكن بلا قسوة.
وقال: «اجلسي يا جيسي واهدئي، ولا تزعجيني يا حبيبتي. لن أفعل شيئًا سوى إلقاء كومة العظام هذه على الدرج، وأُعطيه ما يستحقه أمثاله من المتلصصين.»
استجمع لانجلي شجاعته، مستغلًّا تغيُّر نبرة صوت خصمه أثناء تحدُّثه إلى الفتاة، وقال متلعثمًا:
«أؤكِّد لك يا سيدي …»
صاح برونت وهو يلتفت إليه بعنف: «لا تدعُني «سيدي» أيها الوغد، ولا تجرؤ على إنكار أنك أحد جواسيس جيبونز. لقد أمسكت بك متلبسًا، تذكر هذا.»
«لن أنكر شيئًا، إذا كان هذا يغضبك، ولكني لم أسمع باسم جيبونز في حياتي من قبل، ولست إلا عازف أرغن مسكين. ووقفتُ عند الباب عندما سمعت صوت الأرغن المزماري. وأؤكِّد لك أني لم أفعل ذلك لأي سبب آخر. أعلم أنه لم يكن عليَّ أن أفعل ذلك، وأعتقد أنني بذلك أصير متلصصًا. لن أفعل ذلك مرةً أخرى أبدًا، أبدًا، إذا ما تقبلت عذري لما اقترفت هذه المرة.»
كانت ثمَّة لمحةٌ من المذلة الشديدة في أسلوب الموسيقي، جعلَت استجداءه يزيد استياء برونت بدلًا من أن يقلِّله. فكان الرجل الضخم يحتقر كل شيء صغير وتافه.
فسأله: «أوه، أنت عازف أرغن؟ لا أصدقك! إن عازفي الأرغن لا يعيشون في ساحة جاردن. ولكن سنرى إن كان هذا صحيحًا، سنرى. انهض.»
استجمع لانجلي قواه ووقف على قدمَيه مترنحًا. وكانت كل حركة يفعلها تعزِّز شكوك الرجل الآخر.
قال برونت بنبرة رجل أحكم السيطرة على خصمه: «والآن، اجلس أمام الأرغن المزماري واعزف. تذكر أنك قلت إنك عازف أرغن.»
اعترض لانجلي قائلًا: «نعم، ولكني لا أعرف كيف أعزف على هذه الآلة على الإطلاق. أنا أعزف على أرغن الكنيسة.»
«الأرغن واحد لا يتغير، سواء كان في الكنيسة أم خارجها. إذا ما تمكَّنت من العزف على أحدها، فستتمكن من العزف على الآخر.»
تردَّد الرجل وبدأ اليأس يتسلَّل إلى قلبه. كان برونت يود بشدة لو فتك به، وربما كان وجود الفتاة في الغرفة فقط هو ما كان يكبح جماحه حتى هذه اللحظة.
سأل لانجلي: «هل لديكم أي نوتات موسيقية؟»
«لا، ليس لدينا أي نوتات موسيقية. فهي تعزف سماعيًّا.»
«هل تسمح لي بأن أصعد إلى غرفتي لأُحضر نوتةً موسيقية؟»
كان الأمر مكشوفًا للغاية.
فصاح برونت ضاربًا سطح الطاولة بقبضته: «بحق الرب! إذا ظَلِلت واقفًا مكانك تُثرثر هكذا لدقيقة أخرى، فسوف ألقي بك على الدرج حتى ينكسر عنقك. اجلسي يا جيسي ولا تتدخلي. إن هذا الرجل إما يمكنه العزف، وإما لا. كنت أعلم أنه كاذب، وهو واقف يرتجف هكذا لأن عليه إثبات ذلك. والآن، أيها الجبان، إما الأرغن أو الدرج؛ اختر بسرعة.»
جلس الموسيقي المغلوب على أمره على مضض على الكرسي المقابل للآلة الموسيقية. كان يعزف على الأرغن المزماري في بداية مشواره مع العزف، وكان يدرك أنه يُصدر نغماتٍ غليظة في أفضل الأحوال. ولكن بمجرد لمسة من أصابعه الرقيقة عليه، بدا وكأن روح الألحان بشتى أنواعها تنبعث منه، وتملأ جنبات الغرفة البائسة. وقف برونت لحظات مشدوهًا وقد تدلَّت يداه على جانبَيه في ارتخاء، ثم غاص في مقعده ذي الذراعَين. أما جيسي فراحت تُحدِّق بثبات، بعينَين واسعتَين شجيتَين، إلى ضيفهما، الذي بدا أنه تحوَّل؛ إذ اختفت من وجهه كل الخطوط التي رسمها الذعر والرعب عليه، وحلت محلها نشوة عميقة، وصار غافلًا عن كل ما يحيط به. ظل يعزف اللحن تلو الآخر، وكان كل لحن يؤدي إلى اللحن التالي له ويذوب فيه، وفي نهاية العزف، تحولت مجموعة من النغمات الصغيرة بالموسيقى إلى لحن شوبان الجنائزي المهيب، وبدأ الأرغن، كما لو كان كائنًا واعيًا، يبكي وينوح على الموتى. خلال ذلك، لم ترفع الفتاة عينَيها عن ساحر الألحان أمامها، وقد اغرورقتا بالدموع، بينما دفن والدها وجهه بين يدَيه.
عندما انزلقت أصابع عازف الأرغن السحرية أخيرًا من فوق المفاتيح، وانحسرت الإشراقة الجزلة عن وجهه مع امتزاج الموسيقى المحتضرة بالصمت، هب برونت واقفًا على قدمَيه.
وصاح قائلًا: «ألَا لعنة الرب على حماقتي وتفاهتي! لا أتخيل كيف أسأت إليك هكذا يا فتى وأنت تعزف مثل الملائكة. وكأنني لم أسمع موسيقى من قبلُ في حياتي.»
وضع برونت يده الضخمة برفق وحنو على كتف الرجل الآخر، على الرغم من أن الشاب، الذي بدا لم يَستفِق بعدُ من حلمه، قد انكمش في خوف من هذه اللمسة. «هلا تسامحني يا فتى؟ لا أعتقد أني آذيتك.»
«لا، لا؛ لا بأس. أنت تحب الموسيقى إذن؟»
«الموسيقى! لن أنساها ما حييت، إن هذا اللحن يرنُّ في رأسي طوال اليوم. يبدو وكأن العالم بأكمله يضبط خُطى أقدامه على نغماته.»
وللمرة الأولى، رفع الشاب بصره نحو برونت وقد الْتمع بريق الأخوة في عينَيه.
وقال: «أنا أيضًا أشعر بأنه لا شيء حولنا عدا الموسيقى العذبة. إنها تُلطِّف أصوات الأرض القبيحة، أو تستخدمها كأنها نغماتٌ ثانوية … كأنها … كأنها خلفية. يُخيَّل إليَّ أحيانًا أن أبواب السماء قد تُركت مواربة، وسُمح لنا — بعضنا — بالإنصات، لتعويضنا عن أي متاعب نمر بها، أو لندرك مدى تفاهة كل شيء آخر.»
تخضَّب وجه الشاب النحيل بحمرة الخجل المشوب بالارتباك، عندما وجد نفسه يتحدَّث بهذا الشكل إلى شخصٍ آخر، على الرغم من أن ما قاله لم يكن إلا خلاصة أفكارٍ عديدة، طالما ناجى نفسه بها من قبل. وبنظرةٍ اعتذاريةٍ خاطفةٍ رمق بها الفتاة التي كانت تنظر نحوه بعينَين مفتوحتَين لا تطرفان، كما لو كانت في حالةٍ من الغشية، واصل لانجلي حديثه في عجالة:
«إن اللحن الجنائزي لحن صعب، ويجب ألَّا يحاول أحدٌ عزفه إلا بعد دروس كثيرة. وسيُسعدني أن أتولَّى تعليم ابنتك الموسيقى إذا ما سمحتَ لي بذلك. فلدَيها أذن موسيقية.»
هزَّ برونت رأسه في أسف.
وقال: «ليس لدينا ما يكفي من المال لإنفاقه على دروس الموسيقى.»
فقال عازف الأرغن كما لو كان ما يقول سببًا منطقيًّا: «أنا أيضًا لا أملك الكثير. أنا فقير؛ ولذلك لست بحاجة إليه. على الفقراء أن يساعد بعضهم بعضًا. فإن لم يفعلوا ذلك، مَن سيفعل؟ لطالما كان الفقراء رحماء بي.» وتذكر صاحبات العقارات العديدات اللاتي سكن لديهن، وكيف كن يحرمن أنفسهن لإعالته، كما كن يعترفن عادة، دون أن يتوقعن للحظة أنه سيهجرهن الواحدة تلو الأخرى. ثم أضاف، متذكرًا المحرك الهيدروليكي في الكنيسة، وصبر السلطات المستمر على عازف الأرغن بها: «والأثرياء أيضًا.»
قال برونت متنهدًا: «حسنًا أيها الفتى، يمكنك أن تأتي متى استطعت، وحتى إن أتيت لأي غرض آخر، فتأكد من أنك ستلقى ترحيبًا شماليًّا حارًّا.»
نفوس متقلبة |
الفصل الثالث عشر
كان سارتويل يفتخر بكونه رجلًا قليل الأخطاء. فكان قادرًا على تتبُّع حدث محللًا أسبابه ونتائجه بيقين عقلاني مستساغ، وربما جعلته هذه الميزة البسيطة قليل الصبر بعض الشيء مع الآخرين، ممن قد لا يملكون فطنةً مماثلة، بشهادة زوجته التي لم تكن لتتوانى عن الإقرار بذلك. ربما كانت هذه المرأة المنصفة ستشعر برضًا داخلي، وإن كان له ما يبرِّره، لو علمت كم كان زوجها مخطئًا في تقديره لمدى تأثير الأخبار التي عهد إلى مارستن بمهمة نقلها إلى المضربين عليهم. لقد تخيَّل سارتويل أن العمال، في خضم غضبهم من تعرُّضهم للخداع، سينقلبون على جيبونز ويمزِّقونه. واعتقد أن جيبونز لن يجرؤ على أن يخبر أتباعه من السذج الغافلين، كما دأب سارتويل على تسميتهم، كيف تعرَّضت النقابة للخداع، وظلت طوال أسابيع تدعم العمال المزيفين الذين ألقى بهم المدير إليها طُعمًا التقموه بكل سذاجة. واستنتج المدير أنهم سيعودون حتمًا إلى المصنع بعد أن يُنزلوا انتقامهم بجيبونز ويعزلوه. فقد نفدت أموالهم، وخبت حماستهم للإضراب، وباتت الصحف توجز آخر أخبار الإضراب في خبرٍ لا يتجاوز السطرَين، وتوقفت التبرعات فعليًّا، فماذا تبقَّى لهم إذن سوى العودة أو المجاعة، ذلك الحليف القوي للسادة في كل أنحاء العالم؟
ولكن نسي سارتويل أن الإنجليز يعرفون كيف يتحمَّلون الجوع. فما من هندي يشد الحزام على بطنه للسيطرة على آلام الجوع بعزم يفوق عزم مواطن إنجليزي يُصر على أسنانه ويتحمل الجوع، إذا اقتضت الحاجة. فقد جاع الإنجليز على الجليد بالقرب من القطب الشمالي، وتحت الشمس الحارقة في الصحراء.
لقد واجه الإنجليزي المجاعة وجهًا لوجه في القلاع المحاصرة أثناء الحروب، دون أدنى تفكيرٍ في الاستسلام، ووزَّع حصص الطعام غير الكافي على متن طوف في عرض المحيط بدقة متناهية. وجلس الشاعر في عليته يتضور جوعًا دون صياح أو صراخ يشكو به جوعه، وقال العالم: «آهٍ لو كنا نعلم.» في الغابات والسهول، في الأدغال وعلى قمم الجبال، وربما كان الأسوأ من كل ما سبق في المدن الكبرى، حيث الوفرة والرخاء، أظهر الإنجليزي أنه يعلم كيف يتحمل الجوع، مرددًا قول الشاعر:
«لم تطرف لي عين، ولم يُدوِّ صوتي بصرخة ألم.»
عندما سمع جيبونز ما كُلِّف مارستن بإخبارهم به، قال على الفور: «هذا كذب»؛ إلا أن أعضاء اللجنة تبادلوا النظرات فيما بينهم وبدا القلق على وجوههم؛ خشية أن تكون هذه هي الحقيقة بالفعل.
قال مارستن: «السؤال الأهم هو هل ستُخبرون العمال بذلك؟»
«بالطبع سأفعل، إذا تيقنت من صحته، ولكني لا أصدق كلمةً واحدة منه. ربما تريد أن تستمتع بكونك حامل الأخبار السيئة للعمال.»
«أنوي إخبارهم بالفعل إن لم تفعل أنت.»
«بالطبع. آسف لأننا لا نستطيع أن نرضي غرورك.»
صرفت اللجنة مارستن ودخلت في اجتماع سري مغلق، ولم يمر وقت طويل حتى انفض، ليجتمعوا مرةً أخرى في المساء مباشرةً قُبيل التجمع الكبير في قاعة جيش الخلاص. وفيما بين الاجتماعَين، بحث جيبونز وأعضاء اللجنة الآخرون بجدٍّ عن العمال المزيفين المزعومين، ولكنهم لم يعثروا على أي منهم؛ إذ اختفوا بلا أثر. كان واضحًا أنهم قد علموا بما يدور، ففر «مفسدو الإضراب» السابقون؛ خوفًا من انتقام أصحاب الحق الشرعيين في أموال النقابة، حتى لا يقعوا تحت طائلة أي أذًى قد يلحق بهم.
عندما اجتمعت اللجنة للمرة الثانية في ذلك اليوم، كان أعضاؤها منقسمين على أنفسهم فيما يتعلق بمدى صحة إفشاء هذا السر للعمال. فرأى البعض أن من الأفضل إبلاغ العمال بهذه الأخبار السيئة تدريجيًّا، فيما رأى البعض الآخر أن أسوأ الأشياء يجب الكشف عنه مرةً واحدة. غير أن جيبونز قال إنه لا يوجد في واقع الأمر أي خيارٍ ولا بد من إخبار العمال بالحقيقة كاملة؛ فإذا حاولت اللجنة الخروج بأنصاف حلول، فلا شك في أن مارستن سيقف في مكانه، ويروي لهم كل ما أخبره به سارتويل. ومن ثم استقر الرأي على إخبار العمال بالحقيقة كاملةً ولا شيء سواها.
عندما وقف جيبونز هذه الليلة أمام جمهوره في القاعة الكبرى، رأى أن عليه التعامل مع مجموعة من الرجال اختلف مزاجهم تمامًا عن مزاج ذلك الحشد الذي صوَّت سابقًا بسعادة، وحماسة، لصالح الإضراب. فلم يعد العمال يمزحون كثيرًا فيما بينهم كالسابق، بل كانوا يجلسون في أماكنهم في صمت وتجهُّم. بدا أن شعورًا بحدوث أمر سيئ يطغى على القاعة، وعندما تقدم جيبونز لمقدمة المنصة، شعر بأن المُناخ العام للمكان معادٍ له، وأن عليه أن يمضي في الأمر بحرص شديد، وإلا فسيخسر سيطرته على العمال. كان يدرك جيدًا أنه خطيبٌ مُفوه، ولكنه كان يدرك أيضًا أن العمال قد ضاقوا ذرعًا بعض الشيء بكثرة الكلام، دون تحقيق نتائج ملموسة من كل هذا.
بدأ جيبونز حديثه قائلًا: «الاتحاد هو الناتج الطبيعي للأوضاع الحديثة للعمالة. إن العامل اليوم يمكن تشبيهه بأنبوب واحد في أرغن ضخم. لا يمكنه أن يُصدر أكثر من نغمة واحدة فقط. فهو يُمضي حياته بأكملها يؤدي جزءًا واحدًا من شيء ما. إنه لا يبدأ بتصنيع سلعة تجارية، ويعمل عليها، ثم يُنهيها، مثلما كان الحال في الماضي، بل أصبح فحسب يتسلمها من عاملٍ آخر ترك بصمته عليها، فيضع بصمته هو الآخر عليها، ثم يمرِّرها إلى عاملٍ آخر، وهكذا تنتقل السلعة من يدٍ إلى يدٍ حتى تصل إلى العامل الذي سيضع البصمة الأخيرة. إن عامل اليوم ليس إلا مجرد ترس صغير في عجلة ضخمة للغاية؛ لذا فإن لم يتحد مع أقرانه، يصبح عاجزًا. كان العامل في الماضي أكثر استقلالًا بكثير. فكان يبدأ عمله وينهيه بنفسه. فإن كان صانع براميل، كان يصنع البرميل بأكمله، ثم يركِّب الطوق والرأس. وإذا جاز تشبيه أحدنا بأنبوب واحد من أنابيب الأرغن، فقد يُشَبَّه عامل الأمس بآلة الفلوت، حيث يمكنه أن يعزف مجموعةً كاملة من النغمات. فالعامل …»
صاح عامل نفد صبره يجلس في المقدمة: «آه، كف عن هذا! لا نريد فلسفة، بل نريد أجر الإضراب أو أجر السيد.»
ارتجت القاعة بهتاف: «اسمع، اسمع!» وبدا أن الرجل الذي قاطع جيبونز قد عبَّر عمَّا يجيش في صدور الحضور. فوقف جيبونز لحظات ينظر إليهم.
ثم صاح بصوت أشبه بالنفير: «حسنًا، سأكف عن ذلك. هذا ليس وقت فلسفة، كما قال صديقنا، بل وقت أفعال. عندما يتجرد رجل من ملابسه ليتشاجر، ماذا يتوقع؟»
ليتلقَّى إجابةً غير متوقعة وهي «الجلد بالسياط.»
ليس من الآمن أبدًا أن يعتمد خطيب على الجمهور في الإجابة عن أسئلته، إلا أن أصوات الضحكات التي تعالت في القاعة أخبرت جيبونز بأن الحشد أصبح في مزاج أفضل، وكان هذا هو أقصى ما يتمناه.
قال جيبونز: «عندما يخلع مواطن إنجليزي معطفه ليُقاتل، فهو لا يستجدي أي معروف من خصمه، ولكنه يتوقع مواجهةً نزيهة وعادلة، وإذا كان المتفرجون من الإنجليز، فسيحصل على ما أراد، سواء أعجبهم أم لا. فلا يتوقع أن يُضرَب تحت الحزام، ولا يتوقع أن يُعلق من رقبته بالحبال، ولا يتوقع أن يُضرب إذا انكفأ على الأرض. لقد خلعنا ملابسنا من أجل معركةٍ عادلةٍ مع المدير سارتويل، وقاتلنا كما يجدر بالرجال أن يقاتلوا. لم نخالف قانونًا، ولم نُثر أي شغب. حتى الشرطة، التي تتوق دائمًا لإلقاء القبض على أي مضربٍ عن العمل، لم تمسَّ أيًّا منا. كانت معركة عادلة، ونزيهةً وشريفة. كانت معركةً عادلة من جانبنا، وأفتخر بأني كنت جزءًا منها. والخطأ الذي ارتكبته عندما تصوَّرت أننا نواجه خصمًا شريفًا؛ رجلًا لن يلجأ إلى مخالفة قواعد الحلبة. لم أتوقَّع مخالفة قوانين اللعب، لم أنتبه للخداع. وبعد ما عرفته الليلة، أقول — وأنا على استعدادٍ تامٍّ لتحمُّل تبعات كلماتي — إن سارتويل لص، بل لص جبان في نظر أي رجل نزيه. فقد كان يعلم أن أموالنا هي أساس معركتنا. كان يدرك أن تجويع زوجات وعائلات عمالنا الذين لا حول لهم ولا قوة هو أقوى حلفائه. لم يجرؤ على اقتحام النقابة وسرقة أموالنا؛ خوفًا من الوقوع تحت طائلة القانون، إلا أنه سلك مسارًا أكثر خسةً وجبنًا لتنفيذ هذه السرقة. لقد استغل جشع بعض الرجال العاطلين عن العمل — يا لهم من بؤساء! لا ألومهم على شيء، فلا شك في أنهم كانوا يتضورون جوعًا — وأخبرهم بأنهم إذا ما تنكَّروا في هيئة موظفين لديه، فستضمهم النقابة إلى صفوفها، وتدفع لهم أجورًا، ما دام لم تُثَر شكوك حولهم؛ أي ما دام ظل هؤلاء الرجال صامتين، سيظل بإمكانهم الحصول على أجر الإضراب. بقدر ما كنت دومًا أحتقر سارتويل، لم يخطر ببالي أن ينحدر إلى حد اللجوء إلى حيلة مثل هذه. الرجل الذي يسطو على مصرفٍ يمتلك بعض الشجاعة، ولكن أن يغري رجل مجموعةً من الفقراء التعساء لارتكاب جريمة، بينما يقف هو على مسافةٍ آمنةٍ ليجنيَ ثمار ما فعل؛ فلا توجد كلمةٌ مهذبة في اللغة يمكنها وصفه. والآن، أيها الرجال، ها قد صرتم على علمٍ بما حدث، ونتيجة ذلك أن أصبحت خزانتنا فارغةً كما لو أن سارتويل قد حطمها بعتلة حديدية. وينتظر المدير في ترقُّب أن يجني ثمرة سرقته لنا. سيفتح غدًا أبواب المصنع أمامكم لتدخلوا منها وتُكملوا انتصاره علينا. والسؤال الذي أطرحه أمام هذا الجمع الليلة: هل ستدخلون؟»
هتف الجميع في صوت واحد ارتفع إلى سطح المبنى: «أبدًا! فلنتضور جوعًا أولًا!»
في بداية مواجهته للحشود في تلك الليلة، كان جيبونز يخشى ألَّا يتمكن من استنهاض العمال من حالة البرود البادية عليهم تجاهه، وبينما كان يلقي خطابه، أظهرت له الهمهمات المتزايدة بين العمال ثم عواصف الغضب العنيفة التي اندلعت وسطهم أنه قد امتلك زمامهم؛ وفي النهاية، وبكلمة واحدة منه، لن تتمكن الشرطة بكل قواتها في هذا الجزء من لندن أن تنقذ المصنع من الدمار وألسنة اللهب.
صاح أحد الحضور: «فلنقتحم المصنع!» وبدأ الرجال جميعهم يتحركون استجابةً لهذه الدعوة.
فصاح جيبونز بصوته الجَهْوري الذي غطَّى على صخب هتافاتهم: «لا يا رجال. لن يتجه أحد إلى المصنع. فليعد الجميع إلى بيوتهم الليلة، ولكن عودوا إلى أرض الإضراب في الصباح. يجب ألَّا نُنفِّذ للعدو ما يصبو إليه عبر أي محاولة للعنف. في الغد، سنعترض طريق مونكتون وهوب ونطالبهما بحقوقنا شخصيًّا. وليتحملوا نتائج رفضها. لن نتعامل مع سارتويل بعد اليوم.»
هلَّل الجميع لهذا القرار، وانفضَّ الاجتماع في هدوء.
في صباح اليوم التالي، احتشد العمال أمام البوابات التي كانت لا تزال مغلقة، وراحوا يطلقون صيحات تهديد غاضبةً ضد مدير المصنع. قالوا إن دعوة جيبونز إلى التهدئة كانت منطقيةً كفاية في البداية، ولكن مضى وقت التهدئة. زادت أعداد قوات الشرطة، الذين ظلوا يحاولون تفريق الحشد قدر الإمكان، ليواجهوا بذلك أصعب مهمة واجهوها منذ بداية الإضراب. فقد كان مزاج المضربين سيئًا للغاية، ولم يطيعوا أوامر رجال الشرطة ولم يتعاملوا مع دفعاتهم لهم بالهدوء الذي أظهروه سابقًا؛ إلا أن رجال الشرطة أظهروا الكثير من ضبط النفس، وكان واضحًا أنهم قد تلقَّوا تعليمات بعدم استخدام هِراواتهم إلا ملاذًا أخيرًا.
قضى سارتويل الليلة في مكتبه لعلمه أن ثمة أزمةً على وشك الحدوث، وتعالت صيحات الحشد المتزايد عندما لم يظهر في موعده المعتاد.
كان جيبونز يطوف بين رجاله محاولًا، بالقول والفعل، أن يسيطر عليهم، ويمنع وقوع صدام. كانوا يهتفون له، ولكنهم لم يلتفتوا كثيرًا لِما يقول.
بعد العاشرة بقليل، وصلت عربة وتوقفت عند أطراف التجمع، واستُقبلت بوابل من صيحات الاستهجان. أسرع جيبونز ووقف أمام العربة وخاطب راكبها.
قال: «سيد هوب …»
صاح الضابط المسئول: «تراجع!»
فصاح جيبونز: «سيد هوب، أريد أن أتحدث إليك قليلًا.»
انزوى السيد هوب الضئيل في أحد أركان العربة، عاجزًا عن الكلام، وقد شحب وجهه كورقة بيضاء.
دفع الضابط جيبونز وقال: «قلت لك تراجع!» وضربه بقوة نوعًا ما في صدره.
«دعه يُجِبْني. هل ستمنح عمالك دقيقةً من وقتك؛ العمال الذين جعلوك ثريًّا؟»
كرَّر الضابط كلمته دافعًا جيبونز إلى الخلف أكثر: «تراجع!»
ظلَّت العربة تتقدم مقتربةً من البوابة شيئًا فشيئًا. كان العمال يستشيطون غضبًا كالبحر الهائج، ولكن كتم الجميع أنفاسهم.
«اسمعني يا سيد هوب. إن عمالك يتضورون جوعًا. وكل ما يطلبونه هو …»
دفع الضابط جيبونز إلى الخلف مرةً أخرى. وعلق كعب جيبونز في أحد أحجار الرصف، وسقط على ظهره.
هاج الحشد كالموج، وأغرق رجال الشرطة للحظات، وغمر الشارع كما لو أن سدًّا تهدَّم. وبدا سائق العربة في مقعده العالي وهو يحاول السيطرة على حصانه المرتعب، كما لو كان غريقًا وسط محيط هائج جاثمًا على طوق نجاة. ثم وقع في ذلك الخطأ التكتيكي عندما بدأ يستخدم سوطه في ضرب من حوله. فقد رُفعت العربة في الحال وانقلبت لترتطم بالأرض ما أدَّى لتهشُّم زجاجها. وتجمع رجال الشرطة معًا وهم يضربون بهِراواتهم يمنةً ويسرةً في هِياج يضاهي ثورة الحشد الخارجة عن السيطرة. وظل رجال الشرطة يشقون طريقهم بصعوبة حتى كوَّنوا دائرةً حول العربة المنقلبة، وحمل اثنان منهم السيد هوب الذي كان عاجزًا عن الحركة بسبب الخوف والرعب، وأُحيط هذان الرجلان، وبينهما الرجل الضئيل، بمجموعة من رجال الشرطة الذين وقفوا كتفًا بكتف، وشقُّوا طريقهم عبر الزحام الكثيف نحو البوابات، وسرعان ما فُتح الباب الصغير الملحق بالبوابة الكبيرة وأُغلق، بعد أن دخل السيد هوب وبرفقته شرطي يسنده.
ارتفع جيبونز بهيئة شعثاء، وقد اختفت قبعته، وتمزَّق معطفه، وتلطَّخ وجهه بالدم، فوق مستوى الحشد المناضل بالوقوف على العربة المنقلبة.
وصرخ: «يا رجال، بحق الرب، لا تقاوموا رجال الشرطة! تراجعوا! تراجعوا!»
كان كمن يصرخ في مهب الرياح. فقد انقضَّ رجال الشرطة على العمال مثل الشياطين، وسرعان ما بدأ الحشد يتراجع إلى الخلف، ولكن ليس لأن جيبونز أمرهم بذلك. وخلال مدة وجيزة للغاية، كان رجال الشرطة يسيرون وحدةً واحدة عبر الشارع، لا يعترض طريقهم أي شخص. ورقد من تبقى من أولئك الذين بدوا قبل بضع دقائق قوة لا تُضاهى على الرصيف يئنون، أو يتكئون على الجدران، ونُقل المصابون بإصابات خطرة إلى المستشفى، فيما نُقل الآخرون إلى مخفر الشرطة.
على الرغم من الهزيمة التي تعرضوا لها في الصباح، تجمع العمال مرةً أخرى حول المصنع بعد ظهيرة اليوم نفسه، وازدادت أعداد الحشد المُهدِّد عمَّا سبق؛ ويرجع ذلك إلى نشر الصحف المسائية أخبارًا مقلقة في جميع أرجاء لندن عن أحداث الشغب، كما أطلقوا عليها، واجتذبت هذه الأخبار العاطلين من جميع أنحاء المدينة الكبرى. كانت أشد الشائعات المنتشرة أن العمال سيدمرون المصنع؛ وسينهبون المخابز في شارع لايت؛ وأنهم سلَّحوا أنفسهم وعلى وشك التحرك في مسيرة في ميدان ترافلجار. وتحت قيادة قائد مستميت ثابت العزم، لم يكن أحد ليتوقع ما قد يحاولون تحقيقه، إلا أن جيبونز، الذي تدثَّر بمعطف آخر، ووضع الكثير من اللاصق الطبي على وجهه، راح يدعو إلى التهدئة واحترام القانون. وقال إنهم سيخسرون تعاطف الرأي العام إذا جنحوا إلى العنف، إلا أن بعضًا من مستمعيه اعترضوا قائلين إن تعاطف الرأي العام «لم يعُد عليهم بأي خير.» فقال جيبونز: «إن ما نريده، وما نريد أن نحصل عليه هو التحدُّث إلى المالكَين. سيخرجان من المصنع حتمًا عما قريب.»
خرج المالكان بالفعل في نهاية المطاف معًا، وكان من الصعب أن تجد رجلَين أكثر خوفًا من مونكتون وهوب في جميع أنحاء البلاد ذلك اليوم. كانا محاطَين بدزينة من رجال الشرطة نمَّ سلوكهم الصارم على أنهم ممن يجب عدم العبث معهم. أُغلقت البوابات في الحال خلف هذا الموكب المهيب الذي سرعان ما سلك طريقه عبر الشارع، بينما تعالَت صيحات الاستهجان والامتعاض من الحشد أثناء مروره.
صاح أحد العمال: «لا نُكن أي ضغينة لهما. أخرجوا لنا سارتويل وسنريكم ماذا سيحدث.»
كانت كراهية مدير المصنع وليس مالكَيه هي الشعور السائد لدى الحشد. فهلَّل الرجال لهذا التعليق، وهتفوا ضد المدير المكروه ثلاث مرات.
عندما اختفى الرجلان وحرسهما عن الأنظار، تخلَّت قوة الشرطة عن يقظتها، واندفع الحشد ليملأ الفجوة التي أخلتها قوة الشرطة. وبعدما أصبح السيدان في أمان وبعيدَي المنال، بدا أن أكثر لحظات اليوم حرجًا قد انقضَت. لم يكن من الممكن أن تعرف الشرطة أن الاستياء الحقيقي لدى الحشد لم يكن موجهًا ضد الرجل الذي قُلبت عربته هذا الصباح.
قال مارستن مخاطبًا برونت: «أرجو ألَّا يغامر سارتويل بالخروج الليلة. سيتطلب الأمر ما يزيد على اثني عشر رجل شرطة لحراسته حال خروجه.»
رد برونت قائلًا: «إن لديه قدرًا من الذكاء، وسيظل حيث هو.»
لم يكن برونت أو مارستن حاضرَين خلال معركة الصباح، ولكنهما توجَّها إلى مكان الإضراب في عصر ذلك اليوم، شأنهما شأن الكثيرين ممن لا يوجد لديهم ما يشغلهم.
وبينما كان برونت يتحدث إذا بالباب الصغير الملحق ببوابة المصنع يُفتح، ليخرج منه سارتويل بمفرده تمامًا. كانت يده خاويةً من أي شيء يمكن اعتباره سلاحًا إلا من مظلته الرفيعة الأنيقة المعتادة. كانت قبعته الحريرية تلمع وملابسه أنيقة ومهندمة، كما لو كان نموذج عرضٍ لدى خياط. بدا أكبر سنًّا بقليل عما كان عليه عند بداية الإضراب، إلا أن جسده النحيل القوي البنية كان منتصبًا كالعادة، وحملت عيناه نظرة السطوة الصارمة تلك التي كان يجبن أمامها كل من عمل تحت إمرته في وقت أو آخر.
خيَّم صمت لحظي على الحشد. حتى إن صياح بائع متجول في شارع بعيد كان مسموعًا. كان الجميع يدرك أن قذف حجر أو طوبة، أو حتى رفع ذراع، سيكون بمثابة شرارة في مصنع للبارود. كانت ضربة واحدة كافيةً وحينها لن تتمكن كل قوات الشرطة في لندن من إنقاذ حياة ذلك الرجل، الذي يعبر المنطقة الخالية بين بوابات المصنع متجهًا نحو الحشد. كان كافيًا أن تمضيَ تلك الكتلة الصامتة من البشر قُدمًا لتُزهق حياة سارتويل على أحجار الرصف.
سار سارتويل، دون أن يتوقف أو يُسرع الخطى، عبر المساحة الفاصلة بثقة واضحة في أن العمال سيُفسحون له الطريق. لم يُبدِ في سلوكه أي أمارات خوف، ولم يُبدِ أيضًا أيًّا من أمارات خُيَلاء السلطة، ولكن كان في نظرة عينه الحادة واتزان وضعية رأسه ذلك الشيء المجهول الذي يميز السادة؛ ذلك الشيء الذي يُلزم الجميع بالطاعة في الحال ودون نقاش.
تفرَّق الحشد أمامه، ولم يتلفت سارتويل حوله. وبحكم العادة، رفع عامل، أو اثنان، يده لتحيته أثناء مروره، وتلقى في المقابل تلك الإيماءة المقتضبة التي لطالما كانت رده على هذه التحية. وانشق المحيط البشري أمامه كما فعل البحر الأحمر أمام قائد اليهود، وعبر مدير المصنع خلاله دون أن يُمس.
صاح برونت وقد صعد إلى مكان أعلى من بقية زملائه ملوحًا بقبضته في وجه السماء البريئة التي لم ترتكب في حقه أي أذًى: «يا إلهي! لم أرَ في حياتي في شجاعة هذا الرجل.»
نفوس متقلبة |
الفصل الرابع عشر
قال برونت: «تعالَ معي يا مارستن. دعنا نغادر هذا الحشد. أريد أن أتحدث إليك.»
شق الرجلان طريقهما إلى شارع أهدأ، وسارا جنبًا إلى جنب متجهَين نحو ساحة روز جاردن، ويتبادلان أطراف الحديث في الأثناء.
قال الرجل اليوركشايري: «لا بد أن ينتهي هذا الإضراب الغبي، وقد حان وقت إيقافه. لقد سئمه العمال، وضاق به السادة ذرعًا، ولكن لن يستسلم أيٌّ من الطرفَين للآخر؛ لذا لا بد من إيجاد طريقةٍ للخروج من هذا الوضع المعقد، وأنت أصلح رجل للعثور على هذه الطريقة.»
«كيف؟ لن يطيح العمال بجيبونز، وسارتويل يفضِّل الاستقالة من منصبه قبل أن يقبل لقاء جيبونز. تذكر كيف استمال جيبونز العمال ليلة أمس، على الرغم من سخطهم عليه قبل بدء الاجتماع.»
«نعم، أعلم هذا. ولكن يا صديقي، ثمَّة شقاق في المعسكر الآخر مثلما هو الحال في معسكرنا. إن خروج سارتويل بهذه الطريقة الآن كان تحديًا لرؤسائه مثلما هو تحدٍّ لمرءوسيه. وحقيقة الأمر أن مونكتون وهوب كانا يريدان أن يخرج معهما برفقة حراسهما الشخصيين. ولكنه رفض. ومما سمعت، كان السيد هوب خائفًا صباح اليوم؛ حتى إنه لم يكن ليستطيع التحدث حتى ولو كانت حياته تتوقف على ذلك. ولا بد أن جدلًا محتدمًا قد وقع بين ثلاثتهم اليوم. إن سارتويل يستخف بالخطر المحدق به، بينما المالكان يبالغان في تقديره. وما أنا على يقينٍ منه أن ثمة خلافًا بين سارتويل والسيدَين، وعندما يعلمان أنه قد خرج الليلة بمفرده بينما يحرسهما دزينة من رجال الشرطة، فستثور ثائرتهما أكثر من أي وقت مضى، هذا إن كان ما زال لدى أيٍّ منهما أيُّ قدرةٍ على ذلك. والآن، ما يجب عليك فعله غدًا هو لقاء مونكتون أو هوب، أو كلَيهما إذا أمكن. سترى بنفسك أنهما لن يقتربا من المصنع مرةً أخرى حتى ينتهيَ الإضراب. سأذهب للقاء السيد هوب أولًا لو كنت مكانك. فهو من تعرَّض لأشد أشكال الرعب. أخبره بأنك ترغب في إنهاء الأزمة، وسيستمع لك بصدر رحب. من المرجَّح أن لديه خطةً خاصةً به لن يسمح له سارتويل بتجربتها. وإذا ما حصلت منه على وعد بأن يمنحنا ما نريد إذا ما أطحنا بجيبونز، فسنُعلن ذلك في الاجتماع، وسترى، إذا نفَّذنا الخطة على النحو الصحيح، سيُعزل جيبونز. وحينئذٍ لن نواجه أي متاعب مع سارتويل.»
قال مارستن مترددًا: «يبدو لي هذا الفعل خيانة.»
صاح به برونت وقد نفد صبره بعض الشيء: «هذا صحيح يا فتى، ألم يكونوا يعاملونك على أنك خائن منذ بدء الإضراب؟ ما الفارق إذن إذا بدا الأمر وكأنه خيانة؟ فكِّر في زوجات العمال وأطفالهم، إن لم تكن تفكر في العمال أنفسهم؛ فكر فيمن لم يفكر بهم أحد طوال هذه الأسابيع، العاملات اللاتي يعملن في الطابق العلوي من المصنع. إنهن يتحصلن على أجر إضراب ضئيل، كما أنهن لا يحق لهن التصويت في الاجتماعات، ويعانين ويجُعْن رغم استعدادهن للعمل. هل هذه خيانة؟ أنا على استعداد لأن أكون خائنًا ألف مرة لأرى المصنع يعمل من جديد.»
قال مارستن: «سأفعل ذلك.»
لم يكن الشاب يمتلك أي أموال لينفقها على أجرة القطارات؛ ومن ثم، في صباح اليوم التالي، ولَّى وجهه شطر الغرب وسار على طريق بورتسموث بتؤدة، قاطعًا مسافة الاثني عشر ميلًا بين لندن وسربيتون.
أثناء سيره على الطريق الممهَّد على نحوٍ رائع، المؤدِّي إلى منزل عائلة هوب، تخيَّل أنه رأى مالك المصنع بين الأشجار في الحديقة الخلفية؛ حيث كان يذرع دربًا جيئةً وذهابًا في اكتئابٍ شديد. تردَّد مارستن برهة، ولكنه قرر أخيرًا أن يطلب مقابلته بطريقةٍ رسميةٍ عبر مدخل المنزل. رمقه الخادم بارتياب واضح، وبعدما أخبره بغرض الزيارة، سرعان ما عاد له الخادم ليخبره بأن السيد هوب لن يتمكن من مقابلته. وأُغلق الباب في وجهه، إلا أن مارستن كان على يقين من أن السيد هوب لم يُؤخذ رأيه في هذه المسألة؛ لذا بدلًا من الخروج من البوابة التي دخل منها، دار حول المنزل حتى وصل إلى الحديقة الخلفية، حيث وجد السيد هوب الذي صُعق من رؤية رجلٍ غريبٍ يظهر أمامه فجأة.
بدأ مارستن حديثه قائلًا: «أنا أحد عمال مصنعك يا سيد هوب»، قادًّا بذلك طمأنة الرجل الضئيل، إلا أن كلماته كان لها تأثير معاكس تمامًا. تلفت السيد هوب من حوله يمنةً ويسرة في جنون، ولكنه لم يرَ مهربًا، فاستسلم بزفرة عميقة إلى الحوار المتفجر، أو أيًّا كان الشكل الذي ستتخذه حجج هذا العامل.
وأخيرًا، سأل صاحب العمل متلعثمًا: «ماذا تريد؟» «أريد أن أنهي هذا الإضراب.»
صاح السيد هوب والدموع في عينَيه توشك أن تسيل: «أوه، وأنا أيضًا، وأنا أيضًا!»
«إذن يا سيد هوب، ألن تسمح لي بأن أتحدث إليك بضع لحظات، لنرى إذا ما كان باستطاعتنا العثور على مخرجٍ من هذه الأزمة؟»
أجابه العجوز المرتعد: «بالطبع، بالطبع»، وقد بدا عليه الارتياح عندما أدرك أن موظفه السابق لا ينوي استخدام العصا الغليظة التي كان يحملها في يده بغرض الاعتداء عليه.
«دعنا نبتعد عن المنزل قليلًا، حيث يمكننا التحدث بهدوء. هل لديك أي اقتراحات؟»
«حسنًا، يبدو أن المشكلة الأساسية هي أن السيد سارتويل لن يقبل لقاء جيبونز.»
قال الرجل العجوز كما لو أنه يهمس لنفسه: «آه، سارتويل! سارتويل رجل عنيد … عنيد وصعب الإقناع … صعب الإقناع.» ثم التفت فجأةً نحو مارستن وسأله: «أنت لست جيبونز، أليس كذلك؟»
«بلى، اسمي مارستن. وجيبونز هو الرجل الذي حاول التحدُّث إليك بالأمس عند البوابات.» ارتعدَت فرائص العجوز عندما تذكَّر الواقعة.
وقال: «كان ثمَّة الكثير من الرجال هناك ولم أتمكَّن من تمييز أيٍّ منهم على نحوٍ خاص، كما أن الأمر برمته حدث فجأة. لا أذكر جيبونز. لقد كان الأمر فظيعًا، فظيعًا!»
«آمل أنك لم تُصب بسوء.»
«لا، لا. مجرَّد خدشٍ أو اثنين. شيء لا يُذكر. والآن، ما الذي يمكننا فعله بشأن الإضراب؟»
«هل أنت على استعدادٍ لتلبية مطالب العمال إذا ما انقلبوا على جيبونز، وأرسلوا وفدًا إلى السيد سارتويل؟»
«أوه، بالطبع، على أتم استعداد. لا أتذكر ما يطلبه العمال، ولكني سأمنحه لهم؛ سأفعل أي شيء لأوقف هذا النزاع الانتحاري. هل يعرفك سارتويل؟»
«نعم يا سيدي.»
«بالطبع يعرفك. فهو يعرف كل العاملين في المصنع بالاسم. إنه رجل رائع، رجل رائع! كثيرًا ما تمنيت لو كان لي تأثيرٌ أكبر عليه. والآن، فلتذهب للقاء السيد سارتويل، إنه يسكن في ويمبلدون، إنه في طريقك، وقد طلبت منه ألَّا يذهب إلى المصنع اليوم؛ لذا ربما تجده في منزله، وربما يمكن أن تُرتِّبا معًا موضوع استقبال وفدٍ من العمال. وربما كان من الأفضل ألَّا تخبره بأنك الْتقيتني؛ نعم، أنا واثقٌ من أن هذا أفضل. ثم سأتحدث أنا إليه بشأن تلبية مطالب العمال. سأتخذ إجراءً حاسمًا، وكذلك سيفعل مونكتون. وسنكون حازمَين معه.» ثم تلفَّت العجوز حوله في خوف. وقال: «سنُخبره بأننا ندعمه ضد جيبونز، وأن عليه أن يسوِّي الأمر مع العمال على الفور بمجرد أن يتخلَّوا عن جيبونز. هل تعلم لماذا يرفض مقابلة جيبونز؟ هل يُكنُّ كراهيةً شخصيةً للرجل؟»
«أوه، لا، إنها مسألة مبدأ بالنسبة إلى السيد سارتويل. إن جيبونز ليس من عمالك.»
«آه، نعم، نعم. تذكرت الآن. هذا تحديدًا ما أخبرني به سارتويل. حسنًا، أنا في غاية الامتنان لك لحضورك إليَّ، وآمل أن تنتهي هذه الأحداث المؤسفة. إلى اللقاء! ثمَّة قطارٌ سيتحرَّك بعد نصف ساعةٍ يتوقف في ويمبلدون.»
«شكرًا لك يا سيد هوب، ولكني أقطع طريقي سيرًا اليوم.»
«يا إلهي، إنها مسافةٌ طويلة، والطريق ملتوٍ. القطار سيوصلك إلى هناك في غضون دقائق معدودة.»
ضحك مارستن.
وقال: «أنا لا أمانع السير.»
حدَّق فيه العجوز بضع دقائق.
ثم قال: «يعني هذا أنك قطعت المسافة كاملةً من لندن إلى هنا سيرًا هذا الصباح!»
«إنها اثنا عشر أو ثلاثة عشر ميلًا فقط.»
«يا إلهي، يا إلهي، يا إلهي! لقد فهمت، لقد فهمت. نعم، كان سارتويل محقًّا. لستُ رجلًا ذكيًّا للدرجة، وإن كنت أعتقد أن المدير لا يجدر به أن يقول ذلك أمام شريك رب عمله. تعالَ معي إلى المنزل للحظات.»
«أعتقد أن عليَّ أن أنطلق الآن.»
«لا، لا، تعالَ معي. لن أؤخرك، ولن أقبل بالرفض. سأتخذ إجراءً حاسمًا، كما أخبرتك. كنت أملك القليل جدًّا من إثبات الذات في الماضي. تعالَ معي.»
قاد الرجل المقدام ضيفه نحو منزله، محافظًا على أن تظلَّ الأشجار فاصلةً بينه وبين المنزل قدر الإمكان ولأطول فترةٍ ممكنة. ثم هُرع مسرعًا عبر المساحة الخالية من الأشجار، وصعد درجات السلم الخلفي للمنزل بحذر، ودخل إلى رَدهةٍ واسعة، ثم تسلَّل دون صوتٍ حتى دخل غرفةً مربعةً تُطل على المرج الشاسع والحديقة الخلفية. كانت جدران الغرفة مزدانةً بالكتب، وفي منتصفها طاولة من خشب البلوط الصلد، محاطة من الجانبَين بمقاعد وثيرة. دقَّ السيد هوب الجرس، وأمسك بالباب مواربًا قليلًا.
ثم همس للشخص الذي لم يتمكَّن مارستن من رؤيته عبر فتحة الباب الموارب قائلًا: «هل لدينا أيُّ لحمٍ بارد في الأسفل يا سوزي؟»
«نعم يا سيدي.»
«حسنًا إذن، أحضري منه ما يكفي شخصَين، وبعض المخلل، وخبزًا وزبدًا، وبعض الجبن.» ثم التفت نحو مارستن وسأله: «هل تشرب النبيذ أم البيرة؟»
قال الشاب وهو يبلِّل شفتيه ويتحدث بصعوبة: «حقيقةً يا سيد هوب، أنا لست جائعًا على الإطلاق.»
ولم يكن هذا صحيحًا؛ فمجرد ذكر أصناف الطعام جعلَه يشعر بالدوار الشديد لدرجة أنه اضطُر إلى الاستناد إلى المكتبة.
همس المضيِّف وهو يغلق الباب برفق: «أحضري زجاجة بيرة من فضلك.»
ثم قال لمارستن: «اجلس، اجلس. «تقول إنك لست جائعًا؟ لا شكَّ أنك جائعٌ بعد أن سرت هذه المسافة الطويلة، بغض النظر عن حجم وجبة الإفطار التي تناولتها قبل مغادرتك.»
وبينما كان مارستن يأكل، لم يقُل السيد هوب شيئًا، ولكنه جلس يستمع إلى الأصوات خارج الغرفة بقلقٍ شديدٍ لم يتمكن من إخفائه. وفجأةً نهض من جلسته وأغلق الباب بالمفتاح بحذر، وبدأت أنفاسه تتصاعد بسهولة أكبر بعدما فعل ذلك.
ثم قال الرجل العجوز بعدما أنهى مارستن وجبته: «والآن، عليك أن تذهب إلى ويمبلدون بالقطار. فالوقت مهم، الوقت مهم. هاك بعض المال من أجل النفقات.»
«لا يمكنني أن أقبل منك مالًا يا سيد هوب، ولكني أشكرك على أي حال.»
«هراء، هراء. إنك تمثِّلني، كما تعلم.»
«لا يا سيدي، بل أمثِّل العمال.»
«حسنًا، لا فارق. فائدة الفرد هي فائدة للجماعة. خذ، خذ، أنا أصر. لقد قرَّرت التدخل في الأمر. فلتدعُ هذه الأموال أجرًا إذا شئت. لا شك في أنك لم تكن راغبًا في الإضراب عن العمل.»
«لم أرغب في الإضراب عن العمل، ولكني فعلت.»
«لا فارق، لا فارق. لا بد أن تأخذ المال.»
«أُفضِّل ألَّا أفعل يا سيدي.»
رأى مارستن مدى قلق مضيِّفه، الذي كان يتصرف مثل رجل ينتظر وقوع مصيبة على رأسه، ما أضعف من إصراره على عدم أخذ المال. فقد أدرك أن السيد هوب، ولسبب ما، يريده أن يأخذ المال وينصرف.
أصر العجوز على موقفه بلهفة قائلًا: «لا، لا. يجب ألَّا ندع التوافه تعترض طريق النجاح.»
وبينما كان يتحدث، سُمع صوت متعجرف في الرَّدهة، وكان صوت امرأة. طغى شحوب مفاجئ على وجه السيد هوب، ذكَّر مارستن بالشحوب الذي علا وجهه عندما كان الاثنا عشر رجل شرطة يرافقونه وشريكه عبر الحشد.
همس العجوز بصوت مبحوح: «خذ، خذ، خذ المال ولا تقل شيئًا بشأنه؛ لا تقل شيئًا بشأنه.»
أخذ مارستن المال، ووضعه في جيبه. ورنَّ الصوت في الرَّدهة مرةً أخرى.
وكان يسأل: «أين السيد هوب يا سوزان؟»
«كان في الممشى الخلفي منذ دقائق يا سيدتي.»
سُمع صوت خطوات صارمة تعبر الرَّدهة، ثم صوت الباب الخارجي يُفتح ويُغلق، ثم سُمع بوضوح صوت خطوات أقدام على الحصى يشق الصمت.
تلاشى القلق من على وجه السيد هوب كما لو كان سحابةً عابرة مرت، وظهر شبح ابتسامة على شفتَيه. وبدا وكأنه قد نسيَ وجود مارستن تحت وطأة اللحظة.
وغمغم في نفسه قائلًا: «فتاة ماهرة يا سوزي؛ وكذلك كنتُ، كذلك كنتُ.»
قال مارستن وهو ينهض: «إلى اللقاء يا سيد هوب، وشكرًا لك. سأذهب لألتقي السيد سارتويل في الحال.»
قال العجوز وهو يلقي نظرةً خاطفة عبر النافذة: «نعم، نعم. في الحال، في الحال.» ثم أضاف وقد انخفض صوته واستحال إلى نبرة اعتذراية، كما لو كان يطلب معروفًا: «هلَّا تأخذ معك بعض المال لكي تعطيه إلى اللجنة لتوزِّعه على العمال دون ذكر من أرسله، دون ذكر من أرسله؟ فكما تعلم، قد تستغرق المفاوضات بضعة أيام، وظنِّي أنهم في حالٍ سيئة، في حالٍ سيئة.»
حتى مارستن نفسه ابتسم لهذا الاقتراح.
وقال: «لا أدري كيف يمكن ترتيب هذا الأمر. سوف أُضطر إلى إخبار العمال بأني قد ذهبت للقائك، أو بعضهم على الأقل، وقد يسيئون فهم الأمر. أعتقد أنه ربما …»
«فهمت، فهمت. لا شك أن ثمَّة صعوبةً في هذا الأمر. سأرسل المال بالطريقة المعتادة إلى الصحف. هذه أفضل خطة.»
قال مارستن في ذهول: «إلى الصحف؟»
نظر إليه العجوز منزعجًا.
ثم قال: «لم أقصد ذكر هذا. فكما تقول، قد يُساء فَهْم الأمر، قد يُساء فهمه. يبدو أن العالم مصنوع من سوء الفهم، ولكنك لن تبوح بأي شيء عن هذا الأمر، أليس كذلك؟ لقد فعلت ذلك بطريقةٍ ملتوية، حتى لا أوذيَ مشاعر أحد، تحت اسم «فاعل خير»، مجرد مبالغ صغيرة، مبالغ صغيرة من حين لآخر. قال سارتويل إن الإضراب سينتهي في غضون أسبوعَين أو ثلاثة. إنه رجل حاذق. سارتويل رجل حاذق، ولكنه كان مخطئًا في ذلك. جميعنا نخطئ في بعض الأحيان. لا يهمني أن يعرف أني شاركت في تمويل الإضراب دون الكشف عن هُويتي؛ فقد يعتقد أن هذا قد أطال من عمر الإضراب، وربما كان ذلك صحيحًا، ربما كان صحيحًا. من الصعب على المرء أن يحدِّد واجباته في ظرفٍ مثل هذا، صعب للغاية. لذا ربما من الأفضل ألَّا تبوح بشيءٍ ممَّا قلته لك إلى أي شخص.»
«لن أنطق بحرفٍ واحدٍ بشأنه يا سيد هوب.»
«عظيم، عظيم. أنا سعيد للغاية لحضورك، وسأتحدَّث إلى سارتويل بشأنك عندما نعود إلى العمل مجددًا. والآن، اخرج من باب المنزل الأمامي هذه المرة، وعندما تتحدث إلى السيد سارتويل احذر من قول أي شيءٍ قد يبدو انتقادًا لأفعاله بأي شكل. لا تغضبه، لا تغضبه. فاللِّين هو الطريق الأفضل بوجه عام. وإذا اقتضَت الضرورة إجراءً حاسمًا، فدَع الأمر لي، دع الأمر لي.»
أوصل صاحب المصنع موظَّفه بنفسه إلى الخارج عبر مدخل المنزل الأمامي، وسار الشاب بنشاطٍ في اتجاه محطة سربيتون.
نفوس متقلبة |
الفصل الخامس عشر
عندما وصل مارستن الشاب إلى المنزل المحاط بالأسوار في ويمبلدون، اكتشف أن سارتويل لم يعبأ كثيرًا برغبات رئيسه؛ إذ غادر منزله متجهًا إلى المصنع في موعده المعتاد في الصباح. ويبدو أن السيد هوب لم يكن حاسمًا بما يكفي، عندما أخبر مدير مصنعه بألَّا يذهب إلى مكتبه في اليوم التالي.
وقف مارستن على عتبة باب المنزل مترددًا؛ فلم تكن لديه أدنى فكرةٍ عن التصرُّف الأفضل الذي عليه اتخاذه تاليًا. وبعد أحداث أمس، كان من الصعب محاولةُ ترتيب لقاء مع مدير المصنع في مكتبه.
قالت الخادمة بعدما لاحظت حيرته: «السيدة سارتويل ليسَت في المنزل أيضًا، ولكن الآنسة سارتويل في الحديقة. ربما تود مقابلتها؟»
ربما! تسارعَت نبضات قلب الشاب لمجرد ذكر اسمها. كان يحاول إقناع نفسه بأن تلكؤه عند المنزل يرجع إلى خيبة أمله؛ لأنه لم يجد مدير المصنع في منزله، إلا أنه كان يدرك أن حواسه جميعها كانت متحفزةً لإلقاء نظرةٍ عليها أو سماع صوتها. كان يأمل في سماع صوتها، أو لمحها ولو للحظةٍ خاطفة. لم يكن يريد أي شيء في العالم في هذه اللحظة سوى أن يتحدث إليها، أن يلمس يدها، ولكنه كان يعلم أنه إذا التقاها، وعلم والدها بلقائهما، فسيتأجَّج سخط سارتويل العنيف عليه، ممَّا يعرِّض مهمته للخطر بلا أدنى شك. فلن يرى سارتويل في زيارته إلى ويمبلدون إلا حيلةً للفوز بلقاءٍ مع الفتاة. لقد وثق به برونت، وودَّعه داعيًا له بالتوفيق، وقد يعتمد مصير العمال الثائرين الذين يوشكون على إثارة الفوضى، على نجاح مهمته. وقد يتضوَّر النساء والأطفال جوعًا في مقابل دقائق معدودة، يحظى فيها بلذة الحديث مع إدنا سارتويل. لم يكن قد تعرَّض لمثل هذا الإغراء من قبل، ونحَّاه جانبًا برفضٍ واهٍ متردد.
وزفر قائلًا: «لا، كنت أريد لقاء السيد سارتويل. سأذهب للقائه في مكتبه.»
صفقت الخادمة باب المنزل بقوة. فلا شك في أنه لم يكن يحتاج لاستغراق كل ذلك الوقت حتى يقول «لا»، تاركًا إياها واقفةً عند الباب.
إلا أن قصر الكلمة لا يعبِّر عن مدى مشقَّة نطقِها. ولكن صوت إغلاق الباب المدوي الناتج عن تردُّده جعله يقرِّر التخلِّي عن تردده في خوض اللقاء الذي لا مفر منه. ربما لا يكون من المجاملة لسارتويل في شيءٍ أن نقول إن ابنته عندما سمعت الباب يُغلق بهذا العنف، ظنَّت أن والدها عاد إلى المنزل، وأن ثمَّة خطبًا ما. فلم يكن الصبر من شيم سارتويل، وعندما كانت زوجته تحاول، مدفوعةً فقط بحسٍّ قويٍّ بالواجب تجاهه، أن توضِّح له بعضًا من أخطائه الكثيرة، كان الرجل، بدلًا من أن يشعر بالامتنان لها، عادةً ما يُنهي النقاش الذي لا يُراد به إلا مصلحته، بأن يصفق الباب بعنفٍ خلفه ويذهب إلى الحديقة العامة بطقسها الرائع، حيث يمكن للمرء أن يسير أميالًا دون أن يمر بالطريق نفسِه مرتَين.
أسرعَت الفتاةُ نحو مقدمة المنزل لدى سماعها صوت إغلاق الباب المدوِّي، وانتابَها قلقٌ شديدٌ عندما رأَت مارستن عند البوابة تقريبًا. وخطر لها على الفور أن خطبًا ما ألمَّ بوالدها، وسرعان ما لحقت بالشاب، وتأكَّدت مخاوفها من ارتباكه الواضح لدى رؤيتها.
قالت وهي تلهث: «أوه، سيد مارستن، هل وقع خطب ما؟ هل حدث مزيد من الاضطرابات في المصنع؟»
قال مارستن متلعثمًا: «لا، لا أعتقد ذلك.»
«أنا واثقة من أن خطبًا قد وقع. أخبرني، أخبرني. لا تتركني فريسةً للقلق.»
«أظن أن كل شيء على ما يرام.»
«ولمَ تقول إنك «تظن»؟ ألست واثقًا من ذلك؟ هل حضرت إلى هنا قادمًا من المصنع؟»
«لا، لم أفعل. لقد حضرت لتوي من سربيتون. كنت أريد التحدث إلى السيد سارتويل، ولكن لم أجده في المنزل.»
قالت الفتاة وكأن عبئًا قد انزاح عن صدرها: «آه.» ثم سدَّدت إليه نظرةً ثاقبة مربكة إليه، أعادت لعقله صورة والدها بصورة غير مفهومة. «من سربيتون؟ هل حضرت لتوك من سربيتون؟»
قال بتلعثم: «نعم.»
«هل ذهبت للقاء السيد هوب؟»
بدا الارتباك جليًّا على وجه مارستن، ولاحظت الفتاة ذلك. فاشتعل وجهها احمرارًا من فرط غضبها.
وقالت: «إذا كانت زيارتك سرية، فلا أتوقع منك بالطبع أن تجيب عن سؤالي.»
«لم يكن مقصودًا بها أن تكون زيارةً سرية، ولكن … ولكن طلب مني السيد هوب ألَّا أذكرها.»
«ألَّا تذكرها لوالدي؟»
«لأي شخص.»
حدَّقت إدنا سارتويل إلى وجه الشاب التعس بنظرةٍ ملؤها التأنيب، والاحتقار كذلك للأسف.
ثم قالَت في استياء: «يمكنني أن أستشفَّ من تعبيرات وجهك أنك لا تريد أن يعرف والدي أنك كنت تتحدث إلى السيد هوب بشأن الإضراب.»
رد عليها مارستن بدفعة شجاعة أدهشته هو نفسه: «إن وجهي لا يخبركِ بكل ما أفكِّر فيه يا آنسة سارتويل. لقد التقيت السيد هوب لأجل الإضراب، وكانت رغبته هو، وليست رغبتي، ألَّا يعرف السيد سارتويل أنني كنت هناك. ولكني مخطئ في قول إنها لم تكن رغبتي. فأنا أيضًا لا أريد أن يعرف بها السيد سارتويل.»
صاحَت الفتاة وقد اشتعل وجهها غضبًا: «حسنًا، أنا أعتبر هذا خيانة.»
فسألها مارستن وقد شحب وجهه في الوقت الذي تخضَّب فيه وجهها بحمرة الغضب: «لمن؟»
«لوالدي.»
«ربما كانت خيانة، كما تقولين، ولكن ليس للسيد سارتويل. ربما كانت خيانةً لجيبونز؛ فهو أمين النقابة العمالية وقائد الإضراب، بينما أنا أحد أعضاء النقابة وأحد العمال المضربين. لا يمكن أن أكون خائنًا للسيد سارتويل وهناك حربٌ بيننا.»
قالت الفتاة بازدراء: «لم تكن ثمَّة حربٌ بينكما عندما كنت تظن أنه يمكنه أن يسديَ إليك معروفًا.»
حدَّق إليها الشاب في دهشةٍ عقدَت لسانه عن الكلام.
وواصلت حديثها قائلة: «نعم، لقد أخبرني بما حدث في تلك الليلة عندما ذهبت إلى المكتب آخر مرة. لقد رفض طلبك، وكنت غاضبًا منه حينئذ. ظننتك حينها محبطًا ليس أكثر، وتحدَّثت إليه نيابةً عنك، ولكنه قال لي إنني لا أعرف أيَّ شيءٍ عنك، وأنا أصدِّقه الآن. لم أتصوَّر قط أنك الشخص الذي قد يتآمر من خلف ظهر رب عمله.»
قال مارستن ببطء: «آنسة سارتويل، أنت مخطئة تمامًا في رأيكِ بي. فأنا لا أحمل في صدري أيَّ ضغينةٍ تجاه السيد سارتويل، وآمل أنه لا يحمل أيَّ ضغينة تجاهي أيضًا. لقد تحدثتِ للتو عن خيانةٍ اقترفتها؛ إنها خيانةٌ لجيبونز كما قلت لك. إنني أستهدف الإطاحة به إذا ما تمكنت من استمالة ما يكفي من العمال ليُصوِّتوا معي. وحينئذٍ سيصبح الطريق ممهدًا للسيد سارتويل ليضع حدًّا لهذه الأزمة، التي أثق تمامًا أنها تؤرِّقه ربما أكثر من أي شخصٍ آخر.»
«ولكن ما دام الأمر هكذا، لماذا لا تريده أن يعرف ذلك؟»
«ألا تعلمين السبب؟ حتى لا يرتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبته أنتِ. لقد سمحتِ لي مشكورةً بأن أشرح لك الأمر، أما السيد سارتويل فقد لا ينتظر ليسمع أيَّ تفسيرات.»
قالت إدنا نادمةً وهي تمد يدها إليه: «لم أكن رءوفةً بك، أليس كذلك؟ سامحني من فضلك. والآن أريد أن أفهم كل شيء عن هذا الأمر؛ لذا تعالَ معي إلى الحديقة حتى لا يقاطعنا أحد. فقد يحضر أحد بينما نقف هنا عند البوابة، وحينئذٍ سأُضطر إلى الدخول إلى المنزل؛ فقد ذهبت أمي إلى سربيتون لتطمئن على السيد هوب. هل أصيب أمس؟»
«لا. سأذهب معكِ يا آنسة سارتويل، ولكن بشرطٍ واحد.»
سألته الفتاة ببعض الدهشة: «وما هو؟» فقد كانَت قد استدارَت ناحية الحديقة متوقعةً أن يتبعها.
«ألَّا تخبري السيد سارتويل بأنكِ تحدثتِ معي.»
«لا يمكنني أن أعدك بذلك. فأنا لا أُخفي شيئًا عن والدي.»
«حسنًا إذن. هذا عين الصواب بالطبع، ولكن في هذه الحالة، عندما تخبرينه بأنكِ تحدثت إليَّ، أخبريه بأني حضرت لمقابلته، وأن الخادمة قالت إنه والسيدة سارتويل ليسا موجودَين في المنزل، وأنها سألَتني عما إذا كنت أودُّ مقابلتك. أخبري والدكِ بأنني قلت «لا»، وأنني كنت في طريقي للانصراف عندما أتيتِ أنتِ وتحدثتِ إليَّ.»
نظرَت له الفتاة مباشرة، وقد تغضَّن جبينها الأملس قليلًا في حيرة. كانت الفتاة في حيرةٍ من أمرها.
فقالَت: «أنت تقول ذلك لأنك لا تفهمه. لم يكن ليُمانع على الإطلاق أن تتحدَّث معي بشأن الإضراب؛ لأنه يثق بي تمام الثقة، ولكن قد لا يعجبه الأمر إذا عرف أنك ذهبت للقاء السيد هوب.»
«بالضبط. ألَا ترين أنكِ إذا أخبرتِه بأنكِ تحدثت معي، فسيكون عليكِ أن تخبريه بما قيل؟ وسيعرف بطريق غير مباشر أنني قد ذهبت إلى سربيتون، ولا شك في أنه سيغضب، وسيغضب أكثر عندما يعرف أني لم أكن أنوي إخباره بأمر الزيارة. في واقع الأمر وبعد هذه المحادثة التي دارَت بيننا، سأذهب إليه مباشرةً وأخبره بأني تحدثت إلى السيد هوب، رغم أني على يقينٍ تامٍّ من أن هذا الفعل سيُحبط كل خططي.»
«كل هذا لمجرد أني تحدثت إليك بضع دقائق؟»
«نعم.»
أطرقت الفتاة بوجهها الذي تعلوه الحيرة نحو الأرض، وظلت تركل الحصى على الممشى بطرف حذائها الأنيق في شرود. غمرها الشاب بنظراته وزاد حنين قلبه إليها. وأخيرًا رفعت بصرها نحوه على حين غرةٍ وقد ارتسمَت على شفتَيها ابتسامة مرتبكة.
وقالت: «آسفة أنني استوقفتك. لعلك لا تعلم ما يعنيه أن ينصبَّ اهتمامك على شخصٍ واحدٍ دون بقية العالم مجتمعًا. إن أبي هو كل شيءٍ بالنسبة إليَّ، وعندما رأيتك، خشيت أن يكون قد ألمَّ به مكروه. لا يبدو من الصواب أن أخفيَ عنه أي شيء، ولا يبدو من الصواب أيضًا أن أفعلَ شيئًا من شأنه أن يعرقل الوصول إلى تسويةٍ سريعةٍ للأزمة. لا أعلم ما يجدر بي فعله.»
متى تردَّدت امرأة ووقعت في حيرة من أمرها، ولم يسارع رجلٌ لاستغلال ترددها مستخدمًا أسلحتها ضدها؟
قال مارستن في لهفة: «ألَا ترين أن عقل السيد سارتويل مزدحمٌ بأمورٍ تفوق قدرة البشر على التحمل؟ لماذا إذن نُضيف على قلقه قلقًا بإخباره بأني حضرت إلى هنا، أو ذهبت إلى سربيتون؟ إن التفسيرات التي تبدو مرضيةً من وجهة نظركِ قد لا تكون مرضيةً من وجهة نظره. وحينئذٍ سيُقلق نفسه دون أي داعٍ.»
«هل تعتقد أنه سيفعل؟»
«أعتقد! أنا واثق أنه سيفعل.»
«نعم، أعتقد أن ما تقوله صحيح. حسنًا إذن، أعدك ألَّا أخبره بزيارتك إلا إذا سألني مباشرة. والآن تعالَ معي؛ أريد أن أعرف كل ما تخطِّط له، وما قاله السيد هوب. وربما يمكنني أن أقترحَ عليك شيئًا من شأنه أن يساعدك؛ فأنا أعلم يقينًا ما سيفعله والدي، وما لن يفعله، أكثر من أي أحدٍ منكم.»
تقدَّمَته إدنا عبر ممشى الحديقة، وتوقَّفت أخيرًا حيث تناثرَت بضعة مقاعد تحت شجرةٍ وارفة الظلال.
وقالت: «اجلس. يمكننا أن نتحدَّث هنا دون أن يقاطعَنا أحدٌ تمامًا.»
جلس مارستن في مواجهة إدنا سارتويل، في العزلة الهادئة لأبعد مكانٍ في أعماق الحديقة المُسوَّرة. لم يكن ليتخلَّى عن مكانِه هذا مقابل آخرَ في الجنة، وشعر أن الحظ يحالفه. ولكن قدر الإنسان أن يدفع مقابل متعته حتمًا إن آجلًا أو عاجلًا، وسرعان ما اكتشف مارستن أن القدر يطالبه بالمقابل. ولكنه لم يكن يملك رصيدًا في مصرف الآلهة.
بدأت إدنا حديثها قائلة: «على الرغم من أنني قد وعدتك، فأنا واثقة من أنك مخطئ في اعتقادك بأن والدي سيستاء إذا علم أننا تحدثنا معًا عن الإضراب، وإذا كنتُ قد قلت إنني لن أخبره بحضورك إلى هنا، فهذا ليس لأني أخشى أن يضايقه ذلك، بل لأني سأُضطر حينها أن أخبره بزيارتك إلى سربيتون أيضًا، وكما تقول، قد يعتقد أن زيارتك للسيد هوب غير مبررة، مهما كانت نواياك. ولكن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة إليَّ. سوف يسخر فقط من نقاشنا حول الموقف، مثلما يسخر من أحاديثي مع السيد برنارد هوب التي تدور في هذه الحديقة نفسها.»
«آه، هل يأتي السيد برنارد هوب إلى هنا؟»
«نعم، إنه يتردد علينا كثيرًا منذ بداية الإضراب. فهو مهتم أيما اهتمام بأحوال العمال.»
«حقًّا؟ إنه أمر يستحق الكثير من الإشادة.»
«هذا ما أقوله بالفعل، إلا أن والدي لا يفعل شيئًا سوى السخرية منه. إنه يعتقد أن السيد هوب ما هو إلا كومة كبيرة من اﻟ… اﻟ…»
قال مارستن بسرعة بعدما لاحظ ترددها: «من الحماقة.»
قالت إدنا وهي تضحك بتحفظ: «حسنًا، نعم، وإن كنت أرى هذا الوصف مبالغًا قليلًا، وليس هذا ما كنت أنوي قوله. ولكني لا أعتقد أنه كذلك. ربما يكون طائشًا، أو بالأحرى، كان طائشًا، ولكن ذلك كان قبل أن يدرك المسئوليات الملقاة على عاتقه. أظنه شابًّا جادًّا للغاية، ولكنه يبالغ في التواضع بشأن ذلك، ويقول إنه يأمل في أن تعوِّض جديته أي قدراتٍ تنقصه من شأنها أن …»
«إنه يحتاج إذن إلى كل الجدية التي يمكنه جلبها ليحلَّ هذه المسألة.»
صاحَت إدنا بحماس: «أوه، إنه يدرك ذلك. كما قال إنه إذا كان ثمَّة مَن يوجِّهه لطريق الصواب، فسيبذل كل ما في وسعه لمساعدة العمال في تحسين أحوالهم. وأخبرته أن فكره المتذبذب هو ألدُّ عدوٍّ له.»
«إنه متذبذب، أليس كذلك؟»
«إلى أقصى حد. على سبيل المثال، قد يغادرك اليوم وهو مقتنعٌ تمامًا بأن إجراءً ما صحيح. ثم يعود في الغد، بعدما يُعيد التفكير فيه، وبحوزته عددٌ كبيرٌ من الاعتراضات حتى إنه لا يكون واثقًا من صحتها. ويقول — وهو محق تمامًا في ذلك — إن المسألة معقدةٌ للغاية، ولا بد أن يُنظر لها من جميع جوانبها، وإلا فستقع أخطاء حتمًا.»
«ولهذا السبب لا يفعل أيَّ شيء، على ما أعتقد. فحينئذٍ سيكون واثقًا من عدم ارتكاب أي أخطاء.»
كان في صوت الشاب بعضُ المرارة جعلت الفتاة تنظر إليه في دهشة. لا شكَّ في أن شخصَين يهتمان لأمر العمال من صميم قلبَيهما مثل كلٍّ من هوب ومارستن، لا بد أن يكونا ممتنَّين لأي مساعدةٍ يقدِّمها أحدهما للآخر، إلا أن مارستن لم يُبدِ أي استمتاعٍ بالاستماع لأهداف بارني النبيلة الإيثارية.
«لمَ تقول إنه لا يفعل شيئًا؟»
«حسنًا، عندما التقيته قبل بَدْء الإضراب، أملًا في أن يستخدم نفوذه في تفادي الأزمة، لم يُظهر أي رغبةٍ في تحسين أحوال أي أحدٍ إلا نفسه. كان مترفًا وسعيدًا، فلمَ إذن يشغل نفسه بأمر العمال؟ حتى إنه وصفهم بأنهم «متسولون حمقى» عندما أخبرته بأنهم قد صوَّتوا لصالح الإضراب عن العمل.»
صاحَت إدنا في جذل: «أرأيت، من السهل للغاية، كما قلت بنفسك، أن يُسيء الرجال فَهْم بعضهم البعض. فبضع كلماتٍ توضيحيةٍ من شأنها أن تظهر لك كيف أنك أسأت الحكم على السيد برنارد هوب. لقد كان ينوي بالفعل استخدام نفوذه في صالح العمال، وحضر إلى هنا قاطعًا كل تلك المسافة من تشيلسي ليتحدث إلى أبي حول هذا الموضوع، تمامًا مثلما فعلت أنت اليوم، ولم يكن أبي في المنزل، مثلما هو الحال اليوم. فأخذنا أنا والسيد هوب وأمي نناقش الأمر، ووافَقَنا الرأي تمامًا في أنه لن يكون من العدل بالنسبة إلى أبي أن يكون ثمَّة أيُّ تدخُّل. ورفض التدخُّل في النزاع من أجل والدي.»
وأمام هذا الدفاع المستميت عن بارني، لم يجد الشاب ما يقول، ولكن حدث ما جنَّب الشاب ضرورة الرد؛ فقد أجفل كلٌّ من المتحدِّثة والمستمع عندما سمعا صوتًا أجشَّ بالقرب من المنزل يدعو الفتاة باسمها.
فهبت إدنا واقفةً في انزعاج، ونهض مارستن أيضًا.
«إنها زوجة أبي تُناديني. لقد عادَت. لم أدرك أن الوقت قد تأخَّر إلى هذا الحد. ماذا نحن فاعلان؟ يجب ألَّا تراك هنا، ولكنك لن تستطيع الخروج دون المرور عبر المنزل.»
«يمكنني أن أقفز من فوق السور. مَن يسكن في المنزل المجاور؟»
«إنه خالٍ، ولكن السور عالٍ، وثمَّة زجاج مكسور على قمته.»
«لا بد أن أجرِّب على أي حال.»
عبرا سياج الشجيرات ليصلا إلى الجدار الفاصل بين المنزلَين.
وقالت إدنا: «أوه، أنا واثقةٌ من أنك لن تتمكَّن من القفز من فوق السور، وستُجرَح يداك.»
خلع مارستن معطفه، وألقاه مفرودًا فوق الزجاج المكسور المتناثر، وتراجع إلى الخلف إلى أقصى مدًى سمح له به سياج الشجيرات، ثم ركض بأقصى سرعةٍ ليقفز، وأمسك بقمَّة السور بكلتا يدَيه حيث غُطِّي الزجاج بالمعطف. وفي اللحظة التالية كان قد قفز فوق السور يرتدي معطفه، بينما كان حذاؤه يسحق الزجاجات المكسورة.
رفعَت إدنا رأسَها نحوه وهمسَت له، وقد توهَّج وجهُها من فَرْط الإثارة: «أنت لم تجرح نفسك، أليس كذلك؟ أنا سعيدةٌ للغاية. إلى اللقاء!»
قال مارستن بصوتٍ خفيضٍ ولكنه مسموع: «لحظة واحدة. لم تواتني الفرصة لإخباركِ بخططي.»
«أوه، أرجوك، أرجوك اقفز؛ فقد تصل أمي إلى هنا في أي لحظة.»
سُمع نداء «إدنا!» مرةً أخرى آتيًا من داخل المنزل.
فهمس مارستن قائلًا: «لا يزال كل شيءٍ على ما يرام. ولكن لا بد أن أعرف رأيكِ في خططي. سأكون هنا في نفس الموعد غدًا، وإذا كانت الساحة خالية، هلا تلقين بشالٍ، أو شريط، أو أي شيء، على السور حيث كان معطفي حتى يمكنني رؤيته من هذا الجانب؟»
«هيا اذهب. إذا رآك أحد هنا فسيُفسِد ذلك كل شيء. لا أعرف ماذا أقول بشأن الغد. سأفكِّر في الأمر.»
«تذكري أنني سأكون على هذا الجانب من السور. وعليكِ أن تستوضحي كل شيء جيدًا، حتى تُعطيني رأيكِ فيه؛ فهذا أمرٌ مهم للغاية.»
«حسنًا، حسنًا. أعدك بهذا، ولكنَّك تخاطر بكل شيءٍ ببقائك هنا.»
هبط مارستن في حديقة منزل رجل آخر، وواصل اقتحامه لها دون اكتراثٍ فوق وعبر أي شيء اعترض طريقه، حتى وصل إلى بوابتها، فعبرها ليصبح في الشارع مرةً أخرى. كانت كلمة «للإيجار»، المكتوبة على نوافذ المنزل وعلى لافتة موضوعة فوق السور العالي، مطمئنةً بالنسبة إليه.
تمتم مارستن ضامًّا قبضته: «آه، بارني هوب، لم تقدِّم يداك أي خير لهذا العالم قط. إن القفز من فوق السور لمرة واحدة يساوي عبور البوابة لدزينة من المرات. أظن أني بحاجةٍ إلى تعليماتٍ بشأن واجبي تجاه أرباب عملي، مثلما تحتاج أنت لتوضيحٍ لالتزاماتك تجاه العمال.»
نفوس متقلبة |
الفصل السادس عشر
«إدنا، أين أنت؟»
«أنا هنا يا أماه.»
«لقد سمعتني أناديك، لماذا لم تجيبيني؟»
«لقد أجبتكِ وقلت إني آتية. كيف حال السيد هوب؟»
«أعصابه متعبةٌ للغاية. يعتقد أنه لم يُصب بضرر، ولكني واثقةٌ من أنه تضرَّر نفسيًّا، وهذا الضرر أسوأ كثيرًا من الجراح الخارجية، وقد أخبرته بذلك. لقد أصبح يخاف بشدة، ويفزع كلما وجَّهَت له زوجته عبارةً عادية. نصحته أن يذهب إلى الطبيب ليكتشف ما ألمَّ به قبل فوات الأوان. أخبرتني السيدة هوب أنه يتصرف بغرابةٍ شديدة. فقد أكل أقلَّ القليل على الإفطار صباح اليوم، ولكنه، قبل الغداء، طلب إحضار وجبةٍ ضخمةٍ إلى غرفة مكتبه، والتهمها بمفرده.»
«ربما لأنه لم يأكل جيدًا على الإفطار.»
«لا يا بنيتي، أنت لا تعين ما تتحدثين عنه. ثمَّة بعض الأصناف لا يمكن للسيد هوب الاقتراب منها إلا ويمرض بعدها. السيدة هوب حريصة جدًّا على نظامه الغذائي. هناك المخلل على سبيل المثال؛ إنه لم يأكل منه قطعةً واحدةً منذ ستة عشر عامًا، ولكنه تناول منه كميةً كبيرة اليوم، وشرب زجاجةً كاملة من البيرة، فضلًا عن اللحم البقري والجبن، والكثير من الأصناف الأخرى. والسيدة هوب المسكينة تجلس مغلولة اليدَين في انتظار موته. لم أرَ مثل نظرة الاستسلام الملائكية تلك على وجه بشرٍ من قبل.»
«على وجه السيد هوب؟»
«إدنا، لا تكوني وقحة. تعرفين جيدًا أنني أعني السيدة هوب.»
«لم أكن أُدرك ذلك حقًّا يا أماه. اعتقدت أن السيد هوب ربما استسلم. ماذا يقول؟»
«يقول إنه لم يُصب بأي أذًى، ولكن كل ما تفعله السيدة هوب هو التنهُّد وهز رأسها أسفًا. فهي تعلم ما سيحل به.»
«أؤكد لكِ أن الرجل المسكين كان جائعًا ليس أكثر، وأنه مل من فرط الالتزام بالنظام الغذائي. آمل أنه استمتع بوجبته.»
«إدنا، إن خبرتكِ محدودة للغاية، وآسف أن أقول إن عقلكِ كذلك محدود للغاية لتفهمي ما أعنيه بذلك. لطالما كانت أعضاء الهضم لدى السيد هوب ضعيفةً دائمًا. ولولا أن زوجته توليه رعايةً خاصة، لمات منذ أمدٍ بعيد. لقد غفلَت عنه بضع دقائق صباح اليوم، ورفضت تلقي جميع الاتصالات، فيما عدا اتصالي وواحدة أو اثنتَين من أعزِّ صديقاتها، وحدث ما حدث. إنها تخشى أن اضطراباتِ الأمس قد دمَّرت أعصابه بالكامل، ولم يعُد يدري ما يفعل، على الرغم من إصراره على أنه يشعر بأنه على ما يرام كما هو دائمًا، ولكني قلت للسيدة هوب إني كنت سأطلب المشورة الطبية على الفور لو كنت مكانها. من الذي حضر للقاء والدكِ بينما كنت في الخارج؟»
«لم أدخل المنزل منذ مغادرتك.»
«ماذا؟! كنتِ في الحديقة طوال هذا الوقت! إدنا، متى ستتعلَّمين تحمُّل بعض المسئولية؟ كيف تتوقعين من الخادمات أن يؤدين واجباتهن إذا ما أهملتِ أنتِ واجباتكِ ولم تتابعيهن؟»
«إنكِ تُدرِّبينهن جيدًا يا أمي، حتى إنني لم أرَ ضرورةً لمتابعتهن أثناء غيابك.»
«نعم، أنا أدرِّبهن، وأؤدِّي واجبي نحوهن، كما آمل، ولكن لديكِ أنت أيضًا واجبات لتؤديها، على الرغم من استخفافكِ بها. لقد نسيت أن كل ساعةٍ تُضيِّعينها سدًى سيكون عليكِ تفسير سبب إضاعتها في اليوم العظيم.»
«لم أكن أضيِّع وقتي، وحتى إن فعلت، لا يمكن للمرء أن يفكر في اليوم العظيم طوال الوقت.»
كانتا قد وصلتا في تلك اللحظة إلى غرفة الضيوف، فجلست السيدة سارتويل وهي تحدِّق إلى ابنة زوجها بحدة مخففة.
ثم قالت بجدية: «إدنا، أتوسل إليكِ ألَّا تسمحي لنفسكِ بأن تكوني وقحة. فهذه هي الطريقة نفسها التي يتحدث بها والدك، وعلى الرغم من أننا نأمل أن تُغفر له، فليس من اللائق أن تتحدث فتاةٌ في مثل عمركِ بهذه النبرة. إن والدكِ لا يعي المتاعب التي سيجلبها على نفسه بالطريقة التي يتبعها في تربيتك، وإذا ما أخبرته بأنكِ كنت تخدعينه، فلن يصدق. ولكن، ذات يوم، للأسف! سيرى الحقيقة.»
صاحَت إدنا وقد بدأ الشحوب يزحف إلى وجهها بسرعة: «كيف أخدعه؟»
هزَّت زوجة أبيها رأسها في حزنٍ وتنهَّدت.
ثم قالت: «إذا لم يخبركِ قلبك، فربما من الأفضل أن ألتزم الصمت. لقد ورثت عنه طابعه الانفعالي اللعين يا فتاتي المسكينة. لقد شحب وجهكِ من الغضب لمجرد محاولةٍ بسيطةٍ مني لتقويم سلوكك.»
«أنتِ لم تقوِّميني. بل قلت إني أخدع والدي، وأنا أسألكِ ماذا تعنين بذلك؟»
ابتسمَت السيدة سارتويل ابتسامةً رقيقة، وإن لم تخلُ من الحزن.
وقالت: «يا للتشابه! يا للتشابه! أكاد أرى أمامي والدكِ يتحدث ولكن بصوتك.»
«حسنًا، هذا يُسعدني. إنكِ لا تطرين عليَّ عادة.»
«وهذا دليلٌ آخر على وقاحتك. أنتِ تعلمين جيدًا أني لا أُطري عليكِ عندما أقول إنكِ تُشبهين والدك. بل على النقيض تمامًا. ولكن سيأتي يوم يدرك فيه ذلك. نعم، سيأتي بلا أدنى شك.»
«أنت تعنين أنه سيدرك أني أخدعه، ولكنكِ لم تخبريني كيف أخدعه.»
«أنت تخدعينه لأنكِ تحرصين أشد الحرص، في حضرته، على ألَّا تُظهري الجانب الأسوأ من شخصيتك. أوه، يا إلهي، إنكِ تراعين ذلك جيدًا! تكونين في غاية الوداعة والخجل في وجوده. ولكنه سيكتشف حقيقتكِ ذات يومٍ وسيحزن كثيرًا. انتظري حتى تتعارض إرادتاكما العنيدتان، وحينئذٍ سيعرف كلٌّ منكما حقيقة الآخر. لا شك في أن الأمور بينكما الآن سلسة وهادئة تمامًا، ولكن هذا لأنكِ لا تطلبين معرفة ما يعنيه، ولا تخبرينه بأنكِ لا تعبئين باليوم العظيم.»
استطردت الفتاة حديثها والدموع تكاد تنهمر من عينَيها، قائلة: «إن أبي لا يهدِّدني أبدًا بعذاب الآخرة، كما تفعلين أنت دائمًا، كما أنه لا يكيل لي الاتهامات؛ لذا لا أحتاج لأن أسأله عما يعنيه. ربما كنتُ شريرة، ولكنك تقولين أشياء تبدو دائمًا أنها تُخرج الجانب السيئ من شخصيتي.»
قالت السيدة برقة: «أنت اندفاعية للغاية. في البداية لم تتورعي عن التطاول عليَّ، ثم ها أنت تقولين إن شخصيتكِ سيئة، وأنا لم أدَّعِ هذا قط. فلستِ أسوأ من أبيك.»
«أسوأ؟ أتمنى فقط لو كنتُ نصفه.»
«آه، هذا لأنكِ لا تعرفينه مثلما لا يعرفكِ هو. أنت تعتقدين أنه يثق بكِ تمام الثقة، ولكنه لا يفعل شيئًا من هذا القبيل. لماذا كان حريصًا كلَّ هذا الحرص على أَخْذ الصحف معه صباح اليوم؟»
«لا أعلم بالطبع. ولمَ لا يفعل؟ إنها ملكه.»
«ملكه، نعم! ولكنه لم يفعلها من قبل قط. لقد أخذها معه حتى يواصل خداع زوجته وابنته، هذا هو السبب. حتى لا نعرف كيف واجه العمال وتحدَّاهم أمس. أوه، يمكنني أن أتخيَّل ما فعل! فتلك هي الأفعال التي تُرضي غروره الدنيوي.»
صاحت الفتاة وهي تلهث من فرط القلق: «أوه، ماذا حدث يا أمي؟»
«أظن أنه لم يخبركِ بما حدث، وأظن أيضًا أنه لم يقل لكِ إن السيد هوب المسكين، وكذلك السيد مونكتون، رجواه وناشداه ألَّا يذهب إلى المصنع اليوم، نعم، لقد كادا يركعان على ركبتَيهما لكيلا يفعل، ولكنه لم يُعِر رغباتهما أيَّ اهتمام، رغم كونِه مرءوسهما! وإذا لم يكن ثمَّة سببٌ آخر فلا بد أنه …»
«أخبريني ماذا فعل؟ كيف تحدى العمال؟»
«لمَ لا تدعيني أكمل ما أقول؟ لمَ أنت قليلة الصبر هكذا؟»
«لأنه والدي. ألَا ترين أن هذا سبب كافٍ؟»
غمغمت السيدة سارتويل بنبرة حزينة: «بلى يا صغيرتي المسكينة، بلى، هذا سبب كافٍ. من شابه أباه فما ظلم. ربما كان في الأمر مبالغة مني أن أتوقع منكِ الصبر، بينما والدكِ لا يملك ذرةً منه.»
«ليس هذا ما أقصده، ولكن لا عليك. أخبريني أرجوكِ إن كان في خطر.»
«جميعنا معرَّضون للخطر في كل لحظةٍ من حياتنا، ومنجانا منه هو تدخُّل العناية الإلهية وليس جهودنا العقيمة. كم مرة، كم مرة بذلت كل ما في وسعي لأغرس هذه الحقيقة العظيمة في ذهن والدك، ولكني لم أتلقَّ إلا كل استهزاء وسخرية، كما لو أن الاستهزاء والسخرية سينفعانه في اليوم العظيم؛ لماذا تتصرفين هكذا يا إدنا؟ إنكِ تذرعين الغرفة جيئةً وذهابًا بطريقةٍ يؤسفني أن أقول إنها لا تليق بفتاةٍ راقية. لا يجدر بكِ أن تقفزي من مقعدكِ بهذه الطريقة المفاجئة. أؤكد لكِ أن السخرية لن تُجدي نفعًا. ولا شك في أن لي الحق في أن أعبِّر عن رأيي في منزلي! عندما قلت لوالدك صباح اليوم إنه يجب ألَّا يتفاخر بقوته لأنها قوة زائلة، بل عليه أن يضع ثقته في قوة أسمى، قال إنه فعل؛ إذ كان رجال الشرطة موجودين في موقع الإضراب. أليست هذه سخرية؟ فقد كان يُدرك أني لا أقصد الشرطة.»
كانت إدنا قد غادرت الغرفة قبل أن تنهي زوجة والدها الجملة الأخيرة، وعندما تبعتها السيدة التي لا تمل من المحاولة إلى الرَّدهة، بعدما نهضت وهي تتنهد بيأس، وجدت نفسها أمام محنة أسرية أخرى. فقد ارتدت إدنا قبعتها وكانت تقفل عباءتها.
فسألتها زوجة والدها المشدوهة: «إلى أين أنت ذاهبة؟»
«إلى لندن.»
«إلى لندن! هل يعلم والدكِ ذلك؟»
«سيفعل. سأستقلُّ عربةً من المحطة إلى المصنع.»
«ماذا! هل ستمرين بالعربة وسط هذا الحشد المتوحش؟»
«هذا الحشد المتوحش لن يؤذيني.»
«صغيرتي، أنت مجنونة! ما معنى هذا؟»
«يعني أني ذاهبة لأعرف الخطر الذي تعرض له أبي أمس، وأني سأكون إلى جواره إذا كان لا يزال في خطرٍ اليوم.»
ضمَّت المرأة المغلوبة على أمرها يدَيها معًا في هلع وعجز. وسألت نفسها، هل كانت ثمَّة امرأة، منذ بدء الخليقة، حريصة على أداء واجباتها تجاه الجميع، تتعرض للمضايقات من قِبل مثل هذَين الشخصَين الخارجَين عن السيطرة؟ ولكنها، وعلى غير العادة، تفوَّهت بالكلمات المناسبة للموقف تمامًا.
«لقد حان الوقت الموعود أسرع ممَّا توقعت. لقد منعك والدك من الذهاب إلى مكتبه، وإذا ما وجدك تعصين أمره في موقف كهذا، فسيستشيط غضبًا. وحينئذٍ سترين بنفسك ما أعاني منه.»
توقَّفت الفتاة الطائشة عن إتمام استعداداتها للخروج.
وقالت: «لم إذن تثيرين استيائي فوق قدرتي على التحمل، وترفضين إخباري بما حدث؟»
«أنا أرفض! أنا لا أرفض لكِ طلبًا. ليتني كنت أرفض طلباتكِ منذ صغرك؛ فحينئذٍ كنت ستفكرين مرتَين قبل أن تُلقي كل طاعتك لي أدراج الرياح. كل ما عليك فعله هو أن تسألي عما تريدين معرفته، وتنصتين بصبر عندما أُخبرك به.»
«لقد كررت سؤالي مرات كثيرة.»
«كم تبالغين! سأسميها مبالغة، مع أني أملك كل الحق في استخدام مصطلح أكثر قسوة. وستكون دقة التعبير أكثر …»
«هل ستخبرينني أم أذهب؟»
«ألم أقل لك الآن إني سأخبرك بأي شيء؟ ما الذي تريدين معرفته؟ إن سلوكك السخيف أطاح كل شيء من ذهني.»
«قلت إن أبي تحدى العمال وكان في خطر أمس.»
«أوه، نعم! بعد أن رأى والدك أن السيد هوب والسيد مونكتون في حراسة الشرطة وهما يجتازان الحشد المتمرد، لم يرَ أمامه مفرًّا من إظهار مدى شجاعته مقارنةً برئيسَيه. فخرج من بوابات المصنع بمفرده، وسار وسط الحشد.»
«ماذا قال؟»
«لم يقل شيئًا.»
«كيف تحدى العمال إذن؟»
«يا إلهي، يا لغبائكِ يا صغيرتي! عندما يتخطى العمال الحدود هكذا، فلا شك في أن خروجه بينهم — وهو السبب في كل ما حدث — يُعد تحديًا لهم. ولكن الجريدة التي اشتريتها من المحطة نشرت القصة كاملة؛ إنها على طاولة الردهة، وكنت سترينها لو استطعت الحفاظ على هدوئك. اقرئيها إذا أردت. لن يكون في فعل ذلك عصيان لي. تذكري أن والدكِ هو مَن كان لا يرغب في أن تري الجريدة.»
مرَّ اليوم على إدنا سارتويل بطيئًا كالسلحفاة، وعندما لم يعُد والدها إلى المنزل في موعده المعتاد، تزايد قلقها أكثر وأكثر. لم تقُل زوجة أبيها شيئًا عن تأخره عندما مرت الساعات دون أن يعود، ولكنها بدأت تتخذ هيئة الاستسلام الصبور الذي أصبح لائقًا بها. قُدِّمت وجبة العشاء في موعدها تمامًا، وفي الموعد المعتاد رُفعت من فوق الطاولة. وبَّخت السيدة سارتويل إدنا مرةً أو مرتَين على قلقها، وندمَت على اضطرارها إلى توبيخها، ولكنها كانت مجبرةً على فعل ذلك؛ لأن القدوة الحسنة التي حاولَت أن تتمثَّلها لم تلقَ أي تقديرٍ من إدنا. ثم قالت في نهاية المطاف:
«اذهبي للنوم يا إدنا. سأنتظر والدك حتى يعود.»
«من المؤكد أنه سيعود إلى المنزل قريبًا. أرجوك، دعيني أنتظره حتى يعود.»
ثم خيَّم الصمت بضع دقائق.
ثم قالت السيدة سارتويل: «لا أريد أن أكرِّر طلبي يا إدنا. لقد سمعت ما أمرتكِ به.»
«من فضلك، لا ترسليني للنوم قبل عودة أبي. إن القلق يمزِّقني! دعيني أنتظره بدلًا منك. فلن أتمكن من النوم إذا ذهبت إلى الفراش. هلَّا تدعيني أنتظر عودته بدلًا منك؟»
طغَت نظرة الضحية على وجه زوجة والدها النحيلة، تلك النظرة التي تحكي قصصًا عن محنٍ كثيرةٍ تحمَّلتها دون شكوى.
قالت: «لطالما سهرت أنتظر عودة والدك، ولطالما سأفعل، ما دمنا ظللنا زوجَين. للمرة الثالثة آمرك بأن تذهبي إلى النوم.»
ظلَّت الفتاة جالسةً في مكانها وقد احمرَّت وجنتاها احمرارًا يدل على التمرد. ونمَّت لمعة الغضب المكبوت في عين السيدة سارتويل عن أن الأمور قد وصلت إلى نقطة تحتِّم على واحدة منهما أن تغادر الغرفة مهزومة. وأظهرت المرأة الأكبر سنًّا طول بال حين ظلت نبرتها في الحديث ثابتة.
«هل تنوين أن تطيعيني يا إدنا؟»
«لا، لن أفعل.»
واصلت السيدة سارتويل الحياكة، وخلا سلوكها من أي أمارات انزعاج ظاهرية من سلوك الفتاة غير المبرر، إلا من قليل من الاعتدال في جلستها. وفي كل مرة بعد ردود إدنا السريعة، كان الصمت يخيِّم عليهما بضع لحظات.
قالت السيدة سارتويل هذه المرة: «في وقت سابق من اليوم يا إدنا، سوَّلت لك نفسكِ التحدث إليَّ والتعامل معي، بطريقةٍ تمنيتُ لو ندمتِ عليها عندما تسنح لك الفرصة للتفكير فيها. وتوقَّعت منكِ أي تعبير ندم. هل فكرت فيما فعلت يا إدنا؟»
«نعم.»
أدخلت السيدة سارتويل الخيط في سَم خياط إبرتها ببطء مبالغ فيه.
وقالت: «وما النتيجة التي توصلت إليها؟»
«شعرت بالسرور عندما فكرت أني لم أقل شيئًا أكثر قسوةً مما قلتُ.»
تردَّد صدى دقات الساعة الطويلة الموضوعة على بسطة الدرج في أرجاء المنزل. وراحت إدنا تتسمع بانتباه لصوت خطًى سريعة وواثقة على الحصى في الخارج، إلا أن أذنَيها لم تلتقطا شيئًا غير الصمت.
«يضاف إلى — سأستخدم كلمة صفاقة؛ لأنني لا أرى مصطلحًا أفضل منها لوصف الكلمات التي وجَّهتِها إليَّ — يضاف إلى صفاقتك الآن العصيان. وإذا كنت أبالغ في وصف الأمر، فلن يكون مَن هو أسعد مني لتصحيح ذلك الوصف بالأسلوب اللائق.»
«لا رغبة لي في تعديل ما قلت.»
بعدما قرضت السيدة سارتويل الخيط بأسنانها، وتنهدت تنهيدةً عميقة مضطربة، قالت:
«في كل عائلة يا إدنا لا بد من وجود شخص يأمر ويطيعه الآخرون. وعندما تحين ساعتي، سيسرني كثيرًا أن أضع عن كاهلي عبء هذه السلطة الرديئة التي عُهد بها إليَّ، ولكن إلى أن تحين تلك الساعة سأظل سيدة منزلي. لقد منحني والدكِ بمطلق حريته واختياره هذه السلطة، وهو، وليس أنت، الشخص المنوط باستعادتها، إذا ما أراد ذلك. لهذا لن أتفوَّه بأي كلمةٍ أخرى حتى عودته. وحينئذٍ سيكون عليه أن يختار بيننا. إذا اختار أن تكوني أنتِ سيدةَ هذا المنزل، فسأحني رأسي دون أن أنبس ببنت شفة، وأترك هذا المنزل داعيةً الرب أن يُبقيَ السلام والبركة بين جدرانه.»
لا شك أن شيئًا من هذا الاستسلام الذي نطقت به هذه الكلمات الموزونة، والذي يحوي إيحاء التضحية بالذات، قد مسَّ قلب الفتاة المتحجر؛ إذ دفنت وجهها بين كفَّيها وبدأت تبكي، في علامةٍ مؤكدةٍ على الانهزام. ولكن كانت عازمةً بوضوحٍ على ألَّا تمنح خصمتها شعور الرضا الذي فازت به عن جدارةٍ بخطبة عصماء رائعة للغاية عن السلوك الصحيح في عائلةٍ منضبطة.
فانتحبَت قائلة: «إن الخطأ دائمًا خطأ أبي المسكين! مع كل ما يُغرق عقله من مشكلاتٍ وقلاقل، لا بد أن يشعر بالقلق عندما يعود إلى المنزل بسبب مناقرتنا البائسة.»
«أنا لا أدخل في مناقرات أبدًا يا إدنا. ولا أستخدم هذه الكلمة المخجلة أبدًا. لا أعرف بالطبع من أين جئت بها، ولكني واثقة من أنك لم تسمعيها مني. إذا أردت ألَّا ينزعج والدك، يجب أن تتصرفي على النحو الذي لا يضطرنا للاحتكام إليه. فأنا لا أريد أن أضيف متاعب إلى متاعبه، بل على النقيض تمامًا. هل أنت جاهزة للامتثال لأوامري الآن يا إدنا؟»
«نعم.»
نهضت الفتاة وتوجَّهت في تردد نحو الباب وعيناها مغرورقتان بالدموع.
«لم تعطني قبلة ما قبل النوم يا إدنا.»
قبلت إدنا زوجة أبيها على وجنتها وذهبت إلى غرفتها، وألقت نفسها على فراشها دون أن تبدل ملابسها وهي تنتحب. ولكنها ظلت تتسمع تلك الخطوات على الحصى التي لم تأتِ. وفي النهاية، نهضت وصفَّفت شعرها استعدادًا للنوم، وغسلت وجهها حتى لا يعرف والدها، إذا عاد إلى المنزل ورآها، أنها كانت تبكي. ثم ارتدت ثياب النوم وجلست بجوار النافذة تتسمع بحرص ولهفة. وصل القطار الأخير إلى المحطة بعد منتصف الليل بقليل، وبعد بضع دقائق، التقطت أذناها الحساستان صوت الخطوات الذي انتظرته طويلًا في الشارع من بعيد، ولكنها لم تكن تلك الخطوات السريعة العصبية التي اعتادت عليها. بل كانت خطوات رجل متعب. فكَّرت في أن تنادي عليه بصوت خافت عبر النافذة، ولكنها تراجعت. واربت إدنا باب غرفتها وسمعت صوت غمغمة زوجة والدها، ومن حين لآخر كانت تسمع نبرة صوت والدها الأقصر والأكثر خشونةً وهو يرد عليها بردوده المقتضبة. وبعد مدةٍ بدَت بلا نهاية، صعدَت زوجة أبيها وحدها، وأغلقَت باب غرفتها.
كتمت إدنا أنفاسها وهي تتسلل في هدوءٍ من غرفتها وتهبط الدرج. كانت درجات السلم رءوفةً بها فلم تُصدر صريرًا. ثم فتحت باب غرفة الطعام، ووقفت في مكانها صامتةً كما لو كانت شبحًا. قفز والدها من مقعده فزعًا، وتطلَّب منه الأمر كل قدرته المعتادة على السيطرة على النفس ليكتم صرخةً كادت تُفلت من بين شفتَيه.
وهمس قائلًا: «رباه، ابنتي العزيزة؛ هل تريدين أن تُفزعي والدك العجوز حتى يفقد القدر اليسير من العقل المتبقي لديه؟ لمَ لم تنامي بعد؟» أغلقت إدنا الباب برفق، وركضت نحوه، وأحاطت عنقه بذراعَيها.
وقالت: «أبي، هل أنت بخير؟ هل أُصبت بسوء؟»
«أصبت بسوء! لماذا، ما الذي سيؤذيني أيتها الصغيرة الحمقاء؟» ثم أزاح شعرها عن عينَيها. وقال: «كنت تحلمين؛ وظني أنك أصبحت تتكلمين أثناء نومك. لمَ لم تنامي؟»
«لم أتمكن من النوم حتى عودتك إلى المنزل. لمَ تأخرت هكذا يا أبي؟»
«لقد تخطَّى الأمر ما يُلزم به القانون الرجل. هل يجب أن أقدم تبريرات لامرأتين كلما عدت إلى المنزل في وقت متأخر من الليل في القطار الأخير؟»
جلست الفتاة على وسادة صغيرة، وأراحت رأسها على ركبة والدها الذي داعب شعرها في حنان.
وقال: «ما الذي يؤرقكِ يا إدنا؟ لمَ أنتِ قلقة لهذه الدرجة من عودتي في ساعةٍ متأخرة؟»
«خشيت أن تكون في خطر؛ فقد قرأت ما كُتب في الجريدة عن تحديك للعمال، و… و…»
أطلق سارتويل ضحكةً هادئة.
وقال: «بنيتي الغالية، إذا كنت ستبدئين حياتك بتصديق كل ما ترينه في الصحف، فستعانين جراء ذلك دائمًا. سأخبركِ بأمرٍ مفزع أكثر من ذلك بكثيرٍ لم يُنشر في الصحف بعد.»
سألته الفتاة رافعةً بصرها نحوه: «ما هو يا أبي؟»
«هو أنك كنت فتاةً صعبة المراس طوال اليوم، وسبَّبت الكثير من القلق للمسئولين عن تنشئتك.»
أراحَت إدنا رأسها مجددًا على ركبة والدها.
وقالت: «نعم، هذا صحيح تمامًا. كنت سيئةً ومتمردة للغاية بقول أشياء لم يكن يجدر بي قولها.»
«وترك أشياء كان عليك قولها … آه، حسنًا، جميعنا يخطئ. ومن نعم الرب أن منَّ علينا بالغفران، وإلا ساءت عاقبة أغلبنا.»
«عندما تكون هنا، وبشكل ما، لا يبدو أن شيئًا يهمني، وتبدو جميع مخاوفي خلال اليوم ضئيلةً وتافهة، وأتساءل لمَ أرَّقتني؛ ولكن عندما تغيب … حسنًا، يختلف الأمر كليًّا.»
«أنا سعيد للغاية بسماع هذا يا إدنا، ولكن عليك ألَّا تتخيلي أنك ستخدعينني بتملُّقك حتى أُلغي العقاب الذي تعرفين أنك تستحقينه. لا، لن أنخدع بدبلوماسيتك. ولن يجدي ذلك نفعًا معي يا بنيتي العزيزة، لن يجدي.»
«هذه ليست دبلوماسيةً أو تملقًا؛ إنها الحقيقة. وسأتقبل عقابي بكل خنوع إذا ما أخبرتني بما حدث اليوم.»
«أرفض التفاوض مع متمردة معترفة بذنبها؛ ولكن بما أنني لا بد أن أدعك تذهبين إلى النوم قبل طلوع الصباح، فسأخبرك بما حدث. لقد جرت محاولة لتسوية الإضراب اليوم. فقد اجتمع العمال معًا الليلة، وانتظرت في النادي لمعرفة النتيجة. فقد أرسلت رجلًا تابعًا لي في الاجتماع كان من المقرر أن يُحضر لي نتائج التصويت بمجرد انتهائه. إنه شاب — أحد المضربين، ولكنه الرجل الوحيد العاقل بينهم — التقى بي عصر اليوم، وقدم لي اقتراحات معينةً وقبلتها. اقترح عزل جيبونز وحضور وفد من العمال للقائي. لربما كنا سنتمكن من تسوية المسألة في غضون عشر دقائق لو تحقَّق ذلك.»
«إذن فقد فشل، بعد كل ما تكبده من عناء؟»
«من الذي فشل؟»
«اﻟ… الشاب الذي تتحدث عنه؟»
وجدت إدنا صعوبةً في أداء دور المخادع. وكانت سعيدةً أن والدها لم يرَ التعبير المرتسم على وجهها، وندمت أشد الندم على وعدها لمارستن بألَّا تفشي لأبيها أمر زيارته.
قال سارتويل: «نعم، فشل. لا شك أن الوقت لم يكن كافيًا لاستطلاع آراء العمال على النحو الصحيح، وخلال الاجتماع، تمكن جيبونز، وهو خطيب مفوه، من الفوز بعدد من الأصوات كان كافيًا لإحباط جهود الآخرين. لم يكن انتصارًا ساحقًا، ولكنه كان كافيًا لتحقيق الهدف. كان اجتماعًا عاصفًا للغاية، كما فهمت، وفاز جيبونز بفارق دزينة من الأصوات أو نحو ذلك.»
«وماذا سيحدث الآن؟»
«يبقى الحال كما هو عليه. سأنتظر بضعة أيام أخرى، وإذا لم يعد العمال إلى عملهم، فسأملأ أماكنهم بطاقم عمال جديد. لا أريد اللجوء إلى ذلك إلا ملاذًا أخيرًا، ولكني لن أتركهم يتلاعبون بي أكثر من ذلك. والآن يا فتاتي، لقد أخبرتكِ بكل شيء، فلتذهبي إلى الفراش، إلى الفراش فورًا، ولتنعمي بنومٍ هادئ. فلا يمكن السماح بهذا التسيُّب، كما تعلمين.»
قبَّل الوالد ابنته وربت على كتفها في حنان. وارتقت الفتاة الدرج في تثاقل وهدوءٍ كما نزلت، يخالجها شعور بالذنب.
نفوس متقلبة |
الفصل السابع عشر
وجد ألبرت لانجلي لنفسه شغفًا جديدًا وممتعًا في الحياة. كان هذا الشغف هو الصداقة، التي لم يتذوَّق عازف الأرغن مُتعها ومباهجها من قبلُ طوال حياته التي طغى عليها الوحدة والكدح. فقد أصبح لانجلي زائرًا دائمًا لمسكن برونت وبدأ يعلِّم جيسي أساسيات وقواعد الموسيقى، ووجدها طالبةً مجتهدة وسريعة التعلم والاستيعاب، وصامتةً للغاية أيضًا. كان يرى وجهها النحيل وعينَيها الواسعتَين الحزينتَين بعين خياله أينما ذهب، بينما كانت هي تنظر له بمهابةٍ وانبهارٍ لم تكن لتُسبغهما إلا على كائنٍ من عالم آخر، وربما كان كذلك بالفعل؛ إذ كانت علاقته بهذا الكوكب المحموم الساعي إلى المال محدودةً للغاية بلا شك. كان جو برونت يسعد أيما سعادة بالجلوس في مقعده الوثير ليدخِّن. فمهما كان المال المخصص لتدبير شئون المنزل قليلًا، فسيبتدع العامل طرقًا لتوفير التبغ لنفسه.
في أغلب الأحيان، لم يكن برونت يتواجد بالمنزل أثناء تلقي ابنته درس الموسيقى؛ لأن أعراف الطبقة الوسطى لم يكن لديها الكثير لقوله عن الترتيبات المعيشية لأولئك الذين يعيشون في فقر مدقع. وكان الغياب الكامل للخبرة بالأمور الدنيوية لدى الشاب، من شأنه أن يُصعِّب على أي شخصٍ أن يفسر له السبب في عدم وجوب التقاء شخصَين يجمعهما حب الموسيقى كلما سنحت لهما الفرصة، حال وجود من يهتم لأمره أو أمرها بما يكفي ليحاول تقديم هذا التفسير. كانت الفتاة، التي فاق شغفها بالألحان شغف والدها، مبهورةً بمهارة عازف الأرغن في العزف على الآلة الموسيقية التي كرَّس حياته لها، قبل أن تستدرج عيناها الرصينتان روحه الموسيقية للغوص في سحرهما الغامض. ووقع الاثنان في حب أحدهما للآخر دون أن يُدرك أيٌّ منهما ذلك.
ذات مرة، استطاع لانجلي أن يقنع برونت وابنته بالذهاب معه إلى الكنيسة، وهي خاوية في غير أوقات القداس ليستمعا إلى موسيقى الأرغن الكبير. جلس العامل وابنته معًا في وحشة المقاعد الخالية، وراحا يستمعان في طرب إلى إيقاع «اللحن الجنائزي» الكئيب الذي ملأ أرجاء المبنى المهجور. عزف لانجلي المقطوعة تلو الأخرى في حب الموسيقى وفي حب جمهوره. كان عرضًا موسيقيًّا شبيهًا بما كان يستمع إليه ملك بافاريا المجنون عندما يكون وحيدًا، ولكن كان من يستمع إليه الآن رجلًا لا يملك بنسًا في جيبه، ولا كسرة خبزٍ ليأكلها في مسكنه البائس. هل هدَّأت أصابع العازف البافاري البارعة نفس الملك في لحظة تعذيب الشيطان له، مثلما هدَّأت مهارة داود في العزف من روع طالوت، من يدري؟ إلا أن اللمسات السحرية لعازف الأرغن الوحيد على المفاتيح العاجية نقلَت مستمعيه إلى عالمٍ لا مكان فيه للجوع.
كان في السكون المخيم على مبنى الكنيسة الضخم، الذي لم تقطعه الضوضاء الآتية من خارجه، وارتداد صدى الأنغام عن سقفه المعتم الشاهق المقوس، وانطلاق أصداء غير متوقعة قابعة عند الأركان المظلمة، بالإضافة إلى عظمة الموسيقى وسموها؛ ما منح المستمعَين والعازف شعورًا بأنهم معزولون تمامًا عن الصخب بالخارج. كانت الكنيسة حينئذٍ واحة سلامٍ وسط صحراء شاسعةٍ من الاهتياج والصخب.
لم يتمكَّن لانجلي من إقناع برونت مرةً أخرى بالذهاب معه إلى الكنيسة. فبعض الذكريات أثمن من أن تُمَس، ومَن يخاطر بتكرار تجربةٍ تذوَّق فيها النعيم الخالص، فعليه أن يُهيِّئ نفسه للخذلان.
كان برونت يقول: «لا يا صديقي، لن نكرِّرها في الوقت الحالي. ربما أعود إلى هناك يومًا ما إذا بدأت في نسيان ما سمعت، ولكن ليس الآن. سأصبح مهووسًا بالموسيقى إذا ما اعتادت أذناي على عزفِك الرائع، ففي الواقع، أعتقد أحيانًا أني على وَشْك أن أصبح كذلك بالفعل.»
ولكن عادةً ما كانت جيسي ترافق عازف الأرغن إلى الكنيسة الهادئة، دون أن يفكر أيٌّ منهما فيما يصحُّ وما لا يصح، ومن حسن حظهما، لم يرَهما القندلفت أو زوجته، واللذان كانا سيثيران ضجةً كبيرة حول قواعد السلوك اللائق المقدسة. وفي بعض الأحيان، كانت الفتاة تجلس معه في غرفة الأرغن في العُليَّة لتشاهده وهو يعزف، ولكنها كانت في أغلب الأحيان تجلس على أحد المقاعد؛ إذ إن هذا الموقع أفضل لسماع أنغام الآلة الموسيقية من المنظور السماعي الصحيح. ورثت جيسي عن والدها قلة الكلام التي تميَّز بها، وعزَّز ميلها إلى الصمت طبيعتها الخجولة. كان من النادر أن يدورَ حوارٌ بينهما في الكنيسة؛ إذ بدا أن كلًّا منهما كان قانعًا تمامًا بحقيقة وجود الآخر معه. كانا حبيبَين شبه صامتَين؛ فلم تكن للغة المنطوقة فائدةٌ تُذكر بالنسبة إليهما.
ذات مرة، بينما كان لانجلي يهبط السلم الضيق من غرفة الأرغن العلوية، ظن أنها رحلت، وبدت الكنيسة مهجورةً بصورة غريبة للغاية. في أوقات القداس، كان يجب إشعال مصابيح الغاز حتى خلال النهار؛ فقد كانت النوافذ مصنوعةً من الزجاج الملون، وكانت الكنيسة محاطةً بمبانٍ عالية ملاصقة لها. كان من النادر أن ترى أجواءً صافية في هذا الجزء الكئيب من المدينة، وكانت الكنيسة من الداخل معتمةً دائمًا. حدَّق لانجلي بنظره القصير عبر الظلام، ولكنه لم يتمكن من رؤيتها. وانتابه شعور غامض بالقلق، وبينما كان يُسرع بين صفوف المقاعد، إذا به يبصرها جالسةً في مكانها، وقد أراحت رأسها على حامل كتب الترانيم الملحق بالمقعد وبدت نائمة. فلمس كتفها برفق، وعندما رفعت رأسها ببطء، وجد أنها كانت تبكي في صمت.
فمال بجسده فوقها وهمس قائلًا: «ما الأمر يا عزيزتي؟»
«أشعر بالخوف، خائفة من شيء ما لا أعلم ما هو. لقد أظلمت الكنيسة تمامًا فجأة، وخبا صوت الموسيقى. اعتقدت أني أغرق، أغرق حتى القاع، وما من أحد لينقذني.» كانت ترتجف وهي تتحدث، ثم نهضت واقفةً على قدميها في اضطراب، وترنَّحت قليلًا عندما حاولت التحرك بين صفوف المقاعد. ثم أخذت نفسًا عميقًا مضطربًا، وأضافت: «كان الأمر أشبه بكابوس.»
أحاط لانجلي خصرها بذراعه ليسندها بينما يسيران معًا بين صفوف المقاعد.
وقال: «إنها ظلمة الكنيسة، وربما كآبة الموسيقى. سأعزف لكِ مقطوعةً أكثر بهجةً عندما تأتين في المرة القادمة. فأنا أعزف أكثر من اللازم على مفاتيح الأرغن الصغيرة.»
عندما وصلا إلى الباب، طلبت منه أن يتوقف برهة قبل الخروج. حاولت عبثًا أن تجفِّف عينَيها؛ إذ بدأت في البكاء مجددًا وهي مستندة إلى الجدار الحجري، وكانت تبكي بكآبة ويأسٍ اعتصرا قلب الشاب.
قال متلعثمًا لا يدري ماذا يقول: «جيسي، جيسي.»
قالت جيسي منتحبة: «أشعر بالإعياء والضعف. سأتعافى مرةً أخرى بعد قليل.»
«تعالَي نحتسِ الشاي في مكان ما. فهذا من شأنه أن ينعشك.»
خرجا من الكنيسة معًا، واصطحبها لانجلي إلى مكان يُقدَّم فيه الشاي. جلست جيسي هناك مسندةً رأسها بكآبة على يدها بينما كانت تُحضَر المشروبات، وكان جالسًا أمامها في صمت حزين. رشفت جيسي بضع رشفاتٍ من الشاي، ولكنها لم تستطع شربه، وهزَّت رأسها رفضًا عندما قدَّم لها لانجلي الخبز المدهون بالزبد.
ثم قالت أخيرًا: «لا بد أن أعود إلى المنزل. لا أستطيع أن آكل شيئًا. سأكون في حال أفضل هناك.»
سارا معًا على مهل حتى وصلا إلى ساحة روز جاردن، وعند المنزل رقم ثلاثة، ساعدها على صعود الدرج القذر، كان مسرورًا أنهما سيصعدان طابقًا واحدًا فقط؛ إذ كانت تتشبث لاهثةً بالدرابزين المتداعي بين كل درجة أو اثنتَين. كان برونت جالسًا في مقعده ذي الذراعَين مقطبًا جبينَه في غضب. كان برونت في أسوأ حالاته المزاجية، فنظر نحوهما في استياء وتجهم عند دخولهما، ولكنه لم يقل شيئًا. كانت هذه الأمسية التالية لقرار العمال باستكمال الإضراب، بعدما لم تتمكَّن مجموعته من الفوز بأغلبية الأصوات، وكان غليون برونت مُطفأً. فلم يستطع العثور ولو على القليل من التبغ، على الرغم من أنه فتَّش في كل جيوبه على أمل العثور على بعض الفتات. غاصت جيسي في أحد المقاعد وراحت تتنقل بوجهها الشاحب في جزع بين والدها وصديقها؛ إذ بدا عليها الخوف من احتمال التفوه بكلمات فظة؛ فقد كانت تعلم أن والدها يكون فظًّا في حديثه عندما يكون مستاءً.
قال عازف الأرغن: «جيسي ليسَت بخير.»
لم يُجِبه برونت، واكتفى بالنظر إلى ابنته ومداعبة شعرها، وقال برفقٍ لم تتوقَّعه منه:
«ماذا بكِ يا صغيرتي؟ هل أنت جائعة؟»
غمغمت ابنته بلهفة: «لا، لا. لقد احتسينا الشاي قبل أن نعود. لست جائعة.»
أدرك لانجلي، الذي كان بطبيعته بطيئًا في إدراك الأشياء، أن برونت، على الأقل، لا يمتلك أي طعام ربما منذ وقت طويل. كان قد عرض عليه بعض المال من مدخراته الضئيلة عدة مرات قبل ذلك، ولكنه كان يرفض دائمًا، وفي بعض الأحيان لم تكن طريقة رفضه ودودةً على الإطلاق. فخرج عازف الأرغن في صمت تاركًا الأب وابنته بمفردهما.
قال برونت في قلق: «هل تودين أن أحضر لك أحدًا … أعني امرأة؟ نحن لا نعرف جيراننا، ولكن قد تحضر امرأة منهم إذا علمت أنك مريضة.»
هزَّت الفتاة رأسها رافضة.
وقالت: «لا أريد أحدًا، لا أريد شيئًا سوى أن أستريح قليلًا. سأتعافى قريبًا. لا أحتاج إلا إلى الراحة.»
عاد الأب إلى مقعده، وجلس كلاهما في الظلام الزاحف.
لم يمرَّ وقت طويل حتى انفتح الباب ودخل لانجلي حاملًا أشياء على ذراعَيه. وضع رغيفًا من الخبز على الطاولة وإلى جواره بقية حمولته، ووضع على رف المدفأة الفارغ جريدةً تحوي القليل من الفحم.
حدق برونت إليه وانعقد لسانه برهة، ثم صاح في سخط:
«لن أنسى صدقتك هذه يا فتى، فلتتنزل عليَّ اللعنات إن فعلت!»
قبل أن تسنح للانجلي فرصة الرد، هبَّت جيسي واقفةً وهي ترتجف.
وناحت قائلة: «لا يا أبي، لا تفعل»، وأخذت تترنح عندما حاولت أن تسير نحوه، ثم سقطت فجأةً على الأرض.
اندفع لانجلي نحوها إلا أن برونت دفعه جانبًا في خشونة، وانحنى فوق ابنته، وحمل جسدها الضئيل بين ذراعيه متحدثًا إليها بلطف وحنان. ثم حملها إلى الفراش ووضعها فوقه بحب.
ثم صرخ في وجه لانجلي قائلًا: «أسرع! أسرع وأحضر طبيبًا. ثمَّة طبيب في نهاية شارع لايت. أخشى أن ثمَّة شيئًا خطيرًا يحدث لها.»
ولم يتوانَ الشاب. رفض الطبيب الذهاب إلى ساحة روز جاردن، وقال إن لديه مرضى يجب أن يعتني بهم. فقد كان يدرك أن الساحة لم يكن يأتي من ورائها الكثير.
فأجابه الرسول في لهفة: «أنا عازف أرغن في كنيسة القديسين الشهداء. وسأدفع لك ما تريد.»
قال الطبيب: «أوه، ليس هذا ما أقصده. من يعالج سكان الساحة عادة؟ لا بد أن أحدًا يفعل.»
أجابه لانجلي: «لا أعلم، ولا وقت لديَّ لأبحث. الحالة خطيرة. تعالَ معي!»
فذهب معه الطبيب متذمرًا؛ فهذا النوع من العمل كان خارج نطاق تفضيله.
عندما وصلا، وجدا برونت يفرك يدَي الفتاة في قلق.
صاح بمجرد دخولهما: «لقد تأخرتما.»
لم يُجِبه أيٌّ منهما، واتجه الطبيب بسرعةٍ نحو الفراش بلا مبالاة، واستخفاف رجلٍ اعتاد رؤية مثل هذه المشاهد على نحو دائم. وضع الطبيب أصابعه على معصم الفتاة، وقرَّب أذنه من صدرها، ثم وضع يده على جبينها الأبيض الناعم.
ثم سأل بحدة: «هل هي مريضة منذ فترة طويلة؟»
رد والدها: «لطالما كانت جيسي ضعيفةً ومريضة، ولم تكن ابنتي المسكينة بخير على الإطلاق مؤخرًا.»
«مَن يتولى علاجها؟»
«لا أحد.»
«أوه، حسنًا، لن يمكنني منحك شهادة وفاة في ظل هذه الظروف. أغلب الظن أنه سيكون ثمَّة تحقيق.»
صرخ برونت قائلًا: «يا إلهي! تحقيق! هل تعني أن … لا يمكن أنك تعني ذلك! … جيسي لم تَمُت؟»
«لا، لقد ماتَت. لا يمكنني أن أفعل شيئًا. سأبلغ الطبيب الشرعي، ويمكنه أن يفعلَ ما يحلو له. لا شكَّ لديَّ في أنه لا توجد شبهةٌ جنائية، ولكننا ملزمون بالتصرُّف وفقًا للقانون كما تعلم. طابت ليلتك!»
ألقى برونت نفسه على الفراش وسط عاصفة من الحزن، بينما وقف لانجلي بجوار الفتاة الميتة في ذهول. أمسك بيدها النحيلة التي فارقتها الحياة، وحدَّق إلى وجهها فاقدًا الحس، تأبى دموعه النزول. نهض والدها وأخذ يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا متضرِّعًا إلى القدر تارةً ولاعنًا إياه تارةً أخرى. وفجأة، التفت نحو لانجلي كالمجنون.
صاح فيه بصوت هادر: «ماذا تفعل هنا؟ إن تدخُّلك هو ما جعل كلماتها الأخيرة تخرج مضطربة. هيا ارحل، واتركنا وشأننا!»
استدار لانجلي مبتعدًا عن الفراش، وسار ببطءٍ نحو الباب دون أن يتفوَّه بكلمة، وتبعه برونت مطرقًا عينَيه اللتَين أصبحتا بلون الدم إلى الأرض. ثم توقَّف الشاب مترددًا عند الباب، وأسند ذراعه إليه، وأحنى رأسه في حسرةٍ وقنوط.
ثم قال في يأس: «رحماك يا ألله! لقد أحببتها أنا أيضًا.»
نظر إليه برونت برهة، غير مستوعبٍ ما قال في البداية. ثم بدأ الغضب يزول من وجهه تدريجيًّا.
وأخيرًا قال بهدوء: «هل كنت تحبُّها يا فتى؟ لم أكن أعلم، لم أكن أعلم. اغفر لي نوبات غضبي الفظ. كنت أعتقد أنها ستنكسر في هذه اللحظة. أنا مجنون أيها الفتى، ولا أدري ما أقول. أنا لا أملك بنسًا واحدًا في هذا العالم، ولا أعلم إلى أين أذهب لأجد مالًا. لن تخرج فتاتي الصغيرة إلى مثواها الأخير في جنازة فقراء في هذه المدينة القاسية. لا، لن يحدث ذلك حتى لو اضطُررت إلى حملها بين ذراعَي، كما كنت أفعل دائمًا، والسير بها نحو الشمال، ونبيت ليالينا تحت أسيجة الشجيرات طوال الطريق. نعم، هذا ما سأفعله. سنسير على إيقاع «اللحن الجنائزي.» سيرافقنا طوال الطريق. سنرتاح ليلًا في الحقول الخضراء تحت الأشجار، بعيدًا عن الدخان والضجيج، وحيدَين معًا. آه، يا إلهي! سأبدأ رحلتي على الفور، وسأسير طوال الليل، وعندما يحل الصباح سأكون خارج مدينة بابل هذه.»
صاح لانجلي ممسكًا بذراعه: «لا، لا! يجب ألَّا تفعل ذلك. لا بد أن تسمع ما سيقوله الطبيب الشرعي.»
«وما شأن الطبيب الشرعي أو أي شخص آخر بها أو بي؟»
«إنه القانون: لا بد أن تمتثل إليه.»
«وما شأني بالقانون؟ ماذا فعل لي أو لجيسي؟ لن تخرج ابنتي بجنازة فقراء، سواء بالقانون أو بغير القانون.»
«لن تكون هناك جنازة فقراء. ثمَّة قلوب عطوفة في لندن، كما في الشمال. عدني بأنك لن تفعل أي شيء حتى أرى إذا ما كنت سأتمكَّن من تدبير المال.»
قال برونت وهو يغوص في مقعده: «أعدك. فلست واثقًا من أنني سأستطيع السير لتلك المسافة الطويلة الليلة، حتى وإن حاولت. ولكن اتركني بمفردي الآن يا فتى، وعُد فيما بعد. أريد أن أبقى بمفردي لأفكِّر.»
غادر لانجلي الغرفة، والتقى مارستن على بسطة السلم، ولم يكن يعرفه، ولكن رأى أنه بصدد الدخول إلى الغرفة.
فهمس له قائلًا: «لا تدخل. فهو يريد أن يبقى بمفرده.»
سأله مارستن منزعجًا من نبرة الرجل الآخر: «هل حدث خطب ما؟»
«نعم، ماتت ابنته.»
«ماتت! يا إلهي! كيف؟ في حادث؟»
«لا، كانت مريضةً طوال أسابيع، ولكن لم يعتقد أحدٌ أنها قد تموت. ماتَت جيسي منذ ساعة فجأة. هل أنت صديقه؟»
«نعم.»
«يجب أن تساعدني إذن، أخبرني بما يجدر بي فعله. لنهبط إلى الساحة حيث يمكننا أن نتحدَّث.»
هبط الشابان الدرج.
قال لانجلي: «لا يملك برونت أي مال، ولن يترك ابنته للأبرشية لتتولَّى دفنها. يجب أن نحصل على بعض المال. لقد وعدته بذلك، ولكني لا أملك الكثير منه، وإن كنت على استعدادٍ لإعطائه كل ما أملك. لو كنت أملك المزيد من المال، لما طلبت المساعدة من أحد.»
قال مارستن: «أنا لا أملك إلا بضع شلنات، ولكن لا بد أن نحصل على المزيد بأي طريقة. لا يملك أيٌّ من العمال أي أموال، وإلا كانوا أعطَوها لنا. كان من الممكن أن أذهب إلى سارتويل بالأمس، ولكني تشاجرت معه اليوم، وأخشى أنه كان شجارًا عنيفًا لا مجال فيه للإصلاح. وعلى الرغم من أنه لم يقُل لي أي شيء، فأنا لا أستطيع الذهاب إليه لطلب المساعدة. ولكن هناك برنارد هوب. نعم، هو مَن سيقدِّم المساعدة. فقد ساعد برونت عندما وقع في مشكلةٍ مع الشرطة. ولكني لا أريد الذهاب إلى برنارد هوب؛ فلديَّ أسبابٌ معينةٌ تجعلني راغبًا عن أن أكون مدينًا له. هل تمانع الذهاب أنت إليه؟ إنه يعيش في تشيلسي.»
«لا مانع لديَّ، سأفعل أي شيء. لقد قطعت على نفسي عهدًا.»
«كنت سأذهب له الليلة لو كنت مكانك. فغدًا يوم «حفل الاستقبال» الذي يُنظِّمه، وسيكون ثمَّة الكثير من الناس في منزله. وسيكون من الصعب مقابلته، ولا يمكننا الانتظار إلى بعد غدٍ. إنه يسكن في منزل كريجنبوتوتش في تشيلسي. وإذا فشلت في مهمتك، فسأذهب للقاء والده؛ لذا فمن المؤكد أن أحدنا سيحصل على المال.»
قال لانجلي: «سأذهب في الحال.»
كانت الرحلة إلى تشيلسي طويلة، وعندما وصل عازف الأرغن المتعب إلى المكان، وجد بارني قد ذهب إلى حفلٍ مسرحيٍّ يليه حفل راقص، ومن غير المرجح أن يعود إلى منزله تلك الليلة. ولم يُعرَف متى سيعود في الصباح، ولكن كان من المؤكَّد أنه سيعود في تمام الثالثة؛ إذ كان أصدقاؤه المدعوون إلى «حفل الاستقبال» سيبدءون في التوافد على المنزل في تلك الساعة، هكذا قال خادم بارني. عاد الرجل المنهك أدراجه ووصل إلى ساحة روز جاردن عند منتصف الليل تقريبًا. طرق باب برونت، ولكنه لم يتلقَّ إجابة، فدفع الباب بعد لحظاتٍ قليلةٍ من التردد. كان يخشى أن يكون الرجل العنيد نافد الصبر قد نفَّذ قراره في النهاية، وغادر مع جثمان ابنته إلى الشمال، ولكنه وجد كل شيء على حاله. كان برونت جالسًا في مقعده دافنًا رأسه بين كفَّيه، ولم يوجِّه له أي تحية.
قال لانجلي واثقًا من أنه لن يواجه أيَّ رفض: «سأحصل على المال غدًا.»
لم يُجِبه برونت، وبعد أن ألقى الشاب نظرةً على الجثمان الساكن المُسجى على الفراش، الذي أصبح وجهُه يُشبه وجه طفلةٍ صغيرة، انصرف الشاب في هدوءٍ مثلما دخل.
قابلته السيدة سكيمينس على الدرج. وأرادت أن تعرف ما يجري. قالت إن نساء الساحة، عندما سمعْنَ بوفاة الفتاة، عرضْنَ المساعدة على برونت، ولكنه تصرَّف بهمجيةٍ كعادته وطردهنَّ خارج المنزل مصحوباتٍ بسيلٍ مخيفٍ من السباب. كانت واثقةً أن ثمَّة خطبًا ما. وكان الطبيب الشرعي حاضرًا وارتأى ذلك أيضًا. وأخبرَته بأن ثمة تحقيقًا سيجري في مبنى البلدية في الصباح. وتركَت الشرطة استدعاءً للانجلي لحضور التحقيق والإدلاء بشهادته.
فصاح الشاب في فزع: «ولكني ذاهب إلى تشيلسي في الصباح. أنا لا أعرف شيئًا عدا أن جيسي كانَت مريضة.»
«يُقال إنك رأيتها تموت. وأقر برونت بذلك. لا بد أن تحضر التحقيق، وإلا فسيُرسلون وراءك شرطيًّا.»
لم يغمض للانجلي جفن في تلك الليلة، وكان مرهقًا ومنهكًا في الصباح. صعد أعضاء هيئة محلفي الطب الشرعي الدرج محتشدين، وبعد أن ألقَوا نظرةً على جثمان الفتاة، وقاموا بتعليق الإجراءات وانتقلوا إلى مبنى البلدية. أدلى لانجلي بشهادته وغادر الغرفة على الفور، وظل يحوم حول الباب منتظرًا خروج برونت الذي بقيَ في مبنى البلدية. وأخيرًا، خرج من المبنى شاحب الوجه وعيناه تحدِّقان أمامه.
سأله لانجلي: «ماذا قالوا؟» إلا أن الرجل الآخر لم يُجِبه، وواصل المسير وسط الحشد الفضولي المتجمهر كما لو كان لا يرى شيئًا.
سأل أحد المتجمهرين أحد أعضاء هيئة المحلفين عندما خرج من المبنى: «ما حكم هيئة المحلفين؟»
فأجاب الرجل: «ماتت جوعًا.»
نفوس متقلبة |
الفصل الثامن عشر
في اليوم التالي لفشل مارستن في استمالة أغلبية العمال إلى صفِّه، خلال الجدل الذي دار بشأن الإضراب، ذهب الشاب إلى ويمبلدون أملًا في أن يجد العزاء في هزيمته في صحبة محبوبته. كان يشعر بأنه يستغلُّ سارتويل دون وجه حقٍّ إلى حدٍّ ما بمواعدة ابنته سرًّا هكذا، ولكنه برَّر ذلك لنفسه، كما يبرِّر المحبون دائمًا لأنفسهم، بأن من الحمق أن يخسر المرء جولةً ولدَيه الأوراق التي تضمن له الفوز. كان جليًّا أن سارتويل لا يعترض على زيارات برنارد هوب، وأنه راغبٌ تمامًا في تزويج ابنته لابن ربِّ عمله. لو أن مارستن قد أدرك هذا بالأمس، لم يكن ليتعامل بهذه الدرجة من إنكار الذات ويرفض لقاء إدنا سارتويل، والآن، أمَا وقد تدخَّل القدر نيابةً عنه ومنحه المعلومة بأن لديه منافسًا، فلن يكون بالحمق الذي يجعله يضيع الفرصة التي سنحَت له.
دخل مارستن قطعة الأرض الفضاء المحيطة بالمنزل الشاغر، وراح يمسح ببصره السور ذا القمة الزجاجية في قلق؛ بحثًا عن الإشارة التي وعدَت إدنا، بعد إلحاح، بأن ترسلها. ولكنه لم يرَها. فتساءل عما إذا كانت الفتاة، في نهاية المطاف، أخبرَت والدها عن زيارته. كان مارستن واثقًا من أن سارتويل سرعان ما سوف يُلمُّ بجميع تفاصيل الأمر من مجرَّد تلميحٍ بسيطٍ إليه بشأنه.
ظلَّ مارستن يذرع الجانب الآخر من السور في تعاسةٍ لا يدري ماذا يفعل. وفجأةً توقَّف بالقرب من الموضع الذي قفز من فوقه في اليوم السابق. تراءى له أنه سمع صوت سعال خفيف على الجانب الآخر من السور. ربما كان هذا تحذيرًا أو دعوة؛ كان السؤال الذي يدور في ذهنه هو: أيهما أصح؟ لا شك أنها تعلم أنه سيكون هناك في انتظار إشارتها، أو ربما — وكانت فكرةً مؤلمة له — نسيَت أمره من الأساس.
كان هناك على الجانب البعيد من الحديقة سور متنزه، أقصر من السور الحجري الحصين، ويلتقي به عند طرفه مشكلَين زاويةً قائمة. ولأنه لم يكن يحتمل الترقب، قرَّر الشاب أن يُقدم على مخاطرة استطلاع الأمر. فصعد من فوق سور المنتزه ونظر من فوق السور الحجري، إلا أن الأشجار والشجيرات كانت كثيفةً للغاية؛ فلم يستطع أن يرى إذا ما كان ثمَّة أحدٌ في حديقة سارتويل أم لا؛ حتى المنزل كان محجوبًا عن رؤيته. لا يتسلق ضعاف القلوب سورًا حجريًّا أبدًا؛ أما مارستن فلم يتردَّد سوى لحظة، ثم تمسَّك بفرع شجرةٍ متدلٍّ، وسحب نفسه إلى أعلى السور متفاديًا الزجاج، وهبط على الجانب الآخر بين الشجيرات. وقف في مكانه يُصغي بتركيز، ولكنه لم يسمع صوتًا، فتحرَّك بحذرٍ بين الشجيرات نحو المساحة المفتوحة تحت الأشجار، حيث جلس يتحدَّث إلى إدنا في اليوم السابق. كان المكان خاليًا، ولكنه تنفَّس الصُّعَداء عندما رأى وشاحًا أحمر اللون معلقًا على ظهر أحد المقاعد. لقد فكرت فيه على الأقل؛ إذ كان هذا الوشاح بلا شكٍّ هو الإشارة التي لم تستخدمها.
أصبح مارستن أكثرَ حيرةً مما كان وهو واقفٌ على الجانب الآخر من السور. فقد بدا أنها كانَت تنوي إلقاء الوشاح فوق الزجاج المكسور، وإلا فما كانت أحضرَتْه إلى مكان لقائهما، ولكن بما أنها لم تُعطِه الإشارة المتفق عليها، فهل ثمَّة احتمالٌ أن يكون والدها في المنزل؟ عقد الشاب حاجبَيه وهو يفكر في المبرر الذي سيقدمه إلى سارتويل إذا ما ضبطه واقفًا تحت الأشجار.
كان مارستن على وَشْك اتخاذ القرار بأن يعود أدراجه من الطريق الذي جاء منه، عندما رأى إدنا قادمةً من ناحية المنزل. مدَّت الفتاة يدها نحوه وعلى وجهها ابتسامةٌ استقرَّت في قلبه، إلا أن كلماتها لم تكن مطمئنة.
قالَت: «كنت أترقَّب وصولك، ولكني كنت آمل ألَّا تأتي.»
كرَّر مارستن كلماتِها بنبرةٍ تشوبها الحيرة: «كنت تأملين ألَّا آتي؟»
«كنت آمل ألَّا تأتي إلا عن طريق البوابة الأمامية على الأقل. فهذا لا يعجبني. فالأمر يبدو سريًّا ودنيئًا، كما لو أننا نقترف ذنبًا نخجل منه. قد لا نجني نفعًا كثيرًا من حديثنا عن الإضراب، ولكننا بالتأكيد لا نفعل شيئًا يخجل أيٌّ منا من أن يعرفه العالم بأسره. ولا أرى سببًا، بعدما فشلت الخطط التي وضعتها بالأمس، لعدم دخولك المنزل مثل أي زائرٍ آخر، أليس كذلك؟»
«أعتقد أنه لا يوجد سبب.»
صاحَت الفتاة متحمسة: «بالطبع لا يوجد؛ ولهذا أنوي إخبار والدي بكل شيءٍ بشأن زيارتك هذه اليوم، حتى وإن لم أستطع ذكر شيءٍ عن زيارة الأمس.»
قال مارستن راجيًا، وقد انتابه الهلع: «أوه، ولكن يجب ألَّا تفعلي شيئًا من هذا القبيل. ستعدينني بأنَّكِ لن تتفوَّهي بكلمةٍ واحدةٍ عن وجودي هنا اليوم، أليس كذلك؟»
ضحكَت الفتاة وهزَّت رأسها نفيًا.
وقالت: «لن أقطع على نفسي وعدًا أحمق مثلما فعلت بالأمس. فكما ترى، لم يعُد وعدي لك بأي نفع.»
«ماذا؟! هل أخبرتِ السيد سارتويل بأني كنت هنا؟»
«لا. لقد وعدتك بأني لن أفعل، ولم أفعل، ولكن هذا الوعد جعلني أشعر بالذنب إلى حد البؤس دون داعٍ. ما أعنيه هو أن خططك لإنهاء الإضراب لم تنجح؛ ومن ثَم فإن إخبار والدي بشأن زيارتك لن يشكِّل أيَّ فارق. ألَا تتفق معي في ذلك؟ لا، لن أتسرَّع وأقطع على نفسي وعدًا كهذا مرةً أخرى.»
قال مارستن في جدية: «آنسة سارتويل، أنت لا تدركين جميع الملابسات، ثمَّة أسباب أخرى تحتِّم عليكِ عدم إخبار والدكِ بمجيئي إلى هنا. على الرغم من أن المفاوضات فشلت في الوقت الحالي، فستُستأنف مرةً أخرى قريبًا. وإذا ما علم السيد سارتويل أنني كنت هنا بالأمس …»
«أوه، أنا أنوي الوفاء بوعدي بشأن الأمس. لن أتفوَّه بكلمةٍ عن هذه الزيارة، ولكني سأخبره عن زيارة اليوم.»
«ولكن ألَا تفهمين ما أقصد؟ زيارة الأمس أدَّت إلى هذه الزيارة. فالزيارتان متلازمتان؛ لا يمكنكِ ذكر واحدةٍ دون أن يؤدِّي بكِ ذلك إلى ذكر الأخرى. عديني من فضلكِ بألَّا تُفصحي عن شيءٍ عن زيارة اليوم أيضًا.»
«لن أقطع على نفسي أيَّ وعودٍ أخرى. عندما عاد أبي في وقتٍ متأخرٍ ليلة أمس، أخبرني بكل ما حدث بشأن ما حاولت فعله، وكل شيء. وشعرت بالذنب لاضطراري إلى إخفاء أي شيءٍ عنه، حتى إنني قرَّرت ألَّا أقطع على نفسي وعودًا أخرى لأي أحدٍ إلا إذا كان على علمٍ بها، ولا تكون ثمَّة حاجة للشعور بالذنب. أنا واثقة من أنه كان سيسعد بمعرفة أننا قد تحدَّثنا عن الإضراب، وأننا كنا نحاول مساعدته، ولكن بسبب هذا الوعد الغبي، لم أجرؤ على ذكر أيٍّ من ذلك له. وظني، إذا كنت تفهم ما مررت به، أنك لن تطلب مني أن أخفي أي شيء عنه.»
صاح مارستن وقد ظهر من حبه للفتاة في صوته أكثر ممَّا يدرك: «عزيزتي الآنسة سارتويل، لن أسبِّب لكِ أي معاناة لأي سببٍ كان في هذا العالم!»
حدَّقت إدنا إلى وجهه بعينَين متسعتَين، مندهشةً من حرارة كلماته، ثم ضحكَت بجذل.
وقالت: «يا إلهي، كم أنت جاد! سأنسى الأمر برمته سريعًا في النهاية، وعلى الرغم من أني لن أقطع على نفسي وعودًا متسرعةً مرةً أخرى، فسأفكِّر في الأمر، وإذا … ولكن ما جدوى «إذا»؟ سأخبر والدي الليلة بأنك حضرت للقائه، وأني تحدَّثت معك بشأن الإضراب.»
«لن تكون هذه هي الحقيقة يا آنسة سارتويل. فلم آتِ للقائه، بل أتيت لأراكِ أنت.»
«أوه.»
«نعم، وسيكون عليكِ أن تخبريه بأني تسلَّقت السور. لا يمكنكِ أن تنقلي أنصاف الحقائق كما تعلمين، كما أننا لم نتحدث كثيرًا عن الإضراب، أليس كذلك؟»
«نعم، ولكنك جئت إلى هنا من أجل هذا، أليس كذلك؟»
«نعم. أوه، نعم، بالطبع. ولا شيء غير ذلك، ولكن عليك أن تدركي أنه لن يكون منطقيًّا أن تخبري والدكِ بأي شيء عن هذه الزيارة، ما لم تخبريه بكل شيء. سيود أن يعرف سبب دخولي من فوق السور.»
«ولمَ فعلت ذلك؟ أنا واثقةٌ من أنه كان من الأفضل الدخول عبر بوابة المنزل. كان الأمر سيصبح أسهل كثيرًا.»
«سأفعل عندما آتي المرة القادمة. ولكنكِ تعلمين أن السور موجود، وأني جئت من فوقه؛ لذا، ومن دون أي وعود، أرجوكِ ألَّا تخبري السيد سارتويل بأي شيءٍ عن هذا الأمر؛ لأنه سيطلب مني شتى أنواع التفسيرات التي لا أدري كيف يمكنني أن أقدِّمها له.»
«حسنًا، لن أفعل. أوه، يا إلهي! هذا يُعدُّ وعدًا، أليس كذلك؟ وقد قلت إني لن أقطع أي وعود. ظني أنك ستعتقد الآن أن هذا من شيم النساء. ولكني لن أعدك بأي شيء آخر أبدًا.»
«أوه، لا تقولي ذلك يا آنسة سارتويل. سأعدك أنا بأي شيء.»
«عظيم. عدني إذن بأن تخبر والدي بأنك كنت هنا.»
ضحكت الفتاة عندما رأت ارتباكه حين صدَّقت ما قاله في الحال هكذا.
صاحت الفتاة في جذل قائلة: «أرأيت، أنت لم تكن تعني ما قلت. أعتقد أنك خائف من أبي.»
«هذا صحيح.»
«شيء غريب جدًّا. أود أن أخبره بذلك. لا أتخيل أن أحدًا قد يخاف منه.»
«ربما لم ترَيه في غضبه من قبل.»
«أوه، أجل، رأيته؛ ولكني كنت أجلس هادئةً دون أن أنبس بكلمة. إنه ليس عنيفًا على الإطلاق عندما يغضب، مثل بعض الرجال، ولكنه يضيِّق عينَيه، ويزم شفتَيه بشدة، ولا يرغب في توجيه أي حديثٍ له في تلك اللحظة، وهذا ما يجعلني ألتزم الصمت. لقد كان غاضبًا منك في تلك الليلة، أليس كذلك؟»
سألها مارستن حابسًا أنفاسه: «أي ليلة تقصدين يا آنسة سارتويل؟»
«تلك الليلة عندما دخلت عليكما في المكتب. المرة الأولى على الإطلاق التي تحدَّثت فيها إليَّ. ألَا تذكر؟»
قال مارستن بصوت خافت: «لن أنساها ما حييت.»
«أراك تتأثر بالأشياء على نحو بالغ. يجب ألَّا تلتفت إلى خيبة أمل هينة، وألَّا توغر صدرك تجاه والدي لأنه رفض طلبك. لقد ناصرتك حينئذ، كما أخبرتك بالأمس، وأخشى أني لم أُفِدك كثيرًا بما فعلت؛ فأبي يرى أن النساء يجب ألَّا يتدخلْنَ في أمور العمل.»
كانا يجلسان متقابلَين، وكانت الفتاة منحنيةً إلى الأمام في وضعية ودودة وحميمية، بينما جلس الشاب، الذي لم يستطع أن يرفع بصره عنها، يستمع إلى همس حديثها الساحر كما لو كان في حلم.
كرَّر مارستن كلمتها كما لو كان يحدِّث نفسه: «هل ناصرتني؟»
«نعم، وقال أبي …»
قطعت الفتاة حديثها في حرج؛ إذ تذكرت أن ما قيل لم يكن في صالح مارستن.
سألها مارستن متلهفًا: «ماذا قال؟»
«حسنًا، كما تعلم، إنه يرى أنك صغير السن للغاية، ولا تمتلك الخبرة لتتولى منصبًا ينطوي على مسئولية، وأنت لست كبيرًا بما يكفي بالفعل، أليس كذلك؟ ولكن في المستقبل عندما تكتسب المزيد من الخبرة، أنا واثقة من أنه سيستمع إليك. من الرائع أن تكتسب ثقته؛ على الأقل هذا ما يجدر بي أن أحاول فعله.»
قال مارستن في كآبة: «نعم، كم أود أن أكتسب ثقته!»
«أوه، الأمر ليس صعبًا. ليس مطلوبًا منك إلا أن تؤدي واجبك. وأعتقد أنه ليس من العيب أن يكون الشاب طَموحًا. بل يُفترض أن يكون ذلك في صالحه، خاصةً مع رجل مثل أبي؛ فلطالما كان هو نفسه طموحًا للغاية، وأعتقد أن أكبر عيب في العمال أنهم لا يهتمون بتحسين أوضاعهم من عدمه. لا يمكنك أن تفعل أي شيء لإنسان لن يساعد نفسه، وأنت طموح، أليس كذلك؟»
«جدًّا. أحيانًا أرى أنني طَموح أكثر ممَّا ينبغي.»
«أوه، لا يمكن أن يكون الإنسان طموحًا أكثر ممَّا ينبغي، إلا إذا كان على شاكلة نابليون وكان وضيعًا وشريرًا بكل ما تحمله الكلمتان من معنًى. بالطبع سيكون هذا خطأً في هذه الحالة. والآن إذا أردت نصيحتي … ولكن ربما تعتقد أنني لا أعرف شيئًا عن هذه الأمور؟»
«آنسة سارتويل، إني لأفضل أن أسمع النصيحة منك على سماعها من أي أحد آخر في العالم، وسأنفِّذها بحذافيرها.»
