Document stringlengths 40 198k |
|---|
مغامرة القارب
في نهاية كلٍّ من شارع بيل ستريت وشارع مكاي ستريت وشارع مايو ستريت، كان الفيضان. فنهر واواناش يفيض كل ربيع. وفي بعض فصول الربيع — لنقل فصلًا من كل خمسة فصول — كان الفيضان يغطي الطرقات بهذا الجانب من المدينة ويغمر الحقول، مخلفًا بحيرة ضحلة تعلوها الأمواج. كان الضوء المنعكس على صفحة الماء يجعل كل شيء براقًا وباردًا، كما هي الحال في البلدات الواقعة على ضفاف البحيرات، ويوقظ أو يحيي في الناس ترقبًا غامضًا بوقوع كارثة. خلال وقت متأخر من الظهيرة وأول المساء في الغالب، يخرج البعض زرافات للفرجة على البحيرة والجدل حول إن كان منسوبها سيواصل الارتفاع، وإن كانت ستغزو البلدة هذه المرة. بشكل عام، كلُّ مَن تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة و/أو تتجاوز الخامسة والستين كانوا متيقنين أشد اليقين من أن هذا هو ما سيحدث.
خرجت إيفا وكارول للتنزه على دراجتيهما. تركتا الطريق في نهاية شارع مايو ستريت حيث لا وجود لأي منزل، واتجهتا إلى أحد الحقول خلف سياج سلكي وقع بأكمله على الأرض من وطأة الثلوج المنهمرة في الشتاء، ثم سارتا بموازاة الساحل قليلًا قبلما يوقفهما العشب الطويل، فنزلتا عن دراجتيهما وتركتاها على الأرض ذاهبتين إلى الماء.
قالت إيفا: «علينا أن نجد جذع شجرة والركوب عليه.»
«يا إلهي، ستتجمد سيقاننا.»
علَّق عليها أحد الصبية الواقفين هناك على حافة المياه، قائلًا: «يا إلهي، ستتجمد سيقاننا!» قالها بذلك الأنين الكريه الذي يصطنعه الأولاد لتقليد الفتيات مع أنه لا يشبه طريقة كلام الفتيات في شيء. كان أولئك الصبية الثلاثة جميعًا في نفس فصل إيفا وكارول بالمدرسة، وكانتا تعرفانهم بالاسم: فرانك، بود، كلايتون؛ ولكن إيفا وكارول، اللتين رأتاهم وعرفتاهم من على الطريق، لم تتحدثا أو حتى تنظرا إليهم، بل لم تصدر عنهما أي إشارة تدل على ملاحظتهما لوجودهم. بدا أن الأولاد يحاولون صنع طوافة من قطع الخشب التي انتشلوها من الماء.
خلعت إيفا وكارول أحذيتهما وجواربهما وخاضتا في المياه، فوجدتا المياه باردة للغاية حتى إنها آلمت سيقانهما، فكانت كشرر كهربائي سرى عبر أوردتهما، ولكنهما واصلتا الخوض في المياه، رافعتين تنورتيهما لأعلى مع شدهما من الأمام مما أدى إلى تجسيم مؤخرتيهما؛ فصاح أحد الصبية:
«انظروا إلى هاتين البطتين ذواتي المؤخرتين السمينتين.»
فضحك أحدهم، مرددًا: «عاهرتان ذواتا مؤخرتين سمينتين.»
وبطبيعة الحال، لم تَصدُر عن إيفا وكارول أي إشارة تدل على سماعهما تلك السخرية، بل أمسكتا جذع شجرة وركبتا عليه، آخذتين معهما لوحين طافيين فوق الماء للتجديف. فدائمًا ما تطفو أشياء على سطح مياه الفيضان؛ من فروع وجذوع الأشجار وقضبان الأسيجة وعلامات الطريق وأخشاب قديمة، وأحيانًا غلايات وأحواض غسيل وأوانٍ ومقالٍ، أو حتى مقعد سيارة أو كرسي محشو، وكأن الفيضان قد مرَّ على مقلب نفايات.
أخذتا تجدفان مبتعدتين عن الشاطئ، متوجهتين إلى البحيرة الباردة. كانت المياه صافية تمامًا، حتى إنها تمكنهما من رؤية الحشائش البنية السابحة في القاع. تصورت إيفا أنهما تخوضان بحرًا كذلك الذي غرقت تحته مدن وبلدان مثل جزيرة أطلانطس المفقودة. تصورت أنهما تركبان أحد قوارب الفايكنج — قوارب الفايكنج المبحرة في المحيط الأطلسي كانت أوهن بناءً وأضيق مساحة من جذع الشجرة هذا المبحر في مياه الفيضان — وأسفلهما أميال من مياه البحر الصافية، ثم مدينة غارقة، لا تزال بحالها لم تمسسها يد من قبل كجوهرة لا مثيل لها في قاع المحيط. فعبَّرت إيفا عن أفكارها تلك، قائلة:
«إنه أحد قوارب الفايكنج، وأنا النقش على مقدمته.» نفخت صدرها للأمام واشرأبت بعنقها محاولة الانحناء بجسمها راسمة الجدية على وجهها ومخرجة لسانها من فمها، ثم استدارت، ولأول مرة نظرت إلى الأولاد، صائحة في وجوههم:
«أيها الأوغاد! إنكم تخشون المجيء إلى هنا، فعمق المياه عشرة أقدام!»
أجابوها دونما اهتمام: «كاذبة.» وهي كاذبة فعلًا.
أدارتا جذع الشجرة حول صف من الأشجار، متجنبتين أسلاكًا شائكة عائمة، ودخلتا في خليج صغير نشأ نتيجة تجويف صنعته الطبيعة في الأرض. وحيث يقع الخليج الآن ثمة بركة تمتلئ بالضفادع في وقت لاحق في فصل الربيع، وبحلول منتصف الصيف ستتبخر المياه كلها، مخلفة مساحة متشابكة منخفضة الارتفاع من القصب والشجيرات الخضراء، ويظل الطين الرطب عالقًا حول جذورها، فيما تنمو شجيرات أكبر وأشجار الصفصاف حول الضفة المنحدرة لهذه البركة ويظل جزء منها خارج الماء. كفَّت إيفا وكارول عن التجديف لدى رؤيتهما شيئًا عالقًا على مقربة منهما.
إنه قارب أو جزء من قارب. زورق قديم تحطم الجزء الأكبر من أحد جانبيه، أما سطحه الذي كان يُتخذ مقعدًا فيتدلى خارجه. كان الزورق محشورًا بين فروع الأشجار، ملقى على جانبه المحطم، إن كان لديه جانب من الأساس، فيما ارتفعت مقدمته لأعلى.
خطرت على بالهما الفكرة نفسها في الوقت ذاته دون تشاور بينهما، فصاحتا:
«يا شباب! أنتم أيها الشباب!»
«لقد وجدنا لكم قاربًا!»
«كفُّوا عن صنع طوافتكم الغبية تلك وتعالوا وانظروا إلى القارب!»
ما فاجأهما في المقام الأول هو مجيء الأولاد بالفعل مهرولين برًّا، حيث أخذوا يَعْدُون متعثرين أحيانًا، وأحيانًا أخرى ينزلقون على ضفاف البحيرة من فرط لهفتهم على رؤية القارب الغارق.
«مرحى، أين؟»
«أين هو؟ لا أرى قوارب هنا.»
وما فاجأهما في المقام الثاني هو أنه عندما رأى الأولاد القارب المقصود بالفعل، ذاك الزورق المتهالك الذي جرفه الفيضان فعلق بين فروع الأشجار، لم يفهموا أن الأمر مجرد خدعة وبلعوا الطعم وانطلت عليهم الحيلة؛ إذ لم تبدُ عليهم مظاهر خيبة الأمل ولو للحظة واحدة، بل بدوا سعداء بالاكتشاف كما لو كان القارب سليمًا وجديدًا. كانوا حفاة الأقدام بالفعل؛ نظرًا لأنهم كانوا يخوضون في الماء لجمع الأخشاب، وقد واصلوا الخوض حتى تلك البقعة دون توقف، محيطين بالقارب ومبدين إعجابهم به غير مبالين بإيفا أو كارول — حتى ولو من باب التحقير — اللتين كانتا تتمايلان لأعلى ولأسفل على جذع الشجرة الذي تركبانه، فاضطرتا إلى الصراخ فيهم:
«كيف هيَّأ لكم خيالكم أن بمقدوركم ركوبه؟»
«لن يطفو على أي حال.»
«ما الذي يجعلكم تظنون أنه سيطفو على سطح الماء؟»
«سوف يغرق بكم والماء يبقبق فيه.»
بيد أن الأولاد لم يجيبوهما؛ نظرًا لانشغالهم الشديد بمعاينة القارب، مقتربين منه على نحو استكشافي ليروا كيف يمكن سحبه وتعويمه دون إلحاق ضرر به. فرانك — أفضل الثلاثة قراءة وكتابة وأكثرهم حديثًا وأقلهم كفاءة — أخذ يشير إلى القارب بصيغة المؤنث، وهو تصنُّع قابلته إيفا وكارول بزمِّ شفاههما كأفواه الأسماك تعبيرًا عن ازدرائهما لما يقول:
«إنها محشورة في موقعين، عليكم بتوخي الحذر لكيلا تُحدثوا ثقبًا في قاعها؛ فهي أثقل مما تظنون.»
اعتلى كلايتون ظهر القارب وحرره، أما بود، ذاك الفتى الطويل البدين؛ فقد حمل ثقل القارب على ظهره ليعيده إلى الماء بحيث يستطيعون تعويمه قليلًا وحمله قليلًا إلى الشاطئ. كل ذلك استغرق بعض الوقت. في تلك الأثناء كانت كلٌّ من إيفا وكارول قد نزلتا عن جذعهما وخاضتا خارجتين من الماء. سارتا على البر للبس جواربهما وانتعال حذاءيهما وركوب دراجتيهما. لم تكونا بحاجة إلى العودة من هذا الطريق، ولكنهما جاءتا منه. وقفتا أعلى التلة متكئتين على دراجتيهما. لم تعودا إلى المنزل، لكنهما أيضًا لم تجلسا جلسة تنمُّ بوضوح عن رغبتهما في المشاهدة. كانتا تقفان ووجهاهما متقابلان مع اختلاس النظر إلى أسفل نحو الماء والأولاد الذين يعانون مع القارب، كما لو أنهما توقفتا لحظة واحدة فقط من باب الفضول، فبقيتا فترة أطول مما كانتا تنويان، بغرض رؤية ما سيسفر عنه هذا المشروع غير الواعد.
في حوالي الساعة التاسعة مساءً عندما خيَّم الظلام تقريبًا — خيم على من في بيوتهم، ولكنه لم يخيِّم تمامًا على من هم في الخارج — عادوا جميعًا إلى البلدة، يسيرون جنبًا إلى جنب بشارع مايو ستريت فيما يشبه الموكب. سار كلٌّ من فرانك وبود وكلايتون وهم يحملون القارب مقلوبًا رأسًا على عقب، فيما سارت إيفا وكارول من ورائهم مشيًا على الأقدام ممسكتين بدراجتيهما. اختفت رءوس الأولاد تقريبًا أسفل القارب المقلوب الذي تفوح منه رائحة الخشب المشبع بالمياه في مستنقعات المياه الباردة. كان بمقدور الفتاتين النظر إلى الأمام ورؤية أضواء الشوارع في عاكسات الضوء بدراجتيهما، عقد من الأنوار يمتد بطول شارع مايو ستريت، وصولًا إلى الصنبور، ثم انعطفوا إلى شارع بيرنز ستريت متجهين إلى منزل كلايتون، أقرب منزل ولد فيهم. لم يكن هذا الطريق يصل إلى بيت إيفا ولا كارول، ولكنهما واصلتا السير مع الأولاد، ربما كان الأولاد مشغولين في حمل القارب لدرجة أنهم نسوا أن يقولوا لهما هيا اذهبوا بعيدًا. كان بعض الأطفال الصغار لا يزالون في الخارج يلعبون، يلعبون الحجلة على الرصيف بالرغم من صعوبة الرؤية؛ ففي هذا الوقت من السنة كان الرصيف المكشوف لا يزال شيئًا بديعًا يدخل السرور على الأطفال. أفسح هؤلاء الأطفال الطريق وشاهدوا القارب يمر من أمامهم مشيعيه بنظرة تنمُّ عن الإكبار؛ ثم صاحوا مرددين الأسئلة في إثره، رغبة منهم في معرفة من أين جاءوا به وما سيفعلونه به. لم يجِبهم أحدٌ. رفض أيٌّ من إيفا أو كارول أو الأولاد إجابتهم أو حتى النظر إليهم.
دخل خمستهم فناء بيت كلايتون، وتوقف الأولاد وكأنهم يهمُّون بإنزال القارب عن أكتافهم؛ فسارعت كارول قائلة:
«يستحسن أن تحملوه إلى الخلف بحيث لا يراه أحدٌ.» وكان هذا أول ما قاله أحدهم منذ أن دخلوا البلدة.
لم يَقُل الأولاد شيئًا ولكنهم واصلوا المسير متخذين ممرًّا موحلًا بين بيت كلايتون وسور خشبي مائل، وتركوا القارب في الحديقة الخلفية.
قالت لهم إيفا في محاولة منها لتشتيت انتباههم: «تعلمون أنه قارب مسروق. لا بد أنه ملكٌ لأحدهم، وأنتم سرقتموه.»
فرد عليها بود لاهثًا: «أنتما إذن من سرقه؛ فأنتما من رآه أولًا.»
«ولكن أنتم من أخذه.»
«نحن جميعًا متورطون إذن. إذا وقع أحدنا في مشكلة فهذا يعني أننا كلنا واقعون في نفس المشكلة.»
تساءلت كارول: «فهل ستخبرون أحدًا بما حدث؟» فيما كانت هي وإيفا تهمان بركوب دراجتيهما للعودة إلى المنزل عبر الشوارع الغارقة في الظلام بين الأضواء والحفر التي خلَّفها الشتاء.
«الأمر يرجع إليكما. أنا لن أخبر أحدًا إن لم تفعلا أنتما.»
«وأنا لن أخبر أحدًا إن لم تفعلوا أنتم.»
ركبتا دراجتيهما في هدوء وهما تشعران أنهما تخليتا عن شيء ما، ولكن دون سخط. •••
بفناء بيت كلايتون الخلفي كان هناك الكثير من القوائم لدعم السور الخشبي، أو لمحاولة دعمه، وعلى تلك القوائم أمضت إيفا وكارول عدة أمسيات جلوسًا، بمرح ولكن ليس بشكل مريح للغاية، أو تكتفيان بالاتكاء على السور في حين يعمل الأولاد على إصلاح القارب. خلال أول أمسيتين كان أطفال الحي ينجذبون لأصوات الدق محاولين الوصول إلى الفناء لمعرفة ما يجري، ولكن إيفا وكارول كانتا تسدان عليهم الطريق.
«من قال لكم أن تأتوا إلى هنا؟»
«نحن جئنا بأنفسنا وحسب.»
غدا المساء أكثر طولًا، وصار الهواء أكثر اعتدالًا. بدأ الأطفال يلعبون نط الحبل على الأرصفة. كذلك على طول الشارع كان هناك صف من شجر القيقب الصلب الذي كان هدفًا للأطفال؛ حيث يشربون سوائله بمجرد سقوطها في الدلاء. أما الرجل والمرأة العجوزان اللذان يمتلكان الأشجار، واللذان يعتزمان صنع شراب القيقب، فكانا يهرولان من المنزل محدِثَيْن ضجة كما لو كانا يحاولان إخافة الغربان. وأخيرًا، وفي كل ربيع، يقف الرجل العجوز في شرفة منزله ويطلق النار من بندقيته في الهواء، ومن ثم يتوقف الأطفال عن سرقتهما.
لم يكلِّف أحدٌ ممن يعملون على إصلاح القارب نفسه عناءَ سرقة الشراب، مع أن هذا كان ديدنهم الموسم الماضي.
كانوا يجمعون الأخشاب اللازمة لإصلاح القارب من هنا وهناك من الممرات الخلفية. ففي هذا الوقت من العام تتوافر الأشياء في شتى الأرجاء؛ من ألواح خشبية وفروع أشجار وقفازات مشبعة بالماء وملاعق جرفتها مياه غسل الصحون وأغطية علب الحلوى، وكل الحطام الذي يمكن أن يسلم وينجو من فصل الشتاء. هذا وقد استعانوا بأدوات من قبو كلايتون — التي يفترض أنها كانت ملك والده قبل وفاته — ومع أنه لم يكن هناك من يقدم لهم المشورة، إلا أن الأولاد بدوا على معرفة بكيفية بناء القوارب، أو إعادة بنائها. كان فرانك يستعين بالرسومات من الكتب ومجلة بوبيولار ميكانيكس. كان كلايتون ينظر في تلك الرسومات ويستمع لفرانك وهو يقرأ التعليمات؛ ومن ثم ينطلق مقررًا تنفيذ ما يجب فعله بطريقته الخاصة. أما بود فكان أبرعهم في نشر الخشب. فيما اكتفت إيفا وكارول بالفرجة من عند السور موجهتين النقد ومفكرتين في أسماء للقارب، مثل: زنبق الماء، حصان البحر، ملكة الفيضانات، وأخيرًا كارو-إيف على اسميهما؛ لأنهما هما من عثرتا عليه. ولم يُبدِ الأولاد رأيهم في أي الأسماء نال إعجابهم من بين تلك الأسماء، إن كان أيٌّ منها نال إعجابهم من الأساس.
كان يجب طلاء القارب بالقطران. أخذ كلايتون يسخِّن وعاء القطران على موقد المطبخ، ثم أحضره خارجًا وأخذ يدهن القارب ببطء، متوخيًا الدقة، وجالسًا منفرج الساقين فوق القارب المقلوب، فيما كان الولدان الآخران ينشران لوحًا من الخشب لصنع مقعد جديد. فقد القطران حرارته واكتسب ثخانة، حتى إن كلايتون لم يستطِع تحريك الفرشاة به أكثر من ذلك، فالتفت إلى إيفا وناولها الوعاء، قائلًا: «ادخلي المنزل لتسخين هذا الوعاء على الموقد.»
أخذت إيفا الوعاء وصعدت السلم الخلفي. بدا لها المطبخ حالك السواد بعد مجيئها من الخارج، ولكن لا بد أنه كان مضيئًا بما يكفي لأن يرى المرء بداخله؛ نظرًا لأن أم كلايتون كانت تقف على طاولة الكي وتكوي. كانت تفعل ذلك من أجل لقمة العيش، حيث تقوم بالغسيل والكي.
«رجاء سيدتي، هل يمكنني وضع وعاء القطران على الموقد؟» قالتها إيفا بأدب جم، ولا عجب فقد تربت على احترام الكبير، حتى المشتغلات في الغسيل والكي، فلسبب ما أرادت ترك انطباع إيجابي لدى والدة كلايتون.
أجابتها والدة كلايتون، قائلة: «عليك إذن أن تكبسي الموقد حتى تشعلي النار.» وكأنها تشك في أن إيفا تعرف كيف تفعل ذلك، إلا أن إيفا فهمت المراد، وأمسكت غطاء الموقد وأخذت المكبس وظلت تكبس حتى أوقدت اللهب، ثم شرعت تقلب القطران حتى خف قوامه؛ مما جعلها تشعر بالسعادة عندئذٍ وفيما بعد. قبل أن تخلد إلى النوم طاف في خيالها صورة كلايتون؛ رأته يجلس منفرج الساقين فوق القارب، يدهنه بالقطران بهذا التركيز، والدقة، والاستغراق. فكرت فيه وهو يتحدث معها، من منعزله، بتلك النبرة الآمرة ولكن بشكل عفوي مسالم لا تملك إلا أن تستجيب له. •••
في الرابع والعشرين من مايو، وهو يوم عطلة من المدرسة في منتصف الأسبوع، حمل الأولاد القارب خارج البلدة، قاطعين الآن شوطًا طويلًا عبر الحقول والأسوار التي تم إصلاحها، إلى حيث تدفق النهر بين ضفافه الطبيعية. تناوب كلٌّ من إيفا وكارول، وكذلك الأولاد، حمل القارب، الذي انطلق في الماء من بقعة قاحلة داستها الأبقار بين شجيرات الصفصاف التي أنبتت وريقاتها حديثًا. ذهب الأولاد أولًا، وصاحوا صيحة النصر عندما طفا القارب، وجرى مع تيار النهر على نحو مثير للدهشة. كانوا قد دهنوه باللون الأسود من الخارج، وباللون الأخضر من الداخل، مع دهان مقاعده باللون الأصفر، فيما أحاطوه بخط أصفر على طول محيطه من الخارج. لم يكن عليه أي اسم على كل حال؛ إذ رأى الأولاد أنهم ليسوا بحاجة لتسميته لتمييزه عن القوارب الأخرى في العالم.
ركضت إيفا وكارول على طول الضفة، حاملتين حقائب مليئة بشطائر زبدة الفول السوداني والمربى والمخللات والموز وكعك الشوكولاتة ورقائق البطاطس ومقرمشات جراهام، إضافة إلى شراب الذرة وخمس زجاجات كولا لتبريدها في مياه النهر. كانت الزجاجات تصطدم بأرجلهما. صاحتا إنه دورهم، وصرخت كارول حانقة:
«إن لم يعطونا دورنا فما هم إلا أوباش.» ثم صاحتا معًا: «نحن من وجدتاه! نحن من وجدتاه!»
لم يَرُدَّ عليهما الأولاد، ولكن بعد فترة من الزمن جاءوا بالقارب ليجدوا كارول وإيفا تهرولان إليهم وتسألانهم:
«هل تسرَّب إليه الماء؟»
«كلا، لم يتسرَّب إليه الماء حتى الآن.»
فصرخت كارول: «لقد نسينا علبة نزح الماء.» إلا أنها قفزت في القارب مع إيفا، ودفعهما فرانك، صائحًا: «مرحبًا بكما في القبر المائي!»
مشكلة الركوب في قارب ليست أنه يتمايل بقوة، مثل جذوع الأشجار، ولكن مشكلته أنه مقعر، ومن ثم فإن ركوبه لا يعني أنك فوق شيء في الماء، بل يعني أنك في الماء نفسه. سرعان ما تناوبوا ركوب القارب في أدوار مختلفة: صبيَّان وفتاة، فتاتان وصبي، فتاة وصبي، حتى اختلط عليهم الأمر وبات من المستحيل معرفة من عليه الدور ليركب. وعلى أي حال لم يُلقِ أحدٌ بالًا لتلك المسألة. دخلوا في أعماق النهر فيما أخذ هؤلاء الذين لم يركبوا يركضون على طول الضفة حتى لا يبعدوا عنهم. مروا تحت جسرين أحدهما حديدي والآخر أسمنتي. ذات مرة رأوا سمكة شبوط كبيرة مسترخية — بدت وكأنها تبتسم لهم — في المياه التي ينعكس عليها ظل الجسر. لم يعرفوا كم أبحروا في النهر، ولكن التضاريس تغيرت؛ إذ أمست المياه أكثر ضحالة، فيما أخذ القاع شكلًا مسطحًا. وعبر حقل خالٍ رأوا مبنًى بدا وكأنه منزل مهجور. فما كان منهم إلا أن سحبوا القارب خارج الماء وربطوه على الضفة وانطلقوا عبر الحقل.
قال فرانك: «تلك هي المحطة القديمة، إنها محطة بيدر ستيشن.» كان الآخرون قد سمعوا بهذا الاسم من قبل ولكنه كان يعرفه؛ لأن والده كان وكيل المحطة في البلدة. وقال إن هذه المحطة كانت على خط فرعي تم إلغاؤه، وأنه كان يوجد مصنع لتقطيع ونشر الخشب هنا، ولكن منذ فترة بعيدة.
داخل المحطة كان الظلام الدامس يخيم على المكان والجو باردًا، وكانت جميع النوافذ محطمة، وشظايا الزجاج المكسور متناثرة على هيئة قطع كبيرة إلى حد ما على الأرض. جالوا في أرجاء المحطة باحثين عن قطع الزجاج الكبيرة ليدوسوا عليها ويحطموها، كان الأمر مثل تكسير الجليد على البرك. كانت بعض الحواجز لا تزال في مكانها، حتى إنه يمكن للمرء رؤية مكان شباك التذاكر. كان هناك مقعد مقلوب على جانبه. كان الناس يأتون هنا، يبدو كما لو أنهم كانوا يأتون طوال الوقت، مع أن المحطة كانت بعيدة عن أي مكان. زجاجات البيرة والكولا متناثرة في الأرجاء، وكذلك علب السجائر والعلكة وأغلفة الحلوى ولفائف أرغفة الخبز. كانت الجدران مغطاة بكتابات جديدة وأخرى باهتة بأقلام الرصاص والطباشير ومنحوتة بالسكاكين:
أحب روني كولز.
أريد المضاجعة.
كيلروي كان هنا.
روني كولز أحمق تافه.
ماذا تفعل هنا؟
أنتظر قطارًا.
داونا ماري-لو باربارا جواني.
كان الدخول إلى هذا المكان الواسع المظلم الفارغ أمرًا يبعث على الشعور بالإثارة، لا سيما مع الضوضاء العالية لصوت تكسير الزجاج وصدى صوتهم أسفل السطح. قلبوا زجاجات البيرة القديمة على أفواهها، وهو ما ذكَّرهم بأنهم يعانون من الجوع والعطش، فقاموا بتطهير مكان في وسط الأرض وجلسوا وراحوا يأكلون وجبة الغداء. شربوا الكولا كما هي فاترة؛ أكلوا كل ما معهم ولعقوا بقايا زبدة الفول السوداني والمربى من على الورق الذي لُفَّت فيه الشطائر.
لعبوا لعبة الجرأة أو الصراحة.
«أتحداك أن تكتب على الحائط: أنا غبي أحمق، وتوقِّع باسمك.»
«قل الحقيقة، ما أسوأ كذبة نسجتها في حياتك؟»
«هل بللت فراشك من قبل؟»
«هل سبق لك أن حلمت بأنك تسير بقارعة الطريق عاريًا؟»
«أتحداك أن تخرج وتتبول على إشارة السكة الحديدية.»
فرانك هو من كان عليه أن يفعل ذلك. لم يستطيعوا رؤيته ولا حتى رؤية ظهره لكنهم تيقنوا من أنه فعلها؛ فقد سمعوا صوت بوله. جلسوا جميعًا يخيم عليهم الصمت تعلو وجوههم الحيرة وغير قادرين على التفكير في التحدي التالي.
فقال لهم فرانك من عند المدخل: «أتحداكم جميعًا، أتحداكم … جميعًا.»
«فيمَ؟»
«أن تخلعوا ملابسكم.»
صرخت إيفا وكارول.
«كلُّ مَن لا يفعل ذلك عليه أن يمشي، بل ويزحف على الأرض على يديه ورجليه.»
خيم الصمت عليهم جميعًا، حتى قالت له إيفا بنبرة تنمُّ عن الرضا تقريبًا: «ما الذي نخلعه أولًا؟»
«الأحذية والجوارب.»
«إذن، يتعين علينا الخروج أولًا؛ فهناك الكثير من الزجاج هنا.»
خلعوا أحذيتهم وجواربهم في المدخل في ضوء الشمس المبهر الذي أصابهم بالعمى المؤقت. كان الحقل أمامهم براقًا كالماء تمامًا، فأخذوا يركضون على الممرات عبره.
قالت كارول: «هذا يكفي، هذا يكفي! احذروا الأشواك!»
«قمصانكم! اخلعوا قمصانكم جميعًا!»
«لن أفعل، نحن لن نفعلها، أليس كذلك يا إيفا؟»
لكن إيفا أخذت تستدير يمينًا ويسارًا في الشمس على الممر، قائلة: «لا يهمني، لا يهمني! الجرأة أو الصراحة! الجرأة أو الصراحة!»
فكت أزرار قميصها وهي تستدير ذات اليمين وذات الشمال كأنها لم تكن تعرف ما تفعله يداها، حتى خلعته.
«السراويل!»
لم ينبس أحدٌ ببنت شفة هذه المرة، بل انحنوا جميعًا وجردوا أنفسهم من سراويلهم، وكانت إيفا أول من تعرى، ثم ركضوا في الحقل، ركضوا هم الخمسة عراة بين العشب الدافئ الواصل حتى ركبهم، ثم ركضوا نحو النهر. لم يبالوا حينئذٍ بأن يضبطهم أحدٌ وهم في هذه الوضعية، بل قفزوا وأخذوا يتصايحون للفت الانتباه إليهم، إن كان هناك من يسمعهم أو يراهم. شعروا كأنهم سيقفزون من قمة جبل ويطيرون في السماء. شعروا بأن ثمة شيئًا يحدث لهم مختلفًا عن أي شيء حدث لهم من قبل، شيئًا له علاقة بالقارب والماء وضوء الشمس والمحطة المتهالكة الغارقة في الظلام الدامس وبتفاعلهم بعضهم مع بعض. لم ينظر بعضهم إلى بعض الآن كأجسام أو بشر، بل كصرخات مدوية، وكانعكاسات؛ اتسمت جميعها بالجرأة والصخب، واكتست بالبياض، وكانت سريعة كالسهام. أخذوا يركضون دون توقف في الماء البارد، وعندما وصل إلى أعلى أرجلهم تقريبًا سقطوا فيه وأخذوا يسبحون، مما أوقف ضوضاءهم، فاعتلاهم الصمت والمتعة سريعًا؛ وأخذوا يغطسون ويطفون وينفصلون في خفة ورشاقة.
وقفت إيفا في النهر يقطر الماء من شعرها وينحدر على وجهها. كان الماء يصل إلى خصرها، فيما تقف على حجارة ملساء وقدماها متباعدتان إلى حدٍّ ما، ينساب الماء بين ساقيها. على بعد ياردة تقريبًا منها وقف كلايتون أيضًا، وكانا ينثران الماء عن عيونهما، وينظر أحدهما إلى الآخر. لم تستدِر إيفا أو تحاول الاختباء؛ كانت ترتعش من برودة الماء، ولكن أيضًا في كبرياء وخزي وجرأة وابتهاج.
هز كلايتون رأسه بقوة، كما لو أنه يريد أن يخرج منها شيئًا، ثم انحنى وملأ فمه من ماء النهر، ثم اعتدل واقفًا ووجنتاه منتفختان عن آخرهما، ثم نفث الماء عليها كما لو أنه يخرج من خرطوم، فأصابها مباشرة في أحد ثدييها ثم في الآخر. انحدر الماء من فمه على جسدها، وعندئذٍ صاح ساخرًا لرؤيته، كان صوته عاليًا بشكل غير متوقع منه؛ فنظر الآخرون من أماكنهم في المياه ثم اقتربوا للفرجة.
انحنت إيفا وانزلقت في الماء حتى غطى رأسها، ثم سبحت في اتجاه التيار، وعندما أخرجت رأسها، كانت كارول قادمة بعدها مباشرة، فيما كان الصبية على ضفة النهر بالفعل يركضون على العشب، وتظهر ظهورهم النحيلة ومؤخراتهم البيضاء المسطحة. كانوا يضحكون ويقولون أشياء بعضهم لبعض ولكنها لم تستطِع سماعهم، بسبب وجود الماء في أذنيها.
فسألتها كارول: «ماذا فعل؟»
«لا شيء.»
تسللتا إلى الشاطئ، واقترحت عليها إيفا، قائلة: «دعينا نَبْقَ خلف الأجمات حتى يذهبوا؛ فأنا أكرههم على أي حال. أكرههم حقًّا. ألا تكرهينهم أنت؟»
قالت كارول: «بلى، بالتأكيد.» ثم انتظرتا، ليس طويلًا، حتى سمعتا الأولاد ولا تزال أصواتهم صاخبة ومنتشية تبتعد رويدًا رويدًا عكس مجرى النهر حيث كانوا قد تركوا القارب. سمعتاهم يقفزون فيه وشرعوا في التجديف.
قالت إيفا، وهي تحيط جسدها بذراعيها وترتجف بشدة: «سيجدون صعوبة كبيرة في العودة عكس التيار. من يهتم؟ على أي حال فهو لم يكن يومًا زورقنا.»
علقت كارول: «وماذا لو أفشوا سرنا؟»
«سنقول إن الأمر كله كذب في كذب.»
لم تفكر إيفا في هذا الحل حتى نطقت به، ولكن ما إن فعلت حتى شعرت برعونته مرة أخرى. كما أن سهولته وسخافته جعلتهما تنفجران في الضحك، وتصفع كلاهما الأخرى وتتبادلان رش المياه مستغرقتين في نوبات من الضحك، وما إن تُرهَق إحداهما من كثرة الضحك تنفجر الأخرى ضاحكة وتبدآن نوبة الضحك من جديد. لم تستطيعا السيطرة على نفسيهما، لم تستطيعا ذلك بحق. كانتا متواجهتين وكلٌّ منهما متشبثة بالأخرى كما لو كان الفراق سيؤلمهما أشد الإيلام.
سر يؤرقني |
الجلادون
هيلينا الحقيرة الوضيعة.
أبوها سكران كل ليلة.
ما كان هذا لأبكي بسببه؟ لا أعرف إن كنت قد بكيت حقًّا، فأنا لا أتذكر شيئًا. كنت قد تعودت على منظر أرصفة الشوارع، وعلى شكل الأرض أسفل الأشجار، تلك الأشياء التي لا ملامح لها كنت أراها وأنا ناظرة إلى أسفل. ولا أقصد بذلك أي إساءة. ولقد تعجبت من طريقة بعض كبار السن في عدم التأثر بأي شيء؛ لا بحول عينيَّ، ولا أخي الصغير الأحمق، ولا المنزل المتسخ الذي أعيش فيه بجوار السكك الحديدية. كنت أنا على النقيض تمامًا منهم، فكنت بالغة الحساسية كما قالت روبينا. كنت أتوقع اللوم في كل لحظة:
مع السلامة هيلينا.
مع السلامة هيلينا.
مع السلامة هيلينا.
مع السلامة هيلينا.
اعتاد الأطفال الاحتشاد خلفي وأنا راجعة من ربوة المدرسة. كانت لهم أصوات عذبة وصريحة، يتغنون ببراءة شديدة. ليتني كنت أعرف كيف أتصرف، ليتني كنت أعرف كيف أواجه الموقف. هذا شيء لا يمكن تعليمه. إنها موهبة، تمامًا مثل ملكة عزف الموسيقى.
ملابسي كانت غريبة، وكان هذا من جملة أشياء أخرى؛ فكنت أرتدي سترة كحلية اللون، تشبه ذلك الزي الذي يرتدونه في المدارس الخاصة (التي كان من الممكن أن ترسلني أمي إلى واحدة منها بكل تأكيد فقط لو كان لديها المال اللازم لذلك) وجوارب طويلة بيضاء، شتاءً أو صيفًا، دون أن أعبأ بالوحل الموجود على طريقنا. وفي الشتاء كانت تظهر الطيات المتكتلة من الرداء التحتي الطويل الذي كنت مجبرة على لبسه أسفل ملابسي. وأعلى رأسي شكَّل شعري قبة كبيرة، وكانت أطرافه شديدة الجفاف كالحديد، وتكونت تموجات صغيرة جراء تمشيطه بمشط مبلل بالماء. لم تكن تلك التصفيفة المفضلة لأي شخص آخر. ولكن ماذا عساي أن ألبسه ويبدو لائقًا؟ ذات مرة اشتريت معطفًا شتويًّا جديدًا، اعتقدت أنه جميل جدًّا، كانت له ياقة كبيرة من فرو السنجاب، فأخذ الأطفال يصيحون خلفي: «فراء الفأر، فراء الفأر، سلخت الفأر وارتدت فراءه!» كانوا يصيحون بهذا من خلفي وأنا ماشية. وبعد هذا لم أحب الفراء على الإطلاق، لم أحب ملمسه؛ فقد كان ناعمًا أكثر مما ينبغي، وشخصيًّا، ومهينًا.
تعودت أن أبحث عن أماكن للاختباء. في الأبنية، وفي الأبنية العامة الكبيرة، كنت أبحث عن نوافذ صغيرة عالية، أماكن مظلمة. كان لمبنى البنك التجاري القديم برج وكنت مولعة به. تخيلت نفسي مختبئة هناك، أو في أي حجرة صغيرة وعالية بعيدًا، آمنة في منتصف البلدة، مجهولة ومنسية، إلا من شخص يطل عليَّ في المساء ويحضر لي الطعام. •••
كان هذا هو حال أبي بالفعل؛ إذ كان بعيدًا عني في معظم الأوقات، يتلقى العلاج، مقيمًا في مصحة لعلاج الإدمان، خارج البلاد. قبل ولادتي كان عضوًا في البرلمان، ولقد عانى من هزيمة ثقيلة في عام ١٩١١، العام الذي خرج فيه لورييه من البرلمان. بعد ذلك بكثير، عندما عرفت بأمر اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، اكتشفت أن هذه الهزيمة كانت مجرد جزء من نكبة قومية (لو أنك في الواقع تميل إلى اعتبارها نكبة)، ولكن عندما كنت طفلة لطالما اعتقدت أن أبي جرى نبذه والاستهزاء به شخصيًّا بشكل مخزٍ. كانت أمي تشبِّه ما حدث بصلب المسيح، وقد حاول أبي الخروج إلى الشرفة في فندق كوينز هوتيل، لكي يلقي خطبة، يعترف فيها بهزيمته، ولكنه مُنع من ذلك، وتعرَّض للاستهزاء والسخرية من قبل أعضاء حزب المحافظين، حاملين مقشات تشتعل بها النار. لم يكن عندي أدنى فكرة، فقط سمعت عن هذا، تلك المشاهد كان على السياسيين مواجهتها أحيانًا. أرَّخت أمي سقوطه منذ هذا التاريخ، مع أنها لم تحدِّد الشكل الذي اتخذه هذا السقوط. لم تكن كلمة مدمن كحوليات لتقال في منزلنا، ولا أعتقد أنها كانت تقال كثيرًا في أي مكان آخر حولنا في هذا الوقت. سكِّير هي الكلمة التي كانت تستخدم كثيرًا في هذا الوقت، ولكن هذا ما كان يحدث في البلدة.
لم تعد أمي تذهب لتتسوق مرة أخرى في هذه البلدة، إلا لشراء البقالة فقط، التي تطلبها لها روبينا بالتليفون، ولم تَعُد تتحدث مع الكثير من السيدات، زوجات أعضاء حزب المحافظين الذين يسخرون من أبي. لن أطأ عتبتها أبدًا.
هذا ما كانت تقوله عن الذهاب إلى كنيسة، أو المحال التجارية، أو بيت إحداهن.
ثم تعقِّب قائلة: «هو أفضل من أن يكون معهم.»
لم يكن لديها أي شخص آخر باستثناء روبينا لتقول له هذه الأشياء، ولكن روبينا كانت كافية على نحو ما. كانت امرأة لديها قائمة بأشخاص لا تتكلم معهم، ومحال تجارية لا تذهب إليها أبدًا.
«كلهم جاهلون في هذه الأنحاء، هم من ينبغي أن يُكنسوا بالمقشات.»
دأبت على استهلال كلامها بالحديث عن بعض الظلم الذي وقع على أخويها جيمي ودوفال، اللذين اتُّهما بالسرقة في حين أنهما كانا فقط يحاولان تجربة مصباح يدوي. •••
تاركة المباني في البلدة من خلفي، كان لزامًا عليَّ أن أمشي ميلًا كاملًا على أحد الطرق الريفية. كان منزلنا في نهاية هذا الطريق، منزل كبير مبنيٌّ بالقرميد له نوافذ كبيرة بارزة علوية وسفلية. وهذه النوافذ كانت دائمًا تبدو كريهة في نظري، تبرز للخارج مثل عيون الحشرات. فرحت كثيرًا عندما هدموا هذا المنزل بعدها بسنوات، وقاموا ببناء مطار البلدة على أرضنا. على طول الطريق لم يكن هناك سوى منزلين أو ثلاثة منازل أخرى، واحد منها ملك لشخص يدعى ستومب تروي.
كان ستومب تروي يمارس التهريب، وقد فقد ساقيه في حادثة بمصنع رايان. ويُقال إن عائلة رايان ساندته في التهريب بعد هذه الحادثة وأبقته بعد ذلك بعيدًا عن أي مشكلات أو متاعب؛ لكيلا يرفع أي دعوى قضائية ضدهم للمطالبة بالتعويض. وبالتأكيد ازدهرت تجارته غير الشرعية ولم يجرؤ أي شخص على معارضته. كان لديه ابن اسمه هاوارد، وكان يذهب إلى المدرسة وينقطع عنها — كان يتصرف وفقًا لنزواته هكذا — وكان يوضع في أي فصل فيه مكان شاغر له، مع إجلاسه في الخلف وترك مقاعد شاغرة حوله إن أمكن؛ حتى لا تشتكي أي أم من وجوده في هذا الفصل. لم يكن الموظف المسئول عن غياب الطلاب — إن كان له وجود حينها — ليقلق بشأن هذه الحالة. في تلك الأيام كان المتوقع، وربما الضروري، أن يظل الناس كما هم مع عدم محاولة تقويم سلوكهم أو تغييره. أما المدرسون فكانوا يطلقون النكات على هاوارد تروي في حضوره وفي غيابه، ولم تكن تلك مسألة غريبة أو قاسية بالمرة، وفيما عدا ذلك يتركونه في حاله.
وخلال إحدى مرات حضوره إلى المدرسة كان في فصلي، جالسًا خلفي بشكل غير معتدل، وقد أسديت إليه معروفًا، وعرفت بعد ذلك — بل في ذلك الحين — أن ما قمت بفعله شيء خاطئ. كنا ننقل من على السبورة، ولم يكن هاوارد تروي ينقل. كان يجلس هناك بدون قلم أو ورقة، لم يكن يفعل أي شيء على الإطلاق؛ فقد جاء إلى المدرسة بدون أي أدوات مدرسية؛ إذ إن حمل أقلام الرصاص أو الورق أو الممحاوات أو أقلام الشمع يُعتبر عنده ضربًا من ضروب المستحيل. كان ينظر إلى الأمام مباشرة، ربما كان ينظر إلى السبورة محاولًا قراءة أو فهم معنى ما هو مكتوب عليها، أو ربما كان لا ينظر إلى أي شيء على الإطلاق. فيمَ كان يفكر؟ حاولت أن أفكر في هذا. لم أكُن أحب أن أشعر بأنه لا يزال هناك خلفي، يراقب، يتفحص خلال كل الأشياء، ولا يهتم بأي شيء، ذلك الغباء والقبح المطبوعان فيه واللذان يلقيان القبول من جانبه، وأصبح الآخرون يعتقدون اعتقادًا راسخًا فيهما بحيث لم تَعُد هناك أي أهمية الآن لوجودهما بداخله أو عدم وجودهما. لم أكُن أعتقد أنه كان يشبه حالتي، لم يشتطَّ بي التفكير إلى هذا الحد، كنت فقط خائفة منه لدرجة لم تحدث لي من قبل.
عيناه كانتا في نفس لون عيون القطة، وكانتا مستديرتين، دقيقتين، متقاربتين.
فتحت دفتري من المنتصف، حتى أستطيع فصل ورقة منه دون تمزيق أي شيء آخر، ومررتها إليه ومعها قلم رصاص حاد السن. لم يستطِع الوصول إليَّ لأخذهما، فوضعتهما على مكتبه. لم يكلِّف نفسه حتى توجيه الشكر لي أو إلقاء بال، ولكن بعد ذلك رأيته على الأقل يستخدم القلم على الورقة؛ ربما كان للنقل من السبورة أو لرسم صور أو لمجرد الشخبطة، ليس عندي أدنى فكرة عن ذلك.
ذلك كان الخطأ الذي ارتكبته، هذا هو الشيء الذي جذب انتباهه إليَّ، إضافة إلى المصادفة — لم تكن مصادفة، ولكن هذا ما بدا لي! — في كوننا نسكن بنفس الطريق. كان ينبغي أن أتعلم درسًا، لعله اعتقد هذا، بسبب العجرفة أو بسبب تصرفي بتسامح معه، أو ربما كان قد رأى فيَّ ضعفًا غير مألوف فاجأه وأثار اهتمامه. •••
تراكم الجليد على جانبَي الطريق الذي بدا وكأنه نفق محفور بينهما، وتحت الثلج الحديث كانت هناك طبقات صلبة رمادية اللون من الثلج القديم، وعلى طول الممرات المجروفة كان بول الكلاب. أما ممر عضو حزب المحافظين ستومب تروي فدائمًا ما يتم نزح الجليد منه. لمصلحة من؟ على حد قول روبينا التي كانت تطرح أغلب أسئلتها بصوت ينمُّ عن معرفتها الإجابة مسبقًا. كنت أمشي ومعي سكين في جيبي، سكين تقشير كنت قد سرقتها من مطبخ روبينا، وقمت بخلع قفازي لكي أتحسسها. كان هاوارد تروي يختبئ خلف الجليد، في الدرب الخاص بمنزلهم، مرة أسبوعيًّا، مرتين أسبوعيًّا، لم أعرف قطُّ متى كان يحدث هذا، كان هاوارد ينتظرني، فيخرج من مخبئه لكي يعترض سبيلي في الطريق الضيق:
اللعنة.
لم لا تعبثين معي أيتها اللعينة.
كنت أمر أمامه منكسة الرأس وأنا ألهث من فرط الخوف كما لو كنت أجتاز جدارًا من النيران المشتعلة. كان من المهم ألا أنظر إليه مباشرة، وألا أسرع الخطى أيضًا، وأن أتحسس شفرة السكين التي في جيبي. لم أكُن أعتقد أنه سيجرؤ على تعقبي. إذا لم يَقُم بأي حركة خلال تلك اللحظة، إذن فلن يقوم بأي حركة على الإطلاق. الخطر كله كان يكمن في بشاعة هذه الكلمة.
كل هذا يتجاوز الشرح الآن. كنت أسمع الأطفال الصغار يقولونها بأريحية «اللعنة، ما أهمية ذلك؟» وهم يركبون دراجاتهم، كنت أسمع أيضًا أبًا يصيح في أبنائه: «أبعدوا آلة تجزيز العشب اللعينة بعيدًا عن طريق السيارة!» هذه الكلمة يمكن أن يوجهها أحدهم إليك وتصيبك بالجمود في مكانك. أما الإذلال فكان أكيدًا، وإن كان موجودًا من قبل بالفعل، في سماع هذه الكلمة، وإجبارك على التوقف مكانك، والاضطرار إلى التسليم لها، وما تسببه من عار له أن يشعرك بالاختناق. أعني أنه ليس خلال هذه اللحظة حيث لا شيء يشغل بالك إلا أن تبقى آمنًا وأن تتجاوز الموقف بسلام، ولكن بعد ذلك، حيث يعتريك شعور عارم بالخجل والعار، ويا لها من أسرار مؤرقة لا يمكن نسيانها! الضعف في حد ذاته عار. إننا مخلوقات يجللها الخزي والعار.
لم أكن لأخبر أحدًا عن هذا، ولم ألتمس من أحدٍ المساعدة قطُّ. كان بإمكاني أن أتحمل أي أخطار، أتحمل أي نوع من العنف، أو إهانة شديدة، بدلًا من ترديد ما قيل لي، أو الاعتراف به. ولقد رأيت في هذا الموقف أنني لا أستطيع التماس أي مساعدة، أو أي قوة تساندني. ولقد فكرت بالطبع أن هذا كل ما قد يُقال لي، وأن هاوارد تروي سيعرف ما يمكنه تهديدي به، وأن هذه كانت مجرد إشارة. ولذلك كان يجب أن أخفي الأمر وأخرجه من ذهني تمامًا، سريعًا، سريعًا، وكأنه لم يحدث لي قط، ولكني لم أستطِع عمل كل هذا في نفس الوقت، فهو عالق في ذاكرتي بشكل لا أستطيع طرده منها دفعة واحدة، كانت كأنها ذكريات مكبوتة ثم تدفقت كلها في مكان آخر في عقلي. •••
اعتادت روبينا أن تصحبني إلى المنزل معها. كنا نسير عبر الغابة، خلف المكان حيث المطار حاليًّا، على بعد ميل أو ربما ميل ونصف من المزرعة الصغيرة التي كانت توجد بها أكوام من الحجارة في منتصف الحقول. كنا نذهب إلى هناك في الشتاء، وقد أرتني روبينا أيضًا ما أطلقت عليه طريق الذئاب. كانت تعرف حادثةً تعرَّض لها طفل صغير كان موضوعًا في مزلجة الجليد يجرها كلب، وعندما سمع الكلب الذئاب تعوي في الغابة، أسرع بكل قوته لكي ينضم إليها، وكان الطفل لا يزال معلقًا به في المزلجة. وعندما ذهب الكلب إلى المكان الذي كانت فيه الذئاب، تحول هو أيضًا إلى ذئب، وتجمعوا كلهم فأخرجوا الطفل من المزلجة ونهشوه نهشًا.
عندما كنا نمشي في الغابة كانت روبينا تزيد من سلطتها عليَّ، أو تكتسب نوعًا آخر من السلطة مختلفًا عما تتمتع به في مطبخ أمي، حيث كان كل ما تحمله هناك هو لقب الخادمة غير الملائم الذي يعطي عنها انطباعًا مضللًا تمامًا. جسدها الطويل المسطح كان يبدو متراخيًا، يتمايل مثل باب يتأرجح على مفصلاته، محكوم، ولكنه خطير جدًّا إذا اعترضت طريقه. أظن أنها كانت في العشرين من عمرها في ذلك الحين، ولكنها كانت تبدو بالنسبة لي أكبر سنًّا كما لو كانت في عمر أمي، كانت تبدو كبيرة كمدرسات المدرسة القويات الكبيرات في السن، والسيدات العجائز المسئولات عن المتاجر. كان شعرها مقصوصًا قصيرًا، داكن اللون، مسحوبًا بإحكام حول جبهتها وممسوكًا بدبابيس الشعر. كانت رائحتها كرائحة المطبخ، وملابسها معبقة برائحة العرق الجاف. كان هناك شيء قاتم مكفهر فيها؛ في بشرتها وشعرها وملابسها ورائحتها. ولكن لا شيء من هذا كله يمكن الاعتراض عليه. من ذا الذي يستطيع الاعتراض على روبينا؟ من ذا الذي بمقدوره أن يكون بهذا التهور؟
كان علينا أن نعبر جسرًا لم يكن مكونًا إلا من ثلاثة جذوع خشبية، موضوعة بغير انتظام. أخذت روبينا تلوِّح بذراعيها لحفظ التوازن، وكُم قميصها نصف المطوي يتخبط كجناح طائر مصاب فوق الماء.
كانت حكايتها الأكثر أهمية هي كيف اعتادت أن تتبع خطى أمها، التي كانت تعمل خادمة في منازل سيدات البلدة منذ سنوات مضت. في أحد المنازل كانت هناك غسالة وعصارة كهربائية، كانت اختراعًا جديدًا في ذلك الحين. كانت روبينا، التي كانت في الخامسة من عمرها في ذلك الوقت، تقف فوق كرسي لتضع الملابس في العصارة (ومن ذلك أيضًا فهمت أنه لم يكن بمقدورها أن تترك أي شيء على حالته، كان يجب أن تظهر نفسها أنها القائدة في أي عملية تجرى). بيد أن العصارة أمسكت بيدها، ثم بذراعها، وبُترت ذراعها من المنطقة بين المعصم والكوع. لم تُظهر هذا الجزء قط، وكانت دائمًا تلبس فستانًا أو قميصًا بأكمام طويلة، ولكن يخيَّل إليَّ أن هذا لم يكن نوعًا من الإحساس بالخجل، كان شيئًا تفعله لزيادة الغموض والأهمية حولها. أحيانًا في الطريق كان الأطفال الصغار يلاحقونها، قائلين: «روبينا، روبينا، أرينا ذراعك!» كانت طلباتهم تلك نابعة من رغبة حقيقية في الاكتشاف، وبمنتهى الاحترام، بيد أنها تتركهم يستمرون في التوسل إليها قبل أن تقوم بإبعادهم مثل الدجاج. كانت هي القائدة لكل هؤلاء الذين ذكرتهم. من ذا الذي يمكنه أن يحول الإعاقة إلى شيء محل حسد، والسخرية إلى إعجاب؟! أما أنا فلم أفكِّر في هذه الذراع المبتورة إلا كشيء قامت هي باختياره، كدليل على العناد والقوة.
لكم تُقت إلى رؤيتها، كنت أعتقد أنها قد قُطعت كلية، مثل قطعة خشب، كاشفةً العظم والعضلات والأوعية الدموية والأنسجة والغضاريف بوضوح. كنت أعرف أن فرصتي لرؤية هذه الذراع مثل فرصتي في النظر إلى الجانب المعتم من القمر.
بقية القصص كانت معنية بأفراد أسرتها.
«عندما كان دوفال صغيرًا كان يعتلي سطح المنزل طوال اليوم، حيث يساعدهم في كساء السطح بالأخشاب. كان من المفترض ألا يكون هناك؛ لأن بشرته كانت فاتحة وحساسة، أفتح بشرة في عائلتنا. كل عائلتي شقراء، إلا أنا وفيندلي، أكبر وأصغر أبناء الأسرة. لم يفكِّر أحدٌ في تأثير حرارة الشمس على دوفال أو أن يضع قبعة فوق رأسه. أنا الوحيدة التي كنت سأفكر في هذا، ولكني لم أكُن موجودة في المنزل. ولكن حتى لو قمت بوضع قبعة فوق رأسه كان هو سيقوم بخلعها، ربما لأنه يعتقد أنه أذكى من أن يلبس قبعة إذا كان الرجال الآخرون لا يلبسون قبعات. وبعد العشاء استلقى على الأريكة كالنائم، وبعد قليل فتح عينيه وقال بصوتٍ عالٍ جدًّا: «انزعي هذا الريش عن وجهي.» حسنًا، لم نرَ أي ريش، ومن ثم تعجبنا جميعًا، بعد ذلك جلس مكانه وأخذ يدقق النظر باتجاهنا، لم يستطِع التعرف علينا، قائلًا: «جدتي، أحضري لي كوبًا من الماء. أرجوكِ يا جدتي، أحضري لي كوبًا من الماء.» لم تكن جدتي هنا على الإطلاق، كانت متوفاة، ولكن لو سمعه أحدهم وهو يقولها لحسب أنها تجلس بجواره تمامًا ولم يكن معه بالغرفة أي أحدٍ منا على الإطلاق أو في أي مكان يستطيع رؤيته.»
فسألتها متأثرة: «هل أصيب بضربة شمس؟»
أجابتني: «بل شاهد رؤيا من السماء.»
كان صوتها نافيًا وصارمًا.
بالنسبة لأي من أفراد أسرتها، بدءًا من دوفال مرورًا بجيمي الذي أتى إلى الدنيا بعدها مباشرة نزولًا إلى فيندلي ذي الخمس سنوات، عندما كانت روبينا تتحدث عنهم فإنها كانت تتحدث دائمًا بجدية واحترام خاصين، لكي تعرفك أنه لا يمكنك الاستخفاف بأي شيء مما حدث لهم، سواء أكان مرضًا أو خلافًا أو مغامرة يومية أو قولًا اعتادوا قوله أو شيئًا دأبوا عليه. كانت تبرز أهميتها من خلالهم، أو تبرز أهميتهم من خلالها هي. لقد فهمتُ أني لم أكُن لأحظى بأهمية كبيرة بالمقارنة بهم، ومع ذلك كنت أنا الطفلة في المنزل الذي كانت روبينا تعمل به، وهذا كان يعني شيئًا واحدًا: لم أكُن أغار منهم قط.
بينما كنا نمشي عبر الغابة كنا نسمع أصوات تساقط ثمار الجوز والصنوبر من الأشجار، على مسافة منا، وكانت روبينا تقول عن هذا: «ربما كان هذا دوفال أو جيمي أو الاثنين معًا يهزان شجرة.» وكنت إلى حدٍّ ما متحمسة للتفكير في أننا داخل نطاق وجودهما، في المنطقة التي تقع بها جولاتهما ومغامراتهما. كنت أنظر إلى الأمام كما كانت تفعل روبينا إلى منظر المنزل المتداعي غير المطلي جزئيًّا، وغير المظلل بأشجار قريبة منه، المطل على الحقول العشبية، أما في الشتاء فيطل على الجليد، كان بعيدًا عن الغابة، مثل قارب بائس في مستنقع. كان الأطفال يهرعون خروجًا منه إذا رأونا قادمتين، فيما عدا فيندلي أبيض الشعر، الذي كان يمشي حافي القدمين إلى أن تتجمد الأرض بشدة في الشتاء. كانوا يصيحون بأصوات عالية ويتباهون ويتدلون من ذراع مضخة الماء، وقد يتعمدون إثارة عواصف من التراب وريش الدجاج في الساحة.
لم يذهبوا إلى المدرسة في البلدة. كانت مدرستهم على بعد ميل أو اثنين عبر الغابة، في اتجاه مختلف، ووفقًا لما كانت تقوله روبينا فهم يشكلون الجزء الرئيسي من تعداد المدرسة. كنت أستطيع تخيل أنهم قد جعلوا المدرسة امتدادًا آخر للمنزل بشكل أو بآخر، مشبكين أيديهم تحت المضخة لكي يحصلوا على شربة ماء، ثم الجلوس فوق السطح لكي يستمتعوا بالمنظر من أعلى.
هذا كان يعني أنني جئت إليهم بإرادتي الحرة، بوصفي شخصًا غريبًا وجديدًا عليهم. معهم لم أكُن نفس الشخص الذي كنت عليه من قبل. كنت ألبس معطفي الجديد، وسألوني إن كان بإمكانهم لمس الفرو، فاختلت أمامهم لدى سماعي ذلك. كان هذا كالسحر، كالشعور بالثمالة. ألقيت عليهم الألغاز، وعلمتهم قواعد الألعاب المختلفة، التي عرفتها من المشاهدة: القرصان المتجول الأحمر، خذوا خطوة كبيرة، التماثيل. كانت لديهم الجرأة والمشاكسة، ولكن كانوا لا يزالون خائفين من البلدة، كانوا رثِّي الثياب، ولكن لم يوغِر الحسد قلوبهم، اتخذوا مني قائدًا لهم، وقبلت هذا. كان هذا يبدو طبيعيًّا. لعبة الاستغماية، لعبة خالتي خالتي فوق العشة. كان معهم دائمًا حبل وإطار للتأرجح. وكان بمقدورهم تسلق أي مكان، وكذلك كنت أنا أفعل عندما أكون معهم. وضعنا لوحًا خشبيًّا على فوهة بئر مفتوحة، ومشينا فوقها. كنت سعيدة أيما سعادة، أو هكذا أعتقد الآن. المشكلة الوحيدة التي واجهتها كانت مع الطعام. كانت روبينا في مطبخ أمي تقدم لنا أنواعًا متعددة من حلوى الكاسترد والمعجنات التي لا مثيل لها، والبطاطس المهروسة بديعة القوام، ومختلِف الأطعمة التي تذوب في الفم، لكن هنا اقتصر الأمر على قطعة من الخبز بداخلها قطعة من اللحم المقدد المدهنة، باردة قليلة التسوية، يلتهمها الأطفال بسرعة بمضغها ثم ابتلاعها ثم يطلبون المزيد؛ كانوا دائمًا جوعى. كان من الممكن أن أعطي أي واحد منهم قطعتي، ولكن القواعد المتبعة كانت تقتضي منهم أن يرفضوا ذلك.
كان جيمي ودوفال ضخمَي الجسم، كما لو كانا رجلين كبيرين ولكنهما ما زالا متصابيَيْن، لا يمكن التكهن بتصرفاتهما؛ فلربما طاردانا ثم أمسكانا ثم أرجحانا عاليًا بين أذرعهما حتى نطير عاليًا. في بعض الأحيان لا يقولان أي كلمة، وتبدو عليهما الصرامة طوال الوقت؛ وفي أحيان أخرى كانا يأتيان إليَّ ويقف كلٌّ منهما على أحد جانبيَّ ويتساءلان: «أليست هذه هي الفتاة التي لا يمكن دغدغتها؟»
«لا أعرف. لا أتذكر إن كانت هي.»
«أعتقد أنها هي، أعتقد أنها هي الفتاة.»
ثم يومئان إيماءة كبيرة في اتفاق، ثم يتحركان نحوي، كلٌّ من جهة كما لو كانا سيُطبِقان عليَّ؛ مما يجعلني أنفجر بالصراخ من شدة متعتي الممزوجة بالذعر. لم أكُن أصرخ فقط من قيامهما بدغدغتي، أو من تهديدي بالدغدغة، بل كانت فرحتي تنبع من الاعتراف بوجودي، هذا التهديد كان يبدو لي نوعًا من الاعتراف بوجودي وإعطائي فرصة أخرى؛ لم أكُن خائفة قطُّ من دوفال وجيمي على الرغم من ضخامة جسميهما، لم أكُن أمانع عندما تفهمت من خلال رزانتهما أن ما يفعلانه كان من أجل التضاحك عليَّ. كنت أرى أنهما قويان، خيِّران، وغامضان أيضًا، تمامًا مثل المهرجين في السيرك. كانا في الواقع يستطيعان القيام بخدع كما يفعل المهرجون في السيرك. فكانا أحيانًا يؤديان عروضًا في صمت، بشكل عجيب، بالساحة المتربة، حيث يقومان بالتدحرج كالعجلات، ويقلدان وثبات الضفادع. قالت روبينا إنهما ماهران بما فيه الكفاية ليعملا بالسيرك، ولكنهما ما كانا ليتركا المنزل للعمل هناك، كانا يحبان المنزل جدًّا. لم يذهبا إلى المدرسة أيضًا. لم يعودا إلى هناك منذ اليوم الذي أقدمت فيه المدرِّسة على ضرب جيمي لقيامه برمي ممسحة الطباشير خارج النافذة، فما كان من جيمي ودوفال — على حد قول روبينا — إلا أن اعتديا بالضرب على تلك المدرِّسة. كان هذا منذ سنين مضت.
قال الاثنان: «حبيبة من هذه الفتاة؟» إنها لي. إنها لي. ثم مثَّلَا أنهما يتشاجران من أجلي، وأخذني كلٌّ منهما بين ذراعيه القويتين. لكم أحببت رائحتهما، التي علقت بهما من الحظائر والمحركات وتبغ فاين كات من باكنجهام.
كان لديهما أعداء لا يمكن التخلص منهم بسهولة مثل تلك المدرسة، فهناك أصحاب المحال الذين وجهوا لهما اتهامات بالسرقة، وهناك ستومب تروي الذي كان معروفًا لديَّ كعدو لجيمي ودوفال — وبكل تأكيد، عدو لروبينا أيضًا — منذ وقت طويل قبل أن يصبح ابنه هاوارد عدوًّا لي أيضًا. ولكني لم أكُن أعير هذا الموضوع أي اهتمام حتى ذلك الحين.
قالت روبينا إن ستومب تروي أبلغ الشرطة عن جيمي ودوفال متهمًا إياهما بسرقة البنزين من إحدى السيارات التي كانت مركونة أمام منزله مساء أحد أيام السبت. كانا قد سرقا البنزين فعلًا — إلا أنهما سرقاه من السيارة القديمة المعطلة التي تُترك دائمًا مفتوحة في الممر الجانبي — لكنهما سرقاه من سيارة رجل لم يعطِهما قطُّ أجرًا عن أي عمل قاما به من أجله، وكانت تلك هي طريقتهما الوحيدة في الانتقام منه. وحتى قبل هذا الوقت كان ستومب تروي ينشر الأكاذيب عنهما، على حد قول روبينا، وكان هو الشخص الذي دفع أموالًا لعصابة بأكملها قدمت من دنجانون لكي ينتظروا جيمي ودوفال ويضربوهما ضربًا مبرحًا — فحتى جيمي ودوفال لا يستطيع الواحد منهما أن يضرب أكثر من ثلاثة رجال منفردًا — وذلك خارج قاعة بارامونت دانس هول للرقص.
أعتقد الآن أنهما ربما كانا خصميه، أو شريكيه، قبل أن تدب بينهم خلافات، في عمله بالتهريب. كانت أمي من المعادين لشرب الخمور، وكان هذا طبيعيًّا في مثل حالتها، وكانت روبينا في مطبخ أمي على ما يبدو تشاركها وجهة نظرها. قالت إن عائلتها جميعها على العهد الذي أخذته عليهم جدتهم بعدم الاقتراب من الخمر. قد تكون هذه مجرد مبالغة منها. مهما كانت الحقيقة، فقد أوقع ستومب تروي كلًّا من جيمي ودوفال في الكثير من المتاعب، وكانت لديه الوسائل التي يستطيع بها إيقاعهما في المزيد من المتاعب، وكانا يكرهانه كثيرًا.
«أوه، إنهما يكرهانه جدًّا! إذا كانا بالخارج في ليلة مظلمة ووجدا ذاك العجوز على الطريق، فسيجعلانه يندم أشد الندم على معرفتهما في يوم من الأيام!»
«وأنى له الخروج إلى الطريق؟»
«من حسن حظه أنه لا يستطيع هذا.»
قالت روبينا متنهدة: «جيمي ودوفال! طيبان بالفطرة. إنهما ليسا من الشباب السيئ، ولكنهما لا يستطيعان النسيان عندما يدبر أي شخص مكائد سيئة ضدهما. وإذا أقدم أحدهم على فعلها، فلن يتهاونا معه أبدًا.» •••
مختلف أنواع العقاب. تخيلت نفسي أمشي فوق عيون هاوارد تروي، وأضع المسامير فيهما، كانت المسامير أسفل نعل حذائي وأنا أمشي فوقه، وكانت هذه المسامير طويلة وحادة، وكانت مقلتا عينيه تجحظان للخارج، بدون أي وقاية لهما، كانتا كبيرتين جدًّا كطبقين مقلوبين، وكنت أمشي فوقهما، أثقبهما، أدهسهما، أدميهما، وأنا أتقدم بخطى ثابتة فوقهما. لم يكن هناك أي شيء جميل أو جيد مما تخيلته بشأنه، فلم أقُل له أي كلمات لائقة في تخيلاتي بل أقوم بتمزيقه إربًا في لحظة واحدة. كنت أحب أن أنزع رأسه من فوق كتفيه، مليئة باللحم وتقطر دمًا كالبطيخة، وأن أقطِّع أوصال جسمه، وأن أستعمل كل أنواع الأسلحة معه؛ الفئوس والمناشير والسكاكين والمطارق. لو كان بمقدوري مباغتته بهذه السكين، ليس لعمل شق صغير بجسده، بل فتحة كبيرة مثل التي يقومون بعملها في شجرة القيقب لاستخراج الشراب منها، كنت سأطعنه طعنة نافذة تُخرج منه كل أنواع الصديد والمواد السامة التي ستتدفق وتسيل منه، ثم يتسرب كل شيء بعيدًا. •••
سرت النيران في منزل ستومب تروي كسريان النار في الهشيم. مع مرور كل دقيقة بدا كما لو أنه سينفجر، لكن ما زالت جدران المنزل وسقفه متماسكة. أتت النار على جدران المنزل فجعلتها هشة مثل عيدان الحطب.
كان الناس يتصايحون: «سوف تتحول النار إلى السقف بعد ذلك! من حسن الحظ أن الرياح لم تهبَّ اليوم!»
لم أستطِع فهم لماذا كان هذا المنزل محظوظًا، وكيف يمكن أن يكون هناك أي حظ في ذلك، المنزل الذي لم أجرؤ أو أرغب يومًا في رؤيته تحول إلى حطام بكل بساطة كما لو كان منزلًا في رسم على ورقة؛ ببابه الموجود في المنتصف ونافذتيه الصغيرتين على كلا الجانبين والرَّوْشَن الموجود فوق الباب. كلتا نافذتي الطابق السفلي تحطمتا تمامًا، ليس بفعل النيران ولكن حطمهما هاوارد تروي وهو يحاول دخول المنزل، ولكن الرجال سحبوه إلى الخارج مرة ثانية. وها هو الآن يجلس على الأرض في مواجهة المنزل المحترق. كان منهكًا بشدة، وعلى ما يبدو خارت قواه، كما كانت الحال وهو في المدرسة.
جاءت عربة الإطفاء التابعة للبلدية، ولكن في الوقت الذي جاءوا فيه لم يكن لدى رجال الإطفاء أي شيء ليفعلوه إلا أن يكونوا شاكرين لعدم هبوب الرياح. سحبوا سلالم الإطفاء ولكنهم لم يضعوها في أي مكان. كانوا قد استطاعوا بعد فترة من الوقت أن يحصلوا على بعض الماء من آخر صنبور إطفاء — وهذا كان بالطبع إلى خارج حدود البلدة — وقاموا برش بعض الأجنحة الملحقة بالمنزل التي كانت متهاوية بفعل النيران والسياج المحيط بالمنزل والحمام. كذلك سلطوا المياه على ألسنة اللهب المتصاعدة، ولكن كل هذا بدا مجرد سخف بلا طائل. وفجأة صاحت روبينا، التي كانت على درجة كبيرة من الإثارة: «ربما الأفضل أن تقفوا بعيدًا وتبصقوا عليه!» كانت تنتفض وتصيح بصوت حاد، كانت هي نفسها أشبه بجمرة مشتعلة. كانت واقفة عند بوابة المنزل، حيث كانت شجرة زيتونية مهملة قد نبتت بها براعم الأزهار، براعم ناشئة، مع بدء ذوبان الجليد. كانت روبينا تبقيني بجوارها، أما أمي، التي جاءت بنا بالسيارة، فمكثت في السيارة بعيدًا قليلًا على الطريق. على الأرجح كانت تتفرج على ما يحدث، لكنها لم تعبأ بالاختلاط مع الناس.
كنت أنا أول من رأى النيران من نافذة غرفتي بالدور العلوي، رأيت شيئًا جميلًا، توهجًا في أحد أركان المشهد الليلى الطبيعي، توهجًا مختلفًا عن إنارة أضواء البلدة، دافئًا وآخذًا في الانتشار. كان المنزل المحترق هو ما يطلق هذا الضوء، من خلال فتحاته ونوافذه.
المشكلة التي عانت منها روبينا، في اعتقادي، تمثلت في أنها لم تستطِع فعل أي شيء بالنسبة لهذه النيران، لم تستطِع أن تقود رجال الإطفاء. لقد حاولت هذا، ولكنهم بكل أسف استمروا في فعل ما كانوا يفعلونه، لم يكن أيٌّ منهم في عجلة. ولكن كان بإمكانها تصحيح المعلومات التي كان يتبادلها الناس حول المنزل.
هتف أحد القادمين متأخرًا لمشاهدة النيران، قائلًا: «لحسن الحظ لم يكن هناك أحدٌ بداخله.»
لكن روبينا ردت بصرامة: «ألا تعرف منزل من هذا؟»
على ما يبدو كان هناك أناس لا يعرفون هذا.
«ألا تعرف من يسكن هذا المنزل؟ إنه ستومب تروي.»
ولكن يبدو أنه لم يستوعب الأمر، لذلك أكملت شرحها، قائلة:
«ستومب تروي مقطوع الأرجل! أظنه لن يستطيع الإسراع بالخروج منه، أليس كذلك؟ إنه لا يزال هناك.»
قال الرجل بخشوع: «يا إلهي! يا إلهي! سوف يتفحم هناك!»
في هذه اللحظة أحدثت النيران دويًّا مفاجئًا، كان أشبه بصوت احتكاك قوي، كألواح خشبية، أو آلة لتجزيز الحشائش تُجر فوق أرضية خرسانية. لم أكن أتصور قط أن تُصدر النيران صوتًا كهذا، صوتًا غليظًا مختلطًا، الصوت الذي يطلق عليه الناس جَلَبة. داخل هذه الجلبة كان ستومب تروي يصرخ بشدة؛ ترى هل كان يصرخ طالبًا النجدة؟ لو فعل، فإن صوت النيران العالي كان سيغطي على صوته، ولن يستطيع أحدٌ هنا سماعه.
لم يكن منتصف الليل قد حل بعد، لذلك فإن معظم الناس لم يكونوا قد ذهبوا لكي يناموا بعد، أو نهضوا من سباتهم. الطريق كان ممتلئًا بالسيارات الآن. الكثير من الناس كانوا جالسين فقط في السيارات، يشاهدون، ولكن خرج عدد كبير من سياراتهم أيضًا، يتجولون خلف رجال الإطفاء أو واقفين خلف سياج المنزل، وكانت النيران منعكسة على وجوههم. حتى إن الأطفال لم يكونوا يجرون حولنا، حيث استحوذت النيران على اهتمامهم. رأيت إخوة وأخوات روبينا الصغار، بعضهم على الأقل. لا بد أنهم قد شاهدوا النيران من منزلهم — في هذا الوقت لا بد أن وهج النيران كان ظاهرًا في السماء — وساروا كل هذا الطريق إلى هناك، خلال الغابة في ظلام الليل. رأتهم روبينا أيضًا ونادت عليهم في الحال.
«فلورَنس! كارتر! فيندلي! ابتعدوا جميعًا بعيدًا عن هذا الحريق!»
كانوا بعيدين في الخلف على أي حال، ولم يكونوا قريبين من الحريق كما كنا نحن.
لم تسأل أين جيمي ودوفال، اللذان لم يكونا قط ليفوتا فرصة مشاهدة مشهد كهذا. طرحت أنا بدلًا منها هذا السؤال.
«فلورَنس! أين جيمي ودوفال؟»
وفجأة ارتفعت ذراع روبينا السليمة لتهوي بها على وجهي في لطمة طالت فمي، أشد ضربة أحسست بها على الإطلاق، أو يمكن أن أشعر بها. كانت هذه الضربة مفاجئة جدًّا لي، لدرجة أني تصورت أنها ذات صلة بهذه النيران (لأن الناس كلهم كانوا يقولون: «احترسوا، سوف ينفجر المنزل عن آخره، الجدران سوف تتطاير!») أو أن ذراع روبينا ارتفعت لمنع شيء آخر من الاصطدام بي. وفي نفس اللحظة، انهار السقف أخيرًا، وجرى الناس مبتعدين. ارتفعت ألسنة اللهب إلى عنان السماء، وانطلقت أيضًا — وتقريبًا في نفس الوقت — صيحة من الجانب الآخر من فناء المنزل، مع أنني لم أستطِع فهم سبب هذه الصيحة إلا فيما بعد، حتى إنني كنت قد اعتقدت، وأنا في حالة الارتباك، أن هذا الصوت له علاقة بضربة روبينا لي. في الحقيقة، كانت هذه الصيحة لهاوارد تروي، الذي اندفع من المكان الذي كان جالسًا به مباشرة إلى مدخل الباب المتداعي المشتعلة به النيران، وكان الأوان قد فات لينقذه أحدهم، إن كان هناك من سيفعل ذلك، وقد فات الأوان أيضًا لينقذ نفسه.
بعد ذلك ظهرت الكثير من التفسيرات لما حدث؛ أحدها أنه كان يقصد أن يجري في الاتجاه الآخر، بعيدًا عن النيران، ولكن بسبب جنونه المؤقت جرى مباشرة إلى داخل النيران. ثمة تفسير آخر يقول إنه سمع أباه يصرخ مناديًا عليه وكان لا يزال يعتقد أن بمقدوره إخراجه من المنزل، أو لعله اعتقد أنه سمعه يصرخ مناديًا عليه؛ فحينئذٍ لم يكن ستومب تروي بحالة تسمح له بالنداء على أحدٍ. من شأن ذلك التفسير أن يجعل من هاوارد تروي بطلًا، ولم يكن هذا مقبولًا من أي أحدٍ، مع أن بعض الناس المستغربين مما حدث تعلقوا بهذا التفسير، وكانت أمي من بين هؤلاء الناس.
هناك تفسير آخر يشير إلى أن هاوارد تروي هو من قام بإشعال النيران بنفسه، ربما حدث هذا بعد مشاجرة مع أبيه، ربما ليس بسبب معين، ولكن فقط لإظهار ما يمكنه فعله، كان منتظرًا كل هذا الوقت ومستعدًّا لفعل هذه الفعلة، فيما كان الناس محقين في ارتيابهم فيه. كان هناك تأييد كبير لهذا التفسير، بسبب العثور على صفيحة بنزين فارغة هناك. كان بعض الذين اعتقدوا أن النيران بفعل فاعل يرون أن ستومب تروي هو من قام بإشعال الحريق بنفسه، أو أوعز لأحدهم بهذا، خدعة منه لكي يحصل على التأمين. وكان من المفروض أن يكون خارج المنزل أو لعله اعتمد على هاوارد لكي يقوم بإخراجه في الوقت المناسب، ولكن هاوارد خذله بسبب جبنه أو توقيته السيئ. وبدافع الندم، أو لخوفه من مواجهة السلطات، أقدم هاوارد على اقتحام النار مباشرة.
ومع ذلك، في ذلك الحين، لم تكن هناك أي تفسيرات قاطعة. كان كل ما يستطيع هؤلاء الناس فعله هو الإسراع وإخبار الآخرين، الذين ربما لم يشاهدوا الحريق. لم أكن متفاجئة من هذا؛ فالنيران وحدها، واللطمة التي هوت على وجهي، منعت عني الإحساس بأي مفاجآت أخرى. ضغطتُ يدي على فمي بشدة، وتعجبت من أن أسناني لم تنخلع جراء الضربة، فلم تَسِل الدماء إلا من قَطْعٍ صغير بشفتي، بفعل احتكاكها بحافة سِنِّي.
بدا أن روبينا قد ملت فجأة من مشاهدة النيران؛ فسحبتني معها إلى خارج بوابة المنزل ثم على الطريق. لم نستطِع أن نرى سيارة أمي؛ فقالت روبينا:
«لقد سبقتنا إلى المنزل، ولا ألومها على ذلك؛ فهؤلاء الحمقى من الممكن أن يقفوا هناك طوال الليل إن أرادوا. أنا أعرف ما الذي يريدونه من انتظارهم هناك؛ إنهم ينتظرون لكي يروا استخراج الجثة.» ثم تداركت مصححة: «أقصد الجثتين.»
لم أردَّ عليها، أو حتى أُلقِ نظرة واحدة على النيران من خلفي. مشيت إلى الأمام مباشرة، فإذا بروبينا تجذبني لكي تحول دون وقوعي في قناة. عندما جذبتني جفلت فزعة؛ فبادرتني روبينا، قائلة:
«أنت تمشين كمن يمشي وهو نائم، ولم أجذبك إلا لكيلا تقعي في تلك الحفرة.»
عندما تجاوزنا المكان الذي تحتشد به السيارات، كان هناك مكان أوسع للمشي به، فتقدمت روبينا للمشي بجواري. وقد راودني إحساس بأنها تمشي في كل مكان حولي، فأحيانًا تكون في الأمام، وأحيانًا في الخلف، أو عن يميني أو يساري. كانت تسد عليَّ المنافذ من كل الاتجاهات، ثم تدقق النظر فيَّ حتى تعثر على ما تبحث عنه، ثم تعيد ترتيبه من جديد. في ذلك الوقت قالت لي: «إذا سمحتِ لشيء سيئ كهذا أن يزعجك، فسوف تحدث لكِ الكثير من المشكلات في هذا العالم.»
لم أكن أحاول مطلقًا معاقبة روبينا أو إثارة قلقها، غير أنني اعتزمت الرد عليها، حتى إنني اعتقدت في بعض الأحيان أنني قد رددت عليها فعلًا، تمامًا مثلما يحدث عند بدء الدخول في النوم حيث تقول لنفسك باستمرار إنك يجب أن تفعل كذا وكذا، أو أن تغلق النافذة أو أن تطفئ النور، وهكذا تقنع نفسك وأنت تغُطُّ في النوم أنك قد فعلت ما تريد بالفعل، وبعد استيقاظك لا تستطيع التأكد يقينًا مما حدث، أو مما قيل، أو مما حلمت به. لم أعرف قطُّ بعد ذلك ما إذا كانت روبينا قد تحدثت معي في الواقع من حين إلى آخر كما كان يفترض أن تفعل، على نحو لم تعهده بصوت هادئ ومهتم، لتحذرني أو تعدني بشيء ما، لتخيفني أو تطمئنني.
أو إن كانت قد قالت لي في أي مرة على الإطلاق: «اسمعي. سوف أريكِ ذراعي المصابة.»
لو قالت هذا، لَمَا كنت أجيب على الإطلاق أيضًا. •••
عندما كنت في المدرسة الثانوية، أو كنت أعود إلى المنزل من الجامعة في الإجازات الأسبوعية، كنت أحيانًا أرى روبينا تمشي على الطريق الرئيسي، بأكمامها التي تخفق في الهواء، وبذراعها السليمة الوحيدة، بخطواتها الواسعة التي كانت تبدو دائمًا وكأنها تأخذها إلى المنحدر. لم تَعُد تعمل لدينا منذ وقت طويل، وذلك عندما عاد أبي إلى المنزل بشكل نهائي، وكانت معه ممرضة أرادت أن تطهو لنفسها، لم يكن هناك مكان لروبينا، ولا مال متبقٍّ لكي ندفعه لها أيضًا. عندما رأيتها حضرتني ذكريات طفولتي، التي كانت تبدو حينها وقد مر عليها زمن بعيد، والتي كانت حافلة بذكريات مفزعة ومخزية. نظرًا للتغييرات التي طرأت عليَّ؛ فقد تغيرت الأشياء كثيرًا من حولي، كنت أعتقد أنه بقليل من حسن الحظ والتصرف يمكنني أن أتغير لأكون مثل أي شخص آخر. وهذا في الواقع ما فعلته.
نظرت إليَّ روبينا باستغراب، نظرة سخيفة، نظرة ليست بريئة أبدًا؛ بيد أنني كنت سأتحدث إليها، كنت مستعدة للقيام بهذا، ولكنها أشاحت بوجهها إلى الاتجاه الآخر ولم تحدِّثني قطُّ، لتريني بهذا التصرف أنني قد أصبحت واحدة من هؤلاء الذين أساءوا إليها. •••
لعل روبينا ماتت الآن، وربما توفي أيضًا كلٌّ من جيمي ودوفال، مع أن هذا صعب التخيل. أنا الآن على بعد بضع سنوات من التقاعد. أنا الآن أرملة، موظفة في الحكومة، أعيش في الطابق الثامن عشر ببناية سكنية. لا أجد غضاضة في أن أعيش وحيدة. في المساء أقرأ، وأشاهد التليفزيون. لا، هذا ليس صحيحًا دائمًا. أحيانًا أجلس في الظلام، وأشرب الويسكي والماء، أفكر دون جدوى وبلا حول أو قوة — ولكن في راحة — في أشياء مثل تلك التي نسيتها، أو لم أكُن لأتحمل التفكير فيها منذ زمن طويل.
عندما يموت الجميع من ذا الذي يستطيع تذكر هذه الأشياء، ثم سينسى الجميع أمر حادثة احتراق المنزل، وكأن شيئًا لم يحدث.
سر يؤرقني |
مراكش
كانت دوروثي جالسة على كرسي مستقيم الظهر بالشرفة الجانبية تأكل البندق؛ فقد اعتادت شراءه من الماكينة الموجودة بالصيدلية، كانت تأكله من الكيس الأبيض المرسوم عليه صورة سنجاب. بعمر السبعين، كانت دوروثي مضطرة للإقلاع عن التدخين حيث إنه سبَّب لها آلامًا بالصدر. عندما كانت مدرِّسة بالمدرسة لم يستطِع أحدٌ إجبارها على الإقلاع عنه، حتى مجلس إدارة المدرسة، حتى إن الآباء قدموا فيها شكوى ذات مرة، إلا أن ذلك لم يُفلح أيضًا في جعلها تكفُّ عن التدخين. زميلها جوردي لوماكس — وهو متوفى حاليًّا — هو من قدم لها العريضة آنذاك؛ تفحصتها بشكل انتقادي وكأنها ورقة اختبار تهجية لأحد الطلاب، ثم قالت بحزم: «قل لهم إن هذه هي السيئة الوحيدة لدي.» وبالفعل ذهب جوردي وقال لهم:
«تقول إن هذه سيئتها الوحيدة.»
توقعت فايولا أن دوروثي ستصاب بالبدانة؛ نظرًا لتناولها المكسرات بدلًا من السجائر، لكن لا شيء يجعل دوروثي تصاب بالبدانة، لا الآن ولا فيما مضى من عمرها. انزعجت فايولا لأنها لم تستطِع فعل الأمر نفسه، لم تستطِع أكل المكسرات والتفاح حتى لا تصاب بالبدانة؛ فقد كانت شرهة للطعام.
في تلك اللحظة كانت دوروثي جالسة وحدها، في حين ذهبت فايولا للمدافن مصطحبة جانيت معها، وفي الصباح الباكر قبل الإفطار ذهبت إلى الحديقة تقلم الحشائش وتنسق أزهار العائق التي كانت في أوج ازدهارها في ألوان حملت جميع درجات اللونين الأزرق والبنفسجي؛ كانت تريد صنع باقتين من الورد لتضعهما على ضريح كلٍّ من زوجها وزوج دوروثي (حيث إن دوروثي قلما تذهب هناك)، وأخرى لوالديهما.
قالت فايولا لجانيت أثناء تناولهما الإفطار: «أعتقد أنك ستحبين الذهاب لرؤية «آخر إطلالة».» كان هذا هو التعبير الذي استخدمه زوجها على سبيل الدعابة للإشارة إلى زيارة المقابر، وبالطبع لم تفهم جانيت ما تعنيه. كانت فايولا تتحدث دائمًا بود ودلال مع كل الناس رغمًا عنها، فهي تميل برأسها ذي الشعر الفضي المموج بطريقة غير مفهومة، وتهمس على نحو يثير الاستهجان ببعض الكلمات مع عامل الخزينة في البقالة، ومع الميكانيكي في ورشة السيارات، وحتى مع الصبي المسئول عن تقليم الحشائش بالحديقة، ولا أحد منهم يرهق نفسه في محاولة فهم نصف كلامها غير الواضح. كانت دوروثي مُحرَجة من هذه الطريقة، وكان عليها أن تكون أكثر فظاظة لدرجة لا تكون عليها في أحوال أخرى حتى تغطي على حماقة فايولا.
قالت دوروثي: «إنها تعني المقابر.»
أجابت جانيت وهي تبتسم ابتسامتها الساحرة الرقيقة: «أوه، أنا أحب المقابر.»
قالت دوروثي وهي تنظر لفنجان القهوة السادة بجوارها كأنه بئر: «وما الذي تحبينه فيها؟»
قالت جانيت بشجاعة: «حسنًا، أحب المنظر هناك، وأيضًا أحب شواهد القبور القديمة؛ أحب قراءة ما نقش عليها من كلمات.»
قالت فايولا بخبث: «دوروثي تعتقد أني كئيبة لذهابي إلى هناك.»
فردت دوروثي قائلة: «أنا لا أعتقد أي شيء.» ثم لمعت عيناها كأنها تذكرت شيئًا ما وقالت وهي تنظر إلى باقات الأزهار التي تضعها فايولا في المزاهر: «الزجاج محظور في المقابر، سيتعين عليكِ أخذ هذه الزهور ووضعها في أواني الأيس كريم البلاستيكية.»
قالت فايولا مندهشة: «محظور! وما سبب حظره؟»
أجابت دوروثي بنبرة الخبراء لترضي غرورها: «إنه تخريب للممتلكات العامة، سمعت ذلك في الإذاعة.»
جانيت هي حفيدة دوروثي. لم يعرف أحدٌ من أهل البلدة ذلك، مع أنهم يرونها مع هاتين السيدتين العجوزين — يرونها مع فايولا التي تقود السيارة أكثر من دوروثي — فهم يعتقدون أنها قريبة لهما من بعيد. ومع أن دوروثي قضت معظم حياتها بهذه البلدة فإنه ما من أحدٍ من أهلها يتذكر أنها أرملة ولها ابن وحيد، اسمه بوبي، كان يرتاد المدرسة الثانوية هنا أربع سنوات، قبل أن يسافر إلى الغرب بحثًا عن عمل بالسنوات الأخيرة قبل الحرب. كانت دوروثي تُدرِّس للصف السابع في المدرسة العامة منذ أن كانت أرملة وحتى تقاعدها، وبسبب ذلك نسي أهل المدينة أنها كانت لها حياتها الخاصة. تركت دوروثي بصمة مميزة في حياة الكثير والكثير منهم وأثرت في حياتهم؛ فعندما يرونها بالشارع ينظر إليها كلٌّ من سائقي الشاحنات، وأصحاب المتاجر، والأمهات اللاتي يدفعن عربات أطفالهن، وحتى الجدات اللاتي يدفعن عربات الأحفاد، كلٌّ منهم عندما يراها يتذكر الخرائط، والدرجات، ومسابقات التهجية، وطريقتها الجادة الحصيفة غير المجحفة في تسيير الفصل الدراسي الذي أحسنت إدارته. هي نفسها لا تفكر بفصلها الذي قضت به معظم عمرها، ولا تستطيع حتى الذهاب لزيارته إذا أرادت ذلك؛ حيث إنهم هدموا المدرسة القديمة، وأنشئوا مكانها مدرسة جديدة متواضعة، قبيحة المنظر، ضعيفة البناء؛ وعلى قدر ما يكترث هؤلاء الناس لأمرها، كان هذا الجانب ملازمًا لها، إلى الأبد، ولم يروا منها سواه. وكلمة السيدة التي توضع قبل اسمها لم يكن لها معنى لديهم إلا أنها من باب الاحترام.
مات بوبي ابنها قبل الحرب في حادث تصادم سيارة بمقاطعة كولومبيا البريطانية، لكنه تزوج قبل هذا وأنجب طفلة هي جانيت، وحتى هذه اللحظة لم ترَ دوروثي والدة جانيت، التي انتقلت بدورها إلى فانكوفر وتزوجت ثانية خلال سنتين، وبدأت حياة جديدة وكونت أسرة كبيرة. عندما بلغت جانيت الرابعة عشرة من عمرها كانت المرة الأولى التي تأتي فيها لزيارة دوروثي، حيث سافرت بالقطار لتقضي معها شهر الصيف، واستمرت في المجيء كل صيف عدة سنوات قليلة. كانت دوروثي تقتسم مع زوج والدة جانيت تكاليف سفرها؛ كما كانت مراسلات دوروثي معه، وقد فسر لها أن وجود احتكاكات بين جانيت ووالدتها أمر طبيعي لوجود أطفال كثيرين آخرين لدى والدة جانيت، وأنه لمن الطيب منحهما بعضًا من الوقت كإجازة. كان هذا الرجل على ما يبدو رجلًا عاقلًا رشيدًا. هو أيضًا متوفى الآن، ومن الواضح أن هذا صعب الأمر على جانيت مع والدتها وأسرتها البديلة.
مع ذلك استمرت جانيت في زيارة دوروثي، وبعدما انتقلت فايولا للعيش معها أصبحت تزور دوروثي وفايولا. حصلت جانيت على منح دراسية تمكنها من دخول الجامعة، واستمرت هناك للحصول على الماجيستير والدكتوراه أيضًا، وانخرطت في سلك التدريس بالكلية وقتًا لا بأس به. كانت جانيت دائمة السفر، وأصبحت زياراتها لدوروثي لا تمتد أكثر من أسبوع، وأحيانًا لا تتعدى ثلاثة أو أربعة أيام؛ حيث أصبح لها أصدقاء تريد رؤيتهم، وأصبحت لها ترتيبات تود الاضطلاع بها. كانت دوروثي تعتقد أنها ملت الذهاب هناك والمكوث طويلًا.
عندما أتت جانيت لزيارتها أول مرة — عندما كانت طفلة صغيرة — كان شعرها بنيًّا وقصيرًا، وفي وقت لاحق أصبح أشقر اللون. وذات يوم ظهرت بشعرها مرفوعًا على نحو يبدو وكأنها تضع كومة فقاقيع فوق رأسها؛ في هذه الأيام كانت عادتها أن تضع ظلًّا أزرق على جفونها يمتد إلى حاجبيها، وترتدي ثوبًا ضيقًا جدًّا بأشكال ملونة بالبنفسجي والبرتقالي، والأصفر والأحمر القرمزي. كان مظهرها، والهالة المثيرة التي تخلفها، مفاجأة كبيرة، بعدما كانت بنتًا صغيرة ذات جمال هادئ ومظهر مناسب لسنها، أما عن مظهرها الآن فهو مفاجئ أكثر؛ فقد تركت العنان لشعرها ليصبح طويلًا، وإما أن تعقده في ضفيرة أو تتركه ليسترسل بتموج على ظهرها، وترتدي بنطلونًا من الجينز وبلوزة على الطراز الريفي، ومجموعة من الاكسسوارات المعدنية والخرزية، ومعظم الوقت بلا حذاء، وكانت ترتدي فساتين صغيرة مطبوعة عليها رسومات طفولية وقصيرة مثل ملابس اللعب، لدرجة أنها تنحسر على ظهرها لتكشف بكل جسارة عن عدم ارتدائها حمالة الصدر. لم تكن تحتاج إليها؛ فقد كانت امرأة بعمر الثلاثين لكن بجسم طفلة لم تتعدَّ عامها الحادي عشر.
علقت فايولا على ذلك، قائلة في هدوء: «هل تحاول أن تكون واحدة من الهيبيين؟ بالطبع سيتخذونها أضحوكة وهي تُدرِّس.» كانت فايولا من تلك الشخصيات البارعة في رسم الابتسامة على وجهها أمامك بينما تطعنك في ظهرك بالسكين؛ وكان ذلك ناتجًا عن حياتها الاجتماعية باعتبارها زوجةً لرجل مصرفي، التي انطبعت عليها. كانت بكلماتها تلك تحاول لفت انتباه دوروثي إلى أنها جدة جانيت. كان كلٌّ من فايولا ودوروثي راضيةً بالقدر الكافي للترتيبات التي أعدَّتاها للعيش معًا؛ فكان ذلك موفرًا لكلتيهما وضمن لهما الصحبة، إضافة إلى الرعاية إذا نزلت بإحداهما نازلة أو ألمَّ بها مرض؛ كانتا مرتاحتين إحداهما للأخرى لكن مع وجود بعض المشاحنات كالتي تحدث بين الأطفال في المنزل الواحد، أو كتصرفات الزوجين غير المتجانسين بعد مدة طويلة من الزواج؛ كان الارتياح بينهما متعذرًا تفسيره ولا يستدل عليه، لدرجة أن ما كان يبدو على كل واحدة منهما على السطح — ما كانتا تظنان أنهما تشعران به — قدر كبير من الترقب والحنق والقلق تجاه الأخرى.
أجابت دوروثي، قائلة: «تلك هي الملابس التي أصبح الجميع يرتديها بالجامعة في هذه الأيام.»
«والمدرسون أيضًا؟»
«لا فرق.»
«ولكن، هل ستتزوج بهذا الشكل؟» لم تَسَل فايولا سؤالها الأخير عشوائيًّا.
كانت دوروثي قد شاهدت في المجلات صورًا لتلك الطريقة الجديدة التي اعتاد البالغون اتباعها في انتقاء ملابسهم بحيث بدوا كأنهم عادوا إلى مراهقتهم، وكانت جانيت هي أول شخص تراه يفعل ذلك عن قرب، بلحمها وشحمها. كان المعتاد أن الفتيان والفتيات يحاولون التشبه بالرجال والنساء الناضجين، وغالبًا ما تكون النتيجة مثيرة للسخرية، والآن أصبح الرجال والنساء الناضجون يحاولون التشبه بالمراهقين، وربما استيقظوا على حقيقة أنهم على شفا الشيخوخة. إنه لمن العجيب أن ترى خليطًا من سمات الطفلة والمرأة الناضجة بوجه جانيت؛ ففي بعض الأحيان تبدو وكأنها أصغر من سنها بعشر سنوات؛ حيث يصبح وجهها بدون زينة شاحبًا، وفمها كبيرًا لكنه مغلق في تحفظ، تبدو نقية ونظيفة وحالمة وسارحة في فكرها. وفجأة مع تغير المزاج أو كيمياء الجسم يتحول ذلك الوجه البريء ذاته إلى وجه تعلوه زرقة ويحمل تعبيرات الألم، وتصبح بشرتها متجعدة وذابلة تحت عينيها، وكأنما تقدم بها العمر سنوات عدة.
يبدو الشارع من الشرفة حيث تجلس دوروثي أكثر حرارةً وأكثر سوءًا مما كان يبدو بكل صيف؛ وذلك بسبب غياب الأشجار عن الشارع. ففي الخريف الماضي أتى عمال البلدية واجتثوا كل أشجار الدردار، تلك الأشجار الفارعة القديمة ذات الظل الظليل، تلك الأشجار التي كانت أغصانها تتشابك معًا لتظلل نوافذ الأدوار العليا وتنمو عليها، وعندما يحل أكتوبر كانت تغطي المروج بأوراقها. أما الآن فالمرض أصاب كل الأشجار، وبعضها نصف ميت بالفعل؛ لذا كان عليهم أن يقتلعوها قبل أن تأتي رياح الشتاء وتشكل منها خطرًا كبيرًا. لم يكن الاختلاف الذي شكَّله غياب تلك الأشجار واضحًا خلال فصل الشتاء؛ بل كانت أكوام الثلج على جانبي الطريق أكثر ما يميز الشارع بذلك الفصل. لكن الآن عندما حل الصيف لمست دوروثي فارقًا كبيرًا عن ذي قبل، فالأجزاء المتخلفة من الأشجار عزلت المنازل وجعلت الأفنية تبدو أوسع مما كانت عليه، وجعلت الرصيف الضيق المرقع يبدو وكأنه نهر يتدفق بالأضواء.
عندما وصلت جانيت ذلك الصيف حزنت حزنًا كبيرًا على الأشجار، وقالت بمجرد أن خرجت من سيارتها الأجنبية الصغيرة ذات اللون الكريمي: «الأشجار! الأشجار الجميلة، من قطعها؟»
أجابت دوروثي: «البلدية.»
«هم من فعلوا ذلك؟!»
قالت دوروثي وهي تتبادل مع حفيدتها قبلة بالهواء وذراعاها مرفوعتان إشارة للمعانقة: «لم يكن لديهم خيار آخر؛ فقد أصابها المرض.»
صاحت جانيت وهي مستاءة قائلةً: «نفس الشيء يحدث بكل مكان، كل ذلك جزء من خطة تخريبية تحول البلدة بأسرها إلى خراب.»
لم تستطِع دوروثي التصديق على كلامها، فهي لا تستطيع التحدث عن البلدة بأسرها، لكنها تكاد تجزم بأن تلك البلدة من المستحيل أن تتحول إلى خراب، ففي الواقع قام أهل البلدة حديثًا بتجفيف وتنظيف منطقة المخلفات بجوار النهر، وحولوا المكان إلى منتزه لطيف جدًّا، وهو الشيء الذي كانت تفتقر إليه البلدة منذ نشأتها من مئات السنين. فهي تدرك أن المرض الذي أصاب أشجار الدردار قضى على كل الأشجار من ذلك النوع بأوروبا كلها خلال القرن الماضي، وأنه يتقدم ليستمر في إصابة الأشجار بهذه القارة مدة خمسين سنة قادمة، ويعلم الله أن العلماء يبذلون جهدًا كبيرًا في محاولة ابتكار علاج لذلك المرض. شعرت أنها مجبرة على سرد هذا كله. ابتسمت جانيت بشحوب وقالت بداخلها: نعم، لكنك لا تعلمين ما يحدث بكل مكان، التقدم والتكنولوجيا يدمران كل أثر لجودة الحياة.
أخذت دوروثي تفكر متناسية منظر جانيت الكئيب، وكيف أنها دائمًا ما تنزعج من أشياء من المفترض أنها لا تعرف عنها شيئًا، بل وتحاول الدفاع عنها مع أنها لن تجني من ذلك شيئًا. جودة الحياة! هي لا تفكر بتلك المصطلحات أو حتى تتحدث مع المفكرين بها؛ إن جانيت داهية يصعب فهمها.
قالت فايولا: «إنها تمتلك سيارة جميلة، وتدرس وتعمل بذات الوقت، وليس لديها من تنفق نقودها عليه سوى نفسها، وحياتها إجمالًا حلم بالنسبة لنا، ومع ذلك تبدو غير سعيدة.» تعتقد فايولا بالطبع أن جانيت متكدرة وغير سعيدة بسبب عدم زواجها إلى الآن، لكن دوروثي لم تفكر من ذلك المنطلق؛ فهي لم تشعر أن متكدرة أو حتى حزينة هي الكلمات الدقيقة لوصف حالة جانيت؛ إنها المراهقة، تلك الكلمة هي التي قفزت بعقلها مع أنها أيضًا كلمة غير وافية لوصفها.
تذكرت دوروثي نفسها عندما كانت شابة، وكيف أنها ألقت بنفسها على العشب بجوار الممر بمزرعة والدها وأخذت تصرخ وتنوح، ولماذا؟ لأن والدها وإخوتها كانوا يستبدلون بالسور القديم، الذي كان مقوسًا ومكسوًّا بالطحالب، أسلاكًا شائكة! بالطبع لم يسترعِ احتجاجها وصراخها انتباه أحدهم، وبمرور الوقت أفاقت وغسلت وجهها بالماء واعتادت على منظر الأسلاك الشائكة. كم كانت تكره التغيير، كم كانت متشبثة بأشياء بالية، كانت تعتبر ذلك السياج المخضر والمتعفن شيئًا بديع المنظر، أما الآن فقد غيرت من نفسها، أصبحت تتقبل ما استُبدل بما كانت تراه جميلًا، أصبحت الآن تتقبل الظلال المختلفة على العشب، والرصيف الرمادي، لكنها بذات الوقت تتحاشى التسليم بذلك مطلقًا، فهو لا يشكل أمرًا كبيرًا بالنسبة لها، ولا حتى يشعرها بالألفة. هي تفترض أن هذه البيوت القابعة عبر الشارع موجودة منذ أربعين سنة، وقبل ذلك بوقت طويل، حيث إن هذه البلدة هي بلدتها منذ طفولتها، وكم من مرة مشت بهذا الطريق مع أسرتها قادمة من الريف في طريقها لتضع الحصان بحظيرة الكنيسة الميثودية. لكن إذا ذهبت كل تلك البيوت، وانطمس أي أثر لأسيجة الشجيرات والكرمات وأراضي الخضراوات وأشجار التفاح وما إلى ذلك، وحل محلها مركز تسوق كبير، فما كانت لترحل عن البلدة، بل على العكس، ستجلس كما تجلس الآن تنظر؛ ليس نظرة خاوية، بل ستنظر بشغف قوي إلى السيارات والرصيف واللافتات المضيئة والمحلات ذات الأسقف المسطحة وذلك السوبر ماركت الضخم ذي الشكل المنحني؛ أي شيء سيجعلها تنظر إليه، سواء أجميل أم قبيح، لا يهم؛ لأن أي شيء به شيء جديد يمكن اكتشافه. ترسخ لديها هذا الشعور عندما نضجت وكبرت، وهو ليس على الإطلاق نوعًا من السلام أو تركًا للأمور تعبر وتمر كما هو متوقع من المسنين، بل على العكس؛ إذ كان هذا التركيز المثير للضيف يؤلمها.
قالت فايولا لدوروثي أكثر من مرة: «تبدين كما لو كنتِ تفكرين بأمور محزنة، الأفكار السعيدة تحافظ على شبابك.»
أجابتها دوروثي: «فعلًا؟ حسنًا، لقد ولَّى وقت شبابي.»
عندما اقتُلعت الأشجار أصبح من السهل الوصول بمرمى البصر إلى شارعي مايو وهاربر. رأت دوروثي جارهم بلير كينج آتيًا من ناصية الشارع عائدًا إلى المنزل من العمل. كان بلير كينج يعمل في محطة الإذاعة، التي لا تبعد أكثر من مربعين سكنيين عن هنا، وهو ليس من أهل البلدة شأنه شأن معظم العاملين بمحطة الإذاعة، وربما ينتقل من هنا في غضون سنوات قليلة. قام باستئجار المنزل المجاور لدوروثي له ولزوجته، لكن زوجته غير موجودة حاليًّا، فهي محجوزة بالمستشفى منذ عدة أسابيع.
توقف بلير كينج ناظرًا إلى اللوحة المعدنية التي تحملها سيارة جانيت والتي تحمل أرقامًا تشير إلى أنها من خارج المنطقة.
فقالت له دوروثي: «إنها سيارة حفيدتي التي تزورنا من حين لآخر!»
ما الذي دفعها لقول ذلك؟ فلا هي أو فايولا على معرفة جيدة بآل كينج، وحتى لم يتبادلوا الزيارات. كان الرجل شخصًا ودودًا بطريقة تبدو شبه رسمية، أما الزوجة فكانت هادئة السمت. لم يصنعوا الكثير بباحة منزلهم؛ فالزوجة كانت تعمل بمكتبة البلدة قبل أن تصاب بالمرض. رأتها دوروثي وفايولا بالصدفة أكثر من مرة بمحيط منزلها، وكانت طريقتها في اللبس كبنت بالجامعة؛ فكانت ترتدي تنورة وجاكيت وتضع مشبكًا بشعرها المنسدل على كتفيها (كانت كهيئة البنت بالجامعة منذ خمسة عشر عامًا، فهي لم تواكب عصر الموضة كما تفعل جانيت)، وكانت نبرة صوتها منخفضة ومهذبة بطريقة كانت تُشعر أهل البلدة بالإهانة قليلًا. أيضًا نادرًا ما قابلت دوروثي في حياتها شخصًا يملك في وجهه تلك الثقة والألفة مجتمعتين.
قالت فايولا: «الرجل الوسيم دائمًا ما يقع اختياره على امرأه كهذه، هل يعقل أنهما غير مهتمين بالمظاهر رغم تمتع كلٍّ منهما بهذا المظهر الجميل؟»
اقترب بلير كينج من الشرفة بحكم الجيرة لكنه لم يصعد إلى الشرفة، بل وضع قدمًا على السلم واتكأ على إحدى ركبتيه. كان وسيمًا لكنه لم يكن مهندمًا، ابتسامته كصوته مصطنعة وغير تلقائية. فالمشكلة التي تعاني منها زوجته تؤثر عليه أيما تأثير.
قال بإعجاب: «تثير سيارتها إعجابي كلما مررت من هنا.»
«اشترتها من أوروبا السنة الماضية وشحنتها إلى هنا. كيف حال زوجتك؟»
لم تتردد دوروثي في طرح هذا السؤال مع أنها تعرف كل شيء؛ نانسي كينج كانت تعاني من السرطان. إن فكرة الاحتضار بسن السادسة والثلاثين هي حقًّا مأساة، لكنها لم تجرؤ على البوح بذلك أمامه تقديرًا منها لمعنى الأسى، هي فقط سألته لتتجاذب أطراف الحديث.
«هي ليس متعبة جدًّا حاليًّا.»
استمرت في الحديث معه لفكرة لمعت بعقلها، فاستطردت: «هل الجو حار بالمستشفى؟»
«الجناح الجديد كله مكيف.» •••
قالت دوروثي: «لقد دعوت جارنا بلير كينج لقضاء الأمسية معنا.»
«أنت تدعين الناس! ماذا سيحدث بعد؟ أستنطبق السماء على الأرض؟!»
واصلت دوروثي كلامها: «لا أعرف ماذا نقدم له، ربما يتوقع شرابًا ما، هؤلاء العاملون بالإذاعة لا يخرجون مساءً لشرب الشاي.»
قالت جانيت: «العاملون بالإذاعة؟ أعتقد أن لقب إعلامي سيكون منمقًا.»
سألت دوروثي: «أين الخمر الإسباني؟» لم تكن تشرب الخمر، وكانت تقول الحقيقة عندما قالت إن التدخين هو السيئة الوحيدة بحياتها، لكن فايولا اعتادت شرب الخمر الإسباني منذ استضافتها للناس بحفلات العمل أيام زواجها من المصرفي، ومن حينها اعتادت الاحتفاظ بزجاجة منه بالمنزل دائمًا.
قالت فايولا مناشدة جانيت: «كيف سنقدم له الخمر الإسباني، أتعلمين ماذا يسمونه؟ شراب السيدات كبار السن!»
قالت جانيت بأريحية: «سأذهب إلى محل الخمور وأشتري زجاجة جين، وماء الصودا، وسأرى إن كان من الممكن إحضار بعض الليمون، أعتقد أن هذا سيكون لطيفًا في ليلة حارة؛ فلا أحد يملُّ من شراب الجين مع الصودا.»
بيد أن فايولا لم تشعر بالرضا، فقالت: «علينا أن نعد شيئًا ليأكله.»
فأجابت دوروثي: «شطائر الخيار.»
صاحت جانيت بلهجة لم يُفهم الغرض منها: «رائع، مثل أوسكار وايلد، سأحضر بعضًا من الخيار أيضًا.» أعادت عقد ضفيرة شعرها وهي تدندن بسعادة، وهي لا تصدق نفسها أنها ستخرج بمفردها لنصف ساعة. ركضت للخارج وركبت السيارة وهي تغني: «الجين والصودا، الليمون، والخياااار.»
قالت فايولا مستغربة: «ستذهب إلى المتجر حافية القدمين.» •••
بحلول منتصف النهار كانت جانيت مستلقية بالفناء الخلفي تحت أشعة الشمس، لم تستطِع فايولا رؤيتها، ولتحمد جانيت ربها على ذلك؛ فلو رأتها فايولا لقالت: «هل هذا بديل البكيني؟ اعتقدت أنها تربط شريطين حول نفسها وحسب.»
لكن غرفة فايولا كانت تقع بمقدمة المنزل، أما غرفة دوروثي فكانت في مؤخره، وكانتا كلتاهما تنامان القيلولة اعتقادًا منهما أنها تكسر ملل اليوم وتعبه. كانت دوروثي تعتبر القيلولة ترفًا في نهار الصيف حينما كانت معلمة؛ فقد كانت الدراسة تتعبها خلال السنوات الأخيرة، ولم تكن تأخذ إجازة الصيف كاملة؛ حيث إن وزارة التعليم قررت بحكمتها اللامحدودة إرسالها إلى تورونتو ثلاثة أسابيع تقضيها في غرفة حارة مستأجرة لتلقي دورات تدريبية ستمكنها من تطبيق طرق واتجاهات حديثة في تدريسها بالفصل (في الواقع هي لم تطبِّق شيئًا من هذا، بل استمرت في التدريس بالطريقة التي اعتادت عليها دائمًا). وعندما عادت من تورونتو وجدت جانيت، لكن جانيت لم تجبرها على تغيير الكثير من نمط حياتها؛ فاستمرت في أخذ القيلولة بالطابق العلوي، بل وأطالت مدتها. أحيانًا كانت تلمح جانيت وهي بحجرة الجلوس تقرأ أحد الكتب، أو تجدها على الأرجوحة بالشرفة الخلفية، وإحدى قدميها مدلاة تدق بها الأرض بين الفينة والفينة لإبقاء الأرجوحة مهتزة. فكانت تتساءل بداخلها: هل تلك الطفلة سعيدة؟ هل عليها فعل المزيد لإسعادها؟ هل تأخذها مثلًا لحمام السباحة الجديد؟ أم هل تشترك لها بدروس التنس؟ وبعدها تتذكر أن جانيت قد تخطت مرحلة أن يصطحبها أحدٌ لمكان ما، وأنها لو كانت ترغب في الاشتراك بدروس التنس لسألت عنها بالتأكيد. هذا بالضبط ما كانت دوروثي تحب فعله عندما كانت صغيرة وما زالت تحبه حتى الآن؛ فكان من الطبيعي لكلتيهما أن تجتمعا على طاولة الطعام وكل واحدة منهما تقرأ كتابًا. الآن جانيت أصبحت تقرأ أقل من ذي قبل، ربما لأنها انشغلت بالدراسة.
أصاب دوروثي نوع من السأم هذه الأيام، ففي الفصل لم تكن تسعى لشيء أكثر من التأكد من إن كان تلاميذها قد استوعبوا أساسيات الرياضيات والتهجية، والحقائق التاريخية والعلمية والجغرافية التي كان عليها تدريسها لهم. كانت ترى جانيت، الفتاة الخجولة الجادة، لا تكبر كثيرًا عن تلاميذها. «طالبة للعلم» هو التعبير المناسب لوصف جانيت، مع أنه تعبير قديم الاستخدام. لقد تيقنت دوروثي وقتها، ودون الحاجة إلى التشكك في الأمر أو حتى التفكير به، أن جانيت تعتبر امتدادًا طبيعيًّا لها. لكن هذا لم يَعُد ظاهرًا؛ فالرابط بينهما إما أنه انكسر أو لم يَعُد مرئيًّا. ولبعض الوقت كانت دوروثي تلقي نظرة من شباك غرفتها على جسد حفيدتها البني العاري، الذي بدا وكأنه رسم هيروغليفي كبير مرسوم على العشب. •••
بدأ بلير كينج يروي وهو جالس بالشرفة الجانبية مرتشفًا الجين: «وعلى الطريق السريع …» كانت جانيت هي من يرمي إليها بكلامه، في حين كانت دوروثي تتابع الحديث بانتباه، لكن ليس بارتياح.
«أوه، الطريق السريع! إنها أسوأ تجربة بحياتي، أن أقود على الطريق إلى لندن في الضباب، بسرعة لا تزيد عن ستين كيلومترًا في الساعة، فلا تستطيع تجاوز تلك السرعة في ذلك الضباب، ضباب كثيف بمعنى الكلمة، لدرجة أنك لا تستطيع الرؤية أبعد من عشرة أقدام أمامك. ذات مرة استأجرت أنا وأحد أصدقائي سيارة تخييم، لكني لم أتعلَّم قيادتها جيدًا، ودخلنا بواحد من تلك الطرق الدائرية ولم نستطِع الخروج منها، وأخذنا ندور وندور على الطريق، فكان الأمر أشبه بمسرحية رمزية يقدمها طلبة الجامعة.»
هل كان بلير كينج يعي ما كانت تحكيه؟ يبدو ذلك؛ فقد كان يتطلع إلى وجهها ويتمتم مشجعًا. كانت هذه أول مرة تسمع فيها دوروثي عن سيارة التخييم، أو الصديق، أو حتى عن ذلك الطريق السريع. لم تذكر جانيت شيئًا عن أوروبا لجدتها أو لفايولا أكثر من ذكرها للأماكن التي تعج بالسائحين، والبيوت الرطبة باليونان خلال فصل الشتاء، وأن السمك المجمَّد من أثينا يتكلف أقل من ذلك السمك الذي يصيده الفلاحون. وأخذت تصف الأشياء التي يأكلونها إلى أن صرحت فايولا أنها تشعر بالغثيان.
تكاد دوروثي تجزم بأن فايولا الآن تتساءل إن كان ذلك الصديق رجلًا أم فتاة؟
قضى بلير كينج وزوجته ستة أشهر بأوروبا منذ ثلاث سنوات؛ ولم يسمح لهم بلير خلال فترة الزيارة بنسيان زوجته؛ بل ظل طوال حديثه يذكر اسمها، أنا ونانسي، نانسي قادت السيارة على الطريق في سويسرا، نانسي أحبت البرتغال لكن إسبانيا لم تعجبها كثيرًا، نانسي كانت تحب مصارعة الثيران بالبرتغال. وكانت فايولا تتداخل معه في الحديث من حين لآخر متحدثة عن الأسابيع الثلاثة التي قضتها مع زوجها ببريطانيا العظمى سنة ١٩٥٦، في حين جلست دوروثي تستمع وتحتسي الشراب الذي لم يكن يعجبها طعمه، وهي تفكر بأن جانيت وعدتها بألا تفرط في شرب الجين. لم تكن تستطيع الشكوى حتى وإن واجهتها مشكلة في التواصل مع حديثهما؛ فقد كان هذا ما تعوِّل عليه؛ أن يكون بلير كينج بالنسبة لجانيت أكثر من مجرد شخص عادي، وأن تشعر جانيت بالانطلاق في الحديث لتتمكن دوروثي من الاستماع ومحاولة فهم شخصية جانيت أكثر؛ لذا جلست مركزة تستمع فقط لأصواتهما، حيث كانت الشرفة مظلمة. طلبت منهما دوروثي إشعال المصابيح، لكن جانيت صاحت: لا، لا، فكانوا أشبه بمن يجلس بصندوق صغير حار في حين كانت كل أنواع الحشرات ترف حول الستارة.
قالت جانيت لبلير كينج: «أنا لا أمانع الجلوس بالظلام أبدًا، وأنت؟» استنبطت دوروثي شيئًا ما في نبرة صوت جانيت، هل هو مكر أم احترام أم انتقاص؟ هذا ما سيكشف عنه قادم الأيام.
دار الحوار بينهم عن الطعام والشراب والمرض والعلاج، وتحدثت جانيت عن طبيب في كريت كان يزعم أن كافة السيدات الأجنبيات اللاتي كن يذهبن لاستشارته يأتين من أجل الإجهاض؛ لذا قام الآخرون بإقناعه بصعوبة بالغة أن يصبح طبيب أنف وأذن وحنجرة. حكى بلير كينج عن طبيب في إسبانيا ذهبت إليه نانسي لآلام في معدتها فأعطاها دواءً مسهلًا قويًّا، وبعد أن أخذته بساعتين تضاعف ذلك الألم، كنا في قصر الحمراء حينها وكان يعترينا اليأس.
«هذا ما تتذكره نانسي دائمًا عن إسبانيا، مع أننا قمنا بزيارة أماكن قمة في الروعة، وشاهدنا كل المناظر الخلابة. كان هذا واحدًا من الأماكن التي كانت نانسي تتوق وتسعى دائمًا لزيارتها، لكننا كنا طوال الوقت نفكر في شيء واحد: أين دورة مياه السيدات؟»
صاحت جانيت ساخرة لكن بحذر: «آه، احتياجات المرء الضرورية، دائمًا ما يأتي الشعور للمرء بقضاء الحاجة في أوقات غير مناسبة، وتكون أهم شيء يجب القيام به فورًا، أتذكر أن حدث لي ذلك على متن سفينة متوجهة إلى اليونان.»
تكاد دوروثي تجزم للمرة الثانية بأنها تعلم ما يدور بعقل فايولا الآن: «عجبًا، هل هذه هي الطريقة التي أصبح يتحدث بها الرجال والسيدات في هذه الأيام؟ لا عجب من أنها لم تتزوَّج حتى الآن.»
«وبالطبع كان الأمر كذلك لنانسي حينها، نانسي وقورة، أنت لم تقابليها من قبل، هي من نوعية الناس التي لا تستطيعين بالضبط القول بأنها متكبرة لكنها … حسنًا، أنا شخصيًّا أعتقد أنها من نوعية سيدات المجتمع.»
أومأت جانيت برأسها قائلة: «آها» بطريقة تمزج بها المجاملة ومسحة بسيطة من التهكم، وربما لم يَعِ بلير كينج ذلك حيث إنه واصل حديثه عن زوجته. ما الذي تسعى جانيت إليه؟ هل هذا الدلال أسلوب جديد لها؟ مع أنها تتحدث بانطلاق وحيوية، فإن شيئًا ما يظل خافيًا بجانيت، شيئًا جادًّا لكنه خاضع لشيء ما، غالبًا تخاف الوحدة.
انتقلوا من الحديث عن الأطباء إلى الحديث عن الأماكن التي يتم فيها سرقة المرء قبل أن تطرف عينه، وعن أماكن أخرى تستطيع ترك سيارتك بها، محملة بالأشياء، وغير مقفولة ومع ذلك تكون آمنة تمامًا. قالت جانيت: «في شمال أفريقيا، سُرقت أشيائي كاملة، مع أن سيارة التخييم كانت مقفلة، كنت وحدي بهذا الوقت؛ فقد انفصلت عن رفقتي وكنت مستاءة من ذلك أيضًا …» حدثت دوروثي نفسها؛ هو رجل إذن، ولكن في الحال تراجعت، فربما كانت فتاة. أحيانًا كانت تتمنى لو لم تعرف عن العالم بالطريقة التي تعرف عنه بها، القراءة.
استطردت جانيت: «كان ذلك في مراكش، سُرقت مني كل أغراضي، كل أغراضي الجميلة؛ من فساتين مغربية، وملابس كنت قد اشتريتها لأصدقائي، وحلي، وطبعًا الكاميرا، وكل الأشياء التي كانت بسيارة التخييم، كل ما فعلته أني جلست وحيدة بالسيارة أبكي، بعد قليل أتى صبيَّان من العرب، حسنًا، هما ليسا صبيَّين، بل شابان، لكنهما هزيلان لدرجة أنني اعتقدت للوهلة الأولى أنهما أصغر مما هما عليه، أتيا نحوي وحاولا التحدث معي، وكان واحد منهما يتحدث الإنجليزية جيدًا. في البداية لم أكُن حتى أرد عليهما؛ فقد كرهت كل العرب، كرهت كل المغاربة، وألقيت اللوم عليهم حزنًا على أشيائي التي سُرقت. لم أَقُل لهما ما الذي حدث، ومع ذلك استمرا في الوقوف معي، أو على الأقل الشاب الذي يتحدث، حتى شرحتُ لهما في النهاية بفظاظة ما حدث، فنصحاني بالذهاب إلى الشرطة. قلت ساخرة: ها، ربما الشرطة كانت تراهم وهم يسرقون ولم تفعل شيئًا. لكنهم نجحوا في إقناعي أخيرًا. ذهبت معهما ليدلَّاني على الطريق، مرَّ بذهني فكرة أنهما ربما لن يأخذاني إلى الشرطة، وأنني كنت غبية تمامًا حين وافقت على الذهاب معهما، لكن في الواقع لم آبه البتة! هل تعرف؟ لقد بدأت أميل إلى الثقة في الشاب الذي كان يتحدث معي بسبب عينيه الزرقاوين، أعلم أنه تعصُّب عنصري منذ زمن سحيق، لكن النازيين كانت عيونهم زرقاء، إلا أن عينيه أشعرتاني بالراحة بشكل أو بآخر، وذهبت معهما، حتى عندما تحتَّم علينا ترك السيارة والمشي على أقدامنا بتلك الطرق المنحنية والملتوية ذات الرائحة المميزة بالحي العربي. وعندما علمت أننا لن نذهب إلى الشرطة، لم أستطِع معرفة طريق العودة، وقلت لهما صراحةً، أنتما لن تأخذاني للشرطة، أليس كذلك؟ وأجابا بلى، وقال ذو العينين الزرقاوين: ليس الآن، سآخذك أولًا إلى المنزل لأعرِّفك بأمي!»
قالت فايولا مشجعة: «حسنًا، كان هذا لطفًا منه على كل حال.»
أما بلير كينج فاكتفى بالضحك.
«أعرف، قال إنه سيعرِّفني بأمه وأخته، وفي الحال وصلنا إلى منزل، بالأحرى هو باب، فأنتم تعرفون جدران البيوت هناك متلاصقة، ودلفنا إلى غرفة صغيرة مجردة إلا من أريكة ومصباح كهربائي. قال لي انتظري دقيقة، ودخل عبر باب آخر، بينما جلس الآخر بجواري، لم يعجبني صديقه قط، فهو متجهم الوجه، ولا يتحدث. جلست على الأريكة، وبعد مدة طويلة أتى الأول واعتذر أن أمه وأخته خلدتا إلى النوم، ثم قال إنه ذاهب لإحضار بعض الطعام، وطلبت منه أن يأخذني معه ويعيدني، قال لاحقًا، وتركني ثانية مع صديقه، وما إن خرج من هنا حتى بدأت أشياء غريبة في الحدوث. أتى صديقه ليجلس بجواري على الأريكة وبدأ يلمس يديَّ وذراعيَّ محاولًا التحدث معي، حاولت السيطرة على الموقف وحاولت أن أبدو عادية وأسأله بعض الأسئلة، لكن توتري ازداد جدًّا. أيقنت حينها أنه ترتيب فيما بينهما، فكنت بالفعل متوترة جدًّا. بدأ يزحف نحوي على الأريكة وكان عليَّ أن أنهض، وبعدها تلاشت كل تلك المظاهر وحاصرني في أحد الأركان وأخرج سكينًا …»
صاحت فايولا: «آوووه، كيف تذهبين إلى بلد كهذا؟»
«ووضع السكين على رقبتي وطلب مني … حسنًا، حينها كان المشهد واضحًا تمامًا، ولكنني ما برحت أقول له لا، لا، رفضت النظر إلى أي شيء.»
قال بلير كينج، وكأن القصة كلها مزحة: «لكن السكين كانت على رقبتك.»
«حسنًا، لقد اعتقدت لوهلة أنه كان يمثل، وكدت أجزم بذلك؛ إن الأمر كله كان أشبه بلعبة. ثم أتى ذو العينين الزرقاوين، وكان قد ذهب لإحضار طعام بالفعل، أحضر بعض الجبن وما إلى ذلك، فتضايق جدًّا أو بدا عليه ذلك عندما رأى ما يحدث. بالطبع وضع الآخر سكينه جانبًا واعتذر ذو العينين الزرقاوين بأدب جم، وجلسنا جميعًا لنأكل. كان شيئًا لا يصدقه عقل، ثم قال ذو العينين الزرقاوين إنه سيريني طريق العودة، وبالفعل ذهب معي، كان لطيفًا، وفي طريق العودة طلب مني الزواج.»
عندما قالت جانيت آخر جملة كان صوتها ينغمر بالخجل، وهو ما لم يحدث بأي جزء آخر خلال قصتها.
«كان يأمل في أن أكون فرصته للخروج من البلد أو شيئًا من هذا القبيل، أو ربما يكون هذا من سمات اللطف المبالغ فيه لدى العرب. كان يأتي لزيارتي يوميًّا إلى أن رحلت، وطلب مني الزواج ثانيةً، وقال إنه أحبني.»
جعلت دوروثي تفكر ما الذي لم تذكره جانيت بقصتها؟ فهي لديها خبرة كبيرة بسماع أصوات الأطفال وتستطيع أن تستشف الأشياء التي لم يكونوا صرحاء فيها. ربما تكون قد مارست الحب مع ذي العينين الزرقاوين عندما ذهب لها إلى الفندق، ربما مارست الحب مع الاثنين عندما كانوا بالمنزل، ربما أكثر من ذلك، ربما تكون أحبته، ربما تكون القصة برمتها من نسج خيالها.
قالت جانيت بلهجة اعتذارية: «أعتقد، أعتقد أني أحببته قليلًا، أشياء غريبة تحدث لمشاعرك في هذه البلاد، خاصة عندما تكونين وحدك.»
وافقها بلير كينج، قائلًا: «أشياء غريبة تحدث.»
«بالطبع من المستحيل الجزم بما يشعر به الناس تجاهك، مستحيل.»
وخلال تلك الأمسية شربت جانيت وبلير كينج زجاجة الجين وحدهما بالكامل تقريبًا. •••
استعدت دوروثي للنوم، كانت تشعر بالأرق ولكنها غير متعبة إطلاقًا، مع أن ميعاد نومها قد فات من وقت طويل. وقالت بداخلها: إذا كان الشراب هو ما فعل بي ذلك، فمن الأفضل ألا أعتاد عليه. سمعت فايولا ذاهبة إلى الحمام ثم عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، سمعتها وهي تطفئ أضواء غرفتها، فأنارت هي غرفتها، وكانت جانيت تنام بالأسفل. كان الصمت المطبق يخيم على المكان.
جلست دوروثي على السرير مرتدية منامتها الطويلة، وقد حلت شعرها الذي ما زال محتفظًا بشيء من كثافته، والذي تعقده أثناء النهار، فوصل إلى كتفيها. كان بمقدورها رؤية انعكاس وجهها على الزجاج. كان القمر بدرًا، وبدت هي كالشخصية التي تخيف الأطفال، الساحرة الشريرة، كان المنظر مشجعًا لها كي تقرر النزول وتعد لنفسها كوبًا من الحليب أو فنجانًا من الشاي لينعشها.
نزلت حافية القدمين ترتدي روبها القرمزي القديم فوق منامتها، لم تشعل أي أضواء، فكانت تستطيع الرؤية بضي القمر والأضواء الخارجية بالشارع. فتحت الباب الأمامي ونزلت السلالم.
وقفت على الرصيف بالروب، وذيل منامتها بادٍ أسفله. وراحت تفكر: ماذا لو رآها أحدهم هكذا؟ مشت على العشب حول المنزل، كان العشب مبتلًّا جدًّا، إنه ندى أغسطس، مشت بجانب أجمات السبيريا، ووقفت أمام صف الأزهار الذي اقتطعت منه كافة نباتات العائق. لا يوجد سور أو حاجز بين حديقتهم وحديقة آل كينج، فعلى الجانب الآخر من صف الأزهار يبدأ العشب المهمل لآل كينج.
كان لآل كينج شرفة زجاجية بمؤخر منزلهم. كانت مضاءة حينها. كانت الحديقة مجددة منذ سنوات قليلة، وصارت نوافذها الآن تبلغ الأرض.
شرعت دوروثي تمشي بمحاذاة صف الأزهار محاولة تجنب السير على النباتات، حتى وقفت على عشب آل كينج. وفي الشرفة المضاءة تمكنت من رؤية شخصين، وحينما اقتربت أكثر تبين لها أنهما جانيت وبلير كينج. بدا أن جانيت جالسة مرتكزة على ركبتيها على وسادة أو كرسي خفيض، وكانت تخلع بلوزتها المطرزة حتى صارت عارية، فيما كان بلير كينج يقف على مسافة منها يخلع ملابسه أيضًا، على مهل. بالطبع في أوقاتنا هذه ليس هذا بالأمر الجلل. كان هذا ما تسببت فيه دوروثي، ولكنها لم تكن بحاجة إلى القلق؛ فمن شأنهما أن ينسيا هما أنفسهما الأمر برمته في الغد، أو في غضون أسبوع اعتبارًا من يوم غد. أم تراهما لن ينسياه؟ لا يمكنك القول إنهما متحابان، وإنما كانا في حالة سكر شديدة.
جلس بلير كينج على ركبتيه في مواجهة جانيت مقتربًا بوجهه منها فمالت هي فوقه وأمسكت برأسه. بدا جسمها البرونزي في ضوء الشرفة ذهبيًّا، فيما بدا جسمه هو أبيض. تعانقا. وأخيرًا كفت دوروثي عن مشاهدتهما؛ فقد انحبست أنفاسها لما رأتهما على هذا النحو. والآن وقد طرحا ملابسهما جانبًا، طرحا معها ما كانت تعرفه عن مظهرهما وحركاتهما، أو بالأحرى ما جعلاها تعرفه عنهما. بدَوَا لها غريبين ومألوفين في الوقت نفسه، مثل التماثيل بالمتاحف، ولكنهما مفعمان بالحياة وأخرقان تمامًا! كانا يتلويان في الضوء بلا خجل وكأن لا شيء يهم، تنهل منه وينهل منها، يتطلعان وينهب كلٌّ منهما الآخر نهبًا. لو كان بمقدورها أن تنادي عليهما، لقالت لهما بصوتها المدرسي: توقفا عن ذلك، توقفا عن ذلك فورًا! كانت ستصف تلك الدعوة بالتحذير أكثر من كونها توبيخًا. ولكنها رأت نفسها لا حول لها ولا قوة أمام جرأتهما، رأتهما أيضًا مسلوبَي الإرادة ومعرَّضَين لخطر بالغ كما لو كانا يركبان طوفًا يجرفه تيار قوي نحو شلال بالغ الارتفاع، وليس بمقدور أحدٍ تنبيههما. وقعا معًا، تشابكا، واعتلى كلٌّ منهما الآخر في صمت وراء الزجاج.
بدأت دوروثي تلاحظ أن جسدها كله يرتعش، وركبتيها لا تقويان على حملها، ورأسها يدق بقوة، فتساءلت هل هذه أعراض حدوث السكتة الدماغية، سيكون مفجعًا أن يحدث لها هذا هنا، وبملابس النوم، وليست حتى في محيط منزلها. عادت أدراجها مارةً بصف الأزهار وصولًا لمقدم منزلها. شعرت ببعض التحسن عندما مشت، وما إن وصلت للدرج حتى أحست براحة أنها لم تُصَب بسكتة دماغية بعد كل ما رأت. ظلت جالسة على الدرج دقائق قليلة لتتمالك نفسها مغمضة عينيها.
تخيلت من فورها شخصين ملتحمين، متصلبين، ومشرقين، مثل تلك الشخصيات المرسومة في اللوحات التي كانت تعلقها على السبورة — لتفاجئ نفسها — في المناسبات والاحتفالات.
ماذا لو أن فايولا شاهدت أيًّا من ذلك؟ إنه يفوق قدرتها على التحمل. فالقوة أمر ضروري، إضافة إلى شيء آخر مثل الامتنان، إذا كنتِ تنوين التحول إلى سيدة تتلصص على الآخرين في نهاية حياتك.
سر يؤرقني |
المرأة الإسبانية
عزيزي هيو، عزيزتي مارجريت اختليت بنفسي فترة طيبة خلال تلك الأسابيع الماضية، مفكرة في حالنا معًا، حتى توصلت إلى عدة استنتاجات مثيرة وإن كانت غير جديدة بالكلية، ألا وهي:
(١) الاكتفاء بزوج واحد ليس من طبيعة الرجل ولا المرأة.
(٢) السبب الذي يجعلنا نحس بالغيرة هو الهجران. هذه فكرة سخيفة؛ لأنني كإنسانة ناضجة أستطيع الاعتناء بنفسي؛ لا يمكن أن أتعرض للهجر بالمعنى الحرفي للكلمة. أيضًا نشعر بالغيرة، أو بالأحرى أشعر بالغيرة بسبب افتراضي أنه إذا كان هيو يحب مارجريت، فهو يأخذ شيئًا مني ويعطيها إياه. الأمر ليس كذلك بالضبط؛ فإما أنه يحبها أكثر مما يحبني — إلى جانب الحب الذي يكنه لي — أو أنه لم يحمل لي بداخله حبًّا من الأساس. وحتى إن كان الأمر الأخير حقيقيًّا، فهذا لا يعني أنني إنسانة غير جديرة بالحب. إذا كنت أشعر بداخلي أنني قوية وسعيدة، فإن حب هيو لي غير ضروري لاعتدادي بذاتي، وإذا كان هيو بالفعل يحب مارجريت فيجب أن أكون فرحة، أليس كذلك؟ أفلا ينبغي أن أكون فرحة لأن هيو يشعر بهذه السعادة في حياته؟ ولا يمكنني أن أطالبه بشيء …
عزيزي هيو، عزيزتي مارجريت ليس كونكما على علاقة فقط هو ما يؤلمني، بل خداعكما لي بهذه البراعة هو ما يؤلمني بحق، إنه لشيء مروِّع عندما تكتشف أن الواقع الذي تعيشه واقع مزيف. بالتأكيد، ألم يكن وجود مارجريت معنا بالمنزل طوال الوقت، وخروج ثلاثتنا معًا، وتظاهر مارجريت بأنها صديقتي الصدوقة، ألم يكن ذلك كله خيانة لا داعي لها؟ كم من مرة لا بد أنكما ضحكتما أمامي وأنتما تتبادلان النظرات من خلفي غير عابئَيْن بي عندما نكون معًا. كان الأمر برمته عبارة عن مسرحية أخرجتماها من أجل تسليتكما دون رحمة بي، وطبعًا بكوني تلك المرأة البلهاء المغفلة ساعدتكما على إشعال لهيب مطارحتكما الغرام. إني حقًّا أزدريكما، إني لا أستطيع فعل ما فعلتماه؛ لا أستطيع أن أجعل من إنسان أحببته وتزوجته أضحوكة، بل لا أستطيع حتى أن أجعل من إنسان كان محسنًا لي وكان صديقي أضحوكة …
مزَّقتُ هذين الخطابين، وجعَّدتُهما بقبضة يدي، وألقيتُ بهما في سلة المهملات. كان كل شيء بالمقصورة منظمًا بدقة ويفي بالغرض؛ بداخل هذا المهجع المعدني المنجد يستطيع المرء، بلا عناء أو قلق، أن يمضي حياته. يتجه القطار غربًا تاركًا مدينة كالجاري. جلستُ أراقب الأمواج البنية الهائجة التي ترتفع حتى سفح التلال، وأخذت أنتحب على وتيرة واحدة، وأنا أشعر بالدوار. إن الحياة ليست كالقصص الساخرة الكئيبة التي طالما أحببت قراءتها، ولكنها كالمسلسلات التليفزيونية التي تعرض بالنهار، ستبكي بحق من شدة ابتذالها وسخافتها أكثر من أي شيء آخر.
صديقة. عشيقة. لم يَعُد أحدٌ يستخدم كلمة عشيقة الآن، فكلمة صديقة تبدو جريئة مع أنها تحمل براءة زائفة؛ مما يجعل معناها مراوغًا بشكل غريب. احتمالات الغموض والمعاناة التي تحملها الكلمة القديمة اختفت تمامًا؛ ليس بمقدور فيوليتا أن تكون صديقة أحدهم، لكن نيل جوين تستطيع ذلك؛ فهي أكثر عصرية.
إليزابيث تايلور: عشيقة.
ميا فارو: صديقة.
هذا هو تحديدًا نوع اللعبة التي اعتدنا أنا وهيو ومارجريت أن نلعبها معًا في أمسياتنا القديمة، أو أغلب الظن كنا نتسلى بها أنا ومارجريت ونثير ثائرة هيو بانهماكنا فيها.
ما من كلمة من الممكن أن تصف مارجريت بحق.
في الربيع الماضي ذهبنا معًا إلى وسط البلدة لشراء فستان جديد، كنت معجبة ومتأثرة بطريقة مارجريت في التوفير، وحسها المتدبر. كانت فتاة غنية، حيث كانت تعيش في أبلاندز مع أمها العجوز، لكنها تقود سيارة رينو عمرها ست سنوات، ومنبعجة من أحد جانبيها، وكانت تأتي المدرسة ومعها شطائر، وكانت لا تضمر السوء لأحدٍ.
حاولت إقناعها بشراء فستان طويل من القطن، ذي لون أخضر داكن، ومطرز بالفضي والذهبي، لكنها قالت:
«إنه يشعرني بأنني بغيٌّ، أو كامرأة تحاول أن تكون بغيًّا، وهو الشيء الأسوأ.»
تركنا المحل وذهبنا إلى المتجر متعدد الأقسام حيث اشترت فستانًا من الصوف وردي اللون له أكمام تغطي ثلاثة أرباع الذراع، وأزرار مغطاه بنفس القماش، وحزام، نفس الموديل الذي اعتادت لبسه والذي يظهر جسمها الطويل مسطح الصدر جافًا، خجولًا، أبيًّا. ثم ذهبنا إلى محل الكتب المستعملة وقررنا أن تشتري كل واحدة منا هدية للأخرى. اشتريت لها كتاب لالا روخ في حين اشترت لي نسخة من كتاب الأميرة، وروت كل واحدة من كتابها للأخرى ونحن نمشي بالشارع: الدموع، دموع التماسيح، لا أعلم ماذا تعني …
كنا دائمًا طائشتين كبنات المدارس الثانوية. عندما تنعم التفكير في ذلك، هل كان هذا شيئًا طبيعيًّا؟ كنا نختلق القصص عن كل الناس الذين نراهم بالشارع. كنا نضحك بشدة من قلوبنا لدرجة أننا كنا نضطر إلى الجلوس على مقعد انتظار الحافلة، وعندما تأتي الحافلة نلوح لها ونحن ما زلنا نضحك. كنا على حافة الجنون بحق، كانت كلٌّ منا منجذبة للأخرى بسبب حبنا لنفس الرجل، أو كنا منجذبتين لنفس الرجل بسبب حب كلٍّ منا للأخرى. اعتدت على العودة يوميًّا مرهقة من كثرة الكلام والضحك، وأقول لهيو: «إنه أمر مضحك، لم يكن لي صديقة كهذه منذ سنين.» •••
ذات ليلة على العشاء كانت تجلس بمقعدها المعتاد وقالت إنها تريد منا أن نخاطبها منذ الحين بمارجريت وليس مارج. مارج هو الاسم الذي يناديها معظم الناس به، الاسم الذي يناديها زملاؤها المدرسون به، حيث كانت تعمل مدرسة للغة الإنجليزية والتربية البدنية بالمدرسة التي كان هيو مديرًا لها. يقولون عن مارج هونكر إنها فتاة عظيمة عندما تعرفها جيدًا، إنسانة رائعة بحق، وتستطيع أن تستشف من الطريقة التي يتحدثون بها أنها ليست جميلة.
«مارج اسم أبله، في الواقع مثلي، أعتقد أن مارجريت ستجعلني أشعر أنني أجمل.» قالت ذلك أثناء العشاء وفاجأتني بأمنيتها البسيطة التي قالتها بنبرة مضحكة. كنت أنا مهتمة بها كاهتمام الأم بابنتها، وكنت دائمًا أتذكر أن أناديها بمارجريت كما طلبت، لكن هيو لم يهتم وكان يناديها مارج.
«مارجريت لها ساقان جميلتان، عليها أن تلبس تنورات أقصر.»
«جسمها رياضي وعضلاتها مفتولة أكثر مما ينبغي.»
«يجب أن تترك شعرها ينمو ويسترسل.»
«ثمة شعر ينمو بوجهها.»
«يا له من شيء وضيع لتقوله.»
«إني لا أصدر أحكامًا عليها، لكني أقرر حقيقة واقعة.»
إنها حقيقة، فمارجريت لها زغب ناعم ينمو بمحاذاة أذنيها، وبحواف فمها، وجهها كوجه صبي في الثانية عشرة، أشقر ويعلو وجهه النمش. مارجريت حاضرة الذهن، متقدة الذكاء، نحيلة البدن برشاقة، ومعظم الوقت خجولة. كنت دائمًا أقول إن هناك شيئًا جذابًا بها، وهيو يوافقني الرأي، إنها من نوعية النساء اللاتي تقول عنها النساء الأخريات إن بها شيئًا جذابًا جدًّا، ويتساءل هيو لماذا تقول السيدات الأخريات عنها ذلك؟ لأنها لا تمثل تهديدًا.
لا تمثل تهديدًا.
لماذا نُفاجأ عندما نكتشف أن هناك آخرين غيرنا قادرين على نسج الأكاذيب؟ •••
كنا نستضيف المدرسين الصغار؛ الشباب المرتدي الجينز، وأيضًا الشابات المرتديات الجينز أو تنورات جلدية قصيرة، ذوي الشعر الطويل، والصوت الخفيض، سلبيين لكن حاسمين. تغير المدرسون عن أيامنا. ارتدت مارجريت فستانها الصوفي وردي اللون بطول الركبة، وساعدت بتحضير القهوة وهي جالسة على وسادة جعلت قدميها تبدوان طويلتين جدًّا، ولم تتفوَّه بما مجمله عشرون كلمة طيلة المساء. كنت أرتدي فستانًا من فساتيني الطويلة، ألوانه متعددة كالطاووس، لبسته لأحاول خلق جو من الألفة. كنت أمتدح نفسي، ومرونتي، وذوقي العصري، نعم، ذوقي غير المنتمي للعصور الوسطى. كنت أشعر بالتباهي بنفسي أمام شخصٍ ما، مارجريت؟ هيو؟ لكن سعادة هيو الحقيقية كان مصدرها مارجريت، عندما يذهب الجميع.
«المشكلة أنني لا أعلم إن كان بالفعل لي علاقة بهذا، لا أعلم إن كان لي علاقة بكل تلك العلاقات بين الأشخاص، أعني أنني أحيانًا أعتقد أن كل ما أمر به هو من نسج خيالي …»
كانت مارجريت تضحكني أيضًا، كنت فخورة بها بالطريقة غير الأخلاقية التي يسعد بها الآباء عندما يقلد طفلهم المهذب ضيفًا مغرورًا رحل لتوه، لكن كانت تلك الأجواء المنعشة بلا أدنى شك تسود بين هيو ومارجريت، حقيقة. أحبها هيو لإدراكها، واستخفافها، وخداعها؛ تلك الصفات التي تبدو لي الآن أدنى من أن تكون مرغوبة. كلاهما خجول، هيو ومارجريت، كلاهما غير بارع في المعاملات الاجتماعية، ويضطربان أمام الناس بسهولة، لكنهما باردان من الداخل، أبرد من أن يتباهيا بمفاتنهما ومغامراتهما مثلما نفعل. إنهما لا يكشفان عن أنفسهما. بالطبع لن يعترف أحدهما بهذا، ولن يتحدثا عن هذا. بإمكاني أن أغرس أظافري بجلدهما ومتأكدة من أن أصابعي هي التي ستنزف لا جسديهما، بإمكاني أن أصرخ بوجهيهما إلى أن ينفجر حلقي ولن يتغير شيء من هدوئهما، بل ولن يشيحا بوجهيهما المخادع بعيدًا عني. كلاهما أشقر، كلاهما يخجل بسهولة، كلاهما يسخر من غيره بأعصاب باردة.
إنهما يحتقرانني.
إنه شيء قذر بالطبع، فالحب كله لهما وحدهما ولا شيء لي.
إني عائدة من زيارة أقارب لي يسكنون بمختلف أنحاء المدينة، هؤلاء الناس أشعر أني مرتبطة بهم بعلاقات عاطفة قوية، قوية بدرجة تفوق الوصف؛ لدرجة أني أفزع من فكرة موت أحدهم كفزعي من موتي، لكني لا أستطيع أن أقول لهم شيئًا وليس بيدهم ما يفعلونه لي. عندما ذهبت لزيارتهم أخذوني برحلة صيد، وذهبنا للعشاء بالخارج والاستمتاع بالمنظر من المباني العالية، ماذا من الممكن أن يفعلوه أكثر من ذلك؟ بالطبع لن يسرهم أن يسمعوا أخبارًا سيئة عني، إنهم يقدرونني لمزاجي المبتهج، وحسن مظهري، ونجاحي المتواضع والملموس بنفس الوقت — لقد قمت بترجمة مجموعة من القصص القصيرة وبعض كتب الأطفال من الفرنسية إلى الإنجليزية، وبإمكانهم الذهاب إلى المكتبة ورؤية اسمي على أغلفة الكتب — ولأني الأكبر سنًّا فيهم والأقل حظًّا، تحديدًا، أشعر أنه لزام عليَّ أن أمنحهم تلك الأشياء. حظي وسعادتي هما جانب واحد من بين المؤشرات القليلة التي تؤكد لهم أن الحياة ليست كلها مساوئ.
الكثير من الأقرباء، والكثير من الزيارات.
هب أني عدت إلى المنزل، وكان كلاهما هناك، هب أني دخلت لأجدهما على السرير، بالضبط مثل ما يروى في بريد المعذبات بالجريدة (التي أنوي ألا أضحك منه مرة أخرى)، كيف سيكون شعوري؟ سأذهب إلى الدولاب وأحضر باقي ملابسي وأحزم حقائبي، وأتحدث بمنتهى الدبلوماسية مع من بالسرير قائلة:
«هل تودان احتساء بعض من القهوة؟ أتخيل أنكما تحتاجان إليها من فرط تعبكما.»
أقول ذلك لأجعلهما يضحكان، لأجعلهما يضحكان كأن شيئًا لم يكن، وكأنهما يمدان يديهما لي ليدعواني للجلوس، للجلوس معهما على السرير.
في تصور آخر، ربما أذهب إلى غرفة النوم، ودون أن أنبس ببنت شفة ألتقط كل ما أجده أمامي — زهرية، زجاجة مرطب، صورة من على الحائط، حذاء، ملابس، الكاسيت الخاص بهيو — وأقذف بتلك الأشياء على السرير، والشباك، والجدران، ثم أقتلع الشراشف وأمزقها إربًا إربًا، وأرفس مرتبة السرير وأنا أصرخ، ثم أنهال على وجهيهما بالصفعات، وأضرب جسديهما العاريين بفرشاة الشعر، كما فعلت الزوجة في رواية «أرض الله الصغيرة»؛ تلك الرواية التي قرأتُ منها عاليًا إلى هيو بنبرة كوميدية، أثناء رحلة طويلة بالسيارة عبر البراري طوَّقَنا فيها الغبار.
ربما حكينا لها عن ذلك، وتفاخرنا أمامها بكثير من المداعبات التي كانت تحدث بيننا أثناء المغازلة، أو حتى بشهر العسل، بينما يظهر على وجهها علامات الإعجاب والتعطش لسماع المزيد؛ كنت أنا أتباهى بذلك، أما عن هيو، فليس لديَّ أدنى فكرة عما كان يشعر به أو يقصده من ذلك.
رغمًا عني أصدرت صرخة قوية تعبيرًا عن احتجاجي.
وضعت يدي أمام فمي المفتوح، ولأوقف الألم عضضتها، عضضت يدي. نهضت وذهبت باتجاه الحوض لأنضح وجهي بالماء، ووضعت بعضًا من أحمر الخدود ومشطت شعري وضبطت حواجبي، وذهبت خارجة.
تسمى العربات بالقطار بأسماء مشاهير المكتشفين، أو بأسماء الجبال أو البحيرات. غالبًا ما كنت أسافر بالقطار عندما كان أبنائي صغارًا، وكنت أنا وهيو فقراء؛ حيث كان القطار يسمح للأطفال دون السادسة بالركوب بالمجان. أتذكر تلك الأسماء المكتوبة على الأبواب الثقيلة، وأتذكر كيف كنت أدفع الأبواب وأظل ممسكة بها بينما أستحث أبنائي الأشقياء والمتدافعين على المرور منها، كنت دائمًا أتنقل متوترة بين العربات كأن الأطفال سيسقطون بطريقة ما، رغم علمي بأن هذا لن يحدث. كان عليَّ أن أنام بالقرب منهم ليلًا وأجلس معهم نهارًا وهم يقفزون حولي أو عليَّ، لدرجة أنني كنت أشعر أن جسدي مهروس تحت أقدامهم وأكواعهم وركبهم. وكنت أفكر كم هو جميل أن تسافر المرأة وحدها، ليكون بمقدورها احتساء القهوة بعد تناول الوجبات دون قلق وهي لا تفعل شيئًا سوى النظر من النافذة، وتستطيع الذهاب إلى عربة الطعام وتناول شراب. الآن واحدة من بناتي تسافر متطفلة في أوروبا، والأخرى مرشدة بمعسكر للأطفال المعاقين، وكل الوقت الذي ضاع في الاهتمام والفوضى — والذي كنت أتخيل أنه لن ينتهي — أصبح وكأنه لم يكن من الأساس.
دخلنا بالقطار عبر الجبال دون أن أشعر، طلبت شراب الجين مع ماء الصودا، كانت الكأس الزجاجية تلتقط أشعة الشمس وتعكسها بحلقة من الضوء على البساط الأبيض، مما يضفي على المشروب صفاء ويعطيني إحساسًا بأنه مجدد لنشاطي، كمياه الجبل، شربته بنهم كأني لم أرتوِ منذ زمن.
هناك سلم صغير يمتد من عربة الطعام وحتى القبة حيث يجلس الناس من محطة كالجاري بلا شك في انتظار مشاهدة الجبال. أما المسافرون الذين أتوا متأخرين ويتمنون لو أن الناس ترحل عن مقاعدها فقد اعتلوا بضع درجات من السلم ليشرئبوا بأعناقهم ليتفقدوا الوضع ثم يعودوا ساخطين.
قالت سيدة بدينة ترتدي عمامة: «يبدو أن الموجودين سيظلون جالسين أسبوعًا.» قالتها وهي تتلفَّت حولها لتحدِّث مجموعة يبدو أنهم أحفادها، كانت تملأ السلم كله بجسدها. ابتسم الكثير منا وكأن القدر ساق إلينا هذه السيدة بحجمها وصوتها العالي وبساطتها لتسرِّي عنا.
كان هناك رجل يجلس وحده بأقصى العربة يستند بظهره على الشباك، وكان ينظر إليَّ مبتسمًا، ملامح وجهه تذكرني بوجه أحد نجوم السينما من العصر الماضي، وجهه عجوز لكنه وسيم، يحمل ملامح جميلة تنمُّ عن التصميم واليقظة، وإن غلبه كبر السن. كان يشبه دانا أندروز، أو أحدًا مثله. كانت الملابس بلون الخردل تعطيني انطباعًا غير سعيد.
لم يأتِ ويجلس بجواري، بل ظلَّ يسترق النظر إليَّ من حين لآخر. وعندما نهضت وهممت بترك العربة، أحسست أنه يراقبني، وتساءلت ماذا لو حاول ملاحقتي؟ ليس لديَّ بال له، ليس الآن، لا أستطيع أن أعيره اهتمامي الآن. فيما مضى كنت مستعدة لأي رجل تقريبًا، عندما كنت بسن المراهقة وبعدها أيضًا، عندما كنت زوجة شابة، كان أي رجل ينظر لي بأي تجمع، أو نظرات أي مدرس تتعلق بي بحجرة الدراسة، أو حتى نظرات غريب بحفلةٍ ما، كان ربما يتحول إلى الحبيب الذي كنت أبحث عنه دائمًا — عاطفي، ذكي، وحشي لكنه حنون — شخص يجعلني بطلة بمشاهد الأفلام المتفجرة، البديعة التي يعرفها الجميع. بعد ذلك، بعد مرور سنوات قليلة على زواجي، اعتزمت أن أحول تخيلاتي إلى حقيقة. بالحفلات، عندما أرتدي صدريتي التي تظهر صدري بمظهر أكبر، وأصفف شعري التصفيفة الإيطالية المشعثة، وأرتدي فستاني الأسود ذا الشرائط الرفيعة على الظهر، كنت أبحث عن أي رجل لأقع بحبه، وليقحمني معه بعلاقة ملتهبة. وحدث هذا بطريقة أو أخرى، أنتم ترون أنه ليس بالأمر البسيط، ليس بالأمر الواضح كما سيصدق من يرى حزني الآن، وإحساسي المؤكد بالخيانة. كلا. وقد ترك الرجال عليَّ علامات لم أشغل بالي بإخفائها عن هيو، حيث إن هناك أجزاء من جسمي لم ينظر إليها قط؛ فكما تعرضت للكذب كنت أنا نفسي أكذب. وقد أعرب رجال عن عشقهم الجائع لحلمتي صدري وتلك الندبة عند سرة بطني والشامات على ظهري وقالوا لي أيضًا، كما هو جدير بهم أن يفعلوا: «والآن لا تبالغي في أهمية ما فعلناه.» بل كان بعضهم يقول أحيانًا: «أنا أحب زوجتي حقًّا.» وبعد فترة من الوقت أقلعت عن تلك الممارسات وذهبت سرًّا لزيارة طبيب نفساني قادني إلى أن أفهم أنني أحاول جذب اهتمام هيو، واقترح عليَّ طريقة بديلة لجذب اهتمامه من خلال اللطف والإغراء وفنون الحب في جميع أنحاء المنزل. لم أُرِد الجدال معه، ولا مشاركته التفاؤل. بدا لي وكأنه لا يفهم طبيعة شخصية هيو فهمًا حقيقيًّا، مفترضًا أن بعض حالات الرفض تنبع ببساطة من عدم الطلب على نحو صحيح. بالنسبة لي يبدو رفضه أساسيًّا، مطلقًا. ولا يمكنني التفكير في التكتيكات التي يمكن أن تغيره. لكنه كان ذكيًّا بما فيه الكفاية. وقال إنه يفترض أنني أرغب في البقاء مع زوجي. كان محقًّا؛ فلا يمكن أن أفكر — لا أستطيع تحمل مجرد التفكير — في بديل.
توقف القطار بمحطة فيلد، مسافة بسيطة بعد حدود مقاطعة كولومبيا البريطانية، فترجلت منه ومشيت بجوار السكة الحديد وريح حارة تهب.
ثم سمعت من يقول: «إنه لشيء لطيف الترجل عن القطار لبعض الوقت، أليس كذلك؟»
تعرفت عليه بالكاد، فهو رجل قصير، تمامًا مثل نجوم السينما الوِسام حسبما أعتقد، ملابسه كانت بالفعل بلون الخردل، السترة والبنطلون بلون الخردل، أما قميصه المفتوح فكان لونه أحمر، وكان حذاؤه خمريًّا، وكان صوته يوحي بأنه رجل ذو علاقات ومعاملات عامة يومية.
«أتمنى ألا أتسبب بإزعاجك إذا سألتك، هل أنت برج الأسد؟»
«كلا.»
«سألتك لأنني برج الحمل، وعادة ما يستطيع مواليد برج الحمل التعرف على مواليد الأسد، فهذان البرجان بينهما تفاهم جيد.»
«آسفة.»
«رأيت أنك شخصية لطيفة أود تجاذب أطراف الحديث معها.»
تركته وعدت إلى القطار، دخلت مقصورتي وأغلقت الباب وجلست أتصفح المجلات، حتى إعلانات الخمور وأحذية الرجال، لكنني شعرت بالأسف، ربما لم يكن يقصد شيئًا بالفعل أكثر مما قاله. فأنا بالفعل شخصية يحب المرء تجاذب أطراف الحديث معها. السبب أني سأستمع لأي شيء. ربما كان السبب هو تلك المقالات التي أقرؤها بالمجلة منذ أن كنت مراهقة (عندما أجد أي عنوان يصف حدثًا ما أو أحدهم بالشعبية كان يجعل القشعريرة تسري بجسدي ويجبرني على قراءته)، والتي حثتني على تنمية ذلك الفن الاجتماعي الجاذب. لم أكُن أقصد إحراجه، ولكن المحادثة وجهًا لوجه مع أي مؤمن إيمانًا شديدًا بفكرة أو كذبة — مثل معظم الناس — أو أنه خاض سلسلة من التجارب الغامضة التي يود مشاركتي الحديث عنها، تجعلني مذهولة، وهو أمر كافٍ جدًّا ليصيبني بالشلل. كان هيو يقول في هذه الحالة: عليك بالنهوض والابتعاد. وهذا ما أفعله. •••
«سؤالي لك إن كنت من مواليد برج الأسد كان فقط على سبيل تجاذب أطراف الحديث، ما أردت أن أقوله لك شيء مختلف، لكنني لم أعرف كيف أبدأ، في الواقع، مذ أن رأيتك وأنا أعتقد أني رأيتك قبل ذلك.»
«أوه، أنا لا أعتقد ذلك، لا أعتقد أنك رأيتني من قبل.»
«أعتقد أننا نعيش أكثر من حياة.»
هل ما يقصده بعيش أكثر من حياة هو خوض تجارب متعددة؟ ربما هو على وشك تبرير عدم إخلاصه لزوجته، إن كان له واحدة.
«أنا أُومن بذلك، لقد ولدت من قبل ومت من قبل، هذه حقيقة.»
عندما كنت أختلق القصص لهيو عن أي رجل بخيالي كنت أقول له، أرأيت؟ دائمًا ما يجدونني.
«هل سمعت يومًا عن جماعة الصليب الوردي؟»
«هل هي الجماعة التي تعلن عن فن إتقان الحياة؟»
قد تفوت عليه نبرة السخرية، لكنه يستطيع أن يستشف الوقاحة. فاكتسب صوته نبرة توبيخ مملة.
«رأيت واحدًا من تلك الإعلانات منذ ست سنوات. كنت بحالة مزرية، كان زواجي منتهيًا لتوه وكنت أعاقر الخمر مما أضر بصحتي، لكن لم تكن هذه هي المشكلة، أتعرفين؟ إنها ليست المشكلة الحقيقية، لقد اعتدت فقط الجلوس والتفكير، وهذا سبب وجودي هنا على أي حال. مثل موقفي من الدين؛ لقد سئمت هذا كله. لا أستطيع القول إن هناك شيئًا مثل الروح. وإن لم توجد، فما الفارق إذن؟ أتفهمين ما أعنيه؟
بعد ذلك بدأت في الكتابة إليهم، وحصلت على بعض من إصداراتهم السابقة، وبدأت في حضور اجتماعاتهم. أول مرة ذهبت هناك، كنت خائفًا من أن يكون الأمر كالذهاب إلى مستشفى المجانين، لم أكُن أعرف ما الذي من الممكن أن أراه هناك، أتعرفين؟ يا لها من صدمة عندما رأيت نوعية الناس هناك؛ أناس ذوو نفوذ، أناس أغنياء، أناس محترفون. كل الأشخاص من نخبة المجتمع من المثقفين والمتعلمين، إنهم ليسوا جماعة مجانين، إنها جماعة مشهورة وموثوقة علميًّا.»
لم أجادله فيما قال.
«مائة وأربع وأربعون سنة! هذه هي الفترة الزمنية بين بداية الحياة والحياة الأخرى، لذلك إذا مات أحدنا، ولنقل، بسن السبعين، يتبقى نحو أربعة وسبعين عامًا حتى بداية الحياة التالية، عندما تولد روحك من جديد.»
«وهل تتذكر؟»
«تقصدين من الحياة الأولى للتالية؟ حسنًا، أنت على دراية بنفسك، الإنسان العادي لا يتذكر أي شيء، لكن بمجرد أن يتفتح عقلك، ستدركين ماذا يدور حولك، وسببه، بعد ذلك ستبدئين في التذكر. إنها حياة واحدة تلك التي أنا متأكد من أني عشتها، كان ذلك في إسبانيا وفي المكسيك، كنت واحدًا من أحد فاتحي المكسيك، أتعرفينهم؟»
«نعم.»
«شيء مضحك، دائمًا كنت أعرف أنني أستطيع امتطاء الخيل، لكني لم أفعل ذلك، فأنا فتى من المدينة، ولم يكن لدينا المال، ولم يكن لدينا حصان. لكني ما زلت أشعر بأني أجيد امتطاء الخيل. بعد ذلك عند حضوري أحد اجتماعات جماعة الصليب الوردي بفندق بفانكوفر منذ عامين أتى إليَّ زميل كبير في السن، كان من كاليفورنيا، وقال: أنت كنت هناك، أنت كنت واحدًا منهم. لم أدرك وقتها عما يتحدث، فأردف: في إسبانيا، كنا معًا. وقال إنني كنت أحد الفاتحين الذين ذهبوا إلى المكسيك وأنه كان واحدًا ممن تخلَّفوا. لقد تعرَّف على وجهي. أتعرفين ما أغرب شيء في كل ذلك؟ عندما انحنى ليحادثني خُيِّل لي أنه يرتدي قبعة، مع أنه لم يكن كذلك، ذلك النوع من القبعات المكسوة بالريش، وخُيِّل لي أن شعره أسود وطويل، بدلًا من كونه رماديًّا وقصيرًا. كان هذا كله قبل أن ينبس ببنت شفة مما قاله، أليس ذلك شيئًا ذا دلالة؟»
بلى، ذو دلالة، لكني سمعت أشياء كهذه من قبل، سمعتها من أشخاص اعتادوا رؤية الأشباح تطير من فوقهم، أشخاص يسيِّرون حياتهم بناءً على ما يقوله المنجمون، لدرجة أنهم غيروا أسماءهم وانتقلوا إلى عناوين جديدة؛ لأن القيم الرقمية التي تحملها الحروف الجديدة ستبارك لهم حياتهم. هذه هي الأفكار التي يعتنقها أناس يعيشون معنا في هذا العالم، وأستطيع الآن معرفة الأسباب.
«ما البرهان الذي تريدينه لأثبت لك أنك أيضًا كنتِ هناك؟»
«في إسبانيا؟»
«نعم في إسبانيا، لقد اعتقدت منذ رأيتك أنك امرأة إسبانية، ربما كنتِ ممن تخلفوا أيضًا، هذا يفسر ما أراه، عندما أنظر إليكِ — أنا لا أقصد أي إساءة فأنت امرأة جذابة جدًّا — أراكِ أصغر مما أنت عليه. لعل هذا بسبب أنني عندما تركتك بإسبانيا كنت بعمر العشرين أو الواحد والعشرين، ولم أَرَكِ ثانية بتلك الحياة، أنت لا تمانعين أن أقول ذلك، أليس كذلك؟»
«لا، لا، إنه من دواعي سروري فعلًا أن يراني أحدٌ هكذا.»
«أنا دائمًا على يقين بأنه يجب أن يكون هناك قيمة أكبر للحياة، أنا لست إنسانًا ماديًّا، ليس من طبيعتي، ولهذا السبب لم أحقِّق قدرًا كبيرًا من النجاح، فأنا أعمل رجل مبيعات للعقارات، لكن لا أعتقد أني أعير عملي الاهتمام اللازم إذا كنت أريد النجاح. لكني لا أهتم، فأنا أعيش وحدي.»
أنا أيضًا، أعيش وحدي، ولا أستطيع التفكير بما سأفعله، ولا أستطيع التفكير بما أفعله مع ذلك الرجل إلا أن أقحمه بحكاية من الحكايات التي سأرويها لهيو، لإثارة فضوله، كطرفة أو فكاهة لهيو. يريد هيو أن تُرى الحياة على هذا النحو؛ فهو يحب النبرة الباردة، المشاعر المجردة التي يجب أن يُتغاضى عنها كاللحم العاري.
«هل تحبني، هل تحب مارجريت، هل تحب كلتينا؟»
«لا أعرف.»
كان يقرأ المجلة، دائمًا ما يقرأ وأنا أحدثه، كان يقول تلك الكلمات بصوت ملول، بالكاد مسموع، وكأنه مُكره على الحديث.
«حسنًا، سنتطلق، هل ستتزوجها؟»
«لا أعرف.»
وصلت مارجريت عند تلك النقطة من الحديث، ونجحت في تغيير دفة الحوار إلى بعض الفناجين الخزفية التي اشترتها لنا للتو، كهدية، وتأمل ألا أقذفها خارجًا في ظل غيظي؛ لأنها — أي مارجريت — تعتقد أنها ستكون مفيدة في حال انتقالها للعيش معنا. ابتسم هيو لسماعه ذلك، وكان ممتنًّا. قلت في نفسي حينها إننا إذا نسجنا الفكاهات يمكننا جميعًا أن نحيا.
أسعد لحظة في زواجنا عندما كنا لا نواجه أي مشكلات في اتخاذ القرارات. كنا بجنوب ميشيجان في رحلة، حين كان الأطفال صغارًا. كان مهرجانًا رديئًا في يوم تلبدت سماؤه بالغيوم. ركبنا قطارًا لعبة، وشردنا نحن معًا حتى توقفنا أمام قفص به دجاجة، ولافتة مكتوب عليها أن تلك الدجاجة تستطيع أن تعزف على البيانو. قلت إنني أريد سماعها، فأسقط هيو عشرة سنتات بالمكان المخصص، وما حدث كان كالآتي، عندما سقطت العملة، فُتح باب سحري، وهبطت حبة ذرة على مفتاح البيانو، فذهبت الدجاجة لتلتقطها فأحدثت نغمة وهي تلتقطها. فصُدِمتُ وقلت إن هذا غش واحتيال. لسبب ما صدَّقت ما هو مكتوب على اللافتة بأن الدجاجة حقًّا تعزف على البيانو. لكن فعل هيو — عندما أسقط العملة — بدا طيشًا لا يتصف به هيو مطلقًا، طيشًا بدا لي فعلًا مدهشًا، وإقرارًا علنيًّا بالحب، أكثر من أي شيء آخر فعله أو قاله في أي وقت آخر، حتى في لحظات احتياجه إليَّ أو رضائه. كان هذا الفعل مدهشًا ومؤقتًا، كرؤيتك مثلًا طائرًا صغيرًا بألوان نادرة يجلس عن قرب بحيث لا يجرؤ أحدٌ على النظر إليه مباشرة ويسترقون النظر فحسب. في تلك اللحظة، كان حنان أحدنا على الآخر لا يعكره شيء، وينبع منا تلقائيًّا، وبدت صراعاتنا وكأنها غير حقيقية. بوابة جديدة فُتحت لنا على الحياة، أغلب الظن، لكننا لم نعبرها.
أما عن أتعس لحظة في زواجنا فلا أستطيع أن أتذكرها، فكل شجاراتنا يمتزج بعضها ببعض، وهي في الحقيقة تكرار لنفس المشاجرة وفيها يعاقب كلٌّ منا الآخر — أعاقبه بالكلمات ويعاقبني بالصمت — بسبب فكرة كلٍّ منا عن الآخر لا أكثر. لم نكُن نحتاج إلى أكثر من ذلك.
إنه الإنسان الوحيد الذي لا أمانع أن أراه يعاني، لن أمانع أن أرى لمحات الألم الطويلة على وجهه، وأقول: الآن عرفتَ كيف يكون الألم، أليس كذلك؟ الآن عليك أن ترى بنفسك. نعم، حتى عندما يبلغ ألمه منتهاه سأريه بسمتي، بسمتي الراضية، نعم سأريه إياها.
«عندما توصلت لإدراك ذلك، كنت كمن مُنح بداية جديدة.»
يؤمن الناس هذه الأيام بالبدايات الجديدة، يؤمنون بها حتى نهاية حياتهم. يجب أن يُسمح للمرء بأن يبدأ من جديد، مع شخص جديد، مع نفسك القديمة التي لا يعلمها أحدٌ سواك؛ لا يستطيع أحدٌ منع أي شخص من القيام بذلك. فالناس الكرماء يتركون أبوابهم مفتوحة ليمنحوا الهبات للآخرين، ولِمَ لا؟ فهذا سيحدث على أي حال.
تجاوز القطار ريفيلستوك وأخذ يسير وسط الجبال التي تتلاشى تدريجيًّا. كانت عربة الطعام خالية إلا مني ومن عضو جماعة الصليب الوردي، وبعض النُّدُل ينظفون المكان.
«عليَّ أن أذهب الآن.»
لم يحاول إيقافي، بل قال:
«كان من بالغ سعادتي أن سمحتِ لي بالتحدث معك، وآمل ألا تعتقدي أني مجنون.»
«كلا، كلا، إطلاقًا.»
تناول بعضًا من الكتيبات من جيبه الداخلي وأعطاني إياها قائلًا:
«ربما تودين قراءتها، إن كان لديك الوقت.»
شكرته.
نهض من مجلسه لتوديعي، بل وانحنى لي قليلًا بإجلال إسباني. •••
مشيت إلى محطة فانكوفر وحدي حاملة حقيبتي وقد اختفى عضو جماعة الصليب الوردي بمكان ما، تلاشى كأنني نسجته من وحي خيالي، ربما لم يستقل القطار حتى فانكوفر، ربما نزل بإحدى قرى فرازر فالي بالصباح الباكر البارد.
لم يكن أحدٌ في استقبالي، فلا أحد يعرف أني قادمة. بدا جزء داخلي من المحطة محددًا بسياج ومعزولًا عما سواه. حتى في هذا التوقيت الذي يعتبر واحدًا من توقيتين يشهد فيهما المكان نشاطًا كبيرًا، بدا المكان مهجورًا وخاليًا.
قابلني هيو هنا بهذا المكان منذ واحد وعشرين عامًا، في نفس الوقت في الصباح. كان حينها مكانًا صاخبًا ويعج بالزحام. سافرت أنا غربًا كي أتزوجه واستقبلني هو بباقة زهور سقطت من يده حين رآني. كان حينها أقل سيطرة على مشاعره، ومع ذلك لم يكن كثير الحديث. وجهه أحمر، ويبدو صارمًا بطريقة مضحكة، مليء بالعواطف التي يتحملها بقوة، وكأنه مصاب بمرض لا يطلع عليه أحدٌ. وعندما كنت ألمسه لم يكن يسترخي، لدرجة أنني كنت أستطيع أن أشعر بأعصاب جسده المتصلبة. وما كان منه إلا أن يغلق عينيه ويواصل ما كان يفعله، وحده. ربما كان يتنبأ بحدوث أشياء؛ فساتين مطرزة، أشياء تدفعه للحماس، أو قصص خيانات زوجية. لم أكُن في الغالب مستعدة لأن أكون رءوفة به، لقد انزعجتُ لرؤيتي الورود المتساقطة، وتمنيت أن يلقي عليَّ التحية بطريقة أخرى غير تلك الطريقة الكرتونية، كنت قلقة من مواجهة براءته التي بدت أكثر من براءتي، لم أمانع أن أُشعره بقدر من عدم رضاي عما يحدث. مع مرور السنين على هذا الزواج توالت الأحداث، الحدث تلو الحدث، ارتُكبت أخطاء، الخطأ تلو الخطأ، لم يَعُد أحدٌ يستطيع معرفة المسئول عن هذا كله.
لكننا مشينا قُدمًا كلٌّ منا باتجاه الآخر، تشبث كلٌّ منا بالآخر وتعلق به. انسحقت بيننا الورود التي التقطها هو من الأرض ولم نُلقِ لها بالًا. تعانقنا وكأننا نجسد صورة حية لشخصين أُنقذا لتوهما بمعجزة. كان هذا من الممكن أن يحدث ثانية، ويتكرر. ودائمًا ما سيكون الخطأ نفسه.
آآآه.
دوَّت صرخة في محطة القطار، صرخة حقيقية، لكنها لم تصدر مني أنا. رأيت الناس وقد توقفوا لسماع الصرخة أيضًا. كانت الصرخة كأنها صيحة صادرة عن شخص دخيل، مليئة بمشاعر الظلم الشديد. نظر الناس باتجاه الأبواب المفتوحة من ناحية شارع هاستينجز، وكأنهم ينتظرون هذا الغريب ليأتي آخذًا بالثأر منهم. لكن اتضح أن الصراخ أتى من رجل عجوز، كان جالسًا بجوار رجال عُجُز آخرين على مقعد الانتظار بآخر المحطة. في الماضي كان هناك عدة مقاعد، الآن هو مقعد واحد يحمل رجالًا عُجُزًا، لا يسترعون انتباه أي شخص مثل الجرائد القديمة. وقف الرجل على قدميه ليبث صراخه الذي بدا أنه ناتج عن الغضب، غضب وترويع يشعر بهما، أكثر من كونه ناتجًا عن الألم. عندما خبت صرخته، تحول الرجل قليلًا، ثم ترنح، وكأنه يحاول التشبث بالهواء بذراعيه الممدودتين أمامه، وأصابعه المفتوحة، ثم سقط على الأرض وهو ينتفض بشدة. لم يتجشَّم أحد الرجال الآخرين الجالسين على المقعد نفسه عناء مساعدته، لم ينهض أحدهم، إنهم حتى بالكاد نظروا إليه، ثم أكملوا قراءة الجريدة أو أخذوا يحدقون بأقدامهم. وفجأة توقف الرجل عن الانتفاض.
مات الرجل، لقد عرفت ذلك. أتى شخص، مدير أو مسئول بالمحطة، ليتفحصه، في حين أكمل بعض الناس سيرهم بأمتعتهم كأن شيئًا لم يحدث، ولم ينظروا بذلك الاتجاه. بعض الناس مثلي تقدموا نحو مكان استلقاء الرجل وتوقفوا، تقدموا وتوقفوا، وكأنه يصدر عنه إشعاعات خطيرة.
«لا بد أنها أزمة قلبية.»
«بل سكتة دماغية.»
«هل مات؟»
«بالتأكيد، انظر، الرجل يضع عليه معطفه.»
وقف المسئول لا يرتدي شيئًا على قميصه. يجب أن يرسل معطفه للمغسلة. استدرت مبتعدة بصعوبة، ومشيت باتجاه مدخل المحطة، وكأنه يتعين عليَّ ألا أرحل، وكأن صرخات الرجل الذي مات ما زالت تطلب مني شيئًا لأفعله، لكني لا أستطيع حتى التفكير في هذا الشيء. هذه الصرخة التي أطلقها الرجل كانت كفيلة بأن تردعني أنا، وتردع هيو، ومارجريت، وعضو جماعة الصليب الوردي، وكل إنسان حي. كل ما نقوله أو نفعله أصبح غير حقيقي ولا طائل من ورائه. وكأننا نلف وندور خارج السيطرة منذ وقت طويل، ندور حول أنفسنا في دوامات، ونصدر ضجيجًا يملأ الدنيا صخبًا. ولكن يمكن لكل هذا أن يهدأ ويسكن في لحظة واحدة، لحظة واحدة نجد فيها أنفسنا للمرة الأولى هامدين لا نملك أن نؤذي بعوضة. كان مشهد هذا الرجل يبعث برسالة؛ أنا أُومن بذلك بالفعل، لكني لا أعلم كيف أوصل هذه الرسالة.
سر يؤرقني |
الجزء الأول من مذكرات آدم
الاثنين
إنَّ هذا المخلوق الجديد، ذا الشعر الطويلِ، يُضايقني كثيرًا. إنَّه دائم الحركة، يتبعني أينما ذهبت. إنَّنِي أكره ذلك؛ فلستُ مُعتادًا وجود آخرين معي، إنني أتمنَّى أن يبقى هذا المخلوق مع الحيوانات الأُخرى … إنَّ اليوم كثير السحب، والرياح تهبُّ من الشرق، أظنُّ أنَّنَا سنرى المطر قريبًا.
«إننا»! من أين تعلَّمتُ هذه الكلمة؟ آه تذكرتُ! إنَّ المخلوق الجديد كثيرًا ما يستعملها!
الثلاثاء
لقد كنت أتفرج على الشلال العظيم … إنه أبدع شيء في هذه المنطقة كلها كما أعتقد، إنَّ المخلوق الجديد يطلق عليه اسم «شلَّالات نياجرا»، لماذا؟ لا أعلمُ! فهو يقولُ إن الشلال يُشبه شلالات نياجرا. إنَّ هذا لا يُعَدُّ سببًا، إنَّه مجرد صفاقة وغباء!
ليست لدي أي فُرصةٍ لتسمية الأشياء بأسمائها، إنَّ المخلوق الجديد يُطلق اسمًا على كلِّ شيءٍ يُقابله دُون أن يترُكَ لي فرصة الاعتراض، وهو دائمًا يقدِّمُ لي نفس العذر، فيقول إنه يشبه شيئًا ما. فهذا الطائر مثلًا يُشبه طائر «الدودو»؛١ ولذلك يجب أن يُطلق عليه هذا الاسم، ومن الغريب أنَّه لا يُشبه طائر «الدودو» لا في قليلٍ ولا في كثيرٍ.
الأربعاء
لقد بنيتُ لنفسي مخبأ يقيني المطر، ولكنَّني لم أستطع الانفراد فيه بنفسي، فلقد تطفَّل عليَّ المخلوق الجديد، ولمَّا حاولتُ أن أطرده من المخبأ، أخرج ماء من ثقبي وجهه اللذين ينظرُ منهما، وأخذ يمسح الماء بظهر مخالبه، وبدأت تصدُرُ منه أصواتٌ تُشبه أصوات الحيوانات الأُخرى حينما تحس بالأسى … إنَّنِي أتمنَّى ألَّا يتكلم هذا المخلوق، ولكنه لا يكفُّ عن الكلام!
قد يبدو في هذا الكلام ما يمسُّ كرامته، ولكنَّنِي لم أتعمَّدْ ذلك … لم أسمع في حياتي صوتًا بشريًّا من قبل؛ ولذلك فإنَّ أيَّ صوتٍ جديدٍ غريبٍ يُعكِّرُ صفو السكون في هذه الوحدة الحالمة، يُؤذي سمعي ويبدو كنغمٍ شاذٍّ … إنَّ هذا الصوت الجديد قريبٌ جدًّا منِّي، إنَّه خلف كتفي دائمًا، قريبٌ من أذني، أحيانًا أسمعه من اليمين، وأحيانًا أسمعه من اليسار … لقد اعتدتُ فقط الأصوات التي تأتي من بعيدٍ!
إنَّ إطلاق الأسماء على المُسميات لا ينقطعُ بالرغم من احتجاجي … لقد كنتُ أحتفظُ باسمٍ جميلٍ لهذه المنطقة، اسم جميل له رنين موسيقى؛ «حديقة عدن». إنني أطلق عليها هذا الاسم في قرارة نفسي. إنَّ المخلوق الجديد يقولُ إنها تحتوي على غابات وصخور ومناظر طبيعية؛ ولذلك فإنها لا تُشبِهُ الحديقة إطلاقًا.
ويقولُ إنها تشبه متنزَّهًا عامًّا؛ ولذلك فقد أطلق عليها اسمًا جديدًا — دون استشارتي — اسم: مُتنزَّه شلَّالات نياجرا؛ ولذلك تجد فيه لافتة، كُتِبَ عليها: ممنوع السير على الحشائش.
إنَّ حياتي لم تَعُدْ سعيدة كما كانت قبلًا!
إنَّ المخلوق الجديد يأكُلُ الفواكه بكثرةٍ زائدةٍ، يبدو لنا «نحن» أنَّ الفاكهة ستختفي بسرعة، ها أنا ذا أستعملُ «نحنُ» مرَّةً أُخرى! إنَّ كلمة «نحن» مُقتبسة من المخلوق الجديد، وقد أصبحت لازمة لي … إنَّ الضَّباب مُتكاثِرٌ هذا الصباح. إنَّنِي لا أخرُجُ في الضَّبابِ، ولكن المخلوق الجديد يخرج، إنه يخرج مهما كان نوع الجو، ثمَّ يعودُ إلى المخبأ وقدماه مُلوثتان بالطِّين، ثمَّ يأخُذُ في الكلام. لقد كنت فيما مضى أستمتعُ بالهدوءِ والرَّاحةِ هُنا!
إنَّ اليوم يومٌ عنيفٌ، فلقد كان في الماضي — في شهر نوفمبر الماضي — قد خُصِّصَ ليكونَ يوم الراحة، وفي هذا الصباح رأيتُ المخلوق الجديد يُحاولُ تسلُّق شجرة التفاح المحرَّمة!
الاثنين
إنَّ المخلوق الجديد يقول إن اسمه «حواء»، ليكن له ما يُريدُ؛ فليس عندي اعتراض على ذلك، وهو يطلبُ منِّي أن أُناديه بهذا الاسم إذا أردتُ منه أن يأتي إليَّ، فقلت له إنه ليس هناك داعٍ لذلك.
ثمَّ يقولُ لي هذا المخلوق إنه ليس «هو» جمادًا، بل «هي» … ولم أفهم ماذا يعني بذلك! ومع ذلك، فالأمرُ يستوي في نظري، ولا يهمني كثيرًا من تكون «هي»، طالما ظلَّت بعيدة عنِّي، وكفَّت عن التحدُّثِ إليَّ!
الثلاثاء
لقد ملأت هي «المنطقة» كلها بأسماء غريبة ولافتات عجيبة: هذا الطريقُ يؤدِّي إلى الدوَّامة … هذا الطريقُ يؤدِّي إلى جزيرة العنز … ومن هنا إلى كهف الرياح!
إنها تقول: إن هذا المتنزَّه كان يُمكنُ أن يصبح مصيفًا جميلًا.
«مصيف»! اختراعٌ جديدٌ من اختراعاتها … كلماتٌ لا معنى لها! ما هو المصيف؟! ولكن يحسنُ ألَّا أسألها فهي مُغرمة جدًّا بالشرحِ والتَّفسيرِ!
الجمعة
لقد أَخَذَتْ تتوسَّلُ إليَّ أن أَكُفَّ عن الذهاب إلى الشلالات. وما الضَّرَرُ في هذا؟! إنَّها تقولُ إنَّ ذلك يجعلها ترتعدُ فَرَقًا، لماذا يا تُرى؟! لقد اعتدت ذلك منذُ زمنٍ بعيدٍ؛ فإنَّنِي أحبُّ القفزَ في الماءِ لأُرطِّب جسدي، وأظنُّ أنَّ الشلالات خُلِقَت لهذا؛ إذ ليس لها فائدة أُخرى، ولكنها قالت إنها خُلِقَتْ للفرجة فقط؛ مثل وحيد القرن والفيل.
لقد قفزتُ من فوق الشلَّالات داخل برميل، فلم يُرْضِها ذلك، فقفزت من فوقها داخل «قصعة» فلم يُرْضِها ذلك، وسبحتُ عبر الدوَّامة والشلالات في ملابس للاستحمام مصنوعة كلها من ورقِ التُّوت، فتلفت الملابس، وبدأتُ أسمع منها شكاوى عن إسرافي، إنني أحسُّ هنا بالضيق.
السبت
لقد هربتُ ليلة الثلاثاء الماضي وسرت على قدمي مُدَّةَ يومين، وبنيتُ لي مخبأ آخر في مكانٍ مُنعزل، وأخفيتُ آثار أقدامي بقدرِ ما أستطيعُ، ولكنها اقتفت أثري بأن استخدمت حيوانًا استأنسته وأَسْمَتْه الذئب، وجاءت هي الأُخرى تُصدِرُ صوتًا يدعو إلى الإشفاق، وأخذت تذرف الماء من الفتحتين اللتين تنظر منهما، فاضطررتُ أن أعودَ معها، ولكنِّي عازمٌ على الهرب مرَّةً أُخرى عند سنوح الفرصة.
إنَّها تشغلُ نفسها بأشياء كثيرة تافهة، فهي تحاولُ أن تدرس أسباب إقبال الحيوانات المسمَّاة بالسباع والنمور على أكل الحشيش والأزهار، في حين أنَّها — على حدِّ قولها — ذاتُ أسنانٍ يدلُّ شكلها على أنها خُلِقت لكي تأكُلَ هذه الحيوانات بعضها بعضًا … إنَّ هذا شيءٌ سخيفٌ حقًّا؛ لأنها إن فعلت هذا فإنَّ معناهُ أن هذه الحيوانات سيقضي بعضها على بعض، وسيعقب ذلك ما يُسمَّى «بالموت» … ولقد قيل لي إنَّ الموت لم يدخل المتنزَّه بَعْدُ … وهذا ما يدعو للأسف لبعض الأسباب!
الاثنين
إنني أعتقدُ أنَّنِي فهمتُ لماذا خُلِقَ الأسبوع! نعم؛ إنَّه وُجِدَ لكي يُعطينا وقتًا تستريحُ فيه من الضِّيقِ الذي نحسُّ به يوم الأحد … يبدو أنَّ هذه فكرة طيبة. ها هي ذي قد عادت مرَّة أُخرى تُحاوِلُ أن تتسلَّق تلك الشجرة. لقد جذبتها إلى الأرض، إنها تقول إنه ليس هناك من يراقبها، كأنَّ في ذلك تبريرًا كافيًا لكي تقوم بهذه المغامرة، لقد قلتُ لها ذلك، ولقد أثارت كلمة «تبرير» إعجابها، وغيرتها أيضًا، إنها كلمة فخمة!
الثلاثاء
لقد أخبرتني أنها خُلِقت من ضلعٍ أُخِذَتْ من جسمي … هذا يدعو إلى الشك؛ ذلك لأنني لم أفقد ضلعًا واحدًا من أضلعي … إنَّها قلقةٌ جدًّا على الصقر؛ فإنَّ الحشيش لا يُوافقه كغذاء، وهي تخشى ألَّا تستطيع تربيته، فهي تعتقدُ أنَّه يتغذَّى بالأسماكِ الميتة. قلت لها إنَّ الصقر يجبُ أن يعتاد ما يجده أمامه، وإنَّنَا يجبُ ألَّا نقلب نظام الكون لكي نوفِّرَ للصَّقرِ طعامه!
السبت
لقد سَقَطَتْ في البركةِ أمس عندما كانت ترنو إلى نفسها على صفحة الماء — وهو أمرٌ لا تكفُّ عن القيامِ به — وكانت على وشكِ الاختناق، وقالت: إنَّ الماءَ غير مُريح. وعبَّرَت عن أسفها الشديدِ على المخلوقات التي تعيشُ فيه، وقد أطلقت على هذه المخلوقات اسم «الأسماك»، وهي لا تنفكُّ تُطلِقُ الاسمَ تلو الاسمِ على الأشياءِ التي لا تحتاجُ لهذه الأسماء، والتي لا تأتي إلينا عندما نُناديها بأسمائها، وهو أمرٌ لا يهمها؛ ولذلك استطاعت أن تحصل على عددٍ كبيرٍ من الأسماك، وأن تُحضرها إلى المخبأ في الليلة الماضية، وأن تضعها في فراشي لكي تشعر هذه الأسماك بالدِّفءِ، ولكنِّي أحسستُ بها ورأيتُ أنها لم تكُن أسعد في فراشي ممَّا كانت في الماء، غير أنها ما لبثت أن هدأت. وعندما يأتي الليل سأُلقيها خارج المخبأ، ولن أنام مع الأسماك مرَّةً أُخرى، فقد وجدتها لزجة، وليس من المستحبِّ أن أنامَ بينها وأنا عارٍ.
الأحد
مرَّ بسلامٍ.
الثلاثاء
لقد اتَّخَذَتْ «هي» من إحدى الحيَّات خليلة لها، ولقد سُرَّت الحيوانات الأُخرى بذلك سرورًا عظيمًا؛ لأنها كانت تقوم بتجارب معها وتضايقها … إنَّنِي سعيدٌ؛ لأن الحية تتكلَّمُ، ولذلك أستطيعُ الآن أن أحصلَ على شيءٍ من الرَّاحة.
الجمعة
إنها تقولُ إنَّ الحية تنصحها بأن تُجرِّبُ أكل ثمرة من تلك الشجرة، وتذكُرُ أنَّ النتيجة ستكونُ الحصولُ على المعرفةِ العظيمةِ، فقلت لها: إنَّ هناك نتيجةً أُخرى أيضًا؛ هي أنَّ الموت سيدخُلُ في عالمنا.
لقد كان ذلك خطأٌ منِّي — إذ كان يحسُنُ أن أحتفظ بملاحظتي هذه لنفسي؛ ذلك لأنها أعطتها فكرة جديدة — إنها تستطيعُ أن تُنقِذَ الصَّقر المريضَ، وأن تَمُدَّ السباع والنمورَ بلحمٍ طازجٍ. لقد نصحتُها بأن تبتعدَ عن الشجرة، ولكنها قالت إنها لن تبتعد! إنني أتوقَّعُ المتاعب وسأُحاوِلُ أن أهرب!
الأربعاء
لقد أمضيتُ وقتًا عجيبًا، هربتُ ليلة أمس وركبت حصانًا مدى الليل، وأسرعتُ به بأقصى ما يستطيعُ، وكلُّ أملي أن أخرُجَ من المتنزَّه، وأختبئُ في مكانٍ آخر قبل أن تبدأ المتاعب، ولكن لم يتحقَّق لي ذلك. فبعد شروقِ الشَّمسِ بساعةٍ، وبينما كنتُ أمرُّ خلال سهلٍ تُغطِّيهِ الأزاهير وترعى فيه آلاف الحيوانات، وبينما كانت تنام أو يداعِبُ بعضها بعضًا على مُتعارف مألوفها؛ إذ بها فجأة تُصدِرُ أصواتًا كالرعد. وفي لحظةٍ واحدةٍ امتلأ السَّهلُ بثورةٍ جنونيَّةٍ، وأخذ كلُّ حيوانٍ يفتكُ بجاره، لقد عرفتُ في الحالِ معنى هذا، لقد أكلت حوَّاءُ تلك الثمرة وجاء الموت إلى العالم، فأكلت النمور حصاني، ولم تُعِرِ اهتمامًا لأوامري التي صدرت إليها بأن تكفَّ عن هياجها، وكانت على وشكِ أن تفتكَ بي إذا بقيتُ؛ ولذلك أسرعتُ بالهرب.
ووجدتُ هذا المكان خارج المتنزه وشعرتُ بالرَّاحة بضعة أيَّام، ولكنها اكتشفت مكاني، نعم! لقد لحقت بي، وأطلقت على هذا المكان اسم «توناوندا»، وقالت إنه يشبهه. وفي الحقِّ أنَّنِي لم أغضب لأنها حضرت؛ ذلك لأن الفاكهة هُنا كانت قليلة وقد أحضرَت معها بعض التفاحات، فاضطررتُ أن آكلها؛ لأنني كنتُ في شدَّة الجوع.
لقد كان ذلك ضدَّ المبادئ التي أدين بها، ولكنني اكتشفتُ أنَّ المبادئ ليس لها كيانٌ حقيقيٌّ إلا عندما تكون معدة الإنسان ممتلئة. لقد جاءت إليَّ، وقد اكتست بفروع الأشجار وأوراقها، وعندما سألتها ماذا تعني بهذا السخف، واختطفتُ هذه الفروع وألقيتُها بعيدًا؛ بدأت تغرق في الضحك، واحمرَّ وجهها خجلًا.
لم أرَ في حياتي شخصًا يضحك خجلًا قبل الآن، فكان ذلك مِنها دليلًا على الجنونِ، وقالت لي إنني سأحس بإحساسها فورًا، وكان ذلك حقًّا، فبالرغم من أنني كنت جائعًا، تركتُ التفاحة، وأنا لم آكل إلَّا نصفها فقط — لقد كانت التفاحة ممتازة حقًّا إذا راعينا أنَّنَا في نهاية الموسم — وأخذت أكتسي بفروع الأشجار وأغصانها، ثمَّ بدأتُ أحدثها بشيءٍ من القسوةِ، وأمرتها أن تبتعد وأن تبحث عن أوراق وفروعٍ أُخرى؛ لكي تغطِّي بها نفسها.
وفَعَلَتْ ما أمرتها به، وبعد ذلك تسلَّلْنا إلى حيثُ تقطُنُ الوحوش المفترسة، وجمعنا بعضًا من جلودها، وأَخَذَتْ تخيطُ كلَّ اثنين منها معًا؛ لكي تُنَاسِبُ الاستعمالَ في الحفلات العامَّة. إنها تُضايِقُ لابسها حقًّا، ولكنها تُعتبَر مُطابقة لطراز العصر، وهذا هو أهم شرط في الملابس.
لقد وجدتُ فيها رفيقًا ممتازًا، وشعرت بأنَّنِي سأحسُّ بالوحدةِ والأسى بدونها بعدَ أن فقدتُ ممتلكاتي … وهُناك شيءٌ آخر؛ لقد ذكرت لي أن الأوامر قد صدرت بأن نعمل من الآن فصاعدًا؛ لكي نحصل على القوتِ، وأخبرتني بأنها ستقوم من جانبها هي بالعمل، وأتولَّى أنا الإشراف.
بعد ذلك بعشرة أيام
إنها تتَّهِمُني بأنَّنِي سببُ البلاءِ؛ فهي تقولُ — وهي تُظهر الإخلاص والصدق — إن الحية أكدت لها أنَّ الفاكهة المُحرمة ليست هي التفاح، بل إنها القسطل «أبو فروة».
فقلتُ لها: إنَّنِي بريءٌ إذن لأنني لم آكُل القسطل!
فقالت إنَّ الحيَّة أخبرتها أنَّ «القسطل» استعارة معناها نكتة قديمة متعفنة، فاصفرَّ وجهي؛ لأنَّنِي كنتُ أقضي وقتي وأنا أُكرِّرُ النكتة تلو الأخرى، وقد يكون بعض هذه النكات من النوع الذي تتحدَّثُ عنه الحيَّة، ولو أنَّنِي كنتُ أعتقد أنها كلها نكات جديدة، فسألتني عمَّا إذا كنت قد قلت نكتة عند وقوع الكارثة؟
واضطررتُ إلى الاعتراف بأنَّنِي قلتُ لنفسي نكتة بصوتٍ منخفضٍ، وهذه هي النكتة، لقد كنتُ أفكِّرُ في الشلَّالات وقلتُ لنفسي إنَّ من المدهش حقًّا أن أرى هذه الكمية الهائلة من المياه وهي تتساقَطُ هناك. وبعد لحظاتٍ مرَّت فكرة طارئة على خاطري؛ فقلت: «ستكون الدهشة أعظمُ عندما أشهد هذه الكمية وهي تتصاعدُ إلى أعلى.» وكنتُ على وشك أن أموت من الضَّحِكِ عندما اندلعت ثورة الطبيعة، وقامت الحرب، وظهر الموت، فاضطررتُ أن أهرب خوفًا على حياتي.
فقالت حواء وهي تحس بالنشوة لانتصارها: «هذا هو السبب! إنَّ الحية قد ذكرت هذه النكتة بالذات، ووصفتها بأنها أول قسطل وبأنها تُعاصِرُ الخليقة.»
يا للأسف! إذن فأنا الملومُ، لقد كنتُ أتمنَّى ألَّا أكون ابن نكتة، وألا تطرأ عليَّ هذه الفكرة النَّيِّرة!
العام التالي
لقد أسميناه «قايين» ولقد صادته عندما كنتُ غائبًا في المراعي أصيد الحيوان على الشاطئ الشمالي لبُحيرة إيري، صادته في الكوخ الخشبي على بعد ميلين — أو أربعة أميال على حد قولها — من الكهف الذي كُنَّا نعيشُ فيه.
إنَّه يشبهنا في كثيرٍ من الوجوهِ، وقد يكونُ أحد أقاربنا، وهذا ما تعتقده هي، ولكن هذا حسب تقديري خطأ؛ إنَّ الاختلافَ في الحجمِ يُؤكِّدُ أنَّه حيوانٌ جديدٌ يختلفُ عنَّا، فربما كان سمكة، ولكنَّنِي حاولتُ أن أضعه في الماء لكي أختبره فغطس، فقفزت هي في الماء والتقطته قبل أن أتحقَّقَ من نتيجة التجربة. ولكنَّنِي ما زلتُ أعتقد أنه سمكة، ولكنها لا تهتم بمعرفة ما هو وترفض أن تدعني أجري تجاربي عليه؛ ولذلك لم أستطع أن أعرف شيئًا عنه.
إنَّ ظهور هذا المخلوق قد غيَّر من كيانها كله، وجعلها تثور كُلَّما ذكرتُ كلمة التجارب، فهي تُفكِّرُ فيه أكثر ممَّا تفكِّرُ في غيره من الحيوانات الأُخرى، ولكنها لا تستطيعُ تفسير هذا التطوُّر. إنَّ عقلها قد أصابه الخلل؛ فكل تصرفاتها تدلُّ على ذلك، وفي بعض الأحيان تحملُ السمكة في ذراعيها الليل كله، عندما يبكي هذا المخلوق! لا بدَّ أنه يرغب في العودةِ إلى الماء، وفي بعض الأحيان يخرُجُ الماء من الثقبين اللذين ينظر منهما، وهي تربت بيدها ظهر السمكة، وتطلقُ من فمها أصواتًا ناعمةً لكي تهدِّئها، وتبدو عليها مظاهر الأسى واللوعة.
ولم أرَها تفعل ذلك مع أي سمكة أُخرى، وهذا ما يزيد من متاعبي، فقد كانت في الماضي تحمل النمور الصغيرة وتلعبُ معها — قبل أن تفقد ممتلكاتها — ولكن كان ذلك كله عبثًا فقط، ولم يعتَرِها ما يبدو عليها الآن عندما لا يُنَاسِبُ الطَّعامَ معدتها.
الأحد
إنها لا تعملُ أيَّام الآحاد، ولكنها تنامُ وهي منهوكة القوى، وهي تحبُّ أن ترى السمكة تتمرَّغُ فوقها، وتصدرُ عنها أصوات لا معنى لها؛ لكي تبعثَ السرورَ في نفس السمكة، وهي تتظاهرُ أحيانًا بأنها ستعض يد السمكة، فتضحك السمكة … لم أرَ في حياتي سمكة تضحك، إنَّنِي في غاية الشَّكِّ، لقد بدأتُ أُحِبُّ يوم الأحد، إنَّ عملي كمشرف طوال أيَّام الأسبوع يتعب جسمي … يجب أن يزداد عدد أيَّامِ الآحاد، ففي الماضي كان يوم الأحد مُمِلًّا، أمَّا الآن فقد أصبح مرغوبًا فيه.
الأربعاء
إنَّ هذا المخلوق الغريب ليس بسمكة … إنَّنِي لا أستطيعُ التكهُّن بحقيقته، فهو يُطلِقُ أصواتًا شيطانية غريبة عندما يكون غاضبًا، كما يقول: «جو! … جو!» عندما يكونُ مسرورًا، إنَّه ليسَ واحدًا منَّا لأنه لا يمشي، وهو ليس بطائرٍ لأنه لا يطير، وليس بضفدع لأنه لا يقفز، وليس بثعبان لأنه لا يزحف.
إنَّنِي على يقينٍ أنه ليس بسمكة، ولو أنَّنِي عاجزٌ عن إيجاد فُرصَةٍ لاختبار مقدرته على السباحةِ، إنَّه لا يعمل شيئًا سوى الرقاد، إنه يرقدُ على ظهره ويرفع ساقيه إلى أعلى! لم أرَ حيوانًا غيره يفعلُ ذلك، فقلت لها: إنَّنِي أعتقدُ أنَّهُ لغزٌ. فلم يكن منها إلَّا أن أبدت إعجابها بالكلمة دُون أن تفهم معناها … وفي رأيي أنَّه إمَّا أن يكون لغزًا أو نوعًا من الحشرات، وإِذا قُدِّرَ له أن يموت، فإنَّنِي سوفَ أقومُ بتشريحه لكي أرى ما بداخله … لم يسبق أن حيرني شيء مثل هذا!
بعد ذلك بثلاثة أشهر
إنَّ الحيرة تزدادُ بدلًا من أن تَقِلَّ! إنَّنِي أنامُ الآن قليلًا، لقد كفَّ المخلوقُ عن الرقاد، وبدأ يحبو على أقدامه الأربع. ولكنه يختلفُ عن جميع الحيوانات التي تسيرُ على أربع؛ ذلك لأن قدميه الأماميتين قصيرتان للغاية، ممَّا يجعلُ الجُزءَ الرئيسي من جسمه يرتفعُ في الهواء، وبذلك يبدو قبيحًا إذا نظرت إليه … إنَّ تركيب جسمه يُشبِهُ تركيب جسمنا، ولكن طريقة انتقاله تدُلُّ على أنَّهُ ليس من جنسنا، فإنَّ الساقين الأماميتين القصيرتين، والساقين الخلفيتين الطويلتين تدلُّ على أنَّه من فصيلة القنغر «الكنجارو»، ولكنه نوعٌ عجيبٌ من هذه الفصيلة؛ وذلك لأن القنغر الحقيقي يقفز أثناء جريه في حينِ أنَّ هذا المخلوق لا يفعل ذلك … ومع ذلك فهو نوعٌ غريبٌ شائِقٌ لم يسبق وضعه في القائمةِ من قبل، ولقد أحسست بأنَّنِي أستحقُّ أن أنسب اسمه إليَّ؛ لأنني أوَّلُ من اكتشفه ولذلك أسميته قنغر آدم!
ولا بدَّ أنه كان صغيرًا جدًّا عندما ظهر؛ لأنه كبر كثيرًا منذ ذلك التاريخ، ولقد أصبح حجمه خمسة أضعاف حجمه الأول؛ ذلك لأنه عندما يكون غاضبًا تصدر عنه أصوات مُزعجة تُعادِلُ ثمانيًا وثلاثين مرَّة ضجيج الأصوات التي كان يُصدرها في بادئ الأمر.
إنَّ العنيدة «حوَّاء» لا تُحاول أن تمنعه من ذلك، بل إنَّها على العكس تُحاول أن تسترضيه بإعطائه أشياء سبق أن تعهَّدَت لي بأنها لن تعطيه إيَّاها. وقد سبق أن ذكرتُ أنَّنِي لم أكن بالبيت عندما ظهر هذا المخلوق، ولقد أخبرتني وقتئذٍ أنها عثرت عليه في الغابة … لقد كان غريبًا أنها وجدته وحده، ولقد أجهدتُ نفسي كثيرًا لكي أبحث عن مخلوقٍ يُماثله حتى أُضيفه إلى مجموعتي لكي يلعب مع هذا المخلوق، وبذلك تخفُّ الضوضاء التي يحدثها، ولكي نستطيع أن نستأنسه بسهولة، ولكنني لم أستطع أن أجد له مثيلًا.
ومن الغريب أنَّنِي لم أعثُرْ له على آثار أقدام، إنَّه يعيشُ على الأرض، ولكن كيف يستطيع الانتقال دُون أن يترك أثرًا؟!
لقد نصبتُ اثني عشر فخًّا، ولكنني أخفقتُ، لقد سَقَطَتْ في الفخِّ حيواناتٌ أُخرى، ولكن لم يقع حيوانٌ مثله في الفخِّ، إنَّ الحيوانات تدخل الفخ لمجرَّدِ حبِّ الاستطلاع حتى تعرف سبب وضع اللبن داخل الفخ، ولكنها لا تشربه أبدًا.
بعد ذلك بثلاثة أشهر
إنَّ القنغر لا يزال ينمو باطِّرادٍ، وهذا شَيْءٌ غريبٌ جدًّا ومُحيِّرٌ للغاية. لم أعرف حيوانًا آخر يستغرِقُ هذه المُدَّة الطويلة في النمو، إنَّ له فراءً يُغطِّي رأسه الآن، ولكن الفراء لا يُشبه فراء القنغر، بل يُشبه شعرنا تمامًا، لولا أنَّه أكثر نعومة وأقلُّ جعدًا ولونه أحمر وليس بأسود، إنَّنِي أكاد أفقد عقلي كُلَّمَا فكَّرتُ في النمو السريع لهذا الحيوان العجيب الذي لم يسبق أن سُجِّلَ نوعه بين الحيوانات.
لو قُدِّرَ لي أن أصيد حيوانًا آخر! إنَّنِي يائسٌ؛ ذلك لأنه نوع جديد، بل هو نوع فريد.
وقد اصطدتُ قنغرًا حقيقيًّا، ووضعته معه ظنًّا منِّي أنَّه سيُصاحبه، فلا يشعر بالوحدة؛ وذلك لصلة القرابة التي بينهما، كما أنه سيحسُّ بالعطف نحوه نظرًا لوُجوده بين غرباءَ لا يعرفونَ طباعه، ولا عاداته، ولا ماذا يفعلون لكي يشعروه أنه بين أصدقاء!
ولكن كان هذا العملُ منَّا خطأً كبيرًا؛ إذ إنَّه أُصِيبَ بنوبات عندما رأى القنغر، حتَّى إنَّنِي اقتنعتُ بأنه لم يرَ قنغرًا من قبل، إنَّنِي أُشفق على هذا الحيوان الصغير المسكين، ولا حيلة لي في طريقةٍ أستطيعُ بها أن أُحاول إسعاده. آه لو استطعت أن أُرَوِّضَه! ولكن هذا من رابع المستحيلات، إنَّ حوَّاءَ ترفُضُ السَّمَاحَ بهذا، ولكن هذه قسوةٌ منها! إنَّ الحيوان لا يزالُ يحسُّ بالوحدةِ، فإنه نظرًا لعدم استطاعته العثور على حيوانٍ آخرَ مثله لا بدَّ أن يحس بالوحدة بالرغم منه.
بعد خمسة أَشهرٍ أُخرى
إنَّه ليس بقنغر … لا! إنه يستطيعُ الآن أن يقفَ على قدميه، ويمسكَ بأصابع حوَّاء، ثمَّ يسير بضع خطوات على ساقيه الخلفيتين، وبعد ذلك يقع، رُبَّما كان نوعًا غريبًا من أنواع الدببة، ولكن ليس له ذيلٌ، وليس له فراء غير الشعر الذي على رأسه، وهو لا يزال مطرد النمو، إنَّ هذه حال غريبة، فالدببة تكبُرُ في سنٍّ مُبكِّرَةٍ عن ذلك، إنَّ الدببة خطرة، وقد أدركتُ هذا منذُ وقعت المصيبة التي حلَّت بنا، ولن أسمح لهذا الدبِّ أن يتجوَّلَ في منطقتنا دُونَ أن أضع كمامة على فمه … لقد تقدَّمتُ لحوَّاءَ أعرض عليها أن أهديها قنغرًا إذا طردت هذا الحيوان الغريب، ولكن كان هذا عبثًا، إنَّها مُصمِّمَةٌ على تعريضنا للمكاره، لم تكن هذه حالها قبل أن تفقد عقلها!
بعد ذلك بأسبوعين
لقد فحصت فمه، ليس ثمَّة خطر! إنَّ له سنًّا واحدةً، وليس له ذيلٌ حتَّى الآن، غير أنَّ صوته أعلى بكثيرٍ من ذي قبل، وبخاصَّةٍ في الليل، لقد تركتُ المخبأ ورقدتُ خارجه، ولكنَّنِي سأعاودُ فحص فمه، فإذا زاد عدد أسنانه، فإنَّ الوقتَ سيكونُ قد آن لكي يُطرَد، سواءٌ كانَ له ذيلٌ أم لا؛ لأنَّ الدبَّ ليس في ٍحاجة إلى ذيلٍ لكي يُصبحَ خطرًا.
بعد ذلك بأربعة أشهر
لقد قضيتُ شهرًا بعيدًا عن البيت في الصيد والقنص في منطقةٍ تُسمِّيها هي «بافالو»٢ ولا أعرفُ لماذا أطلقت عليها هذا الاسم، مع أنَّه ليس هناك جاموسٌ في هذه المنطقة. وفي خلال هذه الفترة تعلَّمَ الدُّبُّ كيفَ يسيرُ على قدميه الخلفيتين وهو يقول: «بابا» و«ماما». لا بدَّ أنه من فصيلةٍ فريدةٍ، إنَّ الشبه بين كلامه وكلامنا قد يكونُ من قبيلِ المُصادفة، وقد لا يكون له معنى أو هدف، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإنَّه يُصبِحُ شاذًّا، فلا يستطيعُ أي دُبٍّ آخر أن يعمل مثله، إنَّ تقليده للكلام مع عدم وُجُودِ الفراءِ والذَّيلِ، يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّه نوعٌ جديدٌ من الدِّبَبَةِ … إنَّ أيَّ دراسة عنه لا بُدَّ وأن تكونَ شائقة للغاية.
وعلى أيِّ حالٍ سأخرُجُ في رحلةٍ بعيدةٍ إلى الغابات الشمالية، وسأقومُ ببحثٍ دقيقٍ عن حيوانٍ آخَرَ من نفس النوع، فإنه لن يكون خطرًا إذا استطعتُ العثور على رفيقٍ له من نفس النوع، سأذهب الآن، ولكنني سأضعُ كمامة على فمه قبل الرحيل.
بعد ثلاثة أشهر
لقد كان الصيد مُتعبًا شاقًّا، ولم أنجح في مُهمَّتي، وفي أثناء ذلك استطاعت هي — دُونَ أن تُفارِقَ المنطقة — أن تصيدَ حيوانًا آخر! لم أرَ في حياتي حظًّا كحظِّها، فقد كان يمكن أن أصطاد مئات السنين في الغابة دُونَ أن أستطيع العثور على حيوانٍ مثله.
اليوم التالي
لقد كنتُ أقارن الحيوان الجديد بالقديم، ومن الواضح جدًّا أنهما من نفس الفصيلة، وكنت على وشكِ تحنيطِ أحدهما لضَمِّهِ إلى مجموعتي، ولكنها عارضت هذه الفكرة لسببٍ ما؛ ولذلك طرحت الفكرة، ولو أنَّنِي كنتُ أعلمُ أنَّهَا مُخطئة؛ ذلك لأنَّ العلم لا بدَّ أن يخسر خسارة لا تُعوَّض إذا انقرض هذان الحيوانان.
إنَّ الحيوان القديم أكثر ألفة من الحيوان الجديد، ويستطيعُ الضَّحِكَ كما يتحدَّثُ كالببغاء، ولا بدَّ أنَّه تعلَّم كثيرًا؛ ذلك لأنه كثيرًا ما يُصاحب الببغاء ساعاتٍ طويلة، ولأن ملكة التقليدِ عنده على درجةٍ كبيرةٍ من الكفاية؛ ولذلك ستُصيبني الدهشة إذا تحوَّلَ إلى نوعٍ جديدٍ من الببغاوات، ومع ذلك يجبُ ألَّا أُدهَش؛ ذلك لأنه كان يشبه كلَّ شيءٍ في أيَّامِهِ الأُولى، عندما كان سمكة.
إنَّ الحيوان الجديد بنفس القُبح الذي كان عليه الحيوان القديم في مبدأ الأمر، فله نفس البشرة التي تُشبه الكبريت، واللحم النيِّئ، ونفس الرأس الفريد الذي ليس له فراء، لقد أسمته «هابيل».
بعد ذلك بعشر سنوات
إنَّهما أولاد، لقد اكتشفنا ذلك منذُ عهدٍ بعيدٍ، وكان الذي حيَّرني أنهما وصلا وهما صغيران غير مستويين، ولم نكن اعتدنا رؤيتهما، إنَّ عندنا بناتٍ أيضًا، إنَّ هابيل ولدٌ طيِّبٌ، ولكن إذا قُدِّر لهابيل أن يظلَّ دُبًّا فقد يكون أحسن طبعًا منه الآن … وبعد هذه السنوات أيقنتُ أنَّنِي كنتُ مُخطئًا في حقِّ حواءَ في بادئ الأمر، فخيرٌ لي أن أعيشَ خارج الجنَّةِ وهي بجانبي من أن أعيش في داخلها بدون حواء!
كنتُ أعتقدُ في بادئ الأمر أنَّها تتحدثُ كثيرًا، ولكنني — الآن — لا بدَّ أن أحزن إذا سَكَتَ هذا الصوت واختفى من حياتي … مباركٌ «القسطل» الذي قرَّبنا من بعضنا وعلَّمني كيف أقدر طيبةَ قلبها وحلاوة روحها!
١
الدودو: من الطيور المُنقرضة منذُ أواخرِ القرن السابع عشر تقريبًا. وكان معروفًا بقُبح شكله وبكبر حجمه الذي كان يُماثل حجم الديك الرومي، وبعدم مقدرته على الطيران، ويُكنِّي به عن الغباوة.
٢
بافالو: معناها جاموسة، وفي أمريكا مدينة بهذا الاسم.
يوميات آدم وحواء |
الجزء الثاني من مذكرات حوَّاء
مُترجمة عن الأصل
السبت
أكادُ أبلُغُ من العُمرِ يومًا واحدًا، فلقد وصلتُ أمس. هذا ما يبدو لي … ولا بدَّ أن يكون الأمر كذلك؛ إذ لو أنَّ هناك يومًا سابقًا للأمس، فإنَّنِي لم أكن موجودة فيه، وإلَّا لكُنتُ أتذكره، وقد يكون هناك يوم سابق للأمس ولكنني لم أتنبَّهْ إليه … حسنًا جدًّا! سأكونُ أكثر يقظةً وانتباهًا، وإذا حدث أن مرَّ بي «يومٌ سابقٌ للأمسِ»، فسوف أتنبَّهُ إليه … ويحسنُ أن أبدأ مُذاكرتي الآن حتَّى لا يختلط عليَّ الأمر، فإنَّ غريزتي تُوحي لي بأنَّ هذه التفاصيل سوفَ تكونُ لها أهميتها للمُؤرِّخين يومًا ما؛ ذلك لأنِّي أحسُّ بأنَّنِي أُشبِهُ إحدى التجارب … وليس هُناكَ شخصٌ يحسُّ بأنَّهُ يُشبه التجربة كما أُحسُّ أنا؛ ولذلك فإنني على وشك أن أقنع نفسي بأنني لست سوى تجربة … لا أكثر!
ولذلك فإذا كنت تجربة، فهل أنا كل التجربة؟ لا! لا أظنُّ ذلك، إنَّنِي أعتقدُ أنَّنِي لستُ إلَّا جُزءًا منها، ولكنَّنِي الجزءُ الهامُّ فيها، ولكنَّنِي أعتقدُ أنَّ للجزءِ الآخر نصيبه منها، فهل موقفي واضحٌ؟ أم يجبُ عليَّ أن أكون يقظة مُترقِّبة؟!
إنَّ الغريزة تقول لي إنَّ اليقظة الدَّائمة هي ثمن التفوق (أعتقدُ أنَّ هذه عبارة حسنة بالنسبة لشخصٍ في مثل سنِّي المبكرة).
واليوم يبدو كل شيءٍ خيرًا منه أمس. إنَّ التسرُّع في إنهاء الأعمال بالأمسِ قد أدَّى إلى أن تصبح الجبال شديدة التعاريج، كما امتلأت السهول بالمخلَّفات حتَّى أصبَحَ منظرها يُرثَى له … إنَّ الأعمال الفنِّيَّة الرَّائعة يجب ألَّا تخضع للعجلة، وهذا العالم الجديد الفخم عملٌ جميلٌ نبيلٌ يبلغ حدَّ الكمالِ، بالرَّغمِ من قصر الوقت الذي تَمَّ فيه، فهناك نجومٌ عديدةٌ في بعض الأماكن، ونجومٌ قليلةٌ في البعضِ الآخر، وأظنُّ أنَّ من الميسور علاج ذلك قريبًا … لقد حدث ليلة أمس أن تَرَكَ القَمَر مداره واختفى، يا لها من خسارةٍ كُبرى! إن قلبي يكادُ ينفطرُ كُلَّما فكَّرتُ في ذلك، فليس هناك شيءٌ آخر بين معالم الزَّخارف والزينات يُعادل القمر في الجمال والإتقان. كان يجب تثبيته في مكانه جيدًا … آهٍ! لو قُدِّرَ لنا أن نحصل عليه مرَّةً أُخرى!
إنَّنَا بالطَّبعِ لا نَستطيعُ أن نتكهَّنَ بالمكان الذي ذهب إليه. زد على ذلك أنَّ الذي استولى عليه سوف يُخفيه … إنَّنِي أعلمُ ذلك؛ لأنني لو كنتُ مكانه لفعلتُ هذا الشيء بعينه، إنَّنِي أعتقدُ أنَّ في مقدوري أن أكون أمينة على جميع الأشياء الأُخرى، ولكنَّنِي بدأتُ أحسُّ بأنَّ نواة وصلب طبيعتي هو حبُّ الجمال، وعبادة الجمال، وأنَّه ليسَ من الحكمةِ أن يُوكَل إليَّ أمر المحافظة على قمرٍ يملكه شخصٌ آخر لا يعلم أنَّه عندي. وقد يكون من الممكن أن أتخلَّى عن قمرٍ أعثُرُ عليه بالنَّهار؛ لأنَّنِي أخشى أن يكتشف أحد أمري، ولكنني إذا عثرت عليه في الظلام، فلا بدَّ أنَّنِي سأجدُ عُذرًا يسوِّغُ إخفاءه.
إنَّنِي أحبُّ الأقمار، إنها جميلة وساحرة، إنني أتمنَّى أن يكون لنا خمسة أو ستَّة أقمار، ففي هذه الحالة لن أذهب إلى فراشي، ولن تملَّ نفسي التطلُّعَ إليها وأنا راقدةٌ على الحشائش.
إنَّ النجومَ جميلةٌ أيضًا، إنَّنِي أتمنَّى أن أُعلِّقَ بعضًا منها في شعري، ولكنَّنِي أعتقدُ أنَّ هذا مستحيلٌ؛ لأنها بعيدةٌ عنِّي! ولقد كنتُ أعتقدُ أنها قريبة المنال، فلمَّا ظهرت ليلة أمس حاولتُ أن أُسقِطَ بعضًا منها بعصا من الخشب، ولكنَّنِي لم أستطع بلوغ مكانها، وهذا مِمَّا حيَّرَنِي حقًّا. ثمَّ جربت استعمال الرمح حتى كلَّتْ يَدِي ولم أستطع الحصول على نجمٍ منها. ولعلَّ السبب في ذلك أنَّنِي أستعملُ يدي اليسرى، ولا أستطيعُ إجادة التصويب.
ولذلك بكيتُ قليلًا، وكان هذا طبيعيًّا لمن كانت في مثلِ سنِّي، وبعد أن استرحتُ قليلًا حملتُ سلَّةً واتَّجَهتُ نحو المكان الذي يقعُ على حافَّة الدَّائرة؛ حيثُ تبدو النجوم قريبة من الأرض، وحيثُ أستطيع أن أُمسكها بيدي، وكان هذا أفضل؛ لأنه يُمكِنُنِي جمعها برفقٍ، فلا ينكسر منها شيء، ولكنها كانت أبعد مِمَّا أظنُّ حتَّى إنَّنِي اضطررت أخيرًا أن أتركها وشأنها، لقد كنتُ مُتعبةً إلى حدِّ أنَّنِي لم أستطع أن أجرَّ قدميَّ اللتين كانتا تؤلمانَنِي كثيرًا.
ولم أستطع العودة إلى البيت إذ كانت المسافة بعيدة، وأصبح الجوُّ باردًا، ولكنَّنِي وجدتُ بعض النُّمُورِ فرقدتُ بينها وأحسست بالدفء والراحة. وكانت أنفاسها حلوة؛ لأنها تعيش على الفراولة … لم أرَ نمرًا من قبل ولكنَّنِي عرفتها في الحالِ بجلدها الأرقط، لو استطعتُ أن أحصل على جلدٍ من جلودها لصنعتُ لنفسي منه «فستانًا» جميلًا.
واليوم بدأتُ أستطيع تقدير المسافات، فقد كنتُ في شوقٍ بالغٍ للإمساك بكلِّ شيءٍ جميلٍ، ولكنني كنتُ أحيانًا أمسك الشوك الذي يتخلَّلَها فتعلَّمتُ درسًا، كما أطلقتُ مثلًا — من تأليفي أنا — وهو أوَّلُ مثلٍ أطلقته: «لا بدَّ أن نُقاسي الشوك حتى نحصل على «التجربة» التي عقدنا العزم على الحصول عليها.»
وأظنُّ أنَّ هذا المثل يُعتبَر مثلًا ممتازًا بالنسبة لشخص في مثل سنِّي.
لقد اقتفيتُ أثر «التجربة» الأُخرى بعد ظهر أمس، وكنت أسيرُ على مسافةٍ قريبةٍ منها لأرى ماذا تكون؟ فإنَّنِي لم أستطع أن أكشف كُنهها. إنَّنِي أظنُّ أنَّ «التجربة» هي رجلٌ، لم أَرَ في حياتي رجلًا ولكنها تشبه الرجل، وأحسُّ في قرارةِ نفسي بأنها رجل؛ ولذلك تبيَّنتُ أنَّنِي أصبحتُ مُهتمَّة بها أكثر من اهتمامي بأيِّ حيوانٍ زاحفٍ آخر من الزواحف — إذا كانت من الزواحف — ولا بدَّ أن تكون كذلك؛ لأن لها شعرًا أشعث وعيونًا زرقاء، كما أنها تبدو مثل الزواحف، ولكن ليس لها أرداف، وهي مسلوبةُ الشَّكلِ تُشبه الجزر، وعندما تقف تشدُّ نفسها مثل الرافع؛ ولهذا أعتقد أنها من الزواحف.
لقد شعرت بالخوفِ في بادئِ الأمر، وأخذتُ أعدو كُلَّما رأيت «التجربة» قريبة منِّي؛ لأنني كنتُ أظنُّ أنها ستطاردني، ولكن ما لبثتُ أن اكتشفتُ أنها تحاول الابتعاد عني؛ ولذلك لم أَعُدْ أشعرُ بخوفٍ أو استحياءٍ منها بعد ذلك، وأخذتُ أقتفي أثرها عدَّةَ ساعات وأنا على مسافة عشرين ياردة منها؛ ممَّا جعلها حزينة عصبية المزاج.
وأخيرًا ظهر على «التجربة» بعض القلق، فتسلَّقتُ إحدى الأشجار وانتظرتُها طويلًا حتى شعرتُ بالملل؛ فعدتُ إلى بيتي.
واليوم حدث نفس الشيء فقد هربت منِّي إلى أعلى الشجرة.
الأحد
إنها لا تزالُ بأعلى الشجرة تستريحُ في الظَّاهرِ، إنَّ هذه خدعة، إنَّ يوم الأحد ليس يوم الراحة، لقد خُصِّصَ يوم السبت لذلك … إنَّ «التجربة» تبدو لي كأنها مخلوقٌ يحبُّ الرَّاحة أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، إنَّنِي أتعبُ وأملُّ من كثرة الرَّاحة … إنَّ ما يُتعِبُنِي هو أن أجلس على الحشائش وأرقب الشجرة، إنَّنِي أتساءلُ: ما دور هذه «التجربة»؟ إنَّنِي لم أَرَها تعمل شيئًا.
لقد أعادوا القمر ليلة أمس وكنت سعيدة جدًّا بذلك، لقد كان ذلك مثلًا للأمانة، ولكن القمر ما لبث أن هبط إلى انخفاضٍ بسيطٍ ثمَّ وقع، ولكنَّنِي لم أحزن؛ إذ ليس هناك مجالٌ للقلق، وما دام لنا مثل هؤلاء الجيران، فسوف يُعيدون القمر مرَّةً أُخرى، أتمنَّى أن أعمل شيئًا أُعبِّرُ به عن تقديري لهم، كم أودُّ أن أُرسِلَ لهم بعض النجوم؛ لأن لدينا منها أكثرَ مِمَّا نحتاجُ إليه، إنَّنِي أعني أنا وليس «نحن»؛ لأنني أُلاحظ أنَّ «الحيوان الزاحف» لا يهتمُّ بذلك كثيرًا.
إنَّ له ذوقًا وضيعًا، وليس لديه ذرَّة من الرحمة، فعندما ذهبتُ إليه مساء أمس وجدته يهبط ويُحاوِلُ صيد سَمَكَةٍ صغيرةٍ تلعبُ في البركة، فاضطررت أن أقذفه بالطين؛ لكي أجعله يصعد إلى الشجرة مرَّة أُخرى ويترك الأسماك … إنَّنِي أتساءَلُ، هل هذه هي وظيفته؟! أليس لديه قلب؟! أليست لديه رحمة بهذه المخلوقات الصغيرة؟! هل صُنِعَ هذا المخلوق لمثل هذا العمل الذي لا يدلُّ على اللطف في شيءٍ؟! إنَّه يبدو كذلك!
إنَّ إحدى قطع الطين قد أصابته في أذنه، فأخذ يستعمل «اللغة»، لقد أثار ذلك في نفسي اهتمامًا جديدًا بشأنه، فقد كانت هذه أول مرَّة أسمعُ فيها كلامًا غير كلامي، فلم أستطع فهم الكلمات، ولكنها كانت تبدو مُعبِّرة.
وعندما اكتشفتُ أنَّ المخلوق يستطيعُ الكلام، أخذ اهتمامي به يزداد؛ لأني أحب الحديث، إنَّنِي أتحدثُ طولَ اليوم وأثناء نومي أيضًا، وكلامي شائق، ولكن إذا كان هناك مخلوقٌ آخر أتحدثُ إليه، فستزدادُ درجة اهتمام الغير بي، ولن أكفَّ عن الكلام.
فإذا كان هذا المخلوق الزَّاحف رجلًا، فهل يكونُ جمادًا، فيستلزِمُ الأمر البحث عن ضميرٍ يُلائِمُهُ كجمادٍ أم نستعملُ ضميرًا يتناسب مع وضعه كرجل؟ سأعتبره رجلًا وأستعملُ له ضمير «هو» حتَّى يثبت غير هذا. إنَّ هذا يُسهِّلُ الأمر عليَّ بدلًا من الشكوك الكثيرة.
الأحد من الأسبوع التالي
لقد أمضيتُ طوال هذا الأسبوع أتتبعه، وحاولتُ مرارًا التعرف إليه، وكان عليَّ أن أبدأ الحديث؛ لأنه كان خجولًا، فكنت وحدي التي أتولَّى الكلام، ولم تكن المسألة ذات بال بالنسبة إليَّ، وكان يبدو عليه السرورُ؛ لأنني أحوم حوله، وكنت أستخدمُ كلمة «نحنُ» مرارًا، فكان يُسَرُّ لسماعها؛ إذ يبدو أن ممَّا يُرضي نفسه أن تشمله هذه الكلمة.
الأربعاء
إنَّ أحوالنا تسيرُ من حسنٍ إلى أحسن، وقد أصبحنا أكثر تعارفًا وتآلُفًا، فهو لم يَعُدْ يُحاوِلُ أن يتجنَّبني كما كان يفعل من قبل، وهذه علامة طيبة، تدلُّ على أنَّه يحب أن أبقى معه، وقد ملأني ذلك سرورًا؛ ولذلك أحاولُ قدر استطاعتي أن أُفيده بكلِّ الوسائل الممكنة … حتى يزيدَ من اهتمامه بي، ففي أثناء اليومين الأخيرين أخذتُ على عاتقي مُهمَّةَ تسمية الأشياء بأسمائها، وبذلك أرحته منها؛ إذ تنقصه هذه الملكة، ولا بدَّ أنَّه يدينُ لي بالشكر والاعترافِ بالجميلِ، فهو لا يستطيعُ أن يفكِّر في أيِّ اسمٍ معقولٍ، ولكنَّنِي أُحاوِلُ ألَّا أجعله يحسُّ بهذا النقص. وكلَّما ظهر مخلوقٌ جديدٌ سارعتُ إلى تسميته قبل أن يكشف عن نقصه الذي يتمثَّلُ في صمته المطبق، وبهذه الطريقة أنقذته من مواقف حرجة كثيرة.
وأنا ليس بي مثل هذا النقص، ففي اللحظة التي تقعُ فيها عيني على حيوانٍ ما، أعرفُ ما هو في الحال، ولا يستدعي الأمر مني لحظة من التفكير؛ لأن الاسم الصحيح ينطلقُ من فمي فجأة كما لو كان إلهامًا، ولا بدَّ أن يكونَ إلهامًا؛ لأنني مُتأكدة أن الاسم لم يكن في ذهني منذُ لحظةٍ، فإنَّنِي أحسُّ بمجرَّد رُؤية شكل المخلوق وطريقة تحركاته أي نوعٍ من الحيوان هو.
فمثلًا عندما اقترب منَّا طير الدُّودُو كان يعتقدُ أنَّهُ قِطٌّ وحشيٌّ، لقد عرفت ذلك من عينيه، ولكنَّنِي أنقذتُ الموقف واستطعتُ أن أفعل ذلك دُون أن أجرح عزَّتَه، فقد تحدَّثتُ إليه بنغمةٍ طبيعيَّةٍ أُعبِّرُ بها عن دهشتي ولا أُظهر بها كما لو كنت أُقدِّمُ إليه معلومات جديدة، فلقد قلت: حسنًا! إنني أتساءل: أليس هذا هو الدُّودُو؟!
ثم أخذتُ أشرحُ — دُون أن أُظهر ذلك — كيف عرفت أنَّه الدودو! وبالرَّغم من أنَّنِي أحسستُ بأنه قد استاءَ قليلًا؛ لأنَّنِي عرفتُ هذا المخلوق في حين عَجَزَ هو عن معرفته، فقد كان من الواضحِ أنَّه كان مُعجبًا بي … لقد سرَّني ذلك، وفكَّرتُ فيه مرَّات وأنا أشعر بالسرورِ قبل أن أنام.
هناك أشياء، ولو أنها تبدو تافهة، إلا أنها تبعث السعادة إلى نفوسنا؛ لأننا فُزنا بها عن جدارة.
الخميس
أوَّلُ مرَّةٍ أحسُّ فيها بالأسى …
لقد تجنَّبَنِي بالأمس، وكان يبدو عليه أنه يتمنَّى ألا أُوجِّهَ إليه الحديث، لم أستطع أن أصدِّقَ هذا، واعتقدتُ أنَّ هناك سوء تفاهُمٍ؛ ذلك لأنني أحبُّ أن أكونَ دائمًا بجانبه، كما أحبُّ أن أسمعه وهو يتحدَّثُ إليَّ، فكيف تبلغ به القسوة أن يفعلَ ذلك دُون أن أرتكب شيئًا يُغضبه؟
وأخيرًا، اتضح لي أنَّ المسألة جديَّة؛ ولذلك تركته وجلستُ وحيدة في المكان الذي رأيته فيه لأوَّل مرَّةٍ في صباح اليوم الذي صُنِعْنا فيه، وكنتُ لا أعلمُ ما هو، كما كنتُ لا أهتمُّ بِهِ. أمَّا الآن فقد أصبح هذا المكان ذِكرى حزينة لي؛ إذ إنَّ كلَّ شيءٍ صغير فيه يُذكِّرُني به، وكان قلبي حزينًا، ولم أكن أعرف السبب؛ وذلك لأنَّ هذا الشعور الذي انتابني كان شعورًا جديدًا عليَّ لم أحس به من قبل، كان سرًّا غامضًا بالنسبة إليَّ، ولم أستطع أن أعرف كنهه.
ولكن عندما جاء الليل لم أستطع تحمُّل الوحدة، فذهبتُ إلى المخبأ الجديدِ الذي بناهُ لنفسه لأسأله عمَّا ارتكبتُ من خطأ، وما السبيلُ إلى إصلاح الخطأ حتَّى يعودَ إليَّ حنانه مرَّةً أُخرى.
ولكنه تركني وحدي في المطر خارج المخبأ، وكانت هذه أول مرَّة أحسُّ فيها بالأسى.
الأحد
إنَّنِي الآن أسعدُ حالًا، ولكن الأيَّام التي مرَّت كانت أيَّامًا كالحة، إنَّنِي أحاول ألا أفكِّرَ فيها كُلَّمَا أمكنني ذلك.
لقد حاولت أن أحصل على بعض تلك التفاحات من أجله، ولكنني لا أستطيع أن أتعلَّمَ إصابَةَ الهدف … لقد أخفقتُ، ولكن يبدو أنَّ النيَّةَ الطيبة بعثت في نفسه السرور.
إنَّ هذه التفاحات مُحرَّمَة، وهو يقولُ لي إنها ستسبِّبُ الأذى، ولكن إذا كان الأذى من أجل إسعاده، فماذا يُضيرني أن يُصيبني الأذى؟!
الاثنين
لقد صارحته باسمي هذا الصباح على أملِ أن يُثيرَ الاسم في نفسه روح الاهتمام، ولكنه لم يهتمَّ! …
إنَّ الأمر غريب، فلو أنَّه أخبرني باسمه لاهتممتُ به؛ فإنَّنِي أعتقدُ أنَّ اسمه سيكونُ له رنينٌ في أذني أجملُ من أيِّ رنينٍ آخر.
إنه قليل الكلام! وأظنُّ أنَّ ذلك راجعٌ إلى أنَّه قليل الذكاء، وأنَّه يحسُّ بالنقص في نفسه ويُحاولُ أن يخفيه، وممَّا يدعو إلى الأسف أنَّه يحس بهذا؛ لأنَّ الذكاء في نظري لا أهمية له … إنَّ وزن الإنسان يُقدَّرُ بقيمته الرُّوحية، إنَّنِي أودُّ أن أجعله يفهم أنَّ القلب الطيِّب المحب هو ثروة وغنى، وأنَّ الذكاء بدون القلب، يُعتبَرُ فقرًا!
وعلى الرغم من أنَّه يتكلَّمُ قليلًا، فإنَّ ذخيرته من الكلمات وفيرة، وفي هذا الصباح بالذات استعمل كلمة مدهشة في حسنها، ويبدو أنَّه أدرك من تلقاءِ نفسه أنها حسنة؛ لأنه استخدمها مرَّتين بعد ذلك. وهذا يدلُّ على أنَّ لديه صفة الإدراك، وستنمو هذه البذرة بلا شك إذا استطعت رعايتها وتنميتها.
من أين جاء بهذه الكلمة؟! لا أذكرُ أنَّنِي استخدمتها قبل ذلك.
لا! إنَّه لا يهتمُّ باسمي، لقد حاولتُ أن أُخفي خيبة أملي، ولكنني أعتقد أنَّنِي أخفقتُ! لقد ابتعدت وجلستُ على حافَّةِ الجدوَلِ ووضعتُ قدمي في الماء.
إنَّنِي دائمًا أذهبُ إلى هذا المكان حين أفتقد الصحبة، فأبحث عن أحدٍ أنظر إليه، أحد أتحدَّثُ إليه، ولكن هذا الجسم الأبيض الجميل المرسوم على صفحة الجدول لا يكفي … حقًّا إنَّه أفضلُ من الوحدة الكاملة، فهو يتكلَّمُ كلَّمَا تكلَّمتُ، وهو يحزنُ عندما أحزنُ، كما أنه يُقدِّمُ لي المواساة والعطف، إنه يقول لي: «لا تحزني أيتها الفتاة المسكينة التي فقدت الأصدقاء، سأكون صديقة لك.»
إنها صديقة طيبة، صديقتي الوحيدة، إنها أُختي.
ولن أنسى أوَّل مرَّة تتركني فيها، لن أنساها أبدًا، لقد تحوَّلَ قلبي إلى قطعةٍ من الرصاص في جسمي، فقلتُ وقتها: «إنها كانت كل ما أملك … والآن تركتني.»
ولم أتمالك أن صرخت وأنا غارقة في يأسي: «تحطَّمْ يا قلبي؛ فلن أستطيعَ تحمُّل الحياة بعد ذلك.»
وأخفيتُ وجهي في يدي ولم يكن هناك سبيل للعزاء، وعندما رفعتُ يدي عن وجهي بعد لحظة عادت هي مرَّة أُخرى: بيضاء، بضَّة، جميلة! فألقيتُ بنفسي بين ذراعيها.
لقد كانت هذه اللحظات أسعد أوقاتي، لقد عرفت السعادة من قبل، ولكنها لم تكن حلوة المذاق كما كانت عندما عرفت أختي؛ ولذلك لم أعد أشكُّ فيها مرَّةً أُخرى. فقد كانت تشرد عنِّي في بعض الأحيان، لمدَّةِ ساعة وأحيانًا اليوم كله، ولكنني كنت أنتظرُ دُونَ أن أشكَّ فيها، وكنت أقول لنفسي: «قد تكون مشغولة، أو قد تكون في رحلة، ولكنها سوف تعود.»
وكان هذا هو ما يحدث فعلًا، كانت تعودُ دائمًا، ولكنها في المساء لا تعودُ إليَّ إذا كان الليل مُظلمًا؛ لأنها كانت رقيقة حسَّاسة، أمَّا إذا كانت الليلة مُقمرة؛ فإنها تحضر … إنَّنِي لا أخشى الظلام، ولكنها أصغرُ منِّي سنًّا، فلقد وُلِدَت بعدي … لقد زرتها كثيرًا، إنها سلواي، ألجأُ إليها عندما تقسو الحياةُ عليَّ، وما أكثر ما تقسو!
الثلاثاء
لقد أمضيتُ اليومَ كُلَّهُ في العمل لتحسينِ المزرعة، وتعمدتُ أن أبتعد عنه على أمل أن يحسَّ بالوحدة فيعود إليَّ، ولكنه لم يفعل!
وعند الظهرِ توقَّفتُ عن العمل، وأخذت ألهو بالعَدْوِ وراء النحل والفراشات والاستمتاع بالأزهار، هذه المخلوقات الجميلة التي تلتقط ابتسامة الله من السماء وتحتفظ بها! لقد كنت أقطفها وأجمعها في باقات وأكاليل وأغطِّي جسدي بها عندما كنتُ أتناولُ طعام الغداء، وهو التفاح طبعًا! وبعد ذلك جلستُ في الظلِّ وتمنيتُ وانتظرتُ، ولكنه لم يأتِ!
ولكن ليس هذا بالأمرِ المهمِّ. لا فائدةَ من ذلك؛ لأنه لا يهتم بالأزهار، فهو يعتبرها من القمامة، كما أنَّه لا يستطيع أن يميِّزَ نوع كلٍّ منها عن الآخر، وهو يعتقدُ أن مكانته تعلو إذا فعل ذلك، وهو لا يهتمُّ بالأزهار، ولا يهتمُّ بلونِ السماءِ وقتَ الأصيلِ، وهل هناك شيءٌ آخر يهتمُّ به غير بناء ملجإٍ يقيهِ المطر النظيف، والتفتيش عن البطيخ والعنب، ومراقبة الفاكهة وهي لا تزال على الأشجار ومُراعاتها في مراحل نموِّها؟!
لقد وضعت عصا جافة على الأرض، وحاولتُ أن أثقبها بعصا أُخرى لكي أقوم بمشروعٍ كنتُ فكرتُ فيه، ولكنَّنِي أُصِبْتُ بهلعٍ فظيعٍ؛ إذ انطلق من هذا الثقب شريطٌ شفَّافٌ رفيعٌ يميلُ إلى الزرقة واندفع إلى أعلى، وفي الحال ألقيتُ بكلِّ شيءٍ وهربت.
لقد كنتُ أعتقد أنَّه «عفريت» وكنت في أشدِّ الهلع! ولكنِّي نظرتُ خلفي، فوجدتُ أنَّه لم يُحاول أن يلحقَ بي؛ ولذلك استندت إلى صخرةٍ لأستريحَ وأستردَّ أنفاسي، وكانت ساقاي ترتعشان، فبقيتُ بجانب الصخرة حتَّى هدأ روعي، ثمَّ أخذتُ أزحف ببطءٍ وحذرٍ وأنا في غاية الانتباه واليقظة، وعلى استعداد للهرب إذا جدَّ الجد. وعندما اقتربتُ أزحت أغصان إحدى شجيرات الورد واسترقت النظر.
وكنت أتمنَّى أن يكون الرجل قريبًا من المكان، خصوصًا أنَّنِي كنتُ أبدو جميلة جدًّا كثيرة الدهاء، ولكن العفريت كان قد اختفى قليلًا، فاقتربتُ من المكان، وهناك وجدتُ قليلًا من التراب الوردي الرقيق داخل الثقب، فوضعتُ إصبعي بداخله لكي أتحسسه، ولكنني قلت: «أوه!» وجذبت إصبعي بسرعة … كان الألمُ حادًّا، حتَّى إنَّنِي وضعت إصبعي في فمي، ووقفتُ مرَّة على إحدى قدميَّ ومرَّة أُخرى على قدمي الثانية، وأخذتُ أتأوَّه وفي الحالِ ضَاعَ الألم … وبعد ذلك اشتدَّ اهتمامي، وبدأتُ أبحثُ في الأمر.
قد كنتُ في أشدِّ الشغف لكي أعرف ماذا كان هذا التراب الوردي، وفجأة طَرَأَ الاسم على ذهني، ولو أنِّي لم أسمع به من قبل، إنه النار! لقد كنت متأكدة من أنه النار! فلم أكن أتردد في تسميته بهذا الاسم.
ها أنا ذا خلقتُ شيئًا لم يكن موجودًا من قبل، وأضفتُ شيئًا جديدًا إلى ما على الأرض من أشياءَ لا حصر لها … وكنتُ فخورًا بهذا العمل العظيم، وكنتُ على وشك أن أعدو لأبحث عنه، وأخبره مُعتقدةً أنَّ هذا الكشف سيرفع من قدري في نظره، ولكنَّنِي أمعنتُ الفكر في الأمر وفضَّلتُ ألَّا أفعل.
لا! إنَّه لن يهتم به، وسوف يتساءل: وما فائدة هذا الشيء؟! ولا علم لي بجواب هذا السؤال؛ لأنَّ النار ليست بذاتِ فائدةٍ، ولكنها جميلة، جميلة فقط.
ولذلك تنهَّدتُ ولم أذهب؛ لأن النار لم تكن بذات فائدة، إنها لا تستطيعُ أن تبني كوخًا، ولا تُحسِنُ زراعة البطيخ، ولا تسرع بإنضاج الفاكهة! إنها عديمة القيمة، تدلُّ على غباء مُكتشفها وغروره … لا بدَّ أنه سيحتقرني، وسيُخاطبني بسخرية لو أخبرته عنها. أمَّا بالنسبة إليَّ فلم تكن النار حقيرة، فقد قلت لها: «أيتها النار! إنَّنِي أحبُّكِ! فيالك من مخلوقٍ ورديٍّ رقيقٍ! إنَّكِ جميلة، وفي هذا الكفاية.»
وكنتُ على وشك أن أضمَّها إلى صدري، ولكني امتنعتُ، وهُنا اخترعتُ مثلًا جديدًا من رأسي وإن كان قريبًا جدًّا من الآخر، حتَّى لقد خشيتُ أن يكون مجرَّد اقتباسٍ منه وهو: «إنَّ التجربة المحترقة لتهزأُ بالنَّارِ.»
وأخذتُ أُحاولُ إشعالها من جديدٍ، وعندما حصلتُ على كمية كبيرة من تراب النار، أفرغته في حفنةٍ من الحشيش البني الجاف، وفي نيَّتِي حملها إلى البيت والاحتفاظ بها حتَّى ألهو بها، ولكن الرِّيح هبَّت عليها فتناثرت وقفزت نحوي في وحشية، فألقيتها من يدي وجريت. وعندما نظرتُ خلفي كان العفريت الأزرق يتصاعدُ إلى أعلى ويمتدُّ ويلتفُّ كأنه السحاب. وفي الحال فكَّرتُ في اسمٍ له، إنَّه: «الدخان»، ولو أنَّنِي أُقسمُ أنَّنِي لم أسمع باسم «الدخان» من قبل!
وفي الحال، انطلقت ومضاتٌ صفراء وحمراء تتصاعدُ وسط الدخان، فأسميتها اللهب، وكنتُ على حقٍّ أيضًا؛ لأنَّ هذه كانت أوَّل ألسنة للهب ظهرت على الأرض. ولمَّا أخذت هذه الألسنة تتسلَّقُ الأشجار، ولمع بريقها وسط الدخان، وبدأتُ أُصفِّقُ بيديَّ وأضحكُ وأرقص طربًا، لقد كان شيئًا جديدًا وغريبًا ومُدهشًا وجميلًا في نفس الوقت.
وجاء وهو يجري، ثمَّ توقَّفَ وأخذ يُحملِقُ بنظره ولم ينبس ببنت شفة لمدَّةِ دقائق عدَّة، ثم سألني: ما معنى ذلك؟ ونظرًا لأنه وجَّه إليَّ سؤالًا مباشرًا، فقد كنتُ مُضطرة أن أُجيبه عن سؤاله، فقلت له: إنها النار! وإذا كان قد تضايق؛ لأنني أعلم أكثر منه، فإنَّ الذنب ليس ذنبي، ولم أكن أتعمَّدُ مُضايقته. وبعد فترةٍ سألني: كيف حدثت هذه النار؟
ها هو ذا يُوجِّهُ إليَّ سؤالًا مُباشرًا آخر، فكان لزامًا أن أردَّ عليه ردًّا مُباشرًا، وقلت: إنَّنِي أنا التي صنعتها!
وكانت النيران تنتقلُ من مكانٍ إلى آخر مُبتعدة عنَّا، فاتَّجه إلى حافة المكان الذي احترق، ونظر إليه، ثم قال: وما هذه؟!
– إنها الفحم المتخلِّفُ عن النيران.
فالتقط قطعةً منها ليفحصها، ثمَّ غيَّر رأيه ووضعها في مكانها وابتعد عني … إنَّه لا يهتمُّ بأيِّ شيءٍ!
ولكنِّي كنتُ شديدة الاهتمام؛ فقد تخلَّفَ رمادٌ ناعمٌ وجميلٌ … كما كانت هناك جمرات من النار، لقد وجدت تفاحي، وكان وسط الجمرات؛ فأخذت أقلبها. لقد كنت صغيرة، وكانت شهوتي للأكل عظيمة، ولكن خاب ظنِّي، فإن التفاح تفتح وسط النار وتلف، نعم! لقد تلف من الخارج ولكنه كان ألذَّ من التفاح الفج، إنَّ النار جميلة، وأعتقدُ أنها ستكونُ ذات فائدةٍ يومًا ما!
الجمعة
لقد رأيته مرَّة أُخرى، لفترةٍ قصيرةٍ، يوم الاثنين الماضي وقت المساء، وكنت كبيرة الأمل في أن يكيلَ لي المديح؛ لأنني أدخلت عدَّةَ تحسينات على المزرعة، فلقد كافحتُ بجدٍّ، ولكنه لم يظهر أي سرورٍ، بل استدارَ على عقبيه وتركني. يبدو أنَّه كان غاضبًا لسببٍ آخر؛ ذلك لأنني حاولتُ أن أحولَ بينه وبين الذهاب إلى الشلالات؛ ذلك لأنَّ النار قد كشفت لي عن إحساسٍ جديدٍ، إحساس يختلفُ اختلافًا تامًّا عن أحاسيس الحب والحزن وغيرها من العواطف التي سبق أن اكتشفتها، إنها عاطفة الخوف، إنها عاطفة كريهة حتَّى إنَّنِي ندمتُ على كشفي لها.
إنها تجعلني أعيشُ لحظات سوداء، فهي تنغِّصُ سعادتي وتجعلني أرتعش وأرتعد، ولكنَّنِي لم أستطع أن أقنعه بعدم الذهاب لأنه لم يكتشف الخوف بعد؛ ولذلك لم يستطع أن يفهمني.
يوميات آدم وحواء |
الجزء الثالث من مذكرات آدم
الجمعة
يجب عليَّ أن أذكر أنها صغيرة جدًّا، مُجرَّد فتاة غريرة يجبُ مُراعاة ظروفها، إنها مُمتلئةً حماسة واهتمامًا وحيوية … إنَّ العالم بالنسبة إليها سحر وأعاجيب وأسرار ومرح. إنها تعجز عن الكلام لفرط سرورها عندما تجد زهرة جديدة … فهي تُلاطفها، وتربتها، وتشمُّ أريجها، وتتحدَّثُ إليها، وتناغيها، وهي تجنُّ بالألوانِ جنونًا … فهناك الصخور البنية، والرمال الصفراء، والحشائش الرمادية، والأوراق الخضراء، والسماء الزرقاء، ولآلئ الفجر، والظلال القرمزية على سفوح الجبال، والجزر الذهبية التي تطفو في بحار حمراء عند الغروب، والقمر الشاحب وهو يسبح بين السحاب المتقطِّع، ولآلئ النجوم وهي تلمعُ في وسطِ الفضاء.
وليس لأيِّ واحدةٍ من كلِّ هذه قيمة عمليَّة في نظري، ولكن ما لها من ألوانٍ وجلالٍ يجعلها تفقدُ عقلها من أجلها، ولو استطاعت أن تهدأ وتصمت دقيقتين لكان هذا ممَّا يبعثُ الرَّاحة في نفس الإنسان، وفي هذه الحالة كنتُ أستطيع التَّمتُّع بالنظر إليها.
حقًّا إنَّنِي أستطيعُ الاستمتاع بذلك؛ لأنني بدأتُ أدرك أنها مخلوقٌ جميلٌ جدًّا، فهي رشيقة القوام، نحيفة، ملفوفة، خفيفة الحركة … وذات مرَّة كانت تقف وهي بيضاء كالرخام على صخرة وقد لفحتها الشمس بأشعتها، ثم ألقت برأسها الصغير إلى الوراء، ورفعت يدها لتحجب أشعة الشمس عن عينيها لكي تُراقب أحد الطيور وهو يسبح في الفضاء، فأدركتُ أنها جميلة.
الاثنين ظهرًا
إنها تهتمُّ بكلِّ شيءٍ على هذا الكوكب، فهناك حيوانات لا أهتمُّ بها أنا، ولكنها على العكس من ذلك تحبُّ كلَّ الحيوانات على السواء، فهي تعتقدُ أنها جميعًا كنوز، وترحِّبُ بكلِّ جديدٍ منها.
فلما رأت البرتنوسورس١ القوي وهو يسيرُ بخطًى واسعةً مُتَّجِهًا نحونا، اعتَبَرَتْهُ كنزًا جديدًا، واعتَبَرْتُهُ أنه كارثة؛ لأنه مخلوقٌ لا اتِّساقَ في شكله. لقد حاولَتْ هي أن تستأنسه، وكانت تعتقدُ أنها تستطيعُ استئناسه بالمُعاملة الطيبة حتى يصبح حيوانًا مُدلَّلًا، فقلت لها: إنَّه من المستحيل الاحتفاظ بحيوانٍ مُدلَّلٍ يبلُغُ ارتفاعه إحدى وعشرين قدمًا وطوله أربعًا وثمانين قدمًا، داخل بيتنا الصغير. وحتَّى لو حسنت نواياه من نحونا، ودون أن يقصد الأذى، فإنَّه قد يجلس فوق البيت فيحطمه تحطيمًا. إن نظرةً واحدةً إلى عينيه تدلُّ على أنَّه شارد الذهن.
ومع ذلك فقد أصرَّت على الاحتفاظ بهذا الوحش، ورفضت أن تتركه وظنَّت أنها تستطيعُ إنشاء مصنع للألبان مُبتدئة به، وطلبت منِّي أن أُساعدها على حلبه، ولكنَّنِي رفضتُ. إنَّ في ذلك خطرًا مُحقَّقًا؛ إذ ليس هذا الحيوان من النوع الذي يدرُّ اللبن! زد على ذلك أنه لم يكن لدينا سلم للقيام بهذه العملية.
ثمَّ بدا لها أن تركبه لتتفرَّجَ على المناظر، وكان هناك جزءٌ كبيرٌ من ذيله يتراوَحُ طوله بين ثلاثين وأربعين قدمًا مُلقًى على الأرضِ كأنه شجرة قد اقتُلِعَتْ بجذورها، فحاولت تسلق الذيل ولكنها لم تستطع، فإنها عندما وصلت إلى الجزء الشديد الميل انزلقت مُتجهة إلى الأرض، وكادت تُصاب بأذى لولا وجودي.
فهل اقتنعت الآن؟! أبدًا! لا شيء يُقنعها إلَّا التجربة العملية، إنها لا تُؤمِنُ بالنظريات التي لم تتم البرهنة عليها، ولا تأبه لها.
حقًّا؛ إنَّ هذه هي الروح الحقيقية وأنا أوافق عليها، فهي تجتذبني وأحس بتأثيرها. لو قدِّر لي أن أقضي معها وقتًا أطول لربما آمنت بها.
لقد كانت لها نظرية خاصَّة فيما يتعلَّقُ بهذا الوحش. إنها تعتقدُ أنَّنَا إذا استطعنا استئناسه وجعله أليفًا، ففي مقدورنا أن نجعله يقف وسط النهر لكي نستخدمه قنطرة! ولقد اتضح لي أنَّه أصبح أليفًا فعلًا، ولكنها لمَّا حاولت أن تثبت نظريتها فشلت، فقد كانت كُلَّما حاولت أن تطلب منه الوقوف وسط المجرى لكي تعبر النهر فوق ظهره، خرج من الماء وأخذ يتبعها كأنه جبلٌ مُتَحَرِّكٌ. إنه يشبه في هذا جميع الحيوانات الأخرى، فهي تتبعها كلما سارت.
١
من الحيوانات هائلة الحجم التي انقرضت.
يوميات آدم وحواء |
الجزء الرابع من مذكرات حوَّاء
الجمعة
مضى الثلاثاء والأربعاء والخميس واليوم أيضًا ولم أستطع أن أراه، لقد طالت أيام وحدتي، ولكن من الأفضل لي أن أبقى وحيدة عن أن أحسَّ بأنَّنِي غير مرغوبٍ في رفقتي!
إنَّنِي مُضطرَّة أن أبحث عن رفيقٍ — فقد خُلِقتُ لهذا — ولذلك أُصاحِبُ الحيوانات! إنها لطيفة، ولها طبعها الرقيق، وأساليبها الدمثة، إنها لا تغضبُ أبدًا، ولا تجعلك تحس بأنك طفيلي أو دخيل …
إنها تبتسم لك وتحرِّكُ ذيولها — إذا كانت لها ذيول — وهي مُستعدة أن تسيرَ وراءك في أي رحلةٍ وإلى أيِّ مكانٍ … أظنُّ أنَّ جميع الحيوانات لها أخلاق الكرام الفضلاء.١
لقد انقضت هذه الأيام كلها، وكنت سعيدة ولم أحس بالوحدة … إنَّ هناك دائمًا سربًا منها يُحيطُ بي، وقد يبلغ عدد القطيع ما يغطِّي أربعة أو خمسة أفدنة، إنَّ عددها كبيرٌ لا تستطيعُ إحصاءه، وعندما تقفُ على صخرةٍ في وسطها، ثمَّ تطلُّ من فوق ظهورها وهي تلمع وتعكس مئات الألوان والخطوط، تحسُّ كأنك وسط بحيرة، كما تحسُّ بعواصف من الطيور التي تحبك وتحوم حولك، وأعاصير من الأجنحة المتحركة! وعندما تسقط أشعة الشمس على هذه الأجنحة ذات الريش المختلف الألوان يبهر ناظريك بريقها الخاطف …
لقد قمت برحلاتٍ طويلةٍ معها، وشاهدتُ جُزءًا كبيرًا من العالم، بل أظنُّ العالم كله؛ ولذلك فإنني أُعتبَر أول رحَّالة، بل الرحَّالة الوحيدة! وعندما أسيرُ معها يتكوَّنُ منا موكبٌ عجيبٌ حقًّا، ليس له مثيل مُطلقًا … وعندما أنشد الرَّاحة أركب نمرًا أو فهدًا؛ لأن جلودها ناعمة، وظهرها مُستديرٌ يريحني عندما أستقرُّ عليه، ولأنها حيوانات جميلة.
أمَّا إذا كانت المسافة طويلة، أو إذا كنتُ أريدُ النظر بعيدًا إلى الأفق، فإنَّنِي أمتطي ظهر الفيل، فهو يرفعني بخرطومه ولكنِّي أستطيع أن أنزل بمفردي عن ظهره عندما يجلس فأنزلق هابطة.
إنَّ الطيور والحيوانات على علاقةٍ وديَّةٍ فيما بينها، وليست هناك مُشاحنات بينها، فكلها تتحدَّثُ معه وتتحدَّثُ معي، ولكن لغاتها أجنبية غريبة غير مألوفة، لا أستطيعُ أن أفهم كلمة واحدة منها، ومع ذلك فهي تفهمني عندما أتحدث معها خصوصًا الكلب والفيل. وبذلك أحسُّ بالخجل منها؛ فإنَّ هذا يدلُّ على أنها أكثر ذكاءً مِنِّي، وهي بذلك تتفوَّقُ عليَّ، مِمَّا يُضايقني؛ لأنني أريدُ أن أكون أنا التجربة الرئيسية، ولا بدَّ لي أن أكون كذلك.
لقد تعلَّمتُ أشياء كثيرة، كما حصلت على قسطٍ من التربية والتعليم، ولم أكن كذلك قبلًا … كنت جاهلة، وفي بادئِ الأمر كنتُ أضيقُ بكلِّ هذا على الرَّغمِ من قوَّةِ ملاحظتي، ولم أكن من المهارة بحيثُ أشهدُ انطلاق الماء من أسفلِ التلِّ إلى أعلاه، ولكنني الآن لم أَعُدْ أهتم بذلك، فلقد قمت بالتجربة تلوَ التجربة، حتَّى أيقنتُ الآن أنَّ الماء لا ينطلِقُ أبدًا من أسفلَ إلى أعلى إلَّا وقت الظلام … إنَّنِي أعلمُ أنَّه يفعلُ ذلك وقت الظلام؛ لأن البركة لا ينضبُ ماؤها أبدًا … وكان لا بدَّ أن يحدث هذا طبعًا لو لم يَعُد الماء إليها أثناء الليل.
إنَّ أهم شيء هو ثبوت الأشياء عن طريقِ التجارب، فبهذا يتمُّ تعليمك، في حينِ أنَّكَ لو اعتمدت على التخمين والافتراض والظنِّ، فإنك لن تنالَ شيئًا من العلم مُطلقًا.
هناك بعض أشياء لا تستطيع أن تكتشفها، فعليك بالصبر والمثابرة على التجارب إلى أن يتبيَّن لك أنك لا تستطيع أن تكتشفها، وإنه لمِمَّا يبعثُ على السرورِ حقًّا أن تصل إلى هذا الرأي، فإنك عندئذٍ تحسُّ بأن العالم قد أصبح جديرًا بالاهتمام، فإنه لو انعدمت الأشياء التي يجب أن نبحث عنها، أصبح العالم عالمًا مملًّا …
إنَّ مُجرَّد مُحاولة البحث والوصول إلى لا شيء، يُساوي في بهجته البحث والعثور على الضَّالَّة المنشودة … إنَّ سرَّ الماء كان يُعتبَر كنزًا بالنِّسبَةِ إليَّ، ولكن لذَّة البحث كانت قد انتهت، وعندئذٍ أحسستُ بأنَّنِي فقدتُ شيئًا!
وعن طريق التجارب عرفتُ أنَّ الخشب والأوراق الجافَّة والريش وغيرها تطفو على سطح الماء؛ ولذلك أستطيعُ أن أستنتج بأنَّ الصخرة تطفو، ولكن ليست هناك وسيلة لإثبات ذلك، حتَّى الآن. ولكني سأحاول أن أجد الوسيلة، وعندما أجدها ستنتهي لذة البحث.
إنَّ هذه الأشياء تملأُ نفسي أسًى؛ لأنني أحس بأنني إذا استطعت معرفة كل شيءٍ انتهت اللذة … وهُنَا يزيدُ حزني لأنني أحبُّ اللذة، لم أستطع النوم في الليلة الماضية من كثرة التفكير في هذا الأمر.
وفي بادئِ الأمرِ لم أستطع أن أكتشف لماذا خُلِقت … ولكنِّي الآن أعتقدُ أنَّنِي خُلِقتُ لكي أكشف أسرار هذا العالم المدهش، ولكي أسعد به، ولكي أشكر الخالق الذي ابتدع كلَّ ما فيه.
وأظنُّ أنَّ هناك أشياء كثيرة باقية لا بدَّ لي من أن أتعلمها، وبالاقتصاد وعدم التسرع ستبقى هذه الأشياء أسابيع وأسابيع … أرجو ذلك! فعندما تنتزع ريشة وتطلقها إلى أعلى تراها تسبحُ في الهواءِ ثمَّ تختفي عن الأنظار، ولكن عندما تقذف قطعة من الطِّينِ تُلاحِظُ أنها لا تسبحُ في الهواء، بل تهبطُ إلى الأرضِ في كلِّ مرَّةٍ … لقد جرَّبتُ ذلك مرارًا وتكرارًا، وفي كلِّ مرَّةٍ كانت تسقط على الأرض، إنَّنِي أتساءَلُ عن السَّبَبِ في هذا! وأنا أعتقدُ أنَّ هذا من خداع النظر، ولكنني لا أعرفُ أيهما، أهي الرِّيشة أم قطعة الطين، إنَّنِي لا أستطيعُ أن أبرهن على أيِّهما؟ ولذلك فإنني أستنتج بأنَّ هذه أو تلك من خداع النظر.
وعن طريق الملاحظة علمتُ أنَّ النجوم لن تدوم إلى الأبد، فلقد رأيتُ فريقًا من أجملها ينكدرُ ويهوي في السماء، وإذا كانت إحداها تنكدر فلا بدَّ أن كُلَّها ستنكدر … ونظرًا لأن جميعها ستنكدر، فلا بدَّ أنها ستنكدر كلها في ليلةٍ واحدةٍ، إنَّنِي أعلم أنَّ هذه النهاية المحزنة لا بدَّ أن تتمَّ؛ ولذلك فلقد عزمتُ على أن أسهر كل ليلةٍ، وأنظر إليها كُلَّما كنتُ مُتيقظة، وأُحاوِلُ أن أحتفظ بهذه اللآلئ في ذاكرتي، حتَّى إذا جاءت النهاية واختفت النجوم، فإنِّي أستطيعُ بقوَّةِ خيالي أن أعيد هذه اللآلئ الجميلة إلى السماء السوداء، وأجعلها تتلَألَأُ مرَّةً أُخرى، بل وأضاعف من عددها ذلك بالنظر إليها من خلال دموعي.
بعد الطرد من الجنة
عندما تعودُ بي الذِّكرى أحسُّ أنَّ الجنة كانت حلمًا لذيذًا، حلمًا جميلًا ساحرًا، ولكن ضاعت الجنة منَّا، ولن أراها مرَّةً أُخرى.
لقد فقدتُ الجنة ولكنَّنِي وجدته … هو! وإنِّي قانعةٌ بذلك، إنَّه يُحبني بكلِّ ما فيه من قوَّةٍ، وأحبه بقوة طبيعتي العاطفية، وهو شيء يتناسب مع شبابي وجنسي!
فإذا سألتُ نفسي: لماذا أحبه؟ لم أجد جوابًا على سؤالي، بل وجدت أنني لا أهتم بمعرفة هذه الإجابة؛ ولذلك أعتقدُ أنَّ هذا النوع من الحبِّ ليس نتيجة من نتائج التعليل والإحصاء؛ مثل حب الإنسان للزواحف والحيوانات الأخرى …
إنَّنِي أحبُّ بعض الطيور بسبب جمال صوتها، ولكنَّنِي أحبُّ آدم من أجل غنائه. لا! ليس الأمر كذلك فإنه كلَّمَا غنَّى قلَّ إعجابي بغنائه … ومع ذلك، فإنَّنِي أطلبُ منه أن يُغنِّي؛ لأنني أودُّ أن أُعوِّدَ نفسي على محبَّةِ كلِّ شيءٍ يهتمُّ به، وإنَّنِي على يقينٍ من أنَّه سيأتي الوقتُ الذي أستطيعُ فيه أن أتعلَّمَ. لقد كنتُ في بادئِ الأمر لا أحتملُ غناءه، ولكنَّنِي الآن أستطيع تحمله.
ولست أحبه بسبب نصيبه من الذكاء … لا! ليس هذا هو السبب؛ فليس هو المسئول عن نصيبه من الذكاء، فإنَّه جاءَ كما خلقه الله وهذا فيه الكفاية. إنَّنِي أعلمُ أنَّ لله حكمة في هذا، وأعلمُ أنه سيتحسَّن بمرورِ الوقت وسيكون التحسُّن بطيئًا، وأنا من جهتي لستُ على عجلٍ، إنه يعجبني كما هو.
ولستُ أحبه بسبب أساليبه الرشيقة ولطفه … لا! إنَّ الرشاقة واللطف ينقصانه، ولكنه يتحسَّنُ شيئًا فشيئًا.
ولست أحبه بسببِ جده وهمته، لا! ليس هذا هو السبب، إنَّنِي أعتقدُ أنه يُخفي عنِّي السبب وهذا ما يؤلمني، أمَّا إذا استثنينا هذا السبب، فإننا نجد أنه صريح جدًّا معي، إنَّنِي مُتأكِّدَةٌ أنه لا يُخفِي عنِّي شيئًا غيره، ويزيدُ من أسفي أنه يحتفظ لنفسه بسرٍّ ولا يبوحُ لي به، وفي بعض الأوقات لا أستطيع النوم وأنا أُفكِّرُ فيه، وسأحاول أن أطرده من مُخيلتي، فلا أريدُ أن يُعكِّرَ شيءٌ صفوَ سعادتي، التي أنا غارقة فيها، لولا هذا السر.
ولستُ أحبه بسبب ثقافته، لا! ليس هذا هو السبب! لقد علَّم نفسه وهو يقومُ بعدَّةِ أعمالٍ نافعةٍ.
ولست أحبه بسبب شهامته، لا! ليس هذا هو السبب فهو مُسيطرٌ عليَّ، ولا أستطيع أن ألومه. إنَّ السيطرة من خصائص جنسه، ولا يمكن أن يُلام على ذلك؛ لأنه ليس هو الذي اختار لنفسه هذا الجنس. وبالطبع، أنا لا أسمح لنفسي أن أُسيطر عليه، فإنَّنِي أتمنَّى الموتَ على أن أفعل ذلك … إنَّ ذلك من خصائص جنسي، ولست أمدحُ نفسي من أجل ذلك؛ لأنني لم أصنع جنسي بنفسي!
إذن … فلماذا أحبه؟! إنني أعتقد أنني أحبه؛ لأنه مذكر!
وفي أعماقه هو طيب القلب، وأنا أحبه من أجل ذلك. ولكني أستطيع أن أحبه ولو لم يتحلَّ بهذه الصفة، إنه إذا ضربني أو أهانني فسأستمر على حبه، وأنا أعلم هذا أيضًا، إنها على ما أظنُّ مسألة جنس!
إنَّه قوي وجميل وأنا أحبه من أجل ذلك، وأُعجَب به، كما أفخر به. وكان في مقدوري أن أحبه أيضًا ولو لم تكن له هذه الصفات، حتى لو كان شكله عاديًّا، لكنتُ أحبه، حتَّى لو كان حطام رجل لكنتُ أحبه وأشتغل من أجله، وأعمل كالعبد، وأُصلِّي من أجله وأسهر عليه بجانب فراشه حتى أموت.
أي نعم! أظنُّ أنَّنِي أُحبه لمجرَّد أنَّه ملكٌ لي، ولأنه مذكر، فليس هناك أي سببٍ آخر على ما أعتقد. ولذلك أُومِن بأنَّ هذا النوع من الحبِّ ليس نتيجة من نتائج التعليل أو الإحصاء.
إنه حبٌّ يأتي ولا يعلم أحد من أين! كما لا يستطيع تفسير كنهه … وليست هناك حاجة لذلك!
إنَّ هذا ما أُؤمِن به، ولكنَّنِي لست إلَّا فتاة استطعتُ أن أكونَ الأُولى في الكشف عن هذا الأمر، وقد تُظهِرُ الأيَّام خطأ رأيي بسبب جهلي ونقص خبرتي.
بعد ذلك بأربعين عامًا
إنَّنِي أدعو الله أن نخرُجَ من هذه الحياةِ معًا، وهي صلاة لن تغيب عن هذه الأرض، بل ستجد لها مكانًا في قلب كلِّ زوجةٍ تحبُّ زوجها وتُسمِّي نفسها باسمي حتى نهاية العالم!
فإذا قُدِّرَ لأحدنا أن يترُكَ الحياة قبل الآخر، فإنَّنِي أرجو أن أكون أنا التي تمضي وتسبقه، فهو قويٌّ وأنا ضعيفة؛ ولذلك فإنَّنِي لستُ ضرورة له، في حين أنه ضرورة لي، إنَّ الحياة بدونه لا تُسمَّى حياة، فكيف أستطيع تحملها؟!
إنَّ صلاتي هذه ستبقى خالدةً، على مرِّ الزمان، طالما بقي جنسي على ظهر الأرض. إنَّنِي أوَّلُ زوجةٍ … وسيتكرَّرُ هذا الدعاء حتَّى آخر زوجةٍ في الدنيا!
على قبر حواء
آدم: «أينما وُجِدَتْ حواءُ … وُجِدَت الجنَّةُ.»
١
أخلاق الجنتلمان.
يوميات آدم وحواء |
مسيرة الحب
تلقيت اتصالًا هاتفيًّا في العمل، وكان من والدي. كان ذلك بعد وقت قصير من طلاقي وبداية عملي في المكتب العقاري. كان ولداي يذهبان إلى المدرسة، وكان يومًا شديد الحرارة من أيام شهر سبتمبر.
كان والدي غاية في التهذيب، حتى مع أفراد العائلة. أخذ بعض الوقت في السؤال عن حالي؛ كعادة أهل الريف. يسألون أولًا عن حال من يحادثونهم في الهاتف، حتى إذا كان سبب المكالمة هو أن يخبروك بأن منزلك يحترق.
أجبت: «بخير … كيف حالك أنت؟»
رد أبي قائلًا بطريقته المعهودة، التي تجمع بين الاعتذار والاعتداد بالنفس: «لا أعتقد أنني على ما يرام تمامًا … أخشى أن تكون أمك قد رحلت.»
أعلم أن «رحلت» تعني «ماتت». أعلم ذلك جيدًا. لكنني للحظة أو نحو ذلك رأيت أمي تعتمر قبعتها السوداء التي من القش وهي تمشي على امتداد الطريق. لم تبدُ كلمة «رحلت» مفعمة بأي شيء، اللهم إلا بإحساس عميق بالراحة، بل وحتى بالإثارة؛ الإثارة التي يشعر المرء بها عندما يغادر أحد ويُغلق الباب، ويعود المنزل مجددًا إلى حالته الطبيعية، ويتحرك في حرية في المساحة الخالية حوله. كان ذلك باديًا في صوت أبي أيضًا؛ وراء النبرة الاعتذارية، كان يُخفي صوتًا غريبًا مثل نفس لاهث. لكن أمي لم تكن عبئًا على أي حال — إذ لم تمرض يومًا — وكان وقع الأمر على أبي قويًّا، ولم يكن يشعر بالراحة إطلاقًا لموتها. قال أبي إنه لم يعتد قط على أن يعيش وحيدًا. فانتقل بإرادته للإقامة في نُزل مقاطعة نترفيلد للمسنين.
أخبرني كيف وجد أمي على الأريكة في المطبخ عندما جاء وقت الظهيرة. كانت قد قطفت بعض ثمار الطماطم، ووضعتها على حافة النافذة حتى تنضج، ثم يبدو أنها شعرت بالوهن، فرقدت. ها هو صوته الآن، وهو يخبرني بهذا، يرتعش — يتموَّج، مثلما قد يتوقع المرء — في دهشته. استرجعت في عقلي صورة الأريكة، اللحاف القديم الذي كان يغطيها، تحت الهاتف مباشرةً.
قال أبي: «لذا وجدت أنه من الأفضل أن أتصل بك.» ثم انتظرني حتى أخبره بما يجب عليه فعله الآن. •••
كانت أمي تصلي جاثية على ركبتيها في وقت الظهيرة، وفي الليل، وعندما تستيقظ في الصباح. كان كل يوم يهل عليها هو فرصة لتحقيق إرادة الرب فيه. في كل ليلة كانت تُحصي ما فعلته، وما قالته، وما حدَّثت نفسها به، لترى ما إذا كان يرضيه أم لا. هذا نوع كئيب من الحياة، مثلما يظن الناس، لكنهم لا يدركون كنه ذلك. فلا يمكن أن تكون هذه الحياة مملة على الإطلاق. ولا يمكن أن يقع شيء للمرء دون أن يستفيد منه. حتى إذا كانت المتاعب تسحق المرء، وكان مريضًا، وفقيرًا، وقبيحًا، فلديه روحه ليعيش بها خلال الحياة التي هي كنز وُهِبَ إياه دون مجهود. عندما كانت أمي تذهب للصلاة في الدور العلوي بعد وجبة الظهيرة، كانت تمتلئ بالحيوية والآمال، وتبتسم في جدية.
كانت قد خُلِّصت من خطاياها أثناء أحد الاجتماعات الدينية الخارجية عندما كانت تبلغ أربعة عشر عامًا. كان ذلك في الصيف نفسه الذي ماتت أمها — جدتي — فيه. لعدة سنوات قليلة، كانت أمي تذهب إلى الاجتماعات في حضور عدد كبير من الأشخاص الآخرين الذين جرى تخليصهم من خطاياهم، وبعض الأشخاص الذين جرى تخليصهم أكثر من مرة، وخَطَأَة قدامى متحمسين. كانت تروي قصصًا عما كان يجري في تلك الاجتماعات؛ الغناء، والشكوى، والتجاوزات. تحدثت عن رجل شيخ نهض وصاح قائلًا: «انزل، أيها الرب، انزل بين ظهرانينا الآن! انزل عبر السقف وسأدفع من أجل إصلاح ألواح السقف الخشبية!»
كانت أنجليكانية ملتزمة عند زواجها. كانت تبلغ خمسة وعشرين عامًا آنذاك، وكان أبي يبلغ ثمانية وثلاثين عامًا. زوجان طويلان، حسنا المظهر، يجيدان الرقص وألعاب الورق، اجتماعيان. لكنهما شخصان جادان، هكذا سأحاول أن أصفهما. كانا يتمتعان بجدية نادرًا ما تجدها هذه الأيام. لم يكن أبي متدينًا مثلما كانت أمي. كان أنجليكانيًّا، أحد أتباع أخوية أورانج البروتستانتية، محافظًا، فهو تربى لكي يكون هكذا. كان الابن الذي بقي في المزرعة مع والديه ورعاهما حتى ماتا. التقى أمي، انتظرها، وتزوجا؛ كان يظن نفسه محظوظًا آنذاك أن كانت لديه عائلة يرعاها (لدي شقيقان، وشقيقة ماتت وهي طفلة). يراودني شعور أن أبي لم يضاجع أي امرأة قط قبل أمي، ولم يضاجعها هي حتى تزوجا. وكان عليه أن ينتظر؛ لأن أمي لم تكن لتتزوج قبل أن ترد إلى أبيها كل قرش أنفقه عليها منذ موت أمها. كانت قد دوَّنت كل شيء — طاولة الطعام، الكتب، الملابس — حتى تستطيع دفع ما يقابلها له. عندما تزوجت، لم يكن لديها أي أموال مدخرة، مثلما كانت المدرسات يفعلن عادةً، أو صندوق لجهاز العروس، أو ملاءات، أو أطباق. كان أبي يقول عادةً، بوجه عابس مازحًا، إنه كان يأمل في أن يتزوج امرأة لديها مال مدخر في البنك. قال: «لكنك إذا أردت أن تأخذ هذا المال، فعليك أن تتقبل خلقة صاحبة هذا المال … وفي بعض الأحيان لا تكون تلك صفقة رابحة.» •••
كانت توجد غرف كبيرة وذات سقف عالٍ في المنزل الذي كنا نعيش فيه، وكانت نوافذها مغطاة بستائر داكنة الخضرة. عندما كان يجري فتح الستائر حتى تدخل الشمس، كنت أحب أن أحرك رأسي كي أمسك بالضوء الذي كان يدخل عبر الثقوب والفجوات. كان الشيء الآخر الذي كنت أحب النظر إليه هو البقع الموجودة على المدخنة، سواء القديمة أو الجديدة منها، التي كنت أشكلها في ذهني في صورة حيوانات، ووجوه أشخاص، بل حتى مدن قصية. تحدثت إلى ولديَّ عن ذلك، وكان أبوهما، دان كيسي، يقول: «انظرا كيف كان والدا أمكما فقيرين جدًّا، حتى إنهما لم يكن باستطاعتهما شراء تليفزيون؛ لذا كانت لديهم هذه البقع على السقف، وكانت أمكما مضطرة إلى مشاهدتها!» كان يحب دومًا أن يسخر مني حول فكرة أنه لا يوجد أي ميزة في كون المرء فقيرًا. •••
عندما تقدم أبي في السن، أدركت أنه كان لا يكترث بقيام الناس بأشياء جديدة — طلاقي، على سبيل المثال — مثلما كان يكترث بالأسباب الجديدة التي دعتهم للقيام بها.
أحمد الرب أنه لم يسمع قط بأمر الكوميون.
كان يقول عادةً: «الرب لم يُردْ هذا قط.» وأثناء جلوسه مع كبار السن الآخرين في النُّزل، في الرواق الطويل، الخافِتِ الإضاءة خلف أجمات السبيريا، كان يتحدث عن كيف أن الرب لم يرد قط أن يتجول الناس في أنحاء البلاد راكبين الدراجات البخارية والمركبات الجليدية. وكيف أن الرب لم يرد قط أن يكون في زي الممرضات بنطال. لم تكن الممرضات يكترثن على الإطلاق بما يقوله أبي. وكن يطلقن عليه «الوسيم»، وكن يخبرنني أنه محبوب جدًّا بينهن، وأنه بحق رجل محترم ومتدين. كن يتعجبن من شعره الأسود الكثيف، الذي ظل كذلك حتى مماته. وكن يغسلن ويمشِّطن شعره على نحو رائع، ويموجنه بأصابعهن.
في بعض الأحيان، وبالرغم من جميع أشكال العناية هذه، لم يكن يشعر بالسعادة. كان يرغب في العودة إلى منزله. كان قلقًا بشأن الأبقار، والسياجات، وبشأن من سينهض لإشعال نار التدفئة. توجد ومضات قليلة من الخسة، قليلة جدًّا. في إحدى المرات، ألقى بنظرة مختلسة، غير ودودة عليَّ عندما دخلت، وقال: «أتعجب أن الجلد في ركبتيك لم يتقرَّح حتى الآن.»
ضحكت. قلت: «من ماذا؟ حك الأرضيات؟»
رد بنبرة ازدراء قائلًا: «الصلاة!»
لم يكن يعلم إلى من يتحدث. •••
لا أتذكر أن لون شعر أمي كان غير اللون الأبيض. حال لون شعر أمي إلى الأبيض عندما كانت في العشرينيات من عمرها، ولم يتبقَّ أيٌّ من شعر صباها، الذي كان بني اللون. كنت معتادة على أن أسألها أي درجة من البني كان لون شعرها.
«داكنًا.»
«مثل برنت، أم مثل دوللي؟» كان هذان جوادين كنا نمتلكهما ونستخدمهما في أعمال المزرعة، وكانا يعملان معًا كفريق واحد.
«لا أعلم. لم يكن مثل لون شعر الجياد.»
«هل كان في لون الشوكولاتة؟»
«شيئًا يشبه ذلك.»
«ألم تحزني عندما حال لونه إلى الأبيض؟»
«نعم. كنت مسرورة.»
«لمَ؟»
«كنت مسرورة أنني لن يصبح لديَّ شعر لونه مثل لون شعر والدي.»
كانت أمي تقول لي: الكراهية خطيئة في كل الأحوال، تذكَّري ذلك؛ فقطرة واحدة من الكراهية في روحك ستنتشر وتسبغ بلونها كل شيء مثل قطرة حبر أسود في لبن أبيض. أدهشني ذلك وكنت أنوي أن أجرِّب الأمر، لكنني كنت أعلم أنني يجب ألا أهدر اللبن. •••
أتذكر جميع هذه الأشياء. جميع الأشياء التي أعرفها، أو أُخبرت بها، عن أشخاص لم أرَهم حتى قط. كان اسمي يوفيميا، على غرار اسم جدتي لأمي. اسم رهيب، وهذا ما جعله نادرًا هذه الأيام. في المنزل كانوا ينادونني بفيمي، لكنني عندما بدأت أعمل، أطلقت على نفسي اسم فايم (شهرة). كان زوجي، دان كيسي، يناديني بفايم. ثم في حانة فندق شامروك، بعد سنوات لاحقة، بعد طلاقي، وبينما كنت خارجةً من عملي هناك في إحدى المرات، قال رجل مخاطبًا إياي: «فايم، كنت أود أن أسألك، بم أنت مشهورة؟»
أجبته قائلةً: «لا أعرف … لا أعرف، إلا إذا كنت مشهورة بإهدار وقتي في الحديث إلى حمقى أمثالك.»
بعد ذلك فكَّرت في تغيير اسمي كليةً، إلى جوان مثلًا، لكن إذا لم أكن سأنتقل من هنا، فكيف أستطيع عمل ذلك؟ •••
في صيف عام ١٩٤٧، عندما كنت في الثانية عشرة، ساعدت أمي في تغطية جدران غرفة النوم الموجودة في الطابق السفلي بورق الحائط؛ غرفة الضيوف. كانت خالتي، بيرل، آتية لزيارتنا. لم تَرَ الأختان كلٌّ منهما الأخرى منذ سنوات. وبعد موت أمهما بوقت قليل جدًّا، تزوَّج أبوهما مرة أخرى. وذهب ليعيش في مينيابوليس، ثم في سياتل، مع زوجته الجديدة وابنته الصغرى، بيرل. لم ترغب أمي في الانتقال معهم. مكثت في بلدة رامزي، حيث كانوا يعيشون من قبل. أقامت مع زوجين لم ينجبا، كانا جارين لهم. لم تلتقِ وبيرل إلا مرة واحدة أو مرتين منذ كبرتا. كانت بيرل تعيش في كاليفورنيا.
كان تصميم ورق الحائط عبارة عن أزهار قنطريون عنبري على خلفية بيضاء. كانت أمي قد اشترته بسعر مخفَّض؛ لأنه كان آخر المطروح للبيع من هذه النوعية. كان هذا يعني أننا واجهنا مشكلة إيجاد تصميمات مماثلة، وخلف الباب اضطررنا إلى لصق بعض القصاصات والأشرطة لتغطية الحائط. كان ذلك قبل ظهور ورق الحائط ذاتي اللصق. نصبنا الطاولة ذات الحوامل في الغرفة الأمامية، وخلطنا عليها عجينة اللصق، ووزعناها على ظهر ورق الحائط بفرش عريضة، آخذين في الاعتبار عدم تكتل العجينة في أي مكان. كنا نلصق ورق الحائط بينما كانت النوافذ مفتوحة، والحواجز السلكية موضوعة وراءها، والباب الأمامي مفتوحًا، والباب الخارجي الشفاف مغلقًا. كانت البلدة التي كنا نراها من خلال شبكة الحواجز والزجاج المموج للنوافذ القديمة تبدو غاية في الحرارة والإزهار، الصقلاب والجزر البري في المراعي، والخردل يهتز وسط النفل، وتبدو بعض الحقول كريمية اللون بسبب الحنطة التي كان الناس يزرعونها آنذاك. كانت أمي تغني. كانت تغني أغنية قالت إن أمها كانت معتادة على غنائها عندما كانت هي وبيرل بنتين صغيرتين:
كان لدي حبيب، ولم يعد لي حبيب الآن. رحل وتركني أنتحب وأنوح. رحل وتركني، لكنني سأكون سعيدة؛ لأنني سيكون لي حبيب آخر، أفضل منه!
كنت أشعر بالإثارة؛ لأن بيرل آتية، كزائرة، كل هذه المسافة من كاليفورنيا، وأيضًا لأنني كنت قد ذهبت إلى البلدة في أواخر شهر يونيو لأداء اختبارات القبول، وكنت أترقب سماع أنباء عن أنني نجحت بتفوق. كان على كل من نجح في الصف الثامن في مدارس البلدة أن يذهب إلى المدينة لأداء هذه الاختبارات. أحببت ذلك؛ صوت خشخشة ورق الفولسكاب، الصمت المهيب، المبنى الحجري الكبير للمدرسة الثانوية، كل حروف الأسماء الأولى القديمة المحفورة على المقاعد، التي أضفى الطلاء عليها لونًا داكنًا. الموجة الأولى من الصيف خارج البلدة، الضوء الأخضر والأصفر، أشجار الكستناء المميزة للبلدة، وشجيرات سلطان الجبل؛ كل ذلك كان في البلدة نفسها التي أعيش فيها الآن لما يربو عن نصف حياتي. كنت أتعجب من ذلك، وأتعجب من نفسي وأنا أرسم الخرائط في سهولة بالغة وأحل المسائل الحسابية، وأعرف كمًّا هائلًا من الإجابات. كنت أظن أنني غاية في البراعة، لكنني لم أكن بارعة بما يكفي لفهم أبسط شيء؛ لم أفهم حتى أن الاختبارات لم تكن لتصنع أي فارق في حالتي؛ فلم أكن لأذهب إلى المدرسة الثانوية. كيف لي أن أذهب؟ كان ذلك قبل أن توجد الحافلات المدرسية؛ كان على المرء أن يقيم في البلدة. لم يكن أبواي يمتلكان المال لذلك. كانا يحصلان على قدر زهيد جدًّا من المال، مثلما كان الحال مع الكثير من المزارعين آنذاك. كانت الأموال التي يحصلان عليها من العمل في مصنع الجبن هي الأموال الوحيدة التي ترد إليهما بانتظام. ولم يفكرا في أن تمضي حياتي في ذلك الاتجاه، اتجاه الالتحاق بالمدرسة الثانوية. كانا يعتقدان أنني يجب أن أمكث في المنزل وأساعد أمي، وقد أعمل بمقابل لمساعدة النساء المريضات أو اللائي ولدن في الحي. وذلك حتى يحين وقت زواجي. كان ذلك هو ما كانا ينتظران أن يخبراني إياه عندما أحصل على نتائج الاختبارات.
ربما يظن المرء أن أمي ربما كانت تفكر على نحو مختلف؛ حيث إنها كانت هي نفسها مدرسة. لكنها قالت إن الرب لا يعبأ بأي وظيفة يشغلها أيٌّ منا أو بأي مستوًى من التعليم يتلقاه. فالرب لا يكترث البتة حيال ذلك، ولا يهم سوى ما يكترث به هو.
كانت هذه هي المرة الأولى التي فهمت كيف يمكن أن يكون الرب خصمًا حقيقيًّا، وليس محض مصدر للإزعاج أو صورة ذهنية فقط. •••
كان اسم أمي وهي طفلةٌ ماريتا. ظل هذا اسمها، بالطبع، لكن حتى جاءت بيرل لزيارتنا لم أسمع أحدًا يناديها بهذا الاسم قط. كان أبي دومًا يناديها ﺑ «أمي». كانت لدي فكرة طفولية — كنت أعلم أنها طفولية — أن «أمي» كان يناسبها أكثر مما كان يناسب الأمهات الأخريات. أمي، لا ماما. عندما أكون بعيدةً عن أمي، لم أكن أستطيع أن أتخيل شكل وجهها، وكان هذا يخيفني. عند وجودي في المدرسة، التي كان يفصلها تل عن المنزل، كنت أحاول أن أستجمع في ذهني صورة وجه أمي. في بعض الأحيان كنت أظن أنني إذا لم أستطع أن أفعل ذلك، فربما كان يعني هذا أن أمي ماتت. لكنني كنت أشعر بها طوال الوقت، وكان يذكرني بها أبعد الأشياء احتمالًا؛ بيانو مفتوح، أو قطعة طويلة بيضاء من الخبز. كان هذا سخيفًا، لكنه كان حقيقيًّا.
كانت ماريتا، في ذهني، منفصلة عن أمي الناضجة. كانت ماريتا لا تزال تجري في حرية هنا وهناك في بلدتها رامزي، على ضفاف نهر أوتاوا. في تلك البلدة، كانت الشوارع مليئة بالجياد وبرك المياه الصغيرة الموحلة، وكان يخيِّم عليها جو من الكآبة بسبب الرجال الذين كانوا يأتون إليها من الغابة في عطلات نهاية الأسبوع؛ الحطَّابون. كان يوجد أحد عشر فندقًا في شارع المدينة الرئيسي، حيث كان يمكث الحطابون ويسكرون.
كان المنزل الذي كانت ماريتا تسكنه يقع في منتصف شارع شديد الانحدار يرتفع تدريجيًّا من جهة النهر. كان منزلًا مزدوجًا، له نافذتان مشرفتان في الواجهة، وكانت توجد تعريشة خشبية تفصل بين الشرفتين الأماميتين. كان الزوجان ساتكليف يعيشان في النصف الثاني من المنزل، وهما الزوجان اللذان كانت ماريتا تعيش معهما بعد موت أمها وبعد مغادرة أبيها البلدة. كان السيد ساتكليف رجلًا إنجليزيًّا، عامل تلغراف. وكانت زوجته ألمانية. كانت تصنع القهوة دومًا بدلًا من الشاي. كانت تصنع حلوى السترودل. كانت عجينة السترودل تتدلى من حواف المنضدة مثل مفرش رقيق. كانت تبدو بالنسبة لماريتا في بعض الأحيان مثل الجلد.
كانت السيدة ساتكليف هي من أقنع أم ماريتا بعدم شنق نفسها.
كانت ماريتا في إجازة من المدرسة ذلك اليوم؛ لأنه كان يوم السبت. استيقظت متأخرة وكان الصمت يخيم على المنزل. كانت تشعر بالخوف دومًا من ذلك — المنزل الصامت — وكانت بمجرد أن تفتح الباب بعد الرجوع من المدرسة تنادي قائلةً: «ماما! ماما!» لكن لم تكن أمها تجيب عادةً، غير أنها كانت موجودة. كانت ماريتا تسمع في ارتياح صوت صلصلة شبكة الموقد أو الصوت الرتيب لضربات المكواة.
في ذلك الصباح، لم تسمع أي شيء. نزلت إلى الطابق السفلي، وأخذت شريحة من الخبز، وأضافت عليها الزبد والعسل الأسود، وطوتها وأكلتها. فتحت باب القبو ونادت على أمها. ذهبت إلى الغرفة الأمامية وأطلت عبر النافذة، خلال نباتات السرخس. رأت أختها الصغيرة، بيرل، وبعض أطفال الجيران الآخرين يتدحرجون على المساحة المغطاة بالحشائش المفضية إلى الممشى الجانبي، ثم ينهضون ويتدافعون إلى أعلى نقطة ثم يتدحرجون مجددًا.
نادت ماريتا: «ماما!» سارت عبر المنزل إلى الفناء الخلفي. كان الوقت في نهاية الربيع، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، والجو معتدلًا. في بساتين الخضراوات اليانعة، كانت الأرض رطبة، وبدت الأوراق على الأشجار مكتملة فجأة، وأخذت تسقط قطرات من المياه التي تخلَّفت من أمطار الليلة السابقة.
«ماما!» هكذا نادت ماريتا تحت الأشجار، تحت حبل الغسيل.
يوجد في نهاية الفناء مخزن صغير، حيث يحتفظون بخشب التدفئة، وبعض الأدوات والأثاث القديم. يمكن رؤية مقعد، ومقعد خشبي مستقيم الظهر، عبر الباب المفتوح. على المقعد، رأت ماريتا قدمي أمها، وحذاءها ذا الأربطة السوداء، ثم زي الأعمال المنزلية الصيفي القطني المطبوع الطويل، والمريلة، والأكمام المطوية، ثم ذراعي أمها البيضاوين اللامعتين، ورقبتها، ووجهها.
وقفت أمها على المقعد ولم تجب. لم تنظر إلى ماريتا، وإنما ابتسمت وقرعت بقدمها المقعد، كما لو كانت تقول: «ها أنا ذا. ماذا ستفعلين حيال ذلك؟» كانت على غير ما يرام، بخلاف وقوفها على مقعد وابتسامها على هذا النحو الغريب المتحفظ. كانت تقف على مقعد قديم تختفي منه روافده الخلفية، مقعد كانت قد جذبته إلى منتصف أرضية المخزن، حيث كان يتأرجح على الأرض غير المستوية. وكان ثمة ظل على رقبتها.
كان الظل عبارة عن حبل، أنشوطة في نهاية حبل تتدلى من أحد العوارض في الأعلى.
تقول ماريتا في صوت أكثر خفوتًا: «ماما! ماما، انزلي، من فضلك.» كان صوتها واهنًا؛ لأنها تخشى أن يفضي أي نداء أو صراخ إلى تحرُّك أمها فجأة، فتنزلق عن المقعد وتقع بكامل وزنها على الحبل. لكن حتى لو أرادت ماريتا أن تصرخ، لما استطاعت. لم يتبقَّ لها سوى هذا الخيط الواهن المثير للشفقة من الصوت، مثلما في أحد الأحلام عندما يقترب منك بشدة حيوان ضخم أو آلة مخيفة.
«هيا اذهبي وأحضري والدك.»
كان ذلك هو ما أخبرتها به أمها أن تفعله، وأطاعتها ماريتا. كانت تعدو، والرعب بادٍ في رجليها. كانت تعدو، في رداء نومها، في منتصف صبيحة يوم سبت. جرت مارة ببيرل والأطفال الآخرين، الذين كانوا لا يزالون يتدحرجون على الأرض المنحدرة. جرت على الممشى الجانبي، الذي كان في ذلك الوقت ممشى خشبيًّا، ثم على الشارع غير المرصوف، الذي كان ممتلئًا ببرك مياه صغيرة موحلة جراء أمطار الليلة السابقة. كان الطريق يتقاطع مع قضبان سكك حديدية. عند سفح التل، كان الشارع يتقاطع مع الشارع الرئيسي للبلدة. كان يوجد بين الشارع الرئيسي والنهر بعض المخازن ومبانٍ خاصة بشركات تصنيع صغيرة. كان ذلك حيث توجد ورش صناعة العربات التي يعمل بها أبوها. كانت عربات النقل والعربات الصغيرة والزلاجات تُصنع هناك. في حقيقة الأمر، كان والد ماريتا قد ابتكر نوعًا جديدًا من الزلاجات لحمل الأخشاب من الغابة، وحصل على براءة اختراعه. كان لا يزال في بداية حياته العملية في رامزي. (لاحقًا، في الولايات المتحدة، صنع ثروة كبيرة. كان رجلًا مغرمًا بالذهاب إلى حانات الفنادق، ومحلات تصفيف الشعر، وبسباقات عربات الخيول، وبالنساء، لكنه كان يقدس العمل، وهو ما جعله يستحق الثناء.)
لم تجده ماريتا في العمل ذلك اليوم. كان المكتب خاليًا. عدت مسرعةً إلى الفناء حيث كان الرجال يعملون. تعثرت في نشارة الخشب. فضحك الرجال وهزوا رءوسهم قبالتها. لا. ليس هنا. ليس هنا الآن. لا. لماذا لا تحاولين الذهاب إلى نهاية الشارع؟ انتظري. انتظري دقيقة. ألم يكن يجدر بك أن ترتدي بعض الملابس أولًا؟
لم يقصدوا مضايقتها. لم يشعر أيٌّ منهم بأنه لا بد أن هناك مشكلة ما. لكن ماريتا لم تتحمل رؤية الرجال وهم يضحكون. كانت توجد أماكن تكره دومًا المرور عليها، ناهيك عن الدخول إليها، وكان ذلك هو السبب. مجموعة من الرجال يضحكون. لهذا السبب، كانت تكره محلات تصفيف الشعر الخاصة بالرجال، كانت تكره رائحتها. (عندما بدأت في الذهاب إلى حفلات رقص لاحقًا مع أبي، كانت تطلب منه ألا يضع أي شيء على رأسه؛ لأن الرائحة كانت تذكرها بهذا.) كانت مجموعة من الرجال تقف في الشارع، خارج فندق، تبدو لها مثل كتلة من السم. يحاول المرء ألا يسمع ما يقولون، لكنه يكون متأكدًا من أنهم يقولون أشياء خسيسة. إذا لم يقولوا أي شيء، فإنهم يضحكون والخسة تفوح منهم — السم — بنفس الطريقة. لم تستطع ماريتا أن تمر عليهم إلا بعد تخلصها من خطاياها. مسلحة بحماية الرب، كانت تسير وسطهم ولم يكن شيء يؤذيها، أو يزعجها؛ كانت آمنة مثل النبي دانيال.
استدارت وعَدَت، في نفس المسار الذي جاءت منه؛ أعلى التل، وصولًا إلى المنزل. كانت تعتقد أنها ارتكبت خطأً لأنها تركت أمها. لماذا طلبت منها أمها أن تذهب؟ لماذا كانت تريد أباها؟ من الجائز جدًّا حتى تستقبله بمشهد جسدها الدافئ المتأرجح في طرف الحبل. كان ينبغي على ماريتا البقاء. كان ينبغي عليها البقاء وإقناع أمها بالعدول عن ذلك. كان ينبغي عليها أن تعدو إلى السيدة ساتكليف، أو إلى أي جار، وألا تهدر الوقت على هذا النحو. لم تكن قد فكَّرت فيمن يستطيع أن يقدِّم المساعدة، من يستطيع حتى تصديق ما كانت تتحدث عنه. كانت تعتقد أن جميع العائلات باستثناء عائلتها كانت تعيش في سلام، وأن هذه المخاطر والمصائب لم تكن موجودة في منازل الآخرين، ولم يكن من الممكن شرحها لهم.
كان يوجد قطار قادم إلى البلدة. اضطرت ماريتا إلى الانتظار. كان الركاب ينظرون إليها من نوافذ القطار. انفجرت صارخةً في وجه هؤلاء الغرباء. عندما مر القطار، واصلت طريقها أعلى التل، يا له من مشهد! بنت بشعرها غير الممشَّط، وقدميها العاريتين، المتسختين، مرتديةً لباس النوم، ووجهها مهوَّش ومبتل. عند بلوغها فناء منزلها، على مرمى البصر من المخزن، كانت تصرخ قائلةً: «ماما! ماما!»
لم يكن هناك أحد. كان المقعد موجودًا مثلما كان من قبل تمامًا. كان الحبل متدليًّا خلف المقعد. كانت ماريتا متأكدة أن أمها مضت في تنفيذ ما كانت عازمة عليه. ماتت أمها بالفعل، تم إنزالها وحُملت للداخل.
لكنَّ يدين بدينتين دافئتين استقرتا على كتفيها، وقالت لها السيدة ساتكليف: «ماريتا. كفي عن هذا الضجيج. ماريتا. طفلتي. توقفي عن البكاء. هيا ادخلي. إنها بخير يا ماريتا. ادخلي وسترين بنفسك.»
نطقت السيدة ساتكليف اسم ماريتا «ماريتشا»، مضفية على الاسم ثراء وأهمية أكبر. تصرفت بشكل متعاطف قدر ما استطاعت. وعندما عاشت ماريتا مع آل ساتكليف لاحقًا، كانوا يعاملونها باعتبارها ابنة في المنزل، وكان المنزل هادئًا ومريحًا مثلما كانت تتخيل المنازل الأخرى. لكنها لم تشعر أنها ابنة هناك قط.
في مطبخ السيدة ساتكليف، جلست بيرل على الأرض تأكل كعكة محلاة بالزبيب وتلعب مع القط ذي اللونين الأسود والأبيض، الذي كان يسمى ديكي. جلست أم ماريتا إلى المائدة، أمامها قدح من القهوة.
قالت السيدة ساتكليف: «كانت سخيفة.» هل كانت تعني أم ماريتا أم ماريتا نفسها؟ لم تكن تعرف الكثير من الكلمات الإنجليزية لتصف الأمور.
ضحكت أم ماريتا، وسقطت ماريتا مغشيًّا عليها؛ فقدت الوعي، بعد العدو كل تلك المسافة أعلى التل، في الصباح الدافئ الرطب. كان الشيء التالي الذي أدركته بعد أن استردت وعيها أن السيدة ساتكليف كانت تسقيها بالملعقة قهوة سوداء مُحلاة. حملت بيرل ديكي إلى أعلى عن طريق رجليه الأماميتين وقدمته إليها كهدية لإسعادها. كانت أم ماريتا لا تزال تجلس إلى المائدة. •••
كان قلبها محطمًا. كان هذا هو ما سمعت أمي تقوله دومًا. كان هذا هو نهاية الأمر. أسدلت تلك الكلمات الستار على القصة ولم تفتح ثانيةً. لم أسأل قط، من حطمه؟ لم أسأل قط، ماذا كان حديث الرجال المسموم؟ ماذا كانت كلمة «خسيس» تعني؟
ضحكت أم ماريتا بعد أن شارفت على شنق نفسها. جلست إلى مائدة مطبخ السيدة ساتكليف وضحكت. كان قلبها محطمًا.
كان يراودني دومًا شعور، من خلال حديث أمي وقصصها، بوجود شيء كبير وراءها. مثل سحابة لا يستطيع المرء الرؤية عبرها، أو يبلغ نهايتها. كانت ثمة سحابة، سم، قد لامست حياة أمي. وعندما كنت أغضبها، أصير جزءًا من هذا الشيء. ثم كنت ألقي برأسي على بطن أمي وصدرها، وجسدها الممشوق، سائلةً إياها الغفران. كانت أمي تخبرني أن أسأل الرب الغفران. لكن لم يكن الرب، بل أمي التي كان يجب أن أصلح أموري معها. بدا الأمر كما لو كانت تعرف شيئًا عني أكثر سوءًا، أكثر سوءًا بكثير، من الأكاذيب، والخدع، والأخطاء العادية؛ كان هذا الشيء هو عارًا مثيرًا للغثيان. كنت ألقي برأسي على جسد أمي لأجعلها تنسى ذلك.
لم يكن أخواي ينزعجان لكل هذا. لا أعتقد هذا. بدوَا لي مثل شخصين همجيين مرحين، يلهوان في حرية، دون أن يكون عليهما معرفة الكثير. وعندما رزقت بولدين أنا الأخرى، دون البنات، شعرتُ كما لو أن شيئًا ما يمكن أن يتوقف الآن، القصص، الأحزان، الألغاز القديمة التي لا يستطيع المرء مقاومة عدم التفكير فيها أو حلها. •••
طلبت الخالة بيرل ألا يناديها أحد بخالتي. «لست معتادة على أن أكون خالة أحد يا حبيبتي. لست حتى أمًّا لأحد. أنا كما أنا. ناديني بيرل.»
كانت بيرل قد بدأت حياتها كاتبة اختزال، ثم صار لها عملها الخاص في مجال الكتابة على الآلة الكاتبة ومسك الحسابات، وكانت توظِّف لديها الكثير من الفتيات. كانت قد جاءت بصحبة صديق، اسمه السيد فلورنس. كان خطابها قد أشار إلى أنها ستأتي بصحبة أحد الأصدقاء، لكنها لم تذكر هل كان الصديق سيمكث أم لا. لم تذكر حتى هل كان الصديق رجلًا أو امرأة.
كان السيد فلورنس سيمكث بمنزلنا. كان رجلًا طويلًا، نحيفًا، وجهه طويل مائل إلى السمرة، عيناه لونهما فاتح جدًّا، وثمة ارتعاشة عصبية في جانب فمه ربما تكون ابتسامة.
كان هو من نام في الغرفة التي وضعنا أنا وأمي ورق حائط فيها؛ لأنه كان الغريب، وكان رجلًا فاضطرت بيرل إلى النوم معي. في البداية، كنا نظن السيد فلورنس فظًّا جدًّا؛ لأنه لم يكن معتادًا على طريقة حديثنا ولم نكن نحن معتادين على طريقة حديثه. في صباح اليوم الأول، قال أبي للسيد فلورنس: «حسنًا، آمل أن تكون قد نعمت ببعض النوم على ذلك الفراش القديم هناك؟» (كان فراش غرفة الضيوف رائعًا، بغطاء من الريش.) كانت هذا الإشارة التي دفعت السيد فلورنس إلى القول بأنه لم ينم قط أفضل من ذلك من قبل.
ارتعش وجه السيد فلورنس كعادته، وقال: «نمتُ على ما هو أسوأ من ذلك.»
كان المكان المفضل لديه هو سيارته. كانت سيارته ماركة كرايسلر لونها أزرق أرجواني، واحدة من ضمن أولى السيارات التي أنتجت بعد الحرب. داخلها، كان غطاء التنجيد والأرضية وبطانة السقف والأبواب جميعها باللون الرمادي اللؤلئي. احتفظ السيد فلورنس بأسماء تلك الألوان في ذهنه، وكان يصحح من يقول «أزرق» أو «رمادي» فقط.
قالت بيرل ضاجةً: «يبدو اللون لي مثل لون الفأر … أقول له إنه مثل لون الفأر!»
كانت السيارة منتظرة إلى جانب المنزل، تحت أشجار الخرنوب. كان السيد فلورنس يجلس في الداخل والنوافذ مغلقة، يدخن، وسط الرائحة الفخمة للسيارة الجديدة.
قالت أمي: «أخشى أننا ليس لدينا الكثير لنقدمه حتى نرحب بصديقك.»
قالت بيرل: «لا تقلقي بشأنه.» كانت دائمًا ما تتحدث عن السيد فلورنس كما لو كان ثمة مزحة عنه لا يفهم معناها إلا هي. تساءلتُ بعد ذلك بكثير إذا كان يحتفظ بزجاجة خمر في التابلوه ويتناول رشفة من وقت إلى آخر حتى يظل في حالة معنوية مرتفعة. كان يعتمر قبعته طوال الوقت.
تسلَّت بيرل بما يكفي للترفيه عن شخصين. فبدلًا من أن تمكث في المنزل وتتحدث إلى أمي، مثلما تفعل عادةً السيدات الزائرات، كانت تطلب أن ترى كل شيء يمكن رؤيته في المزرعة. كانت تقول إن عليَّ اصطحابها لرؤية الأشياء في المزرعة وتقديم شرح وافٍ لها، وأن أحاول أن أجعلها لا تسقط في أي كومة روث.
لم أكن أعرف ما الذي أريها إياه. اصطحبت بيرل إلى مخزن الثلج، حيث كانت ترقد وسط نشارة الخشب كتل من الثلج في حجم أدراج التسريحة، أو أكبر. كل بضعة أيام، كان أبي يقطع قطعة من الثلج ويحملها إلى المطبخ؛ حيث كانت تذوب في صندوق من الصفيح وكانت تُستخدم في تبريد اللبن والزبد.
قالت بيرل إنها لم تكن تعرف أن الثلج يجئ في صورة قطع بمثل هذا الحجم الكبير. بدت مصممة على أن ترى الأشياء غريبة، أو مريعة، أو مضحكة.
«من أي مكان تحصلون على قطع بهذا الحجم من الثلج؟»
لم أستطع أن أحدد ما إذا كانت هذه مزحة أم لا.
قلتُ: «من البحيرة.»
«من البحيرة! هل لديكم بحيرات هنا يوجد بها ثلج طوال الصيف؟»
أخبرتها كيف يقطع أبي الثلج من البحيرة كل شتاء ويحمله إلى المنزل، ويدفنه وسط نشارة الخشب، وهو ما كان يحفظه من الذوبان.
قالت بيرل: «هذا مدهش!»
قلتُ: «حسنًا، لكن الثلج يذوب قليلًا.» كنت أشعر بخيبة أمل كبيرة في بيرل.
«هذا مدهش حقًّا.»
جاءت بيرل معي عندما ذهبت لجلب الأبقار. خيال مآتة في بنطال فضفاض أبيض (هكذا كان أبي يصفها بعد ذلك)، تعتمر قبعة بيضاء مربوطة تحت ذقنها عن طريق شريط أحمر زاهٍ. كانت أظافر يديها وقدميها — كانت ترتدي صندلًا — مطلية بنفس لون الشريط. كانت ترتدي نظارة شمسية صغيرة داكنة، كان الناس يرتدونها في ذلك الوقت. (ليس الناس الذين أعرفهم؛ فهؤلاء لم يكونوا يمتلكون نظارات شمسية.) كانت تمتلك فمًا أحمر كبيرًا، ضحكتها رنانة، شعرها بلون غير طبيعي ذي لمعة عالية، مثل لون خشب شجر الكرز. كانت صاخبة ومتألقة أكثر مما ينبغي، وكانت ترتدي ملابس فاتنة جدًّا، حتى كان من الصعب تحديد ما إذا كانت جميلة، أم سعيدة، أم أي شيء آخر.
لم نتبادل أي حديث أثناء السير على ممر سير الأبقار؛ نظرًا لأن بيرل كانت تمشي بعيدًا عن الأبقار وكانت منشغلة بالانتباه إلى خطواتها. وبمجرد أن قيِّدتُ جميع الأبقار في مرابطها، اقتربَت أكثر. أشعلَت سيجارة. لم يكن أحد يدخن هنا. كان أبي والمزارعون الآخرون يمضغون التبغ هنا بدلًا من ذلك. لم أعرف كيف أطلب من بيرل أن تمضغ التبغ.
قالت بيرل: «هل تستطيعين حلبها أم يجب على أبيك أن يفعل ذلك؟ … هل هذا أمر صعب؟»
حلبت بعض اللبن من درع البقرة. جاءت إحدى القطط وانتظرت. ضخخت سيلًا رفيعًا من اللبن في فمها. كنتُ والقطة نستعرض قدراتنا.
قالت بيرل: «ألا يؤلم ذلك؟ فكِّري لو أنك كنت مكانها.»
لم أفكر قط في أن يكون درع البقرة مناظرًا لأي جزء من جسدي، وصُدمت لعدم لياقة الإشارة إلى ذلك. في حقيقة الأمر، لم أستطع أن أمسك بدرع دافئ، وملئ بالبثور على هذا النحو من القوة والعفوية مرة أخرى. •••
كانت بيرل تنام في ثوب نوم من الرايون، مشمشي اللون ومطرز بزخارف بأربطة باللون البيج. كان لديها روب يتماشى مع هذا الثوب. كانت حريصة في الإشارة إلى اللون «البيج» مثلما كان السيد فلورنس حريصًا في الإشارة إلى اللونين الأزرق الأرجواني والرمادي اللؤلئي.
استطعت خلع ملابسي وارتداء ثوب نومي دون أن يتعرى أي جزء من جسدي. مسألة مزعجة. لم أخلع سروالي الداخلي، وأملتُ أن تكون بيرل قد فعلت المثل. كانت فكرة مشاركتي الفراش مع شخص بالغ مسألة صعبة بالنسبة لي. لكني استطعت أن أرى محتويات ما كانت بيرل تطلق عليه أدوات تجميلها. دوارق زجاجية مطلية يدويًّا تحتوي على قطع من القطن الطبي، وبودرة تَلك، وغسول لبني، ومستحضر قابض بلون أزرق ثلجي. أوعية صغيرة من طلاء الشفاه الأحمر والموف، يبدو دهنيًّا نوعًا ما. أقلام زرقاء وسوداء. مبرد أظافر، حجر خفاف، طلاء أظافر له رائحة موز نفَّاذة، بودرة وجه في صندوق من السليولويد على شكل صدفة، باسم أحد أنواع الحلوى، أبريكوت ديلايت.
كنت قد سخنت بعض المياه على موقد الكيروسين الذي كنا نستخدمه في وقت الصيف. أزالت بيرل المكياج من على وجهها حتى صار نظيفًا، وكان ثمة تغيير هائل لدرجة أني توقعت أن أجد بعض آثار المكياج تظهر في الحوض في صورة كتل، مثل ورق الحائط القديم الذي كنا قد غمرناه بالماء وقشَّرناه. صار لون بشرة بيرل شاحبًا الآن، تغطيها بعض الشقوق الدقيقة، تشبه نوعًا ما الطين اللامع في قاع برك المياه الصغيرة التي تجف في أوائل الصيف.
قالت: «انظري ماذا حدث لبشرتي. إنها الحمية الغذائية. كنت أزن مائة وتسعة وستين رطلًا، ثم تخلصت من هذا الوزن سريعًا، فتأثرت بشرتي بشدة. لكني حصلت على هذا الكريم. إنه مصنوع من تركيبة سرية، ولا تستطيعين حتى شراءه من أي مكان. تشمميه. أترين، ليست رائحته عطرية، بل حادة جدًّا.»
كانت توزع في خفة الكريم على وجهها باستخدام قطع القطن الطبي، حتى تختفي أي آثار له على بشرتها.
قلتُ: «تبدو رائحته مثل شحم الخنزير.»
«يا إلهي، آمل ألا أكون قد دفعت كل هذا المال حتى أضع شحم خنزير على وجهي. رجاءً لا تخبري أمك.»
صبَّت ماءً نظيفًا في كوب الشرب وبللت مشطها، ثم مشَّطت شعرها وعقصت كل جديلة بأصبعها، شابكةً الجديلة المعقوصة في رأسها عن طريق دبوسي شعر متشابكين. فعلتُ مثلها، لكن بعد ذلك بعامين.
قالت بيرل: «دائمًا مشِّطي شعرك وهو مبلل، وإلا فلن يجدي تمشيطه على الإطلاق. ولفيه إلى أسفل دومًا حتى لو كنت تريدين أن يصفف إلى أعلى. أترين؟»
عندما كنت أمشط شعري لأعلى — مثلما كنت أفعل لسنوات — كنت أفكِّر في ذلك في بعض الأحيان، وكنت أعتقد أن من بين جميع النصائح التي تلقيتها من الآخرين، كانت هذه النصيحة هي النصيحة الوحيدة التي كنت أتبعها تمامًا.
أطفأنا المصباح وخلدنا إلى الفراش، وقالت بيرل: «لم أكن أعرف أن الظلام سيسود على هذا النحو. لم أرَ ظلامًا على هذا النحو من قبل.» كانت تتحدث همسًا. فهمت في بطء أنها كانت تقارن بين ليالي الريف وليالي المدينة، وكنت أتساءل عما إذا كان الظلام في مقاطعة نترفيلد يمكن أن يكون أفضل مما عليه في كاليفورنيا.
همست بيرل قائلةً: «حبيبتي؟ هل توجد أي حيوانات في الخارج؟»
قلت: «أبقار.»
«حسنًا، لكنني أعني هل توجد أي حيوانات متوحشة؟ هل توجد دببة؟»
قلتُ: «نعم.» كان أبي قد وجد ذات مرة آثار أقدام وروث دببة في الغابة، وكان التفاح قد انتُزع من شجرة تفاح برية. كان ذلك منذ سنوات مضت، عندما كان شابًّا.
تنهدت بيرل ثم ضحكت بصوت عالٍ قائلة: «تصوري لو أن السيد فلورنس ذهب إلى الخارج ليلًا ووجد دبًّا فجأة!» •••
كان اليوم التالي يوم أحد. أوصل السيد فلورنس وبيرل أخويَّ وإيَّاي إلى مدرسة الأحد في السيارة الكرايسلر. كان ذلك في الساعة العاشرة صباحًا. ثم رجعا في الساعة الحادية عشرة لاصطحاب والديَّ إلى الكنيسة.
قالت بيرل لي: «هيا اركبي.» وللصبيين: «وأنتما أيضًا. سنذهب في نزهة.»
كانت بيرل مرتديةً ثوبًا لامعًا عاجي اللون عليه نقاط حمراء، وكان ثمة ثنيات باللون الأحمر عند منطقة ردفيها، وكانت ترتدي حذاء أحمر اللون، مرتفع الكعب. كان السيد فلورنس يرتدي بدلة صيفية بلون أزرق فاتح.
قلتُ: «ألن تذهبا إلى الكنيسة؟» كان ذلك هو السبب الذي من أجله يرتدي الناس أفضل الثياب، حسبما كنت أعرف.
ضحكت بيرل. «حبيبتي، السيد فلورنس ليس من هذا النوع من الناس.»
كنت معتادة على الذهاب مباشرةً من مدرسة الأحد إلى الكنيسة، وكنت أمكث فيها ساعة ونصف. في الصيف، كانت النوافذ المفتوحة تسمح بدخول رائحة أشجار الأرز الآتية من الجبانة والصوت المزعج لسيارة مندفعة في الطريق في بعض الأحيان. في ذلك اليوم، قضينا هذا الوقت نجوب الأنحاء التي لم أكن قد رأيتها من قبل قط. لم أكن قد رأيتها من قبل، على الرغم من أنها كانت تبعد أقل من عشرين ميلًا عن المنزل. كانت شاحنتنا تذهب إلى مصنع الجبن، وإلى الكنيسة، وإلى البلدة في ليالي السبت. كانت أطول مسافة تقطعها هي حين كانت تذهب إلى المستودع. كنت قد رأيتُ الطرف القريب من بحيرة بيل؛ نظرًا لأن ذلك كان المكان الذي يقطع أبي منه الثلج في الشتاء. لم يكن ممكنًا الاقتراب من البحيرة في الصيف؛ إذ كان شاطئ البحيرة ممتلئًا بنباتات الديس. كنت أظن أن الطرف الآخر من البحيرة سيبدو جميلًا بالمثل، لكننا عندما ذهبنا إلى هناك اليوم، رأيت أكواخًا، وأحواض قوارب، وقوارب، ومياهًا داكنة تعكس صورة الأشجار. كل هذا لم أكن أعرف عنه شيئًا من قبل. كانت هذه، أيضًا، بحيرة بيل. كنت مسرورة أنني رأيتها أخيرًا، لكنني لم أكن مسرورة تمامًا للمفاجأة.
أخيرًا، ظهر مبنًى أبيض، به شرفات وزهور في أصص زرع، وبعض أشجار الحور المتلألئة في الواجهة. فندق وايلدوود. اليوم، غُطي المبنى بالجص وتمت إعادة بنائه على دعامات على طراز تيودور، وأصبح يُطلق عليه هايداواي. وقد قُطعت أشجار الحور لعمل مكان لانتظار السيارات.
عندما ذهبنا لاصطحاب والديَّ، اتجه السيد فلورنس إلى المزرعة المجاورة لنا، التي كان يملكها آل ماكالستر. كان آل ماكالستر كاثوليكيين. كانت العائلتان تتوادان لكن ليس على نحو حميم.
قالت بيرل لأخويَّ: «هيا، أيها الصبيان، انزلا.» ووجهت حديثها إليَّ قائلة: «ليس أنتِ. امكثي حيث أنت.» ساقت الصبيين الصغيرين إلى الشرفة الخارجية، حيث كان بعض أفراد عائلة ماكالستر يرقبون. كانوا يرتدون ثياب المنزل البالية؛ لأن كنيستهم، أو القدَّاس، أو أيًّا ما كان، انتهى مبكرًا. خرجت السيدة ماكالستر ووقفت تستمع، مشدوهة جدًّا، إلى حديث بيرل المضحك.
عادت بيرل إلى السيارة بمفردها. قالت: «ها هم، سيلعبون مع أطفال الجيران.»
يلعبان مع آل ماكالستر؟ فضلًا عن كونهم كاثوليكيين، جميع الأطفال بخلاف الطفل الرضيع كانوا فتيات.
قلتُ: «لا يزالون يرتدون ملابسهم المهندمة.»
«وماذا في هذا؟ ألا يستطيعون قضاء وقت طيب وهم يرتدون ملابس مهندمة؟ إنني أفعل ذلك!»
أصابت الدهشة والديَّ أيضًا. خرجت بيرل من السيارة وطلبت من أبي أن يركب في المقعد الأمامي؛ نظرًا لوجود مساحة كافية يستطيع وضع قدميه فيها. انتقلتْ إلى الخلف، مع أمي ومعي. توجه السيد فلورنس مرة أخرى إلى طريق بحيرة بيل، وأعلنت بيرل أننا جميعًا ذاهبون إلى فندق وايلدوود لتناول الغداء.
قالت: «ترتدون جميعًا أجمل الثياب، لم لا ننتهز هذه الفرصة؟» ثم قالت مؤكدةً على أن ذلك بمنزلة مصدر متعة لهما دائمًا، هي والسيد فلورنس: «أوصلنا الصبيين إلى منزل جيرانكم. أعتقد أنهما أصغر من أن يستمتعا بوقتهما معنا. كان الجيران سعداء بوجودهما معهم.»
قال أبي: «حسنًا، لكن،» ربما لم يكن يملك خمسة دولارات في جيبه. «حسنًا، لكن، هل يسمحون بدخول المزارعين هناك أم لا؟»
أطلق عدة نكات في هذا الاتجاه. في غرفة الطعام في الفندق، التي كان كل شيء فيها باللون الأبيض — مفارش مائدة بيضاء، مقاعد مطلية باللون الأبيض — وتحتوي على أباريق مياه زجاجية، ومراوح عالية تُحدث طنينًا، تناول أبي فوطة مائدة بحجم حفَّاضة وتحدث إليَّ في صوت هامس مرتفع: «هل يمكن أن تخبريني ماذا يفعل المرء بهذا الشيء؟ هل أستطيع أن أضعها على رأسي حتى أتجنب تيار الهواء؟»
بالطبع، كان قد تناول الطعام في قاعات طعام فنادق من قبل. كان يعلم كيفية استخدام فوط المائدة وشوك الحلوى. وكانت أمي تعلم؛ فلم تكن أصلًا امرأة ريفية. لكن هذه كانت مناسبة كبيرة. لم تكن متعة ترفيهية تمامًا — مثلما كانت بيرل تقصد — لكنها كانت مناسبة كبيرة، مزعجة. فالطعام يقدم في مكان عام، على مسافة أميال قليلة من المنزل، وفي قاعة كبيرة ممتلئة بالناس الذين لا يعرفهم المرء، ويقدِّم الطعام شخص غريب، فتاة تبدو فظة؛ ربما لأنها طالبة جامعية تعمل في وظيفة صيفية.
قال أبي: «أرغب في تناول لحم الديك. كم من الوقت يظل الديك في القدر؟» كان من قبيل الأسلوب المهذب، مثلما كان يعرف ذلك، أن يمزح مع الأشخاص الذين كانوا يقدمون له الطعام.
قالت الفتاة: «أستميحك عذرًا!»
قالت بيرل: «دجاج مشوي. هل يناسب هذا الجميع؟»
كان السيد فلورنس يبدو واجمًا. ربما لم يكن يأبه بالنكات عندما كان ماله هو الذي يُنفق. ربما كان ينتظر أن تملأ الأكواب بشيء أفضل من مياه مثلجة.
وضعت النادلة طبقًا من الكرفس والزيتون، وقالت أمي: «دقيقة واحدة حتى أؤدي صلاة ما قبل الأكل.» أحنت رأسها وقالت في هدوء لكن بصوت مسموع: «بارك يا رب هذا الطعام الموضوع على هذه المائدة، وامنح خلاصًا ونعمة وبركة وطهرًا لكل المتناولين منه، نعمله لمجد اسمك القدوس، آمين.» منتشيةً، استقامت في جلستها ومررت الطبق إليَّ، قائلةً: «احذري من الزيتون؛ يوجد به نوًى.»
كانت بيرل توزع ابتساماتها في القاعة.
عادت النادلة معها سلة من اللفائف.
«باركر هاوس!» مالت بيرل إلى الأمام وشمت رائحة اللفائف. «كلوها وهي لا تزال ساخنة بما يكفي حتي يذوب الزبد!»
ارتعش وجه السيد فلورنس، ونظر إلى طبق الزبد وقال: «هل هذا الذي أراه زبدًا؟ كنت أظن أن ذلك تموجات شعر شيرلي تيمبل.»
كان وجهه بالكاد أقل تجهمًا مما كان من قبل، لكنها كانت مزحة، وبدا إطلاقه إياها كما لو كان يوصل لنا تجسيدًا للشيء الذي جرت الصلاة من أجله، وهي البركة.
قالت بيرل، التي كانت عادةً تشير إلى السيد فلورنس بضمير الغائب حتى لو كان موجودًا: «عندما يقول شيئًا مضحكًا، تلاحظون كيف يحافظ على خلو وجهه من أي تعبير. يذكرني ذلك بأمي؛ أعني أمنا؛ أمي أنا وماريتا. أما أبي، فعندما كان يطلق مزحة كان المرء يستطيع ملاحظتها حتى قبل اكتمالها تمامًا — لم يكن يستطيع أن يخفي الضحك عن ملامح وجهه — لكن أمي كانت مختلفة تمامًا. كان من الممكن أن تبدو متجهمة جدًّا. لكنها كانت تستطيع المزاح حتى على فراش موتها. في حقيقة الأمر، فعلت ذلك بالضبط. ماريتا، هل تتذكرين عندما كانت ترقد في الفراش في الغرفة الأمامية في الربيع قبل أن تموت؟»
قالت أمي: «أتذكر أنها كانت ترقد في الفراش في تلك الغرفة. نعم.»
«حسنًا، دخل أبي وكانت ترقد هناك في ثوب نومها النظيف، غير مُغطاة؛ لأن المرأة الألمانية جارتها ساعدتها توًّا في الاغتسال، وكانت لا تزال ترتب الفراش. لذا، أراد أبي أن يُضفي جوًّا من السرور، وقال: «لا بد أن الربيع آت؛ رأيت غرابًا اليوم.» كان ذلك لا شك في مارس. ردَّت أمي بسرعة شديدة: «حسنًا، من الأفضل أن تغطيني إذن، قبل أن ينظر عبر النافذة ويفكر في فعل شيء ما!» — قال أبي إن السيدة الألمانية أسقطت وعاء الاستحمام. كان هذا صحيحًا. أصبحت أمي هزيلة جدًّا؛ كانت تحتضر. لكنها كانت تستطيع المزاح.»
قال السيد فلورنس: «ربما يصح هذا الأمر أيضًا في حال عدم وجود طائل من البكاء.»
«لكن أمي كانت تستطيع أن تمضي في المزاح إلى أبعد الحدود، كانت بالفعل تستطيع ذلك. في إحدى المرات، كانت تريد أن تخيف أبي. كان من المُفترض أنه مولع بفتاة كانت تأتي باستمرار في منطقة الورش. حسنًا، كان رجلًا ضخمًا، ووسيمًا. لذا، قالت أمي: «حسنًا، سأنتحر، ويمكنك أن تعيش معها وترى كيف ستسير الأمور عندما أعود وتطاردك روحي.» طلب منها ألا تكون غبية هكذا، ثم ذهب إلى وسط البلدة. وذهبت أمي إلى المخزن وصعدت إلى مقعد ووضعت حبلًا حول عنقها. ألم تفعل ذلك يا ماريتا؟ ذهبت ماريتا تبحث عنها ووجدتها على هذا الوضع!»
أحنت أمي رأسها ووضعت يديها في حجرها، كما لو كانت تستعد لتلاوة صلاة أخرى.
«أخبرني أبي عن الأمر برمته، لكنني أستطيع تذكره على أي حال. أتذكر ماريتا وهي تعدو بأقصى سرعة عبر التل مرتديةً ثياب نومها، وأعتقد أن المرأة الألمانية رأتها، وخرجت تبحث عن أمي، وعلى نحو ما انتهى بنا المطاف جميعًا في المخزن — أنا، أيضًا، وبعض الأطفال الذين كنت ألعب معهم — وها هي أمي كانت واقفة على مقعد تستعد لمفاجأة أبي مفاجأة لم يعهدها في حياته. كانت قد أرسلت ماريتا في أثره. وبدأت السيدة الألمانية في النحيب قائلةً: «أوه، سيدتي، انزلي يا سيدتي، فكِّري في أطفالك الصغار … فكِّري في أطفالك … إلخ» حتى جئت أنا ووقفت هناك. كنت طفلة ضئيلة الحجم، لكنني كنت الوحيدة التي لاحظت جيدًا ذلك الحبل. تتبعتْ عيناي ذلك الحبل، ورأيتُ أنه كان موضوعًا فقط على أحد عوارض السقف، لم يكن مربوطًا على الإطلاق! لم تلاحظ ماريتا ذلك، ولم تلاحظه أيضًا السيدة الألمانية. لكنني تحدثت قائلةً: «أمي، كيف يمكن أن تشنقي نفسك دون أن يكون ذلك الحبل مربوطًا حول العارضة؟!»»
قال السيد فلورنس: «كان ذلك مزاحًا ثقيلًا.»
«أفسدت لعبتها. صنعت السيدة الألمانية القهوة وذهبنا إليها وتناولنا بعض الحلوى، ولم تستطع ماريتا العثور على أبي على أي حال، أليس كذلك يا ماريتا؟ كان المرء يستطيع سماع ماريتا تصرخ، صاعدة التل، على مسافة مربع سكني كامل.»
قال والدي: «كان من الطبيعي أن تكون منزعجة.»
«بالطبع. مضت أمي في ذلك إلى أبعد الحدود.»
قالت أمي: «كانت أمي جادة في تنفيذ هذا الأمر. كانت أكثر جدية مما تنقلينه عنها.»
«كانت تقصد أن تغضبه. كانت تلك هي حياتهما معًا. كان يقول دومًا إنها امرأة سيئة العشرة، لكنها كانت تتمتع بمميزات أخرى كثيرة. أظن أنه كان يفتقد ذلك، مع جلاديس.»
قالت أمي، في ذلك الصوت الرتيب الذي كانت تتحدث به دومًا عن أبيها: «لم أكن لأعلم … ما قال أو ما لم يقل.»
قال أبي: «إنهما ميتان الآن. ليس لنا أن نحكم عليهما.»
قالت بيرل: «أعلم … أعلم أن ماريتا كانت لديها دومًا وجهة نظر مختلفة.»
نظرت أمي إلى السيد فلورنس وابتسمت في يسر بالغ ابتسامة عريضة: «أنا متأكدة أنك لا تعرف كيف تفسِّر جميع هذه الأمور العائلية.»
في المرة الوحيدة التي زرت بيرل فيها، عندما كانت بيرل سيدة عجوزًا، عندما كانت البثور تنتشر في جسدها وكانت محنية جراء إصابتها بالتهاب المفاصل، قالت بيرل: «كانت ماريتا تشبه تمامًا أبي في كل ملامحه. ولم تكن تفعل شيئًا قط بنفسها. أتذكرينها وهي ترتدي ذلك الثوب القديم من الكريب ذي اللون الأزرق الداكن عندما ذهبنا إلى الفندق في تلك المرة؟ بالطبع، أعلم أن ذلك الثوب ربما كان كل ما تملك، لكن أكان يجب أن يكون هو كل ما تملك؟ مثلما تعلمين، كنت خائفة منها بطريقة أو بأخرى. لم أستطع البقاء معها وحدي في الغرفة. لكنها كانت تتمتع بجمال لافت.» في محاولة لتذكر مرة لاحظتُ فيها شكل أمي، تذكَّرت تلك المرة في الفندق؛ بشرة أمي الشاحبة وشعرها الأبيض الملتف الكثيف، ووجهها الجميل، البشوش يبتسم في وجه السيد فلورنس، كما لو كان هو الشخص الذي يجب الصفح عنه. •••
لم تكن لدي أي مشكلة مباشرة مع رواية بيرل. أحد أسباب ذلك هو أنني كنت جائعة ونهمة، وكان جُل انتباهي متوجهًا إلى الدجاج المشوي والبطاطس المهروسة، المسقية بالمرق، الموضوعة على طبق، إلى جانب قطعة آيس كريم، والخضراوات المقطعة الزاهية المعلبة، التي ظننت أنها أفضل كثيرًا من الخضراوات الطازجة في الحديقة. تناولت للتحلية آيس كريم من الزبد والسكر البني، وهو خيار صعب إزاء الشوكولاتة. تناول الآخرون آيس كريم من الفانيليا السادة.
لماذا لا تختلف رواية بيرل للحادثة نفسها عن رواية أمي؟ كان كل شيء عجيبًا في بيرل؛ كان كل شيء يتعلق بها مختلفًا، يُرى من زاوية جديدة. كانت رواية أمي هي التي استقرت، بعض الوقت. ابتلعتُ رواية بيرل، أطبقت عليها. لكن رواية بيرل لم تختفِ، بل ظلت مخفية لسنوات، لكنها لم تختف. كانت مثل معرفة ذلك الفندق وقاعة الطعام تلك. كنت أعرف الفندق، مع أنني لم أرَ فيه مكانًا يرتاده المرء مرة أخرى. وحقيقةً، دون مال بيرل أو السيد فلورنس، لم أكن لأستطيع أن أذهب. لكنني كنت أعلم أن الفندق كان موجودًا.
كانت المرة التالية التي ذهبتُ فيها إلى فندق وايلدوود، في حقيقة الأمر، بعد زواجي. كان نادي الليونز يقيم مأدبة وحفلًا راقصًا هناك. كان الرجل الذي تزوجته، دان كيسي، عضوًا في نادي الليونز. كان باستطاعة المرء تناول شراب في ذلك الفندق في ذلك الوقت. لم يكن دان كيسي ليذهب إلى أي مكان لا يستطيع المرء الذهاب إليه. ثم جُدد المكان فأصبح يحمل اسم هايداواي، والآن لديهم راقصات تعرٍّ كل ليلة إلا ليالي الآحاد. في ليالي الخميس، يوجد راقص تعرٍّ. أذهب إلى هناك مع زملاء من المكتب العقاري للاحتفال بأعياد الميلاد أو الأحداث المهمة الأخرى. •••
بيعت المزرعة مقابل خمسة آلاف دولار في عام ١٩٦٥. اشتراها رجل من تورونتو، كمزرعة لأغراض ترفيهية أو ربما كاستثمار. بعد عامين، أجرها ككوميون. عاش هناك أناس مختلفون، يجيئون ويروحون، مدة اثنتي عشرة سنة أو ما يقرب من ذلك. كانوا يربون الماعز ويبيعون اللبن لمتجر الطعام الصحي الذي فتح أبوابه في البلدة. رسموا قوس قزح على جانب المخزن الذي كان في مواجهة الطريق. كانوا يعلقون ملاءات ذات ألوان زاهية جدًّا على النوافذ، ويتركون الحشائش الطويلة والأعشاب الضارة تنتشر في الفناء. كان والداي قد استطاعا حينئذ إدخال الكهرباء للمنزل، لكن هؤلاء الأشخاص لم يستخدموها. كانوا يفضلون المصابيح الزيتية والموقد المعتمد على قطع الخشب، وكانوا يغسلون ملابسهم القذرة في البلدة. كان الناس يقولون إنهم لم يكونوا يعرفون كيف يشعلون المصابيح أو يشعلون النيران في الأخشاب، وإنهم سيحرقون المكان بأكمله. لكن الأمر لم يكن كذلك. في حقيقة الأمر، لم يسيئوا التصرف. أجروا بعض الإصلاحات على المنزل والمخزن وعملوا على زرع حديقة كبيرة. كانوا يرشون البطاطس التي كانوا يزرعونها وقاية لها من الآفات، مع أنني سمعت أنه كان يوجد نوع من الخلاف حول هذا وهو ما جعل البعض الأكثر تشددًا يرحل. بدت المزرعة أفضل حالًا كثيرًا من كثير من المزارع حولها التي كانت لا تزال في يد العائلات الأصلية المالكة لها. كان ابن آل ماكالستر قد بدأ عملًا فاشلًا في مزرعتهم. كان أخواي قد رحلا منذ وقت طويل.
كنت أعرف أنني لست عقلانية في ذلك، لكن راودني شعور أنني كنت أفضل أن أرى المزرعة تعاني من إهمال واضح — كنت أفضل أن أراها تقع في أيدي مجرمين وأفاقين — بدلًا من أن أرى قوس قزح مرسومًا على المخزن، وبعض الأحرف التي كانت تبدو فرعونية مرسومة على جدار المنزل. بدا ذلك كنوع من السخرية. كنت حتى لا أحب رؤية أولئك الأشخاص عندما كانوا يأتون إلى البلدة؛ الرجال يعقصون شعورهم في صورة ذيل حصان، وتوجد فتحات في ملابسهم كنت أظنها مقطوعة عمدًا، وكانت شعور النساء طويلة، ولم يكُنَّ يضعن مكياجًا، وكانت ترتسم على ملامحهن تعبيرات وداعة، وترفُّع. ماذا تعرفون عن الحياة؟ هكذا كنت أرغب في سؤالهم. ما الذي يجعلكم تظنون أنكم تستطيعون المجيء إلى هنا والسخرية من أبي وأمي وحياتهما وفقرهما؟ لكنني عندما تذكرت قوس قزح وتلك الأحرف، كنت أعلم أنهم لم يكونوا يحاولون السخرية من حياة والدي أو تقليدها. كانوا قد استبدلوا بتلك الحياة حياتهم، لا يكادون يعرفون أنها كانت موجودة. كانوا قد وضعوا مكانها معتقداتهم وعاداتهم تلك، التي كنت آمل أن تخذلهم يومًا ما.
حدث ذلك، نوعًا ما. تفكك الكوميون. اختفت الماعز. انتقلت بعض النساء إلى البلدة، قصصن شعورهن، ووضعن مكياجًا، وحصلن على وظائف كنادلات أو صرَّافات لإعاشة أطفالهن. عرض الرجل الذي من تورونتو المكان للبيع، وبعد عام تقريبًا بيع بقيمة تزيد عشر مرات عما كان قد دفع فيه. اشتراه زوجان شابان من أوتاوا. دَهَنَا الواجهة الخارجية بلون رمادي فاتح بزخارف محارية، ووضعا كوَّات في السقف وبابًا أماميًّا جميلًا على جانبيه مصابيح عربات عتيقة. في الداخل، أجريا تعديلات كثيرة حتى قيل لي إنني لن أستطيع أن أتعرف على المكان.
دخلت ذات مرة، قبل أن يحدث ذلك، خلال العام الذي كان المنزل خاليًا فيه ومعروضًا للبيع. كانت الشركة التي أعمل بها تدير عملية البيع، وكان لديَّ مفتاح، مع أن المنزل كان يعرضه وكيل عقاري آخر. دخلت في وقت ما بعد الظهيرة في يوم أحد. كان معي رجل، ليس عميلًا بل صديقٌ، بوب ماركس، الذي كنت أواعده كثيرًا في ذلك الوقت.
قال بوب ماركس عندما أوقفت السيارة: «هذا هو مكان الهيبيز. مررت بهذا المكان من قبل.»
كان محاميًا، كاثوليكيًّا، منفصلًا عن زوجته. كان يعتقد أنه يريد أن يستقر ويفتح مكتب محاماة هنا في البلدة. لكن كان يوجد محام كاثوليكي بالفعل. وكان سير الأعمال بطيئًا. كان بوب ماركس يصير ثملًا تمامًا قبل العشاء، مرتين في الأسبوع.
قلتُ: «هو أكثر من ذلك؛ لقد ولدتُ هنا، ونشأت هنا.» سرنا عبر الأعشاب، وفتحت الباب.
قال إنه يظن، من خلال طريقة حديثي، أن المكان كان أبعد كثيرًا.
«بدت المسافة أبعد كثيرًا آنذاك.»
كانت جميع الغرف خالية، وكانت الأرضيات منظَّفة جيدًا. كانت الأجزاء الخشبية مطلية حديثًا؛ وكنت مندهشة لعدم وجود أي بقع على الزجاج. ألواح زجاجية جديدة، وأخرى قديمة مموجة. كان ورق الحائط قد أُزيل عن بعض الجدران وتم طلاؤها. طُلي جدار في المطبخ بلون أزرق داكن، مرسوم عليه يمامة كبيرة. على أحد الجدران في الغرفة الأمامية، كانت توجد زهور عباد شمس ضخمة، وفراشة بالحجم نفسه.
أطلق بوب ماركس صافرة، وقال: «كان أحدهم فنانًا.»
قلتُ: «ذلك إن كنت تطلق على هذا اسم فن.» ثم استدرتُ إلى المطبخ. كان الموقد الخشبي لا يزال هناك. قلتُ: «أحرقت أمي في إحدى المرات ثلاثة آلاف دولار. أحرقت ثلاثة آلاف دولار في ذلك الموقد.»
أطلق صافرة مرة أخرى، لكن على نحو مختلف. «ماذا تعنين؟ هل ألقت بشيك في النار؟»
«لا، لا. كانت أوراقًا نقدية. فعلت ذلك عمدًا. ذهبت إلى البنك بالبلدة وجعلتهم يعطونها المبلغ كله، في صندوق أحذية. عادت بالمبلغ إلى المنزل ووضعته في الموقد. كانت تضع مجموعة من الأوراق النقدية على دفعات، حتى لا تصنع لهبًا كبيرًا. وقف أبي وظل يراقبها.»
سأل بوب ماركس قائلًا: «عم تتحدثين؟ كنتُ أظن أنكم فقراء جدًّا.»
«كنا كذلك. كنا فقراء جدًّا.»
«إذن، كيف كانت تمتلك ثلاثة آلاف دولار؟ يساوي ذلك ثلاثين ألف دولار اليوم. دون شك. أكثر من ثلاثين ألفًا اليوم.»
قلتُ: «كان هذا ميراثها كان ذلك ما حصلت عليه من أبيها. مات أبوها في سياتل وترك لها ثلاثة آلاف دولار، وأحرقتها لأنها كانت تكرهه. لم تكن تريد ماله. كانت تكرهه.»
قال بوب ماركس: «هذه كراهية متناهية.»
«ليست هذه هي المسألة. ليس كراهيتها له، أو ما إذا كان سيئًا بما يكفي بحيث يكون لها الحق في كراهيته. على الأرجح لم يكن كذلك. ليست هذه هي المسألة.»
قال: «المال. المال هو جوهر الأشياء دومًا.»
«لا. كان ترْك أبي لها القيام بالأمر هو جوهر المسألة. بالنسبة إليَّ كان الأمر كذلك. كان أبي واقفًا، وكان يراقبها، ولم يعترض قط. لو كان أحد قد حاول أن يوقفها، لكان سيحميها. أعتبرُ ذلك حبًّا.»
«سيعتبر البعض ذلك جنونًا.»
أتذكر أن ذلك كان رأي بيرل، تمامًا.
ذهبتُ إلى الغرفة الأمامية وحدَّقت في الفراشة، ذات الأجنحة الوردية والبرتقالية. ثم ذهبت إلى غرفة النوم الأمامية ووجدت صورة شخصين مرسومين على الحائط، رجل وامرأة يمسك أحدهما بيد الآخر ويطلان على الناظر مباشرةً. كانا عاريين، وكانا حجمهما أكبر من الحجم الطبيعي.
قلت لبوب ماركس، الذي كان قد دخل خلفي: «تذكرني هذه الصورة بصورة جون لينون ويوكو أونو، غلاف الألبوم الغنائي الخاص بهما، ألم يكن كذلك؟» لم أرِدْه أن يظن أن أي شيء قاله في المطبخ أزعجني.
قال بوب ماركس: «لون شعر مختلف.»
كان ذلك صحيحًا. كان الشخصان يمتلكان شعرًا أصفر مصبوغًا في كتل متماسكة، مثلما تُلون الشعور في الرسوم الهزلية. كان ذيل الحصان من الشعر الأصفر يتدلى فوق كتفيهما وكانت ضفائر الشعر الأصفر تزيِّن عورتيهما. كان لون جلدهما بيج مائلًا إلى القرنفلي، وكانت عيونهما بلون أزرق باهر، بنفس درجة الزُّرقة الموجودة على حائط المطبخ.
لاحظتُ أنهم لم يزيلوا ورق الحائط تمامًا قبل الرسم. في الركن، كان ثمة بعض ورق الحائط في نفس لون الورق وطرازه على الجدران الأخرى، طراز حداثي من الفقاعات القرنفلية، والرمادية، والموف المتقاطعة. يبدو أن الرجل من تورونتو استخدم ورق الحائط هذا. لم يكن ورق الحائط القديم قد أُزيل عندما ألصق ورق الحائط الجديد هذا. كنت أستطيع أن أرى حوافه، زهور القنطريون العنبري على خلفية بيضاء.
قال بوب ماركس في نبرة مألوفة لديَّ: «أظن أنهم كانوا يمارسون الجنس هنا.» تلك النبرة المتوترة، الحزينة، غير المريحة، لكن الواثقة. الشهوة غير الودودة تمامًا للرجال الوقورين الذين هم في منتصف العمر.
لم أقل شيئًا. نظرت في بعض ورق الحائط المغطى بالفقاعات لأرى المزيد من زهور القنطريون العنبري. فجأة، لمحت جزءًا مفكوكًا من ورق الحائط، ومزقت جزءًا كبيرًا منه. لكن ها هي زهور القنطريون العنبري تظهر، أيضًا، وكم من عجينة اللصق الجافة.
قلتُ له: «لماذا؟ قل لي لماذا لا يستطيع أي رجل أن يذكر مكانًا كهذا دون أن يشير إلى موضوع الجنس في أقل من ثانيتين؟ ليس على المرء إلا ذكر كلمتي «هيبيز» أو «كوميون»، ثم سرعان ما يفكِّر الرجال في المضاجعة! كما لو كان لا يوجد وراء الإشارة إلى ذلك إلا العربدة واختلاط الأجساد والمضاجعة بلا توقف! أشعر بالغثيان من ذلك؛ إن الأمر برمته غاية في الغباء لدرجة تجعلني أشعر بالغثيان!» •••
في السيارة، في الطريق إلى المنزل من الفندق، جلسنا مثلما كنا نجلس من قبل؛ الرجال في المقاعد الأمامية، والنساء في الخلف. كنت أجلس في المنتصف، بيرل وأمي تجلسان على جانبي. كان جسداهما الدافئان يضغطان على جسدي، وكانت رائحتهما تطغى على روائح أشجار الأرز التي كنا نمر عبرها، والمستنقعات، حيثُ تعجبت من وجود زنابق الماء هناك. كانت تفوح من بيرل جميع روائح تلك الأشياء الموجودة في أوعية وزجاجات المكياج. كانت تفوح من أمي رائحة الدقيق والصابون والكريب الدافئ لثوبها الجميل والكيروسين الذي كانت تستخدمه لإزالة البقع.
قالت أمي: «وجبة رائعة، شكرًا بيرل. شكرًا، سيد فلورنس.»
قال أبي: «لا أعرف من سيصلح لحلب اللبن، بعد أن أكلنا على هذا النحو الفخم.»
قالت بيرل، على الرغم من أن أحدًا لم يذكر ذلك: «على ذكر المال، هل تمانعين في أن تخبريني ماذا فعلت بأموالك؟ أنا استثمرت أموالي في العقارات. بالاستثمار في العقارات في كاليفورنيا لا يمكن للمرء أن يخسر. أعتقد أن بإمكانك شراء موقد كهربي؛ حتى لا تزعجك عملية إشعال النيران في الصيف أو تتعبي نفسك في استخدام موقد الكيروسين.»
ضحك جميع من كان في السيارة، حتى السيد فلورنس.
قال أبي: «هذه فكرة جيدة يا بيرل. يمكن أن نستخدمه لوضع الأشياء عليه حتى تتوفر لدينا الكهرباء.»
قالت بيرل: «أوه، يا إلهي. كم أنا غبية!»
قالت أمي في ابتهاج، كما لو كانت تُكمل المزحة: «ولا نملك المال أيضًا.»
لكن بيرل تحدثت في حدة. «كتبتِ إليَّ أنكِ حصلتِ على المال. حصلت على نفس المبلغ الذي حصلتُ عليه.»
استدار أبي نصف استدارة في مقعده. وقال: «أي مال تتحدثين عنه؟ ما هذا المال؟»
قالت بيرل: «من تركة أبي، المبلغ الذي حصلت عليه العام الماضي. انظر، ربما لم يكن يجدر بي أن أسأل. إذا كان عليك تسديد أي ديون، فلا يزال ذلك استخدامًا جيدًا للمال، أليس كذلك؟ لا يهم. كلنا عائلة واحدة هنا، تقريبًا.»
قالت أمي: «لم نكن مضطرين لاستخدام المال في تسديد أي ديون. لقد أحرقته.»
ثم ذكرت كيف ذهبت إلى البلدة في الشاحنة، في أحد الأيام قبل عام مضى، وطلبت منهم أن يضعوا لها المال في صندوق كانت قد أحضرته لهذا الغرض. عادت بالصندوق إلى المنزل، ووضعت المال في الموقد، وأحرقته.
استدار أبي ونظر إلى الطريق أمامه.
كنتُ أستطيع الشعور بتلوي جسد بيرل إلى جانبي بينما كانت أمي تتحدث. كانت تتلوى، وتتأوه قليلًا، كما لو كانت تتألم بشكل لم تستطع إخفاءه. في نهاية القصة، عبرت عن دهشتها ومعاناتها، من خلال زمجرة غاضبة.
قالت: «إذن أحرقتِ المال! أحرقتِ المال في الموقد!»
كانت أمي لا تزال تشعر بالابتهاج: «تتحدثين كما لو كنت قد أحرقت أحد أبنائي.»
«لقد أحرقتِ فرصهم. أحرقتِ كل شيء كان هذا المال يستطيع أن يجلبه لهم.»
«آخر ما يحتاج إليه أبنائي هو المال. لا يحتاج أيٌّ منا ماله.»
قالت بيرل في غلظة: «هذه جريمة.» ورفعت صوتها تجاه المقعد الأمامي قائلةً: «لماذا تركتَها تفعل ذلك؟»
قالت أمي: «لم يكن هناك، لم يكن أحد معي.»
قال أبي: «هذا مالها يا بيرل.»
قالت بيرل: «مهما كان الأمر، هذه جريمة.»
قال السيد فلورنس: «الجريمة هي ما يستدعي أن تُطلب الشرطة لأجله.» وكما هو الحال بالنسبة للأشياء الأخرى التي تفوه بها ذلك اليوم، أفضى قوله هذا إلى خلق حالة من الدهشة والعرفان.
عرفان لم يشعر به الجميع.
صرخت بيرل في المقعد الأمامي قائلةً: «لا تتظاهر بأن ذلك ليس أكثر الأشياء التي سمعت بها جنونًا. لا تتظاهر بأنك لا تعتقد ذلك! لأن الأمر كذلك، وأنت تعتقد أنه كذلك. تعتقد تمامًا مثلما أعتقد!» •••
لم يقف أبي في المطبخ يشاهد أمي تضع المال وسط ألسنة اللهب. لم يكن الأمر ليبدو هكذا. لم يكن يعرف بالأمر؛ يبدو الأمر واضحًا تمامًا الآن، إنْ كنت أتذكر كل شيء، فأبي لم يكن يعرف بالأمر حتى ذلك الوقت من بعد ظهيرة يوم الأحد في سيارة السيد فلورنس الكرايسلر، عندما أخبرت أمي الجميع بالقصة كلها. لماذا إذن أرى المشهد واضحًا تمامًا، مثلما وصفته لبوب ماركس (ولآخرين؛ فلم يكن هو أول من يعرف)؟ أرى أبي واقفًا بجوار المائدة في وسط الغرفة — المنضدة التي تحتوي على درج للسكاكين والشوك، والمغطى بمشمع نظيف — وثمة صندوق من المال على المائدة. تضع أمي الأوراق النقدية بحذر في النيران. ترفع غطاء الموقد عن طريق السيخ المسوَد بيد واحدة. ويبدو والدي، الذي يقف على مقربة منها، كما لو كان لا يمنعها من عمل ذلك فحسب، بل يحميها. منظر مهيب، لكنه لا يتسم بالشطط. يصنع الناس أشياء تبدو بالنسبة لهم طبيعية وضرورية. على الأقل، يصنع أحدهم ما يبدو له طبيعيًّا وضروريًّا، ويعتقد الآخر أن أهم شيء على الإطلاق بالنسبة لهذا الشخص هو أن يفعل ما يريد، أن يمضي قدمًا فيما يفعل. يدركون أن الآخرين ربما لا يعتقدون كذلك. لكنهم لا يأبهون.
كم من الصعب عليَّ أن أصدِّق أنني اختلقتُ الأمر برمته. يبدو الأمر أنه الحقيقة، إنه الحقيقة، إنه ما أعتقد أن الأمر كان عليه. لم أتوقف عن الاعتقاد في ذلك، لكنني توقفت عن سرد تلك القصة. لم أروِ هذه القصة مرة أخرى قط بعد سردها لبوب ماركس. لا أعتقد ذلك. لم أتوقف عن ذلك لأن القصة، على وجه التحديد، لم تكن صحيحة. توقفت لأنني رأيتُ أن علي ألا أتوقع أن يراها الآخرون على النحو الذي أراها. كان علي ألا أتوقع منهم أن يستسيغوا أي جزء مما حدث. كيف أستطيع حتى أن أقول إنني أستسيغ الأمر؟ إذا كنتُ من هذا النوع من الأشخاص الذين يستسيغون مثل هذا، الذين يستطيعون عمل ذلك، فلم أكن لأفعل كل ما فعلت؛ أهرب من المنزل لأعمل في مطعم في البلدة عندما كنت أبلغ من العمر خمسة عشر عامًا، وألتحق بمدرسة ليلية لتعلم الكتابة على الآلة الكاتبة ومسك الحسابات، وألتحق بالمكتب العقاري، وأن أصبح أخيرًا وكيلًا عقاريًّا معتمدًا. لم أكن لأطلق من زوجي. لم يكن أبي ليموت في نُزل المقاطعة. كان شعري سيصبح أبيض، كما كان بصورة طبيعية لعدة سنوات، بدلًا من لون يُطلق عليه نحاسي بلون الشروق. ولم أكن لأغير أيًّا من هذه الأشياء، حتى إذا كنت أستطيع.
كان بوب ماركس رجلًا مهذبًا، طيب القلب، في بعض الأحيان يتمتع بخيال واسع. بعد أن هاجمته على ذلك النحو، قال: «لست بحاجة إلى أن تتصرفي بغلظة.» وبعدها بدقيقة، قال: «هل كانت هذه غرفتك عندما كنت فتاة صغيرة؟» كان يظن أن ذلك كان السبب في أن ذكر ممارسة الجنس أزعجني.
رأيت أن من الأفضل أن أدعه يظن ذلك. قلت: نعم، نعم، كانت غرفتي عندما كنت فتاة صغيرة. كان من الأفضل اختلاق الأمر في الحال. تستحق لحظات العطف والتصالح الشعور بها، حتى إذا كان الفراق سيحدث عاجلًا أم آجلًا. أتساءل عما إذا كانت تلك اللحظات لا تحظى بالتقدير الكافي، أو يجري السعي وراءها، في العلاقات التي ينخرط بها بعض الأشخاص مثلي الآن، مثلما كانت عليه في الزيجات القديمة، التي كان يمكن فيها للحب والضغينة أن ينموا تحت السطح، في صورة مشوشة وعنيدة، حتى ليبدو أنهما موجودان طوال الوقت.
مسيرة الحب |
الحَزاز
شيَّد والد ستيلا المكان كمنزل صيفي، على الأجراف الطينية المُطلة على بحيرة هورون. وكانت عائلتها تُطلق دومًا على المكان «الكوخ الصيفي». دُهش ديفيد عندما رآه للمرة الأولى؛ إذ لم يكن في المنزل أيٌّ من ذلك السحر الموجود في خشب الصنوبر ذي العقد، أو الراحة التي تجدها في العوارض الخشبية الداعمة، التي كانت تلك الكلمات تشير إليها. كان من سكان المدن، ممن كانت عائلة ستيلا تُطلق عليهم «ذوي خلفية مختلفة»، ولم يذهب قط إلى أي منزل صيفي. كان المنزل ولا يزال منزلًا خشبيًّا بسيطًا، عاليًا، ومطليًّا باللون الرمادي، نسخة في واقع الأمر من بيوت المزارع القديمة القريبة، وإن كان ربما أصغر حجمًا. توجد أمامه أجراف منحدرة — ليست أجرافًا عالية جدًّا، أيضًا، لكنها صمدت حتى الآن — ومجموعة طويلة من الدرجات المفضية إلى الشاطئ. يوجد خلف المنزل حديقة صغيرة مسيَّجة، حيث تزرع ستيلا الخضراوات بمهارة ومثابرة كبيرتين، وممر رملي قصير، وأجمة من شجيرات التوت الأسود البري.
عند دخول ديفيد بالسيارة إلى الممر، تخرج ستيلا من هذه الشجيرات، حاملةً مصفاة ممتلئة بالتوت. ستيلا امرأة قصيرة، بدينة، ذات شعر أبيض، ترتدي بنطال جينز وتي-شيرت قذرًا. لا ترتدي أي شيء تحت هذه الملابس، قدر ما يستطيع أن يرى، لدعم أو تقييدِ أي جزء من أجزاء جسدها.
يقول ديفيد، وهو يدخن: «انظري إلى ما حدث لستيلا، لقد تحولت إلى قزم قبيح.»
تقول كاثرين، التي لم تلتقِ ستيلا من قبل قط، في أدب: «حسنًا. هي أكبر سنًّا.»
«أكبر من ماذا يا كاثرين؟ من المنزل؟ من بحيرة هورون؟ من القط؟»
ثمة قط نائم على الممر إلى جانب حديقة الخضراوات. قط بنيٌّ كبير أذناه مقطوعة جراء معارك مع قطط أخرى، مع وجود مساحة رمادية فوق إحدى عينيه. اسمه هركليز وكان كبيرًا في السن جدًّا.
تقول كاثرين في تحد: «هي أكبر سنًّا.» حتى في تحديها، لا تزال وديعة. «تعرف ما أقصد.»
يعتقد ديفيد أن ستيلا تفعل ذلك عن عمد. لا يتعلق الأمر باستسلامها لمسألة تقدمها في السن وما يتبع ذلك من تغيرات طبيعية في الشكل؛ لا، الأمر يتعدى ذلك بكثير. كانت ستيلا تضخِّم الأمور دائمًا. لكن ليست ستيلا وحدها في هذا. يوجد نوع من النساء يخرج عن الإطار الأنثوي في مثل هذا العمر؛ فتتباهى بسمنتها أو هزالها الشديد، وتنتشر البثور في بشرتها والشعر في وجهها، وترفض أن تغطِّي ساقيها الهزيلتين بارزتي الأوردة، وتكون سعيدة بذلك، كما لو كان هذا هو ما كانت تريده دومًا. النساء الكارهات للرجال، منذ الصغر. لا يستطيع المرء أن يقول شيئًا كهذا علنًا هذه الأيام.
ركن ديفيد السيارة قريبًا جدًّا من شجيرات التوت، قريبًا أكثر مما ينبغي، بحيث سبب مشكلة لكاثرين، التي كان عليها أن تتفادى الأشجار وتخرج من السيارة من ناحية المقعد المجاور للسائق. كاثرين نحيفة بما يكفي، لكن ثوبها يتألف من تنورة طويلة وأكمام فضفاضة طويلة. ثوب قطني ذو خيوط متشابكة، تتدرج ألوانه من القرنفلي إلى الأحمر، تنتشر فوقه ثنيات صغيرة، غير منتظمة تبدو مثل التغضنات. ثوب جميل لكنه لا يصلح حيث تقيم ستيلا. علقت شجيرات التوت الأسود به من كل موضع، مما كلف كاثرين عناءً كبيرًا حتى تخلص نفسها.
تقول ستيلا: «ديفيد، كان بإمكانك أن تفسح لها مساحة أكبر.»
تضحك كاثرين على ورطتها. وتقول: «أنا بخير، أنا على ما يرام.»
يقول ديفيد، مقدمًا كلًّا إلى الأخرى: «ستيلا، هذه كاثرين.»
تقول ستيلا في تعاطف: «هل تريدين بعض التوت يا كاثرين؟ وأنت يا ديفيد؟»
يهز ديفيد رأسه رافضًا، لكن كاثرين تلتقط حبتين. تقول: «رائعة، دافئة من الشمس.»
تقول ستيلا: «لقد سئمت منظرها.»
عن قرب، يبدو مظهر ستيلا أفضل؛ ببشرتها الناعمة، السمراء، وشعرها المقصوص كالأطفال، وعينيها البنيتين الواسعتين. كاثرين، التي كانت تنحني لتكلمها، امرأة طويلة، ضعيفة البنية، نحيلة، شقراء، وذات بشرة حساسة. بشرتها حساسة أكثر مما ينبغي حتى إنها لا تتحمل وضع مكياج على الإطلاق، وتتهيَّج بسهولة من البرد، والأطعمة، والمشاعر. مؤخرًا، تضع مكياج عين أزرق اللون وماسكرا سوداء، التي يعتقد ديفيد أنها لا تلائمها. يظهر تسويد رموشها الخفيفة عينيها ذات اللون الأزرق الزاهي، التي تبدو كما لو كانت لا تستطيع تحمُّل ضوء النهار، فضلًا عن جفاف البشرة تحتها. عندما التقى ديفيد كاثرين للمرة الأولى، قبل ثمانية عشر شهرًا تقريبًا، كان يظن أن سنها فوق الثلاثين بقليل. رأى آثارًا لا تزال متبقية من أيام الصبا؛ كان يحب شعرها الأشقر وبنيتها الطويلة الضعيفة. ظهرت عليها آثار العمر منذ ذلك الحين. وكانت أكبر مما كان يظن أصلًا، كانت تقترب من الأربعين.
تقول كاثرين لستيلا: «ماذا ستفعلين به؟ هل ستصنعين مربى؟»
تقول ستيلا: «صنعت ما يقرب من خمسة ملايين برطمان من المربى حتى الآن. أضعها في برطمانات صغيرة ذات أغطية مصنوعة من نسيج قطني مخطط، وأعطيها لجيراني الذين من الكسل أو الذكاء بحيث لا يقطفون ثمارهم. في بعض الأحيان، لا أعرف لماذا لا أدع سخاء الطبيعة يتعفن على الأشجار.»
يقول ديفيد: «هذا التوت لا يوجد على الأشجار، بل على تلك الشجيرات الشائكة المريعة التي يجب قطعها وحرقها. وبهذا سيكون ثمة مكان لركن السيارات.»
تقول ستيلا لكاثرين: «استمعي إليه، لا يزال يتحدث كزوج.»
كان ديفيد وستيلا متزوجين لمدة واحد وعشرين عامًا. وانفصلا منذ ثماني سنوات.
تقول ستيلا في ندم: «هذا صحيح يا ديفيد، يجب أن أزيل هذه الشجيرات. توجد قائمة طويلة بالأشياء التي لم أستطع القيام بها. هيا ادخلا وسأبدِّل ملابسي.»
يقول ديفيد: «علينا أن نتوقف عند متجر الخمور … لم يكن لدي وقت.»
مرة كل صيف، يأتي ديفيد زائرًا، جاعلًا موعد الزيارة قرب موعد عيد ميلاد والد ستيلا قدر ما يستطيع. يجلب دومًا الهدية نفسها؛ زجاجة من ويسكي السكوتش. هذا هو عيدُ ميلاد حَمِيهِ السابق الثالثُ والتسعون. يقيم حموه في نُزل لرعاية المسنين على مسافة أميال قليلة من منزل ستيلا، بحيث تستطيع أن تزوره مرتين أو ثلاثًا أسبوعيًّا.
تقول ستيلا: «عليَّ أن أغتسل … وأرتدي ثوبًا زاهيًا. لا من أجل أبي؛ فهو كفيف تمامًا الآن، لكني أعتقد أن الآخرين يحبون ذلك؛ فمظهري وأنا مرتدية ثوبًا قرنفليًّا أو أزرق أو أيًّا ما شابه يُدخل السرور عليهم مثلما تُدخل البالونات السرور. لديكما متسع من الوقت لتناول شراب سريع. حقيقةً، يمكنكما أن تصنعا واحدًا لي أيضًا.»
تسير أمامهما، كلهم في صف واحد، عبر الممر إلى المنزل. لا يحرك هركليز ساكنًا.
تقول ستيلا: «حيوان كسول … تسوء حالته مثل أبي. هل تظن أن المنزل في حاجة إلى طلاء يا ديفيد؟»
«نعم.»
«كان أبي يقول ذلك كل سبع سنوات. لا أعرف، أفكر في كسوة الجدران الخارجية للمنزل بالألواح. سأحصل على المزيد من الحماية من الرياح. حتى عندما هيأت المنزل لفصل الشتاء، أشعر في بعض الأحيان كأنني أعيش في صندوق شحن مفتوح.»
تعيش ستيلا هنا طوال العام. في البداية، كان يمكث معها أحد أبنائها. لكن بول يدرس علم الغابات في أوريجون حاليًّا، وتُدِّرس ديردري في مدرسة لغة إنجليزية في البرازيل.
تقول كاثرين: «لكن هل يمكنك أن تحصلي على لون مثل ذلك في الغطاء الخارجي الذي تريدينه للمنزل … هذا لون جميل جدًّا، ذلك اللون الرائع الحائل بفعل الطقس.»
تقول ستيلا: «كنت أفكر في اللون الكريمي.» •••
وحدها في هذا المنزل، في هذه البلدة، تعيش ستيلا حياة لا فراغ فيها وفي بعض الأحيان حياة محمومة. الأدلة على هذا في كل مكان حولهما وهما يمران عبر الشرفة الخارجية الخلفية والمطبخ وصولًا إلى غرفة المعيشة. ها هي بعض النباتات التي ترعاها في أصص، والمربى التي أشارت إليها، لم توزعها جميعها بل تنتظر، مثلما تقول، أسواق المنتجات المخبوزة الخيرية ومعرض الخريف. ها هي آلتها لصنع الخمر. ثم في غرفة المعيشة الطويلة، المطلة على البحيرة، آلتها الكاتبة، تحيطها أكوام من الكتب والأوراق.
تقول ستيلا: «أكتب مذكراتي.» تدور عيناها حول كاثرين. «سأتوقف لأتلقى دفعة نقدية. لا، كل شيء على ما يرام يا ديفيد. أكتب مقالًا عن المنارة القديمة.» تشير إلى المنارة لكاثرين. «تستطيعين أن تريها من هذه النافذة إذا نظرت من حافتها لأقصى اليمين. أكتب مقالًا للجمعية التاريخية والجريدة المحلية. مؤلفة ناشئة تمامًا.»
إلى جانب عضويتها في الجمعية التاريخية، تقول ستيلا إنها عضوة في مجموعة لقراءة المسرحيات، وفرقة كورال كنسية، ونادٍ لصناعة الخمور، ومجموعة غير رسمية يرفِّه الأعضاء بعضهم عن بعض من خلال حفلات عشاء أسبوعية تكلفتها ثابتة (منخفضة).
تقول: «حتى نختبر براعتنا … دومًا نختبر شيئًا ما.» هذا تقريبًا الجزء المنظَّم من الأمر. أصدقاؤها متنوعون. أشخاص تقاعدوا هنا، ممن عاشوا في بيوت ريفية أُعيد تجديدها أو أكواخ صيفية أُدخلت عليها تعديلات لتتلاءم مع الشتاء، وشباب من خلفيات متنوعة استقروا في البلدة، واشتروا مزارع صخرية قديمة لا يعبأ بها أصحابها الأصليون من المزارعين. وطبيب أسنان محلي وصديقه، وهما مثليان.
«نتمتع هنا بدرجة كبيرة من التسامح الآن.» هكذا تصيح ستيلا التي دخلت الحمام وتبلغ ما تقول بصوت أعلى من صوت مياه الاستحمام. «لا نصر على مسألة أن يكون لكل شخص رفيق يذهب معه من الجنس الآخر. هذا أمر طيب بالنسبة لنا نحن الزوجات العجائز. يوجد نحو ستٍّ منا. إحدانا تعمل في مجال النسيج.»
يصيح ديفيد من المطبخ قائلًا: «لا أجد ماء الصودا.»
ترد: «في العلب. الصندوق الذي على الأرض بجوار الثلاجة. تمتلك هذه المرأة أغنامًا. المرأة العاملة في مجال النسيج. تمتلك مغزلًا خاصًّا بها. تغزل الصوف ثم تنسجه ملابس.»
يقول ديفيد بصوت خفيض: «اللعنة.»
أغلقت ستيلا الصنبور، وبدأت في رش المياه.
«كنت أظن أنك ستحب ذلك. أترى، لم أشطط بعيدًا. أنا لا أصنع سوى المربى.»
في لحظة، تخرج ستيلا معها منشفة ملفوفة حولها، وهي تقول: «أين شرابي؟» الأطراف العليا من المنشفة مطوية معًا تحت أحد ذراعيها، والأطراف السفلى تتدلى بشكل غير محكم. تتناول شرابًا من مزيج من ماء الصودا والجين.
«سأتناوله وأنا أرتدي ملابسي. لديَّ ثوبان صيفيان جديدان، أحدهما بلون برتقالي مائل للحمرة والآخر فيروزي. أستطيع أن أمزج بين الملابس. في كلتا الحالتين، سأبدو رائعة.»
تخرج كاثرين من غرفة المعيشة لتناول شرابها، وتأخذ أول رشفتين كما لو كانت تتناول كوبًا من الماء.
تقول في حماس خفيف: «أنا معجبة بهذا المنزل … معجبة فعلًا. منزل في منتهى البساطة والتواضع. مليء بالضوء. كنت أحاول أن أفكر بمَ يذكرني، والآن أعرف. هل شاهدت قط فيلم إنجمار بيرجمان القديم، ذلك الذي تعيش عائلة فيه في منزل صيفي على جزيرة؟ منزل متهالك جميل. جُن جنون الفتاة. أتذكر أنني كنت أحدث نفسي قائلةً وقتها، هكذا يجب أن تكون المنازل الصيفية، وهي لا تبدو كذلك أبدًا.»
يقول ديفيد: «الفيلم الذي كان الرب فيه على هيئة هليكوبتر … وكانت البنت تعبث مع أخيها في قاع المركب.»
تقول ستيلا من الجانب الآخر لحائط غرفة النوم: «لم نمر بشيء مثير هنا … لا أستطيع أن أقول إنني أحببت يومًا أفلام بيرجمان. كنت أظنها دومًا أفلامًا تتسم بالكآبة وتتناول الاضطرابات النفسية.»
يقول ديفيد لكاثرين: «تنتشر الأحاديث هنا سريعًا … هل تلاحظين كيف لا يبلغ أيٌّ من التقسيمات الداخلية هنا السقف؟ اللهم إلا غرفة النوم، نشكر الرب. يساعد هذا على وجود حياة عائلية على نحو كبير.»
تقول ستيلا: «متى كنا أنا وديفيد نريد قول شيء خاص، كنا نضطر إلى أن نخفي رءوسنا تحت الأغطية.» تخرج من غرفة النوم مرتديةً بنطالًا فيروزيًّا ضيقًا وبلوزة بلا أكمام. توجد زهور وسعف نخيل فيروزية على البلوزة على خلفية بيضاء. على الأقل، تبدو ستيلا مرتدية صدرية. يمكن رؤية حمَّالة فاتحة اللون، منغرسة في لحم كتفها.
تقول: «أتذكر في إحدى الليالي عندما كنا في الفراش … وكنا نتحدث عن شراء سيارة جديدة، وكنا نتساءل عن عدد الأميال التي تقطعها سيارة بها جالونات وقود عددها كذا، لا أذكر كم تحديدًا. حسنًا، كان أبي دومًا مولعًا بالسيارات، كان يعرف كل شيء، وفجأة سمعناه يقول: «ثمانية وعشرين ميلًا للجالون الواحد»، أو أيما كان ما قال، كما لو كان يجلس هناك على الجانب الآخر من الفراش. بالطبع، لم يكن موجودًا، كان يرقد في الفراش في غرفته. لم يكترث ديفيد كثيرًا لذلك، واكتفى بالرد قائلًا: «أوه، شكرًا سيدي.» كما لو كان أبي جزءًا من حديثنا كله!» •••
عندما خرج ديفيد من متجر الخمور، في القرية، كانت ستيلا قد فتحت نافذة السيارة وكانت قد بدأت في الحديث مع زوجين قدمتهما إليه باسم رون وماري. كانا في منتصف الستينيات تقريبًا من عمرهما، لكن كانا حَسَنَي المظهر وذَوَيْ بشرة داكنة. كانا يرتديان بنطالين عليهما نقوش مربعة، وقميصين ثقيلين طويلَي الأكمام أبيضَي اللون، وقبعتين عليهما نقوش مربعة.
يقول رون: «سررتُ لمقابلتك … إذن أنتما هنا لتريا كيف يعيش الأشخاص البارعون!» يمتلك صوتًا مبتهجًا يوحي بضربات الملاكمة الخادعة، واللكمات المراوغة. «متى ستتقاعدان وتأتيان هنا وتنضمان إلينا؟»
جعل ذلك ديفيد يتساءل ما إذا كانت ستيلا أخبرتهما عن انفصالهما.
«لم يحن دوري بعد حتى أتقاعد.»
«تقاعدا مبكرًا! هذا ما يفعله الكثيرون هنا! أخرجنا أنفسنا من الروتين كله؛ الجد في العمل، والكدح، وكسب المال، والإنفاق.»
يقول ديفيد: «حسنًا، لا يشملني هذا الأمر … لستُ سوى موظف حكومي. نحصل على أموال دافعي الضرائب ونحاول ألا نقوم بأي عمل على الإطلاق.»
تقول ستيلا، مؤنبةً إياه، مثلما تفعل الزوجة: «هذا ليس صحيحًا … يعمل في وزارة التعليم ويعمل بجد. لن يقر بذلك أبدًا.»
تقول ماري، في سرور: «مجرد مستنزف! كنت أعمل في أوتاوا — كان ذلك منذ وقت طويل جدًّا — وكنا نُطلق على أنفسنا مستنزفين! مستنزفين حكوميين. موظفين.»
لا تعتبر ماري بأي حال من الأحوال بدينة، لكن حدث شيء لذقنها عادةً ما يحدث لذقون النساء البدينات. تقوَّض ذقنها إلى مجموعة من الأخاديد المفضية إلى عنقها.
يقول رون: «لنُنحِّ هذا المزاح جانبًا … هذه حياة رائعة. لن تصدقا كم الأشياء التي نقوم بها. اليوم يكاد لا يكفينا.»
يسأل ديفيد قائلًا: «هل لديكما الكثير من الهوايات؟» يبدو الآن جادًّا تمامًا، رزينًا ومصغيًا.
هذه نبرة منذرة لستيلا، ولذلك تحاول أن تشتت انتباه ماري. «ماذا ستفعلان بالقماش الذي جلبتماه من المغرب؟»
«لم أقرر بعد. يمكن عمل ثوب رائع لكنه لا يناسبني على الإطلاق. ربما ينتهي بي المطاف إلى أن أضعه كغطاء على الفراش.»
يقول رون: «يوجد الكثير من الأنشطة، التي يستطيع المرء المواظبة عليها للأبد. هناك على سبيل المثال التزحلق على الجليد. السير لمسافات طويلة. أمضينا تسعة عشر يومًا في شهر فبراير خارج المنزل. الطقس جميل هذا العام. لا نضطر إلى الذهاب إلى أي مكان بعيد. لا نفعل سوى الذهاب إلى الممر الخلفي …»
يقول ديفيد: «أحاول أن أواظب على متابعة هواياتي أيضًا … أعتقد أن ذلك يحافظ على شباب الإنسان.»
«لا مراء في ذلك!»
كان ديفيد يضع إحدى يديه في الجيب الداخلي لسترته. أخرج شيئًا يحتفظ به في راحة يده، وأراه لرون مبتسمًا في استنكار.
وقال: «هذه إحدى هواياتي.» •••
يسأل ديفيد لاحقًا: «هل ترغبين في رؤية ما أريت رون؟» كانا يقودان السيارة عبر الأجراف في الطريق إلى نُزل المسنين.
«لا، شكرًا.»
يقول ديفيد في سرور: «آمل أن يكون رون قد أعجب به.»
يبدأ في الغناء. كان قد التقى هو وستيلا بينما كانا يغنيان أغاني المادريجال الجماعية في الجامعة. أو هكذا تقول ستيلا للآخرين. كانا يغنيان أغاني أخرى، أيضًا، بخلاف تلك الأغاني. تحب ستيلا أن تقول: «كان ديفيد شابًّا نحيفًا بريئًا، يمتلك صوتًا عذبًا من أعلى طبقات الصوت الرجولية، بينما كنتُ أنا شابة صغيرة، ممتلئة القوام، شرسة، أمتلك صوتًا عميقًا عريضًا من الطبقة الثانية من طبقات الصوت الرجولية … لم يكن ثمة شيء يستطيع أن يفعله حيال الأمر. قدر.»
«يا حبيبتي، أين تتجولين؟» هكذا يغني ديفيد، الذي ما زال يمتلك صوتًا جميلًا إلى اليوم، قائلًا:
يا حبيبتي، أين تتجولين؟ يا حبيبتي، أين تتجولين؟ أوه، امكثي واسمعي، حبيبك الحقيقي آتٍ، أوه، امكثي واسمعي، حبيبك الحقيقي آتٍ، الذي يستطيع الغناء، بصوت مرتفع وبصوت خفيض.
على الشاطئ، على جانبي منزل ستيلا، توجد حواجز منخفضة صخرية وسط سياجات سلكية، ممتدة بطول الماء. هذه الجدران هدفها حماية الشاطئ من التآكل. فوق أحد هذه الجدران، تجلس كاثرين، تنظر إلى الماء، فيما يطيِّر نسيم البحيرة ثوبها الرقيق وشعرها الطويل. يُمكن التقاط صور رائعة لها في هذا الوضع. ربما يمكن استخدام صورتها في الإعلان عن شيء ما، هكذا تحدِّث ستيلا نفسها، سواء أكان شيئًا حميميًّا جدًّا، وربما يكون شيئًا مثيرًا للاشمئزاز، أو شيئًا محترمًا جدًّا ورائعًا جدًّا، مثل التأمين على الحياة.
تقول ستيلا: «كنت أنوي أن أسألك … هل ثمة خطب ما في عينيها؟»
يسأل ديفيد: «عينيها؟»
«نظرها. يبدو أنها لا تستطيع تركيز نظرها جيدًا، عن مقربة. لا أعرف كيف أصف ذلك.»
تقف ستيلا وديفيد عند نافذة غرفة المعيشة. بعد العودة من نُزل المسنين، يحمل كلٌّ منهما شرابًا جديدًا ومنعشًا. لم يكادا يتحدثان في طريق عودتهما إلى المنزل، غير أن الصمت لم يكن مفعمًا بأي مشاعر عدائية. يشعران بالتأدب والأنس معًا إلى حد بعيد.
«لا توجد مشكلة في بصرها حسبما أعلم.»
تذهب ستيلا إلى المطبخ، تتناول الشواية، وتتبل قطعًا من لحم الخنزير بفصوص من الثوم وأوراق المريمية الطازجة.
يقول ديفيد، بينما يقف على مدخل غرفة المعيشة: «أتعرفين، توجد رائحة تفوح من النساء … يحدث هذا عندما يعرفن أن الرجال لم يعودوا يرغبون فيهن. رائحة سخيفة.»
تواصل ستيلا تتبيل اللحم.
تقول: «يجب تجديد أسلاك تلك الحواجز … تهالك السلك وانثنى في بعض المواضع. يجب أن ترى ذلك. قوة الماء. يستطيع الماء نحر السلك الصلب. سأنظِّم حفل عمل هذا الخريف. سأعد الكثير من الطعام، وسأدعو بعض الضيوف، وسأتأكد من أن عددًا لا بأس به يتمتع بصحة جيدة. هذا ما نفعله جميعًا.»
تضع الشواية داخل الفرن وتغسل يديها.
«إنها كاثرين التي كنت تخبرني عنها الصيف الماضي، أليس كذلك؟ هي من قلت إنها تميل إلى الغرابة.»
يزمجر ديفيد قائلًا: «قلت ماذا؟»
«تميل إلى الغرابة.» تصدر ستيلا جلبة في المكان، متناولة التفاح والبطاطس، والبصل.
يقول ديفيد، الذي يدخل إلى المطبخ ليقترب منها: «حسنًا، أخبريني … أخبريني ماذا قلت.»
«هذا هو كل شيء. لا أتذكر أي شيء آخر.»
«ستيلا. أخبريني كل ما قلت عنها.»
«لا أتذكر، حقيقةً. لا أتذكر.»
بالطبع هي تتذكر. تتذكر بدقة نبرة الصوت التي قال بها «تميل إلى الغرابة.» نبرة الكبرياء والسخرية في صوته. في غمار الحب، يمكن الاعتماد عليه في الحديث عن المرأة في نقد رقيق، بل حتى في دهشة. يحب أن يقول إن في الأمر جنونًا، لا يستطيع أن يستوعبه، يستطيع أن يرى بوضوح أن هذه المرأة ليست من النوع الملائم له على الإطلاق. ومع ذلك، مع ذلك، مع ذلك. ومع ذلك فإن الأمر خارج عن إرادته، لا يستطيع مقاومته. قال لستيلا إن كاثرين تؤمن بالأبراج، وإنها نباتية، وترسم صورًا غريبة بها أشكال صغيرة مُحاطة بفقاعات بلاستيكية.
تقول ستيلا، مذعورةً فجأة: «اللحم المشوي … هل ستأكل اللحم؟»
«ماذا؟»
«هل ستأكل كاثرين لحمًا؟»
«ربما لا تأكل أي شيء. ربما تكون مشوشة أكثر مما ينبغي.»
«أصنع مزيجًا من التفاح والبصل. سيكون هذا ملائمًا. ربما ستأكل ذلك.»
في الصيف الماضي، قال: «لا تزال تعد نفسها من الهيبيز، حقيقيةً. لا تعرف حتى إن هذا العصر قد انقضى. لا أعتقد أنها تقرأ الصحف على الإطلاق. ولا تملك أدنى فكرة عما يجري في العالم. إلا إذا سمعت بذلك من عرَّافة. هذا هو تصورها عن الواقع. لا أعتقد أنها تستطيع قراءة خريطة. تسير وفق حدسها فقط. هل تعرفين ماذا فعلت؟ ذهبت إلى أيرلندا لترى كتاب كيلز (مخطوطة الكتاب المقدس المضاءة الكبيرة الشهيرة). كانت قد سمعت أن كتاب كيلز موجود في أيرلندا؛ لذا، ذهبت على متن طائرة إلى مطار شانون، وعندما وصلت، سألت أحد الأشخاص عن كيفية الوصول لرؤية كتاب كيلز. وفي النهاية، وجدت الكتاب!»
سألت ستيلا كيف حصلت هذه المخلوقة الغريبة على المال لتذهب في رحلة إلى أيرلندا.
قال ديفيد: «أوه، لديها وظيفة … وظيفة ما. تدرِّس الفن بدوام جزئي. الرب وحده يعلم ماذا تدرِّس. تعلم الطلبة أن يرسموا حسب أبراجهم، مثلما أظن.»
يقول: «توجد امرأة أخرى. لم أخبر كاثرين. هل تظنين أنها تشعر بذلك؟ أظن ذلك. أظن أنها تشعر بذلك.»
يستند على الطاولة، ويشاهد ستيلا وهي تقشِّر التفاح. يضع يده في جيبه الداخلي، وقبل أن تدير ستيلا رأسها بعيدًا يُخرج إحدى الصور الفوتوغرافية الفورية ويضعها أمام عينيها.
يقول: «هذه فتاتي الجديدة.»
تقول ستيلا، مع توقفها عن التقشير بالسكين: «تبدو مثل الحزاز … فيما عدا أنه داكن قليلًا. تبدو لي مثل طحلب على صخرة.»
«لا تكوني غبية يا ستيلا. لا تتخابثي. انظري إليها جيدًا. ألا ترين ساقيها؟»
تضع ستيلا السكين جانبًا وتدقق النظر في الصورة في إذعان. يوجد صدر بارز بعيدًا في الأفق. وكانت الرجلان تمتدان في مقدمة الصورة. كانت الساقان منفرجتين؛ ناعمتين، ذهبيتين، رائعتين، كأنهما عمودان أثريان. وبينهما توجد تلك البقعة الداكنة التي أطلقت ستيلا عليها الطحلب أو الحزاز. لكنها تبدو حقيقةً أقرب إلى جلد داكن لحيوان، رأسه وذيله وقدماه مقطوعة. جلد داكن ناعم لأحد القوارض سيئة الحظ.
تقول في صوت متعقل: «حسنًا، أستطيع أن أرى ذلك الآن.»
«اسمها دينا. تبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا.»
لن تطلب منه ستيلا أن ينحي الصورة جانبًا، أو حتى أن يتوقف عن حملها أمام وجهها.
يقول ديفيد: «إنها فتاة سيئة … أوه، إنها فتاة سيئة! ذهبت إلى مدرسة الراهبات. لا توجد فتيات سيئات مثل فتيات مدارس الراهبات عندما يقررن أن يتصرفن في طيش! كانت طالبة في كلية الفنون حيث تدرس كاثرين. تركتها. وتعمل الآن نادلة في حانة.»
«لا يبدو هذا تصرفًا منحلًّا أخلاقيًّا بالنسبة إليَّ. كانت ديردري تعمل نادلة في حانة لفترة أثناء دراستها الجامعية.»
«دينا ليست مثل ديردري.»
أخيرًا، ينزل ديفيد يده التي تحمل الصورة، وتلتقط ستيلا سكينها وتواصل تقشير التفاح. لكن ديفيد لا ينحي الصورة جانبًا. يشرع في تنحيتها جانبًا، ثم يعدل عن رأيه.
يقول: «الساحرة الصغيرة … إنها تعذِّب روحي.»
يبدو صوته عندما يتحدث عن تلك الفتاة بالنسبة إلى ستيلا مصطنعًا على نحو مميز. لكن من هي حتى تقرر، خاصةً مع ديفيد، ما هو مصطنع وما هو غير مصطنع؟ صوته المميز هذا نوعًا ما مرتفع النبرة، رتيب، مُصر، ذو عذوبة قاسية متعمدة. من يريد أن يكون قاسيًا معه، ستيلا، كاثرين، نفسه؟ تُطلق ستيلا تنهيدة أعلى صوتًا وأكثر سخطًا مما كانت تقصد، وتضع تفاحة وهي نصف مقشرة. تتجه إلى غرفة المعيشة وتنظر من النافذة.
تصعد كاثرين الحاجز. أو تحاول أن تفعل ذلك. يشتبك ثوبها في الأسلاك.
تقول ستيلا، متعجبةً من نبرة شريرة في صوتها: «هذا الثوب القديم يسبب لها متاعب كثيرة اليوم.»
«ستيلا. أود أن تحتفظي بهذه الصورة لي.»
«أنا أحتفظ بها؟»
«أخشى أن أريها لكاثرين. كثيرًا ما أرغب في ذلك. أخشى أن أفعل ذلك.»
كانت كاثرين قد خلَّصت نفسها، ولمحتهما عند النافذة. تلوِّح، وتلوِّح لها ستيلا في المقابل.
تقول ستيلا: «أنا واثقة أن لديك غيرها … صورًا غيرها.»
«ليس معي. المسألة أنني أريد أن أعذبها.»
«إذن لا تفعل.»
«تجعلني أريد أن أعذبها. تتعلق بي بنظراتها المنتحبة تلك. تتناول أقراصًا. أقراصًا لتحسين المزاج. تسكر. في بعض الأحيان أعتقد أن أفضل شيء أفعله هو أن أفجعها فاجعة كبرى. أطلق عليها رصاصة الرحمة. رصاصة الرحمة يا كاثرين. ها أنت ذي. الفاجعة الكبرى. لكنني قلق مما ستفعله.»
تقول ستيلا: «أقراص لتحسين المزاج … أقراص لتحسين المزاج ورفع الروح المعنوية، رفعها إلى أعلى!»
«أنا جاد يا ستيلا. إنها أقراص قاتلة.»
«هذا شأنك.»
«هذا مضحك جدًّا.»
«لم أكن أقصد أن يكون الأمر على هذا النحو. لكن عندما ينفلت شيء كهذا مني، أتظاهر دومًا أنني كنت أقصد هذا الأمر. أنسب كل فضل ممكن في الأمر إليَّ!» •••
يشعر هؤلاء الثلاثة بأنهم أفضل في وقت العشاء أكثر مما قد يتوقع أيٌّ منهم. يشعر ديفيد بأنه أفضل؛ لأنه تذكر أن ثمة كابينة هاتف تقع في الجهة المقابلة لمتجر الخمور. تشعر ستيلا بأنها أفضل دومًا عندما تطهو وجبة وتخرج الوجبة في أفضل صورة. أما أسباب كاثرين في الشعور بأنها أفضل فأسباب كيميائية.
الحوار ليس صعبًا. تحكي ستيلا قصصًا صادفتها عند قيامها ببعض البحث لكتابة مقالها، عن غرق السفن في منطقة البحيرات العظمى. تحظى كاثرين ببعض المعلومات عن غرق السفن. لكاثرين رفيق — رفيق سابق — يعمل غواصًا. يتمتع ديفيد بالشجاعة الكافية حتى يقر بشعوره بالغيرة من هذا الرفيق، ولا يأبه بسماعها وهي تتحدث عن قدراته في الغوص في المياه العميقة. ربما تكون هذه هي الحقيقة.
بعد العشاء، يقول ديفيد إنه في حاجة إلى السير قليلًا. تخبره كاثرين أن يذهب وحده. تقول في حبور: «هيا اذهب … لا نحتاجك هنا. سنقضي أنا وستيلا وقتًا طيبًا معًا بدونك!»
تتساءل ستيلا عن مصدر صوت كاثرين الجديد هذا، هذا الصوت الجريء، الأحمق، اللعوب نسبيًّا. لا يفعل الشراب ذلك. إن ما تناولته كاثرين، أيًّا ما كان، جعل ذهنها أكثر توقدًّا، لا أكثر تبلدًا. تطايرت طبقات عديدة من الاعتذار الرقيق، والتملق الحذر، والشجاعة، والأمل عبر هذا النسيم المصطنع السريع.
لكن عندما تنهض كاثرين وتحاول أن تخلي المائدة، يتضح أن التوقُّد ليس جسديًّا. تصطدم كاثرين بأحد أركان الطاولة. إن كاثرين تجعل ستيلا تتصور أنها أشبه بشخص مبتور الأطراف، بترًا لا يشمل جزءًا كبيرًا من الأطراف، بل فقط أطراف أصابع اليدين وربما أصابع القدمين. تتابعها ستيلا ببصرها، وتتناول منها الأطباق قبل أن تنزلق.
تقول كاثرين: «هل لاحظتِ شعره؟» يعلو صوتها ويهبط مثل عجلة الملاهي؛ ينخفض ويتلألأ. «إنه يصبغه!»
تسأل ستيلا في دهشة حقيقية: «هل يفعل ديفيد ذلك؟»
«في كل مرة يفكر في الأمر، يُميل رأسه إلى الخلف، بحيث لا يستطيع المرء أن يقترب أكثر مما ينبغي منه. أعتقد أنه كان يخشى أن تقولي شيئًا. يخشاك قليلًا. حقيقةً، يبدو شعره طبيعيًّا جدًّا!»
«لم ألحظ ذلك حقًّا.»
«بدأ في صباغة شعره قبل شهرين. قلت له: «ديفيد، فيم يفيد ذلك؟ كان شعرك قد بدأ يشيب عندما أعجبت بك، هل تظن أن هذا سيزعجني الآن؟» الحب غريب، يفعل أشياء غريبة. ديفيد حقًّا شخص حسَّاس؛ شخص سريع التأثر.» تنقذ ستيلا كأس خمر كادت تسقط من بين أصابع كاثرين. «قد يجعل الحب المرء خسيسًا، قد يجعله شخصًا خسيسًا. إذا شعر المرء باعتماده على أحد، فيمكن أن يصير خسيسًا معه. أفهم ذلك في ديفيد.»
تشربان عسلًا مخمرًا على العشاء. هذه هي المرة الأولى التي تجرِّب ستيلا فيها هذه الجرعة من العسل المخمَّر المنزلي، وها هي الآن ترى كم هو طيب، وجاف، ولامع. كان يبدو مثل الشامبانيا. تتأكد مما إذا كان لا يزال ثمة أي كمية أخرى متبقية في الزجاجة. نصف كوب تقريبًا. تصبها لنفسها، تضع كوبها خلف الخلاط، تشطف الزجاجة. تقول كاثرين: «تعيشين حياة طيبة هنا.»
«أعيش حياة طيبة. نعم.»
«أشعر أن هناك تغييرًا سيحدث في حياتي. أحب ديفيد، لكنني غرقت في هذا الحب طويلًا. أكثر مما ينبغي. هل تعلمين ماذا أعني؟ كنت في الأسفل أنظر إلى الأمواج وبدأت أقول: «يحبني، لا يحبني.» أفعل ذلك كثيرًا. ثم قلت في نفسي: حسنًا، الأمواج لا نهاية لها، بخلاف زهرة الأقحوان. أو حتى خطواتي، إذا بدأت في عدها حتى نهاية المربع السكني. حدثت نفسي قائلةً، لا تنتهي الأمواج أبدًا. لذا أدركت أن هذه رسالة لي.»
«دعي الأواني يا كاثرين. سأهتم بها لاحقًا.»
لماذا لا تقول ستيلا: «اجلسي، أستطيع أن أفعل ذلك بمفردي أفضل منك»؟ كان هذا شيء تقوله عادةً لمن يقدمون المساعدة ممن هم أقل كفاءة من كاثرين. لا تقول ذلك لأنها تحذر أمرًا ما. تبدو حالة كاثرين غاية في الهشاشة والوهن. قد يؤدي انهيارها إلى نتائج لا تُحمد عقباها.
تقول كاثرين: «يحبني، لا يحبني … هكذا تمضي الأمور. تمضي إلى الأبد. ذلك ما كانت الأمواج تحاول أن تخبرني إياه.»
تقول ستيلا: «فقط من باب الفضول … هل تؤمنين بالأبراج؟»
«هل تعنين أنني قرأت طالعي؟ لا، ليس حقيقةً. أعرف أناسًا فعلوا ذلك. فكَّرت في الأمر. أعتقد أنني لا أُومِن بهذا الأمر بما يكفي حتى أنفق مالًا عليه. أطالع هذه الأشياء في الصحف في بعض الأحيان.»
«هل تطالعين الصحف؟»
«أقرأ أجزاءً منها فقط. تصلني إحدى الصحف. لا أقرؤها كلها.»
«وهل تأكلين اللحم؟ تناولت لحم خنزير على العشاء.»
لا يبدو أن كاثرين تمانع في أن يجري استجوابها، أو أن تلاحظ حتى أن هذا استجواب.
«حسنًا، أستطيع أن أعيش على تناول السلاطات، خاصةً في هذا الوقت من العام. لكنني آكل اللحم من وقت إلى آخر. أنا نباتية لا تتمتع بعزيمة كبيرة. كان رائعًا، هذا اللحم المشوي. هل أضفت ثومًا إليه؟»
«ثومًا ومريمية وإكليل الجبل.»
«كان لذيذًا.»
«يسعدني ذلك.»
تجلس كاثرين فجأةً، وتمد رجليها الطويلتين بطريقة صبيانية، جاعلةً ثوبها يسقط بينهما. يثب هركليز، الذي ظل نائمًا طوال فترة العشاء على المقعد الرابع، على الجانب الآخر من المائدة، وثبة قوية ويستقر في حجرها.
تضحك كاثرين وتقول: «قط مجنون.»
«إذا ضايقك، فاضربيه كي يذهب بعيدًا.»
متحررة الآن من الحاجة إلى متابعة كاثرين بعينيها، تنهمك ستيلا في حك الأطباق ورصها، وشطف الأكواب، وتنظيف المائدة، ونفض المفرش، ومسح أسطح المطبخ. تشعر بالرضا وبالحيوية الكاملة. تتناول رشفة من العسل المخمَّر. تمر كلمات من أغنية عبر رأسها، لكنها لا تُدركها حتى خرجت كلمات قليلة من هذه الأغنية على شفتيها وعرفت أنها نفس الأغنية التي كان ديفيد يغنيها، في وقت مبكر من اليوم. «إن ما هو قادم ليس مؤكدًا!»
تصدر كاثرين صوت شخير خفيف، وتحرك رأسها إلى أعلى. لا يخاف هركليز، لكنه يحاول أن يستقر أكثر، ناشبًا مخالبه في ثوبها.
تقول كاثرين: «هل كان ذلك أنا؟»
تقول ستيلا: «أنت في حاجة إلى بعض القهوة … تماسكي. ربما لا يجدر بك أن تخلدي إلى النوم الآن.»
تقول كاثرين في عناد: «أنا متعبة.»
«أعلم ذلك. لكن يجدر بك ألا تخلدي إلى النوم الآن. تماسكي، وسأجلب لك بعض القهوة لتنعشك.»
تتناول ستيلا منشفة من الدرج، تنقعها في مياه باردة، ثم تضعها على وجه كاثرين.
تقول ستيلا: «ما رأيك؟ … أمسكي بها، وسأعد لك بعض القهوة. لن أدعك تنامين هنا لن يتوقف ديفيد عن الحديث في سخافة عن الأمر. سيقول إن السبب في ذلك يعود إلى العسل المخمَّر الذي أعددته أو إلى طعامي أو صحبتي، أو أي شيء آخر. تماسكي يا كاثرين.» •••
يبدأ ديفيد، في كابينة الهاتف، في مهاتفة دينا. ثم يتذكر أن المكالمة لمكان بعيد. عليه أن يطلب عاملة الهاتف. يطلب عاملة الهاتف، يسألها عن تكلفة المكالمة، يُفرغ ما في جيبه من العملات المعدنية. ينتقي دولارًا وخمسة وثلاثين سنتًا من فئة ربع دولار وعشرة سنتات، يرصها فوق الرف. يبدأ في مهاتفة دينا مرة أخرى. أصابعه مرتعشة، راحتا يده متعرقتان. تنتشر في رجليه ومعدته وصدره حركاتُ اضطراب متزايدة. تضطرب أحشاؤه عند سماع أول رنة للهاتف، في شقة دينا الضيقة. هذا جنون. يبدأ في وضع أرباع الدولارات في ماكينة الهاتف.
تقول عاملة الهاتف: «سأقول لك متى تضع العملات … سيدي؟ سأخبرك متى تضع العملات.» تصلصل أرباع الدولارات في طريقها للنزول إلى مكان استعادة المبلغ المتبقي، ويستطيع ديفيد إخراجها بصعوبة بيده. يرن جرس الهاتف مجددًا، الموجود على تسريحة منزل دينا، وسط كومة مستحضرات المكياج، والكولونات، والعقود والسلاسل، والأقراط الطويلة المريشة، وفلتر سجائر سخيف، ومجموعة من الألعاب الصغيرة. يستطيع أن يراها، الضفدعة الخضراء، البطة الصفراء، الدبة البنية، جميعها في حجم واحد. الضفادع والدببة متساوية. توجد أيضًا بعض الوحوش الفضائية، مصنوعة وفق شخصيات في أحد الأفلام. عند تشغيلها، ستتمايل هذه الألعاب وتصلصل على الأرضية أو على المنضدة، مصدرةً شررًا من فمها. تحب أن تقيم سباقات، أو تضع لعبتين في مسار اصطدام. ثم تطلق صرخة حادة، بل تصرخ في إثارة، أثناء تحرُّك الألعاب بطريقة غير متوقعة.
«لا يبدو أن ثمة أحدًا يجيب يا سيدي.»
«دع الهاتف يرن بضع مرات أخرى.»
يقع حمام دينا عبر الردهة. تشاركها إياه فتاة أخرى. إذا كانت في الحمام، حتى ولو في حوض الاستحمام، فكم تستغرق من الوقت حتى تقرر ما إذا كانت ستجيب على الهاتف؟ يقرر أن يبدأ في عد عشر رنات أخرى، بدءًا من الآن.
«لا تزال لا توجد أي إجابة، سيدي.»
عشر أخرى.
«سيدي، هل ترغب في أن تحاول مرة أخرى لاحقًا؟»
يضع سماعة الهاتف، مفكرًا في شيء. في الحال، في حماس بالغ، يطلب دليل الهاتف.
«لأي مكان، سيدي؟»
«تورونتو.»
«تفضل، سيدي.»
يطلب رقم شخص يُدعى مايكل ريد. لا، لا يعرف عنوان الشارع. لا يعرف إلا الاسم، اسم آخر رفيق لها، والذي ربما لم تقطع علاقتها به بعد.
«لا يوجد أحد لدي اسمه مايكل ريد.»
«حسنًا. جرِّبي ريدي، ر-ي-د-ي.»
يوجد بالفعل شخص يُدعى إم ريدي، يقطن في طريق دافينبورت. لا يُدعى مايكل لكن على الأقل الحرف الأول من اسمه إم تحققي من ذلك، إذن. هل يوجد أحد يُدعى إم ريد؟ ريد؟ نعم. نعم، يوجد إم ريد، يقطن في شارع سيمكو. وشخص آخر يُدعى إم ريد يعيش في شارع هاربورد. لماذا لم تقل عاملة الهاتف ذلك من قبل؟
يختار الشخص الساكن في شارع هاربورد بالحدس. لا يبعد هذا الشارع كثيرًا عن شقة دينا. تخبره موظفة الهاتف بالرقم. يحاول أن يتذكره. لا يوجد لديه ما يكتب به. يشعر بأهمية عدم الطلب من موظفة الهاتف تكرار الرقم أكثر من مرة. يجب ألا يكشف عن وجوده هنا في كابينة هاتف دون قلم حبر أو قلم رصاص. يبدو له أن طريقته الملحة الماكرة جليَّة، وأنه في أي لحظة من اللحظات قد تُحجب عنه أي معلومات، لن يُسمح له بمعرفة أي معلومات أخرى عن إم ريد أو إم ريدي، في شارع هاربورد أو سيمكو أو طريق دافينبورت، أو أي مكان آخر.
عليه أن يبدأ من جديد الآن. كود تورونتو. لا، بل إعادة مهاتفة موظفة الهاتف. الرقم الموجود في الذاكرة. سريعًا، قبل أن يفقد أعصابه، أو ينسى الرقم. إذا كانت ستجيب، فماذا سيقول؟ لكن، أليس من غير المحتمل ألا تجيب، حتى إذا كانت موجودة. سيجيب إم ريد، ثم سيسأل ديفيد عن دينا، لكن ربما لن يكون هذا بصوته الطبيعي. ربما لن يجيب بصوت رجل على الإطلاق. اعتاد على التحدث بأصوات مختلفة عبر الهاتف. استطاع خداع ستيلا في إحدى المرات.
ربما يقلِّد صوت امرأة، تتحدث في صوت رفيع. أو صوت طفلة، صوت أخت صغيرة. «هل دينا هنا؟»
«أستميحك عذرًا يا سيدي؟»
«لا شيء. آسف.»
«الهاتف يرن الآن. سأخبرك متى تضع العملات.»
ماذا إذا كان إم ريد امرأة؟ ليس مايكل ريد على الإطلاق. ماري ريد. امرأة عجوز على المعاش. فتاة ذات تطلعات مهنية. لماذا تهاتفني؟ معاكسة. أعود إلى دليل الهاتف إذن. جرِّبي إم. ريد في شارع سيمكو. جرِّبي إم ريدي في شارع دافينبورت. واصلي محاولات الاتصال.
«أنا آسفة. لا يبدو أن ثمة أي إجابة.»
يرن جرس الهاتف مرة بعد أخرى في شقة، أو منزل، أو غرفة إم ريد. يستند ديفيد على الرف المعدني، حيث تقبع العملات المعدنية. تتوقف سيارة في الساحة أمام متجر الكحول. يراقبه الزوجان في السيارة. يبدو أنهما يريدان استخدام الهاتف. ومن يدري فقد يأتي رون وماري بعد ذلك.
توجد شقة دينا فوق متجر لبيع المنتجات المستوردة من الهند. تفوح من ملابسها وشعرها دومًا رائحة الكاري، وجوزة الطيب، والبخور، بالإضافة إلى ما يظن ديفيد أنه رائحتها الطبيعية، من السجائر، والمواد المخدرة، والجنس. شعرها مصبوغ باللون الأسود الفاحم. يحمل خداها آثار لون صارخ، ويبدو جفناها في بعض الأحيان باللون الأحمر الطوبي. حاولت ذات مرة أن تؤدي دورًا في فيلم كان بعض الأشخاص الذين كانت تعرفهم يصنعونه. فشلت في الحصول على الدور بسبب امتناعها عن وضع فأر مروَّض بين رجليها. أشعرها هذا الفشل بالمهانة.
يتصبب ديفيد عرقًا الآن، محاولًا ألا يمسك بها متلبسة، بل أن يلحق بها بأي حال من الأحوال، لسماع صوتها الفتيِّ القاسي، ذي الارتعاشة العفوية والبذاءات اللصيقة به. حتى إذا كان سمعه له، في هذه اللحظة، يعني أنها تخونه. بالطبع تخونه. تخونه طوال الوقت. لو أنها فقط تجيب (كاد ينسى أن إم ريد هو من يُفترض أن يجيب)، فيمكن أن يصرخ فيها، يعنِّفها، وإذا شعر أن قواه تخذله — سيشعر أن قواه «تخذله» — يمكن أن يرجوها. سيرحب بالفرصة، أي فرصة، على العشاء، متحدثًا بحماس إلى ستيلا وكاثرين، ظل يكتب اسم دينا بأصبعه على الجانب السفلي للمائدة الخشبية.
لا يوجد لدى الناس أي صبر في ظل معاناة كهذه، لماذا يجب عليهم أن يتحلوا بالصبر؟ يجب على الشخص الذي يعاني أن يتخلى عن التعاطف، ينحي كرامته جانبًا، يتكيَّف مع النوائب. وبالإضافة إلى كل ذلك، سيستقطع الناس من وقتهم ليقولوا له إن هذا ليس حبًّا حقيقيًّا. نوبات الرغبة والاتكال والعبادة والانحراف، هذه التحولات المرغوبة والرهيبة في آن واحد، ليس هذا حبًّا حقيقيًّا.
كانت ستيلا تخبره كثيرًا بأنه لم يكن يعبأ بالحب، أو حتى الجنس. «لا أعتقد أنك مهتم حتى بالجنس يا ديفيد. أعتقد أن كل ما أنت مهتم به هو أن تكون فتًى كبيرًا مشاغبًا.»
الحب الحقيقي، يعني ذلك الاستمرار في الحياة مع ستيلا، أو كاثرين. ربما يكون رون هو الشخص الذي من المُفترض أنه يعرف كل شيء عن الحب الحقيقي.
يعرف ديفيد ما يفعله. يعتقد أن هذا هو الجانب المثير في الأمر، وقد قال ذلك. يعرف أن دينا ليست حقيقةً على هذا القدر من الشراسة، أو النهم، أو الفشل، مثلما يتظاهر أنها كذلك، أو مثلما تتظاهر هي في بعض الأحيان. في غضون عشرة أعوام، لن تتحطم جراء حياتها الطائشة، لن تصير عاهرة ساحرة. ستصير امرأة يحيط بها أطفالها في المغسلة التي تعمل بالعملة. لا تنطبق كلمة «مومس» اللذيذة، القديمة في استخدامها، التي يستخدمها في وصفها، عليها؛ حقيقةً، لا علاقة لها بها مثلما لا علاقة لكلمة «هيبيَّة» بكاثرين، شخص لا يحتمل التفكير فيه الآن. يعرف إن عاجلًا أم آجلًا، إذا كشفت دينا عن قناعها، مثلما فعلت كاثرين، أن عليه أن يمضي في حياته. عليه أن يفعل ذلك على أي حال، يمضي في حياته.
يعرف كل هذا ويراقب نفسه، ولا تؤتي هذه المعرفة والمراقبة أي أثر على الإطلاق على معدته المضطربة، وغدد عرقه المنهمكة، وآماله المحمومة.
«سيدي؟ هل تريدني أن استمر في المحاولة؟» •••
يُطلَق على نُزل المسنين الذي زاروه، في وقت سابق من اليوم، نُزل بلسان جلعاد. سُمي النزل بهذا الاسم على غرار اسم أشجار بلسان جلعاد، وهي أحد أنواع أشجار الحور، التي تنمو بكثرة قرب البحيرة. النُّزل عبارة عن قصر حجري ضخم شيِّد من قبل ثري كان يعيش في القرن التاسع عشر، وصار الآن منظره مشوهًا بسبب الممرات المنحدرة وسلالم الطوارئ.
نادى أشخاص على ستيلا، وكانوا مقعدين على كراسي متحركة في مرج الفناء الأمامي. حيتهم بأسمائهم، وذهبت لتسلم على بعضهم وتلقي لهم بالقبلات. تتحرك هنا وهناك مثل طائر طنَّان بدين.
كانت تغني عندما انضمت إلى ديفيد مرة أخرى:
أنا شعاع شمسك الصغير، قصير وعريض، أمِلْني، وصبَّني!
تقول في نفس متقطِّع: «لا، إنه برَّاد الشاي. لا أعتقد أنك ستشهد تغيرًا كبيرًا في والدي. فيما عدا أن العمى صار كليًّا الآن.»
قادته عبر الممرات المطلية باللون الأخضر، ذات الأسقف المنخفضة الاصطناعية (لتقليص نفقات التدفئة)، والصور التقليدية، وروائح المطهرات وغيرها. في الخارج وحيدًا في إحدى الشرفات الخلفية، جلس أبوها ملفوفًا في أغطية، مربوطًا في كرسيه المتحرك حتى لا يسقط.
قال أبوها: «ديفيد؟»
بدا الصوت آتيًا من كهف عميق مبتل داخله، لا يؤثر في نبرته شفتاه، أو فكاه، أو لسانه. لم يكن بالإمكان رؤية أيٍّ من تلك الأعضاء تتحرك. ولم يحرك حتى رأسه.
اتجهت ستيلا إلى خلف الكرسي ووضعت ذراعيها حول عنقه. تحسسته في رقة شديدة.
قالت: «نعم، هذا ديفيد يا أبي … تعرَّفت على خطوته!»
لم يجب أبوها. انحنى ديفيد للمس يدي الرجل الشيخ، اللتين لم تكونا باردتين، مثلما توقَّع، بل كانتا دافئتين وجافتين جدًّا. وضع زجاجة الويسكي فيهما.
قالت ستيلا في رقة: «احذر. لا يستطيع الإمساك بها.» ظل ديفيد واضعًا يديه على الزجاجة بينما دفعت ستيلا أحد المقاعد، بحيث يستطيع أن يجلس قبالة أبيها.
قال ديفيد: «نفس الهدية القديمة.»
أصدر حموه صوتًا يؤمِّن على كلامه.
قالت ستيلا: «سأذهب لأحضر بعض الأكواب … هذا مخالف للقواعد أن تتناول الشراب في الخارج، لكنني أستطيع أن أجعلهم يتجاوزونها قليلًا. سأخبرهم أن هذا احتفال.»
حتى يعتاد النظر إلى حميه، حاول ديفيد أن يفكر فيما حدث له كنوع من النمو لما بعد الإنسان، حدث جديد في الجنس البشري. لم يحافظ بقاؤه على قيد الحياة عليه بل غيره. بشرة رمادية مائلة إلى الزُّرقة، ذات بقع داكنة الزرقة، وعينان مبيضتان، رقبة تظهر فيها أخاديد عميقة رقيقة، مثل زهرية من الزجاج المدخَّن. كانت تأتي أصوات أخرى عبر هذه الرقبة، دعوة إلى الحديث. كانت جوهر كل مقطع يصدر، حرفًا متحركًا واهنًا لا يكاد تتضح معالمه إلا من خلال الحروف الساكنة المحيطة به.
«المرور، سيئ؟»
وصف ديفيد الأوضاع على الطريق السريع الرئيسي وعلى الطرق السريعة الفرعية. أخبر حماه أنه اشترى سيارة مؤخرًا، سيارة يابانية. أخبره كيف أن سيارته لم تستطع، في البداية، أن تقترب في عدد الأميال التي تقطعها لكل جالون من عدد الأميال المُعلن عنها. لكنه تقدَّم بشكوى، وأصر على موقفه، وأعاد السيارة إلى الشركة مرة أخرى. أُجريت تعديلات كثيرة، وتحسن الحال الآن، وصار استهلاك الوقود مرضيًا، وإن لم يكن يتطابق تمامًا مع ما وُعد به.
بدا هذا حوارًا مرحبًا به. بدا حموه متابعًا له. أومأ وعلى وجهه النحيف، الطويل المائل إلى الزرقة الذي ينتمي إلى مرحلة ما بعد الإنسان، كان ثمة آثار من تعبيرات قديمة؛ تعبير من الاهتمام الحاد والمهيب؛ شك في الإعلانات وفي السيارات المستوردة وفي بائعي السيارات. كان ثمة حتى علامة شك — مثلما في الأيام الخوالي — في إمكان الوثوق في ديفيد للتعامل مع أمور كهذه جيدًا. وشعر بالراحة أنه فعل ذلك. في نظر حميه، سيظل ديفيد دائمًا شخصًا يتعلم كيف يصبح رجلًا، شخصًا ربما لن يتعلم أبدًا ذلك، ربما لن يتعلم رجاحة العقل والتحكم في تصرفاته أبدًا؛ النطاق المناسب للتصرف في الأمور. كان ديفيد، الذي كان يفضِّل الجين على الويسكي، يقرأ الروايات، ولم يكن يفهم في أمور البورصة، وكان يتحدث إلى النساء، وكان قد بدأ حياته المهنية معلمًا. ديفيد، الذي كان يقود دومًا سيارات صغيرة، سيارات مستوردة. لكن لم يعد في أيٍّ من هذا مشكلة الآن. لم تعد السيارات الصغيرة تشير إلى الأشياء التي كانت تشير إليها عادةً. حتى هنا على الأجراف فوق بحيرة هورون في أقصى أطراف الحياة، حدثت بعض التغيرات، بعض التحولات التي فهمها رجل لم يعد باستطاعته الاستيعاب أو الرؤية.
«هل سمعت عن السيارة لادا؟»
من حسن الطالع أن لديفيد زميل عمل يمتلك سيارة من طراز لادا، وقد تحدث إليه خلال العديد من فترات الراحة المملة لتناول الغداء أو القهوة عن مواطن القوة والضعف فيها وصعوبة الحصول على قطع غيارها. ذكر ديفيد هذه الأشياء، وبدا حموه راضيًا عن ذلك.
«جراي. دورت، جراي-دورت. من أولى السيارات التي ظهرت. في شارع يونج. ستون ميلًا. ستون ميلًا. في الساعة.»
قالت ستيلا بعدما أدخلا أباها والزجاجة إلى غرفته، وودعاه، وكانا يتحدثان وهما يسيران عبر الممرات الخضراء: «قطعًا لم يقد سيارة جراي-دورت قط في شارع يونج بسرعة ستين ميلًا في الساعة … قط. سيارة جراي-دورت؟ كانوا قد توقفوا عن إنتاجها قبل وقت طويل من امتلاكه المال الكافي لشراء سيارة. ولم يخاطر قط بقيادة سيارة شخص آخر. ليس هذا إلا محض خياله هو. لقد بلغ مرحلة يعيد فيها خلق الوقائع؛ إصلاح الماضي بما يجعل أي شيء كان يرغب في حدوثه واقعًا. أتساءل عما إذا كنا سنبلغ هذه المرحلة؟ عم سيدور خيالك يا ديفيد؟ لا، لا تخبرني!»
قال ديفيد: «ما تصوراتك أنت؟»
«أنك لم ترحل؟ أنك لم ترد أن ترحل؟ أراهن أن ذلك هو ما تظن أنها تصوراتي، لكنني لستُ متأكدة تمامًا أن هذا صحيح! كان أبي سعيدًا جدًّا لرؤيتك يا ديفيد. يعني الرجل أكثر بالنسبة لأبي. أعتقد أنه إذا كان قد حدَّث نفسه بشأنك وشأني، فسيختار أن يأخذ جانبي، لكن أفضل شيء أنه لم يفكر في الأمر.»
بدت ستيلا، في نُزل المسنين، كأنها استعادت بعض رقتها ورشاقتها التي كانت تتمتع بها في الماضي. أعادت لَفَتَات الاهتمام بأبيها، بل حتى بهؤلاء المقعدين على كراسي متحركة، أثرًا من البهاء المهيب إلى حركاتها، الأسى إلى صوتها. كان ديفيد يمتلك صورة لها عمرها اثنا عشر أو خمسة عشر عامًا. كانت قادمة عبر حديقة في حفل بإحدى ضواحي البلدة، وهي تحمل طاجن طعام. كانت ترتدي فستانًا صيفيًّا مكشوفًا. كانت تزعم دومًا في تلك الأيام أنها كانت بدينة جدًّا لدرجة أنها لا تستطيع أن ترتدي بنطالًا، على الرغم من أنها لم تكن في نصف بدانتها الآن. لماذا كانت هذه الصورة تسرُّه كثيرًا؟ ستيلا آتية عبر الحديقة، بشعرها الذي يتخلله ضوء الشمس — جعلته خصلاته الرمادية يبدو أشقر بصبغة رمادية — وكتفيها العاريتين المائلتين للسمرة، ملقيةً التحيات على من يجاورها، ضاحكةً، مشيرةً إلى بعض الأخطاء الطفيفة في طهي الأطعمة. بالطبع كان الطعام الذي جاءت به إلى الحفل رائعًا، ولم تجلب الطعام فقط بل جلبت معها الروح المنشودة في الحفل. فمن خلال طبيعتها الاجتماعية، جمعت الحاضرين. ولم يكن ديفيد يشعر بأي حنق، على الرغم من أنه في بعض الأوقات، بالتأكيد، كانت هدايا ستيلا هذه تسبب له الحنق. كان حنقها الحماسي، ومبالغتها، ومناشداتها المازحة البريئة من أجل التعاطف يثير حنقه. وحتى تسلي الآخرين، كان قد سمعها تختلق قصصًا من حياتهما؛ سوء تصرفات واستفزازات الأطفال اليومية، زيارة الطبيب البيطري من أجل علاج القط، المتاعب التي صادفها ابنها في أول مرة يشرب فيها الخمر، تعطل آلة جز الحشائش المدارة بمحرك، لصق ورق الحائط في القاعة العلوية. زوجة ساحرة، شخص رائع في حفل، تمتلك طريقة مسلية للنظر إلى الأشياء. في بعض الأحيان تثير الشغب. «زوجتك تثير الشغب.»
حسنًا، سامحها على ذلك — فقد كان يحبها — بينما كانت تسير عبر الحشائش. في تلك اللحظة، كان يلمس بقدمه العارية على السمانة الباردة البنية الحليقة والحساسة، لزَوجة جار آخر، التي كانت قد خرجت لتوها من المسبح ولبست رداءً طويلًا قرمزيًّا مغطيًا لجسمها. امرأة ذات شعر أسود، بلا أطفال، مدخنة شرهة، تميل — على الأقل في تلك المرحلة من علاقتهما — إلى لحظات صمت محيرة. (كانت هذه هي المرأة الأولى التي يقيم علاقة معها أثناء زواجه بستيلا. روزماري، اسم غامض عذب، على الرغم من أنها امرأة شديدة الابتذال.)
لم يكن الأمر هكذا فقط. الإعجاب غير المتوقع بستيلا على طبيعتها، الشعور غير المعتاد بالسلام معها، لم يتأتَ من خلال ذلك فقط؛ الحركة المحرمة لإصبع قدمه الكبير. بدا الأمر عميقًا، هذا الكشف عن علاقته هو وهي، كيف كانا مرتبطين معًا على الرغم من كل شيء، وكيف ملأته دومًا المشاعر الخيِّرة تجاهها، كان ما يفعله سرًّا من جانبه يجري بمباركتها بشكل أو بآخر.
لم يبدُ أن هذه فكرة كانت ستيلا تشاركه فيها على الإطلاق. ولم يكونا مترابطين هكذا، أو إذا كانا كذلك، فكانت رابطة أراد أن يتخلص منها. قالت له ستيلا ذات مرة: قضينا وقتًا طويلًا معًا، ألا نستطيع فقط أن نستمر في ذلك؟ محاولةً أن تجعل من الأمر مزحة. لم تفهم، ربما لم تفهم بعد، كيف كان ذلك من الأشياء التي جعلت الأمر مستحيلًا. كانت المرأة ذات الشعر الأبيض السائرة إلى جواره في نُزل المسنين تجرجر حملًا ثقيلًا معها، حملًا لا يقتصر على أسراره الجنسية بل يشمل تأملاته في منتصف الليل حول الرب، آلام صدره التي تعود إلى أسباب نفسية، حساسية الهضم لديه، خطط هروبه، التي شملتها ذات مرة وكانت تتضمن الهروب إلى أفريقيا أو إندونيسيا. بدت حياته العادية والاستثنائية — حتى بعض الأشياء التي كان من غير المحتمل أن تعرفها — مخزنة داخلها. لم يكن يستطيع الشعور بأي نوع من الخفة، بأي نوع من التحرر السري والمنتصر، مع امرأة تعرف عنه الكثير. كانت تعرف عنه أكثر مما ينبغي. على الرغم من ذلك، وضع ذراعيه حول ستيلا. تحاضنا، بإرادة الجانبين.
كانت شابة صغيرة، صينية أو فيتنامية، ضئيلة الحجم كطفلة في زيها ذي اللون الأخضر الفاتح، واضعةً أحمر شفاه ومساحيق على خديها، آتية عبر الممر، تدفع عربة. كان على العربة أكواب ورقية وحاويات بلاستيكية من عصير البرتقال والكرم.
كانت الفتاة تنادي، بصوتها الرخيم الصافي العفوي قائلةً: «وقت تناول العصير … وقت تناول العصير. برتقال. كرم. العصير.» لم ترَ ديفيد وستيلا، لكن ابتعد كلٌّ منهما عن الآخر، وواصلت هي السير. شعر ديفيد بعدم راحة طفيفة، طفيفة جدًّا، لرؤيته من جانب شابة صغيرة وجميلة كهذه في أحضان ستيلا. لم يكن ذلك شعورًا مهمًّا — فقط مر به وانقضى — لكن ستيلا، بينما كان لا يزال يمسك بالباب مفتوحًا لها، قالت: «لا عليك يا ديفيد. يمكن أن أكون أختك. ربما تهدئ من روع أختك. أختك «الكبيرة».»
«السيدة ستيلا، قارئة العقول المعروفة.»
كان الطريقة التي يقولان بها هذه الأشياء غريبة. كانا معتادَين على قول أشياء مريرة وجارحة، ويتظاهران، عندما كانا يقولانها، بأنهما يشعران بالمتعة قليلًا، بالهدوء، بل حتى بالحنو. أما الآن فتعمقت هذه النبرة التي كانت قبل ذلك نبرة متصنعة أكثر، وأكثر، عبر جميع مشاعرهما الفظة، وماتت المرارة، على الرغم من عدم اختفائها، وأصبحت بلا فائدة، ورسمية. •••
بعدها بأسبوع أو ما يقرب من ذلك، بينما ترتِّب غرفة المعيشة، حتى تستعد لاجتماع للجمعية التاريخية سيقام في بيتها، تجد ستيلا الصورة، صورة فورية. كان ديفيد قد تركها معها بالرغم من اعتراضها، مخفيًا إياها، ولكنه لم يخفِها جيدًا، خلف الستائر في أحد أركان نافذة غرفة المعيشة الطويلة، عند الموضع الذي يقف المرء فيه ليرى المنارة.
وجودها في الشمس أدى إلى بهت ألوانها، بالطبع. تقف ستيلا ناظرةً إليها، ممسكة فوطة تنظيف في يدها. اليوم رائع. النوافذ مفتوحة، منزلها مرتب ترتيبًا رائعًا، وعلى الموقد يوجد حساء سمك طيب يسوى ببطء. ترى أن البقعة الداكنة في الصورة حال لونها إلى اللون الرمادي. يبدو لونها الآن رماديًّا مائلًا إلى الزرقة أو الخضرة. تتذكر ما قالته عندما رأتها للمرة الأولى. قالت إن البقعة حَزاز، لا، قالت إن البقعة تبدو مثل الحزاز. لكنها عرفت في الحال ماذا كان حقيقةً. يبدو لها الآن أنها عرفت ماذا كان تحديدًا حتى بينما كان ديفيد لا يزال يضع يده في جيبه. شعرت بالشق القديم ينفتح الآن بداخلها. لكنها تماسكت. قالت: «حَزاز.» وها هو الآن، انظر، تحقق ظنها. اختفى الخط المحدد لشكل الصدر. لم يكن المرء ليعرف قط أن الساقين كانتا ساقين. تحوَّل اللون الأسود إلى الرمادي، إلى اللون الخفيف، الجاف لنبات يتغذى بطريقة غامضة على الصخور.
هذا من فعل ديفيد. تركها هناك، في الشمس.
تحققت كلمات ستيلا. سيظل هذا الخاطر يعاودها: وقفة، دقة قلب ضائعة، انكسار قصير قوي في خضم تدفق الأيام والليالي التي تمر بها.
مسيرة الحب |
الكومة البيضاء
١
تقول دينيس: «لا أعرف أي لون طلاء كان هنا»، مجيبةً على سؤال طرحته ماجدة عليها. «لا أتذكر حقيقةً أي لون طلاء في هذا المنزل على الإطلاق.»
تقول ماجدة في تعاطف: «بالطبع لا تتذكرين … لم يكن ثمة ضوء في هذا المنزل؛ لذا لم يكن ثمة أي لون. لم يكن ثمة حتى محاولة لطلاء المنزل. كان كئيبًا جدًّا، لدرجة لا يمكن تصورها.»
فضلًا عن هدم الشرفة القاتمة، القديمة، الحاجزة للضوء في المنزل الخشبي المصنوع من جذوع الأشجار، وضعت ماجدة — التي هي متزوجة الآن من والد دينيس، لورنس — كوات في السقف، وطلت بعض الجدران باللون الأبيض، والبعض الآخر باللون الأصفر. كانت قد علقت بعض المنسوجات المجلوبة من المكسيك والمغرب، وبُسطًا من كيبيك. حلت الخزائن والموائد المصنوعة من خشب الصنوبر محل الأثاث القديم المطلي بشكل رديء. هناك جاكوزي تحيطه النوافذ والخضرة، ومطبخ رائع. لا بد أن كل هذا تكلَّف أموالًا كثيرة. لا شك في أن لورنس ثري بما يكفي الآن حتى يدفع ثمن كل هذا. يمتلك مصنعًا صغيرًا للبلاستيك، قرب أوتاوا، متخصص في صناعة ألواح النوافذ وأغطية المصابيح التي تبدو مثل الزجاج المعشق. التصميمات جميلة، الألوان غير صارخة أكثر مما ينبغي، وكانت ماجدة قد وضعت بعضها في هذا المنزل في أماكن غير ظاهرة.
ماجدة امرأة إنجليزية، ليست مجرية مثلما قد يوحي اسمها. كانت راقصة، ثم صارت مدرسة رقص. وهي امرأة قصيرة، ممتلئة الخصر، لا تزال جميلة، ذات عنق شاحب ناعم، ذات شعر جميل، منسدل ذهبي اللون يتخلله اللون الفضي. ترتدي ثوبًا رماديًّا وشالًا بألوان زهرية خافتة، يُسدل أحيانًا على الأريكة في غرفة نومها.
قالت دينيس ذات مرة لأخيها بيتر: «ماجدة صاحبة ذوق رفيع جدًّا.»
قال بيتر: «ما العيب في ذلك؟» يعمل بيتر مهندس كمبيوتر في كاليفورنيا، ويعود إلى موطنه ربما مرة سنويًّا. لا يفهم لماذا لا تزال دينيس مهتمة جدًّا بمثل هؤلاء الأشخاص.
قالت دينيس: «لا شيء … لكن عندما تذهب إلى المنزل الخشبي، لن تجد حتى كومة من أغطية المائدة ملقاة على خزانة قديمة. ثمة كومة «محسوبة». لا يوجد مضرب بيض أو سلطانية معلقة في المطبخ إلا وتكون أفضل مضارب البيض أو السلطانيات التي يمكن أن يشتريها المرء.»
نظر بيتر إليها ولم يقل شيئًا. قالت دينيس: «حسنًا.»
كانت دينيس قد قادت سيارتها آتية من تورونتو، مثلما تفعل مرة أو مرتين كل صيف، لزيارة والدها وزوجته. يقضي لورنس وماجدة الصيف كله هنا، ويتحدثان عن بيع منزلهما في أوتاوا، وعن العيش هنا طوال السنة. يجلس ثلاثتهم في الفناء المرصوف المصنوع من الطوب الذي حل محل الشرفة، في فترة ما بعد الظهيرة في يوم الأحد في نهاية أغسطس. تمتلئ الأصص البنِّية الخاصة بماجدة بزهور تتفتح في الخريف؛ لا تعرف منها دينيس إلا زهور الغرنوقي. يشربون خمرًا بالصودا؛ المشروبات الرئيسية ستقدم عندما يصل الضيوف على العشاء. حتى الآن، لا توجد مجادلات سخيفة. في طريقها إلى هنا، قررت دينيس ألا تدخل في مجادلات كهذه. في السيارة، استمعت إلى شرائط لموسيقى موتسارت لاسترجاع شعورها بالثبات ولتشجيع نفسها. اتخذت قرارات. وحتى الآن، تسير الأمور على ما يرام.
تدير دينيس مركزًا لرعاية حقوق النساء في تورونتو. تحصل للنساء اللائي يمارس ضدهن العنف على مأوى، وتبحث لهن عن أطباء ومحامين، وتسعى للحصول على دعم خاص وحكومي، وتلقي خطبًا، وتعقد اجتماعات، وتتعامل مع مشكلات حياتية مختلفة وفي بعض الأحيان تكون خطرة. تكسب مالًا أقل من بائع في متجر مشروبات كحولية حكومي.
يقول لورنس إن ابنته تعد نموذجًا للفتيات ذوات الخلفية متيسرة الحال.
يقول لورنس إن هذا المركز فكرة طيبة بالنسبة لأولئك اللائي يحتجنه بالفعل. لكنه لديه بعض التساؤلات أحيانًا.
عم يتساءل أحيانًا؟
بصراحة، يتساءل أحيانًا هل كانت بعض تلك النساء — بعضهن — لا يستحققن كل هذا الاهتمام اللائي يحصلن عليه؛ إذ تدعين أنهن جرى الاعتداء عليهن واغتصابهن، إلى آخره.
عادةً يُلقي لورنس الطُّعم، وتلتقطه دينيس. (تنأى ماجدة بنفسها عن هذه المحادثات، وتتأمل مبتسمة زهورها.)
أموال دافعي الضرائب. مساعدة أولئك الذين لا يساعدون أنفسهم. التخلُّص من الأمطار الحمضية. نفقد وظائف؛ ستحتج نقاباتك.
«ليست «نقاباتي».»
«إذا صوَّتِّ لصالح الديمقراطيين الجدد، فهي نقاباتك. من يدير الديمقراطيين الجدد؟»
لا تستطيع دينيس أن تعرف إذا كان حقًّا يصدق ما يقول، أو يصدق نصفه، أو يشعر فقط بأنه مجبر على قول أشياء محددة لها. تخرج أكثر من مرة من عنده وهي تبكي وتركب سيارتها وتعود إلى تورونتو. يقول حبيبها، وهو ماركسي مرح من جزيرة كاريبية، والذي لا تأتي به إلى منزلها، إن الرجال الشيوخ، الرجال الشيوخ الناجحين، في مجتمع صناعي رأسمالي يكونون في معظم الأحيان أشرارًا؛ لم يعد متبقيًا فيهم إلا دفاعاتهم الشرسة وجشعهم الهائل. تتجادل معه دينيس أيضًا. بادئ ذي بدء، أبوها ليس شيخًا. كما أن أبوها من داخله شخص طيب.
تقول: «سئمت من تعريفاتك الذكورية ومجادلاتك الذكورية التي لا تفسح مجالًا لأحد.» ثم تقول في إطراق: «أيضًا، سئمت من سماع نفسي أقول «ذكوري» على هذا النحو.» تفهم جيدًا أنها إذا استطاعت الصمود في الجدال، فسيمنحها أبوها شيكًا من أجل المركز.
لكن اليوم لم يلِنْ عزمها. كانت قد التقطت جزءًا يسيرًا من الطُّعم لكنها استطاعت الإفلات منه، سمكة حاذقة تبدو بريئة، تتحدث في أغلب الأحيان إلى ماجدة، معبرةً عن إعجابها بالتفاصيل المختلفة للتجديدات في المنزل. ينهض لورنس — الذي يبدو كرجل ساخر، وسيم ذي شارب ناعم رمادي بالكامل، وشعر ناعم بني مائل إلى الرمادي آخذ في النحول، رجل طويل به تدلٍّ بسيط في كتفيه وبطنه — من مكانه عدة مرات ويسير إلى البحيرة ثم يعود، ويسير إلى الطريق ثم يعود، يتنهد في عمق، مظهرًا عدم رضائه عن طريقة الحديث الأنثوية هذه.
أخيرًا، يتحدث فجأة إلى دينيس، مقاطعًا ما تقول ماجدة.
«كيف حال أمك؟»
تقول دينيس: «بخير … بقدر ما أعلم، هي بخير.»
تعيش إيزابيل بعيدًا، في وادي كومكس، في كولومبيا البريطانية.
«إذن، كيف حال تربية الماعز؟»
الرجل الذي تعيش إيزابيل معه صائد سمك تجاري كان يعمل مصورًا في التليفزيون. يعيشان في مزرعة صغيرة، ويؤجران الأرض، أو جزءًا منها، إلى رجل يربي الماعز. في وقت ما، أسرت دينيس بهذا إلى لورنس (تحرص على ألا تفضي له بأن الرجل أصغر من إيزابيل بعدة سنوات وأن العلاقة بينهما «غير مستقرة» بصورة دورية)، ويصر لورنس من حينها على أن إيزابيل وخليلها (هذه هي كلمته) يقومان بتربية الماعز. تستحضر أسئلته إلى الذهن عالمًا من المشاق الريفية؛ جهدًا جهيدًا في الطين مع حيوانات حرنة، فقرًا، نوعًا من المثالية المروعة التي عفا عليها الزمن.
تقول دينيس، مبتسمةً: «بخير.»
عادةً تجادل، تشير إلى الأخطاء، تتهمه بتشويه الحقائق، سوء النية، والأذى.
«هل لا يزال هناك معتنقون للثقافة المضادة يرغبون في شراء لبن ماعز؟»
«أعتقد ذلك.»
ترتعش شفتا لورنس تحت شاربه في نفاد صبر. تظل تنظر إليه، محافظةً على تعبير من الانشراح البريء والوقح. ثم يطلق ضحكة مفاجئة.
يقول: «لبن ماعز!»
تقول ماجدة: «هل هذه المزحة الجديدة الخاصة؟ … ماذا ينقصني هنا حتى أفهمها؟ لبن ماعز؟»
يقول لورنس: «ماجدة، هل تعلمين أن في عيد ميلادي الأربعين اصطحبتني دينيس على متن طائرة؟»
تقول دينيس: «لم أقد الطائرة في حقيقة الأمر.»
«عيد ميلادي الأربعون، عام ١٩٦٩. العام الذي جرى فيه أول هبوط على القمر. كانت لقطة الهبوط على القمر في حقيقة الأمر بعد عيد ميلادي بيومين. كانت قد سمعتني أقول كثيرًا إنني أتمنى أن أستطيع أن ألقي نظرة على هذه البلاد من مسافة قدرها ألف قدم. كان يمكن أن أستقل طائرة من أوتاوا إلى تورونتو، لكني لن أستطيع أن أرى شيئًا على الإطلاق.»
تقول دينيس: «دفعت ما يكفي حتى نستأجر الطائرة، لكن كما حدث، طرنا جميعًا معًا، في طائرة من خمسة مقاعد … بنفس السعر العادي.»
يقول لورنس: «طرنا جميعًا باستثناء إيزابيل … كان على أحدنا أن يتخلف، وهكذا فعلت.»
تقول دينيس مخاطبةً ماجدة: «جعلته يقود السيارة — جعلت أبي يقود السيارة — معصوب العينين إلى المطار … لا، لم أجعله يقود معصوب العينين» — كانوا جميعًا يضحكون — «بل جعلته يركب معصوب العينين، بحيث لا يعرف إلى أين كنا متوجهين ويكون الأمر مفاجأة بالكامل بالنسبة له.»
يقول لورنس: «قادت أمي السيارة … أظن أنني كنت سأقود السيارة معصوب العينين بصورة أفضل. لماذا قادت هي السيارة وليس إيزابيل؟»
«كان علينا الذهاب في سيارة جدتي. لم تكن سيارة البيجو تسعنا جميعًا، وكان عليَّ أن أتأكد من مراقبتنا جميعًا لك؛ لأن ذلك كان مفاجأتي الكبرى. هديتي. كنت مديرة مسرح مريعة.»
يقول لورنس: «طرنا جميعًا فوق بحيرة ريدو … أحبت أمي الطيران. أتذكران أنها مرت بتجربة سيئة ذلك الصباح، مع الهيبيز؟ لذا كان الأمر طيبًا بالنسبة إليها. كان الطيار كريمًا للغاية. بالطبع، جعل زوجته تعمل. كانت تصنع الكعكات، أليس كذلك؟»
تقول دينيس: «كانت متعهدة توريد أطعمة.»
يقول لورنس: «صنعت كعكة عيد ميلادي … يوم عيد الميلاد ذلك. اكتشفت ذلك لاحقًا.»
تقول ماجدة: «ألم تقم بذلك إيزابيل؟ … ألم تصنع إيزابيل الكعكة؟»
تقول دينيس، التي صار صوتها حذرًا وآسفًا قليلًا: «لم يكن الموقد يعمل.»
تقول ماجدة: «آه … ما المؤسف في التجربة إذن؟» •••
عندما تصل دينيس، وبيتر، ووالدهما إلى المنزل الخشبي كل صيف من أوتاوا، تكون جدة الأطفال صوفي موجودة هناك بالفعل، قادمة من تورونتو، ويكون المنزل مفتوحًا، مهوًّى، ومنظَّفًا قدر الإمكان. كانت دينيس تجري عبر الغرف خافتة الإضاءة التي تشبه الكهوف وتحتضن الوسائد المتكتلة، صانعةً نوعًا من القصص الدرامية للتعبير عن سرورها لوجودها في المنزل. لكنه كان سرورًا حقيقيًّا. كانت تفوح من المنزل رائحة أجزاء خشب أرز موطوءة، رطوبة لم تُبدد قط، ورائحة فئران الشتاء. كان كل شيء دومًا كما هو. كانت توجد هنا لعبة الورق المملة التي كانت تستخدم في تعليم أسماء الزهور البرية الكندية، ولعبة سكرابل، ضاع منها حرفا واي ويو، كما توجد الكتب المريعة التي لا تقاوم التي تعود إلى طفولة صوفي، كتاب كرتون عن الحرب العالمية الأولى، الأطباق غير المتجانسة، صحون الفناجين المكسورة التي كانت صوفي تستخدمها كمرامد، السكاكين والشوك ذات المذاق الباهت، الغريب والرائحة التي كانت تبدو إما مثل رائحة المعدن أو مياه غسيل صحون.
كانت صوفي هي الوحيدة التي تستخدم الموقد. أعدت بطاطس مشوية غير ناضجة، وكعكات لم تنضج بعد في الجزء الأوسط منها، ودجاجًا لا تزال هناك دماء في عظامه. لم تفكر قط في استبدال الموقد. هي ابنة رجل ثري، لكنها فقيرة الآن؛ كانت أستاذًا مساعدًا متخصصة في اللغات الإسكندنافية، وخلال معظم حياتها العملية، كانت تعتقد أن معظم زملائها فقراء؛ فقد كان لديها عادات إنفاق غريبة. كانت دومًا تغلف مجموعة من الشطائر لتأكلها في رحلات القطار، ولم تكن تذهب إلى مصفف الشعر قط، لكنها لم تكن لتحلم قط بإرسال لورنس إلى مدرسة عادية. كانت تنفق المال على المنزل الخشبي على مضض، لا لأنها لم تكن تحب المنزل (كانت تحبه)، لكن لأن غريزتها أشارت عليها بأن تضع أصصًا تحت أماكن التسريب، وأن تضع شرائط لاصقة حول أطر النوافذ، وأن تعتاد على الميل في الأرضية وهو ما كان يشير إلى أن أحد دعائم الأساسات كان ينهار. ومهما احتاجت إلى المال، فلم تكن لتفكر في بيع أيٍّ من ممتلكاتها التي توجد حول المنزل، مثلما باع إخوتها منذ وقت طويل ما يملكونه على كلا الجانبين، بسعر مربح للغاية، إلى ساكني الأكواخ.
كانت أم دينيس وأبوها يطلقان على صوفي اسمًا كان بمنزلة مزحة بينهما، وسر. النوردية القديمة. يبدو أنه بعد فترة قصيرة من لقائهما، كان لورنس قد قال، واصفًا صوفي لإيزابيل: «أمي ليست أمًّا تقليدية تمامًا. تستطيع أن تقرأ اللغة النوردية القديمة. في حقيقة الأمر، تشبه قليلًا النورديين القدماء.»
في السيارة في الطريق إلى المنزل الخشبي، مستشعرين وجود صوفي في انتظارهم، كانوا قد لعبوا هذه اللعبة:
«هل يمكن إصلاح نافذة سيارة نوردية قديمة عن طريق شريط لاصق أسود؟»
«لا. إذا كُسرت نافذة سيارة نوردية قديمة، فلا يمكن إصلاحها.»
«ما البرنامج الإذاعي المفضل لدي شخص نوردي قديم؟»
«لنرَ. لنرَ. أوبرا متروبوليتان؟ كرستن فلاجستد تغني فاجنر؟»
«لا. الأمر مكشوف أكثر من اللازم. نخبوي أكثر مما ينبغي.»
«الأغاني الشعبية من بلاد كثيرة؟»
قالت دينيس من المقعد الخلفي: «ما إفطار الشخص النوردي القديم؟ … العصيدة!» كانت العصيدة أكثر الأطعمة التي تكرهها.
قال لورنس: «العصيدة مع سمك القد … لا تخبري جدتي عن هذه اللعبة أبدًا يا دينيس. أين يقضي النوردي القديم إجازة الصيف؟»
قالت إيزابيل في حدة: «لا يقضي النوردي القديم أي إجازة صيفية … يقضي النوردي القديم إجازة شتوية. ويتجه شمالًا.»
قال لورنس: «سبيتسبرجن … أراضي خليج جيمس باي المنخفضة.»
قالت إيزابيل: «رحلة بحرية … من ترومسو إلى آركانجل.»
«ألا توجد هناك ثلوج كثيرة؟»
«حسنًا، رحلة بحرية على متن كاسحة ثلوج. الجو مظلم جدًّا؛ لأن تلك الرحلات تسير فقط في شهري ديسمبر ويناير.»
قالت دينيس: «ألن تظن جدتي أن ذلك كان مضحكًا أيضًا؟» تصورت جدتها تخرج من المنزل وتسير عبر الشرفة الخارجية لتقابلهم؛ تلك المرأة العجوز المنمَّشة، القوية، العريضة، ذات الشعر الأبيض المائل إلى الاصفرار، التي تفوح من ستراتها، وبلوزاتها، وتنوراتها القديمة رائحة المنزل، والتي كانت تحيتها ودودة في هدوء، وحائرة قليلًا في آن واحد. هل تعجبت لأنهم وصلوا إلى هنا بسرعة جدًّا، أن الأطفال قد كبروا، أن لورنس صار فجأة صاخبًا جدًّا، أن إيزابيل بدت شديدة النحافة والشباب؟ هل كانت تعرف كيف كانوا يتمازحون حولها في السيارة؟
قال لورنس في نبرة غير مشجعة: «ربما.»
قالت إيزابيل: «في تلك القصائد القديمة التي تقرؤها … تعرفين تلك القصائد الأيسلندية القديمة، هناك تلك الدماء الرهيبة المراقة وتقطيع الناس إربًا؛ النساء على وجه الخصوص، تشق إحداهن رقبة أطفالها وتخلط الدماء في نبيذ زوجها. قرأت ذلك. لكن صوفي مسالمة واشتراكية، أليس الأمر غريبًا؟» •••
قادت إيزابيل سيارتها إلى أوبريفيل في الصباح للإتيان بكعكة عيد الميلاد. ذهبت دينيس معها لحمل الكعكة طوال الطريق إلى المنزل. كانت رحلة الطائرة قد جرى ترتيبها لخمسة أشخاص فيما بعد الظهيرة. لم يكن أحد يعرف هذا سوى إيزابيل، التي كانت قد ذهبت مع دينيس إلى المطار الأسبوع السابق. كانت هذه كلها فكرة دينيس. كانت قلقة الآن بشأن السُّحُب.
قالت إيزابيل: «لا بأس من هذه السحب المتفرقة … إنها هذه السحب البيضاء الكبيرة المتجمعة التي ربما تشير إلى وجود عاصفة.»
قالت دينيس: «السحب الركامية … أعرف. هل تعتقدين أن أبي برج سرطان صرف؟ يحب البيت والطعام؟ يتعلق بالأشياء؟»
قالت إيزابيل: «أظن هذا.»
«ماذا كنت تعتقدين عندما قابلتِه للمرة الأولى؟ أعني، ماذا جذبك إليه؟ هل كنت تعرفين أن هذا هو الشخص الذي سينتهي بك المطاف لتتزوجيه؟ أعتقد أن الأمر برمته غريب جدًّا.»
كان لورنس وإيزابيل قد التقيا في كافيتريا الجامعة، حيث كانت إيزابيل تعمل صرَّافة. كانت طالبة في السنة الأولى، فتاة ذكية، فقيرة من الجانب الذي يقع المصنع فيه في البلدة، ترتدي سترة قرنفلية ضيقة كان لورنس يتذكرها دومًا.
(قالت إيزابيل: «متاجر وولوورث … لم أكن أعرف أي متاجر أفضل منها. كنت أعتقد أن عضوات أندية الطالبات كانت عتيقات في طراز ملابسهن.»)
كان أول شيء قالته للورنس: «هذا خطأ.» كانت تشير إلى اختياره، فطيرة الراعي.
كان لورنس محرجًا أو عنيدًا جدًّا بحيث لا يستطيع إرجاعها. قال: «تناولتها من قبل وكانت جيدة.» انتظر للحظة قبل أن يحصل على الباقي. «يذكرني هذا بما تصنع أمي.»
«لا بد أن أمك طاهية مريعة.»
«هي كذلك.»
هاتفها تلك الليلة، مراوغًا حتى يعرف اسمها. قال في عدم ثبات: «أنا صاحب فطيرة الراعي … هل تذهبين معي إلى السينما؟»
قالت إيزابيل، تلك الفتاة الفظة، التي ترتدي سترة ضيقة، والتي ستكون بمنزلة مفاجأة بالنسبة إلى صوفي بالتأكيد: «أنا مندهشة لأنك لا تزال حيًّا … بالتأكيد.»
كانت دينيس تحفظ هذا عن ظهر قلب. كانت تسعى إلى شيء مختلف. «لماذا خرجتِ معه؟ لماذا قلت: «بالتأكيد»؟»
قالت إيزابيل: «كان وسيمًا … بدا مثيرًا.»
«هل هذا كل ما في الأمر؟»
«حسنًا. لم يكن يتصرف كما لو كان عطية الرب إلى النساء. كانت يتورد خجلًا عندما كنت أتحدث إليه.»
قالت دينيس: «إنه يتورد خجلًا أحيانًا … وهكذا أنا. هذا أمر مريع.»
كانت تظن أن هذين الشخصين، لورنس وإيزابيل، أباها وأمَّها؛ يخفيان عنها شيئًا. شيئًا بينهما. تستطيع أن تشعر بشيء يبرز حديثًا ومعذبًا، أو كامنًا في الأسفل ومرًّا، لكنها لم تتوصل قط إلى ماهية الأمر، أو كيف كان الأمر يمضي. لم يكونا ليسمحا لها.
كانت أوبريفيل بلدة بيوتها مصنوعة من الحجر الجيري، مشيدة بحذاء النهر. كان مسبك المواقد القديم، الذي كان مصدر دخل والد صوفي، لا يزال موجودًا هناك على ضفاف النهر. كان قد تحوَّل جزئيًّا إلى مركز صناعات، حيث يصنع الناس الزجاج، وينسجون الأوشحة، ويصنعون بيوت الطيور، التي كانت تُباع في مقر المركز. كان اسم فوجلسانج — الاسم الألماني الذي كان يظهر أيضًا على المواقد وكان قد أسهم في سقوط الشركة خلال الحرب العالمية الأولى — لا يزال موجودًا، منحوتًا في الصخر، فوق الباب. تحول المنزل الجميل الذي ولدت صوفي فيه إلى دار رعاية.
كانت المتعهدة تعيش في أحد شوارع البلدة الجديدة؛ الشوارع التي كانت صوفي تكرهها. كانت الشوارع مرصوفة حديثًا، عريضة وسوداء، ذات حواف ناعمة. لم يكن ثمة أرصفة. لم يكن ثمة أشجار أيضًا، ولا وشائع أو سياجات، فقط بعض شجيرات الزينة الصغيرة تحوطها بكرات من الأسلاك لحمايتها. كانت المنازل ثلاثية المستويات التي على غرار بيوت المزارع يلي بعضها بعضًا. كانت بعض الطرق الخاصة مرصوفة بحجر مسحوق أبيض لامع يُسمى، في أوبريفيل، «رخامًا أبيض». وسط إحدى المروج، كان ثمة ثلاث غزالات بلاستيكية منقطة، وعند عتبة باب، صبي أسمر صغير يحمل مصباحًا للعربات. كان ثمة مجموعة من الصخور الضخمة الملطخة باللونين القرنفلي والرمادي تمنع الناس من عبور قطعة أرض جانبية.
قالت إيزابيل: «صخور بلاستيكية … أتساءل هل كانت ثقيلة أم أنها ملتصقة بالأرض؟»
أخرجت المتعهدة الكعكة إلى السيارة. كانت بدينة، داكنة الشعر، امرأة جميلة إلى حد ما في الأربعينيات من عمرها، ذات ظلال عينين خضراء كثيفة، وتسريحة شعر رائعة، لامعة، ومنفوشة.
قالت: «كنت أترقب مجيئك … عليَّ أن أعد بعض الفطائر من أجل رابطة المحاربين القدماء. هل تريدين أن تلقي نظرة على هذه الكعكة وترين هل كانت على ما يرام؟»
قالت إيزابيل، مخرجةً محفظتها: «أنا متأكدة أنها رائعة.» تناولت دينيس صندوق الكعكة ووضعته على حجرها. قالت المرأة: «أتمنى أن تكون لدي فتاة بهذا الحجم لمساعدتي.»
نظرت إيزابيل إلى الصبيين — كانا في الثالثة والرابعة من عمرهما — كانا يقفزان إلى حوض سباحة منفوخ على المرجة وخارجه. قالت في أدب: «هل هذان الصبيان ابناك؟»
«هل تمزحين؟ هذان ابنا ابنتي تركتهما معي. لدي ابن متزوج وابنة متزوجة، وابن آخر، المرة الوحيدة التي أراه فيها يكون مرتديًا خوذة دراجته البخارية. لقد أنجبتُ مبكرًا.»
كانت إيزابيل قد بدأت في الرجوع بسيارتها إلى الخلف عندما أطلقت دينيس صيحة دهشة. «أمي! هذا هو الطيار!»
كان رجل قد خرج من الباب الجانبي وكان يتحدث إلى المتعهدة.
قالت إيزابيل: «اللعنة، دينيس، لا تخيفيني هكذا! … كنت أظن أن أحد الأطفال يجري خلف السيارة.»
«هذا هو الطيار الذي كنت أتحدث إليه في المطار!»
«لا بد أنه زوجها. حافظي على توازن الكعكة.»
«لكن أليس هذا غريبًا؟ في يوم عيد ميلاد أبي؟ المرأة التي صنعت هذه الكعكة متزوجة من الرجل الذي سيقود الطائرة التي سيستقلها. «ربما» يكون هو. لديه زوجة. يعطي هو وزوجته دروسًا في الطيران ويطيران بصائدي الحيوانات شمالًا في الخريف ويطيرون بصائدي السمك إلى البحيرات التي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الطيران. أخبرني بذلك. أليس هذا غريبًا؟»
«الأمر غريب قليلًا في مكان في حجم أوبريفيل. دينيس، يجب أن تحذري عند حمل هذه الكعكة.»
تراجعت دينيس قليلًا، شاعرةً ببعض الإهانة. إذا كان أحد البالغين قد صرخ في دهشة كما فعلت، فلم تكن إيزابيل لتظهر مثل هذا الاستياء البالغ. إذا كان أحد البالغين قد علَّق على هذه المصادفة الغريبة، لكانت إيزابيل ستتفق أن الأمر غريب حقًّا. كانت دينيس تكره أن تعاملها إيزابيل مثل طفلة. مع جدتها، أو لورنس، كانت تتوقع نوعًا من الغلظة وعدم المرونة. كان هذان الاثنان لا يتغيران أبدًا. لكن إيزابيل قد تكون موضع ثقة، ودودة، متفهمة إلى أبعد الحدود، ثم تصير فجأة غير ودودة وسريعة الانفعال. في بعض الأحيان كلما أعطت، شعر المرء برضاء أقل. كانت دينيس تظن أن أباها كان يشعر بذلك تجاه إيزابيل، أيضًا.
كانت إيزابيل ترتدي اليوم تنورة طويلة ملفوفة من القطن الهندي — تنورة الهيبيز، مثلما يُطلق عليها لورنس — وقميصًا بحمالة عنق داكن الزرقة. عن بعد، كانت تبدو نحيفة وبنية البشرة — كانت بشرتها مسمرة جدًّا، بالنظر إلى حمرة شعرها — في حوالي الخامسة والعشرين من عمرها. حتى عندما يقترب المرء منها، لم تكن تبدو أكثر من التاسعة والعشرين من عمرها. هكذا كان لورنس يقول. لم يكن يدعها تقص شعرها الأحمر الداكن، وكان يتأكد من أنها تحتفظ بلون بشرة مسمر مناسب، مناديًا إياها: «إلى أين أنت ذاهبة؟» بصوت محذر، منزعج، عندما كانت تحاول الانتقال إلى الظل أو الصعود إلى المنزل قليلًا.
«إذا تركتها، ستتسلل إيزابيل بعيدًا عن الشمس في كل مرة أدير فيها ظهري.» كان هذا ما قاله لورنس للزائرين، وسمعت دينيس إيزابيل تضحك.
«هذا صحيح. عليَّ أن أشكر لورنس. لم أكن لأستطيع وحدي الحصول على بشرة مسمرة. أشعر وكأن مخي يُحمَّر.»
قال لورنس، بطريقة استعلائية، هازلة، مربتًا على البطن الناعمة التي يكشف عنها بكيني إيزابيل: «من يأبه بالمخ المحمر إذا كان لديك جسد بني رائع؟»
جعلت هذه التربيتات الإيقاعية الصغيرة معدة دينيس تضطرب. كانت الطريقة الوحيدة التي كانت تستطيع من خلالها منع نفسها من الصياح قائلةً «توقف!» هي القفز، والهروع إلى البحيرة فاتحةً ذراعيها، ومطلقةً أصوات صياح سخيفة من فمها. •••
عندما رأت دينيس المتعهدة مرة أخرى، كان قد مر أكثر من عام. كان ذلك تقريبًا في نهاية أغسطس، يوم غائم، دافئ، قليل الهواء، قرب نهاية إقامتهما الصيفية في المنزل الخشبي. كانت إيزابيل قد ذهبت إلى البلدة في واحدة من الزيارات الصيفية المعتادة إلى طبيب الأسنان. كان ثمة علاج أكثر تعقيدًا في أوبريفيل؛ لأنها كانت تحب طبيب الأسنان بها أكثر من طبيب الأسنان في أوتاوا. لم تكن صوفي قد مكثت في المنزل الخشبي منذ بداية الصيف. كانت في مستشفى ويلسلي، في تورونتو، تُجري بعض الفحوصات.
كانت دينيس وبيتر وأبوهما في المطبخ يصنعون شطائر لحم خنزير مقدد بالطماطم للغداء. هناك بضعة أكلات يعتقد لورنس أنه يستطيع طهيها أفضل من أي شخص آخر، وكانت إحداها لحم الخنزير المقدد. كانت دينيس تقطِّع الطماطم، وكان من المفترض أن يضع بيتر الزبد على الخبز المحمص، لكنه كان يقرأ كتابًا. كان الراديو مفتوحًا، يقدم نشرة أخبار الظهيرة. كان لورنس يحب سماع الأخبار عدة مرات يوميًّا.
ذهبت دينيس لترى مَن على الباب الأمامي. لم تتعرف في الحال على المتعهدة، التي كانت ترتدي ثوبًا أكثر شبابًا هذه المرة — ثوبًا فضفاضًا بألوان متموجة من اللون الأحمر، والأزرق، والأرجواني — ولم تكن تبدو جميلة مثلما كانت. كان شعرها مسدلًا على كتفيها.
قالت هذه المرأة: «هل أمك في المنزل؟»
قالت دينيس، في أدب جم كانت تعلم أنه جارح قليلًا: «آسفة، إنها ليست هنا الآن.» كانت تظن أن المرأة تبيع شيئًا ما.
قالت المرأة: «ليست هنا.» «لا. ليست هنا.» كان وجهها منتفخًا وغير مبتسم، وكان أحمر الشفاه الذي تضعه ثقيلًا على نحو مبهرج، وكان مكياج عينيها غير تام. كان صوتها غليظًا ينطوي على بعض التلميحات لم تتمكن دينيس من إدراكها تمامًا. لم تكن لتتكلم على هذا النحو إذا كانت تحاول أن تبيع شيئًا. هل يمكن أن يكونوا مدينين لها بالمال؟ هل تعدى بيتر على ملكيتها الخاصة أو أزعج كلبها؟
قالت دينيس في شيء من الأسف: «أبي هنا … هل ترغبين في التحدث إليه؟»
قالت المرأة، مطوحةً حقيبة يدها الكبيرة، الحمراء اللامعة تحت إبطها: «أبوك، نعم، سأتحدث إليه … لماذا لا تذهبين وتأتين به إذن؟»
أدركت دينيس أن هذا هو الصوت نفسه الذي كان قد قال: «أتمنى أن تكون لدي فتاة بهذا الحجم لمساعدتي.»
قالت لأبيها: «السيدة التي تتولى خدمات التعهيد على الباب.»
كرر قائلًا، في صوت غير مسرور، غير مصدق، كما لو كانت قد ادعت وجود هذه السيدة فقط لمقاطعته: «السيدة التي تتولى خدمات توريد الأطعمة؟»
لكنه مسح يديه ومضى إلى الردهة. سمعته يقول في خفوت: «نعم، حقًّا، ماذا أستطيع أن أفعل من أجلك؟»
وبدلًا من العودة في دقائق قليلة، اصطحب المرأة إلى غرفة الطعام، وأغلق الباب. لماذا ذهب إلى غرفة الطعام؟ كان الزائرون يُصحبون إلى غرفة المعيشة. كان لحم الخنزير المقدد، الذي كان موضوعًا على منشفة ورقية، يبرد.
كان ثمة نافذة صغيرة مرتفعة في الباب بين المطبخ وغرفة الطعام. عندما كانت صوفي فتاة صغيرة، كان ثمة طاهية في المطبخ. كانت الطاهية تراقب تناول الغداء من خلال هذه النافذة حتى تعرف متى تغيِّر الأطباق وترفعها.
نهضت دينيس على أطراف أصابعها.
قال بيتر، دون أن يرفع عينيه من الكتاب: «جاسوسة.» كان كتاب خيال علمي يُسمى «عالم الشيطان».
قالت دينيس: «أريد فقط أن أعرف ماذا أصنع بالشطائر.»
رأت أن ثمة سببًا في الذهاب إلى غرفة الطعام. كان أبوها يجلس في مكانه المعتاد، عند رأس المائدة. كانت المرأة تجلس في مكان بيتر المعتاد، أقرب ما يكون إلى باب الردهة. وضعت محفظتها على المائدة، وكانت يداها متشابكتين أعلاها. أيًّا ما كان ما يتحدثان بشأنه كان يتطلب طاولة ومقاعد مستقيمة الظهر، ووضعَ جلوس جادًّا مستقيمًا. كان اللقاء مثل مقابلة. تُعطى المعلومات، وتُسأل الأسئلة، ويجري طرح مسألة ما.
حسنًا، حسنًا، حدَّثت دينيس نفسها. كانا يتحدثان عن مسألة ما. كانا سيفرغان من الحديث عنها، وسيسويانها، وسيجري تخطي الأمر. كان أبوها سيخبر العائلة بشأنها، أو لا يخبرهم على الإطلاق. سينتهي الأمر.