«أنت تأخذ الأمور بجدية مبالغ فيها حقًّا. يا لها من مسئولية كبيرة تلك التي ستثقل بها كاهلي! لا، عليك أن تسمع النصيحة أولًا، ثم تقرِّر إذا ما كان من الأفضل اتباعها أم لا. أعتقد أنك يجب أن تواصل العمل في هدوء لعام أو اثنين، وأن تبذل أقصى ما في وسعك وألَّا تتحدث كثيرًا قدر الإمكان. إن أبي يحب الرجل الذي يُنجز الأمور وليس الرجل الذي يتحدث عن الأمور. فهو لا يؤمن كثيرًا بالكلام. وعندما ترى ضمنًا أنه قد أصبح يثق بك، فربما يعرض عليك حينها منصبًا أفضل، ولكن إن لم يفعل، فأبلغني وسأتحدث إليه في هذا الشأن. أوه، سوف أعرض الموضوع بدبلوماسيةٍ شديدة. سأبدأ بسؤاله عن مدى تقدُّمك في عملك في المصنع، وإذا أطرى عليك، فسأقترح عليه أن يمنحك منصبًا أفضل من منصبك الحالي. هل تعجبك خطتي؟»
«إنها خطةٌ رائعة، ولكن … لكن …»
«ولكن ماذا؟ ما وجه اعتراضك عليها؟»
«ليس لديَّ أيُّ اعتراضٍ عدا أنني قد أفقد الدافع بمرور الوقت.»
«أوه، هذا هراء. أنت تحب عملك، أليس كذلك؟»
«أحبه كثيرًا، ولكن إذا تمكَّنت من رؤيتك من وقتٍ لآخر، فإني … حسنًا … لن أفقد الأمل أو أيئس. وإذا ما تمكنا من ترتيب ذلك …»
اتكأت إدنا في مقعدها، ونظرت إليه مباشرةً بعينَيها الصافيتَين الواسعتَين اللتَين بدت فيهما الحيرة، في محاولة منها لاكتشاف ما يكمن خلف ما تراه واضحًا نصب عينَيها. أما مارستن، المثقل بعبء إدراكه أنه لم يكن يتعامل معها بصدق، ولكنه يخشى أن يفتح عينَيها قبل الأوان على حقائق الموقف، فكان مرتبكًا مثل أغلب من لديهم عزم وطيد على تحقيق غاياتهم، عندما يوضعون في موقفٍ زائفٍ لا مفرَّ منه دون المخاطرة بوقوع كارثة. وللحظةٍ تصاعد مع نبضات قلبه المتسارعة إصرار عنتري على تنحية كل حذره جانبًا، والصراخ بأعلى صوت قائلًا: «أحبك يا حبيبتي، أحبك؛ أنا فقير، ومنعني والدك من رؤيتك»؛ ولكنه خشي أن تصده إدنا، الأمر الذي سيكون أكثر فتكًا بآماله من منع والدها له عن التحدث إليها. فأطرق ببصره إلى الأرض وكبح جزعه. لقد أدرك أن الصدق لم يكن السبيل الأفضل لاتباعه، عندما اعترف لوالد الفتاة بمشاعره تجاهها في الوقت غير المناسب، على الرغم من اعتقاده حينئذٍ أنه قد سلك سبيلًا شجاعًا ومستقيمًا. ولو أنه كان أقل اندفاعًا، وحاول كسب المزيد من ثقة سارتويل، لربما نجح في النهاية في وضع قدم داخل منزل رئيسه، وحينها من يدري ماذا كان سيحدث! لقد حاول من قبل السحب من مصرف الثقة، ولكن رُفض شيكه، ولم يعد يمتلك رفاهية ارتكاب خطأ آخر من هذا النوع.
قالت إدنا أخيرًا، وقد قطَّبت جبينها الناعم قليلًا في ضيق: «لا تعجبني كلمة «ترتيب» التي قلتها. فزياراتك لنا لا تحتاج إلى ترتيب. يمكنك أن تأتي لزيارتنا مثلما يأتي أيٌّ من أصدقاء أبي، وستتوافر لنا فرص كثيرة لنتحدث. أنت مُصر على أن والدي يحمل لك ضغينة، في حين أنني أؤكد لك أن هذا ليس صحيحًا.»
قبل أن يتمكن مارستن من الرد، قطع الصمت بحدة صوت انغلاق البوابة القوي، وصعق الشاب عند رؤية سارتويل يدخل ويسير بخطًى واسعة على الممشى المؤدي إلى المنزل، ثم يتوقف، ويدير رأسه نحو البقعة التي يجلسان فيها، ثم يعبر المرج متجهًا نحوهما مباشرة. هبَّ مارستن واقفًا، في حين نهضت الفتاة ببطء أكبر وفي عينَيها لمعة خبيثة. ها هو حل المشكلة قد أصبح في متناول يدها، وفي الوقت المناسب تمامًا. كانت التعبيرات التي ارتسمَت على الوجوه الثلاثة ستُثير اهتمام طالب يدرس علم الفِراسة. كانت ملامح كلٍّ من سارتويل وإدنا ومارستن يرتسم عليها الغضب، والسرور، والارتباك على الترتيب، ولكن كان الرجل الأكبر سنًّا هو أول من سيطر على مشاعره، وبينما كان يقترب منهما، أصبح وجهه قناعًا خاليًا من التعبيرات لا يكشف أي شيء من الانفعال الذي يعتمل في صدره. ألقى نظرةً خاطفة مقتضبة على مارستن، الذي وقف في مكانه شاحب الوجه، وتبدو عليه أمارات مَن وقع في فخ ولا يجد سبيلًا للفرار. وألقى نظرةً أطول وأكثر تدقيقًا على ابنته، التي أظهرت له على الفور أنها ليس لديها ما تخفيه. فقد كان سرورها الواضح والصريح بحضوره أوضح من أن يُفهم بطريقة مغايرة. فتنفس الصُّعَداء، ولكنه أدرك بالفطرة أن الموقف يتطلَّب تعاملًا دقيقًا للغاية، إذا ما أراد أن تظلَّ الفتاة على جهلها ببواطن الأمور. وكان القَدَر حليفه في هذه اللحظة؛ فكلا الرجلَين، على تناقض الدافع لدى كلٍّ منهما، كان يرغب في الشيء نفسه: كان كلاهما لا يرغب في الشجار في حضور إدنا، أو المجازفة بأن تعرف كل ما يجري في ذلك الوقت. ولحسن الحظ، كانت عينا إدنا منصبَّتين على والدها، ولم تكن تنظر نحو الشاب الذي تجلَّى على وجهه وسلوكه أمارات الذنب والتردُّد على نحو لا لَبس فيه. وكانت هي من بادر بالحديث.
«أوه، أبي، أنا سعيدة للغاية بحضورك، لقد كنا نتحدث عنك للتو.»
«نعم يا إدنا، ثمَّة بعض الأمثال تنطبق على ما تقولين: بعضها مجامِل وبعضها على النقيض.»
ضحكت إدنا في سعادة.
وقالت: «كنا نحاول تسوية مسألة الإضراب، وكان السيد مارستن يعتقد أنك ستغضب إذا عرفت أنه كان هنا، ظن أنك قد تعتبر ذلك تدخلًا. وأخبرته بأن كل ظنونه ما هي إلا محض هراء، ولكني أرى أنه لم يقتنع؛ وها أنت ذا قد حضرت في الوقت المناسب لتحل المشكلة نهائيًّا.»
«أرى أني وصلت في الوقت المناسب تمامًا. ولَكَم أنا سعيد بالحصول على مساعدة في حل هذا الوضع المعقد المحيِّر، وأرحِّب بالمساعدة أيًّا كان مصدرها.»
أطلقت الفتاة صيحة نصر والتفتت نحو الشاب الواقع في حبها، الذي بدا في هذه اللحظة وقد استعاد رباطة جأشه إلى حدٍّ ما، وقالت: «أرأيت؟! أليس هذا هو ما قلته لك للتو؟»
«مارستن، أخبرني السيد هوب منذ ساعة بأنك قد زرته بالأمس، وبأنك شرفتني بزيارة منزلي في ويمبلدون بعد ذلك، فعدت إلى المنزل خوفًا من تفويت زيارتك الثانية. السيد هوب يُثني عليك كثيرًا، ولا أريد أن أكون أقل حرارةً منه في التعبير عن رأيي في إخلاصك النزيه لمصلحة رفاقك من العمال.»
بلَّل مارستن شفتَيه الجافتين، ولكنه لم يُجب. إن السيد هوب الضئيل الرعديد نكث بوعده معه، وبعد أن نصحه بالصمت، أفشى كل التفاصيل بمجرد أن عاد تحت سطوة خادمه المستبد، ما أدى إلى التعجيل بحدوث هذه المواجهة المؤسفة. أخذت إدنا تتنقل ببصرها ما بين الرجلين، وارتسم على وجهها شيء من التوجس. كانت كلمات والدها هي كل ما كانت تتمنى سماعه، وكانت نبرته مقبولةً تمامًا، ولكن … ولكن … بدا أن ثمَّة بعض الجفاء في الأجواء. فتحدثت الفتاة بنبرة أقل مرحًا، أقل من ذي قبل، وإن لم تخلُ أيضًا من الثقة في أن كل شيءٍ لا يزال يسير كما ينبغي.
وقالت: «كان ذلك أحد الأمور التي تؤرِّقنا. لقد طلب السيد هوب من السيد مارستن ألَّا يخبرك عن زيارته إلى سربيتون، ولكني كنت واثقةً من أنك لم تكن لتبالي.»
«لقد فعلتَ الصواب يا مارستن إذ لم تقل شيئًا عن الزيارة مثلما طلب منك السيد هوب، إلا أن إدنا أيضًا محقة في قولها إن الأمر لم يكن ليشكل فارقًا بالنسبة إليَّ.»
قالت إدنا للشاب: «والآن، ها أنت ذا ترى أن جميع مخاوفك لم يكن لها أساس، وأن تفسير الأمر ببضع كلماتٍ من شأنه أن يمحوَ كل العقبات. آمل أن تأتي لزيارتنا وقتما تريد التحدث إلى والدي، وسيسعدك أن تستقبله في المنزل، أليس كذلك يا أبي؟ لقد بذل السيد مارستن قصارى جهده لإنهاء الإضراب، رغم أنه لم يُوفَّق.»
«أقدر هذا تمامًا يا مارستن، ومنزلي مفتوح لك دائمًا.»
رمقت إدنا مارستن بابتسامة، بينما لم يرفع مارستن عينَيه عن سارتويل، الذي استطرد بلباقة ودماثة قائلًا:
«ولكن من الإنصاف أن أخبرك بأنه لن تكون ثمَّة حاجة لمناقشة أمر الإضراب. لقد كنت كالكرة بين الأقدام طويلًا بما يكفي. والآن حان دوري لأضرب ضربتي. سيعود المصنع إلى العمل مرةً أخرى يوم الإثنين. فقد وصلتني طلبات توظيف تفوق عدد الوظائف الشاغرة لديَّ بأربعة أضعاف. وبينما نتحدث الآن، يعكف الكتبة على كتابة بضع مئات من البرقيات تطلب من المرسَل إليهم بدء العمل صباح يوم الإثنين. لن يكون لي أي تعاملٍ مع النقابة بعد ذلك.»
صاحت الفتاة في جزع: «أوه!»
سأله مارستن، متحدثًا للمرة الأولى: «هلَّا تمنحني فرصةً أخرى للتحدث إلى العمال؟»
«لم تكن الأصوات المعارضة لنا كثيرةً خلال الاجتماع الأخير.»
«أمامك حتى الجمعة ليلًا. إنني أمهلك أقصى قدر ممكن من الوقت، حتى آخر لحظة؛ ولهذا السبب أتكبَّد ستة أضعاف التكلفة وأستخدم البرق بدلًا من البريد. ستُرسل الخطابات في جميع الأحوال يوم الجمعة. وسيستأنف المصنع عمله يوم الإثنين، بكم أو بدونكم؛ ومن ثم ليس لديك وقت لإضاعته.»
«سأعود إلى لندن على الفور وأدعو إلى اجتماع مع العمال. هل يمكنني أن آتي لمقابلتك في مكتبك غدًا؟»
«بالطبع. إن مكتبي مفتوح دائمًا: ولكن تذكر، لقد أصبح عرضي الحالي هو الاستسلام غير المشروط. لا مزيد من المفاوضات بعد الآن.»
قال مارستن باقتضاب: «إلى اللقاء»، ثم استدار على عقبَيه وأسرع نحو البوابة، بينما وقف الأب وابنته يراقبانه حتى اختفى عن الأنظار. ألقى سارتويل بجسده على أحد المقاعد وهو يغمغم:
«حمدًا للرب!»
«لمَ تقول ذلك يا أبي؟»
«أقول ماذا؟ أوه! لأن توترًا قد انزاح عن صدري. لقد ودعت هوب ومونكتون معًا صباح اليوم إلى ألمانيا، وسيغيبان أسبوعَين على الأقل. وهذا سيُفسح لي المجال، وسأسحق هذا الإضراب مثلما تُسحق قشرة البيض.»
وقبض سارتويل يده اليمنى بعصبيةٍ كما لو كانت قشرة البيض بداخلها.
قالت إدنا: «إني لأُشفق على العمال يا أبي.»
«وأنا أيضًا يا عزيزتي، إذا ما قاوموا، ولكنه سيكون خطأهم وحدهم. يُقال إن التجربة تُعلِّم فئةً معينةً من الناس، وها هم يُعِدون أنفسهم لجرعةٍ مريرةٍ منها.»
«ألن تُعيده إلى العمل، حتى إذا صمدوا؟»
«أعيده؟ مَن؟ أوه! مارستن. إذا لم يعودوا جميعًا، فلن أسمح لأيٍّ من أعضاء النقابة العمالية أن تطأ قدمه المصنع مرةً أخرى. ولكن دعكِ من العمال، أريد أن أتحدَّث عنكِ أنت.»
«عني؟»
«نعم. عن الوضع هنا في المنزل. إنه ليس الوضع الذي أتمناه، وأنوي أن أُجري تجربة.»
«هل تعني ما حدث بالأمس بيني وبين أمي؟»
«بل أعني الوضع برمته. إن ما حدث بالأمس لم يكن إلا دلالة على ما تئول إليه الأوضاع، لا أعلم كيف أعبِّر عمَّا أقصده، ولكنه غير مُرضٍ.»
«لقد أخطأت يا أبي، كما قلت ليلة أمس، كنت قلقةً وخائفة — وهذا ليس مبررًا لما فعلت بالطبع — ومن ثم تلفَّظت بأشياء لم يكن يجدر بي قولها. شعرتُ بالندم على الفور، ولكني أشعر بندمٍ أكبر الآن حين أرى أنني قد ضايقتك. لن يتكرَّر هذا مجددًا. وسأكون في غاية الحذر في المستقبل، وأنا واثقة إذا ما تجاهلت الأمر، فسأحسن التصرف.»
«عزيزتي إدنا، أنا لا ألومكِ على الإطلاق، ولا أعتقد أن ما حدث كان خطأك، ليس خطأك وحدك على الأقل. أنا لا أُدين أحدًا؛ فهذه طبيعتنا التي خلقنا الله عليها، وثمَّة فروق في الطباع تُسبِّب الخلافات من وقتٍ لآخر. أنت لا تحصلين على فرصة عادلة حاليًّا. أنا لا أعبأ كثيرًا بأصدقاء والدتك، وليس لديَّ أنا نفسي الكثير من الأصدقاء؛ ولهذا السبب ليس لديكِ الكثير من الرفاق في نفس عمركِ يمكنكِ أن تدعيهم لزيارتك، وتردِّي زياراتهم، طبقًا للأصول والأعراف. لقد عوَّلتِ عليَّ وعلى أمك لنكون صديقَين لكِ أكثر ممَّا ينبغي، ولا أعرف أيُّنا هو الأنسب لكِ أن يكون صديقًا. إنك تمرين الآن بمرحلة شديدة الحساسية من حياتك، وأريد أن أبذل كل ما في وسعي من أجلك؛ لذا أعتقد أنه يجدر بي أن أُرسلكِ إلى مدرسةٍ تلتقين فيها بفتياتٍ لطيفات وتكوِّنين صداقاتٍ تستمتعين بها. ثم إن لديكِ موهبةً في الموسيقى غير قابلةٍ للجدل، ستُنمى في المدرسة، و… ثمَّة الكثير من الأسباب التي تدعم هذه الخطوة.»
سألته إدنا بصوت متهدج: «هل تعني أن عليَّ أن أغادر المنزل؟»
«أعتقد أن هذا سيكون التصرُّف الأمثل. وفي خلال عامٍ أو عامَين، سوف تنظرين إلى الحياة بإدراك فلسفي أعمق.»
صاحت إدنا كما لو أنها تتحدث عن أبد لن ينتهي: «عام أو عامين!»
ابتسم والدها.
وقال: «سيمر الوقت سريعًا كالريح. وفي غضون عام أو عامين، عندما تعودين إلى المنزل، ستسعدين أنت ووالدتك بلقاء إحداكما الأخرى. ففي بعض الأحيان، ترقُّ مشاعرنا تجاه الغائب.»
دفنت الفتاة وجهها بين يدَيها.
فصاح والدها وهو يقرِّب مقعده من مقعدها ويُحيطها بذراعَيه: «لا، لا، يا إدنا، صغيرتي العزيزة! وكأنكِ ستُرسَلين إلى أفريقيا. لقد تخيَّلت أنكِ ستكونين سعيدة.»
فانتحبَت قائلة: «ليس هذا هو السبب. إن قرارك هذا يدلُّ على أنك تراني سيئةً للغاية، لدرجة أنك مُضطرٌّ لأن تخرجني من المنزل.»
«هذا هراء يا إدنا! إنه لا يدل على أي شيء من هذا القبيل. فلا يمكنني أن أرسل أمك إلى مدرسة داخلية، أليس كذلك؟ حسنًا، إذن! أنا لا أراك سيئةً على الإطلاق. ولا شك لديَّ في ذلك، ولكنك قلت ما حرَّضك عقلك على قوله. هدئي من رَوعك؛ يا له من اعتراف يائس يُقدَّم لابنة متمردة مثلك! لا، لا. أنا لا ألومك على الإطلاق. وكما قلت سابقًا، لا ألوم أي أحد. نحن فقط مدفوعون بالظروف، هذا كل ما في الأمر.»
«ولن أراك أبدًا إلا عندما أعود للمنزل؟»
«ابنتي الحبيبة، هذا هو الجانب المبهج في الأمر. سترينني وسأراك، بل أكثر مما نفعل الآن. ما رأيك في ذلك؟ سأختار لك مدرسةً ممتازة تقع في مكان حيوي بالقرب من البحر. وأعتقد أنه سيكون أوفر بالنسبة إليَّ أن أشتري تذكرة قطار موسميةً إلى هناك؛ إذ سأذهب إلى هناك كثيرًا. سنخرج بمفردنا في نزهاتٍ طويلةٍ على التلال، ونتحدث عن كل شيء. سنتناول وجباتٍ صغيرةً شهية في الاستراحات التي سنكتشفها على جانب الطريق، ومن وقتٍ لآخر، سنتناول وليمة غداء كبيرةً في مطعمٍ فاخرٍ له نافذة تطلُّ على بحر المانش. إدنا، سيكون هذا بمثابة استعادة والدك المسن لشبابه. فهو نادرًا ما يتنشَّق نسمات الهواء النقي في ظل الأوضاع الحالية، ولكن حينئذٍ …»
أطلقَت إدنا صيحة سعادة وأحاطَت عنق والدها بذراعَيها.
وصاحت قائلة: «أوه، يا أبي، لا أصدق أذنيَّ! متى سأذهب؟»
«هذا الأسبوع، كما آمل. ها قد أدركتِ الآن أن كل شيءٍ يعتمد على نظرتكِ للأمور.»
نفوس متقلبة |
الفصل التاسع عشر
سار لانجلي إلى تشيلسي ولا يزال صدى عبارة «الموت جوعًا» يرن في أذنيه. وأخذ يلوم نفسه أشد اللوم على غبائه الأعمى؛ فقد كان كل ذلك يحدث أمام عينَيه على مدار أيام، ولم يساوره أي شك إزاءه. لا شك في أنها حرمت نفسها من الطعام منذ البداية حتى لا يجوع والدها، وعندما داهمتها آلام الجوع، في نهاية المطاف، كانت أضعف من أن تتحملها. حتى والدها، الذي عزله طبعه الحاد عن أي أصدقاء كان من الممكن أن يلاحظوا ما يحدث ويحذِّروه قبل فوات الأوان، كان غافلًا أيضًا عما يحدث نصب عينَيه. فقد تسبَّبت استقلاليته الفظة في تجويع ابنته ببطء حتى الموت.
«الموت جوعًا!» في أغنى مدينة في العالم، صومعة حبوب الأمم، التي يفيض من حِجرها الواسع القمح الذهبي القادم من كل دولة تشرق عليها الشمس التي تنضجه.
وصل لانجلي إلى المرسم أخيرًا، وربما كان سيعرف، لو كان ملمًّا بعادات العالم الكبير، أن ثمة مناسبةً مهمةً هناك من العربات العديدة التي تجرُّها خيول جميلة ويحيط بها سائقون وخدم متأنقون، المصطفة في انتظار أصحابها. في بداية عمله، كان لانجلي يأمل في أن يكون له بعض الطلاب ليدرِّبهم على العزف حتى يحسِّن من دخله الضئيل. فطبع بطاقات عمل كتب في منتصفها «ألبرت لانجلي»، وكتب في طرفها «مدرس موسيقى»، بخط أصغر. ولكنه لم يستخدم هذه البطاقات قط؛ فلم يكن يمتلك الشجاعة للسعي لاجتذاب الطلاب والحفاظ عليهم. ولعلمه أن بارني رجل عصري، وضع لانجلي بعضًا من هذه البطاقات في جيبه، وعندما فتح البواب المتأنق الباب، أعطاه إحدى هذه البطاقات الكرتونية. حدَّق الصبي في البطاقة ثم ألقاها في الإناء الذي يحوي الكثير من البطاقات لأشخاص آخرين، وصاح بالاسم بصوتٍ عالٍ حتى يُسمع عند قمة الدرج، مشيرًا بيده إلى موضع صعوده. وصاح الرجل الذي يزيح جانبًا الستارة الثقيلة التي تغطِّي المدخل بالاسم إلى داخل الغرفة، التي تصاعدَت من داخلها همهماتٌ لحواراتٍ مختلطة، تتخلَّلها من وقتٍ لآخر موجةٌ من الضحكات المبهجة. وحدَّق التمثال الحي المزخرف الواقف عند قمة الدرج في الفراغ فوق رأس لانجلي بينما كان يصعد درجاته.
وأخذ عازف الأرغن بطاقةً أخرى أعطاها للرجل الواقف عند الباب.
وقال: «لم آتِ لحضور «حفل الاستقبال». هلَّا تعطي هذه البطاقة إلى السيد هوب، وتسأله عمَّا إذا كان يستطيع مقابلتي لحظات. وأخبره بأني أتيت ليلة أمس، ولم أتمكن من الحضور في وقتٍ مبكرٍ عن ذلك اليوم.»
أخذ الرجل البطاقة واختفى خلف الستائر. وفي غمضة عين خرج له بارني، وكان استقباله لعازف الموسيقى حارًّا إلى حد محير.
فقد صاح بارني واضعًا يدَيه على كتفَي لانجلي قائلًا: «صديقي العزيز، هل يمكنك العزف على البيانو؟ بالطبع يمكنك ذلك. يا له من سؤال أحمق! دائمًا ما أتسرع. لقد ساقتك العناية الإلهية إلى هنا يا صديقي. لقد أرسلنا شخصًا إلى تشيلسي الآن بحثًا عن عازف بيانو، وها أنت ذا تسقط أمامي من السماء. إنه الحظ. هل أردت مقابلتي؟ بالطبع تريد ذلك، وعلاوةً على ذلك، أنا أيضًا أريد مقابلتك! تعالَ، ادخل. إن لديَّ أكبر وأجمل بيانو يمكن أن تلمسه أصابعك على الإطلاق … إنه آلة موسيقية مذهلة؛ صمَّمت صندوقه بنفسي، وأخبرت صانعيه بألَّا يبخلوا عليه بأي نفقات، وقد فعلوا. يمكنك أن تثق بهم في ذلك. والآن، تفضل بالدخول، تفضل بالدخول.»
«سيد هوب، أنا لم آتِ لكي أعزف؛ فلست في مزاجٍ يسمح لي بالعزف.»
«بالطبع لم تأتِ للعزف. وهذا هو الجميل في الأمر. أنت تريد مني شيئًا، أليس كذلك؟»
«بلى، وإذا منحتني لحظاتٍ من وقتك …»
«سأمنحك ألف لحظة يا عزيزي، ألفًا منها، ولكن ليس الآن. اسمعني. أنت تريد شيئًا أملكه، وأنا أريد شيئًا تجيده. إن الرفاهية التي تعيشها إنجلترا بأكملها تقوم على هذا النظام. وقامَت تجارتنا على أساسه. لقد أصبح بلدنا عظيمًا فقط لأنه يعلم جيدًا ما يريد، ولأنه يملك شيئًا تريده البلدان الأخرى، كما تعلم! والآن، أنا أريد رجلًا يمكنه عزف موسيقى راقصة، وأريده الآن، ليس غدًا، أو بعد غد، أو الأسبوع القادم. هل فهمت ما أعنيه؟ جيد. ادخل إذن واعزف لنا بعض مقطوعات الفالس على البيانو الجديد، وعندما تنتهي من العزف، سأمنحك ما تريد، حتى وإن كان نصف مملكتي، مثلما تقول كتب الحكايات. حينئذٍ، سيكون كلانا سعيدًا بالحصول على مراده.»
«أنا عازف أرغن في كنيسة القديسين الشهداء. ولا يمكنني أن …»
«لا بأس. لا تعتذر. يمكنك أن تعزف على البيانو بنفس مهارة عزفك على الأرغن؛ أعرف هذا من مظهرك. تفضَّل بالدخول، تفضَّل بالدخول.»
بدت أمارات النصر على بارني وهو يسحب خلفه العازف المتبرم.
وصاح قائلًا: «لقد أحضرته»، وتعالت أصوات التصفيق والضحك الصاخبة.
قال بارني مبتهجًا وهو يُجلِس لانجلي أمام البيانو الضخم، الذي بدا غطاؤه الضخم وكأنه جناح تنين مسنود بدعامة: «اسمعوني، هذه جميع المقطوعات الموسيقية التي قد يريدها أي إنسانٍ متزن، ولكن، إذا كنتم تُفضِّلون أي مقطوعاتٍ أخرى، فسأُرسل في طلبها، وها هو البيانو، «فلنستمع إلى نغماته»، كما يقول الشاعر.»
كانت قطع السجاد التي عادةً ما تغطِّي الأرض المصقولة بالشمع قد أزيلت، وأزيحت المقاعد إلى أركان الغرفة لتستقر إلى الحائط. كان ثمَّة الكثير من الضحكات والاعتراضات بحجة أنهم لم يأتوا مستعدين للرقص، إلا أن الجميع كانوا متلهفين على نحوٍ ملحوظٍ لبدء المرح.
صاح بارني وهو يبتسم في سعادةٍ إلى ضيوفه الكُثُر قائلًا: «أنتم في بوهيميا، كما ترَون، ومتعة بوهيميا هي اللاتقليدية. لقد ظَلِلت أرقص بعد انتهاء العرض المسرحي حتى شروق شمس هذا الصباح، وعلى استعدادٍ تامٍّ لأن أبدأ من جديد. هل نرفض وجبة الغداء لأننا أفطرنا، ولأننا سنتناول العشاء في السابعة؟ ليس الأمر كذلك. أنا جاهز للرقص في أي وقتٍ ليلًا أو صباحًا. والآن، سيدي الموسيقي، فلتبدأ العزف. «هيا إلى الرقص، انشروا أجنحة السعادة!» كما يقول الشاعر.»
وكان لانجلي من البراعة بمكان لدرجة أنه لم يكن ليخطئ في توقيت النغمة، أو في عزف النغمة نفسها وإن حاول. لقد صدق بارني في قوله إن البيانو آلة موسيقية مذهلة، وعندما ملأت موسيقى الفالس المرحة أرجاء الغرفة الكبيرة، بدأ كل زوجٍ من الحضور يرقص برشاقةٍ وخفةٍ على الأرضية المصقولة. واصل الموسيقي العزف دون توقُّفٍ بطريقةٍ آليةٍ لم تُنقص من روعة عزفه، وخلال فترات الراحة بين الرقصات، تحدَّث عددٌ من الضيوف إلى مُضيِّفهم عن روعة الموسيقى.
وكان بارني يقول مُلوِّحًا بيده في خيلاء: «أوه، نعم، إنه أحد اكتشافاتي. الرجل عبقري، كما ترَون، وبراعته في الموسيقى تضاهي براعتي في الرسم.»
قال أحد الشباب: «بارني، أنت تبالغ دائمًا. ستصيب عازف البيانو بالغرور بإطرائك عليه، إذا ما علم أنك تعتبره في مثل براعتك.»
قال بارني بتواضع عبقري حقيقي: «لعلك تتخيَّل أنني أغبى من أن أدرك المغزى الحقيقي لهذا التعليق. أنا أعلم أسلوبك الساخر؛ ولكن دعني أخبرك بأن ما كنت أعنيه هو أنني وعازف الموسيقى لسنا مقدَّرَين من قِبَل عامة الشعب الذين تُعتَبر ممثلًا بارزًا عنهم.» (ثم همس بارني جانبًا للسيدة التي على يمينه: «أستحق الإشادة لردي الرادع له.»). «نعم يا فتى، سيأتي يوم تفخر فيه بقول إنك دُعيت إلى حفلات الاستقبال هذه، والتي أنوي أن أجعلها إحدى السمات الفنية للمجتمع اللندني.»
قال الشاب معترضًا: «مهلًا يا بارني، إني لأفخر بذلك الآن بالفعل. والجميع يكرهونني في جميع النوادي التي أرتادها لتفاخري المستمر بتفضلك عليَّ. وأزعم أن مكانتك في عالم الفن تضاهي مكانة شركة يونيفرسال بروفايدر في عالم التجارة.»
غمغمت السيدة في محاولة منها لتهدئة الأجواء المضطربة: «فلتطلب منه أن يعزف شيئًا أثناء الاستراحة.»
جلس لانجلي أمام البيانو كتمثال كئيب، دون أن يلتفت إلى همهمة الحوارات التي تدور من حوله. فقد كانت أفكاره في مكان آخر بعيد، في تلك الغرفة البائسة حيث يرقد جثمان الفتاة الميتة. اتجه بارني نحوه مسرعًا، فاستفاق الموسيقي من شروده مجفلًا عندما تحدث إليه بارني.
قال له: «إليك عدة مقطوعات من موسيقى المازوركا المجرية؛ إنها موسيقى غريبة، ولكنها ستعجبك. هلا تعزف لنا بعضها بينما نحتسي الشاي؟ إن الجميع يُطرون على براعتك في العزف، وهم جميعًا أناس يُميِّزون العزف الجيد عند سماعه. هل تريد مشروبًا مرطبًا قبل أن تبدأ؟»
هز لانجلي رأسه نفيًا، وبدأ يعزف الموسيقى المجرية. عاد بارني ليجلس بجوار السيدة وارتسمت على شفتيه ابتسامة رضًا، كونه استطاع أن يُنصِّب نفسه راعيًا لموسيقيٍّ بارعٍ كهذا. أسندَت السيدة ذقنها على يدها وراحَت تستمع باهتمام.
ثم همست بصوتٍ خافت: «كم يعزف مقطوعات المازوركا هذه ببراعةٍ مذهلة! إنه يُبرز ذلك الطابع الشيطاني الذي تصطبغ به أغلب الموسيقى البولندية والمجرية.»
وافقها بارني قائلًا بحرارة: «نعم، إنه يعزف كشيطان، رغم أنه عازف أرغن في إحدى الكنائس. أعتقد أن كبير الشياطين يعتني بموسيقانا مثلما يعتني بأخلاقنا.»
«هل ألَّف أيَّ مقطوعاتٍ موسيقية؟»
«من؟ الشيطان؟»
«لا، لا. أنت تعلم جيدًا أني أتحدث عن عازف الأرغن.»
«ألَّف مقطوعاتٍ موسيقية! حسنًا، في الواقع. إنه نابغةٌ غير مُقدَّر، ولكني سأهتم بأمر تقديره. سأنشر بعضًا من أعماله، إذا سمح لي بذلك. إنه رجل شديد التواضع، و…»
«رجل آخر يشبهك.»
«بالضبط، بالضبط. أنا دائمًا ما أدفع الآخرين إلى الأمام وأغفل مصالحي، ولكن سيأتي يومٌ وأبهركم جميعًا. وكما ترَون، طبقتنا الاجتماعية لا تُفرز نوابغ مثل عازف الأرغن هذا. فلم تُفرز الطبقة الأرستقراطية رجلًا مثل شكسبير قط.»
«أظن أنها قد فعلت. ألم يكن لورد بيكون هو من ألَّف الأعمال التي تحمل اسم شكسبير؟»
«نعم، لم يكن لورد بيكون من ألَّف تلك الأعمال. لقد بحثت في هذه المسألة، ولكني لم أعثر على أي دليل يدعمها. نعم، إن العظماء الحقيقيين يأتون من عامة الشعب. ولا يعرف العالم أين يبحث عنهم، ولكن أنا أعرف، وأعثر عليهم مثلما عثرت على هذا الرجل. أنا أتخيَّر مجتمعي من الأرستقراطيين، ولكني أتخيَّر نوابغي من عامة الشعب.»
«ولكن إذا لم تُخرج طبقتنا عظماء، فكيف لك أن تأمل في أن تصبح أعظم الرسامين؟»
«آه، الرسم أمر مختلف كما تعلمين؛ فلطالما كان فن النبلاء والسادة. ليوناردو وكل أولئك الرسامين العظام كانوا من صفوة رجال عصرهم اجتماعيًّا. كما أن روبينز — أم هل كان تيتيان؟ — أحدهما على أي حال، ذهب بوصفه سفيرًا إلى بلاط ملك إسبانيا في موكب مهيب. لطالما كان الرسامون رفاقًا للملوك. ولكن ما رأيك، دعينا نرقص رقصةً أخرى.»
عادت موسيقى الفالس الحالمة مرةً أخرى لتختلط بصوت حفيف التنورات الحريرية عند احتكاكها بالأرضية المصقولة. كان لانجلي يندمج اندماجًا شبه تام مع الموسيقى التي يعزفها أيًّا كانت، ولكنها الآن لم تكن سوى سبب لتبلُّد حزنه، وتوارت نغمة خافتة شديدة الحزن خلف اللحن المرح الصادر بسلاسة وعذوبة من البيانو؛ نغمة لم يسمعها أحد سواه. كانت أذنه غير المهتمة تلتقط ضحكةً جذلة، ومن وقتٍ لآخر عبارةً هامسة، بينما يتمايل الراقصون بالقرب من مكان جلوسه، وكان يتمنَّى لو انتهَت مهمته حتى يواجه مرةً أخرى رحلة السير الطويلة التي تنتظره. أنَّب لانجلي نفسه معتبرًا نفسه ناكرًا للجميل، رغم ما بدا من صعوبة وقسوة في اضطراره في هذا الوقت العصيب للذهاب من أجل الترفيه عن جمعٍ من محبي المتعة؛ فقد تذكَّر أن يعقوب تحمَّل سبع سنواتٍ دون شكوى ليتزوَّج المرأة التي أحبها: فلمَ إذن يبخل على محبوبته بعصر يومٍ واحد، في حين كان الهدف واحدًا فعليًّا، وإن كان الأمل قد ألقى بظلال البهجة على الفترة الطولى، بينما ألقى اليأس بظلال الكآبة والقنوط على الفترة الأقصر. لقد عانى كلا الرجلَين، كلٌّ بطريقته، من أجل محبوبته، حيةً وميتة.
هوت يد بارني الثقيلة بقوةٍ على كتف العازف التي لا تكسوها إلا طبقة خفيفة من الملابس، وإن لم توقظه بالكامل من تأملاته المريرة.
«ممتاز يا صديقي، ممتاز! لقد قدَّمت أداءً رائعًا، والجميع مسرورون … بل مسحورون! أؤكد لك أنهم مسحورون بالفعل. سيُغادرون الآن؛ لذا اعزف لنا لحن وداعٍ حماسيًّا، أي شيء تختاره؛ ربما من الأفضل أن يكون أحد ألحانك، أنت تعرف ما أعنيه، لحن توحي نغماته بالأسف … نغمات تعكس أسفهم لأنهم سيغادرون.»
أسرع بارني عائدًا إلى ضيوفه، وأخذ يصافحهم مطالبًا إياهم بالعودة مرةً أخرى، بينما كان بدوره يتلقَّى جزيل الشكر على الأمسية الرائعة. وفجأةً غطت على همهمات الوداع نغمات «اللحن الجنائزي» المهيبة، التي بدَت كدقَّاتٍ منظومةٍ لجرس الموت. أضفى الرنين الصادح للآلة الموسيقية سحرًا نابضًا بالحياة على اللحن الكئيب، وهو ما كانت تفتقر إليه نغمات الأرغن المستوية الجَهْورية. كان لانجلي يعزف كالمسحور، ملقيًا رأسه إلى الخلف، ورافعًا وجهه الشاحب إلى أعلى، وبدا وكأن الحياة قد فارقته. خيَّم صمتٌ لحظيٌّ تقشعرُّ له أبدان الحضور، كما لو أن ريحًا جليديةً قد اجتاحَت المكان وجمَّدت تيار المحادثات الدائرة مسكتةً إياها. فاقشعرَّت أبدان بعضهم في مواضعهم، وقطعت فتاة، كانت تغلق زر معطفها عند الرقبة، حديثها وقالت بطريقةٍ شبه هستيرية:
«إذا كانت هذه مزحة يا سيد هوب، فهي لا تعجبني.»
وغمغم أحد الرجال وهو يسرع بالمغادرة: «تبًّا لهذا الذوق السيئ.»
صُدم بارني مثلما صُدم جميع من سمعوا هذا اللحن غير الملائم للحدث، وصاح وهو يسير بخطًى واسعة نحو العازف بمجرد أن استوعب ما يحدث: «أوه، نحن لم نرغب في لحنٍ حزين.»
وضعت السيدة التي كانت تمتدح عزف لانجلي يدها على ذراع بارني لتحجزه.
وقالت بهدوءٍ والدموع تترقرق في عينَيها: «صه! لا توقفه. اسمع! هذا الرجل مُلهَم. لم أسمع في حياتي مقطوعةً لشوبان تُعزف بمثل هذه الروعة.»
غمغم بارني بنبرةٍ اعتذارية: «أوه، هل هذه مقطوعة لشوبان؟» كما لو أنه لم يكن سيتدخَّل لو كان يعلم ذلك.
تفرَّق الحشد بسرعةٍ ورنين النغمات غير المحبَّبة يدقُّ في آذانهم، تاركين بارني وضيفتَه واقفَين وحدهما. وبعدما انتهى لانجلي من عزف اللحن، جلس في مكانه وتدلَّى ذراعاه الطويلان بجواره.
فسأل بارني ضيفته: «هل تودِّين التحدث إليه؟»
«لا، ليس الآن.»
وانسلَّت السيدة بخفةٍ إلى خارج الغرفة، وتبعها بارني حتى وصلا إلى البسطة في أعلى الدرج.
قالَت السيدة وهي تمدُّ يدها إلى بارني: «من فضلك، راقبه جيدًا. أُريدك أن تطلب منه العودة إلى هنا مجددًا، واسمح لي بدعوة الضيوف.»
قال بارني متحمسًا: «سأفعل ذلك. سيسرُّني ذلك كثيرًا.»
«لا، لن يكون ذلك مدعاةً للسرور يا سيد هوب، ولكننا سنستمع إلى عزفٍ موسيقي ساحر. إلى اللقاء!»
عاد بارني إلى الغرفة ووجد لانجلي يقف بجوار البيانو كرجلٍ استفاق الآن من حلم، وبدا لا يعلم أين هو.
صاح بارني بحرارة: «لا بد أن تحصل على بعض الشراب. إنك تبدو منهكًا، ولا عجب في ذلك. لم أسمع في حياتي مقطوعةً لشوبان تُعزَف بمثل هذه الروعة. أؤكِّد لك يا صديقي أنك قادرٌ على إخراج كامل قدرات البيانو. والآن، هل تشرب الويسكي أم البراندي؟»
شكره لانجلي رافضًا كلا الشرابَين. قال إنه سيسير مسافةً طويلة، وإنه يتعجَّل الرحيل.
صاح بارني: «تسير! ما هذا الهراء! لمَ تسير وتُهين جميع سائقي العربات المحترمين الذين تمرُّ بهم؟ سأهتمُّ بأمر السير هذا، أتمنى أن أكون على درايةٍ بواجبي تجاه مجال صناعة العربات.»
لمس بارني جرسًا كهربائيًّا، وعندما ظهر خادمه، قال له:
«أرسل الخادم إلى محطة كينجز رود ليُحضر عربة. وعندما تصل العربة، أعطِ السائق عشرة شلناتٍ وأخبره أنه رهن إشارة الراكب لأربع ساعات. واطلب منه الانتظار أمام الباب حتى يخرج الراكب، وحتى يحدث ذلك، أحضر بعض الويسكي والصودا. والآن، سيدي عازف الأرغن — دائمًا ما أنسى الأسماء — آه، لانجلي، إنه مكتوب على البطاقة بالطبع. هل ألَّفت أي مقطوعاتٍ موسيقيةٍ بنفسك؟ أظنك قد فعلت. هل نشرت أيًّا منها؟ لا أظن. حسنًا يا صديقي، علينا أن نُصلح كل ذلك. أنت متواضعٌ أكثر ممَّا ينبغي؛ يمكنني رؤية ذلك. ولكن التواضع لا يفيد في لندن. أعلم هذا لأني أنا نفسي عانيت منه. يا إلهي! فقط لو كنت أمتلك وقاحة بعض الناس، لصرت أشهر رسامٍ في أوروبا. إذا ما أحضرت لي بعضًا من مؤلَّفاتك الموسيقية، يمكنني توفير ناشرٍ من أجلك. هل تعدني بذلك؟ أسمعك تقول هذا هراء! إنها بلا قيمة؟ كلام فارغ! هل تقارنها بأعمال الموسيقيين العظام؟ صديقي العزيز، لا شك لديَّ في أن الموسيقيين العظام نجحوا في أعمالهم، ولكنهم كانوا فيما مضى فقراء مساكين مثلك. هل لأن رافاييل مارس الرسم، عليَّ ألَّا أرسم أفضل منه؟ لا تسير الأمور على هذا المنوال. سنُصبح أنا وأنت من عظماء الرسم والموسيقى بعد بضعة قرون من الآن والأيام بيننا. من الرائع أن تُدرك أنك من العظماء، بينما لا تزال شابًّا وقادرًا على فعل شيءٍ ذي قيمة. وإذا لم تدرك هذه الحقيقة بنفسك، فتأكَّد أنه لا أحد آخر سيفعل، على الأقل، ليس في الوقت المناسب بما قد يعود عليك بأي نفعٍ في هذا العالم. لتشرب بعض الويسكي؛ «إنه مبهج ومهدئ»، كما تقول الإعلانات. حسنًا، تفضل!»
تلعثم لانجلي وهو يقول في خجل: «لقد أتيت للقائك يا سيد هوب لأن مارستن — أحد الموظفين في شركة والدك — أخبرني بأنه يعتقد أنك … أنك تفضلت وساعدته ذات مرة عندما …»
«أوه. نعم، أتذكر مارستن. لقد حضر إليَّ من أجل أحد رفاقه، كان قد ضرب بعضًا من رجال الشرطة. حسنًا … هل ضرب المزيد منهم؟»
«لا، ولكنه في أزمةٍ شديدةٍ يا سيد هوب.»
«لا شك أن رجلًا مثله لن يخلو من الأزمات. كم تبلغ الغرامة؟»
«لقد ماتت ابنته الوحيدة بالأمس.»
«أوه، يؤسفني سماع هذا كثيرًا، يؤسفني للغاية حقًّا.»
«إنه لا يملك أي مال، ولا يختلف حال العمال عنه كثيرًا. ليس من شيم برونت أن يطلب المساعدة من أحد، ولكني أعلم أنه يخشى أن تكون ثمَّة … إنه لا يريد أن تُدفن ابنته مثل الصعاليك، وفكَّرت أنه …»
«بالطبع، بالطبع. فهمت كل شيء. لم أتمكَّن قط من فَهْم مشاعر الفقراء في هذا الشأن. يبدو أنهم يحبون الجنازات المهيبة، كما لو كانت شيئًا مهمًّا للمتوفَّى. أعترف لك بأنك إذا ما منحتني صحبةً جيدة وأنا على قيد الحياة، فيمكنك أن تفعل بي ما يحلو لك عند وفاتي. فلن يَضيرني حينها أن أرقد بجوار صعلوكٍ أو أمير، ولكني أفضِّل صحبة الأمير فوق الأرض. حسنًا، كم سيحتاج؟ بالطبع لا تعرف، وكذلك أنا. لنقل خمسة عشر جنيهًا، وإذا ما احتجتم إلى المزيد، فقط أرسل لي برقيةً وسأُرسل لك المال مع رسول على الفور. لا، لا تفكِّر في إعادة إرسال أي من هذه الأموال. تبرَّع بما سيتبقَّى منها، إذا ما تبقَّى شيء، للجمعيات الخيرية. ولكن عليك أنت أن تعود لزيارتي، وسوف نتحدث عن الموسيقى. يمكنك الحضور في أي وقت؛ فلا مجال للرسميات بيننا. واكتب عنوانك هنا على هذه البطاقة حتى أتمكن من التواصل معك. لقد وعدت إحدى السيدات بأن أجعلك تحضر إلى هنا ذات يوم لتعزف لبعض الأصدقاء. لن تخيِّب ظني، أليس كذلك؟ شكرًا جزيلًا لك، أنا ممتنٌّ لك كثيرًا.»
ثم دخل الخادم الغرفة وقال: «لقد وصلت العربة يا سيدي.» «حسنًا. سأوصلك إلى عربة الأجرة يا سيد … إممم، لانجلي. لا بأس بهذا، لا عليك. يمكنك أن تجعل السائق يوصلك إلى حيث تريد طوال أربع ساعات، إذا أردت. سيوصلك السائق إلى برايتون في خلال تلك الفترة؛ لذا أعتقد أنه سيُوصلك إلى أي مكان في لندن سريعًا دون تأخير. حسنًا، إلى اللقاء يا صديقي العزيز، وأشكرك كثيرًا على موسيقاك الرائعة.»
نفوس متقلبة |
الفصل العشرون
جلس برونت بعد انتهاء مراسم دفن ابنته في غرفته الموحشة، متأملًا بمرارةٍ في حياته الفاشلة بقدر ما أسعفته ذاكرته. لم يشكُ قط من العمل الشاق المتواصل؛ فقد كان هذا قَدَره وقَدَر آبائه من قبله. كان قادرًا على العمل، بل وراغبًا فيه؛ كان العمل موجودًا ينتظر من يُنجزه، ولكن بسبب فعلة رجالٍ لم يكن له أدنى سيطرةٍ عليهم، حُكم عليه بالبطالة والجوع حتى تتغيَّر عقول الآخرين المتقلِّبة، وتُعطى الإشارة لالتقاط الأدوات التي أُلقيت على الأرض بطيش بالغ.
صاح بأعلى صوته، ضاربًا سطح الطاولة الخالي بقبضته، قائلًا: «لا يمكنني التحمل أكثر من ذلك!»
ولكن بعد فورات الإصرار اللحظية هذه، عاد الاكتئاب الذي أصبح ملازمًا له ليسيطر بقوة أكبر على عقله، فدفن وجهه بين يدَيه، وأخذ يئنُّ في إحباطٍ يائس عندما أدرك مدى عجزه. فمن الصعب أن يظل الجائع على شجاعته لفترة طويلة. ماذا بيده ليفعله؟ لا شيء على الإطلاق. قد يسقط صريعًا من الإرهاق قبل أن تتسنَّى له فرصة الحصول على وجبة، رغم أنه جاب أرجاء المدينة الضخمة بحثًا عن عمل. كانت المهنة التي يُجيدها مكتظةً بآلاف العمال المتلهفين لشغل الوظيفة التي أُجبر على تركها. حتى ممرات المشاة احتلَّها فقراء بؤساء يكسبون قوت يومهم من كَنسها. وحتى إن تمكن من شغل أحد ممرات المشاة، فهو لا يملك مالًا لشراء مكنسة. كان جيبونز، رغم حماقته، محقًّا عندما قال إن العامل ما هو إلا ترس في عجلة ضخمة، قد تحظى العجلة بترسٍ جديد، أو مجموعة جديدة من التروس، ولكن الترس المنفصل عنها يصبح عديم الفائدة كقطعةٍ من الحديد الصدئ.
انسلَّ لانجلي في هدوء إلى غرفة صديقه المنكوب، وأغلق بابها من خلفه دون صوت، كما لو كان يوشك على ارتكاب جريمة وموقنًا أنه سيُقبض عليه. لم يحيِّه برونت، ولكنه حدَّق إليه في عبوسٍ من تحت حاجبَيه الأشعثَين العابسَين.
قال عازف الأرغن في خوف وهو يضع كومةً من العملات المعدنية على الطاولة: «هاك بعض المال وعليك أخذه.»
أطاح برونت بكومة العملات بحركة غاضبة، حتى إن العُملات الفضية أصدرت أصوات صلصلة عندما سقطت على الأرض.
وقال بصوتٍ كالزئير: «لن آخذ أيًّا من هذا المال كما أخبرتك من قبل! يمكنني أن أجني المال بنفسي، إذا ما سنحت لي الفرصة.»
انحنى لانجلي دون أن ينبس بكلمة اعتراض واحدة، وبدأ يجمع العملات المتناثرة بتأنٍّ.
ثم قال وهو ينهض: «هذا ليس مالي. لقد أُرسل إليك، من أجلك أنت ولا أحد غيرك. إنه يخصك، وليس لي أي حق فيه، وهذا مال قد جنيته بنفسك. ولا أعرف أحدًا أفضل منك يستحقه.»
وضع لانجلي العملات الفضية والذهبية على الطاولة مجددًا، وخرج من الغرفة على أطراف أصابعه بشيء من العجلة قبل أن يستوعب برونت الأمر ويرد عليه.
في تناقض غريب قَبِل الرجل المنحدر من يوركشاير المال الذي أنقذ ابنته من جنازة الفقراء دون أي تساؤلات، على الرغم من أنه، ببعض التفكير، كان سيعلم دون شكٍّ أن شخصًا ما قد تكفَّل بهذه النفقات، ولكن الصدقة التي لم تؤتَ له مباشرة، لم توقظ أي استياء في نفسه المضطربة، بينما العرض المباشر بتزويده بالمال أو الطعام أثار في نفسه عاصفة غضب في الحال.
تأمل برونت كلمات عازف الأرغن. كيف يمكن أن يكون هذا المال ملكًا له؟ كيف جنى هذه العملات؟ وتوصل عقله البطيء بالتدريج إلى حل المعضلة؛ لا بد أن المال مُرسل من هوب أو مونكتون، أو ربما من سارتويل. صب برونت اللعنات على ثلاثتهم، مجتمعين ومتفرقين، وبعثر كومة المال مرةً أخرى على الأرض في خِضم ثورته. أخذت العملات تدور عشوائيًّا في أنحاء الغرفة، واستقر بها المقام بعد دورانها على ألواح الأرضية العارية. حدَّق برونت في العملات المستقرة على الأرضية التي تلمع تحت الإضاءة الخافتة، وكفَّ ذهنه عن التفكير في مسئولية الرؤساء أو المرءوسين عن الأوضاع التي كان يعاني منها. كان فيما مضى يعتبر هوب ومونكتون رأسماليَّين متكبرَين يتباهيان بثروتيهما، حتى رأى سلوكهما الصاغر المذعور عندما كان رجال الشرطة يرافقونهما إلى خارج المصنع، ومنذ ذلك الوقت وهو يسعى لإعادة تشكيل أفكاره عنهما. إذن لمَ يرفض أخذ المال إذا أرسله أيٌّ منهما؟ كان يحدِّق إلى العملات المتناثرة على الأرض ويرى بقعًا بيضاء ونقاطًا صفراء من الضوء، وعدَّل كرسيه حتى تتسنى له رؤية أفضل لها. كان قد سمع أن المرء قد يُنوم مغناطيسيًّا إذا ظل يحدِّق بثبات إلى قطعة من الفضة يحملها في راحة يده. وبينما كان برونت ينظر بتركيز إلى العملات المعدنية، مرَّر يده بسرعة على جبهته، مُضيقًا عينَيه ليرى العملات بتركيز أكبر. انحنى إلى الأمام، ثم نحو الأرض. كان واثقًا أن العملات تتحرك مقتربةً بعضها من بعض، وتذكر بذهن مرتبك أن اجتذاب الكومات الأكبر حجمًا للذرات المعدنية المختلفة، هو حال النقود في جميع أنحاء العالم، ما بدا له سببًا منطقيًّا، مثلما يحدث في الأحلام، لزحف العملات وتقاربها، رغم أن ما تبقى من صوابه أخبره بأن كل هذا مجرد وهم. دخلت الأجزاء المدركة والمشوشة من ذهنه في صراع معًا من أجل السيطرة، بينما كان برونت ينحني أكثر فأكثر نحو المال، حتى صار في تلك اللحظة جالسًا على حافة مقعده يلهث مستغرقًا بكامل وجدانه تقريبًا، في الحركة الغريبة التي تحدث على الأرضية، وبدأ يفقد الاهتمام تدريجيًّا بالصراع الذهني الدائر حول واقعية ما تخبره عيناه المجهدتان الجاحظتان بأنه يحدث تحت قدمَيه. وفي النهاية، لاحظ أن الكومة تتسلَّل ببطء وبوضوح في الوقت ذاته بعيدًا عنه. وتبدَّدت جميع شكوكه حيال واقعية ما يرى. فالمال يحاول الفرار.
فهبَّ واقفًا وقفز نحو الباب مغلقًا إياه بظهره.
وأخذ يصرخ قائلًا: «أوه، لا، أنت ملكي، أنت ملكي!»
جلس برونت القرفصاء من دون أن يرفع عينَيه عن العملات، واستند على يدَيه وركبتَيه وبدأ يزحف نحوها ببراعة، ثم انقض فجأةً على الكومة الأساسية، بينما أسرعت العملات المنفصلة عائدةً إلى مواضعها السابقة، متظاهرةً بأنها لم تغيِّر مكانها من الأساس. فضحك ساخرًا من محاولاتها العقيمة لخداعه، وسكب كومة العملات في جيبه، والتقط كل العملات المنفصلة المتبقية عبر الانقضاض عليها. فتَّش برونت الغرفة بالكامل مثل حيوان يتشمَّم الأركان، وعندما يلمح عملةً فضية أو ذهبية تدحرجت لمسافةٍ بعيدة، كان يجثم أكثر على الأرض، ويتحرك بمزيدٍ من الحذر، ويضحك في سعادةٍ عندما يمسك بها ويضعها مع العملات الأخرى. وأخيرًا نهض واقفًا ضاربًا بيده على جيبه في سعادةٍ ليسمع صليل المال. وما إن انتصبَت قامته حتى اندفع الدم إلى رأسه فشعر بالدوار. أخذ يترنَّح واستند إلى الجدار وقد فارقَتْه بهجته تمامًا. بدَت الغرفة وكأنها تدور من حوله، فغطى عينَيه بيدَيه.
وهمس قائلًا: «سأُجن. لا بد أن أحصل على شيء لآكله أو أشربه.»
خرج برونت مترنحًا من باب الغرفة إلى الممر ثم نزل على الدرج، ومنه إلى الهواء الطلق الذي أعاد له الشعور بالحياة وقرصة الجوع مرةً أخرى. بمجرد أن خرج إلى شارع لايت، دخل حانة «روز آند كراون» وطلب كوبًا من البيرة. تردَّد الساقي في إجابة طلبه. فقد انتهى رصيد المضربين منذ فترة طويلة.
قال الساقي بفظاظة: «أرني نقودك.»
«لا أملك أي نقود. سأدفع لك الأسبوع القادم؛ فسأُنهي الإضراب اليوم.»
وضع برونت راحته المفتوحة على جيب سرواله ليؤكد على فقره، ولكنه أجفل عندما سمع صوت رنين العملات. فأدخل يده في جيبه وأخرج منه قطعةً فضية من المال، وأخذ يحدِّق فيها ذاهلًا.
ثم قال أخيرًا وهو يلهث: «يا إلهي، ظننت أني كنت أحلم!»
ضحك الساقي وأمسك بكوب فارغ وقبض على مقبض مضخة البيرة.
وقال: «هذا الحلم مفيد لحانة «كراون». من الأفضل أن تأخذ بعض الخبز والجبن مع البيرة.»
«حسنًا. أسرع يا رجل.»
أكل برونت وشرب بنَهَم دون أن يتحرك من مكانه.
قال الساقي، بعدما رأى كم كان برونت جائعًا: «يمكنني أن أحضر لك طبقًا من اللحم البارد.» أومأ برونت برأسه موافقًا، ووُضع الطبق أمامه، ومعه شوكة وسكين.
قال الساقي متكئًا بذراعيه على الطاولة: «لقد انتهى الإضراب إذن، أليس كذلك؟»
«سينتهي بمجرد أن أصل إلى هناك.»
«حسنًا، هذا التوقيت مناسب تمامًا. فقد تضرَّر عملنا كثيرًا.»
«لقد تضرَّرنا أكثر ممَّا تضرَّر عملك للأسف. فلا أحد يساعد المُعوِزين إلا إذا كان بحوزته مال.»
«أوه، لن يفعل الآخرون إلا المثل. لسنا مؤسسةً خيرية، وكذلك جيراننا.»
تناول برونت طعامه وشرب كوب البيرة، ولكنه لم يرد. كان منطق الساقي صحيحًا من المنظور التجاري، ولا يمكن لأحد يمتلك ذرةً من العدالة أن يجد فيه ما يعيبه. فالمال هو المفتاح العمومي للكون الذي يفتح جميع الأبواب. لم يكن الساقي يعبأ بكيفية حصول برونت على المال طالما دفع مقابل ما طلب، أمَّا برونت فبات في تلك اللحظة يشعر بالشجاعة تحل محل اليأس؛ فقط لأنه يملك مالًا في جيبه. شعر بأنه أصبح يملك طاقةً كافية للتصدي للمُضربين؛ فقط لأنه سد رمقه بينما لا يزالون هم جائعين. لن ينتظر أي اجتماعات، بل سيخطب في العمال في الشارع، أولئك المحتشدون في مجموعاتٍ عقيمةٍ لا حول لها ولا قوة حول البوابات المغلقة، ولا شك في أن أغلبهم سيكونون هناك. وإذا اعترض جيبونز، فسيحسم المسألة بضربةٍ سريعةٍ وقاضية؛ فهذا هو أسلوب النقاش الذي يسهل على جميع الحاضرين فهمه.
مسح برونت شفتيه بظهر يده بعدما أنهى وجبته، وخرج من الحانة متجهًا إلى المصنع. وكما توقع، وجد العمال اليائسين واقفين هناك وقد دسوا أيديهم في أعماق جيوبهم الفارغة في عجز ويأس. لم يكن الدخان يتصاعد من غلايينهم شأنها شأن مداخن المصنع العالية، وكان ذلك في حد ذاته دلالةً على أن حالهم قد وصل إلى الحضيض. كانوا يستمعون بلا مبالاة وفتور إلى جدال محتدم بين جيبونز ومارستن، كما لو أن الموضوع قيد النقاش لا يمسهم من قريب أو بعيد.
كان مارستن يصيح قائلًا: «كان من الممكن أن تلعب بهذه الورقة الأسبوع الماضي، ولكن مضى أوانها الآن. لم يعد بإمكانك أن تلتقي المالكَين. لقد أخبرتك بأنهما قد غادرا البلاد، ولن يعودا قبل أسبوعَين، وفي خلال هذه الفترة، سيُملَأ المصنع بعمالٍ جدد. سيأتي العمال الجدد يوم الإثنين. وأُطالب اللجنة بالدعوة إلى اجتماعٍ على الفور والتصويت.»
صرخ جيبونز: «لا تبالوا به أيها العمال! إنه مأجورٌ من سارتويل.»
لم يبالِ العمال بما قاله مارستن، ولم يولوا انتباهًا إلى جيبونز أيضًا. فكل ما كانوا يريدونه في هذا الوقت هو بعض الطعام والشراب، وبعض التبغ للتدخين بعد ذلك. وإذا كان مارستن مأجورًا من سارتويل، كان أيٌّ منهم سيسعد بأن يتبادل معه الأماكن. شق برونت طريقه عبر الحشد بقوةٍ دافعًا الرجال جانبًا بوقاحة. ولم يعترض أحدٌ على ذلك؛ فقد تبخَّرت أيُّ رغبةٍ لديهم في المقاومة. بدا مارستن على وَشْك الانقضاض على جيبونز بعد افترائه عليه بالقول عندما شعر بيد برونت الثقيلة على كتفه.
قال الرجل الضخم: «لقد فات أوان الاجتماعات يا صديقي، والكلام أيضًا. الاجتماع هنا، وسأتعامل معه. دعك من هذا الأحمق، اذهب وقف وسط الحشد، واستعد لدعمي إذا ما احتجت إلى دعم.»
نفَّذ مارستن ما طُلب منه على الفور، وفي الوقت نفسه كان برونت يسير عبر المساحة الخالية، على الرغم من تحذيرات أحد رجال الشرطة له بأن يتراجع.
لم يكن هناك الكثير من رجال الشرطة؛ إذ رأت السلطات أنه لا يوجد ما يخيفهم في مجموعة من العمال المنقادين المهزومين.
قال الضابط: «عليك أن تتراجع وإلا فسأقبض عليك.»
صاح برونت في شراسة وهو يشمِّر عن ذراعيه مواجهًا خصمه في تحدٍّ: «هل ستفعل حقًّا؟ أحذِّرك إذن، اطلب المزيد من الدعم. فعدد رجالك هنا لا يكفي للقبض عليَّ. لقد أكلت اليوم.»
وبعد برهة من التحديق بغضب في عينَي الضابط، استدار برونت وسار بخطًى واسعة نحو البوابة المغلقة دون أن يعترضه أحد.
استمع الضابط إلى النصيحة وأرسل في طلب المزيد من الرجال. فقد أدرك أن ثمَّة مشكلةً ما تلوح في الأفق.
ضرب برونت ألواح البوابة بقبضته الضخمة، وصاح بأعلى صوته بنبرة هادرة قائلًا:
«افتحوا البوابات!»
بدت لمحة طفيفة من الاهتمام المتبلد على وجوه العمال. تزاحم العمال مقتربين أكثر بعضهم من بعض، وراحوا يجرون أقدامهم ويمدون أعناقهم إلى الأمام. وراح العمال الواقفون في الخلف يتدافعون إلى الأمام، متسائلين عمَّا يوشك أن يحدث. ووقف رجال الشرطة القلائل يراقبون ما يحدث دون تدخُّل انتظارًا للتعزيزات. ضرب برونت بقبضته على الألواح الخشبية الرنانة من شدة الضربات، وكانت هذه الضربات المنتظمة هي الصوت الوحيد الذي كسر حاجز الصمت الذي انتهى بتكراره صيحته الجهورية: «افتحوا البوابات!»
هُرع البواب الذي كان يقف خلف البوابة الصغيرة يبحث عن سارتويل؛ خشية التعرض إلى هجوم، وقابل مديره يهبط الدرج.
قال البواب لاهثًا: «أخشى أنه سيحدث شغبٌ آخر يا سيدي.»
لم يُجِبه سارتويل، بل سار مسرعًا نحو البوابة الصغيرة، وفتحها، وخرج عبرها.
وقال: «ماذا تريد؟»
صاح برونت قائلًا: «نريد العودة إلى عملنا! افتحوا البوابات!»
مرَّر سارتويل بصره سريعًا على العمال الذين وقفوا في أماكنهم مشدوهين، ووجوههم النحيلة وعيونهم الجائعة الشرسة متجهة نحو الحواجز المغلقة. وسرعان ما أدرك المدير أنه لم يعُد ثمَّة وقتٌ لمناقشاتٍ أو اتفاقٍ على شروط. كان الموقف يتطلَّب تحركًا حاسمًا وسريعًا. فالتفت نحو البواب المرتعب، وقال بنبرةٍ قاطعة:
«ارفع المزلاج!»
رغم الشكوك التي ساورَت الرجل بشأن حصافة مثل هذا الأمر في مواجهة هذا الحشد العدواني، فقد فضَّل مواجهة الخطر المحتمل من الحشد على الغضب الذي سيصبُّه عليه مديره قطعًا إن لم يُطِعه، وأسرع بتنفيذ الأمر. وانفتحت البوابتان الثقيلتان رويدًا رويدًا.
صاح برونت ملوحًا بذراعه الطويلة جاعلًا إياها على شكل منجل: «هلمُّوا يا رجال! ذلك الرجل الذي يتلكَّأ في الخلف، يا إلهي! سأكسر ظهره!» مضى أحد الرجال إلى الأمام متعثرًا كما لو أن أحدًا دفعه من الخلف، ثم بدا وكأن حبلًا خفيًّا كان يشدُّ الحشد إلى الخلف قد انقطع فجأة. واندفع العمال عبر البوابة المفتوحة بحركةٍ ثابتةٍ ومنتظمة. فصرخ جيبونز، ملوحًا بيدَيه كالمجنون:
«توقفوا! توقفوا! اسمعوني لحظة!»
ولكن لم يتوقف أحد، ولم يستمع له أحد. أما برونت، الذي شحب وجهه بشدة من فرط الغضب، فكان يمضي بصعوبةٍ في عكس اتجاه الحشد وهو يصيح:
«دعوني أنَلْ منه! سأخنق هذا الحقير!»
قال سارتويل بحدةٍ وقد شق صوته الجلبة الصادرة عن حركة الأحذية الطويلة: «برونت! دعه وشأنه وادخل. اجمع الرجال في الفناء. أريد أن أتحدَّث إليهم.»
اختفَت النظرة الوحشية من فوق وجه برونت على الفور. واستدار ليسير مع العمال، ووصل إلى حيث يقف سارتويل ينظر متجهمًا إلى الحشد المتحرك. لم يُوجِّه أيٌّ من العمال بصره نحو المدير، ولكن حاول كلٌّ منهم بعنادٍ أن يتقدَّم الصفوف مطأطئ الرأس، كما لو أنه اقترف ذنبًا يخجل منه. وقف برونت إلى جوار سارتويل وهمس في أذنه قائلًا:
«بحق السماء يا سيادة المدير، دعهم يتجهوا إلى العمل، ولا تتحدث إليهم. إنهم مهزومون، ولم يعُد هناك شيءٌ يُقال. ترفَّق بهم؛ فقد سمعوا ما يكفي من الأحاديث.»
قال سارتويل بأسلوبٍ رقيق: «أتفق معك تمامًا. لا تخَف، ولكن اجمعهم. أنت من بدأت كل هذا. فقد سمعت صيحتك الأولى عند البوابات من مكتبي.»
مع مرور آخر العمال عبر البوابة، سمع سارتويل صوت برونت يصيح فيهم أن يتوقفوا. ظل بعض العمال بالخارج، وكان هؤلاء هم سكيمينس ورفاقه من أعضاء لجنة الإضراب، يستمعون متجهمين لاستنكار جيبونز الغاضب للانشقاق الجماعي للعمال. دخل مدير المصنع، وأمر البواب الحائر بأن يغلق البوابات.
وبينما كان سارتويل يسير بهمة نحو المصنع، رأى العمال ملتفين بعضهم حول بعض كالأغنام، وقد عصف بهم الخزي والغم، وعلى استعدادٍ واضح لتحمُّل أي تأنيبٍ يرى مدير المصنع أنهم يستحقُّون أن يُصَب على رءوسهم الصاغرة. كان برونت، الذي وقف شامخًا أمامهم، ينظر إليه في قلق، كما لو كان كلبًا ضخمًا لا يعلم كيف سيتصرَّف القطيع الذي يحميه.
ارتقى سارتويل درجات السلم المؤدِّي إلى باب مكتبه القديم، وبدأ يتحدَّث.
قال: «أنا أعتبر هذا الإضراب انتهى يا رجال. وأريد أن أبدأ بعدل وإنصاف؛ لذا من كان منكم لا يرغب في العودة إلى عمله وفقًا لشروطي، فليتقدَّم ويقُل لا.»
مرت فترة قصيرة من الصمت، لم يقطعه أيُّ صوت. ولم يتقدَّم أحد.
فواصل مدير المصنع حديثه قائلًا: «عظيم. لقد قُضي الأمر. كل رجلٍ منكم يعرف مكانه في هذه المباني؛ فليذهب إليه، ويظل فيه حتى صدور تعليماتٍ أخرى. لن يعمل أحدٌ اليوم؛ فثمة بعض الاستعدادات يجب إجراؤها قبل البدء. ستحضرون غدًا لتبدءوا عملكم في الموعد المعتاد، وبعد الانتهاء من تجهيزات العمل، سيحصل كلٌّ منكم على أجر نصف أسبوع مقدمًا من الصراف، وسأُصدر أوامر بذلك. كان ثمَّة عددٌ من البرقيات كُتبت ليتم إرسالها يوم السبت، ولم يعُد من الضروري إرسالها الآن؛ لذا فسأنفق المال الذي ادَّخرت لهذا الغرض على التبغ؛ سيحصل كل عاملٍ على حصةٍ من التبغ أثناء خروجه من البوابة الصغيرة. ولن تُفتح البوابات الكبيرة حتى صباح الغد.»
انطلقَت صيحة تهليلٍ خافتة عندما أنهى سارتويل حديثه، وهبط من على الدرج. ثم بدأ العمال يدخلون إلى المصنع تباعًا بخطًى بطيئة.
نفوس متقلبة |
الفصل الثالث
بينما كان الأب وابنته يقتربان من ويمبلدون، كان الصمت يخيِّم عليهما. ربما كان ذلك لأنهما تحدَّثا كثيرًا في المكتب. وعندما عبرا بوابة المحطة، قال سارتويل:
«سنستقل عربة أجرة يا إدنا، وسُحقًا للنفقات.»
«لا أُمانع السير على الإطلاق؛ فلا يوجد ضباب هنا.»
«لقد تأخَّر الوقت؛ لذا سنستقل عربة أجرة.» وبمجرد أن ركبا العربة، أضاف متأملًا: «إني لأتساءل عن السبب في أن يُنظَر لعربة الأجرة على أنها من مظاهر البذخ في ويمبلدون، بينما يُنظَر لها على أنها اقتصادية في لندن.»
كان واضحًا أنه لا أحد منهما يمكنه حل هذه المعضلة؛ لذا لم يُضِف أيٌّ منهما كلمةً أخرى، حتى توقفت العربة أمام باب حديقةٍ مُسَوَّرةٍ في شارع هادئ بالقرب من الحديقة العامة ذات النسيم المنعش. أدخل سارتويل مفتاحه في الباب، وأبقى الباب مفتوحًا وجعل ابنته تمر قبله. وعلى بعد نحو مائة ياردة من الشارع، وقف منزل مربع الشكل محاط بالشجيرات وأحواض الزهور. سار الاثنان بحذرٍ شديدٍ على الطريق المغطاة بالحصى الذي كان يُصدر صوتًا مقرقعًا، وفتحا الباب الأمامي، ودخلا إلى رَدهةٍ خافتة الإضاءة. وضع سارتويل قبعته على حامل القبعات، ودفع باب غرفة الطعام ليفتحه ودخلها، تتبعه ابنته من ورائه هذه المرة. كان ثمَّة العديدُ من المقاعد المريحة في الغرفة، عدا واحد. وعلى هذا المقعد جلسَت امرأةٌ طويلةٌ ونحيلةٌ بعض الشيء لم تعُد في ريعان شبابها. كانت تجلس منتصبةً في مبالَغة، دون أن تسمح لكتفَيها بالاستناد إلى ظهر المقعد. وارتسم على وجهها تعبير صبور جعلها أشبه بضحية صموت، تعبير لا يرتسم إلا على وجه امرأةٍ أساء العالم القاسي معاملتها، ولكنها قرَّرت ألَّا تسمحَ لمعاملته السيئة بأن تؤثِّر على عدالتها الفطرية في تعامُلها مع بَني جلدتها من البشر.
قالت المرأة بلطف، بنبرة شخص ربما يكون مخطئًا فيما يقول وعلى استعدادٍ لتقبُّل مَن يصحِّح له خطأه: «أعتقد أني سمعت صوت عربة أجرة تقترب وتتوقف.»
قال سارتويل ملقيًا نفسه على مقعدٍ ذي ذراعَين: «هذا صحيح. عندما تأخر الوقت، ركبت عربة أجرة من المحطة.»
«أوه!»
ثمَّة الكثير يمكن أن تعبِّر عنه صيغة التعجب تلك التي تبدو بلا معنًى. عنَت هذه الكلمة أن السيدة سارتويل، رغم صدمتها ممَّا قيل، قد استسلمت للمحتوم، بإدراكها أنها قد تزوَّجت رجلًا لا يُذعن إلى العقل والمنطق، وعلى الرغم من أنها كانت قادرةً على قول الكثير عن تأثير التبذير غير الضروري، فقد كبحت جماح نفسها، مدركةً أنها لن تتلقَّى أي إطراءٍ على سماحتها تلك.
مرَّت بضع لحظاتٍ صامتة قضَتها السيدة سارتويل في الفحص المُدقِّق لأعمال الحياكة التي كانت منهمكةً فيها، ثم رفعَت بصرها ناحية زوجها وقالت:
«إني لأتساءل عمَّا إذا كان العمل هو ما أبقاك في المكتب حتى هذه الساعة المتأخرة حسبما أظن.»
«عمل مهم.»
تنهَّدت السيدة سارتويل.
وقالت: «لطالما كان ذاك هو الحال. كان يجدر بي أن أعلم ذلك دون أن أسأل. بعض الرجال يجعلون من العمل إلههم، رغم أنهم سيدركون يقينًا أنه إله زائف لا ينفع ولا يضر عندما تحين النهاية. ثمَّة شيء اسمه الواجب مثلما هناك شيء اسمه العمل، وعلى الرجل أن يفكِّر، ولو قليلًا، في زوجته وبيته.»
بدت تلك العبارة الأخيرة غير قابلة للجدل، حتى إن سارتويل لم يكلِّف نفسه عناء الاعتراض. فجلس في مقعده مُسندًا رأسَه إلى الخلف، وأغمض عينَيه، وعقد كلتا يدَيه أمام ركبته. لطالما اعتبرَت السيدة سارتويل هذا التصرُّف الملاذ الأخير للشخص المتهكِّم؛ تصرُّف سيكون مطالَبًا بتبريره، مثلما يتعيَّن على الشخص الآثم أن يُبرِّر أفعال الشر التي يأتي بها.
قالت إدنا: «كان لدى أبي الليلة مشاغل أكثر من المعتاد.» كانت تقف بجوار الطاولة وقد خلعَت قبعتها وقفازها.
علَت دهشةٌ خفيفة قَسَمات وجه السيدة سارتويل. فالتفتَت ببطء، وتفحَّصت ابنة زوجها ببرودٍ من قمَّة رأسها حتى أَخمَص قدمَيها. كان يبدو أنها لم تنتبه إلى وجودها إلا الآن، الأمر الذي قد لا يفسِّره إلا أن الفتاة دخلت الغرفة خلف والدها.
قالت السيدة سارتويل: «إدنا، كم من مرةٍ أخبرتكِ بألَّا تضعي قبعتكِ وقفازكِ على طاولة الطعام؟! ثمَّة مكان مخصص لكل شيء. أنا على يقين من أنكِ عندما تزورين والدك في مكتبه، الأمر الذي تحبينه كثيرًا، تجدين كل شيءٍ في مكانه؛ لأن والدك، على الأقل، رجل منظم. ولا شك في أنكِ لم ترثي عاداتك الفوضوية منه، ويشهد الجميع، ربما عداكِ أنت ووالدك، بأنكما تعيشان في منزل منظم. من أين جاءت تلك البقعة التي تلطِّخ ثوبك؟»
خفضت إدنا بصرها بسرعة لتنظر إلى تنورتها، وللأسف! كانت عجلة العربة قد تركت علامةً عليها. لم تكن السرعة البطيئة هي العيب الوحيد للعربات ذات الخيل في الأيام الموحلة.
قالت السيدة سارتويل: «إنكِ لخيبة أمل كبيرة بالنسبة إليَّ يا إدنا، إنكِ مهملة للغاية، ولا أحد يعلم كم يؤلمني أن أقول ذلك. إنكِ لم ترتدي هذه التنورة إلا منذ …»
صاح والد إدنا بنبرة قاطعة قائلًا: «إدنا، هل أنتِ جائعة؟»
«لا، يا أبي.»
«هل أنتِ واثقة من ذلك؟»
«تمام الثقة. لا أشعر بأي جوع على الإطلاق.»
«اذهبي إلى فراشك إذن.»
اتجهت إدنا نحو الطاولة إلى حيث تجلس زوجة أبيها، وطبعت قبلةً على خدها.
وقالت: «طابت ليلتك.»
غمغمت السيدة سارتويل متنهِّدة: «طابت ليلتك يا طفلتي المسكينة.»
قبَّلت الفتاة والدها وهمست في أذنه في هذه الأثناء قائلة: «أخشى أنني قد عدت طفلتكَ الصغيرة مجددًا بطريقة أمرك لي بأن أذهب لأنام.»
قال والدها: «ستظلين في نظري دائمًا طفلتي الصغيرة يا عزيزتي. طابت ليلتك.»
تنهَّدت السيدة سارتويل مرةً أخرى، بينما كانت إدنا تُغلق الباب من خلفها.
وقالت: «ظني أنك تعتقد أنه من اللائق أن تهمس في أذن إدنا بهذه الطريقة أثناء وجودي في الغرفة، وإلا لم تكن لتفعل ذلك. هل تتوقع أن تُكنَّ الفتاة أي احترام لي وأنت تسمح لها بأن تهمس …؟»
«هل ثمَّة شيء لنأكله في هذا المنزل؟»
«أنت تعلم أنه دائمًا ما يوجد شيء لتأكله في هذا المنزل.»
«حسنًا، هل ستدقين أنتِ الجرس، أم أدقه أنا؟»
«لا يمكن أن تتوقع أن يظل الخدم مستيقظين طوال الليل …»
«حسنًا إذن، أعطني المفاتيح وسأذهب لأُحضر لنفسي طعامًا.»
ارتعشت شفتا السيدة سارتويل، بينما كانت تطوي ما تحيك في نظام، وتلفُّه حول الإبرة، والكشتبان، والعديد من لوازم الحياكة الأخرى في حزمةٍ واحدة، ثم تضعها في مكانها في سلَّة الحياكة. وجلجلت المفاتيح المعلَّقة في خصرها وهي تنهض من جِلستها.
وقالت: «أنا على استعداد، ولطالما كنت على استعدادٍ لأن أُحضر لك أي شيءٍ تريد وقتما تريده. قد تكون توقعاتي تفوق الحدود، ولكن أعتقد أنه يجدر بك أن تطلب ما تريد بطريقةٍ متحضِّرة. إذا كنت تعامل رجالك كما تعامل زوجتك، فلا عجب في أنهم سيُضربون عن العمل.»
لم يردَّ سارتويل، وبقيَ جالسًا في مكانه مغمضًا عينَيه حتى أخبرته زوجته، بصوتٍ متهدج، أن عشاءه جاهز. كانت مأدُبة عامرة، تضم من الشراب أفخر أنواع البيرة أو الكحوليات؛ فقد كانت إحدى نقاط ضعف سارتويل اعتقاده بأن على الرجل لكي يعمل جيدًا أن يأكل جيدًا. وعلى الرغم من أن زوجته لم تكن تؤمن بهذا التدليل أو تقبله، فإنها لم تكن تتوانى عن توفير كل ما يريد؛ ألَا تكون المرأة بلا حولٍ ولا قوةٍ في موقف مثل هذا؟ وبينما كان رجل البيت يأكل في صمت، رمقَته بنظرةٍ أو اثنتين أثناء عملها في الحياكة، وقالت أخيرًا في شفقة:
«أنا واثقةٌ من أن إدنا كانت جائعة، ولكنها خشيَت أن تُفصح عن ذلك؛ فقد كنتَ فظًّا معها للغاية. قد يعتقد المرء أنك إذا كنت لا تُكنُّ أي مشاعر لزوجتك، فسيكون لديك بعض المشاعر تجاه ابنتك الوحيدة.»
قطع سارتويل شريحةً أخرى من اللحم البارد، ونقلها إلى طبقه.
واصلت السيدة سارتويل حديثها قائلة: «لقد اعتدتُ معاملتكَ هذه، وآمل أن أكون اعتدتها بالفعل، ولكنها لا تزال صغيرةً ولا شيء يشوِّه شخصية الصغار أكثر من القسوة والغلظة اللتَين بلا مبرِّر. إنك تغض الطرف عن أخطائها الحقيقية، ثم تقسو عليها عندما لا تكون ثمَّة حاجة للقسوة. ماذا فعلت الفتاة حتى تأمرها بأن تذهب إلى فراشها بهذه الطريقة؟»
صمتَت لبرهةٍ انتظارًا لسماع إجابة على سؤالها، ولكنه لم يُجِب. كانت السيدة سارتويل معتادةً على ذلك، كما قالت؛ إذ كان قاسيًا في صمته مثلما كان قاسيًا في حديثه؛ لذا أخذَت تتفحَّص خصمها مثلما يفعل شخصٌ يبحث عن نقطة ضعفٍ في درع خصمه يمكن أن ينفذ منها طرفُ سيفه. ثم قبضت بقوةٍ على مقبض السيف، ودفعته ببطءٍ إلى الأمام. فكان أن نحَّت الحياكة جانبًا وهي تتنهَّد بصوتٍ مسموعٍ بالكاد، وقالت بصوتٍ خفيض:
«مثلما قلت للسيدة هوب عندما زارَتني …»
التفت سارتويل نحوها فجأةً وصاح: «قلتِ لمَن؟»
«أوه، لم أكن أعتقد قط أنك مهتم بزُواري. أظن أنه مسموح لي بأن يكون لي بعض الأصدقاء. ولكن إذا كنت ترغب في أن أقبع في المنزل طوال اليوم وحيدةً بمفردي، فمرني بذلك فحسب، ولسوف أُطيعك.»
«كُفي عن الهراء إذا كان باستطاعتك ذلك. ماذا كانت السيدة هوب تفعل هنا؟»
«كانت تزورني.»
«حسنًا إذن. أعتقد أنني أفهم ذلك جيدًا. ما الغرض من زيارتها؟ أي بدعةٍ جديدة جاءت بها هذه المرة؟»
«أعتقد أن عليك أن تخجلَ من الحديث عن زوجة رب عملك بهذه الطريقة، وهي التي لم تفعل شيئًا سوى أنها شرَّفت زوجتك باستشارتها …»
«بشأن ماذا؟ هذا ما أريد أن أعرفه.»
«بشأن الإضراب.»
«آه!» لاح في عينَي سارتويل بريق غضب، ونظرت له زوجته ببعض القلق.
«السيدة هوب امرأةٌ تسعى إلى فعل الخير. وهي مهتمةٌ كثيرًا بالعمال في «المصنع»، وتُفكِّر في زيارة زوجاتهم وأسرهم لتتفقَّد بنفسها أحوال معيشتهم. تعتقد أنه ربما كان ثمة ما يمكن فعله من أجلهم.»
«حقًّا؟»
«نعم. إنها تتساءل عمَّا إذا كنت تتحرَّى الصبر والكياسة معهم.»
«وإلامَ توصَّلت؟ لا شك في أنكِ أخبرتها أنني قد تعلمت الكياسة على يدَيك، وأن كل شيء على ما يرام فيما يتعلق بهذا الشأن.»
صاحت السيدة سارتويل في ثورة: «لقد أخبرتها بالحقيقة.»
«ألا وهي أن …؟»
«أنك رجل عنيد ومتسلِّط لا يطيق أن يعارضه أحد.»
«لقد أصبتِ كبد الحقيقة مرةً واحدةً في حياتك. وماذا قالت؟»
«قالت إنها تتمنى لو أنك راعيت أسر العمال المساكين.»
«وأنتِ قلتِ لها إني لا أراعي أسرتي من الأساس، فمن غير المرجَّح أن أُولي الكثير من الاهتمام بزوجات وأسر العمال.»
«لم أقل ذلك، ولكني فكَّرت في قوله.»
«يعجبني كبحكِ لجماح نفسك! والآن أنصتي لي يا سارة، أنت تلعبين بالنار ولا تدرين أنكِ تفعلين ذلك. السيدة هوب امرأة فضولية حمقاء مختلة، و…»
«أنت لا تجرؤ على قول ذلك لرب عملك.»
«تعليقكِ هذا يدل على أن امرأةً في مكانتكِ قد تعيش مع رجلٍ سنواتٍ دون أن تتمكَّن من فَهْم شخصيته. المشكلة هي أنني سأقول ذلك تحديدًا لرب عملي، كما تحبين أن تصفيه، بمجرَّد أن تحشر زوجته أنفها في الأمر. وماذا سيحدث حينها؟»
«ستخسر وظيفتك.»
«بالضبط. أو لمزيد من الواقعية في التعبير، سأستقيل؛ سأخرج إلى الشارع.»
«ولكنك لن تفعل شيئًا بهذا الغباء.»
«سيحدث ذلك في اللحظة التي أكون فيها مجبرًا على الإدلاء برأيي للسيد هوب في علاقاته الأسرية. وماذا سيحدث حينها لدَخْل هذه الأسرة؟ هل ستساهم السيدة هوب في الإنفاق عليك، هل تظنين أنها ستفعل؟ هل تطمحين في مكانٍ لكِ على قائمة أعمالها الخيرية؟ أيًّا كان رأيكِ فيَّ، وسواء أضمرتِه أم أعلنته، فعليكِ أن تُقرِّي بأني أضخُّ مالًا يكفي، على الأقل، لاستمرار هذا البيت، وأنا على يقينٍ من أنكِ عاقلةٌ بما يكفي لتقدِّري ذلك. أنت لم تستطيعي طوال حياتكِ أن ترَي أبعد من أرنبة أنفك، أو تدركي أن النتيجة تتبع السبب لا محالة مثل القدر المحتوم. لا أستطيع أن أفهم كيف لامرأة أن تصف رجلًا بأنه عنيد ومتسلط، ولا يصبر على أي شيء، ثم تتعمد التشدُّق بالحديث لتتسبَّب في حدوث التدخُّل الذي تعرف حتمًا، إذا كانت تصدِّق ما وصفته به، أنه لن يتحمَّله. إن ثرثرتكِ اليوم قد تحتِّم عليَّ البحث عن عملٍ آخر غدًا.»
كانت السيدة سارتويل تبكي خلال الجزء الأخير من هذه الخطبة.
وقالت باكية: «أنا دائمًا مَن يُلقى عليها اللوم في أي شيء خاطئ. أمَّا طبعك المتسرع الجامح فلا يُحمَّل أي لوم. لو قرَّبتني إليك واستشرتني في أمورك … رجال آخرون يستشيرون زوجاتهم، رجال أفضل منك، وأكثر ثراءً ممَّا ستكون عليه يومًا. تقول السيدة هوب إن زوجها …»
«لا أريد سماع المزيد عن السيدة هوب.»
«أنت مَن أصر على الحديث عنها. لم أرغب في قول أي شيء، ولكنك ظَلِلت تستجوبني حتى بُحت بكل شيء مضطرة، والآن تُلقي باللوم عليَّ.»
«حسنًا، فلندع الأمر عند هذا الحد. أحضري لي دورقًا من الحليب، من فضلك.»
«هل أنت واثق من أنك ستشرب الحليب بعد البيرة؟»
«أُطالب بحقي كمواطن بريطاني في أن أكون حرًّا في شُرب ما يحلو لي من شراب. دعينا لا نتشاجر حول هذا الأمر.»
«ولكنك بذلك لن يَغمُض لك جفن يا جون. أنا أتحدث من أجل مصلحتك.»
«إن كل ما تفعلينه لصالحي يا سارة، وربما كان هذا هو سبب نفاد صبري.»
«حسنًا، أنت تعلم كيف تُصبح حالتك بعد ليلةٍ بلا نوم.»
«نعم، نعم أعلم. أعتقد أني لن أتمكن من النوم الليلة على أي حال. أحضري الحليب أو أخبريني بمكانه.» كانت السيدة سارتويل تنهض دائمًا عندما يقول زوجها إنه سيُحضر شيئًا بنفسه من خزانة المؤن. ووضعت دورق الحليب بجوار يده.
قال سارتويل: «لديَّ العديد من الأمور لأفكِّر فيها. أُريد أن أكون بمفردي.»
كانت تقف بجوار الطاولة وتحدِّق إليه.
وأخيرًا قالت متلعثمة: «طابت ليلتك يا جون.»
رد عليها قائلًا: «طابت ليلتك.»
ظلَّت تحدق إليه بنظراتٍ لائمةٍ في صمت، ولكنه لم يرفع رأسه، فاستدارَت في نهاية المطاف مطلقةً تنهيدةً عميقة، وتركَته لتأمُّلاته.
جلس سارتويل في مكانه وقد حفر القلق علاماته عميقًا في حاجبيه. كان الصمت يخيِّم على المنزل بأكمله. وأخيرًا نهض سيد المنزل واتجه نحو الطاولة. دهن شريحتَين من الخبز بالزبد وقطع قطعةً من الكعكة اللذيذة، ووضع كل هذا على طبقٍ حمله بيدٍ مع كأس للشرب. وبعدما أشعل شمعةً وأطفأ الغاز، بدأ في حركاته البهلوانية لموازنة طبق، ودورق، وشمعة معًا دون أن يسقط منه شيء. في البداية فتح الباب بهدوءٍ وألقى نعلَيه من قدمَيه. صَعِد سارتويل الدرج محمَّلًا بكل هذا بخطًى خرقاء، وكان يتحرك خلسةً كاللصوص، إلا أنه على الرغم من حذره، أصدر الدرج صوت صرير منذر بالخطر وسط السكون. ثم دخل إحدى الغرف دون أن يصدر صوتًا، وأغلق الباب من خلفه في هدوء وهو يضع حمله الثقيل على طاولة. عندما سقط الضوء على وجه الفتاة النائمة، فتحت عينَيها على اتساعهما، ثم غطَّتهما بيدها، وأطلقت ضحكةً خافتة، ضحكةً خفيفة ناعسة، ودفنت وجهها في وسادتها البيضاء.
قال لها والدها: «صه.»
استفاقت الفتاة من سُباتها على الفور.
همس لها والدها قائلًا: «كنت أخشى أنكِ جائعة على أي حال.»
«لم أكن جائعةً في حينها، ولكني جائعة قليلًا الآن.»
«جيد.»
وضع طاولةً صغيرة مستديرة بالقرب من الفراش، ووضع عليها الطبق ودورق الحليب.
«لا شك في أنكِ تعلمين أني عندما قلت لكِ أن تذهبي للنوم، كنت أريدكِ أن تنعمي بقسط طويل من الراحة. لقد كنتِ متعبة.»
«أوه، أعلم ذلك يا أبي.»
«طابت ليلتك إذن يا عزيزتي، ربما كان من الحمق أن أوقظكِ من نومك، ولكن سرعان ما ستخلدين إلى النوم مرةً أخرى.»
«على الفور، ويبدو هذا الطعام مغريًا. لم أكن أرغب إلا في كوب من الحليب. إنه لعطف جمٌّ منك يا أبي.»
وجذبت رأسه نحوها وقبَّلته.
وأضافت قائلة: «أتمنى لك نومًا هادئًا.»
«سأحرص على ذلك.»
ثم توقف عند باب الغرفة، وهمس بحذر بعد لحظة صمت قائلًا:
«إدنا، ستحملين هذه الأشياء إلى الطابق السفلي بنفسك في الصباح، في هدوء تام. فالخدم، كما تعلمين لا يحبون أداء أي عمل إضافي أحيانًا.»
«حسنًا يا أبي، فهمت.»
ثم انسلَّ سارتويل في هدوء كما لو كان لصًّا يتسلل في جُنح الليل.
نفوس متقلبة |
الفصل الحادي والعشرون
كان جيبونز يعرف أن مونكتون وهوب قد سافرا إلى أوروبا، قبل حتى أن يصرِّح مارستن بهذه المعلومة بأعلى صوته في وسط الشارع أمام العمال. كان يُدرك أن اللعبة انتهت، وكل ما كان يريده هو بعض الوقت للتراجع عن الإضراب، وأن يظهر، إن أمكن، بمظهر الرجل الذي تمكَّن من تسوية الأمر. بمجرد أن علم جيبونز أن المالكَين الصوريَّين للمصنع قد رحلا، حاول أن يفتح قناة اتصال مع سارتويل، وأرسل له خطابًا سريًّا كتب فيه أنه بالأخذ في الاعتبار الحرمان الذي تعرض له العمال، والخسائر المادية الضخمة التي تكبَّدتها الشركة، فإنه على استعداد لتنحية كل المشاعر الشخصية جانبًا، والتخلِّي عن الشرط الذي كان يُصِر عليه في السابق فيما يتعلَّق بعقد اجتماع بينه وبين مدير المصنع. وعبَّر جيبونز عن استعدادِه للانسحاب من النزاع، وتشكيل لجنةٍ من العمال تُكلَّف بمقابلة سارتويل للترتيب لإنهاء الإضراب، ولكنه طلب أن يعتبر هذا الخطاب سريًّا.
أعاد سارتويل الخطاب إلى جيبونز، ربما بصورةٍ مهينةٍ لا داعيَ لها، قائلًا لحامل الرسالة باقتضابٍ أن لا رد لديه.
عادةً لا يكون من الحكمة إهانة خصمٍ مهزومٍ بلا مبرر، ولكن سارتويل لم يكن مطلعًا على فنون الكياسة السامية، وعندما كان يكره رجلًا، كان يكرهه من كل قلبه، ولم يكن يهتم بأي أعمالٍ انتقاميةٍ قد يلجأ عدوه إليها.
جزَّ جيبونز على أسنانه في غضبٍ عاجزٍ عندما أُعيد إليه خطابه. فقد أدرك أن أيَّ تنازلاتٍ يمكنه تقديمها لن ترضيَ سارتويل، وعليه، وبما أن الإضراب قد فشل، قرَّر أن يخرجَ بأكبر استفادةٍ ممكنةٍ من التراجع الذي بات محتومًا. اتفقت اللجنة على أن الصمود لم يعُد ممكنًا، على الرغم من رَفْضهم طلب مارستن بعقد اجتماعٍ بغرض التصويت. وتقرَّر عقد اجتماعٍ على الفور وعدم الانتظار حتى المساء (على أمل أن يتمكَّنوا بذلك من حرمان مارستن من أي فضلٍ قد يُستمدُّ من الاستسلام)، وتنظيم مسيرةٍ من العمال من مبنى البلدية حتى المصنع، يتقدَّمها أعضاء اللجنة عدا جيبونز، لحثِّ مدير المصنع على فَتْح البوابات. وحينئذٍ يستطيع جيبونز أن يقول إنه من أنهى الإضراب، وليس مارستن، بل وقد يظهر في دور فاعل الخير الذي ضحَّى بمشاعره الخاصَّة في سبيل العمال.
ولكن لم يكن الحظ حليف جيبونز في ذلك اليوم. فعندما وصل إلى المصنع، وجد مارستن واقفًا هناك يخطب في رفاقه العمال، مناشدًا إياهم أن يستسلموا قبل أن يسبق السيف العذل، مؤكدًا لهم أن المبنيَين سيَمتلِئان بالعمال يوم الإثنين، وحينئذٍ ستكون محاولات الدخول جميعها بلا جدوى. بدا جليًّا أن الشاب كان غاضبًا بالفعل من التأثير المحدود لمناشداتِه على اللامبالاة الواضحة من قِبَل العمال، ولو لم يكن جيبونز يشعر بغضبٍ شديدٍ في هذه اللحظة؛ بسبب الرفض الذي تلقَّاه من مدير المصنع، لربما استغلَّ الموقف لصالحه. ولكنه لم يكن يملك ما يكفي من الوقت للتخطيط لأيِّ مسارٍ جديدٍ للتحرك. فمنذ لحظة وصوله ومارستن يُطالبه بعقد اجتماعٍ على الفور بغرض التصويت. فطلب منه جيبونز أن يهتمَّ بشئونِه ولا يتدخَّل، وقال إنه على موعدٍ مع مالكَي المصنع، وإن اجتماعًا سيُعقد للتفكير في ردِّهما. حينها أدرك جيبونز أن خداعه غير مجدٍ وأن مارستن يعلم أن المالكَين قد فرا هاربَين.
وحينئذٍ دمَّر ظهور برونت غير المتوقع، والنتائج التي ترتَّبت عليه، جميع الخطط وأصبحت رمادًا تذروه الرياح.
أمَّا برونت، فلو فكَّر في الأمر مليًّا (وهو ما لم يفعله)، لأدرك أنه قد أخذ بثأره في نهاية الإضراب على طرده المهين من قاعة الاجتماعات في بدايته.
انفرد جيبونز بأعضاء لجنة الإضراب للتشاور بشأن الوضع الجديد. ولكنه كان اجتماعًا كئيبًا. فبينما كان العمال يخرجون الواحد تلو الآخر من البوابة الصغيرة، وكلٌّ منهم يحمل أجر نصف أسبوع في جيبه وعلبةً من التبغ في يده، وقف سكيمينس وأحد أعضاء اللجنة الآخرين في الخارج معلنَين أنه قد تمَّت الدعوة لعقد اجتماعٍ في تلك الليلة؛ للتباحث في أحداث اليوم بطريقةٍ ودية. ولكنَّهم لم يتلقَّوا ردًّا من أيٍّ من العمال؛ فقد هُرعوا جميعًا للحصول على بعض الطعام أو الشراب، ولم يذهب أيٌّ منهم في تلك الليلة إلى قاعة الخلاص. وفي صباح اليوم التالي، تقدَّم سكيمينس وأعضاء اللجنة الآخرون بطلبٍ إلى سارتويل لإعادتهم إلى الخدمة، ومُنحوا وظائفهم القديمة. قدَّم جيبونز استقالته من أمانة النقابة وقُبلت استقالته، الأمر الذي كان بمثابة الصاعقة بالنسبة إليه؛ فقد توقَّع أن يُطلب منه البقاء في منصبه، مع احتمال التصويت على منحه شكرًا رسميًّا، في ظل علمهم بأن العمال قد وافقوا على الإضراب بالإجماع. ولكن سرعان ما أُلقي باللوم كله على كاهله في فشل الإضراب، ووجد نفسه فجأةً مطالبًا بالبحث عن وظيفةٍ أخرى. واشتدَّت المرارة التي يشعر بها نحو سارتويل؛ لتتحوَّل إلى كراهيةٍ شديدة، وأهال اللعنات على رءوس العمال الذين كان منذ فترة وجيزة يوجِّههم في أي اتجاهٍ متى أراد.
في صباح اليوم التالي للاستسلام، فُتحت بوابات المصنع على مصاريعها، وتصاعد الدخان الأسود كثيفًا من المداخن العالية. كانت الفتيات والنساء اللاتي يعملن في الطوابق العليا هن أول من وصل، وارتسم على وجوههن الشاحبة امتنان صامت، عندما رأين راية الدخان المتصاعد تُرفرف فوق رءوسهن مثل إشارة إنقاذ. لم يكن لهن رأيٌ في خوض الإضراب، كما لم يكن لهن رأيٌ في إنهائه. ولم يكلِّف أحدٌ نفسه خلال الإضراب أن يعرف إن كنَّ ما زلن على قيد الحياة، أم مُتنَ عندما توقَّف أجر الإضراب.
وقبل انقضاء اليوم، كان العمل يسير بسلاسةٍ وكأن شيئًا لم يحدث. في البداية، كان العمال يخشَون أن يفرِّق سارتويل في المعاملة بينهم، وأن يصبح بعضهم مستهدَفين بسبب ما بدر منهم يوم الشغب، ولكن سرعان ما تبيَّن لهم عدم وجود أي تمييز بينهم.
وما إن هدأ رَوع العمال فيما يتعلق بتلك النقطة التي كانت تثير قلقهم، حتى استفاقوا من حالة الارتياح تلك على واقعة غير متوقعة. فقد فُصل مارستن. ففي اليوم الأول لصرف الرواتب، حصل الشاب على ما يستحق من أجر بالإضافة إلى راتب شهر كامل. وأخبره الصراف أن المصنع لم يعد بحاجة إلى خدماته. صُعق مارستن من وقع هذا الخبر المفاجئ حتى إنه لم يسأل عن السبب، بل انصرف حاملًا أمواله في يده. كان يعلم جيدًا السبب في طرده بهذه الطريقة المهينة، ولكنه شعر بأنه ليس من العدل أن يستخدم المدير سلطته ضده، في نزاعٍ شخصي بالدرجة الأولى، ومن دون أن يرتكب أي خطأ في عمله. عدَّ مارستن النقود بطريقةٍ آليةٍ ثلاث أو أربع مرات، من دون أن تُوصِل عملية العد إلى عقله أي نتيجةٍ حاسمة تتعلَّق بالمبلغ الذي تقاضاه. ولاحظ في النهاية أنه يبدو أن سارتويل قد أمر بمنحِه أربعة أضعاف مستحقاته القانونية مع إخطارٍ بالفصل. عاد مارستن إلى الصراف وقال:
«لقد أعطيتني أجرَ شهر؛ أنا لا أستحق إلا أجر أسبوع فقط.»
رد الصراف قائلًا: «من الأفضل أن تأخذَ ما مُنح لك. لقد أُمرت بأن أعطيَك أجر شهرٍ وأفصلك. هذه ليسَت نقودي، بل نقودك، ومن الحماقة أن تغادر دون أن تحصل على شيء.»
قال مارستن: «لن آخذ إلا أجري المستحق فقط. أعطِ المبلغَ المتبقِّيَ إلى السيد سارتويل، وأخبره بأني لا أريد منه صدقة.»
قال الصراف: «لا شأن لي بذلك. أعتقد أنك تعرف المشكلة، أمَّا أنا فلا أعرفها. وإذا كنت حكيمًا، فلن ترسل مثل هذه الرسالة إلى المدير، بل ستذهب للقائه بهدوء. لعل بضع كلمات توضِّح السبب تسوي الأمر بينكما؛ على أي حال، لن يفيدَك الانفعال بشيءٍ في هذا الأمر. فليسَت هذه الطريقة المناسبة للعودة إلى العمل في المصنع.»
رد مارستن قائلًا: «أنا لست منفعلًا، ولن أعود إلى العمل في المصنع، لا، حتى وإن طلب مني سارتويل ذلك. أخبره بأني عندما أعود إلى هنا، سأعود مالكًا لهذه الشركة، وستكون سلطته قد انتهَت؛ أخبره بذلك.»
«أوه، حسنًا إذن. إذا كنت تظنُّ أنك ستُخيف رجلًا مثل سارتويل بمثل هذا الحديث الرنان، فسيخيب ظنُّك.»
استدار مارستن، ووجد برونت واقفًا خارج البوابات.
قال برونت: «كنت أنتظرك يا فتى، واعتقدت أنك ربما خرجت مع المجموعة الأولى، ولكن أخبرَني البواب بأنك لم تفعل. تعالَ معي يا مارستن؛ فأنا أشعر بوحدةٍ شديدةٍ وبحاجةٍ إلى شخصٍ أتحدَّث إليه. لا أعلم ماذا حل بي، ولكنَّ ثمَّة خطبًا ما. تراودني أفكار غريبة. وأسمع اللحن الجنائزي ليلًا ونهارًا، وأصبح يزداد كآبةً على كآبة حتى أصبحت أخشى سماعه. هلَّا تسير معي يا فتى؟»
«نعم، يُسعدني ذلك. ألم تُحسِّن عودتك إلى العمل من الأمور؟ اعتقدت أن ذلك سيفيدك.»
«لقد ظَلِلت عاطلًا مدةً طويلة يا فتى. لم يعُد تأثير العمل كما كان من قبل. كنت معتادًا نسيان نفسي في العمل، أما الآن فأشعر وكأني في حلم، وأظل أفكِّر وأفكر، وإذا ما تحدَّث أحدٌ معي فجأة، أضطر إلى سَحْب نفسي من أفكاري البعيدة قبل أن أستطيع فَهْم ما يُقال، وطوال الوقت أسمع أصوات الماكينات وكأنها أنغام اللحن الجنائزي. وتخيَّلت أكثر من مرةٍ أن لانجلي يجلس في الطرف البعيد من الغرفة يعزف، وتستجيب الماكينات جميعها لحركات أصابعه، رغم أني أعلم أنه لم يأتِ إلى المصنع من قبلُ قط. وقفت في مكاني مشدوهًا والناس ينظرون إليَّ بتعجُّب. وعندما فركت عيني، اختفى لانجلي، ولكن الماكينات واصلَت العزف دون توقف.»
«عليك ألَّا تفكِّر كثيرًا في الماضي يا برونت. لن يمرَّ وقتٌ طويل قبل أن يصبح كلُّ شيءٍ على خير ما يرام. كل ما يهمُّ الآن أن تجتهد في عملك قدر ما تستطيع. لقد أصبحت رئيس عمال الصالة العلوية، أليس كذلك؟»
«بلى. كان سارتويل عطوفًا معي. آه! سارتويل رجلٌ بمعنى الكلمة. رجلٌ يلتزم بكلمته.»
«هذا صحيح.»
«ويدعم رجاله ما داموا داعمين له، كما يجدر بالرجل أن يفعل. هل قال أي شيء لك منذ انتهاء الإضراب؟»
«لا.»
«ما زلتَ شابًّا، ولكن ستأتي فرصتك. ادعم سارتويل وسيدعمك. إنه يعرف كم حاولت إنهاء الإضراب، ولن ينسى لك هذا. وسأتحدَّث معه عنك عندما تسنح الفرصة لذلك.»
«أرجو ألَّا تفعل.»
«لماذا؟ لا ضير من ذلك.»
«ولا فائدة منه أيضًا.»
توقَّف برونت عن السير ونظر إلى صديقه عن كثب. وقال: «ما خطبك يا فتى؟ تبدو محبطًا، وها أنا ذا أتحدث عن نفسي دون أن أُلاحظ حالك. ماذا بك؟»
«حسنًا، بما أنك ستعلم ما حدث إن عاجلًا أو آجلًا، ولا فائدة تُرجى من إخفاء الأمر، سارتويل فصلني من العمل.»
توقف برونت عن السير فجأةً والتفت نحو صديقه وصاح غير مصدق ما سمع: «لا!»
«نعم، لقد فعل.»
«يا إلهي، لمَ فعل ذلك؟»
«لم يُذكر السبب. لقد أعطاني الصراف راتب شهر كاملًا، وأخبرني بأني مفصول. ولكن أعدت له ثلاثة أرباع المبلغ لأني لا أستحق إلا أجر أسبوع. لن أقبل إحسانًا من سارتويل.»
«آه، يا فتى، أنت أحمق. لا ترد النقود أبدًا بعدما تُصبح بين يدَيك. إنك لم تضرَّ إلا نفسك. ولكن كان من المرجح للغاية أن أتصرَّف مثلما تصرفت أنت، ولكني أحمق، ولا يجدر بأحدٍ أن يتخذني قدوة. هل سألت سارتويل عن السبب؟»
«لم ألتقه، ولن أفعل.»
«أنت مخطئٌ مجددًا يا فتى. دعنا نَعُد أدراجنا الآن ونستوضح الأمر منه قبل أن يعود إلى منزله.»
«لا، لا، أنا أرفض لقاءه.»
«سأقابله أنا إذن. يجب ألَّا يحدث إجراء مثل هذا. الفصل من العمل دون سبب! أبدًا! لقد أعدتُ العمال إلى العمل، ويمكنني أن أُخرجهم منه مجددًا. وسأترك العمل أنا أيضًا قبل أن أسمح بوقوع ظلمٍ كهذا عليك!»
«وما جدوى ذلك؟ العمال عاجزون، كما تعلم، كما أنهم لن يتركوا العمل، وحتى إذا فكَّروا في فعل ذلك، فسأتوسَّل إليهم بنفسي أن يبقَوا في أماكنهم. لا، أفضل تصرُّفٍ الآن هو التزام الصمت، والاجتهاد في العمل، وملء الخزانة الفارغة، وتنظيم العمل، ليس محليًّا، بل عالميًّا، وتأكد عندما يأتي الإضراب القادم، لن نكون تحت قيادة أحمق على شاكلة جيبونز.»
«ولكن يا فتى، ألَا تريد أن تعرف سبب فصلك من العمل؟ إنه ظلم بيِّن، ولكن لا بد أن ثمة سببًا له في عقل سارتويل. ربما قلت شيئًا أحمق نُقل له مُحرفًا، وأنا واثقٌ من أني قادر على إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. لم أكن أظنُّ أن سارتويل من نوعية الرجال الذين قد يستمعون لأي هراء يُلقى على مسامعهم، ولكن لا يمكن الجزم بذلك.»
«أنت محق تمامًا في اعتقادك بشأن سارتويل. إنه لن يلتفت لأي كلام يصل إلى مسامعه، بغض النظر عن طبيعة هذا الكلام. لا، إنه أعمق من ذلك. إنه يعرف آرائي فيما يتعلق بالتنظيم الصحيح للعمال، ولكن لن يؤثر ذلك في قراره على الإطلاق. ولا تعتقد أني لا أعرف سبب فصلي من العمل؛ لأنني أخبرتك أنهم لم يذكروا أسبابًا. أنا أعلم السبب، ولكن لا أبالي بالحديث عن هذا الموضوع، حتى معك أنت يا سيد برونت. كل ما أريد منك أن تفهمه أن تدخُّلك لن يعود بأي نفع. أريد أن أنسحب في هدوءٍ دون أن أقول شيئًا. وتذكَّر أنني من منطلق علمي بجميع الملابسات، لست واثقًا إلا من أمرٍ واحد؛ هو أنني لو كنت في مكانه، لفعلت مثلما فعل تمامًا. كما أني لن أتقدَّم بشكوى بما حدث؛ فأنا لا أريد أن يكون الأمر مثار حديث. الحقيقة الأهم التي عليك معرفتها هي أنني وسارتويل أصبحنا عدوَّين، ولا يمكن أن يكون ثمة سلامٌ بيننا حتى يُهزَم أحدنا. وإذا تمكَّنت من إقناع سارتويل بأن يطلب مني العودة، وأنت تعلم مدى صعوبة ذلك، فلن أعود. أظنُّك تفهم الآن أن لقاء السيد سارتويل غير ذي نفع.»
«ولكن كيف ستعيش يا فتى؟»
ضحك مارستن.
وقال: «أوه، لن أجدَ صعوبةً في كسب قوتي. لا تخف. كما أني سأدعم النقابة، وآمل أن أتمكَّن ذات يومٍ من أن أُريَ سارتويل كيف يجب أن يُدار إضراب.»
صاح برونت واضعًا يده على كتف صديقه: «أنت على المسار الصحيح إذا كانت هذه هي خطتك! لا أُومِن كثيرًا بالإضرابات، ولكني مؤمنٌ بك! سأجتمع بالعمال الليلة، وسنصوِّت بالإجماع على تنصيبك أمينًا للنقابة. وسيكون هذا ردَّنا على سارتويل. وحينئذٍ يا فتى يمكنك أن تجنيَ ما يكفي للعيش، وأن تُلملم شتات النقابة بالطريقة التي تناسبك.»
قال مارستن متحمسًا: «يعجبني ذلك.»
«وسيتحقَّق. سيُقبل العمال على المشاركة عندما يعرفون بفصلك من العمل. فهم لا يزالون يشعرون بخيبة الأمل بسبب الهزيمة التي تلقَّوها، كما لو لم يكن الخطأ برمته خطأهم؛ أما وقد تبدَّد خوفهم الآن من ترصُّد سارتويل لبعضهم، سيودُّون لو أظهروا بعض الاستقلالية عبر انتخابك؛ ليثبتوا للمدير أنهم ليسوا خائفين منه، وهم كذلك بالفعل. وسيكون عليَّ أن أُقنعهم بأن سارتويل لن يرد الصاع صاعَين أو يعتبر تنصيبك تحديًا له.»
«ولكنه قد يفعل.»
«ليس هو من يفعل ذلك. لقد ضاق بالإضراب شأنه شأن أيٍّ منا. لا. سيكتفي بهز كتفَيه دون قول شيء. أنا واثق من أن جيبونز لو كان لديه شيءٌ من الذكاء وذهب إلى مالكَي المصنع منذ البداية، لكسر شوكة سارتويل منذ ذلك الحين. وهذا ما كان سارتويل يخشاه، أنا واثق من هذا. وجاءَت ضربته القاضية بإقناع مونكتون وهوب بالسفر خارج البلاد. وزيارتك إلى هوب هي ما أدَّت إلى ذلك. لقد أدرك سارتويل أنك وضعت يدك على نقطة ضعفه، وأراهن، لو عرفنا تفاصيل ما حدث، أن سارتويل قد هدَّدهما بإغلاق الشركة بالكامل إذا لم يغادرا البلاد، ففعلا. آه! سارتويل رجلٌ يعرف جيدًا كيف يقاتل.»
كانا قد وصلا إلى الساحة قبل قليل من وصول حديثهما إلى هذه النقطة، وجلس مارستن يتحدث إلى مضيِّفه في غرفته. كانت الغرفة خاليةً من الأثاث أكثر من المعتاد بالنسبة لمثل هذه الأماكن؛ فمن وقت لآخر، مع استمرار حصار المصنع، كانت محتوياتها تُرهن أو تُباع. والمساحة الخالية، حيث كان يوجد الأرغن المزماري القديم، جعلت الغرفة تبدو أكبر مما كانت عليه.
قال برونت متنهدًا في حزن عندما لاحظ عينَي مارستن تنظران إلى البقعة الخالية: «نعم، كان آخر ما خسرناه قبل وفاة جيسي. لقد رهناه ظنًّا منا أننا سنستعيده مرةً أخرى، ولكني لن أستعيده أبدًا. أنا سعيد أنه ليس موجودًا. فلا يمكنني تحمل النظر إليه. ولكن دعنا لا نتحدث عما مضى، بل عن الحاضر. أما زلت تعتقد أنك قادر على فعل شيء من أجل العمال عبر تنظيم صفوفهم؟»
«أنا واثق من ذلك.»
هزَّ برونت رأسه.
وقال: «لن تستطيع يا فتى، ولكني سأبذل قصارى جهدي لأمنحك الفرصة لتجرب. انظر لِمَا حدث. لقد تركوا جيبونز يرحل دون كلمة شكر واحدة: ربما كان أحمق، ولكنه عمل بجدٍّ من أجلهم، ولم يكلِّفوا أنفسهم عناء شكره على الأقل. وسيفعلون المثل معك. سيفعلون المثل مع أيِّ شخص.»
«الأمر برمته يعتمد على كيفية قيادتهم. عندما يقود العمالَ قائدٌ أحمق، سرعان ما يكتشفون حماقته ويفقدون الثقة به. فكِّر فيما كان يمكن لرجل مثل نابليون تحقيقه لو كان قائد عمال بدلًا من الجنود، ووجَّه مواهبه إلى تحسين أحوال رفاقه بدلًا من ذبحهم!»
«لم يكن نابليون ليتمكن من فعل شيء. بل لم يكن ليتمكن من فعل شيء مع الجنود لولا تلك السلطة التي لن تملكها أبدًا.»
«وما هي؟»
«سلطة أن تأمر رجلًا بالخروج من الصف لتُطلق عليه النار. إذا كنت أملك هذه السلطة، لقدتُ العمال بنفسي وحقَّقت لهم أي شيء يريدونه. ستغض الحكومة الطرف عنك إذا ما تركت مائة رجلٍ يموتون جوعًا ولن تتدخَّل أبدًا، ولكن إذا أطلقت النار ولو على أمثال جيبونز من الحمقى، فستُقيم الدنيا ولا تقعدها. ولكننا نظن أنفسنا متحضرين! أما أنا فأرى أننا همج.»
صاح مارستن وهو ينهض: «أوه، أنت مخطئ يا برونت! لقد تخطينا هذه المرحلة منذ أمد بعيد. إذا ما تمكنت من إعادة تنظيم النقابة، فسأُحاول محاربة سارتويل ذات يوم، وسأُسقطه دون إطلاق النار على أحد.»
«حسنًا يا فتى، سأبذل أقصى ما في وسعي من أجلك، وأتمنى لك التوفيق.»
وبالفعل، بذل برونت أقصى ما في وسعه، وفي الأسبوع التالي نُصِّب مارستن بالإجماع أمينًا للنقابة، بواسطة العمال الذين كانوا يرَونه خائنًا منذ بضعة أسابيع فقط.
نفوس متقلبة |
الفصل الثاني والعشرون
لم يحاول مارستن التواصل مع سارتويل. وإذا كان مدير المصنع قد توقَّع أن الشاب سيعرض عليه تسوية، فقد خاب ظنه، وعندما سمع أن مارستن قد انتُخب أمينًا للنقابة العمالية، ارتسمت على شفتيه ابتسامة واجمة، ولكنه لم يعلِّق. كان يدرك أن حربًا لا تُبقي ولا تذر ستنشب بينهما، ولطالما احترم سارتويل الخصم القوي. لم يتخذ سارتويل أي إجراء ضد النقابة، رغم أنه في ذلك الوقت كان قادرًا على إجبار خمسة وسبعين بالمائة من موظفيه على الانسحاب منها، لو أراد. وقد منحه مارستن ما يستحق من التقدير على عزوفه عن استخدام سلاح الإجبار ضد العمال؛ إذ كانت معرفته بسارتويل أقوى من أن يصدق أن الفكرة لم تراوده. ولكن لم يكن مدير المصنع يتمتع بروح السماحة المسيحية، كما كانت زوجته تخبره كثيرًا عن حق؛ فهو يظل يلاحق عدوه حتى يقضي عليه. لقد كاد جيبونز يجثو على ركبتَيه أمام سارتويل، راجيًا إياه أن يُعيِّنه في المصنع في الوظيفة التي طُرد منها مارستن. قال إنه يتضوَّر جوعًا. فكان رد سارتويل أنه سعيدٌ بسماع ذلك، وأنه يأمل أن يكون جيبونز قد استشعر الآن معاناة العمال الذين ضلَّلهم بكل غطرسة؛ وبهذا أهان جيبونز نفسه مرةً أخرى بلا طائل.
ولكن إنصافًا لسارتويل، لا بد من الاعتراف بأن السيطرة التي حاول فرضها على مارستن قد انسلَّ زِمامها من بين أصابعه بطريقة لم يتوقعها على الإطلاق. فهو لم يكن يكره الشاب في حقيقة الأمر، بل على النقيض تمامًا، ولكن طموحاته لابنته الوحيدة كانت أكبر من رؤيتها تتزوَّج أحد عمال مصنعه. كما أن واقعة عثوره على مارستن برفقة إدنا في الحديقة أزعجته بدرجة لم يجرؤ على الاعتراف بها، حتى لنفسه. فإذا كان هذا الشاب المثابر قد تمكن من تركيز جهوده على علاقته بالفتاة التي يحب بهذا النجاح، وهو يوشك على الموت جوعًا في ظل فوضى الإضراب، فما الذي يمكن أن يحدث إذا ما استقرَّت أوضاعه وأصبح يملك المال؟ كان سارتويل قادرًا على منع ابنته من رؤية مارستن، ولا شك أنها كانت ستطيعه، ولكنه لم يرغب في إثارة فضولها لمعرفة سبب هذا المنع، ولم يكن يمتلك الشجاعة لإخبارها بأن الشاب يتوق للحصول على إذنه للتقرب منها: فقد يثير ذلك بداخلها مشاعر نحوه، الأمر الذي سيأتي بنتائج كارثية على آمال والدها. لم يكن سارتويل يتوقع كثيرًا أن يستعطفه مارستن للتراجع عن قرار فصله من العمل، ولكنه كان يعلم أنه قبل أن يحصل الشاب على وظيفة أخرى، عليه أن يحيل أصحاب عمله الجدد إلى مديره القديم، وعندما يحدث هذا، أو إذا ما تحرك مارستن من تلقاء نفسه، كان سارتويل متأهبًا لإملاء شروطه عليه. وإذا ما وعده مارستن بألَّا يلتقي ابنته لعامَين، فسوف يعيده المدير إلى العمل، أو يساعده في الحصول على وظيفةٍ أخرى.
انهارت كل هذه الخطط تمامًا عندما انتخب العمال مارستن أمينًا لنقابتهم على غير المتوقَّع. فلم يفكِّر المدير في هذا الاحتمال، ولكنه واجه الوضع الجديد دون أن يندب حظه.
رأى مارستن أن فصله كان متعسفًا وظالمًا، ولكنه شعر بأنه حرَّره من أي اعتبارات تجاه سارتويل. وأصبح الآن عازمًا على أن يلتقي الفتاة كلما وأينما استطاع؛ لذا توجه إلى ويمبلدون حاملًا في صدره هذا العزم القوي، وقدَّم نفسه بجرأة عند مدخل المنزل الأمامي، وطلب لقاء الآنسة سارتويل. كان يعلم أن والدها لم يجرؤ على إخبارها بحقيقة الوضع، وحتى إذا وصلت الأمور إلى ذلك، فقد حصل بالفعل على إذن بزيارة المنزل في حضور إدنا، الإذن الذي ربما لم يتراجع والدها عنه عندما تركهما مارستن في الحديقة معًا وانصرف؛ إذ كان التراجع سيتطلب تفسيرات وتبريرات لم يكن سارتويل يرى أن من الحكمة تقديمها. لذا قرَّر الشاب أن يلتقي الفتاة ويخبرها صراحةً بسبب حضوره ويناقش قضيته معها. حتى وإن رفضت الاستماع له، فسيكون على الأقل قد دفعها إلى التفكير فيه، وهذا في حد ذاته كان أمرًا يستحق المجازفة.
عندما فتحت الخادمة الباب، تعرَّفت مارستن بأنه الشاب الذي حضر في وقت سابق ولم يكن يدري ماذا يريد، فقالت له على الفور: «السيد سارتويل ليس موجودًا.»
«أريد مقابلة الآنسة سارتويل.»
«الآنسة سارتويل ليست موجودةً أيضًا.»
«هل ستعود قريبًا؟»
«لا أعلم. لقد سافرت الآنسة إدنا.»
ردَّد مارستن كلمتها قائلًا: «سافرت؟» وبدا عليه القلق بسبب هذه العقبة غير المتوقعة التي اعترضت طريقه.
رأت الخادمة نفسها أمام حالة أخرى من الارتباك والتردد؛ فجاءت استجابتها للموقف سريعةً بأن استدعت السيدة سارتويل التي كانت في غرفة الطعام، وبعد أن أوصلت الشاب المُحرَج إلى سيدتها، أغلقت الباب وعادت لمزاولة عملها الأهم الذي قاطعته طرقات مارستن على الباب.
بدأت السيدة سارتويل حديثها قائلةً ببرود شديد: «هل أردت مقابلة الآنسة سارتويل؟ لماذا؟»
لم تكن الإجابة عن هذا السؤال هينة، خاصةً عندما يُطرح من قِبل شخص لا تعرفه تمامًا.
تلعثم الشاب الذي كان في حالة من الانزعاج الشديد: «حسنًا، لا يمكنني أن أخبركِ يا سيدة سارتويل. إنه أمرٌ شخصيٌّ تمامًا. أردت التحدث إلى الآنسة سارتويل قليلًا؛ هذا كل ما في الأمر.»
جلست السيدة في استقامة وقد ارتسمت ملامح الجدية الشديدة على محياها. كان في الأمر لغز قرَّرت أن تحله قبل أن تسمح لهذا الشاب التعيس الحظ بالمغادرة. وسرعان ما استنتج مارستن أن المرأة الجالسة أمامه عدو لدود، ربما يجدر به أن يخشاها أكثر من سارتويل نفسه. وكان كل سؤالٍ يُطرح عليه يزيد الأوضاع تعقيدًا بالنسبة إليه أكثر وأكثر.
«أظن أنك عشيقها، أليس كذلك؟»
«نعم. هذا … لا يمكنني تفسير الأمر حقًّا يا سيدة سارتويل.»
«حسنًا إذن؛ سأسأل زوجي عند عودته الليلة. إنه لا يعرف شيئًا عن هذا الأمر، أليس كذلك؟»
«بلى، لا يعرف.»
«هل يعرف أنك هنا؟»
«إنه لا يعرف أني هنا اليوم. ولكنَّه يعرف أني أحب ابنته.»
«أعتقد أنك قلت إنك لست عشيقها. أيها الشاب، أيًّا كان ما تفعله، فقل الحقيقة. إن كل مشاكلنا الحياتية تنبع من نبذ الحق والإفراط في الغرور. فتجنب الغرور، وتجنب الإفك. ماذا كنت تعني عندما قلت لي الآن إنك لست عشيق الآنسة سارتويل؟ أرجو منك أن تقول الحقيقة.»
«أحاول أن أفعل، ولكن، كما ترين، من الصعب التحدث عن هذا الأمر مع طرف ثالث، و…»
«أنا لست طرفًا ثالثًا. أنا زوجة أبيها، ومسئولة أمام قوة عليا عما أفعله بخصوص إدنا. يجب أن أعرف كل شيء، وحينئذٍ ثق في الضوء الإلهي المرشد الذي ستغدق به السماء علينا. نحن معرَّضون دائمًا للخطأ عندما نعتمد على جهودنا الهزيلة. هل تعرف إدنا سارتويل أنك تحبها؟»
«لا.»
«وهل يعرف والدها؟»
«نعم. لقد أخبرته.»
«إني لأتساءل إذن عما إذا كان منعك من رؤيتها.»
«لقد فعل.»
«هل أنت أحد عماله؟»
«نعم. كنت واحدًا منهم على الأقل.»
«ولم تعد كذلك الآن؟»
«نعم.»
«هل فصلك من عملك؟»
«لقد فُصلت من عملي.»
تلاشت النظرة الصارمة من وجه السيدة سارتويل. وأخذت نفسًا عميقًا — انطلقت معه آهة طويلة تخلَّلها ما يمكن اعتباره رعشة ارتياح عميق — وللمرة الأولى منذ بداية اللقاء، اتكأت في مقعدها في راحة.
وأخيرًا قالت وهي ترمق مارستن بنظرة شفقة: «أيها المسكين! هل تقصد إذن أن تقول إنك على استعداد للمخاطرة بمستقبلك بأكمله، من أجل فتاة لم تتحدث إليها قط؟»
«أوه، لقد تحدثت إليها يا سيدة سارتويل. قلت إني لم أتحدث قط عن … إنها لا تعرف أني أُكنُّ لها أي مشاعر.»
«ولكنك لا تعرف أي شيء قط عن طباعها … عن مزاجها.»
«سأقبل بهذه المخاطرة.»
هزَّت السيدة سارتويل رأسها في أسف.
وقالت: «أنت خير تجسيد لروح هذا العصر الذي يستهين بكل ما هو مهم! الناس يخاطرون بكل شيء. لا شيء أهم للرجل من اختيار زوجة رصينة وتقية؛ فتعاسة الإنسان في الحياة أو سعادته تقوم على هذا الاختيار. إن واجب المرأة الأسمى هو أن تُضفي الضياء والراحة والسعادة على بيت زوجها، أو هكذا يبدو الأمر في رأيي المتواضع عن الزواج. هل تعتقد أن إدنا سارتويل مناسبة، من حيث الطباع أو التعليم، لأداء هذه المهمة النبيلة؟»
«سوف أشعر معها بالسعادة، إذا كان هذا ما تعنين.»
«ما أقل معرفتك بها! ولكنك تعرف والدها، وهي تشبهه كثيرًا. ولا شك في أنه لن يسمح لك بالزواج منها، إذا تمكن من منع هذه الزيجة. أنت عامل، وهو لا يحمل ذرةً من الاعتبار أو التعاطف تجاه تلك الطبقة التي جاء منها. إن لديه طموحاتٍ أكبر من أجل ابنته، لطالما رأيت ذلك. وهو لا يهتم إلا بالتفاخر، ثم التفاخر، ثم التفاخر! أوه، سيلقى هذا التفاخر ضربةً قاضية ذات يوم، وربما كنت أنت أيها الفتى المسكين، يا من تتحدث عن المخاطرة، الأداة المتواضعة التي اختارتها العناية الإلهية لقهر هذا التفاخر، الذي لا يمكن لأحدٍ منا أن يدخل مملكة السماء من دونه! أصبحت أفهم كل شيء الآن. فهمت سبب إرساله إدنا إلى مدرسة في إيستبورن، رغم أنه قال إن السبب يرجع إلى أني لست على وفاق معها. حقًّا لا كثير نفعٍ من المراوغة! وكما تدين تُدان! خلال لقائنا هذا الذي يبدو مصادفة، أرى أنك تقول الحقيقة. ولكن»، ثم استطردت السيدة سارتويل في تأمل، وبدت كما لو أنها تتحدث إلى نفسها أكثر ممَّا تتحدث إلى مستمعها: «لا شك أنه إذا ما تمكَّنت من إيقاع إدنا في حبك، فإنها ستتزوَّجك رغم أنف والدها أو أي أحد آخر. لطالما حذَّرتُ والدها من أن مثل هذه اللحظة ستحين، ولكن للأسف! لا أحد يستمع إليَّ في هذا المنزل، وها قد جاءت اللحظة أسرع مما توقعت. ظَلِلت لبضعة أسابيع أتساءل عما يدور في ذهن إدنا. ظننت أنها ربما تفكر في برنارد هوب، ولكني أدركت الآن أني كنت مخطئة. لا، من المرجح جدًّا أنها كانت تفكر بك أنت، وعندما اكتشف والدها ذلك، أرسلها إلى مدرسة هاي كليف في إيستبورن، ربما على أمل أنك لن تتمكن من زيارتها هناك. إنها فتاة متمردة، وعنيدة، ومتهورة، ومن الصعب السيطرة عليها. وتعتقد أن والدها مثال للكمال؛ ومن ثم يمكنك أن ترى جليًّا مدى سوء تقديرها للأمور. نعم، لا ينبغي أن أتفاجأ تمامًا إذا ما عرضَت عليك أن تهرب معك عندما تصرِّح لها بحبك. لن يفاجئني أبدًا أيُّ شيءٍ تقوله إدنا سارتويل أو تفعله.»
في هذه اللحظة، وعلى حين غرةٍ نهض مارستن، الذي كان مستاءً للغاية من اضطراره لسماع هذا العرض لشخصية الفتاة، وقال إنه لا بد أن ينصرف؛ قائلًا إنه قد أخذ الكثير من وقت السيدة سارتويل.
ردَّت عليه المرأة الطيبة، وهي تنهض أيضًا، قائلة: «لقد وُهبنا وقتنا لنستغلَّه على الوجه الأمثل، وإذا تذكرنا أننا سنُحاسب على كل لحظةٍ أُعطيَت لنا، فلن نعتبر أن الوقت الذي نقضيه فيما فيه الخير والسعادة للآخرين، وقتٌ مهدر. أنا على يقينٍ تامٍّ من أن ما قلته لك سيستقرُّ عميقًا في ذهنك، وأنه سيفيدك كثيرًا.»
«لن أتوانى عن الاستفادة منه.»
«أرجو أن تتفهَّم سبب عزوفي عن إعطائك أيَّ معلوماتٍ عن الآنسة سارتويل، أو ترتيب لقاءٍ بينكما. فهذا لن يكون صوابًا. حتى إذا كانت موجودةً في المنزل، لم يكن بوسعي أن أسمح لك برؤيتها؛ لأني أعلم أنك حضرت من دون إذنٍ من والدها. آمل أنك لا تراني امرأةً متعنتةً بقولي هذا.»
«أوه، إطلاقًا.»
«وأيًّا كان ما سيترتب على حبك لها، فهل ستُنصفني وتتذكر أن كلماتي الأخيرة لك كانت لحثِّك على إفراغ ذهنك من التفكير فيها؟»
قال مارستن: «سأتذكَّر ذلك.»
«وإذا ما حاولت مقابلتها، فاعلم أنك تفعل ذلك ضاربًا برغبتي وأمري عرض الحائط.»
«ثقي بأنكِ لن تُلامي على أي شيء يحدث يا سيدة سارتويل.»
قالت المرأة الصبور وهي تهز رأسها في أسف: «آه، كم أتمنى لو وثقت في ذلك! ولكن إلقاء اللوم أمر سهل، ويزيح المسئولية من فوق كواهل أناسٍ أكثر قدرةً على تحملها بلا شك، وربما أكثر استحقاقًا. بالأمس حضر السيد برنارد هوب إلى هنا، وفُوجئ برحيل إدنا. أخبرني بأنه أتى لزيارتي، ولكنه لم يتمكَّن من منع نفسه من ملاحظة كم السكون والهدوء اللذين يعمَّان المنزل. وعندما سألني عن إدنا، أجبته بمثل ما أجبتك. إن والدها هو الشخص المناسب للإجابة عن هذا السؤال. ولكن السيد هوب هو ابن أعز صديقاتي، وهي امرأةٌ نبيلةٌ تغدق بصدقاتها على القاصي والداني. حسنًا، إلى اللقاء، وأعتذر لعدم قدرتي على مساعدتك، ولكني سأتذكرك في صلواتي، وثِقْ بأن الرب سيرشدك إلى الطريق القويم.»
«شكرًا لكِ يا سيدة سارتويل، وإلى اللقاء.»
وبينما كان الشاب مارستن ينصرف، ظل يردد في نفسه: «مدرسة هاي كليف في إيستبورن»، وعندما ابتعد مسافةً كافية عن المنزل، كتب اسم المدرسة على قطعة من الورق.
نفوس متقلبة |
الفصل الثالث والعشرون
عندما وصل مارستن إلى محطة القطار، كان أول ما ندم عليه أنه لم يأخذ كل المال الذي عُرض عليه يوم فصله من العمل. فلم يكن يدري أن مغامرته ستقوده إلى الذهاب إلى منتجع أنيق ومُكلِّف يُطل على البحر. كانت الحكمة تقتضي أن يؤجل زيارته إلى إيستبورن حتى يتوافر معه المزيد من المال، ولكنه قال لنفسه إنه إذا لم يذهب على الفور، فسوف يعرف سارتويل حتمًا بأمر زيارته إلى ويمبلدون من زوجته، وقد تزداد العقبات أمامه لمقابلة إدنا في إيستبورن. وبالفعل لم يكن يعلم كيف سيجري اللقاء الذي يتمناه؛ فلا شك أن سارتويل عند إرسال ابنته إلى المدرسة الداخلية، قد منح المرأة التي أُوكِلَت لها رعاية إدنا لمحةً عن غرضه الحقيقي من إرسالها إلى هناك. ترجَّل مارستن من العربة المتجهة إلى الجنوب الغربي عند محطة كلابيم جانكشن، ووجد أنه سيُضطر إلى انتظار نصف ساعةٍ حتى يصل قطار إيستبورن. وابتسم عندما تذكر الرعاية والاهتمام اللذَين كان يوليهما إلى النقابة، بعدما أكَّد مرارًا وتكرارًا أنه على استعدادٍ لأن يكرِّس حياته للعمل. وكان من الرائع أن كل ما تحتاج إليه النقابة في الوقت الحالي هو أن تُترك وشأنها.
عندما وصل إلى إيستبورن، بدأ يبحث على الفور عن مدرسة هاي كليف، معتقدًا أنه من الأفضل استكشاف موقع المدرسة، على أمل أن توحي له رؤيتها بخطةٍ عمليةٍ يمكنه تنفيذها. كان ثمة أمرٌ واحدٌ يصب في صالحه؛ هو أن سارتويل لم يكن ليجرؤ على تحذير ابنته من مقابلته؛ خوفًا من إثارة فضولها أو شكوكها. وإذا ما تمكَّن من لقاء إدنا ولو لحظات بمفردها، فهو واثقٌ من أنه سيستطيع تدبير لقاء آخر معها. وجد أن مدرسة هاي كليف عبارة عن منزلٍ كبيرٍ يقع وسط أرضٍ شاسعةٍ ويُطل على البحر، ولكنه كان محاطًا بسورٍ يبدو رادعًا أكثر من السور المغطَّى أعلاه بالزجاج المكسور في ويمبلدون.
أدرك مارستن أن لقاءه بحبيبته سيكون أصعب ممَّا تخيل في البداية. وفكَّر للحظةٍ أن يتقدَّم بجرأةٍ عبر مدخل المدرسة الأمامي، ويطلب إذنًا بلقاء الطالبة الصغيرة، ولكنه سرعان ما تخلَّى عن هذه الخطة كونها غير عملية. فقد كان على يقينٍ من أن رجلًا في دهاء سارتويل أكثر فطنةً من أن يترك الحبل على الغارب، للسماح لأول شخصٍ يطلب مقابلة ابنته بأن يفعل، حتى إن كانَت القواعد العادية للمدرسة تسمح بذلك، وهو أمرٌ مستبعدٌ تمامًا. وأدرك أن المكان لا يمكن اختراقه عبر الهجوم المباشر، بل عبر الحصار البطيء المتأني، فذهب للتجوُّل على الشاطئ وجلس على الحصى موليًا جل تفكيره، وسط صوت الأمواج المريح، لإيجاد حلٍّ لهذه المشكلة.
إذا كان ثمة رجلٌ يطمح إلى تحرير العمال، وتغيير شكل العلاقة بين الرأسماليين والعمال بالكامل، ولا يتمكَّن من التوصُّل إلى فكرةٍ تمكِّنه من قضاء نصف ساعةٍ مع فتاةٍ صغيرةٍ ليسَت محبوسةً في سجن أو دَيْر، بل مجرد طالبة في إحدى المدارس الإنجليزية العادية؛ فإن احتمالية حلِّه للمعضلة الأكثر تعقيدًا ستكون بعيدةً ومحل شك. وهكذا ربط المعضلتَين معًا، وقال في نفسه إن نجاحه في إحداهما سيدل على قدرته على النجاح في الأخرى. كان أول شيءٍ عليه فعله هو تأمين مسكنٍ رخيص، إن كان لمسكنٍ بهذه المواصفات أن يتوافرَ في هذا المنتجع الأنيق، وبذلك يتمكَّن من توفير المال والترقُّب حتى تحين الفرصة المناسبة؛ إذ كان مقتنعًا بأن الطريقة الوحيدة للإسراع بتحقيق غايته هي التأني. كان في موقفٍ من شأن التسرُّع غير الضروري فيه أن يؤدِّيَ إلى استحالة تحقيق نصرٍ مبين. كان يعلم أن الطالبات سوف يخرجْنَ في وقتٍ ما خلال النهار للتنزُّه، ولكنهن سيكن بلا شكٍّ في حراسة معلماتٍ يقظات. وربما يمكن أن يمرَّ بهذا الموكب المثير، وفي الأثناء يدس رسالةً في يد إدنا، ولكن عندما فكَّر مارستن في هذه الخطة، تخلَّى عنها لكونها غير عملية؛ إذ ستكون دهشة إدنا من هذا التصرف غير المفهوم من قِبَله أشدَّ من أن تمتلك معه الحضور الذهني اللازم لإخفاء الرسالة بالسرعة الكافية؛ لكيلا يكتشف أمرها. وغادر مارستن الشاطئ دون أن يتوقَّف عن التفكير في المشكلة، وأثمر بحثه في الجزء من المدينة البعيد عن البحر عن مسكنٍ يناسب متطلباته وميزانيته. وبعدما أتم هذه الخطوة، ذهب للتنزه على الممشى المواجه للبحر، وهو لا يزال يولي تلك المشكلة العويصة جل تركيزه.
وفجأة، تلقَّى ضربةً قوية على ظهره كادت تُسقطه على وجهه. وبعدما تمالك نفسه، تلفَّت حوله لاهثًا في انزعاج وغضب؛ ليرى أمامه بارني هوب بجسده الضخم ووجهه الباسم مادًّا يده التي ضربته على ظهره في ود.
صاح بارني مطلقًا ضحكةً مجلجلة ساخرًا من نظرة مارستن الغاضبة الممتعضة: «مرحبًا يا صديقي العزيز! ماذا تفعل هنا؟ هل أنهكك الإضراب لدرجة دفعتك للمجيء لاستنشاق نسيم البحر لتتعافى؟»
«لم يُنهكني الإضراب مثلما فعلَت الضربة التي تلقيتها منك للتو.»
ألقى بارني رأسه إلى الخلف وضحك بصوت عالٍ، ثم شبَّك ذراعه في ذراع مارستن بودٍّ جم، وقال:
«أعلم أن يدي ليست خفيفة، كما يقول كل أصدقائي، وقد أوقعتني في مشكلة من قبل. اضطُررت ذات مرة إلى ضرب أحدهم في باريس، لمجرد أني لم أتمكن من إقناعه بأن الربتة الخفيفة التي تلقاها مني كانت بغرض المزاح. وأقرَّ بعد ذلك بأن ثمة اختلافًا، وأنه يفضِّل أن يتلقَّى راحتي المفتوحة على ظهره بدلًا من قبضتي المضمومة في وجهه، ولكن ماذا يمكن أن تتوقع؟ فالفرنسيون لا يملكون حسًّا دعابيًّا، كما أنهم لا يجيدون اللكم. عليهم، بوصفهم أمة، إما أن يتعلموا كيف يتقبلون المزاح، أو أن يتعلموا كيفية استخدام قبضاتهم إذا كانوا سيأخذون الأمور على محمل الجد. ولكن صفعتي على الظهر لا تُقارن بمصافحتي عندما أشعر بالود تجاه شخص ما. دعنا نرَ، هل صافحتك بهذه الطريقة؟»
قال مارستن بلهفة جعلت بارني يضحك مرةً أخرى: «نعم، شكرًا لك.»
«أنا سعيد بلقائك غير المتوقع هذا. اسمك لانجتون، على ما أتذكر، أليس كذلك؟»
«اسمي مارستن.»
«أوه، نعم، بالطبع. أنا أغبى رعايا المملكة في تذكر الأسماء، وأعلم أنه ذنب لا يُغتفر. فالناس يشعرون بالإهانة، على ما يبدو، إذا لم تستطع أن تتذكر أسماءهم. ولا أعلم سبب ذلك. فأنا لا يهمني على الإطلاق الاسم الذي تدعوني به ما دمت لم تقُل إني لست رسامًا. فحينئذٍ سأكون على استعدادٍ للقتال. فالرجل الذي لا يقاتل من أجل فنِّه لا يستحق أن يكون فنانًا. وبمناسبة الحديث عن الفن، أتذكَّر الآن أن لانجتون هو الرجل الذي أرسلته إليَّ، والذي يعزف على البيانو ببراعةٍ تضاهي روبينوف، ذلك العازف الروسي. حسنًا، أنا سعيد للغاية بمقابلتك، كنت أتمنى للتو أن ألتقي أي شخص أعرفه. كنت متلهفًا للتحدث إلى شخص ما. إن إيستبورن مدينة مملة للغاية، كما تعلم.»
«لم آتِ إلى هنا من قبلُ قط. وهي تبدو لي مكانًا جميلًا للغاية.»
«نعم، تبدو كذلك للوهلة الأولى، ولكن انتظر حتى يمر عليك هنا يومٌ أو اثنان. إنها مكان وقور بصورةٍ مبالغ فيها! وهذا ما أكرهه فيها. فالوقار سيئ بطبيعته بما يكفي، ولكن يبدو أن نسيم البحر يُفاقم تأثيره. لا يمكنني أن أعرف السبب، ولكن هكذا هو الحال؛ ومن ثم يتحوَّل الوقار الذي يُمكنك تحمُّله في لندن إلى وقارٍ لا يُحتمل بالقرب من البحر. ألم تُلاحظ ذلك؟ كما أن هذا الوقار قائم على أساس هش؛ فأجرة قطار الدرجة الثالثة إلى برايتون تكلِّف أربعة شلنات وبنسين ونصفًا، بينما الأجرة إلى إيستبورن تكلِّف أربعة شلنات وأحد عشر بنسًا، ما يعني أن كل هذه العجرفة قائمةٌ على أساسٍ هزيلٍ لا يتجاوز ثمانية بنسات ونصفًا. هل فهمت ما أعنيه؟ لن أقايض أسبوعًا في برايتون مقابل يومٍ في إيستبورن، على الرغم من كراهيتي لأن أجبر على الذهاب إلى أيٍّ منهما. لندن هي المدينة الوحيدة التي تناسب ذوقي، كما تعلم.»
«لماذا جئت إلى إيستبورن إذن؟»
«آه، ها أنت ذا قد وصلت إلى مربط الفرس، لقد وصلت إلى لب الموضوع. لماذا جئت بالفعل؟ ألَا يمكنك أن تخمِّن؟ يمكنني أن أخمن سبب وجودك هنا في الحال دون تفكير.»
سأله مارستن: «لماذا؟» وكان منزعجًا بعض الشيء.
«أوه، الأمر بكل بساطةٍ أن طبيبًا أحمق لا يفقه شيئًا في الطب أرسلك إلى هنا. أنت هنا من أجل الهواء العليل يا فتى: إنك لم تأتِ من أجل الاجتماعيات، فلا بد أنك أتيت من أجل الهواء؛ فذاك هو الشيء الوحيد خلاف الاجتماعيات الذي تمتلكه إيستبورن. لقد أخبرَك الطبيب بأنَّك ستتعافى في غضون أسبوع، وستفعل، إذا ما تمكنت من الاحتفاظ برشدك طوال هذه المدة. كنت سأجنُّ، رغم أني عاقل كما ترى، لو أُجبرت على العيش في هذا المكان أسبوعَين، كنت سأجنُّ، وأقسم على ذلك بشرفي! لا، إنك لم تلتقني في إيستبورن من أجل الهواء العليل أو التفاعل الاجتماعي، ولكني أتيت من أجل الاجتماعيات أيضًا، بصورةٍ ما، إلا أن الأمر لم ينجح؛ وها أنا ذا عالقٌ هنا مع سائق عربة وسائس خيل، بخلاف خادم خاص، وحصانَين، وواحدة من أفضل العربات التي غادرت لندن على الإطلاق. هذا ركبي هناك. دائمًا ما أقود عربةً بحصانَين بالطبع؛ فهي الطريقة الوحيدة الصحيحة لقيادة العربات. لا أقصد بذلك أنني لا أهتم بأسلوب القيادة — آمل أني تخطَّيت كل هذه الأمور — وليسَت مسئوليتي أن كثيرين آخرين يفعلون المثل؛ فأنا أحبُّ العربات ذات الحصانَين لذاتها. هل قدت عربةً ذات حصانَين من قبل؟»
قال مارستن: «لا، على الإطلاق»، قالها وهو ينظر إلى عربة بارني الجميلة التي كان يقودها ببطءٍ جيئةً وذهابًا على طول الطريق رجلٌ يرتدي حلةً أنيقة. كان قد رأى العربة من قبل، ولكنه في تلك اللحظة كان يرمقها باهتمامٍ جديدٍ بعدما أعلن بارني بتواضعٍ أنه مالكها.
«إن قيادتها ليست سهلةً مثلما تبدو. فلا يمكن لأي أحمق أن يقود عربةً ذات حصانَين، على الرغم ممَّا يُقال عن كوني أحد أوائل سائقي العربات ذات الحصانَين في لندن. أنا لا أدَّعي ذلك بالطبع، ولكن ثمَّة مَن يدَّعون ذلك، وقد نصَّبوا أنفسهم قضاةً أيضًا. ولكن لا متعة في القيادة بمفردك؛ فلكي تستمتع بقيادة عربةٍ ذات حصانَين، تحتاج إلى فتاةٍ جميلةٍ تجلس بجوارك.»
«ألَا يوجد فتيات جميلات في إيستبورن؟»
«يوجد يا صديقي، وهذا تحديدًا ما أريد التحدُّث إليك بشأنه. دعنا نجلس هنا تحت هذه الظُّلة لأني أريدك أن توليني كامل انتباهك. لقد أسديتك معروفًا ذات يوم، على الرغم من أنه كان لشخص آخر، أليس كذلك؟»
«بلى. لقد أسديتني معروفَين على الأقل.»
«حسنًا، لا بأس. وربما سأسديك في المستقبل معروفًا ثالثًا أو رابعًا، مَن يدري؟ وأذكر هذا المعروف لأنني سأطلب منك معروفًا كبيرًا الآن. وهذا ما جعلني سعيدًا للغاية برؤيتك بالطبع إلى جانب سعادتي بالحديث معك مرةً أخرى في هذه المدينة الكئيبة. كنت أفكِّر في الأمر الآن وأتساءل عمن يمكنه مساعدتي، وعندما رفعت بصري لأعلى، وجدتك أمامي. دائمًا ما تساعدني العناية الإلهية عندما أقع في مأزق، دائمًا. ولطالما علمت أنها لن تخذلني، رغم أني لست بالرجل الذي يمكن أن تصفه بالتقي. أعتقد أنك لم تأتِ إلى هنا لشيءٍ بعينه، أليس كذلك؟»
«لا شيء سوى المتعة.»
«قُضيَ الأمر إذن. وبما أنه لا توجد أيُّ متعةٍ هنا، فلربما يمكنك أن تحوِّل مسارك وتساعدني، ستكون مزحةً رائعة. أنا بحاجةٍ إلى رجلٍ ذكي ولا أعتقد أني قد أعثر عليه في إيستبورن؛ فلو كان ذكيًّا لما بقي فيها. كما أنه يجب ألَّا يكون رجلًا معروفًا في البلدة، هل تفهم ما أقول؟ كذلك يجب أن يكون ملمًّا بالطبقات العاملة وطرائقهم وعاداتهم، وكما ترى يا صديقي، لقد أرسلَت لي العناية الإلهية الرجل الذي أحتاج إليه تمامًا. عدني أنك ستساعدني.»
«سأفعل إن استطعت.»
«ستفعل! أنت الشخص الذي يستطيع مساعدتي، ولا يمكن لأي شخص آخر أن يفعل لي ما أريده بنصف كفاءتك. قبل كل شيء، هل رأيت ابنة سارتويل من قبل؟ إن لديه ابنةً واحدةً فقط.»
«رأيتُها من قبل؟»
«نعم. كانَت من بين الحضور في حفل الاستقبال في مرسمي يوم أتيت إلى هناك. لا أظن أنك قد لاحظتها وسط هذا الحشد من الحاضرين، ولكنها كانت أجملَ فتاةٍ في الغرفة بكل المقاييس.»
«نعم، رأيت الآنسة سارتويل من قبل. كانت معتادةً زيارةَ والدها في مكتبه على نحوٍ دائم.»
«هذا أيضًا جيد! هذا هو المؤهل الرابع المطلوب في الشخص الذي سيُساعدني؛ ومن ثم أصبحت تدرك أنك الرجل المناسب تمامًا لأداء المهمة. تصادف أن هذه الفتاة الساحرة في إحدى المدارس في إيستبورن، وهذا هو باختصارٍ سبب حضوري إلى هنا. أريد أن أبعث رسالةً إلى الآنسة سارتويل في المدرسة، وأريد منك أن تتولَّى تسليمها إليها.»
«أوه، لا أعتقد أنه يجدر بي أداء مهمةٍ من هذا القبيل يا سيد هوب. فإذا علم السيد سارتويل أنني …»
قاطعه بارني واضعًا يده على كتف مارستن بطريقة ودود، قائلًا: «صديقي العزيز، لا بأس، ثِق بي. نحن لا نفعل أي شيءٍ في الخفاء. يا إلهي، أنا واثقٌ من أنك لا تظنُّني من هذا النوع من الرجال يا لانجتون! أوه، لا! إن لديَّ إذنًا من والدها.»