أغلقت الراديو. صنعت الشطائر. تناول بيتر نصيبه. انتظرت فترة، ثم تناولت نصيبها. شربا كوكاكولا، التي كان والدها يسمح لهما بها على الغداء. تناولت دينيس شطائرها وشربت مشروبها سريعًا. جلست على المائدة في هدوء تتجشأ وتعيد تذوق لحم الخنزير المقدد، وسمعت صوتًا رهيبًا لغريب يبكي في منزلهم.
من على متن الطائرة في عيد ميلاد أبيها، كانوا قد رأوا بعض السحب المتراكمة، الشفافة تقريبًا، الرقيقة في الناحية الغربية من السماء، وكانت دينيس قد قالت: «سحب ركامية.»
قال الطيَّار: «هذا صحيح … لكنها بعيدة تمامًا.»
قال لورنس: «لا بد أن الطيران عبر عاصفة رعدية أمر في غاية الإثارة.»
قال الطيار: «ذات مرة، نظرت إلى الخارج ورأيت حلقات زرقاء من النار حول مراوح الطائرة … حول المراوح وأطراف الأجنحة. ثم رأيت الشيء نفسه حول مقدمة الطائرة. مددت يدي للمس الزجاج — هذا الزجاج، الذي من نوعية بلكسيجلاس — وبمجرد أن اقتربت من لمس الزجاج، تصاعدت ألسنة لهب من أصابعي. لا أعرف هل كنت لمست الزجاج أم لا. لم أشعر بأي شيء. ألسنة لهب زرقاء صغيرة، ذات مرة أثناء عاصفة رعدية. هذا ما يطلقون عليه «نار القديس إلمو».»
قال بيتر من المقعد الخلفي: «ينشأ هذا جراء تفريغ كهربائي في الغلاف الجوي.»
أجاب الطيار قائلًا: «أنت على حق.»
قال لورنس: «هذا غريب.»
«جعلني ذلك أجفل.»
كان لدى دينيس صورة في عقلها للطيار تنطلق ألسنة اللهب الباردة من أطراف أصابعه، وهو ما بدا لها علامة على الألم، على الرغم من أنه قال إنه لم يشعر بأي شيء. تذكرت المرة التي لمست فيها السياج الكهربي. جعلتها الأصوات الصادرة عن غرفة الطعام تتذكر. واصل بيتر القراءة، ولم يقولا أي شيء، على الرغم من أنها كانت تعرف أنه كان يسمع الأصوات أيضًا. •••
ماجدة في المطبخ تعد السلاطة. تدندن بنغمات أوبرالية. «نعود إلى جبالنا». دينيس في غرفة الطعام ترتب المائدة. تسمع أباها يضحك في الشرفة الخارجية. وصل الضيوف؛ زوجان ثريان، حسنا المظهر، ليسا من سكان الأكواخ. جاء أحد الأزواج من بوسطن، والزوج الآخر من مونتريال. يمتلكان منزلًا صيفيًّا في ويستفيلد.
تسمع دينيس أباها يقول: «الحزن من التفكير في شرور العالم.» يقولها كما لو كانت اقتباسًا. لا بد أنه يشير إلى شيء ما يعرفونه جميعًا، من مجلة يقرءونها جميعًا.
تحدث نفسها، يجب أن أكون مثل بيتر. يجب أن أتوقف عن القدوم إلى هنا.
لكن ربما يكون كل شيء على ما يرام، وهذه هي السعادة، وهي عنيدة وطفولية أكثر مما ينبغي، سياسية على نحو مقبض — منغمسة حتى النخاع في ماضٍ هجره الجميع — بحيث لا يمكن أن تقبلها.
كان قد تم توسيع غرفة الطعام لتضم المساحة التي كان يشغلها جزء من الشرفة الخارجية، الامتداد كان من الزجاج؛ جدران وسقف مائل، كله من الزجاج. ترى نفسها في الزجاج الآخذ في الإظلام؛ امرأة حذرة، طويلة ذات جديلة طويلة، ترتدي ملابس لا توجد بها أي تطريزات أو زخارف، تجلس إلى المائدة الطويلة التي من خشب الصنوبر، بين السلطانيات الممتلئة عن آخرها في بهاء بنبات أبو خنجر، والأطباق الزجاجية الزرقاء الصغيرة الممتلئة بالملح. مناشف كتانية باللونين الأحمر والبرتقالي، شموع صفراء مثل أكوام مدورة من الزبد، وأطباق ريفية بيضاء سميكة ذات زخارف من الكرم حول الحواف. طبقات من الطعام والخمر الجاهز، والحديث الذي يقطع هواء الحياة؛ طبقات من التناغم والرضاء.
تتوقف ماجدة، التي تحمل السلاطة، عن الدندنة.
«أمك، هل هي سعيدة، في كولومبيا البريطانية؟»
تحدث دينيس نفسها بأن هذا هو خطؤها. خطأ إيزابيل.
يمكن أن ترد إلى ذهنها الآن فِكَر غير منصفة، غير مرحَّب بها، تتردد في عنف، بلا هدف.
تقول: «نعم … نعم. أعتقد هذا.» وهو ما تعني به أن إيزابيل، على الأقل، لا تأسف على شيء.
٢
جعل وقع أقدام صوفي الألواح الخشبية في الأرضية تهتز. كانت حافية القدمين، عارية تحت ثوب الاستحمام المخطط الوبري، في الصباح الباكر. كانت تسبح في البحيرة عاريةً منذ أن كانت طفلة وكان هذا الشاطئ كله ملكًا لأبيها، حتى مزرعة برايس. إذا أرادت أن تسبح هكذا الآن، فكان عليها أن تستيقظ باكرًا في الصباح. كان لا بأس في ذلك. كانت تستيقظ باكرًا. كان كبار السن يفعلون ذلك.
بعد أن تسبح، كانت تحب أن تجلس على الصخور وتدخن سيجارتها الأولى. كان هذا هو ما تبحث عنه الآن؛ لا سجائرها بل ولاعتها. نظرت إلى الرف فوق الحوض، في درج سكاكين المائدة — غير قاصدة أن تصدر أصوات صلصلة كهذه — وفي خزانة غرفة الطعام. ثم تذكرت أنها كانت جالسة في غرفة المعيشة الليلة الماضية، تشاهد مسلسل «ديفيد كوبرفيلد» في التليفزيون. وها هي، ولاعتها، على الذراع القذر للمقعد المكسو بقماش قطني مزخرف.
كان لورنس قد استأجر تليفزيونًا حتى يروا صورة الهبوط الأول على القمر. كانت قد اتفقت على أن هذه مناسبة يجب ألا تفوت الأطفال — يجب ألا تفوت أحدًا منهم، قال لورنس في حدة — لكنها كانت تفترض أن ذلك يعني استئجار التليفزيون مدة أربع وعشرين ساعة، ووجود التليفزيون في المنزل حتى صباح اليوم التالي. أشار لورنس إلى خطئها. سيجري تصوير مشهد القمر يوم الأربعاء، بعد غد، وسيكون الهبوط، إذا سار كل شيء على ما يرام، يوم الأحد. هل كانت تظن أن الرحلة لن تستغرق سوى ساعات؟ وقال لورنس إنه لا أمل في استئجار تليفزيون جيد إذا انتظروا حتى اللحظة الأخيرة. كان سكان الأكواخ جميعهم سيستأجرون التليفزيونات الجيدة. لذا، استأجروا تليفزيونًا قبل الموعد المحدد بعشرة أيام، ومنذ أن جاء التليفزيون إلى المنزل ظل لورنس يحاول حث صوفي على أن تشاهد عملية الهبوط. كان محظوظًا، اكتشف إعادة حلقات «ناشونال جيوجرافيك» الخاصة بالشتاء الماضي، حلقة عن جزر جلاباجوس، التي كانت صوفي تشاهدها دون اعتراض، وحلقة عن متنزهات أمريكا العامة، التي قالت إنها كانت جيدة ولم يفسدها إلا روح التباهي الأمريكية. ثم كان هناك مسلسل «ديفيد كوبرفيلد»، مسلسل تليفزيوني بريطاني يُعرض كل ليلة أحد في حلقات تمتد ساعة كاملة.
قال لورنس لصوفي: «أرأيت ماذا كان يفوتك؟» كانت قد رفضت أن يكون لديها تليفزيون كل هذه السنوات، ليس فقط في المنزل الخشبي، بل في شقتها في تورونتو.
قالت إيزابيل: «أوه، لورنس. لا تكرر الحديث عن هذا الموضوع.» كانت نبرة صوتها ودودة لكن ضجرة. كانت صوفي، التي لم تقل شيئًا، منزعجة بسبب إيزابيل أكثر من لورنس. كم كانت هذه الفتاة قليلة المعرفة بزوجها إذا كانت تتوقع منه أن يأخذ أي انتصار يحققه على محمل متحفظ! وكم كانت قليلة المعرفة بصوفي إذا كانت تتوقع أن حث لورنس إياها يزعجها! كان هذا هو أسلوبه، أسلوبهما. كان يضغط ويضغط على صوفي، ومهما كان ما يأخذه منها لم يكن كافيًا قط. اتضح أن استسلام صوفي لوجود تليفزيون لم يكن كافيًا؛ لم تكن تعبأ بما يكفي، وكان هذا هو ما يعرفه لورنس.
كان الأمر نفسه ينطبق على درجات السلم. (كانت صوفي تمضي في طريقها الآن نزولًا من الضفة إلى البحيرة، شاقةً طريقها بصعوبة عبر الهياكل الخشبية.) لم تكن صوفي تريد درجات سلم أسمنتية، مفضلةً قطعًا خشبية توضع في الضفة، لكنها استسلمت، أخيرًا، إلى شكاوى لورنس من تعفن القطع الخشبية والمجهود الذي كان يبذله في استبدالها. الآن كان يناديها يوميًّا ليريها التقدم الذي كان يحرزه.
قال معلنًا، في إيماءة تنم عن الجلالة: «أَصنع هذا من أجل الأجيال القادمة.» كان قد صنع درجة سلم تذكارية لكلٍّ منهم: صورة مطبوعة براحة اليد، الأحرف الأولى، التاريخ؛ يوليو، ١٩٦٩.
انسلت صوفي من الصخور إلى الماء، وسبحت نحو وسط البحيرة، في ضوء الشمس. ثم استدارت خلفها. على الرغم من وجود أكواخ بطول الشاطئ، كان معظم الناس لطفاء للغاية بحيث لم يقطع أحد الأشجار. يمكنها أن ترقد هنا في الماء وتتطلع إلى الضفة المرتفعة التي تتناثر عليها أشجار الصنوبر، والأرز، والحور، والقيقب الرخو، والبتولا البيضاء والذهبية. لم يكن ثمة رياح، ولا وجود لموجات في البحيرة اللهم إلا ما كانت تصنعها صوفي، غير أن أوراق البتولا والقيقب كانت تتحرك عفويًّا، تلمع مثل العملات المعدنية في الشمس.
كان ثمة حركة، ليس فقط في الأوراق. رأت صوفي أشكالًا بشرية. كانوا يأتون إلى الضفة، خارجين من بين الأشجار القريبة من الصخور حيث كانت قد تركت ثوب استحمامها. أنزلت جسدها في الماء، بحيث لم تعد طافيةً وإنما تخوض في الماء، تراقب الأشكال البشرية.
صبيَّان وفتاة. كان جميعهم يملكون شعرًا طويلًا، يصل إلى الخصر أو ما يقرب من ذلك، وإن كان أحد الصبيين قد عقص شعره في صورة ذيل حصان. كان للصبي صاحب ذيل الحصان لحية، ويضع نظارة سوداء، وسترة بذلة دون قميص تحتها. كان الصبي الآخر يرتدي بنطال جينز فقط. كان ثمة سلاسل أو قلائد، ربما ريش، يتدلى من صدره البني النحيف. كانت الفتاة بدينة وغجرية، ترتدي تنورة حمراء طويلة، ورابطة رأس معقودة حول جبهتها. كانت قد ربطت تنورتها في صورة عقدة مرنة في الأمام، بحيث تستطيع النزول إلى الضفة بسهولة.
لم يكن الأطفال — الشباب — الذين كانوا يبدون على هذا النحو يبدون غرباء بالنسبة إلى صوفي. يرى المرء الكثير منهم حول البحيرة في عطلات نهاية الأسبوع؛ أبناء من يعيشون في الأكواخ، يأتون زائرين ومصطحبين أصدقاءهم. في بعض الأحيان، كانوا يحتلون الأكواخ، في غياب الآباء، ويقيمون حفلات طوال عطلة نهاية الأسبوع. كانت نشرة أصحاب الأملاك قد اقترحت فرض حظر على الشعر الطويل و«أشكال الملابس الغريبة»، وأن يجري الإشراف على ذلك طوعًا من جانب كل مالك على أملاكه. كان قد جرى دعوة الناس إلى كتابة خطابات تدعم أو تعارض هذا الحظر، وكانت صوفي قد كتبت خطابًا تعارضه. كانت قد قالت في خطابها إن هذا الجانب بأكمله من البحيرة كان ملكًا لفوجلسانج، وأن أوجستوس فوجلسانج كان قد ترك الراحة النسبية في ألمانيا في عصر بسمارك للبحث عن الحرية في العالم الجديد، الذي كان جميع الأفراد فيه يقررون ماذا يرتدون، ويقولون، ويعبدون، إلى آخره.
لكنها لم تكن تظن أن أيًّا من هؤلاء الثلاثة كان يعيش في أيٍّ من هذه الأكواخ. كانوا لا شك معتدين على ملكية الآخرين، رحَّالة. لماذا كانت تعتقد ذلك؟ هناك شيء مراوغ حيالهم؛ لكنه أيضًا جريء، يدعو إلى الازدراء. لم تعتقد، مع ذلك، أنهم قد يتسببون في أي أذًى. كانوا كممثلين متجولين، مستغرقين في حياتهم، لكنهم ليسوا لصوصًا حقيقيين.
كانوا قد رأوا ثوب استحمامها. كانوا ينظرون إليها، عبر الماء.
لوَّحت لهم صوفي. نادت: «صباح الخير»، في نبرة مرحة، محيية، لتشير إلى أن الأمر يقتصر على التحية، ولا يوجد ما هو أكثر من ذلك تتوقعه منهم.
لم يلوِّح أيٌّ منهم أو يجيب. جلست الفتاة.
تناول الصبي عاري الصدر ثوب استحمام صوفي وارتداه. وجد السجائر والولاعة في جيب الثوب، وألقاهما إلى الفتاة، التي تناولت سيجارة وأشعلتها. جلس الصبي الآخر وخلع حذاءه طويل العنق ووضع قدميه في الماء.
تراقص الصبي الذي ارتدى ثوب الاستحمام قليلًا. كان شعره أسود، يلمع في بهاء، يرفرف على كتفيه. كان يقلد امرأة، على الرغم من أنه لم يكن يقلد صوفي بالتأكيد. (ورد إلى خاطرها الآن أنهم ربما كانوا يرقُبونها، ربما رأوها تخلع ثوب الاستحمام، وتنزل إلى الماء.)
نادت صوفي: «هل يمكن أن تخلع هذا من فضلك؟ … لا مشكلة في تناول سيجارة، لكن رجاءً أعد العلبة إلى الجيب!»
تراقص الصبي مرة أخرى، هذه المرة موليًا ظهره إياها. ضحك الصبي الآخر. كانت الفتاة تدخن، ولم يبدُ أنها تعير ما يحدث أدنى اهتمام.
«اخلع ثوب استحمامي وأعد سجائري!»
بدأت صوفي في السباحة نحو الشاطئ، جاعلةً رأسها أعلى الماء. خلع الصبي ثوب الاستحمام، وأمسكه، ومزقه نصفين. تمزق قماش الثوب البالي بسهولة. كوَّم أحد النصفين وألقاه في الماء.
صرخت صوفي: «أيها الحثالة الصغير!»
ألقى النصف الآخر.
كان الصبي صاحب ذيل الحصان يرتدي حذاءه طويل العنق.
مد الصبي ذو الشعر الأسود يديه إلى الفتاة. هزت رأسها. أدخل رأسه في ثنيات تنورتها، لكن صرخت معترضة. ألقى شيئًا آخر في الماء، بعد قطع ثوب الاستحمام.
ولاعة صوفي.
سمعت صوفي الفتاة تقول شيئًا — بدا شيئًا مثل «أيتها الحثالة اللعينة» — ثم بدأ الثلاثة في تسلق الضفة دون إلقاء نظرة أخرى نحو البحيرة. كان الصبي ذو الشعر الأسود يقفز في رشاقة، وكان الصبي الآخر يتبعه بسرعة وإن كان في ارتباك أكثر، وكانت الفتاة تتسلق في مشقة رافعةً تنورتها. غابوا جميعًا عن الأنظار عندما خرجت صوفي من الماء ورفعت نفسها فوق الصخور.
لم تكن سيجارة الفتاة — سيجارة صوفي — قد أُطفئت جيدًا بل أُلقي بها في صدع صغير مليء بالقاذورات، قاذورات وأحجار متكسرة بين الصخور.
جلست صوفي على الصخور، تأخذ أنفاسًا عميقة، متقطعة. لم تكن ترتجف؛ كان جسمها ساخنًا بسبب الغضب الشديد النَّكِد الذي لا طائل من ورائه والذي كانت تشعر به. كانت في حاجة إلى تمالك نفسها.
كانت لديها صورة ذهنية عن قارب التجديف الذي كان مربوطًا هنا عندما كانت طفلة. مركب قديم آمن شبيه بقارب التجديف، يتأرجح في الماء في مرسى القوارب. في كل مساء، بعد العشاء، كانت صوفي — أو صوفي وأحد إخوتها (هم أموات كلهم الآن)، لكن عادةً ما تكون صوفي وحدها — تجدِّف عبر البحيرة حتى مزرعة برايس للحصول على اللبن. كانت تأخذ صفيحة ذات غطاء، تُنظف وتطهر جيدًا من قبل طاهية آل فوجلسانج؛ حيث لم يكن يمكن الوثوق في أي وعاء من مزرعة برايس. لم يكن لدى آل برايس مرسى قوارب. كان ظهر منزلهم وفناؤهم ناحية البحيرة، وكانا يطلان على الطريق. كان على صوفي أن تسير بالقارب عبر الجريد، وأن تلقي بالحبل إلى أبناء برايس الذين كانوا يأتون للقائها. كانوا يخطون بأقدامهم في الطين، ويجذبون الحبل، ويصعدون إلى القارب بينما كانت تعطي صوفي تعليماتها المعتادة.
«لا ترفعوا المجداف من الماء! لا تغرسوه في الطين! لا تصعدوا جميعًا في جانب واحد!»
حافية القدمين، مثلما كانوا، كانت تقفز خارج القارب وتعدو إلى مصنع الألبان الحجري. (كان المصنع لا يزال هناك، وأصبح الآن، مثلما عرفت صوفي، معملًا لتحميض أفلام الكاميرات الفوتوغرافية لأحد سكان الأكواخ.) كان السيد أو السيدة برايس تصب اللبن المُزبد الدافئ في الصفيحة.
بعض أطفال آل برايس كان في عمر صوفي، وبعضهم كان أكبر سنًّا، لكنهم كانوا جميعًا أصغر حجمًا. كم كان عددهم؟ ماذا كانت أسماؤهم؟ تستطيع صوفي أن تتذكر ريتا، شيلدون أو سيلون، جورج، آني. كانوا دومًا أطفالًا شاحبين، على الرغم من شمس الصيف، وكانت أجسادهم تمتلئ بالعضات، والخدوش، وقشور الجروح، وعضات البعوض، وعضات بعوض القِرس، وعضات البراغيث، دامية ومتقيحة. كان ذلك لأنهم كانوا أطفالًا فقراء. بسبب فقرهم، كانت ريتا — أو آني — حولاء، وأحد الصبية كان لديه كتفان غير مستويتين على نحو غريب، كما أنهم كانوا يتحدثون على نحو غير صحيح مما جعل صوفي تجد صعوبة في فهم كلامهم. لم يكن أحد منهم يعرف كيف يسبح. كانوا يتعاملون مع القارب كما لو كان قطعة أثاث غريبة؛ شيئًا يجري تسلقه، والدخول فيه. لم يكن لديهم أدنى فكرة عن التجديف.
كانت صوفي تحب أن تذهب لكي تحضر اللبن بنفسها، ليس مع أحد إخوتها، بحيث تستطيع أن تتأخر وتتحدث إلى أطفال برايس، وتوجه إليهم أسئلة، وتخبرهم عن أشياء؛ وهو ما لم يكن إخوتها يفكرون في القيام به. أين كانت مدارسهم؟ ما الهدايا التي كانوا يتلقونها في الكريسماس؟ هل يحفظون أي أغانٍ؟ عندما اعتادوا عليها، بدءوا في إخبارها ببعض الأشياء. أخبروها عن المرة التي تحرر فيها الثور من قيده واقترب من الباب الأمامي، وعن المرة التي رأوا فيها كرةً من البرق ترقص عبر أرضية غرفة النوم، وعن الدمل الكبير في عنق سيلون وما كان يسيل منه.
كانت صوفي تريد أن تدعوهم إلى المنزل الخشبي. كانت تحلم بتحميمهم، وغسل ملابسهم، ووضع مراهم على العضات في أجسادهم، وتعليمهم كيفية الحديث بصورة صحيحة. في بعض الأحيان، أخذت تحلم حلمَ يقظةٍ معقدًا طويلًا كان كله يدور حول الكريسماس في عائلة برايس. كان الحلم يشمل إعادة تزيين وطلاء منزلهم، فضلًا عن تنظيف شامل لفنائهم. ظهرت نظارات سحرية، لعلاج العيون الحولاء. كان ثمة كتب مصورة، وقطارات كهربية، ودمى ترتدي أثوابًا من التفتة، وجيوش من الجنود اللعبة، وأكوام من حلوى المرزبان التي على شكل فواكه وحيوانات. (كانت المرزبان حلوى صوفي المفضلة. كشفت محادثة مع عائلة برايس عن الحلوى أنهم لم يكونوا يعرفون ما هي.)
ذات مرة، حصلت على إذن أمها لدعوة أحدهم إلى المنزل. كانت الفتاة التي دعتها للحضور إلى المنزل — ريتا أو آني — قد تراجعت في اللحظة الأخيرة، نظرًا لخجلها الشديد، فجاءت الأخرى بدلًا منها. كانت آني أو ريتا هذه ترتدي أحد أثواب استحمام صوفي، الذي كان فضفاضًا عليها بصورة مثيرة للسخرية. وظهر أنه من الصعب تسليتها. فلم تبدِ تفضيلًا لأي شيء. فلم تشر إلى أي نوع من الشطائر أو الحلوى أو الشراب كانت تريد، ولم تشر إلى أنها تريد اللعب بالأرجوحة، أو بجوار الماء أو بالدمى. كان يبدو أن ثمة شيئًا راقيًا في عدم إبداء اهتمامها بأي شيء، كما لو كانت تلتزم بقواعد سلوكية معينة لم تستطع صوفي أن تعرف عنها شيئًا. قبلت الحلوى التي أُعطيت إياها، وسمحت لصوفي بدفعها في الأرجوحة، في ظل غياب كامل للحماس. أخيرًا، أنزلتها صوفي إلى الماء وبدأت في إمساك الضفادع. كانت صوفي تريد نقل مستعمرة من الضفادع بالكامل من الخليج الصغير المغطى بالجريد من أحد جانبي مرسى القوارب، إلى رف وكهف جميل في الصخور على الجانب الآخر. كانت الضفادع تنتقل من جانب إلى آخر عبر الماء. أمسكت صوفي وابنة برايس بالضفادع، ووضعتها في أنبوب داخلي، ودفعتا بها حول مرسى القوارب — كانت المياه ضحلة، لذا استطاعت ابنة برايس أن تخوض فيها — إلى موطنها الجديد. في نهاية اليوم، كان قد جرى نقل الضفادع كلها.
كانت هذه الفتاة التي من عائلة برايس قد ماتت في حريق بالمنزل، مع بعض الأطفال الصغار، بعد ذلك بسنوات. أو ربما كانت هذه هي الفتاة الأخرى، التي تراجعت عن المجيء. باع الأخ الذي ورث المزرعة إياها إلى مطور عقاري، قيل إنه خدعه في ثمنها. لكن هذا الأخ اشترى سيارة كبيرة — ربما سيارة كاديلاك؟ — وكانت صوفي تراه في أوبريفيل في الصيف. كان ينظر إليها نظرة كان مفادها أنه لن يتحدث إليها إلا إذا تحدثت هي.
تذكرت صوفي أنها حكت قصة نقل الضفادع إلى والد لورنس؛ الذي كان مدرس لغة ألمانية، والذي جذبت انتباهه في البداية من خلال جدلها الشديد، في الصف، حول نطق إحدى الكلمات الألمانية. وبحلول الوقت الذي صارت فيه طالبة دراسات عليا، كانت مغرمة به جدًّا. وأصبحت حبلى منه، لكن كان كبرياؤها يمنعها من أن تطلب منه أن يتخلى عن كل شيء، أن يترك زوجته، أن يتبعها إلى المنزل الخشبي، حيث كانت تنتظر أن يولد لورنس، لكنها كانت تعتقد أنه كان عليه فعل ذلك. جاء إلى هنا، لكن مرتين فقط، في زيارة. جلسا عند مرسى القوارب، وتحدثت معه عن الضفادع وابنة برايس.
قالت: «بالطبع، عادوا جميعًا إلى منطقة الجريد في اليوم التالي.»
ضحك، وعلى نحو ما يفعل الرفاق ربت على ركبتها. «أوه، صوفي. ترين الوضع.»
كان اليوم هو عيد ميلاد لورنس الأربعين. ولد ابنها في يوم الاحتفال بذكرى اقتحام سجن الباستيل. أرسلت بطاقة بريدية لوالد لورنس قالت فيها: «سجين ذكر أُطلق سراحه في الرابع عشر من يوليو، زنة ثمانية أرطال وتسع أوقيات.» ماذا كانت زوجته تظن؟ لم تكن لتعرف. تحملت عائلة فوجلسانج الأمر برمته في كبرياء، وانتقلت صوفي إلى جامعة أخرى حتى تتأهل لمسارها الأكاديمي. لم تكذب قط وتقول إنها تزوجت. لكن لورنس، في المدرسة، كان قد اختار أبًا له، ابن عم أمه (ومن ثم اشتراكهما في الاسم)، الذي غرق في رحلة بقارب كنو. قالت صوفي إنها كانت متفهمة للوضع، لكنها كانت تشعر بخيبة أمل فيه. •••
في وقت لاحق من الظهيرة، وجدت صوفي نفسها في طائرة. كانت قد ركبت الطائرة مرتين من قبل؛ كلتا المرتين في طائرتين كبيرتين. لم تعتقد أنها كانت ستخاف. جلست في المقعد الخلفي بين حفيديها اللذين كانا يشعران بالإثارة، دينيس وبيتر — كان لورنس في المقدمة، مع الطيار — وفي حقيقة الأمر لم تستطع أن تقول إذا كان ما تشعر به خوفًا أو لا.
بدت الطائرة الصغيرة، وكأنها لا تتحرك على الإطلاق، على الرغم من أن محركها لم يتوقف أبدًا؛ كان يصدر ضجيجًا هائلًا. طاروا في الهواء، على ارتفاع ألف قدم أو نحو ذلك من الأرض. في الأسفل كانت شجيرات العرعر منتشرة مثل وسادة دبابيس في الحقول، وأشجار الأرز معروضة على نحو ساحر مثل أشجار الكريسماس اللعبة. كان ثمة موجات صغيرة لامعة في المياه الداكنة. كان مظهر الألعاب، والصغر المتناهي في كل شيء له تأثير مميز ومؤلم على صوفي. كانت تشعر كما لو كانت هي، لا الأشياء على الأرض، التي تضاءلت، لا تزال تتضاءل؛ أو أنها والأشياء كانت تتضاءل جميعًا. كان هذا الشعور في غاية القوة، حتى إنه تسبب في وخز خفيف في يديها وقدميها الضئيلة، التي تشبه الكابوريا الآن؛ وخزة ضآلة مدهشة، وعي بضآلة مدهشة. تقلصت معدتها؛ كانت رئتاها أشبه بجوالي بذور فارغين، وكان قلبها مثل قلب حشرة.
قال لورنس مخاطبًا الطفلين: «سرعان ما سنطير فوق البحيرة … أترون كيف أن الحقول تغطي جانبًا وتغطي الأشجار الجانب الآخر؟ مثلما ترون، في أحد الجوانب توجد تربة فوق حجر جيري، وفي الجانب الآخر الدرع الكندي الذي يعود إلى فترة ما قبل العصر الكامبري. جانب مغطًّى بالصخور والجانب الآخر بالجريد. هذا ما يطلق عليه البحيرة المتلألئة.» (كان لورنس قد درس الجيولوجيا وكان يحبها، وقد كانت تأمل صوفي في أن يصير جيولوجيًّا بدلًا من رجل أعمال.)
وهكذا، كانوا بالكاد يتحركون. كانوا يطيرون فوق البحيرة. رأت صوفي جهة اليمين مدينة أوبريفيل بالكامل، والشق الأبيض الكبير لمحجر السيليكا. لم تخف وطأة شعورها بارتكاب خطأ، بوجود مشكلة ما غريبة جدًّا ولا يمكن التعبير عنها. لم يكن الأسلوب الذي تعاملت به مع الأمر، بل ما بعد الكارثة هو ما كانت تحس بوطأته، في هذا الهواء الذهبي؛ تشعر كما لو كان جرى كنسهم وإلغاؤهم، وطيهم في صورة نقاط، وتحولوا إلى ذرات، لكن دون أن يعرفوا.
قال لورنس: «لنرَ ما إذا كنا سنستطيع أن نرى سطح منزلنا الخشبي.» ثم قال مخاطبًا الطيار: «كان جدي ألمانيًّا؛ شيَّد المنزل وسط الأشجار، مثل كوخ صيد.»
قال الطيار، الذي كان يعرف على الأقل ذلك عن عائلة فوجلسانج: «هل كان الأمر كذلك؟»
هذا الشعور — كانت صوفي تدرك ذلك — لم يكن جديدًا بالنسبة لها. كان يراودها وهي طفلة. شعور حقيقي بالضآلة، شعور ضمن جعبة مشاعر من الخوف والدهشة، أو حالات تنتاب المرء عندما يكون صغيرًا جدًّا. مثل الشعور بالتعلق في وضع مقلوب، بالسير على السقف، بالسير على عتبات باب مرتفعة. سرور رهيب كانت تشعر به آنذاك، لذا لماذا لا تشعر بهذا الآن؟
لأن الأمر لم يكن باختيارها، الآن. كان لديها شعور أكيد بتغيرات في الأفق، لم تكن من اختيارها.
أشار لورنس إلى السطح، سطح المنزل الخشبي. تعجبت في رضى.
لا تزال تنكمش، تنطوي على نفسها في صورة تلك النقطة المثيرة للغثيان، لكنها لا تختفي، تماسكت هنا. تماسكت هنا، مستخدمةً كل ما تملك من قدرة، وقالت لحفيديها: انظرا هنا، انظرا هناك، أترون الأشكال على الأرض، أترون الظلال والضوء الغاطس في الماء؟
٣
«إن جلوس زوجتي بمفردها متعتها الكبرى.»
جلست إيزابيل على الحشائش قرب السيارة، في ظل بعض أشجار الحور العجفاء، وكانت تعتقد أن هذا اليوم، يوم عائلي سار، كان مليئًا بالصعوبات، التي كانت قد تخطتها حتى الآن. عندما استيقظت هذا الصباح، كان لورنس يريد أن يضاجعها. كانت تعلم أن الأطفال سيكونون مستيقظين، مشغولين في غرفة دينيس في الردهة في الأسفل، يُعدون المفاجأة الأولى في اليوم؛ مُلصَقًا عليه قصيدة، قصيدة عيد ميلاد، ومجموعة ملصقات من الصور لأبيهم. إذا قوطع لورنس أثناء العلاقة أثناء تدفقهم إلى الغرفة بهذه الأشياء — أو قرعهم بعنف على الباب، مفترضين أنها أغلقته بالترباس — كان سيصبح في مزاج سيئ جدًّا. وكانت دينيس ستصاب بخيبة أمل، في حقيقة الأمر، ستصاب بحزن بالغ. كانت ستكون بداية سيئة لليوم. لكن هذا لن يكفي حتى يردع لورنس، عندما تفسِّر له سلوك الأطفال. سيجري النظر إلى ذلك باعتباره مثالًا على أنها تعتبر الأطفال أهم منه، وأنها تضع مشاعرهم قبل مشاعره. بدا أفضل شيء يمكن عمله هو أن تستعجله، وفعلت هذا، مشجعةً إياه كي يفعل ذلك حتى عندما شتت انتباهه صوت وقع أقدام صوفي الثقيل للحظات، التي كانت تجوس في الطابق السفلي، وتفتح أحد أدراج المطبخ بصوت مرتفع.
همس في أذن إيزابيل: «ماذا دهاها بحق الرب؟» لكنها مررت يدها عليه كما لو كانت تطلب منه تحركًا أكبر وأسرع. نجح الأمر. سرعان ما سار كل شيء على ما يرام. كان يرقد على ظهره حاملًا يدها أثناء سماعهما الطفلين آتيين عبر الردهة صانعين ضوضاء مثل صوت الأبواق، جلبة مختلطة. دفعا باب غرفة أبويهما ودخلا، حاملين أمامهما الملصق الكبير المكتوب عليه قصيدة عيد الميلاد، بألوان كثيرة منمقة.
قالا معًا: «مرحبًا!» ثم انحنيا، خافضين الملصق. كانت دينيس ترتدي ملاءة، وكانت تحمل عصا ملفوفة في ورق ألومنيوم ملتصق بها في أحد طرفيها نجمة ورقية فضية، وكانت معظم قلادات، وسلاسل، وأساور، وأقراط إيزابيل معلقة أو ملتصقة بها على نحو ما. أما بيتر فكان مرتديًا بيجامته وحسب.
بدءا في إلقاء القصيدة. كان صوت دينيس مرتفعًا ودراميًّا على نحو كبير، وإن كان يشي بالسخرية من الذات. كان صوت بيتر يتقفى أثر صوتها قليلًا، بطيئًا، ومطيعًا، وساخرًا على نحو غير مؤكد:
مرحبًا بقدوم عيد ميلادك الأربعين الذي يشير إلى حياتك الموفقة هنا! وها أنا، ملكة الجن، أظهر كي أتمنى لك الصحة والثروة والحب والحبور!
قال بيتر مرددًا وراءها: «وها هي، ملكة الجن، تظهر.» ثم في نهاية القصيدة قالت دينيس: «حقيقةً، أنا الأم الروحية للجن لكن هذه الكلمة تشتمل على مقاطع كثيرة جدًّا.» ظلت هي وبيتر ينحنيان.
ضحك لورنس وإيزابيل وصفقا، وطلبا أن يريا ملصق عيد الميلاد من مسافة أقرب. كان ملصقًا حول القصيدة في كل موضع أشكال ومشاهد وكلمات مقصوصة بالكامل من المجلات. كان كل ذلك يُظهر أحداث العام الفائت في حياة لورنس بيتر فوجلسانج العظيم. جرت الإشارة إلى رحلة العمل إلى أستراليا من خلال كانجارو يقفز فوق صخرة آيرس، وعلبة طارد حشرات.
«بين الرحلات المثيرة»، والتعليق، «وجد لورنس بيتر العظيم وقتًا لممارسة اهتماماته الخاصة» (ظهرت في الملصق نادلة بلاي بوي بذيلها المنفوش، وكانت تقدِّم زجاجة شامبانيا كبيرة في حجمها)، «ووقتًا للاسترخاء مع عائلته الحبيبة» (كانت هناك فتاة حولاء تخرج لسانها، وكان ثمة ربة منزل تلوِّح مهددة بممسحة، وطفل صغير مغطًّى بالطين واقف على رأسه). «كان يفكر أيضًا في امتهان مهنة أخرى» (كانت تظهر في إحدى الصور خلاطة أسمنت، يقف فوقها رجل شيخ غريب الأطوار إلى حد ما). قال عدد من الحيوانات في فناء المزرعة، مرتدياتٍ قبعاتِ حفلاتٍ وممسكاتٍ ببالونات: «عيد ميلاد سعيد يا لورنس بيتر العظيم»، «من معجباتك المخلصات الكثيرة.»
قال لورنس: «هذا رائع … أرى أنكم بذلتم جهدًا كبيرًا في ذلك. أحب على وجه الخصوص ذلك الجزء المتعلق بالاهتمامات الخاصة.»
قالت دينيس: «والعائلة الحبيبة … ألم تحبهم أيضًا؟»
قال لورنس: «والعائلة الحبيبة.»
قالت دينيس: «الآن … الأم الروحية للجن مستعدة لأن تلبي لك ثلاث أمنيات.»
قال بيتر: «لن تحتاج إلى أكثر من أمنية واحدة … ليس على المرء إلا تمني أن تتحقق جميع الأمنيات الأخرى.»
قالت دينيس: «غير مسموح بهذه الأمنية … لديك ثلاث أمنيات، لكنها يجب أن تكون لثلاثة أشياء محددة. لا يمكن تمني أن تكون سعيدًا دومًا، ولا يمكن أن تتمنى أن تُلبى جميع أمنياتك.»
قال لورنس: «هذه أم روحية للجن ديكتاتورية جدًّا.» ثم تمنى أن يكون اليوم يومًا مشمسًا.
قال بيتر في اشمئزاز: «اليوم مشمس بالفعل.»
قال لورنس: «حسنًا، أتمنى أن يظل مشمسًا.» ثم تمنى أن يُكمل ست درجات سلالم أخرى، وأن يكون هناك طماطم وسجق مشوي وبيض مقلي على الإفطار.
قالت إيزابيل: «أنت محظوظ أنك تمنيت شيئًا مشويًّا … لا يزال الجزء العلوي من الموقد يعمل. أعتقد أنه سيكون كثيرًا أن نطلب من الأم الروحية للجن أن تجلب لصوفي موقدًا جديدًا.» •••
لا بد أن الضوضاء التي صنعوها جميعًا في المطبخ أثناء تناول الإفطار جعلتهم لم يسمعوا صوت صوفي يرتفع، عند البحيرة. كانوا سيتناولون الإفطار في الشرفة الخارجية. كانت دينيس قد بسطت مفرشًا على مائدة الحديقة. جاءوا في شكل موكب، كانت دينيس تحمل صينية القهوة، وكانت إيزابيل تحمل طبق تقديم الطعام الساخن، والبيض، والسجق، والطماطم، وكان بيتر يحمل إفطاره، الذي كان عبارة عن حبوب جافة مخلوطة بالعسل. لم يكن من المفترض أن يحمل لورنس أي شيء، لكنه كان قد تناول حامل الخبز المغطى بالزبد، معتقدًا أنه إذا لم يفعل كان سيُنسى.
بمجرد خروجهم إلى الشرفة الخارجية، ظهرت صوفي أعلى الضفة، عارية. سارت مباشرةً تجاههم عبر الحشائش المجزوزة.
قالت: «حلت بي كارثة صغيرة جدًّا … عيد ميلاد سعيد، لورنس!»
كانت هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها إيزابيل امرأة عجوزًا عارية. أدهشتها عدة أشياء. نعومة الجلد مقارنةً بحالة التغضن في وجه صوفي، وعنقها، وذراعيها، ويديها. صغر حجم الثديين. (عندما كانت ترى صوفي مرتديةً ملابسها، كانت ترى دومًا أن الثديين في نفس الحجم الكبير مثل باقي جسدها.) كانا متهدلين إلى أسفل كصرتين صغيرتين، صرتين متأرجحتين، من الصدر العريض، المنمَّش. كانت ندرة شعر العانة، ولونه، أمرًا غير متوقع أيضًا؛ لم يتحول لونه إلى الأبيض، بل ظل بنيًّا لامعًا مائلًا إلى اللون الذهبي، وكان رقيقًا جدًّا مثلما لدى فتاة صغيرة جدًّا.
كل هذه البشرة البيضاء، الممتلئة في رخاوة، جعلت إيزابيل تتذكر الماشية الفرنسية، الماشية البيضاء الملطخة بالروث، التي يراها المرء أحيانًا حاليًّا في حقول المزارعين. من نوع شاروليه.
لم تحاول صوفي بالطبع أن تخفي ثدييها بإحدى ذراعيها أو تضع إحدى يديها على عورتها. لم تمر مسرعةً أمام عائلتها. وقفت في ضوء الشمس، إحدى قدميها على درجة السلم السفلية للشرفة الخارجية — مما أوضح قليلًا هيئة جسمها العاري أمام الجميع — وقالت في هدوء: «هناك، جرى الاستيلاء على ثوب استحمامي. أيضًا سجائري وولاعتي. غاصت ولاعتي إلى قاع البحيرة.»
قال لورنس: «يا إلهي، يا أمي!»
كان قد وضع حامل الخبز المحمص بسرعة كبيرة حتى إنه سقط. نحَّى الأطباق جانبًا ليمسك بالمفرش.
قال، ملقيًا إياه إليها: «أمسكي هذا!»
لم تلتقطه صوفي. سقط فوق قدميها.
«لورنس، هذا مفرش!»
قال لورنس: «لا بأس … فقط ضعيه عليك!»
انحنت صوفي وتناولت المفرش ونظرت إليه كما لو كانت تتفحص الأشكال الموجودة عليه. ثم لفت نفسها به، ليس بدرجة متقنة ولا بسرعة كبيرة.
قالت: «شكرًا يا لورنس.» كانت قد استطاعت أن تضبط المفرش على جسدها حتى صار مفتوحًا عند أسوأ مكان ممكن. ناظرة إلى أسفل، قالت: «آمل أن يجعلك هذا أكثر سعادة.» بدأت مرة أخرى في ذكر ما حدث.
لا، حدثت إيزابيل نفسها، لا يمكن أن تكون غير واعية بما تفعل. لا بد أنها تقصد ذلك؛ لا بد أن هذه لعبة. براءة مصطنعة. تظاهر مسرحي قديم. تستعرض نقاءها، سمو أفكارها، بساطتها. العجوز المنحرفة المخادعة.
قالت إيزابيل: «دينيس، هيا أسرعي واجلبي مفرشًا آخر … هل سندع هذا الطعام يبرد؟»
كان القصد من وراء ذلك — كان قصد صوفي دومًا — أن تجعل ابنها يبدو أحمق. تجعل منه أحمق أمام زوجته وطفليه. وهو ما بدا عليه، بوقوفه في موضع أعلى من صوفي في الشرفة الخارجية، وكانت دماء الخجل تتصاعد في حرارة في عنقه، صابغةً أذنيه بلون أحمر من الخجل، وخفض صوته على نحو مصطنع ليصبح صوت تأنيب ذكوري، وإن كان صوتًا مرتعشًا. هذا ما كانت صوفي تستطيع فعله، ما ستفعله، في كل مرة تواتيها الفرصة.
قالت إيزابيل، في رد فعلها على القصة: «يا لهم من أشقياء متكبرين! … كنت أعتقد أنهم جميعًا لطفاء، وسعداء، ومستنيرون، وما إلى ذلك.»
قال لورنس: «لم يكن هذا ليحدث لو أنها ارتدت ثوب استحمام عند ذهابها للسباحة.» •••
ثم كانت رحلة الذهاب لإحضار الكعكة، والقلق حيال إحضارها إلى المنزل دون أن تفسد، والحاجة إلى الإلحاح على دينيس حتى تحافظ عليها في وضع متزن. زيارة أخرى، منفردة، إلى متجر هاي-واي ماركت، لشراء الطماطم الناضجة التي كان لورنس يفضلها على أي شيء آخر يشتريه المرء في المتجر. كان على إيزابيل أن تُعد طعامًا يمكن طهيه على السطح العلوي من الموقد. لا بد أن يكون شيئًا يمكن طهيه أو تسخينه بسرعة عندما يعود الجميع إلى المنزل جائعين من المطار. ويجب أن يكون هذا شيئًا يحبه لورنس على وجه الخصوص، شيئًا لا تجده صوفي مبالغًا فيه أكثر مما ينبغي، شيئًا يستطيع بيتر أكله. قررت أن تطهو دجاجًا بالخمر، على الرغم من أنها لم تكن متأكدة تمامًا من أن صوفي، أو بيتر سيتناولانه. على الرغم من كل شيء، كان هذا هو يوم لورنس. قضت طوال فترة ما بعد الظهيرة تطهو، وتراقب الوقت حتى يكونوا جميعًا مستعدين للذهاب إلى المطار مبكرًا بما يكفي بحيث لا تتعرض دينيس لنوبة قلق شديدة.
حتى مع مراقبتها الوقت، تأخروا قليلًا. رد لورنس، عندما نودي عليه من أعلى درجات السلم، لكنه لم يظهر. كانت إيزابيل قد ذهبت إليه، وأخبرته أن الأمر عاجل، وأن ثمة مفاجأة لها علاقة بعيد ميلاده، وسيفسد كل شيء إذا لم يسرع، كانت هذه مفاجأة دينيس الخاصة، بالإضافة إلى ذلك، وكان قد بدأت تنتابها إحدى الحالات النفسية. حتى بعد ذلك، بدا أن لورنس لم يسرع عن عمد، واستغرق وقتًا أكثر من المعتاد في الاغتسال وتبديل ملابسه. لم يوافق على بذل جهد أكبر للحيلولة دون إصابة دينيس بإحدى الحالات التي تنتابها.
لكنهم كانوا قد جاءوا هنا، وصعدوا جميعًا، باستثناء إيزابيل، إلى الطائرة. لم تكن هذه هي الخطة. كانت الخطة أن يذهبوا جميعًا إلى المطار، ويشاهدوا لورنس أثناء نزع عصابة عينيه ودهشته، ومشاهدته يركب الطائرة في يوم عيد ميلاده، وتحيته عندما يعود هابطًا من الطائرة.
لكن الطيار قال، بعد أن خرج من المنزل الصغير الذي كان بمنزلة مكتبه، ورآهم جميعًا موجودين: «ما رأيكم في اصطحاب العائلة كلها في الطائرة؟ سنركب الطائرة ذات المقاعد الخمسة؛ ستكون رحلة أفضل.» ابتسم لدينيس. «لن أطلب منك دفع أموال إضافية. نحن في نهاية اليوم.»
قالت دينيس على الفور: «هذا لطف بالغ منك.»
قال الطيار، متطلعًا إليهم: «إذن … سيركب الجميع باستثناء شخص واحد.»
قالت إيزابيل: «من الممكن أن يكون أنا.»
قال الطيار، محولًا بصره إليها: «آمل أنك لا تخافين … لا يوجد ما يدعوك إلى ذلك.»
كان رجلًا في الأربعينيات من عمره — ربما كان في الخمسين — ذا موجات من الشعر الأشقر أو الأبيض، ربما شعر أشقر حائل إلى الأبيض، ممشط في استقامة إلى الوراء من عند الجبهة. لم يكن طويلًا، مثل لورنس، لكن كانت له كتفان ثقيلتان، وصدر وخصر ممتلئان، وكان هناك امتلاء بسيط صلب في بطنه، لم يكن متدليًا، فوق حزامه. كان يملك جبهة منحنية، مرتفعة، وعينين زرقاوين براقتين بهما حول عادي، ونظرة مهنية هادئة، وحس دعابة. تلك الصفة نفسها في صوته؛ الصوت الفكه، المتمهل، الريفي الساذج قليلًا. كانت تعرف ما سيقوله لورنس عن هذا الرجل؛ إنه شخص عالي القيمة. غير منتبه إلى أي شيء آخر؛ شيء حذر تحت السطح، شيء غير مكترث أو حتى مزدرٍ لهم، شديد الثقة في ذاته.
قال الطيار مخاطبًا صوفي: «لست خائفة، أليس كذلك، سيدتي؟»
قالت صوفي: «لم أستقل قط طائرة صغيرة … لكنني لا أظن أنني خائفة، لا.»
قال لورنس: «لم يستقل أيٌّ منا طائرة صغيرة. سيكون في ذلك متعة عظيمة … شكرًا.»
قالت إيزابيل: «سأجلس هنا وحدي، إذن»، وضحك لورنس.
«إن جلوس زوجتي بمفردها متعتها الكبرى.»
إذا كان الأمر كذلك — وربما يكون كذلك حقيقةً؛ لأنها لم تكن خائفة، أو ربما كانت خائفة على نحو غامض، لكنها كانت مستمتعة جدًّا بفكرة تركها وحدها — لما كان هذا بالتأكيد في صالحها. جلست هنا ورأت يومها في صورة صعوبات جرى تخطيها؛ الدجاج بالخمر معد خلف الموقد، والكعكة التي وصلت المنزل بسلام، والخمر والطماطم اللذان جرى شراؤهما، وعيد الميلاد الذي يسير حتى الآن دون أي أخطاء حقيقية أو صدامات أو إحباطات. لم يتبقَّ سوى العودة إلى المنزل، العشاء. ثم غدًا سيذهب لورنس إلى أوتاوا ويظل هناك طوال اليوم، ثم يعود في المساء. كان من المفترض أن يكون موجودًا معهم يوم الأربعاء لمشاهدة لحظات أول هبوط على القمر.
ليس في صالحها كثيرًا أن تمضي في حياتها تفكر؛ حسنًا، جميل، انتهى الأمر الآن، انتهى ذلك. إلام كانت تتطلع؟ وأي مكافأة كانت تأمل في أن تحصل عليها، عندما ينتهي هذا، وهذا، وهذا؟
الحرية؛ أو ليست حتى الحرية. الفراغ، انقضاء الانتباه. بدا طول الوقت أن عليها أن تقدم أكثر قليلًا — من ناحية الانتباه والحماس واليقظة — مما كانت تشعر أنها تستطيع. كانت تجاهد، آملةً ألا يكتشف أحد طبيعتها. يكتشف أنها باردة وقاسية القلب مثل تلك النوردية القديمة، صوفي.
في بعض الأحيان كانت تعتقد أنه أُتي بها إلى المنزل، في المقام الأول، كنوع من التحدي المعقد لصوفي. كان لورنس يحبها منذ البداية، لكن حبه كان له علاقة بالتحدي. كانت ثمة أشياء متناقضة جدًّا بها؛ مظهرها اللافت غير المحتشم، وأسلوبها الفظ غير المهذب (لم تكن تمتلك أدنى فكرة في ذلك الوقت إلى أي درجة هي لافتة للانتباه وغير محتشمة، ويتسم سلوكها بالفظاظة وعدم التهذيب)، درجاتها المرتفعة واعتمادها الساذج عليها باعتبارها دليلًا على الذكاء؛ كل هذه الدلائل على كونها أذكى طالبة من مدرسة ثانوية لأبناء الطبقة العاملة، فخر عائلة غير طموحة.
قال لورنس مخاطبًا صوفي في وجود إيزابيل: «ليست هذه الكلية المفضلة لديك، أليس كذلك يا أمي؟» قُيد في الكلية الوحيدة بالجامعة التي كانت صوفي تكرهها، وهي كلية إدارة الأعمال.
لم تقل صوفي شيئًا، لكنها ابتسمت مباشرةً في وجه إيزابيل. لم تكن الابتسامة غير ودودة، ولم تكن باعثة على الازدراء من لورنس — بدت صبورة — لكنها كانت تشي في وضوح قائلةً: «هل أنت مستعد، هل مستعد للاستمرار في هذا؟» فهمت إيزابيل، التي كانت تصب تركيزها آنذاك على إعجابها بمظهر لورنس الطيب وذكائه وعقله وخبرته المأمولة في الحياة، ما كان يعنيه هذا. كان هذا يعني أن لورنس الذي كانت قد كرست نفسها لحبه (إذ إنها، على الرغم من مظهرها وأسلوبها، كانت فتاة جادة، لا تجربة لها، تعتقد في الحب الذي يدوم مدى الحياة ولم تستطع أن تتصور أن تدخل في علاقة على أي أساس آخر) يجب دعمه، ودفعه للأمام، من خلال الجهود المبذولة المستمرة والحاذقة من جانبها، من خلال إعادة الثقة والإدارة الجيدة؛ كان يعتمد عليها في أن تجعل منه رجلًا. لم يعجبها أن تلفت صوفي انتباهها لهذا، ولم تدع ذلك يؤثر بأي حال من الأحوال على قرارها. هذا هو ما كان طبيعة الحب، أو ما كانت طبيعة الحياة، وكانت تريد أن تشرع في هذا. كانت وحيدة، على الرغم من أنها كانت تظن نفسها منعزلة. كانت الطفلة الوحيدة في زواج أمها الثاني؛ كانت أمها ميتة، وكان إخوتها وأخواتها غير الأشقاء أكبر كثيرًا منها، ومتزوجين. كانت سمعة تحوطها في العائلة ظانين أنها مميزة. لا تزال لها هذه السمعة، ومنذ زواجها بلورنس نادرًا ما كانت ترى أقاربها.
قرأت كثيرًا، وكانت تخضع لنظم غذائية وتمارس تمارين رياضية في جدية شديدة، وصارت طاهية ماهرة. في الحفلات، كانت تداعب الرجال الذين لم يكونوا يطاردونها في إصرار. (لاحظت أن لورنس كان يشعر بالإحباط إذا لم تثر زوبعة بسيطة.) في بعض الأحيان، كانت تتخيل نفسها مُسيطَرًا عليها من قبل هؤلاء الرجال أو آخرين، طرفًا في علاقات غاية في الاندفاع، والابتكار، والحيوية. في بعض الأحيان كانت تتذكر طفولتها في توق بدا شاذًّا، وكان يجب الإبقاء على ذلك سرًّا. ربما تذكرها مظلة مرتخية أمام متجر على ناصية شارع، رائحة وجبات الغذاء الثقيلة على المعدة التي يجري طهيها في فترة ما بعد الظهيرة، القمامة المتناثرة والأرض العارية حول جذور شجرة ظل كبيرة في المدينة. •••
عندما هبطت الطائرة، نهضت وذهبت للقائهم، وقبلت لورنس كما لو كان قد عاد من سفر. بدا سعيدًا. حدثت نفسها بأنها نادرًا ما كانت تشغل بالها بسعادة لورنس. كانت تريد أن يكون في مزاج طيب، بحيث تسير الأمور في سلاسة، لكن ذلك لم يكن الأمر نفسه.
قال لورنس: «كانت تجربة رائعة … كان يمكن رؤية تغير المناظر الطبيعية في وضوح بالغ.» بدأ يحكي لها عن البحيرة المتلألئة.
قالت صوفي: «كان الأمر في غاية المتعة.»
قالت دينيس: «كان المرء يستطيع النظر إلى أعماق المياه. كان المرء يستطيع رؤية الصخور وقد تضاءل حجمها. كان بالإمكان حتى رؤية الرمال.»
قال بيتر: «كان بالإمكان تحديد نوع القوارب.»
«أعني ذلك يا أمي. كان بالإمكان رؤية الصخور وهي تتضاءل، أكثر فأكثر، ثم الرمال.»
قالت إيزابيل: «هل رأيتم أي أسماك؟»
ضحك الطيار، على الرغم من أنه ربما سمع ذلك كثيرًا من قبل.
قال لورنس: «إنه لأمر سيئ للغاية حقًّا أنك لم تطيري معنا.»
قال الطيار: «أوه، ستفعل، يومًا ما … يمكن أن تأتي إلى هنا غدًا.»
ضحكوا جميعًا على إغاظته. التقت عيناه الجريئتان بعيني إيزابيل، وبدتا على الرغم من جرأتهما في منتهى البراءة، والود، واللطف. لم يكن الاحترام غائبًا. كان رجلًا لم يكن يقصد أي أذى بالتأكيد، لا يقصد أي حماقة. لذا، كان من المستبعد أنه كان يدعوها حقًّا للذهاب إلى هناك في اليوم التالي.
ودَّعهم آنذاك، جميعًا، وشكروه مرة أخرى. كانت إيزابيل تظن أنها كانت تعلم ماذا شتت انتباهها. كانت قصة صوفي. كانت فكرة خروجها هي، لا صوفي، عارية من الماء تجاه هذين الصبيين المتراقصين. (في عقلها، كانت قد استبعدت بالفعل الفتاة.) جعلها هذا تتشوق وتتخيل بعض الاندفاع، ودعوات فجة. كانت قد شعرت بالإثارة جراء ذلك.
عندما كانوا يسيرون تجاه السيارة، كان عليها أن تبذل جهدًا حتى لا تستدير. تصورت أنهما استدارا في الوقت نفسه، ونظر كلٌّ منهما إلى الآخر، مثلما في الأفلام الرومانسية، قصة أوبرالية، قصة خيالية لمن هم في المدرسة الثانوية. استدارا في الوقت نفسه، ونظر كل منهما إلى الآخر، وتبادلا وعدًا باللقاء لم يكن أقل واقعية على الرغم من أنهما قد لا يلتقيان أبدًا مرة أخرى. صدمها الوعد مثل البرق، قصمها مثل البرق، على الرغم من أنها تحركت في خفة، في سلام تام.
أوه، بالتأكيد. كل ذلك.
لكن، الأمر لا يشبه البرق، لا يشبه الأمر عاصفة من الخارج. نحن نتظاهر فقط أن الأمر كذلك.
قالت صوفي: «هل يمانع أحدكم في القيادة؟ … أنا متعبة.» •••
في ذلك المساء، كانت إيزابيل معتنية بسخاء بلورنس، بأطفالها، بصوفي، التي لم تكن في حاجة إلى ذلك على الإطلاق. شعروا جميعًا بسعادتها. شعروا كما لو أن حائلًا غير مرئي، معتادًا قد زال، كما لو أن ستارة شفافة قد نحيت جانبًا. أو ربما أنهم تصوروا وجودها طوال الوقت. نسي لورنس أن يتذاكى على دينيس، أو أن يعاملها كغريم. لم يهتم حتى بالصراع مع صوفي. لم يجر ذكر التليفزيون.
قال لإيزابيل على العشاء: «رأينا محجر السيليكا من الهواء … كان يشبه حقلًا ثلجيًّا.»
قالت صوفي، مقتبسة: «رخام أبيض … أشياء غير حقيقية. وضعوها في جميع ممرات متنزه أوبريفيل، أفسدوا المتنزه. إنها تلمع.»
قالت إيزابيل: «هل تعرفين أننا كانت لدينا «الكومة البيضاء»؟ كانت المدرسة التي كنت أذهب إليها خلف مصنع البسكويت، وكان ملعب المدرسة في ظهر أرض المصنع. من حين لآخر، كانوا يجمعون بقايا مواد تزيين الحلوى المصنوعة من الفانيليا، والجوز، وكرات المارشملو المتصلبة، وكانوا يأتون بها في براميل، ويلقون بها هناك، وكانت تلمع. كانت تلمع مثل جبل أبيض صافٍ. في المدرسة، كان أحدهم يراه ويصيح قائلًا: «الكومة البيضاء!» وبعد المدرسة كنا نتسلق السور أو نجري حوله. كنا نذهب جميعًا إلى هناك، نفتش في تلك الكومة الهائلة من الحلوى البيضاء.»
قال بيتر: «هل كانوا يكنسون تلك النفايات من الأرضية؟» كان يبدو متحمسًا جدًّا للفكرة. «هل كنتم تأكلون ذلك؟»
قالت دينيس: «بالطبع كانوا يفعلون … كان هذا هو ما كان متاحًا لهم. كانوا أطفالًا فقراء.»
قالت إيزابيل: «لا، لا، لا … كنا فقراء لكن كانت لدينا حلوى بالتأكيد. كنا نحصل على نكلة من حين إلى آخر لنشتري حلوى من المتجر. لم يكن الأمر هكذا. كان ثمة شيء حيال الكومة البيضاء؛ كانت كبيرة، وكانت في غاية البياض واللمعان. كانت مثل حلم طفل؛ الشيء الأكثر وعدًا مما يمكن أن يراه المرء.»
قال لورنس: «كانت أمي والاشتراكيون سيتخلصون من هذا كله في ظلمة الليل … ويعطونكم برتقالًا بدلًا منه.»
قالت صوفي: «إذا كنا نتحدث عن حلوى المرزبان، فسأفهم الأمر … على الرغم من أنك يجب أن تقري أن تلك الأشياء لم تكن صحية تمامًا.»
قالت إيزابيل: «لا بد أن الأمر كان مريعًا … بالنسبة إلى أسناننا، وكل شيء. لكننا لم نتناول ما يكفي حتى نمرض؛ لأننا كنا كثيرين جدًّا، وكان علينا أن نفتش في كومة النفايات بشدة حتى نحصل على ما نريد. بدا الأمر أكثر الأشياء روعة.»
قال لورنس: «الكومة البيضاء!» لورنس الذي، في وقت آخر، ربما كان سيقول شيئًا من قبيل: «متع الفقراء البسيطة!» قال، بمزيج من السرور والسخرية، في تقدير طبيعي بدا ما كانت تريده إيزابيل تمامًا: «الكومة البيضاء.»
كان يجب ألا تندهش. كانت تعلم رقة ولطف لورنس، فضلًا عن تنمره وخداعه. كانت تعرف تقلبات عقله، تحولات قلبه، التغيرات وأصوات الضوضاء البسيطة في جسده. كانا متقاربين. كانا قد اكتشف كل واحد منهما الكثير عن الآخر حتى إن شيئًا كان يجبُّه شيء آخر. لهذا السبب كان الجنس بينهما يبدو خجولًا، شهوانيًّا محضًا، وكأنه جنس محرم بين شقيقين. يستطيع الحب تخطي ذلك؛ وقد تخطاه بالفعل. انظر كيف كانت تحبه في هذه اللحظة. شعرت إيزابيل بنفسها واسعة الحيلة على نحو جديد، وغير محدود. •••
لو كانت زوجته هناك، لو كان هو وزوجته موجودين معًا، كانت ربما ستقول: «أعتقد أننا نسينا شيئًا أمس هنا. تعتقد حماتي أن علبة نظارتها قد سقطت منها هنا. لم تسقط نظارتها، فقط العلبة. الأمر لا يهم. كنت سأتأكد فقط.»
لو كان وحده وجاء نحوها ترتسم في عينيه نظرة سارة عادية متسائلة، فربما كانت ستحتاج إلى سبب أقل تفاهة.
«كنت أريد فقط أن أسأل عن دروس الطيران. كان زوجي يريدني أن أسأل عن ذلك.»
لو كان هناك وحده ولم تكن ترتسم نظرة عادية كهذه — لكن كان لا يزال ضروريًّا أن يُقال شيء — فربما كانت ستقول: «كان في غاية اللطف منك اصطحاب الجميع في الطائرة أمس واستمتعوا بذلك كثيرًا. مررت عليك فقط لأشكرك.»
لم تستطع تصديق ذلك؛ لم تكن تستطيع تصديق أن ذلك سيحدث. على الرغم من قراءاتها، وخيالاتها، وأسرار بعض الأصدقاء، لم تكن تستطيع تصديق أن الناس يرسلون ويتلقون مثل هذه الرسائل يوميًّا، وكانوا يتصرفون بناءً عليها، واضعين خططهم المحفوفة بالمخاطر، ومنتقلين إلى منطقة محظورة (التي سيتضح على نحو صادم أنها تشبه، وفي الوقت ذاته لا تشبه، منزل الشخص).
في السنوات التالية، ستتعلم قراءة الإشارات، في بداية ونهاية أي علاقة حب. لن تندهش كثيرًا عندما تنكشف خفايا اللحظة الراهنة. لكنها ستندهش كثيرًا إذا قالت ذات يوم لابنتها البالغة دينيس، أثناء تناولهما الخمر وحديثهما عن هذه الأشياء: «أعتقد أن الجزء الأفضل يكون في البداية دومًا. في البداية. هذا هو الجزء الوحيد الخالص … ربما حتى قبل البداية. ربما عندما يلوح في الخلد ما هو ممكن. ربما يكون هذا هو أفضل جزء.»
«وعلاقة الحب الأولى؟ أعني علاقة الحب الأولى الإضافية؟» (كانت ستقول دينيس ذلك متجاوزةً كل الحدود.) «هل هي الأفضل أيضًا؟»
«بالنسبة إليَّ، الأكثر عاطفة، وأيضًا الأكثر دناءة.»
(مشيرةً إلى أن عمل الطيار كان في طريقه إلى الانهيار، إلى أن الطيار طلب، وتلقى، بعض المال منها، وأيضًا إلى المشاهد المحزنة لبوحها بالأمر لزوجها الذي وضع نهايةً للعلاقة ولزواجها، على الرغم من أن ذلك لم يؤدِّ إلى تدمير زواج الطيار. ومشيرةً، أيضًا، إلى مشاهد لذة الانفصال والاندماج التي كانت تفضي إلى انهيار كلا الطرفين، وفي بعض الحالات، ذرف الدموع. وإلى هذا المشهد الأول تحديدًا، الذي كانت تستطيع استحضاره في عقلها في أي وقت، مسترجعةً مشاعر مختلطة على نحو مدهش من الذعر والسكينة.
المطار في حوالي الساعة التاسعة صباحًا تقريبًا، الصمت، ضوء الشمس، الأشجار القصية المتربة. المنزل الأبيض الصغير الذي من الواضح أنه جرى نقله إلى هنا من مكان ما ليصبح مكتبًا. لا توجد ستائر أو حواجز على نوافذه. فقط سياج خشبي، تحديدًا بوابة. خرج وفتح البوابة لها. كان يرتدي الملابس نفسها التي كان يرتديها في اليوم السابق، بنطال عمل فاتح اللون، وقميص عمل ذا أكمام مشمرة. كانت ترتدي الملابس نفسها التي كانت ترتديها. لم يسمع كلاهما ما قاله الآخر، ولم يستطيعا الرد على نحو منطقي.
كان وجود أي علامة على الاعتياد أكثر مما ينبغي من جانبه، أو أي علامة على الحذر — بل والأسوأ من ذلك، على الانتصار — كان سيجعلها تبتعد عنه. لكنه لم يرتكب خطأ كهذا، ربما لم يغتر بعمل ذلك. لا يُعد الرجال الذين يقيمون علاقات ناجحة مع النساء — وقد كان بارعًا في ذلك حيث اكتشفت أنه نجح بضع مرات في إقامة علاقات مع نساء من قبل، في ظروف مشابهة جدًّا — لا يُعد الرجال الموهوبون على هذا النحو مستهترين حيال هذا الأمر مثلما يُعتقد أنهم كذلك، وليسوا قاسين. كان عازمًا لكنه بدا رصينًا، أو حتى آسفًا، عندما لمسها للمرة الأولى؛ لمسة مهدئة، مقدَّرة — مجاهرة متزايدة ببطء — فوق عنقها وكتفيها العاريتين، وظهرها وذراعيها العاريتين، ثدييها وردفيها المغطاة بملابس خفيفة. تحدث إليها — ثرثرة حميمة، جادة — بينما كانت تتمايل إلى الخلف والأمام في استجابة جعلتها هذه اللمسة أمرًا محتملًا.
شعرت بأنها أُنقذت، رُفعت، أُحيط بها، وصارت آمنة.) •••
بعد العشاء، لعبوا لعبة تخمين الكلمات. كان بيتر يمثل شخصية كوكبة الجوزاء. مثَّل المقطع الثاني عن طريق تناول شراب من كأس خيالية، ثم ترنح وسقط. لم يُستبعد من اللعبة، على الرغم من أن الاتفاق جرى على أن كوكبة الجوزاء اسم علم وليس كلمة عادية.
قالت دينيس: «الفضاء هو عالم بيتر.» ضحك لورنس وإيزابيل. كانت هذه الملاحظة تذكر من حين إلى آخر في المنزل. •••
سرعان ما تخلت صوفي، التي لم تفهم قط قواعد لعبة تخمين الكلمات — أو، على الأقل، لم تستطع الالتزام بها — عن دورها في اللعبة، وبدأت في القراءة. كان الكتاب الذي تقرأ فيه يحمل عنوان «مجموعة إيدا الشعرية»، الذي كانت تقرؤه كل صيف، لكنها كانت قد أهملته بسبب برامج التليفزيون الكثيرة التي كانت تتابعها. عندما توجهت إلى الفراش، تركته على ذراع مقعدها.
قرأت إيزابيل، التي تناولت الكتاب قبل أن تطفئ النور، هذا البيت:
فات أوان الحديث عن هذا الآن. قُضي الأمر.
مسيرة الحب |
الرجل ذو القبعتين
سأل ديفيدسون: «هل هذا الذي هناك أخوك؟ … ما الذي يفعله؟»
اتجه كولن إلى النافذة ليرى ماذا يفعل روس. ليس شيئًا ذا بال. كان روس يستخدم المقص ذا اليد الطويلة لقص الحشائش في الممر الجانبي المفضي إلى الباب الأمامي للمدرسة. كان يعمل بمعدل طبيعي وبدا منتبهًا إلى ما يفعل.
سأل ديفيدسون: «ماذا يفعل؟»
كان روس يرتدي قبعتين. كانت إحداهما القبعة ذات اللونين الأخضر والأبيض التي حصل عليها الصيف الماضي من متجر الأعلاف، وكانت الأخرى — التي تعلوها — القبعة العريضة القديمة المصنوعة من القش القرنفلي التي كانت أمهما ترتديها في الحديقة.
قال كولن: «لا أعرف.» كان ديفيدسون يظن أن هذا نوع من الخبث.
«أتعني لماذا يرتدي قبعتين؟ لا أدري. لا أعرف حقيقةً. ربما نسي.»
كان ذلك في المكتب الأمامي، خلال ساعات الدراسة فيما بعد ظهيرة يوم الجمعة، كانت السكرتيرات منكبَّات على مكاتبهن لكنهن كنَّ يُبقين آذانهن مفتوحة. كان لدى كولن حصة تربية رياضية في تلك اللحظة — وقد جاء إلى المكتب فقط كي يرى ماذا حدث للصبي الذي كان قد استأذن بسبب مرضه قبل نصف ساعة — ولم يكن يتوقع أن يجد ديفيدسون هناك. لم يكن مستعدًّا لتقديم أعذار بشأن روس.
قال مدير المدرسة: «هل هو شخص كثير النسيان؟»
«ليس أكثر من العادي.»
«ربما يظن أنه يبدو مضحكًا بهذه الصورة.»
صمت كولن.
«لدي حس فكاهة لكن يجب على المرء ألا يمزح في وجود الأطفال. تعرف كيف يتصرفون. يوجد ما يكفي كي يجعلهم يضحكون على أي حال، دون حاجة إلى المزيد. سيتخذون من أي شيء عذرًا لتشتت انتباههم، ثم أنت تعرف بالطبع ماذا سيحدث بعد ذلك.»
قال كولن: «هل تريدني أن أخرج وأتحدث إليه؟»
«دع الأمر الآن. يوجد تقريبًا فصلان يلاحظان ما يفعله، وإن خرجت إليه الآن فسيجذب هذا انتباههم إليه أكثر. يمكن أن يتحدث السيد بوكس إليه إذا كان يجب على أحد أن يتحدث إليه. في حقيقة الأمر، تحدث السيد بوكس معي عنه.»
كان كوني بوكس مسئول النظافة والصيانة بالمدرسة، الذي كان قد عين روس لتنظيف الأرضيات في المدرسة خلال فصل الربيع.
قال كولن: «أوه! ماذا؟»
«يقول إن أخاك لا يحافظ على مواعيد العمل بشكل كبير.»
«هل يؤدي عمله كما هو مطلوب؟»
«لم يقل إنه لم يفعل.» أعطى ديفيدسون كولن واحدة من ابتساماته مزمومة الشفاه، غير المكترثة، المبتذلة. «يميل فقط إلى أن يتصرف كيفما يرى.» •••
كان يوجد تشابه كبير بين كولن وروس في الشكل: فهما طويلا القامة، مثلما كان أبوهما، وذوا بشرة بيضاء وشعر أشقر، مثل أمهما. كان كولن يمتلك جسدًا رياضيًّا، وترتسم تعبيرات حيية، صارمة على وجهه. كان جسم روس، على الرغم من أنه الأصغر، مترهلًا من البطن؛ كان يبدو شكل جسمه غير منتظم بشكل أكبر. وكانت ترتسم على وجهه تعبيرات تبدو ماكرة وبريئة في آن واحد.
لم يكن روس متخلفًا عقليًّا. لم يكن متخلفًا عن زملائه في نفس مرحلته العمرية في المدرسة. كانت أمه تقول إنه عبقري في الأعمال الميكانيكية. ولم يكن هناك أحد آخر على استعداد للمبالغة في وصفه إلى هذه الدرجة. •••
سأل كولن أمه قائلًا: «إذن؟ هل روس معتاد على الاستيقاظ في الصباح؟ هل لديه منبه؟»
قالت سيلفيا: «إنهم محظوظون أن يكون لديهم شخص مثله.»
لم يكن كولن يعلم ما إذا كان سيجدها في المنزل أم لا. كانت تعمل بنظام النوبات كمساعدة ممرضة في المستشفى، وعندما لا تكون في العمل، تكون عادةً خارج المنزل. كان لديها العديد من الأصدقاء والكثير من الالتزامات.
قالت: «أنت محظوظ أنني بالمنزل … أعمل في المناوبة الأولى هذا الأسبوع والأسبوع التالي، لكنني عادةً أذهب إلى إيدي بعد العمل وأقوم ببعض أعمال التنظيف لأجله.»
كان إيدي صديق سيلفيا، رجلًا أنيقًا ونشيطًا في السبعين من عمره، ترمَّل مرتين، بلا أطفال ويملك مالًا كثيرًا، مالك جراج متقاعد وبائع سيارات، وبالتأكيد يستطيع تحمُّل تكاليف تعيين أحد الأشخاص لتنظيف منزله. ماذا كانت سيلفيا تعرف عن تنظيف المنازل على أي حال؟ طوال الصيف الماضي، كانت قد تركت الغطاء الشتوي البلاستيكي موضوعًا على النوافذ الأمامية حتى تتجنب مشقة خلعه وإعادة وضعه مرة أخرى. قالت زوجة كولن، جلينا، إن شكل الزجاج جعلها تشعر كما لو كانت تنظر عبر نظارات غائمة؛ لم تكن تطيق ذلك. وكان المنزل — الكوخ المغطَّى بالطوب العازل الذي يعيش فيه روس وسيلفيا — ممتلئًا بالأثاث والأشياء القديمة، حتى إن بعض الغرف تحولت إلى ممرات. كان يتكدس فوق معظم الأسطح مجلات، وصحف، وأكياس بلاستيكية وورقية، وكتالوجات، ومنشورات، ومطويات دعائية لتخفيضات كانت موجودة ثم اختفت، وفي بعض الأحيان لشركات توقف نشاطها ولمنتجات كانت قد اختفت من السوق. ربما يجد المرء في مرمدة سجائر أو طبق مزخرف زرًّا أو اثنين، مفاتيح، كوبونات مقصوصة تعد بتخفيضات تصل إلى عشرة سنتات، قرطًا، كبسولة دواء لعلاج البرد لا تزال في غطائها البلاستيكي، قرص فيتامين تحوَّل إلى مسحوق، فرشاة ماسكرا، مشبك ملابس مكسورًا. وكانت خزائن سيلفيا ممتلئة بجميع أنواع سوائل التنظيف ومواد التلميع؛ ليست من النوع الذي يوجد في المتاجر، بل منتجات من المفترض أنها تتمتع بفاعلية فريدة ومدهشة، تُشترى في الحفلات الخيرية. تدفع سيلفيا كل أموالها مقابل تلك الأشياء التي كانت تشتريها في تلك الحفلات؛ مستحضرات التجميل، الأواني وأدوات المطبخ، أدوات الخبز، السلطانيات البلاستيكية. كانت تحب التبرَّع والذهاب إلى هذه الحفلات، وإلى حفلات العرائس قبل زفافهن، وإلى حفلات ميلاد الأطفال، وإلى حفلات الوداع لزملائها الذين كانوا يتركون العمل في المستشفى. هنا في هذه الغرف شديدة التكدس، كانت توزع، وحدها، قدرًا كبيرًا من كرم الضيافة المسرفة، المشرقة.
صبَّت الماء من الغلاية على القهوة المسحوقة في أكوابهما، التي كانت قد شطفتها سريعًا في الحوض.
قال كولن: «هل كانت تغلي؟»
«تقريبًا.»
أخرجت بعض كعك المارشملو ذي اللونين القرنفلي والأبيض خارج غلافها البلاستيكي.
«أخبرت إيدي أنني أريد أن آخذ فترة ما بعد الظهيرة راحة. يعتقد أنه يمتلكني.»
قال كولن: «لا يمكنني تقبُّل ذلك.»
كان يتخذ موقفًا نقديًّا خفيفًا عادةً من رفقائها من الرجال.
كانت سيلفيا امرأة قصيرة ذات رأس كبير — صار أكبر من خلال شعرها المهوَّش، الآخذ في التحول إلى اللون الرمادي — وأرداف وأكتاف عريضة. كان أحد رفقائها من الرجال يقول لها إنها كانت تبدو مثل فيل صغير، وكانت تعتبر ذلك — في البداية — نوعًا من الإطراء. كان كولن يعتقد أن ثمة شيئًا أخرق وجذَّابًا في مظهرها ووجهها العريض ذي البشرة قرنفلية اللون الناعمة، والعينين صافيتي الزرقة تحت حاجبين خفيفين جدًّا، وابتسامتها الحماسية في جميع الأوقات. كان ثمة شيء مثير للغضب أيضًا.
كان موضوع روس أحد الأشياء القليلة التي تجعل وجهها يعبس. ذلك، وطلبات رفقائها من الرجال وتصرفاتهم الغريبة، عندما يبدءون في فقدان بريقهم.
هل كان إيدي على وشك أن يفقد بريقه؟
قالت سيلفيا: «أقول له إنه يشعر بأنه تملكني.» ثم أخبرت كولن مزحة كانت منتشرة في المستشفى، عن رجل أسود ورجل أبيض في المبولة.
قال كولن: «إذا كنت تعملين في المناوبة الأولى … فكيف تعرفين متى يستيقظ روس؟»
«يوجد من يشتكي من روس، أليس كذلك؟»
«حسنًا. يقولون إنه لا يحافظ على مواعيد العمل.»
«سيكتشفون مزاياه بأنفسهم. إذا كان لديهم أي شيء ميكانيكي أو كهربي تعطل لسبب ما، فسيسرهم أن يستعينوا بروس. يمتلك روس عقلًا لا يقل في رجاحته عن عقلك، لكنه يعمل في اتجاه مختلف.»
قال كولن: «لن أجادل بشأن ذلك … لكن عمله هو تنظيف الأرضيات.»
قالت جلينا إن السبب في أن سيلفيا تقول إن روس عبقري — بغض النظر عن كونه ماهرًا حقًّا فيما يتعلق بالمحركات — هو أنه يمتلك الجانب الآخر من العبقرية؛ فهو شارد الذهن وغير نظيف بشكل كامل. كان يسترعي الانتباه إليه. كان غريبًا، وهذا هو الشكل الذي من المفترض أن يكون عليه العبقري. لكن ذلك في حد ذاته، مثلما قالت جلينا، لا يعتبر دليلًا كافيًا على عبقريته.
ثم كانت تقول دومًا: «مع ذلك، أحب روس. لا يملك المرء إلا أن «يحبه». أحبه وأحب أمك. أحبها أيضًا.» كان كولن يعتقد أنها تحب روس. لكنه لم يكن واثقًا مما إذا كانت تحب أمه أم لا.
كانت أمه تقول له: «لن أذهب إلى منزلك يا كولن إلا عندما أُدعى إلى ذلك … صحيح أن هذا منزلك، لكنه منزل جلينا أيضًا. على الرغم من ذلك، أنا سعيدة أن روس مرحب به هناك.»
قال كولن: «ذهبت إلى المكتب الأمامي اليوم … وكان هناك ديفيدسون ينظر خارج النافذة.» لم يكن يعلم ما إذا كان ينبغي أن يخبر أمه أم لا عن أمر القبعتين. مثلما هي العادة، أرادها أن تنزعج قليلًا بشأن روس، وإن لم يكن يريدها أن تنزعج كثيرًا. بدا مشهد روس وهو يعمل هناك، حاملًا المقص الكهربي، وحده تمامًا في فناء المدرسة — معتمرًا قبعة قش قرنفلية واسعة فوق قبعة رياضية لينة — بالنسبة لكولن مشهدًا جديدًا، مشهدًا مزعجًا جديدًا. كان قد رأى روس مرتديًا ملابس غريبة من قبل؛ رآه ذات مرة مرتديًا باروكة سيلفيا الشقراء في السوبر ماركت. كان ذلك متعمدًا أكثر من مظهره اليوم، وبالتأكيد مضحكًا أكثر، من وجهة نظر روس بالطبع. اليوم أيضًا، ربما كان روس يفكر في جميع الأطفال الذين كانوا يشاهدونه من خلف النوافذ، والمعلمين وموظفات الآلة الكاتبة وديفيدسون وأي شخص آخر كان مارًّا. لكنه لم يكن يفكر فيهم تحديدًا. كان ثمة شيء فيما قام به روس اليوم يوحي بتزايد عدد جمهوره وعدم وضوح ملامحهم؛ شمل جمهوره البلدة كلها، العالم كله، ولم يكن روس مباليًا لكل هذا. إشارة ما، هكذا حدَّث كولن نفسه. لم يكن يعلم إشارة إلى ماذا؛ مجرد إشارة إلى أن روس كان يمضي قدمًا في الطريق الذي كان يمضي فيه.
لم يبدُ أن سيلفيا كانت تعبأ بهذا الجزء من القصة. كانت منزعجة، لكن لسبب آخر.
«قبعتي. سيفقدها بالتأكيد. سأعنفه بشدة. سأعاقبه بعنف. ربما لا تبدو القبعة ذات قيمة كبيرة، لكنها مهمة بالنسبة لي.» •••
كانت الكلمات الأولى التي قالها روس لجلينا وجهًا لوجه هي: «هل تعرفين ما مشكلتك؟»
سألت جلينا، باديًا عليها أمارات الانزعاج: «ماذا؟» كانت فتاة طويلة، ضعيفة البنية ذات شعر أسود متموج، وبشرة بيضاء، وعينين بلون أزرق فاتح جدًّا، وكانت لديها عادةُ العضِّ على شفتها السفلى بأسنانها، وهو ما أضفى عليها طابعًا حزينًا قلقًا. كانت تنتمي إلى ذلك النوع من الفتيات اللائي يرتدين عادةً ملابس بلون أزرق فاتح (كانت تضع كنزة فضفاضة بنفس اللون)، وتتقلد سلسلة رقيقة حول عنقها، عليها صليب أو قلب، أو اسم ما. (كانت جلينا تعلق اسمها على السلاسل؛ لأن الناس كانوا يجدون صعوبة في هجائه.)
قال روس، وهو يلوك بلسانه في فمه ويحرك رأسه: «لعل مشكلتك الوحيدة … هي أنني لم أعثر عليك أولًا!»
تنفست الصعداء. ضحكوا جميعًا. حدث هذا أثناء تناول جلينا العشاء للمرة الأولى في منزل سيلفيا. كانت سيلفيا وكولن وجلينا يتناولون طعامًا سريعًا صينيًّا — كانت سيلفيا قد رصَّت كومة من الأطباق والشوك وحتى المناشف الورقية إلى جانب علب الكرتون الخاصة بالطعام — وكان روس يأكل بيتزا، كانت سيلفيا قد طلبتها له خصوصًا؛ لأنه لم يكن يحب الطعام الصيني.
أشارت جلينا إلى أن روس ربما يرغب في أن يأتي معهما إلى سينما السيارات تلك الليلة، وهكذا فعل. كان ثلاثتهم يجلسون أعلى سيارة كولن، وكانت جلينا تجلس في المنتصف، ويشربون الجعة.
صارت مزحة تتداولها العائلة. ماذا كان سيحدث لو أن جلينا كانت قد التقت روس أولًا؟
لم تكن ستوجد أي فرصة أمام كولن.
أخيرًا، اضطر كولن إلى سؤالها: «ماذا إذا كان قد قابلك أولًا؟ هل كنت ستخرجين معه؟»
قالت جلينا: «روس شخص لطيف.»
«لكن هل كنت ستخرجين معه؟»
بدت محرجة، وكانت هذه هي الإجابة التي كان كولن يريدها منها.
«روس ليس من نمط الأشخاص الذي يمكن أن تخرجي معه.»
قالت سيلفيا: «روس، يومًا ما ستعثر على فتاة رائعة.»
لكن بدا أن روس توقف عن البحث عن فتيات. توقف عن مهاتفة الفتيات والنعيق مثل ديك في الهاتف؛ ولم يعد يقود السيارة ببطء في الشارع، متقفيًا أثر الفتيات، مطلقًا النفير كما لو كان يرسل إشارة مورس. في ليلة سبت، في منزل كولن وجلينا، قال إنه لم يعد مهتمًّا بالنساء؛ إذ كان من الصعب عليه العثور على امرأة مهذبة، وعلى أي حال لم يستطع تجاوز علاقته بويلما باري.
تساءلت جلينا: «من ويلما باري هذه؟ … هل كانت توجد قصة حب بينكما، روس! متى؟»
«الصف التاسع.»
«ويلما باري! هل كانت جميلة؟ هل كانت تعرف شعورك حيالها؟»
«نعم، نعم، نعم، أعتقد ذلك.»
قال كولن: «يا إلهي، كانت المدرسة كلها تعرف!»
سألت جلينا: «أين هي الآن يا روس؟»
«رحلت. تزوجت.»
«هل كانت تحبك أيضًا؟»
قال روس في خضوع: «لم تكن تطيقني.»
تذكر كولن ما كانت تفعله ويلما باري؛ كيف كان روس يذهب إلى قاعات الدرس الخالية ويكتب اسمها على السبورة، في صورة نقط صغيرة من الطباشير الملوَّن، أو قلوب صغيرة، وكيف كان يذهب لمشاهدة مباريات كرة السلة للفتيات، التي كانت تلعب فيها، وكان يقفز كالمجنون في كل مرة كانت تقترب من الكرة أو السلة. تركت الفريق. كانت تختبئ في حمام الفتيات وترسل أشخاصًا كي يخبروها ما إذا كان الطريق خاليًا حتى تستطيع الخروج دون أن يراها. عرف روس هذا، وكان يختبئ في خزانة المكانس حتى يفاجئها ويطلق صافرة حزينة في اتجاهها. تركت المدرسة وتزوجت وهي في السابعة عشرة. كان روس أكثر مما تستطيع أن تحتمل.
قالت جلينا: «يا للعار!»
قال روس، وهو يهزُّ رأسه: «كنت أحب ويلما … يا كولن، أخبر جلينا قصة الفطيرة!»
أخبرها كولن بتلك القصة، وهي قصة مفضلة لدى كل من كان في المدرسة الثانوية في ذلك الوقت. كان كولن وروس يجلبان غداءهما إلى المدرسة دومًا؛ لأن أمهما كانت تعمل وكانت أسعار الطعام في الكافيتريا عالية جدًّا. كانا يأكلان دومًا شطائر المورتاديلا والكاتشب وفطيرة يشتريانها من المتجر. ذات يوم، لم يُسمح لأيٍّ من الطلاب بالمغادرة عند الظهيرة لسبب ما، ووُضع الصفان التاسع والعاشر معًا، وهكذا كان روس وكولن في القاعة نفسها معًا. كان روس يضع غداءه على مقعده، ووسط المحاضرة التي كان الطلاب يتلقونها، اقتطع قطعة كبيرة من فطيرة التفاح وبدأ في أكلها. صرخ المدرس قائلًا: «ماذا تظن نفسك فاعلًا؟» دون لحظة تردد، ألقى روس بقطعة الفطيرة تحته وجلس عليها، ضامًّا يديه المتسختين معًا التماسًا للعفو.
قال روس لجلينا: «لم أقصد أن أكون مضحكًا! … لم أستطع أن أفكر فيما أفعل بتلك القطعة سوى وضعها تحتي!»
قالت جلينا، وهي تضحك: «أستطيع أن أتخيل الأمر الآن! … أوه، روس، أستطيع أن أتخيل الأمر الآن! مثل شخصية في مسلسل تليفزيوني!»
قال روس: «ألم نخبرك بتلك القصة من قبل قط؟ … كيف لم نفعل ذلك؟»
قال كولن: «أعتقد أننا فعلنا ذلك من قبل.»
قالت جلينا: «نعم فعلت، لكن من المضحك سماع ذلك مجددًا.»
«حسنًا، كولن، أخبرها عن الوقت الذي أرديتني فيه قتيلًا!»
قالت جلينا: «ذكرت لي ذلك، أيضًا، ولا أرغب في سماع ذلك مجددًا أبدًا.»
قال روس، في خيبة أمل: «لم لا؟»
«لأنه أمر مريع.» •••
كان كولن يعرف، عندما عاد إلى المنزل من منزل سيلفيا، أن روس سيكون قد وصل قبله، وأنه يعمل في السيارة. كان على حق. كان ذلك في نهاية شهر مايو تقريبًا، وكان روس قد بدأ في العمل في السيارة في فناء منزل كولن بمجرد اختفاء الثلوج. لم يكن ثمة مكان كافٍ لعمل ذلك في فناء منزل سيلفيا.
توجد مساحة كبيرة لعمل ذلك هنا. كان كولن وجلينا قد اشتريا كوخًا متهالكًا في موضع قصيٍّ من الشارع، فيما تبقى من بستان. كانا يصلحانه. كانا قبل ذلك يعيشان فوق إحدى المغاسل، وعندما اضطرت جلينا إلى ترك عملها — كانت مدرسة، أيضًا، في المرحلة الابتدائية — لأنها كانت حبلى في لينيت، قامت بإدارة المغسلة حتى يسكنا دون أن يدفعا أي إيجار ويوفرا المال. كانا يتحدثان آنذاك عن الانتقال؛ إلى مكان بعيد واسمه براق مثل لابرادور أو موسوني أو يلونايف. تحدثا عن الذهاب إلى أوروبا والتدريس لأبناء العسكريين الكنديين. في تلك الأثناء، عُرض هذا المنزل للبيع، وتصادف أن كان منزلًا كانت جلينا تنظر إليه وتسأل عنه عندما كانت تتنزه مصطحبة لينيت في عربة الأطفال أو حاملة إياها. كانت قد نشأت في قواعد تابعة للقوات الجوية في مناطق كثيرة في البلاد، وكانت تحب أن تنظر إلى المنازل القديمة.
قالت جلينا إنه مع كل العمل الذي كان يجب القيام به في هذا المنزل، كان الأمر يبدو كما لو كانا يعرفان أين سيكونان وماذا سيفعلان إلى الأبد.
كان لدى روس سيارتان يفك أجزاءهما ليركبها في سيارة أخرى. كانت السيارة الشيفروليه موديل عام ١٩٥٨، وكانت قد وقعت لها حادثة. كان الزجاج الأمامي محطَّمًا، وكان المبرِّد والمروحة منتزعين من موضعهما وملتصقين بالمحرك. كانت الوصلات محترقة. لم يستطع روس أن يحدد كيف يشغِّل المحرك حتى فك المروحة والمبرد واللوح المعدني المحطَّم. ثم شغل السيارة دون مفتاح وملأ مجموعة المحرك بالمياه. دار المحرِّك. قال روس إنه كان يعرف أن المحرك سيدور؛ لهذا السبب اشترى السيارة، أما جسم السيارة فكان محطمًا لدرجة أنه لم يعد نافعًا على الإطلاق. كان الجسم الذي يستخدمه لسيارة من طراز كامارو موديل ١٩٧١. كانت الطبقة العلوية من الطلاء قد سقطت عند استخدام مزيل الطلاء، وكان عليه أن يستخدم خرطوم المياه وقطع التنظيف لإزالة ما تبقى تحت تلك الطبقة. كان سيصلح الانبعاجات في سقف السيارة باستخدام مطرقة، وكان سيقطع الأجزاء الصدئة من أرضية السيارة ليضع محلها لوحًا من الألومنيوم. ذلك والكثير من الأشياء الأخرى. بدا الأمر كما لو كان سيستغرق الصيف كله.
كان روس يصلح العجلات آنئذٍ، وكانت جلينا تساعده. كانت جلينا تصقل الإطار المعدني الداخلي للعجلة والغطاء المركزي، اللذين كانا قد فُككا، بينما كان روس ينظِّف العجلات نفسها وكان يستخدم في ذلك فرشاة سلكية. كانت لينيت في قفص للعب الأطفال إلى جانب الباب الأمامي.
تشمم كولن الهواء بحثًا عن أي آثار ناتجة عن إزالة الطلاء. لم يكن روس يستخدم كمامة، قال إنه لا حاجة لها في الهواء الطلق. كان كولن يعلم أن عليه الثقة في جلينا في ألا تُعرض نفسها ولينيت لذلك. لكنه كان يتشمم، ولم يكن هناك أي شيء بالهواء، لم يكونا يستخدمان أي مزيل للطلاء. قال، من قبيل التغطية على الأمر: «يبدو الهواء مثلما في الربيع.»
قالت جلينا، التي كانت مصابة بحمى القش: «لست بحاجة إلى أن تخبرني … أشعر بسحب حبوب اللقاح تتأهب لتتحرك في الهواء.»
سألها كولن: «هل تلقيت التحصينات اللازمة؟»
«ليس اليوم.»
«هذا غباء.»
قالت جلينا وهي تجري عملية الصقل في سرعة جنونية: «أعرف … كنت سأذهب إلى المستشفى. ثم ها أنا أضيِّع الوقت هنا؛ أفعل هذه الأشياء وأبدو كما لو كنت منوَّمة مغناطيسيًّا.»
سارت لينيت في حذر حول حواف قفص اللعب الخاص بها، ممسكة بها، ثم رفعت ذراعيها وقالت: «ألقني لأعلي يا بابا.» سُر كولن بالطريقة الواضحة العملية التي قالت بها «بابا»، لا «با» مثلما يقول الأطفال الآخرون.
قال روس: «ما قررت أن أفعله هو أن أضع مُزيل صدأ ثم طلاء تحويليًّا ثم طلاء أساس. لكن عليَّ أن أتخلص من معجون الحشو القديم أولًا بالكامل؛ لأن مزيل الطلاء قد يصل إليه وسيبدو شكله سيئًا في الطلاء الجديد. سأستخدم طلاء الأكريليك. ما رأيك؟»
سأل كولن: «أي لون ستختار؟» كان يتحدث إلى مؤخرتين، كلتاهما مغطاة بالجينز. كان بنطال جلينا الجينز مقصوصًا، كاشفًا عن رجليها الطويلتين، البيضاوين الناعمتين. لا توجد أي قبعة على رأس روس الآن. كان متزنًا بشكل لافت متى كان قريبًا من سيارته.
«كنت أفكر في اللون الأصفر. ثم رأيت أن اللون الأحمر يبدو دائمًا جميلًا مع السيارة الكامارو.»
قالت جلينا: «سنأتي بمخطط الألوان ونضعه أمام لينيت وندعها تختار … هل توافق يا روس؟ أيما كان ما ستختاره؟ ما رأيكم؟»
قال روس: «حسنًا.»
«ستشير إلى اللون الأحمر. تحب اللون الأحمر.»
قال كولن للينيت عندما مر بها في طريقه إلى داخل المنزل: «اهدئي.» بدأت في التذمُّر، في غير صراخ. جلب ثلاث زجاجات من البيرة من الثلاجة. خلال فصل الشتاء، كانوا قد أدخلوا بعض التعديلات على المنزل؛ فأزالوا ورق الحائط ومزقوا مشمع الأرضية، وحوَّلوا المكان إلى مسرح خرجت أحشاؤه كلها. كانت توجد حشوات من مادة عازلة قرنفلية اللون مثبتة تحت ألواح من البلاستيك. كانت أكوام من الألواح الخشبية التي ستستخدم في صنع تقسيمات جديدة في المنزل متناثرة هنا وهناك حتى تجف. كان المرء يمكن أن يطأ على ألواح عريضة لينة رطبة في المطبخ. كان روس يدخل المنزل ليقدم يد المساعدة من آن لآخر، لكنه لم يعرض عليهم أي مساعدة منذ أن بدأ العمل في السيارة.
كانت جلينا قد قالت: «أعتقد أنه بدأ يفكر في السيارة عندما أدرك أنه لن يعيش معنا في المنزل.»
قال كولن: «روس يحب العبث دائمًا بالسيارات.»
لكن روس لم يكن يعبأ كثيرًا من قبل بشكل السيارات. كان يهتم بسرعة الانطلاق والسرعة القصوى وأي صوت خطر أو مضحك يستطيع إخراجه منها. وقعت له حادثتان. ذات مرة، وقع بسيارته في مصرف وخرج سالمًا دون أي خدش. في المرة الثانية، كان قد سلك طريقًا مختصرًا، مثلما قال، عَبْرَ أرض خالية في البلدة واصطدم بكومة من القمامة كان فيها حوض استحمام قديم. عندما عاد كولن من الجامعة إلى المنزل في إجازة نهاية الأسبوع، وجد كدمات أرجوانية اللون على جانب وجه روس، وقطعًا فوق إحدى أذنيه، وشرائط مُلصَقة على ضلوعه.
«اصطدمت بحوض استحمام.»
هل كان ثملًا، أو تعاطى شيئًا؟
قال روس: «لا أعتقد ذلك.»
هذه المرة، كان ثمة شيء آخر يدور في خلده بخلاف زيادة سرعة السيارة والانطلاق في الشارع في حركات مراوغة يمنةً ويسرةً، تاركًا آثار احتكاك الإطارات على الرصيف. كان يريد سيارة حقيقية، ما كانت المجلة التي كان يقرؤها تُطلق عليها «سيارة فخمة». هل كان ذلك لجذب الفتيات؟ أم للتباهي داخلها وحسب، وهو يقود بأسلوب وقور مع لحظات سرعة أو زمجرة قوية من المحرك عندما ينطلق بالسيارة بعد الخروج من إشارات المرور؟ ربما هذه المرة سيقود السيارة دون إطلاق نفير خاص.
قال: «هذه السيارة لن تغدو وتجيء عبر الشارع الرئيسي مثل شخص مجنون أو تتحرك بسرعة كبيرة على الطريق الحصوي.»
قالت جلينا: «هذا صحيح … كما حدث عند تخرجك.»
قال كولن: «الجعة»، واضعًا زجاجة في مكان يستطيع روس بلوغه بسهولة.
قالت جلينا: «روس» (قالت لكولن: «شكرًا لك».) «روس، عليك أن تزيل فرش الأبواب. يجب أن تفعل ذلك. يبدو شكله لا بأس به، لكن رائحته غير طيبة. أستطيع أن أشمها. هناك.»
جلس كولن مع لينيت على درجة السلم على ركبة واحدة، مدركًا أنه لن يثير موضوع عدم محافظة روس على مواعيد العمل، هذا بخلاف موضوع القبعتين. لن يذكِّر روس أن هذا هو العمل الأول الذي يحصل عليه خلال أكثر من عام. كان متعبًا جدًّا، ويشعر الآن بسلام داخلي كبير. يرجع بعض هذا الشعور بالسلام الداخلي إلى ما تفعله جلينا. لم تكن جلينا تتعاون مع أي شخص غريب الأطوار تمامًا، أو تشارك في القيام بأي شيء لا طائل من ورائه. وها هي، تنظر إلى وجهها في أغطية العجلات، وتتشمم فرش السيارة، وتأخذ روس وسيارته على محمل الجد؛ حتى إن كولن عندما خرج من السيارة ورآها جاثمةً، تصقل الأشياء، كان يرغب في أن يسألها هل كانت الأمور ستسير على هذا النحو طوال الصيف، في ظل انشغالها الشديد بسيارة روس مما لن تجد معه وقتًا للعمل في المنزل. كان سيندم الآن إذا كان قد قال ذلك. ماذا سيفعل إذا لم تكن تحب روس، إذا لم تكن قد أحبته من البداية ووافقت على أن يكون موجودًا معهما باستمرار؟ عندما قال روس الشيء الخطأ الوحيد، أثناء المقابلة الأولى، وابتسمت جلينا، ليس في أدب أو في تعالٍ بل في دهشة وسرور حقيقيين، شعر كولن بارتياح كبير. شعر منذ ذلك الحين أنه لن يتحمل عبء روس الثقيل وحده، وأنه وجد من سيشاركه في تحمُّل هذا العبء. لم يكن يعول على سيلفيا في هذا الأمر قط.
كان الخاطر الآخر الذي جال بعقل كولن دنيئًا بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ. لن يفعل روس ذلك أبدًا. كان روس محتشمًا. كان وجهه يتجهم وتبدو عليه علامات الاشمئزاز ويبدو كما لو كان في طريقه إلى البكاء عندما يكون هناك مشهد جنسي في الأفلام. •••
في صباح السبت، كان ثمة كيس كبير من قطع الدجاج المجمَّد الآخذة في الذوبان على طاولة المطبخ، وهذا ذكَّر كولن بأن جلينا كانت قد دَعَت سيلفيا وإيدي وصديقتها — صديقتهما — نانسي على العشاء.
كانت جلينا قد ذهبت إلى المستشفى، سائرةً، واضعة لينيت في عربة الأطفال، لتتلقى تحصينات حمى القش. كان روس يعمل أثناء ذلك. وقد جاء إلى المنزل ووضع شريطًا لاصقًا، تاركًا الباب مفتوحًا حتى يستطيع سماعه. كانت جلينا تحب سماع أغنية «عربات النار». كان روس يستمع عادةً إلى الموسيقى الريفية والغربية.
كان كولن قد عاد لتوه من متجر مواد البناء، الذي لم يوصل لهم ألواح السقف التي طلبها منهم، على الرغم من وعوده الكثيرة بذلك. خرج ينظر إلى الحشائش التي كان قد زرعها السبت الماضي، قطعة من الحشائش على جانب المنزل، محاطة بسياج من السلك. رواها ببعض الماء، ثم راقب روس وهو يصقل العجلات بورق السنفرة. قبل أن يمضي وقت طويل ودون أن يقصد ذلك تمامًا، صار يصقل العجلات هو الآخر. كان الأمر يبدو كتنويم مغناطيسي، مثلما قالت جلينا، ولم يكن المرء يملك إلا أن يفعل ذلك. بعد صقلها بما يكفي، كان يجب طلاؤها بطلاء أساس (كان يحمي الإطارات من الطلاء بشريط لاصق وورق واقٍ)، وعندما جف طلاء الأساس، كان يجب حكها بحشوة من النحاس وتنظيفها مرة أخرى باستخدام مُزيل شمع وشحوم. كان روس قد خطط لذلك كله.
ظلوا يعملون طوال الصباح ثم طوال فترة ما بعد الظهيرة. أعدت جلينا شطائر هامبورجر للغداء. عندما أخبرها كولن أنه لن يستطيع تركيب ألواح السقف الخاصة بالمطبخ؛ لأن الألواح لم تكن قد جاءت بعد، قالت إنه لن يستطيع العمل في المطبخ على أي حال؛ لأنها ستصنع نوعًا من الحلوى.
ذهب روس إلى الجزء الراقي من البلدة واشترى رشاش طلاءٍ وطلاءً بلون فحمي معدني، فضلًا عن مادة تلميع آرمر-أوول للإطارات. كانت تلك فكرة جيدة؛ فقد سهَّل الرشاش كثيرًا عملية الوصول إلى تجاويف العجلات. •••
وصلت نانسي في منتصف فترة ما بعد الظهيرة تقريبًا، وهي تقود سيارتها الشيفروليه الأنيقة الصغيرة، وترتدي ملابس جديدة غريبة؛ بنطالًا قصيرًا فضفاضًا، طويلًا نسبيًّا، وبلوزة كانت أقرب إلى حقيبة بها فتحتات صُنعت من أجل الرأس والذراعين، وكانت تلك البلوزة باللون البني ومربوطة عند الوسط بحزام قرنفلي رث طويل. كانت نانسي قد عينت ذلك العام لتدريس اللغة الفرنسية للطلبة من سن الحضانة إلى الصف الثامن، وهو ما كان أحد المتطلبات الجديدة للوظيفة. كانت فتاة ممشوقة القوام، شاحبة اللون، منبسطة الصدر، ذات شعر مجعَّد، بلون الذرة الصفراء، ووجه ترتسم عليه أمارات الذكاء، والحزن. وجدها كولن جذابة ومزعجة في آن واحد. جاءت مثل صديقة قديمة، حاملةً معها جعتها وألبوماتها الموسيقية. تحدثت مع لينيت، وابتدعت لها اسمًا؛ ويني-ويني. لكن صديقة قديمة لمن؟ قبل سبتمبر الماضي، لم يكن يعرفها أيٌّ منهم. كانت في أوائل الثلاثينيات، وكانت قد عاشت مع ثلاثة رجال مختلفين، ولم تكن تعتقد قط أنها ستتزوج. في المرة الأولى التي التقت فيها سيلفيا وإيدي، أخبرتهما عن الرجال الثلاثة الذين كانت تعيش معهم وعن عقاقير الهلوسة التي كانت تتناولها. كانت سيلفيا قد حثتها على البوح، بالطبع. لم يكن إيدي يعرف أسماء عقاقير الهلوسة التي كانت تتحدث عنها. كانت تخبر من تتحدث معه عن أحوالها في كل مرة تراه. لم تكن تتحدث عن أنها مصابة بالصداع، أو بالبرد، أو لديها تضخم في الغدد، أو أن قدميها متقرحتان، بل كانت تتحدث عن اكتئابها أو نشوتها أو أيٍّ مما كانت تشعر به. وكانت تتحدث على نحو غريب عن هذه البلدة. كانت تتحدث عنها كما لو كانت مادة، كتلة، كما لو كان الناس فيها ملتصقين معًا، وكما لو كانت الكتلة — بالنسبة إليها — لها خواص غريبة ومحبطة عادةً.
قالت نانسي: «رأيتك بالأمس يا روس.» كانت تجلس على درجة السلم، بعد أن فتحت زجاجة جعة وأدارت ألبوم جوان أرماتريدنج «أظهر لي بعض المشاعر». نهضت ورفعت لينيت من قفص اللعب. «رأيتك في المدرسة. كنت رائعًا.»
قال كولن: «توجد أشياء في كل مكان هنا يمكن أن تضعها في فمها. صواميل صغيرة وأشياء أخرى. عليك مراقبتها.»
قالت نانسي: «سأراقبها. ويني-ويني.» كانت تدغدغ لينيت بطرف حزامها.
قالت باللغة الفرنسية: «السيد ذو القبعتين» وأضافت: «كان جميع طلاب الصف الثالث ينظرون خارج النافذة وأبدوا إعجابهم بك. هذا ما قررنا أن نطلق عليك. السيد ذو القبعتين. السيد ذو القبعتين.»
قال كولن: «نعرف بعض الفرنسية. لكن يبدو الاسم غريبًا.»
قال روس: «لا أعرف … لا أعرف عما تتحدث.»
قالت نانسي، مدغدغةً لينيت: «أوه، روس … ألست دبتي الحبيبة الصغيرة، ويني-ويني الصغيرة؟ روس، كنت رائعًا. يا له من مصدر للراحة فيما بعد ظهيرة يوم جمعة طويل، مرهق، ممل.»
كانت لنانسي طريقة في الحديث تجعل روس يتجهَّم. خلف ظهرها، كان يقول عنها عادةً إنها مجنونة.
«أنت مجنونة يا نانسي. لم تريني قط. أنت تتخيلين أشياء. تعانين من ازدواج الرؤية.»
قالت نانسي: «أنا متأكدة … تمامًا، أيها السيد ذو القبعتين. إذن، ماذا تفعل هنا؟ أخبرني. هل تفكك السيارات؟»
قال كولن: «نطلي هذه العجلات الآن.» لم يكن روس ليقول شيئًا.
قالت نانسي: «تلقيت دورة ذات مرة … تلقيت دورة في أساسيات الميكانيكا حتى أعرف ماذا يجري في سيارتي ولا أضطر إلى الذهاب إلى الورشة وأتحدث في صوت رفيع مثل فتاة صغيرة.» ثم تحدثت بصوت رفيع مثل شابة صغيرة قائلة: «أوه، يوجد صوت غريب تحدثه السيارة. هلَّا تخبرني من فضلك ماذا يوجد تحت غطاء السيارة؟ يا إلهي، إنه المحرك!» ثم استطردت: «حسنًا، وهكذا حتى لا يحدث هذا، حصلت على تلك الدورة، وأثار الأمر اهتمامي أكثر حتى إنني تلقيت دورة أخرى، وكنت أفكر في حقيقة الأمر في أن أعمل في مجال الميكانيكا. كدت أخوض هذا المجال، لكنني تقليدية جدًّا في حقيقة الأمر. لم أستطع أن أواجه كل تلك الأمور. وفضلت أن أدرِّس الفرنسية.»
حملت لينيت وذهبت لتلقي نظرة على المحرك.
«روس؟ هل ستنظِّف هذا بالبخار؟»
قال روس: «نعم … سأرى هل كنت أستطيع أن أستأجر ماكينة تنظيف بالبخار.»
«أيضًا، كنت أعيش مع شخص كان مولعًا بالسيارات، أوتعرف ماذا فعل؟ عندما كان مضطرًّا إلى استئجار ماكينة تنظيف بالبخار، كان يرى هل كان أحد آخر يريد أن يُجري عملية تنظيف بالبخار، ثم كان يطلب عشرة دولارات مقابل ذلك. وهكذا كان يجني مالًا عند التأجير.»
قال روس: «نعم.»
«مجرد اقتراح. ستحتاج إلى حامل جديد للمبرد، أليس كذلك؟ يركب المبرد في المحركات «ﭬﻲ-٨» خلف الحامل.»
بعد ذلك خرج روس من حالة التجهُّم — ربما رأى ضرورة ذلك — وبدأ يريها بعض الأشياء. •••
قالت نانسي: «هيا يا كولن … تقول جلينا إننا نحتاج إلى المزيد من الكريمة المخفوقة. يمكن أن نذهب بسيارتي. احمل أنت لينيت.»
قال كولن: «أنا لا أرتدي قميصًا.»
«لا تعبأ لينيت بذلك. سأذهب إلى المتجر. هيا. تريد جلينا الكريمة الآن.»
في السيارة قالت له: «كنت أريد أن أتحدث إليك.»
«أدركت ذلك.»
«تتعلق المسألة بروس، بما يفعل.»
«أتعنين تجوله معتمرًا تلك القبعات؟ ماذا؟ ماذا قال ديفيدسون؟»
«لا أتحدث عن ذلك. أتحدث عن تلك السيارة.»
تنفَّس كولن الصعداء. «ماذا عن السيارة؟»
«ذلك المحرك. كولن، هذا المحرك أكبر مما ينبغي. لن يستطيع أن يضع ذلك المحرك في تلك السيارة.»
كان صوتها عميقًا وهادئًا على نحو درامي.
قال كولن: «يعرف روس الكثير عن السيارات.»
«أصدقك. لم أقل إن روس غبي. هو يعرف ذلك. لكن ذلك المحرك، إذا وضعه، أخشى أنه سيكسر عمود القيادة؛ ليس على الفور، بل سيحدث هذا عاجلًا أو آجلًا، وفي الغالب عاجلًا. يفعل الفتيان ذلك طوال الوقت. يضعون محركًا قويًّا كبيرًا للحصول على سرعة الانطلاق والسرعة القصوى التي يريدونها، وفي يوم ما، مثلما تعرف، قد يؤدي ذلك لتدمير السيارة بالكامل. يؤدي هذا إلى انقلاب السيارة. ويكسر عمود القيادة. تتلخص المسألة في أنه في حالة الفتيان، عادةً ما يحدث عطل آخر أولًا أو يتسببون في تلف السيارة بأيديهم. لذا، ربما فعل ذلك من قبل وأفلت بما فعل. يعتقد أنه يمكن أن يكرر ذلك. لا ألعب دور الخبير هنا يا كولن. أقسم إنني لا أفعل ذلك.»
قال كولن: «حسنًا … أصدقك.»
«تعرف أنني لا أتصنَّع هذا يا كولن؟»
«أعرف ذلك.»
«لم أستطع أن أستجمع شجاعتي لأقول أي شيء لروس. يشعر بحماس بالغ حيال الأمر. هذا ما يقولونه هنا، أليس كذلك؟ حماس بالغ! لم أستطع أن أصرِّح بنقد لاذع كذلك. على أي حال، ربما لن يصدقني.»
قال كولن: «لا أعرف إذا كان سيصدقني أم لا … هل أنت متأكدة تمامًا بشكل لا يخامره شك؟»
قالت له، في نبرة كان من المفترض أن يعتقد معها أنها صادقة: «لا تقل شك … أنا متأكدة تمام التأكد وبلا مراء. وإذا لم أكن كذلك، لم أكن لأفتح فمي الكبير.»
«يعرف أنه يضع محركًا أكبر مما يناسب السيارة. يعرف ذلك. لا بد أنه يعرف أن لا مشكلة في ذلك.»
«لا يعرف أن هذا خطأ. كولن، أنا أحب روس، ولا أريد أن أفسد مشروعه.»
«من الأفضل ألا تدعي سيلفيا تسمعك تقولين ذلك.»
«أقول ماذا؟ هي لا تريده أن يُقتل، مثلي.»
«إنك تحبين روس.»
قالت نانسي، وهي تدخل بالسيارة في باحة انتظار متجر ماكس ميلك: «أحبكم جميعًا يا كولن … أحبكم حقًّا.» •••
قالت سيلفيا، موجهةً حديثها إلى نانسي، بعد تناول كأس رابعة من الخمر الوردي: «هذا ما فعلت، سأخبرك … أقمت لنفسي حفلة ذكرى مرور خمسة وعشرين عامًا على زواجي. ما رأيك؟»
قالت نانسي: «مدهش!» كانت سيلفيا قد أخبرتها لتوها عن مزحة الرجل الأسود والرجل الأبيض في المبولة، وهو ما رأى كولن أنه قد سبب لها بعض الإحراج.
«أعني، بلا زوج. أعني، لم يكن يعيش معي حينها، ولم أكن أعيش معه. كان لا يزال على قيد الحياة. يعيش في بيتربورو. لا يزال حيًّا الآن. لكني قلت: «أنا متزوجة لمدة خمسة وعشرين عامًا، ولا أزال متزوجة. لذا، ألا أستحق عمل حفلة من أجل ذلك؟»»
قالت نانسي: «بالتأكيد.»
كانوا يجلسون إلى مائدة حديقة في الفناء الخلفي، على بعد خطوات قليلة من باب المطبخ، تحت شجرة الكريز الأسود المثمرة. كانت جلينا قد بسطت مفرشًا واستخدمت أواني الخزف الصيني الخاصة بزفافها.
قالت جلينا: «ستتحول هذه المساحة إلى فناء مرصوف العام المقبل.»
قالت سيلفيا: «أترين؟ … لو كنت قد استخدمت أواني بلاستيكية، لكنت ستجمعين كل هذا الآن وتضعينه في سلة المهملات.»
أشعل إيدي سيجارة سيلفيا. لم يتوقف هو نفسه عن التدخين خلال تناول الطعام.
التقطت نانسي حبة فراولة من قمة كعكة المرنج المأكولة. قالت: «المكان جميل هنا الآن.»
قالت جلينا: «على الأقل لا توجد حشرات بعد.»
قالت سيلفيا: «هذا صحيح. ستصبح الفراولة أرخص كثيرًا بدءًا من الأسبوع القادم، لكنك لن تستطيعي أن تأكلي هنا بسبب الحشرات.»
بدا ذلك مضحكًا لنانسي. بدأت في الضحك، وانضم إيدي إليها. لسبب غير معلن — معه سيكون السبب دومًا غير معلن — أعجب بنانسي وكل ما تفعل. قالت سيلفيا، مندهشة لكن متمتعة بروح دعابة، ولون وجهها قرنفلي مثل وردة من ورق شفاف بدأت في التجعد حول الحواف: «لا أرى شيئًا مضحكًا في ذلك. ماذا قلت؟»
قال روس: «واصلي الحديث.»
«أواصل الحديث عن ماذا؟»
«واصلي حديثك وأخبرينا عن حفلة ذكرى زواجك.»
قالت جلينا: «أوه يا روس.» نهضت وأضاءت الأنوار في المصابيح البلاستيكية الملونة التي كانت معلقة على جدار المنزل. ثم قالت: «كان عليَّ أن أجعل كولن يصعد ويضع بعض المصابيح في شجرة الكريز.»
قالت سيلفيا: «حسنًا، كان كولن يبلغ ثلاثة عشر عامًا في ذلك الوقت، وكان روس في الثانية عشرة … أوه، يعرف الجميع الأمر من جميع الأوجه إلا أنت يا نانسي. إذن، كان الأمر بعد خمسة وعشرين عامًا من الزواج وابني الأكبر في الثالثة عشرة. يمكن أن تقولي إن تلك كانت المشكلة. كل هذه الفترة الطويلة دون أطفال، كنا سلمنا بأننا لن نرزق بأطفال أبدًا. في البداية، كنا نعوِّل على أننا سنرزق بأطفال ثم خاب رجاؤنا ثم اعتدنا على ذلك، واستمر اعتيادنا على هذا فترة طويلة جدًّا، أكثر من عشرة أعوام زواجًا، ثم أصبحت حبلى! كان ذلك كولن. ثم لم يمر أكثر من اثني عشر شهرًا، بل أحد عشر شهرًا وثلاثة أيام، ثم جاء آخر! كان ذلك روس!»
قال روس: «مرحى!»
«الرجل المسكين، أعتقد أنه خشي منذ ذلك الحين فصاعدًا أن ألد له طفلًا بعد الآخر، لذا رحل بعيدًا.»
قال كولن: «نُقل … كان يعمل في محطة السكك الحديدية، وعندما حولوا مسار قطار الركاب الذي كان يمر من هنا، نقلوه إلى بيتربورو.»
لا يمتلك ذكريات كثيرة عن والده. ذات مرة، بينما كانا سائرين في الشارع، قدم له والده قطعة لبان. كان ثمة نوع من الشعور الرسمي، العطوف حيال تلك اللمحة — كان والده يرتدي زي عمله الرسمي آنذاك — بدلًا من الشعور بالحميمية الأبوية. كان لدى كولن انطباع أن سيلفيا لم يكن بإمكانها التعامل مع ابنين وزوج، إلى حد ما؛ فأضاعت زواجها دون أن تقصد هذا تمامًا.
قالت سيلفيا: «لم يكن يعمل فقط في محطة السكك الحديدية … كان محصلًا. بعد نقله للمرة الأولى، كان يزورنا في بعض الأحيان بالحافلة، لكنه كان يكره الانتقال بالحافلة ولم يكن يستطيع قيادة السيارات. بدأ في التوقف عن الزيارة تدريجيًّا ومات قبل تقاعده مباشرةً. لذا، ربما كان سيأتي للحفلة آنذاك، من يعلم؟»
(كانت فكرة جلينا، التي انتقلت إلى كولن، أن كل هذا الحديث الهادئ حول إقامة حفلة ذكرى زفافها لم يكن إلا اختلاقًا من جانب سيلفيا؛ فهي ترى أن سيلفيا كانت قد طلبت من زوجها أن يأتي أو أخبرته بذلك، لكنه لم يفعل.)
قالت سيلفيا: «حسنًا، لا عليكم منه، أقمت الحفلة … دعوت الكثير من الأشخاص. كنت سأدعو إيدي لكنني لم أكن أعرفه حينها جيدًا مثلما أعرفه الآن. كنت أظنه من الطبقة العليا.» لكزت ذراع إيدي بمرفقها. كان الجميع يعلم أن زوجته الثانية كانت من الطبقة العليا. «كان ذلك في شهر أغسطس، وكان الطقس جيدًا، كنا نستطيع أن نمكث في الخارج، مثلما نحن هنا. نصبت مناضد ذات حوامل، وكان يوجد طست ممتلئ بسلاطة البطاطس. أعددتُ ريش لحم مشوية، ودجاجًا محمرًا، وحلويات، وفطائر، وكعكة احتفال جعلت المخبز يزينها. وكانت توجد مجموعة متنوعة من عصائر الفواكه، المضاف إليها الكحول وغير المضاف إليها الكحول. تناول المدعوون عصائر الفواكه المضاف إليها الكحول أكثر مع تقدُّم الأمسية وظل المدعوون يصبُّون الفودكا والبراندي وأيًّا ما كان لديهم!»
قال روس: «ظن الجميع أن كولن أسرف في شرب العصائر المضاف إليها الكحول!»
قالت سيلفيا: «حسنًا، لم يفعل … كانت تلك كذبة.» •••
في وقت سابق، كان كولن ونانسي قد أخليا المنضدة معًا، وعندما كانا بمفردهما في المطبخ قالت له نانسي: «هل قلت أي شيء لروس؟»
«ليس بعد.»
«ستفعل، أليس كذلك؟ كولن، الأمر مهم.»
سمعتْ ذلك جلينا أثناء دخولها حاملةً طبق تقديم عليه عظام دجاج، ولم تتفوه بأي شيء.
قال كولن: «تظن نانسي أن روس يرتكب خطأ في تركيب سيارته.»
قالت نانسي: «خطأً قاتلًا.» عاد كولن إلى الخارج، تاركًا إياها تتحدث في صوت خفيض، مُلح إلى جلينا. •••
قالت سيلفيا: «كانت توجد موسيقى … كنا نرقص على الممر الجانبي حول الواجهة، وكنا نحتفل أيضًا خلف المنزل. كنا نشغِّل تسجيلات في غرفتي الأمامية وكانت النوافذ مفتوحة. أتى ضابط النوبة الليلية ورقص معنا. كان ذلك عندما أضاءوا مصابيح الشارع القرنفلية في ذلك الشارع، لذا قلتُ: «انظروا إلى الأنوار التي أضاءوها من أجل حفلتي!»» ثم قالت لكولن، الذي نهض واقفًا: «إلى أين أنت ذاهب؟»
«أريد أن أُريَ إيدي شيئًا.»
وقف إيدي، وكان يبدو مسرورًا، وتحرك ببطء حول المنضدة. كان يرتدي بنطالًا عليه مربعات باللونين البني والأصفر، مربعات خفيفة غير ظاهرة تمامًا، وقميصًا أصفر رياضيًّا ووشاح رقبة بلون أحمر داكن. قالت سيلفيا، ليس للمرة الأولى: «ألا يبدو أنيقًا؟ … إيدي، يا لك من متأنق! لا يريد كولن أن يسمعني وأنا أكمل بقية القصة.»
قال روس: «البقية هي الأفضل … قريبًا!»
قال كولن: «أريد أن أُري إيدي شيئًا وأطلب منه شيئًا … على انفراد.»
قالت سيلفيا: «هذا الجزء المتبقي من القصة يشبه ما قد يقرؤه المرء في الصحف.»
قالت جلينا: «هذا مريع.»
قالت سيلفيا: «سيُري إيدي حشائشه الثمينة … بالإضافة إلى ذلك، لا يريد أن يسمعني أسرد هذا الجزء من القصة. لماذا؟ لم يكن هذا خطأه. حسنًا، جزئيًّا. كان الأمر من النوع الذي يحدث مرارًا وتكرارًا مع الآخرين، ولا تكون النتيجة إلا أسوأ. مأساوية.»
قال روس، ضاحكًا: «يقينًا كان من الممكن أن يكون الأمر مأساويًّا.» •••
كان كولن، الذي قاد إيدي إلى مقدمة المنزل، يستطيع سماع روس وهو يضحك. مر بإيدي بمحاذاة السياج المصنوع من السلك والحشائش الجديدة. في الفناء الأمامي، كان ثمة قليل من الضوء الآتي من مصباح الشارع، ضوء غير كافٍ حقيقةً. أضاء النور الموجود إلى جانب الباب الأمامي.
قال كولن: «الآن، إلى أي مدى ترى سيارة روس صالحة؟»
قال إيدي: «رأيت كل ذلك من قبل.»
«انتظر.»
كانت سيارة كولن منتظرة بحيث تلمع أضواء المصابيح حيثما كان يريدها أن تلمع، وكان المفتاح في جيبه. دخل السيارة، وأدار المحرك، وأضاء المصابيح.
قال: «هناك … ألق نظرة على المحرك الآن بينما أُضيء المصابيح.»
قال إيدي: «حسنًا». ثم سار في ضوء مصابيح السيارة ووقف يتفحَّص المحرك.
«انظر الآن إلى جسم السيارة.»
قال إيدي، مستديرًا ربع استدارة لكن دون أن ينحني لينظر: «نعم.» ففي ملابس كالتي يرتديها، لم يكن يرغب في أن يقترب كثيرًا من أي شيء.
أطفأ كولن مصابيح السيارة والمحرك وخرج من السيارة. في الظلام، كان يسمع روس يضحك مجددًا.
قال كولن: «قال لي أحدهم إن المحرك أكبر كثيرًا من أن يوضع هنا … قال هذا الشخص إن ذلك سيكسر التربيعة وسينحل عمود القيادة وتنقلب السيارة. لا أعرف الكثير عن السيارات. هل ذلك صحيح؟»
لم يكن ليقول له إن هذا الشخص هو نانسي، لا لأن نانسي امرأة، بل لأن إيدي كان يميل إلى النظر إلى أي شيء تقوله نانسي أو تفعله بإعجاب كبير حتى لا يكاد المرء يستطيع الحصول على أي رأي منه بشأنها. لم يكن سهلًا الحصول على أي آراء منه في أي شيء.
قال إيدي: «هذا محرك كبير … طراز «ﭬﻲ-٨ ٣٥٠». محرك سيارة شيفروليه.»
لم يقل كولن إنه يعرف كل ذلك بالفعل. قال: «هل هو كبير أكثر مما ينبغي؟ … هل يمثِّل ذلك خطرًا؟»
«هو كبير بعض الشيء.»
«هل رأيت أحدًا يضع مثل هذا النوع من المحركات في جسم كهذا من قبل؟»
«أوه. نعم. رأيتهم يفعلون كل شيء.»
«هل سيتسبب ذلك في وقوع حادثة، مثلما قال ذلك الشخص؟»
«من الصعب القطع بذلك.»
بعدما يقول معظم الناس ذلك، يواصلون حديثهم ويقولون ما هو الصعب القطع به. لكن ليس إيدي.
«هل سيؤدي هذا المحرك إلى كسر التربيعة حقًّا؟»
قال إيدي: «أوه، لست واثقًا … لا أستطيع تأكيد ذلك.»
«هل يمكن أن يحدث ذلك؟»
«ربما.»
«هل أقول أي شيء لروس؟»
ضحك إيدي ضحكة خافتة في اضطراب وقال: «لا تأخذ سيلفيا الأمر بصدر رحب عندما يقول أحد أي شيء لروس.» •••
لم يكن كولن يحب عصائر الفواكه المضاف إليها الكحول. لم يقترب هو وروس ومجموعة أخرى من الفتيان هكذا من قلب الحفل. تجاهلوا الحفل، وجلسوا على أطرافه، يشربون من عبوات معدنية فقط؛ عبوات كوكاكولا وأورانج التي أتى بها أحد المدعوين وتركها إلى جانب الدرجات الخلفية. أكلوا رقائق البطاطس التي تم تقديمها لهم، لكنهم لم يكترثوا كثيرًا بالطعام الموضوع على الموائد الذي كان يتطلب استخدام أطباق أو شوك. لم يلتفتوا إلى ما كان الكبار يفعلونه. قبل سنوات قليلة، كانوا يتجولون في الأنحاء يراقبون كل شيء، واضعين في أذهانهم، غالبًا، فكرة السخرية مما يراقبونه وتعكير صفوه. لا يكترثون على الإطلاق بذلك العالم؛ عالم الكبار، في الحفل أو في أي مكان آخر.
أما الأشياء التي كان الكبار يملكونها، فتلك مسألة أخرى. كانت تلك الأشياء لا تزال مثيرة للاهتمام بالنسبة لهم، وفي السيارات التي كانت منتظرة بطول الممر، وجدوا الكثير من الأشياء المثيرة للاهتمام؛ أدوات، مجارف، سلاسل الإطارات الخاصة بالشتاء الماضي، أحذية طويلة العنق، بعض المتعلقات الشخصية، معاطف مطر ممزقة، بطانية، مجلات بها صور بذيئة، بندقية.
كانت البندقية موضوعة على المقعد الخلفي في سيارة غير موصدة. كانت بندقية صيد. لم يكن هناك شك في أنهم كانوا سيخرجونها، ويفحصونها، ويعلقون على أجزائها على نحو يوحي بالمعرفة، ويصوبونها نحو طيور خيالية.
أشار بعضهم إلى ضرورة الحذر.
«ليست محشوة.»
«كيف تعرف؟»
لم يسمع كولن قط كيف عرف هذا الفتى ذلك. كان يفكر في كيف أن روس يجب ألا يمسك بهذه البندقية، وإلا فستنطلق منها رصاصة وتصيب أحدًا، سواء أكانت محشوةً أم لا. لمنع ذلك، أمسك كولن بها، وما حدث آنذاك لم يعرفه على الإطلاق، أو حتى يتذكره. لم يتذكر توجيه البندقية. لم يكن ممكنًا أن يكون قد وجهها. لا يتذكر أنه جذب الزناد؛ لأن من المستحيل أن يكون قد فعل ذلك. لا يتذكر صوت إطلاق رصاصة لكنه يتذكر أن شيئًا ما كان قد حدث؛ المعرفة التي تتوفر لدى المرء عندما يوقظه صوت عالٍ من النوم وللحظة يبدو الصوت بعيدًا وحتميًّا بما لا يستدعي الانتباه إليه.
سمع صرخات ونداءات في هذا الوقت نفسه. جاءت إحدى هذه الصرخات من روس، وهو ما كان يجب أن ينبئ كولن بشيء. (هل يصرخ من يُقتلون بطلق ناري؟) لم ير كولن روس يسقط. كان ما رآه — ويتذكره دومًا — هو أن روس كان مُسجًّى على الأرض، على ظهره، ذراعاه مفتوحتان عن آخرهما، وشيء داكن يسيل من أعلى رأسه.
مستحيل أن يكون ذلك الشيء موجودًا من قبل؛ هل هذه بركة دماء؟
انطلق واحد أو اثنان من الفتيان، وقد تخلَّيَا عن شعورهما بالازدراء حيال العالم وحيال مساعدة الكبار، عبر الحارة إلى منزل سيلفيا، صارخَين: «أُطلقت النار على روس! أَطلق كولن النار عليه! روس! أُطلقت النار عليه! أَطلق كولن النار عليه! روس! كولن! روس!»
بحلول الوقت الذي جعلوا فيه الأشخاص الجالسين حول المائدة في الفناء الخلفي يفهمون الأمر — كان بعضهم قد سمع صوت إطلاق النيران لكنهم ظنوها ألعابًا نارية — وبحلول الوقت الذي ظهرت فيه أول مجموعة من الأشخاص، الذين هرعوا عبر الحارة، إلى مشهد المأساة، كان روس جالسًا، باسطًا ذراعيه، ترتسم على وجهه نظرة ماكرة خجلة. كان الفتيان الذين لم يذهبوا لطلب المساعدة قد رأوه يتحرك، وظنوا أنه حي لكنه مجروح. لم يكن مجروحًا على الإطلاق. لم تقترب الرصاصة منه. كانت قد ضربت السقيفة الواقعة بعيدًا في الحارة، السقيفة التي كان يسن فيها رجل شيخ زلاجات التزحلق على الجليد في الشتاء. لم يصب أحد.
زعم روس أن صوت إطلاق النار أفقده الوعي أو جعله ينكفئ. لكن الجميع، من واقع معرفتهم بروس، تشككوا في أن روس فعل ذلك عن عمد، وأن ذلك كان وليد اللحظة. كانت البندقية موضوعة على الحشائش في جانب الحارة، حيث ألقاها كولن. لم يلتقطها أيٌّ من الفتيان؛ فلم يرد أحد منهم أن يلمسها أو يكون له صلة بها، على الرغم من أنه اتضح لهم أن كل شيء لا بد أن ينكشف؛ كيف أخذوها من السيارة على الرغم من أنها لا تخصهم، وكيف أن اللوم سيقع عليهم جميعًا.
لكن كان اللوم سيقع على كولن بصفة أساسية. كان اللوم واقعًا على كولن. وقد هرب.
كان ذلك هو الصياح، بعد البلبلة التي حدثت حول روس.
«ماذا حدث؟ روس، هل أنت بخير؟ هل أصبت؟ أين البندقية؟ هل أنت بخير حقًّا؟ من أين حصلت على البندقية؟ لماذا تظاهرت كأنك أصبت؟ هل أنت متأكد أنك لم تصب؟ من صوب البندقية عليك؟ من؟ كولن!»
«أين كولن؟»
لم يتذكر أحد حتى في أي اتجاه ذهب. لم يتذكر أحد رؤيته يفر. نادوا عليه، لكن لم تكن ثمة إجابة. بحثوا عنه في الحارة ليروا هل كان مختبئًا. ركب ضابط النوبة الليلية سيارة الشرطة، وركب آخرون سياراتهم، وقادوها عبر الشوارع، بل قادوا سياراتهم بضعة أميال وصولًا إلى الطريق السريع ليروا ما إذا كانوا يستطيعون الإمساك به وهو يفر. لا أثر له. دخلت سيلفيا إلى المنزل وفتَّشت في خزائن الملابس وتحت الأسرَّة. كان الناس يبحثون في كل الأنحاء، يصطدم بعضهم بعضًا، موجهين الكشافات نحو الأجمات، منادين على كولن.
ثم قال لهم روس إنه يعرف أين يمكن أن يبحثوا عنه.
«عند جسر تيبليدي.»
كان ذلك جسرًا حديديًّا من الطراز القديم بطول نهر تيبليدي. تُرك على حاله على الرغم من بناء جسر أسمنتي جديد قرب منبع النهر، بحيث صار الطريق السريع الموسَّع يتجاوز هذا الجزء من البلدة. كان الطريق المفضي إلى الجسر القديم مغلقًا أمام السيارات، كما أُعلن عن عدم أمان الجسر نفسه، لكن ظل الناس ينزلون للسباحة في النهر منه أو يصطادون من فوقه، وكان الناس ليلًا يزيحون علامة «الطريق مغلق» ويتركون سياراتهم هناك. كان الرصيف على الجسر مكسورًا، وكان مصباح الطريق محترقًا ولم يجرِ استبداله. كانت ثمة شائعات ونكات حول هذا المصباح، مما كان يشير ضمنًا إلى أن أعضاء مجلس المدينة كانوا من بين أولئك الأشخاص الذين كانوا يقفون بسياراتهم هناك، ويفضلون الظلام.
كان الجسر على مسافة مربعين سكنيين فقط من منزل سيلفيا. سبق الفِتيان إلى الجسر، لا يقودهم روس بل يتبعهم، كان يسير في خطوات متمهلة. كانت سيلفيا تسير بجواره وكانت تحثه على الإسراع. كانت ترتدي حذاء ذا كعب عالٍ وثوبًا ضيقًا بلون أزرق مخضر، كان ضيقًا أكثر مما ينبغي عند الأرداف؛ مما كان يعوقها عن الحركة.
قالت: «أتمنى أن تكون على حق»، وهي حائرة أيٌّ من الابنين كانت تشعر إزاءه بغضب بالغ أكثر من الآخر. لم تكن قد تعافت بعد من معرفة أن روس لم يُطلق النار عليه حتى أخذت تفكر فيما إذا كانت سترى كولن مرة أخرى أم لا. كان بعض ضيوف الحفلة مخمورين أو لا يتمتعون باللباقة الكافية بحيث تساءلوا في صوت عالٍ عما إذا كان كولن قد قفز في نهر تيبليدي.
أخرج الضابط رأسه من السيارة وأخبرهم أن يزيلوا الحاجز الموجود على الطريق. ثم قاد السيارة عبر الجسر وأضاء المصابيح الأمامية للسيارة على الجسر.
لم يظهر سطح الجسر جيدًا في ضوء مصابيح السيارة، لكن استطاع الموجودون رؤية شخص جالس هناك.
«كولن!»
كان كولن قد تسلق إلى أعلى واستقرَّ على العوارض الحديدية. كان هناك.
نادت سيلفيا صارخةً فيه: «كولن! لا أصدق أنك فعلت ذلك! … هيا انزل من على ذلك الجسر!»
لم يتحرك كولن. بدا مذهولًا. كانت أضواء سيارة الشرطة، في حقيقة الأمر، تغشي بصره، حتى إنه ما كان سيستطيع أن ينزل من على الجسر إذا أراد.
أمره الضابط أن ينزل، وأمره آخرون بذلك. لم يتحرك قيد أنملة. وسط الأوامر والتأنيب، مر بخلد سيلفيا فجأةً أن كولن لم يعرف بالطبع أن روس لم يمت.
نادت عليه قائلةً: «كولن، لم يُصب أخوك! … كولن! أخوك حي هنا إلى جانبي! روس حي!»
لم يجب كولن لكنها ظنت أنها رأت رأسه يتحرك، كما لو كان يدقق النظر إلى أسفل.
قالت للضابط، الذي كان شبه رفيق لها: «أبعد هذه الأضواء الغبية عنه … سلِّط الأضواء على روس إذا كنت ترغب في أن تشغلها.»
قال الضابط: «لماذا لا نجعل روس يقف وسط الأضواء … ثم نطفئها ونجعل الفتي ينزل.»
نادى الضابط: «حسنًا، كولن … سنريك روس يقف هنا؛ هو غير مصاب ولا يوجد به أي شيء!»
دفعت سيلفيا بروس إلى الضوء.
قالت: «افتح فمك، واصرخ بصوت عالٍ … أخبر أخاك أنك حي.» •••
كان كولن يساعد جلينا في تنظيف المكان. كان يفكر فيما قالته أمه، حول المفارش والأطباق البلاستيكية التي يمكن للمرء أن يكوِّرها ويلقيها في سلة المهملات. لم يكن من المحتمل ولو من بعيد أن تفعل جلينا ذلك على الإطلاق. لم تكن أمه تفهم أي شيء على الإطلاق بشأن جلينا، لا شيء على الإطلاق.
كانت جلينا منهكة؛ إذ نظَّمت حفلة عشاء فاخرة أكثر مما ينبغي، ولا يمكن لأحد سواها أن يقدر ذلك.
لا، كان ذلك خطأً. كان يقدِّر هو ذلك، حتى لو لم يكن يفهم ضرورته. كان يقدِّر كل خطوة تأخذه بعيدًا عن حيرة أمه.
قال: «لا أعرف ماذا أقول لروس.»
سألت جلينا: «عن ماذا؟»
كانت في غاية التعب، هكذا حدَّث نفسه، حتى إنها نسيت ما قالته لها نانسي. وجد نفسه يفكر في الليلة السابقة لزفافهما. كان لدى جلينا خمس وصيفات، انتقين لأحجامهن ولون بشرتهن أكثر من كونهن صديقات لها، وكانت جلينا قد صممت أثوابهن جميعها. وصنعت ثوب زفافها أيضًا، وجميع القفازات والطُّرح. كان يوجد في كل قفاز ستة عشر زرًّا صغيرًا مغطًّى. فرغت من صنع ذلك في الساعة التاسعة والنصف في الليلة السابقة على الزفاف. ثم توجهت إلى الدور العلوي، تبدو شديدة الشحوب. صعد كولن، الذي كان مقيمًا في المنزل، ليطمئن عليها ووجدها تبكي، وهي لا تزال تحمل بعض قصاصات القماش الملوَّن. لم يستطع منعها من البكاء، ونادى أمه، التي قالت: «هكذا هي يا كولن، تبالغ في كل شيء.»
نشجت جلينا وقالت، من بين أشياء أخرى، إنها لا ترى أي جدوى في الحياة. في اليوم التالي، كانت جميلة على نحو ملائكي، لا تبدي أي اضطراب، تشرب في نخب ووسط أمنيات سعادتها.
لم تصبها حفلة العشاء هذه بالإرهاق مثلما أصابها صنع ملابس الوصيفات، لكنها بلغت مرحلة صارت تمتلك فيها نظرة غير ودودة ومظهرًا شاحبًا قاسيًا، كما لو كان ثمة العديد من الأشياء التي يجب أن تعيد النظر فيها.
قال كولن: «لن يرغب في البحث عن محرك آخر … كيف سيستطيع تحمُّل تكلفة محرك آخر؟ يدين لسيلفيا بثمن ذلك المحرك. على أي حال، يريد محركًا كبيرًا. يريد أن يحصل على القدرة الكبيرة له.»
قالت جلينا: «هل يصنع ذلك أي فرق؟»
«بالطبع، يصنع فرقًا، في سرعة الانطلاق وفي القدرة. بالطبع، محرك كهذا يصنع فرقًا.»
ثم رأى أنها ربما لم تكن تقصد ذلك. ربما لم تكن تعني «هل يصنع المحرك أي فرق؟» ربما كانت تعني «إذا لم يكن هذا، فربما يكون شيئًا آخر.»
(جلست على الحشائش؛ كانت تصقل أغطية الإطارات. كانت تتشمم الجوانب الداخلية للباب. قالت: «دع لينيت تختر اللون».)
ربما كانت تعني: «لماذا لا تتوقف عن التفكير في الأمر؟»
أفرغ كولن محتويات سلة المهملات في الكيس البلاستيكي وربطه عند طرفه الأعلى. «لا أريدك أنت ولينيت أن تركبا معه، لا أريد ذلك.»
قالت جلينا في صوت رقيق، مندهش: «كولن، لن أفعل … هل تعتقد أنني سأركب معه في تلك السيارة أو أدع لينيت تركب معه؟ لن أفعل ذلك أبدًا.»
أخرج كيس القمامة وبدأت هي في مسح الأرضية. عندما عاد، قالت: «كنت أفكر في شيء. كنت أحدث نفسي قائلةً إننا سرعان ما سنستبدل قرميدات ذات اللونين الأبيض والأسود بتلك الألواح القديمة التي لن يكون بمقدورنا تخيل شكلها. لن يكون بمقدورنا تذكر ذلك. يجب أن نلتقط بعض الصور لها بحيث نستطيع أن نتذكر ما قمنا به.»
ثم قالت: «أعتقد أن نانسي تميل في بعض الأحيان إلى المبالغة في الأمور. أعني فيما يتعلق بي وبلينيت. لكنني أعتقد أنها تبالغ حقًّا.»
كانت جلينا قد فاجأته، في حقيقة الأمر، بالطريقة التي كانت تتصور بها الأشياء؛ المنزل، كل غرفة فيه، في صورته النهائية. كانت قد رصَّت الأثاث الذي لم يكونا قد اشترياه بعد؛ واختارت الألوان بما يتماشى مع اتجاه التعرض للشمس سواء من الجهة البحرية أو القبلية، وضوء الشمس في الصباح أو المساء. كانت جلينا تستطيع أن تحتفظ في ذهنها بترتيب متتالٍ للغرف، ترتيب محدد، متناغم، ومفهوم، من قبلها تمامًا.
لن تطرح أي مشكلة نفسها على جلينا، وتلقي بها في غياهب الشكوك والأحزان. كانت الحلول في عقلها تنتظر الخروج مثل غرف متراصة. كانت ثمة طريقة تراها للتعامل مع الأشياء دون أن تتحدث أو تفكر فيها. كل صبرها وعذوبتها اليومية لن تغيِّر تلك الطريقة، أو حتى تمسها. •••
في البداية، في وجود الأضواء والصياح، كانت الفكرة الوحيدة التي تدور في خلده هي أنهم قد جاءوا ليلقوا باللائمة عليه. لم يهتم بهذا الأمر. كان يعرف ما قد فعل. لم يهرب ولم ينسل ويصعد إلى الجسر في الظلام حتى لا يعاقبه أحد. لم يكن خائفًا؛ لم يكن يرتعد من الصدمة. كان يجلس على العوارض الضيقة وكان يشعر كم كان الحديد باردًا، حتى في ليلة صيف، وكان هو نفسه يشعر بالبرد، لكن كان لا يزال هادئًا، مع عودة كل الملابسات المتشابكة في حياته، وفي حياة الأشخاص الآخرين في هذه البلدة، مرة أخرى، مثل صورة فوتوغرافية قُسمت شطرين ثم رجعت إلى حالتها ثانيةً، حتى يظهر ما كان بها طوال الوقت. لا شيء. روس راقد على الأرض وحول رأسه بركة. لا يتحرك روس، وصار هو نفسه قاتلًا. لا يزال لا يوجد أي شيء. لم يكن مسرورًا أو آسفًا. كانت تلك المشاعر غاية في الضآلة والشخصية، بحيث لا تنطبق على هذه الحالة. لاحقًا، اكتشف أن معظم الناس، وربما أمه، كانوا يعتقدون أنه كان قد تسلق إلى أعلى هنا لأنه كان يمر بحالة تأنيب ضمير محمومة، وكان يفكر في الإلقاء بنفسه في نهر تيبليدي. لم يدُر ذلك بخاطره قط. على نحو ما، كان قد نسي وجود النهر. كان قد نسي أن الجسر هو بناء يقع فوق النهر وأن أمه كانت شخصًا يمكنه أن يأمره بالقيام بأشياء.
لا، لم يكن قد نسي تلك الأشياء قدر ما أدرك كيف كانت سخيفة. كم كان سخيفًا أن يكون له اسم وأن يكون اسمه كولن، وأن يناديه الناس به. لقد كان أمرًا سخيفًا، على نحو ما، أن يتصور أنه كان قد أطلق النار على روس، على الرغم من أنه كان يعرف أنه قد فعل ذلك بالفعل. ما كان سخيفًا هو أن يفكر مستخدمًا هذه الكلمات المبتورة: كولن، أطلق النار، روس. أن يرى في المسألة برمتها فعلًا، شيئًا واضحًا ومنفصلًا، حدثًا، «فرقًا».
لم يكن يفكر في إلقاء نفسه في النهر أو في أي ما كان سيقوم به بعد ذلك، أو في كيف كانت حياته ستسير انطلاقًا من هذه اللحظة. لم يبدُ هذا المسار غير ضروري فحسب، بل مستحيلًا أيضًا. كانت حياته قد انكشفت، ولم يعد ثمة ما يمكن التفكير فيه بعد.
كانوا يقولون له إن روس لم يمت.
لم يمت يا كولن.
لم تطلق النار عليه على الإطلاق.
كانت خدعة.
كان روس يمزح معك.
مَزحة روس.
لم تطلق النار على أحد قط يا كولن. انطلقت رصاصة من البندقية، لكن لم يُصَب أحد.
انظر يا كولن. ها هو ذا.
ها هو روس. لم يمت. •••
«لم أمت يا كولن!» •••
«هل سمعت ذلك؟ هل سمعت ما يقول؟ قال إنه لم يمت!»
تستطيع الآن أن تنزل.
يمكن أن تنزل الآن.
كولن. هيا انزل.
كان ذلك عندما بدأ كل شيء يعود إلى ما كان عليه مجددًا. رأى روس سليمًا، لا يمكن أن يخطئه، تبدو ملامحه واضحة بسبب أضواء السيارة، يبدو منشرحًا وقلقًا قليلًا، لكنه لا يبدو عليه الأسف بأي حال من الأحوال. روس، الذي كان يبدو وكأنه يثب مرحًا حتى عندما كان يقف ساكنًا، والذي كان يبدو ضاحكًا في صوت مرتفع حتى عندما كان يجتهد في الإبقاء على فمه مغلقًا.
إنه هو.
كان كولن يشعر بالدوار، والغثيان جراء قوة اندفاع الأشياء في طريق عودتها إلى سابق عهدها في حياته، الفوضى والمشاعر. كان الأمر مؤلمًا مثل اندفاع الدماء المحموم إلى الأجزاء المتجمدة من الجسد. منفذًا ما طُلب منه، بدأ في النزول. بدأ بعض الأشخاص في التصفيق والتهليل. كان عليه أن يركِّز حتى لا ينزلق. كان يشعر بالضعف وتقلُّص العضلات جراء جلوسه هناك. وكان عليه أن يمنع نفسه من التفكير، على نحو مفاجئ، فيما كاد أن يحدث توًّا.
كان يعلم أن حذره من إمكانية حدوث موقف كهذا — لروس ولنفسه — سيصبح شغله الشاغل في الحياة من الآن فصاعدًا.
مسيرة الحب |
مايلز سيتي، مونتانا
جاء أبي عبر الحقل حاملًا جثمان الصبي الذي كان قد غرق. كان معه عدد من الرجال، الذين كانوا عائدين معه من عملية البحث عن هذا الصبي، لكن أبي هو من كان يحمل الجثمان. كان الرجال متسخين ومنهكين، وكانوا يسيرون مطأطئين رءوسهم، كما لو كانوا يشعرون بالعار. حتى الكلاب كانت على وجهها كآبة، وهي تخرج تقطِّر ماءً من النهر البارد. عندما انطلق الجميع، قبل ساعات، كانت الكلاب هائجة وتنبح بصوت عالٍ، وكان الرجال يشعرون بالتوتر ويتملكهم الإصرار، وكانت ثمة إثارة مكبوحة، صامتة حيال الأمر بأكمله. كان مفهومًا أنهم ربما يجدون شيئًا مريعًا.
كان اسم الصبي ستيف جاولي. كان في الثامنة من عمره. غطى شعره وملابسه الآن الطين مع بقايا أوراق، وأغصان، وحشائش ميتة. كان مثل كومة من النفايات تركت طوال الشتاء. كان وجهه مخفيًّا في صدر أبي، لكنني كنت أستطيع أن أرى فتحة أنف، وأذنًا، مسدودتين بالطين المائل لونه إلى الاخضرار.
لا أعتقد ذلك. لا أعتقد حقًّا أنني رأيتُ كل ذلك. ربما رأيت أبي يحمله، وكان الرجال الآخرون يتبعونه، والكلاب، لكن لم يكن ليُسمح لي بأن أقترب بما يكفي لأرى شيئًا مثل الطين في أنفه. ربما سمعتُ شخصًا يتحدث عن ذلك وتصورت أنني رأيته. أرى وجهه لم يتغير باستثناء تغطيته بالطين — وجه ستيف جاولي المألوف، حاد الملامح، الذي عليه أمارات المكر — ولكن لم يكن وجهه ليبدو كذلك. كان سيبدو منتفخًا ومتغيرًا وربما متسخًا كله بالطين بعد كل هذه الساعات في الماء.
إن نقل خبر كهذا، دليل كهذا، إلى عائلة تنتظر، خاصةً أمًّا، كان سيجعل القائمين على عملية البحث يتحركون بتثاقل، لكن ما كان يحدث هنا كان أسوأ. فقد بدا الأمر أكثر خزيًا (حين يسمع المرء حديث الناس) لأنه لا وجود لأم ستيف جاولي، ولا لأي امرأة على الإطلاق — لا جدة ولا خالة، ولا حتى أخت — لتتلقى جثمانه وتوليه قدره من الحزن. كان أبوه رجلًا أجيرًا، شارب خمر، لكنه ليس سكيرًا، رجلًا غريب الأطوار لكن لا تثير تصرفاته الضحك، غير ودود لكنه ليس مثيرًا للمشكلات. بدت أبوته مسألة طارئة، وبدت مسألة ترك الطفل معه عندما رحلت أمه، واستمرارهما في العيش معًا، طارئة أيضًا. كانا يعيشان في منزل بدائي سقفه مائل، مكسو بالألواح الرمادية، كان أفضل قليلًا من كوخ — أصلح الأب السقف ووضع دعائم تحت الشرفة الخارجية، بكمية كافية بالكاد وفي آخر وقت ممكن قبل أن ينهار — وكانت حياتهما تسير على نحو مشابه. بعبارة أخرى، تسير جيدًا بالكاد بحيث لم تكن توجد حاجة لقيام جمعية مساعدة الأطفال بأخذ الطفل لرعايته. لم يكونا يتناولان الطعام معًا أو يطبخ أحدهما للآخر، لكن كان ثمة طعام على أي حال ليأكلاه. في بعض الأحيان، كان الأب يعطي ستيف مالًا لشراء الطعام من المتجر، وكان الناس يرون ستيف يشتري أشياء مقبولة جدًّا، مثل خلطة بان كيك ووجبة مكرونة للعشاء.
كنت أعرف ستيف جاولي جيدًا. كنت أحبه كثيرًا. كان أكبر مني بعامين. كان يتسكع بالقرب من منزلنا في أيام السبت، متهكمًا من أي شيء كنت أفعله، لكنه لم يكن يستطيع أن يدعني وشأني. لا أركب الأرجوحة إلا ويريد أن يجربها، وإذا لم أتنحَّ جانبًا، فكان يأتي ويدفعني حتى أنزل. وكان يثير الكلب. كان يوقعني في متاعب — عمدًا وعن سوء نية، بدا لي ذلك فيما بعد — من خلال تحديَّ في القيام بأشياء لم أكن لأفكر في القيام بها وحدي، مثل حفر الأرض لاستخراج البطاطس منها لأرى كم هي كبيرة عندما كانت لا تزال في حجم البلية، ودفع بعض أخشاب التدفئة المرصوصة حتى نصنع كومة منها كي نقفز فوقها. في المدرسة، كان لا يتحدث أحدنا إلى الآخر مطلقًا. كان وحيدًا، وإن لم يكن معذب النفس بسبب ذلك. لكن في صباح أيام الأحد، عندما كنت أرى هيئته النحيفة، الواثقة تمرُّ في خفة عبر سياج أشجار الأرز، كنت أعلم أن شيئًا ما في انتظاري وكان هو يقرر ما هو. في بعض الأحيان، كانت الأمور تسير على ما يرام. كنا نتظاهر بأننا راعيا بقر يروضان جيادًا برية. كنا نلعب في المرعى بجوار النهر، ليس بعيدًا عن المكان الذي غرق ستيف فيه. كنا جوادين وراكبين في آن واحد، نصرخ ونصهل وننحني قافزين كالجياد ونلوِّح بالسياط المصنوعة من أفرع الأشجار بجوار نهر صغير بلا اسم يتدفق إلى سوجين في جنوب أونتاريو.
أقيمت الجنازة في منزلنا. لم يكن منزل والد ستيف ليتسع للجمع الكبير الذي كان من المتوقع حضوره بسبب الأحداث. أتذكر الحجرة المزدحمة لكنني لا أتذكر ستيف في تابوته، أو القس، أو أكاليل الزهور. أتذكر أنني كنت أحمل زهرة واحدة، زهرة نرجس بيضاء، وهي التي ربما كان مصدرها أصيصًا وضعه أحدهم في الداخل؛ لأن الوقت كان مبكرًا للغاية لظهور شجيرة الفورسيثيا، أو زهور التريليوم، أو آذريون الماء في الغابة. وقفت في صف من الأطفال، كان كلٌّ منا يحمل زهرة نرجس. كنا نغني ترنيمة أطفال، كان أحدهم يعزف لحنها على البيانو في منزلنا، وهي: «عندما يأتي، عندما يأتي، لاستعادة نفائسه.» كنت أرتدي كولونًا أبيض مضلعًا، كان يشعرني بحكة مريعة، وكان مجعدًا عند الركبتين والكاحلين. يختلط شعوري بهذا الكولون في رجلَيَّ بشعور آخر في ذاكرتي. يصعُب وصف ذلك الشعور. كان هذا الشعور يتعلق بأبويَّ. كان يتعلق بالكبار عمومًا وأبويَّ على وجه الخصوص. كان يتعلق بأبي الذي كان قد حمل جسد ستيف من النهر، وأمي التي لا شك في أنها تولت الجزء الأكبر من ترتيب هذه الجنازة. كان أبي في حلته الكحلية اللون وأمي في ثوبها المخملي البني ذي الياقة الساتان كريمية اللون، يقفان جنبًا إلى جنب يفتحان ويغلقان فمهما وهما ينشدان الترنيمة، وكنت أقف بعيدًا عنهما، في صف الأطفال، أراقب ما يحدث. شعرتُ باشمئزاز غاضب ومثير للغثيان. في بعض الأحيان يشعر الأطفال بالاشمئزاز حيال الكبار؛ الحجم، الأجسام الممتلئة، القوة المتعجرفة. النَّفَس، الفظاظة، الشعر الكثير، الإفرازات المريعة. لكن كان في هذا الموقف ما هو أكثر. ولم يكن في الغضب المصاحب أي حدة أو احترام للذات. لم يكن ثمة وسيلة للتنفيس عنه، مثلما كنت أفعل عندما كنت أغضب من ستيف بالْتقاطي حجرًا وإلقائه عليه. لم يكن من الممكن فهم شعوري هذا أو التعبير عنه، على الرغم من أنه خَفت بعد فترة وتحول إلى ضيق، ثم إلى مجرد هاجس، هاجس عَرَضي؛ هاجس خفيف، مألوف. •••
بعدها بعشرين عامًا تقريبًا، في عام ١٩٦١، اشترينا، أنا وزوجي أندرو، سيارة جديدة، سيارتنا الأولى، سيارتنا الأولى الجديدة. كانت من طراز موريس أكسفورد، بلون المحار (كان البائع يطلق على اللون اسمًا آخر أكثر جاذبية)، وهي سيارة صغيرة متسعة من الداخل بحيث تتسع لنا ولطفلينا. كانت سينثيا في السادسة من عمرها وميج في الثالثة والنصف.
التقط أندرو صورة لي وأنا واقفة إلى جانب السيارة. كنت أرتدي بنطالًا أبيض، وكنزة سوداء عالية الرقبة، ونظارة شمسية. استندت إلى باب السيارة، مميلة أردافي حتى أبدو نحيلة.
قال أندرو: «رائع … عظيم. تبدين مثل جاكلين كينيدي.» كانت الشابات ذوات الشعر الداكن، والنحيفات في هذه القارة يُقال لهن، عندما يكنَّ مرتديات ملابسهن على أحدث موضة أو تُلتقط صور لهن، إنهن يبدون مثل جاكلين كنيدي.
التقط أندرو الكثير من الصور لي، وللأطفال، ومنزلنا، وحديقتنا، ورحلاتنا، ومتعلقاتنا. وكان يصنع نسخًا من تلك الصور، ويضع تعليقات عليها بعناية، ويرسلها إلى أمه وخالته وخاله في أونتاريو. كان يصنع نسخًا لي لإرسالها إلى أبي، الذي كان يعيش في أونتاريو أيضًا، وهكذا فعلت، لكنني كنت أرسلها بمعدل أقل انتظامًا مما كان يرسلها. وعندما كان يرى صورًا يعتقد أنني أرسلتها بالفعل متناثرة في أرجاء المنزل، كان يشعر بالحيرة والانزعاج. كان يحب أن تنتشر صوره.
في ذلك الصيف، كنا سنزورهم بأنفسنا، ولا نكتفي بإرسال الصور. كنا نقود سيارتنا الجديدة من فانكوفر، حيث كنا نعيش، إلى أونتاريو، التي كنا لا نزال نُطلق عليها «وطننا». خمسة أيام لنصل إلى هناك، وعشرة أيام نمكثها هناك، وخمسة أيام لنعود من هناك. للمرة الأولى، حصل أندرو على إجازة مدتها ثلاثة أسابيع. كان يعمل في قسم الشئون القانونية في شركة بي سي هايدرو.
في صباح أحد أيام الآحاد، وضعنا في السيارة الحقائب وتُرمسين — أحدهما ممتلئ بالقهوة والآخر بعصير الليمون — وبعض الفواكه والشطائر، وكتبًا مصوَّرة، وكتبًا للتلوين، وأقلامًا للتلوين، وألواح رسم، وطاردًا للحشرات، وسترات (حال صار الطقس باردًا في منطقة الجبال)، وطفلينا. أحكم أندرو إغلاق أبواب المنزل، وقالت سينثيا على نحو احتفالي: «الوداع يا منزلنا.»
قالت ميج: «الوداع يا منزلنا.» ثم قالت: «أين سنعيش الآن؟»
قالت سينثيا: «ليس هذا وداعًا إلى الأبد … سنعود. أمي! ميج تظن أننا لن نعود هنا أبدًا!»
قالت ميج، وهي تركل مقعدي من الخلف: «لم أقل ذلك.»
ارتدينا أنا وأندرو نظارتين شمسيتين، وقدنا السيارة فوق جسر ليونز جيت وعبر الجزء الرئيسي من فانكوفر. تركنا منزلنا والحي والمدينة، وتركنا بلدنا عند نقطة التقاطع بين واشنطن وكولومبيا البريطانية. كنا نقود شرقًا عبر الولايات المتحدة، متجهين نحو أقصى الشمال، ثم عبرنا إلى كندا عند سارنيا، بأونتاريو. لا أعلم إذا كنا قد اخترنا هذا المسار لأن الطريق السريع العابر لكندا لم يكن قد انتهى العمل فيه تمامًا في ذلك الوقت أو إذا كنا فقط نريد أن نشعر بأننا نقود عبر دولة أجنبية، أجنبية على نحو طفيف تمامًا، تلك الجرعة الإضافية من الإثارة والمغامرة.
كان كلانا يتمتع بروح معنوية مرتفعة. أثنى أندرو على السيارة عدة مرات. قال إنه كان يشعر بشعور أفضل كثيرًا عند قيادتها أكثر من سيارتنا القديمة، وهي سيارة أوستن موديل ١٩٥١ كانت تبطئ على نحو محبط فوق المرتفعات وتبدو مثل سيدة عجوز مزعجة، هكذا قال أندرو.
قالت سينثيا: «أي صورة تبدو عليها هذه السيارة؟» استمعت إلينا في عناية ورغبت في أن تجرِّب كلمات جديدة مثل «صورة». عادةً كانت تنطق هذه الكلمات نطقًا صحيحًا.
قلتُ: «مفعمة بالحياة … رياضية قليلًا، عملية.»
قال أندرو: «سيارة متزنة لكنها تتمتع بالرقي … تمامًا مثل صورتي.»
فكَّرت سينثيا في ذلك وقالت في فخر حذر: «هل يعني ذلك أنك تريد أن تكون كذلك يا أبي؟»
بالنسبة إليَّ، كنت سعيدة بالرحيل. كنت أحب الخروج. في منزلي، كنت أبدو كما لو كنت أبحث كثيرًا عن مكان أختبئ فيه؛ في بعض الأحيان من الأطفال، لكن في أحيان أكثر من المهام المنزلية ورنين الهاتف ومخالطة الجيران. كنت أريد أن أختبئ بحيث أنشغل بعملي الحقيقي، الذي كان عبارة عن تلمس الأجزاء القصية من نفسي. كنت أعيش في حالة حصار، دائمًا أفقد ما كنت أريد أن أتمسك به. لكن خلال الرحلات لم يكن ثمة أي صعوبة. كنت أتحدث إلى أندرو، أتحدث إلى الأطفال وأنظر إلى أي شيء يريدونني أن أنظر إليه — صورة خنزير على لافتة، مُهر في أحد الحقول، سيارة فولكس فاجن على منصة دوَّارة — وأصب عصير الليمون في أكواب بلاستيكية، وطوال الوقت كانت هذه الأجزاء تطير بداخلي وتتجمع معًا. يجعلني هذا أشعر بالأمل والابتهاج. كان هذا يجعلني متابعة؛ متابعةً، لا قائمة على الأمور.
استدرنا شرقًا عند إيفريت وصعدنا إلى منطقة سلسلة جبال كاسكيد. أريت سينثيا مسارنا على الخريطة. أولًا، أريت لها خريطة الولايات المتحدة كلها، التي كانت تُظهر الجزء السفلي من كندا أيضًا. ثم انتقلت إلى الخرائط المنفصلة لكل ولاية كنا سنمر بها؛ واشنطن، إيداهو، مونتانا، نورث داكوتا، مينيسوتا، ويسكونسن. أريتها الخط المنقَّط بطول بحيرة ميشيجان، الذي كان يمثِّل مسار المعدية التي كنا سنستقلها. ثم كنا سنقود السيارة عبر ميشيجان إلى الجسر الذي يربط الولايات المتحدة وكندا عند سارنيا، أونتاريو، الوطن.
أرادت ميج أن ترى أيضًا.
قالت سينثيا: «لن تفهمي.» لكنها أخذت بأطلس الخرائط إلى المقعد الخلفي.
قالت لميج: «اجلسي … اجلسي دون حراك. سأُريك.»
كنت أستطيع سماعها تذْكر مسار الرحلة لميج، بدقة شديدة، مثلما كنت سأفعل ذلك لها. نظرت في جميع خرائط الولايات، وكانت تعرف كيف تعثر عليها بالترتيب الأبجدي.
قالت: «هل تعرفين ما هذا الخط؟ … هذا هو الطريق. ذلك الخط هو الطريق الذي نقود السيارة عليه الآن. سنسير على هذا الخط.»
لم تقل ميج شيئًا.
قالت سينثيا: «أمي، أريني أين نحن الآن تحديدًا.»
أخذتُ الأطلس وأشرت إلى الطريق عبر الجبال، فأخذته وأرته لميج. قالت: «أترين كيف أن الطريق ملتف؟ … الطريق ملتف لأنه توجد انعطافات كثيرة فيه. الالتفافات هي الانعطافات.» قلَّبت بعض الصفحات وانتظرت برهة. ثم قالت: «الآن … أريني أين نحن.» ثم قالت لي: «أمي، إنها تفهم! لقد أشارت إلى الطريق الذي نسلكه! أصبحت ميج تفهم الخرائط!»
يبدو لي الآن أننا ابتدعنا شخصيات لطفلتينا. أعددناهما إعدادًا جيدًا ليلعبا دوريهما. كانت سينثيا ذكية ومجتهدة، وحساسة، ومهذبة، وحذرة. في بعض الأحيان كنا نغيظها لتمتعها بضمير يقظ أكثر من اللازم، ولحماسها الزائد في أن تكون ما أردنا أن تكون عليه. كان أي تأنيب أو فشل؛ أي تقريع، يؤثر فيها جدًّا. كانت شقراء، بيضاء البشرة، تظهر عليها بسرعة آثار الشمس، أو الرياح الشديدة، أو الكبرياء، أو الإذلال. كانت ميج تتمتع ببنية أكثر قوة، وكانت أكثر تكتمًا؛ لم تكن متمردة بل عنيدة في بعض الأحيان، وغامضة. كانت لحظات صمتها تبدو لنا كما لو كانت تظهر قوة شخصيتها، وكانت مثالبها تعتبر كعلامات على استقلالية ورباطة جأش. كان شعرها بنيًّا، قصصناه بحيث تنسدل مقدمته فوق جبينها. كانت عيناها بلون بندقي فاتح، حادة ومتلألئة.
كنا مسرورين تمامًا بهاتين الشخصيتين، مستمتعين بأمارات التعارض فضلًا عن أمارات التوافق معهما. كنا نكره الأسلوب الكئيب، غير المبتكر، في تربية الأبناء. كنت أتخوَّف من التحول إلى نوع محدد من الأمهات، النوع الذي كان جسده يترهل، الذي ينشغل بأعباء تافهة وفكره مشوش. كنت أعتقد أن كل هذا الانتباه الذي توليه هذه الأمهات حاجتهن إلى أن تكن مثقلات بالأعباء، كان سببًا في إصابة أطفالهن بالمغص، والتبول اللاإرادي، والربو. كنت أفضل أسلوبًا آخر؛ أسلوب التهور المصطنع، التجاهل المبالغ فيه للأمهات المخضرمات اللائي كن يكتبن قصصهن في المجلات. في تلك القصص، كان الأطفال يبدون غاية في العناد، متشبثين بآرائهم، منحرفين، لا يُقهرون. وهكذا كانت الأمهات، من خلال ذكائهن، لا يُقهرن. كانت الأمهات اللائي كنت أرغب في أن أكون مثلهن هن اللائي يمكن أن يتصلن بأحد الأشخاص ويقلن: «هل طفلي، ذلك الشيطان الصغير، موجود لديك في المنزل؟» كن يَسْمُونَ فوق التشويش الذهني هذا.
رأينا غزالة ميتة مربوطة في واجهة شاحنة صغيرة.
قالت سينثيا: «أطلق أحدهم النار عليها … يطلق الصائدون النار على الغزلان.»
قال أندرو: «لم يحن بعد موسم الصيد … ربما صدمها أحد على الطريق. أترين اللافتة الخاصة بعبور الغزلان؟»
قالت سينثيا في حدة: «سأبكي لو صدمنا غزالة.»
كنت قد صنعت شطائر من المربى وزبد الفول السوداني للأطفال وشطائر سلمون بالمايونيز لنا. لكنني لم أضع أي خس فيها، وكان أندرو يشعر بالإحباط بسبب ذلك.
قلت: «ليس معي أي شرائح خس.»
«ألم يكن بإمكانك أن تشتري بعض الخس؟»
«كنت سأشتري خسة كاملة لأحصل منها على ما يكفي فقط للشطائر، ثم قررت أن الأمر لا يستحق.»
كانت هذه كذبة. كنت قد نسيت.
«الشطائر أفضل كثيرًا بالخس.»
«لم أكن أظن أنه يصنع كل هذا الفارق.» ثم بعد فترة صمت، قلت: «لا تغضب.»
«لست غاضبًا. أحب الخس في الشطائر.»
«لم أكن أعتقد فقط أن الأمر مهم كثيرًا هكذا.»
«كيف سيكون الأمر إذا لم أعبأ بملء خزَّان الوقود؟»
«ليس هذا نفس الشيء.»
قالت سينثيا: «فلنغنِّ أغنية.» وبدأت تغني:
خرجت خمس بطات صغيرة ذات يوم، عبر التلال وبعيدًا. صاحت إحدى البطات الصغيرة: «كواك، كواك، كواك.» عادت أربع بطات صغيرة تسبح.
ضغط أندرو على يدي وقال: «دعينا لا نتشاجر.»
«أنت على حق. كان يجب أن أجلب خسًّا.»
«لا يهم الأمر كثيرًا.»
تمنيت لو كنت أستطيع أن أجمع مشاعري تجاه أندرو في صورة شعور عملي يمكن الاعتماد عليه. كنت قد حاولت كتابة قائمتين، إحداهما للأشياء التي كانت تعجبني فيه، والأخرى للأشياء التي لا تعجبني فيه — في بوتقة الحياة الحميمة، الأشياء التي كنت أحبها فيه والأشياء التي كنت أكرهها فيه — كما لو كنت آمل من خلال هذا في إثبات شيء، في الوصول إلى نتيجة محددة. لكنني تخليت عن ذلك عندما رأيتُ أن كل ما كان ذلك يثبته هو ما كنت أعرفه بالفعل؛ أن لدي تناقضات صارخة. في بعض الأحيان، كان مجرد صوت وقع أقدامه يبدو لي استبداديًّا، وشكل فمه يشي بالغرور والوضاعة، وجسده القوي المستقيم مانعًا يحول — بصورة واعية تمامًا، بل عن التزام، وفي استمتاع بغيض بسلطته الذكورية — بيني وبين أي متعة أو بهجة يمكن أن أمر بها في حياتي. ثم، دون سابق إنذار، كنت أراه الصديق الطيب والرفيق الوفي. وأشعر بالعذوبة في عظامه الخفيفة وأفكاره الجادة، رقة حبه، الذي تصورته أكثر نقاءً ومباشرةً من حبي. كنت أعجب بشدة بتعنته، بانضباطه الشديد، وهو أمر كنت أزدريه في أوقات أخرى. كنت أفكر كيف كان متواضعًا، حقيقةً، وهو يلعب دور الزوج، الأب، المُعيل المألوف، وكيف كنت أنا نفسي بالمقارنة وحشًا أنانيًّا خفيًّا. ليس خفيًّا تمامًا؛ ليس بالنسبة إليه.
في أعماق شجاراتنا، كنا نُظهر ما كنا نعتقد أنها أقبح الحقائق. قال أندرو ذات مرة: «أعلم أن بك مسحة من الأنانية وأنه لا محل للثقة بك … كنت أعلم ذلك دومًا. أعلم أيضًا أنني لهذا السبب أحببتك.»
قلتُ شاعرة بالأسف والرضا في آن واحد: «نعم.»
«أعلم أني سأكون أفضل حالًا بدونك.»
«نعم. ستكون كذلك.»
«ستكونين أكثر سعادة بدوني.»
«نعم.»
وفي النهاية — في النهاية — بعد تألمنا وتطهرنا، كان كلٌّ منا يشد على يد الآخر ونضحك، نضحك من هذين الشخصين الجاهلين، نضحك من أنفسنا. نضحك من أحقادنا، شكوانا، تبريراتنا. كنا نتجاوز هذين الشخصين. كنا نعدهما كذابين. كنا نتناول خمرًا على العشاء، أو نقرر إقامة حفل.
لم أرَ أندرو منذ سنوات، ولا أعرف إن كان لا يزال نحيفًا، أو تحول شعره إلى الرمادي بالكامل، أو لا يزال يصر على تناول الخس، أو قول الحقيقة، أو إن كان لا يزال مخلصًا ومحبطًا. •••
قضينا الليل في ويناتشي بواشنطن، حيث لم تكن قد أمطرت لأسابيع. تناولنا العشاء في مطعم مُقام حول شجرة؛ ليست شجيرة في حوض، لكن شجرة زيزفون طويلة، ومتينة. في ضوء الصباح الباكر، خرجنا من الوادي المروي، صعودًا عبر منحدرات التلال الجافة، الصخرية، شديدة الانحدار التي كان يبدو أنها تفضي إلى مزيد من التلال، وهناك عند القمة كانت توجد هضبة عريضة، يقطعها نهرا سبوكين وكولومبيا. كانت توجد أراضٍ مزروعة بالحبوب ومساحات من الحشائش، ميلًا بعد ميل. كانت ثمة طرق مستقيمة هنا، وبلدات زراعية صغيرة بها رافعات حبوب. في حقيقة الأمر، كانت ثمة لافتة تشير إلى أن المقاطعة التي كنا نمر بها، مقاطعة دوجلاس، تحقق ثاني أعلى إنتاج من القمح بين مقاطعات الولايات المتحدة. كانت البلدات تزرع أشجار ظل. على الأقل، كنت أعتقد أنها مزروعة؛ نظرًا لعدم وجود أشجار كبيرة بمثل هذا الحجم في الريف.
كنت معجبة بكل هذا بشدة. قلت لأندرو: «لماذا أحب هذه الأماكن بشدة؟ … هل لأنها ليست مناظر طبيعية؟»
قال أندرو: «إنها تذكرك بوطنك … نوبة من الحنين الشديد.» لكنه قال ذلك في حنو.
عندما قلنا «وطننا» وكنا نشير إلى أونتاريو، كنا نفكر في مكانين مختلفين جدًّا. كان منزلي عبارة عن مزرعة ديوك رومية، حيث كان أبي يعيش كأرمل، وعلى الرغم من أنه كان المنزل نفسه الذي كان يعيش فيه مع أمي، الذي كانت قد غطته بورق الحائط، وطلته ونظفته وأثثته، كانت تبدو عليه الآن آثار الإهمال والمناسبات الاجتماعية الصاخبة. كان المنزل يشهد حياة لم تكن أمي لتتوقعها أو توافق عليها. كان العاملون بالمزرعة يقيمون حفلات، هؤلاء الذين يذبحون الديوك الرومية وينظفونها ويعدونها للبيع، وفي بعض الأحيان كان شاب أو اثنان منهم يقيمان هناك بعض الوقت، داعِيَيْن أصدقاءهما لحفلات دون ترتيب مسبق. أعتقد أن هذه الحياة أفضل بالنسبة لأبي من وحدته، وأنا لم أكن أعترض عليها، ولم يكن بالتأكيد لدي أي حق في الاعتراض. لم يكن أندرو يحب أن يذهب إلى هناك، وهو ما كان أمرًا طبيعيًّا؛ لأنه لم يكن من النوع الذي يمكن أن يجالس مثل هؤلاء الأشخاص حول مائدة تجهيز الديوك الرومية، وهم يطلقون النكات. كانوا يرهبونه ويزدرونه، وكان يبدو أن أبي، عندما يكونون موجودين، يضطر إلى أن يكون إلى جانبهم. ولم يكن أندرو فقط هو من كان يواجه متاعب. كنت أستطيع تحمل نكاتهم، لكن كان ذلك يحتاج مني بعض الجهد.
كنت أتوق إلى الأيام التي كنت صغيرة فيها، قبل أن نربي الديوك الرومية. كان لدينا أبقار، وكنا نبيع اللبن لمصنع الجبن. لا تساوي مزرعة ديوك رومية في جمالها مزرعة أبقار أو مزرعة أغنام. يمكن أن يلاحظ المرء أن الديوك الرومية ليس أمامها إلا طريق واحد تسلكه وهو أن تصبح ذبائح وشرائح لحم مجمدة. لا تملك الديوك الرومية حياة خاصة بها، مراعي هانئة، مثلما تملك الأبقار، أو بساتين تتخللها الظلال مثل الخنازير. حظائر الديوك الرومية عبارة عن أماكن عريضة، منظمة؛ أكواخ من الصفيح. لا توجد دعائم أو قش أو حظائر مدفأة. وحتى رائحة الروث تبدو أكثر حدة وشناعة من الرائحة المعتادة للروث في الإسطبلات. لا يوجد هناك أي أثر لأكوام القش، والسياجات الخشبية، والطيور المغردة، والزعرور البري المُزهر. كانت الديوك الرومية تُطلق جميعها في حقل واحد طويل، كانت تلتقط ما به عن آخره. لم تكن الديوك الرومية تبدو هناك مثل طيور عظيمة بل مثل غسيل متطاير.
ذات مرة، بعد وقت قصير من وفاة أمي، وبعد أن تزوجت — في حقيقة الأمر، كنت أعد حقائبي للحاق بأندرو في فانكوفر — ظللت في المنزل وحدي يومين مع أبي. كانت ثمة أمطار شديدة طوال الليل. في ضوء النهار المبكر، رأينا حقل الديوك الرومية غارقًا في المياه. على الأقل، كانت الأجزاء الخفيضة منه مغمورة بالمياه؛ كان الحقل يبدو مثل بحيرة بها جزر عديدة. كانت الديوك الرومية مجتمعة معًا حول هذه الجزر. الديوك الرومية غبية جدًّا. (كان أبي يقول: «هل تعرفين الدجاجة؟ هل تعرفين مدى غباء الدجاجة؟ حسنًا، تعتبر الدجاجة أينشتاين مقارنةً بالديك الرومي.») لكن الديوك الرومية نجحت في التجمع معًا على أراضٍ مرتفعة وتجنبت الغرق في المياه. خشينا أن تدفع الديوك بعضها بعضًا في الماء، فتختنق، أو تصاب بالبرد فتموت. لم نستطع الانتظار حتى ينصرف الماء. خرجنا في زورق قديم كنا نملكه. جدَّفت وكان أبي يمسك بالديوك الرومية كبيرة الحجم، المبتلة ويضعها في الزورق، ثم أخذناها إلى الحظيرة. كان المطر لا يزال ينزل وإن كان قليلًا. كانت المهمة صعبة وسخيفة وغير مريحة على الإطلاق. كنا نضحك. كنت سعيدة أنني كنت أعمل مع أبي. شعرت بقربي من هذا العمل الشاق المتكرر الهائل، الذي يُنهك الجسد فيه في النهاية، ويغرق فيه العقل (على الرغم من أن الروح ربما تظل هائمة أحيانًا على نحو مدهش)، وكنت أشعر بالحنين مقدمًا إلى هذه الحياة وهذا المكان. كنت أعتقد أنه إذا كان بإمكان أندرو أن يراني هناك في المطر، متلبسةً، متسخة، أحاول أن أمسك بأرجل الديوك الرومية وأجدف في الوقت نفسه؛ لكان سيرغب في إخراجي من هناك ويجعلني أنسى كل شيء عن الأمر. كانت هذه الحياة البدائية تغضبه. كان التصاقي بهذه الحياة يغضبه. كنت أعتقد أنني ما كان يجب أن أتزوجه. لكن من سواه يمكن أن أتزوج؟ أحد العاملين مع أبي في المزرعة؟
ولم أكن أريد أن أمكث هناك. ربما ينتابني شعور سيئ حيال الرحيل، لكنني كنت سأشعر بما هو أسوأ إذا أرغمني أحد على البقاء هناك.
كانت والدة أندرو تعيش في تورونتو، في مجمع سكني يطل على متنزه موير. عندما كان أندرو وأخته في المنزل، كانت أمه تنام في غرفة المعيشة. كان زوجها، طبيب، قد مات عندما كان الأطفال أصغر من أن يذهبوا إلى المدرسة. تلقت دورة تدريبية في أعمال السكرتارية وباعت المنزل بأسعار فترة الكساد العظيم، وانتقلت إلى هذه الشقة، ونجحت في تربية أبنائها، بمساعدة بعض الأقارب؛ أختها كارولين، وزوج أختها روجر. ذهب أندرو وأخته إلى مدارس خاصة وكانا يذهبان إلى معسكرات في الصيف.
قلت ذات مرة، هازئةً بادعائه بأنه كان فقيرًا: «أعتقد أن هذا كان بفضل مؤسسة فريش آير فاند، أليس كذلك؟» في ذهني، كانت حياة أندور في المدينة مرفهة ولا تعتريها أي مشكلات مادية. كانت أمه تعود إلى المنزل وهي تعاني من الصداع من العمل طوال اليوم في الضوضاء، والضوء الشديد لمكتب إداري بأحد المتاجر الكبرى، لكن لم يجل بخاطري أن حياتها كانت حياة قاسية أو مثيرة للإعجاب. لا أعتقد أنها هي نفسها كانت تعتقد أنها مثيرة للإعجاب؛ كانت تعتقد فقط أنها غير محظوظة. كانت قلقة بشأن عملها في المكتب، وملابسها، وطهيها، وأطفالها. كانت قلقة أكثر من أي شيء آخر حيال نظرة روجر وكارولين لها ولما تفعل.
كان روجر وكارولين يعيشان على الجانب الشرقي من المتنزه، في منزل حجري جميل. كان روجر رجلًا طويلًا ذا رأس أصلع منمَّش، وبطن بدين صلب. كان قد خضع لعملية في حنجرته أفقدته صوته؛ كان يتحدث في صوت هامس مبحوح. لكن كان الجميع يفهم ما يقول. على العشاء ذات مرة في المنزل الحجري — حيث كانت كل قطع الأثاث الموجودة في غرفة الطعام كبيرة الحجم، وفخمة وذات دهان داكن — سألته سؤالًا. أعتقد أن السؤال كان يتعلق بويتيكر تشامبرز، الذي كانت قصته تُنشر آنذاك في مجلة «صنداي إيفينينج بوست». كان السؤال هادئًا في نبرته، لكنه أدرك هدفه الهدَّام، وأخذ في مناداتي باسم السيدة جروميكو، مشيرًا إلى ما زعم أنه «ميولي المتعاطفة». ربما كان يرغب بشدة حقيقةً في غريم، ولم يفلح في العثور على أحد. في ذلك العشاء، رأيتُ يد أندرو ترتعش عند إشعاله سيجارة أمه. كان العم روجر قد دفع مقابل تعليم أندرو، وكان عضوًا في مجالس إدارات شركات عديدة.
قال أندرو لي لاحقًا: «ليس إلا رجلًا شيخًا متصلب الرأي … ما فائدة الجدل معه؟»
قبل أن نرحل من فانكوفر، كانت والدة أندرو قد كتبت قائلةً: «يبدو أن روجر يشعر بالضيق البالغ من فكرة شرائك سيارة صغيرة!» أظهرت علامة التعجب قلقها. في ذلك الوقت، خاصةً في أونتاريو، كان يُنظر إلى تفضيل سيارة أوروبية صغيرة على سيارة أمريكية كبيرة باعتباره إعلانًا من نوع ما؛ إعلانًا حول ميول كان روجر يبغضها طوال الوقت.
قال أندرو في حنق: «ليست سيارة صغيرة على هذا النحو.»
قلت: «ليست هذه هي المسألة … المسألة أن الأمر لا يخصه على الإطلاق!» •••
قضينا الليلة الثانية في ميزولا. أخبرنا شخص ما في سبوكين، في إحدى محطات الوقود، أنه يوجد الكثير من أعمال الإصلاحات التي تجري على الطريق السريع ٢، وأن أمامنا طريقًا طويلًا سنقود السيارة فيه في ظل درجة حرارة مرتفعة وغبار شديد، وفترات انتظار طويلة؛ لذا تحوَّلنا إلى الطريق الواصل بين الولايات وقدنا السيارة عبر كور دو لين وكيلوج إلى مونتانا. بعد ميزولا، انعطفنا جنوبًا في اتجاه بيوت، لكننا انحرفنا عن الطريق لنرى هيلينا، عاصمة ولاية مونتانا. وفي السيارة، لعبنا لعبة «من أنا؟»
كانت سينثيا تمثل شخصية شخص ميت، أمريكي. بنت وربما سيدة. لم تكن جزءًا من أي قصة. ولم يرها أحد على التليفزيون. ولم يقرأ أحد عنها في أي كتاب. ولم تأت يومًا إلى الحضانة، أو لم تكن قريبة إلى أيٍّ من أصدقاء سينثيا.
قال أندرو، في فطنة مفاجئة: «هل هي إنسان؟»
«لا! هذا ما نسيت أن تسأله!»
قلت في إطراق: «حيوان.»
«هل هذا سؤال؟ هناك ستة عشر سؤالًا فقط!»
«لا، هذا ليس سؤالًا. لا أزال أفكر. حيوان ميت.»
قالت ميج، التي لم تكن تشارك في اللعب: «إنه الغزال.»
قالت سينثيا: «هذا ليس عدلًا! … هي لا تلعب معنا!»
سأل أندرو: «أي غزال؟»
قلتُ: «الذي رأيناه أمس.»
قالت سينثيا: «أول أمس … لم تكن ميج تلعب. لم يصل للحل أحد.»
قال أندرو: «الغزال الذي كان على الشاحنة.»
قالت سينثيا: «كانت غزالة وليس غزالًا؛ لأنها لم تكن لديها قرون، وكانت أمريكية وكانت ميتة.»
قال أندرو: «أظن أن الأمر مقبض قليلًا، كونها غزالة ميتة.»
قالت ميج: «عرفت الحل».
قالت سينثيا: «أظن أنني أعرف معنى كلمة مقبض. معناها كئيب.»
كانت هيلينا، وهي بلدة قديمة تقوم على التنقيب عن الفضة، تبدو لنا مهجورة حتى في ضوء شمس الصباح. ثم مررنا ببوزمان وبيلينجز، اللتين لم تبدوا لنا مهجورتين على الإطلاق؛ فقد كانتا من البلدات المفعمة بالحياة، العامرة، التي تمتد فيها الزينات المغشية للأبصار لأميال فوق باحات السيارات المستعملة. بلغ التعب منا مبلغه وشعرنا بحر شديد حتى لم نعد حتى نستطيع أن نلعب لعبة «من أنا؟» ذكرتني هذه المدن المزدحمة الكئيبة بأماكن مشابهة لها في أونتاريو، وكنت أفكر فيما ينتظرنا حقًّا هناك؛ الأثاث كبير الحجم في غرفة طعام روجر وكارولين، وحفلات العشاء التي يجب أن أكوي ملابس الأطفال من أجلها وأحذرهم من الشوك، ثم الطاولة الأخرى التي على بعد مئات الأميال، ونكات العاملين مع أبي. كان يجب انتزاع المتع التي كنت أفكر فيها — الاستمتاع بالمناظر في الريف أو تناول أحد المشروبات الغازية في متجر قديم الطراز ذي مراوح، وسقف عالٍ من صفيح مضغوط — بين المكانين.
قالت سينثيا: «ميج نائمة … درجة حرارتها مرتفعة جدًّا. تجعلني أشعر بحرارة بالغة في المقعد الذي نجلس عليه معًا.»
قلتُ، دون أن أستدير: «آمل ألا تكون لديها حمى.»
لماذا نفعل ذلك؟ هكذا حدثت نفسي، وجاءت الإجابة: بهدف التباهي. حتى نمنح أبي ووالدة أندرو متعة رؤية أحفادهما. كان ذلك واجبنا. لكن بخلاف ذلك، كنا نريد أن نريهما أننا، أنا وأندرو، أبناء صعاب المراس، وأننا نبحث في جد عن الثناء. كان الأمر كما لو كنا قد تلقينا عند نقطة ما رسالة لا تُنسى، ولا تُفهم؛ أن أداءنا ليس مرضيًا على الإطلاق، وأننا بعيدان كل البعد عن تحقيق حتى أبسط نجاح. كان روجر هو من يرسل مثل هذه الرسائل، بالطبع — كان هذا أسلوبه — لكن والدة أندرو، وأمي، وأبي لم يكونوا يقصدون ذلك. كان كل ما كانوا يقصدون أن يخبرونا إياه هو: «احترسا. استمرا بثبات فيما أنتما ماضيان فيه.» كان أبي يغيظني، عندما كنت في المدرسة الثانوية، ويقول لي إنني كنت أعتقد أنني في غاية الذكاء لدرجة أنني لن أواعد أحدًا. كان ينسى أشياء كهذه في غضون أسبوع. لم أنس ذلك قط. لم يكن أندرو وأنا ننسى الأشياء. كنا نستاء استياءً شديدًا.
قالت سينثيا: «أتمنى أن نجد شاطئًا هنا.»
قال أندرو: «يوجد واحد على الأرجح … بعد المنعطف التالي مباشرةً.»
قالت، وصوتها ينبئ عن الشعور بالإهانة: «لا توجد أي منعطفات.»
«هذا ما أعنيه.»
«كنت أتمنى لو أنه يوجد مزيد من عصير الليمون.»
قلتُ: «سألوِّح بعصاي السحرية وأنتج البعض منه.»
«هل توافقين على ذلك يا سينثيا؟ أم تفضلين تناول عصير كرم؟ وهل أصنع لك شاطئًا؟»
صمتت، وسرعان ما شعرتُ بالندم. قلتُ: «ربما في البلدة التالية يوجد مسبح.» نظرت في الخريطة. «في مايلز سيتي. على أي حال، سيكون ثمة شيء بارد نشربه.»
سأل أندرو: «كم تبعد؟»
قلتُ: «ليست بعيدة جدًّا … ثلاثين ميلًا، تقريبًا.»
قالت سينثيا، بنبرة من يتلو تعويذة: «في مايلز سيتي … يوجد مسبح أزرق جميل للأطفال، ومتنزه ذو أشجار رائعة.»
قال أندرو لي: «ربما تكون توقعاتك مبالغًا فيها.» •••
لكن كان هناك مسبح. كان يوجد متنزه، أيضًا، على الرغم من أنه لم يكن واحة كما تصورته سينثيا في خيالها. أشجار مروج ذات أوراق نحيفة — أشجار زيزفون وحور — حشائش بالية، وسياج سلكي عالٍ حول المسبح. داخل السياج، جدار، لم يكتمل بناؤه بعد، من الكتل الأسمنتية. لم يكن ثمة صيحات أو صوت رش مياه؛ فعند المدخل رأيت لافتة تقول إن المسبح مغلق يوميًّا من وقت الظهيرة حتى الساعة الثانية عصرًا. كانت الساعة آنذاك الثانية عشرة وخمسًا وعشرين دقيقة.
على الرغم من ذلك ناديت قائلةً: «هل أحد هنا؟» كنت أظن أنه لا بد أن يوجد أحد؛ نظرًا لوجود شاحنة صغيرة منتظرة قرب المدخل. على جانب الشاحنة كُتبت هذه الكلمات: «لدينا من المهارة ما يمكننا من القيام بكافة أعمال السباكة. (لدينا أيضًا جهاز روتو-رووتر.)»
خرجت فتاة ترتدي قميص عاملة إنقاذ أحمر اللون فوق ثوب استحمامها. «آسفة، المكان مغلق.»
قلتُ: «مررنا بالمكان فقط في أثناء سفرنا.»
«نغلق كل يوم من الثانية عشرة إلى الثانية. هذا مكتوب على اللافتة.» كانت تأكل شطيرة.
قلتُ: «رأيت اللافتة … لكن هذ المسبح هو أول مياه نراها منذ وقت طويل للغاية، ويشعر الأطفال بالحرارة الشديدة، وكنت أتساءل إذا كانوا يستطيعون العوم قليلًا ثم الخروج من المياه، لمدة خمس دقائق فقط. وسنراقبهم.»
ظهر صبي خلفها. كان يرتدي بنطال جينز وتي-شيرت عليه كلمات «روتو-رووتر».
كنت سأقول إننا كنا نقود السيارة من كولومبيا البريطانية إلى أونتاريو، لكنني تذكرت أن أسماء الأماكن الكندية عادةً لا تكون ذات معنى على الإطلاق بالنسبة للأمريكيين. قلتُ: «نمر عبر الطريق فقط … ليس لدينا وقت حتى يفتح المسبح. كنا فقط نأمل أن تبرد أجسام الأطفال قليلًا.»
جاءت سينثيا وهي تعدو حافية القدمين خلفي. «أمي. أمي، أين ثوب استحمامي؟» ثم توقفت، لامسةً جدية مفاوضات الكبار. كانت ميج تنزل من السيارة؛ استيقظت لتوها، وكانت كنزتها مرفوعةً إلى أعلى وبنطالها القصير هابطًا إلى الأسفل، كاشفًا عن بطنها قرنفلية اللون.
قالت الفتاة: «هل هما هاتان الفتاتان فقط؟»
«فقط هاتان الاثنتان. سنراقبهما.»
«لا أستطيع أن أسمح بدخول بالغين. إذا كان الأمر يقتصر على هاتين الفتاتين، فأظن أنني سأراقبهما. إنني أتناول الآن غدائي.» ثم قالت لسينثيا: «هل تريدين أن تسبحي في المسبح؟»
قالت سينثيا في ثبات: «نعم، من فضلك.»
نظرت ميج إلى الأرض.
قلتُ: «فقط لمدة قصيرة؛ لأن المسبح مغلق.» وقلتُ للفتاة: «نقدِّر ذلك كثيرًا.»
«حسنًا، أستطيع أن أتناول غدائي هناك، إذا كان لا يوجد سواهما.» نظرت في اتجاه السيارة كما لو كانت تظن أنني سأقذف بمزيد من الأطفال في اتجاهها.
عندما وجدت ثوب استحمام سينثيا، أخذته سينثيا إلى غرفة تبديل الملابس. لم تكن لتسمح لأحد، حتى ميج، أن يراها عارية. غيَّرت ملابس ميج، التي وقفت على المقعد الأمامي للسيارة. كانت ترتدي ثوب استحمام قطنيًّا قرنفليًّا ذا حمالات متقاطعة ومُزررة. كانت توجد بعض الثنيات عبر الأرداف.
قلتُ: «إن درجة حرارتها عالية … لكنني لا أظن أنها مصابة بالحمى.»
كنت أحب مساعدة ميج في ارتداء وخلع ملابسها؛ لأن جسدها كان لا يزال يحتفظ بعدم الوعي بنفسه، عدم الاكتراث العذب، شيء من الرائحة اللبنية، رائحة جسد الرضيع. كان جسد سينثيا قد فقد استدارته الطفولية منذ وقت طويل، تشكَّل وتغيَّر، إلى شكل جسدها كطفلة كبيرة. كنا نحب جميعًا أن نحتضن ميج، ونضمها، ونحكها بأنوفنا. في بعض الأحيان، كانت تصرخ وتضربنا، وهذا الاستقلال الصريح، هذا الخجل الأبي، جعلها أكثر جاذبية، أكثر ميلًا لأن تغاظ وتُداعب من قبيل الحب العائلي.
جلسنا أنا وأندرو في السيارة تاركين النوافذ مفتوحة. كنت أستطيع سماع صوت الراديو، وكنت أظن أنه خاص بالفتاة أو رفيقها. كنت أشعر بالظمأ، فخرجت من السيارة لأبحث عن كشك لبيع الوجبات الخفيفة، أو ربما ماكينة للمشروبات المرطبة، في مكان ما في المتنزه. كنت أرتدي سروالًا قصيرًا، وكانت رجلاي من الخلف لزجة جراء العرق. رأيتُ نافورة شرب على الجانب الآخر من المتنزه، وكنت أسير في اتجاهها على نحو متعرِّج، سائرةً في الظل تحت الأشجار. لا يصبح أي مكان حقيقيًّا إلا عندما يخرج المرء من السيارة. متعبة بسبب الحرارة؛ حيث كانت أشعة الشمس تسقط على المنازل ذات البقع المرقَّطة، والرصيف، والحشائش المحترقة بفعل الحرارة. كنت أسير ببطء. انتبهت إلى ورقة شجر مسحوقة، ودهست عصا مصاصة تحت كعب صندلي، وحدقت في صفيحة قمامة كانت مربوطة إلى شجرة. كانت هذه هي الطريقة التي ينظر المرء بها إلى أدق التفاصيل في عالم يعاود الظهور، بعد القيادة فترة طويلة؛ يشعر المرء بالوحدة، وبالمكان بدقة، والمصادفة العجيبة للوجود في مكان كهذا لرؤية هذه الأشياء.
«أين الطفلتان؟»
استدرت وتحركت بسرعة — لم يكن جريًا — إلى جانب من السياج حيث لم يكن الحائط الأسمنتي أمامه قد اكتمل. كنت أستطيع أن أرى جزءًا من المسبح. رأيت سينثيا، واقفةً حتى وسطها في الماء، ترفع يديها في اهتياج على السطح وتراقب شيئًا في حذر في نهاية المسبح، وهو شيء لم يكن بإمكاني رؤيته. ظننت من خلال وقفتها، وحذرها، والنظرة على وجهها، أنها كانت ترقب بعض المداعبات بين عاملة الإنقاذ ورفيقها. لم أستطع أن أرى ميج. لكنني ظننت أنها تلعب في الجزء الضحل من المياه؛ لم أستطع أن أرى الجزء العميق والجزء الضحل من المياه.
«سينثيا!» اضطررت إلى النداء مرتين قبل أن تعرف المكان الذي كان يأتي منه الصوت. «سينثيا! أين ميج؟»
يبدو الأمر لي دومًا، عندما أتذكر هذا المشهد، أن سينثيا كانت تستدير في خفة شديدة ناحيتي، ثم تستدير بكامل جسدها في المياه — ما يجعلني أستحضر صورة راقصة باليه ترقص بكفاءة — وتفرد ذراعيها في إشارة مسرحية. «اﺧ-ﺗ-فت!»
كانت سينثيا تتمتع بخفة طبيعية، وكانت تتلقى دروسًا في الرقص؛ لذا قد تكون هذه الحركات مثلما أشرت إليها. قالت: «اختفت» بعد أن نظرت حولها في كل مكان في المسبح، لكن الأسلوب المصطنع الغريب في الحديث والإشارة، غياب الشعور بأهمية الأمر، هو على الأرجح من إبداع خيالي. لا بد أن شعور الخوف الذي أحسست به في الحال عندما لم أستطع أن أرى ميج — حتى وأنا أحدث نفسي أنها في الجزء الضحل من المياه — جعل حركات سينثيا تبدو بطيئة وغير ملائمة إلى حد مذهل بالنسبة إليَّ، وسمعت النبرة التي قالت بها «اختفت» قبل أن تصدمها تداعيات الموقف (فهل تراها كانت تخفي، في الحال، شعورًا بالذنب؟) كنبرة هادئة على نحو مذهل، ورزينة على نحو مخيف.
صرخت مناديةً على أندرو، فجاءت عاملة الإنقاذ في الحال. كانت تشير إلى الجزء العميق من المسبح، قائلةً: «ما هذا؟»
هناك، في نطاق رؤيتي، ظهرت مجموعة من التعرجات القرنفلية تحت سطح المياه. لماذا تتوقف عاملة إنقاذ وتشير؟ ولماذا تسأل عن ماهية الأمر؟ ولماذا لا تغطس في المياه وتسبح في اتجاهه؟ لم تسبح؛ جرت بطول حافة المسبح. لكن بحلول ذلك الوقت، كان أندرو قد قفز فوق السياج. بدت الكثير من الأشياء غير مقنعة على الإطلاق — سلوك سينثيا، ثم عاملة الإنقاذ — والآن راودني الانطباع أن أندرو تجاوز هذا السياج — الذي بدا ارتفاعه ما يقرب من سبعة أقدام — بقفزة واحدة. يبدو أنه تسلق السياج بسرعة كبيرة، ممسكًا بالسلك.
لم أستطع أن أقفز أو أتسلق السياج؛ لذا عدوت إلى المدخل، حيث كانت ثمة بوابة معدنية ذات أسلاك متشابكة، مغلقة. كانت مرتفعة جدًّا، ورفعت نفسي فوقها وتسلقتها. ثم عدوت عبر الممرات الأسمنتية، عبر المسبح المطهِّر للأقدام، وخرجت إلى حافة المسبح.
انتهت الدراما.
كان أندرو قد وصل إلى ميج أولًا، وأخرجها من المياه. لم يكن عليه سوى أن يمد جسده ويمسكها؛ لأنها كانت تسبح على نحو ما، برأسها تحت المياه؛ كانت تتحرك في اتجاه حافة المسبح. كان يحملها الآن، وكانت عاملة الإنقاذ تركض خلفه. كانت سينثيا قد خرجت من المياه وكانت تعدو لملاقاتهم. كان الشخص الوحيد المنعزل عن الموقف هو رفيق عاملة الإنقاذ، الذي ظل جالسًا على المقعد عند الطرف غير العميق من المياه، يشرب شراب مخفوق اللبن. كان يبستم لي، وكنت أعتقد أن في ذلك عدم إحساس منه، حتى مع انقضاء الخطر. ربما كان يقصد من ذلك إيصال الشعور بالتعاطف. لاحظت أنه لم يغلق الراديو بل خفض صوته.
لم تكن ميج قد ابتلعت أي مياه. لم تكن حتى قد أخافت نفسها. كان شعرها ملتصقًا برأسها وكانت عيناها مفتوحتين عن آخرهما، تبرقان من الدهشة.
قالت: «كنت أحضر المشط … لم أكن أعلم أن الماء عميق.»
قال أندرو: «كانت تسبح! كانت تسبح بمفردها. رأيت ثوب استحمامها في المياه ثم رأيتها تسبح.»
قالت سينثيا: «كادت تغرق … أليس كذلك؟ كادت ميج تغرق.»
قالت عاملة الإنقاذ: «لا أعرف كيف يمكن أن يحدث ذلك … في لحظة كانت هناك، ثم في اللحظة التالية اختفت.»
كان ما حدث هو أن ميج كانت قد خرجت من المياه عند الطرف الضحل، وجرت بطول حافة المسبح في اتجاه الطرف العميق. رأت مشطًا كان أحد الأشخاص تركه ملقى في القاع. انحنت لأسفل ومدَّت يدها لالتقاطه، منخدعةً تمامًا بشأن عمق المياه. اقتربت جدًّا من الحافة وزلت قدماها ووقعت في المسبح، دون أن تحدث صوتًا كبيرًا لدرجة أن أحدًا لم يسمعها، لا عاملة الإنقاذ التي كانت تقبِّل رفيقها، ولا سينثيا، التي كانت تراقبهما. لا بد أن هذه هي اللحظة عندما حدثت نفسي متسائلةً: أين الطفلتان؟ لا بد أن تلك كانت هي اللحظة ذاتها. في تلك اللحظة، كانت ميج قد انزلقت ووقعت، مندهشة، في المياه الزرقاء الصافية الخادعة.
قلت لعاملة الإنقاذ، التي كانت تبكي تقريبًا: «لا عليك … إنها تتحرك بسرعة كبيرة.» (على الرغم من أن ذلك لم يكن عادةً ما نقوله بشأن ميج على الإطلاق. كنا نقول إنها كانت تفكر في كل شيء مليًّا وتأخذ وقتها.)
قالت سينثيا، بطريقة تنم على تهنئة: «كنت تسبحين يا ميج.» (أخبرتنا عن التقبيل لاحقًا.)
قالت ميج: «لم أعرف أن المياه كانت عميقة … لم أغرق.» •••
تناولنا الغداء في مطعم وجبات سريعة في مكان مفتوح، وكان الطعام عبارة عن شطائر هامبورجر وبطاطس مقلية على مائدة حديقة لا تبعد كثيرًا عن الطريق السريع. في غمار شعوري بالإثارة، نسيت أن أعد لميج شطيرة هامبورجر سادة، فاضطررت إلى إزالة الصوص والمسطردة بملاعق بلاستيكية، ثم مسح الهامبورجر بمنشفة ورقية، قبل أن تأكله. ثم واصلنا القيادة شرقًا، تاركين نوافذ السيارة الأمامية مفتوحة. خلدت سينثيا وميج إلى النوم في المقعد الخلفي.
تحدثتُ أنا وأندرو في هدوء عما حدث. ماذا إذا لم يواتني الحدس في تلك اللحظة للاطمئنان على الأطفال؟ وماذا لو أننا كنا قد ذهبنا إلى الجزء الراقي من البلدة لتناول الشراب، مثلما كنا نفكِّر؟ وكيف استطاع أندرو القفز فوق السياج؟ وهل قفز أم تسلق؟ (لا يستطيع أن يتذكر.) كيف استطاع الوصول إلى ميج بهذه السرعة؟ وتذكَّرنا كيف أن عاملة الإنقاذ لم تكن منتبهة. وسينثيا، كانت مستغرقة تمامًا في مشاهدة عملية التقبيل. لا ترى أي شيء آخر. لا ترى ميج تنسل من الحافة.
اختفت.
لكنها سبحت. كتمت أنفاسها وصعدت إلى السطح سابحةً.
يا لها من سلسلة عجيبة من المصادفات.
كان هذا هو كل ما تحدثنا عنه؛ المصادفة. لكنني كنت أشعر بميل شديد لأتصور العكس. في هذه اللحظة، كان من الممكن أن نكون الآن نملأ استمارات الوفاة. وقد أُخذت ميج منا، وجسدها يعد للنقل. إلى فانكوفر — حيث لم نلحظ قط وجود جبانة — أو إلى أونتاريو؟ كانت شخبطة الرسوم التي رسمتها هذا الصباح لا تزال في المقعد الخلفي في السيارة. كيف يمكن تحمل ذلك كله على الفور، كيف يستطيع الناس احتمال الأمر؟ الكتفان الممتلئتان الجميلتان، واليدان، والقدمان، والشعر البني الناعم، تعبير الوجه القانع الكتوم؛ يبدو كل ذلك تمامًا مثلما كانت حية. المأساة الأكثر شيوعًا. طفل يغرق في مسبح في وقت الظهيرة في يوم مشمس. تنتظم الأمور بسرعة. يفتح المسبح كالعادة في الساعة الثانية. تشعر عاملة الإنقاذ بالصدمة قليلًا وتأخذ إجازة بقية اليوم. تمضي بعيدًا مع رفيقها في شاحنة روتو-رووتر. يوضع الجسد في تابوت محكم الغلق استعدادًا لشحنه. المهدئات، المكالمات الهاتفية، الترتيبات. فراغ مفاجئ، انهيار وانتقال. الاستيقاظ مترنحةً جراء الأقراص، التفكير للحظة أن الأمر ليس صحيحًا. تمني لو أننا لم نتوقف، لو أننا لم نسلك هذا الطريق، لو لم يُسمح لنا باستخدام المسبح. ربما لم يكن أحد سيعرف أي شيء عن المشط.
هناك شيء حقير حيال هذا النوع من التفكير، أليس كذلك؟ شيء مشين. الأمر يشبه وضع الأصابع على السلك لتلقي صدمة آمنة، للشعور بقدر ما كيف يكون الأمر، ثم سحب اليد. كنت أعتقد أن أندرو كان أكثر تحفظًا مني حيال هذه الفِكَر، وأنه في هذه اللحظة كان يحاول حقيقةً التفكير في شيء آخر.
عندما وقفت بعيدةً عن والديَّ في جنازة ستيف جاولي وراقبتهما، وراودني هذا الشعور الجديد، غير السار حيالهما، اعتقدت أنني كنت أعرف شيئًا عنهما للمرة الأولى. كان شيئًا غاية في الجدية. كنت أعرف أنهما كانا متورطين. لم يكن جسداهما الكبيران، المتصلبان، المتأنقان يقفان بيني وبين الموت المفاجئ، أو أي نوع من الموت. كانا موافقين. هكذا بدا الأمر. وافقا على موت الأطفال وعلى موتي لا من خلال أي شيء قالاه أو فكَّرا فيه، لكن من خلال حقيقة أنهما أنجبا أطفالًا؛ أنجباني. أنجباني، ولهذا السبب لن يبدو موتي — مهما كانا يشعران بالحزن، ومهما كان رد فعلهما — لهما مستحيلًا أو غير طبيعي. كانت هذه حقيقة، وحتى آنذاك كنت أعرف أن اللوم لا يقع عليهما.
لكنني ألقيت باللائمة عليهما. اتهمتهما بالوقاحة، بالنفاق. بالنيابة عن ستيف جاولي، وبالنيابة عن جميع الأطفال، الذين كانوا يعرفون أنه بالنظر إلى حقوقهم، يجب أن يخرجوا للوجود أحرارًا، يعيشون نوعًا جديدًا، وأفضل من الحياة، لا يقعون في شرك البالغين المقهورين، بكل ما في حياتهم من جنس وجنائز.
قال الناس إن ستيف جاولي مات لأنه كان أقرب إلى يتيم، وكان متروكًا لأن يتصرف بمنتهى الحرية. إذا كان قد حُذِّر بما يكفي، وطُلب منه أداء بعض المهام، وسُيطر عليه، فلم يكن ليقع من فوق فرع شجرة غير ثابتة في بركة، حفرة حصوية مملوءة بالمياه بالكامل قرب النهر؛ لم يكن ليغرق. كان مهملًا، كان حرًّا؛ لذا غرق. تلقى أبوه الأمر باعتباره حادثة، مثلما قد يحدث لكلب. لم يكن أبوه يمتلك بذلة مناسبة للجنازة، ولم يكن يحني رأسه أثناء الصلوات. لكنه كان الشخص البالغ الوحيد الذي لم ألق باللائمة عليه. كان الشخص الوحيد الذي لم أره يمنح موافقته. لم يستطع منع أي شيء، لكنه لم يكن منخرطًا في أي شيء أيضًا؛ ليس مثل الآخرين، الذين كانوا يرددون الصلاة الربانية في صوت موزون غير طبيعي، يرشح دينًا وخزيًا. •••
عند جلندايف، ليس بعيدًا عن حدود نورث داكوتا، كان لدينا خيار؛ إما أن نواصل القيادة على الطريق الواصل بين الولايات أو نتجه إلى الشمال الشرقي، نحو وليستون، سالكين الطريق ١٦، ثم طرقًا جانبية تعيدنا مرة أخرى إلى الطريق السريع ٢.
اتفقنا على أن الطريق الواصل بين الولايات سيكون أسرع، وأنه من المهم بالنسبة إلينا ألا نقضي وقتًا أكثر مما ينبغي — بعبارة أخرى، ننفق مالًا أكثر مما ينبغي — في الطريق. لكننا قررنا أن نسلك طرقًا مختصرة إلى الطريق السريع ٢.
قلت: «أحب هذه الفكرة أكثر.»
قال أندرو: «هذا لأن ذلك هو ما خططنا أن نفعله في البداية.»
«فاتنا مشاهدة كلسبيل وهافر، ووولف بوينت. أحب هذا الاسم.»
«سنراها في طريق عودتنا.»
كان قول أندرو «في طريق عودتنا» متعة مدهشة لي. بالطبع، كنت أعتقد أننا سنعود، دون أن تُمس سيارتنا، وحياتنا، وعائلتنا بأي تغيير، بعد أن قطعنا كل هذه المسافة، بعد أن تعاملنا على نحو أو آخر مع لحظات الوفاء والمشكلات تلك، بعد أن وضعنا أنفسنا موضع التدقيق والبحث على هذا النحو الطائش. لكن كان الأمر يبعث على الارتياح أن أسمعه يقول ذلك.
قال أندرو: «ما لا أستطيع فهمه … هو كيف تلقيت الإشارة. يبدو أن الأمر يتعلق بحاسة إضافية تمتلكها الأمهات.»
جزئيًّا، كنت أريد أن أصدق ذلك، أن أستمتع بحسي الإضافي. وجزئيًّا، كنت أريد أن أحذره — أن أحذِّر الجميع — ألا يعوِّل أبدًا على هذه الحاسة.
قلت: «ما لا أستطيع أن أفهمه … هو كيف قفزت فوق السياج.»
«لا أفهم ذلك أنا أيضًا.»
لذا مضينا في طريقنا، والطفلتان في المقعد الخلفي واثقتان فينا؛ لأنه لم يكن أمامهما خيار آخر، وكنا نحن أنفسنا نثق في أننا سيُغفر لنا — في الوقت المناسب — كل شيء يجب على هاتين الطفلتين أن ترياه وترفضاه أولًا، أيًّا ما كان؛ فظًّا، تعسفيًّا، طائشًا، قاسيًا؛ جميع أخطائنا العادية والاستثنائية.
مسيرة الحب |
نوبات
كان الشخصان اللذان ماتا في أوائل العقد السابع من عمريهما، كان كلاهما طويل القامة، قوي البنية، وكان كلٌّ منهما زائد الوزن قليلًا. كان شعر الرجل حائلًا إلى اللون الرمادي، ووجهه مربعًا، حادًّا. كان الأنف العريض يحول دون أن يبدو شخصًا مهيبًا ووسيمًا على نحو تام. كان شعر المرأة أشقر، أشقر مائلًا إلى اللون الفضي الذي لا يبدو لك أنه لون اصطناعي — على الرغم من معرفتك بأنه ليس طبيعيًّا — حيث إن العديد من النساء في هذا العمر يصبغن شعورهن بهذا اللون. في يوم الإهداء (وهو اليوم التالي لعيد الكريسماس، الذي تعطى فيه الهدايا للفقراء)، عندما زارا بيج وروبرت لتناول شراب معهما، كانت المرأة ترتدي ثوبًا بلون رمادي فاتح ذا تقليم دقيق، ولامع، وكانت ترتدي جوربًا رماديًّا، وحذاءً رماديًّا. شربت مزيجًا من الجين وماء الصودا. كان الرجل يرتدي بنطالًا فضفاضًا، وسترة كريمية اللون، وشرب مزيجًا من الويسكي الكندي والماء. كانا قد رجعا مؤخرًا من رحلة في المكسيك. كان الرجل قد جرب رياضة القفز بالمظلات، لكن لم ترغب هي في القيام بذلك. كانا قد ذهبا لزيارة أحد الأماكن في يوكاتان، كان يبدو مثل بئر، تلقى فيه العذارى أملًا في جني محاصيل وفيرة.
قالت: «حقيقةً، هذه الفكرة ترجع إلى القرن التاسع عشر … هذه فكرة القرن التاسع عشر المنشغلة جدًّا بمسألة العذرية. ربما كانت حقيقة الأمر أنهم كانوا يلقون أشخاصًا في الأسفل دون تمييز؛ فتياتٍ أو رجالًا أو عجائزَ أو أيَّ شخص كانوا يستطيعون الإمساك به؛ لذا، فإن كون المرء غير بكر لا يضمن له سلامته!»
عبر الغرفة، كان ابنا بيج — الأكبر كلايتون، الذي كان بكرًا، والأصغر كيفين، الذي لم يكن كذلك — يشاهدان المرأة المرحة ذات الشعر الأشقر المائل إلى اللون الفضي التي كانت ترتسم على وجهها تعبيرات التجهم والملل. كانت قد قالت إنها كانت مدرسةً للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية. علَّق كلايتون على ذلك لاحقًا قائلًا إنه كان يعرف ذلك النوع من المدرسات. •••
كان روبرت وبيج متزوجين منذ خمس سنوات تقريبًا. لم يتزوج روبرت قبلها، لكن بيج تزوجت للمرة الأولى عندما كانت في الثامنة عشرة. ولد ابناها وهي تعيش هي وزوجها مع والديه في إحدى المزارع. كان زوجها يعمل في قيادة شاحنات نقل الماشية إلى مجزر كندا باكرز في تورونتو. عمل في قيادة شاحنات لشركات أخرى بعد ذلك، وهو ما جعله يبتعد أكثر فأكثر. انتقلت بيج والصبيان إلى جيلمور، وحصلت على وظيفة في متجر كايبر، الذي كان يُسمى جيلمور آركيد. انتهى المطاف بزوجها إلى العمل في القطب الشمالي، حيث يقود الشاحنات إلى آبار البترول عبر بحر بيوفرت المتجمد. لذا، طُلقت منه.
كانت عائلة روبرت تمتلك متجر جيلمور آركيد لكنها لم تعش قط في جيلمور. لم تكن أمه وأخواته يعتقدن أن أحدًا يستطيع أن يعيش أسبوعًا واحدًا في مكان كهذا. كان والد روبرت قد اشترى المتجر، ومتجرين آخرين في بلدتين قريبتين، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بفترة وجيزة. عين مديرين محليين للإشراف على تلك المتاجر، وكان يقود السيارة من تورونتو بضع مرات خلال العام ليرى كيف تسير الأمور.
لفترة طويلة، لم يكن روبرت مهتمًّا على نحو كبير بأعمال والده المتعددة. حصل على شهادة جامعية في الهندسة المدنية، وكانت لديه فكرة عن إقامة المشاريع في الدول المتخلفة. حصل على وظيفة في بيرو، تنقل عبر أمريكا الجنوبية، وترك مجال الهندسة فترة ليعمل في مزرعة لتربية الماشية في كولومبيا البريطانية. عندما مرض أبوه، كانت عودته إلى تورونتو ضرورية. عمل في إدارة الطرق السريعة الإقليمية، في وظيفة هندسية لم تكن تتناسب مع رجل في مثل عمره. كان يفكر في الحصول على درجة علمية للسماح له بالتدريس وربما أيضًا الاتجاه شمالًا للتدريس للهنود، مغيِّرًا حياته بالكامل، بمجرد وفاة أبيه. كان يقترب من عامه الأربعين آنذاك، وكان يخوض علاقته الثالثة مع امرأة متزوجة.
من حين إلى آخر، كان يتجه إلى جيلمور وإلى بلدات أخرى لمتابعة الأحوال في المتاجر. ذات مرة، جلب لي معه تلك المرأة المتزوجة الثالثة — والأخيرة، مثلما اتضح بعد ذلك — التي كان على علاقة بها. أحضرت غداءً خفيفًا للرحلات، وشربت مشروب بيمز في السيارة، وتعاملت مع الرحلة بأسرها باعتبارها نزهة سعيدة، مغامرة في الريف البدائي. كانت قد أعدت نفسها للمضاجعة في الحقول المفتوحة، واستشاطت غضبًا عندما وجدت أنها مليئة بالماشية أو سيقان الذرة غير المريحة.
مات والد روبرت، وغيَّر روبرت حياته، لكن بدلًا من أن يصبح مدرسًا ويتجه شمالًا، جاء ليعيش في جيلمور لإدارة المتاجر بنفسه. وتزوَّج بيج. •••
كانت بيج قد تعرفت إليهما بمحض الصدفة.
ففي مساء الأحد، قرعت البابَ الفلاحةُ التي كانت تبيع آل كايبر البيض.
وقالت: «آمل ألا تمانع في أن آتي بالبيض الليلة بدلًا من صباح الغد … يجب أن أصطحب زوجة ابني إلى كيتشينر لإجراء فحص لها بالموجات فوق الصوتية. أحضرت للزوجين ويبل البيض، أيضًا، لكنني أظنهما غير موجودين. أتساءل عما إذا كنت لا تمانع في أن أترك البيض الخاص بهما هنا معك. يجب أن أرحل مبكرةً في الصباح. لقد أرادت أن تقود السيارة بنفسها، لكنني ظننت أن تلك الفكرة ليست صائبة. إنها تقريبًا في الشهر الخامس من حملها، لكنها لا تزال تتقيأ. أخبرهم أنهم يمكنهم أن يدفعوا مقابل البيض في المرة المقبلة.»
قال روبرت: «على الرحب والسعة … لا توجد أدنى مشكلة في ذلك على الإطلاق. يمكن أن نذهب إليهما في الصباح ونعطيهما البيض. لا مشكلة على الإطلاق!» روبرت رجل رياضي المظهر، ممتلئ الجسد، ذو شعر متموِّج، يحول تدريجيًّا إلى اللون الرمادي، وعينين بنيتين برَّاقتين. لطفه وكرم أخلاقه لافتان للنظر في كثير من الأحيان، مما قد يجعل الآخرين يشعرون أنهم محاصرون من جميع الاتجاهات. يفيده هذا الأسلوب كثيرًا في جيلمور، حيث يُتوقع أن تتكرر التأكيدات على الأشياء، وفي حقيقة الأمر تكون معظم المحادثات مكررة، وهذا تعبير متكرر عن النوايا الحسنة، دون مفاجآت. في مناسبات عَرَضية، عند الحديث إلى الآخرين، يخالجه شعور آخر، عائق، ولا يدري تمامًا ماهيته (ضغينة أم عناد؟) لكنه يبدو مثل صخرة في قاع نهر عندما يسبح المرء؛ فالماء الصافي يرفع السابح إلى أعلى بحيث يتجاوزها.
بالنسبة لشخص يعيش في جيلمور، تعتبر بيج شخصًا متحفظًا. اتجهت إلى المرأة وتناولت منها البيض الذي كانت تحمله، بينما ظل روبرت يؤكد على أنه لا مشكلة في ذلك على الإطلاق ويسألها عن حمل زوجة ابنها. ابتسمت بيج مثلما كانت تبتسم في المتجر عندما تناولك باقي النقود؛ ابتسامة تجارية سريعة، لا يوجد فيها أي شيء شخصي. بيج امرأة رشيقة القوام، قصيرة، ذات شعر بني ناعم، ذات بشرة بها نمش، وذات مظهر شاب ومهندم. ترتدي تنورات مكشكشة، وبلوزات جديدة مهندمة عالية الرقبة، وسترات فاتحة اللون، وفي بعض الأحيان رابطة عنق شريطية سوداء. تتحرك في رشاقة ولا تكاد تصنع أي صوت. أخبرها روبرت ذات مرة أنه لم يقابل أحدًا على الإطلاق على هذا القدر من التحفظ. (كانت النساء اللائي يواعدهن عادةً ثرثارات، متأنقات، وإن كنَّ مهملات بشأن بعض التفاصيل، متوترات، مفعمات بالحياة، «مثيرات للاهتمام».)
قالت بيج إنها لم تعرف ماذا كان يعني.
بدأ في تفسير كيف يبدو الشخص المتحفظ. في ذلك الوقت، كان فهمه مغلوطًا تمامًا للمفردات المستخدمة في جيلمور — كان لا يزال يخطئ في استخدامها — وكان يأخذ على محمل الجد الحدود التي كانت تتم مراعاتها عادةً في الأحاديث اليومية.
قالت بيج، باسمةً: «أعرف ماذا تعني الكلمات … فقط لا أفهم كيف تستخدمها في الإشارة إليَّ».
بالطبع كانت تعرف معنى الكلمات. تلقت بيج دورات تعليمية، دورة تعليمية مختلفة كل شتاء، منتقيةً ما كان متوفرًا في المدرسة الثانوية المحلية. تلقت دورة في تاريخ الفن، وأخرى في حضارات الشرق الكبرى، وثالثة في الاكتشافات والاستكشافات عبر العصور. كانت تذهب إلى الصف مرة واحدة أسبوعيًّا، حتى لو كانت في غاية التعب أو مصابة بالبرد. كانت تخوض الاختبارات وتُعد الأوراق البحثية. في بعض الأحيان، كان روبرت يجد ورقة مكتوبة بخط يدها الرائع الصغير فوق الثلاجة أو على التسريحة في حجرتهما: وهكذا نرى أن أهمية الأمير هنري الملَّاح كانت تكمن في إلهام وتشجيع المستكشفين الآخرين في البرتغال، على الرغم من أنه لم يقم بنفسه برحلات استكشافية.
تأثر بعباراتها المباشرة، خطها الصغير الرائع، وكان يشعر بالغضب؛ لأنها لم تحصل على تقدير أعلى من جيد جدًّا في هذه الأوراق البحثية التي كانت تبذل جهدًا كبيرًا فيها.
قالت بيج: «لا أكتب هذه الأوراق البحثية للحصول على تقديرات مرتفعة.» حالت وجنتاها إلى اللون الأحمر تحت النمش، كما لو كانت تعترف اعترافًا شخصيًّا. «أقوم بذلك للمتعة.» •••
نهض روبرت قبل الفجر صباح يوم الاثنين، ووقف عند طاولة المطبخ يحتسي قهوته، ناظرًا إلى الحقول المغطاة بالثلوج. كانت السماء صافية، وكانت درجة الحرارة قد انخفضت. كان اليوم سيصير أحد الأيام الساطعة، الباردة، القاسية، من أيام يناير التي كانت تلي أسابيع من هبوب الرياح الغربية، من الثلج المتطاير والمتساقط. تجمدت الجداول، والأنهار، والبرك. تجمدت بحيرة هورون على مرمى البصر. ربما طوال هذه السنة. كان ذلك قد حدث من قبل، وإن كان أمرًا نادرًا.
كان عليه أن يقود السيارة إلى كينيلي، إلى متجر كايبر هناك. كان الثلج المتراكم على السطح يتسبب في أن تتجمع المياه الموجودة أسفله وتتسرب عبر السقف. كان عليه أن يقطِّع الثلج وينظِّف السقف. كان الأمر يستغرق نصف يوم على الأقل.
يقوم روبرت بنفسه بجميع أعمال الإصلاحات والصيانة في المتاجر وفي هذا المنزل. تعلَّم القيام بأعمال السباكة والكهرباء. يستمتع وهو يقوم بهذه الأشياء. يستمتع بالقسوة، بقسوة الشتاء، هنا. لا تبعد المدينة هنا أكثر من مائة ميل من تورونتو، مع ذلك تعتبر وكأنها بلد مختلف تمامًا. حزام الثلوج. لم يكن القدوم للعيش هنا مثل الذهاب إلى البرية، على أي حال. ما زالت تعزل العواصف الثلجية العنيفة البلدات والقرى. كان الشتاء يحل قاسيًا على المدينة، يستقر في الأرض على نحو ما كان الجليد يستقر قبل آلاف الأعوام بارتفاع ميلين. يعيش الناس في الشتاء على نحو لا يفهمه الغرباء. فهم حذرون، مقتصدون، متعبون، منتشون.
يحب شيئًا في هذا المنزل، المنظر الخلفي، المطل على الفضاء المفتوح. يعوِّض ذلك الشارع غير المنظَّم المسدود الذي بلا أشجار أو أرصفة للمشاة. افتتح الشارع بعد الحرب، عندما أُخذ على محمل التسليم أن الجميع سيستخدمون السيارات، ولا يسيرون إلى أي مكان. وهكذا فعلوا. تقترب المنازل كثيرًا من الشارع وبعضُها من بعض، وعندما يعود كل من يعيش في هذه المنازل إلى البيت، تحتل السيارات المكان الشاغر كله حيث من المفترض أن تكون الأرصفة، والشوارع العريضة المشجرة، وأشجار الظل.
كان روبرت يرغب، بالطبع، في شراء منزل آخر. افترض أنهما سيفعلان ذلك. كانت توجد — ولا تزال — منازل قديمة جيدة معروضة للبيع في جيلمور بأسعار زهيدة جدًّا، بمعيار أسعار المنازل في المدن. قالت بيج إنها لا تستطيع تخيُّل نفسها تعيش في تلك المنازل. عرض عليها أن يبني لها منزلًا جديدًا في التقسيم الفرعي من الجانب الآخر من البلدة. لم ترد ذلك أيضًا. أرادت أن تمكث في هذا المنزل، الذي كان المنزل الأول الذي عاشت هي والصبيان وحدهم فيه؛ لذا اشتراه روبرت — كانت معتادة على الاستئجار فقط — وأضاف غرفة النوم الرئيسية وحمامًا آخر، وجعل هناك غرفةً للتليفزيون في البدروم. حصل على بعض المساعدة من كيفين، ومساعدة أقل من كلايتون. كان المنزل لا يزال يبدو، من الشارع، مثل المنزل الذي كان قد ترك السيارة أمامه في المرة الأولى التي اصطحب فيها بيج إلى المنزل من العمل. منزل بارتفاع طابق ونصف، ذو سقف شديد الميل ونافذة غرفة معيشة مقسَّمة إلى مربعات مثل النافذة الموجودة على بطاقة معايدة خاصة بالكريسماس. جدار خارجي من الألومنيوم الأبيض، مصاريع سوداء ضيقة، وزخرفة سوداء. في تورونتو، كان يفكر في حياة بيج في هذا المنزل. كان يفكر في حياتها النمطية، المحدودة، الجادة، الجذابة.
لاحظ وجود بيض الزوجين ويبل على طاولة المطبخ. كان يفكر في أخذه. لكن كان الوقت مبكرًا جدًّا. كان من المفترض أن يكون الباب موصدًا. لم يرد أن يوقظهما. كان يمكن أن تأخذ بيج البيض إليهما عندما تذهب لفتح المتجر. أخذ قلم التحديد الذي كان موضوعًا على الرف تحت لوحة الملاحظات، وكتب على منشفة ورقية الآتي: «لا تنسي أن تعطي البيض للزوجين ويبل. مع حبي، روبرت.» لم يكن هذا البيض أرخص سعرًا من البيض في المتجر. كان روبرت يحب فقط أن يحصل عليه من المزرعة. وكان لونه بنيًّا. قالت بيج إن الأشخاص الذين يعيشون في المدينة لديهم نظرة ما إزاء البيض البني؛ يعتقدون أن البيض البني طبيعي أكثر على نحو ما، مثل السكر البني.
عندما خرج بسيارته، رأى أن سيارة الزوجين ويبل موجودة في مكان انتظارها. يبدو أنهما عادا إلى المنزل من المكان الذي كانا فيه الليلة الماضية. ثم رأى أن الثلج المتناثر أمام ممر السيارة الخاص بهم بواسطة كاسحة الثلج الخاصة بالبلدة لم يُزل. يبدو أن كاسحة الثلج مرت في المكان ليلًا. لكنه لم يكن مضطرًّا إلى إزاحة أي ثلوج؛ إذ لم يكن ثمة أي ثلوج جديدة خلال الليل ولم تكن كاسحة الثلج قد مرت في هذا الوقت. كانت الثلوج هي ثلوج أمسِ. لا يمكن أن يكونوا قد خرجا الليلة الماضية. إلا إذا خرجا سيرًا على الأقدام. لم تُزل الثلوج من ممرات السير الجانبية، اللهم إلا في الشارع الرئيسي وشوارع المدارس، وكان من الصعب السير عبر الشوارع الضيقة جراء طبقات الثلوج المتراكمة عليها، لكن، نظرًا لأنهما حديثا العهد بالبلدة، ربما خرجا غير مدركين لذلك.
لم يدقق النظر جيدًا ليرى إن كانت ثمة آثار أقدام أم لا. •••
تصوَّر روبرت ما حدث. أولًا من خلال تقرير الشرطي، ثم من خلال بيج.
خرجت بيج من المنزل في حوالي الساعة الثامنة وعشرين دقيقة. كان كلايتون قد ذهب إلى المدرسة، وكان كيفين، الذي كان يتعافى من عدوى في أذنه، في البدروم يسمع شريطًا لبيلي آيدول، ويشاهد برنامج مسابقات في التليفزيون. لم تنسَ بيج البيض. دخلت إلى السيارة وأدارت المحرك لتسخينه، ثم سارت إلى الشارع، وخطت بقدميها على الثلج غير المُزاح عند مدخل بيت الزوجين ويبل، وسارت عبر ممر السيارة إلى الباب الجانبي. كانت ترتدي وشاحًا أبيض من التريكو، وتعتمر قلنسوة صوفية، وتضع معطفًا مبطنًا، باللون الأرجواني الفاتح. جعلت هذه المعاطف معظم النساء في جيلمور يبدون كالبراميل، لكن بيج كانت تبدو بمظهر حسن؛ نظرًا لنحافتها البالغة.
كانت المنازل في الشارع في الأصل من ثلاثة تصميمات. تغيَّر معظمها الآن على نحو كبير، فصارت بها نوافذ، وأروقة، وأجنحة، وأسطح جديدة، وكان من الصعب العثور على منازل قريبة الشبه ببعضها. كان منزل الزوجين ويبل نسخة طبق الأصل من منزل آل كايبر، لكن جرى تغيير النافذة الأمامية، ونُزعت الألواح الزجاجية التي كانت تشبه بطاقات المعايدة الخاصة بالكريسماس، وكان قد تم رفع السقف، بحيث صارت هناك نافذة كبيرة في الدور العلوي تُطل على الشارع. كان الجدار الخارجي للمنزل باللون الأخضر الفاتح، وكانت الزخرفة باللون الأبيض، ولم يكن ثمة مصاريع.
كان الباب الجانبي يفتح على غرفة الخدمات، مثلما هو الحال في بيت بيج. قرعت الباب قرعًا خفيفًا في البداية، ظانةً أنهما سيكونان في المطبخ، الذي كان على بعد خطوات قليلة فقط من غرفة الخدمات. كانت قد لاحظت وجود السيارة، بالطبع، وتساءلت عما إذا كانا قد عادا إلى المنزل في وقت متأخر وراحا في النوم. (لم تكن قد لاحظت بعدُ أن الثلج لم يُزح، وأن كاسحة الثلوج لم تكن قد مرت في الليل. جال هذا بخاطرها لاحقًا عندما دخلت إلى سيارتها ورجعت بها للخلف وسارت بها.) قرعت الباب قرعًا بصوت أعلى فأعلى. كانت تشعر بألم حاد لاسع في وجهها بسبب البرد القارس. حاولت فتح الباب ووجدت أنه لم يكن موصدًا. فتحته وخطت إلى الداخل ونادت.
كانت الغرفة الصغيرة مظلمة. لم يكن ثمة ضوء يذكر قادم من المطبخ، وكان ثمة ستارة من البامبو مُسدلة على الباب الجانبي. وضعت البيض على مجفف الملابس، وكانت ستتركه هناك، ثم حدثت نفسها بأن من الأفضل وضعه في المطبخ، في حال احتاج الزوجان ويبل إلى بيض على الإفطار وكان ما لديهما قد نفد. لن يفكرا في البحث عن البيض في غرفة الخدمات.
(كان هذا، في حقيقة الأمر، تخيله للموقف. لم تقل هي أيًّا من ذلك، لكنه نسي أنها لم تفعل. لم تقل سوى: «رأيت أنه من الأفضل أن أضع البيض في المطبخ».)
كان في المطبخ بعض من تلك الستائر المصنوعة من البامبو مسدلةً على نافذة الحوض وعلى نوافذ ركن الإفطار، وهو ما كان يعني أنه على الرغم من أن الغرفة كانت في مواجهة الشرق، مثل مطبخ آل كايبر، وعلى الرغم من أن الشمس كانت ساطعة في كبد السماء آنذاك، فلم يكد ضوء كثير يدخل. لم يكن اليوم قد بدأ هنا.
لكن المنزل كان دافئًا. ربما استيقظا منذ فترة وقاما بتشغيل جهاز التدفئة، ثم عادا إلى الفراش. ربما تركا جهاز التدفئة يعمل طوال الليل، على الرغم من أنهما كانا يبدوان بالنسبة لبيج أكثر اقتصادًا من ذلك. وضعت البيض على الطاولة إلى جانب الحوض. كان تصميم المطبخ يكاد يتطابق مع تصميم مطبخها. لاحظت تراص بعض الأطباق، مشطوفةً، لكنها غير مغسولة، كما لو كانا قد تناولا شيئًا قبل أن يخلدا إلى الفراش.
نادت مرةً أخرى عند عتبة غرفة المعيشة.
كانت غرفة المعيشة مرتبة على نحو رائع. كانت تبدو لبيج منظمة أكثر مما ينبغي، لكن ذلك ربما — مثلما قالت لروبرت — كان هو المظهر الذي من المفترض أن تكون عليه غرفة معيشة زوجين متقاعدين بالنسبة إلى امرأة اعتادت على وجود أطفال حولها. لم تجد بيج في حياتها قط نظامًا حولها بقدر ما كانت تريد، في ظل انتقالها من منزل عائلتها حيث كان هناك ستة أطفال إلى منزل مزدحم بمزرعة أهل زوجها، الذي زادت ازدحامه بأطفالها. كانت قد حكت لروبرت قصة طلبها قطعة جميلة من الصابون لاستخدامها في الكريسماس، صابونة قرنفلية اللون عليها ورود بارزة. حصلت على قطعة الصابون، واعتادت على إخفائها بعد كل استخدام بحيث لا تتشقق ولا تبلى، على النحو الذي كان يحدث للصابون في ذلك المنزل. كانت ناضجة بما يكفي في ذلك الوقت، أو هكذا كانت تظن.
كانت قد نفضت الثلج عن حذائها طويل العنق في غرفة الخدمات. على الرغم من ذلك، ترددت في السير عبر بساط غرفة المعيشة النظيف، ذي اللون البيج الفاتح. نادت مرة أخرى. استخدمت في ندائها الأسماء الأولى للزوجين ويبل، التي كانت تكاد تعرفهما. والتر ونورا. كانا قد انتقلا إلى هنا في أبريل الماضي، ومنذ هذا الحين، خرجا في رحلتين؛ لذا لم تشعر أنها كانت تعرفهما جيدًا على الإطلاق، لكن بدا سخيفًا أن تنادي: «السيد والسيدة ويبل. هل استيقظتما، أيها السيد والسيدة ويبل؟»
لا إجابة.
كان لديهما سلالم تفضي إلى أعلى من غرفة المعيشة، مثلما كان الحال لدى منزل بيج وروبرت. سارت بيج عبر البساط النظيف، فاتح اللون إلى أسفل السلم، الذي كان مفروشًا بالبساط نفسه. بدأت في صعود السلالم. لم تنادِ مرة أخرى.
لا بد أنها اكتشفت الأمر آنذاك وإلا كانت ستنادي. كان ذلك هو الأمر الطبيعي، أن تظل تنادي كلما اقتربت من مكان نوم من تنادي عليهم. لتنبيههم. ربما كانا يغطَّان في نوم عميق. ربما كانا ثملين. لم تكن هذه هي عادة الزوجين ويبل، بقدر ما كان الجميع يعرف، لكن لم يكن ثمة أحد يعرفهما جيدًا؛ شخصان متقاعدان تقاعدًا مبكرًا. كان هو محاسبًا، وكانت هي مدرسة. كانا يعيشان في هاملتون. كانا قد اختارا جيلمور لأن والتر ويبل كان لديه عم وعمة يعيشان هنا، وكان قد زارهما عندما كان طفلًا. كلاهما ميت الآن، العم والعمة، لكن يبدو أن المكان كان يحمل ذكريات سارة له. وكان المنزل رخيصًا؛ كان المنزل أرخص بالتأكيد من أي منزل آخر كانا لا يستطيعان تحمل تكلفته. كان ينويان إنفاق أموالهما في السفر. فليس لديهما أطفال.
لم تنادِ، لم تتوقف ثانيةً. صعدت السلالم ولم تنظر حولها وهي تصعد؛ كانت تنظر أمامها مباشرةً. كان أمامها الحمام، بابه مفتوح. كان نظيفًا وخاليًا.
استدارت عند قمة السلالم تجاه غرفة الزوجين ويبل. لم تكن قد صعدت إلى الدور العلوي من قبل في هذا المنزل، لكنها كانت تعرف مكان غرفة النوم. كانت الغرفة الممتدة في الواجهة، ذات النافذة الواسعة المطلة على الشارع.
كان باب تلك الغرفة مفتوحًا. •••
نزلت بيج إلى الدور السفلي وغادرت المنزل مرورًا بالمطبخ، وغرفة الخدمات، والباب الجانبي. ظهرت آثار أقدامها على البساط وعلى القرميدات المغطاة بالمشمع، وفي الخارج على الثلوج. أغلقت الباب خلفها. كانت سيارتها تعمل أثناء كل ذلك وكانت غارقة في سحابتها الصغيرة من الدخان. دخلت السيارة ورجعت بها إلى الخلف وقادتها إلى قسم الشرطة في مجلس البلدة.
قال الشرطي: «هذا صباح شديد البرودة يا بيج.»
«نعم، هو كذلك.»
«إذن ماذا يمكن أن أفعل لك؟» •••
حصل روبرت على المزيد من المعلومات من كارين.
كانت كارين آدامز موظفة في متجر جيلمور آركيد. كانت امرأة شابة متزوجة، قوية البنيان، مرحة أحيانًا، حاضرة الذهن دون أن تبدو كذلك، تتمتع بالكفاءة دون ضجيج. كانت تتعامل على نحو جيد مع الزبائن؛ كانت تتعامل جيدًا مع بيج وروبرت. كانت تعرف بيج منذ فترة أطول، بالطبع. كانت تدافع عن بيج أمام الأشخاص الذين كانوا يقولون إنها قد أصابها الغرور منذ أن تزوجت رجلًا ثريًّا. كانت تقول إن بيج لم تتغير عما كانت عليه دومًا. لكن بعد اليوم قالت: «كنت أعتقد دومًا أنني وبيج صديقتان، لكنني لست متأكدة من ذلك الآن.»
بدأت كارين العمل في العاشرة. وصلت قبل ذلك بقليل وسألت عما إذا كان ثمة زبائن، وقالت بيج: لا، لا أحد.
قالت كارين: «لا أشعر بالدهشة … الطقس بارد جدًّا. إذا كانت ثمة رياح، فالجو سيصبح قاتلًا.»
كانت بيج قد أعدت قهوة. لديهم ماكينة قهوة جديدة، هدية روبرت في الكريسماس للمتجر. كانتا معتادتين على طلب طعام من المخبز في نهاية الشارع.
قالت كارين بينما كانت تحضر قهوتها: «أليس هذا الشيء مدهشًا؟»
قالت بيج نعم. بينما كانت تمسح بعض البقع على الأرضية.
قالت كارين: «يا إلهي … هل كان ذلك مني أم منك؟»
قالت بيج: «أظن أن ذلك كان بسببي.»
قالت كارين لاحقًا: «لذا، لم أفكر في ذلك … اعتقدتُ أنها وطئت بعض الطين. لم أتوقف لأفكر، أين تطأ طينًا مع وجود كل هذه الثلوج في الأرض؟»
بعد فترة، دخل زبون، كانت سيليا سيمز، وكانت قد سمعت بالأمر. كانت كارين جالسة إلى ماكينة النقدية، وكانت بيج في القسم الخلفي من المتجر، تتفحص بعض الفواتير. أخبرت سيليا كارين، لم تكن تعرف كثيرًا؛ لم تكن تعرف كيف وقع الأمر أو أن بيج كان لها صلة بالأمر.
نادت كارين في اتجاه القسم الخلفي من المتجر. «بيج! بيج! حدث شيء رهيب، لجيرانك المجاورين لك!»
ردَّت بيج قائلةً: «أعرف ذلك.»
رفعت سيليا حاجبيها في وجه كارين — كانت واحدة من أولئك الذين لا يحبون أسلوب بيج — فتنحَّت كارين في هدوء جانبًا وانتظرت حتى غادرت سيليا المتجر. ثم أسرعت إلى القسم الخلفي من المتجر، مما جعل الشماعات تصلصل في الأرفف.
«قتل الزوجان ويبل بالرصاص يا بيج. هل كنت تعلمين ذلك؟»
قالت بيج: «نعم. عثرت عليهما.»
«عثرت عليهما! متى؟»
«هذا الصباح، قبل أن آتي إلى العمل مباشرةً.»
«قُتلا!»
قالت بيج: «كان انتحارًا … أطلق الرصاص عليها ثم على نفسه. هذا ما حدث.»
قالت كارين: «عندما أخبرتني بذلك … بدأت في الارتجاف. كان جسدي كله ينتفض ولم أستطع منع نفسي من ذلك.» مخبرةً روبرت بذلك، ارتجفت مرة أخرى لتريه، واضعةً يديها داخل كمَّي سترتها الرياضية الزرقاء المصنوعة من القطيفة.
«لذا قلت: «ماذا فعلتِ عندما عثرت عليهما؟» فقالت: «أخبرت الشرطة.» قلتُ: «هل صرختِ، أم ماذا فعلت؟» تساءلت في نفسي عما إذا كانت رجلاها انثنت أم لا؛ لأنني أعرف أن رجليَّ كانتا ستنثنيان. لا أستطيع أن أتخيل كيف يمكن أن أخرج من هناك. قالت إنها لا تتذكر كثيرًا مما حدث أثناء خروجها، لكنها كانت تتذكر جيدًا أنها أغلقت الباب، الباب الخارجي، محدثةً نفسها قائلةً: تأكدي من إغلاق الباب تحسبًا لدخول كلب. أليس هذا مريعًا؟ كانت على حق، لكن الأمر كان مريعًا بحيث يصعب تخيله. أتظن أنها مصدومة؟»
قال روبرت: «لا … أعتقد أنها بخير.»
كانت هذه المحادثة تجري في القسم الخلفي من المتجر في وقت ما بعد الظهيرة، عندما كانت بيج قد خرجت لتتناول شطيرة.
«لم تتفوه بكلمة إليَّ. لا شيء على الإطلاق. قلتُ: «كيف لم تتفوهي بأي كلمة بشأن هذا يا بيج؟» فقالت: «كنت أعرف أنكِ ستعرفين قريبًا.» قلتُ: «نعم، لكن كان بإمكانك إخباري.» قالت: «أنا آسفة.» مثلما تعتذر عن شيء بسيط مثل استخدام قدحي الخاص بالقهوة. ليس هذا هو السلوك المنتظر من بيج أبدًا.» •••
كان روبرت قد فرغ مما يفعله في متجر كينيلي في وقت الظهيرة تقريبًا، وقرر أن يعود إلى جيلمور قبل أن يتناول أي شيء. كان ثمة مطعم على الطريق السريع خارج البلدة، على الطريق من كينيلي، وكان يعتقد أنه يستطيع التوقف هناك. كان بعض سائقي الشاحنات والمسافرين عادةً ما يتناولون طعامهم في هذا المطعم، لكن معظم من كان يذهب إلى هناك من السكان المحليين؛ مزارعون عائدون إلى مزارعهم، أصحاب أعمال وموظفون كانوا قد غادروا البلدة بسياراتهم. أعجب روبرت بالمطعم، وكان قد دخله اليوم وهو مبتهج. كان جائعًا جراء عمله في الهواء البارد، ويشعر بروعة الضوء الساطع في ذلك اليوم، وبدا له الثلج في الحقول منحوتًا، خاطفًا للأبصار، جامدًا مثل الرخام. كان يخالطه الشعور الذي كان يراوده في جيلمور عادةً، الشعور بالسير في اتجاه مسرح غير معروف، تعرض عليه مسرحية مفككة، لطيفة. وكان يعرف الدور الذي يقوم به؛ أو كان يعرف — على الأقل — أن ارتجالاته لن تفشل. كانت حياته في جيلمور في بعض الأحيان تبدو كما لو كانت يمكن وصفها هكذا، لكنه إذا حاول أن يصفها على هذا النحو، فكانت ستبدو كما لو كانت حياة مصطنعة، شيئًا منتحلًا، غير جاد تمامًا. وكان العكس تمامًا هو الصحيح. لذا، عندما كان يلتقي أحد الأشخاص من حياته القديمة، مثلما كان يصادف بعض الأشخاص في بعض الأحيان عندما كان يذهب إلى تورونتو، وكان يُسأل عن طبيعة الحياة في جيلمور، كان يقول: «لا أستطيع أن أصف كيف أحبها!» وهو ما كان حقيقيًّا تمامًا. •••
«لماذا لم تهاتفيني؟»
«كنتَ في السطح.»
«كان بإمكانك أن تهاتفي المتجر وتخبري إيلي. كانت ستخبرني.»
«بم كان سيفيد ذلك؟»
«كنت سأعود إلى البيت على الأقل.»
كان قد عاد مباشرةً من المطعم إلى المتجر، دون تناول ما كان قد طلبه. لم يعتقد أنه سيجد بيج في أي حالة من حالات الانهيار — كان يعرفها جيدًا بحيث يدرك أنها لن تفعل ذلك — لكنه كان يعتقد أنها ستريد أن تعود إلى المنزل، وتطلب منه أن يعد لها شرابًا، وتقضي بعض الوقت في إخباره عن الأمر.
لم تكن ترغب في ذلك. كانت تريد أن تخرج إلى الشارع إلى المخبز لتشتري طعامها المعتاد؛ شطيرة لحم خنزير بالجبن.
«سمحت لكارين بالذهاب لتناول الغداء، لكن لم يكن لدي وقت. هل أجلب لك شطيرة؟ إذا لم تتناول الغداء في المطعم، فلن أفعل أنا أيضًا.»
عندما جلبت له الشطيرة، جلس وأكلها على المكتب حيث كانت تتفحص الفواتير. وضعت بُنًّا جديدًا وماءً في ماكينة القهوة.
«لا أستطيع أن أتخيل كيف عايشنا هذا الأمر.»
نظر إلى معطف بيج الأرجواني الفاتح المعلق إلى جانب معطف كارين الأحمر على باب الحمام. كانت ثمة بقعة طويلة جافة على معطفها من طلاء عنابي اللون، ممتدة حتى طرفه.
لم يكن ذلك طلاءً بالطبع. لكن على معطفها؟ كيف جاء الدم على معطفها؟ يبدو أنها احتكت بهما في تلك الحجرة. يبدو أنها اقتربت كثيرًا منهما.
ثم تذكر الحديث في المطعم، وأدرك أنها لم تكن بحاجة إلى الاقتراب هكذا. ربما جاءت الدماء من إطار الباب. كان الشرطي في المطعم، وقال إن ثمة دماء في كل مكان، وليس دماء فقط.
قال أحد الرجال في المطعم: «لم يكن يجدر به أن يستخدم بندقية في أمر كهذا.»
قال آخر: «ربما لم يكن يملك إلا هذه البندقية.» •••
كان المتجر مزدحمًا بالزبائن في معظم فترة ما بعد الظهيرة. أناس في الشارع، وفي المخبز، والمقهى، والمصرف، ومكتب البريد، يتحدثون. كان الناس يريدون أن يتحدثوا وجهًا لوجه. كان عليهم الخروج وعمل ذلك، على الرغم من البرد. لم يكن الحديث في الهاتف كافيًا.
ما كان قد جرى أولًا، هكذا ظن روبرت، هو أن الناس تحدثوا في الهواتف، هاتفوا كل شخص كانوا يستطيعون التفكير فيه ممن لم يسمع بالأمر بعد. كانت كارين قد هاتفت صديقتها شيرلي، التي كانت ترقد في ذلك الوقت في الفراش مصابة بالبرد، وأمها، التي كانت في المستشفى، بها كسر في الورك. اتضح أن أمها كانت تعرف؛ كانت المستشفى كلها تعرف. وقالت شيرلي: «سبقتك أختي إلى معرفة الخبر.»
كان صحيحًا أن الناس كانوا يتطلعون إلى لحظة انتشار الخبر ويقدِّرون قيمتها — كانت كارين مستاءة من أخت شيرلي، التي لم تكن تعمل وكانت تتناول سماعة الهاتف متى شاءت — لكن كان ثمة تعاطف واحترام حقيقيان خلف هذا الشغف أيضًا. كان روبرت يعتقد ذلك. قالت كارين، وهو ما كان صحيحًا: «كنت أعلم أنها لم تكن سترغب في ألا تعرف.» لم يكن أحد سيرغب في ألا يعرف. أن يخرج إلى الشارع، دون أن يعرف. أن يذهب هنا وهناك يقوم بالأشياء اليومية المعتادة، دون أن يعرف. كان هو نفسه يشعر بالانزعاج، بل بالإهانة قليلًا، في أن يعتقد أنه لم يكن قد عرف؛ لم تدعه بيج يعرف.
جرى الحديث عما سبق أحداث هذا الصباح. أين شوهد الزوجان ويبل، وكيف كانا يعيشان حياة طبيعية يغمرها الهدوء والبراءة، ومتى كانت اللحظة التي تغير فيها كل شيء؟
لقد وقفت في الصف في بنك مونتريال في وقت ما فيما بعد ظهيرة يوم الجمعة.
لقد قص شعره صباح السبت.
كانا معًا، يشتريان البقالة، في متجر آي جي إيه مساء الجمعة في حوالي الساعة الثامنة.
ماذا اشتريا؟ مخزونًا كافيًا؟ مشتريات عليها تخفيضات، عروضًا معلنة، أكثر مما يكفي لمخزون يومين؟
ما يكفي ويزيد. شوال بطاطس، على سبيل المثال.
ثم جاء الدور على الأسباب. انتقل الحديث إلى الأسباب. بداهةً. لم تكن ثمة نظريات طُرحت في المطعم. لم يكن أحد يعرف السبب، لم يستطع أحد تخيل السبب. لكن مع نهاية فترة ما بعد الظهيرة، كانت ثمة تفسيرات كثيرة جدًّا للاختيار من بينها.
صعوبات مالية. كان قد شارك في مشروع استثماري في هاملتون. مشروع كان سيدر عليه أرباحًا خيالية لكنه فشل فشلًا ذريعًا. ضاعت جميع أموالهما وصار عليهما أن يعيشا ما تبقى من حياتهما على معاش التقاعد.
كانا يدينان بمال في صورة ضرائب دخل. كونه محاسبًا جعله يعتقد أنه يعرف كيف يتهرب من الأمر، لكن جرى اكتشاف ما فعل. كان سيجري فضح أمره، وربما إدانته وتجريسه علنًا، ويصير فقيرًا. حتى لو كان يخدع الحكومة فقط، فسيظل الأمر عارًا بالنسبة له عندما ينكشف هذا الأمر.
هل كان مبلغًا كبيرًا؟
بالتأكيد. كبير جدًّا.
لم يكن الأمر يتعلق بالمال على الإطلاق. كانا مريضين. أحدهما أو كلاهما. السرطان. التهاب مفاصل حاد يعوق الحركة. ألزهايمر. مشكلات نفسية متكررة. كان الأمر يتعلق بالمرض، لا المال. كانت المعاناة والعجز هما ما كانا يخشيانه، لا الفقر.
صار الانقسام في الرأي واضحًا بين الرجال والنساء. كان الرجال هم من كانوا يعتقدون بل يصرون على أن جوهر الأمر كان يتعلق بالمال، وكانت النساء هن من كن يتحدثن عن المرض. تساءلت بعض النساء في ازدراء: من يقتل نفسه لأنه فقير؟ أو حتى بسبب احتمال الذهاب إلى السجن؟ كانت امرأة، أيضًا، من كانت تشير إلى وجود تعاسة في الزواج، من كانت تشير إلى قصة خيانة اكتُشفت أو ذكرى خيانة قديمة.
استمع روبرت إلى جميع هذه التفسيرات لكنه لم يصدق أيًّا منها. خسارة المال، السرطان، ألزهايمر. كلها أسباب لها نفس القدر من المنطقية، هكذا بدت له هذه الأسباب، جميعها متساوٍ في عقمها وعدم جدواها. ما حدث أنه صدق كلًّا منها مدة خمس دقائق فقط، لا أكثر. لو كان يستطيع تصديق أحد هذه الأسباب، والتشبث به، لتخلص من حِمل ثقيل يجثم على صدره ويمنعه من التنفس.
(قالت له امرأة في المصرف: «لم يكونا ينتميان إلى جيلمور، حقيقةً.» ثم بدا عليها الحرج فأضافت: «لا أعني مثلك».)
انشغلت بيج في شراء سترات، وقفازات، وسترات ثلج للأطفال استعدادًا لموسم تخفيضات يناير. جاء أشخاص إليها عندما كانت تضع بطاقات الأسعار، وقالت لهم: «هل لي أن أساعدكم؟» بحيث يجري وضعهم في موضع الزبائن، فيضطرون إلى القول بأنهم يبغون شراء شيء ما. كان متجر آركيد يبيع ملابس السيدات والأطفال، والملاءات، والمناشف، وبكرات التريكو، وأدوات المطبخ، والحلوى المعلبة، والمجلات، والأقداح، والزهور الصناعية، والكثير من الأشياء الأخرى؛ لذا لم يكن صعبًا التفكير في شراء شيء ما.
عم كان الناس يبحثون حقيقةً؟ بالتأكيد ليس شيئًا من قبيل التفاصيل، الوصف. يريد عدد قليل جدًّا من الناس ذلك حقيقةً، أو سيقرون أنهم يريدون ذلك، بشكل متلهف وصريح. إنهم يريدون ذلك، ولا يريدون ذلك. يبدءون بطرح الأسئلة، ثم يتوقفون. يستمعون ثم يتراجعون. ربما أرادوا من بيج نوعًا من الإقرار، كلمة أو نظرة ما تجعلهم يخرجون، وهم يقولون: «بيج كايبر محطمة الأعصاب تمامًا.» «رأيت بيج كايبر. لم تتحدث كثيرًا لكن يمكن استشفاف أنها محطمة الأعصاب تمامًا.»
حاول بعض الناس التحدث إليها في الأمر، على أي حال.
«ألم يكن الأمر مريعًا ذلك الذي حدث لك؟»
«نعم، كان كذلك.»
«لا بد أنك تعرفينهما ولو قليلًا؛ كونك تعيشين إلى جوارهما.»
«ليس حقيقةً. كنا نعرفهما بالكاد.»
«ألم تلاحظي قط أي شيء عليهما يجعلك تظنين أن ذلك يمكن أن يحدث؟»
«لم نلاحظ أي شيء على الإطلاق.» •••
تصوَّر روبرت الزوجين ويبل وهما يدخلان ويخرجان من سيارتهما في ممر السيارة الخاص بهما. كان ذلك حيث كان يراهما كثيرًا. تذكَّر زيارتهما في يوم الإهداء. كانت رجلاها الرماديتان تذكراه بالراهبات. أحرجت إشارتها للعذرية بيج والصبيين. ذكَّرت روبرت قليلًا بالنساء اللائي كان يعرفهن. كان زوجها أقل تحدثًا، وإن لم يكن خجولًا. تحدثا عن الطعام المكسيكي، وهو ما بدا أن الزوج لم يحبه. لم يكن يحب تناول الطعام في المطاعم.
كانت بيج قد قالت: «أوه، لا يحب الرجال ذلك أبدًا!»
أدهش ذلك روبرت، الذي سألها لاحقًا عما إذا كان ذلك يعني أنها كانت تريد أن تتناول الطعام في الخارج أكثر؟
«قلت ذلك حتى أكون في صفها. كنت أظن أنه ينظر إليها شزْرًا قليلًا.»
هل كان ينظر شزرًا؟ لم يلاحظ روبرت ذلك. بدا الرجل متحكمًا في نفسه بشكل كبير بحيث لا يمكن أن ينظر إلى زوجته شزرًا أمام الناس. بدا طيبًا أكثر مما ينبغي، بشكل عام، ربما بشكل ما متبلدًا أكثر مما ينبغي، حتى ينظر شزرًا إلى أي شخص في أي مكان.
لم يكن من طبيعة بيج المبالغة.
ظلت المعلومات تتوالى. اسم عائلة نورا قبل الزواج هو درسكول. نورا درسكول. كان أحد الأشخاص يعرف امرأة كانت تدرِّس معها في المدرسة نفسها في هاملتون. كانت مدرِّسة محبوبة، امرأة أنيقة ترتدي ملابسها على الموضة، كانت تعاني من مشكلات في الحفاظ على النظام داخل الفصول. كانت قد تلقت دورة تدريبية في المحادثة باللغة الفرنسية، ودورة تدريبية في الطهي على الطريقة الفرنسية.
كانت قد سألتها بعض النساء هنا ما إذا كانت مهتمة بإنشاء نادٍ لمناقشة الكتب، وأجابت بالإيجاب.
كان عضوًا في جهات عديدة في هاملتون، أكثر مما كان هنا. نادي الروتاري. نادي الليونز. ربما كان مرد ذلك إلى أسباب مرتبطة بالعمل.
لم يكونا يذهبان إلى الكنيسة، بحسب ما يعرف الناس، في أيٍّ من البلدتين. •••
(كان روبرت محقًّا بشأن الأسباب. يصير كل شيء معروفًا في جيلمور، عاجلًا أو آجلًا. يجري النظر إلى السرية والخصوصية باعتبارهما ضد المصلحة العامة. هناك شبكة من الأشخاص المتزوجين إما من الأشخاص الذين يعملون في الجهات التي يجري فيها حفظ جميع أنواع السجلات، أو من أشخاص على صلة قرابة بهم.
لم يكن ثمة مشروع استثماري، في هاملتون أو في أي مكان آخر. لا وجود لتحقيق حول ضريبة الدخل. لا مشكلة بشأن المال. لا وجود لمرض السرطان، أو لقلب مريض، أو ضغط دم مرتفع. كانت قد استشارت الطبيب حول معاناتها من حالات صداع، لكن الطبيب لم يكن يظن أنها مصابة بصداع نصفي، أو بأي شيء آخر.
في الجنازة يوم الخميس، تحدَّث قس الكنيسة المتحدة، الذي كان عادةً ما يقوم على الجنازات التي ليس للميت فيها أقرباء معروفون، عن الضغوط والتوترات في الحياة الحديثة لكنه لم يعط أي إشارات واضحة. أُصيب البعض بخيبة الأمل، كما لو كانوا يتوقعون منه أن يقوم بذلك، أو كانوا يظنون أنه كان سيذكر ربما على الأقل مخاطر الابتعاد عن الإيمان وعدم الذهاب إلى الكنيسة، خطيئة القنوط من رحمة الرب. اعتقد آخرون أن قول أي شيء أكثر مما قال يخرجه من دائرة اللياقة.) •••
الشخص الآخر الذي كان يعتقد أن بيج كان يجب أن تخبره هو كيفين. كان ينتظرهما عندما عادا إلى المنزل. كان لا يزال يرتدي البيجامة.
لماذا لم تعد إلى المنزل بدلًا من التوجه إلى قسم الشرطة؟ لماذا لم تنادِ عليه؟ كان بإمكانها أن تعود وتهاتف الشرطة من المنزل. كان بإمكان كيفين أن يهاتف الشرطة. على الأقل، كان بإمكانها مهاتفته من المتجر.
كان في البدروم طوال الصباح، يشاهد التليفزيون. لم يسمع صوت الشرطة وهي تأتي؛ لم يرَهم يدخلون ويخرجون. لم يكن قد عرف أي شيء عما كان يجري حتى هاتفته صديقته، شانا، من المدرسة في وقت الراحة.
«قالت إنهم أخرجوا الجثمانين في أكياس قمامة.»
قال كلايتون: «كيف عرَفَت؟ … اعتقدتُ أنها كانت في المدرسة.»
«أخبرها أحدهم.»
«عرفت ذلك من التليفزيون.»
«قالت إنهم أخرجوهما في أكياس قمامة.»
«شانا غبية. إنها لا تصلح إلا لشيء واحد.»
«هناك بعض الأشخاص الذين لا يصلحون لأي شيء.»
كان كلايتون يبلغ من العمر ستة عشر عامًا، وكيفين أربعة عشر عامًا. تفصل بينهما سنتان في العمر لكن ثلاث سنوات في المدرسة؛ نظرًا لأن كلايتون جرى تصعيده في المدرسة، أما كيفين، فلا.
قالت بيج: «كفى.» كانت قد أحضرت بعض صوص مكرونة الإسباجيتي من الفريزر وكانت تذيبه في قدر الغليان المزدوج. «كلايتون. كيفين. افعلا شيئًا واصنعا بعض السلاطة.»
قال كيفين: «أنا مريض. ربما ألوثها.»
تناولت مفرش المائدة ولفته حول كتفيه مثل وشاح.
قال كلايتون: «هل يجب أن نأكل على هذا المفرش؟ بعد أن تلوث بإفرازاته؟»
قالت بيج لروبرت: «هل لدينا نبيذ؟»
كانا في الغالب يتناولان النبيذ في ليالي السبت والأحد، لكن لم يفكر روبرت في هذا الليلةَ. نزل إلى البدروم لإحضار النبيذ. عندما عاد، كانت بيج تضع مكرونة الإسباجيتي في إناء الطهي وكان كيفين قد أزاح مفرش المائدة. كان كلايتون يعد السلاطة. كان كلايتون دقيق العظام، مثل أمه، ولديه دافع كبير للتفوق. عدَّاءً من الدرجة الأولى، رائع في حل الاختبارات.
كان كيفين يجول عبر المطبخ، يعترض طريق الجميع، ليتحدث إلى بيج. كان كيفين أطول من كلايتون وبيج، ربما أطول من روبرت. كتفاه كبيرتان، ورجلاه نحيفتان، وشعره أسود يصففه على نحو قريب من قصة شعر موهوك؛ كانت شانا قد اختارت له تلك القَصَّة. كانت توجد بثور عادة في جلده فاتح اللون. لم يبدُ أن الفتيات كن يمانعن في ذلك.
قال كيفين: «إذن هل كان ثمة …؟ هل كان ثمة دماء وبقايا لزجة في كل مكان؟»
قال كلايتون: «غول!»
قال روبرت: «إنهما كانا بَشَرَيْنِ يا كيفين.»
قال كيفين: «كانا … أعلم أنهما «كانا» بشرين. أعددتُ شرابهما في يوم الإهداء. شربت الجين وشرب هو الويسكي الكندي. كانا بشرين آنذاك، لكنهما ليسا إلا مواد كيميائية الآن. أمي؟ ماذا رأيت أولًا؟ قالت شانا إنه كانت هناك دماء وبقايا لزجة حتى في المدخل.»
قال كلايتون: «لقد توحش بسبب الساعات الطويلة التي يقضيها أمام التليفزيون … يظن أن هذا جزء من فيلم. لا يستطيع التفرقة بين الدماء الحقيقية والدماء المصطنعة.»
«أمي؟ هل تناثرت الدماء؟»
يتبع روبرت قاعدة تقضي بترك بيج تتعامل مع ابنيها إلا إذا طلبت مساعدته. لكنه قال في هذه المرة: «كيفين، تعلم أنك يجب أن تكف عن الكلام الآن.»
قال كلايتون: «لا يستطيع أن يتوقف عن ذلك … عن أن يتصرف بوحشية.»
«أنت أيضًا يا كلايتون. أنت أيضًا.»
لكن بعد برهة، قال كلايتون: «أمي؟ هل صرخت؟»
قالت بيج في تدبُّر: «لا … لم أفعل. أظن لأنه لم يكن ثمة أحد حتى يسمعني؛ لذا لم أفعل.»
قال كيفين، محاولًا في حذر العودة للحديث: «ربما كنت سأسمعك.»
«كنت تشغل التليفزيون.»
«كان الصوت مكتومًا. كنت أشغل شريط الكاسيت. ربما كنت سأسمعك أثناء تشغيل الشريط إذا صرخت عاليًا بما يكفي.»
رفعت بيج شريحة إسباجيتي حتى تتذوقها. كان روبرت يراقبها، من وقت إلى آخر. كان سيقول إنه كان يراقبها حتى يرى إذا كانت تعاني من أي شيء، إذا بدت غير طبيعية أو خدرة الأطراف، أو بدت في جسدها ارتعاشة، أو ما إذا كانت تسقط الأشياء، أو تصدر صلصلة عالية أثناء تحريك القدور. لكنه في الحقيقة كان يراقبها نظرًا لعدم تعرضها لأي مما سبق، ونظرًا لأنه كان يعرف أنها لن تتعرض لأيٍّ منها. كانت تُعد وجبة عادية، وهي تستمع إلى الصبيين بطريقتها الانتقادية، الهادئة قليلًا. كان الشيء الذي بدا مختلفًا عن المعتاد بالنسبة لروبرت هو بهاءها، وخفتها، وسرعتها، وسهولة حركتها في المطبخ.
بدت نبرة صوتها في حديثها إلى أبنائها، في ظل صرامتها، هادئة بصورة صادمة.
«كيفين، هيا اذهب وارتدِ بعض الملابس، إذا كنت تريد أن تأكل على المائدة.»
«سآكل وأنا أرتدي البيجامة.»
«لا.»
«سآكل في الفراش.»
«ليس الإسباجيتي، لا يمكنك فعل ذلك.» •••
بينما كانا يغسلان الأوعية والأواني معًا — كان كلايتون قد ذهب يعدو وكان كيفين يتحدث إلى شانا عبر الهاتف — أخبرت بيج روبرت بجانبها من القصة. لم يطلب منها ذلك، مستخدمًا كلمات كثيرة. بدأ قائلًا: «إذن، عندما ذهبت إلى هناك، ألم يكن الباب موصدًا؟» ثم بدأت تسرد له القصة.
سألها روبرت: «هل تمانعين في الحديث عن الأمر؟»
«أعلم أنك سترغب في أن تعرف.»
أخبرته أنها كانت تعرف ماذا جرى — على الأقل، كانت تعلم أن ثمة شيئًا رهيبًا وقع — قبل أن تصعد السلالم.
«هل كنت خائفة؟»
«لا. لم أفكر في الأمر على هذا النحو؛ أن أكون خائفة.»
«كان من الممكن أن يكون ثمة أحد في الدور العلوي يحمل بندقية.»
«لا. كنت أعلم أن ليس ثمة أحد. كنت أعلم أن ليس ثمة أحد حي سواي في المنزل. ثم رأيتُ رجله، رأيتُ رجله ممددة في الردهة، وأدركت الأمر حينئذ، لكن كان عليَّ أن أدخل وأتأكد.»
قال روبرت: «أفهم ذلك.»
«لم تكن القدم التي كان قد خلع عنها الحذاء التي رأيتها. خلع الحذاء عن قدمه الأخرى، بحيث يستطيع استخدام إبهام تلك القدم في الضغط على الزناد عندما أطلق الرصاص على نفسه. هكذا قام بقتل نفسه.»
كان روبرت يعلم كل ذلك بالفعل، من خلال الأحاديث في المطعم.
قالت بيج: «إذن … هذا هو كل شيء.»
نفضت ماء غسيل الأطباق عن يديها، وجففتهما، وبنظرة فاحصة، بدأت في دعك يديها باستخدام غسول.
جاء كلايتون عند الباب الجانبي. نفض الثلج عن حذائه وصعد السلالم.
قال: «يجب أن تروا السيارات … سيارات غبية تسير في هذا الشارع ببطء. ثم تستدير عند نهاية الشارع وتعود مرة أخرى. أتمنى لو أنها تتعطل. وقفت هناك ونظرت إليهم نظرات ساخطة، لكنني بدأت في التجمد من البرد؛ لذا اضطررت إلى الدخول.»
قال روبرت: «هذا طبيعي … يبدو الأمر سخيفًا لكنه طبيعي. لا يستطيعون تصديق الأمر؛ لذا يريدون أن يروا أين وقع الحادث.»
قال كلايتون: «لا أفهم مشكلتهم في ذلك … لا أفهم لماذا لا يصدقون الأمر. صدقت أمي الأمر على الفور. ولم تستغرب الأمر.»
قالت بيج: «حسنًا، بالطبع استغربت الأمر.» وكانت هذه هي المرة الأولى التي لاحظ روبرت فيها نوعًا من التوتر في صوتها. «بالطبع استغربت الأمر يا كلايتون فقط لأنني لم أطلق العنان للصراخ.»
«لم تستغربي أنه يمكن أن يحدث لهما هذا؟»
«كنت بالكاد أعرفهما. كنت بالكاد أعرف الزوجين ويبل.»
قال كلايتون: «أعتقد أنهما تشاجرا.»
قالت بيج، حاكةً الغسول في جلدها بقوة: «لا نعرف ذلك … لا نعرف إذا كانا قد تشاجرا، أم ماذا حدث.»
قال كلايتون: «متى كنت أنت وأبي تتشاجران مثل ذلك؟ … أتذكران، بعد أن انتقلنا إلى البلدة؟ عندما كان يعود إلى المنزل؟ الذي بجوار مغسلة السيارات؟ عندما كنتما تتشاجران على هذا النحو، هل تعرفان فيم كنت أفكر؟ كنت أعتقد أن أحدكما كان سيأتي ويقتلني بسكين.»
قالت بيج: «هذا ليس صحيحًا.»
«هذا صحيح. كنت أفكر في ذلك.»
جلست بيج على المنضدة وغطَّت فمها بيديها. ارتعش فم كلايتون. لم يبدُ أنه كان يستطيع التوقف عن ذلك؛ لذا حوَّل هذا إلى ابتسامة ساخرة، صغيرة، منتفضة.
«هذا ما كنت أفكر فيه وأنا نائم على الفراش.»
«كلايتون. لم يكن أيٌّ منا ليؤذيَك قط.»
ظن روبرت أن الوقت حان ليقول شيئًا.
قال: «هذا مثل … زلزال أو بركان. يشبه الأمر هذا. هذا نوع من النوبات. ينتاب الناس نوبات مثلما تنتاب الأرض نوبات. لكن الأمر يحدث مرة واحدة خلال فترة طويلة. إنه حدث استثنائي.»
قال كلايتون، في سرور متحفظ: «الزلازل والبراكين ليست حوادث استثنائية … إذا أردت أن تطلق على ذلك نوبة، فيجب أن تطلق عليها نوبة دورية. مثل تلك التي تحدث للناس، للمتزوجين.»
قال روبرت: «لا يحدث لنا ذلك.» ونظر إلى بيج كما لو كان ينتظر منها أن توافقه.
لكن بيج كانت تنظر إلى كلايتون. هي من كانت تبدو دومًا ناضرة، وناعمة، وراضية، وإن كان يصعُب تلمُّس خواطرها مثل علامة مائية على ورق خفيف، بدت الآن ذابلة، شديدة الشحوب، وملامح جسدها جامدة في ألم منتظم، بائس، قوي.
قال كلايتون: «لا … لا، ليس لكما أنتما.» •••
أخبرهم روبرت أنه ذاهب للسير قليلًا. عندما خرج، رأى أن كلايتون كان على صواب. كانت هناك سيارات تثير ضوضاء في الشارع، تستدير عن نهاية الشارع، شاقةً طريقها عائدة مرة أخرى. جاءت لتلقي نظرة. كان يوجد داخل هذه السيارات الأشخاص أنفسهم، ربما الأشخاص أنفسهم الذين كان يتحدث إليهم خلال فترة ما بعد الظهيرة. لكن بدا الآن كما لو كانوا ملتصقين بسياراتهم، صانعين نوعًا جديدًا من الوحوش جاء باحثًا عن شيء على نحو غاية في الفضول والقسوة.
لتفاديهم، اتجه إلى شارع مسدود قصير كان يتفرع من شارعهم. لم تُبن أي منازل في هذا الشارع على الإطلاق؛ لذا لم يجر كسح الثلج منه. لكن الثلج كان صلبًا، ويسهل السير عليه. لم يلحظ كيف كان سهلًا السير على الثلج إلا عندما أدرك أنه تجاوز نهاية الشارع نحو منحدر، والذي لم يكن منحدرًا أرضيًّا على الإطلاق، بل كومة ثلجية. غطَّت تلك الكومة السياج الذي كان يفصل عادةً الشارع عن الحقل. كان قد سار فوق السياج دون أن يعرف ماذا كان يفعل. كان الثلج شديد الصلابة.
سار هنا وهناك، يتحسس الثلج. كانت طبقة الثلج قد تحملت وزنه دون أن تصدر أي صوت أو تتشقق. كان الأمر هو نفسه في كل مكان. كان بإمكان المرء أن يسير فوق الحقول الثلجية كما لو كان يسير فوق أسمنت. (هذا الصباح، عند إلقائه نظرة على الثلج، ألم يتذكر الرخام؟) لكن هذه الطبقة الصلبة لم تكن ثابتة في كل مكان. كانت تعلو وتنخفض على نحو غير مرتبط كثيرًا بحدود الأرض تحته. خلق الثلج مشهده العام، الذي كان ممتدًا، على نحو مهيب واعتباطي.
بدلًا من التجول في الشوارع المكسوحة للبلدة، كان يمكن أن يسير على الحقول. كان بإمكانه أن يأخذ طريقًا مختصرًا إلى المطعم على الطريق السريع، الذي كان يظل مفتوحًا حتى منتصف الليل. كان سيتناول قدحًا من القهوة هناك، ثم يستدير راجعًا إلى المنزل. •••
ذات ليلة، قبل حوالي ستة أشهر من زواج روبرت ببيج، كان هو ولي جالسين يحتسيان الخمر في شقته. كانا يتجادلان حول ما إذا كان مقبولًا، أو مثيرًا للغثيان، أن يضع المرء الحروف الأولى من اسم العائلة على مقتنياته الفضية. فجأة، احتد النقاش، لم يستطع روبرت تذكر كيف حدث ذلك، لكن النقاش احتد، ووجدا أنفسهما يتفوهان بأقسى كلام يمكن أن يقوله أحدهما للآخر. ثم تغيَّرت الأصوات من النبرة المرتفعة ووتيرة النقاش السريعة، إلى نبرة خفيضة تنم عن اشمئزاز غير خفي.
قالت لي: «تذكرني دومًا بكلب … تذكرني دومًا بأحد تلك الكلاب التي تندفع نحو الناس وتمسك بهم بتودد، أثناء تدلي ألسنتها المنفرة الكبيرة. أنت مندفع للغاية. كل لطفك واندفاعك ما هو إلا اعتداء حقيقي. لست الوحيدة التي تراك هكذا. يتحاشاك كثير من الناس. لا يستطيعون تحملك. ستندهش. تدفع وتنشب مخالبك على هذا النحو المندفع المؤثر، لكنك تمتلك نظرة ماكرة؛ لذا لا أعبأ إذا آذيتك.»
قال روبرت في هدوء: «ربما يجب أن أخبرك بأحد الأشياء التي لا أحبها فيك، إذن … الطريقة التي تضحكين بها. في الهاتف خاصةً. تضحكين في نهاية كل جملة تقريبًا. كنت أعتقد أنها لازمة عصبية، لكن ذلك كان يزعجني دومًا. وعرفت لماذا. تخبرين دومًا من يهاتفك عن معاملة ظالمة تعرضت لها في مكان ما أو ملاحظة قاسية قالها لك شخص ما؛ وهو ما يمثل ثلثي كلامك المتمركز حول الذات، الممل بصورة هائلة. ثم تضحكين، ها-ها، تتقبلين الأمر، لا تتوقعين شيئًا أفضل. تلك ضحكة مريضة.»
بعد المزيد من ذلك، بدآ في الضحك، روبرت ولي، لكن الضحك لم يكن ضحكًا مفضيًا إلى التصالح؛ لم ينتقلا إلى حال من الارتياح بينهما، صائحين: «يا للخسة، لم أقصد ذلك، هل قصدت أنت ذلك؟» («لا، بالطبع لا، بالطبع لم أقصد ذلك».) ضحكا إدراكًا منهما لبعد أحدهما عن الآخر، تمامًا مثلما قد يضحكان في وقت آخر، في وسط اعترافات رقيقة بصورة مدهشة، مختلفة تمامًا. ارتعشا في سرور قاتل، على غرار إثارة من قال شيئًا لا يمكن الرجوع عنه أبدًا؛ سعدا للسهام التي وجهها كل طرف للآخر ولتلك التي تلقاها، وقال أحدهما عند نقطة ما: «هذه هي المرة الأولى التي نقول فيها الحقيقة منذ أن التقينا!» فحتى الأشياء التي كانت بشكل أو بآخر وليدة اللحظة فيما قالاه بدت كأكثر الحقائق أهمية التي كانت تنمو داخلهما منذ فترة طويلة وتسعى لشق طريقها للخروج.
لم يكن أمرًا بعيدًا الانتقال من الضحك إلى المضاجعة، وهو ما فعلاه، دون أي نكوص. أصدر روبرت أصواتًا نابحة، مثلما يفعل الكلب، وتشمَّم لي على نحو جارح، ضاغطًا في شهية حقيقية على لحمها. فيما بعد، شعر كلٌّ منهما بسأم عظيم من الآخر، لكنهما لم يعودا إلى تبادل اللوم. •••
قال روبرت لبيج: «هناك أشياء أريد أن أنساها تمامًا وإلى الأبد.» تحدث معها حول الحد من خسائره، وترك العادات السيئة القديمة، والتوقف عن خداع الآخرين وخداع نفسه، والفِكَر المغلوطة عن الحياة، وعن نفسه. قال إنه كان مسرفًا عاطفيًّا، وألقى بنفسه في ورطات مؤلمة، لا رجاء منها من أجل تجنب أي علاقة عادية. كان كل ذلك من قبيل التجربة والتباهي، رفض الأمور العادية، المقبولة في الحياة. هكذا قال لها. أخطاء التجنب، عندما كان يعتقد أنه يقوم بمخاطر ويمر بخبرات عنيفة.
قال: «أخطاء التجنب التي ظننتها أخطاء العاطفة.» ثم ظن أنه كان يبدو متكلفًا بينما كان في حقيقة الأمر ينضح إخلاصًا، بكل ما يصاحبه من جهد وارتياح.
في المقابل، أخبرته بيج ببعض الحقائق.
كنا نعيش مع والدَي ديف. لم يكن ثمة ماء دافئ كافٍ قط لتحميم الرضيع. أخيرًا، تركنا هذا المنزل وتوجهنا إلى البلدة، وأقمنا إلى جانب مغسلة السيارات. كان ديف يمكث معنا في عطلات نهاية الأسبوع فقط آنذاك. كان المكان ضاجًّا بشدة، خاصةً ليلًا. ثم حصل ديف على وظيفة أخرى، واتجه شمالًا، واستأجرت أنا هذا المكان.
أخطاء التجنب، أخطاء العاطفة. لم تقل ذلك.
كانت لدى ديف مشكلة في الكلى عندما كان صغيرًا، وترك المدرسة طوال فترة شتاء كاملة. قرأ كتابًا عن القطب الشمالي. كان على الأرجح الكتاب الوحيد الذي قرأه برغبته. على أي حال، كان دومًا يحلم بالقطب الشمالي، كان يرغب في الذهاب إلى هناك؛ لذا، ذهب إلى هناك في نهاية المطاف.
لا يمضي رجل بعيدًا أكثر فأكثر في أسفاره حتى يهجر زوجته. لا يفعل ذلك حتى لو كان يحلم دومًا بالقطب الشمالي. حدثت أشياء قبل أن يرحل. لن تنفك أواصر الزواج دون ألم، من خلال بعد المسافة. يجب أن يكون ثمة عذاب وجروح. لكنها لم تصرح بها، ولم يسأل هو، أو حتى لم يفكر في ذلك، حتى الآن. •••
سار بسرعة جدًّا على طبقة الثلج، وعندما وصل إلى المطعم رأى أنه لم يرغب في الدخول بعد. كان سيعبر الطريق السريع ويسير قليلًا، ثم يدخل المطعم ليستدفئ في طريقه إلى المنزل.
بحلول وقت عودته إلى المنزل، ستكون سيارة الشرطة التي كانت منتظرة عند المطعم قد رحلت. كان ضابط النوبة الليلية في الداخل الآن، في وقت راحته. لم يكن ذلك هو الرجل نفسه الذي كان روبرت قد رآه واستمع إليه عندما دخل المطعم في طريقه إلى المنزل من كينيلي. لم يكن هذا الرجل قد رأى أي شيء رأي العين. لم يكن قد تحدث إلى بيج. على الرغم من ذلك، كان سيتحدث عن الأمر؛ كان الجميع سيتحدث عن الأمر، متحدثًا عن المشهد نفسه وطارحًا الأسئلة والاحتمالات نفسها. لا لوم عليهم.
عندما رأوا روبرت، كانوا سيرغبون في معرفة كيف كان حال بيج.
كان ثمة شيء كان سيسألها إياه، قبل أن يأتي كلايتون مباشرةً. على الأقل، كان يقلِّب السؤال على كافة جوانبه في عقله، متسائلًا عما إذا كان من الصواب أن يسألها. تناقض ما، تفصيلة ما، في وسط الكثير من التفاصيل البغيضة.
والآن عرف أن ذلك لن يكون من الصواب؛ لن يكون صوابًا أبدًا. لا يتعلق الأمر به أبدًا. تناقض ما، تفصيلة ما — كذبة ما — لا تتعلق به على الإطلاق.
بالسير على هذا السطح الرائع، لم يكن يشعر بالتعب. صار أكثر خفة. كان يبتعد أكثر فأكثر عن البلدة، على الرغم من أنه لم يدرك ذلك لفترة. في الهواء الصافي، كانت أضواء جيلمور ساطعة جدًّا حتى إنها بدت على بعد نصف حقل، بدلًا من نصف ميل، ثم ميل ونصف الميل، ثم ميلين. شرائح رقيقة جدًّا من الثلج، رقيقة مثل التراب، ولامعة، توجد على الطبقة التي تحمله. كان ثمة لمعان، أيضًا، حول أفرع الأشجار والجنبات التي كان يقترب منها. لم يكن الأمر يشبه الغطاء الذي تخلفه العواصف الثلجية على الغصينات والأفرع الرقيقة. كان المشهد يبدو كما لو أن الحَرَج نفسه تغيَّر وبدأ في اللمعان.
هذا هو الطقس الذي تتجمد الأنوف والأصابع فيه. لكن لم يكن ثمة شعور بالبرد.
كان يقترب كثيرًا من حَرَج كبير. كان يعبر جرفًا مائلًا طويلًا من الثلج، تظهر الأشجار أمامه وإلى جانبه. هناك، إلى الجانب، لفت شيء نظره. كان ثمة نوع من اللمعان تحت الأشجار؛ تجميعة من الأشكال، بها ثقوب سوداء، أذرع أو بتلات غير متناسقة تنتصب وصولًا إلى الأفرع السفلى من الأشجار. اتجه نحو هذه الأشكال، لكن ظلت ماهيتها غير واضحة. لم تبد كأي شيء كان يعرفه. لم تشبه أي شيء، اللهم إلا مثل عماليق مسلحين، نصف منهارين، مجمدين في وضع قتالي، أو مثل الأبراج المتشابكة في مدينة صغيرة مجنونة؛ مدينة صغيرة، من عصر الفضاء. ظل منتظرًا أي تفسير، ولم يتلق أي تفسير، حتى اقترب جدًّا. كان قريبًا أكثر مما ينبغي حتى إنه كاد يلمس أحد تلك المسوخ قبل أن يرى أنها لم تكن سوى سيارات قديمة. شاحنات وسيارات قديمة، بل وحافلة مدرسية، كان قد دُفع بها تحت الأشجار وتُركت. كان بعض منها مقلوبًا تمامًا، وكان بعضٌ آخر مقلوبًا فوق بعضٍ آخر في زوايا غريبة. كانت ممتلئة جزئيًّا — ومغطاة جزئيًّا — بالثلج. لم تكن الثقوب السوداء إلا أجزاء السيارات الداخلية. كانت أجزاء معوجة من الكروم، وأجزاء من المصابيح الأمامية، تلمع.
فكر في الكيفية التي سيخبر بها بيج بذلك؛ كيف كان عليه أن يقترب كثيرًا قبل أن يرى أن ما أثار دهشته وحيرته على هذا النحو لم يكن إلا حطامًا قديمًا، وكيف كان يشعر آنذاك بخيبة أمل، ورغبة في الضحك أيضًا. كانا يحتاجان إلى أشياء جديدة للحديث عنها. شعر الآن برغبة في العودة إلى المنزل. •••
في الظهيرة، عندما كان الشرطي في المطعم يذكر روايته عن الحادث، أوضح كيف دفعت قوة الطلقة والتر ويبل إلى الخلف. «فجرته إلى أجزاء خارج الغرفة. كان رأسه يرقد في الردهة. كان ما تبقى من الرأس يرقد في الردهة.»
ليست رجلًا. ليست الرجل المقصودة؛ الرجل الكاملة والمتماسكة في بنطالها، القدم ذات الحذاء. لم يكن ذلك ما كان أي شخص يستدير عند أعلى السلالم سيراه ويخطو فوقه، يخوض فيه، من أجل بلوغ غرفة النوم وإلقاء نظرة على ما تبقى هناك.
مسيرة الحب |
القمر في حلبة التزلج بشارع أورانج
فُوجئ سام، عندما دخل إلى متجر كالي الذي كان يبيع بعض السلع الرخيصة والحلوى. كان قد توقع وجود مجموعة غير مرتبة من منتجات البقالة، والبضائع قليلة الجودة، ورائحة سيئة، وربما زينة حفلات باهتة اللون، وزينة كريسماس قديمة مهملة. بدلًا من كل ذلك، وجد مكانًا يشغل في معظمه ألعاب فيديو. لافتات مكتوبة بخط اليد باللونين الأحمر والأزرق تحذِّر من تناول المشروبات الكحولية، والشجار، والتسكع، والسباب. كان المتجر مليئًا بضجيج الألعاب الإلكترونية، والأضواء الوامضة، وأولاد شكلهم مخيف، يرتدون ملابس حديثة الطراز، حالقين شعورهم وطالين بشرتهم على نحو غريب. كانت كالي تجلس خلف طاولة البيع، طاليةً بشرتها هي الأخرى، مرتدية باروكة شقراء مائلة إلى اللون القرنفلي. كانت تقرأ كتابًا ورقيَّ الغلاف.
طلب سام سجائر، كي يختبرها. وضعت الكتاب، ونظر هو إلى عنوانه، «حبي حيث تهب الرياح العاتية»، تأليف فيرونيكا جراي. أعطته السجائر وناولته الباقي وعدَّلت من السترة على كتفيها وتناولت الكتاب مرة أخرى، دون أن تنظر إليه. كانت سترتها مُغطاة بكرات صغيرة من الصوف القرنفلي والأبيض، التي كانت تتحرك مثل الفشار. انتظرت حتى اللحظة الأخيرة حتى تتحدث إليه.
«هل ما زلت تدخن في سنك الكبيرة هذه يا سام؟»
«خِلتُ أنك لم تعرفيني.»
قالت كالي، وهي فرحة بنفسها: «أستطيع أن أتعرف عليك وسط ألف شخص … عرفتك من اللحظة الأولى التي دخلت فيها من هذا الباب.» •••
سام رجل في التاسعة والستين من العمر، أرمل. يمكث في نُزل ثري ليتيل بيجز، على الطريق السريع، لبضعة أيام بينما هو في طريقه لزيارة ابنته المتزوجة في بنسلفانيا. على الرغم من أنه دائمًا ما كان يخبر زوجته عن بلدة جالاجر، فلم يكن ليأتي بها لتراها. بدلًا من ذلك، زارا هاواي، وأوروبا، وحتى اليابان.
يذهب الآن في رحلات سير في جالاجر. عادةً يكون هو الشخص الوحيد الذي يسير. المرور مزدحم، ولم يعد متنوعًا بين سائر وراكب مثلما كان. أفسح التصنيع المجال للصناعات الخدمية. تبدو الأشياء بالنسبة لسام غير منظَّمة قليلًا. لكن ربما يرجع ذلك إلى أنه يعيش الآن في فيكتوريا؛ في أوك باي، حي راقٍ وجميل مليء بالأشخاص المتقاعدين الموسرين مثله.
كان نُزل كرناجان آخر نُزل — آخر بناية — على طرف البلدة. لا يزال موجودًا في مكانه، لا يزال قريبًا من رصيف المشاة. لكن حدث بعض التوسع في البلدة عند كل أطرافها؛ محطة تزود بالوقود، أحد متاجر كنديان تاير ذو باحة انتظار كبيرة، بعض المنازل الجديدة، المنخفضة. كان نُزل كرناجان مطليًّا بلون أزرق فاتح، وبخلاف ذلك كان يبدو مهملًا. بدلًا من الشرفة الأمامية، حيث كانت توجد مقاعد لكل نزلاء النُّزل، يرى سام أن الشرفة قد تمت تغطيتها بالكامل بالزجاج، وبطانة عازلة، ومرتبة موضوعة على أحد جانبيها، وحواجز سلكية، ونوافذ قديمة ثقيلة مضادة للعواصف. كان لون المنزل حنطيًّا فاتحًا، وكانت الزخارف الخارجية مطلية باللون البني. لم يكن كل شيء نظيفًا فيه. كان الغبار يمثل مشكلة، كان الطريق قريبًا جدًّا وغير مرصوف في ذلك الوقت. كان يمر به خيول وأشخاص سيرًا على الأقدام، فضلًا عن سيارات وشاحنات مزارع. قالت الآنسة كرناجان، على نحو استنكاري، مشيرةً إلى الغبار: «يجب أن تتبعه في كل مكان.» في حقيقة الأمر، كانت كالي هي من تتبعه. كانت كالي كرناجان في التاسعة عشرة من عمرها، عندما رآها سام وإدجار جرازير للمرة الأولى، على الرغم من أنها كانت تبدو في الثانية عشرة. كانت مدمنة عمل. قال عنها البعض إنها مثل العاملات بالسخرة، العاملة بالسخرة الصغيرة لدى الآنسة كرناجان، أو كانوا يطلقون عليها الخادمة الكادحة، الخادمة الكادحة كرناجان. كان الخطأ الذي كان يرتكبه الناس أنهم كانوا يظنون أنها كانت تبالي بذلك.
في بعض الأحيان، كانت امرأة آتية من الريف، حاملة زبدها وبيضها، تأخذ قسطًا من الراحة على العتبات الأمامية للنُزل. أو ربما تجلس فتاة هناك حتى تخلع حذاءها طويل العنق المطاطي وترتدي حذاءها الخفيف؛ مخبئة حذاءها طويل العنق في فتحة التصريف حتى ترتديه مرة أخرى في طريق عودتها إلى المنزل. كانت الآنسة كرناجان تنادي، من الظلام خلف نافذة غرفة الطعام: «هذا ليس مقعدًا في متنزه!» كانت الآنسة كرناجان امرأة ضخمة، مربعة الكتفين، دميمة، مستوية البطن والعجز، ذات شعر مخضب بالحناء، ووجه غير واضح الملامح، تغمره بودرة التجميل، وفم متدلٍّ بشدة ومغطى بكثافة بأحمر الشفاه. كانت تُروى حولها العديد من قصص العربدة، التي كانت أكثر غموضًا، وأصعب في التدليل عليها من قصص جشعها وبخلها المدهشة. قال البعض إن كالي، المفترض أنها لقيطة، ابنة الآنسة كرناجان. كان على المقيمين في النُّزل الالتزام بالخط المرسوم لهم. ممنوع تناول المشروبات الكحولية، ممنوع التدخين، ممنوع السباب أو التصرف ببذاءة، هكذا أخبرت أبناء جرازير في اليوم الأول لهم عندها. ممنوع تناول الطعام في غرف النوم، مثلما أخبرتهم لاحقًا، بعد عيد الشكر، عندما أحضرا صندوقًا كبيرًا مشحَّمًا من الكعك المسكَّر من المنزل. قالت: «تجذب تلك الأشياء الفئران.»
كانت الآنسة كرناجان تقول كثيرًا إنها لم تسكن عندها صبية من قبل. كانت تبدو كما لو كانت تسدي لهم معروفًا. كان يقطن لديها أربعة أشخاص: أرملة، السيدة كروز، وهي امرأة عجوز جدًّا لكنها كانت تستطيع الاعتناء بنفسها؛ وموظفة، الآنسة فيرن، التي كانت كاتبة حسابات في مصنع القفازات؛ ورجل أعزب، آدم ديلاهانت، الذي كان يعمل في البنك ويُدرِّس في مدرسة الأحد؛ وامرأة شابة أنيقة، متكبرة، أليس بيل، التي كانت مخطوبة إلى رجل شرطة وكانت عاملة هاتف. كان هؤلاء الأربعة يشغلون غرف النوم العلوية. كانت الآنسة كرناجان تنام على الأريكة في غرفة الطعام، وكانت كالي تنام على الأريكة في المطبخ. كان سام وإدجار يقيمان في السقيفة، حيث نُصب سريران صغيران ذوا إطار معدني على جانبي خزانة ذات أدراج وبساط منسوج.
بعد أن ألقيا نظرة على المكان، دفع سام إدجار للنزول للسؤال عما إذا كان يوجد أي مكان يستطيعان تعليق الملابس فيه. قالت الآنسة كرناجان: «لا أعتقد أن صبيين مثلكما يمتلكان الكثير من الملابس … لم أُسكن لدي صبية من قبل. لماذا لا تفعلان مثل السيد ديلاهانت؟ يضع بنطاله تحت المرتبة كل ليلة، كي يحافظ على الثنيات الموجودة فيه.»
ظن إدجار أن ذلك هو نهاية الأمر، لكن أتت كالي بعد فترة قصيرة حاملةً عصا مقشة وبعض السلك. وقفت على الخزانة وصنعت شماعة ملابس وذلك بعمل حلقات من السلك حول عمود.
قال سام: «كنا نستطيع أن نفعل ذلك بسهولة.» نظرَا في فضول وبعض اللذة إلى سروالها التحتي الرمادي المتدلي. لم يصدر عنها أي رد فعل. جلبت أيضًا بعض شماعات الملابس. كانا يعرفان بطريقة ما أن كل ذلك كان من صنيعها هي.
قال إدجار، الذي كان صبيًّا نحيفًا ذا شعر أشقر مجعد، مبتسمًا ابتسامة عذبة، خجلة لم تُجدِ في الطابق السفلي: «شكرًا يا كالي.»
تحدثت كالي بالصوت الخشن الذي كانت تستخدمه في متجر البقالة عندما كانت تطلب شراء بطاطس جيدة. «هل سيناسبكما هذا الترتيب؟» •••
كان سام وإدجار ابني عم؛ ليسا شقيقين، مثلما كان معظم الناس يظنون. كانا في نفس العمر — سبعة عشر عامًا — وكانا قد أُرسلا إلى جالاجر للالتحاق بكلية التجارة. كانا قد نشآ في مكان يبعد عشرة أميال من هنا، وكانا قد ذهبا إلى نفس المدرسة الريفية والمدرسة التكميلية الموجودة في القرية. بعد عام في كلية التجارة، يمكنهما الحصول على وظيفة في بنوك أو شركات أو التدرب عند محاسبين. كانا ينويان عدم الرجوع إلى المزرعة التي ولدا فيها.
ما كانا يريدان أن يفعلاه حقًّا، وأرادا أن يفعلاه منذ أن كانا في حوالي العاشرة من عمرهما، هو أن يصبحا لاعبي أكروبات. كانا قد تدربا سنوات على ذلك وقدما عروضًا في الحفلات التي كانت تنظمها المدرسة التكميلية. لم يكن بهذه المدرسة قاعة رياضية، لكن كانت هناك قضبان متوازية، وقضيب اتزان، وبُسط في البدروم الخاص بها. في المزرعة، كانا يتدربان في الإسطبل، وعلى الحشائش في الطقس الجيد. ما مصدر دخل لاعبي الأكروبات؟ كان سام هو من بدأ في طرح هذا السؤال. لم يستطع تخيُّل نفسه هو وإدجار في سيرك. لم يكن لون بشرتهما داكنًا بما يكفي، وكان ذلك أحد الأسباب. (كان يعتقد أن الأشخاص الذين يعملون في السيرك جميعهم من الغجر.) كان يعتقد أن ثمة لاعبي أكروبات يتجولون بمفردهم، يؤدون بعض العروض في المعارض، وفي قاعات الكنائس. تذكَّر رؤية بعض هؤلاء عندما كان أصغر سنًّا. من أين كانوا يأتون؟ كيف يكسبون عيشهم؟ كيف يعرف المرء طريقة الانضمام إليهم؟ أقلقت هذه الأسئلة سام أكثر فأكثر، ولم يبدُ قط أنها كانت تزعج إدجار.
في أوائل الخريف، بعد تناول العشاء، وبينما كان يوجد بعض الضوء أثناء الأمسيات، كانا يتدربان في الباحة الخالية في الجانب الآخر من الشارع الموجود فيه نُزل كرناجان، حيث كانت الأرض مستوية تمامًا. كان كلٌّ منهما يرتدي فانلة داخلية وبنطالًا صوفيًّا. كانا يبدآن أولًا ببعض التدريبات لزيادة مرونة الجسم مثل الشقلبة الجانبية، والوقوف على اليدين، والوقوف على الرأس، والشقلبة والشقلبة المزدوجة في الهواء، ثم كانا يلتحمان معًا بجسديهما. كانا يشكِّلان جسديهما في صورة علامات — حروف هيروغليفية — مقلِّلَين إلى درجة مذهلة الحدود الفاصلة بين الجسدين، ومخفِيَيْن بروز رأسيهما وكتفيهما. في بعض الأحيان، بالطبع، كانت هذه التشكيلات تتفكك، كل شيء ينهار، الأذرع والأرجل تتحرر، وكان الجسدان المتشابكان يعاودان الانفصال؛ فقط جسدي صبيين، أحدهما طويل وخفيف، والآخر أقصر وأكثر امتلاءً. ثم كانا يبدآن مرة أخرى في الالتحام. كان الجسدان المتوازنان يتأرجحان. ربما يختل توازنهما، ربما يظلان متوازنين. كان الأمر كله يعتمد على ما إذا كانا يستطيعان الالتزام بذلك الخط غير المرئي الذي كان يصل بين جسديهما، محققين التوازن العجيب. نعم. لا. نعم. مرة أخرى.
كان لديهما جمهور من المقيمين في النُّزل الذين كانوا يشاهدونهما وهم جالسون في الشرفة الخارجية. لم تكن أليس بيل تهتم بالأمر. فإذا لم تخرج مع خطيبها، كانت تمكث في غرفتها تعتني بملابسها وبنفسها؛ تطلي أظافرها، تصفف شعرها أو تفرده، تهذب شعر حاجبيها، تغسل ستراتها وجواربها الحريرية، وتنظف أحذيتها. كان آدم ديلاهانت مشغولًا دائمًا أيضًا؛ كانت لديه اجتماعات في جمعية الاعتدال في تناول المشروبات الكحولية ومنظمة جدعون، وكان يشرف على أنشطة اجتماعية في مدرسة الأحد التي كان يدرس فيها. لكنه كان يجلس لبعض الوقت ويشاهد الصبيين مع السيدة كروز، والآنسة فيرن، والآنسة كرناجان. كانت السيدة كروز لا تزال تتمتع ببصر جيد وكانت تحب العرض. كانت تضرب بعصاها على أرضية الشرفة وصاحت قائلةً: «نل منه، أيها الصبي! نل منه!» كما لو كانت هذه العروض مباريات مصارعة.
أخبر السيد ديلاهانت سام وإدجار عن الدرس الذي يلقيه في مدرسة الأحد، والذي كان يتناول الفضيلة، والقوة، والنصر. قال لهما إنهما إذا انضما إلى المدرسة، فسيستطيعان استخدام قاعة الكنيسة المتحدة الرياضية. لكن الصبيين كانا ينتميان لكنيسة كولد ووتر المعمدانية في موطنهما؛ لذا لم يرغبا في الانضمام للمدرسة.
حين كانت كالي تشاهد العرض، كانت تفعل ذلك من وراء النوافذ. كان لديها دومًا عملٌ تؤديه.
قالت الآنسة كرناجان إن التدريب الكثير من شأنه أن يزيد من شهية الصبيين على نحو هائل. •••
عندما كان سام يتذكر نفسه هو وإدجار أثناء تدربهما في تلك الباحة الخالية — التي أصبحت الآن جزءًا من باحة انتظار شركة كنديان تاير — كان يبدو دومًا جالسًا في الشرفة الخارجية، أيضًا، ناظرًا إلى الصبيين وهما يحاولان، ويسقطان، ثم ينهضان على الحشائش — يرتفع أحدهما فوق الآخر ببطء، محافظًا على توازنه بيديه في انتصار — ثم ينفصلان في ابتهاج بحركة شقلبة رائعة. تنطوي هذه الذكريات على ظلال بنية كئيبة خاصة. ربما بسبب ورق الحائط في نُزل كرناجان. كانت الأشجار التي تصطف على الطريق في ذلك الوقت أشجار دردار، وكان لون أوراقها في الخريف ذهبيًّا ذا نقاط بنية. كانت الأوراق تتخذ شكل شعلة شمعة. سقطت هذه الأوراق في ذهنه في أمسية هادئة، كانت السماء فيها صافية، لكن كان منظر الغروب محجوبًا، والريف ضبابيًّا. كانت البلدة، في ظل الأوراق ودخان الأوراق المحترقة، غامضة وعصية، عالمًا قائمًا بذاته، بأبراج الكنائس، وصافرات المصانع، ومنازل الأثرياء، وصفوف المنازل المتشابهة المتلاصقة، والشبكات، والشعارات، والمصالح الشخصية. كان قد جرى تحذيره؛ إذ قيل له إن أهل البلدة مقززون. لم يكن هذا يمثِّل إلا نصف الحقيقة.
زادت التدريبات من شهية الصبيين جرازير، لكن شهيتهما كانت هائلة على أي حال. كانا معتادين على تناول الطعام بكميات كبيرة في بيتهما، ولم يتصورا قط أن هناك من يمكن أن يعيش على حصص الطعام مثل تلك التي كانت تُقدَّم في النُّزل. رأيا في دهشة أن الآنسة فيرن كانت تترك نصف الكمية القليلة التي كانت تُقدَّم لها في طبقها، وأن أليس بيل كانت ترفض تناول البطاطس والخبز ولحم الخنزير والكاكاو؛ باعتبارها أشياء تهدد رشاقتها، واللفت والكرنب والفول؛ باعتبارها تمثل تهديدًا لعملية الهضم لديها، وأي شيء يحتوي على زبيب؛ لأنها كانت لا تحبه. لم يستطيعا التوصل إلى أي طريقة للحصول على ما ترفضه أليس بيل أو ما تتركه الآنسة فيرن في طبقها، على الرغم من أن هذا كان سيكون بالتأكيد أمرًا عادلًا.
في العاشرة والنصف مساءً، كانت الآنسة كرناجان تقدم ما كانت تسميه «وجبة المساء». كان هذا طبقًا مكونًا من شرائح خبز، وبعض الزبد والمربى، وبعض الكاكاو أو الشاي. لم تكن القهوة تقدَّم في ذلك النُّزل. قالت الآنسة كرناجان إن هذه الوجبة أمريكية وتؤدي إلى تآكل المريء. كان الزبد يُقطَّع سلفًا إلى قطع صغيرة، وكان طبق المربى يوضع في منتصف المائدة، بحيث لا يمكن أن يصل إليه أي شخص بسهولة. أشارت الآنسة كرناجان إلى أن الأشياء المسكرة تفسد مذاق الخبز والزبد. استسلم النزلاء الآخرون إلى وجهة نظرها انطلاقًا من التعود، لكن سام وإدجار التهما طبق المربى التهامًا. وسرعان ما تناقصت كمية المربى إلى ملعقتين منفصلتين. كان الكاكاو مصنوعًا من الماء، مع إضافة القليل من اللبن منزوع الدسم؛ لزيادة قوامه ولدعم زعم الآنسة كرناجان أنه صُنع من اللبن بالكامل.
لم يكن يعارضها أحد. لم تكن الآنسة كرناجان تكذب لخداع الناس بل لردعهم. إذا قال أحد النزلاء: «كان الجو باردًا قليلًا في الدور العلوي الليلة الماضية»، كانت الآنسة كرناجان ترد على الفور قائلةً: «لا أستطيع فهم ذلك. توجد نار تدفئة كبيرة مشتعلة. كانت الأنابيب ساخنة جدًّا بحيث لا يستطيع أحد أن يضع يده عليها.» حقيقة الأمر أنها تركت النيران تهدأ أو تنطفئ تمامًا. كان النزيل يعرف هذا أو يشك بقوة في حدوثه، لكن ما جدوى شك النزيل في مقابل كذبة الآنسة كرناجان الحازمة، الحادة؟ كانت السيدة كروز في تلك الحالات تعتذر، وكانت الآنسة فيرن تتمتم ببعض الأشياء حول التهاب جلدها بسبب البرد، وكان السيد ديلاهانت وأليس بيل ينظران في عبوس لكن دون أن يجادلا.
كان سام وإدجار ينفقان مصروفهما الشخصي بالكامل، والذي لم يكن مبلغًا كبيرًا، على الطعام. في البداية، كانا يتناولان الهوت دوج في مطعم كوزي جريل. ثم رأى سام أن يسيرا لمسافة أبعد إلى متجر البقالة لشراء عبوة تارت مربى أو بسكويت فيج نيوتونز المحشو بالتين. كان عليهما أن يأكلا كل هذا في طريقهما إلى المنزل، بسبب قاعدة عدم تناول الطعام في غرف النوم. كان يحبان الهوت دوج، لكنهما لم يشعرا بالراحة قط في مطعم كوزي جريل، الذي كان ممتلئًا بطلاب المدرسة الثانوية الصاخبين، الذين كانوا أصغر عمرًا وأكثر وقاحةً منهما كثيرًا. استشعر سام إمكانية تعرضهما للإساءة منهم، على الرغم من أن هذا لم يحدث قط. في طريق عودتهما إلى نُزل كرناجان من متجر البقالة، كانا يمران بمطعم كوزي جريل ثم متجر ديكسون، وهو صيدلية بها مكان لبيع الآيس كريم في الخلف. كان ذلك هو المكان الذي كان زملاؤهما في كلية التجارة يقصدونه لتناول مشروب الكولا بالكرز والآيس كريم بالموز بعد انتهاء اليوم الدراسي وفي الأمسيات. عند المرور على نوافذ متجر ديكسون، كانا يتوقفان عن الأكل، ويسيران في تبلد ناظرين أمامهما مباشرةً. ما كانا ليدخلا إلى هناك أبدًا.
كانا الصبيين الوحيدين في كلية التجارة اللذين تربيا في الريف، وكانت ملابسهما تميزهما عن الآخرين. لم يكن لديهما كنزات ذات ياقات على شكل حرف في بلون أزرق أو بني فاتح، ولم يكن لديهما بناطيل رمادية اللون تشبه في هيئتها بناطيل البالغين، لم يكونا يرتديان إلا بناطيل صوفية ضيقة، وكنزات سميكة منسوجة منزليًّا، وسترات بذلات قديمة كانا يرتديانها كمعاطف رياضية. كانا يرتديان قمصانًا ورابطات عنق؛ لأن ذلك كان مطلوبًا، لكن لم يكن أيٌّ منهما يملك إلا رابطة عنق واحدة وقميصين. لم تكن الآنسة كرناجان تسمح إلا بغسيل قميص واحد في الأسبوع؛ لذا كانت أساور وياقات سام وإدجار عادةً قذرة، بل كانت توجد عليها بقع — ربما جراء تارت المربى — لم ينجحا في التخلص منها.
كانت توجد مشكلة أخرى، تتعلق جزئيًّا بالملابس وجزئيًّا بالأجساد داخلها. لم يكن يوجد ماء ساخن كثير في النُّزل، وكانت أليس بيل تستخدم أكثر من حصتها. في الصباح المبكر جدًّا، كان الصبيان ينضحان أيديهما ووجهيهما بالماء كما كانا يفعلان في بيتهما. كانا يتحاملان على أنفسهما واعتادا على رائحة جسديهما القذرة، وملابسهما التي كانوا يرتدونها باستمرار، وهو ما يُعد علامة على مثابرتهما وكدهما. ربما كان هذا لحسن حظهما، وإلا كانت الفتيات ستنجذب أكثر إلى إدجار، الذي كان مظهره يروق لهن، وليس إلى سام، ذي الشعر رملي اللون المنسدل، والنمش، الذي كانت لديه عادة خفض رأسه إلى أسفل، كما لو كان يفكر في شيء ما. كانت ستصبح بينهما فجوة. أو، بعبارة أخرى، كانت الفجوة ستظهر بينهما أسرع. •••
حل الشتاء وتوقفا عن تقديم عروض الأكروبات في الباحة الخالية. كان سام وإدجار يأملان الآن في أن يذهبا للتزلج. كانت حلبة التزلج على مسافة مربعين سكنيين فقط، في شارع أورانج. وفي ليالي التزلج، أيام الاثنين والخميس، كانا يستطيعان سماع الموسيقى. كانا قد أحضرا حذاءَيِ التزلج معهما إلى جالاجر. كانا يتزلجان منذ أمد بعيد، على بركة المستنقع أو في حلبة التزلج الخارجية في القرية. يتكلف التزلج هنا خمسة عشر سنتًا، وكانت الطريقة الوحيدة التي يستطيعان من خلالها تحمل تكلفة ذلك هي التنازل عن تناول الطعام الإضافي. لكن الطقس البارد كان يذْكي شهيتهما أكثر وأكثر.
سارا إلى حلبة التزلج في ليلة أحد عندما لم يكن أحد موجودًا، ومرة أخرى في ليلة اثنين بعد انتهاء فترة التزلج المسائية ولم يكن ثمة أحد يمنعهما من الدخول إلى هناك. دخلا واختلطا بالناس الذين كانوا يغادرون حلبة التزلج ويخلعون أحذية التزلج. دققا النظر جيدًا فيما حولهما قبل إطفاء الأنوار. في طريق عودتهما إلى المنزل، وفي حجرتهما، كانا يتحدثان بصوت خفيض. كان سام مستمتعًا وهو يضع خطة للدخول للحلبة مجانًا، لكنه لم يتصور نفسه هو وإدجار يفعلان ذلك حقيقةً. أخذ إدجار على محمل التسليم أنهما سينتقلان من التخطيط إلى التنفيذ.
قال سام: «لا نستطيع تنفيذ ذلك … جسدانا ليسا صغيرين بما يكفي.»
لم يرد إدجار، فاعتقد سام أن ذلك كان نهاية الأمر. لكن كان يجدر به أن يعرف أن تلك ليست نهاية الأمر.
حلبة التزلج في شارع أورانج، في ذاكرة سام، عبارة عن بناية متهالكة، مظلمة، طويلة. يظهر ضوء خافت، متحرك خلال الشقوق بين الألواح الخشبية. كان يأتي مصدر الموسيقى من تسجيلات جرامافون خشنة وحادة الصوت؛ يعتبر استماع المرء إليها مثل محاولة الاستماع إلى الموسيقى عبر حاجز مهتز من الأشجار الشائكة. «حكايات من غابات فيينا»، «الأرملة الطروب»، «فالس الذهب والفضة»، «الجمال النائم». يأتي الضوء المتحرك الذي يُرى عبر الشقوق من مصدر ضوء يُسمى «القمر». القمر، الذي يلمع من سقف حلبة التزلج، عبارة عن مصباح أصفر في علبة من صفيح كبيرة، علبة مشروب، قُطع أحد أطرافها. تُطفأ جميع الأضواء الأخرى عند إضاءة القمر. تسمح مجموعة من الأسلاك والحبال بجذب العلبة الصفيح في هذا الاتجاه أو ذاك؛ مما يخلق انطباعًا بوجود مصدر ضوء متحرك؛ حيث يجري إخفاء المصباح الأصفر القوي، مصدر الضوء، تمامًا.
كان بعض العمال المؤقتين هم الذين يتحكمون في القمر. كانوا صبية تتراوح أعمارهم بين العاشرة أو الحادية عشرة والخامسة عشرة أو السادسة عشرة. كانوا ينظفون الثلج ويجرفون الثلوج الزائدة خارج باب الثلج، الذي كان عبارة عن باب قلاب مركب بإحكام في مكان منخفض في الحائط، مغلق من الداخل. بالإضافة إلى الحبال التي كانت تتحكم في القمر، كانوا يتعاملون مع المصاريع التي كانت تغطي الفتحات في السقف؛ التي كانت تفتح من أجل دخول الهواء، وتغلق مع الهطول الشديد للثلوج. كان هؤلاء العمال يجمعون رسوم الدخول وكانوا في بعض الأحيان يخدعون الفتيات اللائي كن يخفن منهم ولا يعطونهن باقي نقودهن، لكنهم لم يكن بإمكانهم خداع بلينكر، الذي جعلهم يعتقدون أنه كان يعد جميع من يدخل للتزلج في الحلبة. كان بلينكر صاحب الحلبة، رجلًا شاحب الوجه، نحيفًا، غير ودود. كان يجلس هو وأصدقاؤه في غرفته، خلف حمام الرجال وغرفة تبديل الملابس. كان في الغرفة موقد خشبي، عليه إناء قهوة طويل، مسوَّد، مخروطي الشكل، وبعض المقاعد مستقيمة الظهر التي تنقصها بعض الروافد، وبعض المقاعد ذات الذراعين، القديمة، القذرة. كانت الألواح الخشبية في الأرضية، مثل جميع الأرضيات والمقاعد والألواح الجدارية في الحلبة، مشقوقة ومخدوشة جراء آثار أحذية التزلج الجديدة والقديمة ويسوِّدها الدخان والغبار. كانت الغرفة التي كان يجلس فيها مع أصحابه حارة ومليئة بالدخان ويقال إنهم كانوا يشربون خمرًا فيها، على الرغم من أنها كانت في الغالب مجرد قهوة في أقداح غير نظيفة مصنوعة من المينا. يُقال إن صبية دخلوا ذات مرة إلى الغرفة قبل وصول الرجال، وتبولوا في إناء القهوة. ويُقال أيضًا إن أحد أصدقاء بلينكر فعل ذلك عندما ذهب لجمع رسوم الدخول.
قد يكون العمال مشغولين أو واقفين دون عمل حول أجزاء الحلبة، يتسلقون سلالم الحوائط، ويسيرون بطول المقاعد، أو حتى يجرون بطول المنصة، التي لم يكن بها حاجز حماية، تحت فتحات السقف. في بعض الأحيان، كانوا يمرقون عبر هذه الفتحات إلى السقف، ويعودون بالطريقة ذاتها. بالطبع، كان البعض منهم يتزلج. كانوا يدخلون الحلبة مجانًا.
وهو ما فعله سام وإدجار وكالي. جاءوا للحلبة عندما كانت مفتوحة للناس وكانت ممتلئة وصاخبة. كانت توجد بعض أشجار الكرز بالقرب من أحد أركان المبنى، وكان الشخص خفيف الوزن جدًّا يستطيع تسلق إحدى هذه الأشجار والقفز على السقف. ثم على هذا الشخص الخفيف جدًّا الجريء الرشيق، أن يزحف بسرعة على السقف، ثم ينسل عبر إحدى الفتحات ويقفز إلى المنصة في الأسفل، مُخاطرًا بالسقوط على الثلج في الأسفل، أو بكسر بعض عظامه، أو حتى بالموت. لكن الصبية كانوا يخاطرون بعمل ذلك طوال الوقت. من المنصة، كان المرء يستطيع النزول عبر سلم حائط، ثم السير بطول المقاعد، والانسلال فوق حائط الممر المصنوع لإلقاء الثلج في الخارج. ثم لم يكن الأمر يعدو سوى الربوض في الظل، وترقُّب اللحظة المناسبة، وفتح باب الثلج، ودخول الاثنين اللذين كانا منتظرين في الخارج: سام وإدجار، اللذين لم يضيعا وقتًا في ارتداء حذاءيهما والتزلج على الجليد.
لماذا لم ينجح الآخرون في القيام بالأمر نفسه؟ ربما يُسأل سام عن ذلك في تلك المناسبات، بعدها بسنوات وسنوات، التي كان يقرر فيها أن يحكي هذه القصة، وكان يقول إن آخرين ربما فعلوا ذلك، لكنه لم يكن يَعرف عن هذا الأمر شيئًا. ربما كان بمقدور العمال بالطبع فتح الباب لأي عدد من أصدقائهم، لكنهم لم يكونوا يميلون إلى عمل ذلك؛ حيث إنهم كانوا يحافظون بشدة على ما يتمتعون به من امتيازات. وكان عدد قليل من المتزلجين في الليل صغيري الحجم بما يكفي وخفيفي الوزن وسريعي الحركة وشجعانًا بما يكفي بحيث يدخلون إلى الحلبة عبر السقف. ربما حاول الأطفال تجربة ذلك، لكنهم كانوا يتزلجون في أوقات ما بعد الظهيرة أيام السبت ولم تكن تتوفر لديهم ميزة الظلام. ولِم لَم يكن ممكنًا ملاحظة كالي؟ حسنًا، كانت سريعة جدًّا، ولم تكن قط غير منتبهة؛ كانت تنتظر الوقت المناسب. كانت ترتدي ملابس رثة، لا تتلاءم مع حجمها؛ بنطالًا، وسترة قصيرة، وقبعة صوفية مسطحة. كان ثمة صبية دومًا في المكان يرتدون ملابس رثة مهلهلة. وكانت البلدة كبيرة بما يكفي بحيث لم يكن من الممكن تحديد كل وجه على نحو دقيق فورًا. كانت توجد مدرستان حكوميتان، وأي صبي يذهب إلى إحداهما إذا رآها سيظن أنها تذهب إلى المدرسة الأخرى.
سألت زوجة سام ذات مرة: «كيف أقنعتماها؟» كالي؛ ما الذي جعل كالي تهتم بالأمر إلى هذا الحد، على الرغم من أنها لم تمتلك قط حذاء تزلج؟
قال سام: «كانت حياة كالي كلها عملًا … لذا كان أي شيء ليس عملًا، أمرًا مثيرًا بالنسبة إليها.» لكنه تساءل في نفسه: كيف «تمكنَّا» من إقناعها؟ لا بد أن ذلك كان بمنزلة تحدٍّ. كانت مصادقة كالي في البداية تشبه مصادقة كلب صغير غضوب، ومرتاب، ثم لاحقًا كان الأمر يشبه مصادقة الفتاة التي بداخلها التي كانت تجعلها تبدو وكأنها تبلغ اثني عشر عامًا. في البداية لم تكن لتتوقف عن العمل وتعيرهما انتباهها. أبديَا إعجابهما بالصورة الموجودة في أعمال التطريز التي كانت تقوم بها، والمكونة من تلال خضراء، وبركة زرقاء مستديرة، ومركب شراعي كبير، لكنها ضمتها إلى صدرها معتقدةً أنهما كانا يسخران منها. قال سام، قاصدًا الإطراء، لكنها استشاطت غضبًا: «هل تصنعين تلك الصور بنفسك؟»
قالت: «نرسل في طلبها … من سينسيناتي.»
كانا مصرين. لم؟ لأنها كانت تعمل عملًا شاقًّا، منفصلة دائمًا عما يجري حولها، غريبة الشكل، ضئيلة الحجم أكثر مما ينبغي، ومقارنةً بها كانا ينتميان إلى الاتجاه السائد في الحياة، كانا محظوظين. كان باستطاعتهما أن يكونا شريرَيْن أو عطوفَين معها حسب ما يريدان، وكانا يريدان أن يكونا عطوفَين. أيضًا، كان الأمر بمنزلة تحدٍّ. كانت الدعابات ومواقف التحدي هي التي جعلتها تستسلم. كانا يقدمان لها قطعًا صغيرة من الفحم ويغلفانها في أوراق شوكولاتة. كانت تضع أشواكًا جافة تحت ملاءات سريريهما. أخبرتهما أنها لم ترفض تحديًا قبل ذلك. كان هذا هو سر كالي؛ لا يوجد شيء لا يمكنها أن تفعله. لم تكن تشعر بالاضطهاد بسبب الأعمال الشاقة التي كانت مكلفة بها، فقد كانت تفخر بذلك. ذات ليلة، عندما كان سام يُجري بعض العمليات المحاسبية على مائدة غرفة الطعام، ألقت بكراسة مدرسية تحت أنفه.
«ما هذا يا كالي؟»
«لا أعرف!»
كان كراسة قصاصات، وكان ملصقًا بها بعض الأخبار المنشورة في الصحف عنها. كانت الصحيفة قد دعت الناس إلى المشاركة في بعض المسابقات. من يستطيع صنع أكبر عدد ممكن من العُرى في ثماني ساعات؟ من يستطيع تعليب أكبر كمية ممكنة من التوت الأحمر في يوم واحد؟ من يستطيع تطريز عدد مذهل من مفارش الأسرَّة، وأغطية ومفارش المائدة، والبُسط الطويلة؟ كالي، كالي، كالي، كالي كرناجان، مرة بعد أخرى. في تقديرها، لم تكن خادمة كادحة، وإنما شخصًا معجزة يشفق على حياة الآخرين التي تتسم بالكسل.
كان بإمكانهم الذهاب للتزلج فقط في ليالي الاثنين؛ حيث كانت الآنسة كرناجان تذهب للعب لعبة البنجو في ليجون هول. كانت كالي تترك ملابس الصبية التي كانت ترتديها في سقيفة الحطب. كان مصدر هذه الملابس حقيبة تحتوي على أشياء قديمة تتعلق بالسيدة كروز، التي كانت قد جلبتها معها من منزلها القديم، عازمةً على صنع ألحفة منها، لكنها لم تجد وقتًا لعمل ذلك قط. كانت الحقيبة مصدر كل الملابس، باستثناء القبعة التي كان يمتلكها آدم ديلاهانت، ووضعها ضمن رزمة من الأشياء وأعطاها لكالي لإعطائها لجمعية المبشرين، لكن الآنسة كرناجان أمرت كالي بأن تضعها في القبو، في صندوق.
كانت كالي تستطيع الانسلال من حلبة التزلج بمجرد انتهاء مهمتها؛ كان بإمكانها أن تخرج من المدخل الرئيسي ولم يكن أحد ليضايقها. لكنها لم تفعل ذلك. تسلقت فوق قمة المقاعد، سارت عليها مختبرةً مدى اهتزاز الألواح تحتها، تسلقت جزءًا من أحد السلالم، وتأرجحت على يد واحدة، وقدم واحدة، متعلقةً فوق الفاصل وهي تشاهد المتزلجين. لم يتوقف إدجار وسام عن التزلج حتى انطفأ القمر وتوقفت الموسيقى وأضاءت الأنوار الأخرى. في بعض الأحيان كان يسابق أحدهما الآخر، مندفعين جيئةً وذهابًا بين أزواج يتزلجون في ثبات وصفوف من الفتيات اللائي كن يحاولن الاتزان. في بعض الأحيان، كانا يستعرضان مهاراتهما، متزلجين على الثلج مع بسط ذراعيهما. (كان إدجار أكثر موهبةً في التزلج، على الرغم من أنه لم يكن عداءً قويًّا؛ كان يستطيع أداء التزلج الاستعراضي، لو كان الصبية يقومون به وقتها.) لم يتزلجا مع الفتيات قط، ولم يرجع ذلك إلى أنهما كانا يتهيبان أن يطلبا ذلك منهن قدر ما كانا لا يرغبان في أن يتزلجا وفق هوى أحد. انتظرتهما كالي في الخارج عندما انتهى التزلج، وساروا إلى المنزل معًا، ثلاثة صبية. لم تتظاهر كالي بأي شيء لتظهر أنها صبي، بأن تطلق صافرة أو تقذف كرات ثلج. كانت تسير بسرعة واندفاع مثلما يسير الصبية، متأملة لكن مستقلة، مستعدة لجميع الاحتمالات؛ عراك أو مغامرة. كان شعرها الأسود الخشن، الكثيف مكوَّمًا تحت القبعة، وقد جعلت حجمه متناسبًا مع حجم رأسها. دون الشعر حوله، بدا وجهها أقل شحوبًا وتجهمًا؛ تلك النظرة المزدرية، الساخرة، الشرسة التي كانت ترتسم على وجهها في بعض الأحيان قد ذهبت وبدت أكثر وقارًا ومعتزة بنفسها. كانا يناديانها كال.
دخلوا إلى المنزل من الجانب الخلفي. صعد الصبيان إلى أعلى وبدلت كالي ملابسها في سقيفة الحطب التي كان يغطيها الثلج. كان أمامها ما لا يزيد عن عشر دقائق لتحضير وجبة المساء ووضعها على المائدة. •••
عندما كان سام وإدجار يرقدان في الفراش في الظلام في ليالي الاثنين بعد التزلج، كانا يتحدثان أكثر من المعتاد. كان إدجار يميل إلى التحدث عن كريسي يونج، صديقته في العام الماضي، في موطنه. كان إدجار يزعم أن لديه خبرات جنسية. قال إنه ضاجع كريسي الشتاء الماضي، عندما تزلجا بزلاجة بعد حلول الظلام واصطدما بكومة ثلج. لم يكن سام يعتقد أن ذلك ممكنًا، نظرًا للبرد الشديد، وملابسهما، والوقت القصير الذي قضياه قبل أن يلحق بهما المتزلجون الآخرون. لكنه لم يكن متأكدًا، وأثناء الاستماع إلى ذلك، شعر بالضيق وربما بالغيرة. ذكر فتيات أخريات، فتيات كن في حلبة التزلج ترتدين تنورات قصيرة متسعة وسترات صغيرة يزين حوافها الفرو. قارن سام وإدجار بين ما رآه كلٌّ منهما عندما كانت تلك الفتيات تدرن أو كانت إحداهن تسقط على الثلج. سأل سام إدجار عما يمكن أن يفعله بشيرلي أو دوريس، ثم انتقل سريعًا، في روح يمتزج فيها خليط غريب من التهكم والإثارة، إلى سؤاله عما يمكن أن يفعله مع فتيات ونساء الأخريات، وهو أمر أقل احتمالًا أكثر فأكثر، إذا وقعن في موقف لا يستطعن الفكاك منه. الأستاذة في كلية التجارة، الآنسة لويسون التي كانت تشبه الرجال، والتي كانت تدِّرس المحاسبة، والآنسة باركينسون سريعة الانفعال، التي كانت تدرس الكتابة على الآلة الكاتبة. المرأة البدينة في مكتب البريد، الشقراء النحيفة جدًّا في مكتب طلب البضائع بالبريد التابع لمتجر إيتونز. ربات البيوت اللائي كنَّ يتباهين بمؤخراتهن في الفناء الخلفي لمنازلهن، وهن ينحنين فوق سلال الغسيل. كانت الطبيعة الغريبة لبعض الاختيارات تثيرهما أكثر من بهاء وجمال الفتيات اللائي كن محل إعجابهما. بالنسبة لأليس بيل، فقد تخيلا أنهما تعاملا معها بلا مبالاة؛ إذ ربطاها في فراشها واغتصباها بالقوة وهما في طريقهما لتناول العشاء. تخيلا الآنسة فيرن ممددة أمام الجميع على السلالم، بعد أن ضُبطت تحاول إثارة نفسها عن طريق لف ساقيها حول قائم الدرابزين في أسفل السلالم. استبعدا السيدة كروز؛ كانت توجد بعض الحدود لتخيلاتهما، على أي حال. ماذا عن السيدة كرناجان، التي كانت تعاني من الروماتيزم، والتي كانت ترتدي طبقات من الملابس الرثة، وتضع على فمها أحمر شفاه كثيفًا وغريبًا؟ كانا قد سمعا قصصًا حولها، الجميع سمع هذا. كان يُشاع أن كالي ابنة بائع أناجيل كان أحد المقيمين في النُّزل. كانا يتخيلان هذا الشخص وهو يقوم بفعلته بدلًا منهما، وهو يضاجع الآنسة كرناجان العجوز. مرة بعد الأخرى، كان هذا الرجل يضيِّق الخناق عليها، ويمزق سروالها التحتي القديم، يطفئ ظمأ فمها المتعطِّش، يدفعها إلى إصدار أصوات أنين وتأوه تشي بأقصى درجات الحاجة والإشباع.
قال إدجار: «كالي أيضًا.»
ماذا عن كالي؟ توقفت متعة اللعبة بالنسبة لسام عندما ذُكر اسمها. كانت حقيقة أنها، أيضًا، أنثى محرجة بالنسبة له. قد يظن المرء أنه اكتشف شيئًا مقززًا ومثيرًا للشفقة عن نفسه.
لم يكن إدجار يعني أنهما يجب أن يتخيلا فقط ماذا يمكن أن يُفعل في كالي.
«يمكننا أن نجعلها تقوم بذلك. أراهن أننا نستطيع أن نفعل ذلك.»
قال سام: «هي صغيرة جدًّا.»
«لا، هي ليست كذلك.»
يتذكر سام محاولة الإغواء تلك، وهي محاولة تحققت من خلال عدد من التحديات، وهو ما جعله يعتقد أن مغامرة حلبة التزلج من المفترض أنها تمت على النحو نفسه. في صباح يوم سبت عندما كان الشتاء على وشك الانتهاء، عندما كانت تصدر عربات الجليد، التي كان يقودها المزارعون فوق الثلج الكثيف، صوت صرير على رقع من الأرض العارية عند مرورهم بنُزل كرناجان، صعدت كالي سلالم السقيفة حاملةً ممسحة مبتلة، ودلوًا ممتلئًا بالمياه لحك وتنظيف الأرضية، وخرقًا قديمة لنفض التراب. ركلت البساط المنسوج إلى أسفل السلالم بحيث تستطيع نفضه خارج الباب. نزعت الملاءات المصنوعة من الفلانيلة، ذات الرائحة الحميمة، الدافئة. لا يدخل الهواء النقي إلى نُزل كرناجان. خارج النوافذ توجد نوافذ مضادة للعواصف. هذا هو وقت ومكان إغواء كالي.
هذه ليست الكلمة المناسبة للإشارة إلى الأمر. في البداية كانت كالي غاضبة وضيقة الصدر، تحاول مواصلة عملها، ثم صارت متجهمة، ثم طيِّعة على نحو غريب. كان استفزازها مع شعورها بالذعر أسلوبًا فعَّالًا بالتأكيد. لا بد أنهما كانا يعرفان، آنذاك، عمرها الحقيقي، لكنهما كانا لا يزالان يعاملانها كما لو كانت شيطانًا صغيرًا يسهل إغواؤه؛ لم يفكرا في ملامستها أو التملق إليها كفتاة.
حتى مع تعاونها، لم يكن الأمر سهلًا مثلما تخيلا. صار سام مقتنعًا بأن قصة كريسي لم تكن إلا كذبة، على الرغم من أن إدجار ذكر اسم كريسي في تلك اللحظة.
قال إدجار: «تعالي … سأريك ما أفعله مع صديقتي. هذا ما أفعله مع كريسي.»
قالت كالي في حدة: «أراهن على ذلك.» لكنها سمحت له بأن ينام فوقها على المرتبة الضيقة. كان الرباط المطاطي لسروالها التحتي الشتوي قد ترك آثارًا حمراء حول رجليها ووسطها. كانت ترتدي سترة مصنوعة من الفلانيلة، مزررة فوق القميص التحتي، وجوربها المضلع البني، تحمله إلى أعلى حمالات عريضة طويلة. لم تخلع شيئًا إلا السروال التحتي. قال إدجار إن الحمالات كانت تؤلمه وبدأ يفكها، لكن كالي صرخت قائلةً: «لا تقترب من تلك الحمالات!» كما لو كانت الحمالات هي ما يجب أن تحميه.
ثمة شيء مهم جدًّا مفقود في ذاكرة سام حول هذا الصباح؛ الدماء. ليس لديه أي شك في عذرية كالي، متذكرًا محاولات إدجار المستميتة، ثم محاولاته هو، اللكزات والنخسات والحيرة. كانت كالي ترقد تحتهما الواحد تلو الآخر، نصف رافضة، ونصف راغبة، محتملةً إياهما، لا تشتكي من وجود أي نزف. لن تفعل هذا أبدًا. لكن لن تفعل أي شيء، على وجه الخصوص، للمساعدة.
قال إدجار في صوت جاد: «افتحي رجليكِ.»
«هما مفتوحتان بالفعل.»
ربما يرجع السبب في عدم تذكره للدماء إلى عدم وجود أي دماء. لم يصلا إلى هذه المرحلة. كانت كالي شديدة النحافة، لدرجة أن عظام حوضها كانت بارزة، لكن كالي بدت لسام عريضة، وعويصة، ومعقدة تمامًا. باردة ولزجة حيث بللها إدجار، وجافة في المناطق الأخرى، وبها مناطق ناتئة وأخرى متدلية وأخرى مسدودة على نحو غير متوقع؛ بدا ملمس جلدها كملمس الجلد المدبوغ. عندما تذكَّر ذلك لاحقًا، لم يكن متأكدًا بعد أنه قد عرف طبيعة مضاجعة الفتيات. كان الأمر كما لو كانا قد لهوا مع دمية أو جرو متذمر. عندما نهض من فوقها، رأى أن ما بدا له من جلدها قد اقشعر، وقد بدا الشعر فيه وكأنه ميت. أيضًا، لاحظا أن منيَّهما أغرق إحدى فردتي جوربها. مسحت كالي نفسها باستخدام إحدى خرق نفض التراب — بافتراض أنها خرقة نظيفة — وقالت إن الأمر يذكرها بتنظيف مخاط الأنف في منديل.
قال سام: «أنت لست غاضبة، أليس كذلك؟» قاصدًا بعبارته هذه ذلك المعنى جزئيًّا، وجزئيًّا يعني: أنت لست غاضبة بحيث تخبري أحدًا؟ «هل آلمناك؟»
قالت كالي: «أستطيع تحمل ما هو أشد إيلامًا من هذا الشيء الغبي.»
لم يعد أحد يذهب للتزلج بعد ذلك. صار الطقس لطيفًا جدًّا. •••
اشتد مرض الروماتيزم على الآنسة كرناجان. ازداد العمل الملقى على عاتق كالي. أصيب إدجار بالتهاب في اللوزتين ومكث فترة في المنزل ولم يذهب إلى الكلية. أدرك سام، الذي صار يذهب بمفرده إلى الكلية، كيف صار يستمتع بالدراسة في الكلية. كان يحب صوت الآلات الكاتبة؛ وقرع الأجراس، وصوت العربات. كان يحب تخطيط صفحات دفاتر الحسابات بقلم من نوع خاص، واضعًا الخطوط السميكة والعادية المطلوبة. كان يحب على نحو خاص التوصل إلى النسب والجمع السريع لأعمدة من الأرقام، وحل مسائل السيد س والسيد ب، كان يمتلك الأول مخزن أخشاب والثاني سلسلة من متاجر بيع الأدوات المعدنية.
لم يذهب إدجار إلى الكلية قرابة ثلاثة أسابيع. عندما عاد، كان قد تخلَّف في كل شيء. كانت كتابته على الآلة الكاتبة أبطأ، وأكثر أخطاءً عما كانت عليه وقت الكريسماس، كان يلطِّخ المسطرة بالحبر، ولم يكن يفهم جيدًا جداول أسعار الفائدة. بدا فاتر الهمة يائسًا، يحدِّق باستمرار خارج النافذة. لانت له قلوب الأستاذات بسبب مظهره — صار لونه فاتحًا وأكثر شحوبًا منذ مرضه، حتى شعره ازداد شقرة — ولم يحاسبه أحد على تراخيه وعدم كفاءته لبعض الوقت. بذل بعض الجهد لتحسين الوضع، وذلك بتأدية فروضه من آن لآخر مع سام، أو كان يذهب إلى غرفة الكتابة في وقت الظهيرة للتدرب. لكن لم يدم أي تحسن، أو حتى كان كافيًا. فقد أخذ إجازات عديدة.
بينما كان مريضًا، تلقى إدجار بطاقة بريدية يدعو له من أرسلها بالشفاء. كان عليها تنين أخضر يرتدي بيجامة مخططة ممددًا في الفراش. في الجانب الأمامي من البطاقة، كانت الكلمات الآتية مكتوبة: «آسفة لسماعي أنك مريض»، وفي الجزء الخلفي للبطاقة كان مكتوبًا الآتي: «آمل أن تتعافى سريعًا.» أسفل البطاقة، كان مكتوبًا بالقلم الرصاص، كريسي.
لكن كانت كريسي في ستراتفورد، تتلقى تدريبًا حتى تصبح ممرضة. كيف كان لها أن تعرف أن إدجار كان مريضًا؟ جاء الخطاب، عليه اسم إدجار، عبر البريد وعليه ختم بريدي محلي.
قال إدجار: «أنت من أرسله … أعرف أنها ليست كريسي.»
قال سام بصدق: «لم أفعل ذلك.»
«أنت من أرسله.» كان صوت إدجار أجش وكان محمومًا وتغمره خيبة أمل شديدة. «أنت حتى لم تكتبه بالقلم الحبر.» •••
«كم لدينا من المال في البنك؟» أراد إدجار أن يعرف. حدث هذا في أوائل شهر مايو. كان لديهما ما يكفي لدفع مقابل إقامتهما في النُّزل حتى نهاية الفصل الدراسي.
لم يكن إدجار قد ذهب إلى الكلية لعدة أيام. كان قد ذهب إلى محطة السكك الحديدية، وسأل عن سعر تذكرة ذهاب فقط إلى تورونتو. قال إنه كان ينوي الذهاب وحده إذا لم يكن سام سيذهب معه. كان يرغب بشدة في الرحيل. لم يأخذ سام وقتًا طويلًا حتى يعرف السبب.
«أخشى أن تكون كالي حبلى.»
قال سام: «سنها ليست كبيرة بما يكفي.» ثم تذكَّر أنها كانت كذلك. لكنه أشار لإدجار أنه كان متأكدًا أنهما لم يقيما معها علاقة كاملة.
قال إدجار في صوت عابس: «أنا لا أتحدث عن تلك المرة.»
كانت هذه هي المرة الأولى التي عرف فيها سام شيئًا عما كان يحدث عندما لم يكن إدجار يذهب إلى الكلية. لكن سام أساء الفهم مرة أخرى. ظن أن كالي كانت قد أخبرت إدجار أنها في ورطة. لم تقم بذلك. لم تخبره بأيٍّ من ذلك أو تطلب منه شيئًا أو تهدده بأي شيء. لكن إدجار كان خائفًا. جعله ذعره متوترًا بشدة. اشتريا لفافة من الكعك المحلى من متجر البقالة وجلسا على السور الحجري أمام الكنيسة الأنجليكانية يأكلانها. قضم إدجار قضمة واحدة وأمسك بالكعكة في يده.
قال سام إنه لم يتبقَّ لهما إلا خمسة أسابيع في الكلية.
قال إدجار: «لن أعود إلى الكلية على أي حال. تخلَّفت أكثر مما ينبغي.»
لم يقل سام إنه كان قد تصور نفسه لاحقًا يعمل في بنك، باعتباره خريج كلية تجارة. تصور نفسه يرتدي بذلة من ثلاث قطع في مقصورة الصرَّافين. سيربي شاربًا آنذاك. صار بعض الصرافين مديري بنوك. كان قد خطر بباله مؤخرًا أن مديري البنوك لم يولدوا مديري بنوك. كانوا شيئًا آخر في البداية.
سأل إدجار عن نوع الوظائف التي يمكن أن يشغلاها في تورونتو.
قال إدجار: «نستطيع أن نقدم بعض العروض … نستطيع أن نؤدي بعض العروض على الأرصفة.»
أدرك سام الآن ما هو مقبل عليه. لم يكن إدجار يمزح. جلس حيث كان ممسكًا بالكعكة التي قُضمت منها قضمة واحدة واقترح هذه الطريقة لكسب العيش في تورونتو. أداء العروض على الأرصفة.
ماذا عن والديهما؟ لم يفضِ هذا التفكير إلا إلى خطط مجنونة أكثر.
«يمكن أن تخبرهما أنني اختُطفت.»
قال سام: «ماذا عن الشرطة؟ … تبحث الشرطة عن أي شخص مختطف. وسيجدونك.»
قال إدجار: «إذن لا تخبرهم أنني اختطفت … أخبرهم أنني رأيت جريمة قتل وأنني اضطررت إلى الاختباء. أخبرهم أنني رأيت جثة في جوال دُفع به من فوق جسر سيدار بوش ورأيتُ الرجال الذين اقترفوا ذلك ثم لاحقًا قابلتهم في الشارع وتعرفوا عليَّ. أخبرهم بذلك. أخبرهم ألا يذهبا إلى الشرطة وألا يقولا أي شيء عن الأمر؛ لأن حياتي معرضة للخطر.»
قال سام في بلاهة: «كيف عرفت أنه يوجد جثة في الجوال؟ … توقف عن الحديث عن هذا. عليَّ أن أفكر جيدًا في الأمر.»
على الرغم من ذلك، لم يفعل إدجار في طريق العودة إلى نُزل كرناجان سوى الحديث، مضيفًا المزيد من التفاصيل إلى هذه القصة أو إلى قصة أخرى، وهي قصة تضمنت تجنيده من قبل الحكومة للعمل كجاسوس، بعد صباغة شعره باللون الأسود وتغيير اسمه.
وصلا إلى النُّزل في اللحظة ذاتها التي كانت أليس بيل وخطيبها، رجل الشرطة، خارجين من الباب الأمامي.
قال إدجار: «لنستدر وندخل من الباب الخلفي.»
كان باب المطبخ مفتوحًا على مصراعيه. كانت كالي تنظف أنابيب الموقد. وضعتها جميعها في مكانها مرة أخرى، وكانت تنظف الموقد. كانت تلمِّع الجزء الأسود منه بالورق الشمعي والحواف باستخدام خرقة نظيفة. كان منظر الموقد رائعًا، مثل طقم رخام أسود مزدان بالفضة، أما كالي نفسها فكانت متسخة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. جفناها أيضًا كانا متسخين. كانت تدندن بأغنية «حبيبتي نيللي جراي»، كانت تغنيها بسرعة كبيرة، حتى تساعدها في التلميع:
أوه، حبيبتي نيللي جراي، أخذوك بعيدًا، ولن أرى حبيبتي بعد الآن.
جلست الآنسة كرناجان إلى المائدة، تحتسي قدحًا من الماء الساخن. بالإضافة إلى الروماتيزم، كانت تزعجها مشكلة عسر الهضم. كانت مفاصلها تصدر صريرًا، وكانت تصدر أصوات دمدمة، وتأوه، بل وحتى صافرات، من جوف أحشائها. لم يظهر ذلك على وجهها على الإطلاق.
قالت: «أيها الصبيان … ماذا كنتما تفعلان؟»
قال إدجار: «كنا نسير.»
«لم تعودا تؤديا عروضكما.»
قال سام: «الأرض مبللة جدًّا بسبب المطر.»
قالت الآنسة كرناجان: «اجلسا.»
كان باستطاعة سام سماع نفس إدجار اللاهث. كان يشعر بثقل في معدته، كما لو كان كل الجهد الذي جرى لهضم كمية الكعك المحلى — كان قد أكلها جميعًا باستثناء واحدة — قد توقَّف. هل يمكن أن تكون كالي قد أخبرتها بالأمر؟ لم تكن الآنسة كرناجان تنظر إليهما.
قالت الآنسة كرناجان: «لم أخبركما أيها الصبيَّان كيف وُلدت كالي.» ثم بدأت على الفور في إخبارهما.
«حدث ذلك في فندق كوينز في ستراتفورد. كنت أمكث هناك مع صديقتي لوي جرين. كنا أنا ولوي جرين ندير متجرًا للقبعات النسائية. كنا في طريقنا إلى تورونتو للحصول على إكسسوارات الربيع الخاصة بالقبعات. لكن كنا في الشتاء. في حقيقة الأمر، كانت عاصفة ثلجية تهب. كنا الوحيدتين الموجودتين لتناول العشاء. بينما كنا خارجتين من غرفة الطعام بعد ذلك، انفتح باب الفندق على مصراعيه ودخل ثلاثة أشخاص. كان هؤلاء هم السائق الذي كان يعمل لدى الفندق، والذي كان يذهب لملاقاة الزائرين القادمين على متن القطارات، وامرأة، ورجل. كان الرجل والسائق يمسكان بالمرأة ويسندانها. كانت تئن وتصرخ، وكانت منتفخة للغاية. وضعوها على الأريكة، لكنها انزلقت منها إلى الأرض. لم تكن إلا فتاة، في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة. اندفع الطفل من بطنها مباشرةً على الأرض. جلس الرجل على الأريكة ووضع رأسه بين رجليه. كنت مَن هرع واستدعى مدير الفندق وزوجته. جاءا مسرعين، وكلبهما يسبقهما، وهو ينبح. كانت لوي تُمسك بالدرابزين تخشى أن يغمى عليها. كل شيء يحدث في نفس اللحظة.
كان السائق كنديًّا من أصل فرنسي، لذا على الأرجح كان قد رأى طفلًا وهو يولد من قبل. قضم الحبل السري بأسنانه ثم قام بربطه بخيط قذر أخرجه من جيبه. أمسك ببساط صغير ووضعه بين رجليها. كانت الدماء تنزف منها بلون داكن مثل نبات سم الذباب؛ كانت تنتشر على الأرض. صرخ طالبًا من أحد أن يأتي ببعض الثلج، أما الزوج، أو أيًّا من كان، فلم يرفع رأسه على الإطلاق. كانت لوي هي من عَدَتْ خارجة وعادت بثلج ملء كفيها، وعندما رأى السائق الكمية الصغيرة التي أتت بها سبَّها ورمى الثلج على الأرض. ثم ركل الكلب؛ لأنه اقترب أكثر من اللازم. ركله ركلة قوية أطاحت به عبر الغرفة، وصرخت زوجة مدير الفندق معتقدةً أن الكلب قد مات. تناولتُ الطفل ولففته في سترتي. تلك كانت كالي. يا لها من مخلوق ضعيف. لم يمت الكلب. كانت البُسط كلها غارقة في الدماء، وكان الرجل الفرنسي يسب سبابًا عنيفًا. ماتت المرأة، لكنها كانت لا تزال تنزف.
كانت لوي هي من أرادت أن نصطحبها معنا. قال الزوج إنه سيكون على اتصال بنا لكنه لم يفعل قط. اضطررنا إلى شراء زجاجة إرضاع، وغلي بعض اللبن، وشراب الذرة، وأن نصنع لها فراشًا في درج. أعربت لوي عن حبها الشديد للرضيعة، لكن خلال عام تزوجت لوي وذهبت لتعيش في ريجينا ولم تعد قط. هذا كان هو الحب الذي كانت تعرب عنه.»
ظن سام أن هذا كله في الغالب لم يكن إلا اختلاقًا. على الرغم من ذلك، تأثر بشدة بما سمعه. لماذا تخبرهما بذلك الآن؟ لا يهم إذا كان ما تقوله صحيحًا أم كذبًا، أو ما إذا كان قد ركل أحد الأشخاص كلبًا أو نزف دمًا حتى الموت. ما كان يهم هو نبرة التأكيد القوية التي سردت من خلالها الآنسة كرناجان هذا، قصدها الخفي وغير الودي بالتأكيد، وشراستها العشوائية.
لم تتوقف كالي عن العمل لسماع كلمة واحدة من القصة. كانت قد خفضت صوتها لكنها لم تتوقف عن الغناء بالكامل. كان المطبخ يمتلئ بالضوء في مساء الربيع، وكانت تفوح منه رائحة الصابون ومساحيق التنظيف النفَّاذة التي كانت كالي تستخدمها. كان سام يشعر في بعض الأحيان أنه واقع في ورطة، لكنه كان يعرف دومًا طبيعة الورطة تمامًا وماذا ستكون العقوبة، وكان يستطيع التفكير في طريقة للخروج منها. صار الآن يشعر أن ثمة ورطةً لا يستطيع معرفة مداها ولا يستطيع أن يدرك عقوبتها. لم تكن سوء نية الآنسة كرناجان هي ما كانا يخشيانه. ماذا إذن؟ هل كان إدجار يعرف؟ كان إدجار يشعر بأن ثمة شيئًا يجري التحضير له؛ مفاجأة مباغتة. كان يعتقد أن الأمر يتعلق بكالي وبرضيع وبما فعلاه. كان سام يشعر بتداعيات أكبر. لكن كان عليه أن يرى أن حدس إدجار كان صائبًا. •••
في صباح السبت، سارا عبر الشوارع الخلفية إلى المحطة. كانا قد تركا المنزل عندما ذهبت كالي لشراء مستلزمات الفندق في نهاية الأسبوع، جارَّةً عربة أطفال خلفها لوضع البقالة فيها. كانا قد سحبا أموالهما من البنك، وتركا ورقة عند باب المكان الذي ينامان فيه كانت ستسقط عند فتح الباب، مكتوبًا عليها: «رحلنا. سام وإدجار.»
كانت كلمة «رحلنا» قد كتبها سام في اليوم السابق في الكلية، وإن كانا قد وقعا على الورقة بخط يديهما. كان سام قد فكَّر في إضافة «مصاريف الإقامة مدفوعة حتى يوم الاثنين» أو «سنكتب إلى أبوينا». لكن بالتأكيد كانت الآنسة كرناجان ستعرف أن مصاريف إقامتهما مدفوعة حتى يوم الاثنين وقولهما إنهما سيكتبان إلى أبويهما سيكون بمنزلة إشارة إلى أنهما لن يعودا إلى موطنهما. بدت كلمة «رحلنا» حمقاء، لكنه كان يخشى أنهما إذا لم يتركا أي رسالة فسيثار الذعر وستبدأ ربما عملية بحث عنهما.
تركا الكتب الثقيلة، البالية التي كانا ينويان بيعها في نهاية الفصل الدراسي — «ممارسة مهنة المحاسبة»، «العمليات الرياضية الخاصة بالأعمال» — ووضعا كل ما يستطيعان وضعه من ملابس في كيسين ورقيين بنيين.
كان الصباح جميلًا وخرج الكثيرون من منازلهم. احتل الأطفال الأرصفة لتبادل قذف الكرة، ولعبة الحجلة، ونط الحبال. كان عليهما أن يجدا أي طريقة لتبرير حملهما للأكياس الورقية المكدسة بالأشياء.
«ماذا لديكما في تلك الأكياس؟»
قال إدجار: «قطط ميتة.» ثم أمال الكيس نحو رأس الفتاة.
لكنها كانت متماسكة. «ماذا ستفعلان بها؟»
قال إدجار في صوت مُهدد: «سنبيعهما إلى الرجل الصيني لعمل طبق لحم قطط بالخضراوات.»
ثم سارا في طريقهما وسمعا الفتاة تدندن خلفهما: «لحم قطط بالخضراوات! لحم قطط بالخضراوات! تناولاه وستجدانه مقززًا!» قرب المحطة، تقلصت أعداد هذه المجموعات من الأطفال، ثم اختفت. لا يتسكع الآن إلا صبية في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة — بعض الصبية الذين كانوا يتسكعون حول حلبة التزلج — قرب المنصة، يلتقطون أعقاب السجائر، محاولين إشعالها. كانوا يقلِّدون غطرسة البالغين، ولم يكن لأحد منهم أن يطرح أي أسئلة.
قال ناظر المحطة: «جئتما مبكرًا أيها الصبيان عن وقت انطلاق القطار.» لن ينطلق القطار إلا في الساعة الثانية عشرة والنصف، لكنهما كانا قد وقَّتا موعد رحيلهما وفق وقت ذهاب كالي للتسوق. «هل تعرفان إلى أين أنتما ذاهبان في المدينة؟ هل سينتظركما أحد هناك؟»
لم يكن سام مستعدًّا لهذا السؤال، لكن إدجار أجاب: «أختي.»
لم يكن لديه أخت.
«هل تعيش أختك هناك؟ هل ستقيمان في منزلها؟»
قال إدجار: «في منزلها هي وزوجها … هي متزوجة.»
توقع سام ما سيأتي بعد ذلك من أسئلة.
«في أي أنحاء تورونتو يعيشان؟»
كان إدجار منطقيًّا. قال: «في الجزء الشمالي … أليس لكل مدينة جزء شمالي؟» بدا ناظر المحطة شبه راضٍ عن الإجابة. قال لهما: «احرصا على مالكما.»
جلسا على المقعد المواجه للسياج الموجود على الجانب الآخر من القضبان، ممسكين بتذكرتيهما وكيسيهما البنيين. كان سام يعد في رأسه مقدار المال الذي عليهما الحرص عليه. كان قد ذهب إلى تورونتو مرة مع أبيه عندما كان يبلغ عشرة أعوام. تذكَّر تعرضهما لحالة من الارتباك عند ركوبهما للترام. حاولا الركوب من الباب الخطأ، أو النزول من الباب الخطأ. صرخ الناس فيهما. تمتم أبوه قائلًا إنهم ليسوا إلا مجموعة من الحمقى. شعر سام أن عليه الاستعداد لمواجهة كبيرة، ومحاولة توقع تداعيات ما هم مقبلون عليه بحيث لا تفاجئه. ثم جالت فكرة بخاطره كانت بمنزلة هدية من السماء. لم يعرف من أين جاءت تلك الفكرة. جمعية الشبان المسيحيين. يمكن أن يذهبا إلى جمعية الشبان المسيحيين ويمكثا هناك تلك الليلة. سيكون الوقت متأخرًا فيما بعد الظهيرة عندما سيذهبان إلى هناك. سيتناولان شيئًا أولًا، ثم سيسألان عن الطريق إلى تلك الجمعية. وربما يسيران إليها.
أخبر إدجار عما سيفعلانه. «ثم غدًا سنتجول في الأنحاء، ونتعرف على الشوارع، ونعثر على أرخص مكان يمكن أن نتناول الطعام فيه.»
كان يعلم أن إدجار سيقبل بأي خطة في تلك اللحظة. لم يكن إدجار يعرف أي شيء عن تورونتو بعد، على الرغم من هذا الاختلاق السريع لقصة وجود أخت وزوج أخت له. كان إدجار جالسًا هنا على المقعد في المحطة، وفكره مشغول بفكرة قدوم القطار وصعدوهما على متنه. دوي صوت الصافرة، الرحيل؛ الهروب. الهروب مثل انفجار، يحررهما. لم يتخيل نفسه هو وسام وهما يخرجان من القطار، حاملين كيسيهما الورقيين، في مكان جديد صاخب، مزدحم، مثير للأعصاب، غريب تمامًا. كان سام أفضل حالًا خاصةً بعد أن صارت لديه خطة مبدئية. إذا كانت قد خطرت له فكرة من السماء، فلم لا تخطر له فكرة أخرى؟
بعد برهة، بدأ الأشخاص الآخرون في التجمُّع، انتظارًا للقطار. سيدتان متأنقتان ذاهبتان للتسوُّق في ستراتفورد. كانت قبعاتهما القشية المزخرفة تشير إلى أن الصيف قد اقترب. رجل شيخ يرتدي بذلة سوداء لامعة حاملًا صندوقًا من الكرتون المقوى ملفوفًا بحبل. كان الصبية الذين كانوا يتجولون هنا وهناك ولم يذهبوا إلى أي مكان يستعدون لوصول القطار؛ جالسين جميعًا معًا في نهاية الرصيف، مدلدلين أرجلهم. كان يوجد كلبان يجوبان رصيف القطار على نحو شبه رسمي، يتشممان حقيبة سفر وبعض الطرود، ينظران إلى عربة الأمتعة، بل كانا ينظران إلى أسفل في اتجاه القضبان كما لو كانا يعرفان مثل الجميع من أي اتجاه سيأتي القطار.
بمجرد سماعهما الصافرة تنطلق عند الطرق المتقاطعة غرب البلدة، نهض سام وإدجار ووقفا على حافة الرصيف. عندما وصل القطار، بدت إشارة طيبة جدًّا أنهما كانا قد اختارا الوقوف في الموضع نفسه الذي نزل فيه المحصل، حاملًا معه سلمًا صغيرًا. وبعد أن قضى وقتًا طويلًا في مساعدة امرأة، معها طفل رضيع وحقيبة سفر وطفلان، على ركوب القطار؛ استطاعا هما الركوب. سبقا السيدتين اللتين كانتا ترتديان القبعات الصيفية، والرجل الذي كان يحمل صندوقًا، وكل من كان واقفًا على الرصيف. لم ينظرا خلفهما البتة. سارا إلى نهاية عربة القطار شبه الخالية واختارا أن يجلسا حيث يكونان متقابلين، على جانب القطار الذي كان يطل على السياج الخشبي، لا على الرصيف؛ السياج الخشبي نفسه الذي كانا يحملقان فيه لأكثر من ثلاثة أرباع ساعة. كان عليهما أن يجلسا في مكانهما دقيقتين أو ثلاث دقائق بينما كانت هناك الجلبة المعتادة خارج القطار، النداءات التي توحي بالأهمية، وصوت المحصل وهو يقول: «اصعدوا!» على نحو حوَّل الكلمة من صوت إنساني إلى صوت قطار. ثم بدأ القطار في الحركة. كانا يتحركان. كانت ذراع كلٍّ منهما ما زالت تحيط بكيس بني بينما تمسك اليد الأخرى بالتذكرة. كانا يتحركان. شاهدا ألواح السياج مما يدل على حركة القطار. اختفى السياج بالكامل عن أنظارهما، وكانا يمران عبر ضواحي البلدة الآخذة في التضاؤل في الحجم؛ الأفنية الخلفية، السقائف الخلفية، الشرفات الخارجية الخلفية، أشجار التفاح الآخذة في الإزهار. زهور الليلك التي فرقتها القضبان، وأخذت تتحرك في جنون.
بينما كانا ينظران من النافذة، وقبل أن تغيب البلدة تمامًا عن الأنظار، جلس صبي على المقعد الموجود على الجانب الآخر من الممر الفاصل بين المقاعد. كان سام يرى أنه أحد هؤلاء الصبية الذين كانوا يتسكعون على الرصيف الذي انسل إلى القطار، أو تحايل على نحو ما للركوب دون دفع الأجرة، ربما للذهاب إلى ملتقى الطرق. دون أن يدقق فيه، أخذ فكرة عامة عن مظهر الصبي، الذي كان يرتدي ملابس رثة وغير مهندمة جدًّا بحيث لا يمكن أن يكون ذاهبًا في رحلة سفر حقيقية. ثم نظر إليه، ورأى أن الصبي كان يحمل تذكرة، مثلما كانا يحملان.
في ليالي الشتاء عندما كانوا يسيرون إلى حلبة التزلج، لم ينعما النظر بعضهم في بعض كثيرًا. في ضوء مصابيح الشارع، كانوا يشاهدون ظلالهما المتحولة على الثلج. داخل الحلبة، كان القمر الاصطناعي يبدل الألوان ويخفي بعض المناطق على نحو شبه كامل؛ لذا، لم ترسل الملابس التي كان هذا الصبي يرتديها أي رسالة خاصة يمكن أن يتلقياها. اللهم إلا أنها لم تكن الملابس المعتادة في رحلة سفر؛ حذاء مطاطي طويل العنق، وبنطال ثقيل عليه بقع زيت أو طلاء، وسترة قصيرة ممزقة تحت إحدى الأذرع وثقيلة أكثر مما ينبغي بالنسبة إلى طقس اليوم، وقبعة كبيرة غير ملائمة.
كيف مرت كالي على ناظر المحطة وهي مرتدية تلك الملابس؟ ناظر المحطة نفسه الذي كان ينظر إلى سام وإدجار على نحو متفحِّص — والذي كان يريد أن يعرف أين كانا يخططان أن يمكثا ومن كانا سيقابلان — سمح لهذه الفتاة الغريبة، القذرة، رثة الثياب، المتنكرة في شكل صبي بشراء تذكرة (إلى تورونتو؛ كان هذا تخمين كالي، وكان تخمينها صائبًا) والسير إلى الرصيف دون أن يتوجه أحد إليها بكلمة، بسؤال. ساهم هذا في شعور الصبيين، عندما تعرفا عليها، بأنها كانت تمتلك قوى لا تقل عن كونها قوى سحرية. (ربما شعر إدجار، على وجه الخصوص، بذلك.) كيف عرفتْ بالأمر؟ ومن أين حصلتْ على المال؟ وكيف جاءت إلى هنا؟
لم يكن أيٌّ من ذلك مستحيلًا. عادت حاملةً البقالة وصعدت إلى السقيفة. (لماذا؟ لم تقل.) وجدت الرسالة وحزرت في الحال أنهما ما كانا ليعودا إلى موطنهما وما كانا ليوقفا سيارة على الطريق السريع ليركباها إلى المكان الذي سيتوجهان إليه. علمت بموعد رحيل القطار. كانت تعرف وجهتي القطار، ستراتفورد وتورونتو. سرقت المال من أجل شراء تذكرتها من الصندوق المعدني الموجود تحت كتب الترانيم عند مقعد البيانو. (لم تكن الآنسة كرناجان، بالطبع، تثق بالبنوك.) عند وصولها إلى المحطة وشراء تذكرتها، كان القطار قادمًا وكان لدى ناظر المحطة الكثير من الأشياء التي تشغله؛ فلا يوجد وقت لطرح الأسئلة. كان ثمة الكثير من الحظ — توقيت محظوظ وتقدير محظوظ في كل خطوة — وكان هذا كل ما في الأمر. لم يكن في الأمر أي قوى سحرية.
لم يستطع سام وإدجار التعرف على الملابس، ولم يكن ثمة حركة أو إشارة خاصة نبهتهما. الصبي كالي جلس ناظرًا من النافذة، يشيح برأسه بعيدًا عنهما قليلًا. لم يعرف سام متى عرف تحديدًا للمرة الأولى أن الصبي لم يكن إلا كالي، أو كيف جاءت تلك المعلومة إلى ذهنه، وما إذا كان قد نظر إلى إدجار أم كان يعرف ببساطة أن إدجار عرف الشيء ذاته وفي الوقت نفسه. بدت تلك المعلومة طائرة في الهواء، في انتظار من يمسك بها. مروا بممر طويل، تكسو جانبيه الحشائش، وعبروا جسر سيدار بوش، الجسر نفسه الذي تحدى صبية البلدة بعضهم بعضًا في تسلقه والتعلق بالدعائم تحت العوارض بينما يمر القطار فوق رءوسهم. (هل كانت كالي ستفعل ذلك إذا تحدياها في فعل ذلك؟) بحلول وقت عبور هذا الجسر، عرفا كلاهما أن كالي هي من كان يجلس إلى الجانب المقابل منهما. وكلٌّ منهما كان يعرف أن الآخر يعرف.
تحدث إدجار أولًا. قال: «هل تريدين الانتقال والجلوس إلى جانبنا؟»
نهضت كالي وسارت عبر الممر، جالسةً إلى جانب إدجار. كانت لا تزال تتصنع نظرة الصبي؛ نظرة ليس فيها ذلك المكر أو الميل إلى العراك اللذان يميزان نظرتها المعتادة. كانت صبيًّا ظريفًا، هادئ المُحيَّا.
كان سام هو من تحدثت إليه قائلة: «هل تمانع في الجلوس في الجانب العكسي؟»
قال سام لا.
ثم، سألتهما عما يوجد في الأكياس، فتحدث كلاهما في آن واحد.
قال إدجار: «قطط ميتة.»
قال سام: «الغداء.» •••
لم يشعرا كما لو كان قد تم الإمساك بهما. فهِما على الفور أن كالي لم تأت حتى تعود بهما مرة أخرى. كانت قد جاءت للانضمام إليهما. في ملابس الصبية هذه التي كانت ترتديها، كانت تذكرهما بليالي الحظ والمكر الباردة، الخطة التي نُفذت دون أي تعثر، التزلج المجاني، السرعة والمتعة، الخداع والسرور. عندما يسير كل شيء على ما يرام، فلم يكن من الممكن أن يحدث أي شيء خطأ، وكان النصر مؤكدًا، وجميع التحركات في وقتها تمامًا. بدت كالي، التي استقلت هذا القطار عن طريق سرقة المال وارتداء ملابس صبية، كما لو كانت تبعد عنهما التهديدات بدلًا من أن تلوِّح بها في وجهيهما. حتى سام توقف عن التفكير فيما كانا سيفعلانه في تورونتو، وعما إذا كانت أموالهما ستكفيهما أم لا. لو كان عقله يعمل على النحو المعتاد، لكان سيرى في وجود كالي مصدرًا لكل أنواع المتاعب بمجرد النزول إلى العالم الواقعي، لكنه لم يكن يعمل على النحو المعتاد ولم ير في أي شيء مصدرًا للمتاعب. في تلك اللحظة، رأى قوة — قوة كالي، التي لم تقبل بأن تتخلَّف — موَّزعة في سخاء عليهم جميعًا. كانت اللحظة عامرة بالقوة، فيما يبدو، وبالاحتمالات. لكن لم يكن هناك إلا شعور بالسعادة. سعادة فقط في حقيقة الأمر.
هكذا كانت الكيفية التي تنتهي بها دومًا قصص سام، التي كانت تتغاضى عن بعض التفصيلات والأسباب في الطريق. إذا سُئل كيف سارت الأمور بعد ذلك، فربما يقول: «حسنًا، كان الأمر أكثر تعقيدًا بقليل مما توقعنا، لكن الأمور انتهت على ما يرام.» بعبارة أخرى، وعلى نحو أكثر تحديدًا، لم يأخذ الموظف بجمعية الشبان المسيحيين، الذي كان يأكل شطيرة بيض بالبصل، أكثر من دقيقتين لاكتشاف أنه يوجد شيء غريب في كالي. أسئلة. أكاذيب، ملاحظات ساخرة، تهديدات، مكالمات هاتفية. اختطاف قاصر. محاولة إدخال فتاة إلى جمعية الشبان المسيحيين لأغراض غير أخلاقية. أين والداها؟ من يعلم أنها هنا؟ من أعطاها الإذن؟ من يتحمل المسئولية؟ رجل شرطة في المشهد. رجلا شرطة. اعتراف كامل ومكالمة هاتفية، ويتذكر ناظر المحطة كل شيء. يتذكر الأكاذيب. اكتشفت الآنسة كرناجان اختفاء المال وقالت إنها لن تسامحها أبدًا. ولا تريد أن تراها مرة أخرى. لقيطة ولدت في بهو فندق، أبواها على الأرجح لم يكونا متزوجين، أُخذت وجرى إيواؤها، جحود، حقد. ليكن هذا درسًا. عار من كافة الأوجه، حتى رغم أن كالي ليست قاصرًا.
بعبارة أخرى، وبالإضافة إلى ذلك، واصل الجميع حياته، وحدثت أشياء كثيرة. ظن هو، حتى في تلك الأيام المرتبكة والمهينة الأولى في تورونتو، أن مكانًا كهذا — الذي توجد به ظلال في وقت الظهر في شوارع وسط البلدة الخفيضة الضيقة الخاصة به، وشركاته المزينة في فخامة، وحركة وصلصلة الترام المنتظمة — يمكن أن يكون المكان الملائم له. مكان للعمل وصناعة الثروات. لذا بقي، ومكث في جمعية الشبان المسيحيين، حيث سرعان ما نُسيت مشكلته — مشكلته ومشكلة إدجار وكالي — وحدث شيء آخر في الأسبوع التالي. حصل على وظيفة، وبعد عدة سنوات رأى أن هذا ليس مكان صناعة الثروات بل الغرب هو المكان الذي تُصنع الثروات فيه. لذا انتقل إليه.
عاد إدجار وكالي إلى المنزل في المزرعة للعيش مع والدي إدجار. لكنهما لم يمكثا طويلًا. وجدت الآنسة كرناجان أنها لا تستطيع إدارة الأمور في نُزلها بدونهما. •••
يقع متجر كالي في بناية تملكها هي وإدجار. متجر للمنتجات الرخيصة ومحل لتصفيف الشعر في الطابق السفلي، أما عن موضع إقامتهما، ففي الدور العلوي. (يوجد محل تصفيف الشعر مكان متجر البقالة الذي كان سام وإدجار معتادين على شراء عبوات تارت المربى منه. تقول كالي: «لكن من يريد أن يسمع عن هذا الأمر؟ … من يريد أن يسمع عما كانت عليه الأمور في الماضي؟»)
تشكَّلت فكرة سام عن الذوق الجيد من خلال الألوان الرمادية، والبيضاء، والزرقاء، والخطوط المستقيمة، والزهريات المفردة التي كانت زوجته تستخدمها. مكان إقامة كالي في الدور العلوي رائع. ستائر مسدلة من القماش المطرز ذهبي اللون لتوحي بوجود نافذة كبيرة خلفها لكن لا توجد نافذة في واقع الأمر. بساط مخملي ذهبي اللون، سقف مغطًّى بالجص الأبيض الخشن تتلألأ النجوم فيه. أحد الجدران عبارة عن مرآة حوافها ذات لون ذهبي باهت يرى سام عروقًا من الخطوط السوداء والفضية تتقاطع على جسده. تتدلى المصابيح من سلاسل، في كرات من الزجاج كهرماني اللون.
في وسط هذا يجلس إدجار، مثل قطعة ديكور ملمَّعة، لا يتحرك إلا نادرًا. من بين ثلاثتهم، حافظ على مظهره على أفضل ما يكون. كان لدى إدجار الكثير مما يجب الحفاظ عليه. فهو طويل، ضعيف البنية، متأنق في مظهره وملبسه. تحلق له كالي ذقنه. تغسل له شعره يوميًّا، وهو أبيض، ولامع مثل شعر الملائكة على أشجار الكريسماس. كان يستطيع ارتداء ملابسه بنفسه، لكنها كانت تلبسه كل شيء؛ البناطيل، الجوارب، رابطات العنق ومناديل الجيب المتوافقة معًا، القمصان الناعمة التي باللون الأزرق الغامق أو العنابي، وهو ما كان يُحدث توازنًا بين لون خديه القرنفلي ولون شعره.
تقول كالي: «أصيب بثقل بسيط في حركة اللسان … قبل أربع سنوات في شهر مايو. لم يفقد القدرة على الكلام أو أي شيء آخر، لكنني اصطحبته إلى الطبيب وأكد لي أنه يعاني من ثقل بسيط في حركة اللسان. لكنه بصحة جيدة. هو بخير.»
سمحت كالي لسام باصطحاب إدجار في نزهة سير. هي تقضي معظم وقتها في المتجر. وينتظر إدجار في الطابق العلوي أمام التليفزيون. يعرف سام، ويبدو سعيدًا لرؤيته. يومئ برأسه على الفور عندما يقول له سام: «ستضع معطفك أولًا ثم سنخرج.» يجلب سام معطفًا جديدًا ذا لون رمادي فاتح، وقبعة رمادية من خزانة الملابس، ثم، بعد إعادة تفكير، حذاءً فوقيًّا مطاطيًّا لحماية حذاء إدجار اللامع.
سأله سام: «هل أنت مستعد؟» لكن إدجار أومأ إيماءة مفادها: «انتظر لحظة.» يشاهد امرأة شابة جميلة تستضيف سيدة عجوزًا. تصنع السيدة العجوز العرائس. العرائس مصنوعة من العجين. على الرغم من أنها ذات أحجام مختلفة، فترتسم على ملامحها جميعًا التعبير نفسه، الذي هو، في رأي سام، تعبير أبله. يبدو إدجار منجذبًا تمامًا لشكل العرائس. أو ربما هو منجذب للمرأة التي تجري المقابلة، ذات الشعر الذهبي المهوَّش.
ينتظر سام حتى ينتهي البرنامج. ثم تأتي نشرة الأحوال الجوية، ويشير إليه إدجار أن يجلس. هذا منطقي؛ حتى يعرفا الحال الذي سيكون عليه الجو قبل أن يشرعا في رحلة سير. ينوي سام التوجه إلى شارع أورانج — حيث حل مجمع خاص بكبار السن محل حلبة التزلج وأشجار الكرز — ثم يتوجهان إلى نُزل كرناجان وباحة انتظار شركة كنديان تاير. بعد نشرة الأحوال الجوية، يظل سام جالسًا يشاهد الأخبار؛ نظرًا لأنه يوجد شيء حول قانون ضريبي جديد يثير اهتمامه. تواصل الإعلانات التجارية مقاطعة نشرة الأخبار، بالطبع، ولكن تنتهي نشرة الأخبار أخيرًا. ثم يأتي حوار مع بعض المتزلجين البارزين. وبعد مرور ساعة أو ما يقرب من ذلك، يدرك سام عدم وجود أي أمل في زحزحة إدجار من أمام التليفزيون.
كلما تحدث سام بأي شيء، كان إدجار يرفع يده، كما لو أنه يقول له إنه سيستمع إليه في غضون دقيقة. لا ينزعج أبدًا. يمنح كل شيء القدر نفسه من الانتباه القانع. يبتسم وهو يشاهد المتزلجين في زيهم اللامع. يبدو بريئًا مثل الطفل، ولكن يلمس سام شعورًا بالرضا لديه.
توجد على رف المدفأة الديكوري أعلى المدفأة الكهربية صورة فوتوغرافية لكالي وإدجار بملابس الزفاف. طرحة كالي، على غرار طراز زمن قديم مضى، مرتبطة بقبعة مزينة باللؤلؤ ومسدلة على جبهتها. تجلس في مقعد ذي ذراعين، ذراعاها مزدانتان بالورود، ويقف إدجار خلفها شامخًا ونحيفًا.
يعرف سام أن هذه الصورة لم تُلتقط يوم زفافهما. كان الكثير من الناس في تلك الأيام يضعون ملابس زفافهم ويذهبون إلى استوديو المصور في مناسبة لاحقة. لكن لم تكن هذه حتى ملابس زفافهما. يتذكر سام أن امرأة لها علاقة بجمعية الشبان المسيحيين اشترت لكالي فستانًا، وكان ثوبًا لا طراز له ذا لون قرنفلي باهت. لم يكن إدجار يمتلك ملابس جديدة على الإطلاق، وتزوجا على عجل في تورونتو على يد قس لم يكن أيٌّ منهما يعرفه. الغرض من هذه الصورة هو أن يمنح انطباعًا مختلفًا تمامًا. ربما التُقطت بعد الزفاف بسنوات. تبدو كالي أكبر كثيرًا عما كانت عليه في يوم زفافها الحقيقي، وجهها أكثر عَرضًا، وثقلًا، وتحكمًا. في حقيقة الأمر، تشبه الآنسة كرناجان قليلًا.
ذلك هو الشيء الذي لا يمكن فهمه أبدًا؛ لماذا تحدَّث إدجار أثناء الليلة الأولى في تورونتو وقال إنه وكالي سيتزوجان. لم يكن ثمة ضرورة لذلك، أي ضرورة يمكن أن تكون واضحة لسام. لم تكن كالي حبلى، وفي حقيقة الأمر، بقدر ما يعرف سام، لم تصبح حبلى قط. ربما كانت نحيفة جدًّا، أو أنها لم تنمو بالشكل الطبيعي. مضى إدجار قدمًا وفعل ما لم يجبره أحد على فعله، حصل ما كان يهرب من أجله. هل كان يشعر بوخز الضمير؟ هل كان يشعر بأن ثمة أشياء لا يمكن الهروب منها؟ قال إنه وكالي سيتزوجان. لكن لم يكن ذلك ما كانا سيفعلانه، لم يكن ذلك ما يخططان له، بالتأكيد. عندما نظر سام إليهما في القطار، وضحك ثلاثتهم في ارتياح، لم يكن ذلك لأنهم كانوا يتوقعون نتيجة كهذه. كانوا يضحكون فقط. كانوا سعداء. كانوا أحرارًا.
إن خمسين عامًا فترة طويلة جدًّا بحيث لا يمكن للمرء أن يسأل عن الأمر، هكذا يحدِّث سام نفسه. وحتى في ذلك الوقت كان مندهشًا جدًّا. صار إدجار شخصًا لا يعرفه. انطوت كالي على نفسها، على حالتها الأنثوية المؤسفة. بقيت لحظة السعادة التي شاركهما فيها في عقله، لكنه لم يعرف قط ماذا يصنع بها. هل تعني مثل هذه اللحظات حقيقةً، مثلما تبدو، أننا نمتلك حياة سعيدة نصادفها عَرَضيًّا؟ هل تسلِّط هذه اللحظات هذا الضوء قبل وبعد كل ما حدث لنا في حياتنا — أو ما جعلناه يحدث — بحيث تجعلنا ننساه؟
عندما تصعد كالي السلالم، لا يشير إلى صورة الزفاف. تقول كالي: «أحضرت الكهربائي في الطابق السفلي … لذا، عليَّ أن أنزل مرة أخرى وأتابعه. لا أريده أن يجلس يدخن سيجارة ثم يطلب مني أموالًا كثيرة.»
يتعلم الأشياء التي يجب ألا يتحدث عنها. الآنسة كرناجان، النُّزل، حلبة التزلج. الأوقات الخالية. هذا العزف على نغمة الأوقات الخالية من قبل شخص كان بعيدًا لشخص ظل على حاله أمر مزعج؛ شكل بارع من أشكال الإهانة. وتتعلم كالي أنها يجب ألا تسأله كم تكلَّف منزله، كم تتكلف شقته في هاواي، وكم أنفق على الرحلات العديدة التي كان يذهب فيها في الإجازات وعلى زواج ابنته؛ باختصار، تتعلم أنها يجب ألا تعرف أبدًا كم يمتلك من أموال.
يستطيع أن يرى شيئًا آخر تتساءل بشأنه. يرى السؤال يغوص أكثر في التجويفين العميقين، المطليين باللون الأزرق حول عينيها، عينيها التي تُطل منهما الآن حياة كاملة من الجهود والحسابات الناجحة.
ماذا يريد سام؟ ذلك ما تتساءل كالي بشأنه.
يحدث نفسه بأن يخبرها أنه ربما يمكث حتى يعرف. ربما يصبح أحد المقيمين في المنزل.
يقول سام: «لم يبدُ أن إدجار كان يريد الخروج … لم يكن يبدو أنه يريد الخروج على أي حال.»
تقول كالي: «لا … لا. هو سعيد هكذا.»
مسيرة الحب |
جسي وميريبيث
في المدرسة الثانوية، كانت تجمعني علاقة صداقة رقيقة، وفية، مملة بفتاة اسمها ماريبيث كروكر. استسلمتُ تمامًا لتلك الصداقة وأخلصتُ لها جدًّا، مثلما كنت أستسلم للمياه الدافئة، الضحلة، العكرة نسبيًّا في نهر ميتلاند في الصيف، عندما كنت أرقد على ظهري، وأحرك فقط يديَّ وقدميَّ، وأدع نفسي أُحمل في التيار.
بدأت هذه الصداقة ذات يوم خلال حصة الموسيقى، عندما لم يكن ثمة كتب أغانٍ كافية وطُلب منا أن نقسم أنفسنا إلى أزواج لنتشارك الكتب المتاحة؛ بالطبع مع مراعاة أن يكون الصبية مع الصبية، والفتيات مع الفتيات. كنت أبحث حولي عن فتاة لم تكن لديها صديقة تجالسها، ووجدت ماريبيث وقد جاءت وجلست بالمقعد الذي بجانبي. كانت جديدة في المدرسة آنذاك؛ وكانت قد أتت لتعيش مع أختها بياتريس، التي كانت تعمل ممرضة في المستشفى المحلي. كانت أمهما ميتة، وكان أبوهما قد تزوج مرة أخرى.
كانت ماريبيث فتاة قصيرة، ممتلئة قليلًا لكن قوامها كان رشيقًا، ذات عينين كبيرتين يتراوح لونهما بين البندقي المخضر والبني الداكن، وبشرة داكنة قليلًا خالية تمامًا من البثور أو النمش، وفم جميل يرتسم عليه عادة تعبير حيرة واستياء، كما لو كانت تستحضر ألمًا خفيًّا. كنت أستطيع شم رائحة الصابون الزهري الذي كانت تغتسل به. كان طِيبُ الرائحة يتخلل طبقات الغبار والمطهر والعرق، وروائح المدرسة القديمة؛ الملل الحالم، والقلق الساكن. شعرت بالدهشة، بل ربما بالرعب، عندما اختارتني تلك الفتاة. لأسابيع بعدها، كنت أستيقظ في الصباح وأنا سعيدة ولا أعرف السبب. ثم كنت أتذكر هذه اللحظة.
أنا وماريبيث كنا نتحدث عادة عن الأمر. قالت إن قلبها كان يخفق بقوة عند انسلالها في خفة إلى مقعدي، لكنها حدثت نفسها بأنها إما أن تفعل ذلك في ذلك الوقت أو لا تفعل على الإطلاق.
في الكتب التي كنت قد قرأتها خلال طفولتي، كانت الفتيات يرتبط بعضهن ببعض في صداقات تتكون بسرعة، وتستمر في إخلاص رائع. كن يعدن ألا تفشي إحداهن سر الأخرى أو تخفي أي شيء عنها، أو تكوِّن صداقة عميقة ودائمة مع فتاة أخرى. لم يكن الزواج يحدث أي فارق في تلك الصداقات. كن يكبرن ويقعن في الحب ويتزوجن، لكنهن كن يظللن في قلوب بعضهن يحتللن أعلى مكانة. كن يسمين بناتهن بأسماء بعضهن، وكن على استعداد للعناية بعضهن ببعض خلال فترات الإصابة بالأمراض المعدية أو للحنث باليمين في المحاكم من أجل خاطر بعضهن. كان هذا هو الميثاق المهيب للإخلاص، العلاقة العاطفية المعلنة التي أحتاج إليها الآن، أو أظنها ملائمة، والتي فرضتها على ماريبيث. أقسمنا على إخلاص كلٍّ منا للأخرى ووعدنا بأن نفعل ذلك، وأن تكون كلٌّ منا محل ثقة الأخرى. كانت على قدر المسئولية؛ فقد كانت طبيعتها رقيقة. كانت تفضل أن تحتضنني وتشبك يدها في يدي عندما كانت تفكر في شيء حزين أو مخيف.
في ذلك الخريف الأول سرنا خارج البلدة بحذاء خطوط السكك الحديدية وأخبرت كلٌّ منا الأخرى عن جميع الأمراض أو الحوادث التي مرت بها في حياتها، وعن الأشياء التي تخاف منها، وعن الألوان، والجواهر، والزهور، ونجوم السينما، وأصناف الحلويات، والمشروبات، ونكهات الآيس كريم المفضلة لديها. حددنا عدد الأطفال الذين سننجبهم ونوعهم، وماذا ستكون أسماؤهم. تحدثنا أيضًا عن لون شعر وعيون زوجينا وماذا نحب أن يعملا. كانت ماريبيث خائفة من الأبقار في الحقول، والثعابين المختفية ربما بين خطوط السكك الحديدية. ملأنا يدينا بالحرير من أغلفة نباتات الصقلاب المفتوحة، أكثر الأشياء نعومة على الإطلاق على وجه الأرض، ثم تركناه لينسدل على الحشائش الجافة الأخرى، كقطع من الثلج أو الزهور.
قلت لماريبيث: «هذا ما تُصنع منه المظلات في الحرب.» لم يكن هذا صحيحًا، لكنني كنت أعتقد هذا.
في بعض الأحيان، كنا نذهب إلى المنزل حيث كانت ماريبيث تعيش في حجرة مشتركة مع بياتريس. كنا نجلس في الشرفة الخارجية نحيك أو نصعد إلى غرفتهما. كان المنزل كبيرًا، بسيطًا، مطليًّا باللون الأصفر، وكانت تبدو علامات الإهمال عليه. كان يقع في شارع متفرع من الشارع الرئيسي. كان مالكا المنزل رجلًا كفيفًا وزوجته، وكانت لديهما حجرتان في الجزء الخلفي من المنزل. كان الرجل الكفيف يجلس ويقشِّر البطاطس لزوجته، أو كان يحيك بعض مناديل المائدة ومفارش التسريحات التي كانت تذهب بها إلى المتاجر في البلدة وتحاول أن تبيعها.
ربما تتحدى الفتيات في المنزل بعضهن في النزول إلى الأسفل والتحدث إلى الرجل الكفيف عندما تكون زوجته في الخارج. كن يتحدين بعضهن في أن ينزلن إلى أسفل مرتديات حمالات الصدر والسراويل الداخلية فقط، أو لا شيء على الإطلاق. كان يبدو أنه يعرف أي نوع من الألعاب كن يمارسن. كان يقول: «هيا تعالي هنا … اقتربي، لا أستطيع سماعك.» أو كان يقول: «هيا تعالي ودعيني ألمس ثوبك. دعيني أرَ هل كنت أستطيع معرفة لونه.»
لم تكن ماريبيث لتلعب تلك اللعبة؛ كانت تكره حتى أن تسمع بها. كانت تعتقد أن بعض الفتيات كن مثيرات للغثيان.
كانت الفتيات اللائي يعشن معها في حالة شجار دائم. كن يتشاجرن، ويشكِّلن تحالفات، ويمْررن بنوبات لا يتبادلن الحديث فيها مع بعضهن البعض. ذات مرة، انتزعت فتاة كتلة من الشعر من رأس فتاة أخرى لاختلافهن حول طلاء أظافر.
كانت تُلصق ملحوظات حادة اللهجة ومنذرة على خزانة الأدوية في الحمام: «يجب أن تجف السترات في غرفة صاحبتها؛ نظرًا للرائحة العفنة التي تفوح منها مع جفاف الصوف. عناية، إيه إم وإس دي.» «إلى من يهمه الأمر، شممت رائحة عطري «إيفينينج إن باريس» تفوح منك، وأنا لا أشعر بالرضا عن ذلك. يمكنك أن تشتري زجاجة خاصة بك. تحياتي، بي بي.»
كانت الأشياء تغسل دومًا: الجوارب، وحمالات الصدر، وأربطة الجوارب الطويلة، والسترات، وبالطبع، الشعر. لا يمكن أن يتحرك المرء في الحمام دون أن يضرب وجهه شيء.
كان الطهو يجري على موقد تسخين. كانت الفتيات اللائي يدخرن المال لشراء أشياء لجهاز زواجهن، أو للانتقال إلى المدينة، يطهون وجبات كرافت سريعة التحضير. كانت فتيات أخريات يشترين أطعمة جاهزة رائحتها شهية من المطعم الموجود على الناصية؛ بطاطس مقلية، شطائر هامبورجر، شطائر هوت دوج ضخمة، كعكًا محلى. كانت الفتيات اللائي يتبعن نظامًا غذائيًّا يلقين بالسباب ويغلقن أبوابهن بعنف عند صعود هذه الروائح إلى أعلى.
من وقت إلى آخر كانت بياتريس، أخت ماريبيث، تتبع نظامًا غذائيًّا. كانت تشرب الخل حتى تفقد شهيتها. كانت تشرب الجليسرين لتقوية أظافرها.
قالت ماريبيث: «تريد أن يكون لها صديق؛ يشعرني هذا بالغثيان.»
عندما كانت ماريبيث وبياتريس صديقتين، كانت كلٌّ منهما تقترض ملابس الأخرى دون استئذان، كانتا تتحاضنان في الفراش، وكانت كل واحدة منهما تخبر الأخرى كيف كان شعرها يبدو من الخلف. عندما تخاصمتا، توقفتا عن الحديث فيما بينهما. في ذلك الوقت كانت ماريبيث تطهو حلوى عبارة عن خليط من السكر البني، والزبد، وجوز الهند، على موقد التسخين، وتلوِّح بالقدر النافذ الرائحة تحت أنف بياتريس قبل أن نبدأ أنا وهي في تناوله بالملاعق. أو كانت تذهب إلى المتجر وتشتري كيسًا من حلوى المارشملو، التي كانت تزعم أنها حلوى بياتريس المفضلة. كان الهدف أن تأكل هذه الأشياء أمامها. لم أكن أحب أن أتناول حلوى المارشملو دون تجهيز — كان قوامها المنتفخ الهش يثير اشمئزازي قليلًا — لكن كانت ماريبيث تقذف بقطعة منها في فمها وتحتفظ بها هناك مثل قطعة فلين، مادَّةً وجهَهَا أمام وجه بياتريس لإغاظتها. لا أعرف تمامًا كيف أتصرف في تلك الأوقات؛ لذلك، كنت أقلِّب في الأشياء في خزانة الملابس.
لم يكن والد ماريبيث يرغب في أن تعيش معه، إلا أنه كان يعطيها أموالًا كثيرة لشراء الملابس. كان لديها معطف شتوي داكن الزرقة ذو ياقة من الفرو كنت أظنه معطفًا فاخرًا. كانت لديها العديد من البلوزات ذات الأربطة، التي كانت موضة تلك الأيام؛ بألوان: قرنفلي، وأصفر، وموف، وأزرق سماوي، وليموني. ومجموعة من الأساور الفضية الرائعة. أتذكر تنورتين مكشكشتين، إحداهما باللونين الأزرق الداكن والأبيض، والأخرى باللونين الفيروزي والأحمر الكرزي. كنت أنظر إلى جميع هذه الأشياء بعين الإعجاب أكثر من عين الحسد. كنت أدلي الأساور الثقيلة بين أصابعي، وأتفحص علب البودرة الفاخرة وملاقط الحواجب. لم يكن مسموحًا لي أن أنتزع الشعر من حاجبيَّ، وكان عليَّ أن أضع المكياج في الحمام في مقر مجلس البلدة في الطريق إلى المدرسة. خلال العام الدراسي، كنت أعيش في البلدة مع عمتي إنا، التي كانت متشددة. كل ما كان لدي كبودرة تجميل هو إسفنجة من الفلانيلة، مظهرها غاية في البؤس. إلى جانب ماريبيث، كنت أشعر، كما لو كنت قطعة عمل خام، برجليَّ القويتين وصدري الضخم؛ خام، ومتعرقة، ولا أرتدي ملابس جيدة، لا أثير الانتباه، ممتنة. وفي الوقت نفسه، على نحو طبيعي، وغير منطوق، وعفوي — لم أكن أستطيع التحدث أو التفكير في الأمر — كنت أرقى منها.
بعد إجازات الصيف، التي كانت تقضيها مع أبيها وزوجة أبيها في تورونتو، قالت ماريبيث إننا يجب ألا نسير مرة أخرى على قضبان السكة الحديدية؛ إذ إن ذلك قد يجلب لنا سمعة سيئة. قالت إن الموضة الجديدة ارتداء وشاح فوق الرأس، حتى في الأيام المشمسة، وجلبت عدة قطع قماش شفافة لهذا الغرض. أشارت عليَّ أن أختار من بينها، فاخترت القطعة القرنفلية المائلة إلى الاحمرار، فصاحت في إعجاب: «أوه، هذه هي أجملها!» لذا، حاولت أن أعيدها إليها. تبادلنا حديثًا مجاملًا، ثم انتهى بي المطاف بالاحتفاظ بالقطعة التي اخترتها.
أخبرتني عن الأشياء المعروضة في متجرَي إيتونز وسيمبسونز، وكيف أن كعب حذائها كاد يعلق في أحد المصاعد، وعن بعض الأشياء غير اللطيفة التي قالتها لها زوجة أبيها، وقصص الأفلام التي شاهدتها. كانت قد تجولت كثيرًا في المعرض الوطني الكندي ما جعلها تشعر بالغثيان، واقترب منها رجل في عربة ترام، كان يرتدي حُلة رمادية وقبعة رمادية، وعرض عليها أن يصطحبها إلى حديقة حيوان ريفرديل.
في بعض الأحيان الآن، أشعر أن نفسي كانت تنسل مني حين كانت ماريبيث تتحدث. أشعر بأن أفكاري تشرد مني مثلما كان يحدث في المدرسة أثناء شرح مسألة رياضية، أو عند بداية الصلاة الطويلة قبل الموعظة في الكنيسة. لم يكن الأمر أنني كنت أريد أن أكون في مكان آخر، أو حتى أبقى وحدي. كنت أفهم أن الصداقة هكذا تكون.
كنا قد قررنا تغيير هجاء اسمينا. أصبح هجاء اسمي جسي بدلًا من جيسي، واسمها ميريبيث بدلًا من ماريبيث. وقعنا باستخدام هذه الأسماء على أوراق الاختبار في المدرسة.
لوَّحت المُدرسة بورقتي في الهواء. قالت: «لا أستطيع أن أمنح درجة لهذا الشخص؛ لأنني لا أعرف من هو. من هذا الذي يدُعى جسي؟» تهجت الاسم بصوت مرتفع. «هذا اسم صبي. هل يعرف أحد هنا صبيًّا اسمه جسي؟»
لم تقل كلمة واحدة عن اسم ميريبيث. والأسباب واضحة؛ كانت ماريبيث مفضلة لدى الجميع، بالنظر إلى مظهرها، وملابسها، ووضعها الغريب، فضلًا عن صوتها الناعم، الجذاب، وأسلوبها المهذب. كانت الفتيات الفظَّات والمدرسات الناقدات يحبونها. كان الصبية أيضًا، بالطبع، منبهرين بها، لكنها قالت إن أختها لن تسمح لها بالخروج معهم. لم أكن أعرف قط إن كان هذا صحيحًا أم لا. كانت ماريبيث بارعة في ابتداع الأكاذيب الصغيرة، وفي رفض عروض الآخرين بأدب.
تخلت عن هجاء اسمها بالطريقة الجديدة، حيث إنني لم يكن مسموحًا لي بتغيير هجاء اسمي. لكننا واصلنا استخدام الهجاء الجديد عندما كنا نوقِّع ملحوظاتنا التي ترسلها إحدانا للأخرى، أو نتبادل الرسائل في الصيف. •••
عندما كنت في منتصف العام الدراسي في السنة الثالثة في المدرسة الثانوية، جلبت لي عمتي إنا وظيفة. كنت سأعمل لدى الزوجين كرايدرمان، يومين في الأسبوع، بعد المدرسة. كانت العمة إنا تعرف الزوجين كرايدرمان؛ لأنها كانت المسئولة عن التنظيف لديهما. كنت سأقوم ببعض أعمال الكي والترتيب، وكنت سأعد الخضراوات للعشاء.
قالت العمة إنا: «هذا هو الغداء بالنسبة إليهما.» في نبرة رتيبة لا يستطيع المرء من خلالها تحديد ما إذا كانت تنتقد الزوجين كرايدرمان لتصنُّعهما، أم كانت تقر بعلو مكانتهما ما منحهما الحق في اختيار ما يريدانه من ألفاظ، أم أنها أرادت ببساطة أن تشير إلى أن أيًّا ما كانا يقولانه أو يفعلانه كان يقع تمامًا خارج نطاق فهمها ويجب أن يكون خارج نطاق فهمي.
كانت العمة إنا عمة أبي، وكانت طاعنة في السن. كانت معروفة في البلدة بأنها مسئولة النظافة، مثلما هو الحال بالنسبة لطبيب أو مدرس موسيقى المدينة. كانت محل احترام الجميع. لم تكن تقبل بقايا الطعام، مهما كان شهيًّا، ولم تكن تأخذ إلى المنزل الملابس القديمة، مهما كانت حالتها جيدة. كان كثير من النساء اللائي كانت تعمل لديهن يشعرن بالتزامهن بالقيام ببعض أعمال التنظيف السريعة قبل وصولها، وكن يلقين زجاجات الشراب الفارغة في القمامة. لم يكن ذلك يخدع العمة إنا.
كانت هي وابنتها فلوريس، وابنها جورج، يعيشون في منزل ضيق منظَّم يقع في شارع منحدر، تلتصق المنازل فيه بشدة وتكون قريبة جدًّا من الشارع حتى إن المرء يكاد يلمس درابزين الشرفة الخارجية من الرصيف. كانت غرفتي خلف المطبخ؛ حجرة تخزين سابقًا، ذات جدران مصنوعة من ألواح معشَّقة بلون أخضر فاتح. حاولت أن أعد الألواح الخشبية أثناء رقودي في الفراش، لكنني كنت أستسلم دومًا. في وقت الشتاء، كنت آخذ جميع ملابسي إلى الفراش في الصباح وكنت أرتدي ملابسي تحت الأغطية. فلم تكن ثمة وسيلة للتدفئة في غرفة التخزين.
عادت العمة إنا إلى المنزل منهكة تمامًا جراء ممارسة سلطتها في جميع أنحاء البلدة. لكنها تحاملت على نفسها، ومارست هذه السلطة علينا أيضًا. جعلتنا نفهم — أنا وفلوريس وجورج — أننا جميعًا أشخاص راقون على الرغم من فقرنا النسبي، أو ربما بسببه. جعلتنا نفهم أننا يجب أن نؤكد على هذه المسألة كل يوم في حياتنا من خلال تنظيف أحذيتنا والتأكد من أن جميع أزرار ملابسنا مكتملة ومربوطة، ومن خلال عدم استخدام اللغة الفظة، من خلال عدم التدخين (في حالة النساء)، من خلال الحصول على درجات مرتفعة (في حالتي أنا)، ومن خلال عدم الاقتراب من المشروبات الكحولية أبدًا (بالنسبة للجميع). لا يوصي أحد اليوم باتباع مثل هذا التشدد، والحرص الشديد، والأدب القديم. وأنا بالطبع كذلك، لكنني لا أعتقد أنني كنت أعاني كثيرًا من ذلك. تعلمت كيف أتهرب من بعض تلك القواعد وأتعايش مع أخرى، وعلى وجه العموم كنت أعتقد أن رقيًّا يعتمد على أفكار متشددة كهذه أفضل حالًا من عدم وجود رقي على الإطلاق. ولكنني لم أكن أخطط للاستمرار في العيش هناك، مثل جورج وفلوريس.
كانت فلوريس قد تزوجت مرة لفترة قصيرة، لكن لم يبدُ أنها اكتسبت أي ميزة من هذا الزواج. كانت تعمل في متجر الأحذية، وكانت تتدرب على الإنشاد الكنسي، وكانت مدمنة لعب أحجيات الصور المقطعة، خاصة النوع الذي كان يستحوذ على مساحة كبيرة من منضدة اللعب. على الرغم من أنني كنت ألح عليها في ذلك، فلم تكن تخبرني كثيرًا بما يرضيني عن علاقتها الحميمية أو زواجها أو موت زوجها الشاب جراء تسمم الدم؛ وهي قصة كنت أحب أن أرويها، لتقابل قصة ماريبيث المأساوية حقًّا حول وفاة أمها. كانت فلوريس تمتلك عينين كبيرتين زرقاوين مائلتين إلى الرمادي، كانتا على مسافتين كبيرتين إحداهما من الأخرى حتى ليظن المرء أنهما كانتا تنظران في اتجاهين مختلفين. كان ثمة تعبير بالاغتراب وقلة الحيلة فيهما.
لم يجتز جورج الصف الرابع في دراسته. كان يعمل في مصنع البيانو، حيث كان يرد دون إبداء أي تذمر أو حرج على من يناديه بالغبي. كان غاية في الخجل والهدوء بحيث تبدو فلوريس، التي كانت تتذمر في وهن، أكثر جرأة مقارنة به. كان يقطع الصور من المجلات ويثبتها بدبابيس في كل مكان في غرفته؛ ليست صور فتيات جميلات عاريات لكنها صور أشياء كان يحب شكلها: طائرات، كعك شوكولاتة، البقرة إلسي التي هي شعار منتجات ألبان بوردن. كان يستطيع ممارسة لعبة الداما الصينية، وفي بعض الأحيان كان يدعوني لمشاركته اللعب. عادة، كنت أخبره بأنني مشغولة جدًّا.
عندما دعوت ماريبيث إلى منزلي لتناول العشاء، انتقدت العمة إنا الضوضاء التي كانت الأساور التي ترتديها تتسبب فيها عند ارتطامها بالمنضدة، وكانت تتعجب من كيف أن فتاة في عمرها كان مسموحًا لها أن تهذب شعر حاجبيها. قالت أيضًا — في نطاق سمع جورج — إن صديقتي فيما يبدو لا تتمتع بذكاء كبير. لم أندهش. ولم نكن ننتظر أنا أو ماريبيث أي شيء إلا اتصالًا مع عالم البالغين غاية في الاصطناع، والألم، والرسمية. •••
كان منزل الزوجين كرايدرمان لا يزال يسمى منزل ستيور. وحتى وقت قريب، كانت السيدة كرايدرمان تُسمى إيفانجلين ستيور. كان قد شيَّد المنزل دكتور ستيور، أبوها. تم تشيده متراجعًا عن حدود الشارع على مصطبة ممهدة، مشيَّدة، ولم يكن كأي منزل في البلدة. في حقيقة الأمر، لم يكن كأي منزل رأيته من قبل على الإطلاق، وكان يبدو لي دائمًا كمصرف أو مبنًى حكومي مهم. كان مكونًا من طابق واحد، مستوي السطح، ذي نوافذ فرنسية خفيضة، أعمدة كلاسيكية، وسور حول السطح يوجد وعاء ديكوري في كل ركن من أركانه. كانت الأوعية توجد على جانبي السلالم الأمامية أيضًا. كانت الأوعية، والسور، والأعمدة جميعها مطلية بلون أبيض كريمي، وكان المنزل نفسه مغطًّى بجص بلون قرنفلي فاتح. بحلول هذا الوقت، كان الطلاء والجص قد بدآ يتقشران ويتغير لونهما.
بدأتُ في الذهاب إلى هناك في فبراير. كانت الأوعية ملآنة حتى آخرها بالثلج مثل أطباق ملآنة بالآيس كريم، وكانت الأجمات المختلفة في الفناء تبدو كما لو أن بُسطًا من جلد دببة قطبية أُلقيت فوقها. كان ثمة ممر صغير ملتف إلى الباب الأمامي، بدلًا من الممر العريض النظيف الذي كان الناس يزيحون الثلج عنه.
قالت السيدة كرايدرمان: «لا يزيح السيد كرايدرمان الثلج؛ لأنه يعتقد أن هذا أمر عابر … يعتقد أنه سيستيقظ ذات صباح وسيكون الثلج قد اختفى، مثل الضباب. إنه ليس مستعدًّا للقيام بهذا!»
كانت السيدة كرايدرمان تتحدث بنبرة تأكيدية، كما لو كان كل شيء تقوله مهمًّا جدًّا، وفي الوقت نفسه جعلت كل شيء يبدو كمزحة. كانت هذه الطريقة في الحديث جديدة جدًّا بالنسبة لي.
بمجرد الدخول إلى المنزل، ما من سبيل لرؤية ما يحدث في الخارج، اللهم إلا من خلال نافذة المطبخ فوق الحوض. كانت السيدة كرايدرمان تقضي معظم وقتها في غرفة المعيشة، راقدة على الأريكة، تحيطها المرامد، والأقداح، والأكواب، والمجلات والوسائد من كل مكان. كانت ترتدي روبًا صينيًّا، أو روبًا طويلًا أخضر داكنًا من الصوف المزغب، أو سترة من الساتان الأسود المبطن — سريعًا ما تُلطَّخ بالرماد — وبنطال حَمْل. كانت السترة تنفتح وتكشف عن جانب من بطنها المنتفخ بصورة غريبة. كانت قد أوقدت المصابيح وكانت الستائر خمرية اللون مسدلة على النوافذ، وفي بعض الأحيان كانت تحرق مخروطًا صغيرًا من البخور في طبق نحاسي. كنت أحب هذه المخاريط، ذات اللون القرنفلي الباهت، التي كانت توجد محفوظة مثل طلقات رصاص في علبتها الجميلة، محتفظة بشكلها على نحو سحري أثناء تحولها إلى رماد. كانت الحجرة ممتلئة بأشياء عجيبة؛ أثاث صيني من الخشب الأسود المنقوش، زهريات بها ريش طاووس وعيدان البامبس، مراوح مفرودة عبر الجدران الحمراء الباهتة، وأكوام من الوسائد المخملية، والوسائد الساتان ذات الشُّرَّابَات الذهبية.
كان الشيء الأول الذي كان عليَّ أن أفعله هو أن أرتِّب المكان. تناولت الجرائد المحلية المتناثرة على الأرض، ووضعت الوسائد في مكانها على المقاعد والأرائك، وجمعت الأكواب التي تحتوي على شاي أو قهوة باردة، والأطباق التي تحتوي على بقايا طعام متصلبة، والأكواب الزجاجية التي كانت لا تزال تحتوي ربما على شرائح من الفاكهة الطرية، وبقايا خمر؛ خليط مسكر، خفيف، لكن لا يزال له مذاق كحولي. في المطبخ، شربت كل ما كان فائضًا ومصصت الفاكهة للحصول على المذاق الغريب للكحول.
كان من المنتظر أن تلد السيدة كرايدرمان في أواخر يونيو أو أوائل يوليو. كان عدم وضوح التاريخ على وجه التحديد يرجع إلى عدم انتظام دورتها الشهرية. (كانت هذه هي المرة الأولى التي سمعت بها على الإطلاق أحدًا يقول «دورة شهرية». كنا نقول «الحيض» أو «العادة» أو كنا نستخدم تعبيرات غير مباشرة.) كانت هي نفسها متأكدة أنها حبلت في ليلة عيد ميلاد السيد كرايدرمان عندما كانت ثملة من احتساء الشامبانيا. التاسع والعشرين من سبتمبر. كان عيد الميلاد الثالث والثلاثين للسيد كرايدرمان. كانت السيدة كرايدرمان تبلغ أربعين عامًا. قالت إنها تعترف بخطئها بزواجها من رجل أصغر منها. وكانت تدفع الثمن. كان عمر الأربعين أكبر مما ينبغي لحمل طفل. كان عمرًا أكبر مما ينبغي لولادة الطفل الأول. كان خطأ.
أشارت لعواقب ذلك. أولًا: البقع البنية الفاتحة الموجودة في وجهها ورقبتها، التي قالت إنها تغطي جسمها بالكامل. كانت تذكرني بثمرة الكمثرى الآخذة في التعفن؛ ذلك التحول الطفيف في اللون، التجعدات العميقة المحبطة. ثانيًا: كشفت عن إصابتها بالدوالي في ساقيها، وهو ما كان يجعلها ترقد على الأريكة. كان الأمر أشبه بعناكب بلون التوت البري، كتل خضراء تغطي ساقيها بالكامل. كان كل ذلك يتحول إلى اللون الأسود عندما كانت تقف. وقبل أن تضع قدميها على الأرض، كان عليها أن تلف ساقيها في ضمادات مطاطية طويلة، ومشدودة.
قالت: «اتبعي نصيحتي وأنجبي أطفالًا وأنت صغيرة في السن … هيا اخرجي وكوني حبلى على الفور، إذا كان هذا ممكنًا. كنت أعتقد أنني لن أمر بأيٍّ من ذلك. ها-ها!» كانت تمتلك بعض الفطنة؛ لأنها قالت لي: «لا تخبري عمتك أبدًا عن الأشياء التي أتحدث معك بشأنها!»
عندما كانت السيدة كرايدرمان تُدعى إيفانجلين ستيور، لم تكن تعيش في هذا المنزل، بل كانت تزوره من حين إلى آخر، عادة بصحبة أصدقاء لها. كان ظهورها في البلدة قصيرًا وملحوظًا. كنت قد رأيتها تقود سيارتها خافضة سقف السيارة، وكان ثمة وشاح برتقالي فوق شعرها القصير الداكن. كما رأيتها في الصيدلية، ترتدي سروالًا قصيرًا وقميصًا بحمالة عنق، وكانت ساقاها وبطنها نحيلة ومسمرة كما لو كانت ملفوفة في حرير بني. كانت تضحك آنذاك، وبصوت مرتفع، معترفة بمعاناتها من صداع في رأسها بسبب الإسراف في الشراب. كنت قد رأيتها في الكنيسة ترتدي قبعة سوداء شفافة مزدانة بالورود الحريرية القرنفلية، قبعة حفلات. لم يكن هنا مكانها، كانت تنتمي إلى العالم الذي كنا نراه في المجلات والأفلام؛ عالم التفاهة البراقة، الممثلين الكوميديين الوقحين الساخرين، الموسيقى في قاعات الرقص العامة، كئوس الكوكتيل في ضوء النيون القرنفلي التي تُقدَّم عند أبواب البارات. كانت هي حلقة الوصل بيننا وبين هذا العالم، دليلنا على أن ذلك العالم موجود، وعلى أننا موجودون معه، وعلى أن شروره القاصمة وروعته القاسية غير منفصلة عنا تمامًا. على الرغم من أنها كانت تقيم هناك، فإن زياراتها الخاطفة إلى هنا جعلت الناس تغفر لها، وربما جعلتها مثار إعجاب من بعيد. حتى عمتي إنا، التي كان عليها جمع زجاج الأكواب المكسورة من المدفأة، وإزالة بقايا الدجاج المشوي الذي جرى هرسه في البساط، وأخذ ورنيش الأحذية الموضوع على حافة حوض الاستحمام ووضعه في مكانه؛ منحت إيفانجلين ستيور امتيازًا غير مقدس، على الرغم من أن الامتياز لم يكن إلا امتياز كونها نموذجًا على كيف جعلها المال لا تخجل من أي شيء، وجعلها الفراغ إنسانة عديمة الفائدة، وينذر انغماسها في ملذاتها بتعرضها لكارثة مفجعة.
لكن ماذا فعلت إيفانجلين ستيور بعد ذلك؟ صارت زوجة، مثل الجميع. كانت قد اشترت الجريدة المحلية حتى يديرها زوجها. كانت تنتظر مولودًا. كانت قد فقدت وظيفتها، وكانت تخلط بين الأشياء. فهناك فرق بين أن تكون فتاة عزباء فاتنة، مدخنة، شاربة للخمر، غير ورعة، وأن تكون أمًّا فاتنة تنتظر طفلًا، مدخنة، شاربة للخمر، غير ورعة.
«لا تركزي معي كثيرًا جيسي. لم يكن عليَّ أن أرقد هكذا قط من قبل. كنت في قلب الأحداث دومًا. كل ما يفعله هذا الطبيب المتوحش هو أنه يقول لي المشاكل التي سأتعرض لها قبل أن تتحسن حالتي. «أي شيء يدخل لا بد أن يخرج إلى النور. خمس دقائق متعة، تسعة أشهر من المعاناة.» سألته: «ماذا تعني ﺑ «خمس» دقائق؟»»
ركزت معها كثيرًا. إذ لم أسمع ولم أرَ أشياء على هذا النحو من قبل قط. أخبرت ماريبيث بكل شيء. وصفت لها غرفة المعيشة، ملابس السيدة كرايدرمان، الزجاجات الموجودة في خزانة أدوات المائدة ذات المحتويات الذهبية، والخضراء، والحمراء الداكنة، علب مأكولات غير مألوفة في خزائن المطبخ؛ محار مدخن، أنشوجة، كستناء مهروس، خرشوف، هذا فضلًا عن علب كبيرة من لحم الخنزير وبودنج الفواكه. أخبرتها عن الدوالي، والضمادات، والبقع — جاعلة هذه الأشياء تبدو أسوأ مما هي عليه حقيقة — وعن مكالمات السيدة كرايدرمان مع أصدقائها الذين يعيشون بعيدًا. كانت أسماء أصدقائها بونت، وبوكي، وباج، وسبيتي؛ لذا لم يكن بالإمكان تخمين ما إذا كانوا رجالًا أم نساءً. كان اسمها، كما هو معروف بينهم، جيلي. بعد فراغها من الحديث إليهم عبر الهاتف، كانت تخبرني عن المال الذي خسروه أو الحوادث التي وقعت لهم أو المقالب التي كانوا يقومون بها، أو العلاقات الغرامية المعقدة جدًّا وغير المعتادة التي دخلوها.
لاحظت العمة إنا أنني لم أكن أنجز الكثير من أعمال الكي. قلت إن هذا ليس خطئي؛ كانت السيدة كرايدرمان تبقيني في غرفة المعيشة، كي تتحدث إلي. قالت العمة إنا إنه ليس ثمة ما يمنع من وضع طاولة الكي في غرفة المعيشة إذا كانت السيدة كرايدرمان تصر على الحديث معي.
قالت العمة إنا: «دعيها تتحدث إليك … وأنت تكوين. هذا هو ما تتقاضين مالًا مقابل عمله.»
قالت السيدة كرايدرمان: «لا أمانع في أن تكوي هنا، لكن عليك أن تخرجي على الفور بمجرد وصول السيد كرايدرمان إلى المنزل … فهو يكره ذلك؛ فهو يكره القيام بأي أعمال منزلية أثناء وجوده.»
أخبرتني أن السيد كرايدرمان كان قد ولد وكبر في مدينة بريزبن، بأستراليا، في منزل كبير تحيطه أشجار الموز من كل مكان، وأن أمه كان لديها خادمات زنجيات. كنت أعتقد أن الأمر بدا مشوشًا قليلًا، كما لو أن فيلم «ذهب مع الريح» انتقل إلى أستراليا، لكنني ظننت أن الأمر ربما كان صحيحًا. قالت إن السيد كرايدرمان كان قد رحل عن أستراليا وصار صحفيًّا في سنغافورة، ثم عمل مع الجيش البريطاني في بورما عندما هزم على يد اليابانيين. رحل السيد كرايدرمان من بورما إلى الهند سيرًا على الأقدام.
«مع مجموعة صغيرة من الجنود البريطانيين وبعض الأمريكيين وفتيات محليات؛ ممرضات. لم تكن هناك علاقات جنسية مشبوهة. كل ما كانت تفعله هذه الفتيات هو غناء الترانيم. جميعهن تحوَّلن إلى المسيحية. «إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون!» على أي حال، لم يكونوا في حالة تسمح لهم بإقامة علاقات جنسية. فقد كانوا مرضى وجرحى، يسيرون يومًا بعد يوم في ظل الحرارة الشديدة. يتعرضون لهجوم من أفيال برية. سيكتب كتابًا عن هذه التجربة. سيفعل السيد كرايدرمان هذا. كان عليهم أن يصنعوا أطوافًا وأن يبحروا مع التيار. أصيبوا بالملاريا. تخطوا جبال الهيمالايا. كانوا أبطالًا ولم يسمع أحد عن ذلك قط.»
ظننتُ أن الأمر بدا مريبًا أيضًا. حرارة هائلة في الهيمالايا، التي كان معروفًا عنها أنها مغطاة بالثلوج دومًا.
«قلت لبونت: «حارب إريك مع البريطانيين في بورما»، ورد بونت: «لم يحارب البريطانيون في بورما؛ ألحق اليابانيون هزيمة مُذلة بالبريطانيين في بورما.» لا يعرف الناس أي شيء. إن بونت هذا لا يستطيع السير حتى إلى آخر شارع يونج.»
بعدها بسنوات، ربما بربع قرن، قرأت عن المسيرة التي قادها الجنرال ستيلويل من بورما إلى الهند، عبر الممر فوق تامو وعبر نهر تشيندوين. كان بصحبته بعض القادة البريطانيين، الذين كانوا قذرين وجوعى. ربما كان إريك كرايدرمان من بينهم.
حدث التعارف بين السيد كرايدرمان والسيدة كرايدرمان عندما جاء ذات يوم كي يستأجر من الباطن شقتها في تورونتو. كان يخطط للعمل كصحفي في كندا. كانت تخطط للسفر إلى المكسيك مع أصدقائها. لم تفعل ذلك من قبل قط. بمجرد أن رأت السيد كرايدرمان، كان ما كان من الأمر. قال لها أصدقاؤها جميعًا ألا تتزوجه. فهو أصغر منها بسبع سنوات، مطلق — له زوجة وطفل في مكان ما في أستراليا — ولا يملك مالًا. قال الجميع إنه مغامر. لكنها لم ترتدع. تزوجته في غضون ستة أسابيع ولم تدعُ أيًّا من أصدقائها إلى حفل الزفاف.
كنت أعتقد أنني يجب أن أسهم في الحديث؛ لذا قلت: «هل كانوا يعارضونه فقط لأنه كان مغامرًا؟»
قالت السيدة كرايدرمان: «ها-ها! … لم يكن هذا ما يقصدونه. كانوا يشيرون إلى أنه كان يسعى وراء مالي. لكني لا أستطيع حتى أن أقنعه بأن يعتمد على مالي بينما يكتب كتابًا حول تجاربه. هو يرى أن عليه أن يكون مستقلًّا ماليًّا. عليه أن يكتب عما كانت وصيفات العرائس الحمقاوات ترتدينه، وعن حفلات الشاي للتباهي بجهاز وهدايا العرائس، وعن كل تلك الثرثرة التي تحدث في مجلس البلدة، وهو ما يدفعه إلى الجنون. هو أكثر رجل موهوب قابلته في حياتي، ويومًا ما ستتباهين بأنك كنت تعرفينه!»
بمجرد سماعنا السيد كرايدرمان عند الباب، ألقيت سلة الكي بعيدًا في المطبخ، مثلما قيل لي. كانت السيدة كرايدرمان تنادي، في صوت قلق، ساخر، سخيف وعذب في آن واحد، جديد: «هل عاد فتاي إلى المنزل؟ هل حضر لورد فونتلروي الصغير؟ هل حضر دنجو المجنون؟»
كان السيد كرايدرمان، وهو يخلع حذاءه في البهو، يجيب بأنه ديك تريسي، أو البحار بارنكل بيل. ثم يدخل إلى غرفة المعيشة ويتجه إلى الأريكة مباشرة، حيث ترقد هي فاتحة ذراعيها كي يحتضنها. يتبادلان القبلات الحارة، بينما أتسلل تدريجيًّا بعيدًا حاملة طاولة الكي.
قلت لماريبيث: «تزوجها من أجل مالها.»
أرادت ماريبيث أن تعرف شكله.
قلت: «يشبه شيئًا مستخرجًا من مستنقع.» لكن كان هذا هو وصف العمة إنا بعد أن وقعت عيناها عليه للمرة الأولى. كررت وصفها لأنه أعجبني. لم أجد الوصف في حقيقة الأمر ملائمًا. صحيح أن السيد كرايدرمان كان نحيفًا، طويلًا ونحيفًا، ويمتلك بشرة شاحبة، لكن هيئته لم تكن بالية أو شاحبة. في حقيقة الأمر، كان يمتلك هيئة حادة الملامح، خفيفة العظام، وجذابة؛ وهي هيئة شائعة جدًّا في ذلك الوقت؛ شاربًا في صورة خط، عينين ضيقتين، وابتسامة خفيفة ساخرة.
أضفت قائلة: «مثل ثعبان في الحشائش … لكنها مغرمة به بشدة.» أعدت تمثيل لقائهما اليومي، مصدرة صوت القبلات المرتفع من شفتيَّ، ومطيِّرة ذراعيَّ في الهواء.
أخبرت السيدة كرايدرمان السيد كرايدرمان أنني بارعة في القراءة وأنني عبقرية في التاريخ. كان هذا يرجع إلى أنني أزلت عنها بعض الحيرة فيما يتعلق برواية تاريخية كانت تحاول أن تقرأها. كنت قد بيَّنت لها كيف أن بطرس الأول كان قريبًا لكاثرين الثانية.
قال السيد كرايدرمان: «هل الأمر كذلك؟» جعلته لكنته يبدو أكثر نعومة وخبثًا من أي شخص كندي. «من كاتبك المفضل؟»
قلت، أو ظننت أنني قلت: «دوستويفسكي.»
قال السيد كرايدرمان مطرقًا: «دوستوي-فتسكي … ما مؤلفه المفضل لديك؟»
كنت مرتبكة جدًّا حتى إنني لم ألحظ نطقه للاسم.
قلت: «الإخوة كارامازوف.» كان هذا هو الكتاب الوحيد الذي كنت قد قرأته لدوستويفسكي. كنت قد قرأت الكتاب أثناء الليل في الطقس البارد في غرفة النوم الخلفية، وأثناء قراءتي السريعة والنهمة له تخطيت جانبًا كبيرًا من فصل «المحقق الكبير» وأجزاء أخرى كنت قد توقفت أمامها.
قال السيد كرايدرمان، مبتسمًا كما لو كان قد ضيَّق الخناق عليَّ: «أي الإخوة المفضل لديك؟»
قلت: «ميتيا.» حينئذ، كان قد قل توتري، وكنت أرغب في المضي قدمًا في الحديث، معللة ذلك؛ بأن أليوشا كان ملائكيًّا أكثر من اللازم، وكان إيفان عقلانيًّا أكثر من اللازم، وهكذا. في طريق عودتي إلى منزلي، تصورت أنني قد فعلت هذا، وأنه أثناء حديثي، كان التعبير المرتسم على وجه السيد كرايدرمان قد تغيَّر إلى تعبير عن الاحترام والضيق الخفيف. ثم أدركت الخطأ الذي ارتكبته، في نطق الاسم.
لم تواتني الفرصة كي أواصل حديثي؛ لأن السيدة كرايدرمان نادت من على الأريكة قائلة: «المفضل، المفضل! من المرأة الحبلى العجوز المنتفخة الضخمة المفضلة لدى الجميع؟ هذا ما أريد أن أعرفه!»
مهما كنت أسخر من الزوجين كرايدرمان في حديثي إلى ماريبيث، كنت أريد شيئًا منهما. الانتباه. التقدير. كنت أحب السيدة كرايدرمان وهي تقول عني إنني عبقرية في التاريخ، على الرغم من أنني كنت أعرف أن ذلك كان شيئًا سخيفًا. كنت سأقدِّر قيمة ما سيقوله أكثر. كنت أعتقد أنه يزدري هذه البلدة وكل من فيها. لم يكن يأبه بما كان الآخرون يظنون به فيما يتعلق بعدم إزاحة الثلوج من ممر السير أمام منزله. كنت أريد أن أحدث ثقبًا صغيرًا في دائرة ازدرائه.
بالمثل، كان عليه أن يتركها تناديه فتاي، ويستسلم لتلك القبلات. •••
كان لدى ماريبيث أخبار جديدة لتخبرني بها أيضًا. كان لدى بياتريس صديق، وكانت تأمل في أن تُخطب له. قالت ماريبيث إن كلًّا منهما متيم بالآخر بشدة.
كان صديق بياتريس متدربًا لدى حلاق. كان يراها أثناء فترات ما بعد الظهيرة، عندما كانت تعود إلى المنزل من نوبة عملها في المستشفى، وكانت ثمة فترة ركود في مجال الحلاقة. كانت الفتيات اللائي كن يعشن في المنزل، في العمل آنذاك. ولم أكن أنا وماريبيث في المنزل أيضًا؛ إذ كنا نتمتع بالكياسة الكافية حتى نتسكع حول المدرسة، أو نذهب لشراء أحد المشروبات الغازية، أو نضيع الوقت في النظر إلى واجهات العرض بالمحلات. لكن أصرت ماريبيث هذه المرة على أن تتوجه مباشرةً إلى المنزل.
وجدنا بياتريس ترتِّب الفراش. نزعت جميع الأغطية ووضعت الملاءة في سرعة احترافية. ثم وضعت غطاء قطنيًّا ماصًّا على الملاءة في مكان استراتيجي. ذُكرت بأيام الخزي التي كنت أنام فيها فوق غطاء بلاستيكي؛ لأنني كنت أبلل الفراش من حين إلى آخر.
وضعت بعد ذلك الأغطية العلوية، سوَّتها ورتبتها، مخبئة الغطاء السري. نفشت الوسائد، وثنت أحد أركان الملاءة العلوية فوق اللحاف. عاد إليَّ الشعور المزعج الخاص بشهوة الطفولة، ذكرى اللحظات الحميمة تحت البطانيات. بطانيات خشنة، ملاءات فلانيليت مريحة، أسرار.
سارت بياتريس عبر البهو في اتجاه الحمام، حتى تهندم نفسها مثلما هندمت الفراش. كان يرتسم على وجهها نظرة جادة، مسئولة، نظرة اهتمام ربة منزل. لم تتفوه بكلمة واحدة لنا.
قالت ماريبيث أثناء مرورنا على الحمام في طريقنا إلى أسفل: «لن أتعجب إذا مضت وفعلت الأمر أمام ناظرينا.» كان الماء يسيل. ماذا كانت بياتريس تفعل تحديدًا؟ أظن أن الأمر كان يتضمن استخدام قطع من الإسفنج.
جلسنا على سلالم الشرفة الخارجية. كانت الأرجوحة قد رفعت في الشتاء ولم توضع مرة أخرى بعد.
قالت ماريبيث: «لا ينتابها أي شعور بالخجل … وعليَّ أن أنام في الفراش نفسه. تظن أن وضع غطاء ماص على الملاءة سيجعل كل شيء على ما يرام. سرقت هذا الغطاء من المستشفى. لا يمكن أن يثق المرء فيها أبدًا، حتى عندما كانت لا تزال صغيرة. ذات مرة، تشاجرنا وقالت: «دعينا نتصالح، نتصافح»، وعندما تناولت يدها لنتصافح، كانت تحمل ضفدعًا صغيرًا فيها، وكان الضفدع قد دخل عليها الحمام.»
لم يكن الثلج قد اختفى بعد؛ كانت ريح شديدة البرودة تأتي بروائح المستنقعات، والجداول، ومياه الفيضان إلى البلدة. لم يأبه صديق بياتريس بارتداء معطف. جاء مسرعًا عبر الزقاق مرتديًا رداء الحلاقة الأبيض، مطأطئًا رأسه، عن عمد. لم يكن مستعدًّا لرؤيتنا.
قال في ثقة زائفة، ومرح عصبي: «أهلًا!»
لم ترغب ماريبيث في الرد عليه، ولم أستطع الرد أنا أيضًا، إخلاصًا لها. لم ننهض، لكن ابتعدت كلٌّ منا عن الأخرى؛ مفسحةً له المجال بما يكفي لصعود السلالم. حاولت سماع صوت فتح وغلق باب غرفة النوم، لكنني لم أسمع.
قالت ماريبيث: «يتصرفان ككلبين … كلبين يتضاجعان.»
كنت أفكر فيما يحدث في هذه اللحظة تحديدًا. التحية، تبادل النظرات، خلع الملابس. بأي ترتيب؟ بمصاحبة أي كلمات ولمسات؟ هل يتصرفان على نحو محموم أو منظَّم؟ هل يتضاجعان على الفراش نصف عاريين، أم يتم الأمر على الوضع الذي تكون عليه المريضة عند الكشف عليها في عيادة الطبيب؟ كنت أعتقد أن الطريقة الأخيرة كانت الأقرب بالنسبة لهما.
اخلعي هذا. نعم. ارقدي الآن. افتحي رجليك. أوامر هادئة، طاعة عمياء. بياتريس ساكنة، مستسلمة. الرجل، ذلك الشخص الهزيل، ذو البقع على الرقبة، زادت إثارته، وتأهب لممارسة سلطته المنحرفة. الآن. نعم. الآن.
قالت ماريبيث: «ذات مرة، طلب مني أحد الصبية أن أفعل ذلك … كدت أتسبب في طرده.» أخبرتني كيف أن صبيًّا، في الصف السابع، مرر إليها رسالة تقول: «هل تريدين أن تضاجعيني؟» وقدَّمت الرسالة إلى المُدرسة.
قلت: «يريد شخص ما أن أفعل ذلك.» كنت أتعجب تمامًا من نفسي، وأنا أقول ذلك. أبقيت عينيَّ إلى أسفل ولم أنظر إلى ماريبيث. قالت: من؟ وماذا قال تحديدًا؟ وأين قال ذلك؟ ومتى؟ وهل كان أحد زملائنا في الصف؟ ولماذا لم أخبرها؟
نزلتْ إلى الدرجة التالية للدرجة التي أجلس عليها، حتى تستطيع أن ترى وجهي. وضعت يديها على ركبتيَّ. قالت: «تواعدنا أن تخبر كل واحدة منا الأخرى بكل شيء.»
هززت رأسي.
«يجرح مشاعري كثيرًا أنك لم تخبريني.»
مططت شفتيَّ معًا كما لو كنت أحافظ على السر داخلهما. قلت: «حقيقة، هو يحبني.»
«جيسي! أخبريني!»
وعدتني بأن أستخدم قلمها الرصاص من نوع إيفرشارب حتى نهاية العام الدراسي. لم أرد. قالت إنني أستطيع أن أستخدم قلمها الحبر أيضًا. قلمها الرصاص وقلمها الحبر، المجموعة الكاملة.
كنت أنوي أن أغيظها فترة أطول، ثم أخبرها أن الأمر كله لم يكن إلا مزحة. لم أكن حتى أضع اسمًا في رأسي، في البداية. لدي اسم الآن في رأسي، لكن كان ذلك أمرًا خطيرًا جدًّا. لم أعتقد أنني كنت سأتفوه بالاسم.
«جيسي، سأعطيك سوارًا. لن أقرضك واحدًا. قلت «سأعطيك»، سأعطيك أي سوار ترغبين فيه ويمكنك الاحتفاظ به.»
قلت: «إذا كنت سأفصح عن اسمه، فلن أفعل ذلك مقابل سوار.»
«أقسم لك أنني لن أخبر أحدًا. أنا لا أكذب عليك.»
«فقط أقسمي بالرب.»
«سأفعل. أقسم بالرب، جيسي. أقسمت بالرب.»
قلت في نعومة: «السيد كرايدرمان.» شعرت بخفة مدهشة، لم أعد أحمل عبئًا، بكذبتي. «إنه هو.»
سحبت ماريبيث يديها من على ركبتيَّ وجلست في استقامة. قالت: «هو كبير في السن … قلتِ إنه قبيح! ومتزوج!»
قلت: «لم أقل إنه قبيح قط … وعمره ثلاثة وثلاثون عامًا فقط.»
«لكنك لا تحبينه!»
«في بعض الأحيان عندما تحبين، يبدأ الأمر على هذا النحو.» •••
ذات مرة، تعرفت على امرأة عجوز قالت لي، عندما كانت تتحدث عن حياتها، إنها ارتبطت بعلاقة استمرت ثلاث سنوات بروبرت براونينج. لم تكن مخرفة بأي حال من الأحوال؛ كانت امرأة عجوزًا تتمتع بلياقة ذهنية فائقة وكانت مباشرة جدًّا في حديثها. لم تقل إنها كانت تحب كتابات براونينج، أو إنها كانت تقضي وقتها كله تقرأ عنه. لم تقل إنها كانت ترى خيالات. قالت: «أوه، نعم … ثم كانت العلاقة مع روبرت براونينج التي استمرت ثلاث سنوات.» انتظرتُ منها أن تضحك أو أن تضيف كلمات أخرى تفسر ما تقول، لكنها لم تفعل. عليَّ أن أعتقد، إذن، أن العلاقة التي جرت في خيالها كانت غاية في الجدية والإجهاد حتى إنها حرَّمت على نفسها الإشارة إليها باعتبارها خيالًا.
ربما لم تكن العلاقة التي أقمتها هذا الربيع مع السيد كرايدرمان — في رأسي، وأمام ماريبيث — بتلك الأهمية في حياتي، لكنها كانت تجعلني منشغلة دومًا. لم يعد ثمة أي شعور بالتبعية والملل، عندما نكون أنا وماريبيث معًا. كان عليَّ أن أظل أرتِّب وأغير ترتيب الأمور، ثم أضعها في مكانها من خلال شذرات المعلومات التي اخترت أن أصرِّح بها. أقمت العلاقة لكنني لم أخبرها، وكنت سعيدة بعد ذلك؛ لأنني قررت ألا أكمل العلاقة. لم أستطع أن أتخيل على نحو ملائم ترتيب الخطوات أو ماذا سيُقال لاحقًا. لم أمانع قط في الكذب. بمجرد أن جربت الكذب — من خلال التفوه باسم السيد كرايدرمان — صار الكذب مريحًا بالنسبة لي على نحو مدهش.
لم يقتصر الأمر فقط على ما قلت، بل شمل هيئتي، مبالغتي في تجسيد ما كان يجري. قمت ببعض الأشياء العكسية. لم أرتدِ ملابس ضيِّقة، وأضع مكياجًا على وجهي، وأتظاهر بأنني امرأة شابة مُغوية. بدلًا من ذلك، صففت شعري في صورة ضفائر ملفوفة حول رأسي، ولم أضع أحمر شفاه أو أي طلاء على شفتيَّ، وإن كنت قد وضعت بودرة بكثافة على وجهي حتى أبدو شاحبة. كنت أذهب إلى المدرسة في بلوزة فضفاضة من الكريب تملكها العمة إنا. قلت لماريبيث إن السيد كرايدرمان طلب مني أن أرتدي الملابس على هذا النحو وأن أضفِّر شعري. لم يستطع تحمُّل فكرة أن ينظر شخص آخر إلى شعري أو أن يرى تقسيمات صدري. كان يعاني من لوعة الحب. عانيت أنا أيضًا. تظاهرت بالخضوع، تقمصت هيئة متأدبة. العواطف ليست مسألة هينة، كانت فحوى رسالتي إلى ماريبيث. يجب أن تتصور أن الذنب، والشك، والرغبة المحمومة هم رفاقي اليوميين.
وهكذا الحال بالنسبة للسيد كرايدرمان أيضًا. في خيالي، كان يتجرأ أكثر. كان يلاطف، ويهمس، ثم يؤنب نفسه، يتأوه، ويزداد إخلاصًا وقربًا لي، ويقبِّل جفنيَّ.
ماذا عن السيد كرايدرمان في الحقيقة؟ هل جعلني كل هذا أرتجف عندما أسمعه عند الباب، أنتظر قدومه إلي، آمل في إشارة منه؟ على الإطلاق. عندما بدأ يلعب دوره في خيالي، خفتت صورته في الواقع. لم أعد آمل في حديث شائق معه، أو حتى إلى إيماءة في اتجاهي. في عقلي، كنت قد حسنت من شكله قليلًا؛ منحته لونًا أكثر نضارة، أزحت سخريته الخفيفة المعتادة للكشف عن رقة حزينة. كنت أتفادى النظر إليه عندما يكون حاضرًا، لئلا أغيِّر من هيئته الكاملة مرة أخرى.
طلبت مني ماريبيث مزيدًا من التفاصيل، لكنها لم تجد أي متعة في أيٍّ منها. حثتني على ألا أستسلم أبدًا. قالت: «ألا تستطيعين أن تخبري السيدة كرايدرمان عنه؟»
«سيقضي عليها ذلك. ربما تموت على أي حال عندما تلد الطفل.»
«هل ستتزوجان إذا ماتت؟»
«لا أزال قاصرة.»
«يستطيع أن ينتظر. إذا كان يحبك مثلما يقول. سيحتاج إلى من يعتني بالطفل. هل سيحصل على مالها كله؟»
جعلني ذكر الطفل أفكر في شيء حقيقي، وغير سار، ومحرج، كان قد حدث مؤخرًا في منزل الزوجين كرايدرمان. كانت السيدة كرايدرمان قد نادتني كي آتي وأرى الطفل يركلها. كانت ترقد على الأريكة، وروبها مرفوعًا إلى أعلى، وكانت ثمة وسادة تغطي عورتها. صرخت: «هناك، أترين!» ورأيت ذلك، لا حركة على السطح بل حركة تحتية وحركة دوران للبطن المنتفخة المغطاة بالبقع. كانت سرتها بارزة كما لو كانت سدادة فلينية على وشك الاندفاع. تصببت ذراعاي وجبهتي عرقًا. شعرت بكرة صلبة من الاشمئزاز تندفع إلى أعلى في حلقي. ضَحِكَت وسقطت الوسادة. وعدوت إلى المطبخ.
«جيسي، مم تخافين؟ لا أعتقد أن ثمة أطفال تخرج إلى النور على هذا النحو!» •••
مشهدان آخران في منزل الزوجين كرايدرمان.
يعود السيد كرايدرمان إلى المنزل مبكرًا. يكون هو والسيدة كرايدرمان معًا في غرفة المعيشة عندما أعود من المدرسة. لا تزال السيدة كرايدرمان تجعل الستائر مسدلة طوال اليوم، على الرغم من أن الوقت كان ربيعًا في الخارج، طقس شهر مايو الحار. تقول إنها تفعل هذا حتى لا يستطيع أحد أن ينظر إلى الداخل ويرى الشكل الذي هي عليه.
أدخل قادمة من طقس وقت ما بعد الظهيرة الساطع، الحار، وأجد البخور يحترق في الغرفة الخانقة، المسدلة الستائر، والزوجان كرايدرمان الشاحبان يضحكان، ويشربان. يجلس على الأريكة، وقدماها في حجره.
يقول السيد كرايدرمان: «وقت الانضمام إلى الاحتفال! … هذه حفلة وداعنا! حفلة وداعنا لك يا جيسي. وداعًا، اذهبي، مع السلامة!»
تقول السيدة كرايدرمان: «تحكَّم في نفسك!» ضاربة رجليه بكعبيها العاريين. «لن نرحل بعد. يجب أن ننتظر حتى يولد هذا الطفل الرهيب!»
ثمل، هكذا أحدث نفسي. كنت أجدهما كثيرًا ثملين، لكن حتى الآن لم أستطع أن ألمس أي تغيير لافت في السلوك.
تقول السيدة كرايدرمان: «سيقوم إريك بتأليف كتابه.»
يقول السيد كرايدرمان، في صوت سخيف، عالي النبرة: «سيقوم إريك بتأليف كتابه.»
تقول السيدة كرايدرمان، ضاربة بكعبيها أكثر: «ستفعل ذلك! … وسنرحل من هنا في اللحظة التي يولد فيها هذا الطفل الرهيب.»
يقول السيد كرايدرمان: «هل هو حقًّا رهيب؟ … هل لديه رأسان؟ هل نستطيع أن نعرضه في عرض الأشخاص غريبي الشكل ونحقق من ورائه أموالًا طائلة؟»
«لا نحتاج إلى المال.»
«أحتاج أنا إلى المال.»
«أتمنى أن تتوقف عن ذلك. لا أعرف إذا كان لديه رأسان، لكنني أشعر كما لو كان طوله خمسين قدمًا. أخاف جيسي مؤخرًا.»
تخبره كيف عدوت.
يقول السيد كرايدرمان: «عليك أن تعتادي على هذه الأشياء يا جيسي … الفتيات في مثل عمرك في بعض أجزاء من العالم لديهن طفل أو اثنين. لا تستطيعين أن تخدعي الطبيعة. يكون لدى الفتيات الصغيرات من ذوي الأصول الآسيوية، اللائي هن أطفال في الأساس، أطفال.»
تقول السيدة كرايدرمان: «أوه، أنا متأكدة … جيسي، كوني مطيعة. تعرفين الجين، أليس كذلك؟ ضعي قليلًا منه في هذه الكأس واملئيه بعصير البرتقال، حتى أحصل على فيتامين سي.»
أتناول كأسها. يحاول السيد كرايدرمان النهوض، لكنها تمسك به وتجلسه حتى يقول: «السجائر. أظن أنها في غرفة النوم.»
عندما يعود من غرفة النوم، يدخل المطبخ، لا غرفة المعيشة. أقف عند الحوض، أملأ صينية مكعبات الثلج.
تنادي السيدة كرايدرمان: «هل وجدتِ أي جين؟»
«ما زلت أبحث.»
يحمل علبة سجائر في يده، لكنه يفتش في الخزانة إلى جانب الحوض محدثًا ضوضاء. يضغط بجسمه على جسمي، جانبه في جنبي. يضع يده على كتفي، ويضغط. يحرِّك يده على ظهري، يلمس رقبتي العارية. أقف حاملة صينية الثلج في يديَّ، وأنظر خارج النافذة إلى حافلة قديمة منتظرة في الحارة الخلفية، خلف القاعة الكنسية. الكلمات «كالفري تابرناكل» مكتوبة على جانبها.
تتحرك أطراف أصابع السيد كرايدرمان على حلقي. لمستها خفيفة في البداية مثل قطرات مياه. ثم تشتد وطأتها. ثم أشد فأشد، ثم يمرر يده على بشرتي كما لو كان سيترك أخاديد بها.
«وجدت بعض الجين.»
عندما آخذ الشراب إلى السيدة كرايدرمان، يجلس السيد كرايدرمان على المقعد ذي الذراعين إلى جانب المرمدة الطولية.
تقول، في نبرة صوتها السخيفة والعذبة في آن واحد: «تعال واجلس حيث كنت.»
«أنا أدخن.»
أشعر بوخز في حلقي كما لو كنت قد تلقيت ضربة فيه. •••
يقع المشهد الثاني بعد ذلك بعدة أيام، في يوم عملي المعتاد في الأسبوع التالي.
يعمل السيد كرايدرمان في الحديقة. يرتدي قميصه، ولا يزال يرتدي رابطة عنقه، يزيل باستخدام مجرفة بعض النباتات المعترشة التي تغطي ظُلة صيفية صغيرة آيلة للسقوط في أحد أركان الفناء. يناديني محذرًا، وينتظرني حتى آتي إليه عبر الحشائش غير المقصوصة. يقول إن السيدة كرايدرمان ليست على ما يرام. كان الطبيب قد أعطاها شيئًا حتى تنام، حتى تبقى ساكنة، وهادئة، حتى لا يولد الطفل قبل الأوان. يقول إنه من الأفضل ألا أدخل إلى المنزل اليوم.
أقف على مسافة ياردتين منه. يقول: «تعالي إلى هنا. هنا. هناك شيء أريد أن أسألك عنه.»
أقتربُ أكثر، برجلين مرتجفتين، ولا يفعل إلا الإشارة إلى نبات أحمر الساق، مورق، قوي عند قدميه.
«ما هذا الشيء، هل تعرفين؟ هل أستخرجه من الأرض؟ لا أستطيع أن أميِّز بين الحشائش الضارة وغير الضارة.»
هذا أحد أنواع نبات الراوند، أعرفه باعتباره نباتًا أو حشائش ضارة.
أقول: «لا أعرف»، وفي تلك اللحظة لا أعرف حقيقة.
«ألا تعرفين؟ ما فائدتك لي يا جيسي؟ أليس هذا مكانًا غريبًا؟» يلوِّح مشيرًا إلى الظُّلة الصيفية. «لا أعرف لمن بُنيت. لأقزام؟»
يمسك ببعض النباتات المتعرشة، يقطعها، ثم يقول: «ادخلي هنا.»
أفعل ذلك. في الداخل، المكان سري رائع، ظليل ومهمل، تكسو الأرضية غير المستوية كومة من بقايا أشجار مورقة. السقف منخفض جدًّا حقًّا. كان على كلينا الانحناء.
يسأل السيد كرايدرمان: «هل تشعرين بالحرارة؟»
«لا.» في حقيقة الأمر، تمر موجات هواء باردة فوقي؛ موجات من الضعف، والتوتر الجسدي.
«نعم، تشعرين بالحرارة. أنت متعرقة بالكامل تحت كتلة شعرك هذه.»
يلمس عنقي بطريقة لا عاطفة فيها، مثل طبيب يفحص حالة، ثم يحرِّك يده إلى خدي وحدود شعري.
«حتى جبهتك متعرقة.»
أستطيع أن أشم رائحة السجائر في أصابعه، ورائحة حبر آلات الطباعة الموجودة في مقر الجريدة. كل ما أريده هو أن أكون على قدر ذلك. منذ أن لمس السيد كرايدرمان حلقي عند حوض المطبخ، كنت أشعر أنني أرى مدى قوة أكاذيبي، خيالاتي. أنا شخص قادر على القيام بأعمال مدهشة لكنني لا حول لي ولا قوة. لا أملك إلا الاستسلام، الاستسلام للعواقب. أتساءل عما إذا كان الهجوم الجنسي سيحدث هنا، دون إعداد مسبق؛ هنا داخل أركان الظُّلة الصيفية، على هذه الأرضية، بين الأوراق الميتة والأغصان الشائكة التي ربما تخفي أجساد فئران أو طيور ميتة. أعرف شيئًا واحدًا؛ ألا وهو أن الشكوى من التعاسة في الحب، التوسلات الرقيقة والتأوهات التي عادةً ما يصرح بها السيد كرايدرمان في خيالي، لن يكون لها مكان في الواقع حقيقة.
يقول السيد كرايدرمان: «هل تعتقدين أنني سأقبلك يا جيسي؟ … لا أشك في أنك ستسمحين لي بتقبيلك. لا.» يقول ذلك، كما لو كنت قد سألته بصورة محددة عن ذلك: «لا يا جيسي. دعينا نجلس.»
هناك ألواح خشبية ملحقة بجدران الظُّلة الصيفية وهي بمنزلة مقاعد. بعضها مكسور. أجلس على أحدها الذي ليس مكسورًا، ويجلس هو على آخر. نميل إلى الأمام لتفادي الأفرع الخشنة التي انكسرت عبر جدران التعريشة.
يضع يده على ركبتي، على تنورتي القطنية.
«ماذا عن السيدة كرايدرمان يا جيسي؟ هل تظنين أنها ستكون سعيدة جدًّا إذا رأتنا الآن؟»
أنظر للسؤال باعتباره سؤالًا لا يحتاج إلى إجابة، لكنه يكرره، وعليَّ أن أجيب، «لا.»
«لأنني فعلت بها ما ربما تحبين أن أفعل بك، فهي ستلد طفلًا، ولن يكون الأمر سهلًا بالنسبة إليها.»
يلمس رجلي من خلال القطن الخفيف. «أنت فتاة عفوية يا جيسي. يجب ألا تدخلي أماكن كهذه مع رجال لأنهم طلبوا منك ذلك. يجب ألا تكوني مستعدة هكذا حتى تدعيهم يقبلونك. أعتقد أنك عاطفية، أليس كذلك؟ أنت شخص عاطفي. لا يزال أمامك بعض الدروس التي يجب أن تتعلميها.»
وهكذا تسير الأمور، الملامسة، والوعظ، في آن واحد. يخبرني أن اللوم يقع عليَّ، بينما تحدث أصابعه حركات خفقان تحت جلدي، مثيرة ألمًا خفيفًا، بعيدًا. يؤنبني صوته الجاف. تثيرني يده وتلقي كلماته باللوم عليَّ، ويوجد شيء في صوته يسخر، يسخر إلى ما لا نهاية، من هذين الأمرين. لا أدرك أن هذا ليس عدلًا. على الأقل، لا أفكر في القول بأن الأمر ليس عدلًا. أشعر بالخزي حقيقة، وبالحيرة، والشوق. لكنني لا أستحي مما يخبرني أنني يجب أن أستحي منه. ولكن من أن يراني أحد في هذا الوضع، أن أبدو غبية، أن يتم إغوائي ثم أوبخ على ذلك. ولا أستطيع وقف هذا الشعور.
«ثمة شيء عليك أن تتعلميه يا جيسي؛ أن تقدري الآخرين. تقدري حال الآخرين. يبدو الأمر بسيطًا لكن يمكن أن يكون صعبًا. سيكون الأمر صعبًا بالنسبة إليك.»
ربما يشير إلى زوجته، التي لا أقدر حالها. لكنني أفهم هذا الأمر على نحو مختلف. أليس صحيحًا أن جميع الأشخاص الذين أعرفهم في العالم حتى الآن لا يعدون أن يكونوا أكثر من مجرد عرائس متحركة بالنسبة إليَّ، يخدمون خطط خيالي المختلقة؟ هذا صحيح. أصاب كبد الحقيقة، مثلما تحب العمة إنا أن تقول. لكن إصابة كبد الحقيقة في أمر كهذا، في أمر يتعلق بالفشل في العلاقة الحميمة، لن يردع الآخرين ولن يجعلهم ممتنين، ومستعدين للتغيير من أساليبهم. يزداد العناد أكثر فأكثر، حقيقة، حيال الخطأ المدرك على نحو واضح. وهكذا يزداد عنادي. يزداد العناد، يتعامل العناد مع جميع تلك اللحظات المرغوبة من العذوبة، يخمد الأمل في المتعة، البريق العميق للدعوات الخفية. ماذا أريد من شخص يستطيع أن يعرف الكثير عني على هذا النحو؟ في حقيقة الأمر، إذا كنت أستطيع محوه محوًا من على وجه البسيطة الآن، فسأفعل.
يشعر بحدوث تغير فيَّ. يسحب يده بعيدًا وينهض. يطلب مني أن أخرج قبله، أن أعود إلى المنزل. ربما قال كلمتين تحذيريتين، إضافيتين، لكنني لم أكن أستمع. •••
فضلًا عن ذلك، قالت ماريبيث إنها لا تصدقني. «كنت أصدقك في البداية. كنت. ثم بدأت أتساءل.»
قلت: «انفصلنا … انتهى الأمر.»
قالت ماريبيث، بصوت مرتعش، آسفةً، هازةً رأسها: «لا أصدقك … لا أصدق أن شيئًا كان يجري بينك وبينه على الإطلاق. كان يجب علي أن أخبرك بهذا. لا تغضبي. كان عليَّ أن أخبرك بذلك.»
لم أرد عليها. مضيت في السير مسرعة. كنا في طريقنا إلى المدرسة. كنا قد التقينا كالعادة بالقرب من بنك «دومنيون بانك»، وانتظرت حتى مررنا بثلاثة مربعات سكنية قبل أن تندفع في قول ما كانت تريد قوله. كان عليها أن تسرع من خطاها حتى تلاحقني في السير. قبل أن نلحق ببعض الفتيات الأخريات — قبل أن أنادي أسماءهن مبديةً ودًّا كبيرًا وروح دعابة طيبة — نظرت إليها نظرة قاسية؛ نظرة يستحقها خائن، وكنت أظن أنها تستحقها. كانت مخطئة؛ كان قد جرى الكثير بيني وبين السيد كرايدرمان. كانت محقة، أيضًا، بالطبع. لكنني كبحت التفكير في ذلك في يسر مذهل. ربما يشعر المرء بنوبة الغضب المبرر نفسها، سواء جرى اتهامه عن حق أو عن غير حق.
دون أن أخطط تمامًا للأمر، تبنيت سياسة ألا أتحدث إلى ماريبيث. عندما أتت ناحيتي في غرفة وضع المعاطف والقبعات، وقالت في رقة: «ألن نسير إلى المنزل معًا يا جيسي؟» لم أجبها. عندما سارت إلى جانبي، تظاهرت أنها لم تكن موجودة. كانت الاختبارات قد بدأت، اختلفت مواعيدنا؛ وكان من السهل تحاشيها.
اكتشفت خطابًا، مطويًّا في كتابي الخاص باللغة الفرنسية. لم أقرأه كله. قالت فيه إنها تتعذب بسببي، إنها لا تستطيع أن تأكل، كانت تبكي في الفراش ليلًا، كانت تتملكها نوبات صداع هائلة جراء البكاء حتى إنها كانت لا ترى الأسئلة في أوراق الاختبارات واعتقدت أنها لن تنجح. اعتذرت، وتمنَّت لو أنها لم تتحدث إلي عن الأمر؛ كيف يمكنها أن تخبرني بأنها آسفة وأنا حتى لم أكن أتحدث إليها؟ كانت متأكدة من شيء واحد؛ أنها لا تملك قلبًا قاسيًا بحيث تعاملني مثلما كنت أعاملها.
قفزت إلى نهاية الخطاب ووجدت قلبين متشابكين مرسومين من حرفي إكس صغيرين، داخلهما اسمانا. جسي وميريبيث. لم أقرأ المزيد.
كنت أريد أن أتخلص منها. سئمت من شكواها وأسرارها، وجهها الجميل، وطبيعتها الرقيقة. كنت قد تجاوزتها، تجاوزت الحاجة إلى أي شيء كان يمكن أن تقدمه لي. لكن كان في الأمر ما هو أكثر من ذلك. عيناها المنتفختان، نظراتها المعذبة كانت ترضي شيئًا ما في داخلي. شعرت بأنني أفضل حالًا حين جرحتها. لا شك في ذلك. استرجعت قليلًا مما فقدته في الظُّلة الصيفية للزوجين كرايدرمان. •••
بعد هذا بسنوات قليلة — ليس وقتًا طويلًا بالنسبة إليَّ الآن، لكن كان وقتًا طويلًا آنذاك — كنت أسير في الشارع الرئيسي في تلك البلدة التي كنت أذهب إلى المدرسة الثانوية فيها. كنت طالبة دراسات عليا آنذاك. كنت قد حصلت على منح دراسية ولم أعد أنطق اسم دوستويفسكي بشكل خاطئ. ماتت العمة إنا. جلست وماتت، بعد أن لمَّعَت الأرضية بالشمع مباشرة. تزوجت فلوريس. بدا كما لو أن الصيدلي الذي كان يملك متجرًا إلى جانب متجر الأحذية الذي تعمل به، حاول التودد إليها لسنوات، سرًّا، غير أن العمة إنا اعترضت عليه؛ كان يشرب الخمر (بعبارة أخرى، كان يشرب قليلًا)، وكان كاثوليكيًّا. أنجبت فلوريس صبيين، أحدهما في إثر الآخر مباشرة، ووضعت صبغة بنية مائلة إلى الاحمرار على شعرها، وكانت تشرب الجعة مع زوجها في الأمسيات. كان جورج يعيش معهما. كان يشرب الجعة، أيضًا، وكان يساعد في العناية بالطفلين. لم تعد فلوريس حيية أو سريعة الغضب. أرادت أن تصبح صديقتي؛ أعطتني أوشحة عليها زهور، وإكسسوارات ملابس لم أستطع ارتداءها، ومستحضرات للعناية بالبشرة، وأحمر شفاه من الصيدلية وهو ما أسرني. دعتني إلى زيارتها متى أحببت ذلك. في بعض الأحيان كنت أفعل ذلك، ثم سرعان ما كانت الأعمال المنزلية المحمومة، الأعمال الروتينية والمسرات المتمحورة حول الطفلين، تدفعني إلى الخروج للسير.
كنت أسير في الشارع الرئيسي وسمعت صوت طرق على نافذة. كانت نافذة مكتب وكيل التأمين، وكان الشخص الذي يقرع النافذة ماريبيث، التي كانت تعمل هناك. خلال السنة الأخيرة لها في المدرسة الثانوية، كانت قد تلقت دورة تدريبية في الكتابة على الآلة الكاتبة ومسك الحسابات. كانت تعيش مع بياتريس وزوجها، الذي سرعان ما أصبح صاحب محل حلاقة خاص به. لم تحاول أن تصادقني خلال تلك السنة. كنا نعبر الشارع أو ننظر إلى واجهة عرض أحد المتاجر عندما كانت أيٌّ منا ترى الأخرى قادمة؛ على الرغم من أن ذلك كان يرجع إلى الشعور بالحرج أكثر من وجود عداوة حقيقية. ثم حصلت على الوظيفة في مكتب وكيل التأمين.
كان الزوجان كرايدرمان قد رحلا قبل ذلك. أغلقا المنزل ورحلا إلى تورونتو قبل ميلاد الطفل. كان صبيًّا؛ طبيعيًّا تمامًا، هذا ما كان الجميع يعرفه. كانت العمة إنا تشعر بالاشمئزاز منهما؛ لأنهما لم يغلقا المنزل كما يجب. قالت إن الفئران ستدخل إليه. لكنهما باعا المنزل. باعا الجريدة. رحلا تمامًا.
أشارت ماريبيث إليَّ كي أدخل.
قالت: «مر وقت طويل منذ أن رأيتك.» كما لو كنا قد تفرقنا على أفضل ما يكون. وضعت قابس الغلاية الكهربية، لتصنع لنا قهوة سريعة التحضير. لم يكن وكيل التأمين موجودًا.
كانت أكثر بدانة مما كانت من قبل، لكنها كانت لا تزال جميلة، خاصة مع نظرتها التي تشبه فرخ الطير الصغير المجروح. كانت متأنقة في ملابسها كعادتها دومًا، كانت تضع سترة زرقاء ناعمة جذَّابة، مع وجود صوف مزغب عند صدرها الرقيق. كانت تحتفظ بشوكولاتة في درج بالمكتب، وبقطع تارت مربى في علبة. قدَّمت لي حلوى المرزبان ملفوفة في ورق فويل. سألتني هل كنت لا أزال أدرس وأي دورات كنت أتلقاها. أخبرتها قليلًا عن دراساتي وطموحاتي.
قالت دون خبث: «هذا رائع … كنت أعلم دومًا أنك ذكية.» ثم قالت إنها تشعر بالأسف لوفاة عمتي إنا، وكانت تعتقد أن الأمور تسير على ما يرام مع فلوريس. كانت قد سمعت أن صبيي فلوريس كانا لطيفين حقًّا.
كان لدى بياتريس بنات. كن لطيفات، أيضًا، لكنهن كن مدللات.
تحدثت كلتانا عن أنها مصادفة رائعة أنها استطاعت رؤيتي، وتعاهدنا على أن نلتقي في وقت ما في زيارة حقيقية؛ وهو شيء كنت أعرف أنها لم تكن تنويه مثلما لم أكن أنا أيضًا. أبدت إعجابها بوشاحي المصنوع من صوف الأنجورا وبالقبعة الاسكتلندية، وسألت عما إذا كنت قد اشتريتهما من المدينة.
قلت نعم، وكانت المشكلة الوحيدة بهما هي أن الخيوط كانت تتساقط منهما بكثرة.
قالت: «ضعيهما في الثلاجة ليلًا … لا أعرف لماذا، لكن هذا يفلح في الحفاظ عليهما.»
فتحت الباب، ودخل هواء شديد من الشارع.
قالت ماريبيث في صوت مليء بالدهشة الحزينة: «أتذكرين كيف كنا مجنونتين؟» كان عليها أن تتحرك في هذا الاتجاه وذاك، كي تمسك بالأوراق.
تذكرت السيد كرايدرمان وجميع أكاذيبي، وحيرتي المضنية في الظُّلة الصيفية.
قالت ماريبيث، متحركة في سرعة عبر المكتب للإبقاء على الأوراق حتى لا تتناثر: «لن تعود تلك الأيام مرة أخرى.»
ضحكت وقلت نفس الشيء، ثم أغلقت الباب بسرعة. ولوَّحت من الخارج.
شعرت بتلك التغييرات آنذاك — من سن الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة، من السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة — حتى إنه لم يخطر ببالي قط كيف كنت، طوال تلك الفترة. رأيت ماريبيث تنغلق على نفسها، على متعها وآلتها الكاتبة، تزداد جمالًا وبدانة، ولا يزال الزوجان كرايدرمان كما هما، بعيدًا، في مفاوضاتهما الأبدية، ورأيت نفسي أتخلى عن الأحلام، والأكاذيب، والعهود، والأخطاء، دون محاسبة. لم أر أنني كنت لا أزال الشخص نفسه، متحمسة، ناكرة. كنت أظن أنني أستطيع تغيير نفسي كليةً، مرة بعد مرة، وأتلمس خطاي متعثرة في العالم دون أن يحاسبني أحد.
مسيرة الحب |
إسكيمو
تستطيع ماري جو سماع ما كان سيقوله دكتور ستريتر.
«أمم متحدة مصغرة هنا.»
كانت ماري جو، التي تعرف كيف تتعامل معه، ستشير إلى أن أي طائرة بها درجة أولى.