«لماذا لا تذهب إلى المدرسة إذن وتقابلها؟»
«لأن الأمر، يا صديقي العزيز، معقدٌ بعض الشيء. يمكنني أن أحصل على إذنٍ من الآباء متى أردت؛ فالمال كفيلٌ بذلك. والفتيات في العموم يعجبْنَ بي، ولن أقول إن السبب الوحيد في ذلك هو المال، لا، عليَّ أن أمدح نفسي؛ فأنا حسن المظهر، وعلى درجةٍ معقولةٍ من الذكاء، ولديَّ سمعة فنية لا شك في تحقُّقها، ولكن كبار السن لا يهتمُّون إلا بالمال. وأنا وسارتويل يفهم أحدنا الآخر. ولكي أكون صريحًا ومباشرًا، فهو يقول لي بطريقة عملية: «بارني أنت أحمق، ولكنك ثري، ولا أظن أنك أكثر حماقةً من شابٍّ عادي من شباب هذه الأيام؛ ولذا أفتح لك الطريق، فاذهب يا بني، وفُز بقلبها.» وأنا أقول لسارتويل: «أنت عجوز فظ حاد الطباع سريع الغضب يمتلك حسًّا فنيًّا لا يختلف عن حس برج صناعة الطلقات، ولكن ابنتك كالملاك، وأنا أملك من المال ما يكفي كلَينا.» وكما ترى، لم أهتمَّ قط بالمال إلا لكي أحقِّق غاياتي. وهذا هو الموقف بيننا الآن. كان سارتويل سيأتي إلى هنا معي، ولكن بعدما انطلقت، أرسل برقيةً إلى مرسمي يقول فيها إنه مشغولٌ للغاية في المصنع بعد عودة جميع العمال مجددًا، ويريد مني تأجيل زيارتي أسبوعًا. لذا اضطُررت لأن أُحضر الخيل والعربة إلى هنا، فانطلقت بالعربة، وغادرت لندن قبل يومٍ من الموعد الذي كان من المفترض أن أُغادر فيه. ثم واجهَتني العقبة الحالية. ذهبت إلى المدرسة وطلبت لقاء الآنسة سارتويل قائلًا إني صديقٌ لوالدها، إلا أن السيدة المسئولة رمقَتني بنظرة شك، نعم، لقد فعلَت دون شك، يا صديقي، وأعلم أنه من الصعب تصديق ذلك. قالت السيدة إنها لا يمكن أن تسمح للآنسة سارتويل بلقاء أي شخص، إلا إذا كان بصحبة والدها. كما أنها لن تتسلَّم أي رسائل للفتاة، ولم أدرِ ماذا أفعل. لقد كتبت خطابًا إلى الآنسة سارتويل من الفندق الذي أقيم به هنا، ولكن فتحته أنثى التنين تلك ثم أعادَته إليَّ طالبةً مني ألَّا أحاول التواصل مع أيٍّ من الفتيات اللاتي تتولَّى مسئوليتهن. وها هي العربة الأنيقة ذات الحصانَين، وها هي الفتاة الجميلة، وها أنا أهيم على وجهي متشوقًا لاصطحابها في جولة بالعربة. هذا هو الموقف باختصار، وأريدك أن تساعدني عبر حمل رسالة إلى الآنسة إدنا.»
«لا أعلم كيف يمكنني فعل ذلك. فأنت، رغم حصولك على إذن والدها، لم تتمكن من رؤيتها ولو لحظات، فكيف سأتمكن أنا من ذلك؟»
«أوه، لقد رتَّبت كل شيء. فكرت في البداية أن أرسل شابًّا إلى هناك يدَّعي أنه نجار أو سباك، ولكن مواسير المدرسة ونجارتها في حالة جيدة على حد علمي. ثم حضرني إلهام؛ فأنا رهن الإلهام. الرجل الذي يعتني بحديقة المدرسة يعيش في البلدة، وهو على أتم استعدادٍ لمساعدتي، في الواقع لقد أغدقت عليه العطاء. المشكلة أن جميع مساعديه ريفيُّون حمقى لن يتورَّعوا عن إفساد مهمةٍ حساسةٍ كتلك، ولكني كنت سأُغامر وأمضي في خطتي قدمًا غدًا مع أحدهم عندما وقعَت عليك عيناي، فقلت في نفسي: «هذا هو الرجل المناسب!» فأنا دائمًا ما أميِّز الرجل المناسب عندما ترسله إليَّ العناية الإلهية. هذا هو السر الأهم للحياة الناجحة؛ أن تكون قادرًا على ملاحظة العطايا التي تُرسلها لك العناية الإلهية لحظة إرسالها لك. أغلب الناس يضلون طريقهم لأنهم لا يقدِّرون تدخُّل العناية الإلهية إلا لاحقًا. سترتدي ثياب بستاني، وتُمسك مكنسةً قبيحة وثقيلة في يدك، وتذهب إلى مدرسة هاي كليف لتكنس الممرات وما إلى ذلك. وعندما تخرج الفتيات للتنزُّه، تتحيَّن الوقت المناسب وتخبر الآنسة إدنا بأني أنتظرها هنا مع العربة ذات الحصانَين. يُسمح للفتيات بالخروج في مجموعاتٍ من ثلاث فتياتٍ في المرة الواحدة. يمكن لفتاتَين منهن أن تجلسا ظهرًا لظهر في العربة، على أن تجلس إدنا بجواري. أخبرها بأن تتخيَّر اثنتَين من صديقاتها ممَّن يمكنها الوثوق بهن، وسنذهب جميعًا في جولةٍ ممتعةٍ بالعربة. وإذا تردَّدَت، فأخبرها بأني أتيت إلى هنا بإذنٍ من والدها، ولكن لا تقُل هذا إلا باعتباره خيارًا أخيرًا. فأنا أفضِّل كثيرًا أن تأتي من تلقاء نفسها.»
«ما لا أفهمه في خطتك هو سبب وجودها من الأساس، إذا كنت حصلت على إذن السيد سارتويل … لا، لا، أنا لا أشكِّك في كلماتك … كان عليَّ أن أقول بما أنك حصلت على إذن والدها … فلمَ لا ترسل له برقيةً تخبره فيها بأنك هنا، وتجعله يرسل برقيةً إلى المعلمة في المدرسة يطلب فيها السماح للآنسة سارتويل بالخروج معك في نزهةٍ بالعربة، مع مرافقٍ مناسب بالطبع؟»
«عزيزي لانجتون …»
«مارستن، من فضلك.»
«أوه، نعم، بالطبع. عزيزي مارستن، إن ما تقترحه يسيرٌ للغاية، وهو بالضبط ما سيفكر به أيُّ عقل منظم. فهذا هو التصرف العقلاني وسيكون ملائمًا تمامًا. ولكن يا صغيري مارستن، أنا أعرف عن النساء أمورًا ربما لم تُتح لك الخبرة الكافية بعدُ لمعرفتها. أنا لست بحاجةٍ للحصول على موافقةٍ تامةٍ من والدها على هذه العلاقة؛ لأن الفتيات الصغيرات يستمتعْنَ بالخروج في مغامراتٍ صغيرةٍ بريئةٍ بمفردهن دون إذن من آبائهن، هل تفهم ما أعنيه؟ وبالطبع، إذا لم يدرِ رأس المشكلة في هذه القصة ما عليه أن يفعل، فسيلجأ في نهاية المطاف إلى السلطة المناسبة، ولكنك تعلم أني قد التقيت هذه الفتاة كثيرًا تحت عينَي والدها، إن لم يكن في ذلك تجاوز، وعلى الرغم من أنها جذابةٌ وجميلةٌ للغاية ولا ينقصها شيء، فلا يبدو أنني أحرز معها التقدُّم الكافي كيفما أريد. وإضافة لمحة من … تفهم ما أعنيه … هذا الشيء … أعني الرومانسية ومثل هذه الأشياء، تساوي كل عبارات المباركة التقليدية الجاهزة التي يردِّدها الآباء. ستعرف كل شيء عن ذلك عندما يتقدَّم بك العمر يا فتى.»
«سيد هوب …»
«اسمع يا فتى، ادعُني بارني. قلَّة فقط من أصدقائي هم من يدعونني «سيد هوب»، وعندما ينطق أحدٌ هذا الاسم، دائمًا ما أظن أنه يقصد أبي الذي يمتِّع نفسه حاليًّا إلى أقصى مدًى في دريسدن، أو في مكانٍ ما قريبٍ منها. كنتَ على وَشْك أن تقول …»
«كنت على وَشْك أن أقول إنني كنت أودُّ بشدةٍ أن أُلبِّي لك مطلبك، ولكن لديَّ مخاوف بشأن ما تطلبه مني.»
«مارستن، معذرةً لِمَا سأقول، ولكني أخشى أنك مثل بقية البشر في العالم. دائمًا ما يرغب الناس في تنفيذ ما تطلبه منهم، ولكنهم يرفضون تنفيذ المطلب الذي تريده منهم، إذا كان المغزى من كلماتي واضحًا. إذا ما رغبت في اقتراض خمسة جنيهات، فسيفعلون كل ما يمكنهم فعله من أجلك ما عدا إقراضَك إياها. وهذا ما يحدث الآن، بغضِّ النظر عن رغبتك في اقتراض خمسة الجنيهات، سأعطيك هذا المبلغ، بل سأعطيك ورقةً بعشرة جنيهات، إذا ما وافقت على أداء هذه المهمة.»
«أوه، إذا وافقت على أداء المهمة، فلن آخذ أي مال مقابل ذلك.»
«ولكني لا أريد أن يؤدِّي لي أيُّ شخصٍ خدمةً من منطلق المحبة. فأنا لا أُومِن بذلك. إذا بعت لوحة، أريد الحصول على السعر المحدد لها، نعم، أقسم لك بأنني سأفعل!»
«وإذا ما أديت هذه المهمة، فستكون في سبيل المحبة الخالصة، دون أي اعتباراتٍ أخرى. ولكني لا أعتقد أني سأكون أمينًا أو نزيهًا إذا ما أديتها. لا يمكنني أن أخبرَك بسبب اعتقادي هذا؛ فكل ما أريده هو أن أنفِّذ ما تطلبه مني، ولكني على يقين من أنني يجب أن أقول لا، لو كنت شخصًا نزيهًا تمامًا كما أودُّ أن أكون.»
«أنا أقدِّر مخاوفك يا صديقي العزيز، ولكني أؤكِّد لك أن لا محل لها من الصحة في موقفنا هذا. أؤكد لك ذلك. كما أنك قطعت على نفسِك وعدًا وسأُلزمك به. لن أهرب معها وأتزوَّجها دون رغبتها ورغبة ذويها جميعًا. لو أردت مقابلة الفتاة دون رغبة والدها، فقد يكون لك كل الحق في الاعتراض على ما أعتزم فعله، ولكني لا أريد ذلك، ألَا ترى أن الحقيقة تصنع كل الفارق في هذا العالم؟ إنك تدرك ذلك دون شك. على الرجل أن يبذل قُصارى جهده من أجل الفتاة التي يحبُّها، وسيكون جبانًا لو لم يفعل. لهذا السبب أتحمَّل كل هذه المشقة ولا أبرح تلك البلدة البائسة الموحشة. إذا لم ترَ الفتاة أنك تُجابه بعض المشقة لكي تراها، فلن تفكِّر بك كثيرًا أو دائمًا، ثِق بي في ذلك.»
«أعتقد أنك محق. سأذهب.»
صاح بارني متحمسًا وهو يضرب على كتف رفيقه بقوة: «إنك لشخصٌ طيب القلب يا مارستن! نعم يا فتى، شخص طيب ومعدنك أصيل!»
«أخشى أن معدني من أرخص أنواع المعادن يا سيد هوب. أعتقد أنك تؤمن بمقولة: «كل شيءٍ في الحب مباح»؟»
«أُومِن بها بالطبع يا صديقي العزيز، إنه المبدأ الذي أرتِّب حياتي اليومية وفقًا له.»
«حسنًا إذن. ولكني لن أحمل رسالةً شفهية؛ فقد لا تسنح لي الفرصة لتوصيلها، كما أني قد أنسى جزءًا منها، أو أحرِّف صياغتها بطريقةٍ تجعلها مضللة. إذا كتبت ما تريد أن تعرفه الآنسة سارتويل بالضبط وأعطيتني الخطاب، فسأوصله لها حتى وإن سنحت لي أقل فرصة.»
«أنت محق يا صديقي! والآن، تعالَ معي وسأعرِّفك بالبستاني ونرى إذا كان يمتلك ثوبًا يناسبك.»
نفوس متقلبة |
الفصل الرابع والعشرون
في الصباح، اصطحب بارني مارستن إلى منزل البستاني الطيب، الذي أمنت تأثيرات الثراء المفسدة حسن نواياه وضمنت تعاونه، وهناك ارتدى الشاب الثياب التي من المفترض أن تضفي عليه سيماء البستاني اللازمة لأداء الدور الذي عليه أن يلعبه. كان مارستن يأخذ الأمر بجديةٍ بالغة، بينما بدا بارني مستمتعًا بهذا الحفل التنكري إلى أقصى حد، حتى إنه أراد أن يلتقط صورةً للبستاني الجديد كتذكارٍ لهذه المناسبة.
وأخيرًا انصرف مارستن حاملًا مكنسةً على كتفه، ومثل أمام مدخل حديقة مدرسة هاي كليف، وسُمح له بالدخول دون نقاش. لم يحاول مارستن أن يخفيَ عن نفسه حقيقة انزعاجه من الاحتيال الذي يوشك على ارتكابه، ولكن عندما أنَّبه ضميره، سأله عمَّا إذا كان لديه خطةٌ أفضل ليقترحها، ولكنه لم يجد لديه إجابةً عن هذا السؤال.
كانت الحديقة المحيطة بالمدرسة خاليةً عندما وصل إليها، وقادَته فطنته الفطرية إلى الاتجاه أولًا نحو الممرات الظاهرة للعامة، وبهذا، عندما تخرج الفتيات، يكون في الجزء الأكثر عزلةً من الحديقة؛ إذ كان واثقًا من أن قواعد المدرسة تنص على أن يخرجْنَ لاستنشاق الهواء النقي فيها. وصدق حدسه، وكان شعوره بالإحراج أقوى ممَّا توقع، عندما وجد نفسه فجأةً وسط مجموعةٍ من الفتيات يثرثرْنَ جميعًا في صخبٍ ومرح، ولكن لحسن الحظ لم تُعِره أيٌّ منهن ذرة اهتمام. لم يضع مارستن في حسبانه وجود أيٍّ من المعلمات، ولكن ثلاثًا منهن كن حاضرات، إلا أنهن جلسْنَ على أحد مقاعد الحديقة ولم يبدُ عليهن أنهن يعبأْنَ بما تفعله الفتيات المكلَّفات برعايتهن.
كانت إدنا سارتويل تحمل في يدها كتابًا واضعةً إحدى أصابعها بين أوراقه، ولكنها كانت تذرع المكان جيئةً وذهابًا مع فتاةٍ أخرى وتتحدثان بصوتٍ هامس. كان مارستن يأمل أن يكون موضوع الكتاب شيقًا، وتمنَّى لو انزوَت الفتاة في مكانٍ منعزلٍ لتقرأه؛ فقد بدأ يشعر بأن مهمته لن تُنجز بسهولةٍ كما كان يتوقع، على الرغم من نجاحه في الدخول إلى حديقة المدرسة، التي بدَت في البداية الخطوة الأصعب في محاولته برمتها. وفي نهاية المطاف، منحه الكتابُ الفرصةَ التي كان ينشدها؛ إذ وقفت إدنا ورفيقتها برهةً معًا بعد انتهاء نزهتهما، ثم افترقَتا.
كان في أحد أركان الحديقة منزلٌ صيفيٌّ منعزل، تحجبه أشجارٌ وشجيراتٌ كثيفة عن الرؤية من المدرسة، وبالكاد تصله أصوات الثرثرة المرحة التي أشاعَت البهجة في الأجواء في مكانٍ آخر، واتجهَت إدنا نحو هذه البقعة الهادئة وهي تقرأ الكتاب أثناء سيرها؛ إذ كان واضحًا أنها على درايةٍ بالمسارات التي تؤدِّي إليها. تتبَّعها مارستن ببطءٍ في البداية، ثم زاد من سرعته عندما قلَّت احتمالاتُ ملاحظته من قِبَل أحد، وكانت دقات قلبه أسرع ممَّا كان يتوقع بسبب الجهد الذي كان يبذله. كانت الفتاة تجلس في «الشاليه» الصغير، عندما حجب جسد مارستن ضوء الشمس المتسلِّل من مدخله.
كان كل ما جرؤ على قوله هو: «آنسة سارتويل.»
هبَّت إدنا واقفةً وسقط الكتاب على الأرض، ونظرت نحوه بعينَين فزعتَين لم يبدُ فيهما أنها تعرَّفت عليه.
«أرى أنكِ لا تعرفينني، ولا عجب في ذلك؛ فلم أكن أرتدي ملابس بستانيٍّ عندما كنت واقفًا في حديقة منزلكِ آخر مرة.»
تورَّد وجه الفتاة وأشرق بالسعادة، وأطلَّت الضحكة من عينَيها أولًا قبل أن تُطلَّ من شفتَيها.
«لقد أفزعتني!» قالتها الفتاة وقد تلاشى لديها الفزع، ولم تكن قادرةً على كبح جماح سرورها، بينما كانت تتفحَّص ملابسه الغريبة من قمة رأسه حتى أخمَص قدمَيه. «هل أصبحتَ تعمل بستانيًّا هنا، أم قفزتَ من فوق السور؟»
«الأسوار هنا عالية للغاية، وإلا حاولت تسلقها. أنا بستانيٌّ لليوم فقط، حتى أتمكن من التحدث إليكِ.»
«تتحدث إليَّ أنا؟ كنت أعتقد أن الإضراب قد انتهى نهايةً سعيدة. ألم تعُد إلى عملك؟ كيف سُمح لك بترك عملك؟»
«أوه، لا مشكلة في ذلك! يمكنني أن آخذ عطلةً متى أردت. نعم، لقد عُدت إلى عملي، وصرت غارقًا في العمل منذ ذلك الحين. وجئت إلى هنا بالأمس على أمل أن أقابلك. فقد كان هذا أمرًا مهمًّا للغاية، بالنسبة إليَّ على الأقل.»
«هل حصلت إِذَن على الترقية المنشودة بهذه السرعة، أم إنك ترى أنه يجدر بي أن أتحدَّث إلى أبي عن منصبك عندما أراه في المرَّة القادمة؟ كان من المفترض أن يحضر في وقتٍ سابق، ولكنه أرسل إليَّ رسالةً تقول إنه مشغول للغاية بعدما عاد العمال إلى عملهم، وإنه لن يتمكن من الحضور ربما لأسبوعٍ آخر أو أكثر.»
«لم آتِ إلى هنا ألتمس صنيعًا من والدك، بل جئت من أجلكِ أنت. أنا أحبكِ يا إدنا، ولطالما أحببتكِ منذ وقعَت عيناي عليكِ لأول مرة! لا تتخيلي أن … أن الغرور قد اجتاحني لدرجة أن يحدوني أملٌ ولو بسيطًا في أن تهتمي لأمري؛ فأنت بالطبع لا توليني أي اهتمامٍ ولا يمكنكِ ذلك، ولكني أردت أن تعرفي شعوري تجاهك. أردت أن أخبرك؛ ولهذا السبب أتيت. أنا فقير، لا يمكنني إنكار ذلك، ولكن والدكِ كان فقيرًا أيضًا يومًا ما، وتحسَّنت أحواله بعد ذلك. ستتحسَّن أحوالي أنا أيضًا؛ سأواصل العمل ليلًا ونهارًا. وأيًّا كان مَن أعمل تحت إمرته، فسأخدمه بكل إخلاص، يا إلهي! سأخدمه حتى تنبري ساقاي إذا كان ذلك هو ما يتطلَّبه الأمر؛ ليقتنع بمدى جديتي في الفوز بثقته وأن أكون ضمن ثقاته، وستظل صورتكِ مطبوعةً طوال هذا الوقت في ذهني تمنحني السعادة والأمل، كما كانَت دائمًا منذ أمدٍ طويل، منذ بدأ حبكِ يغزو قلبي. أنت تعلمين أني لا أملك فرصةً في الفوز بقلبك كما قد يمتلكها غيري. لقد أرسلك والدك إلى هذه المدرسة بغرض منعي من لقائك، الذي كان سيتسنى لي لو كنت ثريًّا. أنا لا أملك فرصةً عادلة على الإطلاق، عدا تلك التي أختلسها لنفسي، كما فعلت اليوم. وهذه الفرصة تعني الكثير والكثير بالنسبة إليَّ، بل تعني كل شيء؛ حتى إنني لم أجرؤ على الإقدام على المخاطرة. أعرف أني أفصحت عن مشاعري في وقت مبكر للغاية، وبصورة مفاجئة للغاية، ولكني لم أجرؤ على مواجهة المستقبل الذي رسمته لنفسي من دون أن تعرفيها. قد يفوز أحدهم بقلبك بينما أعمل أنا من أجل الوصول إليك، وسيسعى كثيرون من أجل ذلك. لا أريدك أن تقولي شيئًا، لا أريد كلمات تمنحني الأمل أو تورثني الإحباط، لا أريد وعودًا، لا أريد أي شيء! لقد أصبحت تعرفين ما أشعر به، وهذا يكفيني الآن. ولكني أريدك أن تتذكري، أحيانًا، أن ما من رجل يكافح من أجل الوصول إليك مثلما أفعل. تذكري ذلك عندما يتحدث إليك رجال آخرون. حبيبتي … حبيبتي … لم يشعر رجل بمثل ما أشعر منذ بدء الخليقة!»
ذاب أيُّ خجل كان يشعر به مارستن في حضرة إدنا حتى هذه اللحظة، في حرارة عاطفته المتقدة عندما بدأ يتحدث. كانت الكلمات تتدافع من فمه، كل كلمةٍ في عقب سابقتها في تتابعٍ مختلط لاهث، وكان وجهه كالجمر، فيما اختلجت شفته السفلى عندما توقَّف عن الكلام. بدا في البداية وكأنَّه في سباقٍ مع الزمن؛ إذ كان من المحتمل أن يقاطعهما أحدٌ في أي لحظة، ولكنه سرعان ما نسي منافسه، ولم يكن في العالم، في نظره، سواه والفتاة المرتعدة المرتبكة الواقفة أمامه.
أما هي، فبعد ما بدت عليه في البداية من عدم تصديقٍ ودهشة، تراجعَت إلى الخلف مستندةً بيدها على الجدار، ثم غاصَت تدريجيًّا في مقعدها وقد اكتسى وجهُها الشاحب بتعبيرٍ يشوبه الخوف. وبينما كان مارستن ماضيًا باندفاعٍ في حديثه، سقط رأسها على يدَيها، وبقيَت على هذه الحال طوال حديثه.
أعقب حديث مارستن صمت عميق للغاية؛ حتى إنه خشي أن يتقدَّم أو يتراجع إذ كان مسندًا يده على إطار الباب، وسمع أصوات ضحكات الفتيات تأتي من بعيدٍ خاليةً من أي أفكار، عدا تلك الخاصة بحجرة الدراسة. كان يدرك أن عليه أن يتذكر أدقَّ تفاصيل هذا المكان طوال حياته؛ المكنسة الراقدة عند قدمَيه، والكتاب الواقع على الأرض مفتوحًا، حتى عنوان الكتاب الذي يتلألأ بلون ذهبي على جانبه، والذي لم يستوعب عقله من معناه شيئًا سوى كلمةٍ واحدةٍ استرعت انتباهه؛ «غزل» (كانت العبارة الكاملة «قصائد غزل مايلز ستانديش»)، وتساءل تساؤلًا مبهمًا عمَّا إذا كان الغزل قد أفلح. كانت عيناه تجوبان المكان سريعًا لتحفظا تفاصيل المشهد ورتوشه، ثم تعودان دائمًا إلى ذلك الجسد المنحني الصامت أمامه، واستنبط غريزيًّا من مظهر كتفَيها المتدليتَين أن ثمَّة تغييرًا قد حدث؛ لم يكن واضحًا، ولكنَّه موجود. كان عقلُه منشغلًا للغاية بوقائع الحياة القاسية لدرجةٍ لم يتمكَّن معها من الانغماس في أي تحليلاتٍ تأمليةٍ من أي نوع، بل كان ممسوسًا بعصا الحب السحرية، وحُبي ببصيرةٍ نافذةٍ لم يختبرها من قبل. فرأى أن الفتاة التي أقبلت عليه عندما كانت طفلةً سوف ترفضه بعدما أصبحت امرأة.
وأخيرًا، هزَّت الفتاة رأسها ببطء.
وغمغمت قائلة: «لا يمكن، لا يمكن!»
فصاح مارستن بحماس قائلًا: «ليس الآن. أعلم ذلك … ولا أطلب منك شيئًا! ولكن … هل يمكن أن يحدث في وقت ما … في وقت ما؟»
لم ترفع الفتاة بصرها.
وقالت: «هذا مستحيل … مستحيل!»
«كل ما أريده أن تمنحيني فرصة … فرصةً عادلة. لا تقولي … أوه، أرجوك لا تقولي «لا» أو «نعم» الآن! أعلم أن والدك كان متحاملًا ضدي، ليس ضد شخصي على ما أعتقد، بل ضد فقري: وهذا مجرد تعبير آخر عن حبه الكبير لك. إنه يعلم معنى الفقر، ويريد أن يحميك منه. إنه محق في ذلك، وإذا ما ظَلِلت فقيرًا بعد عامين، أو أربعة أعوام، من الآن، فلن أطلب …»
«هل يعلم والدي؟»
«نعم. أخبرته في تلك الليلة … تلك الليلة التي تحدثتِ إليَّ فيها لأول مرةٍ، وهذا سبب غضبه مني.»
«هذا إذن هو سبب أنك … هذا هو السبب … حين أتيت لمقابلتي في الحديقة …»
«نعم، لهذا السبب كنت أخشى أن يجدني هناك.»
وخيَّم عليهما صمت طويل مجددًا. عادت الفتاة بأفكارها إلى ما مضى من حياتها، منذ اليوم الذي حرَّم والدها عليها فيه الذهاب إلى مكتبه حتى اللحظة الحالية، ملقيةً ما يشبه الضوء الكاشف على الأحداث التي لم تكن مفهومةً حتى هذه اللحظة، ما جعلها تتضح بأبعادها الحقيقية. كان عليها أن تُعيد التفكير في كل ما فعله والدها وقاله. استنبطت معانيَ من عبارات قيلت سابقًا كانت خافيةً عنها؛ فقد صارت الآن تمتلك المفتاح الذي يفتح الغرفة التي تنيرها المعرفة، وعلى الرغم من أن قلبها كان يتوق إلى والدها، وتميل إلى التعاطف معه عندما يواجه مشكلةً مفاجئة، والصفح التام عنه على الانعدام الواضح لثقته فيها بتركها تجهل موقفًا يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا، وتشعر بأن عليها أن تؤازره، وتصد ذلك الغريب الذي جاء بهذه الجرأة ليفرِّق بينهما بطلب مستحيل بأن تبادله الحب، لم تستطع استدعاء شعور الاستياء البحت تجاه مارستن من أي جزءٍ من كِيانها كي يُغيثَها من تيهها، وهو الأمر الذي كانت تعلم أنها قادرة عليه كما كانت تفترض.
وأخيرًا، تحدَّثت إدنا ببطء قائلة: «أنا آسفة للغاية، آسفة للغاية. أنا معجبة بك بالطبع؛ فأنا أعتقد أنك رجل نبيل وجاد، وأنك ستبلي بلاءً حسنًا في حياتك وتتغلَّب على الكثير من الصعوبات، ولكن لا يمكنني أن أُكن لك المشاعر التي تتمناها، ولن يكون من الصواب أن أخدعك. كم أود أن أراك تنجح في حياتك، وأنا واثقة أنك ستفعل. ويومًا ما ستراسلني وتحكي لي عن انتصاراتك، وسأكون في غاية السعادة. وسيسعدني حينئذٍ أن أعرف أنك قد نسيت … هذا الموقف. والآن، يجب أن تنصرف. إلى اللقاء!»
ثم مدَّت يدها له لتصافحه، ورأى الدموع تترقرق في عينَيها.
فقال لها: «إلى اللقاء!» واستدار لينصرف.
جلست إدنا ولكنها لم تلتقط كتابها. ظلَّت تحدق في السماء الزرقاء تفكر، وقد وضعَت يدَيها في حجرها مرتخيتَين. وبعد قليلٍ فُوجِئت بمارستن يعود.
فقالت وقد ظهرت ابتسامةٌ حائرةٌ مرتجفةٌ على شفتَيها: «لقد نسيت مكنستك.»
فقال: «بل نسيت شيئًا أهم، لقد نسيت المهمة التي جئت من أجلها.»
«مهمتك؟»
«نعم، إن خداعي يتجاوز مجرد تسلق الأسوار. أنا رسول خائن حقًّا؛ فالوسيلة التي مكَّنتني من الدخول إلى هنا رُتبت بواسطة رجل آخر أراد مني أن أوصل لك خطابًا. إنه هنا في إيستبورن، وكتب لك خطابًا، إلا أن خطابه رُد إليه. فكتب خطابًا آخر، ها هو ذا.»
«عمن تتحدث؟»
«السيد برنارد هوب.»
«أوه!»
أخذت الخطاب. ورفع مارستن مكنسته من على الأرض وانصرف. كان يريد مغادرة المكان والعودة إلى لندن، إلا أن البستاني حذَّره من أن يعود قبل أن يفرغ من الكنس، بينما أكَّد عليه بارني ضرورة عدم السماح بإثارة أي شكوك؛ إذ قد تطرأ حاجة إلى إرسال رسول آخر في مهمة مماثلة. فظل يكنس مكوِّمًا المخلفات في كومات صغيرة على جانب الطريق. دخلت الطالبات إلى المنزل في مجموعات زوجية وثلاثية حتى وجد نفسه بمفرده مرةً أخرى، ولكنه لم يرَ إدنا تأتي من جهة المنزل الصيفي. فواصل العمل مقتربًا أكثر فأكثر من المكان حيث التقيا، على أمل أن يلقيَ عليها نظرة وداعٍ خاطفةً أثناء سيرها باتجاه المنزل. وأخيرًا خرجَت إدنا من المنزل الصيفي، ولكن بدلًا من أن تسلك الطريق المؤدِّي إلى المنزل مباشرة، اتجهَت نحوه حاملةً في يدها الكتاب النحيل الذي كانت تقرؤه. كانت حمرة وجنتَيها أشد قليلًا من المعتاد، ولكن، فيما عدا ذلك، نجحت في إخفاء أي أثرٍ لمشاعرها. نظرت إلى مارستن بطريقةٍ بدَت في البداية وكأنها استعادَت صراحتها السابقة، ولكن عندما الْتقت نظراتهما، رأى أنها ليست النظرة نفسها تمامًا، كانَت ثمة لمحةٌ غامضةٌ من الاختلاف تغشى عينَيها الصادقتَين اللتَين تشبهان عينَي والدها إلى حدٍّ كبير، ولكنهما أكثر عطفًا وحنوًّا بكثير.
قالَت إدنا وهي تمدُّ يدها نحوه بالكتاب: «أحضرت لك هذا الكتاب، وأريدك أن تحتفظ به. إنها قصة رسولٍ كان أهلًا لثقة مَن أرسله، ولكنه فشل في مهمته.»
ردَّ عليها وهو يأخذ منها الكتاب: «ولكنك لم تقرئي الكتاب بعد، أليس كذلك؟»
«أوه، بل قرأته. كنت أقرؤه للمرة الثانية اليوم.»
أخفى مارستن الكتاب في عجالة تحت ثوبه وقد بدا عليه القلق من أن يراهما أحد؛ فلم يكن مستعدًّا لتعريضها لأي خطرٍ كان. نادرًا ما يرقى دهاء الرجل إلى دهاء المرأة مهما كانت حداثة سنها. فقد ابتسمت إدنا عندما لاحظت قلقه.
وقالت: «لا أحد يرانا، وحتى إن رآنا أحد، فلا يهم. سيعتقدون ببساطة أني أهدي كتابًا تثقيفيًّا ونصيحة مفيدة لمساعد البستاني، وهذا، في الواقع، ما أفعله بالضبط عندما أنصحه بأن يكد في عمله، و… أنسى الأمر!»
وبينما كانت إدنا تقول هذا، فتحت يدها فوق كومة القمامة القابعة تحت عند قدمَيه، ليتساقط منها خطاب مُزق قطعًا صغيرة أخذت تتساقط في الهواء إلى أسفل، كما لو كانت نموذجًا مصغرًا لتساقط جليدي، وانصرفت قبل أن يتمكن مارستن من وداعها للمرة الثانية.
وقف مارستن في مكانه ينظر إلى بقايا الورقة الممزقة المتناثرة فوق كومة القمامة، والتي كانت بلا شكٍّ بقايا الخطاب الذي سلَّمه لها، وعلى الرغم من أنه لم يتلقَّ منها ولو كلمةً واحدة تبعث على الأمل، وقد كان يتوق لسماعها، رغم ادعائه عكس ذلك، كانت كل قصاصةٍ من الورقة البيضاء الممزَّقة تعكس في عينَيه شعاعًا من الأمل.
نفوس متقلبة |
الفصل الخامس والعشرون
وجد سارتويل نفسه مشغولًا للغاية بعدما عاد العمال إلى أعمالهم، مثلما كتب في رسالته لابنته وفي برقيته إلى بارني هوب. فعلى الرغم من أنه لم يطرد أيًّا ممن شاركوا في الإضراب، فقد أعاد تنظيم أشغال المصنع بأكملها بلا هوادة. فقلة فقط من العمال هم من استعادوا وظائفهم القديمة أو أجورهم القديمة. ورقَّى بعضًا من العمال وخُفضت رتبة بعض الآخرين، وإن لم يُطرد أحد من العمل. في البداية، بدا للعمال أن ما يفعله مجرد استعراض همجي للقوة تقوده أهواء جائرة، ولكن بمرور الوقت، بدءوا يرون لمحةً من نمط ممنهج في هيكلة الأمور. فكان أولئك الذين خُفضت رتبهم إلى أدنى الوظائف وأقلها أجرًا هم العمال الذين كانوا الأكثر تحمسًا لبدء الإضراب، والأكثر صمودًا في معارضة إنهائه. أما العمال الأكثر تعقلًا، الذين أُجبروا على التراجع إلى الصفوف الخلفية أثناء فترة الاضطرابات، فكانوا يُمنحون ترقيات وأجورًا أعلى كلما سنحت الفرصة، وأُجريت هذه التغييرات الواحد تلو الآخر — فلم يكن سارتويل الرجل الذي يُفسد نظام تشغيل المصنع عبر إجراء تغييرات جذرية شاملة — وكان الاستنتاج العام من ورائها أن مدير المصنع أراد فقط أن يُظهر للعمال أن أولئك الذين استخفوا بهم هم من كافأهم. ولكن لم يتمكَّن أحد، حتى أولئك الذين خسروا في لعبة إعادة التنظيم، من إنكار أن الرجال الأكثر اعتدالًا وتعقلًا، الذين تمَّت ترقيتهم، كانوا من بين أفضل الأيدي العاملة في المصنع. كما أنهم كانوا من العمال الأكثر تضررًا من أي إضرابٍ قد يقع، وكانوا، بطبيعة الحال، الأكثر ترددًا في الدخول في نزاعٍ لا يمكن لأحدٍ أن يتنبَّأ بعواقبه. وبمرور الوقت بدأ الشك يتسلل إلى نفوس العمال في أن مدير المصنع بحوزته سجل كامل ودقيق بكل فعل وقول خلال الإضراب؛ ومن ثم جاءت التغييرات، التي أجراها بقسوة مغلفة بالصمت والهدوء، متوافقةً تمامًا مع أفعال كل عاملٍ خلال الأزمة التي ظن العمال أنها قد صارت شيئًا من الماضي، وتمنَّوا لو أصبحَت في طي النسيان. وفي بعض الحالات، بدا وكأن سارتويل يتعمَّد إبراز التغييرات التي أحدثها، عبر وضع العمال الذين رفعهم والعمال الذين حطَّ منهم جنبًا إلى جنبٍ متعمدًا؛ وذلك حتى يكون إصراره على إظهار أنه يمتلك مستقبل كلِّ عاملٍ بين يدَيه مفهومًا حتى لأغبى العمال. كان درسًا قاسيًا بدا أن الغرض منه هو إظهار إصرار سارتويل على دعم العمال الذين تعاطفوا معه، ولو عن بعد، خلال النزاع الماضي؛ إذ لم يعترض أحد بكلمة، وإذا ما اعترض أحد العمال على استحياء على خفض رتبته، لم يكن مدير المصنع يرد عليه، وكان العامل يدرك حينئذٍ أن لا سبيل أمامه سوى الاستسلام، أو التوجُّه إلى المكتب لتقاضي بقية مستحقاته.
لم يتجلَّ غضب سارتويل الصامت واضحًا، مثلما تجلَّى في حالتَي برونت وسكيمينس. كان الرجلان متساويَين في المنصب عندما بدأ الإضراب، إلا أن سكيمينس كان يتقاضى أجرًا أعلى من أجر برونت. أما الآن، فقد رُقي برونت مشرفًا للصالة العلوية، حيث أغلب الموظفين من النساء والصبية، بينما كُلف سكيمينس بعملٍ كان يقوم به أحد الصبية الذين لم يعودوا إلى العمل، بعد انتهاء الإضراب. وما ضاعَفَ من المذلَّة التي تعرَّض لها سكيمينس أنَّه قد أصبح رهينةً للأوامر القاسية لذلك الرجل الفظ الضخم اليوركشايري، الذي أهانه خلال الإضراب، بالإضافة إلى اضطراره إلى قَبول ما يزيد قليلًا على أجر صبي. كان كثيرًا ما يسبُّ سارتويل بصوتٍ عالٍ، إلا أن مدير المصنع لم يكن يهتم كثيرًا بمسبات الآخرين، ولم يكن سكيمينس في وضعٍ يسمح له برفض الأجر الزهيد الذي يتقاضاه.
انتهى سارتويل أخيرًا من تنظيم الأمور الاقتصادية الداخلية للمصنع كما يريد، وكان يُمنِّي نفسه بقضاء بضعة أيام بعيدًا عن الضغوط في إيستبورن، حين وقعت كارثة لم تكن في الحسبان أفسدت جميع خططه. قبل قليلٍ من ساعة الغداء، كان يهبط الدرج من الطابق العلوي عندما سمع صراخًا، بدا وكأنه أصوات مَن تركهم منذ لحظاتٍ مجتمعة، جعله يتسمَّر في مكانه. كان أول ما خطر بباله أن برونت قد جُن جنونه فجأةً وربما قتل أحد العمال؛ فقد لاحظ مدير المصنع أن برونت، منذ ترقيته، كان يتحدث بوحشية في بعض الأحيان، ومن وقت لآخر يظهر في عينَيه بريق جنوني خطر ينذر بجنون كامن لم يظهر بعد. وقبل أن يلتفت ليتبيَّن ما حدث، مرَّت بجواره امرأتان تصرخان بشعر أشعث.
فصاح بهما بعد أن مرتا قائلًا: «ماذا حدث؟»
فردَّتا صارختَين وهما تهمان بالهروب: «حريق!»
صعد سارتويل الدرج ولكنه لم يقابل أحدًا يهبط منه. وسمع في الفناء في الخارج صوتًا جَهْوريًّا أجش لرجل يصيح: «حريق! حريق!» انقبض قلب مدير المصنع وهو يفكر في عدد العمال في الطابق العلوي، والدرج الضيق، والمخرج الوحيد. كانت الطوابق الأخرى آمنةً على نحو مقبول؛ إذ كانت سلالمها وأبوابها واسعة، أما الطابق العلوي، الذي لم يكن يشغله في السابق إلا عدد قليل من العمال، فلطالما كان مصدر قلق له؛ فقد كان يخشى وقوع كارثةٍ كتلك التي بدَت على وَشْك الحدوث. وكان ثمَّة اتفاقٌ دائمٌ على تصحيح هذه الأوضاع بينه والمالكَين، وكان من بين الوعود التي تأجَّلت عدة مراتٍ إلى موسم أكثر ملاءمة، والآن ها هي الصيحات تتعالَى بكلمة «حريق!» وترن في أذنَيه، ولم يكن ثمة سبيلٌ للنجاة سوى السلم الضيق!
وجد سارتويل الباب المفتوح مسدودًا بكتلة من البشر يصرخون، كلٌّ منهم يسارع للنجاة بنفسه، وكلٌّ منهم يجعل النجاة مستحيلة. كانوا محشورين وعالقين في أماكنهم دون حراك، وكان الكثير منهم محاصرين لا يستطيعون المقاومة، بينما كان ثمة آخرون بعيدون عن الباب يضربون بأذرعهم بجنونٍ في جميع الاتجاهات، محاولين شقَّ طريقهم عنوةً نحو الأمان. امتلأ الهواء برائحة احتراق الخشب النفَّاذة الخطرة، واندفع الدخان لأعلى عَبْر مهواة المصعد، وتجمَّع بكثافةٍ متزايدةٍ مغطِّيًا السقف. لم تكن ثمة ألسنةُ لهبٍ بعد، ولكن إذا لم ينفض هذا التزاحم، فلن تكون ثمة حاجة للنار لتخرج الحياة من أجساد أولئك المتنافسين في هذا السباق اليائس نحو النجاة.
صاح سارتويل: «تراجعوا إلى الخلف! لن يكون هناك خطر إذا ما حافظتم على هدوئكم. فلتعودوا جميعًا إلى أماكنكم. سأدخل وسطكم وسأكون آخر من يخرج، فلا داعي للخوف.»
لمع لسان من اللهب للحظة وسط الدخان الأسود، واختفى فور ظهوره، ولكن بعد أن أرسل شرارةً لحظية، مثل البرق المنبسط، عبر الصالة الآخذة في الإظلام. وكان هذا ردًّا مقتضبًا ينذر بسوء على كلمات سارتويل، وأدرك أنه كان عليه أن يُقنع الكارثة أيضًا بأن تهدأ. حاول أن يحرِّر واحدةً من الفتيات ظهر من عينَيها الجاحظتَين وشفتَيها الشاحبتَين أنها قد انسحقت حتى الموت، ولكنها كانت محشورةً بقوةٍ وسط الحشد كما لو أنها ثُبتت في موضعها بالأسمنت. أطلق سارتويل أنَّة يأس حين رأى نفسه عاجزًا في مواجهة هذا الذعر الذي لا يُقاوم. كان يحاول فض الحشد المحشور من مركزه؛ ومن ثم كان وضعه سيئًا للغاية.
نبَّهته صيحة غاضبة أعلى من صيحته السابقة إلى حقيقة أن برونت كان يحاول فض الحشد المحشور من الخلف. كان الرجل الضخم يستخدم قوته المفرطة دون هوادة في شق طريقه عبر الحشد، ممسكًا بالنساء من أكتافهن بكلتا يدَيه وملقيًا بهن بقوة خلفه، دون اكتراث لعواقب هذا الفعل، وكان يشق طريقه بصعوبة البوصة تلو الأخرى في اتجاه الباب.
قال برونت صائحًا في وجه سكيمينس الذي أصابه الخوف بالجنون: «تراجع أيها الوغد!»، وراح يدعس كلَّ مَن هم أمامه في خضم محاولاته المحمومة للفرار.
فصاح سكيمينس: «فلينجُ كل امرئ بنفسه! من حقي أن أنجوَ بحياتي مثلك.»
«توقَّف أيها الهمجي وإلا خنقتك بيدَي هاتَين عندما تصلان إليك! قف حيث أنت يا سيد سارتويل والتقط من أُلقيَ به إليك. النساء أولًا. ألقِ بهن بعد دوران السلم وسيكنَّ في أمان. ابقَ مكانك، سأصل إلى الباب خلال دقيقة. وسنُخرجهن جميعًا في لمح البصر.»
وبينما كان يصيح بصوته الهادر، كان برونت يشق طريقه عبر الحشد بكل قوته، ووصل أخيرًا إلى نقطة التكدُّس حيث أصبح التقدُّم أكثر مستحيلًا. فتوقف مكانه وبقوة ذراعيه وحدها، راح يرفع الفتاة تلو الأخرى فوق رأسه ويطوِّحهن من فوق رءوس من يقفون أمامه، ليهبطْنَ بين ذراعَي سارتويل الذي كان يدفعهن عبر السلم.
صاح سارتويل الذي رأى من مكانه سكيمينس المذعور يدفع الحشد في اتجاه برونت، ويعيقه عن تأدية مهمته: «بحق الرب يا سكيمينس، تحلَّ بالرجولة، وتوقف عما تفعل! توقف عن دفع من حولك! ثمة وقت كافٍ لنخرج جميعًا.»
فصاح برونت بصوته الجَهْوري من فوق كتفه: «سأحطم رأسك على فعلتك هذه! تذكر أن عليك أن تمر أمامي حتى تصل إلى السلم، ولكنك لن تقوى على قتالي.»
انفض التكدس أخيرًا كما لو كان انسدادًا في مجرى نهر تراجع فجأةً، عندما أزيل جذع الشجرة الأساسي المسبب للانسداد. كان برونت في تلك اللحظة يقف مسندًا ظهره إلى إطار الباب، بينما اتخذ سارتويل موضعه عند دوران السلم، ليدفع أولئك المنهكين المتعبين إلى حيث الأمان. كان العديد ممن كانوا في مركز التكدس يرقدون عند قدميه، إما فاقدِي الوعي أو موتى؛ فلم يكن ثمة وقت لاكتشاف ذلك. ومن حين لآخر كانت الفتاة التي يدفعها عبر السلم تتعثَّر وتسقط وترقد حيث سقطت دون حراك.
صاح مدير المصنع الذي كان يطلب ممن ينقذهم، الواحد تلو الآخر، أن يرسل في طلب المساعدة، قائلًا: «لمَ لا يأتي أحد لحمل هؤلاء النساء إلى الخارج؟»
وظهر اثنان من رجاله أخيرًا.
قال أحدهما: «إنه حريق ضخم يا سيد سارتويل.»
«نعم، نعم، أعلم هذا. فليحمل كلٌّ منكما امرأتَين إلى أسفل، إن استطعتما، وأرسلا المزيد من الرجال إلى هنا. وأخبرا الموظفين أن يتأكدا من أن الأبواب الحديدية بين المباني مغلقة. هل وصل رجال الإطفاء؟»
«وصلت خمس سيارات إطفاء يا سيدي.»
«جيد! اتجها إلى الأسفل بأقصى سرعة وأرسلا المزيد من الدعم.»
صاح برونت وهو يمسك بتلابيب سكيمينس الذي تمكَّن من شق طريقه إلى الخارج أخيرًا: «أيها الشيطان! هل تعتقد أنك ستتسلل دون أن أراك؟»
«لا تُضع الوقت على هذا الرجل يا برونت. يا إلهي، ألَا ترى ألسنة اللهب! سيسقط السقف على رءوسنا بين لحظة وأخرى! ألقِ به هنا!»
صاح برونت في غضب وهو يجز على أسنانه: «سيظل خلفي حتى خروج آخر شخص.»
صمت سارتويل. فلم يكن ثمة وقت للجدل أو الاعتراض، بينما استمر برونت، الذي كان يثبت سكيمينس إلى الجدار من خلفه، في إخراج الفتيات بسرعة تضاهي سرعة مدير المصنع في تمريرهن. كان التكدس يتكوَّن باستمرار عند الباب، وكان ينفض باستمرار بفضل ذراعَي برونت القويتَين اللتَين لا تعرفان الكلل.
أنَّ سكيمينس قائلًا: «أنت تخنقني.»
قال برونت: «أتمنى ذلك.»
أصبح الموقف الآن فوق قدرة أي أحد على التحمل. فقد التقى الدخان الصاعد عبر السلم بالدخان المتدفق عبر الباب، ولكن رغم كل هذا الدخان، كانت الغرفة تشع بالضوء؛ إذ كان ثمة عمود ثابت من النار يتصاعد عبر مهواة المصعد، ما جعلها أشبه بأفران صهر الحديد.
قال سارتويل: «هل خرج الجميع؟» وكان يلهث ويسعل بسبب الدخان الذي يخنقه.
«أعتقد ذلك يا سيدي، ولكن سأعود لألقي نظرة. ربما كان ثمة أحد لا يزال في الطابق»، وبينما كان برونت يتحدث، دفع سكيمينس إلى داخل الغرفة أمامه، وأغلق الباب من خلفه حتى لا يسمعه سارتويل إذا صرخ. وبدا أن مدير المصنع، الذي كان يختنق بسبب الدخان، قد نسي وجود سكيمينس من الأساس.
قال برونت: «اجثُ على يدَيك وركبتَيك أيها الكلب، وانظر إن كانت أيٌّ من الفتيات اللاتي أسقطتهن لا تزال هنا!»
كان سكيمينس جاثيًا على ركبتيه بالفعل.
وقال: «لا أحد هنا.» ثم صاح قائلًا: «افتح الباب! افتح الباب!»
فوارب برونت الباب بوصةً أو بوصتَين.
وصاح: «لقد خرج الجميع يا سيدي!»
فقال سارتويل: «حمدًا لله! فلتنزل في الحال. ليس لدينا لحظة أخرى لنضيعها.»
«سأهبط بمجرد أن تهبط يا سيدي. اجرِ!»
تعثر مدير المصنع وهو يهبط السلم المتداعي واثقًا من أن برونت يتبعه.
قال برونت لسكيمينس: «والآن أيها الثعبان، سأحبسك هنا حتى تحترق. لقد رأيت بعيني حجم شرِّك أيها الجبان!» لم يفهم الرجل المذعور ما تعنيه كلمات برونت، ففقد كل أملٍ له في البقاء على قيد الحياة.
فقال باكيًا: «أقسم لك أني لم أكن أقصد ذلك! لقد سقط عود الثقاب من يدي دون أن أُدرك. هذا ما حدث بحق الرب يا برونت!»
«ماذا! أنت أحرقت المصنع! أنت! إن النساء اللاتي كنت تحاول تجويعهن كن لا يزلن هنا! أنت من أسقط عود الثقاب! أيها الشيطان الخبيث القاتل!»
جثم برونت مثل حيوان ضارٍ على وشك الانقضاض على فريسته، وارتعشت أصابعه المعقوفة مثل المخالب في عصبية. كانت أنفاسه سريعةً ومتلاحقة، فقد ملأ الدخان حلقه، وكانت عيناه الشرستان تلمعان أمام وهج النيران بلمعةٍ جنونيةٍ مخيفة، ثم قفز على ضحيته المرتعبة وحمل جسده المرتجف بذراعَيه فوق رأسه. واتجه نحو النار المستعرة وهو يصرخ:
«فلتذهب إلى الجحيم الذي صنعته يداك أيها الشيطان الجبان!»
اختفَت صرخةُ الرجل الهالكِ الطويلةُ المرتعشة، وكُتمت في النيران المستعرة.
وقف برونت في منتصف الغرفة على الأرضية الهابطة المتداعية، ولم تزل يداه الخاليتان مرفوعتَين فوق رأسه، وانقلب وجهه إلى أعلى، وهو يترنَّح في وهنٍ وسط الدخان الخانق. حطَّمت بلطة أحد رجال الإطفاء إحدى النوافذ، واندفعَت المياه عبر الفتحة بقوة، وأصدرَت صوتًا كالفحيح عندما ارتطمت بالسقف.
قال برونت: «جيسي! جيسي! اسمعي! إنه «اللحن الجنائزي»! يا ابنتي! اللحن الجنائزي الحقيقي!»
وبصوتٍ يصمُّ الآذان، سقطَت أرضية الغرفة وسط النار المتأججة.
نفوس متقلبة |
الفصل السادس والعشرون
قاد بارني هوب عربته ذات الحصانَين جيئةً وذهابًا في موكبه، الأمر الذي كان مدعاةً للفخر لبلدة إيستبورن، ولكنه لم يكن مُرضيًا لنفسه. فلم يكن بارني يهتم بإعجاب أولئك الغرباء الذين لا يعرفهم. وعلى الرغم من وضعه المترف، وامتلاكه جميع المظاهر المتفردة للترف والثراء، فإن هذا الوضع لم يكن يُعجب رجلًا اجتماعيًّا مثل بارني. كان يبدو أن خطته البارعة، التي عيَّن لها بستانيًّا مبتدئًا، قد فشلت؛ فلم تصله أي أخبار من الفتاة في المدرسة، وأيًّا كانت الجاذبية التي شكَّلتها العربة ذات الحصانَين لسكان إيستبورن الآخرين، بدا مؤكدًا أن إدنا سارتويل لم تشاركهم إياها، على الأقل بما يكفي لترتيب جولةٍ مع الشاب وأيٍّ من رفيقاتها اللاتي قد يتجرأْنَ على كَسْر قواعد المدرسة؛ من أجل جولةٍ ممتعةٍ في مركبته المهيبة. كان بارني يلعن حظه وكذلك رسوله. فقد كان واثقًا من أن فشل الخطة يقع بالكامل على كاهل مارستن؛ فلا شك أن حماقةً ما من جانبه قد أفسدت الخطة برمتها. وبعدما فكَّر بارني في سلوك مارستن بعد عودته، أدرك أمرًا كان يجدر به أن يُدركه حينها بسبب فظاظة واقتضاب إجابات مارستن، وهو أنه قد أفسد الخطة بطريقة ما وخجل من الاعتراف بفشله. كان مارستن يرضي ضميره بقوله إنه قد سلَّم الخطاب إلى إدنا دون أن يراه أحد، وإن الفتاة لم تُعطه أي رسالة ليوصلها إلى بارني. ولم يتمكن بارني من استخلاص أي تفاصيل مرضية من مارستن بشأن ما حدث خلال لقائه بإدنا. هل تحدث إليها؟ لا شكَّ أنه فعل. كان من الضروريِّ أن يشرح كيفية وصوله إليها. ماذا قالت؟ لم تتحدث كثيرًا. هل بدَت غاضبة؟ لم يبدُ عليها أنها تكاد تطير من السعادة. وعلى هذا المنوال، واصل بارني، بكدٍّ ومثابرة، محاولة استخلاص الحقيقة من رجلٍ متردِّد بدا متلهفًا على الانصراف والاختلاء بنفسه، وبدا جليًّا أنه لا يراعي حقيقة أن من واجبات الرسول أن يذكر كل تفاصيل المهمة التي بُعث إليها لمن أرسله.
بعدما عاد مارستن على عجل إلى لندن، ربما عزوفًا عن الاعتراف بفشله الدبلوماسي، وكذلك خوفًا من إرساله في مهمة مماثلة، اقتنع بارني بأن ثمة خطأً قد حدث خلال المهمة، وهو ما أثار حنقه بشدة كونه لم يكتشف هذا الخطأ؛ ومن ثم بدأ في إصلاح الأمر مستخدمًا تلك البراعة التي لا تُخفق، والتي كان يعلم أنه مهووس بها. وللمرة الأولى في حياته، اضطُر بارني لأن يعترف بأنه لا يعلم ما عليه فعله. فلم يكن يريد العودة إلى لندن والاعتراف بهزيمته حتى لنفسه. فقد كان من مفاخره الأثيرة إليه أنه لم يعرف الهزيمة من قبلُ قط؛ إذ كلما عجز عن إنجاز ما يريد بمفرده، على حد تعبيره، كان يبدو أن العناية الإلهية تتدخَّل دائمًا لتمنحه المساعدة اللازمة. وبدأ يخشى أن دقَّته المعتادةَ في اكتشاف تدخُّل العناية الإلهية قد خانَته لأول مرة؛ إذ تذكر أنه كان ينظر لظهور مارستن غير المتوقع على أنه دليل دامغ على أن الحظ لا يزال يحالفه، ولكن عندما توالت الأيام دون أن يصله رد على الخطاب الذي أرسله، بدأ بارني يتشكَّك في حقيقة تدخُّل العناية الإلهية في هذا الموقف. وفي نهاية المطاف، وفي كآبةٍ شديدة، خلص إلى أن الحياة في ظل الظروف الراهنة لا تستحقُّ العيش، إذا كان سيُضطر للإقامة في إيستبورن حيث لا يعرف أحدًا، وقرَّر على مضض أن يعود إلى لندن. فأمر بإخراج عربته ذات الحصانَين في عرض أخير، مُتذكِّرًا أنه على الرغم من أنه لم يكن يجد فيه أيَّ متعة، فمن القسوة أن يحرم المتسكعين الذين يقفون دائمًا على جانب الطريق أثناء مرور الموكب، من متعتهم المعتادة بمشاهدة أناقة الموكب ومهارته في التحكُّم في حصانَين مربوطَين واحدًا وراء الآخر. فالمتردِّدون الدائمون الأبرياء على إيستبورن لا ذنب لهم فيما حدث، فلمَ يعاقبهم دون داعٍ؟ هكذا حدَّث بارني المنصف نفسه. لا بد من السماح لهم بأن يمتِّعوا أعينهم للمرة الأخيرة بالعربة ذات الحصانَين وصاحبها، وليساعدهم الرب عندما يغادر في النهاية! تسلَّق بارني عربته متنهدًا؛ فإلى جانب علمه بأن هذا هو عرضه الأخير، ودائمًا ما تحمل العروض الأخيرة قدرًا من الأسى، كان من المحبط أن يُثبت له أنه لا يحظى بحَصانة خاصة، وأن تساوره شكوك إزاء المواقف السابقة التي لم تحتمل أي تشكيك في السابق.
قاد بارني حصانَيه النشطَين ربما بسرعةٍ أقلَّ من المعتاد، وقد بدأ شعوره بامتهان كرامته يحلُّ محل الثقة المفرطة التي كانت تميِّزه بوجه عام. ولم ينجح الهواء العليل، أو الحركة السريعة، أو الشعور بالسيطرة على مقادير الأمور الذي يشعر به الرجل عند قيادة عربةٍ ذات حصانَين؛ في تحسين معنوياته حسبما كان متوقعًا؛ فقد فاقمت حقيقة أنه يقود العربة بمفرده شعوره بالإحباط، وجعلت هذا العالم يبدو في نظره ذلك العبث الأجوف الذي يتراءى لأكثرنا إقبالًا على الحياة في بعض الأحيان. ولكن، لكم قيل، بأساليب مختلفة، إن أحلك الساعات هي تلك التي تسبق الفجر مباشرة! — ولكم نسيَ الناس هذه الحقيقة البسيطة عن الليل! — ما يُعد عيبًا ملحوظًا للغاية في ذاكرة رجل مثل بارني، كثيرًا ما سنحت له الفرصة لتأكيد هذه الظاهرة، أثناء عودته في وقتٍ متأخر من الليل من سهراته التي تمتدُّ إلى ما بعد منتصف الليل. ففي اللحظة التي بلغ فيها الإحباط منه مبلغه أثناء ما كان يقود عربته للمرة الرابعة على الطريق، أصابه الذهول والسرور عندما رأى إدنا سارتويل تخرج من أحد الشوارع الجانبية بمفردها تمامًا. كانت تحمل جريدةً في يدها، وكانت تنظر عبر الشارع في قلقٍ ولهفةٍ وخلسة، وهو ما لم يعجز بارني عن ملاحظته، وكانت تبدو في انتظار لقاء شخص ما، ولكنها تخشى أن يُكتشف مبتغاها. واستوعب بارني الموقف بأكمله في لمح البصر؛ لقد خشيت أن ترسل له خطابًا أو مُنعت من ذلك، فتسلَّلت بمفردها من المدرسة على أمل أن تلتقيه. حسنًا، كلهن كن يفعلن ذلك، من وجهة نظر بارني، وفي خضم نشوة السعادة التي غمرته بفضل ظهور هذا الدليل على نجاحه، واطمئنانه أن حظه، أو أيًّا كان مسماه، لم يتخلَّ عنه في نهاية المطاف، انتابته مسحة خفيفة مزعجة من الندم أنها لم تعد محصنةً ضد سحره وجاذبيته شأنها شأن الآخرين جميعًا. إن الإنسان في أفضل أحواله ليس إلا مجرد كائن متشكك لا يعرف ما يريد. فمنذ لحظة، بدا له أنه لا شيء على وجه الأرض يمكنه أن يمنحه سعادةً أكثر من رؤيتها، ولكن الآن، بعد أن رآها تبحث عنه، شعر بالأسف حقًّا أنها لم تكن تسير على الرصيف دون اكتراث مثل أولئك الغرباء الذين لا يعرفهم.
ولكن لا بد أن يُحسب لبارني أن هذا الشعور بأنه قد يكون الشخص الذي يسعى الجميع وراءه سعيًا؛ كان شعورًا عابرًا لم يدُم سوى لحظات، وأنه لم يؤثر ولو للحظة على تصرفه. فقد أوقف حصانَيه فجأةً ما جعل الحصان الأمامي يستدير ويصبح مواجهًا لسائقه، وألقى بالزمام إلى سائس الخيل، وقفز من العربة بخفة وسرعة بطريقة لا تقل سحرًا عن قيادته للعربة. فك سائس الخيل تشابك الحصانَين بينما اقترب بارني نحو إدنا بدماثته، التي ربما كانت سمته المميزة. بدَت الفتاة متفاجئةً من رؤيته، وانتابها شعورٌ شديد وواضح بالخجل.
صاح بارني: «كم أنا سعيد لمقابلتك! إن مجرد رؤيتك يجعل هذا المكان العتيق الكئيب المسمى إيستبورن يبتسم كزهرة. لم ألتقِ أحدًا لأتحدث إليه منذ وقتٍ طويل، لدرجة أني بدأت أخشى نسيان اللغة. صدقيني، هذه هي الحقيقة! إنني حقًّا أعتقد — أقصد هكذا كنت قبل أن أراك — أن إيستبورن هي المكان الأكثر كآبةً على وجه الأرض.»
سألته الفتاة: «لماذا جئت إلى هنا إذن؟»
«أوه، آنسة سارتويل، هذا شيء غاية في القسوة! أؤكد لكِ أنه في غاية القسوة. تعلمين أنني قد ذكرت في خطابي لكِ أني لم آتِ إلى هنا إلا من أجل متعة رؤيتك.»
«نعم، لقد فعلتَ. لقد نسيت.»
«نعم، ولم تعبئي حتى بالرد على رسالتي يا آنسة سارتويل. وأرى أنها قسوة شديدة منك.»
«تعلم يا سيد هوب أنه غير مسموح لنا بإرسال خطابات من المدرسة؛ فتلك إحدى قواعد المدرسة الأكثر صرامة.»
«وهل تخشَين كسر قواعد المدرسة إلى هذه الدرجة؟ عندما كنت طالبًا، كنت أجد متعتي عند وجودي هناك في كسر جميع القواعد، ومعظم الأمور الأخرى أيضًا. واعتقدت أنكِ قد لا تمانعين كسر إحدى القواعد ولو لمرة واحدة، حتى وإن كان هذا بدافع الشفقة على صديق عالق في هذا الساحل القاسي.»
احمرَّ وجه إدنا عندما تحدث بارني عن كسر القواعد، ثم رفعت عينَيها الصادقتَين إلى عينَيه وقالت: «أخشى أني لم أعُد أهتم كثيرًا بالقواعد بعد كل هذه الفترة من التظاهر بالتقيد بها. فأنا أكسر إحدى القواعد بوجودي هنا الآن، لكنني كنت متلهفةً للغاية للحصول على جريدة لدرجة أنني خرجت خلسةً من المدرسة لأشتري واحدة. وهذا هو سبب وجودي هنا، ولا يجدر بي أن أقف وأتحدث إليك هكذا، بل يجب أن أعود إلى المدرسة على الفور.»
فقال بارني معترضًا على حديثها: «ولكن يا آنسة سارتويل، إذا كنت كسرت إحدى قواعد المدرسة لمجرد شراء جريدة، فلا بأس من أن تكسري قاعدةً أخرى، أو أن تداومي على كسر القاعدة نفسها، إذا عرفتِ مقدار السعادة التي سأشعر بها باصطحابكِ في جولةٍ قصيرةٍ بالعربة.»
«أوه، لا أستطيع التفكير في أمر كهذا يا سيد هوب، لا أستطيع حقًّا، ويجب ألَّا تطلب مني ذلك! لقد أردت الحصول على الجريدة لأرى إن كانت ثمة تطورات متعلقة بالحريق. لم أكن لأعرف شيئًا عن الحريق لولا أن أرسل إليَّ أبي برقيةً قصيرة لا تحوي أي تفاصيل. أظن أنه لم يكن لديه وقت للكتابة.»
«أي حريق؟»
«الحريق الذي اندلع في المصنع.»
«يا إلهي! هل وقع حريق؟»
«ألم تكن تعرف؟ لقد شب حريق مريع دمر الجناح الشرقي بالكامل، وفقد رجلان حياتهما، اثنان من العمال. وكانت ستحدث خسائر فادحة في الأرواح لولا تدخُّل أحد الرجلَين المُتوفَّيَين. وتُرجِّح الصحف أنه فقد حياته أثناء محاولته إنقاذ الرجل الآخر.»
«يا إلهي! كم هذا مريع! أتساءل لماذا لم يرسل إليَّ السيد سارتويل برقيةً ليخبرني في ظل غياب أبي ومونكتون. أنا لا أقرأ الصحف إطلاقًا، وليس لديَّ أدنى اهتمام بها. لو تمكن المرء من معرفة متى ستحوي أخبارًا ذات قيمة، لَمَا كان أمر قراءتها بهذا السوء، ولكن لا يمكن للمرء أن يداوم على شرائها كل يوم، على أمل أن يجد فيها شيئًا ذا قيمة في وقتٍ ما. كما أن الناس عمومًا يخبرونني بجميع الأخبار، فلا حاجة لي للقراءة. بل إنني أسمع من الأخبار أكثر مما أريد أن أسمع، دون أن أتصفح الصحف، ولكني لا أعرف أحدًا هنا؛ ولذا لم تصلني أخبار اليوم.»
استمعت إدنا إلى تعليقاته بانزعاج لم تتمكن من إخفائه، وكرَّرت قولها: «لا بد أن أنصرف الآن.»
صاح بارني بلهفة شديدة: «أوه، ولكن هذا هو ما يجب ألَّا تفعليه! ليكن لديك بعض الشفقة، إن لم يكن لوحدتي في هذا المكان، فعلى الأقل لجهلي الميئوس منه بأمر كان يجب، من بين جميع الآخرين، أن أهتم به، بل أهتم به كثيرًا. قد لا يكون ثمة تأمين، وربما أُصبح شحاذًا، وربما أُضطر لبيع عربتي، والتضحية بجميع لوحاتي، وكل هذه الأمور. يجب أن أعلم تفاصيل الحريق، وكل شيء عنه. إن هذا الأمر أهم حتى من أوضاع العمال، وبالنسبة إليَّ على الأقل، على نفس القدر من الأهمية، والأمر برمته جزء لا يتجزَّأ من … آه … من كِياني، إذا جاز التعبير، أقصد موضوع العمال، كما تعلمين.»
اعترضت المستمعة القلقة قائلة: «ولكني لا أعرف شيئًا عن التأمين، لا أعلم أي شيء. عليك أن تعود إلى لندن على الفور على متن أول قطار. فقد أُجري تحقيق، وأتوقع أن تجد تقريرًا عنه في هذه الجريدة. يمكنك أن تشتري جريدةً من محطة القطار، وحينئذٍ ستعرف كل شيء يمكن معرفته حتى تصل إلى لندن.»
قال بارني بنبرة رجل جريح: «آنسة سارتويل، لا يمكنك أن تتوقعي مني أن أفهم المكتوب في الجريدة! لم أستطع قط أن أفهم ما يُكتب بها من قبل. يبدو لي أنهم لا ينشرون سوى الهراء. يمكنك الآن أن تشرحي لي الأمر برمته خلال وقتٍ قصير؛ فأنتِ دائمًا ما تجعلين كل شيءٍ واضحًا. إذا ما قبلت ركوب عربتي هذه، فسأقودها إلى خارج البلدة وبالقرب من المدرسة من الخلف، وبذلك لن يرانا أحد، ويمكنك أن تصلي إلى المدرسة أسرع بكثير ممَّا لو عدتِ إلى هناك سيرًا.»
قطَّبت الفتاة جبينها، ودُهش بارني عندما رأى أنها تملك بعضًا من نفاد صبر والدها. وشعر بأنه لا يحرز تقدمًا إيجابيًّا كما كان يتمنى، إلا أن بضع كلمات من شأنها أن تصحح الأمور، إذا ما تمكن من حملها على الذهاب معه في جولة بالعربة.
قالت إدنا في حدة: «سيد هوب، أرجو أن تعذرني إذا قلت لك إنه في ظل الظروف الراهنة، يجدر بك أن تكون منشغلًا في لندن بدلًا من التسكع في إيستبورن. لقد حدثت فاجعة غير متوقعة، وتعطَّل عمل الشركة، وأصبح العمال عاطلين عن العمل وهم في أمس الحاجة إليه، ولكنك لا تزال تقف هنا متسكعًا تتحدث عن العربات ذات الحصانَين والقيادة!»
اتسعت عينا بارني في ذهول. فكان ما سمعه الآن توبيخًا واضحًا وصريحًا. لم يتعرض بارني للتوبيخ من امرأة من قبلُ في حياته، ربما فيما عدا والدته، وهو لا يضعها في حسبانه؛ إذ كانت أول شخص سيستاء من أي لوم يوجَّه إليه من قِبل أي شخص على حد علمه.
تلعثم الشاب التعس الحظ وقال مشددًا بقوة على ضمير المتكلم: «ولكن … ولكن ماذا بوسعي أنا أن أفعل؟»
«لا أعرف بالطبع، ولكن هذا بالضبط ما كنت سأحاول معرفته لو كنت مكانك.»
«لا أحد يستمع لما أقول؛ لم يفعل أحد ذلك من قبل، ومن غير المرجح أن يبدءوا في الاستماع إليَّ الآن. إن والدَكِ لم يكلف نفسه حتى عناء إرسال برقيةٍ لي رغم علمه بوجودي هنا.»
«هل يعرف أنك هنا؟»
«بالطبع. كان من المفترض أن يأتي معي، وكنا سنزورك معًا، ولكن لسوء حظي، لم يتمكن من المجيء، وها أنا ذا عالق في هذا المكان، وعندما تتحدثين معي بهذه الطريقة، أشعر بقسوة القدر عليَّ.»
لان تعبير وجه إدنا وهي تنظر إليه؛ فقد شعرَت بأنها مجحفةٌ له، وكانَت تملك حسًّا قويًّا بالعدالة.
فقالت: «لم أكن أنوي أن أوجِّه لك أي كلماتٍ قاسية. لقد أخبرتك فحسب باعتقادي حيال ما يجدر بأيِّ شخصٍ في مكانك أن يفعله. ألَا تتفق معي؟»
«أنا أتفق معك دائمًا يا آنسة سارتويل. أنا غبي، في أفضل الأحوال، ولكني عادةً ما أدرك الاتجاه الصحيح عندما يوضحه لي أحد. وهذا عيب خطير في شخصيتي: لا تتضح لي الأمور إلا بعدما تتضح للجميع، ثم تبدو لي واضحةً تمامًا؛ حتى إنني أتساءل كيف أني لم أُلاحظها قبل ذلك. ولا يصبر الناس على من هم مثلي لدرجة أني أشعر بالأسف على نفسي في بعض الأحيان؛ أؤكد لك أن هذا ما يحدث! لو أنهم يكلفون أنفسهم بعض العناء … ولكن بالطبع لا أحد يهتم بما إذا كان المرء سيسلك طريقًا صائبًا أم خاطئًا.»
صاحت الفتاة على الفور: «أوه، على العكس، إنهم يهتمون! أنا واثقة من أنني أهتم كثيرًا.»
رد عليها بارني في إحباط: «أنت تظنين أنك تهتمين، ولكنك لن تخاطري حتى بتلقي ولو قليلًا من التوبيخ في المدرسة، لتسديني النصيحة التي أنا في أمس الحاجة إليها في الوقت الحالي.» واستطرد الشاب الذي يملؤه الشعور بالظلم بتنهيدة قوية: «ولكن هكذا يسير العالم. كل ما أريده منك هو الخروج برفقتي في جولة قصيرة بالعربة، وإخباري بكل ما تعرفينه عن الكارثة التي وقعت، وإبداء رأيك فيما يجب عليَّ فعله في ظل هذه الظروف. لقد أحضرت هذا الموكب من لندن خصِّيصى لكي أصحبكِ في نزهة. ليس المقصود أن أعرض عليكِ أي شيء تخجلين منه؛ فقد أتيت إلى هنا بموافقة والدك. وأرسلت رسالةً إلى مديرة المدرسة أخبرها بذلك، ولكنها ردت بتأنيب شديد. ثم أرسلت لك مباشرة، ولكن خطابي أُعيد لي مع تلميحٍ بأنني أحاول أن أفعل شيئًا في الخفاء. وهكذا، وكما ترين، لقد بذلت قصارى جهدي لكي أكون نزيهًا وصادقًا، ولكن الصادقين لا يبلغون ما يصبون إليه. وهذا تحديدًا ما يدفع الناس لارتكاب الجرائم. ثم لجأت إلى طرق أكثر ريبة، واستعنت بذلك الشاب — نسيت اسمه — ليحمل رسالةً لك. وقد أغضبك ذلك …»
«أوه، لا!»
واصل بارني حديثه في أسف قائلًا: «لطف منك أن تقولي ذلك، ولكني معتاد خيبة الأمل، والمزيد منها لن يضر. لقد أدركت الآن أني أخطأت عندما أرسلت لك الخطاب بهذه الطريقة؛ فلطالما أُدرك مثل هذه الأمور بعد وقوعها، ولكني كنت مجبرًا على ذلك. أتوقع أن ينتهي بي المطاف سجينًا ذات يوم، دون أن أدرك ما ارتكبت من جرم إلا بعد أن يُصدر القاضي حكمه. أعتقد أنه يجدر بي أن أترفَّع عن الحاجة لسماع كلمة تحفيز من وقت لآخر، ولكن يبدو أنني لا أفعل.»
سألته الفتاة وقد غشيت وجهها مسحة من الحيرة: «ماذا تريدني أن أفعل؟»
«كل ما أريده منك هو نصيحة مباشرة من عقل راجح. إن الفن يوجهني في اتجاه واحد، وينصحني بألَّا أتدخل في شئون الشركة. وقد قلتِ الآن إني لا بد أن أكون في المصنع الآن، وإنه لا يجدر بي أن أتسكع هنا بينما ثمة الكثير لفعله هناك. ويبدو جليًّا أن السيد سارتويل يأمل في أن أظل بعيدًا عن الصورة، وإلا أخبرني بأمر الحريق. يبدو أني شخص بلا قيمة ولا حاجة لأحد لي؛ حتى الشرطة. ماذا أريد منك إذن؟ أريد منك أن تسمحي لي باصطحابك في جولة قصيرة بالعربة في الريف، وتخبريني بما يمكنني فعله لأساعد والدك في تخطي هذه الأزمة.»
قالت إدنا وهي ترمق العربة ذات الحصانَين بتشكك: «سألفت الأنظار كثيرًا في هذه العربة. لا؛ دعنا نَسِر حتى نهاية الموكب. وهناك يمكننا أن نجلس وسأخبرك بكل ما أعرفه عن الحريق، وإذا كان لنصيحتي أي قيمة، فلتأخذ بها. بعد ذلك، عليك أن تدعني أسير إلى المدرسة بمفردي.» كان بارني مجبرًا على تقبُّل ذلك، وأمر سائس الخيل على مضضٍ بأن يأخذ الحصانَين إلى الإسطبل.
وسار الاثنان بمحاذاة الموكب نحو المقعد الأكثر انعزالًا حيث جلسا معًا. كان عقل الشاب يدور في دُوامة؛ فقد جعله استقبال إدنا البارد له يضطرب، ويخشى فقدان ما كان يعتقد، حتى هذه اللحظة، أنه طلب مُجاب.
لقد تقدم للفتاة ورفضته.
نفوس متقلبة |
الفصل السابع والعشرون
ثمة اعتقاد سائد بأن الفتيات في بلادنا يرحِّبن بالأحاديث التي يلقيها شباب الطبقة الراقية على أسماعهن، وأن سعادة الفتاة تزداد كلما زاد عدد عروض الزواج التي تتلقاها. غير أن هذا ليس سوى مجرد افتراض، وللأسف لا توجد أي إحصاءات يمكن لمؤرخ حريص على دقة العرض أن يعتمد عليها في تأكيد هذا الرأي أو دحضه. والمؤسف أن الإحصاء السكاني، الذي يجمع الكثير من الحقائق المثيرة المتعلقة بالجنس البشري في صورة جداول، لم يولِ اهتمامًا لهذا القسم الفرعي من البيانات الخاصة بالبشر، ما يجعله بعيدًا كل البعد عن تكوين أي تقدير حاسم للشعور الذي يراود الفتاة، عندما تتلقى مجاملةً لا شك فيها في صورة عرض زواج؛ ما يضعنا في جهالة بشأن عدد عروض الزواج التي تتلقاها المرأة في المتوسط ما بين سن السابعة عشرة والسابعة والثلاثين. الغريب في الأمر أن الحكومة الفضولية التي لا تجد غضاضةً في مطالبة النساء بتدوين أعمارهن بقلمٍ أسود على ورقةٍ بيضاء كل عشر سنوات؛ تبدو عازفةً عن التحقيق في مسألة مهمة يتوقف عليها رخاء الأمة في المستقبل إلى حدٍّ كبير كتلك؛ وبذلك لا يمكن لأحدٍ أن يقرِّر بصورة أكيدة أن عروض الزواج تلقى تقديرًا عاليًا ممن يتلقَّيْنَها، ويحسم الجدل بأن يوجه المشككين إلى الكتاب الأزرق محددًا لهم العدد والصفحة.
ومع استحالة تعميم هذا الوضع، يُضطر الكاتب الدقيق إلى العودة إلى الحالات الفردية، ولا بد من تسجيل أن إدنا سارتويل قد هُرعت عائدةً إلى مدرستها يملؤها الفزع واليأس، وبعيدة كل البعد عن أي شعور بالسعادة أو الفرح؛ لأن شابَّين طلبا منها في أسبوعٍ واحدٍ أن تشاركهما مستقبلهما، على اختلافهما. فبينما هي على مشارف الأنوثة، إذا بها فجأةً وبدون سابق إنذارٍ تُواجَه بأوضاعٍ جعلتها تتمنَّى لو أنها عادت إلى الحياة الهادئة التي لم يكن يعكِّر صفوها شيء، التي كانت تعيشها من قبل. وأصبح هذان الحدثان المزعجان، اللذان وقعا الواحد تلو الآخر مباشرة، يتملَّكان تفكيرها بما لا يتناسب مع ضآلة أهميتهما، وهدَّدا بإلقاء ظلالهما الداكنة على مستقبلها. فقد بدا أمرًا مفزعًا أن يصبح مصيرا رجلَين مرهونَين بها، وأن يُلقى على عاتقها مسئولية جسيمة كاتخاذ قرار، دون مساعدةٍ من أحد، بشأن مسألةٍ شديدة الخطورة سيترتَّب عليها عواقب بعيدة المدى. وإذا كان هذا هو تصرف أول شابَّين تتعرَّفهما، فماذا عليها أن تتوقع من الشبان الكثر الذين من المرجَّح أن تلتقيهم في المستقبل؟ فلم يكن يستهوي المسافرة الصغيرة أن تخطوَ بقدمها على طريق معبَّد بالقلوب المفطورة، ولم تكن الحياة التي تُقضى في جوٍّ من الزفرات الحارة تُحتمل. كانت الفتاة تخشى المستقبل الذي حمل لها الكثير من الحيرة؛ لأنها لا تستوعب إلا جزءًا منه فحسب. «غالبًا ما يكون مهمًّا أن تصنفي مشكلتك لتتمكني من حلها»، هكذا أخبرها والدها ذات مرة؛ إلا أن الحل والتصنيف بدوَا على القدر نفسه من الصعوبة بالنسبة إليها.
تقبَّل بارني رفضها له على نحو سيئ. فلم يحاول أن يخفي حقيقة أن حياته كانت فاسدة، وأنه سيعاود دخول العالم رجلًا مختلفًا، ولكنه أصر بشجاعة على تحقيق أكبر استفادة ممكنة من التجربة السيئة التي مر بها. سيقطع الطريق القاسي الوعر الماثل أمامه، الذي لم يتسلَّل إليه ضوء الحب أو التعاطف الإنساني، بإصرارٍ جاد، وإن كان كئيبًا، مُزيحًا جانبًا توافه الوجود، وموليًا وجهَه شطر رحلة الحياة الكئيبة بإصرارٍ حزينٍ لا يخلو من العناد، دون انتظار أي مثوبةٍ سوى أن يجدَ العزاء في معرفة أنه ترك العالم أفضل، ولو قليلًا، بفضل عيشه فيه.
ولأن خبرة إدنا في الحياة محدودة، لم تتمكَّن من منع نفسها من المقارنة بين تصرفات هوب وتصرفات مارستن، والتي لم تكن في صالح الأخير تمامًا. لم يكن لديها أدنى شكٍّ في أن مارستن في الواقع أمامه طريق صعب وشاق، ولكنه لم يتفوَّه بأي عباراتٍ رنانةٍ أو ادعاءات بطولية مبالغًا فيها حيال ذلك، ولم يطلب منها شيئًا سوى أن تتذكره. شعرت بالأسف لأنها لم تُعطِ مارستن أي كلمة تشجيع، أما بارني فجعلها تشعر بطريقةٍ ما بأن اللوم في حالته يقع عليها، وأنه رجل تعرض للظلم. ومن ثم كان من الصعب إدراك الطبيعة الخطرة أو المشقة التي تكتنف مسيرة بارني المهنية المستقبلية، في ظل علم الجميع أنه يملك مالًا وفيرًا قد يُفسد حياته. ويبدو أن هذه الفكرة قد تبادرت إلى ذهن بارني عندما كان يتحدث إليها؛ إذ تحدث عن ثروته بمرارة وازدراء، وكم أنها تعيقه وتقيِّده، وعن نيته التخلي عنها بالكامل عندما تصبح الثروة بالكامل بين يدَيه، وسيبدأ حياته من جديد محققًا أمجاده الخاصة وما يكفي من المال، مهما كان قليلًا، لسد احتياجاته البسيطة، بمهارة يده اليمنى التي من المفترض أن تساعدها فرشاة الرسم، وبهذا القرار النبيل، لن يكون من العدل لومه على امتلاك ثروة لم يكن له يد في جمعها.
أسرعت إدنا الخطى في اتجاه المدرسة، لا يشغلها التوبيخ الذي ينتظرها، بقدر ما يشغلها أحوال هذا العالم المتناقضة. كانت بحاجة إلى النصح شأنها شأن بارني، ولكن لم يكن ثمة من يمكنها الوثوق به وائتمانه على أسرارها. فكَّرت في إرسال خطاب إلى والدها متذكرةً وعدها له بأن تُخبره بكل ما يؤرقها، ولكنها تراجعت عن الفكرة بمجرد أن تكوَّنت في ذهنها. علاوةً على ذلك، فقد تمَّت تسوية كلتا المسألتَين أخيرًا وإلى الأبد، فما الحاجة إذن إلى إزعاجه دون داعٍ بصفحة من حياتها طُويت وانتهت؟ وتأجج في قلبها اشتياق عميق جارف إلى أمها التي لم تلتقها في حياتها، والتي أصبحت تفتقدها في هذه اللحظة أكثر من أي وقت مضى. وعندما تذكرت صورة المرأة الجميلة ذات الوجه الحسن المعلقة في مكتب والدها، التي كانت عيناها الحانيتان تشعان حبًّا وعطفًا لها، اغرورقت عيناها فجأةً بالدموع التي كانت تحاول منعها، وأخذت تنتحب قائلة:
«أنا وحيدة … وحيدة!»
عندما وصلت إدنا إلى المدرسة، توجهت إلى غرفتها مباشرةً حيث وجدت خطابًا ينتظرها من زوجة أبيها، ما ساعدها في طرد الأفكار الحزينة التي ملأت ذهنها أكثر من أي شيء آخر. وجاء نص الخطاب كالآتي:
عزيزتي إدنا المسكينة: لا شك أنك قد علمت بخبر الفاجعة المؤلمة التي ألمَّت بشركة مونكتون آند هوب، الفاجعة التي أخشى ألَّا تتعافى الشركة من توابعها، على الرغم من أن والدك، كعادته، يسخر من توقعاتي ويقول إن التأمين سيغطِّي خسائر الشركة بالكامل، كما لو أن بإمكان بوليصة تأمين أن تغطِّيَ الآثار البعيدة المدى لكارثةٍ كهذه! يبدو أن ثمَّة بعض الشكوك في أن الحريق قد وقع بيد بعض العمال الساخطين، الذين ربما فاض بهم الكيل من المعاملة التي يتلقَّونها، على الرغم من أن هذا لا يُعتد به باعتباره مبررًا للجريمة. ولكننا جميعًا مخلوقات ضالة محدودة البصيرة في هذه الدنيا، كلٌّ منا ملوثةٌ نفسه بالخطيئة الأولى، لا نستطيع الإقدام على أبسط فعل يكون مقبولًا، من دون توجيه من قوة عليا، ودائمًا ما نكون عرضةً للزلل والعثرات إذا ما تجاهلنا هذه التحذيرات التي يُمطَر بها الصالحون والطالحون على حدٍّ سواء، من أجل نفعنا؛ ولكن إذا غضضنا الطرف عن هذه التحذيرات — أو سخرنا منها، وهو الأسوأ — فكيف لنا أن نأمل في الاستفادة منها وتصحيح مساراتنا، مثلما هو مقصدها الذي وضعته العناية الإلهية الدائمة التسامح، المتلهفة للغفران فقط إذا أظهرنا رغبةً فيه؟ وعندما سألت والدك بكل رفق واحترام (آمل أني قد أصبحت الآن أعرف واجباتي بوصفي زوجة!) عما إذا كان الحريق قد علَّمه أي دروس مهمة، ردَّ بصفاقة مؤسفة لم أرَها في حياتي من قبل — تلك الصفاقة التي كنت أحاول أحيانًا تقويمها في سلوككِ يا طفلتي المسكينة — أن الدرس الذي تعلمه هو الحاجة إلى تحسين التغطية التأمينية، ووضع سلالم هروب في الطوابق العليا من المصنع، كما لو أن ذلك الأسلوب البذيء مناسب تمامًا لاستخدامه في الحديث عن حدثٍ جلل، ذهبت على أثره روحان خالدتان إلى خالقهما من دون أي تحذير، حين احترقتا، على حد علمنا، بفعل نيران بائدة لتتحولا إلى ألسنة لهب نيران لا تخمد أبدًا! لم تترك جدوى هذه الفكرة أي انطباع لدى والدك، الذي لا يزال على عناده المعتاد، وأخشى ما أخشاه ألَّا يتحرى مزيدًا من العدل تجاه عماله بعد كل ما حدث. لقد طرد والدك شابًّا مسكينًا يُدعى مارستن من العمل دون رحمة، وربما أصبح هذا الشاب حاليًّا يهيم على وجهه في الشوارع باحثًا عن عمل ويتضور جوعًا، دون أن يعرف أحد أو يكترث لما ألم به. اسألي والدك عن سبب طرده من العمل إذا أردت أن تعرفيه، ولا تسأليني أنا. إنه لا يهتم إلا بالتفاخر، ثم التفاخر، ثم التفاخر! طفلتي العزيزة، خذي حذرك قبل أن يفوت الأوان؛ فالقادم لا يبشر بخير. ولا تسمحي للقسوة بأن تغزو قلبك. سأواصل التضرع من أجلكما؛ فرحمة الرب واسعة لا تنضب.
أمك المحبة الحزينة
سارة سارتويل
لم تفشل النوايا الخيرة لهذا الخطاب في تحقيق هدفها، ولا شك في أن السيدة سارتويل كانت ستسعد لو عرفت أن قراءته قد عادت بالكثير من الخير على من تلقَّته. فقد كان لهذا الخطاب مفعولٌ مقوٍّ ومنح إدنا شيئًا لتفكِّر به، وأزاح من ذهنها أيَّ أفكارٍ كئيبةٍ تتعلَّق بالدمار الذي ألحقته بحياة بارني.
مثَّل طرد مارستن من العمل صدمةً كبيرة للفتاة، ورأت للمرة الأولى في حياتها أن والدها لم يتصرف بإنصاف. وعندما فكرت إدنا في هذه المعلومة للوهلة الأولى، اعتقدت أن والدها عرف، بصورة أو بأخرى، بأمر زيارة مارستن إلى إيستبورن، ولكن بعدما فكرت في الموضوع بتأنٍّ، استنتجت أن طرده جاء نتيجة لقائهما في الحديقة وعثور والدها على مارستن هناك. إذن، كان السبب في أن الشاب كان لديه الوقت الكافي للحضور إلى إيستبورن هو أن وقته قد أصبح ملكه الآن. ولكنه لم يذكر لها شيئًا مما حدث حتى عندما سألته عن كيفية خروجه من ورديته. كما أنه تحدث عن والدها باحترام رغم شعوره بأنه قد تعرض للظلم، دون أدنى شك. لم تمعن التفكير في أي من كلماته الطيبة عندما قالها، ولكنها بدأت تتذكرها الآن. وقرَّرت أن تكتب خطابًا إلى والدها وتخبره بشأن زيارة مارستن ونتائجها، ولكن عندما جلست والورقة أمامها، وجدت نفسها لا تعرف كيف تبدأ رسالتها. كانت تريد أن تطلب من والدها أن يصحِّح الخطأ غير الضروري الذي ارتكبه في حق مارستن؛ فلم يكن ثمة أي احتمال أن تتزوج من هذا الشاب، ولكنها عندما همَّت بكتابة كل هذا على الورق، بدت المهمة شديدة الصعوبة. وزادت المهمة صعوبةً بعلمها أنه لا بد وأن بال والدها منشغل بقدر يفوق قدرة أي أحد على التحمل، وتخيلت هذا الرجل الصموت جالسًا في المنزل منهكًا من يوم متخم بالعمل والقلق، بينما صوت زوجته الرتيب يلقي على مسامعه الدروس الأخلاقية، المستفادة من كل عقبة جديدة عليه تخطيها. لا، لن تضيف إلى الأعباء الملقاة على كاهل والدها عبئًا جديدًا.
جلست إدنا مسندةً مرفقيها على المكتب وذقنها بين يدَيها، تحدِّق في الفراغ أمامها بعينَين قلقتَين، كما لو أن المشكلات التي تزعجها متجسِّدة في الهواء أمامها، وربما تُنوم مغناطيسيًّا لتتوصل إلى حلها. كان من السمات المحيرة للأمر أنها كانت مضطرةً مؤخرًا أن تعدِّل من أفكارها باستمرار، وتربطها بصورة صحيحة مع حقيقة جديدة نمت إلى علمها. وحملت حواراتها جميعها مع والدها، وكذلك الكثير من أفعاله، معنًى جديدًا تمامًا، بعدما علمت أن والدها كان يعلم بحب مارستن لها. ومرةً أخرى، ألقت حقيقة طرد مارستن من عمله في نفسها لوعة حزن شديدةً حين تذكرت إعلانه الحماسي بأنه سيجتهد، من أجلها، لإرضاء أي رئيس سيعمل تحت إمرته، كما لم يفعل رجل من قبل. لم تتفق إدنا مع زوجة أبيها في مخاوفها من أن مارستن لا يجد ما يسد به رمقه، إلا أن خيالها اتقد عندما فكَّرت في كلماته الحماسية الموجهة إلى ابنة الرجل الذي زج به إلى الشارع، قبل يوم أو يومَين، وإصراره الشديد على تحقيق النجاح. وكلما أطالت التفكير في تصرف والدها، زاد جَوره وضوحًا في عينَيها. حاولت أن تبدأ كتابة الخطاب مرات عدة، ولكنها في كل مرة كانت تعود إلى تأملاتها. وتلاشى بارني وأحزانه الوهمية تمامًا من ذاكرتها. وخلصت تدريجيًّا إلى أنها إن لم تتدخل لصالح مارستن، فستُحمِّل نفسها مسئولية استمرار الظلم الذي يتعرَّض له، وعلى الرغم من رغبتها في إعفاء والدها من كل ما يُساوره من قلق إزاء مشاعرها تجاه مارستن، كانت لا تزال تشعر بالخجل من التطرق إلى هذا الجانب من الموضوع. ربما يمكنها في وقت ما، عندما تجلس على ساق والدها، أن تُخبره بالأمر، متحاشيةً النظر في عينَيه، ولكنها لم تستطع أن تُخبره بما تريد مكتوبًا في خطاب.
تمكنت أخيرًا من كتابة خطاب أرسلته عبر البريد سريعًا؛ خشية أن تؤدي إطالة التفكير في المسألة أكثر من ذلك إلى عدم إرساله على الإطلاق.
أبي العزيز: أنا واثقة من أنك مشغول للغاية، وربما قلق للغاية أيضًا في الوقت الحالي. أنت تعلم أني لا أريد أن أزيد من أعبائك، بل أريد أن أخفِّفها عنك إذا استطعت، ولكني في هذا الأمر عاجزة بقدر ما أنت قوي. لقد عقدنا اتفاقًا منذ فترة، وهذا ما دفعني لكتابة هذا الخطاب. لقد حدث أمر ما أشعر بأني مسئولة عنه جزئيًّا. وصلني خطاب اليوم من زوجة أبي تخبرني فيه بأنك طردت السيد مارستن من العمل، وتعتقد أنه ربما يبحث الآن عن عمل دون جدوى. وأخشى أنك غضبت حين وجدته يتحدث إليَّ في حديقة منزلنا، ولكن هذا خطئي أنا وليس خطأه. إذا كان هذا هو سبب طرده من العمل، أفلَا يمكنك أن تعيد التفكير في هذا القرار وتعيده إلى عمله؟
ابنتك المحبة
إدنا
جاء الرد على خطابها خلال وقت أقصر من الوقت اللازم لوصوله إلى لندن، طبقًا لتقديرها.
ابنتي العزيزة: كان يجب أن أُرسل لك منذ أيام، ولكن للأسف، لا يمكنني أن أُملي خطابًا عاطفيًّا على موظف الآلة الكتابة لديَّ، وكلما تقدم بي العمر، زاد عزوفي عن الكتابة بيدي. تقولين إنني قلق؟ أوه، لا! ما الذي يجعلني قلقًا؟ أخشى أن والدك المقاتل المسن لا يزال يهوى القتال، سواء ضد الظروف أو ضد البشر. قبل أن تُطفأ النار، أُرسلت طلبيات عبر البرق إلى ثلاث شركات لبيع الماكينات في الشمال. وبينما كانت سيارات الإطفاء لا تزال تهيل المياه على الأنقاض، كنت قد أجَّرت المنازل الأربعة المجاورة للورش، وأخليتها من مستأجريها رغم شغلهم لها. وفي تلك الليلة، بدأ الرجال يهدمون الأبواب التي تفصل بين الأقسام ويقوون الأرضيات. لحسن الحظ، لم تُمس المحركات والغلايات بسوء؛ إذ كانت في مبنًى منفصل، وتمكَّنا بالفعل من نقل أكبر عدد ممكن من الماكينات إلى هذا المكان، ومددنا حبلًا حديديًّا طويلًا متدليًا دائم الاهتزاز لإمدادها بالكهرباء عبر الفناء. طلب أمين النقابة الجديد أن يعقد اجتماعًا معي لمناقشة ما تنوي الشركة تقديمه إلى العمال الذين أصبحوا عاطلين بسبب الحريق. ورفضت مناقشة أي شيء مع أمين النقابة الجديد، كونه ليس أحد موظفي شركتي. إنه أذكى من جيبونز؛ فشكَّل على الفور وفدًا من عمالي وأرسلهم إليَّ. واستقبلتهم بالطبع، وسألوني عما إذا كنت على استعداد لأن أدفع لهم خمس عشرة بالمائة من أجورهم أثناء فترة بطالتهم. قلت لهم: «لا، يمكنني أن أتفوق على النقابة العمالية دائمًا. سأدفع لكم أجوركم كاملة، وليس خمس عشرة بالمائة منها؛ فأنا أتوقع أن تعودوا جميعًا إلى وظائفكم بحلول يوم الإثنين.» ظني أنني استطعت إدهاش العمال إلى حدٍّ ما. سيعود العمل إلى مساره الطبيعي في غضون أسبوع، ولن نتأخر في تسليم طلبية واحدة. وسيُبنى المصنع الجديد، الذي بدأ بناؤه بالفعل، وفقًا لأحدث الأفكار، وأتوقع أن يستطيع توسيع نشاط شركتنا، بحيث نحتفظ بالمنازل الأربعة المستأجرة عندما يصبح المبنى الجديد جاهزًا. اغفري لي رضاي عن نفسي، ولكن على المرء أن يفتخرَ بنفسه من وقتٍ لآخر أمام شخصٍ ما، وأنت يا عزيزتي إدنا الوحيدة التي يمكنني التباهي أمامها. نعم، لا يزال اتفاقنا ساريًا، وأنا سعيد أنك ذكرت خطاب زوجة أبيك، وإن كنت أتمنى ألَّا تأخذي أيًّا من تعليقاتها شبه الهستيرية عن طغياني على محمل الجد؛ فعلى المرء أن يتصرف، ومن يتصرف فلا بد أن يرتكب أخطاءً. ربما كان طرد مارستن من العمل خطأً. لا أرى أنه خطأ من وجهة نظري، ولكن زوجة أبيك تراه كذلك بالطبع، ولأن الحقائق تُربكها دائمًا، فهي ترى أنه أصبح يتضور جوعًا، وأمورًا من هذا القبيل تحدث الآن. كل شيء يعتمد على نظرتك للأمور يا إدنا. عود ثقاب يسقط سهوًا أو عن عمد على مواد قابلة للاشتعال، ثم تحدث تغييرات كيميائية معينة، وينتج غاز حمض الكربونيك، فيتهاوى المصنع إلى أنقاض متحولًا إلى وقود للنار. يبدو كل هذا طبيعيًّا تمامًا بالنسبة إليَّ، ويتفق تمامًا مع الأبحاث العلمية. ولكن وجهة نظر زوجة أبيك مختلفة. إنها ترى تدخُّل القدر، ولأني لا أرى المثل، تراني أستهزئ بالذات الإلهية. إنني أومن بالقَدَر وأثق به مثل أي شخص، ولكن في اعتقادي أن القدر يعمل بتعقل. فهو لا يدمر مصنعًا ويقتل رجلَين لمجرد أن يريني أنني مخطئ؛ فهو قادر على أن يحقق هذه الغاية بتكلفة وعناء أقل. لا أعتقد أن القدر أقل تعقلًا من ابنتي الصغيرة التي تتبع النهج الصحيح دائمًا. إنها تقول برقة وحنو: «أبي، أعتقد أنك مخطئ، وأريدك أن تعيد التفكير في الأمر.» لا تحاول أن تُثبت أني طاغية عديم الرحمة. سأعيد التفكير على الفور، وأعيد مارستن إلى عمله، ولكن هذا لم يعد ضروريًّا. فهو الآن الأمين الجديد للنقابة العمالية، ويتقاضى أجرًا أكبر من أجره في مصنعي، وصار وقته ملكه فعليًّا، ويمتلك فرصةً كبيرة للإيذاء إذا ما اختار أن يمارس سلطته. وينتابني شعور قوي بأني سأكون مضطرًّا إلى مواجهته في غضون سنة أو اثنتين أو ثلاث. ستكون مواجهةً مثيرة، ولكني سأنتصر. وبهذا التباهي الأخير، أختتم خطابي الطويل. آمل أن أتمكن من القدوم لرؤيتك يوم السبت، وحتى ذلك الحين، أغدقي كل ما لديكِ من تعاطفٍ على ذلك الطاغية ذي القبضة الحديدية.
والدك
نفوس متقلبة |
الفصل الثامن والعشرون
ترك بارني عربته ذات الحصانَين في رعاية خادمه وغادر إلى لندن بالقطار. جلس متجهمًا في أحد أركان مقصورة تدخين بالدرجة الأولى يصب اللعنات على العالم. وتمكن من تدخين كمٍّ كبيرٍ من السجائر خلال الفترة التي أمضاها القطار من البحر، وصولًا إلى محطة تشارينج كروس، وبينما كان يدخِّن، اتخذ قراراتٍ صارمةً وبطوليةً تتعلَّق بمسيرته المهنية. سيأخذ الأمور الآن على محمل الجد. سيُدير أعمالَه بنفسه. وأدرك في الضوء الساطع لخيبة الأمل الكبيرة التي مُني بها أنه، حتى هذه اللحظة، أولى الكثير من الاهتمام إلى إنتاج الأعمال الفنية، دون أدنى اهتمامٍ بالترويج لها. ولم يكن ثمَّة أملٌ من انتظار التقدير لأعماله من جمهورٍ أحمق لا يملك حس النقد الفني، ولم يظهر بعدُ الناقد العظيم الذي كان يبحث عنه وبداخله يقين أنه سيجده. إذن بما أن الناقد لم يظهر بعد، فعليه أن يجعله يظهر. سوف يشتري أكثرَ ناقدٍ فنيٍّ باهظ الثمن في السوق، وحينئذٍ سيعلم العامة المتخلفون أن ثمة عبقريًّا كان يعيش بينهم دون أن يلحظه أحد.
عندما أصبح لخططه الشاملة شكلٌ نهائي، كان القطار قد وصل إلى النفق ذي السقف الزجاجي في محطة تشارينج كروس. قفز بارني في عربةٍ واتجه إلى المصنع مباشرة. حدَّث بارني نفسه بينما كان يحدِّق حوله إلى الأنقاض التي خلَّفها الحريق قائلًا: «يا لبشاعة المكان!» فقد كانت الأرض مغطاةً بأكوامٍ متناثرةٍ من حديدٍ محترقٍ وملتوٍ، فيما تناثرَت أكوام أخرى من مواد بناءٍ جديدة في كل مكان. آذَت الفوضى والقبح اللذان عمَّا المكان برمته حسه الفني المرهف، وشكر حظه الحسن على أنه ليس مضطرًّا لقضاء أيامه في هذا المكان. توجَّه إلى سارتويل الذي كان يناقش مسألةً ما مع المهندس المعماري وصافح مدير المصنع بحرارةٍ ومودة.
وصاح قائلًا: «سيد سارتويل، لقد أتيت بمجرد أن علمت بأمر الحريق.»
فرد عليه مدير المصنع بجفاء: «آه. هل كنت في أمريكا؟»
ضحك بارني قائلًا: «لا، لم أكن في مكانٍ بعيد إلى هذه الدرجة، ولكني لا أقرأ الصحف على الإطلاق، كما تعلم، وسمعت بأمر الحريق بمحض الصدفة. وها أنا ذا رهن إشارتك بالكامل، وعلى استعدادٍ لفعل أي شيءٍ وكل شيءٍ تريده مني. أفضِّل ألَّا أحمل الطوب، إذا كانت ثمة مهمة أخرى يمكنني القيام بها، فأنا على استعدادٍ للمساعدة بأي شكلٍ كان. ولا مانع لديَّ أن أخبرك يا سيد سارتويل، أني بوضع نفسي رهن إشارة الشركة، إنما أضحِّي بالكثير؛ فالفن يحتاج إلى وقت طويل والوقت يمر سريعًا كالريح، ولديَّ عمل لأؤديه في مرسمي، عمل ربما لا ترى أنه يستحق الاهتمام، ولكني آمل ألَّا تتفق معك الأجيال القادمة. ولكن هذا لا يمنع أني قد أتيت. فمرني.»
قال سارتويل راسمًا ابتسامةً واجمةً على شفتَيه: «في الواقع إنك تُسيء فَهْمي. إني لأرى أن قيمتَك في المرسم أكبر بكثيرٍ من قيمتك هنا. لا شك لديَّ في أنني والأجيال القادمة سنتفق في تقديرنا لأعمالك. فالفنانون قلة والعمال كُثُر. وستكون كارثةً حقيقية أن تتداخل أزمتنا الحالية مع عملك الفني. لذا، على الرغم من سعادتي بعرضك الكريم بالمساعدة، لا يمكنني التفكير في قَبوله. لا، المرسم هو مكانك الحقيقي يا سيد هوب.»
«إنه لَلطفٌ غير معتادٍ يا سيد سارتويل أن تُبديَ كل هذا الإطراء اللطيف على جهودي، وأؤكد لك أني أُقدِّره للغاية؛ فأنا لا أتلقَّى الكثير من التشجيع، حقًّا لا أتلقَّى أي تشجيع. فنحن نعيش في عالمٍ مادي متوحش، كما تعلم. هل عاد أبي إلى الوطن؟»
«نعم؛ عاد ليلة أمس.»
«آه، لم أعلم بعودته. لا بد أنه منزعج للغاية، أليس كذلك؟»
«قلق بعض الشيء.»
«أمر طبيعي. حسنًا، إذن لا يوجد ما يمكنني تقديمه لك، أليس كذلك؟»
«لا شيء، إلَّا إذا تولَّيت مهمة تصميم ديكورات المصنع الجديد، وبذلك ستكون قد أرسلته إلى الأجيال القادمة، وسيصبح مخلدًا كجداريات الفاتيكان. ولكن لن نحتاج إلى ذلك قبل شهر أو اثنين من الآن.»
«قُضي الأمر إذن. سأفكر في الأمر. حسنًا، إذا احتجتني، فأنت تعرف عنواني. أرسل لي برقيةً وسآتي على الفور.»
«إنه لكرم منك أن تكون على استعداد هكذا لتهب إلى المساعدة في أي وقت، ولكن خذ بنصيحتي والزم مرسمك. ولكن على أي حال، سأتذكر عرضك بالمساعدة، وسأخبرك إذا ما واجهت أزمةً أعجز عن التعامل معها بمفردي.»
صاح بارني وهو يصافح سارتويل مرةً أخرى بودٍّ غير مصطنع: «أرجو أن تفعل. إلى اللقاء إذن!»
اتجه نحو البوابات وركب العربة التي كانت واقفة في انتظاره، وملأ قلبه شعور مستحق بأنه قد لبَّى نداء الواجب المُلح، بينما كانت العربة تغادر المصنع.
كانت الرحلة طويلةً إلى مرسم هالديمان، وأخبر بارني سائقَ العربة أنه قد يُضطر لانتظاره لساعةٍ أو اثنتَين، وانطلق مسرعًا عبر سلم المدخل ودقَّ الجرس. بعدما سُمح له بالدخول، سأل عما إذا كان هالديمان موجودًا، ثم صعد الدرج وقرع باب المرسم برأس عصاه قرعةً واحدةً مفزعة، ودخل.
كان هالديمان واقفًا عند حامل لوحاته واضعًا غليونًا أسود في فمه، ومرتديًا معطفًا قديمًا، وبدا من مظهره العام أنه لم يمشِّط شعره منذ أسبوع. كانت ثمة رسمةٌ غير مكتملةٍ بالأبيض والأسود تزيِّن لوحًا كبيرًا من الورق المقوى، موضوعة على الحامل.
صاح هالديمان قائلًا: «مرحبًا يا بارني! أظن أن هذه طريقتك الرقيقة في الإعلان عن وصولك. تبدو أنيقًا ومهندمًا كمشرفٍ في متجر. هل تخلَّيت عن الرسم واتجهت إلى هذا المجال؟»
فصاح بارني وهو يصفق الباب من خلفه ويدخل الغرفة كما لو كان إعصارًا: «لا يا صديقي، لم أفعل! كما أني لست مهندمًا؛ فقد جئت للتو من رحلةٍ بالقطار، وذهبت من محطة تشارينج كروس إلى المصنع، ومنه إلى هنا. ولم يتيسر لي ما يكفي من وقتٍ لأذهب إلى النادي لأهندم نفسي؛ فقد كنت متعجلًا للغاية لأراك. فلا تسخر مني يا هالديمان.»
«كل شيء نسبي يا بارني، وأنت تبدو في نظري كائنًا متألقًا من عالم آخر أفضل من عالمنا، حيث يملك المرء حسابًا غير محدودٍ مع الخياط الخاص به. ألن تجلس؟»
«هذا ما جئت من أجله. هيا يا هالديمان، أين مشروباتك المنعشة والصودا؟ أنا منهك تمامًا. فكن مضيافًا. ثمة الكثير يشغل فكري هذه الأيام. لقد دمرت النار جزءًا من المصنع، وبصدد إعادة بنائه وأمور من هذا القبيل التي من شأنها أن تُنهك المرء، بما في ذلك رعاية العمال والتأكد من عدم وقوع أخطاء.»
قال هالديمان وهو يضع طاولةً صغيرةً بجوار صديقه، ويضع فوقها زجاجة شراب، وزجاجة صودا، وكوبًا: «أوه، لقد قرأت الخبر في الصحف، وتساءلت عمَّا إذا كانت هذه شركتك. اعتبر نفسك في بيتك يا صديقي. هل تمانع لو عدت لمواصلة عملي؟»
صاح بارني: «نعم، أمانع! اجلس يا هالديمان. أريد أن أتحدَّث إليك في موضوع مهم.»
«أنا متأخر عن موعد تسليم هذه اللوحة يا بارني. يمكنني أن أسمعك أثناء العمل. هيا، هاتِ ما عندك.»
«اسمع يا هالديمان، كم تتقاضى مقابل لوحة مبهمة المعالم كهذه؟»
تراجع هالديمان إلى الخلف قليلًا ونظر إلى اللوحة بعين ناقدة، ثم قال متشدقًا:
«حسنًا، آمل أن أتمكَّن من نهب أربعة جنيهات إسترلينية من القرصان الذي يحرر المجلة التي طلبَتها مني. ستُنشر في صفحة كاملة.»
«يا إلهي! تخيَّل رجلًا يرسم لوحةً مقابل مبلغ كهذا! لم أكن لأرسم خطًّا واحدًا لو قلَّ المقابل عن مائة جنيه.»
رد هالديمان مفكرًا: «لطالما فكرت في رفع مقابل خدماتي إلى هذا الرقم الخيالي، ولكني تراجعت خشية أن تعلن المجلات إفلاسها. فعلى المرء أن يراعي الصحافة الرخيصة بعض الشيء.» دس بارني يده عميقًا في جيب سرواله وأخرج حفنةً معتبرة من العملات المعدنية، وتخيَّر منها أربعة جنيهات ذهبية وأربعة شلنات، ووضعها على الطاولة وهو يقول: «ها هي الجنيهات التي تأمل الحصول عليها يا هالديمان. سأشتري هذه اللوحة. والآن، اجلس وتحدث إليَّ. أريد منك أن توليني انتباهك كاملًا.»
وقف هالديمان في مكانه لحظات وهو ينقل بصره ما بين المال والرجل الذي وضعه. ثم تحدث أخيرًا ببطء وهدوء قائلًا:
«بارني، إن كرَّرت هذا الفعل ذات يوم، فستتعرض للضرب بسببه. للأسف لا يمكنني أن أُلقي بك من النافذة بنفسي، ولكن ثمة سائق عربة يتسكع أمام المبنى، وسأستدعيه ليساعدني إذا لم تضع هذا المال في جيبك على الفور. لا تجبرني على كسر قواعد الضيافة المقدسة.»
«لقد كسرتها بالفعل يا هال عندما غضبت. أراك غاضبًا، فلا تحاول الإنكار. كما أن سائق العربة لن يأتي؛ فأنا من استأجرته، وإذا أتى، يمكنني التغلب عليكما.»
«أنت تعلم أنه لا يمكنك استئجاري مثلما فعلت مع سائق العربة يا بارني.»
«بالطبع لا، بالطبع لا. ولا أحاول أن أفعل يا صديقي. اجلس وتعقَّل. لقد أتيت إليك باعتبارك صديقًا؛ فمسيرتي المهنية تمر بأزمة. أنا بحاجة إلى المساعدة، فارفق بي. لقد صرت أتعامل مع الحياة من منظور جاد الآن، و…»
«منذ متى؟»
«منذ صباح اليوم إذا أردت. لا يهم «منذ متى». لقد خلصت إلى أنني أضيع حياتي هباءً. ستسخر مني بالطبع، ولكني أعلم أني عبقري، لست مجرد موهوب، لا، بل عبقري. ولا طائل من محاولة إثبات ذلك، أو التظاهر بتواضع زائف، إذا كان المرء عبقريًّا، فهو يعلم ذلك. إذن، لمَ لا يقولها صراحة؟»
«لا أرى ما يمنع ذلك.»
«بالضبط. أخبرني يا هالديمان، كم تجني من المال سنويًّا؟»
«تعني، كم من مال قليل تجني؟»
«فلتَصغ السؤال كما يحلو لك. اذكر رقمًا.»
«ما شأن هذا بعبقريتك؟»
«لا تشغل نفسك بذلك. كم المبلغ الذي تجنيه؟»
«بارني، إذا كنت تُعِد لإهانة جديدة لي بالمال، فأنا أحذِّرك من أنني لن أتحملها.»
تجرَّع بارني شرابه دفعةً واحدة، وبدأ يذرع أرجاء الغرفة مفسحًا طريقًا لنفسه عبر ركل كل ما يعترضه جانبًا. وجلس هالديمان في مقعد وثير ممددًا ساقيه أمامه، وواضعًا يدَيه في جيبَيه، وراح يراقب صديقه وهو يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا بنشاط.
ثم صاح بارني قائلًا: «لطالما كانت مهنة الرسام مثار ازدراء العالم منذ بدايات الرسم. اقرأ أي رواية وستجد أن بطلتها، حال معاناتها من زيجة فاشلة، تقع دائمًا في حب رسام، دائمًا.»
«حسنًا، إنهن يتزوجن منا عمومًا.»
«نعم، ثم يعشن في تعاسة دائمة.»
«أوه، نحن كرماء ونشاركهن تعاستنا.»
«أنت تدرك ما أعنيه. دائمًا ما يتعرض الرسام للازدراء، وستجد جميع الشخصيات المحترمة في الرواية مشمئزين من اختيار الفتاة للرسام. ولكن لماذا؟»
«الإجابة سهلة. لأن من المعروف عن الخيال أنه لا يمت للحياة الواقعية بصلة. إن زوجات رسامي الأكاديمية الملكية للفنون يعشن في عظمة ورفاهية لا تحلم بهما سيدة أرستقراطية عادية.»
«هذا ليس صحيحًا تمامًا. إن السبب هو أن الرسامين لا يُديرون أعمالهم بأنفسهم. ولا يملكون أي حس تجاري. لهذا السبب هم فقراء. إذا ما اخترع أحد صابونة، ماذا سيفعل؟»
«يغتسل بها.»
«يروِّج لها. ويصبح ثريًّا. وإذا ألَّف رجل كتابًا عظيمًا، ألَا يجدر به أن يُعلن عن نفسه وعن كتابه بشتى الطرق المتاحة أمامه؟»
«أعتقد أنه يجدر به أن يفعل يا بارني. أين كنت تعيش طوال هذه الفترة لتكون جاهلًا لهذه الدرجة بأساليب الفنون والأدب المعاصرة المعترَف بها؟»
«ألَا تُعد لوحة عظيمة أعلى قيمةً بالنسبة إلى العالم من صابونة تحظى بترويج جيد؟»
«حسنًا، إذا أردت رأيي، فسأقول لا. فأنا أدعم الصابون كأداة أكثر قيمةً للتمدن والحضارة ضد متحف اللوفر.»
توقف بارني عن السير، ورفع ذراعيه فوق رأسه، ثم تركهما تسقطان بقوة على جانبيه.
ثم صاح بنبرة بائسة: «لا صديق لي في هذا العالم! لا أحد، لا أحد!»
«بارني، إن هذه المحادثة تحيِّرني. ما الذي ترمي إليه على أي حال؟ ما خطب الرسم، والصابون، والأدب، والدعاية، والصداقة، والزواج؟ من هي المرأة التي تقصدها؟»
«لا تحدثني عن النساء! فأنا أكرههن!»
«كنت أعتقد أنك الأكثر نجاحًا في هذا المجال. أعتقد أنك أنت من صرَّح بذلك.»
«النجاح! إن المرء يحقق النجاح حتى مرحلة معينة، ثم تحدث خيبة أمل تريه كم كان هذا النجاح زائفًا. لن أتحدث إلى امرأة مرةً أخرى أبدًا.»
«لقد مررت بمثل ما تمر به عدة مرات. ولكننا نعود دائمًا إليهن، إن لم يكن إلى الحب الأول، فإلى الحب الرابع أو الخامس. أما بالنسبة إلى الأصدقاء، فلا أعرف رجلًا لديه أصدقاء أكثر منك.»
«ليسوا أصدقاء حقيقيين يا هالديمان. ليس لديَّ صديق واحد حقيقي، أؤكد لك ذلك. كنت أظنك صديقًا حقًّا، ومع ذلك لا تفعل شيئًا سوى السخرية مني. تعتقد أني لا أدرك ذلك، ولكني أدركه على أي حال. أنا رجل شديد الحساسية، رغم أنه لا أحد يُقدِّر ذلك على ما يبدو.»
«أنا لا أسخر منك يا بارني. ما الذي غرس هذه الفكرة في رأسك؟ أعتقد أنك لا تقدر حساسية الآخرين في بعض الأحيان. إنك تميل قليلًا إلى التباهي بأموالك في وجوه أولئك الذين لم يبتسم لهم الحظ حين تكون برفقتهم. ومن ثم تتمرد الروح الحساسة.»
«هذا طبعي المؤسف يا هالديمان. لا أقصد فعل ذلك حقًّا. إذا كان لي ساق عرجاء أو قدم حَنْفاء، وجئتك هنا وأنا أعرج بها، لم تكن لتسخر من عجزي، أليس كذلك؟ بالطبع لن تفعل. حسنًا إذن، لمَ تمتعض من عيب في الشخصية رغم علمك بحسن نواياي؟»
«أنا لا أمتعض من أي شيء فيك يا بارني، من وقت لآخر فقط على الأقل.»
«أنت تعرف أني على استعداد للذهاب إلى نهاية العالم في سبيل خدمة صديق؛ صدقني! ولكني تعس الحظ. ثمة موسيقي فقير بارع أحاول مصادقته. ولكني أرى بوضوح أنه يمقتني بشدة. حتى إنني استعنت بناشر لينشر بعضًا من موسيقاه — وتحملت كل التكاليف — ولكني ذقت الأمرَّين لأُقنع عازف الأرغن هذا بالسماح لي بمساعدته، وهو عبقري دون أدنى شك. وجمعت جمهورًا مختارًا يقدر الفن الراقي ليستمع إلى عزفه. ولكنه لم يحضر، رغم وعده لي بالحضور، وظن الناس أني كنت أحاول السخرية منهم. لا بد أن كل هذا بسبب طبعي اللعين. أما أنت، فتعرف دائمًا الشيء المناسب الذي يجب قوله؛ أما أنا، فلا. عبقريتي لا تعمل في هذا الاتجاه. أنا فنان.»
أرجع هالديمان رأسه إلى الخلف وضحك. فحدَّق إليه بارني وقطب جبينه في استياء.
«ما الذي يُضحكك الآن بحق الجحيم؟»
«معذرةً يا بارني؛ أنا أضحك على عرج قدمك الحنفاء، وإن كنت لم تظن أني قادر على السخرية من شيء كهذا.»
«ما المضحك فيما قلت؟»
«لا شيء، لا شيء. أنا أحبك يا بارني! أنت برنارد هوب الوحيد الأوحد، والآخرون ما هم إلا نسخ مصطنعة منك. والآن، استمع إليَّ. لا أملك أدنى فكرة عما تريده مني. لقد تطرَّقنا خلال هذه المحادثة إلى الكثير من الموضوعات، ولكني سأفعل من أجلك ما سوف تفعله من أجلي، فيما عدا جرائم الاختطاف أو الاغتيال. فأنا أفضِّل ألَّا أزج بنفسي إلى السجن، إذا لم يكن لديك مانع، ولكني على استعداد للمجازفة بذلك من أجلك. ماذا تريد مني؟ هاتِ ما عندك!»
«ولكن بمجرد أن أبدأ حديثي، ستقول إنك تشعر بالإهانة. أنت ترهبني يا هالديمان؛ أقسم لك أنك ترهبني!»
«هيا استمر. الإهانات ممنوعة لعشر دقائق. هل ستستمر أم لا؟»
«عظيم. لقد سألتك كم تجني من مال سنويًّا، وسخرت مني.»
«أنا لا أحتفظ بسجلات حسابات، ولا أدفع دينًا إلا بعد تدخُّل وسطاء؛ لذا ليس لديَّ أدنى فكرةٍ عن ذلك حقًّا. ولن يكون تخمينك للمبلغ أفضل من تخميني. فخمن واستمر.»
«حسنًا. أريد أن أدفع لك ضعف دخلك السنوي مقابل مساعدتك لي في هذه المسألة.»
«هذه ليست صداقة، هذه صفقة تجارية مرةً أخرى. معذرة، لقد نسيت. لا تنظر لي شَزْرًا هكذا يا بارني؛ قبلت عرضك. هل يمكنني تقاضي المال مقدمًا؟»
قال بارني وهو يصيح في جذل: «بالطبع يمكنك ذلك»، واضعًا يده في جيبه، ولكن حين دخل هالديمان في نوبة من الضحك، تحوَّل تعبير السعادة على وجه بارني إلى سخط شديد، واتجه نحو الباب مطلقًا سبة. فهب هالديمان واقفًا وأمسك بكتفَي بارني الممتعض.
وصاح: «كف عن ذلك! عد إلى هنا أيها الوغد! لا يمكنك أن تعرض عليَّ ثروةً ثم تتسلل خارجًا هكذا. اجلس يا بارني، اجلس وواصل حديثك العذب!»
فقال بارني بنبرة حزن عميق: «أوه، لا طائل من الحديث! قلت لك لم يكن لي يومًا صديق في هذا العالم، ولم أكذب.»
«هراء! أنت تنزعج من الدعابات أكثر من الأطفال. إذا لم يُسمح للمرء بالضحك في بيته، فأين له أن يضحك إذن؟ أنا مهتم للغاية، وأريد أن أعرف الجريمة التي تنتظر مني ارتكابها. لا عليك بالمال، ولكن أفصِح عمَّا لديك.»
«المال جزءٌ من المسألة. سأدفع وإلا فلن أُخبرك بشيء.»
«بالطبع. أفهم ذلك. أنا أقبل. هاتِ ما عندك!»
«أنت تعرف جميع محرري المجلات والدوريات الأسبوعية المُصوَّرة.»
«هذا صحيح للأسف!»
«سأدخل في صلب الموضوع إذن وليكن سرًّا بيننا؛ أريد أن أشتري ناقدًا كبيرًا، ومحرر مجلة مُصوَّرة كبرى.»
«هل تعني أنك تريد أن تشتري مجلةً رائجة؟»
«لا أعني أي شيء من هذا القبيل. لا أعني إلا ما أقول.»
«أنا لا أفهمك تمامًا إذن. فسِّر ما تعنيه.»
«ما أريده كالآتي: أريد ناقدًا فنيًّا كبيرًا ليكتب مقالًا في دورية كبرى يقول فيه إن برنارد هوب أعظم رسام رآه العالم.»
«أوه، أهذا كل ما تريد؟»
«لا، ليس كل ما أريد. أريد أن يكون المقال مصورًا بشكل بديع — بالألوان الطبيعية إن أمكن — بنسخ من أفضل لوحاتي.»
«آه! لم أكن لأفعل ذلك يا بارني لو كنت في مكانك. فستفضح اللوحات كذب مديح الناقد الكبير.»
«نعم، كنت أعلم أنك ستقول ذلك. إن وضوح مثل هذه الملحوظة سيجعل إبداءك لها منطقيًّا. ولكني صريح معك تمامًا كما ترى. والآن هل يمكنك أن تؤدي هذه المهمة من أجلي؟ تذكر أنني لا يهمني كم سأنفق من مال.»
أخرج هالديمان الغليون الأسود من فمه، ونفضه ليخرج منه الرماد، ثم أعاد ملأه بالتبغ وهو يفكر.
ثم قال أخيرًا: «حسنًا، أرى هذا العرض وقاحةً سافرة يا بارني …»
«نعم، أعلم ذلك، أعلم ذلك، أعلم ذلك. ولكن هذه الأمور تحدث كل يوم؛ أو فلنقل كل يومَين تجنبًا للمبالغة. سيحقِّق لي ما فعله راسكين من أجل ترنر. لقد ظل ترنر يرسم طوال حياته، ولم يجد تقديرًا من أحد، ومات في تشيلسي. وأنا أعيش الآن في تشيلسي وأريد أن أحظى بالتقدير في حياتي. بالطبع سيظهر ناقد على غرار راسكين ويعرفني بعد موتي، ولكني لن أكون على قيد الحياة لأستمتع بذلك كمن حُكم عليه بالإعدام. نادرًا ما تحدث الأمور في الأوقات المناسبة في هذا العالم، وعرضي السافر هذا يهدف إلى أخذ الأحداث غلابًا وتعجيلها قليلًا. هل تفهم ما أعنيه؟ كما أني أعظم كثيرًا من ترنر.»
ظل هالديمان بضع لحظات يدخِّن غليونه ويفكر، ثم قال:
«لست واثقًا من ذلك، ولكن الخدعة يمكن تنفيذها، وإن كنت لا أعلم إذا ما كانت الرشوة الصريحة السافرة ستؤدي الغرض. هل تناسبك مجلة مثل مجلة «أوار ناشونال أرت»؟»
«لا أرى أفضل منها.»
«وهل ترتضي بناقد فني فرنسي مثل فيلييم؟»
«أرتضيه تمامًا. إن كلماته إنجيل في جميع أنحاء العالم.»
«حسنًا، علمت بالصدفة أن محرر مجلة «أوار ناشونال أرت» كان يحاول طوال عام كامل أن يقنع فيلييم بالكتابة عن الفن الإنجليزي، إلا أن الناقد الفرنسي لن يأتي إلى لندن، ولو ليوم واحد مهما كان الثمن. إن فيلييم كاتب عظيم دون شك، ولكنه مبذر أعظم. سأذهب إلى باريس لجس نبضه. لن يمكنك أن ترشو محرر مجلة «أوار ناشونال أرت»، ولكنه سينشر أي شيء يكتبه له فيلييم. كما أعلم أن الرجل الفرنسي لا يهتم بما يكتبه لإنجلترا، رغم أنه يدقِّق كثيرًا فيما يُنشر في باريس ويُنسب إليه. فهو يعتقد أنه لا وجود للفن في إنجلترا.»
«إنه محق في ذلك أيضًا بناءً على ما يعرفه عنه، ولكنه لم يرَ أيًّا من أعمالي.»
«حسنًا. إذا وافق فيلييم إذن، فستتكرم بإرسال بعضٍ من أعمالك الخالدة إلى باريس ليفحصها.»
«سأرسلها جميعًا يا صديقي، سأرسلها جميعًا.»
«اتفقنا إذن. سأبذل أقصى ما في وسعي.»
صاح بارني بعاطفة جياشة: «حفظك الرب يا صديقي العزيز! حفظك الرب!» واعتصر يد هالديمان المجفل حتى كاد أن يحطمها، معلنًا إياه صديقه الأوحد على الأرض. وهبط درجات السلم مُحدثًا جلبةً كما لو كان جنديًّا مغوارًا، وقفز في العربة التي تنتظره، وانصرف.
نفوس متقلبة |
الفصل التاسع والعشرون
توجه مارستن إلى عمله مفعمًا بحيوية وإصرار ربما لم يشعر بهما مسئول نقابي من قبل. فقد وضعه الحظ، أو القدر، في المنصب الذي لطالما كان يتمنى الحصول عليه. في البداية، لم يكن ثمة الكثير لفعله سوى الانتظار حتى تتعافى النقابة ممَّا ألمَّ بها من جراح، خلال النزاع الماضي الفاشل، ولكنه كان عاكفًا على التخطيط أثناء انتظاره، وشيئًا فشيئًا وضع النظام الذي كان يأمل أن يُحدث ثورةً في نظم العمالة على مستوى العالم. كان يراها في المستقبل جمهوريةً عمالية مترامية الأطراف، لا تقيِّدها جنسيات، بل تمتد جذورها في جميع أنحاء الأرض، وركيزتها الأساسية هي أن يكدح الفرد بيدَيه لإغناء الآخرين. ولكنه لم ينزلق إلى أوهام النجاح الفوري لمشروعه، ولم يُمنِّ نفسه بأن تنتشر أفكاره بسرعة انتشار وباء الكوليرا، على سبيل المثال، ولكن كان أول آماله أن يجعل للنقابة قدمًا راسخة في إنجلترا، ثم يُقدم على إضراب ناجح بامتياز — يُدار كما يدير قائد عسكري عبقري معركة — لإظهار ما يمكن لمجموعة شديدة التنظيم تحقيقه في مواجهة شركة ثرية وذات نفوذ مثل شركة مونكتون آند هوب. كان يتطلَّع إلى الوقت الذي يصبح فيه جميع العمال في إنجلترا أعضاءً في النقابة العمالية، وكان يأمل في أن يتمكن بعد ذلك من ضم جميع العمال في جميع الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، وأخيرًا ضم الأجانب الجهلاء المضللين. وعندما يتحد الجميع مثل شبكة الكهرباء في مدينة، سيتلقى الرأسماليون التعساء صعقةً مجمَّعة من النظام بأكمله، إذا ما حاولوا الضغط بأصابعهم على أي نقطةٍ منه، وسيموتون دون أن يدركوا ما أصابهم. وسيكون عتاد العمال كاملًا إلى حد ستتضاءل معه الإضرابات أكثر فأكثر حتى تتوقف تمامًا في نهاية المطاف، مثلما تتوقف الحروب عندما تصل الأسلحة الهجومية إلى حالة من الكمال، تردع الدول عن الدخول في صراعات فيما بينها.
ستُقسَّم هذه الجمهورية العمالية العظيمة إلى ولايات متعددة، وستُقسم هذه الولايات بدورها إلى أقسام أصغر بالعدد الذي ستُظهر التجربة أنه الأكثر عملية. سينتخب كل قسم أمينه، وسينتخب الأمناء حاكمًا للولاية، وسينتخب الحكام رئيسًا للمؤسسة بأكملها. ويجب أن يتقاضى كل مسئول راتبًا، حتى في المناصب الأدنى، يكفي لإعالته وإعالة عائلته دون الحاجة إلى العمل بيدَيه، حتى يُكرس كل مسئول وقته بالكامل لصالح النقابة.
أَولى مارستن الكثير من التفكير لمشكلة التوفيق بين الترقيات المستحقة والانتخابات العامة، وربما لو كان يعلم المزيد عن نتائج الاقتراع العام في مدينة مثل نيويورك، لربما أعاد بناء خطته برمتها من جديد، ولكنه كان يؤمن إيمانًا تامًّا بالمَثَل القائل صوت الشعب مؤيَّد بإرادة الرب، وربما لهذا السبب لم يقدِّر الصعوبات العملية التي تحدق بالنظام الذي بدا رائعًا من الناحية النظرية.
أقنعته تجربته السابقة بأنه يجب ألَّا يعلِّق أي آمال على أي مساعدة فعلية من العمال؛ فمحا على الفور هذا العامل من حساباته. فكَّر في أن يبدأ المعركة بحملة توعية، بحيث يتمكَّن بهذه الطريقة من استغلال الوقت الذي سيمر حتمًا قبل أن تمتلئ خزانة النقابة بالأموال مرةً أخرى، ولكنه اكتشف أنه لن يتمكن مطلقًا من جمع أكثر من نصف دزينة من العمال معًا في وقت واحد، كما أن من كانوا يحضرون الاجتماعات التي يدعو إليها لا يُبدون أي اهتمام بما يريد قوله. ولكن لم يحبطه ذلك؛ فقد كان مستعدًّا، إلى حدٍّ ما، لِلامبالاة التي رآها من قبل، وتذكر أن مثله الأعلى، نابليون، لم يكن يثق في أحد. كما أن نابليون كان يضرب دون سابق إنذار، وكانت ضربته تأتي سريعةً وقوية، وقرر مارستن أن يفعل المثل بمجرد أن يتولى زمام السلطة. وبعدما أخفق في ترغيب العمال جماعةً في فكرة وجود نقابة عامة ومغلقة على العمال، حاول مارستن أن يكتسب ثقة كلٍّ منهم على حدة، ولكن سرعان ما اكتشف أنه يسلك طريقًا خطرًا بمحاولته تلك. ودُهش عندما اكتشف أن ثمة معارضةً خفية ناقمة ضده، وأن الكثير من العمال ندموا، على ما يبدو، على اندفاعهم السخي الذي وضعه في هذا المنصب. لم يكن العمال يرون أن ما يؤديه من عمل يستحق المال الذي كان يحصل عليه، ورأى البعض أنهم يعطونه أكثر ممَّا يستحق؛ إذ لم يكن يؤدي أي عمل، ونصحه أكثر من عامل بأن يلتزم الصمت ويترك العمال وشأنهم، وأن يعلم أنه قد أصبح في رغد من العيش، وألَّا يلفت انتباه أعضاء النقابة إلى حقيقة أنهم يدعمونه، ليعيش حياةً من البطالة والترف.
قرَّر مارستن ألَّا يسمح لأي شيءٍ بأن يقف في طريق نجاحه. وكان يعتقد بأنه يستحق أي راتب يتقاضاه منهم، ولا أحد في لندن يملك دافعًا أقوى منه لجمع وتكديس الأموال، ولكن كان أكثر ما يبتغيه هو أن يكون رأي العمال فيه جيدًا، وأن يُقنعهم بأنه يعمل لمصلحتهم وليس لمصلحته الشخصية. وأدرك أنه سيكون عاجزًا بمفرده، ولكن دعمهم الموحد سيمنحه حصانةً لا تُقهر.
دعا مارستن إلى عقد اجتماع لإعادة النظر في راتب أمين النقابة، وشهد هذا الاجتماع حضورًا كثيفًا؛ لأن الموضوع قيد النقاش كان يحظى باهتمام العمال أكثر من حملته التوعوية المنبوذة، التي كان الغرض منها هو تعليمهم مبادئ الاتحاد. واعتقد أغلب العمال أنه أحمق لأنه لم يكن يدرك مدى حسن حظه.
قال مارستن مخاطبًا العمال إن هدفه من شغل منصب أمين النقابة هو توحيد صفوف العمال، لضمان نجاح الإضرابات المستقبلية. لم يحُز البشر أيًّا من حقوقهم دون معارك، ولكن كل المعارك يجب أن تكون ناجحة، ولن يتحقَّق النجاح إلا بعد القضاء على الفُرقة بين الصفوف. وقال صراحةً إنه عرف أن ثمة بعضًا من عدم الرضا بين العمال؛ لأنه يتقاضى أموالًا أكثر من الكثير من عمال النقابة، وإنه قد أعد تقديرًا لأقل مبلغ يساعده على العيش، والذي تبيَّن أنه أقل من أجر أقل موظف في المصنع. وكان على استعداد لتقاضي هذا الأجر، وتكريس وقته وطاقته كاملَين لقضية العمال بكل إخلاصٍ كما لو كان يتقاضى عشرة أضعاف هذا المبلغ.
عندما قال مارستن ذلك، هب جيبونز، الذي عثر أخيرًا على وظيفة في الجوار، واقفًا. قال إنه يعتقد أنه لا يزال من الممكن شغل منصب أمين النقابة بتكلفة أقل. فقد كان واثقًا من أن بينهم رجالًا يشغلون وظائف الآن، ويمكنهم أن يتولوا منصب أمين النقابة دون تقاضي أجرٍ من النقابة، وسيؤدون جميع الواجبات المكلفين بها بصورة مرضية لأغلبية العمال.
سأله رجل من بين الحضور: «لمَ لمْ تقترح ذلك عندما كنت أنت أمين النقابة يا جيبونز؟» وضحك البعض.
رد جيبونز وقد تصاعد حماسه تجاه فكرته: «لم أفعل لأني لم أكن أشغل وظيفةً حينئذ. لا أريد أن أُخطئ بكلمة في حق أمين النقابة الحالي، ولكني أود أن أطرح عليه بضعة أسئلة. لقد كان يومًا ما يرى أن سارتويل رجل ذكي للغاية نافذ البصيرة. أريد أن أعرف يا سيد مارستن، أما زلت على رأيك؟»
فأجابه مارستن: «أجل.»
«هل يمكنك أن تفسِّر للحضور إذن سبب عدم إقدام سارتويل على أي إجراءات أخرى من شأنها تعجيز النقابة، التي نعلم جميعًا أنه يرغب في القضاء عليها، بل وهدَّد بذلك فعليًّا؟ لماذا لم يشترط عندما أعاد العمال إلى المصنع أن يتركوا النقابة؟»
«أنى لي أن أعرف؟ ولكن يمكنني القول إنني أعتقد أن سارتويل رجل عادل في الأساس، رغم أنه قد يخطئ في بعض الأمور، ولا أظن أنه سيتدخل في الحرية الشخصية لموظفيه.»
«إنه لمن كرم أمين نقابتنا أن يتغزل في أمانة رجل نهب خزانتنا، ولن ننسى أن لسارتويل صديقًا واحدًا على الأقل بيننا. ومن المدهش بعض الشيء أن هذا الصديق الوحيد هو الموظف الوحيد، من بين جميع موظفي سارتويل، الذي طُرد من العمل فجأةً وبدون سبب، على حد علمنا. لديَّ سؤال آخر يا سيد مارستن. هل تعلم لماذا طردك سارتويل من العمل؟»
صمت مارستن واحمرَّ وجهه.
فاستطرد جيبونز في هدوء: «لست مجبرًا على الإجابة بالطبع. أنا أسأل فقط عما يدور في أذهان الكثير منا. وإما أنك تعلم السبب، وإما أنك لا تعلمه. لقد دعوت إلى هذا الاجتماع، وأعتقد أنك يجب أن يكون لديك الدماثة والكياسة للإجابة عن أي أسئلة — أي أسئلة معقولة — تُطرح عليك. تقول إنك ترغب في دعم العمال الذين تخدمهم. وهذه رغبة مقبولة، ولكن لكي نوليك هذه الثقة، علينا أن نعرف كل شيء عنك. سأطرح عليك السؤال للمرة الثانية، هل تعلم لماذا طردك سارتويل من العمل؟»
«نعم.»
«لماذا؟»
«بسبب خلاف شخصي بيننا لا شأن لهذا الاجتماع به.»
«أوه، حقًّا! لديك إذن تعاملات شخصية مع الرجل الذي كنا نحاربه، وتفضِّل ألَّا نعلم شيئًا عنها. لن أضغط عليك للحصول على إجابة أكثر تحديدًا. فلا أحد مجبر على إدانة نفسه. لقد منحتُ السيد مارستن فرصةً لكي يفسِّر بعض النقاط الغامضة التي حيَّرت بعضنا، وأعتقد أن الإجابات التي انتُزعت منه بشق الأنفس، بعد تردد شديد الوضوح، لم تحسِّن موقفه، ولم تزد من استعداد أي رجلٍ رشيدٍ بيننا لأن يمنح أمين نقابتنا تلك الثقة التي يبدو أنه يرغب فيها بشدة. أودُّ أن ألفت انتباهكم الآن إلى بعض النقاط. لقد كانت اللجنة التي كنت أعمل معها تراودها شكوك جدية، سواء عن حق أو دون وجه حق، بشأن ولاء السيد مارستن خلال النزاع الأخير. فقبل بدء الإضراب، أقر بنفسه أنه اجتمع مع سارتويل في الغرف المغلقة، كما نعلم أنه الرجل الوحيد الذي التقى العدو خلال النزاع، والرجل الوحيد الذي تمكن من إخبارنا بخطط العدو؛ للأسف، بعد أن فات الأوان للاستفادة من هذه المعلومات. وكلما مررنا بأزمة، وجدنا السيد مارستن يُلقي خطبة تدعو إلى الاستسلام، من منطلق إشفاقه على العمال بالطبع. أنا لا أُلقي باتهامات، بل أعرض حقائق يُقر بها السيد مارستن بنفسه، وإذا كان ثمة خطأ في أيٍّ مما أقول، فهو لا يزال هنا ليصحِّحه لي. وكان لهذه الحقائق تأثير كبير على اللجنة، ما أثار الريبة في أذهان أعضائها؛ فقد شعروا بأن رغبة السيد مارستن في إرضاء سارتويل أقوى من رغبته في رؤية رفاقه ينتصرون، لسبب لا يعلمه إلا الله. وماذا يحدث الآن؟ انتهى الإضراب، وفوجئنا بأن العامل الوحيد الذي طُرد من عمله هو السيد مارستن. ثم كانت الخطوة التالية هي تنصيب هذا الشاب أمينًا للنقابة من خلال تصويت بالإجماع. وظني أن الاقتراع كان في صالح العمال، ولو كنت حاضرًا، كنت سأصوت للسيد مارستن. ولكن دعونا ننظر في الأمر بمزيد من التدقيق. مَن الذي روَّج لانتخاب أمين نقابتنا الجديد؟ لقد وصلت الآن إلى نقطة شائكة، وأريد أن أكون واضحًا تمامًا، وأن أتحدث بإنصاف تام. من النبل «ألَّا نتحدث بالسوء عن موتانا»، ولا يمكنني أن أذكر البطل برونت إلا بالخير. ولا ثناء قد يوفي هذا الرجل حقه؛ فقد ضحى بحياته في سبيل إنقاذ الآخرين.»
قوبل ما قاله جيبونز بهتاف صاخب، ومر بعض الوقت قبل أن يتمكن من مواصلة حديثه. وظل مارستن جالسًا في صمت في مقعده ينتابه شعور بالعجز، كما لو كان مجرمًا قيد المحاكمة. كان يشعر بأن الظروف والملابسات تُضيِّق عليه الخناق.
«مات برونت بطلًا مثلما عاش بطلًا. فقد كان واضحًا وصادقًا في معارضته لنا منذ البداية، وكان يواجهنا بنزاهة كنت أتمنى لو حاكاها سارتويل. فهو لم يحصل على أجر الإضراب على الإطلاق، واستخدم في وصفنا ألفاظًا آمل أنها نُسيت، وأعلم يقينًا أنها قد غُفرت. لم يكن في معارضته لنا أي خداع، وقصم ظهر الإضراب بضربة قاضية عندما بلغ منا الإرهاق مبلغه وأصابنا اليأس. ولكن بينما نذكر جميع محاسن شخصية برونت الرائعة، علينا ألَّا ننسى أنه كان أقوى خصومنا على الإطلاق، وأنه من انتخب السيد مارستن أمينًا لهذه النقابة.
أيها السادة، أنا رجل بسيط لا أرى نفسي أفضل من أي شخص عادي. ولا أبحث عن ملائكة مجنَّحة بين رفاقي من العمال، بل أبحث عن دوافع دارجة وعادية في محاولة تتبُّع الأسباب والنتائج. ليس من الطبيعي أن يتوسل رجل من أجل تخفيض راتبه إلا إذا كان هذا الرجل ملاكًا، أو كان هناك سبب خفي وراء قيامه بذلك. نحن نُضرب عن العمل من أجل رفع رواتبنا، ولم أسمع من قبلُ عن مُفوَّض من العمال يطلب من صاحب عمل أن يُخفِّض راتبه. لقد فعل السيد مارستن شيئًا نعلم أنه أبعد ما يكون عن المعتاد والمألوف، ونرى أنه غير طبيعي. ما دافعه لهذا الفعل؟ من سيعوِّض هذا العجز في راتبه؟ هذه أسئلة أتركها لكم لتُجيبوا عليها. أنا لم أحاول عرض أي شيء سوى الحقائق، ولم أقل شيئًا متناقضًا. والنتيجة سلسلة من الأدلة الظرفية من شأنها أن تقنع أي شخص في أي محكمة في البلاد. كم من رجال أُعدِموا بناءً على أدلة أقل اكتمالًا من تلك.»
جلس جيبونز وسط عاصفة من التصفيق. ونهض مارستن ببطء. كان يعلم أن الاجتماع قد انقلب ضده، وأن عليه أن يقلب الطاولة لصالحه، وإلا خسر السباق قبل أن يبدأ. وحينئذٍ، لمعت في ذهنه عبارة: «ليس الرأسمالي هو من سيهزمك، بل من تُناضل من أجلهم.» وتذكَّر انعدام إيمان برونت التام باتحادهم الزائف. ثم تحدث قائلًا:
«لقد أنصتُّ باهتمام إلى ما قيل، واستمعت دون مقاطعةٍ لأني جلست منبهرًا ببراعة الخطاب، ومعجبًا بقوته ومنطقيته، وآسفًا بشدَّةٍ لافتقاري إلى طلاقة ومواهب الخطيب الذي جلس الآن. ثمة أمران الآن يشغلان ذهني ويسيطران عليه. أولهما أنه لو كان ثمة غريب في مكاني وكنت أنا جالسًا بينكم، كنت سأصدِّق أنه مذنب. ثانيهما ثمة شعورٌ بالتعاطف يطغى عليَّ تجاه أي شخصٍ يُدان بناءً على أدلَّة ظرفية. وصرت أعلم يقينًا الآن أن ثمة الكثير من تعساء الحظ عوقبوا بالموت دون ذنب. جيبونز، لقد أشرت إليَّ على مدار خطابك بالسيد مارستن. أنا أرفض لقب «سيد» كما تفعل أنت بلا شك؛ لذا سأدعوك جيبونز فقط. جيبونز، لقد هزمتني. لقد انقلب الاجتماع الذي دعوت إليه ضدي وصار في صالحك.»
تصاعدت صيحات احتجاج على هذه الكلمات.
«أوه، نعم، هذا صحيح. وسأثبت ذلك فورًا بالدعوة إلى تصويت عليه، إذا أردت.»
فصاح جيبونز: «مهلًا! هذا ليس عدلًا. أنا أعترض على إجراء تصويت بعد إعلان مثل هذا.»
«لن أمنح نفسي أي أفضلية غير عادلة، وما تحدَّثت عن تصويت إلا لوجود تشكيك في مصداقيتي. لقد طرحت عليَّ يا جيبونز عدة أسئلة، وأطالب بحقي في طرح بعض الأسئلة عليك، وأُلزمك بأن تجيب عليها بصدق كما لو كنت تحت القَسَم. هل تعتقد حقًّا أنني أعمل لصالح سارتويل؟»
«لم أقل ذلك.»
«هل تعتقد أني أفعل؟»
«نعم، أعتقد ذلك.»
«ما هدف سارتويل من شراء ذمتي؟»
«أوه، الهدف بديهي للغاية. إذا ما تحكم بك، فسيتحكم بقرارات النقابة.»
«أرجو أن توضح لي كيف سيفعل ذلك. ما من قرار يُتخذ دون أغلبية الأصوات.»
«بالضبط. وهذا ما يجعلك تلتمس ثقتنا ودعمنا، حتى عندما يحين الوقت، يمكنك أن تسلِّم سارتويل ما دفع مقابله.»
«فهمت. وهل سبق أن عرض سارتويل شراء ذمتك؟»
«لم يفعل ذلك البتة. فهو يعلم أني سأرفض قطعًا.»
«هل أقدمت أنت على بيع ذمتك لسارتويل؟»
«ما هذا؟ ماذا تعني؟»
«سأصوغ السؤال بطريقة أخرى. هل أرسلت إلى سارتويل خطابًا خاصًّا قبل بضعة أيام من انتهاء الإضراب؟»
هب جيبونز واقفًا في ارتباك واضح لدرجة أثارت ضحكات عدد من الحضور، وكان الجميع في حالة من الحماس المشوب بالتوتر. فقد كان ما يدور أمامهم من نوعية الأمور التي كانت تستهويهم. فكان مارستن يقلب الطاولة على رأس جيبونز.
صاح جيبونز: «بمَ تتهمني؟»
«أنا مثلك تمامًا، لا أُلقي اتهامات. هل أرسلت له خطابًا أم لا؟»
«يمكنني بصفتي قائدًا للإضراب أن …»
«لا، لا. أجب بنعم أو لا.»
«دعني أشرح ما حدث. أقول إن …»
«أجب على السؤال أولًا يا جيبونز.»
«أرفض إكراهي على الإجابة بهذه الطريقة. أنا على استعداد للإجابة على أي أسئلة، ولكن يجب السماح لي بالإجابة عليها بطريقتي.»
«لا أحد مجبر على إدانة نفسه يا جيبونز، كما أشرت منذ برهة. وبما أننا لا يمكننا أن نحصل على إجابة منك على هذا السؤال، فسأطرح عليك سؤالًا آخر. هل تمنحني الإذن بقراءة خطابك إلى سارتويل أمام الحضور؟»
بُهت جيبونز، ونسي تمامًا في خضم ثورته أن الخطاب قد أُعيد إليه، ولم يتذكر إلا أن محتواه لا يصلح للعرض العلني. وبدا موقفه موقف من يشعر بالذنب.
فهتف الحضور: «اقرأ، اقرأ!» وبدا أن الهتافات قد نبهت جيبونز إلى ما يحدث من حوله.
فتلعثم قائلًا: «أعترض على قراءة خطاب شخصي على الملأ.»
فقال مارستن: «معك كل الحق في هذا أيضًا. لقد اعترضتُ على مناقشة خلاف شخصي على الملأ، واعتُبر اعتراضي ذريعةً ضدي. لا رغبة لديَّ في وضع خصمي في موضع حرج، وسأقول على الفور إن محتوى الخطاب المذكور قد يكون بريئًا مثل كلمات أغنية الأطفال «ماري هاد ليتيل لامب» (ماري لديها حَمَل صغير). فأنا لم أقرأه ولم أرَه من قبل. لقد سمعت عنه بمحض الصدفة، ولكني لا أعرف شيئًا عن محتواه. أعتقد أنك قد أدركت الآن مدى سهولة أن تطرح على رجل سؤالًا قد يتردد في إجابته، ومدى ضعف الأدلة الظرفية. والآن يا جيبونز، أصبحنا متعادلَين، وأنا على استعداد لأن أطوي صفحة الماضي إذا ما كنت مستعدًّا أنت أيضًا لذلك. وأقسم لكم — وهذا كل ما يمكنني تقديمه لكم، لأنني أفقركم — بأنني لا أعمل لصالح أحد على وجه الأرض سواكم. أقسم لكم أني لا أهدف إلا لشيء واحد وهو تحسين أوضاعكم. وكل ما أطلبه منكم هو النزاهة في التعامل. ربما لا يمكنني أن أحقِّق ما أعتقد أني قادر على تحقيقه، ولكني أريد المحاولة. وإذا فشلت، فلندع الرجل التالي يتقدَّم ويحصل على فرصته، ولن يكون له داعم مخلص أكثر مني. إذا ما دبَّت الفرقة بين صفوفنا، فلن نحقق شيئًا؛ لذا أنا بحاجة لدعم كل رجل في النقابة، لا سيما الرجل الذي يعتقد أنني كنت خائنًا، والذي أُعلن له ولكم أني لست خائنًا. والآن يا جيبونز، كان هذا اجتماعًا مفتوحًا للأسئلة والإجابات. ودار نقاشٌ حرٌّ بين الجميع هنا الليلة. ولديَّ سؤال واحد أخير أريد أن أطرحه عليك: هل ستكون صديقي أم عدوي؟»
تصاعد هتاف الحضور قائلين: «فلتلتزم بالقواعد يا جيبونز!»