وكان سيقول إنه لم يكن ليدفع مبلغًا كبيرًا من المال فقط للحصول على ميزة احتساء شمبانيا مجانية.
«على أي حال، أنت تعلمين ما يجري في الدرجة الأولى. يابانيون. رجال أعمال يابانيون عائدون إلى بلادهم بعد شراء المزيد من بلادنا.»
ربما كانت ستقول ماري جو حينئذ إن اليابانيين لم يعودوا غرباء بالنسبة إليها. كانت ستقول هذا مُطرِقةً، كما لو كانت تتساءل عن الأمر، وكأنها تتحدث إلى نفسها.
«أعني، إنهم لم يعودوا جنسًا غريبًا بالنسبة لنا.»
«حسنًا، تبدين غريبة بالنسبة إليهم، ومن الأفضل ألا تنسي ذلك.»
وعندما يعبِّر دكتور ستريتر عن تلك الملاحظات، كان سيهدأ نفسيًّا. كان سيستقر إلى جانبها، مسرورًا أنهما حصلا على هذه المقاعد الأمامية حيث يوجد مكان يتسع لرجليه. فهو رجل طويل، ضخم البنية، متورد البشرة وذو شعر أبيض، كان سيلفت النظر هنا كثيرًا — كعملاق أخرق قليلًا، لكنه نبيل — بين الأشخاص أصحاب البشرة الأكثر سمرة، الأجناس ذات الأجساد الأكثر اكتنازًا والأدق عظمًا، في ملابسهم الزاهية أو ذات النقوش البراقة. كان سيستقر في مقعده كما لو كان يملك حقًّا في الوجود هنا، كما لو كان يملك حقًّا في الوجود على هذه الأرض؛ وهو حق لا يتساوى معه فيه إلا الرجال الآخرون الذين في نفس عمره وجنسه، الذين لهم نفس طريقة اللبس والتفكير.
لكنه لا يمد رجليه بجانبها، متبرمًا، مرتاحًا. هي راحلة إلى تاهيتي بمفردها. هذه الإجازة هي هديته لها في الكريسماس. تجلس في المقعد المجاور للممر بالطائرة، والمقعد المجاور للنافذة خالٍ. •••
قالت ابنة دكتور ستريتر، ريا، منذ فترة ليست بالطويلة، متحدثةً إلى ماري جو عما يبدو أنه موضوعها المفضل؛ أبيها: «يملك عقل ديناصور، هذا كل ما في الأمر.» لديها قائمة بالموضوعات المفضلة، الموضوعات الجادة المفضلة — الانتشار النووي، الأمطار الحمضية، البطالة، فضلًا عن التعصب العنصري ووضع المرأة — لكن يبدو أن نظرتها لهذه الموضوعات تكون دائمًا من خلال أبيها. ليس أبوها بعيدًا عن التسبب في كل هذا، في تصور ريا. أبوها هو السبب في القنابل، والتلوث، والفقر، والتمييز. ولا تملك ماري جو إلا أن تُقر بأن هناك أشياء يقولها تفضي بالمرء إلى هذا الاستنتاج.
قالت ماري جو: «هذه آراؤه.» تصورت نوعًا من الديناصورات؛ الديناصور ذا الصفائح العظمية المتراصة بطول عموده الفقري؛ درع لافت، كقطعة ديكورية. «يجب أن يكون للرجال آراؤهم الخاصة بهم.»
يا له من شيء غبي يمكن أن يقوله أحد، خاصةً إلى ريا. ريا بنت تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، لا تعمل، بدينة، مرحة، جميلة، لديها دراجة بخارية تتنقل بها. عندما قالت ماري جو ذلك، حدقت ريا فيها مدة دقيقة، ثم ابتسمت ابتسامتها البدينة البطيئة. ثم قالت في لين: «لماذا، ماري جو؟ لماذا يجب على الرجال أن تكون لديهم آراء خاصة بهم؟ حتى تطقطق النساء بألسنتهن بينما يدمر الرجال العالم؟»
خلعت خوذة قيادة الدراجة البخارية التي كانت مبللة من المطر، ووضعتها على مكتب ماري جو. كانت تنفض شعرها الأسود، الطويل، المتشابك.
قالت ماري جو في حماسة، متناولةً الخوذة وواضعةً إياها على الأرض: «لا يدمر أي رجل عالمي.» لم تشعر بأنها واثقة في هذه المحادثة مثلما كانت تبدو. ماذا كانت ريا تريد، حقًّا، عندما جاءت إلى مكتب أبيها وبدأت في بسط هذه الشكاوى المتنوعة؟ لم تتوقع بالتأكيد أن تتفق ماري جو مع رأيها. لا. كانت تريد أن تدافع ماري جو عن أبيها وتنتظر منها هذا، وذلك حتى تتسلى وتسخر من الأمر (أوه، بالتأكيد، ماري جو، إنك تنظرين إليه كإله!) وتتأكد من صحة اعتقادها في الوقت نفسه. كان من المفترض أن تقوم ماري جو بالمهمة التي كان يجب على أم هذه البنت أن تقوم بها؛ أن تجعلها تفهم أبيها، وتسامحه، وتعجب به، لكن زوجة دكتور ستريتر لم تكن امرأة تغفر أو تعجب بأحد، خاصةً زوجها. فهي تعاقر الخمر، وتظن نفسها ذكية جدًّا. في بعض الأحيان، تهاتف المكتب وتسأل عما إذا كانت تستطيع التحدث إلى «الشافي الأعظم». هي امرأة غير مهندمة، مرتفعة الصوت، كبيرة الحجم، ذات شعر أبيض مهوَّش، تحب أن تقضي وقتها مع الممثلين — هي عضو مجلس إدارة المسرح المحلي — وأساتذة اللغة الإنجليزية الذين يزعمون أنهم شعراء من الجامعة، التي تسعى للحصول منها على درجة الدكتوراه منذ عدة سنوات.
قالت ماري جو لريا؛ مشيرةً إلى مسألة لطالما أشارت إليها من قبل: «رجل مثل والدك، ينقذ حياة الكثيرين كل يوم … لا يمكن أن يُقال عنه إنه يدمر العالم.» لم تكن ماري جو تدافع عن دكتور ستريتر فقط لأنه كان رجلًا، وأبًا؛ ليس هذا على الإطلاق: لم يكن السبب أنها كانت تعتقد أن زوجته كان يجب أن تزرع بعض الاحترام له في أطفاله. كان سبب دفاعها عنه أنه كان أفضل طبيب قلب في هذا الجزء من البلاد؛ لأنه كان يكرِّس نفسه يوميًّا لعلاج الأشخاص ذوي الوجوه الشاحبة في غرفة الانتظار، حالات مرضى القلب، الأشخاص الذين يعيشون في خوف، في ألم. كانت حياته مكرسة تمامًا لخدمة الآخرين.
على الرغم من ارتدائها الخوذة، تبللت بعض الأجزاء في شعر ريا، وكانت تنفض قطرات الأمطار فوق مكتب ماري جو.
«ريا، راقبي شعرك، لو سمحت.»
«ما الذي يوجد في عالمك يا ماري جو؟»
«ليس لدي وقت لأخبرك.»
«أنت مشغولة جدًّا في مساعدة أبي.»
تعمل ماري جو لدى دكتور ستريتر منذ اثني عشر عامًا، وتعيش في الشقة الموجودة في الدور العلوي منذ عشرة أعوام. عندما كانت ريا أصغر سنًّا — مراهقة صاخبة، زائدة الوزن، عنيدة، لكن محبوبة — كانت معتادة على زيارة ماري جو في الشقة، وكان على ماري جو التأكد من إخفاء أي أثر للأوقات المنتظمة، وإن كانت ليست بالطويلة، التي كان يقضيها دكتور ستريتر هناك. الآن، لا بد أن ريا تعرف كل شيء عن ذلك، لكنها لا تسأل عن ذلك مباشرةً. تبدو في كثير من الأحيان كما لو كانت تستقصي عن الأمر، تسأل عنه من طرف خفي. تظل ماري جو شخصًا لطيفًا وكتومًا، غير أن الجهد الذي تبذله في ذلك يتعبها.
قالت ريا، وهي لا تزال تبتسم بطريقتها الخطرة، وشعرها وعيناها تلمع: «جميل أنك ذاهبة إلى تاهيتي … هل كنت ترغبين دومًا في الذهاب إلى هناك؟»
قالت ماري جو: «بالطبع … ومن لا يرغب في ذلك؟»
«إنه مدين لك بهذا. أعتقد أنه حان الوقت كي يرد لك بعض تفانيك في العمل معه.»
مضت ماري جو، دون أن تجيب، تملأ بعض السجلات. بعد فترة، هدأت ريا وبدأت في مناقشة إمكانية الحصول على بعض المال من أبيها لإجراء بعض الإصلاحات في دراجتها البخارية؛ وهو ما أتت من أجله إلى المكتب في المقام الأول. •••
لماذا تعرف ريا دومًا كيف تطرح السؤال الصعب، على الرغم من سخريتها، ومحاضراتها، ودعايتها المتوقعة؟ «هل كنت ترغبين دومًا في الذهاب إلى هناك؟» تاهيتي، في حقيقة الأمر، مكان لم تفكر ماري جو في الذهاب إليه مطلقًا. تعني تاهيتي بالنسبة إليها أشجار النخيل، والزهور الحمراء، والأمواج الفيروزية اللولبية، والترف والكسل الاستوائيين اللذين لم يُثيرَا اهتمامها قط. يوجد شيء خالٍ من الخيال، وإن كان مؤثرًا، في الهدية، مثل تقديم الشوكولاتة في عيد الحب.
إجازة شتوية في تاهيتي! أراهن أنك تشعرين بالإثارة حيال الأمر!
حسنًا، أشعر بالإثارة بالتأكيد!
أخبرت المرضى، وأصدقاءها، وأخواتها — الذين تشك أنهم يظنون أنها تعيش حياة رتيبة — كيف تشعر بالإثارة حيال ذلك. فهي لم تستطع النوم الليلة السابقة، إذا كان هذا يدل على شيء. وقبل الساعة السادسة في ذلك الصباح — يبدو مثل وقت طويل مضى — كانت تقف عند نافذة شقتها، مرتديةً ملابس جديدة بالكامل، ومنتظرةً سيارة الأجرة حتى تصحبها إلى المطار. رحلة قصيرة، وعرة إلى تورونتو، ثم رحلة أطول من تورونتو إلى فانكوفر، ثم ها هي، تطير فوق المحيط الهادئ. نقطة توقف في هونولولو، ثم الانطلاق إلى تاهيتي. لا تستطيع التراجع عن ذلك.
كانت اليونان ستكون أفضل. أو إحدى الدول الاسكندنافية. حسنًا، ربما ليس الدول الاسكندنافية في هذا الوقت من العام. ربما أيرلندا. في الصيف الماضي، ذهب دكتور ستريتر وزوجته إلى أيرلندا. «تعمل» زوجته في رسالتها على أحد الشعراء الأيرلنديين. لا تفترض ماري جو لدقيقة واحدة أنهما قضيا وقتًا طيبًا هناك. من ذا الذي يقضي وقتًا طيبًا مع امرأة غير مهندمة كهذه، متقلبة المزاج، مثيرة للمتاعب؟ تعتقد أنهما سكرا كثيرًا. ذهب لاصطياد السلمون. وأقاما في قصر. إجازاتهما — وإجازاته هو وحده، عادةً ما تكون رحلات صيد — مكلفة دومًا، وتبدو بالنسبة إلى ماري جو طقسية ومرهقة. منزله، أيضًا، وحياته الاجتماعية وحياته العائلية؛ كل هذه الأشياء، مثلما تظن، رسمية كئيبة ومكلفة. •••
عندما بدأت ماري جو العمل لدى دكتور ستريتر، كانت قد حصلت على شهادة التمريض منذ ثلاث سنوات، لكن لم تكن تملك أي مال إضافي؛ لأنها كانت ترد الأموال التي اقترضتها لتكمل تعليمها وتساعد أخواتها في استكمال تعليمهن. جاءت من بلدة صغيرة في مقاطعة هورون. كان والدها يعمل ضمن طاقم الصيانة في البلدة. كانت أمها قد ماتت مما كان يُطلق عليه «مرض بالقلب»؛ شيء عرفت ماري جو لاحقًا أنه مشكلة في القلب كان دكتور ستريتر يمكن أن يشخصها ويوصي بإجراء عملية لعلاجها.
بمجرد أن حصلت على مال كافٍ، بدأت ماري جو في الاهتمام بأسنانها. كانت تهتم بها؛ فلم تكن تضع أحمر شفاه قط، وكانت حريصة في طريقة ابتسامها. خلعت النابين العلويين وحشت الأسنان الأمامية. كانت لا تزال لا تحب مظهر أسنانها؛ لذا وضعت دعائم أسنان. كانت تخطط لتفتيح لون شعرها — الذي كان بنيًّا خالصًا — وشراء بعض الملابس الجديدة، وربما الانتقال بعيدًا، والحصول على وظيفة مختلفة بمجرد فك الدعائم. بحلول الوقت الذي تم فيه فك الدعائم، تغيَّرت حياتها دون أيٍّ من هذه الخطط.
حدثت بعض التغييرات الأخرى، بمرور الوقت؛ فمن فتاة تبدو عليها علامات الجدية، ممتلئة عند الوسط، ذات أسلوب لبق وصوت رقيق وصدر كبير؛ صارت امرأة نحيفة القوام أنيقة ذات شعر قصير ذي خصلات صفراء — أكثر جمالًا الآن من النساء الأخريات في نفس عمرها اللائي كن أكثر جمالًا بكثير منها عندما كنَّ صغيرات جميعًا — فضلًا عن امتلاكها لطريقة محببة لكن حازمة في الحديث. يصعُب تحديد أي فرق يمثِّل أيًّا من هذا بالنسبة لدكتور ستريتر. كان كثيرًا ما يطلب منها ألا تصبح جذابة أكثر مما ينبغي وإلا فسيلمحها أحدهم ويخطفها منه. لم تكن تشعر بالراحة في حديث كهذا، وكانت تجد رسالة غير مشجعة فيه. توقف عن قول أشياء كهذه، وكانت مسرورة. فقط مؤخرًا عاد مرة أخرى إلى قول ملاحظات كهذه، مشيرًا إلى رحلتها إلى هايتي. لكنها تعتقد أنها تعرف بصورة أفضل الآن كيف تتعامل معه، وتغيظه، قائلةً: لا يعرف المرء أبدًا، أو تقول: تحدث أشياء أكثر غرابة من هذا.
كان يحبها حين كانت لا تزال ترتدي دعائم الأسنان. كانت تضعها في المرة الأولى التي ضاجعها فيها. أدارت رأسها جانبًا، ظانةً أن فمًا مليئًا بالأشياء المعدنية ربما لن يكون شيئًا سارًّا. أغلق عينيه، وكانت تتساءل عما إذا كان ذلك يرجع إلى هذا السبب. لاحقًا، عرفت أنه كان دومًا يغلق عينيه. لا يريد أن يتذكر نفسه في هذه الأوقات، وربما لا يريد أن يتذكرها، أيضًا. كان تلذذه نهمًا ولكن منفردًا. •••
يوجد على الجانب الآخر من ممر الطائرة إلى جانب ماري جو مقعدان خاليان، ثم عائلة شابة؛ أم وأب ورضيع وفتاة صغيرة تبلغ حوالي عامين. إيطاليان، أو يونانيان، أو إسبانيان، هكذا تظن ماري جو، ثم سرعان ما تكتشف من خلال حديثهما مع المضيفة أنهما يونانيان، لكنهما يعيشان حاليًّا في بيرث، أستراليا. كان صف المقاعد الذي يجلسون فيه — والذي كان تحت شاشة عرض الأفلام — المكان الوحيد على متن الطائرة الذي كان يوفر مكانًا لأشيائهما وجميع أنشطتهما العائلية؛ حقائب عازلة، وأطباق طعام بلاستيكية، ووسائد أطفال، والسرير القابل للطي الذي يتحول إلى مقعد، وزجاجات لبن، وزجاجات عصير، ودمية باندا كبيرة من أجل إسكات الفتاة الصغيرة. الأبوان منشغلان بصورة مستمرة بالطفلين؛ يلبسانهما بيجامتين بلون فاتح، يطعمانهما، يهدهدانهما، ينشدان الأغاني لهما. نعم، يخبران المضيفة المعجبة بالطفلين أنهما متقاربان جدًّا في العمر، لا يفصل بينهما سوى أربعة عشر شهرًا. الرضيع صبي. لديه مشكلة بسيطة في التسنين. تنتاب الفتاة نوبات غيرة من حين إلى آخر. كلا الطفلين يحبان الموز حبًّا جمًّا. هي تحب الموز كاملًا، وهو يحبه مهروسًا. أخرج فوطة الطعام الخاصة به، يا عزيزي، من الحقيبة الزرقاء. المنشفة، أيضًا، يسيل لعابه قليلًا. لا، المنشفة ليست هنا، في الحقيبة البلاستيكية. هيا أسرع. ها هي. أسرع. حسنًا.
تشعر ماري جو بالدهشة حيال المشاعر العدائية التي تشعر بها إزاء هذه العائلة المسالمة. لماذا يكدسان فمه بالطعام هكذا؟ تشعر كما لو كانت تريد أن تقول ذلك (إذ إنهما خلطا بعض الحبوب في طبق أزرق). يعتبر الطعام الصلب لا فائدة منه في هذا العمر؛ إذ يجعل الأبوين يزيحان المزيد من الطعام عند طرفي الفم. يا لها من جلبة لا داعي لها! يا له من تكديس للأمور وتباهٍ ورضاء، فقط لأنهما نجحا في الإنجاب! أيضًا، هما يعطلان المضيفة عندما يكون من المفترض أنها تقدِّم المشروبات للركاب.
يوجد في الصف خلفهما عائلة أخرى شابة، هندية. ترتدي الأم ساريًا أحمر مطرزًا بتطريزات ذهبية، ويرتدي الأب بذلة ضيقة كريمية اللون. أم نحيفة، صامتة، ترتدي مجوهرات ذهبية كثيرة؛ وأب بدين، يبدو كسولًا، يستمع إلى قناة أغاني الروك في السماعات التي يضعها على أذنيه. يمكن أن يعرف المرء أن قناة الأغاني التي يستمع إليها قناة أغاني الروك من خلال حركة أصابعه على بنطاله الكريمي اللون المفرود على فخذيه الممتلئتين. يجلس بين هذين الأبوين فتاتان صغيرتان، ترتديان ملابس حمراء بالكامل، وأساور وأقراطًا ذهبية، وحذاءين لامعين من الجلد، وأخ أصغر، ربما في عمر الفتاة اليونانية التي في الأمام، يرتدي بذلة، صورة مصغرة من بذلة أبيه؛ نفس الصديري، ولسان البنطال، والجيوب، وما إلى ذلك. تقدِّم المضيفة أقلام تلوين وكتب تلوين، لكن الفتاتين اللتين تتلألآن بالذهب الذي ترتديانه، تضحكان وتخبئان وجهيهما. تحضر لهما كوبين من أحد المشروبات الغازية بنكهة الزنجبيل. يهز الأخ الصغير رأسه عند رؤية هذا. ويتسلق إلى حجر أمه، فتُخرج من الساري ثديًا حلمته داكنة، جاهزًا للإرضاع. يستقر هناك، يهدأ ويرضع وعيناه مفتوحتان، ينظر نظرة سعيدة ومسيطرة في آن واحد.
طريقة سير الأمور لا تناسب ماري جو على الإطلاق. ليست معتادة على الشعور بهذا النفور؛ تعرف أن هذا ليس معقولًا. لا تشعر بشعور كهذا في المكتب على الإطلاق. مهما كانت الصعوبات التي تحدث في المكتب، أو مهما كانت تشعر بالتعب، تتعامل بسهولة مع أي نوع من السلوك الغريب أو الفظ، مع العادات البغيضة، الروائح الكريهة، الأسئلة غير المعقولة. ثمة شيء ليس على ما يرام بها. لم تنم. تشعر بوجود التهاب بسيط في حلقها وبثقل في رأسها. يوجد صوت طنين في رأسها. ربما هي في طريقها للإصابة بالحمى. لكن على الأرجح يعلن جسدها رفضه انتقاله سريعًا أكثر مما ينبغي، مع ازدياد المسافة أكثر فأكثر، من مكان تعلقه وراحته المعتاد عليه. ذلك الصباح، استطاعت رؤية جانب من متنزه فيكتوريا عبر نافذتها، الثلج تحت مصابيح الإضاءة في الشارع والأشجار الخالية من الأوراق. الشقة والمكتب موجودان في منزل جميل من الطوب القديم الذي يملكه دكتور ستريتر، وهو واقع في صف من المنازل المشابهة المكرسة لأغراض مشابهة. نظرت ماري جو إلى الشوارع المغطاة بالثلج الذائب، ثلوج فبراير القذرة، والجدران الرمادية لهذه المنازل، ومبنى تجاري مرتفع، وأنواره الليلية المضاءة، حتى إنها تستطيع رؤية ما وراء المتنزه. لم ترغب في شيء أكثر من البقاء. كانت ترغب في عدم الذهاب في السيارة الأجرة، وفي تغيير بذلتها الجديدة المصنوعة من الجلد الصناعي لترتدي زي العمل، وفي أن تنزل إلى أسفل وتعد بعض القهوة وتسقي النباتات، وتستعد ليوم طويل آخر من المشكلات والروتين، الخوف والطمأنينة، والخوف من أن تحصر نفسها — لبعض الوقت — في الحديث عن الطقس الكئيب. تحب المكتب، غرفة الانتظار، الأنوار المضاءة في أوقات ما بعد الظهيرة شديدة البرودة الآخذة في الإظلام؛ تحب التحدي والرتابة. في نهاية اليوم، يصعد دكتور ستريتر في بعض الأحيان معها إلى أعلى؛ تعد العشاء، ويمكث جانبًا من المساء. زوجته تخرج لعقد مقابلات، حضور محاضرات، الاشتراك في جلسات لقراءة الشعر؛ تخرج لتشرب وتعود إلى المنزل لتخلد إلى النوم مباشرةً.
عندما تستدير المضيفة لتسألها عما تريد، تطلب ماري جو فودكا مارتيني. تختار فودكا دومًا، آملةً في ألا يمكن لأحد شم رائحتها. لأسباب واضحة؛ لا يحب دكتور ستريتر أن تفوح من النساء رائحة مشروبات كحولية.
ها قد أتى زوجان جديدان عبر الممر، غيَّرا مقعديهما، فيما يبدو، وهو ما تسبب في مشكلة مع عربة المشروبات. تأتي مضيفة أخرى تتجادل خلفهما. تحمل المضيفة والمرأة الجديدة حقائب تسوق، وحقيبة سفر، ومظلة. يسير الرجل أمامهما ولا يحمل أي شيء. يجلسان في المقعدين على الجانب الآخر من الممر مباشرةً، إلى جانب الأسرة اليونانية. يحاولان دس متعلقاتهما تحت المقعد، لكنهما لا يفلحان.
تقول المضيفة إن ثمة مكانًا واسعًا في الخزائن العلوية.
لا. زمجرات منخفضة الصوت من الرجل، اعتذارات في صورة همهمات من المرأة. يُفهمان المضيفة أنهما يرغبان في مراقبة جميع متعلقاتهما. وبعد أن تتحرك عربة المشروبات، يمكن أن يجدا مكانًا يمكن وضع الأشياء فيه؛ أمام ماري جو، وخلف المقعد الصغير القابل للطي الذي تجلس عليه المضيفات عند إقلاع الطائرة وهبوطها.
تقول المضيفة إنها تأمل في ألا يزعج ذلك ماري جو. يشير صوتها الصافي إلى وقوع قدر من الصعوبة في التعامل مع هذين الراكبين. ترد ماري جو أنها غير منزعجة، وأن الأمر سيكون على ما يرام. يجلس الزوجان، الرجل في المقعد المجاور للممر. يطلق زمجرة أخرى، آمرة لكن ليست فظة، وتأتي المضيفة بكأسَي ويسكي. يرفع كأسه قليلًا، في اتجاه ماري جو. إشارة رقيقة ربما كانت تعني شكرًا. ليس هذا اعتذارًا بالتأكيد.
هو رجل بدين، ربما أكبر في السن من دكتور ستريتر، لكنه خفيف الظل أكثر. رجل قليل الحذر، لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ذو شعر رمادي طويل نسبيًّا، ويرتدي ملابس جديدة، غالية الثمن. يرتدي صندلًا فوق جوربين بنيين، وبنطالًا بلون الصدأ، وقميصًا أزرق زاهيًا، وسترة جلدية ذهبية أنيقة ذات ألسنة، وطيات، وجيوب صغيرة كثيرة. لون بشرته بني، وعيناه ضيقتان قليلًا. ليس يابانيًّا أو صينيًّا؛ من هو إذن؟ يراود ماري جو شعور بأنها رأته من قبل. ليس كمريض، لم ترَهُ في المكتب. لكن أين؟
تنظر المرأة من وراء كتفه، مبتسمةً ابتسامة مزمومة الشفاه، مما يغضِّن وجهها العريض على نحو سار. عيناها أكثر ضيقًا من عينيه، ولون بشرتها أكثر شحوبًا. شعرها الأسود مفروق في المنتصف، ومعقوص باستخدام رباط مرن في صورة ذيل حصان طفولي. ملابسها رخيصة، ومهندمة، وربما جديدة — بنطال فضفاض بني، وبلوزة عليها زهور — لكنها لا تجاري ملابسه. عندما جاءت عبر الممر حاملةً حقائب التسوق، كانت تبدو في منتصف العمر، ممتلئة عند الوسط، وكتفاها محنيتان. أما الآن، وهي تبتسم إلى ماري جو خلف الكتف الضخمة للرجل، فتبدو صغيرة جدًّا. ثمة شيء غريب بشأن الابتسامة نفسها. تتضح طبيعة الابتسامة عندما تفتح فمها وتقول شيئًا للرجل. لا توجد أسنان أمامية عندها، في الجانب العلوي كله. هذا هو ما يمنح الابتسامة هذا المظهر المتحفظ والبريء في آن واحد؛ نظرة فرح ماكر، دائم مثلما تبتسم امرأة عجوز، أو طفل رضيع.
تعتقد ماري جو الآن أنها عرفت أين رأت هذا الرجل من قبل. قبل أسابيع قليلة، كانت تشاهد برنامجًا تليفزيونيًّا حول قبيلة كانت تعيش في أحد الوديان المرتفعة في أفغانستان، قرب حدود التبت. كان قد جرى تصوير الفيلم قبل سنوات قليلة، قبل أن يأتي الروس. كان أفراد القبيلة يعيشون في منازل مصنوعة من الجلد، وكانت ثروتهم تتمثل في قطعان من الأغنام، والماعز، والخيول الأصيلة. بدا أن أحد الرجال احتكر معظم هذه الثروة، وصار حاكم القبيلة، لا من خلال الحق الوراثي لكن من خلال قوة الشخصية وسطوة المال. كان يسمى «الخان». كانت لديه بسط جميلة في منزله المصنوع من الجلد، وراديو، وعدة زوجات وجوارٍ.
هذا هو ما يذكرها الرجل به؛ الخان. أوليس من الممكن، أليس من الممكن حقيقة، أن يكون هو ذلك الرجل؟ ربما رحل عن بلاده، تركها قبل أن يأتي الروس، مصطحبًا معه بُسطه ونساءه وربما كمية من الذهب، وإن لم يحمل معه على الأرجح معزاته، وأغنامه، وجياده. إذا كان المرء يسافر عبر العالم على متن طائرات شركات طيران كبيرة، أفلا يمكن أن يرى المرء شخصًا، عاجلًا أو آجلًا، رآه في التليفزيون؟ ربما يكون حاكم أحد البلاد القصية، مثلما قد يكون مقدم أحد البرامج، أو سياسيًّا، أو معالجًا روحيًّا. في أيام التحولات الهائلة هذه، ربما يكون شخصًا جرى تصويره باعتباره شيئًا مثيرًا للاهتمام، بل تحفة قديمة، في دولة منعزلة، ثم جرى إطلاق سراحه مثل الجميع.
لا بد أن المرأة إحدى زوجاته، الزوجة الصغرى، ربما المحظية، حتى يجري اصطحابها في رحلة كهذه. كان قد اصطحبها إلى كندا أو الولايات المتحدة، حيث ألحق أبناءه بمدارس هناك. كان قد اصطحبها إلى طبيب أسنان حتى يصنع لها طقم أسنان صناعية. ربما تضع طقم الأسنان الصناعية في حقيبة يدها، لا تزال غير معتادة عليه، لا تضعه طوال الوقت.
تشعر ماري جو بابتهاج بسبب ما صنعه خيالها، وربما أيضًا بسبب الفودكا. في رأسها، تبدأ في كتابة خطاب تصف فيه هذين الشخصين، وتذكر البرنامج التليفزيوني. بالطبع الخطاب موجه إلى دكتور ستريتر، الذي كان يجلس على المقعد إلى جانبها — لكنه كان قد خلد إلى النوم — بينما كانت هي تشاهد ذلك. تذكر أسنان المرأة وتشير إلى إمكانية أن تكون قد أُزيلت عن عمد، للتوافق مع فكرة غريبة ما تتعلق بتحسين مظهر المرأة.
«إذا طلب مني أن أنضم إلى حريمه، أعد أنني لن أوافق على أيٍّ من هذه الإجراءات العجيبة!»
يجري خفض شاشة عرض الأفلام. تطفئ ماري جو النور فوقها مذعنةً. تفكر في طلب شراب آخر لكنها تقرر ألا تفعل. المشروبات الكحولية تكون أكثر تأثيرًا في ظل هذا الارتفاع. تحاول أن تشاهد الفيلم، لكن ترى الصور ممدودة جدًّا من هذه الزاوية. يبدو الفيلم كئيبًا وسخيفًا. هناك جريمة قتل في أول دقيقتين في الفيلم؛ فتاة ذات شعر فضي رائع تجري مطاردتها عبر ممرات خالية وفيما يبدو يُطلَق عليها النار، بعد مقدمة الفيلم مباشرةً. تفقد ماري جو في الحال الرغبة في مشاهدة الفيلم، وبعد فترة تنزع سماعاتها. عندما تفعل ذلك، تعي وجود مشادة ما عبر الممر.
تبدو المرأة، الفتاة، كما لو كانت تحاول النهوض. يدفعها الرجل إلى أسفل. يتذمر منها. تجيب في صوت يتراوح بين الشكوى والطمأنة ثم يعود مرة أخرى إلى الشكوى. يبدو كما لو كان يفقد الاهتمام بالأمر، يميل رأسه إلى الخلف لمشاهدة الشخصيات على الشاشة. تشق الفتاة طريقها من مقعدها وتتعثر فوقه. يزمجر في صوت مسموع الآن، ويمسك رجلها. لدهشة ماري جو، تتحدث الفتاة إليه بالإنجليزية.
تقول في عناد: «لستُ … لستُ ثملة.» تقول هذا بنبرة حماسية، قانطة يستخدمها الثملون عادةً عندما يجادلون أنهم ليسوا كذلك.
يدعها الرجل وهو يزمجر تعبيرًا عن الاشمئزاز.
تقول، وثمة دموع الآن في صوتها وعينيها: «لا تصدر لي الأوامر هكذا … أنت لست أبي.» بدلًا من السير على الممر إلى الحمام — إذا كان هذا ما كانت تفكر فيه — تظل واقفةً في متناول يده، تنظر في أسى إليه. يحاول مرة أخرى الإمساك بها دون أن يقصد ذلك فعلًا، حركة سريعة، وحشية، كما لو كان هذه المرة، المرة التالية، ينوي حقًّا أن يؤذيها. تتعثر جانبًا. يتحوَّل بانتباهه مرة أخرى إلى الشاشة.
لا تزال الفتاة لا تتحرك في الممر. تميل ناحية ماري جو.
تقول: «عذرًا.» تبتسم بعينين ممتلئتين بالدموع. يتغضَّن وجهها الحائر، المُهان من خلال هذه الابتسامة الواسعة، مزمومة الشفاه، ابتسامة الاعتذار أو التآمر. «عذرًا».
تقول ماري جو، معتقدةً أن الفتاة تعتذر عن الشجار: «لا بأس.» ثم تدرك أن «عذرًا» تعني «هل يمكن أن أمر؟» تريد الفتاة أن تمر من فوق رجلي ماري جو، الممددة في استرخاء، والمتقاطعتين عند الكاحلين. تريد أن تجلس في المقعد المجاور للنافذة.
تفسح لها ماري جو الطريق. تجلس الفتاة، تمسح عينيها بحركة مستقيمة من سبابتها، وتتنفس بصوت عالٍ وبشكل بدا وكأنه جاد وحاسم. ماذا الآن؟
تقول الفتاة: «لا تخبري أحدًا … لا تخبري أحدًا.»
تضع يدها العريضة على ركبة ماري جو، ثم تسحبها.
تقول ماري جو: «لن أفعل.» لكن من ستخبره عن هذا الشجار الصغير غير محدد المعالم ولماذا؟
«لا تخبري أحدًا. أنا من الإسكيمو.»
بالطبع كانت ماري جو تعرف منذ أن سارت الفتاة في الممر وفتحت فمها أن كل أفكارها حيال الخان والزوجة المحظية هراء. تومئ برأسها، لكن كلمة «إسكيمو» تزعجها أكثر من الحقيقة نفسها. ليست هذه هي الكلمة المستخدمة الآن، أليس كذلك؟ «الإنويت». هذه هي الكلمة التي يستخدمونها الآن.
«هو من الميتي. أنا من الإسكيمو.»
حسنًا، إذن. ميتي وإسكيمو. رفقاء كنديون. انقلبت المزحة علي، تحدث ماري جو نفسها. في ذهنها، عليها أن تكتب خطابًا مختلفًا.
«لا تخبري أحدًا.»
تتصرف الفتاة كما لو كانت تعترف بشيء ما؛ سر مخزٍ، خطأ قاتل. هي خائفة لكنها تحاول أن تبدو متماسكة. تقول مرة أخرى: «لا تخبري أحدًا»، ثم تضع أصابعها لثوانٍ معدودة على فم ماري جو. تستطيع ماري جو أن تشعر بحرارة بشرتها والارتعاشة التي تسري في أصابع الفتاة وجسدها بالكامل. تشبه حيوانًا في حالة ذعر لا توصف.
تقول ماري جو مرة أخرى: «لا. لا، لن أفعل.» أفضل الأشياء التي تفعلها، هكذا تحدث نفسها، هو أن تتظاهر بأنها تفهم كل شيء ينطوي عليه هذا الرجاء.
تقول في نبرة حديث ودية: «هل ستذهبين إلى تاهيتي؟» تعلم كيف أن سؤالًا عاديًّا في لحظة كهذه يمكن أن يجعل أي شخص يتخطى الرعب الذي يتملكه.
تتسع ابتسامة الفتاة كما لو كانت تقدر الغرض من السؤال، ومدى طيبته، على الرغم من أنه في حالتها غير كافٍ. تقول الفتاة: «إنه ذاهب إلى هاواي … وأنا أيضًا.»
تلقي ماري جو بنظرة عبر الممر. رأس الرجل يتدلى. ربما هو طريقه للحصول على غفوة. حتى عندما تستدير، تستطيع أن تستشعر حرارة الفتاة وارتعاشتها.
تقول ماري جو: «كم تبلغين من العمر؟» لا تعرف ماري جو حقيقةً لماذا تسأل هذا السؤال.
تهز الفتاة رأسها، كما لو كان عمرها أمرًا عبثيًّا وباعثًا على الأسى. «أنا من الإسكيمو.»
ما علاقة هذا بالأمر؟ تقولها كما لو كانت شفرة ما، ستفهمها ماري جو في نهاية المطاف.
تقول ماري جو بثقة أكبر: «نعم. لكن كم يبلغ عمرك؟ … عشرين عامًا؟ أكثر من عشرين عامًا؟ ثمانية عشر؟»
المزيد من هز الرأس والإحراج، والمزيد من الابتسام. «لا تخبري أحدًا.»
«كم يبلغ عمرك؟»
«أنا من الإسكيمو. أنا في السادسة عشرة.»
تنظر ماري جو عبر الممر مرة أخرى للتأكد من أن الرجل لا يسمع. يبدو نائمًا.
«ستة عشر؟»
تهز الفتاة رأسها في قوة، تكاد تضحك. ولا تتوقف عن الارتعاش.
«هل أنت كذلك؟ لا؟ نعم؟ نعم.»
مرة أخرى، مرت تلك الأصابع السميكة مثل الريش فوق فم ماري جو.
«هل تريدين أن تذهبي إلى هاواي معه؟ هل كل شيء على ما يرام؟»
«سيذهب إلى هاواي. وأنا أيضًا.»
قالت ماري جو، متحدثةً في هدوء وحرص: «اسمعي … سأنهض وأسير إلى مؤخرة الطائرة. سأذهب حيث توجد الحمامات. دورات المياه. سأنتظرك في الخلف هناك. بعد برهة، انهضي وتعالَي إلى الخلف. اذهبي إلى مؤخرة الطائرة حيث توجد دورات المياه وسنتحدث هناك. من الأفضل أن نتحدث هناك. حسنًا؟ هل تفهمينني؟ حسنًا.»
تنهض في غير عجلة، تتناول سترتها، التي كانت قد انزلقت إلى أسفل على المقعد، تهندمها. يحرِّك الرجل رأسه على الوسادة، يلقي عليها نظرة باردة، مكفهرة، نظرة كلب نصف نائم. تختفي عيناه تحت جفنيه ويتحوَّل رأسه بعيدًا.
«حسنًا؟» تتفوه ماري جو بالكلمات باتجاه الفتاة دون أن تصدر أي صوت.
تضغط الفتاة بأصابعها على فمها، على ابتسامتها.
تسير ماري جو إلى مؤخرة الطائرة. في وقت سابق، خلعت حذاءها الطويل العنق وانتعلت خُفًّا. تسير الآن في راحة، لكنها تفتقد شعور التمكين والثبات الذي يمنحه الحذاء الطويل العنق.
عليها أن تقف في الصف أمام الحمامات؛ إذ ليس ثمة مكان آخر تقف فيه. يمتد الصف إلى المساحة الصغيرة إلى جانب النافذة حيث كانت تعتزم أن تنتظر. تظل تنظر حولها، منتظرةً الفتاة أن تأتي خلفها. لم تأتِ بعد. ينضم أشخاص آخرون، أكثر طولًا إلى الصف، وكان عليها أن تظل تتطلع حولها، تريد أن تتأكد أن الفتاة تستطيع أن ترى مكانها. عليها أن تتحرك إلى الأمام في الصف، وعندما يحل دورها لا تملك خيارًا إلا الدخول. حان وقت دخولها الحمام على أي حال.
تخرج بأسرع ما تستطيع. الفتاة ليست موجودة بعد. ليست في الصف. لا تتجول في منطقة المطبخ أو تجلس في أيٍّ من المقاعد الخلفية. الصف أقصر طولًا الآن، وهناك مساحة بحيث يمكن أن تقف ماري جو فيها إلى جانب النافذة. تنتظر هناك، ترتعش، متمنيةً لو أنها كانت قد جلبت سترتها.
في الحمام، لم تستغرق وقتًا طويلًا في وضع أحمر شفاه. تفعل هذا الآن، ناظرةً إلى انعكاس صورتها على النافذة المظلمة. هب أنها قررت التحدث إلى شخص ما عن الفتاة؛ ماذا سيظنون بها؟ كانت تستطيع أن تتحدث إلى شخص ما الآن؛ تلك المضيفة الأكبر عمرًا، ذات المظهر الكئيب، وظلال الجفون النحاسية اللون، التي تبدو أنها المسئولة، أو المضيف، الذي يبدو شارد الذهن لكنه ودود على نحو أكبر. كانت تستطيع أن تخبرهما بما قالته الفتاة، وعن ارتعاشها. كانت تستطيع أن تعلن عن شكوكها. لكن إلام يفضي هذا؟ لم تقل الفتاة شيئًا حقيقة يمكن بناء أي شكوك حقيقية عليه. هي من الإسكيمو، تبلغ ستة عشر عامًا، ستذهب إلى هاواي مع رجل أكبر منها بكثير وهو ليس أباها. هل سن الستة عشر تعني أنها ما زالت قاصرة؟ هل اصطحاب فتاة إلى هاواي جريمة؟ ربما تكون أكبر من ستة عشر عامًا على أي حال؛ تبدو كذلك. ربما تكون ثملة وكاذبة. ربما تكون زوجته، على الرغم من أنها لا ترتدي خاتم زواج. ربما يكون أحد أقاربها. إذا قالت ماري جو أي شيء الآن، فسيجري النظر إليها باعتبارها امرأة متطفلة، تناولت كأسًا من الخمر وربما تناولت ما هو أكثر. ربما يجري النظر إليها باعتبارها شخصًا يحاول أن يسيطر على الفتاة لتحقيق أغراض شخصية لها.
على الفتاة نفسها أن تقول المزيد إذا كان يجب اتخاذ إجراء ما.
لا يمكن تقديم المساعدة لأحد إذا لم يطلبها.
يجب على المرء أن يقول ما يريد.
يجب أن يقول.
تسير ماري جو في بطء إلى مقعدها، ناظرةً في طريقها ما إذا كانت الفتاة قد تحركت من مكانها، إذا كانت تجلس في مكان آخر. تبحث عن الرأس الخانع الكبير ذي ذيل الحصان الأسود.
غير موجودة في أي مكان.
لكنها عندما تقترب من مقعدها ترى أن الفتاة انتقلت من مكانها. كانت قد انتقلت إلى حيث كانت تجلس من قبل إلى جانب الرجل. قُدِّم إليهما كأسا ويسكي أُخريين.
ربما أمسك بها عندما نهضت، وأجبرها على الجلوس بجانبه. كان يجب على ماري جو التأكد من أن الفتاة قد سبقتها إلى الحمام. لكن هل كان باستطاعتها إقناعها، إفهامها؟ هل كانت الفتاة تفهم حقيقة أنها تعرض عليها المساعدة؟
تقف ماري جو في الممر وهي ترتدي سترتها. تنظر إلى الزوجين، لكنهما لا ينظران إليها. تجلس وتضيء زر ضوء القراءة فوقها، ثم تغلقه. لم يعد أحد يشاهد الفيلم. يبكي الطفل اليوناني، ويسير الأب حاملًا إياه في الممر جيئةً وذهابًا. انقلبت الفتاتان الهنديتان الصغيرتان إحداهما فوق الأخرى، وأخوهما نائم في حجر أمه الصغير.
كان دكتور ستريتر سيضع الأمور في نصابها أمام ماري جو حيال هذا. تعتبر بعض أشكال الاهتمام — وهو ما جعلها تقر به — نوعًا من الرعونة والإفراط. في ظل النوايا الطيبة المفرطة، يميل الناس إلى الإضرار بالآخرين أكثر من نفعهم. وربما كان هذا هو ما تفعله في هذه الحالة.
نعم. كان يستطيع دومًا معرفة ما في داخل الناس، ما في داخل صدورهم. إذا كان لدى هذه الفتاة قلب مريض، حتى لو كانت أكبر بعشرين عامًا، بأربعين عامًا، مما هي عليه حقيقةً، حتى لو كانت حياتها مضطربة، ولا فائدة منها على الإطلاق، وكان عقلها معطوبًا جراء الشراب؛ حتى حينئذ كان سيضع نفسه في خدمتها بالكامل. لا يوقفه شيء، كان يبذل قصارى جهده في حالات إنقاذ أو محاولات إنقاذ كهذه؛ إذا كانت المشكلة في القلب الفعلي، القلب المثقل، الذي تتدفق الدماء عبره، الذي يضخ الدماء، الذي يوجد داخل الصدر.
يوجد حزن كامن في صوت دكتور ستريتر، ليس في صوته فقط؛ فنَفَسه حزين، حزن لا شفاء منه، هادئ، رقيق هو ما يزفره عبر الهاتف قبل أن يسمع المرء حتى صوته. كان سيشعر بالاستياء إذا أخبره المرء بذلك. ليس لأنه يرغب بصورة خاصة في أن يجري النظر إليه باعتباره مبتهجًا. لكنه كان سيعتقد أن من غير الضروري، ومن سوء الأدب، بالنسبة إلى أي شخص أن يفترض أنه حزين.
يبدو أن سبب هذا الحزن هو الرضوخ. تستطيع ماري جو إدراك ذلك، ولكن لا تفهمه على الإطلاق. تعتقد أن الرجال لديهم إحساس بالرضوخ لا تستطيع النساء فهمه. (ماذا كانت ستقول ريا عن ذلك؟) ليس سبب هذا هو الأشياء التي يعرفها — كانت تستطيع ماري جو فهم ذلك — بل الأشياء التي يجب عليه تقبلها والتي تصنع فارقًا. يحيرها، ويخضعها. تحب هذا الرجل حبًّا محيرًا، حذرًا، دائمًا.
عندما تتصوره، تراه دومًا يرتدي البذلة البنية ذات القطع الثلاث، بذلة قديمة الطراز تجعله يشبه طبيبًا في فترة طفولته الفقيرة، الريفية. لديه ملابس غير رسمية رائعة، وكانت قد رأته فيها، لكنها تعتقد أنه لا يشعر بالراحة فيها. لا يشعر بالراحة في كونه ثريًّا، هكذا تعتقد، على الرغم من أنه يشعر بأنه يجب أن يكون كذلك، مثلما يشعر بالكراهية تجاه أي حكومة تمنعه من أن يكون كذلك. رضوخ وتسليم وحزن تام.
لن يصدقها إذا أخبرته بذلك. لن يصدقها أحد.
ترتجف، حتى مع ارتداء سترتها. يبدو كما لو أنها أصيبت بشيء من حالة الاهتياج المستمرة والغريبة التي لدى الفتاة. ربما هي مريضة حقًّا، لديها حمى. تدير وجهها نحوهما، محاولةً تمالك نفسها. تغمض عينيها لكنها لا تستطيع الاحتفاظ بهما مغلقتين. لا تستطيع منع نفسها من مراقبة ما يجري عبر الممر.
ما يجري شيء يجب أن تتحلى بالكياسة والأدب حتى تدير رأسها بعيدًا عنه. لكنها لا تتحلى بأيٍّ من ذلك، ولا تفعل ذلك.
كأسا الويسكي خاليتان. كانت الفتاة قد مالت إلى الأمام وتقبِّل وجه الرجل. رأسه مستقرة على الوسادة ولا يتحرك. تميل فوقه، وعيناها مغمضتان، أو تكاد تكون مغمضتين، وجهها عريض، وشاحب، ولا يعبِّر عن أي شيء، وجه قمر حقيقي. تقبِّل شفتيه، خديه، جفنيه، جبهته. يستسلم لها؛ يدعها تقوم بذلك. تقبله وتلعقه. تلعق أنفه، الذقن الخفيفة النابتة في خديه، ورقبته، وذقنه. تلعق كل جزء من وجهه، ثم تلتقط أنفاسها، وتواصل التقبيل.
يجري هذا في غير عجلة، في غير نهم. ولا يجري الأمر بصورة آلية أيضًا. لا يوجد أي أثر من آثار الإجبار. الفتاة متحمسة؛ تمر بنشوة هيام. هيام حقيقي. لا يوجد شيء غاية في الجرأة مثل الغفران أو السلوى. طقس يستحوذ على كل ذرة في تركيزها ونفسها، لكنه طقس تفقد نفسها فيه. كان يمكن أن يستمر الأمر إلى الأبد.
حتى عندما تنفتح عينا الفتاة، وتنظر مباشرةً عبر الممر، مرتسمًا على وجهها تعبير غير ذاهل وغير غائب عن الوعي، بل تعبير مباشر وصادم؛ حتى حينها، لا تملك ماري جو إلا الاستمرار في النظر إليهما. فقط بعد جهد كبير، وبعد وقت طويل للغاية، تستطيع أن تبعد عينيها عنهما.
لو أن أحدًا سألها عما كانت تشعر وهي تشاهد هذا، لكانت ماري جو ستقول إنها كانت تشعر بالغثيان. وكانت ستعني ما تقول. ليس هذا الشعور بالغثيان الذي يظهر مع بدايات الإصابة بالحمى أو أيًّا كان والذي يجعلها تشعر بالكآبة والارتعاش، لكن كانت تشعر بالغثيان بسبب النفور، كما لو كانت تشعر بالحركات البطيئة للسان الدافئ، السميك فوق وجهها. ثم، عندما تبعد ناظريها، ينطلق شيء آخر؛ ألا وهو الرغبة، بشكل مفاجئ وقاسٍ مثل اندفاع الأتربة بسرعة شديدة على منحدر جبلي.
في الوقت نفسه، تستمع إلى صوت دكتور ستريتر، الذي يقول في وضوح: «تعرفين، ربما تكسرت أسنان هذه الفتاة بسبب لكمة شديدة. ربما في مشاجرة.»
هذا هو صوت الدكتور ستريتر المألوف، العقلاني، مطالبًا بتمييز بعض الحقائق، وبعض الأحوال. لكنها أضافت بعدًا جديدًا إلى صوته؛ رضًى ماكرًا وطبيعيًّا. فهو ليس حزينًا فقط، ليس راضخًا فقط؛ بل راضٍ عن أن تكون بعض الأشياء على النحو الذي هي عليه. يقابل الرضى البادي في صوته الشعور بالقلقلة في جسدها. تشعر بالخزي وبالنفور الجسدي، حرارة تبدو كما لو كانت تنتشر من معدتها. ينتهي هذا، موجة هذا الأمر تنتهي، لكن يبقى النفور. النفور، الاشمئزاز، الكراهية التي تخرج من المرء يمكن أن تكون أسوأ من الألم. سيكون هذا وضعًا أسوأ للعيش فيه. بمجرد التفكير في هذا، ووضْع اسم لما تشعر به، باتت تشعر بثبات أكثر قليلًا. لا بد أن السبب هو غرابة الوجود في رحلة طيران، والشراب، والحيرة التي سببتها لها هذه الفتاة، وربما فيروس ما، هذا الذي تتصارع معه. يمثِّل صوت دكتور ستريتر ما هو أكثر من الوهم الحقيقي، لكنه ليس وهمًا بالنسبة لها؛ تعرف أنها اختلقته بنفسها. اختلقت ما كانت تستطيع حينئذ التحول عنه، كراهيته كرهًا خالصًا. إذا صار هذا الشعور حقيقيًّا، إذا تمكَّن وهم كهذا منها، فستكون في حالة من الكآبة لا تستطيع حتى التفكير فيها.
تبدأ في تهدئة نفسها عن عمد. تتنفس في عمق وتتظاهر بأنها ستغط في النوم. تبدأ في تخيل قصة تمضي الأمور فيها على نحو أفضل. افترضت أن الفتاة تبعتها إلى مؤخرة الطائرة منذ فترة؛ أنهما استطاعتا التحدث معًا. تمضي القصة قدمًا، على نحو ما، إلى غرفة الانتظار في هونولولو. ترى ماري جو نفسها جالسة هناك في غرفة بها أشجار نخيل غير مكتملة النمو مزروعة في أصص، على مقعد مبطَّن. يمر الرجل والفتاة عليها. تسير الفتاة في المقدمة، حاملةً حقائب التسوق. يحمل الرجل حقيبة السفر فوق كتفه، ويمسك المظلة. يلكز الفتاة بطرف المظلة المغلقة. لا شيء يؤلمها أو يفاجئها. مزحة. تهرول الفتاة، وتضحك، وتتلفت حولها، وعلى وجهها تعبير اعتذار، وإحراج، وعجز، وروح دعابة لا نهائية. ثم تشير إليها ماري جو بعينيها لتتبعها، دون أن يلاحظ الرجل. تنهض ماري جو وتسير عبر غرفة الانتظار وتصل إلى حمام السيدات المضيء، المكسو بالقرميد.
وفي هذه المرة تتبعها الفتاة.
تفتح ماري جو الماء البارد. تنضح وجهها بالماء، في إشارة على الحماس.
تحث الفتاة على أن تفعل مثلها.
تتحدث إليها في هدوء وعلى نحو لا يقاوم.
«هذا جيد. برِّدي وجهك. حاولي أن تصفي ذهنك تمامًا. عليك أن تفكري في هدوء. يجب أن تفكري في هدوء. الآن. ما الأمر؟ ما الذي تريدينه؟ مم تخافين؟ لا تخافي. لا يستطيع المجيء إلى هنا. لدينا وقت. يمكنك أن تخبريني ماذا تريدين وأستطيع أن أساعدك. يمكن أن أتصل بالسلطات.»
لكن القصة تتوقف عند هذه النقطة. تصطدم ماري جو بمنطقة صماء، ويُترجم حلمها — هي تحلم الآن — هذا بطريقة فجة إلى بقعة من الصدأ غير منتظمة، وغريبة، حيث تآكل طلاء المينا أسفل الحوض.
يا له من حمام سيدات مهمل!
«هل الأمور هكذا دومًا في المناطق الاستوائية؟» تقول ماري جو ذلك للسيدة الواقفة إلى جانبها في الحوض المجاور، وتغطي هذه المرأة حوضها بيديها كما لو كانت لا ترغب في أن تنظر ماري جو إليه أو أن تستخدمه. (مع أن ماري جو لم تكن تنتوي عمل ذلك.) هي امرأة ضخمة، بيضاء الشعر، ترتدي ساريًا أحمر، وتبدو كما لو كانت تمتلك سلطة في حمام السيدات. تتلفت ماري جو حولها بحثًا عن الفتاة التي من الإسكيمو وتندهش عندما تراها راقدة على الأرض. تضاءل حجمها، وترتسم على وجهها نظرة قاسية، وجه حاد مثل وجه دمية. لكن الصدمة الحقيقية تكمن في أن رأسها انفصل عن جسدها، على الرغم من أنها لا تزال متصلة به من خلال رباط مرن داخلي.
تقول المرأة ذات الشعر الأبيض: «سيكون لديك فرصة كي تختاري مصيرك.» تعتقد ماري جو أنها تعني بذلك طريقة عقابها. تعلم أن خطرًا ما يتهددها في هذا الشأن؛ ليست مسئولة، لم تضرب الفتاة أو تدفعها على الأرض. المرأة مجنونة.
تقول: «آسفة … لكن عليَّ أن أعود إلى الطائرة.»
يحدث هذا لاحقًا، ولكنهما لم يعودا في حمام السيدات.
يعودا إلى مكتب دكتور ستريتر وتشعر ماري جو بوجود تضارب بسيط في الأحداث بحيث لا تستطيع متابعتها، تشعر بفجوات في الزمن لم تلحظها. لا تزال تفكر في العودة إلى الطائرة، لكن كيف لها أن تجد غرفة الانتظار، هذا إلى جانب الذهاب إلى هونولولو؟
جسد ضخم ملفوف في ضمادات يمر، وتريد ماري جو أن تعرف لمن هذا الجسد، وماذا حدث، ولماذا يجلبون أحد ضحايا الحروق إلى هنا.
المرأة التي ترتدي ثوب الساري الأحمر هناك أيضًا. تقول لماري جو، بطريقة ودية: «المحكمة في الحديقة؟»
ربما يعني هذا أن ماري جو لا تزال متهمة بشيء، وأن ثمة محاكمة تجري في الحديقة. على الجانب الآخر، ربما تشير كلمة «محكمة» Court إلى دكتور ستريتر. ربما تعني المرأة «كونت» Count، خالطةً بين الهجاءين. إذا كان الأمر هكذا، فهي ترغب في أن تسخر منه. إطلاق لقب «كونت» عليه يعد مزحة، و«في الحديقة» تعني شيئًا آخر، أيضًا، وهو ما يجب على ماري جو التركيز جدًّا عليه لمعرفته.
تفتح المرأة يدها وتُري ماري جو بعض الزهور الزرقاء الصغيرة — مثل قطرات الثلج، لكنها زرقاء — وتشير إلى أن هذه «محكمة» وإلى أن «محكمة» تعني زهورًا.
خدعة، تعرف ماري جو ذلك، لكنها لا تستطيع أن تركز لأنها تستيقظ من النوم. في طائرة نفاثة جامبو فوق المحيط الهادئ، وشاشة الأفلام مغلقة، والأضواء مطفأة تقريبًا، وحتى الطفل الرضيع نائم. لا تستطيع العودة عبر مراحل الحلم المختلفة إلى الجزء الواضح، في حمام السيدات، عندما كانتا تنضحان وجهيهما بالماء البارد وكانت هي — ماري جو — تقول للفتاة كيف يمكن أن تنقذ نفسها. لا تستطيع بلوغ ذلك. ينام الأشخاص حولها تحت البطاطين، رءوسهم على وسائد برتقالية صغيرة. بطريقة ما، جرى توفير وسادة وبطانية لها أيضًا. الرجل والفتاة عبر الممر نائمان، فماهما مفتوحان، وصحت ماري جو من أحلامها على شخيرهما الثنائي المعبِّر، البريء. •••
هذه بداية إجازتها.
مسيرة الحب |
نزعة غريبة
(١) خطابات مجهولة المصدر
كان لدى أم فيوليت — العمة آيفي — ثلاثة صبية صغار، ثلاثة صبية رضع، وفقدتهم جميعًا. ثم أنجبت الفتيات الثلاث. ربما لتواسي نفسها على الحظ السيئ الذي عانت منه بالفعل، في ركن خلفي من منطقة ساوث شيربروك — أو ربما حتى تعوض، على نحو مسبق، غياب مشاعر الأمومة — أطلقت على البنات أبهج الأسماء التي استطاعت التفكير فيها: أوبال فيوليت (حجر الأوبال البنفسجي)، دون روز (وردة الفجر)، وبوني هوب (الأمل المبهج). ربما لم تفكر في هذه الأسماء إلا باعتبارها مجرد أسماء جمالية مؤقتة. تساءلت فيوليت؛ هل تصورت أمها على الإطلاق أن بناتها سيضطررن إلى حمل هذه الأسماء مدة قد تصل لستين أو سبعين عامًا لاحقة، عندما يصرن نساء ثقيلات الحركة، واهنات؟ ربما كانت تظن أن بناتها سيمتن أيضًا.
«الفَقْد» يعني موت أحد الأشخاص. تعني «فقدتهم» أنهم ماتوا. كانت فيوليت تعرف ذلك. على الرغم من ذلك، تصورت العمة آيفي — أمها — تخوض في حقل سبخي، عبارة عن قطعة أرض خالية خلف مخزن الحبوب، مكان قليل الضوء مليء بالحشائش الخشنة وأجمات جار الماء. هناك فقدت العمة آيفي، في الضوء الحزين، أطفالها الرضع. كانت فيوليت تنسل أسفل سياج فناء مخزن الحبوب إلى قطعة الأرض الخالية، ثم تدخلها في حذر. كانت تختفي خلف أجمات جار الماء حمراء الساق وأجمات شائكة أخرى مجهولة الاسم (كان هذا يحدث دائمًا في وقت كئيب، رطب من العام؛ في أواخر الخريف أو أوائل الربيع)، وكانت تدع الماء البارد يغطي أصابعها داخل حذائها المطاطي. كانت تتأمل معنى الفقد. فقدان أطفال رضع. يتصاعد الماء عبر الحشائش الخشنة. بعيدًا أكثر، كانت ثمة برك وحفر مغمورة بالماء. كان قد جرى تحذيرها. وطئت بقدميها في ذلك في بطء، مراقبةً الماء يتسلل إلى أعلى حذائها عالي الرقبة. لم تخبرهم قط. لم يعرفوا قط أين ذهبت. فُقدت.
كانت غرفة الضيوف المكان الذي كانت تستطيع التسلل إليه بمفردها. كانت ستائر النافذة مسدلة بالكامل؛ كان الهواء ثقيلًا وسميكًا، كما لو كان قد تحول إلى كتلة ملأت الغرفة تمامًا. في أماكن ثابتة محددة كانت توجد الصَّدَفةُ المدببة، المتوردة التي ينحبس فيها صوت زئير البحر، وتمثالُ الرجل الاسكتلندي الضئيل الذي يرتدي تنورة حاملًا كأسًا بها جعة تميل لكن لا تنسكب أبدًا، ومروحةٌ مصنوعة بالكامل من الريش الأسود اللامع، وطبقٌ كان تذكارًا من منطقة شلالات نياجرا عليه نفس الصورة الموجودة على علبة منتج «شريديد ويت». ولوحة موضوعة في برواز على الحائط كانت تؤثر على فيوليت أيما تأثير، حتى إنها لم تكن تستطيع النظر إليها عندما دخلت إلى الغرفة. كانت تضطر إلى أن تسير متفاديةً إياها، جاعلةً إياها دومًا خارج مجال نظرها. كانت اللوحة تظهر ملكًا معتمرًا تاجه، وثلاث سيدات طويلات يشبهن الملكات، يرتدين فساتين داكنة. كان الملك نائمًا، أو ميتًا. كانوا جميعًا على شاطئ البحر، وكان ثمة قارب منتظر، وكان ثمة شيء يخرج من هذه اللوحة إلى الغرفة؛ موجة ناعمة، داكنة من العذوبة والأسى غير المحتملين. بدا ذلك كعلامة بالنسبة إلى فيوليت؛ كان أمرًا متصلًا بمستقبلها، حياتها، بطريقة لم تستطع تفسيرها أو التفكير فيها. بل إنها لم تستطع النظر إلى اللوحة في وجود شخص آخر في الغرفة. لكن تلك الغرفة نادرًا ما يكون فيها أحد. •••
كان والد فيوليت يُدعى الملك بيلي، الملك بيلي تومس (على غرار لقب ملك إنجلترا وليام الثالث)، على الرغم من أن وليام لم يكن جزءًا من اسمه. كان يوجد جواد أيضًا يُسمى الملك بيلي؛ جواد رمادي مرقَّط كان ركوبتهم، وكان يجر المزلجة في الشتاء والعربة في الصيف. (لم تكن توجد سيارة في ذلك المكان حتى كبرت فيوليت واشترت واحدة في ثلاثينيات القرن العشرين.)
كان اسم الملك بيلي متصلًا عادةً بالاحتفالية التي تكون في الثاني عشر من يوليو والتي تحيي ذكرى انتصار الملك وليام الثالث في معركة بوين. كانوا يختارون رجلًا ليصبح الملك بيلي، ويجعلونه يرتدي تاجًا من الكرتون وعباءة أرجوانية مهلهلة، ويسير في مقدمة الموكب بالاحتفالية. كان من المفترض أن يركب جوادًا أبيض، لكن في بعض الأحيان لم يكن يوجد أفضل من جواد بلون رمادي مرقَّط. لم تعرف فيوليت قط إذا كان الجواد أو أبوها، أو كلاهما، يظهر في هذا الموكب، سواء بشكل منفصل أو معًا. زادت الحيرة، في العالم مثلما كانت تعرفه، وكثيرًا ما كان البالغون يستاءون من أن يُطلب منهم وضع الأمور في نصابها.
لكنها كانت تعرف أن أباها، ذات مرة في حياته، كان يعمل في أحد خطوط القطارات في الشمال الذي كان يمر عبر الأدغال البرية حيث كانت توجد الدببة. كان الحطابون يركبون هذا القطار في إجازات نهاية الأسبوع، خارجين من الأدغال لتناول الشراب، وإذا أثاروا فوضى أكثر مما ينبغي في طريق عودتهم، كان الملك بيلي يوقف القطار ويركلهم خارجه، مهما كان مكان القطار في ذلك الوقت؛ في وسط البرية، لا يهمه ذلك، كان يركلهم خارج القطار. كان ملاكمًا. حصل على تلك الوظيفة لأنه كان ملاكمًا.
قصة أخرى، من مرحلة أقدم من ذلك في حياته. كان قد ذهب في حفل رقص، عندما كان شابًّا، على طريق سنو روود، حيث أتى. كان بعض الشباب الآخرين الذين كانوا موجودين هناك قد أهانوه، وكان مضطرًّا لتقبل إهاناتهم؛ لأنه لم يكن يعرف شيئًا عن الملاكمة. لكن بعد ذلك تلقى بعض الدروس على يد ملاكم عجوز محترف، ملاكم حقيقي، كان يعيش في منطقة بحيرة شاربوت. في ليلة أخرى، حفل راقص آخر؛ الأمر نفسه كما حدث من قبل. الإهانات نفسها. فيما عدا هذه المرة أن الملك بيلي انفجر فيهم، وطرحهم أرضًا، الواحد تلو الآخر.
انفجر فيهم، وطرحهم أرضًا، الواحد تلو الآخر.
لا مزيد من الإهانات من ذلك النوع في أي مكان في تلك الأنحاء.
لا مزيد من الإهانات.
(كانت الإهانات تتعلق بكونه ابنًا غير شرعي. لم يقل ذلك، لكن فيوليت اكتشفت ذلك من خلال تمتمة أمها. قالت العمة آيفي، بطريقتها المبهمة، المحيرة، الحاقدة: «ليس لأبيك عائلة.» «لم يكن له قط. ليس له عائلة على الإطلاق.»)
كانت فيوليت أكبر عمرًا من أختها دون روز بخمس سنوات، ومن بوني هوب بست سنوات. كانت هاتان الأختان الصغيرتان قريبتين جدًّا إحداهما من الأخرى، لكنهما كانتا طيعتين. كانتا ذواتَي شعر أحمر، مثل الملك بيلي. كانت دون روز ممتلئة، ومتوردة البشرة، وعريضة الوجه. كانت بوني هوب ضئيلة الجسم وكبيرة الرأس، وذات شعر كان ينمو في بادئ الأمر في صورة خصلات وكتل متناثرة، حتى إنها كانت تبدو مثل طائر صغير متمايل. كانت فيوليت ذات شعر أسود، وكانت طويلة بالنسبة لعمرها، وقوية مثل أمها. كانت تمتلك وجهًا جميلًا طويلًا، وعينين داكنتي الزرقة كانتا تبدوان في بادئ الأمر سوداوين. لاحقًا، عندما كان تريفور أوستن يحبها، كان يقول بعض الأشياء اللطيفة عن مدى توافق لون عينيها مع اسمها.
كانت أم فيوليت — فضلًا عن والدها — تحمل اسمًا غريبًا؛ إذ كانت تُسمى العمة آيفي معظم الوقت حتى من قبل بناتها. كان ذلك يرجع إلى أنها كانت الأصغر بين أبناء عائلة كبيرة. كانت لديها عائلة كبيرة جدًّا، على الرغم من أنهم لم يكونوا يزورونها كثيرًا. إن مصدر جميع الأشياء القديمة أو القيِّمة في المنزل — تلك الأشياء الموجودة في غرفة الضيوف، وصندوق مقتنيات كبير، وبعض الملاعق القديمة — هو عائلة العمة آيفي، التي كانت تمتلك مزرعة على شاطئ بحيرة وايت ليك. كانت قد ظلت العمة آيفي في المزرعة فترة طويلة، دون زواج، حتى إن الاسم الذي كان بنات وأبناء إخوتها وأخواتها ينادونها به ظل ملتصقًا بها، واختارت بناتها، أيضًا، أن ينادينها به بدلًا من «ماما».
لم يعتقد أحد قط أنها ستتزوج. حدثت بذلك نفسها. وعندما تزوجت الرجل أحمر الشعر الجريء ضئيل الجسم الذي بدا غريبًا جدًّا إلى جانبها، قال الناس: يبدو أنها لا تستطيع مجاراة التغيير الذي حدث في حياتها جيدًا. ففقدت هؤلاء البنين الرضع في البداية، ولم تكن سعيدة جدًّا لتحمل مسئولية إدارة منزل. كانت تحب أن تعمل في الخارج، تعزق الأرض في الحديقة أو تقطع الأخشاب، مثلما كانت تفعل دومًا في منزل عائلتها. كانت تحلب الأبقار وتنظف الحظيرة وترعى الدجاج. كانت فيوليت، مع تقدم عمرها، هي من تولت إدارة أعمال المنزل.
عند بلوغها العاشرة، كانت فيوليت قد صارت مغرمة جدًّا بالقيام بشئون منزلها وصارت تتعامل أحيانًا بطريقة استبدادية. كانت تقضي طوال يوم السبت تنظِّف وتلمع الأرضيات بالشمع، ثم تصرخ وتلقي بنفسها على الأريكة، وتستشيط غضبًا ممن يطئون في الطين والروث ثم يلطخون الأرضيات بأقدامهم.
قالت العمة آيفي، كما لو كانت تتحدث عن طفلة أحد الجيران: «ستكبر تلك الفتاة، ولن تملك شيئًا إلا بقايا أسنان في فمها، وهو ما تستحقه بسبب طبعها.» كانت العمة آيفي هي من كان يطأ بأقدامه في الطين ويفسد الأرضية.
في يوم سبت آخر يكون هناك خَبْز وابتكار لوصفات جديدة للأطعمة. طوال صيف بأكمله، كانت فيوليت تحاول أن تبتدع مشروبًا مثل الكوكاكولا، كان من المفترض أن يصبح مشروبًا مشهورًا، ولذيذًا، ويعود عليها بثروة كبيرة. جربت بنفسها ومع أخواتها أمزجة كثيرة من عصير التوت، والفانيليا، وخلاصات الفواكه المعلبة، والبهارات. في بعض الأحيان، كن يخرجن جميعًا إلى منطقة الحشائش الطويلة في البستان، يتقيأن. كانت الأختان الصغيرتان تفعلان ما تخبرهما فيوليت به، وكانتا تصدقان ما كانت تقوله لهما. ذات يوم، جاء الرجل الذي كان يعمل لدى الجزار لشراء العجول الصغيرة، وكانت فيوليت تقول لدون روز وبوني هوب إن هذا الرجل لم يكن يرضى في بعض الأحيان عن اللحم الموجود في جسم العجول، وكان يفضل الأطفال المفعمين بالحيوية لعمل شرائح بفتيك، وريش، وسجق منها. قالت هذا على نحو مفاجئ وعلى سبيل التسلية، وذلك حسبما كانت تتذكر لاحقًا عندما كانت تحوِّل الأحداث إلى قصص. كانت الفتاتان الصغيرتان تحاولان الاختباء في مخزن التبن، وكان الملك بيلي يسمع الجلبة التي كانتا تصدرانها، ويخرجهما خارج الكومة. كانتا تذكران ما قالته لهما فيوليت، وكان الملك بيلي يقول إنهما يجب أن تُضربان لتصديقهما هراء كهذا. قال إنه رجل ذا زوجة عنيدة جدًّا وابنة فظة تدير له المنزل. عدت دون روز وبوني هوب حتى تواجِها فيوليت.
«كاذبة! لا يقطِّع الجزارون الأطفال إلى شرائح! أنت تكذبين، كاذبة!»
لم تقل فيوليت، التي كانت تنظف الموقد آنذاك، شيئًا. تناولت وعاء به بعض الرماد الذي أزاحته — والذي كان دافئًا لكنه، لحسن الحظ، غير ساخن — وأفرغته فوق رأسيهما. تعلمتا ألا تكررا ما قالتاه مرة أخرى. عَدَتا إلى الخارج وتدحرجتا على الحشائش وأخذتا تهزان أنفسهما مثل الكلاب، محاولتين نفض الرماد عن شعرهما، وآذانِهما، وعيونهما، وملابسهما الداخلية. في أحد أركان البستان، بدأتا في بناء منزل صغير تلعبان فيه، جاعلتين الحشائش المقطوعة المكومة بمنزلة المقاعد وأجزاء من أطباق مكسورة كأطباق. أقسمتا ألا تخبرا فيوليت شيئًا عن هذا المنزل.
لكنهما لم تستطيعا الابتعاد عنها. كانت تلف شعرهما مستخدمةً قطع قماش بالية، وكانت تلبسهما ملابس مصنوعة من ستائر قديمة، وتطلي وجهيهما، مستخدمةً أمزجة من عصير التوت، والدقيق، وملمع الموقد. اكتشفت أمر منزل اللعب واقترحت عليهما فِكَرًا لتأثيثه كانت أفضل من فِكَرهما. حتى في الأيام التي لم يكن لديها متسع من الوقت لهما، كان عليهما مشاهدة ما كانت تفعل.
كانت ترسم تصميمًا عبارة عن زهور حمراء على مشمع أرضية المطبخ الأسود، البالي.
كانت تقطع حافة من النتوءات المدورة في كل ستائر النوافذ الخضراء القديمة لإضفاء لمسة جمالية.
كان يبدو كما لو أن الحياة العائلية العادية معكوسة في هذا المنزل. في المنازل الأخرى، كان الأطفال هم عادةً من يراهم المرء أولًا عند الاقتراب من المنزل؛ أطفالًا يلعبون، أو يؤدون بعض المهام المنزلية. تكون الأم مختفية تعمل داخل المنزل. لكن ها هي العمة آيفي، تكوِّم ثمار البطاطس، أو تتجول في أنحاء الفناء أو في حظيرة الدجاج، مرتديةً حذاء مطاطيًّا طويل العنق، وقبعة رجال، ومجموعة بالية من السترات، والتنورات، والقمصان الداخلية الطويلة والمرايل، والجوارب المتغضنة، المنقطة. كانت فيوليت هي من يتحكم في الأمور في المنزل، كانت هي التي كانت تقرر متى وما إذا كان يمكن إعطاء قطع الخبز، والزبد، وشراب الذرة. كان الأمر يبدو كما لو كان الملك بيلي والعمة آيفي لم يفهما تمامًا كيف يصنعان معًا حياة عائلية عادية، حتى لو كانا قد أرادا ذلك.
لكن العائلة مضت في طريقها. كانوا يحلبون الأبقار، ويبيعون اللبن لمصنع الجبن، ويربون العجول لبيعها للجزار، ويجمعون التبن. كانوا من رعاة الكنيسة الأنجليكانية، على الرغم من أنهم لم يكونوا يذهبون إلى الكنيسة في أغلب الوقت، نظرًا لصعوبة إقناع العمة آيفي بالاغتسال. كانوا يذهبون في بعض الأحيان إلى حفلات لعب الورق في مبنى المدرسة. كانت العمة آيفي تلعب ألعاب الورق، وكانت تخلع مريلتها، وقبعتها حتى تلعب، على الرغم من أنها لم تكن تغيِّر حذاءها عالي الرقبة. كان معروفًا عن الملك بيلي أنه مغنٍّ جيد، وبعد لعب ألعاب الورق، كان الناس يحاولون جعله يسليهم بأن يغني لهم. كان يحب أن يغني الأغاني التي كان قد تعلمها من الحطابين والتي لم تُكتب قط. كان يغني ضامًّا قبضتيه، ومغلقًا عينيه، في ثبات:
كنت أقود مارًّا بعدد من الخلجان على خط أوبونجو، في الصيف ذات مرة مرتديًا هوليجان وهايز، أما وقد اختفت الخلجان الآن وصرت عجوزًا متجهمًا، أحلم بأنني أقود عربتي، على خط أوبونجو.
من هوليجان؟ من هايز؟
قال الملك بيلي، شاعرًا بالراحة من الغناء: «نوع من الملابس.» •••
كانت فيوليت تذهب إلى المدرسة الثانوية في البلدة، وبعد ذلك إلى معهد المعلمين في أوتاوا. كان الناس يتساءلون من أين كان يحصل الملك بيلي على المال اللازم لذلك. فإذا كان ما زال لديه بعض المال المدخر من عمله في السكك الحديدية، فكان هذا يعني أنه حصل على بعض المال من عائلة العمة آيفي عندما اختطفها من بين أيديهم واشترى المزرعة. قال الملك بيلي إنه لن يحرم فيوليت من التعليم؛ كان يعتقد أن مهنة المدرسة ستكون مناسبة لها. لكنه لم يكن يملك شيئًا آخر إضافيًّا يقدمه لها. قبل بدئها الدراسة في المدرسة الثانوية، ذهبت عبر الحقول إلى المزرعة المجاورة، حاملةً قطعة من قماش الكريب المخطط متعدد الألوان كانت قد وجدتها في صندوق المقتنيات. كانت تريد أن تتعلم كيفية استخدام ماكينة الخياطة، بحيث تستطيع صناعة ثوب لنفسها. وهكذا فعلت، على الرغم من أن جارتها قالت إن الثوب كان أغرب ثوب ترتديه طالبة.
كانت فيوليت تعود إلى المنزل في نهاية كل أسبوع عندما كانت في المدرسة الثانوية، وكانت تخبر أختيها عن دروس اللغة اللاتينية وكرة السلة، وكانت تعتني بالمنزل مثلما كان الحال من قبل. لكنها عندما ذهبت إلى أوتاوا، مكثت هناك حتى الكريسماس. كانت دون روز وبوني هوب كبيرتين بما يكفي حينئذ بحيث تستطيعان العناية بالمنزل، لكن سواء أكانتا تفعلان هذا أم لا فتلك كانت مسألة أخرى. كانت دون روز كبيرة بما يكفي حتى تلتحق بالمدرسة الثانوية، لكنها كانت قد أخفقت العام السابق في المدرسة المحلية، وكانت تعيد السنة. أصبحت هي وبوني هوب في الصف نفسه.
عندما عادت فيوليت إلى المنزل في إجازات الكريسماس، كانت قد تغيرت كثيرًا. لكنها كانت تعتقد أن كل شيء قد تغير، وأن الجميع هم الذين قد تغيروا.
كانت تريد أن تعرف ما إذا كانوا يتحدثون دومًا بهذه الطريقة. ما هذه الطريقة؟ يتحدثون بلكنة. ألم يكونوا يتحدثون على هذا النحو عمدًا، حتى يبدوا مضحكين؟ ألا يتحدثون بهذه اللكنة عمدًا، حتى يبدوا مضحكين؟
كانت قد نسيت أماكن الاحتفاظ ببعض الأشياء، واندهشت عندما وجدت المقلاة تحت الموقد. بدأت تكره الكلب، تيجر، الذي أصبح مسموحًا له بالبقاء داخل المنزل الآن بعد أن بدأ يكبر في السن. قالت إنه أصبح كريه الرائحة، وأن غطاء الأريكة أصبح ممتلئًا بشعر الكلب.
قالت إن غرفة الضيوف كانت تفوح منها رائحة عفنة، وأن الجدران في حاجة إلى تغطيتها بورق حائط.
كانت أختاها هما من أثارتا فعلًا كامل دهشتها واستيائها. كانتا قد كبرتا منذ الصيف. صارت دون روز فتاة ضخمة، وبدينة الآن، ذات ثديين مترهلين يهتزان داخل ملابسها، ووجه متورد طفولي كان تعبير التكتم الطفولي المرتسم عليه قد تغيَّر إلى نظرة بدت غبية وعنيدة. كانت قد بدأت تفوح منها روائح النساء، ولم تكن تغتسل. كانت بوني هوب لا تزال طفلة جسديًّا، لكن لم يكن شعرها الأحمر الجعد يمشَّط جيدًا قط، وكان يغطي بشرتها علامات قرص البراغيث التي جاءتها من اللعب مع قطط المزرعة.
استطاعت فيوليت بالكاد تنظيف هاتين البنتين. كان أسوأ ما في الأمر هو أنهما صارتا متمردتين، تنظر إحداهما إلى الأخرى وتضحكان ضحكة نصف مكتومة عندما كانت تتحدث إليهما، وكانتا تتجاهلانها، وكانتا عنيدتين وصامتتين. كانتا تتصرفان كما لو كانتا تخفيان سرًّا سخيفًا.
هكذا كان الأمر؛ كانتا تحتفظان بسر، لكنه لم يُفصح عنه إلا بعد فترة طويلة لاحقًا، ليس إلا بعد أحداث الصيف التالي، ثم بصورة غير مباشرة، عندما أخبرت بوني هوب بعض الفتيات اللائي أخبرن أخريات قد أخبرن أخريات، وسمعت أخريات بالأمر، ثم الجارة، التي أخبرت فيوليت في نهاية المطاف!
في أواخر الخريف من تلك السنة — في السنة التي ذهبت فيها فيوليت إلى معهد المعلمين — كانت قد بدأت دون روز تحيض. شعرت بالإهانة البالغة جراء هذا التطور حتى إنها ذهبت إلى الخليج الصغير وجلست في المياه الباردة، عازمةً على وقف النزيف. خلعت حذاءها، وجوربها، وسروالها التحتي، وجلست هناك، في المياه الباردة، الضحلة. أزالت الدماء من سروالها التحتي، واعتصرته، وارتدته مبتلًا. لم تُصب بالبرد، ولم تمرض، ولم تحض مرة أخرى طوال العام. قالت الجارة إن هذه الفعلة كان من الممكن أن تؤثر على عقلها.
«بدفعها كل هذا الدم الفاسد مرة أخرى إلى جهازها التناسلي، كان من الممكن أن يؤثر هذا على عقلها.»
كانت متعة فيوليت الوحيدة في الكريسماس هي الحديث عن صديقها، الذي كان يُدعى تريفور أوستن. عرضت صورته على أختيها. كانت عبارة عن قصاصة من صحيفة. كان يرتدي ياقة قس.
قالت دون روز، ضاحكةً ضحكة نصف مكتومة: «يبدو مثل قس.»
«هو قس. تعود هذه الصورة إلى وقت ترسيمه. ألا تعتقدين أنه وسيم؟»
كان تريفور أوستن وسيمًا. كان شابًّا ذا شعر داكن، ذا عينين ضيقتين، وأنف رائع، وذقن مرتفع إلى أعلى، وابتسامة مزمومة الشفتين، واثقة، بل ولطيفة.
قالت بوني هوب: «لا بد أنه كبير في السن، حتى يصبح قسًّا.»
قالت فيوليت: «لقد صار قسًّا منذ فترة بسيطة … يبلغ ستة وعشرين عامًا. ليس قسًّا أنجليكانيًّا، بل قسٌّ تابعٌ للكنيسة المتحدة.» قالت ذلك، كما لو أن ذلك كان يشكل فرقًا. وبالنسبة إليها، كان ذلك يمثِّل فرقًا حقًّا. كانت فيوليت قد غيَّرت من انتمائها الكنسي في أوتاوا. قالت إن الكنيسة المتحدة ذات نشاط أكبر. كان هناك نادٍ لكرة الريشة — كانت هي وتريفور يلعبان هناك — ونادٍ لتمثيل المسرحيات، فضلًا عن حفلات تزلج بأحذية التزلج، وحفلات تزلج بالزلاجات، ورحلات في عربات مزينة بالقش، وحفلات تعارف. التقت فيوليت وتريفور للمرة الأولى، في إحدى الحفلات بمناسبة الهالووين في بدروم الكنيسة، عندما كانا يحاولان الإمساك بتفاحة بأسنانهما. أو كانت هذه هي المرة الأولى التي تحدثا فيها، حيث إن فيوليت كانت قد لاحظت وجوده من قبل في الكنيسة، حيث كان مساعدًا للقس. قال إنه لاحظ وجودها أيضًا. وظنت أنه ربما لاحظ ذلك. كانت مجموعة من الفتيات من معهد المعلمين يذهبن جميعًا إلى تلك الكنيسة معًا، جزئيًّا لرؤية تريفور، وكن يلعبن لعبة، في محاولة للفت انتباهه. عندما كان الجميع يقف منشدًا الترانيم، كن يحدقن فيه، وإذا نظر إليهن، كن يخفضن أنظارهن في الحال. كانت موجات من الضحك تنتشر بطول الصف. لكن فيوليت كانت تغني ناظرةً إليه كما لو كانت عيناها وقعت عليه مصادفةً:
هبوا يا رجال الرب وضعوا دروعكم …
عيون مغمضة أثناء إنشاد الترانيم. الترانيم الحماسية لأتباع الكنيسة الميثودية القديمة، والمزامير القاسية لأتباع الكنيسة المشيخية التحما معًا في هذه الكنيسة المتحدة الجديدة. آنذاك، كانت الهيئة القائمة على تلك الكنيسة تجتذب الشباب المتحمس المتطلع إلى السلطة، لا يختلفون كثيرًا عن الشباب الذين انخرطوا في السياسية. صوت جميل ومظهر لا بأس به.
عيون مغمضة. قبلات عند باب النُّزل الذي تسكن فيه فيوليت. الخد البارد، الخد الذكوري الحليق بطريقة جيدة، ولكن الخشن والغريب قليلًا، ورائحةُ بودرةِ التلكِ ومرطبِ ما بعد الحلاقةِ الرقيقةُ والواعدةُ في آن واحد. سرعان ما ينسلان إلى الظلام إلى جانب مدخل الباب، يتضاغط جسماهما عبر ملابس الشتاء. كان عليهما أن يتحدثا في جدية عن التحكم في الذات، وكانت هذه الأحاديث نفسها مُلهبة للمشاعر. صارا مقتنعين أكثر فأكثر أنهما إذا تزوجا، فسيشعران باللذات التي تجعل المرء يكاد يفقد الوعي عند التفكير فيها.
بعد عودة فيوليت مباشرةً من إجازات الكريسماس، خُطبا. ثم صارت لديهما أشياء أخرى يفكران فيها ويتطلعان إليها إلى جانب الجنس. كانت أمامهما حياة مليئة بالمسئولية والأهمية. دُعيا إلى تناول العشاء بصفتهما مخطوبين، من قبل قساوسة أكبر سنًّا، وأعضاء في الكنيسة أكثر ثراءً ونفوذًا. صنعت فيوليت ثوبًا جميلًا لنفسها، من الصوف بلون التوت البري الأحمر عليه ثنيات طولية؛ ثوبًا أفضل كثيرًا من الثوب المصنوع من قماش الكريب المخطط متعدد الألوان.
في دعوات العشاء تلك، كانا يتناولان عصير طماطم في البداية. كانت دوارق الماء المثلج موضوعة على الموائد. لم يكن ثمة أحد في تلك الكنيسة يستطيع الاقتراب من المشروبات الكحولية. حتى خمر عشائهم الرباني كان عبارة عن عصير عنب. لكن كان هناك أنواع عديدة من اللحم المشوي، سواء لحم الأبقار أو الخنازير أو الديوك الرومية، على أطباق تقديم فضية، وبطاطس وبصل مشوي، وكميات هائلة من مرق اللحم، ثم الكعكات والفطائر الدسمة والبودنج المصنوع بطريقة رائعة بإضافة الكريم المخفوق. لم يكن تناول الطعام خطيئة. كان لعب ألعاب الورق خطيئة، فيما عدا لعبة كنسية ميثودية محددة تسمى «الوريث المفقود»، وكان الرقص خطيئة عند البعض، وكان الذهاب إلى السينما خطيئة عند البعض، وكان الذهاب إلى أي نوع من الحفلات الترفيهية، فيما عدا حفلات الموسيقى الكنسية التي لا يدفع أحد فيها أي مقابل لدخولها، خطيئة عند الجميع أيام الآحاد.
كان هذا يمثل تغييرًا بالنسبة إلى فيوليت بعد الكنيسة الأنجليكانية الأكثر تيسيرًا التي كانت تتبعها في طفولتها، والقواعد — إذا كان ثمة أي قواعد — المفروضة في المنزل. كانت تتساءل عما سيقوله تريفور عندما يرى الملك بيلي يحتسي جرعته من الويسكي كل صباح قبل أن يبدأ في أداء عمله. كان تريفور قد تحدث عن الذهاب معها إلى المنزل لمقابلة عائلتها، لكنها استطاعت أن تثنيه عن ذلك. كانا لا يستطيعان الخروج يوم الأحد بسبب قداسه في الكنيسة، وكانا لا يستطيعان الخروج خلال أيام الأسبوع بسبب دراستها. حاولت أن تُخرج فكرة الذهاب للقاء عائلتها من رأسها في الوقت الحالي.
ربما كان التشدد في عقيدة الكنيسة المتحدة شيئًا يمكن الاعتياد عليه، لكن مشاعر الهدف والجدوى منها، السرعة والحيوية، كانت أشياء متوافقة تمامًا مع فيوليت. كان الأمر كما لو كان القساوسة وأعضاء الكنيسة الأكثر نفوذًا يمتلكون جميعًا وظائف في شركة مزدهرة ومهمة. كانت ترى دور زوجة القس صعبًا وينطوي على كثير من التحديات، لكن هذا لم يثبط من عزمها. كانت تستطيع تخيل نفسها تدرِّس في مدرسة الأحد، وتجمع الأموال لصالح الإرساليات التبشيرية، وتقود الآخرين في الصلوات، وتجلس مرتديةً ملابس بهية في الصف الأول تستمع إلى تريفور، وتصب الشاي في غير كلل من إبريق فضي.
لم تكن تخطط لأن تقضي الصيف في المنزل. كانت ستذهب إلى المنزل لمدة أسبوع، بمجرد انتهاء اختباراتها، ثم كانت تعمل في الصيف في مكتب الكنيسة في أوتاوا. كانت قد تقدمت إلى وظيفة تدريس في مدرسة بلز كورنرز، القريبة منها. كانت تخطط لأن تدرِّس لمدة عام، ثم تتزوج. •••
في الأسبوع السابق على بدء الاختبارات، تلقت خطابًا من موطنها. لم يكن من الملك بيلي أو العمة آيفي — كلاهما لا يكتبان خطابات — لكن من جارتهم في المزرعة المجاورة، مالكة ماكينة الخياطة. كان اسمها أنابيل ويرلي، التي كانت تحب فيوليت. لم يكن لديها ابنة. كانت تعتقد أن فيوليت بمنزلة مصدر للقلق، لكنها صارت تعتقد الآن أنها شخص يعتمد عليه.
كتبت أنابيل قائلةً إنها تأسف لإزعاج فيوليت في ذلك الوقت، لكنها تعتقد أنه يجب أن تخبرها بالأمر. كانت ثمة مشكلات في بيتها. أما ماهية هذه المشكلات، فلم ترغب أن تفضي بها في خطاب. إذا كانت فيوليت تستطيع العودة لبيتها على متن القطار، فيمكن أن تذهب إلى البلدة وتلاقيها. تمتلك وزوجها سيارة الآن.
وهكذا عادت فيوليت لبيتها على متن القطار.
قالت أنابيل: «يجب أن أخبرك بالأمر مباشرةً … الأمر يتعلق بوالدك. والدك في خطر.»
كانت فيوليت تعتقد أنها كانت تقصد أن الملك بيلي مريض. لكن الأمر لم يكن كذلك. كان يتلقى خطابات غريبة، خطابات رهيبة؛ كانت خطابات تتضمن تهديدات بإنهاء حياته.
ما كانت تتضمنه تلك الخطابات، مثلما قالت أنابيل، كان داعيًا إلى الاشمئزاز بما يتجاوز التصديق.
في المنزل، كان يبدو كما لو أن كل مظاهر الحياة اليومية قد توقفت. كانت العائلة كلها خائفة؛ كانوا خائفين من الذهاب إلى المرعى الخلفي للإتيان بالأبقار، خائفين من الذهاب إلى خلف القبو، أو إلى البئر أو الحمام بعد حلول الظلام. كان الملك بيلي رجلًا مستعدًّا حتى الآن للدخول في معركة، لكنه فقد أعصابه جراء فكرة وجود عدو مجهول يستعد للانقضاض في أي وقت. لم يكن يستطيع السير من المنزل إلى مخزن الحبوب دون الالتفات ليرى ما إذا كان ثمة أحد خلفه. عندما كان يحلب الأبقار، كان يديرها في مرابطها بحيث يكون في ركن لا يستطيع أحد التسلل من خلفه ومفاجأته. كانت العمة آيفي تفعل المثل.
كانت العمة آيفي تدور حول المنزل حاملةً عصا، مطرقةً بها على أبواب الصوانات وأعلى الخزائن والصناديق، قائلةً: «إذا كنت هنا، فمن الأفضل أن تبقى كذلك حتى تختنق، حتى الموت! أيها القاتل!»
قالت فيوليت إن القاتل لا بد أن يكون قزمًا حتى يختبئ في أيٍّ من تلك الأماكن.
كانت دون روز وبوني هوب تمكثان في المنزل ولا تذهبان إلى المدرسة، على الرغم من أنه في هذا الوقت من العام كان عليهما الاستعداد لاجتياز اختبارات القبول. كانتا خائفتين من خلع ملابسهما ليلًا، وكانت ملابسهما متجعدة ورائحتها كريهة.
لا يتم طهي أي طعام بالمنزل. كان الجيران يأتون لهم بالطعام. كان يبدو أن ثمة دائمًا زائرًا ما يجلس عند منضدة المطبخ، جار، أو حتى شخص لا تعرفه العائلة جيدًا ممن سمع عن مشكلتهم هذه وجاء من مكان بعيد. كانت الأطباق تُغسل في الماء البارد، هذا إن غُسلت من الأساس، وكان الكلب هو الكائن الوحيد المهتم بتنظيف الأرضيات.
كان الملك بيلي يجلس طوال الليل يحرس البيت. حصَّنت العمة آيفي نفسها وراء باب غرفة النوم.
سألت فيوليت عن الخطابات. أحضروا لها الخطابات، وطرحوها على مشمع المائدة حتى تتفحصها، مثلما جرى طرحها من قبل أمام جميع الجيران والزائرين.
ها هو أول خطاب وصل إليهم، بالبريد العادي. ثم الخطاب الذي تلاه، والذي وصل أيضًا بالبريد. بعد ذلك كانت هناك رسائل قصيرة يجري العثور عليها في أماكن مختلفة حول المزرعة.
أعلى صفيحة قشدة في الحظيرة.
معلقة على باب مخزن الحبوب.
ملفوفةً حول مقبض دلو اللبن الذي كان الملك بيلي يستخدمه يوميًّا.
ثار خلاف حول أماكن العثور على كل رسالة من تلك الرسائل.
قاطعتهم فيوليت قائلةً: «ماذا عن ختم البريد؟ … أين أظرف الخطابات التي جاءت عبر البريد؟»
لا يعرف أحد. لا يعرف أحد أين ذهبت الأظرف.
قالت فيوليت: «أريد أن أرى الجهة التي أرسلت منها.»
قالت العمة آيفي: «لا يهم من أين جاءت طالما يعرف المرسل كيف يجدنا … على أي حال، لا يرسل أي رسائل بالبريد الآن. يتسلل هنا بعد حلول الظلام ويتركها. يتسلل هنا بعد حلول الظلام ويتركها، يعرف كيف يجدنا.»
قالت فيوليت: «ماذا عن تيجر؟ … هل كان ينبح؟»
لا. صار تيجر كبيرًا في السن جدًّا بحيث لم يعد يؤدي مهمته ككلب حراسة. ومع قدوم وذهاب هذه الأعداد من الزائرين توقف تقريبًا عن النباح.
قال الملك بيلي: «كان سيتوقف عن النباح بالتأكيد بعد أن رأى كل هؤلاء الزائرين وهم يدخلون عبر البوابة.»
أشارت الرسالة الأولى للملك بيلي إلى أن من الأفضل له بيع جميع أبقاره، وأنه رجل مراقَب، وأنه لن يعيش أبدًا حتى يصنع التبن اللازم لإطعام الأبقار، وأنه ميت لا محالة.
أدى ذلك إلى ذهاب الملك بيلي إلى الطبيب. ظن أن ثمة شيئًا ليس على ما يرام به يمكن قراءته من خلال وجهه. كشف الطبيب عليه، واستمع إلى قلبه، وسلَّط ضوءًا في عينيه ليفحصهما، وطلب منه دفع دولارين مقابل الفحص، وأخبره أنه سليم.
كان ما يلي هو نص الرسالة: يا لك من شخص أحمق جهول حتى تذهب إلى الطبيب. كان من الممكن أن تدخر الدولارين لتنظف بها مؤخرتك القذرة العجوز. لم أخبرك قط أنك ستموت جراء مرض ما. أنت ستقتل. هذا ما سيحدث لك. لست في مأمن مهما كانت صحتك جيدة. أستطيع أن آتي إلى منزلك ليلًا وأقطع رقبتك، أستطيع أن أطلق النار عليك من خلف شجرة. أستطيع أن أتسلل من الخلف وألقي بحبل حول رقبتك، وأخنقك، ولن ترى وجهي، ما رأيك إذن في ذلك؟
إذن، لم يكن عرافًا أو شخصًا يستطيع قراءة المستقبل. كان عدوًّا، يخطط لأن يقوم بالأمر بنفسه: لن أجد حرجًا في قتل زوجتك القبيحة وأطفالك الأغبياء وأنا أقوم بالأمر. يجب وضع رأسك في قاعدة الحمام. أيها الخنزير العفن، الغبي، ذو السيقان المقوسة. يجب قطع أعضائك بشفرة حلاقة. أنت كاذب أيضًا. كل هذه الشجارات التي قلت إنك انتصرت فيها ما هي إلا كذبة. أستطيع أن أطعنك بسكين وأجمع دماءك في إناء وأعمل بودنج بالدماء وأعطيه كطعام للخنازير. ما رأيك بوضع مُسعر مدفأة شديد الحرارة في عينك؟
عندما فرغت من القراءة، قالت فيوليت: «الشيء الذي يجب عمله أن نقدِّم هذه الخطابات إلى الشرطة.»
كانت قد نسيت أن الشرطة لم تكن موجودة هنا على هذا النحو المجرد، الرسمي. كان ثمة رجل شرطة، لكنه كان في البلدة، بالإضافة إلى ذلك كان الملك بيلي قد دخل في مشادة معه الشتاء الماضي. وفق رواية الملك بيلي، كانت السيارة التي كان يقودها المحامي بووت لوماكس قد اصطدمت بزلاجة الملك بيلي التي يجرها حصان عند أحد التقاطعات، وكان لوماكس قد استدعى الشرطي.
صاح بووت لوماكس (وهو ثمل)، ملوحًا بيديه في قفازه الكبير المبطن بالفراء: «ألقِ القبض على هذا الرجل لعدم قدرته على التوقف عند التقاطع!»
قفز الملك بيلي على الثلج المكوَّم الصلب متأهبًا بقبضتيه للدفاع عن نفسه. وقال: «لن يضع أي شرطي الأصفاد في يديَّ!»
جرى تسوية المسألة برمتها في النهاية، لكن مسألة استعدائه لهذا الشرطي كانت لا تزال خطوة غير حكيمة.
«لا شك في أنه سيكون عازمًا على إيذائي. وربما يكون هو من كتب هذه الرسائل.»
لكن العمة آيفي قالت إن من يرسل إليهم بتلك الرسائل هو ذلك المتشرد رث الهيئة الذي كان قد جاء إلى باب منزلهم منذ عدة سنوات، وعندما أعطته قطعة من الخبز، لم يشكرها. لكنه قال: «أليس لديك بعض شرائح المورتاديلا؟»
كان الملك بيلي يعتقد أن من يهدده على الأرجح هو الرجل الذي كان قد استأجره لمساعدته في عمل التبن. رحل الرجل بعد يوم ونصف لأنه لم يستطع تحمل العمل في مخزن التبن. قال إنه كاد يختنق حتى الموت وسط الغبار وبذور القش، وكان يريد الحصول على خمسين سنتًا إضافية للضرر الذي وقع لرئتيه.
صرخ الملك بيلي فيه قائلًا: «سأعطيك الخمسين سنتًا التي طلبتها!» ووجه طعنة في الهواء بالمذراة. ثم قال: «تعال إلى هنا كي تأخذ الخمسين سنتًا!»
أو هل يمكن أن يكون شخصًا يسوي مسألة قديمة؛ أحد هؤلاء الذين كان يركلهم من القطار منذ وقت طويل؟ أو أحد هؤلاء الأشخاص من فترة أبعد من ذلك، ممن أوسعهم ضربًا في الحفل الراقص؟
تذكرت العمة آيفي صبيًّا كان معجبًا بها بشدة عندما كانت صغيرة. كان قد رحل إلى الغرب لكنه ربما عاد، وسمع بأنها قد تزوجت.
قال الملك بيلي: «بعد كل هذا الوقت جاء ليطاردك؟ … ليس هذا مما أعتبره محتملًا!»
«لكنه مع ذلك ما زال معجبًا بي بشدة.»
أخذت فيوليت تتفحص الرسائل مليًّا. كانت مكتوبة بالقلم الرصاص، على ورق مسطر رخيص. كان الخط واضحًا، كما لو كان الكاتب يضغط بالقلم بقوة. لم يكن ثمة محو للكلمات أو مشكلة في الهجاء. كان تركيب الجمل واضحًا ومحددًا. لكن بأي قدر يمكن أن تستفيد من ذلك؟ •••
كان الباب يغلق بإحكام ليلًا. وتسدل الستائر بالكامل. كان الملك بيلي يضع البندقية على المائدة وكأس ويسكي إلى جانبها.
ألقت فيوليت بالويسكي في دلو المهملات وقالت: «أنت لست بحاجة إلى ذلك.»
رفع الملك بيلي يده نحوها؛ على الرغم من أنه لم يكن الرجل الذي يمكن أن يضرب زوجته أو أطفاله.
تراجعت فيوليت لكنها استمرت في حديثها قائلة: «لست بحاجة إلى البقاء متيقظًا. سأبقى أنا متيقظة. أشعر بالنشاط وأنت متعب. هيا يا بابا. تحتاج إلى النوم، لا الشراب.»
بعد بعض المجادلة، جرى الاتفاق على هذا. طلب الملك بيلي من فيوليت أن تريه أنها تعرف كيف تستخدم البندقية. ثم ذهب إلى النوم في غرفة الضيوف، على الأريكة الخشنة هناك. كانت العمة آيفي قد دفعت التسريحة إزاء باب غرفة النوم وتطلب الأمر الكثير من الصياح والتفسير حتى تقتنع بدفعها بعيدًا.
أضاءت فيوليت المصباح، وتناولت زجاجة الحبر من الرف، وبدأت في الكتابة إلى تريفور لإخباره عن الأمر. دون مباهاة، فقط إخباره بما كان يجري، جعلته يدرك كيف كانت تتولى الأمور وتهدئ من روع الآخرين، وكيف كانت مستعدة للدفاع عن عائلتها. أخبرته حتى عن إلقاء الويسكي، موضحةً أن التوتر العصبي الذي كان يعاني منه أبوها هو الذي جعله يفكر في اللجوء لتناول الويسكي في المقام الأول. لم تقل إنها كانت خائفة. أشارت إلى حالة السكون، والظلام، والوحدة في ليالي أوائل الصيف. وبالنسبة إلى من كان يعيش في بلدة أو مدينة، في تلك الليالي يكون الظلام دامسًا والوحدة قاسية، لكن ليس هناك سكون كبير، على أي حال. ليس إلا إذا كان المرء يستمع إلى شيء ما. كان المكان مترعًا بالأصوات الخافتة، القصية والقريبة، للأشجار في تحركها وتقلبها، وأصوات الحيوانات في تنقلها وأكلها. راقدًا خارج الباب، كان تيجر يصدر صوتًا مرة أو مرتين وهو ما كان يعني أنه كان يحلم بالنباح.
وقَّعت فيوليت خطابها: «زوجتك المستقبلية المحبة والمشتاقة دائمًا إليك»، ثم أضافت: «مع خالص حبي وإخلاصي.» أطفأت المصباح، ورفعت ستارة النافذة، وجلست هناك تراقب الوضع. في خطابها، كانت قد ذكرت أن الريف يبدو جميلًا في ذلك الوقت مع إزهار نباتات الحوذان بطول الطرق، لكنها وهي جالسة تراقب لترى ما إذا كان ثمة شيء يتحرك منفصلًا عن الظلال المتكتلة في الفناء، وتتسمع وقع أقدام خفيفة، فكرت أنها كانت تكره الريف حقًّا. كانت المتنزهات أكثر جمالًا في وجود الحشائش والزهور، وكانت الأشجار بطول الشوارع في أوتاوا في أجمل صورة يمكن أن يرجوها المرء. كان هناك نظام، وبعض الذكاء. هنا يوجد فراغ، وشائعات، وعبث. ماذا كان سيعتقد الناس الذين كانوا قد دعوها إلى حفلات العشاء إذا رأوها تجلس هنا وأمامها بندقية؟
هب أن المتطفل، القاتل، صعد السلالم؟ كان عليها أن تصوب البندقية تجاهه. أي جرح جراء إطلاق النار من البندقية سيكون مروعًا، من هذه المسافة. ستكون ثمة محاكمة وستظهر صورتها في الصحف، تحت عنوان: «نزاع ريفي».
إذا لم تطلق النار عليه، فسيكون الأمر أسوأ.
عندما سمعت صوت طرقة، هبت واقفةً على قدميها، وقلبها ينبض. بدلًا من تناول البندقية، دفعتها بعيدًا. كانت تعتقد أن الصوت آتٍ من الشرفة الخارجية، لكنها عندما سمعته مرة أخرى علمت أنه آتٍ من الدور العلوي. علمت، أيضًا، أنها كانت نائمة.
لم يكن ذلك إلا أختيها. كانت بوني هوب ذاهبة إلى الحمام.
أضاءت فيوليت المصباح لهما وقالت: «لم تكونا في حاجة إلى الاستيقاظ معًا … كنت سأذهب معكِ.»
هزت بوني هوب رأسها وشدت على يد دون روز وقالت: «أريدها أن تذهب معي.»
بدا هذا الرعب الذي كان يتملكهما كما لو كان يجعلهما أقرب إلى البلهاء. لم تكونا تنظران إلى فيوليت. هل تستطيعان حتى تذكر الأيام التي كانتا ترجعان فيها إليها في كل شيء، وكانت هي ترشدهما وتدللهما، وتحاول أن تجعلهما تبدوان جميلتين؟
قالت فيوليت في حزن قبل أن تغلق الباب: «لماذا لا تستطيعان ارتداء ثوب النوم؟» أخذت تراقب وبيدها البندقية حتى عادتا وذهبتا إلى الفراش. ثم أضاءت الموقد وصنعت قهوة؛ لأنها كانت تخشى أن تنام مرة أخرى.
عندما رأت أن الفجر بدأ يظهر، فتحت الباب. وقف الكلب، وهز كل جسده، وذهب ليشرب من الوعاء المثبت إلى جانب المضخة. كان الفناء محاطًا بضباب أبيض. كان ثمة مطب صخري بين المنزل ومخزن الحبوب، وكانت الصخور داكنة اللون جراء رطوبة الليل. ماذا كانت مزرعتهم سوى مساحة صغيرة من الأرض الضحلة المتناثرة بين التلال المكونة من كسارة الصخور ومستنقع؟ يا لها من حماقة الاعتقاد في إمكانية الاستقرار هنا والعيش وتكوين عائلة.
كان ثمة شيء غريب على الدرجة العلوية من السلالم؛ حافظة فضلات حصان كاملة، ولامعة. بحثت فيوليت عن عصا تزيحها بها، ثم رأت ورقة تحتها: لا تظن أن ابنتك المتكبرة العاهرة تستطيع مساعدتك. أراكما طوال الوقت وأكرهها وأكرهك. كيف ترغب في أن يُحشر هذا حشرًا في حلقك؟
لا بد أنه وضعها هنا أثناء الساعة الأخيرة من الليل، بينما كانت تحتسي قهوتها عند مائدة المطبخ. ربما نظر عبر النافذة، ورآها. عدت لتوقظ أختيها لتسأل عما إذا كانتا قد رأتا شيئًا عندما خرجتا، فقالتا: لا، لا شيء. لقد نزلتا على تلك السلالم، ثم صعدتا حاملتين المصباح، ولم يكن ثمة شيء. كان قد وضعها مذاك.
دل هذا على شيء كانت فيوليت مسرورة به. ربما لم يكن للعمة آيفي أي علاقة بالأمر. كانت العمة آيفي تحبس نفسها في غرفتها طوال الليل. ليس هذا لأن فيوليت كانت تعتقد أن أمها كانت حاقدة أو مجنونة إلى درجة تجعلها تفعل شيئًا كهذا، لكنها كانت تعلم ماذا كان الناس يقولون. كانت تعلم أنه سيكون هناك أشخاص سيقولون إنهم لم يكونوا يشعرون بدهشة بالغة مما كان يحدث هنا. كانوا سيقولون إن ثمة أشخاصًا بأعينهم تقع لهم أشياء غريبة؛ إنه بالقرب من أشخاص بأعينهم يزيد احتمال وقوع تلك الأشياء.
كانت فيوليت تقوم طوال اليوم بأعمال التنظيف. كان خطابها إلى تريفور موضوعًا على التسريحة. لم تضعه في صندوق البريد قط. جاء الناس، وسارت الأمور مثل اليوم السابق؛ الحديث، والشكوك، والتخرصات نفسها. كان الفرق الوحيد هو عرض الرسالة الجديدة على الزائرين.
أحضرت أنابيل لهم خبزًا طازجًا. قرأت الرسالة وقالت: «يجعلني هذا أشعر برغبة في التقيؤ. إنه قريب جدًّا أيضًا. ربما كان بإمكانك سماعه يتنفس تقريبًا يا فيوليت. لا بد أنك كدت تفقدين أعصابك كليةً.»
قالت العمة آيفي في فخر: «لا يوجد أحد يمكنه أن يدرك الأمر … أن يدرك ما نمر به هنا.»
قال الملك بيلي: «إذا خطا أي شخص عبر هذا المكان بعد حلول الظلام … من الآن فصاعدًا، فسيُطلق عليه النار على الأرجح. هذا كل ما لدي.»
بعد أن تناولوا العشاء، وحلبوا الأبقار وجمعوها، أخذت فيوليت خطابها إلى صندوق البريد حتى يأخذه رجل البريد في الصباح. وضعت البنسات فوق الخطاب كثمن لوضع طابع عليه. تسلقت المنحدر خلف صندوق البريد وجلست هناك.
لم يمر أحد في الطريق. كانت الأيام أطول ما يكون في ذلك الوقت؛ وكانت الشمس تكاد تغرب. مر طائر زقزاق يغرد بالقرب منها، وهو يجرجر أحد جناحيه، يحاول أن يجعلها تتابعه. من المفترض أن بيضه موجود في مكان قريب من هنا. كانت طيور الزقزاق تضع بيضها على الطريق، على الحصى، ثم تقضي وقتها تحاول أن تجذب الناس بعيدًا عنها.
كانت حالتها تسوء مثل الملك بيلي، ظانةً أنها كانت تشعر بشخص خلفها. كانت تحاول ألا تتلفت، لكنها لم تستطع منع نفسها من ذلك. قفزت والتفتت، بغتةً، ورأت أثر شعر أحمر أظهرته الشمس الآخذة في المغيب، خلف شجيرة عرعر.
لم يكن ذلك إلا دون روز وبوني هوب.
قالت فيوليت في مرارة: «ماذا تفعلان هناك، أتحاولان إخافتي؟ … ألسنا جميعًا مذعورات بما يكفي؟ أستطيع أن أراكما! ماذا تظنان أنكما فاعلتان؟»
خرجتا، وبينتا لها ما كانتا تفعلانه؛ كانتا تلتقطان فراولة برية.
بين الوقت الذي رأت فيه أثر الشعر الأحمر والوقت الذي رأت فيه حبات الفراولة الحمراء في أيديهما، أدركت فيوليت الأمر. لكنها لم تكن لتعلم بالأمر منهما إلا من خلال استدراجهما ومعرفة مبرراتهما، فضلًا عن إبداء إعجابها وتعاطفها. ربما ليس حتى حينها.
قالت: «ألا يمكنني الحصول على حبة فراولة … هل أنتما غاضبتان مني؟ أعرف سركما.»
قالت: «أعرف … أعرف من كتب تلك الخطابات. أعرف أنه أنتما. خدعتمانا على نحو جيد، أليس كذلك؟»
بدأ وجه بوني هوب في الارتعاش. جزَّت بأسنانها على شفتها السفلية. لم يتغير وجه دون روز على الإطلاق. لكن فيوليت رأت قبضتها وهي تنغلق على حبات الفراولة التي التقطتها. كانت العُصارة الحمراء تتسرب من بين أصابع دون روز. ثم بدا أنها رأت أن فيوليت كانت إلى جانبها — أو أنها لم تكن تأبه بالأمر — وابتسمت. كانت هذه الابتسامة، أو الابتسامة العريضة، ابتسامة اعتقدت فيوليت أنها لن تنساها أبدًا. كانت بريئة وشريرة، مثل ابتسامة شخص موثوق فيه اتضح أو اكتُشف أنه عدو في حلم. كانت ابتسامة دون روز الصغيرة الممتلئة، أختها، والابتسامة العريضة لشخص غريب بارد، ماكر، ناضج، فاسق، شرير.
كان ذلك كله من صنيع دون روز. انكشف الأمر. انكشف كل شيء الآن. كانت دون روز قد كتبت جميع الخطابات والرسائل ودبَّرت أين تضعها، ولم تفعل بوني هوب أي شيء سوى المشاهدة وعدم الإفصاح عن الأمر. تم إرسال أول خطابين من البلدة. أُرسل الخطاب الأول عندما أخذت دون روز إلى البلدة لزيارة الطبيب لمعاناتها من ألم في أذنها. أُرسل الخطاب الثاني عندما ذهبتا إلى المدينة في صحبة أنابيل في سيارتها. (وجدت أنابيل حجة للذهاب إلى البلدة كل يوم، بعد أن أصبح لديها سيارة الآن.) كان يسهل الذهاب إلى مكتب البريد في كلتا المرتين. ثم بدأت دون روز في وضع الرسائل في أماكن أخرى.
أخذت بوني هوب تضحك في خفوت. ثم بدأت في الشهق، ثم الانتحاب.
قالت فيوليت: «اهدئي … لم يكن أنت من فعل ذلك!»
لم تبد دون روز أي علامة من علامات الخوف أو الندم. رفعت يديها مضمومتين إلى وجهها لتناول حبات الفراولة المهروسة. لم تسأل حتى عما إذا كانت فيوليت ستخبر أحدًا بما عرفته أم لا. ولم تسألها فيوليت لماذا فعلت ذلك. ظنت فيوليت أنها لو سألتها، بشكل مباشر، فربما ستقول دون روز إنها صنعت ذلك من قبيل المزاح. سيكون ذلك سيئًا بما يكفي. لكن ماذا إذا لم تقل أي شيء على الإطلاق؟
بعد أن صعدت أختاها إلى الدور العلوي تلك الليلة، أخبرت فيوليت الملك بيلي أنه ليس عليه أن يظل ساهرًا بعد الآن.
«لماذا؟»
«ائتِ بأمي هنا وسأخبركما.» كانت تقصد قول «أمي» بدلًا من «العمة آيفي» أو حتى «ماما».
قرع الملك بيلي بعنف على باب غرفة النوم. «انقلي هذا الشيء بعيدًا واخرجي من هنا! فيوليت تريدك!»
رفعت فيوليت ستار النافذة، وفتحت المزلاج، وفتحت الباب. وقفت وكانت البندقية في ركن الغرفة.
أخذا وقتًا طويلًا حتى بدآ يعيان ما تقوله لهما فيوليت. جلس الوالدان وأكتافهما متهدلة، وأيديهما موضوعة على رُكبهما، وكانت ترتسم على وجهيهما ملامح الحرمان والدهشة. بدا أن الملك بيلي قد استوعب الأمر أولًا.
قال: «لماذا تفعل هذا بي؟»
كان ذلك هو ما ظل يردده، وكان كل ما استطاع أن يقوله عندما كان يفكر في الأمر.
«ماذا تظنين السبب في أنها تفعل هذا بي؟»
نهضت العمة آيفي ووضعت قبعتها. شعرت بهواء الليل يدخل من الباب السلكي الخارجي.
قالت: «سنصبح أضحوكة الناس الآن.»
قالت فيوليت: «لا تخبرا أحدًا.» (كما لو كان ذلك ممكنًا.) «لا تخبرا أحدًا بأي شيء. دعا الأمر ينحسر تدريجيًّا.»
هزَّت العمة آيفي نفسها على الأريكة، مرتديةً قبعتها وثوب النوم الكئيب والحذاء طويل العنق المطاطي. وقالت: «سيقولون الآن إن لدينا نزعة غريبة في هذه العائلة، هذا لا شك فيه.»
قالت فيوليت لأبويها أن يذهبا إلى الفراش كي يناما، وذهبا، كما لو كانا هما الأبناء. وعلى الرغم من أنها لم تخلد إلى الفراش في الليلة السابقة وكانت عيناها تبدوان كما لو كان جرى حكهما بورقة صنفرة، كانت متأكدة أنها لن تستطيع النوم أبدًا. تناولت جميع الخطابات والرسائل التي كانت دون روز قد كتبتها من موضعها خلف الساعة، وطوتها دون أن تنظر إليها ووضعتها في ظرف. كتبت رسالة ووضعتها معها، وكتبت عنوان تريفور على الظرف. وقالت في رسالتها: عرفنا من كتب هذه الخطابات والرسائل، إنها أختي. تبلغ أربعة عشر عامًا. لا أعلم ما إذا كانت قد جنت، أم ماذا. لا أعرف ماذا يجب أن أفعل. أريدك أن تأتي، وتصطحبني، وتأخذني بعيدًا. أكره المكان هنا. ترى كيف تفكر. لا أستطيع النوم هنا. رجاءً إذا كنت تحبني، فتعال، واصطحبني، وخذني بعيدًا.
أخذت هذا الظرف إلى صندوق البريد في الظلام، ووضعت البنسات فوقه ثمنًا للطابع الذي سيوضع عليه. كانت قد نسيت حقيقةً الخطاب الآخر والبنسات الموضوعة فوقه بالفعل. بدا كما لو أن ذلك الخطاب قد أُرسل قبل أيام.
رقدت على الأريكة الخشنة في غرفة الضيوف. في الظلام، لم تستطع أن ترى اللوحة التي كانت تعتقد أنها مؤثرة، وساحرة جدًّا. حاولت جاهدةً أن تتذكر الشعور الذي كانت تمنحها إياه. وراحت في النوم سريعًا جدًّا. •••
لماذا فعلت فيوليت هذا؟ لماذا أرسلت تلك الخطابات والرسائل القبيحة إلى تريفور، وأرفقت رسالة كهذه معها؟ هل كانت تريد حقًّا أن يقوم بإنقاذها، أن يخبرها ماذا تفعل؟ هل كانت تريد مساعدته في مشكلة دون روز؛ أن يساعدها ولو بصلواته؟ (منذ أن بدأ هذا الأمر كله، لم تكن فيوليت قد فكرت في الصلاة على الإطلاق، أو في الرب على أي نحو.)
لم تكن لتعرف أبدًا لماذا فعلت ذلك. كانت لا تستطيع النوم، وكانت أعصابها متوترة، وخانتها قدرتها على الحكم على الأمور على نحو صائب. كان هذا هو كل ما في الأمر.
في اليوم الذي تلا أخْذ تلك الخطابات ووضعها في ظرف لإرساله إلى تريفور، كانت فيوليت تقف إلى جانب صندوق البريد في الصباح. كانت تريد أن تذهب مع رجل البريد إلى البلدة، حتى تلحق بقطار الساعة الواحدة المتوجه إلى أوتاوا.
قال رجل البريد: «هل تواجهون مشكلة ما؟ … مشكلة متعلقة بوالدك؟»
قالت فيوليت: «الأمور على ما يرام … انتهى هذا الأمر تمامًا.»
كانت تعلم أن البريد الذي يُرسل من هنا يصل إلى أوتاوا في اليوم التالي. كان ثمة مرتان لإرسال الخطابات والطرود؛ إحداهما في الصباح والأخرى فيما بعد الظهيرة. إذا لم يكن تريفور موجودًا طوال اليوم — وهو كذلك عادةً — كانت الخطابات تُوضع في انتظاره على مائدة الردهة في المنزل حيث كان يقطن، منزل أرملة أحد القساوسة. كان الباب الأمامي يترك مفتوحًا عادةً. كانت فيوليت تستطيع الوصول إلى الخطابات قبل أن يقرأها. •••
كان تريفور في المنزل. كان مصابًا ببرد صيف شديد. كان يجلس في غرفة مكتبه طاويًا وشاحًا أبيض حول رقبته مثل ضمادة.
قال بينما كانت فيوليت تعبر الغرفة في اتجاهه: «لا تقتربي مني، أنا مليء بالجراثيم.» من خلال نبرة صوته، كان المرء سيعتقد أنها تقترب منه.
قال: «نسيت أن تتركي الباب مفتوحًا.» كان يجب ترك باب غرفة المكتب مفتوحًا عندما كانت فيوليت داخلها، حتى لا يتسبب ذلك في فضيحة لأرملة القس.
مبسوطةً على مكتبه، بين كتبه وأوراق العظات، كانت ترقد الخطابات الملطخة، المكرمشة، المخزية التي كانت دون روز قد كتبتها.
قال تريفور، بصوت متعب، أجش: «اجلسي … اجلسي يا فيوليت.»
لذا، اضطرت إلى الجلوس أمام مكتبه، مثل عضو غير سعيد في الكنيسة، امرأة شابة فقيرة وقعت في مشكلة.
قال إنه ليس مندهِشًا لرؤيتها. كان قد ظن أنها ستأتي. كانت تلك هي الكلمات التي استخدمها: «تأتي.»
قال: «كنت ستمزقينها إذا كنت وصلت إليها أولًا.»
نعم. بالضبط.
قال: «لذا ما كنت سأعرف أبدًا بالأمر.»
«كنت سأخبرك يومًا ما.»
قال تريفور، في صوت بائس أجش: «أشك في ذلك.» ثم تنحنح قائلًا: «معذرةً، لكنني أشك في ذلك.» في محاولة لأن يصبح أكثر لطفًا، وصبرًا، وودًّا.
تحدثا من فترة منتصف ما بعد الظهيرة حتى خيَّم الظلام. كان تريفور يتحدث. حك حلقه من الخارج حتى يبقي على صوته. تحدث حتى صار حلقه جافًا تمامًا، ثم توقف لأخذ راحة، ثم تحدث مجددًا. لم يقل شيئًا لم تتوقعه فيوليت، منذ اللحظة التي رفع عينيه إليها، من اللحظة التي قال فيها: «لا تقتربي مني.»
وفي الخطاب الذي تلقته منه، بعدها بأيام — الذي قال فيه الأشياء التي لم يستطع حمل نفسه على قولها في وجهها — لم يكن ثمة كلمة واحدة أيضًا لم تكن تعرفها مقدمًا. كان من الممكن أن تكتبه له. (كانت جميع الخطابات التي كتبتها دون روز مرفقة بالخطاب.)
ليس القس، لسوء الحظ، حرًّا تمامًا في الحب أو في الاختيار. يجب أن تكون زوجة القس امرأة لا تجلب معها أي مشكلات قد تتسبب في تشتيت انتباه زوجها وصرف تركيزه عن خدمة الرب ورعيته. يجب ألا يوجد أي شيء أيضًا في خلفية زوجة القس أو أقاربها مما يثير القيل والقال بشأنها أو يسبب فضيحة. حياتها عادةً صعبة، ويتحتم أن تتمتع بأفضل صحة جسدية وعقلية، دون أي عيب وراثي أو ضعف، حتى تتحمل واجباتها.
جاء كل ذلك مع وجود قدر عظيم من التكرار، والتضخيم، ومحاولة الانحراف عن الموضوع، وفي وسط كل هذا، بعض الجدل حول الإتيان بدون روز كي يفحصها بعض الأطباء هنا، وعزلها في مكان ما بعيد. قال تريفور إن دون روز لا شك شخص مختل عقليًّا جدًّا.
لكن بدلًا من أن تشعر أنها كانت ترغب في أن يحل تريفور مشكلة دون روز من أجلها، بدت فيوليت الآن تشعر أن عليها حماية دون روز منه.
قالت: «ألا يمكن أن نسأل الرب أن يشفيها؟»
كانت تعرف من خلال نظرته أنه كان يظنها متطاولة. كان الأمر يرجع إليه في ذكر الرب، لا إليها. لكنه قال في هدوء إن الرب يشفي الناس من خلال الأطباء والعلاج. من خلال الأطباء، والعلاج، والقوانين، والمؤسسات. هكذا يجري الرب مقاديره.
قال: «هناك نوع من الجنون الأنثوي الذي يصيب النساء في هذه السن … أنت تعرفين ما أقصد. يكرهن الرجال. يلمنهم. هذا جلي. لديها كراهية مجنونة للرجال.»
لاحقًا، تساءلت فيوليت عما إذا كان يحاول الإبقاء على الباب مفتوحًا لها آنذاك. وإذا كانت قد وافقت على عزل دون روز في مكان ما، فهل كان سيفسخ خطبتهما؟ ربما لا. على الرغم من أنه كان يحاول أن يبدو أرقى وأكثر عقلانية، كان هو، أيضًا، ربما يشعر باليأس.
مرات عديدة، كان يقول الشيء نفسه لها. «لن أتحدث إليك، لا أستطيع التحدث إليك، إلا إذا توقفت عن البكاء.»
دخلت زوجة القس، وسألت عما إذا كانا يرغبان في تناول العشاء. قالا لا، فذهبت، ممتعضة. قال تريفور إنه لا يستطيع البلع. عندما كان الظلام آخذًا في الحلول، خرجا. سارا في الشارع متوجهين إلى الصيدلية، وطلبا اثنين من شراب مخفوق اللبن، وشطيرة دجاج لفيوليت. كان مذاق الدجاج مثل قطع الخشب في فمها. سارا إلى جمعية الشابات المسيحيات، حيث كانت تستطيع أن تجد غرفة تقضي فيها الليلة. (كانت الغرفة في نُزلها محجوزة لها، لكنها لم تستطع مواجهة الذهاب إلى هناك.) قالت إنها ستركب قطار الصباح الباكر.
قال تريفور: «لست مضطرة إلى ذلك … نستطيع أن نتناول الإفطار. ذهب صوتي الآن.»
ذهب صوته. كان يهمس.
همس قائلًا: «سأصطحبك … سأصحبك في الثامنة والنصف.»
لكنه لم يلمس قط، مرة أخرى، بفمه أو خده البارد فمها أو خدها. •••
غادر قطار الصباح الباكر في الساعة الثامنة إلا عشر دقائق، وكانت فيوليت على متنه. كانت تخطط لأن تكتب رسالة إلى المرأة في النُّزل الذي تقيم فيه وإلى مكتب الكنيسة حيث كانت تنوي أن تعمل. لن تؤدي اختباراتها. لا تستطيع البقاء في أوتاوا يومًا آخر. كان رأسها يؤلمها على نحو رهيب تحت أشعة شمس الصباح. هذه المرة، لم يغمض لها جفن طوال الليل. عندما بدأ القطار في التحرك، كان الأمر كما لو كان تريفور يُسحب بعيدًا عنها. بل إن الأمر يتجاوز تريفور. كانت حياتها بأسرها تُسحب منها بعيدًا؛ مستقبلها، حبها، نصيبها، آمالها. كل ذلك كان يُنزع مثل جلد، وكان مؤلمًا للغاية، ما جعلها عارية من أي غطاء ومصابة بآلام حادة.
هل كانت تحتقره، حينئذ؟ إذا كانت كذلك، فلم تكن تعرف ذلك. لم يكن هذا شيئًا تستطيع معرفته. لو أنه جاء في أعقابها، لكانت ستعود إليه؛ وهي مسرورة. حتى اللحظة الأخيرة، كانت تأمل في أن يأتي مهرولًا إلى رصيف المحطة. كان يعلم متى يغادر قطار الصباح الباكر. ربما يستيقظ، ويعرف ماذا كانت تفعل، ويأتي في أعقابها. لو كان قد فعل ذلك، لكانت ستستسلم بشأن دون روز؛ كانت ستفعل أي شيء كان يريده.
لكنه لم يأتِ وراءها، لم يأتِ. وجهه غير موجود بين الوجوه الموجودة في المحطة؛ لم تستطع احتمال النظر إلى أي شخص.
في لحظات كهذه، كانت فيوليت تحدث نفسها، لا بد أن الناس يفعلون الأشياء التي يسمع المرء بها، ويقرأ عنها في الصحف. الأشياء التي يحاول المرء تصورها، أو يحاول ألا يتصورها. كانت تستطيع تصور الأمر، كانت تستطيع أن تشعر كيف سيكون الأمر. الرحلة المشمسة السريعة، ثم الارتطام بالمنحدر الحصوي. سيكون إغراق المرء نفسه أمرًا أفضل، لكن كان سيتطلب عزمًا أكبر. على المرء أن يظل راغبًا في شيء كهذا، ويستمر على هذا النحو، يستسلم للماء، ويبتلعه بكميات كبيرة حتى الموت.
إلا إذا قفز المرء من أعلى جسر.
هل من الممكن أن تكون هذه هي فيوليت؟ هل من الممكن أن تكون هذا الشخص الذي يفكر في فِكَر كهذه، جرى اختزالها إلى هذه الاحتمالات، شخص حياته منقلبة رأسًا على عقب؟ شعرت كما لو كانت تشاهد مسرحية، وإن كانت أحد أبطالها. وداخل المسرحية، كانت في خطر عظيم. أغمضت عينيها، وصلَّت بسرعة؛ وهو ما كان، أيضًا، جزءًا من المسرحية، لكنه كان حقيقيًّا؛ المرة الأولى في حياتها، هكذا حدثت نفسها، التي صلَّت ودعت فيها حقيقةً.
نجني. نجني. أعدني إلى رشدي. أرجوك. أرجوك أسرع. أرجوك.
وما رأت بعد ذلك أنها تعلمته على متن رحلة القطار هذه، التي استغرقت أقل من ساعتين إجمالًا، هو أن دعواتها أُجيبت. الدعوات اليائسة تُجاب. كانت تعتقد أنها لم يكن لديها أدنى فكرة عن ماهية الصلوات، أو الإجابات. وها قد هبط شيء عليها في القطار، ولفَّها لفًّا. هبطت الكلمات عليها، وكانت مثل ملابس باردة، باردة تلفها.
لم يكن هدفك أن تتزوجيه.
لم يكن هدف حياتك.
أن تتزوجي تريفور. ليس هدف حياتك.
هناك هدف لحياتك، وتعرفين ما هو.
«أن تعتني بهم. جميعهم، كل عائلتك، ودون روز على وجه الخصوص. أن تعتني بهم جميعًا، ودون روز على وجه الخصوص.»
كانت تنظر خارج النافذة، وهي تدرك ذلك. كانت الشمس تسطع على الحشائش الخفيفة في شهر يونيو، ونباتات الحوذان، والتودفلاكس، والصخور الناعمة القديمة، المتناثرة في الريف المترامي كله الذي لم تكن لتعيره أدنى اهتمام، وكانت الكلمة التي وردت على خاطرها «ذهبية».
فرصة ذهبية.
من أجل ماذا؟
تعرفين من أجل ماذا. للتسليم. للاستسلام. للعناية بهم. للحياة من أجل الآخرين.
كانت هذه هي الطريقة التي رأت فيوليت من خلالها كيف تتخلص من ألمها. حمل ثقيل زال عن كاهلها. إذا كان من الممكن أن تركع وتخلِّف نفسها القديمة وراءها أيضًا، وجميع فِكَرها حول كيف تكون حياتها، لكان الحمل الثقيل، الألم، الإهانة، كل ذلك سيختفي على نحو سحري. هكذا ستؤدي المطلوب منها. يمكن أن تكون مثل الحشائش في شهر يونيو التي كان يتخللها ضوء الصباح، ويضيئها مثل الريش القرنفلي أو خطوط من سحابة وقت شروق الشمس. إذا صلت بما يكفي وحاولت بما يكفي، فسيكون ذلك ممكنًا. •••
قال الناس إن الملك بيلي لم يعد كسابق عهده بعد التجربة التي تعرض لها. لم يعد كسابق عهده قط. قالوا إنه صار شيخًا، أخذ يذبل بصورة ملحوظة. لكنه كان شيخًا، شيخًا طاعنًا، عندما حدث كل ذلك. لم يتزوج حتى تخطى الأربعين. واصل حلب الأبقار، والتحرك ذهابًا وإيابًا إلى مخزن الحبوب في شتاءات قليلة أخرى شديدة البرودة، ثم مات جراء الالتهاب الرئوي.
كانت دون روز وبوني هوب قد ذهبتا إلى العيش في البلدة في ذلك الوقت. لم تذهبا إلى المدرسة الثانوية. حصلتا على وظيفة في مصنع الأحذية. صارت بوني هوب جميلة واجتماعية إلى حد بعيد، وجذبت انتباه بائع اسمه كولارد. تزوجا، وانتقلا إلى إدمنتن. أنجبت بوني هوب ثلاث بنات. وكانت تكتب خطابات رصينة إلى أهلها.
تحسن مظهر وسلوك دون روز أيضًا. كانت معروفة في مصنع الأحذية كعاملة مجدَّة، شخص لا يستحسن إغضابه، شخص يستطيع إلقاء بعض النكات الجيدة إذا كان مزاجها يسمح بذلك. تزوجت، أيضًا؛ مزارعًا يسمى كيمب، من الجزء الجنوبي من المقاطعة. لم يظهر منها أي سلوك غريب أو شذوذ أو شطط مرة أخرى. كان يُقال إن ثمة شيئًا فظًّا بها؛ وكان هذا هو كل شيء. أنجبت ولدًا.
استمرت فيوليت في العيش مع العمة آيفي في المزرعة. حصلت على وظيفة في شركة الهاتف المحلية. اشترت سيارة، حتى تستطيع الذهاب والرجوع من العمل. ألم تكن تستطيع أن تجري اختبارات التدريس في عام آخر؟ ربما نعم، ربما لا. عندما تخلت عن الأمر، تركته تمامًا. لم تعتقد في إمكانية إعادة المحاولة مرة أخرى. كانت تتمتع بكفاءة في عملها.
كانت العمة آيفي لا تزال تجوس في الفناء والبستان، تبحث عن الأماكن التي ربما خبأت بعض الدجاجات فيها بيضها. كانت ترتدي قبعتها وحذاءها طويل العنق. كانت تحاول أن تتذكر أن تنظف حذاءها عند الباب، حتى لا تثور فيوليت غضبًا.
لكن فيوليت لم تعد تفعل ذلك مجددًا. •••
ذات ظهيرة عندما كانت في راحة من العمل، قادت فيوليت سيارتها لترى دون روز. كانتا على ود، كان زوج دون روز يحب فيوليت، لم يكن ثمة سبب ألا تذهب على غير موعد.
وجدت أبواب المنزل مفتوحة. كان يوم صيف دافئًا. خرجت دون روز، التي صارت بدينة جدًّا الآن، إلى الشرفة الخارجية وقالت إن اليوم لم يكن يومًا مناسبًا للزيارة، وكانت تلمِّع الأرضيات. هكذا كان الأمر فعلًا؛ كانت فيوليت تشم رائحة مادة التلميع. لم تقدِّم دون روز عصير ليمون أو تطلب من فيوليت أن تجلس في الشرفة الخارجية. فقد كانت مشغولة جدًّا ذلك اليوم.
جاء ابنها الصغير السمين الخجول، الذي كان يحمل الاسم الغريب دين، وتعلق برجليها. كان يحب فيوليت، لكنه تصرف اليوم بشكل غريب.
رحلت فيوليت. لم تكن تعلم، بالطبع، أنه في غضون عام كانت دون روز ستموت جراء جلطة ناشئة عن التهاب وريدي مزمن. لم تكن دون روز هي من تفكر فيه، لكن كانت تفكر في نفسها، أثناء قيادتها على رقعة خفيضة من الطريق ذات الأشجار والأجمات الكثيفة على الجانبين وحينئذ سمعت صوتًا يقول: «حياتها مأساوية.»
«حياتها مأساوية»، هكذا قال الصوت في وضوح ودون إبداء أي عاطفة خاصة، وأسرعت فيوليت، كما لو كانت أصيبت بالعمى، بالسيارة وخرجت عن الطريق. لم يكن ثمة مصرف على جانب الطريق، لكن كانت الأرض سبخية، فلم تستطع إخراج السيارة منها. نزلت من السيارة ونظرت إلى حيث انغرست عجلاتها، ثم وقفت إلى جانب السيارة في انتظار شخص يأتي ويدفع السيارة.
لكنها عندما سمعت صوت سيارة قادمة، كانت تعلم أنها لا ترغب في أن يجدها أحد. لم تطق أن يجدها أحد. عدت بعيدًا عن الطريق إلى الغابة، إلى الأجمات، وعلقت. علقت في شجيرات التوت البري، شجيرات الزعرور البري الصغيرة. تمسَّكت. اختبأت لأنها لم تكن تريد أن يراها أحد، إذا كانت حياتها مأساوية.
(٢) تلبس
يعتقد دين أنه يتذكر شيئًا عن فيوليت — خالته — من الفترة التي سبقت وفاة أمه. يتذكر قليلًا جدًّا من ذلك الماضي البعيد. يتذكر أمه بصعوبة. يمتلك صورة لأمه وهي تقف أمام المرآة عند حوض المطبخ، عاقصةً شعرها الأحمر تحت قبعتها المصنوعة من القش ذات اللون الأزرق الداكن. يتذكر وجود شريط أحمر برَّاق على القبعة. لا بد أنها كانت تستعد للذهاب إلى الكنيسة. يرى رِجلًا متورمة، ذات لون بني باهت، ويربط بينها وبين مرضها الأخير. لكنه يشك في أنه رأى ذلك من قبل. لماذا تكون رجلها بهذا اللون؟ لا بد أنه سمع أشخاصًا يتحدثون عن ذلك. سمعهم يقولون إن رجلها كانت كبيرة مثل البرميل.
يظن أنه يتذكر فيوليت آتية على العشاء، مثلما كانت تفعل عادةً، حاملةً معها بودنج، كانت تضعه في الخارج في الثلج حتى تحافظ على برودته. (لم يكنْ أيٌّ من منازل المزارع يمتلك ثلاجات في تلك الأيام.) ثم سقطت الثلوج، وغطى الثلج طبق البودنج، الذي غاب عن الأنظار. يتذكر دين فيوليت وهي تطأ بقدمها هنا وهناك في الفناء المغطى بالثلوج بعد حلول الظلام، مناديةً: «بودنج، بودنج، تعال هنا، بودنج!» كما لو كان كلبًا. لم يتمالك نفسه من الضحك، وكانت أمه وأبوه يضحكان عند عتبة الباب، وأخذت فيوليت تتقن أداءها، فتوقفت وأخذت تصفِّر.
بعد فترة ليست بالطويلة من وفاة أمه، ماتت جدته؛ التي كانت تعيش مع فيوليت، وكانت ترتدي قبعة سوداء، وكانت تنادي على الدجاج بطريقة بدت مماثلة للغته تمامًا، دندنة وقرقرة متواصلان. ثم باعت فيوليت المزرعة وانتقلت إلى البلدة، حيث حصلت على وظيفة لدى شركة بيل للهواتف. كان ذلك خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كان ثمة نقص في الرجال، وسرعان ما صارت فيوليت مديرة. كان ثمة شعور بأنها كان يجب أن تتنحى عن موقعها عندما انتهت الحرب، وأن تتخلى عن الوظيفة لأحد الرجال ممن لديهم أسر يعولونها. يتذكر دين أنه سمع أحدهم يقول ذلك؛ امرأة، ربما إحدى عماته، وهي تقول إن ذلك كان سيصبح شيئًا محمودًا. لكن رفض أبوه ذلك، وقال إن فيوليت فعلت الشيء الصحيح. قال إن فيوليت تمتلك الشجاعة والإصرار.
بدلًا من الفساتين الكئيبة، الفضفاضة، المزينة بالخرز التي كانت النساء المتزوجات — الأمهات — ترتدينها، كانت ترتدي تنورات وبلوزات. كانت ترتدي تنورات مكشكشة من الجبردين ذات نقوش مربعة مفعمة بالحيوية، باللون الأزرق الداكن، أو الرمادي، مع بلوزات رائعة عاجية اللون من الساتان، أو بيضاء مكشكشة من الجورجيت، أو قرنفلية أو صفراء أو فضية اللون من كريب الرايون. كان لون معطفها الجميل أحمر أرجوانيًّا، وكان ذا ياقة من فراء الثعالب الفضية. لم يكن شعرها متموجًا أو مفرودًا بشكل دائم، لكنه كان مصففًا في صورة لفة بهية، سميكة، داكنة. كانت تضع بودرة تجميل على بشرتها، بلون قرنفلي خفيف، مثل الصَّدَفة الكبيرة التي كانت تمتلكها وكانت تدع دين يستمع إليها. يعرف دين الآن أنها كانت تشبه في ملابسها، وشكلها، سيدات الأعمال، السيدات العاملات، في تلك الأيام. مسايرة للموضة ومتأنقة في آن واحد، جميلة القد وإن لم تكن نحيفة تمامًا، لا هو قد امرأة ناضجة ولا فتاة. ما اعتبره مميزًا وفريدًا لم يكن كذلك حقًّا. كانت هذه هي الحقيقة التي اكتشفها حيال معظم الأشياء عندما صار أكبر سنًّا. بالمثل، تحمي ذاكرته فيوليت من أي نوع من التكرار، أو التصنيف، لا توجد طريقة في ذلك الماضي البعيد يمكن اختزال فيوليت من خلالها.
في البلدة، كانت فيوليت تعيش في شقة فوق بنك رويال. كان على المرء للوصول إليها صعود سلالم طويلة، ذات درجات متقاربة. كانت النوافذ الطويلة في غرفة المعيشة تُسمى النوافذ الفرنسية. كانت تفتح على شرفتين صغيرتين ذواتي درابزين يبلغ حتى الوسط فقط مصنوع من الحديد المطاوع. كانت الحوائط مطلية، وليست مغطاة بورق حائط. كان لونها أخضر فاتحًا. اشترت فيوليت أريكة جديدة ومقعدًا منجَّدًا بقماش أخضر طحلبي فاخر، ومائدة قهوة كانت توضع أعلاها صينية زجاجية. كان يُطلق على الستائر السدائل، وكانت ذات حبال شد. مع انغلاقها على النوافذ، كان ثمة نمط من الأوراق الكريمية اللون البراقة التي تظهر عبر الخلفية الكريمية الباهتة. لم يكن ثمة ضوء في السقف؛ فقط مصابيح طويلة توضع على الأرضيات. في المطبخ، كان ثمة خزائن وركن للأكل من خشب الصنوبر المليء بالعقد. كانت هناك سلالم أخرى — كانت هذه متباعدة وشديدة الميل — تفضي إلى فناء خلفي مسيَّج صغير، لم يكن يستخدمه إلا فيوليت. كان مطوقًا بشكل رائع، جاهزًا للترتيب والتزيين، مثل أي غرفة معيشة. •••
خلال العامين الأولين اللذين كان يذهب خلالهما إلى المدرسة الثانوية في البلدة، كان دين يزور فيوليت كثيرًا جدًّا. كان يبيت ليلًا في الشقة عندما يكون الجو عاصفًا. كانت فيوليت تُعد له فراشًا على الأريكة ذات اللون الأخضر الطحلبي. كان صبيًّا نحيفًا، نهمًا، أحمر الشعر في تلك الأيام — لا يستطيع أحد الثناء على النحافة الآن — وكانت فيوليت تطعمه جيدًا. كانت تصنع له شوكولاتة ساخنة بالكريمة المخفوقة وقت النوم. كانت تقدِّم له دجاجًا بالكريمة في قوالب التارت، وكعكًا مكونًا من عدة طبقات، وشيئًا يسمى فطيرة شراب القيقب. كانت تأكل قطعة واحدة، ويأكل هو الباقي. كان هذا تغييرًا كبيرًا مقارنة بالوجبات سريعة التجهيز وغير المعدة بإتقان في المنزل التي كان يتناولها مع أبيه والرجل الذي كان يعمل عندهم. كانت فيوليت تحكي له قصصًا عن طفولتها في المزرعة، مع أمه وخالته، التي تعيش في إدمنتن الآن، وأمها وأبيها، الذين كانت تطلق عليهم جميعًا «شخصيات». كان كل شخص يمثِّل شخصية في تلك القصص؛ كان كل شيء مصاغًا بحيث يكون مضحكًا.
كانت قد اشترت مشغل أسطوانات، وأسمعته بعض الأسطوانات، وطلبت منه أن يختار الأسطوانة المفضلة لديه. كانت أسطوانته المفضلة هي تلك التي حصلت عليها كهدية عندما انضمت إلى أحد نوادي الأسطوانات الموسيقية الذي قدَّمها إلى عالم الموسيقى الكلاسيكية. كانت هذه هي الأسطوانة الخاصة بمقطوعة «الطيور»، لريسبيجي. كانت أسطوانتها المفضلة تلك الخاصة بكينيث ماكيلر التي تضم مجموعة من أغانيه الدينية والعادية.
لم تعد تذهب إلى مزرعة دين. لم يكن والد دين، عندما كان يذهب لاصطحاب دين، يملك وقتًا على الإطلاق لتناول قدح من القهوة في بيت فيوليت. ربما كان خائفًا من أن يجلس في شقة أنيقة كهذه بملابس المزرعة. ربما كان لا يزال يحمل بعض الضغينة تجاه فيوليت لما فعلته في الكنيسة.
كانت فيوليت قد اتخذت قرارًا هناك، في بداية حياتها في البلدة. كان للكنيسة بابان. كان يستخدم أحد البابين الريفيون — وكان السبب في ذلك هو أنه كان أقرب إلى سقيفة العربات وغيرها من وسائل النقل الريفية — وكان الأشخاص الذين يقطنون في البلدة يستخدمون الباب الآخر. في الداخل، كان هناك نفس التقسيم؛ أهل البلدة في جانب من الكنيسة، والريفيون في الجانب الآخر. لم يكن ثمة شعور محدد بعلو المنزلة أو الدونية؛ لكن هكذا كانت تسير الأمور. حتى الريفيون الذين كانوا قد تقاعدوا وانتقلوا إلى البلدة كانوا حريصين ألا يستخدموا باب أهل البلدة، على الرغم من أن ذلك ربما كان يعني الانحراف عن طريقهم، والسير متجاوزين باب أهل البلدة وصولًا لباب الريفيين.
جعل بالتأكيد انتقال فيوليت للعيش بالبلدة، وعملها فيها، منها شخصًا منتميًّا إلى البلدة. لكنها عندما جاءت إلى تلك الكنيسة للمرة الأولى، كان دين ووالده هما الشخصين الوحيدين اللذين كانت تعرفهما. كان اختيار جانب الريفيين سيعبر عن الوفاء، وبعض الاعتزاز بالنفس، التخلي عن الامتياز الممنوح لها. (كان صحيحًا أن معظم القساوسة، والمدرسين المساعدين، ومدرسي مدارس الأحد كانوا يُختارون من جانب أهل البلدة، مثلما كانت القبعات الرائعة وملابس السيدات التي تساير الموضة تظهر في هذا الجانب.) كان اختيار جانب أهل البلدة، وهو ما فعلته فيوليت، تعبيرًا عن قبول هذه المكانة، وربما حتى الرغبة في المزيد.
لامها والد دين أثناء سيرهم على الرصيف بعد ذلك. «هل أعجبتك الصحبة هناك؟»
قالت فيوليت، متظاهرةً بأنها لا تعرف عما كان يتحدث: «بدا الأمر أسهل فقط … لا أعرف شيئًا عن تلك الصحبة. أعتقد أن أحد الأشخاص لديه سيجار مطفأ في جيبه.»
كان دين يتمنى بشدة ألا تفعل فيوليت ذلك. لم يكن ذلك لأنه كان يريد أن تتطور علاقة ما بشكل جدي بين فيوليت وأبيه؛ زواج، على سبيل المثال. لم يكن يستطيع تخيل ذلك. كان يريدهما فقط أن يكونا في الجانب نفسه، حتى يكونا في جانبه.
في ظهيرة أحد أيام شهر يونيو، عندما كان قد فرغ من أداء أحد اختباراته، قصد دين شقة فيوليت لاسترجاع كتاب كان قد تركه هناك. كان مسموحًا له باستخدام الشقة للمذاكرة فيها بينما كانت هي في العمل. كان يفتح النوافذ الفرنسية ويسمح بدخول رائحة الريف المتحرر لتوه من الثلوج، بكل جداولها ومستنقعاتها المتسربة، وأشجار الصفصاف الآخذة في الاصفرار والأخاديد التي تتصاعد منها الأبخرة. كان الغبار يدخل، أيضًا، لكنه كان يظن دائمًا أنه يستطيع تنظيف ذلك قبل أن تعود إلى المنزل. كان يجوب في غرفة المعيشة ذات الإضاءة الباهتة، مجمعًا بعض المعلومات، شاعرًا بالعظمة. كان كل شيء في الغرفة يرتبط بشيء مما يتعلمه. كان ثمة لوحة ألوانها داكنة لملك ميت وسيدات نبيلات كان ينظر إليها دومًا عندما كان يحفظ الشعر. كانت السيدات يذكرنه بطريقة غريبة بفيوليت.
لم يكن يعرف ما إذا كانت فيوليت ستعود إلى المنزل أم لا؛ لأن راحتها في فترة ما بعد الظهيرة كانت تختلف من أسبوع إلى آخر. لكنه سمع صوتها أثناء صعوده السلالم.
نادى قائلًا: «هذا أنا»، وانتظرها حتى تخرج من المطبخ وتسأل عن أدائه في الاختبار.
بدلًا من ذلك، قالت له: «دين! دين، لم أكن أتوقع حضورك! تعال وتناول القهوة معنا!»
قدمته إلى شخصين في المطبخ، رجل وزوجته. آل تيبيت. كان الرجل يقف إلى جانب الطاولة وكانت المرأة تجلس في ركن الأكل. كان دين يعرف الرجل شكلًا. وايك تيبيت، الذي كان يبيع وثائق التأمين. كان من المفترض أن يصير لاعب بيسبول محترفًا، لكن كان ذلك منذ وقت طويل مضى. كان رجلًا أنيقًا، صغير الحجم، مهذبًا، يرتدي ملابس أنيقة دومًا، يمتلك ثقة متواضعة لرجل رياضي بارع.
لم تسأل فيوليت دين عن أي شيء فيما يتعلق باختباره، لكنها أخذت تركز على إعداد القهوة. أولًا، أخرجت أقداح قهوة الإفطار، ثم عدلت رأيها، وأخرجت طقم الخزف الصيني. بسطت مفرشًا على منضدة ركن الأكل. كان ثمة علامة احتراق طفيفة عليها جراء عملية الكي.
قالت فيوليت ضاحكةً: «حسنًا، أنا محرجة.»
ضحك وايك تيبيت أيضًا وقال: «يجب أن تكوني كذلك، يجب أن تكوني كذلك!»
أزعجت ضحكة فيوليت العصبية، وتجاهلها إياه، دين إلى حد بعيد. كانت قد قضت عدة سنوات في البلدة حتى الآن، وكانت قد أجرت عدة تغييرات على نفسها، ويبدو أنه لم يلحظ هذا إلا الآن وحسب. لم يعد شعرها ملفوفًا؛ كان قصيرًا ومتموجًا. ولم يعد لونه البني الداكن مثلما كان سابقًا. صار له الآن مظهر باهت، ومهندمًا، مثل فادج الشوكولاتة. كان أحمر الشفاه الذي تضعه ثقيلًا جدًّا، لون أحمر براق أكثر مما ينبغي، وكانت الحبات في بشرتها قد ازدادت خشونة. أيضًا، زاد وزنها كثيرًا، خاصةً حول ردفيها. كان التناغم في جسدها قد فسد؛ بدت كما لو كانت ترتدي قفصًا أو شيئًا غريبًا تحت تنورتها.
بمجرد أن تم صبُّ قهوته، قال وايك تيبيت إنه يرغب في تناول قدحه في الفناء؛ لأنه كان يريد أن يرى كيف كانت شجيرات الورود الجديدة تلك تنمو.
قالت فيوليت، كما لو أن ذلك سرَّها: «أوه، أعتقد أنها مصابة بآفة ما! … أخشى أنها كذلك يا وايك!»
طوال هذا الوقت، كانت الزوجة تتحدث، وواصلت الحديث، لا تكاد تلاحظ أن زوجها قد نزل للفناء. تحدثت إلى فيوليت بل وإلى دين، لكنها كانت تتحدث إلى الهواء حقيقةً. تحدثت عن مواعيدها مع الطبيب، واختصاصي تقويم العمود الفقري. قالت إن لديها صداعًا مثل مطارق حديدية شديدة السخونة تدق صدغيها. كان لديها أيضًا نوع من الألم الحاد في جانب عنقها مثل مئات الإبر التي توخز في لحمها. لم تكن تتوقف عن الحديث؛ كانت مثل مشغل أسطوانات صغير لا حول له ولا قوة، موضوع في أحد جوانب ركن الأكل، وكانت عيناها الحزينتان الكبيرتان تخلوان من أي تعبير بمجرد تثبيتهما على أي شخص.
كان هذا هو نمط الأشخاص، كان هذا هو نمط الحديث، الذي كانت فيوليت غاية في البراعة في محاكاته.
وها هي الآن تفسح المجال. كانت تستمع، أو تتظاهر بأنها تستمع، إلى هذه المرأة في اهتمام لم تلاحظه المرأة حتى أو تحتاج إليه. هل كان ذلك لأن الزوج قد خرج؟ هل كانت فيوليت تشعر بقلق ما حيال فظاظته تجاه زوجته؟ كانت تواصل النظر إلى أسفل في الفناء الخلفي.
قالت: «يجب أن أرى ماذا يعتقد وايك بشأن تلك الآفة»، ثم مضت، نزلت عبر السلالم الخلفية، فيما بدا مثل هرولة ثقيلة الوقع، لا تنطوي على أي قدر من اللياقة.
قالت الزوجة: «لا يهتمون إلا بالمال.»
نهض دين حتى يجلب لنفسه مزيدًا من القهوة. وقف عند الموقد ورفع إناء القهوة بينما كانت تتحدث متسائلًا ما إذا كانت تريد مزيدًا من القهوة.
قالت: «ما كان لي أن أحتسي الكمية التي تناولتها … تسعون بالمائة من معدتي متقرحة.»
نظر دين إلى زوجها وفيوليت، كانا ينحوان معًا باتجاه شجيرات الورود الصغيرة. لا شك في أنهما كانا يتحدثان عن الورود، والآفات، والمبيدات، والآفات الزراعية الأخرى. لم يكن هناك احتمال لحدوث شيء فظ مثل لمسه إياها. فقد كان وايك يحمل في يد قدح القهوة ورفع في رقة ورقة شجيرة، ثم رفع أخرى بقدمه. نظرت فيوليت منصاعة إلى أسفل إلى الورقة المرفوعة فوق حذائه المصقول.
سيكون من الخطأ القول إن دين فهم أي شيء آنذاك. لكنه نسي المرأة التي كانت تتحدث وإناء القهوة الذي كان يحمله. استشعر سرًّا، نفحة من حميمية الآخرين، شيئًا لم يرد أن يعرف عنه شيئًا، لكن عليه أن يفعل.
بعد فترة ليست بالطويلة، كان مع والده في الشارع، ورأى وايك يأتي تجاههما. قال والده: «أهلًا وايك»، بصوت هادئ، محترم يستخدمه الرجال لتحية الرجال الآخرين الذين لا يعرفونهم — أو ربما الذين لا يريدون أن يعرفونهم — جيدًا. انحرف دين ليرى بعض الأشياء في واجهة متجر لبيع الأدوات المعدنية.
قال والده: «ألا تعرف وايك تيبيت؟ … كنت أظن أنك قابلته عند فيوليت.»
ثم شعر دين مرة أخرى بما شعر به من قبل، النفحة التي كان يكرهها. كان يكرهها الآن أكثر؛ لأنها كانت تحيط به من كل جانب. كانت تحيط به من كل جانب حتى لو أن والده كان يعرف.
لم يرد أن يفهم مدى خيانة فيوليت. كان يعرف بالفعل أنه لن يغفر لها أبدًا. •••
دين الآن رجل عريض المنكبين، متورد البشرة، يمتلك الملامح المرهقة للدب اللعبة تيدي، ولحية تكاد تكون كلها رمادية اللون. كان كلما كبر يصير أشبه بأمه أكثر فأكثر. يعمل مهندسًا معماريًّا. رحل من المنزل إلى الجامعة، ولفترة طويلة عاش وعمل في أماكن أخرى، لكنه عاد منذ عدة سنوات، وهو مشغول الآن بترميم الكنائس، وقاعات مجالس البلدات، والمناطق التجارية، والمنازل التي كانت تعد بحق قبيحة المظهر في الوقت الذي رحل فيه. يعيش في المنزل الذي نشأ فيه، المنزل الذي ولد ومات أبوه فيه، منزل حجري عمره مائة وخمسون عامًا أعاده هو وثيو تدريجيًّا إلى ما يشبه حالته الأصلية.
يعيش مع ثيو، الذي يعمل أخصائيًّا اجتماعيًّا.
عندما أخبر دين وايك وفيوليت للمرة الأولى (كان قد سامحها — سامحهما — منذ فترة طويلة) أن شخصًا يدعى ثيو سينتقل للعيش معه، قال وايك: «أفهم من ذلك أنك عثرت أخيرًا على رفيقة جادة.»
لم تقل فيوليت أي شيء.
قال دين في رفق: «رفيق رجل … ليس من السهل تخمين نوع الشخص، من خلال هذا الاسم الذي يطلق على الرجال والنساء.»
قال وايك في دماثة: «حسنًا. هذا شأنك وشأنه.» كانت العلامة الوحيدة التي ألمح بها والتي ربما تشير إلى انزعاجه في قوله «شأنه» دون أن يلاحظ.
قالت فيوليت: «ثيو. نعم … يصعب تخمين ذلك.»
حدث ذلك في المنزل الصغير المكون من غرفتي نوم على حافة البلدة الذي انتقلت فيوليت إليه بعد أن تقاعدت من شركة الهاتف. كان وايك قد انتقل للعيش معها بعد وفاة زوجته وصارا قادرين على الزواج. كان المنزل واحدًا ضمن مجموعة من المنازل المتراصة المتشابهة جدًّا الممتدة على طريق زراعي أمام حقل ذرة. جرى وضع أشياء وايك بجانب تلك الخاصة بفيوليت، وبدت الغرف منخفضة السقف مزدحمة، وترتيب الأشياء مؤقتًا وعشوائيًّا. بدت الأريكة ذات اللون الأخضر الطحلبي ضخمة وقديمة الطراز تحت الغطاء الملون الكبير الذي صنعته زوجة وايك. احتلت لوحة مخملية سوداء كبيرة، خاصة بوايك، معظم حائط غرفة المعيشة. كانت تظهر ثورًا ومصارع ثيران. كانت جوائز وايك الرياضية القديمة والصينية الفضية المقدمة له من قبل شركة التأمين موضوعة على رف المدفأة إلى جانب صدفة فيوليت القديمة وتمثال الرجل الاسكتلندي.
كانت فيوليت تسمي تلك الأشياء مصايد الغبار. •••
لكنها أبقت على أشياء وايك في مكانها حتى بعد رحيل وايك نفسه. مات وهو يشاهد مباراة بدوري كرة القدم الكندي، في نهاية شهر نوفمبر. هاتفت فيوليت دين، الذي كان يستمع إليها في البداية بينما كانت عيناه مشدودتين إلى شاشة التليفزيون.
قالت فيوليت: «ذهبتُ إلى الكنيسة … أخذت بعض الأشياء إلى مكان بيع الأشياء القديمة، ثم ذهبت واشتريت لنا زجاجة من الويسكي، وعندما عدت، بمجرد أن فتحت الباب، ناديت على وايك، ولكنه لم يجب. رأيت الجزء الخلفي من رأسه في وضع غريب. كان محنيًّا تجاه ذراع كرسيه. استدرت أمامه وأغلقت التليفزيون.»
قال دين: «ماذا تعنين؟ … خالة فيوليت! ما الأمر؟»
قالت فيوليت، كما لو كان دين يستجوبها: «أوه، لقد مات … كان يجب أن يكون ميتًا حتى يدعني أغلق التليفزيون أثناء عرض مباراة كرة القدم.» كانت تتحدث في صوت عالٍ، حاد في حبور غير طبيعي؛ كما لو كانت تخفي شعورها بالاضطراب.
عندما قاد السيارة إلى البلدة، وجدها تجلس على درجة السلالم الأمامية.
قالت: «أنا حمقاء … لا أستطيع أن أدخل. يا لي من بلهاء يا دين!» كان صوتها لا يزال خشنًا، ومرتفعًا، وحادًّا.
قال ثيو لاحقًا إن كثيرًا من كبار السن يكونون على هذه الحالة عندما يموت شخص قريب لهم. قال: «إنهم يتجاوزون الحزن … أو ربما يشعرون بنوع مختلف من الحزن.»
طوال الشتاء، بدت فيوليت على ما يرام، تقود سيارتها عندما يسمح الطقس بذلك، وتذهب إلى الكنيسة، وتذهب إلى نادي كبار السن للعب ألعاب الورق. ثم، عندما حلَّت الشهور الحارة، وظن المرء أنها كانت ستستمتع بالخروج، قالت لدين إنها لا تنوي القيادة مرة أخرى.
كان يظن أن المشكلة كانت في بصرها. اقترح عليها الذهاب إلى الطبيب لترى ما إذا كانت تحتاج إلى نظارات أقوى.
قالت: «أرى على نحو جيد … المشكلة أنني لست متأكدة تمامًا مما أرى.»
ماذا كانت تعني بذلك؟
«أرى أشياء أعرف أنها ليست موجودة.»
كيف عرفت أنها ليست موجودة؟
«لأنه ما زال لدي وعي بما يكفي، مما يجعلني أعرف ذلك. يستوعب عقلي الرسالة ويخبرني أن الأمر مضحك. لكن ماذا إذا لم يستوعبها عقلي طوال الوقت؟ كيف لي أن أعرف؟ أستطيع أن أرسل في طلب بقالتي. يُرسل معظم كبار السن في طلب بقالتهم. أنا شخص عجوز. لن يفتقدوني كثيرًا في متجر إيه آند بي.»
لكن كان دين يعرف كم كانت تستمتع كثيرًا بالذهاب إلى هذا المتجر، وكان يعتقد أنه وثيو عليهما أن يحاولا أن يجعلاها تذهب إلى هناك مرة أسبوعيًّا. كانت تحصل هناك على القهوة القوية المخصوصة التي كان وايك يتناولها، وكانت تحب عادةً النظر إلى اللحوم المدخنة وشرائح لحم الخنزير — كلتاهما كانتا من الأكلات المفضلة لدى وايك — على الرغم من أنها كانت نادرًا ما تشتري أيًّا منهما.
قالت فيوليت: «على سبيل المثال … ذلك الصباح، رأيت الملك بيلي.»
قال دين، ضاحكًا: «رأيت جدي؟ … حسنًا. كيف كان؟»
قالت فيوليت في حدة: «رأيت جوادنا الذي يدعى الملك بيلي … خرجت من غرفتي وهناك كان يُقحم رأسه من نافذة غرفة الطعام.»
قالت إنها عرفته على الفور. رأسه المألوف، الأحمق، الرمادي المرقط. طلبت منه أن يتحرك، وأن يخرج رأسه من هناك، فأخرج رأسه من فوق عتبة النافذة وبدأ يرحل ببطء. مضت فيوليت إلى المطبخ للبدء في إعداد إفطارها، ثم خطر على بالها أشياء كثيرة.
كان هذا الجواد قد مات منذ خمسة وستين عامًا تقريبًا.
لم يكن من الممكن أن يكون هذا جواد بائع اللبن أيضًا؛ لأن بائعي اللبن لم يعودوا يقودون أي جياد منذ حوالي عام ١٩٥٠. كانوا يقودون شاحنات.
لا، لم يكونوا يقودون أي شيء؛ لأن اللبن لم يعد يوصل إلى المنازل من قبل بائعي اللبن. لم يعد اللبن يباع حتى في زجاجات. يُشترى من المتجر في عبوات كرتونية أو أكياس بلاستيكية.
كان ثمة زجاج في نافذة غرفة الطعام لم يكن قد انكسر.
قالت فيوليت: «لم أكن مغرمة قط بهذا الجواد على وجه الخصوص أيضًا … لكن لم أكن قط كارهة له، لكن إذا كان ثمة خيار لدي في أن أرى شيئًا أو شخصًا قد مات، فلن يكون ذلك الجواد.»
قال دين، محاولًا الإبقاء على الحديث على نحو لطيف، على الرغم من أنه لم يكن سعيدًا قط بما كان يسمع: «ماذا سيكون؟ ماذا سيكون خيارك؟»
لكن فيوليت صنعت صوتًا بغيضًا — نخرة عنيدة — كما لو كان سؤاله أغضبها وأثار سخطها. ارتسم تعبير من الغباء المتعمد، وحتى الشرير — وهو المكافئ البصري لتلك النخرة — على وجهها.
حدث أن دين بعد ذلك ببضع ليالٍ كان يشاهد برنامجًا تليفزيونيًّا عن أشخاص من أمريكا الجنوبية — معظمهم من النساء — كانوا يؤمنون بأن الأرواح الشريرة تتلبسهم وتسيطر عليهم، من وقت إلى آخر وفي بعض الظروف الخاصة. ذكره التعبير الذي كان على وجوههم بالتعبير الذي كان على وجه فيوليت. كان الفرق هو أنهم كانوا لا يمانعون في هذا التلبس، وكان متأكدًا أن فيوليت كانت ترفضه. لم يكن ثمة شيء داخلها يرغب في أن يجري السيطرة عليها من قبل امرأة عجوز عنيدة وكئيبة، عاجزة ومشوشة، تمتلك ذاكرة أو خيالًا خارج السيطرة، يبرز عشوائيًّا خلال المشهد الراهن. كانت محاولة إيقاف تلك المرأة العجوز عند حدها يجعلها نافدة الصبر. في حقيقة الأمر، كان قد رآها — تذكر الآن — كان قد رآها تميل رأسها إلى الجانب وتصفع نفسها صفعة سريعة، مثلما يفعل الأشخاص الذين يرغبون في التخلص من روح مزعجة، غير مرحب بها.
بعد مرور أسبوع أو نحو ذلك في الصيف، هاتفته. وقالت له: «دين، هل أخبرتك عن الشخصين اللذين أراهما، يمران بجوار منزلي؟»
«أي شخصين يا خالة فيوليت؟»
«فتاتان، أعتقد هذا؛ لم يعد يطيل الصبية شعورهم، أليس كذلك؟ ترتديان ملابس الجيش، فيما يبدو، لكنني لا أعرف هل كان ذلك يعني شيئًا. إحداهما قصيرة والأخرى طويلة. أراهما تمران بهذا المنزل وتنظران إليه. تعرجان خارج الطريق ثم تعودان.»
«ربما تجمعان الزجاجات. يفعل الناس ذلك.»
«ليس معهما أي شيء تضعان الزجاجات فيه. لا بد أنهما تقصدان هذا المنزل. لا بد أنهما مهتمتان به على نحو ما.»
«خالة فيوليت! هل أنت متأكدة؟»
«نعم، أعرف ذلك، أسأل نفسي أيضًا. لكنهما ليستا ممن أعرفهم على الإطلاق. ليستا ممن أعرفهم ممن ماتوا. هذا شيء مثير للاهتمام حقًّا.»
ظن أن عليه أن يمر عليها ليراها، ليرى ماذا يحدث. لكن قبل أن يذهب إلى هناك، هاتفته مرة أخرى.
«دين، كنت فقط أريد أن أخبرك عن هاتين الفتاتين اللتين لاحظتهما تسيران بجوار المنزل. هما فتاتان. ترتديان ملابس جيش. أتَتَا وقرعتا بابي. قالتا إنهما كانتا تبحثان عن فيوليت تومس. قلت: ليس ثمة أحد بهذا الاسم يعيش هنا، وبدا عليهما الحزن الشديد. ثم قلت إن ثمة امرأة تُدعى فيوليت تيبيت، هل هي من تبحثان عنها؟»
بدت في حالة معنوية مرتفعة. كان دين مشغولًا؛ كان لديه اجتماع مع بعض أعضاء مجلس البلدة خلال نصف ساعة. كان لديه أيضًا ألم في الأسنان. لكنه قال: «أنت على حق. إذن، من هما؟»
قالت فيوليت: «هذه هي المفاجأة … ليستا فقط مجرد فتاتين. إحداهما ابنة خالتك. أعني، ابنة ابنة خالتك. ابنة دونا كولارد. هل تعرف عمن أتحدث؟ ابنة خالتك دونا كولارد؟ اسمها بعد الزواج ماكني.»
قال دين: «لا.»
«خالتك بوني هوب، في إدمنتن، تزوجت رجلًا اسمه كولارد، روي كولارد، وأنجبت ثلاث بنات. إلينور، وروث، ودونا. هل تعرف عمن أتحدث الآن؟»
قال: «لم أقابلهن قط.»
«لا. حسنًا، تزوجت دونا كولارد من شخص يدعى ماكني، نسيت اسمه الأول، ويعيشون في برينس جورج، بكولومبيا البريطانية، وهذه هي ابنتهما. هيثر. هذه ابنتهما هيثر التي كانت تمر بمنزلي. الفتاة الأخرى صديقتها جيليان.»
لم يتفوه دين بشيء طوال دقيقة كاملة، وقالت فيوليت: «دين! آمل ألا تعتقد أن الأمر اختلط عليَّ بشأن هذا الأمر؟»
ضحك وقال: «سآتي وأراهما.»
قالت فيوليت: «هما غاية في الأدب والطيبة … على الرغم مما قد يبدو من مظهرهما.»
كان متأكدًا للغاية من أن هاتين الفتاتين كانتا حقيقيتين، لكن كان كل شيء غير واضح تمامًا بالنسبة إليه في ذلك الوقت. (كان مصابًا بحمى خفيفة، على الرغم من أنه لم يكن يدرك ذلك بعد، وكان عليه أن يعالج قناة جذر إحدى أسنانه.) كان يعتقد أن عليه أن يسأل في البلدة إذا كان ثمة أحد آخر رآهما. عندما ذهب ليفعل ذلك، في وقت لاحق، اكتشف أن فتاتين لهما نفس الأوصاف كانتا مقيمتين في الفندق، وأنهما كانتا تملكان سيارة داتسون زرقاء متهالكة لكنهما كانتا تسيران كثيرًا، في البلدة وخارجها، وكان يُعتقد بوجه عام أنهما تنتميان إلى إحدى حركات تحرير المرأة. لم يتحدث الناس كثيرًا عن ملابسهما، لكنهما لم تتسببا في أي مشكلات، فيما عدا أنهما تجادلتا فقط مع راقصة التعري في الفندق.
في غضون ذلك، كان قد سمع الكثير من فيوليت عن الفتاتين. هاتفته في المنزل، عندما كان فمه يؤلمه إلى درجة أنه كان بالكاد يتحدث، وقالت له إنه لسيئ للغاية أنه كان مريضًا؛ وإلا كان باستطاعته أن يذهب لمقابلة هيثر وجيليان.
قالت فيوليت: «هيثر هي الطويلة … شعرها طويل أشقر، وبنيتها غير عريضة. إذا كانت تشبه بوني هوب في أي شيء، ففي أسنانها. لكن أسنان هيثر تتلاءم مع وجهها أكثر وهي بيضاء على نحو جميل. جيليان فتاة جميلة، ذات شعر متموج، وسمرة في بشرتها. تمتلك هيثر بشرة شديدة البياض تتأثر بشدة عند التعرض للشمس. كانتا ترتديان نوعية الملابس نفسها؛ مثلما تعرف، بناطيل الجيش، وقمصان العمل، وأحذية الصبية طويلة العنق، لكن جيليان كانت ترتدي دومًا حزامًا وكانت ترفع ياقة قميصها، وكان ذلك يبدو عليها كموضة تسايرها. جيليان أكثر ثقة في نفسها، لكنني أعتقد أن هيثر أكثر ذكاءً. هي الأكثر اهتمامًا حقيقةً.»
قال دين: «بماذا؟ … من هما، على أي حال؟ طالبتان؟»
قالت فيوليت: «كانتا طالبتين بالجامعة … لا أعرف ماذا كانتا تدرسان. ذهبتا إلى فرنسا والمكسيك. في المكسيك، أقامتا في جزيرة كان يُطلق عليها جزيرة النساء. كانت مجتمعًا تحكمه النساء. تعملان الآن في مسرح وتؤلفان مسرحيات. تؤلفان مسرحياتهما. لا تقدمان مسرحيات كتاب آخرين أو مسرحيات تم تقديمها من قبل. كل العاملين في هذا المسرح، من النساء. أعدتا لي عشاء رائعًا. دين، كنت أتمنى لو أنك كنت هنا. أعدتا سلاطة بها قلوب خرشوف.»
قال دين لثيو: «تبدو فيوليت كما لو كانت تتناول مخدرات … تبدو كما لو أنهما قد سيطرا على تفكيرها.» •••
عندما استطاع التحدث مرة أخرى، اتصل بها، وقال لها: «بم تهتم هاتان الفتاتان، يا خالة فيوليت؟ هل هما مهتمتان بأواني الخزف الصيني القديمة والمجوهرات وما شابه؟»
قالت فيوليت في غضب: «لا … هما مهتمتان بتاريخ العائلة. مهتمتان بعائلتنا وما أتذكره عما كانت عليه الحياة فيها. كان عليَّ أن أخبرهما عن الخزان الذي يوجد بأعلى الموقد.»
«لماذا تريدان أن تعرفا ذلك؟»
«أوه. تدور في خلدهما فكرة. تدور في خلدهما فكرة خاصة بتأليف مسرحية.»
«ماذا تعرفان عن المسرحيات؟»
«ألم أخبرك أنهما تمثلان في مسرحيات؟ تؤلفان مسرحياتهما وتمثلان فيها، في مسرح النساء هذا.»
«أي نوع من المسرحيات تؤلفانها؟»
«لا أعرف. لا أعرف إذا كانتا ستؤلفانها أم لا. هما فقط مهتمتان بما كانت الأمور عليه في الأيام الخوالي.»
قال دين: «هذه هي الموضة الآن … أن يكون المرء مهتمًّا بذلك.»
«لا أعتقد أنهما تدعيان ذلك، دين. أعتقد أنهما كذلك حقًّا.»
لكنه كان يعتقد أنها لم تكن مبتهجة جدًّا هذه المرة.
قالت: «تعرف أنهما تغيران كل الأسماء … عندما تؤلفان مسرحية، تغيران جميع الأسماء والأماكن. لكني أعتقد أنهما تحبان فقط استكشاف الأمور، والتحدث. ليستا صغيرتين تمامًا، لكنهما تبدوان كذلك، وهما شغوفتان جدًّا. ومرحتان.» •••
قال دين لفيوليت عندما زارها مرة أخرى: «يبدو وجهك مختلفًا … هل نقص وزنك؟»
قالت فيوليت: «لا أعتقد ذلك.»
كان دين قد خسر اثني عشر رطلًا، لكنها لم تلاحظ. بدت مبتهجة ولكن منفعلة. ظلت تنهض وتجلس، تنظر خارج النافذة، تنقل الأشياء حول طاولة المطبخ دون سبب.
كانت الفتاتان قد رحلتا.
قال دين: «ألن تعودا ثانيةً؟»
نعم، كانتا ستعودان. ظنت فيوليت أنهما كانتا ستعودان. لم تكن تعرف فقط متى.
قال دين: «أظن أنهما رحلتا للبحث عن جزيرتهما … جزيرتهما التي تحكمها النساء.»
قالت فيوليت: «لا أعرف … أظن أنهما ذهبتا إلى مونتريال.»
لم يكن دين يحب أن يعتقد أنه مُرغم على الشعور بالانفعال والشك الشديدين تجاه فتاتين لم يلتق بهما قط. كان مستعدًّا أن يلقي باللوم على الدواء الذي كان لا يزال يتناوله من أجل أسنانه. كان ثمة شعور بأن ثمة شيئًا يجري إخفاؤه عنه — شيئًا موجودًا حوله في كل مكان، لكنه مخفي — سر مزعج، وسخيف، وخبيث.
قال: «لقد قصصت شعرك.» لذلك كان وجهها يبدو مختلفًا.
«قصاه لي. قالتا لي إنه على غرار قصة شعر جان دارك.» ابتسمت فيوليت في سخرية، مثلما كانت معتادة دومًا، ولمست شعرها. ثم قالت: «أخبرتهما أنني كنت آمل ألا ينتهي بي المطاف بالإعدام حرقًا وأنا مقيدة إلى عمود خشبي.»
وضعت رأسها بين يديها، وأخذت تهتز للأمام والخلف.
قال دين: «لقد أرهقتاك … لقد أرهقتاك يا خالة فيوليت.»
قالت فيوليت: «عقلي يفكر في كل ذلك.» هزت رأسها في اتجاه غرفة النوم الخلفية. «هذا هو ما يجب أن أتمه.»
في غرفة نوم فيوليت الخلفية كان ثمة صناديق أوراق، وصندوق مقتنيات قديم كان مملوكًا لأمها. ظن دين أنها كانت مليئة بالأوراق أيضًا. رسائل المدرسة الثانوية القديمة، رسائل معهد المعلمين، بطاقات التقييم الدراسي، وسجلات ومراسلات ترجع إلى أيام عملها في شركة الهاتف، محاضر اجتماعات، خطابات، بطاقات بريدية. كل شيء كان عليه كتابة، ربما كانت تحتفظ به.
قالت إن جميع هذه الأوراق كان يجب فرزها. يجب عمل ذلك قبل عودة الفتاتين. كانت هناك أشياء قد وعدتهما بها.
«أي أشياء؟»
«مجرد أشياء.»
هل ستعودان سريعًا؟
قالت فيوليت نعم. نعم، كانت تتوقع ذلك. عندما كانت تفكر في هذا، كانت يداها تربت وتحك على سطح الطاولة. قضمت قضمة من كعكة محلاة، وفتتت ما تبقى منها. رآها دين تجمع الكسرات في يدها وتضعها في قهوتها.
قالت: «هذا هو ما أرسلتاه.» ثم دفعت أمامه بطاقة كان قد لاحظ استنادها إلى سلطانية السكر. كانت بطاقة يدوية الصنع ذات علامات بألوان بنفسجية مرسومة على نحو طفولي، وقلوب حمراء. بدت وكأنها تقصد أن يقرأها، وهكذا فعل: شكرًا جزيلًا لمساعدتك وسعة صدرك. أوحيت لنا بقصة رائعة. قصة كلاسيكية تدور حول الغضب الشديد إزاء السيطرة الأبوية. هديتك لنا، هل نستطيع أن نهديها إلى آخرين؟ ما يُطلق عليه «الجنون الأنثوي» ليس إلا قرونًا من «الإحباط» و«القمع». الجزء الخاص بالخليج الصغير رائع في حد ذاته وتفعله الكثير من النساء!
كُتب أسفل الرسالة بخط كبير: «نتوق شغفًا للاطلاع على الوثائق. رجاءً في المرة القادمة. مع حبنا وامتناننا.»
قال دين: «لماذا كل هذا؟ … لماذا يجب أن تفرزي كل شيء من أجلهما؟ لماذا لا تنقبان وسط كل هذه الفوضى وتعثران على ما تريدان بأنفسهما؟»
قالت فيوليت في حدة: «لأنني غاية في الخجل! … لا أريد أي شخص أن يرى هذا.»
أخبرها أنه ليس ثمة ما تخجل منه.
«كان يجب ألا أستخدم كلمة «فوضى». لا يعدو الأمر كونك راكمت الكثير من الأشياء، عبر السنوات. ربما يكون بعضها شائقًا جدًّا.»
«هناك أشياء لا يعرفها أحد غيري! أنا الوحيدة التي يجب أن تتعامل مع الأمر!»
قال دين: «الغضب الشديد إزاء السيطرة الأبوية»، متناولًا البطاقة مرة أخرى. «ماذا تعنيان بذلك؟» تساءل عن استخدامهما لعلامات الاقتباس حول الجنون الأنثوي والإحباط والقمع.
قالت فيوليت: «سأخبرك … سأخبرك. لا تعرف ما تعين عليَّ مواجهته. هناك أشياء غير طيبة. ذهبت إلى هناك، وفتحت هذا الصندوق لألقي نظرة على ما في داخله، وماذا تظنني وجدت يا دين؟ كان مليئًا بأشياء قذرة؛ روث خيول موضوعًا في صفوف، عمدًا. داخل صندوقي في بيتي، هذا ما وجدت.» بدأت تشهق، على نحو غير مميز، غير جذَّاب، منطوٍ على شفقة ذاتية.
عندما أخبر دين ثيو بهذا، ابتسم ثيو، ثم قال: «آسف، ماذا قالت بعد ذلك؟»
«قلت لها إنني سأذهب وأنظف الصندوق، فقالت إنها نظفت كل شيء.»
«نعم، حسنًا. يبدو الأمر وكأنها فقدت رشدها، أليس كذلك؟ كنت أظن أن بمقدوري توقع هذا الأمر قبل أن يحدث.»
تذكر دين الأشياء الأخرى التي قالتها، لكنه لم يذكرها. فلم تكن مهمة.
كانت قد قالت، متذمرةً: «هذا عمل حقير مثير للاشمئزاز، أليس كذلك؟ … هذا عمل لا يفعله إلا شخص ذو عقل متخلف!» •••
كان باب فيوليت الأمامي مفتوحًا عند الظهيرة في اليوم التالي عندما مر دين عبر الطريق الذي يوجد به منزلها، متجهًا خارج البلدة. لم يكن عادةً يسلك هذا الطريق. ما فعله اليوم لم يكن مثيرًا للدهشة، بالنظر إلى كيف كانت فيوليت تشغل عقله في الساعات العديدة الأخيرة.
لا بد أنه دخل من الباب بينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد في المطبخ. رأى ضوءها أمامه على جدار المطبخ. عدا إلى هناك، وأمسك بكومة أوراق فيوليت التي كانت موضوعة أعلى موقد الغاز. كانت قد أوقدت الشعلات.
أخذ دين بساطًا صغيرًا من الردهة لحماية نفسه بحيث يستطيع إغلاق الغاز. كانت الأوراق المحترقة تتطاير في الهواء. توجد أكوام من الورق متناثرة على الأرض، لا تزال بعض الأوراق في صناديق. كانت فيوليت تنوي فيما يبدو جليًّا أن تحرقها كلها.
كان دين يصرخ: «أوه، يا إلهي، خالة فيوليت! … يا إلهي، يا إلهي، ماذا تفعلين! اخرجي من هنا! اخرجي!»
كانت فيوليت تقف في منتصف المطبخ، مزروعة هناك مثل جذل شجرة داكن كبير، تتناثر حولها الأوراق المحترقة في كل مكان.
صرخ دين: «اخرجي!» ثم أدارها ودفعها تجاه الباب الخلفي. ثم، فجأةً، تحركت بسرعة غير عادية مثلما كان سكونها غير عادي. عدت أو ترنحت في اتجاه الباب، فتحته، وعبرت الشرفة الخارجية الخلفية. بدلًا من النزول على السلالم، وقعت من الحافة، ساقطةً برأسها أولًا على بعض شجيرات الورود التي كان وايك قد زرعها.
لم يعرف دين على الفور أنها سقطت. كان مشغولًا جدًّا في المطبخ.
لحسن الحظ، لا تحترق الأوراق المربوطة في أكوام أو حزم بسرعة مثلما يظن الكثيرون. كان دين يخشى أكثر من إمساك النيران بالستائر، أو بالطلاء الجاف خلف الموقد. لم تعد فيوليت مدبرة منزل حريصة مثلما كانت، وكانت الحوائط مغطاة بالشحم. وضع البساط على ألسنة اللهب التي كانت تتصاعد من الموقد، ثم تذكر مطفأة الحريق التي كان قد اشتراها بنفسه من أجل فيوليت وأصرت هي على الاحتفاظ بها على طاولة المطبخ. تنقَّل متعثرًا حاملًا مطفأة الحريق، مطاردًا الأوراق المحترقة التي كانت تسقط في صورة فتات من الورق المفحم. أعاقته أكوام الورق على الأرض. لم تمسك النيران بالستائر. كان الجدار خلف الموقد قد تشقق في صورة فقاعات طلاء، لكن لَمْ تمسك النيران به أيضًا. ظل يطارد ألسنة النيران، وفي غضون خمس دقائق، وربما أقل، أخمد النيران. فقط فتات أوراق محترقة، أشبه بأجنحة عثة قذرة، كانت متناثرة فوق كل شيء؛ في فوضى هائلة.
عندما رأى فيوليت على الأرض بين شجيرات الورود، راودته أسوأ الفِكَر. خشى أن تكون أصيبت بسكتة دماغية، أو نوبة قلبية، أو على الأقل كسر أحد مفصلي وركيها نتيجةً لسقوطها. لكنها كانت واعية بما يدور حولها، تحاول النهوض، وهي تتأوه. أمسك بها، ورفعها. في ظل كثير من أصوات النخر وتعبيرات الفزع من كليهما، ساعدها على الصعود إلى درجات السلالم الخلفية وأجلسها هناك.
قال: «ما هذا الدم الذي عليك؟» كانت ذراعاها ملطختين بالأوساخ والدم.
قالت فيوليت: «هذا بسبب الورود.» كان يعرف حينها، من خلال صوتها، أنه ليس ثمة أي كسر بجسمها.
قالت: «خدشتني الورود بشدة … يا دين، منظرك فظيع. منظرك فظيع، أنت مُسود بالكامل!»
سالت الدموع والعرق معًا على وجهه. رفع يده إلى خده، ثم نظر إليها فوجدها سوداء. قال: «الدخان.»
كانت هادئة تمامًا حتى ظن أنها ربما أصيبت بسكتة دماغية خفيفة، فقدان ذاكرة، مما يجعل عقلها ينسى أمر الحريق. لكن هذا لم يحدث.
قالت: «لم أستخدم حتى الكيروسين … يا دين، لم أستخدم الكيروسين أو أي شيء آخر. ما الذي جعل ألسنة اللهب تتصاعد هكذا؟»
«لم يكن موقدًا خشبيًّا يا خالة فيوليت. كان فوق شعلات موقد الغاز.»
«أوه، يا إلهي.»
«لا بد أنك كنت تعتقدين أنك كنت تحرقين الأوراق في الموقد الخشبي.»
«لا بد أن الأمر كذلك. كيف فعلت هذا؟ ثم جئت أنت وأخمدت النيران.»
كان يحاول التقاط فتات الورق الأسود من شعرها، لكنها كانت تتحلل تحت أصابعه. تفتتت إلى قطع أصغر، وتبددت.
قالت فيوليت: «يجب أن أشكرك.»
قال: «ما يجب أن نفعله الآن … هو أن آخذك إلى المستشفى، فقط للتأكد من أنك بخير. يمكن أن تستريحي عدة أيام وسأتابع عملية تنظيف المطبخ. ما رأيك في هذا؟»
أصدرت بعض أصوات الهمهمة الهادئة التي كانت تعني نعم.
«ثم ربما ترغبين في الخروج والمكوث معنا فترة.»
كان سيتحدث إلى ثيو تلك الليلة؛ كان عليهما أن يقوما بأمر ما.
«عليك أن تتأكد من أنني لن أحرق المكان بأكمله.»
«لا بأس.»
«أوه، دين. هذه ليست مزحة.» •••
ماتت فيوليت في المستشفى، في الليلة الثالثة، دون سابق إنذار. رد فعل متأخر، ربما صدمة. أحرق دين جميع الأوراق في المحرقة في الفناء الخلفي. لم تطلب منه أن يفعل ذلك قط؛ لم تخبره قط بما كانت تفعله. لم تذكر الفتاتين مرة أخرى، أو أي شيء كان قد حدث ذلك الصيف. كان يشعر فقط أن عليه إكمال ما كانت قد بدأته. أعدَّ، أثناء حرقه الأوراق، ما كان سيقوله لهاتين الفتاتين، لكن عند انتهائه، كان يظن أنه كان قاسيًا أكثر مما ينبغي تجاههما؛ كانتا قد أدخلتا عليها السعادة، مثلما جلبتا عليها المتاعب. •••
بينما كانا لا يزالان جالسين على درجات السلالم الخلفية، في أوائل فترة ما بعد الظهيرة حيث كان الجو حارًّا وتوجد بعض السحب الخفيفة، ومع وجود حاجز أخضر من الذرة أمامهما، كانت فيوليت قد لمست الخدوش التي أصيبت بها وقالت: «تذكرني هذه الخدوش بأشياء.»
قال دين: «يجب أن أضع بعض الديتول عليها.»
«لا تتحرك من مكانك. هل تعتقد أن ثمة نوعًا من العدوى لم يسر في عروقي بعد؟»
لم يتحرك من مكانه، وقالت له: «أتعرف يا دين أنني أنا ووايك كنا صديقين، قبل وقت طويل جدًّا من زواجنا؟»
«نعم.»
«حسنًا، تذكرني هذه الخدوش بالطريقة التي التقينا بها، لنصبح صديقين على النحو الذي صرنا عليه؛ لأننا بالطبع كان يعرف كلٌّ منا الآخر شكلًا فقط. كنت أقود سيارتي الأولى، ذات المحرك «ﭬﻲ-٨» التي لن تتذكرها، وعرجت بها خارج الطريق. انحرفت بها في مصرف ولم أستطع الخروج منه. وهكذا سمعت صوت سيارة آتية، فانتظرت، ثم لم أستطع أن أواجه الأمر.»
«هل كنت محرجة أنك انحرفت عن جادة الطريق؟»
«كانت حالتي النفسية سيئة. لهذا السبب انحرفت عن الطريق. كانت حالتي سيئة دون سبب، أو لسبب تافه فقط. لم أستطع مواجهة أحد، وقدت السيارة تجاه الشجيرات، ثم ما لبثت أن علقت. كنت أستدير، وألف، لكنني لم أستطع أن أتحرر، وكلما استدرت خُدشت أكثر. كنت أرتدي فستانًا صيفيًّا خفيفًا. لكن السيارة توقفت على أي حال. كان وايك هو قائد تلك السيارة. ألم أخبرك بذلك يا دين؟»
نعم.
«كان ذلك وايك يقود سيارته متجهًا لمكان ما. قال: ابقَيْ ساكنة حيث أنتِ. ثم جاء إليَّ، وبدأ في إبعاد أعواد وأغصان التوت عني. شعرت وكأنني مثل جاموسة وقعت في شرك. لكنه لم يضحك على منظري؛ لم يبدُ عليه أدنى اندهاش لعثوره على شخص في تلك الحالة. كنت أنا من بدأ في الضحك. عندما رأيته يسير نحوي بتلك الجدية في بذلته الصيفية ذات اللون الأزرق الفاتح.»
مررت يديها على ذراعيها صعودًا وهبوطًا، متلمسةً الخدوش بأطراف أصابعها، لامسةً إياها بلطف.
«عم كنت أتحدث لتوي؟»
«عندما علقت في الشجيرات، وكان وايك يخلصك.»
مررت يديها بسرعة على ذراعيها وهزت رأسها وأصدرت تلك النخرة عبر حلقها، تعبيرًا عن نفاد الصبر أو الاشمئزاز.
استقامت في جلستها، وقالت، في صوت واضح مُسِر: «هناك خنزير بري يجري عبر أعواد الذرة.»
قال دين، كما لو لم يكن قد سمع ذلك: «وكنت تضحكين.»
قالت فيوليت، مومئة برأسها عدة مرات ومحاولةً أن تكون صبورة: «نعم … نعم. كنا نضحك.»
مسيرة الحب |
حلقة الصلاة
ألقت ترودي بدورق عبر الغرفة. لم يبلغ الجانب المقابل من الجدار؛ لم يؤذِ أحدًا، ولم ينكسر.
كان ذلك هو الدورق الذي بدون يد — ذا اللون الأسمنتي المزين بخطوط بنية، الخشن مثل ورق الصنفرة في ملمسه — الذي صنعه دان أثناء الشتاء الذي كان يتلقى دروس صناعة الفخار فيه. صنع ستة أكواب صغيرة بلا يد كي تصبح هي والدورق طقمًا واحدًا. كان من المفترض أنه صنع هذا الطقم من أجل شراب الساكي الياباني، لكن متجر المشروبات الكحولية المحلي لا يبيع شراب الساكي. ذات مرة، أحضرا بعض الساكي إلى المنزل من إحدى الرحلات، لكنه لم يعجبهما حقيقةً. لذا يوجد الدورق الذي صنعه دان بأعلى رف مفتوح في المطبخ، ويجري الاحتفاظ ببعض الأشياء الغريبة القيمة بداخله: خاتم زواج ترودي، وخاتم خطبتها، والميدالية التي فازت بها روبين لتحقيقها الامتياز في جميع المواد في الصف الثامن، وعقد طويل مزدوج من حبات الكهرمان الذي كانت تمتلكه أم دان ووصت بأن يُعطى لروبين. ولكن لم تكن ترودي تدعها ترتديه.
عادت ترودي إلى المنزل من العمل بعد وقت قليل من منتصف الليل؛ دخلت إلى المنزل في الظلام. كان ضوء الموقد الصغير مضاءً؛ كانت هي وروبين تتركان هذا الضوء دومًا كل للأخرى. لم تكن ترودي في حاجة إلى أي ضوء آخر. وقفت على مقعد دون أن تترك حقيبتها، وأنزلت الدورق، وفتشت بيديها داخله.
اختفى. بالطبع. عرفت أنه سيختفي.
سارت عبر المنزل المظلم إلى حجرة روبين، لا تزال حاملةً حقيبتها فوق ذراعها، والدورق في يدها. أضاءت ضوء السقف. زمجرت روبين وتقلبت على الفراش، وجذبت الوسادة فوق رأسها. تتظاهر.
قالت ترودي: «عقد جدتك … لماذا فعلت ذلك؟ هل فقدت صوابك؟»
تظاهرت روبين بأنها تصدر زمجرة شخص نائم. كانت جميع الملابس التي كانت تمتلكها، فيما يبدو، القديمة والجديدة، النظيفة والقذرة؛ مبعثرةً على الأرض، على المقعد، المكتب، التسريحة، وحتى على الفراش نفسه. عُلِّق على الحائط ملصق ضخم يظهر فرس نهر، كُتبت تحته الكلمات الآتية: «لماذا ولدت جميلًا هكذا؟» وملصق آخر يظهر الرياضي والناشط تيري فوكس وهو يجري على طريق سريع ممطر، ويسير خلفه موكب كبير من السيارات. أكواب قذرة، عبوات زبادي فارغة، كراسات مدرسية، سدادة قطنية تامباكس لامتصاص دم الدورة الشهرية لا تزال في ورقتها، دميتا الثعبان والنمر المحشوتان اللتان كانت روبين تمتلكهما قبل أن تذهب إلى المدرسة، مجموعة ملصقة من الصور لقطتها سوسيدج، التي دهستها سيارة منذ أكثر من عامين. أوشحة حمراء وزرقاء كانت قد فازت بها في مسابقات قفز، أو عدو، أو لعبة تصويب كرة السلة.
قالت ترودي: «أجيبيني! أخبريني لماذا فعلت ذلك!»
ألقت بالدورق. لكنه كان أثقل مما كانت تظن، أو أنها في لحظة إلقائه غيرت رأيها؛ لأنه لم يرتطم بالحائط، بل سقط على البساط إلى جانب التسريحة وتدحرج على الأرض، دون أن يصيبه أي شيء. •••
قذفتِ دورقًا نحوي في تلك المرة. كان من الممكن أن تقتليني.
ليس تجاهك. لم ألقه نحوك.
كان من الممكن أن تقتليني. •••
الدليل على أن روبين كانت تتظاهر أنها نائمة أنها قفزت من مكانها في رعب، لكن ذلك لم يكن الرعب المحض لشخص كان نائمًا. بدت مذعورة، لكن تحت هذه النظرة المذعورة، الطفولية كان ثمة نظرة أخرى؛ عنيدة، ماكرة، مزدرية.
«كان في غاية الجمال. وكان نفيسًا. كان ملكًا لجدتك.»
قالت روبين: «كنت أعتقد أنه ملكي أنا.»
«تلك الفتاة لم تكن حتى صديقتك. يا إلهي! لم تتفوهي بكلمة طيبة عنها صباح اليوم.»
«أنت لا تعرفين من صديقتي!» تورد وجه روبين بلون قرنفلي برَّاق وامتلأت عيناها بالدموع، لكن ظل تعبير الازدراء والعناد كما هو لم يتغير. «أعرفها. وتحدثت إليها. هيا قومي إذن!» •••
تعمل ترودي في دار رعاية ذوي الإعاقة العقلية البالغين. يطلق عليه القليل من الناس ذلك. لا يزال الأشخاص الأكبر سنًّا في البلدة يطلقون عليها «دار السيدة وير»، ويطلق عليها آخرون — بما في ذلك روبين، وربما معظم من هم في عمرها — دار أصحاب أنصاف العقول.
يوجد في الدار الآن ممر منحدر للمقاعد المتحركة، نظرًا لأن بعض أصحاب الإعاقة العقلية ربما يكونون من أصحاب الإعاقة الجسدية أيضًا، وهناك مسبح في الفناء الخلفي، وهو ما أثار وجوده بعض الخلاف عندما جرى إنشاؤه من أموال دافعي الضرائب. بخلاف ذلك تبدو الدار تمامًا مثلما كانت دومًا؛ الجدران الخشبية البيضاء، والزخارف داكنة الخضرة في الجمالونات، السقف شديد الانحدار والشرفة الخارجية الجانبية المسيجة بسلك داكن، والحشائش الخفيضة في الواجهة التي تظللها أشجار قيقب ناعمة.
هذا الشهر، تعمل ترودي في النوبة التي تستمر من الرابعة مساءً إلى منتصف الليل. في فترة ما بعد الظهيرة أمس، تركت سيارتها أمام الدار، وسارت على الممر وهي تتأمل كيف تبدو الدار جميلة وهادئة مثلما كانت أيام السيدة وير، التي لا بد أنها كانت تقدِّم شايًا مثلجًا، وكانت تقرأ كتبًا من المكتبة، أو تلعب الكروكيه، أو أيًّا ما كان يفعل الناس آنذاك.
دومًا أخبار جديدة، شجار أو موقف مثير، بمجرد دخول المرء إلى هناك. كان الرجال قد أتوا لإصلاح المسبح لكنهم لم يفعلوا. رحلوا مرة أخرى. المسبح غير جاهز بعد.
قالت جوزفين: «نحن بحاجة إليه، سرعان ما سينتهي الصيف.»
قال كلفن: «لم نصل إلى منتصف شهر يونيو بعد، تقولين إن الصيف سينتهي … فكري قبل أن تتحدثي.» ثم قال مخاطبًا ترودي: «هل سمعت عن الفتاة الصغيرة التي قُتلت في الريف؟»
كانت ترودي قد بدأت في خلط كميتين من عصير الليمون المجمد، إحداهما قرنفلية اللون والأخرى عادية. عندما قال ذلك، ضغطت بالملعقة على الكتلة المجمدة بقوة جدًّا حتى إن بعض العصير انسكب.
«كيف يا كلفن؟»
كانت تخشى أن تسمع أن فتاة جرى اختطافها من على طريق ريفي، اغتُصبت في الغابة، وجرى خنقها، وضُربت، ثم تُركت هناك. تجري روبين على الطرق الريفية وهي ترتدي بنطالًا قصيرًا وتي-شيرت أبيض، واضعةً عصابة رأس حول شعرها المتطاير. شعر روبين ذهبي اللون، وهكذا كانت رجلاها وذراعاها. كان خداها وأطرافها ناعمة لكنها غير لامعة؛ لن يندهش المرء إذا رأى سحابة من حبوب اللقاح تتطاير وتستقر خلفها عندما تعدو. تُطلق السيارات أبواقها كي تفسح الطريق ولكنها لا تأبه. تهديدات بذيئة تقال لها، وترد عليها بتهديدات مماثلة.
قال كلفن: «وهي تقود شاحنة.»
شعرت ترودي بالراحة. لا تعرف روبين قيادة السيارات بعد.
قال كلفن: «أربعة عشر عامًا، لم تكن تعرف كيف تقود … صعدت إلى الشاحنة، وفجأة اصطدمت بشجرة. أين كان والداها؟ هذا ما أود أن أعرفه. لم يكونا يراقبان تصرفاتها. ركبت الشاحنة بينما لم تكن تعرف كيف تقود واصطدمت بشجرة. أربعة عشر عامًا. هذه سن صغيرة جدًّا.»
يذهب كلفن إلى الجزء الراقي من البلدة بمفرده، ويسمع كل الأخبار. يبلغ من العمر اثنين وخمسين عامًا، لا يزال نحيفًا، ويبدو مثل صبي، حليق، ذي شعر ناعم، قصير، أسود خالص. يذهب إلى الحلاق يوميًّا؛ لأنه لا يستطيع الحلاقة وحده. صرع، ثم جراحة، تلوث أثناء فتح الجمجمة، مزيد من الجراحات، صعوبة دائمة خفيفة في تحريك القدمين وأصابع اليدين، تشتت ذهني بسيط لا يطمس حقائق الأشياء، فقط الدوافع. ربما يجب ألا يظل في دار الرعاية على الإطلاق، لكن إلى أين يذهب؟ على أي حال، هو يحب هذه الدار. يقول إنه يحبها. يقول للآخرين إنهم يجب ألا يتذمروا؛ فهم يجب أن يكونوا أكثر حرصًا، ويجب أن يراقبوا تصرفاتهم. يجمع عبوات المشروبات الغازية وزجاجات البيرة التي يلقيها الناس في الفناء الأمامي؛ على الرغم من أن ذلك لا يقع في نطاق عمله على الإطلاق.
عندما جاءت جانيت قبل منتصف الليل لتحل محل ترودي في نوبة العمل، كانت تريد أن تروي لها نفس القصة.
«أظن أنك سمعت عن الفتاة التي تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا؟»
عندما تبدأ جانيت في إخبارك بشيء كهذا، تبدأ دائمًا بعبارة «أظن أنك سمعت.» «أظن أنك سمعت عن انفصال ويلما وتيد.» «أظن أنك سمعت أن ألفين ستيد أصيب بنوبة قلبية.»
قالت ترودي: «أخبرني كلفن بقصتها … لكنه قال إنها في الرابعة عشرة من عمرها.»
قالت جانيت: «خمسة عشر عامًا … لا بد أنها في صف روبين نفسه في المدرسة. لم تكن تعرف كيف تقود. لم تخرج حتى من الحارة التي كانت تقود السيارة فيها.»
قالت ترودي: «هل كانت ثملة؟» لم تكن روبين لتقترب من المشروبات الكحولية، أو المنشطات، أو السجائر، أو حتى القهوة، لديها هوس شديد لما تدخله بجسدها.
«لا أعتقد ذلك. ربما كانت واقعة تحت تأثير المخدرات. كان الوقت مبكرًا في المساء. كانت في المنزل مع أختها. كان أبواها في الخارج. جاء رفيق أختها؛ كانت شاحنته التي ركبتها، وقد أعطاها مفاتيح الشاحنة أو أنها أخذتها منه. تسمعين روايات مختلفة. تسمعين أنهما أرسلاها لتجلب لهما شيئًا، كانا يريدان التخلص منها، وتسمعين أنها أخذت المفاتيح وذهبت. على أي حال، اصطدمت بشجرة في الحارة.»
قالت ترودي: «يا إلهي!»
«أعرف. هذا غباء شديد. يبلغ الأمر حدًّا يجعل المرء معه يكره تصور فكرة نضوج الأبناء. هل تناول الجميع أدويتهم؟ ماذا يشاهد كلفن؟»
كان كلفن لا يزال مستيقظًا، جالسًا في غرفة المعيشة يشاهد التليفزيون.
قالت ترودي لجانيت: «هناك لقاء مع أحد الأشخاص. كتب كتابًا عن مرضى الانفصام في الشخصية.»
أي شيء يصادفه حول المشكلات العقلية، كان كلفن يشاهده، أو يحاول أن يقرأه.
قالت جانيت: «أعتقد أن هذا يحبطه، كلما شاهد هذه الأشياء … هل تعرفين أنني عرفت اليوم أن عليَّ عمل خمسمائة وردة من المناديل الورقية القرنفلية من أجل زفاف ابنة أخي لوريل؟ لتزيين السيارة. قالت إنني وعدت أنني سأصنع ورودًا للسيارة. حسنًا، لم أفعل. لا أتذكر أنني وعدت بشيء كهذا. هل ستأتين وتساعدينني؟»
قالت ترودي: «بالتأكيد.»
قالت جانيت: «أظن أن السبب الحقيقي وراء رغبتي في جعله يترك مشاهدة الحوار الخاص بمرضى الانفصام في الشخصية هو أن أشاهد مسلسل «دالاس» القديم.» تختلف هي وترودي حول ذلك. لا تستطيع ترودي تحمل مشاهدة هذه الإعادات لمسلسل «دالاس»؛ مشاهدة الشخصيات، ذات الوجوه الشابة، الممتلئة، وهي تخوض المحن وتقع في شرك التعقيدات الرومانسية التي نسيت هي والجمهور كل شيء عنها الآن. تقول جانيت إن هذا هو المضحك جدًّا حقًّا؛ هذا غير قابل للتصديق تمامًا إلى درجة أنه رائع. كل هذا يحدث ثم تنسيان الأمر برمته ثم تواصلان حياتهما. لكن بالنسبة لترودي يبدو من المستعصي على التصديق أن تنتقل الشخصيات من حالة إلى أخرى؛ هذه القدرة على النسيان، والتحلي بالأمل، والتألق، وتغيير الملابس باستمرار. وهذا الاستعصاء على التصديق هو ما لا تستطيع تحمله حقًّا. •••
في صباح اليوم التالي، قالت روبين: «أوه، ربما. كل أولئك الأشخاص الذين تتسكع معهم يشربون الخمر. يقيمون حفلات طوال الوقت. يدمرون أنفسهم بأنفسهم. هذا خطؤها. حتى إذا طلبت منها أختها أن تذهب، لم يكن عليها أن تذهب. لم يكن يجب أن تكون بهذا الغباء.»
قالت ترودي: «ماذا كان اسمها؟»
قالت روبين في نفور: «تريسي لي.» خطت على دواسة صفيحة القمامة، وألقت فيها عبوة الزبادي التي أفرغتها توًّا بدلًا من أن تضعها في رفق. كانت ترتدي سروالًا تحتيًّا وتي-شيرت مكتوبًا عليه: «إذا كان عليَّ أن أستمع إلى شخص أحمق، فسيكون أنت».
قالت ترودي: «ما يزال هذا التي-شيرت يضايقني. بعض الأشياء تكون مقززة لكنها مضحكة وبعض الأشياء تكون مقززة أكثر منها مضحكة.»
قالت روبين: «ما المشكلة؟ … أنام وحدي.» •••
جلست ترودي في الخارج، في روبها الفضفاض، تحتسي القهوة بينما كان اليوم يزداد حرارة. ثمة مساحة صغيرة مرصوفة بالطوب إلى جانب الباب الجانبي كانت هي ودان يطلقان عليها دائمًا الفناء المرصوف. جلست هناك. هذا منزل تجري تدفئته بالطاقة الشمسية، ذو ألواح شمسية كبيرة من الزجاج على السطح المائل جهة الجنوب؛ أغرب منزل في البلدة. منزل غريب من الداخل، أيضًا، ذو أرفف مفتوحة في المطبخ بدلًا من الخزائن، وغرفة معيشة أعلى يتم الصعود إليها ببعض الدرجات، وهي تُطل على الحقول خلف المنزل. أطلقت هي ودان، كنوع من المزاح، على أجزاء من المنزل أكثر الأسماء تقليدية، وارتباطًا بالضواحي، مثل الفناء المرصوف، دورة المياه، غرفة النوم الرئيسية. كان دان يمزح دومًا حول الطريقة التي كان يعيش بها. شيَّد المنزل بنفسه — قامت ترودي بالكثير من أعمال الطلاء والنقاشة — وكان عملًا ناجحًا. لم تكن الأمطار تتسرب إلى الألواح الشمسية، وكان ثمة جزء من الطاقة التي تدفئ المنزل يأتي حقًّا من الشمس. ليس معظم الأشخاص الذين يمتلكون الأفكار، أو المُثل العليا، التي يمتلكها دان عمليين جدًّا. لا يستطيعون إصلاح أو صنع الأشياء؛ لا يفهمون في الأعمال الكهربية أو النجارة، أو أيٍّ مما يحتاجون إلى فهمه. دان بارع في كل شيء؛ في أعمال الحديقة، وقطع الأخشاب، وبناء المنازل. هو بارع بوجه خاص في إصلاح المحركات. كان معتادًا على السفر من مكان إلى آخر للحصول على وظيفة ميكانيكي سيارات، فني محركات صغيرة. هكذا انتهى به المطاف هنا. أتى إلى هنا لزيارة مارلين، وحصل على وظيفة ميكانيكي، وصار شريكًا في شركة إصلاح سيارات، وسريعًا جدًّا — بعد أن تزوج من ترودي، لا مارلين — وجد نفسه رجل أعمال في بلدة صغيرة، عضوًا في مؤسسة كينزمنز للأعمال الخيرية. كل هذا دون أن يحلق لحيته التي ترجع في شكلها إلى الستينيات أو يهذِّب شعره أكثر مما كان يرغب. كانت البلدة صغيرة جدًّا وكان دان أكثر ذكاءً من أن يرى أيًّا من ذلك ضروريًّا.
يعيش دان حاليًّا في منزل في ريتشموند هيل مع فتاة تُدعى جينفيف. وهي تدرس القانون. تزوجت عندما كانت صغيرة جدًّا، ولديها ثلاثة أطفال. التقاها دان منذ ثلاث سنوات عندما تعطلت سيارة التخييم التي كانت تتنقل بها على بعد أميال قليلة خارج البلدة. تحدث إلى ترودي عنها تلك الليلة؛ سيارة التخييم المؤجرة، الأطفال الثلاثة الصغار جدًّا في السن، الأم المطلقة الصغيرة المفعمة بالنشاط ذات الشعر المجدول؛ شجاعتها، وفقرها، وخططها للالتحاق بكلية القانون. إذا لم يجر إصلاح سيارة التخييم بسرعة، كان سيدعوها وأطفالها لقضاء تلك الليلة عنده. كانت في طريقها إلى المنزل الصيفي لأبويها في بوينت أو باريل.
قالت ترودي: «إذن لا يمكن أن تكون فقيرة جدًّا.»
قال دان: «يمكن أن يكون المرء فقيرًا وأبواه ثريان.»
«لا، لا يمكن.»
في الصيف الماضي، ذهبت روبين إلى ريتشموند هيل لتقضي شهرًا مع أبيها في منزله. عادت قبل ذلك. قالت إن المنزل كان أشبه بمستشفى مجانين. يجب على الطفل الأكبر الذهاب إلى عيادة متخصصة لمن لديهم صعوبات في القراءة، وكان الطفل الأوسط يبلل الفراش. جينفيف تقضي وقتها كله في مكتبة الكتب القانونية، تذاكر. لا عجب في ذلك. يذهب دان يبحث عن عروض مخفضة، ويطهو، ويعتني بالأطفال، ويزرع الخضراوات، ويقود سيارة أجرة في أيام السبت والأحد. يريد أن يؤسس شركة لإصلاح الدراجات البخارية في الجراج، لكنه لا يستطيع الحصول على ترخيص بذلك؛ يعارض الجيران ذلك.
أخبر روبين أنه سعيد. قال إنه لم يكن قط أسعد من ذلك. عادت روبين إلى المنزل ناضجةً تمامًا؛ قاسية، ساخرة، حازمة. كانت لديها ضغينة بسيطة، مستمرة لم تكن لديها من قبل. لم تستطع ترودي اقتلاعها منها، لم تستطع استخلاصها منها؛ كان قد فات الوقت الذي كانت تستطيع فيه عمل ذلك. •••
عادت روبين إلى المنزل في الظهيرة وبدلت ملابسها. ارتدت بلوزة قطنية خفيفة، عليها ورود وكوت تنورة قطنية بلون أزرق فاتح. قالت إن بعض الفتيات في الصف ربما يذهبن إلى الجنازة بعد انتهاء اليوم الدراسي.
قالت ترودي: «نسيت أن لديك تلك التنورة.» إذا كانت تظن أن ذلك سيؤدي إلى بدء حديث، فقد كانت مخطئة. •••
في المرة الأولى التي التقت فيها ترودي دان، كانت ثملة. كانت تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا، طويلة ونحيفة (ولا تزال)، ذات شعر أسود مهوَّش متموج (قصير الآن ويبدو رماديًّا مثلما كان يبدو أسود). كانت مسمرة جدًّا، ترتدي بنطال جينز وتي-شيرت ذا ألوان زاهية جدًّا. لم تكن ترتدي صديرية ولم يكن ثمة حاجة إليها. كان هذا في ماسكوكا في شهر أغسطس، في مشرَب أحد الفنادق حيث كان ثمة فرقة موسيقية. كانت تعسكر مع صديقات لها. كان هناك مع خطيبته، مارلين. كان قد اصطحب مارلين إلى منزله للقاء أمه، التي كانت تعيش في ماسكوكا في جزيرة في فندق خالٍ. عندما كانت ترودي في التاسعة عشرة، كان هو في الثامنة والعشرين. كانت ترقص وحدها، دائخة وثملة، أمام المائدة التي كان يجلس هو ومارلين عليها، التي كانت شقراء وديعة ذات صديرية قرنفلية كبيرة مطرزة بحبات لؤلؤ صغيرة صناعية. رقصت ترودي أمامه حتى نهض وانضم إليها. في نهاية الرقصة، سأل عن اسمها، وأخذها وقدمها إلى مارلين.
قال: «هذه جودي.» سقطت ترودي، وهي تضحك، في المقعد المجاور لمارلين. جعل دان مارلين تقوم وترقص معه. أتت ترودي على جعة مارلين وذهبت تبحث عن أصدقائها.
قالت لهن: «كيف حالكن؟ أنا جودي!»
لحق بها عند باب المشرَب. كان قد ترك مارلين عند رؤية ترودي ترحل. رجل يستطيع تغيير مساره بسرعة، يرى الاحتمالات، يشتعل بحماس جديد. أخبر الناس لاحقًا أنه وقع في حب ترودي قبل أن يعرف اسمها الحقيقي. لكنه أخبر ترودي أنه بكى عندما افترق هو ومارلين.
قال: «لدي مشاعر … لا أخجل من التعبير عنها.»
لم تكنْ ترودي تكنُّ أي مشاعر تجاه مارلين على الإطلاق. تخطت مارلين سن الثلاثين؛ ماذا كانت تتوقع؟ لا تزال مارلين تعيش في البلدة، تعمل في شركة هايدرو، وهي غير متزوجة. عندما كانت ترودي ودان يتحدثان حول جينفيف، قالت ترودي: «لا بد أن مارلين تظن أنني نلت جزاء ما فعلته.»
قال دان إنه كان قد عرف أن مارلين انضمت إلى زمالة أتباع الكتاب المقدس التي لم يكن يُسمح للنساء فيها بوضع المكياج وكان عليهن ارتداء نوع من القلنسوات في الكنيسة أيام الآحاد.
قال دان: «لن تستطيع أن تحمل ضغينة ضد أي أحد الآن.»
قالت ترودي: «أراهن على ذلك.» •••
هذا هو ما حدث في مكان الجنازة، مثلما سمعت ترودي القصة من كلفن وجانيت.
ذهبت إلى هناك جميع الفتيات في صف تريسي لي جميعًا معًا بعد انتهاء اليوم الدراسي. كان هذا خلال ما كان يُسمى بزيارة الوداع، عندما كانت العائلة توجد إلى جانب تابوت تريسي لي لاستقبال أصدقائها. كان أبواها موجودين، وكذلك كان أخوها المتزوج وزوجته، وأختها، بل حتى رفيق أختها، الذي كان يملك الشاحنة. وقفوا في صف وتراص الحاضرون في صف لتعزيتهم. أتى الكثير من الناس. يأتون دومًا، في ظروف كهذه. كانت جدة تريسي لي تجلس في نهاية الصف في مقعد مغطًّى بقماش مطرز. لم تكن قادرةً على الوقوف فترات طويلة.
كانت جميع المقاعد في مكان الجنازة مُنجدة بهذا القماش المطرز باللونين الأبيض والذهبي. كانت الستائر مطرزة على النحو نفسه، ويكاد ورق الحائط يطابقها. هناك مصابيح جدارية صغيرة خلف الزجاج القرنفلي المعتم. ذهبت ترودي إلى هناك عدة مرات وتعرف كيف يبدو المكان. لكن لم تكن روبين ومعظم هؤلاء الفتيات قد دخلن المكان من قبل. لم يكن يعرفن ماذا سيجدن. بدأ بعضهن في البكاء بمجرد دخولهن من الباب.
كانت الستائر مسدلة. كانت هناك موسيقى هادئة مسموعة؛ ليست موسيقى كنسية تمامًا، لكنها كانت تبدو مثل ذلك. كان تابوت تريسي لي أبيض ذا حواف ذهبية، متوافقًا في لونه مع كل التطريز في المكان وورق الحائط. كانت به بطانة من الساتان القرنفلي المكشكش. وسادة من الساتان القرنفلي. لم يكن ثمة أي علامة على وجه تريسي لي. لم تكن تبدو في صورتها المعتادة؛ لأن الحانوتي كان قد زينها بنفسه. لكنها كانت ترتدي أقراطها المفضلة، المثلثة ذات اللون الفيروزي والهلالية الصفراء، قرطين في كل أذن. (لم يعجب ذلك بعض الأشخاص.) في الجزء من التابوت الذي كان يمتد من وسطها إلى أسفل، كان ثمة وسادة كبيرة على شكل قلب من الورود القرنفلية.
تراصت الفتيات في صف للتحدث إلى العائلة. صافحنهم، وعزينهم، مثلما كان يفعل الجميع. عندما فرغن من ذلك، عندما تركن جميعًا الجدة تضغط بشدة على أياديهن الباردة بين يديها الدافئة، المنتفخة، المنمَّشة، تراصصن مرة أخرى، على نحو غير مرتب إلى حد ما، وبدأن في المرور بجانب التابوت. كان العديد منهن يبكين الآن، ويرتجفن. ماذا يمكن أن يتوقع المرء في ظرف كهذا؟ فهن في نهاية الأمر فتيات صغيرات.
لكنهن بدأن في الغناء عند مرورهن بجانب التابوت. في صعوبة في البداية، في خجل، لكن في ثقة متزايدة بأصواتهن الحزينة، العذبة، كن يغنين:
الآن، بينما لا تزال الزهرة تتعلق بالكرمة، سأتذوق حبات الفراولة الخاصة بك، سأشرب خمرك العذب …
كن قد خطَّطن للأمر بأسره، بالطبع، مسبقًا؛ كن قد استمعن إلى هذه الأغنية من أسطوانة. كن يعتقدن أنها ترنيمة قديمة.
لذا، مررن الواحدة تلو الأخرى، يغنين وينظرن إلى أسفل إلى تريسي لي، ولوحظ أنهن كن يلقين بأشياء في التابوت. كن يخلعن الخواتم من أصابعهن والأساور من أيديهن، والأقراط من آذانهن. كن يخلعن العقود، وينحنين لجذب السلاسل وخيوط الخرز الطويلة فوق رءوسهن. وضعت كلٌّ منهن شيئًا. كانت كل هذه الجواهر تومض وتتلألأ على جسد الفتاة الميتة، وترقد إلى جانبها في تابوتها. جذبت إحدى الفتيات دبابيس الشعر البراقة من شعرها، وألقت بها.
لم يتحرك أحد لإيقاف ذلك. كيف يمكن أن يقاطع أحد ذلك؟ كان الأمر بمنزلة طقس ديني. تصرفت الفتيات كما لو كن قد قيل لهن أن يتصرفن على هذا النحو، كما لو كان هذا هو ما يحدث دائمًا في مناسبات كهذه. غنين، وانتحبن، وألقين بمجوهراتهن. جعل الشعور بممارسة هذه الطقوس كل واحدة منهن متألقة.
لم تكن العائلة لتوقف هذا. كانوا يعتقدون أن الأمر جميل.
قالت أم تريسي لي: «كان المكان أشبه بالكنيسة»، وقالت جدتها: «كل تلك الفتيات الصغيرات الجميلات أحببن تريسي لي. إذا كن يردن أن يهبن جواهرهن حتى يظهرن مدى حبهن لها، فهذا شأنهن. ليس هذا شأن أحد آخر. أعتقد أن الأمر كان جميلًا.»
انهارت أخت تريسي لي وبكت. كانت هذه هي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك. •••
قال دان: «هذا اختبار محبة.»
كان يقصد محبة ترودي. بدأت ترودي تغني: «رجاء حررني، دعني أنصرف …»
ضمت يديها إلى صدرها، ورقصت في حركات مفاجئة حول الغرفة، وهي تغني. كان دان بين أن يضحك، وأن يبكي. لم يستطع منع نفسه؛ اقترب منها، واحتضنها، ورقصا معًا، وتمايلا. كانا ثملين جدًّا. طوال شهر يونيو ذاك (كان هذا منذ عامين)، كانا يشربان الجين، أثناء لقاءاتهما معًا وفي غيرها من الأوقات. كانا يشربان، ينتحبان، يتجادلان، يفسران الأمور، وكان على ترودي أن تذهب كثيرًا إلى متجر المشروبات الكحولية. لكنها لا تستطيع أن تتذكر على الإطلاق أنها كانت تشعر بأنها ثملة أو أنها كانت تعاني من الصداع بسبب آثار الخمر. فيما عدا أنها كانت تشعر بأنها مرهقة جدًّا طوال الوقت، كما لو كان ثمة قطع خشبية مقيدة إلى كعبيها.
ظلت تمزح. أطلقت على جينفيف اسم «جيني الهزيلة».
قالت: «يشبه الأمر الرغبة في التخلي عن الشركة والعمل كخزاف … ربما كان عليك أن تفعل ذلك. لم أكن حقيقةً أعارض الأمر. أنت استسلمت ولم تتم الأمر. ويشبه أيضًا عندما أردت أن تذهب إلى بيرو. لا يزال بإمكاننا أن نفعل ذلك.»
قال دان: «كل تلك الأشياء لم تكن إلا إشارات لأشياء مستقبلية.»
قالت ترودي: «كان عليَّ أن أعرف ذلك عندما بدأت مشاهدة ديوان المظالم في التليفزيون … كانت الزاوية القانونية، أليس كذلك؟ لم تكن مهتمًّا بأمور كهذه من قبل.»
قال دان: «سيفتح هذا الحياة أمامك، أيضًا، على مصاريعها … ستصبحين أكثر من مجرد زوجتي.»
«بالتأكيد. أظن أنني سأصبح جراحة مخ وأعصاب.»
«أنت ذكية جدًّا. أنت امرأة رائعة. أنت شجاعة.»
«بالتأكيد أنت لا تتحدث عن جيني الهزيلة.»
«لا، أنت. أنت يا ترودي. لا أزال أحبك. لا تستطيعين أن تفهمي أني لا أزال أحبك.»
لم يتحدث منذ فترة طويلة هكذا عن مقدار حبه لها. كان يحب نحافتها، شعرها المتموج، بشرتها الآخذة في الخشونة، طريقتها في دخول الغرفة في خطوة واسعة كانت تهز النوافذ، نكاتها، حركاتها البهلوانية، حديثها الفظ. كان يحب عقلها وروحها. كان سيحبهما دومًا. لكن كان الجزء من حياته الذي كان مرتبطًا بالعيش معها قد انتهى.
قالت ترودي: «هذا مجرد كلام. هذه طريقة حديث تشبه طريقة حديث البلهاء! … روبين، عودي إلى فراشك!» كانت روبين تقف أعلى السلالم مرتديةً ثوب نومها القصير.
قالت روبين: «أستطيع سماعكما تصيحان وتصرخان.»
قالت ترودي: «لم نكن نصيح ونصرخ … كنا نحاول أن نتحدث عن موضوع خاص.»
«ماذا؟»
«قلت لك، موضوع خاص.»
عندما عادت روبين متذمرة إلى الفراش، قال دان: «أظن أننا يجب أن نخبرها. من الأفضل أن يعرف الأبناء. لا تخفي جينفيف أي أسرار عن أطفالها. تبلغ جوسي خمسة أعوام، وجاءت إلى غرفة النوم ذات مرة فيما بعد وقت الظهيرة …»
ثم بدأت ترودي في الصياح والصراخ بالفعل. نشبت يديها في غطاء وسادة. «توقف عن التحدث معي عن حبيبتك جينفيف اللعينة وعن غرفة نومها اللعينة وأطفالها الملعونين. اخرس، توقف عن الكلام! لست إلا فمًا ثرثارًا كبيرًا دون أي عقل. لا آبه بما تفعل، فقط اخرس!» •••
رحل دان. حزم حقيبته، ورحل إلى ريتشموند هيل. عاد في غضون خمسة أيام. خارج البلدة، كان قد توقف بالسيارة لشراء باقة ورود برية لترودي. قال لها إنه عائد بصفة نهائية، انتهى الأمر.
قالت ترودي: «لست أنت الذي تقرر ذلك؟»
لكنها وضعت الورود في الماء. ورود صقلاب قرنفلية متربة رائحتها مثل بودرة الوجه، زهور سوزان ذات عيون سوداء، بازلاء عطرية برية، وزنابق برتقالية لا بد أنها أخذت من حدائق قديمة لم تعد موجودة.
قالت: «إذن، ألم تستطع تحمل إيقاع الحياة هناك؟»
قال دان: «كنت أعلم أنك لن ترتمي في أحضاني تمامًا … لن تكوني أنت لو فعلت ذلك. ولم آت إلا من أجلك أنت.»
ذهبت إلى متجر المشروبات الكحولية، واشترت هذه المرة شامبانيا. لمدة شهر — كان الوقت لا يزال صيفًا — عاد كلٌّ منهما إلى الآخر وكانا سعيدين جدًّا. لم تعرف قط حقيقةً ماذا جرى في منزل جينفيف. قال دان إنه كان يمر بأزمة منتصف العمر، هذا كل ما في الأمر. ثاب إلى رشده. كانت حياته هنا، معها ومع روبين.
قالت ترودي: «تتحدث مثلما في عمود النصائح الزوجية.»
«حسنًا. انسَي الأمر برمته.»
قالت: «يُستحسن هذا.» كانت تستطيع تخيل الأطفال، الفوضى، الأصدقاء — الرفقاء القدامى، ربما — الذين لم يكن مستعدًّا للتعامل معهم. نكات وآراء لا يمكنه فهمها. كان هذا ممكنًا. الموسيقى التي كان يحبها، الطريقة التي كان يتحدث بها — حتى شعره ولحيته — ربما لا تساير الجو العام هناك.
كانا يذهبان في رحلات عائلية، نزهات. كانا يرقدان على الحشائش خلف المنزل ليلًا، يتطلعان إلى النجوم. كانت النجوم موضع اهتمام جديد لدان، كان لديه خريطة لها. كانا يتحاضنان، ويقبل أحدهما الآخر، كثيرًا، وجربا أشياء جديدة — أو أشياء لم يفعلاها منذ وقت طويل — عندما كانا يتضاجعان.
في هذا الوقت، كان الطريق أمام منزل يُرصف. كانا قد شيَّدا منزلهما على جانب تل على حافة البلدة، وراء المنازل الأخرى، لكن الشاحنات كانت تستخدم هذا الطريق كثيرًا، متجنبةً الشوارع الرئيسية؛ لذا كانت البلدة تتولى رصفه. اعتادت ترودي جدًّا على الضوضاء والاهتزاز المستمر، حتى إنها كانت تقول إنها كانت تشعر بنفسها تهتز طوال الليل، حتى عندما يكون كل شيء ساكنًا. كان العمل يبدأ في الساعة السابعة صباحًا. كانا ينهضان وسط كم كبير من الضوضاء. كان دان يجر نفسه جرًّا من الفراش آنذاك، مفتقدًا ساعة النوم التي كان يحبها أكثر من أي ساعة أخرى. كان ثمة رائحة وقود ديزل في الهواء.
استيقظت ذات ليلة لتجده غير موجود في الفراش. أنصتت لتسمع ما إذا كان هناك صوت ضوضاء في المطبخ أو غرفة النوم، لكنها لم تستطع أن تسمع شيئًا. نهضت وتجولت عبر المنزل. لم يكن ثمة أي ضوء مضاء. وجدته جالسًا في الخارج، خارج باب المنزل، لا يتناول شرابًا أو كوبًا من اللبن أو قهوة، جالسًا وظهره إلى الشارع.
نظرت ترودي إلى الأرض المكسرة وإلى الآلات الكبيرة المنتظرة. وقالت: «أليس الهدوء رائعًا؟»
لم يقل أي شيء.
أوه. أوه.
أدركت ما كانت تفكر فيه عندما وجدت مكانه في الفراش خاليًا ولم تستطع سماعه في أي مكان في المنزل. ليس الأمر أنه تركها، لكنه فعل ما هو أسوأ. كانت تظن أنه تخلص من نفسه. من كل سعادتهما، وأحضانهما، وقبلاتهما، ونجومهما، ونزهاتهما.
قالت: «أنت لا تستطيع أن تنساها … أنت تحبها.»
«لا أعرف ماذا أفعل.»
كانت مسرورة أنها فقط تستطيع سماعه يتحدث. قالت: «عليك أن تذهب وتحاول مرة أخرى.»
قال: «لا يوجد ما يضمن أنني سأستطيع البقاء هناك … لا أستطيع أن أطلب منك أن تنتظريني.»
قالت ترودي: «لا … إذا رحلتَ، فهذه هي نهاية الأمر.»
«إذا رحلتُ، فهذه هي نهاية الأمر.»
بدا مشلولًا. شعرت أنه ربما سيبقى جالسًا في مكانه، يكرر ما قالت، ولن يستطيع أن يتحرك أو ينطق أبدًا بشيء آخر.
قالت: «إذا كان شعورك هكذا، فهذا هو كل ما في الأمر … لست مضطرًّا إلى الاختيار. لقد اخترت بالفعل.»
نجح ذلك. نهض متصلبًا، جاء إليها، وطوقها بذراعيه. مرر يده برفق على ظهرها.
قال: «هيا نعُدْ إلى الفراش … يمكننا أن نستريح قليلًا.»
«لا. عليك أن تكون قد رحلت عندما تستيقظ روبين. إذا عدنا إلى الفراش، فسيبدأ الجدال بيننا من جديد.»
صنعت له ترمسًا من القهوة. حزم الحقيبة التي كان قد أخذها معه قبل ذلك. بدت جميع حركات ترودي ماهرة ورائعة، مثلما لم تكن من قبل، في الغالب. كانت تشعر بهدوء نفسي. كانت تشعر كما لو كانا زوجين هرمين يتحركان في تناغم، في حب صامت، متجاوزين الألم، متجاوزين الغفران. لم يكن وداعهما صعبًا. ذهبت معه إلى الخارج. كانت الساعة بين الرابعة والنصف والخامسة؛ كانت السماء تبدأ في الإشراق، والطيور في الاستيقاظ، وكان كل شيء غارقًا في الندى. كانت الآلات المسالمة الكبيرة تقف هناك، عالقة في أخاديد الطريق.
قالت: «لعل ما هو طيب في الأمر أنك لم تخرج في الليلة السابقة؛ لم تكن ستستطيع أن ترحل.» كانت تعني أن السير في الطريق كان مستحيلًا. مهَّدوا أمس فقط مسارًا ضيقًا لسير المرور المحلي عليه.
قال: «أمر طيب.»
وداعًا. •••
«كل ما أريد أن أعرفه هو لماذا فعلت ذلك. هل فعلتِ ذلك فقط من أجل التباهي؟ مثل أبيك؛ من أجل التباهي؟ لا يتعلق الأمر بالعقد كثيرًا. لكنه كان جميلًا، أحب العقود المصنوعة من الكهرمان. كان الشيء الوحيد الذي نملكه من جدتك. صحيح أنه من حقك، لكنك ليس لديك الحق في أن تفاجئيني هكذا. أستحق منك أن تقدمي لي تفسيرًا للأمر. أفضل دومًا هذا النوع من العقود. لماذا؟» •••
تقول جانيت: «أُلقِي باللائمة على العائلة … كان من المفترض أن يوقفوا الأمر. كانت بعض الأشياء مصنوعة من البلاستيك — تلك الأقراط والأساور المقلدة — أما بخصوص ما ألقته روبين، فكان ذلك جريمة. ولم تكن هي الوحيدة التي فعلت هذا. كانت هناك خواتم من الأحجار الكريمة وسلاسل ذهبية. قال أحدهم إنه كان هناك خاتم ماسي، لكنني لا أعرف إذا كان يمكن أن أصدق هذا أم لا. قالوا إن الفتاة ورثته، مثل روبين. أنت لم تثمنيه من قبل، أليس كذلك؟»
تقول ترودي: «لا أعرف إذا كانت العقود المصنوعة من الكهرمان تساوي الكثير.»
يجلسان في غرفة جانيت الأمامية، يصنعان ورودًا من المناديل الورقية قرنفلية اللون.
تقول ترودي: «هذا غباء.»
تقول جانيت: «حسنًا. يوجد شيء واحد يمكن أن تفعليه … لا أعرف كيف أذكره.»
«ماذا؟»
«صلِّي.»
كان يخالج ترودي الشعور، من خلال نبرة صوت جانيت، بأنها كانت ستقول لها شيئًا خطيرًا وغير سارٍّ، شيئًا عن نفسها — ترودي — يؤثر على حياتها وبأن الجميع كانوا يعرفونه سواها. تريد أن تضحك الآن، بعد تأهبها. لا تعرف ماذا تقول.
تقول جانيت: «أنت لا تصلين، أليس كذلك؟»
تقول ترودي: «ليس لدي أي اعتراض ضد الصلاة … لم تتم تربيتي كي أصبح متدينةً.»
تقول جانيت: «لا يتعلق الأمر بالتدين حرفيًّا … أعني، لا يتعلق الأمر بالارتباط بأي كنيسة. يصلي بعضنا مع بعض فحسب. لا أستطيع أن أخبرك بأسماء الجميع، لكنك تعرفين معظمهم. من المفترض أن يكون الأمر سرًّا. تُسمى حلقة الصلاة.»
تقول ترودي: «مثلما في المدرسة الثانوية … كانت ثمة مجموعات سرية في المدرسة الثانوية، ولم يكن من المفترض أن يجري ذكر أسماء من كان بها. لم أكن في أيٍّ منها.»
تتنهد جانيت قائلةً: «كنت جزءًا من كل شيء يحدث … هذا الأمر جدي حقيقةً. على الرغم من أن بعض الأشخاص لا يأخذون الأمر على محمل الجدية بما يكفي، فأنا لا أعتقد هذا. بعض الأشخاص، يصلون حتى يجدوا مكانًا للانتظار، أو يصلون من أجل أن يكون الطقس جيدًا في أيام عطلاتهم. ليست الحلقة من أجل ذلك. ليست هذه إلا صلاة فردية. تدور الأمور في الحلقة حقيقةً كما يلي: تقومين بالاتصال بشخص ما فيها وتخبرينه ما الذي يقلقك، أو يزعجك، وتطلبين منه أن يصلي من أجلك. وسيفعل ذلك. ويهاتف هذا الشخص شخصًا آخر في الحلقة، ثم يهاتف الشخص الآخر شخصًا ثالثًا، وهكذا دواليك، الكل يصلي من أجل شخص واحد.»
تقذف ترودي وردة بعيدًا. وتقول: «هذا أمر سقيم. هل تكون الحلقة كلها من النساء؟»
«لا توجد أي قاعدة تقول إنه يجب أن تكون الحلقة كلها من النساء. لكنها كذلك، نعم. سيشعر الرجال بإحراج بالغ. كنت محرجة في البداية. لا يعرف سوى أول شخص تهاتفينه اسمك، وما الشيء أو الشخص الذي يجري الصلاة من أجله، لكن في بلدة كهذه يمكن للجميع تقريبًا تخمين هوية الشخص المتصل. لكننا إذا بدأنا في النميمة حول بعضنا والإفصاح عن أمور تتعلق بنا، فلن ينجح الأمر، والجميع يعرف هذا؛ لذا لا نفعل هذا. وهكذا ينجح الأمر.»
تقول ترودي: «هل يمكن أن تعطيني أمثلة؟»
«حسنًا، أحدثت إحدى الفتيات تلفيات بالغة بسيارتها. كلفها ذلك ثمانمائة دولار، وكان موقفًا صعبًا؛ حيث لم تكن متأكدة مما إذا كان تأمينها سيغطي ذلك أم لا، وهكذا كان زوجها — كان في شدة الغضب — لكننا صلينا جميعًا، فكان أن غطى التأمين ذلك دون أي مشكلات. ليس هذا إلا مجرد مثال.»
تقول ترودي: «لن تفيد كثيرًا الصلاة لاسترجاع العقد بينما هو في التابوت والجنازة هذا الصباح.»
«لست أنت من تحددين ذلك. لا يمكنك تحديد ما هو ممكن وما هو غير ممكن. لا تملكين إلا طلب ما تريدين؛ لأن الكتاب المقدس يقول: «اسألوا تُعطوا.» كيف يمكن أن تتوقعي المساعدة إذا لم تطلبيها؟ لا يمكنك ذلك، هذا مؤكد. ماذا عن دان عندما رحل؛ ماذا لو كنت صليت حينها؟ لم أكن عضوة في الحلقة آنذاك، وإلا كنت سأطلب منك أن تصلي. حتى إذا كنت أعرف أنك ستعارضين، كنت سأطلب منك أن تصلي. يعارض الكثير من الناس ذلك. الآن، صحيح أن الأمر لا يبدو مجديًا جدًّا مع تلك الفتاة، لكن من يعرف؟ ربما ينجح الأمر الآن، ربما لا يكون الوقت متأخرًا أكثر مما ينبغي.»
تقول ترودي، في صوت قوي، مبتهج: «حسنًا … حسنًا.» تزيح كل الورود اللينة عن حجرها. «سأجثو على ركبتيَّ الآن وأصلي كي أستعيد دان مجددًا. سأصلي لأستعيد العقد مرة أخرى ولأستعيد دان، ولماذا يجب أن أقف عند هذا الحد؟ يمكن أن أصلي لئلا تموت تريسي لي. سأصلي كي تعود إلى الحياة. لماذا لم تفكر أمها قط في ذلك؟» •••
أخبار طيبة. جرى إصلاح المسبح. سيستطيعون ملأه بالماء غدًا. لكن كلفن محبط. في وقت مبكر من وقت ما بعد الظهيرة في هذا اليوم — وكان من أسبابه أن يحول دون إزعاجهما الرجال الذين كانوا يصلحون المسبح — اصطحب ماري وجوزفين إلى الجزء الراقي من البلدة. اشترى لهما آيس كريم. طلب منهما أن ينتبها وأن يتناولا الآيس كريم بسرعة؛ لأن الشمس كانت شديدة وكان الآيس كريم سيذوب. كانتا تلعقان الآيس كريم من وقت إلى آخر، كما لو كان أمامهما اليوم بأكمله. سرعان ما سال الآيس كريم على ذقنيهما وذراعيهما. كان كلفن قد تناول عددًا من المناديل الورقية، وحاول أن يمسح آثار الآيس كريم ولكنه لم يتمكن من القيام بذلك بالسرعة الكافية. سال الآيس الكريم عليهما في كل مكان. كان مشهدًا لافتًا للأنظار. لم تأبها. أخبرهما كلفن أن منظرهما ليس رائعًا حتى يمكن أن تخاطرا بأن تبدوا على هذا النحو.
قال: «لا يفضل بعض الناس رؤيتنا على أي حال … لا يعتقد بعض الناس حتى أننا يجب أن يُسمح لنا بالذهاب إلى الجزء الراقي من البلدة. اعتاد الناس فقط على رؤيتنا، وعدم التحديق فينا مثل مسوخ، وها أنتما تصنعان فوضى وتفسدان كل شيء.»
سخرتا منه. كان يمكن أن يُخضع ماري إذا كانت وحدها، لكنه لا يستطيع ذلك عندما تكون مع جوزفين. كانت جوزفين هي من تحتاج إلى نوع من التأديب على غرار النمط القديم، من وجهة نظر كلفن. كان كلفن قد عاش في أماكن لم يكن أحد يفلت فيها من العقاب عن أي شيء خاطئ فعله مثلما يحدث هنا. لم يكن يوافق على الضرب. كان قد رأى الكثير منه، لكنه لم يكن يتفق مع ذلك، حتى على اليد. أما شخص مثل جوزفين فيمكن حبسه في غرفته. يمكن إرغامها على الجلوس في ركن، يمكن إرغامها على تناول الخبز والماء فقط، وهو ما سيفضي إلى نتائج طيبة. كل ما كانت ماري تحتاج إليه هو التحدث إليها؛ كانت شخصيتها ضعيفة. لكن كانت جوزفين شيطانةً.
تقول ترودي: «سأتحدث إلى كلتيهما … سأطلب منهما أن تتأسفا.»
يقول كلفن: «أريدهما أن تشعرا بالأسف على ما فعلتاه … لا آبه إذا قالتا إنهما آسفتان. لن أصطحبهما أبدًا مرة أخرى.»
لاحقًا، بينما الجميع نائمون، تقنعه ترودي بأن يجلس ليلعب إحدى ألعاب الورق معها في الشرفة المسيجة بالأسلاك. يلعبان لعبة الثمانية المجنونة. يقول كلفن إن هذا ما يستطيع فعله في تلك الليلة؛ يشعر بصداع في رأسه.
في الجزء الراقي من البلدة، قال رجل له: «مرحى! أيهما رفيقتك من بين الاثنتين؟»
تقول ترودي: «غبي … هذا رجل أحمق.»
قال الرجل الذي كان يتحدث إلى الرجل الأول: «أيهما ستتزوج؟»
«لا يعرفانك يا كلفن. إنهما أحمقان.»
لكنهما كانا يعرفانه. كان أحدهما يُدعى رِج هوبر، والآخر باد دلايل. باد دلايل الذي كان يبيع العقارات. كانا يعرفانه. كانا قد تحدثا إليه لدى الحلاق، وكانا يناديانه باسم كلفن. «مرحى كلفن! أيهما ستتزوج؟»
تقول ترودي: «مخبولان … هذا ما ستقوله روبين.»
يقول كلفن: «يظن المرء أنهما صديقان له، لكنهما ليسا كذلك … يحدث هذا كثيرًا.»
تذهب ترودي إلى المطبخ لتعد بعض القهوة. تريد أن تعد قهوة طازجة تقدمها لجانيت عندما تأتي. اعتذرت هذا الصباح، وقالت جانيت: لا بأس في ذلك، أعلم أنك لست على ما يرام. لا بأس على الإطلاق. في بعض الأحيان أعتقد أنها صديقة لي، وهي كذلك بالفعل.
تنظر إلى جميع الأقداح المعلقة في مشاجبها. ذهبت هي وجانيت تتسوقان في أماكن كثيرة بحثًا عنها. قدح باسم كل شخص: ماري، جوزفين، آرثر، كلفن، شيرلي، جورج، دورندا. ربما يعتقد المرء أن اسم دورندا هو أصعب الأسماء في العثور عليه، لكن في حقيقة الأمر، كان الاسم الأصعب على الإطلاق هو شيرلي. حتى الأشخاص الذين لا يستطيعون القراءة عرفوا كيف يتعرفون على أقداحهم، من خلال اللون والرسوم.
ذات يوم، ظهر قدحان، اشتراهما كلفن. كان أحدهما يحمل اسم ترودي، والآخر جانيت.
قالت جانيت: «لست سعيدة جدًّا لوجود قدح عليه اسمي ضمن صف الأقداح هذا … لكنني لن أجرح شعوره مهما كان الأمر.» •••
من أجل شهر العسل، اصطحب دان ترودي إلى الجزيرة حيث البحيرة التي يطل عليها فندق أمه. كان الفندق مغلقًا، لكن كانت أمه لا تزال تعيش هناك. كان والد دان ميتًا، وكانت تعيش هناك وحدها. كانت تقود زورقًا ذا محرك خارجي عبر البحيرة لشراء بقالتها. في بعض الأحيان كانت تخطئ، فتنادي ترودي باسم مارلين.
لم يكن الفندق فخمًا. كان عبارة عن صندوق خشبي أبيض على أرض خالية بالقرب من الشاطئ. كان ثمة صناديق صغيرة عبارة عن كبائن ملتصقة خلفه. أقام دان وترودي في واحدة من تلك الكبائن. كان ثمة موقد خشبي في كل كابينة. كان يشعل دان نارًا ليلًا للتخفيف من وطأة البرد. لكن الأغطية كانت رطبة وثقيلة عندما استيقظ هو وترودي في الصباح.
اصطاد دان بعض الأسماك وطهاها. تسلق هو وترودي الصخرة الكبيرة الموجودة خلف الكبائن وجمعا بعض حبات التوت الأزرق. سألها هل كانت تعرف كيف تصنع عجينة فطيرة، لكنها لم تكن تعرف. لذا، أوضح لها كيف تصنعها، فاردًا العجينة باستخدام زجاجة ويسكي.
في الصباح كان هناك ضباب رقيق فوق البحيرة، مثلما يرى المرء في الأفلام أو في اللوحات.
في ظهيرة أحد الأيام، ظل دان بالخارج أكثر من المعتاد، يصطاد. انشغلت ترودي فترة في المطبخ، تزيل الغبار عن الأشياء، وتغسل بعض الدوارق. كان أقدم المطابخ وأكثرها ظلامًا التي رأتها في حياتها، وكان ذا رفوف خشبية لحمل أطباق الغذاء حتى تجف. خرجت وتسلقت الصخرة وحدها، ظانةً أنها ستقتطف بعض حبات التوت الأزرق. لكن كان الظلام حالًا بالفعل تحت الأشجار؛ جعلت الأشجارُ الدائمةُ الخضرةِ المكانَ تحت الأشجار مظلمًا، وكانت تخاف من ظهور حيوانات برية. جلست على الصخرة ناظرةً إلى سطح الفندق، وأوراق الأشجار الميتة القديمة، وألواح السقف المتكسرة. سمعت صوت موسيقى تعزف على البيانو. نزلت عن الصخرة وتتبعت صوت الموسيقى إلى واجهة المبنى. سارت بطول الشرفة الخارجية الأمامية وتوقفت عند نافذة، ناظرةً إلى الغرفة التي كانت تستخدم كقاعة انتظار؛ الغرفة ذات المدفأة الحجرية المسودة، المقاعد الجلدية الضخمة، السمكة المريعة المعلقة.
كانت أم دان موجودة هناك، تعزف على البيانو. كانت امرأة طويلة، عجوزًا، مستقيمة الظهر، ذات شعر أسود مائل إلى الرمادي معقوص في عقدة صغيرة. كانت تجلس وتعزف على البيانو، دون إضاءة أي أنوار، في الغرفة شبه المظلمة، شبه الخالية من الأثاث.
كان دان قد قال لترودي إن أمه تنتمي إلى عائلة ثرية. كانت قد تلقت دروسًا في عزف البيانو، ودروسًا في الرقص؛ كانت قد طافت حول العالم عندما كانت فتاة صغيرة. كانت ثمة صورة لها تمتطي جملًا. لكنها لم تكن تعزف مقطوعة موسيقية كلاسيكية، نوع الموسيقى التي يتوقع المرء أنها تعلمته. كانت تعزف مقطوعة «إنها الثالثة صباحًا». عندما بلغت نهايتها، بدأت مرة أخرى. ربما كانت مقطوعة مفضلة لديها، مقطوعة كانت ترقص على وقع نغماتها في الأيام الخوالي. أو ربما أنها تكررها لأنها لم تكن راضية عن عزفها لها.
لماذا تتذكر ترودي هذه اللحظة الآن؟ ترى نفسها الشابة تنظر عبر النافذة إلى المرأة العجوز التي تعزف على البيانو؛ الغرفة المعتمة، ذات المدفأة ودعائم السقف الضخمة، والمقاعد الجلدية الوحيدة. صوت قعقعةِ وترددِ وتواصلِ موسيقى البيانو. تتذكر ترودي ذلك بوضوح جدًّا، ويبدو كما لو أنها تقف خارج جسدها، الذي كان يتألم آنذاك جراء ملذات الحب المنهكة. وقفت خارج سعادتها في مد من الحزن. وحدث عكس هذا في صباح اليوم الذي رحل دان فيه. حينها وقفت خارج تعاستها في مد ما بدا شيئًا مثل الحب على نحو غير معقول. لكن لم يكن الأمر مختلفًا حقًّا عما كان عندما تخرج. ما تلك الأوقات التي تظل عالقة بالذهن، أوقات بارزة في حياة المرء؛ ماذا على المرء أن يفعل بها؟ ليست هذه إشارات مستقبلية تمامًا. فترات راحة. هل هذا هو كل ما في الأمر؟ •••
تمضي إلى الردهة الأمامية وتتسمع أي ضوضاء صادرة من أعلى. كل شيء هادئ، الجميع تناول دواءه. •••
يرن جرس الهاتف إلى جانب رأسها مباشرةً.
تقول روبين: «ألا تزالين هنا؟ … ألن ترحلي؟»
«لا أزال هنا.»
«هل أستطيع أن آتي إليك جريًا ثم أعود راكبة معك؟ لم أمارس رياضة الجري في وقت مبكر اليوم؛ لأن الجو كان شديد الحرارة.» •••
قذفتِ الدورق. كان من الممكن أن تقتليني.
نعم. •••
يبدو كلفن، الذي كان ينتظر عند مائدة اللعب، تحت الضوء، مبيضًا وشيخًا. ثمة فيض من الضوء يبيِّض شعره البني. ينحني وجهه، منتظرًا. يبدو شيخًا، منكفئًا على نفسه، ملفوفًا في غطاء سميك من الحيرة، لا يشعر بوجودها تقريبًا.
تقول ترودي: «هل تصلي؟» لم تكن تعلم أنها كانت ستسأله عن ذلك. «أعني، هذا أمر لا يخصني. لكن، هل تصلي من أجل أي شيء محدد؟»
يجيب عليها بنعم، وهو ما يدهشها إلى حد ما. يمتعض وجهه، كما لو كان قد شعر بالحبل الذي هو بحاجة إليه ليطفو إلى السطح.
يقول: «إذا كان لدي من الذكاء ما يمكنني من أن أعرف الأشياء التي يمكن أن أصلي من أجلها، عندئذٍ لن أكون مضطرًّا للصلاة من الأساس.»
يبتسم لها، بنوع من التآمر الخفي، ذاكرًا مزحته المعروفة. ليس مقصودًا من المزحة الإسعاد، على وجه الخصوص. لكنها مع ذلك كانت تتخللها؛ فالمزحة التي قالها، والطريقة التي قالها بها، ومجرد حقيقة أنه موجود هناك مرة أخرى، كل هذا كان يتخللها بالطريقة التي تتخلل بها بعضُ السخافات نفسَ المرء عندما يكون في غاية التعب. على هذا النحو، عندما كانت شابة، وتتمتع بروح معنوية مرتفعة، قد يصبح أي شخص أو أي لحظة من حياتها أشبه بزنبقة تطفو على ماء النهر الملتحف بالضباب، لحظة مثالية ومألوفة.
مسيرة الحب |
من أفضل ما قيل عن الكتاب
مجموعة قصصية ساحرة تتميز بالدقة. إن أليس مونرو تخلق لنا عالمًا يبدو مألوفًا ورائعًا على الفور.
ماكسين هونج كينجستون
مزجت أليس مونرو في هذا العمل ما بين بنية القصة القصيرة وأسلوب الرواية السردي الشائق لتخرج لنا نوعًا جديدًا من الإمتاع الأدبي؛ فكل قصة من القصص العشر التي يضمها هذا العمل هي كلٌّ قائم بذاته مفعم بالتأمل والجمال؛ كل منها يضم عالمًا ثريًّا بالتعقيدات والإيحاءات، ولها صبغتها وحبكتها الخاصة.
مجلة «نيو ريبابليك»
تكمن نقطة القوة في هذا الكتاب في عمق الشخصيات التي نجحت الكاتبة في رسمها، ومن هذا المنطلق نرشح هذا الكتاب لجميع القراء.
صحيفة «كولومبس ديسباتش»
هذا الكتاب يتميز بأنه مباشر وقوي ورائع وشديد الواقعية، إنه يصيب عمق تعاملاتنا بعضنا مع البعض.
صحيفة «دالاس نيوز»
لست متأكدًا ما إذا كان هذا العمل مجموعة من القصص القصيرة أو نوعًا جديدًا من الرواية، ولكن أيًّا كان تصنيفه الأدبي فإنه عمل رائع. لقد أمتعني كثيرًا ما فيه من تحرٍّ للدقة فيما يخص الجوانب النفسية، كما أن التغيرات المفاجئة المدهشة — القفزات الزمنية غير المتوقعة وتحولات الشخصيات المألوفة — تمنح الكتاب قدرًا من الجموح والغموض، وهو ما يجب أن تكون عليه كل الكتب.
جون جاردنر
القصص رائعة بحق؛ فكل كلمة تكتبها أليس مونرو مثيرة للاهتمام.
أليس آدامز
أفضل مجموعة قصصية لهذا العام.
مجلة «ذا نيشن»
المتسولة |
ضربٌ «ملكيٌّ»
«ضربٌ ملكيٌ … ستنالين ضربًا ملكيًّا»، هكذا كان وعيد فلو.
تهادت كلمة «ملكيٌّ» على لسان فلو، معبِّرةً عما توحي به هذه الكلمة. أرادت روز تخيُّل الأمر، واستكشاف معاني الكلام غير المنطقي. ورغبتُها في تبيُّن ما تعنيه كلمات فلو فاقت حاجتها لتجنب المتاعب. لذا، بدلًا من أن تأخذ هذا التهديد على محمل الجد، أخذت تفكر في «كيف يكون الضرب ملكيًّا؟» فتخيلت مشهدًا لطريق تصطف على جانبيه الأشجار، وحشدًا من المتفرجين بزي رسمي، وبعض الخيول البيضاء، والعبيد السود، وشخصًا جاثيًا على ركبتيه والدم ينزف من جسده بغزارة. تخيلت مشهدًا يجمع بين الوحشية والإبهار في الوقت نفسه. لكن على أرض الواقع، لم تتمتع روز وفلو بمثل هذه المنزلة الرفيعة، وإنما أرادت فلو فحسب الإيحاء بحتمية ما ستلقاه روز من عقاب وضرورة شعورها بالندم. وما حدث بين روز وأبيها بعد ذلك كان بعيدًا كل البُعد عن أي شيء رفيع المستوى.
كان والد روز ملك الضرب الملكيِّ. أما فلو، فلم يرتقِ ضربها إلى هذا المستوى؛ إذ لم يتعدَّ كونه بضع لطمات أو صفعات تمنحها لضحيتها، بينما يكون ذهنها منشغلًا بشيء آخر. وكانت تقول: «ابتعدي عن طريقي!» أو «لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ!» أو «فلتغيري تلك النظرة المرتسمة على وجهكِ!»
عاشت أسرة روز خلف أحد المتاجر في هانراتي بأونتاريو، وضمت الأسرة أربعة أشخاص: روز، ووالدها، وفلو، وبراين أخو روز الصغير من أبيها. كان ذلك المتجر، في الواقع، منزلًا اشتراه والد روز ووالدتها عندما تزوجا، وأسسا فيه عملهما المتمثل في إصلاح الأثاث والتنجيد. عملت والدتها بالتنجيد، وكان من المفترض أن ترث روز من والديها المهارة اليدوية، وحب التعامل مع الأقمشة، والعين الثاقبة لاكتشاف أفضل لفات الأقمشة لإصلاحها، إلا أنها لم تفعل؛ وإنما كانت فتاة خرقاء تسرع في كنس حطام أي شيء ينكسر والتخلص منه.
في عصر أحد الأيام، قالت الأم لوالد روز: «أشعر بشيء يصعب عليَّ وصفه، إنه أشبه ببيضة مسلوقة غير مُقشَّرة في صدري.» وتُوفِّيت قبل حلول الليل إثر جلطة دموية على الرئة. كانت روز لا تزال طفلة رضيعة آنذاك، ومن ثم لم يكن بوسعها تذكُّر أي شيء من ذلك، ولكنها سمعت القصة من فلو، التي لا بد أن تكون قد سمعتها بدورها من والد روز. سرعان ما دخلت فلو حياة الأسرة لتعتني بروز الرضيعة، فتزوجت الأب، وفتحت الغرفة الأمامية للمنزل لتصير متجرًا للبقالة. وروز — التي لم تعرف من ذلك المنزل سوى كونه متجرًا، ولم تعرف أمًّا غير فلو — نظرت للأشهر الستة عشر أو نحو ذلك التي قضاها والداها في ذلك المكان كعهد قديم أكثر رقة وجمالًا تخللته بعض لمحات الترف. لم يتبقَّ لروز من تلك الأيام سوى بعض كئوس البيض التي كانت والدتها قد اشترتها، والتي كانت تحمل رسومًا دقيقة باللون الأحمر للكرمات والطيور، كادت تنمحي من عليها وكأنها كانت مرسومة بالحبر الأحمر. لم تتبقَّ أية كتب أو ملابس أو صور لوالدتها. لا بد أن والدها قد تخلص منها جميعًا، أو لعل فلو هي مَن فعلت ذلك. والقصة الوحيدة التي ترويها فلو عن والدتها — وهي قصة وفاتها — كانت بغيضة على نحو غريب. أحبَّت فلو تفاصيل الموت؛ ما يقوله الأشخاص عند احتضارهم، اعتراضهم أو محاولتهم النزول من السرير، سبابهم أو ضحكاتهم (بعضهم فعل هذه الأمور بالفعل). لكن عندما كانت فلو تروي ما ذكرته والدة روز عن البيضة المسلوقة في صدرها، كانت تشير إلى حماقة هذه المقارنة، كما لو كانت والدتها من هؤلاء الأشخاص الذين يصدقون حقًّا أنه بإمكان المرء ابتلاع بيضة كاملة.
كان لوالد روز سقيفة خارج المتجر مارس فيها عمله في إصلاح الأثاث وتجديده؛ فكان ينجد مقاعد الكراسي ومساندها، ويصلح منتجات الخوص، ويملأ الشقوق، ويعيد تركيب الأرجل، وكان يفعل كل ذلك بأعلى درجات المهارة والبراعة وبأبخس الأسعار. فكان ذلك مصدر فخره؛ أن يبهر الناس بعمله الدقيق والمبهر، وبتلك الأسعار البخسة، بل والمضحكة في بعض الأحيان. لعل السبب وراء ذلك هو أن الناس أثناء الكساد لم يمكنهم دفع مبالغ أكبر، لكن والد روز لم يغير هذه الأسعار أثناء الحرب، وأثناء سنوات الرخاء التي تلت الحرب، واستمر في ذلك إلى أن توفي. ولم يتناقش قط مع فلو بشأن ما كان يحصل عليه من أجر مقابل عمله، وما كان يدين به من مال. لذا، كان عليها بعد وفاته فتح السقيفة، وجمع كافة قصاصات الورق وأظرف الخطابات المقطعة من على الخطافات الكبيرة ذات المظهر الموحي بالشر التي كان يجمع عليها أوراقه. والكثير من تلك الأوراق التي عثرت عليها لم تكن حسابات أو إيصالات على الإطلاق، وإنما تدوينات لأحوال الطقس، وبعض المعلومات عن الحديقة، وأشياء أخرى ثمة ما دفعه لتدوينها:
تناولت بطاطس جديدة، ٢٥ يونيو. تسجيل.
يوم مظلم، العقد الأول من ثمانينيات القرن التاسع عشر، ما من شيء غريب. سُحُب من الرماد من حرق الغابات.
١٦ أغسطس ١٩٣٨. عاصفة رعدية مهيبة في المساء. برق. الكنيسة المشيخية، مدينة ترنبيري. أهي إرادة الرب؟
تسخين الفراولة لإزالة الحمض.
كل الأشياء حية. سبينوزا.
ظنت فلو أن سبينوزا نوع جديد من الخضراوات كان ينوي والد روز زراعته، مثل البروكلي أو الباذنجان؛ فقد اعتاد تجربة أشياء جديدة. أطلعت فلو روز على قصاصة الورق، وسألتها إن كانت تعلم معنى كلمة سبينوزا. وكانت روز تعلم بالفعل معناها، أو لديها فكرة عنه (فقد كانت في مرحلة المراهقة آنذاك)، لكنها قالت إنها لا تعلم. بلغت روز في ذلك الوقت مرحلة من العمر لم تعد تتحمل فيها معرفة أي شيء آخر عن والدها أو عن فلو؛ فكانت تغض الطرف عن أي شيء تكتشفه عنهما شاعرة بالتحرج والرهبة.
احتوت السقيفة على موقد، والعديد من الأرفف غير المصقولة تعلوها علب الطلاء والورنيش، وصمغ اللك، والتربنتين، وبرطمانات تحتوي على فرش مغمورة في الطلاء، وبعض زجاجات دواء السعال اللزجة داكنة اللون. ما الذي يدفع رجلًا عاش طوال حياته يسعل ويعاني من تأثر رئتيه بغازات الحرب (المعروفة في السنوات الأولى من طفولة روز بالحرب «الأخيرة»، وليست «الأولى») أن يقضي عمره بالكامل في استنشاق أدخنة الطلاء والتربنتين؟ آنذاك، لم تكن مثل هذه الأسئلة تُطرَح كثيرًا كما هو الحال الآن. وعلى المقعد الموجود خارج متجر فلو، اعتاد الكثير من الرجال كبار السن من سكان الحي الجلوس للثرثرة والنوم الخفيف في الطقس الدافئ، وكان بعضهم يسعل أيضًا طوال الوقت، والحقيقة أنهم كانوا يحتضرون ببطء وسرية بسبب ما كانوا يطلقون عليه — دون أي نوع من التذمر — مرض «المسبوكات المعدنية». عمل أولئك الرجال طيلة حياتهم في سبك المعادن في المدينة، وها هم الآن متقاعدون عن العمل بوجوه ذابلة هزيلة، يسعلون، ويضحكون ضحكات خافتة، وينجرفون في فحش عبثي بتعقب السيدات اللاتي مررن من أمامهم أو أية فتاة تقود عجلتها أمام أعينهم.
لم تقتصر الأصوات الصادرة من السقيفة على السعال فحسب، وإنما كان هناك أيضًا حديث وهمهمة متواصلة، سواء تأنيبية أو تشجيعية. وعادة ما كانت هذه الأصوات خفيضة على نحو يحول دون تمييز سوى بضع كلمات منها. وكان إيقاعها يقل عندما كان والدها يعمل على شيء يحتاج بعض التركيز، في حين يزيد هذا الإيقاع على نحو مبهج عندما كان يؤدي عملًا على درجة أقل من التركيز المطلوب، مثل الصنفرة أو الطلاء. وبين الحين والآخر، كانت بعض الكلمات التي ينطق بها تخترق مسامعها وتبدو دون معنى وحدها، وعندما كان يدرك ذلك، كان يسرع على الفور بإحداث تشويش ما، إما بالسعال، أو الازدراد، كنوع من الإنذار، أو الصمت غير المألوف.
«مكرونة، بيبروني، بوتيتشيلي، حبوب …»
ما الذي قد يعنيه ذلك؟ اعتادت روز تكرار هذه الكلمات مع نفسها. ولم تتمكن من طرح هذا السؤال على والدها قط؛ فالشخص الذي نطق بهذه الكلمات يختلف عن الشخص الذي كان يتحدث معها كوالدها، مع أنهما يسكنان نفس الجسم. ولم يكن من الحكمة على الإطلاق إدراك وجود ذلك الشخص الذي لم يكن من المفترض وجوده؛ فهذا شيء لا يُغتفَر. ومن ثم، واصلت روز التسكع حول المكان والإنصات.
وفي إحدى المرات، سمعته يقول: «الأبراج التي تناطح السحاب.»
«الأبراج التي تناطح السحاب، القصور العظيمة.»
كان وقع الأمر على روز شديدًا، لكنه لم يتسبب في إيلامها، وإنما إبهارها وحبس أنفاسها. شعرت في تلك اللحظة بالرغبة في الركض والهروب بعيدًا، فكانت تعلم أن ما سمعته كان كافيًا، إلى جانب خشيتها من أن يراها والدها. فإن رآها، سيكون العقاب مروعًا.
تشابه ذلك مع الأصوات الصادرة من دورة المياه. كانت فلو قد ادخرت بعض النقود، وأقامت دورة مياه في المنزل، إلا أنها لم يكن لها مكان إلا بأحد أركان المطبخ، حيث الباب لم يكن مثبَّتًا جيدًا، والحوائط مصنوعة من ألواح الألياف الخشبية المضغوطة فقط. وكانت النتيجة أنَّ مَن يعملون أو يتحدثون أو يأكلون في المطبخ كانوا يسمعون أي صوت يصدر من الحمام، مهما كان خفيضًا مثل قطع ورق المناديل، أو أية حركة بسيطة. واعتاد الجميع بعضهم أصوات بعض، ليس فقط في دورة المياه، وإنما أيضًا في التأوهات الحميمة والدمدمات والالتماسات والعبارات. إلا أنهم جميعًا اتسموا بالاحتشام الشديد. فلم يظهر على أحد قط ما يشير إلى سماعه أو استماعه لما يحدث، كما لم يذكر أحد الأمر قط. وكأن الشخص الذي يُصدر الأصوات في دورة المياه ليس هو من يخرج منها.
عاشت الأسرة في الجانب الفقير من المدينة؛ فكانت هناك منطقتان: هانراتي وهانراتي الغربية، يفصل بينهما نهر متدفق. والمكان الذي عاشت فيه الأسرة هو هانراتي الغربية. تدرَّجت البنية الاجتماعية في هانراتي ما بين الأطباء وأطباء الأسنان والمحامين وصولًا إلى عمال سبك المعادن والمصانع وسائقي عربات نقل الأحمال. أما هانراتي الغربية، فتدرَّج سكانها من عمال المصانع وسبك المعادن وصولًا إلى العائلات الكبيرة المفككة التي تضم المتهورين، الذين يعملون في تهريب الخمور، والعاهرات واللصوص الفاشلين. نظرت روز لعائلتها على أنها في المنتصف بين هانراتي وهانراتي الغربية، لا تنتمي لأي منهما وكأنها تقطن النهر. لكن ذلك لم يكن صحيحًا؛ فالمتجر يقع في منطقة هانراتي الغربية، وهناك عاشت أسرتها أيضًا في نهاية الشارع الرئيسي. وعلى الجانب المقابل للمتجر، كان هناك متجر الحداد، الذي غُطيت نوافذه وأبوابه بألواح الخشب مع بداية الحرب تقريبًا، بالإضافة إلى منزل آخر كان متجرًا في السابق. ولم تُنزَل لافتة «شاي سالادا» من على النافذة الأمامية له قط؛ وإنما ظلت تزين المكان كمصدر للفخر والاهتمام، مع أن المكان بالداخل لم يكن يبيع أي شاي بهذا الاسم. أما الرصيف، فكان ضيقًا ومحطمًا ومائلًا على نحو لا يسمح بالتزلج عليه باستخدام الأحذية ذات العجلات. لطالما رغبت روز في اقتناء أحذية تزلُّج، وتخيَّلت نفسها كثيرًا وهي تتحرك بخفة وأناقة في تنورتها مربعة النقوش. كان في الشارع، كذلك، مصباح إضاءة واحد، وزهرة مزروعة في علبة من القصدير؛ وبعد ذلك تختفي وسائل الراحة وتظهر الطرق القذرة والمستنقعات، والقمامة الملقاة في الأفنية الأمامية، والمنازل غريبة الشكل. ما جعل المنازل غريبة الشكل هو محاولات قاطنيها الحفاظ عليها من الانهيار التام، لكن ثمة بعض المنازل الأخرى التي لم يحاول أحد الحفاظ عليها قط، وهي المنازل التي بدت رمادية اللون ومائلة للأمام ونال السوس من أخشابها، تقبع في محيط من الحفر المليئة بالأشجار الخفيضة، والبرك التي تعيش فيها الضفادع، والأعشاب السبخية، وأعشاب القراص. لكن أغلب المنازل رُقِّعت بورق القطران، والقليل من الألواح الخشبية الجديدة، وألواح من الصفيح، ومداخن المواقد المطروقة، بل حتى بالورق المقوَّى أيضًا. كان ذلك، بالطبع، قبل الحرب، وهي الأيام التي أصبحت بعد ذلك تُعرَف بأيام «الفقر الأسطوري». لم تكن روز تتذكر من تلك الأيام سوى المشاهد الكئيبة، مثل درجات السلم الخشبية وكثبان النمل التي تبدو خطرة، والصورة القاتمة والمثيرة والجدلية للعالم. •••
سادت هدنة طويلة بين فلو وروز في البداية. وأخذت شخصية روز تنمو كثمرة الأناناس الشائكة، لكن ببطء وسرِّية، فتبلورت شخصيتها بحيث صارت تتمتع بدرجة عالية من عزة النفس والنزعة للشك، الأمر الذي جاء مُفاجِئًا، حتى لروز نفسها. وقبل أن تصل إلى سن المدرسة، وبينما كان براين لا يزال في المهد، قضت روز أوقاتها في المتجر مع فلو وبراين، فكانت فلو تجلس على الكرسي المرتفع خلف منضدة الخزينة، وبراين ينام بجوار النافذة؛ بينما تجثو روز على ركبتيها أو تستلقي على ألواح الأرضية العريضة، التي كانت تصدر صريرًا، لترسم بالألوان على قطع الورق البني الممزق أو غير المنتظم الذي لا يصلح للتغليف.
كان أغلب من ترددوا على المتجر من المنازل المجاورة، إلى جانب بعض القرويين المارين على المكان في طريق عودتهم من المدينة إلى ديارهم، فضلًا عن عدد قليل من سكان هانراتي الذين كانوا يعبرون الجسر. وُجد دومًا بعض الأفراد في الشارع الرئيسي، داخل المتاجر وخارجها، كما لو كان من واجبهم الظهور دومًا في الشارع، ومن حقهم أن يُرحَّب بهم؛ ومنهم على سبيل المثال، بيكي تايد.
قفزت بيكي تايد لتجلس على منضدة فلو، مفسحةً مكانًا لنفسها بجوار علبة مفتوحة من البسكويت المحشو بالمربى المتساقط منه بعض الفتات.
سألت بيكي فلو: «هل هذا مذاقه جيد؟» وأخذت تأكل منه بجرأة، واستطردت قائلةً: «متى ستمنحينني وظيفة، يا فلو؟»
فردَّت عليها فلو ببراءة: «يمكنك الذهاب والعمل في محل الجزارة مع أخيك.»
قالت بيكي بنوع من الازدراء المُصطنع: «روبرتا؟ هل تظنين أنه من الممكن أن أعمل معه؟» كان اسم أخيها، الذي يدير محل الجزارة، روبرت، لكنه اشتهر باسم روبرتا نظرًا لأسلوبه المهادن والمتململ. ضحكت بيكي تايد. كانت ضحكتها رنانة ومزعجة كمحرك مزعج.
كانت بيكي قصيرة القامة، كبيرة الرأس عالية الصوت، ذات مظهر خارجي يملؤه الغرور لا يميزها كأنثى، وترتدي قلنسوة مخملية حمراء. كان عنقها ملتويًا، ما أجبرها على تثبيت رأسها في اتجاه واحد، بحيث تنظر دومًا للأعلى وللجانبين. كانت ترتدي حذاء لماعًا عالي الكعب، كان حذاءً يليق بسيدة حقيقية. أخذت روز تحدق في حذائها فقط؛ فكانت تخشى كل ملمح آخر في تلك الفتاة؛ وخاصة ضحكتها وعنقها. علمت روز من فلو أن بيكي تايد أُصيبت بشلل الأطفال وهي طفلة، وهذا ما تسبب في التواء عنقها وقصر قامتها. كان من الصعب التصديق أن تلك الفتاة كانت لها هيئة أخرى غير تلك التي عليها الآن، وأنها كانت طبيعية في يوم من الأيام. ذكرت فلو أنها ليست مخبولة، وإنما عاقلة شأنها شأن أي شخص آخر، لكن بوسعها فعل كل ما يروق لها دون أن تلقى أي عقوبة.
سألت بيكي: «تعلمين أنني كنت أعيش هنا، أليس كذلك يا فلو؟» كانت قد لاحظت آنذاك وجود روز، فنادت عليها: «يا فتاة! ما اسمك؟»
فأجابتها فلو، كما لو كانت تجهل الأمر: «إن فعلتِ، فقد كان ذلك قبل مجيئي إلى هنا.»
«كان ذلك قبل أن يتدهور الحال بالحي على هذا النحو. أستميحك عذرًا فيما أقوله. شيَّد والدي منزله هنا، وأقام المجزر الخاص به، وكنا نمتلك بستانًا بلغت مساحته نصف فدان.»
قالت فلو بصوت مازح مليء باللطف الزائف، بل والتواضع أيضًا: «حقًّا؟ فلِمَ رحلتم إذن؟»
أجابتها بيكي: «لقد أخبرتُكِ للتو، تدهور حال الحي.» كانت بيكي ستضع بسكويتة كاملة في فمها، إذا رغبت في ذلك، وتترك وجنتيها تنتفخان كالضفدع. وبتناولها البسكويت، سكتت عن الحديث، ولم تنطق بأية كلمة أخرى.
كانت فلو على علم بما تتحدث عنه بيكي، الجميع كان على علم بذلك. عرف الجميع ذلك المنزل المشيد بالطوب الأحمر، الذي يحتوي على شرفة وبستان، أو بالأحرى ما تبقى من البستان الذي صار ممتلئًا بالنفايات المعتادة، مثل مقاعد السيارات وغسالات الملابس، وزنبركات الأسرَّة والخردة. وبالرغم مما حدث في ذلك المنزل، لم يبدُ مشئومًا قط، وذلك بسبب كل ما أحاط به من حطام وفوضى.
ذكرت فلو أن والد بيكي كان جزارًا مختلفًا عن أخيها؛ فقد كان رجلًا إنجليزيًّا حادَّ الطباع، ويختلف عن بيكي فيما يتعلق بكثرة الحديث؛ إذ كان صموتًا. كان ربَّ أسرة بخيلًا وطاغية. بعد أن أصيبت بيكي بشلل الأطفال لم يُسمح لها بالذهاب إلى المدرسة، وكانت نادرًا ما تُرَى خارج المنزل، ولم تُرَ قط خارج الفناء. لم يرغب والدها في أن يبدي الناس الشماتة فيها. كان هذا ما قالته بيكي في المحاكمة. كانت والدتها قد توفيت بحلول ذلك الوقت، وتزوجت شقيقتاها، ولم يتبقَّ بالمنزل سواها هي وروبرت. كان الناس يوقفون روبرت في الطريق ويسألونه: «كيف حال أختك؟ هل هي بخير الآن؟»
«نعم.»
«هل تقوم بأعمال المنزل؟ هل تعد لك عشاءك؟»
«نعم.»
«هل يُحسن أبوك معاملتها؟»
شاع عن والد بيكي وروبرت أنه يضربهما، وأنه كان يضرب جميع أبنائه، بل وزوجته أيضًا. وكان يضرب بيكي أكثر بسبب عاهتها الجسدية، التي ظن البعض أنه هو من تسبَّب في إصابتها بها (كانوا يجهلون مرض شلل الأطفال). استمر الناس في حبك القصص عن تلك العائلة والاستفاضة فيها؛ فقيل إن السبب وراء إخفاء بيكي عن الأنظار هو حملها، وأن والدها هو والد هذا الطفل. وقيل أيضًا إنها وضعت طفلها، وتم التخلص منه.
«ماذا؟»
أجابت فلو: «تم التخلص منه. اعتاد الناس القول إن أفضل قطع للحم الحملان يكون بمجزر تايد!» وأضافت بشيء من الأسف: «كان كل ذلك أكاذيب على الأرجح.»
لفتت نبرة الحسرة والشفقة والحذر التي شابت حديث فلو انتباه روز عن مشاهدة تحريك الرياح للظُّلة القديمة المتمزقة. عندما كانت فلو تروي قصة ما — لم تكن تلك القصة الوحيدة التي تعرفها، أو حتى أكثرها بشاعة — كانت تحني رأسها، ويبدو وجهها رائقًا ورصينًا وآسرًا ومحذِّرًا.
«ليس من المفترض أن أتحدث معك عن هذه الأمور.»
واصلت فلو روايتها للقصة.
اجتمع ثلاثة شباب ممن يتسكعون في إسطبلات الخيول المعروضة للإيجار — أو جمعتهم معًا شخصيات أكثر نفوذًا واحترامًا في المدينة — وتأهبوا لضرب تايد العجوز بالسياط، دفاعًا عن الأخلاق العامة. طلا أولئك الشباب وجوههم باللون الأسود، وحصلوا على سياط وربع كأس ويسكي لكلٍّ منهم ليمنحهم الشجاعة. وقد كانوا: جيلي سميث، عدَّاء في سباقات الخيل وسكير؛ وبوب تمبل، لاعب كرة مفتول العضلات؛ وهات نيتلتون، الذي يعمل في نقل الأثقال بالمدينة، وحصل على اسم شهرته «هات» بسبب القبعة المستديرة السوداء التي كان يرتديها من باب الخيلاء والمزاح في الوقت نفسه. كان لا يزال يعمل في نقل الأثقال وظل محتفظًا باسمه، وإن لم يعد يرتدي القبعة، وكان يمكن رؤيته علنًا — بقدر ما يمكن رؤية بيكي تايد — وهو ينقل أكياس الفحم، التي سوَّدت وجهه وذراعيه. من المفترض أن يستدعي ذلك قصة ذلك الرجل، ولكن ذلك لم يحدث؛ فالحاضر والماضي — ذلك الماضي الميلودرامي المبهم لقصص فلو — كانا منفصلين تمامًا، على الأقل بالنسبة إلى روز، فما كان لشخصيات الحاضر أن تتلاءم مع الماضي. بيكي نفسها، أعجوبة المدينة والشخصية المدللة للجميع، المسالمة والخبيثة، لا يمكن ربطها أبدًا بسجينة الجزار، تلك الابنة العاجزة، ذات الوجه الأبيض الذي يطل من الشباك، الصامتة، المقهورة، والمُغتصَبة. شأنها شأن منزل الجزار، لا يمكن ربط ما كان عليه في الماضي بما صار عليه في الحاضر إلا رسميًّا فقط.
وصل الشباب، الذين استعدوا لضرب الجزار العجوز بالسياط، أمام منزله في وقت متأخر من اليوم بعد أن نام الجميع. كان معهم سلاح ناري، لكنهم استنزفوا ما معهم من ذخيرة بإطلاقها في فناء المنزل. أخذوا يصيحون على الجزار كي يخرج لهم، ويطرقون الباب بقوة حتى تمكنوا في النهاية من كسره. استنتج تايد أنهم يريدون المال، فوضع بعض الأوراق النقدية في منديل، وأرسلها مع بيكي، ربما ظنًّا منه أنهم سيتأثرون أو يخافون عند رؤيتهم فتاة صغيرة قصيرة القامة ملتوية العنق أمامهم. لكن ذلك لم يُرضِهم؛ فصعدوا الدَّرَج وجرُّوه من تحت السرير وهو برداء النوم إلى الخارج وأوقفوه وسط الجليد. كانت الحرارة آنذاك أربعًا تحت الصفر، وهو الأمر الذي ذُكِر لاحقًا في المحكمة. اعتزم أولئك الشباب عقد محاكمة صورية لتايد، لكنهم لم يستطيعوا تذكُّر كيفية إجرائها، ومن ثم، بدءوا في ضربه، واستمروا في ذلك إلى أن سقط على الأرض. أخذوا يصرخون في وجهه: «يا لحم الجزار!» وواصلوا الضرب، بينما استحال رداء النوم الذي كان يرتديه والثلج الذي استلقى عليه إلى اللون الأحمر. قال ابنه روبرت في المحكمة إنه لم يشهد الضرب، في حين قالت بيكي إن روبرت شاهد ما حدث في البداية، ثم هرب واختبأ. هي نفسها شاهدت كل ما حدث حتى النهاية، ورأت الرجال وهم يغادرون المكان، ووالدها يتقدم ببطء وسط الجليد والدم ينزف من جسده، حتى صعد درجات الشرفة. لم تخرج بيكي لمساعدته، ولم تفتح الباب حتى وصل إليه. وعند سؤالها في المحكمة عن سبب ذلك، قالت إنها لم تخرج إليه لارتدائها رداء النوم فقط، ولم تفتح الباب لأنها لم ترغب في دخول الصقيع إلى المنزل.
بدا بعد ذلك أن استعاد تايد العجوز عافيته، فأرسل روبرت لإعداد الحصان، وجعل بيكي تسخن بعض الماء ليغتسل. وارتدى ملابسه، وأخذ كل ما معه من مال، وبدون أي شرح لأبنائه عما يفعله، أخذ المركبة وقادها إلى بِلجريف، حيث ترك الحصان مقيدًا في الصقيع، واستقل القطار الذي انطلق في الصباح الباكر إلى تورونتو. وعلى متن القطار، تصرف على نحو غريب، وأخذ يدمدم ساخطًا ويسب كما لو كان مخمورًا. وعُثِر عليه في اليوم التالي في أحد شوارع تورونتو، فاقدًا الوعي ومحمومًا، فنُقِل إلى المستشفى حيث توفي. وكانت لا تزال معه كل أمواله. وشُخِّص سبب الوفاة بالالتهاب الرئوي.
لكن السلطات سمعت بالأمر، وفقًا لرواية فلو. وأُحيلت القضية إلى المحكمة، وحُكِم على الرجال الثلاثة الذين اعتدوا عليه بالسجن مدة طويلة. مسرحية هزلية، هكذا وصفت فلو ما حدث. ففي غضون عام واحد، أُفرِج عنهم جميعًا بعد أن صدر أمر بالعفو عنهم، وكانت هناك وظائف بانتظارهم، وكان السبب في ذلك هو تدخل العديد من علية القوم في هذا الشأن. وبدا كلٌّ من بيكي وروبرت غير مهتمَّيْن بتنفيذ العدالة؛ فقد تركهما والدهما ميسوري الحال، واشتريا منزلًا في هانراتي، وأدار روبرت محل الجزارة، في حين بدأت بيكي — بعد عزلتها التي دامت طويلًا — في الظهور والاندماج الاجتماعي.
انتهت القصة على هذا النحو، فتوقفت فلو عن روايتها كما لو كانت قد سئمت منها، فلم تعد بالخير على أحد.
قالت فلو: «تخيلي!»
كانت فلو آنذاك، بلا شك، في أوائل الثلاثينيات من عمرها؛ امرأة شابة ترتدي ملابس سيدة في الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات من عمرها: فساتين منزلية كثيرة الألوان وفضفاضة حول الرقبة والأكمام والخصر؛ ومِيدَعَة مطبخ كثيرة الألوان أيضًا كانت تخلعها عند خروجها من المطبخ ودخولها المتجر. كان ذلك الزي هو الشائع آنذاك لسيدة فقيرة، وإن لم تكن معدمة، لكنه كان في الوقت نفسه اختيارًا حرًّا يوحي بالازدراء؛ فكانت فلو تزدري السراويل الفضفاضة، والملابس التي يحاول الناس التأنق بارتدائها، وأحمر الشفاه وتموجات الشعر الثابتة؛ فكانت تقص شعرها الأسود مستقيمًا بحيث يصل طوله إلى خلف أذنيها بالضبط. كانت فلو طويلة القامة، لكنها تمتعت في الوقت ذاته بتنسيق عظمي جيد، فكان عرض معصميها وكتفيها صغيرًا، ورأسها صغير، ووجهها شاحب منمش متقلب يشبه وجه القرد. لو كانت فلو تؤمن بأهمية الاعتناء بالذات، وكان لديها الموارد اللازمة، لكان من الممكن أن تتمتع بنوع من الجمال الرقيق الذي يجمع بين سمرة البشرة وشحوبها، ذلك الجمال الذي يبدو طبيعيًّا؛ هذا ما أدركته روز فيما بعد، لكن كي يتحقق ذلك، كان على شخصية فلو أن تتبدل تمامًا، وأن تقاوم رغبتها في تقطيب جبينها لنفسها وللآخرين.
جمعت ذكريات روز المبكرة عن فلو بين قدر هائل من النعومة والخشونة في نفس الوقت. أما النعومة، فتمثلت في شعرها الناعم، ووجنتيها الطويلتين الشاحبتين الناعمتين، والشعيرات الناعمة التي تكاد تكون غير مرئية أمام أذنيها وفوق فمها. أما الخشونة، فكانت في ركبتيها، وحِجرها، وتسطُّح جبهتها.
عندما غنت فلو:
كم هو جميل طنين النحل في أشجار السجائر ونافورات المياه الغازية …
أخذت روز تفكر في حياة فلو السابقة لزواجها من والدها، عندما كانت تعمل نادلة في المقهى الموجود في محطة قطار «يونيون ستيشن»، وتذهب مع صديقتيها ميفيس وآيرين إلى جزيرة «سنتر آيلاند»، ويتبعهن الرجال في الشوارع المظلمة. كانت تعلم كيفية عمل المصاعد وهواتف العملة. سمعت روز في صوتها ما يوحي بالحياة الطائشة والخطرة في المدن من خلال إجاباتها الحادة والعصبية.
وعندما غنت:
ثم برفق استيقظَت وبرفق اقتربَت منه ولم تنطق إلا بهذه الكلمات، أيها الشاب، أظنك تحتضر!
تصورت روز الحياة التي عاشتها فلو لأبعد من ذلك الحد؛ حياة مليئة بالأحداث وأسطورية، مع أغنية «باربارا آلين» ووالد بيكي تايد، بكل ما اختلط فيها من نوبات الغضب والحزن. •••
الضرب الملكيُّ. كيف بدأ؟
تخيلْ أحد أيام السبت في فصل الربيع؛ أوراق الأشجار لم تنبت بعد، لكن الأبواب مفتوحة ليتخللها ضوء الشمس، والديوك تعلو أصواتها في الأجواء، والمياه تملأ المجاري المائية. طقس يبعث الأمل في النفوس. اعتادت فلو أيام السبت ترك المتجر في رعاية روز — كان ذلك منذ بضعة أعوام من الآن، عندما كانت روز في التاسعة أو العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها — بينما كانت تعبر هي الجسر إلى هانراتي (كانت هانراتي تُسمَّى الجزء الأعلى من المدينة) للتسوق ورؤية الناس والاستماع إليهم. ومن بين الأشخاص الذين استمعت إليهم فلو، السيدة ديفيس زوجة المحامي، والسيدة هينلي سميث زوجة الكاهن الإنجليكاني، والسيدة ماكاي زوجة طبيب الخيول. وعند عودتها للمنزل، كانت تقلِّد أصواتهن الحمقاء. جعلتهن يبدين كوحوش تملؤها الحماقة والزيف والتباهي بالذات.
عندما كانت فلو تنتهي من التسوق، كانت تدخل المقهى الموجود بفندق «كوينز هوتيل» وتتناول الآيس كريم. وعند عودتها للمنزل، يسألها براين وروز: «ما كانت نكهته؟» وكانا يصابان بالإحباط إذا كان بالأناناس أو بحلوى السكر والزبد فقط، ويسعدان إذا كان بشراب الشوكولاتة والفستق أو بالشوكولاتة والفانيليا. وبعد الآيس كريم، كانت تشعل سيجارة. حملت معها بعض السجائر الجاهزة كي لا تضطر للفها أمام الناس. كان التدخين من الأمور التي كانت فلو تفعلها وتطلق عليها تفاخرًا عندما يفعلها أي شخص آخر. اعتادت التدخين منذ أيام عملها في تورونتو، وكانت تعلم أنه يجلب إليها المشاكل؛ ففي إحدى المرات، وقف قس كاثوليكي على يمينها في فندق «كوينز هوتل»، وأشعل الولاعة أمامها قبل أن تتمكن من إخراج الثقاب، فشكرته، لكنها لم تدخل معه في أية مناقشة، خشية أن يحاول هدايتها.
مرة أخرى، وفي طريقها إلى المنزل، رأت فتى يرتدي سترة زرقاء ويبدو أنه ينظر في الماء عند نهاية الجسر من ناحية المدينة. ربما كان في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره. لم تعرفه فلو من قبل. كان نحيفًا وهزيلًا وبه خطب ما لمحته فلو على الفور. هل كان يفكر في القفز من فوق الجسر؟ ما إن وصلت عنده فلو حتى استدار وأظهر نفسه لها، وقد فتح السترة والسروال. بدا وكأن ذلك من آثار ما عانى منه الفتى نتيجة للبرد في ذلك اليوم، مثل هذا الطقس الذي دعا فلو أن تطوي ياقة المعطف حول عنقها لتدفئ نفسها.
عندما رأت فلو، للوهلة الأولى، ما كان يحمله ذاك الفتى بين يديه، كلُّ ما تمكنت من التفكير فيه هو: «ما الذي يفعله هذا الفتى هنا ممسكًا بقطعة السجق هذه؟»
كان بإمكانها قول ذلك، وعبَّرت عنه كحقيقة وليس مزحة، فلطالما أكدت فلو أنها تكره الكلام البذيء؛ وكانت تخرج من المتجر لتصيح في الرجال كبار السن الجالسين أمامه، قائلةً:
«إذا أردتم البقاء هنا، فعليكم بانتقاء ألفاظكم!»
وفي أحد أيام السبت، قررت فلو لسبب ما عدم الذهاب إلى الجزء العلوي من المدينة، والبقاء في المنزل، وتنظيف أرضية المطبخ. لعل ذلك تسبَّب في تعكُّر مزاجها، وربما كان مزاجها متعكرًا بالفعل بسبب عدم دفع الناس ديونهم المستحقة لها، أو لعل السبب هو تأجُّج المشاعر الذي يصيب الناس في الربيع. كان الشجار قد بدأ مع روز بالفعل، وهو مستمر إلى الأبد، كالحلم الذي يتداخل مرارًا وتكرارًا مع أحلام أخرى، ليظهر من فوق التلال وعبر الأبواب، معتمًا ومزدحمًا، مألوفًا ومحيرًا في نفس الوقت. كانت فلو وروز تُخرِجان جميع الكراسي من المطبخ استعدادًا لتنظيف الأرضية، وكان عليهما أيضًا أن ينقلا بعض مؤن المتجر الإضافية إلى المتجر، وبعض العلب الكرتونية التي تحوي السلع المُعلَّبة، وصفائح شراب القيقب، وعلب زيت الفحم، وبرطمانات الخل. وكانتا تنقلان هذه الأشياء إلى السقيفة الخشبية. وكان براين، الذي بلغ من العمر خمس أو ست سنوات آنذاك، يساعدهما في جر علب الصفيح.
قالت فلو لروز، وهي تواصل حديثها الذي لم يُذكَر هنا: «نعم، وتلك البذاءة التي تعلمينها لبراين.»
«أية بذاءة؟»
«ولا يجيد سواها.»
كانت هناك درجة سلم واحدة للنزول من المطبخ إلى السقيفة الخشبية، وكانت مغطاة بقطعة من السجاد المتآكل، حتى إن روز لا تذكر النقش الذي كان مرسومًا عليه في يوم من الأيام. تسبَّب براين في تفكُّك هذه السجادة بسحبه إحدى العلب الصفيح عليها.
قالت روز بصوت خفيض: «اثنان من فانكوفر …»
كانت فلو في المطبخ. أخذ براين ينظر إلى فلو ثم إلى روز، وروز تكرر بصوت مُشجِّع أعلى قليلًا ولكنه بنفس النبرة: «اثنان من فانكوفر …»
فأكمل براين المقطع، بعد أن فشل في التحكم في نفسه: «مقليَّان في المخاط!»
«مؤخرتان مخللتان …»
«… مربوطتان في عقدة!»
ها هي ذي البذاءة!
اثنان من فانكوفر مقليان في المخاط! مؤخرتان مخللتان مربوطتان في عقدة!
عرفت روز تلك الأغنية منذ سنوات عديدة، فتعلَّمتها عند دخولها المدرسة للمرة الأولى، وعند عودتها إلى المنزل آنذاك سألت فلو عن معنى كلمة «فانكوفر».
«إنها مدينة بعيدة للغاية عن هنا.»
«هل لها أي معنى آخر؟»
فسألتها فلو عما تعنيه. ما المعنى الآخر الذي يمكن أن تحمله؟ فردت عليها روز: «أعني كيف يمكن أن تكون مقلية؟» لتصل بذلك إلى اللحظة الخطيرة والمبهجة في الوقت نفسه، وهي اللحظة التي تغنَّت فيها بالأغنية كاملة.
فما كان من فلو إلا أن صاحت فيها بغضب متوقع: «سوف تُضرَبين! كرري ما قلتِهِ الآن، وسوف تُضرَبين ضربًا مبرحًا!»
لم تستطع روز كبح جماح نفسها، فأخذت تدندن بالكلمات بصوت خافت، محاولةً النطق بالكلمات البريئة بصوت عالٍ، والهمهمة بباقي الكلمات. لم يكن ما يمتعها هو كلمتا «مخاط» و«مؤخرتان» فحسب — وإن كانتا تفعلان ذلك بالفعل — وإنما استمتعت أيضًا بالمخلل والربط والاثنين من فانكوفر اللذين لم تستطع تخيلهما. أخذت تتصور شكلهما في عقلها؛ فرأتهما في صورة أخطبوطين ينتفضان في مقلاة. كانت تصورات تداعى فيها المنطق، وانطلقت فيها شرارات الجنون.
ومؤخرًا، تذكرت روز تلك الأغنية، وعلَّمتها لبراين لترى ما إذا كان لها نفس التأثير عليه، وبالطبع كانت كذلك.
عندما سمعته فلو، صاحت: «يا إلهي! لقد سمعتُكَ! وأنا أحذِّركَ!»
كانت تحذِّره بالفعل. وبعد أن تلقَّى براين هذا التهديد فرَّ هاربًا من باب السقيفة الخشبية، ليفعل ما يشاء. فكونه فتى منحه حرية الاختيار بين المساعدة والمشاركة أو لا، فلم يكن ملتزمًا بالمشاركة في أعباء المنزل، ولم تكن الأسرة بحاجة إليه على أية حال، فيما عدا استخدامها له كأداة في صراع بعضهم مع بعض. وكانوا لا يلاحظون اختفاءه؛ ويواصلون صراعهم. فلا يستطيعون منع أنفسهم من المواصلة، لا يستطيع أيٌّ منهم ترك الآخر وشأنه. وحين كان يبدو عليهم الاستسلام، كانت صدورهم تتأجج بالحنق في تأهب للحظة الصراع.
أخرجت فلو دلو التنظيف والفرشاة والممسحة والوسادة التي تجثو بركبتيها عليها، وهي وسادة مطاطية حمراء اللون متسخة. شرعت في تنظيف الأرضية، بينما كانت روز تجلس على طاولة المطبخ، وهي المكان الوحيد المتبقي للجلوس عليه. وأخذت تؤرجح ساقيها. كان بإمكانها الشعور بملمس المشمع البارد تحتها؛ إذ ارتدت بنطالًا قصيرًا. كان ذلك بنطال الصيف الماضي الضيق باهت اللون الذي أخرجته من حقيبة ملابس الصيف، وكانت تفوح منه رائحة كريهة بعض الشيء بسبب فترة التخزين الشتوي.
زحفت فلو على الأرضية لتنظفها بالفرشاة، وتمسحها بالممسحة. كانت ساقاها طويلتين، بيضاوين، وقويتي العضلات، وتملؤهما الشرايين الزرقاء كما لو كان أحد قد رسم عليهما أنهارًا بقلم لا يُمحَى. طاقة غير طبيعية، واشمئزاز ينفث عنفًا ظهرا في احتكاك الفرشاة بمشمع الأرضية وحفيف الممسحة.
ما الذي كان على كلٍّ منهما قوله للأخرى؟ لا يهم حقًّا. فتحدثت فلو عن تحاذق روز، ووقاحتها، وسلوكها غير المسئول، وغرورها، واستعدادها لتحميل الآخرين أعباء واجباتها، وعدم اعترافها بالجميل. وكثيرًا ما كانت فلو تقارن بين براءة براين وفساد روز. في لحظة تقول لها: «لا تظنِّي أنك شخص مهم.» ثم تقول بعدها بلحظات: «مَن تظنين نفسك؟» عارضت روز هذه العقلانية والمهادنة الخبيثة، وأظهرت عدم الاكتراث على نحو متكلف، فتجاوزت فلو الحد المعتاد لازدرائها وضبط أعصابها، وصارت متكلفة في حديثها هي الأخرى؛ فأخذت تقول لروز إنها ضحَّت بحياتها من أجلها، وبأنها رأت والدها وقد تحمل عبء طفلة رضيعة وحده وأخذت تفكر فيما سيفعله؛ لذلك تزوجته، وها هي الآن، جاثية على ركبتيها تنظف في منزله.
في تلك اللحظة، رنَّ جرس المتجر ليعلن قدوم أحد الزبائن، ونظرًا للعراك القائم، لم يُسمَح لروز بالدخول إلى المتجر وخدمة الزبائن، أيًّا كانوا. نهضت فلو، وألقت بالميدعة التي كانت ترتديها، وهي تدمدم في تذمر، لكن بصوت خافت؛ فما عبَّرت عنه من حنق ما كان مسموحًا لروز بسماعه. وذهبت إلى المتجر لتلبي طلب الزبون. سمعتها روز وهي تقول بصوتها المعتاد:
«يا له من توقيت ممتاز حقًّا!»
عادت فلو إلى المطبخ، وارتدت الميدعة، وتأهَّبت لمواصلة العمل.
«إنك لا تفكرين إلا في نفسك! لم تفكري فيما أفعله قط.»
«لم أطلب منك قط فعل أي شيء، بل إنني أتمنى لو أنك لم تفعلي شيئًا قط، فكنت سأكون أفضل حالًا من الآن.»
قالت روز هذه الكلمات بوجه باسم وهي تنظر مباشرة نحو فلو، التي لم تكن قد جثت بعدُ على ركبتيها. رأت فلو الابتسامة على وجه روز، فالتقطت الممسحة التي كانت معلَّقة بجانب الدلو، ورمتها عليها. لعلها قصدت ضربها في وجهها، لكن الممسحة وقعت على ساق روز، فرفعت الفتاة قدمها وأمسكت بها، ملوِّحةً بها دون اكتراث قبالة كاحلها.
فقالت فلو: «حسنًا! لقد تجاوزتِ الحد هذه المرة.»
شاهدت روز فلو وهي ذاهبة إلى باب السقيفة الخشبية، وسمعت وقع خطواتها عبر السقيفة، وتوقُّفها في مدخل الباب حيث لم يُركَّب بعدُ الباب الشبكي، ولا يزال الباب الذي يحمي من العواصف مفتوحًا ومسنودًا بأحد قوالب الطوب. أخذت فلو تنادي على والد روز بصوت مُحذِّر ومُنذِر، كما لو كانت تعدُّه لسماع أخبار سيئة خلافًا لرغبتها. سوف يُعلم السبب وراء ذلك.
احتوى مشمع أرضية المطبخ على خمسة أو ستة نقوش مختلفة، فكان عبارة عن بقايا حصلت عليها فلو مقابل ثمن بخس، وشذبتها ووفَّقت بينها ببراعة، وأحاطتها بإطار من شرائط القصدير والمسامير. بينما كانت روز تجلس على الطاولة منتظرةً ما سيحدث، نظرت إلى الأرضية وللترتيب الجيد للمستطيلات والمثلثات وشكل آخر أخذت تحاول تذكر اسمه. وفي تلك اللحظات، سمعت روز خطوات فلو وهي عائدة على اللوح الخشبي السميك ذي الصرير الموضوع على الأرضية المتسخة في السقيفة الخشبية. تباطأت في خطواتها، وأخذت تنتظر هي أيضًا. لم يعد بإمكانها هي وروز التحمُّل أكثر من ذلك وحدهما.
سمعت روز والدها وهو آتٍ نحوهما، فتسمَّرت مكانها، وسرت قشعريرة في ساقيها، وشعرت بارتجافهما على مشمع الطاولة. بعد أن شُتِّت انتباه والدها عن مهمته التي كان مستغرقًا فيها في سلام، وعن الكلمات التي كانت تدور في رأسه، وعن نفسه، كان عليه قول أي شيء. فقال: «حسنًا. ما الخطب؟»
وفي تلك اللحظة، تغيَّر صوت فلو، فصار قويًّا ومتألمًا وآسفًا. يبدو أنها تمكَّنت من اصطناعه في تلك اللحظة على الفور، فعبَّرت عن أسفها لاضطرارها استدعاء الأب من عمله، وقالت إنها ما كانت لتفعل ذلك لولا أن روز أثارت جنونها. كيف ذلك؟ بردودها الوقحة، وقلة حيائها، وبذاءة ألفاظها. كانت كلمات روز لفلو على قدر من الوقاحة بحيث إنها لو كانت فلو قد قالتها لوالدتها لأوسعها والدها ضربًا.
حاولت روز التدخل لتوضح أن ما يُقال غير صحيح.
ما الذي غير صحيح؟
رفع والدها يده دون أن ينظر إليها، وقال: «فلتصمتي!»
عندما قالت روز إن هذا الكلام غير صحيح، كانت تعني أنها لم تبدأ العراك، وإنما ردًّا منها على ما قيل لها فحسب، وأن فلو هي التي دفعتها إلى ذلك، وهي تتحدث الآن بأبشع الأكاذيب، محرِّفةً كل شيء ليوافق روايتها. تجاهلت روز مؤقتًا علمها بأن أي شيء ستقوله فلو أو تفعله، وأي شيء تقوله هي نفسها أو تفعله، لا يهم على الإطلاق. ما يهم هو الصراع، وهو الأمر الذي لا يمكن إيقافه، لا يمكن ذلك أبدًا، لا سيما بعد المرحلة التي وصلتا إليها في تلك اللحظات.
كانت ركبتا فلو متسختين، بالرغم من الوسادة التي أسندتهما عليها. وكانت ممسحة التنظيف لا تزال معلقة فوق قدم روز.
مسح والدها يديه أثناء استماعه لفلو. لم يتعجل الأمور؛ إذ كان بطيئًا في استيعاب ما يحدث، وضاق ذرعًا مقدمًا. لعله كان على وشك رفض الدور الذي ينبغي عليه ممارسته. لم ينظر إلى روز، ولكن مع أي صوت أو حركة تصدر عنها، كان يرفع يده.
قالت فلو: «حسنًا، لسنا بحاجة بالتأكيد لإطلاع الناس على ذلك.» وذهبت لإغلاق باب المتجر، واضعةً لافتة «سنعود بعد قليل». كانت روز قد صنعت هذه اللافتة لفلو بكثير من الزخرفة للحروف المائلة وتظليل للأحرف باللونين الأسود والأحمر. وعندما عادت فلو، أغلقت الباب المؤدي إلى المتجر، ثم الباب المؤدي إلى السلم، والآخر المؤدي إلى السقيفة الخشبية.
كان حذاؤها قد ترك علامات على الجزء النظيف المبتل من الأرضية.
وعند عودتها قالت بصوت منهك بعد أن وصلت إلى قمة انفعالها: «يا إلهي! إنني لا أعلم ما ينبغي عليَّ فعله معها.» ونظرت إلى أسفل، فرأت ركبتيها المتسختين (متبعةً عيني روز)، فدعكتهما بعنف بيديها المجردتين، ملطخةً المنطقة المحيطة بهما بالوسخ.
«إنها تهينني!» قالت فلو تلك الكلمات وهي تستقيم في وقفتها. لقد كان ذلك هو السبب. أخذت تكرر تلك العبارة في رضا: «إنها تهينني! ولا تحترمني!»
«أنا لا أهينها!»
فقال والدها: «فلتصمتي، أنتِ!»
«لو لم أستدعِ والدكِ، لظللتِ جالسةً حيث أنتِ، وهذه الابتسامة العريضة المستهزئة على وجهك! هل من سبيل آخر لتهذيبك؟»
لاحظت روز بعض الاعتراضات على وجه والدها على حديث فلو المتكلف، وشيئًا من الإحراج والنفور. إنها مخطئة، ويجب أن تعلم أنها مخطئة في ظنها أنه بوسعها الاعتماد على ذلك. فحقيقة أنها تعلم بما يفكر فيه والدها، وأنه يعلم أنها تعلم، لن يغير من الوضع شيئًا، فقد بدأ ينفعل، ورمقها بنظرة بدت في الأول فاترة ومتحدية. عكست لها تلك النظرة حكمه عليها، وانعدام حيلتها. ثم، تبدَّدت تلك النظرة، وبدأت عيناه تمتلئان بشيء مختلف، مثلما يمتلئ ينبوع المياه عندما تنظِّفه من أوراق الأشجار؛ بالكره والبهجة في نفس الوقت. رأت روز ذلك وأدركته. هل هو مجرد تعبير عن الغضب فحسب؟ هل من المفترض أن ترى عينيه وهما تمتلئان بالغضب؟ كلا. الكره حقيقي، والبهجة أيضًا حقيقية. فقد ارتخى وجهه، وتغيَّر، وصار أصغر سنًّا، ورفع يده، لكن هذه المرة لإسكات فلو.
قال: «حسنًا!» وكان يعني أن ما قيل يكفي، بل أكثر مما يكفي، انتهى هذا الجزء ويمكن مباشرة العقاب بالفعل. وشرع في فك حزامه.
كانت فلو قد توقفت عن الحديث بالفعل. كانت تعاني من نفس الصعوبة التي تعاني منها روز، ألا وهي صعوبة تصديق أن ما تعلم بضرورة حدوثه سيحدث بالفعل، وأنه لم يعد هناك وقت للرجعة.
قالت فلو، وهي تتحرك في الأرجاء بعصبية، كما لو كانت تفكر في العثور على سبيل للهروب من المكان: «يا إلهي! لا تقسُ عليها! يا إلهي! لست بحاجة لضربها بالحزام. هل ينبغي عليك استخدامه؟»
لم يجبها. استلَّ الحزام ببطء، وأمسك به كما ينبغي. «حسنًا! أيتها الفتاة.» تقدَّم ناحية روز ودفعها من فوق الطاولة. وجهُهُ وصوتُهُ تغيَّرا تمامًا. كان أشبه بممثل شرير يؤدي دور شخصية مرعبة. بدا كما لو كان من المفترض أن يتلذذ ويصر على فعل كل ما هو مخجل ومشين في هذا الشأن. ولا يعني ذلك أنه كان يتظاهر، أو يدعي، أو لا يعني ما يفعله، وإنما هو ينفذ بالفعل، ويعني ما يفعله. كانت روز تعلم ذلك، كما كانت تعلم كل شيء آخر عنه.
أخذت تفكر منذ ذلك الحين في جرائم القتل والقتلة. هل يجب ارتكاب جريمة القتل في النهاية، لكي تحدث أثرًا، بمعنى أن تثبت للضحية — التي لن تستطيع إبلاغ الآخرين بما تعلمته ولكنها تعانيه فقط — أن مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وأنه ما من شيء مستحيل، وأن أبشع السلوكيات يمكن تبريرها، ويمكن إيجاد المشاعر التي تتلاءم معها؟
حاولت روز معاودة النظر إلى أرضية المطبخ، والتحديق في ذلك الترتيب الهندسي البارع والمريح، بدلًا من النظر إلى أبيها وحزامه. كيف يمكن لذلك أن يحدث أمام هؤلاء الشهود في وضح النهار، مشمع الأرضية، ونتيجة الحائط المرسوم عليها طاحونة وجدول مائي وأشجار الخريف، والأوعية والأواني القديمة؟
«افتحي يديك!»
ما كانت هذه الأشياء لتساعدها، ما كان بوسع أي منها إنقاذها. فتحولت إلى أشياء تافهة عديمة القيمة، بل ومعادية لها أيضًا. فظهر على الأواني الخبث، ونقوش مشمع الأرضية صارت تنظر إليها شزرًا. الغدر هو الجانب الآخر للحياة اليومية المعتادة.
مع أول شعور بالألم، أو ربما الثاني، تراجعت روز؛ فلن تقبل الأمر. أخذت تركض حول الغرفة محاوِلةً الوصول للأبواب، ووالدها يعيق طريقها. لم يبدُ عليها أي ملمح من الشجاعة أو القدرة على الصمود. أخذت تركض، وتصرخ، وتتوسل، ووالدها يجري وراءها، ضاربًا إياها بالحزام متى سنحت له الفرصة، ثم ألقى به واستخدم يديه. ضربة على الأذن، وأخرى على الأذن الثانية. ضربات متتالية، ورأسها يطن. ضربة على الوجه. تنهض لتقف قبالة الحائط، فتتلقى ضربة أخرى على وجهها. يهزها والدها، ويدفعها نحو الحائط، ويركل ساقيها. أخذت تتلعثم في الكلام، وقد جُنَّ جنونها، وتصرخ: «سامحني! أرجوك، سامحني!»
أخذت فلو تصرخ أيضًا: «كفى! توقف!»
لكن الأمر لم ينتهِ بعدُ في نظره، فألقى روز على الأرض، أو لعلها هي من ألقت بنفسها، وأخذ يركل ساقيها مجددًا. لم تعد تنطق بكلمات، لكنها أخذت تُصدر أصواتًا عالية، الأمر الذي جعل فلو تصيح: «يا إلهي! ماذا إذا سمعها الناس؟» كان صوت المهانة والهزيمة ذلك هو ملاذ روز الأخير؛ إذ يبدو أنه توجَّب عليها لعب دورها في هذا الأمر بنفس الفظاظة والمبالغة التي لعب بها أبوها دوره. فلعبت دور الضحية مع انغماس ذاتي يثير — أو ربما تطمح في أن يثير — ازدراء والدها الأخير.
بدا أنهما سيبذلان كل ما في وسعهما في هذا الأمر، وسيصلان إلى أقصى الحدود الممكنة.
في الواقع، ما كانا ليصلا إلى أقصى الحدود بالفعل؛ فهو لم يتعمد إيذاءها قط، وإن كانت تدعو الرب أحيانًا، بالطبع، أن يفعل ذلك. فكان يضربها بباطن يده، ولم يتمادَ في ركلاته أيضًا.
توقَّفَ الآن عن الضرب؛ إذ أخذ يلهث. سمح لفلو بالتدخل، وأمسك بروز ليرفعها عن الأرض، ودفعها في اتجاه فلو، مُصدِرًا صوت اشمئزاز. تلقَّتها فلو، وفتحت الباب المؤدي للسلالم، ودفعتها لأعلى.
«اصعدي إلى غرفتك الآن! أسرعي!»
صعدت روز السلالم وهي تتعثر، أو بالأحرى تسمح لنفسها بالتعثر والسقوط. لم تغلق باب غرفتها بقوة؛ لأن مثل هذا الفعل قد يجعل والدها يسعى وراءها مجددًا، هذا فضلًا عن أنها ضعيفة بالفعل. استلقت في السرير، وتمكنت من أن تسمع فلو عبر ثقب مدخن الموقد وهي تنتحب بصوت مسموع، وتستنكر ما فعله والدها، في حين قال لها الأب حانقًا إنها كان يجدر بها إذن السكوت، إذا لم ترغب في معاقبة روز كان عليها ألا توصي بذلك. فردت فلو بأنها لم توصِ مطلقًا بمثل هذا الضرب بالحزام.
أخذا يتجادلان حول ذلك، وأخذ صوت فلو الخائف يقوى ويستعيد ثقته مجددًا. وبمرور الوقت ومع استمرار الجدال، عاد كلٌّ منهما لطبيعته؛ فسرعان ما صارت فلو هي التي تتحدث، بينما توقَّف الأب عن الحديث. كان على روز مقاومة نشيجها العالي لكي تتمكن من سماعهما. وعندما فقدت الاهتمام في أن تسمع، ورغبت في النشيج أكثر، وجدت نفسها غير قادرة على ذلك؛ فقد تحولت إلى حالة من الهدوء أدركت فيها أن ما حدث من وحشية قد وصل إلى منتهاه وآخره. وفي هذه الحالة، تأخذ الأحداث والاحتمالات منحًى بسيطًا لطيفًا، وتصير الاختيارات واضحة على نحو رحيم. والكلمات التي تَرِد على الذهن ليست احتجاجية، وقلما تكون شرطية أيضًا. «مطلقًا» كلمة يتصحح بها الوضع فجأة؛ فقررت أنها لن تتحدث معهما مطلقًا، ولن تنظر إليهما مطلقًا فيما عدا نظرات الاشمئزاز، ولن تسامحهما أبدًا. سوف تعاقبهما، وتقضي عليهما. وبعد أن أحاطت نفسها بهذه القرارات النهائية، وفي ظل آلامها الجسدية، شعرت براحة غريبة تجاوزت فيها نفسها، وتجاوزت فيها المسئولية.
ماذا إذا تُوفيت الآن؟ ماذا إذا انتحرت؟ ماذا إذا هربت؟ أيٌّ من هذه الأمور سيكون مناسبًا. الأمر كله متوقف على الاختيار وتصور السبيل. أخذت تسبح في تلك الحالة من التسامي والصفاء كما لو كانت تحت تأثير مخدر ما.
وكما هو الحال بالضبط عندما تعيش لحظة تحت تأثير المخدر تشعر فيها بأنك في أمان وسكينة وبأنك بعيد عن الآخرين، ثم في اللحظة التالية مباشرةً وبدون سابق إنذار تعلم أن كلَّ ما تمتعتَ به من حماية قد تحطم تمامًا، وبالرغم من أن الأمر لا يزال يبدو أنه على ما يرام، مرت بروز الآن مثل هذه اللحظة — وهي اللحظة، في الواقع، التي سمعت فيها فلو وهي تصعد درجات السلم — التي تجمع بين حريتها وسلامها الحالي وتيقنها من الانحدار الكامل الذي ستشهده الأحداث بدءًا من تلك اللحظة.
دخلت فلو الغرفة دون أن تطرق الباب، لكن بتردد يدل على أنها ربما فكرت في طرق الباب قبل الدخول. أحضرت معها برطمان مرهم بارد الملمس. تمسَّكت روز بالميزة التي تمتعت بها قدر الإمكان؛ فاستلقت بوجهها على السرير، رافضةً التعبير عن إدراكها دخول فلو الغرفة، أو الرد عليها.
قالت فلو بتوتر: «بالله عليك! لم يُصِبْكِ سوء، أليس كذلك؟ فلتضعي هذا المرهم على جسدك وستشعرين بتحسن.»
كانت فلو تتظاهر؛ فهي لم تكن متأكدة من الضرر الذي لحق بروز. أزالت فلو الغطاء عن علبة المرهم البارد، وتمكنت روز من شم رائحته؛ تلك الرائحة الحميمية الطفولية المهينة. لن تسمح لها بالاقتراب منها، لكن لكي تتجنب كتلة المرهم التي حملتها فلو في يدها، كان عليها التحرك؛ فأخذت تقاوم وتتصدى لفلو، فخسرت كرامتها بأن سمحت لها برؤيتها وهي بخير ولم يُصِبها سوء.
فقالت فلو: «حسنًا، كما تشائين. سأتركه هنا ويمكنك وضعه متى تشائين.»
في وقت لاحق ظهرت فلو وهي تحمل صينية، ووضعتها دون أن تنبس ببنت شفة، وغادرت الغرفة. كان على الصينية كوب كبير من الحليب بالشوكولاتة ممزوج بشعير «فيتا مالت» الموجود في المتجر. هناك بعض آثار الشعير في قاع الكوب. كان على الصينية أيضًا بعض الشطائر المُعدَّة على نحو منسَّق وفاتح للشهية. كانت محشوة بسلمون أحمر مُعلَّب من الدرجة الأولى الممتازة، والكثير من المايونيز. كان هناك أيضًا بعض كعك الزبد المأخوذ من إحدى عبوات المخبوزات، وبسكويت بالشوكولاتة محشو بالنعناع. كانت تلك الأطعمة المفضلة لدى روز؛ الشطائر والكعك والبسكويت، لكنها أشاحت بوجهها بعيدًا، ورفضت النظر إلى الطعام. لكن ما إن تركتها فلو وحدها مع هذه الأطعمة الشهية حتى أغرتها على نحو بائس، أزعجها، وأبعدها عن أفكار الانتحار أو الهروب بسبب رائحة السلمون، وإغراء الشوكولاتة المقرمشة. فمدت إصبعها لتمرره حول طرف إحدى الشطائر (أزالت فلو القشور!) لتحصل على ما يتساقط منها وتتذوقه، ومن ثم، قررت تناول إحدى هذه الشطائر لتقوى على رفض تناول البقية؛ فلن يُلاحِظ أحد تناولها شطيرة واحدة. لكن بعد أن أفسدت عزيمتها هذه الأطعمة الشهية، تناولت جميع الشطائر، وشربت الحليب بالشوكولاتة، وأكلت الكعك والبسكويت، وأخرجت شراب الشعير من قاع الكوب بإصبعها، كل ذلك بالرغم من نحيبها بصوت مسموع إثر شعورها بالخجل مما فعلت؛ لكن الأوان كان قد فات.
ستأتي فلو وتأخذ الصينية. ربما ستقول لروز: «أرى أنكِ قد استعدتِ شهيتك»، أو «هل أعجبك الحليب بالشوكولاتة؟ هل كان الشراب كافيًا فيه؟» وذلك حسب مدى شعورها هي بالذنب. وفي كافة الأحوال، ستخسر روز ما تمتعت به من ميزة، وستدرك أن مجريات الحياة ستعود لطبيعتها، وأنهم سيجلسون حول المائدة يتناولون الطعام ثانيةً، ويستمعون للأخبار في الإذاعة، وسيكون ذلك في صباح اليوم التالي، أو ربما في المساء. وبالرغم من استبعاد ذلك وعدم ترجيحه، فسوف يشعرون بالإحراج، لكن بقدر أقل من المتوقَّع بالوضع في الاعتبار ما صدر عنهم من سلوك. سوف يشعرون بخمول عجيب، وتراخي المتماثلين للشفاء، مع بعض الرضا.
وفي إحدى الليالي، وبعد مشهد كهذا، كانت الأسرة جميعها في المطبخ. كان ذلك، بلا شك، أحد أيام الصيف، أو على الأقل في أثناء الطقس الدافئ، إذ كان والدها يتحدث عن الرجل العجوز الذي يجلس على المقعد أمام المتجر.
سأل والدها، وهو يلوِّح برأسه ناحية المتجر للإشارة إلى ما يعنيه، بالرغم من عدم وجود أحد في ذلك الوقت المتأخر، إذ عاد الجميع إلى منازلهم مع حلول الظلام: «هل تعلمون ما يتحدثون عنه الآن؟»
قالت فلو: «أتقصد أولئك المسنين المغفلين؟ عم يتحدثون؟»
كانت ثمة أُلفة بينهما، ولم تكن زائفة تمامًا، لكنها كانت متكلفة بعض الشيء عما يكون الحال بينهما في المعتاد وهما بمفردهما.
أخبرهم الأب حينذاك بأن أولئك المسنين قد توصلوا إلى فكرة بأن ما يبدو كالنجم في غرب السماء — ذلك النجم الذي يظهر بعد الغروب مباشرةً، نجم المساء — هو في الواقع منطاد بمحرك يجوب سماء مدينة «باي سيتي» بولاية ميشيجان الأمريكية على الجانب الآخر من بحيرة هورون، وأن هذا المنطاد هو ابتكار أمريكي أُطلِق في السماء لمنافسة الأجرام السماوية. واتفقوا جميعًا على هذه الفكرة، فقد راقت لهم. ويعتقدون أن هذا المنطاد مضاء بعشرة آلاف مصباح كهربائي. اختلف والد روز مع هذه القصة بقوة، مشيرًا إلى أن ما رأوه هو كوكب الزهرة الذي ظهر في السماء قبل اختراع المصباح الكهربائي بسنوات طوال. لكنهم لم يسمعوا من قبل عن كوكب الزهرة.
قالت فلو: «جَهَلة!» وكانت روز تعلم — وتعلم أن والدها يعلم — أن فلو أيضًا لم تسمع من قبل عن كوكب الزهرة. ولإلهائهم عن ذلك، أو حتى للاعتذار عما صدر منها، وضعت فلو فنجان الشاي الذي كانت تشربه، واسترخت برأسها لتسنده على الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وألقت بقدميها على كرسي آخر (وتمكنت على نحو ما من دس فستانها احتشاما بين ساقيها في الوقت نفسه)، واستلقت متيبسة كاللوح الخشبي، فصاح براين مبتهجًا: «لتفعليها! لتفعليها!»
تمتعت فلو بأطراف مرنة وقوية للغاية، وفي أوقات الاحتفالات أو الطوارئ، كانت تقوم بحيل باستخدام هذه المرونة.
التزم الجميع الصمت، بينما أدارت فلو جسدها دون أن تستخدم ذراعيها على الإطلاق، وإنما مجرد ساقيها وقدميها، وصاح الجميع في ابتهاج، بالرغم من رؤيتهم تلك الحيلة من قبل.
وبينما كانت فلو تؤدي حيلتها، تخيلت روز صورة ذلك المنطاد ذي المحرك؛ فتخيلته فقاعة شفافة طويلة، وله خيوط من الأضواء الماسية تطفو في سماء أمريكا الرائعة.
قال والد روز وهو يصفق لفلو: «كوكب الزهرة! عشرة آلاف مصباح كهربائي!»
خيَّم شعور بحرية التصرف، والاسترخاء في الغرفة، بل وطغت موجة من السعادة أيضًا على المكان. •••
بعد ذلك الحين بسنوات طوال، وفي صبيحة أحد أيام الآحاد، قامت روز بتشغيل المذياع. كان ذلك أثناء إقامتها بمفردها في تورونتو.
حسنًا، سيدي.
لقد كان المكان مختلفًا تمامًا في أيامنا عن الوقت الحاضر. اختلف بالتأكيد.
فكانت وسيلة المواصلات آنذاك هي الخيول؛ الخيول والعربات التي تجرها الخيول. وكانت هذه العربات تتسابق في الشارع الرئيسي جيئة وذهابًا في ليالي السبت.
فقال المذيع، أو المحاور، بصوت مشجع وهادئ: «مثل سباقات عجلات الخيول القديمة.»
لم أرَ هذه العجلات من قبل.
«لا، يا سيدي. أقصد سباقات عجلات الخيول الرومانية قديمًا. كان ذلك في قديم الزمان.»
لا بد وأن هذا حدث قبل مولدي بوقت طويل. أنا أبلغ من العمر مائة عام وعامين.
«هذا عمر رائع، يا سيدي.»
إنه كذلك، بالفعل.
تركت روز المذياع مفتوحًا، بينما تجوَّلت في مطبخ الشقة لتعدَّ لنفسها كوبًا من القهوة. بدا الأمر لروز وكأنه لقاء مسرحي؛ أي مشهد من مسرحية ما، وأرادت أن تعرف ما هي. كان صوت الرجل العجوز يوحي بالغطرسة والمشاكسة، في حين بدا المحاور بائسًا ومتخوفًا للغاية، بالرغم مما بدا ظاهريًّا عليه من دماثة وهدوء. فكان للمستمع أن يتصور بالتأكيد حمل ذلك المحاور الميكروفون أمام مُعمِّر متفاخر أهوج عديم الأسنان، متسائلًا عما يفعله في ذلك المكان، وما من المفترض أن يقوله بعد ذلك.
«لا بد أنها كانت خطيرة للغاية.»
«ماذا تقصد؟»
«سباقات العربات التي تجرها الخيول.»
لقد كانت كذلك بالفعل؛ فكانت الخيول المستخدمة في هذه السباقات من الخيول الهاربة، وتقع العديد من الحوادث. وكان البعض يتجرجرون على الحصى وتلحق الجروح بوجوههم، وما كان الأمر يهم كثيرًا إذا ما تُوفوا.
بعض الخيول كانت تستطيع القفز لأعلى، في حين تطلَّب البعض وضع الخردل تحت ذيولها. وبعضها ما كان ليتحرك على الإطلاق. هكذا الحال مع الخيول، بعضها يعمل بكد إلى أن يسقط ميتًا من الإعياء، والبعض الآخر لا يقوى حتى على التزاوج.
كان لقاءً حقيقيًّا بالتأكيد، وإلا ما كانوا ليذكروا تلك الكلمات، فلن يخاطروا بذكرها. لكنها عندما تصدر من رجل عجوز، فإنها توحي بالطابع المحلي. وأي شيء يصدر عن شخص بلغ من العمر مائة عام يبدو مبهجًا ولا ضرر منه.
كانت الحوادث تقع دومًا آنذاك؛ في الطواحين، ومسابك المعادن. لم تكن هناك احتياطات للسلامة.
«لم تكن هناك الكثير من الإضرابات آنذاك، أليس كذلك؟ ولم تكن هناك أيضًا الكثير من النقابات العمالية؟»
يستسهل الجميع الأمور هذه الأيام، أما نحن، فكنا نعمل ونسعد بما نحصل عليه. هذا ما كنا نفعله.
«لم يكن لديكم تليفزيون.»
لم يكن لدينا تليفزيون. ولم يكن لدينا مذياع. ولم تكن لدينا عروض مصورة.
«لقد أعددتم وسائل الترفيه الخاصة بكم.»
نعم، هكذا جرت الأمور.
«لقد تمتعتم بخبرات لن يحصل عليها شباب اليوم أبدًا.»
نعم، خبرات.
«هل يمكنك ذكر أيٍّ منها لنا؟»
لقد أكلت لحم خنزير الأرض ذات مرة. كان ذلك في الشتاء. لا أعتقد أنه بإمكانك تناوله.
توقف الحديث لوهلة للتقدير على ما يبدو، ثم أعلن صوت المذيع أن ما سبق كان لقاءً مع السيد ويلفريد نيتلتون من هانراتي بأونتاريو، أُجري معه في عيد ميلاده الثاني بعد المائة، وذلك قبل وفاته بأسبوعين الربيع الماضي. لقد كان حلقة وصل حية بماضينا. وعُقِد ذلك اللقاء في دار «واواناش كنتري هوم» للمسنين.
هات نيتلتون.
الخبير بشئون الخيل يتجاوز عمره المائة عام. تُلتقَط له الصور يوم عيد ميلاده، وتلتف حوله الممرضات، وتنهال عليه القبلات بلا شك من إحدى الفتيات الصحفيات، وفلاش الكاميرات يومض حوله، ومُسجِّل الشرائط يسجل صوته. أقدم سكان المدينة؛ أقدم خبير بشئون الخيل؛ حلقة الوصل الحية بماضينا.
أطلَّت روز من نافذة مطبخها على البحيرة الموحشة، كانت تتوق لأن تخبر أحدًا بما يدور في ذهنها. كانت فلو ستستمتع على الأرجح بهذا الحديث الذي أُذيع. تذكَّرت قولها: «تخيلي!» على نحو يوحي بأن أسوأ شكوكها قد تأكد بالفعل على نحو رائع. لكن فلو كانت في نفس المكان الذي توفي فيه هات نيتلتون، ولم يكن هناك أية طريقة يمكن أن تصل بها روز إليها. كانت فلو هناك أيضًا عند تسجيل اللقاء مع هات، مع أنها لم تسمعه، ولم تعلم شيئًا عنه بالتأكيد. فبعد أن أودعتها روز نفس دار المسنين بعامين، توقفت تمامًا عن الكلام، وانعزلت عن الآخرين، وقضت أوقاتها جالسة في أحد أركان سريرها، وقد بدا عليها الخبث وسوء الطباع. لم تكن تردُّ على أحد، وإن أظهرت مشاعرها بين الحين والآخر بِعضِّها إحدى الممرضات.
المتسولة |
امتياز
ودَّ كثير من معارف روز لو وُلِدوا فقراء؛ لكن الحياة لم تمنحهم ما تمنوه. لذا، لعبت روز دور الفقيه بينهم في هذا الشأن؛ فكانت تقص عليهم العديد من الفضائح وملامح البؤس والفحش التي شهدتها في طفولتها. دورة مياه الصبية ودورة مياه الفتيات؛ السيد بِرنز العجوز في دورة المياه؛ شورتي ماكجيل وفراني ماكجيل عند مدخل دورة مياه الصبية. لم تتعمد روز تكرار ذكر دورة المياه، وكان يدهشها كيف كانت تطرأ تلك الفكرة فجأة على حديثها. كانت تعلم أن هذه الأكواخ القاتمة أو المطلية بالألوان من المفترض أن تبعث على الفكاهة — هكذا كانت دومًا في دعابات القرويين — لكنها رأتها في نظرها مشاهد سافرة من العار والشناعة.
كان لكلٍّ من دورة مياه الصبية ودورة مياه الفتيات مدخل خاص مؤمَّن، ما أغنى عن تركيب باب في أي منهما؛ فكان الثلج يصل، على أية حال، إلى الداخل عبر الشقوق الفاصلة بين الألواح الخشبية وما يتخلل هذه الألواح من ثقوب صُنِعت بغرض التجسس. تكوَّمت الثلوج على مقعد المرحاض وعلى الأرضية؛ الأمر الذي عكس امتناع الناس — على ما يبدو — عن استخدام المرحاض. وفي الثلج المتكوم تحت طبقة الجليد الصقيلة، حيث أخذ الثلج يذوب ويتجمد ثانيةً، وُجِد الغائط مجمَّعًا أو فرادى، محفوظًا كما لو كان تحت طبقة من الزجاج، فاتح اللون كالمستردة أو قاتمًا كالفحم النباتي، وبين هذا وذاك درجات متفاوتة أخرى من اللون. أصاب ذلك المنظر روز بالغثيان، وتملَّك منها الإحباط برؤيته، فوقفت عند المدخل، ولم تستطع إرغام نفسها على الدخول، وقررت أنه بوسعها الانتظار. بللت روز نفسها مرتين أو ثلاث مرات أثناء عودتها للمنزل راكضةً من المدرسة إلى المتجر الذي لم يبعد كثيرًا؛ الأمر الذي أثار اشمئزاز فلو.
أخذت فلو تغني بصوت مرتفع ساخرةً من روز: «طفلة صغيرة تبلل نفسها … تعود للمنزل وملابسها مبللة!»
أسعد ذلك الموقف فلو للغاية؛ إذ كانت تحب أن ترى الآخرين في لحظات بساطتهم، تلك اللحظات التي تفرض فيها الطبيعة سلطانها عليهم. كانت من نوعية النساء اللاتي يستمتعن بانتهاز أية فرصة لفضح الآخرين. شعرت روز بالمهانة، لكنها لم تفصح عن المشكلة. لماذا؟ لعلها خشيت أن تذهب فلو إلى المدرسة حاملةً دلوًا وجاروفًا لتنظيف دورة المياه وتوبيخ الجميع.
اعتقدت روز، أيضًا، أن مجريات الأمور في المدرسة لا مُبدِّل لها، وأن القواعد السارية فيها تختلف عن أية قواعد يمكن لفلو استيعابها، والهمجية بها لا حد لها، واعتبرت أن المفاهيم البريئة مثل العدالة والنظافة كانا مفهومين غائبين في الفترة الأولى من حياتها. وبدأت تركم في ذلك الوقت أول مخزون من الأشياء التي لا يمكنها الإفصاح عنها أبدًا.
فما كان بإمكانها الإفصاح أبدًا عن السيد برنز. بعد أن بدأت روز تذهب إلى المدرسة، وقبل أن تعرف أي شيء عما ستراه — أو عما يمكن أن تراه، بالتأكيد — كانت تركض بمحاذاة سور المدرسة برفقة بعض الفتيات الأخريات، مرورًا بأعشاب الحُمَّاض والقضبان الذهبية، ليربضن خلف دورة المياه التي كان يقضي فيها سيد برنز حاجته، والتي كان ظهرها مواجِهًا لفناء المدرسة. تمكَّن أحد الأشخاص من المرور عبر السور، وانتزع الألواح السفلية من مكانها، ليتمكن أي أحد من النظر خلسة إلى داخل الدورة. سار السيد برنز العجوز — الذي كان شِبه ضرير، ذا كرش، متسخَ الملابس، خفيفَ الحركة — عبر الفناء الخلفي مُحدِّثًا نفسه، ومنشدًا الأغاني، وضاربًا الأعشاب الضارة الطويلة بعصاه. وفي دورة المياه أيضًا، بعد بضع لحظات من الصمت والإجهاد، كان صوته يُسمَع من الخارج وهو يدندن بهذه الكلمات:
عند تل أخضر بعيد، خارج أسوار المدينة، صُلِب يسوع ومات. ليُخلِّص البشرية من ذنوبها.
لم يكن غناء السيد برنز تعبديًّا، وإنما تهديديًّا، كما لو كان — حتى في تلك اللحظات — يتوق للشجار. تجلَّى الدين غالبًا في تلك الأرجاء في صورة مشاجرات، فانقسم الناس إلى كاثوليك وبروتستانت متعصبين، وكان الاحتكاك بين هذين الفريقين واجبًا يقتضيه الشرف. تبع الكثير من البروتستانت — أو عائلاتهم — في السابق الكنيسة الأنجليكانية أو المشيخية، لكنهم بلغوا من الفقر حدًّا حال دون حضورهم إلى تلك الكنائس، لذلك انحرفوا إلى جيش الخلاص، أو ما يُعرَف بالحركة الخمسينية. وكان هناك آخرون كفار تمامًا بالمسيحية إلى أن برئوا مما كانوا فيه، والبعض ظلوا على كفرهم، لكنهم كانوا بروتستانت في المشاجرات. وصفت فلو الأنجليكانيين والمشيخيين بأنهم متعجرفون، ومن لم يكن منهم كذلك فهو من المنساقين، أما الكاثوليك، فوصفتهم بأنهم بوسعهم تحمل أي رياء أو فسوق، طالما سيحصلون على المال الذي سيرسلونه إلى البابا. لذا، لم يكن على روز الذهاب أبدًا إلى أي الكنيسة.
جلست جميع الفتيات الصغيرات القرفصاء ليتمكنَّ من المشاهدة، وأخذن يحدِّقن في ذلك الجزء المتدلي من جسم السيد برنز في المرحاض. ظنَّت روز لسنوات أنها رأت خصيتيه، لكن عند تفكيرها في الأمر اكتشفت أنها لم ترَ سوى مؤخرته. كانت أشبه بضرع البقرة، ذات سطح شائك يشبه اللسان قبل أن تسلقه فلو. لذا، أعرضت روز عن تناول اللسان تمامًا. وبعد أن أخبرت براين بما تعرفه، لم يعد يتناوله بدوره. وأثار ذلك غضب فلو؛ فأخبرتهما بأنه بإمكانهما العيش على تناول السجق المسلوق فقط.
أما الفتيات الأكبر سنًّا، فلم يجلسن ليختلسن النظر، وإنما وقفن بالجوار، وسُمعت أصوات قيء متكررة. قفزت بعض الفتيات الصغيرات من مجلسهن لينضممن إلى أولئك الفتيات الأكبر سنًّا، تلهفًا منهن لتقليدهن، لكن روز ظلت تجلس القرفصاء في مكانها، مذهولة، ومستغرقة في التفكير. وودَّت لو تمكنت من الاستغراق أكثر في التأمل، لكن السيد برنز أنهى ما كان يفعله، وخرج من دورة المياه، مغلقًا أزرار بنطاله، وهو يتغنى ببعض الكلمات. تسللت الفتيات بجوار الأسوار لينادين عليه.
«سيد برنز! صباح الخير، يا سيد برنز! لقد رأينا كل شيء سيد برنز!»
فاندفع السيد برنز نحو السور مزمجرًا، وملوحًا بعصاه كما لو كنَّ دجاجًا يهشه من حوله.
تجمَّع الجميع، كبارًا وصغارًا، صبية وفتيات — فيما عدا المعلمة، بالطبع، التي أوصدت الباب في فترة الراحة وظلت في المدرسة، مثل روز التي كانت تقاوم رغبتها في قضاء حاجتها حتى تصل إلى المنزل، مجازفةً بذلك بما يمكن أن يقع من حوادث، ومتحملةً الألم المبرح الذي كانت تشعر به — تجمَّعوا لمشاهدة ما كان يحدث عند مدخل دورة مياه الصبية بعد انتشار شائعة حول مضاجعة شورتي ماكجيل لفراني ماكجيل!
أخ وأخت.
إقامة علاقات.
هكذا وصفت فلو الأمر: إقامة علاقات. تروي فلو أنه في مزارع التلال الريفية التي انحدرت منها، فقد الناس عقولهم؛ فاشتهروا بتناولهم التبن المسلوق وإقامتهم العلاقات مع أقرب أقربائهم. وقبل أن تعي روز معنى هذا الكلام، اعتادت تخيل هذه العلاقات كمسرحية يتبادل فيها الممثلون الأدوار، ويؤدونها على خشبة مسرح متقلقلة منصوبة في إحدى الحظائر القديمة؛ فيصعد عليها أفراد الأسرة ويتغنَّون بأغانٍ وأناشيد سخيفة. كانت فلو تقول في اشمئزاز ودخان السجائر ينبعث من فمها: «كم كان ذلك رائعًا!» في إشارة منها ليس لتصرف واحد فقط، وإنما لكل شيء تشمله مثل هذه العلاقات، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وفي أي مكان في العالم؛ فلطالما أذهلتها انحرافات الناس، مثلما فعلت ادعاءاتهم.
تُرَى مَن كان صاحب فكرة العلاقة بين شورتي وفراني ماكجيل؟ ربما تحدى بعض الفتيان الأكبر سنًّا شورتي لفعل ذلك، أو لعله هو مَن تباهى بذلك وتحداهم. الأمر المؤكد هو أن فراني لم تكن هي صاحبة الفكرة. فكان لا بد من القبض عليها أو محاصرتها لفعل ذلك الأمر. ولا يمكن، في الواقع، وصف الأمر هنا بالقبض عليها؛ إذ إنها ما كانت لتهرب، أو بالأحرى ما كانت لتثق في إمكانية هروبها، لكنها، مع ذلك، أظهرت عدم رغبتها فيما كان يحدث، وكان لا بد من جرِّها ثم دفعها لأسفل حيث أراد المعتدون عليها. هل كانت تعلم ما كان سيحدث؟ كانت تعلم، على الأقل، أن ما يدبره الآخرون لم يكن حسنًا.
عندما كانت فراني ماكجيل طفلة صغيرة دفعها والدها المخمور بقوة قبالة الحائط. هذا ما روته فلو. وثمة رواية أخرى تشير إلى أن فراني سقطت مخمورةً من إحدى العربات، وركلها أحد الخيول. وفي كلتا الحالتين، كانت النتيجة هي تهشم أجزاء من جسدها، لا سيما وجهها الذي تأثر على أسوأ نحو؛ فالتوى أنفها، الأمر الذي جعل من كل نفس تتنفسه خنَّة طويلة قابضة للصدر. هذا فضلًا عن تكوم بعض أسنانها فوق بعض، ما حال دون إغلاقها لفمها ومنعها تمامًا من التحكم في كمية البُصاق الصادر عنها. كانت بيضاء، نحيلة، متثاقلة الخطى، وجِلة كسيدة عجوز. أُودِعت بالصف الثاني أو الثالث في المدرسة، وكان بإمكانها القراءة والكتابة قليلًا، لكنها نادرًا ما طُلِب منها ذلك. ربما لم تكن بالغباء الذي اعتقده الجميع، لكنها كانت مندهشة ومتحيرة دومًا بسبب ما تعرَّضت له دومًا من مضايقات مستمرة. ومع كل ذلك، كان ثمة شيء يوحي بالأمل بداخلها؛ فكانت تتبع أي شخص لا يهاجمها أو يعتدي عليها على الفور؛ وتقدِّم له قطعًا من أقلام الألوان أو كرات من العلكة الممضوغة التي تنزعها من المقاعد والمكاتب. لذا، كان من الضروري على أي أحد تلتقي عيناه بعينيها صدُّها بحزم، والتجهم في وجهها على نحو تحذيري.
«ارحلي يا فراني. ارحلي وإلا لكمتك. سألكمك. أعني ما أقول.»
استمر استغلال شورتي، والآخرين، لفراني. وكانت تحمل، ثم تؤخَذ بعيدًا، ثم تعود وتحمل ثانيةً، ثم تؤخَذ بعيدًا، ثم تعود وتحمل، وهلم جرًّا. أُثيرت الأحاديث حول إعقامها مع تحمل نادي ليونز نفقة العملية، أو حبسها في المنزل، إلى أن تُوفيت فجأة بداء الالتهاب الرئوي لتحل بنفسها تلك المشكلة. راودت روز صورة فراني لاحقًا، كلما مرت بشخصية العاهرة البلهاء طيبة السريرة في أي كتاب أو فيلم سينمائي. يبدو أن مؤلفي الكتب والأفلام لديهم ولع بهذه الشخصية، وإن لاحظت روز أنهم يقدمونها دومًا في صورة نظيفة. واعتقدت روز أن هؤلاء المؤلفين يدلِّسون الواقع بعدم تصويرهم النَّفَس المتثاقل والبصاق والأسنان المشوهة؛ لقد كانوا يرفضون التعبير عن تلك الملامح المقززة المثيرة للشهوة الجنسية، وذلك في ظل تعجُّلهم لمكافأة أنفسهم بفكرة الوجوه الخالية من التعابير، والترحيب الخالي من أي تمييز.
لم يكن ترحيب فراني بشورتي بريئًا للغاية على أية حال؛ فكانت تُصدر أصوات عواء بلغمية متحشرجة بسبب مشكلات التنفس التي كانت تعاني منها. وهي تهز ساقًا واحدة، وإما أن يخرج من قدميها أحد حذاءيها، أو أنها لم تكن ترتدي حذاء في الأساس. كل ما استطاعت روز أن ترى منها هو ساقها البيضاء وقدمها الحافية بأصابعها الموحلة، وهو ما بدا أكثر طبيعية وقوة واحترامًا للذات مما يليق بفراني ماكجيل. كانت صغيرة الحجم، ما سمح بدفع الحشود لها إلى الخلف. أحاط بها الصبية الكبار، وهم يصيحون صيحات تشجيعية، والفتيات الكبيرات كن يحُمن بالخلف أيضًا، وهن يقهقهن. أثار ذلك اهتمام روز، لكنه لم يفزعها؛ فالاعتداء على فراني لم يكن بالأمر المهم، وليس بالأثر نفسه الذي يكون عليه الاعتداء على أي شخص آخر؛ فلم يكن سوى انتهاك آخر من الانتهاكات التي تتعرض لها.
وعندما كانت روز تخبر الناس بهذه الأمور، بعد ذلك الحين بسنوات، كانوا يتأثرون بشدة، وكان عليها أن تقسم بأن ما تقوله صحيح، وأنها لا تبالغ. وقد كان صحيحًا بالفعل، لكن أثره كان مختلفًا في كل مرة. بدت أيام دراسة روز بالمدرسة بائسة، ولا بد أنها كانت تعيسة آنذاك، لكنها لم تكن كذلك؛ فقد تعلَّمت؛ تعلَّمت كيفية التصرف في المشاجرات الكبيرة التي شهدتها المدرسة مرتين أو ثلاث مرات في العام. وكانت تميل للحيادية، الأمر الذي كان خطأً فادحًا؛ إذ كان يمكن أن يثير طرفي النزاع كليهما ضدها. وما ينبغي فعله في هذه الحالات هو التحالف مع أفراد يعيشون بالقرب من المرء كي لا يتعرض لخطر هائل أثناء سيره عائدًا إلى المنزل. لم تعلم روز قط السبب وراء تلك الصراعات، ولم تتمتع بطبيعتها بالقدرة اللازمة للاشتراك فيها، ولم تفهم في الواقع ضرورة ذلك. فكانت تُفاجأ دائمًا بكرة ثلج، أو حجر، أو حصاة تسدَّد إليها من الخلف. علمت روز أن حالها لن يتحسن أبدًا، ولن تصل أبدًا إلى أي موقع آمن — هذا إن كان هناك أي موقع آمن على الإطلاق — في عالم المدرسة الذي كانت تعيش فيه. مع ذلك، لم تكن روز تعسة، فيما عدا ما يتعلق بعدم تمكنها من قضاء حاجتها بدورة المياه. إن تعلُّم مواصلة العيش — بغض النظر عما يصاحب ذلك من جُبْن وحذر، ومن صدمات وهواجس — لا يعني التعاسة، وإنما هو أمر مثير للغاية.
تعلَّمت روز تفادي فراني؛ تعلمت عدم الاقتراب من قبو المدرسة حيث كانت جميع النوافد مكسورة وسوداء، والماء يتقطر من كل جانب كالكهف؛ وتجنُّب المكان المظلم الموجود تحت درجات السُّلم وذلك الموجود بين أكوام الحطب. تعلَّمت روز، أيضًا، ألا تلفت انتباه الصبية الأكبر سنًّا إليها بأي شكل من الأشكال، والذين بدوا في عيونها ككلاب مسعورة؛ إذ كانوا على القدر نفسه من السرعة والقوة والتقلب والاغتباط في هجومهم كهذه الكلاب.
من الأخطاء التي ارتكبتها روز في وقت مبكر من حياتها، وما كانت لترتكبها لاحقًا، إخبارها فلو الحقيقة بدلًا من أن تكذب عليها عندما عرقلها أحد الصبية الأكبر سنًّا من بلدة موري الفرنسية، وأمسك بها أثناء نزولها على سُلم الحريق، ممزِّقًا كُمَّ المعطف الواقي من المطر الذي كانت ترتديه من ناحية الإبط. فما كان من فلو إلا أن ذهبت إلى المدرسة لإثارة زوبعة من الاحتجاجات (على حد تعبيرها)، فسمعت شهودًا يقسمون بأن روز هي التي مزَّقت كُمَّ معطفها بأحد المسامير. كانت المعلمة متجهمة الوجه، ولم تقدِّم نفسها، وأشارت إلى أن زيارة فلو غير مرغوب فيها. فلم يكن أولياء الأمور ليذهبوا إلى المدرسة في هانراتي الغربية؛ إذ اتسمت الأمهات بالتعصب في شجارهن؛ فكن يقفن خلف بوابات المدارس ويصحن، وكان بعضهن يندفعن لشد الشعر ورشق الحصى بأنفسهن، هذا فضلًا عن إساءتهن للمعلمة سرًّا بإرسال أطفالهن إلى المدرسة وتوصيتهم بعدم الاستماع إليها مطلقًا. لكنهن ما كنَّ ليتصرفن على النحو الذي تصرفت به فلو، ما كانت أقدامهن لتطأ أرض المدرسة، وما كن ليرفعن الشكوى إلى هذا المستوى، فما كن ليصدقن أبدًا — مثلما صدقت فلو على ما يبدو (وهنا كانت المرة الأولى التي تراها فيها روز غير مدركة للأمور ومخطئة) — أن المعتدين يمكن أن يعترفوا أو يُسلَّموا للعدالة، أو أن العدالة يمكن أن تتخذ أية صورة أخرى غير تمزيق معطف أحد الصبية الفرنسيين في غرفة إيداع القبعات والمعاطف، كنوع من التخريب.
قالت فلو إن المعلمة لا تدرك مهام وظيفتها.
لكنها كانت تعلم هذه المهام؛ بل وتعلمها جيدًا أيضًا؛ فكانت تغلق الباب في فترات الراحة، وتدع ما يحدث في الخارج يحدث، أيًّا كان. لم تحاول يومًا استدعاء الصبية الكبار من القبو أو من على سلم الحريق، فكانت تأمرهم بتقطيع الحطب اللازم لإشعال الموقد، وملء دلو مياه الشرب؛ وفيما عدا ذلك، كانوا أحرارًا في فعل ما يشاءون. لم يمانع أولئك الصبية في تقطيع الخشب أو ضخ المياه، لكنهم كانوا يحبون غمر الناس بالماء شديد البرودة، وأوشكوا على ارتكاب جرائم قتل باستخدام بلطة تقطيع الخشب. لقد كان السبب وراء وجودهم في المدرسة هو عدم وجود مكان آخر يذهبون إليه. فبالرغم من بلوغهم من العمر السن القانونية التي تسمح لهم بالعمل، لم تكن هناك وظائف متاحة لهم. أما الفتيات الأكبر سنًّا، فكان بإمكانهن الحصول على وظائف، كخادمات على الأقل. لذا، لم تواصل أي منهن دراستها في المدرسة، إلا إذا كن يخططن لخوض امتحان القبول بالمدرسة الثانوية، أملًا منهن في الحصول على وظائف يومًا ما في المتاجر أو البنوك. وبعضهن حقق ذلك بالفعل. في أماكن مثل هانراتي الغربية، كان من الأيسر على الفتيات الترقي في حياتهن على عكس الصبية.
كانت المعلمة تَشغل الفتيات الأكبر سنًّا — غير أولئك اللاتي كنَّ في فصل التأهيل للمدرسة الثانوية — بالتحكم في الأطفال الأصغر سنًّا، بتدليلهم أو صفعهم، وتصحيح أخطاء التهجية لديهم، والتقاط أي شيء قد يكون ذا أهمية في نظر أولئك الفتيات لاستخدامهن الخاص، مثل علب الأقلام الرصاص، وأقلام الألوان الجديدة، والحلي التي يحصلون عليها داخل أكياس كراكر جاك. وما كان يحدث في غرفة إيداع القبعات والمعاطف من سرقة حقائب الطعام، أو تمزيق المعاطف، أو خلع البنطالات لم تعتبره المعلمة من شأنها.
لم تتمتع تلك المعلمة بأي نوع من الحماس أو التخيل أو التعاطف؛ إذ اعتادت عبور الجسر كل يوم من هانراتي حيث كانت تعيش مع زوجها المريض. وقد عادت لمزاولة مهنة التدريس في منتصف العمر؛ ربما لأنها كانت الوظيفة الوحيدة التي تمكنت من الحصول عليها، فوجب عليها المثابرة، وهذا ما فعلته. لم تغطِّ النوافذ بالورق قط، ولم تلصق نجومًا ذهبية في دفاتر الطلاب. لم ترسم على السبورة بالطباشير الملون قط، فلم يكن لديها نجوم ذهبية أو طباشير ملون. ولم تُظهر أي نوع من الحب لما تُدرِّسه، أو لأي أحد. لعلها تمنَّت — هذا إن كانت تمنَّت أي شيء على الإطلاق — أن يخبرها أحد أنه بإمكانها العودة إلى المنزل، وعدم رؤية أولئك الطلاب ثانيةً، وعدم فتح كتاب التهجية أبدًا بعد ذلك.
ومع ذلك، فقد كانت تُدرِّس للطلبة بعض الأشياء، وربما كانت تُدرِّس أيضًا لمَن كانوا سيخضعون لامتحان القبول بالمدرسة الثانوية؛ لأن بعضهم نجح فيه. ولعلها حاولت تدريس كلِّ مَن كان يلتحق بالمدرسة القراءة والكتابة وبعض الحساب البسيط. كان الدرابزين الحديدي للسلالم محطمًا، والمكاتب منزوعة من أماكنها بالأرضية وغير مثبتة، والموقد تنبعث منه الأدخنة، والمواسير مربوطة معًا بالأسلاك. لم توجد بالمدرسة أية كتب بالمكتبة أو خرائط، بالإضافة إلى عدم كفاية الطباشير دومًا. حتى العصا الياردية كانت دومًا متسخة ومتشظية عند أحد طرفيها. الشجارات والجنس والسرقات الصغيرة مثَّلت أهم الأحداث في المدرسة، ومع ذلك، كانت الحقائق والجداول تُشرَح للطلاب. وفي مقابل كل تلك الاضطرابات، والقلاقل، والظروف المستعصية، ظلت هناك لمحة من روتين الفصل الدراسي المعتاد؛ الأمر الذي كان أشبه بعطية تُمنَح للطلاب. فتعلَّم بعضهم التهجية.
اعتادت تلك المعلمة استنشاق النشوق. لم ترَ روز أحدًا من قبل يفعل ذلك، فكانت ترش بعضًا منه على ظهر يدها، ثم ترفعه إلى وجهها، وتصدر صوتًا خافتًا من أنفها، وتميل برأسها إلى الخلف، فيظهر عنقها، ويبدو عليها الازدراء والتحدي للحظة. فيما عدا ذلك، لم يكن بها أي شيء غريب أو غير معتاد. فكانت سيدة ممتلئة الجسم، كئيبة المنظر رثة الملابس.
كانت فلو تقول إنها ربما تسببت في تشوش ذهنها بسبب النشوق؛ فهو أشبه بإدمان المخدرات. أما السجائر، فهي تثير الأعصاب فقط.
ثمة شيء واحد فقط في المدرسة كان ساحرًا وجميلًا؛ رسوم الطيور. لا تعرف روز ما إذا كانت المعلمة قد صعدت وثبتت هذه الرسوم فوق السبورة في موضع أعلى مما يسمح بالوصول إليه وتخريبه؟ وما إذا كانت تلك محاولتها الأولى والأخيرة عندما كان يحدوها الأمل في ذلك المكان؟ أم أن هذه الرسوم يعود تاريخها إلى عهد أقدم من ذلك، عهد أكثر رخاءً في تاريخ المدرسة؟ من أين أتت تلك الرسوم؟ كيف وصلت إلى ذلك المكان، في الوقت الذي لم يصل فيه أي شيء آخر، لتصير نوعًا من الزينة أو الرسم الإيضاحي؟
نقار خشب أحمر الرأس؛ طائر الصافِر، أبو زريق أزرق اللون؛ إوزة كندية. ألوان واضحة وثابتة. خلفيات من الثلج النقي، وغصون الأشجار المُزهِرة، وسماء صيفية مشرقة. ما كانت هذه الرسوم لتبدو غريبة لو وُجِدت في فصل عادي، لكنها في ذلك الفصل، كانت بارزة وواضحة وتعبِّر عن شيء ما، إذ تناقضت مع كل شيء آخر حولها؛ لم تمثل تلك الرسوم الطيور نفسها، أو تلك السماوات والثلج، وإنما عكست عالمًا آخر من البراءة الشديدة، والمعلومات الوافرة، وخلو البال من الهموم على نحو مميز. خلا ذلك العالم من سرقات حقائب الطعام، وتمزيق المعاطف، وخلع البنطلونات، واستخدام العصي المؤلمة، والمضاجعة، ومن فراني. •••
ضمَّ فصل التأهيل للمدرسة الثانوية ثلاث فتيات كبيرات؛ إحداهن تُدعَى دونا، والأخرى كورا، والثالثة بيرنيس. وقد خلا ذلك الفصل إلا منهن. ثلاث ملكات، لكن مع تدقيق النظر، ستجدهن ملكة وأميرتين. هكذا رأتهن روز. كن يسرن حول فناء المدرسة وأذرعهن متشابكة أو يحيط بعضهن بخصر بعض. تتوسطهن كورا دومًا، وكانت أطولهن. أما دونا وبيرنيس، فكانتا تميلان عليها لدعمها أو تتقدمان أمامها لإفساح الطريق لها.
أحبَّت روز كورا.
كانت كورا تعيش مع جدها وجدتها، وكانت جدتها تعبر الجسر إلى هانراتي للعمل في أعمال التنظيف والكي. أما جدها، فكان يعمل في تنظيف الحمامات. كانت هذه هي وظيفته.
قبل أن تدخر فلو المال لإقامة دورة مياه حقيقية بالمنزل، كانت قد اشترت مرحاضًا كيميائيًّا لوضعه في أحد أركان السقيفة، وكان ذلك أفضل من المرحاض الخارجي، لا سيما في أوقات الشتاء. لكن جدَّ كورا خالف فلو الرأي بشأن ذلك المرحاض، وقال لها: «إن الكثيرين ممن استخدموا تلك المراحيض دخلت المواد الكيميائية أجسامهم، وودوا لو أنهم لم يفعلوا.» كانت لجد كورا لكنة ريفية غريبة.
كانت كورا ابنة غير شرعية. كانت أمها تعمل في مكان ما، أو ربما تكون قد تزوجت. ربما عملت خادمة، وكان بإمكانها إرسال بعض الأشياء المستعملة لابنتها. فكان لدى كورا الكثير من الملابس، وكانت تذهب إلى المدرسة بملابس ساتانية لونها بيج ذات تمويجات من فوق فخذيها؛ أو ملابس مخملية بلون أزرق ملكي وعليها وردة من نفس نوع القماش تتدلى على إحدى كتفيها؛ أو ملابس من الكريب الرقيق ذات لون وردي فاتح ومليئة بالشراشيب. لم تتناسب هذه الملابس مع سنها (لم يكن ذلك رأي روز)، لكنها تناسبت مع جسمها؛ فقد كانت طويلة، قوية البنية، ذات مظهر أنثوي. وفي بعض الأحيان، كانت تصفف شعرها بلفِّه فوق رأسها، وتركه ينسدل فوق إحدى عينيها. اعتادت كورا ودونا وبيرنيس تصفيف شعرهن مثل السيدات، والإفراط في استخدام أحمر الشفاه، وحمرة الخدود. اتسمت ملامح كورا بالحدة. فكانت جبهتها دهنية، وأجفانها بنية متثاقلة. هذا فضلًا عن شعورها بالرضا عن نفسها، الذي سرعان ما سيتحول إلى قسوة ووقار، لكنها كانت رائعة آنذاك، تسير في فناء المدرسة مع وصيفتيها (كانت دونا في الحقيقة هي الأجمل بينهن بما تمتعت به من وجه بيضاوي شاحب وشعر أشقر متجعد بنعومة)، وأذرعهن متشابكة، ويتحدثن على نحو جِدي. لم تضيِّع كورا وقتها في الالتفات للصبية في المدرسة، لم تفعل ذلك أيٌّ من أولئك الفتيات الثلاث؛ فكنَّ ينتظرن الالتقاء برفاق شباب حقيقيين، أو لعلهن التقين بهم بالفعل آنذاك. وكان بعض الصبية ينادون عليهن من باب القبو، مع توجيه بعض العبارات المهينة لهن، فكانت كورا تستدير وتصيح فيهم:
«أكبر من النوم في المهد، وأصغر من النوم في سرير!»
لم تكن لدى روز أية فكرة عما كان يعنيه ذلك، لكنها كانت معجبة للغاية بالطريقة التي أظهرت بها كورا فخذيها، وبصوتها المستهزئ القاسي والمتكاسل في الوقت نفسه، وبمظهرها البراق. وعندما كانت تختلي بنفسها، كانت تقلد ما حدث، المشهد بأكمله، الصبية وهم يصيحون، مع تقمصها شخصية كورا؛ فكانت تستدير، مثلما تفعل كورا، نحو معذبيها المُتخيَّلين، وتتعامل معهم بنفس الاحتقار الاستفزازي.
«أكبر من النوم في المهد، وأصغر من النوم في سرير!»
كانت روز تتجول في أرجاء الفناء الخلفي للمتجر، متخيلةً الساتان المثير وهو يتموج فوق فخذيها، وشعرها ملفوف ومنسدل على إحدى عينيها، وشفتاها حمراوان. أرادت أن تكبر لتصير مثل كورا بالضبط، بل إنها لم ترغب في الانتظار حتى تكبر؛ لقد أرادت أن تكون كورا … الآن.
اعتادت كورا ارتداء الأحذية عالية الكعب في المدرسة، لكنها لم تكن خفيفة في حركتها، فكلما كانت تسير في الفصل، تبدو الغرفة وكأنها تهتز، والنوافذ ترتعد. كان من الممكن أيضًا شم رائحتها؛ رائحة مسحوق الطَلْق ومستحضرات التجميل، رائحة بشرتها الداكنة الدافئة وشعرها. •••
جلست الفتيات الثلاث أعلى سلم الحريق في أول أيام الطقس الدافئ. كنَّ يطلين أظافرهن. كانت رائحة الطلاء تشبه رائحة الموز، مع نفحة كيميائية غريبة. أرادت روز صعود سلم حريق المدرسة، كما اعتادت، لتجنب التهديد اليومي بالمدخل الرئيسي، لكنها استدارت عندما رأت الفتيات يجلسن أعلى السلم؛ فلم تجرؤ على توقع إفساحهن الطريق لها.
نادت عليها كورا.
«يمكنك الصعود إذا أردتِ. هيا، اصعدي!»
أخذت تثيرها وتشجعها كما لو كانت تفعل مع جرو صغير.
«هل تودين طلاء أظافرك؟»
حينذاك، قالت الفتاة التي تُدعَى بيرنيس، التي اكتشفت روز بعد ذلك أنها صاحبة طلاء الأظافر: «إن فعلتِ، فسيود الجميع طلاء أظافرهن أيضًا.»
فردَّت عليها كورا: «لن نفعل ذلك معهن؛ وإنما هي فقط. ما اسمك؟ روز؟ سوف نطلي أظافر روز فقط. اصعدي هنا يا عزيزتي.»
طلبت كورا من روز مد يدها، وحينها لاحظت روز بانزعاج البقع الملونة التي غطت يدها. كم كانت يداها قذرتين! وكانتا أيضًا باردتين ومرتعشتين. مجرد شيء صغير مثير للاشمئزاز. وما كانت لتندهش لو أبعدت كورا يدها.
«ابسطي أصابعك، وأرخيها. ما هذا؟ يداكِ ترتعشان! لن أعضَّكِ! فلتثبتي مكانك كفتاة صالحة. لا تودين إفساد الطلاء، أليس كذلك؟»
غمست الفرشاة في زجاجة الطلاء. كان لونه أحمر داكنًا، مثل توت العليق. أحبَّت روز رائحته. كانت أصابع كورا كبيرة، وردية اللون، ثابتة، ودافئة.
«أليس ذلك جميلًا؟ ألن تبدو أظافرك جميلة؟»
اتبعت كورا الأسلوب الصعب السائد آنذاك في طلاء الأظافر، ولم يعد مستخدمًا الآن، وهو أن تترك الشكل الهلالي على أطراف الأظافر والمساحة البيضاء بلا طلاء.
«سأطليها باللون الوردي لتتماشى مع اسمك. اسمك جميل يا روز. يعجبني كثيرًا، بل يعجبني أكثر من اسم كورا. فأنا أكره اسم كورا. أصابعك متجمدة بالرغم من دفء الجو اليوم. أليست متجمدة مقارنة بأصابعي؟»
كانت تتغزل في نفسها، وتتدلل، كعادة الفتيات في تلك السن؛ فكن يجربن سحرهن على أي شيء؛ الكلاب أو القطط أو على صورتهن في المرآة. كان تأثير الموقف على روز قويًّا على نحو حال دون استمتاعها بتلك اللحظات. شعرت بالوهن والانبهار، ارتعبت من ذلك المعروف الكبير الذي كانت تسديه لها كورا.
منذ ذلك اليوم، صارت روز مهووسة بكل ما في كورا؛ فقضت وقتها في محاولة السير مثل كورا، والتشبه بها، مكرِّرةً كل كلمة سمعتها منها. حاولت أن تكون هي، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. رأت روز سحرًا في كل إيماءة من كورا، في طريقة غرزها القلم الرصاص في شعرها الكثيف الخشن، في تأوهاتها أحيانًا في المدرسة بسبب الملل الشديد، في لعقها لإصبعها، وصقلها لحاجبيها برفق. فلعقت روز إصبعها مثلها، وصقلت حاجبيها، آملةً في أن يصيرا داكني اللون، بدلًا مما كانا عليه من لون باهت وشكل يكاد يكون غير مرئي.
لم يكن تقليد كورا كافيًا، وإنما فعلت روز ما هو أكثر من ذلك؛ فتخيَّلت أنها مريضة، وتم استدعاء كورا بشكل ما لتتولى رعايتها؛ تمنحها عناقًا قبل النوم، وتمسِّد على جسدها، وتهدهدها. اختلقت، كذلك، قصصًا عن تعرضها للمخاطر وإنقاذ كورا لها، وعن حوادث وامتنان بينهما. في تلك القصص كانت تنقذ فيها روز كورا أحيانًا، وكورا تنقذها في أحيان أخرى، لتسود بينهما بعد ذلك حالة من الدفء والمودة والبوح بالأسرار.
هذا اسم جميل.
اصعدي هنا، يا عزيزتي.
بداية الحب، تزايده، تدفُّق المشاعر. حب جنسي، لم تكن متأكدة بعدُ مما يجب التركيز عليه بالضبط. لا بد أنه كان هناك من البداية، مثل العسل الأبيض المتجمد في الدلو الذي ينتظر الوقت المناسب للذوبان والتدفق. افتقر الأمر إلى بعض الحدة، بعض الضرورة الملحة؛ كانت هناك اختلافات عرضية في جنس من وقع عليه اختيارها عند تفكيرها في ذلك الأمر. لكن فيما عدا ذلك، كان ما يعتريها هو نفس الشيء الذي أخذ يباغتها منذ ذلك الحين؛ المد العالي؛ الحماقة المستعصية؛ الاجتياح الجارف.
مع ازدهار كل شيء في الأرجاء، من أزهار الليلك، وأشجار التفاح، والبعرور البري على طول الطريق، كان يَحُلُّ موعد لعبة الجنائز التي كانت تنظمها الفتيات الأكبر سنًّا. والشخصية التي من المفترض أن تلعب دور المتوفى — وهي فتاة، لأن الفتيات فقط هن من كن يلعبن تلك اللعبة — كانت تستلقي أعلى سلم الحريق. أما باقي الفتيات، فكن يصعدن السلم بتؤدة، وهن يغنين إحدى الترنيمات، ويلقين بالورد الذي ملأن به أذرعهن. كن ينحنين متظاهرات بالبكاء (بعضهن بكى بالفعل)، ويُلقين على المتوفاة النظرة الأخيرة، وبذلك تنتهي اللعبة. كان من المفترض أن تنال جميع الفتيات فرصة لعب دور الشخصية المتوفاة، لكن الأمور لم تَسِرْ على هذا النحو؛ فبعد أن كانت الفتيات الأكبر سنًّا يؤدين ذلك الدور، لم يكنَّ ليزعجن أنفسهن بلعب دور ثانوي في جنائز الفتيات الصغيرات. وبعد مغادرتهن، سرعان ما كانت الفتيات الصغيرات يدركن أن اللعبة قد فقدت أهميتها وسحرها، فيرحلن بدورهن، تاركات بعض العنيدات اللاتي لا أهمية لهن ينهين اللعبة. وكانت روز من بينهن؛ إذ تعلقت بأمل صعود كورا سلم الحريق في جنازتها، لكن كورا تجاهلت الأمر.
كان على الفتاة التي تلعب دور المتوفاة اختيار الترنيمة التي ستتغنى بها الفتيات في الجنازة، فاختارت كورا: «كم هي جميلة السماء!» استلقت كورا وحولها أكوام من الزهور، أغلبها من الليلك، وارتدت فستانها الوردي المصنوع من قماش الكريب الرقيق. كان هناك أيضًا بعض الخرزات، ودبوس زينة منقوش عليه اسمها بالترتر الأخضر، كسا وجهها قدر كبير من المسحوق، الذي ارتعش على الشعيرات الناعمة الموجودة على أطراف فمها. خفقت أهدابها. كان تعبير وجهها يوحي بالتركيز، والعبوس، والموت على نحو صارم. تغنَّت روز بالترنيمة بصوت حزين، ووضعت الليلك من يدها، وكانت على وشك القيام بطقس تعبدي ما، لكنها لم تتوصل إلى أي شيء يمكنها فعله. فما كان منها إلا أن أخذت تجمع التفاصيل للتفكير فيها لاحقًا. لون شعر كورا، لمعة الخصلات الداخلية التي شُدت لتوضع خلف أذنيها، والتي بدت ذات لون عسلي أكثر دفئًا من الخصلات الموجودة أعلاها. كانت ذراعاها مكشوفتين، داكنتي اللون، مسطحتين، أشبه بذراعي امرأة ثقيلتين، والشراشيب منسدلة عليهما. ما كانت رائحتها الحقيقية؟ عمَّ كان حاجباها المشذبان، العابسان الدالان على رضاها عن نفسها، يعبران؟ بذلت روز جهدًا كبيرًا لاحقًا وهي وحدها لاستدعاء تلك التفاصيل، وإدراكها، وتذكُّرها إلى الأبد. ما كان نفع ذلك؟ عندما كانت تفكر في كورا، كانت تشعر ببقعة داكنة مشرقة، بمركز ذائب، برائحة الشوكولاتة المحترقة ومذاقها، الأمور التي لم تستطع نيلها أبدًا.
ما الذي يمكن فعله بالحب عندما يصل إلى هذه المرحلة من الضعف وقلة الحيلة والاهتمام الجنوني؟ لا بد أن يصطدم بشيء ما.
سرعان ما ارتكبت روز خطأً بسرقتها بعض الحلوى من متجر فلو لتمنحها لكورا. كان تصرفًا أحمق وسيئًا وطفوليًّا، الأمر الذي أدركته حينذاك. لم يكمن الخطأ في السرقة فحسب، وإن كان تصرفًا أحمق بالفعل وصعبًا؛ فقد احتفظت فلو بالحلوى في مكان علوي خلف منضدة الخزينة على رف مائل في صناديق مفتوحة، بحيث تكون بعيدًا عن متناول الأطفال، لكن في مرمى بصرهم في الوقت نفسه. وتوجَّب على روز انتظار اللحظة المناسبة لتصعد فوق الكرسي، وتملأ إحدى الحقائب بما تمكنت من الإمساك به، مثل قطع العلكة وحلوى الجيلي والعرق سوس من كل الأنواع، والشوكولاتة، وغيرها. لم تحتفظ بأيٍّ من هذه الحلوى لنفسها، وإنما كان عليها أخذ الحقيبة إلى المدرسة. وهذا ما فعلته بإخفائها للحقيبة أسفل تنورتها مع إدخال الجزء العلوي منها في الرباط المطاطي لسروالها الداخلي. وضغطت بقوة بذارعها على خصرها للحفاظ على الحقيبة في مكانها. فسألتها فلو: «ما الخطب؟ هل تعانين من مغص؟» لكنها، لحسن الحظ، كانت منشغلة للغاية، ولم تتحقق من الأمر.
أخفت روز الحقيبة في مكتبها، وانتظرت الفرصة التي لم تسنح كما توقعت.
حتى لو كانت قد ابتاعت الحلوى، وحصلت عليها بشكل قانوني، كان الأمر برمته سيظل خطأً. كان الأمر على ما يرام في البداية، لكن ليس الآن. ففي تلك اللحظات، أرادت روز الكثير من الامتنان والتقدير، والاعتراف بالجميل، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بقبول أي شيء. أخذ قلبها يخفق بقوة، وفمها مليء بمذاق مرٍّ غريب نابع من شوقها ويأسها، حتى وإن مرت كورا بجوار مكتبها بخطواتها المتثاقلة المميزة، وعبق عطورها الرائع الذي فاح من حرارة جسدها، فما من شيء يمكن أن يعبر عما كانت روز تشعر به، فكان من المحال أن تنال ما أرادت، وكانت تعلم أن ما تفعله مثير للسخرية ومحكوم عليه بالفشل.
لم تقوَ على تقديم الحلوى لكورا، فلم تسنح اللحظة المناسبة قط. لذا، وبعد بضعة أيام، قررت ترك الحقيبة في مكتب كورا. حتى ذلك كان صعبًا. فكان عليها التظاهر بأنها نسيت شيئًا ما بعد الساعة الرابعة، والركض عائدةً إلى المدرسة، مع علمها بأنها ستضطر للخروج منها في وقت لاحق، وحدها، والمرور بالصبية الأكبر سنًّا عند باب القبو.
كانت المعلمة لا تزال في المدرسة، ترتدي قبعتها. كانت ترتدي تلك القبعة الخضراء القديمة التي يلتصق بها بعض الريش كل يوم أثناء عبورها الجسر. كانت دونا، صديقة كورا، تنظف السبورة، حاولت روز إدخال الحقيبة في مكتب كورا، فسقط منها شيء ما. لم تُلقِ المعلمة بالًا لما حدث، لكن دونا استدارت وصاحت في وجه روز: «أنتِ! ماذا تفعلين في مكتب كورا؟»
فأسقطت روز الحقيبة على المقعد، وفرت هاربة.
الأمر الذي لم تتوقعه على الإطلاق هو أن تذهب كورا إلى متجر فلو لتعيد الحلوى إليها، لكن هذا ما فعلته كورا بالفعل. لم تفعل كورا ذلك لتسبب مشاكل لروز، وإنما لتحقق المتعة لنفسها. فكانت تستمتع بالشعور بالأهمية والاحترام، إلى جانب لذة تبادل شيء ما مع شخص كبير.
قالت كورا، أو بالأحرى هذا ما قالت فلو إنها قالته: «لا أعلم لماذا أرادت إعطاءها لي.» لم تحسن فلو التقليد تلك المرة؛ إذ رأت روز أن صوتها لم يبدُ كصوت كورا على الإطلاق. فجعلتها فلو تبدو لينة الحديث وضعيفة.
«رأيت أنه من الأفضل المجيء إلى هنا وإخبارك بما حدث!»
لم تكن الحلوى تصلح للأكل على أية حال؛ فقد هُرِست كلها، وذابت بعضها في بعض، واضطرت فلو للتخلص منها.
أصاب فلو الذهول. هكذا وصفت هي حالها. ولم يكن السبب هو سرقة روز للحلوى؛ فمع أنها كانت ضد السرقة بطبيعتها، لكنها أدركت أن السرقة في هذا الحادث لم تكن هي الجرم الأخطر، بل إن المشكلة أهم وأكبر من ذلك.
«ما الذي كنتِ ستفعلينه بها؟ تعطينها لها؟ لماذا؟ هل تحبينها أو شيء من هذا القبيل؟»
كانت تلك إهانة ومزحة في الوقت نفسه. وأجابت روز بالنفي، لأنها ربطت الحب بنهايات الأفلام السينمائية، والقبلات، والزواج. شعرت في تلك اللحظات بالصدمة وأن مشاعرها قد تعرَّت، وبدأت بالفعل — وإن لم تدرِ — في الانزواء والتقوقع حول نفسها. فكانت فلو أشبه بالعاصفة الهوجاء.
قالت فلو: «بل تفعلين! كم تثيرين اشمئزازي!»
لم تكن فلو تتحدث عن خطر الشذوذ الجنسي في مستقبل روز؛ فلو كانت قد علمت ذلك، أو فكرت فيه، لبدا الأمر في نظرها أشبه بالمزحة، أو الأمر الغريب الذي يستعصي على الفهم، أكثر من كونه سلوكًا غير لائق. لقد كان الحب هو ما يثير اشمئزازها. تلك العبودية، وإهانة الذات، وخداعها. كان هذا ما صعقها. فقد رأت الخطر، والعلة؛ الآمال المتسرعة، والتأهب، والاحتياج.
سألتها فلو: «ما الرائع في تلك الفتاة؟» وأجابت بنفسها عن السؤال في الحال: «لا شيء. فهي أبعد ما تكون عن الجمال. وسوف تصير كومة متحركة من الدهون فيما بعد؛ إنني أرى العلامات الدالة على ذلك. سيكون لها شارب أيضًا؛ بل إن لديها واحدًا بالفعل. من أين تأتي بملابسها؟ لعلها تظن أنها تناسبها.»
لم تُجِب روز عن أيٍّ من هذه الأسئلة. وأضافت فلو إن كورا ليس لها أب، ويمكن لروز التفكير في وظيفة أمها. ومن هو جدها؟ منظف الحمامات! •••
ظلت فلو تذكر موضوع كورا بين الحين والآخر لسنوات طوالًا.
فكلما رأت كورا تمر بالمتجر بعد التحاقها بالمدرسة الثانوية، كانت تقول: «ها هي معشوقتك!»
وكانت روز تتظاهر بالنسيان.
لكن فلو كانت تواصل مضايقتها: «أنتِ تعرفينها! لقد حاولتِ منحها بعض الحلوى! بل إنك سرقتي الحلوى من أجلها! لقد أضحكني ذلك كثيرًا.»
لم يكن ادِّعاء روز بالنسيان كذبًا محضًا؛ فقد كانت تتذكر الحقائق، لكنها نسيت المشاعر. تحولت كورا إلى فتاة ضخمة البنيان داكنة البشرة متجهمة الوجه مستديرة الكتفين تحمل دومًا كتب المدرسة الثانوية. لم تفدها الكتب كثيرًا، فقد رسبت في المدرسة الثانوية. وكانت ترتدي بلوزات عادية وتنورة لونها أزرق داكن بدت فيها بدينة. لعلها لم تتحمل فقدان فساتينها الأنيقة، فرحلت كورا عن المدينة، وحصلت على وظيفة أثناء الحرب. التحقت بالقوات الجوية، وكانت تظهر في الإجازات بالزي العسكري المهيب. وتزوجت من طيَّار.
لم تنزعج روز كثيرًا بهذه الخسارة، وهذا التحول؛ فالحياة برمتها سلسلة من التطورات المفاجئة، هذا ما تعلمته، لكنها كانت تفكر فقط فيما كانت عليه فلو من رجعية وتخلف؛ إذ أخذت تكرر تذكُّرها لتلك القصة وتجعل كورا تبدو أسوأ وأسوأ، فتصفها بصاحبة البشرة الداكنة، وكثيرة الشعر، والمتبخترة في مشيتها، والبدينة. وبعد ذلك الحين بفترة طويلة، رأت روز فلو وهي تحاول أن تحذرها وتغيرها، الأمر الذي لم يكن مجديًا. •••
تغيَّرت المدرسة بنشوب الحرب؛ فتضاءل حجمها، وفقدت كل ما بها من طاقة الشر، وروح الفوضى، ونمط الحياة السائد فيها. التحق الصبية الأقوياء بالحرب. تغيرت هانراتي الغربية أيضًا؛ فغادر الناس للالتحاق بوظائف في الحرب. حتى من تخلَّفوا منهم في المدينة، كانوا يعملون، ويحصلون على أجور أعلى مما حلموا به من قبل. ساد الاحترام، فيما عدا الحالات التي اتسمت بأقصى صور العناد. غُطيت أسطح البيوت بالألواح الخشبية بالكامل، بدلًا من الرقع التي كانت تكسوها. وطُليت المنازل، أو غُطيت بألواح تبدو على شكل الطوب. اشترى الناس ثلاجات وتباهوا بها. عندما كانت روز تفكر في هانراتي الغربية أثناء الحرب وأثناء السنوات السابقة لها، رأت الفترتين مختلفتين تمامًا، كما لو كانت قد استُخدِمت إضاءة مختلفة في المرحلتين، أو كما لو كان كل شيء مسجَّلًا على شريط فيلم طُبِع على نحو مختلف في المرتين. فبدا كل شيء نظيفًا ومرتبًا ومحدودًا وطبيعيًّا في مرة، وكئيبًا وغير واضح، ومشوشًا، ومزعجًا في المرة الثانية.
المدرسة ذاتها تحسَّنت أحوالها؛ فتم تبديل النوافذ، وثُبِّتت المكاتب بالأرضيات، واختفت الكلمات البذيئة تحت الطلاء الأحمر الباهت، وهُدِمت دورتا مياه الصبية والفتيات، ورُدِمت الحفر فيهما. رأت الحكومة وإدارة المدرسة أنه من الأفضل وضع مراحيض بصناديق طرد في القبو الذي تم تنظيفه.
تبنَّى الجميع ذلك التوجه. تُوفي السيد برنز في الصيف، ومَن اشتروا منزله أقاموا فيه دورة مياه، وأقاموا كذلك سورًا عاليًا من الأسلاك لمنع أي شخص في فناء المدرسة من الوصول إلى حديقتهم واقتلاع أزهار الليلك الخاصة بهم. أقامت فلو دورة مياه أيضًا آنذاك، وقالت إنهم بإمكانهم هم أيضًا التمتع بتلك الرفاهية التي منحتها الحرب للناس.
لزم على جدِّ كورا التقاعد، ولم يخلُفه في تلك الوظيفة أحد بعد ذلك قط.
المتسولة |
نصف ثمرة جريب فروت
خاضت روز امتحان القبول بالمدرسة الثانوية، وعبرت الجسر لتلتحق بالمدرسة في هانراتي.
ضمَّ الحائط بالمدرسة أربع نوافذ كبيرة ونظيفة، فضلًا عن أضواء الفلورسنت الجديدة. تناولت الحصة موضوع «الصحة والإرشاد»؛ وكانت فكرة جديدة آنذاك. اختلط الصبية بالفتيات في الفصل حتى انتهاء فترة الكريسماس لينتقلوا بعد ذلك لدراسة «الحياة الأسرية». كانت المعلمة صغيرة السن ويملؤها التفاؤل. ارتدت بذلة حمراء أنيقة تتسع فوق فخذيها. أخذت تسير جيئة وذهابًا بين الصفوف، مستمعةً إلى إجابات الطلاب عن السؤال الذي طرحته بشأن ما تناولوه في وجبة الإفطار؛ وذلك لكي تتحقق من اتباعهم قواعد «دليل الأغذية الكندي».
سرعان ما اتضحت الفوارق بين الريف والحضر في الإجابات عن هذا السؤال.
«بطاطس مقلية.»
«خبز وشراب ذرة.»
«شاي وعصيدة.»
«شاي وخبز.»
«شاي وبيض مقلي ولحم مملح.»
«فطيرة زبيب.»
علت بعض الضحكات، وأظهرت المعلمة تعبيرات بوجهها توحي بالتوبيخ الذي لا جدوى منه. انتقلت، بعد ذلك، إلى الجانب الذي يجلس فيه الطلاب القاطنون بالمدينة؛ إذ حافَظَ الطلاب بإرادتهم الحرة على نوع من الفصل العنصري في الفصل. وفي هذا الجانب، ادَّعَى الطلاب تناولهم الخبز المحمص ومربى الفواكه، أو اللحم المقدد والبيض، أو رقائق الذرة؛ أو كعك الوافل والشراب المُحلَّى. والقليل منهم قال إنه تناول عصير البرتقال.
أقحمت روز نفسها في نهاية أحد الصفوف التي شغلها الطلاب الذين يقطنون المدينة. لم يكن بالفصل أي طلاب آخَرين سواها من هانراتي الغربية، ورغبت بشدة في التخلي عن أصولها والانضمام إلى صفوف سكان المدينة، والانتماء إلى أولئك الذين يأكلون الوافل ويشربون القهوة، وذوي الاطلاع الواسع ممَّن يملكون ركنًا مخصَّصًا لتناول وجبة الإفطار.
أجابت روز عن سؤال المعلمة بجرأة: «نصف ثمرة جريب فروت.» لم يفكِّر أحد غيرها في هذه الإجابة.
في الواقع، كانت فلو سترى أن تناول الجريب فروت على الإفطار أمر لا يقل سوءًا عن شرب الشامبانيا، بل إنه لا يباع في المتجر من الأساس. لم تهتم أسرة روز كثيرًا في الحقيقة بالفواكه الطازجة، واقتصرت مشترياتهم منها على الموز المرقط، والبرتقال الصغير الرديء الجودة. اعتقدت فلو — شأنها شأن الكثير من القرويين آنذاك — أن أي شيء غير مطهوٍّ جيدًا يضرُّ بالمعدة. وقد اعتادت أسرة روز تناول الشاي والعصيدة في وجبة الإفطار. وفي فصل الصيف، كانوا يتناولون الأرز المنفوخ. وكان أول صباحٍ غُرِفَ فيه الأرز المنفوخ — الأشبه بحبوب اللقاح في خفة وزنه — في صحن الإفطار بمثابة العيد، وسعدت الأسرة به كما تسعد بأول يوم سير على الطريق الوعرة بدون أحذية مطاطية واقية من المطر، أو أول يوم يمكن فيه ترك باب المنزل مفتوحًا في فترة الربيع القصيرة والجميلة التي تفصل بين الشتاء والصيف.
شعرت روز بالرضا عن نفسها لتفكيرها في الجريب فروت، وللكيفية التي أجابت بها عن السؤال بصوت تملؤه الجرأة وبعيد عن التكلُّف في الوقت نفسه. اعتادت روز اختناقَ صوتها دومًا في المدرسة، وخفقانَ قلبها بقوة كما لو أنه يكاد يخرج من حلقها، والتصاقَ ملابسها بذراعيها بسبب التعرق، بالرغم من استعمالها مزيل العرق. كانت أعصابها في حالة كارثية.
بعد بضعة أيام وفي أثناء عبورها الجسر عائدة إلى المنزل، سمعت صوتًا ينادي عليها. لم يذكر اسمها، لكنها علمت أنها المقصودة؛ فأبطأت في خطاها على الألواح الخشبية، وأخذت تنصت. بدا لها أن الأصوات تصدر من أسفل الجسر، لكنها عندما نظرت عبر الشقوق لم ترَ شيئًا سوى الماء المتدفق سريعًا. لا بد أن أحدًا قد اختبأ بالأسفل بجوار الركام. كانت أصواتًا كئيبة، ومموهة على نحوٍ لم يسمح لها بالجزم إذا كانت صادرة عن صِبْية أم فتيات.
«نصف ثمرة جريب فروت!»
ترددت تلك العبارة على سمع روز بين الحين والآخَر، واستمر ذلك لسنواتٍ عِدَّة؛ فكانت تسمعها من أحد الأزقة أو من نافذة مظلمة، ولم تكن تفصح عما تسمعه، لكنها سرعان ما كانت تلمس وجهها، وتمسح العرق من فوق شفتها العلوية. تتسبب ادعاءاتنا في تعرُّق أجسادنا.
كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك؛ فالخزي من أيسر الأمور التي يمكن أن تصيب المرء. والحياة في المدرسة الثانوية كانت محفوفة بالمخاطر، بسبب انتشار كل شيء في الحال، وعدم نسيان أي شيء فيها. كان من المحتمل أن تكون روز هي الفتاة التي نسيت فوطتها الصحية. فمَن فعلَتْ ذلك كانت على الأرجح فتاةً قرويةً تحمل الفوطة الصحية في جيبها أو في نهاية دفتر ملاحظاتها لتستخدمها في وقت لاحق من اليوم، وهو تصرُّف متوقَّع من أية فتاة تعيش بعيدًا عن المدرسة. روز نفسها فعلت ذلك. كانت هناك آلة لصرف الفوط الصحية في دورة مياه الفتيات، تبتلع العملات المعدنية ولا تُخرِج أي شيء في المقابل. اتفقت اثنتان من الفتيات القرويات اتفاقًا شهيرًا على أن يبحثا عن بوَّاب المدرسة في وقت الغداء، ويطلُبَا منه مَلْءَ آلة الصرف. لكن دون جدوى.
سألهما البوَّاب: «مَن منكما بحاجة إليها؟» ففرت الفتاتان، وقالتا إن حجرة ذلك البواب الموجودة تحت السلم احتوت على أريكة قديمة متسخة وهيكل عظمي لِقطَّة، وأقسمتا على ذلك.
لا بد أن تلك الفوطة الصحية قد سقطت على الأرض، ربما في غرفة تعليق القبعات والمعاطف، ثم التُقِطت وهُرِّبت بصورةٍ ما إلى دولاب عرض الجوائز التذكارية الموجود في القاعة الرئيسية، وصارت بذلك على مرأى من الجميع، وقد أفسد الطي والحمل مظهرها الجديد، وتسبَّب في حكِّ سطحها؛ ما رجَّح فكرة كونها فوطةً مستعملة. يا لها من فضيحة! وفي اجتماع عُقِد صباحًا، أشار الناظر إلى ذلك الشيء المثير للاشمئزاز، وتعهَّدَ باكتشاف المتسبِّب في وضعه على هذا النحو، وفضحه، وضربه بالسياط، وفصله من المدرسة. أنكرت كل فتاة في المدرسة معرفتها بهذا الشأن، وتكاثرت الآراء حوله. خشيت روز من توجيه أصابع الاتهام إليها باعتبارها المشتَبَه به الرئيسي في تلك الجريمة؛ ولذلك شعرت بالارتياح عندما أُلقِي باللوم على فتاة قروية أخرى بدينة متجهمة الوجه تُدعَى مورييل ميسون، والتي اعتادت ارتداء فساتين منزلية غير مهندمة من الحرير الصناعي في المدرسة، واتصفت برائحتها الكريهة.
أخذ الصِّبْية يضايقونها بعد ذلك ويسألونها: «هل ترتدين الفوطة اليوم، يا مورييل؟»
سمعت روز إحدى فتيات الصف النهائي تقول لفتاة أخرى على السلم: «لو كُنْتُ مكان مورييل ميسون، لرغبت في الانتحار … بل لانتحرت فعلًا!» لم تكن تتحدث شفقةً على مورييل، وإنما تعبيرًا عن عدم قدرتها على تحمُّل ذلك الوضع.
اعتادت روز عند عودتها كل يوم إخبار فلو عمَّا كان يحدث في المدرسة. استمتعت فلو بقصة الفوطة الصحية، وأخذت تسأل روز عن أية تطورات تطرأ عليها، لكنها لم تسمع قطُّ عن قصة نصف ثمرة الجريب فروت؛ فما كانت روز لتخبرها بأي شيء لا تلعب فيه دورًا عالي الشأن، أو دور المشاهد. المصائب كانت للآخَرين … هكذا اتفقت فلو وروز. كان التغيُّر الذي يطرأ على روز عند ابتعادها عن المشهد المدرسي وعبورها الجسر وتحوُّلها إلى مؤرِّخة إخبارية مذهلًا؛ فكانت تتخلص من توترها، ويعلو صوتها مشوبًا بالشك، وتتحرك بحرية في تنورتها ذات النقوش المربعة الملونة بالأحمر والأصفر، التي تتمايل فوق فخذيها على نحوٍ يشير بوضوح إلى التبختر والاختيال.
بدَّلَتْ فلو وروز الأدوار بينهما؛ فصارت روز الآن هي مَن يجلب القصص إلى المنزل، وفلو هي مَن يتعرَّف على أسماء الشخصيات وينتظر الاستماع إلى ما ترويه روز.
هورس نيكلسون، ديل فيربريدج، رانت تشسترتون، فلورنس دودي، شيرلي بيكرينج، روبي كاروزرس. انتظرت فلو كل يوم أخبارًا عن هؤلاء الأشخاص الذين أسمتهم «المهرجين».
«حسنًا، ماذا فعل أولئك المهرجون اليوم؟»
اعتادت روز وفلو الجلوس في المطبخ، مع فتح باب المتجر على مصراعيه تحسُّبًا لقدوم أي زبون، والباب المؤدي إلى السُّلَّم أيضًا تحسُّبًا لنداء والد روز على أيٍّ منهما. كان والدها طريح فراشه. وكانت فلو تعد القهوة لهما، أو تطلب من روز إحضار علبتين من الكولا من المُبرِّد.
ومن أمثلة القصص التي كانت ترويها روز لفلو عن المدرسة:
كانت روبي كاروزرس فتاةً ساقطةً ذات شعر أحمر تعاني من حوَل سيئ بعينها (أحد أهم الاختلافات بين الماضي والحاضر — على الأقل في الريف وفي أماكن مثل هانراتي الغربية — هو ترك حالات الحول والحول الوحشي، وتراكب الأسنان أو بروزها، دون علاج). عملت روبي كاروزرس لدى آل براينت، الذين عملوا في الأدوات الحديدية والخردوات. تولَّتْ روبي أداء الأعمال المنزلية مقابل الحصول على الطعام والبقاء في المنزل عند رحيل أصحابه — وهو ما كان يحدث غالبًا — لحضور سباقات الخيل أو مباريات الهوكي أو لسفرهم إلى فلوريدا. وفي إحدى المرات التي كانت فيها روبي في المنزل وحدها، ذهب ثلاثة فِتية لرؤيتها؛ وهم ديل فيربريدج، وهورس نيكلسون، ورانت تشسترتون.
عقَّبتْ فلو قائلةً: «لنَيْلِ ما يمكنهم نيله.» نظرت فلو إلى السقف ثم طلبت من روز خفض صوتها؛ فلن يسمح والدها برواية هذا النوع من القصص.
كان ديل فيربريدج فتى وسيمًا ومغرورًا، ويفتقر إلى الذكاء. أخبر صديقَيْه أنه سيدخل إلى المنزل ويُقنِع روبي بممارسة الرذيلة معه، وإن تمكَّنَ من استمالتها لفعل ذلك معهما أيضًا، فسيفعل. ما كان يجهله ديل هو أن هورس نيكلسون كان قد اتفق مع روبي على الالتقاء أسفل الشرفة.
قالت فلو: «توجد عناكب في ذلك المكان على الأرجح، لكنني لا أظن أنهما يأبهان لذلك.»
وبينما كان ديل يتجول في أرجاء المنزل المظلم باحثًا عن روبي، كانت هي أسفل الشرفة مع هورس، ورانت — الذي كان مشتركًا في الخطة من البداية — يجلس على درجات سُلَّم الشرفة حارسًا المكان، ومنصتًا بالتأكيد باهتمام لكل ما كان يحدث بالأسفل.
ما لبث هورس أن زحف من أسفل الشرفة قائلًا إنه سيدخل إلى المنزل للبحث عن ديل، ليس لإعلامه بما يحدث، وإنما ليرى كيف كانت الخدعة تسير. فكان ذلك هو الجزء الأهم فيما يحدث، من وجهة نظر هورس. وعندما دخل إلى المنزل، وجد ديل يأكل حلوى الخطمي في حجرة المؤن، ويقول إن روبي كاروزرس لا تصلح لإقامة علاقة معها، وإنه بوسعه فعل ما هو أفضل من ذلك في أي يوم آخَر؛ لذلك سوف يعود إلى المنزل.
وفي تلك الأثناء، زحف رانت أسفل الشرفة ليستمتع بوقته مع روبي.
فقالت فلو: «يا إلهي!»
خرج بعد ذلك هورس من المنزل، وسمعه كلٌّ من رانت وروبي وهو يسير في الشرفة أعلاهما. قالت روبي: «مَن هذا؟» فأجابها رانت: «لا أحد، إنه هورس نيكلسون.» فردَّتْ روبي: «مَن أنت إذن؟»
يا إلهي!
لم تهتم روز برواية ما حدث بعد ذلك، وهو أن روبي انزعجت لما حدث، وجلست على درجات سُلَّم الشرفة والوحل يغطي ملابسها بالكامل وشعرها. رفضت تدخين سيجارة أو تناول بعض الكعك (كان قد هُرِس على الأرجح آنذاك) مما سرقه رانت من متجر البقالة الذي عمل فيه بعد الدوام المدرسي. أخذ الصِّبْيَة يُلحون عليها بالسؤال عما يضايقها مستهزئين بها، فأجابتهم أخيرًا بقولها: «أظن أنه من حقي معرفة مَن أقيم معه العلاقة.»
علَّقتْ فلو على ذلك تعليقًا فلسفيًّا قائلة: «ستنال ما تستحقه.» واعتقد آخَرون ذلك أيضًا. فجرت العادة على أنه في حال التقاط أي شيء من متعلقات روبي عن طريق الخطأ — لا سيما ملابس الألعاب الرياضية أو حذاء الركض الخاص بها — فيجب غسل اليدين خشيةَ الإصابة بمرض تناسلي.
أصيب والد روز، الذي كان يرقد بالدور العلوي، بنوبة من السعال، واتسمت تلك النوبات بشدتها، لكن الأسرة اعتادت عليها. نهضت فلو، وذهبت إلى أسفل السلم، وأخذت تستمع إليه حتى انتهت النوبة.
قالت فلو: «هذا الدواء لا فائدة منه على الإطلاق، وذلك الطبيب لا يُحسِن حتى وضع الضمادة على الجرح.» ظلت فلو تلقي باللوم دومًا في مرض والد روز على الأدوية والأطباء.
استطردت فلو قائلةً: «لو حدث ذلك بينك وبين أي صبي، فستكون تلك نهايتك. وأنا أعني ما أقول.»
تدفقت الدماء في وجه روز من شدة الحنق، وقالت إنها تتمنى الموت على أن تفعل ذلك.
فردت فلو: «هذا ما أتمناه أيضًا.» •••
ومن أمثلة القصص التي كانت ترويها فلو لروز:
عندما توفيت والدة فلو، كانت في الثانية عشرة من عمرها، وتخلَّى عنها والدها لأسرة ميسورة الحال تعمل في الزراعة لتعمل لديهم مقابل الحصول على الطعام وإرسالها إلى المدرسة، لكنهم لم يرسلوها إلى المدرسة في أغلب الأوقات؛ إذ كان هناك الكثير من العمل الذي ينبغي الانتهاء منه. كانوا قساةَ القلب.
«إذا كنتِ تقطفين التفاح، وغفلتي عن إحدى الثمرات على الشجرة، كان عليكِ العودة وقطف ثمار جميع الأشجار في البستان بأكمله. وانطبق نفس الشيء على التقاط الصخور الموجودة في الحقل؛ إن غفلتي عن إحداها، فعليكِ تنظيف الحقل بالكامل مجدَّدًا.»
كانت الزوجة أختًا لأحد القساوسة. حرصت دومًا على العناية ببشرتها بدَهْنها بكريم «هيندز هاني آند ألموند». اتسمت تلك المرأة بتعاليها على الجميع، وتهكمها، واعتقادها بأنها تزوَّجَتْ من شخص دون مستواها.
قالت فلو: «لكنها كانت جميلة، ومنحتني شيئًا واحدًا؛ زوجًا طويلًا من القفازات المصنوعة من الساتان. كان لونهما بنيًّا فاتحًا مائلًا للأصفر. كانا جميلين، ولم أُرِدْ فقدانهما أبدًا، لكنني فقدتهما.»
كان على فلو إيصال العشاء للرجال في الحقل البعيد عن المنزل. وعندما نظر الزوج للعشاء ذات مرة، قال لها: «لماذا لا توجد فطيرةٌ في هذا العشاء؟»
فردَّتْ عليه فلو بنفس كلمات سيدتها ونبرتها عند تحدُّثها أثناء رصها علبة العشاء: «إذا أردْتَ فطيرًا، فيمكنكَ إعداده بنفسك.» لم يكن تقليد فلو لسيدتها على نحوٍ بارعٍ بالأمر المُستغرَب؛ فلطالما فعلت ذلك حتى أمام المرآة، لكن ما كان مُستغرَبًا هو الإفصاح عن ذلك في تلك اللحظة.
أصيب الزوج بالذهول، لكنه أدرك تقليد فلو لسيدتها، فسار معها إلى المنزل، وسأل زوجته عمَّا إذا كانت قد قالت ما نقلته فلو بالفعل. كان رجلًا ضخمَ البنيان، وسيئ المزاج للغاية، فأجابت أخت القسيس بأن ذلك ليس صحيحًا، وأن هذه الفتاة ليست سوى كاذبة ومثيرة للمشكلات. واجهته حتى تراجع، وعندما اختلت بفلو ضربتها بعنف لتدفع بها عبر الغرفة نحو إحدى الخزانات؛ فأصيبت بجرح في فروة رأسها شُفِي بمرور الوقت دون غُرَز (فلم تستدعِ أخت القسيس الطبيبَ لعدم رغبتها في أن يعلم أحد بالأمر)، ولا تزال هناك ندبة بفروة رأس فلو إثر ذلك الحادث.
ولم تَعُدْ فلو للمدرسة بعد ذلك قط.
وقبل بلوغها الرابعة عشرة بفترة وجيزة، فرَّتْ من المنزل. كذبت بشأن سنِّها، وحصلت على وظيفة في مصنع القفازات في هانراتي، لكن أخت القسيس تمكَّنَتْ من معرفة مكانها والوصول إليها، وأخذت تزورها بين الحين والآخَر، مردِّدَةً على مسامعها بعض عبارات من قبيل: «نحن نسامحك يا فلو. لقد هربتِ وتركتِنَا، لكننا لا نزال نعتبركِ ابنتنا وصديقتنا. ومرحبًا بقدومك في أي وقت لقضاء اليوم معنا. أَلَا تحبين قضاء يوم في الريف؟ إن مصنع القفازات ليس مكانًا صحيًّا على الإطلاق لشابة مثلك؛ فأنتِ بحاجة للهواء. لماذا لا تأتين لزيارتنا؟ لماذا لا تأتين اليوم؟»
وفي كل مرة كانت فلو تقبل فيها هذه الدعوة تكتشف أن عملًا ما ينبغي إتمامه، مثل حفظ الفاكهة أو صنع الصلصة الحارة، أو تغيير ورق الحائط، أو تنظيف المنزل في فصل الربيع، أو بدء أعمال دَرس الحنطة. واقتصرت مناظر الريف التي كانت تراها على تلك التي كانت تلمحها أثناء تخلُّصها من ماء غسل الصحون من فوق السور. لم تستطع قط فَهْم السبب وراء ذهابها أو بقائها هناك. كان طريق العودة للبلدة طويلًا، فقد كانت تعود سيرًا على قدميها، وكان أولئك القوم لا حول لهم ولا قوة وحدهم. فكانت أخت القسيس تحتفظ ببرطمانات حفظ الأطعمة متسخةً، وعند إحضارها من القبو بعد ذلك، يكون هناك بعض العفن بداخلها، وكتلٌ من الفاكهة النتنة بقعرها. هل يسع المرء سوى الإشفاق على أناس كهؤلاء؟
حين دخلت تلك المرأة المستشفى عند احتضارها، تصادَف وجود فلو في المستشفى أيضًا لإجراء عملية المرارة، الأمر الذي تمكَّنَتْ روز من تذكُّره. علمت أخت القسيس بوجود فلو في المستشفى، وطلبت رؤيتها، فوضعت فلو نفسها على كرسي متحرك، ودفعوها عبر الرواق. وما إن وقعت عيناها على السيدة في سريرها — امرأة طويلة ذات بشرة ناعمة، أصاب جسدها الهزال، وغطت بشرتها البقع، مُخدَّرَة ومصابَة بالسرطان — بدأ أنفها ينزف نزيفًا شديدًا، وكان ذلك النزيف الأول والأخير الذي أُصِيبت به في حياتها. أخذت الدماء الحمراء تتدفق من أنفها بغزارة؛ هكذا وصفت فلو ما حدث.
ركضت الممرضات من كافة الاتجاهات بالرواق لمساعدتها، وبدا كما لو أنه ما من شيء سيوقفه. عندما رفعت السيدة المريضة رأسها، اندفعت الدماء إلى سريرها، وعندما خفضتها، تدفقت الدماء على الأرض؛ لذا انبغى على الممرضات استخدام أكياس الثلج معها في النهاية، ولم تسنح لها الفرصة لتوديع المرأة المحتضرة.
«لم أتمكن من توديعها قط.»
«هل كنتِ ترغبين في ذلك؟»
ردت فلو: «نعم، كنت أرغب في ذلك حقًّا.» •••
اعتادت روز إحضار كومة من الكتب كل يوم إلى المنزل، وتنوعت تلك الكتب بين اللغة اللاتينية، والجبر، وتاريخ العصور القديمة والوسطى، واللغة الفرنسية، والجغرافيا. كان هناك أيضًا «تاجر البندقية»، و«قصة مدينتين»، و«قصائد قصيرة»، و«ماكبث». عبَّرَتْ فلو عن عدائها لتلك الكتب، كحالها مع جميع الكتب، وبدا أن تلك العدائية كانت تزيد بزيادة وزن الكتاب وحجمه، وقتامة التغليف وكآبته، وطول الكلمات في عنوانه ومدى صعوبتها، فأثار كتاب «قصائد قصيرة» غضبَها؛ إذ عندما فتحتْهُ وجدَتْ قصيدة تمتد لخمس صفحات.
أخطأت فلو في نطق عناوين الكتب، واعتقدت روز أنها تعمَّدَتْ فعل ذلك. ومن أمثلة ذلك نطقها لعنوان «الإلياذة والأوديسة»، والذي يوحي للمستمع بأن بطل الملحمة كان سكِّيرًا أو شيئًا من هذا القبيل.
كان على والد روز النزول على السلم للذهاب إلى دورة المياه؛ فاتَّكَأ على الدرابزين، وأخذ يتحرك ببطء، لكن دون توقف. وكان يرتدي رداءَ حمام من الصوف بنيَّ اللون ذا عقدة مزيَّنَة بالشراشيب. تجنَّبَتْ روز النظر في وجهه. لم يرجع السبب في ذلك إلى ما طرأ على مظهره من تغيُّرات تسبَّب فيها المرضُ، وإنما لما كانت تخشى رؤيته في وجهه من رأيه السيئ فيها. ولا ريب أن والدها كان هو السبب الذي جلَبَتْ من أجله روز الكتبَ إلى المنزل، فأرادت أن تتباهى أمامه. ألقى والدها نظرةً على تلك الكتب بالفعل؛ فما كان بإمكانه المرور بأي كتاب في العالم دون التقاطه والاطلاع على عنوانه، لكنه اكتفى بقوله: «احذري من الذكاء الذي قد يضر بك.»
اعتقدَتْ روز أنه كان يقول ذلك إرضاءً لفلو، تحسُّبًا لاستماعها إليهما أثناء حديثهما. كانت فلو في المتجر آنذاك، لكن روز تصوَّرَتْ أن والدها — بغض النظر عن المكان الذي توجد به فلو — سوف يتحدث كما لو كانت فلو تسمعه؛ إذ كان يحرص حرصًا شديدًا على إرضائها، والتكهن باعتراضاتها. وبدا أنه قد اتخذ قرارًا في هذا الشأن؛ أَلَا وهو أن الأمان يكمن مع فلو.
لم تردَّ روز عليه قط، وعندما كان يتحدث، كانت تحني رأسها تلقائيًّا، وتزم شفتيها في تعبير متحفظ، لكنه غير مُحقِّر في الوقت ذاته؛ إذ التزمت الحذر. لكن لم يخفَ عن أبيها كل ما شعرت به من حاجتها للتباهي، وآمالها العريضة لنفسها، وطموحاتها الباهرة؛ فكان يعلمها جميعًا، وكانت روز تشعر بالخجل لمجرد تواجدها معه في الغرفة ذاتها؛ إذ كانت تشعر بأنها قد خيَّبَتْ ظنَّه على نحوٍ ما منذ يوم ولادتها، وسوف تظل تخيب ظنه بصورة أكبر في المستقبل، لكنها لم تكن نادمة؛ فهي على علم بمدى عنادها، ولم تكن تنوي التغير.
جسَّدت فلو فكرة والد روز عن المرأة كما يجب أن تكون. وقد علمت روز ذلك، وهو أيضًا ردَّده كثيرًا. فعلى المرأة أن تكون مفعمة بالنشاط، عملية، ماهرة في جني الأموال وادخارها؛ عليها أن تكون فطنة، وبارعة في المساومة، وترأس الآخرين، ويمكنها اكتشاف ادعاءاتهم. وفي الوقت نفسه، عليها أن تكون ساذجة معرفيًّا، وطفولية، تحتقر الخرائط والكلمات الكبيرة وأي شيء تتضمنه الكتب، وأن تسيطر عليها المفاهيم المشوشة المبهرة، والخرافات، والمعتقدات التقليدية.
قال لروز ذات مرة في إحدى تلك الفترات التي سادها الهدوء — بل والود أيضًا — بينهما عندما كانت أصغر سنًّا قليلًا، ولعله نسي أن روز كانت ستصبح امرأة ذات يوم: «إن عقليات النساء مختلفة؛ فهن يؤمِنَّ بما ينبغي عليهن الإيمان به. لا يمكنك تتبع أفكارهن.» كان يعلِّق آنذاك على أحد المعتقدات التي كانت تؤمِن بها فلو، وهو أن ارتداء الأحذية المطاطية في المنزل يصيب المرء بالعمى. واستطرد قائلًا: «إلا أن لديهن القدرة على إدارة الحياة بأساليب معينة؛ هذه هي موهبتهن، وهي ليست في عقولهن. ثمة شيء يبرعن فيه أكثر من الرجال.»
لذا، فقد نبع جزء من شعور روز بالخزي من كونها أنثى، مع عدم اتسامها في الوقت نفسه بالسمات التي يجب أن تكون عليها المرأة، لكن كان هناك سبب آخَر أيضًا؛ إذ كانت المشكلة الحقيقية في أنها جمعت وحملت كل ما اعتقد والدها أنها أسوأ خصاله. كل الجوانب التي انتصر عليها وأخفاها بنجاح في نفسه، ظهرت مجدَّدًا في روز التي لم تُظهِر أي إرادة للتغلب عليها، فكانت تستغرق في أحلام اليقظة، واتسمت بالغرور والتوق للتفاخُر؛ تعيش حياتها بالكامل في رأسها. لم تَرِثْ منه الشيء الوحيد الذي مثَّل مصدر فخره واعتمد عليه؛ أَلَا وهو مهارته اليدوية، ودقته، ومراعاة ضميره في أي عمل يقوم به، فكانت، في حقيقة الأمر، خرقاءَ على نحوٍ غير عادي، ومتهورةً، وعلى استعداد دائم لأن تسلك الطرق السهلة. ومن ثم، فإن رؤية والدها لها وهي تنشر المياه أثناء غسيلها للصحون، وفكرها شارد بعيدًا، وأردافها أكبر من أرداف فلو بالفعل، وشعرها أشعث كثيف؛ ورؤيته لطبيعتها الكسولة المستغرقة في التفكير، كان من الواضح أنه يثير غضبه وحزنه، بل واشمئزازه أيضًا.
كانت روز على علم بكل ذلك؛ فكانت تقف ساكنةً إلى أن يعبُر والدها الغرفة، وتنظر إلى نفسها بعينيه. شعرت هي أيضًا بالكُرْه تجاه المساحة التي كانت تشغلها، لكنها سرعان ما كانت تعود لطبيعتها عند مغادرته المكان، فتعود لأفكارها أو إلى المرآة التي انشغلت بها كثيرًا تلك الأيام؛ فكانت تجمع شعرها فوق رأسها، وتلتف قليلًا لتتمكن من رؤية نهدها، أو شد بشرتها لترى كيف ستبدو عند انحنائها انحناءة بسيطة مثيرة.
كانت روز على يقين في الوقت نفسه من أن والدها يكنُّ مشاعر أخرى تجاهها؛ فقد علمت أنه يفخر بها، بالرغم من ذلك الانزعاج والقلق الذي يكاد يكون غير قابل للتحكم فيه. الحقيقة النهائية هي أنه ما كان ليغيِّرها، وأنه يريدها كما هي … أو جزءٌ منه أراد ذلك. وتوجَّب عليه، بطبيعة الحال، إنكار ذلك على الدوام، بسبب خنوعه وضلاله، أو بالأحرى خنوعه الضال. وكان عليه أيضًا أن يبدو متفقًا مع فلو في الرأي.
في الواقع، لم تتمعَّن روز في التفكير في ذلك الأمر، أو لم ترغب في ذلك. لم تكن تشعر بالارتياح — مثل والدها — بشأن العلاقة بينهما. •••
عند عودة روز من المدرسة في أحد الأيام، قالت لها فلو: «أحسنتِ بوصولكِ الآن؛ فعليك البقاء في المتجر.»
كان والدها سيُنقَل إلى مستشفى المحاربين القُدامَى في لندن.
«لماذا؟»
«لا تسألي … هكذا أمر الطبيب.»
«هل ساءت حالته؟»
«لا أعلم! أنا لا أعلم شيئًا. ذلك الطبيب الذي لا فائدة منه لا يعتقد ذلك. فقد أتى صباح اليوم، وأجرى كشفًا له، وقال إنه سيُنقَل إلى المستشفى، ونحن محظوظون بتواجد بيلي بوب لنقله.»
كان بيلي بوب أحد أقرباء فلو، يعمل في متجر الجزارة، وكان يعيش في السابق في المجزر في غرفتين بأرضية من الأسمنت، وتفوح منه رائحة أحشاء الحيوانات وأمعائها والخنازير الحية، لكنه تمتع بالتأكيد بطبيعة محبة للحياة المنزلية؛ فزرع نبات الغرنوقي في علب التبغ المعدنية القديمة التي وضعها على عتبات النوافذ الإسمنتية السميكة. انتقل بيلي آنذاك إلى الشقة الصغيرة الموجودة فوق المتجر، وادَّخَر المال واشترى سيارة طراز أولدزموبيل، كان ذلك بعد الحرب بفترة وجيزة حينما كان للسيارات الجديدة طابع خاص مبهج. وفي زياراته لأسرة روز، كان يسير نحو النافذة ويُلقِي نظرةً نحو الخارج، ويقول شيئًا ما للفت الانتباه.
افتخرت فلو به وبسيارته.
«انظري! الكرسي الخلفي بسيارة بيلي بوب كبير. سيفيد والدك إذا أراد الاستلقاء.»
«فلو!»
نادى عليها والد روز. عندما صار طريح الفراش في البداية، كان نادرًا ما ينادي على فلو، ثم صار ينادي عليها بصوت كتوم، وأحيانًا يوحي بالاعتذار، لكنه تجاوز تلك المرحلة، وصار ينادي عليها كثيرًا، ويختلق الأسباب — كما قالت فلو — لجعلها تصعد إلى أعلى.
قالت فلو: «كيف سيتدبَّر حاله بدوني هناك؟ إنه لا يدعني وشأني لمدة خمس دقائق.» بدا الأمر وكأنها تفتخر بذلك، رغم أنها كانت تدعه ينتظرها عادةً. وفي أغلب الأحيان، كانت تذهب لتقف أسفل السلم وتجبره على الصياح بمزيد من التفاصيل عن سبب حاجته لها، وكانت تقص على الناس في المتجر عدم استطاعته الاستغناء عنها خمس دقائق فقط، وعن اضطرارها تغيير ملاءات السرير مرتين في اليوم. كان ذلك صحيحًا؛ فقد كانت الملاءات تبتل بسبب العرق. وفي وقت متأخر من الليل، كانت هي أو روز أو كلتاهما تذهبان إلى غسالة الملابس الموجودة في السقيفة الخشبية، وكانت روز ترى، في بعض الأحيان، بقعًا بملابس والدها الداخلية. لم تكن تنظر إليها، لكن روز كانت ترفعها وتلوح بها بالقرب من أنف روز، وهي تصيح: «انظري إلى ذلك ثانيةً!» وتصدر أصواتًا كأصوات الدجاج كنوع من المحاكاة الساخرة المستنكرة.
كرهت روز فلو في تلك الأوقات، وكرهت والدها أيضًا، كرهت مرضه، والفقر أو الاقتصاد في الإنفاق الذي حال دون إرسالهم الملابس إلى المغسلة، وعدم وجود ما يوفر لهم الحماية في حياتهم. وكانت فلو هناك لتتأكد من ذلك. •••
ظلَّتْ فلو في المتجر. لم يأتِ أحدٌ. كان يومًا عاصفًا ومليئًا بالرمال في الجو، الأمر المعتاد بعد نزول الثلج، رغم أنه لم ينزل أي ثلج. سمعت روز فلو وهي تتحرك بالأرجاء في الطابق العلوي، وتصيح بعبارات موبِّخة ومشجِّعة أثناء مساعدتها والدها في ارتداء ملابسه، وإعدادها لحقيبته أيضًا، وبحثها عن متعلقاته. وضعت روز كتبها المدرسية على المنضدة، ولتجاهل الضوضاء التي ملأت المنزل، أخذت تقرأ قصةً في كتاب اللغة الإنجليزية الخاص بها؛ كانت قصة لكاثرين مانسفيلد بعنوان «حفلة الحديقة». ضمت القصة أشخاصًا فقراء يعيشون في زقاق عند نهاية إحدى الحدائق. عطف عليهم الآخرون. سارت الأحداث على ما يرام، لكن روز شعرت بغضب لم تهدف القصة إلى إشعار القارئ به، ولم تكن تدرك في الواقع سبب غضبها، لكنه تعلَّقَ بحقيقة تيقُّنها من أن كاثرين مانسفيلد لم تضطر يومًا لرؤية ملابس داخلية متَّسِخة، وأن أقاربها ربما كانوا قساة وعابثين، لكن لهجاتهم كانت مقبولة؛ كانت شفقتها قائمة على ما شهدته في حياتها من حظ حسن، وكانت ترثي لحال الفقراء، بلا شك. لكن روز شعرت بالازدراء من تلك الشفقة. اتخذت روز موقفًا متزمتًا من الفقر، وسيظل هذا الموقف ملازمًا لها لفترة طويلة من الوقت.
سمعت روز بيلي بوب وهو يدخل إلى المطبخ ويصيح في بهجة قائلًا: «حسنًا، أظن أنك تتساءلين أين كنتُ.»
لم يكن لكاثرين مانسفيلد أقرباء يتحدثون بتلك اللهجة التي تحدَّث بها بيلي.
كانت روز قد أنهت قراءة القصة، وأمسكت بمسرحية «ماكبث». سبق لها حفظ بعض العبارات من هذه المسرحية، وحفظت أجزاء من كتابات شكسبير وقصائد غير تلك التي من المفترض عليها حفظها في المدرسة. وعند ترديدها تلك العبارات، لم تتخيل نفسها ممثلة تلعب دور ليدي ماكبث على المسرح، وإنما تخيَّلَتْ نفسها ليدي ماكبث.
صاح بيلي بوب إلى أعلى السلم: «لقد جئتُ سائرًا على قدمي؛ توجَّبَ عليَّ إرسالها إلى الميكانيكي.» افترض بيلي أن الجميع يعلم أنه يعني سيارته بهذا الحديث. أكمل حديثه قائلًا: «لا أعلم ما المشكلة. لا يمكنني إيقافها، وتتحرك ببطء. ولم أرغب في الذهاب إلى المدينة، وثمة مشكلة في السيارة. هل روز في المنزل؟»
لطالما أحب بيلي بوب روز منذ أن كانت طفلة صغيرة، واعتاد منحها عشرة سنتات قائلًا لها: «ادَّخِريها لتشتري لنفسك مِشَدًّا نسائيًّا.» كان ذلك عندما كانت نحيلة وهزيلة. هكذا كان يمزح معها.
دخل بيلي المتجر.
«حسنًا روز، هل كنتِ فتاة مطيعة؟»
كان حديثها معه قليلًا للغاية.
«هل تتفقدين كتبَ المدرسة الخاصة بك؟ هل تريدين أن تصبحي معلمة؟»
«ربما.» لم تكن لديها أية نية لأن تكون معلمة، لكن من المدهش حقًّا كيف يتركك الناس وشأنك عندما تعترف لهم بأن لديك هذا الطموح.
خفض بيلي بوب من صوته، وقال لها: «هذا يوم حزين على أسرتك.»
رفعت روز رأسها ونظرت إليه ببرود.
«أعني أن والدك سينتقل إلى المستشفى، لكنهم سيعالجونه هناك؛ فلديهم جميع المعدات اللازمة، ولديهم أيضًا أطباء مَهَرَة.»
فردَّتْ عليه روز: «أشك في ذلك.» كان ذلك من الأمور التي تمقتها أيضًا؛ تلك الطريقة التي يلمح بها الناس إلى أمور ما، ثم يتراجعون. تلك المراوغة. وكان موضوعا الموت والجنس هما أكثر ما يراوغ الناسُ في الحديث عنهما.
«سوف يعالجونه ويعود إلى المنزل بحلول فصل الربيع.»
فردَّتْ روز بحزم: «إلا إذا كان يعاني من سرطان بالرئة.» لم تقل ذلك من قبلُ قطُّ، ولم تفعل فلو ذلك أيضًا بالتأكيد.
نظر بيلي بوب إليها نظرةً بائسةً يلفها الخزي، كما لو أنها قالت شيئًا بذيئًا.
«ليس من المفترض أن تتحدثي على هذا النحو؛ فسوف ينزل والدك الآن، وقد يسمعك.»
ليس من شك أن ذلك الحال كان يسعد روز في بعض الأحيان. كان يسعدها سعادة موجعة، عندما لا تكون جزءًا منه بغسيلها الملاءات أو استماعها لنوبات السعال، فقد عاشت دورها في الموقف كما تراه، ورأت نفسها فطنة وغير مندهشة، رافضة لكل التضليلات، فتاة صغيرة سنًّا، لكنها ناضجة في الوقت نفسه بسبب ما خاضته من تجارب الحياة المريرة. وبهذه الروح، نطقت عبارة «سرطان الرئة».
اتصل بيلي بوب بجراج تصليح السيارات، وقيل له إن إصلاح السيارة لن ينتهي قبل وقت العشاء. وبدلًا من أن يغادر آنذاك، اضطر للمبيت على الأريكة في المطبخ ليذهب مع والد روز إلى المستشفى في الصباح.
«لا حاجة للاستعجال، لن أهرول من «أجله».» عنيت فلو الطبيب بذلك الحديث. دخلت إلى المتجر للحصول على علبة سلمون لصنع شطيرة، وبالرغم من أنها لم تكن ذاهبة إلى أي مكان، ولم تخطِّط لذلك، ارتدت جواربَ طويلة وتنورة وبلوزة نظيفتين.
تحدَّثَتْ فلو مع بيلي بوب بصوت عالٍ في المطبخ أثناء إعدادها العشاء. جلست روز على الكرسي العالي وأخذت تردد في رأسها — وهي تنظر من النافذة الأمامية إلى هانراتي الغربية، والرمال التي تندفع عبر الشارع، وبرك الطين الجافة:
تعالوا إلى نهدي،
وارتشفوا لبني، أيتها الوحوش القاتلة!
لو أنها صاحت بتلك الكلمات في المطبخ لأصابت فلو وبيلي بصدمة مروعة.
أغلقت روز المتجر الساعة السادسة صباحًا، وعندما دخلت إلى المطبخ فوجئت برؤية والدها هناك. لم تسمعه، فلم يكن يتحدث أو يسعل. كان يرتدي بذلته الأنيقة ذات اللون غير المعتاد، كانت بلون أخضر زيتي، لعلها كانت رخيصة الثمن.
قالت فلو: «انظري إليه وهو متأنِّق، إنه يعتقد أنه أنيق، ويسعده كثيرًا عدم اضطراره العودة إلى السرير.»
ابتسم والد روز ابتسامةً متكلفةً خانعةً.
سألته فلو: «كيف تشعر الآن؟»
«على ما يرام.»
«لم تعانِ من أي نوبة سعال على أية حال.»
كان قد حلَقَ ذقنه لتوِّه، ويبدو وجهه ناعمًا ورقيقًا كأشكال الحيوانات التي نحتتها روز في المدرسة من صابون الغسيل الأصفر.
«ربما ينبغي عليَّ أن أنهض وأظل مستيقظًا.»
قال بيلي بوب بنبرة صاخبة: «إليك النصيحة السديدة؛ لا للكسل بعد الآن. انهض وابقَ متيقظًا. عُدْ إلى عملك.»
كانت هناك زجاجة ويسكي على المائدة أحضرها بيلي بوب، شرب الرجلان منها في كوبين صغيرين سبق وأن احتويا على الجبن القشدي، وأكملا الكوبين بمقدار نصف بوصة من الماء أو ما شابه.
دخل في تلك اللحظة براين، أخو روز من والدها، والذي كان يلعب في الخارج في مكان ما. دخل بصوته المزعج وملابسه المليئة بالوحل، ورائحة الجو البارد بالخارج تحيط به.
وعندما دخل براين، قالت روز: «هل لي أن أشرب القليل؟» مشيرةً إلى زجاجة الويسكي.
فأجابها بيلي بوب: «الفتيات لا يشربن ذلك.»
وقالت فلو: «إذا حصلتِ على القليل، فسوف يتذمَّر براين ليحصل هو أيضًا عليه.»
وحينذاك، قال براين متذمرًا: «هل يمكنني الحصول على القليل؟» فضحكت فلو بصوت عالٍ، ومررت كوبها خلف صندوق الخبز، وقالت له: «ها هو ذا، أرأيتِ؟» •••
قال بيلي بوب على مائدة العشاء: «كان هناك بعض الأشخاص المعالِجين في تلك الأرجاء في السابق، لكننا لم نَعُدْ نسمع عنهم أي شيء الآن.»
فقال والد روز متغلبًا على نوبة سعال كادت أن تبدأ: «من السيئ حقًّا عدم تمكننا من استدعاء أيِّ منهم الآن.»
قال بيلي بوب: «كان هناك معالِج روحاني اعتدت سماع والدي يتحدث عنه. كان له أسلوب مميز في الحديث؛ إذ كان حديثه يشبه الكتاب المقدس. وذات مرة ذهب إليه شخص أصم، فكشف عليه وعالجه، ثم سأله: «هل سمع بها الآن؟»»
عدَّلت روز خطأ بيلي قائلةً: «هل تسمع بها الآن؟» كانت قد شربت ما بقي من كوب فلو أثناء إحضارها الخبز للعشاء، وشعرت بأنها أكثر ميلًا للتحدث مع جميع أقاربها.
«نعم، هذا ما قاله: «هل تسمع بها الآن؟» وأجابه الرجل بالإيجاب، فسأله المعالج الروحاني: «هل تؤمن إذن؟» ولم يفهم الرجل ما كان يعنيه المعالج بسؤاله ذلك وسأله: «أؤمن بماذا؟» فجُنَّ جنون المعالج، وحرمه من سمعه ليعود إلى منزله أصمَّ كما كان.»
روت فلو أيضًا أنه في المكان الذي عاشت فيه عندما كانت فتاة صغيرة، كانت هناك سيدة اشتهرت ببصيرتها الخارقة، حتى إن أعدادًا كبيرة من العربات التي تجرها الخيول، ومن بعدها السيارات، كانت تصطف أمام منزلها حتى نهاية الزقاق في أيام الآحاد؛ إذ كان يوم الأحد هو اليوم الذي يأتي فيه الناس من مسافات بعيدة لاستشارتها، وأغلب استشاراتهم كانت عن أشياء فقدوها.
سألها والد روز: «ألَمْ يرغب أيٌّ منهم في التواصل مع ذويه؟» مشجِّعًا إياها على مواصلة الحديث كعادته دومًا عند روايتها أية قصة، واستطرد قائلًا: «أظن أنه كان بإمكانها الاتصال بالأشخاص المتوفَّين.»
«حسنًا، كان أغلب الناس قد نالوا كفايتهم من أقاربهم وهم أحياء.»
واقتصرت الأمور التي شغلت اهتمامهم على الخواتم والوصايا والمواشي، ومعرفة أماكن اختفاء هذه الأشياء.
«ذهب إليها أحد الأشخاص ممَّن أعرفهم، وقد فقد محفظته. كان ذلك الرجل يعمل في السكك الحديدية. قالت له المرأة: «حسنًا، هل تتذكر ما فعلتَه منذ نحو أسبوع عندما كنتَ تعمل على أحد خطوط السكك الحديدية، ومررتَ بالقرب من أحد البساتين، فأردْتَ التقاط إحدى ثمار التفاح، وقفزت فوق السور للحصول عليها؟ لقد سقطت منك المحفظة هناك بين الحشائش الطويلة، لكن كلبًا مرَّ عليها والتقطها، ثم أسقطها بعيدًا بمحاذاة السور. يمكنك العثور عليها هناك.» كان الرجل قد نسي كل شيء عن البستان وتسلُّقه السور، وأصيب بالذهول لما سمعه منها، ومنحها دولارًا، وذهب إلى حيث أرشدته، ووجد محفظته في المكان الذي وصفته بالضبط. حدث ذلك بالفعل، فأنا أعرف ذلك الرجل، لكن المال كان قد تمزَّق كله بمضغ الكلب له، وعندما اكتشف الرجل ذلك، غضب للغاية وتمنَّى لو أنه لم يمنحها كل هذا المبلغ من المال!»
قال والد روز: «لم تذهبي إليها قطُّ، أليس كذلك؟ فأنتِ لا تؤمنين بمثل هذه الأمور.» عندما كان يتحدث مع فلو، كان يستخدم عادةً عبارات ريفية، فضلًا عن اتباعه أسلوب الإزعاج الذي اتبعه الريفيون بقولهم عكس ما كان صحيحًا، أو ما يُعتقَد أنه صحيح.
أجابت فلو: «لا، لم أذهب إليها قطُّ في الحقيقة لأسألها عن أي شيء، لكنني زرتها في إحدى المرات؛ إذ توجَّبَ عليَّ إحضارُ بعض البصل الأخضر منها. كانت والدتي مريضةً وتعاني من أعصابها، فأرسلت إلينا تلك المرأة رسالةً تخبرنا فيها بأن لديها بعض البصل الأخضر المفيد للأعصاب. كان ما تعاني منه والدتي حقًّا هو السرطان، وليس الأعصاب؛ لذا لا أعلم ما قدَّمَه لها البصل من فائدة.»
علا صوت فلو، وأسرعت في حديثها، خجلًا من إفصاحها عن ذلك.
«لذا، اضطررت للذهاب إليها، والحصول على البصل. كانت قد التقطت الثمار وغسلتها، وحزمتها من أجلي، لكنها طلبت مني عدم المغادرة قبل الدخول إلى المطبخ لرؤية ما أعَدَّتْه لي. لم أكن أعلم ما تريدني أن أراه، ولم أكن أريد الدخول؛ فكنتُ أظنها ساحرةً، كنَّا جميعًا في المدرسة نظن ذلك؛ لذا جلستُ في المطبخ، وذهبَتْ هي إلى حجرة المؤن، وجلبت كعكة شوكولاتة كبيرة، وقطعت منها شريحة، ومنحتني إياها. كان عليَّ الجلوس وتناولها، وجلست هي تشاهدني أثناء تناولي للكعكة. كل ما يمكنني تذكُّره منها هو يداها؛ كانتا يدين ضخمتين حمراوين تبرز فيهما عروق كبيرة، وكانت لا تكف عن وضعهما في حِجرها واعتصارهما. أخذتُ أفكر كثيرًا بعد ذلك في أنها بحاجة لتناول البصل الأخضر؛ إذ لم تكن أعصابها في حالة جيدة أيضًا.
شعرت حينذاك بطعم غريب في الكعكة، لكنني لم أكفَّ عن تناولها حتى انتهيت منها كلها، وشكرت السيدة، وأخبرتها أنني راحلة. قطعتُ ممر المنزل سيرًا لأنني استنتجت أنها تراقبني، وعندما وصلت إلى الطريق، رحت أركض، لكنني ظللت خائفة من أنها ربما كانت تتبعني، بصورة غير مرئية أو شيء من هذا القبيل، أو أنها تستطيع قراءة ما يدور في ذهني، وتخيَّلْتُ أنها ستمسك بي وتحطِّم رأسي على حصى الطريق. عندما عدت إلى المنزل، دفعت الباب بقوة لفتحه، وصحت: «سُمٌّ!» هذا ما ظننته، ظننت أنها قد أطعمتني كعكة مسمومة.
قالت والدتي إن كل ما في الأمر أن الكعكة كانت متعفِّنة بسبب الرطوبة في منزل تلك السيدة، وخلوِّه من الزوَّار لأيام عديدة؛ ومن ثَمَّ لم يكن هناك مَن يتناول الكعكة، رغم الجموع الغفيرة التي يشهدها المنزل في أوقات أخرى. ومن ثم، كان من الممكن أن تبقى الكعكة لديها فترة طويلة لتصاب بالعفن.
لكنني لم أكن أعتقد ذلك، وظننت أنني قد تناولت سُمًّا وسأموت. ذهبتُ وجلست في ذلك الركن الذي اعتدت الجلوس فيه في صومعة الحبوب. لم يكن أحد يعلم بأمر ذلك المكان حيث احتفظت بكافة أنواع النفايات، مثل بعض قطع الأواني الصينية المكسورة، وبعض الزهور المخملية. لا زلتُ أتذكر تلك الزهور، كانت منزوعة من قبعة تساقطت عليها الأمطار. جلست هناك، وانتظرت.»
ضحك بيلي بوب ساخرًا منها، وسألها: «هل أَتَوا لجرِّك وإخراجك من ذلك المكان؟»
«لقد نسيت. لا أعتقد ذلك، أعتقد أنه ربما كان أمرًا صعبًا عليهم البحث عني والعثور عليَّ؛ إذ كنتُ أختبئ خلف أكياس العلف. لا، لا أعلم. أظن أن ما حدث في النهاية هو أنني تعبت من الانتظار، وخرجت من تلقاء نفسي.»
قال والد روز، مبتلعًا آخِر كلمة نتيجة لإصابته بنوبة سعال طويلة: «وظللتِ حيةً لتروي لنا ما حدث.» قالت فلو إنه لا ينبغي أن يظل مستيقظًا أكثر من ذلك، لكنه قال إنه سيستلقي على أريكة المطبخ، وهو ما فعله. نظَّفَتْ فلو وروز المائدة وغسلتا الصحون، ثم جلسوا جميعًا — فلو وبيلي بوب وبراين وروز — حول المائدة للعب الورق، في حين غفا والدها. أخذت روز تفكِّر في فلو وهي جالسة في أحد أركان صومعة الحبوب وحولها قطع الأواني الصينية المكسورة، والزهور المخملية الذابلة، وجميع الأشياء الأخرى العزيزة عليها، منتظرةً الموت في حالة من الرعب الذي تلاشى تدريجيًّا — بالتأكيد كان ذلك شعورها — والشعور بالإجلال والرغبة في معرفة كيف سيأتيها الموت.
كان والدها منتظرًا أيضًا. أُغلِقت سقيفته، ولم تُفتح كتبه ثانية، كان اليوم التالي هو آخِر يوم يرتدي فيه حذاءه. تقبَّلَ الجميع تلك الفكرة، وما كان سيربكهم أكثر هو عدم موته، وليس العكس. لم يستطع أحد سؤاله عمَّا كان يشعر به؛ فكان سيعتبر هذا السؤال نوعًا من الوقاحة، والمبالغة، والتجاوز. هذا ما اعتقدته روز. كانت ترى أنه مستعدٌّ للذهاب إلى مستشفى ويستمنستر، ذلك المستشفى الخاص بالمحاربين القدامى. كان متأهبًا لتلك الأجواء الذكورية الكئيبة، والستائر شاحبة اللون المشدودة حول سريره، والأحواض المليئة بالبقع. كان متأهبًا أيضًا لما سيحدث بعد ذلك. أدركت روز أنه لن تسنح له الفرصة ليكون معها مثلما هو معها الآن، والمفاجأة التالية هي أنه لن يكون معها بعد تلك اللحظة على الإطلاق. •••
أخذت روز تتجول في أرجاء القاعات الخضراء المعتمة بالمدرسة الثانوية الجديدة وهي ترتشف القهوة. كان ذلك في يوم لمِّ الشمل المئوي بالمدرسة. لم تأتِ روز لهذا الغرض، لكنه تصادَفَ مع زيارتها لمنزلها للتوصُّل إلى حلٍّ بشأن فلو. التقت في ذلك اليوم بأشخاص قالوا لها: «هل تعلمين أن روبي كاروزرس ماتت؟ استأصل الأطباء أحد ثدييها، ثم الثدي الآخَر، لكن المرض كان قد انتشر بجسمها كله، وتُوفِّيت.»
وقال لها آخر: «لقد رأيت صورتك في إحدى المجلات. ما كان اسم تلك المجلة؟ إنها لديَّ في المنزل.»
ضمَّت المدرسة الجديدة ورشةً لتعليم ميكانيكا السيارات لتدريب الطلاب، ومعهدَ تجميلٍ للتدريب على هذه المهارات، ومكتبة، وقاعة مؤتمرات، وصالة ألعاب رياضية، ونافورة دوارة لغسل الأيدي في دورة مياه الفتيات. كانت هناك أيضًا آلة لصرف الفوط الصحية تعمل بكفاءة.
ديل فيربريدج صار حانوتيًّا.
ورانت تشرستون صار محاسبًا.
بينما جنى هورس نيكلسون أموالًا طائلة من عمله في المقاولات، ثم تركها بعد ذلك للعمل في السياسة، وذكر في إحدى خطبه أن ما تحتاج إليه البلاد هو التركيز على الدين في الفصول المدرسية، والاكتفاء بالقليل من اللغة الفرنسية.
المتسولة |
البجع البريُّ
حذرتني فلو من تجار الرقيق الأبيض، وأوضحت لي كيفية عملهم؛ وهي أن تتعرف عليك امرأة عجوز أشبه بالأم أو الجَدَّة أثناء جلوسها بجوارك في الحافلة أو القطار، ثم تُقدِّم لك حلوى بها مُخدِّر، وسرعان ما تصابين بالوهن وتبدَئِين في الدمدمة بحيث لا تتمكنين من التحدُّث للتعبير عمَّا بكِ. وفي تلك اللحظة، تصيح المرأة مُدَّعِيَةً أن ابنتها (أو حفيدتها) مريضة، وطالبةً المساعدة في إنزالها من المركبة لتستعيد عافيتها في الهواء الطلق. فيقف رجل مهذب عارضًا المساعدة ومتظاهرًا بأنه لا يعرف تلك المرأة. وفي المحطة التالية، يدفعانك كلاهما بقوة لإنزالك من الحافلة أو القطار، وتكون تلك المرة الأخيرة التي ترين فيها العالم المألوف لك. يُبقِيكِ الخاطفون سجينة في المكان الذي يعيش فيه الرقيق الأبيض (الذي تُنقَلين إليه مُخدَّرة ومُقيَّدة على نحوٍ يَحُولُ دون معرفتك بالمكان الذي توجدين فيه) حتى تصلي إلى مرحلة تعانين فيها من المهانة واليأس التام، ويتمزق فيها جسدك إثر اعتداء الرجال المخمورين عليكِ، وتتعرضين للأمراض الكريهة، ويتلف عقلك بالمخدِّرات، ويتساقط شعرك وأسنانك. يستغرق الأمر ثلاث سنوات حتى تصلي إلى هذه الحالة؛ فلا ترغبين في العودة للمنزل، وربما لا تتمكنين من تذكُّره أو الوصول إليه. عندئذٍ، يدفع بكِ الخاطفون إلى الشوارع.
أمسكتْ فلو بعشرة دولارات، ووضعتها في محفظة صغيرة مصنوعة من القماش كانت قد ثبَّتتها بالحياكة في شريط قميص روز الداخلي؛ فمن الأمور الأخرى التي قد تتعرض لها روز سرقة محفظتها.
حذرتني فلو كذلك ممن يرتدون ملابس رجال الدين؛ فهم الأسوأ على الإطلاق، وقد اعتاد تجار الرقيق الأبيض والسارقون استخدام هذا النوع من التنكُّر.
قالت روز إنها لا تعرف كيف يمكنها تمييز الشخصيات المتنكِّرة.
عملت فلو في تورونتو في السابق نادلةً في أحد المقاهي بمحطة قطار «يونيون ستيشن»، ومن هنا استقت كل معرفتها. لم ترَ أثناء عملها ضوءَ الشمس قَطُّ سوى أيام الإجازات، لكنها رأت أشياء أخرى كثيرة. رأت رجلًا يبقُر بطن آخر بسكين، ثم يهندم قميصه، ويذهب لقَصِّ شعره، كما لو كان ما شقَّه بطيخة وليس بطنًا. والمجني عليه مستلقٍ على الأرض ناظرًا لأعلى مندهشًا، ولم يُسعفه الوقت للاعتراض. وأشارت فلو إلى أن ذلك لم يكن شيئًا يُذكَر في تورونتو. كما رأت كذلك امرأتين سيئتي السمعة (هكذا كانت تصف فلو العاهرات) تتعاركان، ورجلًا يضحك ساخرًا منهما، ورجالًا آخرين يتوقفون ويضحكون ويشجعونهما أثناء إمساك كلٍّ منهما بشعر الأخرى في يديها. وأخيرًا، وصلت الشرطة، وألقت القبض عليهما، وهما لا تَكُفَّانِ عن الصراخ والعواء.
رأت فلو أيضًا طفلًا يُحْتَضَرُ إثر إصابته بنوبة مرضية، وقد استحال لون وجهه أسودَ كالحبر.
قالت روز على نحو استفزازي: «حسنًا، أنا لست خائفة. ففي النهاية هناك شُرطة.»
«نعم، الشُّرطة! إنهم أول مَن سيحاول الاعتداء عليكِ!»
اعتادت روز عدم تصديق أي شيء تذكره فلو عن موضوع الجنس، ومن ذلك على سبيل المثال موضوع الحانوتي.
كان رجلًا أصلع قصير القامة ذا مظهر أنيق للغاية يتردد أحيانًا على المتجر ويتحدث مع فلو على نحو استرضائي.
«لا أريد سوى كيسٍ من الحلوى، وربما بعض العلكة، وقطعة شوكولاتة أو اثنتين. هل يمكنكِ لفُّها من أجلي، من فضلك؟»
كانت فلو تؤكد له بلهجتها الموحِية زيفًا بالاحترام أنها يمكنها ذلك. وكانت تلفُّ المشتريات في ورق أبيض متينٍ لتبدو كالهدايا. كان الرجل يتأنَّى في اختياره لما يشتريه، مدندنًا ومتبادلًا أطراف الحديث، ثم يبدِّد بعض الوقت سُدًى. فيسأل فلو أحيانًا عن حالها، ويسأل روز أيضًا عن حالها إذا كانت موجودة.
فكان يقول لروز مثلًا: «تَبدين شاحبة. الفتيات الصغيرات بحاجة لبعض الهواء المنعش.» في حين كان يقول لفلو شيئًا من قبيل: «إنك تبذُلين جهدًا بالغًا في العمل، وفعلتِ ذلك طوال حياتك.»
وكانت فلو ترد عليه متفقةً معه: «لا راحة للأشرار.»
وعندما كان يغادر المتجر، كانت فلو تركض نحو النافذة لتنظر إلى الخارج حيث تقف عربة نقل الموتى القديمة سوداء اللون ذات الستائر الأرجوانية.
وعندما كانت العربة تسير مبتعدة بتؤدة كخطى الجنائز، كانت فلو تقول: «سوف يذهب لملاحقتهن اليوم!» كان هذا الرجل القصير يعمل حانوتيًّا، لكنه كان قد تقاعد آنذاك، والعربة أيضًا لم تعُد تُستخدَم في نقل الموتى. فتولى أبناؤه العمل، واشترَوْا عربة جديدة، في حين ظل هو يقود العربة القديمة متجولًا في أنحاء البلدة بحثًا عن النساء. هكذا قالت فلو، لكن روز لم تصدقها. وأضافت فلو أنه كان يعطي أولئك النساء العلكة والحلوى. فتقول لها روز إنه ربما كان يأكلها بنفسه، فترد فلو بأنه قد شوهِد وسُمِع أثناء فعله ذلك. وعندما يكون الطقس معتدلًا، كان يقود العربة والنوافذ مفتوحة، ويشرع في الغناء لنفسه أو لشخص آخر غير واضح للعِيان في الخلف:
جبينها أبيض كالثلج. عنقها جميل كالبجعة.
قلَّدته فلو في غنائه. وأثناء سيره، كان يباغت برِقَّة أية سيدة تسير في طريق خلفي، أو تستريح عند مفترق طرق. وبعد المجاملة والملاطفة وتقديم الشوكولاتة، يعرض عليها توصيلها. بالطبع، أية امرأة عُرف أنه طلب منها ذلك كانت تقول إنها رفضت طلبه. لم يكن يزعج أيًّا منهن، ويمضي بسيارته بتهذُّب. كان يزور المنازل، وعندما يكون الزوج في المنزل، كان يجلس ويتبادل أطراف الحديث كعادته. وحكت الزوجات أنه لم يفعل سوى ذلك، لكن فلو لم تصدق ذلك.
قالت فلو: «بعض النساء وقعن في شَركِه … عدد منهن فعل.» أحبَّت فلو كذلك التكهُّن بشكل العربة من الداخل. كانت مبطَّنة بالقطيفة … الجدران والسقف والأرضية كلها مبطنة بالقطيفة. ولون الستائر أرجواني فاتح كلون زهر الليلك الداكن.
كلام فارغ! هكذا اعتقدت روز. مَن يمكنه تصديق ذلك عن رجل في مثل هذه السن؟ •••
كانت روز ذاهبة إلى تورونتو بالقطار للمرة الأولى في حياتها بمفردها. سبق لها زيارة تورونتو مرة واحدة من قبلُ، لكن برفقة فلو، وكان ذلك قبل وفاة والدها بفترة طويلة. أخذت فلو وروز معهما الشطائر الخاصة بهما، واشترتا حليبًا من البائع في القطار. كان مذاقه حامضًا؛ حليب حامض بالشوكولاتة. أخذت روز ترتشف رشفات صغيرة منه، رافضةً الاعتراف بعدم رضاها عن شيء كانت ترغب فيه بهذا القدر. أما فلو، فشمَّته، ثم أخذت تبحث بكافة أرجاء القطار إلى أن وصلت إلى الرجل العجوز ذي السترة الحمراء الذي يخلو فمه من الأسنان، والصينية معلَّقة حول عنقه. طلبت منه تذوُّق الحليب بالشوكولاتة، ومن الأشخاص المجاورين شمَّه، فأعطاها بعضًا من جَعَّة الزنجبيل بلا مقابل، وكانت دافئة بعض الشيء.
بعد أن رحل الرجل، قالت فلو وهي تنظر حولها: «ينبغي عليَّ إعلامه بخطئه. ينبغي عليكم جميعًا إعلام أمثاله بأخطائهم.»
وافقتها إحدى السيدات في الرأي، لكن أغلب الركاب أشاحوا بوجوههم للنظر من النوافذ. شربت روز جعة الزنجبيل الدافئة، لكنها تقيَّأت في دورة مياه القطار، سواء أكان السبب في ذلك هو الجعة، أم ما حدث مع البائع، أم المحادثة التي دارت بين فلو والسيدة التي وافقتها الرأي وسؤال الأخيرة حول المكان الذي أتت منه روز وفلو، وسبب ذهابهما إلى تورونتو، والإمساك الذي أصاب روز صباحًا ممَّا تسبب في شحوبها، أم الكمية الصغيرة من الحليب بالشوكولاتة الذي دخل معدتها. وظلت طوال اليوم خائفة من أن يَشُمَّ الناس رائحة القيء على معطفها.
بدأت فلو الرحلة هذه المرة بقولها لمُحَصِّلِ التذاكر: «أرجو أن تشملها بعنايتك؛ فهي لم تبتعد عن المنزل من قبلُ!» ثم نظرت حولها وضحكت لتوضح أن ما قالته كان مزاحًا. تَوَجَّبَ عليها، بعد ذلك، النزول من القطار. بدا على محصِّل التذاكر أنه لم يكن بحاجة إلى أي مزاح، شأنه شأن روز، ولم تكن لديه أية نية لأن يشمل أيَّ أحد بعنايته. فلم يتحدث مع روز إلا عندما طلب تذكرتها. جلست روز بجوار النافذة، وسرعان ما شعرت بسعادة غامرة؛ إذ أدركت أن فلو — وهانراتي الغربية — تبتعدان عنها، وتخلَّصت من إنهاكها بسهولة تُماثِل سهولة تخلُّصها من أي شيء آخر. كانت تحب المدن التي لا تعرفها. رأت سيدة تقف بباب منزلها الخلفي مرتديةً رداء النوم غير عابئة برؤية كلِّ مَن في القطار لها. كان القطار متوجهًا جنوبًا مبتعدًا عن منطقة الحزام الثلجي ومُقبِلًا على ربيع مبكِّر ومناظر طبيعية أكثر رقةً حيث يستطيع الناس زراعة أشجار الخوخ بالفِناء الخلفي لمنازلهم.
استجمعت روز في ذهنها كل الأشياء التي ستبحث عنها في تورونتو؛ أولًا: أشياء من أجل فلو، جوارب خاصة لدوالي الساقين، نوع خاص من الغراء للصق مقابض الأوعية، ومجموعة كاملة من لعبة الدومينو.
أما فيما يتعلق بالأشياء التي رغبت فيها لنفسها، فقد أرادت شراء مزيل للشعر لاستخدامه على ذراعيها وساقيها، وإن أمكن بعض بطانة الملابس القابلة للنفخ التي تهدف للتقليل من حجم الأرداف والفخذين. فكَّرت في احتمال وجود مزيل الشعر في الصيدلية في هانراتي، لكن السيدة التي تعمل فيها كانت صديقة فلو، وكانت تروي لها كل شيء؛ فروت لها من قبلُ عمَّن اشترى صبغة شعر ودواء تخسيس وواقيًا ذكريًّا. أما فيما يتعلق بالبطانة، فكان بوسعها طلب إرسالها إليها، لكن من المؤكد أنه سيكون هناك تعليق في مكتب البريد على ذلك، وكانت فلو تعرف بعض الأشخاص هناك أيضًا. خططت روز كذلك لشراء بعض الأساور وسترة صوفية ذات وبر، وأملت في العثور على أساور فضية اللون وسترة صوفية ذات وبر بلون أزرق فاتح. اعتقدت أن هذه الأشياء ستبدِّل من حالها، وتمنحها قوامًا رشيقًا، وتُصلح التجعد في شعرها، وتجفِّف إبطيها، وتمنح بشرتها مظهرًا براقًا.
حصلت روز على المال اللازم لشراء هذه الأشياء، وللقيام بتلك الرحلة، من خلال جائزة كانت قد فازت بها لكتابتها مقالًا بعنوان «الفن والعلم في عالم الغد». أدهشها آنذاك طلب فلو منها قراءة المقال لها. وبينما كانت تقرؤه، علَّقت فلو بأنهم منحوا روز الجائزة بالتأكيد لالتهامها القاموس، ثم استطردت خجلًا: «إنه مقال مثير للغاية.»
كانت روز ستقضي الليلة في منزل سيلا ماكيني، وهي إحدى قريبات والدها. تزوجت سيلا من مدير أحد الفنادق، واعتقدت أنها قد عَلَا شأنها، لكن زوجها عاد إلى المنزل ذات يوم، وجلس على أرضية غرفة تناول الطعام بين كرسيين، وقال: «لن أغادر هذا المنزل بعد اليوم.» ما من شيء غير طبيعي حدث، لكنه قرَّر فحسب عدم الخروج من المنزل أبدًا مرة أخرى، وهو ما فعله بالفعل، حتى توفي. تسبَّب ذلك في أن أصبحت سيلا غريبة الأطوار وعصبية؛ فكانت تغلق الأبواب عليها في الساعة الثامنة. هذا فضلًا عن بخلها الشديد؛ فكان العشاء لديها عادةً عصيدة الشوفان بالزبيب. كان منزلها مظلمًا وضيقًا وتفوح منه رائحة تشبه رائحة المصرف.
أخذ القطار يمتلئ بالركاب، وعند وصوله إلى برانتفورد، استأذن رجل روز في الجلوس بجانبها.
قال لها: «الجو بالخارج أكثر بردًا مما تتخيلين.» عرض عليها جزءًا من جريدته، لكنها رفضت شاكرةً إياه.
وخشيةً منها أن تبدو وقحة في نظره، قالت له بعد ذلك إن الجو بارد بالفعل، وواصلت النظر من النافذة مستمتعة بالصباح الربيعي. لم تعُد هناك أية ثلوج في المكان الذي كان يمر به القطار. وبدا لحاء الأشجار والأجمة أفتح لونًا من الأشجار والأجمة الموجودة في بلدتها. حتى ضوء الشمس بَدَا مختلفًا؛ فكان مختلفًا كاختلاف ساحل البحر الأبيض المتوسط أو أودية كاليفورنيا.
قال الرجل الجالس بجوارها: «نوافذ متسخة، ألا تعتقدين أنه ينبغي عليهم إيلاؤها قدرًا أكبر من الاهتمام؟ هل تسافرين كثيرًا بالقطار؟»
فأجابت بالنفي.
كانت هناك مياه في الحقول، فأشار الرجل برأسه إليها وقال إنها كثيرة ذلك العام.
«ثلوج غزيرة.»
لاحظت روز رُقي لغته واختياره للكلمات، على عكس أهل بلدتها.
«لقد مررتُ بتجربة استثنائية في أحد الأيام الماضية. كنت أقود سيارتي في الريف متوجهًا لرؤية سيدة تابعة للأبرشية تعاني من مرض بالقلب …»
فنظرت روز سريعًا إلى ياقة قميصه، فوجدته يرتدي قميصًا عاديًّا وربطة عنق وبذلة كحلية اللون.
قال لها: «نعم، أنا قس بالكنيسة المتحدة، لكنني لا أرتدي دومًا زي القساوسة؛ فلا أرتديه إلا عند إلقاء العظات في الكنيسة، وأنا اليوم في إجازة.»
ثم استطرد ما كان يرويه: «وبينما كنت أقود السيارة في الريف، رأيت بعض الأوز الكندي يسبح في إحدى البرك، ودققت النظر، فوجدت بعض البجع يسبح معه أيضًا؛ كان سربًا كاملًا وكبيرًا من البجع. كم كان منظرًا رائعًا! أظن أن تلك الطيور كانت مهاجرة هجرتها المعتادة نحو الشمال في فصل الربيع. منظر خلاب حقًّا لم أَرَ مثله قط في حياتي!»
لم تستحسن روز فكرة التحدُّث عن البجع البري؛ إذ خشيت أن تتحول المناقشة من الحديث عن البجع إلى الحديث عن الطبيعة بوجه عام، ثم عن الرب، على النحو الذي يَشعر أي رجل دين أنه مُلزم به. لكنه لم يتحدث عن تلك الأمور، واكتفى بالبجع.
«منظر غاية في الجمال. لو أنكِ كنتِ هناك لاستمتعتِ به حقًّا.»
تراوح عمر ذلك الرجل بين الخمسين والستين؛ هكذا ظنت روز. كان قصير القامة، وذا مظهر مُفْعَمٍ بالنشاط، ووجه مربع متورِّد، وشعر رمادي لامع ومتموج مصفَّف بدءًا من جبهته. وعندما أدركت روز أنه لن يتحدث عن الرب، شعرت بضرورة تعبيرها عن تقديرها لذلك.
فقالت إنه لا بد وأن ذلك البجع كان جميلًا.
«لم تكن حتى بِركة عادية، وإنما مجرد بعض الماء تجمَّع وسط أحد الحقول. وكان تجمُّع الماء في ذلك المكان، ونزول الطيور فيه، ومروري بالسيارة في الوقت المناسب، كل ذلك محض صدفة؛ صدفة بحتة. أعتقد أن تلك الطيور قد أتت من الطرف الشرقي لبحيرة إيري، لكن لم يحالفني الحظ أبدًا في رؤيتها من قبلُ.»
استدارت روز بعض الشيء نحو النافذة، وعاد هو إلى جريدته. ظلت مبتسمة بعض الوقت لكي لا تبدو وقحة أو رافضة للمحادثة برُمَّتِها. كان الطقس باردًا حقًّا ذلك الصباح، فأنزلت معطفها عن الخُطَّاف الذي علَّقته عليه عند صعودها على متن القطار، وفرشته عليها كغطاء يدفئ الساقين، ووضعت حقيبة يدها على الأرض عندما جلس رجل الدين بجانبها لتُفسح له مكانًا. أما هو، فقد فصل أقسام الجريدة بعضها عن بعض، وأخذ يهزها لتُصدر حفيفًا على نحو متمهل وبه تباهٍ. وبدا لروز أنه من نوعية الأشخاص الذين يفعلون كل شيء بأسلوب متباهٍ؛ أسلوب كهنوتي. أزاح الرجل جانبًا الأقسام التي لا يرغب في قراءتها آنذاك، فلمس طرف الجريدة ساق روز عند حافة معطفها بالضبط.
ظلت روز معتقدة لبعض الوقت أن ما لمس ساقها هو الجريدة، لكنها تساءلت بعد ذلك: ماذا إن كانت يدٌ هي التي لمست ساقها؟ كانت هذه هي الأمور التي يمكنها تخيُّلها؛ فكانت تنظر أحيانًا إلى أيدي الرجال، والشعر يغطي سواعدهم كالزَّغَب، ووجوههم التي يبدو عليها التركيز، وكانت تفكر في كل شيء يمكنهم فعله، حتى الأمور الحمقاء. ومن بين هؤلاء البائع الذي كان يجلب الخبز بعربته إلى متجر فلو، فكانت تلاحظ أسلوبه الدال على النضوج والثقة، والمزيج المستقر بين الخفة والانتباه في التعامُل مع عربة الخبز. ولم تكن ثنية بطنه المرتفعة فوق الحزام لتزعجها. وفي مرة أخرى، لاحظت معلِّم اللغة الفرنسية في مدرستها، لم يكن فرنسي الجنسية على الإطلاق، وكان يُدعَى ماكلارين، لكن روز اعتقدت أن تدريس الفرنسية قد أثَّر عليه، وجعله يبدو كالفرنسيين. كان سريع الحركة شاحب البشرة، أكتافه حادة، أنفه معقوف، وعيناه حزينتان. رأت روز أنه قد أخذ يمهِّد طريقه نحو المتع وكأنه الحاكم بأمره في الملذات. تاقت روز توقًا شديدًا للدخول في علاقة مع شخص ما، تاقت لأن تُمارَس معها القوة، وتستمتع، وتشعر بالإنهاك.
ولكن ماذا إذا كانت يدًا؟ ماذا إذا كانت يدًا حقًّا؟ تحولت قليلًا وتحركت ناحية النافذة قدر الإمكان، ظنت أن خيالها هو الذي صوَّر لها هذه الحقيقة، الحقيقة التي لم تكن مستعدة لها على الإطلاق؛ إذ شعرت بالإنزعاج، وأخذت تركز على ساقها، وعلى ذلك الجزء من بشرتها الذي يغطيه الشراب. لم تستطع إرغام نفسها على النظر. هل كان هناك ضغط على ساقها أم لا؟ تحركت ثانيةً. كانت ساقاها متلاصقتين بقوة، وظلَّتا كذلك. لقد كانت يدًا بالفعل، وما كانت تشعر به هو ضغط تلك اليد على ساقها.
«كلا، أرجوك!» كان هذا ما تحاول أن تقوله. صاغت الكلمات في عقلها، وحاولت أن تنطق بها، لكنها لم تستطع. لماذا؟ أهو الإحراج أو الخوف من أن يسمعها الناس؟ كان الناس يحيطون بهما من كل اتجاه؛ فما كان من مقعد فارغ في القطار.
لم يكن ذلك السبب الوحيد.
تمكَّنت روز من النظر له دون رفع رأسها، وإنما التفتت إليه بحذر، فرأت أنه قد أمال مقعده للخلف وأغلق عينيه، وكُمُّ بذلته كحلية اللون مختفٍ تحت الجريدة. كان قد فرد الجريدة بحيث تتداخل مع معطف روز، ومن تحت الجريدة وضع يده عليها كما لو كان قد مدها دون قصد أثناء نومه.
في تلك اللحظة، كان بوسع روز تحريك الجريدة، وإبعاد معطفها. وإن لم يكن نائمًا، سيُضطر لإبعاد يده، وإن كان نائمًا بالفعل ولم يبعدها، فيمكنها أن تهمس له: «من فضلك!» وتضع يده بحزم على ركبته. إلا أن هذا الحل لم يطرأ على ذهنها، رغم وضوحه الشديد ونتيجته المضمونة. لكنها تساءلت بدلًا من ذلك: «ولِمَ لا؟» لم تكن يد رجل الدين — أو بالأحرى لم تكن حتى تلك اللحظة — مُرَحَّبًا بها على جسدها؛ فقد جعلتها تشعر بعدم الارتياح، والامتعاض، والاشمئزاز بعض الشيء، والمحاصرة، والتحفُّظ. لكنها لم تستطع تحمُّل مسئوليتها أو صدها، لم تستطع التأكيد على أنها موجودة بالفعل، بينما بدا هو مصرًّا على عدم وجودها. كيف يمكنها تحميله المسئولية وهو مستلقٍ في ذلك المكان بمظهر واثقٍ لا يوحي بأي أذى لينال قسطًا من الراحة قبل أن يبدأ يومه المشحون بوجه سليم وراضٍ؟ إنه رجل أكبر من والدها — لو كان لا يزال حيًّا — ومؤكد أنه اعتاد على التبجيل والاحترام، شخص يقدِّر الطبيعة، ويستمتع بالبجع البري. كانت موقِنة أنها إذا قالت له: «كلا، أرجوك!» فسوف يتجاهلها، كما لو كان يتجاهل بعض الحماقة أو سوء الأدب من جانبها. علمت أنها عندما ستنطق بهذه الكلمات ستتمنى ألا يسمعها.
بَيْدَ أن ثمة أمرًا آخر تَدخَّل في قرارها؛ ألا وهو الفضول. كان فضولها أكثر قوةً واستبدادًا من أي شهوة. كان هو الشهوة في حَدِّ ذاته، شهوة تدفعك للتراجع والانتظار طويلًا والمخاطرة بأي شيء في الغالب؛ بغية أن ترى ما سيحدث، ما سيحدث فقط.
بعد عدة أميال قطعها القطار، بدأت اليد تضغط على ساقها وتتفحصها على نحو شديد الرقة والحذر. لم يكن الرجل نائمًا، ولو كان، فإن يده لم تكُن. شعرت روز بالاشمئزاز، والدوار، والغثيان. أخذت تفكِّر في اللحم: كُتَل من اللحم، أنوف وردية، ألسنة كبيرة، أصابع فظة؛ كل هذه الأشياء تسرع وتتسلل وتتثاقل وتفرك بحثًا عن راحتها. تذكرت القطط في الأيام الحارة وهي تفرك أجسادها بالجزء العلوي من الأسيجة الخشبية، وتموء معبِّرة عن شكواها البائسة. كل ذلك الحك والدفع والضغط كان مثيرًا للشفقة وكأنه حركات طفولية. أنسجة إسفنجية الشكل، أغشية ملتهبة، أطراف عصبية معذبة، روائح مخزية، خزي ومهانة.
كل ذلك كان في بدايته. وأخيرًا تمكنت يده — تلك اليد العنيدة الصبورة التي ما كانت روز لترغب أبدًا في الإمساك بها أو الضغط عليها في المقابل — من تحريك غرائز روز وإثارة رغبتها.