«لقد حان الوقت!»
«أسمعنا صوتك يا صديقي!»
«أفصح عما لديك يا جيبونز!»
فنهض جيبونز، الذي استعاد رباطة جأشه، وقال: «أقترح أيها السادة تثبيت السيد مارستن في منصب أمين النقابة، وآمل أن يكون التصويت على ذلك بالإجماع. سنمنحه ما يريد، الفرصة العادلة، وما دام يعاملنا بإنصاف، سنعامله بإنصاف. وبما أن صداقتي أو عداوتي مهمة، يمكنني القول إنني صديق أي شخص يدين بالولاء لقضيتنا، وعدو لأي شخص يعارضها. وأعتقد أن هذا كل ما يمكن مطالبتي أو مطالبة أيٍّ من الحضور به.»
وافق الجميع بالإجماع على هذا الاقتراح وتم اعتماده، وتلاشى السبب الذي عُقد الاجتماع من أجلِه من أذهان الجميع.
استمرَّ مارستن في عمله التنظيمي، ولاقى الكثير من التشجيع من الجمعيات التي راسلها. وإذا كانت ثمة معارضة له في نقابته، لم تكن على الأقل تُفصح عن نفسها بوضوح، ولكن لم يرتكب مارستن خطأ الاعتقاد أن جيبونز قد أصبح صديقًا له.
نفوس متقلبة |
الفصل الثلاثون
أثبت العباقرة أن الورقة النقدية فئة خمسة الجنيهات، عند توجيهها بالشكل الصحيح، يمكنها سداد قدرٍ لا نهائي من الديون. لنفترض، كما يقول علماء الرياضيات، أن أ مدين إلى ب، وب مدين إلى ج، وج مدين إلى د، ود مدين إلى أ، بمائة شلن في كل حالة. يعطي أ ورقةً بخمسة جنيهات إلى ب، الذي يعطيها بدوره إلى ج، الذي يعطيها بدوره إلى د، الذي يعطيها إلى أ. لقد تسببت رحلة الورقة النقدية نفسها في محو دَينٍ قدرُه عشرون جنيهًا، وحصل أ في نهاية المطاف على نفس الورقة النقدية التي بدأ بها.
بالمثل، يمكن للشخص الذكي أن يسدي شخصًا آخر معروفًا كبيرًا، وفي الوقت نفسه يؤدي خدماتٍ لآخرين كثر، جاعلًا الجميع مدينين له، بينما لا يحقِّق الأحمق شيئًا سوى خَلْق العداوات بدلًا من إسعاد الجميع.
ذكر هالديمان الداهية عَرَضًا لمحرِّر مجلة «أوار ناشونال أرت»، بينما كان يسلِّمه بعضًا من الأعمال التي وعده بها، أن برنارد هوب قد دُعي لإرسال بعض من لوحاته إلى باريس.
«ماذا؟! هل تعني ذلك العملاق الذي يسكن في تشيلسي؟ يا إلهي، هذا الأحمق لا يفهم أساسيات الرسم، وبالنسبة إلى الألوان … فليرحمنا الرب! لا يوجد رسام يرسم بالطباشير على الأرصفة لا يتفوَّق عليه.»
بدت الحيرة على وجه هالديمان، ثم قال ببعض التردد:
«أعترف بأنني كنت أعتقد ذلك، ولكننا درسنا معًا في باريس بالطبع، ونحن، معشر الطلبة، دائمًا ما يحطُّ بعضنا من قدر بعض. ثمة شيءٌ في لوحات بارني أُقر بأني لا أفهمه.»
«تفهمه! هذا هراء! لا شيء في هذه اللوحات سوى أحقر وأجهل لطخات وُضعت على قماش للرسم على الإطلاق.»
«كيف تفسِّر إذن حقيقة أن بعضًا من أبرز النقاد قد بدءوا يعتبرون بارني، جديًّا، عنصرًا جديدًا في عالم الفن؟»
«لم أسمع بذلك الأمر من قبل. من منهم على سبيل المثال؟»
«سمعت أن فيلييم يثني كثيرًا على أعماله؛ يقول إنه أسلوب جديد ومميز، وإن بارني هو العبقري الحقيقي الوحيد الذي أنجبته إنجلترا على الإطلاق.»
«هذا مذهل! ولا يمكن أن يكون حقيقيًّا! أيًّا كان ما يقال عن أخلاقيات فيلييم، لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أنه يعرف اللوحة الحقيقية بمجرَّد رؤيتها.»
«بالطبع؛ أنا فقط أقول ما سمعت. أنا نفسي لا تعجبني أعمال بارني كما أخبرتك. ولكني على وَشْك السفر إلى باريس، وسأستكشف لك رأي فيلييم في سرية تامة. إذا كان بارني العبقري القادم، فسوف ترغب في معرفة ذلك، وتقديم اللمحة المبدئية على الأقل عن الصيحة القادمة، إذا كان سيتحول إلى صيحة، أليس كذلك؟»
«بالطبع. ولكن لا يمكنني تصديق ذلك!»
«لا أعرف إذا ما كان يجدر بي قول ذلك، ولكني أعرف أن بعضًا من لوحات بارني في طريقها إلى فرنسا، وأظن أنها ذاهبة خصِّيصى إلى فيلييم لفحصها وتفقُّدها.»
«هالديمان، هلَّا تحاول أن تكتشف كل ما يمكنك اكتشافه لأجلي؟ يبدو الأمر لا يصدَّق! ولكن الفن مليء بالمفاجآت، وأود أن أكون على علم بها. وإذا كان الأمر حقيقيًّا، فحاول أن تحثَّ فيلييم على كتابة مقالٍ عن الحقبة الفنية الحديثة لأجلي.»
«هل ستنشر مقالًا عن بارني إذا ما جعلت فيلييم يكتبه؟ ظننت أنك لا تهتم بأعمال بارني.»
«لست مهتمًّا، ولكن سيسرُّني نَشْر أي شيءٍ موقعًا باسم فيلييم. وبالطبع، من بين المدارس المختلفة، أسعى جاهدًا للحفاظ على الحيادية التامة. فأنا أُومِن بأن من حق الأطراف جميعها أن يكون لها صوتٌ مسموع.»
«حسنًا، سأبذل قصارى جهدي.»
«شكرًا لك يا هالديمان. سأكون ممتنًّا لك كثيرًا، وأي نفقات …»
«أوه، لا عليك. أنا ذاهب إلى باريس على أي حال؛ لذا لن تكون ثمة أي نفقات إضافية.» •••
نُشر المقال في الوقت المناسب وكان مدعمًا بصور اللوحات على نحو رائع. وجاءت النتيجة موافقةً تمامًا لتوقعات بارني وما أنفقه، وانتشرت صيحة برنارد هوب في جميع أنحاء البلاد. أُجريت معه لقاءات صحفية، والتُقطت له الصور، وكُتبت عنه المقالات. ولفترة من الزمن، كان من غير الممكن أن تشتري جريدةً أسبوعية مصورة رخيصة، دون أن ترى فيها أحدث صور بارني الفوتوغرافية؛ فقد صار لدى الشاب براعةٌ عبقريةٌ في التموضع أمام الكاميرا كانَت ستصبح مصدر فخرٍ لأعظم الممثلين. وربما كانت الصورة التي يظهر فيها واقفًا وعاقدًا ذراعيه أمام صدره، وعلى وجهه تعبير من الجدية والسيطرة، من أكثر الصور التي أثارت إعجاب الفتيات، وإن كانت الصورة الأخرى التي بدا فيها شبيهًا بالرسام رامبرانت قد لاقت رواجًا كبيرًا أيضًا. وتوسل إليه أصحاب المعارض للحصول على لوحاته، وأقبل على شرائها الأثرياء، ولم يكن أحد يفهمها الأمر الذي كتب الاستمرارية للصيحة. كان الرسامون الحقيقيون ينظر بعضهم إلى بعض في دهشة ويتساءلون: «إلامَ سيئول هذا العالم؟» السؤال الذي كان يُطرح عادةً دون إجابة شافية.
لم تغير الشهرة العظيمة التي اكتسبها بارني من شخصيته على الإطلاق؛ فقد ظل ذلك الرجل الودود، كعهده دائمًا، وأصبحت دعواته إلى «حفلات الاستقبال» التي يقيمها شرفًا عظيمًا لمتلقيها. وكانت أمريكا، على وجه الخصوص، هي الأكثر شراءً لأعماله، وعُرضت عليه مبالغ خيالية للذهاب إلى هناك وإلقاء محاضرات. كان من شأن التملُّق الذي يتلقاه أن يصيب أي رجل بالغرور، ولكن لم يكن له تأثير يُذكر عليه؛ فهو لم يكن لديه أدنى شكٍّ على الإطلاق في أن سمعته العظيمة تلك مستحقة، وكان يعتبر نفسه أهم رجال عصره قبل أن يدرك العالم هذه الحقيقة بوقت طويل. كانت تصله خطابات من جميع أنحاء البلاد يقول فيها كُتابها، بعبارات عاطفية مؤثرة، إنهم شرفوا برؤية أعماله في هذا المعرض أو ذاك، ويأملون في عيش حياة أفضل وأعظم نتيجةً لذلك. أثَّرت بعض هذه الرسائل في بارني لدرجة البكاء، وكان يقرؤها على أصدقائه، حامدًا الرب في تواضعٍ أن أسبغ عليه موهبة نشر مثل هذه البهجة، وامتلاك مثل هذا التأثير الطيب على أقرانه من البشر.
ظهر مقلدون له بالطبع، ولكنهم لم يساهموا بالكثير في تشويه سمعته؛ لأنه، كما قال هالديمان، لا يوجد إلا بارني واحد، ولا يمكن أن يظهر في جيل واحد رجلان يرسمان بنفس السوء الذي يرسم به بارني. جلد النقاد الفنيون هؤلاء المقلدين بلا رحمة، وكانوا دائمًا ما يقولون إنه لو لم يأتِ برنارد هوب إلى الحياة، لما كانت هذه اللوحة أو تلك قد رُسمت، وهو التصريح الذي ربما كان صحيحًا تمامًا.
كان ذوو بارني فخورين به للغاية بطبيعة الحال. فلطالما كان والده يوليه ذلك الإعجاب الشديد الذي يُكنه رجل ضئيل الحجم لقريب له ضخم الجثة، وكانت والدته تشير إليه ﺑ «ابني، برنارد هوب، الرسام الشهير.»
كان بارني ظاهريًّا مثار حسد بالغ، ولكن لا يعلم العامة، مع الأسف، إلا القليل عن الحياة الشخصية لأحد حتى رسامهم المفضل! قد يبدو كل شيء على خير ما يرام من الخارج، بينما في الداخل يقبع هم كئيب. كان بارني يعاني من مشكلة سرية لم يفصح عنها لأحد، سببت له اضطرابًا ذهنيًّا خطيرًا. كان قد أخبر إدنا سارتويل بأنها دمَّرت حياته، وكان مقتنعًا تمامًا بهذا التصريح الموجع حين قاله. كان يرى نفسه بعين الخيال الكئيبة في المستقبل رجلًا محبطًا، ربما كان ناجحًا، ولكنه يضيق ذرعًا بالحياة، يعيش حياة النساك، ويرعى قلبه المفطور. كان يشفق على نفسه كونه ضحية عشق لا أمل منه، ولكنه وجد متعةً ممزوجةً بالحزن في تأمل حطام مسيرة مهنية ربما كانت ستحقِّق له السعادة. وشعر بالصدمة حين وجد استحالةً في العيش وفقًا لرؤيته المثالية تلك. فلم يكن التظاهر بالضحك، أو رسم ابتسامة مشمئزة على وجهه، أو ذلك الدثار الداكن الكئيب من التحفظ الشديد الذي كان يأمل في إحاطة نفسه به، أمورًا طبيعية في شخصيته؛ ومن ثم كان يرتد باستمرار إلى شخصيته الصاخبة المرحة، والاستمتاع بوقته، بينما كان يجدر به أن يتحسر وحيدًا على هذا الفراغ الموجع. وفوق كل ذلك، كان يتوقع من نفسه أن ينبذ عالم النساء، وألَّا ينجر مرةً أخرى أبدًا إلى الأحاديث الخفيفة، والبذيئة، والمجاملة المعروف ببراعته فيها، ولكن ما أحزنه هو اكتشافه أنه لا يزال يجد متعةً كبيرة في صحبتهن، بينما كنَّ، المسكينات، يهمن حبًّا ببارني دون حياء مثلما كن دائمًا. كان دخوله إلى أي مكان يضفي بهجةً على الحدث، وكان أكثر شباب طبقته شعبيةً بلا منازع. كان بارني في البداية يشعر بالقلق من عدم قدرته على أداء الدور الحزين الذي حدَّده لنفسه، ما جعله يشك في أنه ليس بالعمق الذي كان يتخيله، ولكن انحسرت هذه الفكرة المزعجة، عندما أدرك أخيرًا أن العزلة الصامتة في الأدب والدراما لم تكن سوى مجرد هراءٍ كئيبٍ لا وجودَ له في الحياة الواقعية. وساهَمَ هذا الاكتشاف المريح كثيرًا في مصالحة بارني مع نفسه من جديد، ومع الوقت تخلى عن محاولته لارتداء ثوب الضحية المسكينة لجحود امرأة، وعاد مجددًا المُضَيف اللطيف الودود والضيف الذي يُستقبل بالترحاب.
وبمرور الوقت، واستمرار انتشار شهرته، بدأ يقع تدريجيًّا في شباك الليدي ماري فانشو، التي كانت فتاةً متواضعة، وراقية، وفاتنةً في مُجملها. كان إعجابها بقوة ورجولة بارني لا حدود له، وحظيت أعماله الخيرية العديدة وكرمه الواسع، الذي لم يتحمل هو نفسه عناء إخفائه، ببالغ التقدير من جانبها. لم تتظاهر بأنها تفهم لوحاته، ولكنها كانت على استعداد تام لأن تصدق ما بدا تقديرًا عالميًّا لها باعتبارها أعمال العبقري الأعظم.
في معية الليدي ماري، كان إصرار بارني البطولي على عيش حياة النساك يفتر أكثر فأكثر. وعندما رأى بارني المسار الذي ينجرف إليه، وقف وقفةً جادة مع نفسه. كان قد مضى ستة أشهر على ما حدث في إيستبورن، وكانت هذه الفترة مصيريةً للغاية في حياته برمتها. وعلى الرغم من استمرار شعوره بخيبة الأمل من الحقيقة التي أصبح معترفًا بها لنفسه الآن بأن حياته لم تتحطَّم، فقد شعر بأنه ملتزم أمام كرامته بألَّا يتقدم إلى الليدي ماري بعرض زواج، حتى مرور عامٍ على الأقل بين محاولتَي الزواج. فإقدامه على طلب يدها للزواج قبل انقضاء هذه المدة سيكون إقرارًا منه بأنه لا يعرف ما يريد، وهو من كان يفخر خصوصًا بقدراته الذهنية. فالتصرف الذي يُرى تعجلًا غير لائق حين يؤتى به في ستة أشهر قد يُرى مثالًا على التروي والهدوء، حين يتم في اثنَي عشر شهرًا. وثمَّة حالات غيَّر فيها أناسٌ آراءهم السياسية التي كانوا يتمسكون بها بشدة في غضون عامٍ واحد، وعبَّرت الدولة في امتنانٍ عن تقديرها لصدق هذا التحول عبر الإنعام عليهم بألقاب النبالة أو الفروسية. ماذا إذن قد يمنع رسامًا عظيمًا من الوقوع في حب فتاتَين فاتنتَين، إذا مرَّت فترةٌ كافية بين إفصاحه لكلٍّ منهما عن حبه؟ كان بارني يقول لنفسه إنه من الخطأ، بلا شك، أن يقع في حب امرأتَين أو أكثر في الوقت نفسه، واضطُر لأن يُقر بأنه كان على شفا الوقوع في هذا الوضع المعقَّد في وقتٍ سابق، ولكنه كان حديث السن في ذلك الوقت، وحداثة السن ستار يمكن إخفاء الكثير من الأخطاء خلفه. قال بارني بحزم: «في مثل هذا اليوم بعد ستة أشهر، سأطلب يد الليدي ماري للزواج.» وبعدما هداه تفكيره إلى ذلك القرار النهائي الحاسم، انتابه ذلك الشعور بالرضا الذي يشعر به المرء دائمًا عند حَسْم مشكلةٍ محيرة نهائيًّا بشكل أو بآخر. فلا شيء أكثر إحباطًا من الحيرة. حتى هذه اللحظة، كان يخشى لقاء الليدي ماري، على الرغم من سعادته الكبيرة بصحبتها، ولكنه الآن لم يعُد يرى أي سببٍ لتجنبها. لذا، بعدما دوَّن التاريخ الذي سيقدِّم فيه هذا العرض المصيري، ارتفعت معنوياته للغاية وشعر بسعادةٍ بالغة، وقرَّر أن يحتفل بهذا القرار بأن يقود عربته إلى قرية سَري الجميلة التي يعيش والد الليدي ماري بالقرب منها. وكان قد تخلَّص من عربته ذات الحصانَين وأصبحت شيئًا من الماضي.
وجد بارني أن رؤية هذه العربة تُثير فيه أشجان إيستبورن المؤلمة، فباعها، واقتنى بدلًا منها مركبةً رائعة ذات أربع عجلات أسماها «جراولر»، يجرُّها حصانان أسودان نشيطان. كان يتحدَّث عن عربته جراولر بنبرة أسف أمام أصدقائه، وكان يقول إنها لا تُضفي كفاءةً خاصة على قدرة المرء في القيادة، ولكنها ستؤدي الغرض حتى الانتهاء من صنع العربة التي طلبها من أشهر صانعٍ للعربات في لندن. كان يرى أن العربة التي تجرُّها أربعُ خيول هي العربة الوحيدة التي يمكن للمرء أن يقودها، وتضفي عليه رونقًا وفخرًا وتسر أعين جميع الناظرين. وهكذا رجَّت عربته جسر تشيلسي وهو ممسكٌ بلجام حصانَيها الأسودَين اللذَين يتراقصان أمامه بيدٍ من حديد، متجهًا إلى داخل قرية سَري.
نفوس متقلبة |
الفصل الرابع
لم يتخطَّ برنارد هوب، المعروف باسم بارني، أبدًا دهشته حين وجد نفسه ابنًا لجيمس هوب وزوجته إيوفيميا. كان جيمس هوب، الشريك الأصغر في شركة «مونكتون آند هوب»، رجلًا ضئيل الحجم تسلَّل إلى رأسه شيء من الصلع، ويتسم أسلوبه بالاعتذار المستمر. كان يبدو أنه يحاول إضفاء بعض المنطق على كل رأي ينطق به ولا يثق به؛ وكان سرعان ما يتراجع عنه على الفور عند الضرورة. وإن التقيته في الشارع، فستظنه رجلًا تعرض للكثير من التنمر، أو موظفًا من الموظفين المحدودي الدخل في المدينة. كان في مكتبه يعيش خائفًا من مدير شركته، وفي منزله يعيش خائفًا من زوجته. فقد كانت السمة الرئيسة لزوجته هي التعنُّت المستبد. كانت السيدة هوب أطول من زوجها بقليل، وعندما تقابلهما وهما في طريقهما إلى الكنيسة، ترى الزوج يتخذ تلك الوضعية الهادئة الوديعة لصبي صغير تعسٍ اكتُشف خطؤه، وتصطحبه معلمته المستقيمة الساخطة إلى الكنيسة معاقبةً إياه. لم تكن السيدة هوب تشارك في أيٍّ من مظاهر العبث الرائج في حي سربيتون، حيث كانت تسكن. فقد كان لديها مهمة وواجب تجاه أقرانها من بني البشر؛ أي تجاه الفقراء، وأولئك الذين لا يمكن بأي حال أن ينقموا على مساعداتها لهم التي لا تخلو من التفضُّل. كان لديها اعتقاد بأن الأثرياء لو أدَّوا واجبهم، لأصبح العالم مكانًا أفضل وأكثر إشراقًا، الأمر المشكوك في تحققه.
قد يكون علينا أن نشعر بالامتنان بصورة أو بأخرى؛ لأن السيدة هوب لم تتولَّ مهمة تغيير هذا العالم؛ فالكثير من السمات المشوِّقة كانت ستختفي في هذه الحالة. لم يكن هوب نفسه مثالًا على السعادة التامة. لطالما كانت السيدة تضع عددًا من النساء تحت رعايتها، لتكتشف فيما بعد، كالمعتاد، أنهن لا يستحققن رعايتها؛ ومن ثم كانت تتخلَّى عن رعايتهن من أجل حالاتٍ جديدةٍ لم تنجح أيضًا. كذلك كانت مطلوبةً دائمًا من قِبَل المؤسسات التي تحتاج إلى أعضاء أثرياء، إلا أن السيدة هوب كانت تملك موهبةً رائعةً في الإدارة، الأمر الذي لم يكن محلَّ تقديرٍ دائمًا من قِبَل مَن تعمل معهم. وكان هذا غالبًا ما يُؤدِّي إلى حدوث صدام؛ إذ كان الأعضاء الأقدمون يدَّعون، بأسلوبهم السوقي، أنها تريد أن تدير كل شيء بأسلوبها، ونصحها أحدهم صراحةً أن تذهب وتُصلح أحوال عمال مصنع زوجها، إذا كانت تريد رعايا يستحقون جهودها. وأدَّت هذه الملحوظة إلى تحوُّل انتباه السيدة هوب إلى مصنع «مونكتون آند هوب»، ودفعتها لزيارة السيدة سارتويل، في حي ويمبلدون المجاور.
كان من المفترض بابن هذَين الشخصَين الموقرَين، رغم التناقض بينهما، أن يكون شخصًا متزمتًا وقورًا، ولكنه كان في الواقع وغدًا مزعجًا، وهكذا تستمتع الطبيعة بالمفاجآت غير المتوقعة.
كان بارني عملاقًا عريض المنكبين دمث الخلق، أطول من والده القصير القامة بكثيرٍ مثلما يعلو النصب التذكاري لحريق لندن الكبير أقرب عمود إنارةٍ منه. وكان شخصًا ودودًا وغير متكلِّف، ولم يكن يُصافح مثل بقية البشر، بل كان يهوي براحة يده العملاقة من عند كتفه، كما لو كان يقذف كرة كريكت، وبعد تبدُّد صدى صوت ارتطام راحتَي اليدَين معًا، كان يضغط بقوةٍ على اليد التي يصافحها حتى يجفل صاحبها ألمًا. وكان أصدقاء بارني معتادين عند لقائه أن يضعوا أيديهم خلف ظهورهم ويقولوا: «أنا بخيرٍ يا بارني، شكرًا لك»، فكان بارني يضحك ويضربهم على أكتافهم، الأمر الذي كان أخفَّ الضررَين رغم صعوبة تحمُّله.
«حيوان مزعج»، هكذا كان يصفه رفاقه في غيابه، إلا أن المصافحة الحماسية من فوق الكتف أو الإطباق المحكم على اليد لم يكن يدل إلا على مدى سعادته البالغة والصادقة بلقاء صديق، ويريد من صديقه أن يعرف أنه لا يوجد أدنى فارق بينهما، رغم كونه فقيرًا للغاية بينما بارني ثري للغاية.
ربما كان في الغرب الأقصى، أو في أحراش أستراليا، حيث تكون للعضلات قيمة ما، مكان يسع شخصًا مثل بارني، بل ربما كان ثمَّة مكان يناسبه في لندن، ولكن حتى وإن توافر مثل هذا المكان، فالقَدَر وميول بارني نفسها جعلاه أبعد ما يكون عن ذلك المكان. كان بارني فنانًا؛ أي كان يمارس الرسم، أو بالأحرى، كان يمزج ألوانًا معينةً على لوحات القماش. وعلى مدار سنوات، ظل بارني محط أنظار مدرسة جوليان في باريس. فقد كان يعيش في جناحٍ مكونٍ من عدة غرفٍ في فندق جراند هوتيل، وكان يذهب كل صباح إلى المدرسة في شارع رو دو دراجون مستقلًّا العربة ومعه سائق وخادم، وكان الأخير يحمل حقيبة أدوات الرسم الخاصة ببارني، بينما كان الأول يظل جالسًا كالتمثال على مقعد القيادة، ممسكًا بسوطه مائلًا بالزاوية الصحيحة. بالطبع لم يكن لطلاب يدرسون الفن أن يتحملوا ذلك؛ فما كان منهم سوى أن أغلقوا بوابات المدرسة ذات يوم وأوسعوا الشاب ضربًا. ظن بارني في البداية أنهم يمزحون معه؛ إذ لم يكن يفهم اللغة الفرنسية جيدًا، وغطَّى زئيره القوي على صيحات خصومه الحادة. ثم أمسك بكل منهم على حدة، وكدَّسهم أفقيًّا في كومة، ثم أخذ يُدحرجهم مرارًا وتكرارًا، وكلما حاول أحد الطلاب أن ينهض، كان يعيده إلى مكانه بضربة من قبضة يده العملاقة.
وأيًّا كان مقدار الإعجاب بالرسم في مدرسة جوليان، فلا شك أنهم قد صاروا يُكنون احترامًا أعمق لقوة العضلات؛ ومن ثم تركوا بارني وشأنه بعد ما حدث. ودعاهم جميعًا لتناول العشاء في فندق جراند، ولم يتخلَّف أحد.
بعد انتهاء رحلته السريعة باعتباره طالبًا للفنون في باريس، جهَّز لنفسه مرسمًا ضخمًا في تشيلسي. فُرش المرسم بأغلى المفروشات دون الالتفات إلى التكاليف، وكان يحوي كل ما يجدر بمرسم أن يحوي؛ ستائر من الشرق، وجلود نمور من الهند، وسجاجيد شرقية، ودرعًا قديمة، وحوامل للوحات بجميع الأشكال، وأرائك فخمة مفروشة بأفخر المنتجات الفارسية.
صاح بارني في هيرست هالديمان وهو يصافحه بقوة: «أخبرني. ما رأيك في هذا؟»
كان هالديمان أحد أكثر الطلاب الذين التقاهم بارني في باريس موهبة، وأصبح يمتلك حاليًّا عُليَّة في لندن يمارس فيها الرسم عندما يتوفر له الوقت لذلك، وكان ينفِّذ رسومات بالأبيض والأسود لصالح المجلات والمطبوعات الأسبوعية المُصوَّرة ليدعم نفسه ماديًّا. كان بارني قد دعا جميع أصدقائه القدامى الذين تعرَّف عليهم في باريس، واحدًا واحدًا، لمشاهدة مرسمه الجديد.
قال هالديمان: «رائع! ويمكنني القول دون حرج إنه لا يوجد في لندن مرسم يضاهيه.»
رد بارني قائلًا: «كان هذا بالضبط هو هدفي. قيل لي إن السير ريتشارد دوبس يمتلك أفخم مرسم في لندن. لم أقل شيئًا، ولكني بدأت العمل، وها أنا ذا. هل رأيت مرسم دوبس من قبلُ يا هيرست؟»
«لا، إنه ليس ودودًا مثلك يا بارني؛ فلم يدعُني إلى مرسمه من قبل.»
«لا بأس، سأُحضر لك دعوة، وأريدك أن تخبرني صراحةً عن رأيك في مرسمي مقارنةً بمرسمه.»
«شكرًا لك يا صديقي، ولكن لا تكلِّف نفسك عناء الحصول على دعوة من أجلي. فليس لديَّ أي وقت؛ لقد حضرت لزيارتك هنا، كما تعلم، فقط لأننا كنا ندرس معًا في باريس. إن مرسم دوبس يملك ميزةً كبيرة لا يملكها الكثيرُ من المراسم، وهي أن به رجلًا يجيد الرسم.»
«أوه، نعم يا هالديمان، هذا صحيح. كل هذا بسبب ما حدث في باريس، كما تعلم. فمنذ أن كدَّست الطلبة بعضهم فوق بعض، انتقموا لأنفسهم بادعاء أنني لا أجيد الرسم؛ ولكن يجب عليك أن تترفع عن مثل هذه الأمور يا هالديمان. أنت تعلم أنني رجل واضح وصريح، وأصبحت أملك أفضل مرسم في لندن بشهادة الجميع؛ ولكن هل يشكِّل ذلك فارقًا بيني وبين أصدقائي القدامى؟ إطلاقًا، وجلوسك هنا معي يثبت صحة ما أقول. أنا بوهيمي بطبيعتي، أحتقر الثراء، وأقرب أصدقائي فقراء لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا. وأنت تعلم ذلك يا هالديمان.»
أشعل هالديمان سيجارةً أخرى من سجائر هوب الفاخرة. كان بارني قد استورد هذه السجائر بنفسه من مصر، وقال إنها من نفس النوع الذي يدخنه الخديوي حتى أخبره أحد المراسلين الحربيين بأن الخديوي لم يكن مدخنًا. فعدَّل بارني قليلًا من إطرائه عليها.
«خذ ما يحلو لك يا صديقي العزيز. ستكتشف بنفسك أنها ليست سيئةً مثل بقية أنواع السجائر. أنا أستوردها بنفسي؛ فلم أعد أثق في أولئك المستوردين الأوغاد. إن الخديوي ليس مدخنًا، ولكنه لا يحتفظ إلا بأفضل أنواع السجائر من أجل ضيوفه، وهذا هو النوع نفسه الذي يُورَّد له.»
واستطرد بارني قائلًا: «والآن، دعنا نتحدث عن الرسم. إني لأجرؤ على القول إن دوبس لم يكن معروفًا على الإطلاق في وقت ما. حسنًا إذن. أنا أيضًا غير معروف على الإطلاق. ولن يشتري أحد لوحاتي. ولا أخفي هذه الحقيقة. ولمَ أخفيها؟ لقد أرسلت لوحةً إلى معرض برمنجهام؛ لا أقول إنها رائعة، ولكن يمكنني أن أزعم أنها تحمل طابعي الخاص. ولكنهم رفضوها!»
«أنت تُذهلني!»
«أقسم لك بشرفي إنهم فعلوا يا هالديمان. برمنجهام! فكِّر في الأمر! إنها مدينة تصنع المسامير ومواسير البنادق.»
قال هالديمان في حزن: «الفن في إنجلترا ينحدر إلى الحضيض.»
«لا أعتقد أن الأمر بهذا السوء. لا، لقد ضحكت عندما أعادوا لي اللوحة التي لم أبذل فيها الكثير من الجهد، مع الأسف. قلت إني قادر على انتظار الفرصة المناسبة، ويمكنني ذلك حقًّا. سيأتي الناس يخطبون ودي يا هالديمان، أراهنك أنهم سيفعلون.»
«إنهم يفعلون بالفعل يا بارني؛ أولئك الذين يريدون اقتراض المال منك.»
«اسمع يا هيرست، لا تلُمني على أموالي البغيضة. هل ذنبي أنني ثري؟ هل أسمح لثرائي بأن يميز بين رجلٍ وآخر؟ نحن نتحدث عن الفن وليس المال.»
«هذا صحيح. كنا نتحدث عن لوحاتك. استمر.»
«كل ما أردت توضيحه هو أن على المرء أن يتعامل مع الأمور برصانة. إذا رفضَت برمنجهام إحدى لوحاتك، كنت ستكتئب أسبوعًا كاملًا.»
«لقد عاملتني برمنجهام بطريقة مختلفة يا بارني. فقد قبلوا اثنتَين من لوحاتي. إن كآبتي سببها ما أخبرتني به الآن.»
ابتسمَ بارني في وجه ضيفه. فها هي حجته قد أُثبتت، ولكنه كبت رغبته في قول «لقد قلت لك ذلك»، ولكنه لم يستطع أن يدع الموقف يمر دون تزيينه بالقليل من الحكمة.
«لقد فهمت ما أعنيه يا هالديمان، فهمت ما أعنيه. ألَا تدفعك حقيقة قَبول برمنجهام للوحاتك إلى التوقف والتفكير؟»
«لا أدري ماذا أقول. إن ما تقول حلَّ عليَّ كالصاعقة. سألتحق بالأكاديمية في القريب العاجل.»
«أوه، الأمر ليس بهذا السوء. أتعلم يا هالديمان، أنت تملك موهبةً من نوعٍ معين …»
«بارني، أنت تبالغ. لا شك أنني أحب الإطراء، ولكن من الأفضل أن يكون بكياسة. إن طريقة إطرائك فظة.»
«أنا لا أُطري عليك يا هالديمان، حقًّا لا أُطري عليك. قد يغضب معظم الزملاء الآخرون مما سأقول، ولكنك رجل عقلاني …»
«ها أنت تعيد الكَرة مرةً أخرى.»
«اسمعني. إن لديك موهبةً من نوع معين … ربما أسلوب كما يجدر بي أن أدعوها؛ مهارة متواضعة في الأسلوب.»
«آه، هكذا أفضل. والآن، استمر.»
«لقد حصلت على الإطراء والجوائز في باريس بفضل أسلوبك، وهذا وجهك إلى الوجهة الخاطئة. إن ما تؤديه بصورة جيدة ما هو إلا ما أدَّاه الكثير من الرجال الآخرين بصورة جيدة من قبلك. أنت مجرد شخص عادي وسط حشد من الأشخاص. أما أنا فأكافح من أجل التفرد.»
«أنت محق يا بارني.»
«لست أنا من يقرر ذلك؛ على أي حال، التفرد والقوة هما ما أرغب في رؤيتهما في لوحاتي، ويومًا ما سيظهر ناقد يملك فكرًا غير منحاز بما يكفي ليلاحظ هاتَين المزيتَين. وحينئذٍ سيكون يوم سعدي قد حلَّ. تذكر كلماتي هذه، سأؤسِّس مدرسةً يومًا ما.»
«مثل مدرسة جوليان؟»
«لا، مثل مدرسة ويسلر. أنت تعي جيدًا ما أعنيه. تلك هي طريقتك المزعجة لإظهار شعورك بالغضب؛ لأنني كنت صريحًا بما يكفي وأخبرتك بالحقيقة.»
«ظني أنه لا أحد منا يُحب الصديق الصريح مهما تظاهرنا بذلك. حسنًا، لا بد أن أذهب. فلديَّ عمل لإحدى المجلات.»
«لا تذهب الآن. فأنا لم أصل إلى نصف ما أريد قوله بعد. إليك ما أريد عَرْضه عليك. اترك غرفتك وتعالَ اسكن معي. إن الميزة الكبرى التي تميزني عليك أنني أستطيع الانتظار. وإذا طلبَت مني إحدى المجلات رسومات بالأبيض والأسود، فسأقول لهم «لا، اذهبوا إلى أولئك الرسامين الفقراء الذين لا بد أن يعملوا وإلا تضوروا جوعًا. أما أنا، فأعمل من أجل المستقبل، وليس من أجل الحاضر!» هذا ما سأقوله لهم. سأمنحك غرفة نوم، دون أن تدفع إيجارًا، وركنًا في هذا المرسم. لن يكلِّفك هذا بنسًا واحدًا، ولا حتى لوحة الرسم. يمكنك أن ترسم ما يحلو لك، وليس ما يطلبه العامة. وبذلك ستكون مستقلًّا.»
«كلٌّ منا ينظر إلى الأمور من منظور مختلف يا بارني. وإني لأرى ذلك أسوأ صور التبعية. هذا كرم كبير منك، ولكنه مُحال، كما أنك لم تفكر في خطر أن أصبح مجرد مقلد لك؛ ظِل للمتفرد الجديد. لا يمكن أن أخاطر بأن أكون كذلك، كما تعلم.»
«أن تكون ظلًّا لرجل واحد أفضل من أن تصبح ظلًّا لكثيرين، وهذا ما أنت عليه الآن.»
«ربما أكون كذلك بالفعل؛ ولكن على كلٍّ منا أن يهتم بشئونه بطريقته الخاصة. إلى اللقاء يا بارني.»
هبط هالديمان الدرج دون أن يشعر بالبهجة من فيض الود والجود الذي أبداه هوب كما كان متوقعًا. وعلى الدرج التقى بوالدة بارني التي رمقته من قمة رأسه حتى أخمَص قدمَيه بنظرة استهجان. فلم تكن الأم راضيةً عن الرفقة المنخرط فيها ابنها، وكانت تخشى أن يكون تأثيرهم عليه ضارًّا.
صاح بارني عندما دخلت والدته قائلًا: «أماه! لم أتوقع حضوركِ اليوم. ما رأيكِ في المكان؟»
رفعت الأم نظارتها اليدوية إلى عينَيها وأخذت تتفحص الغرفة في صمت.
وأخيرًا قالت: «هذا هو المرسم إذن يا برنارد. لا يعجبني كثيرًا. لمَ كلُّ شيء مهمل وغير منظم هكذا؟ أم لم يكن لديك ما يكفي من الوقت لترتيبه؟»
«تلك هي المتعة بالنسبة إلينا نحن الفنانين يا أمي. إنه مرتب هكذا، وسيظل هكذا دومًا.»
«إنه لا يعجبني إذن. لماذا لم تُحضر أحدًا ليفرش لك سجادةً كما ينبغي؟ وكل هذه البُسُط مبعثرة بهذه الطريقة الفوضوية، وقد يتعثَّر بها أحد. وما الغرض من قطعة الحديد البالية التي هناك؟»
«إنها درع يا أماه.»
«أوه، حقًّا؟ لا أعرف كيف يمكن لأحدٍ أن يؤدي أي عمل مفيد في مكان مثل هذا، ولكني أعتقد أنه مناسب تمامًا للرسم، لقد عثرتُ عليه بسهولة. فلا شك أن سكان أي حي يعلمون جيدًا أين يُمارَس أي حُمقٍ جديد يُضاف إليه. لا شك أنك تعرضت للاحتيال في كل ما اشتريت. ولكن هذا لا يهمني من قريب أو بعيد. لقد جئت للتحدُّث معك عن الشركة.»
«أي شركة تقصدين يا أمي؟»
«أي شركة؟! أقصد الشركة بالطبع. شركة والدك وشركتك، فلديَّ أمل في أن يأتي الوقت الذي يزداد فيه اهتمامك بها عمَّا هو عليه الآن. يبدو أن العمال ينوون الدخول في إضراب.»
«يا لهم من متسولين حمقى! ما السبب الذي يدفعهم إلى ذلك، وماذا تتوقعين مني أن أفعل؟ آمل أنكِ لا تتوقعين مني أن أتحدث إليهم؛ فأنا أبغض طبقة العمال. فهم عادةً ما يكونون حمقى، وإلا فما عملوا مقابل هذه الأجور الهزيلة التي يتحصَّلون عليها. ثم يُنفقون ما يجنون من مالٍ على البيرة الرديئة، ويعودون إلى منازلهم ليضربوا زوجاتهم. لا يمكنني أن أتحدث بالمنطق مع العمال، كما تعلمين، يا أمي.»
«لا، لا أعتقد أنك تستطيع ذلك. بل وأشكُّ في بعض الأحيان أنك تستطيع التحدُّث بالمنطق مع أي شخص. إن كدح هؤلاء العمال هو ما يمكِّنك من قضاء وقتك عاطلًا في مكان كهذا. هناك أشخاص كثيرون يستحقون بين الطبقات العاملة، وإن كان غالبًا ما يكون من الصعب العثور عليهم. لقد وضع العمال بعض المطالب التي لن يكلِّف سارتويل، مدير الشركة، نفسه عناء سماعها حتى. ويبدو لي أنه لا يتحرى العدل في تعامله معهم. كان يجدر به، على أقل تقدير، الاستماع لِما يريدون قوله، وإن لم تكن مطالبهم ستكلِّف الشركة أي شيء، فلا بأس من تلبيتها.»
صاح الشاب متحمسًا: «أي عقلية إدارية تلك التي تملكينها يا أمي!»
ردت عليه السيدة بفخر مبرر: «لقد نشأت في عائلة حقَّقَت الثراء عبر امتلاك عقليات إدارية متميزة. ما أريد منك أن تفعله الآن هو أن تقابل هذا المدعو سارتويل؛ فلا شك في أنه سيوليك اهتمامه لأنه يعلم جيدًا أنك ستصبح في وقتٍ ما وليَّ نعمته؛ ومن ثم سيتعامل معك باحترام.»
قال بارني مشككًا في كلامها: «لست واثقًا من هذا. ظني أنه يراني مجرد أحمق.»
«حسنًا، حانت فرصتك إذن لكي تريه أنك لست كذلك، هذا إن بلغت به الوقاحة أن يفكر فيك بهذه الطريقة. لا بد أن تقابله في منزله وليس في المكتب، هذا عنوانه. أخبره بأن يلتقي العمال وأن يتوصل معهم إلى حل وسط. أخبره بأن يقدِّم تنازلات غير مهمة، وهكذا سيتوصل إلى تسوية. الأمر لا يحتاج إلا لقليل من الكياسة والذكاء.»
«مني، أم من سارتويل يا أمي؟»
«من كليكما. إنني أتوقع الكياسة منك لأنك ابني.»
«ولكن، لمَ لا يتحدث أبي إلى سارتويل؟ أنا لا أعلم شيئًا عن الشركة، على النقيض من أبي؛ يبدو أنها تقع في نطاق اهتماماته تمامًا، أليس كذلك؟»
«إن والدك يا برنارد رجل جبان، ويخاف من مدير شركته بالفعل. إنه يرى أن ذلك يُعد تدخلًا في إدارة الشركة ولا يريد أن يتطفل، على حد قوله، كما لو أن اهتمام المرء بشئونه يُعد تدخلًا! إنه يخشى أن يستقيل سارتويل، ولكن هذا الرجل يعرف مصلحته تمامًا. سأخاطر بإقدامه على الاستقالة، وأريد منك أن تقابله في منزله؛ فلا طائل من محاولة إشراك والدك في هذه الأمور.»
«لا تعجبني هذه المهمة يا أمي، إنها تبدو تدخلًا بالفعل.»
رفعت السيدة هوب نظارتها اليدوية إلى عينَيها مرة أخرى من حاملها الطويل المنقوش على هيئة قوقعة السلحفاة، وأخذت تتفحص المرسم مرةً أخرى.
ثم قالت بنبرة لا تحمل أي تحيز: «لا بد أن هذا المكان قد كلفك الكثير من المال يا برنارد.»
أقر الشاب بصحة قولها: «نعم.»
«ظني أني سأُضطر لأن أكتب لك شيكًا آخر عما قريب. بكم تريده؟»
رد عليها الشاب قائلًا: «من المؤسف أنني أُزعجكِ دائمًا هكذا يا أمي؛ لذا من الأفضل أن تكتبي هذه المرة ثلاثمائة.»
قالت الأم وهي تنهض من جلستها: «حسنًا إذن، ستجد الشيك جاهزًا من أجلك عندما تعود إلى سربيتون بعد أن تزور سارتويل في ويمبلدون. إنه في طريقك، كما تعلم.»
«حسنًا يا أمي. ولكن يجب ألَّا تلوميني إن لم أنجح في مهمتي. سأبذل قصارى جهدي، ولكن سارتويل ليس سوى متسول أخرق من الصعب التعامل معه.»
أجابته السيدة وهي تنهض: «كل ما أطلبه منك يا برنارد هو أن تبذل قصارى جهدك.»
نفوس متقلبة |
الفصل الحادي والثلاثون
من الرائع قيادة عربة عبر طرقات قرية سَري في يوم صحو، ويجري أمامك حصانان جميلان، وفي المقعد الخلفي يجلس خادم بحُلة أنيقةٍ عاقدًا ذراعَيه أمام صدره. اختار بارني، الذي كان على دراية جيدة بالريف، الطرق الجانبية بدلًا من الطرق الرئيسية؛ فقد كان محبًّا للطبيعة ويُكن إعجابًا كبيرًا بمناظرها؛ إذ أصبح رجلًا ينسخ على قماش الرسم الكثير من المناظر الطبيعية.
عندما اقترب من وجهته، انعطف إلى الطريق الذي كان يعرف أنه الطريق المفضل للتمشية والتنزه لليدي ماري، وظل يستطلع الطريق أمامه بانتباه بالغ على أمل أن يلمح الفتاة من بعيد. وكان ينظر في ساعته أيضًا، وأبطأ من سرعة حصانَيه عندما أدرك أنه وصل إلى نهاية الطريق قبل الوقت الذي حدَّده لنفسه بقليل. كان بارني بالأساس رجلًا عمليًّا، وكان يدرك، بعيدًا عن الدراما، أن من النادر أن تحدث الصدف من دون دفعة بسيطة؛ لذا، وقبل أن يغادر تشيلسي، أرسل برقيةً إلى الليدي ماري، من باب الحيطة، يخبرها بأنه سيكون موجودًا عند نهاية الطريق في وقت محدد، وأنه إذا التقى أي شخص يعيش في الجوار وقدَّم له دعوةً ودودة لزيارة أحد البيوت الريفية، فسيقبل الدعوة بامتنان شديد، كما لو كان رجلًا مشردًا يجوب الريف بحصانَين وعربة. كان من النادر أن يكتب بارني خطابًا، وكان يعتمد اعتمادًا شبه تامٍّ على البرقيات وسيلةً للتواصل مع أقرانه. فكان يجد متعةً في إرسال برقية من عشر صفحات إلى أحد أصدقائه يحدِّثه فيها عن موضوع شديد التفاهة، وبعدما أصبح ثمة الكثير من الناس من جميع أنحاء البلاد يراسلونه طلبًا لتوقيعه، أصبح يرسل لهم دائمًا برقيات طويلةً يشرح لهم فيها أنه لا يكتب خطابات أبدًا؛ ومن ثم فإن أي توقيعٍ باسمه يُذيل أي خطابٍ لا بد وأنه مزور، ولن يكون أيٌّ من توقيعاته أصليًّا إلا إذا كان مُرسلًا عبر البرق. وأصبحَت توقيعات بارني الكهربية تلك تُباع بأسعارٍ مرتفعةٍ في المزادات.
وبينما كان يدخل الطريق، أخذ يتفقَّد الطريق أمامه بحثًا عن تحقق الصدفة التي رتَّب لها، وسرعان ما كُللت جهوده بالنجاح حين رأى الفتاة بقوامها الممشوق، قادمةً نحوه ممسكةً في يدها عصًا من خشب الأبنوس، ويتبعها ثلاثة كلاب ضخمة. ألقى بارني اللجام إلى خادمه، وأخبره بأن يستمر في قيادة العربة، وقفز منها.
كانت وجنتا الفتاة ورديتَين كلون الفجر في بدايته، إما من التنزُّه في الهواء النقي أو من السعادة بلقائه.
صاح بارني بعدما حياها:
«هل وصلتكِ برقيتي إذن؟»
«نعم. هل تبقَّى لك أي مال بعد إرسالها؟»
«أوه، لديَّ الكثير من المال اليوم. فقد بعت لوحةً بالأمس إلى رجلٍ من شيكاغو مقابل ألف جنيه. أبناء الغرب الأمريكي بارعون في الشراء! لقد اشترى لوحةً لمَشاهد الليل ذات اللون البني المائل للحمرة، وجعلني أوقِّعها باسمي باللون القرمزي بأحرف بطول ثلاث بوصات، ثم قال ضاحكًا بعدما وقَّعتها إنه كان على استعداد لدفع مائتَي جنيهٍ أخرى مقابل التوقيع إذا ما رفضت توقيعها. هكذا يتطفل الآخرون علينا نحن الرسامين المساكين! ولكن غطَّت الحروف القرمزية على درجات اللون المتوسطة في اللوحة بالكامل، ودمرتها في رأيي، ولكنَّه قال إن التوقيع هو مبتغاه، وافترقنا راضيَين. كان الرجل همجيًّا صريحًا؛ فقد قال إنه كان يستطيع شراء لوحات أفضل في شيكاغو مقابل خمسة دولارات للواحدة، بل وقد يحصل على خصمٍ إذا ما اشترى كمية، ولكن الناس هناك لن يحاولوا الحصول على أعمال الرسامين المحليين أيًّا كان سعرها. وزعم بفخرٍ أنه لا يعرف شيئًا عن الرسم؛ فهو يعمل في مجال السلع المعلبة. فقلت له إنني أرى أن لا بأس في ذلك ما دامت السلع تجلب ربحًا، ورد عليَّ بأن هذا ما يسعى إليه.»
«حسنًا، تستحقُّ الآن أن أهنئك.»
«تهنئينني أنا؟ لقد جرحَتني كلماتك يا ليدي ماري. كنت أعتقد أنكِ صديقةٌ لي؛ كنت أعتقد ذلك حقًّا.»
«وأنا بالفعل صديقتك. ألَا يمكنني تهنئتك على بيع إحدى لوحاتك؟»
«لا، يا سموك، لا يا سيدتي! ولكن يمكنكِ تهنئة الرجل من شيكاغو. فأنا أشعر بأنه سلبني المائتَي جنيه. أوه، لقد حصل على صفقةٍ جيدة، وهو يدرك ذلك جيدًا! سأخبركِ بها، إن أسعار لوحاتي ترتفع بصورةٍ مطردة، حتى إنني بدأت أدرك أن تعليق الكثير منها على جدران مرسمي ضربٌ من البذخ الأرعن. يبدو الأمر بالنسبة إليَّ تفاخرًا، وأنا أكره التفاخر. لهذا السبب قبلت مبلغ الألف جنيه، فقط لأتخلَّص من اللوحة.»
«هل استغرقت وقتًا طويلًا في رَسْم هذه اللوحة؟»
«نعم، مدةً لا بأس بها. لا يمكنني بالطبع أن أخبركِ بالمدة التي استغرقتها بالضبط، فلا يمكن رسم تحفةٍ فنيةٍ كتلك دون توقُّف، كما تعلمين. أظن أني قضيت في رسمها نحو ست ساعات متقطعة. فكما تعلمين، لا بد من الانتظار حتى تجف الأرضية قبل مواصلة رسم بقية اللوحة. في البداية، غطَّيت اللوحة بالكامل باللون البني المائل للحمرة باستخدام فرشاةٍ كبيرة، ثم تركتها تجف. هذا هو الليل كما يبدو إذا لم تكن ثمة أضواء في أي مكان. ثم تضعين الأضواء الساطعة في صورة ضربات قليلة بالفرشاة من اللون الأبيض. قد يبدو ذلك سهلًا، ولكني أؤكد لكِ أنه يحتاج إلى عبقرية. ثم إذا كان ثمة ماء، حتى ولو لم يكن مرئيًّا للعيان، نضع خطوطًا صغيرة من اللون الرمادي تحت نقاط الضوء الساطع، وستحصلين على ما تريدين. قد يبدو كل ذلك بسيطًا للغاية عند وصفه بالكلمات، ويحاول الكثيرون تجربته، بعدما أريتهم الطريقة، ولكنهم لم يتمكنوا من محاكاته بطريقة ما. ولكن دعينا من الحديث عن العمل بينما نسير في إحدى طرقات سَري؛ فأنا أكره الحديث عن العمل على أي حال! هل سأحصل على دعوتي أم لا؟»
«ستحصل عليها بالطبع. فوالدي متشوق للقائك للغاية.»
«هذا لطف كبير منه. ولكني أقول يا ليدي ماري …»
صمت الشاب فجأة، ورفعت الفتاة بصرها نحوه. قرأت في عينَيه إعجابًا صادقًا وواضحًا بها، حتى إنها خفضت عينَيها وازدادت وجنتاها توردًا.
فسألته: «ما الأمر؟ هل نسيت شيئًا؟»
فقال في لهفةٍ وهو يمسك أصابع يدَيها الاثنتَين المستسلمة بين يدَيه دون أن يتحرَّكا من مكانَيهما: «لا. لا، لقد تذكَّرت الآن. يجب أن يكون ثمَّة شيء لأحادث والدك عنه، كما تعلمين. لا يمكننا التحدث عن الرسم، و… حسنًا يا ماري، لا بد من موضوع ذي أهميةٍ حيوية لكلَينا لنناقشه، أليس كذلك؟»
ضحكت الفتاة قليلًا، ولكنها لم ترد. وقفت الكلاب الثلاثة على مقربةٍ ينظرون بارتيابٍ إلى الزوجين، وصدرت زمجرةٌ خافتةٌ من أحدها دلَّت على أنه لم يعتد هذا الموقف، ويجب ألَّا يستمر أكثر من ذلك.
صاح بارني وقد تخلَّلت صوته الأجش رعشة ناعمة: «ماري، ماذا سأقول له؟ هل لي أن أُخبره بأني أهتم بابنته أكثر من أي شخص آخر في العالم؟ هل لي أن أقول له ذلك؟»
لم تحاول الفتاة أن تسحب يدَيها من يدَيه، ولم تفعل أي شيء آخر سوى أن رمقته بنظرة سريعة مقتضبة.
وغمغمت قائلة: «إذا كان هذا حقيقيًّا، لا أرى ما يمنعك من أن تخبره بذلك.»
صاح بارني في حرارة: «حقيقيًّا! لا شيء على سطح الأرض حقيقي يا حبيبتي ماري كحبي لك! وماذا عنك … هل تهتمين لأمر رجل ضخم أحمق مثلي ولو قليلًا؟»
قالت ليدي ماري: «دائمًا، دائمًا! منذ وقعت عيناي عليك لأول مرة. وقبل أن يدرك العالم بأسره عبقريتك بأمد طويل يا بارني، أدركتها أنا.»
وفجأة، ترك الشاب الجذل يدَيها اللتَين ظلَّتا في يدَيه حتى الآن، وضم الفتاة إليه وقبَّلها. إنه لأمر عجيب أن يشتهر المرء عادةً بفعل شيء يفعله المئات أفضل منه، بينما يظل العالم جاهلًا بإمكاناته التي يستحق أن يشتهر بفضلها. عندما أحاط بارني خصر ليدي ماري بإحدى ذراعيه، لمح الكلب الضخم بطرف عينه يقفز نحوه قاصدًا عنقه. ولكن ظل بارني يقبِّل الفتاة برقة ولطف بالغَين كما لو أن شيئًا لا يحدث على جانبه الآخر، وأراحت ليدي ماري، التي كانت مغمضة العينين في هذه اللحظة، رأسها على صدره وزفرت بعمق تعبيرًا عن رضاها. وأفاقت من حلمها القصير على صوت زمجرات وحشية فتذكرت كلابها وقفزت إلى الخلف في فزع. كان بارني مادًّا ذراعه المفتولة عن آخرها وفي نهايتها كانت يده القوية تقبض على طوق وحش أصغر قليلًا من مُهر، يمزق كُم معطفه بأنيابه الغاضبة. بينما وقف الكلبان الآخران يراقبان ما يحدث وهما يزمجران، ولكن بدا أنهما ينتظران أن تأمرهما سيدتهما بالهجوم. وصرخت الفتاة من هول المنظر.
فصاحت قائلةً: «تراجع يا نيرو، تراجع! كيف تجرؤ على ذلك أيها السيد!»
فقال بارني في لا مبالاة: «أوه، لا بأس. لا توبخيه. لقد تصرف وفقًا لطبيعته. كما أنه سيكتشف أمرَين قريبًا؛ الأول، والأهم، أني سأصبح أحد أفراد العائلة؛ والثاني، أنه قد التقى من يُضاهيه قوة. أرى يا ماري أن هذا المشهد سيكون مناسبًا تمامًا لتجسيده في الأكواريوم: سامبسون في مواجهة البرق، أم كان آياس هو من فعل؟ لا يمكنني تذكر تلك الأساطير مطلقًا.»
أمرت الفتاة كلبها قائلة: «تراجع أيها السيد! تعال هنا واعتذر!»
أرخى بارني قبضته من على طوق الكلب الضخم الذي اتجه صاغرًا نحو ليدي ماري في خزيٍ وكآبةٍ شديدَين. كان جليًّا على الرغم من انصياعه لسلطة سيدته، أنه لم يغير رأيه في أن ما رآه الآن أمرٌ غير معتاد على الإطلاق، وعلى الرغم من لعقه يد الفتاة في خضوع، فقد رمق بارني بطرف عينه بنظرات لا تمت للود بصلة، ولم يخفف من وحشية تلك النظرة الشرسة، إلا الاحترام لتلك القوة المُثبتة التي يشعر بها الحيوان عندما يجابه كائنًا أقوى منه. جثَت الفتاة على ركبتها وربتت على فرائه الأشعث، وبدأت تشرح له الموقف قَدْر ما استطاعت، ما بين تأنيبٍ تارةً ومداعبةٍ تارة، والتمسَت من نيرو أن يعامل بارني أخًا له.
وعندما وقفَت مرةً أخرى — فليبارك الرب صنَّاع السلام! — قال بارني:
«هل نرى إن كان قد فهم أم لا؟»
فصاحت الفتاة: «بارني، تأدَّب! لا يمكنك أن تعرف مَن قد يأتي في اتجاهنا في أي لحظة.»
«سنخاطر بأن يرانا أحد القادمين مصادفةً، فقط لصالح الكلب يا ماري.»
لم يتحرك الكلب الضخم قيد أنملة هذه المرة، ولكن لمعت عيناه الغاضبتان ببريق وحشي خطر، وارتجفت زوايا شفتَيه الثقيلتَين كاشفةً عن أسنانه.
فقال بارني: «أوه، إنه يغار عليكِ بشدة. يمكنني رؤية ذلك. من المستحيل أن أكون أنا ونيرو صديقَين.» ثم سارا جنبًا إلى جنبٍ ببطءٍ على الطريق والكلاب تتقدمهما. بدا نيرو مكتئبًا إلى أقصى مدًى، وسار بخطواتٍ واسعة مطأطئ الرأس غير عابئٍ بالكلبَين الآخرَين اللذَين كانا يطاردان الأرانب الخيالية، بجوار صفوف الشجيرات عبثًا، ويتشقلب أحدهما فوق الآخر في أثناء مسيرهما الذي امتلأ لهوًا وصخبًا، ويقابلان استياءه المتجهم لما يفعلان، والذي كان يُعبر عنه من وقتٍ لآخر بزمجرات لومٍ خافتة، بمرح وفكاهة.
قال بارني: «ماري، أعتقد أنه يجدر بنا أن نشبك أيدينا ونؤرجح ذراعينا بينما نسير. أريد أن أصرخ في صخب مثل الهنود الحمر، ولكن التفكير الهادئ يخبرني بأن هذا لا يليق. أشعر أن بداخلي روح العامة الدهماء وأتوق إلى التعبير عن سعادتي بطريقة عشوائية. ولولا أنني أخشى الكلب — أعني أني أخشاه معنويًّا؛ إذ يمكنني أن أتغلب عليه بدنيًّا — لنزعت هذا الدبوس من قبعتك الجميلة تلك، ووضعتها على رأسي، وأعطيتك قبعتي. في واقع الأمر، أود أن أرقص.»
ضحكت الفتاة.
وقالت: «أنا نفسي لا أمانع الرقص.»
«أوه، رائع إذن! كنت قد بدأت أخشى أن أكون منحدرًا من نسل بائع خضراوات متواضع، ولكن بما أنك لست مصدومةً من أفعالي، فربما كنت، طبقًا لمعلوماتي، أنحدر من نسل ويليام الفاتح.»
«حسنًا، إذا أردت الصراخ، فلتصرخ الآن؛ فأنا أريدك أن تكون في غاية التأني واللياقة عندما نصل إلى الشارع الرئيسي.»
لم يصرخ بارني، ولكنه أحاطها بذراعه، وكان مبتهجًا للغاية أن وجد من يتولى زمام أموره، ويُخبره كيف يتصرف.
نفوس متقلبة |
الفصل الثاني والثلاثون
كان من عادة بارني أن يتعامل دون قيود مع سائقي العربات، خاصةً الآن بعدما أصبح المال يُغدَق عليه من كل حدب وصوب. فكان يعطي سائقًا جنيهَين ذهبيَّين أو ثلاثة، أو حتى ورقةً بخمسة جنيهات إذا ما تصادف وعثر على واحدةٍ شاردةٍ في جيب معطفه، ويقول له:
«قد أحتاجك عشرين دقيقةً فقط، وقد أحتاجك طوال فترة ما بعد الظهر، ولكني أريد أن تكون سعيدًا بينما تُقلني هنا وهناك؛ لذا، هاك كل ما سأدفعه لك، وأتمنى ألَّا تجادلني في الأجرة في نهاية الرحلة.» ولم يكن يحدث أي جدل على الإطلاق، وكان بارني محبوبًا للغاية بين معشر السائقين.
عندما تحدَّد موعد الزفاف، استقل بارني، حال عودته إلى لندن، عربة أجرة ودفع للسائق عشرة جنيهات احتفالًا بالحدث القادم. وقال لنفسه إنه لم يكن ليحافظ على احترامه لنفسه إذا ما دفع مبلغًا أقل؛ إذ كان ينوي استخدام عربة الأجرة في استكمال الترتيبات الضرورية للحفل. اتجه بالعربة أولًا إلى مسكن القَس المسئول عن كنيسة القديسين الشهداء؛ إذ قرَّر أن حفل الزواج يجب أن يُقام في هذه الكنيسة؛ لأنها أقرب بيت مقدس من مصنع والده، كما أن السكان المحيطين بها أغلبهم يعملون في الشركة، سواء بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر. علاوةً على ذلك، كان بارني يجد متعةً خاصَّةً في فكرة أن جميع الصحف ستُضطر إلى إرسال ممثلين عنها إلى هذا المكان المحلي العتيق الطراز؛ فحفل الزفاف سيكون مميزًا للغاية، كما أنه أصبح الآن مشهورًا للغاية لدرجة أنه إذا تزوج أو مات في أبعد بقعة فوق الجزر البريطانية، فسيُضفي الحدث على هذا المكان طابعًا مميزًا إلى الأبد.
كان القَس العجوز الودود منبهرًا، دون شك، من حقيقة أن رجلًا بهذا الصيت قد اختار كنيسة القديسين الشهداء؛ ليقيم بها مثل هذا الاحتفال المهم.
قال بارني ببهجة ومرح: «بالطبع، وسأُحضر أسقفًا أو اثنين لمساعدتك، وربما بعضًا من رجال الدين الأقل درجة. وإذا ما أعطيتني أسماء أشخاص تفضِّلهم، فسأتواصل معهم.»
قال القَس معترضًا بلطف: «أنت تعني أني من سيساعد الأسقف. فسموه، كما تعلم بالتأكيد، هو من له الأسبقية.»
«أوه، حسنًا، فلترتبوا تلك الأمور فيما بينكم. فأنا لا أفهم مثل هذه الأمور كما تعلم؛ فأنا لم أتزوج من قبل، وأترك جميع التفاصيل لأهل الخبرة. كل ما أريده هو أن يسير كل شيء على خير ما يرام، بغض النظر عن التكاليف. وإذا ما سمحت لي، أود أن أرسل إليك شيكًا بألف جنيه لتوزيعها على الفقراء، وأمور من هذا القبيل، احتفالًا بالمناسبة. أعتقد أن بإمكانك تولي هذه المهمة.»
«سنكون ممتنين كثيرًا لذلك دون شك. لم تكن وفرة المال من العقبات التي كنا نحاول التغلب عليها في هذه الأبرشية على الإطلاق.»
«اتفقنا إذن. هل رأيت عازف الأرغن الذي يعمل بكنيستك مؤخرًا؟ ما اسمه؟ لا أتذكر اسمه حاليًّا.»
«لانجلي. يؤسفني أن أخبرك بأنه لم يكن بخير تمامًا مؤخرًا. لا أعني بالضبط أنه مريض؛ فهو قادر على أداء عمله، ولكنه ليس بخير تمامًا. أعتقد أنه يحتاج إلى مَن يرعاه. إنه رجل شارد، حالم، وأخشى أنه يهمل نفسه.»
قال بارني: «لقد حاولت مساعدته، ولكنه يأبى أي مساعدة من أي نوع كما لو كانت مرضًا معديًا. إنه لن يزورني أبدًا، وكان وقتي مزدحمًا بالكثير من الأمور مؤخرًا ولم أتمكن من زيارته، رغم أني كنت أنوي ذلك. هلَّا تعطيني عنوان منزله؟ كان معي قبل ذلك ولكن ضاع مني.»
«إنه يعيش في حي فقير وبائس، البناية رقم ٣ في ساحة روز جاردن المتفرعة من شارع لايت. لا أعتقد أنه سيرحِّب بزيارتك له. سيكون من الأفضل أن تراسله. فمن الصعب للغاية أن تفعل أي شيء من أجله، كما تقول، إلا بطريق غير مباشر. عندما زرته بعدما سمعت أنه ليس بخير، رأيت أن وجودي قد أزعجه.»
«كنت أريد التحدث إليك عن مساعدته بطريق غير مباشر. فجميعكم تقدِّرون مواهبه بالطبع.»
«أوه، نعم.»
«ولكنكم لستم أبرشيةً ثرية، كما تقول. هاك شيكًا بمائة جنيه. يمكنني أن أزيد المبلغ، ولكن من المرجح أن يثير ذلك شكوكه. هلَّا تأخذ هذا الشيك وتزيد راتبه بنفس المبلغ المكتوب فيه سنويًّا؟ سأرسل لك شيكًا مماثلًا مرةً كل عام، وأخبره بأن سبب زيادة الراتب هو الإعجاب العام الذي يشعر به الجميع تجاه … حسنًا، هل تفهم ما أعنيه؟ وبذلك سيشعر بالتحفيز.»
«إنه لكرم كبير منك يا سيد هوب، وسأتأكد من تنفيذ رغباتك.»
بعدما انتهت المقابلة مع القَس الودود، قفز بارني في عربته واتجه إلى شارع لايت. كان من المستحيل الدخول بالعربة إلى ساحة روز جاردن؛ فاستعان بارني بأحد أطفال الشوارع ذوي الهيئة الرثة العديدين المتناثرين في أرجاء المكان دليلًا، وشق طريقه صعودًا على السلم المتداعي وطرق باب منزل لانجلي. سمع بارني صوتًا خافتًا يصدر من الداخل يخبره بأن يدخل، وعندما فعل، رأى عازف الأرغن جالسًا على الفراش. كان واضحًا أن لانجلي كان مستلقيًا، ولكنه جلس بصعوبة واضحة، ليستقبل ضيفه غير المتوقع. كان نحيلًا عندما رآه بارني آخر مرة، ولكنه أصبح أكثر نحولًا وطغى على وجهه شحوب مروع.
وقف بارني مكانه فجأةً وصاح: «ماذا بك يا صديقي؟! لا تبدو بخير. هل كنت مريضًا؟»
أجابه لانجلي وقد غزا وجنتَيه ظلٌّ كان سيصبح احمرارًا على وجه رجلٍ بصحة جيدة: «لم أكن بخير، ولكني أفضل الآن، شكرًا لك.»
بدا جليًّا أن لانجلي لم يُعجب بهذا التطفل، وأدرك بارني ذلك حين تذكر كلمات القَس.
فقال: «لانجلي، أرجو أنك لا تمانع زيارتي لك هكذا دون سابق موعد؛ فقد أتيت لأطلب منك معروفًا كبيرًا. أنا أكثر رجل يعتمد على أصدقائه في جميع ربوع لندن، أنا كذلك بالفعل. يبدو لي أني أقضي كامل وقتي في تكليف الناس بالقيام بأشياء من أجلي، والحق أنهم يؤدونها عن طيب خاطر تمامًا. نحن نعيش في عالم مليء باللطف والتسامح، كما تعلم. والآن، استلقِ كما كنت … أرى أني أزعجتك؛ فأنا دائمًا ما أزعج شخصًا ما … ودعني أحادثك كما لو كنت عمك المفضل. سوف أتزوَّج يا لانجلي! ما رأيك في ذلك؟ وأراهنك على ستة بنسات أنك لن تخمِّن أين سأقيم حفل الزفاف.»
ارتسمت على وجه لانجلي ابتسامة شاحبة وهز رأسه، بينما ظل جالسًا على حافة فراشه متجاهلًا مطلب بارني بالاستلقاء.
«كنت أعرف أنك لن تتمكن من التخمين. حسنًا، سيقام الحفل ﺑ «فخامة» تخطف الأنظار، كما تقول الصحف، في كنيسة القديسين شهداء الشرق. أزعم أن كنيسة القديسين العتيقة ستشهد للمرة الأولى في تاريخها حفل زفاف عصريًّا. لقد حضرت الآن من عند القس، ورتَّبنا جميع التفاصيل. يا له من رجل لطيف! كان يجب أن تسمعه وهو يمتدحك ويثني على موسيقاك يا لانجلي! من الرائع أن يجد المرء من يقدِّره؛ أنا نفسي يُعجبني ذلك.»
تورَّد وجه لانجلي خجلًا، على الرغم من شحوبه، عندما سمع هذا، ولكنه لم يقُل شيئًا.
«وعلى ذكر الموسيقى، دعنا نتحدث عن موسيقى حفل الزفاف؛ فهذا هو سبب حضوري. أنت من سيعزف على الأرغن بالطبع.»
غمغم لانجلي قائلًا: «سأبذل قصارى جهدي.»
«ولا أتمنى أكثر من ذلك. ولكن إليك ما أريد، وأعرف أني أطلب منك معروفًا كبيرًا. أريد منك أن تؤلف لحن زفاف خصِّيصى لنا. وسأنشره لك فيما بعد، وأعلم يقينًا أنك عندما ترى العروس، لن تحتاج إلى أي رجاء مني لتهديه لها.»
قال عازف الأرغن: «أخشى أني …»
قاطعه بارني قائلًا: «أوه، لا، لا تفعل. أنت شخص متواضع يا لانجلي، وأعلم أنك ستخرج بالكثير من الأعذار، ولكني لن أعفيك. لقد هيأت نفسي للحصول على لحن زفاف استثنائي. يمكن لأي زوج من الحمقى أن يتزوجا على أحد ألحان مندلسون كما تعلم، ولكننا نريد لحنًا خاصًّا بنا وحدنا. فالمرء لا يتزوج كل يوم.»
«كنت سأقول إني لا أشعر بأني في مثل براعتي السابقة … لا أظن أني سأوفيكما حقكما … ولكني ألَّفت لحنًا منذ عام أو نحو ذلك، ولم يعزفه أو أُسمعه أي شخص سواي. وإذا أعجبك …»
«بالطبع سيعجبني. سيكون اللحن المنشود.»
«يمكنني أن أؤلف لك لحنًا، ولكني واثق من أني لن أتمكن من تأليف لحن أفضل من هذا، وأريد أن أعطيك أفضل ما لديَّ.»
«أنا واثق من ذلك. قُضي الأمر إذن. والآن يا لانجلي، فلتستمع إلى حديث العم. لقد أخبرتك بأني سأتحدث إليك كما لو كنت أحد أعمامك. يجب أن تخرج من هذا الجُب، ويجب أن تخرج الآن. إن البقاء في هذا المكان كفيل بالقضاء على أقوى الرجال. ثمة عربة تنتظرني في الشارع؛ تعالَ معي لنبحث عن مسكن محترم به امرأة عجوز رءوم تعتني بك كأمك.»
بدا الإحراج جليًّا على وجه لانجلي. وأخيرًا، قال في تلعثم:
«لا يمكنني تحمُّل تكلفة مكان أفضل من هذا. أعلم أنه قد لا يبدو مريحًا بالنسبة إليك، ولكنه كل ما أحتاج.»
«تتحمل تكلفة مكان أفضل! بالطبع يمكنك تحمل تكلفة مكان أفضل! أوه، لقد نسيت. لم يخبرك أحد، أليس كذلك؟»
«يخبرني بماذا؟»
«لا أعلم إن كان يجدر بي أن أذكر لك هذا الأمر أم لا. في الواقع (لقد عرفت كل شيء بمحض الصدفة عندما كنت أتحدَّث إلى القَس؛ لقد أخبرتك أنه كان يمتدحك!)، أعتقد أنهم يُعدون لك مفاجأةً بسيطة، فلا تخبر أحدًا أني أخبرتك بذلك، ولكني لا أحب المفاجآت. لطالما أُخبر أصدقائي بأنهم إذا كانوا يُعدون مفاجأةً لي، فليخبروني بها مقدمًا حتى أجهِّز التعبير المناسب الذي سأرسمه على وجهي. ما لا يعجبني بشأن المفاجآت أنها تقفز في وجهي دون سابق إنذار. حسنًا إذن، كما قلت لك، لم يكن يجدر بي أن أخبرك بذلك، ولكن وكلاء الكنيسة والقَس وعددًا من رعايا الأبرشية قرَّروا أن يرفعوا راتبك بمقدار مائة جنيه سنويًّا. وقد سعدت للغاية بسماع هذا الخبر، وقلت لهم ذلك. وقال القَس بالحرف الواحد: «فلنظهر له تقديرنا لموسيقاه.» إنه لرجل رائع ذلك القَس! يعجبني كثيرًا.»
كان بارني يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا أثناء حديثه، ولم ينظر ولو مرةً واحدة إلى مستمعه. اغرورقَت عينا لانجلي بالدموع، حاول أن يتحدث، ولكن اختنقَت الكلمات في حلقه. ثم استلقى على الفراش ودفن وجهه في الوسادة. وواصل ضيفه حديثه، وهو يتحرَّك دون توقف، دون أن يلاحظ المشاعر التي انتابَت لانجلي، حتى استعاد لانجلي تماسكه وقال في امتنانٍ واضح:
«إنه لكرمٌ كبير جدًّا منهم. لطالما أظهروا عطفًا شديدًا نحوي.»
«أوه، إنها مسألة عمل لا أكثر. فهم لا يريدون أن تغريك كنيسة أخرى لكي تغادرهم وتحصل على خدماتك. ثق بما يقوله وكيل الكنيسة! فهو يعرف كل شيء دائمًا. والآن، عليك أن تأتي معي يا لانجلي. وإذا رفضت، فسأحملك بين ذراعيَّ وأهبط بك السلم إلى عربتي كما لو كنت طفلًا رضيعًا. تشجَّع يا صديقي، وهيا بنا!»
اعترض لانجلي بوهن، ولكنه لم يقاوم بسبب ضعفه، وسار مترنحًا نحو شارع لايت مستندًا على ذراع بارني. وخلال نحو نصف ساعة، عُثر على سكن مريح بالقرب من الكنيسة، وأُرسل حمَّال إلى ساحة روز جاردن ليُحضر أغراض الموسيقي ومتعلقاته. •••
حضر مراسمَ الزفاف جميع الأصدقاء المقربين الذين تمنى الزوجان السعيدان حضورهم. لم تشهد كنيسة القديسين في تاريخها مثل هذا الجمع المذهل. وكان «لحن الزفاف» الرائع مذهلًا، وملأ الكنيسة الواسعة بنغماته المبهجة الساحرة، وعُزف كما لم يُعزف لحن من قبل.
استرق بارني بضع لحظات، بينما كان أصدقاء العروسَين ملتفين حول العروس، وانفرد ببيستون، أهم رجال الصحافة بين الحضور، في أحد الأركان.
وقال له: «بيستون، لقد سمعت هذه الموسيقى.»
فأجابه الصحفي: «إنها عظيمة!»
«إنها كذلك بالطبع، وتذكر أنها أُلفت خصيصى لهذه المناسبة. يمكنك أن تسيء إليَّ في الصحف إذا أردت يا بيستون، إذا ما رأيت أي شيء خاطئًا — رغم أني لا أعتقد أن ثمة أي خطأ — ألقِ باللوم عليَّ أنا، ولكني ألتمس منك شيئًا واحدًا فقط، وأخبر الآخرين بأن يحذوا حذوك أرجوك، هل ستفعل؟ اكتب ولو سطرًا أو اثنين من المدح المستحق لعازف الأرغن وموسيقاه. افعل ذلك إذا كنت تحبني يا بيستون! هذا الرجل عبقري! ولست الوحيد الذي يقول ذلك، وإن كنت أول من لاحظ هذه الحقيقة. ستكتب مقالًا في مدحه، أليس كذلك؟ وستُخبر الصحافيين الآخرين بأن يفعلوا المثل.»
«سأذهب للقائه أولًا، ثم يمكنني بعد ذلك أن أكتب مقالًا خاصًّا عنه.»
«آمل أن تفعل، ولكن تذكر أنه خجول للغاية، وإذا خمَّن الغرض من لقائك به، فلن تحصل منه على أي شيء. إنه زاهد ومنغلق للغاية. تحدَّث معه عن آلات الأرغن والموسيقى، ودعه يعتقد أنك مجرد معجب بفنه.»
«لا تقلق. سأتعامل معه.»
طوال أسبوع كامل، ظل لانجلي يخشى أنه لن يكون على قدر التجربة المقبل عليها. كان متلهفًا، لأجل بارني، لأن يبلي بلاءً حسنًا، ولكنه بالكاد كان قادرًا على الذهاب إلى الكنيسة والعودة منها إلى مسكنه، رغم أنه عندما كان يجلس أمام لوحة المفاتيح، كان يبدو وكأن الحياة قد دبَّت في أوصاله من جديد وحرَّكت جسده الهزيل، ولكن عندما كانت حماسة العزف تخبو، كان الاكتئاب يتملكه أكثر من ذي قبل. كانت الموسيقى بالنسبة إليه كالمنشط، وكلما زادت فترة نشوة الصوت، كانت الانتكاسة التالية أكبر.
سرت رعشة في جسد لانجلي برمته، عندما رأى الجمهور الكبير الذي سيستمع إلى عزفه يوم الزفاف، ودعا الرب أن يمنحه القوة ليعزف مقطوعته دون أخطاء. وعندما حانت اللحظة الموعودة، نظر لاهثًا بخوفٍ إلى يدَيه المرتجفتَين وهما تحومان فوق المفاتيح، ولكن عندما لمسَت أصابعه المفاتيح، سمع الأنغام الخفيضة السلسة ذات الصفاء والعذوبة تخرج محكمةً وثابتة، كما لو كانت أنغام ناي رخيم، وغمرته البهجة عندما لاحظ الصمت اللحظي الذي خيَّم على الحضور الكبير، كما لو أن الجميع قد توقفوا عن التنفس في آنٍ واحد؛ خشية أن تفوتهم نغمة واحدة من اللحن الساحر، أو يفوتهم ذلك الاختلاط الساحر لها في ذلك التناغم السماوي الخفيض، كما لو أن جَوقة من العنادل تغرِّد من بعيدٍ من خارج مجال السمع تقريبًا، ولكن ليس خارجه تمامًا. وعندما تصاعدت وتيرة الموسيقى من بدايتها الناعمة وارتفعت حتى وصلت إلى ذروتها، أدرك لانجلي أنه برع في العزف على الآلة كما لم يفعل من قبل. وغادره خوفه تمامًا، وحلت محله نشوة جامحة. لم يعُد يعنيه إن كان من يستمع إليه شخصًا واحدًا أو ألف شخص. وعندما نظر إلى أعلى، بوجهٍ جذل منتشٍ، بدَت له النغمات وكأنها تتخذ هيئة حشود لا حصر لها من الملائكة، تطير حول الأنابيب التي تعلوه كأنها جرف بارز، وأن روحه تطفو معها هناك. وظل لانجلي، في غمرة افتتانه بهذه الرؤية الخيالية الجميلة، يعزف بنفس مهارته الإعجازية حتى النهاية، وعندما خبت آخر النغمات رأى الملائكة تضم أجنحتها الواحد تلو الآخر وتختفي دون أثر. ثم ضغط على زر الإيقاف الذي يوقف عمل محرك المنفاخ، وظلت أصابعه الواهنة للحظاتٍ تلمس المفاتيح الصامتة التي غادرتها أنفاس الحياة. وخيَّمت على عينَيه غيمةٌ رقيقة، ومال رأسه ببطء نحو الأمام حتى توسد المفاتيح الصامتة برفق، وقد غادرته الحياة.
نفوس متقلبة |
الفصل الثالث والثلاثون
كان المبنى الذي شُيد في موقع الجناح الذي دمَّره الحريق أكبر من المبنى الذي حل بديلًا عنه، وكان تخطيطه جيدًا لدرجة أن مستوى العملية والسهولة فيه تفوق المصنع المجاور له، وزاد من إنتاج الشركة بنسبة أكبر بكثير ممَّا يتيحه حجمه الكبير.
قال سارتويل مخاطبًا السيد هوب الضئيل الحجم: «كل ما نحتاج إليه الآن هو أن يحترق الجناح الآخر، وسنمتلك مؤسسةً نموذجية.»
رفع السيد هوب عينَيه نحو سارتويل منزعجًا، كما لو أنه توقع أن يرى مدير مصنعه يستعين بمُشعل لإحراق المبنى القديم. فلم يتمكَّن قط من فَهْم أسلوب سارتويل المقيت نوعًا ما في المزاح.
احتفظت الشركة بالمباني الأربعة التي استؤجرت لتكون ملحقًا مؤقتًا للورش أثناء تشييد الجناح الجديد، ولم يسبق للشركة على مدى تاريخها الطويل أن عقدت هذا الكم من الصفقات المربحة، ولم تعلن عن تحقيق أرباح بهذا الحجم، مثلما حدث خلال الأشهر التي أعقبت استكمال إنشاء المبنى الجديد. كان لدى الشركة سببٌ وجيه يجعلها تشعر بالامتنان إلى مديرها. فقد كان مونكتون وهوب يدركان أن الفضل في رفاهيتهما الآخذة في الازدياد المستمر يرجع إلى هذا الرجل المعتمد على نفسه الوطيد العزم، وكافآه كما يكافئ الرأسماليون عادةً من يخدمونهم جيدًا. فلم يُرفع راتبه الكبير بالفعل، دون طلب منه، فحسب، بل عندما تحوَّلت الشركة إلى شركة خاصة، منحاه عددًا من الأسهم بقيمة اسمية تبلغ ألف جنيه، والتي يكفي ريعها، إذا ما استمرت الشركة في تقدمها على المنوال نفسه، لأن يغنى سارتويل ماديًّا مدى حياته، وفي الاجتماع الأول لمجلس الإدارة الجديد، عُين سارتويل في منصب العضو المنتدب للشركة.
عُقد هذا الاجتماع بعد عامٍ ونيِّف من افتتاح الجناح الجديد، وفيه قال سارتويل مخاطبًا أعضاء مجلس الإدارة الآخرين:
«لست بارعًا في الرد على عبارات الشكر، بالكلمات على الأقل، ولكني، كما تعلمون جميعًا، سأحاول أن أجعل حصة الأسهم التي منحتموني إياها استثمارًا مربحًا للشركة الجديدة. قد يُفتَرض بي، في ظل الظروف الراهنة، أن أكون سعيدًا للغاية، ولكن من الصعب إرضاء النفس البشرية، وأنا الآن بصدد طلب المزيد من السلطات. أريد التوصل إلى اتفاق معكم يمنحني حرية التصرف الكاملة حال مواجهة إضراب آخر عن العمل. كما أريد أن يكون لي سلطة رفع أجور العمال — بما لا يتجاوز، مثلًا، نسبة عشرة بالمائة — في أي وقت، دون الحاجة إلى الرجوع إلى مجلس الإدارة.»
سأله مونكتون: «لماذا؟ من الممكن لمجلس الإدارة أن ينعقد في أي وقت.»
«في واقع الأمر، هذا ليس ممكنًا. طبقًا للنظام الأساسي لشركتكم، يجب إخطار مجلس الإدارة قبل سبعة أيام كاملة، ويجب ذكر الغرض من الاجتماع عند الدعوة لعقد الاجتماع. وقد تطرأ حاجة ماسة لاتخاذ إجراء فوري، وأريد أن تكون لي السلطة التي تخوِّل لي ذلك.»
قال السيد هوب قلقًا: «لا شك في أننا لسنا عرضةً لإضراب آخر. لقد لُقن العمال درسًا قاسيًا …»
«يظل العمال يتذكرون ما تعلموا من دروس ما دامت بطونهم خاوية، ونادرًا ما يستمر تأثيرها عليهم بعد أول وجبة مشبعة يأكلونها. إن النقابة العمالية تعمل حاليًّا على إعداد مطلب لرفع الأجور. فالشركة في حال جيدة، وهم يدركون ذلك. سنرفع أجور العمال لا محالة، وأريد أن تأتي هذه الزيادة طوعًا من الشركة دون أي إجبار. ثقوا بأني لن أقدم على أي تصرف أهوج، ولكني أريد أن أمتلك السلطة التي تمكِّنني من إعلان مثل هذه الزيادة في أي لحظة.»
مُنح سارتويل سلطة التصرف الفوري، وتلقَّى تأكيدات بأنه في حال حدوث إضرابٍ آخر، ستكون الشركة بكامل قوتها خلفه، ولكن رجاه السيد هوب أن يتجنَّب أي مشكلاتٍ إذا كان بالإمكان تجنبها.
بعد الاجتماع، توجَّه سارتويل إلى إيستبورن، واصطحب ابنته في نزهةٍ طويلةٍ سيرًا على الأقدام وسط التلال ذات النسيم المنعش.
قال لها بعد أن أخبرها بالمكافأة السخية التي منحَتها له الشركة: «حسنًا يا فتاتي، لقد أصبحتِ وريثةً الآن، وإن لم يكن لثروة كبيرة. لقد نقلت ملكية تلك الأسهم التي تساوي ألف جنيه إليك، وبما أني أرى أنها تساوي في الواقع عشرة آلاف جنيه، فأنا أعتقد أنه مبلغ كبير من المال لتملكه فتاة صغيرة لم تشبَّ عن الطوق مثلك.»
صاحت إدنا: «ولكني لن أقبله يا أبي. سأنقل ملكيتها بالكامل إليك مرةً أخرى.»
«إذن سنظل نداول الأسهم فيما بيننا ككرة الريشة. إن لي طريقتي في التعامل مع الأمور يا إدنا؛ لذا من الأفضل أن تستسلمي للمحتوم في هدوء. كما أن هذه الأموال جاءتني بلا سابق إنذار، ولم أكن أضعها في حسباني؛ لذا فأنت لم تتسببي في إفقاري ولو ببنس واحد عما كنت عليه قبل شهر مضى. لقد ادخرت بعض المال في شبابي، وتخلصت أخيرًا من شبح الخوف الذي ظل يلازمني طوال حياتي؛ شبح الخوف من أن أهرم فقيرًا. لهذا السبب أملأ صدري بهذه الأنفاس العميقة المريحة من نسيم البحر الرائع هذا. لقد اشتعل الرأس شيبًا قبل أن يلوح الهدف يا إدنا، ولكن ها هو ذا يلوح الآن يا بنيتي.»
قالت إدنا وهي تمسك برأس والدها وتقبِّله: «كم يسعدني ذلك يا أبي!»
«هل ستقبلين هذه الثروة المفاجئة إذن يا إدنا؟»
«سأقبلها بشرط واحد يا أبي.»
«وما هذا الشرط؟»
«إذا فعلتُ أي شيء لا توافق عليه، فاسمح لي بأن أعيدها إليك.»
كانت الفتاة تحدق بعيدًا إلى حيث تلتقي السماء الزرقاء بمياه البحر الأكثر رزقة. بينما ظل والدها يحدق إليها بحدة للحظات.
«فسري ما تقولين، ماذا يعني ذلك يا إدنا؟»
«لا يمكنك أن تتوقع أبدًا ما قد تقدم عليه امرأة.»
«بالتأكيد يا عزيزتي. ولكنك لست امرأة؛ أنت ابنتي الصغيرة.»
تنهدت الفتاة الصغيرة.
وقالت: «أشعر بأني كبرت كثيرًا، بل أشعر بأنني عجوزٌ في بعض الأحيان.»
«أوه، هذه حالنا جميعًا في سن الثامنة عشرة. انتظري حتى سن الأربعين وستعرفين معنى الشباب الحقيقي. لو كنتِ فتًى في هذه السن، ولست فتاة، كانت ستراودكِ شكوكٌ خطيرة في وجود الرب، وأفكار سوداوية للغاية عن الجنس البشري بوجهٍ عام. لمَ قد أرفض أي شيء تفعلينه؟»
«أوه، لا أعلم. لطالما توقعَت أمي أن إرادتَينا العنيدتَين ستتعارضان ذات يوم، و…»
«بالطبع، بالطبع. وسيظهر مدعو النبوة. لا تدعي ذلك يؤرقك يا إدنا. إذا ما تعارضت إرادتانا على نحو خطير، فسنحضر إلى هذه التلال ونناقش الأمر. وأنا واثقٌ من أننا سنتوصَّل إلى حل وسط.»
«ولكن ماذا لو لم يكن الحل الوسط ممكنًا؟»
«يا إلهي، ماذا يدور بخَلَدك يا إدنا؟ إنكِ تتحدثين بوجهٍ عام ولكنكِ تفكِّرين في أمرٍ معين. ما الأمر يا ابنتي؟»
هزَّت إدنا رأسها.
وأخيرًا قالت: «لا أعلم لمَ أقول ذلك، ولكني أخشى المستقبل. فهو يبدو غامضًا للغاية، ولا أود أن يفرق بيننا شيء على الإطلاق.»
«هذا هراء يا إدنا. ما الذي قد يفرق بيننا؟ إن كل ما تفكرين به لا يتعدى كونه لمحةً بسيطة من تشاؤم الشباب، فاقمته الحقيقة الكئيبة بأنكِ أصبحتِ الآن امرأةً تملك سُبل الاستقلال بنفسها. ولنفترضْ أن إرادتَينا العنيدتَين قد تعارضتا، كما تخشين، هل تعلمين ماذا سيحدث؟»
«ماذا؟»
«حسنًا، من المؤسف أن يقول أب ذلك لابنته، ولكني سأستسلم. فكِّري في الأمر! إنها لإهانةٌ لي أن أعترف بذلك! أنا رجل رفض التراجع قيد أنملة في مواجهة المطالب الموحدة لبضع مئات من العمال، المدعومة بمناشداتٍ مؤثرةٍ للإذعان لهم من أرباب عملي. وإذا لم يُعد ذلك نصرًا مُظفَّرًا لفتاة صغيرة مثلك، فماذا يُعد إذن؟»
صاحت إدنا وقد ملأت الدموع عينَيها سريعًا: «أوه، لا! أنا من سيستسلم … أنا من سيستسلم … حتى وإن حطَّم ذلك قلبي!» فتوقَّف والدها عن السير وأمسكها من كتفَيها. فأحنت الفتاة رأسها ووضعت إحدى يدَيها على عينَيها.
فقال لها والدها: «آه، إدنا، إدنا، هناك شيء وراء كل ذلك؛ لن أسألك عنه يا صغيرتي، ولكن ربما ستخبرينني به ذات يوم.» ثم ضمها إلى صدره وأزاح قبعتها جانبًا، وداعب شعرها الأشقر في حنان. وقال: «لو كانت أمك على قيد الحياة يا حبيبتي، كنا … حسنًا، لا طائل من الأحزان أو الأماني. علينا أن نخرج بأقصى استفادة ممكنة من الأشياء كما هي. ولكن لا تهتمي بأمر إرادتَينا العنيدتَين يا إدنا؛ فلنترك الأمر حتى يحين وقته. إن كلَينا يتنافس على مَن سيستسلم للآخر أولًا كما ترين، ولا أرى أيَّ عناد في ذلك. معذرةً يا ابنتي، لقد عبثت بهذه القبعة الجميلة، وقد يعتقد أي غريب يمر بنا أنكِ كنت تبكين. وهذا لن يليق أبدًا. دعينا نتحدث بعقلانية؛ فظني أنه لن يمر وقت طويل قبل أن أخوض كل ما أحتاج إليه من قتالٍ ومعارك لأظل في كامل لياقتي، دون الدخول في خلافٍ مع ابنتي الوحيدة.»
«ماذا تعني يا أبي؟»
«أوه، إنها الثورة المعتادة التي تعتمل في نفوس العمال. إنهم يرغون ويزبدون ويُجعجعون، وينتابني شعور مؤكد بأن ثمة إضرابًا آخر عن العمل يلوح في الأفق.»
«تحت قيادة السيد مارستن؟»
«تحت قيادته بالطبع. ولكني سأهزمه! سأُذيقه هزيمةً نكراء حتى يعض أنامل الندم أنه قد بدأ النزاع من الأساس. يُؤسفني أن أراه يضيِّع طاقته وذكاءه هباءً في نزاعٍ لا أمل فيه. إنه شابٌّ ذكيٌّ لا يكل، ولكنه حالمٌ وحماسي، وعندما يتوقف عن أحلامه بتحقيق المستحيلات، سيصبح رجلًا مهمًّا للغاية.»
سألته الفتاة بصوتٍ شبه هامس محدقة إلى الأرض: «ما هي تلك المستحيلات يا أبي؟»
«استحالة أن يتفق العمال على أي موضوعٍ لمدةٍ تزيد على أسبوع واحد. استحالة درء الخيانة بين صفوفهم. استحالة كبح الغيرة الراسخة في قلوبهم تجاه أي رجلٍ يفوقهم تعليمًا ومهارة. ومارستن يمتلك أخلاق وغرائز رجل نبيل بالرغم من خلفيته المتدنية. ولن يتحمل العمال ذلك، وسيخذلونه عندما تتأزم الأمور.»
«إذا كانت نظرتك له جيدةً هكذا، فلمَ لا تعرض عليه وظيفةً جيدةً في المصنع، وتدعه يوجِّه قدراته نحو مساعدتك؟»
«ابنتي العزيزة، لقد خمنتِ إحدى الأوراق التي أحتفظ بها في جعبتي حتى يحين وقتها. فأنا أنوي تعيين مارستن في منصب مساعد المدير، ولكن ليس الآن. سيكون ذا قيمة عندما يفيق، ولكن ليس وهو لا يزال غارقًا في أحلامه. لا بد أن يتعلم الدرس أولًا، والضربات القاسية وحدها هي التي ستعلمه. يعتقد هذا الصبي أنه سيصبح قائدًا للعمال، بينما هو في واقع الأمر يُمضي فترة تدريبه ليصبح مساعدًا لمدير شركة «مونكتون آند هوب» المحدودة.»
«ولكن ماذا لو نجح؟ ماذا لو لم يفشل الإضراب القادم؟ لقد تآزر العمال لمدة زادت على الأسبوع في المرة السابقة.»
«هذا لأنهم كانوا تحت قيادة شخص فوضوي على شاكلتهم. ثمة قطاع كبير بينهم يكرهون مارستن، وعلى رأسهم جيبونز. لقد واجهت جيبونز، وهزمته، وأهنته، ودسته بقدمي، أما اليوم، فصار جيبونز يكره مارستن ويحترمني أنا؛ فرجل مثل هذا دائمًا ما يحترم من يُذيقه طعم الهزيمة. وستندهشين الآن عندما أقول لك إنني قد عيَّنت جيبونز في الشركة، وأعطيه أجرًا لم يحصل عليه من قبلُ في حياته. علاوةً على ذلك، عندما يزكي أحد العمال، أرقِّي هذا العامل، وأصبح الجميع يدركون أن لجيبونز نفوذًا قويًّا لدى المدير. وهذا يقوِّي من قبضته على جماعته.»
«وما النتيجة المرجوة من ذلك؟»
«لا يمكننا تحديد النتيجة، ولكن من الجيد دائمًا أن تدب الفرقة بين صفوف العدو. أنا ألعب لعبة، وأحرك القطع هنا وهناك بما يصب في مصلحتي. ثمة خط حاد الآن يفصل بين الجماعتَين، وستزداد الفجوة اتساعًا بمجرد أن تبدأ المتاعب. من المرجح أن يخرج جيبونز وجماعته حال الدعوة إلى إضراب، ولكنهم سيكونون مصدر ضعفٍ بين صفوف مارستن لا مصدر قوة، وبمجرَّد أن يُقدم على خطوةٍ خاطئة — وهو ما سيفعله بالتأكيد؛ فهو ليس معصومًا من الخطأ — سيحدث انشقاق.»
«هل ثمَّة اتفاق سري بينك وجيبونز إذن؟»
«أوه، بارككِ الرب، لا! إن المرء لا يناقش القِطع عندما يحركها. فكل قطعةٍ تؤدي إلى نتيجةٍ معينةٍ فقط بفضل تحريكها إلى مكانٍ معين، وليس بفضل أي إرادة حرة من قبلها. لقد أصبح مارستن على درايةٍ تامةٍ بنفوذ جيبونز المزعوم لديَّ، ومن المرجح أنه سيقع في خطأ الاعتقاد بأن ثمَّة اتفاقًا بيني وبين أمين النقابة السابق. وخلال إحدى المناقشات المحتدمة، قد يفصح عن اعتقاده هذا، وحينئذٍ سيكون قد أخطأ؛ فلا أحد يحقُّ له أن يستاء من مثل هذا الاتهام أكثر من رجلٍ فاضلٍ على استعدادٍ لبيع ذمته إذا استطاع. سيكون نزاعًا مثيرًا يا إدنا.»
تنهَّدت الفتاة وقالت: «مسكين يا مارستن!»
«نعم، أنا مشفق على مارستن أيضًا، ولكن سيُفيده الدرس الذي سيتعلَّمه كثيرًا. إنه شاب إيثاري للغاية، وجيبونز رجل أناني للغاية. والرجل الإيثاري دائمًا ما يخسر كل شيء في هذا العالم الانتهازي. دعينا نعُد الآن يا بنيتي. أعتقد أن والدك العجوز قد هيأ الكون برمته وفقًا لهواه؛ لذا لا يوجد المزيد ليُقال.»
نفوس متقلبة |
الفصل الرابع والثلاثون
كان العمل الذي أنجزه مارستن خلال العام مشجعًا له بدرجة كبيرة. فقد توصل إلى اتفاق ودي مع الكثير من النقابات، ليس في الوطن فحسب، بل أيضًا في أمريكا والمستعمرات، كما كوَّن تحالفًا نشطًا مع العديد من المجتمعات العمالية في المملكة المتحدة. كانت الأحوال جيدة، والعمل مزدهرًا، وكان عدد العمال العاطلين عن العمل قليلًا نسبيًّا. وأدى كل ذلك إلى نشر شعور بالثقة في نجاح أي إضراب؛ إذ تزداد أرجحية النظر بعين الاهتمام إلى مطالب العمال في أوقات ازدهار السوق عن أوقات هبوطه. كما أصبح من الصعب كثيرًا حاليًّا ملء المصانع بالأيدي العاملة الماهرة؛ إذ أصبح توظيف العمال غالبًا في عموم البلاد عما كان عليه الحال في الأعوام السابقة.
مرت ثمانية عشر شهرًا على مارستن منذ توليه منصب أمين النقابة، قبل أن يقرِّر بَدْء المعركة. قرَّر أن يطالب بزيادة عشرة بالمائة في أجور جميع العمال، وحال رفض الطلب، سيستدعي العمال على الفور. عقدت اللجنة جلسةً سرية ووُضعت صياغة للطلب. وصدر أمر بعقد اجتماع للعمال يوم السبت ليلًا دون الإعلان عن موضوع النقاش. وأكَّد مارستن على أعضاء لجنته ضرورة التزام السرية، إلا أن جيبونز، الذي كان ضمن الأعضاء، قال إنه لا يفهم الهدف من ذلك؛ فقد كانت رغبتهم هي الحصول على الزيادة في الأجور، ولن تتحقَّق تلك الرغبة إلا عبر طرحها علانية. ولكنه أضاف قائلًا إن مارستن هو من يقود الحملة، ومن الصواب أن يُسمح له بقيادتها كما يتراءى له؛ ولهذا السبب أبدى جيبونز اعتراضه دون أن يصر عليه.
شُكل وفد بغرض عقد لقاء مع مجلس إدارة الشركة وعرض الطلب عصر يوم السبت. وبعد انتهاء الاجتماع، كانوا سيعدون تقريرًا لعرضه في اجتماع العمال.
في يوم الجمعة، جمع سارتويل موظفيه وأعلن لهم أنه في ضوء حالة الشركة الراهنة، قرَّرت الشركة طوعًا أن ترفع الأجور بنسبة عشرة بالمائة حدًّا أقصى، وأضاف أنه يأمل أن تستمر العلاقات الودية بين الرؤساء والمرءوسين في المصنع إلى أمد طويل. قوبل الإعلان بالتهليل والهتافات، وتفرَّق العمال، الذين لم يكن لديهم أي علم باجتماع اللجنة حينئذ، مستبشرين بالمستقبل.
كان أوان التراجع عن الاجتماع المزمع عقده ليل السبت قد فات، وعندما عُقد الاجتماع، كانت قد انتشرت بعض التلميحات عما حدث، وكان الرأي العام السائد بين العمال أن مارستن اغتر بذكائه، والآن يواجه عقبةً غير متوقعة.
غير أن مارستن وقف أمام الجمع بروح معنوية طيبة، وهنَّأ العمال على زيادة الأجور التي حصلوا عليها. وكان العمال في مزاج مرح، وكانوا يهلِّلون لكل ما يُقال بلا استثناء. وأخبرهم مارستن صراحةً بالغرض من الاجتماع، وأنه سعيد بحقيقة أن المسار غير المتوقع الذي نحته الأحداث مؤخرًا قد جعل أي نقاش غير ضروري.
واستطرد قائلًا: «سمعت بعض التلميحات عن أن السيد سارتويل قد تغلب عليَّ، ولكن من الممكن أن نتغلب على الكثير من العقبات والانتكاسات في طريق الكفاح من أجل قضيتنا. يبدو جليًّا أن السيد سارتويل أصبح يخشى النقابة «الآن». فإذا كانت مجرد شائعة بسيطة عن أننا بصدد المطالبة بشيءٍ ما قد دفعت رجلًا عنيدًا، مثل سارتويل، على الاستسلام قبل أن نُقدم على أي تحرك، فهذا دليلٌ قويٌّ على التأثير الكبير الذي يمكننا تحقيقه عبر التآزر معًا بقوة.»
يُقال إن وضع فاصلة في المكان الخاطئ في أحد القوانين التي أقرها البرلمان ذات مرة؛ كلَّف الدولة مائة ألف جنيه. وكلمة «الآن»، التي قالها مارستن دون تفكير، جعلَت جيبونز يُصر على أسنانه في غضبٍ وقلة حيلة. فقد رأى مارستن أمام عينَيه منتصرًا يهين إدارته. وقرَّر أن يجعل مارستن يدفع ثمن تلفُّظه بتلك الكلمة الصغيرة المكوَّنة من خمسة أحرفٍ غاليًا، إذا ما سنحت له فرصة الانقلاب على هذا الشاب المفعم بالثقة في نفسه. ولكن لم ينبس جيبونز ببنت شفة، وانفض الاجتماع وسط الهتافات.
لم يقع سارتويل في وهم الاعتقاد بأن الزيادة التي قدَّمها للعمال ليست نهاية المطاف. فقد كان يعلم أنه لم يفعل شيئًا سوى تأجيل المعركة، ولكنه أراد أن يُظهر لمجلس إدارة الشركة أنه بذل أقصى ما في وسعه لتجنُّب حدوث أي صراع. وبعد مرور ستة أشهر، دعا سارتويل مجلس الإدارة للانعقاد.
وقال لهم: «أود أن أعرض عليكم معلوماتٍ مهمةً حصلت عليها. ثمة سبب يدعوني إلى الاعتقاد بأن ثمة مطلبًا بزيادةٍ أخرى في الأجور بنسبة عشرة بالمائة سيُقدَّم. إذا كنتم بصدد الموافقة على تلبيته، أود أن أعرف، وإذا كنتم بصدد اتخاذ موقفٍ ضد مثل هذه المطالب، أود أن أعرف. وحينها سوف أضع خططي على هذا الأساس.»
قال السيد هوب: «إذا لبينا هذا المطلب، فماذا ستكون النتيجة في اعتقادك؟ هل سيُجنِّبنا المتاعب، أم سيكون بدايةً لعمليات ابتزاز جديدة في المستقبل؟ لا يمكننا أن نستمر في تقديم تنازلات هكذا بلا نهاية.»
«إن منح العمال هذه الزيادة سوف يؤجل المتاعب ستة أشهر أخرى على الأرجح. فأنا واثق من أن مارستن يريد أن يفرض علينا معركة؛ فقد ظل يُعِد لها لما يزيد على العامَين. ما أريد تنبيهكم إليه أن هذا النزاع، عندما يبدأ، سيكون نزاعًا عنيفًا، وإذا ما أقدمتم على خوضه، فعليكم أن تفعلوا ذلك بأعينٍ مفتوحة، عازمين على مواصلة القتال حتى نهايته. يمكنكم أن تواصلوا تقديم التنازلات حتى تتضاعف أجور العمال، ولن يفعل كل تنازلٍ جديد تقدمونه شيئًا سوى تأكيد حتمية المواجهة الأخيرة.»
«هل تعتقد إذن أنه من الأفضل أن نتخذ موقفًا ضد هذه المطالب الآن؟»
«نعم؛ هذا إذا كنتم سترفضون الاستسلام تحت أي ظرف بعد أن تتخذوا هذا الموقف.»
«ولكن إذا اكتشفنا، بعد مرور بضعة أسابيع من استمرار الإضراب، أننا لا نستطيع الصمود، فسيكون من الحماقة أن نستمر.»
«بالضبط. أنتم تعلمون حدود مواردكم، وأنا أعلم حدود موارد العمال. لذا، فأنتم في موقفٍ جيد يُتيح لكم اتخاذ قراركم سواء الآن، أو بعد أسبوعَين، أو بعد شهر، أو بعد سنة. إذا ما دخلنا هذا النزاع، فعلينا أن ننتصر، وإلا فسأُضطر إلى الاستقالة.»
تنهَّد السيد هوب وقال: «إنه لموقفٌ محير للغاية.»
«أوه، الموقف بسيط للغاية. إما أن تستسلموا وإما لا. أي الخيارَين تختارون؟»
«ما احتمالات ملء المصنع بعمال جدد، إذا تأكدنا من استحالة التوصل إلى اتفاق مع الموظفين الحاليين؟»
«لم تعد الاحتمالات جيدةً كما كانت في السابق. يمكننا القيام بذلك تدريجيًّا، ولكن سيمر بعض الوقت قبل أن نعود إلى العمل بكامل طاقتنا مجددًا.»
«وهذا سيعني رفض الطلبيات الجديدة، وربما إلغاء الكثير من الطلبيات التي لدينا الآن.»
«باﻟتأكيد. هذه ضريبة الحرب. وعلينا أن ندفعها إذا ما قرَّرنا القتال. وربما يتعطل عملنا تمامًا لستة أشهر قادمة.»
«هذا أمر في غاية الخطورة. ألَا يمكن التوصل إلى تسوية؟ ألَا يمكنك الاجتماع بمارستن ومعرفة ما يريد؟»
«أنا أعرف ماذا يريد.»
«وهل تعتقد أن من المستحيل التوصل إلى تسوية؟»
«صراحة، أعتقد ذلك.»
«هل تعارض لقاء مارستن مثلما كنت تعارض لقاء جيبونز؟»
«من حيث المبدأ، أنا أُعارض مناقشة أمور عملنا مع أي شخص غريب. ولكن لم يُثِر مارستن هذه النقطة قط. وعندما تقتضي الضرورة الاجتماع معي، كان دائمًا ما يرسل وفدًا من عمالنا. إنه خصم أخطر بكثير من جيبونز.»
«هل أنت على استعداد إذن، إرساءً للسلام، أن ترتب لاجتماع مع مارستن، وتناقشا المسألة، وتتوصلا إلى اتفاق، إن أمكن؟»
«نعم. سأُرسل إليه على الفور، ولكن لا أظن أن ذلك سيكون له أدنى جدوى، وقد يُشكل سابقةً سيئة.»
اتفق الجميع على أن هذه الخطوة من جانب سارتويل ستُحكم قبضته على زمام الأمور، وأنهم سيخوضون النزاع، إذا لم يتمكنوا من تفاديه، بروح معنوية أعلى كونهم جميعًا يعلمون أنهم قد فعلوا كل ما يمكن فعله لتجنب العداوات.
دعا سارتويل مارستن للقائه في مكتبه في تمام السابعة مساءً. وعندما دخل مارستن إلى المكتب، كانت أولى كلماته:
«لقد أخبرتني أني لن أضع قدمًا في هذا المكتب إلا إذا أُمرت بذلك؛ لذا عليَّ أن أعتذر لك على حضوري بناءً على مجرد دعوة منك.»
فقال سارتويل ضاحكًا: «آه، لم تنسَ بعد! ولكن يبدو أنك نسيت أنك حضرت إلى هنا من قبلُ بناءً على دعوة أثناء الإضراب كما تعلم.»
«نعم، حدث.»
«في البداية يا مارستن، هل تحمل في قلبك أي ضغينة ضدي بسبب فصلك دون سابق إنذار من العمل؟»
«إطلاقًا. ربما كنت سأفعل مثلما فعلت في ظل الظروف نفسها.»
«إنه لكرم منك أن تقول ذلك، ولكني أشك في أنك كنت ستفعل مثلي. ولكن عليَّ أن أقول إن الأمور لم تجرِ كما كنت أتوقع، ولا أحاول بذلك أن أجد لنفسي عذرًا على الإطلاق. كنت آمل أن تأتيني، وأن … أن نتوصل إلى اتفاق هدنة، إذا جاز التعبير.»
«ظننت أنك تعرفني أكثر من ذلك.»
«لم أعرفك جيدًا، كما ترى. ولكن لندع الماضي جانبًا. دعنا نلتفت إلى الحاضر والمستقبل، وسوف أبدأ بسؤالك: هل لديك أدنى شك في أنك أحمق؟»
«بداية دبلوماسية وملطفة للأجواء يا سيد سارتويل. ولكني أعتقد أننا جميعًا نملك لمحةً من الغباء، زادت أو قلَّت؛ فدعنا نترك الاختلاف على المسميات، ولكن يبدو أننا نرى عيوب الآخرين بصورةٍ أوضح ممَّا نرى عيوبنا.»
«هذا صحيح دون أدنى شك. إنني أراك تضيِّع عمرك هباءً، وكنت أود أن أُقنعك بذلك قبل فوات الأوان.»
«وماذا بعد؟»
«حسنًا. أنا بحاجة إلى مساعد للمدير. ولا بد أن يكون هذا المساعد رجلًا ذا قدرات ويمكنني أن أثق به. إن العمر يتقدم بي، وسوف أتقاعد عما قريب. وسيحل مساعدي محلي إذا ما امتلك المؤهلات والقدرات المناسبة، وسيصبح المستقبل له. أنا أعرض عليك هذا المنصب.»
«وأنا لا يمكنني قَبوله.»
«لماذا؟»
«لأني كرَّست حياتي للعمال.»
«ولكن ستتاح لك فرصة لخدمة العمال في ذلك المنصب أفضل من التي ستتاح لك في منصبك الحالي، الذي يدفعون لك فيه على مضضٍ ما يكفي لسد رمقك بالكاد.»
«أنا لا أقصد عمال هذه الشركة، بل جميع العمال في كل مكان.»
«إنه حلم بعيد المنال يا مارستن.»
«أعلم ذلك، ولكني أشعر بأني أهل لتحقيقه.»
«أظنك لا تتخيَّل أني أعرض عليك هذا المنصب خوفًا منك، كونك أمينًا للنقابة العمالية.»
«أوه، لا. أعلم جيدًا أنك ترغب في تجنُّب نشوب معركة، كما أعلم أنك لا تخشى شيئًا سوى عدم مساندة مجلس إدارتك لك حتى النهاية.»
«هل تعتقد أن مَن يدعمونك لديهم هذا القدر من الإصرار؟»
«لا. إن نقطة ضعفي هي جيبونز وجماعته. أما نقطة ضعفك فمجلس الإدارة. وكلتاهما تلغي الأخرى؛ لذا ستكون معركةً مثيرة.»
«ثق تمام الثقة يا بني في أن الرأسمالي يستمر في دعم رجله أكثر ممَّا يستمر العامل في دعم رجله بعشر مرات.»
«لا أشاركك هذا الإعجاب الشديد بالرأسماليين. لقد وعدني السيد هوب، والدموع تكاد تنهمر من عينَيه، أنه سيؤمِّن لي مستقبلي عندما وجدني أعمل على تسوية الإضراب السابق الذي كان يرعبه. ونجحت وأصدقائي في إنهاء الإضراب، ولكنك طردتني من العمل بعد ذلك بأسبوعٍ واحد، ولا أعتقد أن السيد هوب قد فكَّر مجرد تفكيرٍ في الوفاء بوعده لي، منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا. إن الرأسمالي الذي يُعجبك يشتهر بالجبن والأنانية المفرطة. بالطبع لا يخلو العامل من العيوب، وهو نفسه أكثر مَن يعاني منها، ولكن فيما يتعلَّق بالسخاء، فإنه يتجاوز أي رأسماليٍّ جاء إلى هذه الحياة بكثير.»
«أنت مُصر على المضي قدمًا في النزاع يا مارستن، أليس كذلك؟»
«أوه، بلى! ليس إذا استسلمت أنت.»
«كم مرةً علينا أن نستسلم؟»
«حتى يأتي الوقت الذي تُصبح فيه أجور العمال مساويةً على أقل تقديرٍ لِمَا يتحصَّل عليه أصحاب الشركة المزعومون.»
«آه، إنه تفكير مثالي، وما هو في نظري إلا مرادف للهراء. لمَ لا تكون صريحًا تمامًا معي الآن وتخبرني بأنك عازمٌ على محاربتنا؟»
«سيد سارتويل، إن موقفي كالآتي: أنا لا أريد القتال لمجرد القتال، كما أني لا أُكنُّ أي رغبةٍ ثأريةٍ لإذلالك، أو هزيمة الشركة لمجرد تحقيق النصر، ولكني مقتنعٌ بأن العمال لن يحصلوا على نصيبهم العادل من حصيلة عملهم إلا بخوض معركةٍ وتحقيق نصرٍ حاسمٍ فيها. قبل بضع سنوات، كانت فكرة اتحاد العمال مثاليةً وسخيفةً في نظر الرأسماليين، ولكن هذا الحق بات اليوم واقعًا لا يقبل الجدل. ولن يُقدِّم الرأسماليون أي تنازلات حتى يجبروا على ذلك. لهذا السبب، لا بد من كفاح، وأنا ملزم باختيار الوقت وأرض المعركة المناسبَين لي. نحن جاهزون للقتال الآن، وسنقاتل، وأومن بأننا سننتصر.»
«بالضبط. هذا ما أردت معرفته. وبالنسبة إلى النصر، فالأيام بيننا. أنا أتفق معك تمامًا أنه لا شيء على المدى الطويل يمكن أن يكون مرضيًا، سوى قتالٍ عادلٍ ومباشرٍ وجهًا لوجه، ولينتصر الأفضل. ولا يتبقَّى بعد ذلك سوى الاحترام المتبادل بين الخصمين. تكمن المشكلة في أن النزاع نادرًا ما يخلو من أمور جانبية تؤثر على النتيجة النهائية. في حالتنا هذه، أنت لست واثقًا من داعميك، وأنا كذلك. لو كنت أنا مالك هذه المؤسسة، لأعلنت الحرب على الفور، وخضتها بلا هوادة مثل قرصان بربري، وانتصرت فيها بالطبع، ثم وظَّفت أكثر العمال قناعةً في إنجلترا. ولكن في الواقع لن تُحسم المشكلة بالمهارة القيادية لأيٍّ منا، بل بمدى استمرارية داعمينا في دعمنا. إذا ما انقلب عليك العمال قبل أن يتصاعد خوف مجلس إدارتي عما هو عليه الآن، فسوف تُهزم. أما إذا أصاب الذعر مجلس الإدارة أولًا، فستكون الهزيمة لي. وفي كلتا الحالتَين سيكون نصرًا أجوف، ولن يُحسم بناءً على حيثيات الموقف ووقائعه. إن المعركة برمتها رهن بالحظ، وإذا ما كنا رجلَين عقلانيَّين، لسوينا الأمر الآن بقذف بنس في الهواء، علاوةً على ذلك، إذا انتصرت، فسيكون نصرًا بلا طائل؛ إذ ستخسر كل شيء تجنيه بمجرد أن تواجه الصناعة أي عثرة. إن السبب الوحيد الذي يجعلك ترى النصر يلوح في الأفق أن أوضاع الشركة في ازدهار، وأن مجلس إدارتها يريد الخروج بجني أقصى قدرٍ ممكنٍ من المكاسب، بينما لا تزال الأوضاع مزدهرة. إنهم لا يريدون أن يتعطَّل عملهم وتُثار حولهم جلبة، بينما يجني منافسوهم ثمار موقفهم الحرج. وبمجرد أن تعود الصناعة إلى ركودها المعتاد، ستنخفض الأجور، ولا توجد قوةٌ على الأرض يمكنها مَنْع ذلك. فالأمر برمته يعتمد على العرض والطلب. ومن ناحية أخرى، أحذِّرك أني لو انتصرت، فلن تطأ قدم أمين نقابة آخر أرض هذا المصنع مرةً أخرى أبدًا. لذا، إذا كانت مصلحة العمال تُهمك بالفعل يا مارستن، فعليك أن تفكِّر قليلًا قبل أن تمضي في المعركة.»
«هل تشكِّك في اهتمامي بمصلحة العمال؟»
«لا، لا أشكِّك في ذلك. أنا أرى أنك شابٌّ إيثاريٌّ إلى أبعد الحدود، ولكني أعتقد أيضًا أنك تُضحِّي بنفسك دون داعٍ. أنت ترى أننا من الصعب أن نتوصَّل إلى اتفاق؛ لأن كلًّا منا يرى العالم من منظورٍ مختلفٍ تمامًا. أنت لا تزال عند سفح التل، وضباب وادي الشباب يحيط بك، ويشوِّه رؤيتك، ولا يجعلك ترى المسار الصحيح. أما أنا، فقد بلغت قمة الجبل، حيث الرؤية أوضح. أنت ترى الناس أبطالًا ونبلاء، فيما أراهم أنا وضعاء وأشرارًا. أنت تؤمن بالعمال، وأنا لا أُومِن بهم. من المحتمل أن كلَينا لا يرى الأمور بدقةٍ تامة، وأن الحقيقة قابعة في نقطة ما بين هذَين النقيضَين. ولكني أرى أن زمن الشهامة والإيثار قد ولَّى، وأن كل إنسان لا بد أن يهتم لأمره فقط في عصرنا الحالي.»
«لا أفهم سبب حديثك بهذه الطريقة يا سيد سارتويل. لقد رأيتُ أعمالًا بطوليةً تحدث خلال حياتي القصيرة. رأيت رجلًا يخرج من هذا المصنع وحده ودون حمايةٍ رغم علمه بأن الحشد المجتمع في الخارج يطلب دمه، ولكن لم يبدُ عليه أيٌّ من أمارات الخوف أو التظاهر بالشجاعة. وكاد هذا الرجل نفسه يخسر حياته خلال إنقاذ الآخرين عندما احترق المصنع، وكذلك برونت، العامل الأمي، ذهب إلى حتفه بنفسه بإيثارٍ وشهامةٍ للسبب نفسه.»
«آه، برونت رجلٌ قلَّما يجود الزمان بمثله! حسنًا، ربما لا يزال ثمة شيء في الطبيعة البشرية يستحقُّ الاحتفاظ به رغم كل شيء، ولعل الأمر كلَّه أن العمر يتقدم بي وأزداد تشاؤمًا. على أي حال، النقطة الأهم في الوقت الحالي هي أنه لا بد أن يكون هناك اختبارٌ للقوة؛ لذا أعتقد أنه لا مفر أمامنا سوى التصافح مثل اثنَين يتنافسان على جائزةٍ قبل بَدْء المباراة. وأنت تعلم أني أراك أحمق؛ لأنك لم تقبل منصب مساعد المدير.»
تصافح الرجلان، وغادر مارستن المكتب تحت ستار الليل. بينما جلس سارتويل في مكتبه بضع دقائق يفكِّر في الموقف بأكمله.
نفوس متقلبة |
الفصل الخامس والثلاثون
كان الإضراب الثاني واضحًا ومباشرًا تمامًا مثل الأول؛ أي لم يكن ثمة متخلِّفون عنه يواصلون العمل في المصنع، وكان يبدو أن ثمة إجماعًا بين صفوف العمال، وإصرارًا واضحًا من قِبل السادة. بدا الإضراب في ظاهره للجميع أنه اختبار قوة مباشر وعنيف بين رأس المال والنقابة العمالية. لم يهتم مارستن كثيرًا بتعاطف العامة، الذي كان يراه جيبونز أمرًا على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، ولم يكن سارتويل يكترث به على الإطلاق. وفي جميع الأحوال لم يُبدِ العامة اهتمامًا كبيرًا بما يحدث. فكان معروفًا أن الشركة قد رفعت أجور العمال طوعًا منذ مدة قصيرة، وقال أصحاب الشركات بوجه عام إن هذا يدل على حماقة تغليب العاطفة في مجال الأعمال، وإن ما من صاحب عمل يجدر به أن يرفع الأجور إلا إذا كان مجبرًا على ذلك. كما أكَّدوا على أنه لم يكن ثمة أيُّ امتنانٍ من قِبَل العمال، وانتهجت بعض الصحف النهج نفسه. ولكن حتى تلك الصحف التي تحابي العمال شكَّكت في الحكمة من الإضراب في ظل الظروف المذكورة، على الرغم من تمنياتها بنجاح الإضراب.
ولكن لم ينتبه مارستن كثيرًا إلى تعليقات الأصدقاء أو الخصوم؛ فقد كان يدرك أن النجاح أو الفشل ليسا رهنًا بما تكتبه الصحف، بل رهنًا بالتنظيم الجيد والضرب بقوة. كان يدرك أنه إذا فاز، فسيرجع الفضل إلى إصرار العمال والتوقيت الصحيح للإضراب، أما إذا خسر، فسيكون عليه أن يتحمل وحده كل اللوم. قام مارستن بتعيين حراسة لمراقبة المصنع بالطريقة المعتادة، واختار لهذه المهمة أصدقاءه الأكثر ولاءً وصمودًا من بين العمال. وطلب من بقية العمال أن يبتعدوا عن بوابات المصنع، وأن يدعوا إدارة المعركة بالكامل له ولأولئك الذين اختارهم ليكونوا مساعديه.
ما إن بدأت المعركة، حتى قرَّر سارتويل ألَّا تأخذه بالعمال أي رحمة أو شفقة. فقرر أن يملأ المصنع بعمال من الخارج، إن أمكن، وألَّا يُعيد أيًّا من الموظفين السابقين دون أن يوقِّعوا على تعهد بترك النقابة. خلال الإضراب السابق، كان متلهفًا لإعادة عماله إلى أعمالهم كاملين، ولم يُقدم على أي محاولة حقيقية لاستبدالهم. وعرف منذ بداية الإضراب الثاني أنه كان يقاتل من أجل البقاء، وأنه سيستقيل إذا هُزم، والمكان الذي عرفه وألفه طوال سنوات لن يعرفه مجددًا. لم يكن يخشى أن يُطرد من عمل الشركة إذا ما خسر المعركة، بل إنه في الحقيقة كان يدرك أنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لحثه على البقاء، بل كانت كبرياؤه العنيدة، على حد وصف زوجته، هي التي كان يشعر بأنه لن يتمكن من التغلب عليها حتى لو أراد ذلك. فسارتويل، مثل بعض السيوف المصنوعة من الصلب المقوى؛ ينكسر ولكنه لن ينثني. فسنوات من الإصرار الذي لا يتزعزع على ما كان يراه صوابًا، جعلت منه رجلًا لا يملك هو نفسه سوى أقل القليل من السيطرة عليه، وكان يُلاحظ في بعض الأحيان بسخريةٍ سوداويةٍ أنه على الرغم من قدرته على إقناع «رفاقه» بأن يسلكوا مسارًا ملتويًا، ولكنه آمِن فيما يتعلق بأي مشكلة، لم يكن يستطيع حمل نفسه على اتباع أي مسار عدا المسار المستقيم. ظل يعمل ليلًا ونهارًا على مهمة ملء المصنع بعمال جدد. فجاب أرجاء البلاد بحثًا عنهم، وكلَّفته البرقيات وحدها ثروةً طائلة، ولكن كان العمال نادرين، العمال الجيدون نادرون دائمًا، أما الآن، فأصبح من الصعب إيجاد حتى العمال العاديين. قال جيبونز ذات مرة إن عمال العصر الحديث يعانون من حقيقة أنهم مجرد تروس في عجلة كبيرة، ولكن هذه الحقيقة البديهية أيضًا لا تصب في مصلحة صاحب العمل الذي يحاول ملء مصانعه بالعمال. فإذا كان الترس بلا أهميةٍ تُذكر في حد ذاته، يجب ألَّا ننسى أن العجلة أيضًا لن تكون ذات أهميةٍ حتى يوضع الترس في مكانه. من السهل على أي صاحب عملٍ أن يستبدل ترسًا واحدًا، لكن إذا كانت العجلة بأكملها بدون أي تروس، فثمة تسعة وتسعون ترسًا بلا جدوى إذا كان لا يمكن العثور على الترس المائة اللازم لإكمال الدائرة.
كانت هذه المرة الأولى التي يلمس فيها سارتويل كفاءة خصمه وقدراته، وتلاشى غضبه في خضم إعجابه بذكاء الشاب وإلمامه بعالم الأعمال. أُديرت المعركة بهدوءٍ تام حتى إنه لا أحد من سكان الحي كان يدرك أن ثمة حربًا دائرةً في ظل عدم وجود أي دلالاتٍ على حدوث اضطراب. لم يحاول مارستن أن يرشو العمال الجدد الذين كانوا يدخلون ويخرجون من المصنع في حرية، دون أن يعترضهم أيٌّ من الحراس. كان مارستن يتحدث إلى أولئك الغرباء في بعض الأحيان ويخبرهم عن الإضراب، ويسألهم من أين أتَوا، ناصحًا إياهم بالبحث عن عمل في مكان آخر، ولكنه لم يحاول قط أن يُجبرهم على شيء أو يرشوهم. تعجَّب سارتويل من ذلك، وتمنَّى لو استمر مارستن في الحرب بذلك الأسلوب الوديع الحميد، إلا أن وداعته تلك تحديدًا كانت هي مبعث قلقه، وحذر موظفيه الجدد من إعطاء المضربين أي معلومات، رغم علمه جيدًا بعدم جدوى محاولة فرض ستارٍ من السرية؛ لأن العمال سوف يتحدثون. في الواقع، كان مارستن حريصًا على أن يكون مطلعًا دائمًا على ما يحدث داخل المصنع، وأدرك أن المدير يحاول التركيز بذكاء على فرع واحد من قسم واحد، بدلًا من محاولة ملء المصنع بالكامل دفعةً واحدة. فكان يجمع تروسه المائة تدريجيًّا من كل حدب وصوب، وشيئًا فشيئًا سيحصل على عجلة واحدة كبيرة وترس مسنَّن يدوران من بين جميع العجلات والتروس المسننة. في ظهيرة أحد الأيام، عندما خرج العمال، كان مارستن يمرِّر عينَيه عليهم سريعًا، ورأى رجلًا جديدًا، وأدرك في الحال أن سارتويل قد حصل على الترس المائة أخيرًا.
اقترب مارستن منه وبادره قائلًا: «هل أنت وافد جديد؟»
أجابه الرجل: «نعم؛ لقد بدأت عملي صباح اليوم.»
فقال مارستن وهو يسير معه جنبًا إلى جنب: «أود أن أتحدث إليك.»
«لا فائدة من ذلك. فأنا أعلم بأمر الإضراب. لقد أتيت هنا لأعمل، ولا أبالي بالنقابة على الإطلاق!»
«لن يضرك إذن أن نناقش المسألة.»
«ولن يفيدني. فلم أخرج لأتحدث، بل لتناول عشائي.»
«بالطبع. أنا أيضًا جائع، تعالَ معي. يمكننا أن نتحدَّث بينما نأكل.»
«يمكنني دَفْع ثمن عشائي.»
«بالطبع، أنا لا أحاول أن أعرض عليك دَفْع ثمنه. ولا أعتقد أني أحصل على عُشر أجرك، يمكنني أن أستنبط من مظهرك أنك عاملٌ جيد. أنا أمين النقابة العمالية، ولا أتقاضى سوى بضع شلنات أسبوعيًّا. يمكنني أن أخبرك بأجري الزهيد، ولكن من المحتمل أنك لن تصدِّقني؛ إذ يمكنني أن أجني المزيد من صنعتي.»
«إنك لأحمق كبير إذن أن تعمل مقابل أجر زهيد.»
«ربما. أنا أريد رفع أجور العمال في جميع أنحاء المملكة؛ لذا فأنا راضٍ بالعمل مقابل أقل القليل إذا كان بإمكاني تحقيق ذلك. من أين أتيت؟»
«أنا من بولتون.»
«هل أسرتك هنا معك؟»
«لا.»
«لماذا؟»
«وفيمَ يعنيك هذا، أريد أن أعرف؟»
«إنه يعني الكثير بالنسبة إلينا جميعًا؛ لأنه يدل على أنك لست واثقًا من استمرارية عملك هنا.»
«إنه لا يدل على أي شيءٍ من هذا القبيل. فأنا أضمن وظيفتي.»
«تضمن! وما قيمة أي ضمان من أحد السادة؟ سننتصر في هذا الإضراب، وحينئذٍ هل تعلم أين سيذهب الوافدون الجدد؟ أنت تعرف ما يحدث عندما يعود العمال إلى أعمالهم. لن يستمر أيٌّ منكم في الشركة. ولنفترض أنك حصلت على راتب جيد لبضعة أسابيع، ماذا ستكون الفائدة في النهاية؟ إن راتبًا أقل مع وظيفة دائمة أفضل.»
«ومن قال إنه ليس كذلك؟ ولكن ليس لديَّ عمل دائم.»
«أصبحت تتحدث بتعقلٍ الآن. هل أنت عضو في النقابة؟»
«كنت عضوًا. لقد تشاجرت مع رئيس العمال، وطردني.»
«في أي شركة حدث ذلك؟»
«في شركة سميجدن.»
«لا أعرفها. وكم كان أجرك فيها؟»
«ثلاثين شلنًا أسبوعيًّا.»
«هل تعرف شركة ماركام آند ساربري وشركائهما في بولتون؟»
«نعم.»
«هل ترتضي بثلاثين شلنًا أسبوعيًّا هناك؟»
«نعم؛ إذا كان بإمكاني ضمان الحصول عليها.»
«يمكنك أن تضمن ذلك. سأُرسل برقيةً إلى رئيس العمال على الفور، وسيصلنا رده قبل أن ننهي طعامنا. لقد وعدني بتوفير أماكن لثلاثة عمال، ولم أرسل له أحدًا بعد. ولكن لا تقل شيئًا لأي شخص هنا؛ فأنا أريد الاحتفاظ بالوظيفتين الأُخريين لعمال بولتون إذا ما حضروا للعمل هنا.»
«لن أعود إلى هذه الشركة أبدًا إذا استطعتُ ضمان وظيفة في بولتون.»
وهكذا خسر سارتويل ترسه المائة، ولم يرَ هذا الترس قط أن الأمر يستحق منه عناء تفسير سبب مغادرته لمديره السابق. وغادر مستقلًّا أول قطار إلى مانشستر.
تكرَّر الأمر نفسه عدة مرات قبل أن يدرك سارتويل تمامًا الطريقة التي يستخدمها مارستن. كان يعتقد في البداية أن مارستن كان محظوظًا فقط في استمالة العمال، عندما تتسبَّب هذه الاستمالة في تعطيل جميع سُبل التقدُّم. كان الأمر يُشبه سحب مسمار التثبيت من محور عربة. راسل سارتويل زملاءه مديري الشركات في مختلِف أنحاء البلاد، محذرًا إياهم من أن رؤساء العمال لديهم يوظفون عمالًا من شركة «مونكتون آند هوب»، ووصلته ردود تفيد بأنهم سيبذلون أقصى ما في وسعهم لمنع هذا النقل، ولكن لمَّا كان من الصعب تتبُّع وجهة العامل، لم يؤدِّ التحذير إلى نتيجة تُذكر؛ إذ لم يُطرد منهم إلا قلة. لو أن هذا النزوح للعمال جاء جماعيًّا، لربما فعل سارتويل شيئًا لإحباط نجاح هذه المحاولة، بمساعدة أقرانه من مديري الشركات الأخرى، إلا أن طبيعة علاج مارستن للأمر القائمة على معالجة الداء بالداء جعل من الصعب التعامل معها. وفي هذا الوقت، طغى على سارتويل شعور المهزوم، وعلى الرغم من أنه لم يقل شيئًا ولم يستجدِ أي تعاطف من أحد، حفر هذا الشعور في وجهه تجاعيد أكثر من تلك التي حفرتها سنوات العمل الشاق. ورأت ابنته، التي عادت إلى المنزل بعد انتهاء الدراسة، بحزن عاجز تلك الأخاديد العميقة التي يحفرها الهم في وجهه الصارم.
الغريب في الأمر أن أساليب مارستن الهادئة والفعالة التي أقنعت رجلًا فطنًا نافذ البصيرة مثل سارتويل بأن العمال سينتصرون في النهاية، عادت بتأثير عكسي تمامًا على المضربين أنفسهم. فلم يكن العمال يستوعبون اللعبة، وكانوا يرَون بقلق متزايد أن المصنع يمتلئ بالعمال ولا أحد يفعل شيئًا لمنع ذلك. فلم يكن مارستن يدعو إلى عقد اجتماعات ويُفصح بحماسة عمَّا في جعبته بدفقة من الجزالة والفصاحة، كما جرت العادة مع جيبونز. واعتقد العمال أنه لا يفعل شيئًا لمجرد أنه لم يكن يقول شيئًا، وحتى أصدقاء مارستن المقربون بدءوا يتشككون في تحقيق النتيجة المرجوة. فلم يكن ثمة أي دلالةٍ على الاستسلام من جانب السادة، وكانوا يرَون كل يوم عددًا متزايدًا من العمال يخرجون أمام أعينهم من البوابات. وعلى الرغم من نهي مارستن لهم عن ذلك، بدأ المضربون يتجمهرون حول البوابات منددين بالموظفين الجدد أثناء خروجهم؛ فقد بدا لهم أن الهتافات وصيحات التنديد سوف تحقق شيئًا، وكانت على الأقل تنفيسًا عن مشاعر العمال العاطلين المكبوتة. راقب مارستن أمارات التمرد تلك بقلق، ولكنه فكَّر في أنه بما أن العمال لم يكونوا يتضورون جوعًا هذه المرة، وكانوا جميعًا يدركون أن النقابة لا تزال تمتلك أموالًا كافية، فإن بإمكانه السيطرة على المضربين حتى يوجه ضربةً قاصمة من شأنها أن تنبِّه شركة «مونكتون آند هوب» بأنه لا فائدة من المزيد من المقاومة. وكان يدبِّر هذه الضربة في هدوء، وكان يتوقع انتهاء الإضراب بالنصر عند توجيه هذه الضربة.
كان وفد من المضربين، يترأسه جيبونز، ينتظر مارستن، وطالبوه بضرورة عقد اجتماعات عامة، كما كان يحدث من قبلُ دائمًا، حتى يظل العمال على دراية بالتقدم المحرز في نزاع أثَّر بصورة حيوية على مصالحهم. تحدَّث جيبونز بقوة ومشاعر فياضة عن الموضوع، كرجل يتحدث من قلبه، وتأثر أعضاء الوفد بشدة. كان جيبونز يرى أن من الخطأ أن يظلوا يتحسَّسون طريقهم في الظلام لفترة أطول من ذلك، وأنهم يريدون أن يعرفوا إلى أين وصلوا، وما الإجراءات التي ستُتخذ لإجبار سارتويل على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
قال مارستن معترضًا: «ولكن، ألَا ترى أن أي معلومات أُفصح عنها لأصدقائي على الملأ تصل إلى العدو في الحال؟ لم أرَ أي شيء يتحقَّق من قبلُ بالكلام. ونزاع مثل هذا يتخلَّله الكثير من الكلام بوجه عام.»
فقال جيبونز الفصيح اللسان: «أتفق معك تمامًا، ولكن في غياب الكلام نود أن نرى دليلًا من فعل. وهذا النوع من الأمور لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد. إن سارتويل يملأ المصنع تدريجيًّا بالعمال، وقد ضقنا ذرعًا بما يحدث. يجب أن نعرف ما يدور من حولنا؛ فلن يكون ثمة عزاء في أن تخبرنا بعد أسبوع، أو اثنين، أو ثلاثة، أنك اكتشفت أنك لا تملك أي فرصة لتحقيق النجاح، وأن علينا أن نتوصل إلى أفضل اتفاق يمكننا الوصول إليه. يجب أن تتذكر ذلك، على الرغم من أنك لست بصدد خسارة وظيفة، فإننا بصدد خسارة وظائفنا. هل ستعقد اجتماعًا لتوضِّح للرجال فرصنا في تحقيق النجاح؟»
«لن أفعل شيئًا من هذا القبيل. إن القائد العسكري لا يجمع جيشه ليشرح لهم ما ينوي فعله في المرحلة القادمة. أنا قائد هذا الإضراب، وسأقوده بطريقتي أو أتنازل عن قيادته تمامًا. أنت تقول إن المصنع يمتلئ بالعمال وأنا أقول لك إنه لم يؤدِّ أي عمل على الإطلاق منذ بداية الإضراب. كل ما يمكنني أن أعدكم به هو أن أُخبركم بانتهاء أموالنا قبل انتهائها بأسبوعين، وإذا رأيتم أننا لن ننجح، فسيكون أمامكم ما يكفي من وقت لاتخاذ أي ترتيبات تريدونها، وتعزلوني من منصبي.»
«أوه، إن هذه الطريقة الاستبدادية لا تصلح لهذا الزمن. تذكَّر، أنت لست الحاكم بأمره. إن العمال يملكون كل الحق في المطالبة بمعرفة ما تفعل بهم وبأموالهم.»
«عندما كنت أنت قائدًا يا جيبونز، انتهت أموال العمال قبل أن تُخبرهم بأي شيء عن ذلك. وكان ثمة الكثير من الكلام في تلك الأيام، والقليل من المعلومات القيمة. لن أقود الإضراب بفمي، ولن أقبل تدخلًا من أحد.»
«أرجو أن تتذكر أنك خادمنا، وليس في ذلك تدخل أن نسألك عما يحدث وما تنوي فعله. والآن، إما أن تدعو لعقد اجتماع مع العمال في قاعة جيش الخلاص وإما أن نفعل نحن. أيهما تختار؟»
«لن أدعوَ لعقد اجتماع. وإذا ما دعوتم لعقد اجتماع، فأنتم من ستتحمَّلون مسئولية التدخُّل في أمرٍ لا تفهمونه. من المرجح أنكم قد تستطيعون إحراجي، أو ربما هزيمتي، ولكن إذا فعلتم، فسيأتي وقت سيلعنكم فيه العمال على تدخُّلكم. أؤكد لكم أننا سننتصر في هذا الإضراب إذا ما رفعتم أيديكم عنه. إن الدعوة إلى اجتماع ستبرهن لسارتويل أننا قلقون، وهو لا يتمنى شيئًا سوى أن تدبَّ الفرقة في صفوفنا. لقد كان صريحًا بما يكفي لأن يخبرني بذلك بنفسه.»
«ومتى أخبرك بذلك؟»
«قبل أن نبدأ الإضراب.»
نظر جيبونز إلى الوفد نظرةً ذات مغزى، وأومأ بعضهم برءوسهم في أسًى، كما لو أنهم يقولون إنهم لم يكونوا ليصدقوا ذلك لولا أن الأمر أصبح جليًّا الآن، بعدما اعترف أمين نقابتهم بنفسه بأنه يتواصل مع العدو سرًّا.
قال جيبونز بجدية: «أعتقد، بعد ما قلته بنفسك، أن ثمة سببًا وجيهًا تمامًا يدعوك إلى الاجتماع بالعمال؛ لتخبرَهم بما جعلك تتناقش مع سارتويل في احتمالية فشل الإضراب قبل حتى أن يبدأ. لقد كنت تعلم أن هذه النقطة شائكةٌ بالنسبة إلينا منذ الإضراب السابق، وإذا كان سارتويل عدوك، كما قلت، فقد حاولتُ جاهدًا أن أرى سببًا يدعوك إلى …»
«أوه، لا حاجة لأي سريةٍ بشأن هذا الأمر يا جيبونز. في واقع الأمر، ثمة القليل من الغموض يكتنف أي شيءٍ نفعله، وهذا أحد الأسباب التي تدفعني لرفض الدعوة إلى عقد اجتماع عام. فالأمور سيئة بما يكفي كما يحدث الآن. لقد اكتشفت أن سارتويل يعرف بوجه عام ما سنفعل قبل أن يعرفه الكثير منا. لقد ذهبت إلى سارتويل لأنه طلب مني الذهاب إليه. فقد كان يعرف بهذا الإضراب، على الرغم من أني تخيَّلت أني لم أناقش هذا الأمر سوى مع نفسي ومع بعض الأشخاص الآخرين. وعرض عليَّ منصب مساعد مدير الشركة في مقابل الاستقالة من منصبي أمينًا للنقابة. ولكني رفضت، وأخبرني بأن هذا الإضراب سيفشل لا محالة؛ لأن العمال لن يخلصوا لي. يمكنك أن تخبر العمال بكل تفاصيل حديثي مع سارتويل، ولكن لا داعي لعقد اجتماع لمناقشتها.»
«قد يكون كل ما قلته صحيحًا، ولكني أُقر بأنه يبدو مريبًا نوعًا ما. فأنا أشك في أن سارتويل يخشاك إلى هذه الدرجة. على أي حال، لا ضير من معرفة حقيقة موقفنا. سأبذل أقصى ما في وسعي لتهدئة مخاوف العمال، ولكني أحذِّرك من أن ثمة مشكلات ستقع إذا لم يرَوا شيئًا جديدًا مشجعًا أكثر ممَّا رأينا مؤخرًا خلال أسبوع من الآن. وسيدعو العمال إلى اجتماع بأنفسهم إذا لم تفعل أنت.»
«إذا لم يحدث شيء خلال أسبوع، فسأعقد اجتماعًا وأخبرهم بما جرى حتى تلك اللحظة بالتفصيل، ولكني لا أحبذ الاجتماعات، ولن أدعو إلى عقد أي اجتماع إلا مجبرًا. إنك تجبرني على فعل شيء لا أُريده يا جيبونز رغم وعدك لي باللعب النزيه.»
«يبدو لي أنك حصلت على وقتٍ أكثر من كافٍ، وأعتقد أننا كنا صبورين للغاية بارتضائنا الانتظار أسبوعًا، رغم أننا لا نعلم إلى أين تقودنا.»
انصرف الوفد بعد ذلك، وظل مارستن يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا، متسائلًا عما إذا كان مجلس الإدارة يُذيق سارتويل الأمرين مثلما يفعل العمال معه. ومثلما كان الحال خلال الإضراب السابق، وُضعت قاعة الخلاص تحت تصرُّف العمال. ولم يدعُ مارستن لأي اجتماعات فيها عدا ذلك الاجتماع الذي أعلن فيه عن بدء الإضراب. ولكنه جعل مقره في غرفة تفتح على المنصة، وتتصل أيضًا بممر ضيق يمتد على طول القاعة من الخارج إلى الشارع. وفي هذه الغرفة، كان خفراؤه يقدِّمون له التقارير، وكان يؤدي الأعمال التي يقتضيها الإضراب من حسابات ومراسلات. وفي هذه الغرفة أيضًا كان يتم استلام الخطابات والبرقيات. كانت غرفةً بسيطة لا تحتوي من الأثاث إلا على بضعة مقاعد وطاولة خشنة بسيطة. وعُلق العديد من الشعارات الدينية والأخلاقية على الألواح الخشبية التي شكَّلت الجدران. «أحبوا بعضكم»، كانت هذه الجملة هي ما تقع عليها عينا مارستن كلما رفع بصره من مقعده عند الطاولة. وكان في بعض الأحيان يبتسم في أسًى وهو ينظر إليها. توقف مارستن عن السير، وجلس إلى الطاولة عندما سمع طرقًا على الباب الخارجي. دخل الغرفة رسول توصيل البرقيات وسلمه مظروفًا. فتح مارستن المظروف، وقرأ الكلمتين الوحيدتين المكتوبتين بداخله «لقد أُوقِفت.» جاءت هاتان الكلمتان من الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وسافرتا من سيدني، إلى نيو ساوث ويلز، وصولًا إلى لندن. أضاء بريق من سعادة وحشية عينَي الشاب، ولدهشة الرسول، ضرب مارستن سطح طاولة المفاوضات بقبضته بقوة.
وقال للصبي الذي ينتظر متذكرًا فجأةً أنه ليس وحيدًا: «لا يوجد رد»، ثم أضاف محدثًا نفسه: «ولن يكون ثمة رد إلا من شركة مونكتون آند هوب.»
وعاد مجدَّدًا ليذرع الغرفة جيئةً وذهابًا، وجسده يرتجف بالكامل من لذة المعركة واستشراف النصر المحقَّق. ولمع شعار «أحبوا بعضكم» في سلام على الجدار، ولكن دون أن يلاحظ.
نفوس متقلبة |
الفصل السادس والثلاثون
عندما انتهى عامَا الدراسة في إيستبورن، عادت إدنا سارتويل إلى ويمبلدون، وعادت لتشغل مركزها المعتاد في منزل والدها. وبمرور الوقت، سُر سارتويل كثيرًا بغياب المشاحنات بين المرأتَين اللتَين في حياته، والتي كانت الذريعة التي تذرَّع بها لإرسال إدنا بعيدًا. لم يكن يأمل كثيرًا في أن يقلِّل العامان الماضيان من كراهية زوجته لابنته، والتي لم تحاول إخفاءها إلا قليلًا، ولكن في ظل هذا السلام الذي خيَّم على الأسرة، لم يحاول أن يتعمَّق في البحث عن أسباب هذا التغير المحبَّب. ولم يكن يعلم أن ابنته أصبحت تتحمَّل في صمت ما كانت تتمرد عليه سابقًا. فكان توجُّه السيدة سارتويل نحو التعليم بوجه عام موجهًا لإحباط من يناصرونه. فقد كانت تعتبر أن التعليم في المدرسة مضيعة آثمة للوقت والمال. وكانت تعتقد أن الحواريين لم يرتادوا مدرسةً داخلية، ومَن في العصر الحالي يُقارَن بالحواريين؟ لم يكن التعليم سوى أداة لتغذية ذلك الزهو المؤسف الذي كان بالفعل من السمات الراسخة لهذه الأمة المتغطرسة. وكان لديها الكثير من النصوص التي ذهبت إلى إثبات أن الكثير من التعليم شيء خطير، وكانت تُلقي هذه الاقتباسات باستمرار على مسامع إدنا، على أمل أن تخفِّف كثرةُ التكرار، إلى حدٍّ ما، من الشر الذي لا بد وأن يتبع قضاء فترةٍ في مدرسةٍ عصريةٍ وباهظة. كان الغرور المفرط هو الهم الأكبر الذي يؤرِّق السيدة سارتويل، باعتباره أسرع طريق يؤدي بالأمم المعاصرة نحو الهلاك مقارنةً بأي شيء آخر. أخبرَت السيدة سارتويل إدنا آسفةً بأنها لاحظت تغيرًا غير محبذ في سلوكها منذ عودتها من إيستبورن. وكان الغرور الذي يرتدي قناع التواضع هو أكثر أشكال هذا الإثم المقيت إهلاكًا، وكانت ترى أن صمت إدنا أمام مواعظها الحسنة دليل على أن غرورها قد أصبح من النوع العنيد، الذي يصعب كثيرًا على امرأةٍ صالحةٍ التعامل معه. وعندما هدَّدت السيدة سارتويل — على أثر شعورها بالإهانة من عدم رد خصمتها عليها، وسَلْبها حقها العادل في عرض حجتها؛ بسبب صمتها — بأن تضع أمام عينَي زوجها النتائج المروعة للإفراط في تعليم فتاةٍ ذات طبيعةٍ متغطرسةٍ بالفعل، ظهرت لمحةٌ من التمرد السابق بينهما، إلا أن التمرد قد تغير بفعل العامَين اللذَين قضَتهما في إيستبورن، مثلما تغيَّر الكِبر والغرور. فعلى الرغم من أن غضب إدنا من هذا التهديد المباشر بإخبار والدها كان واضحًا، كان ثمة قدرٌ من التحفُّظ والكبح في إدارتها لغضبها لم تستوعبه السيدة سارتويل. فقد ظلَّت الفتاة واقفةً في مكانها للحظاتٍ تحدِّق إليها، ثم قالَت بهدوءٍ شديد:
«لدى والدي الكثير ليقلق بشأنه ولا حاجة لإزعاجه بأمور تافهة. إنه يعتقد أن غيابي عن المنزل عامين جعلك تحبينني أكثر مما كنتِ قبل أن أغادر، وأود أن يستمر في اعتقاده هذا.»
«أحبك أكثر؟ ابنتي العزيزة، إن الحب الذي أُكنه في قلبي تجاهك هو ما يجعلني أسعى، بطريقتي المتواضعة، إلى تصحيح تلك الأخطاء التي ستؤدي بك إلى الهلاك يومًا ما، وأدعو الرب أن يكلل جهودي بالنجاح.»
«أنا أتحدث عما يظنه والدي. وإذا ما اكتشف أن الأمور بيننا لا تزال سيئةً كعهدها دائمًا، فستنفك قبضتك من حولي. إنني أحاول الآن أن أتحمل بصبر وصمت كل ما يجب عليَّ تحمله في هذا المنزل، وما أفعل ذلك إلا لأجنِّب أبي أي متاعب غير ضرورية. أنتِ تقولين إني مغرورة، وناقمة، وعنيدة، وكل هذه الصفات. أنا أسوأ بكثير حتى ممَّا تتخيلين. وتنتابني القشعريرة عندما أفكِّر أي امرأة سأصبح إذا ما ظَلِلت تحت قبضتك أكثر من ذلك. وأشعر بأني منافقة عندما ألتزم الصمت أمام تهكماتكِ عليَّ؛ لأني إذا ما صغت مثل هذه الأمور في كلمات … حسنًا، دعينا لا نتحدث عن ذلك. إذا كنتِ تتخيلين أني قد تعلمت المهادنة لأني عشت وسط أسرة مسيحية حقيقية لعامين، فأنت مخطئة للغاية، ولكني تعلمت أن المسيحية الحقة ليست تأنيبًا يتبعه نص ديني في نهاية كل جملة مثيرة للسخط والغيظ. والآن بعد أن صرت امرأة، صرت أفهمك أكثر مما يفهمك أبي بكثير. قلت ذات مرة إنه إذا ما اختارني لأكون سيدة هذا المنزل، فستتركين مفاتيحك وتغادرين دون كلمة واحدة. أنت لن تفعلي أي شيء من هذا القبيل. بل ستقاتلين من أجل مركزك في هذا المنزل. لهذا السبب، أود أن تُدركي جيدًا ما قد تلاقينه إذا ما شكوتِ إلى والدي. ففي اللحظة التي ستشكينني فيها بأي طريقةٍ كانت، أو تجعلينه يعتقد أن ثمة خلافًا ولو بسيطًا بيننا، فسأذهب إليه وأخبره بأنني لا بد أن أكون سيدة هذا المنزل. وماذا سيحدث حينئذ؟ أنتِ تعلمين مثلما أعلم. ما دام أبي ظل غير منزعج بشئوننا، فلن أقول شيئًا، وسأُحاول أن أكون بارةً ومطيعةً كما لو كنت ابنتك.»