رغم ذلك، لم ترغب في حدوث ذلك، وأخذت تردد من النافذة: «أرجوك، أنزل يدك! توقَّف من فضلك!» قالت ذلك لأرومات الأشجار والحظائر. تحركت اليد أعلى ساقها مارةً بالطرف العلوي لجواربها وصولًا إلى بشرتها المكشوفة، ثم انتقلت إلى أعلى لتصل إلى تحت رباط الجوارب، ثم إلى سروالها الداخلي والجزء الأدنى من بطنها. كانت ساقاها حتى تلك اللحظة لا تزالان متقاطعتين ومتلاصقتين. طالما ظلت ساقاها على هذا الحال، كان بمقدورها أن تدَّعي البراءة، وعدم قبولها بأي شيء. فكانت لا تزال معتقدة أن بإمكانها إيقاف كل ذلك في لحظة واحدة. لم يكن سيحدث أي شيء أكثر من ذلك؛ فما كانت ساقاها لتتباعدا أبدًا.
لكنهما كانتا تتباعدان بالفعل. وبعبور القطار جرف نياجرا فوق مدينة داندس، مطلًّا على الوادي الذي يعود تاريخه إلى ما قبل العصر الجليدي، والتلال الصغيرة بما عليها من صخور متناثرة وأخشاب ذات لون فضي، ثم هبوطه إلى سواحل بحيرة أونتاريو، قامت روز بذلك الإعلان البطيء والصامت والمؤكد الذي ربما أحبط صاحب اليد بقدر ما أرضاه. لم يرفع جفنيه، ولم يتبدل وجهه، ولم تتردد أصابعه، لكنه نفَّذ ما أراده بقوة وسرية. اجتياح وترحيب تزامَن مع توهُّج ضوء الشمس في الأفق وسقوطه على مياه البحيرة والبساتين المكشوفة الممتدة لأميال حول بيرلنجتون.
كان الأمر مخزيًا، وكان بمثابة استجداء. لكن ما الضرر في ذلك؟ دومًا نطرح على أنفسنا ذلك السؤال في مثل هذه اللحظات. وما الضرر في أي شيء؟ كلما ساء الأمر، كان أفضل. هذا ما نقوله لأنفسنا عند ركوبنا تلك الموجة اللامبالية من الطمع أو القبول الطامع. يد غريبة، خضراوات جذرية، أو أدوات المطبخ البسيطة التي يمزح الناس بشأنها، العالم مليء بالأشياء ذات المظهر البريء التي تنتظر اللحظة الملائمة للإعلان عن نفسها على نحو مراوغ وملزم. انتبهت روز لأنفاسها، لم تصدق ما كان يحدث؛ ضحية وشريكة في الجرم يحملها القطار مارًّا بمصنع جلاسكو للمربى وأنابيب معامل تكرير البترول الضخمة النابضة بالحركة. انحدر بعد ذلك القطار نحو الضواحي حيث رفرفت في إيحاء خبيث ملاءات الأسِرَّة والمناشف المستخدمة في التخلص من بقع العلاقات الحميمية على حبال الغسيل، وحيث يمرح الأطفال ببذاءة في أفنية المدارس. تجلت أمام عينها كل هذه التصرفات الغريبة الخبيثة والمناظر المألوفة، وظهرت بوابات أرض المعارض وأبراجها، وحلَّقت القباب والأعمدة الملونة بشكل مذهل في السماء الوردية التي رأتها أسفل جفونها، ثم تفرقت معبِّرة عن الاحتفال. يشبه ذلك تجمُّع سرب من الطيور كالبجع البري أسفل إحدى القباب الضخمة، ثم إثارتها فجأة لتندفع محلقةً في السماء.
حاولت روز جاهدة أن تمسك لسانها عن الكلام. وسرعان ما مَرَّ محصل التذاكر عبر القطار لتنبيه الركاب وإفاقتهم.
وفي الظلام الذي خَيَّمَ على القطار بوصوله المحطة، أفاق قس الكنيسة المتحدة، وفتح عينيه، وطوى جريدته، ثم سأل روز إن كانت بحاجة لأية مساعدة في معطفها. عكست كياسته رضًا عن الذات وإبعادًا لروز وكأنه يصرفها عنه. أجابت روز قائلةً: «لا.» بلسان متألم، فنزل من القطار مسرعًا أمامها. لم تَرَهُ في المحطة، ولم تره قَطُّ بعد ذلك في حياتها، لكنه ظل موجودًا في ذاكرتها لسنوات طِوال مستعدًّا للظهور في اللحظات المهمة دون أي احترام، فيما بعد، محلَّ زوج أو حبيب. ما الذي كان يزكيه لديها؟ لم تستطع فهم ذلك أبدًا. ربما بساطته، أو تعجرُفه، أو افتقاره للوسامة على نحو جذاب، بل وللذكورة الناضجة أيضًا. فعندما نهض بجانبها، لاحظت أنه أقصر ممَّا كانت متصورة، وأن وجهه وردي ولامع، وكان به شيء يعلن عن عدائية وفجاجة ولكنه في ذات الوقت شيء طفولي.
هل كان قسًّا حقًّا؟ أم ادَّعى ذلك؟ تحدثت فلو عن رجال ليسوا برجال دين، لكنهم يرتدون ملابسهم، لكنها لم تذكُر شيئا عن رجال دين لا يرتدون ملابس القساوسة، أو الأغرب من ذلك من ليسوا قساوسة حقيقين، لكنهم يدعون أنهم كذلك ولا يرتدون ملابس القساوسة. إلا أن اقترابها بهذه الدرجة ممَّا حذرتها منه فلو جعلها تشعر بالانزعاج. سارت روز في محطة «يونيون ستيشن» شاعرةً بالمحفظة المحتوية على عشرة دولارات وهي تحتك بجسدها، وعلمت أنها ستظل تشعر بها طوال اليوم.
لم تتوقف عن تذكُّر رسائل فلو لها، حتى بعد أن حدث ذلك الأمر. وهي في محطة «يونيون ستيشن»، تذكرت وجود فتاة هناك تُدعَى ميفيس كانت تعمل في متجر الهدايا عندما كانت فلو تعمل في المقهى. عانت ميفيس من بثور في جفنيها بدت وكأنها ستتحول إلى دُمَّل العين، لكنها لم تفعل واختفت. ربما تكون قد أزالتها. لم تسألها فلو عن ذلك. كانت جميلة للغاية بدون هذه المشكلة وأشبه بإحدى نجمات السينما آنذاك، وهي فرانسيس فارمر.
فرانسيس فارمر. لم تسمع روز عن تلك الممثلة قط.
كان ذلك اسمها. اشترت ميفيس لنفسها قبعة كبيرة أمالتها فوق إحدى عينيها، وفستانًا مصنوعًا بالكامل من الدانتيل، وذهبت في إحدى إجازات نهاية الأسبوع إلى خليج جورجيان، وحجزت بالمنتجع باسم فلورنس فارمر لتوحي للجميع بأنها فرانسيس فارمر الحقيقية، لكنها ادَّعت الاسم فلورنس لتستمتع بإجازتها دون أن يتعرف عليها أحد. كان لديها مبسم سجائر صغيرٌ أسود اللون ومصنوعٌ من عرق اللؤلؤ. قالت فلو إنه كان من الممكن إلقاء القبض عليها لجرأتها.
اقتربت روز من متجر الهدايا لترى ما إذا كانت ميفيس لا تزال هناك، وإذا كانت ستتمكن من التعرُّف عليها أم لا. رأت روز ذلك شيئًا لطيفًا حقًّا؛ أن تتحول على هذا النحو، وأن تملك الجرأة على الفعل وتُفلت من العقاب، وأن تدخل عالم المغامرات المنيع بشخصك، لكن تحت اسم جديد تمامًا.
المتسولة |
المتسولة
أحب باتريك بلاتشفورد روز، وصار ذلك الحب فكرة مترسخة بداخله، بل ومسيطرة عليه أيضًا. أما في نظر روز، فمثَّل ذلك الحب مفاجأة متواصلة لها. أراد باتريك الزواج بها، وكان ينتظرها لحين انتهائها من المحاضرات، ثم يتوجه إليها، ويسير بجوارها ليدرك وجودَه أيُّ مَن كانت تتحدث معه. وعند وجود أولئك الأصدقاء والزملاء حولها، لم يكن يتحدث، وإنما يحاول لفت انتباهها ليعبِّر بنظرة باردة متشككة عن شعوره إزاء حوارها مع أصدقائها. منح ذلك روز شعورًا بالإطراء، لكنه أصابها بالتوتر في الوقت نفسه. ذات مرة، أخطأت صديقة لها تُدعَى نانسي فولز في نطق اسم «مترنيخ» أمامه، فسأل روز فيما بعد: «كيف تصادقين أشخاصًا كهؤلاء؟»
ذهبت نانسي وروز لبيع دمائهما ذات مرة في مستشفى فيكتوريا، وحصلت كلٌّ منهما على خمسة عشر دولارًا أنفقتا أغلبها على أحذية للمساء، وصنادل فضية اللون تشبه ما تلبسها العاهرات. وتيقنًا منهما بأن التبرع بالدماء سيتسبب في خسارتهما بعض الوزن، تناولتا آيس كريم بالفواكه والمكسرات مزودًا بصوص الشوكولاتة الساخن في بوومرز. تُرى لماذا لم تستطع روز الدفاع عن نانسي أمام باتريك؟
كان باتريك في الرابعة والعشرين من عمره، وكان طالبًا بالدراسات العليا، ويخطط لأن يصير أستاذًا في التاريخ. كان طويلًا ونحيلًا وأشقر ووسيمًا، بالرغم من الوحمة الطويلة ذات اللون الأحمر الباهت التي كانت تتدلى كالدمعة على صدغه ووجنته. اعتذر باتريك عن هذه الوحمة، لكنه قال إنها تتلاشى مع تقدمه في العمر، وعند بلوغه الأربعين ستكون قد اختفت تمامًا. لم تكن تلك الوحمة هي السبب في طمس وسامته من وجهة نظر روز؛ (فثمة أمور أخرى طمستها أو على الأقل انتقصت منها؛ وكان عليها تذكير نفسها دومًا بوجودها.) اتسم باتريك بشيء من العصبية وسرعة الاهتياج والارتباك. كان صوته يتهدج عند توتره — كان على ما يبدو متوترًا دومًا عند وجوده مع روز — فكان يُسقط الأطباق والأكواب من على المائدة، ويسكب المشروبات وصحون الفول السوداني، وكأنه ممثل كوميدي. لكنه لم يكن كذلك؛ وكان ذلك أبعد ما يكون عما ينوي فعله؛ فقد انحدر من أسرة ثرية تعيش في مقاطعة كولومبيا البريطانية.
وصل باتريك ذات مرة مبكرًا لاصطحاب روز إلى السينما. لم يطرق الباب لعلمه بوصوله قبل موعده، فجلس على درجة السُّلم أمام منزل الدكتورة هينشو. كان ذلك في الشتاء، وقد خيم الظلام على المدينة، لكن كان هناك مصباح صغير بجوار الباب.
نادت الدكتورة هينشو على روز بصوت رقيق مبتهج: «يا إلهي، روز! تعالي انظري!» وأطلتا معًا من نافذة غرفة المكتب المظلمة. قالت الدكتورة هينشو بصوت حنون: «يا له من شاب مسكين!» كانت سيدة في السبعينيات من عمرها، عملت في السابق أستاذةً للغة الإنجليزية، واتسمت بدقتها وصعوبة إرضائها وحيويتها. عانت من العرج بإحدى ساقيها، ومع ذلك، كانت تميل برأسها، الذي تلف فوقه جدائل شعرها الأبيض، ميلًا فاتنًا كالفتيات الصغيرات.
وصفت الدكتورة هينشو باتريك بأنه مسكين لأنه كان مغرمًا، أو ربما أيضًا لأنه كان ذكرًا محكومًا عليه بالاندفاع والتخبط. بدا باتريك وهو يجلس في الخارج بهذا الشكل في ذلك الطقس البارد — حتى من تلك النافذة العالية — عنيدًا ومثيرًا للشفقة، حازمًا وتابعًا.
قالت الدكتورة هينشو: «إنه يحرس الباب! يا إلهي، روز!»
وفي إحدى المرات الأخرى قالت منزعجة: «كم أخشى أن يكون اختياره لتلك الفتاة اختيارًا خاطئًا!»
لم تحب روز ما قالته الدكتورة، لم تحب سخريتها من باتريك، لم تحب جلوس باتريك على درجات السُّلم على هذا النحو أيضًا؛ فقد استحق بذلك سخرية الآخرين منه. لقد كان أضعف شخص عرفته روز على الإطلاق، وكان هو من فعل ذلك بنفسه، فلم يكن يعلم أي شيء عن كيفية حماية نفسه. ومع ذلك، فقد كان مليئًا بالأحكام القاسية والغرور في الوقت نفسه. •••
اعتادت الدكتورة هينشو أن تقول لروز: «أنتِ طالبة يا روز، ستهتمين بذلك»، ثم تقرأ بصوت عالٍ شيئًا ما كان مكتوبًا في الجريدة، أو الأرجح من مجلة «كانيديَن فورم» أو «أتلانتك مَنثلي». ترأست الدكتورة في السابق مجلس إدارة مدرسة المدينة، كما كانت أحد الأعضاء المؤسسين لحزب كندا الاشتراكي، وكانت لا تزال عضوًا في بعض اللجان، وتكتب للجرائد، وتقدم مقالات نقدية عن الكتب. عمل والداها في البعثات الطبية؛ ووُلِدت في الصين. كان منزلها صغيرًا ومثاليًّا؛ أرضيات ملمعة، سجاجيد براقة، صور لمناظر طبيعية وأوانٍ ومزهريات صينية، وحواجز خشبية سوداء منحوتة. لم تستطع روز الإعجاب بكل ذلك آنذاك، فلم يكن بوسعها في الواقع التمييز بين أشكال حيوانات اليشم الصغيرة الموضوعة على رف مدفأة الدكتورة هينشو وأدوات الزينة المعروضة في واجهة متجر المجوهرات في هانراتي، وإن كان بإمكانها الآن التمييز بين أيٍّ من هذه الأشياء وتلك التي كانت فلو تشتريها من متاجر السلع الرخيصة.
لم تستطع روز في الواقع اتخاذ قرار حاسم بشأن مدى إعجابها بالإقامة مع الدكتورة هينشو؛ فكانت تشعر أحيانًا بعدم الرغبة في ذلك؛ إذ كانت ستجلس في غرفة الطعام على مائدة العشاء واضعةً منديلًا من الكتان على ركبتيها لتناول الطعام من أطباق بيضاء أنيقة موضوعة على مفارش زرقاء. كان الطعام المُقدَّم على المائدة غير كافٍ لها على الدوام، ووجب عليها شراء الكعك المحلَّى المقلي وألواح الشوكولاتة، وإخفاؤها في غرفتها. أزعجها كذلك طائر الكناري المتأرجح على محطِّه بنافذة غرفة الطعام، وتوجيه الدكتورة هينشو لدفة الحديث دائمًا. تحدثت عن السياسة والكُتَّاب، وذكرت فرانك سكوت ودوروثي ليفساي، مشيرةً إلى ضرورة قراءة روز لأعمالهما. ينبغي على روز قراءة هذا، ينبغي عليها قراءة ذاك. قررت روز غاضبةً ألا تفعل ذلك؛ فقد كانت تقرأ لتوماس مان وتولستوي.
لم تسمع روز من قبل عن الطبقة العاملة قبل انتقالها للإقامة مع الدكتورة هينشو، وعند معرفتها بها نقلت تلك المعرفة إلى منزلها.
قالت فلو ذات مرة: «سيكون هذا آخر جزء من البلدة يصل إليه الصرف الصحي.»
فردت روز بفتور: «بالطبع، فهذا الجزء هو الذي تعيش فيه الطبقة العاملة.»
قالت فلو: «الطبقة العاملة؟! تتحدثين كما لو كان الناس هنا في يدهم ما يمكنهم فعله للحيلولة دون ذلك.»
كل ما أحدثه منزل الدكتورة هينشو شيئًا واحدًا؛ وهو القضاء على البساطة والأريحية المُسلَّم بهما في بلدة روز، فكانت العودة إلى تلك البلدة بمنزلة العودة لطرق الإضاءة القديمة. كانت فلو قد وضعت مصابيح فلورسنت في المتجر والمطبخ. كان هناك أيضًا مصباح طويل ينتصب على الأرض في أحد أركان المطبخ كانت فلو قد فازت به في لعبة البينجو؛ وكان ظله محاطًا دائمًا بشرائط سلوفان عريضة. أهم ما فعله منزل الدكتورة هينشو ومنزل فلو أحدهما في الآخر هو الانتقاص من قيمة كلٍّ منهما. ففي الغرف الرائعة بمنزل الدكتورة، كانت روز دائمًا ما تتذكر المعرفة غير الناضجة التي جمعتها في منزلها، كان الأمر أشبه بغُصَّة تقف في حلقها على الدوام. وفي منزلها، كان النظام والتغير اللذان شهدتهما في الأماكن الأخرى يكشفان مدى الفقر البائس والمخزي لهؤلاء الناس الذين لم يعتبروا أنفسهم فقراء قط. لم يقتصر الفقر على العوز والحرمان فحسب، كما اعتقدت الدكتورة هينشو، وإنما كان يعني أيضًا امتلاك أنابيب الإنارة القبيحة تلك والافتخار بها؛ يعني التحدث الدائم عن المال والحديث الحاقد عما اشتراه الآخرون من أشياء جديدة وإذا ما كانوا قد دفعوا ثمنها أم لا؛ يعني أيضا الغيرة والفخر بشيء مثل الستائر البلاستيكية الجديدة الشبيهة بالدانتيل التي اشترتها فلو لنافذة المنزل الأمامية؛ يعني أيضًا تعليق الملابس على المسامير خلف الأبواب والتمكن من سماع أي صوت يصدر من دورة المياه؛ يعني تزيين الحوائط بعبارات النصح الورعة والمبهجة، بل والإباحية أحيانًا:
الربُّ راعيَّ فلا يعوزني شيءٌ.
آمِن بالرب يسوع المسيح فتخلصْ أنت وأهل بيتك.
لماذا علقت فلو هذه العبارات بينما لم تكن بالمرأة المتدينة؟ هكذا فعل الآخرون؛ كانوا يعلقون هذه العبارات مثلما الرُزنامات.
هذا مطبخي وسأفعل به ما أشاء.
أكثر من شخصين في سرير واحد فعل خطير وغير قانوني.
كان بيلي بوب هو من جلب هذه العبارات. تُرى ما سيكون رأي باتريك إذا رآها؟ ما سيكون رأيه في قصص بيلي بوب وهو مَن أزعجه النطق الخاطئ للاسم «مترنيخ»؟
عمل بيلي بوب في متجر جزارة تايد، وكان أكثر ما يتحدث عنه حينذاك هو المهاجر البلجيكي الخارق الذي جاء للعمل في المتجر، وتسبَّب في توتر بيلي بوب بسبب غنائه الوقح للأغاني الفرنسية، وأفكاره الساذجة عن تحقيق النجاح في هذه البلدة وشرائه متجر الجزارة الخاص به.
قال له بيلي بوب ذات مرة: «لا تظن أنه بإمكانك المجيء إلى هنا وتحقيق ما لديك من أفكار. فأنت مَن يعمل لدينا. وإياك والظن بأن هذا الوضع سينعكس؛ ونصير نحن من نعمل لديك.» أخرس ذلك البلجيكي، هكذا قال بيلي بوب.
كان باتريك يطلب من روز من وقت لآخر الذهاب إلى بلدتها والالتقاء بأسرتها، خاصة وأنها لا تبعد سوى خمسين ميلًا فقط.
«لا يوجد هناك سوى زوجة أبي.»
«كم أنا سيئ الحظ لعدم تمكني من رؤية والدك.»
اندفعت روز في تقديم والدها لباتريك على أنه قارئ للتاريخ، ودارس هاوٍ. ولم تكذب في ذلك، لكنها لم تقدم صورة صادقة عن الوضع الحقيقي.
«هل زوجة والدك هي الوصية عليكِ؟»
فما كان من روز إلا أن قالت إنها لا تعلم.
«حسنًا، لا بد أن والدك قد حدَّد الوصيَّ عليكِ في وصيته. من يدير أملاكه؟»
أملاكه! ظنت روز أن الأملاك تعني الأراضي كتلك التي يملكها الناس في إنجلترا.
رأى باتريك في ظنها ذلك شيئًا من خفة الظل.
«كلا، أعني ما كان يملكه من أموال وأسهم وما إلى ذلك. ما تركه بعد وفاته.»
«لا أظن أنه ترك أي شيء.»
«بالله عليكِ! لا تكوني سخيفة.» •••
في أحيان أخرى، كانت الدكتورة هينشو تقول لها: «حسنًا، أنتِ طالبة. لن تهتمي بذلك.» وتقصد غالبًا في هذه الأوقات حدثًا ما مُقامًا في الكلية؛ مثل تجمُّع رياضي، أو مباراة كرة قدم، أو حفل راقص. وتكون الدكتورة محقة عادةً في افتراضها؛ فروز لم تهتم بتلك الأمور، لكنها لم تحرص على الاعتراف بذلك؛ فهي لا تسعى لتعريف نفسها بهذا النحو ولا تستسيغ فعل ذلك.
عُلِّقت على حائط السُّلم داخل المنزل صور التخرج لجميع الفتيات الأخريات اللاتي حصلن على منح دراسية وعشن مع الدكتورة هينشو. صار أغلبهن معلمات، ثم أمهات. صارت إحداهن اختصاصية تغذية، واثنتان أمينتي مكتبة، وواحدة أستاذة للغة الإنجليزية مثل الدكتورة هينشو. لم تهتم روز بهيئتهن، أو امتنانهن المنعكس في ابتسامتهن الخجولة، أو أسنانهن الكبيرة، أو لفائف شعرهن العذراوية. بدا عليهن أنهن يفرضن عليها الورع. لم تكن من بينهن ممثلة، أو صحفية لامعة بإحدى المجلات. لم تصل أيٌّ منهن لنوعية الحياة التي أرادتها روز لنفسها؛ فقد أرادت أن تكون شخصية عامة. فكرت في أن تكون ممثلة، لكنها لم تحاول التمثيل قط، وكانت تخشى الاقتراب من الأعمال المسرحية بالكلية. علمت أيضًا أنها لا تستطيع الغناء أو الرقص، فودت حقًّا العزف على القيثارة، لكنها لم تملك أذنًا موسيقية. رغبت روز في أن يعرفها الناس ويحسدوها، في أن تكون رشيقة وذكية. وقالت للدكتورة هينشو ذات مرة لو أنها كانت رجلًا، لودت أن تعمل مراسلًا خارجيًّا.
فصاحت الدكتورة منزعجةً: «ينبغي عليك إذن تحقيق ذلك! المستقبل كله متاح أمام النساء. يجب عليك التركيز على اللغات، ودراسة العلوم السياسية والاقتصاد. ربما يمكنك أيضًا الحصول على وظيفة في الجريدة في الصيف. لدي بعض الأصدقاء هناك.»
خافت روز من فكرة العمل في الجريدة، وكرهت أيضًا دورة الاقتصاد التمهيدية؛ وبحثت عن وسيلة لإلغاء اشتراكها فيها. من الخطير الإفصاح عن مثل هذه الأفكار للدكتورة هينشو. •••
كان انتقال روز للإقامة مع الدكتورة هينشو مصادفة؛ فالفتاة الأخرى التي اختيرت للإقامة معها أصيبت بالسل، وانتقلت بدلًا من ذلك إلى المصحة. ذهبت الدكتورة إلى مكتب الكلية في اليوم الثاني لتسجيل الطلاب للحصول على بعض أسماء طلاب السنة الأولى الحاصلين على منح دراسية.
وتصادف وجود روز في المكتب قبل وصول الدكتورة بفترة وجيزة لتسأل عن المكان الذي سيُعقَد فيه اجتماع طلاب المنح الدراسية؛ إذ كانت قد فقدت الإخطار الخاص بها. كان أمين صندوق الجامعة سيتحدث مع طلاب المنح الدراسية الجدد، مُطلِعًا إياهم على سبل جني المال والعيش بتكاليف زهيدة، وموضحًا لهم معايير الأداء العالية المتوقعة منهم لكي يستمر إمدادهم بالمال.
توصلت روز إلى رقم الغرفة، وصعدت السُّلم إلى الطابق الأول. اقتربت فتاة منها، وسألتها: «هل تبحثين عن الغرفة رقم ٣٠١٢ أنت أيضًا؟»
سارتا معًا، وأخبرت كلٌّ منهما الأخرى بتفاصيل منحتها الدراسية. لم يكن لدى روز مكان تقيم فيه بعد، وكانت تقيم في جمعية الشابات المسيحيات. لم تملك في الحقيقة ما يكفي من المال للعيش في ذلك المكان على الإطلاق. لقد حصلت على منحة دراسية لتغطية مصروفات الدراسة، وجائزة الريف لشراء الكتب، ومنحة مالية تبلغ ثلاثمائة دولار لتغطية مصروفات معيشتها؛ ولم تملك شيئًا عدا ذلك.
قالت الفتاة الأخرى: «سيتحتم عليك البحث عن وظيفة.» حصلت تلك الفتاة على منحة مالية أكبر لدراستها العلوم. «حيث يوجد المال، المال كله ينصب في العلوم.» هكذا قالت الفتاة بجدية، لكنها مع ذلك كانت تأمل في الحصول على وظيفة في الكافيتريا. كانت قد حصلت على غرفة في قبو أحد المنازل. أخذت روز تطرح عليها أسئلة من قبيل: «كم تدفعين في الغرفة؟ كم يتكلف طبق الطعام الساخن هنا؟» ورأسها غارق في الحسابات ويعتريها القلق.
كانت الفتاة تلف شعرها فوق رأسها، وترتدي بلوزة من قماش الكريب بهت لونها ولمعت بسبب الغسيل والكي. كان ثدياها كبيرين ومرتخيين. ارتدت على الأرجح صدرية وردية متسخة مثبتة من الجانبين، وكانت هناك رقعة حرشفية على إحدى وجنتيها.
قالت الفتاة: «لا بد أن هذا هو الاجتماع.»
كانت هناك نافذة صغيرة في الباب، تمكنتا من النظر عبرها لتشاهدا الطلاب الآخرين الحاصلين على المنح الدراسية الذين تجمَّعوا بالفعل وانتظروا الاجتماع. بدا لروز أنها رأت أربع أو خمس فتيات يشبهن تلك الفتاة الواقفة بجوارها في الرزانة وانحناء الظهر، وعددًا من الشباب ذوي مظهر صبياني وعيون لامعة وملامح توحي بالرضا عن النفس. بدا لها حينها أن القاعدة السائدة أن تبدو الفتيات الحاصلات على المنح الدراسية كما لو كنَّ في الأربعين من عمرهن والشباب في الثانية عشرة. من المستحيل، بالطبع، أن ينطبق ذلك على الجميع. ومن المستحيل أيضًا أن تتمكن روز بنظرة واحدة عبر الزجاج من ملاحظة آثار الإكزيما، وبقع الإبط، وقشرة الشعر، والرواسب المتعفنة على الأسنان، والغَمَص الجاف بأطراف العيون. فهذا ما تصورته فحسب. ومع ذلك، فلم تكن مخطئة في وجود شيء ما يغشاهم جميعًا؛ لقد غشيتهم بالفعل حالة رهيبة من التلهف والانقياد، وإلا فكيف يمكنهم تقديم كل هذه الإجابات الصحيحة والمُرضية؟ كيف يمكنهم تحقيق التميز لأنفسهم والوصول إلى هذا المكان؟ هذا ما فعلته روز أيضًا.
قالت للفتاة الأخرى: «سأذهب إلى دورة المياه.»
تصوَّرت روز نفسها وهي تعمل في الكافتيريا، وقد بدا جسدها الممتلئ بالفعل أكثر بدانة في الزي القطني الأخضر الموحَّد للكافتيريا، وقد تحوَّل وجهها للحمرة، وقسا شعرها نتيجة للحرارة. تخيلتْ تقديمها صحون اليخنة والدجاج المحمر لمن هم على درجة أقل من الذكاء ومستوى أعلى من الدخل، تصوَّرت نفسها محاصرة بطاولات تقديم الطعام، والزي الموحَّد، والعمل الشاق المحترم الذي لا يجب لأحد أن يخجل منه، ويظهر عليها الذكاء والفقر البادي للجميع. يمكن للشباب التأقلم مع ذلك … بالكاد. أما الفتيات، فهو وضع مهلك لهن. فقر الفتاة ليس بالأمر الجذاب، إلا إذا صاحبه جاذبية جنسية أو غباء. والذكاء ليس جذابًا أيضًا، إلا إذا ارتبط ببعض ملامح الأناقة والمنزلة الاجتماعية الرفيعة. هل كان ذلك صحيحًا؟ وهل كانت روز بالحماقة التي تجعلها تهتم بذلك؟ الإجابة في الحالتين هي «نعم».
عادت روز للطابق الأول حيث ازدحمت القاعات بالطلاب العاديين، الذين لم يحصلوا على منح دراسية ولم يكن من المنتظر منهم الحصول على الامتياز دومًا، والشعور بالامتنان والعيش بتكاليف زهيدة. تجولوا مرتبكين بمظهرهم البريء المثير للحسد حول موائد التسجيل، مرتدين ستراتهم البيضاء والأرجوانية الجديدة، وقبعات الطلاب المستجدين الأرجوانية. أخذوا يصيحون بعضهم لبعض بتذكيرات، ومعلومات ملتبسة، وإهانات حمقاء. سارت روز بينهم وبداخلها شعور مرير بتفوقها عليهم وقنوطها في الوقت نفسه. ظلت تنورة الطقم الأخضر الذي كانت ترتديه والمصنوع من المخمل المضلع تلتصق بساقيها أثناء سيرها. كانت خامة القماش خفيفة؛ ربما كان يجب عليها إنفاق مبلغ أكبر لشراء خامة أثقل. وفي تلك اللحظة، فكرت أيضًا في أن تفصيل السترة كان سيئًا بدوره، مع أنها بدت جيدة في المنزل. الطقم بأكمله صنعته خيَّاطة صديقة لفلو في هانراتي، وقد انصبَّ اهتمامها الأساسي في حياكته على ألا يُظهِر التصميم أي ملامح للجسد. طلبت منها روز تضييق التنورة، فقالت لها: «لا أظن أنك ترغبين في إظهار مؤخرتك، أليس كذلك؟» ولم تُرِد روز البوح بأنها لا تهتم.
من الأمور الأخرى التي قالتها لها الخياطة: «اعتقدتُ أنك بإنهاء المرحلة الثانوية ستحصلين على وظيفة وتساعدين فلو في نفقات المنزل.»
أوقفت إحدى السيدات روز أثناء سيرها في القاعة.
«ألست إحدى فتيات المنح الدراسية؟»
كانت سكرتيرة أمين عام الجامعة. ظنت روز أنها ستوبَّخ لعدم حضورها الاجتماع، وعزمت على القول بأنها شعرت ببعض التوعك. أعدَّت وجهها لتلك الكذبة، لكن السكرتيرة قالت لها: «تعالي معي الآن. ثمة شخص يرغب في لقائك.»
كانت الدكتورة هينشو تُحدِث جلبة محبوبة في المكتب. لقد أحبَّت الفتيات الفقيرات الألمعيات، لكنها كانت تفضلهن جميلات أيضًا.
قالت السكرتيرة لروز وهي تتقدمها في السير: «أظن أن ذلك قد يكون يوم حظك، إذا استطعت رسم تعبير أكثر لطفًا على وجهك.»
كرهت روز أن يطلب منها أحد ذلك، لكنها ابتسمت مطيعةً.
وفي غضون ساعة، نُقِلت إلى منزل الدكتورة هينشو، واستقرت فيه مع الحواجز الخشبية والمزهريات الصينية، وقيل لها إنها طالبة. •••
حصلت روز على وظيفة في مكتبة الكلية بدلًا من الكافيتريا؛ إذ كانت الدكتورة هينشو صديقة لرئيس أمناء المكتبة. عملت روز بعد ظهيرة أيام السبت في قسم تخزين الكتب حيث تعيد الكتب لأماكنها. وكانت المكتبة تكاد تكون خالية في ذلك التوقيت بفصل الخريف، بسبب مباريات كرة القدم. أطلَّت النوافذ الضيقة للمكتبة على الحرم الجامعي المليء بالأشجار، وملعب كرة القدم، والمدينة الممتلئة طرقاتها بأوراق الأشجار المتساقطة، وتهادت أصوات الأغاني والصيحات إلى المكتبة.
لم تكن مباني الكلية قديمة على الإطلاق، لكنها صُمِّمت لتبدو كذلك؛ فكانت مبنية من الحجارة. وكان لمبنى كلية الآداب برج. أما المكتبة، فكانت نوافذها بابية مصمَّمة ربما لتصويب الأسهم منها. أكثر ما أعجب روز في المكتبة هو المباني والكتب، والنشاط الذي شهدته عادةً، وهو ما تلاشى في ذلك الوقت من العام، وارتكز حول ملعب كرة القدم الذي صدرت عنه تلك الضوضاء التي بدت في نظرها غير لائقة ومشتتة للذهن. كانت الهتافات والأغاني بلهاء، إذا ركز المرء في كلماتها. لماذا شيدوا تلك المباني المهيبة إذا كانوا سيغنون مثل هذه الأغاني؟
كانت روز بالحكمة التي تمنعها من التعبير عن هذه الآراء، وإذا قال لها أي شخص: «كم هو كريه أن تضطري للعمل أيام السبت، وألا تستطيعي حضور المباريات»، كانت توافقه الرأي بشدة.
في إحدى المرات، أمسك رجل ما بساقها العارية بين الجورب والتنورة. حدث ذلك في قسم الزراعة بالجزء السفلي من منطقة أرفف تخزين الكتب بالمكتبة. لم يملك أحد تصريحًا لدخول هذا المكان سوى أعضاء هيئة التدريس، وطلاب الدراسات العليا، والموظفين، لكن قد يستطيع أحدهم الدخول من نافذة الطابق الأرضي، إذا كان نحيلًا. كانت قد رأت رجلًا انحنى وهو يتفحص الكتب في رفٍّ أدنى بعيدًا عن مكانها بعض الشيء، وعندما مدت يدها لدفع أحد الكتب إلى مكانه، مر ذلك الرجل خلفها، وانحنى ليمسك بساقها، كل ذلك في حركة مباغتة سريعة وخفيفة، ثم اختفى. ظلت تشعر لفترة وجيزة بالمكان الذي غرس فيه أصابعه. لم تبدُ لها لمسة جنسية، وإنما كانت أشبه بالمزحة، لكنها مزحة غير ودودة على الإطلاق. سمعته روز وهو يركض هاربًا، أو شعرت به؛ فقد اهتزت الأرفف المعدنية، ثم توقفت عن الاهتزاز. لم يعد له أي صوت يدل عليه، فسارت باحثةً عنه بين أرفف التخزين وأركان القراءة. لكن ماذا إذا رأته، أو تعثرت به في أحد الأركان؟ ما الذي كانت تنوي فعله؟ لم تعرف. لقد شعرت فحسب بضرورة البحث عنه، كما لو كانت في لعبة صبيانية مثيرة. نظرت لربلة ساقها القوية المتوردة. ما أثار دهشتها هو ظهور شخص من حيث لا تعلم يرغب في معاقبتها وإصابتها على هذا النحو.
وُجد عادةً عدد قليل من طلاب الدراسات العليا في أركان القراءة، حتى بعد ظهيرة أيام السبت، لكن نادرًا ما وُجد فيها أساتذة في ذلك الوقت. بحثت روز في كل ركن، فوجدته فارغًا حتى وصلت إلى أحد الأشخاص في أحد أركان القراءة، أطلَّت برأسها بحرية، إذ لم تتوقع وجود أي شخص في ذلك الوقت، لكنها اعتذرت بعد ذلك عن هذا التصرف.
كان هناك شاب يحمل كتابًا على حجره، وحوله الكتب مترامية على الأرض، والأوراق تحيط به من كل جانب. سألته روز إن كان قد رأى أي شخص يركض بجواره، فأجابها بالنفي.
روت له ما حدث، لكن السبب لم يكن شعورها بالخوف أو الاشمئزاز، مثلما اعتقد هو بعد ذلك، وإنما رجع ذلك إلى ضرورة إخبارها شخصًا ما بما حدث؛ فقد كان موقفًا غريبًا. لم تكن متأهبة على الإطلاق لرد فعل ذلك الشاب؛ إذ تحول وجهه وعنقه للون الأحمر ليتداخل مع وحمة على جانب وجنته بالكامل. كان نحيلًا وأشقر. نهض عن كرسيه دون أن ينتبه للكتاب الموجود على حجره أو الأوراق المتناثرة أمامه، فسقط الكتاب بقوة على الأرض، واندفعت حزمة ضخمة من الأوراق عبر المكتب لتحرك زجاجة الحبر.
قال لها: «يا له من تصرف وضيع!»
فنبَّهته: «أمسِكْ زجاجة الحبر!» فمال ليلتقط الزجاجة، لكنها سقطت منه على الأرض. لحسن الحظ، كان الغطاء فوقها، ولم تنكسر.
«هل ألحق بكِ أي أذى؟»
«كلا، لم يفعل في الواقع.»
«تعالي معي إلى الأعلى. سوف نبلغ عما حدث.»
«لا، لا داعي.»
«لا يمكن أن يفلت بفعلته. يجب ألا يُسمَح بذلك.»
فقالت روز بارتياح: «ليس هناك من يمكننا إبلاغه بما حدث؛ فأمين المكتبة ينصرف في ظهيرة أيام السبت.»
فرد عليها بصوت عالٍ ومنفعل: «هذا فعل مثير للاشمئزاز.» ندمت روز في تلك اللحظات على إخبارها له بما حدث، وقالت له إنها مضطرة للعودة إلى العمل.
«هل أنتِ بخير؟»
«نعم.»
«سأكون هنا. فلتنادي عليَّ فقط إذا عاد.»
كان ذلك الشاب هو باتريك. لو أن روز كانت تحاول إيقاعه في غرامها، فما كانت لتختار وسيلة أفضل من تلك. كان يؤمن بالعديد من مفاهيم الشهامة، رغم أنه كان يتظاهر بسخريته منها من خلال نطق بعض الكلمات أو العبارات بنبرة تعجب، مثل: «الجنس اللطيف» أو «آنسة في ورطة». وبذهاب روز إليه في ركن القراءة بهذه القصة، جعلت من نفسها «آنسة في ورطة». ما كانت سخريته لتخدع أحدًا؛ فكان من الجلي أنه يتمنى العيش في عالم الفرسان والسيدات رفيعات الشأن، ونوبات الغضب، والإخلاص.
ظلت تراه في المكتبة كل سبت، والتقت به في كثير من الأحيان أثناء سيرها بأرجاء الحرم الجامعي أو في الكافتيريا. كان يلقي عليها التحية بكياسة واهتمام، متسائلًا عن حالها على نحو يشير إلى احتمال تعرضها لاعتداء آخر أو احتمال كونها لا تزال في مرحلة التعافي من الاعتداء الأول. وكان وجهه يتحول للحمرة الشديدة عند رؤيته لها، الأمر الذي ظنت روز أنه بسبب شعوره بالإحراج عند تذكره ما روته له، لكنها اكتشفت فيما بعد أن السبب وراء ذلك هو أنه كان مغرمًا بها.
توصل باتريك إلى اسمها ومكان إقامتها. اتصل بها هاتفيًّا في منزل الدكتورة هينشو، وطلب اصطحابها إلى السينما. في البداية، عندما قال لها عبر الهاتف: «أنا باتريك بلاتشفورد» لم تستطع تذكره، لكنها سرعان ما تعرَّفت على الصوت العالي المحزون والمرتعد. وافقت روز على طلبه، وكان من بين أسباب موافقتها ما قالته الدكتورة هينشو دومًا عن سعادتها لعدم إهدار روز وقتها في التسكع مع الشباب.
بعد أن بدأت روز في الخروج مع باتريك، سألته: «ألن يكون من المضحك إذا كنت أنت من أمسكت بساقي في المكتبة ذلك اليوم؟»
لكن باتريك لم يرَ ذلك مضحكًا، وأفزعه تفكيرها على هذا النحو.
قالت له إنها لا تقصد سوى المزاح، وإن ما عنته هو أن هذا الافتراض كان سيُحدِث تغييرًا هائلًا في القصة، كإحدى قصص سومرست موم أو أحد أفلام هيتشكوك. كانا قد شاهدا لتوهما فيلمًا له.
«أتعلم، لو كان هيتشكوك قد صنع فيلمًا عن موقف مشابه لذلك، لكنتَ لعبت أنت دور الرجل المتوحش النهم الذي أمسك بساقي، ويكون ذلك جانبًا من شخصيتك، والجانب الآخر هو الطالب الخجول.»
لم يعجبه ذلك أيضًا.
وسألها: «هل هذه صورتي في نظرك … طالب خجول؟» بدا لها أنه خفض صوته، واصطنع بعض نبرات الشكوى، ومال بذقنه إلى الداخل، كما لو كان يمزح. لكنه قلما مزح معها؛ فهو يرى أن المزاح ليس لائقًا عندما يكون المرء مغرمًا.
«لم أقل إنك طالب خجول أو ممسك للسيقان. إنها مجرد فكرة طرأت علي.»
فرد عليها بعد برهة قائلًا: «أظنني أفتقر في نظرك لملامح الرجولة.»
صُعِقت روز بهذه المجاهرة، وشعرت بالغضب. إنه يغامر؛ ألم يمر بأي موقف من قبل يعلِّمه عدم خوض مثل هذه المغامرات؟ لعله لم تبدُ عليه الرجولة بالفعل. علم باتريك أنها ستقول له شيئًا يطمئنه، لكنها لم ترغب في ذلك، وإنما رغبت في أن تقول له بتعقل: «حسنًا، أنت محق في ذلك.»
لكن ذلك سيكون منافيًا للحقيقة؛ فقد بدا ذكوريًّا في نظرها. والسبب هو خوضه مثل هذه المغامرات، والرجال وحدهم هم من يتسمون بهذا القدر من التسرع وكثرة المطالب.
قالت له في موقف آخر: «لقد أتينا من عالمين مختلفين؛ فأهلي فقراء، والمكان الذي يعيشون فيه مقلب نفايات في نظرك.» شعرت بقولها ذلك أنها إحدى شخصيات المسرحيات الدرامية.
بهذا الحديث، صارت روز هي المخادعة؛ إذ تتظاهر بذلك لترمي بنفسها تحت رحمته، لأنها بالطبع لم تتوقع منه التخلي عنها وعن طلب زواجها عندما علم بفقر أهلها وأنهم يعيشون في مقلب نفايات.
فكان رد باتريك عليها: «لكنني سعيد بفقرك. أنتِ جميلة حقًّا … جميلة كالفتاة المتسولة.»
«من؟»
«لوحة الملك كوفيتوا والفتاة المتسولة، ألا تعرفينها؟»
اعتاد باتريك اتباع حيلة، أو بالأحرى أسلوب — ليست حيلة، فباتريك لا علم له بالحيل — للتعبير عن التفاجؤ: ذلك التفاجؤ المشحون بالازدراء عندما يجهل الناس شيئًا يعلمه، وازدراء وتفاجؤ مماثلين عندما يحاولون معرفة شيء يجهله. فكانت كلٌّ من غطرسته وتواضعه مبالغًا فيهما على نحو غريب. أما الغطرسة، فتوصلت روز بمرور الوقت إلى أن سببها هو ثراء باتريك، مع أنه لم يتفاخر أبدًا بهذا الأمر في حد ذاته. وعندما التقت بأختيه، اكتشفت أنهما يتسمان بنفس السمات؛ إذ تحتقران أي شخص ليست لديه معلومات عن الخيل أو الإبحار، كما كان لهما نفس الشعور المزدري حيال أي شخص تنصبُّ معرفته في الموسيقى أو السياسة. فما كان يبرع فيه باتريك وأختاه عند وجودهم معًا هو إظهار الاحتقار والازدراء للآخرين. لكن أليس بيلي بوب بهذا القدر من السوء أيضًا عندما يتعلق الأمر بالغطرسة؟ أليست فلو كذلك؟ ربما. لكن ثمة فارقًا، وهو أن بيلي بوب وفلو لم يتمتعا بالحماية؛ فهناك أشياء تثير استفزازهم مثل المهاجر البلجيكي الفذ ومتحدثي الفرنسية في الراديو، والتغيرات المختلفة. أما باتريك وأختاه، فقد كانوا يتصرفون كما لو أنه من المستحيل استفزازهم بأي شيء. أصواتهم عند شجارهم على المائدة كانت طفولية على نحو مدهش؛ وطلباتهم للطعام الذي يحبونه، وحدة طباعهم عند رؤيتهم أي شيء على المائدة لا يحبونه، كلها سلوكيات أشبه بسلوكيات الأطفال. لم يضطر أيٌّ منهم أبدًا للخضوع لأي شخص، أو التجمل أمام الآخرين، أو انتظار أي استحسان من العالم، ولن يضطروا لذلك أبدًا أيضًا، وذلك لأنهم أثرياء.
لم تكن لدى روز أية فكرة في البداية عن مدى ثراء باتريك. لم يصدق أحد جهلها بذلك؛ فظن الجميع أنها ذكية وأجرت الحسابات عند الارتباط به، لكنها كانت أبعد ما يكون عن هذا النوع من الذكاء، لذلك لم تهتم في الواقع بظنون الآخرين فيها. واكتشفت فيما بعد أن الفتيات الأخريات كن يحاولن الوصول إليه، لكنهن لم يتمكَّن من ذلك مثلها. والفتيات الأكبر منها سنًّا العضوات في نادي الفتيات بالجامعة، اللاتي لم يلاحظنها من قبل قط، بدأن في النظر إليها بنوع من الحيرة والاحترام. حتى الدكتورة هينشو عندما رأت أن الأمور أكثر جدية مما اعتقدت، وجلست مع روز لتتحدث معها في هذا الشأن، افترضت أنها تضع أموال باتريك نصب عينيها.
فقالت لها بنبرة ساخرة وجادة في الوقت نفسه: «إنَّ لفت انتباه وريث إمبراطورية تجارية ليس بالأمر الهين. إنني لا أكره الثروة، بل إنني أتمنى أحيانًا لو امتلكت بعضًا منها.» (هل افترضت حقًّا أنها لا تملك ثروة؟) واستطردت قائلةً: «إنني موقنة بأنكِ ستحسنين استخدامها، لكن ماذا عن طموحاتك يا روز؟ ماذا عن دراساتك وشهادتك؟ هل ستنسين كل ذلك بهذه السرعة؟»
كانت هناك بعض المبالغة في تعبير «إمبراطورية تجارية» الذي استخدمته الدكتورة. امتلكت عائلة باتريك سلسلة من المتاجر الكبيرة في كولومبيا البريطانية، وكل ما قاله باتريك لروز هو أن والده يمتلك بعض المتاجر. وعندما قالت له إنهما ينتميان لعالمين مختلفين، كانت تظن أنه يعيش على الأرجح في منزل كبير مثل منازل الحي الذي تعيش فيه الدكتورة هينشو، وكانت تفكر أيضًا في أكثر التجار ثراءً في هانراتي، ولم تدرك مدى الانقلاب الذي حققته، لأن الانقلاب في نظرها كان أن يقع ابن الجزار أو ابن الصائغ في حبها؛ وكان الناس سيقولون إنها قد حققت نجاحًا إن حدث ذلك.
اطلعت روز على اللوحة بعد أن بحثت عنها في أحد كتب الفن في المكتبة، ودققت النظر في الفتاة المتسولة الوديعة والمثيرة بقدميها البيضاوين الخجولتين، واستسلامها الخنوع وامتنانها. أهكذا رأى باتريك روز؟ أهذا ما يمكن أن تكون عليه؟ سوف تحتاج إلى ذلك الملك بحدته وبشرته الداكنة وما اتسم به من براعة وهمجية، بالرغم من المشاعر الطاغية التي وقع أسيرًا لها. سيمكنه أن يشكِّلها كما يشاء في ظل ما يتمتع به من رغبة عارمة. ولن يكون هناك أي اعتذار معه، أو أي إحجام، أو تشكك مثل ذلك الذي يظهر في جميع التعاملات مع باتريك.
لم تستطع روز خذلان باتريك، لم تستطع فعل ذلك، ليس بسبب مقدار ما يملك من المال، وإنما بسبب مقدار ما يقدِّمه لها من حب لا يمكنها تجاهله. لقد شعرت بالأسف حياله وبضرورة مساعدته في التغلب على ذلك. كان الأمر أشبه بتقدمه نحوها وسط جمع من الناس، حاملًا شيئًا ضخمًا وبسيطًا ومبهرًا — ربما بيضة ضخمة مصنوعة من الفضة الخالصة؛ شيء هائل في وزنه ومشكوك في استخدامه — ويعطيه لها، أو بالأحرى يدفعه نحوها متوسلًا إياها رفع بعض الحمل عنه. وإذا ردَّته إليه، فكيف سيتحمله؟ لكن هذا التفسير أغفل شيئًا ما؛ وهو ما كانت روز تشتهيه، والذي لا يتمثل في الثروة، وإنما الحب إلى درجة العبادة. كان لزامًا أن يبهرها ما قدَّمه لها باتريك من ضخامةِ ووزنِ وبريقِ ما أسماه حبًّا (ولم تشكك هي في ذلك)، مع أنها لم تلتمسه أبدًا. ورأت روز أنها من الصعب أن تحصل على هذا العرض مجددًا. باتريك نفسه، بالرغم من حبه الشديد لها، كان يقر إقرارًا غير مباشر بحظها الحسن في هذه العلاقة.
اعتقدت روز دومًا في حدوث ذلك؛ أي في أن تنال إعجاب شخص ما ويقع في غرامها ويعييه هواها، لكنها في الوقت نفسه، اعتقدت أنه ما من أحد سيفعل ذلك، أو يرغب فيها على الإطلاق، وهذا ما بدا لها بالفعل حتى ذلك الحين. إن ما يجعل المرء مرغوبًا فيه ليس ما يفعله، وإنما ما يملكه، وكيف يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كان يملك هذا الشيء أم لا؟ كانت روز تنظر لنفسها في المرآة، وتفكر: «زوجة … حبيبة»؛ تلك الكلمات الرقيقة الجميلة، كيف يمكن أن تنطبق عليها؟ لقد كانت معجزة؛ أو بالأحرى خطأ. كان ذلك ما حلمت به، وليس ما رغبت فيه.
أعياها الإرهاق والضيق والأرق. حاولت التفكير بإعجاب في باتريك. لقد كان وجهه النحيل ذو البشرة الناعمة الشقراء وسيمًا للغاية. لا بد أنه كان يتمتع بقدر من المعرفة أيضًا؛ فقد كان يصحح الأبحاث، ويشرف على الاختبارات، وينهي رسالته. فاحت منه أيضًا رائحة تبغ غليون وصوف خشن أحبَّتها روز. كان يبلغ من العمر أربعة وعشرين عامًا. ما من فتاة أخرى تعرفها روز كان لديها صديق في هذا العمر.
وبعد هذه الأفكار، كانت تتذكره فجأة دون أي إنذار مسبق وهو يقول: «أعتقد أنني أفتقر في نظرك إلى ملامح الرجولة»، أو «هل تحبينني؟ هل تحبينني حقًّا؟» وهو ينظر إليها نظرة تدل على الخوف والتهديد. وعندما كانت تخبره أنها تحبه، كان يقول لها كم هو محظوظ، بل كم هما محظوظان! ويذكر أصدقاءه وفتياتهم، مقارنًا علاقات الحب بينهم مع توضيح أن العلاقة بينه هو وروز أفضل من هذه العلاقات. تسبَّب ذلك في ارتعاد روز من الغضب والتعاسة؛ لقد شعرت بالاشمئزاز من نفسها بقدر ما شعرت به منه، وشعرت بالاشمئزاز أيضًا من صورتهما معًا في تلك اللحظة، وهما يسيران عبر أحد متنزهات وسط المدينة المليئة بالثلج، ويدها موضوعة في يده … أو بالأحرى في جيبه. كانت هناك أفكار غاضبة وقاسية تصرخ بداخلها. وجب عليها فعل شيء ما، لئلا تخرج تلك الأفكار وتبدو عليها، فبدأت في مداعبته وتشويقه.
أمام الباب الخلفي لمنزل الدكتورة هينشو، قبَّلته، وحاولت إجباره على فتح فمه، وفعلت أشياء شائنة معه. شعرت عند تقبيله لها بنعومة شفتيه وخجل لسانه. تداعى بجسده عليها بدلًا من أن يمسك بها. لم تشعر بأية قوة فيه.
«كم أنتِ جميلة، وبشرتك جميلة، وحاجباك رائعان! أنت رقيقة جدًّا!»
سعدت روز بسماع هذه الكلمات، كانت أي فتاة ستسعد بذلك، لكن ردَّها جاء تحذيريًّا بأن قالت له: «لست رقيقة حقًّا كما تظن، فأنا ضخمة.»
«أنتِ لا تعلمين مدى حبي لك. ثمة كتاب عنوانه «الإلهة البيضاء»، كلما نظرت إلى عنوانه، تذكرتكِ.»
فابتعدت عنه، ثم انحنت وأمسكت بحفنة من الثلج المنجرف بجوار درجات السلم، ورمت بها على رأسه.
«إلهي الأبيض!»
فهز رأسه لإنزال الثلج، واغترفت هي المزيد منه ورمته عليه. لكنه لم يضحك، وإنما أدهشه التصرف وأزعجه. مسحت بعد ذلك الثلج من على حاجبيه ولعقته من على أذنيه. كانت تضحك رغم شعورها باليأس، وليس المرح. لم تعرف ما دفعها إلى فعل ذلك.
همس باتريك قائلًا لها: «الدكتورة هينشو!» كان من الممكن لصوته الشاعري الحنون الذي استخدمه للتحدث عنها بعاطفة جياشة أن يختفي تمامًا، ويتحول إلى احتجاج وحنق، دون أي درجات متوسطة بين الصوتين.
«سوف تسمعكِ الدكتورة هينشو!»
فقالت له روز على نحو حالم: «تقول الدكتورة هينشو إنك شاب جدير بالاحترام؛ أظن أنها مغرمة بك.» صدقت روز في ذلك؛ فقد كان ذلك هو ما قالته الدكتورة هينشو بالفعل عن باتريك. ولم تخطئ الدكتورة بدورها في هذا الوصف. لم يتحمل باتريك الأسلوب الذي تحدثت به روز. نفخت الثلج في شعره، وقالت له: «لِمَ لا تدخل وتفض بكارتها؟ أنا موقنة أنها لا تزال عذراء. هذه نافذتها. لم لا تذهب؟» فركت شعره، ثم أدخلت يدها في معطفه، وفركت مقدمة بنطاله، وقالت بحماس المنتصر: «أنت قوي! يا إلهي، باتريك! لديك الكثير لتقدمه للدكتورة هينشو!» لم يسبق لها قول شيء كهذا أبدًا، ولم تقترب من هذا النوع من السلوك قط من قبل.
قال باتريك لها منزعجًا: «اصمتي!» لكنها لم تستطع السكوت، ورفعت رأسها، وهمست بصوت عالٍ متظاهرةً بالنداء في اتجاه نافذة علوية بالمنزل: «يا دكتورة هينشو! تعالي وانظري ما يخبئه باتريك لكِ!» ومدت يدها متحرشة إلى سحَّاب بنطاله.
وجب على باتريك مصارعتها لإيقافها وإسكاتها. وضع يده على فمها، ودفعها بيده الأخرى بعيدًا عن سحَّاب بنطاله، فارتطمت أكمام معطفه الفضفاضة الضخمة بها كأجنحة مرفرفة. وما إن بدأ في مصارعتها حتى شعرت بالارتياح؛ فهذا ما أرادته منه، أن يصدر عنه أي فعل. لكن وجب عليها الاستمرار في مقاومته إلى أن أثبت أنه أقوى منها بالفعل. كانت تخشى من ألا يتمكن من ذلك.
لكنه تمكن، وأجبرها على الجثوم على ركبتيها أمامه ووجهها في الثلج. جذب ذراعيها للخلف وفرك وجهها في الثلج، ثم تركها، وكاد يفسد ما فعله.
«هل أنتِ بخير؟ أنا آسف، روز؟»
فوقفت مترنحةً، ودفعت بوجهها المغطى بالثلج في وجهه، فتراجع للخلف.
«قبِّلني! قبِّل الثلج! أنا أحبك!»
فسألها بتأثر: «أحقًّا تفعلين؟» وأزاح الثلج عن جانب فمها، وقبَّلها. سألها باندهاش مفهوم: «هل تحبينني فعلًا؟»
في تلك اللحظة، انعكس ضوء عليهما وعلى الثلج الذي وطأته أقدامهما، وسمعا صوت الدكتورة هينشو ينادي من فوقهما.
«روز! روز!»
نادت عليها بصوت صبور ومشجِّع كما لو كانت روز قد ضلت طريقها وسط ضباب قريب من المنزل وبحاجة لمن يرشدها إلى العودة. •••
سألتها الدكتورة هينشو: «هل تحبينه يا روز؟ لا، فكري. هل تحبينه؟» كان صوتها مليئًا بالشك والجدية. أخذت روز نفسًا عميقًا وأجابت كما لو كانت روحها مليئة بمشاعر مطمئنة: «نعم، أحبُّه.»
«حسنًا، إذن.»
استيقظت روز في منتصف الليل، وتناولت بعض الشوكولاتة. اشتهت روز الحلوى، وكانت تفكر عادةً أثناء أي حصة دراسية أو فيلم سينمائي في كعك الشوكولاتة، أو البراوني أو أي نوع من أنواع الكعك التي كانت الدكتورة هينشو تجلبها من المخبز الأوروبي، والتي كانت ممتلئة بقطرات الشوكولاتة المرة الغنية التي تنسكب منها على الطبق. وكلما حاولت التفكير في علاقتها بباتريك، أو عزمت على اتخاذ قرار بشأن ما كانت تشعر به في الحقيقة، تدخَّل هذا الاشتهاء للحلوى في أفكارها.
بدأ وزنها يزيد، وظهرت بعض البثور بين حاجبيها.
كانت غرفة نومها باردة؛ إذ كانت فوق الجراج وبها نوافذ من ثلاث جهات. فيما عدا ذلك، كانت غرفة لطيفة، وكانت هناك بعض الصور المعلقة في أُطر أعلى السرير لسماوات وأطلال إغريقية التقطتها الدكتورة هينشو بنفسها أثناء رحلتها إلى بلدان البحر الأبيض المتوسط.
كانت تكتب آنذاك مقالًا عن مسرحيات ييتس، وكان من بين شخصيات إحدى هذه المسرحيات عروس شابة اختطفتها الجنيات بعيدًا مخلِّصةً إياها من زيجة يحكمها العقل لم تتحملها تلك الفتاة.
قرأت روز: «فتلهربي أيتها الطفلة البشرية …» وعيناها مملوءتان بالدموع ابتئاسًا على حالها، كما لو كانت هي تلك الفتاة البتول الخجولة الرقيقة الهاربة من الفلاحين مشوشي الفكر الذين حاصروها. لكن على أرض الواقع، كانت روز هي الفلاحة التي تصدم باتريك ذا المبادئ السامية، لكنه لم يحاول الهرب منها.
التقطت إحدى هذه الصور وشوهت ورق الحائط بكتابة مطلع قصيدة طرأت على ذهنها أثناء تناولها الشوكولاتة في السرير، ورياح متنزه جيبونز ترتطم بحوائط الجراج:
أهوج أحمله في رحمي طفل أبوه مجنون …
ولم تُضِف أية كلمة لذلك قط، وتساءلت أحيانًا عما إذا كانت تقصد «أحمق»، بدلًا من «أهوج»، لكنها لم تحاول مسح هذه الكلمة أيضًا قط. •••
عاش باتريك في إحدى الشقق مع طالبَيْن آخرين من طلاب الدراسات العليا. عاش حياة بسيطة، لم يمتلك سيارة أو ينتمي إلى أيٍّ من نوادي الأخوية. واتسمت ملابسه ببعض ملامح ملابس الأكاديميين العادية الرثة. وكان أصدقاؤه من أبناء المعلمين ورجال الدين. وقال لروز ذات مرة إن والده كاد يتبرأ منه لاختياره طريق العلم، وإنه لن يدخل عالم التجارة أبدًا.
عادا معًا ذات مرة إلى تلك الشقة في فترة ما بعد الظهيرة لعلمهما بعدم وجود الطالبَيْن الآخرين فيها. كانت الشقة باردة. خلعا ملابسهما سريعًا، ودخلا في سرير باتريك. تعلَّق أحدهما بالآخر، وهما يرتعشان ويقهقهان. كانت روز هي من تقهقه؛ فقد شعرت بضرورة أن تكون مرحة دائمًا. أفزعتها احتمالية عدم تمكنهما من المضاجعة، ومن تعرضهما لمهانة كبيرة، واتضاح مرير لصور الخداع والغش، لكنها في الواقع هي من اتسمت بهذا الخداع والغش. لم يكن باتريك محتالًا أبدًا. تمكن من مضاجعتها بالرغم من كم الإحراج الهائل والاعتذارات، ومرَّ بمراحل اندهش لها من اللهاث والتخبط إلى شعور بالارتياح والسكينة. أما روز، فلم تساعده؛ فبدلًا من أن تبدي استسلامًا صادقًا، أخذت تتحرك كثيرًا متظاهرةً برغبة زائفة وعاطفة ملتهبة مزيفة. وقد سعدت بإتمام الأمر؛ ما كان عليها أن تزيف ذلك. لقد فعلا ما فعله الآخرون، أو بالأحرى ما فعله المحبُّون. فكَّرت في الاحتفال بالحدث، وما خطر على ذهنها هو تناول شيء لذيذ، ربما آيس كريم بالفواكه والمكسرات في بوومرز، أو فطيرة تفاح بصوص القرفة الساخن. لم تكن متأهبة على الإطلاق لما كان يفكر فيه باتريك، وهو البقاء في مكانهما والمحاولة مرة أخرى.
وفي المرة الخامسة أو السادسة لالتقائهما، انطفأ حماسها ورغبتها تمامًا.
سألها باتريك: «ما الخطب؟»
فأجابته: «لا شيء!» ثم عادت لانتباهها وتوهجها مجددًا، لكنها ظلت تنسى ما كان يحدث بينهما، وتدخلت تطورات جديدة في تفكيرها، واضطرت في النهاية للاستسلام لذلك الصراع بداخلها، متجاهلة باتريك إلى حد ما. وعندما تمكنت من التركيز معه ثانية، غمرته بمشاعر الامتنان. لقد كانت ممتنة الآن فعلًا، ورغبت في أن يسامحها — بالرغم من عدم قدرتها على النطق بذلك — على امتنانها غير الصادق، وعلى سلوكها المتسلط، وشكوكها.
ما الذي يدفعها لهذا القدر من التشكك؟ أخذت تفكر في هذا السؤال بينما كانت مستلقية في السرير، بينما ذهب باتريك لإعداد بعض القهوة الفورية. أليس من الممكن أن تتفق مشاعرها مع ما تتظاهر به؟ إذا كانت هذه المفاجأة الجنسية ممكنة، أليس من الممكن أن يكون أي شيء آخر ممكنًا أيضًا؟ لم يساعدها باتريك كثيرًا؛ فأخلاقه الرفيعة وتحقيره من قدر نفسه، بالإضافة إلى توبيخه لها، كلها أمور كانت تثبط من عزيمتها. لكن أليس العيب الحقيقي فيها هي؟ ألم تفكر في أن أي شخص سيقع في حبها لا بد أن يكون معيبًا على نحو ميئوس منه، وأن يتضح لها في النهاية أنه أحمق؟ الأمر الذي دفعها لملاحظة أي شيء أحمق يتعلق بباتريك، بالرغم من ظنها أنها تبحث عن الجوانب المبهرة التي يبرع فيها. في تلك اللحظة، وهي مستلقية في غرفته وعلى سريره وبين كتبه وملابسه وفرشاة أحذيته وآلته الكاتبة، وصور الرسوم المتحركة المثبتة حولها — جلست في السرير لتنظر إليها، وقد كانت صورًا لطيفة للغاية. لا بد أنه كان يسمح ببعض المرح عندما لا تكون هي موجودة في المكان — رأته شخصًا جديرًا بالحب، وذكيًّا، بل وظريفًا أيضًا. ليس بطلًا، وليس أحمق في الوقت نفسه. ربما يمكنهما أن يكونا شخصين عاديين. تمنَّت فقط ألا يبدأ في شكرها وتحسسها والتغزل فيها عند عودته إلى الغرفة. لم تحب ذلك التغزل في الواقع، فقد كانت تحب فكرة التغزل فقط. على الجانب الآخر، لم تكن تحبه أيضًا أن ينتقدها ويصحح أخطاءها. ثمة أمور كثيرة عزم على تغييرها فيها.
لقد أحبها باتريك، لكن ما الذي أحبَّه فيها؟ ليس لكنتها التي كان يحاول جاهدًا تغييرها، مع أنها كانت تثور عليه وتتصرف على نحو غير عقلاني في كثير من الأحيان، موضحةً أنها تتحدث مثل الجميع، وليس في حديثها أية لكنة ريفية، بالرغم من كل الأدلة التي تثبت عكس ذلك. لم تكن جرأتها الجنسية المتوترة كذلك بالشيء الذي أحبه باتريك (فقد ارتاح لتأكده من عذريتها مثلما ارتاحت هي بتأكده من كفاءته في هذا الشأن). كان باستطاعتها إجفاله بكلمة بذيئة، أو لكنة متشدقة. كانت لا تكفُّ عن الحركة والتحدث، مدمرةً صورتها في نظره، لكنه مع ذلك نظر إلى ما بداخلها، متجاوزًا كل عناصر الإلهاء التي كانت تصنعها حول نفسها، وأحب الصورة المطيعة بعض الشيء فيها، والتي لم تكن هي نفسها تراها. عقد باتريك آمالًا كبيرة على روز؛ فلكنتها يمكن القضاء عليها، وأصدقاؤها يمكن الانتقاص من شأنهم والتخلص منهم، ووقاحتها يمكن إثناؤها عنها.
ماذا عن باقي خصالها؟ النشاط، والكسل، والغرور، والسخط، والطموح؟ لقد أخفتها كلها. لم يكن لدى باتريك أية فكرة عنها. وبالرغم من كل الشكوك التي انتابتها حياله، لم ترغب قط في جعله يكف عن حبه لها.
ذهبا معًا في رحلتين.
كانت الرحلة الأولى إلى كولومبيا البريطانية، واستقلا فيها القطار أثناء عطلة عيد الفصح. أرسل والدا باتريك المال له لشراء تذكرته، ودفع هو تذكرة روز مستهلكًا كل ما لديه من مال في البنك ومقترضًا من أحد زميليه في السكن. وطلب منها ألا تخبر والديه بأنها لم تدفع ثمن تذكرتها، ورأت في ذلك أنه يطلب منها إخفاء فقرها عن والديه. لم يكن باتريك يعلم أي شيء عن ملابس السيدات، وإلا ما كان ليعتقد أن إخفاء فقر روز أمر ممكن، لكنها فعلت كل ما باستطاعتها في هذا الشأن؛ فاقترضت من الدكتورة هينشو معطف المطر الخاص بها والمناسب للطقس الساحلي. كان طويلًا بعض الشيء، لكنه فيما عدا ذلك كان ملائمًا لها بسبب ذوق الدكتورة هينشو الشبابي الأنيق. باعت، أيضًا، المزيد من الدم لتشتري كنزة صوفية ناعمة الوبر بلون الخوخ، كانت غير مهندمة على الإطلاق، وبدت فيها كفتاة ريفية تحاول التأنق. اعتادت روز إدراك هذه الأمور بعد شرائها للملابس، وليس قبله.
عاش والدا باتريك في جزيرة فانكوفر القريبة من سيدني. نحو نصف فدان من المرج الأخضر المُشَذَّب — أخضر في منتصف الشتاء؛ بدا منتصف مارس لروز كمنتصف الشتاء — منحدر نحو حائط صخري وشاطئ ضيق كثير الحصى وماء مالح. كان المنزل نصفه من الحجارة، والنصف الآخر من الجص والخشب. بُني المنزل على الطراز التيودوري، إلى جانب طرز أخرى. كانت جميع نوافذ الغرف كغرفة المعيشة، وغرفة الطعام، والمُختلى، مطلة على البحر. ونظرًا للرياح العاتية التي كانت تهبُّ على الشاطئ أحيانًا، كانت هذه النوافذ مصنوعة من ألواح الزجاج السميك — هذا ما افترضته روز — مثل نوافذ معرض السيارات في هانراتي. وحائط غرفة الطعام المواجه للبحر كان مصنوعًا كله من النوافذ المعقوفة للخارج ببروز بسيط، ما يجعلك تشعر عند الإطلال منها على الخارج بأنك تنظر عبر قعر زجاجة. كان البوفيه أيضًا معقوفًا للخارج ومطليًّا بطلاء لامع، وبدا ضخمًا كالقارب. كانت الضخامة — ولا سيما السُّمك — ملحوظة في كل مكان. المناشف والسجاجيد ومقابض السكاكين والشوك، كلها كانت سميكة. خيَّم، كذلك، صمت مطبق على المكان الذي زخر بقدر هائل من الترف وعدم الارتياح. بعد يوم أو نحو ذلك من وجود روز هناك، أصابها إحباط شديد جعلها تشعر بالوهن في معصميها وكاحليها، فوجدت مشقة في الإمساك بالسكين والشوكة؛ كما صعب عليها للغاية تقطيع اللحم البقري المشوي متقن الصنع ومضغه؛ وشعرت بانقطاع أنفاسها عند تسلقها السلالم. لم تعرف من قبل قط كيف يمكن لبعض الأماكن أن تتسبب في اختناق المرء لدرجة يشعر معها بأنه سيفقد حياته. لم تعرف ذلك بالرغم من كثرة الأماكن السيئة التي دخلتها من قبل.
في صبيحة أول يوم لها في المنزل، اصطحبتها والدة باتريك للتمشية في الأرض المحيطة بالمنزل، وأشارت أثناء ذلك إلى دفيئة النباتات الزجاجية، والكوخ الذي عاش فيه «الزوجان». كان كوخًا ساحرًا تتدلى من فوقه أشجار اللبلاب ويحتوي على نوافذ بمصراعين. كان أكبر من منزل الدكتورة هينشو. وكان «الزوجان» — وهما الخادمان — أكثر رقة في حديثهما، وأكثر تعقلًا واحترامًا من أي شخص يمكن أن تتذكره روز في هانراتي، وبالطبع أرقى في هذه الجوانب من أسرة باتريك.
أرتها والدة باتريك حديقة الزهور المحيطة بالمطبخ. كان هناك الكثير من الحوائط الحجرية المنخفضة.
وقالت لها: «لقد بنى باتريك كل هذه الحوائط.» كانت تشرح كل شيء بنوع من اللامبالاة التي تقترب من النفور.
فردَّت روز بصوت مليء بثقة زائفة، وتلهُّف، وحماس غير لائق: «إذن، فهو اسكتلندي بحق.» كان باتريك اسكتلنديًّا بالفعل، بالرغم من اسمه؛ إذ تعودُ أصول أسرة بلاتشفورد إلى جلاسجو. واستطردت روز قائلةً: «أليس أفضل عمال العمارة الحجرية اسكتلنديين؟» (كانت قد تعلمت مؤخرًا نطق كلمة اسكتلنديين على النحو الصحيح.) «لعل أسلافه عملوا بهذه المهنة.»
انكمشت خوفًا بعد ذلك لتفكر فيما بذلته من جهد، وادعائها السلاسة في الحديث والابتهاج، الأمر الذي تماشى مع الملابس الرخيصة المقلدة التي كانت ترتديها.
قالت والدة باتريك: «لا، لا أظن أن أسلافه كانوا من عمال العمارة الحجرية.» كان يشع منها شيء أشبه بالضباب؛ لقد كان الاستهانة والاستنكار والجزع. ظنت روز أنها ربما تكون قد استاءت مما قالته عن عمل أسرة زوجها بمهنة يدوية، لكنها عندما تعرفت عليها أكثر — أو بالأحرى لاحظتها فترة أطول؛ إذ كان من المستحيل التعرف عليها بشكل أفضل — أدركت أنها كانت تبغض أي شيء تخيُّلي أو تكهُّني أو افتراضي في الحديث، هذا فضلًا بالطبع عن كرهها لثرثرة روز. فأي اهتمام يتجاوز الاعتبار الواقعي للموضوع المعني — مثل الطعام أو الطقس أو الدعوات أو الأثاث أو الخدم — يبدو في نظرها سلوكًا سيئًا وخطيرًا ودالًّا على سوء الخلق. فمن الجيد النطق بعبارات مثل: «الطقس اليوم دافئ»، وليس «هذا اليوم يذكرني بما اعتدنا فعله من …» لقد كرهت تذكر الناس لأي شيء.
كانت الطفلة الوحيدة لأحد أقطاب صناعة الأخشاب الأوائل في جزيرة فانكوفر، وقد وُلِدت في إحدى المستوطنات الشمالية المندثرة، لكن كلما حاول باتريك دفعها للتحدث عن الماضي، وكلما سألها عن أبسط المعلومات — مثل البواخر التي كانت تظهر على الساحل، والعام الذي ترك الناس فيه المستوطنة، وأي طريق كان أول خط سكة حديد لنقل الأخشاب — كانت ترد عليه في حنق: «لا أعلم. كيف لي أن أعلم؟» وكان هذا الحنق أقوى نبرة يمكن ملاحظتها في حديثها.
لم يكترث والد باتريك أيضًا بهذا الاهتمام بالماضي؛ فالكثير من جوانب شخصية باتريك — بل أغلبها — بدا صادمًا له.
صاح فيه على المائدة: «لماذا تريد معرفة كل ذلك؟» كان رجلًا قصيرًا عريض المنكبين متورد الوجه شرسًا على نحو مذهل. كان باتريك يشبه والدته، التي اتسمت بطول القامة والشعر الأشقر والأناقة في أبسط صورها الممكنة، كما لو كان أسلوبها وملابسها وأدوات زينتها منتقاة للتعبير عن الحيادية بشكل مثالي.
قال باتريك بصوت غاضب يوحي بالغرور، لكنه متهدج وعصبي في الوقت نفسه: «لأنني مهتم بالتاريخ.»
فقلَّدته أخته ماريون على الفور ساخرةً منه ومن تهدُّج صوته، وعقَّبت: «لأنني مهتم بالتاريخ!»
كانت الأختان جوان وماريون أصغر سنًّا من باتريك، وأكبر من روز، لكنهما على عكس باتريك، لم تُظهرَا أي نوع من العصبية، أو عدم الرضا عن النفس. وقد سألتا روز في مرة سابقة أثناء تناول الطعام:
«هل تركبين الخيول؟»
«كلا.»
«هل تبحرين؟»
«كلا.»
«هل تلعبين التنس؟ الجولف؟ تنس الريشة؟»
«كلا، كلا، كلا.»
فقال والدهما: «لعلها مثقفة عبقرية مثل باتريك.» فبدأ باتريك في التحدث بصوت عالٍ عن المنح الدراسية والجوائز التي حصلت عليها روز، ما أصابها بالهلع والإحراج. ما الذي كان يطمح فيه؟ هل افتقر لأي نوع من البصيرة، ما جعله يعتقد أن هذا التفاخر سيجعله يتغلب عليهم، ويجلب عليه أي شيء آخر غير الازدراء؟ كان من الواضح أن الأسرة متفقة في اعتراضها على باتريك، وصيحاته المتفاخرة، وبغضه للرياضة والتليفزيون، واهتماماته الثقافية. لكن هذا التحالف كان مؤقتًا فقط؛ فبُغض الأب لابنتيه كان أقل فقط عند مقارنته ببغضه لباتريك. لقد كان ينتقدهما بشدة أيضًا عندما تسنح له الفرصة لذلك. كان يسخر من مقدار الوقت الذي تقضيانه في ممارسة الألعاب، ويشكو من تكلفة المعدات والقوارب والخيول التي تمتلكانها. هذا فضلًا عن التشاجر معًا حول موضوعات ملتبسة متعلقة بالنقاط المحرزة في المباريات والاقتراضات والخسائر. شكا الجميع أيضًا للأم من الطعام، مع أنه كان وفيرًا وشهيًّا. أما الأم، فكان حديثها مقتضبًا قدر المستطاع مع الجميع، ولم تستطع روز لومها في ذلك في الحقيقة؛ فهي لم تتصور قط اجتماع هذا القدر من التشاحن الحقيقي في مكان واحد. كان بيلي بوب متعصبًا ومتذمرًا؛ وفلو كانت متلونة، وظالمة، ومولعة بالنميمة؛ واعتاد والدها في حياته إصدار الأحكام القاسية والاستنكار الدائم، لكن مقارنةً بأسرة باتريك، اتسم جميع قوم روز بالبهجة وخفة الدم.
سألت روز باتريك: «هل هذا حالهم دائمًا؟ هل أنا السبب في ذلك؟ أنا لا أروق لهم.»
فأجابها باتريك بشيء من الرضا: «أنت لا تروقين لهم لأنني اخترتُكِ.»
استلقيا على الشاطئ المليء بالصخور بعد حلول الظلام، وهما يرتديان معطفي المطر. تعانقا وقبَّل أحدهما الآخر، وحاولا ما هو أكثر من ذلك، لكن على نحو غير مريح، ودون جدوى. خلَّفت الطحالب البحرية بعض البقع على معطف الدكتورة هينشو الذي ارتدته روز. قال باتريك: «أعرفتِ لماذا أحتاج إليكِ؟ إنني في أمس الحاجة إليكِ!» •••
اصطحبت روز باتريك إلى هانراتي، ولم يقلَّ الأمر سوءًا عما تصورت، فتحملت فلو عناء تحضير وجبة من شرائح البطاطس، واللفت، والسجق الريفي الكبير الذي جلبه لها بيلي بوب من متجر الجزارة كهدية خاصة. مقت باتريك الطعام ذا القوام الخشن، ولم يحاول التظاهر بأنه يتناوله. فُرِشت الطاولة بمفرش بلاستيكي، وتناولوا الطعام في إضاءة مصباح الفلورسنت. كانت قطعة الزينة الموضوعة في منتصف الطاولة جديدة، ومنتقاة خصوصًا لهذه المناسبة. كانت عبارة عن بجعة بلاستيكية ذات لون أخضر مائل للصفرة، بها شقوق في الجناحين حُشِرت فيها مناديل ورقية ملونة مطوية. وعند تذكير بيلي بوب بأخذ أحد المناديل، نخر رافضًا. وفيما عدا ذلك، كان سلوكه حسنًا على نحو بائس. فقد وصلت إليه — أو على الأصح وصلت إليه وإلى فلو — أنباء عن الفوز الذي حققته روز، ونقل هذه الأنباء القوم الأعلى منهما شأنًا في هانراتي؛ لولا ذلك، ما كانا ليصدقا هذه الأنباء. فزبائن متجر الجزارة من السيدات — السيدات الرائعات؛ زوجة طبيب الأسنان وزوجة الطبيب البيطري — أخبرن بيلي بوب عن أنهن سمعن أن روز انتقت لنفسها رفيقًا مليونيرًا أو ابن مليونير. وعلمت روز أن بيلي بوب سيعود للعمل في اليوم التالي محملًا بقصص عن المليونير أو ابن المليونير، ستركز جميعها على سلوكه — أي سلوك بيلي بوب — الصريح والجريء في هذا الموقف.
«لقد استضفناه وقدَّمنا له بعض السجق. ولم نهتم من أين أتى!»
علمت روز أيضًا أن فلو سيكون لها تعليقاتها بدورها، وأنها لن تغفل عن عصبية باتريك، وستتمكن من محاكاة صوته ويديه كثيرتي الحركة اللتين تسببتا في سقوط زجاجة الكتشاب أثناء العشاء. لكن في الوقت الحالي وأثناء تناول الطعام، جلس كلاهما منحنيًا بظهره على المائدة على نحو بائس. حاولت روز بدء الحديث؛ فتحدثت بابتهاج وتكلف، كما لو كانت محاوِرة في أحد البرامج وتحاول إقناع بعض الأشخاص المحليين البسطاء بالتحدث. شعرت بالخجل على عدة مستويات لم يمكنها حصرها؛ فقد خجلت من الطعام والبجعة ومفرش الطاولة البلاستيكي؛ خجلت من باتريك، المتغطرس الكئيب، الذي عبس وجهه متفاجئًا عندما مررت له فلو علبة أعواد الأسنان؛ خجلت من فلو لجبنها ونفاقها وادعاءاتها؛ وفوق كل ذلك خجلت من نفسها؛ فلم تستطع حتى التحدث والظهور بمظهر يخلو من التكلف بأي شكل من الأشكال. ومع وجود باتريك، لم تستطع التراجع في لكنتها للتحدث بلكنة أشبه بلكنة فلو وبيلي بوب وأهل هانراتي. لكنها صارت تسمعها بأذنيها الآن. واتضح لها أنها لا تتضمن اختلافًا في النطق فحسب، وإنما أيضًا أسلوبًا مختلفًا تمامًا في الكلام يجعله يبدو كالصياح؛ إذ تبدو الكلمات منفصلة ومُفخَّمة ليتمكن الناس من قذف بعضهم البعض بها. كان حديث الناس أشبه بسطور مقتبسة من الروايات الكوميدية الريفية المبتذلة. وبرؤية ذلك من منظور باتريك، وسماعه بأذنيه، شعرت روز أيضًا بضرورة الاندهاش.
حاولت جذب الحاضرين للحديث عن التاريخ المحلي، وبعض الأمور التي اعتقدت أن باتريك قد يهتم بها؛ فبدأت فلو في التحدث بالفعل، فلا يمكنها أن تظل صامتة كل هذا الوقت، أيًّا كانت هواجسها، واتخذت المحادثة منحًى أبعد ما يكون عن أي شيء نوته روز.
قالت فلو: «الخط الذي عشت به عندما كنت صغيرة السن كان أسوأ مكان على الإطلاق للانتحار.»
أوضحت روز لباتريك: «الخط هو أحد الطرق الريفية.» ساورتها الشكوك بشأن ما سيلي ذلك، وكانت محقة في شكوكها؛ إذ بدأ باتريك يستمع لقصة الرجل الذي شق رقبته بنفسه من الأذن للأذن، والرجل الذي أطلق النار على نفسه، لكنه لم يمت، فأعاد تعبئة السلاح وأطلق النار مجددًا ليتمكن في النهاية من قتل نفسه بالفعل، والرجل الذي شنق نفسه باستخدام سلسلة مشابهة للسلاسل المستخدمة في الجرارات. لذا، كان من العجيب أن رأسه لم ينفصل عن جسده.
أخطأت فلو في نطق بعض الكلمات أثناء حديثها.
واصلت الحديث بعد ذلك عن امرأة لم تنتحر، لكنها توفيت في منزلها، ولم يكتشف أحد ذلك إلا بعد أسبوع من وفاتها. كان ذلك في فصل الصيف. وطلبت من باتريك تصور الأمر. كل ذلك حدث في إطار خمسة أميال فحسب من المكان الذي وُلِدت فيه. كانت تستعرض أدلة على ما تقوله فحسب، ولا تحاول إفزاع باتريك، على الأقل بقدر يتجاوز ما هو مقبول اجتماعيًّا. لم تقصد أيضًا إرباكه. لكن كيف يمكنه إدراك ذلك؟
قال باتريك لروز عند مغادرتهما هانراتي على متن الحافلة: «لقد كنتِ محقة. إنه مقلب نفايات بالفعل. لا ريب أنكِ سعيدة بهروبك من هنا.»
شعرت روز على الفور أنه ما كان ينبغي أن يقول لها ذلك.
أضاف باتريك: «ليست هذه بالطبع والدتكِ الحقيقية. فأنا على يقين أن والديك لا يمكن أن يكونا على هذه الشاكلة.» لم يرُق لروز قول ذلك أيضًا، مع أن ذلك أيضًا هو رأيها. فقد رأت أنه يحاول منحها خلفية اجتماعية أكثر رقيًّا، ربما كمنازل أصدقائه الفقراء: بعض الكتب، صينية شاي، بياضات خضعت للإصلاحات، ذوق جيد في الملابس؛ وأشخاص مثقفون فخورون ومتعبون. فكرت روز غاضبةً في مدى جُبنه، لكنها كانت تعلم أنها أيضًا تتسم بالجبن؛ فهي لا تعرف كيف تتعايش مع قومها أو مطبخ منزلها أو أي شيء آخر ذي صلة. بعد عدة أعوام، ستتعلم كيف تستخدم هذه الأمور، وستتمكن من إمتاع أصحاب التفكير السليم أو ترهيبهم في حفلات العشاء بمنحهم لمحات عن المنزل الذي عاشت فيه قديمًا. لكنها في تلك اللحظة شعرت بالارتباك والتعاسة.
مع ذلك، بدأت روز تشعر بالولاء؛ فبعد أن تيقنت من هروبها من ذلك المكان، تكونت طبقة أكثر قوة من الولاء والحماية حول كل ذكرى لديها، وحول المتجر والبلدة، حول الريف غير المميز ذي الطابع الفاتر والشجيرات الصغيرة. وصارت تقارن هذه الذكريات سرًّا برؤية باتريك للجبال والمحيط وقصره المبني من الحجارة والأخشاب، ووجدت أن ولاءها اتسم بقدر أكبر من الفخر والعناد مقارنة بولاء باتريك.
لكن اتضح لها بعد ذلك أنه لن يتخلى عن أي من هذه الأشياء. •••
قدَّم لها باتريك خاتمًا ماسيًّا، وصرَّح لها بتخليه عن طموحه في أن يصير مؤرخًا من أجلها، وأنه سوف يعمل مع والده.
قالت له إنها اعتقدت أنه يكره عمل والده. فأجابها بأنه لا يستطيع تحمُّل ما يفرضه هذا الموقف عليه من أعباء بعد أن صار لديه الآن زوجة ينبغي عليه إعالتها.
اعتبر والد باتريك أن رغبة ابنه في الزواج — حتى وإن كانت الزوجة هي روز — علامة على تعقُّله. امتزجت في تلك الأسرة مسحات من الكرم بكل ما لديهم من سوء النوايا؛ فعندما علم والده بقراره، عرض عليه في الحال وظيفة في أحد متاجره، وشراء منزل له ولعروسه. لم يستطع باتريك رفض هذا العرض، شأنه شأن روز في عدم قدرتها على رفض عرض الزواج، وكلاهما كانت أسبابه غير مادية.
سألته روز: «هل سنسكن في منزل مثل منزل والديك؟» إذ شعرت بضرورة بدء حياتهما بعيدًا عن ذلك النمط.
«حسنًا، ربما ليس في البداية. فلن يكون …»
«لا أرغب في منزل كمنزلهما! لا أرغب في العيش بهذا الشكل!»
«سوف نعيش كما تشائين، ونسكن في أي منزل تفضلينه.»
شريطة ألا يكون مقلب نفايات، هكذا فكرت روز بخبث.
كانت الفتيات، اللاتي لا تكاد روز تعرفهن، يوقفنها ويطلبن منها مشاهدة الخاتم، ويبدين إعجابهن به، ويتمنين لها السعادة. وعند عودتها لهانراتي في إحدى عطلات نهاية الأسبوع — لكن وحدها في تلك المرة، الأمر الذي شكرت عليه الرب — التقت بزوجة طبيب الأسنان في الشارع الرئيسي.
«يا إلهي، روز! يا له من أمر رائع! متى ستعودين هنا ثانيةً؟ ترغب السيدات في القرية في دعوتك إلى تناول الشاي معهن!»
لم يسبق لهذه المرأة أن تحدثت مع روز، ولم تعكس أي شيء يدل على أنها تعرفها من قبل. صارت الطرق تتفتح أمام روز الآن، والعراقيل تتلاشى. وأسوأ ما في الأمر وأكثره خزيًا أن روز، بدلًا من أن تقاطع زوجة طبيب الأسنان، تورَّد وجهها وأظهرت خاتمها متململة وهي توافق على دعوة السيدة معبرة عن إعجابها بالفكرة. وعندما كان الناس يتحدثون عن مدى السعادة التي من المفترض أن تشعر بها، كانت تفكر في أنها سعيدة بالفعل. كان الأمر بهذه البساطة؛ إذ تحولت إلى فتاة مخطوبة في الحال دون أي عناء وبريق الألماس في يديها. سألها الناس عن المكان الذي ستسكن فيه، وأجابت: «كولومبيا البريطانية!» فكان ذلك يضفي مزيدًا من السحر على القصة. وكانوا يسألونها: «هل المكان جميل حقًّا هناك؟ ألا يحل الشتاء هناك أبدًا؟
وكانت تجيبهم: «نعم، جميل! لا، لا يوجد شتاء!» •••
استيقظت روز مبكرًا، وارتدت ملابسها، وخرجت من الباب الجانبي لجراج منزل الدكتورة هينشو. كان الوقت مبكرًا للغاية، ولم تكن هناك أية حافلات، فمشت في المدينة وصولًا إلى شقة باتريك، وعبرت المتنزه. وعند النصب التذكاري للحرب في جنوب أفريقيا، شاهدت كلبين يثبان ويلعبان وامرأة عجوزًا تراقبهما ممسكةً بلجاميهما. كانت الشمس قد أشرقت لتوها، ولمعت أشعتها على جلد الكلبين الشاحبين. بلل الندى العشب، وتفتحت زهور النرجس.
فتح باتريك الباب، أشعث، ناعسًا مقطب الجبين، مرتديًا بيجامته المخططة باللونين الرمادي والكستنائي.
«روز! ما الأمر؟»
لم تستطع النطق. جذبها إلى داخل الشقة، فطوَّقته بذراعيها، وخبأت وجهها في صدره، ثم قالت بصوت مسرحي: «أرجوك يا باتريك … أرجوك لا تتزوجني.»
«هل أنتِ مريضة؟ ما الخطب؟»
فكررت ما قالته، لكن بقدر أقل من اليقين: «أرجوك لا تتزوجني.»
«أنتِ مجنونة.»
لم تلمه على هذا التفكير؛ فقد بدا صوتها غير طبيعي على الإطلاق، ومتملقًا، وسخيفًا. وبمجرد أن فتح لها الباب، ووقفت أمامه على حقيقته بعينيه الناعستين وبيجامته، رأت أن ما أتت لفعله كان أمرًا جللًا ومستحيلًا. كان عليها أن تشرح له كل شيء، لكنها بالطبع لم تفعل. لم تستطع أن تجعله يرى احتياجها لقول ما تريد أن تقوله. لم تجد نبرة الصوت وتعبير الوجه اللذين يساعدانها.
سألها باتريك: «هل هناك ما يضايقك؟ ماذا حدث؟»
«لا شيء.»
«كيف وصلتِ إلى هنا؟»
«سيرًا على الأقدام.»
كانت تقاوم رغبتها في الذهاب إلى دورة المياه؛ إذ بدا لها أنها إذا ذهبت، فسيضعف ذلك من قوة المسألة التي جاءت لمناقشتها، لكنها اضطرت لذلك، بعد أن قالت لباتريك: «انتظر دقيقة، سأذهب إلى دورة المياه.»
وعندما خرجت، وجدت باتريك وقد أعمل الغلَّاية الكهربائية، وصب القهوة الفورية. بدا رقيقًا ومتحيرًا.
قال لها: «لم أَفِق من نومي بعد. والآن، اجلسي. أولًا، هل أنت في فترة ما قبل الحيض؟»
فأجابته بالنفي، لكنها أدركت مرتاعةً أنها كذلك بالفعل، وأن بإمكانه تبين ذلك، لأنهما كانا قلقين الشهر الماضي.
«حسنًا، إذا لم تكوني كذلك، وما من شيء تسبب في إزعاجك، فما سبب كل ذلك؟»
فردت: «لا أرغب في الزواج.» متراجعةً عن العبارة القاسية: «لا أرغب في الزواج منك.»
«متى توصلت إلى هذا القرار؟»
«منذ فترة طويلة. هذا الصباح.»
كانا يتحدثان همسًا. نظرت روز في الساعة التي تخطت السابعة بدقائق قليلة.
«متى سيستيقظ رفيقاك؟»
«الساعة الثامنة تقريبًا.»
توجهت روز إلى الثلاجة قائلةً: «هل هناك من حليب للقهوة؟»
فقال باتريك: «افتحي الباب بهدوء.» لكن تحذيره جاء متأخرًا.
فردت بنبرتها الساذجة الغريبة: «آسفة.»
«لقد خرجنا للتمشية الليلة الماضية، وكان كل شيء على ما يرام. وهذا الصباح، تأتين لتخبريني بأنك لا ترغبين في الزواج. لماذا؟»
«ليست لدي رغبة في ذلك. لا أريد أن أتزوج وحسب.»
«فماذا إذن تريدين؟»
«لا أعلم.»
ظل باتريك يحدق فيها متجهمًا وهو يشرب القهوة. وبالرغم من اعتياده التضرع لها قائلًا: «هل تحبينني؟ هل تفعلين حقًّا؟» فلم يطرح هذا الموضوع الآن.
«حسنًا، أنا أعلم.»
«ماذا؟»
«أعلم من تحدَّث معكِ.»
«لم يتحدث أحد معي.»
«بل هذا ما حدث. إنها الدكتورة هينشو.»
«كلا.»
«إن آراء بعض الناس عنها ليست جيدة؛ فهم يعتقدون أنها تؤثر على الفتيات اللاتي يعشن معها، ولا تحب أن يكون لهن أصدقاء من الشباب، أليس كذلك؟ هذا ما قلتِهِ لي أنتِ أيضًا. إنها لا تحب أن يعشن حياة طبيعية.»
«لا، ليس هذا هو السبب.»
«ما الذي قالته لكِ، يا روز؟»
فأجابت وقد شرعت في البكاء: «لم تقل أي شيء.»
«هل أنتِ متأكدة؟»
«يا إلهي، باتريك! أنصت إليَّ أرجوك. لا يمكنني الزواج بك أرجوك. لا أعرف لماذا، لكنني لا أستطيع. أرجوك، أنا آسفة، صدقني لا يمكنني.» أخذت تهذر أمامه، وتبكي. فطلب منها أن تهدأ: «ستوقظينهما!» ثم رفعها — أو جذبها — من على كرسي المطبخ، واصطحبها إلى غرفته حيث جلست على السرير، وأغلق الباب. وطوت ذراعيها على بطنها، وأخذت تتأرجح جيئة وذهابًا.
«ما الخطب يا روز؟ أأنتِ مريضة؟!»
«يصعب عليَّ إخبارك وحسب.»
«إخباري بماذا؟»
«ما أخبرتُك به لتوي!»
«أعني هل اكتشفتِ إصابتك بالسل أو شيء من هذا القبيل؟»
«كلا!»
سألها مشجعًا لها على الإجابة: «هل هناك شيء في عائلتك لم تخبريني به؟ جنون مثلًا؟»
فأجابته: «كلا!» وأخذت تهتز وتبكي.
«ما الأمر إذن؟»
ردت: «لا أحبك! لا أحبك! لا أحبك!» ثم سقطت على السرير وأخفت رأسها في الوسادة. «أنا آسفة، آسفة حقًّا. الأمر خارج عن إرادتي.»
وبعد لحظات، قال باتريك: «حسنًا، إذا كنتِ لا تحبينني، فهذا أمر واقع. ولن أجبرك على أن تفعلي.» بدا صوته متأزمًا وناقمًا، الأمر الذي ناقض عقلانية حديثه. «إنني فقط أتساءل عما إذا كنتِ تعلمين ما ترغبين فيه حقًّا. لا أظن أنك تعلمين. لا أظن أن لديك أية فكرة عما ترغبين فيه. فأنت فقط تمرين بحالة نفسية سيئة.»
استدارت روز وقالت: «ليس لزامًا عليَّ أن أعرف ما أرغب فيه.» شعرت بالراحة عند قولها ذلك. استدارت واستطردت: «لم أحبك قط.»
«اخفضي صوتك، سوف توقظينهما. يجب أن نتوقف عن ذلك.»
«لم أحبك قط، لم أرغب في ذلك يومًا. لقد كان خطأ.»
«حسنًا، حسنًا. لقد أوضحتِ وجهة نظرك.»
«لماذا ينبغي عليَّ أن أحبك؟ لماذا تتصرف كما لو أنني من المفترض أن أعاني من مشكلة ما إذا لم أحبك؟ أنت تحتقرني. تحتقر عائلتي، والماضي الذي عشته، وتعتقد أنك تقدم لي معروفًا عظيمًا …»
قال باتريك: «لقد وقعتُ في غرامك، ولا أحتقرك يا روز. بل على العكس، أنا أعبدك.»
قالت روز: «بل أنت جبان، ومتفاخر.» نهضت عن السرير والسعادة تملؤها بعد أن قالت ذلك. شعرت بالحماس. ثمة أمور أخرى ستقولها، أمور رهيبة.
«أنت لا تعلم حتى كيف تمارس الحب. لقد أردتُ دومًا التخلص من هذه العلاقة منذ بدايتها، لكنني شعرت بالأسف عليك. لا تنتبه إلى طريقك، ودائما ما تُسقط الأشياء من حولك، لمجرد أنك لا تكترث بملاحظة أي شيء. أنت دومًا مشغول الذهن، ومتفاخر. هذا أمر سخيف للغاية، فأنت لا تعرف حتى كيف تتفاخر على نحو صحيح. وإذا أردت التأثير في الناس، ما كنت لتفعل ذلك أبدًا. فما تفعله يجعلهم يسخرون منك!»
جلس باتريك على السرير ونظر إليها منصتًا لكل ما تقوله. أرادت تسديد اللكمات له، وقول أشياء أكثر سوءًا وقبحًا وقسوة. التقطت نفسًا، وأدخلت الهواء إلى رئتيها لتحول دون التعبير عما كان يعتريها بالداخل.
قالت بشراسة: «لا أرغب في رؤيتك ثانيةً أبدًا!» لكنها استدارت عند وصولها للباب، وقالت بصوت طبيعي نادم: «وداعًا.» •••
أرسل لها باتريك رسالة قال فيها: «لا أفهم ما حدث في ذلك اليوم، وأرغب في التحدث معك بشأنه، لكنني أعتقد أنه ينبغي علينا الانتظار أسبوعين لا يرى فيهما أحدنا الآخر، ولا نتحدث؛ لنتبين حقيقة مشاعرنا بنهاية تلك الفترة.»
نسيت روز تمامًا إرجاع الخاتم له، وعندما خرجت من المبنى الذي توجد فيه شقته ذلك الصباح، كانت لا تزال ترتديه. لم تستطع العودة إلى الداخل، وأيضًا كان الخاتم قيمًا للغاية بحيث لا يمكن إرساله بالبريد، فاستمرت في ارتدائه ولم تخلعه، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو عدم رغبتها في إخبار الدكتورة هينشو بما حدث. وشعرت بالارتياح عند تلقيها رسالة باتريك؛ إذ رأت أن بإمكانها إرجاع الخاتم إليه عندما تلتقيه.
فكَّرت فيما قاله باتريك عن الدكتورة هينشو. لا ريب أن ثمة جانبًا من الحقيقة فيما قاله، وإلا لماذا عزفت تمامًا عن إخبارها بانفصالها عن باتريك، وما هو سبب عدم رغبتها في مواجهة موافقة الدكتورة العقلانية على هذا القرار، وتلقِّي تهانيها المتحفظة التي تكشف ارتياحها؟
فكان ما قالته للدكتورة هينشو أنها ستمتنع عن رؤية باتريك أثناء استعدادها للامتحانات. ولاحظت روز ارتياح الدكتورة هينشو لذلك.
أخفت عن الجميع ما حدث، فلم تكن الدكتورة هينشو وحدها هي من لا ترغب روز في معرفتها بالأمر؛ فلم ترغب روز أن يتوقف الآخرون عن حسدهم لها؛ لقد كانت خبرة جديدة تمامًا عليها.
حاولت التفكير فيما ستفعله، لم يكن من الممكن أن تستمر في الإقامة بمنزل الدكتورة هينشو. كان من الواضح أنها إذا هربت من باتريك، فينبغي عليها الهروب من الدكتورة هينشو أيضًا. ولم ترغب كذلك في الاستمرار بالكلية مع أشخاص يعلمون بانفصالها عن خطيبها، ومع أولئك الفتيات اللاتي سيهنئنها الآن ويخبرنها أنهن علمن من البداية أن علاقتها بباتريك مجرد صدفة. ستضطر إذن للبحث عن وظيفة.
كان رئيس أمناء المكتبة قد عرض عليها وظيفة في فصل الصيف، لكن ربما تكون الدكتورة هينشو وراء هذا الاقتراح، وقد لا يستمر هذا العرض عند تركها المنزل. وعلمت أنها بدلًا من المذاكرة استعدادًا للامتحانات، سيتحتم عليها الذهاب إلى وسط المدينة لتتقدم للعمل كموظفة حفظ الملفات في مكاتب التأمين، أو في شركة التليفونات، أو في المتاجر الكبيرة. أخافتها الفكرة، وواصلت الاستذكار. كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي تجيده حقًّا؛ فهي في النهاية طالبة حاصلة على منحة دراسية.
بعد ظهيرة يوم السبت، وبينما كانت تعمل في المكتبة، رأت باتريك. لم تكن مصادفة؛ وإنما ذهبت إلى الطابق السفلي محاوِلةً عدم إحداث أية ضجة عند نزولها على السلالم المعدنية الحلزونية. وجدت لنفسها مكانًا في منطقة تخزين الكتب، في ظلام شبه تام، لتتفقد ركن القراءة الذي اعتاد الجلوس فيه. نظرت، ولم تستطع رؤية وجهه، لكنها رأت عنقه الطويل الوردي، وقميصه القديم المنقوش بالمربعات الذي اعتاد ارتداءه أيام السبت. عنقه الطويل، وكتفاه النحيلتان. لم يعد يزعجها أو يخيفها؛ لقد تحررت منه، وصار بإمكانها النظر إليه مثلما تنظر إلى أي شخص آخر. كان بإمكانها أن تشعر نحوه بالتقدير؛ فقد أحسن التصرف. لم يحاول إثارة شفقتها، ولم يزعجها، ولم يتحرش بها بالخطابات والمكالمات الهاتفية المثيرة للشفقة. لم يذهب إلى منزل الدكتورة هينشو ويجلس أمام الباب. لقد كان شخصًا جديرًا بالاحترام، ولن يعلم أبدًا مدى تقديرها لذلك، وشعورها بالامتنان له. اعتراها في تلك اللحظة شعور بالخجل من كل ما قالته له، فلم يكن صحيحًا، أغلبه لم يكن كذلك؛ فقد كان يعرف كيف يمارس الحب. تأثرت عند رؤيتها له وحزنت، ورق قلبها، وشعرت بالشوق له. أرادت أن تمنحه شيئًا ما، وتمنَّت أن تمحو تعاسته.
تشكَّلت في ذهنها صورة مقنعة لنفسها وهي تركض برقَّة نحو الركن الذي يجلس به باتريك، وترتمي عليه لتطوِّقه بذراعيها من الخلف، معيدةً له كل شيء سلبته منه. لكن هل سيقبل ذلك منها؟ هل لا يزال يرغب في ذلك؟ تخيلتهما وهما يضحكان ويبكيان ويفسران ما حدث ويسامح كل منهما الآخر. «أحبكَ. أحبكَ حقًّا. سيكون كل شيء على ما يرام الآن. ما قلته كان بشعًا، ولم أكن أقصده. كانت نوبة من الجنون. أحبكَ.» كان ذلك إغراءً كبيرًا لها؛ ولا يمكنها مقاومته. شعرت بالرغبة في الاندفاع، بيد أنها لم تستطع أن تحدد ما إذا كان هذا الاندفاع أشبه بالسقوط من أعلى جرف أم الولوج إلى فراش دافئ من الزهور والأعشاب الجميلة.
لم تتمكن روز من مقاومة هذا الإغراء في النهاية، وفعلت ما تخيلته. •••
عندما عادت روز بذهنها إلى هذه اللحظة من حياتها وتحدثت عنها — إذ مرت بمرحلة يمر بها أغلب الناس في يومنا هذا، يُفصحون فيها بحرية عن أكثر القرارات خصوصية في حياتهم لأصدقائهم أو أحبائهم أو لغرباء تعرفوا عليهم في حفلات وربما لن يروهم ثانيةً مطلقًا، والذين يفعلون ذلك بدورهم أيضًا — قالت إن عاطفة الصداقة تغلَّبت عليها، ولم تستطع مقاومة رؤيته جالسًا أمامها بعنقه المكشوف المنحني. وأوضحت أكثر أنها الرغبة. قالت إنها ركضت نحوه، وتعلَّقت به، وقضت على شكوكه، وقبَّلته، وبكت، وعادت إليه لأنها لم تعلم كيف تعيش دون حبه ودون وعده لها برعايتها؛ لقد كانت خائفة من العالم ولم تستطع التفكير في أي خطة أخرى لحياتها. وعندما كانت تنظر للحياة من منظور اقتصادي، أو كانت مع أشخاص يفعلون ذلك، كانت تقول إن أبناء الطبقة الوسطى فقط هم من يملكون حرية الاختيار، وأنها لو كانت تملك ثمن تذكرة القطار إلى تورونتو، لكانت حياتها قد تغيرت.
لكنها كانت تقول أحيانًا بعد ذلك إن كل ذلك ليس سوى هراء. ولم يكن إحياء باتريك وبث السعادة فيه من جديد سوى ادعاء وخيلاء. كانت تريد معرفة ما إذا كانت ستتمكن من ذلك أم لا. لم تستطع مقاومة هذا الاختبار لقوتها. وأوضحت فيما بعد أنها دفعت ثمن ذلك؛ فقالت إنها تزوجت من باتريك لعشرة أعوام، وطوال هذه المدة، ظلت مشاهد الانفصال الأول والمصالحة بينهما تتكرر على نحو دوري، وبدا أنها تعيد على مسامعه كل ما قالته في المرة الأولى، وكل ما امتنعت عن قوله وقتها، وغير ذلك الكثير مما خطر لها. تمنَّت لو أنها لم تخبر الناس (لكنها تظن أنها فعلت) بأنها اعتادت ضرب رأسها في عمود السرير، وألقت ذات مرة وعاء مرق اللحم من نافذة غرفة الطعام؛ وما كان منها إلا أن شعرت بالخوف والاشمئزاز الشديد مما فعلته واستلقت على السرير مرتعدةً ترجو من باتريك أن يسامحها. وكان يفعل. كانت أحيانًا تهاجمه، وفي أحيان أخرى كان يضربها. وفي الصباح التالي يستيقظان مبكرًا ويعدَّان فطورًا خاصًّا ويجلسان لتناول اللحم المقدد والبيض ويشربان القهوة المصفاة، منهكين ومتحيرين، ويتعامل كل منهما مع الآخر بلطف خجول.
سألها الآخرون: «ما السبب وراء ردود الأفعال هذه في نظرك؟»
«هل تعتقدين أنه ينبغي أن يحصل الزوجان على إجازة؟ إجازة أحدهما من الآخر؟ إجازة يقضيانها وحدهما؟»
وكانت تجيبهم بأنها اكتشفت أن مثل هذه الجهود كانت زائفة ومضيعة للوقت، لكنها محاولات تنجح في وقتها فقط. وبعد أن يهدآ، كانا يقولان إن أغلب الناس يمرون على الأرجح بمثل هذه الأمور في زيجاتهم، وكانا يعرفان بالطبع أغلب من كانوا يمرون بذلك. ولم ينفصلا إلا بعد وقوع قدر كافٍ من الضرر، أو بالأحرى عند الوصول إلى ضرر كاد يكون قاتلًا. وربما كان سبب عدم انفصالهما هو الانتظار حتى حصلت روز على وظيفة، وصارت تجني مالها الخاص، وهو ما يمكن اعتباره سببًا طبيعيًّا في النهاية.
ما لم تفصح عنه لأحد قط وما لم تكشفه لأحد هو أنها فكرت أحيانًا في أن سبب انفصالها عن باتريك لم يكن الشفقة أو الرغبة أو الجبن أو الادعاء، وإنما شيء مختلف تمامًا، كالرغبة في السعادة. لم تستطع الإفضاء بذلك، مقارنةً بكل ما أفصحت عنه من أمور أخرى. بدا الأمر غريبًا؛ ولم تستطع تبريره. لم تكن تعني أنهما تمتعا بأوقات طبيعية مثالية في زواجهما، استمتعا فيها معًا بلصق ورق الحائط والإجازات والوجبات والتسوق والقلق عند مرض ابنتهما، وإنما ما عنته هو أنه في بعض الأحيان كانت تفاجئهما السعادة — أو بالأحرى احتمالية السعادة — دون سبب أو سابق إنذار، وكانا يختلفان كليةً في تلك الأوقات، كما لو كان هناك روز وباتريك آخران يتسمان بالبراءة وطيبة القلب، يكادان يكونان غير مرئيَّيْن، مختبئَيْن خلف شخصياتهما المعتادة. لعل ذلك كان باتريك الذي رأته في ركن القراءة بعد أن تحررت منه؛ تلك الشخصية التي لا يراها باتريك نفسه. كان عليها تركه هناك. •••
عرفت روز أن تلك كانت نظرتها له؛ وقد عرفتها لأن الموقف تكرر. كانت في مطار تورونتو في منتصف الليل. حدث ذلك بعد تسعة أعوام من طلاقها من باتريك. وقد أصبحت مشهورة آنذاك، وصار وجهها معروفًا للعديد من الناس في هذا البلد. فكانت تقدم برنامجًا تليفزيونيًّا استضافت فيه سياسيين وممثلين وكتَّاب وشخصيات مهمة والعديد من الأشخاص العاديين ممن كانت لهم مشكلات مع الحكومة أو الشرطة أو النقابة، وكانت تستضيف أيضًا أشخاصًا شاهدوا أشياء غريبة، مثل أطباق طائرة، أو وحوش بحرية، أو أشخاصًا حققوا إنجازات متميزة، أو احتفظوا ببعض التقاليد العتيقة.
كانت وحدها في المطار، لم يكن هناك أحد بانتظارها. وقد وصلت لتوها على متن رحلة متأخرة من يلونايف. كانت مرهقة ومتسخة. رأت باتريك واقفًا موليها ظهره عند المقهى. كان يرتدي معطفًا واقيًا من المطر، وبدا أثقل وزنًا من المعتاد، لكنها تعرفت عليه في الحال، واعتراها نفس الشعور بارتباطها بذلك الشخص، وأنه بإمكانهما أن يعثر أحدهما على الآخر ويثق به، بحيلة معينة سحرية، لكنها ممكنة. ولتحقيق ذلك كله، كان عليها التوجه نحوه ولمس كتفه، ومباغتته بما يسعده.
لم تفعل ذلك بالطبع، لكنها توقفت. ظلت متسمرة في مكانها إلى أن استدار باتريك متوجهًا إلى إحدى الطاولات البلاستيكية الصغيرة والمقاعد المنحنية المجمعة أمام المقهى. اختفت منه ملامح النحول والمظهر الأكاديمي الرث والتسلط المفرط. فقد صقل مظهره، وامتلأ جسمه، ليصير رجلًا أنيقًا، ومقبولًا، ومسئولًا، وقانعًا بعض الشيء. اختفت كذلك الوحمة التي كانت على وجهه. أخذت تفكر في مدى الإجهاد والحزن الذي بدا عليها بالتأكيد، وهي ترتدي معطفها المجعد الواقي من المطر، وشعرها الطويل الذي ظهرت به الخصل البيضاء وهو منسدل للأمام حول وجهها، وآثار المسكرة تلطخ أسفل عينيها.
رمقها باتريك بنظرة قطَّب فيها جبينه، نظرة تدل على كره حقيقي وتحذير شرس، نظرة طفولية ومتفاخرة، لكنها مدروسة في الوقت نفسه. كانت انفجارًا موقوتًا من الاشمئزاز والنفور. صعب عليها تصديق ذلك، لكنها رأت ذلك بعينها.
أحيانًا، عندما كانت روز تتحدث مع شخص ما أمام كاميرات التليفزيون، كانت تشعر برغبة مَن أمامها في العبوس. راودها ذلك الشعور مع الناس بكافة صورهم، مع الساسة المهرة، والأساقفة الليبراليين، مع العاملين في المساعدات الإنسانية، ومع ربات البيوت اللاتي شهدن كوارث طبيعية، والعمَّال الذين أجروا عمليات إنقاذ بطولية أو حُرِموا ظلمًا من معاشات الإعاقة الخاصة بهم. كانوا يتوقون لتدمير أنفسهم، أو تقطيب جبينهم، أو التلفظ بكلمة بذيئة. أكان هذا الوجه هو ما أراد الجميع الإفصاح عنه؟ هل كان موجهًا لشخص ما، أو للجميع؟ لكنهم لن يفعلوا ذلك؛ لن تسنح لهم الفرصة. يتطلب الأمر ظروفًا خاصة؛ مكانًا غير عادي، في منتصف الليل، عناء مرتبكًا مشوشًا، وظهورًا هذيانيًّا مفاجئًا لعدوك الحقيقي.
في تلك اللحظة، ركضت مرتعدةً مبتعدة في الرواق الطويل متعدد الألوان. لقد رأت باتريك، وهو أيضًا رآها، وقطب جبينه في وجهها، لكنها لم تتمكن في الواقع من فهم كيف يمكن أن تكون هي عدوته، كيف يمكن لأي شخص أن يكره روز إلى هذا الحد، وهي التي كانت في هذه اللحظة مستعدة للاقتراب بنيتها الصافية، واعترافها بالإرهاق المرتسم على ابتسامتها، وإيمانها المتحفظ بالمكاشفة المتحضرة؟
لقد استطاع باتريك أن يكرهها هذا الكره، استطاع ذلك فعلًا.
المتسولة |
عبث
وقعت روز في غرام كليفورد خلال حفلٍ أقامه كليفورد وجوسلين بحضور باتريك وروز. كانا قد مضى على زواجهما في هذا الوقت ثلاث سنوات بينما كان زواج كليفورد وجوسلين قد تجاوز ذلك بعام أو أكثر قليلًا.
كان كليفورد وجوسلين يقيمان لبعض الوقت في منطقة تقع أقصى غرب فانكوفر، في واحد من تلك الأكواخ الصيفية المصطفَّة على الشوارع المتعرِّجة القصيرة الواقعة بين الطريق السريع والبحر، وقد تصادف أن كان مهيئًا لقضاء الشتاء. أقيم الحفل في ليلة ممطرة من شهر مارس، وكانت روز متوترة لحضوره. كانت تشعر بالضيق بينما تمضي السيارة بهما عبر غرب فانكوفر، وراحت تشاهد مصابيح النيون وقطرات الماء تتساقط منها في البِرَك الصغيرة الموحِلة المنتشرة على الطريق، وتُنصت للصوت المَقيت لماسحات الزجاج الأمامي. وبعد ذلك كانت غالبًا ما تنظر للخلف لترى نفسها جالسة بجوار باتريك وهي ترتدي بلوزتها السوداء مكشوفة الصدر وتنورتها المخملية السوداء، وتمنَّت لو أنهما كانتا الرداء المناسب. كانت تتمنى لو كانا في طريقهما إلى السينما. لم يكن لديها أدنى فكرة أن حياتها سوف تتبدل.
كان باتريك متوترًا أيضًا وإن لم يكن ليعترف بذلك؛ فقد كانت الحياة الاجتماعية لغزًا محيرًا، وغالبًا ما كانت شيئًا مَقيتًا لكليهما. ووصلا إلى فانكوفر دون أن يكون لهما معرفة بأحد. كانا يسايران الرَّكب فحسب. لم تكن روز تعلم ما إذا كانا حقًّا يتُوقان لوجود الأصدقاء، أم حتى يعتقدان ببساطة أن وجودهم أمر ضروري. لقد كانا يتأنَّقان ويخرجان لزيارة الآخرين، أو يرتبان غرفة المعيشة في انتظار مَن دَعَوْهُم لزيارتهما. وفي بعض الأحيان كانا يتَّبعان أنماطًا ثابتة للزيارة؛ فكانوا يتناولون بعض كئوس الشراب خلال تلك الأمسيات، وفي حوالي الحادية عشرة أو الحادية عشرة والنصف — وهو الوقت الذي بالكاد كان يأتي سريعًا بما يكفي — تتوجه روز نحو المطبخ وتُعِدُّ القهوة وبعض المأكولات. كانت المأكولات التي تعدها في العادة تقتصر على شرائح الخبز المحمص، تعلوها شريحة من الطماطم، ثم شريحة من الجبن ثم بعضٌ من اللحم المقدَّد، وكانت تقوم بشيِّها وتُمسكها معًا بعود أسنان. لم يكن بوسعها التفكير في أي شيء سوى ذلك.
كان من الأسهل لهما إقامة صداقات مع الأشخاص الذين يحبهم باتريك عن أولئك الذين تحبهم روز؛ لِما كان لروز من قدرة كبيرة على التأقلُم، أو ربما الخداع، بينما كان باتريك بالكاد قادرًا على التأقلُم على الإطلاق. إلا أن الصديقين في هذه الحالة — حالة كليفورد وجوسلين — كانا أصدقاء روز، أو بالأحرى كانت جوسلين صديقة لروز. كانت جوسلين وروز تعرفان أن عليهما ألا تحاولا الترتيب لزيارات زوجية؛ فقد كان باتريك لا يحب كليفورد دون أن يعرفه لأن كليفورد كان عازف كمان، ولا شك أن كليفورد بدوره لم يكن محبًّا لباتريك لأنه كان يعمل في أحد فروع متجر عائلته الكبير. وفي تلك الأيام كانت الحواجز بين الناس لا تزال قوية ووثيقة، الحواجز بين مدعي الفن والعاملين في التجارة، بين النساء والرجال.
لم تكن روز على معرفة بأي من أصدقاء جوسلين، ولكنها أدركت أنهم موسيقيون وصحافيون ومحاضِرون في الجامعة، بل كان من ضمنهم سيدة تعمل كاتبة كان لها رواية تم تشخيصها في الراديو. فتوقَّعت أن يكونوا أذكياء، وظرفاء، وساخرين بلا شك؛ فكان يبدو لها أنها طَوال الوقت تجلس مع باتريك في غرف المعيشة، متبادِلين الزيارات مع الآخرين، وأنهم أناس بارعون ومرحون بحق، يحق لهم النظر إليها بازدراء، يحيون حياة غير تقليدية ويقيمون حفلات غير اعتيادية في مكان آخر. والآن جاءت الفرصة للتواجد مع هؤلاء الناس، ولكن معدتها كانت مضطربة رفضًا لذلك، ويديها تتصببان عرقًا. •••
التقت جوسلين بروز في عنبر الولادة بمستشفى نورث فانكوفر العام. كان أول شيء رأته روز لدى عودتها إلى عنبر الولادة بعد أن وضعت آنا هو جوسلين جالسة في فراشها تقرأ كتاب يوميات أندريه جيد. كانت روز تعرف الكتاب من ألوانه، حيث كانت قد رأته على حامل الكتب والجرائد في الصيدلية؛ فقد كان جيد على قائمة الكُتَّاب الذين تنوي قراءة أعمالهم؛ فكانت في ذلك الوقت لا تقرأ إلا لكبار الكتاب.
كان الشيء المدهش والمريح الذي لاحظته روز على الفور بشأن جوسلين هو مظهرها الذي بدا وكأنها طالبة؛ إذ إنها لم تسمح لنفسها بالتأثُّر كثيرًا بجو جناح الولادة الذي كانت قابعة بداخله، فقد كان لجوسلين جدائل سوداء طويلة، ووجه شديد الشحوب، ونظارات سميكة، دون أدنى مسحة من الجمال، وهيئتها تنبئ بتركيزها فيما تفعله بارتياح.
في الفراش المجاور لفراش جوسلين كانت هناك امرأة تصف ترتيب خزانة مطبخها لأخريات، ولم تكد تنسى أن تخبرهن أين تحتفظ بشيء ما — كالأرز أو السكر البني — إلا وكانت تضطر لإعادة الكَرَّةِ من جديد، وتتأكد من أن مَن يستمعون إليها يتابعونها جيدًا بقول: «تذكرن على الرف الأعلى إلى اليمين بجوار الموقد أحتفظ بعلب الحساء وليس الحساء المعلب؛ فأنا أحتفظ بالحساء المعلب أسفل المنضدة مع السلع المعلبة بجوار ذلك اﻟ…»
كانت النساء الأخريات يحاولن مقاطعتها لكي يَصِفْنَ كيف يحتفظن بالأشياء، ولكن دون جدوى، أو لم يستطعن مواصلة الحديث طويلًا. كانت جوسلين جالسة تقرأ وتعبث بطرف إحدى جدائلها بين أصابعها وكأنها جالسة في مكتبة داخل الكلية، أو تعد ورقة بحثية، ولم يستطع عالَم هؤلاء النساء أن يوقفها بتاتًا. وكانت روز تتمنى لو تمكنت من ذلك هي الأخرى.
كانت لا تزال تعاني من الدوار من أثر الوضع، وكلما أغلقت عينيها كانت ترى شيئًا أشبه بالكسوف في شكل كرة كبيرة سوداء يحيط بها حلقة من النار. كان ذلك هو رأس الطفل يعتصره الألم في اللحظة التي سبقت دفعها له إلى خارج أحشائها. ووسط هذه الصورة، تداخلت كلمات أرفف مطابخ النساء الثرثارات أسفل الثقل الرهيب للعُلب والصناديق، ولكنها كانت تستطيع أن تفتح عينيها لترى جوسلين وجدائلها السوداء تنسدل على رداء المستشفى الأبيض وكأنها صورة بالأبيض والأسود. كانت جوسلين هي الشخص الوحيد الذي رأته يبدو هادئًا وجادًّا بما يكفي لمواكبة الموقف.
سرعان ما نهضت جوسلين من فراشها لتكشف عن ساقين طويلتين بيضاوين غير حليقتين، وبطن لا تزال مترهلة من أثر الحمل. ارتدت روبًا للحمام مخططًا، وبدلًا من استعمال رباط له استعانت برابطة عنق رجالية لتُحكمه حول خصرها، وراحت تدب بقدميها الحافيتين على مشمع أرضية المستشفى. فجاءتها إحدى الممرضات مسرعة منبهة إياها أن ترتدي خفًّا.
«ليس معي خف.»
فقالت الممرضة بفظاظة: «أمعك حذاء؟»
«آه نعم، معي حذاء.»
وعادت جوسلين إلى الخزانة المعدنية الصغيرة بجوار فراشها وأخرجت حذاءً جلديًّا كبيرًا بلا كعب كان متسخًا وباليًا، ومشت محدِثة نفس الضوضاء الشنيعة الوقحة كما فعلت من قبل.
كانت روز تتوق للتعرُّف عليها.
في اليوم التالي أخرجت روز كتابها الخاص لتقرأه. كان رواية «البيوريتاني الأخير» للكاتب جورج سانتايانا، ولكن لسوء الحظ كانت نسخة مكتبية، فكان العنوان على الغلاف ممسوحًا وباهتًا؛ ومن ثَمَّ كان مستحيلًا أن تُعجب جوسلين بما تقرؤه روز مثلما أُعجِبت روز بما تقرؤه جوسلين. ولم تعلم روز كيف يمكنها أن تدفعها للحديث معها.
كانت السيدة التي تتحدث عن خزانات مطبخها تتحدث الآن عن كيفية استخدامها للمكنسة الكهربائية، وتقول إن من المهم للغاية استخدام جميع الملحقات؛ لأن لكل منها غرضًا، كما أنه يكفي أنها قد دفعت مقابلها، ولكن العديد من الناس لا يستخدمونها. وراحت تصِف كيف تنظف ستائر غرفة معيشتها، فقالت امرأة أخرى إنها قد حاولت القيام بذلك ولكن القماش كان يتجعَّد. فقالت السيدة المتسلِّطة إن ذلك بسبب أنها لم تقُم بالأمر بالشكل الصحيح.
في تلك الأثناء ضبطت روز عينَيْ جوسلين تنظران صوب زاوية كتابها.
قالت بنبرة هادئة: «أتمنى لو كنت تقومين بتلميع مقابض موقدك.»
قالت جوسلين: «بالتأكيد أفعل.»
«هل تقومين بتلميعها كل يوم؟»
«اعتدت أن ألمِّعها مرتين يوميًّا، ولكن أما وقد جاء المولود الجديد فلا أعرف إن كنت سأجد وقتًا لذلك.»
«وهل تستخدمين ذلك الملمِّع الخاص بمفاتيح الموقد؟»
«بالتأكيد. وأستخدم أيضًا تلك المناشف الخاصة بمفاتيح الموقد التي تأتي في تلك العلبة الخاصة.»
«رائع. بعض الناس لا يفعلون ذلك.»
«بعض الناس يستخدمون أي شيء.»
«مناشف الأطباق القديمة.»
«المناديل القماشية القديمة.»
«المناديل القديمة.»
وسرعان ما تفتحت براعم صداقتهما بعد ذلك. كانت واحدة من تلك الصداقات الحميمة الوارفة كتلك التي تنمو في المؤسسات: كالمدارس، أو المعسكرات، أو في غياهب السجون. كانتا تسيران معًا عبر ردهات المستشفى غير مكترثات لكلام الممرضات، وكانتا مصدر ضيق وحيرة للنساء الأخريات. وقد أصبحتا مثل طالبات المدارس المهووسات من أثر ما كانت تقرؤه بصوت عالٍ إحداهما للأخرى. لم تقرآ لجيد أو سانتيانا، بل كانتا تقرآن نسخًا من «ترو لاف» و«برسونال رومانسيز» وجدتاها في غرفة الانتظار.
قالت روز: «يُذكر هنا أن بإمكانك شراء بطانات للسيقان، ولكن لا أعرف كيف ستخفينها، أعتقد أنك ستربطينها حول ساقيك، أو ربما فقط توضع داخل الجوارب، ولكن ألا تعتقدين أنها ستظهر؟»
فقالت جوسلين: «حول ساقيك؟ تربطينها حول ساقيك؟ تقصدين بطانات لتحسين شكل السيقان؟! ظننتك تتحدثين عن سيقان اصطناعية. سيقان اصطناعية!»
كان بإمكان أي شيء كهذا أن يثير ضحكاتهما.
«سيقان اصطناعية!»
«حلمات اصطناعية، أرداف اصطناعية، سيقان اصطناعية.»
«ترى فيمَ سيفكرون بعد ذلك؟»
كانت سيدة المكنسة الكهربائية تقول إنهما كثيرًا ما تتدخلان في شئون الأخريات وتُفسدان أحاديثهن، ولم تكن تعرف ما المضحك إلى هذا الحد في الكلام البذيء. وقالت إنهما إذا لم تتوقفا عن أسلوبهما هذا في التعامل، فإن حليب الرضاعة سوف يفسد.
قالت جوسلين: «كنت أتساءل إذا كان حليب الرضاعة لديَّ ربما قد فسد، إن لونه مقزز بشكل شنيع.»
تساءلت روز: «ما لونه؟»
«حسنًا، أزرق نوعًا ما.»
«يا إلهي! ربما يكون حبرًا!»
كانت سيدة المكنسة الكهربائية تقول إنها سوف تخبر الممرضة أنهما تتفوهان بالسباب والشتائم. كانت تردد أنها ليست متزمتة ولكنها تتساءل ما إذا كانتا تصلحان لأن تكونا أمَّين. كيف ستتمكن جوسلين من غسل الحفاضات في حين أن بإمكان أي شخص أن يرى أنها لم تقُم قط بغسل ثوبها الخاص؟
قالت جوسلين إنها تنوي استخدام الطحالب للقيام بذلك لكونها من أصول هندية.
فقالت السيدة: «أستطيع أن أصدق هذا.»
بعد ذلك راحت جوسلين وروز تستهلان العديد من التعليقات والملاحظات بعبارة: «أنا لست متزمتة ولكن.»
«أنا لست متزمتة ولكن هلَّا ألقيت نظرة على هذا البودنج!»
«أنا لست متزمتة ولكن يبدو وكأن هذا الطفل أسنانه مكتملة.»
وقالت عنهما الممرضة: ألم يحِن الوقت بعد لكي ينضجا؟
وبينما كانتا تسيران عبر الردهات، روت جوسلين لروز أنها في الخامسة والعشرين من عمرها، وأنها ستُطلِق على مولودها الجديد اسم آدم، وأن لها ابنًا آخر في المنزل يبلغ من العمر عامين يُدعى جيروم، وأن زوجها يُدعى كليفورد، وأنه يتخذ من العزف على الكمان مهنة له. كان يعزف في أوركسترا فانكوفر السيمفوني. كانوا أسرة فقيرة. كانت جوسلين من ماساتشوستس والتحقت بويلسلي كوليدج، وكان والدها طبيبًا نفسانيًّا ووالدتها طبيبة أطفال. فيما أخبرت روز جوسلين أنها قد جاءت من بلدة صغيرة في أونتاريو، وأن باتريك من جزيرة فانكوفر، وأن والديه لم يوافقا على زواجهما.
قالت روز بنبرة مبالغة: «الجميع في البلدة التي جئت منها يقولون Yez بدلًا من You بمعنى أنت؟
«نستخدمها كجمع لكلمة You.»
«آه. مثل بروكلين وجيمس جويس. لحساب منَ يعمل باتريك؟»
«في متجر عائلته؛ فعائلته تملك متجرًا كبيرًا متعدد الأقسام.»
«إذن ألستما موسرَيْن الآن؟ أعني ألستما موسرين بالقدر الذي يجعلك في غنى عن التواجد في عنبر للولادة؟»
«لقد أنفقنا كل أموالنا على منزل كان باتريك يرغب فيه.»
«ألم يكن لديك رغبة فيه أنت أيضًا؟»
«ليس بقدر رغبته.»
كان ذلك شيئًا لم تبُح به روز قط من قبل.
ومضتا تتعمقان في مزيد من المكاشفات العشوائية.
كانت جوسلين تكره والدتها؛ فقد أجبرتها والدتها على أن تنام في غرفة ذات ستائر من القماش القطني الخفيف الأبيض وشجعتها على جمع البط. وببلوغها الثالثة عشرة، كانت جوسلين تمتلك — ربما — أكبر مجموعة في العالم من البط المطاطي، والبط المصنوع من الفخار، والبط الخشبي، وصور البط، والمنسوجات المطرزة برسوم البط. وقامت أيضًا بتأليف ما وصفتها بأنها قصة سابقة لأوانها بشكل بشع بعنوان «المغامرات الكبرى الرائعة للبطة أوليفر العظيمة»، والتي قامت والدتها بالفعل بطباعتها وتوزيعها على الأصدقاء والأقارب في أعياد الكريسماس.
«إنها من الأشخاص الذين يغطون كل شيء بنوع من النفاق والتملُّق البغيض وتصبغ به كل شيء؛ فهي لا تتحدث بصوت طبيعي قط، ولَعُوبٌ متصنِّعة الخجل بشكل غاية في البذاءة. وبالطبع تحظى بنجاح عظيم كطبيبة أطفال. إن لديها كل تلك الأسماء الصغيرة المزيَّفة لجميع أجزاء جسدك.»
أدركت روز — التي كانت ستسعد بالستائر التي تحدثت عنها جوسلين — الخطوط الرفيعة، أو طرق الإهانة الموجودة في عالم جوسلين الذي بدا كعالم أقل غلظة وأكثر استدامة من عالمها. كانت تشك فيما إذا كان بإمكانها أن تخبر جوسلين عن هانراتي، ولكنها بدأت في المحاولة. راحت تتحدث عن فلو وعن المتجر بشكل عام دون تطرُّق إلى التفاصيل، وتلقي الضوء على فقرها. في الواقع لم تكن مضطرة لذلك؛ فقد كانت حقائق طفولتها الصحيحة بها من الدهشة ما يكفي بالنسبة لجوسلين، والأهم من ذلك أنها كانت مثار حسد من جانبها.
قالت جوسلين: «يبدو هذا أكثر واقعية. أعلم أنها رؤية رومانسية من جانبي.»
تحدثتا عن طموحات الشباب (فقد كانتا تؤمنان حقًّا بأن الشباب قد ولَّى)، فقالت روز إنها كانت ترغب في أن تكون ممثلةً على الرغم من أنها كانت أجبن بكثير من أن تقف على خشبة مسرح. أما جوسلين، فأرادت أن تكون كاتبة، ولكنها كانت تشعُرُ بالخجل من ذلك على أثر ذكريات قصة البطة العظيمة.
قالت: «بعدها قابلت كليفورد. وعندما رأيت قدر موهبته الحقيقية، أدركت أنني ربما أُهدِر وقتي بمحاولة الكتابة، وأن من الأفضل لي أن أرعاه وأهتم به، أو أي شيء آخر أفعله من أجله. إنه موهوب بحق. أحيانًا ما يكون شخصًا وضيعًا، ولكنه يُفلت بذلك لأنه موهوب حقًّا.»
قالت روز بحزم يشوبه الغيرة: «أظن أن تلك فكرة رومانسية حالمة أن يكون لزامًا أن يُفلت الموهوبون بأفعالهم.»
«حقًّا؟ ولكن الفنانين العظام طالما كانوا يفلتون.»
«ليس النساء.»
«ولكن النساء عادة لَسن فنانات عظيمات، ليس بنفس الدرجة.»
كانت تلك هي أفكار معظم النساء الشابات اللاتي يحظين بمستوى تعليم راقٍ وعلى قدر من الوعي، بل وأولئك غير التقليديات أو المتطرفات سياسيًّا في ذلك الوقت. ولعلَّ من بين أسباب عدم مشاركة روز لهن في الرأي أنها لم تكن على قدر وافر من التعليم والثقافة. وقد قالت لها جوسلين في مرحلة لاحقة من صداقتهما إن من أحد الأسباب التي جعلتها ترى أن الحديث معها مشوِّق من بداية صداقتهما هو أن روز تملك أفكارًا ولكنها غير مثقَّفة. وقد اندهشت روز من هذا؛ ما جعلها تذكر الكلية التي كانت ملتحقة بها في غرب أونتاريو. حينها رأت روز الندم على وجه جوسلين التي تراجعت في ارتباك وغاب عنها فجأة صراحتها البادية دومًا على وجهها — على غير عادتها تمامًا — وأردفت جوسلين أن ذلك هو ما كانت تقصده بالضبط.
بعد اختلاف الآراء بشأن الفنانين، وبشأن الرجال والنساء في مجال الفن، ألقت روز نظرة متأنية على كليفورد حين كان يأتي للزيارة في المساء. رأته إنسانًا شاحب اللون، يطلق العِنان لأهوائه وله مظهر عصابي يوحي بالاضطراب. ومع مزيد من الاكتشافات بشأن ما تبذله جوسلين من براعة، وجهد، وطاقة بدنية بحتة (إذ كانت هي من يتولى إصلاح الصنابير الراشحة، وتسليك البالوعات المسدودة) في هذه الزيجة، أيقنت أن جوسلين تضيع نفسها، وأنها ترتكب خطأً. وراودها شعور بأن جوسلين لم تكن ترى جدوى في زواج روز من باتريك أيضًا. •••
في البداية سار الحفل بيُسر أكثر ممَّا توقعته روز؛ فقد كانت تخشى أن يكون تأنُّقُها مبالغًا فيه؛ كانت توَدُّ لو ارتدت بنطال مصارع الثيران الخاص بها، ولكن باتريك لم يكن لِيَقبل ذلك مطلقًا. ولكن القليل فقط من الفتيات هن من كُنَّ يرتدين البناطيل الفضفاضة، أما البقية فكن يرتدين الجوارب الشفافة، ويضعن أقراطًا وثيابًا مثلها تمامًا. وكما في أي تجمُّع للنساء الشابات في ذلك الوقت، كانت هناك ثلاث أو أربع نساء ممَّن كان يبدو عليهن الحمل بشكل واضح، وكان معظم الرجال يرتدون بذلات، وقمصان، ورابطات عنق مثل باتريك؛ ما أشعر روز بالارتياح؛ إذ إنها أرادت أن يكون باتريك مندمجًا في الحفل، وأرادته أيضًا أن يتقبل الحاضرين هناك، وأن يقتنع بأنهم جميعًا ليسوا مخلوقات غريبة الأطوار. حين كان باتريك طالبًا، كان يصطحبها لحضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات ولم يكن يبدو متشككًا بشكل مفرط فيمن كانوا يشاركون فيها، بل كان في الحقيقة يفضِّل هذه الأشياء؛ لأنها كانت مكروهةً من قبل عائلته، وفي ذلك الوقت — الوقت الذي اختار فيه روز — كان يمر بمرحلة تمرُّدٍ قصيرة ضد عائلته. ذات مرة اصطحب باتريك روز إلى تورونتو وجلسا في قاعة المعبد الصيني بالمتحف يشاهدان رسوم الفريسكو على الجدران، وروى لها باتريك كيف أنها جُلِبَتْ على هيئة قطع صغيرة من إقليم شانشي، كان يبدو في غاية الفخر بما يملك من معرفة، وفي ذات الوقت متواضعًا بشكل مميَّز يذيب القلوب؛ إذ اعترف بأنه قد اكتسب كل هذه المعلومات في إحدى الرحلات. أما الآراء القاسية التي كوَّنها، والاتهامات التي كان يكيلها بالجملة للآخرين، فلم تبدأ إلا منذ أن خرج للعمل؛ فصار الفن الحديث خداعًا، والمسرح التجريبي بذيئًا. وكان لدى باتريك طريقة خاصة متصنعة وازدرائية لنطق تعبير «الفن الطليعي»، جاعلًا الكلمات تبدو مصطنَعة بشكل مثير للاشمئزاز. وقد كانت كذلك بالنسبة لروز؛ فبشكلٍ ما كانت تستطيع أن تدرك ما يعنيه؛ فكان بإمكانها أن ترى جوانب عديدة للأمور، فيما لم يكن باتريك يعاني تلك المشكلة.
وفيما عدا بعض المشاجرات الكبيرة التي كانت تنشب بشكل دوري، كانت في منتهى الوداعة والانصياع مع باتريك؛ إذ كانت تحاول أن تَظَلَّ محبوبةً لديه. ولم يكن ذلك بالأمر السهل؛ فحتى قبل أن يتزوَّجا كان معتادًا أن يعطيها محاضرات من التوبيخ في رَدٍّ على سؤال بسيط أو ملاحظة تافهة. في تلك الأيام كانت أحيانًا ما توجِّه له سؤالًا ما على أمل أن يباهي ببعضٍ من معرفته الفائقة التي قد تثير إعجابها، ولكنها عادة ما كانت تشعر بالندم على السؤال؛ إذ كانت الإجابة تأتي مسهَبة للغاية يشوبها نبرة تعنيف وتوبيخ، إلى جانب أن المعلومات لم تكن فَذَّةً لهذه الدرجة. كانت تريد أن تبدي إعجابها به واحترامها له، فيما كان يبدو أشبه بمغامرة على وشك خوضها.
بعد ذلك فكرت أنها تحترم باتريك بالفعل، ولكن ليس بالطريقة التي كان يريدها هو، وأنها تحبه بالفعل ولكن ليس بالطريقة التي أرادها أن تحبه بها. ولم تكن تعرف ماهية هذه الطريقة، وهي التي كانت تعتقد أنها تعرف شيئًا عنه، وتعتقد أنها تعرف أنه لم يكن يرغب حقًّا في أن يكون على الشاكلة التي يُقحم نفسه إليها بحماس. ربما كان يمكن تسمية تلك الغطرسة احترامًا، وهذا الاستعلاء حبًّا. ولم يكن من شأن ذلك أن يحقق له السعادة.
كان بعض الرجال يرتدون الجينز والكنزات ذات الياقة الضيقة أو القمصان القطنية الواسعة، وكان كليفورد واحدًا من هؤلاء، وكان كل ما يرتديه أسود اللون. كانت تلك هي فترة انتشار ثقافة البِيت في سان فرانسيسكو. كانت جوسلين تتصل بروز عبر الهاتف وتقرأ عليها قصيدة «عواء». كانت بشرة كليفورد تبدو في غاية الاسمرار مع ثيابه السوداء، وكان شعره طويلًا مقارنة بما كان سائدًا في تلك الفترة، ولونه فاتحًا مثل قطعة قطن لم تُبيَّض، فيما كان لون عينيه فاتحًا للغاية، حيث كان لونهما أزرق لامعًا مائلًا للرمادي. وبدا لروز وكأنه ضئيل الحجم وهادئ كالقطط، وبه بعض ملامح الأنوثة، وهو ما جعلها تتمنى ألا يصيب باتريك بإحباط شديد.
كان هناك جعة وكوكتيل نبيذ للشراب، وكانت جوسلين — الطاهية الرائعة — تقلِّب قدرًا من الجمبالايا. توجهت روز إلى المرحاض لكي تفصل نفسها عن باتريك الذي بدا راغبًا في أن يكون ملازمًا لها كظلها (كانت تعتقد أنه يتقمص دور كلب الحراسة، ونسيت أن ذلك قد يكون خجلًا منه). وحين خرجت بدأ في التحرُّك. احتست روز ثلاث كئوس من النبيذ في تتابُع سريع، وتم تقديمها للسيدة التي قامت بتأليف المسرحية التي أذيعت في الراديو. وفوجئت روز حين رأت أن هذه السيدة كانت واحدة من أكثر الأشخاص المتواجدين في الغرفة كآبة وأقل من يبدو عليهم ملامح الثقة.
أخبرتها روز قائلة: «لقد أعجبتني مسرحيتك.» ولكنها في الواقع كانت تجدها غامضة، فيما كان باتريك يراها مقزِّزة ومثيرة للاشمئزاز؛ فقد كانت في ظاهرها تدور حول امرأة التهمت أطفالها. كانت روز تعلم أن ذلك ضرب من الرمزية، ولكنها لم تستطع أن تعرف إلامَ ترمز.
قالت السيدة: «آه، لكن الإنتاج كان في غاية البشاعة!» وفي غمرة حرجها، وحماسها ولهفتها للحديث عن مسرحيتها، أصاب روز منها بعض رذاذ النبيذ. «لقد جعلوها حرفية للغاية. لقد خشيت أن تبدو مخيفة ووحشية وقد كنتُ أقصد أن تكون ذات معنى مرهف، لقد قصدت أن أجعلها مختلفة تمامًا عن الشكل الذي أخرجوها به.» وشرعت تخبر روز بكل خطأ ارتُكِب في الإنتاج، من التوزيع الخاطئ للأدوار، واقتطاع أهم السطور، بل وأكثرها أهمية على الإطلاق. شعرت روز بكبرياء وفخر بينما كانت تستمع إلى هذه التفاصيل، وكانت تحاول أن تزيل آثار رذاذ الخمر دون أن يلحظ أحد.
قالت السيدة: «ولكنك تستوعبين ما قصدته؟»
«آه نعم!»
صبَّ كليفورد كأسًا أخرى من النبيذ وابتسم لها.
«تبدين لذيذة.»
بدت كلمة لذيذة كلمة غريبة الاستخدام بالنسبة لكليفورد. ربما كان ثملًا، أو ربما لكراهيته للحفلات كليةً مثلما قالت عنه جوسلين، أراد أن يتقمَّص دورًا ما؛ ربما أراد أن يقال عنه إنه الرجل الذي يخبر فتاة أنها تبدو لذيذة. ربما كان ماهرًا في التنكُّر وتقمُّص الأدوار، مثلما كانت روز تعتقد أنها نفسها بدأت تجيد ذلك. ومضت تتحدث إلى الكاتبة وإلى رجل يقوم بتدريس الأدب الإنجليزي خلال القرن السابع عشر. ربما كانت هي أيضًا فقيرة وماهرة، متطرفة ووقحة كما يعرف أي شخص.
في الردهة الضيقة كان هناك رجل وفتاة يتعانقان بحرارة، وكلما أراد أحد أن يمر عبر هذه الردهة، يُضطر العاشقان للابتعاد، ولكنهما كانا يواصلان تبادل النظرات فيما بينهما، ولم يكونا حتى يُغلقان فميهما. كان منظر هذين الفمين المفتوحين المبتلَّيْن يجعل روز ترتجف، فلم يسبق أن عانقها أحد بهذا الشكل في حياتها، ولم ينفغر فوها بهذا الشكل من قبل. فقد كان باتريك يرى التقبيل على الطريقة الفرنسية شيئًا مقززًا.
كان هناك رجل أصلع ضئيل الحجم متمركز خارج باب المرحاض يقبِّل أية فتاة تخرج منه قائلًا: «مرحبًا يا عزيزتي، أنا في غاية السعادة لأنك استطعت الحضور، وفي غاية السعادة لرحيلك.»
قالت الكاتبة: «إن سيريل إنسان بشع، إنه يعتقد أن عليه أن يحاول التصرف وكأنه شاعر. ولا يستطيع التفكير في شيء سوى التسكع حول المرحاض ومضايقة الآخرين. إنه يعتقد أنه وقح.»
قالت روز: «هل هو شاعر؟»
قال محاضِر الأدب الإنجليزي: «لقد أخبرني أنه أحرق كل قصائده.»
قالت روز: «يا له من سلوك متفاخر!» وقد سُرَّت من نفسها لقولها هذا، وسرَّت منهم لضحكهم.
وبدأ مُحاضِر الأدب الإنجليزي في التفكير في توريات على طريقة قصص توم سويفتي.
قالت الكاتبة في حسرة: «لا أستطيع التفكير في هذه الأشياء مطلقًا؛ فأنا أهتم باللغة بشكل مبالغ.»
انطلقت أصوات عالية من غرفة المعيشة، وميَّزت روز صوت باتريك يتعالى ويتعالى طاغيًا على أصوات الآخرين جميعًا. فهَمَّت بفتح فمها لتقول شيئًا، أيَّ شيء للتغطية عليه — فقد أدركت أن كارثة ما على وشك الحدوث — ولكن في تلك اللحظة جاء رجل طويل القامة ذو شعر مجعَّد وطلَّة بشوشة يقطع طريقه عبر الردهة، فاصلًا بين العاشقَيْن ذوي العاطفة المشبوبة دون سابق إنذار، ورافعًا يده لجذب انتباه الحضور.
قال الرجل لجميع من في المطبخ: «أنصتوا لهذا. يوجد في غرفة المعيشة رجل لن تصدقوا حديثه قط. فلتنصتوا.»
لا بد أن حوارًا عن الهنود كان دائرًا في غرفة المعيشة، وها هو باتريك الآن قد أخذ دفَّته في الحوار.
قال باتريك: «فلتأخذوهم بعيدًا، فلتأخذوهم بعيدًا عن آبائهم بمجرد أن يُولدوا وضعوهم في بيئة متحضرة وعلِّموهم وسوف يشبُّون صالحين كالبيض يومًا ما.» لا شك أنه كان يعتقد أنه يعبِّر عن آراء متحررة. ولو أنهم كانوا يعتقدون أن ذلك شيء رائع، فقد كان ينبغي أن يستعينوا به يوم إعدام آل روزنبرج، أو محاكمة ألجر هيس، أو في حالات الضرورة في التجارب النووية.
قالت إحدى الفتيات بلطف: «حسنًا، تعلمون، إنها ثقافتهم.»
فقال باتريك: «إن ثقافتهم مكتوب عليها الفناء … ثقافة مفلسة.» كانت تلك كلمة من الكلمات التي كان يُكثِر من استخدامها في الوقت الحالي، وكان بإمكانه استخدام بضع كلمات، وكليشيهات، وعبارات افتتاحية — من بينها عبارة «إعادة تقييم شامل» — باستمتاع وحُجة صاعقة لدرجة تجعلك تعتقد أنه مبتكرها، أو تعتقد على الأقل أن استخدامه لها قد منحها ثقلًا ورونقًا.
قال باتريك: «إنهم يريدون أن يكونوا متحضِّرين. الأشخاص الأكثر ذكاء يرغبون في ذلك.»
فقالت الفتاة بوقار متحفِّظ لم يدركه باتريك: «حسنًا، ربما لا يعتبرون أنفسهم غير متحضرين بالمعنى الدقيق للكلمة.»
«بعض الناس يحتاجون إلى دفعة.»
دفعت النبرات المشوبة بالرضا الذاتي والنقد الناضج الرجلَ المتواجد بالمطبخ للاستسلام وهز رأسه في سرور وعدم تصديق قائلًا: «لا بد أنه من الساسة المؤيِّدين لحزب الائتمان الاجتماعي.»
وفي الواقع أن باتريك قد صَوَّتَ بالفعل لحزب الائتمان الاجتماعي.
كان يقول: «نعم، حسنًا، سواء أعجَبَنا ذلك أم لم يُعجبنا، لا بد وأن يُشَدُّوا إلى القرن العشرين حتى ولو رغمًا عنهم.»
كرر أحدهم: «رغمًا عنهم؟!»
فقال باتريك الذي لا يرى غضاضة في ترديد أي شيء مجددًا: «نعم يُشدُّون رغمًا عنهم للدخول إلى القرن العشرين.»
«يا له من تعبير مثير، وإنساني أيضًا.»
ألن يفهم الآن أنه قد أُحرِج، وتم استدراجه وتَعرَّض للسخرية؟ ولكن باتريك بعد ما تعرض له من إحراج لم يسعُهُ سوى أن يصبح أكثر صخبًا. ولم يعُد بإمكان روز أن تسمع أكثر من ذلك، فتوجهت إلى الممر الخلفي الذي كان مكتظًّا بالأحذية الطويلة، والمعاطف، والزجاجات، وأحواض الاستحمام، ولعب الأطفال التي قامت جوسلين وكليفورد بإزاحتها بعيدًا من أجل الحفل. وحمدًا لله أنه كان خاليًا من الناس. خرجت روز من الباب الخلفي ووقفت غاضبة ترتجف في الليل البارد المطير. كانت مشاعرها مختلطة مثلما يمكن أن يحدث لأي شخص في مكانها. كانت تشعر بالمهانة والخزي من باتريك، ولكنها كانت تعلم أن أسلوبه هو أكثر ما أشعَرها بالمهانة؛ الأمر الذي جعل الشك يتسرَّب إليها في أن بداخلها شيئًا فاسدًا وعابثًا. لقد كان غضبها أيضًا من هؤلاء الآخرين الأكثر براعة ومهارة، أو على الأقل الأسرع بكثير منه. كانت تريد أن تكون أفكارها عنهم سيئة. ما الذي يهتمون به بشأن الهنود حقًّا؟ ربما لو أُتيحت لباتريك الفرصة للتصرُّف بشكل دَمِثٍ نحو أحد الهنود لتفوَّق عليهم. كان هذا احتمالًا بعيدًا، ولكنها كانت مضطرَّةً لتصديقه. لقد كان باتريك شخصًا صالحًا. صحيح أن آراءه ليست سديدة، ولكنه شخص صالح في ذاته؛ فقد كانت روز تعتقد أن باتريك في جوهره بسيط ونقي وجدير بالثقة، ولكن كيف لها أن تكتشفه وتلمسه، لتُطمئن نفسها وبالطبع ليس لكشفه للآخرين؟
سمعت الباب الخلفي يُغلق، وخشيت أن تكون جوسلين قد خرجت تبحث عنها. لم تكن جوسلين بالشخص الذي يستطيع الإيمان بجوهر باتريك؛ فقد كانت تراه متغطرسًا وعنيدًا وسخيفًا في جوهره.
لم تكن جوسلين، بل كان كليفورد. لم تشأ روز أن تخبره بأي شيء. نظرت إليه دون ترحيب وهي ثمِلة بعض الشيء، وكئيبة، ومبللة الوجه من أثر المطر، ولكنه طوَّقها بذراعيه وأخذ يهزها.
«آه يا روز، يا حبيبتي. لا عليك يا روز.»
كان هذا هو كليفورد.
ظلا على مدى خمس دقائق أو نحو ذلك يتبادلان القبلات، ويغمغمان، ويرتجفان، ويتضامَّان، ويتلامسان، ليعودا بعد ذلك إلى الحفل من الباب الأمامي حيث كان سيريل هناك. قال لهما: «أهلا، أين كنتما؟»
أجابه كليفورد بفتور: «نسير تحت المطر.» قالها بنفس الصوت الرشيق وربما العدائي الذي خاطب به روز قائلًا لها إنها لذيذة. لقد توقف استدراج باتريك، وصار الحوار أكثر حرية، وثمالة، واستهتارًا. كانت جوسلين تقدم الجمبالايا، فذهبت روز إلى دورة المياه لتجفف شعرها وتضع أحمر شفاه على شفتيها اللتين جُرِّدَتَا ممَّا عليهما من أحمر الشفاه. لقد تحولت، لتصبح غير قابلة للتأثُّر بأي شيء. كان أول شخص قابلته لدى خروجها هو باتريك. كانت لديها رغبة في أن تُشعِره بالسعادة. ولم تعبأ بما قاله أو ما سوف يقوله.
قالت ذلك بصوت خافت لَعُوبٍ تستخدمه في بعض الأحيان عندما تشعر ببعض التساهل في الحديث معه: «لا أعتقد أننا قد التقينا من قبلُ يا سيدي. ولكن يمكنك أن تقبِّل يدي.»
قال باتريك بحماس قوي: «لصياحي الصاخب.» واعتصرها وقبَّلها بتمطق مرتفع على وجنتها؛ فقد كان دائمًا يتمطق بشفتيه حين يقبِّل. ودائمًا ما كان مرفقاه يتوغلان في مكان ما من جسدها ويؤلمانها.
قالت روز: «أتستمتع بوقتك؟»
«لا بأس، لا بأس.»
وبالطبع ظلت طوال ما تبقى من الأمسية تمارس لعبة النظر إلى كليفورد بينما تتظاهر بأنها لا ترقبه، وبدا لها أنه يفعل نفس الشيء، والتقت أعينهما بضع مرات دون أي تعبير يُذكر، في رسالة واضحة تمام الوضوح تزلزل كيانها. وصارت تراه بشكل مختلف الآن؛ فجسده الذي كان يبدو ضئيلًا وضعيفًا بَدَا في عينيها الآن رشيقًا مفعمًا بالطاقة؛ كان أشبه بجسد حيوان الوشق أو الفهد. لقد اكتسب كليفورد سُمرَته من رياضة التزلج التي يمارسها؛ فقد كان يتسلق جبال سيمور ويمارس التزلج هناك. هواية مكلِّفة، ولكنها هواية شعرت جوسلين أنه لا يمكن حرمانه منها؛ لما كان يعانيه من مشكلات بشأن صورته الاجتماعية؛ صورته الذكورية كعازف كمان في هذا المجتمع، أو هكذا قالت جوسلين. كانت جوسلين قد أخبرت روز بكل شيء عن خلفية كليفورد: والده المريض بالتهاب المفاصل، متجر البقالة الصغير الكائن في بلدة شمال نيويورك، في الحي الفقير المليء بالقسوة. وتحدثت أيضًا عن مشكلاته في طفولته؛ عن الموهبة غير اللائقة، عن والديه اللذين لم يمنحاه العطف، ورفاق المدرسة المتهكِّمين. قالت جوسلين إن طفولته قد خلَّفت بداخله شعورًا بالمرارة، ولكن روز لم تعُد تعتقد أن جوسلين لها الكلمة الأخيرة على كليفورد. •••
أُقِيمَ الحفل ليلة أحد أيام الجمعة. دق جرس الهاتف في صباح اليوم التالي، بينما كان باتريك وآنا على المائدة يتناولان البيض.
قال كليفورد: «كيف حالك؟»
«بخير.»
«أردت أن أُهاتفك. اعتقدت أنكِ قد تظنين أنني كنت ثملًا فقط أو شيئًا من هذا القبيل. إنني لم أكن كذلك.»
«أوه، كلا.»
«لقد قضيتُ الليل بأَسْرِهِ أفكر فيك، بل كنت أفكر فيك قبل ذلك أيضًا.»
«نعم.» كان المطبخ يدور من حولها، وكان المشهد بأكمله أمامها، مشهد باتريك وآنا على المائدة، وإبريق القهوة الذي تساقطت قطرات منها على جانبه، وبرطمان المربى، كل شيء كاد ينفجر من فرط البهجة والفرصة والخطر. كان فم روز جافًّا تمامًا حتى إنها بالكاد استطاعت أن تتكلم.
قالت: «إنه يوم جميل. ربما نتسلق أنا وآنا وباتريك الجبل.»
«هل باتريك بالمنزل؟»
«أجل.»
«يا إلهي! إنه لغباء مني. لقد نسيت أنني الوحيد الذي يعمل يوم السبت. فأنا هنا في بروفة.»
«أجل.»
«هل يمكنك التظاهر بأن المتصل شخص آخر؟ تظاهري أنها جوسلين.»
«بالتأكيد.»
قال كليفورد: «أحبك يا روز.» ثم أغلق الخط.
قال باتريك: «من كان على الهاتف؟»
«إنها جوسلين.»
«وهل يجب أن تتصل حين أكون بالمنزل؟»
«لقد نَسِيَتْ. إن كليفورد في بروفة لذا نَسِيَتْ أن الآخرين في إجازة اليوم من العمل.» شعرت روز بسعادة وبهجة وهي تنطق اسم كليفورد. يبدو وكأن ممارسة الخداع والكتمان قد أصبحا أمرًا في غاية السهولة والتلقائية بالنسبة لها؛ وقد يكون ذلك متعة في حد ذاته.
قالت روز في محاولة لعدم الخروج عن الموضوع: «لم أكن أعرف أنهم يضطرون للعمل أيام السبت. لا بد أنهم يعملون لساعات طويلة للغاية.»
«إنهم لا يعملون لساعات أطول من الأشخاص العاديين، كل ما في الأمر اختلاف في توزيع وقت العمل. إنه لا يبدو قادرًا على العمل كثيرًا.»
«من المفترض أن يكون جيدًا للغاية، أقصد كعازف كمان.»
«إنه يبدو شخصًا أحمق.»
«أتعتقد ذلك؟»
«ألا تعتقدين ذلك؟»
«أعتقد أنني لم أدرس شخصيته مطلقًا.» •••
اتصلت جوسلين في يوم الاثنين وقالت إنها لا تعرف لِمَ تقيم الحفلات؛ إذ كانت لا تزال تخوض وسط الفوضى.
«ألم يساعدك كليفورد في التنظيف؟»
«أنت تمزحين. إنني أكاد لا أراه طوال عطلته الأسبوعية؛ فقد كان لديه بروفة يوم السبت وكان يعزف بالأمس. إنه يقول إن الحفلات فكرتي أنا؛ لذا فبإمكاني التعامل مع توابعها. وهذا صحيح. فأنا أصاب بنوبات الشوق للتجمعات، والحفلات هي العلاج الوحيد لها. لقد كان باتريك مثيرًا للاهتمام.»
«نعم، للغاية.»
«إنه نمط ساحر من الشخصيات حقًّا، أليس كذلك؟»
«هناك الكثير والكثير مثله، ربما فقط لا تتاح لك الفرصة للقائهم.»
«تعسًا لي!»
كان هذا الحوار كأي حوار آخر لها مع جوسلين؛ فقد كانت حواراتهما وصداقتهما تسير دائمًا في نفس الاتجاه، ولم تكن روز تشعر بأنها مقيدة بأي قدر من الولاء لجوسلين؛ لأنها قد قسمت كليفورد إلى نصفين؛ فكان هناك كليفورد الذي عرفته جوسلين، وهو نفس الشخص الذي طالما قدَّمته جوسلين إلى روز، وكان هناك أيضًا كليفورد الذي عرفته روز الآن. كانت تعتقد أن جوسلين ربما كانت مخطئة بشأنه، والمثال على ذلك عندما قالت لها إن طفولته قد خلَّفت لديه شعورًا بالمرارة. فما وصفته جوسلين بأنه مرارة بدا لروز شيئًا أكثر تعقيدًا وأكثر اعتيادًا؛ إنه فقط المألوف لأية طبقة، من ضجر، ولين، ومراوغة، ودناءة. وقد كانت تلك أمورًا مألوفة بالنسبة للطبقة التي جاء منها كليفورد وكذا طبقة روز. أما جوسلين، فقد كانت معزولة بطرق ما؛ مما جعلها صارمة وبريئة. لقد كانت تشبه باتريك في عدة نواحٍ.
من تلك اللحظة فصاعدا صارت روز تنظر إلى كليفورد وإلى نفسها باعتبارهما نوعًا واحدًا من الناس، وإلى جوسلين وباتريك كنوع آخر مختلف، رغم ما بدا من اختلافهما بشدة، ورغم نفور كليهما من الآخر. فقد كانا شخصين متكاملين لا يحيط بهما أي غموض، وكانا يأخذان الحياة بجدية مطلقة. وبالمقارنة بهما، كان كليفورد وروز مثالين على نوعية الأشخاص المراوِغة شديدة الدهاء.
لو أن جوسلين وقعت في غرام رجل متزوج، ماذا كانت ستفعل؟ ربما كانت ستطلب عقد مؤتمر حتى قبل أن تلمس يديه، وكانت ستدعو إليه كليفورد، والرجل ذاته، وزوجة الرجل، وربما طبيب جوسلين النفساني (على الرغم من رفضها لعائلتها، كانت جوسلين تعتقد أن الذهاب إلى طبيب نفساني أمر ينبغي على الجميع أداؤه أثناء مراحل التطور أو التأقلُم في الحياة، وكانت جوسلين نفسها تذهب إلى أحدهم مرة واحدة أسبوعيًّا). كانت جوسلين ستفكر في العواقب، وكانت ستواجه الأمور بشكل مباشر؛ فهي لا تحاول أبدًا أن تختلس متعتها؛ إذ لم تتعلم اختلاس الأشياء قط. وكان ذلك ما يجعل وقوعها في حب رجل آخر أمرًا مستبعدًا؛ فلم تكن بالشخص الشَّرِه، ولم يكن باتريك شرهًا كذلك، على الأقل فيما يتعلق بالحب.
إذا كانت مشاعر الحب تجاه باتريك جاءت لإدراكها شيئًا جيدًا وبريئًا بداخله؛ فإن مشاعر الحب تجاه كليفورد كانت شيئًا مختلفًا تمامًا. لم تكن روز مضطرة للاعتقاد بأن كليفورد شخص جيد، وكانت تعلم بالتأكيد أنه لم يكن بريئًا أو ساذجًا. ولم يكن مهمًّا بالنسبة لها أي مصارحة بشأن ازدواجيته أو قسوته تجاه آخرين سواها. إذن ماذا أحبت فيه؟ وماذا كانت تريد منه؟ لقد أرادت الخداع، أرادت سرًّا متوهجًا، أرادت احتفاءات يملؤها الحب والحنان بالرغبة، أرادت تأجُّجًا دائمًا للفجور. كل ذلك بعد خمس دقائق تحت المطر قضتها معه. •••
بعد نحو ستة أشهر من ذلك الحفل ظلت روز مستيقظة طوال الليل. كان باتريك نائمًا بجوارها في منزلهما المبني من الحجر وخشب الأرز في ضاحية تسمى كابيلانو هايتس بجانب جبل جراوس. وفي الليلة التالية كان مقرَّرًا أن يكون كليفورد هو من سينام بجوارها، في باول ريفر حيث كان يعزف مع الأوركسترا الجوال. لم يكن بإمكانها أن تصدِّق أن هذا سيحدث بالفعل. لقد وضعت كل ثقتها في الحدث، ولكنها لم تستطع أن تضعه وسط ترتيب الأشياء الذي كانت تعرفه.
لم يُقدِم روز وكليفورد على مدار كل هذه الأشهر على ممارسة الحب معًا، ولم يمارسا الحب في أي مكان آخر أيضًا. كان الموقف هكذا: لم يكن جوسلين وكليفورد يملكان سيارة، بينما كان لدى باتريك وروز واحدة، ولكن روز لم تكن تقودها. كان عمل كليفورد يتيح له ميزة العمل لساعات غير منتظمة، ولكن كيف كان له أن يرى روز؟ هل يستطيع استقلال الحافلة عبر جسر لايونز جيت، ثم يسير في وضح النهار عبر شارع الضاحية الذي تقطن فيه مارًّا بنوافذ الجيران؟ هل يمكن أن تستعين روز بجليسة أطفال وتَدَّعِي أنها ذاهبة لزيارة طبيب الأسنان، وتستقل الحافلة إلى البلدة، وتقابل كليفورد في أحد المطاعم، وتذهب معه لغرفة في أحد الفنادق؟ ولكنهما لم يكونا يعرفان لأي فندق يذهبان، ويخشيان إذا ذهبا بدون أمتعة أن يتضح أمرهما في الطريق، أو يتم الإبلاغ عنهما لدى شرطة مكافحة الرذيلة ويُحتجزان في مركز الشرطة بينما يتم استدعاء جوسلين وباتريك للحضور لاستلامهما، إلى جانب أنه لم يكن بحوزتهما مال كافٍ.
غير أن روز قد ذهبت إلى فانكوفر، مستخدمة عُذر طبيب الأسنان، وجلسا في أحد المقاهي جنبًا إلى جنب في سقيفة خلفية وأخذَا يتبادلان القبلات والمداعبات جهارًا في مكان يتردد عليه طلاب وزملاء كليفورد من الموسيقيين، يا لها من مجازفة! وبينما كانت روز تستقل الحافلة في طريقها إلى المنزل راحت تنظر عبر ثوبها إلى قطرات العرق المتقطرة بين ثدييها وكادت يغشى عليها من تألُّقها وبهائها، وكذلك من فكرة المجازفة التي أخذاها. في إحدى المرات الأخرى، بعد ظهيرة يوم شديد الحرارة في شهر أغسطس، انتظرت في أحد الأزقة خلف المسرح الذي كان كليفورد يؤدي فيه البروفة، واختبأت وسط الظلال ثم تشبثت به في هُيام لم يشبعها. رأيا بابًا مفتوحًا فتسللا إلى الداخل. كانت هناك صناديق متراصة في كل مكان حولهما، وكانا يبحثان عن مكان يأويان إليه عندما تحدث إليهما أحد الرجال.
«هل يمكنني القيام بأي شيء من أجلكما؟»
كانا قد دخلا المخزن الخلفي لمحل لبيع الأحذية. كان صوت الرجل باردًا مرعبًا. وأخذت الأفكار المخيفة تتوالى: شرطة الآداب! مركز الشرطة! وكان رداء روز قد انفك حتى الخصر.
ذات مرة كان اللقاء في أحد المتنزهات حيث كانت غالبًا ما تصطحب آنا وتدفعها على الأراجيح. جلسا على أحد المقاعد وقد تشابكت يداهما أسفل تنورة روز القطنية الفضفاضة. كانت أصابعهما متشابكة معًا وراحا يعتصرانها بقوة مؤلمة، إلى أن فاجأتهما آنا حين ظهرت من خلف المقعد وصاحت قائلة: «بوو! لقد أمسكت بكما!» فامتقع وجه كليفورد متحولًا إلى شحوب كارثي. وفي الطريق إلى المنزل قالت روز لآنا: «كان هذا مضحكًا حين قفزت من خلف المقعد. كنت أظن أنك لا تزالين على الأرجوحة.»
قالت آنا: «أعرف ذلك.»
«ماذا قصدت بأنك أمسكت بنا؟»
فقالت آنا: «لقد أمسكت بكما بالفعل.» وضحكت بصوت عالٍ بطريقة بدت لروز متطاولة وذكية بشكل مثير للانزعاج.
قالت روز بنبرة ابتهاج: «هل تَوَدِّين تناول الآيس كريم؟ أنا أود!» وفي خضم أفكار الابتزاز والمساومات التي دارت في عقلها، جال بخاطرها أن آنا سوف تجتر تلك الذكرى السيئة لطبيبها النفسي بعد عشرين عامًا من الآن؛ فقد جعلتها هذه الحادثة مهزوزة وسقيمة وتساءلت إن كانت قد أثَّرت على حب كليفورد لها، لقد حدث ذلك بالفعل، ولكن لفترة مؤقتة فقط. •••
بمجرد بزوغ أول خيط من خيوط الضوء، نهضت من فراشها لمشاهدة النهار لترى إن كان اليوم مناسبًا للسفر جوًّا. كانت السماء صافية، دون أي أثر للضباب الذي يتسبب غالبًا في الهبوط الاضطراري للطائرات في هذا الوقت من العام. لم يعلم أحد سوى كليفورد بذهابها إلى باول ريفر؛ فقد ظلَّا يخططان للأمر على مدى ستة أسابيع منذ أن عَلِمَا بأنه سيسافر في جولة. كان باتريك يعتقد أنها ستذهب إلى فيكتوريا، حيث كان لها صديقة تعرَّفت عليها في الكلية، وظلت على مدار الأسابيع القليلة الماضية تدَّعي بأنها عادت مجددًا للتواصل مع هذه الصديقة. وقد قالت إنها ستعود ليلة الغد. كان اليوم هو السبت ما يعني أن باتريك كان بالمنزل للاعتناء بآنا.
دخلت إلى غرفة الطعام لمراجعة النقود التي ادَّخرتها من شيكات الإعانات الأسرية التي تحصُل عليها من الدولة. كانت تحتفظ بها في قاع طبق المافِن الفضي. ثلاثة عشر دولارًا. كانت تنوي إضافتها لما أعطاها إياه باتريك للسفر إلى فيكتوريا. طالما كان باتريك يعطيها نقودًا حين تطلب، ولكنه كان يرغب في معرفة المبلغ الذي تحتاج إليه وفيما ستُنفقه. ذات مرة بينما كانا يسيران معًا بالخارج، أرادت الدخول إلى الصيدلية، وطلبت منه نقودًا، فقال باتريك بجِدِّيَّة لم تتجاوز الحد المعتاد منه: «لماذا؟» وبدأت روز في البكاء؛ لأنها كانت ستشتري هُلامًا مهبليًّا. أما الآن، فربما تكون قد ضحكت. وقد تضحك إذا ما حدث معها هذا الموقف الآن، فمنذ أن وقعت في حب كليفورد، لم تتشاجر قَطُّ مع باتريك.
قامت مرة أخرى بحساب النقود التي ستحتاج إليها: تذكرة الطائرة، نقود من أجل حافلة المطار التي ستستقلها من فانكوفر، ومن أجل الحافلة، أو ربما سينبغي عليها أن تستقل سيارة أجرة للذهاب إلى باول ريفر، مع فائض من أجل الطعام والقهوة. وكان كليفورد سيتكفل بنفقات الفندق. ملأتها الفكرة بإحساس من الراحة الجنسية والاستسلام، على الرغم من علمها بأن جيروم كان بحاجة إلى نظارة جديدة، وأن آدم بحاجة إلى حذاء عالٍ من المطاط. راحت تفكر في ذلك الفراش المحايد الناعم الوثير الموجود بالفعل في انتظار قدومهما. منذ زمن طويل حين كانت فتاة صغيرة (هي الآن في الثالثة والعشرين)، كثيرًا ما كانت تذهب بخيالها إلى الأسرَّة المؤجَّرة المملة ذات الألوان الحادة والأبواب المغلقة، بما يتضمنه ذلك من الأمنيات المترفة، وها هي الآن تعاود الكَرَّة مجددًا، على الرغم من أن التفكير في أي شيء يتعلق بالجنس ظل لفترة — فيما بين قبل الزواج وبعده — يثير حنقها، مثلما كان الفن الحديث يثير سخط باتريك.
راحت روز تجول عبر أرجاء المنزل بهدوء تخطط ليومها في سلسلة من الإجراءات. سوف تأخذ حمامًا، ثم تضع الزيت والبودرة، وتضع مانع الحمل والهلام المهبلي في حقيبتها. ولم تنسَ النقود، والماسكرا، وكريم الوجه، وأحمر الشفاه. اعتلت درجتي السلم المؤديتين إلى غرفة المعيشة. كانت جدران غرفة المعيشة خضراء طحلبية، وكانت المدفأة بيضاء، فيما كانت الستائر وأغطية المقاعد مزيَّنة بنقوش حريرية من أوراق الشجر بألوان الرمادي والأخضر والأصفر على خلفية بيضاء. وعلى رَفِّ المدفأة كانت هناك مزهريتان من ماركة ويدجوود بلون أبيض وحلقة من أوراق الشجر الخضراء. وكان باتريك مغرمًا بشدة بهاتين المزهريتين، حتى إنه في بعض الأحيان بمجرد عودته من العمل يتوجه مباشرة إلى غرفة المعيشة ويعدل وضعهما قليلًا على رف المدفأة؛ ظنًّا منه بوجود خلل في التناسق الذي وضعتا به.
«هل عبث أحد بهاتين المزهريتين؟»
«بالطبع. بمجرد أن غادرت إلى العمل هرعت نحوهما وبدلت موضعهما.»
«لقد كنت أقصد آنا. فأنت لا تدعيها تلمسهما، أليس كذلك؟»
لم يكن باتريك يحب أن يسمعها تشير إلى المزهريتين بأي طريقة تهكُّمية؛ فقد كان يعتقد أنها لم تكن تُقدِّر قيمة المنزل. لم يكن يعلم، ولكنه ربما استطاع أن يخمن ما قالته لجوسلين في أول مرة جاءت فيها هنا، وكانتا تقفان حيثما كانت روز تقف الآن تجولان بناظريهما في غرفة المعيشة.
«إنه حلم الأناقة لوريث المتجر الكبير.»
حتى جوسلين بدت خجولة من ذلك الغش؛ فلم يكن ذلك صحيحًا تمامًا. لقد كان باتريك يحلم بالمزيد والمزيد من الأناقة. ولم يكن صحيحًا فيما تضمنه ذلك من إِشارات إلى أن المنزل كان من اختيار باتريك بمفرده، وأن روز لطالما كانت غير آبِهة به. لقد كان اختيار باتريك بالفعل، ولكن في وقت من الأوقات كان هناك الكثير من الأشياء تعجبها؛ فقد اعتادت أن تتسلَّق وتلمع الكريستالات الزجاجية المتدلية من ثُرَيَّا غرفة الطعام، مستخدمة قطعة من القماش مغموسة في محلول من الماء وصودا الخبيز. لقد كانت تحب تلك الثريا؛ إذ كان لكريستالاتها المتدلية ضوء أزرق أرجواني فاتح. ولكن الناس الذين كانوا يحوزون إعجابها لم يكن لديهم نجف في غرف الطعام خاصتهم. وكان من غير المحتمل أن يكون لديهم غرف طعام من الأساس. وإذا كان لديهم، فكانوا يكتفون بشموع بيضاء رفيعة مثبَّتة في حامل للشموع من المعدِن الأسود المصنوع في إحدى الدول الإسكندنافية. أو ربما كانوا ليستعينون بشموع سميكة موضوعة في زجاجات النبيذ محمَّلة بقطرات من الشمع الملون. لقد كان الناس الذين تُكِنُّ لهم الإعجاب أفقر منها لا محالة؛ لذا بدَا من قبيل السخرية غير المقبولة منها — بعد أن قضت طيلة حياتها في مكان يخجل فيه الجميع من فقرهم — أن تكون مضطرة الآن أن تشعر بالأسف والحرج من كونها في الحالة المضادة، في ظل وجود شخص مثل جوسلين، على سبيل المثال، يمكن أن تقول عبارة مثل «رفاهية الطبقة المتوسطة» بنبرة غاية في القسوة والازدراء.
ولكنها لو لم تكن قد احتكَّت بالآخرين، ولو لم تكن قد تعلمت من جوسلين، ترى هل كانت ستظل على حبها للمنزل؟ كلا. كانت حتمًا ستشعر بالسخط والبغض تجاهه على أيَّة حال. فحين كان الناس يأتون لزيارتهما لأول مرة، كان باتريك دائمًا ما يصطحبهم في جولة عبر المنزل، مشيرًا إلى النجفة، ومرحاض الضيوف ذي الإضاءة المخفيَّة، بجوار الباب الأمامي، وخزانات الملابس والأبواب المزودة بفتحات تهوية والمفتوحة على الفناء. لقد كان فخورًا بهذا المنزل وكله لهفة لجذب الأنظار للسمات الصغيرة التي تمنحه التميُّز، وكأن هو من نشأ فقيرًا وليس روز. كانت روز تنزعج من هذه الجولات منذ البداية، وكانت تتبعه في صمت أو تصدر تعليقات استنكارية لم تكن تعجب باتريك. وبعد فترة تمكث في المطبخ، ولكن يظل بإمكانها سماع صوت باتريك، وكانت تعرف مسبقًا كل شيء سوف يقوله. كانت تعرف أنه سيزيح ستائر غرفة الطعام ويشير إلى النافورة الصغيرة المضيئة — التي تتخذ شكل نافورة نبتون مزينة بورقة التين — التي كان يضعها في الحديقة، ثم يقول: «والآن ها هو الحل الذي ابتكرناه لهوس الضواحي بحمامات السباحة.» •••
بعد أن انتهت من حمامها أخذت زجاجة اعتقدت أنها زجاجة زيت الأطفال لتسكبها على جسدها. سال السائل الشفاف على صدرها وبطنها مصيبًا إياها بحرقة ولسعة، فنظرت إلى الملصق على الزجاجة لتكتشف أنه لم يكن زيت الأطفال، وإنما مزيل طلاء الأظافر؛ فجعلت تزيله وتغمر نفسها بالماء البارد وتجفف باستماتة وهي تفكر في بشرتها وما لحق بها من دمار، والمستشفى؛ راحت تفكر في ترقيع الجلد، في الندوب، في العقاب.
كانت آنا تخربِش على باب المرحاض في نعاس ولكن بإلحاح؛ فقد أغلقته روز من أجل هذه الاستعدادات، على الرغم من أنها كانت عادة ما لا تغلقه حين تأخذ حمامًا. وسمحت لآنا بالدخول.
قالت آنا وهي تحاول الصعود على المرحاض: «إن صدرك أحمر تمامًا.» عثرت روز على زيت الأطفال وحاولت أن تهدئ بشرتها به، ولكنها استخدمت قدرًا كبيرًا منه ما أدى إلى بقع زيتية على حمالة صدرها الجديدة. •••
كانت تعتقد أن كليفورد قد يكتب لها أثناء رحلته، ولكنه لم يفعل. كل ما فعله هو أنه اتصل بها من برينس جورج وكان يبدو مشغولًا قائلًا:
«متى تصلين إلى باول ريفر؟»
«في الرابعة.»
«حسنًا، استقلِّي الحافلة أو أيًّا ما كان متوافرًا في البلدة. هل ذهبتِ إلى هناك من قبلُ؟»
«لا.»
«ولا أنا. لا أعرف سوى اسم الفندق الذي ستقيمين فيه. لا يمكنك الانتظار هناك.»
«ما رأيك في محطة الحافلة؟ فلكل بلدة محطة للحافلات.»
«حسنًا، عند محطة الحافلات. سوف آخذكِ من هناك في حوالي الخامسة على الأرجح، ويمكننا أن ننقلك إلى فندق آخر. أتمنى من الله أن يكون هناك أكثر من فندق، اتفقنا إذن.»
كان يدَّعي أمام أعضاء الأوركسترا الآخرين أنه سيقضي الليلة مع أصدقاء في باول ريفر.
قالت روز: «يمكنني الذهاب والاستماع إليك وأنت تعزف، أليس كذلك؟»
«بالتأكيد.»
«لن أكون ظاهرة للعيان تمامًا، سوف أجلس في المؤخرة وسأتنكر في شكل سيدة عجوز؛ فأنا أحب أن أستمع إلى عزفك.»
«اتفقنا.»
«هل تمانع؟»
«كلا.»
«كليفورد.»
«أجل؟»
«أما زلت تريدني أن آتي؟»
«أوه روز.»
««أعرف. إن صوتك فقط يوحي لي غير ذلك.»
«أنا في بهو الفندق وهم بانتظاري، ومن المفترض أنني أتحدث إلى جوسلين.»
«حسنًا. أعرف ذلك. سوف آتي.»
«باول ريفر. محطة الحافلات. الخامسة مساء.»
كانت هذه المكالمة مختلفة عن أحاديثهما الهاتفية المعتادة التي عادة ما تكون شجية وسخيفة، أو يثير كل منهما الآخر بحيث لا يستطيعان الحديث على الإطلاق.
«هناك صوت نفَس ثقيل.»
«أعرف.»
«لنتحدث عن شيء آخر.»
«ماذا هناك أيضًا؟»
«هل الجو ضبابي عندكَ أيضًا؟»
«أجل. هل هناك ضباب أيضًا عندكِ؟»
«أجل. أتسمع صوت صافرة الضباب؟»
«أجل.»
«أليس صوتًا مزعجا؟»
«في الواقع أنا لا أنزعج منه. فأنا أحبه نوعًا ما.»
«جوسلين لا تحبه. أتعلمين كيف تصفه؟ إنها تقول إنه صوت ملل كوني.»
كانا في البداية يتجنبان الحديث عن جوسلين وباتريك تمامًا، بعد ذلك صارا يتحدثان عنهما بأسلوب صارم وحادٍّ، وكأنهما أبوان يجب خداعهما والاحتيال عليهما، أما الآن، فصار بإمكانهما الحديث عنهما بأسلوب لطيف يقارب الإعجاب، وكأنهما ابناهما. •••
لم تكن هناك محطة للحافلات في باول ريفر؛ فاستقلَّت روز ليموزين المطار مع أربعة ركاب آخرين، جميعهم رجال، وأخبرت السائق بأنها تريد الذهاب إلى محطة الحافلات.
«أتعلمين أين تقع؟»
قالت: «كلا.» وشعرت وكأنهم جميعًا يرقبونها.
«أكنتِ تريدين أن تستقلي حافلة؟»
«لا.»
«أتريدين فقط الذهاب إلى محطة الحافلات؟»
«كان مقررًا أن أقابل شخصًا ما هناك.»
قال أحد الركاب: «لم أكن أعلم حتى بوجود محطة للحافلات هنا.»
فقال السائق: «حسب علمي لا يوجد أية محطة هنا. يوجد الآن حافلة تتجه إلى فانكوفر صباحًا وتعود ليلًا وتتوقف عند دار المسنين، أو بالأصح دار جامعي الحطب القدامى. تلك هي المحطة التي تتوقف عندها. كل ما يمكنني فعله هو أن أوصلك إلى هناك. أيوافقك هذا؟»
فقالت روز إن ذلك سيكون رائعًا، ثم شعرت بأن عليها المضي في شرح الأمر.
«لقد رتبت مع صديقتي للقائها هناك؛ لأننا لم يسعنا التفكير في مكان آخر للقاء؛ فنحن لا نعرف باول ريفر مطلقًا، وفكرنا فقط أن كل بلدة لها محطة للحافلات!»
فكَّرت أنها ربما أخطأت بقولها «صديقتي»، ربما كان عليها أن تقول «زوجي»؛ فما قالته قد يجعلهم يتساءلون ماذا تفعل هي وصديقتها هنا إذا لم يكن أي منهما يعرف البلدة.
«صديقتي تعزف في فريق الأوركسترا الذي يقيم حفلًا هنا الليلة. إنها تعزف على الكمان.»
أشاح الجميع بنظرهم عنها وكأن ذلك هو ما تستحقه أية كذبة. كانت تحاول أن تتذكر إذا ما كان هناك عازفات للكمان. ماذا لو سألوها عن اسمها؟
أنزلها السائق أمام مبنى خشبي طويل من طابقين ذوي طلاء متقشر.
«أعتقد أن بإمكانكِ دخول البناية الزجاجية هناك في النهاية؛ فالحافلة تقلهم من هنا على أية حال.»
كانت هناك طاولة بلياردو في البناية الزجاجية ولم يكن هناك أحد يلعب عليها. كان هناك بعض المسنين يلعبون الشطرنج بينما اكتفى آخرون بالمشاهدة. فكرت روز أن تشرح لهم سبب وجودها ولكنها قررت ألا تفعل؛ فقد بَدَوْا غير عابئين بذلك، وكان في ذلك رحمة لها؛ فقد أرهقها ما قدمته من إيضاحات في الليموزين.
كانت ساعة المبنى تشير إلى الرابعة وعشر دقائق، ففكرت أن تضيع الوقت المتبقي حتى حلول الخامسة بالتجول عبر البلدة.
وما إن خرجت من المبنى حتى لاحظت رائحة كريهة، وساورها القلق ظنًّا منها أنها قد تكون مصدر هذه الرائحة، فأخرجت زجاجة العطر ذات الكرة الدوارة التي اشترتها في مطار فانكوفر — منفقة مالًا لا تستطيع توفيره في المعتاد — وجعلت تفرك بها رسغيها وعنقها، ولكن ظلت الرائحة دون أن تزول، وفي النهاية أدركت أنها قادمة من مطاحن لُبِّ الورق. كان من الصعب التجول عبر أنحاء البلدة؛ نظرًا لانحدار شوارعها الشديد، ولعدم وجود أرصفة في الكثير من الأماكن. ولم يكن هناك مكان للتسكُّع وإضاعة الوقت. ظنت أن الناس يحملقون فيها لإدراكهم أنها غريبة عن البلدة، وراح مجموعة من الرجال يستقلون سيارة يصيحون نحوها، بعد أن رأوا انعكاس صورتها على واجهات أحد المحال، وأدركوا أنها تبدو كما لو كانت ترغب في إثارة نظرات الناس وصيحاتهم؛ فقد كانت ترتدي بنطالًا مخمليًّا أسود على طراز بنطال مصارع الثيران القصير، وكنزة سوداء ضيقة ذات ياقة عالية، وسترة باللون البيج تسدلها حول كتفيها على الرغم من الرياح الباردة. صارت تنجذب الآن لارتداء الملابس المثيرة وهي التي كانت يومًا ما لا تختار سوى التنورات الطويلة والألوان الهادئة، والكنزات المصنوعة من الصوف الوبري ذات الطراز الطفولي، وفتحات العنق المطرَّزة بنتوءات مستديرة. وكانت الملابس الداخلية الجديدة التي ترتديها في تلك اللحظة من الدانتيل الأسود والنايلون الوردي. وكانت قد زينت عينيها في غرفة الانتظار بالمطار بالماسكرا الكثيفة، ومحدِّد العيون أسود اللون، وظل العيون الفضي، فيما كان أحمر الشفاه أقرب للأبيض. كان كل ذلك يتماشى مع الموضة السائدة في تلك السنوات؛ ولذلك بدا أقل غرابة مما بدا لاحقًا، ولكنه كان مزعجًا ولافتًا بما يكفي. كانت الثقة التي حملت بها هذا التنكُّر متذبذبة إلى حد كبير؛ فهي لم تكن لتجرؤ على الظهور به أمام باتريك أو جوسلين؛ فعندما كانت تذهب لزيارة جوسلين، كانت دائمًا ما ترتدي أوسع ما لديها من سراويل وكنزات. ومع ذلك عندما كانت جوسلين تفتح لها الباب كانت تقول: «مرحبًا بالسيدة مثيرة!» بنبرة سخرية ودودة. فجوسلين ذاتها كانت قد أصبحت شعثاء المظهر بشكل لافت، فلم تكن ترتدي سوى ملابس كليفورد القديمة؛ فكانت ترتدي سراويله القديمة التي لم تكن تُغلق عليها؛ لأن بطنها لم تعُد كما كانت بعد أن وضعت آدم، وكذا قمصانه القطنية البيضاء المهترئة التي كان كليفورد يرتديها يومًا ما من أجل العُروض. كانت جوسلين فيما يبدو ترى أن مسألة الحفاظ على الرشاقة والتزين بالمساحيق ومحاولة الظهور بمظهر مغرٍ بأي شكل مضحكة إلى حدٍّ مَقيت، ولا تستحق حتى الازدراء؛ كانت بالنسبة لها أقرب لحديث تنظيف الستائر بالمكنسة. كانت تقول إن مشاعر كليفورد لا تختلف على أي حال؛ فقد كان كليفورد، على حد تعبير جوسلين، ينجذب لغياب الحيل ومظاهر التزيُّن الأنثوية؛ فكان يحب السيقان غير الحليقة والإبط المشعر، وروائح الجسم الطبيعية. وراحت روز تتساءل إذا كان كليفورد قد قال هذا حقًّا، ولماذا؟ هل من منطلق الشفقة، أم الود وحسن المعاشرة، أم على سبيل المزاح؟
وجدت روز مكتبة عامة فدخلت وجعلت تتطلع إلى عناوين الكتب، إلا أنها لم تستطع الانتباه إليها؛ فقد كان هناك صوت معوِّق نوعًا ما — وإن لم يكن كريهًا — يسري عبر رأسها وجسدها. وفي الخامسة إلا الثلث عادت إلى المبنى الزجاجي وجلست تنتظر.
كانت لا تزال تنتظر بينما عقارب الساعة تشير إلى السادسة وعشر دقائق. أخذت تعد الدولارات بحقيبتها. كان معها دولار وثلاثة وستون سنتًا. لم يكن بإمكانها الذهاب إلى أي فندق، ولم تكن تعتقد أنهم سيتركونها تقضي الليل في المبنى الزجاجي. لم يكن بوسعها فعل أي شيء إلا الدعاء بأن يستطيع كليفورد الوصول إليها، ولكنها لم تكُن تعتقد أنه سيفعل. ربما تغيَّر الجدول تمامًا، وقد يكون استُدعِيَ للمنزل لأن أحد الطفلين مريض، ربما يكون قد تعرض لكسر في رسغه ولم يستطع العزف على الكمان. كانت باول ريفر مكانًا مقيتًا وليست سوى سراب كريه الرائحة يُستدرج إليه المسافرون من مرتكبي الجرائم لتوقيع عقوبات عليهم. لم تكن مندهشة في الواقع؛ فقد قفزت القفزة التي لم يكن يجب القيام بها، وكان هذا هو ما آلت إليه.
قبل أن يدخل المسنون لتناول العشاء سألتهم عمَّا إذا كانوا قد علموا بأمر حفل موسيقي يقام الليلة في قاعة المدرسة الثانوية، فأجابوا بالنفي على مضض.
«لم نسمع مطلقًا بأنهم يقيمون حفلات هنا.»
أخبرتهم بأن زوجها يعزف في الأوركسترا، وأنه في رحلة قادمة من فانكوفر، وأنها قد سافرت لمقابلته، وكان من المفترض أن تقابله هنا.
هنا؟
فقال أحد المسنين بأسلوب خبيث ذي مغزى: «ربما يكون قد ضلَّ طريقه. ربما يكون قد ضل طريقه، أليس كذلك؟ دائمًا ما يضل الأزواج الطريق.»
كان الظلام قد عَمَّ بالخارج؛ فقد كان ذلك في شهر أكتوبر، وكان المكان أبعد شمالًا من فانكوفر. حاولت أن تفكر ماذا تفعل. كان الشيء الوحيد الذي خطر لها هو أن تتظاهر بأنها قد فقدت الوعي ثم تدَّعي فقدان الذاكرة. ولكن هل كان ذلك لينطلي على باتريك من الأساس؟ سوف تُضطر لأن تقول إنها لا تتذكر ماذا كانت تفعل في باول ريفر، وسوف تُضطر لأن تقول إنها لا تتذكر أيًّا مما قالته في السيارة الليموزين، ولا تعرف شيئًا عن الأوركسترا، وسوف تضطر لإقناع رجال الشرطة والأطباء، وسوف يُكتب عن الحادثة في الصحف. رباه، أين كليفورد؟ لماذا هجرها؟ هل وقع حادث على الطريق؟ فكرت أن عليها تمزيق قصاصة الورق التي احتفظت بها في حقيبتها والتي دوَّنت عليها تعليماته. وفكرت أنه من الأفضل أن تتخلص من مانع الحمل أيضًا.
كانت تتفقد حقيبتها عندما توقَّفت شاحنة بالخارج. فكرت أنها لا بد وأن تكون سيارة الشرطة؛ فقد خطر لها أن المسنين قد اتصلوا بالشرطة وأبلغوا عنها كشخص مشتبه فيه.
ترجَّل كليفورد من الشاحنة وتقدم مسرعًا نحو درجات المبنى الزجاجي. واستغرقت لحظات لتتعرف عليه. •••
تناولا الجعة والبرجر في فندق غير ذلك الذي أقام فيه أعضاء الأوركسترا. كانت يدا روز ترتعشان ما جعل الجعة تنسكب على الطاولة. قال كليفورد إنه كانت هناك بروفة لم يحسب حسابها، ثم ظل لمدة نصف ساعة يبحث عن محطة الحافلة.
«أعتقد أن فكرة محطة الحافلة لم تكن بالفكرة الذكية.»
كانت يده ممتدة على الطاولة، فجعل يمسح الجعة بفوطة المائدة، ثم وضع يده على يديها، وراحت تفكر في ذلك كثيرًا فيما بعد.
«من الأفضل أن نحجز لكِ هنا.»
«ألن نقيم هنا معًا؟»
«من الأفضل أن تقيمي هنا بمفردك.»
قالت روز: «منذ أن وطأتُ بقدمي هنا وكل شيء يبدو في غاية الغرابة. لقد كان إحساسًا مشئومًا. كنت أشعر بأن الجميع يعرفون بأمرنا.» وشرعت تروي له بأسلوب تمنَّت لو كان ممتعًا عن سائق الليموزين، والركاب الآخرين، والمسنين في دار جامعي الحطب: «كم شعرتُ بالارتياح حين ظهرتَ، يا له من شعور عصيب بالارتياح! لقد كنت ارتعش من الخوف.» وراحت تخبره عن خطتها بتصنُّع فقدان الذاكرة وإدراكها أن من الأفضل أن تتخلص من مانع الحمل الخاص بها. فضحك، ولكنه لم يكن ضحكًا بدافع الابتهاج حسبما رأت؛ فقد بدا لها أنه قد زم شفتيه في اشمئزاز أو نفور عندما تحدثت عن مانع الحمل.
قالت في عجالة: «ولكن كل شيء جميل الآن.» كانت تلك هي أطول محادثة دارت بينهما وجهًا لوجه على الإطلاق.
فقال: «إنها فقط مشاعر الذنب التي بداخلك، وهي مشاعر طبيعية.»
راح يمسِّد على يدها، وحاولت هي أن تفرك بإصبعها على عِرق نبضه كما اعتادا أن يفعلا، ولكنه سحب يده. •••
بعد نصف ساعة وجدت نفسها تقول: «أما زلتَ لا تمانع ذهابي إلى الحفل؟»
«أما زلتِ تريدين الذهاب؟»
«وهل من شيء آخر للقيام به؟»
وهزَّت كتفيها وهي تقول ذلك. كان جفناها متدليين، وشفتاها ممتلئتين ومضمومتين. كانت تمارس نوعًا من المحاكاة، ربما لباربرا ستانويك في ظروف مماثلة. بالطبع لم تكن تقصد التقليد، بل كانت تحاول إيجاد طريقة ما لتبدو في غاية السحر، بل في غاية الترفُّع والسحر بما يدفعه لتغيير رأيه.
«المشكلة هي أنني مضطر للعودة بالشاحنة؛ لأن عليَّ اصطحاب الزملاء الآخرين.»
«بإمكاني السير. أخبرني فقط بالمكان.»
«أخشى أن المكان مرتفع عن هنا.»
«لن يضيرني ذلك في شيء.»
«روز، ذلك أفضل كثيرًا. أفضل كثيرًا حقًّا.»
«إذا كنتَ ترى ذلك.» ولم تستطع هز كتفيها مرة أخرى. كانت لا تزال تعتقد أن هناك طريقة ما حتمًا لقلب الأمور والبدء من جديد. تبدأ من جديد لتصحِّح أي خطأ ارتكبتْهُ قولًا أو فعلًا، لتمحو حقيقة وقوع أي من ذلك. ولكنها قد وقعت بالفعل في خطأ السؤال عمَّا تكون قد فعلته أو قالته خطأ، وقال لها لا شيء. لا شيء. لقد قال إنها لا علاقة لها بالأمر. كان الابتعاد عن المنزل لمدة شهر هو ما جعله يرى كل شيء بصورة مختلفة: جوسلين، الطفلين، الضرر.
قال: «كان ذلك عبثًا فقط.»
كان قد قصَّر شعره مثلما لم ترَهُ من قبل مطلقًا، وتلاشت سمرة بشرته. كان يبدو حقًّا وكأنه قد انسلخ من جسده، ذلك الجسد الذي كان يتحرق شوقًا لجسدها، ليعود مرة أخرى ذلك الزوج الشاب الشاحب الوفي الذي يشعر بواجباته، برغم عصبيته، الذي رأته في أثناء زياراته لجوسلين في عنبر الولادة.
«أي عبث تقصد؟»
«ما نفعله. إنه ليس بالشيء الكبير المهم، بل مجرد عبث عادي.»
«لقد اتصلتَ بي من برينس جورج.» في تلك اللحظة اختفت باربرا ستانويك، وسمعت روز نفسها تشرع في الأنين.
«أعرف أنني فعلت.» كان يتحدث بنبرة زوج ضاق ذرعًا بالإلحاح والشكوى.
«هل كان هذا شعورك حينذاك؟»
«نعم ولا. لقد وضعنا كل الخطط. ألم يكن الأمر ليصبح أسوأ لو كنتُ قد أخبرتك عبر الهاتف؟»
«ماذا تعني بالعبث؟»
«تبًّا يا روز.»
«ماذا تقصد؟»
«تعرفين ماذا أقصد. لو أننا قد استمررنا في هذا، ما الفائدة التي ستعود على أيٍّ منَّا في ظنك يا روز؟ حقيقةً؟»
قالت روز: «كلينا. كانت الفائدة ستعود على كلينا.»
«كلا. بل كان سينتهي بجلبة كبيرة.»
«لمرة واحدة فقط.»
«كلا.»
«لقد قلت مرة واحدة فقط. قلت إننا سنجعلها ذكرى بدلًا من أن تبقى مجرد حلم في خيالنا.»
«رباه. يبدو أنني قد تفوهت بالكثير من الهراء.»
كان يقول إن لسانها أشبه بحيَّة حارة الدماء، ولكنها حية جميلة، وإن حلمتيها أشبه بثمار التوت. ولم يكن ليعبأ بتذكيره بما قال.
افتتاحية لروسلان ولودميلا: جلينكا.
مقطوعة سيرينادا للوتريات: تشايكوفسكي.
السيمفونية السادسة لبيتهوفن، السيمفونية الرعوية: الحركة الأولى.
المولدو: سميتانا.
افتتاحية ويليام تِل: روسيني.
لم تستطع سماع أيٍّ من هذه المقطوعات الموسيقية لمدة طويلة دون أن تجتاحها نوبة من الخزي، وكان ذلك بمثابة جدار كامل ينهار فوقها وتختنق بركامه. •••
قبيل مغادرة كليفورد لرحلته، كانت جوسلين قد اتصلت بروز وأخبرتها أن جليسة الأطفال لم تستطع المجيء. كان ذلك هو اليوم الذي كانت تذهب فيه لطبيبها النفساني. فعرضت روز أن تأتي وتعتني بآدم وجيروم، وكانت قد فعلت ذلك من قبلُ، فقطعت الرحلة إلى هناك مستقلة ثلاث حافلات وبصحبتها آنا.
كانت التدفئة في منزل جوسلين تتم عن طريق موقد يعمل بالزيت في المطبخ، ومدفأة حجرية ضخمة في غرفة المعيشة الصغيرة. كان موقد الزيت مغطًّى ببقع الزيت، فيما كانت قشور البرتقال وثفل القهوة والحطب المحروق والرماد متساقطة من المدفأة. لم يكن هناك قبو ولا مجفف ملابس. كان الجو ممطرًا وكانت أرفف السقف والأرفف المتحركة مكسوَّةً بالملاءات المبتلة الضاربة إلى الرمادي والحفاضات والمناشف الخشنة. لم يكن هناك غسالة ملابس أيضًا، وكانت جوسلين قد غسلت تلك الملاءات في حوض الاستحمام.
قال باتريك الذي كانت روز تخبره أحيانًا بأشياء تعرف أنه سيُحب سماعها فيما يبدو عدم وفاء منها: «لا تملك غسالة ولا مجففًا، ولكنها تذهب إلى طبيب نفساني.»
قالت روز: «لا بد وأنها مصابة بالجنون.» ما أثار ضحكاته.
ولكن باتريك لم يكن يحب أن تذهب لرعاية طفلَي جوسلين.
«لا شك أنك طوع بنانها. غريب أنك لا تذهبين لتنظيف أرضيات منزلها.»
والواقع أن روز قد فعلت ذلك بالفعل.
في وجود جوسلين، كان للفوضى التي تعم المنزل طابع خاص مؤثر، ولكن عندما انصرفت أصبحت لا تطاق. بدأت روز العمل وبحوزتها سكين تكشط به طبقات طعام الأطفال المتراكمة على كراسي المطبخ، وتلمِّع قدر القهوة، وتمسح الأرضية. وكانت تخصص بعض الوقت للبحث والتقصي؛ فكانت تدخل إلى غرفة النوم — إذ كان عليها مراقبة جيروم الذي كان طفلًا أكبر من سنه ومثيرًا للإزعاج — وتلقي نظرة على جوارب كليفورد وملابسه الداخلية التي كانت تختلط جميعًا بحمالات الرضاعة القديمة الخاصة بجوسلين وأربطة جواربها المهترئة. كانت تنظر لترى ما إذا كان قد وضع أسطوانة على القرص الدوار، متسائلة إن كان هذا شيئًا من شأنه أن يدفعه للتفكير فيها.
ووجدت أسطوانة لتيليمان. من غير المحتمل أنها تذكره بها، ولكنها أدارتها لتسمع ما كان يسمعه. احتست القهوة ممَّا اعتقدت أنه فنجانه المتسخ الذي احتسى فيه قهوة الصباح. وقامت بتغطية إناء الأرز الإسباني الذي تناول منه عشاءه ليلة أمس. راحت تقتفي كل أثر لوجوده (لم يكن يستخدم ماكينة حلاقة كهربائية، بل كان يستخدم صابون حلاقة تقليدي يوضع في إناء خشبي)، ولكنها كانت تعتقد أن حياته في هذا المنزل، منزل جوسلين، كانت محض تظاهر وانتظار، مثلما كانت حياتها في منزل باتريك.
حين عادت جوسلين إلى المنزل شعرت روز بأن عليها الاعتذار عن أعمال النظافة التي قامت بها، واتفقت معها جوسلين — التي كانت في حاجة ماسة لأن تخبرها عن مشاجرتها مع طبيبها النفساني الذي ذكَّرها بوالدتها — في الرأي في أن ذلك الهوس الذي يجتاح روز بشأن النظافة المنزلية لهو بالتأكيد ضرب من الهوس الوضيع، ويا حبَّذا لو ذهبت هي نفسها إلى طبيب نفساني إذا أرادت أن تتخلص منه. كانت تمزح، ولكن بينما كانت تستقل الحافلة عائدة إلى المنزل، وقد انتابت آنا نوبة غضب ولم تُعِد أيَّ شيء للعشاء من أجل باتريك، راحت روز تتساءل عن السبب وراء أنها تبدو دائمًا على الجانب الخطأ من الأمور؛ فتجد نفسها محل استهجان من الجيران لأنها لا تُولي اهتمامًا كافيًا بالأعمال المنزلية، فيما تؤنبها جوسلين لعدم احتمالها بما يكفي للفوضى الطبيعية ورفضها للحياة. لقد كانت تفكر في الحب، ليس الحب المخلص تجاه الزوج، وإنما الحب الجنوني الداعر، مثلما لم تكن جوسلين وجيرانها. وقد استغلت ذلك لتصالح نفسها على كل شيء: تتصالح على سبيل المثال مع تقلُّب باتريك في الفراش مُصدِرًا صوتًا لغطيط يشبه نقيق الدجاج قليلًا ممَّا كان يعني أنها قد تحللت من كل مثالبها ونقائصها في اللحظة الراهنة؛ إذ كان يفترض بهما أن يمارسا الحب معًا. •••
لم تؤتِ كلمات كليفورد التي نمت من التعقل والأخلاقيات أيَّ تأثير مع روز على الإطلاق، فكانت ترى أنه قد خدعها. فلم يكن التعقُّل والأخلاق القويمة هما مطلبها منه. راحت تشاهده في قاعة مدرسة باول ريفر الثانوية. شاهدته وهو يعزف على الكمان وقد كسا وجهه تعبير بائس ولكنه منتبه، كانت يومًا ترى أنه موجَّه لها. لم تكن تعرف كيف لها أن تعيش بدونه.
وفي منتصف الليل اتصلت به من الفندق الذي تقيم به.
«أرجوك، تحدث إليَّ.»
قال كليفورد بعد لحظة من الصمت: «لا بأس، لا بأس يا جوس.»
لا بد وأنه كان لديه رفيق في الغرفة ربما يكون رنين الهاتف قد أيقظه؛ فقد كان يتظاهر بأنه يتحدث إلى جوسلين. أو ربما كان في غاية النعاس إلى حد الاعتقاد بأن جوسلين هي من كانت تحادثه.
«كليفورد، إنه أنا.»
قال كليفور: «لا بأس. هوِّني عليك. فلتذهبي للنوم.»
وأغلق الخط. •••
يعيش جوسلين وكليفورد الآن في تورونتو، إذ غادرهما الفقر؛ فقد صار كليفورد عازفًا ناجحًا وصار اسمه يظهر على أغلفة الأسطوانات ويُسمع عبر موجات الراديو. وظهر وجهه، والأكثر يداه، على شاشة التليفزيون وهو يعزف على كمانه. أما جوسلين، فاتبعت حمية غذائية وصار لها جسد ممشوق، وقامت بقَصِّ شعرها وصار له شكل أنيق؛ فهو مفروق من المنتصف ومرفوع عن وجهها، مع خصلة بيضاء نقية تخرج من كل صدغ.
إنهما يعيشان في منزل كبير من الطوب على حافة أحد الأودية. يوجد في الفناء الخلفي مآكل للطيور، وقاما بتركيب جهاز ساونا، حيث يجلس كليفورد لفترة طويلة من الوقت اعتقادًا منه أنه سوف يَقِيهِ شر الإصابة بالتهاب المفاصل مثل والده؛ فالتهاب المفاصل هو أكثر ما يخيفه في حياته.
اعتادت روز أن تراهما في بعض الأحيان، فكانت تعيش في الريف، بمفردها، حيث كانت تعمل بالتدريس في إحدى الكليات الأهلية، وودت أن يكون لديها مكان للمبيت فيه حتى الصباح حين تأتي إلى تورونتو. وكان يبدو أنهما يسعدان باستضافتها؛ فقد كانا يقولان إنها أقدم صديقة لهما.
في إحدى المرات حين كانت روز في زيارة لهما، روت لها جوسلين قصة عن آدم. كان لآدم شقة في قبو المنزل، فيما كان جيروم يعيش في وسط المدينة مع صديقته. أما آدم، فكان يُحضر فتياته هنا.
قالت جوسلين: «كنت أقرأ في المعتكَف بينما كان كليفورد بالخارج، وإذ بي أسمع صوت هذه الفتاة من شقة آدم وهي تقول لا! لا. إن الجلبة التي تصدر من شقته تصل مباشرة إلى المعتكَف، وقد نبهناه إلى ذلك، واعتقدنا أنه سيشعر بالحرج …»
قال كليفورد: «لم أكن أعتقد أنه سيُحرج.»
«ولكنه اكتفى بقول إن علينا فقط أن ندير مشغِّل الأسطوانات. ومن ثَمَ ظللت أسمع تلك الفتاة المجهولة المسكينة وهي تصرخ وتحتج، ولم أعرف ماذا أفعل. أعتقد أن هذه المواقف جديدة حقًّا، فلا يوجد لها سوابق، أيفترض بكِ أن تمنعي ابنك من اغتصاب إحدى الفتيات إذا كان هذا هو ما يفعله تحت عينيك أو على الأقل تحت قدميك؟ وأخيرًا نزلتُ إلى الطابق السفلي وجعلت أُخرج جميع عصي التزحلق من الخزانة الواقعة في ظهر غرفة نومه، وبقيت هناك أضرب بتلك العصي، معتقدة أنني سأقول إنني سأقوم بتلميعها. ولكننا كنا في شهر يوليو. ولم يقل لي آدم أي شيء. أتمنى لو غادر المنزل.»
حكت روز عما كان لدى باتريك من مال، وكيف أنه قد تزوج امرأة عاقلة تفوقه ثراء، قامت بتجهيز غرفة معيشة مبهرة بالمرايا والمخمل الباهت ومنحوتة من السلك تشبه قفص طيور لعينًا؛ فلم يعد باتريك يعارض الفن الحديث.
قالت روز لجوسلين: «بالطبع لم يعُد نفس المنزل. أتساءل ماذا فعَلت بالمزهريتين الويدجوود؟»
«ربما يكون لديها غرفة غسيل سخيفة. حيث تضع مبيض الملابس في إحدى المزهريتين، ومسحوق الغسيل في الأخرى.»
«إنهما موضوعتان في تناسق رائع على الرف.»
ولكن وخزات الشعور بالذنب القديمة عادت تنتاب روز.
«ما زال حبي لباتريك كما هو.»
قالت جوسلين: «لماذا؟»
«إنه أكثر لطفًا من معظم الناس.»
قالت جوسلين: «هذا سخف. أراهن أنه لا يحبك.»
قالت روز: «هذا صحيح.» وشرعت تخبرهم عن رحلتها على متن الحافلة. كانت تلك واحدة من المرات التي لم تكن تقود سيارتها فيها؛ نظرًا لوجود الكثير من الأعطال بها، ولم يكن باستطاعتها تحمُّل تكاليف إصلاحها.
«راح الرجل الجالس في المقعد المقابل يخبرني كيف أنه اعتاد قيادة الشاحنات الكبيرة، وقال إننا لم نَرَ قَطُّ شاحنات في هذا البلد مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة.» وبدأت تتحدث بلكنتها الريفية: «في «الويلايات» المتحدة لديهم تلك الطرق الخاصة التي نسميها طرقًا رئيسية ذات بوابات لسداد قيمة المرور، ولا يُسمح سوى للشاحنات بالسير عليها. والخدمات متوافرة على هذه الطرق من طرف البلاد إلى الطرف الآخر، وهذا هو ما يجعل معظم الناس لا يرونها قط. وهي ضخمة للغاية حتى إن حجم الكابينة يعادل نصف حجم حافلة، ويكون لها سائق وسائق مساعد وسائق آخر وسائق مساعد آخر يخلدان للنوم. كما يتوافر بها مرحاض ومطبخ وأسرَّة وكل شيء. وهي تسير بسرعة ثمانين أو تسعين ميلًا في الساعة؛ نظرًا لعدم وجود حَدٍّ للسرعة على الطرق الرئيسية المخصصة لها.»
فقال كليفورد: «إنكِ شخص في غاية الغرابة لكونك ما زلت تعيشين هناك.»
قالت جوسلين: «دعكَ من الشاحنات، ودعك من الميثولوجيا القديمة، كليفورد يريد أن يتركني مرة أخرى.»
جلسوا يحتسون الشراب ويتحدثون عمَّا يجب أن يفعله جوسلين وكليفورد. ولم يكن ذلك بالحوار غير المألوف. ما الذي يريده كليفورد حقًّا؟ هل يرغب حقًّا في الانفصال عن جوسلين أم أنه يريد شيئًا بعيد المنال؟ هل يمر بأزمة منتصف العمر؟
قال كليفورد لروز: «لا تكوني سخيفة هكذا.» وكانت هي من قال أزمة منتصف العمر، وأردف قائلًا: «إنني أمر بها منذ أن كنتُ في الخامسة والعشرين؛ فقد كنت أرغب في الخروج منذ أن دخلت.»
قالت جوسلين: «جديد على كليفورد أن يقول هذا.» واتجهت إلى المطبخ لإحضار بعض الجبن والعنب، ثم صاحت من المطبخ قائلة: «جديد عليه أن يفشي ما بداخله ويقول ذلك.» وفي تلك الأثناء تحاشت روز النظر إلى كليفورد؛ ليس لأن بينهما أي أسرار، ولكن لأنه بدَا من التأدب واللياقة تجاه جوسلين ألا ينظر أحدهما إلى الآخر وهي خارج الغرفة.
قالت جوسلين وقد عادت حاملة صحنًا به الجبن والعنب في يد وزجاجة من شراب الجين في اليد الأخرى: «ما يحدث الآن هو أن كليفورد أصبح صريحًا للغاية. لقد اعتاد أن يتذمر ويثور وتخرج منه هراءات أخرى لا علاقة لها بالمشكلة الحقيقية. أما الآن، فها هو يصرح بالحقيقة الكبرى الملتهبة دون أي رتوش. إنها حقًّا مكاشفة شاملة.»
واجهت روز بعض الصعوبة في فهم لهجتها. شعرت وكأن الحياة في الريف قد جعلتها أكثر بطئًا في الفهم. هل كان حديث جوسلين من قبيل السخرية؟ هل كانت تتهكم؟ لا لم تكن كذلك.
قال كليفورد بابتسامة عريضة: «دعيني أخبرك بالحقيقة.» كان يشرب الجعة من الزجاجة؛ فقد كان يعتقد أن الجعة أفضل له من شراب الجين: «حقيقي تمامًا أنني أردت الخروج منذ أن دخلت، وصحيح أيضًا أنني أردت الدخول وأردت البقاء. أردت الزواج منك وأردتك زوجة لي، ولكني لم أعُد أطيق هذا الزواج ولا أن أكون زوجًا لك. إنه تناقض ثابت.»
قالت روز: «يبدو أنك تعيش في جحيم.»
«لم أقل ذلك. أنا فقط أوضِّح أنها ليست أزمة منتصف العمر.»
قالت روز: «حسنًا ربما كان ذلك مبالغة في التبسيط.» ولكن على الرغم من ذلك، مضت تتحدث بلهجة صارمة وبالأسلوب العقلاني الريفي العملي الذي كانت تتبناه في تلك اللحظة، وكان كل ما سمعاه يخص كليفورد. ما الذي يريده كليفورد حقًّا؟ ما الذي كان يحتاج إليه؟ هل كان بحاجة إلى استوديو؟ هل كان بحاجة إلى إجازة؟ هل كان بحاجة للسفر إلى أوروبا بمفرده؟ ما الذي جعله يعتقد — والكلام على لسانها — أنه كان من الممكن أن تظل جوسلين منشغلة بسعادته إلى ما لا نهاية؟ إن جوسلين ليست والدته لتفعل ذلك.
قالت موجِّهة حديثها إلى جوسلين: «وهذا خطؤك؛ لأنك لم تخبريه بأن عليه أن يتحرك في اتجاه تحقيق ما يريد أو يصمت. لا تبالي بما يريده حقًّا. فليرحل أو يصمت. هذا كل ما ينبغي أن تخبريه به.» ثم قالت موجِّهة الحديث إلى كليفورد بفظاظة مستعارة: «فلتصمت أو ترحل. أستميحك عذرًا لصراحتي المفرطة، أو بالأحرى عدوانيتي الصريحة.»
لم يكن في إقدامها على إظهار العدوانية في نبرتها أية مخاطرة على الإطلاق، وكانت تعرف ذلك؛ فقد كانت ستخاطر لو بدت رقيقة وغير مبالية؛ فالأسلوب الذي كانت تتحدث به في تلك اللحظة كان دليلًا على أنها صديقة حقيقية لهما وأنها تأخذهما على محمل الجد. وقد كانت كذلك بدرجة ما.
قالت جوسلين على سبيل التجربة: «إنها محقة أيها الحقير الداعر. فلترحل أو تصمت.»
حين اتصلت جوسلين بروز، قبل سنوات، لتقرأ عليها قصيدة «عواء»، لم تستطع التلفُّظ بكلمة «داعر»، على الرغم من جرأتها المعهودة في الحديث. حاولت أن ترغم نفسها على قولها، ثم قالت: «آه، هذه حماقة، ولكن لا أستطيع قولها. سوف أضطر لقول «وغد» بدلًا منها. سوف تعرفين ما أعنيه حين أقول وغد، أليس كذلك؟»
قال كليفورد: «ولكنها قالت إنه خطؤك. تريدين أن تلعبي دور الأم. تريدين أن تكوني الرشيدة الناضجة. تريدين أنت تكوني الصابرة على المعاناة.»
قالت جوسلين: «اهدأ. ربما. ربما، نعم. ربما أكون كذلك بالفعل.»
قال كليفورد بابتسامته العريضة الناعمة: «أراهن أنكِ عندما كنتِ في المدرسة كنت تتعلقين بأولئك الأطفال ممَّن لديهم مشكلات؛ أولئك الأطفال المساكين، أو الذين يعانون من حَبِّ الشباب، أو يرتدون ثيابًا رثة بشعة، أو يعانون من إعاقات كلامية. أراهن أنكِ كنتِ تضطهدين أولئك الأطفال المساكين بإظهارك المودة والملاطفة نحوهم.»
التقطت جوسلين سكين الجبن ولوَّحت به في وجهه.
«فلتأخذ أنت حذرك. فأنت لم تُصَبْ بحَب الشباب أو إعاقة كلامية، بل تحظى بالوسامة إلى حدٍّ مثير للغثيان. وموهوب. ومحظوظ.»
قال كليفورد بتغنُّج مبالغ: «إن لدي مشكلات شبه مستعصية في التوافق مع دور الرجل الناضج. الطبيب النفساني يقول ذلك.»
«لا أصدقك؛ فالأطباء النفسانيون لا يقولون أي شيء من قبيل كلمة شبه مستعصٍ تلك، ولا يستخدمون هذه الاصطلاحات، ولا يصدرون تلك الأحكام. لا أصدقك يا كليفورد.»
«حسنًا، أنا حقًّا لا أتردد على أي طبيب نفساني، بل أذهب إلى دور السينما القذرة في شارع يونج.»
وانطلق كليفورد للجلوس في الساونا.
شاهدته روز وهو يغادر الغرفة. كان يرتدي بنطالًا من الجينز وتي شيرت كُتب عليه عبارة «أنا أمرُّ من هنا وحسب». كان خصره وفخذاه نحيلين كطفل في الثانية عشرة، وكان شعره الرمادي قصيرًا للغاية بشكل يُظهِر جمجمته. هل كانت هذه التسريحة السائدة بين الموسيقيين هذه الأيام في الوقت الذي كان الشعر الكثيف واللحية سمة الساسة والمحاسِبين، أم كان هذا انحرافًا تفرَّد به كليفورد؟ كانت سمرته تبدو مصطنَعة وكأنها من كريم الأساس التجميلي، على الرغم من أنها كانت طبيعية تمامًا. كان هناك لمحة من التصنُّع والتكلُّف فيه ككل، بما بدا عليه من تألُّق زائف، ونحول، وميل للتهكُّم والاستهزاء. كان هناك لمحة من الخلاعة في نحوله وابتسامته العذبة المصطنعة.
قالت لجوسلين: «أهو بخير؟ إنه يبدو نحيلًا بشكل بشع.»
«يريد أن يبدو بهذا الشكل. إنه لا يأكل سوى الزبادي والخبز الأسمر.»
قالت روز: «لا يمكن أبدًا أن تنفصلا؛ لأن منزلكما غاية في الجمال.» واضطجعت على السجادة المعقوفة. كان لغرفة المعيشة جدران بيضاء، وستائر بيضاء سميكة، وأثاث قديم من خشب الصنوبر، ولوحات كبيرة بألوان مشرقة، وسجاد معقوف. وعلى منضدة قصيرة مستديرة عند مستوى مرفقها وُضع إناء من الأحجار المصقولة لكي يلتقطها الضيوف لتمريرها عبر أصابعهم. كانت هذه الأحجار من شواطئ فانكوفر، ومن ساندي كوف والخليج الإنجليزي وكيتسيلانو وأمبلسايد ودونداريف؛ حيث كان جيروم وآدم قد جمعاها منذ زمن طويل. •••
غادرت جوسلين وكليفورد كولومبيا البريطانية بعد فترة قصير من عودة كليفورد من جولته الإقليمية، فتوجها إلى مونتريال، ثم إلى هاليفاكس، ومنها إلى تورونتو. كان يبدو أنهما بالكاد يتذكران فانكوفر. ذات مرة حاولا تذكُّر اسم الشارع الذي كانا يسكُنَان فيه، وكانت روز هي من اضْطُرَّتْ لتذكيرهما به. حين كانت روز تعيش في كابيلانو هايتس اعتادت أن تأخذ الكثير من الوقت لتتذكر أسماء الأماكن في أونتاريو حيث عاشت؛ وفاءً منها لذلك المكان القديم الذي ضم المناظر الطبيعية الجميلة. الآن وقد أصبحت تعيش في أونتاريو صارت تبذل نفس الجهد في تذكر أشياء عن فانكوفر، مُمْعِنَةً التفكير لاستيضاح تفاصيل كانت في حَدِّ ذاتها تفاصيل عادية للغاية. فحاولت، على سبيل المثال، أن تتذكر أين كان الراكب ينتظر حافلة باسيفيك ستيدج، حين يكون متوجهًا من شمال فانكوفر إلى غربها، فتخيلت نفسها تصعد على متن تلك الحافلة الخضراء القديمة في حوالي الساعة الواحدة — لنقل، في أحد أيام فصل الربيع — في طريقها إلى منزل جوسلين لرعاية طفليها، وبصحبتها آنا في معطف المطر الأصفر وقبعة المطر. تخيَّلت المطر البارد، والمساحة الممتدة المليئة بالمستنقعات في الطريق نحو غرب فانكوفر حيث تقف الآن المراكز التجارية والبنايات الشاهقة. استطاعت أن ترى بعينَي رأسها الشوارع، والمنازل، وطريق سيفواي القديم، فندق سانت ماوس، أشجار الغابة الكثيفة الملتفة، المكان الذي يترجل منه الركاب من الحافلة عند المتجر الصغير، اللافتة الإعلانية لسجائر بلاك كات، نداوة شجر الأرز بينما كانت تسير عبر الغابة صوب منزل جوسلين، السكون الذي يسود مع بداية فترة ما بعد الظهيرة، وقت القيلولة، النساء الشابات وهن يحتسين القهوة بينما يطللن من النوافذ المطيرة، الأزواج المتقاعدين وهم يقومون بتمشية كلابهم، آثار الأقدام على تراب الأرض السميك، الزعفران، وبراعم زهور النرجس البري، والبصيلات الباردة وهي تتفتح وتزدهر، ذلك الاختلاف الشديد للهواء بالقرب من البحر، النباتات التي تتساقط منها قطرات الندى، السكون، آنا وهي تجذب يدها، منزل جوسلين الصيفي الخشبي بلونه البني يلوح في الأفق، عبء الخوف والغموض الثقيل وهو يتضاءل بينما كانت تقترب من ذلك المنزل.
ثمة أشياء أخرى لم تكن حريصة على تذكرها بنفس الدرجة.
كانت تبكي وهي على متن الطائرة متوارية خلف نظارتها الشمسية طوال الرحلة عائدة من باول ريفر. كانت تبكي أثناء جلوسها في غرفة الانتظار بمطار فانكوفر، ولم تستطع كبح دموعها والعودة إلى باتريك. كان جالسًا بجوارها شرطي بملابس ملكية فتح سترته ليُظهر لها شارته الشرطية، وسألها إذا ما كان بإمكانه القيام بأي شيء من أجلها. لا بد أن أحدًا قد استدعاه. هالها أن تكون لافتة للأنظار إلى هذا الحد، فما كان منها إلا أن فرَّت إلى مرحاض السيدات. لم تفكر في أن تعزي نفسها بكأس من الشراب، ولم تفكر في البحث عن الحانة، فلم تكن آنذاك معتادة على الذهاب إلى الحانات. ولم تأخذ قرصًا مهدئًا؛ فلم يكن معها أية مهدئات، ولا تعرف أي شيء عنها. ربما لم تكن مثل هذه الأشياء متوافرة.
المعاناة. ماذا كانت تعني المعاناة؟ الضياع التام، الذي لا يعكس أية حظوة أو مفخرة. حزن مشين إلى أقصى الحدود. الكرامة المهشَّمة والخيال المحطم على صخرة السخرية. كان الأمر وكأنها قد أخذت معولًا وحطمت به إصبع قدمها الكبيرة عن عمد. هكذا كان اعتقادها في بعض الأحيان. وفي أحيان أخرى ترى أن ما حدث كان ضروريًّا؛ فقد كان بداية الدمار والتغيرات، بداية الطريق الذي أدى بها إلى حيث هي الآن، بدلًا من منزل باتريك. جعجعة بلا طحن، هكذا عادة الحياة.
لم يستطع باتريك أن يتحدث عندما أخبرته، ولم يكن لديه محاضرة وعظية جاهزة ليلقيها عليها. ظل صامتًا لفترة طويلة، ولكنه كان يتعقبها في أرجاء المنزل فيما ظلت هي تُبَرِّر موقفها وتشكو. كان الأمر وكأنه يريدها أن تستمر في الحديث، على الرغم من أنه لم يستطع تصديق ما كانت تقوله؛ لأن الأمر كان سيزداد سوءًا لو أنها توقفت عن الكلام.
لم تخبره الحقيقة كاملة؛ فقد قالت إنها قد «أقامت علاقة» مع كليفورد، ومن خلال هذه المكاشفة منحت نفسها نوعًا من الارتياح الباهت بطريقة غير مباشرة، اخترقته نظرة باتريك وصمته في تلك اللحظة، وإن كان لم يدمَّر تمامًا. بدا مثل هذه الحزن الذي خيَّم على وجهه بكل صراحة وكأنه في غير وقته وغير ملائم وظلم من جانبه.
بعدها دَقَّ جرس الهاتف، واعتقدت أنه سيكون كليفورد وقد تغيرت مشاعره، لكنه لم يكن كليفورد، بل كان رجلًا كانت قد قابلته في حفل جوسلين. قال إنه يقوم بإخراج مسرحية إذاعية، وكان بحاجة إلى فتاة ريفية، وكان قد تذكر لكنتها الريفية.
ليس كليفورد.
لم تكن لتفضل التفكير في أي من هذا؛ فهي تفضل أن ترى بعض المشاهد الصغيرة للحياة اليومية المفقودة من خلال مشاهد أشجار الأرز تتساقط منها حبات الندى، وشجيرات التوت البري الأحمر، والاخضرار القاتم المتزايد للغابات الممطرة التي تطل عليها عبر النافذة ذات الإطارات المعدنية، معطف آنا الأصفر المقاوم للمطر، الدخان المتصاعد من مدفأة جوسلين ذات الرائحة الكريهة. •••
قالت جوسلين لروز: «أترغبين في رؤية الأشياء السخيفة التي كنت أشتريها؟» واصطحبتها إلى الطابق العلوي، فأرتها تنورة مطرَّزة وبلوزة من الستان الأحمر القاني، وبيجامة من الحرير الأصفر، وفستانًا طويلًا من نسيج محبوك خشن لا شكل له من أيرلندا.
«إنني أنفق أموالًا طائلة. أقصد ما كنت أعتقد يومًا ما أنها أموال طائلة. لقد استغرق مني الأمر وقتًا طويلًا. بل استغرق من كلينا وقتًا طويلًا لكي نستطيع إنفاق المال، فلم نكن نستطيع أن نحمل أنفسنا على ذلك. لقد كنا نحتقر من يمتلكون تليفزيونًا ملونًا. أتعرفين شيئًا، إن التليفزيون الملوَّن رائع! نحن الآن نجلس حوله ونقول: ما الذي نرغب في اقتنائه؟ ربما واحد من أفران التوستر الصغيرة للمنزل الصيفي. ربما أرغب في اقتناء مجفِّف للشعر. كل تلك الأشياء التي عرفها الجميع منذ سنوات، ولكن كنا نعتقد أننا أصلح من أن نقتنيها. لقد صرنا يقول أحدنا للآخر: أتدري ماذا نحن؟ نحن شخصيات استهلاكية! ولا بأس في ذلك!
وليس فقط اللوحات والأسطوانات والكتب، فلطالما كنا نعرف أنها أشياء لا بأس منها. التليفزيون الملوَّن! مجففات الشعر! محمصات الوافل!»
فصاحت روز مبتهجة: «أقفاص طيور بجهاز تحكم عن بعد!»
«تلك هي الفكرة.»
«المناشف الساخنة.»
«يا غبية، تقصدين حوامل المناشف الكهربائية! إنها رائعة.»
«سكاكين تقطيع اللحم الكهربائية، فرش أسنان كهربائية، أعواد أسنان كهربائية.»
«بعض هذه الأشياء ليست بالسوء الذي تبدو عليه. حقًّا ليست سيئة.» •••
في إحدى المرات الأخرى التي جاءت فيها روز كان كليفورد وجوسلين يقيمان حفلًا، وعندما غادر الجميع جلس الثلاثة؛ جوسلين وكليفورد وروز، على أرضية غرفة المعيشة، وهم ثمالى نوعًا ما، وفي حالة من الاسترخاء الشديد. سار الحفل على ما يرام، وشعرت روز بشهوة سحيقة تدفعها الرغبة تتحرك بداخلها، ربما ذكرى شهوة من الماضي. وقالت جوسلين إنها لا ترغب في النوم.
قالت روز: «ماذا يمكن أن نفعل؟ لا يجب أن نشرب أكثر من ذلك.»
فقال كليفورد: «يمكننا أن نمارس الحب.»
فقالت جوسلين وروز في نفس اللحظة: «حقًّا؟» ثم شبكتا أصابعهما الصغيرة معًا وقالتا: «الدخان ينطلق عبر المدخنة.»
بعدها جردهما كليفورد من ملابسهما. لم ترتعدا من البرد؛ إذ كانت نيران المدفأة تلف الغرفة بالدفء. وظل كليفورد ينقل اهتمامه من واحدة إلى الأخرى بشكل رقيق، وتجرَّد من ملابسه هو الآخر. كانت مشاعر روز تتأرجح ما بين الاستغراب وعدم التصديق، فلم تكن ترغب في ذلك، رغم شعورها بالإثارة، حتى انتهى بها الأمر إلى أن شعرت بالذهول والحزن. وعلى الرغم من أن كليفورد كان يداعب كلتيهما في البداية، سرعان ما وقع اختياره عليها في النهاية ليمارس معها الحب سريعًا على السجادة المعقوفة غير المتساوية. وبدت جوسلين وكأنها ترفرف فوقهما مصدرة أصواتًا تطمئنهم معبرة لهم عن رضاها ومباركتها.