كانت السيدة سارتويل تجلس في مكانها، دافنةً وجهها بين يدَيها، وتبكي بصوتٍ خافت، كشخص جُرحت مشاعره الرقيقة الغضة. كان من الصعب عليها أن تُضطر إلى مواجهة المشكلة نفسها مرةً أخرى، بعد أن اعتقدت أنها قد حقَّقت نصرًا هزيلًا وغير مؤكد — إذا كان من الممكن أن يُطلق عليه نصر من الأساس — على شخصٍ عنيدٍ ظلَّت في نزاعٍ معه عمرًا كاملًا. كانَت تعلم أن أي شيءٍ يمكن أن يحدث إذا ما شكت إدنا لوالدها. فقد يكون لديه من الجبروت ما يدفعه إلى شراء منزلٍ في أي مكان، ويعيش فيه مع ابنته في سلام. فلم يكن الرجل يتورَّع عن فعل أي شيء، على الرغم من كل النصائح التي تُسديها له. ولكنها كانت ترى أنه لا يزال ثمة عزاء يتمثل في أنها قد تتمكن من إنقاذ الفتاة، بمثابرتها الصادقة والمخلصة على العمل الصالح، وكانت تُدرك أن إدنا لن تعترض ما دام والدها ظل بعيدًا عن الموضوع؛ لذا وافقت السيدة سارتويل ألَّا يدخل زوجها حكمًا بينهما، وأحاط السلام البيت السعيد مجددًا بأجنحته البيضاء.
كبرت إدنا وصارت امرأةً جميلة، أجمل بكثير مما توقعت هي نفسها أن تكون. وأصبحت أكثر وقارًا وتحفظًا مما كانت عندما غادرت المنزل، وأكثر ميلًا إلى الجلوس طويلًا في تأمل واضعةً ذقنها في يدها تفكر وتتأمل، وعيناها الحالمتان تحاولان سبر أغوار المستقبل. وبقدر ما كانت عازمةً بقوةٍ على إجبار نفسها على نسيان مارستن إلى الأبد، فلم تنجح قطُّ في ذلك، وكان صوته العميق النابض بالحياة كثيرًا ما يعود ويغزو أفكارها من جديد. وعلى الرغم من نشأتها بطريقةٍ ديمقراطية، واعتقادها النظري بأن جميع البشر أخيار، فقد نشأت في بلدٍ تعتبر فيه ابنة البقال أن رؤيتها بصحبة ابنة خضري من شأنه أن يحط من مكانتها، في حين أن ابنة بائع الأقمشة، من هدوء مكانتها الاجتماعية الرفيعة، سوف تواجه بعض الصعوبة في التفرقة بين المكانة الاجتماعية لكلٍّ منهما، ولكنها ستكون على دراية تامة بأن «الخضراوات» تحمل في طياتها مكانةً اجتماعية أقل نسبيًّا. كانت إدنا ابنة رجل كان من طبقة العمال، ولكن عندما فكَّرت في العرض الذي قُدم لها في حديقة المدرسة، صُدمت بعض الشيء عندما فكَّرت في أن أحد العمال يطمح للزواج من ابنة سيده. كانت قد تحدَّثت إلى مارستن، وتناقشا في المشكلات التي تهم كلَيهما، ولكنها لم تفكِّر ولو للحظة في أنهما متساويان. فقد كان مجرد عامل، وعندما كان يُقال هذا لها، تظهر بينهما فجوة كبيرة. ولكن الحب يمحو جميع الفوارق، طبقًا لكلمات أغنية أحد المشاهير، وعندما أمعنت الشابة التفكير في الموضوع من جميع جوانبه، بدَا أن الحدود الاجتماعية جميعها قد أصبحت أقل واقعيةً أكثر فأكثر. وتذكرت أنها لم تفكِّر قط في الطبقية الاجتماعية عندما كانت بصحبته. ولم تستنتج من فَهْمها لمشاعرها أكثر من أنها كانَت معجبةً به كثيرًا دون شك، وأنها كانت تُكن إعجابًا شديدًا برجولته وإصراره على النجاح.
عندما بدأ الإضراب عن العمل وعلمت أن والدها وحبيبها خصمان، أصاب حالتها الذهنية اضطراب قوي. فكان من الصعب عليها أن تدرك أن أحدهما لا بد أن يُهزم، وزفرت بحرارة عندما فكَّرت في قسوة القدر؛ إذ وضَعَ الرجلين العزيزين إلى قلبها من العالم أجمع في مواجهة ضارية أحدهما أمام الآخر.
ومع استمرار النزاع، ورؤية والدها ينحني تحت وطأة العاصفة، وتمكُّن الهَرَم من ملامحه بصورة ملحوظة يومًا بعد يوم، وازدياد صمته أكثر فأكثر، ازدادت مشاعرها نحوه قوة، وكانت تتوق لرؤيته، وتتمنى لو تمكَّنت من التخفيف عنه، ولكنها كانت تعلم أن ما بيدها حيلة. وفي بعض الأحيان كان يثور في قلبها فجأة نقمة شديدة على مارستن. كان لديه العالم بأسره ليحاربه، ولكنه لم يختَر من بين كل هؤلاء الملايين سوى والدها ليتخذه خصمًا له. أزعجها كثيرًا إدراكها أن هذه النقمة لم تكن تدوم طويلًا قط، وأنها كانت تجد نفسها تتعاطف أيضًا مع أصغر الخصمين، وتلتمس له الأعذار. فمن يناصر جانبًا واحدًا لا يواجه الكثير من المصاعب في هذا العالم، مقارنةً بمَن يُدرك أن من النادر أن يقع كل الخير أو كل الشر في العالم على جانبٍ واحد فقط، بل يتداخلان مثل القطن والصوف في قطعة من القماش. كان كلٌّ من سارتويل ومارستن يرى أنه يناضل من أجل الحق، إلا أن إدنا رأت أن الحق والباطل مجتمعان معًا على كلا الجانبين، على الرغم من أنها لم تمتلك الشجاعة الكافية لتقول ذلك إلى والدها عندما بدأت المواجهة.
ولكن مع استمرار الحرب، دائمًا ما يختفي الحق أو الباطل الأصلي عن العيون، ونختار الجانب الذي نناصره بناءً على اعتبارات تختلف عن تلك التي تروق لعقول البشر في وقت السلم. ومن ينزوي ويظل بعيدًا يوصَم بالخيانة، ولكن الإنسان، بقُدرته المذهلة على تقدير ذاته، يُطري على نفسه بأنه حيوان مفكر.
كان سارتويل يعود إلى منزله عادةً في وقتٍ متأخر، وأحيانًا يعود مستقلًّا آخر قطار. وأصبح من الملاحظ أنه منح إدنا امتياز السهر والجلوس في انتظاره، وعلى الرغم من اعتراضه المحدود لمرةٍ أو اثنتَين عندما عاد إلى المنزل بعد منتصف الليل ووجدها في انتظاره، كان من الواضح تمامًا أن وجودها كان فيه السلوى والراحة له. كانت إدنا تتصرف تجاهه بطريقة تبعث الهدوء والراحة في نفسه؛ فكانت تتحرك في أنحاء الغرفة دون صوت، وتستبق حاجات الرجل المتعب من دون جلبةٍ لا داعي لها، وبدون طرح أسئلة مزعجة، ولكنها كانت مستمعةً متعاطفة ومنفتحة إذا كان ثمة ما يقال. بعض النساء يصاحب وجودهن جلبة وأصوات ارتطام من الأشياء الجامدة؛ فتُصفق الأبواب، وتسقط الأطباق، وتقرقع الأكواب والصحون، وتُقلب المقاعد، ما يثير الأعصاب الحساسة للصوت، أما إدنا فيمكنها أن تُعد العشاء بمهارةٍ دون أن تُصدر أي صوت يتجاوز رنين الأطباق الخزفية. وكانت تدرك قيمة التفاصيل الدقيقة، مثل وضع المقعد ذي الذراعَين بالزاوية المناسبة حتى يسقط الضوء من فوق كتف الجالس، كما ينبغي أن يسقط، ووضع الخف حيث تسقط القدمان المكسوتان بالجوارب بسلاسة فيه، وحين يكون والدها مرهقًا للغاية لدرجةٍ تجعله لا يعبأ برسميات تناول الطعام على السفرة في ساعة متأخرة من الليل، كانت تظهر عند مرفقه الأيمن طاولة صغيرة، مغطاة بمفرش نظيف من الكتان، وبعض من أطايب الطعام التي قد تُسيل لعاب حتى الرجال الذين اعتادوا تناول أشهى أصناف الطعام، كما لو أنها زحفت دون صوتٍ على أرضية المنزل. كان كل ذلك يندرج تحت عنوان «التدليل» في قاموس مفردات السيدة سارتويل، وكانت المرأة الصالحة تأوي إلى فراشها مبكرًا للراحة، عندما تجد أن وجودها باعتبارها قدوةً يُحتذى بها ليس له أي تأثير يُذكر في إيقاف ما يحدث، ولكيلا تشجِّع على استمراره بوجودها. كان ثمة وقت للأكل ووقت للشرب، وإذا ما كان من المفترض برجل أن يكون جائعًا عند منتصف الليل، فيُعد ذلك إثمًا يجب أن يُعاقب عليه بعسر الهضم في الحياة الدنيا، ويعلم الرب وحده ما سيحل به في الحياة الآخرة.
على الرغم من التقارب الذي بينهما، لم يكن سارتويل يُخبر ابنته بالكثير عن تطورات الإضراب، وكانت تمتنع عن سؤاله عندما تراه راغبًا عن الحديث؛ إذ كانت تشعر بأن أي اقتراح قد تقدِّمه له لن يكون ذا قيمة بالنسبة إليه، مكتفيةً بحمايته من أي مصدر من مصادر الضيق في المنزل، والتسرية عنه قدر الإمكان عندما يكونان معًا. ولكن كان قلبها ينفطر وهي تراه يزداد وهنًا وعجزًا بصورة ملحوظة يومًا بعد يوم، وخطوته التي كانت تتوق لسماع وقعها، تفقد ثقتها أكثر فأكثر.
جلست إدنا ذات ليلة في مقعده ذي الذراعين تنتظره وتفكر بعمق. ورفعت رأسها فجأةً فزعة، ورأت والدها يقف بجوار الطاولة يحدِّق إليها. كان وجهه شاحبًا، وهزيلًا، ومنهكًا، وزادت الابتسامة الكئيبة التي ارتسمت على شفتَيه، وهو ينظر إليها من الكآبة البادية على قسماته بدلًا من أن تخفِّفها. كان يبدو كرجلٍ على شفا الوقوع فريسةً لمرضٍ عضال، ففزعت الفتاة بشدة؛ حتى إنها ظلَّت تحدِّق إليه لحظاتٍ بعينَين متسعتَين خوفًا من أن يكون ذلك الواقف أمامها شبحًا.
وصاحت أخيرًا وهي تهب واقفة: «أبي! ماذا حدث؟»
«لا شيء يا ابنتي سوى أنكِ كنت نائمةً في المقعد، بينما كان يجب أن تكوني نائمةً في فراشكِ منذ مدة طويلة.»
«لا أظن أنني كنت نائمة، ولكني لم أسمعك تفتح الباب. ولكنك تبدو مريضًا.»
«أنا بخير. أنا متعب قليلًا لا أكثر. لا، ولن آكل أي شيء، شكرًا لك. أعلم أنني جئت بعد مواعيد الإغلاق، ولكني عابر سبيل، وسأتناول مشروبًا، إذا كنت لا تمانعين.»
وحاول أن يضحك قليلًا على مزحته المفتعلة، إلا أن ضحكته بدا وقعها كئيبًا، ما زاد من فزع إدنا بدلًا من طمأنتها، كما كان ينوي. ظل عنق زجاجة الشراب يصطدم بالكوب مصدرًا صوتًا كاصطكاك الأسنان، وبدا الصوت يُزعج سارتويل؛ إذ غمغم بشيء ما ثم صوَّب نظرةً خاطفة نحو ابنته ليرى إن كانت قد لاحظت عصبيته غير المعتادة. ثم أمسك بالزجاجة بإحكام أكبر، وصب الخمر بيد أكثر ثباتًا، إلا أن هذا الجهد جعله يزم شفتيه. ثم تجرع الشراب دفعةً واحدة ووضع الكوب الفارغ على الطاولة. كانت إدنا واقفةً أمامه، فرفع بصره نحوها وارتسمت على شفتيه ابتسامة فاترة.
وقال: «حسنًا يا ابنتي، لقد انتهت اللعبة.»
فسألته بصوت متهدج: «هل انتهى الإضراب يا أبي؟»
«فعليًّا، لا؛ عمليًّا، نعم. ستستسلم الشركة غدًا، وأنا سأستقيل. هل تشعرين بالأسف؟»
قالت إدنا وقد جثت على ركبتيها بجواره: «لن أشعر بالأسف إلا إذا كنت تشعر به يا أبي. لست آسفةً على انتهاء التوتر؛ فأنا أرى أن أي شيء أفضل من القلق الذي كنت ترزح تحت وطأته طوال الأسابيع القليلة الماضية. وتبدو عليك علامات المرض الليلة.»
«نعم. الإنسان يكره الهزيمة. حسنًا، لقد تجرَّعت هزيمةً منكرةً لا شك فيها، وإذا كان ثمة أي عزاء في تلقِّي ضربة قاضية، فقد وجدته.»
«ماذا حدث؟»
«إدنا، كما تعلمين، دائمًا ما نرسم في لوحات المعارك خيولًا جامحة، وجنودًا يطلقون النار، أو تُطلَق عليهم، أو يضربون أعداءهم بالسيوف، ولكننا نادرًا ما نعرض فيها أي شيء عن الخلفية؛ ولذا أحيانًا لا يعلم بعضهم بوجودها من الأساس: ولكن اللوحة لا تعرض إلا واجهة المعركة، إن جاز التعبير، بينما يتحقَّق النصر في المعارك بفضل الترتيبات المحكمة في الخلفية؛ كالإمداد بالذخيرة، وحَمَلة الطعام والماء، وكل هذه الأمور. الإضراب عن العمل مثل المعركة، ثمة أمور أخرى يجب وضعها في الاعتبار خلاف القتال الفعلي، وهذه الأمور عادةً ما تحدِّد نتيجة المعركة. إن الخسارة المباشرة في نزاع من هذا النوع لا يُقارن بالخسارة غير المباشرة. إننا نرى أعمال الشركة تنسل من بين أيدينا وتذهب إلى أشرس منافسينا. بعض من عملائنا قد يعود للتعامل معنا وبعضهم الآخر قد لا يفعل. هذا إلى جانب أننا لا نستطيع الوفاء بالعقود التي أبرمناها، ولأن الإضراب عن العمل لا يمكن أن يُطلق عليه قضاء وقدر، فنحن مُلزَمون بتحمل التعويضات المفروضة علينا؛ إذ لا يوجد بند للإضرابات في الاتفاق. وكان عليَّ أن أواجه كل هذا إلى جانب مواجهة المضربين أنفسهم. هذا علاوةً على مشكلة ملء المصنع بالعمالة التي تبيَّن أنها أصعب بكثيرٍ مما توقعت. وخلال الأسبوع الماضي، بدأت أخسر ثقة مجلس الإدارة تدريجيًّا. لم يقُل أحدهم شيئًا، ولكني استشعرتها. كان الانطباع العام السائد أننا نقاتل في معركةٍ خاسرة، وأن كل شيءٍ أصبح على المحك، وكان السبب الوحيد الذي حال دون استسلام مجلس الإدارة منذ أسبوع مضى هو علمهم بأني سأستقيل إذا فعلوا. ولم يكن الأمر يتطلَّب سوى قشةٍ لتقصم ظهر البعير، وتنقلب كل موازين الموقف لتصبح ضدي. في وقتٍ ما قبل أن يبدأ الإضراب، أبحرت سفينة بخارية إلى سيدني في نيو ساوث ويلز. وكانت تحمل كميةً كبيرةً من بضائعنا على متنها. واليوم تلقيت إخطارًا من ملاك السفينة بأنها متوقفة هناك، ولا يمكن تفريغ حمولتها بسبب إضرابنا. ويعتزمون تحميلنا مسئولية التأخير، ما يعني قضيةً مُكلِّفة أمام القضاء بغض النظر لمن سيكون الحكم في صالحه. وهذا أمر خطير في حد ذاته، ولكن حقيقة أننا ضُربنا في أقاصي الأرض بينما حركتنا مشلولة في لندن ستدفع مجلس الإدارة إلى الاستسلام على الفور. لذا يا صغيرتي، أنا رجلٌ مهزوم.»
«ولكن، ألم يكن من الوارد أن تُهزم على أي حال؟»
«نعم، إذا استمر الإضراب أسبوعًا آخر، كان العمال سيعودون إلى عملهم؛ أنا واثق من ذلك. إنهم يشتعلون غضبًا، وقد دعَوا إلى اجتماع غدًا ليلًا، رغم اعتراضات مارستن. لا شك في وجود انقسام بين صفوفهم، وكل ما أحتاج إليه هو انشقاق طفيف لأعيد المصنع إلى العمل.»
«ما الداعي لأن تستقيل يا أبي؟ لقد بذلت أقصى ما في وسعك، ومجلس الإدارة يعلم ذلك.»
«آه، أنت ناعسة يا ابنتي، يمكنني رؤية ذلك بوضوح، وإلا فَمَا طرحت سؤالًا كهذا. ولكنكِ تعرفين كل شيء الآن؛ لذا اذهبي إلى النوم.» •••
في الصباح، سارت إدنا مع والدها حتى محطة القطار.
فسألته: «هل سيُعقد اجتماع لمجلس إدارة الشركة اليوم؟»
«نعم. سيُعقد اجتماع في تمام الخامسة مساء اليوم.»
«هل تعتقد أن الإضراب سينتهي إذا ما أعطوك مهلة أسبوع آخر؟»
«أنا واثق من ذلك تمام الثقة. لا شك في أنه سيحدث شقاق في اجتماع العمال الليلة. فقد جاءت الدعوة لعقد هذا الاجتماع رغمًا عن مارستن كما تعلمين، وهذا يشير إلى أنه بدأ يفقد أي سيطرة له على المضربين.»
«ألن يكون لديك مبرِّرك إذن لئلا تقول شيئًا عما قاله أصحاب السفينة حتى موعد اجتماع مجلس الإدارة التالي؟ وحتى يحين ذلك الموعد، ستكون قد علمت نتيجة اجتماع المضربين.»
«عزيزتي إدنا، أنت تقدِّمين اقتراحات تسلب المرء أنفاسه. لا، لن يكون ذلك مقبولًا. يجب أن يكون مجلس الإدارة على درايةٍ تامةٍ بكل المعلومات. لا يمكنني تحمل مسئولية إخفاء أي شيءٍ يضرُّ بمصالحهم، أيًّا كانَت عاقبة ذلك بالنسبة إليَّ، وإن كنت أتمنى لو أن الرسالة ضلَّت طريقها ليومٍ أو اثنَين.»
«سأكون في مكتبك في تمام السادسة الليلة يا أبي.»
ضحك سارتويل، ولكنها كانت ضحكةً كئيبة ويائسة.
وقال: «ألن يكون من الأفضل أن تأتيَ في تمام الخامسة، وتخبري أعضاء مجلس الإدارة برأيكِ فيهم؟ وأنا واثق أنه لن ينطوي على أي إطراء.»
«لا تسخر مني يا أبي. إن الموقف خطير للغاية، ولا يمكنني أن أتحمَّل إثارة الانتظار حتى عودتك إلى المنزل. لا بد أن أعرف ما يحدث، فلا تمنعني عن ذلك أرجوك. كما أنها قد تكون ليلتك الأخيرة في هذا المكتب، وأود أن أُحضرك معي إلى المنزل.»
«أوه، لن تكون ليلتي الأخيرة. لن أترك الشركة القديمة هكذا. سأواصل عملي حتى يُعيَّن المدير الجديد وتسير جميع الأمور على خير ما يرام. حتى وإن هُزم المرء يا إدنا، فهو يستحق من نفسه الانسحاب بطريقة جيدة؛ ففي بعض الأحيان يدل الانسحاب المتقن على حسن القيادة مثل النصر تمامًا. وبما أن الوضع مستتب، يمكنك الحضور إذا كنت قلقة، ولا شك في أنك كذلك، أو يمكنني أن أرسل لك برقيةً بما حدث، إذا كنت تفضلين ذلك. ولكن النتيجة محتومة، أنا على يقين من ذلك. فعندما يرون هذه الرسالة، ويعرفون أني لم أُحرز تقدمًا يُذكر في ملء المصنع بالعمال، سوف يستسلمون، ولا أعلم إن كان بإمكاني أن ألومهم على ذلك أم لا. إن لديهم الكثير من المصالح على المحك، وقد دعموني بقوة حتى هذه اللحظة، ولولاي لاستسلموا منذ مدة طويلة. سأنتظرك في الساعة السادسة يا عزيزتي. استقلي عربةً من محطة القطار، واطلبي من السائق أن ينتظر في فناء المصنع. انتظريني في غرفتي إذا جئت ولم تجديني. سأخبر البواب بأن يعتني بك.»
راقبت إدنا القطار وهو يصل إلى المحطة ويغادرها، ثم استدارت وسارت نحو منزلها بقلب مهموم. اجتازت إدنا المنزل وواصلت سيرها نحو الحديقة العامة محاكيةً والدها، دون وعي منها؛ إذ كان يقصد هذا المكان الرحيب ذا الهواء العليل، عندما يكون ثمة ما يؤرقه. توقفت عن السير عدة مرات، وفكرَت في إرسال برقيةٍ إلى مارستن تطلب منه أن يلتقيها في الحديقة القديمة في ويمبلدون في الحال. تخيَّلت نفسها تقف في الحديقة تتوسل إلى مارستن أن يُنهي الإضراب، ولكنها خشيَت غضب والدها إذا ما اكتشف ما فعلته، حتى وإن كان لأجله. لم يخطر لها قط أن توسُّلاتها قد تكون بلا طائل؛ لأنها كانت تعلم أنها ستفعل أي شيءٍ يطلب منها من أجل شخص تحبه، ولم يكن يراودها شكٌّ في أن مارستن يحبها حبًّا صادقًا ودائمًا. ولكنها سألت نفسها، ماذا لو وضع مارستن شروطًا؟ هل ستكون على استعدادٍ لأن يُسدى إليها معروف كبير دون أن تمنح شيئًا في المقابل؟ ماذا سيظن إذا ما أرسلت له برقيةً تخبره فيها بالحضور؟ كان الجواب بديهيًّا، وحين استفتَت قلبها، أقرَّت لنفسها للمرة الأولى بأن ردَّها سيختلف عن ردها في إيستبورن.
ولكن عندما توصلت إلى هذه الحقيقة، لم تتمكن من حمل نفسها على إرسال الرسالة. وتراجعت عن استخدام هذه الورقة الشديدة الخطورة؛ فإن لم تنجح الحيلة، فكيف ستواجه المذلة التي ستترتب عليها؟ كان ثمة شيء في نبرة صوت مارستن الواثقة، شيء في إصراره العنيد، شيء في نظرة عينَيه المقنعة، حذَّرها من أنه لن يخون الراية التي يقاتل من أجلها، حتى وإن كان ذلك من أجل إسعاد الفتاة التي يحب، وأخبرها شيءٌ ما في قلبها أنه سيقل في نظرها إذا فعل ذلك. ولكن إذا رفض، كانت واثقةً من أنها لن تستطيع التحدث معه مرة أخرى أبدًا. فبعدما يرفض طلبًا لها، لن تتمكن أبدًا من تلبية طلبٍ له، أو حتى الاستماع إليه. وتخيَّلت السعادة التي ستشعر بها عندما تراه يدافع عن قضيته مرةً أخرى، وتقرأ إجابته في عينَيه الشغوفتَين قبل أن تنطق بها شفتاه، ولكن إذا ما رفض توسُّلاتها له بأن يكفي والدها مذلة الهزيمة الوشيكة، فلن يكون بالإمكان أن تظل بينهما أي صداقة. عادت إدنا إلى المنزل أخيرًا حائرة الفكر ومترددةً فيما عليها أن تفعل، واستمعت إلى محاضرة عن إثم إضاعة المرء لوقته، وإن كانت لم تسمع أو تفهم إلا القليل من تلك الخطبة الرائعة.
مع اقتراب المساء، زاد قلق إدنا أكثر وأكثر، وانتظرت في نفاد صبر الساعة التي ستتحرَّك فيها إلى لندن. كانت شبه متوقعة أن تتلقى برقيةً من والدها، ولكنها أدركت أن الموقف لم يطرأ عليه أي تحسن عندما لم يصلها شيء منه. وبعد السادسة بقليل، دخلت العربة التي تستقلها إدنا فناء المصنع، وكان من الواضح أن البواب كان في انتظارها، وفتح لها البوابات وأغلقها بمجرد مرور عربتها. كان للطابع الصامت المهجور لهذا المكان الشاسع تأثيرٌ قابضٌ عليها أثناء صعودها الدرج المؤدي إلى مكتب والدها. كان والدها واقفًا أمام مكتبه عندما دخلت، وكان بمفرده تمامًا، وتلفَّت حوله في شرود عندما سمع باب المكتب يُفتح.
قال: «حسنًا يا ابنتي، لقد حضرت لتساعديني في حزم أغراضي، في نهاية المطاف.»
«إذا كان لزامًا أن تحزم أغراضك، فأنا على استعداد لمساعدتك يا أبي.»
«أخشى أن هذا هو كل ما تبقى فعله يا عزيزتي. ولكننا لن نُظهر أيًّا من أمارات الجبن، أليس كذلك؟ لقد كنت أخطِّط الآن لجولة صغيرة رائعة في أوروبا لي ولك لكي ننسى، ولو لوهلة، أن ثمة شيئًا قبيحًا في هذا العالم يدعى الإضراب. ستكونين أميرة، وسأكون أنا الملك العجوز المخلوع عن عرشه؛ فدائمًا ما يذهب هؤلاء إلى أوروبا بعد الهزيمة.»
فشلت محاولة سارتويل للمزاح فشلًا ذريعًا، وتجنب أن تتلاقى عيناه بعينَي ابنته متظاهرًا بترتيب بعض الأوراق. وأدركَت ابنته مدى قوة الضربة التي تلقَّاها، فاغرورقت عيناها بالدموع.
ثم سألته أخيرًا: «هل انتهى اجتماع مجلس الإدارة؟»
«لا. لا يزالون مجتمعين يُعدون شروط الاستسلام، أو ليس هكذا بالضبط؛ فلا توجد شروط للاستسلام. سيعطون العمال كل ما طلبوه، الأمر الذي كان من الأفضل بالطبع أن يفعلوه منذ شهر مضى، ويوفرون على أنفسهم كل هذا العناء. كنت أعرف إلامَ ستئول الأمور عندما يعرفون بأمر السفينة الواقفة في أستراليا بحمولتها كما هي. لم تتبقَّ لديهم ذرة عزيمة لمواصلة القتال، وكنت واثقًا من أن تلك الضربة التي تلقَّوها من هذا المكان البعيد ستؤثر على الخيال المحدود الذي يمتلكه أي منهم. إنها تبدو لهم ضربةً قاصمة، ولكنها بالطبع ليست كذلك على الإطلاق. إنها مجرد حدث درامي هامشي يجب ألَّا يؤثر على النتيجة النهائية. ولكن لا فائدة من محاولة تحدي القدر. إنهم منهمكون الآن في كتابة خطاب استسلامهم، كما لو أن صياغة إقرارك بالهزيمة والاستسلام ستُحدث فارقًا لدى مجموعة من السذج الجهلة السكيرين الذين لا … ولكن بمَ يجدي السب؟ كان أسبوع آخر من التذبذب والارتباك كفيلًا بأن يثبط همتي؛ وفي واقع الأمر، أعتقد أن هذا قد حدث بالفعل؛ فأنا غير شكاءٍ في العموم.»
«هل ستعود معي إلى المنزل يا أبي؟»
«لا يا عزيزتي. لم يكن يجدر بي أن أدعك تقطعين كل هذه المسافة إلى هنا لتسمعي ما يعلمه كلانا منذ الصباح. عودي إلى المنزل على الفور، فتاةً مطيعة، ولا تنتظري عودتي الليلة. فسوف أتأخر. على الرغم من تأنيبي لك على حضورك، فسأبقى حتى النهاية. سأُشرف على ترتيب جميع الأمور، وأرفع الراية البيضاء بنفسي. لن يكون من اللائق أن يحظى المرء بكل متعة القتال، ثم يُحجم عن الاستسلام بفعل الخوف. لم أحضر إلى هذه الغرفة إلا لأني أتوقع حضورك الساعة السادسة، ولأريح أعصابي قليلًا. سأعود إلى اجتماع مجلس الإدارة، وسأكتب خطاب الاستسلام بنفسي؛ فلن يستجمعوا ما يكفي من الشجاعة للقيام حتى بذلك إلا إذا كنت برفقتهم. سأغرق مع سفينتي يا ابنتي، وأتظاهر بأن الأمر يروق لي؛ لذا اذهبي يا إدنا، ولن يواصل الأمر إزعاجنا بحلول الأسبوع القادم … ربما.»
سرت في نفس إدنا رعشة خوف حين لاحظت أن والدها بقدر ما كان يبدو منهكًا في الليلة السابقة، فقد بدا الآن وللمرة الأولى رجلًا مسنًّا. فقد انحنت كتفاه العريضتان، وحتى ملابسه التي كانت على مقاسه تمامًا أصبحت فضفاضة. وكوميض كهربائي، أظهر لها التردد والنبرة الحزينة في صوته وهو ينطق بالكلمة الأخيرة، «ربما»، ما يدور في عقله والذي لم يخطر ببالها من قبل، أنه عندما يُبعَد فجأةً عن المهمة التي كان يعتبرها كل حياته، سوف تحطمه البطالة ويصبح مثل حطام سفينة عديم النفع على الصخور.
فصاحت إدنا: «أبي، لا تدعهم يرسلون ذلك الخطاب حتى الغد. إن يومًا زائدًا أو ناقصًا لن يحدث فارقًا، ولن يرسلوه إذا ما طلبت منهم ذلك.»
هزَّ سارتويل رأسه رافضًا.
وقال: «لا فائدة من التأجيل. لطالما كنت معتادًا أن أفعل ما يجب فعله سريعًا، ولم أعد في سن تسمح لي بتغيير عاداتي. إذا لم يكن أمامك سوى السير على حافة السفينة وتلقي نفسك في البحر، فلتفعل، وأنهِ الأمر.»
لم تحاول إدنا أن تضغط عليه أكثر من ذلك، فقبَّلته وقالت: «ليلة سعيدة.» وأوصلها والدها حتى العربة، وأخبر السائق بأن يوصلها إلى محطة ووترلو. ومع أول منعطف، فتحت إدنا الباب الخفي الصغير في سقف العربة.
وسألت السائق: «هل تعرف أين يوجد مقر المضربين؟»
«نعم يا آنسة. في قاعة الخلاص يا آنسة.»
«حسنًا، أوصلني إلى قاعة الخلاص بأسرع ما يمكن.»
وجَّه سائق عربة الأجرة حصانه نحو قاعة الخلاص، وسرعان ما كان يشق طريقه عبر حشود العمال الذين كانوا يتجمعون من كل حدب وصوب من أجل الاجتماع. توقف السائق بجوار الرصيف أمام القاعة. وترجَّلت إدنا من العربة وقد احمرَّ وجهها عندما رأت العمال ينظرون إليها بفضول. فخاطبت أحدهم قائلة:
«أين يمكنني أن أجد السيد مارستن؟»
«إنه في الغرفة عند مؤخرة القاعة يا آنسة. من هذا الطريق يا آنسة. سأوصلك حتى بابها.»
تبعت إدنا الرجل عبر الممر الطويل الضيق على جانب القاعة.
صاح جيبونز في دهشة وهو يخرج غليونه من فمه: «بالله عليكم يا رفاق، ماذا يعني ذلك؟»
ضحك بعض الرجال إلا أن الجدية كانت باديةً على قسمات وجه جيبونز، وأدركوا أن ما خفي كان أعظم.
صاح جيبونز عندما ظهر الرجل الذي قاد إدنا عبر الممر: «بمَن تريد أن تلتقي؟»
«طلبَت لقاء مارستن. إنها تجلس معه في الغرفة الآن.»
صاح جيبونز: «اسمعوني يا رفاق. بمَ كنت أخبركم؟ نحن نتعرض لخيانة، أنا واثق من ذلك. تلك الفتاة هي ابنة سارتويل، وأنا واثق من أنها آتية من مكتبه مباشرةً إلى هنا. أيها السائق، هل أوصلت هذه السيدة الشابة إلى هنا من المصنع؟»
أجابه السائق غير عابئ بنظرات التهديد البادية في أعين الحشد: «وما شأنك أنت؟ لست أنت من يدفع أجرتي.»
قال أحد العمال: «إنه آتٍ من المصنع، لقد رأيته.»
فصاح جيبونز في حسم: «دعونا ندخل ونعقد ذلك الاجتماع.»
نفوس متقلبة |
الفصل السابع والثلاثون
طرقت إدنا باب الغرفة القابعة عند مؤخرة قاعة الخلاص برفق، وسمعت صوت مارستن يصيح قائلًا: «ادخل.» تردَّدت للحظةٍ قبل أن تفتح الباب وتدخل. كان الشاب جالسًا بمفرده أمام الطاولة الخشبية وأمامه بعض الأوراق، وكان يكتب عليها بسرعةٍ باستخدام قلم رصاص. وكان يبدو مستغرقًا في عمله، وظل رأسه منكبًّا عليها وهو يقول باقتضاب:
«حسنًا، ما الأمر؟»
وقفت إدنا موليةً ظهرها إلى باب الغرفة؛ حاولت أن تتحدَّث ولكنها لم تستطع. كان قلبها يخفق بسرعة رهيبة حتى بدا وكأنه سيخنقها، وكانت شفتاها جافتين. كانت همهمة الأصوات الكثيرة القادمة من القاعة الرئيسية تخترق الفواصل الخشبية الرفيعة، بالإضافة إلى ضوضاء الأقدام الكثيرة المتزاحمة. استمر مارستن في الكتابة بسرعة، ثم رفع رأسه فجأةً بعصبية، وحدَّق في الظلمة المتزايدة في غير تصديق، ثم هب واقفًا.
صاح مارستن: «يا إلهي … إدنا!» وبدا على وشك التقدم نحوها، ولكنها رفعت يدها فتوقف بجوار الطاولة مرتكزًا ببراجم أصابعه عليها.
تحدَّثت إدنا هامسةً بصوت أجش وغريب للغاية، حتى بدا لها وكأنه صوت شخص آخر: «لقد أتيت … أتيت … لأتحدث إليك … عن الإضراب.»
«وماذا بعد؟»
«يجب أن يتوقف.»
«سيتوقف في خلال يوم أو اثنين. لقد هُزمت شركة مونكتون آند هوب.»
«بل تعني أن أبي قد هُزم. إن الأمر يقتله، يمكنني رؤية ذلك جليًّا، على الرغم من محاولته … إنه لا يعلم بمجيئي إلى هنا. لقد أتيت بواعزٍ من نفسي لأنك … إذا جعلت العمال يعودون لعملهم، أعدك بأنه سيُلبِّي كل المطالب التي تجاهدون من أجل الحصول عليها. كل ما أطلبه منك هو ألَّا تصعِّب الأمر عليه. ولن يهتم العمال ما داموا سيحصلون على مرادهم. هل ستفعل ذلك؟»
«هل تعنين أن أُنهي الإضراب وأتظاهر بأن العمال قد هُزموا؟»
«نعم. ستكون النتيجة واحدةً في النهاية.»
«أوه، لا يمكنني أن أفعل ذلك.»
«لماذا؟ لن يهتم العمال ما دامت مطالبهم ستُلبَّى. أما مع أبي فالأمر مختلف تمامًا. إنه ينهار. أعلم أني أطلب منك الكثير؛ فأنت تشعر بمثل ما يشعر به، ولديك رغبة شديدة في الانتصار والفوز مثله، ولكنه رجل مسن، وأنت لا تزال شابًّا. لا تزال الحياة أمامك. بمَ تهتم إذن إن انتصرت في هذا الإضراب أم لا؟ ثمة الكثير من الإضرابات أمامك لتفوز بها، ولكنه … ولكنه يحارب معركته الأخيرة.»
أصبح صوتها أكثر وضوحًا واستعادت نبرة صوتها الحقيقية، بينما تتوسل لأجل والدها. وحينئذٍ، بدأ شخص ما في المبنى الرئيسي في غناء أغنية مرحة ذات موسيقى راقصة كانت منتشرةً آنذاك كالوباء في شوارع لندن. وشارك كل مَن في المبنى في الغناء الجماعي الراقص، ضاربين الأرض بأقدامهم بالتزامن مع الإيقاع. ولم يبدُ أن أيًّا منهما قد سمع الأغنية، ولكنهما رفعا صوتيهما قليلًا ليسمع كلٌّ منهما الآخر.
قال مارستن: «لا يعنيني أي نصر شخصي … لا يعنيني على الإطلاق. ولو كان بإمكاني مبادلة الأماكن مع والدك وتقبُّل الهزيمة من أجله، فسأفعل عن طيب خاطر. ولكن العمال وثقوا بي …»
صاحت إدنا واللون القرمزي يطارد اللون الأبيض في وجنتَيها، وعيناها تلتمعان وصوتها يرتفع: «العمال! ماذا يهم العمال؟ استمع إليهم!» وأشارت بيدها إلى القاعة. «سيظلون يغنون ويصيحون هكذا حتى وإن كان أعز صديق لديهم يُحتضر. مَن فعل لرجاله أكثر ممَّا فعل والدي؟ لقد جازف بحياته من أجلهم أثناء الحريق، وهو على استعداد لتكرار ذلك مرةً أخرى. وهو مَن بنى المصنع الذي منحهم وظائفهم وجنَّبهم البطالة. وظل يملأ المصنع بالعمال متكبدًا الخسائر خلال الأوقات العصيبة، حتى لا يتضوَّر العمال جوعًا. كان كل عامل مطمئنًّا في وظيفته ما دام يستحقها، ولم يكن في لندن رب عمل أكثر كرهًا منه لطرد أي عامل.» وخفضت عينَيها عندما تذكرت فجأةً أن ثمة رجلًا واحدًا طرده والدها من عمله دون سبب، ومن دون أن ترفع عينَيها، توسلت مرةً أخرى قائلة: «لمَ لا يرضيك نصر حقيقي دون مسمًّى؟»
«لأن هذا النصر ليس فقط لهؤلاء العمال الذي يهلِّلون الآن بينما أقاتل. إن أعين إنجلترا بأكملها موجهة إلى هذا الإضراب. إن نصرًا مظفرًا على شركة ذات نفوذ قوي مثل «مونكتون آند هوب» سيعني نصرًا أسهل لكل عامل يكسب قوت يومه في هذا البلد اليوم، ولا يمكنه الحصول على حقه العادل من دون أن يُضرِب عن العمل. إنه نصر سيشدد عزم كل عامل، وسيكون بمنزلة تحذير لكل صاحب عمل.»
قاطع الغناء الجماعي في القاعة ثلاث ضربات قوية بالمطرقة على إحدى الطاولات. فانحسر صوت الغناء وسُمع صوت شخص ما يدعو لعقد الاجتماع.
رفعت إدنا عينَيها ببطء ونظرت نحو مارستن، وقد لمعت عيناها بتحدٍّ ممزوج بالخوف. ثم تحدثت بصوتٍ هامسٍ مضطرب.
«لعلك تذكر ما قلت لي في الحديقة في إيستبورن. إذا فعلت ما أطلبه منك، فسأفعل ما تريد عندما … عندما تطلبه مني.»
تقدَّم مارستن خطوةً إلى الأمام وكانت يده اليمنى ترتجف، وكان يضم قبضتها ويفردها في عصبية.
فصاحت إدنا: «لا، لا! ابقَ مكانك. أجبني، أجبني!»
همس مارستن: «أوه، إدنا. يعلم الله أني على استعدادٍ لفعل أي شيء لأفوز بك … أي شيء … نعم، أي شيء تطلبينه!»
فصاحت إدنا: «نعم أم لا؟ أجبني!»
«لا يمكنني أن أكون خائنًا للعمال!»
تصاعد صوت تهليل قادم من القاعة، كما لو كان استحسانًا لشعوره هذا. كان أحدهم يتحدَّث، وحتى في ظل التعاسة التي كان يشعر بها مارستن، تمكَّن من تمييز صوت جيبونز.
استدارَت إدنا دون أن تنطقَ بأي كلمةٍ أخرى وفتحت الباب. وتبعها مارستن إلى الخارج.
فقالت باكية: «ابقَ حيث أنت.»
«سأوصلك إلى المحطة.»
«لا، يجب ألَّا تقترب مني. آمل ألَّا أراك مرةً أخرى أبدًا.»
فكرَّر مارستن العبارة السابقة في عناد: «سأوصلك إلى المحطة.»
لم تُضِف الفتاة شيئًا، وأسرعت الخطى عبر الممر الضيق، والشاب في أثرها. ثم قفزت في العربة التي تنتظرها، وصاحت: «إلى محطة ووترلو، بسرعة!»
انطلقت عربة الأجرة مسرعةً تاركةً مارستن خلفها واقفًا على الرصيف حسير رأس. وظل واقفًا في مكانه بضع لحظات يحدق في الاتجاه الذي سلكته العربة، ثم استدار متنهدًا وسار ببطء عبر الممر المؤدي لغرفته. بدت له الغرفة عاريةً وخالية أكثر من أي وقت مضى، وأدرك بالكاد أنها كانت تقف في داخلها منذ لحظات معدودة. سمع، دون اكتراث، الضوضاء الآتية من القاعة وكأنها زمجرة خافتة لحيوان بري. ثم نظر إلى الأوراق الموضوعة على الطاولة، وقطَّب حاجبيه في محاولة منه لفهم ما بها. بدا الأمر وكأن دهرًا قد انقضى منذ كان جالسًا هناك يكتب، ولم يعد يسمع شيئًا الآن سوى كلمة «أجبني!» ترن في أذنيه. أفزعته طرقة أخرى على الباب فقفز نحوه وفتحه بلهفة على أمل أن تكون قد عادت. ولكنه وجد حارس بوابة شركة «مونكتون آند هوب» الطويل الأشيب بزيه الرسمي والوسام المتدلي من صدره، يقف على عتبة الباب، وقد أصابه الذهول على الأرجح من انفتاح الباب المفاجئ، ولكن لم تختلج عضلة واحدة في وجهه دليلًا على دهشته. ألقى الحارس التحية في جدية.
«خطاب من الشركة يا سيدي.»
«آه! تفضَّل بالدخول. هل يطلبون ردًّا؟»
أجابه الحارس الذي كان يقف مستقيمًا وثابتًا كما لو كان في عرض عسكري.
فتح مارستن الظرف وأعادته قراءة الخطاب إلى وعيه من جديد. كان خطابًا موجزًا يفيد بأن شركة «مونكتون آند هوب» قد وافقت على شروط العمال. وسيكون السيد سارتويل منتظرًا في مكتبه حتى العاشرة للقاء السيد مارستن، للترتيب لفتح المصنع في الصباح.
كتب مارستن ردًّا رسميًّا في عجالة، قال فيه إنه سيحضر إلى مكتب السيد سارتويل خلال نصف ساعة. أعطى مارستن هذه الرسالة إلى الحارس، الذي حيَّاه مرةً أخرى وانصرف، وفتح مارستن الباب المؤدي إلى المنصة، والخطاب لا يزال في يده، وخرج منه أمام جميع الحاضرين في الاجتماع. قوبل ظهوره بصيحات استهجان، وصياح حشد غاضب لو سمعه المرء مرةً واحدة، فلن يأمل في سماعه مرةً أخرى أبدًا.
صاح جيبونز، الذي كان واضحًا أن ظهور مارستن قد قاطع الخطاب الذي يلقيه: «ها هو ذا. ها هو ذا، ولينكر إذا تمكن من ذلك!»
صاح مارستن: «أُنكر ماذا؟»
«تُنكر أنك كنت على اتصال بالعدو! تُنكر أن ابنة سارتويل قد غادرت مكتبك الآن!»
«هذا أمر لا شأن لكم به، ولا شأن له بالإضراب. إنجلترا بلد حر، ومن حق المرء أن يتحدَّث إلى أي أحد يشاء.»
فصاح جيبونز بأعلى صوته قائلًا: «لا يمكنه إنكار ذلك! فثمة الكثير من الشهود هذه المرة. إنها لم تكن تعلم أن ثمة اجتماعًا سيُعقد. أين ذلك الرجل الذي صاح من مؤخرة القاعة قائلًا إني أكذب؟ قلت لكم إني سأُثبت لكم الأمر بواسطة مارستن نفسه.»
صاح مارستن ملوحًا بالخطاب المُرسل من الشركة الذي يحمله في يده، لجذب انتباه الحضور: «دعوني أقرأ عليكم هذا الخطاب.» رأى مارستن أن الحشد في تلك الحالة الخطرة من الإثارة التي لا تتطلَّب إلا كلمة واحدة غير محسوبة ليندلع شغب. بدا جليًّا أن أصدقاء مارستن قد شعروا بالخجل عند دخوله، فانزوَوا في مؤخرة القاعة في صمت وحرج. أمَّا جماعة جيبونز فاحتشدوا في مقدمة القاعة ملوِّحين بأيديهم في وحشية، ويصيحون مهدِّدين ومتوعدين. وكانوا يصيحون به بصوتٍ عالٍ لكي ينزل من على المنصة. كما رأى أن اللجنة القديمة وآخرين من أتباع جيبونز كانوا يقفون على المنصة من خلفه، ووقف الكثير منهم وأعينهم مصوَّبة نحو جيبونز، وذكَّره الموقف بما حدث عندما رُكل برونت من على المنصة وأُلقي خارج القاعة.
فكرَّر ما قاله سابقًا: «دعوني أقرأ عليكم هذا الخطاب.»
قال جيبونز: «ليس الآن، ليس الآن. ستحصل على فرصتك فيما بعد. فالكلمة معي الآن.»
قال مارستن متمسكًا بموقفه: «أنا أمين النقابة، وأطلب منكم سماعي. وبعد ذلك يمكنكم أن تفعلوا ما يحلو لكم.»
في هذه اللحظة، نهض رئيس اللجنة وصاح بصوتٍ عالٍ قائلًا:
«النظام، التزموا النظام! السيد جيبونز معه الكلمة. وأُضيف لمعلومات السيد مارستن، بما أنه اختار التغيب عن الاجتماع رغم علمه بانعقاده، فقد انتُخب السيد جيبونز أمينًا للنقابة بالإجماع، وأطلب من السيد مارستن أن يغادر المنصة حتى يُستدعى للحديث.»
صاح مارستن محاولًا أن يرفع صوته فوق الجلبة التي يُحدثها الحضور: «معي خطاب من الشركة!»
انطلقت صيحات استهجان صاخبة في صوتٍ واحدٍ: «أطع الرئيس، أطع الرئيس!» «انزل!» ثم هم أحد الرجال الواقفين خلف مارستن بدفعه وهو يصيح: «أطع الرئيس!» وكانت هذه هي الإشارة لهجوم شامل، وحين أمسك مارستن بتلابيب مهاجمِه، سقطا معًا على أرضية القاعة. وفي الحال تحوَّل الجمع إلى حشد خارج عن السيطرة، وظل جيبونز يصيح بأعلى صوته: «لا عنف أيها الرجال!» وظل يلوِّح بذراعيه إلى الحشد الهائج الغاضب بلا طائل. فقد كانت مناشداته بلا جدوى مثل أوامر كانوت للبحر. طرق رئيس اللجنة بمطرقته على الطاولة دون أن يسمعه أحد. وبعد قليل حرَّر مارستن نفسه من بين أيدي الحشد ووقف على قدميه. وارتفعت يده اليمنى، التي كانت لا تزال قابضةً على الخطاب المهترئ، فوق رءوس المتعاركين للحظة، ثم اختفت فجأة، وفي النهاية هوى مارستن تحت أقدام القطيع الهائج.
اقتحم رجال الشرطة القاعة بسرعة وفاعلية. ففتح الباب الجانبي وسُحب مارستن عبره إلى الخارج، ومعه العديد من مثيري الشغب المتشاجرين الممزَّقي الملابس الذين ينزفون الدماء، والذين قُبض عليهم باسم القانون. وبالتدريج أصبح صوت الطرق على الطاولة مسموعًا، وكذلك صوت جيبونز الأجش كان في هذه اللحظة قد بُح من الدعوة إلى السلام دون جدوى.
بدأ جيبونز حديثه قائلًا: «يُؤسفني أن يقع اضطراب هنا الليلة ولو شكلًا من أشكاله. سيُستغل هذا الحدث ضدنا من قبل أعدائنا، ولكن كما تعلمون جميعكم، حدث كل هذا بسبب عدم إطاعة رئيس اللجنة. لا أريد أن أقول شيئًا يسيء إلى رجل ليس متواجدًا بيننا، وأنا واثق من أننا جميعًا نأمل في أنه لم يصب بأذًى (هتافات)، ولكن لو كان أمين نقابتنا السابق تقبَّل إرادة المجتمعين، وامتنع عن مد يده على الرجل الذي لم يفعل له شيئًا سوى مطالبته بأن يطيع رئيس اللجنة، لما وقع هذا الحدث المؤسف. بعد الإضراب السابق، عندما فقدتم ثقتكم بي، انصعت لإرادة الأغلبية دون نقاش، وكما تعلمون جميعًا، لقد بذلت أقصى ما في وسعي منذ ذلك الحين لأساعد خليفتي، والآن بعدما دُعيت مرةً أخرى لشغل هذا المنصب، على غير رغبة مني في نيله، لا يسعني إلا الامتثال للأمر الموجه إليَّ. أعتقد أنكم ستسعدون بإنهاء هذا الإضراب الآن. فعلى الرغم من أني لم أقل ذلك من قبل، فقد كنت دائمًا أعتبر الإضراب الحالي غير ضروري ومجحفًا. لقد رفعت الشركة، منذ فترة وجيزة، أجورنا طواعية؛ ولهذا السبب لم يحظَ هذا النزاع بتعاطف الرأي العام على الإطلاق، الذي من دونه لا يمكن الفوز بأي نزاع كبير. لا أجرؤ حاليًّا على تقديم أي اقتراحات، ولكن إذا كان لدى أيٍّ منكم اقتراح، فسأفسح له المجال لتقديمه.»
كان جيبونز يُحب نبرة صوته، وبدا أنه يُسعد أغلب الحضور؛ إذ هلَّلوا بصوتٍ عالٍ لكل ما أبداه من مشاعر نبيلة.
نهض أحد العمال واقفًا فجأة، وقال إنه كان واضحًا للغاية مؤخرًا أن مارستن قد خاض هذا الإضراب ليعزِّز تقدُّمه الشخصي، مستغلًّا العمال، الذين وثقوا به، كأدواتٍ لتحقيق غايته. لم يكن جيبونز قد تحدث عن هذه النقطة، ولكن كان الجميع ينتابهم شعور بالضيق والألم إزاء هذا الأمر، وعلى الرغم من إعجابه بطيبة قلب جيبونز لرفضه الإساءة لخصم مهزوم، فلا بد أن تُثار المسألة. واقترح تكليف جيبونز بلقاء سارتويل في أقرب وقتٍ ممكن وأن يرتِّب معه شروط العودة إلى العمل، والحصول، إن أمكن، على وعدٍ بطرد «مفسدي الإضراب» من العمل. فسيكون ثمة شعورٌ عامٌّ بالرضا إذا ما أمكن الحصول على هذا الوعد.
طُرح هذا الاقتراح للتصويت وتمَّت الموافقة عليه بالإجماع. نهض جيبونز واقفًا مرةً أخرى.
وقال: «عاد رسول أرسلته منذ بضع لحظاتٍ يقول إن سارتويل لا يزال في مكتبه. إنه يسهر في مكتبه حتى وقتٍ متأخرٍ منذ فترة؛ لذا خطر لي أنه ربما يكون في مكتبه الآن. سأذهب إليه على الفور وأتباحث الأمر معه، وسأعود في أقرب وقتٍ ممكنٍ وأُخبركم بنتيجة الاجتماع. وفي الأثناء، يمكنكم أن تتعاملوا مع أي أمورٍ أخرى قد تُعرض في الاجتماع.»
كان سارتويل جالسًا بمفرده في مكتبه يترقَّب حضور مارستن، وفوجئ بطبيعة الحال عندما دخل جيبونز بدلًا منه، ولكنه حيَّا الوافد الجديد من دون أن يُظهر له أنه لم يكن يتوقَّع زيارته.
دخل جيبونز في صلب الموضوع مباشرة، وبدأ حديثه قائلًا: «سيد سارتويل، لقد عُدت لشغل منصب أمين النقابة. إذا ما أنهيت الإضراب، فهل تعيِّنني مساعدًا لمدير المصنع؟»
ضيَّق سارتويل عينَيه، وظل ينظر باهتمامٍ إلى زائره عبر الفتحتَين الضيقتَين للحظاتٍ دون أن يجيب.
فتململ جيبونز في قلق.
ثم أضاف أمين النقابة الجديد وهو يضحك في انزعاج: «جميعنا نلعب لمصلحتنا الخاصة كما تعلم، وأعلم أنه عند التعامل معك من الأفضل أن يُفصح المرء عمَّا يعنيه مباشرة.»
قال سارتويل ببطء: «جميعنا نلعب لمصلحتنا الخاصة … نعم. هل يمكنك إنهاء الإضراب؟»
«أعتقد ذلك.»
«تعتقد ذلك فحسب. حسنًا يا سيد جيبونز، عُد عندما تكون واثقًا، وحينها سأتحدث إليك.»
«أنا واثق، إذا كان ذلك ضروريًّا.»
«آه، هذا أمر مختلف. هل اتُّخذ قرار إذن بإنهاء الإضراب بعدما نصَّبك الاجتماع أمينًا للنقابة؟»
«ليس هذا ما حدث تحديدًا يا سيد سارتويل. لقد كلفوني بالتفاوض معك. والآن، إذا وعدتني بالحصول على منصب مساعد المدير، فسأُعيد العمال إلى المصنع غدًا.»
«كان الإضراب سينتهي قريبًا دون قطع أي وعود على نفسي. لقد أرسلت خطابًا إلى السيد مارستن الليلة بهذا الشأن. هل تعني أنه لم يقرأ الخطاب على الاجتماع؟»
«لم يفعل. حاول أن يقرأه، ولكن العمال ضاقوا ذرعًا بمارستن، ورفضوا الاستماع له.»
«حسنًا إذن. هل سيكون عليَّ أن أتعامل معك أنت فقط؟ هل خرج مارستن من الموضوع؟»
«هذا هو الوضع الآن.»
«حسنًا، معذرة، لا يمكنني أن أعرض عليك منصب مساعد المدير، ولكني آمل بالطبع أن ينتهي الإضراب في أسرع وقت ممكن.»
«قال مارستن إنك عرضته عليه؛ هل هذا صحيح؟»
«أعتقد أن مارستن لا يقول سوى الحقيقة عمومًا. لنتوقف عن المناورة يا جيبونز. إما أن العمال قرَّروا الليلة العودة إلى العمل، وإما أنهم لم يقرِّروا ذلك. إذا كانوا سيعودون إلى العمل، فسيعودون سواء اتفقت معك أم لا. وإذا لم يقرِّروا ذلك، فلا أفهم كيف يمكنك أن تقول شيئًا أكثر من أنك ستبذل قصارى جهدك لتعيدهم. والآن، كل ما سأعدك به هو الآتي: إذا ما أعدت العمال إلى المصنع غدًا، فسأحرص على تحسين أوضاعك في المصنع.»
«هذه قسوة منك يا سيد سارتويل. لقد تسبَّب مارستن في الإضراب، وعرضتَ عليه منصب مساعد المدير. وأنا سأُنهي الإضراب، دون أن أظفر منك بوعودٍ محددة.»
«لقد عرضت المنصب على مارستن قبل أن يبدأ الإضراب. وما إن بدأت المعركة، حتى أصبح من الواجب القتال إلى النهاية. وها قد حانَت النهاية، وأعتقد أنه من الأفضل أن تقبل الشروط الوحيدة التي يمكنني تقديمها لك. ألَا تدرك أنني لو كنت رجلًا لا يحترم كلمته، لأمكنني بسهولة أن أعدك بأي شيء، ثم أطردك من العمل في غضون شهر؟»
«حسنًا، سأثق في كرمك يا سيد سارتويل. والآن، بمَ ستعد العمال؟»
«بمَ يطالبون؟»
«يريدون منك أن تطرد كل مفسدي الإضراب الذين عيَّنتهم.»
«أخشى أني لا يمكنني أن أعد بذلك أيضًا يا جيبونز. ولكني سأُسرح كل من يرغب في ذلك ويمكنه أن يعثر على وظيفة أخرى، ولكن لن يعاني رجالك بسبب الموظفين الجدد. فلديَّ من العمل ما يكفي الجميع، وسيكون ثمة الكثير من العمل لتعويض ما ضاع من وقت.»
«أنت في الواقع لا تعرض علينا أي شيء يا سيد سارتويل.»
«أوه، على العكس؛ فأنا أقدِّم تنازلات أكبر ممَّا تتخيل. لقد قلتُ في نوبة غضب، عندما أضرب العمال، إنني لن أسمح لعامل منتمٍ إلى النقابة بأن يضع قدمًا في أرض المصنع أبدًا؛ ولكن بما أنهم اختاروا الآن أمينًا معتدلًا وعاقلًا، فأنا على استعداد لقَبول عودتهم، بل والسماح لهم بالبقاء أعضاءً في النقابة. ألَا يُعد ذلك تنازلًا؟ أعتقد أنني بلغت أعلى درجات السعي للتصالح في ظل الظروف الراهنة.»
«لا يزال الاجتماع منعقدًا يا سيد سارتويل. هل تمانع في أن تأتي معي لتُخبر العمال بأنك ستضمن وظيفةً لكل واحد منهم، وأنك لن تتدخَّل فيما يتعلق بعضويتهم في النقابة العمالية؟»
«لا أمانع الذهاب معك، ولكن ربما يمكنك تحقيق أقصى استفادة من التنازلات أكثر مني؛ فأنت أكثر فصاحةً وتجيد الارتجال. لن أفعل شيئًا سوى تأييد ما تقول، وإخبار العمال بأن أبواب المصنع ستكون مفتوحةً أمامهم غدًا. خلال ذلك، انتظرني عند البوابة. فلديَّ بضعة أوامر يجب أن أُصدرها لحارس البوابة.»
حضر الرجل في حلته الرسمية تلبيةً لاستدعاء سارتويل له، ووقف في مكانه كالصنم ليتلقَّى الأوامر. أغلق مدير المصنع الباب.
وقال بصوت خفيض: «أخشى أنك لن تحظى بما يكفي من النوم الليلة أيها الحارس، ولكننا سنعوضك عن ذلك بطريقة أخرى، وعندما يعود العمال إلى المصنع غدًا، يمكنك أن تنام الأسبوع القادم بأكمله إذا أردت. بمجرد أن نخرج أنا وجيبونز وتغلق المكتب، أريدك أن تبحث عن مارستن. ستجده في غرفته على الأرجح. لا أعلم أين يسكن، ولكن سيكون عليك أن تعرف طريق مسكنه في هدوء تام، هل تفهم. واطلب منه على لساني أن يعيدَ لك الخطاب الذي حملتَه إليه هذا المساء. وإذا رفض، فاطلب منه ألَّا يُطلع عليه أحدًا حتى يلتقيني في الصباح.»
ضمَّ الحارس كعبَيه معًا بقوة، وانطلق من فوره في رحلة بحثه عن مارستن ولكن دون طائل؛ إذ حُمل مارستن فاقدًا للوعي في سيارة إسعافٍ إلى مستشفى القديسين الشهداء، ولا تزال قبضته مضمومةً بقوةٍ على ما تبقَّى من الخطاب.
نفوس متقلبة |
الفصل الثامن والثلاثون
اتجه سارتويل إلى ويمبلدون مرةً أخرى على متن القطار الأخير، ولكنه سار، رغم إرهاقه، إلى منزله من المحطة بخطًى نشيطة كما لو كان شابًّا. سمعت إدنا، التي جلست تنتظر والدها على الرغم من نهيه لها عن ذلك، صوت خطواته وقد سرت في جسدها رعشة أمل. عندما دخل والدها إلى المنزل، كان على وجهه ابتسامة لم ترَها منذ أسابيع.
صاح قائلًا: «آه، ابنتي، لا يمكنك أن تخمني ما حدث أبدًا!»
فأجابته: «بل يمكنني ذلك؛ لقد أنهى مارستنُ الإضراب.»
«لا، بل أنهى الإضرابُ مارستن. لقد عُزل من منصبه، وانتُخب جيبونز مكانه. وعلى الفور حضر جيبونز، ذلك الرجل الإيثاري، ليتوصَّل إلى اتفاق معي يصب في مصلحته. ومن ثم، سيُفتح المصنع غدًا، وعندما يحل الإضراب القادم، لن أكون موجودًا لأراه، دعينا نأمل ذلك، حتى لا أتجنَّب ما حدث لجون جيلبين.»
«وما رأي السيد مارستن في هذا التغيير المفاجئ؟»
«لم ألتقهِ. أعتقد أنه ذهب إلى غرفته ليتأمل في طبيعة العمال ومدى تقلبها.»
«أنا سعيدة أنك لم ترسل هذا الخطاب.»
«آه، ولكن الشيء المضحك أني أرسلته بالفعل. وربما كان حارسي يطوف أنحاء لندن في هذه اللحظة بحثًا عن مارستن ليستعيده. وسوف تنقلب الأوضاع تمامًا إذا ما نشر مارستن الخطاب بدافع الانتقام. لا أعتقد أنه سيفعلها، ولكن لا أحد يعلم. أعترف بأنني كنت سأجد إغراءً قويًّا في ذلك لو كنت مكانه، ولكني آمل الأفضل، وكلَّفت الحارس بأن يُخبره بألَّا يفعل أي شيء حتى يلتقيني.»
«أما زلت تنوي أن تعرض عليه وظيفةً في المصنع؟»
«ربما. إذا طردت التجربة التي مر بها كل ذلك الهراء الخيالي عن نهضة العمال من رأسه، فسيكون رجلًا ذا قيمة كبيرة لأي شركة يعمل بها. وعندما أتحدَّث إليه سأكتشف حقيقة الموقف.»
«إذن، أنت لا تُكن ضده أي ضغينة يا أبي، أليس كذلك؟»
«بلى على الإطلاق. على العكس. أنا معجب أشد الإعجاب بالطريقة التي أدار بها النزاع.»
«أنت لن تستقيل، أليس كذلك؟»
ضحك سارتويل.
«أعتقد ذلك. سيكون ثمة الكثير من العمل، وأرغب في أن أكون في قلب الأحداث. لا، إن رحلتنا إلى أوروبا مؤجلة يا إدنا. يا إلهي، لقد كنت جالسةً بمفردك تبكين يا ابنتي! لا، لا، يا إدنا، هذا لا يليق! حسبتك أشجع مني، ولا أعني بذلك الأيام الأخيرة التي لم أمتلك أي شجاعة خلالها. اذهبي إلى الفراش يا فتاتي، ونامي جيدًا. أريد أن أغادر مبكرًا في الصباح؛ ومن ثم ستحظَين بشرف أن تكوني مرافقتي الوحيدة على الفطور.» وأضاف وهو يقبِّلها: «ليلة سعيدة يا عزيزتي، وليكن الحظ حليفنا في جميع معاركنا القادمة!»
كانت إدنا أول من استيقظ في الصباح، وبدَّد نوم الليل، على الرغم من قصره، كل أثر لانفعال الليلة السابقة. يملك الشباب قدرةً رائعة على التعافي، وأثبت سارتويل، وهو يهبط الدرج متعبًا بعد قليل، أن النوم لم يغمره في ينبوعه. حتى المنتصر لا بد أن يدفع ضريبةً لانتصاره. فقد بدا عليه التعب وهو يهم باتخاذ مقعده على طاولة الفطور وفتح جريدة الصباح. فقد طوَّرت لديه سنوات من الحياة الزوجية التي غاب عنها الود والوفاق تلك العادة السيئة، وهي قراءة الصحف أثناء رَشْف القهوة، وحتى جلوس ابنته أمامه لم يتمكَّن من تحريره من تلك الرذيلة، ولكن كان لديه من الكياسة ما كان يجعله يعتذر عن ذلك، الأمر الذي كان ينساه في بعض الأحيان عندما تصب له زوجته القهوة.
قال سارتويل: «أريد فقط أن أرى إذا كانت الصحف قد ذكرت أي شيء عن إنهاء الإضراب يا عزيزتي.»
فابتسمت إدنا وطلبت منه أن يقرأ ما تقوله الصحيفة. بعد لحظات، جفلت بسبب صيحة أطلقها.
فقد صاح قائلًا: «يا إلهي! لم أكن أعلم ذلك! يبدو أن ثمة شغبًا قد وقع خلال الاجتماع، وأُلقي القبض على خمسة رجال، وأُودع اثنان منهم المستشفى … مارستن … يا إلهي! لقد دهسته الأقدام، ولم يَستعِد وعيه على الإطلاق، وحياته في خطر! إدنا، هذا خطب جلل!»
لم يتلقَّ منها ردًّا، فرفع سارتويل رأسه ورأى إدنا واقفةً وقد شحب وجهها، وفغر فمها، وتترنح قليلًا من جانب إلى آخر.
فهبَّ واقفًا وأسندها بذراعه.
وصاح قائلًا: «ابنتي، ابنتي الصغيرة! ما الأمر؟ ماذا ألمَّ بك؟»
سقط رأسها على صدره، وقالت بصوتٍ هامس متهدِّج قاطعته عبرات البكاء:
«إنه كل شيء بالنسبة إليَّ يا أبي، كل شيء!»
فربت بحنان على كتفها.
وقال: «هل الأمر هكذا يا حبيبتي، هل الأمر هكذا؟ في وقتٍ ما كنت أخشى أن الأمر هكذا، ولكني ظننت أنكِ نسيته. اهدئي، لا تبكي؛ أنا واثقٌ من أن كل شيءٍ سيكون على خير ما يرام. إن الصحف عادةً ما تهوِّل هذه الأمور. هيا، لنتناول فطورنا، وسنذهب إلى المستشفى معًا.»
كانت إدنا قد فقدت شهيتها للفطور، ولكنها تظاهرت بأنها تأكل ثم هُرعت لتستعد لمرافقة والدها. كان الوقت مبكرًا للغاية حتى إنهما اضطُرا لأخذ مقصورة خاصة لهما في الدرجة الأولى؛ إذ لم تكن رحلات السفر المتجهة إلى المدينة قد بدأت بعد.
ظلت إدنا صامتة، ولم يُقَل شيء طوال المسافة ما بين المنزل والمحطة. وعندما ركبا القطار، تحدث والدها ببعض التردُّد.
وقال: «إدنا، هل قابلت مارستن منذ وجدتكما معًا في الحديقة؟»
«نعم يا أبي، مرتَين.»
«لا أريدك أن تجيبي على أسئلتي يا عزيزتي إلا إذا كنت ترغبين في ذلك. متى قابلتِه؟»
«سأخبرك بكل ما حدث؛ فقد كنت أنوي أن أُخبرك في أي وقت … إذا ما سألتني. ولم أتحدَّث إليك عنه لأنني … لم يرُق لي ذلك.»
«بالطبع يا صغيرتي. أفهم ذلك. لا داعي للكلام الآن، إذا كنت لا ترغبين في ذلك.»
«أريدك أن تعرف. كانت المرة الأولى في إيستبورن، بعد ذهابي إلى هناك بقليل. كان قد تمكَّن من الدخول دون أن يراه أحد إلى حديقة المدرسة، وأخبرني بأننا … قال لي إنه يأمل … أن نتزوج ذات يوم. أخبرته بأن هذا مستحيل. كنت أعتقد ذلك … حينئذ.»
«هل كان ذلك منذ عامَين؟»
«نعم.»
ارتسم شبح ابتسامة على شفتَي سارتويل الحازمتَين، إلا أن ركنَي فم إدنا تدليا على نحو مثير للشفقة، وبدت على وشك البكاء. وأبقت عينَيها مثبتتَين على أرضية العربة.
فقال سارتويل: «لا فائدة تُرجى من تحذيرات أبٍ غاضب، أليس كذلك يا إدنا؟»
«لم أكن أعلم أنك كنت تعارض لقائي به حتى أخبرني هو بذلك. لو كنت أخبرتني برغبتك تلك، لَما تحدَّثت إليه في إيستبورن.»
«ما كنت لتفعلي بالطبع يا عزيزتي. لا تظني أني أُلقي عليكِ أي لومٍ على الإطلاق. كنت أفكِّر فقط في أني لست بالفطنة التي كنت أظنها. وماذا عن المرة الثانية يا إدنا؟»
«كانت ليلة أمس. ركبت العربة إلى قاعة الخلاص وطلبت منه أن يُنهي الإضراب. أخبرته بأن …»
بدأت إدنا تبكي من جديد. فنهض والدها الذي كان يجلس قبالتها، وجلس إلى جوارها، وأحاطها بذراعه.
وقال: «لا تتفوَّهي بكلمة أخرى يا عزيزتي، ولا تفكِّري في الأمر. لن أطرح عليك أي أسئلة أخرى. يجب ألَّا تجعلي الناس يعتقدون أنك كنت تبكين. فسيتخيلون أني أوبِّخك؛ ومن ثم ستدمرين السمعة التي استحققتها عن جدارة كوني أرق رجل في لندن.»
ابتسمت الفتاة وسط عبراتها، ولم يقولا أي شيء حتى وصلا إلى بوابة المستشفى.
سأل سارتويل الطبيب الذي استقبله: «كيف حال مارستن الذي أُحضر إلى هنا ليلة أمس؟»
«أوه، إنه في تحسُّن، في ظل الظروف الراهنة.»
«تقول الصحف إن حالته خطرة.»
«لا أتوقَّع وجود أي خطر، إلا إذا كانت ثمة جراح داخلية لا نعلم عنها شيئًا. لقد كُسر بعضٌ من ضلوعه، وتلقَّى ضربةً قويةً على مؤخرة رأسه. إنه يبدو ضعيفًا ومكتئبًا هذا الصباح، ولكنه واعٍ. كنت قلقًا إلى حدٍّ ما بشأن ذلك؛ فقد ظل فاقد الوعي مدةً طويلة.»
قال سارتويل مخاطبًا ابنته التي وقفت فاغرةً فاها، تستمع باهتمام لِمَا يقوله الطبيب: «أرأيتِ؟ لقد أخبرتكِ أن الصحف تعرض الأمور بصورةٍ أسوأ مما هي عليه بالفعل. هل يمكننا رؤية السيد مارستن؟»
«نعم، ولكن لا ينصح بأن تجعلاه يتحدث كثيرًا.»
«سنكون حذرَين للغاية. أعتقد أنه سيسعد كثيرًا برؤيتنا، ولكن يجدر بك أن تسأله عما إذا كان يفضِّل أن نحضر في وقت آخر. اسمي سارتويل.»
عاد الطبيب ليقول إن مارستن سيسعد برؤيتهما. ووجداه موضوعًا في تجويف محجوب بالستائر عن بقية الجناح، مثل التجاويف الأخرى. لم يكن وجهه مشوهًا، ولكنه كان شاحبًا للغاية. ألقى نظرةً سريعةً صوب إدنا التي توارَت خلف والدها، ثم ثبَّت ناظرَيه على مديره السابق.
قال سارتويل في مرح: «حسنًا يا بني، يؤسفني أن أراك راقدًا، ولكني سعيد لأني عرفت من الطبيب أنك ستستعيد عافيتك في غضون بضعة أيام.»
«هل عاد … هل … عاد العمال إلى المصنع؟» طرح مارستن هذا السؤال بصوتٍ خافت وواهن.
«لا عليك من العمال. أنا أتولى أمرهم. نعم، لقد عادوا إلى المصنع.»
حاول مارستن بوهن أن يرفع يده، ولكنها سقطت إلى جواره مرةً أخرى.
وهمس قائلًا: «الخطاب، ما تبقى منه … تحت الوسادة على ما أظن.»
وضع سارتويل يده تحت الوسادة وسحب الوثيقة الممزقة.
وقال: «هل تنوي إعطائي إياه؟»
أومأ مارستن برأسه إيماءةً واهنة دلالة على الموافقة، فوضع سارتويل الخطاب في جيبه وقد بدا عليه بعض الارتياح.
وقال: «والآن، يا بني، لا بد أن تُشفى سريعًا. ستكون ثمة أوقات عصيبة في المصنع، وسأكون بحاجة لأفضل مساعدة يمكن أن أتلقَّاها. أنا أعتمد عليك لتكون مساعدي، كما تعلم.»
اختلج جفنا الشاب للحظة قبل أن ينغلقا على عينَيه. وتسلَّلت دمعتان من ركنَي عينَيه وانزلقتا على وجنتيه. وارتفع حلقه وانخفض.
وهمس أخيرًا قائلًا: «أنا محطم للغاية. أشعر بأني لست أنا، ولكني أشكرك.»
«لا بأس يا بني. سأتركك مع شابة يمكنها أن تتحدث إليك مثل ممرضة أكثر مما أفعل أنا. لا بد أن أذهب لأرتب لحصولك على غرفة خاصة، وعلى كل وسائل الراحة أثناء إقامتك هنا.»
أمسكت إدنا يد مارستن عندما غادر والدها الغرفة. فرفع بصره نحوها، حيث كانت تقف بجواره.
وقال بابتسامة خفيفة مرتعشة: «لقد بلغتُ ما أتمناه — في النهاية — أليس كذلك؟»
فأجابته إدنا بأن انحنت فوقه وطبعت على شفتَيه قبلةً رقيقة.
نفوس متقلبة |
الفصل الخامس
بعدما انصرفت السيدة هوب، جلس بارني على أريكة فخمة في مرسمه وهو يفرك ذقنه في تأمل.
وقال لنفسه: «لا بد أن أحصل على هذا الشيك في أسرع وقت ممكن. لا طائل من تأجيل الأمور المهمة، كما أن التأجيل قد يضر بالمخطط الذي تحيكه أمي في رأسها. خيرًا فعل أبي أن طلب مني ألَّا أخبر أمي بأمر الشيكات التي يعطيها لي. وما بين الاثنَين، يمكنك أن تدبِّر أمور معيشتك يا صديقي بارني. حسنًا، إلى ويمبلدون إذن!»
هندم الشاب نفسه ببعض العناية، وركب عربةً ذات حصان، وقادته إلى محطة ميدان سلون، حيث جاء قطار في موعده بالضبط أقله إلى ويمبلدون.
لو كان بارني رجلًا عميق الفكر، أو لديه خبرة بعادات وطرائق العمال، أو كان قادرًا على الاستنباط، لتوصل إلى حقيقة أن فرصة عثوره على السيد سارتويل في منزله في هذا الوقت من اليوم؛ معدومة. ولكن لا يجدر بنا أن نفترض أن بارني شخص منعدم الفكر؛ فعندما أخبرته الخادمة بأن السيد سارتويل لا يكون متواجدًا في المنزل أبدًا إلا في المساء أو الصباح الباكر، اتهم بارني نفسه في الحال بالرعونة لأنه اضطُر لقطع الطريق من تشيلسي إلى ويمبلدون ليكتشف حقيقةً بديهيةً للغاية كتلك. ومن ثم اعترف لنفسه بأنه كان قادرًا على التفكير في الأمر قبل أن يتصرف، لو أن عقله لم يُغش بالتفكير في الشيك المنتظر.
لم يكن بارني ممَّن يستوعبون التفاصيل المفاجئة بسرعة، فظل واقفًا على عتبة الباب لا يعرف ماذا عليه أن يفعل بعد ذلك، في حين ظلت الخادمة تراقبه بنظرات شكٍّ واضحة، متسائلةً عمَّا إذا كان قد أتى لبيع شيءٍ ما، أو فقط ليطلب تحصيل قيمة اشتراكٍ ما، إلا أن حقيقة أن هناك عربةً تنتظره أمام بوابة حديقة المنزل طمأنتها من ناحيته قليلًا؛ لذا قطعت الصمت قائلة:
«هل تريد أن تترك له أي رسالة يا سيدي؟»
تجاهل بارني هذا السؤال، الأمر الذي جعله يعلو في نظر الخادمة، وغامرت بأن تُكوِّن في نفسها رأيًا دقيقًا تمامًا عنه:
«أعتقد أنه لن يعود للمنزل قبل بضع ساعات، أليس كذلك؟»
«بلى يا سيدي.»
فكَّر بارني لبرهة، وفجأةً اتخذ قرارًا يدل على فطنته وحسن تقديره.
قال بارني: «لن أنتظر إذن.»
سألته الخادمة: «ما الاسم الذي عليَّ أن أخبره به يا سيدي؟»
«لا عليك، لا يهم. سأعود مرةً أخرى، ولكن ها هي بطاقتي. أنا ابن السيد هوب، أحد مالكَي الورش.»
أخذَت الخادمة البطاقة، وظهرت السيدة سارتويل في الردهة، كما لو كانت تتنصَّت على كلمات الزائر، الأمر الذي كان لديها كل الحق لفعله بالطبع؛ فالمرء عمومًا يرغب في معرفة من يطرق باب منزله.
سألت السيدة سارتويل: «هل سمعتك تقول إنك السيد هوب؟»
قال بارني في تواضع وبذلك التهذيب الذي اكتسبه في باريس: «بل ابنه يا سيدتي.»
«هلَّا تتفضل بالدخول؟ معذرة، إن زوجي ليس في المنزل. هل أتيت لتتحدث معه بشأن الإضراب؟ أنا في غاية القلق والانزعاج. لقد أتت والدتك لزيارتي بالأمس، ودار بيننا حديث طويل عن هذا الأمر.»
«نعم، إن والدتي تهتم كثيرًا بالعمال، ولكن لا يمكنني القول إن لديَّ الاهتمام ذاته بأمرهم. كل ما أردته أن أتحدث إلى السيد سارتويل عن الأمر بصورة غير رسمية؛ ولهذا السبب أتيت لزيارته في المنزل وليس في المكتب.»
دخل بارني إلى الرَّدهة، وظل ممسكًا بقبعته في يده ليخبر مُضَيفته بأن ثمَّة عربةً تنتظره. فلم يكن ينوي أن يبقى إلا بضع لحظات. كان يعتقد أن من الأفضل أن يحصل على أي شيء ليخبر به والدته عن زيارته لويمبلدون؛ فقد كانت محقِّقًا لا يرحم، وإذا استطاع خوض حديثٍ يمكنه أن يبلغ به والدته، فقد تقدِّر له حسن نواياه وتعطيه الشيك.
فُتح باب غرفة الضيوف، وعندما دخلاها وجدا إدنا سارتويل جالسةً في مقعدٍ وثيرٍ غارقةً حتى أذنَيها في قراءة كتاب، حتى إنها لم تسمع كلمةً من الحوار الذي دار عند مدخل المنزل. نهضَت إدنا مرتبكةً بعض الشيء، وقد احمرَّ وجهها بشدة لدى رؤيتها رجلًا غريبًا يدخل الغرفة برفقة زوجة أبيها. لم تقل الأخيرة شيئًا للفتاة، ولكنها رمقتها بنظرة، تكاد تنطق، تخبرها بأن تغادر الغرفة.
كان أول ما دار بخَلَد بارني عندما رأى إدنا أنها على وَشْك الهرب من الغرفة، ولا بد أن يحاولَ مَنْع هذا الفرار بطريقةٍ لبقة. كان العبء الأكبر الذي يُثقل كاهل بارني في الحياة، كما كان يخبر أصدقاءه كثيرًا، أن الفتيات في إنجلترا كُنَّ يسارعْنَ دائمًا للفت انتباهه إليهن، الأمر الذي جعل هالديمان يقول له ذات مرة إنهن قادراتٌ على أن يكتشفْنَ سريعًا النقطة الأضعف في دفاعاته. أما في هذه اللحظة، فثمَّة فتاة «مذهلة»، على حد وصف بارني لها، توشك أن تغادر الغرفة دون حتى أن تُعيد النظر نحوه. وشيمة الشباب الانجذاب لغير المألوف.
قال بارني بأسلوبٍ ساحرٍ للغاية: «هل هذه ابنتكِ يا سيدة سارتويل؟»
أجابته السيدة ببرود: «بل ابنة زوجي.»
غمغم بارني في رقة: «آه، فكَّرت بالفعل أنه من المستحيل أن يكون لكِ ابنةٌ بالغة.» كان بارني يجد دائمًا أن هذا النوع من المجاملات يحقق نجاحًا باهرًا مع النساء اللاتي تخطَّين منتصف العمر، ولم يخب ظنه هذه المرة أيضًا.
استطرد بارني قائلًا: «لا تتركي الغرفة بسببي يا آنسة سارتويل.» وأضاف، عندما أدرك أن السيدة سارتويل لا تنوي تقديمه لإدنا: «أنا برنارد هوب، وقد أتيت للقاء والدك والتحدث إليه بشأن الإضراب. وكما تعلمين، هذا الموضوع يمسنا جميعًا، وأرجو منكِ أن تشاركينا اللقاء.»
بمجرد أن ذكر بارني والدها والإضراب، أدرك أنه استرعى انتباه الفتاة، التي توقفت ونظرت إلى زوجة أبيها. ووقعت تلك السيدة الحائرة في مأزق. فلم تكن ترغب في إغضاب ابن السيدة هوب، ولم تكن تريد أن تبقى ابنة زوجها في الغرفة. فتردَّدت للحظةٍ ثم صمتت.
قال بارني بتلك الشهامة التي لطالما وجدها عصيةً على المقاومة: «اسمحي لي بأن أدعوكِ للجلوس في غرفة ضيوفك، وأنتِ أيضًا يا سيدة سارتويل. سنتبادل الآن حديثًا خفيفًا غير رسمي، والذي أعلم يقينًا أنه سيُفيدني كثيرًا عندما أتحدَّث إلى السيد سارتويل؛ إذ لا أُخفي عليكما أنني أخشاه إلى حدٍّ ما.» اتسعَت عينا إدنا لدى سماعها حديثه ذاك؛ فكثيرًا ما سمعت الناس يقولون إنهم يتهيَّبون والدها، ولكنها لم تستوعب قط سبب ذلك.
جلسَت السيدة سارتويل منتصبة الظهر عاقدةً يدَيها في حِجرها، وكانت تعبس في وجه ابنة زوجها، كلما سنحَت لها الفرصة لذلك دون أن يراها بارني. لم يعجبها على الإطلاق المنحى الذي اتخذته الأحداث، إلا أنها لم تجد طريقةً للتدخل دون أن تبدو وقحةً مع ضيفها.
قال بارني بصوتٍ مبتهجٍ ومرح: «كما تعلمان، تهتم أمي كثيرًا بالعمال، وكذلك أنا.» كان يظنُّ أن مشاعره النبيلة تلك ستروق لإدنا سارتويل. «وأعتقد أن علينا جميعًا — جميعنا — إذا صح التعبير — أن يكون لدينا درجةٌ من الإحساس بالمسئولية تجاههم. هل تفهمين ما أقصد يا سيدة سارتويل؟»
ردَّت عليه السيدة التي وجَّه السؤال إليها قائلة: «بالطبع. وسيعود الفضل إليك في ذلك يا سيد هوب»، ولكنها نطقت العبارة ببعض الحدة، كما لو كان ما تقوله كذبًا.
«أوه، لا، على الإطلاق. أعتقد أن هذه طبيعتي. فظني أنه من الطبيعي بالنسبة إلى كل من نشأ نشأةً صحيحة أن يراعي إخوانه من البشر. ألَا ترين ذلك يا آنسة سارتويل؟»
قالت إدنا بصوت خافت دون أن ترفع بصرها نحوه: «بلى.»
صاح بارني وقد تملَّكته حماسة مَن توصل إلى اكتشاف مذهل: «والعمال «هم» إخواننا في الإنسانية.»
قالت السيدة سارتويل بنبرة حزينة: «هل تعني أننا حراس إخواننا؟»
وافقها بارني، معتبرًا مقولتها تلك مقولةً مبتكرة، قائلًا: «بالضبط، بالضبط. ما كنت لأجد تعبيرًا أنسب من ذلك عن الموقف، ولو قضيت اليوم بأكملِه أفكر. تصوَّرَت أمي أنه ربما يوافق السيد سارتويل على لقاء العمال ومناقشة الأمر معهم، مع تقديم بعض التنازلات البسيطة، وحينئذٍ سيُصبح كل شيءٍ على خير ما يرام. هل تفهمان ما أعنيه؟»
تنهَّدت السيدة سارتويل وقالَت: «يبدو اقتراحًا معقولًا للغاية، ولكن لا قيمة لرأيي، ولا سيَّما في منزلي.»
«لا تقولي ذلك يا سيدة سارتويل. أنا واثقٌ من أن الجميع يُقدِّرون رأيكِ كل التقدير؛ كل من يحالفه الحظ ويسمعه. أؤكد لكِ أنني أقدِّر رأيكِ تمامًا. والآن، ما رأيكِ يا آنسة سارتويل؟»
ابتسم الشاب في وجه الفتاة بطريقته الساحرة، إلا أن تعبير وجهه الساحر هذا ضاع هباء؛ فقد كانت إدنا تنظر إلى السجادة، وقد بدَت مرتبكة.
وأخيرًا قالت: «أعتقد أن أبي، الذي يقضي جل وقته تقريبًا في التعامل مع العمال، يفهم الوضع أفضل منا. إنه يمتلك خبرةً كبيرة في التعامل معهم، وحسب علمي أنه فكَّر في هذه المشكلة كثيرًا؛ ومن ثم يتراءى لي أن نصيحتنا لن تكون ذات قيمةٍ فعليةٍ له.»
تمكَّن بارني بالكاد من كتم صافرة إعجابٍ طويلة. هكذا الأمر إذن. هذه الآنسة الخجول لها رأيٌ خاص بها، وكان يبدو جليًّا أنها ستُناصر والدها في مواجهة الجميع. حتى هذه اللحظة، كان الجميع يوافقون بارني الرأي، ما عدا أولئك الطلبة الأوغاد بالطبع، الذين لا يُقدِّرون الناس حقَّ قدرهم، والأهم من ذلك أن جميع النساء يوافقْنَه الرأي؛ لذا كان لهذه المعارضة المحدودة، والتي كان التعبير عنها مهذبًا للغاية، نكهةٌ جديدةٌ منعشة. لقد تغيَّر اتجاه الرياح، وعليه أن يعدِّل أشرعته لمُواكَبتها.
«بالفعل يا آنسة سارتويل، لقد وضعتِ يدكِ على نقطة الضعف في قضيتنا. هذا بالضبط ما قلته لأمي. قلت: «إن السيد سارتويل هو المسئول، ولا بد من أنه ملمٌّ بالأمور.» بنفس الكلمات التي قلتِها للتو تقريبًا يا آنسة سارتويل.»
سكن جبينَ السيدة سارتويل سحابةٌ من التجهُّم والعبوس.
وقالت بحدَّة: «لا شكَّ في أن مُلَّاك الشركات لا بد أن يكون لهم رأيٌ في طريقة إدارتها.»
صاح بارني بمرح ملوحًا بيده: «يبدو أن نزعة العصر الحديث تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا يا سيدتي العزيزة. يبدو أنها تتجه نحو فكرة أن ملاك الشركات لا بد أن يكونوا الأقل مشاركةً في إدارتها من بين «جميع» مَن تحقُّ لهم المشاركة. ولست واثقًا من صحَّة ذلك، ولكنه منطقيٌّ إلى حدٍّ ما. كنت أسمع والدي يقول دائمًا إن السيد سارتويل هو المؤسس الحقيقي للشركة. فلمَ يتدخَّل في عمله إذن؟» رفعت إدنا رأسها ونظرَت إلى الشاب المتحمس بامتنان؛ فلم تعجبها المشاعر التي بدأ في التعبير عنها فحسب، بل أعجبَتها أيضًا النبرة الرجولية في صوتِه. لطالما وجد بارني أن هذه النبرة جذابة للغاية، ولا سيَّما مع الفتيات الصغيرات القليلات الخبرة، وكان يعرف أنه يبدو في أفضل حالاته عندما يعتمد هذه النبرة، إذا لم يكن أيٌّ من أصدقائه المولعين بالانتقاد حاضرًا. حتى إنه كان يستطيع أن يتظاهر بالاستياء الشديد، إذا كان الحضور متعاطفًا، وكان متحرِّرًا من التأثير المفسد للشباب المتشائمين الذين التقاهم في بوهيميا.
«والآن يا آنسة سارتويل، إليكِ اقتراحي. تحدثي إلى والدك، ثم إذا سمحت لي السيدة سارتويل بالطبع، فسأحضر لزيارتكم مرةً أخرى، ويمكنني أن أحكم ممَّا ستقولين لي إذا ما كان الأمر يستحقُّ عناء إزعاج السيد سارتويل بنصائحنا. نحن جميعًا لدينا هدفٌ واحد؛ وهو الرغبة في مساعدة السيد سارتويل إذا استطعنا لذلك سبيلًا. وإذا لم نتمكَّن من مساعدته، فلا ضير من ذلك. هل تفهمين ما أعنيه؟»
وافقَت السيدة سارتويل على ذلك على مضض. ولم تقُل إدنا شيئًا.
«ربما تعلمان يا سيدتيَّ أنني فنان؛ رسام لوحات. وأعمل، إن جاز التعبير، في الماضي والمستقبل. فلا أشعر بأني أنتمي إلى الحاضر، وإلى تلك التفاصيل التافهة التي أعلم أن من المفترض أن أتركها إلى أولئك الذين يعلمون كيفية التعامل معها. وأخبرت والدتي بذلك. ولكن سواء تمكَّنا من مساعدة السيد سارتويل أم لم نتمكن من ذلك، لا بد أن تسمحا لي بأن أشكركما على الوقت الرائع الذي قضيته معكما عصر اليوم. إن لديَّ مرسمًا في تشيلسي. ويُقال إنه الأجمل في لندن، ولكني لا أهتم كثيرًا بما يُقال عنه؛ فهو بالنسبة إليَّ مجرد مكان للعمل. ولكن حتى حياة الفنانين لا تخلو من بعض مظاهر الترويح والاستجمام، وعصر الثلاثاء من كل أسبوع، من الثالثة حتى الخامسة، أكون في المنزل للقاء أصدقائي. وعادةً ما تكون أمي هي من يستقبل ضيوفي، وعليكِ أن تعديني بالحضور يا سيدة سارتويل، هلَّا تفعلين؟ سأُرسل لكِ الدعوات، وثقي بأنكِ ستلتقين بأشخاصٍ رائعين. هل تعدينني بالحضور؟ أنا واثقٌ من أن أمي ستُسرُّ بحضورك.»
قالت السيدة سارتويل وقد لانَت تحت تأثير لُطف هذا الشاب: «يُسعدني أن أقبل دعوتك.»
«وماذا عنكِ يا آنسة سارتويل؟»
نظرت إدنا بريبةٍ إلى زوجة أبيها.
فقال الشاب في إصرار: «ستُحضرين الآنسة سارتويل معكِ، أليس كذلك؟»
قالت السيدة سارتويل بنبرةٍ أقل ودًّا قليلًا: «يسعدني دائمًا أن أفعل أيَّ شيء لإسعاد إدنا، ولكن الرأي رأي والدها.»
«عليكِ إذن أن تمارسي تأثيركِ عليه يا آنسة سارتويل، وتحصلي على موافقته. أنا واثقٌ من أنه لن يرفض طلبكِ إذا كنت مهتمةً بالحضور.»
قالت إدنا: «سيُسعدني كثيرًا أن أحضر.»
«إذن سنعتبر الأمر محسومًا.»
عندما ركب بارني العربة التي تنتظره، قال لنفسه: «آه يا بارني، ها أنت تُعمل ذكاءك وحِنكتك في المواقف الشائكة كالمعتاد. يا لها من فتاةٍ رائعة! ولها فكرها الخاص أيضًا، وإن كانت خجولةً للغاية. مَن كان يتوقَّع أن سارتويل العجوز العابس لديه ابنةٌ بهذا الجمال. لا بد أن أقنع أمي بالتخلِّي عن تركيزها عن تلك القضية؛ فمن الجلي أن الفتاة لا تريد أن يتدخَّل أحدٌ في شئون والدها وإدارته للموقف. وإذا تمكَّنت من إقناع أمي بذلك والحصول على الشيك أيضًا، فأنا إذن دبلوماسيٌّ بارع.»
نفوس متقلبة |
الفصل السادس
لم تكن المسافة بين ويمبلدون وسربيتون كبيرةً نسبيًّا. فيمكن لقطار هُمام، عازم على إنجاز هذه المهمة الفذة، أن يقطع تلك المسافة في خلال سبعِ أو ثماني دقائق، وحتى أبطأ القطارات «المحلية» لا يستغرق أكثر من اثنتَي عشرة دقيقة. كان بارني شابًّا مفعمًا بالنشاط والحيوية؛ وحيثما كان الأمر يتعلق بشيك، كان يدرك عواقب التأخير؛ لذا قرر، بما أنه قريب من سربيتون، أن يذهب لزيارة والدته ويسوِّي المسألة. كان الشاب غالبًا ما يُطمئن نفسه بأن يقول بداخله إنه ليس غبيًّا، ومكَّنته الدقائق القليلة التي استغرقها في تأمل الموقف، بينما كان يقطع الرصيف رقم ثلاثة جيئةً وذهابًا منتظرًا القطار، من وضع خطة.
كان عقل بارني يعمل بطريقةٍ مرتبةٍ كانت تُمكِّنه من التخطيط للحصول على أي شيءٍ يريد. فقد اعتاد أن يقول: «أفضل شيءٍ يا بني أن تعلمَ جيدًا ما تريد؛ ومن ثم تحاول الحصول عليه.» وفي أثناء محاولة الحصول على ما يريد، كان الشاب يطأ بقدمَيه أي شيءٍ يعترض طريقه: كالحقيقة على سبيل المثال. فكان هدفه الوحيد هو تحقيق النجاح؛ النجاح الحقيقي الذي يصل به إلى أهدافه. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، لم يكن يهتم بالوسيلة.
في هذا الموقف، كان بارني يريد منع أي تدخُّل في عمل سارتويل، وكان يعلم أنه إذا ما امتلك ما يكفي من الشجاعة لاعتراض مخطط والدته، فإن مثل هذه المعارضة ستجلب التدخل الذي كان يرغب في تجنُّبه، وفي الوقت نفسه ستضعه هذه المعارضة على القائمة السوداء لدى والدته، الأمر الذي سيضره ماديًّا.
قال بارني لنفسه: «سيتطلب الأمر قدرًا من التفكير»، ما يدل على أنه قد قدَّر الصعوبات المحيطة بالموقف على نحو صحيح، وأدرك مدى قِصَر المسافة بين ويمبلدون وسربيتون.
سربيتون أجمل ضواحي مقاطعة سري وتحظى بخدمة قطارات ممتازة. وهي مكونة من منازل كبيرة، ومنعزلة، من الفئة التي يُطلق عليها في لغة سماسرة العقارات «مطلوبة». ينجذب سماسرة البورصة القادمون من المدينة إلى المكان؛ بسبب خدمة القطارات السريعة والمنازل المطلوبة على حدٍّ سواء؛ ولهذا السبب يعيش الكثير منهم في هذه الضاحية. وقد أضفى التجار وأصحاب المصانع الأثرياء المتقاعدون على المكان طابعًا من الخصوصية لم يكن ليكتسبه مطلقًا، لو كان مجرد منتجع للنبلاء، أو مكان لإيواء الطبقات العاملة. فالتجار الأثرياء والمتقاعدون هم من أعطَوا إنجلترا سُمعتها كبلد بارد ومهيب. ولا شيء يضاهي ركوب عربات القطار ذات الدرجة الأولى من سربيتون المعزولة — «باستثناء فوكسهول ووترلو فقط» — التماسًا للخصوصية الجافة. ففي بعض الأحيان، قد يصادف دوق أو ماركيز تعس الحظ آتٍ من ضيعته في جنوب غرب البلاد مباشرة؛ مجموعةً من سكان سربيتون ويُعلِّق تعليقًا بريئًا وودودًا. ولكنه يتجمَّد في صمتٍ عندما يصطدم بتلك النظرات الباردة من ركاب العربة الخمسة الآخرين.
تبدو سربيتون، في نظر الغرباء، مكانًا ساحليًّا. فبعض شوارعها واسعة ومُقسَّمة بمتنزهات ضيقة مُسيَّجة. ثمة مقاعد متناثرة هنا وهناك، والأشجار منتشرة في كل مكان، وتوجد قاعة مؤتمرات في وسط المدينة، كما يقام عرض بحري على النهر، ويُقام حفل موسيقي وعرض للموسيقى العسكرية مساء كل أربعاء خلال شهور الصيف، وأضفى كل هذا على الضاحية طابع المنتجع الساحلي، ولم يكن ينقصها سوى ذلك الرصيف الطويل الشبيه بأرجل العنكبوت المصنوع من الحديد الزهر، والذي قد تبنيه سربيتون على ضفة النهر على حدائق قصر هامبتون كورت التي تشبه مياه البحيرة فيها، في فصل الربيع، محيطًا شاسعًا أصفر اللون. عندما يُبنى هذا الرصيف، من المؤكد أن رسوم الدخول ستصل إلى أربعة بنسات؛ أي ضعف رسوم دخول برايتون؛ إذ تميل سربيتون إلى التأكيد على خصوصيتها بطريقة تروق لخيال أصحاب الأموال. فهي تفخر بحقيقة أن أسعارها المحلية مرتفعة. ويجري انتخاب لجنة تطوير سربيتون للإشراف على تنفيذ هذا المخطط، ولضمان أن تكون تكلفة تذكرة الموسم من الدرجة الأولى تفوق أي مكان آخر يبعد المسافة نفسها عن لندن بجنيهين.
كان منزل عائلة هوب ضخمًا، ومربعًا، وأصفر اللون، وعتيق الطراز إلى حدٍّ ما — كانت عبارة «قصر مهيب» هي ما استرعى انتباه السيدة هوب في جريدة «تايمز» قبل أن تحث زوجها على شرائه — وكان مبنيًّا على أرض مترامية الأطراف كثيفة الأشجار. استقل بارني إحدى عربات الحنطور المفتَّحة الأبواب، المصطفة في المحطة لاستئجارها، وهي فئة من المركبات تضيف إلى المظهر الساحلي لسربيتون.
طلب بارني من السائق أن ينتظر، وصعد الدرج مهرولًا حتى وصل إلى باب المنزل وطرقه؛ إذ لم يكن للباب الأمامي جرس كأحد مظاهر الحداثة. وجد بارني والدته جالسةً في غرفة الضيوف ومعها صديقتها ليدي ماري فانشو، التي حضرت من منزل والدها الريفي في نواحي دوركينج. كانت ليدي ماري فتاةً جميلة وخجولة نوعًا ما؛ فقد تخضَّب وجهها بحمرة جميلة عندما دخل بارني الغرفة، وكانت تُكن إعجابًا كبيرًا بأعمال الشاب الفنية السابقة التي لم تحصل على ما تستحق من التقدير، وكان إعجابها ببارني الرسام يفوق إعجابها ببارني صاحب المصنع. ولم يعترض والدها على التعارف بين عائلته وعائلة هوب، بعدما تأكَّد يقينًا من أن ملكية بارني لمرسمٍ لن تتعارضَ بأي حالٍ من الأحوال مع انتقال ملكية المصنع المُربِح إليه في نهاية المطاف.
صاح الشاب وهو يصافح الفتاة: «كيف حالكِ يا ليدي ماري.» وأضاف مخاطبًا والدته: «كيف حالكِ يا أمي؟» وقبَّل وجنتها.
قالت الأم وقد لاحت لمحة من الحِدة في نبرة صوتها: «بارني، لم أتوقع رؤيتك في سربيتون بهذه السرعة. لقد اعتقدت أنك ستعكف على أداء المهمة التي أوكلتها لك.»
واصل الشاب حديثه في مرح وهو يدفئ يدَيه على نار المدفأة: «لقد أتممت المهمة يا أمي. أنا لا أؤجل عمل اليوم إلى الغد؛ إلا أني لا أعني أن اليوم مناسب لأداء أي عمل.» وأردف مخاطبًا ليدي ماري: «الطقس فظيع»، وأيَّدت عبارته المقتضبة.
«نعم يا أمي؛ إن شعاري هو إذا كان ثمَّة عمل يستحق الأداء، فهو يستحق أن يُؤدى بسرعة — فما يُنجَز سريعًا، يُنجز مرتَين — أعتقد أن ثمَّة مثلًا يُعطي هذا المعنى، كما تعلمين. وإذا لم يكن ثمَّة مثل بهذا المعنى، فلا بد من إيجاده.»
نهضت ليدي ماري لتغادر الغرفة؛ إذ بدا جليًّا أن ثمَّة نقاشًا سيدور بين الأم وابنها.
قالت السيدة هوب: «اجلسي يا صغيرتي. لن نتحدث عن أمور خاصة. عمال «المصنع» ينوون الإضراب عن العمل. ومدير المصنع رجل عنيد ومستبد برأيه، لا يتورع حتى عن إرهاب موظفيه …»
قاطعها بارني، الذي كان في هذه اللحظة واقفًا موليًا ظهره إلى النار، وقد باعد بين ساقَيه على سجادة المدفأة، قائلًا: «أدعو ذلك تنمرًا.»
واصلت الأم حديثها بهدوء دون أن تولي أي اهتمام لتعقيب ابنها: «لذا، يبدو لي أن هذا الرجل، المفتقر تمامًا إلى الكياسة، قد لا يهتم بما يشعر به مرءوسوه. جميعنا ملزَمون بواجبات تجاه الطبقة العاملة، ولكنها، للأسف، حقيقة ينساها كثيرون على ما يبدو.»
قالت ليدي ماري بصوتٍ خافت، وقد خفضت بصرها، إن هذا صحيح بالفعل.
«هل التقيت السيد سارتويل إذن يا برنارد؟»
«نعم، التقيت سارتويل، وتحدثت إلى بعض الرجال … أقصد مع … مع الزعماء.»
«تقصد القادة يا برنارد.»
«نعم، شيء من هذا القبيل. لا أدعي أنني أفهم طبقة العمال اللعينة تلك، كما تعلمين، إلا أن ثمَّة الكثير من المنطق في حديثهم. إنهم يعون تمامًا ما يريدون.»
«وهل وجدت السيد سارتويل عنيدًا؟»
«لا، باركك الرب، لا يا أمي. إن سارتويل هو أكثر رجل عقلاني قابلته على الإطلاق.»
«حقًّا؟ لم يخطر ببالي قط أن أُصنِّفه ضمن هذه الفئة.»
«ربما كنتِ مخطئةً بشأن سارتويل يا أماه؛ فلن تجديه يعترض طريقك على الإطلاق. إنه على أُهبة الاستعداد لفعل أي شيء تريدين فعله. «بارني يا بني»، هكذا قال لي عندما أخبرته بتصوركِ بشأن هذه المشكلة: «بارني، رغم كل ما قيل وتم، فهذا شأن يخص النساء أكثر ممَّا يخصنا».»
وقفت السيدة هوب ناصبةً قامتها في شموخ وحدة وقالت: «شأن يخص النساء! هل أفهم من حديثك يا بارني أن هذا الرجل يقصدني أنا والسيدة مونكتون؟»
«حسنًا، لقد كنا نتحدث معًا بانفتاح، رجلًا لرجلٍ يا أمي … و… تبًّا! إنك تعلمين أنه شأن يخصكِ والسيدة مونكتون أكثر ممَّا يخص مونكتون العجوز ووالدي؛ فأنا لا أعتقد أنهما يوليان الأمر الكثير من الاهتمام.»
رفعت السيدة هوب نظارتها إلى عينَيها ببطء، وحدَّقت في ابنها الذي كان في تلك اللحظة ينظر إلى سجادة المدفأة، مرتكزًا بثقل جسده على أصابع قدمَيه تارةً، ثم يعود للوقوف على كعبَيه تارةً أخرى.
«ليس لديَّ أدنى فكرة عمَّا تتحدث عنه يا برنارد.»
«أنا أتحدث عن الإضراب المُقترح يا أمي، عن مطالب العمال.»
«تقصد التماساتهم يا بني. إن العمال يلتمسون لقاءً مع السيد سارتويل، وهو يرفض ذلك، كما لو كان رئيسًا للوزراء.»
«هذا تحديدًا ما قلته للسيد سارتويل. قلت له: «سارتويل، أنت تعامل العمال باستعلاء.» وأقر بذلك دون مواربة، ولكنه يعتقد أنه إذا اجتمع بالعمال، فلن يجديَ ذلك أي نفع إلا إذا خضع لمطا… لالتماساتهم.»
«كان بإمكانه أن يتوصل لحل وسط؛ كان بإمكانه تقديم بعض التنازلات وكان كل شيء سيسير بسلاسة مرةً أخرى. إنه لا يملك أي كياسة.»
«صدقت، هو كذلك بالفعل. ولكن العمال يريدون شيئًا واحدًا فقط، وليس الكثير. ومطلبهم منطقي تمامًا؛ لقد تحدثت إليهم وشعروا بسعادةٍ بالغةٍ عندما سمعوا أنكِ تناصرينهم. ولن تقع أي مشكلات معهم في المستقبل إذا ما تعامل سارتويل معهم بعقلانية لا أكثر. إنهم يرون الموقف على النحو الآتي: يعملون عشر ساعات يوميًّا ويتقاضون حوالي جنيهًا واحدًا أسبوعيًّا … أو … آه … شيء من هذا القبيل … لقد نسيت المبلغ بالتحديد رغم أنهم ذكروه لي بالشلنات والبنسات. أما أبي ومونكتون فيعملان أربع أو خمس ساعات يوميًّا — ودون جد — ويذهبان في الصيف إلى سويسرا وفي الشتاء إلى الجزائر، ويتقاضى كلٌّ منهما من الشركة عشرين ألف جنيه سنويًّا. وهذا يراه العمال جورًا، وبالطبع أتفق معهم في ذلك. هذا أمر شائن وجائر، وقلت لهم ذلك. إن العمال على استعداد للتحلي بأقصى درجات السخاء والكرم. لكي يتوصلوا إلى تسوية، سيُوافقون بأن يتقاضى الشريكان عشرة أضعاف ما يتقاضاه العمال المُجدُّون؛ أي إن مونكتون وأبي سيتقاضى كلٌّ منهما خمسمائة جنيه سنويًّا من الشركة، وستُقسَّم أربعون ألف الجنيه بين العمال. ورأيت أن هذا العرض سخيٌّ للغاية، وأخبرتهم بذلك.»
خلال هذا العرض البارع لآراء العمال، وإن كان مُلفَّقًا، ظلت السيدة هوب تحدِّق في ابنها في دهشة كانت تتزايد مع كل لحظة تمر. وعندما انتهى من حديثه، هبَّت واقفة، وبدت، وقد انعقد لسانها من الدهشة وعقدت حاجبَيها، عابسة. وظلت ليدي ماري تتنقل بنظراتها في قلق مشوب بالخوف بينهما. بدا أن ثمَّة عقلانيةً جمَّة في حُجة الشاب، إلا أن ثمَّة أمرًا خاطئًا يشوب هذا العرض.
وأخيرًا صاحت السيدة هوب قائلة: «خمسمائة جنيه سنويًّا! … لي أنا!»
«حسنًا … في الحقيقة هي لأبي … ولكن لا فارق بينكما بالطبع.»
«خمسمائة جنيه سنويًّا! برنارد، لو أخبرني أحدٌ قبل ساعةٍ من الآن أنك أحمق كنت … خمسمائة جنيه سنويًّا! … كيف يمكن لأحدٍ أن يدبِّر معيشته بخمسمائة جنيه سنويًّا؟»
نظر بارني لأمه مؤنبًا. كان واضحًا أنه قد شعر بالإهانة.
«نفس طريقة كلام سارتويل، وظني أنه أيضًا يعتقد أني أحمق، فقط لأني أحاول أن أستوعب مشكلة العمال. لقد تراءى لي أنه إذا كان بإمكان عامل يعول اثني عشر طفلًا أن يعيش بخمسين جنيهًا سنويًّا، فإن زوجَين مسنَّين لم ينجبا إلا ابنًا واحدًا، على وَشْك أن يجنيَ ثروةً من الرسم، يمكنهما تدبير أمورهما بعشرة أضعاف هذا المبلغ.»
«لم أعد أُطيق معك صبرًا يا برنارد.»
«قال لي سارتويل، ثم انظر إلى رأس المال المُستثمر …»
«بالطبع. إنه محق تمامًا، وأي شخص يملك ذرة عقل سيُدرك ذلك. لقد أُنفقت عدة آلاف من الجنيهات على المباني وفي تطوير الشركة. لم يفكر العمال قط في ذلك، ويبدو أنك أيضًا لم تفكر فيه.»
«تعرفين يا أمي أن هذا النوع من العمل لا يستهويني. غير أن ما قاله سارتويل عن الاستثمار جعلني أفكر …»
قالت أمه متعجبةً في ازدراء شديد: «تُفَكِّر!»
واصل بارني حديثه بهدوء قائلًا: «نعم؛ لذا توجهت إلى العمال لأسمع منهم ما سيقولونه عن هذا الأمر. فقالوا على الفور إن رأس المال قد استُردَّ مرارًا ومرارًا. فعدت إلى سارتويل لأرى إذا كان هذا صحيحًا، وقد كان. حسنًا، ثم …»
«ثم ماذا؟»
«في ظل هذه الظروف، بدا لي أن العمال قد قدَّموا عرضًا سخيًّا للغاية. إذا رسم لي أحدهم لوحةً يمكنني أن أبيعها مقابل خمسمائة جنيه وارتضى بأن يأخذ خمسين جنيهًا لقاءها تاركًا لي الأربعمائة والخمسين جنيهًا الأخرى، فسأرى أنه رجلٌ في غاية السخاء.»
«توقَّف عن هذا الهراء من فضلك. هل سيلتقي سارتويل بالعمال؟»
«أعتقد أنه سيفعل.»
«عليك إذن أن تعود إلى المدينة على الفور وتخبره بألَّا يفعل شيئًا من هذا.»
قال الشاب معترضًا: «ولكن يا أمي …» جال ببصره في الغرفة في عدم ارتياح، ورأى أن ليدي ماري قد تسلَّلت من الغرفة خلسة.
«لا تقل شيئًا. لقد تسبَّبت في الكثير من الضرر بالفعل. فلتحاول أن تصلحه.»
«ولكني قلت لك! إنه أمر شاقٌّ بالنسبة إليَّ يا أمي. عندما وعدتِني بأن تعطيني شيكًا بثلاثمائة جنيه، لم أتخيَّل أنه سيكون عليَّ أن أرى سارتويل العجوز مرةً ثانية وأن أتراجع عن كل ما قلته له. سيظن حينها أني أحمق.»
«إنه يظنُّك ذلك بالفعل. ولكن لا يهم ما يظنُّه بك. ما عليك إلا الاهتمام بما سيفعل. عليك أن تقابله على الفور وتُوقف هذا الهراء المتعلق باجتماعه مع العمال.»
هزَّ بارني رأسه في كآبة.
وقال: «لا أدري كيف سأواجهه مرةً أخرى يا أمي. أُفضِّل أن أخسر شيك الثلاثمائة جنيه.»
«لا شأن للشيك بهذه المسألة. آمل أنك لا تهتم بهذه المسألة من أجل الثلاثمائة جنيه. ولكني سأكتب لك شيكًا بخمسمائة جنيه، إذا كان ذلك سيرضيك. لا أريد سماع كلمة أخرى عن مسألة الخمسمائة جنيه السنوية تلك. كن متسقًا في أفعالك وكلامك على الأقل يا برنارد.»
«أشكرك يا أمي، سأحاول. وبينما تكتبين الشيك، سأتحدث إلى ليدي ماري قليلًا.»
قالت له أمه وهي تنهض: «حسنًا.» ولم يبدُ أنها انزعجت من طلبه.
عندما عادت الفتاة إلى الغرفة مرةً أخرى، كان وجه بارني مشرقًا للغاية بعد الانتهاء من هذا النقاش المطول.
قالت ليدي ماري بتواضع: «خشيت أن أُعيق مسار حديثكما؛ فأنا لا أعرف الكثير عن العمال.»
قال بارني: «إن قضية العمال قضية شديدة التعقيد، وأخشى أني لست ملمًّا بجميع جوانبها أيضًا، ولكنها مثيرة إلى أبعد الحدود، أؤكد لكِ أنها الأكثر إثارةً على الإطلاق. لقد أصبحت أنا نفسي رجلًا كادحًا الآن. فقد أصبح مرسمي جاهزًا وأصبحتُ أعمل كما لو كنت … لنَقُل تركيًّا … أو زنجيًّا؟»
«أعتقد أن صانع المسامير هو التشبيه الذي تحتاجه.»
«على الأرجح. لا أعتقد أن التركي قد يعمل إذا كان يحق له الاختيار. بالمناسبة يا ليدي ماري، أنا أنظِّم «حفل استقبال» في مرسمي كل ثلاثاء من الثالثة حتى الخامسة. وأتمنَّى لو تمكنتِ من الحضور. أقنعي والدكِ بأن يُحضرك. فأنا أرغب في وجود لورد حقيقي، كما تعلمين، كي … حسنًا … كي يضفي إلى التجمع قيمة.»
ضحكت ليدي ماري.
وقالت: «سيُسعدني كثيرًا أن أحضر. فلم أذهب إلى مرسم منذ أن رُسمت لوحة لي. سأسأل أبي، ولكنه لا يخرج من المنزل كثيرًا.»
«أعلم أنكِ ستتمكنين من إقناعه بالحضور؛ لذا سأعتبر ذلك وعدًا.»
وفي الرَّدهة، أخذ بارني شيكًا من والدته.
وقالت له: «احرص على أن تذهب للقاء سارتويل على الفور واحرص على ألَّا تفسد الأمور مرةً ثانية.»
ولكن الفتى المسكين لم يفعل شيئًا سوى أن ادعى أنه قد نفَّذ أوامرها السابقة! ولم يعلق بارني على تقلب مزاج النساء. وطبع قبلةً على كلتا وجنتَيها، مثلما يفعل أي ابن بار، وانصرف.
نفوس متقلبة |
الفصل السابع
في أي بلد آخر غير إنجلترا، قد يُعتقد أن تسمية زقاق كريه الرائحة باسم لايت ستريت (شارع النور) أُطلقت عليه من قِبَل أحد الساخرين. كان المكان يُسمى «روز جاردن كورت» (ساحة حديقة الزهور). ولأن ثمَّة سببًا لكل شيءٍ تقريبًا في هذا العالم، فربما كان سبب التسمية أنه كان هناك في وقتٍ ما حديقة في هذا المكان، وربما كانت الزهور تتفتح فيها. كان مدخل الساحة عبارةً عن ممر مقوَّس كُتب اسمها أعلاه من جانب زقاق لايت ستريت. وعلى يمين هذا الممر وقف حانوت «روز آند كراون» والذي كان معروفًا محليًّا باسم «الحانة»، وكان باب قسم الخمور المعبأة يؤدي إلى الممر، الأمر الذي كان مناسبًا تمامًا لسكان الساحة. وعلى يسار الممر المقوس، كان ثمَّة متجر للملابس المستعملة، وكانت البضائع، التي كانت مستعملةً حد الاهتراء، تتدلى من حبال بالية حول بابه.
وقف عمود إنارة على حافة الرصيف في مقابل مدخل الساحة، ملقيًا ضوءَه على أرضية الممر المقوس، وكانت إنارته الضعيفة إلى حدٍّ ما تدعم بضوء شعلةٍ غازيةٍ فوق باب قسم الدورق والزجاجة. وعند الطرف الآخر المظلم من روز جاردن كورت، وقف عمود إنارة آخر. كانت الساحة مرصوفةً على نحو غير مستوٍ بكتل كبيرة من الحجارة، وكانت موحلةً دائمًا بسبب التدفق الزائد للماء من صنبور كان يمد السكان بالماء.
كانت الساحة محاطة بمبانٍ من خمسة طوابق، وفي هذه الهوة المستطيلة التي كوَّنتها هذه البنايات المتداعية، كان الهواء راكدًا، وشديد الرطوبة، وثقيلًا، ومحملًا بالكثير من الروائح. ولم تكن الريح التي تهب على لندن من الجنوب، أو الشمال، أو الغرب، قادرةً على تحريك هواء ساحة روز جاردن السام. وكانت الريح القادمة من تلال سري تُصَفِّر بسعادة فوق أسطح المباني كما لو أنها تصيح في هواء الساحة قائلة: «هيا اخرج، هيا اخرج وأعطِ الناس فرصةً ليتنفسوا»، ولكنها لم تكن تتلقى أي إجابة من الساحة؛ فالهواء في داخلها صامت وكئيب، كما لو أنه اكتسب طابعه من سكان المكان.
في بعض الأحيان، في أوائل فصل الربيع، كانت الريح الشرقية المثابرة تزأر بصخب عبر النفق، وتأخذ الهواء الكريه الرائحة على حين غرة، وتُلقي به رأسيًّا إلى الأعلى فوق أسطح المباني، لتملأ الساحة بزوبعة قارصة، وتُبعثر قصاصات الورق والأسمال رافعةً إياها نحو السماء، إلا أن سكان الساحة لم يكن يعجبهم ذلك. فكانوا يغلقون النوافذ، ويرتجفون، ويتمنَّون لو توقفت الريح عن الهبوب. وفي اليوم التالي، كان الهواء يهدأ ويصمت في الساحة، ويلتقط روائحه مجددًا، فيشعر الجميع بأن الأمور قد عادت لطبيعتها.
كانت الساحة ملكيةً تُدر أرباحًا طائلة. ولم يكن أيٌّ من سكانها يعلم مَن هو مالك المباني أو الأرض. وكان الرجل الذي يتولى جمع إيجارات الغرف يجمعها مقدمًا قبل أن يحين موعد سدادها، وقال ذات مرة لمالك حانة «روز آند كراون» إن الساحة مربحة باعتبارها استثمارًا أكثر ممَّا لو كانت موجودةً في منطقة جروسفينور سكوير. وكان المتعارف عليه بين الناس أن المالك أوكل إدارة هذه الملكية لإحدى الشركات، وأن جامع الإيجارات يمثِّل هذه الشركة. لم يكن من الممكن أن ينتظر أحد من الشركة أن تُنفق أي أموال على الإصلاحات، ولم يكن التواصل مع المالك ممكنًا، وفضلًا عن كل ما سبق، كان ثمَّة طلبٌ متواصلٌ على الغرف، فإن لم تُعجب التجهيزات أحد المستأجرين، كان يمكنه أن يرحل؛ فثمَّة عشرات آخرون جاهزون ليحلوا محله.
لم يكن سكان هذا الجُحر البشري مجرمين. فكان أغلبهم يؤدون أعمالًا مفيدة لكسب قوت يومهم. بل إن المجرمين، حال إدانتهم، يوضعون في أماكن صحية أكثر من ذلك بكثير، مع ضمان الحصول على ما يكفيهم من طعام، على النقيض من سكان الساحة. وإذا كان حال أي سجن في المملكة بنفس سوء أحوال ساحة روز جاردن، لانخلع قلب الأمة العطوف من فرط الاستياء، ولشعر بعضٌ من المسئولين الوضيعين بوطأة الاحتقار الشعبي الصادق. لم تكن الساحة إلا مثالًا واضحًا على مساكن الطبقة العاملة البريطانية، في أكثر مدن العالم رشادًا، واتساعًا، وفخرًا، وثراءً، في نهاية القرن التاسع عشر، بعد ألف عام، أو نحو ذلك، من بداية التقدم. كانت منازل بعض العمال أفضل حالًا، ولكن بعضها أيضًا كان أسوأ حالًا؛ فعلينا ألَّا ننسى أن «مساكن الحرفيين والعمال المُحسَّنة» موجودة بيننا. كان سكان «المساكن المُحسَّنة» مُكبَّلين بقيود شتى تحدُّ من حريتهم، أما الساحة فكانت تنعم بالحرية؛ حرية الخروج والدخول كما يحلو لك، حرية الشرب حتى الثُّمالة، حرية التسكع أو العمل، حرية التضور جوعًا.
كانت الميول الشخصية لسكان الساحة تشبه كثيرًا ميول «مرتادي» نوادي ويست إند الفاخرة. فكانوا يهوَون الشرب والمقامرة. كانت «الحانة» عند المدخل، وهناك، أو عند الحلاق، كان يمكنهم المراهنة بالقليل من المال على حصان لا يعلمون عنه شيئًا هناك. من مميزات البلد الحر أن المرء يمكنه أن يشرب حتى الثمالة من البيرة أو الشمبانيا على حدٍّ سواء، وبتكلفة أقل بكثير. وتكون النتائج في كلتا الحالتَين واحدةً على نحوٍ يثير التعجُّب. وثمة اعتقاد عام بأن رجل الشرطة في بيكاديللي قد يرفق بسكيرٍ يرتدي ملابس سهرة أكثر ممَّا قد يرفق زميله في طريق ووترلو برجل يرتدي معطفًا من الفرو.
لم يحدث الكثير من المشكلات بين ساحة روز جاردن والشرطة، على الرغم من أن سكان الساحة، ولا سيَّما النساء، يحتقرون الشرطة إلى حدٍّ ما. كان كل ما تطلبه الشرطة من سكير من سكان الساحة، إذا ما كان يرغب في العراك، أن يتعارك داخل الساحة، وليس في طريق عام مزدحم مثل لايت ستريت. وفي داخل الساحة، كانت زوجات المتعاركين يتدخلن عادةً للفصل بينهم قبل أن تصل المعركة إلى نهايتها، وفي بعض الأحيان، كان يقف شرطي طويل القامة يراقب الفصل بين الخصمَين في معركتهما المؤقتة، دون أن يقول شيئًا إلا إذا قاوم أحد المتعاركَين زوجته التي تدفعه ناحية عتبة باب منزله صارخة، إذ يقول الشرطي حينها: «كفى أيها الرجل، لا تفعل ذلك»، وحينئذٍ، وعلى نحو يثير الاستغراب، تمتعض المرأة من تدخُّل الضابط لحمايتها، ولكن عندما يشرع زوجها في سب أحد رجال الشرطة وإهانته، سرعان ما تطلب من زوجها أن «يخرس فمه اﻟ… هذا»، مستخدمةً صفةً دموية ومعبرة في الوقت نفسه. وعادةً ما يمسك رجل شرطة قوي البنيان بأحد سكان الساحة من مؤخرة عنقه، عندما يراه يسير مترنحًا عبر شارع لايت ستريت، مالئًا الأجواء بصخب غنائه أو صياحه في تحدٍّ سافر؛ ومن ثم يجرجره بسرعة عبر الشارع، وتتأرجح ساقا الرجل دون أن يتمكن من التحكم فيهما، كما لو كان إنسانًا آليًّا مصنوعًا من الشمع، حتى يصلا إلى مدخل الساحة، وبعد أن يتلقى الدفعة المطلوبة من الضابط، يندفع الرجل عبر الممر المقوس، وبمجرد أن يصبح في الداخل، من المفترض أن الضابط قد أتم مهمته: على أي حال، بمجرد أن يدخل إلى الساحة، لن يمكنه الخروج إلا من الطريق نفسه الذي دخل منه، وقلة فقط هم مَن كانوا يثملون، لدرجة نسيان أن ثمَّة رجل شرطة يتجول في الحي بصورة دائمة. كان الدفع عبر الممر المقوس هو طريقة شارع لايت العطوفة المشابهة لما يحدث في شارع بيكاديللي، عندما يوضع رجل برفقٍ في عربة أجرة ويخبَر السائق بوجهته. قلةٌ قليلة فقط هم من كانوا يُلقى القبض عليهم في منطقة لايت ستريت، ولا بد أن يكون ما فعلوه شائنًا لدرجةٍ جعلتهم يستحقُّون استخدام العنف ضدهم كملاذٍ أخير.
عبر لايت ستريت، كان مارستن يسير بخطوات رشيقة، وواسعة، ومفعمة بحيوية شاب بصحة جيدة، يأخذ هذه الحياة على محمل الجد، ويؤمن بأن ثمَّة ما يمكن تحقيقه فيها. توقَّف مارستن برهةً أمام حانة «روز آند كراون» وأومأ بتحيةٍ لبعض الرجال الذين يتسكَّعون هناك.
سألهم قائلًا: «هل ستذهبون إلى الاجتماع الليلة يا رجال؟»
هز أحدهم رأسه بالنفي، وهزَّ آخر كتفَيه في لا مبالاة؛ وبدا جليًّا في الحال أنه لا أحد منهم لديه أدنى اهتمامٍ بالاجتماع ما دامَت «الحانة» لا تزال مفتوحة.
قال مارستن: «إنه اجتماع مهم. ستقدم اللجنة تقريرها الليلة، ومن المرجَّح أن يتم التصويت على القيام بالإضراب أو عدم القيام به. هل أنتم واثقون من أنكم لا تحبذون القيام بإضراب؟ احضروا الاجتماع إذن وصوتوا ضده.»
قال أحدهم وهو يُخرج غليونه من فمه: «لست واثقًا من ذلك. إن الأجر الذي سنتقاضاه خلال الإضراب جيد مثل أجر صاحب العمل، ولكننا سنؤدي عملًا أقل مقابله. فأنا بحاجة إلى عطلة قصيرة.»
ردَّ مارستن قائلًا: «ربما كان أجر الإضراب جيدًا مثل أجر صاحب العمل ما دام مستمرًّا، ولكنه لن يستمر.»
فأجابه الرجل قائلًا: «عندما ينتهي الإضراب سنعود إلى العمل.» وضحك الرجال الآخرون.
قال مارستن: «بعضكم لن يعود إلى العمل. هكذا هو الحال دائمًا بعد انتهاء أي إضراب. لطالما كان من الأفضل الحفاظ على وظيفة جيدة ما دامت متوافرة لنا.»
كرَّر المتحدث باسم الحشد المتجمع في «الحانة» ما قاله سابقًا في لا مبالاة: «حسنًا، أنا بحاجةٍ إلى عطلة قصيرة.»
صاح مارستن مستاءً: «يا إلهي! إذا لم تهتموا بأحوالكم أكثر مما تفعلون الآن، فكيف تتوقعون أن تتحسن؟»
أجابه الرجل الآخر بمرح: «حسنًا، لقد فكرت، عندما رأيتك قادمًا نحونا، أنه من الأفضل أن تدعونا لشرب البيرة معك.»
قال الشاب باقتضاب: «لقد أسكرتك البيرة بالفعل»، ثم استدار واختفى في ظلام الساحة.
راح الجمع يدخِّنون في صمت بضع دقائق بعدما غادرهم.
ثم قال أحدهم أخيرًا مشيرًا بغليونه في الاتجاه الذي غادر فيه مارستن: «إنه شاب مغرور.»
وعلق آخر ساخرًا: «أوه، إنه يعرف أكثر مما نعرف.»
ثم حلَّ صمت أطول من سابقه، قبل أن يتحدث المتحدث باسم المجموعة، الذي كان يمعن التفكير في المسألة، قائلًا:
«ما رأيكم أن ندخل إلى الحانة ونشرب المزيد من البيرة؟ بعد ذلك، نذهب إلى الاجتماع ونصوت لصالح الإضراب. ونلقنه درسًا. تعجبني وقاحته حقًّا. لقد تحدث عن السُّكر، سنريه إذن من السكران.»
وافق الجميع على هذا الاقتراح باعتبار أنه يوضِّح موقفهم. ومن المؤسف أن مارستن لم يعلم نتيجة حواره القصير مع رفاقه من العمال.
كان مارستن شابًّا غضًّا قليل الخبرة وأمامه الكثير ليتعلمه. فلم يكن يعلم أن الرغبة في تحسين المرء أحواله ليست رغبةً عامة لدى الجميع، وحتى وإن كانت ثمَّة بوادر رغبة في ذلك، لا يحب الناس أن يُكرهوا على تحسين أحوالهم. فالكياسة، كما أخبرته السيدة هوب، تحقِّق أكثر ممَّا تحقِّقه النوايا الحسنة. فبعض البيرة وتربيتة ودودة على الكتف كان من شأنهما أن يضمنا له عدة أصوات ضد الإضراب. والخطأ الذي ارتكبه بافتراض أن الإنسان العادي يُحركه العقل والمنطق لم يُسدِ له شيئًا سوى أن قوَّى شوكة «ذلك الأحمق جيبونز».
في غضون ذلك، عبر الشاب من أسفل الممر المقوَّس وسار عبر الساحة، حتى وصل إلى مدخل المنزل رقم ثلاثة. كانت الباحة وأزواج الدرج الخمسة القذرة أقل ارتيادًا قليلًا من بقية منازل الساحة، التي كانت بدورها أقل ارتيادًا قليلًا من منازل لايت ستريت؛ نظرًا لقلة الأقدام التي كانت تخطو عليها. صعد مارستن الدرجات المؤدية إلى الطابق الأول، وتوقف عند أحد الأبواب عند بسطة السلم. ومن خلف الباب، تصاعد صوت نغمات دندنة صادرة من أرغن مزماري، فأحجم مارستن عن طرق الباب بينما كان يستمع إلى ذلك الصوت. ثم ظهرت امرأة رثة المظهر تهبط الدرج من الطابق الثاني حاملةً دورق ماء في يدها. توقفت المرأة عندما رأت غريبًا يقف في الطابق الأول، وراحت تنصت إلى صوت الموسيقى بدورها. لم يتمكن اللحن الحزين الذي كان يُعزف من تهدئة الثورة التي تعتمل في صدر المرأة، التي انفجرت ثائرةً ضد قاطني الغرفة.
صاحَت المرأة قائلة: «أوه، نعم. إن أمثال هؤلاء يستمتعون بوقتهم دائمًا. أرغن مزماري، حقًّا. فليحفظنا الرب! نحن لا نرقى لمستوى هؤلاء. أرغن مزماري! هنا في ساحة جاردن! لا خير يأتي من مثل هذا البذخ. ماذا يفعلون، أريد أن أعرف؟ هراء!»
أشاحت المرأة بيدها تعبيرًا عن احتقارها لما يحدث، وهبطت الدرج حاملةً الدورق. كان زوجها يُنفق فائض ماله في «الحانة»، مثلما يفعل الرجال، وليس على توافه مثل الآلات الموسيقية المستعملة. لم تكن تطيق البذخ، ومعها كل الحق في ذلك.
طرق مارستن الباب عندما توقف العزف، وفتح جو برونت الباب بنفسه.
قال بِود: «ادخل يا بني»، ودخل مارستن.
نهضت فتاة طويلة القامة، ربما كانت في الرابعة عشرة، أو السادسة عشرة، أو الثامنة عشرة، من فوق مقعدٍ مواجه للأرغن المزماري. كانت الفتاة نحيلةً وشاحبة ذات عينَين واسعتَين مثيرتَين للشفقة أضافتا لمحةً من الجمال الحزين على قَسَمات وجهها. قال مارستن وهو يصافحها: «كيف حالكِ يا جيسي؟ هل تحسَّن السعال بأي حال؟»
أجابته الفتاة: «أعتقد أن الحال كما هو لا يتغير أبدًا.»
قال والدها بخشونة: «من الصعب أن تتحسن حالتها في هذا الجحر.»
كان برونت يتحدث بلكنة سكان يوركشاير. وكانت قامته وبنيته تدلان على المقاطعة التي ينتمي إليها، وكان «من الصعب تصديق أن هذه الفتاة النحيلة ابنته. وعلى الرغم من أن الكثير من جيران جو برونت كانوا ناقمين على تعاليه عليهم، واعتبار نفسه وابنته النحيلة العديمة الفائدة أفضل منهم، كانوا حريصين تمامًا ألَّا يعبروا عن آرائهم هذه في وجوده؛ فقد كان رجلًا صارمًا ومستبدًّا، صموتًا ومتجهمًا، تسبق قبضته لسانه، ولم تكن متأهبةً فحسب، بل فعالة أيضًا. كان كل من في الساحة يخشَونه، وكانوا يتعاملون معه بمبدأ دع الفتنة نائمة. كان مع السيدة التي تحمل الدورق كل الحق في سخطها على جو برونت. فقد كانت تجر «زوجها» للمنزل بصعوبة ذات ليلة من «الحانة»، على الرغم من محاولاته الكثيرة للفرار. ونجحت بالفعل في دفعه وجره وصولًا إلى بسطة الطابق الأول، عندئذٍ أدرك فجأةً قسوتها التي بلا داعٍ حين جرجرته من الحانة العامة بإضاءتها الباهرة، وما يملؤها من مرحٍ وخمرٍ وصحبة جيدة، إلى الغرفة الخلفية الكئيبة الكائنة في الطابق الثاني من المنزل التي لا تحوي أي صحبة سوى لسانها السليط، فأطبق قبضته وطرحها أرضًا، فاصطدمت مؤخرة رأسها بباب برونت أثناء سقوطها. وعندما فتح برونت باب غرفته، رأى الزوج يسير — أو ربما كان من الأدق أن نقول يترنح — فوق جسد زوجته المُسجى على الأرض. فأمسك جو بتلابيب الرجل الثمل، وأطاح به في الهواء كالريشة من فوق درابزين السلم. فتدحرج الرجل الذي عُومِلَ بقسوةٍ على السلم حتى خرج إلى الساحة، حيث رقد مكوَّمًا يتألم. ثم حمل برونت المرأة إلى غرفتها. لم تكن المرأة تعي ما حدث بالكامل، وشرعت من فورها تبدي لمنقذها رأيها فيه بكلمات لم تكن مترابطةً في البداية. قالت له إنها تريد أن تعرف مَن يظن نفسه ذلك الوحش الضخم، حتى يتدخل بين رجلٍ وامرأته. وإن زوجَها لو كان واعيًا لأذاقه الأمرَّين، ولكنه استأسد على رجلٍ أفرط في شرب الخمر. فهبط برونت الدرج وحمل الرجل «الفاقد الوعي»، الذي أفرط في شرب الخمر دون شك، إلى غرفته وتركه هناك مع زوجته.
صرخت الزوجة قائلة: «لقد قتلت الرجل الثمل وهو لم يؤذك يومًا.»
فقال برونت: «لم يحالفني الحظ بعد، إنه سكران ولا يمكنه أن يؤذي حشرة.»
وقد كان كذلك بالفعل. خرج جو من الغرفة وأغلق بابها خلفه، وتركهما ليُنهيا شجارهما إذا أرادا ذلك.
تعاطف سكان الساحة مع السيدة سكيمينس عندما قصت عليهم الواقعة. وكانت النساء أكثر سخطًا من الرجال. فكن يرين أنه من المشين أن يتدخل عملاق متوحش متجهم مثل برونت، في نقاشٍ بسيطٍ بين زوجَين يحدث في كل الأسر العادية المترابطة. وبقدر ما كن يكرهن الشرطة، بدا لهن أن استدعاءها قد بات ضروريًّا الآن أكثر من أي وقتٍ مضى.
قالت سيدة ضخمة الجثة: «لو أنه حاول أن يكسر كل عظمة في جسد زوجي يا سيدة سكيمينس، لأمسكت به من شعره.»
قالت السيدة سكيمينس: «لا أعلم إن كنت سأتمكن من فعل ذلك يا سارة»، فلم تكن ترغب في الاستسلام لاتهامات النساء بأنها لم تبذل كل ما في وسعها، وفقًا لملابسات الواقعة، من أجل زوجها وهو بهذا العجز. «لقد تلقيت ضربات في الرأس، والوجه، والظهر، ثم اصطدم رأسي بالباب، وفقدت الرؤية في إحدى عينيَّ، وبعد كل هذا، كان زوجي يدوس عليَّ، لو كنت مكاني لما تبقَّى لديكِ نَفَس يمكنكِ من القبض على شعر أحد.»
تحسَّست السيدة سكيمينس برفقٍ الجزءَ من وجهها تحت عينها، الذي لا يزال مكدومًا ومتورمًا، وشعرت أنها قد عرضَت قضيتها جيدًا؛ ففي واقع الأمر، قُبل دفاعها باعتباره حُجةً دامغة زادت من قتامة فعل برونت الوحشي الذي لا مبرر له.
اندهش الرجال مما حدث بالطبع، ولكنهم لم يكونوا متشددين في إدانتهم لفعلة برونت مثلما فعلت الزوجات. فلم يكن سكيمينس يُكن في صدره أي ضغينة تجاه المعتدي، إلا أنه قال إنه لم يستطع استيعاب السبب الذي دفعه لأن يلقيه من فوق الدرج. وردًّا على التساؤلات المتعاطفة من رفاقه في حانة «روز آند كراون»، قال لهم إنه، على الرغم من أنه كان خائفًا، فقد ظل ثابتًا ولم ينسحب من المعركة.
واستطرد قائلًا بصوتٍ أقرب للأسف من الغضب: «فليرحمنا الرب! ماذا حلَّ بالعالم؟ إن سألتموني فسأجيب بأني على وَشْك أن أفقد الأمل. حين يتكالب برونت والشرطة على رجلٍ إذا ما رفع يده ليضرب امرأته، فهذا يعني أن الساحة لم تعُد مكانًا يصلح لرجلٍ سكيرٍ كادحٍ ليعيش فيه.»
ولكن لم يجرؤ أحد على الاعتراض على الرجل القادم من يوركشاير، وعلى رأسهم سكيمينس نفسه، بالرغم من أن الساحة باعتبارها مجتمعًا قد أصبحت تتجنَّبه أكثر من أي وقت مضى.
سأل مارستن الشاب بعدما حيَّا الأب وابنته: «هل ستحضر الاجتماع الليلة يا سيد برونت؟»
«لا، لن أحضر.»
«ولمَ لا؟»
«ولمَ أحضر؟»
«كما تعلم يا سيد برونت، ثمَّة أزمة على وشك الحدوث. ستقدم اللجنة تقريرها. لقد رفض السيد سارتويل لقاءهم، ومن المرجح أن هذا التصرف سيُغضِب جيبونز والآخرين. وسيتم التصويت على خوض الإضراب من عدمه، وأنا من المعارضين للإضراب؛ على الأقل ليس في الوقت الحالي.»
قال برونت: «وأنا مثلك تمامًا.»
«احضر الاجتماع إذن وأعلن رفضك للإضراب.»
«لا أجيد الحديث. تحدث أنت.»
«لن يستمعوا إليَّ، ولكنهم سينتبهون لما ستقوله أنت.»
«على الإطلاق يا بني. ولكن لا يهمني ذلك على الإطلاق، ولو مثقال ذرة.»
«ما الذي لا يُهمك؟ خوض الإضراب أو عدم خوضه؟»
«أنا لن أُضرب عن العمل. يمكنهم أن يفعلوا ما يحلو لهم.»
«ولكن، إذا أمرتنا النقابة بالإضراب، فسيكون علينا أن نفعل.»
«لا، لن أفعل.»
«بفرض أن الإضراب قد نجح في تحقيق أهدافه، وقد يحدث ذلك — فالنقابة العمالية قوية للغاية — ماذا ستفعل حينها؟»
«سألتزم بعملي، ولن أشغل بالي بأي شيء آخر.»
«ولكن لن تدعك النقابة وشأنك. إذا فشل الإضراب، فسيحمل جميع العمال ضغينةً ضدك، وإذا نجح، فستجبرك النقابة على ترك العمل في المصنع. فلا فائدة من ضرب رأسك بالحائط يا سيد برونت.»
قال برونت: «تحدث أنت؛ فقد حُبيت بفصاحة اللسان.»
«أنا صغير السن للغاية. لن يستمعوا إليَّ الآن. ولكن سيأتي يوم يستمعون فيه إليَّ، وكذلك السادة. وحينها سأكرس حياتي طواعيةً لقضية العمال.»
كان مارستن يتحدث بحماسة الشباب، واعتراه شعور ببعض الارتباك عندما أخرج محدثه غليونه من فمه وضحك.
«علامَ تضحك؟»
«أضحك عليك. يُسعدني أن أعرف أن ثمَّة شخصًا يؤمن بنا، ولكن كما قلت بنفسك، أنت لا تزال صغيرًا وستتعلم المزيد في المستقبل.»
«ألَا تؤمن بنفسك وأقرانك من العمال؟»
«لا أفعل. فأنا أعرفهم جيدًا أكثر من اللازم. بعرق جبينهم يجنون خبزهم. ربما لم أقُل المثل بدقيق عبارته، ولكن هذا هو المعنى المقصود. ولطالما كان الأمر كذلك في الماضي، والحاضر، وسيظل كذلك إلى الأبد. آمين.»
صاح الشاب وقد نهض من مقعده وظل يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا منفعلًا: «لست معترضًا على ذلك يا سيد برونت. ثق في ذلك. ولكني أريد أن أرى الجميع يعملون. ما أعترض عليه هو أن يجني المرء خبزه من عرق جبين رجل أجير، كما قال أحدهم. يا إلهي! انظر إلى أعدادنا. نحن نفوق أولئك المتبطلين عددًا بنسبة عشرة إلى واحد، بل مائة إلى واحد، في كل دول العالم. وكل ما نحتاج إليه هو قائد إيثاري.»
نظر له الرجل العجوز، وقد ارتسمَت على شفتَيه المزمومتَين ابتسامة ساخرة.
وقال: «انظر إلى عدد حبات الرمال على الشاطئ. هل يمكن لأي قائد أن يصنع منها حبلًا؟ الأعداد لا تُهم يا صديقي. اعتنِ بنفسك يا مارستن ولا تعبأ بالعمال، هذا هو قانون العالم. يمكنك أن ترفع نفسك لأعلى، ولكنك لن تتمكن من رفعهم جميعًا معك. لقد كسروا قلوب، بل ورءوس، كثيرين حاولوا أن يحسنوا من أحوالهم. ربما تعتقد أنك تواجه السادة ورأس المال فقط. لن يؤذيك السادة، بل الرجال الذين تقاتل من أجلهم هم مَن سيخذلونك. انتظر حتى يرتفع رأسك قيد أنملة فوق الحشد، وستهبط عليه عصا كل حقيرٍ منهم يرى أن له الحقَّ مثلك تمامًا في أن يكون قائدًا. ليس المال هو نقطة قوة السادة، بل قدرتهم على تمييز الرجل الجيد بمجرد رؤيته، ومساندته عندما يصبح في صفهم. فلا تغرنك الأعداد. ما نفعها؟ إن رجلًا واحدًا يتمتع بالإصرار ولا يحتاج إلى أن ينشغل بمَن سيسانده؛ إذ يدرك جيدًا أن رؤساءه سيدعمونه في السراء والضراء، يمكنه أن يهزم أي شرذمة من الدهماء. لمَ تتمكن فرقة صغيرة من الجنود أن تنهي أي أعمال شغب؟ لأنها تحت إمرة رجل واحد. عندما يقول لهم «اقفزوا»، يقفزون، وعندما يقول «أطلقوا النار»، يطلقونها. هذا هو سر نجاحهم.»
وضع برونت غليونه في فمه مرةً أخرى، وبدأ يدخِّن بعنف وعاد إلى صمته المعتاد. فلم يكن مارستن قد سمعه يطيل الحديث هكذا من قبل، وظل واقفًا في مكانه متأملًا ما قيل. وكان برونت هو من بادر بالحديث وكسر الصمت.
قال بخشونة: «اعزفي «اللحن الجنائزي» يا جيسي.»
ترددت الفتاة لحظة، وبدت غير راغبة في بدء العزف في وجود مارستن، وعلا وجنتَيها القليل من حمرة الاضطراب، ولكن نزعة الطاعة لديها كانت قويةً ومتأصلة؛ فلم يكن والدها رجلًا يمكن عصيانه. قرَّبت الفتاة مقعدها من الأرغن المزماري، وبدأت تعزف «اللحن الجنائزي» لشوبان، وعلى الرغم من سوء عزفها، فقد ظل بالإمكان تمييز اللحن.
بدا الهدوء يغمر برونت أثناء استماعه للحن الحزين. فاتكأ في استرخاء في المقعد، ورفع بصره إلى السقف وهو يدخِّن بلا توقف. جلس مارستن يتأمل فيما قاله برونت. فهو لم يكن في سن تؤهله لأن تكون آراؤه راسخة، وغير قابلة للمعارضة؛ لذا أرَّقته ملاحظات برونت. كان يأمل ألَّا تكون صحيحة، ولكنه خشي أنها قد تكون كذلك بالفعل. أقحم الإيقاع الحزين للموسيقى المعزوفة، التي بدت أنها تهدئ نفس الرجل العجوز، نفسه في أفكار الرجل الشاب وجرها جرًّا نحو القنوط؛ فقد لاحت في ذاكرته لا مبالاة الرجال أمام الحانة وأصابته بالإحباط. وتمنى لو توقفت جيسي عن العزف.
قال برونت متنهدًا بعمق عندما توقفت عن العزف: «آه. هذه أعظم معزوفة موسيقية على الإطلاق. إنها تُعزف في رأسي طوال اليوم. اهتزازات الماكينات في المصنع تبدو مُنغَّمةً معها. ويمكن سماعها في صخب الشوارع. هيا يا فتى، سأذهب معك؛ لأنك تريد ذلك، وليس لأني أرى أنه سيعود بأي نفع. سأتحدَّث إذا أردت، ولكني أعلم أنهم لن يهتموا كثيرًا بما سأقول؛ لن يصغوا على الأرجح. ولكن دعنا نذهب يا فتى.»
نفوس متقلبة |
الفصل الثامن
خرج برونت ومارستن من ظلمة ساحة روز جاردن إلى ضياء شارع لايت، الذي كان في ليالٍ معينةٍ من الأسبوع يبدو كسوقٍ ممتد، إذ كانت تصطف على جانبَيه عربات يد محملة بالفاكهة والخضراوات، مضاءة بمصابيح الجازولين المتوهجة. وكان البخور — ذو الرائحة الكريهة — يُحرق شكرًا لإله الرُّخص. وكانت حشود من النساء، في ثياب رثة، يتفاوضْنَ مع بائعين ليسوا أفضلَ منهن حالًا؛ فقد كانوا يلتقون ويتساومون على مستوى الفقر المشترك بينهم.
انعطف الرجلان إلى شارع جانبي ومنه إلى حارة أضيق، وتوقفا أمام مبنًى ضخم كانت تقدِّم فيه جماعة جيش الخلاص خدماتها؛ مبنًى أُجر مؤقتًا لموظفي شركة مونكتون آند هوب لمناقشة شكاواهم. كان المكان مكتظًّا بالحضور حتى الأبواب، وواجَهَ الوافدان الجديدان بعضَ الصعوبة في شقِّ طريقهما بمحاذاة أحد جانبَي الجدران، الجانب الأقرب إلى المنصة الرئيسية، حيث عثرا أخيرًا على مساحةٍ يمكنهما الوقوف فيها في منتصف المسافة بين الأبواب والمتحدثين.
كان سكيمينس جالسًا في أحد المقاعد يبدو عليه القلق الشديد، وعلى غير طبيعته، لا يعرف المتوقع منه تحديدًا، وترتسم على شفتَيه ابتسامة استهجان شاحبة من وقتٍ لآخر، عندما كان بعض رفاقه المحتشدون يُبدون تعليقاتٍ مسموعةً عن المكانة التي بات يتمتَّع بها، والهيبة الفطرية التي يتصنَّعها في منصبه هذا. وأدلى أحدهم برأيه («إذا ما سُئل») أن سكيمينس يليق به أن يمسك بإناء الخمر في يده اليمنى، بدلًا من المطرقة التي من المفترض أن يحفظ النظام باستخدامها.
جلس أعضاء اللجنة على صفٍّ من المقاعد في مؤخرة المنصة، وبدا على أغلبهم عدم الارتياح الشديد مثلما بدا على رئيسهم. وكان العديد من المراسلين يكتبون على الطاولة المخصصة لهم. ومن وقتٍ لآخر، كان أحدهم يهمس بسؤالٍ إلى رئيس اللجنة أو أحد أعضائها، وكانوا جميعهم يحصلون على الإجابة نفسها تقريبًا: «لا أعلم، اسأل جيبونز.»
كان واضحًا تمامًا أن جيبونز هو رجل الساعة. فقد كان واقفًا على قدمَيه بحكم منصبه رئيسًا للجنة وأمين نقابة العمال، وكان على وشك الانتهاء من قراءة تقرير اللجنة، عندما وجد برونت ومارستن مكانًا ليقفا فيه في جانب القاعة.
«… وأخيرًا، تطلب لجنتكم الإذن لإبلاغكم بأنه من منطلق رفض السيد سارتويل لجميع المبادرات المقدَّمة من لجنتكم، ورفضه التشاور معها سواء من خلال رئيسها، أو باعتبارها هيئة، فقد تقرَّر تجهيز هذا التقرير ورفعه إليكم من أجل اتخاذ إجراءٍ حاسمٍ بهذا الشأن.»
وبعدما انتهى جيبونز من قراءة الوثيقة، وضعها على طاولة المراسلين ليَطَّلعوا عليها عن كثب. كان جيبونز هو من كَتَب التقرير بنفسه، وكان فخورًا نوعًا ما بصياغته بطبيعة الحال، وكان يأمل في أن يراه منشورًا في الصحف. والتفت بعد ذلك ليواجه جمهوره، بعدما حيَّا الرئيس.
وقال: «الآن، أيها السادة، وقد سمعتم التقرير. لقد فعلَت اللجنة التي عُينت من قِبَلكم، وفُوِّضت من قِبَلكم، وتعمل من أجلكم، والمُخَوَّلة بموجب سلطتكم، كلَّ ما في وسعها للتوصُّل إلى حلٍّ ودي لهذه المسألة؛ فقد طرقت جميع الأبواب، ولم تتوانَ عن استخدام أي وسيلةٍ مشروعة، ولم تألُ جهدًا، في سبيل التوصل إلى اتفاقٍ عادلٍ لكلٍّ من رب العمل والموظف على حدٍّ سواء. ولكن، أيها السادة، واجهت لجنتكم منذ البداية عقبةً لم تتمكَّن من تخطيها، عقبةً أجهضت جميع جهودها. لقد أحالت شركة «مونكتون آند هوب» اللجنة إلى السيد سارتويل المدير، الذي رفض رفضًا قاطعًا أن يلتقي اللجنة ويناقش أي شيء معها. هذا الرجل، الذي كان هو نفسه عاملًا ذات يوم، أصبح يتعالى الآن …»
في هذه اللحظة، جذب أحد المراسلين طرف سترة جيبونز، ودار بينهما حديث هامس. وبعدما انتهى، واصل جيبونز حديثه قائلًا: «طرح عليَّ أحد السادة الصحفيين سؤالًا، وهو سؤال جيد للغاية. لقد سألني عما إذا كنا قد هدَّدنا السيد سارتويل بأي شكلٍ من الأشكال بالإضراب عن العمل، كما يُشاع. أيها السادة، نحن لم نهدِّد أحدًا بأي شكلٍ كان.» (تعالَت الهُتافات). «لقد تواصلنا مع السيد سارتويل بنفس الاحترام الذي كنا سنتواصل به مع أحد أعضاء حكومة جلالة الملكة، إذا كان لدينا التماسٌ نرغب في عرضه. لُب المسألة إذن هو أن السيد سارتويل يرفض رفضًا قاطعًا أن يتعامل مع رجاله عندما تكون لهم …»
صدر صوتٌ من جانب القاعة يقول: «هذا ليس صحيحًا.»
التفتَت رءوس الحضور نحو مصدر الصوت، وبدَت عليهم البهجة من المقاطعة. فقد كانَت تبشِّر بمرحٍ سيليها. وصدرت همهمات مِلؤها الترقب الممتزج بالمتعة والبهجة. التفت جيبونز بحدةٍ إلى حيث صدر الصوت.
تساءل قائلًا: «ما الذي ليس صحيحًا؟»
«ليس صحيحًا أن السيد سارتويل يرفض لقاء رجاله.»
«هل أنت أحد رجاله؟»
«نعم. هل أنت منهم؟»
سرت همساتٌ من الاستمتاع الحاد بهذه الضربة المباشرة لجيبونز. حتى الخطيب المُفوه نفسه فُوجئ بهذا الرد السريع، ولكنه تمالك نفسه على الفور.
واصل أمين النقابة حديثه قائلًا: «ظني أنك ربما تكون شخصًا أُرسِل إلى هذا الاجتماع لمقاطعته. سيظل هذا واردًا، ولكننا سنتجاوز تلك النقطة الآن. لن نحذوَ حَذو السيد سارتويل، وإذا كان أحد أصدقائه حاضرًا بيننا، فسيُسعدنا أن نستمع لِما يريد قوله في الوقت المناسب. كنت على وَشْك أن أقول عندما تمَّت مقاط…»
صاح الصوت: «لقد أجبت سؤالك، فلتُجب سؤالي.»
وجَّه جيبونز بصره نحو الرئيس طلبًا للحماية، فطرق سكيمينس بمطرقته بوهنٍ على الطاولة أمامه وهو يقول: «النظام، النظام»، ولكن بصوتٍ بدا يأمل في ألَّا يسمعه أحد.
سأل جيبونز بنبرة غضبٍ في صوته: «ما سؤالك؟»
«هل أنت أحد موظفي شركة مونكتون آند هوب؟»
«أنا أمين نقابة العمال التي يمثِّل موظفو هذه الشركة جزءًا منها، واسمح لي بأن أُضيف أنه أقوى اتحاد عمال في لندن. كما أني رئيس هذه اللجنة المُشكَّلة من موظفي هذه الشركة. أنا لم أسعَ لتولي هذا المنصب، ولكني انتُخبت بالإجماع لتوليه؛ ومن ثمَّ أزعم أني فعليًّا أحد موظفي شركة مونكتون آند هوب، وأنه لا أحد هنا أحق مني بالتحدث نيابةً عن هؤلاء العمال، أو الدفاع عنهم في وجه الظلم. وسأخبر الرجل الذي يقاطعني — سأخبره في وجهه — أنه لا شيء سيرهبني للتخلِّي عن واجبي، سواء كان هذا الترهيب من قِبَله أو من قِبَل السيد سارتويل، ما دمت أحتفظ بثقة الرجال الذين وضعوني هنا. فأنا لا أعترف بأي سادةٍ آخرين. وإذا أردت أن تُخاطب هذا الحشد، فاصعد هنا على المنصة وواجه الأمر مثل الرجال، ولا تقف في مكانك متواريًا تنبح كالكلب. دعنا نَرَك.»
تعالى هُتاف قوي لهذه الكلمات. لقد بدأت المعركة، وكان الجمهور مبتهجًا. كان هذا هو نوع الحوار الذي يحبون سماعه.
ضرب برونت مارستن على ظهره ودفعه إلى الأمام.
صاح قائلًا: «كن على قدر التحدي يا فتى. أنا في ظهرك. سأتبعك، وسأخبرهم ببعض الحقائق عن العاطلين. سنسيطر على هذا الاجتماع لو أننا تصرفنا على النحو الصحيح. هلمَّ يا رفيقي.»
توجه مارستن نحو المنصة، وكان الحشد يُفسح له الطريق. تسمَّر جيبونز في مكانه للحظات، وبدا متفاجئًا بهذه المعارضة غير المتوقعة، ثم عاد ليجلس على مقعده على رأس اللجنة. هلَّل الحشد المرح عندما رأوا الشاب يقف أمامهم.
بدأ مارستن حديثه قائلًا: «رفاقي العمال …»
نبَّهه شخص ما في منتصف القاعة حيث سُمعت ضحكة، قائلًا: «خاطب الرئيس.» حتى إن سكيمينس نفسه قد ارتسم على شفتَيه شبح ابتسامة. احمرَّ وجه المتحدث قليلًا وقال في ارتباكٍ وعجلة:
«سيدي الرئيس، رفاقي العمال …»
هلَّل الحشد بحماس، ومرت لحظات قبل أن يتمكن مارستن من حملهم على سماعه مرةً أخرى. تسلل شعور باليأس إلى نفسه بينما كان يقف أمامهم. كان من الجلي أنهم يرَون الحدث برمته مزحةً كبيرة، شيء أشبه بالترفيه في حفلٍ موسيقي ولكن من دون بيرة، وكان هذا عيبًا بالنسبة إليهم بالطبع، ولكنهم أيضًا لم يدفعوا أيَّ رسومٍ مقابل الدخول، وكانت هذه ميزةً بالنسبة إليهم؛ إذ تبقى معهم المزيد من المال لإنفاقه على المسكرات بعد انتهاء هذا التجمع المسلي. وتساءل، بينما كان ينظر إلى الجمع المازح الهائج، عما إذا كان ينظر للموقف بجديةٍ مبالغٍ فيها. ولمعَت في ذهنه جملة سمعها في محاضرةٍ عن الاشتراكية. فقد قال المحاضر: «ليس الرأسمالي أو الحكومة هما مَن عليك قهرهما، بل العمال أنفسهم.»
عندما انحسر الهرج والفوضى وأصبح من الممكن سماع صوت مارستن، واصل حديثه قائلًا:
«لقد أكد السيد جيبونز أن المدير رفض التشاور مع موظفيه، وزعمت أنا أن هذا ليس صحيحًا. فقد أخبرني السيد سارتويل نفسه أنه على استعدادٍ لاستقبال وفدٍ من عمال المصنع. وقال إن …»
صاح جيبونز وقد هبَّ واقفًا وخطا خطوةً نحو الأمام: «ماذا يعني ذلك؟»
صاح برونت من بين الحشد المتجمِّع في القاعة: «لا تقاطع المتحدث.»
صرخ جيبونز وقد بلغ منه الغضب مبلغه: «لقد قاطع حديثي أيضًا.» ثم التفت نحو الشاب، الذي ظلَّ واقفًا في مكانه صامتًا ينتظر توقُّف النقاش الدائر بينهما، وسأله أمين النقابة:
«متى أخبرك سارتويل بذلك؟»
«مساء يوم الثلاثاء.»
ردَّد جيبونز العبارة وهو يتقدم نحو مقدمة المنصة: «مساء يوم الثلاثاء! مساء يوم الثلاثاء! وها أنت ذا تقف أمامنا بكل صفاقةٍ لتعترف بذلك.»
سأل مارستن، وقد بدا يحاول تمالك أعصابه، ولكنه كان يزم شفتَيه بقوة حتى ابيضتا: «ولمَ لا أفعل؟»
«لمَ لا تفعل؟ سأخبرك بالسبب. لأنك تسلَّلت من خلف ظهور أعضاء اللجنة التي شاركت في تعيينها. هذا هو السبب.»
«لم أشارك في انتداب اللجنة.»
«لقد شارك جميع عمال المصنع في انتداب اللجنة. وإن لم تكن قد صوَّتت، فقد تخلَّيت عن واجبك. وإذا كنت قد صوَّتتَ ضد اللجنة، فأنت ملزمٌ بنتيجة التصويت مثلما كانت اللجنة ستلتزم بالنتيجة لو كانت خسرت التصويت. هكذا تسير النقابات العمالية، إما أن ننهض معًا وإما أن نسقط معًا. ولكنك رغم معرفتك بانتداب لجنةٍ للتعامل مع هذه المسألة بالذات، ذهبت زاحفًا إلى سارتويل، وقوَّضت جهود رفاقك في نقابة العمال.»
تحدَّث مارستن من بين أسنانه المطبقة، مصدرًا هسيسًا حادًّا، رغم خفوته، لدرجة أنه وصل إلى الطرف الآخر من القاعة، قائلًا: «محض كذب!» ثم اتجه الشاب ناحية خصمه بخطوات واسعة وهو يضم قبضة يده اليمنى ويفردها. كانت لحظة مشحونة، وكتم الحضور أنفاسهم. وتوقع الجميع أن الخطوة التالية ستكون لكمة.
ظل جيبونز واقفًا في مكانه دون أن يطرف له رمش. ولم تتحرك عضلة في وجهه سوى جفنَيه اللذَين انغلقا على عينَيه جزئيًّا ليتركا شقَّين ألقى من خلالهما نظرةً قاسيةً على مارستن، إلا أن إجابته لم تكن في نفس قسوة نظراته.
فقال بهدوء، الأمر الذي بدا مخيبًا لآمال مستمعيه: «إذا كان هذا محض كذب، فلست أنا مصدره. كل ما فعلته هو أني صُغت ما قلته أنت في عبارة أكثر اقتضابًا؛ هذا كل ما فعلت.»
في هذه اللحظة صرخ برونت، الذي ظل مسيطرًا على غضبه بصعوبة خلال هذا الحوار الدائر على المنصة، بأعلى صوته قائلًا:
«أعطِ الفتى فرصةً ليتحدث وأغلق فمك السخيف هذا. لقد دعاك بالكاذب مثلما يفعل الرجال ولم تجرؤ على مواجهته بوصفك رجلًا. اجلس أيها الأحمق!»
اعترض أمين النقابة وهو يلتفت إلى سكيمينس قائلًا: «لا بد أن أطلب الحماية من الرئيس.» نهض سكيمينس واقفًا في تردد نوعًا ما، شاعرًا بأنه من المتوقع منه أن يفعل شيئًا، وضرب سطح الطاولة أمامه بالمطرقة ثلاث أو أربع مرات.
وصاح قائلًا: «النظام، التزموا النظام. إذا حدثت أي مناوشاتٍ أخرى من أيٍّ من الحضور، فسيُطرد مسبِّبها من الاجتماع.»
صاح برونت: «ماذا! تطردني من الاجتماع! يا إلهي! سأمنحك الفرصة لتفعلها.»
شق الرجل الضخم طريقَه نحو المنصة مُزيحًا من أمامه بعضًا من الرجال الذين حاولوا اعتراضه؛ حفاظًا على القانون والنظام. أما أغلب الحضور فبدا جليًّا أنهم يرَون أنه يجب ألَّا يُمنع الرجل الغاضب من التقدم نحو المنصة، فهلَّلوا لتدخُّله وصاحوا بتعليقاتٍ مشجعة.
قفز برونت على المنصة وتوجَّه مباشرةً نحو الرئيس، وضرب سطح الطاولة بقبضته المضمومة وصاح:
«ها أنا ذا يا سكيمينس. أَخرِجْني من الاجتماع الآن؛ هل تسمعني؟»
صمت برونت منتظرًا سماع رد، ولكنه لم يتلقَّ أي رد. وبدا سكيمينس، الذي تراجع إلى الخلف، متأهبًا للفرار حال حاول برونت أن يهجم عليه. حدَّق الرجل من يوركشاير فيه غاضبًا، إلا أن الرجال الواقفين على المنصَّة بدا أنهم يفكِّرون في أن وقت الاعتراض لم يَحِن بعد. وفي الوقت نفسه، كان الحضور يطالبونه بصوتٍ عالٍ أن يلقي خطابًا.
قال برونت وقد هدأ قليلًا عندما لم يعارضه أحد: «ليس لديَّ الكثير لأقوله يا رفاق، كما أني لست خطيبًا مفوهًا. فما أنا إلا عامل، وكل ما أريده هو فرصة لأجني قوت يومي. ولكني سأقول الآتي: قرأت في الصحف منذ وقتٍ ليس ببعيد أن ثمَّة سبعةً وعشرين ألف عامل مثلنا عاطلون عن العمل في إنجلترا حاليًّا. سبعة وعشرون ألف عامل متلهفون للحصول على عمل. والآن، ما الذي يطلبه منكم جيبونز هذا؟ إنه يطلب منكم التخلي عن وظائفكم وترك أماكنكم؛ ليأخذها بعضٌ من السبعة والعشرين ألف عامل أولئك. وكل ما سيكون على سارتويل فعله حينها أن ينشر إعلانًا في الصحف، وسيمكنه أن يملأ المصنع بخمسة أضعاف عددكم من العمال في غضون يومَين. لطالما كان تَرْك وظيفة أسهل من الحصول على واحدةٍ جديدةٍ في العصر الحالي. أعلم هذا لأني جربته بنفسي. وأغلبكم جربه. فاستمعوا إلى نصيحتي ولا تُمضوا أكثر من ذلك في هذا الهراء. وإذا كان سارتويل، كما قال مارستن، على استعدادٍ لمناقشة الشكاوى، فرأيي أن نُرسل له وفدًا مؤلفًا من عمال الشركة، ليس بينهم غرباء مندسون. ماذا فعلت النقابة من أجلنا؟ إنها تأخذ أموالنا كل أسبوع، هذا كل ما أراه. والآن وبعد أن أصبح لديهم الكثير منها، ها هم يُريدون إهدارها في محاربة رجلٍ ذي نفوذٍ قويٍّ مثل سارتويل.»
كان مارستن جالسًا على حافة المنصة. دائمًا ما ندرك أخطاء الآخرين أسرع مما ندرك أخطاءنا، ولم يعجبه هجوم برونت على النقابة العمالية في حديثه. فقد كان يرى أنه كان من الأفضل عدم قول ذلك على الملأ، كما أنه كان يؤمن بجدوى النقابة العمالية إذا ما حظيَت بقيادةٍ رشيدة. لقد كانت حربه على جيبونز لا على المؤسسة.
كان جيبونز جالسًا في مقعده، وسرعان ما قيَّم المتحدث. ورأى أن الخطاب كان له تأثيرٌ على الحضور، وأن سيطرته عليهم تتسلَّل من بين يدَيه. كان القرار الذي اتخذه ينطوي على مخاطرةٍ كبيرةٍ مع هذا الرجل القوي، ولكنه عزم أمره على أن برونت يجب أن يُقاد إلى الغضب، حيث من المرجح، في غمرة عنفه، أن يخسر الأفضلية التي كسبها. وبهدوء، وبإشارة من عينه، جمَّع جيبونز أتباعه المخلصين الذين كانوا متناثرين في أرجاء القاعة؛ ليعطوا انطباعًا بأن الهتاف ليس جماعيًّا عندما يحين وقته، وتقدَّم هؤلاء الرجال في تلك اللحظة بالتدريج نحو المقدمة أثناء حديث برونت. وصعد واحد أو اثنان منهم بهدوء إلى المنصة ودخل في حوارٍ هامسٍ مع أمين النقابة، ثم اتخذا مكانَيهما ومعهما آخرون خلف مقاعد أعضاء اللجنة. وعندما ذُكر اسم سارتويل، نهض جيبونز من مقعده.
وقال: «سيدي الرئيس، لا يمكنني أن أسمح ﺑ…»
حينها التفت برونت نحوه كأسد هائج.
وصرخ وهو يشمِّر عن ذراعيه: «إياك أن تقاطعني وإلا ألقيتك من تلك النافذة.»
قال الرئيس بصوتٍ واهن: «النظام، التزموا النظام.»
فصاح الرجل الثائر: «وسألقيك فوقه! فعلتها من قبل.»
قال جيبونز بهدوء: «فلتحترم الاجتماع إن لم تكن تحترم الرئيس.»
وصاح رجل في مقدمة القاعة: «أنت تحادثنا كما لو كُنا مجموعةً من الحمقى.» التفت برونت بعينَيه المتقدتَين بالغضب، كثور محاصر لا يعلم إلى أين عليه أن يندفع، نحو آخر من تكلم. ووجه قبضته المضمومة نحوه، ولوَّح بذراعه المكشوفة نحو الحضور.
وصاح بأعلى صوته كأسد يزأر قائلًا: «وماذا أنتم غير ذلك؟ مجموعة من الحمقى الملاعين، جميعكم. مسلوبو الإرادة منساقون كالأنعام خلف رجل يفوقكم حمقًا. نعم، ما أنتم إلا مجموعة من ببغاوات حمقى، هذه حقيقتكم، لا يكفي مجموع ذكائكم أجمعين ليُدير حجر رحًى. ما أراكم سوى شرذمة أصابتكم البيرة بالبلادة، ولم يتبقَّ لكم من إدراك إلا ما يكفي لترَوْا ما إذا كان الكوب في أيديكم ممتلئًا أم لا.»
في هذا الوقت كان الحاضرون في القاعة قد صاروا في حالة سخط وعلى وشك الانفجار غضبًا. وانفتح باب صغير على يمين المنصة يؤدي إلى زقاق، وانسلَّ عددٌ من ضعاف القلوب، لدى رؤيتهم لعاصفةٍ على وَشْك الاندلاع، وانسلوا إلى الخارج في هدوء. وتحوَّل الاجتماع إلى حشدٍ هائج، يطالب أفراده بسفك دم الرجل الذي وقف يتحدَّاهم ويكيل لهم الإهاناتِ ويحقِّر من شأنهم.
خطا جيبونز، وقد شحبت شفتاه رغم الحزم البادي عليهما، خطوةً إلى الأمام. وقال: «لقد اكتفينا من حديثك. فلتغادر المنصة!»
استدار برونت كما لو كان يدور على محور ارتكاز، واندفع نحو أمين النقابة. تراجع الأخير إلى الخلف برشاقة، بينما عدا أحد أتباعه وقفز ضاربًا برونت بقدمه في معدته مباشرة. كانت الدفعة شديدة، وكان الهجوم مفاجئًا وغير متوقع، لدرجة أن برونت، رغم قوته الغاشمة، تراجع إلى الخلف بعنف وتكوَّم جسده مثل شريط قياس معدني، ثم سقط على ظهره من فوق المنصة على الأرض. وعلى الفور، انقض عليه مجموعة من الرجال، وطاردوه، على الرغم من اللكمات التي راح يوزعها يمينًا ويسارًا، عبر الباب المفتوح المؤدي إلى الزقاق. وفي لمح البصر، أُغلق الباب وقُفل بالمزلاج، ليصبح برونت في الخارج والمعتدون عليه في الداخل. حدث كل هذا بدقة وسرعة بالغتين، لدرجة أن رجال الشرطة، الذين كانوا متأهبين منذ بعض الوقت، لم يصلوا إلى الباب إلا بعدما أُغلق بالمزلاج. أما الحضور، الذين لم يُكَوِّنوا فكرةً عامةً واضحةً عما حدث، خلاف السقوط المفاجئ لبرونت على ظهره، فقد صاحوا مهللين بأعلى أصواتهم، الأمر الذي جعل جيبونز يشعر بالامتنان لذلك. فلم يكن يريد أن يعلموا أن الشرطة قد ألقَت القبض على برونت في الخارج، وكان حريصًا بشدة على ألَّا يحدث أي اعتقال داخل القاعة إذا كان الاعتقال حتميًّا لا مفر منه؛ ففي هذه الحالة، لن يحول حتى سب برونت العنيف للعمال دون التعاطف العام معه من قبلهم. وبينما كان صوت الهتاف يصم الآذان، سمع جيبونز صوت ضربة هائلة على الباب، ضربة كادت تقصم المزلاج، وجعلت وجوه الواقفين بالقرب منه تشحب. وكسرت ضربة قوية أخرى إطار الباب وظهرت أصابع دامية للحظة قبل أن تختفي. ثم كانت ثمَّة دلالة على حدوث عراك قوي لم يستمر طويلًا في الزقاق، ثم هدأ كل شيء عدا صدى صوت الهتاف الرنان.
اتجه جيبونز إلى مقدمة المنصة ورفع يده في إشارة للحضور بأن يصمتوا.
وقال: «أشعر بأسف بالغ لما أبداه ذلك المتحدث الأخير من ملاحظات، وعبارات لم يكن ينبغي أن تصدر منه، ولكن دعونا نتذكر جميعًا أن الكلمات القاسية لا يمكنها كَسْر العظام. ولكن يكفي ما قيل الليلة، وحان الوقت للعودة إلى قضيتنا. أيها السادة، لقد سمعتم تقرير اللجنة؛ فما رأيكم؟»
وقف رجل من الجالسين في وسط القاعة وقال: «رأيي أن نُضرب عن العمل.»
وصاحت عدة أصوات قائلة: «أنا أؤيد ذلك.»
همس جيبونز في أذن الرئيس الحائر: «ابدأ التصويت.»
نهض سكيمينس واقفًا.
وقال: «لقد سمعتم الاقتراح جميعكم. فليقل الموافقون نعم.»
وارتفعت صيحة شبه جماعية ﺑ «نعم». وكان الرئيس على وشك العودة إلى مجلسه، إلا أن جيبونز سرعان ما أضاف قائلًا: «المعارضون.»
فنادى الرئيس، وهو متذبذب بين الجلوس والوقوف: «لا يوجد معارضون.»
لم تُسمع أي أصواتٍ معارضة؛ إذ كان مارستن قد غادر ليرى ما حل بصديقه، وتسلَّل الرجال الخوَّافون هاربين عندما شعروا ببوادر اضطراب.
قال سكيمينس وهو يعود لمقعده وقد بدت على وجهه أمارات الارتياح التام: «تمَّت الموافقة على الاقتراح.»
فأضاف جيبونز بصوت عالٍ، دون أن يتمكن من إخفاء رضاه عن النتيجة، قائلًا: «وبالإجماع.»
نفوس متقلبة |
الفصل التاسع
ثمَّة شوارع في تشيلسي مخصصة فعليًّا لاستديوهات الرسم. كانت عبارةً عن مبانٍ عريضة وقصيرة من طابق واحد تحتوي واجهاتها الأمامية على الكثير من الأبواب، وفي الخلف صفٌّ من نوافذ كبيرةٍ تتألَّف من ألواح عديدة من الزجاج تسمح بدخول الضوء القادم من الشمال الذي يحبه الرسامون، وكانت هذه المباني مصطفةً على جانبَي الشوارع التي أسماها بارني بأسلوبه الفكاهي الارتجالي شوارع «الشفق القطبي الشمالي»؛ وذلك لأن «الأضواء القطبية الشمالية» تغمرها، كما كان يقول دائمًا. كانت هذه المراسم ملائمةً تمامًا للرسامين العاديين الذين يعرضون لوحاتهم في الأكاديمية الملكية وأماكن من هذا القبيل، إلا أن رسامًا ذا جوهرٍ حقيقي (وبالمصادفة يملك حسابًا مصرفيًّا يعتمد عليه) كان يرغب في شيءٍ أفضل من هذه الحظائر؛ لذا اشترى بارني منزلًا وجهَّزه ليلبِّي احتياجاته. كان كريجنبوتوك هاوس، كما أسماه بارني تقديرًا متأخرًا للعبقري توماس كارلايل، منزلًا من ثلاثة طوابق تفصله عن الشارع قطعة أرضٍ محيطة به. وكان أن ترك الغرف في الطابق العلوي على حالها، وخصَّص بارني غرف نومٍ لنفسه ولأصدقائه؛ فقد كان كرم ضيافته لا يُضاهى وبلا حدود. فُتحت الأقسام جميعها في الطابق الأول بعضها على بعض، بحيث كوَّن هذا الجزء من المنزل شقةً واحدة واسعة، ما عدا مساحة خصَّصها لتكون منصة تكريمٍ فخمة يُصعَد إليها، بطريقة مهيبة تليق بمعابد الفنون، عن طريق درجاتٍ حجرية عريضة حلَّت محل الدرج الخشبي التقليدي الذي اكتفى به سكان المنزل السابقون. ومن أجل توفير الدعم الضروري للطابق العلوي، بعدما أُزيل جميع أقسام الطابق السفلي، وُضعت في سقف الطابق السفلي ألواح مربعة ضخمة من الخشب، أعطت المرسم الفسيح مظهر سقف الحظيرة الضروري للغاية لإنتاج أعمالٍ فنيةٍ راقية.
اعترضت والدة بارني على البرودة القارسة لدرجات السلم الحجرية العارية. فقالَت إنه من منطلق وجود هذا السلم داخل المنزل، ولأنه ليس السلم المؤدي إلى مدخل المنزل الأمامي، فلا بد من وضع سجادةٍ عليها. أقر بارني بأنه في ظل الظروف العادية من الأفضل فعل ذلك بالفعل، وعرض طواعيةً تقديم تنازلٍ ما إذا طرأ حدث يستدعي وضع سجادة. إذا زاره أحدُ أفراد العائلة المالكة، فسيضع على الدرج السجادة الحمراء التقليدية التي اعتادَت أقدام العائلة المالكة السير عليها. بل إنه أقرَّ لوالدته بأنه قد اشترى بالفعل لفةً من السجاد الأحمر، وكانت في تلك اللحظة موضوعةً في الخزانة الموجودة أسفل الدرج؛ لكي تكون جاهزةً في أي لحظة. ولكن في الأيام العادية ستظل درجات السلم عارية؛ لأن درجات السلم الحجرية في قصر «بيتي» كانت عاريةً دائمًا، وبما أن بارني كان ينوي أن يجعل لمنزل كريجنبوتوك، في نهاية المطاف، شهرةً وصيتًا في عالم الفنون مثل معرض فلورنسا، فسيحذو حذوَه فيما يتعلق بدرجات السلم. فلا شيء يضاهي البداية الصحيحة.
في الطابق الأرضي من المنزل، كانت غرفة الطعام والمطبخ، وأسفله يوجد قبو عامر بما لذَّ وطاب. كانت الرَّدهة مدهونةً بلون أحمر قانٍ غني، وينفذ الضوء إليها عبر نافذتين من الزجاج الملون اللامع رُكِّبتا أثناء تحويل المبنى من مسكن إلى مرسم. وعندما كان أحد يُطري على هاتين النافذتين، كان بارني يقول: «نعم. إنهما جيدتان إلى حد مرضٍ، ولكنهما ليستا أصليتين، كما تعلم، ليستا أصليتين. لا، إنهما مجرد نسختين منفَّذتين بحرفية من جزء من نافذة في كاتدرائية كولونيا في عام ١٥٠٨. وقد وضعتهما هنا مؤقتًا؛ لأني كنت منشغلًا إلى حد أنني لم يتيسَّر لي وقت لتصميم شيء أفضل بنفسي، وهذا ما سأفعله فيما بعد.»
ولكن من بين جميع الملحقات الزخرفية التي يحتويها هذا المرسم، ربما كان أكثرها إثارةً للاهتمام «خادم» بارني الذي ألبسه زيَّ خدم مميزًا يجمع بين اللون الأزرق، والقرمزي، والفضي، كان جذابًا إلى أبعد الحدود. على الرغم من أن بارني لم يتيسر له الوقت الكافي، لتصميم نافذةٍ من الزجاج الملوَّن تتفوَّق على نوافذ كاتدرائية كولونيا جمالًا، فقد كان مجبرًا على تصميم هذا الزي؛ فلم يكن بالإمكان نسخ هذا الزي من الخارج، ولم تكن عائلة هوب من العائلات المرموقة ذات التاريخ الطويل؛ لكي يكون للخدم لديهم زيٌّ مميزٌ خاص بهم. فلا شيء يُضفي على أي مكان طابعًا مميزًا ووقارًا مثل «خادم» يرتدي ملابس فاخرة، ذات تصميم يدل على البذخ والترف بغض النظر عن التكلفة، ويتعاظم التأثير إذا كان جليًّا أن «الخادم» لا يؤدي أي وظيفة ضرورية، أيًّا كانت؛ فقلةٌ فقط من الناس هم من يصلون إلى قمة عدم الفائدة المطلق. وتدرك الفنادق الكبرى في هذا البلد مدى التميز الذي تكتسبه عبر امتلاكها كائنًا ذا رونق وهيبة على عتبات أبوابها، يقود النزلاء الوافدين في عظمة وشموخ بإشارة من يده نحو رَدهة الفندق. غير أن هؤلاء الأشخاص المتواجدين في هذا المكان لتزيينه غالبًا ما يحطُّون من قدر أنفسهم، عبر فَتْح أبواب عربات الأجرة وأداء أعمال مفيدة أخرى، منحرفين بذلك عن وظيفتهم الأصلية، وهي، كما يُصر بارني، إسعاد أنفسهم عبر أن يكونوا حِسان المظهر لا غير.
عندما شكا أحد ضيوف بارني ذات مرة من أن الرجل الذي يقف عند قمة الدرج رفض أن يقوده إلى داخل المرسم، وضع بارني يده اليمنى على كتف الضيف بود أخوي، وقال له:
«إنه يعلم جيدًا، يا صديقي العزيز، أني سأطرده في الحال إذا ما نسي نفسه إلى حد الإجابة على سؤال.»
فسأله الضيف ببعض الاستياء: «وما الغرض من وجوده إذن؟ لا أرى له فائدة.»
أجابه بارني مهدئًا إياه: «هذا صحيح، هذا صحيح. لو رأيت له فائدة، فسيكون عليَّ أن أطرده من العمل وأبحث عمن يحل محله، وأؤكد لك أنه ليس من السهل العثور على أشخاصٍ عديمي الفائدة يبلغ طولهم ست أقدام وبوصتَين. لا يا صديقي العزيز، ليس من السهل العثور عليهم، ثِقْ بما أقول. إن الناس عازفون تمامًا عن التفكير؛ حتى إنهم «سيطرحون» أسئلةً غبية. وأنا أنوي مقاومة هذه العادة قدر استطاعتي. هل تريد أن تعرف الغرض من وجوده؟ إذا وضعت تمثالًا رخاميًّا عند قمة الدرج، لم تكن ستشعر بالإهانة إذا لم يردَّ على استفسارك، ولم تكن ستسأل عن جدوى وجوده. ثمَّة الكثير من الأشياء المفيدة في هذا العالم، لدرجة أن شيئًا لم تلوثه النفعية لا بد أن يحتفي به كل إنسانٍ مفكر عاقل، وإن أردنا إنقاذ هذا البلد النفعي ببشاعة، فعلينا، نحن معشر الفنانين، أن نقود المسيرة.»
ولكن كان لهذا الرجل المهيب الواقف أعلى الدرج استخداماته بالرغم من ذلك؛ فعندما دخل هالديمان ورجل آخر، استجابةً لدعوات بارني الشديدة الود لحضور واحد من «حفلات الاستقبال»، إلى رَدهة المنزل في الطابق الأرضي، وأبصرا هذا الرجل المذهل يقف أمامهما مثل تمثال زاهي الألوان على مستوًى أعلى منهما، قال هالديمان مبهورًا: «يا إلهي!» وتلمَّس طريقه متعثرًا إلى الخارج عائدًا من حيث أتى، وتبعه الرجل الآخر الذي لم يَقل عنه ذهولًا، وكان رسامًا أيضًا يذوق الأمرَّين في مجال الرسومات بالأبيض والأسود لصالح الصحف. تبادل الرجلان النظرات، بعدما ابتعدا لمسافة آمنة عن المرسم، وتوقفا عن السير أثناء ذلك. كان ذهولهما أقوى من أن يقويا على الكلام، إلا أن هالديمان علَّق بجدية قائلًا:
«كان يجدر بي أن أتوقع شيئًا من هذا القبيل. تخيَّل دخولنا إلى المرسم مرتديَين ملابسنا هذه! لقد نجونا بأعجوبة! أعرف مكانًا في شارع كينجز رود يمكننا أن نشتري منه شيئًا لنشربه. لنذهب إلى هناك ونرى إذا كان بإمكاننا التعافي من هذا الموقف الحَرِج. بارني، بارني، يا للأفعال التي تتم باسمك!»
وهكذا نبَّه التمثالُ الحي بارني في صمت لوصول صديقَيه البوهيميين، اللذين لم يكن عليهما غبار في باريس، كما تعلم، ولكن لم يكن من المستحب وجودهما على الإطلاق، عندما يستقر المرء ليبدأ عملًا جادًّا ويتوقع حضور النبلاء في حفلاته.
كان الوقار الهادئ الذي يتسم به «خادم» بارني يقابله النشاط البالغ لذلك الصبي المتأنق، الذي كان يفتح باب المرسم للحضور بشكلٍ أنيق. ربما يمكن تشبيه «الخادم الصغير» بقاربٍ طوربيدي صغيرٍ يمخر عباب البحر تحت ظل سفينةٍ مدرعةٍ مهيبة. فبينما كان الفتى الصغير يفتح الباب بيده اليسرى، كان يرفع يده اليمنى إلى قبعته ملقيًا تحيةً شبه عسكرية ترحيبًا بالضيوف القادمين، وتوديعًا للضيوف المغادرين.
كان من الصعب تخيُّل مكان أكثر ملاءمةً للتجمعات الفنية على غرار «حفلات استقبال» بارني من مرسم بارني. كانت الشقة واسعة، وتحتوي على الكثير من الأركان والزوايا التي استغلها متجر الأثاث في شارع توتنهام كورت رود على الوجه الأمثل. فكانت مفروشةً عند الأركان بأرائك صغيرة تكفي لشخصين، واحتوت على أركان معزولة مجهَّزة بمقاعد فخمة، وتناثرت الأرائك الجذابة في جميع الأنحاء، وعلى الأرضية، فُرشت أنعمُ أنواع السجاد الشرقي. وألقت المصابيح الشرقية بضوءٍ خافت على الأجزاء المعزولة والتي كانت ستصبح مظلمةً لولاها، وأينما يمكن تعليق ستارة، تجد ستارةً معلقة. وكانت أبرز لوحات بارني، التي كانت توضع في أُطر ذهبية وفضية أو من الخشب الطبيعي، مزينةً على نحو رائع، ولمنع غير الفنانين من إحراج أنفسهم بمحاولة تخمين موضوعات اللوحات، كُتبَ اسم كلٍّ منها بحروفٍ سوداء واضحة على الجزء السفلي من الإطار. كان هناك لوحات «جسر باترسي عند منتصف الليل»، و«تشيلسي وسط الضباب»، و«شارع تشيني رو في الثالثة صباحًا»، وغيرها من اللوحات الشهيرة، إلا أن ثمَّة لوحةً رائعةً لنهر التيمز باللونَين القرمزي والأصفر، هي التي أظهرت قدرة بارني على رسم لوحاتٍ رائعة، تلك اللوحة التي، إذا ما أمكننا الوثوق في المقولة الشهيرة، حاول كثيرٌ من كبار الرسامين رسمها، ولكنهم فشلوا بسبب الطبيعة العصية لهذا النهر الشهير التي تحول دون رسمه بهذه الألوان التي تُظهره بهذا التوهج.
كان حفل «ما بعد الظهيرة» في مرسم بارني في أَوْجِه عندما دق جرسَ الباب شابٌّ لم يتلقَّ بطاقة دعوة، إلا أن «الخادم الصغير» لم يكن يعرف ذلك، وفتح الباب على مصراعَيه وحيا الزائر بحركةٍ أنيقة منمَّقة من يده، كما لو كان دوقًا. أجفل الوافد كثيرًا عندما رأى انتصار الطبيعة والفن الواقف عند قمة الدرج مثلما فعل هالديمان، ولكن على الرغم من أنه وقف للحظاتٍ ذاهلًا، فإنه لم يعد أدراجه. وراوده هاجس مبهم للحظة بأن هذا الرجل قد يكون بارني نفسه، إلا أنه تخلَّى عن هذه الفكرة بعدما أمعن التفكير فيها. كان مقبلًا على عالمٍ لم يألفه، ولكن همست له فطرته السليمة بأن سكان هذا العالم لا يرتدون ثيابًا على هذه الشاكلة.
سأل الشاب: «هل السيد برنارد هوب موجود؟»
أجابه الصبي بانحناءة وإشارة من يده ليدخل: «نعم يا سيدي. كعادته دائمًا. هلا تخبرني باسمك يا سيدي؟»
«مارستن.»
صاح الصبي نحو أعلى الدرج: «السيد مارستن.»
لم يتأثر تمثال أبي الهول المزخرف القابع عند قمة الدرج بهذا الإعلان، ولكن ظهر خادم آخر أقل بهرجةً أزاح الستائر الثقيلة، بينما كان مارستن يصعد الدرج، وعندما دخل، سبقه نداء اسمه وسط همهمة الأحاديث الدائرة في الداخل. كان المشهد الذي وقعَت عليه عينا مارستن عندما دخل المرسم محرجًا نوعًا ما، بالنسبة إلى رجلٍ خجول، ولكنه شعر بالارتياح عندما لاحظ، بعد لحظات من وقوفه منقطع الأنفاس عقب دخوله، أنه لم يسترعِ انتباه أيٍّ من الحضور تمامًا.
بدَت الحجرة الكبيرة مكتظةً بالناس على نحوٍ محيِّر، وكان ثمة صف من الرجال يقفون مولين ظهورهم للجدار، كما لو كانوا جزءًا من الديكور الجداري. كان الكثير منهم يمسكون بأقداح شاي في أيديهم، وبدا الملل على وجوههم جميعًا بصورة أو بأخرى. كانت الأرائك والمقاعد مرتبةً على هيئة صفوف، كما لو كانوا سيشاهدون عرضًا، وكانت المقاعد جميعها مشغولة، وأغلب الجالسين من النساء. كان ثمَّة خادمان يجولان في أرجاء الحجرة لتقديم الشاي والكعك، بينما كان بارني نفسه يتنقَّل بين الحضور، كما لو كان فراشةً عملاقة في حديقة زهور، ينثر رقةً وفكاهة أينما حل. ودائمًا ما كانت تصدح ضحكة مبهجة تضفي البهجة على الهمهمات الرتيبة للأحاديث الدائرة. كان واضحًا أن الحضور، ربما باستثناء تلك المجموعة التي كانت تقف عند الجدران في جدية، يستمتعون بوقتهم.
ومع تحوُّل الزحام أمام عينَي مارستن الشاب تدريجيًّا إلى أشخاص، توقف قلبه عن الدق فجأة، ثم عاد ليدق مجددًا بسرعة أكبر، حين أبصر إدنا سارتويل جالسةً على أحد المقاعد الأمامية، تبتسم لدى سماعها تعليقًا فكاهيًّا من بارني، الذي كان مائلًا باتجاهها. قبل لحظات، كان مارستن يحاول قهر رغبته في التراجع، عبر إخبار نفسه بأن جميع هؤلاء الأشخاص المتبطلين لا يمثلون شيئًا بالنسبة إليه، أما الآن، بعدما لاحظ وجود الشخص الذي يمثل كل شيء بالنسبة إليه، فقد أصبح عليه أن يقمع ذعره المتزايد بأسلوبٍ جديد. وعلى الرغم من صعوبة موقفه وعدم شعوره بالراحة، كان يعلم أنه لن يفرَّ من أرض المعركة يجرُّ أذيال الخيبة قبل حتى أن تبدأ المهمة التي كلَّف نفسه بها. فقد كان طبعه الحقيقي عنيدًا ككلاب البولدوج، وهو الأمر الذي لم يختبر حدوده من قبل، على الرغم من أن هذا اللقاء المفاجئ مع عدد من الأشخاص يتبوءون مكانةً اجتماعية أعلى منه؛ قد وضع عبئًا ثقيلًا على شجاعته الأدبية. وعبثًا راح يُخبر نفسه أنه ليس أقل من أيٍّ منهم؛ فلم يكن في أعماق نفسه يصدِّق ذلك؛ لذا لم يكن لكل هذه الطمأنة قيمةٌ تُذكر بالنسبة إليه. وفي نهاية المطاف، استجمع شجاعته، وتحدث إلى الخادم الذي أزاح الستار من أجله.
قال له: «هلا تخبر السيد هوب أني أود التحدث إليه للحظات؟»
اقترب بارني من الوافد الجديد بوجه باسم ويد ممدودة.
وقال: «كيف حالك، كيف حالك؟ يسعدني أنك قد وجدت بعض الوقت لتحضر حفلي المتواضع. لقد وصلت في الوقت المناسب؛ في الوقت المناسب تمامًا.»
تفحَّص بارني مظهر ضيفه سريعًا بعين الفنان، وأدرك فجأةً أن ملابسه لا تحمل طابع شارع بوند، دون أن يدرك حقيقة أنها أفضل حُلَّة يمتلكها الضيف. فاختفت الابتسامة من على وجه الفنان.
وأضاف قائلًا: «معذرة! ظننت أني أعرفك، ولكني لا أعتقد الآن أنني قد تشرفت ﺑ…»
«لا. لا توجد معرفة سابقة بيننا يا سيد هوب. أنا أحد عمال مصنع والدك.»
«حقًّا. هل جئت حاملًا لي رسالة منه؟»
«جئت للقائك من تلقاء نفسي. وكنت أتمنى بشدة أن أتحدث إليك بشأن العمل.»
«أوه، ولكن، يا صديقي، كما تعلم! هذا يوم «حفل الاستقبال» الذي أنظِّمه. ولا أتحدث عن العمل في هذه الأيام، أبدًا. وإذا أردت أن تشتري أيًّا من لوحاتي، أو كانت لك أي طلبات أخرى، فسيكون عليك أن تأتي في يوم آخر.»
«لم آتِ للحديث عن اللوحات، بل للحديث عن أمر مختلف تمامًا وأكثر جدية.»
«هلا تسامحني على مقاطعتك يا صديقي؟ لا يوجد شيء جاد إلا الفن، واليوم لن أتحدث حتى عن الفن.»
قال مارستن بانفعال: «حياة الناس أكثر جديةً من الفن.»
«لا ترفع صوتك من فضلك. لا شك في أن الأمور مختلطة عليك، ولكني لا أملك وقتًا لتصحيح مفاهيمك اليوم. وكل ما يجب قوله بشأن تعليقك الأخير أن حياة الناس إلى زوال، أما الفن فسرمدي. لهذا السبب، الفن هو أهم الأمرين. ولكننا سنتغاضى عن ذلك. ألَا يمكنك أن تأتي لنتحدث في يومٍ آخر؟ ثق أني سأسعد بلقائك في أي وقت.»
«ألَا يمكنك أن تمنحني خمس دقائق من وقتك نتحدث خلالها على السلم في الخارج؟»
«مستحيل. لا يمكنني ترك ضيوفي. كما ترى، سنستقبل الإيرل الراقص خلال لحظات معدودة. وسموه الآن يرتِّب تنوراته أثناء حديثنا. لا بد أن أعود لضيوفي.»
«سأنتظر إذن حتى يُنهي الإيرل رقصته، إذا كان هذا هو سبب حضوره.»
«لك هذا يا صديقي العزيز، لك هذا. إنها فكرة رائعة. وأنا على يقينٍ من أنها ستعجبك، ورغم أني لم أشاهد الرقصة بنفسي، فأنا أرى أنها فريدةٌ من نوعها. فلتحصل على كوب من الشاي. كنت سأرسل لك بطاقة دعوة لو اعتقدتُ أن أيًّا من العاملين لدى والدي مهتم بأحدث الحركات الفنية، ولكن لا تعبأ بأمر الدعوة. إذا أردت البقاء دون دعوة، فسيسعدني ذلك. من الرائع حقًّا أن تزورني بهذه الطريقة المفاجئة؛ هكذا أحب أن تسير الأمور، بطريقة بوهيمية تمامًا. أنا واثق من أنك ستعذرني الآن لتركك»، وانصرف عنه بارني ليرى إذا ما كانت جميع ترتيبات ظهور الإيرل قد تمت.
أُزيح تمثال عرض الأزياء إلى أحد أطراف الحجرة المواجه للحضور، وأُسدلت ستائر سميكة على النافذة الشمالية الكبيرة تاركةً المكان شبه مظلم، وسُمعت أصوات فحيح وقرقعة إضاءة الجير في الرواق، ما دفع الفضوليين من الحضور إلى الالتفات برءوسهم ليروا ما يحدث.
وقف مارستن مستندًا إلى الجدار بجوار رجلٍ آخر، قال له بنبرةٍ يغلب عليها الضجر:
«من يكون هذا الرجل برنارد هوب؟»
أجابه مارستن، متعجبًا من أن أحد الضيوف قد يسأل شخصًا لا يعرفه عن مضيفهما: «إنه فنان.»
رد الرجل الآخر: «هذا واضح. ولكن، من تكون عائلته، أم ليس له عائلة؟»
«والده أحد أثرى رجال الصناعة في لندن.»
«يا إلهي، كنت واثقًا من ذلك. كنت أعلم أن ثمَّة شيئًا يتعلق بالتجارة في أصوله؛ فالرجل مهذب للغاية.»
قوطع الحديث الدائر بينهما في هذه اللحظة، حين وقف جسمٌ ما على حامل عرض اللوحات، وفي اللحظة نفسها، سطع ضوء باهر من الرواق عليه. سرت موجة من التصفيق وانحنى الإيرل، الذي كان شابًّا بدون لحية ربما كان في العشرين من عمره. كان يشبه الفتيات في تنوراته الضيقة المحزَّزة. كان سليل عائلة نبيلة عريقة أسَّسها راقص شغوف في عهد الملك تشارلز الثاني، ووفقًا للترتيب المعتاد للأمور، كان لا بد أن تتفجر مَلَكة الرقص هذه من جديد لدى آخر أفراد العائلة.
تحول اللون الأبيض إلى الأحمر وبدأت رقصة التنورة. وأثناء العرض، كان الحضور يصفقون بحرارة؛ فجمهور لندن من السهل إرضاؤه دومًا، لا سيَّما إذا كان الدخول وحضور العرض مجانًا. ولكن إحقاقًا للحق، كان الإيرل الصغير الرشيق يستحق الحفاوة التي استُقبل بها؛ فقد كان أداؤه نموذجًا للأناقة والرشاقة معًا، كما أن تلاعبه بالتنورات العديدة التي كان يرتديها، كان مثاليًّا. وأضفَت الألوان المتنوعة التي سقطَت على القماش أثناء رفرفته ودورانه تأثيرًا غريبًا ورائعًا لحركات سموه السريعة، وأعطى المشهد الختامي الباهر، حينما سقط ضوءٌ قرمزي على الحرير الخفيف الذي يخفق عاليًا فوق رأس الراقص، النبيل الشاب الرشيق مظهر أحد الشهداء القدامى تحوطه ألسنة اللهب.
رُفعت الستائر، ونهض الحضور المبهور واقفًا، وتجمَّعوا حول مضيِّفهم يهنِّئونه على نجاح حفل ما بعد الظهيرة. تقبَّل بارني هذه التهاني بامتنان جَذِل، وتلقَّى الإيرل الشاب في تواضع حصته المستحقة من الإشادات، بعد أن ظهر أخيرًا من خلف الكواليس، وقد ارتدى ثيابه وعاد إلى حالته الذهنية الطبيعية، ولكنه كان يلهث قليلًا؛ لأن أصحاب الموهبة الحقيقية واثقون دائمًا أنهم سيجدون التقدير في هذه المدينة العظيمة، ودع السفهاء يقولوا ما يحلو لهم.
أخذت إدنا سارتويل تتلكأ ببطء للحظاتٍ حول دائرة الزحام التي أحاطت ببارني والإيرل الصغير، ثم شقَّت طريقها متمهلةً نحو الباب، منتظرةً زوجةَ أبيها التي اتجهَت نحو مضيِّفها على مهلٍ لتشكرَه. كان الرجال الذين ظلوا واقفين بمحاذاة الجدار قد خرجوا إلى الشارع بالفعل، وغادر جميع الضيوف الآخرين تقريبًا.
وقف مارستن وحيدًا في نفس المكان الذي شاهد منه العرض، محدقًا بقلب يخفق بقوةٍ في الفتاة التي أحبها. اقتربَت الفتاة منه ببطءٍ دون أن تنظر نحوه؛ إذ كانت تراقب زوجة أبيها التي كانت تقف وسط الجمع الملتف حول بارني الذي كان في تناقص سريع. كانت تتحرَّك كما لو كانت فاقدةً الوعي، كما لو أن الشاب قد نومها مغناطيسيًّا، وكان يجرها نحوه بقوة الإرادة فحسب. وأخيرًا لمسته تنورتها وتخدرت أعصابه حتى أطراف أصابعه. وعلى نحو شبه لا إرادي، غمغم قائلًا:
«مرحبًا يا آنسة سارتويل.»
أدارت الفتاة رأسها نحوه في حركةٍ سريعة، ولوهلة التقت عيناهما دون أن تعرفه.
قال مارستن بصوت أجش بعدما أدرك أنها لم تعرفه: «اسمي مارستن. التقيت بكِ ذات ليلةٍ في مكتب والدك عندما كنا نتحدث عن الإضراب.»
ردت قائلة: «أوه، نعم. لم أتذكرك للوهلة الأولى. فلم … لم أتوقع أن …»، ثم صمتَت وبدا عليها الارتباك، وأشاحَت بوجهها بعيدًا عنه.
قال الشاب متمِّمًا جملتها نيابةً عنها: «أن تجديني هنا»، واستجمع شجاعته؛ فقد ألقت الحقيقة المبهجة بأنه يتحدث إليها بالفعل بواقعها الذي لا يُصدَّق عليه. «لم أكن أعلم أن ثمَّة حفلًا كهذا مُقام هنا. لقد حضرت للتشاور مع السيد هوب بشأن الموضوع نفسه …» واحمرَّ وجهه عندما عادت إلى ذهنه ذكرى موضوعٍ ما، وشعر بأن شجاعته التي اكتسبها حديثًا قد بدأَت تتراجع مجددًا. ثم لملم شتات نفسه واختتم عبارته ببطءٍ قائلًا: «… عن الإضراب، كما تعلمين.»
قالت إدنا وقد استرعى الموضوع اهتمامها في الحال: «أوه. هل من جديدٍ بشأن الإضراب؟»
«نعم، كان ثمَّة اجتماع ليلة أمس، وتم التصويت بالإجماع على الامتناع عن العمل.»
شحب وجه الفتاة.
وقالت: «وهل بدأ العمال الإضراب بالفعل؟ هل حضرت إلى هنا اليوم لهذا السبب؟»
«لا، لن يبدءوا الإضراب حتى يوم السبت القادم. لقد بذلت قصارى جهدي لأمنع حدوثه، ولكني لم أفلح. وطلبت من والدك الحصول على إجازة عصر اليوم، ومنحني إياها دون أن يسألني عن السبب. وخطر لي أننا قد نستطيع القيام بشيء خلال الأيام القليلة التي تفصلنا عن الإضراب، بعدما تخمد حماسة الاجتماع. ولهذا السبب حضرت إلى هنا، ولكني أخشى أني لن أحظى بأي مساعدة هنا.»
«هل يعلم والدي؟»
«عن الإضراب؟ نعم.»
غشي القلق وجه الفتاة الساحر. وأخيرًا قالت: «أنا آسفة للغاية. أنا واثقةٌ من أن ما حدث ليس خطأ والدي؛ فهو يرفق بالجميع. حتى وإن كان صارمًا في بعض الأحيان» — ثم رفعت عينَيها مرسلةً نظرةً خجولةً إلى الشاب جعلَت نبضات قلبه تتسارع — «إنه عادلٌ دائمًا.»
«نعم، أعلم أن هذا صحيح. سينتصر على العمال؛ ولهذا السبب أريد أن تكون الغلبة للناصحين المحايدين. لطالما كان العمال مستضعفين. وأغلب من يتشدقون بأنهم أصدقاؤهم حمقى، والعمال أنفسهم هم الأكثر حمقًا على الإطلاق.»
«ألَا ترى أنك تقسو قليلًا على العمال؟ هل وصلت إلى هنا في الوقت المناسب لتشاهد الإيرل الراقص؟»
نظرَت إليه وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واضحة، وابتسم لها مارستن أيضًا ابتسامةً أضاءت وجهه على نحو رائع، وأنشأت بينهما رابطة صداقة عابرة.
قال: «لقد نسيت الإيرل.»
«يجب أن أذهب الآن. فأنا أرى زوجة أبي تبحث عني. أتمنى أن تنجحَ في تدارُك المشكلة في المصنع.»
مدت يدها نحوه لتصافحه، فأمسك بها برقة؛ خشية أن يقبض عليها بقوةٍ مبالغٍ فيها ويفصح عمَّا في قلبه.
كانَت السيدة سارتويل وابنة زوجها آخر المغادرين.
ألقى بارني نفسه على إحدى الأرائك وأشعل سيجارة.
وقال: «حسنًا، يا صديقي الشاب، ها قد أصبحنا بمفردنا أخيرًا. خذ ما يحلو لك من سجائر، واسمح لي بأن أقدِّم لك مشروبًا أقوى من الشاي الذي نمتِّع به النساء. لدينا العديد من أنواع الشراب في الخزانة، كل ما عليك فعله هو أن تذكر نوعك المفضل من المشروبات الكحولية، بينما أطلب لنفسي براندي وصودا. قد لا تصدق ما سأقول، ولكن حفلات ما بعد الظهر هذه قد تكون أكثر إرهاقًا للمرء من يوم عملٍ كاملٍ في المصنع. ولا يعني هذا أني قد عملت في المصنع من قبل، ولكن أعتقد أنك قد قلت إنه مجال عملك.»
قال مارستن بعدما رفض عروض الضيافة التي قدَّمها مضيِّفه: «هذا صحيح. أريد التحدث إليك بشأن المصنع. لقد قرر العمال ليلة أمس الإضراب عن العمل.»
«متسولون حمقى.»
«أتفق معك في هذا تمامًا. إن تصرفهم أسوأ من الحمق نفسه؛ ولهذا السبب حضرت إليك لأرى إن كنت مستعدًّا للتدخل بأي شكلٍ بهدف بث مزيد من الرضا في نفوسهم.»
«حسنًا، الآن دعنا نرَ، أعتقد أني نسيت اسمك، أم أخبرتني به؟ أوه نعم، مارستن، شكرًا لك، ثمَّة الكثير من الأمور تزحم فكري. كما ترى يا سيد مارستن، إن الأمر لا يخصني من قريب أو بعيد، وإن كان لا بد أن أُقر بأن عرضك أن أكون مُحكِّمًا يسعدني كثيرًا. وهذا ثاني عرض يصلني في هذا الشأن في غضون أيام قليلة؛ لذا أعتقد أنني دبلوماسي بالفطرة. ولكن، كما ترى، لا متعة لديَّ تضاهي الاهتمام بشئوني، وهذا الإضراب لا يعنيني.»
«أعتقد أنه يعنيك. لا شك في أن كل الترف الذي تعيش فيه هنا قد جنيته من وراء العمال الذين أتحدث باسمهم الآن.»
«صديقي العزيز، حديثك الآن يخلو من أي إطراء ولا يمنحني أي سعادة على الإطلاق، أؤكد لك هذا. فما تقوله يعني أن لوحاتي لا تُباع.»
«لم يكن لديَّ أي نية للتلميح بأي شيء من هذا القبيل. فأنا على يقين من أنك قادر على بيع أي لوحة ترسمها.»
«آه، إنك تبالغ في الثناء على الفطنة الفنية لدى الجمهور البريطاني التي تُعد — في الوقت الحالي — شرفًا لا يستحقه الجمهور البريطاني. سيدركون قيمة الفن في النهاية — فالجمهور البريطاني العظيم دائمًا ما يفعل ذلك — ولكن ليس بعدُ يا صديقي، ليس بعد. تحلَّ بالصبر، وسترى الأموال تنهال عليك. يؤسفني أن هذه اللحظة — كيف يجدر بي قول ذلك؟ — حسنًا، لم تأتِ حتى الآن. إن العمال الذين تشرِّفهم بالانتماء إليهم، في الوقت الراهن — كما قلت أنت بفظاظة لا داعي لها — يُعوِّضون العجز المالي الذي أعاني منه. إلا أن الجمهور سيدفع مقابل هذا العجز في نهاية المطاف؛ سيدفعون كل بنس منه يا صديقي. هل ترى هذه اللوحات المعلَّقة على الجدران؟ حسنًا، لقد حدَّدت سعر كل واحدة منها بألفَي جنيه. وأجد بعض الصعوبة في بيعها بهذا المبلغ؛ إذ لم يُبدِ أي قطاع من الجمهور البريطاني العظيم، حتى وقتنا هذا، أي رغبة في شرائها مني مقابل هذا المبلغ الضخم. وما عاقبة ذلك؟ أقسم أنني سأرفع سعرها خمسمائة جنيه كل عام، وكلما طال بقاؤها على الجدار، سيزداد المبلغ الذي سيكون عليهم دفعه مقابلها، وهم يستحقون ذلك تمامًا. عشر لوحات مقابل عشرين ألف جنيه هذا العام. وفي العام القادم، ستساوي خمسة وعشرين ألف جنيه، وهكذا. ومع زيادة أسعار ممتلكاتي بهذا المعدل، سأكون أحمق إن حضضت الناس على الشراء. إن أسعار إيجارات العقارات في بلجرافيا لا تُقارن، باعتباره استثمارًا، بلوحاتي. لذا، كما ترى يا مارستن، عندما يصبح النجاح حليفي، لن يكون المصنع سوى مصدر تافه للدخل مقارنةً بفُرشاتي.»
«ولكن ماذا ستفعل في غضون ذلك؟»
«في غضون ذلك، تسير أموري على الوجه الأمثل، شكرًا لك. لن يكون للإضراب أدنى تأثير عليَّ مطلقًا. قد يتعيَّن على العمال تقليل كمية التبغ الخشن أو أيًّا كان المزيج المريع الذي يدخِّنونه، ولكني لن أقلِّل من عدد السجائر التي أدخِّنها ولو سيجارةً واحدة. ليس لي ناقة ولا جمل في هذا الصراع. وإذا أراد العمال القتال، يا ألله! رأيي أن تدعهم يفعلون.»
«لم يبدأ القتال فعليًّا بعد، ولن يبدأ حتى السبت القادم. والآن هو الوقت المناسب لتدخُّل رجل رزين للتوصل إلى اتفاق ودي. ألن تحاول حتى يا سيد هوب؟»
«عزيزي مارستن، إن الطريق أمام من يُعين نفسه وسيطًا دون سلطة تُخوِّل له ذلك؛ طريقٌ شاقٌّ وصعب. كنت أقرأ في الجريدة الصباحية اليوم عن اجتماعكم الرائع ليلة أمس، ولاحظت أن رجلًا حاول التدخل فأُطيح به من على المنصة وأُلقي في شارع جانبي. تلك هي فكرة العمال عن كيفية إنهاء المناقشات الفكرية. أنا نفسي أحب العمال، ولكني أتمنى أحيانًا لو أنهم لا يستخدمون نعال أحذيتهم ذات المسامير في النقاش. بالمناسبة، هل رأيت ما حدث؟ كنت هناك على ما أعتقد؟»
«نعم. إن برونت، الرجل الذي طُرد، أحد أفضل العمال في المصنع، ولكنه سريع الغضب للغاية. وقد فقد السيطرة على أعصابه ليلة أمس، بسبب استفزاز شديد تعرض له، وعندما أُخرج من القاعة، حاول كسر بابها. وتدخلت الشرطة، وصرع ثلاثةً منهم. كان الأمر كارثيًّا؛ إذ غُرِّم خمسة جنيهات صباح اليوم، وكنت أحاول جمع المال من أجله حتى لا يُسجن، ولكننا ضمن الأقلية — فقد أثار سخط زملائنا من العمال — ولست على وفاق مع العمال أيضًا.»
قفز بارني واقفًا على قدميه.
وقال: «هل قلت صرع ثلاثةً منهم؟ رجلٌ رائع. يعجبني هذا. إن أكثر خَصلة مشينة في شخصيتي هي أني أستمتع بالاعتداء على رجال الشرطة، ولكني أقدِّر فائدة قوات الشرطة بوجه عام. هل قلت خمسة جنيهات؟ إنها التكاليف إذن، لا أفهم هذه الأمور كثيرًا، ولكني أعتقد أنه عادةً ما يكون هناك تكاليف، أظنُّ بسبب إضافة الإهانة إلى الإصابة. هل عشرة جنيهاتٍ تكفي لإطلاق سراحه؟ جيد. ها هي. ثلاثة جنيهاتٍ فقط مقابل رجل شرطة ليس بالمبلغ الباهظ، عندما تفكِّر في أن بعض الرفاهيات هنا تتكلَّف أكثر من هذا المبلغ. لا تشكرني يا مارستن، أرجوك؛ أؤكد لك أن هذا يسعدني.»
بعدما أخذ مارستن المال، دخل أحد الخدم وقال بصوتٍ خافت: «يريد سمبسون أن يعرف إن كان يمكنه الانصراف يا سيدي.»
«يا إلهي، نعم. ظننت أنه قد انصرف منذ وقت طويل. سمبسون هو الرجل المزخرف ذو الطول الفارع البالغ ست أقدامٍ الذي يقف على قمة الدرج، لعلك رأيته أثناء دخولك. يا للمسكين! ليس مسموحًا له بفعل أي شيء عدا أن يقف مكانه ويبدو جميلًا؛ لذا أعتقد أنه بدأ يشعر بالملل. تخيَّل تفانيه في الطاعة على طريقة الفتى الواقف على سطح السفينة المحترقة في نهاية القرن التاسع عشر! لقد نسيت أمره تمامًا؛ إذ انهمكت تمامًا في محادثتك المثيرة للاهتمام. حسنًا يا مارستن، أنا آسف، لا يمكنني أن أكون مُحَكِّمًا، ولكن يمكنك زيارتي مجددًا، وإخباري بما ستئول إليه الأمور. طاب يومك!»
نفوس متقلبة |
الفصل العاشر
في يوم السبت، أخذ العمال أجورهم المستحقة، واحدًا تلو الآخر، وخرجوا من بوابات المصنع في هدوء متجهمين. خلال الأيام التي فصلت بين الاجتماع والإضراب، لم يحاول أيٌّ من الطرفَين التواصل مع الطرف الآخر. وإذا كان سارتويل قد استعد للصراع، فقد تمت هذه الاستعدادات في سرية تامة؛ حتى إن جيبونز لم يتمكن من اكتشافها. وأصدر سكرتير النقابة بيانًا للصحافة، عرض فيه موقف العمال بعباراتٍ معتدلةٍ كان لها تأثيرٌ كبير على جذب تعاطف الرأي العام إلى حدٍّ كبير نحو جانب العمال. كان البيان وثيقةً جديرة بالإعجاب، وقد نشرته أغلب الصحف، وكتب بعضها مقالات افتتاحية، عبَّرت فيها عن أسفها لحقيقة أنه في هذا البلد المستنير وفي هذا العصر الصناعي، أُجبر بضع مئات من العمال، العمود الفقري للأمة، الراغبين في الكد والعمل، على الخروج إلى الشارع احتجاجًا على طاغيةٍ مستبدٍّ رفض حتى مناقشة أخطائهم المزعومة. وأشارت الصحف إلى أن كون مطالب العمال عادلةً أم لا هو مسألة هامشية؛ فالقضية الأساسية هي أن المدير رفض لقاء وفد منهم، وقالت الصحف إنها مُضطرة إلى استنكار هذا السلوك المتغطرس.
رأى مالكا الشركة ضرورة الرد على هذا البيان. إلا أن المدير لم يتفق معهما في الرأي؛ فلم يتم الرد على البيان.
عُين خفراء أمام بوابات المصنع، وظهر في الحي عدد إضافي من رجال الشرطة، وإن لم يكن بالكثير، كما لو أن الأمر مصادفة؛ ولكن لم يكن بيد الخفراء أو رجال الشرطة شيء يفعلونه. ففي يوم الإثنين، نظر بضعة رجال كانوا يتسكعون في المكان إلى أعلى نحو المداخن الشاهقة، وللمرة الأولى في حياتهم رأوها بلا دخان يتصاعد منها. لم يكونوا قد لاحظوا الدخان من قبل، إلا أن غيابه الحالي خلق فراغًا غير متوقع في المشهد الضبابي. بدا الأمر وكأن إصبع الموت قد لامس تلك المداخن المهيبة النحيلة، كما أن الصمت غير المعتاد للمكان، الذي اعتاد الناس دومًا صخبه الدائم، أضفى على الموقف شعورًا بجديةٍ موحشةٍ لم يتطلعوا إليها يومًا.
في يوم الثلاثاء، وصلت حاويات محملة بمعدات جديدة إلى المصنع، وحاول الخفراء إيقافها، ولكن دون جدوى. وعند استشارة جيبونز بشأن هذا الأمر، أبدى وجهة نظر معقولة ومتفتحة حياله.
إذ قال: «دعوهم يُدخلوا المعدات الجديدة كما يحلو لهم. فهذا سيعني وظائف لمزيد من العمال عندما نعود إلى العمل. لن نتدخل في شئون سارتويل إلا إذا حاول ملء المصنع بموظفين آخرين.»
وعلى مدار ما تبقَّى من الأسبوع، تصاعد من داخل المصنع صوت طرق الحديد بالحديد، ولكن لم يتصاعد أي دخان من المداخن الطويلة.
قال أحد العمال وهو يتجرع البيرة من كوبه: «هل تُسمي ما يحدث حربًا؟ أنا أسميه عيدًا للعمال.»
وفي يوم السبت، صُرِف راتب الإضراب للعمال في مقر الشركة، وحصل كل عامل على أجره المعتاد؛ إذ كانت النقابة العمالية ثرية. لقد كان بالفعل عيدًا للعمال؛ إذ يحصل الجميع على أجورهم بدون عمل.
تمكَّن سارتويل خلال الأسبوع الأول من الإضراب من إجراء إصلاحات وإضافة ماكينات ومعدات كان المصنع في حاجة إليها منذ أمد بعيد، إلا أن ثمَّة نتيجةً أخرى اعتبرها أكثر أهميةً من ذلك. فقد تمكَّن السيد مونكتون والسيد هوب من تجديد طاقتيهما، إن جاز التعبير. فقد أصاب الذعر هذَين الرجلَين الطيبَين رغم ما بهما من جُبن؛ بسبب ترك موظفيهما العمل، والتعليقات المناوئة لهما من قِبَل الصحافة. ولما لم يحدث جديدٌ خلال الأسبوع، استعادا تدريجيًّا ما أطلقا عليه شجاعتهما، وأصبحا أكثر التزامًا بالقتال عندما آن أوانه، على الرغم من عدم إدراكهما لذلك. كان من الصعب عليهما التراجع أو الاستسلام بلباقة وكياسة، بعدما التزما الصمت طوال أسبوع كامل من السلام والهدوء، حال حدث عنف بعد ذلك.
ربما فترت يقظة الخفراء قليلًا بمرور الوقت وعدم وجود شيء لفعله. غير أنهم تلقَّوا هزةً عنيفة ذات صباح بدَّدت أوهامهم. عندما وصلوا إلى بوابات المصنع رأوا الدخان يتصاعد من المداخن من جديد، وسمعوا طنين الآلات، كان المصنع يعمل بكامل طاقته، وكان العمال السابقون خارج أسواره.
وسرعان ما انتشر الخبر، وتجمَّع العمال حول البوابات من جميع الجهات. وصل جيبونز مبكرًا إلى مسرح الحدث، مثل قائد عسكري نشط مستعد لقيادة جنوده إلى المعركة. فقد أدرك أن المعركة قد آن أوانها، ولجأ إلى التهدئة عندما تحدث إلى العمال الثائرين. فقال لهم، لا بأس، فقد توقع حدوث هذا وكان مستعدًّا له.
كانت البوابات مغلقة، وعندما طلب جيبونز الدخول للتحدث إلى المدير، قوبل طلبه بالرفض القاطع. ولم يُهدِّئ هذا الرفض من ثورة العمال أو يحد من سخطهم. وحاول رجال الشرطة منع التجمهر قدر إمكانهم، إلا أن المهمة ازدادت صعوبةً أكثر فأكثر مع تزايد أعداد العمال.
عند الظهيرة، جاءت عربة، كان واضحًا أنها محملة بالمؤن، عبر الشارع، وعندما أدرك الحشد أن وجهتها هي المصنع، علت صيحةٌ من بين الحشود بضرورة قلب العربة.
ومرةً أخرى، أثبت تأثير جيبونز المهدئ على العمال جدواه، وعبرت العربة البوابات التي أُغلقت من خلفها بسرعة، وسط سباب العمال الذين وقفوا يشاهدونها مكتوفي الأيدي.
توجَّه جيبونز برفقة مساعديه إلى مقر القيادة، حيث عقدوا جلسة مباحثات. كان ثمَّة احتمال أن سارتويل، خلال الأسبوع الأول من الإضراب، عندما كان من المفترض أنه يُدخل معدات جديدة، كان يبني أيضًا مساكن لعماله الجدد، وكان يخطِّط لإبقائهم داخل أسوار المصنع ليُبعدهم عن تأثير النقابة.
لم يتوقع جيبونز هذه الخطة، ولم يكن مستعدًّا لها.
قال سكرتير النقابة: «سوف يخرج العمال من المصنع حتمًا إن آجلًا أو عاجلًا، وعندما يخرجون سنتحدث إليهم. ظني أنهم سيخرجون الليلة في الموعد المعتاد، وأقترح عليكم أن نتصرف بناءً على هذه الفرضية. وإذا ثبت لي أنها خاطئة، فسنجتمع مرةً أخرى الليلة، وسيكون لديَّ اقتراحات أخرى لعرضها عليكم. لن يمر وقت طويل قبل أن نعرف إذا كان مفسدو الإضراب سيخرجون أم لا. وحتى ذلك الحين، عودوا إلى مواقعكم بين الرجال وأوصوهم بألَّا يُبدوا أي عداء عندما يظهر مفسدو الإضراب، وعندما يخرجون اعملوا جميعًا على إقناع أكبر عدد ممكن منهم بالحضور إلى القاعة الكبيرة، حيث يمكننا التحدث إليهم. أخبروا الرجال بأنه إذا حدث أي عنف فإنهم بذلك يحقِّقون ما يريده سارتويل تمامًا. لا نريد استعداء الشرطة، وسيظلون محايدين على الأقل، ما دام الصدام لم يحدث.»
لقيت هذه النصيحة ثناءً من كل من سمعها، ورُتبت تفاصيل الخُطة، وانصرفوا جميعهم إلى موقع الصراع.
في تمام السادسة، فُتحت بوابات المصنع، ولم يمر وقت طويل حتى تدافع «مفسدو الإضراب» عبرها إلى الشارع. لم يكن ثمَّة صياح أو سباب، إلا أن المضربين رمقوا الوافدين الجدد بنظرات عابسة، في حين بدا الانزعاج على وجوه الأخيرين، وبدا الخوف واضحًا على كثير منهم جراء هذا الاستقبال.
صاح جيبونز: «أيها الرجال، من قائدكم؟ أريد أن أتحدث إليه.»
توقف الطابور لحظةً على الرغم من تعليمات الشرطة بعدم التوقف. وتبادل العمال النظرات، وسرعان ما أدرك جيبونز الموقف؛ لقد كانوا جميعًا غرباء بعضهم عن بعض، إذ جاءوا من جميع أنحاء إنجلترا. وأكَّد أحد الرجال هذا التخمين عندما قال بصوت عالٍ:
«لا قائد لنا.»
فصاح جيبونز: «ستتحدث أنت نيابةً عنهم إذن. هل كنتم تعلمون، عندما حضرتم للعمل هنا، أن ثمَّة إضرابًا عن العمل؟»
ردَّ المتحدث باسم العمال الجدد متجهمًا: «نعم، سمعنا عن شيء من هذا القبيل.»
«هل تنتمون إلى نقابة عمالية؟»
«لم تفعل النقابة العمالية شيئًا من أجلنا.»
«هل تُدركون أنكم تأخذون الخبز من أفواه عمال آخرين؟»
«علينا أن نضع الخبز في أفواهنا نحن.»
في هذه اللحظة، ربت قائد الشرطة على كتف جيبونز.
وقال: «لا يمكنني أن أسمح باعتراض طريقهم هكذا.»
فرجاه جيبونز قائلًا: «امنحني دقيقتَين فقط.»
«لا، ولا دقيقة واحدة حتى.»
التفت جيبونز نحوه في غضب.
وقال: «اسمع. تحلَّ ببعض الذكاء والفهم. ألَا تُدرك أني بإشارةٍ واحدةٍ من يدي سيمحوك هذا الحشد ورجالك من على وجه الأرض؟»
«لن يمنعني هذا من الزجِّ بك في السجن.»
«بالطبع لا. يمكنك أن تلقي القبض عليَّ بهدوء، وقتما تشاء، أو يمكنني أن أحضر إليك في قسم الشرطة في أي وقت تحدِّده، ولكن إذا حاولت التدخل الآن، فسيحدث شغب وستكون أنت المسئول. أنا من يكبح جماح هذا الحشد، وليس الخوف منك. لا توجد عربات في هذا الشارع، وليس من المرجح أن تمر. ومن ثمَّ، فإننا لا نُعيق أي شيء، وأنا حريص مثلك على أن يلتزم الرجال بالقانون. يا إلهي! قد تتفاقم الأمور في أي لحظة وتنشغل بالسيطرة على العمال، فاتقِ شر الحليم إذا غضب. وتذكر، أنت لا تعمل لدى سارتويل. كل ما أريده هو التحدث قليلًا مع هؤلاء الرجال، ثم سنترك الشارع لك.»
تردَّد قائد الشرطة لحظة. فقد كان منظر الحشد يُنذر بالشر.
ثم قال وهو يتراجع إلى الخلف: «أسرع إذن.»
صاح جيبونز: «تعالَوا معنا. لا يمكننا أن نتحدث هنا. تعالَوا إلى القاعة الكبيرة، وإذا لم يعجبكم ما نقول، فلن تضاروا في شيء. هذا بلد حر.»
استدار سكرتير الاتحاد كما لو أنه على يقين تام من أن الحشد سيتبعه، وتبعه العمال الذين لا قائد لهم. اندس مساعدو جيبونز بينهم، وبدءوا يتحدثون مع الغرباء. وقبل أن تمضي نصف ساعة، كان «مفسدو الإضراب» جميعهم جالسين في قاعة جيش الخلاص يوقِّعون على أوراق انضمامهم للنقابة العمالية، ويوضعون على قائمة المستحقين لأجور الإضراب.
وكان هذا نصرًا كبيرًا لجيبونز؛ الضربة الأولى، كما يقول الرياضيون.
في صباح اليوم التالي، عندما فُتحت بوابات المصنع، لم يمر عبرها أيٌّ من العمال، ومرةً أخرى وجد سارتويل نفسه دون موظفين. وبعدما ظلت البوابات مفتوحةً على مصراعَيها طوال نصف ساعة، أُغلقت مجددًا، وعلا صوت تهليل يصمُّ الآذان مع إغلاق المصراعَين الحديديَّين الضخمَين.
ولكن لم يكن سارتويل قد استنفد حيله بعد؛ فعلى مدار اليومَين التاليَين، امتلأ المصنع بالعمال مرةً أخرى، وتمكَّن جيبونز من استمالتهم أيضًا وإخراجهم من سيطرة المدير.
واستمرت اللعبة على هذا المنوال، ما أقنع العمال بأن سكرتير نقابتهم يملك بعض الحيل، وأنه خصم لا يُستهان به للمدير. كان جيبونز يتصرَّف أمام العمال بثقةٍ ويتحدَّث بيقينٍ تام، ربما كان أبعد ما يكون عن الشعور به بداخله؛ إذ كان إرهاقه وقلقه يتصاعدان أكثر وأكثر كلما طالت المواجهة. كان هو وحده من يدرك مدى خطورة زيادة استنزاف موارد النقابة، عبر الدعم الإجباري للعمال الجدد الذين استمالهم لمغادرة العمل لدى سارتويل، الأمر الذي قلب جميع حساباته السابقة رأسًا على عقب. كانت ثمَّة محاولةٌ لتخفيف العبء عن كاهل الاتحاد عبر حثِّ العمال الجدد على العودة من حيث أتوا، وحقَّقت نجاحًا جزئيًّا مع المجموعة الأولى، إلا أن الآخرين أصروا إصرارًا شديدًا على الحصول على حصتهم من أجر الإضراب، ورفضوا حتى التفكير في جدوى العودة إلى منازلهم. طلبوا الحصول على ما وُعدوا به، وإلا فسيقتحمون المصنع اقتحامًا جماعيًّا، وهو التصرف الذي من شأنه التسريع بإنهاء المواجهة. كان جيبونز يلقى دعمًا جيدًا من ذلك القطاع من الصحافة الذي كان يسهب بصورة يومية في الحديث عن تطورات الإضراب. وذات صباح، دعت كبرى هذه الصحف الرأي العام لمساندة الإضراب. فقد أشارت هذه الصحيفة إلى أن المضربين ربما كانوا يقاتلون في البداية من أجل حقوقهم، ولكنهم في واقع الأمر يقاتلون من أجل جميع البشرية العاملة، وطُرحت القضية بطريقةٍ شديدة الإقناع والإيجاز في مقالةٍ افتتاحية، استُخدم فيها التباعد المزدوج بين السطور، وافتتحت الصحيفة نفسها قائمة المساهمات لدعم الإضراب بتبرع معتبر. هل سيظل الشعب الإنجليزي بمعزل عما يحدث ويُحوِّل هؤلاء العمال إلى عبيد، مستخدمين سلاح الجوع المقيت ضدهم؟ لم تعتقد الصحيفة أن مثل هذا المستوى من اللامبالاة قد يكون موجودًا، وكان لهذا الاعتقاد ما يبرره إلى حد كبير؛ إذ سرعان ما انهالت المساهمات، إلى جانب رسائل غضب واستياء من جميع أنحاء البلاد، نشرتها الصحيفة ضمن أعمدتها كما هو متوقع.
حلت أولى أزمات الإضراب على العمال عندما أُعلن فجأةً أن أجر الإضراب سيُخفَّض، بدايةً من السبت القادم، إلى ربع المبلغ الذي كانوا يتقاضَونه في ذلك الوقت. كان ثمَّة الكثير من التذمر وبعض التساؤلات عما يقاتلون من أجله، ولكن في المجمل قوبل القرار بهدوء، وإن لم يخلُ من الاستياء.
قال جيبونز عندما اضطُر على مضض لإخبار العمال بمسألة خفض الأجر: «سيكون النصر حليفنا حتمًا. إن الشركة تخسر نحو ألف جنيه أسبوعيًّا؛ بسبب توقُّف المصنع عن العمل، ومن غير المرجح أن يتحملوا هذه الخسائر طويلًا، حتى وإن كان ذلك مجاملةً لسارتويل.»
لم يمتلك جيبونز الشجاعة الكافية لكي يُخبر العمال بأنه على الرغم من خفض الأجور، فإن النقابة لا يمكنها أن تصمد أكثر من أسبوع آخر، وأن مواردها فعليًّا على وشك النفاد، وأن أجور الإضراب المستقبلية ستعتمد حتمًا على التبرعات القادمة من مصادر خارجية، وهو مصدر غير مستقر تمامًا للمال؛ فالجميع يعلم جيدًا مدى قِصر عمر الحماسة، وكيف أن جمع الأموال نقدًا يدمِّرها.
إن للقيادة الحكيمة مقوماتٍ كثيرة، وإحدى مسلماتها أن عليك أن تسعى لاكتشاف أشد نقاط الضعف لدى عدوك. لم يخطر ببال جيبونز أو أيٍّ من مساعديه أن القلعة التي يهاجمونها تكفي مهاجمتها من جبهةٍ واحدةٍ لتنهار أسوارها مثل أسوار أريحا؛ لم يخطر بباله قط أن سارتويل كان يحارب في معركتَين في الوقت نفسه؛ معركة ضد العمال، والأخرى ضد مالكي الشركة، وكانت المعركة التي يخشى نتائجها أكثر من بين المعركتَين هي معركته مع الأخيرَين. كان سارتويل بين نارَين؛ فقد حث مونكتون وهوب على مغادرة إنجلترا حتى ينتهيَ النزاع، وأن يتركا إدارة الأمر له. ولكنهما ترددا، فكان من عادتهما أن يعدا سارتويل في المساء بشيء، ولكن في صباح اليوم التالي كانا يغيران ما كان يحلو لهما أن يطلقا عليه قرارهما. فكانا دائمًا ما يخشيان حدوث الأسوأ. ورأيا بعين الخيال المصنع يحترق وقوات الشرطة تطلق النار على العمال. وناشدا سارتويل أن يتوصل إلى اتفاق مع العمال. لقد قال إن الإضراب سينتهي خلال ثلاثة أسابيع، ولكن ها هو ذا ما زال مستمرًّا، ولم يفتُر عزم العمال قط. وإذا كان مخطئًا بشأن فترة استمرار النزاع، أليس من الممكن أن يكون مخطئًا أيضًا في معاملته للعمال؟ ألم يكن من الممكن التوصل إلى تسوية؟
كان على سارتويل أن يقاوم ذلك، ما استنزف قواه أكثر من الإضراب نفسه. كان يتصفح الصحف كل يوم؛ خشية أن يجد بها رسالةً من الشركة ردًّا على انتقادات اليوم السابق، الأمر الذي من شأنه أن يكشف للرأي العام على الفور حقيقة الأوضاع.
كان جيبونز يؤمن بأن العمود الفقري لأي معركة هو المال، مثلما كان الحال في الكثير من الحالات؛ إلا أنه لو أتاح لنفسه القليل من الوقت للتفكير في الأمر، لوجد أنه لو كانت المعركة تُدار على أساسٍ مادي، لما لاح للمضربين أدنى فرصةٍ للانتصار؛ لأن شركة مونكتون آند هوب أكثر ثراءً من النقابة بكثير. وكان يؤمن بمواجهة الشيطان بالنار. من المفترض أن الأمثال تمثِّل خُلاصة حكمة العصور، إلا أنها كثيرًا ما تمثِّل خلاصة حماقة العصور. إذا كان شخص على وشك مواجهة مبارز محنَّك في ساحة الشرف، فعليه أن يختار مسدسًا إذا كان له الاختيار من بين عدة أسلحة. فلتحارب الشيطان إذا شئت، ولكن ليس بالنار. عندما قال مارستن مخاطبًا جيبونز: «السيد سارتويل يعرف بالتحديد حجم الأموال التي تملكها النقابة في البنك»، أجابه سكرتير النقابة بثقة أن بإمكان سارتويل الاطلاع على حسابات النقابة إذا شاء، وربما يفيده ذلك كثيرًا. إن حقيقة أن رجلًا مثل سارتويل رأى أن الأمر يستحق أن يكتشف ما يفعله العدو؛ لم توحِ لجيبونز بأن التجسس على سارتويل، ليكتشف كيف تسير الأمور داخل مكتب مدير المصنع، قد لا تكون فكرة سيئة. كان مارستن قد اكتشف أمورًا عديدة مع تطور أحداث المعركة، ونقلها إلى جيبونز الذي قابلها بتجاهلٍ تامٍّ معتبرًا إياهًا أمورًا بلا قيمة، واعتبر مارستن طوال الوقت عدوًّا في معسكر العمال.
كان السيد هوب الرعديد يجتاز بوابات المصنع كل يوم متجهًا إلى مكتبه، دون نظرة ولو خاطفة إلى الحشد الذي كان يوجِّه له هتافات الاستهجان، وتعليقات لا تسر الأذن قط. كان يخشى لحظة وصوله ومغادرته، ولكنه رأى أن من الشجاعة أن يواصلَ فعل ذلك، وتخيَّل أنه سيكون قد تخلَّى عن واجباته باعتباره مواطنًا بريطانيًّا حرًّا، إذا ما تخلى عن موقعه في هذه الأوقات الخطرة.
لو كان جيبونز نافذ البصيرة، لكان دعا السيد هوب إلى سربيتون، ولم يكن الأمر ليتطلب سوى محادثة لعشر دقائق لتتضح له حقيقة الأمور؛ إذ كان صاحب المصنع الضئيل الرعديد شفافًا كالكريستال. لو تمكن سكرتير النقابة من استدراج أحد الشريكَين إلى مكان اجتماع العمال المضربين، الأمر الذي كان من السهل تحقيقُه مثلما حدث مع «مفسدي الإضراب» الذين جُمعوا من جميع أنحاء البلاد، لحصل دون شك على بيان عام كان من شأنه أن يجعل استقالة سارتويل حتمية. وهكذا يكون جيبونز قد قاد جيشه إلى النصر، وفي الوقت نفسه وضع عدوه حيثما كان جيشه في تلك اللحظة؛ خارج بوابات المصنع.
ولم تكن هذه الطريقة إلا واحدةً من طرق عديدة من شأنها تحقيق النصر للقائد الماهر. فلو كلف جيبونز نفسه عناء استيعاب التأثير الذي أحدثَته بضع مقالاتٍ افتتاحية صحفية قصيرة في أفكار الشريكَين، لسعى جاهدًا للاتفاق على نشر سلسلة من المقالات عن الأعمال الخيرية التي تشتهر بها الشركة، مع بعض الإسقاطات الأخلاقية عن أن الخير يبدأ ممن تعول. ولا شك في أن هذه الخطوة كانت ستزلزل الأرض تحت قدمَي سارتويل؛ فقد كان مونكتون وهوب فخورَين بالخير الذي من المفترض أن تنشره عطاياهما، وقبل نشوب هذه الأزمة، كانا يعتبران نفسَيهما صاحبَي عمل عادلَين يعاملان موظفيهما بإنصاف، كما كانا بالفعل، وكما كانا يفعلان بالفعل.
أمَا وقد تسرب إليهما الشك بشأن هذه الصورة الآن، فقد انتابهما شعور مزعج بأنهما ربما أهملا واجباتهما تجاه موظفيهما. كان سارتويل يسيطر عليهما عندما يكون في حضرتهما، وكانا يدركان قيمته جيدًا لدرجة جعلتهما يعزفان عن المخاطرة بخسارته. وكانا يدركان أيضًا أنهما إذا وافقا على مطالب العمال من دون موافقته، فسيخسرانه، وثمَّة منافسون لهما في لندن سيسعدون كثيرًا بتعيينه لديهم، ولكن على الرغم من إدراكهما ذلك، انتابهما التردد، ولم يكن الأمر يتطلب إلا القليل من الفطنة والدبلوماسية من جانب جيبونز لكي يحقق نصرًا كاملًا.
نفوس متقلبة |
تمهيد
لقد وُصفت كتابات شكسبير على نحو صائب بأنها «الأكثر ثراءً ونقاءً وروعة من تأليف عبقريةٍ لم يُنزل عليها وحي، وليس لها مثيل على مر العصور.»
كان شكسبير يُعلم قُرَّاءه عن طريق إسعادهم. تحتوي مسرحياته (إذا نحَّينا الجانب العلمي البحت) على حكمة حقيقية أكثر من كل أشكال التعلُّم الإنجليزية. إنه معلم لكلِّ أشكال الفضائل؛ الرحمة، والكرم، والشجاعة الحقيقية، والحب. لقد تشكَّلت براعته المُضيئة «على هيئة نجوم صغيرة». وتجسَّدت معارفه الغزيرة العميقة عبر عبارات مَرِحة وأمثال، وبتوزيعها بهذه الطريقة، لا يوجد اليوم في العالم المتحدث بالإنجليزية ركن لم يُنرْه هو بضيائه أو كوخ لم يُثرِهِ بعلمه. إن عطاءه يُشبه البحر، نحس به في كل مكان حولنا، رغم كوننا لا نعترف له بالفضل. وكما قال عنه صديقه بن جونسون، «إنه ليس ابنًا لعصر معيَّن وإنما لكل العصور.» لقد التزم شكسبير دائمًا بالطريق الرئيسي في الحياة البشرية، ذلك الطريق الذي يسير عليه الجميع. ولم يختر المسارات الفرعية في المشاعر والأحاسيس. ففي أعماله، ليس لدينا قُطَّاع طرق ذَوُو خلق، ولا لصوص عاطفيون، ولا أشرار ظرفاء، ولا نساء مُستهتِرات لطيفات وراقيات؛ لا توجد تعقيدات رقيقة للمواقف تُقدم فيها الصور البغيضة للعقل مُتخفية تحت الجاذبية الظاهرية للأسلوب والعاطفة. إنه لا يُجمِّل العواطف السيئة، ولا يُخفي الرذائل في ثوب الفضائل، ولا يعبث بأيِّ مبدأ عادل وكريم. وبينما يجعلنا نضحك على الحماقة، ونَرتعِد من الجريمة، يجعلنا نحافظ على حبِّنا للآخرين واحترامنا لأنفسنا.
كان شكسبير مُحيطًا بكل الأشكال والصور الرائعة؛ بكل ما هو جميل وساحر في الجوانب البسيطة للطبيعة؛ من ذلك الحب الراسخ للزهور وعبيرها، وللندى، والينابيع الصافية، والنسائم العليلة، والأصوات الناعمة، والسماوات البرَّاقة، لعُزلة الغابات والأكواخ الغارقة في ضوء القمر، والتي تعدُّ العناصر المادية التي يُبنى عليها الشعر؛ وبهذا الشعور الرقيق بعلاقتها الغامضة بالحياة العاطفية والنفسية للبشر، والتي تعد جوهرها ورُوحها الحية، والتي تسقط في وسط مَشاهدِه الأكثر تراجيدية وزخمًا بالمشاعر، مثل ومضات من ضوء الشمس على الصخور والأطلال؛ مما يتناقض مع كل ما هو قاسٍ أو قبيح، ويُذكرنا بوجود عناصر أكثر نقاءً وإشراقًا.
ومع وضع هذا في الاعتبار، لا عجب أن أعمال شكسبير تُعد، بعد الكتاب المقدَّس، الأعلى مكانةً من بين كل كلاسيكيات الأدب الإنجليزي. يقول كاتب أمريكي: «لقد اقتُبست شخصيات شكسبير على نحوٍ كبير من قِبَل الفنَّانين والشعراء والأدباء، ودخلت هذه الشخصيات بقوة في نسيج الأدب الإنجليزي، لدرجة أن الجهل بحبكة إحدى هذه المسرحيات يُعدُّ في الغالب مدعاة للشعور بالحرج.»
لكن شكسبير كتب أعماله من أجل الكبار، من الرجال والنساء، وبلُغة لا يُمكن أن يفهمها صغار السن.
ومن هنا، تأتي أهمية هذا العمل؛ فقد كان الهدف الذي سعت إليه مؤلِّفته هو إعادة صياغة القصص المسلية المتضمنة في مسرحيات شكسبير بطريقة بسيطة جدًّا يُمكن للأطفال فهمها والاستمتاع بها.
وحتى يستمتع القراء الصغار بحكمة وعبقرية أعظم الكُتَّاب المسرحيِّين في العالم، جمعنا في نهاية الكتاب مجموعة منتقاة من اقتباساته الرائعة.
إي تي رو
عشرون قصة من روائع شكسبير |
نبذة مختصرة عن حياة شكسبير
في سجل تعميد الكنيسة الرعوية لستراتفورد-أبون-أفون، وهي بلدة تُقام فيها سوق مركزية في ووريكشير، إنجلترا، يظهر، بتاريخ ٢٦ أبريل عام ١٥٦٤، الإدخال الخاص بتعميد ويليام، ابن جون شكسبير، والذي كان في الأصل مكتوبًا باللاتينية: «ويليام ابن جون شكسبير».
إنَّ يوم ميلاد ويليام شكسبير عادة ما يُقال إنه قبل ثلاثة أيام من تعميده، لكن لا يوجد بالتأكيد دليل على هذا الأمر.
إنَّ اسم العائلة يُكتب على نحو متعدِّد، والكاتب المسرحي الشهير نفسه لم يكن يكتبه دائمًا بالطريقة نفسها. ففي حين أن الاسم كُتبَ في سجل التعميد Shakspeare، فإنه ظهر في العديد من التوقيعات الأصلية لشكسبير كالتالي: Shakspere، وظهر في الطبعة الأولى لأعماله بالشكل الآتي: Shakespeare.
يخبرنا هاليويل بأنه يوجد ما لا يقل عن ٣٤ طريقة كتب بها الأعضاء المُختلِفون لعائلة شكسبير الاسم، وفي سجل مجلس ستراتفورد المحلي؛ حيث ظهَر ١٦٦ مرة أثناء الفترة التي كان فيها والد الكاتب عضوًا في المجلس، تُوجَد ١٤ طريقة مختلفة لكتابة الاسم، والتي لم يكُن من بينها الهجاء الحديث Shakespeare.
يبدو أن والد شكسبير، رغم أنه كان عضوًا في المجلس المحلِّي لستراتفورد، لم يكن قادرًا على كتابة اسمه، لكن حيث إنه في ذلك الوقت كان ٩ من بين كل ١٠ رجال يكتفون بالتوقيع بعلامة مميِّزة لهم بدلًا من كتابة أسمائهم، فإن هذا لم يكن أمرًا يحطُّ من قدره كثيرًا.
تختلف الآثار المتواترة وغيرها من مصادر المعلومات حول مِهنة والد شكسبير. فيقال إنه كان جزارًا وتاجر صوف وصانع قُفازات، ولا يوجد ما يمنع أن يكون قد امتهن كل هذه المهن في الوقت نفسه أو في أوقات مختلفة، أو إذا لم يكن من الصحيح أن ينسب إليه أيٌّ من هذه المهن، فإن طبيعة مهنته كانت من النوع الذي يُسهِّل فهم كيف تطورت الآثار المتواترة المختلفة بشأنها. كان أيضًا مالك أرض وكان يزرع أرضه حتى قبل زواجه، وقد تملَّك مع زوجته، ماري أردن، وهي ابنة نبيل ريفي، ضيعة أسبيس، التي تبلغ مساحتها ٥٦ فدانًا. كان ويليام الابن الثالث. كانت لديه أختان أكبر منه، وأغلب الظن أنهما ماتتا وهما طفلتان. وبعده، وُلد لأبيه وأمه ثلاثة أولاد وبنت واحدة. وعلى مدى ١٠ أو ١٢ سنة على الأقل بعد ميلاد شكسبير، كانت الأحوال المادية لأبيه مزدهرة. وفي عام ١٥٦٨، أصبح أبوه مأمورًا أو قاضيَ صلحِ ستراتفورد، ولعدة سنوات بعد ذلك، أصبح عضوًا في المجلس المحلِّي، كما كان لمدة ثلاث سنوات قبل ذلك. لذا، وحتى وصول شكسبير إلى سن العاشرة، من الطبيعي أن نفترض أنه قد حصل على أفضل تعليم يُمكن أن تُوفره ستراتفورد. إن مدرسة البلدة المجانية كانت مُتاحة لكل الأولاد، ومثل كل مدارس القواعد اللغوية الخاصة بهذه الفترة، كانت تلك المدرسة تحت إشراف رجالٍ كانوا خرِّيجي جامعات؛ ومِن ثَمَّ كانوا مؤهَّلين لنشر التعليم السليم الذي كان يعدُّ في وقت ما مفخرة إنجلترا. لا يوجد في السجلات ما يدلُّ على أن شكسبير قد الْتحَق بهذه المدرسة، لكن لا يُمكن أن يكون هناك شكٌّ مقبول في أنه قد درس هناك. أضف إلى هذا أن أباه ما كان بإمكانه أن يقدم له تعليمًا أفضل في أيِّ مكان آخر. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين درسوا أعمال شكسبير دون أن يتأثَّروا بالنظرية التقليدية القديمة التي ترى أنه قد حصل على قدرٍ محدود جدًّا من التعليم، فإنهم سيَجدون أدلة كثيرة على أنه لا بد قد حصَل على التعليم الجيد الذي كانت تُوفِّره مدارس القواعد اللغوية.
هناك أماكن محلِّية مُرتبِطة بستراتفورد لا يُمكن ألا يكون لها تأثير على تشكيل عقل شكسبير الصغير. ففي نطاق اهتمام مثل هذا الفتى، توجد بلدتا ووريكشير وكوفنتري التاريخيتان البارزتان وقصر كينلورث الفخم والبقايا العظيمة لدير إفشام. إن المنطقة التي وُلد فيها زاخرة ببقاع رائعة الجمال وقُرًى هادئة وغابات منعزلة. ولم تكن ستراتفورد منعزلة عن العالم الخارجي، كما هو الحال مع العديد من البلدات الريفية؛ فقد كانت تربط بين عدة بلدات، وكان التجار يأتون لأسواقها بشتَّى أنواع البضائع. لا بد أن عينَي الكاتب المسرحي والشاعر كانتا مفتوحتين دائمًا من أجل الملاحظة. لكنَّنا لا نعرف شيئًا على نحو مؤكَّد عن شكسبير فيما بين ميلاده وحتى زواجه من آن هاثاواي في عام ١٥٨٢، ومن هذا التاريخ حتى إنجابه لثلاثة أطفال، وذلك حتى أصبح مُمثِّلًا في لندن نحو عام ١٥٨٩.
ولا سبيل لدينا لمعرفة المدة التي كان فيها التمثيل المهنة الوحيدة لشكسبير، لكن الأكثر ترجيحًا أنه بعد وصوله إلى لندن، سرعان ما بدأ عمله في مجال تَنقيح المسرحيات القديمة الذي من المعروف أنه بدأ مسيرته الأدبية به. لقد كان تنقيح وتعديل المسرحيات القديمة التي كانت دون المعايير المطلوبة في تلك الفترة مُمارسة شائعة حتى بين أفضل الكُتَّاب المسرحيِّين في ذلك الوقت، وسرعان ما أوضحت قدرات شكسبير أنه ملائم على نحو بارز لهذا النوع من العمل. وعندما تصبح التعديلات التي يجري إدخالها على المسرحيات المؤلَّفة في الأصل من قِبَل كُتَّاب آخرين كبيرة جدًّا، يُصبح العمل في واقع الأمر عملًا جديدًا ومبتكرًا. وهذا بالضبط ما لدينا أمثلة عليه في بعض الأعمال المبكرة لشكسبير التي من المعروف أنها قد اعتمدت على مسرحيات أكثر قدمًا.
لا داعي هنا للثَّناء على الأعمال المنشورة لأعظم كاتب مسرحي في العالم؛ فقد فشلت محاولات نقدها في النَّيل منها، ووجَّه أعظم العقول في إنجلترا وألمانيا وأمريكا كل جهودهم لإبراز قيمتها ومكانتها.
مات شكسبير في ستراتفورد في الثالث والعشرين من أبريل من عام ١٦١٦. وقد مات أبوه قبله في عام ١٦٠٢، وكذلك أمه في عام ١٦٠٨. وعاشت زوجتُه حتى أغسطس من عام ١٦٢٣. وقد مات ابنه هامنت في عام ١٥٩٦ عن عمر يناهز الحادية عشرة. وعاشت ابنتاه بعد موته، وقد تزوجت كبراهما، سوزانا، في عام ١٦٠٧ من طبيب من ستراتفورد يدعى دكتور هول. والابنة الوحيدة الناتجة عن هذه الزيجة والتي كانت تُدعى إليزابيث، والتي ولدت في عام ١٦٠٨، تزوجت في البداية من توماس ناسبي، ثم من السير جون بارنارد، لكنها لم تُنجب في أي من الزواجين. أما ابنة شكسبير الصغرى، جوديث، فقد تزوجت في العاشر من فبراير عام ١٦١٦ من نبيل من ستراتفورد يدعى توماس كويني، وأنجبَت منه ثلاثة أبناء، لكن تُوفي جميعهم دون أن يتركوا أي ذرية. ولذا، لا يوجد أي سليل مباشر لشكسبير.
يتفق زملاء شكسبير في التمثيل والتأليف المسرحي وكل من عرفوه بطرق أخرى ليس فقط في التعبير عن إعجابهم بعبقريتِه، وإنما أيضًا في احترامهم وحبهم لشخصه. قال بن جونسون: «إنني أحب الرجل وأبجِّل ذكراه كأسمى ما يكون التبجيل. كان رجلًا أمينًا حقًّا، وكان صريحًا ذا طبيعة متحرِّرة.» دُفن شكسبير بعد وفاته بيومين في الجانب الشمالي من مذبح كنيسة ستراتفورد. وفوق قبره، هناك لوح مسطَّح مكتوب عليه النقش التالي، والذي يقال إنه كتبه بنفسه:
صديقي العزيز، من أجل يسوع، لا تنبش هذا القبر المغلَق؛ فمبارك الرجل الذي يحفظ هذه الأحجار، واللعنة على من يتجرَّأ على العبث بعظامي.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
حلم ليلة منتصف صيف
تيتانيا والمهرج.
كان ليساندر وهيرميا حبيبَين، لكن والد هيرميا أراد أن يُزوِّجها رجلًا آخر يُدعى ديمتريوس.
في أثينا، حيث يعيش أبطالنا، كان هناك قانون فظيع ينص على أن أي فتاة ترفض الزواج وفقًا لرغبة والدها تُقتَل. غضب والد هيرميا منها للغاية لرفضها فعل ما أراده منها لدرجة أنه جعلها تمثُل أمام دوق أثينا ليُعلمها أنها قد تُقتَل إن ظلَّت ترفض طاعة أوامر والدها. أعطاها الدوق أربعة أيام لتفكر فيها في الأمر، وفي نهاية هذه المدة، إن ظلت ترفض الزواج من ديمتريوس، فستُقتل.
كاد ليساندر بالطبع أن يُجنَّ من الحزن، وبدا له أن أفضل شيء يُمكن فعله هو أن تهرب هيرميا إلى منزل عمَّته الذي يوجد في مكانٍ لا يخضع لسلطة هذا القانون القاسي، ثم يذهب هو إليها هناك ويتزوَّجها، لكن قبل أن تنفذ هيرميا هذه الخطة، قالت لصديقتها هيلينا ما ستفعله.
كانت هيلينا حبيبة ديمتريوس لفترة طويلة قبل أن يُفكر في الزواج من هيرميا، ونظرًا لغبائها الشديد، كشأن كل الأشخاص الذين تتملَّكهمردَّت الساحرة الأولى الغيرة، لم تستطع إدراك أن رغبة ديمتريوس في الزواج من هيرميا المسكينة بدلًا منها ليست خطأ هيرميا. وكانت تعرف أنها إن أخبرت ديمتريوس بأن هيرميا ستَذهب إلى الغابة الموجودة خارج أثينا، فإنه كان سيتبعها، وقالت في نفسها: «ويُمكنني حينئذٍ أن أتبعه وعلى الأقل سأراه.» لذا، ذهبت إليه وأفشت سرَّ صديقتها.
والآن هذه الغابة، التي كان سيَلتقي فيها ليساندر وهيرميا والتي قرر الاثنان الآخران أن يتبعاهما إليها، كانت مليئة بالجن، كما هو الحال في معظم الغابات، فقط إذا كان لدى المرء القدرة على رؤيتها، وكان هناك في تلك الغابة وفي هذه الليلة مَلِك ومَلِكة الجن، أوبرون وتيتانيا. إنَّ الجن كائنات حكيمة جدًّا، لكن تلك الكائنات من حين لآخر يمكن أن تُصبح غبية مثلها مثل البشر. إن أوبرون وتيتانيا، اللذَين من المفترض أن يكونا سعيدين للغاية معًا، قد عكَّرا صفو علاقتهما معًا ودخَلا في خلاف سخيف؛ فقد كانا لا يتقابلان دون أن يقول كلٌّ منهما للآخر أشياء بذيئة، وكانا يُوبِّخ أحدهما الآخر على نحوٍ فظيع لدرجة أن كل أتباعهما الصغار من الجن كانوا من الخوف يزحفون إلى قواعد ثمار البلوط ويختفون هناك.
تيتانيا، ملكة الجن.
لذا، بدلًا من الحفاظ على السعادة والرقص طوال الليل في ضوء القمر في البلاط الملَكي، كما هي عادة الجن، أخذ الملك وأتباعه يتجوَّلون في جزء من الغابة، في حين بقيَت الملكة مع أتباعها في جزء آخر. والسبب في كل هذا هو اتخاذ تيتانيا ولدًا هنديًّا صغيرًا كأحد أتباعها. أراد أوبرون أن يكون الولد أحد أتباعه وأن يُصبح أحد فرسانه؛ لكن المَلِكة أبت أن تتخلَّى عنه.
في تلك الليلة، وفي أرضٍ فضاء في الغابة يكسوها العشب الأخضر ويُضيئُها نور القمر، الْتقى ملك وملكة الجن.
قال الملك: «لقاء منحوس في ضوء القمر يا تيتانيا المتكبِّرة!»
ردَّت الملكة: «من؟ أوبرون الغيور؟ لقد أفسدت كل شيء بشجارك معي. هيا ابتعدوا، أيها الرفاق، دعونا نتركه. لقد سلوت صحبتَه!»
قال الملك: «الأمر بيدكِ وحدَكِ أن نُنهيَ هذا الشجار ونتصالح.»
الشجار.
وأضاف: «أعطيني ذلك الغلام الهندي الصغير، وسأصبح مرةً أخرى تابعكِ وحبيبكِ المطيع.»
ردَّت الملكة: «لا تُتعب نفسك؛ فلن أبيعه مقابل مملكة الجن التي تحكمها كلها! هيا بنا يا رفاقي!»
وانسحبت هي وأتباعها في ضوء القمر.
قال أوبرون: «لا يُهم! افعلي ما تشائين، ولكنكِ لن تُغادري هذه الغابة حتى أنتقم منكِ لهذه الإهانة!»
استدعى أوبرون جنيَّه المفضَّل باك. كان باك جنيًّا شريرًا؛ إذ اعتاد أن ينزع القشدة عن لبن فتيات القرية، ويُدير الرَّحى فيُضيِّع مجهود ربة المنزل في خضِّ اللبن، ويمنع الجِعة من التخمر، ويُضلَّ السائرين في الليالي المظلمة ثم يضحك من تعبهم، ويسحب المقاعد من تحت الناس بينما هم على وشك الجلوس عليها، فيقعوا على الأرض، ويسكب الجعة الساخنة على أذقان الناس بينما هم على وشك شربها.
قال أوبرون لهذا الجني الصغير: «والآن، أحضر لي الزهرة التي تُسمى البانسي البري. إذا أنزلنا قطرة من رحيق تلك الزهرة الأرجوانية الصغيرة على عينَي شخص نائم وقع في حبِّ أول من ينظر إليه حينما يصحو. سأضع بعضًا من رحيق تلك الزهرة على عينَي تيتانيا؛ فإذا ما استيقظت، وقعَت في حبِّ أول من تراه، ولو كان أسدًا أو دبًّا أو ذئبًا أو ثورًا أو قردًا متطفِّلًا أو نسناسًا كثير الحركة.»
وعندما ذهب باك، مرَّ ديمتريوس عبر تلك الأرض الفضاء من الغابة وتبعته هيلينا المسكينة التي أخذَت تُخبره كيف تحبُّه بشدة، وتُذكِّره بكل وعوده لها، لكنه أخذ يقول لها إنه لا يُحبُّها ولا يستطيع أن يفعل ذلك، وإن وعوده لا تعني شيئًا. حزن أوبرون لحال هيلينا المسكينة، وعندما عاد باك بالزهرة، أمره أن يتبع ديمتريوس ويضع بعضًا من رحيقِها في عينيه، حتى إذا استيقظ ونظر إلى هيلينا أحبها، بقدر ما تُحبه هي. لذا، انطلق باك، وبينما أخذ يتجوَّل في أنحاء الغابة، وجد ليساندر وليس ديمتريوس ووضَع على عينيه الرحيق، وعندما استيقظ ليساندر، لم يرَ حبيبتَه هيرميا وإنما رأى هيلينا، التي كانت تتجوَّل عبر الغابة تبحث عن ديمتريوس القاسي، وبمجرد أن رآها أحبَّها وترك محبوبته، تحت تأثير سحر الزهرة الأرجوانية.
هيلينا في الغابة.
عندما استيقظت هيرميا وجدت أن ليساندر قد ذهب وأخذت تتنقل عبر أنحاء الغابة في محاولة منها لإيجاده. عاد باك وأخبر أوبرون بما فعله، وسرعان ما اكتشف أنه قد أخطأ، وانطلق باحثًا عن ديمتريوس، وعندما وجده، وضع بعضًا من الرحيق في عينيه، وأول شيء رآه ديمتريوس عندما استيقظ كان أيضًا هيلينا. لذا، كان كلٌّ من ديمتريوس وليساندر يتبعان هيلينا في الغابة، وجاء الدور الآن على هيرميا أن تتبع حبيبها كما فعَلت هيلينا من قبل. أدَّى ذلك إلى أن هيلينا وهيرميا بدأتا تَتشاجران، وأخذ ديمتريوس وليساندر يقتتلان. حزن أوبرون بشدة عندما وجد أن خطته النبيلة لمساعدة هؤلاء المحبِّين لم تَسِر على النحو المطلوب، لذا قال لباك:
«سيَقتتِل هذان الشابان. زد من ظلام الليل بضبابٍ شديد واجعلهما يضلان الطريق بحيث لا يجد أحدهما الآخر أبدًا. وعندما يُصيبهما التعب، سينامان. حينها، ضع هذا الرحيق الآخر على عينَي ليساندر. إنه سيُعيد له بصره إلى سابق عهده وكذلك حبه القديم. ثم سيعود كلٌّ منهما إلى المرأة التي أحبها وسيظنُّ الجميع أن هذا حلم ليلة منتصف صيف. وعندما يتم هذا، سيكون كل شيء على ما يرام بالنسبة إليهم.»
لذا، ذهب باك وفعل ما أُمر به، وعندما نام العاشقان دون أن يتقابلا، وضع باك الرحيق على عينَي ليساندر وقال:
أما عند الصحوة، فلتَفرح حق الفرحة، بجَمال عيون حبيبتك الأولى … قيس سيفوز بليلاه ويعود الماء لمَجراه لن يحدث ما يُفسد ودًّا، وسيَسعد كلهم أبدًا.
[ترجمة د. محمد عناني، وهي الترجمة التي اعتمدنا عليها في ترجمة الاقتباسات من هذه المسرحية]
في تلك الأثناء، وجد أوبرون تيتانيا نائمة على ضفة ينمو عليها الزعتر البري وزهور الربيع وزهور البنفسج وزهور العسل والزهور المسكية والزهور الياقوتية. كانت تيتانيا دائمًا ما تنام هناك جزءًا من الليل مُتغطيةً بجلد أفعى مصقول. اقترب منها أوبرون ووضَع الرحيق على عينيها، قائلًا:
أول ما تشهد عيناك لدى صحوِك اعتبريه حبيبَ فؤادِكِ من فورك.
عندما استيقظت تيتانيا، فإن أول شيء وقعت عيناها عليه هو مهرِّج أحمق كان من ضمن مجموعة من الممثلين جاءوا إلى الغابة ليتمرَّنوا على المسرحية التي سيُقدمونها. تقابل هذا المهرج مع باك الذي وضَع بسرعة رأس حمار على كتفَيه حتى تبدو وكأنها رأسه التي وُلد بها. وبمجرَّد أن استيقظت تيتانيا ورأت هذا الوحش المخيف، قالت: «يا له ملاك! هل أنت حكيمٌ كما أنت جميل؟»
رد عليها المهرج الأحمق قائلًا: «لو كان لي من العقل ما يُعينني على الخروج من هذه الغابة، لكفى!»
قالت له تيتانيا: «لا تَنشُد الخروج من هذه الغابة!» سيطر عليها تأثير سحر رحيق الحب وبدا لها المهرِّج وكأنه أكثر مخلوق على وجه البسيطة جمالًا وجاذبية. قالت له: «أنا أحبُّك. فهيا إذن معي، وسأُعيِّن لك خدمًا من الجن.»
نادت أربعًا من أتباعها من الجن والذين كانت أسماؤهم كالتالي: زهرة البازلاء وخيط العنكبوت وفراشة وخردل.
وقالت لهم: «أكرموا هذا السيد واعتنوا به. قدموا له المشمش والتوت الأسود والعنب الأحمر والتين الأخضر والتوت الأبيض. اسرقوا من أجلِه أقراص العسل من النحل، واقطفوا أجنحة الفراشات الملونة حتى تحجب أشعة القمر عن عينيه النائمتين.»
قال واحد منهم: «سأفعل.» وهكذا قال الآخرون.
قالت الملكة للمهرِّج: «اجلس هنا بجانبي، حتى أداعب خدودك الرائعة وحتى أزين بالورود العطرة خصلاتك المصفوفة المنسدلة وأطبع القبلات فوق أذنَيك الكبيرتين، يا فرحتي الرهيفة!»
سأل المهرِّج الذي كان برأس حمار: «أين زهرة البازلاء؟» لم يكن مهتمًّا كثيرًا بحب الملكة، ولكنه كان مختالًا بشدة لوجود أتباع من الجن في خدمته. رد زهرة البازلاء قائلًا: «حاضر.»
قال له: «اهرش رأسي، يا بازلاء.» ثم قال: «أين خيط العنكبوت؟» رد الآخر: «حاضر.»
قال له: «اقتل لي النحلة الحمراء التي تقف فوق تلك الشوكة ثم أحضر لي قرص العسل. أين خردل؟»
رد خردل: «حاضر.»
قال المهرج: «أوه، لا أريد منك شيئًا سوى مساعدة خيط العنكبوت في هرش رأسي. لا بد أن أذهب إلى الحلاق؛ إذ أظن أن الشعر الكثيف يُغطِّي وجهي.»
قالت له الملكة: «قل لي ما تريد من الطعام؟»
رد عليها: «أشتهي بعض الشوفان الجاف الممتاز، وأظن أنني أشتهي بعده بعض الدريس.»
سألته: «هل تُريد أن يحضر لك بعض أتباعي من الجن بعض البندق الطازج من مخازن السناجب؟»
رد المهرج: «أفضِّل حفنةً أو اثنتين من البازلاء الجافة. ولكن أرجوكِ لا أريد أن يزعجني أحد من رعيتكِ؛ فالنعاس يكاد يغلبني.»
تيتانيا تحت تأثير سحر رحيق الحب.
قالت له الملكة: «فلتنمْ يا حبيبي وسوف أضمُّك بين ذراعيَّ.»
عندما جاء أوبرون، وجد ملكتَه الجميلة تُغدق قبلاتها ومشاعرها على مهرج برأس حمار.
وقبل أن يُحرِّرها من تأثير هذا السحر المسيطر عليها، أقنعها بأن تُعطيه الولد الهندي الصغير الذي كان يرغب بشدة في ضمِّه إلى حاشيته. ثم رقَّ لحالها وصبَّ بعض رحيق الزهرة المبطلة لسحر الحب على عينَيها الجميلتين، وفي لحظة، رأت بوضوح المهرِّج الذي رأسه على شكل حمار وأدركت كم كانت حمقاء.
تيتانيا تستيقظ.
نزع أوبرون رأس الحمار عن المهرج، وتركه يُكملُ نومه ورأسه الحمقاء ترقد على الزعتر البري وزهور البنفسج.
وهكذا اتَّضحت الأمور مرة أخرى، وعاد كل شيء لنصابه. أحب أوبرون وتيتانيا كلٌّ منهما الآخر أكثر من ذي قبل. وديمتريوس لم يكن يُفكر إلا في هيلينا، ولم تكن هيلينا تُفكر في أحد سوى ديمتريوس.
أما بالنسبة إلى هيرميا وليساندر، فقد كان حبهما أعظم من أي حب يمكن أن تصادفه يومًا، حتى لو كنت تسير عبر غابة للجن.
وهكذا، عاد الأحباء البشريون الأربعة إلى أثينا، وتزوج كل حبيب حبيبته، وعاش ملكُ وملكةُ الجن معًا في سعادة وهناء في تلك الغابة في ذلك اليوم.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
العاصفة
فيرديناند وميراندا.
كان بروسبرو، دوق ميلانو، رجلًا مثقفًا ومولعًا بالعلم، يعيش وسط كتبه، تاركًا إدارة شئون دوقيته لأخيه أنطونيو، الذي كان في واقع الأمر يضع فيه كامل ثقتِه. لكن هذه الثِّقة كانت في غير محلِّها؛ إذ إن أنطونيو أراد أن يستوليَ على تاج أخيه، ولكي يُحقِّق هدفه، كان سيقتله لولا الحب الذي يُكنُّه الناس له. مع ذلك، استطاع، بمعاونة عدوِّ بروسبرو اللدود ألونسو، ملك نابولي، أن يستوليَ على الدوقية، بكل عزها وسطوتها وثرواتها. فقد جعَلا بروسبرو يركب سفينة وعندما ابتعدت السفينة تمامًا عن اليابسة، أُجبر بروسبرو على ركوب قارب صغير ليس له صارٍ أو شراع أو حبال. وبسبب قسوتهما وكراهيتهما، وضعا ابنته الصغيرة، ميراندا (التي لم تكن تتجاوز الثالثة من عمرها حينها) معه في القارب، وأبحَرا، تاركين الأب وابنته لمصيرهما.
لكن كان من بين رجال الحاشية رجلٌ وفيٌّ للدوق الشرعي، بروسبرو. كان إنقاذ الدوق من أعدائه مستحيلًا، لكن كان يُمكن فعل الكثير لتذكيره بحب أحد أتباعه له. لذا، وضع هذا اللورد الوفي، الذي كان يُسمى جونزالو، خفيةً في القارب بعض الماء العذب والطعام والملابس وبعضًا من كتب بروسبرو المفضَّلة، والتي كانت أكثر الأشياء المقدَّرة لديه.
قذَفت الأمواج القارب على جزيرة وهبط منه بروسبرو وابنته الصغيرة بأمان. كانت هذه الجزيرة مسحورة، وظلَّت لسنوات ترزح تحت تأثير سحر ساحرة شريرة تُدعى سيكوراكس، والتي سجنَت في جذوع الأشجار كل الأرواح الطيبة التي وجدتْها هناك. ماتت تلك الساحرة قبل فترة قليلة من نزول بروسبرو على تلك الجزيرة، لكن ظلَّت الأرواح، التي كان أريال رئيسها، في سجونها.
كان بروسبرو ساحرًا عظيمًا؛ إذ كان قد انكبَّ على نحوٍ شبه كامل على دراسة السحر في تلك السنوات التي وكَل لأخيه فيها مهمَّة إدارة شئون ميلانو. وبمهارته وعلمه، استطاع أن يُطلق سراح الأرواح المحبوسة، مع جعلها طوع بنانه، وقد كانت بحقٍّ مخلصة له أكثر من رعاياه في ميلانو. كان يعاملها معاملة طيبة ما دامت تلتزم بأوامره، وكان يمارس سلطاته عليها بحكمة وحنكة. لكن كان هناك مخلوق واحد وجد أنه من الضروري معاملته بقسوة، وكان هذا المخلوق هو كاليبان، ابن الساحرة العجوز الشريرة، والذي كان وحشًا مشوَّهًا وفظيعًا، وكان بشع الطلعة، وتتميز كل طباعه وعاداته بالخبث والوحشية.
الأمير فيرديناند والأمواج تتقاذفه.
عندما كَبُرت ميراندا وأصبحت فتاة جميلة ورقيقة، تصادف أن أنطونيو وألونسو وأخاه سيباستيان وابنه فيرديناند كانوا في البحر على متن سفينة، وكان معهم جونزالو العجوز، واقتربت سفينتهم من الجزيرة التي كان عليها بروسبرو. عندما علم بروسبرو بوجودهم بالقرب من جزيرته، تمكَّن بمهارته من إثارة عاصفة عظيمة لدرجة أن ملاحي السفينة رأوا أن الجميع هالكون لا محالة، وكان أول من قفز من السفينة في البحر هو الأمير فيرديناند، والذي ظنَّ والده في حزن شديد أنه غرق. لكن أريال أنقذه ونقله إلى الشاطئ بأمان، وهبط كل باقي طاقم السفينة دون أن يصيبهم أي أذًى في أجزاء مختلفة من شاطئ الجزيرة، رغم طغيان الأمواج على السفينة وسقوطهم منها، وقد رست السفينة الجميلة نفسها التي ظن الجميع أنها قد تحطمت في الميناء في المكان الذي جلبها إليه أريال. كان بروسبرو والأرواح التابعة له يستطيعون القيام بتلك العجائب.
بينما كانت لا تزال العاصفة هائجة، أرى بروسبرو ابنته السفينة الباسلة وهي تُجاهد من أجل البقاء وسط الأمواج العاتية، وقال لها إنها مليئة ببشر أحياء مثلهما. أشفقت الابنة على حال ركَّابها وتضرَّعت إلى أبيها وطلبت منه إنهاء العاصفة التي أثارها. طلب منها أبوها ألا تخاف لأنه ينوي أن يُنقذهم جميعًا.
حينها، وللمرة الأولى، حكى لها قصته وقصتها وأنه قد تسبَّب في إثارة تلك العاصفة حتى يقع في يديه عدوَّاه، أنطونيو وألونسو، اللذَين كانا على متن هذه السفينة.
وعندما انتهى بروسبرو من سرد قصته، جعَل ابنته تنام؛ إذ كان أريال في مكان قريب وقد أراد منه القيام بمهمَّة. تذمَّر أريال، الذي كان يتوق للحصول على حريته كاملةً، من حياة السخرة التي كان يعيشها، لكنه عندما ذُكِّر على نحو تهديدي بكل المعاناة التي تعرض لها عندما كانت سيكوراكس تسيطر على الجزيرة وكذلك بالفضل الذي يدين به لسيده بروسبرو الذي أنهى كل متاعبه، توقف عن الشكوى ووعد بإخلاص بالقيام بكل ما قد يأمُرُه به.
قال له بروسبرو: «افعل هذا، وأنا بعد يومَين سأفكُّ أسرك.»
طلب منه أن يتَّخذ هيئة عروسة بحر ويَبحث عن الأمير الشاب. حام أريال بالقرب من فيرديناند، رغم أنه كان غير مرئي له، وأخذ يُغني:
هلموا إلى هذه الرمال الصفراء وضمُّوا أيديكم المرتجفة العفراء ثم احنوا رءوسكم وقبِّلُوا الأرض لكي يهدأ الموج والنوء يرفض ومن هنا وهناك السماء تبرق ولا تلبث الشمس من وراء الغمام تشرق فيتنسى لكم جميعًا أن تسرحوا وتمرحوا.
[ترجمة أ. ر. مشاطي، وهي الترجمة التي اعتمدنا عليها في ترجمة الاقتباسات من هذه المسرحية]
تتبع فيرديناند الغناء الساحر، والذي بدأ يتَّخذ طابعًا جديًّا وقد جلبَت الكلمات الكآبة إلى قلبه والدموع إلى عينيه؛ لأنها جاءت على النحو التالي:
على عمق خمسة باعات تحت الماء يرقد والدك كما يرغب ويشاء وعظامه إلى مرجان تتحوَّل وعيونه البراقة حوله تتجول وفي داخله لا شيء يتغير بينما البحر في تصرفاته محيِّر إذ ينقلب إلى فيض ضياء نادر، يسحر في كل حين ببهاء عرائس البحر التي تنعيه وعلى حميد مزاياه تبكيه.
مهَّد أريال، بغنائه هذا، للقاء الأمير المسحور ببروسبرو وميراندا. ثم حدث كل ما تمنَّاه بروسبرو. فميراندا، التي لم ترَ مطلقًا منذ تفتح وعيها أي إنسان ما عدا أباها، نظرت إلى الأمير الشاب بإجلال وأحبَّته من صميم قلبها.
قالت: «يُخيل إليَّ أنه من زمرة الآلهة وليس لروعته في الكون من مثيل!»
وقال فيرديناند متعجبًا وهو ينظر إلى جمالها في دهشة وسعادة: «لا بد أن هذه هي الإلهة التي تُغنَّى لها هذه الأغنية!»
إن فيرديناند لم يُحاول إخفاء الحب الذي ألهبت قلبه به؛ إذ بمجرد أن تبادلا بعض العبارات، تعهد بأن يجعلها ملكته إن أرادت ذلك. لكن بروسبرو تظاهر بالغضب من ذلك، رغم أنه كان سعيدًا من داخله.
وقال لفيرديناند: «لقد تسلَّلتَ إلى هذه الجزيرة كالجاسوس. سأُقيِّد رجليك إلى عنقِك وأجعل ماء البحر شرابك الوحيد، وقُوتَك اليومي البزاق والجذور الجافة وبلوط البحر. هيا اتبعني.»
فيرديناند يرى ميراندا.
رد فيرديناند قائلًا: «كلا!» واستلَّ سيفه. لكن سحره بروسبرو على الفور بحيث وقف هناك وكأنه تمثال أصم من الحجر، وفزعت ميراندا من ذلك وأخذت تتوسَّل إلى أبيها أن يرحم حبيبها. لكنه رفض بقسوة، وجعل فيرديناند يتبعه إلى كوخه. وهناك، فرض عليه عملًا شاقًّا؛ إذ جعله ينقل الآلاف من الحطب ويُكوِّمها فوق بعضها؛ وقد أطاعه فيرديناند بصبر مُعتقِدًا أن التعاطف الذي تُبديه ميراندا الجميلة تجاهه يُنسيه كل تعبه.
كانت من إشفاقها الشديد عليه ستُساعده في عمله الشاق، ولكنه ما كان ليسمح لها بهذا أبدًا، ولم يستطع هو إخفاء حبه عنها، وعندما سمعته وهو يعترف لها به، فرحت بشدة ووعدته بأن تُصبحَ زوجته.
ثم أطلق بروسبرو سراحه وجعله يترُك خدمته، وأعطى موافقته على زواجهما وهو سعيد من الداخل.
قال له: «خذها، فقد أصبحت الآن ملكك.»
في تلك الأثناء، كان أنطونيو وسيباستيان في جزء آخر من الجزيرة يتآمران لقتل ألونسو، ملك نابولي؛ لأن سيباستيان، بعد موت فيرديناند، حسبما كانا يظنان، كان سيرتقي عرش نابولي بعد موت ألونسو. وكانا سينفذان مخططهما الشرير بينما كان المتآمَر عليه نائمًا، لولا أن أريال أيقظه في الوقت المناسب.
مارس أريال العديد من الخدع السحرية عليهم. فذات مرة، أعدَّ مأدبة أمامهم، وقبل أن يمدُّوا أيديهم ليأكُلوا منها، ظهر لهم وسط برق ورعد في شكل هاربي، وهو مخلوق خرافي نصف طائر ونصف امرأة، وفجأة اختفت المأدبة. ثم وبَّخهم على الخطايا التي ارتكبوها واختفى أيضًا.
جعلهم بروسبرو بقدراته السحرية يذهبون إلى الأجَمة الموجودة خارج كوخه وانتظروا هناك، خائفين ومُرتعِدين، وفي النهاية أعلنوا بمرارة عن ندمِهم على الخطايا التي ارتكبوها.
قرر بروسبرو أن يستغلَّ قدراته السحرية لآخر مرة، وقال: «بعد ذلك، أنا على أتم استعداد لكسر عصا سِحري ودفن كتبي في أعماق الوادي السحيق حيث لا يتمكَّن أحد من الوصول إليها.»
جعل موسيقى آسرة تَسري في الهواء، وظهر لهم في شكله الملائم له باعتباره دوق ميلانو. ولأنهم ندموا على ما فعلوه من خطايا، صفح عنهم وأخبرهم بما حدث له منذ أن تركوه بقسوة هو وطفلته تحت رحمة الرياح والأمواج. تحسر ألونسو، الذي بدا أنه الأكثر ندمًا على ارتكاب جرائمه السابقة، على فقد وريثه. لكن بروسبرو أزال ستارًا، كاشفًا عن فيرديناند وميراندا وهما يلعبان الشطرنج. سعِد ألونسو بشدة للقاء ابنه الحبيب مرة أخرى، وعندما علم أن الفتاة الجميلة التي كان يلعب معها ابنه هي ابنة بروسبرو وأن ابنه والفتاة قد أرادا الزواج بعضهما من بعض، قال: «هاتا يديكما يا عزيزيَّ. ولتعصر التعاسة والآلام قلب من لا يريد لكما السعادة.»
وهكذا، انتهى كل شيء على نحو سعيد. كانت السفينة ترسو بأمان في الميناء، وفي اليوم التالي، أبحروا جميعًا إلى نابولي حيث كان من المنتظر أن يتزوَّج فيرديناند وميراندا. وقد جعل أريال البحار هادئة وأعطاها عواصف ميمونة، وقد كان هناك العديد من المسرات في حفل الزفاف.
فيرديناند وميراندا يلعبان الشطرنج.
ثم عاد بروسبرو، بعد عدة سنوات من الغياب، إلى دوقيته ورحَّب به بسعادة غامرة رعاياه المُخلِصون له. لم يُمارس السحر مرة أخرى، لكن حياته كانت سعيدة، ليس فقط لأنه عاد إلى مكانته مرة أخرى، ولكن بصفة أساسية لأنه لم ينتقم من أعدائه الألداء الذين فعلوا به الأفاعيل عندما وقَعوا تحت رحمته، بل سامَحَهم بنُبلٍ شديد.
أما أريال، فقد أعطاه بروسبرو حريته كاملةً بحيث أصبح بإمكانه الذهاب إلى أيِّ مكان يُريده وغناء أغنيته العذبة التالية بقلبٍ تَغمره السعادة:
من حيث ترشف النحلة أنا أرشف وبين أكمام زهر الربيع أتمدَّد وأنام ملء جفوني عندما ينعب البوم وعلى ظهر خفاش أطير متبعًا بسعادة بهاء الصيف حول أنحاء الأرض. سأعيش الآن في سعادةٍ وحُبور تحت الورد الذي يرقص على أغصانه.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
سيمبلين
إيموجين.
كان سيمبلين ملك بريطانيا، وكان لديه ثلاثة أبناء. خُطف منه ابنان بينما كانا طفلين صغيرَين، وبقيَت له ابنة واحدة تُدعى إيموجين. تزوج الملك مرة ثانية، وربى ليوناتس، وهو ابن صديق عزيز عليه، باعتباره رفيق إيموجين، وعندما كبُر ليوناتس بما يكفي تزوجته إيموجين سرًّا. وهذا جعل الملك والملكة يغضبان غضبًا شديدًا، وحتى يعاقب الملك ليوناتس، نفاه من بريطانيا.
كاد قلب إيموجين المسكينة ينفطِر بسبب فراقها لليوناتس، وهو لم يكن يقلُّ عنها تعاسة؛ فهما لم يكونا فقط حبيبَين وزوجَين، ولكن كانا أيضًا صديقَين ورفيقَين منذ أن كانا طفلَين صغيرين جدًّا. ودَّعا بعضهما بالكثير من الدموع والقبلات. ووعدا ألا ينسى كلٌّ منهما الآخر مطلقًا، وألا يهتما أبدًا بأي شخص آخر طوال حياتهما.
قالت إيموجين: «هذه ماسة كانت قرة عين أمي، خذها يا فؤادي، واحتفظ بها ما دمت تُحبُّني.»
ياكيمو وإيموجين.
رد ليوناتس: «وأنتِ يا أجمل وأرق امرأة، لأجلي ارتدي هذا السوار.»
صاحت إيموجين باكيةً: «آه! متى سنلتقي ثانيةً؟»
وبينما كانا لا يزالان بعضهما في حضن بعض، دخل الملك، وكان على ليوناتس الرحيل دون مزيد من الوداع.
عندما وصل إلى روما، حيث ذهب ليمكث مع صديق قديم لأبيه، كان يقضي النهار في التفكير في حبيبته إيموجين، والليل في الحلم بها. وذات يوم، في إحدى الحفلات، كان بعض النبلاء الإيطاليين والفرنسيين يتحدَّثون عن حبيباتهم ويقسمون على أنهن أخلص وأشرف وأجمل فتيات في العالم. وذكَّر أحد النبلاء الفرنسيين ليوناتس كيف أنه قال عدة مرات إن زوجته إيموجين كانت أكثر جمالًا وحكمة ووفاءً من أي فتاة في فرنسا.
قال ليوناتس: «أنا ما زلت عند رأيي.»
قال ياكيمو، أحد النبلاء الإيطاليين: «إنها ليست كما تقول وستخدعك.»
قال ليوناتس: «إنها لن تخدعني.»
قال ياكيمو: «أراهن أنني إذا ذهبتُ إلى بريطانيا، فسيُمكنني إقناع زوجتك بأن تفعل أي شيء أريده، حتى إن كان ضد إرادتك.»
قال ليوناتس: «لن تفعل ذلك أبدًا.» ثم أشار إلى الخاتم الذي أعطته إياه إيموجين وقال: «أراهن بهذا الخاتم الذي في إصبعي أن زوجتي ستَحفظ كل عهودها لي وأنك لن تقنعها بفعل أي شيء بخلاف ذلك.»
وهكذا، راهن ياكيمو على ذلك بنصف أملاكه في مقابل الخاتم الذي كان ليوناتس يلبسه في إصبعه، وانطلق للتو إلى بريطانيا، ومعه خطاب تقديمي لزوجة ليوناتس. وعندما وصل إلى هناك، استُقبل بترحاب شديد، لكنه كان لا يزال مصمِّمًا على الفوز برهانه.
قال لإيموجين إن زوجها لم يعدْ يفكر فيها، وأخذ يُخبرها بالعديد من الأكاذيب القاسية عنه. استمعت إيموجين إليه في البداية، لكنها رأت كم هو شرير، وأمرته بتركها. حينها قال:
«ألتمس منكِ المعذرة. لقد تكلمتُ بكل هذا لأعلم إن كنتِ ستُصدقينني وإن كنتِ مخلصة بشدة كما يعتقد زوجكِ. هل ستسامحينني؟»
قالت إيموجين: «لا بأس، سأسامحك.»
قال ياكيمو: «إذن، ربما ستُثبتين هذا بأن تضعي تحت رعايتكِ صندوقًا يحتوي على عدد من الجواهر التي اشتريناها أنا وزوجكِ وبعض النبلاء الآخرين كهدية لإمبراطور روما.»
قالت إيموجين: «سأفعل بالطبع أي شيء من أجل زوجي وصديق زوجي. أرسل الجواهر إلى غرفتي، وسأجعلها تحت رعايتي.»
قال ياكيمو: «ستحتفظين بها لهذه الليلة فقط؛ إذ سأرحل عن بريطانيا ثانيةً غدًا.»
وهكذا، أُرسل الصندوق إلى غرفة إيموجين، وفي تلك الليلة، ذهبت إلى غرفة نومها لتنام. وعندما غطت في سبات عميق، انفتح غطاء الصندوق وخرج منه رجل. وكان هذا الرجل هو ياكيمو. كانت القصة الخاصة بالجواهر غير صحيحة، كما هو الحال بالنسبة إلى الأشياء التي قالها. كان يريد فقط أن يدخل إلى غرفتها ليربح رهانه الخبيث. نظر ياكيمو حوله وأخذ يتفحص محتويات الغرفة، ثم زحف إلى جانب السرير الذي كانت إيموجين تنام عليه وأخذ من ذراعها السوار الذهبي الذي كان هدية الوداع التي أعطاها إياها زوجها. ثم زحف عائدًا إلى الصندوق، وفي صباح اليوم التالي، أبحر إلى روما.
ياكيمو في الصندوق.
عندما قابل ليوناتس، قال له:
«ذهبت إلى بريطانيا وفزت بالرهان؛ إذ لم تعد زوجتك تفكر فيك. لقد ظلَّت تتحدَّث إليَّ طوال ليلة بأكملها في غرفتها، التي لها جدران مُغطَّاة بلوحات من نسيج مزين بالرسوم، ومدخنة عليها نقوش، ومسندَي حطب مصنوعين من الفضة على شكل كيوبيدَين لامعين.»
«أنا لا أصدق أنها نسيتني، ولا أصدق أنها أخذت تتحدث إليك في غرفتها. لقد سمعت وصفَ غرفتها من الخدم.»
قال ياكيمو: «آها! لكنها أعطتْني هذا السوار. لقد نزعته من ذراعها. ما يزال المشهد ماثلًا أمام عينَيَّ. لقد جاوزت حركتها الرشيقة هديتها، وزادتها غنى كذلك. لقد أعطتْني إياها، وقالت إنها كانت عزيزة عليها يومًا.»
صاح ليوناتس: «خذ الخاتم. لقد ربحت الرهان، وربما تكون قد أخذت حياتي أيضًا؛ إذ لم أعدْ أكترث لها الآن بعد أن عرفت أن زوجتي قد نسيتني.»
جن جنون ليوناتس من الغضب، وأرسل رسالة إلى خادمه العجوز، بيسانيو، في بريطانيا يأمره فيها بأن يأخذ إيموجين إلى ميلفورد هافن، ويقتلها هناك، لأنها نسيته وتخلَّت عن هديته لها. في نفس الوقت، كتب رسالة إلى إيموجين نفسها، يطلب منها فيها الذهاب مع بيسانيو، خادمه العجوز، إلى ميلفورد هافن، وأخبرها أنه سيكون هناك ليقابلها.
عندما وصلت تلك الرسالة إلى بيسانيو، كان من الصلاح بحيث ما كان له أن ينفذ ما جاء بها من أوامر، ومن الحكمة بحيث لا يسمح لهما بأن يبقيا معًا بمفردهما. لذا، أعطى إيموجين الرسالة الخاصة بزوجها، وانطلَق معها إلى ميلفورد هافن. لكن قبل أن يرحل، أعطته الملكة الشرِّيرة شرابًا قالت إنه سيكون مفيدًا له في مرضه. لقد كانت تأمل أن يعطيه إيموجين لتموت، ويرث ابنها العرش؛ إذ كانت تظن أن هذا الشراب سم، لكنه في واقع الأمر لم يزدْ عن كونه منوِّمًا.
عندما اقترب بيسانيو وإيموجين من ميلفورد هافن، أخبرها بالمحتوى الحقيقي للرسالة التي بعثها له زوجها.
قالت إيموجين: «يجب أن أذهب إلى روما، وأراه بنفسي.»
ساعد بيسانيو إيموجين في التخفِّي في ملابس شابٍّ وتركها ثم عاد إلى البلاط. وقبل أن يرحل، أعطاها الشراب الذي أعطته إياه الملكة.
أخذت إيموجين تسير في طريقها، وقد أخذ التعب يتملَّك منها شيئًا فشيئًا، حتى وصلت في النهاية إلى كهف. بدا أن أحدًا كان يعيش هناك، لكن لم يكن هناك أحد في ذلك الوقت. لذا، دخلت الكهف، ونظرًا لأنها كادت تموت جوعًا، أخذت بعضًا من الطعام الموجود في المكان، وما إن فعلت هذا، حتى دخل إلى الكهف رجل عجوز وشابان. خافت بشدة عندما رأتهم؛ إذ ظنَّت أنهم سيغضبون منها لأنها أخذت طعامهم، رغم أنها كانت تنوي أن تترك لهم مقابله على الطاولة. لكن لدهشتها، رحبوا بها بشدة. وقد كانت تبدو جميلة جدًّا في ملابس الرجال التي تتخفى فيها، وكان وجهها جميلًا وتبدو عليه أمارات الطيبة.
قال الشابان لها: «ستُصبح أخًا لنا.» وهكذا، بقيت معهم وساعدتهم في طهي الطعام وترتيب الأشياء. لكن ذات يوم، بينما كان الرجل العجوز، والذي كان يُدعى بيلاريوس، بالخارج للصيد هو والشابان، توعَّكت إيموجين وفكرت في تجربة الدواء الذي أعطاها إياه بيسانيو. لذا، أخذته وعلى الفور بدت كشخص ميت، بحيث عندما عاد بيلاريوس والشابان من الصيد، ظنوا أنها ماتت، ومع الكثير من الدموع والأغاني الجنائزية، حملوها ووضعوها في الغابة وغطَّوها بالورود.
غنوا لها أغانيَ عذبة، ونثروا عليها الورود وأزهار الربيع الشاحبة وأزهار الجريس الزرقاء وأوراق أزهار النسرين والأعشاب النضرة، وانصرفوا وهم يشعرون بحزن شديد. وبمجرد أن ذهبوا، أفاقت إيموجين، وحيث إنها لم تكن تدري كيف ذهبت إلى هناك ولا أين هي، فقد هامت على وجهها في أنحاء الغابة.
وفي الفترة التي كانت إيموجين تعيش فيها في الكهف، قرَّر الرومان غزو بريطانيا، وأرسلوا بالفعل جيشهم، والذي كان معه ليوناتس، الذي بدأ يشعر بالأسف على ما اقترفه في حق إيموجين، فجاء لا ليُحارب مع الرومان وإنما مع البريطانيين ضدَّهم. وبينما كانت إيموجين تتجول بمفردها، قابلت لوشيوس، القائد الروماني، وعملت معه كتابع له.
وعندما بدأت المعركة بين الرومان والبريطانيين، حارب بيلاريوس وابناه دفاعًا عن وطنهم، وحارب معهم ليوناتس، الذي تنكَّر في زي فلاح بريطاني. اتخذ الرومان سيمبلين أسيرًا، لكن أنقذه بيلاريوس العجوز هو وابناه وليوناتس ببسالة. وانتصر البريطانيون في المعركة في نهاية الأمر، وكان من ضمن الأسرى الذين مثَلوا أمام الملك لوشيوس ومعه إيموجين وياكيمو وليوناتس، الذي كان يرتدي حينها زي جندي روماني. كان ليوناتس قد ملَّ من حياته لأنه أمر بقسوة بقتل زوجته، وأمَّل أن يؤمر بقتله لكونه جنديًّا رومانيًّا.
وعندما مَثلوا أمام الملك، تحدث لوشيوس قائلًا:
«الروماني قادر على الصبر بقلب روماني. إن كان لا بد أن أموت، فليكن هذا. ثمة أمر واحد ألتمسُه؛ غلامي — وقد وُلد بريطانيًّا — أريد أن أفتديَه. لم يكن لسيد قط غلام بهذه الطيبة والطاعة والمثابرة والإخلاص. إنه ما آذى بريطانيًّا قط رغم أنه كان في خدمة روماني. أبقِ عليه، يا سيدي.»
إيموجين وهي نائمة بفعل المنوم.
نظر سيمبلين إلى التابع، الذي كان ابنته، إيموجين، لكنها كانت متنكِّرة، ورغم أنه لم يتعرف عليها، فقد عامل الشاب بطيبة شديدة لدرجة أنه لم يُنقذ فقط حياته، بل قال أيضًا:
«ليطلب مني أي شيء يريده، حتى لو كان تسريح واحدٍ من أنبل أسرنا.»
حينئذٍ، قالت إيموجين: «الشيء الذي أريده هو أن يُخبرني هذا النبيل من أين أتى بالخاتم الذي يرتديه في إصبعه!» وأشارت إلى ياكيمو.
قال سيمبلين: «تحدث. كيف صارت إليك تلك الماسَّة التي في إصبعك؟»
حينها، كشف ياكيمو عن الحقيقة الكاملة لمؤامرته، وعندئذ، لم يستطع ليوناتس أن يتمالك نفسه، وكشف عن تنكُّره، وتقدم للأمام، وأخذ يلعن نفسه على حماقته في تصديق قصة ياكيمو الملفقة، وينادي مرارًا وتكرارًا على زوجته التي كان يظن أنها ماتت.
إيموجين وليوناتس.
صاح قائلًا: «أوه، إيموجين، حبي، حياتي.»
ثم، نسيَت إيموجين أنها متنكِّرة، وصاحت: «انتظر، سيدي، اسمع، اسمع!»
تحول ليوناتس لصفع التابع الوقح الذي حشر نفسه هكذا في بلواه العظيمة، ثم اكتشف أنه زوجته إيموجين، وعانق كل منهما الآخر.
كان الملك سعيدًا للغاية لرؤية ابنته الغالية مرة ثانية، وممتنًّا جدًّا للرجل الذي أنقده (الذي اتضح له الآن أنه كان ليوناتس)، مما جعله يبارك زواجهما، ثم تحول إلى بيلاريوس والشابَّين. تحدث بيلاريوس قائلًا:
«أنا خادمك العجوز، بيلاريوس. لقد اتهمتَني بالخيانة بينما كنت مخلصًا لك، وأنت بشكِّك هذا جعلتني خائنًا. لذا، سرقت ولديك، انظر! إنهما هنا!» قدم له الولدين، اللذين تعهَّدا بأن يكونا بمنزلة أخوَين لإيموجين عندما ظنَّا أنها شاب مثلهما.
ماتت الملكة الشريرة جراء تناول بعض من السم الخاص بها، والملك، الذي أصبح معه الآن أولاده الثلاثة، عاش حتى وصل إلى سن كبيرة في سعادة.
وهكذا، عُوقب الأشرار، وعاش الأخيار والمخلصون حياة سعيدة. فليعانِ الأشرار، وليعش الصالحون حياة سعيدة حتى نهاية العالم!
عشرون قصة من روائع شكسبير |
ماكبث
عندما يُطلب من أي أحد أن يحكي قصة ماكبث، يمكنه أن يحكي قصتين. القصة الأولى هي قصة رجل يُدعى ماكبث ارتقى لعرش اسكتلندا بارتكابه جريمة في عام ١٠٣٩ ميلاديًّا، وحكَم، بوجه عام، بعدل وحكمة لمدة خمسة عشر عامًا أو يزيد. وهذه القصة جزء من التاريخ الاسكتلندي. أما القصة الأخرى، فمصدرها شيء اسمه «الخيال»؛ إنها قصة كئيبة ومدهشة في الوقت نفسه، وهي ما ستقرءونه في السطور التالية.
قبل عام أو اثنين من حكم الملك إدوارد المُعترِف لإنجلترا، تحقَّق النصر في معركة في اسكتلندا ضد ملك نرويجي على يد قائدَين هما ماكبث وبانكو. وبعد المعركة، سار القائدان معًا باتجاه فوريس، إلجينشاير، حيث كان دنكان، ملك اسكتلندا، ينتظرهما.
الساحرات الثلاثة.
وبينما كانا يعبران أرضًا مُعشوشِبة مُنعزلة، رأيا ثلاث نساء ذوات لحًى، وقد كنَّ أخوات، تُمسِك كلٌّ منهنَّ بيد الأخرى، وكان يبدو عليهن الضعف والذبول، وكانت ملابسهن غريبة.
من مسرحية «ماكبث».
سأل ماكبث: «تحدَّثْن، من تكُنَّ؟»
قالت المرأة الأولى: «سلام، يا ماكبث، يا أمير جلامس.»
ثم قالت الثانية: «سلام، يا ماكبث، يا أمير كودور.»
ثم قالت الثالثة: «سلام، يا ماكبث، يا من ستكون يومًا ملكًا.»
سألهنَّ بانكو: «وماذا عني؟» وأجابت الثالثة: «أنت ستكون أبًا لملوك.»
قال ماكبث: «زيديني بيانًا. أعلم أنني بمَوت أبي قد أصبحت أمير جلامس، ولكن أمير كودور ما زال حيًّا، والملك ما زال على قيد الحياة وأبناؤه كذلك. إني آمركن أن تُفصِحن.»
كان ردهنَّ هو الاختفاء، كما لو أنهنَّ قد تلاشَين فجأة في الهواء.
أدرك بانكو وماكبث أن هؤلاء النِّسوة ما هن إلا ساحرات، وكانا يُناقشان نبوءاتهما عندما اقترب منهما نبيلان. شكر الأول ماكبث باسم الملك على انتصاراته العسكرية، في حين قال له الثاني: «وقد أمرني بأن أُلقِّبك بأمير كودور.»
ثم نما إلى علم ماكبث أن الرجل الذي كان يحمل هذا اللقب بالأمس سوف يُقتل لأنه متَّهم بالخيانة، ولم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير وقال لنفسه: «قالت لي الساحرة الثالثة: «ستكون يومًا ملكًا».»
ثم قال: «بانكو، ألا ترى أن الساحرات قد صدقنَ فيما تنبَّأن به بشأني. ألا تأمل، إذن، أن يغدو أبناؤك وأحفادك ملوكًا؟»
قطَّب بانكو جبينه. كان للملك دنكان ابنان، مالكوم ودونالبين، وقد رأى بانكو أن من الخيانة أن يأمُل أن يحكم ابنه فليانس اسكتلندا. قال لماكبث إن الساحرات ربما يُرِدن إغواءهما للوقوع في الخطيئة بنبوءاتهنَّ المتعلقة بالحكم. لكن ماكبث ظن أن النبوءة الخاصة بكونه سيُصبح الملك سارة جدًّا بحيث لا يُمكن أن يحتفظ بها لنفسه، لذا، ذكرها لزوجته في خطاب.
كانت الليدي ماكبث حفيدة ملك اسكتلندا الذي مات دفاعًا عن التاج ضد الملك الذي حكم قبل دنكان والذي أمر بقتل أخيها الوحيد. وكان دنكان يُذكِّرها بأشياء مريرة. وكانت تجري في عروق زوجها دماءٌ ملَكية، ولذا، عندما قرأت خطابه، صممت على أن يصبح الملك.
وعندما جاءها رسول يخبرها بأن دنكان سيبيت ليلة في قلعة ماكبث، أخذت على عاتقها تنفيذ عمل خبيث للغاية.
قالت لماكبث بمجرد أن رأته أن دنكان يجب ألا يرى شمس صباح الغد. كانت تقصد أن دنكان يجب أن يموت وأن الموتى لا يرون. قال لها ماكبث بتوتُّر: «سنعود إلى هذا الحديث لاحقًا.» وفي الليل، أخذ يتذكر الكلمات الطيبة التي قالها عنه دنكان، ولم يُرِد أن يقتله.
قالت له الليدي ماكبث: «هل ستعيش جبانًا؟» وبدا أنها كانت تظن أن الفضيلة والجُبن شيء واحد.
الليدي ماكبث.
رد ماكبث: «أنا أجرؤ على ما يليق بالرجل أن يعمله، ومَن جرؤ على أكثر، فليس برجل.»
سألته بحدة: «لماذا إذن كتبتَ ذلك الخطاب لي؟» وبكلمات ساخرة، حرَّضته على القتل، وبكلمات ماكرة، أرتْه كيف يفعل هذا.
بعد العشاء، ذهب دنكان لكي ينام، وكان هناك حارسان على باب غرفة نومه. جعلتهما الليدي ماكبث يشربان الخمر حتى ناما من فرط السُّكر. ثم استولت على خنجريهما، وكانت ستقتُل الملك بنفسها لولا أن وجهه وهو نائم كان يشبه وجه أبيها.
جاء ماكبث فيما بعد، ووجد الخنجرَين مُلقيَين بجوار الحارسين، وبعد فترة قصيرة، عاد إلى زوجته ويداه ملطختان بالدماء وقال لها: «خُيل إليَّ أن هاتفًا كان يصرخ بي: «لن تذوق المنام! إن ماكبث قد قتل النوم».»
قالت له: «اغسل يدَيك. لماذا لم تدع الخنجرين بجوار الحارسين؟ أعدْهما، ولطِّخ الحارسَين بالدم.»
رد ماكبث: «أنا لا أجرؤ على فعل ذلك.»
كان لدى زوجته الجرأة على فعل ذلك، وعادت إليه ويداها ملطَّختان بالدماء مثل يديه، لكن قلبها كان أقل لينًا، وأخبرتْه بما فعلت بفخر؛ إذ كانت تَحتقِر خوفه.
سمع القاتلان طرقًا على الباب الخارجي، وكان ماكبث يأمُل أن يستطيع هذا الطَّرق إيقاظ الميت. كان الطارق هو ماكدوف، أمير فايف، الذي طلب منه دنكان زيارته في وقت مبكِّر. ذهب إليه ماكبث وصحبه إلى باب غرفة الملك.
دخل ماكدوف الغرفة، وخرج منها وهو يصرخ: «يا للفظاعة! يا للفظاعة! يا للفظاعة!»
بدا ماكبث مفزوعًا تمامًا مثل ماكدوف، وتظاهر بأنه لا يستطيع تحمل رؤية قاتلي دنكان أحياء، فقتلهما بخنجريهما حتى لا تُتاح لهما الفرصة لإثبات براءتهما.
الملك ماكبث وزوجته.
لم يفزع هذان القاتلان مما فعلاه، وتُوِّج ماكبث ملكًا في مدينة سكون. وذهب أحد ابنَي دنكان إلى أيرلندا، والآخر إلى إنجلترا. وأصبح ماكبث الملك. لكنه لم يكن سعيدًا؛ فقد كانت النبوءة الخاصة ببانكو تَشغل تفكيره. فإذا كان فليانس سيحكم، فإن ابن ماكبث لن يحكم؛ لذا قرر ماكبث قتل بانكو وابنه. استأجر اثنين من الأشرار لتنفيذ هذه المهمة، مما أدَّى إلى قتل بانكو في إحدى الليالي وهو في طريقه مع فليانس إلى مأدُبة أعدَّها ماكبث لأتباعه من النبلاء، في حين هرب فليانس.
في هذه الأثناء، كان ماكبث وزوجته الملكة يستقبلان ضيوفهما بترحاب شديد، وأخذ يعبر لهم عن أمنية ظل يُردِّدها آلاف المرات منذ بداية اليوم؛ «هنيئًا مريئًا أيها الصحب، وصحةً للجميع.»
قال له نبيل اسكتلندي يُدعى لينوكس: «هل تتفضَّل جلالتكم بمجالستنا؟» لكن قبل أن يُجيب ماكبث، دخل شبح بانكو القاعة وجلَس في مكان ماكبث.
قبل أن يُلاحظ ماكبث الشبح، أشار إلى أنه لولا غياب بانكو، لقال إن قصرَه جمع تحت سقف واحد كل من هم سبب فخر اسكتلندا. لكن ماكدوف كان قد رفَض دعوته باقتضاب.
طُلب مرة أخرى من الملك أن يُجالس نبلاءه، وأشار لينوكس، الذي لم يكن شبح بانكو مرئيًّا له، إلى الكرسي الذي كان الشبح جالسًا عليه.
لكن ماكبث، بعينَيه الثاقبتين، رأى الشبح، والذي كان على هيئة ضباب ودم، فسأل ماكبث بانفعال: «من منكم فعل هذا؟»
كان لا يزال الشبح غير مرئي لأحد ما عدا ماكبث؛ لذا قال له: «لن تقدر أن تقول إنني أنا الذي فعلتها.»
اختفى الشبح، وكان ماكبث وقحًا بما يكفي ليشرب نخب «فرح الذين على مائدتي كلهم، ونخب صديقنا العزيز بانكو، الذي نَفتقِده.»
بينما كان النخب يُشرب، دخل شبح بانكو للمرة الثانية.
صرخ ماكبث قائلًا: «اذهب! أنت لا إحساس ولا إدراك لك! فلتُخفِكَ الأرض، أيها الشبح المريع!»
مرة أخرى، لم يكن أحد سواه يرى الشبح.
سأل أحد النبلاء: «أي شيء ذلك الذي تراه جلالتكم؟»
لم تكن الملكة لتَسمح بأن يُعطي ماكبث إجابة على هذا السؤال، لذا، ترجت ضيوفها بسرعة أن يتركوا زوجها المريض الذي كان من المحتمَل أن تسوء حالته إذا أُجبر على الحديث.
لكن ماكبث كان في اليوم التالي في حال طيبة بحيث ذهَب ليتحدَّث إلى الساحرات اللاتي جعلتْه نبوءاتهن يحيد عن جادة الصواب.
وجد الساحرات في مَغارةٍ في يوم عاصف. وكنَّ يدُرنَ حول مرجل كُنَّ يغلين فيه أجزاءً من العديد من المخلوقات الفظيعة والغريبة، وكنَّ يعرفن أنه قادم إليهن قبل أن يأتي.
قال لهن الملك: «أجبْنني على ما سألت.»
سألته الساحرة الأولى: «هل تُريد أن تسمع الجواب منَّا أم مِن سادتنا؟»
رد ماكبث: «ادعينهم.»
حينئذٍ، صبَّت الساحرات دمًا في المرجل وشحمًا في اللهيب الذي كان يلعقه، وظهر رأس بخوذة وكان عليه قناع بحيث كان ماكبث يُمكنه فقط رؤية العينَين.
كان يتحدَّث إلى الرأس، عندما قالت الساحرة الأولى بجدِّية: «إنه يعلم ما تفكر فيه.» وصدر صوت من الرأس يقول: «ماكبث، احذر ماكدوف، أمير فايف.» ثم أخذ الرأس ينزل في المرجل حتى اختفى.
قال ماكبث متوسلًا: «كلمة أخرى.»
ردَّت الساحرة الأولى: «لن يستمع لك.» ثم صعد من المرجل طفل مُتوَّج يحمل شجرة في يده، وقال:
ماكبث لن يُقهر أبدًا حتى تزحف غابة بيرنام العظيمة نحو تل دنسينان العالي.
[ترجمة جبرا إبراهيم جبرا]
قال ماكبث: «لن يكون ذلك أبدًا.» ثم سأل إن كان نسْل بانكو سيَحكمون يومًا اسكتلندا.
اختفى المرجل في جوف الأرض، وسُمعَ صوت موسيقى، ومرَّ بجواره صفٌّ من الملوك الأشباح، وخلفَهم كان شبح بانكو. ولاحظ ماكبث أن كل ملك منهم كان به شبهٌ من بانكو، وعدَّهم فكانوا ثمانية.
ثم فجأة وجد نفسَه بمُفردِه.
كان مسعاه التالي هو إرسال أشخاص لقتْل ماكدوف في قلعتِه. لكنَّهم لم يجدوا ماكدوف، وسألوا الليدي ماكدوف عنه. ردَّت عليهم ردًّا لاذعًا، ووصَف سائلها ماكدوف بالخائن. فصرخ ابن ماكدوف الصغير قائلًا: «إنك تكذب.» فقُتل الطفل على الفور، وطلَب من أمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أن تهرب. لكن القتلة لم يتركوا القلعة إلا بعد أن قتلوا كل مَن كانوا فيها.
كان ماكدوف في إنجلترا يستمع، مع مالكوم، لقصة طبيب عن علاجات وضعها الملك إدوارد المعترف، عندما جاء إليه صديقه روس ليُخبره بأن زوجتَه وأبناءه قد قُتلوا. في البداية، لم يجرُؤ روس على قول الحقيقة، وتحويل تعاطُف ماكدوف الشديد مع الأشخاص الذين كانوا يُعانون وقد عالجهم ملك إنجلترا إلى حزن وكراهية. ولكن عندما قال مالكوم إن إنجلترا سترسل جيشًا إلى اسكتلندا لتُحارب ماكبث، كشف روس عن الأخبار التي كانت في جعبته، وصاح ماكدوف قائلًا: «هل قلت إنهم «كلهم» قُتلوا؟ «كل» أبنائي الصغار وأمهم؟ هل قلت كلهم؟»
كان أمله الحزين هو الانتقام، لكن إذا قُدر له أن ينظر داخل قلعة ماكبث على تل دنسينان، لكان رأى هناك قوة أكثر مهابة من الانتقام. فقد كان القصاص يقوم بدوره هناك؛ إذ أصيبتِ الليدي ماكبث بالجنون. لقد كانت تَمشي في نومها وسط أحلام مخيفة. واعتادت غسل يدَيها لمدة ربع ساعة في المرة الواحدة، لكن حتى بعد كل هذا الغسل كانت لا تزال ترى بقعة دم حمراء على يدها. وكان من المثير للشفقة سماع قولها إن كل العطور العربية لا تستطيع تطهير يدها الصغيرة.
سأل ماكبث الطبيب: «أما بوسعك أن تُداويَ ذهنًا عليلًا؟» لكن الطبيب رد بأن مريضته يجب أن تُداوي نفسها. كان رد ماكبث هو ازدراء الطب؛ إذ قال: «ارم الطب إلى الكلاب. إني أرفضه.»
في أحد الأيام، سمع صوت نساء يبكين. جاء إليه أحد الضباط وقال له: «الملكة، يا مولاي، قد ماتت.» تمتم ماكبث قائلًا: «ألا انطفئي أيتها الشمعة القصيرة!» وكان يعني أن الحياة ما هي إلا شمعة، تكون تحت رحمة نفخة خفيفة. لم يبكِ؛ إذ أصبح معتادًا على الموت.
فجأة، أخبره رسول أنه يرى غابة بيرنام تتقدَّم نحوهم. سبه وقال عنه إنه كاذب ووغد، وهدَّده بالإعدام إن كان مخطئًا. ثم أضاف: «إن كنت صادقًا، فلن يُهمَّني لو أعدمتني أنت.»
ماكبث وماكدوف يتقاتلان.
رأى من نوافذ برج قلعة دنسينان غابة بيرنام بالفعل تبدو وكأنها تتحرَّك. كان كل جندي من الجيش الإنجليزي يرفع فرعًا قطعه من شجرة في هذه الغابة، وأخذوا يتسلَّقون تل دنسينان كأشجار بشرية.
كان لا يزال ماكبث محتفظًا بشجاعته. وذهب ليُحارب حتى ينتصر أو يموت، وأول شيء فعله هو قتل ابن القائد الإنجليزي في قتال فردي. حينها، شعر ماكبث أن لا رجل يُمكن أن يُبارِزه ويبقى على قيد الحياة، وعندما جاء إليه ماكدوف متلهفًا للأخذ بالثأر منه، قال له ماكبث: «توارَ من أمامي؛ فلقد أرقت بالفعل الكثير من دماء أهلك.»
رد ماكدوف: «إن سيفي أفصح مني.» وهجم عليه وطلب منه الاستسلام.
قال له ماكبث: «لن أستسلم.» لكن كانت قد حانت لحظة موته، فخر صريعًا.
كان رجال ماكبث قد انسحبوا عندما جاء ماكدوف إلى مالكوم يحمل رأس الملك من شعره.
قال: «سلامًا، أيها الملك!» ونظر الملك الجديد إلى الملك القديم.
وهكذا، حكم مالكوم بعد ماكبث، وفي السنوات التالية، حكم أحفاد بانكو.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
كوميديا الأخطاء
كان إيجيون تاجرًا من سرقوسة، وهو ميناء في صقلية. وكانت زوجته تُدعى إيميليا، وكانا يعيشان حياة سعيدة جدًّا حتى مات رئيس إيجيون، وكان على إيجيون الذهاب بنفسه إلى مكان يُدعى إبيدامنام على البحر الأدرياتيكي. لحقت به إيميليا بأسرع ما يمكنها، وبعد أن عاشا معًا لبعض الوقت، وُلد لهما ولدان توءمان. كان الطفلان متشابهين تمامًا، وحتى عندما كانا يلبسان ملابس مختلفة، كانا يبدوان متماثلَين تمامًا.
في تلك الأثناء، حدث شيء غريب للغاية؛ ففي النُّزل نفسه الذي وُلد فيه الطفلان، وفي اليوم نفسه، وُلد ولدان صغيران لزوجين أفقر كثيرًا من إيجيون وإيميليا، ودفعهما الفقر الشديد لبَيعهما لإيجيون وزوجته.
كانت إيميليا متلهِّفة بشدة لكي تُري أطفالها لأصدقائها في سرقوسة، وفي ظل طقس سيئ، أبحرت هي وإيجيون والأطفال الأربعة عائدين إلى الوطن. كانوا لا يزالون بعيدين عن سرقوسة عندما بدأت المياه تتسرَّب إلى داخل سفينتِهم، مما جعل طاقم السفينة يتركون السفينة ويَركبون القارب الوحيد المتاح دون أن يكترثوا كثيرًا بما قد يحدث للركاب.
ربطت إيميليا نفسها هي وأحد طفليها ومعه أحد التوءمين الفقيرَين بأحد الصواري، وربط إيجيون نفسه هو والطفلين الآخرَين بصارٍ آخر، وأخذا يأمُلان النجاة.
لكن السفينة اصطدمت فجأة بصخرة وانقسمت إلى نصفين، وانجرفت إيميليا هي والطفلان المربوطان معها بعيدًا عن إيجيون والطفلين الآخرين. انتشل إيميليا ومن معها بعضُ أهل إبيدامنام، لكن بعض صيادي كورينث أخذوا الطفلين منها بالقوة، وعادت هي إلى إبيدامنام بمفردها وهي في قمة التعاسة. وبعد فترة استقرت في إفسوس، وهي مدينة شهيرة في آسيا الصغرى.
أنتيفولوس ودروميو.
أُنقذ أيضًا إيجيون والطفلان اللذان كانا معه، وكان إيجيون محظوظًا أكثر من إيميليا؛ إذ استطاع العودة إلى سرقوسة وتنشئة الولدين حتى وصلا إلى سنِّ الثامنة عشرة. سمَّى ابنه الوحيد الذي بقيَ معه أنتيفولوس، في حين سمى الطفل الفقير، الذي أصبح بمنزلة خادم لابنه، دروميو، والغريب أن هذَين الاسمين كانا هما نفس الاسمين اللذين أُطلقا على الطفلين الآخرين اللذَين جرفتْهما المياه بعيدًا.
في سن الثمانية عشر، تملَّكت من الابن الذي كان مع إيجيون رغبة شديدة في البحث عن أخيه التوءم، فتركه إيجيون يرحل هو وخادمه، ومنذ ذلك الوقت، أصبح الشابان يُعرفان باسم أنتيفولوس السرقوسي ودروميو السرقوسي.
عندما تُرك إيجيون وحيدًا، وجد بيته موحشًا جدًّا بحيث لم يستطعِ البقاء فيه بمفرده، فأخذ يرتحل لمدة خمس سنين. لم يسمع، أثناء غيابه، كل أخبار سرقوسة، وإلا ما كان ليَذهب إلى إفسوس.
إن ترحاله الحزين من مكان لآخر جعله يتوقف في تلك المدينة، والتي قُبض عليه فيها بمجرد وصوله إليها. وعلم حينها أن ملك سرقوسة كان يُعامل بطريقة مستبدة للغاية من قادَهم حظُّهم السيئ للوقوع في قبضته من أهل إفسوس؛ لذا فقد مررت حكومة إفسوس في غضب شديد قانونًا يقضي بإعدام أي شخص من سرقوسة يأتي إلى إفسوس أو تغريمه ألف جنيه. أُحضر إيجيون أمام سولينوس، دوق إفسوس، الذي قال له إنه إما أن يُعدم وإما أن يدفع ألف جنيه قبل نهاية اليوم.
ستظنون أن للقدر يدًا كبيرة في هذه القصة عندما أخبركم أن الطفلين اللذين خطفهما بعض صيادي كورينث قد أصبحا الآن من مُواطني إفسوس، حيث تربيا على يد الدوق مينافون، عم الدوق سولينوس.
علاوة على ذلك، في اليوم نفسه الذي قُبض فيه على إيجيون، هبط أنتيفولوس السرقوسي في إفسوس، وادعى أنه جاء من إبيدامنام حتى يتجنَّب العقاب. وأعطى ماله خادمه دروميو السرقوسي، وطلب منه أن يأخذه إلى نُزل ذا سينتور ويبقى هناك حتى يعود إليه.
في أقل من عشر دقائق، قابل في السوق دروميو الإفسوسي، خادم أخيه، وعلى الفور، ظنَّ خطأً أنه خادمه دروميو، فسأله: «لماذا عدت بهذه السرعة؟ وأين تركت المال؟»
لم يكن دروميو هذا يعرف شيئًا عن أي مال سوى العملة المعدنية ذات الستة بنسات، والتي كان قد حصل عليها في الأربعاء الماضي وأعطاها لصانع السروج، لكنه كان يعلم أن سيدته كانت مُنزعِجة لأن سيده لم يأتِ للغداء، وطلب من أنتيفولوس السرقوسي الذهاب لمنزل يُدعى ذا فينيكس دون تأخير. أغضب حديثه السامع، الذي كان سيَضربه لولا هروبه. ذهب بعد ذلك أنتيفولوس السرقوسي إلى نُزل ذا سينتور ووجد أن ماله كان مُودعًا هناك، وخرج من النُّزل.
كان يتجول في أنحاء إفسوس عندما أشارت إليه سيدتان جميلتان. كانتا أختين وكان اسمهما أدريانا ولوشيانا. كانت أدريانا زوجة أخيه أنتيفولوس الإفسوسي، وقد ظنت، من خلال القصة الغريبة التي حكاها لها دروميو الإفسوسي أن زوجها كان يُفضِّل امرأة أخرى عليها. فقالت للرجل الذي كان في واقع الأمر أخا زوجها: «حسنًا، إنك تبدو وكأنك لا تعرفني، لكن يُمكنني أن أتذكر الوقت الذي لم تكن ترى فيه الكلمات عذبة إلا إذا خرجت من فمي، واللحم لذيذًا إلا إذا قطعته وطبخته.»
رد أنتيفولوس السرقوسي قائلًا: «هل أنتِ تُخاطبينني أنا؟ أنا لا أعرفكِ.»
قالت لوشيانا: «تبًّا لك، يا أخي. أنت تدرك تمامًا أنها أرسلت دروميو إليك لتطلب منك المجيء إلى الغداء.» وأضافت أدريانا: «تعالَ، تعالَ؛ لن أصبح أضحوكة بعد الآن. إن زوجي المتغيِّب سيتناول الطعام معي ويَعترِف بنزاوته السخيفة وسأغفرها له.»
كان لدى السيدتَين تصميم شديد، لذا تعب أنتيفولوس السرقوسي من الجدال معهما وتبعهما مذعنًا إلى بيتهما ذا فينيكس، حيث كان بانتظارهم غداء متأخِّر جدًّا في «منتصف النهار».
كانوا يتناولون طعام الغداء عندما حاول أنتيفولوس الإفسوسي هو وخادمه دروميو الدخول إلى البيت. وأخذ يُنادي على كل خدمه، مردِّدًا أسماءهم التي كان يعرفها جيدًا: «مود، بريدجت، ماريان، سيسلي، جيليان، جين!»
جاء الرد من الداخل وكان كالتالي: «أحمق، أبله، مغرور، غبي!» كان دروميو السرقوسي يسبُّ أخاه دون أن يعرف أنه أخوه.
حاول السيد وخادمه الدخول بكل طريقة، فيما عدا استخدام العَتلة، وفي النهاية، رحلا؛ لكن أنتيفولوس الإفسوسي كان مُتضايقًا بشدة من زوجته لدرجة أنه قرر ألا يعطيها سلسلة ذهبية كان وعدها بأن يُهديها إياها، ويعطيها امرأةً أخرى.
في منزل ذا فينيكس، حاولت لوشيانا، التي كانت تظن أن أنتيفولوس السرقوسي زوج أختها، من خلال حوار شعري، بينما كانت بمفردها معه، أن تحثَّه على أن يعامل أدريانا معاملة حسنة. رد عليها قائلًا إنه ليس متزوجًا، وإنه يحبها بشدة لدرجة أنها لو كانت حورية، لكان عن طيب خاطر سيَرقد في البحر حتى يشعر بشعرها الذهبي وهو ينساب من تحته.
صُدمت لوشيانا من كلامه وتركته، وباحت بمُغازلته لها لأدريانا التي قالت إن زوجها كبير السن ودميم ولا يستحق أن يُرى أو يُسمع، رغم أنها كانت في داخلها مغرمة به بشدة.
بعد وقت قصير، استقبل أنتيفولوس السرقوسي زائرًا هو أنجيلو، الصائغ، الذي طلب منه أنتيفولوس الإفسوسي صنع السلسلة التي وعد زوجته بإعطائها إياها وقرر إعطاءها امرأةً أخرى.
أعطى الصائغ السلسلة أنتيفولوس السرقوسي، وتعامل مع قوله «أنا لم أطلب منك صنعها.» على أنه نوع من المزاح، وتعامل التاجر الذي تملكت منه الحيرة مع أمر السلسلة باستخفاف كما فعل مع مسألة تناوله الغداء مع أدريانا. وعرض أن يدفع المقابل، لكن أنجيلو قال له بحماقة إنه سيأتي إليه ثانيةً.
لوشيانا وأنتيفولوس السرقوسي.
كانت النتيجة أن أنجيلو لم يكن معه مال عندما هدَّده أحد الدائنين، الذي كان من النوع الذي لا يقبل بأي سخافة أو هراء أن يُقبض عليه إن لم يدفع دينه على الفور. كان هذا الدائن قد أحضر معه ضابط، وتنفس أنجيلو الصعداء عندما رأى أنتيفولوس الإفسوسي قادمًا من المنزل الذي كان يتناول طعام الغداء فيه لأنه مُنع من دخول منزله ذا فينيكس. كان انزعاجه شديدًا عندما أنكر أنتيفولوس أخذه للسلسلة. كان أنجيلو سيَسجِن أمه لو قالت ما قاله أنتيفولوس الإفسوسي، وهذا ما جعله يطلب من الضابط القبض عليه.
في تلك اللحظة جاء دروميو السرقوسي وأخبر أنتيفولوس الخطأ بأنه أرسل متاعه إلى سفينة على وشك الرحيل وأن الطقس ملائم للإبحار. كان هذا الكلام لا معنى له بالنسبة إلى أنتيفولوس الإفسوسي، وكان على وشك ضرب الخادم، لكنه اكتفى بإخباره على نحو غاضب بضرورة أن يسرع إلى أدريانا ويطلب منها أن ترسل إلى زوجها المقبوض عليه صرة من المال والتي ستجدها في مكتبه.
رغم أن أدريانا كانت غاضبة من زوجها لأنها ظنت أنه كان يتودَّد إلى أختها، لم تمنع لوشيانا من إيجاد الصرة، وطلبت من دروميو السرقوسي أن يُحضر معه سيده إلى المنزل على الفور.
لسوء الحظ، قبل أن يتمكَّن دروميو من الوصول إلى قسم الشرطة، قابل سيده الحقيقي الذي لم يُقبَض عليه على الإطلاق ولم يكن يفهم لماذا يعطيه صرةً من المال. اندهش أنتيفولوس السرقوسي أكثر عندما طلبت منه امرأة لم يكن يعرفها السلسلة التي وعدها إياها. لقد كانت بالطبع السيدة التي تناول معها أنتيفولوس الإفسوسي طعام الغداء بينما كان أخوه يشغل مكانه على المائدة. وكان ردُّه: «ابتعدي عني، أيتها الساحرة!» والذي اندهشت منه بشدة.
في هذه الأثناء، انتظر أنتيفولوس الإفسوسي دون جدوى المال الذي كان من شأنه أن يطلق سراحه. لذا، جُنَّ جنونه من الغضب، وهو الذي لم يكن يومًا حسن الطباع، عندما جاء إليه دروميو الإفسوسي، الذي بالطبع لم يطلب منه أي صرة، ولم يكن معه شيء سوى حبل. وهذا ما جعله يضربه في الشارع رغم اعتراض الضابط، ولم ينصلح مزاجه عندما وصلت أدريانا ولوشيانا وأحد الأطباء وهم يظنون أنه مجنون ويجب قياس نبضِه. غضب غضبًا شديدًا لدرجة أن استُعين ببعض الرجال لتوثيقه. لكن طيبة أدريانا جنَّبته هذا العار. ووعدت بدفع المبلغ المطلوب منه، وطلبت من الطبيب أن يأخذه إلى المنزل.
بعد أن دُفع للتاجر الذي كان أنجيلو يدين له بالمال دَينُه، عاد الاثنان صديقَين مرة أخرى، وسرعان ما شُوهدا وهما يتحدثان أمام أحد الأديرة عن السلوك الغريب لأنتيفولوس الإفسوسي. قال التاجر في النهاية: «أخفض صوتك: أظن أنه هو.»
الصائغ وأنتيفولوس السرقوسي.
لم يكن هو أنتيفولوس الإفسوسي؛ بل كان أنتيفولوس السرقوسي وخادمه دروميو، وكان يرتدي سلسلة أنجيلو حول رقبته! أمسك الاثنان اللذان عادا صديقين مرة أخرى به على نحو مهذَّب ليَعرفا ما كان يعنيه بإنكار تسلمه للسلسلة التي جرؤ على ارتدائها. فقَد أنتيفولوس السرقوسي أعصابه، واستل سيفه، وظهرت في تلك اللحظة أدريانا وغيرها كثيرون. صاحت الزوجة العاقلة قائلةً: «انتظروا! لا تؤذوه؛ إنه ليس مجنونًا. خذوا سيفه بعيدًا. اربطوه واربطوا كذلك دروميو.»
لم يشأ دروميو السرقوسي أن يُربط، وقال لسيده: «اجرِ يا سيدي! انطلق بسرعة إلى هذا الدير، وإلا فسنُسرَق!»
واحتميا بالدير.
بقيت أدريانا ولوشيانا وجمع من الناس بالخارج، وخرجت رئيسة الدير وقالت: «أيها الناس، لماذا أنتم مجتمعون هكذا؟»
ردت أدريانا: «للإمساك بزوجي المضطرب المسكين.»
أشار أنجيلو والتاجر إلى أنهما لم يكونا على علم بأنه مجنون.
وحينها، أخبرت أدريانا رئيسة الدير بجانب كبير من همومها كزوجة؛ إذ وصل إلى رئيسة الدير الانطباع بأن أدريانا امرأة سيئة الطباع، وأنه إذا كان زوجها قد أصابه الجنون، فمن الأفضل ألا تعود إليه في الوقت الراهن.
لذا، صممت أدريانا على رفع شكواها للدوق سولينوس، وفجأة، وبعد دقيقة واحدة، ظهر الرجل العظيم هو ومساعدوه واثنان آخران. كان الاثنان الآخران هما إيجيون والجلاد. لم يستطع إيجيون توفير الألف جنيه، وبدا مصيره محتومًا.
وقبل أن يمرَّ الدوق بالدير، جثت أدريانا أمامه، وحكت له قصة مُثيرة للشفقة عن زوج مجنون يسرق المجوهرات ويستلُّ سيفه، مضيفةً أن رئيسة الدير رفضت السماح لها بأخذه إلى المنزل.
أمر الدوق باستدعاء رئيسة الدير، وبمجرد أن أصدر أمره، دخل خادم من ذا فينيكس وجرى إلى أدريانا مُخبِرًا إياها أن سيده قد حرق لحية الطبيب.
قالت أدريانا: «هذا هراء! إنه موجود داخل الدير.»
قال الخادم: «أقسم بحياتي إن ما أقوله صحيح.»
لم يخرج أنتيفولوس السرقوسي من الدير قبل أن يركع أخوه الإفسوسي أمام الدوق مستجديًا: «أطلب منك أن تأخذ لي حقي، أيها الدوق الرحيم، من هذه المرأة.» وأشار إلى أدريانا. وأضاف: «لقد تعاملَتْ مع رجل آخر وكأنه زوجها في بيتي.»
بينما كان يتحدث، قال إيجيون: «ما لم أكنْ أهذي، فإنني أرى ابني أنتيفولوس.»
لم يلحظه أحد، واستمرَّ أنتيفولوس الإفسوسي في حديثه مبينًا كيف أن الطبيب الذي وصفه بأنه «مشعوذ رث الثياب» كان واحدًا من المجموعة التي وثقته هو وخادمه دروميو معًا، وألقت بهما في قبو استطاع الهروب منه بقضم الحبل الذي كان مربوطًا به.
إيميليا.
لم يفهم الدوق كيف أن الرجل نفسه الذي كان يتحدث إليه قد شُوهد وهو يدخل إلى الدير، وكان لا يزال متعجبًا عندما سأل إيجيون أنتيفولوس الإفسوسي إذا ما كان ابنه أم لا، والذي أجابه قائلًا: «أنا لم أرَ أبي مطلقًا في حياتي.» انخدع إيجيون بشدة بالتشابه الشديد بين أنتيفولوس الإفسوسي وأخيه الذي رباه لدرجة أنه قال: «إنك تخجل من الاعتراف بأنك تَعرفني لأني سجين الآن.»
لكن سرعان ما ظهرت رئيسة الدير ومعها أنتيفولوس السرقوسي ودروميو السرقوسي.
فصاحت أدريانا: «إما أن عينيَّ تخدعاني أو أنني أرى زوجَين لي.»
كان هذا هو يوم المفاجآت، إذ قالت رئيسة الدير: «سأُحرِّر هذا الرجل بدفع غرامته وأكسب زوجًا كنت قد فقدته. تحدَّث، يا إيجيون، فأنا زوجتك إيميليا.»
تأثر الدوق، وقال: «إنه حرٌّ دون أن يدفع غرامة.»
وهكذا، اجتمع إيجيون وإيميليا معًا ثانيةً، وهكذا كان الحال بالنسبة إلى أدريانا وزوجها، لكن لم يكن أحد أكثر سعادة من أنتيفولوس السرقوسي الذي ذهب، في حضرة الدوق، إلى لوشيانا وقال لها: «لقد قلت لكِ إنني أحبك. فهل توافقين على أن تصبحي زوجة لي؟»
كان ردها بنظرة، ولذلك، لم يُكتب.
وكان الخادمان دروميو سعيدَين لأنهما اعتقدا أنهما لن يتعرَّضا ثانيةً لمزيد من الضرب.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
تاجر البندقية
عملية اختيار الصندوق.
كان أنطونيو تاجرًا غنيًّا وناجحًا من مدينة البندقية. كانت سفنه تسافر تقريبًا في كل البحار، وكان يتاجر مع البرتغال والمكسيك وإنجلترا والهند. وعلى الرغم من أنه كان فخورًا بما يملك، فقد كان كريمًا جدًّا مع الآخرين وكان على استعداد لاستخدام ماله في مساعدة أصدقائه، وكان من أهم هؤلاء الأصدقاء بالنسبة إليه قريبه باسانيو.
كان باسانيو، مثل الكثير غيره من النبلاء المندفعين والمتباهِين بأنفسهم، متهورًا ومسرفًا، وعندما وجد أنه قد بدَّد ثروته وأصبح غير قادر على دفع ديونه لدائنيه، ذهب إلى أنطونيو وطلب منه المساعدة.
قال له: «أنت أكثر من أدين له بالمال والحب يا أنطونيو، ولديَّ خطة أستطيع من خلالها دفع كلِّ ديني لك فقط إذا ساعدتني.»
أمير المغرب.
رد عليه صديقه قائلًا: «هات ما عندك، وثق في أنه مجاب.»
حينها، قال باسانيو: «توجد في بلمونت وارثة غنية، يأتي لخطبتها من جميع أنحاء العالم خُطَّاب مشاهير، ليس فقط لغناها، ولكن أيضًا لجمالها وصلاحها. كانت تنظر إليَّ نظرات وجد عندما تقابلنا آخر مرة لدرجة أنني متأكد أنني سأفوز بها وأنتصر على كل المنافسين؛ وذلك لحبها لي، فقط إن أنا تمكنت من الذهاب إلى بلمونت، حيث تعيش.»
قال أنطونيو: «إن ثروتي جميعها في سفن تمخر عباب البحار وليس في يدي من نقود حاضرة، لكن لحسن الحظ، سمعتي طيبة في البندقية وسأقترض لك ما تحتاج إليه.»
كان يعيش في البندقية في ذلك الوقت مرابٍ غني يُدعى شايلوك. كان أنطونيو يبغض هذا الرجل ويَحتقره بشدة، ويعامله بأقصى درجات القسوة والازدراء، وكان يطرده، كأنه كلب غريب، عند باب منزله، وكان حتى يبصق عليه. كان شايلوك يحتمل كل تلك الإهانات صابرًا، لكنه كان في صميم قلبه تتملكه رغبة في الانتقام من هذا التاجر الغني المتعجرف؛ فأنطونيو قد حط من شأنه وأضر كذلك بعمله. وقال في نفسه: «لقد حال دون اكتسابي نصف مليون عملة ذهبية فوق ما كسبت. وفي السوق وفي أي مكان كان يذهب إليه، كان يهاجم معدَّل الفائدة الذي أفرضه، والأسوأ من ذلك أنه كان يقرض المال دون أن يأخذ أي فائدة.»
لذا، عندما ذهب إليه باسانيو ليطلب قرضًا قدره ثلاثة آلاف عملة ذهبية من أجل أنطونيو لمدة ثلاثة أشهر، أخفى شايلوك كرهه لأنطونيو وتحوَّل إليه قائلًا: «رغم كل القسوة التي عاملتَني بها، فأرجو أن تمتدَّ حبال الود فأكون خليلك؛ لذا سأقرضك المال الذي تطلبه ولن أحصل على أي ربح. لكن من باب المزاح ستوقع على عقد تقر فيه بأنك إن لم تردَّ إليَّ المبلغ المقترَض في خلال ثلاثة أشهر، فسيكون لي الحق في الحصول على رطل من لحمك، أقطعه من أي مكان يعجبني من جسدك.»
قال باسانيو لصديقه: «كلا، لا أقبل بأن تفعل هذا من أجلي.»
رد أنطونيو: «ماذا تخشى؟ سفني ستعود قبل حلول الموعد بقرابة شهر. سأوقع العقد.»
أنطونيو يوقع على العقد.
هكذا، حصل باسانيو على المال اللازم للذهاب إلى بلمونت حتى يخطب ود بورشيا الحسناء. وفي الليلة نفسها التي انطلق فيها في رحلته، هربت جيسيكا، ابنة المرابي الجميلة، من منزل أبيها مع عشيقها، وأخذت معها من مخازن أبيها بعض صرر العملات الذهبية والأحجار الكريمة. كان حزن وغضب شايلوك رهيبين عندما عرف هذا، وتغيَّر حبُّه لها إلى كره. وقال: «أتمنى أن أراها ميتة عند قدمي والجواهر في أذنيها.» كان مصدر الراحة الوحيد الآن بالنسبة إليه يتمثل في سماع الخسائر الكبيرة التي كان يمنى بها أنطونيو؛ إذ تحطمت بعض سفنه. قال شايلوك: «الويل له إن لم يلتزم بالعقد. الويل له إن لم يلتزم بالعقد.»
جيسيكا وهي تهرب من المنزل.
في هذه الأثناء، وصل باسانيو إلى بلمونت وزار بورشيا الفاتنة. ووجد، كما أخبر أنطونيو، أن ذيوع أمر غناها وجمالها قد جذب إليها الخُطَّاب من كل حدب وصوب. لكن كان رد بورشيا لهم جميعًا واحدًا. قالت إنها لن تقبل بأي خاطب إلا إذا التزم بشروط وصية أبيها. وكانت هذه الشروط تبعد العديد من الخُطاب المتحمسين. فقد كان على مَن سيفوز بقلب بورشيا ويدها أن يُخمِّن أي صندوق من بين صناديق ثلاثة يحمل صورتها. وإذا كان تخمينُه صحيحًا، فستكون بورشيا عروسه؛ أما إذا كان خاطئًا، فيُقسم على ألا يكشف أي صندوق اختار، وعلى ألا يتزوج، وعلى أن يرحل على الفور.
كان الصندوق الأول مصنوعًا من الذهب، والثاني من الفضة، والثالث من الرصاص. كان الصندوق الذهبي مكتوبًا عليه النقش التالي: «من يخترني، يحظَ بما تبغيه الكثرة.» وعلى الصندوق الفضي ما يلي: «من يخترني، يحظَ بما هو أهل له.» وعلى الصندوق الرصاصي ما يلي: «مَن يخترني، يجب أن يُعطيَ ويخاطر بكل ما يملك.» كان أمير المغرب، الذي كان شجاعًا بقدر ما كان أسود البشرة، من أول من تقدموا لهذا الاختبار. اختار الصندوق الذهبي؛ إذ قال إن الصندوق المصنوع من معدن الرصاص الوضيع وذلك المصنوع من الفضة لا يمكن أن يحتويا على صورتها. اختار هذا الصندوق ووجد بداخله تجسيدًا لما يبغيه الكثير من الناس، ألا وهو الموت.
وبعده، جاء أمير أراجون المتكبِّر وقال: «دعني أحصل على ما أستحق؛ فأنا بالتأكيد أستحق هذه السيدة.» واختار الصندوق الفضي، ووجد داخله رأس أبله. صاح متسائلًا: «ألم أكن جديرًا إلا برأس أبله؟»
ثم جاء في النهاية باسانيو، وقد جعلته بورشيا يتأخَّر في الاختيار خشية أن يختار على نحو خاطئ. فقد كانت تحبه بشدة، كما كان يحبها. قال باسانيو: «دعيني أختار الآن؛ فإنني في أشد العذاب.»
طلبت بورشيا من خدمها أن يعزفوا الموسيقى بينما يقوم حبيبها المغوار باختياره. أقسم باسانيو على تنفيذ الشروط واتجه صوب الصناديق، بينما أخذ الموسيقيون يعزفون الموسيقى على نحو خفيض. قال: «قد لا يدلُّ المظهر الخارجي على المخبر. والعالم يخدعه البهرج دومًا. إذن، لن أختار الذهب المبهرج أو الفضة البراقة. وسأختار الصندوق الرصاصي، وليكن السعد نصيبي!» وعندما فتحه، وجد صورة بورشيا الجميلة بداخله، ونظر إليها وسألها إن كانت بحقٍّ قد أصبحَت ملكه.
قالت: «نعم، أنا أصبحت لك وكذلك هذا القصر ومعهما خذ هذا الخاتم الذي يجب ألا يفارقك أبدًا.»
أقسم باسانيو، الذي قال إن الكلمات ضاعت منه، على أن هذا الخاتم لن يفارق إصبعه ما دام حيًّا.
وفجأة كل هذه السعادة بدَّدها الحزن؛ إذ جاء رسل من البندقية يخبرونه بأن أنطونيو قد تدهورت أوضاعه المالية تمامًا، وأن شايلوك يطلب من الدوق أن يلتزم أنطونيو بنَص العقد الذي أبرمه معه، والذي بمقتضاه يحق له الحصول على رطل من لحمه. حزنت بورشيا كما حزن باسانيو لمعرفة الخطر الذي يهدد صديقه.
وقالت: «في البداية، خذني إلى الكنيسة كي تتزوَّجني، ثم اذهب على الفور إلى البندقية لمساعدة صديقك. وخذ معك المال الكافي لدفع دين صديقك، حتى ولو أربى على الأصل عشرين ضعفًا.»
لكن عندما رحل الزوج المتزوِّج حديثًا، ذهبت بورشيا وراءه، ووصلت إلى البندقية وهي متخفية في هيئة محامٍ، ومعها خطاب تقديمي من محامٍ مشهور يُدعى بيلاريو، والذي استدعاه دوق البندقية ليُقرِّر الاعتراضات القانونية على مطالبة شايلوك برطل من لحم أنطونيو. وعندما انعقدت المحاكمة، عرض باسانيو على شايلوك ضعف المال المقترض في حالة تنازله عن دعواه. لكن كان رد المرابي الوحيد هو:
لو قُسمت كل عملة ذهبية من هذه الآلاف الستة إلى ستة أجزاء، وصار كلُّ جزء عملة ذهبية، لما رضيت بها عوضًا، ولا ابتغيت إلا إنفاذ الشرط.
[ترجمة د. محمد عناني]
في تلك الأثناء وصلت بورشيا في تنكُّرها، وحتى زوجها لم يتعرف عليها. رحب بها الدوق بناءً على توصية بيلاريو الكبيرة، وترك لها محاولة الوصول إلى تسوية في القضية. فبدأت في كلمات رقيقة بطلب الرحمة من شايلوك. لكنه لم يستمع لالتماسها، وكان رده: «سأحصل على رطل اللحم.»
سألت بورشيا التاجر: «ألديك ما تريد قوله؟»
أجاب: «ليس لديَّ الكثير، أنا متأهب وصابر.»
قالت بورشيا للمرابي: «تقضي لك المحكمة برطل من لحم أنطونيو.»
صاح شايلوك: «إنك لقاضٍ عادل! قد صدر الحكم: هيا فلتستعد.»
«رويدك. هذا العقد لا يجيز لك قطرة واحدة من دم أنطونيو، وإنما رطل من لحمه. أما إذا أرقت أثناء اقتطاعك إياه قطرة واحدة من دمه، فستُصادر كل أملاكك لصالح الدولة. هذا هو القانون.»
قال شايلوك وهو خائف: «إذن، سأقبل عرض باسانيو.»
قالت بورشيا بصرامة: «لا، لن تأخذ إلا ما نَصَّ عليه عقدك. هيا تجهز لاقتطاع اللحم، لكن تذكر أنك إن أخذت أكثر أو أقلَّ مما هو لك، حتى ولو بمقدار شعرة، فستفقد كل أملاكك وحياتك.»
والآن ازداد خوف شايلوك بشدة، وقال: «أعطوني الثلاثة آلاف عملة ذهبية التي أقرضته إياها، وسأسحب الدعوى.»
يتخلى باسانيو عن الخاتم.
كان باسانيو على وشك دفع المبلغ له، لكن بورشيا قالت له: «لن يأخذ غير ما ينصُّ عليه عقده.»
وأضافت: «أنت، كأجنبي، سعَيت إلى سلب حياة أحد مواطني البندقية، وبالتالي، بمقتضى قانون البندقية، ستَفقِد أملاكك وحياتك. هيا، اركع واطلب الرحمة من الدوق.»
وهكذا، انقلبت الأمور، ولم يكن سيُنزَل بشايلوك أي رحمة لولا أنطونيو. وقد صودرت نصف أملاك المرابي لصالح الدولة، وكان عليه أن يتنازل عن النصف الآخر لزوج ابنته، وبهذا، كان عليه أن يكون راضيًا.
دُفع باسانيو لأن يعطيَ المحامي البارع، عرفانًا بجميله، الخاتم الذي أعطته إياه زوجته والذي وعد بألا يتخلَّى عنه على الإطلاق، وعندما عاد إلى بلمونت واعترف بالأمر لبورشيا، بدا عليها غضب شديد وأقسمت ألا تعود علاقتهما لسابق عهدها حتى يستعيد الخاتم مرة أخرى. لكنها في النهاية أخبرته أنها، وهي متنكِّرة في زي محامٍ، حصلت على الخاتم منه وأنقذت حياة أنطونيو. وهكذا، عفت عنه وأصبح هو أكثر سعادة من ذي قبل، بعد أن أدرك مدى عِظم الجائزة التي فاز بها في مسألة الصناديق الثلاث.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
تيمون الأثيني
قبل ميلاد المسيح بأربعمائة عام، كان يعيش رجل في أثينا لم يكن كرمه عظيمًا فحسب، بل كان أيضًا مفرطًا. لقد كان غنيًّا جدًّا، لكن لم تكن أي ثروة دنيوية كافية لرجل كان ينفق ويعطي مثل تيمون. كان تيمون إذا أعطاه أحد حصانًا، يقدم له في المقابل عشرين حصانًا أفضل منه. وكان يستاء عندما يقترض أحد منه مالًا ويعرض عليه ردَّه له. وإذا كتب أحد الشعراء قصيدة وكان لدى تيمون وقتٌ لقراءتها، كان لا بد أن يشتريَها، وكان يكفي أي رسام فقط أن يعرض لوحته أمام تيمون حتى يحصل على ضعف ثمنها.
شاعر يقرأ قصيدة لتيمون.
كان فلافيوس، رئيس خدمه، حزينًا جدًّا على طريقة سيده المتهوِّرة في العيش. وبينما يكون منزل تيمون مزدحمًا بالنبلاء الثرثارين الذين يشربون ويَسكُبون الخمر الغالية الثمن، كان يجلس بمفرده في قبوٍ ويبكي. وكان يقول لنفسه: «هناك عشرة آلاف شمعة موقدة في المنزل، وكل من هؤلاء المغنِّين الذين ينهقون في قاعة الموسيقى يحصل في الليلة الواحدة على ما يوازي دخل رجل فقير في سنة.» وكان يتذكر شيئًا رهيبًا قاله أبيمانتوس، أحد أصدقاء سيده، وهو: «ما أكثر الناس الذين يُسيئون إلى تيمون، وهو لا يأبه لغدرهم.»
بالطبع، كان تيمون يلقى الكثير من المدح والثناء.
لقد زعم أحد الصُّيَّاغ الذي باعه إحدى الجواهر أنها قد زادت قيمتها فقط عندما ارتداها تيمون؛ إذ قال له: «حين تقتني هذه الجوهرة، ستَتضاعف قيمتها.» وأعطى تيمون هذه الجوهرة نبيلًا يُدعى سيمبرونيوس، والذي قال متعجبًا: «أوه، إنه حقًّا مثال للعطاء.» وقال نبيل آخر يُدعى لوكولوس، والذي أعطاه تيمون حصانًا جميلًا: «إن تيمون عزيز بشدة عليَّ»، وقد أغدق نبلاء أثينيون آخرون عليه مديحًا كثيرًا مماثلًا.
لكن عندما استمع أبيمانتوس لبعض هؤلاء، قال: «أنا ذاهب لتحطيم رأس رجل أثيني شريف.»
رد عليه تيمون قائلًا: «هذا عمل لأجله ستموت.»
قال أبيمانتوس: «هذا إذا كان عدم فعل شيء سيعاقب بالموت.» وأنتم تعرفون بالطبع كيف كان المزاح قبل ميلاد المسيح بأربعمائة عام.
إن أبيمانتوس هذا كان كارهًا صريحًا للبشرية، لكن تعامله مع الأمر لم يكن مَرَضيًّا لأنه كان سعيدًا في حياته. ففي هذا العالم المتنوع، يعرف أي شخص لديه عدد من المعارف شخصًا ينتقد الناس بمرارة، لكنه لا يُجافيهم، ويفتخر بأنه لا ينخدع أبدًا بالعبارات الرنانة والكلام المعسول، وبأنه مبتهج وفخور بنفسه من الداخل. كان أبيمانتوس من هذا النوع من الرجال.
قد تندهشون من أن تيمون قد أصبح أسوأ من أبيمانتوس بعد فجر يوم نُطلق عليه «يوم الاستحقاق».
رسام يعرض على تيمون لوحة.
إن يوم الاستحقاق هو اليوم الذي يستحقُّ فيه دفع الفواتير. يطالب البقال والجزار والخباز جميعهم دائنيهم بمُستحَقاتهم في هذا اليوم، والرجل الحكيم هو من يدخر المال الكافي حتى يستعدَّ لسداد أموال هؤلاء. لكن تيمون لم يفعل هذا، ولم يكن مدينًا بالمال من أجل الحصول على الطعام، بل كان مدينًا به من أجل الحصول على الجواهر والخيل والأثاث، والأسوأ من ذلك، أنه كان مدينًا للمرابين الذين كانوا ينتظرون منه أن يدفع لهم ضعف ما اقترضه منهم.
إن يوم الاستحقاق هو يوم لا تُحترم فيه الوعود بدفع الديون، وفي ذلك اليوم، طُلب من تيمون مبلغ كبير من المال. فقال لكبير خدمه: «بع بعض الأراضي.» فكان رده: «لم يعدْ لديك أراضٍ.» قال تيمون: «هذا هراء! أنا أمتلك مائة ألف فدان.» رد فلافيوس: «يمكنك أن تُضيِّع كلَّ ما يساويه هذا العالم لو كنت تمتلكه.»
قال تيمون: «اقترض بعض المال إذن. فلتجرب فنتيديوس.» لقد فكر في فنتيديوس لأنه أخرجه في أحد الأيام من السجن بأن سدَّد لأحد الدائنين دينًا كان على هذا الشاب. لقد أصبح فنتيديوس الآن غنيًّا، وكان تيمون يثق في عرفانه بالجميل له. لكنه ما كان ليدفع كل دينه الذي كان كبيرًا جدًّا؛ لذا فقد أرسل تيمون خدمه بطلبات لاقتراض المال للعديد من أصدقائه.
ذهب أحد الخدم (فلامينيوس) إلى لوكولوس. وعندما علم بقدوم الخادم، قال لوكولوس: «أراهن أن هناك هدية لي. فقد أبصرت هذه الليلة في الحلم قسطًا وإبريقًا من الفضة.» ثم غيَّر من نبرة صوته وقال: «كيف حال مولاك المحترم، الرجل الكامل الصفات السخي؟»
رد فلامينيوس: «بصحة جيدة، يا سيدي.»
سأله لوكولوس بابتهاج: «وما الذي معك تحت معطفك؟»
«في الواقع، يا سيدي، هذا مجرد صندوق فارغ، جئت باسم مولاي ألتمس منك أن تملأه له بالمال.»
قال لوكولوس: «تا! تا! تا!» والذي كان من الواضح أنه كان يقصد بها «ها! ها! ها!» ثم أضاف: «إن خطأ سيدك الوحيد هو أنه مُغرَم بشدة بإقامة الحفلات. لقد حذرته من أن هذا يُكلفه الكثير جدًّا. والآن، أصغِ إليَّ، يا فلامينيوس، أنت تعرف أن هذا الوقت غير ملائم لإقراض المال بدون ضمان، لذا، تصرَّفْ على نحو حكيم، وقل له إنني لم أكن بالمنزل. وخذ قِطَع النقود الثلاث هذه من أجلك.»
رد فلامينيوس قائلًا: «فلتَعُودي، أيتها النقود البائسة، إلى من يُقدِّسك!»
ذهب الخدم إلى أصدقاء آخرين لتيمون ليقترضوا منهم مالًا، ولكنهم كانوا بخلاء. وكان من بينهم سيمبرونيوس.
قال سيمبرونيوس لخادم تيمون: «حسنًا، هل طلب من فنتيديوس؟ إن فنتيديوس مدين بالفضل له.»
«لقد رفض أن يُعطيَه.»
«حسنًا، هل طلب من لوكولوس؟»
«لقد رفض هو الآخر.»
قال سيمبرونيوس، في غضب مُصطَنع: «لقد وجه إليَّ إهانة كبيرة بأن جعلني آخر من لجأ إليهم. إن أرسل إليَّ في البداية، لكان من دواعي سروري أن أُقرضه المال، ولكني لن أكون ذلك الأحمق الذي يُقرضه إياه الآن.»
«هذا مجرد صندوق فارغ.»
قال الخادم: «يا لك من شرِّير ماكر!»
عندما وجد تيمون أن أصدقاءه كانوا أنذالًا جدًّا معه، استغل بعض الهدوء في عاصفة مطالبة الدائنين له بديونهم ليدعو فنتيديوس وأصدقاءَه إلى مأدبة. فزع فلافيوس من الأمر، لكن فنتيديوس والآخرين لم يخجلوا على الإطلاق مما فعلوه مع تيمون وتجمَّعُوا في منزله، وقال بعضهم لبعض: إن مضيفهم السخي كان يمزح معهم.
قال لوكولوس: «كان عليَّ أن أوجِّل ارتباطًا مهمًّا لي حتى آتي إلى هنا، لكن من يستطيع أن يرفض دعوة تيمون؟»
وقال سيمبرونيوس: «وأنا حزنت بشدة عندما لم تكن لديَّ أموال حاضرة عندما طلب مني سلفة.»
وافقه نبيل ثالث قائلًا: «جميعنا هنا في هذا الوضع نفسه.»
ظهر الآن تيمون، وتنافس ضيوفه على الاعتذار له والثناء عليه. ورغم أن تيمون كان يحتقرهم من داخله، فقد أبدى ترحيبَه بهم جميعًا. وفي قاعة الولائم، كانت هناك مائدة عامرة بالأطباق المغطاة. بدأ لعاب الحاضرين يسيل؛ إذ كان هؤلاء الأصدقاء الأنذال يُحبون الطعام الطيب.
قال تيمون: «تفضلوا بالجلوس، يا أصدقائي الأعزاء.» ثم تضرع إلى آلهة اليونان بصوت عالٍ قائلًا: «وزعوا العطايا على الجميع لأنكم إذا أردتم، وأنتم آلهة، الاقتراض من البشر، فسيتوقَّفون عن تقديسكم. واجعلوا المآكل محبوبة أكثر من الشخص الذي يُقدمها. واجعلوا كل الجمع الموجود هنا والمؤلَّف من عشرين رجلًا من البؤساء. وبما أن أصدقائي لم ينفعوني بشيء، فلا تُباركوهم. والآن، اكشفوا الأغطية عن الأطباق والعقوا كالكلاب العطشى الجائعة.»
اندهش هؤلاء النُّبلاء الجائعون بشدة من هذا الحديث لدرجة أنهم لم يُنكِروه عليه؛ فقد ظنوا أن تيمون لم يكن على ما يرام، وعلى الرغم من أنه نعتهم بأنهم كلاب، فقد كشفوا الأغطية عن الأطباق.
لم يكن بها شيء سوى ماء ساخن.
قال تيمون متمنيًا: «أتمنى لكم ألا تُدعوا أبدًا إلى وليمة أفضل من هذه. أنا أغسل يدي من تزلفكم البذيء وأمطركم بشَرِّكُم.» بهذه الكلمات، أخذ يرش الماء على وجوه ضيوفه، ثم أمطرهم بالأطباق. وبعد أن أنهى المأدُبة على هذا النحو، ذهب إلى مبنًى ملحق بالبيت وأخذ مجرفة وغادر أثينا للأبد.
كان مسكنه التالي هو كهف بالقرب من البحر.
من بين كل أصدقائه، كان الشخص الوحيد الذي لم يرفض أن يساعده جنديًّا وسيمًا يُسمى ألسيبياديز، ولم يطلب منه تيمون المساعدة لأنه حدث خلاف بينه وبين حكومة أثينا مما دفعه لترك المدينة. إن الاعتقاد بأن ألسيبياديز قد يُثبت أنه صديق حقيقي لم يُقلِّل من شعور تيمون بالمرارة. لم يكن تيمون متبصِّرًا بما يكفي بحيث يدرك حقيقة أن الخير لا يُمكن أن يكون بعيدًا عن الشر في هذا العالم المتضارِب. ولذا، قرَّر ألا يرى شيئًا في كل البشر سوى جحود فنتيديوس ووضاعة لوكولوس.
أصبح نباتيًّا، وأخذ يتحدث كثيرًا إلى نفسه وهو يحفر في الأرض ليحصل على الطعام.
وفي أحد الأيام، بينما كان يحفر للحصول على بعض الجذور قرب الشاطئ، اصطدمت مجرفته بمنجم للذهب. إن كان تيمون رجلًا حكيمًا، لأصبح غنيًّا بسرعة ولعاد إلى أثينا ليعيش في رغد وراحة. لكن رؤية الكنز الذهبي لم تُبهجه، وإنما ملأته فقط بالازدراء. وقال: «إن هذا الشيطان الأصفر من شأنه أن يُحرِّض على أخذ العهود والحنث بها. إنه يجعل الأسود أبيض والقبيح جميلًا. إنه يعفي القتلة من العقاب ويبارك الملاعين.»
كان لا يزال يتشدق بالكلام عندما جاء إليه ألسيبياديز، والذي قد أصبح الآن عدوًّا لأثينا، ومعه جنوده وسيدتان جميلتان واللتان كان همهما الوحيد هو المتعة.
تغيَّر تيمون بشدة بفعل أفكاره السوداوية وحياته الخشنة لدرجة أن ألسيبياديز لم يتعرَّف عليه في البداية.
سأله: «من أنت؟»
رد: «وحش، مثلك.»
تعرف ألسيبياديز عليه من صوته، وعرض عليه المساعدة والمال. لكن تيمون لم يُرِد أيًّا منهما، وبدأ يُهاجم السيدتين. لكنهما عندما عرفا أنه اكتشف منجم ذهب، لم يهتما ولو بمثقال ذرة برأيه فيهما وقالا له: «أعطِنا بعض الذهب، يا تيمون الكريم. أوليس لديك المزيد؟»
وبعد المزيد من الإهانات، ملأ تيمون تنورتَيهما بالذهب.
ثم ودعه ألسيبياديز الذي ظن أن تيمون قد جُن جنونه، وغادر جنوده المنضبطون دون أن يأخُذوا شيئًا من المنجم الذي كان سيُوفِّر لهم أجورهم، وانطلقوا باتجاه أثينا.
استمر تيمون في الحفر وإطلاق اللعنات، وشعر بسعادة بالغة عندما أخرج من الأرض جذرًا، واكتشف أنه لم يكن عنبًا.
وفي ذلك الوقت، ظهر أبيمانتوس. وقال لتيمون: «لقد قيل لي إنك تسعى لتقليدي.»
رد عليه تيمون: «فقط لأنك ليس لديك كلب يُمكنُني تقليده.»
قال أبيمانتوس: «إنك تحاول الانتقام من أصدقائك بعقاب نفسك. وهذا أمر سخيف للغاية؛ فهم يعيشون في رفاهية وراحة كما كانوا دائمًا. أنا حزين أن أحمق مثلك يُحاول أن يقلدني.»
قال تيمون: «لو كنت أنا شبيهك، لقتلتُ نفسي.»
تيمون يزداد كآبة وتجهمًا.
قال أبيمانتوس متهكمًا: «أنت من فعلت هذا في نفسك. هل سيُعدُّ لك الغدير المغطَّى بالثلج شرابًا صباحيًّا دافئًا، أو هل ستُدفئ ريح شرقية ملابسك كما يفعل خادمك؟»
قال له تيمون: «اذهب عني!» لكن أبيمانتوس بقي لفترة أطول وأخبره بأن لديه ميلًا للتطرف والمغالاة، وهو ما كان صحيحًا. وأخذ أبيمانتوس يستخدم أسلوب التلاعب بالألفاظ، ولكنه لم يستطع انتزاع ضحكة من تيمون.
وفي النهاية، فقد الاثنان أعصابهما وكأنهما زميلا دراسة، وقال تيمون إنه حزين لفقد الحجر الذي ألقاه على أبيمانتوس، أما أبيمانتوس فقد تركه وهو يدعو عليه.
كان هذا هو يوم الزيارات بالنسبة إليه؛ إذ بمجرد أن رحل أبيمانتوس، جاء إليه بعض اللصوص، وأرادوا الحصول على بعض الذهب.
قال تيمون: «أنتم تريدون الكثير جدًّا. يوجد هنا أيضًا بعض الماء والجذور والتوت.»
رد أحد اللصوص: «لسنا طيورًا أو خنازير.»
فرد عليه تيمون: «لا، أنتم من آكلي لحوم البشر. خذوا الذهب إذن، وليسممكم! هيا اسرقوا بعضكم.»
لقد أخافهم حديثه للغاية لدرجة أنهم، رغم رحيلهم وجيوبهم مُمتلئة بالذهب، قد قرَّروا التوبة وترك مهنتهم.
كان آخر الزائرين في يوم الزيارات هذا هو رئيس خدمه الطيب فلافيوس، والذي عندما رآه، صاح قائلًا له: «سيدي العزيز!»
رد عليه تيمون: «إليك عني! من أنت؟»
سأله فلافيوس في حزن: «هل نسيتَني يا سيدي؟»
كان رده: «لقد نسيت كل البشر. وإذا اعتبرتَ نفسك منهم، فأنا قد نسيتك.»
قال فلافيوس: «أنا خادمك الأمين.»
رد عليه تيمون: «هراء! لم يكن لديَّ يومًا رجل أمين ووفي في خدمتي.»
بدأ فلافيوس في البكاء.
قال تيمون: «ماذا أرى؟ هل تبكي يا هذا؟ اقترب مني إذن. فأنا أقدرك لأنك كالنساء وتَختلِف عن الرجال الذين يبكون فقط عندما يضحكون أو يستَجْدون.»
تحدثا معًا لبعض الوقت، ثم قال تيمون: «هذا الذهب ملكي. سأجعلك غنيًّا يا فلافيوس، إذا وعدتني بأن تعيش بمفردك وتكره البشر. سأجعلك ثريًّا جدًّا إذا وعدتني أن ترى لحم المتسوِّل يتساقط من عظامه قبل أن تُغيثَه، وأن تدع المدين يموت في السجن قبل أن تدفع عنه دينه.»
قال فلافيوس ببساطة: «دعني أمكث إلى جانبك لأعزيَك وأسليك، يا مولاي.»
رد تيمون قائلًا: «إذا كنت تخاف اللعنة، فاتركني.» وأدار ظهره لفلافيوس، الذي عاد حزينًا إلى أثينا وقد كان معتادًا بشدة على إطاعة الأوامر بحيث لم يستطع أن يفرض خدماته على سيده العليل.
لم يحصُل رئيس الخدم على شيء من سيده، لكن انتشر خبرٌ مفاده أنه قد حصل على قطعة كبيرة من الذهب من سيده السابق، وهذا ما جعل تيمون يستقبل المزيد من الزائرين. وكان مِن بينهم رسام وشاعر كان تيمون يرعاهما في أيام رخائه.
قال الشاعر: «السلام عليك، يا تيمون النبيل. لقد سمعنا باندهاشٍ كيف أن أصدقاءك قد تخلَّوا عنك. إن كل الأسواط ليست كبيرة بما يكفي لعقابهم!»
قال الرسام: «جئنا لنعرض عليك خدماتنا.»
قال تيمون: «لقد سمعتُما أنني أمتلك ذهبًا.»
قال الرسام متوردًا: «لقد سمعنا بهذا، لكني أنا وصديقي لم نأتِ إليك لهذا السبب.»
قال تيمون مستهزئًا: «أنتما طيبا القلب سليما النية! ومع ذلك، ستَحصُلان على ذهب كثيرٍ إن استطعتما أن تُخلِّصاني من شقيَّين.»
قال الزائران في نفَس واحد: «سمِّهما لنا.»
أجاب تيمون: «كلاكما!» ثم ضرب الرسام ضربة بعصا كبيرة وقال له: «ضع هذا في لوحة ألوانك، واكسب منها.» ثم أعطى ضربة للشاعر بعصاه وقال: «ألِّف قصيدة من هذه واحصل على المقابل. هناك ذهب من أجلك.»
فانسحبا بسرعة.
وفي النهاية، زار تيمون اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ، وأرادا، في ظل تهديد ألسيبياديز لأثينا، أن يكون في صفهما هذا النبيل الساخط الذي قد يساعد العدو بذهبه.
قال الأول: «انسَ آلامك. ستُقدِّم لك أثينا العديد من الامتيازات التي يمكن أن تعيش بمقتضاها حياة كريمة.»
وأضاف الثاني: «تقرُّ أثينا بأنها لم توفِّكَ حقَّك، وترغب في أن تكفر عن هذا التجاهل.»
رد تيمون بطريقته العابسة: «أيها العضوان الكريمان، أكاد أبكي من قولكما؛ فقد أثرتما فيَّ بشدة! كل ما أحتاجه هو عينا امرأة وقلب أبله.»
لكن الرجلَين كانا مخلصَين لبلدهما. وكانا يعتقدان أن هذا الرجل الساخط يمكن أن ينقذ أثينا، ولذا، لم يسعيا للشجار معه. وقالا: «كن قائدنا وقُد أثينا في مواجهة ألسيبياديز الذي أراد أن يدمرها.»
قال تيمون: «دعه يُدمِّر الأثينيِّين أيضًا؛ فأنا لا أكترث تمامًا لذلك.» وعندما لاحظا يأسًا يُنبئ بالشر في وجهه تركاه.
عاد الرجلان إلى أثينا، وبعد فترة قصيرة، نُفخت الأبواق أمام أسوارها. وعند الأسوار وقفا واستَمعا إلى ألسيبياديز الذي قال لهما إن المسئيين يجب أن يرتعدوا في مقاعدهم الوثيرة. ونظرا إلى جيشه الواثق، وكانا مقتنعَين بأن أثينا يجب أن تَستسلِم إذا هاجَمها؛ لذا استخدما صوت العقل الذي هو أمضى من السهام.
قال الأول: «إنَّ أسوارنا تلك لم تُشيِّدها أيدي من أساءوا إليك، يا ألسيبياديز.»
وقال الثاني: «ادخل واقتل عُشر المدينة، إن كان انتقامك متعطِّشًا لسفك الدماء.»
ثم قال الأول: «أنقذ مهد طفولتك.»
قال ألسيبياديز: «أنا أطلب العدل فقط. إذا سمحتُم بإدخال جيشي، فسأطبق العقاب الذي تنصُّ عليه قوانينُكم على أيِّ جنديٍّ يخرقها.»
في تلك اللحظة، جاء جندي إلى ألسيبياديز، وقال: «أيها القائد النبيل، مات تيمون.» وأعطى ألسيبياديز لوحًا من الشمع مستأنفًا حديثه: «لقد دُفن بجوار البحر، على الشاطئ، وعلى قبره شاهد لا أستطيع قراءة ما هو مكتوب عليه، ولذا فقد طبعته على الشمع.»
قرأ ألسيبياديز هذا المقطع من لوح الشمع:
هنا يرقد تيمون الذي كره وهو حي جميع الأحياء. وأنتم أيها المارون من هنا، الْعنُوني كما يحلو لكم، لكن امضوا ولا تتوقَّفوا أمام قبري طويلًا.
[ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
قال ألسيبياديز: «لقد مات إذن تيمون النبيل.» ودخل أثينا مُمسكًا بغصن زيتون بدلًا من السيف.
وهكذا، أبدى أحد أصدقاء تيمون كرمًا في أمر أكبر مما كان يحدث في حالة تيمون، غير أن حزن وغضب تيمون ظل أمرًا يتذكَّره الناس باعتباره تحذيرًا خشية أن يحدث نكران آخر للجَميل يُحول الحب إلى كراهية.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
عطيل
منذ أربعمائة عام، كان يعيش في البندقية حامل راية يُسمَّى إياجو، والذي كان يكره قائده، عطيل؛ لأنه لم يُرقِّه ملازمًا. وبدلًا من إياجو الذي كان مرشحًا بقوة لهذه الرتبة، اختار عطيل ميكائيل كاسيو الذي ساعد لسانه العذب عطيل على الفوز بقلب ديدمونة. كان لإياجو صديق يُدعى رودريجو، والذي كان يُمدُّه بالمال وكان يشعر بأنه لن يصبح سعيدًا إلا إذا صارت ديدمونة زوجته.
عطيل يحكي لديدمونة مغامراته.
كان عطيل مغربيًّا، لكن كان أسودَ البشرة لدرجة أن أعداءه كان يُسمونه المغربي الأسود. لقد كانت حياته صعبة ومثيرة؛ فقد انهزم في أحد المعارك وبِيعَ كعبد، وقد سافر كثيرًا وزار أماكن عديدة، ورأى أناسًا أكتافهم أعلى من رءوسهم. ورغم شجاعته الشديدة، كان لديه عيب واحد كبير، ألا وهو الغيرة. كان حبه بمنزلة نوع من الأنانية الشديدة. فقد كان يعني حب امرأة بالنسبة إليه أن يمتلكها تمامًا كما يمتلك شيئًا لا روح ولا عقل له. إن قصة عطيل هي قصة عن الغيرة.
في إحدى الليالي أخبر إياجو رودريجو أن عطيل قد خطف ديدمونة دون علم أبيها، برابانتشو. وأقنع رودريجو بأن يُثير غضب برابانتشو وعندما ظهر عضو مجلس الشيوخ هذا، أخبره إياجو بهروب ديدمونة مع عطيل بأبشع طريقة. وعلى الرغم من أنه كان أحد تابعي عطيل، فقد وصَفه بأنه لصٌّ وجواد بربري.
اتَّهم برابانتشو عطيل أمام دوق البندقية باستخدام السحر لكي يوقع ابنته في حبه، لكن عطيل قال إن السحر الوحيد الذي استخدمه كان هو صوته، والذي أخبر ديدمونة بمغامراته وعمليات هروبه التي تمت بشق الأنفس. اقتيدت ديدمونة إلى قاعة مجلس الشيوخ، وأوضحت كيف أحبت عطيل رغم سواد وجهه بأن قالت: «لقد رأيت عقل عطيل وليس وجهه.»
وبما أن عطيل كان متزوِّجًا من ديدمونة وكانت هي راضية بأن تكون زوجته، فلم يكن هناك المزيد مما يُمكن قوله، خاصةً أن الدوق كان يريده أن يذهب إلى قبرص ليدافع عنها ضد الأتراك. كان عطيل على أتمِّ الاستعداد للذهاب إلى هناك، وقد سُمح لديدمونة بأن تكون معه في قبرص بعد أن توسلت للدوق لكي يوافق على أن تذهب معه.
عطيل.
كان عطيل في قمة السعادة عندما هبط على تلك الجزيرة. وقال لديدمونة التي وصلت قبله إلى هناك مع إياجو وزوجته ورودريجو: «أوه، يا عزيزتي، أنا لا أعرف ماذا أقول لكِ. إن روحي قد عرَفَت من السعادة منتهاها.»
وما إن أتت الأنباء بأن الأسطول التركي قد دمرته إحدى العواصف، أقام حفلًا في قبرص من الساعة الخامسة وحتى الحادية عشرة ليلًا.
كان كاسيو قائمًا على الحراسة في القلعة التي كان يحكم منها عطيل قبرص؛ لذا قرر إياجو أن يُسكر الملازم. وجد في البداية بعض الصعوبة، حيث إن كاسيو كان يعرف أن الخمر سرعان ما ستُذهب عقله، لكن الخدم أحضروا خمرًا إلى الغرفة التي كان فيها كاسيو، وغنَّى إياجو أغنية عن شرب الخمر؛ لذا أخذ كاسيو يرفع كأسًا تلو الأخرى ليشرب نخب القائد.
وعندما أصبح كاسيو ميالًا للشجار، طلب إياجو من رودريجو أن يقول لكاسيو شيئًا مسيئًا. وهذا جعل كاسيو يضرب رودريجو، والذي جرى باتجاه مونتانو، الحاكم السابق لقبرص. أخذ مونتانو على نحو مهذَّب يتوسَّط لدى كاسيو كي يرفع يده عن رودريجو، لكنه تلقَّى ردًّا وقحًا للغاية من كاسيو لدرجة أنه قال: «مهلًا، مهلًا، أنت سكران!» وهذا ما جعل كاسيو يتعارَك مع مونتانو ويَجرحه، وأرسل إياجو رودريجو ليخيف المدينة ويصيح بوجود تمرد.
أيقظت الجلبة عطيل الذي عندما عرف السبب، قال: «كاسيو، إني أحبك، ولكن لن تكون بعد هذه اللحظة من ضباطي.»
عندما أصبح كاسيو وإياجو بمفردهما، أخذ الرجل الذي فقَد مكانتَه يتحسَّر على سمعته. وقال إياجو إن السمعة والهراء شيء واحد. قال إياجو متعجبًا دون أن يأبه له: «يا إلهي! كيف يضع الإنسان عدوًّا في فمه ليختلس منه عقله!»
نصح إياجو كاسيو بأن يلتمِس من ديدمونة أن تطلب من عطيل أن يُسامحه. راقت لكاسيو النصيحة، وفي صباح اليوم التالي أعرب عن طلبه لديدمونة في حديقة القلعة. كانت ديدمونة هي الطِّيبة متجسِّدة، وقالت: «اصرف عنك همك، يا كاسيو، فأنا أوثر الموت على خسران قضيتك.»
رأى كاسيو في تلك اللحظة عطيل آتيًا مع إياجو، فخرج متسلِّلًا بسرعة.
قال إياجو: «أنا لا أحب ذلك.»
سأله عطيل: «ماذا تقول؟» إذ شعر أنه كان يعني شيئًا سيئًا، لكن إياجو تظاهر بأنه لم يقل شيئًا. سأل عطيل: «ألم يكن ذاك كاسيو الذي خرج من عند زوجتي؟» رد إياجو، الذي كان يعرف أنه كان كاسيو وكان يُدرك سبب وجوده هناك، قائلًا: «لا أستطيع تصوُّر أن كاسيو هو مَن خرج متسلِّلًا هكذا كمجرم.»
أخبرت ديدمونة عطيل بأن الحزن والشعور بالخزي هما ما جعَلا كاسيو يخرج مُتسلِّلًا بهذه الطريقة. وذكَّرته كيف وقف كاسيو بجانبه عندما كان لا يزال قلبها خاليًا وكان لديها مآخذ على حبيبها المغربي. رقَّ قلب عطيل، وقال لها: «لن أرفض لكِ طلبًا.» لكن ديدمونة قالت له إن ما طلَبَته منه كان لصالحه تمامًا كتناول الطعام.
تركت ديدمونة الحديقة، وسأل إياجو عطيل ما إذا كان كاسيو كان يعرف ديدمونة قبل زواجها.
رد عطيل: «نعم.»
قال إياجو: «صحيح؟» كما لو أن شيئًا قد أصبح الآن واضحًا بشدة أمامه بعد أن غُمِّي عليه.
سأله عطيل: «أليس أمينًا؟» وكرر إياجو الصفة متسائلًا، كما لو أنه كان يخشى أن يقول «لا.»
سأله عطيل في إصرار: «ماذا تقصد؟»
ما كان لإياجو سوى أن يقول ردًّا على هذا السؤال النقيض التام لما قاله لكاسيو. لقد قال لكاسيو إن السمعة هراء، أما لعطيل، فقال: «من يسرق محفظتي يسرق نفايةً مني، أما من يختلس منِّي حسن سمعتي، فإنه يُدمرني.»
وفي هذه اللحظة بدأت الحيرة تتملَّك عطيل، وكان إياجو واثقًا بشدة من شعور عطيل بالغيرة لدرجة أنه تجرأ وأخذ يحذره منها. فقد كان إياجو هو من وصف الغيرة بأنها «الوحش الأخضر العينين الذي يهزأ من الطعام الذي يفترسه».
بعدما أثار إياجو شرارة الغيرة في قلب عطيل، أخذ يُغذيها بأن أشار إلى أن ديدمونة خدعت أباها عندما هربت مع عطيل. كان يقصد: «إذا كانت قد خدعته، فلماذا لا تخدعك أنت؟»
حينها، دخلت ديدمونة مرة ثانية لتُخبر عطيل بأن طعام الغداء قد أُعد. رأت أنه يبدو مضطربًا. قال لها إنه يشعر بألم في جبينه. فأخرجت ديدمونة منديلًا كان عطيل قد أعطاها إياه. كانت عرافة، قبل مائتي عام، قد صنعت هذا المنديل من الحرير الذي صنعتْه ديدان قزٍّ مقدَّسة وصبغته في سائل مُعَدٍّ من قلوب العذارى، وزينته بتطريز على شكل حبات فراولة. كانت تظنُّ ديدمونة الرقيقة أن هذا المنديل شيء بارد وناعم يلائم جبينًا مضطربًا؛ إذ لم تكن تعرف بأن هناك سحرًا سيتحقق على من يفقده. قالت لعطيل: «سأعصبه حول رأسك وستشفى في خلال ساعة.» لكن عطيل على نحو نَكِد قال إنه صغير جدًّا، وتركه يسقط على الأرض. حينها، دخلت ديدمونة وعطيل إلى الداخل لتناول الغداء، والتقطت إيمليا المنديل الذي طالَما طلب منها إياجو سرقته.
كانت تتفحص المنديل عندما دخل إياجو. وبعد بضع كلمات عنه، انتزعه منها وطلب منها تركه بمفرده.
في الحديقة، انضم إليه عطيل، الذي بدا متعطشًا لأسوأ أكاذيب يمكنه أن يلفقها؛ لذا قال لعطيل إنه قد رأى كاسيو يمسح فمه بمنديل خمن أنه ذلك المنديل الذي أعطاه عطيل لزوجته، نظرًا لأنه مزيَّن بحبات فراولة.
شراب الخمر.
جن جنون المغربي التعيس من الغضب وطلب إياجو من السماء أن تشهد على أنه كان يكرس كل ما بوسع يدَيهِ وقلبه وعقله لخدمة عطيل. قال عطيل: «إني أقبل حبك، وفي غضون ثلاثة أيام، دعني أسمع أن كاسيو ليس على قيد الحياة.»
كانت خطوة إياجو التالية هي ترك منديل ديدمونة في غرفة كاسيو. رأى كاسيو المنديل، وكان يعرف أنه ليس ملكه، لكن أُعجب بالتطريز الموجود عليه، وأعطاه لحبيبته بيانكا وطلب منها أن تصنع له نسخة منه.
كانت خطوة إياجو التالية هي حث عطيل، الذي كان يسأل ديدمونة عن المنديل، أن يسترق السمع لحديث لكاسيو. كان ينوي الحديث عن حبيبة كاسيو، وجعل عطيل يظن أن السيدة محل الحديث هي ديدمونة.
قال إياجو عندما ظهر كاسيو: «كيف حالك أيها الملازم؟»
رد كاسيو على نحو واجم: «أسوأ شيء أن تدعوني باللقب الذي ما عدتُ أحمله.»
قال إياجو: «استمر في تذكير ديدمونة بالأمر، وسرعان ما ستستعيد اللقب.» ثم أضاف، في نبرة خفيضة جدًّا ما كان لعطيل أن يسمعها: «لو كان التماسُك هذا في مقدور بيانكا، لسرعان ما نجحت!»
قال كاسيو: «مسكينة هذه التعسة! أظنُّ أنها والله تحبُّني!» ونظرًا لأن كاسيو كان مغرورًا ثرثارًا، فقد جعله إياجو يتباهى بحب بيانكا له، بينما كان عطيل يتخيل، بغضب مكتوم، أنه كان يتحدث عن ديدمونة، وقال في نفسه: «إنني أرى أنفك ذاك، ولكنني لا أرى الكلب الذي سأقذفه إليه.»
كان عطيل لا يزال يتلصص عليهما، عندما دخلت بيانكا، غاضبةً معتقدةً أن كاسيو، الذي كانت تظن أنه يحبها، قد طلب منها أن تنسخ التطريز الموجود على منديل محبوبةٍ جديدة له. قذفته بالمنديل مُطلِقةً عبارات استهجان، وهجرها كاسيو.
أخذ عطيل ينظر إلى بيانكا ويرى كيف أنها كانت أقل مكانة وأقل جمالًا وأفحش لسانًا بكثير من ديدمونة، وبدأ رغمًا عنه في الثناء على زوجته في مقابل المرأة الشريرة التي كان يراها أمامه. فأثنى على مهارتها في استخدام الإبرة وصوتها الذي يمكنه «أن يقضيَ في الدب على وحشيته.» وذكائها ورقتها وجمال بشرتها. وفي كل مرة كان يثني فيها عليها، كان إياجو يقول شيئًا يجعله يتذكر غضبه ويُعبِّر عنه على نحو بذيء، غير أنه كان لا بد له أن يثني عليها ويقول: «يا للحسرة، إياجو! أوه يا إياجو، يا للحسرة، إياجو!»
لا توجد مطلقًا في خبث إياجو لحظة واحدة من التردُّد. إن كانت هناك مثل تلك اللحظة، لكانت قد حان وقتها حينها.
قال: «اخنقها»، وقال رفيقه البائس: «جيد، جيد!»
كان الاثنان لا يزالان يتحدثان عن القتل عندما ظهرت ديدمونة ومعها أحد أقارب أبيها، والذي كان يُدعى لودوفيكو، والذي كان يحمل خطابًا لعطيل من دوق البندقية. نص الخطاب على استدعاء عطيل من قبرص، وجعل كاسيو وكيلًا عنه في الحكم هناك.
انتهزت تعيسة الحظ ديدمونة هذه الفرصة غير السعيدة لتُثير مرة أخرى قضية كاسيو.
صرخ عطيل قائلًا: «نار وكبريت!»
فسَّر لودوفيكو ذلك لديدمونة قائلًا: «ربما هيَّجه الخطاب.» وأخبرها بمحتواه.
قالت: «يسرُّني ذلك.» فقد كان هذا هو أول حديث مرير تخرجه منها قسوة عطيل.
كاسيو يعطي بيانكا المنديل.
قال عطيل: «يسرني أن أراكِ تَفقدين صوابكِ.»
سألته، على نحو ساخر: «لماذا، يا عزيزي عطيل؟» وصفعها عطيل على وجهِها.
لقد كان هذا الوقت المناسب بالنسبة إلى ديدمونة لكي تُنقِذ حياتها بالانفصال عن عطيل، لكنَّها لم تكن تدرك الخطر الذي ينتظرها؛ كل ما كانت تعرفه هو أن حبها قد ضُرب في مقتل. قالت: «أنا لم أستحق هذا!» وأخذت الدموع تَنهمِر ببطء على وجهها.
صُعق واشمئز لودوفيكو مما حدث. وقال: «مولاي، لن يصدقوا هذا في البندقية. صالحها»، لكن عطيل، كالمجنون الذي يتحدث في كابوس يراه، عبر عما يجيش في فكره المريض بأسلوب مسيء، وصاح مزمجرًا: «اغربي عن وجهي!»
قالت زوجته: «لن أمكث كي أسيء لك.» لكنها تباطأت في الخروج، وخرجت فقط وتركت زوجها وضيوفه عندما صاح فيها قائلًا: «هيا، انصرفي!»
ثم دعا عطيل لودوفيكو للعشاء، وأضاف: «مرحبًا بك يا سيدي في قبرص … تيوس وقرود!» دون أن ينتظر الرد، غادر وترك الجمع.
كره الزائرون البارزون أن يُجبروا على رؤية المشاجرات العائلية وبغضوا أن يوصفوا بأنهم تيوس أو قردة، ولذلك، طلب لودوفيكو من إياجو تفسيرًا لما حدث.
قال إياجو، محاولًا أن يبدو وكأنه يقول الحق، إن عطيل كان أسوأ مما بدا، ونصحهم بأن يراقبوا سلوكه ويوفروا عليه عناء الإجابة على مزيد من الأسئلة.
ثم مضى قدمًا ليطلب من رودريجو قتل كاسيو. كان رودريجو مستاءً من صديقه. فقد أعطى إياجو جواهر كثيرة لكي يعطيها ديدمونة دون أن يسفر ذلك عن شيء؛ لم ترَ ديدمونة أيًّا منها لأن إياجو كان يأخذها لنفسه.
استطاع إياجو أن يهدئه ويقنعه بكذبة، وبينما كان كاسيو يغادر بيت بيانكا، جرحه رودريجو، وجُرح هو في المقابل. صرخ كاسيو، وجاء إليه لودوفيكو وصديق آخر مسرعين. أشار كاسيو إلى أن رودريجو هو من هاجمه، وحتى يتخلص إياجو من رودريجو صديقه المزعج، نعته بأنه «وغد!» وطعنه دون أن يتسبَّب في قتله.
في القلعة، كانت ديدمونة حزينة. قالت لإيمليا إنها لا بد أن تتركها؛ فقد كانت تلك هي رغبة زوجها. قالت إيميليا متعجِّبة: «أتركك؟!» ردَّت ديدمونة قائلة: «هذا ما أمر به. علينا ألا نُغضبه الآن.»
وغنت أغنية غنتها فتاة عاملها حبيبها بنذالة؛ أغنية فتاة تبكي بجوار شجرة كانت أغصانها تتدلَّى كما لو كانت تبكي، ثم ذهبت إلى السرير ونامت.
استيقظت ووجدت عيني زوجها الغاضبتَين فوقها. سألها: «هل صليتِ هذه الليلة؟» وطلب من هذه المرأة الرقيقة البريئة أن تطلب عفو الرب على أي ذنب قد تتذكره. ثم قال: «أنا لن أقتل رُوحك.»
ديدمونة تبكي.
قال لها إن كاسيو اعترف، لكنها كانت تعرف أن كاسيو لم يكن لديه شيء بشأنها ليعترف به. وقالت إن كاسيو لا يُمكنه أن يقول شيئًا يسيء لها. قال عطيل إنه لا يستطيع الرد على ذلك.
ثم أخذت ديدمونة تبكي، لكن عطيل، وبكلمات عنيفة رغم كل توسلاتها، أخذ يخنقها حتى أصبحت على وشك الموت.
ثم جاءت إيمليا بقلب منذر بالشر، وطلبت الدخول لدى الباب، وفتحه عطيل، وجاء صوت من السرير يقول: «بلا جريرةٍ أموت.»
صرخت إيمليا قائلة: «من فعل هذه الفعلة؟» ورد الصوت: «لا أحد؛ أنا نفسي. وداعًا.»
قال عطيل: «أنا الذي قتلتها.»
أخذ يذكر أدلته بجوار هذا السرير الحزين للأشخاص الذين أخذوا يتوافدون، وكان إياجو من بينهم، لكن عندما تحدث عن المنديل، قالت إيمليا الحقيقة.
وعلم عطيل الحقيقة. وسأل متعجبًا: «أما من حجارة في السماء غير التي مع الرعد تُقذف؟» وجرى نحو إياجو الذي طعن إيمليا طعنة قاتلة وهرب.
لكنهم أحضروه ثانيةً، وكان الموت الذي تعرض له لاحقًا راحة له من العذاب.
وكانوا سيأخذون عطيل إلى البندقية ليُحاكم هناك، لكنه سبقهم وأخفى سيفه في ملابسه. قال للحضور من أهل البندقية في الغرفة: «مهلًا، كلمة أو اثنتين قبل أن تذهبوا. تحدثوا عني كما أنا؛ لا تُلطفوا شيئًا. قولوا إنني رجل رمى بيده أثمن اللآلئ، وبكى بهاتين العينين اللتين لم يكن البكاء من دأبهما، وقولوا إنني ذات مرة في حلب حين هوى تركي على أحد جنود البندقية بالضرب، أمسكته من عنقه وضربته هكذا.»
ثم طعن نفسه بيده طعنة غائرة وصلت إلى القلب، وقبل أن يموت، لمست شفتاه وجه ديدمونة في حب يائس.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
ترويض النمرة
بيتروتشيو وكاتارينا.
كان يعيش في بادوا نبيل يُسمى بابتيستا وكان لديه بنتان جميلتان. الكبرى كانت تُدعى كاتارينا وكانت شكسة وسيئة الطباع وفظة للغاية لدرجة أن لا أحد فكر يومًا في الزواج منها، في حين أن أختها، بيانكا، كانت رقيقة وحسناء وحلوة الحديث جدًّا لدرجة أن أكثر من خاطب طلب من أبيها يدها. لكن بابتيستا قال إن البنت الكبرى يجب أن تتزوَّج أولًا.
لذا، قرر خُطَّاب بيانكا فيما بينهم أن يُحاوِلوا إيجاد خطيب لكاتارينا، وحينها على الأقل يُمكن للأب أن يستمع لطلب خطبتهم لبيانكا.
كان نبيلٌ من فيرونا يُدعى بيتروتشيو هو الشخص الذي كانوا يفكرون فيه، وسألوه، على سبيل المزاح، إن كان يريد الزواج من كاتارينا، الفتاة السليطة اللسان السيئة الطباع. تفاجئوا بشدة عندما قال نعم، وإنها الزوجة المناسبة بالنسبة إليه، وإنها إن كانت جميلة وغنية، فإنه سيأخذ على عاتقه جعلها حسنة الطباع في وقت قصير.
بدأ بيتروتشيو بأن طلب إذن بابتيستا في أن يتودَّد لابنته الرقيقة كاتارينا، لكن بابتيستا كان مضطرًّا لأن يقر بأنها ليست رقيقة على الإطلاق. وفي تلك اللحظة، دخل معلِّم الموسيقى باندفاع إلى المكان، واشتكى من أن الفتاة المشاكسة قد كسرت عودَه على رأسه لأنه قال لها إنها لم تكن تعزف على نحو صحيح.
معلم الموسيقى.
قال بيتروتشيو: «لا تَقلقا. فقد أحببتها أكثر من ذي قبل، وأتوق بشدة للحديث معها.»
عندما جاءت كاتارينا، قال لها: «صباح الخير، يا كات، هذا اسمكِ فيما بلغني؟»
ردت كاتارينا بحدة: «لقد بلغك نصفُه فقط.»
قال بيتروتشيو: «أنت تكذبين وربي، فإنكِ لتُسمين كات فقط، وكات الحلوة وأحيانًا كات الشرسة، ولذا، عندما سمعتُ الناس في كل بلد ينوهون برقتك ويرددون آيات جمالك، جئت إليكِ لأطلب يدكِ.»
صاحت كاتارينا قائلة: «تطلب يدي؟! هذا مُستحيل!» ثم قالت له عبارات بذيئة للغاية، وأنا آسفة أن أقول إنها انتهى بها الحال بلكمه في أذنيه.
قال لها بهدوء: «إن فعلتِ هذا ثانيةً، فسأضربكِ.» وأكد، بعد أن أثنى عليها كثيرًا، أنه لن يتزوج سواها.
عندما عاد بابتيستا ثانيةً، سأله على الفور:
«كيف سعيُكَ مع ابنتي؟»
رد بيتروتشيو: «كيف يكون إلا موفَّقًا يا سيدي؟ مُحالٌ أن يخيب سعيي.»
قال الأب: «وماذا عنكِ الآن يا ابنتي كاتارينا؟»
قالت كاتارينا في غضب: «لا أظنُّ أنك لو أردت أن تلعب دور الأب الحنون، سترغب في أن تُزوِّجني من هذا الوحش المندفع.»
قال بيتروتشيو: «خلاصة الأمر أنك أنت وسواك ممَّن تناولوها بالكلام إنما تكلمتم عنها خطأً. يجب أن ترى كيف أنها تكون ودودة معي عندما نكون بمفردنا. باختصار، سأذهب إلى البندقية لأشتري بعض الأشياء الفاخرة من أجل زفافنا؛ لأننا اتفقنا على الزواج يوم الأحد؛ هيا، لتُقبِّليني يا كات!»
عقب ذلك، اندفعت كاتارينا خارجة من الغرفة من أحد الأبواب وهي غاضبة، في حين خرج هو، وهو يضحك، من الباب الآخر. لكن ما إذا كانت قد وقعت في حب بيتروتشيو أو كانت سعيدة فقط لمقابلة رجل لم يكن خائفًا منها، أو شعرت بالإطراء لأنه لا يزال يرغب في الزواج منها رغم كلماتها القاسية في حقه ومعاملتها السيئة له، فقد تزوَّجته بالفعل يوم الأحد، كما أقسم إنها ستفعل.
وحتى يغيظ ويُهين روح كاتارينا المتكبِّرة والعنيدة، تأخر عن موعد الزفاف، وعندما جاء، كان يرتدي ملابس رثة لدرجة أنها كانت تَخجل أن تُرى معه. كان خادمه يرتدي على نفس النحو الرث، وكان الحصانان اللذان كانا يركبانهما مَثار سخرية كلِّ مَن مر بهما.
وبعد الزواج، وفي الوقت الذي من المفترض أن تكون فيه مأدبة الزفاف، قرر بيتروتشيو أن يأخذ زوجته ويَرحل، ولم يسمح لها بالأكل أو الشرب، قائلًا إنها أصبحت ملكَه الآن، وإنه يستطيع أن يفعل بها ما يشاء.
وكان أسلوبه عنيفًا للغاية وتصرَّف طوال الزفاف بطريقة مجنونة ومخيفة جدًّا لدرجة أن كاتارينا فزعت وذهبت معه. أركبها على ظهر حصان عجوز هزيل يتعثر في مشيه، ثم سارا في طرق موحِلة وَعِرة حتى وصلا إلى بيت بيتروتشيو والذي أخذ طوال الطريق يسبُّ ويلعن.
كاتارينا تلكم الخادم في أذنيه.
كانت في غاية التعب عندما وصلت إلى بيتها الجديد، لكن صمَّم بيتروتشيو على ألا تأكل أو تنام في تلك الليلة، لأنه قرَّر أن يعلم زوجته السيئة الطباع درسًا لن تنساه أبدًا.
رحَّب بها بود في بيته، لكن عندما قُدم العشاء، أخذ يُعدِّد مآخذه عليه؛ إذ قال إن اللحم محروق، ولم يُطبَخ على نحو جيد، وإنه يُحبها للغاية لدرجة أنه ما كان ليدعها تأكل إلا أفضل شيء. وفي النهاية، ذهبت كاتارينا التي كانت متعبة بشدة من الرحلة التي قامت بها، للنوم دون أن تتناول طعام العشاء. وبعد ذلك، حطم زوجها، وهو لا يزال يُخبرها بمدى حبه لها وكيف أنه يريد بشدة أن تنام نومًا جيدًا، سريرها وألقى بالوسائد والملاءات على الأرض، حتى لا تستطيع النوم على الإطلاق، وكان لا يزال يصرخ في وجوه الخدم ويوبخهم حتى يمكن أن ترى كاتارينا مدى قبح أن يكون الشخص سيئ الطباع.
في اليوم التالي أيضًا، وجد مآخذ عديدة في طعام كاتارينا، وجرى رفعه من أمامها قبل أن تمدَّ يدها إليه، وكانت متوعِّكة وتشعر بالدوار لحرمانها النوم. ثم قالت لأحد خدمها:
«أرجوك أن تذهب وتأتيني بشيء من الطعام، ولا يهمني ماذا تُحضِر.»
قال الخادم: «ما قولك في كراع بقري؟»
ردت كاتارينا بحماس: «نعم!» لكن الخادم، الذي كان مطَّلعًا على خطة سيده، قال لها إنه يخشى أن يكون غير ملائم لمن هم سريعو الغضب. ثم سألها: «ماذا تقولين في كرشة؟»
ردت كاتارينا: «أحضرها لي.»
قال الخادم: «لا أظن أن «هذه» مناسبة للأشخاص سريعي الغضب. ما رأيكِ في طبق من لحم البقر بالخردل؟»
قالت كات: «إنه يعجبني.»
يذكر بيتروتشيو مآخذه على العشاء.
«لكن الخردل حارٌّ جدًّا.»
قالت كاتارينا، وقد أخذ الجوع يتملَّكها أكثر فأكثر: «إذن فهاتِ اللحم ودَع الخردل.»
قال الخادم: «لا بد أن تأخُذي الخردل وإلا فلن تلمَسي اللحم من يدي.»
فصاحت كاتارينا، وقد أخذت تفقد صبرها: «إذن فهاتهما كليهما، أو أحدهما، أو ما تشاء.»
قال الخادم: «إذا كان الأمر كذلك، فالخردل دون اللحم.»
وجدت كاتارينا أنه يسخر منها، فلكمته في أذنيه.
في تلك اللحظة أحضر بيتروتشيو لها بعض الطعام، ولكن ما إن بدأت تمد يديها إليه لتسدَّ جوعها، حتى أذن بدخول الخياط ليُحضر لها ملابس جديدة ورُفعت المائدة، تاركًا إياها وهي لا تزال جائعة. سُرت كاتارينا بالرداء والقبعة الجديدَين الأنيقين اللذين صنعهما لها الخياط، لكن بيتروتشيو أخذ يُعدِّد المآخذ الموجودة فيهما، وألقى بالقبعة والرداء على الأرض، وأقسم ألا ترتدي زوجته الحبيبة أيًّا من هذين الشيئين السيئين.
صاحت كاتارينا قائلة: «سأحصل عليهما. إن كل السيدات النبيلات يلبسن اليوم قبعات مثل هذه.»
رد عليها قائلًا: «عندما تُصبِحين نبيلة، ستَحصُلين على مثلها. أما قبل ذلك، فلا.» وعندما طرد بيتروتشيو الخياط بكلمات غاضبة، رغم أنه طلب على انفراد من صديق له أن يدفع له مقابل ما أحضره إليه، قال:
«تعالي يا عزيزتي كات، سنذهب إلى بيت أبيكِ ولو في هذه الثياب العادية؛ فكما أن أشعة الشمس تنفذ من أقتم السحب وتبين، فكذلك الشرف يتراءى للعين من وراء أحقر الملابس. إن الساعة الآن السابعة تقريبًا، وعليه، فلدينا من الوقت فسحة لنصل قبيل موعد الغداء.»
قالت كات: «إنها قاربت الثانية.» وكان ذلك على نحو مهذب بالقدر الكافي لأنه تأكَّد لها أنها لا تستطيع التنمُّر على زوجها، كما كانت تفعل مع أبيها وأختها، وأضافت: «إنها قاربت الثانية، وإن موعد العشاء سيكون قد حلَّ قبل أن نصل إليهم.»
قال بيتروتشيو بعناد: «ستكون السابعة قبل أن أذهب لأركب! اذكري أنكِ لا تزالين تُناقضين كل ما أنطق به أو أفعله أو أنوي فعله. إنني لن أرحل اليوم، وقبل أي رحيل متى كان، ستكون الساعة ما أريدها أنا أن تكون.»
وأخيرًا شرعا في طريقهما إلى منزل أبيها. وقال لها بيتروتشيو: «انظري إلى القمر.»
فردت كاتارينا: «إنها الشمس.» وفي الحقيقة كانت الشمس بالفعل.
قال بيتروتشيو: «أقول لك إنه القمر. هل تُعارضينَني ثانية؟! إنها الشمس أو القمر أو ما أقوله أنا، وإلا فلن أصحبك إلى منزل أبيك.»
استسلمت كاتارينا للأبد. وقالت: «سمِّ أي شيء ما شئت من الأسماء، وسيكون هو ما سمَّيتَه في عين كاتارينا.» وهذا هو ما حدث، فمنذ تلك اللحظة، شعرت كاتارينا أنها قد صادفت أخيرًا سيدها، ولم تتعامَل معه، هو أو أي شخص آخر، مرة ثانية بعجرفة.
وهكذا، استمرا في رحلتهما إلى بيت بابتيستا، وعندما وصَلا إلى هناك، وجدا كل المعارف يحضرون مأدبة زواج بيانكا، وتلك الخاصة بزوجين آخرين متزوجين حديثًا، وهما هورتنسيو وزوجته. رُحِّب بهما وجلسا في المأدبة، والكل كان سعيدًا فيما عدا أن زوجة هورتنسيو، عندما رأت كاتارينا خاضعة لزوجها، ظنت أنها تستطيع بكل أمان أن تقول العديد من الأشياء المسيئة التي ما كانت تجرؤ قبل ذلك على قولها عندما كانت كاتارينا حرة ومتمرِّدة. لكن كاتارينا ردَّت بشجاعة وذوق شديدَين لدرجة أنها جعلت المزاح ينقلب على العروس الجديدة.
وبعد العشاء، عندما تنحَّت السيدات جانبًا، اشترك بابتيستا في مزاح ضد بيتروتشيو وقال:
«أصارُحكَ جادًّا، يا ولدي بيتروتشيو، أنك قد تزوجت أشرسهن جميعًا.»
قال بيتروتشيو: «أنت مخطئ، ودعني أثبت لك هذا. فليرسل كل منا في طلب زوجته، ومن كانت امرأته أسرع في المجيء إليه طوعًا لأمره، فله الرهان الذي سنتفق عليه الآن.»
وافق الزوجان الآخران دون تردُّد؛ إذ ظن كل منهما أن زوجته هي الأكثر طاعةً، واعتقد كل منهما أنه متأكد تمامًا من الفوز بالرهان.
اقترحوا رهانًا بعشرين كرونًا.
قال بيتروتشيو: «عشرون كرونًا! إني أراهن بمثل ذلك على كلبي أو صقري. لكن أراهن بعشرين ضعفًا على زوجتي.»
قال لوتشنتيو، زوج بيانكا: «إذن فليكن الرهان مائة.»
قال الجميع: «اتفقنا.»
أرسل لوتشنتيو رسالة لبيانكا الحسناء يطلب فيها أن تأتي إليه. وقال بابتيستا إنه واثق من أن ابنته ستأتي. لكن الخادم عاد وقال:
«سيدي، تقول سيدتي إنها مشغولة ولا تستطيع الحضور.»
قال بيتروتشيو: «هذا جواب لك.»
«ستكون محظوظًا لو لم تُجبْك زوجتك بشر منه.»
رد بيتروتشيو: «بل إني لأرجو أن يكون خيرًا منه.» ثم قال هورتنسيو:
«اذهب وتوسل إلى زوجتي أن تأتي إليَّ على الفور.»
قال بيتروتشيو: «أوه! «يتوسل» إليها!»
قال هورتنسيو بحدة: «أخشى، يا سيدي، أن زوجتك لن يُجدي معها التوسل مهما بذلت من جهد.»
وها هو الخادم يدخل ويقول:
«تقول إنك تَمزح معها؛ ولذلك ترفض الحضور.»
صاح بيتروتشيو قائلًا: «الأمور تتَّجه في صالحي، والآن اذهب إلى سيدتك وقل لها إني «آمرها» أن تأتي إليَّ.»
وبدءوا جميعهم يضحكون قائلين إنهم يعرفون ماذا سيكون جوابها، وإنها سترفض المجيء إليه.
ثم صاح بابتيستا فجأة:
«ها قد أتت كاتارينا!» وبالتأكيد، جاءت.
سألت زوجها: «ماذا تريد يا سيدي؟»
«أين أختك وزوجة هورتنسيو؟»
«في غرفة الجلوس تتحادثان بجوار المدفأة.»
«اذهبي هاتيهما هنا.»
عندما ذهبت لإحضارهما، قال لوتشنتيو:
«هذا هو العجب بعينه!»
قال هورتنسيو: «أتساءل ماذا يعني؟»
قال بيتروتشيو: «إنه يعني السلام والحب والحياة المطمئنة.»
قال بابتيستا: «حسنًا، لقد فزت بالرهان، وسأزيد عشرين ألف كرون أخرى لمهرها — بحيث يكون مهرًا آخرَ لابنة أخرى — لأنها قد استحالت فأصبحت إنسانة أخرى غير من كنتُ أعهد.»
وهكذا، ربح بيتروتشيو الرهان، ووجد في كاتارينا زوجة محبة ومخلصة، والآن بعد أن كسر شوكة روحِها المتكبرة والغاضبة، صار يحبها حبًّا حقيقيًّا، وصار الشعور الوحيد الذي يتبادلانه هو الحب. وعاشا معًا في سعادة دائمة.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
الصاع بالصاع
منذ عدة قرون لم أهتمَّ بإحصائها، كان أهل فيينا يُحكَمون على نحو متساهل. والسبب أن الدوق فيتشنتيو، الذي كان يحكمهم، كان طيبًا للغاية، وكان يكره أن يُجعل المذنبين غير سعداء.
كانت النتيجة أن عدد المسيئين في فيينا كان كافيًا لأن يجعل الدوق يهزُّ رأسه في حزن عندما أراه إياه كبير مساعديه في نهاية قائمة بأسمائهم؛ لذا قرر أن المخطئين يجب أن يعاقبوا. لكن شعبيته كانت مهمة بالنسبة إليه. وكان يدرك أنه إذا أصبح حازمًا فجأة بعد أن كان متساهلًا، فسيجعل الناس يرون أنه قد أصبح طاغية. ولهذا السبب، أخبر مجلسه الخاص بأنه يجب أن يذهب إلى بولندا في شأنٍ هامٍّ خاصٍّ بالدولة. ثم قال: «لقد اصطفيت أنجيلو نائبًا عني في أثناء غيابي.»
إن أنجيلو هذا، رغم أنه كان يبدو نبيلًا، كان رجلًا وضيعًا. فقد وعد فتاة تدعى ماريانا بالزواج، لكنه تخلَّى عن وعده لأن مهرها فُقد؛ لذا أخذت ماريانا المسكينة تعيش يائسة، تنتظر كل يوم قدوم حبيبها البخيل والذي كانت لا تزال تحبه.
بعد أن عين الدوق أنجيلو نائبًا له، ذهب إلى راهب يُدعى توماس وطلب منه أن يعطيه ملابس راهب ويعلمه فن إعطاء المواعظ الدينية لأنه لم يكن ينوي الذهاب إلى بولندا وإنما نوى البقاء في بلده ليرى كيف سيحكم أنجيلو.
لم يمرَّ يوم على تولي أنجيلو لمنصبه حتى حكم بالموت على شابٍّ يُدعى كلاوديو لارتكابه فعلًا أنانيًّا مندفعًا والذي كان سيُعاقب عليه — لولا تولي أنجيلو — بأن يُوبَّخ توبيخًا عنيفًا.
كان لدى كلاوديو صديق غريب يدعى لوشيو، ووجد لوشيو أن هناك فرصة لإطلاق سراح كلاوديو إذا ذهبَت أخت كلاوديو الحسناء إيزابيلا إلى أنجيلو وتوسلت إليه أن يعفو عنه.
كانت إيزابيلا تعيش في ذلك الوقت في دير. ولم يكن أحد قد شغل قلبها، وظنت أنها تُفضِّل أن تصبح راهبة.
في تلك الأثناء، كان لدى كلاوديو من يدافع عنه، وهو نبيل عجوز، يدعى إسكالوس، والذي راح يطلب له الرأفة. قال: «لنَجرح جرحًا خفيفًا خير لنا من أن نقتل.» ثم أضاف: «إن هذا الرجل الشريف كان والده رجلًا جد نبيل.»
لم يتأثَّر أنجيلو. وقال: «إذا وجدني اثنا عشر رجلًا مذنبًا، فلن أسأل أي تخفيف غير ذلك المنصوص عليه في القانون.»
ثم أمر أنجيلو آمر السجن بأن يعدم كلاوديو في التاسعة من صباح اليوم التالي.
بعد إصدار هذا القرار، أُخبر أنجيلو بأن أخت الرجل المدان ترغب في رؤيته.
قال أنجيلو: «دعها تدخل.»
عندما دخلت الفتاة الجميلة هي ولوشيو، قالت: «جئت ألوذ برحاب شرفكم.»
قال أنجيلو: «حسنًا، ماذا تريدين؟»
احمرَّ وجهها من كلماته القليلة الحادة وزادت الحمرة التي علت وجهها من جماله. ثم قالت: «لديَّ أخ حُكم عليه بالإعدام. وإني ألتمس منك أن تدين الخطأ وتعفو عن أخي.»
قال أنجيلو: «كل خطأ مدان قبل أن يُرتكب. وهو غير مسموح به. ولن تتحقق العدالة إذا أُطلق سراح مرتكبه.»
كانت ستَترك البلاط وترحل لولا أن لوشيو قال لها هامسًا: «إنك جد باردة؛ لو كنتِ في حاجة إلى دبوس، لما طلبته بلسان أكثر وداعة.»
لذا، أخذت إيزابيلا تلح عليه ثانية ليعفو عنه، وعندما قال: «لن أعفو عنه.» لم تيأس، وعندما قال: «لقد سبقت إدانته، ولم يعدْ هناك وقت.» عادت إلى الإلحاح. لكن كل سعيها كان بالحجج المنطقية، لكنها حتى بهذه الحجج، لم تستطع الانتصار على نائب الدوق.
الدوق في زي الراهب.
قالت له إنه لا شيء أقوى من الرحمة. وأخبرته أن البشر يتلقَّون الرحمة من السماء ويطلبونها منها، وإنه من الجيد أن تكون لديك قوة هائلة ومن السيئ أن تستخدمها وتتجبر. وقالت له إن البرق يفلق شجرة البلوط ويترك الآسة الرقيقة. وطلبت منه أن ينظر في فؤادِه ويرى إن كان به ذنب، فإن وجد واحدًا، فليُحجم عن أن يودي بحياة أخيها.
وجد أنجيلو ذنبًا في فؤاده في تلك اللحظة. لقد أعجب بجمال إيزابيلا وكان ميَّالًا لأن يفعل من أجل جمالها ما كان لن يُقدِم على فعله من أجل حب أي رجل.
بدا أن قلبه بدأ يلين حيث قال لها: «تعالي إليَّ غدًا قبل الظهر.»
لقد نجحت، على أي حال، في تمديد حياة أخيها لبضع ساعات.
وفي غيابها، كان ضمير أنجيلو يلومه على عدم أداء واجبه القانوني.
عندما زارته إيزابيلا للمرة الثانية، قال: «إن أخاكِ يجب أن يموت.»
اندهشت إيزابيلا على نحو مُفجِع، لكن كل ما قالته كان: «ومع ذلك، فلتحفظك السماء.»
لكن بينما التفتَت لتنصرف، شعر أنجيلو أن واجبه وشرفه كانا هيِّنين مقارنة بفقده لها.
قال لها: «أعطيني حبَّكِ وسيُطلَق سراح كلاوديو.»
ردت إيزابيلا: «إنه سيقدم عشرين رأسًا للقطع على منصة الإعدام قبل أن أتزوجك»؛ إذ شعرت حينها أنه ليس الرجل العادل الذي يدَّعيه.
لذا، ذهبت إلى أخيها في السجن لتُخبرَه بأنه يجب أن يموت. في البداية، كان معتزًّا بنفسه، ووعَد بأن يضم ظلمة الموت بين ذراعيه. لكنه عندما أدرك بوضوح أن أخته يمكنها أن تشتريَ له حياته بالزواج من أنجيلو، شعر أن حياته أغلى من سعادتها، وقال راجيًا إياها: «أختي العزيزة، امنحيني الحياة.»
صرخت فيه قائلة: «ويحكَ أيها الرعديد الغادر! ويحك أيها الشقي الفاسق!»
في تلك اللحظة، جاء الدوق، متنكِّرًا في زي راهب، ليلتمس الحديث إلى إيزابيلا. وسمى نفسه الراهب لودويك.
قال لها الدوق إن أنجيلو قد خطب ماريانا للزواج وحكى لها قصة حبها. ثم طلب منها أن تُنفِّذ الخطة التالية. ستذهب ماريانا، في زي إيزابيلا، وهي مُغطاة الرأس، إلى أنجيلو، وتقول، بصوت يُشبه صوت إيزابيلا، إنها ستتزوجه إن لم يعدم كلاوديو. وتأخذ الخاتم الذي يلبسه في إصبعه الصغير، حتى يُمكن فيما بعد إثبات أن من زاره هو ماريانا.
كانت إيزابيلا، بالطبع، تكنُّ احترامًا كبيرًا للرهبان، الذين كانوا يشبهون تمامًا الراهبات في ورعهم؛ لذا وافقت على خطة الدوق، واتفقا على اللقاء مرة ثانية في المنزل الريفي المحاط بالماء، وهو، منزل ماريانا.
إيزابيلا تستجدي أنجيلو.
في الشارع، رأى الدوق لوشيو الذي عندما رأى رجلًا يرتدي زي راهب، ناداه قائلًا: «ما أخبار الدوق، أيها الراهب؟» رد الدوق: «ليس لديَّ أي أخبار.»
ثم ذكر لوشيو للدوق بعض أخبار أنجيلو. ثم ذكر له خبرًا عن الدوق. لكن الدوق نفاه. استفزَّ هذا لوشيو، ووصف الدوق بأنه «أحمق جاهل وسطحي.» رغم أنه تظاهر بأنه يُحبُّه. قال الدوق على نحو متجهِّم: «ستزداد معرفة الدوق بك إذا امتد بي العمر حتى أحكيَ له عنك.» ثم سأل إسكالوس، الذي رآه أيضًا في الشارع، عن رأيه في سيده الدوق. رد إسكالوس، الذي ظنَّ أنه يتحدث إلى راهب، قائلًا: «الدوق رجل عفيف النفس إلى أقصى حد، وكان يسعده أن يرى غيره من الناس سعيدًا، لا أن يشعر بالسعادة تغمره هو.»
ثم استكمل الدوق المسير لبيت ماريانا.
وصلت إيزابيلا على الفور بعد وصوله إلى بيت ماريانا، وقدم الدوق الفتاتين بعضهما لبعض، وكانا كلتاهما تظنَّان أنه راهب. ذهبت الفتاتان إلى غرفة أخرى غير التي كان فيها الراهب لتناقشا أمر إنقاذ كلاوديو، وبينما كانتا تتحدثان بصوت منخفض وجاد، نظر من النافذة ورأى السقائف المهشمة وأحواض الزرع المغطاة بالأشن الأسود، الأمر الذي يشي بإهمال ماريانا لبيتها الريفي. إن الكثير من النساء كن سيَهتمِمْنَ بحدائقهن، أما هي، فلا. فقد كانت عينها على المدينة؛ لذا، تجاهلت مباهج الريف. كان الدوق متأكدًا من أن أنجيلو سيجعلها أكثر سعادة.
قالت إيزابيلا، وهي عائدة مع ماريانا: «لقد اتفقنا، أيها الأب.»
وهكذا، خُدع أنجيلو من قبل الفتاة التي كان قد أبعدها عن حبِّه وألبسها في إصبعها خاتمًا كان له، والذي كان به حجر كريم له لون اللبن يلمع في الضوء معطيًا ألوانًا غامضة.
عندما سمع الدوق بخبر نجاحها في إتمام الخطة، ذهب في اليوم التالي إلى السجن وانتظر أن يصلَ قرار بإطلاق سراح كلاوديو. لكنه لم يصِل، وسُلم خطاب إلى آمر السجن بينما كان ينتظر هناك. لقد كانت دهشتُه عظيمة عندما قرأ آمر السجن هذه الكلمات: «مهما ترامى إليك من أخبار تُناقض ذلك، ليتم إعدام كلاوديو قبل الساعة الرابعة. ولتَعمل على أن يصلني رأسه قبل الخامسة.»
لكن الدوق قال لآمر السجن: «يجب أن تُرسل إلى نائب الدوق رأسًا آخر»، وأراه خطابًا وختمًا. ثم قال له: «هذا توقيع وختم الدوق. دعني أخبرك بأنه سيعود وهذا أمر لا يعرف عنه أنجيلو شيئًا. أعطِ أنجيلو رأسًا آخر.»
قال آمر السجن في نفسه: «هذا الراهب يتكلَّم بثقة. أنا أعرف ختم الدوق وأعرف كذلك خطه.»
ثم قال في النهاية: «لقد مات رجل في السجن هذا الصباح، وهو قرصان في نفس عمر كلاوديو، وله لحية باللون نفسه. سأرسل له رأسه.»
أُرسل رأس القرصان في الوقت المحدد إلى أنجيلو الذي خُدع بسبب تشابهه مع رأس كلاوديو.
قوبل خبر عودة الدوق بترحاب شديد لدرجة أن الرعية ساعدوا في نزع بوابات فيينا حتى يسهلوا دخوله إلى المدينة. ظهر أنجيلو وإسكالوس في الوقت المناسب لاستقباله، وأُثني على توليهما الأمور في غياب الدوق.
لذا، كان أمرًا غير سار بالنسبة إلى أنجيلو عندما جثت إيزابيلا، التي كانت غاضبة بشدة من خيانته، أمام الملك وأخذت تطلب العدل منه.
عندما حُكيَت قصتها، صاح الدوق قائلًا لأحد الضباط: «اذهب بها إلى السجن لأنها تُحاوِل التشهير بذراعي اليمنى! لكن انتظري، مَن الذي أقنعك بالمجيء إلى هنا؟»
قالت: «الراهب لودويك.»
سأل الدوق: «مَن يعرف لودويك هذا؟»
رد لوشيو: «أنا أعرفه، يا سيدي. لقد ضربتُه لأنه قد فاه ببعض ألفاظ تجرح فخامتك.»
قال راهب كان هناك يُسمَّى بيتر: «الراهب لودويك رجل فاضل.»
أخذ أحد الضباط إيزابيلا، ودخلت ماريانا. وخلعت غطاء وجهها وقالت لأنجيلو: «هذا هو الوجه الذي حلفتَ يومًا أنه يستهويك.»
واجهها بشجاعة عندما أظهرت يدها وقالت: «هذه هي اليد التي ترتدي الخاتم الذي ظننت أنكَ أعطيته واحدة أخرى.»
قال أنجيلو: «إنني أعرف هذه المرأة. ومنذ فترة، جرى حديث عن الزواج بيني وبينها، لكني وجدتها طائشة.»
وهنا، قالت في انفعال إنهما قد خُطبا وتعاهَدا على الزواج. رد أنجيلو بأن طلب من الدوق الإصرار على حضور الراهب لودويك.
وعد الدوق قائلًا: «سوف يحضر.» وطلب من إسكالوس أن يستجوب الشاهد الغائب باستفاضة بينما سيذهب هو إلى مكان آخر.
وبعد وقت قصير، ظهر الدوق مرة ثانية في شخصية الراهب لودويك ودخل بصحبة إيزابيلا وآمر السجن. لم يُستجوَب بقدر ما أسيء إليه وهُدد من قبل إسكالوس. سأله لوشيو إذا ما كان سيُنكِر، إذا كان يجرؤ على ذلك، أنه وصف الدوق بأنه أحمق وجبان، وجُذب من أنفه لوقاحته.
صاح إسكالوس: «اذهبوا به إلى السجن.» ولكن بمجرد أن قُبض عليه، خلع الدوق عنه قناع الراهب، وظهر أنه الدوق أمام الجميع.
ثم قال لأنجيلو: «والآن، إذا كانت ما تزال لديك أي جرأة يُمكن أن تفيدك، فاستخدمها إن كانت لها أي قيمة.»
كان الرد: «حكم فوري وإعدام هما كل ما أرجوه.»
سأله الدوق: «ألم تتعهَّد بالزواج من ماريانا؟»
قال أنجيلو: «بلى.»
قال سيده: «إذن، تزوَّجها في الحال.» ثم أضاف موجهًا كلامه إلى الراهب بيتر: «زوجِّهما، وعُد بهما إلى هنا.»
ثم قال الدوق بنبرة رقيقة: «تعالي إلى هنا يا إيزابيلا. لقد أصبح راهبك الآن أميرك، وهو حزين لأنه لم يستطع إنقاذ أخيك!» لكن الدوق اللئيم كان يعرف أنه قد أنقذه.
قالت: «اعفُ عنِّي لأني قد جلبت المتاعب لجلالتك.»
قال بابتهاج: «لكِ مني العفو.»
في تلك اللحظة، دخل أنجيلو وزوجته مرة ثانية. وقال الدوق بجدية: «والآن، يا أنجيلو، قضَينا عليك بذات منصة الإعدام حيث أحنى كلاوديو رأسه للموت!»
صاحت ماريانا قائلةً: «يا مولاي الكريم، إني لألتمس ألا تسخر بي!»
قال الدوق: «ستَحصُلين على زوج أفضل منه.»
«لقد أصبح راهبك الآن أميرك.»
قالت: «أوه، يا سيدي العزيز، إني لا أتمنَّى رجلًا غيره.»
انضمت إيزابيلا بنبل إلى ماريانا في تضرعها للدوق، لكن الدوق تصنَّع عدم المرونة.
وقال: «يا آمر السجن، كيف جرى قطع رأس كلاوديو في ساعة مبكرة على غير العادة؟»
قال آمر السجن وهو خائف من الاعتراف بالكذبة التي كذبها على أنجيلو: «لقد وصلتْني رسالة شخصية.»
قال الدوق: «سأُعفيك من منصبك.» ثم انصرف آمر السجن. وقال أنجيلو: «يؤسفني أن أكون مصدرًا لهذا الأسى. أنا أفضِّل الموت على الرحمة.» وبعد فترة قصيرة، كانت هناك حركة في الجمع. وظهر آمر السجن مرة ثانية ومعه كلاوديو. وكصبي كبير، قال آمر السجن: «لقد أنقذت هذا الرجل؛ إنه يكاد يشبه كلاوديو.» سُر الدوق وقال لإيزابيلا: «سأعفو عنه لأنه يُشبه أخاكِ. وإنه سيكون مثل أخي، أنا أيضًا، إن أنتِ وافقتي، يا عزيزتي إيزابيلا، على أن تكوني لي.»
وافقت إيزابيلا بابتسامة على الزواج منه، وعفا الدوق عن أنجيلو، ورقَّى آمر السجن.
وحكم على لوشيو بالزواج من امرأة بدينة سليطة اللسان.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
نبيلان من فيرونا
إن واحدًا فقط منهما سيكون بحقٍّ رجلًا نبيلًا، كما ستكتشفون لاحقًا. كان اسما هذين الرجلين هما فالنتاين وبروتياس. كانا صديقَين ويعيشان في فيرونا، وهي مدينة في شمال إيطاليا. كان فالنتاين محظوظًا باسمه لأنه كان ذلك الخاص بالقديس الراعي للمحبين؛ فقد كان من الصعب على أي فالنتاين أن يكون متقلِّب المزاج أو وضيعًا. أما بروتياس، فلم يكن محظوظًا باسمه لأنه كان ذلك الخاص بشخصية شهيرة تغيِّر من شكلها، مما شجعه بالتالي على أن يكون محبًّا مخلصًا في بعض الأوقات وخائنًا في أوقات أخرى.
ذات يوم، أخبر فالنتاين صديقه أنه ذاهب إلى ميلانو. وقال له: «أنا لست عاشقًا مثلك، ومِن ثمَّ، لا أريد البقاء في هذه البلاد.»
كان بروتياس يحب فتاة شقراء جميلة تُسمى جوليا وكانت الفتاة غنية، ولم يكن هناك أحد يتحكَّم فيها. لكنه كان حزينًا على فراق فالنتاين وقال: «إن وقعت يومًا في أي خطر، أخبرني، وسأصلي من أجلك.» ثم ذهب فالنتاين إلى ميلانو مع خادم يدعى سبيد، وفي ميلانو، وقع في حب ابنة دوق ميلانو، سيلفيا.
عندما افترق فالنتاين وبروتياس، لم تكن جوليا قد أقرت بأنها كانت تحب بروتياس. في واقع الأمر، لقد مزقت إحدى رسائله في حضور خادمتها، لوتشيتا. لكن لوتشيتا لم تكن ساذجة؛ إذ عندما رأت أجزاء الرسالة الممزقة، قالت في نفسها: «كل ما تريد هو أن تَصلها رسالة أخرى.» وبالفعل، بمجرد أن تركت لوتشيتا جوليا بمفردها، ندمت على تمزيقها الرسالة ووضعت بين ثوبها وقلبها قصاصة الورق المكتوب فيها اسم بروتياس. وهكذا بتمزيق رسالة كتبها لها بروتياس، اكتشفت أنها تحبه. ثم، كفتاة رقيقة شجاعة، كتبت إلى بروتياس تقول: «اصبر، وستتزوجني.»
سعد بروتياس بهذه الكلمات، وراح يتمشى، ملوحًا برسالة جوليا ومتحدثًا إلى نفسه.
سأله أبوه، أنطونيو: «ما هذا الذي معك؟»
كذب بروتياس وقال: «إنها رسالة من فالنتاين.»
قال أنطونيو: «دعني أقرؤها.»
قال بروتياس كذبًا: «ليس فيها من أنباء؛ إنه يقول لي فقط إنه سعيد للغاية، وإن دوق ميلانو يعامله معاملة حسنة، ويتمنى لو كنت معه.»
جعلت تلك الكذبة أنطونيو يظن أن ابنه يجب أن يذهب إلى ميلانو ويتمتع بالمتع التي كان فالنتاين غارقًا فيها. أمره قائلًا: «يجب أن تذهب غدًا.» فزع بروتياس لذلك. وقال: «امنحني بعض الوقت كي أجهز نفسي.» رد عليه بالوعد الآتي: «سأرسل لك فيما بعد ما تحتاج إليه.»
حزنت جوليا لافتراقها عن حبيبها قبل أن يصل عمر خطبتهما إلى يومين. أعطته خاتمًا وقالت له: «احتفظ بهذا من أجلي»، وأعطاها هو خاتمًا، وقبَّلها كاثنين تعاهدا على أن يكون كلٌّ منهما مخلصًا للآخر حتى الموت. ثم رحل بروتياس إلى ميلانو.
في هذه الأثناء، كان فالنتاين يسرِّي عن سيلفيا، التي جعلته عيناها الرماديتان الضاحكتان تحت شعرها الكستنائي يغرق في حبها. في أحد الأيام، قالت له إنها تريد أن تكتب خطابًا رقيقًا لأحد النبلاء الذي تُحبه، لكن ليس لديها وقت، فسألته إن كان بإمكانه أن يكتبه لها. كره فالنتاين بشدة كتابة هذا الخطاب لها، لكنه كتبه، وأعطاها إياه في برود. فقالت له: «خذه، فلقد كتبته وأنت كاره.»
فالنتاين يكتب خطابًا من أجل سيلفيا.
قال: «سيدتي، لقد كان من الصعب عليَّ كتابة هذا الخطاب من أجلك.»
أمرته قائلةً: «خذه؛ فأنت لم تكتبه بالرقة الكافية.»
تُرك فالنتاين بمفرده بصحبة الخطاب، وكان عليه كتابة خطاب آخر، لكن خادمه، سبيد، كان يرى أن سيلفيا، في واقع الأمر، قد سمحت لفالنتاين بأن يكتب بالنيابة عنها خطاب حب لفالنتاين نفسه. وقال: «إن المزحة بارزة كدوارة الريح في أعلى برج الكنيسة.» كان يعني بهذا أن الأمر واضح للغاية، واستمر في الحديث حتى حدد بالضبط ما كان عليه الأمر: «إن كان سيدي هو من سيكتب لها خطابات الحب، فإنه يجب أن يرد عليها.»
سيلفيا تقرأ الخطاب.
عندما وصل بروتياس، قدمه فالنتاين لسيلفيا، وبعد قليل، عندما أصبحا بمفردهما، سأل فالنتاين بروتياس عن مدى تطور حبه لجوليا.
قال بروتياس: «لماذا تسألني؟ لقد كنت تتضايق عندما أتحدث عنها.»
قال فالنتاين معترفًا: «نعم، لكن الأمر اختلف الآن. فأنا يمكن ألَّا آكل أو أشرب طوال اليوم شيئًا سوى المحبة في طبقي وفي كأسي.»
قال بروتياس: «إنك ترفع سيلفيا إلى مرتبة الآلهة.»
رد فالنتاين: «إنها مقدسة!»
اعترض بروتياس قائلًا: «دعك من هذا!»
قال فالنتاين: «حسنًا، إن لم تكن مقدسة، فهي الملكة على كل نساء الأرض.»
قال بروتياس: «فيما عدا جوليا.»
قال فالنتاين: «يا عزيزي، لا تستثنِ جوليا؛ لكني أقرُّ بأنها وحدها تستحق حمل أذيال سيدتي.»
قال بروتياس: «إن تباهيك يدهشني.»
لكنه رأى سيلفيا، وأحسَّ فجأة أن جوليا الشقراء كانت سوداء عند مقارنتها بسيلفيا؛ لذا تحوَّل على الفور في فكره إلى شخصية شريرة، وقال في نفسه ما لم يقلْه مطلقًا من قبل: «أنا بالنسبة إلى نفسي أعز من صديقي.»
لعله كان من الأفضل بالنسبة إلى فالنتاين إن غيَّر بروتياس، بقدرة الإله الذي كان يحمل اسمه، شكَّل جسده في اللحظة الشريرة التي احتقر فيها جوليا إعجابًا بسيلفيا. لكن جسده لم يتغير؛ فابتسامته كانت لا تزال ودودة؛ ولذا باح له فالنتاين بالسر الخطير المتمثِّل في أن سيلفيا قد وعدته بأن تهرب معه. قال له فالنتاين: «في جيب معطفي، يوجد سلَّم من حرير له خطافان سيمسكان في عتبة نافذة غرفتها.»
عرف بروتياس السبب وراء عزم سيلفيا وحبيبها الهروب. فقد أراد الدوق تزويجها من السير ثوريو، وهو نبيل أحمق لم يكن يعني لها شيئًا على الإطلاق.
ظن بروتياس أنه إن استطاع التخلص من فالنتاين، يمكنه أن يجعل سيلفيا تقع في حبه، خاصةً إن أصر الدوق على تحمُّلها لثرثرة السير ثوريو المملة؛ لذا ذهب إلى الدوق وقال له: «الواجب قبل الصداقة! إنه ليَحزُنني أن أخذل صديقي فالنتاين، لكنك يا مولاي يجب أن يعلم أنه ينوي الهروب مع ابنتكم الليلة.» وتوسل إلى الدوق ألا يخبر فالنتاين بالشخص الذي أعطاه هذه المعلومة، وأكد له الدوق أنه لن يكشف عن اسمه.
في وقت مبكر من المساء، استدعى الدوق فالنتاين الذي جاء إليه وهو يرتدي معطفًا طويلًا ذا جيب مُنتفِخ.
قال الدوق: «هل تعلم برغبتي في تزويج ابنتي بالسير ثوريو؟»
رد فالنتاين: «نعم. إنه رجل فاضل وكريم، كما يليق برجل مبجَّل بشدة في نظركم يا مولاي.»
قال الدوق: «لكنها لا تحبه؛ فهي فتاة مشاكسة وعنيدة ومتمرِّدة، وأنا حزين أنني لن أترك لها بنسًا واحدًا. ولذا، فقد انتويت الزواج ثانيةً.»
انحنى له فالنتاين.
أضاف الدوق: «أنا لا أعرف كيف يتودَّد شباب اليوم إلى بعضهم، وأظن أنك ستكون الرجل المناسب الذي سيعلمني كيف أفوز بقلب السيدة التي أحبها.»
قال فالنتاين: «الجواهر معروف عنها أنَّ لها دورًا فعالًا في استمالة النساء.»
قال الدوق: «لقد جربتها.»
«إن حب المعطِي قد يُكتسب إذا أعطيتَها يا مولاي المزيد منها.»
استمر الدوق قائلًا: «إن العقبة الرئيسية هي أن هذه السيدة موعودة لشاب نبيل، ومن الصعب الحديث إليها. وهي في حقيقة الأمر مُحتجَزة في مكانٍ ما.»
قال فالنتاين: «إذن، يجب أن يُفكر جلالتكم في تهريبها. لتجرب سلمًا من الحبال.»
سأله الدوق: «لكن كيف لي أن أحمله؟»
قال فالنتاين: «هذا السلم خفيف ويُمكنك حمله في معطف طويل.»
«مثل معطفك؟»
«نعم، يا مولاي.»
«إذن، معطفك سيفي بالغرض. رجاءً، أقرِضني إياه.»
أوقع فالنتاين نفسه في مأزق. ولم يستطع أن يرفض إقراضه معطفه، وعندما لبسه الدوق، أخرج من الجيب رسالة مُغلَقة موجهة إلى سيلفيا. ففتحها بهدوء، وقرأ الكلمات الآتية: «سيلفيا، ستُصبحين حرة الليلة.»
قال: «إذن هذا هو الأمر، وهذا هو السلم المصنوع من الحبال. خطة رائعة لكنها ليست محكمة. أمهلك، يا سيدي، يومًا لمغادَرة بلادي. إن بقيت في ميلانو لهذا الوقت غدًا، فستموت.»
حزن فالنتاين المسكين بشدة. وقال: «إن لم أرَ سيلفيا يومًا، فذاك اليوم لا يحسب من عمري.»
وقبل أن يرحل، ودع بروتياس، الذي أثبت أنه منافق من الدرجة الأولى؛ إذ قال الخائن: «الأمل يُنعش مهجة العاشق، فحاول أن يغمر صدرك.»
بعد أن غادر فالنتاين وخادمه ميلانو، هاما في غابة بالقرب من مانتوا حيث كان يعيش الشاعر العظيم فرجيل. لكن في الغابة كان الشعراء (إن وجدوا) قُطَّاع طريق يطلبون من المسافرين التوقُّف. أطاعاهم، وترك فالنتاين انطباعًا جيدًا للغاية لدى خاطفيه لدرجة أنهم عرضوا عليه إبقاءه على قيد الحياة بشرط أن يصبح زعيمًا لهم.
قال فالنتاين: «أنا موافق بشرط أن تُطلقوا سراح خادمي وألا تتعاملوا بعنف مع النساء أو الفقراء.»
كان الرد نبيلًا بحيث حري بفرجيل أن يكتبه، وأصبح فالنتاين زعيم قطَّاع الطرق.
نعود الآن إلى جوليا التي وجدت فيرونا مكانًا كئيبًا للعيش منذ رحيل بروتياس. طلبت من خادمتها لوتشيتا أن تجد طريقة تستطيع بها رؤيته. ردَّت لوتشيتا: «من الأفضل أن تنتظريه حتَّى يعود.» وتكلَّمت بعقلانية شديدة لدرجة أن جوليا رأت أنه لا جدوى من أن تأمل أن تتحمَّل لوتشيتا عاقبة أي مغامَرة مُثيرة ومندفعة؛ لذا قالت إنها نوت الذهاب إلى ميلانو والتخفي في زي شاب.
قالت لوتشيتا: «يجب إذن أن تقصِّي شعرك.» وهو الأمر الذي ظنت أن جوليا عندما تسمعه، ستتراجع على الفور عن مسعاها.
الأنشودة الغزلية.
كان ردُّها المحبط للوتشيتا هو: «سأربط شعري وأعقده.»
ثم حاولت لوتشيتا أن تجعل خطة جوليا تبدو سخيفة بالنسبة إليها، لكن جوليا كانت قد حزمت أمرها وما كان ليثنيها عن عزمها أي سخرية، وعندما انتهت من تنكرها، بدت كشاب وسيم يُسرُّ المرء لرؤيته.
اتخذت الاسم الرجالي سيباستيان، ووصلت ميلانو في الوقت المناسب لتستمع إلى موسيقى تُعزف خارج قصر الدوق.
قال رجل لها: «إنهم يعزفون لحنًا غزليًّا للسيدة سيلفيا.»
فجأة، سمعت صوتًا يعلو بالغناء، وتعرَّفت على صاحبه. لقد كان صوت بروتياس. لكن ماذا كان يُغني؟
من هي سيلفيا هذه، من هي؟ حتى يُثني عليها الكل ويباهي. هي فتاة طاهرة عاقلة أمينة أسبغت عليها السماء نعمًا ثمينة من شأنها أن تزيدها سحرًا وإعجابًا.
[ترجمة أ. ر. مشاطي، وهي الترجمة التي اعتمدنا عليها في ترجمة الاقتباسات من هذه المسرحية]
حاولت جوليا ألا تسمع باقي الغناء، لكن هذَين البيتين دوَّيَا على نحو ما كالرعد في عقلها:
لنُنشِد إذن إكرامًا لسيلفيا فهي تفوق كل مخلوق كريم.
حينها، كان بروتياس يظن أن سيلفيا كانت تفوق جوليا جمالًا، ونظرًا لأنه كان يغني على نحو جميل للغاية، وذلك حتى يُسمع العالم بأسره، بدا أنه ليس فقط لم يحفظ عهده لجوليا، بل أيضًا قد نسيها. ومع ذلك، كانت جوليا لا تزال تحبه، بل هي حتى ذهبت إليه وطلبت منه أن تكون تابعًا له، ووافق بروتياس.
ذات يوم، أعطاها الخاتم الذي كانت قد أعطته إياه من قبل وقال: «سيباستيان، خذ هذا إلى السيدة سيلفيا وقل لها إنني أريد الصورة التي وعدَتْني بها.»
أحد الخارجين عن القانون.
كانت سيلفيا قد وعدت بروتياس بإعطائه صورتها، لكنها لم تكن تحبُّه. لقد كانت مجبرة على الحديث معه لأنه كان ذا مقام عالٍ لدى أبيها، الذي كان يظن أنه يحاول أن يجعلها تحب السير ثوريو. علمت سيلفيا من فالنتاين أن بروتياس قد تعهد بالإخلاص لفتاة جميلة في فيرونا، وعندما وجدته يحاول التودد إليها، شعرت بأنه خائن في الصداقة وكذلك في الحب.
حملت جوليا الخاتم إلى سيلفيا، لكن سيلفيا قالت: «لن أسيء إلى السيدة التي أعطته إياه بارتدائي له.»
قالت جوليا: «إنها تَشكُرك.»
قالت سيلفيا: «هل تعرفها، إذن؟» وتحدثت جوليا برقة شديدة عن نفسها لدرجة أن سيلفيا تمنَّت لو تزوَّج سيباستيان جوليا.
أعطت سيلفيا جوليا صورتها من أجل بروتياس، الذي كانت ستَصل إليه مشوَّهة بإدخال بعض التعديلات على الأنف والعينين لو لم ترَ جوليا أنها جميلة مثل سيلفيا.
وبعد وقت قصير، كان هناك جلَبة في القصر؛ إذ قد هربت سيلفيا.
كان الدوق متأكدًا من أنها كانت تنوي أن تلحق بفالنتاين المنفي، وقد كان على صواب.
على الفور بدأ الملاحقة بصحبة السير ثوريو وبروتياس وبعض الخدم.
تفرق الجمع الذي كان يقوم بالملاحقة، وكان بروتياس وجوليا (المتنكِّرة في زي شاب) بمفردهما عندما رأيا سيلفيا، التي كان يحتجزها بعض الخارجين عن القانون والذين كانوا يقتادونها لزعيمهم. أنقذها بروتياس من أيديهم، ثم قال: «لقد أنقذتكِ من الموت؛ فجُودي عليَّ بنظرة عطف.»
صاحت سيلفيا قائلةً: «يا لتعاستي أن تكون أنت من يُنجيني! فأنا أفضِّل على ذلك أن أقع بين أنياب أسد جائع.»
صمتَت جوليا لكنها كانت سعيدة. تَضايق بروتياس بشدة من سيلفيا لدرجة أنه هدَّدها وأمسكها من خصرها.
صاحت سيلفيا: «يا إلهي!»
في تلك اللحظة، كانت هناك ضَجة ناتجة عن طقطقة فروع الأشجار. فقد جاء فالنتاين مندفعًا عبر غابة مانتوا ليُنقِذ حبيبته. خشيت جوليا أن يقتل بروتياس، وأسرعت لإنقاذ حبيبها الخائن. لكنه لم يُوجِّه إليه أي ضربة، واكتفى بقوله: «بروتياس، أنا آسف لفقداني الثقة بك للأبد.»
حينئذٍ، شعر بروتياس بالذنب، وركع وقال: «اصفَح عني! أنا حزين جدًّا! وأتألم بشدة!»
قال فالنتاين الكريم: «إذن، لقد استعدتَ صداقتك لي مرة أخرى. إن تركتْني سيلفيا وأحبتك، فأعدُكَ أنني سأبتعد وأبارك حبكما.»
كانت تلك الكلمات صعبة على جوليا، مما جعلها تفقد الوعي. جعلها فالنتاين تستفيق وقال لها: «ماذا دهاك أيها الغلام؟»
كذبت جوليا قائلةً: «لقد تذكرت أنني كُلِّفتُ بإعطاء خاتم للسيدة سيلفيا، لكني لم أودِّ المهمة.»
قال بروتياس: «حسنًا، أعطِني إياه.»
أعطته خاتمًا، لكنه كان الخاتم الذي أعطاه جوليا قبل أن يُغادِر فيرونا.
نظر بروتياس إلى يدها، فتملَّكتْه دهشة شديدة.
قالت: «لقد غيَّرتُ هيئتي عندما غيرتَ أنت رأيك.»
قال: «لكنِّي لا أزال أحبك.»
فجأة، دخل أتباع فالنتاين من الخارجين عن القانون، وقد أحضروا معهم غنيمتَين؛ الدوق والسير ثوريو.
صاح فالنتاين بصرامة: «كفى! الدوق له قدسيته.»
قال السير ثوريو متعجبًا: «ها هي سيلفيا، حبيبتي.»
قال فالنتاين: «ابتعد وإلا أزهقت روحك.»
قال السير ثوريو: «سأكون مجنونًا لو غامرت بأي شيء من أجلها.»
قال الدوق: «إذن، أنت وضيع. فالنتاين، إنك رجل شجاع. وقد انتهت عقوبتك. وأنا أدعوك للعودة. وتستطيع الزواج من سيلفيا؛ فأنت تستحقها.»
قال فالنتاين، وهو متأثِّر بشدة: «أشكرك يا مولاي، لكني يجب أن أطلب منك معروفًا آخر.»
قال الدوق: «وأنا سأستجيب لطلبك.»
«اعفُ عن هؤلاء الرجال، يا مولاي، وأَعطِهم عملًا. فهم يستحقون أفضل مما هم فيه.»
قال الدوق: «عفوت عنهم وعنك. وسيكون عملهم منذئذٍ بأجر.»
سأله فالنتاين، مشيرًا إلى جوليا: «ما رأيك في هذا الغلام، يا مولاي؟»
ألقى الدوق نظرة عليها وقال: «أظنُّ أنه من أصل كريم.»
قال فالنتاين ضاحكًا: «إنه جدير بالتقدير أكثر من أي غلام سواه.» وكان العقاب الوحيد الذي كان على بروتياس أن يناله على خيانته للحب والصداقة هو سرد مغامرات جوليا أو سيباستيان الفيرونية في حضوره.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
العبرة بالخواتيم
هيلينا وبرترام.
في القرن الرابع عشر، كانت كونتيسة روسيون غير سعيدة في قصرها بالقرب من جبال البرانس. لقد فقدت زوجها واستدعى ملك فرنسا ابنها، برترام، إلى باريس، التي تقع على بُعدِ مئات الأميال منها.
كان برترام شابًّا وسيمًا ذا شعر مموج، وحاجبَين مقوسين على نحو رائع وعينين حادتين كالصقر. كان مغرورًا للغاية، وكان يستطيع الكذب بوجه بريء، يجعله يبدو وكأنه يقول الحقيقة ليصلَ إلى مأرب أناني. لكن الشاب الوسيم هو الشاب الوسيم، فقد وقعَت في غرامه هيلينا.
كانت هيلينا ابنة طبيب عظيم مات وهو في خدمة كونت روسيون. وكانت ثروتها الوحيدة تتمثل في القليل من وصفات أبيها الطبية.
عندما رحل برترام، لاحظت الكونتيسة نظرة هيلينا الحزينة، فأخبرتها بأن مكانتها لديها تناظر مكانة ابنها. فتجمَّعت الدموع في عينَي هيلينا؛ إذ شعرت أن الكونتيسة جعلت برترام يبدو مثل أخيها الذي لا يُمكنها أبدًا الزواج منه. خمَّنت الكونتيسة ما تُسِرُّه هيلينا على الفور، واعترفت هيلينا بأن برترام بالنسبة إليها كالشمس بالنسبة إلى النهار.
لكنَّها كانت تأمل في الفوز بتلك الشمس بالحصول على امتنان ملك فرنسا، الذي كان يعاني من مرض شديد، جعله يُصاب بالعرج. يئس الأطباء الكبار التابعون للبلاط من علاجه، لكن هيلينا كانت لديها ثقة في وصفة طبية كان أبوها قد استخدمها بنجاح.
أخذت هيلينا إذن الكونتيسة للذهاب إلى باريس فتمنَّت لها النجاح، وسُمح لها بالمثول أمام الملك.
كان الملك مهذبًا للغاية، لكن كان من الواضح أنه كان يظنها دجالة. قال لها: «لا يليق بي أن ألجأ إلى فتاة بسيطة للحصول على العلاج الذي لم يتمكَّن أكبر الأطباء علمًا من إعطائي إياه.»
قال هيلينا: «كثيرًا ما تستعين السماء بأضعف الوسائل.» وأعلنت أنها مستعدَّة لأن تفقد حياتها إن أخفقت في علاجه.
سألها الملك: «وإن نجحتِ؟»
«حينها سأطلب من جلالتكم تزويجي من الرجل الذي أختاره!»
لم يكن لملك مريض مُقاوَمة شابة شديدة الحماس كهذه للأبد. لذا، أصبحت هيلينا طبيبة الملك، وفي خلال يومَين اختفى عرج الملك.
استدعى الملك رجال بلاطه وأقاموا حفلًا كبيرًا في قاعة العرش في قصره. ربما كان من الممكن أن تَنبهِر الفتاة الريفية وهي ترى عشرات الأزواج الجديرين بأن تحلم بالزواج منهم من بين النبلاء الشباب الوسماء الموجودين أمامها، لكن عينَيها أخذت تتنقَّل بينهم حتى وجدت برترام. ثم ذهبت إليه وقالت: «لا أجرؤ على القول بأني أختارك، لكنَّني ملكٌ لك!» ورفعت صوتها حتى يستطيع الملك سماعه، وأضافت: «هذا هو الرجل الذي أريده.»
قال الملك: «برترام، خذها؛ إنها زوجتك!»
قال برترام: «زوجتي يا مولاي؟ إني ألتمس من جلالتكم أن تسمح لي باختيار زوجة.»
سأله الملك، الذي كان يُعامِل برترام كابن له: «ألا تعلم يا برترام ماذا صنعت لمولاك؟»
رد برترام: «بلى، يا مولاي، لكن لماذا يجب عليَّ الزواج من فتاة كان أبي يتولى تنشئتها إحسانًا منه؟»
قال الملك: «إن ما تَحتقره من شأنها مرده إلى أن ليس لديها لقب، وفي وسعي أن أهبها إياه.» وبينما كان ينظر إلى الشاب المتجِّهم، واتَتْه خاطرة، فقال: «غريب أنك تفكر كثيرًا في مسألة الأصل والدم عندما لا يمكنك التفريق بين دمك ودم شحاذ إذا رأيتهما ممتزجين معًا في إناء واحد.»
قال برترام مؤكدًا: «لا أستطيع أن أحبها!» وقالت هيلينا برقة: «لا تُلحَّ عليه، يا مولاي. أنا سعيدة لأني عالجت مولاي من أجل صالحِ بلدي.»
قال الملك: «إن شرفي يقتضي طاعة هذا الغلام المتكبر.» وأضاف: «برترام، فكر جيدًا في هذا الأمر. تزوج هذه الفتاة، التي أنت بها غير خليق، وإلا فأنت تعلم كيف يمكن أن يلفظ أي ملك أحدًا من عطفِه. ما جوابك؟»
انحنى برترام وقال: «لقد رفعت يا مولاي قدر هذه الفتاة باهتمامك بها. إني أستسلم.»
هيلينا والملك.
قال الملك: «خذ يدها وقل لها إنها صاحبتك.»
أطاعه برترام، وبعد بعض التأخير، تزوَّج هيلينا.
لكن الخوف من الملك لم يجعله يحبُّ زوجته. وقد ساعدت السخرية في شعوره بالمرارة. إن جنديًّا وضيعًا يُسمى باروليز قال له في وجهه إنه بما أنه قد أصبحت لديه زوجة الآن، فإن همه قد أصبح ليس القتال وإنما البقاء في المنزل. إن تلك السخرية قد جعلت برترام يشعر بأنه لم يعدْ يحتمِل أن تكون له زوجة، وأنه يجب عليه أن يذهب للقتال في إيطاليا، رغم أن الملك قد منعه من ذلك.
لذا، أمر هيلينا بوداع الملك والعودة إلى روسيون، معطيًا إياها خطابًا لنفسها وآخر لأمه. ثم رحل مودعًا إياها على نحو فاتر.
فتحت الخطاب الموجه إليها وقرأت ما يلي: «إذا استطعتِ أن تَظفري بالخاتم الذي في إصبعي، فلتُسمِّني يومئذ لك بعلًا، وإلا فلا إلى الأبد.»
لم تبكِ هيلينا عندما دخلت إلى حضرة الملك وودَّعته، لكنه لم يسرَّه حالها، وأعطاها خاتمًا من إصبعه قائلًا: «إذا أرسلت إليَّ هذا، فسأعرف أنك في مشكلة وسأساعدك على حلها.»
لم تُره خطاب برترام الذي وجهه لزوجته؛ فقد كان سيجعله يرغب في قتل الكونت المتغيِّب بدون إذن، لكنها عادت إلى روسيون وأعطت حماتها الخطاب الثاني. لقد كان هذا الخطاب قصيرًا ومريرًا. إنه يقول: «لقد هربت. وإذا كان هذا العالم واسعًا بما يكفي، فسأترك دائمًا مسافة شاسعة بيني وبينها.»
قالت الأرملة النبيلة للزوجة التي هجرها زوجها: «ابتهجي. لقد محَوتُ اسمه من دمي، وأنتِ الآن كل ولدي.»
لكن الكونتيسة الأرملة كانت لا تزال تعتبر نفسها أمًّا لبرترام لدرجة أنها كانت تلقي باللائمة من سلوكه على باروليز، الذي وصفته بأنه «رجل فاسد جدًّا.»
لم تَمكُث هيلينا طويلًا في روسيون. فارتدت زي الحجاج، ورحلت سرًّا إلى فلورنسا، تاركةً خطابًا لحماتها.
قراءة خطاب برترام.
وعندما دخلت تلك المدينة، سألت امرأة عن الطريق إلى دار إقامة الحجاج، لكن طلبت المرأة من «الحاجة المباركة» أن تُقيم معها.
وجدت هيلينا أن مضيفتها أرملة، وأن لها ابنة جميلة تُدعى ديانا.
عندما سمعت ديانا بأن هيلينا جاءت من فرنسا، قالت: «إن رجلًا من أهل بلدك، الكونت روسيون، قد أسدى معروفًا كبيرًا لفلورنسا.» لكن بعد بعض الوقت كان لدى ديانا شيء لتقوله لا يليق على الإطلاق بزوج هيلينا. لقد كان برترام يتودَّد إلى ديانا. إنه لم يُخفِ حقيقة أنه كان متزوِّجًا، لكن ديانا سمعت من باروليز أن زوجته لم تكن تستحق الانتباه لها.
كانت الأرملة حزينة من أجل ديانا، وقرَّرت هيلينا أن تخبرها بأنها كونتيسة روسيون.
قالت الأرملة: «لقد ظلَّ يُلحُّ عليها ليحصل على خصلة من شعرها.»
ابتسمت هيلينا بحزن؛ إذ كان شعرها رائعًا مثل ديانا وله نفس اللون. ثم واتتها فكرة فقالت لها: «خذي هذا الكيس المليء بالذهب لك. وسأعطي ديانا ثلاثة آلاف كرون إن هي ساعدتني في تنفيذ الخطة الآتية. دعيها تعدُ زوجي بأن تُعطيه خصلة من شعرها إن هو أعطاها الخاتم الذي يلبسه في إصبعه. إنه خاتم ورثه كابرًا عن كابر. لقد ارتداه خمسة من كونتات روسيون، ومع ذلك، سيتخلى عنه من أجل خصلة من شعر ابنتكِ. دعي ابنتَكِ تصرُّ على أنه يجب أن يقطع خصلة شعرها في غرفة مظلمة، ويتَّفقان مقدمًا على أنها لن تنطق حينها بكلمة واحدة.»
استمعت الأرملة لما تقوله هيلينا بانتباه، ومعها الكيس المليء بالذهب في حجرها. ثم قالت في النهاية: «أنا موافقة، إن وافقت ديانا.»
وافقت ديانا، ومن الغريب أن فكرة قطع خصلة من الشعر من فتاة صامتة في غرفة مظلمة كانت مقبولة جدًّا لبرترام لدرجة أنه أعطى ديانا خاتمه، وأخبرتْه بالموعد الذي سيَلحق فيه بها في الغرفة المظلمة. وفي الموعد المحدَّد، جاء بسكين حادة وشعر بأن وجهًا ناعمًا لامس وجهه وهو يقطع خصلة الشعر، وترك الغرفة وهو سعيد، كرجل يملؤه الفخر، وفي إصبعه خاتم أعطته إياه الفتاة التي كانت في الغرفة المظلمة.
كانت الحرب على وشك الانتهاء، لكن أحد فصولها الختامية جعل برترام يدرك أن الجندي الشديد الوقاحة الذي سخر من هيلينا كان أقل شجاعة بكثير من أي زوجة. كان باروليز مغرورًا جدًّا ومهتمًّا بشدة بهندام ملابسه لدرجة أن الجنود الفرنسيين احتالوا عليه ليكشفوا شخصيته. لقد فقد طبلته، وقال إنه سيستعيدها ما لم يُقتل في أثناء المحاولة. كانت محاولته واهنة جدًّا وأخذ يختلق قصة فشل بطولي، عندما أحيط به وجُرِّد من سلاحه.
قال شريف فرنسي: «بورتوتارتارروسا.»
قال باروليز في نفسه، وقد كان معصوب العينين: «ما تلك اللغة الغريبة؟»
قال شريف فرنسي، يلعب دور المترجم: «إنه يطلب لك آلة التعذيب. فماذا أنت قائل حتى لا نحتاج إليها؟»
رد باروليز: «كل ما يُمكن أن أقوله إن شككتموني كما تشكُّ الفطيرة.» وكان رجلًا على قدر كلمته. فقد أخبرهم بعدد أفراد كل كتيبة من الجيش الفلورنسي، كما رفَّه عنهم بأن سرد لهم حكايات مُثيرة عن الضباط الذين كانوا يرءسونه.
برترام كان موجودًا، وسمع خطابًا يُقرأ، يُخبر فيه باروليز ديانا بأن برترام كان أحمق.
قال شريف فرنسي: «هذا هو صديقك المخلص.»
قال برترام، الذي كان يمقُت الحيوانات الأليفة الحبيبة إلى قلوبنا: «إنه الآن لهر في عيني.»
جرى إخلاء سبيل باروليز في النهاية، لكنه منذئذ شعر وكأنه خائن وتخلَّى عن التفاخر بنفسه.
نعود الآن إلى فرنسا مع هيلينا، التي نشرت خبرًا بأنها ماتت، وهو ما وصل إلى كونتيسة روسيون الأرملة عن طريق لافو، وهو شريف كان يرغب في تزويج ابنته ماجدلين ببرترام.
حزن الملك على هيلينا، لكنه وافق على الزواج المقترح لبرترام، وزار روسيون حتى يتأكد من تحققه على أرض الواقع.
قال الملك: «إن ذنبه الكبير قد مات. دعوا برترام يقترب مني.»
انحنى برترام، الذي كان على وجنته ندبة، أمام مولاه، وقال إنه إن لم يكن يحبُّ ابنة لافو قبل زواجه من هيلينا، لكان سيثمن زوجته التي أصبح يُحبها الآن بعد فوات الأوان.
قال الملك: «الحب الذي يأتي متأخرًا يُغضب الرب. انس هيلينا الجميلة وأعطِ خاتمًا لماجدلين.»
أعطى برترام على الفور خاتمًا للافو، الذي قال في سخط: «هذا خاتم هيلينا.»
قال برترام: «إنه ليس خاتمها!»
هيلينا والأرملة.
حينئذٍ، طلب الملك أن يُلقي نظرة على الخاتم ثم قال: «هذا هو الخاتم الذي أعطيتُه لهيلينا وطلبت منها أن ترسله لي إن احتاجت في أي وقت للمساعدة. إذن، لقد أوتيتَ من الدهاء ما استطعت به أن تحرمها من أقوى وسيلة يمكن أن تمدها بالعون.»
أنكر برترام ثانية أن يكون الخاتم خاتم هيلينا، لكن حتى أمه قالت إنه خاتم هيلينا.
قال الملك متعجبًا: «إنك تكذب! اقبضوا عليه يا حراس!» لكن حتى بينما كانوا يقبضون عليه، أخذ برترام يتساءل كيف أصبح الخاتم، الذي كان يظن أن ديانا قد أعطته إياه، شبيهًا بشدة بخاتم هيلينا.
دخل رجل شريف، وطلب الإذن بتقديم التماس للملك. كان التماسًا موقعًا عليه من قبل ديانا كابيلت، وكان يرجو من الملك أن يأمر برترام بأن يتزوَّجها فقد هجرها بعد أن جعلها تحبه.
قال لافو: «إني لأوثر أن أشتريَ لابنتي زوجًا من السوق على أن أُزوِّج برترام ابنتي الآن.»
قال الملك: «ائتوني بصاحبة الالتماس.»
وجد برترام نفسه في مواجهة ديانا وأمها. أنكر أن يكون لديانا أي حق عليه وتحدث عنها كما لو أنها كانت تعيش حياة عابثة. لكنها سألته عن نوعية المرأة التي يمكن أن يعطيَها، كما حدث معها، خاتم أجداده غير الموجود الآن في إصبعه.
كان برترام حينئذٍ يريد أن تُخسَف به الأرض، لكن القدر احتفظ له بعطية عظيمة؛ فقد دخلت هيلينا.
سأل الملك: «هل ما أبصره حقًّا؟»
صاح برترام قائلًا: «أوه، المغفرة! الصفح!»
رفعت خاتمه الذي ورثه عن أجداده. ثم قالت: «والآن بعد أن ظفرتُ بهذا، هل ستُحبُّني يا برترام؟»
صاح قائلًا: «إلى نهاية حياتي.»
قال لافو: «إن عينيَّ تشعران بحرقة كمفعول البصل.» كانت دموعه من أجل هيلينا تترقَرَق فيهما.
أثنى الملك على ديانا، تلك الفتاة التي لم تكن شديدة الخجل، عندما أدرك على نحو تامٍّ معنى ما قامت به؛ فقد أرادت من أجل هيلينا أن تفضح وضاعة برترام، ليس فقط أمام الملك، وإنما أمام نفسه. لقد تحطَّم غروره تمامًا، ويعتقد أنه أصبح في النهاية زوجًا لا بأس به.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
كما تشاء
روزاليند وسيليا.
كان هناك دوق شرير يُسمى فريدريك، استولى على دوقية أخيه، ونفاه. نُفي أخوه إلى غابة أَردِن حيث عاش حياة ساكن الغابة الجريء، تمامًا كما فعل روبن هود في غابة شيروود قديمًا في إنجلترا.
بقيت ابنة الدوق المَنفي، روزاليند، مع سيليا، ابنة فريدريك، وأحبت إحداهما الأخرى أكثر من أغلب الأخوات. في أحد الأيام، كانت هناك مباراة للمصارعة في البلاط، وذهبت روزاليند وسيليا لمشاهدتها. كان شارل، المصارع الشهير، هناك، وكان قد قتل العديد من الرجال من قبل في مباريات من هذا النوع. كان أورلاندو، الشاب الصغير الذي كان شارل سيَتصارع معه، نحيفًا وصغير السن جدًّا لدرجة أن روزاليند وسيليا ظنًّا أنه سيُقتَل لا محالة في اللقاء، كما حدث مع الآخرين الذين صارعهم شارل من قبل؛ لذا، تحدَّثا إليه وطلَبا منه ألا يُحاول خوض غمار تلك المغامرة الخطرة للغاية؛ لكن كان التأثير الوحيد لتلك الكلمات هو جعله يتمنَّى أكثر أن يُبلي بلاءً حسنًا في اللقاء حتى يحوز على ثناء هاتين الفتاتَين الرقيقتَين.
حُرم أورلاندو، شأنه شأن والد روزاليند، من ميراثه الذي استَولى عليه أخوه، وشعر بحزن شديد بسبب قسوة أخيه لدرجة أنه، قبل أن يرى روزاليند، كان لا يأبه ما إن كان سيعيش أم يموت. لكن الآن كان مجرد النظر إلى روزاليند الجميلة يعطيه قوة وشجاعة لدرجة أنه قدَّم في مباراة المصارعة أداءً مثيرًا للإعجاب، وفي النهاية ألقى بشارل على الأرض وأوصله لدرجة أنه خرج محمولًا. أُعجب فريدريك بشجاعته وسأله عن اسمه.
قال الشاب: «اسمي أورلاندو، وأنا الابن الأصغر للسير رولان دي بوي.»
كان السير رولان دي بوي، عندما كان لا يزال على قيد الحياة، صديقًا حميمًا للدوق المَنفي، مما جعل فريدريك يأسف عندما علم اسم والد أورلاندو وما كان ليأخذه في حاشيتِه. لكن روزاليند فرحت عندما سمعت أن هذا الغريب الشاب الوسيم هو ابن صديق قديم لأبيها، وبينما كانت تَهمُّ بالخروج، التفتَت أكثر من مرة لتقول كلمات رقيقة أخيرة للشاب الشجاع.
قالت له، معطيةً إياه سلسلة كانت تُزيِّن رقبتها: «أيها النبيل، علِّق هذه تذكارًا مني. كنت سأُعطيك أكثر لو توافرَت لي الإمكانية.»
بدأت روزاليند وسيليا، عندما أصبَحتا بمفردهما، الحديثَ عن المُصارع الوسيم، وأقرَّت روزاليند بأنها أحبَّته من أول نظرة.
قالت لها سيليا: «هيا، هيا، قاومي مشاعركِ.»
ردت روزاليند: «لقد انحازت مشاعري نحو مصارع هو أقوى مني. انتبهي الدوق آتٍ.»
قالت سيليا: «أرى الغضب في عينيه.»
قال لروزاليند: «يجب أن تتركي هذا القصر على الفور.» سألته: «لماذا؟»
روزاليند تُعطي أورلاندو سلسلة تذكارًا.
رد عليها: «لا تسألي عن السبب. فأنتِ منفية. وستموتين إذا لم تَتجاوزي خلال عشرة أيام العشرين ميلًا من قَصري.»
لذا، ذهبت روزاليند لتبحث عن أبيها، الدوق المَنفي، في غابة أَردِن. كانت سيليا تحبُّها حبًّا شديدًا لدرجة أنها ما كانت لتتركها تذهب وحدها وقرَّرت الذهاب معها، وحيث إن هذه الرحلة كانت خطيرة جدًّا، ارتدَت روزاليند، نظرًا لأنها الأطول من بينهما، ملابس شاب ريفي، في حين ارتدت ابنة عمها ملابس فتاة ريفية، وقالت روزاليند إن اسمها سيكون جانيميد واسم سيليا ألينا. وعندما وصلا أخيرًا إلى غابة أردن، شعَرتا بتعبٍ شديد، وبينما كانتا تجلسان على العشب، مر بهما رجل ريفي، وسأله جانيميد إن كان بإمكانه أن يأتيَ لهما ببعض الطعام. أتى لهما ببعض الطعام، وأخبرهما أن منزل أحد الرعاة وماشيته معروضان للبيع. اشترياهما واستقرا كراعٍ وراعية في الغابة.
في تلك الأثناء، ونظرًا لأن أوليفر كان يسعى لقتل أخيه أورلاندو، فقد ذهب الأخير إلى تلك الغابة وأخذ يهيم على وجهه فيها، وهناك قابل الدوق الشرعي، الذي استقبله بحفاوة، مما جعله يبقى معه. والآن، كان أورلاندو لا يُفكِّر في شيء سوى روزاليند، وأخذ يتجوَّل في أنحاء الغابة ويَنحت اسمها على الأشجار، ويكتب قصائد حب ويُعلِّقها على الشجيرات، وقد وجدتْها روزاليند وسيليا. في أحد الأيام، قابلهما أورلاندو، لكنه لم يتعرَّف على روزاليند في ملابس الراعي التي كانت ترتديها، رغم أنه أُعجب بنَضارة وجمال هذا الراعي نظرًا لأنه رأى أن هناك تشابهًا بينه وبين من يحب.
قالت روزاليند: «هناك مُحبٌّ أحمق يتردَّد على هذه الغابة ويُعلِّق قصائد على الأشجار. لو كان لي أن أَلتقي به، فلسوف أشفيه من حمقِه.»
اعترف أورلاندو بأنه المُحب الأحمق، وقالت له روزاليند: «لو أتيت إليَّ ورأيتني كل يوم، فسأتظاهر بأنني روزاليند، وأُشاكسك وأفعل العكس، كما هي عادة النساء، حتى أتأكَّد من شعورك بالخزي من حماقتك بحبها.»
وهكذا، كان يذهب إلى منزلها كل يوم، ويستمتع بأن يقول لها كل الأشياء الجميلة التي كان ليقولها لروزاليند، وكانت هي تتملَّكها سعادة خفية ومبهجة من معرفة أن كلمات الحب خاصَّته تقع على آذان حبيبته. وهكذا، مرت أيام عديدة في هناء وسرور.
في صباح أحد الأيام، بينما كان أورلاندو ذاهبًا لزيارة جانيميد، رأى رجلًا نائمًا على الأرض، وكانت هناك لبؤة جاثمة في مكان قريب، بانتظار أن يستيقظ هذا الرجل؛ إذ يُقال إن اللبؤات لا تَفترس شيئًا ميتًا أو نائمًا. نظر أورلاندو إلى الرجل ورأى أنه أخوه الشرير، أوليفر، الذي حاول أن يقتله. صارع اللبؤة حتى قتَلَها، وأنقذ حياة أخيه.
بينما كان أورلاندو يُصارع اللبؤة، استيقظ أوليفر ليرى أخاه، الذي عامله معاملة سيئة للغاية، يُنقذه من وحش كاسر مخاطرًا بحياته. هذا جعله يندم على ما كان يفعله مع أخيه، ويطلب صفحه، ومنذ تلك اللحظة، صارا أخوين كلٌّ منهما قريبٌ من الآخر. لقد أصابت اللبؤة ذراع أورلاندو إصابة بالغة لدرجة أنه لم يستطع مواصلة المسير لرؤية صديقه الراعي، لذا، أرسل أخاه ليطلب من جانيميد أن يأتي هو لزيارته.
ذهب أوليفر وأخبر جانيميد وألينا بالقصة كاملةً، وأُعجبت ألينا بشدة برجولته التي تتجلَّى في قدرته على الاعتراف بأخطائه لدرجة أنها وقعَت في غرامه على الفور. لكن عندما سمعت جانيميد بالحالة التي كان عليها أورلاندو، فقدَتِ الوعي، وعندما استعادت وعيها، قالت على نحو مُحقٍّ بقدرٍ كافِ: «كان ينبغي لي أن أكون امرأة.»
عاد أوليفر إلى أخيه وأخبره بكل ما حدث، ثم أردف قائلًا: «أنا أحب ألينا لدرجة أنني سأتنازل لك عن كل ما ورثتُه من أبي وأتزوَّجها وأعيش معها هنا كراعٍ.»
رد عليه أورلاندو: «ليكن غدًا يوم العرس، وسأدعو إليه الدوق وأصدقاءه.»
عندما أخبر أورلاندو جانيميد كيف أن أخاه سيتزوَّج في اليوم التالي، أضاف: «أوه، كم هو قاسٍ أن يرى الإنسان السعادة بعيون سواه!»
جانيميد تفقد الوعي.
ردت روزاليند، وهي لا تزال تَرتدي ملابس جانيميد وتحتفظ بطريقة حديثه: «إذا كنت تحب روزاليند بحرارة، فإنك ستتزوَّجها، عندما يتزوج شقيقك من ألينا.»
في اليوم التالي، تجمع الدوق وأتباعه وأورلاندو وأوليفر وألينا معًا من أجل العُرس.
ثم جاءت جانيميد وقالت للدوق: «إذا أحضرتُ روزاليند إلى هنا، هل ستُعطيها أورلاندو الواقف هنا؟»
رد الدوق: «نعم، ولو كلَّفني ذلك أن أعطي معها ممالك بكاملها.»
فقالت لأورلاندو: «وأنت تقول بأنك ستتزوَّجها بمجرد أن أقدمها إليك؟»
رد قائلًا: «نعم، ولو أصبحتُ ملكًا على جميع الممالك.»
تركتهم روزاليند وسيليا، وارتدت روزاليند ملابسها النسائية الجميلة مرة أخرى، وبعد فترة، دخلت على الجَمع.
وجهت حديثها إلى أبيها قائلةً: «إليك أهبُ نفسي لأني لك.» قال الدوق: «إذا كانت عيناي لا تَخدعانني، فأنتِ ابنتي.»
ثم قالت لأورلاندو: «إليك أهب نفسي لأني لك.» فرد قائلًا: «إذا كانت عيناي لا تخدعانني، فأنتِ روزاليند.»
قالت مخاطبةً أباها: «لا أريد أن يكون لي أب سواك.» ثم قالت مخاطبةً أورلاندو: «لا أريد أن يكون لي زوج سواك!»
تزوج أورلاندو وروزاليند، وأوليفر وسيليا، وعاشوا في سعادة من ذلك الحين، وعادوا مع الدوق إلى دوقيته؛ إذ قد صادف فريدريك في طريقه إلى الغابة ناسكًا ورِعًا أوضح له مدى خبث أفعاله، فقرَّر أن يعيد لأخيه دوقيته وأن يذهب إلى أحد الأديرة ليطلب فيها من ربه المغفرة.
كان العُرس مبهجًا وأقيم في أرض فضاء في الغابة يكسوها العشب الأخضر. تزوج الراعي والراعية اللذان كانا صديقَين لروزاليند، عندما كانت مُتنكِّرة في زي راعٍ، في اليوم نفسه، وقد ساد جو رائع من المرح واللهو الصاخب، وهو الأمر الذي ما كان ليحدث في أي مكان سوى تلك الغابة الخضراء الجميلة.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
اقتباسات من أعمال شكسبير
الفعل
الأفعال أفصح من الأقوال، وعيون الجهلة أكثر علمًا من آذانهم.
«كوريلانس»، الفصل الثالث، المشهد الثاني [ترجمة جبر إبراهيم جبرا، بتصرف]
المِحَن
ما أحلى فوائد المحن! فهي مثل ضفدع بَغيض ومُسمَّم تعلو رأسه جوهرة ثمينة.
«كما تشاء»، الفصل الثاني، المشهد الأول [ترجمة ج. يونس، بتصرف]
ومن يخدمك غير راجٍ سوى نفعه، راكضًا حبًّا بالمنزلة، يهجرك إن تمطر الدنيا ويتركك وحدك في الزوبعة.
«الملك لير»، الفصل الثاني، المشهد الرابع [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، بتصرف]
عجبًا! عندما تجف الموارد التي تُغذِّي هذا الثناء، سيَختفي هذا الثناء. ما يأتي بسرعة، يذهب بسرعة، وهؤلاء الرجال سيَختفون مثل الذباب الذي يختفي عند رؤية سحابة شتوية.
«تيمون الأثيني»، الفصل الثاني، المشهد الثاني [ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
نصائح لابن يغادر المنزل
أمسك اللسان عن أفكارك ولا تنفذ فكرة لا تتناسب مع ظروفها. مع الناس لا تتكلَّف، وكذلك لا تبتذل. إذا امتحنتَ أصدقاءك، الذين اخترتهم، شدَّهم بأطواق من الصلب لنفسك، ولكن لا تبلد كفَّك بالترحيب بكل غرٍّ لم يزغب ولم يخرج بعد من بيضته. احذر الدخول في الشجار، ولكن إذا دخلته أحسن البلاء لكي يحذرك خصمك. أذنك أعرها لكل إنسان، أما صوتك فاقصره على القلة، خذ الرأي من كل فرد ولكن احتفظ بحكمك. أنفق وسعَ كيسِك على ثيابك، على ألا تغرب بها، ولتكن فاخرة لا صارخة، فالزيُّ كثيرًا ما يُفصح عن صاحبه، وذوو أرفع المراتب والمناصب في فرنسا الأخصُّون الأكرمون، أبرع الناس في ذلك. لا تُدِنْ ولا تَستدِن؛ فالدَّين كثيرًا ما يفقد نفسه والصديق، والاستدانة تفلُّ حد الاقتصاد. وهذا أذكره فوق كل شيء: كن صادقًا مع نفسك، وإذا فعلت، تلا ذلك، كالليل يتلوه النهار، أنك لن تكون كاذبًا مع أحد.
«هاملت»، الفصل الأول، المشهد الثالث [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا]
العمر
طريق حياتي يهبط بي إلى الذبول، إلى اصفرار أوراق الشجر. وما ينبغي أن يقترن بالشيخوخة من تكريم وحب وطاعة وأصدقاء كُثر عليَّ ألا أتوقعه، بل أتوقع عوضًا عنه اللعنات، لا جهورية بل عميقة، والتكريم الشفهي، والنفَس مما يودُّ القلب المسكين لو ينكره، ولا يجرؤ.
«ماكبث»، الفصل الخامس، المشهد الثالث [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا]
الطموح
الأحلام في الواقع هي الطموح، وما يحققه الطَّموح ليس إلا ظلًّا من حلم. والطموح في رأيي شيء هوائي وخفيف جدًّا؛ فهو ظل الظل، ليس إلا.
«هاملت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
أطالبك بأن تتخلَّى عن الطموح؛ فهذه هي الخطيئة التي جعلت الملائكة تطرد من الجنة؛ فكيف إذن للإنسان، المخلوق على صورة الرب، أن يأمل الحصول على أي شيء من خلاله؟ حِب نفسك أقل مما يفعل الآخرون، وأحب هؤلاء الذين يكرهونك. الغش لن يُكسبَك أي شيء أكثر من الأمانة. كن مستعدًّا دائمًا لإحلال السلام، وإسكات الأصوات الناقدة. كن عادلًا ولا تخَفْ شيئًا! واجعل هدفك الوحيد هو العمل من أجل صالح بلدك وربِّك والحق.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
الغضب
إن مثل الغضب مثل حصان يتوق للجري، والذي، إن سُمح له أن يفعل ما يُريده، فسيُنهك نفسه.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الأول، المشهد الأول
التكبر
للبعض وجوه راكدة منتفِخة كالبرك الآسنة الجهمة هم يفتعلون جهامتها حتى نتصور أنهم أهل حصافة أو أهل الحكمة والأفكار إن نظر إليك الواحد منهم كاد يقول: «أنا الوحي الجبار! وإذا نطقت شفتاي، فليصمت كل نباح!» إني أعرفهم يا أنطونيو! بالصمت يظن الناس بهم كل الحكمة أما إن فتحوا الأفواه، فويل للآذان! ولكشفوا عن حمق صارخ!
«تاجر البندقية»، الفصل الأول، المشهد الأول [ترجمة د. محمد عناني]
السلطة
أرأيت كلبَ فلاحٍ ينبح على شحاذ؟ والمخلوق يركض هربًا من الكلب؟ لك في ذلك أن ترى مثل السلطة العظيم: حتى الكلب في الوظيفة مطاع.
«الملك لير»، الفصل الرابع، المشهد السادس
لو تمكن العظماء أن يُرعدوا مثل جوبيتر، لما هدأ جوبيتر؛ إذ كل موظف بسيط سيملأ السماء رعدًا، لا شيء غير الرعد! أيتها السماء الشفوق، إنك توثرين باسمك الناري الباتر أن تفلقي شجرة البلوط الصلدة لا الآسة الرقيقة، ولكن الإنسان، الإنسان القاسي في جبروته التافه البغيض وجهله بما يجب أن يعرفه تمامًا — هشاشة روحه — يتلاعب كالقرد الساخط بالمكائد المغرية أمام الله في عليائه وهو ما قد تَنوحُ له الملائكة.
«الصاع بالصاع»، الفصل الثاني، المشهد الثاني [ترجمة د. زاخر غبريال، بتصرف]
الجمال
إن تلك اليد التي منحتْك الجمال منحتْك الخير أيضًا؛ فالخير الذي يفتقد الجمال، يجعل الجمال قليل الخير، ولكن الفضيلة، وهي قوام خلقِك، سوف تحفظ شكلها المادي جميلًا أبد الدهر.
«الصاع بالصاع»، الفصل الثالث، المشهد الأول
الفضل غير المقدَّر
لقد جُبل الناس على أن ما نملكه لا نعرف قيمته، ما دمنا ننعَم بمُتعتِه. فإذا انتُزع منا وفقدناه، عرفنا له يومئذ قَدره، وبدا لنا فضله وخطره، وكنا من قبل وهو في أيدينا بقيمته جاهلين.
«ضجة فارغة»، الفصل الرابع، المشهد الأول [ترجمة عباس حافظ]
المتباهون بأنفسهم
سيأتي يومٌ يبدو كل متفاخر بنفسه فيه حمارًا.
«العبرة بالخواتيم»، الفصل الرابع، المشهد الثالث [ترجمة عباس حافظ، بتصرف]
أولئك الذين لهم زئير الأسود وفعال الأرانب، أوَليسوا شياطين؟
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الثالث، المشهد الثاني [ترجمة د. عبد الحميد يونس]
الغيبة
لن تُنجَّي من المذمة ولو كنتِ عفيفة كالجليد، نقية كالثلج.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الأول
ما من قوي أو عظيم بين البشر بقادرٍ على أن يسلم من التجريح؛ فالتشهير — كطعنة الخلف — نصيب الفضيلة الناصعة. أي عاهل قوي يستطيع أن يلجم اللسان الذميم؟
«الصاع بالصاع»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
الرسميات
تلك الأشكال من الرسميات كانت تستهدف من الأساس إعطاء معنًى لأفعال بلا معنًى واجتماعات جوفاء وطيبة زائفة. من المحزن أن تُبدَى هنا حيث لا حاجة إليها في ظل وجود الصداقة الحقيقية.
«تيمون الأثيني»، الفصل الأول، المشهد الثاني
مواساة الآخرين
الناس ينصحون ويواسون في الخطوب التي لا يشعرون هم بها. فإذا ذاقوا مصابها، انقلبوا ثائرين، وكانوا من قبل يقدمون الحِكَم والمواعظ علاجًا من كربتها وما مثَلُهم في هذا إلا كمثَل من يُقيد المجنون الهائج بخيوط من حرير، ويزيل الألم بالنفخ فيه، ويعالج العذاب الأليم باللفظ. لا، لا؛ لقد جُبِل الناس جميعًا على التحدُّث عن الصبر إلى من ينوءون بحمل الأسى، ولكن هيهات لامرئ أن يكون لديه من الخلق والقوة بحيث يتقبَّل هذه النصائح إذا هو نفسه ذاق المصاب.
«ضجة فارغة»، الفصل الخامس، المشهد الأول
في وسع كل إنسان أن يتغلب على الألم إلا من يعانيه.
«ضجة فارغة»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
المقارنة
لم نرَ ضوء الشمعة إلا بعد غياب البدر! وهج المجد الأكبر يطمس ضوء الأصغر! فالنائب عن ملك ما يسطع نورًا مثل ملوك الأرض فإذا جاء الملك ومر، فقَد النائب سحر المظهر، وكذلك الرافد يتلاشى في النهر الأكبر!
«تاجر البندقية»، الفصل الخامس، المشهد الأول
التأمل
هكذا يجعل التأمل منا جُبَناء جميعًا، وما في العزم من لون أصيل يكتسي بصفرة عليلة من التوجس والقلق، ومشاريع الوزن والشأن ينثني مجراها اعوجاجًا بذلك، وتفقد اسم الفعل والتنفيذ.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الأول
الاكتفاء
تاجي في أعماق قلبي، وليس على رأسي. وهو غير محلًّى بالماسات، ولا بالأحجار الهندية الكريمة، وهو غير ظاهر للعيان. تاجي أنا يُدعى «الاكتفاء»؛ وهو تاج قلَّما يحصل عليه الملوك.
«الملك هنري السادس، الجزء الثالث»، الفصل الثالث، المشهد الأول [ترجمة أ. ر. مشاطي]
النزاع
هل يتسنَّى للعديد من الأناس أي وفاق في بيت واحد وهم تحت إمرتَين اثنتين؟
«الملك لير»، الفصل الثاني، المشهد الرابع
عندما تقام سلطتان معًا، لا تعلو إحداهما الأخرى، ما أسرع ما تقحم الفوضى نفسها في الشق بين الاثنتَين، لضرب واحدة بالأخرى.
«كوريلانس»، الفصل الثالث، المشهد الأول
الرضا
أفضل أن أكون من أصل مُتواضِع، وأتجول في سعادة مع غيري من البسطاء عن أن ألبس ملابس زاهية لكن أكون حزينًا، كما لو كنت أرتدي حزنًا مصنوعًا من الذهب.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
الجبناء
إن الجبناء يموتون مرارًا قبل آجالهم، أما الشجعان فلا يذوقون الموت إلا مرة واحدة.
«يوليوس قيصر»، الفصل الثاني، المشهد الثاني [ترجمة محمد السباعي]
العرف
العرف وحش يلتهم كل حساسية وهو الشيطان من كل عادة، لكنه أيضًا ملاك في أنه يعير الفعل الجميل الحميد أيضًا رداءً ولبوسًا ملائمًا. امتنعي الليلة، يُضف ذاك شيئًا من اليسر إلى الإحجام في المرة المقبلة. ثم يسهل الإحجام التالي. لأن العادة تكاد يكون بوسعها تبديل وسم الطبيعة، فإما أن تَحذِق فعل الشيطان، أو تُلقيَ به خارجًا بعزم عجيب.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
إنه عرف أجمل به أن يهمل من أن يُتبع.
«هاملت»، الفصل الأول، المشهد الرابع
الموت
الملوك والزعماء العظماء لا بد لهم هم أيضًا من أن يشربوا كأس المنية؛ لأن هذه نهاية التعاسة الإنسانية.
«الملك هنري السادس، الجزء الأول»، الفصل الثالث، المشهد الثاني [ترجمة أ. ر. مشاطي]
إن من بين ما سمعت به من العجائب لم أرَ قطُّ أعجب ولا أغرب من استيلاء الخوف على الرجال من الموت؛ فإن الممات وهو الغاية المحتومة والنهاية المقدرة المحمومة لا بدَّ متى آن أن يأتي.
«يوليوس قيصر»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
إن الخوف من أمرٍ قد يلي الموت، يجعلنا نؤثر تحمل المكروه الذي نعرفه، على الهرب منه إلى المكروه الذي لا نعرفه.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الأول
إن أسوأ ما في الموت هو انتظاره.
«الصاع بالصاع»، الفصل الثالث، المشهد الأول
إن الدواء قد يطيل من أمد الحياة غير أن الموت سيقضي على الطبيب كذلك.
«سيمبلين»، الفصل الخامس، المشهد الخامس [ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة، بتصرف]
الخداع
يستطيع الشيطان أن يستشهد بالتوراة تبريرًا لفعله! إن الذي يُردِّد الآيات والقلب خبيث كمثل مجرم تُزين وجهه ابتسامة! تفاحة جميلة وقلبها عَفِن! أوه، أنعم به من مظهر يُخفي أثيم المخبَر!
«تاجر البندقية»، الفصل الأول، المشهد الثالث
الأفعال
ما من فعل آثم إلا وسيبدو، مهما احتجب، ولو غمرته الدنيا بأجمعها عن أعين الناس.
«هاملت»، الفصل الأول، المشهد الثاني
وكم من مرة كانت رؤية الوسائل التي تُعين على فعل الشر مُغريةً بارتكابه!
«الملك جون»، الفصل الرابع، المشهد الثاني [ترجمة د. محمد عوض محمد]
التسويف
إن ما نَبغي فعله يجب فعله عندما نبغي؛ لأن «نبغي» هذه تتبدل، ويعتريها من النقص والتسويف بقدر ما هنالك من ألسن وأيدٍ وصدف. وعندها نرى أن «يجب» أشبه بزفرة مضنية تُروِّح عن النفس ولكنَّها تؤذِي الجسد.
«هاملت»، الفصل الرابع، المشهد السابع
التضليل
أستحلفك بنعمة الله ألا تطليَ الروح منك بذلك البلسم المداهن لئلا ينسغ غشاوةً على الموضع المقروح بينما الفساد الخبيث يعبث في داخله ويَستفحِل الداء غير مرئي.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
الفطنة
لنعلم أنفسنا ضبط النفس الشريف هذا؛ فلا نغلب العبث على الفطنة.
«عطيل»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
الشكوك والمخاوف
إني محشور، محصور، محتبس، تُكبِّلُني لجوجُ المخاوف والشكوك.
«ماكبث»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
الإفراط
الإفراط الذي لا حدَّ له، طغيان في طبيعة المرء، وهو كثيرًا ما سبَّب فراغ العرش السعيد قبل أوانه، وسقوط العديد من الملوك.
«ماكبث»، الفصل الرابع، المشهد الثالث
الواجب تجاه أنفسنا والآخرين
أحببِ الجميع، ولا تَثِقْ إلا بالقليل، ولا تظلم أحدًا. ولْتكن لك مثل قدرة عدوك، ولكن اجعلْ قدرتك عليه بأسًا وسلطانًا، ولا تستخدمْها في إيذائه، وقدِّر أصدقاءك كما تقدر حياتك. ولأنْ تُعاب على الصمت خير لك من أن تُعاب على الكلام.
«العبرة بالخواتيم»، الفصل الأول، المشهد الأول
المراوغة
ولكن لستُ أحب أن أسمع «ولكن»؛ فهي تُفسد ما تُقدِّم من بشرى. سحقًا لهذه الكلمة «ولكن». إنها تُشبه السجَّان الذي يفتح الأبواب ليُفرج عن مجرم أثيم.
«أنطونيو وكليوباترا»، الفصل الأول، المشهد الأول [ترجمة د. لويس عوض]
الإسراف
التُّخمة بأحلى الأطعمة تثير في المعدة أعمق كراهية لها!
«حلم ليلة منتصف صيف»، الفصل الثاني، المشهد الثاني [ترجمة د. محمد عناني]
كل كأس إذا تجاوزتُ الحد، فقدت البركة، وكان مُحتواها الشيطان.
«عطيل»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
الخداع
الخداع والجبن وحقارة الأصل هي القبائح الثلاث التي تكرهها المرأة بشدة.
«نبيلان من فيرونا»، الفصل الثالث، المشهد الثاني [ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
الخوف
الخوف يولِّد الفوضى، والفوضى تؤذي الشيء الذي من المفترَض أن تَحميه.
«الملك هنري السادس، الجزء الثاني»، الفصل الخامس، المشهد الثاني [ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
الخوف معناه الموت؛ وهذا هو أسوأ ما يُمكن أن يحدث في المعركة. لكن القتال ثم الموت طريقة للانتصار على الموت؛ أما الخوف ثم الموت، فهذا سيُعطي الغلبة للموت.
«الملك ريتشارد الثاني»، الفصل الثالث، المشهد الثاني [ترجمة د. محمد عناني]
الولائم
القليل من الطعام والكثير من الترحيب يخلقان وليمة سعيدة.
«كوميديا الأخطاء»، الفصل الثالث، المشهد الأول
عقوق الأبناء للآباء
أيها العقوق، يا شيطانًا قلبه من رخام، لأقبح من وحش البحر أنت حين تتبدى في ولد إزاء أبيه.
«الملك لير»، الفصل الأول، المشهد الرابع
إن للولد العاق فعلًا أمضى من أنياب أفعى.
«الملك لير»، الفصل الأول، المشهد الرابع
التخطيط
صمم على نهج ما ولا تَعرِض نفسك لكل صدفة هوجاء تلوح في الطريق أمامك.
«كوريلانس»، الفصل الرابع، المشهد الأول
الجَلَد
لا تحنِي رأسكِ تحت نِير الحظ العاثر، بل رفرفي بأجنحة روحك المنتصِرة فوق كل الويلات.
«الملك هنري السادس، الجزء الثالث»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
الحظ
إن الحظ، حين يُضمِر أعظم الخير للناس، يحدق فيهم بعين ملؤها التهديد والوعيد.
«الملك جون»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
العظمة
الوداع! الوداع لكل عظمتي! هذا هو حال البشر: اليوم يكون الإنسان مليئًا بالأمل، مثل نبات يُنتِج أوراقه الناعمة الأولى، وفي اليوم التالي، يزدهر ويعلوه الفخر. وفي اليوم الثالث، تأتي موجة صقيع، موجة صقيع قاتلة، وعندما يظن الرجل الواثق أن عظَمتَه حاضرة بالفعل، تقتل موجة الصقيع جذره ويسقط، مثلما أفعل.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
البعض يولد عظيمًا، والبعض الآخر يُحقِّق العظمة بنفسه، والبعض تُفرض العظمة عليه فرضًا.
«الليلة الثانية عشرة»، الفصل الثاني، المشهد الخامس
السعادة
كم هو قاسٍ أن يرى الإنسان السعادة بعينَي سواه.
«كما تشاء»، الفصل الخامس، المشهد الثاني
الشرف
الرجل الشريف يستطيع أن يُدافع عن نفسه، أما الوغد، فلا.
«الملك هنري الرابع، الجزء الثاني»، الفصل الخامس، المشهد الأول [ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
الشريف، في هذه الدنيا على ما هي عليه، واحد بين عشرة آلاف.
«هاملت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
النفاق
إن الشياطين الأكثر إغواء يشبهون ملائكة النور.
«الحب مجهود ضائع»، الفصل الرابع، المشهد الثالث [ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
إن المرء قد يهش ويبش وهو نذل.
«هاملت»، الفصل الأول، المشهد الخامس
البراءة
أنا أثق فقط في براءتي، وهذا ما يجعلني شجاعًا وقوي العزيمة.
«الملك هنري السادس، الجزء الثاني»، الفصل الرابع، المشهد الرابع
التلميح
إن هز الكتفين أو التمتمة للنفس من الوسائل التي يستخدمها الاغتياب لأن الاغتياب يقع فقط على من هو صالح. إن هز الكتفين والتمتمة بعد أن تقول: «إنها جميلة» يمنعانك من أن تقول: «إنها صالحة».
«حكاية الشتاء»، الفصل الثاني، المشهد الأول
الغيرة
فللغيران تكون الطفائف الخفيفة خفَّة الهواء أدلة دامغة كبراهين الكتب المقدسة.
«عطيل»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
احذر الغيرة! إنها الوحش الأخضر العينين الذي يهزأ من الطعام الذي يفترسه.
المصدر السابق
المزحة
إن نجاح أي مزحة كامن في أذن سامعها، لا في اللسان الذي يُطلقها.
«الحب مجهود ضائع»، الفصل الخامس، المشهد الثاني
من السهل على مَن لم يذُق طعم الجراح أن يسخر من الندوب!
«روميو وجولييت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني [ترجمة د. محمد عناني]
القضاء
الرب فوق الجميع؛ إنه قاضٍ لا يُمكن لأي ملك أن يُفسده.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الثالث، المشهد الأول
الحياة
ما الحياة إلا ظل يمشي، ممثل مسكين يتبختر ويستشيط ساعته على المسرح، ثم لا يسمعه أحد: إنها حكاية يحيكها معتوه، ملؤها الصخب والعنف، ولا تعني أي شيء.
«ماكبث»، الفصل الخامس، المشهد الخامس
نحن من نفس المادة التي تصنع منها الأحلام، وحياتنا القصيرة يُغلفها النعاس.
«العاصفة»، الفصل الرابع، المشهد الأول
الحب
يُمكن للقاتل أن يخفي جريمته أطول مما يمكن لشخص محب أن يخفي حبه؛ فالحب واضح لا يُمكن إخفاؤه.
«الليلة الثانية عشرة»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
الحب الرقيق، حين ينسلِخ عن طبعه، يتحول إلى كراهية مريرة ومهلكة.
«الملك ريتشارد الثاني»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
إن المحبة متى بدأت تَضمحلُّ وتبلى، استشعرت التصنُّع والتكلُّف.
«يوليوس قيصر»، الفصل الرابع، المشهد الثاني
الحب الصادق لم يعرف الطريق اليسير المُمهَّد.
«حلم ليلة منتصف صيف»، الفصل الأول، المشهد الأول
العاشق يُبصِر لا بالعين ولكن بالذِّهن.
المصدر السابق
إنها لم تَبُح له أبدًا بحبها، وكتمت حبها بداخلها حتى دمَّرها، وأذهب جمالها. لقد ذبلت، وأخذت تَجلِس تَبتسِم لأساها كتمثال للصبر وقد تحوَّل لون بشرتها للون الأخضر من الحزن. ألم يكن هذا حبًّا حقيقيًّا؟
«الليلة الثانية عشرة»، الفصل الثاني، المشهد الرابع
لكن الحب كفيف البصر ولا يُبصر أهل الحب أحابيل الحب البلهاء!
«تاجر البندقية»، الفصل الثاني، المشهد السادس
الإنسان
والإنسان ما أروع صنعه! ما أنبله عقلًا، وما أقصى حدود قدرته ومواهبه! في الشكل والحركة ما ألبقه وما أروعه! في العمل ما أشبهه بالملائكة! في الإدراك ما أشبهه بالآلهة! إنه زينة الدنيا ومَثَل الحيوانات الأكمل.
«هاملت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
الرحمة
ليس في الرحمة إلزام وقهر! إنها كالغيث ينهلُّ رقيقًا من سماه دونما نهي وأمر! بوركت تلك الفضيلة مرتَين: إنها تبارك الرحيم مثلما تبارك المُسترحِم! وهي أزكى ما تكون إن أتت عن مَقدِرة بل أزهى من عروش الملك والتيجان! إن يكن في الصولجان البطش أو ملك الزمان إن يكن رمز المهابة والجلال مكمن الرهبة والخوف من السلطان فهي أسمى من جلال الصولجان: عرشها في الصدر في قلب الملوك الرحماء! يعرف الخلق بأن الرحمة من صفات الله وهي إن حفَّت مسار العدل قربت بين حكم الأرض والسماء! اعتبر بما أقول: إن مجرى العدل وحده ليس يُنجي من عذاب الآخرة ولذا نطلب في كل صلاة رحمة من الإله! بل تعلمنا الصلاة كيف نرحم!
«تاجر البندقية»، الفصل الرابع، المشهد الأول
الفضل
من ذا يجرُؤ أن يخدع قدره ليحوز شرفًا ليس هو أهل له! بل من ذا يقدر أن يحمل نوط المجد بلا حق فيه!
«تاجر البندقية»، الفصل الثاني، المشهد التاسع
التواضع
إن إنكار المرء لفضله ودعواه الجهل بأحسن ما فيه، لهما دائمًا خير برهان على عِظَم شأنه، وجلال قدره.
«ضجة فارغة»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
الصراع الأخلاقي
أيها الفاتحون البواسل! أنتم تُكافِحون شهواتِكم وتُحارِبون جيش رغباتكم الرهيب في هذا العالم.
«الحب مجهود ضائع»، الفصل الخامس، المشهد الثاني
القتل
إن ملك الملوك الأكبر قد أمر، في لَوح شريعته، ألا ترتكبوا جريمة القتل. حذارِ فإن الانتقام في يديه يَصبُّه على رءوس من يُخالِفون شريعته.
«الملك ريتشارد الثالث»، الفصل الأول، المشهد الرابع [ترجمة د. عبد القادر القط]
إن الدم يصرُخ طلبًا للثأر، مثل دماء هابيل الذي قدم قربانًا قبلَه الله، من كهوف الأجداث دون لسان.
«الملك ريتشارد الثاني»، الفصل الأول، المشهد الأول
الموسيقى
من لا يحمِل بين جوانحه الموسيقى أو لا يتأثر بالأصوات المتوافِقة العذبة لا يربأ أن يرتكب خيانة أو يمكر أو يتآمر أو يسلب أو ينهب! جيَشان الروح لديه خمد شأن الليل الأبهم ومشاعرُه ظلماء مثل القبو المُعتِم! لا تولي أيًّا منهم ثقتك.
«تاجر البندقية»، الفصل الخامس، المشهد الأول
الأسماء
ليس للأسماء معنًى! فالذي ندعوه وَردًا ينشر العطر وإن غيَّرتَ اسمه.
«روميو وجولييت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
إن حسنَ السُّمعة في الرجل والمرأة هو جوهرة الروح المباشرة: من يسرق محفظتي يسرق نفايةً مني؛ هذا الشيء، لا شيء. كانت لي وهي له وكانت عبدًا للألوف. أما من يختلس مني حسن سمعتي، فإنه ينهب مني ما لن يُغنيه، ولكنه حقًّا يُفقرني.
«عطيل»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
الطبيعة
إن لمسةً واحدة من الطبيعة تربط العالم برباط القرابة.
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
الأنباء، الجيد والسيئ منها
النبأ السيئ أمانة في عنق حامله، ولكنه بغيض على كل من يتلقاه. فليحمل البشرى ألف لسان، أما النبأ السيئ، فليُعلِن عن نفسه حين نحس وقعه.
«أنطونيو وكليوباترا»، الفصل الثاني، المشهد الخامس
المنصب
إنها لعنة الخدمة؛ لا تَجري الترقية إلا بالمحاباة والوساطة، لا بتدرُّج القدم؛ حيث يكون كل ثانٍ خلفًا للأول.
«عطيل»، الفصل الأول، المشهد الأول
الفرصة
من أراد شيئًا ولم يأخذه عندما توفَّر له، لن يحصل على هذه الفرصة مرة ثانية.
«أنطونيو وكليوباترا»، الفصل الثاني، المشهد السابع
إن الإنسان في مجرى حياته قد يصادف الفرصة السعيدة، فإذا اغتنم الفرصة واندفع في تيار ذلك الفيض، أفضت به إلى النجاح. أما إذا تلكأ ففاتته الفرصة، راحت سفينته تتعثر به فأوقعته في كربة ومحنة. فعلينا أن نجري مع التيار الذي أتيح لنا، وإلا أضعنا ثروتنا وخسرنا متاعنا.
«يوليوس قيصر»، الفصل الرابع، المشهد الثالث
القهر
لا تهاجم أحدًا وهو في موقف ضعف! هذا ليس عملًا صالحًا. إنَّ أخطاءه سيُعاقَب عليها بالقانون؛ فدع القانون يعاقبه وليس أنت.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
الماضي والمستقبل
اللعنات على أفكار الرجال! فقط الماضي والمستقبل يبدوان الأفضل بالنسبة إليهم؛ أما الحاضر، فيبغضونه.
«الملك هنري الرابع، الجزء الثاني»، الفصل الأول، المشهد الثالث
الصبر
ما أفقر الذين لا يصبرون! هل من جرح يلتئم إلا بالتدريج؟
«عطيل»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
السلام
السلام انتصار من نوع ما؛ فكلا الفريقَين سيتوقفان عن القتال بنبل، ولن يسقط منهما أي ضحية.
«الملك هنري الرابع، الجزء الثاني»، الفصل الرابع، المشهد الثاني
سأدخل وغصن الزيتون مشدودٌ إلى سيفي. أود أن تفضي الحرب إلى السلام الدائم، وأن يُلجِم الأمان فظائع الحرب، على أن يكون الأول علاجًا شافيًا من ويلات الثانية.
«تيمون الأثيني»، الفصل الخامس، المشهد الخامس
أنا أعرف نفسي الآن، وأشعر أن بداخلي سلامًا أهم من كل الأمجاد الدنيوية؛ فضميري راضٍ ومطمئن.
«الملك هنري الثامن»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
التوبة
من لا يردعه الندم ليس من أهل السماء ولا الأرض؛ فالندم كافٍ لإرضائهما؛ إن التوبة تُخفِّف غضب الرب.
«نبيلان من فيرونا»، الفصل الخامس، المشهد الرابع
الممثلون
ما العالم إلا مسرح وكل الناس فيه ممثلون؛ كل واحد فيه، يدخل إليه ويخرج منه، ويلعب فيه طوال حياته أدوارًا مختلفة.
«كما تشاء»، الفصل الثاني، المشهد السابع
لقد رأيت مُمثِّلين يُمثِّلون ويُمدحون أرفع المدح، ولكنهم، ولا أريد القذع في القول، لا ينطقون نطق البشر، وليست مشيتهم بمشية المؤمنين ولا الكافرين، يتبخترون ويزعقون، حتى حسبتُ أن أُجراء الطبيعة يصنعون البشر، فلا يُحسنون الصنع، لسوء ما يقلدون الإنسانية.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
الأبهة
أين الأبهة والعظمة؟ أين السلطة والنفوذ؟ كلها أضحت ترابًا تدوسه الأرجل. فمهما كانت الحياة مرفهة عزيزة، لا بد للإنسان يومًا أن يموت.
«الملك هنري السادس، الجزء الثالث»، الفصل الخامس، المشهد الثاني
المبدأ والممارسة
لو كان العمل بما فيه الخير يسيرًا مثل العلم به، لكفى أصغر معبد عن بعض كنائسنا الفخمة، ولأغنى كوخ فقير عن صرح أمير! والواعظ حقًّا من يتبع الوعظ! والأيسر لي أن أنصح عشرين بفعل الخير من أن أصبح منهم كي أعمل بالنصح، والذهن يشرِّع للنفس شرائع باردة يُفلت من قبضتها الطبع الفائر وجنون صبانا، وثاب يفلت من أشراك النصح المقعَد كالأرنب من شرك الصياد!
«تاجر البندقية»، الفصل الأول، المشهد الثاني
الأمراء والألقاب
ليس يملِك الأمراء من مجد إلا ألقابهم، وليس لهم لقاء ما يجدون في نفوسهم من شقاء إلا مظاهر الشرف. وهم في سعيهم وراء السعادة، التي لا ينعمون بها، لا يلقَون، في كثير من الأحوال، إلا حشدًا من الهموم المُضنية: فهم بألقابهم لا يفترقون عن العامة، إلا بما لهم من مظاهر المجد.
«الملك ريتشارد الثالث»، الفصل الأول، المشهد الرابع
المعركة
لا كرامة ولا منَّة في معركة ظالمة.
«ضجة فارغة»، الفصل الخامس، المشهد الأول
يكون الشخص محميًّا بأصلب الدروع ما دامت قضيته عادلة، وأما من يلطخ ضميره بالظلم، فهو في الواقع مجرد من أي درع، وإن كان مسلحًا بصفائح من الفولاذ.
«الملك هنري السادس، الجزء الثاني»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
السخط
الرجال في سخطهم قد يضربون من هم أعزاء عليهم.
«عطيل»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
الندم
سيظل الناس يتصرفون أحيانًا في غير حكمة ثم يندمون بعد حين على ما فعلوا.
«الملك ريتشارد الثالث»، الفصل الرابع، المشهد الرابع
السمعة
إن أثمن وأصفى الكنوز في هذا الزمان الفاني سمعة نقية لا تَشوبُها البقع. فإذا ضاعت السمعة، أصبح الإنسان دمية مذهبة أو صلصالًا ملونًا. والروح الجسور في صدر المخلص الأمين درة ثمينة في صندوق ضُوعِفَت أقفاله عشرة أضعاف.
«الملك ريتشارد الثاني»، الفصل الأول، المشهد الأول
العقاب
عادلة هي الآلهة، وهي من لذيذ معاصينا تصنع أدوات لعذابنا.
«الملك لير»، الفصل الخامس، المشهد الثالث
فإذا كان هؤلاء القوم عبثوا بالقانون وأمكنهم أن ينجوا من عقاب بلادهم، فإنهم، وإن أفلتوا من الناس، ليس لهم أجنحة يفرون بها من الله.
«الملك هنري الخامس»، الفصل الرابع، المشهد الأول [ترجمة د. محمد عوض محمد]
الجروح
إن الجرح الذي ينال بنبل، أو الجرح النبيل، ميسم الشرف.
«العبرة بالخواتيم»، الفصل الرابع، المشهد الخامس
إن الذين يتفاخرون بالكشف عن جروحهم يستحقون السخرية.
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الرابع، المشهد الخامس
الانتصار على الذات
أعظم فوز تستطيع أن تظفر به الآن هو أن تجعل من نزعاتك الصالحة الشريفة سلاحًا تقهر به تلك النزوات الجامحة.
«الملك جون»، الفصل الثالث، المشهد الأول
الاجتهاد
إن الرجال ليكونون أحيانًا مُلَّاكَ حظوظهم يُصرِّفونها كما شاءوا. لا ملام على نجومنا ولا جناح؛ إنما علينا اللوم والتثريب.
«يوليوس قيصر»، الفصل الأول، المشهد الثاني
الاعتماد على الذات
إن دواءنا كثيرًا ما يأتي من أنفسنا، وإن عزوناه إلى السماء أحيانًا؛ إن السماء التي يُقال إنها تتصرف في أقدارنا قد أتاحت لنا المجال واسعًا حرًّا، فلا تردنا عما نبغي من خطط متراخية، إلى حين تجدنا فاترين.
«العبرة بالخواتيم»، الفصل الأول، المشهد الأول
الصمت
إنني رأيت في صمتهم ترحيبًا بي، وقرأت في أدبهم وخوفهم أمامي مثل ما اعتدتُ سماعه من ألسنة الثرثارين أرباب الفصاحة البذيئة الصفيقة.
«حلم ليلة منتصف صيف»، الفصل الخامس، المشهد الأول
إن صمت البراءة الخالصة يُمكن أحيانًا أن يقنع عندما يفشل الكلام في ذلك.
«حكاية الشتاء»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
الصمت أكمل بشائر الفرح؛ ولو وصفت مقدار سعادتي، لأنقصت منها.
«ضجة فارغة»، الفصل الثاني، المشهد الأول
الاغتياب
للاغتياب حدٌّ قاطع أكثر من حد السيف، ولسان أفظع من جميع تماسيح النيل وصوت أعتى من الرياح والذي ينشر الأكاذيب لجميع أنحاء العالم. إنه يصلُ إلى الملوك والملكات والنبلاء والعذارى والزوجات، لا، وحتى يتسلَّل إلى أعماق القبور لينشر الأكاذيب عن الموتى.
«سيمبلين»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
النوم
النوم البريء، النوم الذي يحوك قماشة الهم المنتسلة موت حياة كل يوم، حمَّام الجهد الأليم، بلسم الأذهان في أذاها، الطبق الثاني الذي تقدمه الطبيعة العظيمة، المغذي الأكبر في وليمة الحياة.
«ماكبث»، الفصل الثاني، المشهد الثاني
الانتحار
إن الشريعة الإلهية التي تحرم الانتحار تشلُّ يدي وتمنعني من الإقدام عليه.
«سيمبلين»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
الاعتدال
إني ما زلت قويًّا ونشيطًا رغم شيخوختي؛ فإني في ريعان شبابي لم أهدر طاقتي في تناول الكحول ولم أتلفْ قواي في ارتكاب المحرَّمات. وهكذا فإن شيخوختي لهي أشبه بشتاء قارس؛ بارد لكن رحيم.
«كما تشاء»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
النظرية والتطبيق
ما رأينا يومًا حكيمًا استطاع أن يحتمل ألم الضرس صابرًا؛ وإن شهدنا الفلاسفة والحكماء يكتبون أروع الكتب ويستخفون بصروف الدهر والأحزان.
«ضجة فارغة»، الفصل الخامس، المشهد الأول
الخيانة
مهما عانى الإنسان من ظلم الخيانة، لا بد أن يعاقب الخائن بعذاب أشد إيلامًا.
«سيمبلين»، الفصل الثالث، المشهد الرابع
الشجاعة
أهم معالم الشجاعة هو الحرص والحذر.
«الملك هنري الرابع، الجزء الأول»، الفصل الخامس، المشهد الرابع [ترجمة أ. ر. مشاطي، بتصرف]
عندما تَفترس الجسارة العقل، تراها تلتهم سيفها الذي به تقاتل.
«أنطونيو وكليوباترا»، الفصل الثالث، المشهد الثالث عشر
أي شجاعة، عندما يكشر كلب عن أنيابه، في أن تمتد اليد إلى شدقيه، بينما يتيسَّر طردُه بركلة رجل؟
«الملك هنري السادس، الجزء الثالث»، الفصل الأول، المشهد الرابع
الحرب
كن على حذر وأنت توقظ سيف حربنا من رقدته؛ أستحلفك باسم الله أن تكون على حذر.
«الملك هنري الخامس»، الفصل الأول، المشهد الثاني
الترحيب
الترحيب دائم الابتسام، أما الوداع، فيَنصرف زافرًا آهاته.
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
الخمر
إن الخمر الطيبة مخلوق طيع طيب إذا أُحسن استعماله.
«عطيل»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
يا روح الخمر الخفية، إذا لم يكن لك اسمٌ تُعرَفين به، فلنُسمِّك الشيطان … يا إلهي، كيف يضع الإنسان عدوًّا في فمه ليختلس منه عقله؟! كيف بالفرح والمتعة والأنس والانبساط نُحوِّل أنفسنا إلى وحوش؟!
«عطيل»، الفصل الثاني، المشهد الثالث
المرأة
المرأة الوقحة المسترجلة ليست أبغضَ من رجل مخنَّث.
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
الكلمات
ما بلغت السماء قط كلمات خلت من أفكارها.
«هاملت»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
كلمات قليلة ستَتلاءم والخطيئة حيث لا عذر يُداوي الرذيلة.
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الثالث، المشهد الثاني
حب الدنيا
شئون دنيانا تَرين على فؤادك، ومن اشتراها بالهموم، فقد خسر!
«تاجر البندقية»، الفصل الأول، المشهد الأول
الشرف الدنيوي
ما من إنسان حصل على الشرف لمجرد كونه إنسانًا؛ وإنما يأتيه الشرف مما تسبغه عليه رفعة المنزلة والثروة والحظوة، التي تأتيه عن جدارة حينًا واعتباطيًّا أحيانًا، وكأنما تتأرجح أسباب الشرف على منزلق. وكأنما يتأرجح الحب الذي يعتمد عليها على منزلق هو الآخر فإن هي زلت، اختفَى الحب أيضًا. ولكن الأمر يختلف معي.
«ترويلوس وكريسيدا»، الفصل الثالث، المشهد الثالث
عشرون قصة من روائع شكسبير |
حكاية الشتاء
الأمير فلوريزيل وبيرديتا.
كان ليونتيز ملك صقلية، وكان أعز صديق له هو بوليكسينيز، ملك بوهيميا. لقد نشأ الاثنان معًا، وتفرقا فقط عندما بلغا مبلغ الرجال وكان على كل منهما أن يحكم مملكته. وبعد سنوات عديدة، بعد أن تزوج كل منهما وأنجب ابنًا، جاء بوليكسينيز ليزور ليونتيز في صقلية.
الطفلة الصغيرة تُركت على الساحل.
كان ليونتيز رجلًا سريع الانفعال وأحمق بعض الشيء، وقد ظنَّ عقله الأحمق أن زوجته، هيرميوني، كانت تحب بوليكسينيز أكثر مما تحبه، وهو زوجها. وبمجرد أن دخل هذا الظنُّ عقله، لم يكن لشيء أن يخرجه منه؛ لذا، فقد أمر أحد لورداته، والذي يُدعى كاميلو، بأن يضع سمًّا في خمر بوليكسينيز. حاول كاميلو أن يثنيه عن ذلك المخطط الآثم، لكن عندما وجد أنه لا طائل من وراء ذلك، تظاهر بالموافقة. ثم أخبر بوليكسينيز بما يُحاك ضده، وهربا معًا من بلاط صقلية في تلك الليلة وذهَبا إلى بوهيميا، حيث عاش كاميلو كصديق ومُستشار لبوليكسينيز.
ألقى ليونتيز بالملكة في السجن، ومات ابنها، وريث العرش، من الحزن عندما رأى المعاملة الظالِمة والقاسية التي لاقتْها أمُّه.
بينما كانت الملكة في السجن، رُزقت بطفلة صغيرة، وألبسَتِ إحدى صديقاتها، والتي تُدعى باولينا، الطفلة أفضل الملابس، وأخذتها لتُري الملك إياها، معتقدةً أن رؤيته لتلك الابنة الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة ستُلين قلبه تجاه ملكته العزيزة، والتي لم تخطئ في حقه بأي نحو، والتي كانت تحبُّه أكثر كثيرًا مما يستحق؛ لكن الملك ما كان لينظر إلى الطفلة، وأمر زوج باولينا بأن يأخذها على متن سفينة ويتركها في أكثر مكان مهجور ومُخيف يُمكنه إيجاده، وهو الأمر الذي كان عليه أن يفعله، رغم أنه كان يُعارضه بشدة.
بعد ذلك، حُوكمت الملكة المسكينة بتُهمة الخيانة لتفضيلها بوليكسينيز على ملكِها؛ لكنها في واقع الأمر لم تُفكِّر مطلقًا في أي شخص سوى زوجها ليونتيز. أرسل ليونتيز بعض الرسل ليسألوا الإله أبولو إذا ما كان محقًّا في أفكاره القاسية تجاه الملكة. لكنه لم يكن لديه صبر كي ينتظِر حتى يعودوا، وما حدث أنهم وصلُوا في وسط المحاكمة. قال الكاهن:
«هيرميوني بريئة، وبوليكسينيز غير ملوم، وكاميلو تابع مُخلِص، وليونتيز طاغية غيور، والملك سيَعيش بدون وريث، إذا لم يُعثَر على الابنة التي فُقدَت.»
ثم جاء رجل وأخبرهم بأن الأمير الصغير قد مات. عندما سمعت الملكة المسكينة هذا، سقطت مغشيًّا عليها، وحينها، أدرك الملك مدى بشاعته وعِظَم الخطأ الذي ارتكبه. أمر باولينا ووصيفات الملكة بأن يأخذن الملكة ويُحاولن مساعدتها في استعادة وعيها. لكن باولينا عادت بعد بضع لحظات وأخبرت الملك بوفاة هيرميوني.
والآن، تَكشَّفَت أخيرًا بوضوح أمام عينَي ليونتيز حماقته. فقد ماتت الملكة ونُفيَت ابنته الصغيرة التي كان من المُمكن أن تكون مصدر عزاء له إلى مكان حيث تكون فريسة للذئاب والبُوم. ولم يعد هناك شيء يهتمُّ به في الحياة. لذا، فقد استسلم للحزن وقضى عدة سنوات بائسة في الصلاة والندم.
تُركت الأميرة الصغيرة على ساحل بوهيميا، وهي المَملكة التي كان يحكمها بوليكسينيز. ولم يعدْ زوج باولينا أبدًا لبلده ليُخبر ليونتيز بالمكان الذي ترك فيه الطفلة؛ إذ بينما كان في طريقه إلى السفينة التي كان سيَركبها ليعود لوطنه، صادف دبًّا قطعه إربًا. وهكذا مات دون أن يُخبر الملك بمكان الأميرة.
ما كان الملك لينظر إلى الطفلة.
لكن أحد الرعاة وجد الطفلة الصغيرة المسكينة المهجورة. وقد كانت تَرتدي أفخر الملابس ومعها بعض الجواهر، وكانت هناك ورقة معلَّقة في عباءتها تقول إن اسمها هو بيرديتا، وإنها من أصول عريقة.
نظرًا لأن الراعي كان رجلًا طيب القلب، فقد أخذ الطفلة إلى منزله وعهد بها إلى زوجته لكي تُربيها لتكون ابنة لهما. لم تحصل على أي قدر من التعليم أكثر مما يحصل عليه أبناء الرعاة بوجه عام، لكنَّها ورثَت من أمها الملكة العديد من الفضائل والمحاسن، لدرجة أنها كانت مُختلفة تمامًا عن الفتيات الأخريات في القرية التي كانت تعيش فيها.
في أحد الأيام، كان الأمير فلوريزيل، ابن ملك بوهيميا الطيب، يصطاد بالقرب من منزل الراعي، ورأى بيرديتا، والتي كانت قد كُبرت حينها وأصبحت فتاة رائعة الجمال. كوَّن الأمير علاقة صداقة مع الراعي، دون أن يُخبرَه بأنه الأمير، إذ قال له إن اسمه هو دوريكليز، وإنه رجل نبيل ورث مالًا عن أسرته، ونظرًا لأنه كان يحب بشدة بيرديتا الفاتنة، فقد كان يذهب ليَراها على نحو شبه يومي.
لم يستطِع الملك معرفة ما الذي كان يجعل ابنه يغيب تقريبًا كل يوم عن القصر؛ لذا، فقد طلب من بعض الرجال مراقبته، وقد وجد أن وريث عرش بوهيميا كان واقعًا في حب بيرديتا، ابنة الراعي الحسناء. رغب بوليكسينيز في معرفة إذا ما كان هذا صحيحًا أم لا، فتنكَّرَ وذهب بصحبة صديقه المخلص كاميلو، الذي تنكَّر هو الآخر، إلى منزل الراعي العجوز. وصَلا إلى مهرجان جز صوف الغنم، ورغم أنهما كانا غريبين، فقد قُوبلا بترحاب كبير. كان هناك رقْص دائر، وكان هناك بائع متجوِّل يبيع الأشرطة والأربطة والقفازات، وهي الأشياء التي كان الشباب يشترونها لحبيباتهم.
ليونتيز يستقبل فلوريزيل وبيرديتا.
لكن لم يُشارِك فلوريزيل وبيرديتا في هذا المشهد البهيج، وجلسا معًا في هدوء يتحدثان. لاحظ الملك الأسلوب المهذَّب الذي كانت تتعامل به بيرديتا وكذلك جمالها الساحر، لكن لم يخطر بباله أبدًا أنها ابنة صديقه القديم، ليونتيز. وقال لكاميلو:
«إنها أجمل فتاة من أصل مُتواضِع عاشت في هذا المكان. كل شيء تفعله يوحي بشيء أكبر منها هي شخصيًّا؛ شيء نبيل جدًّا لا يُلائم هذا المكان.»
رد كاميلو: «في الحقيقة، إنها مَلِكة اللبن الرائب والقشدة.»
لكن عندما طلب فلوريزيل، الذي لم يتعرف على والده، من الغريبين أن يشهدا على خطوبته من الراعية الحسناء، كشفَ الملك عن هُويتِه وأعلن عن رفضه الزواج، مضيفًا أن بيرديتا إن رأت فلوريزيل مرة أخرى، فإنه سيَقتلها هي وأباها الراعي العجوز، وغادر المكان على الفور. لكن كاميلو لم يُغادِر؛ إذ أُعجب ببيرديتا وأراد أن يصادقها.
لقد عرف كاميلو منذ وقت طويل مدى الأسف الذي كان يشعر به ليونتيز على جنونه الأحمق، وتاق للعودة إلى صقلية لرُؤية سيده القديم. اقترح على الشابين أن يذهبا إلى هناك ويطلبا حماية ليونتيز. ذهبا بالفعل إلى هناك وذهب الراعي معهما، آخذًا معه جواهر بيرديتا وملابسها وهي طفلة والورقة التي وجدها معلَّقة في عباءتها.
استقبلهما ليونتيز بود كبير. وعامل الأمير فلوريزيل على نحو مهذب جدًّا، لكن كل نظراته كانت موجهة لبيرديتا. لقد لاحظ أنها كانت تشبه كثيرًا الملكة هيرميوني، وقال مرارًا وتكرارًا:
«لعل تلك الحسناء كانت لتصبح ابنتي، لو لم أُبعِدْها عني بقسوة شديدة.»
عندما سمع الراعي العجوز أن الملك قد فقد طفلتَه والتي تُركت على ساحل بوهيميا، أحسَّ أن بيرديتا، الطفلة التي رباها، يجب أن تكون ابنة الملك، وعندما قص حكايته وأظهر الجواهر والورقة، أدرك الملك أن بيرديتا كانت بحق هي الابنة التي فقَدها منذ فترة طويلة. وهذا ما جعله يرحب بها بسعادة كبيرة ويكافئ الراعي الطيب على صنيعه.
اتبع بوليكسينيز ابنه بسرعة ليمنع زواجه من بيرديتا، لكن عندما عرف أنها ابنة صديقه القديم، شعر بسعادة كبيرة وبارك الزواج.
لكن ليونتيز لم يستطع الشعور بالسعادة. وتذكَّرَ كيف أن ملكته الحسناء، التي كان يجب أن تكون بجواره في تلك اللحظات لتشاركه سروره بسعادة ابنته، قد ماتت بسبب قسوته، ولم يستطع قول أي شيء لفترة طويلة سوى:
«أوه، أمكِ! أمكِ!» ثم أخذ يطلب من ملك بوهيميا قبول اعتذاره ثم قبَّل ابنته مرة ثانية، ثم الأمير فلوريزيل، ثم شكر الراعي العجوز على كل أفعاله الطيبة.
حينئذٍ، قالت باولينا، التي كانت تَحظى بمكانة كبيرة لدى الملك طوال كل تلك السنوات، انطلاقًا من إخلاصها للملكة الراحلة هيرميوني: «لديَّ تمثال يشبه تمامًا الملكة الراحلة، استغرقت صناعته سنوات عديدة، ونحَتَه الفنان الإيطالي الموهوب جوليو رومانو. أنا أحتفظ به في منزل منفصل سري، ومنذ أن فقدتَ ملكتكَ، كنت أذهب إلى هناك مرتَين أو ثلاثًا في اليوم. هلا تفضَّلتَ جلالتكم بالذهاب ورؤية التمثال؟»
ذهب ليونتيز وبوليكسينيز وأتباعهما وفلوريزيل وبيرديتا وكاميلو إلى منزل باولينا حيث كان هناك ستار أرجواني سميك يحجب وراءه تجويفًا في الجدار، ثم قالت باولينا، ويدُها على الستار:
«لقد كان جمالها لا يُضاهَى عندما كانت على قيد الحياة، وأعتقد أن تِمثالها عندما ماتت أجمل من أي شيء رأيتموه من قبل، أو أي شيء أبدعته يد بشر. لذا، فقد أبقيته بعيدًا عن العيون. لكن ها هو. انظروا، وقولوا إنه بديع.»
فلوريزيل وبيرديتا يتحدثان.
وفي تلك اللحظة، أزاحت الستار وأرتْهم التمثال. أخذ الملك يُحدِّق ويُحدِّق في التمثال الجميل الخاص بزوجته الراحلة، لكنه لم يقل شيئًا.
قالت باولينا: «يُعجبني صمتك. إنه يوضح مدى المهابة التي تشعر بها. لكن أجبْني أولًا، أيها الملك، ألا ترى أنه يُشبهها؟»
رد الملك: «إنه يكاد يكون هي، ولكن، يا باولينا، لم تكن هيرميوني منمشة هكذا، ولم تكن عجوزًا كما يبديها التمثال.»
قال بوليكسينيز: «أوه، إنه مختلف بعض الشيء.»
ردت باولينا: «آها! هذا يُوضِّح مدى براعة النحات؛ فهو يصور لنا الشكل الذي كانت ستبدو عليه لو عاشت حتى يومنا هذا.»
ظلَّ ليونتيز ينظر إلى التمثال، ولم يستطع أن يرفع ناظرَيه عنه.
قالت باولينا: «لو كنت أعرف أن رؤيتك لهذا التمثال المسكين ستُجدِّد حزنك وتثير حبك هكذا، ما كنت أريتك إياه.»
لكنه قال فقط: «لا تُغلقي الستار.»
قالت باولينا: «لا، يجب ألا تنظر إلى التمثال أكثر من ذلك، وإلا فستظن أنه يتحرك.»
قال الملك: «دعيه يفعل! دعيه يفعل! ألا تظنون أنه يتنفَّس؟»
قالت باولينا: «سأُغلِق الستار، وإلا فستظنُّ أنه حي.»
رد ليونتيز: «نعم، يا عزيزتي باولينا، اجعليني أظن هذا لعشرين سنة قادمة!»
قالت باولينا: «إذا كنتَ تستطيع تحمل الأمر، فيُمكنُني أن أجعل التمثال يتحرك وينزل من مكانه ويُمسك بيدك. لكنَّك حينئذٍ ستظن أنني فعلت ذلك بفعل السحر.»
قال الملك: «أيًّا كان ما يُمكنكِ جعلها تفعله، فأنا سعيد لرؤيته.»
أخذ الجميع ينظرون بإعجاب ويُراقبون ما يحدث، وإذا بالتمثال يتحرَّك من قاعدته ثم ينزل الدرجات ويضع ذراعَيه حول عنق الملك، وأمسك الملك بوجهه وقبَّله مرات عديدة؛ إذ لم يكن هذا تمثالًا، وإنما الملكة هيرميوني نفسها والتي كانت ما تزال حية. لقد عاشت الملكة مختبئة، بفضل باولينا، طوال تلك السنوات، وما كانت لتكشف لزوجها أنها ما تزال على قيد الحياة، رغم أنها عرفت أنه ندم على ما فعله، لأنها لم تستطع أن تسامحه حتى تعرف ما حدث لابنتها الصغيرة.
هيرميوني.
والآن، وبعد العثور على بيرديتا، سامحت زوجها على كل ما فعله، وكان اجتماعهما معًا مرة أخرى بمنزلة زَواج جديد ومُبهِج لهما.
تزوج فلوريزيل وبيرديتا، وعاشا طويلًا في سعادة.
بالنسبة إلى ليونتيز، فقد نسيَ سنوات المعاناة العديدة التي عاشها عندما أحس بحبه الحقيقي يطوقه بذراعيه مرة أخرى بعد حزن وألم طويلين.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
الملك لير
كورديليا وملك فرنسا.
كان الملك لير عجوزًا مُنهَك القوى. وكان قد سئم من إدارة شئون مملكتِه، وأراد أن يُنهيَ أيامه الباقية في الحياة في هدوء بالقرب من بناته الثلاث. وكانت اثنتان من بناته متزوجتين من دوقَي ألباني وكورنوول، وكان دوق بيرجاندي وملك فرنسا متقدمَين لخطبة كورديليا، أصغر بناته.
استدعى لير بناته الثلاث معًا، وقال لهن إنه نوى أن يُقسم مملكته بينهن. ثم أضاف: «لكن أولًا أود أن أعرف مقدار حبكن لي.»
قالت جونيريل، التي كانت في واقع الأمر امرأة شريرة جدًّا ولم تكن تحب أباها على الإطلاق، إنها تُحبه أكثر مما يُمكن للكلمات أن تصف؛ فهو بالنسبة إليها أغلى من عينيها والكون والحرية؛ أغلى من الحياة والمكانة والصحة والجمال والشرف.
وقالت ريجان: «أحبك قدر حب أختي لك وأكثر؛ فأنا لا أهتم بشيء سوى حب أبي.»
سُر لير بشدة بما قالته جونيريل وريجان من بعدها، والتفت إلى ابنته الصغرى، كورديليا، قائلًا: «والآن، يا بهجة النفس، أيتها الأخيرة من بناتنا، لا الأخيرة في محبتنا، لقد أبقيت لكِ أفضل جزء في مملكتي. فما الذي بوسعكِ أن تقوليه؟»
ردت كورديليا: «لا شيء يا مولاي.»
قال الملك: «لا شيء يأتي من لا شيء! تكلَّمي مرة أخرى.»
ردت كورديليا: «أحب جلالتك قدر ما تستوجبه بُنوَّتي لك؛ لا أكثر ولا أقل.»
وقد قالت هذا لأنها كانت تمقُت الطريقة التي عبرت بها أختاها عن حبهما لأبيهما، في الوقت الذي لم يكن فيه لديهما فعلًا أي إحساس حقيقي برباط البنوة تجاه أبيهما العجوز.
وأضافت: «إنك ولدتَني وربَّيتني وأحببتني، فأنا أجزيك على هذه الفروض ما تستوجبه مني: أطيعك وأحبك وأجلُّك إجلالًا كبيرًا.»
جونيريل وريجان.
إن لير، الذي كانت كورديليا ابنته المفضلة، كان يأمل أن تتفوَّق على أختَيها في التعبير عن حبها له؛ لذا قال لها: «ابتعدي عني؛ فقد أقصيتكِ منذ اليوم عن قلبي ونفسي.»
حاول إيرل كِنت، الذي كان أحد رجال البلاط والقادة العسكريِّين المفضلين للير، أن يدافع عن كورديليا، لكن لير ما كان ليسمع له. وهكذا، قسَّم لير المملكة بين جونيريل وريجان، وأخبرهما أنه سيَحتفظ فقط بمائة فارس لخدمته، وسيعيش مع كل منهما شهرًا بالتناوب.
عندما علم دوق بيرجاندي أن كورديليا لن تحصل على أي نصيب في المملكة، تخلى عن عرضه بخطبتها. لكن ملك فرنسا كان أكثر حكمةً منه، وقال: «إن ابنتك التي بلا مهر هذه، أيها الملك، ستكون ملكة على نفسي، وعلى شعبي، وعلى ديار فرنسا الجميلة.»
قال الملك: «خذها، خذها؛ إذ لا نريد أن تقع عليها بعد اليوم عيننا.»
وهكذا، أصبحت كورديليا ملكة فرنسا، وصدر أمر بنفي إيرل كِنت، لتجرُّؤه بمحاولة الدفاع عنها، من المملكة. وذهب الملك ليُقيم لدى ابنته جونيريل، التي أخذت كل شيء كان لدى أبيها ليعطيه، وبدأت الآن تتذمَّر حتى من احتفاظه بالمائة فارس الذين أبقاهم لخدمته. كانت قاسية وعاقةً له، وقد كان خدمها يرفضون إطاعة أوامره أو يتظاهرُون بأنهم لم يسمعوها.
تظاهر إيرل كِنت، الذي حُكم عليه بالنفي، بأنه ذهب إلى بلد آخر، ولكنه بدلًا من ذلك عاد متنكِّرًا في شخصية خادم وعمل في خدمة الملك. والآن، أصبح لدى الملك صديقان؛ إيرل كِنت، الذي كان يعيش معه كخادم، والبهلول، مُضحِك الملك، الذي كان مخلصًا له. قالت جونيريل لأبيها بوضوح إن فرسانه لا يقومون بشيء سوى إثارة الشغب والصخب في بلاطها، وترجَّته بشدة أن يحتفظ في خدمته ببضعة رجال كبار السن مثله.
قال لير: «حاشيتي من صفوة الرجال. جونيريل، لن أزعجك أكثر من ذلك، فلم تزل لي ابنة أخرى.»
عندما سُرِّجت خيوله، انطلق متجهًا مع أتباعه إلى قلعة ريجان. لكن بدا أن ريجان، التي فاقت فيما مضى أختها في التعبير عن حبها للملك، قد فاقتها الآن أيضًا في سلوكها العاق تجاه والدها؛ إذ قالت إن خمسين فارسًا كثيرون جدًّا، وقالت جونيريل (التي أسرعت إلى قلعة أختها لتَمنع ريجان من إبداء أي مشاعر طيبة تجاه الملك العجوز) إن خمسة فرسان كثيرون جدًّا، حيث إن خدمها يُمكنهم رعايته.
عندما رأى لير أن ما تريدانه بالفعل هو أن تتخلَّصا منه، تركهما. وقد كانت تلك الليلة ليلة عاصفة وموحشة، وأخذ يهيم في الأرض البور وقد كاد يُجن من البؤس الذي يشعر به، ولم يكن له رفيق سوى البهلول المسكين. لكن بعد فترة قصيرة عثر عليه خادمه، إيرل كِنت الطيب، وأقنعه في النهاية بأن يحتمي بكوخ صغير مهجور. وفي الفجر، نقل إيرل كِنت ملكه إلى دوفر، وأسرع إلى بلاط ملك فرنسا ليخبر كورديليا بما حدث.
أرسل زوج كورديليا معها جيشًا واستطاعت بمساعدته الذهاب إلى دوفر. وهناك، وجدت الملك لير المسكين، وهو يهيم على وجهه في الحقول، مرتديًا تاجًا من نباتات القراص والأعشاب. أحضره أتباعها وأطعموه وألبسوه ثيابًا لائقة، وجاءت إليه كورديليا وقبلته.
قال لير لها: «أتوسل إليكِ أن ترفقي بي، انسي واصفَحي؛ إنني شيخ أحمق.»
لقد أدرك الآن أخيرًا مَن أكثر بناته حبًّا له، ومن كانت أحق بحبه.
كوَّنت جونيريل وريجان جيشًا مشتركًا لقتال جيش كورديليا، ونجَحا في مهمتهما، وألقيا بكورديليا وأبيها في السجن. وعرف زوج جونيريل، الذي كان رجلًا طيبًا، ولم يكن يعرف مدى خبث أخلاق زوجته، حقيقة القصة بالكامل، وعندما عرفت جونيريل أن زوجها أدرك طبيعتها الشريرة، قتلَت نفسها، بعد فترة قصيرة من قتل أختها ريجان بالسم، بسبب الغيرة.
لكنهما كانا قد خطَّطا لشنق كورديليا في السجن، ورغم أن دوق ألباني قد أرسل رسلًا على الفور لوقف هذا، فقد كان الأوان قد فات. جاء الملك العجوز يمشي مترنحًا إلى خيمة دوق ألباني، وهو يحمل جسد ابنته العزيزة كورديليا على ذراعيه.
كورديليا في السجن.
وبعد قليل، والكلمات التي تُعبر عن حبه لها كانت لا تزال على شفتَيه، وقع على الأرض وهي لا تزال على ذراعيه، ومات.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
الليلة الثانية عشرة
كان أورسينو، دوق إليريا، يُحب بشدة سيدة نبيلة جميلة تُدعى أوليفيا. لكن كل حبه كان بلا جدوى؛ إذ كانت ترفض خطبته لها؛ وعندما مات أخوها، رفضت الاستماع إلى رسول أرسله إليها، وطلبت منه أن يخبر سيده بأنها لن تدع حتى السماء ترى وجهها لمدة سبع سنين، وأنها ستَسير، كراهبة، مُغطيةً وجهها، وكل ذلك كان بسبب حبها لأخيها الراحل الذي أرادت أن يبقى حبُّه حاضرًا في ذاكرتها للأبد.
فيولا والرُّبان.
أخذ الدوق يبحث عن شخص يُمكنه إخباره بحزنه وتكرار قصة حبه على مسامعه مرارًا وتكرارًا. وقد أسعده الحظ ووجده. ففي تلك الأثناء، تحطمت سفينة كبيرة على ساحل إليريا، وكان من بين هؤلاء الذين وصلوا إلى الساحل بأمان الربان وسيدة شابة جميلة تُدعى فيولا. لكنها لم تكن ممتنة كثيرًا لعدم غرقها في البحر، لأنها كانت تخشى أن يكون أخوها التوءم، سيباستيان، قد غرق، والذي كان عزيزًا عليها بشدة مثل قلبها الذي بين جنبات صدرها، وكان يُشبهها بشدة، لدرجة أنه، إذا استثنيت طريقتهما المختلفة في اللبس، فلن يستطيع أحد أن يفرق أحدهما عن الآخر. أخبرها الربان، وهو الأمر الذي أسعدها كثيرًا، بأنه رأى أخاها يربط نفسه إلى «صارٍ ضخم طفا على سطح البحر»؛ ومِن ثَمَّ هناك أمل بأنه قد يُنقذ من الغرق.
سألت فيولا عن حاكم البلد الذي كانوا فيه، وعندما علمت بأن الدوق أورسينو الشاب هو من يحكمه وأن طباعه نبيلة مثل اسمه، قرَّرت أن تتخفى في ملابس شاب، وتسعى للعمل لديه كأحد تابعيه.
نجحت في هذا، ويوميًّا، كان عليها الاستماع لأورسينو وهو يتحدث عن قصة حبه. في البداية، تعاطفت بشدة معه، لكن سرعان ما تحوَّل تعاطُفها إلى حب. وفي النهاية، خطر لأورسينو أن محاولاته الفاشلة للتقرب من حبيبته قد تنجح إذا أرسل هذا الشاب البهي الطلعة ليتحدَّث إليها عن مدى حبه لها. ذهبت فيولا وهي راغمة لأداء تلك المهمة، لكن عندما وصلت إلى المنزل المطلوب، منعها من الدخول مالفوليو، رئيس خدم أوليفيا، والذي كان رجلًا فضوليًّا ومغرورًا، ومريضًا، كما قالت سيدته، بمرض حب الذات. لكن فيولا (التي أصبحت تُدعى الآن سيساريو) رفضت أي أعذار، وأصرت على الحديث مع السيدة النبيلة. قالت أوليفيا، بعد أن وجدت أن كل أعذارها قد جرى تحدِّيها، وكانت في الوقت نفسه متلهِّفة لرؤية هذا الشاب الجريء الذي فعل ذلك: «سنستمِع ثانيةً إلى رسول أورسينو.»
فيولا وهي متنكرة تحت اسم «سيساريو» تُقابل أوليفيا.
عندما دخلت فيولا إلى حضرة أوليفيا، وأُمر الخدم بتركهما بمفردهما، استمعت أوليفيا بصبر إلى عبارات اللوم التي ألقاها على مسامعها ذلك الرسول الجريء نيابةً عن الدوق، وبينما كانت تستمع لكلمات سيساريو المزعوم، وقعت في غرامه، وعندما ذهب، أرادت أن تُرسل إليه تذكارًا يُعبِّر عن حبها له. لذا، استدعت مالفوليو وطلبت منه أن يتبع الشاب.
ثم قالت لمالفوليو، وهي تخلع خاتمًا من إصبعها: «لقد ترك هذا الخاتم وراءه. قل له إنني لا أريده.»
فعل مالفوليو ما أُمر به، وأدركت فيولا، التي كانت بالطبع تعلم جيدًا أنها لم تترك وراءها أي خاتم، بحدس النساء أن أوليفيا وقعت في حبِّها. ثم عادت إلى الدوق، وهي تشعر بحزن شديد في داخلها من أجل حبيبها وأوليفيا ونفسها.
لم تستطع أن تقول لأورسينو ما يواسيه، والذي أخذ يسعى للتخفيف من آلام حبه المرفوض بالاستماع إلى بعض الموسيقى العذبة، بينما كان سيساريو يقف بجواره.
قال الدوق لتابعه في تلك الليلة: «آه، لا بد أنك أيضًا قد أحببت.»
ردت فيولا: «قليلًا.»
«لا بد أنك أيضًا قد أحببت.»
سألها: «أي نوع من النساء أحببت؟»
ردت: «إنها تشبهك كثيرًا.»
سألها: «كم كان عمرها؟»
ردت على هذا السؤال بالإجابة البارعة التالية: «في مثل سنكَ يا سيدي.»
صاح الدوق: «يا إلهي، إنها كبيرة جدًّا بالنسبة إليك! إن على المرأة أن تتزوج من هو أكبر منها سنًّا.»
قالت فيولا بوداعة شديدة: «أنا أُوافقُك كل الموافَقة، يا سيدي.»
وسرعان ما طلب أورسينو من سيساريو أن يذهب مرة ثانية لزيارة أوليفيا وإخبارها بمدى حبه لها. لكنَّها قالت له، وهي تُحاول أن تصرفه عن حبها:
«لكن ماذا لو أن هناك سيدة تُحبُّك حبًّا مثل حبك لأوليفيا؟»
رد الدوق: «أوه! هذا محال.»
قالت فيولا: «ولكني أعرف مقدار الحب الذي في وسع المرأة أن تُكنَّه للرجل. لقد كان لأبي ابنة تحبُّ رجلًا حبًّا عظيمًا.» ثم أضافت وقد احمرَّ وجهها خجلًا: «كذلك الحب الذي يُمكنني أن أحبه لك لو كنت فتاة.»
سألها: «وما قصتها؟»
ردت فيولا: «لا شيء يا سيدي. إنها لم تبحْ له أبدًا بحبها، وكتمَت حبَّها بداخلها حتى دمرها، وأذهب جمالها. لقد ذبلت، وأخذت تجلس تَبتسم لأساها كتمثال للصبر وقد تحوَّل لون بشرتها للون الأخضر من الحزن. ألم يكن هذا حبًّا حقيقيًّا؟»
سألها الدوق: «ولكن هل ماتت أختُكَ من فرط الحب، يا ولدي؟» فردَّت فيولا، التي كانت كل هذا الوقت تُعبر له عن حبِّها له بتلك الطريقة البارعة:
«أنا كل بنات أبي وكل أبنائه أيضًا … سيدي، هل أذهب إلى تلك السيدة؟»
رد الدوق، وقد نسيَ على الفور كل شيء بشأن هذه القصة: «أسرع إليها، وأعطِها هذه الجوهرة.»
وهكذا، ذهبت فيولا، وفي تلك المرة، لم تستطع أوليفيا المسكينة إخفاء حبها، وأعلنت صراحةً عنه بشغف شديد لدرجة أن فيولا تركتها مسرعة وهي تقول:
«لن آتيَ إليكِ مرة أخرى لأخبرك عن حب سيدي لكِ.»
لكن فيولا عندما تعهَّدت بهذا، لم تكن تدري الشفقة الشديدة التي كانت ستَشعر بها تجاه معاناة المرأة الأخرى. لذا، عندما أرسلت أوليفيا، في غمرة عنفوان حبِّها، رسولًا إلى سيساريو لتطلب منه زيارتها مرة أخرى، لم يستطع رفض الطلب.
لكن مشاعر الودِّ التي كانت تبديها أوليفيا تجاه هذا التابع أثارت غيرة السير أندرو إجيوتشيك، الذي كان أحد الحَمقى الذين رفضت حبهم، والذي كان في ذلك الوقت يعيش في بيتها مع عمها العجوز المرح السير توبي. إن السير توبي هذا كان يحب بشدة المقالب المضحكة، ولما كان يعرف أن السير أندرو شديد الجبن، ظن أنه لو رتب لنزال بينه وبين سيساريو، فإن اللقاء سيكون بحق فريدًا. لذا، حث السير أندرو على طلب النزال، ونقل هو بنفسه الطلب إلى سيساريو. حينها، قال التابع المسكين، في فزع شديد:
«سوف أرجع ثانيةً إلى داخل المنزل؛ فأنا لم أعتدِ المبارزة.»
رد السير توبي: «لن ترجع إلى داخل المنزل إلا إذا كنت تريد أن تبارزني.»
وحيث إنه بدا نبيلًا عجوزًا يتميز بالشراسة الشديدة، فقد رأت فيولا أنه من الأفضل انتظار مجيء السير أندرو؛ وعندما وصل أخيرًا، استلَّت، وهي ترتجف، سيفها، وقد تملكها فزع شديد لأنها كانت تخشى أن تُعرف الحقيقة، وقام السير أندرو بالمثل وقد سيطر عليه خوف مُماثل. لكن لحسن حظ الاثنين، جاء في تلك اللحظة بعض مسئولي البلاط وأوقفوا النزال المزمع. وهربت فيولا في سعادة شديدة بأقصى سرعة ممكنة، لكن ناداها السير توبي قائلًا:
«إنك ولد خسيس وشديد الجبن!»
بينما كانت كل تلك الأمور تحدث، استطاع سيباستيان أن يُنقذَ نفسه من الغرق ووصل بسلام إلى ساحل إليريا، حيث صمَّم على الذهاب إلى بلاط الدوق. وهو في طريقه إلى هناك، مر بمنزل أوليفيا في نفس اللحظة التي غادرته فيها فيولا بسرعة شديدة، وهناك قابل السير أندرو والسير توبي. ظن السير أندرو خطأً أن سيباستيان هو سيساريو الجبان، فاستجمع قواه واقترب منه وضربه قائلًا: «هذه لك.»
قال سيباستيان، وقد أخذ يكيل له الضربات حتى جاء السير توبي لإنقاذ صديقه: «حسنًا، وهذه لك. خذ هذه وهذه!» لكن سيباستيان، حرر نفسه من قبضة السير توبي، وأشهر سيفه وكان سيُقاتل الاثنين لولا مجيء أوليفيا التي علمتْ بأمر الشجار، والتي أخذت توبِّخ السير توبي وصديقه وطلبت منهما أن يتركا المكان. ثم تحولت إلى سيباستيان الذي ظنَّت أنه سيساريو وأخذت تُناشده بحلو الكلام أن يدخل معها إلى المنزل.
وافقَ سيباستيان عن طيب خاطر، وقد تملَّكته الدهشة بعض الشيء وكان معجَبًا بشدة بجمالها ونُبلها. وفي هذا اليوم نفسه، كانت أوليفيا في عجلة من أمرها لدرجة أنها تزوَّجت هي وسيباستيان قبل أن تَكتشفَ أنه لم يكن سيساريو، أو يتيقَّن سيباستيان مما إذا كان يعيش حلمًا أم لا.
في تلك الأثناء، عندما عرف أورسينو ما حدث بين سيساريو وأوليفيا، ذهب لزيارتها بنفسه، آخذًا سيساريو معه. قابلتهما أوليفيا أمام باب منزلها، ولما رأت، بحسب ظنها، زوجها هناك، لامتْه على تركها، بينما قالت للدوق إن تودُّده إليها شيء مؤذٍ لأذنَيها شأنه شأن الصرخات الشديدة بعد الموسيقى العذبة.
فقال أورسينو لها: «أما زلتِ على قسوتكِ الشديدة؟»
ردت: «ما زلت على عهدي.»
أخذ غضب أورسينو يتصاعد حتى تحول إلى وحشية، وأقسم أنه سينتقم منها بقتل سيساريو، الذي عرَف أنها تحبه. فقال لسيساريو: «تعالَ أيها الفتى.»
ردَّت فيولا، تابعةً إياه وهو يخرج: «أنا على استعداد للموت ألف مرة عن طيب خاطر، إذا كان هذا سيسعدك.»
سيطر خوف كبير على أوليفيا، وصرخت بصوت عالٍ: «سيساريو، زوجي، ابقَ هنا!»
سأل الدوق بغضب: «زوجها؟»
قالت فيولا: «لا، يا سيدي، أنا لست زوجها.»
صاحت أوليفيا: «استدعوا القس.»
وعندما جاء القس الذي زوَّج سيباستيان وأوليفيا، أعلن أن سيساريو هو العروس.
قال الدوق متعجبًا: «أوه، يا لك من كاذب صغير! وداعًا، خذها. لكن لا تطأ قدماك مكانًا قد يتصادف أن نلتقي فيه أنا وأنت.»
في تلك اللحظة، جاء السير أندرو والدماء تسيل من موضع التاج في رأسه، وأخذ يشتكي أن سيساريو قد شج رأسه، وهكذا فعل مع السير توبي.
قالت فيولا بحزم: «أنا لم أوذِك قط. لقد رفعت سيفك عليَّ لتبارزني، لكني كنت لطيفًا معك، ولم أُلحِق بك أي ضرر.»
لكن رغم كل حججها، لم يُصدقها أحد، لكن كل أفكارهم تغيرت فجأة إلى دهشة، عندما دخل عليهم سيباستيان.
قال لزوجته: «أنا آسف، يا سيدتي. لقد آذيتُ قريبك. سامحيني، أيتها الجميلة، حتى من أجل العهود التي قطَعها كل منا للآخر مؤخرًا.»
صاح الدوق، ناظرًا في البداية إلى فيولا ثم إلى سيباستيان: «وجهٌ واحد وصوت واحد وأسلوب لباس واحد وشخصان مختلفان!»
قال شخص يعرف سيباستيان: «إن هذَين الشخصين متشابهان تمامًا كنصفَي التفاحة. مَن منكما سيباستيان؟»
قال سيباستيان: «أنا لم يكن لي أخ قط؛ لقد كانت لي أخت، ولكن الأمواج القاسية أغرقتها.» ثم قال لفيولا: «لو كنتِ فتاة، لضممتُك بين ذراعيَّ، وجعلت دموعي تسيل على خدكِ، وصحتُ: مرحبًا بكِ بشدة إلى الحياة، يا فيولا!»
غمرت الفرحة فيولا عندما رأت أن أخاها ما زال على قيد الحياة، وأقرت بأنها بالفعل أخته، فيولا. وبينما كانت تتحدَّث، شعر أورسينو بالشفقة التي تعد هي والحب صنوين.
وقال: «يا ولد، لقد أخبرتَني آلاف المرات أنك لن تحبَّ أي امرأة بنفس القدر الذي تُحبُّني به.»
ردت فيولا: «أنا على استعداد لتكرار كل ما قلته من قبل. أقسم إنني كنت أعني كل كلمة تلفظت بها.»
صاح أورسينو في سعادة: «أعطِيني يدكِ. ستُصبحين زوجتي وملكة حبي.»
وهكذا، عاشت فيولا الرقيقة في سعادة غامرة، ووجدت أوليفيا في سيباستيان المحب المخلص والزوج الطيب، ووجد هو فيها الزوجة المحبة المخلصة.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
ضجة فارغة
كلاوديو وهيرو.
توجد في صقلية بلدة تُسمى ميسينة، شهدَت زوبعة عجيبة في فنجان منذ مئات السنين.
لقد بدأ الأمر بشروق الشمس. حقَّق دون بيدرو، أمير أراجون، في إسبانيا، انتصارًا تامًّا على خصومه لدرجة أن الأرض التي جاءوا منها قد نُسيت. شعر دون بيدرو بسعادة شديدة وبرغبة في الحصول على بعض المرح بعد متاعب الحرب، فذهب للحصول على إجازة في ميسينة، وتبعه أخوه غير الشقيق دون جون واثنان من اللوردات الإيطاليين الشباب، وهما بينيديك وكلاوديو.
كان بينيديك شابًّا ثرثارًا ومرحًا، وقد قرر أن يعيش حياته دون زواج. أما كلاوديو، على الجانب الآخر، ما إن وطئت قدماه أرض ميسينة، حتى وقع في غرام هيرو، ابنة ليوناتو، حاكم ميسينة.
في أحد أيام شهر يولية، كان عطَّار يُدعى بوراتشيو يحرق لافاندر جافًّا في غرفة عفنة الرائحة في منزل ليوناتو، عندما تنامى إلى مسامعه صوت محادَثة عبر النافذة المفتوحة.
قال كلاوديو: «أعطني رأيك الصريح في هيرو»، وعندئذ، عدل بوراتشيو وضعه كي يسترق السمع على نحو مريح.
رد بينيديك: «إنها أقصر قامة وأكثر سمرة؛ مما يستحق مديحًا، ولو لم تكن كما هي، لكانت غير مليحة.»
قال كلاوديو: «إنها في عيني أجمل النساء.»
رد عليه باحتداد: «لكني لا أرى شيئًا من هذا القبيل، وأنا لا أزال قديرًا على النظر بغير منظار. انظر إلى ابنة عمها، السيدة بياتريس؛ إنها لتفوقها كثيرًا في الجمال، كما يفوق أول مايو آخر ديسمبر، لولا سرعة الغضب التي تتملَّكها.»
كانت بياتريس ابنة أخي ليوناتو. وكانت تجد متعتها في قول أشياء ساخرة وقاسية عن بينيديك، الذي كان يدعوها «السيدة العزيزة ازدراء». كانت كثيرًا ما تقول إنها وُلدت تحت نجم راقص، ولم تكن بالتالي تستطيع أن تُصبح كئيبة.
كان كلاوديو وبينيديك لا يزالان يتحدَّثان عندما جاء دون بيدرو وقال بنبرة مازحة: «حسنًا، أيها النبيلان، ما الأمر؟»
رد بينيديك: «أرجو من سماحتك أن تُعفيني من الكلام.»
قال دون بيدرو، على نحو مُتوافق مع مزاحه: «إنني ألزمك به بحق ما لي عليك من ولاء.»
قال بينيديك معتذرًا لكلاوديو: «إنَّ في وسعي أن أصمت صمت الأبكم، إلا أنه يناشدني القول بحق الولاء.» ثم قال لدون بيدرو: «كلاوديو يحب هيرو القصيرة، ابنة ليوناتو.»
سُرَّ دون بيدرو بذلك؛ إذ كان معجبًا بهيرو ويحب بشدة كلاوديو. وعندما غادر بينيديك، قال دون بيدرو لكلاوديو: «احرص على حب هيرو وامضِ فيه، وسأساعدك للفوز بها. الليلة سيقيم أبوها حفلًا تنكريًّا وسأدَّعي لهيرو أنني كلاوديو وأكشف لها كم يحبها كلاوديو، وإذا أعجبها كلامي، فسأذهب إلى أبيها، وأطلب موافقته على زواجكما.»
يفضل معظم الرجال أن يتودَّدوا بأنفسهم للنساء اللاتي يرغبون في الزواج منهن، لكن إذا وقع المرء في غرام الابنة الوحيدة لأحد الحكام، فإنه سيكون محظوظًا إذا كان بإمكانه الوثوق في أحد الأمراء وجعله يقوم بهذا من أجله.
إذن، كان كلاوديو محظوظًا، لكنه كان في الوقت نفسه تعيس الحظ، لأنه كان لديه خصم يتظاهر أمامه بأنه صديق. هذا الخصم هو دون جون، الأخ غير الشقيق لدون بيدرو، الذي كان يغار من كلاوديو لأن دون بيدرو كان يفضله عليه.
كان دون جون هو من أسر له بوراتشيو بتفاصيل المحادثة المثيرة التي استرق السمع إليها.
قال دون جون عندما انتهى بوراتشيو من كلامه: «سأحصل على بعض المرح في ذلك الحفل.»
في ليلة الحفل، تنكر دون بيدرو وتظاهر بأنه كلاوديو وطلب من هيرو أن تذهب معه للتمشية.
مشَيا معًا، وذهب دون جون إلى كلاوديو وقال: «ألست السنيور بينيديك؟»
كذب كلاوديو قائلًا: «أنا هو.»
قال دون جون: «أناشدك إذن أن تستغل تأثيرك على أخي وتُثنيه عن حبه لهيرو؛ فهي لا تساويه مولدًا.»
سأله كلاوديو: «من أين عرفت أنه يحبها؟»
هيرو وأورسولا.
كان الرد: «لقد سمعته يقسم إنه يحبها.» وقاطع بوراتشيو الحديث ليقول: «وأنا كذلك.»
ثم تُرك كلاوديو بمفرده، وقد ظن أن أميره قد خانه. فقال متمتمًا لنفسه: «وداعًا، يا هيرو. لقد كنت أحمق أن وثقت في وسيط بيني وبينك.»
في تلك الأثناء، كان بينيديك (الذي كان متنكِّرًا) وبياتريس يتبادلان الآراء على نحو حاد.
سألته: «ألم يُثر بينيديك يومًا في نفسك الضحك؟»
رد عليها متسائلًا: «من يكون بينيديك؟»
ردت بياتريس: «إنه بهلول الأمير»، وتكلمت معه بنبرة حادة جدًّا لدرجة أنه قال فيما بعد: «لن أتزوجها ولو ملكت جنات عدن.»
لكن المتحدِّث الرئيسي في الحفلة لم يكن بياتريس ولا بينيديك، بل كان دون بيدرو الذي نفَّذ خطتَه بدقة، وأعاد الحيوية إلى وجه كلاوديو مرة ثانية في طرفة عين، عندما ظهر أمامه بصُحبة ليوناتو وهيرو، وقال: «كلاوديو، متى تَنتوي الذهاب إلى الكنيسة؟»
كانت إجابته الفورية: «غدًا. إن الزمن سيَمشي ببطء على عكاز كالرجل العَجوز حتى يستكمل حبُّنا مراسمه.»
قال ليوناتو: «أعطها أسبوعًا، يا ولدي العزيز»، وحينها قفز قلب كلاوديو من الفرحة.
قال دون بيدرو الودود: «والآن، يجب أن نجد زوجة للسنيور بينيديك. إنها لمهمَّة شديدة الصعوبة.»
قال ليوناتو: «أنا معك ولو كلَّفني ذلك السهر عشر ليالٍ.»
ثم تكلمت هيرو وقالت: «سأبذل كل ما في وسعي، يا مولاي، لإيجاد زوج صالح لبياتريس.»
وهكذا في ضحكٍ بهيج انتهت الحفلة لكن كلاوديو لم يتعلم الدرس على الإطلاق.
واسى بوراتشيو دون جون بأن عرض عليه خطة كان واثقًا من أنه من خلالها سيقنع كلاوديو ودون بيدرو بأن هيرو فتاة متقلبة المشاعر، تستطيع الوصول إلى هدفها بأي طريقة. وافق دون جون على خطته التي كان دافعها الكراهية.
وضع دون بيدرو، على الجانب الآخر، خطة ذكية كان دافعها الحب. قال لليوناتو: «إذا تظاهرنا، بينما تكون بياتريس قريبة بالقدر الكافي بحيث تسترق السمع لما نقول، بأن بينيديك يحبُّها بشدة، فستُشفق عليه وترى خصاله الرائعة وتحبه. وبينما يظن بينيديك أننا لا نَعرف أنه يستمع إلينا، إذا قلنا كيف أنه من المحزن أن تقع بياتريس الجميلة في غرام شخص ساخر لا قلب له مثل بينيديك، فإنه بالتأكيد سيركع أمامها طالبًا الزواج منها في غضون أسبوع أو أقل.»
وهكذا، في أحد الأيام، بينما كان بينيديك يقرأ في خميلة، جلس كلاوديو خارجها مع ليوناتو وقال: «ابنتك أخبرتني بشيء عن خطاب كتبته بياتريس.»
قال ليوناتو متعجبًا: «خطاب! إنها تنهض عشرين مرة في الليل وتكتب ما لا يعلمه سوى الرب وحده. لكن هيرو ذات مرة اختلسَت النظر، ورأت الكلمات «بينيديك وبياتريس» على الورقة، ثم مزقت بياتريس الورقة إربًا.»
قال كلاوديو: «قالت لي هيرو إنها صاحت: «أوه، يا بينيديك العزيز!»»
تأثر بينيديك بشدة بتلك القصة غير المحتملة، والتي صدقها لأنه كان شديد الحمق، وقال لنفسه: «إنها جميلة وصالحة. لا ينبغي لي أن أبدو مُتكبِّرًا. إنني أشعر بأني أحبها. الناس بالطبع سيَسخرون من هذا؛ لكن سهامهم الورقية لن تُؤذيني.»
في هذه اللحظة، جاءت بياتريس إلى الخميلة، وقالت: «أوفِدت على كرهٍ منِّي لأدعوك إلى العشاء.»
بينيديك.
قال بينيديك: «أشكركِ أيتها الحسناء بياتريس.»
ردت، وقد أرادت أن تبدو باردة: «لم أتكبد في سبب شكرك لي تعبًا، أكثر من تكبُّدك أنت في شكري.»
لكن كلامها لم يبدُ نوعًا من البرود بالنسبة إليه، بل سرَّه. وقد كان المعنى الذي استخلصه من كلامها الوقح أنها كانت سعيدة للمجيء إليه.
أما هيرو، التي أخذت على عاتقها مهمة تليين قلب بياتريس تجاه بينيديك، فلم تجد أي صعوبة في إيجاد مناسبة لذلك. لقد قالت ببساطة لوصيفتها مارجريت ذات يوم: «أسرعي إلى الردهة واهمسي إلى بياتريس بأنني أنا وأورسولا نتحدث عنها في الحديقة.»
بعد أن قالت هذا بدت كأنها متأكدة أن بياتريس ستسترق السمع إلى ما يُراد أن يصل إلى مسامعها، كما لو كأنها ضربت موعدًا مع ابنة عمها.
في الحديقة، كانت هناك خميلة تحجب عنها الشمس أعواد زهر العسل، ودخلتها بياتريس بعد بضع دقائق من ذهاب مارجريت لأداء عملها.
سألت أورسولا، التي كانت إحدى صديقات هيرو: «ولكن أواثقة أنتِ أن بينيديك يحب بياتريس من كل قلبه؟»
ردت هيرو: «هكذا يقول الأمير وخطيبي، ولقد ناشداني أن أكاشفها به، ولكني قلت لهما: «لا! انصحا بينيديك بأن يغالب حبه».»
«ولماذا قلتِ ذلك؟»
«لأن بياتريس مزهوة بنفسها على نحو لا يُطاق. إن الترفُّع والسخرية يتلألآن في عينَيها. وهي مُفرطة في أَثَرتها لدرجة أنها لا يُمكن أن تحب. وأنا لا أحب أن أراها وهي تعبث بحب بينيديك المسكين. فأنا أفضل أن يحترق بينيديك كالنار المغطاة على أن يحدث له هذا.»
قالت أورسولا: «أنا أختلف معكِ. فما أحسبها متجرِّدة من صحة الحكم والتقدير إلى الحد الذي لا ترى معه مزايا بينيديك.» قالت هيرو: «إنه الرجل الأوحد في إيطاليا، إذا استثنَينا كلاوديو.»
ثم تركت المتحدِّثتان الحديقة، وخرجت بياتريس من الخميلة وقالت لنفسِها: «يا بينيديك العزيز المسكين، كن مُخلِصًا لي، وسيروِّض حبك قلبي النافر.»
نعود الآن إلى الخطة التي كان دافعها الكراهية.
في الليلة السابقة على اليوم المحدَّد لزفاف كلاوديو، دخل دون جون غرفة كان يتحدَّث فيها دون بيدرو وكلاوديو وسأل الأخير إن كان ينتوي أن يتزوَّج في اليوم التالي.
قال دون بيدرو: «أنت تعرف أنه سيفعل.»
قال دون جون: «قد يُغيِّر رأيه إن رأى ما سأريه إياه إن تبعني.»
تبعاه إلى الحديقة، ورأوا سيدة تَنحني من نافذة هيرو وقد أخذت تتحدَّث بحب إلى بوراتشيو.
ظن كلاوديو أن السيدة هي هيرو وقال: «سأَكشِف عن عارها غدًا!» ظن دون بيدرو أيضًا أنها هيرو، لكنَّها لم تكن هيرو، وإنما كانت مارجريت.
ضحك دون جون ضحكة خافتة عندما غادر كلاوديو ودون بيدرو الحديقة، وأعطى بوراتشيو كيسًا به ألف عملة ذهبية.
جعل المال بوراتشيو يشعر بنشوة شديدة، وبينما كان يسير في الشارع مع صديقه كونريد، تباهى بثروتِه وبمَن أعطاها له، وأخبره بما فعل.
سمع أحد الحراس ما قالاه، واعتقد أن رجلًا دُفع له ألف عملة ذهبية للقيام بمؤامرة شريرة يستحق أن يُقبَض عليه؛ لذا ألقى القبض على بوراتشيو وكونريد، واللذَين قضَيا بقية الليلة في السجن.
قبل ظهر اليوم التالي، كان نصف النبلاء في ميسينة في الكنيسة. كانت هيرو تعرف أن هذا هو يوم زفافها، ولذلك كانت تَرتدي ثوب زفافها، دون أن يعكر صفو وجهها الجميل شيء ولا تشوب عينيها الصادقتين واللامعتين شائبة.
كان رجل الدين الذي سيقوم بتزويج كلاوديو وهيرو هو القس فرانسيس.
قال موجهًا حديثه إلى كلاوديو: «هل جئت هنا أيها اللورد لتتزوَّج هذه السيدة؟» رد كلاوديو منكرًا: «كلا!»
ظن ليوناتو أن رفضه كان بسبب خطأ في التركيب اللغوي. فقال: «كان يجب أن تقول أيها القس: هل جئتَ هنا لتقترن بهذه السيدة؟»
تحول القس فرانسيس إلى هيرو وقال: «هل جئتِ هنا أيتها السيدة لتقترني بهذا الكونت؟» ردت هيرو: «نعم.»
قال القس: «إذا كان أحدكما يعرف عائقًا خفيًّا يحول دون قرانكما، فإني أُناشدُه أن يُفضي به.»
سأل كلاوديو: «هل تعرفين شيئًا كهذا يا هيرو؟» قالت: «كلا.»
قال القس: «وهل تعرف أنت يا كونت؟» قال ليوناتو: «أجترئ فأرد عنه نافيًا.»
تعجب كلاوديو بمرارة قائلًا: «كم من امرئ يجترئ على أن يفعل!» وأضاف: «يا أبي، هل أنت واهبي ابنتك؟» رد ليوناتو: «كما وهبنيها الله بمشيئتِه ورضاه.»
سأل كلاوديو: «وماذا تطلب مني مقابل هذه الهبة النفيسة؟» قال دون بيدرو: «لا شيء إلا أن تردَّها إليه.»
قال كلاوديو: «أيها الأمير العزيز، إنك تعرفني. يا ليوناتو، خذها.»
تبعت تلك الكلمات القاسية كلمات أخرى أطلقها كلاوديو ودون بيدرو ودون جون.
بدا وكأن القدسية قد ذهبت عن الكنيسة. دافعت هيرو عن نفسها قدر ما تَستطيع، ثم سقطت مغشيًّا عليها. غادر كل ظالِميها الكنيسة، فيما عدا أباها، الذي انخدع بالاتهامات الموجهة إليها، وصاح قائلًا: «ألا بعدًا لها! دعوا الموت يأخذها!»
لكن القس فرانسيس رأى أن هيرو غير مذنبة بنظرته الثاقبة التي تنفذ إلى داخل الروح. وقال: «إنها بريئة. هناك ألف علامة تُخبرني بهذا.»
استعادت هيرو الوعي بفضل نظرته الطيبة. لم يكن أبوها، الذي كان مُضطربًا وغاضبًا، يعرف ماذا يفعل، وقال القس: «لقد انصرف الأمراء وهم يحسبون ابنتك قد أصبحت من الهالِكين. دعنا نتظاهر بأنها قد ماتت حتى تَظهر الحقيقة، وتتحوَّل الوشاية إلى ندم.»
قال بينيديك: «لنأخذ بنصيحة الأب.» ثم أُخذت هيرو إلى مُعتزل، وبقيت بياتريس وبينيديك بمفردهما في الكنيسة.
علم بينيديك أنها كانت تَنتحِب بمرارة ولوقت طويل. فقال: «أعتقد يقينًا أن ابنة عمك الحسناء مظلومة.» وكانت بياتريس لا تزال تَنتحِب.
سألها بينيديك بلطف: «لست أحب في هذا العالم شيئًا قدر حبي لك، أليس هذا غريبًا؟»
ردت بياتريس: «لقد كان في مقدوري أن أقول إنني لا أحب شيئًا قدر حبي لك، لكني لم أقل ذلك. إنني في أسفٍ على ابنة عمي.»
قال بينيديك: «مريني أفعل شيئًا من أجلها.» ردَّت: «اقتل كلاوديو.»
قال بينيديك: «ها! هذا مُحال، ولو أُعطيت العالم كله.» قالت بياتريس: «إنك برفض طلبي تقتلني. وداعًا!»
صاح بينيديك: «هذا يكفي بالنسبة إليَّ! وإني لمبارزه.»
في أثناء تلك الأحداث، كان بوراتشيو وكونريد في السجن. وهناك جرى التحقيق معهما من قبل شرطي يُدعى دوجبيري.
قدم الحارس إفادته والتي كان مفادها أن بوراتشيو قال إنه حصل على ألف عملة ذهبية للتآمر ضد هيرو.
لم يكن ليوناتو موجودًا في هذا التحقيق، لكنه أصبح الآن مقتنعًا بشدة ببراءة هيرو. لعب دور الأب المكلوم ببراعة شديدة، وعندما زاره دون بيدرو وكلاوديو على نحو ودي، قال للنبيل الإيطالي: «إنك ظلمت ابنتي بشدة، وأنا أدعوك للمبارزة.»
القس فرانسيس.
قال كلاوديو: «ما كان لي أن أبارز شيخًا كبيرًا.»
رد ليوناتو متهكمًا: «لكنَّك تستطيع أن تقتل فتاة.» فاحمر وجه كلاوديو.
إن الكلمات العنيفة تأتي ردًّا على كلمات عنيفة، وكان دون بيدرو وكلاوديو يشعران بأنهما تعرَّضا لهجوم شديد عندما ترك ليوناتو الغرفة ودخل بينيديك.
قال كلاوديو: «لقد كدت أفقد أنفي في مجالدة مع الشيخ الكبير.»
قال بينيديك بحدة: «أنت وغد! بارزني متى شئت وكيفما شئت، وإلا أعلنت جبنك.»
اندهش كلاوديو لكنه قال: «سأُلاقيك ولن يقول أحد إنني لست بارعًا في قطع رأس عِجل.»
ابتسم بينيديك، وحيث إنَّ الأمير دون بيدرو كان عليه في ذلك الوقت أن يستقبل بعض المسئولين، فقد جلس على كرسي الحكم وأخذ يُهيئ نفسه ليقيم العدل.
سرعان ما انفتح الباب ليدلف منه دوجبيري وسجينَيه.
قال دون بيدرو: «ما الذي ارتكبه هذان الرجلان؟»
ظن بوراتشيو أن الفرصة مواتية ليقول الحقيقة كاملةً. قص ما حدث مُلقيًا باللوم بالكامل على دون جون، الذي اختفى. قال: «مع موت السيدة هيرو، لست أبغي غير جزاء القاتل لي عقابًا.»
سمع كلاوديو وقد تملَّكه الشعور بالأسى والندم الشديد.
وعندما دخل ليوناتو مرة أخرى، قال له: «هذا العبد أثبت براءة ابنتِك. فلتختر بنفسك وسيلة ثأرك مني.»
قال دون بيدرو بتواضُع: «ليوناتو، إني مُتقَبِّل أي عقاب قد تفرضه.»
قال ليوناتو: «حسنًا، أناشدكما أن تعلنا على الملأ براءة ابنتي وأن تكرماها بأن تغنيا على قبرها مرثية. أما بالنسبة إليك يا كلاوديو، فإن لأخي ابنة تكاد تكون صورة أخرى لهيرو. تزوَّجْها، وكذلك تشفي غليلي.»
قال كلاوديو: «أيها السيد الكريم، إني لمتقبل ما عرضت.» ثم ذهب كلاوديو إلى غرفته وألَّف أغنية حزينة. وعندما ذهب إلى الكنيسة مع دون بيدرو وأتباعه، غناها أمام مقبرة آل ليوناتو. وعندما انتهى، قال: «والآن، طابت ليلتكِ، يا هيرو، وإني لمعاهدك أن أقف كل عام وقفتي هذه بقبرك.»
بعد ذلك، استعدَّ بوقار، كما يليق برجل نبيل كان قلبه ملكًا لهيرو، للزواج من فتاة لم يكن يحبها. طُلب منه أن يقابلها في منزل ليوناتو، وأوفى بوعده وذهب إلى هناك.
أُدخل إلى غرفة حيث دخل بعده أنطونيو (أخو ليوناتو) والعديد من السيدات المتنكِّرات. وكان القس فرانسيس وليوناتو وبينيديك موجودين كذلك.
قدَّم أنطونيو واحدة من السيدات لكلاوديو.
قال الرجل الشاب: «حسنًا، دعيني أرى وجهكِ.»
قال ليوناتو: «أقسم أولًا إنك ستتزوجها.»
قال كلاوديو للسيدة: «هاتِ يدكِ. وأمام هذا القس الموقَّر، أقسم إنني سأتزوجك إن رضيتِ بي زوجًا.»
قالت السيدة، وهي تخلع عنها قناعها: «يوم كنت بين الأحياء، كنت زوجتك.»
قال كلاوديو متعجبًا: «هيرو أخرى!»
قال ليوناتو موضحًا: «لم تَمُت هيرو إلا حين كانت الفِرية حية.»
وهكذا، كان القس على وشك تزويج الزوجين اللذين أُعيد لمُّ شملهما، عندما قاطعه بينيديك قائلًا: «مهلًا أيها القس، أي من هؤلاء النسوة بياتريس؟»
في تلك اللحظة، نزعت بياتريس القناع عن وجهها، وقال بينيديك: «ألا تُحبِّينني؟»
كان الرد: «إلى حد ما. ألست تُحبُّني؟»
رد بينيديك: «إلى حدٍّ ما.»
عقبت بياتريس قائلةً: «لقد قيل لي إنك تكاد من حبي تفارق الحياة.»
قال بينيديك: «لقد قيل لي الشيء نفسه عنكِ.»
قال كلاوديو: «ها هي ورقة خطَّتها يمينُك تدل على حبك لها.» ثم أخرج ورقة مكتوب بها أغنية مُتكلَّفة كتبها بينيديك إلى حبيبته.
قالت هيرو: «وها هو ذا كتاب آخر سرقته من جيب بياتريس تصف فيه حبها لبينيديك.»
قال بينيديك: «يا للمعجزة! إن يدينا تشهدان على قلبينا! اقبلي، فإني متزوجكِ، يا بياتريس.»
ردت: «إني ما رضيت بك زوجًا إلا لأنقذ حياتك.»
قبَّلها بينيديك من فمها، وزوَّجهما القس بعد أن زوَّج كلاوديو وهيرو.
سأل دون بيدرو: «ما شعورك يا بينيديك وقد أصبحتَ زوجًا؟»
رد بينيديك: «سعيد جدًّا بحيث لا شيء يُمكن أن يجعلني غير ذلك. اسخر مني كما تشاء. وأما أنت يا كلاوديو، فقد كنت مُعتزمًا أن أقتلك، ولكن ما دمت ستُصبح لي نسيبًا، فعش سالمًا وكن بابنة العم مغرمًا.»
قال كلاوديو: «إن هراوتي متيَّمة بك، يا بينيديك»، لكن قال بينيديك: «حسبك. حسبك. دعْنا نرقص.»
رقصوا بالفعل. ولم تَستطع حتى أنباء القبض على دون جون أن توقف الأقدام التي تكاد تطير من الفرحة للعاشِقين السعداء؛ إذ إن الانتقام ليس من شيم الكرام إذا كان ضد رجل شرِّير لم يستطع أن يوقع الأذى بأحد.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
روميو وجولييت
روميو وجولييت.
في سالف الزمان كانت تعيش في فيرونا عائلتان كبيرتان تُسميان مونتاجيو وكابيوليت. كانت العائلتان غنيتَين، وأعتقد أنهما كانتا حكيمتَين في معظم الأمور، مثل العائلات الغنية الأخرى. لكنهما كانتا في شيء واحد شديدتي السفه والحمق. كان هناك خلاف قديم جدًّا بين العائلتين، وبدلًا من أن تتناسيا ما وقع بينهما مثل ما يحدث من جانب العائلات الحكيمة، ظلَّتا تشعلان فتيله، ولم تسمحا له بأن يخمد. فما كان لأحد من أفراد عائلة مونتاجيو أن يتحدَّث لأحد من عائلة كابيوليت إذا قابله في أحد الشوارع، والعكس صحيح، أو إذا تحدَّثا معًا، فكان يقول كلٌّ منهما للآخر أشياء بغيضة ووقحة، الأمر الذي ينتهي عادةً بصراع. وكان أقارب وخدم العائلتين حَمقى مثل أفراد العائلتين، لدرجة أن صراعات ومبارزات الشوارع والتوترات من هذا النوع دائمًا ما كانت تنشأ عن الشجار بين فرد من هذه العائلة وآخر من العائلة الأخرى.
تبدأ الأحداث بإقامة اللورد كابيوليت، كبير عائلة كابيوليت، حفلًا، كان عبارة عن حفل عشاء ورقْص كبير، وكان اللورد كريمًا بشدة لدرجة أنه قال إن بإمكان أي شخص أن يحضره «ما عدا» أفراد عائلة مونتاجيو (بالطبع). لكن كان هناك عضو شاب من عائلة مونتاجيو يُسمى روميو كان يريد بشدة أن يحضر الحفل لأن روزالين، الفتاة التي كان يُحبها، طُلب منها الذهاب إلى هناك. إنَّ هذه الفتاة لم تكن تعامله على الإطلاق بود، ولم يكن لديه أي سبب لحبِّها، لكن الأمر أنه كان يريد أن يحب «أحدًا»، وحيث إنه لم يقابل الفتاة المناسبة، فقد كان مجبرًا على حب الفتاة غير المناسبة. لذا، ذهب إلى حفل كابيوليت الضخم، مع صديقيه ميركوشيو وبينفوليو.
روميو وتيبالت يتقاتلان.
رحب كابيوليت العجوز به وبصديقَيه بكرم شديد، وأخذ روميو الشاب يتنقل بين حشد النبلاء بملابسهم المصنوعة من المخمل والساتان، الرجال بمقابض السيوف والياقات المرصَّعة بالجواهر، والنساء بالمجوهرات البراقة التي تُزيِّن صدورهن وأذرعهن، والأحجار الكريمة الغالية الثمن التي تزين أحزمتهن اللامعة. كان روميو في قمة أناقته هو الآخر، ورغم أنه كان يرتدي قناعًا أسود على عينيه وأنفه، فقد كان بإمكان الجميع أن يلاحظوا من خلال فمه وشعره والطريقة التي يرفع بها رأسه أنه أكثر وسامة بكثير من أيِّ شخصٍ آخر في المكان.
بعد فترة قصيرة رأى وسط الراقصين فتاة رائعة الجمال وجديرة بأن تُحب لدرجة أنه لم يُفكِّر مرة أخرى على الإطلاق في المدعوة روزالين التي كان يظن أنه يحبُّها. نظر إلى تلك الفتاة الحسناء، وهي تتحرَّك وسط قاعة الرقص بردائها الأبيض المصنوع من الساتان ومجوهراتها التي تتزيَّن بها، وبدا له أن كل العالم بلا طائل ودون قيمة مقارنةً بها. وكان يقول هذا، أو شيئًا مشابهًا له، عندما سمع تيبالت، ابن أخي الليدي كابيوليت، صوته وعرف أنه روميو. غضب تيبالت غضبًا شديدًا وذهب على الفور إلى عمه، وأخبره أن أحد أفراد عائلة مونتاجيو جاء إلى الحفل دون أن يدعوه أحد، لكن كابيوليت العجوز كان شديد التهذيب لدرجة أنه ما كان ليتعامل بفظاظة مع أي رجل داخلَ بيتِه، وطلب من تيبالت التزام الهدوء. لكن هذا الشاب أخذ فقط يتحيَّن الفرصة للشجار مع روميو.
في تلك الأثناء شق روميو طريقه إلى الفتاة الحسناء، وأخبرها بكلمات عذبة أنه يُحبها وقبَّلها. في تلك اللحظة، أرسلت أمها في طلبها، وعرف روميو حينها أن الفتاة التي أخذ قلبه يعقد عليها الآمال هي جولييت، ابنة اللورد كابيوليت، عدوه المبين. لذا، غادر المكان، وهو يشعر بالأسف بالطبع، لكنه كان مع ذلك لا يزال يحبها.
روميو يُعجَب بجولييت.
ثم قالت جولييت لوصيفتها:
«من هذا الشاب الذي لم يشأ أن يرقص؟»
«اسمه روميو، من أسرة مونتاجيو، الابن الوحيد لعدوكم الأكبر.»
ثم ذهبت جولييت إلى غرفتها، ونظرت من نافذتها التي تُطلُّ على حديقة غنَّاء يُلقي القمر بأشعته عليها. كان روميو مختفيًا في تلك الحديقة وسط الأشجار؛ إذ لم يكن باستطاعته أن يذهب دون أن يحاول رؤيتها مجددًا. لذا، ونظرًا لأنها لم تكن تعرف أنه هناك، تحدثت بصوت عالٍ مفصحةً عما يجيش به صدرها وقالت للحديقة الهادئة إنها وقعت في غرام روميو.
سمع روميو ما قالتْه وسعد أيما سعادة. نظر لأعلى من مخبئه ورأى وجهها الجميل في ضوء القمر، مؤطرًا وسط النباتات المتسلِّقة الزاهية النامية حول نافذتها، وبينما كان ينظر إليها ويستمع لما تقوله، شعر وكأنه يعيش حلمًا أنزله فيه أحد السحرة في تلك الحديقة البديعة والمسحورة.
قالت جولييت: «حسنًا، لما سُميت روميو؟» وأضافت: «منذ أن أحببتك، لم يعد للأسماء معنًى.»
صاح روميو: «ناديني باسم حبيبي، وسيُصبح ذاك هو اسمي، ولن أغدو روميو بعد اليوم.» وهو يخرج في ضوء القمر الأبيض الكامل من المكان الذي كان يختبئ فيه الذي كان تُظلِّله أشجار السرو ونباتات الدفلي. شعرت بالفزع في البداية، ولكن عندما أدركت أنه روميو وليس شخصًا غريبًا، شعرت هي الأخرى بالسعادة، وأخذا، بينما كان هو يقف في الحديقة بالأسفل وهي تنظر من النافذة، يتحدثان طويلًا معًا، وقد حاول كل منهما أن يبحث عن أعذب الكلمات في العالم، لينتجا ذاك الحديث الممتع الذي يدور بين المحبَّين. إن تفاصيل كل ما قالاه والموسيقى العذبة التي نتجت عن صوتَيهما يجب أن تروى في كتاب ذهبي يُمكنكم أيها الأطفال أن تقرءوه بأنفسكم يومًا ما.
مر الوقت بسرعة شديدة، كما هو الحال دائمًا مع العاشقين عندما يكونون مع بعضهم، لدرجة أنه عندما حانت لحظة الوداع، بدا لهما وكأنهما قد تقابلا للتوِّ، وفي واقع الأمر، كانا لا يعرفان كيف يترك كل منهما الآخر.
قالت جولييت: «سأرسل إليك رسولًا غدًا.»
وهكذا، في النهاية وبعد الكثير من الأخذ والرد واللوعة، ودَّع كل منهما الآخر.
دخلت جولييت إلى غرفتها، وغطَّى ستار داكن نافذتها اللامعة. وأخذ روميو يتلمَّس طريقه عبر الحديقة الهادئة الندية وكأنه يعيش حلمًا.
في صباح اليوم التالي، وفي وقت مبكر جدًّا، ذهب روميو إلى القس لورنس وأخبره بالقصة كاملةً وترجاه أن يزوِّجه جولييت على الفور. وبعد بعض النقاش، وافق القس على أن يفعل ذلك.
لذا، عندما أرسلت جولييت مربيتها العجوز إلى روميو في ذلك اليوم لتعرف ماذا سيفعل، نقلت السيدة العجوز رسالة إلى جولييت مفادها أن كل شيء يسير على ما يرام، وأن روميو قد أعدَّ كل الترتيبات اللازمة للزواج في صباح اليوم التالي.
زواج روميو وجولييت.
خشي العاشقان الصغيران أن يطلبا موافقة والديهما على زواجهما، كما هو المفترض، بسبب ذلك الخلاف القديم السخيف الموجود بين العائلتين.
كان القس لورنس على استعداد لمساعدة العاشقَين سرًّا، لأنه كان يعتقد أنه بمجرد أن يتزوجا، سرعان ما سيعرف أهلهما الأمر، وقد يضع هذا الزواج نهاية سعيدة للخلاف القديم.
لذا، في وقت مبكِّر من صباح اليوم التالي تزوج روميو وجولييت في منزل القس لورنس، ثم تفرَّقا وهما يتبادلان القبلات والدموع تنهمر منهما. وعد روميو بأن يأتي إلى حديقة منزلها في تلك الليلة، وأعدَّت المربية حبلًا على هيئة سلم كان عليها أن تُدليه من نافذة جولييت بحيث يستطيع روميو استخدامه في التسلق إلى النافذة والحديث إلى زوجته الحبيبة في هدوء وعلى انفراد.
لكن في هذا اليوم حدث شيء فظيع.
قابل تيبالت، الشاب الذي كان مغتاظًا بشدة من ذهاب روميو إلى حفل آل كابيوليت، روميو وصديقَيه، ميركوشيو وبينفوليو في الطريق، ونعت روميو بأنه وغد وطلب مبارزته. لم يشأ روميو أن يبارز ابن خال جولييت، لكن ميركوشيو استلَّ سيفه، وتبارز هو وتيبالت. وقُتلَ ميركوشيو. وعندما رأى روميو أن صديقه قد مات، نسيَ كل شيء فيما عدا غضبه من الرجل الذي قتَله، وتقاتل هو وتيبالت حتى خر الأخير صريعًا.
وهكذا، وفي نفس يوم زفاف روميو، قتل ابن خال زوجته جولييت، وحُكم عليه بالنفي. تقابلت جولييت المسكينة هي وزوجها الشاب في تلك الليلة؛ تسلَّق الحبل وسط الأزهار، ووصل إلى نافذتها، لكن كان لقاؤهما حزينًا، وتفارقا والدموع المريرة تنهال من مدامعهما وقلباهما مُثقلان بالهموم، لأنهما لم يكونا يعرفان متى سيلتقيان مرة أخرى.
أراد والد جولييت، الذي لم تكن لديه بالطبع أدنى فكرة عن أنها قد تزوَّجت، أن يزوجها رجلًا نبيلًا يُدعى باريس، وغضب بشدة عندما رفضت وهذا ما جعلها تسرع لتسأل القس لورنس عما عليها فعله. نصحها القس بالتظاهر بالموافَقة، ثم أضاف:
«سأُعطيك دواءً يجعلكِ تبدين ميتة لمدة يومين، ثم عندما يحين موعد أخذك للكنيسة، فسيأخذونك لكي تُدفني، بدلًا من أن تتزوَّجي. ثم سيضعونك في قبو الدفن ظنًّا منهم أنكِ ميتة، وقبل أن تستيقظي، سنتولَّى أنا وروميو أمر رعايتكِ. هل ستفعلين هذا أم ستخافين؟»
ردت جولييت: «سأفعل، وحدِّث سواي عن الخوف.» وعادت لبيتها وأخبرت أباها بأنها ستتزوج باريس. لو تحدثت بصراحة وأخبرت أباها بالحقيقة، لاختلف الأمر تمامًا.
سُرَّ اللورد كابيوليت بشدة لأنه تحقَّق له ما أراد، وأخذ يدعو أصدقاءه ويُعد لحفل الزفاف. سهر الجميع طوال الليل؛ لأنه كانت هناك الكثير من الترتيبات وكان الوقت محدودًا جدًّا لتنفيذها. كان اللورد كابيوليت متلهِّفًا لتزويج جولييت لأنه كان يرى أنها شديدة التعاسة. بالطبع، كانت هي بطبيعة الحال قَلِقة على زوجها روميو، لكن ظن أبوها أنها كانت حزينة على وفاة ابن خالها تيبالت، وظن أن زواجها سيجعلها تفكر في شيء آخر.
في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، جاءت المربية لتُوقظ جولييت ولتُلبسها من أجل الزفاف، لكنها لم تستيقظ، وفي النهاية، صرخت المربية فجأة قائلةً:
«وا أسفاه وا أسفاه! النجدة، النجدة! لقد ماتت سيدتي. ليتَني ما وُلدتُ.»
المربية تظن أن جولييت قد ماتت.
جاءت الليدي كابيوليت مسرعةً، وتبعها اللورد كابيوليت واللورد باريس، العريس. وهنالك كانت ترقد جولييت باردة وشاحبة ودون حراك، وما كان لنَحيبهم جميعًا أن يوقظها. لذا، سيكون هذا اليوم هو يوم دفنها بدلًا من زواجها. في تلك الأثناء، أرسل القس لورنس رسولًا إلى مانتوا ومعه رسالة إلى روميو يُخبره فيها بكل هذه الأمور، وكان كل شيء سَيسير على ما يرام، لولا عدم استطاعة الرسول الذهاب إلى روميو.
لكن الأخبار التعيسة تَنتقِل سريعًا. سمع خادم روميو، الذي كان يعرف سر الزواج، لكنه لم يكن يعرف بالموت المُدَّعى لجولييت، بأخبار جنازتها، وأسرع إلى مانتوا ليخبر روميو كيف أن زوجتَه الشابة قد غيَّبها الموت وسترقد في قبرها.
صاح روميو، وقد انفطر قلبه: «أهكذا قضى القدر؟ إذن، سوف أنام في هذه الليلة بجوار جولييت.»
واشترى لنفسه سمًّا وتوجَّه من فوره إلى فيرونا. وذهب مسرعًا إلى المقبرة التي كانت ترقد فيها جولييت. لم تكن ترقد في قبر وإنما في قبو دفْن. فتح عنوةً الباب وكان في طريقه للنزول عبر الدرجات الحجرية التي تؤدِّي إلى القبو حيث يرقد كل موتى آل كابيوليت، عندما سمع صوتًا خلفه يطلب منه التوقف.
لقد كان هذا هو صوت الكونت باريس، الذي كان سيتزوَّج جولييت في نفس هذا اليوم.
صاح باريس: «كيف تجرؤ، يا ابن مونتاجيو الوغد، على المجيء إلى هنا وتدنيس أجسام موتى آل كابيوليت؟»
رغم ذلك، حاول روميو المسكين، الذي كاد أن يُجن من الحزن، أن يُجيبَه بلطف.
قال باريس: «لقد أُخبرت بأنك لا بد أن تموت إن عدت إلى فيرونا.»
قال روميو: «لا بد أن أموت حقًّا! ولذا، فقد جئت هنا! يا أيها الشاب الرقيق الطيب، ارحل ودعني! اذهب قبل أن أوذيك! إن الحب في قلبي إليك يزيد عن حبي لذاتي؛ أرجوك، اذهب، واتركني وحيدًا.»
رد باريس: «إني أرفض ما تطلب، وسأقبض عليك لأنك مجرم.» واستلَّ روميو، وهو في قمة غضبه ويأسه، سيفه، وتقاتل معه وقُتل باريس.
وبينما كان سيف روميو ينغرس في جسد باريس، صاح باريس:
«أوه، لقد قُتلت! إن كنت بي رحيمًا، فافتح القبر وأرقدني بجوار جولييت.»
قال روميو: «سأقوم بذلك حقًّا.»
ثم حمل روميو الرجل الميت إلى القبر ووضعه بجوار حبيبته جولييت. ثم جثا بجوار جولييت وتحدَّث إليها وطوقها بذراعَيه وقبَّل شفتَيها الباردتين، معتقدًا أنها ميتة، في حين أنها طيلة الوقت كانت أقرب كثيرًا إلى الاستيقاظ. ثم شرب السم ومات بجوار حبيبته وزوجته.
روميو يدخل المقبرة.
بعد ذلك، وصل القس لورنس لكن بعد فوات الأوان، ورأى كل ما حدث، ثم استيقظت جولييت المسكينة من نومها لتجد زوجها وصديقها ميتَين بجوارها.
إن صخب المبارزة قد جلب العديد من الأشخاص إلى المكان، وعندما سمعهم القس لورنس، هرب وتُركت جولييت بمفردها. رأت الكأس الذي كان فيه السم وعرفت كل ما حدث، وحيث إنه لم يبقَ أي سمٍّ لها، فقد استلت خنجر روميو وغرسته في قلبها، وهكذا، ماتت بعد أن سقطت ورأسها على صدر روميو. وإلى هنا، تكون قد انتهت قصة هذَين العاشقَين المخلصَين الشديدَي التعاسة. •••
وعندما علم كبار العائلتين بكل ما حدث من القس لورنس، حزنوا بشدة، وعندما رأوا كل المصائب التي نتجت عن الخلاف اللعين الذي كان بينهم، قرروا إنهاءه، وفوق المقبرة التي تضم أجساد أولادهم الأعزاء، تعاهَدوا أخيرًا على نسيان ما مضى وعودة أواصر الود والصداقة من جديد.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
بيريكليز
كان بيريكليز، أمير صور، سيئ الحظ جدًّا لدرجة أنه استجلب لنفسه عداء أنتيوكوس، ملك أنطاكية الجبار والشرير، وكان الخطر الذي يُحدق به عظيمًا لدرجة أنه قرَّر، بناءً على نصيحة مستشاره الأمين، اللورد هيليكانوس، أن يتجوَّل حول العالم لبعض الوقت. لقد اتخذ هذا القرار رغم حقيقة أنه أصبح الآن، بعد وفاة والده، ملك صور. لذا، فقد أبحر إلى طرسوس، معيِّنًا هيليكانوس وصيًّا على العرش في أثناء غيابه. وسرعان ما اتَّضح أنه تصرف بحكمة عندما ترك مملكته على هذا النحو.
بمجرد أن أبحر في رحلته، وصل اللورد ثاليارد من أنطاكية بتعليمات من ملكه لقتل بيريكليز. سرعان ما اكتشف هيليكانوس المُخلص المسعى الخبيث للورد الشرير، وعلى الفور أرسل رسلًا إلى طرسوس لتحذير الملك من الخطر الذي يتهدَّده.
كان أهل طرسوس في فقر وبؤس شديدَين لدرجة أن بيريكليز، وقد شعر أنه لن يجد ملاذًا آمنًا هناك، أبحر ثانيةً. لكن ضربت عاصفة هوجاء السفينة التي كان فيها، وتحطَّمت السفينة الجميلة، ولم ينجُ من أفرادها سوى بيريكليز. قذفته الأمواج، وهو مجروح ومنهَك يقطر منه الماء، على الصخور القاسية لساحل بينتابوليس، بلد الملك الطيب سيمونيديز. كان منهكًا بشدة ولذا لم يكن يريد شيئًا سوى الموت، وبسرعة. لكن وجده بعض الصيادين، الذين جاءوا إلى الشاطئ، وأعطوه بعض الملابس وطلبوا منه أن يبتهِج ويتحلَّى برباطة الجأش.
قال أحدهم: «يُمكنك أن تأتيَ معي إلى داري، وستجد لدينا لحمًا في الأعياد، وسمكًا في أوقات الصيام، فضلًا عن كم كبير من الكعك والحلوى، وسيكون مرحبًا بك هناك.»
قالوا له إن العديد من الأمراء والفرسان في اليوم التالي سيذهبون إلى بلاط الملك، ليتباروا ويدخلوا في منافسة من أجل كسب ودَّ ابنته، الأميرة الحسناء ثايسا.
قال بيريكليز: «كم أتمنَّى أن يسعدني الحظ لأكون أحد المتبارين.»
بينما كان يتكلم جاء بعض الصيادين، وسحبوا شبكتهم، والتي كانت ثقيلة جدًّا، تقاوم كل جهودهم لانتشالها حتى استطاعوا في النهاية إخراجها ليَجدوا أن بها بدلة مدرعة يعلوها الصدأ، وعندما نظر إليها بيريكليز، شكر إلهة الحظ على كرمها؛ لأنها كانت بدلته؛ إذ قد أعطاه إياها أبوه الراحل. استجدى الصيادين أن يعطوه إياها حتى يستطيع الذهاب إلى البلاط والمشاركة في المنافسة، واعدًا إياهم أنه إذا ابتسمت له الأقدار، فسوف يُكافئهم على نحوٍ سخي. وافَق الصيادون عن طيب خاطر، وهكذا، بعد أن أصبح مستعدًّا بالكامل للمنافسة، انطلق في بدلته المدرعة الصدئة إلى بلاط الملك.
في المنافسة، لم يستطع أحد أن يضاهي بيريكليز وحصل على إكليل الغار الذي وضعته الأميرة الحسناء بنفسها على جبينه. ثم سألته بناءً على طلب أبيها من يكون ومن أين أتى، وأجاب أنه فارس من صور اسمه بيريكليز، لكنه لم يخبرها أنه ملك هذا البلد، لأنه كان يعرف أن مكانه بمجرَّد أن يُصبح معروفًا لأنتيوكوس، فإنه سيفقد حياته.
رغم ذلك، أحبته ثايسا بشدة، وسُرَّ الملك بشجاعته وأسلوبه المهذب لدرجة أنه سمح لابنته بكل سرور أن تفعل ما تريد عندما قالت له إنها ستتزوج الفارس الغريب وإلا فستموت.
أصبح بيريكليز زوج الأميرة الحسناء التي من أجلها صارع الفرسان الذين أظهروا كل ما لديهم من شجاعة لكي يتباروا من أجل الفوز بحبها.
في هذه الأثناء، مات الملك أنتيوكوس الشرِّير، ولما لم يسمع أهل صور أي أخبار عن ملكهم، حثوا اللورد هيليكانوس على اعتلاء العرش الخالي. لكنَّهم لم يستطيعوا سوى أن يجعلوه يعِدهم بأنه سيُصبح ملكهم إذا مرَّ عام ولم يعدْ بيريكليز. علاوة على ذلك، أرسل هيليكانوس رسلًا هنا وهناك بحثًا عن بيريكليز المفقود.
بيريكليز فاز في المنافسة.
ذهب بعض هؤلاء إلى بينتابوليس، وعندما وجدوا ملكهم هناك، أخبروه بمدى استياء شعبه من غيابه الطويل، وأنه بعد موت أنتيوكوس لم يعدْ هناك ما يحول بينه وبين العودة إلى مملكتِه. أخبر بيريكليز زوجته وحماه بمكانتِه الحقيقية، وسعدا هما وكل رعايا سيمونيديز بشدة لمعرفة أن زوَّج ثايسا الشجاع كان ملكًا بالفعل. وهكذا، أبحر بيريكليز مع زوجته العزيزة إلى مسقط رأسه. لكن البحر مرة أخرى كان قاسيًا معه؛ إذ هبَّت ثانيةً عاصفة هوجاء، وبينما كانت في أوجها، جاءَه خادم وأخبره أنه أنجب بنتًا صغيرة. كان هذا الخبر سيجعل قلبه يطير من الفرحة لولا أن الخادم أضاف أن زوجته، العزيزة إلى قلبه بشدة ثايسا، قد ماتت.
بينما كان يتضرَّع للآلهة كي تكون رحيمة بابنته الرضيعة، جاء البحارة إليه وقالوا له إن الملكة الراحلة يجب أن تُقذف من فوق سطح السفينة؛ إذ كانوا يعتقدون أن العاصفة لن تهدأ ما دام هناك جسد شخص ميت على متن السفينة. وهكذا، وُضعت ثايسا في صندوق كبير ومعها بعض العطور والمجوهرات، وورقة كتب عليها الملك الحزين الأبيات التالية:
لمن يقرأ هذا (إذا لامس هذا النعش اليابسة): أنا الملك بيريكليز، فقدتُ ملكةً أغلى من كل متاع الدنيا. فإن لقيَها أحد، أرجو منه أن يدفنها؛ فقد كانت ابنة ملك. وسيَجني بصنيعه هذا، فضلًا عن الكنز الموجود بالصندوق، بركات من الآلهة.
[ترجمة أ. ر. مشاطي]
ثم أُلقي الصندوق في البحر وأخذت الأمواج تتقاذفه، وبعد فترة قصيرة، ألقت به على شاطئ إفسوس حيث وجده خدم لورد يُسمى سيريمون. أمر اللورد على الفور بفتحه، وعندما رأى مدى الجمال الذي بدت عليه ثايسا، شك فيما إذا كانت قد ماتت، واتخذ خطوات فورية لمساعدتها في استعادة وعيها. ثم حدث أمر عجيب جدًّا؛ إذ عادت للحياة، رغم أنها قُذفت في البحر لأنهم ظنوا أنها ميتة. لكن نظرًا لأن ثايسا ظنَّت أنها لن ترى زوجها ثانيةً، فقد انعزلت عن العالم، وأصبحت كاهنة للإلهة ديانا.
بينما كانت تحدُث هذه الأمور، استطاع بيريكليز الوصول إلى طرسوس هو وابنته الصغيرة، التي أطلق عليها اسم مارينا لأنها وُلدت في البحر. ترك بيريكليز ابنته في رعاية صديقه القديم حاكم طرسوس وأبحر إلى مملكته.
كانت ديونيزا، زوجة حاكم طرسوس، امرأة غيور وشريرة، وعندما وجدت أن الأميرة الصغيرة أخذت تشبُّ لتُصبح فتاة أكثر براعة وجمالًا من ابنتها، صممت على قتلها. وعندما وصلت مارينا لسن الرابعة عشرة، أمرت ديونيزا أحد خدمها بأخذها إلى مكان بعيد وقتلها. كان هذا الخادم الشرير سينجح في فعل هذا، لولا أن منعه من ذلك بعض القراصنة الذين جاءوا وأخذوا مارينا معهم إلى البحر وتركوها في ميتيليني، حيث باعوها كأَمة. لكن صلاحها وأخلاقها الحسنة وجمالها سرعان ما جعلوها ذات مكانة هناك، وأحبها بشدة ليسيماكوس، الحاكم الشاب، وكان سيتزوجها لولا أنه ظن أنها لا بد أن تكون من أصل وضيع، ومِن ثَمَّ لا يُمكن أن تصبح زوجة لشخص في مثل مكانته.
ظنَّت ديونيزا الشريرة، من خلال ما نقله لها خادمها، أن مارينا قد ماتت بالفعل؛ لذا أنشأت قبرًا لإحياء ذكراها وأرت إياه للملك بيريكليز، الذي جاء، بعد سنوات طويلة من الغياب، ليرى ابنته المحبوبة. وعندما سمع أنها ماتت، كان حزنه لا يُوصف؛ لذا أبحر مرة أخرى، وقرر أن يرتدى ملابس من الخيش وأقسم ألا يغسل وجهه أو يقص شعره ثانيةً. وكانت هناك خيمة مغلَّقة مقامة على ظهر السفينة التي كان يركبها، والتي كان يجلس فيها بمفرده، ولمدة ثلاثة أشهر، لم يتحدث مع أحد.
بيريكليز ومارينا.
في النهاية، صادف أن سفينته وصلت إلى ميناء ميتيليني، وذهب حاكمها ليسيماكوس ليعرف من أين جاءت السفينة. وعندما سمع قصة صمت وحزن بيريكليز، تذكر مارينا، وظنًّا منه أنها يُمكنها أن تساعد الملك في الخروج من الأزمة التي كان يمرُّ بها، أرسل إليها وطلب منها أن تبذل كل ما في وسعها لإقناع الملك بالحديث، واعدًا إياها بالحصول على أي مكافأة تريدها إن هي نجحت في ذلك. أطاعته مارينا بكل سرور، وعندما خرج الجميع، جلست هي وأبوها المسكين الذي أثقلتْه الهموم وأخذت تُغني له، لكن رغم أن صوتها كان عذبًا، لم يُحرِّك هو ساكنًا. لذا، تكلمت معه وقالت إن حزنها قد يكون مُكافئًا لحزنه، إذ رغم أنها أَمة، فإن أجدادها كانوا في مصاف أبرز الملوك.
لمَس شيء في صوتها وقصتها أوتار قلب الملك، ورفع بصره إليها، وبينما كان ينظر إليها، لاحظ في دهشة مدى الشبه بينها وبين زوجته الراحلة؛ لذا بدأ أمل كبير ينمو في قلبه وطلب منها أن تحكيَ قصتها.
رغم الكثير من المقاطعات من جانب الملك، قالت له من تكون وكيف أنها هربت من ديونيزا القاسية. وهكذا، أدرك بيريكليز أنها بالفعل ابنته، وأخذ يُقبِّلها المرة بعد الأخرى، قائلًا إن بِحاره العظيمة من السعادة أغرقته بكرمها. ثم قال: «أعطوني ملابسي. أيتها السماء، باركي ابنتي.»
ثم سمع صوت موسيقى إلهية، ما كان لأحد سواه أن يسمعها، وأخذته سِنة من النوم، رأى خلالها الإلهة ديانا في رؤيا.
قالت له: «عجِّل في الذهاب إلى معبدي في إفسوس، وهناك عندما تجتمع كاهناتي العذارى، أعلن كيف فقدت زوجتك في البحر.»
أطاع بيريكليز الإلهة وحكى قصته أمام مذبح معبدها. وما كاد ينتهي منها، حتى وقعت كبيرة الكاهنات مغشيًّا عليها، وهي تصيح: «أنت … أنت … يا صاحب الجلالة بيريكليز!» وبعد أن ثابت إلى وعيها بعد فترة قصيرة، تحدثت إليه ثانيةً قائلة: «أرجوك يا سيدي، ألست بيريكليز؟» تساءل الملك في دهشة: «هذا صوت الراحلة ثايسا.» قالت: «أجل، أنا ثايسا!» وعندما نظر إليها، أدرك أنها كانت تقول الحقيقة.
وهكذا، وجد بيريكليز وثايسا، بعد معاناة طويلة ومريرة، السعادة مرة أخرى، وفي غمرة السعادة التي أحاطت بلقائهما، نسيا آلام الماضي. وقد شعرت مارينا بسعادة شديدة، ليس فقط لأنها عادت إلى والديها الغاليَين ولكن أيضًا لأنها تزوجت ليسيماكوس، وأصبحت أميرة في الأرض التي بيعت فيها كأَمة.
عشرون قصة من روائع شكسبير |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.