في صباح اليوم التالي اضطرت روز للمغادرة قبل أن تستيقظ جوسلين وكليفورد، واضطرت للذهاب إلى وسط المدينة بواسطة المترو، واكتشفت أنها كانت تنظر للرجال بتلك النظرة الشهوانية، تلك الرغبة الباردة والمؤلمة التي تحررت منها لفترة. وبدأت في الشعور بغضب شديد؛ كانت غاضبة من كليفورد وجوسلين؛ فقد شعرت أنهما قد جعلا منها أضحوكة، وخدعاها، وفتحا عينيها على نقص صارخ لديها لم تكن لِتَعِيَهُ لولا ما حدث، وقررت ألا تراهما مرة أخرى مطلقًا، وأن تكتب لهما خطابًا تعقِّب فيه على أنانيتهما، وبلادتهما، وانحطاطهما الأخلاقي. وما لبث نَصُّ الخطاب أن اكتمل بالشكل الذي يرضيها، في ذهنها، حتى كانت قد عادت إلى القرية مرة أخرى وهدأت، وقررت ألا تكتبه. وفي وقت لاحق قررت أن تستمر في صداقتها مع كليفورد وجوسلين؛ لأنها كانت بحاجة لمثل هذين الصديقين من حين لآخر، في مثل هذه المرحلة من حياتها.
المتسولة |
العناية الإلهية
بعد أن رحلت روز تاركة آنا، رأت حلمًا عنها؛ فقد رأت أنها قابلت آنا وهي تسير أعلى تل جونزاليس هيل. كانت تعرف أنها قادمة من المدرسة، فصعدت كي تتحدث معها، ولكن آنا تركتها دون أن تنطق بكلمة. لا غرو. كانت مغطاة بطين بدا وكأن به أوراق شجر أو أفرع، بحيث بدا الشكل وكأنها أكاليل من الزهور الميتة، وكأن الزينة قد تداخلت مع الدمار، ولم يكن الطين أو الوحل جافًّا، بل كانت قطراته لا تزال تتساقط عليها، حتى بدت فظة وحزينة، وكأنها تمثال كئيب غير متقن الصنع.
خاطبتها روز قائلة: «أترغبين في أن تأتي معي؟ هل ترغبين في البقاء مع أبيك؟» ولكن آنا رفضت الإجابة، وبدلًا من ذلك قالت: «لا أريدك أن تذهبي.» وكانت روز قد حصلت على وظيفة في إحدى المحطات الإذاعية في بلدة في جبال كوتيناي.
كانت آنا ترقد في السرير ذي الأربعة أعمدة الذي كان روز وباتريك ينامان عليه، وصار باتريك ينام فيه بمفرده الآن؛ حيث كانت روز تنام في المعتكف.
كانت آنا تذهب للنوم في هذا السرير، ثم يحملها باتريك إلى سريرها. ولم يكن باتريك وروز يعلمان متى أصبح ذلك شيئًا أساسيًّا بعد أن كان شيئًا عارضًا. كان كل شيء في المنزل مضطربًا. كانت روز تعد أمتعتها، وكانت تفعل ذلك خلال النهار في غياب باتريك وآنا. كانت هي وباتريك يقضيان المساء في أجزاء مختلفة من المنزل. وذات مرة دخلت غرفة الطعام ووجدته يضع شريطًا لاصقًا على الصور الفوتوغرافية في ألبوم الصور، وتسبَّب قيامه بذلك في غضبها؛ فقد رأت صورة لها وهي تدفع آنا على الأرجوحة في المتنزه، وصورة أخرى وهي تبتسم ابتسامة مصطنعة بلباس البحر، مجرد أكاذيب.
قالت روز: «لم يكن الحال أفضل وقتئذ. لم يكن أفضل حقًّا.» كانت تعني أنها طالما كانت تخطط في قرارة عقلها للقيام بما تقوم به الآن، حتى في يوم زفافها كانت تعرف أن هذا الوقت سيأتي، وإذا لم يأتِ فقد تكون ميتة. كانت الخيانة قادمة منها.
قال باتريك في غضب: «أعرف ذلك.»
ولكن الحال كان أفضل بالطبع؛ لأنها لم تكن قد بدأت في محاولتها للتعجيل بلحظة الانفصال، إذ ظلت ناسية فترات طويلة أن هذه اللحظة يجب أن تأتي، حتى القول إنها كانت تخطط للانفصال، وإنها قد بدأت في الانفصال بالفعل، كان خطأً؛ لأنها لم تفعل أي شيء عن عمد، لم تفعل أي شيء بذكاء؛ لقد حدث كل شيء بأكبر قدر ممكن من الألم والدمار، وصاحبه كل أشكال التردد والتصالح والتعنيف، وها هي الآن تشعر وكأنها تسير على جسر متأرجح ولا يسعها سوى أن تضع نصب عينيها الألواح التي أمامها، دون النظر إلى أسفلها أو حولها مطلقًا.
قالت مخاطبة آنا بنبرة هادئة: «أيهما تريدين؟» وبدلًا من الإجابة عن السؤال، نادت آنا على باتريك. وعندما جاء جلست منتصبة وجذبتهما ليجلسا على السرير، كل على جانب، وتشبثت بهما وبدأت في النحيب والارتعاد. كانت طفلة مؤثرة بشكل بالغ لدرجة تجعلها أحيانًا كالنصل المكشوف.
قالت: «لستما مضطرَّيْن لذلك؛ فلم تعودا تتشاجران مرة أخرى.»
نظر باتريك نحو روز دون أن تحمل عيناه أي اتهام؛ فقد كانت نظرته المعتادة لسنوات — حتى عندما كانا يمارسان الحب — نظرة اتهامية، ولكنه شعر بألم بالغ بسبب آنا لدرجة محت كل الاتهامات. كان على روز أن تنهض وتخرج تاركة إياه ليواسي آنا؛ لأنها خشيت أن يكون هناك في الطريق دفعة كبيرة وخادعة من المشاعر من جانبها تجاهه.
لقد كان ذلك حقيقيًّا؛ فلم يعودا يتشاجران كثيرًا. كان على رسغيها وجسدها ندوب صنعتها بنصل شفرة (ليس في أخطر المناطق). وذات مرة حاول باتريك أن يخنقها في مطبخ هذا المنزل. وفي مرة أخرى هرولت إلى الخارج وجثت على ركبتيها وهي ترتدي لباس النوم وراحت تمزق حفنة من الحشائش. غير أن هذا النسيج الدموي الذي نسجه والداها من الأخطاء وعدم التوافق، والذي يمكن لأي شخص أن يرى ضرورة أن يُمزَّق ويُلقى بعيدًا، كان لا يزال هو نسيج الحياة الحقيقي في نظر آنا، نسيج الأب والأم، نسيج البداية والمأوى. كانت روز تفكر في معنى الخديعة بالنسبة للجميع؛ فنحن نأتي من ترابطات لا تضم بداخلها أي شيء مما نعتقد أننا نستحقه.
كتبت روز إلى توم لتخبره بما تعتزم فعله، كان توم مدرِّسًا بجامعة كالجاري. كانت روز تشعر بقليل من الحب تجاهه (هكذا قالت لأصدقائها ممن علموا بشأن تلك العلاقة: «قليل من الحب»). كانت قد التقته هنا قبل عام — وهو شقيق السيدة التي تمثل معها أحيانا في المسرحيات الإذاعية — ومنذ ذلك الحين أقامت معه مرة واحدة في فيكتوريا. كانا يتراسلان بخطابات طويلة. وهو رجل لطيف ودمث، يعمل مؤرخًا، واتسمت خطاباته لها بسرعة البديهة وعبارات الحب الرقيقة، وانتابها بعض الخوف من أن يقلل توم من مراسلاته عندما تعلن أنها بصدد الانفصال عن باتريك، أو أن يتوخى فيها مزيدًا من الحذر؛ إذ ربما قد تتمنى منه أكثر مما يرغب هو فيه؛ أي «تأتيه الأفكار». ولكنه لم يفعل؛ فهو لم يكن بهذا الحد من الفظاظة ولا هذا الحد من الجبن؛ وكان يثق بها.
كانت تخبر أصدقاءها أن انفصالها عن باتريك لا علاقة له بتوم، وأن مقابلاتها مع توم على الأرجح لن تزداد عن ذي قبل. كانت تعتقد ذلك، ولكنها كانت تفاضل بين العمل في البلدة الجبلية وبين عمل آخر في جزيرة فانكوفر؛ لأنها أحبَّت فكرة أن تكون أكثر قربًا من توم.
في الصباح كانت آنا في حالة من الابتهاج والمرح، وقالت إن كل شيء على ما يرام. قالت إنها ترغب في البقاء؛ فقد أرادت البقاء في مدرستها مع أصدقائها، وعندما قطعت نصف الممشى أبطأت من سرعتها لكي تلوح لوالديها وصاحت لهما قائلة: «طلاقًا سعيدًا!» •••
ظنت روز أنها بمجرد أن تخرج من منزل باتريك، سوف تعيش في غرفة جرداء كئيبة، أو مكان متسخ رث، ولكنها لم تكن لتعبأ بذلك، ولم تكن لتشغل نفسها بإعداد مكان لها؛ فقد كانت تبغض كل ذلك. كانت الشقة التي عثرت عليها — وكانت عبارة عن الطابق العلوي لمنزل من الطوب البني يقع ناحية الجبل عند منتصف الطريق — متسخة ورثة، ولكنها سرعان ما بدأت العمل على إصلاحها. تزيَّن الحائط بورق ذي لونين: الذهبي والأحمر، كان قد وُضع على عَجَل (فقد اكتشفت أن هذه الأماكن غالبًا ما تتزين بفكرة أحد الأشخاص عن ورق حائط أنيق)، وكان شكله جميلًا، ولكنه انطوى قليلًا فوق إزار الحائط، فاشترت بعض الغراء وقامت بلصقه، كما اشترت نباتات معلقة وكانت تعتني بها لكي لا تذبل وتموت. وقامت بوضع بعض الملصقات الهزلية في المرحاض، ودفعت أثمانًا زهيدة لقاء غطاء سرير هندي، وبعض السلال والآنية الفخارية والأكواب المزخرفة التي اشترتها من المتجر الوحيد في البلدة الذي تتوافر فيه مثل هذه الأشياء. وقامت بطلاء المطبخ باللونين الأزرق والأبيض، في محاولة للحصول على ألوان الخزف الصيني المنقوش. وقد تعهد صاحب المنزل بدفع تكاليف الطلاء، ولكنه لم يفعل. كما اشترت شموعًا زرقاء، وبعض البخور، وباقة كبيرة من أوراق النباتات والحشائش المجففة ذات اللون الذهبي. وبعد أن انتهت من كل ذلك ظهرت معالم المكان وبدا واضحًا أنه يخص امرأة تعيش بمفردها، ربما لم تعد صغيرة، لها صلة — أو تتمنى أن تكون على صلة — بإحدى الكليات أو بالفنون، مثلما كان المنزل الذي كانت تعيش فيه من قبل؛ أي منزل باتريك، يسهل تمييزه كمنزل يخص رجل أعمال أو مهني ذي إرث من المال والمعايير.
بدت البلدة الواقعة وسط الجبال بعيدة عن كل شيء، ولكن روز أحبتها، وكان بُعدها جزءًا من أسباب هذا الحب. حين تعودُ للحياة في بلدة بعد أن تجرب حياة المدن يكون بداخلك فكرة مفادها أن كل شيء هناك سهل ومفهوم، وكأن مجموعة من الأشخاص قد اجتمعوا معًا وقالوا: «لنلعب لعبة البلدة»، وتعتقد أنه لا يمكن للموت أن يقرب أحدًا هناك.
كتب لها توم قائلًا إنه لا بد أن يأتي لرؤيتها، وفي شهر أكتوبر (ولم تكن تتوقع أن يكون ذلك بهذه السرعة) لاحت فرصة لذلك، تمثلت في مؤتمر عُقد في فانكوفر؛ فقد خطَّط لأن يترك المؤتمر في فانكوفر قبل انتهائه بيوم، ويدعي أنه سيقضي يومًا إضافيًّا هناك حتى يتاح له يومان بلا التزامات، ولكنه اتصل من فانكوفر ليبلغها أنه لن يتمكن من الحضور؛ فقد أصيب بعدوى في أسنانه، وكان يعاني ألمًا مبرحًا، وكان لا بد من خضوعه لجراحة أسنان طارئة في نفس اليوم الذي كان قد خطط لقضائه مع روز. وقال إنه سيأخذ اليوم الإضافي على أية حال، وسألها عما إذا كانت تعتقد أن ذلك بمنزلة حكم أُصدر عليه. قال إنه يتبنى نظرة كالفينية للأمور، وإنه يترنح من الألم والأدوية.
سألتها صديقتها دوروثي ما إذا كانت تصدقه. ولم يكن يخطر ببال روز ألا تصدقه.
قالت روز: «لا أعتقد أنه الشخص الذي يفعل ذلك.» وردت دوروثي بنبرة يغلب عليها المرح واللامبالاة: «إنهم يفعلون أي شيء.»
كانت دوروثي هي السيدة الوحيدة الأخرى في المحطة، وكانت تعمل في برنامج لرعاية كبار السن والمعوزين مرتين في الأسبوع، وتتجول لإلقاء خطب على المجموعات النسائية؛ وكان الإقبال عليها كبيرًا باعتبارها سيدة مراسم الاحتفال في حفلات العشاء التي تقام لتسليم الجوائز للمؤسسات الشبابية، أو شيئًا من هذا القبيل. وقد قامت الصداقة التي نشأت بينها وبين روز في المقام الأول على عزوبيتهما المشتركة نوعًا ما وطبيعتهما المغامرة. وكان لدوروثي حبيب في سياتل، ولم تكن تثق به.
بينما كانت روز ودوروثي تتناولان القهوة في «هول إن وان»، وهو مقهى صغير ومحل لبيع الفطائر المحلاة يقع بجوار المحطة الإذاعية، قالت دوروثي: «إنهم يفعلون أي شيء.» ومضت دوروثي تروي لروز قصة عن علاقة جمعتها بمالك المحطة الذي أصبح عجوزًا الآن ويقضي معظم وقته في كاليفورنيا. كان قد أهداها عقدًا في الكريسماس، وقال إنه من اليشم، اشتراه من فانكوفر، فذهبت لإصلاح المشبك وسألت بكل فخر عن قيمة العقد المادية، فقيل لها إنه ليس من اليشم على الإطلاق، وشرح لها الصائغ كيف حدد ذلك، حاملًا إياه تحت الضوء. وبعد بضعة أيام حضرت زوجة مالك المحطة إلى المكتب مرتدية عقدًا مماثلًا، وقد أخبرها هي أيضًا بنفس قصة اليشم. وبينما كانت دوروثي تخبرها بذلك، كانت روز تنظر إلى شعر دوروثي المستعار الأشقر الضارب إلى الرمادي، ذي اللمعة والمظهر الفاخر لدرجة تجعل من ينظر إليه لا يصدق أنه طبيعي ولو للحظة، ووجهها يكسوه مظهر كئيب كانت باروكتها وظلُّ عيونها الفيروزي تؤكدانه. كانت للوهلة الأولى تبدو خليعة؛ إلا أن الناس في تلك البلدة كانوا يرونها غريبة، ولكنها فاتنة، ومثالًا حيًّا لعالم عصري أسطوري.
قالت دوروثي: «كانت هذه آخر مرة أثق برجل؛ ففي نفس الوقت الذي كان يضاجعني فيه كان يضاجع فتاة كانت تعمل هنا — فتاة متزوجة تعمل نادلة — ويضاجع جليسة أحفاده. ما رأيكِ في هذا؟»
عادت روز خلال فترة أعياد الكريسماس إلى منزل باتريك. لم تكن قد رأت توم بعد، ولكنه أرسل لها شالًا مطرزًا ذا أهداب لونه كحلي كان قد اشتراه خلال إجازة مؤتمر في المكسيك في أوائل شهر ديسمبر، اصطحب خلاله زوجته معه (قالت روز لدوروثي إنه كان قد وعد زوجته بهذا على أية حال). على مدى ثلاثة أشهر زاد طول آنا، ونحفت؛ إذ كانت تفضل شد معدتها إلى الداخل وإبراز عضلاتها للخارج، لتبدو كطفلة من أطفال المجاعات. كانت معنوياتها مرتفعة، وفي غاية الحيوية والنشاط، وتنضح بالتصرفات المضحكة والألغاز. وبينما كانت تسير مع والدتها متجهتين إلى المتجر — حيث عادت روز مرة أخرى لتقوم بمهام التسوق، والطهي، حتى إنها أحيانًا ما كان الخوف يستبد بها من أن تكون وظيفتها وشقتها وتوم كلها أشياء لا وجود لها خارج نطاق خيالها — إذ بها تقول: «دائمًا ما أنسى وأنا في المدرسة.»
«تنسين ماذا؟»
«دائمًا ما أنسى أنكِ لست بالمنزل، ثم أتذكر أنه لا يوجد سوى السيدة كريبر.» كانت السيدة كريبر هي مديرة المنزل التي عيَّنها باتريك.
قررت روز أن تصطحب آنا لتعيش معها، ولم يمانع باتريك في ذلك، بل قال إن ذلك هو أفضل شيء. ولكنه لم يستطع البقاء في المنزل بينما كانت روز تحزم أمتعة آنا.
قالت آنا في وقت لاحق إنها لم تكن تعلم أنها ستذهب لتعيش مع روز، وإنها كانت تعتقد أنها قادمة في زيارة لا أكثر. وكانت روز تعتقد أن عليها أن تقول وتفكر في شيء كهذا حتى لا تتحمل ذنب أي قرار.
أبطأ القطار الجبلي السير بفعل عاصفة ثلجية عنيفة. •••
كان الماء متجمدًا، ووقف القطار فترة طويلة في المحطات الصغيرة وقد لفَّته سحب من البخار على أثر إذابة الجليد المتراكم على أنابيب البخار، فكانتا ترتديان معطفيهما الثقيلين وتهرولان عبر رصيف المحطة. قالت روز: «سوف أضطر لأن أشتري لك معطف مطر، وأشتري لك بعض الأحذية الطويلة لتدفئك.» ففي شتاء المناطق الساحلية المظلم، كانت الأحذية الطويلة المطاطية ومعاطف المطر المزودة بغطاء للرأس كافية. لا بد أن آنا قد أدركت بذلك أنها ستبقى هناك، ولكنها لم تقل شيئًا.
عند حلول الليل، وبينما كانت آنا نائمة، راحت روز تنظر من النافذة إلى العمق الصادم للثلج وبريقه المتألق. كان القطار يزحف ببطء خوفًا من الانهيارات الثلجية. لم تكن روز قلقة؛ إذ أعجبتها فكرة وجودهما معًا وقد أُغلق عليهما هذا المهجع المظلم، أسفل أغطية القطار الخشنة، وتنطلقان عبر هذه الطبيعة القاسية. كانت تشعر دائمًا أن تقدُّم القطارات في المسير، مهما كان محفوفًا بالمخاطر، آمنٌ ومناسبٌ. فيما كانت تشعر، على الجانب الآخر، بأن الطائرات قد تفزع في أية لحظة مما تفعله، وتهوي عبر الهواء دون همسة احتجاج.
أرسلت روز آنا إلى المدرسة بملابسها الشتوية الجديدة، وكان كل شيء يسير على ما يرام؛ فلم تجفل آنا أو تواجه أية معاناة باعتبارها غريبة عن البلدة. وفي غضون أسبوع صارت تصطحب معها أطفالًا إلى المنزل، وتذهب هي أيضًا إلى منازل أطفال آخرين. وكانت روز تخرج لمقابلتها لتعود بها إلى المنزل في بداية ظلمة الشتاء، عبر الشوارع المحاطة بجدران شاهقة من الثلج. كان القلق يساور روز إذ حدث أن نزل دبٌّ من الجبال ودخل البلدة في الخريف، وتواردت الأخبار بشأن تلك الواقعة عبر الراديو بهذا النص: «زائر غير مألوف، دب أسود يجوب شارع فولتون. يُنصح بإبقاء الأطفال داخل المنازل.» كانت روز تعرف أن من غير المحتمل أن يدخل دب إلى البلدة في الشتاء، ولكن القلق ساورها أيضًا، وكذلك كانت تخشى السيارات في ظل ضيق الشوارع الشديد وصعوبة رؤية النواصي. في بعض الأحيان كانت آنا تعود إلى المنزل من طريق مختلف، بينما تقطع روز المسافة إلى منزل الطفل الآخر حيثما توجد ولا تجدها هناك، فتركض وتركض طوال الطريق إلى المنزل عبر الشوارع شديدة الانحدار، وتصعد درجات السلم الطويل وقلبها يخفق من المجهود ومن الخوف الذي كانت تحاول أن تخفيه عندما تجد آنا هناك.
كان قلبها يخفق أيضًا من عناء جر الغسيل والبقالة؛ فقد كانت المغسلة، والسوبر ماركت، ومتجر المشروبات الكحولية، تقع أسفل التل، وكانت هي مشغولة طوال الوقت، ودائمًا ما كان لديها خطط عاجلة للساعة التالية، من الذهاب لأخذ الأحذية التي تصلحها لأنها تحتاج إلى نعال جديدة، وغسيل وصبغ شعرها، وإصلاح معطف آنا من أجل المدرسة في الغد. إلى جانب وظيفتها التي كانت شاقة بما يكفي، كانت روز تقوم بنفس الأشياء التي طالما كانت تفعلها، وتفعلها تحت ظروف أصعب، إلا أن المدهش في الأمر هو ذلك القدر المذهل من الارتياح الذي كانت تشعر به في هذه الأعمال المنزلية الشاقة.
اشترت روز لآنا شيئين: السمك الذهبي وجهاز التليفزيون؛ إذ لم يكن مسموحًا بوجود القطط أو الكلاب في الشقة، فقط طيور أو أسماك. في أحد أيام شهر يناير، في ثاني أسبوع من قدوم آنا، هبطت روز التل سيرًا لتقابل آنا بعد المدرسة لتصطحبها إلى متجر وولورث لشراء السمك، فنظرت إلى وجه آنا واعتقدت أنه متسخ، ثم أدركت أنه ملطخ بالدموع.
قالت آنا: «سمعتُ اليوم شخصًا ما ينادي على جيريمي، واعتقدتُ أن جيريمي هنا.» كان جيريمي صبيًّا صغيرًا كثيرًا ما كانت تلعب معه في المنزل.
ذكرت روز السمك.
«معدتي تؤلمني.»
«ربما تكونين جائعة. لا أمانع في تناول فنجان من القهوة. ماذا تريدين؟»
كان يومًا عصيبًا؛ كانتا تسيران عبر المنتزه كطريق مختصر إلى وسط المدينة. كان هناك جليد ذائب، ثم تجمَّد، ومن ثم كان الثلج منتشرًا في كل مكان يعلوه ماء أو وحل. كانت الشمس ساطعة، ولكن ضوءها كان ذلك الضوء الشتوي الذي يجعل عينيك تؤلمانك، وثيابك ثقيلة للغاية، ويبرز كل ما تعانيه من اضطراب ومشقة، مثل المشقة التي كانتا تواجهانها الآن في محاولة السير على الجليد. كان كلُّ مَن حولهما مراهقِين غادروا المدرسة للتو، وساور روز شعور بالإحباط جراء صخبهم، وصياحهم، وتزحلقهم فوق الجليد، والطريقة التي جلس بها صبي وفتاة يتبادلان القبلات في تباهٍ.
طلبت آنا حليبًا بالشوكولاتة. ورافقهما المراهقون إلى المطعم. كان مكانًا ذا طراز قديم، مقاعده من ذلك النوع ذي الظهر الطويل على طراز الأربعينيات، وكان مالكه طاهيًا ذا شعر برتقالي يناديه الجميع بدري؛ كان بمنزلة الواقع الرث الذي أدركه الناس بحسٍّ من الاشتياق والحنين من خلال الأفلام، وأفضل شيء أنه لم يكن هناك من شخص يعتقد بوجود أي شيء يمكن الشعور بالحنين تجاهه في هذا المطعم؛ فقد كان دري يدخر لإصلاحه على الأرجح. ولكن في ذلك اليوم راحت روز تفكر في المطاعم التي ذكَّرها بها، حيث كانت تذهب بعد المدرسة، وفكرت أنها في النهاية لم تكن تشعر بالسعادة فيها.
قالت آنا: «أنت لا تحبين أبي. أعلم أنك لا تحبينه.»
قالت روز: «حسنًا، إنني أحبه، إلا أننا لا نستطيع الحياة معًا، هذا كل ما في الأمر.»
ومثل معظم الأشياء التي تقولها وأنت مرغم، كان لحديثها وقع الكذب، إذ قالت آنا: «أنت لا تحبينه، أنت تكذبين.» وبدأ وقع حديثها يبدو أكثر براعة، وبدت تتطلع للنَّيل من والدتها.
«أليس كذلك؟»
كانت روز في الواقع على وشك الإجابة بالتأكيد، والاعتراف بأنها لا تحبه. كانت تود لو قالت لها إذا كان هذا ما تريدين، فلكِ ما أردتِ. وكان هذا ما تريده آنا بالفعل، ولكن هل كان يمكنها أن تتحمله؟ كيف لك أن تقدِّر ما يمكن للأطفال تحمُّله؟ والواقع أن الكلمات من قبيل أحب، ولا أحب، وحتى كلمة أكره، لم يكن لها معنى بالنسبة لروز حين يتعلق الأمر بباتريك.
قالت آنا بنبرة بها بعض الرضا: «لا تزال معدتي تؤلمني.» ثم دفعت بكوب حليب الشوكولاتة بعيدًا، إلا أنها تنبَّهت لعلامات الخطر، ولم تشأ أن يتطور الأمر لأكثر من ذلك، فقالت: «متى سنُحضر السمك؟» وكأن روز قد توانت عن ذلك.
اشترتا سمكة برتقالية، وسمكة زرقاء مرقطة، وسمكة سوداء ذات جسم مخملي الشكل وعينين جاحظتين بشكل رهيب، وحملتاها جميعًا إلى المنزل في كيس بلاستيكي، واشترتا أيضًا حوض سمك، وحصى ملونًا، ونباتًا بلاستيكيًّا أخضر اللون. وعادت كلتاهما إلى طبيعتهما بعد دخولهما لمتجر وولورث، ورؤيتهما للأسماك المضيئة، والطيور المغردة، والملابس الداخلية النسائية بألوانها الوردية والخضراء، والمرايا ذات الإطارات المذهبة، وأدوات المطبخ البلاستيكية، إلى جانب سرطان بحري كبير من المطاط ذي اللون الأحمر البارد.
كانت آنا تحب مشاهدة برنامج «محكمة العائلة» على شاشة التليفزيون، وهو برنامج عن مراهقات كنَّ بحاجة إلى عمليات إجهاض، وسيدات قُبض عليهن لقيامِهن بسرقة بضائع بالمحلات، وآباء يظهرون بعد سنوات طويلة من الغياب لاسترداد أبنائهم بينما يفضل الأبناء دائمًا البقاء مع أزواج أمهاتهم. وكانت تحب برنامجًا آخر يسمى «عائلة برادي بانش». كانت برادي بانش عائلة مكونة من ستة أطفال رائعين ومشغولين، يساء فهمهم أو يسيئون فهم الآخرين بشكل كوميدي ساخر، وأم شقراء جميلة، وأب وسيم ذي بشرة داكنة، ومديرة منزل مرحة. كان برادي بانش يُعرض في السادسة، وكانت آنا ترغب في تناول العشاء أثناء مشاهدته. وسمحت لها روز بذلك؛ لأنها غالبًا ما كانت ترغب في العمل خلال وقت عشاء آنا. وبدأت في وضع الطعام في أطباق حتى تتمكن آنا من تناول الطعام بشكل أسهل، وتوقفت عن إعداد وجبات العشاء المكونة من اللحم والبطاطا والخضراوات؛ لاضطرارها لإلقاء قدر كبير منها؛ فكانت تعد طبقًا من اللحم المفروم الحار مع الفاصوليا البيضاء بدلًا منها، أو البيض المقلي، أو شطائر اللحم المقدد مع الطماطم، أو نقانق لحم الخنزير ملفوفة في عجينة البسكويت. وفي بعض الأحيان كانت آنا ترغب في تناول حبوب الإفطار، وكانت روز تسمح لها بتناولها، ولكنها بعد ذلك بدأت تفكر أنه ربما يكون أمرًا كارثيًّا أن ترى آنا جالسة أمام التليفزيون وهي تتناول حبوب الإفطار في الوقت الذي تجتمع فيه العائلات في كل مكان سواء في المطبخ أو على مائدة غرفة الطعام يستعدون لتناول الطعام والتشاحن والمزاح ومضايقة أحدهم الآخر. فأحضرت دجاجة، وصنعت حساء ذهبيًّا ثخينًا بالخضراوات والشعير. أرادت آنا تناول حبوب الإفطار، فقالت إن الحساء له مذاق لذيذ، وراحت روز تصيح قائلة: إنه حساء رائع، ولم يسبق لكِ تذوُّقه إلا بالكاد يا آنا، من فضلك جربيه.
غريب أنها لم تقل «من أجلي». وشعرت بارتياح بشكل عام حين قالت آنا بهدوء «لا».
في تمام الثامنة بدأت في الإلحاح على آنا لكي تأخذ حمامها ثم تذهب إلى الفراش. ولم تستطع روز أن تستقر وتهنأ بكأس من الشراب أو فنجان من القهوة مضاف إليه بعض الرَّم وتستسلم لمشاعر الرضا والتقدير إلا بعد أن انتهت من إعداد كوب من حليب الشوكولاتة لآنا، ثم جففت دورة المياه، ولملمت الأوراق وألوان الشمع وقصاصات اللباد، والمقص، والجوارب المتسخة، والداما الصينية، وكذا البطانية التي تلف آنا نفسها بداخلها لمشاهدة التليفزيون؛ نظرًا لبرودة الشقة، وأعدَّت غداء آنا لليوم التالي، وأطفأت نور غرفتها وسط احتجاجاتها. كانت تطفئ الأنوار ثم تجلس بجوار النافذة العالية تشاهد هذه البلدة الجبلية التي لم تكد تعرف بوجودها قبل عام واحد، وفكرت أن كل ما حدث كان بمنزلة المعجزة؛ أن تقطع كل هذه المسافة إلى هنا وتعمل، وأن تأخذ آنا، وأن تعول آنا وتعول نفسها. وفي تلك اللحظة كان بإمكانها الشعور بثقل آنا في الشقة بنفس شعورها الطبيعي بثقلها داخل جسدها، ودون الاضطرار لأن تذهب وتنظر إليها، كان بإمكانها النظر بسعادة مذهلة يشوبها الخوف إلى الشعر الأشقر والبشرة الفاتحة، والحاجبين اللامعين، ذلك الملمح الذي إذا نظرتَ عبره عن كثب، يمكنك أن ترى الشعيرات الدقيقة شبه الخفية تبدو لتخطف الضوء. لأول مرة في حياتها تدرك معنى الألفة والحياة الأسرية، وتعرف معنى المأوى والسكن، وتكدُّ من أجل إدارته.
قالت دوروثي: «ما الذي جعلك تنفصلين؟» كانت هي الأخرى متزوجة منذ فترة طويلة.
لم تدرِ روز بأي شيء تبدأ. بالندوب على رسغها؟ أم بالخنق في المطبخ؟ أم النبش في الحشائش وتمزيقها؟ كلها أمور لا صلة لها بالأمر.
قالت دوروثي: «بالنسبة لي شعرتُ بالملل فحسب. ولكي أكون صادقة معك، شعرت بالملل لأقصى درجة.»
كانت نصف ثملة. فأخذت روز تضحك، وقالت لها دوروثي: «علامَ تضحكين بحق الجحيم؟»
«شيء مريح أن تسمعي شخصًا يقول ذلك، بدلًا من الحديث عن عدم تفاهمكما.»
«حسنًا، لم يكن هناك تفاهم بيننا أيضًا. لا، الحقيقة هي أن عقلي كان مشغولًا بشخص آخر؛ فقد كنت على علاقة بشخص يعمل بإحدى الصحف، كان صحفيًّا، ذهب إلى إنجلترا، أقصد الصحفي، وكتب لي خطابًا عبر المحيط الأطلنطي يخبرني فيه أنه أحبني بصدق. لقد كتب لي ذلك الخطاب لأنه كان وراء المحيط وأنا هنا، لكنني لم يكن لدي ما يكفي من الإدراك لكي أعرف ذلك. أتعلمين ماذا فعلتُ؟ تركت زوجي — حسنًا، لم يكن في ذلك أية خسارة — واقترضت ألفًا وخمسمائة دولار من البنك، وطرت إلى إنجلترا وراءه. اتصلت بجريدته، فأخبروني أنه قد غادر إلى تركيا، فجلست في الفندق في انتظار عودته. يا لها من فترة! لم أخرج من الفندق قط، وإذا ذهبت للحصول على بعض التدليك أو لتصفيف شعري كنت أخبرهم أين يجدونني. كنت ألح عليهم بالأسئلة خمسين مرة في اليوم. ألا يوجد خطاب لي؟ ألم تأتني أية مكالمات؟ رباه، رباه، رباه!»
«وهل عاد؟»
«اتصلت مجددًا، وأخبروني أنه سافر إلى كينيا. بدأ الخوف يتمكن مني، ورأيت أنه لا بد أن أتمالك نفسي، وقد فعلت في اللحظة المناسبة، وعدت إلى الوطن وبدأت في سداد القرض للبنك.»
كانت دوروثي تشرب فودكا خالصة من كوب ماء.
«بعد عامين أو ثلاثة قابلته، ترى أين؟ في المطار. لا، في أحد المتاجر الكبيرة. قال لي إنه آسف لأنه لم يلحق بي في إنجلترا. فقلت له لا بأس، فقد استطعتُ الاستمتاع بوقت طيب على أية حال. كنت لا أزال أسدد القرض للبنك. كان يجب أن أخبره بأنه تافه وأحمق.»
كانت روز في العمل تتصفح الإعلانات التجارية وأحوال الطقس، وترد على الخطابات، وتجيب الهاتف، وتطبع الأخبار على الآلة الكاتبة، وتقوم بأداء الأصوات في مسرحيات الأحد التي يكتبها أحد القساوسة المحليين، وتخطط للقيام بمقابلات شخصية. كانت ترغب في كتابة قصة عن المستوطنين الأوائل للبلدة؛ فذهبت وتحدثت إلى رجل كفيف مسن كان يقطن أعلى متجر لبيع العلف، فأخبرها أنه في الزمن القديم كانت ثمار الكرز والتفاح تعلق بأغصان أشجار الأرز والصنوبر، وكان يلتقط لها صورًا وتُرسل إلى إنجلترا. وساعد ذلك في جلب المهاجرين الإنجليز لاقتناعهم بأنهم قادمون إلى أرض تزدهر فيها البساتين. وعندما عادت إلى المحطة بهذه القصة، ضحك الجميع؛ إذ كانوا قد سمعوها كثيرًا من قبل.
لم يكن توم يغيب عن تفكيرها، فكانت تكتب له ويكتب لها، فلولا هذه الصلة التي تربطها بأحد الرجال، ربما كانت قد رأت نفسها كشخص مذبذب ومثير للشفقة؛ فقد كان لتلك الصلة أثرها في استقرار حياتها الجديدة. بدا لفترة وكأن الحظ يحالفهما؛ فقد أقيم مؤتمر في كالجاري عن الراديو في الحياة الريفية، أو شيء من هذا القبيل، وكانت المحطة بصدد إرسال روز، وكان ذلك دون أي تآمر من جانبها. كان روز وتوم متهللين من الفرحة وهما يتحدثان عبر الهاتف، وسألت إحدى المدرسات الشابات عبر الردهة إذا ما كان بإمكانها أن تنتقل للإقامة بمنزلها كي تعتني بآنا خلال سفرها. أبدت الفتاة ترحيبها بالقيام بتلك المهمة. كان للمدرِّسة صديق انتقل أيضًا للإقامة معهما، ما أدى إلى ازدحام المكان بشكل مؤقت. عادت روز إلى المتجر الذي كانت قد اشترت منه مفرش السرير وقدور القهوة واشترت منه روبًا على شكل قفطان طويل مطرزًا بأشكال طيور بألوان تشبه ألوان الأحجار الكريمة. كان هذا الرداء يذكرها بعندليب الإمبراطور. وقامت بغسل شعرها. كان عليها أن تقطع مسافة ستين ميلًا بالحافلة، ثم تستقل الطائرة. كانت على استعداد لتحمل ساعة من الرعب مقابل قضاء مزيد من الوقت في كالجاري. كان العاملون بالمحطة يستمتعون بتخويفها، وأخبروها بأن الطائرات الصغيرة تقلع في خط شبه مستقيم من المطار الجبلي، ثم تتحطم وتتخذ طريقها سقوطًا فوق جبال روكي. كانت تعتقد أنه ليس من الملائم أن تموت بهذه الطريقة، أن تتحطم بها الطائرة في الجبال وهي في طريقها لرؤية توم. كانت تعتقد ذلك على الرغم من لهفتها للذهاب إليه؛ فقد بدت الرحلة أتفه من أن تموت من أجلها. كان خوض تلك المجازفة يبدو خيانة، ليس خيانة لآنا، وبالتأكيد ليس لباتريك، بل ربما خيانة لنفسها، ولكنها كانت تؤمن بأنها لن تموت، لا لشيء سوى أن الرحلة قد عهد بها إليها بشكل عارض دونما تدبير، ونظرًا لأن الأمر برمته لا يُصدق.
كانت معنوياتها في السماء وهي تلعب الداما الصينية مع آنا طوال الوقت، كما كانت تلعب معها لعبة «آسف»، أو أية لعبة أخرى تريدها آنا. وفي الليلة السابقة لسفرها — وكانت قد رتبت لاستقدام سيارة أجرة لتوصيلها في الخامسة والنصف صباحًا — كانتا تلعبان الداما الصينية، حين قالت آنا: «يا إلهي، لا أستطيع أن أرى بهاتين العينين الزرقاوين!» وتراخت على اللوح وهي على وشك البكاء، وهو ما لم تفعله من قبل في أية لعبة. راحت روز تجس جبهتها، وقادتها إلى فراشها وهي متذمرة. كانت درجة حرارتها ٣٨٫٨ درجة مئوية. كان الوقت متأخرًا للاتصال بتوم في مكتبه، وبالطبع لم يكن بوسع روز الاتصال به في منزله، فاتصلت بسائق السيارة الأجرة وبالمطار وألغت الرحلة؛ إذ حتى لو تحسنت حالة آنا في الصباح، لم تكن لتستطيع السفر. ومضت لتتصل بالفتاة التي كانت ستأتي للإقامة مع آنا، واتصلت بالشخص المسئول عن ترتيب المؤتمر في كالجاري، فقال: «يا إلهي، نعم. هكذا هم الأطفال!» وفي الصباح، وبينما كانت آنا متدثرة ببطانيتها تشاهد الكرتون، اتصلت بتوم في مكتبه، وأخذ يقول: «أنت هنا، أنت هنا! أين أنت؟»
فاضطرت أن تخبره بما حدث.
كانت آنا تسعل، وكانت حرارتها ترتفع وتنخفض. حاولت روز أن ترفع حرارة الشقة، وراحت تعبث بمنظم الحرارة، ثم قامت لتصفي محلول التبريد من مشعات التدفئة المركزية، واتصلت بصاحب المنزل وتركت له رسالة، لكنه لم يتصل، فاتصلت به في منزله في السابعة من صباح اليوم التالي، وأخبرته بأن طفلتها مصابة بالتهاب شعبي (وهو ما كانت تعتقده في حينها، ولكنه لم يكن صحيحًا) وأخبرته بأنها ستمنحه ساعة ليمنحها بعض التدفئة وإلا ستتصل بالجريدة، وتدين أفعاله عبر الراديو، وتُقاضيه، وأنها ستجد القنوات المناسبة لذلك. فما كان منه إلا أن جاء في التو واللحظة وهو يضع قناعًا مستعارًا (قناع الرجل المسكين الذي يحاول تأمين نفقات المعيشة تغويه نساء في حالة هستيرية)، وفعل شيئًا بمنظم الحرارة في الردهة، ومن ثم بدأت المشعات تسخن. أخبرت المدرِّسات روز أنه قد قام بإصلاح منظم حرارة الردهة بحيث يمكنه التحكم في الحرارة، بالرغم من أنه لم يرضخ أبدًا للاحتجاجات من قبل. شعرت بالفخر، شعرت وكأنها أم شرسة من أحد الأزقة راحت تصرخ وتكيل السباب وتقاتل من أجل ابنتها. نسيت أن أمهات الأزقة والأحياء الفقيرة نادرًا ما يكنَّ شرسات لما يعانينه من تعب وارتباك شديدين. لقد كانت صِلاتها الأكيدة بالطبقة الوسطى التي تنتمي إليها، وتوقعاتها بتحقيق العدالة هما ما منحتاها كل هذه الطاقة وهذا الأسلوب المستبد في القدح والسب، ما تسبب في إخافته.
بعد يومين اضطرت روز للعودة إلى عمل. كانت حالة آنا قد تحسَّنت، ولكن روز كانت قلقة طوال الوقت. لم تكن تستطيع ازدراد فنجان من القهوة، لما كانت تعانيه من غصة في حلقها بسبب القلق. كانت آنا على ما يرام، وتأخذ دواء السعال الخاص بها، وتجلس في فراشها تلون بألوان الشمع. وعندما عادت والدتها إلى المنزل، كان لديها قصة لتحكيها لها، وكانت تدور حول بعض الأميرات.
كان هناك أميرة بيضاء ترتدي ثياب العرس البيضاء وتتحلى باللآلئ والجواهر. كان البجع والنعاج والدببة القطبية هي حيواناتها الأليفة، وفي حديقتها تنمو أزهار الزنابق والنرجس الأبيض. وكانت تأكل البطاطا المهروسة، وآيس كريم الفانيليا، وتغطي فطائرها شرائح جوز الهند والمارينج الأبيض. وكانت هناك أميرة وردية تزرع الأزهار وتأكل الفراولة، وتربط مجموعة من طيور البشروش (كانت تصف شكلها لعدم قدرتها على تذكر الاسم). أما الأميرة الزرقاء، فكانت تقتات على العنب والمداد. أما الأميرة البنية، فكان طعامها أطيب من أية أميرة أخرى على الرغم من أن ملابسها كانت رمادية ضاربة إلى البني؛ فكانت تتناول اللحم المشوي، ومرق اللحم البني، وكعكة شوكولاتة مغطاة بطبقة من الشوكولاتة، وأيضًا آيس كريم الشوكولاتة بصلصة فدج الشوكولاتة. تُرى ماذا كانت تحوي حديقتها؟
قالت آنا: «كانت الأرض مفترشة بأشياء بذيئة على مداها.»
لم يُشِر توم وروز هذه المرة إلى خيبة أملهما بشكل صريح، فكانا قد بدآ في كبح جماحهما قليلًا، ربما لظنهما أن الحظ لا يقف في صفهما، فكانا يتراسلان بأسلوب يملؤه الحب والتروي والدعابة، وكأن الكبوة الأخيرة لم تحدث.
في شهر مارس اتصل ليخبرها بأن زوجته وأبناءه سوف يذهبون إلى إنجلترا، وأنه سيلحق بهما ولكن بعد عشرة أيام، فصاحت روز فرحًا بأن لديهما عشرة أيام كاملة سوف تمحو كل أثر للغياب الطويل الذي سيأتي لاحقًا (إذ كان مزمعًا أن يبقى بإنجلترا حتى نهاية الصيف). وتبين بعد ذلك أنها لن تكون عشرة أيام؛ إذ كان مضطرًّا للتوجه إلى ماديسون بولاية ويسكونسن في طريقه إلى إنجلترا. فقالت له روز إنه يجب أن يأتي إلى هنا أولًا، متداركة ما أصابها من خيبة أمل، وراحت تتساءل: كم يمكنك أن تمكث، أيمكنك أن تمكث أسبوعًا؟ وراحت تتخيل نفسها معه وهما يتناولان إفطارًا طويلًا مرحًا. رأت نفسها في عين خيالها في رداء عندليب الإمبراطور. كانت ستقدم قهوة مفلترة (إذن لا بد من شراء إناء قهوة ذي فلتر)، وتلك المربى اللاذعة ذات المذاق الجيد في البرطمان الحجري. ولم تولِ أي تفكير لمهامها الصباحية في المحطة.
قال توم إنه لم يكن يعلم بذلك، ولكن والدته قادمة لمساعدة باميلا والأطفال في الإعداد للسفر، ولم يستطع أن يحزم حقائب ويتركها هكذا، وقال إنه سيكون من الأفضل كثيرًا إذا استطاعت هي المجيء إلى كالجاري.
ثم غمرته السعادة وقال إنهما سيذهبان إلى بانف، حيث سيأخذان إجازة لمدة ثلاثة أو أربعة أيام، وتساءل عما إذا كان بإمكانها تدبير ذلك، وعما إذا كان بالإمكان أن تأخذ عطلة أسبوعية طويلة. فتساءلت إن كانت بانف مكانًا يصعب الوجود فيه بالنسبة له؛ إذ ربما يلتقي أحدًا ممن يعرفهم. فقال: لا، لا، سيكون كل شيء على ما يرام. لم تكن سعادتها بقدر سعادته الغامرة؛ لأنها لم تكن تفضِّل تمامًا أن توجد في فندق معه في فيكتوريا. ونزل إلى بهو الفندق ليحضر ورقة، واتصل بغرفتهما ليتأكد من أنها لن ترد عليه كما اتفقا، وبالفعل لم ترد عليه، ولكن المناورة سبَّبت لها إحباطًا، ومع ذلك فقد كان جوابها أن الأمر رائع وعظيم، وكان بحوزة كلٍّ منهما على الهاتف تقويم لكي يحددا الأيام التي سيلتقيان فيها. واتفقا على ضم العطلة الأسبوعية إلى أيام الإجازة؛ إذ كان لديها عطلة أسبوعية قادمة، وكانت على الأرجح ستنجح في أخذ يوم الجمعة أيضًا، وجزء من يوم الاثنين على الأقل. كان بإمكان دوروثي أن تقوم مكانها بالمهام شديدة الأهمية؛ فقد كانت دوروثي تدين لها ببعض من وقت العمل؛ إذ سبق لروز أن حلت محلها حين كانت في سياتل؛ إذ قضت ساعة على الهواء تقرأ نصائح منزلية ووصفات لم تكن تعتقد أنها مجدية.
كان لديها نحو أسبوعين للترتيب للأمر، فتحدثت مجددًا إلى المعلمة التي قالت إن بإمكانها المجيء، واشترت سترة. كانت تتمنى ألا يكون متوقعًا منها أن تتعلم التزحلق على الجليد في ذلك الوقت، فلا بد أنهما يستطيعان التمشية هناك. كانت تعتقد أنهما سيقضيان معظم وقتهما في تناول الطعام والشراب والحديث وممارسة الحب، وكانت الأفكار الخاصة بذلك النشاط الأخير تؤرقها بعض الشيء؛ إذ كانت أحاديثهما عبر الهاتف يغلب عليها الاحتشام والخجل إلى حد كبير، ولكن خطاباتهما كانت مفعمة بالوعود الملتهبة، لا سيما وهما الآن على يقين من اللقاء. كانت روز تحب قراءة وكتابة مثل هذه الوعود، ولكن لم يكن بإمكانها تذكُّر توم بالوضوح الذي كانت ترغب به. كان بإمكانها تذكُّر شكله، وأنه ليس طويلًا للغاية، ونحيل، وله شعر رمادي مموج، ووجه طويل حسن، ولكنها لم تستطع أن تتذكر عنه الأشياء الصغيرة المثيرة، كنبرة صوته أو رائحته المميزة. الشيء الوحيد الذي كانت تتذكره جيدًا هو أن وقتهما معًا في فيكتوريا لم يكن موفقًا تمامًا؛ كان بإمكانها أن تتذكر شيئًا ما بين القذع والاعتذار، شيئًا وضعهما على حافة الفشل الخطرة. وقد جعلها ذلك متلهفة بشكل خاص لأن تحاول أن تنجح مرة أخرى.
كان مقررًا أن تغادر يوم الجمعة في الصباح الباكر، مستقلة نفس الحافلة ونفس الطائرة التي خططت لاستقلالهما من قبل.
في صباح يوم الثلاثاء بدأ الثلج في الهطول، ولكنها لم تُعِر الكثير من الانتباه لذلك؛ إذ كان ثلجًا رطبًا جميلًا يتساقط من السماء مباشرة في شكل رقاقات كبيرة، وراحت تتساءل إن كان الثلج سيتساقط أيضًا في بانف. كانت تتمنى ذلك، فقد كانت تحب فكرة الاستلقاء في الفراش ومشاهدة الجليد. ظل الثلج يتساقط بشكل متواصل إلى حد ما على مدى يومين، وفي نهاية مساء يوم الخميس حين ذهبت لاستلام تذكرتها من وكالة السفر، أخبروها أن المطار قد أُغلق. لم تُبدِ أو تستشعر حتى أي قلق؛ بل كانت تشعر بارتياح بعض الشيء لكونها لن تضطر للسفر جوًّا. تساءلت في نفسها عن إمكانية السفر بالقطار، ولكن القطار بالطبع لم يكن يذهب إلى كالجاري؛ إذ كان يتوقف في مقاطعة سبوكان، وكانت تعلم ذلك بالفعل. إذن تبقَّت الحافلة، فقاموا بالاتصال للتأكد من أن الطرق السريعة مفتوحة وأن حركة الحافلات مستمرة. في أثناء تلك المحادثة بدأ قلبها يخفق قليلًا، ولكن كلَّ شيء كان على ما يرام، والحافلات تعمل. أخبروها بأن الرحلة بالحافلة لن تكون ممتعة للغاية؛ فهي تغادر من هنا في الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، وتدخل كالجاري في حوالي الثانية بعد الظهر من اليوم التالي.
«حسنًا، لا بأس.»
قال الشاب ذو المظهر الرث: «لا بد أنك تريدين حقًّا الذهاب إلى كالجاري.» كانت وكالة السفر تلك متهدمة وخربة إلى أقصى حد، وكانت تقع في بهو أحد الفنادق خارج باب الحانة.
ردَّت روز بصفاقة: «أنا ذاهبة إلى بانف في الواقع. ونعم أريد الذهاب إلى هناك.»
«هل أنت ذاهبة من أجل التزحلق؟»
«ربما.» كانت على قناعة أنه قد خمَّن كل شيء. لم تكن تعرف حينذاك كم كانت مثل هذه الرحلات غير الشرعية للمتعة مألوفة وعادية؛ فقد كانت تعتقد أن هالة الخطيئة تتراقص حولها مثل ألسنة لهب نصف شفافة على موقد غاز.
عادت إلى المنزل وهي تفكر أنه سيكون من الأفضل كثيرًا حقًّا أن تجلس في الحافلة، تقترب أكثر فأكثر من توم، من أن تستلقي في الفراش يجافيها النوم. كل ما كان عليها أن تفعله هو أن تخبر المعلمة لكي تنتقل إلى منزلها في تلك الليلة.
كانت المعلمة في انتظارها تلعب الداما الصينية مع آنا، فقالت لها: «أوه، لا أعرف كيف أخبرك. أنا في شدة الأسف، ولكن حدث شيء ما.»
قالت لها إن شقيقتها قد تعرَّضت للإجهاض وهي في حاجة لمساعدتها. وكانت شقيقتها تلك تعيش في فانكوفر.
«سوف يقلُّني صديقي غدًا بالسيارة إذا استطعنا التواصل معًا.»
كانت تلك هي أول مرة تسمع فيها روز عن وجود صديق لها، وعلى الفور راودها الشك بشأن القصة برمتها. ربما تكون الفتاة قد جاءتها فرصة للسفر مع حبيب ما؛ لعلها قد تنشقت نسيم الحب والأمل هي الأخرى. ربما يكون زوج امرأة ما، أو شابًّا في مثل عمرها. نظرت روز إلى وجه الفتاة الذي كان حَب الشباب يكسوه يومًا ما وقد تحول إلى اللون الوردي من أثر الخجل والإثارة، وأدركت أنها لن تزحزحها عن موقفها أبدًا. مضت المعلمة تزين قصتها بالحديث عن طفلَي شقيقتها، وكان كلاهما صبيين، وأنهما كانا يتوقان لإنجاب طفلة.
بدأت روز اتصالاتها لاستقدام شخص آخر. اتصلت بطالبات، وزوجات الرجال الذين كانوا يعملون معها بالمحطة، اللاتي قد يعطينها أسماء جليسات أطفال، واتصلت بدوروثي التي كانت تكره الأطفال. كل ذلك دون جدوى. اتبعت كل الإرشادات التي أعطاها إياها الآخرون، على الرغم من إدراكها أن هذه الإرشادات كانت بلا قيمة على الأرجح، وأن القصد منها هو التخلص منها. شعرت بالخجل من إصرارها وإلحاحها. وفي النهاية قالت آنا: «بإمكاني البقاء هنا بمفردي.»
«كفِّي عن هذا السخف.»
«لقد فعلتُها من قبل حين كنتُ مريضة واضطررتِ للعودة إلى العمل.»
قالت روز وقد أحست بسعادة حقيقية بشكل مفاجئ لتوصلها لحل في غاية السهولة والرعونة: «ما رأيكِ في أن تأتي معي إلى بانف؟»
وفي عجالة شديدة مضتا تحزمان حقائبهما. ولحسن الحظ كانت روز قد ذهبت إلى المغسلة ذات الخدمة الذاتية في الليلة السابقة. لم تسمح لنفسها بالتفكير بشأن ما سوف تفعله آنا في بانف، ومن سيتكفل بنفقات الغرفة الإضافية، وما إذا كانت آنا ستوافق من الأساس على الإقامة في غرفة مستقلة. راحت روز تلملم كتب التلوين والقصص، وأدوات الزخارف المبعثرة التي تستطيع روز القيام بها بمفردها، وأي شيء اعتقدت أن من شأنه تسليتها. كانت آنا سعيدة بهذا التحول الذي طرأ على الأحداث، ولم تجفل من فكرة ركوب الحافلة. وتذكرت روز أن تتصل بالسيارة الأجرة مبكرًا لتقلهما عند منتصف الليل.
عَلِقت السيارة وسط الزحام في الطريق إلى المحطة، وخطر لروز أن اتصالها بالسيارة قبل نصف ساعة من موعد تحرك الحافلة كانت فكرة سديدة، مع أن الطريق إلى هناك عادة لا يستغرق أكثر من خمس دقائق. كانت محطة الحافلات عبارة عن محطة قديمة لخدمة السيارات، وكانت مكانًا موحشًا. تركت روز آنا على مقعد بالمحطة مع الأمتعة وذهبت لتشتري التذاكر، وعندما عادت كانت آنا قد ارتمت على الحقيبة، بعد أن استسلمت للنوم بمجرد أن استدارت والدتها.
«يمكنك النوم في الحافلة.»
فعدلت آنا جلستها ناكرة شعورها بالتعب. تمنَّت روز لو كان الجو دافئًا داخل الحافلة. ربما كان عليها أن تُحضر بطانية لتلفها حول آنا. لقد فكرت في ذلك، ولكنهما كانتا تحملان ما يكفي من الأمتعة، حيث كانت حقيبة التسوق مكتظة بكتب آنا وأدواتها الترفيهية؛ كان من الصعب تحمُّل فكرة الوصول بها إلى كالجاري شعثاء الشعر، معتلة المزاج ومصابة بالإمساك، إلى جانب أقلام التلوين التي تتساقط من الحقيبة وأيضًا بطانية متدلية من خلفها، فقررت ألا تأخذها.
كان هناك القليل فقط من المسافرين في انتظار ركوب الحافلة: زوجان شابان يرتديان الجينز ويبدو عليهما الشعور بالبرد والهزال؛ وامرأة عجوز مسكينة وقورة ترتدي قبعتها الشتوية، وجدة هندية بصحبتها طفل رضيع؛ ورجل مستلقٍ على أحد مقاعد المحطة يبدو عليه المرض أو الثُمالة. تمنت روز أن يكون هذا الرجل موجودًا في المحطة التماسًا للدفء فقط، وليس انتظارًا للحافلة؛ إذ بدا وكأنه قد يتقيأ، أو أن يتقيأ الآن وليس لاحقًا إذا كان سيصعد على متن الحافلة. كانت ترى أنه من الأفضل لو اصطحبت آنا إلى حمام المحطة، فبالرغم من بشاعته، ربما سيكون أفضل من الحمام المتاح بالحافلة. كانت آنا تجول بناظريها في المكان من حولها، تنظر إلى ماكينة بيع السجائر، وماكينة بيع الحلوى، وماكينة بيع المشروبات والشطائر. تساءلت روز إن كان عليها أن تبتاع بعض الشطائر وبعض الشوكولاتة الساخنة السائلة. فما إن تلبث الحافلة أن تدخل بها وسط الجبال حتى تتمنى لو كانت قد فعلت.
وعلى حين غرة خطر ببالها أنها قد نسيت الاتصال بتوم لتخبره بأن ينتظرها عند الحافلة وليس الطائرة، وعزمت على القيام بذلك حين يتوقفون لتناول الإفطار.
السادة المسافرون منتظرو الحافلة المتجهة إلى كرانبروك، راديوم هوت سبرينجس، جولدن، كالجاري، برجاء الانتباه. تم إلغاء حافلتكم. تم إلغاء الحافلة المزمع مغادرتها من هنا في الثانية عشرة والنصف.
ذهبت روز إلى شباك التذاكر وقالت: ما هذا؟ ماذا حدث؟ أخبرني، هل الطريق السريع مغلق؟ فأخبرها الرجل متثائبًا: «الطريق مغلق بعد كرانبروك. إنه مفتوح من هنا وحتى كرانبروك ولكنه مغلق بعد ذلك، ومغلق غربًا من هنا حتى جراند فوركس، ومن ثم لن يتسنى للحافلة حتى أن تصل إلى هنا الليلة.»
سألت روز في هدوء عن الحافلات الأخرى التي تستطيع أن تستقلها.
«ماذا تعنين بالحافلات الأخرى؟»
«حسنًا، ألا توجد حافلة أخرى إلى سبوكان؟ بإمكاني أن أتوجه من هناك إلى كالجاري.»
وعلى مضض سحب الرجل جداول الحافلات، وتذكر كلاهما أنه لا جدوى من ذلك إذا كان الطريق السريع مغلقًا ما بين هنا وجراند فوركس، إذ لن يتسنى لأية حافلة الوصول إلى هنا. فكرت روز في أن تستقل القطار إلى سبوكان، ثم تستقل الحافلة إلى كالجاري، ولكن لم يكن بوسعها القيام بذلك مطلقًا؛ إذ سيكون ذلك محالًا مع آنا. ومع ذلك سألت عن القطارات، وسألته هل نما إلى علمه أي شي بشأن القطارات؟
«سمعتُ أنها ستعمل بعد اثنتي عشرة ساعة.»
ظلت واقفة عند شباك التذاكر وكأنهم ملزمون بإيجاد حل لها، ولا بد أن يظهر.
«ليس بيدي شيء آخر يمكنني القيام به من أجلك هنا يا سيدتي.»
فانصرفت ورأت آنا عند هواتف العملة تعبث بصناديق استرداد العملات؛ إذ كانت أحيانًا ما تجد قطعة نقود بهذه الطريقة.
أقبلت آنا نحوها دون ركض، ولكنها كانت تسير مسرعة بطريقة متزنة مشوبة بالانفعال على نحو غير طبيعي، وقالت: «تعالَي إلى هنا، تعالَي إلى هنا.» وراحت تجذب روز التي تسمرت في مكانها نحو واحد من هواتف العملة العامة، وأمالت صندوق العملات نحوها. كان مليئًا بالعملات الفضية عن آخره، فشرعت تفرغها في يدها. كانت العملات متنوعة ما بين فئات الربع دولار، والخمسة سنتات، والعشرة سنتات، والمزيد والمزيد من العملات الأخرى. وراحت تملأ منها جيوبها. بدا الأمر وكأن الصندوق يمتلئ مرة أخرى في كل مرة تغلقه، وكأنها في حلم أو حكاية من حكايات الجنيات. إلى أن جرَّدته مما فيه في النهاية ملتقطة آخر قطعة عشرة سنتات به، ثم نظرت إلى روز بوجه شاحب متعب متوهج.
قالت في لهجة آمرة: «لا تقولي أي شيء.»
أخبرتها روز أنهما لن يصعدا على متن الحافلة، واتصلت بنفس السيارة الأجرة لتقلهما إلى المنزل. وتقبَّلت آنا التغيير الذي طرأ على الخطط دونما اهتمام. ولاحظت روز أنها تركب السيارة بمنتهى الحرص حتى لا تصلصل العملات في جيوبها.
وفي الشقة أعدت روز لنفسها شرابًا، أما آنا، فشرعت تنشر العملات على طاولة المطبخ وتفصلها في أكوام لعدها، دون حتى أن تخلع حذاءها الطويل أو معطفها.
قالت: «لا أصدق ذلك، لا أصدق.» كانت نبرة صوتها غريبة وكأنها شخص كبير، نبرة صوت تنم عن دهشة حقيقية تغلفها دهشة مصطنعة، وكأن الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها التحكم في الموقف والتعامل معه هو أن تضفي عليه طابعًا دراميًّا بهذا الشكل.
قالت روز: «لا بد أنها من مكالمة لمكان بعيد. أعتقد أن هذا المال يخص شركة الهواتف.»
قالت آنا بصوت امتزج فيه الشعور بالذنب والانتصار: «ولكن لا يمكننا أن نرده، أليس كذلك؟» وكانت إجابة روز بالنفي.
قالت روز: «هذا جنون.» كانت تقصد فكرة أن المال يخص شركة الهواتف. كانت متعبة ومشوشة، ولكن بدأ يراودها شعور مؤقت وساذج من المرح. كان بإمكانها رؤية العملات تنهمر فوقهما كسيول أو كعواصف ثلجية؛ ما أروع الرعونة التي سادت المكان! ويا لها من نزوة لطيفة!
حاولتا عد العملات، ولكنهما ظلتا ترتبكان في العد، فشرعتا بدلًا من ذلك في اللعب بها، بإسقاطها عبر أصابعهما بتباهٍ وفخر. كان وقتًا متأخرًا من الليل طغى عليه العبث واللهو، في المطبخ المستأجر على الجبال، ذلك المكان الذي وُجدت فيه الوفرة والسخاء حيثما لم تكن لتبحث عنها؛ لتتقاطع خيوط الخسارة مع الحظ. كانت واحدة من المرات القليلة، واحدة من الساعات القليلة، التي استطاعت فيها روز أن تقول بحق إنها ليست تحت رحمة الماضي، أو المستقبل، أو الحب، أو أي شخص. وتمنت أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لآنا.
كتب لها توم خطابًا طويلًا امتلأ حبًّا ودعابة وتحدث فيه عن القدر. كان خطاب هجر وانسحاب امتلأ شجنًا وارتياحًا من الألم والعذاب، كتبه لها قبل أن يرحل إلى إنجلترا. لم يكن لدى روز أي عنوان له هناك، وإلا لكان من المحتمل أن تكتب له راجية إياه أن يعطيهما فرصة أخرى. فتلك كانت طبيعتها.
سرعان ما انقضت تلك العاصفة الثلجية الأخيرة لذلك الشتاء، مخلِّفة وراءها بعض الفيضان في الأودية. كتب لها باتريك يخبرها بأنه سيأتي في يونيو، بعد انقضاء الدراسة، وأنه سيأخذ آنا لتقضي معه الإجازة الصيفية. قال إنه يرغب في البدء في إجراءات الطلاق؛ لأنه قابل فتاة يريد أن يتزوجها. كان اسمها إليزابيث، وقال عنها إنها إنسانة رائعة متزنة.
وتساءل باتريك إن كانت روز تعتقد أنه قد يكون من الأفضل لآنا أن تستقر في منزلها القديم في العام القادم، في المنزل الذي طالما عرفته، وأن تعود إلى مدرستها القديمة وسط أصدقائها القدامى (كان جيريمي دائم السؤال عنها) بدلًا من التسكع معها في حياتها الجديدة المستقلة. ألا يكون من المحتمل — وهنا فكرت روز أنها سمعت صوت فتاته المتزنة ينطلق من كلماته — أنها تستخدم آنا لتمنح نفسها بعض الاستقرار والاتزان، بدلًا من مواجهة عواقب الطريق الذي اختارته لنفسها؟ بالطبع، والحديث لباتريك، يجب أن تمنح آنا حقها في الاختيار.
أرادت روز أن ترد على خطابه بأنها كانت تود أن تجعل من هذا المكان منزلًا لآنا، ولكنها لم تستطع القيام بذلك في الحقيقة؛ فلم تعد راغبة في البقاء هنا، فقد تلاشى سحر وصفاء تلك البلدة بالنسبة لها، وكان الراتب هزيلًا، بما لن يمكِّنها من تحمُّل نفقات أي شيء سوى هذه الشقة الزهيدة، وربما لن يتسنى لها الحصول على وظيفة أفضل أو حبيب آخر. كانت تفكر في التوجه شرقًا، إلى تورونتو، لتبحث عن عمل هناك مع إحدى المحطات الإذاعية أو التليفزيونية، وربما حتى بعض الأدوار التمثيلية. أرادت أن تأخذ آنا معها، وأن تستقرا مرة أخرى في مسكن مؤقت. كان الأمر مثلما قال باتريك. لقد أرادت أن تعود من أجل آنا، أن تملأ حياتها بآنا، ولم تكن لتفكر أن آنا لن تختار تلك الحياة لنفسها؛ فالطفولة البائسة غير المعتادة التي تتسم بكثرة التجوال وعدم الاستقرار لا تروق كثيرًا للأطفال على الرغم من أنهم سيدَّعون أنهم يقدرونها كثيرًا، لمختلف أنواع الأسباب، فيما بعد.
نفقت السمكة المرقطة أولًا، تبعتها السمكة البرتقالية، ولم تقترح روز أو آنا الذهاب مرة أخرى إلى متجر وولورث حتى يتسنى للسمكة السوداء أن يكون لها رفيق، فقد بدا وكأنها لا ترغب في أية رفقة؛ فقد فرضت سيطرتها الكاملة على حوض السمك بمفردها بعينيها الجاحظتين الواسعتين، ومظهرها الشرير والارتياح الذي بدت عليه.
أخذت آنا على روز عهدًا بألا تلقي بها في المرحاض بعد رحيلها، ووعدتها روز بذلك، وقبل أن تغادر إلى تورونتو توجهت إلى منزل دوروثي حاملة معها حوض السمك لتقدم لها تلك الهدية غير المرغوبة. تقبَّلتها دوروثي بلطف ودماثة، وقالت إنها ستسميها على اسم الرجل الذي قابلته في سياتل، وهنأت روز على الرحيل. •••
ذهبت آنا لتعيش مع باتريك وإليزابيث، وبدأت في تلقِّي دروس الدراما والباليه؛ فقد كانت إليزابيث تؤمن بضرورة أن يكون للأطفال إنجازات، وأن يظلوا منشغلين. ومنحاها السرير ذا الأربعة أعمدة، وصنعت له إليزابيث ظُلة شفافة ومفرشًا، وصنعت لآنا رداءً للنوم وقبعة تتلاءم معه.
أحضرا هرة صغيرة لآنا، وأرسلا لروز صورة لها وهي جالسة مع القطة على السرير، تبدو عليها ملامح الرزانة والرضا في وسط كل هذه المنسوجات المزدانة بالورود.
المتسولة |
حظ سايمون
كانت الوحدة رفيقة روز في الأماكن الجديدة، وكانت تتمنى لو تلقَّتْ دعوات من الآخَرين. كانت تخرج وتجوب الشوارع وتتطلع في النوافذ المضيئة وإلى حفلات ليلة السبت، وحفلات العشاء العائلية ليلة الأحد. لا جدوى من محاولة إقناع نفسها بأنها لم تكن لتظل بمفردها كثيرًا، تثرثر وتعاقر الشراب، أو تغرف مرق اللحم البني، قبل أن تتمنى لو أن تجوب الشوارع. اعتقدت أن بإمكانها قبول أية دعوات؛ فكان بإمكانها الذهاب إلى حفلاتٍ في قاعات عُلِّقَتْ على جدرانها الملصقاتُ والصورُ، وتنيرها مصابيح عادية وتغطيها مظلات عليها شعار كوكاكولا، وكل ما هو متداعٍ ومائل؛ أو حفلاتٍ في قاعات مهنية تعج بالكثير من الكتب، واللوحات التذكارية النحاسية، وربما جمجمة أو اثنتان؛ أو حتى في غرف ترفيهية، حيث لا يمكنها أن ترى — عبر نوافذ القبو — إلا الأطراف العليا من أكواب الجعة، وأبواق الصيد، وقرون الشراب، والمدافع. كان بإمكانها الذهاب والجلوس على آرائك محاكَة بخيوط لوريكس، أسفل لوحاتٍ معلَّقَة من المخمل الأسود المطرز برسوم الجبال، والسفن الشراعية الضخمة، ودِبَبَةٍ قطبيةٍ مصمَّمة على الصوف الزئبري. كانت تحب كثيرًا أن تأخذ بعضًا من حلوى البودنج الإنجليزية الفاخرة من إناء من الزجاج البلوري في غرفة طعام فخمة، وخلفها يقبع بوفيه ضخم متلألئ، وصورة باهتة لخيول وأبقار ونعاج تأكل على حشائش أرجوانية ملوَّنَة بشكل سيئ، أو الاكتفاء بتناول البودنج في ركن الطعام بمطبخ في منزل صغير مبيَّض بالجص بجوار محطة الحافلات، تزيِّن جدرانه ملصقاتُ الدراق والكمثرى، ويتدلى اللبلاب من أصص نحاسية صغيرة؛ كيف لا وروز ممثلة، يمكنها أن تكيِّف نفسها على أي مكان.
كانت روز تُدعَى لحفلات بالفعل؛ فمنذ حوالي عامين، كانت في حفل في بناية سكنية شاهقة في كينجستون. كانت النوافذ تطل على بحيرة أونتاريو وجزيرة وولف. لم تكن روز تعيش في كينجستون، بل كانت تعيش في إحدى المناطق الداخلية، حيث عَمِلت بتدريس الدراما على مدى عامين في إحدى الكليات الأهلية. أثار ذلك دهشة بعض الناس لإقدامها على ذلك؛ فقد كانوا لا يعلمون مدى قلة ما تتقاضاه الممثلة من مالٍ؛ إذ اعتقدوا أن الشهرة تفضي تلقائيًّا إلى الثراء.
قادت روز السيارة إلى كينجستون من أجل هذا الحفل فقط، الأمر الذي أشعرها بقليل من الخجل. ولم تكن قد قابلت مضيفة الحفل من قبلُ، غير أنها قابلت المضيف في العام الفائت، حين كان يعمل بالتدريس في الكلية الأهلية ويعيش مع فتاة أخرى.
قامت المضيفة، وكانت تُدعَى شيلي، باصطحاب روز إلى غرفة النوم لتخلع معطفها. كانت شيلي فتاةً ذات قوام نحيف وملامح وقورة، وشقراء بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بحاجبين يقارب لونهما البياض، وشعر طويل وكثيف وناعم وكأنه مقتطَع من لوح خشبي. بدا وكأنها تأخذ مظهرها الشبابي المائل للنحافة الشديدة على محمل الجد. كان صوتها خفيضًا شجيًّا، ما جعَلَ وَقْعَ صوت روز، الذي كانت قد ألقت به التحية عليها قبل لحظات، مفعمًا بالحيوية والنشاط في أذنيها إلى أقصى حد.
في سلة أسفل السرير، رأت روز قطةً ذات لون مبرقع تُرضِع أربع قطط صغيرة عمياء غاية في الصغر.
قالت المضيفة: «هذه تاشا. يمكننا النظر إلى صغارها ولكن لا نستطيع أن نلمسها، وإلا توقفت عن إطعامها.»
جثت بجوار السلة وهي تدندن، وتتحدث إلى القطة الأم بحب شديد رأته روز مصطنَعًا. كان الشال الملتف حول كتفها أسود اللون تزيَّنَتْ حوافه بخرز أسود، إلا أن بعض هذا الخرز بدا معوجًّا والبعض الآخَر مفقودًا. ورغم أنه كان وشاحًا قديمًا بحقٍّ إلا أنه من نوع أصلي، وليس مجرد وشاح مقلَّد. وكان رداؤها المترهل المائل قليلًا للاصفرار، ذو التطريز المثقب أصليًّا أيضًا، وإن كان من المرجح أنه كان تنورة داخلية في الأصل. كانت مثل هذه الملابس تستغرق وقتًا في البحث عنها.
على الجانب الآخَر من السرير وجدَتْ مرآة كبيرة معلَّقَةً عاليًا بشكل يثير الريبة، ومائلة. حاولت روز أن تلقي نظرة على نفسها في المرآة بينما كانت الفتاة منحنية على السلة. فمن الصعب للغاية على امرأة أن تنظر في المرآة في وجود امرأة أخرى في الغرفة، خاصةً إنْ كانت أصغر منها سنًّا. ارتدت روز رداءً قطنيًّا طويلًا مزيَّنًا بالورود، ذا صدر به ثنايا وأكمام منتفخة، خصره في غاية القصر ويضيق عند منطقة النهد لدرجة يتعذر معها أن يكون مريحًا. كان به لمحة غير مقبولة من التكلُّف والشبابية. ربما لم تَعُدْ بالرشاقة الكافية لارتداء مثل هذا التصميم، كان شعرها البني الضارب إلى الحمرة مصبوغًا في المنزل، وسرت الخطوط الرفيعة في كلا الاتجاهين تحت عينيها، مكوِّنَةً بينها كتلًا من الجلد الداكن.
كانت روز قد أدركت في تلك الفترة أنها حين تجد الناس بهذا التكلُّف والتصنُّع كتلك الفتاة، وغرفهم مزخرفة بهذا الشكل المتواضع، وأسلوب حياتهم بهذا الحد من الإزعاج (تلك المرآة، اللحاف ذو الغطاء المرقع، الرسومات اليابانية المثيرة للغرائز المعلَّقة فوق السرير، الموسيقى الأفريقية القادمة من غرفة المعيشة)، فإن ذلك يرجع عادةً إلى عدم تلقِّيها الاهتمام الذي تريده، وخوفها من عدم تلقِّيه، وعدم اختراقها للحفل، وشعورها بأنها ربما يئول بها المآل للتسكُّع على الهامش وهي تطلق الأحكام.
شعرت بأنها في حال أفضل في غرفة المعيشة، حيث تواجَدَ بعض الأشخاص ممَّن تعرفهم من قبلُ، وبعض الوجوه التي طالتها علامات السن مثلها. تناولت روز شرابها على نحو سريع في البداية، ولم يمر وقت طويل قبل أن تشرع في استخدام الهريرات الوليدة كمدخل لقصتها. كانت تقول إن شيئًا رهيبًا قد حدث لقِطِّها في ذلك اليوم.
قالت: «والأسوأ من ذلك أنني لم أكن أحب ذلك القط كثيرًا؛ فلم تكن فكرتي أن أمتلك قطًّا، كانت فكرته هو؛ فقد تبعني إلى المنزل في أحد الأيام وأصَرَّ على أن آخُذَه للداخل. كان كعاطل ضخم ثقيل الحركة لا يصلح للعمل، يصر على إقناعي بأنني أدين له بإعالته. كان مغرمًا دائمًا بمجفِّف الملابس، ويحب القفز بداخله حين يكون دافئًا بمجرد أن أخرج منه الملابس. عادةً ما يكون لديَّ حمولة واحدة من الغسيل، ولكن اليوم كان لديَّ حمولتان، وعندما مددت يدي لأُخرِج الحمولة الثانية، اعتقدت أنني قد شعرت بشيء غريب. فكرت: ماذا لديَّ من ملابس بها ذلك الفراء؟»
انقسم الحاضرون بين التأسي والضحك، والتعبير عن فزعهم المحفوف بالشفقة. جالت روز بنظرها بينهم وبدت جذَّابة، وتحسَّن شعورها كثيرًا. ولم تَعُدْ غرفة المعيشة، بمشهد البحيرة الذي تطل عليه، وزخرفها الدقيق (جهاز تشغيل الموسيقى بالعملة، مرايا الحلاق، إعلانات من مطلع القرن — «دخان من أجل حلقك» — أغطية مصابيح حريرية قديمة، أطباق وأباريق ريفية، أقنعة بدائية، منحوتات) لم تَعُدْ تبدو على نفس القدر الذي كانت عليه من العدوانية. تناولت كأسًا أخرى من الجين، وأدركت أنه لم يتبقَّ كثير من الوقت قبل أن تشعر بالخفة والترحيب كطائر طنان، وصارت على قناعةٍ بأن الكثير من الموجودين في الغرفة ظرفاء، والكثير منهم يتسمون بالعطف والطيبة، والبعض منهم يجمع بين الصفتين.
«قلت في نفسي: يا إلهي! كلا. ولكنه حدث. كان هناك قتيل في مجفِّف الملابس.»
جاء صوت رجل ذي وجه حاد الملامح قليلًا يجلس بالقرب منها، كانت على معرفة سطحية به لسنوات، يقول: «تحذير لكل الباحثين عن المتعة.» كان هذا الرجل يدرِّس في قسم اللغة الإنجليزية بالجامعة، حيث كان مضيف الحفل يعمل بالتدريس، وكانت المضيفة طالبة دراسات عليا.
قالت المضيفة بنظرتها المرهفة الثابتة الباردة: «شيء فظيع.» وبدا الخجل والارتباك قليلًا على وجوه مَن كانوا يضحكون، وكأنهم اعتقدوا أنهم قد يبدون عديمي الرحمة. «قطك! شيء فظيع. كيف استطعتِ المجيء الليلة؟»
في الواقع إن الحادثة لم تكن قد وقعت اليوم على الإطلاق، بل وقعت في الأسبوع الماضي. تساءلت روز إن كانت الفتاة قد قصدت أن تضعها في موقف محرج، فقالت بصدق وأسف إنها لم تكن مغرمة كثيرًا بالقط، وهو ما جعل الأمر يبدو أكثر سوءًا بطريقة ما، وإن هذا ما كانت تحاول توضيحه.
«شعرتُ وكأن الخطأ ربما يكون خطئي. ربما لو كنتُ أكثر حبًّا له، لما حدث ذلك.»
قال الرجل الجالس بجوارها: «بالطبع لم يكن ليحدث. كان الدفء هو ما يبحث عنه داخل المجفِّف، الحب. آه يا روز!»
قال صبي طويل القامة لم تكن روز قد لاحظته من قبلُ: «لن تستطيعي أن تلعني القط بعد الآن.» بدا وكأنه قد ظهر فجأةً أمامها دون أن تلحظ. «اللعنة على الكلب، اللعنة على القط، لا أعرف ماذا أنتِ فاعلة يا روز!»
كانت روز تبحث عن اسمه في ذهنها، وأدركت أنه قد يكون طالبًا لديها، أو طالبًا سابقًا.
قالت روز: «ديفيد. مرحبًا ديفيد.» كانت سعيدةً لنجاحها في التوصُّل لاسمه، لدرجةٍ جعلتها بطيئةً في استيعاب ما قاله.
أخذ الصبي يكرِّر منحنيًا عليها: «اللعنة على الكلب، اللعنة على القطة.»
قالت روز: «أستميحك عذرًا!» ورسمتْ على وجهها تعبيرًا جمع بين السخرية والتسامح والسحر، ووجد مَن حولها صعوبةً في التواؤم مع ما كان الصبي يقوله مثلما فعلتْ هي. لم يكن من السهل إيقاف أجواء الألفة والتعاطف وتوقُّع حسن النية؛ فقد استمرت على الرغم من ظهور دلالات على أن هناك الكثير في هذا المكان لن تستطيع هذه الأجواء احتواءه. كانت الابتسامة ما زالت مرتسمة على وجوه الجميع تقريبًا، وكأن الصبي قد ألقى دعابة أو أدَّى دورًا تمثيليًّا، الأمر الذي سيتم توضيحه حتمًا خلال لحظات. خفضت المضيفة عينيها وانسلَّت من وسط الجمع.
قال الصبي بنبرة غاية في الشناعة والقبح: «بل أستميحك أنا عذرًا، تبًّا لكِ يا روز.» كان فاتح البشرة، تبدو عليه الغلظة وصعوبة التعامل، وثملًا إلى حد مميت. ربما يكون قد نشأ في منزل كريم، حيث يتحدث الناس بلطف وأدب عمَّا يريدونه، ويشمِّت أحدهما الآخَر عند العطس.
أمسك رجل قصير القامة قوي البنية ذو شعر أسود مجعَّد الصبيَّ من ذراعه من أسفل كتفه بالضبط.
قال له بلهجة شبه أبوية: «ابتعد من هنا.» كان يتحدث لكنةً أوروبية مختلطة، تغلب عليها الفرنسية كما اعتقدت روز، على الرغم من أنها لم تكن جيدة للغاية فيما يتعلق باللكنات. فقد كانت تميل للاعتقاد بأن مثل هذه اللكنات تنبع من ذكورية أكثر ثراءً وتعقيدًا من الذكورية التي توجد في أمريكا الشمالية وفي أماكن مثل هانراتي حيث نشأت. ومثل تلك اللكنة كانت تبشِّر بذكورية مصطبغة بالمعاناة والرقة والمكر.
ظهر مضيف الحفل مرتديًا ما يبدو كأفرول مخملي، وأمسك بالصبي من الذراع الأخرى، بشكل رمزي إلى حدٍّ ما، مقبِّلًا وَجْنة روز في الوقت ذاته؛ إذ كان لم يَرَها لدى حضورها، وقال لها متمتمًا: «لا بد أن أتحدَّثَ معكِ.» ما كان معناه أنه يتمنى لو لم يضطر للحديث معها؛ لوجود الكثير من المناطق الشائكة بينهما؛ فكانت هناك الفتاة التي عاش معها على مدار العام المنصرم، من ناحية، وليلة كان قد قضاها مع روز قرب نهاية الفصل الدراسي، كان فيها الكثير من الشرب والتباهي والتحسر على الخيانة والغش من ناحية أخرى، إلى جانب أن ممارسة ممتعة للحب بينهما كانت مهينة إلى حدٍّ مستغرب. كان يبدو مهندمًا وأنيقًا للغاية وحسَّاسًا، له شعر انسيابي، وبذلته من المخمل الأخضر الداكن الضارب للرمادي. كان يصغر روز بثلاث سنوات فقط، إلا أنه ترك زوجته، وعائلته، ومنزله، ومستقبله المحبط، وأغدق على نفسه بملابس جديدة وأثاث جديد ومجموعة متوالية من العشيقات من الطالبات. بإمكان الرجال أن يفعلوا هذا.
قالت روز وهي تتكِئ على الحائط: «يا إلهي، ما كل هذا الذي حدث؟»
قال الرجل الجالس بجانبها الذي كان مبتسمًا طوال الوقت وينظر داخل كأسه: «آه، إنه شباب عصرنا المرهف، بجمال لغته، وعمق مشاعره! لا بد أن ننحني له احترامًا.»
عاد الرجل ذو الشعر الأسود المجعد دون أن ينطق ببنت شفة، ولكنه ناوَلَ روز كأسًا جديدة من الشراب وأخذ كأسها.
وعاد صاحب الحفل كذلك.
«روز حبيبتي، لا أعرف كيف دخل. لقد منعتُ دخول الطلاب الملاعين. لا بد وأن هناك مكانًا آمنًا منهم.»
قالت روز: «لقد كان في أحد فصولي العام الماضي.» كان ذلك حقًّا هو كل ما استطاعت تذكره عنه، واعتقدت أنهم يظنون أنه لا بد أن الأمر ينطوي على ما هو أكثر من ذلك.
قال الرجل الجالس بجوارها: «أكان يريد أن يصبح ممثلًا؟ أراهن أنه كان يريد ذلك. أتتذكرون الأيام الخوالي حين كنَّا جميعًا نرغب في أن نكون محامين ومهندسين ومسئولين تنفيذيين؟ يقولون لي إن هذه الأيام بصدد العودة. أتمنى ذلك. أتمنى ذلك من كل قلبي. روز، أراهن أنكِ قد استمعتِ إلى مشاكله. ما كان يجب أن تفعلي ذلك مطلقًا، ولكن أراهن أنك قد فعلتِ.»
«أوه، أعتقد ذلك.»
«إنهم يأتون بحثًا عن بديل لآبائهم. وهذا شيء مبتذَل إلى أقصى درجة. إنهم يقتفون أثرك في كل مكان مبالغين في شعورهم نحوك ومضايقتك، ثم يحدث الانفجار. إنه زمن رفض الوالد البديل!»
احتست روز كأس الشراب، واتكأت على الحائط، وسمعتهم يتناولون الفكرة الخاصة بتوقعات الشباب هذه الأيام، وكيف يقتحمون بابكَ ليخبرونكَ عن الإجهاض، ومحاولاتهم الانتحار، وأزماتهم مع الإبداع، ومشكلات الوزن. كانوا دائمًا ما يستخدمون نفس الكلمات: هوية، قيم، رفض.
قال الرجل الحاد قليلًا، مسترجعًا مواجَهَةً كانت له الغلبة فيها مع واحد من هؤلاء الطلاب: «أنا لا أرفضك أيها التافه السخيف، أنا أسقطك في الامتحان.» ضحكوا جميعًا على ما قال، وعلى السيدة الشابة التي قالت: «شتَّان الفارق حينما كنتُ بالجامعة! لم تكُنْ لتذكُرَ شيئًا عن الإجهاض في مكتب أستاذ جامعي مثلما لم تكُنْ لتقضيَ حاجتكَ على الأرضية.»
ضحكت روز أيضًا، ولكنها شعرت في قرارة نفسها بأنها محطَّمَة. كان من الأفضل، بشكلٍ ما، لو كان هناك شيء وراء ذلك كما كانوا يظنون؛ لو أنها قد ضاجعت هذا الفتى، لو أنها قد وعدته بشيء، لو أنها خانته، لو أنها أذلته وأهانته. لم تستطع تذكُّرَ أي شيء. لقد انشقت عنه الأرض ليكيل لها الاتهامات لا أكثر. لا بد وأنها قد فعلَتْ شيئًا ولم تستطع تذكُّرَه. لم تكن تستطيع تذكُّرَ أي شيء يتعلَّق بطلابها؛ تلك هي الحقيقة. لقد كانت تبدي الاهتمام والعناية، وكانت ساحرة، وكلها دفء ومودة وقبول ورضا، وطالما كانت مُنصِتة ونصوح؛ بعدها لم تكن تستطيع تذكُّرَ أسمائهم بشكل مباشِر، بل لم تكن تستطيع تذكُّرَ شيء واحد كانت قد قالته لهم.
لمست امرأة ذراعها قائلة: «أفيقي.» قالتها بنبرة من الألفة والحميمية الماكرة جعلت روز تعتقد أنها لا بد وأنها تعرفها. لعلها طالبة أخرى. ولكنها لم تكن كذلك؛ إذ قَدَّمَتِ السيدة نفسها.
قالت السيدة: «أنا بصدد إجراء بحث عن انتحار النساء. أقصد انتحار الفنَّانات.» قالت إنها قد شاهدت روز على شاشة التليفزيون وكانت تتوق للحديث معها. وذكرت ديان أربوس، وفيرجينيا وولف، وسيلفيا بلاث، وآن سيكستون، وكريستيان فلوج. كانت على قدر كبير من الثقافة والاطِّلَاع. فكَّرَتْ روز أنها هي نفسها بدت كمرشَّحَة أولى للانتحار، بما كانت عليه من هزال، وافتقار للحيوية، ووساوس. قالت روز إنها جائعة، ومن ثَمَّ تبعتها السيدة إلى المطبخ.
قالت السيدة: «وهناك الكثير والكثير من الممثلات، مثل مارجريت سولافان …»
«أنا مجرَّد معلمة الآن.»
«هراء. أنا واثقة من أنك ممثِّلة حتى النخاع.»
كانت مضيفة الحفل قد صنعت خبزًا؛ أرغفة خبز مغطَّاة بطبقة لامعة، ومجدولة، ومجمَّلة، وتعجَّبت روز من العناء والمشقة التي تتجشمه الفتاة في هذا المنزل. الخبز، وفطائر الباتيه، والنباتات المعلقة، والقطط الصغيرة، وكله في سبيل حياة أسرية غير مستقرة ومؤقتة. تمنَّتْ — بل غالبًا ما كانت تتمنى — لو كان بوسعها أن تتكبَّدَ هذا العناء، أن تقيم احتفالات، أن تفرض نفسها، أن تصنع الخبز.
لاحظت روز مجموعةً من أعضاء هيئة التدريس بالكلية صغار السن — كانت تعتقد أنهم طلاب، لولا أن مضيف الحفل قد قال إن الطلاب غير مسموح لهم بالدخول — كانوا جالسين على المناضد ويقفون أمام الحوض، يتحدثون بأصوات خفيضة جادة. نظر أحدهم إليها، فابتسمت ولكنه لم يردَّ بابتسامة مقابلة. نظر إليها اثنان آخَران منهم وواصلا الحديث. كانت واثقةً من أنهما يتحدثان عنها، وعمَّا حدث في غرفة المعيشة. ألحَّتْ روز على السيدة كي تجرِّب بعض الخبز والباتيه. ربما كان من شأن ذلك أن يثنيها عن الكلام، حتى يتسنَّى لروز أن تسترق السمع لما كان يقال.
«أنا لا آكل في الحفلات مطلقًا.»
كان أسلوب السيدة تجاهها يتجه نحو الغموض والاتهام غير المفهوم. علمت روز أن هذه السيدة زوجة لأحد المسئولين. ربما كانَتْ دعوتُها إلى الحفل حركةً سياسية، وربما وعدوها بأن يُحضِروا لها روز؛ فهل كان هذا جزءًا من تلك الحركة؟
قالت السيدة: «هل أنتِ جائعة هكذا على الدوام؟ أَلَا تمرضين أبدًا؟»
فقالت روز: «أكون جائعة حين يكون هناك شيء طيب كهذا لتناوله.» كانت تلك مجرد محاولة منها لضرب مثال، وبالكاد كانت تستطيع المضغ أو البلع لما كان يعتريها من قلقٍ لسماع ما يقال عنها. قالت: «كلا، غالبًا ما لا أمرض.» وكانت مفاجأةً لها حين أدركت أن ذلك صحيح بالفعل؛ فقد اعتادت أن تصاب بنزلات البرد والأنفلونزا والشد العضلي ونوبات الصداع، وتلك العلل على وجه التحديد قد اختفت الآن، وخفَّتْ حدتها متحوِّلةً إلى ما يشبه طنينًا خفيضًا متواصلًا من الاضطراب، والإجهاد، والخوف.
«إنها مؤسسة لعينة وغيورة.»
سمعت روز ذلك، أو اعتقدت أنها قد سمعته. كانوا يرمقونها بنظرات سريعة مليئة بالازدراء، أو هكذا اعتقدت؛ فلم يكن بوسعها النظر إليهم بشكل مباشر. «مؤسسة». كانت روز هي المقصودة. أليس كذلك؟ هل كانت روز هي المقصودة؟ هل كانت المقصودة بذلك روز التي قبلت بوظيفة تدريس لأنها لم تكن تحصل على أدوار تمثيلية تكفي كي تعول نفسها، ومُنِحت وظيفة التدريس تلك بسبب خبرتها على المسرح والتليفزيون، ولكن كان عليها أن تقبل أجرًا منخفضًا لعدم حصولها على درجات علمية؟ أرادت أن تتجه نحوهم وتخبرهم بذلك. أردات أن تعرض قضيتها. سنوات العمل، الإنهاك، السفر، قاعات المسرح في المدرسة الثانوية، التوتر، الملل، الجهل التام بمصدر دخلك القادم. أرادَتْ أن تدافع عن نفسها بالحجَّة؛ حتى يغفروا لها ويحبوها ويأخذوها إلى صفِّهم. لقد كان صفُّهم هو ما تريده، وليس صف الأشخاص القابعين في غرفة المعيشة الذين تبنَّوا قضيتها. ولكن كان ذلك اختيارًا اتخذته من منطلق الخوف، وليس بناءً على مبدأ. لقد كانت تخافهم. كانت تخاف فضيلتهم القاسية المتحجرة، وجوههم الباردة المزدرية، أسرارهم، ضحكاتهم، بذاءاتهم.
فكرت في ابنتها آنا. كانت آنا في السابعة عشرة، ذات شعر طويل وناعم، تزيِّن عنقَها سلسلةٌ جميلةٌ من الذهب الرقيق. كانت سلسلتها رقيقةً إلى حدٍّ يجبرك على النظر إليها عن كثب للتأكُّد من أنها سلسلة، وليست مجرَّد بريق بشرتها الناعمة اللامعة. لم تكن مثل هؤلاء الشباب، ولكنها كانت بعيدةً عنها بنفس الدرجة. كانت تمارِس الباليه وتمتطي حصانها كل يوم، ولكنها لم تكن تعتزم امتطاءه في مسابقة أو أن تكون راقصة باليه محترفة. ولِمَ لا؟
«لأن ذلك سيكون سخيفًا.»
ثمة شيء في أسلوب آنا، في سلسلتها الرقيقة، في صمتها، جعل روز تتذكَّرُ جدتها، والدة باتريك. ولكن آنا قد لا تكون بهذا الصمت، بهذه الحساسية والصعوبة في الإرضاء، بهذا النفور مع أي شخص سوى والدتها.
كان الرجل ذو الشعر الأسود المجعد واقفًا في مدخل المطبخ، رامقًا إياها بنظرة صفيقة وساخرة.
قالت روز للسيدة التي تكتب البحثَ عن الانتحار: «أتعرفين مَن هذا؟ ذلك الرجل الذي أخذ الصبي الثمل بعيدًا؟»
«هذا سايمون. لا أعتقد أن الصبي كان ثملًا، أعتقد أنه مدمن على المخدرات.»
«ماذا يعمل؟»
«حسنًا، أعتقد أنه طالب أو ما شابه.»
قالت روز: «كلا. أقصد هذا الرجل؛ سايمون؟»
«أوه، سايمون. إنه مدرس في قسم الدراسات الكلاسيكية. لا أعتقد أنه كان يعمل دائمًا بالتدريس طوال حياته.»
قالت روز: «شأني.» ووجَّهَتِ الابتسامة التي حاولت أن تبتسمها لمجموعة الشباب إلى سايمون. وبقدر ما كانت ضجرة وتائهة وحمقاء، فقد شرعت في الشعور بوخزات مألوفة ووعود جامحة:
إذا ابتسم، سوف تبدأ الأمور في السير على ما يرام.
لقد ابتسم بالفعل، وراحت سيدة بحث الانتحار تتحدث بنبرة حادة:
«اسمعي، هل تأتين إلى أي حفلٍ فقط لتقابلي الرجال؟»
حين كان سايمون في الرابعة عشرة، اختبأ وشقيقته الكبرى وصبي آخَر كان صديقًا لهما، في شاحنة بضائع بأحد القطارات للانتقال من فرنسا المحتلة إلى فرنسا غير المحتلة. كانوا في طريقهم إلى ليون، حيث كان أعضاء إحدى المنظمات التي تعمل على إنقاذ الأطفال اليهود سيتولَّون رعايتهم وتوجيههم إلى أماكن جديدة آمنة. كان سايمون وشقيقته قد تم ترحيلهما بالفعل خارج بولندا، مع بداية الحرب، للإقامة مع أقارب لهما فرنسيين، والآن صار لزامًا أن يتم إبعادهما مرة أخرى.
توقَّفَتِ الشاحنة، ووقف القطار ساكنًا لا يتحرك، وكان ذلك ليلًا في مكان ما في الريف. كان بإمكانهم سماع أصوات تتحدث الفرنسية والألمانية. ثمة بعض الهرج في القاطرات الأمامية. وسمعوا الأبواب تُفتَح بقوة، وسمعوا وشعروا بوقع أحذية طويلة تدب على أرضيات تلك القاطرات الجرداء. إنها حملة تفتيش على القطار. فاستلقَوا أسفل بعض الأجولة، ولكنهم لم يحاولوا حتى تغطية وجوههم؛ فقد اعتقدوا أنه لا أمل. كانت الأصوات تقترب أكثر فأكثر، وسمعوا وقع الأحذية الطويلة على الحصى المجاور للقضبان، ثم بدأ القطار يتحرَّك مجدَّدًا. تحرك ببطء شديد لدرجة أنهم لم يلاحظوا أنه تحرَّك للحظة أو نحو ذلك، وحتى عندما لاحظوا، اعتقدوا أنه مجرد تحويلة للقاطرات، بل توقَّعوا أن يتوقف، حتى يمكن مواصلة التفتيش، ولكن القطار واصل سيره، وتحرَّك أسرع قليلًا، ثم ازدادت سرعته، حتى وصل إلى سرعته المعتادة وهو ما لم يكن بالشيء الجيد تمامًا. كانوا يتحركون، وتخلَّصوا من التفتيش، حتى تم نقلهم بعيدًا، ولم يَرَ سايمون ما حدث؛ لقد ولَّى الخطر.
قال سايمون إنه عندما أدرك أنهم في أمان، شعر فجأةً أنهم قد اجتازوا مرحلةَ الخطر، وأن ما من شيء يمكن أن يحدث لهم الآن، وأنهم محظوظون ومنعَّمون، وأخذ ما حدث على أنه علامة من علامات حسن الحظ.
سألته روز إذا كان قد رأى صديقه وشقيقته مرة أخرى.
«كلا. لم أَرَهما مطلقًا بعد أن جاوزنا ليون.»
«إذن فقد كانت علامة حسن حظ لكَ أنتَ فقط.»
ضحك سايمون. كانا في الفراش، فراش روز في منزل قديم على أطراف قرية في مفترق طرق؛ حيث اتجها إلى هناك مباشَرَةً من الحفل. كان ذلك في شهر أبريل، وكانت الرياح باردة، وكان منزل روز شديد البرودة. لم تكن المدفأة كافية، فوضع سايمون إحدى يديه على ورق الحائط خلف الفراش، وجعلها تشعر بتيار الهواء البارد.
«إنه يحتاج إلى عزل حراري.»
«أعرف. إن الأمر بشع. لا بد أن ترى فواتير وقودي.»
قال سايمون إنها يجب أن تشتري مدفأة تعمل بالخشب، وأخبرها عن أنواع عديدة من الحطب، وقال إن خشب القيقب من أنواع الخشب الرائعة للحرق، وانطلق يسرد العديد من أنواع العزل الحراري: الستيروفوم، والميكافيل، والفايبرجلاس. ثم نهض من الفراش وراح يتجول عاريًا، ممعنًا النظر في جدران المنزل، بينما كانت روز تصيح وراءه.
«تذكرت الآن. لقد كانت منحة.»
«ماذا؟ لا أسمعكِ.»
فقامت من الفراش ولفَّتْ نفسها في دِثار، وقالت وهي واقفة أعلى السلم: «لقد جاءني ذلك الصبي باستمارة طلب منحة. كان يريد أن يصبح كاتبًا مسرحيًّا. الآن فقط تذكَّرْتُ.»
قال سايمون: «أيُّ صبي؟ آه.»
«ولكنني زكيتُهُ. أنا متأكدة.» الحقيقة أنها كانت تزكِّي الجميع، فإذا لم تستطع أن ترى مميزاتهم، ظنَّتْ أن الأمر هو مجرد مسألة أنهم يمتلكون مميزاتٍ لم تستطع رؤيتها.
«لا بد أنه لم يحصل عليها؛ لذا اعتقدَ أني قد استبعدته.»
قال سايمون وهو ينظر إلى القبو بتفحُّص: «حسنًا، على فرض أنكِ قد فعلتِ. إنه حقك.»
«أعلم. ولكنني أخشى ذلك كثيرًا؛ فأنا أكره رفضهم. إنهم في غاية الطهر والاستقامة.»
قال سايمون: «إنهم أبعد ما يكونون عن ذلك. سوف أرتدي حذائي وأُلقِي نظرةً على مدفأتك. في الغالب تحتاجين لتنظيف المرشحات. هذا هو أسلوبهم فحسب. ليس هناك ما يدعو للخوف منهم، فهُمْ مجرد أشخاص حمقى شأنهم شأن أي شخص آخَر. إنهم يريدون بعض السُّلْطة والنفوذ. وهذا شيء طبيعي.»
«ولكن أيمكن أن تكون حاقدًا إلى هذا الحد؟» واضطرت روز للتوقف وبدأت الكلمة من جديد: «أن تكون بهذا «الحقد» بسبب الطموح فحسب؟»
قال سايمون صاعدًا السلم: «وهل هناك شيء آخَر؟» ثم أمسك بالبطانية ولفَّ نفسه بها معها، وداعَبَ أنفها بأنفه. «يكفي هذا يا روز. أَلَا تستحين؟ أنا شخص مسكين جاء ليتفحص مدفأتك؛ مدفأة قبوك. آسف لاحتكاكي بك بهذا الشكل يا سيدتي.» كانت تعرف بعضًا من شخصياته بالفعل؛ كان في هذه اللحظة يتقمص شخصية العامل المتواضِع، وكان من ضمن شخصياته الأخرى شخصية الفيلسوف العجوز الذي ينحني لها على الطريقة اليابانية، عندما يخرج من المرحاض متمتمًا: «تذكَّر الموتى، تذكَّر الموتى.» وعندما يكون الوقت ملائمًا، يتقمص شخصية «الشهواني المجنون»، فيهمز بأنفه ويثب عليها، ويطبع قبلات بتمطق على بطنها تنمُّ عن البهجة والانتصار.
اشترت من المتجر الواقع في مفترق الطرق قهوة حقيقية بدلًا من القهوة السريعة، وكريمة حقيقية، ولحمًا مقددًا، وبروكلي مجمدًا، وقطعة كبيرة من الجبن المحلي، ولحم كابوريا معلبًا، وأفضل طماطم متوافرة لديهم، وأرزًا طويل الحبة، وسجائر أيضًا. كانت في تلك الحالة من السعادة التي تبدو طبيعية تمامًا ولا يوجد ما يهدِّدها. ولو سُئِلت عن سبب ذلك، لقالت بسبب الطقس — فقد كان اليوم مشرقًا على الرغم من الرياح العاصفة — وبسبب سايمون أيضًا.
قالت السيدة التي تدير المتجر: «لا بد أنكِ قد أحضرتِ رفيقًا بالمنزل.» لم تكن تتحدث بأي نبرة دهشة أو خبث أو استنكار، كان ذلك على سبيل الحسد الودي اللطيف.
قالت روز بينما تضع المزيد من البقالة على النضد: «جاءني دون سابق إنذار. يا لهم من ضيوف مزعجين! ناهيك عن التكاليف. انظري إلى ذلك اللحم المقدد، وتلك الكريمة أيضًا.»
قالت السيدة: «أستطيع تحمُّل ذلك إلى حدٍّ ما.» •••
أعدَّ سايمون عشاءً رائعًا بالموارد المتاحة، فيما لم تفعل روز شيئًا سوى المشاهدة، وتغيير ملاءات السرير.
قالت: «لقد تغيَّرَتِ الحياة الريفية، أو لعلني قد نسيت. لقد جئتُ إلى هنا ببعض الأفكار عن الكيفية التي سأحيا بها حياتي هنا. ظننت أنني سأذهب في جولات تريُّض طويلة على الطرق الريفية المهجورة. وفي أول مرة خرجتُ فيها للتمشية، سمعتُ سيارة مسرعة قادمة من ورائي على الطريق المفترش بالحصى، وابتعدت سريعًا وكنتُ محظوظة للغاية أن لم يُصِبْني مكروهٌ. بعدها سمعت صوت طلقات نارية ملأني رعبًا؛ فاختبأت بين الشجيرات وجاءت سيارة تعوي بنفيرها وتترنح يمينًا ويسارًا على طول الطريق، وكانوا يطلقون الرصاص من النوافذ. فعُدْتُ عبر الحقول، وأخبرتُ السيدة التي في المتجر أننا يجب أن نبلغ الشرطة، فقالت إن الصبية في العطلات الأسبوعية يحضرون حقيبة من الجعة في السيارة ويخرجون لإطلاق الرصاص على جرذان الأرض. بعدها قالت لي: ماذا كنتِ تفعلين على هذا الطريق على أية حال؟ استطعتُ أن أدرك أنها ترى الخروج للتمشية بمفردك شيئًا أكثر إثارةً للشبهات من صيد الجرذان. وهناك الكثير من الأشياء على ذلك النحو. لا أعتقد أنني سأبقى، ولكن عملي هنا والإيجار رخيص. لا أقصد أن تلك السيدة التي في المتجر ليست لطيفة. إنها تقرأ الطالع بأوراق اللعب وفناجين الشاي.»
قال سايمون إنه أُرسِل من ليون للعمل في إحدى المزارع في جبال بروفينس. كان الناس هناك يعيشون ويعملون بالزراعة بشكل يشبه للغاية مَن كانوا يعيشون في العصور الوسطى؛ فلم يكونوا يجيدون القراءة أو الكتابة أو التحدُّث بالفرنسية. وعندما يمرضون، كانوا إما ينتظرون الموت أو الشفاء، ولم يذهب أحد منهم إلى الطبيب قطُّ، على الرغم من أن هناك طبيبًا بيطريًّا يأتي مرةً في السنة لفحص الماشية. ذات مرة دخلَتْ مِذْراة قمح في قدم سايمون، وتلوَّثَ الجرح وأصيب بحمى، وواجه صعوبة جمة في إقناعهم بالإرسال في طلب الطبيب البيطري الذي كان في ذلك الحين في القرية المجاورة، وأخيرًا فعلوا وجاء البيطري وأعطى سايمون حقنةَ خيولٍ كبيرةً وتحسَّنَتْ حالته. وحار أفراد المنزل وأعجبهم رؤية مثل هذه الإجراءات تُتَّخَذ على صعيد الحياة الإنسانية.
قال إنه بينما كان يتعافى قام بتعليمهم لعب الورق، وتعلمت الأم والأطفال؛ بينما كان الأب والجد بطيئَي التعلم للغاية، ولم يكن لديهما الاستعداد، فيما ظلَّتِ الجدة حبيسة قفص في الحظيرة يتم إطعامها بقايا الطعام مرتين يوميًّا.
«أهذا صحيح؟ هل هذا ممكن؟»
كانا في مرحلة تبادُل الأشياء فيما بينهم مثل المتع، والقصص، والدعابات، والاعترافات.
قال سايمون: «إنها حياة الريف! ولكن الوضع هنا ليس بهذا السوء. هذا المنزل يمكن أن يصبح مكانًا مريحًا للغاية؛ إذ لا بد أن يكون لديك حديقة.»
«كانت هذه من الأفكار الأخرى التي واتتني، وحاولْتُ بالفعل أن يكون لديَّ حديقة، ولكنَّ شيئًا لم يُجْدِ. كنتُ أتطَّلَع لزراعة الملفوف، اعتقدْتُ أنه جميل، ولكن أصابته إحدى الديدان، والتهمت الأوراق إلى أن أصبحَتْ مثل النسيج المخرم، ثم اصفرَّتْ جميعها وسقطت على الأرض.»
«الملفوف من النباتات التي يصعب زراعتها. يجب أن تبدئي بشيء أسهل.» غادر سايمون الطاولة واتجه صوب النافذة. «أشيري لي على المكان الذي كانت به حديقتك.»
«بطول السور. ذلك هو المكان الذي كانت به قبل ذلك.»
«هذا مكان سيئ، فهي قريبة للغاية من شجر الجوز. وأشجار الجوز لها تأثير سيئ على التربة.»
«لم أكن أعلم هذا.»
«حسنًا، هذا صحيح. عليكِ أن تجعليها أقرب للمنزل. سوف أبدأ غدًا في حفر حديقة من أجلك، سوف تحتاجين للكثير من السماد. إن روث الأغنام هو أفضل المخصَّبات الآن. أتعرفين أحدًا هنا لديه أغنام؟ سوف نحصل على عدة أجولة من روث الأغنام، ونرسم خطة لتحديد النباتات التي سنزرعها، وإنْ كان ذلك لا يزال مبكرًا للغاية؛ إذ قد لا يزال هناك صقيع. يمكنكِ أن تبدئي ببعض الأشياء من داخل المنزل، ذات بذور. لتبدئي بالطماطم.»
قالت روز: «ظننت أنك ربما تكون مضطرًّا للمغادرة غدًا في حافلة الصباح.» فقد جاءا بسيارتها.
«يوم الاثنين يوم خفيف. سوف أتصل وألغي ما لديَّ من أعمال، وأخبر الفتيات في المكتب أن يقولوا إنني مصاب بالتهاب الحلق.»
«التهاب الحلق؟»
«شيء من هذا القبيل.»
قالت روز بنبرة صادقة: «من الجيد أنك هنا، وإلَّا لقضيتُ وقتي في التفكير في ذلك الفتى. كنتُ سأحاول ألَّا أفكِّر فيه، ولكن كان سيظل يخطر ببالي في لحظات عدم انشغالي. كنتُ لأصبح في حالةٍ من المهانة.»
«ذلك شيء تافه للغاية ليصيبك بحالة من المهانة.»
«هذا ما أراه أيضًا، ولكني أتأثر بأقل الأشياء.»
قال سايمون: «تعلَّمِي ألَّا تكوني بهذه الحساسية.» كان يتحدث وكأنه يحاول تولِّي مسئوليتها إلى جانب مسئولية المنزل والحديقة، ثم أردف قائلًا: «الفجل، الخس الورقي، البصل، البطاطا. أتحبين البطاطا؟»
وضَعَا معًا خطة للحديقة قبل أن يرحل، وقام بحفر التربة وإعدادها لها، على الرغم من اضطراره للاكتفاء بروث الأبقار. اضطرت روز للذهاب إلى العمل يوم الاثنين، ولكنها ظلت تفكر فيه طوال اليوم. رأته وهو يحفر في الحديقة، رأته وهو يتفحَّص القبو عاريًا، رجلًا قصير القامة بدينًا كثيف الشعر ودودًا، ذا وجه أجعد كوجه الممثلين الكوميديين. كانت تعلم ما سيقول حين تعود إلى المنزل، كان سيقول: «أتمنى أن ينال عملي رضاكِ يا سيدتي.» ويجذب خصلة من شعرها.
وكان هذا هو ما فعله بالفعل، وكانت في غاية السعادة، حتى إنها صاحت تقول: «أوه سايمون، أيها الوغد، أنت رجل حياتي!» غمرتها تلك اللحظات بشعور الحظوة وغطَّتْها بنور كشعاع الشمس، لدرجةٍ جعلتها لا تفكر أنه قد لا يكون من الحكمة أن تقول شيئًا كهذا. •••
مع انتصاف الأسبوع ذهبت إلى المتجر، لا لشراء أي شيء، ولكن لتقرأ طالعها. نظرت السيدة في فنجانها وقالت: «أوه يا إلهي! لقد قابَلْتِ الرجل الذي سيغيِّر كل شيء.»
«أجل، أظن هذا.»
«سوف يغيِّر حياتك. أوه، يا إلهي! لن تبقي هنا. إنني أرى شهرة، أرى ماءً.»
«لا أعرف شيئًا عن هذا. أعتقد أنه يرغب في تركيب نظام عزل لمنزلي.»
«لقد بدأ هذا التغيير بالفعل.»
«أجل، أعلم أنه قد بدأ. أجل.» •••
لم تستطع أن تتذكر ما قالتاه بشأن حضور سايمون مرة أخرى، كانت تعتقد أنه قادم في العطلة الأسبوعية. كانت تتوقَّع حضورَه، ومن ثَمَّ خرجت واشترت البقالة، ليس من المتجر المحلي هذه المرة، ولكن من سوبر ماركت على بُعْد عدة أميال، وتمنَّتْ ألَّا تراها سيدة المتجر وهي تحمل حقائب البقالة متجهة إلى المنزل. كانت تريد خضراوات وشرائح لحم طازجة وكرزًا أسود مستوردًا، وجبن كامومبير ودرَّاقًا. كما اشترت نبيذًا، ومفرشين للسرير تكسوهما أطواق أنيقة من الورد الأزرق والأصفر، اعتقدت أن وركيها الشاحبين سوف يظهران بشكل واضح عليهما.
وفي يوم الجمعة ليلًا وضعت المفرشين على السرير، والكرز في إناء أزرق. كان النبيذ باردًا، والجبن يلين. وفي حوالي التاسعة مساءً جاء صوت الطرق العالي، ذلك الطرق الدعابي المتوقَّع على الباب. كانت مندهشة لأنها لم تسمع صوتَ سيارته.
قالت سيدة المتجر: «شعرتُ بالوحدة؛ لذا فكرتُ أن أقوم بزيارتك و… أوه! إنك بانتظار رفيقك.»
قالت روز: «ليس بالضبط.» كان قلبها قد بدأ يخفق في فرح حين سمعت صوت الطرق، وكان لا يزال يدق وكأن صوت دقاته مسموعٌ. وأردفت قائلةً: «لا أعلم متى يصل هنا. ربما غدًا.»
«تبًّا للأمطار.»
بدا صوت السيدة ودودًا وصادقًا، وكأن روز كانت بحاجة إلى إلهاء أو مواساة.
قالت روز: «أتمنى فقط ألَّا يكون الآن قائدًا للسيارة في هذا الطقس.»
«بكل تأكيد لا ترغبين في ذلك.»
مرَّرَتِ السيدةُ أصابعها عبر شعرها الرمادي القصير نافضة عنه قطرات المطر، وأدركت روز أنها ينبغي أن تقدِّم لها شيئًا. ربما كأس من الشراب؟ ربما يجعلها ثملة وثرثارة، وقد ترغب في أن تبقى وتُجهِز على الزجاجة. ها هي شخصية تحدَّثَتْ إليها روز من قبلُ عدة مرات، صديقة نوعًا ما، شخصية كانت ستدعي أنها تحبها، وبالكاد يمكن أن تتعب نفسها في التعبير عن تقديرها لها. لم يكن الموقف ليتغير في تلك اللحظة مع أي شخص بخلاف سايمون؛ فقد كان أي شخص آخَر سيبدو مزعجًا ودخيلًا.
كان بوسع روز أن ترى ما هو قادم. كانت كل مباهج الحياة وتعازيها ومظاهر اللهو فيها ستُطوَى وتُطرَح جانبًا؛ وما تجده من متعة في الطعام، وزهور الليلَك، والموسيقى، وصوت الرعد في الليل كل ذلك سيزول. ما من شيء ليجدي سوى أحضان سايمون، ما من شيء ليجدي سوى الاستسلام للتشنجات والوخزات.
استقرت على أن تقدِّم لها الشاي؛ فقد اعتقدت أنها ربما تستغل ذلك الوقت في جولة جديدة من قراءة طالعها.
قالت السيدة: «ليس واضحًا.»
«أي شيء تقصدين؟»
«لا أستطيع الرؤية بوضوح الليلة. كلا، للأمانة لست قادرة على رصده.»
«لا تستطيعين رصده؟»
«أعني في مستقبلك. أنا متعبة للغاية.»
ظنت روز أنها تقول ذلك من منطلق الحقد والغيرة.
«حسنًا، أنا لستُ مهتمة به على أي حال.»
«ربما استطعتُ أن أفيدك أكثر لو كان لديك شيء يخصه، فقط دعيني أحصل على أي شيء وضع يده عليه، ألديك مثل هذا الشيء؟»
قالت روز: «أنا.» قالتها بتأنف رديء لم تملك العرافة أمامه شيئًا سوى الضحك.
«كلا، أنا جادة.»
«لا أعتقد هذا. فأنا أتخلص من أعقاب سجائره.» •••
بعد انصراف السيدة، جلست روز تنتظر، وسرعان ما انتصف الليل. كان المطر ينهمر بغزارة. وفي المرة التالية التي نظرت فيها إلى الساعة، كانت قد أصبحت الثانية إلا عشرين دقيقة. كيف يمكن لوقت شاغر كهذا أن يمر بهذه السرعة؟ أطفأت الأنوار لأنها لم تكن تريد أن يرصدها أحد وهي مستيقظة في هذا الوقت. خلعت ملابسها، ولكنها لم تستطع الاستلقاء على المفارش الجديدة، فجلست في المطبخ في الظلام. ومن آنٍ لآخر كانت تعد لنفسها كوبًا من الشاي. اخترق الغرفة بعض الضوء القادم من مصباح الشارع القائم على الناصية، فقد تَمَّ تركيب مصابيح بخار زئبق جديدة مبهرة. كان بإمكانها أن ترى ذلك الضوء، وجزءًا بسيطًا من المتجر، ودرجات سلم الكنيسة عبر الطريق. لم تَعُدِ الكنيسة تخدم الطائفة البروتستانتية الحكيمة والمبجلة التي قامت ببنائها، ولكنها أعلنت نفسها «هيكلًا للناصرة»، وكذلك «مركزًا للقداسة». كانت الأمور أكثر انحرافًا هنا مما لاحظت روز من قبلُ. لم يكن هناك مزارعون متقاعدون يعيشون في هذه المنازل، بل لم يكن هناك مَزارِع للتقاعد عن العمل بها، هناك فقط الحقول الفقيرة المغطَّاة بأشجار العرعر. كان الناس يعملون في المصانع على بُعْد ثلاثين أو أربعين ميلًا، أو في مستشفى المقاطعة للأمراض النفسية، أو كانوا لا يعملون من الأساس، كانوا يعيشون حياة غامضة على أطراف الإجرام أو حياةً من الجنون المنظم في ظل مركز القداسة. كانت حياة الناس بالتأكيد أكثر قنوطًا مما اعتادت أن تكون عليه، وماذا يمكن أن يكون أكثر قنوطًا من امرأة في عمر روز تسهر طوال الليل في مطبخها المظلم في انتظار حبيبها؟ كان هذا موقفًا صنعته روز بيديها، كانت هي مَن صنعته كاملًا بنفسها، وكأنها لم تتعلم أي درس على الإطلاق. لقد حوَّلَتْ سايمون إلى الشماعة التي علَّقَتْ عليها آمالَها، ولم تكن تستطيع الآن أن تعيده مرة أخرى إلى نفسه.
ظنَّتْ أن الخطأ كان في شراء النبيذ، والمفارش، والجبن، والكرز؛ فقد جلبت عليها تلك الاستعدادات كارثة، ولم تدرك ذلك حتى فتحت الباب وتحوَّلَ اضطراب قلبها من ابتهاج إلى هلع، مثل صوت برج مليء بالأجراس تحوَّلَ بشكل كوميدي (ولكن ليس بالنسبة لروز) إلى نفير ضباب يملؤه الصدأ.
ظلت روز ساعة بعد ساعة وسط الظلام والمطر تتنبأ بما يمكن أن يكون قد حدث، واستطاعت أن تنتظر على مدار العطلة الأسبوعية، تؤازر نفسها بالأعذار ويعييها الشك، ولا تغادر المنزل قطُّ خشية أن يدق جرس الهاتف. عندما عادت إلى العمل يوم الاثنين، في حالة من الإعياء، ولكنها ما زالت ملتزمة إلى حد قليل بعالم الواقع، استجمعت شجاعتها لتكتب له خطابًا، وتركته في قسم الدراسات الكلاسيكية ليسلِّموه إياه.
«كنتُ أفكِّر أننا قد يمكننا أن نزرع الحديقة في العطلة الأسبوعية القادمة. لقد اشتريت مجموعة كبيرة من البذور (كانت تلك كذبة، ولكنها كانت ستشتريها إذا وصلها منه رد). أبلِغْني حال قدومك، ولكن لا تقلق إذا وضعتَ خططًا أخرى.»
عندئذٍ سيراودها القلق؛ ألم يكن وقع ذِكْر الخطط الأخرى فظًّا بشكل مبالغ؟ ألن يكون عدم إضافتها إلحاحًا مفرطًا؟ كانت ثقتها بنفسها، ورقَّة قلبها ستتسربان منها، ولكنها ستحاول ادعاءهما.
«إذا كان الجو بالخارج مطيرًا للعمل في الحديقة، يمكننا دائمًا الخروج في نزهة بالسيارة. وربما استطعنا صيد بعض الجرذان الأرضية. مع أطيب أمنياتي. روز.»
بعد ذلك مزيدٌ من وقت الانتظار، ستكون العطلة الأسبوعية بالنسبة لها مجرد اختبار تجريبي عارض، أو مقدمة عشوائية للطقوس الجادة العادية البائسة، ستضع يديها داخل صندوق البريد وتسحب البريد منه دون النظر إليه، وترفض مغادرة الكلية حتى الخامسة، وتضع وسادة عند الهاتف للتأكد من رؤيتها له؛ متصنعة اللامبالاة. كان تفكيرها لا يبرح هذا الأمر، ولكن مَن يراقب طويلًا لا يجد نتيجة. كانت تسهر طوال الليل تعاقِر الشراب دون أن تعييها هذه الحماقة بما يكفي للتخلي عنها؛ لأن الانتظار كان سيتخلله أحلام اليقظة التي تُمنِّيها، تلك الحجج المقنعة المتعلقة بنواياه. كانت هذه الأحلام تصل لنقطة ما تكفي لتجعلها تقرِّر أنه لا بد وأنه كان مريضًا، ولم يكن ليهجرها هكذا لسبب آخَر سوى ذلك. تتخيل أنها تتصل بمستشفى كينجستون للسؤال عن صحته ليخبروها أنه ليس مريضًا لديهم، ربما بعدها يأتي اليوم الذي تدخل فيه مكتبة الكلية لتلتقط نُسَخًا سابقة من صحف كينجستون لتبحث وسط إعلانات النعي لتعرف ما إذا كان قد تُوفِّي بأي شكل من الأشكال. بعدها، وفي استسلام تام، وشعور بالبرد والارتعاد، تتصل به في الجامعة، فتقول الفتاة التي تعمل بمكتبه إنه قد رحل. ربما رحل إلى أوروبا، أو إلى كاليفورنيا؛ فقد كان يدرِّس هناك لفصل دراسي واحد فقط. ربما يكون قد ذهب في رحلة تخييم، أو ذهب لكي يتزوج.
أو قد تقول: «دقيقة واحدة من فضلك.» وتحوِّل روز إليه بشكل غير متوقع.
«أجل؟»
«سايمون؟»
«أجل.»
«إنه أنا … روز.»
«روز؟»
إنه أسوأ ما يمكن أن تتوقعه، بل قد يكون هناك أسوأ من ذلك.
قد يقول: «كنتُ أنتوي الاتصال بك.» أو «روز، كيف حالك؟» أو حتى «كيف حال تلك الحديقة؟»
إذا كان كذلك فمن الأفضل أن تخسره الآن، ولكنها عندما اقتربت من الهاتف، راحت تضع يدها عليه، ربما لترى ما إذا كان لا زال يعمل، أو ربما لِحَضِّه على الرنين.
قبل ظهور أول خيط من خيوط صباح الاثنين، جمعت كل ما اعتقدت أنها ستحتاج إليه في صندوق السيارة، وأغلقت المنزل، بينما كان جبن كامومبير ما زال يسيل كفيض من الدموع على منضدة المطبخ، وانطلقت بالسيارة في اتجاه الغرب. كانت تعتزم الغياب ليومين حتى تستعيد صوابها وتستطيع مواجهةَ المفارشِ الجديدة وقطعةِ الأرض التي تم تجهيزها لزراعة الحديقة، والمكانِ خلف السرير حيث وضعَتْ يدها لتحسُّس تيار الهواء. (لماذا أحضرَتْ حذاءها الطويل ومعطفها الشتوي، إذا كان هذا هو الحال؟) وكتبت خطابًا إلى الكلية — إذ كان بإمكانها إجادة الكذب في الخطابات، على الرغم من أنها لا تجيد ذلك عبر الهاتف — قالت فيه إنها قد استُدْعِيَتْ للسفر إلى تورونتو لأن صديقة لها كانت في مرضها الأخير. (ربما لم تُجِد الكذب هذه المرة على أية حال، وربما قد بالغت.) كانت مستيقظة طوال العطلة الأسبوعية تقريبًا تعاقر الشراب، ليس بشكل مفرط، ولكن على نحو متواصل. وبينما كانت تضع أمتعتها في السيارة، قالت لنفسها بصوت عالٍ وبنبرة جادة وتوكيدية للغاية: «لن أتناول المزيد منه مجدَّدًا.» جلسَتْ بانحناء في مقعد السيارة الأمامي تكتب الخطاب الذي كان يمكنها أن تكتبه في وضع أكثر ارتياحًا في المنزل، وفكرت في كم الخطابات المجنونة التي كتبتها، وكم الأعذار المبالَغ فيها التي أوجدتها، في اضطرارها لترك مكان ما، أو خوفها من ترك مكان ما، بسبب رجل ما. لم يكن أحد يعرف مدى حماقتها، حتى الأصدقاء الذين عرفوها على مدى عشرين عامًا لم يعرفوا نصف الرحلات الجوية التي سافرت على متنها، ولا الأموال التي أنفقتها، ولا المخاطر التي خاضتها.
فكَّرَتْ قليلًا فيما بعدُ في موقفها؛ فها هي ذي تقود سيارةً، مغلِقةً ماسحاتِ الزجاج الأمامي مع انحسار الأمطار أخيرًا في صباح يوم اثنين في العاشرة، وتتوقف من أجل تزويد السيارة بالوقود، ثم تتوقف ثانيةً لصرف حوالة مالية بعد أن فتحت البنوك أبوابها؛ كانت صامدة ومرحة، وتذكَّرَتْ ما يجب أن تفعله، مَن ذا الذي سيخمن ماهية الشهوات المخزية، أو ذكريات الشهوات، أو التنبؤات التي تتضارب في عقلها؟ لقد كان أكثر هذه الأشياء الشهوانية المخزية على الإطلاق هو ببساطةٍ الأملُ، الذي يختبئ بشكل خادع للغاية في البداية، ويخفي نفسه بدهاء ومكر، ولكن ليس لفترة طويلة؛ ففي غضون أسبوع يمكن أن تجده وقد خرج يصدح ويغرد ويتغنى بترانيم على باب السماء، بل إنه منشغل الآن بإخبارها بأن سايمون قد يكون في هذه اللحظة يعرج إلى ممر السيارات الخاص بمنزلها، وقد يكون واقفًا أمام باب منزلها عاقدًا يديه معًا، يتوسل ويتهكم ويعتذر، مردِّدًا عبارته «تذكَّر الموتى».
حتى لو كان ذلك صحيحًا، ما الذي سيحدث يومًا ما، في صباح أحد الأيام؟ في صباح أحد الأيام يمكن أن تستيقظ وتدرك من أنفاسه أنه كان مستيقظًا بجوارها دون أن يلمسها، وأن من المفترض بها ألَّا تلمسه؛ فالكثير من لمسات الأنثى تحمل مطالب (هذا ما كانت ستتعلَّمَه، أو تعلَّمَتْه مرة أخرى منه)، ورِقَّة النساء نهمة، وشهوانيتهن خادعة. كانت ستستلقي هناك متمنيةً لو كان لديها عيب واضح، أو شيء يمكن لشعورها بالخزي أن يتقوقع حوله ويحميه. وعلى هذا الأساس، كانت ستضطر أن تشعر بالخزي من حقيقة جسدها برمته، تلك الحقيقة الممددة العارية المخزية، وتتحمل عبأها. قد يبدو جسدها كالكارثة؛ فهو مسامي وسميك وباهت وتملؤه البقع. أما جسده، فلن يكون محل جدل، لن يكون أبدًا؛ فهو مَن سيكون صاحب الحق في الاستنكار والصفح، وكيف لها أن تعرف إذا كان سيصفح عنها مجدَّدًا؟ فبإمكانه أن يقول لها «تعالَي إلى هنا»، أو «ابتعدي». فمنذ أن تركت باتريك وهي لم تكن بالإنسان الحر، ذلك الإنسان الذي يمتلك تلك القوة التي ربما تكون قد استنزفتها بالكامل، استنزفت كل ما كان يواتيها منها.
أو ربما تسمعه يقول في إحدى الحفلات: «وحينها علمتُ أنني سأكون على ما يرام، وعلمت أنها علامة على حسن الطالع.» راويًا قصته لفتاة عاهرة بلا قيمة، ترتدي رداءً حريريًّا بنقوش جلد النمر، أو — ما هو أسوأ — لفتاة رقيقة ذات شعر طويل في ثوب فضفاض مطرز، ستقوده من يديه، عاجلًا أو آجلًا، عبر باب مؤدٍّ لغرفة أو منظر طبيعي حيث لا تستطيع روز أن تتبعهما.
أجل، ولكن أليس من الممكن ألَّا يحدث أي من هذا، وألَّا يكون هناك شيء سوى العطف، وروث الأغنام، وليالي الربيع الهادئة وسط غناء الضفادع؟ قد يعني عدم مجيئه في أول عطلة أسبوعية لهما، وعدم اتصاله بها، مجرد حدوث تغير في جدول أعماله، وليس هناك أي نذير سوء على الإطلاق. وعلى أثر تفكيرها على هذا النحو، كانت تبطئ كل عشرين ميلًا أو نحو ذلك، بل وكانت تبحث عن مكان لتستدير وتعود مرة أخرى. بعدها تعزف عن ذلك وتسرع خطاها، وهي تفكر أنها ستقود لمسافة أبعد قليلًا للتأكد من صفاء ذهنها، لتنهال عليها مجدَّدًا خيالاتها عن نفسها وهي جالسة في المطبخ، وصور الفقدان والخسارة. وظلت هكذا تقطع الطريق ما بين الرغبة في العودة والمضي قدمًا، وكأن مؤخرة السيارة معلَّقَة بقوة مغناطيسية تتراجع وتقوى، وتتراجع وتقوى، ثم تتراجع وتقوى مرة أخرى، إلا أن تلك القوة لم تكن كافية قط لتجعلها تستدير، وبعد فترة سيطر عليها الفضول بشكل غير شخصي، وصارت تراها كقوة مادية حقيقية وتتساءل ما إذا كانت تزداد ضعفًا بالتدريج بينما تقود السيارة، وما إذا كانت عند نقطة ما على مسافة بعيدة سوف تتحرَّر هي والسيارة من قبضة تلك القوة، وسوف تدرك اللحظة التي ستغادر فيها مجالها.
ومن ثَمَّ استمرت في القيادة. مرت بموسكوكا، وليكهيد، وحدود مانيتوبا. في بعض الأحيان كانت تنام في السيارة، فكانت تتوقف على جانب الطريق لساعة أو نحو ذلك. كان الطقس في مانيتوبا باردًا ولم تستطع أن تنام في السيارة، فحجزت في أحد الفنادق الصغيرة، وكانت تتناول طعامها في المطاعم الواقعة على جانب الطريق. وكانت قبل أن تدخل أي مطعم، تمشِّط شعرها وتزيِّن وجهها وترسم عليه تلك النظرة الشاردة الحالمة القليلة التمييز التي ترسمها النساء حين يعتقدون أن رجلًا ما قد يراقبهن. كان من المبالغة بمكانٍ أن تقول إنها تتوقع أن يكون سايمون هناك بالفعل، ولكن كان يبدو أنها لم تستبعد وجوده بشكل تام.
وبالفعل وهنت تلك القوة مع بُعْد المسافة. كان الأمر بتلك البساطة، على الرغم من أن المسافة يمكن اجتيازها بسيارة، أو بحافلة، أو بدراجة، مثلما فكَّرَتْ بعد ذلك؛ فلم يكن يمكن الحصول على نفس النتائج من خلال الطيران. وفي بلدة تغطِّيها المراعي على مسافة قريبة من سايبرس هيلز، أدركت التغيير. ظلَّتْ تقود السيارة طوال الليل إلى أن بزغت الشمس من ورائها وشعرت بالهدوء وصفاء الذهن مثلما يحدث لك في تلك الأوقات. دخلت إلى أحد المقاهي وطلبت قهوة وبيضًا مقليًّا، وجلست على النضد تنظر إلى الأشياء المألوفة التي توجد خلف نضد المقاهي؛ أباريق القهوة، وقطع الليمون اللامعة والفاسدة على الأرجح، وفطائر التوت، والأطباق الزجاجية السميكة التي يضعون فيها الآيس كريم أو الجيلي، وكانت تلك الأطباق هي ما أخبرها بشأن تغيُّر حالتها. لم تكن تستطيع أن تقول إنها حسنة الشكل، أو أنيقة، من دون تشويه للحقيقة. كل ما استطاعت قوله إنها قد رأتها بطريقةٍ لم يكن لشخص في أي مرحلة من مراحل الحب أن يراها بها؛ فقد استشعرت صلابتها بامتنان ينمُّ عن تعافيها، استقر ثقله في عقلها وقدميها بارتياح، وحينها أدركت أنها قد دخلت إلى هذا المقهى دون أدنى فكرة بعيدة الاحتمال عن سايمون، ومن ثَمَّ بدا العالم وقد توقَّفَ عن أن يكون مرحلةً قد تقابله فيها، وعاد ليكون نفسه. وخلال نصف الساعة شديدة الصفاء تلك — قبل أن يجعلها إفطارها في حالة من النعاس الشديد، حتى إنها قد اضطرت للذهاب إلى أحد الفنادق الصغيرة، حيث خلدت إلى النوم بملابسها والستائر مفتوحة أمام ضوء الشمس — كانت تفكِّر كيف أن الحب يغيِّر لك العالم، ففي اللحظة التي تتأكَّد فيها من أن كل شيء على ما يرام، يمضي هو دون أن تشعر، بنفس القدر تمامًا، في طريق التدهور. لم يكن من المفترض أن يشكِّل ذلك مفاجأةً بالنسبة لها، ولم يكن كذلك بالفعل؛ لقد كانت المفاجأة أنها كانت في أشد الرغبة والحاجة إلى أن يكون كل شيء موجودًا من أجلها، وأن يكون سميكًا وبسيطًا مثل أطباق الآيس كريم، حتى يبدو لها أنها كما تفر من خيبة الأمل، والخسائر والانفصال، فهي تفر أيضًا من أضدادها بنفس القدر تمامًا؛ الاحتفاء بالحب وصدمته، ذلك التغيير المذهل الذي طرأ. حتى لو كان ذلك آمنًا، لم يكن بوسعها أن تتقبَّلَه؛ ففي كلتا الحالتين، يُسلَب منك شيء؛ نابض اتزان خاص، نواة صغيرة جافة من الاستقامة. هكذا كانت تعتقد.
كتبَتْ للكلية تخبرهم بأنها حال وجودها في تورونتو لرعاية صديقتها وهي على فراش الموت، التقَتْ مصادَفَةً بأحد معارفها القدامى وعرض عليها وظيفةً في الساحل الغربي، وأنها ستنتقل إلى هناك على الفور. كانت تعتقد أنهم قد يسبِّبون لها مشكلة، ولكنها افترضت أيضًا — وكان افتراضًا في محله — أنهم لن يشغلوا أنفسهم بذلك، لما كانت شروط تعاقُدِها، لا سيما فيما يتعلق بالراتب، غير قانونية إلى حد كبير. وكتبت إلى الوكالة التي استأجرت منها المنزل، وكتبت لسيدة المتجر تودِّعها وتتمنى لها حظًّا سعيدًا. وعلى طريق هوب برينستون السريع، ترجَّلَتْ من السيارة ووقفت تحت أمطار الجبال الساحلية الباردة. راودها شعور نسبي بالأمان، والإرهاق، والسلامة العقلية، على الرغم من أنها كانت تعلم أنها قد تركت وراءها بعض الأشخاص لم يكونوا ليوافقوا على ذلك.
كان الحظ حليفها؛ ففي فانكوفر التقت برجل تعرفه كان بصدد اختيار ممثلين لمسلسل تليفزيوني جديد. كان مقرَّرًا أن يتم التصوير على الساحل الغربي، وكان يدور حول عائلة، أو مَن يتظاهرون بأنهم عائلة، مكوَّنَة من أفرادٍ غريبي الأطوار ودائمي التجول، يستخدمون منزلًا قديمًا على جزيرة سولت سبرينج كمنزل أو مقر رئيسي لهم. حصلت روز على دور السيدة صاحبة المنزل، أو شبه الأم. تمامًا مثلما قالت في خطابها؛ وظيفة في الساحل الغربي، وربما تكون أفضلَ وظيفة حصلت عليها على الإطلاق. استلزم دورها استخدامَ بعض تقنيات المكياج الخاص على وجهها لإظهارها مُسِنَّة، كان الماكيير يمازحها بقوله إنه إذا نجح المسلسل واستمر عرضه لبضع سنوات، لن يكون هناك ضرورة لاستخدام المكياج.
ثمة كلمة كان الجميع على الساحل يستخدمونها هي كلمة «ضَعْف»؛ فكانوا يتحدثون عن شعورهم بالضعف اليوم، وأنهم في حالة من الضعف. وكانت روز تقول: ليس أنا، فأنا يراودني شعور مميز بأنني مخلوقة من جلد الخيل القديم. فقد كانت الرياح والشمس في المراعي الخضراء قد أكسبت بشرتها لونًا بنيًّا وخشونة، وكانت تصفع عنقها المجعَّد البني لتأكيد كلمة «جلد الخيل»، وكانت قد بدأت بالفعل في تبنِّي بعض تعابير وتصرفات الشخصية التي كانت تلعبها. •••
بعد عام أو نحو ذلك كانت روز تقف على ظهر أحد القوارب النهرية التابعة لشركة كولومبيا البريطانية، مرتديةً كنزة رثَّة افتقرت إلى اللون ووشاح رأس. كان عليها أن تتسلَّل وسط قوارب النجاة وتراقِب فتاةً جميلة صغيرة متجمدة من البرد ترتدي بنطلونًا قصيرًا من الجينز وصدرية نسائية. وفقًا للسيناريو، كانت السيدة التي تلعب روز دورها تخشى أن تكون هذه الفتاة تنوي القفز من القارب لأنها كانت حبلى.
أثناء تصوير هذا المشهد، تجمَّعَ عدد ضخم من الناس، وعندما توقَّفَ التصوير للاستراحة واتَّجَهوا نحو الجزء المسقوف من القارب لارتداء معاطفهم وتناول القهوة، مدَّتْ سيدة وسط الحشد المتجمهر يدها ملامِسَةً ذراع روز.
قالت السيدة: «لن تتذكريني.» وفي الواقع لم تتذكرها روز بالفعل، فشرعت تلك السيدة في التحدث عن كينجستون، والزوجَيْن اللذين أقاما الحفل، وعن موت قطِّ روز. تذكَّرَتْها روز؛ فهي السيدة التي كانت تعدُّ الورقة البحثية عن الانتحار، ولكنها بدت مختلفة تمامًا؛ فكانت ترتدي حلة باهظة الثمن بلون البيج، يلف شعرها وشاح باللونين الأبيض والبيج؛ لم تَعُدْ تبدو مبهرجة ونحيلة وفظَّة وثائرة. قدمت لها رجلًا باعتباره زوجها، والذي زمجر في وجه روز وكأنه يقول لها لو كانت توقَّعَتْ أن يحدث جلبة كبيرة بشأنها، لفكَّرت مرة أخرى بشأن مجيئها. انصرف الرجل، وقالت السيدة: «مسكين سايمون. تعلمين أنه قد تُوفِّيَ.»
أرادت السيدة أن تعرف ما إذا كانوا سيصورون أية مشاهد أخرى، وكانت روز تعلم السبب وراء سؤالها؛ لقد كانت تريد الدخول في خلفية هذه المشاهد أو حتى أمام الكاميرا حتى تتصل بأصدقائها وتخبرهم بأن يشاهدوها. ولو أنها اتصلت بالأشخاص الذين كانوا في ذلك الحفل، لقالت إنها كانت تعلم أن المسلسل في غاية التفاهة، ولكنهم أقنعوها بالظهور في أحد المشاهد من أجل متعة الظهور في حد ذاتها.
«تُوفِّيَ؟»
خلعت السيدة وشاحها، وطيرت الرياح شعرها أمام وجهها.
قالت: «كان مصابًا بسرطان البنكرياس.» ثم استدارت لتواجه الرياح حتى يتسنَّى لها ارتداء الوشاح مرة أخرى بشكل أفضل. بدا صوتها لروز يفوح دهاءً ومكرًا وهي تقول: «لا أعلم مدى معرفتك به.» هل كان ذلك من أجل دفع روز للتساؤل عن مدى معرفتها به. ربما كان ذلك الدهاء من أجل طلب المساعدة، وكذلك لقياس الانتصارات، ربما كان يمكنك أن تشعر بالأسف لها، ولكن لا يمكنك أن تثق بها مطلقًا. كان ذلك هو ما كانت روز تفكِّر فيه، بدلًا من التفكير فيما أخبرتها به. قالت السيدة بنبرة تحوَّلَت الآن إلى الجدية، بينما كانت تزم ذقنها عاقدة وشاحها: «أمر محزن. كان مصابًا به لفترة طويلة.»
كان أحدهم ينادي على روز، فاضطرت للعودة إلى المشهد. لم تُلْقِ الفتاة بنفسها في البحر. فلم يكن لديهم أشياء كهذه في المسلسل. كانت هذه الأشياء دائمًا ما تمثِّل تهديدًا فحسب، ولكنها لم تكن تحدث، إلا بين الحين والآخَر ولشخصيات ثانوية وغير جذابة. كان المشاهدون يثقون بأنهم سيكونون في مأمن من الكوارث المتوقَّعة، وكذلك من التحولات في التركيز والتي تجعل حبكة القصة عرضة للتساؤل، تلك الاضطرابات التي تتطلب أحكامًا وحلولًا جديدة، وتفتح النوافذ على مشاهد غير لائقة لا تُنسَى.
أحدَثَتْ وفاة سايمون لروز صدمةً مثل ذلك النوع من الاضطرابات. كان من المحال ومن الظلم أن تُهمَل تلك المعلومة، وأن تكون روز حتى هذه اللحظة المتأخرة قد ظنَّتْ نفسها الشخص الوحيد الذي افتقد القوة بشكل خطير.
المتسولة |
التهجية
في المتجر، في الأيام الخوالي، اعتادت فلو أن تقول إنها تستطيع أن تحدد عندما تكون إحدى النساء على وشك الانحراف. كانت العلامات الأولى على ذلك ارتداء قبعات للرأس أو أحذية مميزة، ثم تأتي الأحذية المطاطية المفتوحة في الصيف. كن يختلن بالأحذية المطاطية الطويلة، أو أحذية العمل الطويلة التي يرتديها الرجال. قد يقولون إن ذلك بسبب مسمار القدم، ولكن فلو كانت تعرف الحقيقة. لقد كان هذا متعمدًا، كان هناك مقصد من ورائها. بعد ذلك قد تأتي القبعة القديمة المصنوعة من اللباد، ومعطف المطر الممزق الذي يرتدينه في جميع الأجواء، والبنطال المرفوع حتى الخصر بواسطة خيط مجدول، والأوشحة الباهتة الممزقة، وطبقات من الكنزات المنسولة.
غالبًا ما تكون الأمهات والبنات على نفس الشاكلة. فدائمًا ما كانت تلك الخصال بهن، موجات من الجنون، دائمة التصاعد، لا يمكن مقاومتها كالضحكات العالية، وتنبع من موضع عميق بداخلهن تنال منهن تدريجيًّا.
اعتادت النساء المجيء وسرد قصصهن على فلو، وكانت فلو تجاريهن وتتصنع التصديق، فتجدها تقول: «حقًّا؟ أليس ذلك مخزيًا؟»
«لقد ضاعت مَبشرة الخضراوات خاصتي وأنا أعرف من أخذها.»
«هناك رجل يأتي وينظر إليَّ حين أخلع ملابسي ليلًا. أغلق الستارة فينظر عبر الشق.»
«لقد سُرقت كومتان من البطاطا الجديدة، وبرطمان من ثمار الدراق الكاملة، وبعض بيضات البط اللذيذة.»
اقتيدت إحدى هؤلاء النساء أخيرًا إلى إحدى دور المسنين. كان أول ما فعلوه بها، على حد قول فلو، أن أعطوها حمامًا، بعد ذلك قاموا بقص شعرها، الذي كان قد نما حتى صار أشبه بكومة من القش. كانوا يتوقعون أن يجدوا فيه أي شيء، طائرًا نافقًا أو ربما عشًّا من جماجم الفئران الصغيرة. وبالفعل وجدوا أغلفة ثمار خشنة، ونحلة لا بد أنها قد وقعت في الشرك وظلت تطن حتى الموت. وحين اقتطعوا منه جزءًا كافيًا وجدوا قبعة من القماش، كانت قد تعفنت على رأسها وظل الشعر ينمو حتى اخترقها مثلما تخترق الحشائش الأسلاك الشائكة. •••
اعتادت فلو أن تُبقي المائدة منصوبة من أجل الوجبة التالية لتوفير العناء. كان المفرش البلاستيكي لزجًا، وكان حد الطبق وصحن الفنجان واضحين عليه كوضوح حدود الصور على جدار يغطيه الشحم. كانت الثلاجة مليئة بفضلات الطعام الصلب، والفتات الداكنة، وبقايا الطعام العفنة. مضت روز تنظف، وتتخلص من القمامة، وتنظف الصحون بالماء الساخن. كانت فلو تأتي بين الحين والآخر بخطى متثاقلة على عكازيها. قد تتجاهل وجود روز كلية، وقد تميل إبريق شراب القيقب نحو فمها وتشربه مثلما تشرب النبيذ. أصبحت الآن تحب الأشياء الحلوة إلى حد الاشتهاء؛ فكانت تزدرد حفنًا من السكر البني بالمعلقة، وشراب القيقب، والبودنج المعلب، والجيلي، وكتلًا من الأشياء ذات المذاق الحلو. وكانت قد أقلعت عن التدخين، ربما خوفًا من الحرائق.
قالت ذات مرة: «ماذا تفعلين هنا خلف النضد؟ اطلبي مني ما تريدين، وسوف أحضره لكِ.» ظنًّا منها أن المطبخ هو المتجر.
قالت روز بصوت عالٍ وبطيء: «أنا روز، نحن في المطبخ. أنا أنظف المطبخ.»
كان الترتيب القديم للمطبخ غامضًا، وذا طابع شخصي وغريب الأطوار؛ فكانت هناك مقلاة كبيرة في الفرن، ومقلاة متوسطة تحت وعاء البطاطا على الرف الجانبي، ومقلاة صغيرة معلقة على المسمار بجوار الحوض، وكان هناك مصفاة أسفل الحوض، إلى جانب مناشف للصحون، وقصاصات جرائد، ومقص، وعلب قصديرية لفطائر المافن معلقة على مسامير متعددة. وكانت هناك أكوام من الفواتير والخطابات على ماكينة الحياكة، وعلى رف الهاتف. ربما تعتقد أن أحدهم قد وضعها هناك منذ يوم أو يومين، ولكنها كانت هناك منذ سنوات. وجدت روز صدفة بعض الخطابات التي كانت قد كتبتها بنفسها بأسلوب متكلف ومتسرع. كانت الخطابات بمثابة رسل زائفين، صلات زائفة، تربطها بفترة ضائعة من حياتها.
قالت فلو: «لقد رحلتْ روز.» كانت قد اكتسبت الآن عادة مط شفتها السفلية إلى الأمام حين تكون تعيسة أو حائرة. «تزوجتْ روز.»
في صباح اليوم التالي استيقظت روز لتجد أن المطبخ قد انقلب رأسًا على عقب، وكأن أحدهم قد استخدم ملعقة لتقليبه؛ فوجدت المقلاة الكبيرة وقد استقرت خلف الثلاجة، ومغرفة البيض وسط المناشف، وسكين الخبز في صندوق تخزين الدقيق، ومقلاة التحميص محشورة بين المواسير أسفل الحوض. أعدت روز العصيدة لإفطار فلو، وسألتها فلو: «أنت السيدة التي أرسلوها لكي تعتني بي؟»
«أجل.»
«ألستِ من هذه البلدة؟»
«كلا.»
«ليس لدي مال لأدفع لكِ. هم من أرسلوك، فليدفعوا لك.»
نثرت فلو السكر البني على عصيدتها حتى أصبحت العصيدة مغطاة تمامًا، ثم راحت تسوي طبقة السكر برفق بملعقتها.
بعد الإفطار راحت فلو تمحص لوح التقطيع الذي كانت روز تستخدمه أثناء تقطيع الخبز لإعداد الخبز المحمص لنفسها. قالت فلو بلهجة استبدادية متغطرسة: «ما الذي يفعله هذا الشيء هنا ويعترض طريقنا هكذا؟» ثم التقطته وسارت — مثلما يمكن لأي شخص يسير على عكازين أن ينزل — لتخبئه في مكان ما، في مقعد البيانو أو أسفل السلالم الخلفية. •••
منذ سنوات، كان لدى فلو شرفة جانبية مغطاة بالزجاج بُنيت كملحق للمنزل. من هناك كان يمكنها مشاهدة الطريق مثلما اعتادت مشاهدته من خلف نضد المتجر (كانت واجهة المتجر الآن مغطاة بألواح خشبية، وطُليت اللافتات الإعلانية القديمة). لم يعد الطريق هو الطريق الرئيسي الممتد من خارج هانراتي مارًّا عبر هانراتي الغربية ليصل إلى البحيرة؛ فقد كان هناك طريق سريع جانبي. وكان ممهدًا الآن، وبه بالوعات تصريف جديدة وواسعة وأعمدة إنارة جديدة تعمل ببخار الزئبق. اختفى الجسر القديم وحلَّ محله جسر جديد واسع وأقل لفتًا للنظر بكثير من سابقه. كان الاختلاف ما بين هانراتي إلى هانراتي الغربية لا يكاد يكون ملحوظًا. أعادت هانراتي الغربية تزيين نفسها بالطلاء وألواح من الألومنيوم لجدران المباني الخارجية، وكان منزل فلو هو المنظر القميء الوحيد المتبقي.
بمَ احتفظت فلو من أشياء لتنظر إليها في شرفتها الصغيرة، حيث ظلت تجلس لسنوات، وقد تصلبت شرايينها ومفاصلها؟
تقويم يحمل صورة جرو صغير وهريرة، وجهان يتجه أحدهما نحو الآخر بحيث تتلامس الأنفان، والمسافة التي بين الجسدين تتخذ شكل قلب.
صورة فوتوغرافية بالألوان للأميرة آن وهي طفلة.
مزهرية بلو ماونتِن فخارية، كانت قد حصلت عليها كهدية من براين وفيبي، وُضع بها ثلاث زهرات زرقاء بلاستيكية، وقد غطت الأتربة التي خلَّفتها عدة فصول موسمية كلًّا من المزهرية والأزهار.
ست صدفات من ساحل المحيط الهادي أرسلتها روز إلى المنزل ولكنها لم تجمعها بنفسها، كما كانت فلو تعتقد، أو كانت تعتقد يومًا ما، بل كانت قد اشترتها من واشنطن بشكل اندفاعي بعد أن وجدتها في حقيبة بلاستيكية بجوار مكتب الصراف في أحد المطاعم السياحية.
لفافة ورقية مقطوعة كُتب عليها «الرب راعيَّ» منثور عليها اللماع، وكانت هدية مجانية من موزع ألبان.
صور فوتوغرافية من جريدة لسبعة توابيت الواحد تلو الآخر، اثنان كبيران، وخمسة صغيرة. كانت لوالدين وأطفالهما، قتلوا جميعًا على يد الأب في منتصف الليل في منزل بمزرعة في الريف لأسباب لم يعلمها أحد. لم يكن من السهل العثور على ذلك المنزل، ولكن فلو شاهدته. كان الجيران قد اصطحبوها إلى هناك في نزهة بالسيارة في أحد أيام الآحاد، حينما كانت تستخدم عكازًا واحدًا فقط. واضطروا للسؤال عن الاتجاهات في إحدى محطات الوقود عبر الطريق السريع، ومرة أخرى في متجر يقع في مفترق طرق. وقد قيل لهم إنه سبق أن سأل كثيرون نفس هذه الأسئلة، وكانوا على نفس القدر من الإصرار، غير أن فلو قد اضطرت للاعتراف بأنه لم يكن هناك الكثير لمشاهدته؛ إذ كان منزلًا كأي منزل آخر، ذا مدخنة ونوافذ وأسقف مكسوة بالألواح الخشبية وباب. وكان هناك شيء ربما منشفة أطباق أو حفاض لم يرغب أحد في التقاطه، وترك ليتعفن على حبل الغسيل.
لم تعد روز لرؤية فلو لما يقرب من عامين، حيث كانت منشغلة بالسفر مع الشركات الصغيرة، وتحصل على تمويل من خلال المنح، لعرض مسرحيات أو مشاهد من مسرحيات، أو لتقرأ مقتطفات من كتب في مدرجات المدارس الثانوية وقاعات الاحتفالات الاجتماعية، عبر جميع أنحاء البلاد. وكان جزءًا من عملها إجراءُ الحوارات في التليفزيون المحلي عن هذه الأعمال، كمحاولة لجذب الاهتمام نحوها، وسرد حكايات طريفة مسلية عن الأشياء التي وقعت خلال الرحلة. لم يكن هناك أي شيء مخزٍ في كل هذا، إلا أن روز في بعض الأحيان كانت تشعر بخزي وخجل عميقين لا مبرر لهما، لكنها لم تكن تدع ارتباكها يظهر للعيان، فحين كانت تتحدث أمام العامة، كانت تنضح صراحة وسحرًا؛ كان لها طريقة محيرة وخجولة لبدء حكاياتها الطريفة، وكأنها قد تذكرتها الآن فقط ولم تسردها مائة مرة من قبل. وعندما كانت تعود لغرفتها في الفندق، غالبًا ما كانت ترتجف وتئن، وكأن نوبة من الحمى قد ألمَّت بها. كانت تعزو ذلك إلى الإرهاق، أو لقرب بلوغها سن اليأس. لم يكن بإمكانها تذكر أيٍّ من الأشخاص الذين قابلتهم، والأشخاص الساحرين المثيرين الذين كانوا يدعونها للعشاء، والذين كانت تخبرهم بأشياء حميمة عن نفسها وسط أقداح الشراب في عدة مدن.
كان الإهمال في منزل فلو قد وصل إلى مستوى مزعج منذ آخر مرة رأته روز. كانت الغرف تعج ببقايا الخِرَق والأوراق والقاذورات. يكفيك أن تجذب إحدى الستائر للسماح بدخول بعض الضوء حتى تتمزق إلى نصفين في يدك، أو أن تهز ستارة حتى تتحول إلى خرق، مطلقة غبارًا خانقًا، أو أن تضع يدك داخل أحد الأدراج فتغرق في شيء ناعم وداكن وقذر.
«لا نحب كتابة الأنباء السيئة، ولكن يبدو أنها قد تجاوزت المرحلة التي يمكنها فيها الاعتناء بنفسها. نحن نحاول زيارتها بشكل سريع للاطمئنان عليها، ولكننا لم نعد صغارًا، لذا يبدو أن الوقت ربما قد حان.»
كان نص هذا الخطاب يتكرر إلى حد ما ويرسل إلى روز وأخيها غير الشقيق براين الذي كان يعمل مهندسًا ويعيش في تورونتو. كانت روز عائدة للتو من جولتها. كانت تعتقد أن براين وزوجته فيبي — اللذين كانت نادرًا ما تراهما — على اتصال دائم بفلو، فقد كانت فلو في النهاية والدة براين، وزوجة والد روز. واتضح أنهما كانا على اتصال بها، أو هكذا كانوا يظنون. فقد ذهب براين مؤخرًا إلى أمريكا الجنوبية، ولكن فيبي كانت تتصل بفلو هاتفيًّا ليلة كل أحد. لم يكن لدى فلو الكثير لتقوله، ولم تكن تتحدث إلى فيبي على أية حال؛ كانت تقول إنها على ما يرام، كل شيء على ما يرام، وإنها قد ورد إليها بعض المعلومات عن حالة الطقس. كانت روز تلاحظ فلو وهي تتحدث عبر الهاتف، منذ قدومها إلى المنزل، ورأت كيف أن فيبي ربما تكون قد خُدعت. كانت فلو تتحدث بشكل طبيعي، فكانت تقول مرحبًا، أنا بخير، كانت عاصفة عنيفة تلك التي هبت علينا الليلة الماضية، نعم، انقطعت الكهرباء هنا لساعات. لو لم تعش في الحي، ما كنت لتدرك أنه لم يكن هناك أية عواصف.
لم تكن روز قد نسيت فلو كليًّا على مدى العامين الماضيين، فقد كانت تواتيها نوبات قلق إزاءها، كل ما في الأمر أن هذه النوبات قد تزايدت في الفترة الأخيرة. في إحدى المرات واتتها النوبة في منتصف عاصفة في شهر يناير، ما جعلها تقود السيارة لمسافة مائتي ميل وسط العواصف الثلجية، متخطية السيارات التي أُجبرت على التوقف بسبب العواصف، وحين توقفت أخيرًا في الشارع الذي تقطن فيه فلو، وتمكنت أخيرًا من الوطء بقدميها على الممشى الذي لم تتمكن فلو من كسح ما به من ثلوج، ملأها شعور بالارتياح إزاء نفسها وشعور آخر بالقلق إزاء فلو، حالة عامة من اضطراب المشاعر جمعت بين القلق والسعادة في ذات الوقت. فتحت فلو الباب وأطلقت صيحة تحذير.
«لا يمكنك أن تتوقفي بالسيارة هناك!»
«ماذا؟»
«لا يمكنك أن تتوقفي هناك!»
قالت فلو إن هناك قانونًا محليًّا جديدًا؛ يمنع التوقف بالسيارات في الشوارع خلال شهور الشتاء.
«سوف تضطرين لكسح الثلج عن مكان ما لتوقفي فيه السيارة.»
بالطبع انفجرت روز غضبًا.
«إذا تفوهتِ بكلمة أخرى الآن، فسوف أستقل السيارة وأعود من حيث جئت.»
«حسنًا، لا يمكنك التوقف بالسيارة …»
«ولا كلمة أخرى!»
«لمَ تقفين هنا وتجادلين والبرد يعصف بالمنزل؟»
فدخلت روز إلى المنزل.
كانت تلك واحدة من القصص التي روتها عن فلو، وقد تحملت فيها جيدًا؛ إرهاقها وشعورها بالفضيلة؛ صياح فلو وتلويحها بعكازها، ورفضها العنيف لأن تكون هدف إنقاذ لأي شخص. •••
بعد أن قرأت الخطاب، اتصلت روز بفيبي، التي طلبت منها أن تأتي لتناول العشاء، حتى يمكنهما التحدث معًا. كانت روز عازمة على التصرف بشكل جيد، فقد تولَّدت لديها فكرة أن براين وفيبي لديهما شعور مستمر بالرفض والاستنكار نحوها. كانت تعتقد أنهما يستنكران نجاحها، على الرغم من أنه قد يكون محدودًا، ومقلقلًا، ومحليًّا، وأنهما يرفضانها أكثر حين تفشل. وكانت تعلم أيضًا أن من غير المحتمل أنها كانت سترِد ببالهما كثيرًا، أو أنهما يشعران بأي شيء على نحو مؤكد.
ارتدت روز تنورة بلا أي نقوش وبلوزة قديمة، إلا أنها غيَّرت رأيها في اللحظة الأخيرة وبدَّلت ملابسها لترتدي ثوبًا طويلًا مصنوعًا من القطن الرفيع ذي اللونين الأحمر والذهبي والوارد من الهند، الأمر الذي سيوجد مبررًا لقولهما إن روز دائمًا ما كانت متكلفة.
ومع ذلك فقد حزمت أمرها، كما كانت عادة ما تفعل، على أن تتحدث بصوت خفيض، وأن تلتزم بالحقائق، ولا تدخل في أية مجادلات عقيمة وسخيفة مع براين. وكالمعتاد بدا وكأن معظم ما برأسها من صواب ورشد قد طار بمجرد أن وطئت منزلهما بقدميها، ولمست ما في حياتهما من روتين هادئ، وشعرت بتدفق الرضا، أو بالأحرى الرضا عن الذات، ذلك الرضا الذاتي المبرر بشكل رائع وتام، وكأنه كان يشع من الأواني والمفروشات. كانت متوترة حين سألتها فيبي عن رحلتها، وكانت فيبي متوترة قليلًا أيضًا من جلوس براين صامتًا؛ لم يكن عابسًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنه كان يشير إلى أن تفاهة الموضوع أمر لا يسره. فقد قال براين في حضور روز أكثر من مرة إنه لا يجد نفعًا للأشخاص الذين يعملون في مجالها، ولكنه في الواقع لم يكن يجد نفعًا لعدد كبير من الناس، ما بين ممثلين، وفنانين، وصحافيين، وأثرياء (تلك الفئة التي لم يكن ليعترف أبدًا بكونه أحد المنتمين إليها)، وجميع أعضاء هيئة التدريس بكليات الآداب بالجامعات. طبقات وفئات كاملة كانت بلا نفع في نظره. كان هؤلاء متهمين في نظره بالعقلية المرتبكة، والسلوك المبهرج الزائف، والكلام غير الدقيق، والكثير من السفاهات والتجاوزات. لم تكن روز تعرف إن كان يقول الحقيقة، أم أن هذا شيء اضطر لقوله أمامها. كان يلقي طُعم الازدراء خفيض الصوت، لتلتقطه هي، فتنشب بينهما مشاجرات، وتترك منزله والدموع تملأ عينيها. كانت روز تشعر بالرغم من كل هذا أن كليهما يحب الآخر، ولكنهما لم يستطيعا قط التوقف عن المنافسة القديمة بينهما: عمن يكون الأفضل منهما، من الذي اختار العمل الأفضل؟ عمَّ كانا يبحثان؟ ربما يبحثان عن وجهة النظر الجيدة لكليهما عن الآخر، التي ربما كان كلٌّ منهما ينوي منحها كاملة للآخر ولكن لم يفعل بعد. كانت فيبي امرأة تتميز بالهدوء والطاعة النابعة من الإحساس بالواجب، وكان لديها موهبة رائعة في تهدئة الأمور (في تناقض شديد مع موهبة عائلة روز في تضخيم الأمور وإشعالها)، وكانت تقدم الطعام وتصب القهوة وهي تنظر إليهما نظرة حيرة مهذبة؛ ربما كان التنافس بينهما، وحساسيتهما، وشعورهما بالجرح والإساءة، يبدو غريبًا عليها مثل التصرفات الهزلية الغريبة لشخصيات القصص الكرتونية الفكاهية التي تضع أصابعها في مقابس النور.
قالت فيبي: «لطالما تمنيت لو أن فلو استطاعت العودة لزيارتنا مرة أخرى.» كانت فلو قد جاءت مرة واحدة، وطلبت إعادتها إلى منزلها بعد ثلاثة أيام. ولكن بعد ذلك بدت تلك الزيارة سارة بالنسبة لها، كي تجلس وتعدد الأشياء التي يمتلكها براين وفيبي، وملامح منزلهما. كان براين وفيبي يعيشان حياة خالية من البهرجة والصخب إلى حد بعيد في دون ميلز، وكانت الأشياء التي ركزت عليها فلو — مثل أجراس الباب، وأبواب المرأب الأوتوماتيكية، وحمام السباحة — ضمن المقتنيات العادية المعتادة في الضواحي. وقد أخبرتها روز بمجموعة من الأشياء، ما دفع فلو للاعتقاد أن روز تشعر بالغيرة.
«لم تكوني لترفضيها لو عُرضت عليك.»
«نعم لم أكن لأفعل.»
كان ذلك صحيحًا، كانت روز تعتقد أنه صحيح، ولكن كيف كان يمكنها أن تشرح ذلك لفلو أو أي شخص في هانراتي؟ لو أنك مكثت في هانراتي ولم تصبح من الأثرياء، فلا بأس في ذلك؛ لأنك تعيش حياتك كما كان مقدرًا لك، ولكنك إذا رحلت عنها ولم تحقق الثراء، أو لم تظل ثريًّا مثل روز، فما الجدوى إذن؟
بعد العشاء جلست روز وبراين وفيبي في الفناء الخلفي بجوار حمام السباحة، حيث كانت صغرى بنات براين وفيبي الأربع تمتطي عوامة على شكل تنين. كان كل شيء يسير في جو من الود حتى تلك اللحظة. وتقرر أن تذهب روز إلى هانراتي وأن تعد الترتيبات اللازمة لإلحاق فلو بدار واواناش العامة للمسنين. كان براين، أو بالأحرى سكرتيرته، قد استعلم عنها بالفعل، وقال إنه يبدو أنها ليست قليلة التكاليف فحسب، بل وتدار على نحو أفضل، وتحوي المزيد من المرافق ووسائل الراحة مقارنة بأي دار مسنين خاصة.
قالت فيبي: «على الأرجح أنها ستلتقي أصدقاء قدامى هناك.»
كانت دماثة خلق روز، وسلوكها الحسن، قائمين بشكل جزئي على رؤيةٍ كانت تعمل على تكوينها طوال الأمسية، ولم تكن لتبوح بها لبراين وفيبي. فقد تصورت نفسها متجهة إلى هانراتي وتعتني بفلو، وتعيش معها، وترعاها طالما اقتضى الأمر ذلك. وظلت تفكر كيف ستنظف مطبخ فلو وتقوم بطلائه وترقع الألواح الخشبية في الأماكن التي تعاني من التسريب (وكان هذا واحدًا من الأشياء التي ذكرها الخطاب)، وتزرع الأزهار في الأصص، وتصنع حساء مغذيًا. لكنها لم تذهب بخيالها بعيدًا لتتصور فلو تتواءم بيسر داخل هذه الصورة، وتستقر في حياتها شاعرة بالامتنان. ولكن كلما صارت فلو أكثر نزقًا، كانت روز ستصبح أكثر حلمًا وصبرًا، حينها من ذا الذي يمكن أن يتهمها بالنرجسية والتفاهة؟
ولم تصمد تلك الصورة حتى في أول يومين لها في المنزل. •••
قالت روز: «أترغبين في بعض البودنج؟»
«أوه، لا أهتم.»
كانت تُظهر تلك اللامبالاة المسهبة التي يُظهرها بعض الناس عند تقديم كأس من الشراب لهم.
صنعت روز الترايفل، وكان مكونًا من توت، ودراق، وكسترد، وكعك، وكريمة مخفوقة، وشراب الشيري.
أكلت فلو نصف الصحن. راحت تنهل منه بنهم، دون أن تكلف نفسها عناء نقل جزء منه إلى طبق أصغر.
قالت فلو: «كان ذلك رائعًا.» لم تكن روز قد سمعت مثل هذا الاعتراف بالسعادة المشوبة بالامتنان منها من قبل. «رائعًا»، قالتها فلو ثم جلست تتذكر، وتبدي الاستحسان، وتتجشأ قليلًا. الكسترد اللطيف الناعم، حبات التوت اللاذع، قطع الدراق القاسي، الكعك المغموس في شراب الشيري، الكريمة المخفوقة الغنية.
خطر لروز أنها لم يسبق لها أن فعلت شيئًا في حياتها حقق لفلو ولو قدرًا مقاربًا من المتعة مثلما فعل ذلك الترايفل.
«سوف أصنع لك واحدًا آخر قريبًا.»
فاستفاقت فلو قائلة: «أوه حسنًا. افعلي ما تحبين.» •••
قادت روز سيارتها صوب دار المسنين العامة، متبعة إرشادات الآخرين للوصول إليها. وحاولت أن تخبر فلو بشأنها حين أتت.
قالت فلو: «دار من؟»
«لا، دار المسنين.»
ذكرت روز بعض الأشخاص الذين قابلتهم هناك. ولم تكن فلو لتعترف بمعرفة أي منهم. راحت روز تتحدث عن المناظر الجميلة هناك والغرف المبهجة. بدا الغضب على فلو؛ فاكفهرَّ وجهها، وزمت شفتيها. ناولتها روز مجسمًا متحركًا كانت قد اشترته مقابل خمسين سنتًا من مركز الصناعات اليدوية بدار المسنين. كان عبارة عن أشكال طيور من ورق باللونين الأزرق والأصفر تتمايل وترقص على تيارات هوائية غير مرئية.
قالت فلو: «فلتحتفظي به لنفسك.»
وضعت روز المجسم في الشرفة وقالت إنها قد رأتهم في الدار يحملون صواني الطعام وعليها وجبة العشاء إلى الغرف.
«إنهم يذهبون إلى غرفة الطعام إذا كانوا قادرين، وإذا لم يتمكنوا من ذلك، فإن لديهم صواني في غرفهم. لقد رأيت ما يتناولونه هناك.
شرائح اللحم البقري المشوي، مطهوًّا جيدًا، وبطاطا مهروسة، وفاصوليا خضراء، من النوع المجمد وليس المعلب. أو أومليت. يمكنكِ تناول أومليت المشروم، أو أومليت الدجاج، أو أومليت سادة إذا شئت.»
«ماذا كان هناك للتحلية؟»
«آيس كريم. يمكنك أن تضعي عليه الصوص.»
«ما نوع الصوص الذي كان موجودًا؟»
«صوص الشوكولاتة، أو الزبد الاسكتلندي، أو الجوز.»
«لا أستطيع تناول الجوز.»
«كان هناك خطمي أيضًا.» •••
كان النزلاء في الدار مقسمين على الأدوار: في الطابق الأول هناك النزلاء المهندمون والمتألقون، وكانوا يتجولون في أنحاء الدار بمساعدة عكاز في العادة، ويتبادلون الزيارات فيما بينهم، ويلعبون الورق. وكان لديهم أغنيات ذات إيقاع رتيب يرددونها ويمارسون الهوايات. وفي مركز الصناعات اليدوية، كانوا يقومون برسم صور، وحياكة اللوحات والسجاد باستخدام الصوف، وصناعة اللُّحُف. وإذا لم تكن لديهم القدرة على القيام بأشياء كهذه، كان بإمكانهم صنع دمى من بقايا القماش، وكذلك المجسمات المتحركة كالتي اشترتها روز، ويصنعون أيضًا مجسمات كلاب بودل ورجل الثلج من كرات الستيروفوم، وكانوا يستخدمون حبات الترتر اللامعة للعيون؛ يصنعون أيضًا صورًا ظلية بوضع دبابيس رسم على رسوم تخطيطية، وكانت تتنوع ما بين فرسان على ظهر حصان، وسفن حربية، وطائرات، وقلاع.
كانوا ينظمون حفلات موسيقية، ورقصات، وكانت لديهم دورات في لعبة الشطرنج.
«يقول البعض منهم إنهم يعيشون هناك في سعادة لم يمروا بها قط في حياتهم من قبل.»
في الطابق التالي، كان هناك المزيد من مشاهدة التليفزيون والمزيد من الكراسي المتحركة. ويقيم في هذا الطابق ذوو الرءوس المحنية، والألسنة المتدلية، وأصحاب الأطراف التي تهتز لاإراديًّا. ومع ذلك كان هناك قدر كبير من الاختلاط الاجتماعي، والعقلانية، إلا أنهم بين الحين والآخر كانوا يتوارون في غرفهم ولا ترى منهم أحدًا.
أما في الطابق الثالث، فقد تقابلك بعض المفاجآت.
فالبعض منهم هناك توقف عن الكلام.
والبعض توقف عن الحركة، فيما عدا بعض الاختلاجات الغريبة واهتزازات الرأس، وتطويح الأذرع، التي بدت جميعًا دون هدف أو تحكم.
أما عن القلق بشأن البلل والجفاف، فقد تركه الجميع تقريبًا.
كان نزلاء الدار يحصلون على الطعام والنظافة الشخصية لأجسادهم، وبعضهم يتم توثيقه في الكراسي، ثم يحل وثاقهم ويوضعون في الأسرَّة للنوم. كان استنشاق الأكسجين وزفر ثاني أكسيد الكربون هو وسيلتهم للاستمرار في المشاركة في الحياة.
كانت هناك امرأة عجوز منحنية في سريرها، ترتدي حفاضًا، بشرتها داكنة مثل ثمرة الجوز، تتدلى من شعرها ثلاث خصلات تشبه خيوط الهندباء، تصدر ضوضاء صاخبة مرتجفة.
قالت الممرضة: «مرحبًا يا خالتي. أنت تتهجين الكلمات اليوم. الطقس جميل بالخارج.» ومالت نحو أذن السيدة العجوز قائلة: «هل تستطيعين تهجية كلمة طقس؟»
كانت هذه الممرضة تكشف عن لثتيها حين كانت تبتسم، وهو ما كانت تفعله طوال الوقت؛ كان بها لمحة من المرح المشوب بالخبل.
قالت السيدة العجوز: «طقس.» كانت تدفع نفسها للأمام بصعوبة، وتصدر أصواتًا كالنخر لتتوصل لهجاء الكلمة، ما دفع روز للاعتقاد أنها ربما تكون على وشك التبرز.
«ط – ق – س.»
وذكرتها تلك الكلمة بكلمة أخرى.
«طقوس. ط – ق – و – س.»
كانت الأمور تسير على خير ما يرام حتى الآن.
قالت الممرضة لروز: «الآن قولي لها شيئًا.»
كانت الكلمات التي خطرت ببال روز في تلك اللحظة إما كلمات بذيئة أو محبِطة.
ولكن دون تلقين خطرت لها كلمة أخرى.
«غابة. غ – ا – ب – ة.»
ثم قالت روز فجأة: «احتفال.»
«ا – ح – ت – ف – ا – ل.»
كان عليك أن تنصت بقوة كي تتمكن من فهم ما كانت السيدة العجوز تقوله؛ لأنها كانت قد فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على تكوين الأصوات؛ فكان ما يصدر عنها من كلمات لا يبدو قادمًا من فمها أو حنجرتها، بل من مكان عميق في رئتيها وبطنها.
قالت الممرضة: «أليست هذه السيدة معجزة. إنها عاجزة عن الإبصار وتلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نجزم بها بأنها تستطيع السمع. مثلًا إذا قلت: «ها هو عشاؤك»؛ لن تولي أي انتباه له، ولكنها قد تبدأ في تهجية كلمة «عشاء».
فقالت على سبيل الإيضاح: «عشاء»، فما كان من السيدة سوى أن التقطتها وأخذت تتهجى: «ع – ش …» أحيانًا كانت تتخلل الحروف فترة انتظار طويلة. كان يبدو أنها لم تكن تملك سوى خيط رفيع للغاية لتتبعه، تتخبط عبر ذلك الخواء أو التشوش الذي لا يملك أحد على هذا الجانب إزاءه أكثر من التخمين، ولكنها لم تكن تفقده، بل تتبعه حتى النهاية، مهما كانت الكلمة صعبة أو ثقيلة، إلى أن تنتهي منها، ثم تجلس منتظرة وسط يومها الخالي من المشاهد والأحداث إلى أن تقفز كلمة أخرى فجأة من مكان ما، فتحتويها وتسخِّر كل طاقتها من أجل إتقانها. تساءلت روز عن الشكل الذي تكون عليه الكلمات حين تحتفظ بها في عقلها. هل كانت تحمل معناها المألوف؟ هل تحمل أي معنى على الإطلاق؟ هل كانت مثل الكلمات التي تظهر في الأحلام أو في عقول الأطفال الصغار، لكل منها روعتها وتميُّزها وتنبض بالحياة كحيوان صغير؟ هذه رخوة وشفافة، مثل قنديل البحر، وتلك صلبة، ودنيئة، ومتحفظة، مثل حلزون مقرن. قد تكون قاسية ومضحكة مثل القبعات العالية السوداء، أو ملساء وزاهية ومزينة مثل الأشرطة. لعلها أشبه بموكب من الزوار الخصوصيين لم ينتهِ بعد. •••
ثمة شيء أيقظ روز مبكرًا في صباح اليوم التالي. كانت نائمة في الشرفة الصغيرة، المكان الوحيد الذي كانت الرائحة فيه محتملة. كانت السماء لبنية ولامعة، وكانت الأشجار المطلة على النهر — التي كان مزمعًا قطعها قريبًا لإفساح مكان لإنشاء مرأب للمقطورات — منحنية في اتجاه السماء وقت الفجر وكأنها حيوانات داكنة شعثاء، مثل الجاموس. كانت روز تحلم، وكان حلمها يتعلق بالطبع بجولتها التي قامت بها في الدار في اليوم السابق.
كان هناك شخص ما يقودها عبر مبنى ضخم حيث وُجد أشخاص داخل أقفاص. كان كل شيء باهتًا ومغطى بنسيج العنكبوت في البداية، وكانت روز تحتج على ما بدا من سوء تنظيم. ولكن كلما تابعت روز المسير، كانت الأقفاص تزداد حجمًا وتنميقًا، كانت أشبه بأقفاص طيور ضخمة من الخيزران، تلك الأقفاص ذات الطراز الفيكتوري بأشكاله المزينة وزخارفه الكثيرة. كان الطعام يقدَّم للأشخاص القابعين داخل الأقفاص، وقد تفحصته روز، ورأت أنه فاخر؛ موس الشوكولاتة، ترايفل، كعك البلاك فوريست. رأت روز بعد ذلك فلو في أحد هذه الأقفاص، وقد جلست في تأنق وكبرياء على كرسي أشبه بكرسي العرش، تلفظ الكلمات بصوت واضح وآمر (لم تستطع روز تذكر الكلمات التي نطقت بها عند استيقاظها)، وتبدو سعيدة بنفسها، لإظهارها قدرات كانت تتكتمها حتى الآن.
أنصتت روز لتستمع إلى صوت أنفاس فلو تتحرك كالعاصفة في غرفتها المبطنة بالحصى، ولكنها لم تسمع شيئًا. ماذا لو ماتت فلو؟ لنفترض أنها قد ماتت في نفس اللحظة التي ظهرت فيها بذلك المظهر المتألق المفعم بالرضا في حلم روز؟ هرعت روز من فراشها، وهرولت حافية نحو غرفة نوم فلو لتجد فراشها خاويًا، فدخلت إلى المطبخ لتجد فلو جالسة إلى المائدة وقد ارتدت ملابسها استعدادًا للخروج، حيث ارتدت معطفها الصيفي ذا اللون الأزرق السماوي وقبعة تربان تتماشى معه، كانت قد ارتدتها في زفاف براين وفيبي. كان المعطف جَعِدا وبحاجة إلى التنظيف، والقبعة معوجة.
قالت فلو: «أنا جاهزة الآن للذهاب.»
«الذهاب إلى أين؟»
قالت فلو وهي تهز رأسها: «إلى هناك. إلى بيت الفقراء.»
قالت روز: «تقصدين الدار؟ ولكنكِ لست مضطرة للذهاب اليوم.»
قالت فلو: «لقد استأجروك لتأخذيني، عليك الآن أن تتحركي وتأخذيني إلى هناك.»
«أنا لست مستأجرة. أنا روز. سوف أعدُّ لك كوبًا من الشاي.»
«يمكنك أن تعديه. لن أشربه.»
جعلت فلو خيال روز يجنح إلى امرأة بدأت المخاض، من فرط تركيزها، وإصرارها، وإلحاحها. ظنت روز أن فلو تشعر بأن الموت يقترب منها شيئًا فشيئًا كطفل، يتأهب لتمزيقها، ومن ثم تراجعت عن الجدال معها، وارتدت ملابسها، وأعدَّت حقيبة لفلو في عجالة، واصطحبتها نحو السيارة وأوصلتها إلى الدار، ولكنها كانت مخطئة فيما يتعلق بمسألة الموت الذي سيريح فلو سريعًا. •••
قبل ذلك بفترة ظهرت روز في إحدى المسرحيات على التليفزيون الوطني، بعنوان «نساء طروادة». لم يكن لها نص، وفي الحقيقة ظهرت في المسرحية لمجرد إسداء صنيع لصديقة حصلت على دور أفضل في مكان آخر. فكر المخرج في إضفاء الحياة على كل البكاء والنحيب في المسرحية بجعل نساء طروادة يسرن عاريات الصدر. كن يظهرن ثديًا واحدًا لكل فتاة؛ الأيمن في حالة الشخصيات الملكية مثل هيكوبا وهيلين، والأيسر في حالة العذارى أو الزوجات من العوام، مثل روز. لم تكن روز تفكر في أن هذا التعري سيحسن من وضعها — فقد كان ثدياها يميلان للتثاقل والترهل — ولكنها اعتادت الفكرة. لم تعتمد على الإثارة التي سيسببها هذا المنظر، فلم تكن تعتقد أن الكثير من الناس سيشاهدونها. كانت قد نسيت تلك المناطق من الريف حيث لا يستطيع الناس ممارسة تفضيلهم لبرامج المسابقات، ومطاردات سيارات الشرطة، ومسلسلات كوميديا الموقف الأمريكية، ويكونوا مجبرين على تحمل الحوارات والأحاديث حول الشئون العامة وجولات المعارض الفنية والإصدارات الدرامية الطموحة. لم تعتقد أيضًا أنهم سيذهلون للدرجة، بعد أن أصبحت الآن أرفف المجلات في كل بلدة تعرض اللحم العاري. كيف كان يمكن لمثل هذه الإهانة أن تعلق بمجموعة نساء طروادة ذوات الأعين الحزينة، اللاتي غضن البرد جلودهن، ثم يجرين وقطرات العرق تتساقط منهن تحت الأضواء، وقد وُضعت لهن مساحيق التجميل بشكل سيئ وباهت، ويبدون جميعًا حمقى دون رفقائهن، بل ومثيرات للشفقة ومتكلفات، مثل الأورام؟
أخذت فلو ورقة وقلمًا وأجبرت أصابعها التي كانت لا تزال متورمة وخارج نطاق الاستخدام تقريبًا بسبب التهاب المفاصل على كتابة كلمة «عار». وكتبت لها خطابًا تقول فيه إنه لو لم يكن والد روز قد توفي منذ زمن طويل، لتمنى الآن لو كان ميتًا. وكان هذا صحيحًا بالفعل. قرأت روز الخطاب، أو بالأحرى جزءًا منه، بصوت عالٍ لبعض أصدقائها الذين استضافتهم على العشاء. قرأته لكي تحدث تأثيرًا كوميديًّا، وتأثيرًا دراميًّا، كي تظهر الهوة القابعة وراءها، على الرغم من إدراكها — إن فكرت بشأنها — أن مثل هذه الهوة لم تكن شيئًا ذا أهمية؛ فقد كان بإمكان معظم أصدقائها — ممن كانوا يبدون لها أشخاصًا كادحين على نحو عادي ومهمومين ومفعمين بالأمل — الادعاء بأنهم مروا بمرحلة من حياتهم شعروا بأن الآخرين قد تبرءوا منهم أو دعوا لهم حينما عاشوا في منزل يسيطر عليه الإحباط وخيبة الأمل.
وفي منتصف الخطاب اضطرت روز للتوقف؛ لم يكن ذلك لأنها فكرت في مدى خسة أن تعرِّض بفلو وتسخر منها بهذا الشكل، فقد فعلت ذلك كثيرًا من قبل ولم يكن في الأمر مفاجأة لها، ولكن ما دفعها للتوقف، في الواقع، هو الهوة، التي تولد لديها إدراكًا جديدًا وجارفًا لها، ولم يكن بالشيء الذي يثير السخرية والضحك. لقد كانت توبيخات فلو بالنسبة إلى روز كمن يحتج على رفع المظلات أو يحذر غيره من تناول الزبيب. ولكنها كانت مقصودة بشكل مؤلم وحقيقي؛ لقد كانت الشيء الوحيد في جعبة حياتها الشاقة. كانت بمنزلة لعنات وخزي على ما أبدته من صدر عارٍ.
في موقف آخر، حصلت روز على جائزة، إلى جانب العديد من الأشخاص الآخرين، وأقيم حفل استقبال لهم في فندق بتورونتو، فأرسلت بطاقة دعوة إلى فلو، مع أن روز لم تكن تعتقد أبدًا أنها ستأتي. كانت تفكر أنه يجب عليها أن تعطي منظمي الحفل اسم شخص ما حين سألوها عن أسماء أقارب لدعوتهم، وبالكاد استطاعت أن تسمي براين وفيبي. من الممكن بالطبع أن تكون بالفعل قد أرادت، سرًّا، أن تأتي فلو. أرادت أن تريها، أن تخيفها، أن تنزع نفسها نهائيًّا من عباءة فلو. وكانت رغبتها تلك ستصبح أمرًا طبيعيًّا.
هبطت فلو من القطار دون سابق إنذار، متجهة نحو الفندق. كان التهاب المفاصل قد نال منها آنذاك، ولكنها كانت لا تزال تسير دون عكاز. كانت ملابسها دائمًا محتشمة ووقورة ورخيصة، ولكن بدا الآن أنها قد أنفقت الكثير من المال واستشارت آخرين. كانت ترتدي بذلة ذات مربعات باللونين الموف والأرجواني، ومطرزة بخرز يشبه خيوطًا من الفشار الأبيض والأصفر. كان تضع باروكة كثيفة باللون الرمادي الضارب إلى الأزرق، تدلت على جبهتها وكأنها قبعة صوفية. ومن فتحة السترة المثلثة وكميها شديدي القصر برز عنقها ورسغاها بلون بني تكسوها الثآليل وكأن لحاء شجر يغطيها. تسمرت في مكانها بلا حراك حين رأت روز. كان يبدو أنها منتظرة؛ لم تكن فقط تنتظر إقبال روز نحوها، ولكنها أيضًا كانت في انتظار تبلور مشاعرها تجاه المشهد الماثل أمام عينيها.
وسرعان ما أقبلت كلتاهما نحو الأخرى.
قالت فلو في صوت خفيض قبل أن تقترب منها روز: «انظري إلى ذلك الرجل الأسود!» كانت نبرتها نبرة دهشة بسيطة مُرضية، وكأنها كانت تحملق في الأخدود العظيم أو ترى البرتقال ينمو على إحدى الأشجار.
كانت تقصد جورج الذي كان يتسلم إحدى الجوائز هو الآخر. استدار ليرى ما إذا كان أحدهم يلقنه عبارة كوميدية. وقد كانت فلو بالفعل تبدو كشخصية كوميدية، فيما عدا أن دهشتها وصراحتها كانتا مزعجتين. تُرى هل لاحظت الضجة التي أثارتها؟ محتمل. فبعد تلك النوبة من الغضب، صمتت تمامًا، ولم تتكلم ثانية إلا بأقصر الكلمات التي تشع غلًّا وكراهية، ولم تأكل أي طعام أو تحتسي أي شراب يقدَّم لها، ولم تجلس، ولكنها ظلت واقفة في دهشة ورباطة جأش في وسط هذا الحشد من الملتحين ومثليي الجنس والوقحاء الذين لا ينتمون للأنجلوساكسون، إلى أن حان الوقت لاصطحابها لقطارها وإرسالها إلى المنزل. •••
وجدت روز الباروكة أسفل السرير خلال حملة التنظيف الرهيبة التي أعقبت ترحيل فلو، فأخذتها إلى دار المسنين، إلى جانب بعض الملابس التي غسلتها أو أرسلتها للمغسلة، وبعض الجوارب النسائية، وبودرة تلك، وكولونيا، كانت قد اشترتها. أحيانًا ما كان يبدو أن فلو تظن روز هي الطبيبة، فكانت تقول: «لا أريد طبيبة امرأة، يمكنك أن تنصرفي.» ولكن عندما رأت روز تحمل الباروكة، قالت: «روز! ما هذا الذي بيديك. أهو سنجاب رمادي ميت؟»
قالت روز: «كلا، إنها باروكة.»
«ماذا؟»
قالت روز: «باروكة.» وبدأت فلو في الضحك، وشاركتها روز. كانت الباروكة بالفعل تبدو كقط أو سنجاب ميت، على الرغم من أنها كانت قد غسلتها ومشطتها؛ لقد كانت شيئًا بشع الشكل.
«يا إلهي يا روز، كنت أفكر ما الذي تفعلينه ولِمَ تأتين لي بسنجاب نافق! لو أنني ارتديتها، من المؤكد أن أحدهم كان ليصوب بندقيته نحوي ليصيدني لا محالة.»
واستكمالًا للكوميديا، راحت روز تثبتها على رأسها، وظلت فلو تضحك حتى تأرجحت إلى الأمام والخلف في سريرها.
وعندما التقطت فلو أنفاسها قالت: «ما الذي أفعله بهذه الجوانب اللعينة على فراشي؟ هل تحسنين السلوك أنت وبراين؟ لا تتشاجرا، فهذا يثير أعصاب والدكما. هل تعرفين كم حصوة مرارية استخرجوها مني؟ خمس عشرة! الواحدة منها بحجم بيضة الدجاجة الصغيرة. لقد وضعتها في مكان ما. سوف آخذها إلى المنزل.» وراحت تجذب الملاءات بحثًا عنها. «كانت في زجاجة.»
قالت روز: «لقد حصلت عليها بالفعل، وأخذتها إلى المنزل.»
«حقًّا؟ وهل أطلعت والدك عليها؟»
«أجل.»
قالت فلو: «أوه، حسنًا، إذن فهي هناك.» ثم استلقت على الفراش وأغلقت عينيها.
المتسولة |
الفصل الأول
كان مدير التحرير في صحيفة «نيويورك آرجوس» يجلس على مكتبه وعلى وجهِه عُبوسٌ شديد، وأخذ ينظر من تحتِ حاجبَيه الكثيفين إلى الشابِّ الذي ألقى لتوِّه بمِعطَف كبير من الفِرَاء على ظهرِ أحد الكراسي، بينما جلس هو على كرسيٍّ آخر.
بدأ مديرُ التحرير الحديثَ قائلًا: «لقد تلقيتُ برقيتَك. هل لي أن أفهمَ منها أنك قد فَشِلتَ في مهمتك؟»
أجاب الشاب، دون أدنى تردُّد: «نعم، يا سيدي.»
«تمامًا؟»
«نعم.»
«ألم تحصل حتى على فكرةٍ عن أهمِّ ما يوجد بداخل المستندات؟»
«نعم، على الإطلاق.»
ازداد عُبوسُ مدير التحرير. وأخذ ينقر بأطرافِ أصابعه بعصبيَّة على المكتب.
وقال في النهاية: «يُخيَّل إليَّ أنك لستَ خجلانَ من فشلك.»
«وما فائدةُ أن أفعل؟ أنا على يقينٍ من أنني قمتُ بكلِّ ما في وُسعي.»
«حسنًا. إن في ذلك تعزيةً كبيرة، بلا شك، ولكن ذلك لا قيمةَ له في عالم الصِّحافة. أخبرني ماذا فعلت.»
«لقد تلقيتُ برقيتك في مونتريال، وعلى الفور ذهبتُ إلى بيرنت باين التي تُعَد أبعدَ بقعة على وجه الأرض. ووجدتُ أن كينيون وونتوورث يُقيمان في الفندق الوحيد الموجود في المكان. حاولتُ أن أعرف منهما محتوى تقريرَيْهما، لكنني لم أنجح في مهمتي رغم أنهما كانا مهذَّبَين للغاية. حاولتُ بعد ذلك أن أرشوَهما، لكنهما طرَداني من الغرفة.»
«ربما لم يكن مبلغ الرِّشوة الذي عرَضتَه عليهما كبيرًا بما يكفي.»
«لقد عرَضتُ عليهما ضِعفَ ما كانت ستدفعُه لهما لندن سينديكيت لتقديم تقريرَيهما، وعرَفتُ المبلغَ منهما. ولم يكن بإمكاني أن أعرض مبلغًا أكبرَ لأنهما في ذلك الوقت كانا قد أغلَقا باب النقاش بطردي من الغرفة. حاولتُ الحصول على الأوراق في تلك الليلة، سرًّا، من حقيبة ونتوورث، لكنني لم أستطِع للأسف. شعر الشابَّان بالقلق، وفي صباح اليوم التالي، ذهبا لأوتاوا لإرسال التقريرين، كما فهمتُ لاحقًا، إلى إنجلترا. لقد نجحتُ في الحصول على التقريرين، لكنني لم أستطِع الاحتفاظَ بهما؛ فهناك عددٌ كبير من رجال الشرطة في أوتاوا يُمكن أن يُلاحقني.»
قال مدير التحرير: «هل تقصد أن تقول لي إنك قد حصلتَ بالفعل على التقريرَين وإنهما قد أُخِذا منك؟»
«لقد حصلت بالتأكيد عليهما؛ أما فيما يتعلَّق بمسألةِ أنهما أُخِذا مني، فلم يكن أمامي سِوى أن أفعل هذا أو أُسجَن. إن رجال الشرطة في كندا، كما تعرف، لا يتفاهمون كما يحدث في الولايات المتحدة.»
«لكنني أعتقد أن رجلًا بحنكتك كان سيتمكَّن من أن يحصل حتى على الأقل على فكرةٍ عما بداخل التقريرين قبل أن يُنتزَعَا منه.»
قال الصحفي بغضبٍ شديد: «سيدي العزيز، إن الأمر كلَّه مكتوبٌ في مجموعةٍ من الصفحات الفولسكاب، لا أتذكر كم عددُها، وكان يُمثل أعقدَ مسألةٍ صادفتُها في حياتي. لقد حاولتُ قراءة ما فيها؛ حيث جلستُ في غرفتي في الفندق وبذلت كلَّ ما في وُسعي للتعرف على التفاصيل. لكن الأوراق كانت مليئةً بالتفاصيل الفنية ولم أستطِع تبيُّنَها. كان الأمر يتطلَّب خبيرًا في المناجم لفهم العبارات والأشكال المذكورة؛ لذا، ظننتُ أن أفضل شيء يمكن فعلُه هو إرسال الأوراق بالتلغراف إلى نيويورك. أعرف أن الأمر كان سيتكلَّف الكثير من المال، لكنني كنتُ أعرف أيضًا أنك لن تُبالي؛ واعتقدت أنه ربما يكون شخصٌ هنا يمكنه فهمُ ما استغلَق عليَّ؛ هذا بالإضافة إلى أنني كنتُ أريد أن أتخلَّص من المستندات بأسرعِ ما يمكن.»
قال مدير التحرير بعد أن تنحنح: «عفوًا! ولكن ألم تُدوِّن أي ملاحظات؟»
«نعم، لم أدوِّن. لم يكن لديَّ وقت. كنت أعرف أن المحقِّقين سيتعقَّبونني في اللحظة التي يُدرك فيها هذان الشابان ضياعَ المستندات. وكما هو متوقع، قُبض عليَّ بمجرد دخولي مكتبَ التلغراف.»
قال مدير التحرير: «حسنًا، يبدو لي أنني إن كان لي أن أحصل على الأوراق، فما كنتُ لِأدَعَهم يأخذونها مني حتى أعلمَ أهمَّ ما جاء فيها.»
ردَّ الصحفي بالأسلوب المتحرِّر وغيرِ المتكلِّف الذي يتحدث به أيُّ صحفي أمريكي مع رئيسه: «أوه، إنه لمن الجيد منك أن تُثير نقطةً كهذه، لكنني أستطيع أن أؤكد لك أنه من الصعب عليك أن تُقرِّر أفضلَ شيء يمكن أن تفعله عندما تجد أنَّ هناك احتمالًا لأن تتعرَّض للسجن في كندا. لم يكن باستطاعتي الخروجُ من المدينة قبل ثلاث ساعات، وقبل نهاية ذلك الوقت، كان سيكون في يد كلِّ رجلِ شرطة في المكان وصفٌ لي. إنهم يعرفون جيدًا مَن أخذ الأوراق؛ لذا كان أملي الوحيد يتمثَّل في إرسالها بالتلغراف إليك، ولو تحقَّق ذلك، لكان كلُّ شيء على ما يُرام. كنت سأُسجَن عن طيبِ خاطر لو أرسلتُ التفاصيل إلى نيويورك.»
سأل مدير التحرير قائلًا: «حسنًا، ماذا علينا أن نفعل الآن؟»
«أنا لا أدري على وجه التحديد ما الذي علينا فعلُه. سيأتي الرجلان إلى نيويورك قريبًا جدًّا. إنهما، كما فهمت، سيُبحران على متن سفينة «كالوريك» التي ستُغادر في خلال أسبوع. إن كنت تعتقد أن لديك صُحفيًّا يُمكنه معرفةُ تفاصيل الأمر من هذَين الرجلَين، فسأكون سعيدًا جدًّا إن عرَفتُ أنك أرسلتَه إليهما. أستطيع أن أؤكد لك أنه ليس من السهل معرفةُ ما لا يريد رجلٌ إنجليزي أن تعرفه.»
قال مدير التحرير: «حسنًا، ربما يكون هذا صحيحًا. سأفكِّر في الأمر. بالطبع، أنت فعلتَ ما في وُسعك، وأنا أُقدِّر جهودك؛ لكنني حزينٌ لأنك فشلتَ في مهمتك.»
قال ريفرز، بينما كان يلتقط معطفَه الكنديَّ الكبير المصنوع من الفِراء ويخرجُ من الغرفة: «إنك لستَ حزينًا نصفَ حزني على الأمر.»
فكَّر مدير التحرير بالفعل في الأمر. فكَّر فيه لمدة ساعتين كاملتين. ثم كتب ملحوظةً على قطعةٍ من الورق وسحب لأسفلِ المقبض الصغير الذي سيرنُّ جرس الساعي المكلَّف بنقل الرسائل، وعندما ظهر الساعي المرتدي زيَّ العمل، أعطاه الملحوظة، قائلًا:
«أوصِلْ هذه بأقصى سرعةٍ ممكنة.»
ذهب الساعي وسرعان ما اتضحَت نتيجةُ مشواره بوصول شابةٍ أنيقة جدًّا إلى غرفة التحرير. كانت ترتدي ملابسَ مفصَّلةً ملائمةً لها تمامًا، وكانت شديدةَ الجمال، وتبدو في نحو التاسعة عشرة من عمرها، لكنها كانت، في الحقيقة، أكبرَ سنًّا بعضَ الشيء. كانت تمتلك عينَين زرقاوين كبيرتين جذَّابتين توحيان بالثقة والرقَّة مما يجعل الرجل العاديَّ يقول: «كم هي جميلة وبريئة نظرةُ تلك الفتاة!» لكنها كانت تعرف الكثيرَ والكثير عن نيويورك. لقد كانت تتفاخر بأنها تستطيع الحصولَ على أسرار البلاد من أعضاء الحكومة الموقَّرين، وكانت تنظر إلى أيِّ سيناتور أو عضوٍ بالكونجرس باعتباره هدفَها الطبيعي. وكان ما يُقال لها خلف الأبواب المغلقة يُثير ضجةً كبيرة في اليوم التالي في الصحيفة التي تُمثلها. لقد كانت تكتب تحت اسمٍ مستعار، وجرَّبَت تقريبًا الكتابةَ عن كل شيء. لقد كانت تتفاعل مع الإعلانات وتكشف عن المحتالين والغشَّاشين، وذهبَت ذات مرة إلى فندقٍ للعمل عاملةَ غُرَف، حتى تكتب عن تَجارِبها في هذا الشأن. وقد قُبِض عليها وحُبست، حتى تستطيعَ أن تكتب تقريرًا على ثلاثة أعمدة، لصالح طبعةِ الأحد من صحيفة «آرجوس» عن «طريقة التعامل مع النساء في مقرَّات الشرطة». وكان مديرُ التحرير ينظر إليها باعتبارها واحدةً من أهم أعضاء فريقِ عمله، وكانت لهذا تحصل على مقابلٍ كبير.
دخلَت الغرفة بثقةِ صاحب المكان، ثم جلست، بعد أن أومأت برأسها لمدير التحريرِ تحيةً له، وقالت له: «ما الأمر؟»
قال الرجل بجدِّية: «اسمعيني، يا جيني، هل ترغبين في السفر إلى أوروبا؟»
قالت جيني: «لا أعرف، ولكن هذا ليس، كما تعرف، هو الوقتَ من العام الذي عادةً ما يذهب فيه الناسُ إلى أوروبا من أجل الاستجمام.»
«حسنًا، هذه ليست رحلةَ استجمامٍ بالمعنى الدقيق. إن حقيقة الأمر هي أن ريفرز كان في مهمة وقد أفسدَها على نحوٍ مُريع، إلى جانب أنه كان على وشك أن يُقبَض عليه.»
لمعت عينا المرأةِ الشابة. كانت تُحب أيَّ شيء به أيُّ ملمحٍ من الخطورة، ولم تكن تأبى سماعَ أنه يُتوقَّع منها النجاحُ فيما فشل فيه رجلٌ صحفيٌّ زميل لها.
واصل مدير التحرير كلامه قائلًا:
«سيُسافر رجلان شابَّان إلى إنجلترا عبر سفينة «كالوريك» التي ستُبحر في خلال أسبوع. أريد منكِ أن تحصلي على تذكرةٍ لليفربول على متن هذه السفينة، وتحصلي من أيٍّ من هذين الرجلين على التفاصيل — التفاصيل الكاملة — للتقريرين اللذين كتَباهما عن بعض المناجم في كندا. وعليكِ بعد ذلك أن تَنزلي في كوينزتاون وتُرسلي بالتلغراف القصةَ الكاملة إلى صحيفتنا.»
قالت الآنسة جيني، مقطِّبة جبينَها الجميل: «المناجم ليست من ضمن اهتماماتي. ما نوعُ المناجمِ المتضمَّنةِ في هذه المسألة؛ مناجم ذهبٍ أم فِضة أم نُحاس أم ماذا؟»
«إنها مناجمُ معيَّنة على ضفاف نهر أوتاوا.»
«هذا غير محدَّد.»
«أعرف أنه كذلك. إنني لا أستطيع أن أُعطيَكِ معلوماتٍ كثيرةً عن الأمر. أنا نفسي لا أعرف، إحقاقًا للحق، لكنني أعلم أنه من المهم جدًّا أن نحصل على نبذة عما يحتويه التقريران اللذان كتبَهما هذان الشابان. لقد أُسِّسَت شركة، تُدعى لندن سينديكيت، في إنجلترا. إنَّ ما تسعى إليه هذه الشركةُ هو شراء عددٍ كبير من المناجم في كندا، إن كانت الأخبار المتواترة عن الملَّاك الحاليِّين لها صحيحة. لذلك، أُرسل رجلان، كينيون وونتوورث — الأول مهندسُ تعدينٍ والثاني مراجع حسابات محنَّك — من لندن إلى كندا؛ الأول لفحص المناجم والثاني لفحص دفاتر حسابات الشركات المتعددة المالكة للمناجم. وسيعتمدُ قرار الشركة بشأن الشراء من عدمه كثيرًا على التقريرَين اللذين بحوزةِ الرجلين الآن. إن التقريرين، عند نشرهما، سيكون لهما تأثيرٌ كبير، بطريقة أو بأخرى، على البورصة. وأنا أودُّ أن أعرف أهمَّ ما جاء بهما قبل أن تطَّلِع عليهما الشركة. سيكون سبقًا كبيرًا لصحيفتنا إن كنا نحن أولَ من يعرف حقيقة الأمر، وأنا على استعدادٍ لدفع مبلغ كبير بالعملة الصعبة حتى أنجحَ في ذلك. لذا، لا يُهمَّكِ مصاريفُ إرسال التفاصيل بالتلغراف.»
«رائع جدًّا؛ هل لديكم كتابٌ عن المناجم الكندية؟»
«لا أعرف إن كان لدينا واحد؛ ولكن يوجد هناك كتابٌ يُسمى «مصادر التعدين في كندا»؛ هل سيكون له أيُّ نفع لكِ؟»
«سأحتاج إلى مصدرٍ كهذا. أريد كما تعرف أن يكون لديَّ بعضُ الإلمام بالمجال.»
قال مدير التحرير: «أتفق معكِ. سأرى ما يُمكننا الحصول عليه عن هذا المجال. يمكن أن تقرَئيه قبل أن تبدَئي الرحلة، وفي أثنائها.»
قالت الآنسة جيني: «رائع جدًّا، وهل لي أن أختارَ الرجل الذي سأحصلُ منه على المعلومات من بين الرجلَين؟»
ردَّ مدير التحرير: «بالتأكيد. سترَين الاثنين، ويُمكنكِ بسهولة تحديدُ مَن سيقع على نحوٍ أسرعَ ضحيةً لكِ.»
«السفينة ستُبحر خلال أسبوع، أليس كذلك؟»
«بلى.»
«إذن، سأحتاج على الأقل إلى خَمسِمائة دولار للحصول على فساتينَ جديدة.»
صاح مدير التحرير متعجبًا: «يا إلهي!»
«لا مجالَ للتعجب في هذا الأمر. إنني سأسافر باعتباري ابنةَ مليونير، ومن غير المحتمل أن يكفيَني فستانٌ أو اثنان طوال هذه الرحلة.»
قال مدير التحرير: «لكن لن يُمكنكِ تفصيلُ فساتينَ جديدةٍ في أسبوع.»
«أتعتقد ذلك؟ حسنًا، أعطني فقط الخَمسَمائة دولار، وسأتدبَّر الأمر.»
كتب الرجل المبلغ على ورقة عنده.
وقال: «ألا تظنين أن أربعَمائة دولار كافية؟»
«نعم، لا أظن ذلك. وهل لي أن أسافر إلى باريس بعد انتهاء هذه المهمة أم عليَّ أن أعود مباشرةً إلى هنا؟»
قال مدير التحرير: «أوه، أظنُّ أننا يُمكننا أن نمنحَكِ هذه الرحلةَ هديةً.»
«ذكِّرني باسمَيِ الرجلين الشابَّين، أم هما ليسا بشابين؟ ربما يكونان عجوزين مُملين، بالنظر إلى مجال التعدين الذي يعملان به.»
«لا؛ إنهما شابان، وهما حويطان وإنجليزيان. لذا، أنتِ ترَين أن هذه المهمة قد فُصِّلَت من أجلك. إن اسمَيهما جورج ونتوورث وجون كينيون.»
قالت المرأة الشابة بمرح: «أوه، ونتوورث هو الرجل الذي سأستهدفُه. جون كينيون! أنا أعرف أيُّ نوعية من البشر ينتمي إليها؛ إنه متجهِّم ومتحفِّظ. يبدو أنه يُشبه كثيرًا جون بانيان أو جون ميلتون، أو أسماءً من هذا القبيل.»
«حسنًا، أنا لن أكونَ متأكدًا بشدة بشأنِ هذا حتى ترَي الاثنين. من الأفضل ألا تَحزِمي أمرَكِ الآن.»
«متى سأحصل على الخَمسِمائة دولار؟»
«أوه، لا يجب أن تقلَقي بشأن هذا. وأفضلُ طريقة هي أن تُفصلي الفساتين وتطلبي ممن يحيكها إرسالَ الفواتير إلينا.»
قالت المرأة الشابة: «رائعٌ جدًّا. سأكون مستعدَّة في الوقت المطلوب. لا ترتعب من الفواتير عندما تأتي إليك. إن جاءت بألفِ دولار، فتذكَّر أنني قلتُ إنني أحتاج منك إلى خَمسِمائة دولار فقط.»
نظر الرجل إليها للحظات، وبدا أنه يُفكِّر أنه ربما من الأفضل ألا يتركَ لامرأة شابةٍ أن تُنفق كما تشاء في نيويورك. لذا، قال لها:
«انتظري قليلًا؛ سأكتب لكِ أمرَ الدفع، ويُمكنُكِ صرفه في الدور السفلي.»
أخذَت الآنسة جيني أمر الدفع الذي أعطاه لها مديرُ التحرير وخرجَت من غرفته. وعندما أعطَت الأمرَ لموظف الدفع في قسم الحسابات، رفع الموظَّف حاجبَيه عندما قرأ المبلغَ وقال لنفسه، وهو يصفر بصوت منخفض:
«خَمسمائة دولار! تُرى ما المهمة المكلَّفة بها جيني بروستر؟»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثاني
لقد دقَّ آخِرُ جرس. وقد غادر كلُّ مَن سيُغادرون على الشاطئ. وتجمع حشودٌ من البشر على نهاية الرصيف وعند أبواب المخزن الكبيرة المفتوحة عند مَرْسى السفينة. وبينما أخذَت السفينةُ البخارية الكبيرة تتحرَّك، كان هناك تلويحٌ بالمناديل من الجمع الموجود على الرصيف، وردٌّ بالتلويح من هؤلاء الذين تكدَّسوا بطولِ أسوار السفينة. سحب المركب القاطر ببطءٍ مقدمةَ السفينة، وبدأت محركاتُ السفينة في النهاية الاهتزازَ بصوتٍ عالٍ، وهو ما ستفعله لعدة أيام حتى تصل السفينةُ إلى القارَّة العجوز. وأصبح الجمعُ على الرصيف غيرَ مرئيٍّ أكثرَ فأكثرَ لمن هم على متن السفينة، ونزل العديد من الركاب إلى الدور السفلي؛ فقد كان الهواء شديدَ البرودة، وكانت السفينة تتحرك بصعوبةٍ وسط كتلٍ ضخمة من الثلج.
كان هناك راكبان، على الأقل، لم يكترثا كثيرًا بمسألة الرحيل؛ فهما لم يتركا أيَّ أصدقاء خلفهما، وكان كلٌّ منهما يتطلع لرؤية أصدقائه في وطنه.
قال ونتوورث لكينيون: «لننزل إلى أسفلَ ونتأكَّدْ من الحصول على مقعدَين متجاورَين على الطاولة قبل أن تُشغَل كلُّ المقاعد.»
ردَّ رفيقه: «هيا بنا.» ونزَلا إلى القاعة الكبيرة، التي كانت توجد بها بالفعل طاولتان طويلتان وعليهما كمٌّ كبير من أدوات ولوازم الطعام الفِضِّية والزجاجية الفخمة، التي جعلَت الكثيرين ممن نظروا إلى تلك الغابة من فوط الطاولات ببعض الحزن، يتمنَّون أن تمرَّ الرحلةُ بسلام رغم الاحتمالات العديدة لكونها بخلاف ذلك؛ نظرًا إلى أنها تنطلق في الشتاء. جلس مسئولُ الحسابات في السفينة واثنان من مساعديه على واحدةٍ من الطاولات القصيرة وأمامهم مخطَّط، يُحدِّد أسماء الركاب الذين أرادوا أن يجلسوا معًا أو أرادوا مكانًا معينًا على أيٍّ من الطاولات. لم تكن الطاولات الجانبية الأصغرُ حجمًا مغطاةً بعدُ لأن عدد الركاب في تلك الفترة من العام قليلٌ نسبيًّا. ونظرًا إلى أن الأماكن كانت محدَّدة، فقد أخذ أحدُ المساعدين يكتب أسماء الركاب على بطاقات صغيرة في حينِ كان الآخَرُ يضعُها على الطاولات.
وقفت امرأةٌ شابة، ترتدي رداءَ سفرٍ يُلائمها على نحوٍ رائع، كان من الواضح أنه حديثُ التفصيل والتصميم، بعيدًا قليلًا عن الجمع الذي أحاط بمسئول الحسابات ومساعديه. وأخذت تنظر بحماسٍ في كل الوجوه، وتستمع باهتمامٍ للأسماء التي تجري تلاوتُها. أحيانًا كانت لمحةٌ من خيبة الأمل تعلو حاجبَيها، كما لو أنها كانت تتوقع أن يكون لشخصٍ معين اسمٌ محدد وهو الأمر الذي لم يحدث. وفي النهاية، لمعَت عيناها.
قال الرجل الشابُّ الذي جاء الدور عليه: «اسمي ونتوورث.»
سأله مسئول الحسابات بلطف، كما لو أنه كان يعرفه طَوال حياته: «حسنًا، هل تريد أيَّ مكان معين، يا سيد ونتوورث؟»
«لا، نحن لا تَعْنينا مسألةُ مكان جلوسنا؛ لكنني أنا وصديقي السيد كينيون نريد أن نجلس معًا أحدنا بجوار الآخَر.»
ردَّ مسئول الحسابات: «رائعٌ جدًّا؛ من الأفضل أن تأتيا إلى طاولتي. رقما ٢٣ و٢٤؛ السيد كينيون والسيد ونتوورث.»
أخذ المساعد البطاقتَين اللتين أُعطِيَتا له، ووضعهما بحيث يتَّفقان مع الرقمين اللذَين أعلن عنهما مسئولُ الحسابات. في تلك الأثناء، تحركت المرأةُ الشابة باتجاهه بخفَّة، كما لو أنها كانت مهتمةً بالاسمين الموضوعين على الطاولة. نظرَت إلى اسم ونتوورث للحظاتٍ، ورأت في المكان المجاور له اسم السيد براون. وألقَت بعد ذلك نظرةً سريعة وشاملة في أنحاء القاعة ولاحظَت أن الشابَّين اللذين حدَّدا مكان مقعدَيهما في طاولة الطعام يتحدثان الآن بارتياحٍ باتجاه الدرَج. أخذت البطاقة التي عليها اسم السيد براون، ووضعت مكانها أخرى مكتوبًا عليها «الآنسة جيني بروستر». ووضعت بطاقة السيد براون في المكان الذي أخذت منه بطاقتها.
قالت جيني لنفسِها: «آمُل ألا يكون السيد براون مهتمًّا بالجلوس في مكانٍ معيَّن، لكن على أي حال عليَّ أن آتيَ مبكرًا لتناول العشاء، وأن أتأكدَ أن السيد براون، أيًّا ما كان، لن يفتقر إلى التهذيب بحيث يُصِرُّ على الاحتفاظ بمكانه إذا علم أن بطاقته كانت هناك.»
أثبتَت الأحداثُ التالية صدقَ تخمينها بشأن عدم اكتراث السيد براون بمسألةِ مكانِ جلوسه على طاولة الطعام. لقد بحث هذا الشابُّ عن بطاقته ووجدها، وجلس على الكرسيِّ المقابل لكرسي السيدة الشابة التي كانت قد شغَلَته بالفعل، وكان في واقع الأمر أولَ كرسيٍّ يُشغَل في الطاولة. وعندما وجدَت أنه لن يوجد خلافٌ بشأن مكان الجلوس، بدأت تُخطط في ذهنها كيف ستجذب انتباه السيد ونتوورث. وبينما هي تُفكر في أفضلِ طريقة للاقتراب من ضحيتها، سمعَت صوته.
«هنا، يا كينيون؛ ها هما المكانان الخاصَّان بنا.»
قال كينيون: «أيهما يَخُصني؟»
ردَّ ونتوورث: «لا يُهم.» وحينها تسرَّب الخوف إلى قلب الآنسة جيني بروستر الرقيق. لم تُفكر في مسألة عدم اهتمام ونتوورث بالمقعد الذي سيجلس عليه، وخشيَت من احتمال أن تجد نفسَها تجلس بجانب كينيون وليس بجانبه هو. بدا أن تقديرها الأوليَّ لشخصية الرجلَين صحيح. لقد كانت تنظر إلى كينيون دائمًا على أنه بانيان، وباتت متأكدةً من أن ونتوورث سيكون الأسهلَ في التأثير عليه من بينِ الرجلين. في اللحظة التالية، تبدَّدَت مخاوفُها؛ إذ إن كينيون عندما ألقى نظرة سريعة على المرأة الشابة الأنيقة، اختار عن عمدٍ المقعدَ البعيدَ عنها، وجلس ونتوورث على الكرسيِّ المجاور لها بكل تهذيبٍ وأدب.
قالت جيني في نفسِها، وهي تتنفَّس الصُّعَداء: «الآن، تم تحديدُ أماكنِ تناول الوجبات على مدار الرحلة.» وأخذت تضعُ الخطط لبدء التعرف على الرجل الشاب، لكنها كلها تبدَّدت عندما أعطاها السيد ونتوورث المهذبُ قائمةَ الطعام.
قالت الفتاة: «أوه، شكرًا لك.» قالت ذلك بصوتٍ خفيض كان موسيقيًّا للغاية، لدرجة أن ونتوورث ألقى نظرةً ثانية عليها ورأى مدى رقتِها وجمالها وبراءتها.
قال الشاب التعيسُ الحظ لنفسه: «أنا محظوظ.» ثم قال بصوتٍ عالٍ: «ليس معَنا في هذه الرحلة العديدُ من السيدات.»
ردَّت الآنسة بروستر: «لا. أعتقد أن لا أحد يُسافر في هذا الوقت من العام إلا إذا كان مجبرًا على ذلك.»
«أستطيع أن أؤكِّد أن هذا صحيحٌ بالنسبة إلى راكبَين.»
«هل تقصد أنك أحدهما؟»
«نعم، أنا وصديقي.»
قالت الآنسة بروستر: «كم هو رائع السفرُ مع صديق! فحينها، لن تكون وحيدًا. لكنني للأسف أُسافر بمفردي.»
قال ونتوورث المهذَّب: «أعتقد أنه سيكون خطأَكِ بالكامل إذا كنتِ تشعرين بالوحدة وأنتِ على متن سفينة.»
ضحكت الآنسة بروستر ضحكةً رقيقة.
قالت: «أشكُّ في ذلك. إنني ذاهبةٌ إلى قِبلة الأمريكيِّين؛ باريس. أبي سيلتقيني هناك، وسنذهب بعدها معًا إلى منطقة الريفيرا.»
قال ونتوورث: «آه، سيكون هذا ممتعًا. إن الريفيرا في هذا الوقت بالطبع لَمكانٌ رائع.»
ردت: «هكذا سمعتُ أيضًا.»
«هل سافرتِ على متن رحلة بحرية من قبل؟»
«لا، هذه هي أولُ رحلة لي. أعتقد أنك سافرتَ عدة مرات؟»
ردَّ الرجل الإنجليزي: «أوه، لا، هذه هي رحلتي البحرية الثانية، وكانت الأولى هي التي أخذَتني إلى أمريكا.»
قالت الآنسة بروستر باندهاشٍ ظاهر: «آه، إذن أنت لستَ أمريكيًّا.»
تصورَت أن الرجل بوجهٍ عام يشعر بالإطراء عندما يحدث خطأٌ من هذا النوع. وبغضِّ النظر عن مدى فخرِ الرجل ببلده، فهو يسعد لمعرفة أنَّ ملامحه لا تَقصُره على بلدٍ معين، أو كما يقول الأمريكيون: «تُفصح عن هُويَّته.»
قال ونتوورث: «أعتقد أنني بوجهٍ عام لا أبدو سوى ما أنا عليه بالفعل؛ رجل إنجليزي.»
قالت المرأة الشابة التي تدَّعي البراءة: «لقد قابلتُ عددًا قليلًا جدًّا من الإنجليز؛ مما يجعلني في الواقع غيرَ قادرة على معرفتهم.»
«أعرف أن هناك اعتقادًا شائعًا بين الأمريكيِّين بأن الرجل الإنجليزي يُسقِط حرف الهاء من كلامه، وأنه يمكن التعرُّف عليه من خلال ذلك.»
ضحكَت جيني مرة ثانية، واعتقد جورج ونتوورث أن ضحكتها من أجملِ الضحكات التي سمعها في حياته.
لقد كان كينيون المسكينُ متجاهَلًا من جانب صديقه طَوال العشاء. وقد شعر ببعض الكآبة عندما قُدِّمَت أطباق الطعام، وتمنَّى لو كان معه صحيفةٌ مسائية. وفي تلك الأثناء، كان ونتوورث والفتاة الأنيقة الجالسة بجواره منسجمَين معًا. وفي نهاية العشاء، بدا أنها تجدُ بعض الصعوبة في الخروج من كرسيِّها، وأوضح لها ونتوورث السبيلَ إلى ذلك، تاركًا إياها تنهض بنفسها. وشكَرَته هي بلطف.
قالت وهي تلتفتُ للذَّهاب: «سأصعد على سطح السفينة. إنني شديدةُ القلق من أن أُلقِيَ أول نظرة لي على المحيط بالليل من أعلى سطحِ سفينةٍ بخارية.»
ردَّ ونتوورث الشاب: «أرجو أن تجعَليني أصحَبُكِ. إن أسطُحَ السفن زلقةٌ بعض الشيء، وحتى عندما لا يكون هناك تمايلٌ من جانب السفينة، فليس من الأمان تمامًا لسيدةٍ غيرِ معتادة على حركة السفن أن تسير بمفردها في الظلام.»
ردَّت الآنسة بروستر بنعومة: «أوه، أشكرك شكرًا جزيلًا. هذا بالتأكيد لطفٌ كبير منك؛ وإذا وعدتَني بألا تدَعني أحرمك من متعة تدخينِ سيجارِ ما بعد العشاء، فسأكون في منتهى السعادة لاصطحابك إيايَ على سطح السفينة. سأقابلك بأعلى الدرَج في خلال خمس دقائق.»
قال كينيون، بينما المرأة الشابة تتوارى عن الأنظار: «أرى أنكما انسجمتُما معًا.»
قال ونتوورث: «ما فائدة أن تكون على متن سفينة إذا لم تستغلَّ الفرصةَ لتكوينِ معارف؟ إن هناك عدمَ تقليديةٍ في الحياة على متن السفينة، وهو الأمر الذي له جمالُه، وذلك كما ستكتشف ربما قبلَ نهاية الرحلة يا جون.»
«إنك فقط تُحاول إراحة ضميرِك بسبب تجاهلك القاسي لي.»
انتظر جورج ونتوورث بأعلى الدرَج لأكثرَ من خمسِ دقائق بقليل حتى ظهرَت الآنسة بروستر، وهي ملتحفةٌ بعباءةٍ حوافُها من الفِراء، مما أعطى سحرًا إضافيًّا لبشَرتِها، التي زاد من جاذبيتها قبعةٌ ثقيلة أنيقة. ذهبا إلى سطح السفينة، ووجَدا أنْ ليس هناك ظلامٌ دامس كما توقَّعا. لقد كانت هناك كُراتٌ صغيرة من الإضاءة الكهربية موضوعةٌ على مسافاتٍ منتظمة على أسوار السطح. وكان يوجد فوقهما نوعٌ من السقف المصنوع من قماش القِنَّب، الذي كانت تتدفَّق عليه الأمطار الثلجية. أحدُ البحارة، الذي كان معه مِمسحةٌ مطَّاطية، كان يدفع إلى فتحة الصرف الموجودة بجانب السفينة الماءَ الموجود على السطح. كان الليل حالِكَ السواد في كلِّ ما حول السفينة، فيما عدا في بعض الأحيان حين كانت تظهر موجةٌ كبيرة بيضاءُ لامعة للحظات.
أصرَّت الآنسة بروستر على أن يُشعل ونتوورث سيجاره وهو الأمر الذي فعله، بعد عدة محاولاتٍ لإقناعه. وبعد ذلك، أخذ بيدها ووضَعها على نحوٍ مريح تحت ذراعه، وعدلَت خطوتها لتُناسب خطوته. وأخذا يتمشَّيان بمفردهما تمامًا؛ فلم يكن ليلُ الشتاء المطيرِ مشجعًا لمعظمِ الركاب بالمقارنة بالغرف المريحة بالأسفل. ومع ذلك، صعد كينيون واثنان آخَران إلى سطح السفينة وجلسوا على الكراسيِّ التي كانت مربوطةً بقضيب نُحاسي يمتدُّ بطول سور السطح. رأى بريق سيجار ونتوورث بينما كان الرفيقان يلتفتان في أقصى نهايةِ سَيرهما، وعندما مرَّا به، سمع همهمةَ حديثٍ منخفضةَ النَّبرة، وجزءًا من ضحكٍ خفيف بين الحين والآخر. لم يكن شعور كينيون بعدم الراحة والضيق بسبب ترك ونتوورث له؛ فهو نفسُه لم يكن يعرف السبب، لكن تملَّكَه هاجسٌ غريب غيرُ مريح. وبعدَ بعضِ الوقت، نزل إلى القاعة وحاول أن يقرأ، لكنه لم يستطِع، ولذلك، سار بطول الممرِّ الضيق الذي بدا أنه لا نهاية له، والمؤدِّي إلى غرفته (التي كانت أيضًا غرفةَ ونتوورث) التي دخلَها في النهاية. ولم يَعُد رفيقه إلى الغرفة إلا متأخرًا.
سأله الآخر: «هل نمتَ يا كينيون؟»
كانت الإجابة: «لا.»
«يا إلهي! إنها يا جون واحدةٌ من أجمل الفتيات التي رأيتُها في حياتي. كما أنها بارعة جدًّا؛ فهي تجعل الرجلَ يشعر بجوارها وكأنه أحمق. لقد قرأَتْ تقريبًا في كل الموضوعات. ولديها آراء عن كلِّ كتَّابنا، الذين لم أسمع بالكثيرِ منهم قط. أتمنى من أجلك، يا جون، أن تكونَ لديها أختٌ على متن السفينة.»
قال كينيون: «شكرًا، أيها العجوز؛ إن هذا لطفٌ شديد منك. ألا تشعر أنه قد حان الوقت لتتوقَّفَ عن هذا الهذَيان وتذهبَ إلى سريرك وتُطفئَ هذا الضوء القوي؟»
«حسنًا، أيها المتبرِّم، سأفعل.»
في تلك الأثناء، كانت الآنسة جيني بروستر تنظر في غرفتها إلى انعكاس صورتها في المرآة. وبينما بسطَت شعرها الطويل حتى انسدلَ مموَّجًا على ظهرها، ابتسمت برقَّةٍ وقالت لنفسها:
«يا لك من مسكين يا سيد ونتوورث! في أول ليلة لنا معًا وأخبرَني بأن اسمه جورج.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الحادي عشر
ذهبَت إديث لونجوورث إلى غُرفتها، وهناك بكَت بسبب فشلِها، لكن هذا البكاء أراحَها كثيرًا. واستمرت جيني بروستر في كتابتِها، لكن أخذت تتوقفُ بين الفينة والأخرى لتُفكِّر، بندمٍ، في شيءٍ حادٍّ ربما كان عليها أن تقوله، ولم يخطر ببالها في وقتِ اللقاء. وقضى كينيون وقتَه في ذَرْع سطح السفينة جيئةً وذَهابًا، آمِلًا في ظهور الآنسة لونجوورث؛ وهو توقعٌ كان، لبعض الوقت على الأقل، يُعَد الرجاءَ المماطل الذي يُمرِض القلب. جعل فليمنج، السياسيُّ الأمريكي، المرِحُ يُهيمن على أرجاء غرفة التدخين، وذلك من خلال استماعِ الموجودين فيها للقصص التي يَسردُها. وغيَّر الأجواء من آنٍ لآخر بأنْ كان يطلب من الجميع تناوُلَ الشرابِ معه، وهي دعوة لم تكن تقابَلُ بأيِّ رفضٍ عام. وكان السيد لونجوورث العجوزُ ينعس معظم وقته وهو جالسٌ على كرسيِّه على سطح السفينة. ولم يكن ونتوورث، الذي كان لا يزال يتَّهِم نفسَه بمرارةٍ بأنه أحمق، يتحدث مع أحد، حتى صديقه كينيون. وطوال الوقت، كانت السفينة البخارية الكبيرة مستمرَّةً في سيرها وسطَ مياه هادئة نسبيًّا كما لو أن شيئًا لم يحدث أو سيحدث. كان هناك مطرٌ في أحد الأيام، وعاصفة في ليلة وجزء من يوم. وأشرق صباحُ السبت، وكان من المتوقَّع الوصولُ إلى كوينزتاون في وقتٍ ما من الليل. وقد بدَت السحبُ في وقتٍ مبكر من صباح السبت، منخفضةً، كما لو أن لها الحقَّ في النظرِ بالقرب من أيرلندا.
ونتوورث، الذي سبَّب المشكلة بالكامل، لم يُساعد كينيون كثيرًا في المسألة التي كانت تَشغل باله. وكان من عادته، عندما يُشار إلى الأمر، أن يُمسِّد شعره بيدَيه أو يدسَّهما بسرعةٍ في جيبيه، ثم يتحدث بكلماتٍ بائسة ومعبِّرة في الوقت ذاتِه. وكلما كان كينيون ينصحُه بأن يهدأ، قلَّ احتمالُ أن يتبع ونتوورث نصيحتَه. وبوجهٍ عام، كان يقضي معظمَ وقته بمفرده في حالةٍ مِزاجية حزينة جدًّا. وفي إحدى المرات، عندما ضرَبه فليمنج المرِحُ برفقٍ على كتفه، التفتَ، لدهشةِ فليمنج الشديدة، بعنفٍ وصرَخ فيه قائلًا:
«إذا قمتَ بذلك ثانيةً، يا سيدي، فسأطرحك أرضًا.»
قال فليمنج فيما بعدُ إنه «اندهش بشدة» من هذا القول — بغضِّ النظر عما قد يَعْنيه هذا — وأضاف أن الإنجليز بوجهٍ عام شعبٌ غريب. والحقيقة أنه قد تمالكَ نفسه في تلك الحادثة وبعد أن ضحك ضحكةً صغيرة على الملاحظة، قال لونتوورث:
«تعالَ وتناول كأسًا معي؛ وستشعر حينَها بأنك أفضل.»
ولم يكلِّف ونتوورث نفسَه حتى عناءَ رفضِ تلك الدعوة، لكنه دسَّ بسرعةٍ يدَيه في جيبَيه مرةً أخرى، وأدار ظهرَه للسياسي الأمريكي الشهير.
لخَّص ونتوورث الموقف لجون كينيون عندما قال له:
«لا جَدْوى من حديثنا عن الأمر أو تفكيرِنا فيه أكثرَ من ذلك. إننا ببساطة لا يُمكننا فعلُ شيء. سوف أتحمل وزر الأمر بالكامل. وأنا مصرٌّ على عدم تعرضِك لأيِّ مشكلة بسبب سوء تقديري. والآن، لا تتحدَّثْ معي بشأن هذا الأمر مرةً أخرى. أريد أن أنسى ذلك الأمرَ البائس، إذا كان هذا ممكنًا.»
وهكذا، أصبح من الطبيعيِّ جدًّا أن يتخذ جون كينيون، الذي كان منشغلًا بشدةٍ بالأمر، من إديث لونجوورث، التي أبدَت أيضًا اهتمامًا شديدًا بالمسألة، صديقةً حميمة له. كانت الآنسة لونجوورث تبقى بمفردها حتى أكثرَ من ذي قبل؛ لأن ابن عمِّها أدمنَ الذَّهاب إلى غرفة التدخين. وقد عرَّفه أحد الأشخاص بلعبة البوكر المثيرة، وفي ممارسة هذا النوع من التسلية، كان السيد ويليام لونجوورث يُنفق الآن جانبًا كبيرًا من فائض ماله، وكذلك وقته.
كانت جيني بروستر نادرًا ما تظهر على سطح السفينة. وقد انكبَّت بكدٍّ على كتابة تلك المقالات الرائعة التي ظهرَت فيما بعدُ في طبعة الأحد من صحيفة «نيويورك آرجوس» تحت العنوان العامِّ «الحياة في البحر»، التي ظهرَت بعدَ ذلك في شكل كتاب. وكما أصبح واضحًا بالفعلِ للجميع، فإنَّ تناوُلَها لشخصية السياسي الأمريكي المرح، وكذلك لشخصيةِ الرجل الإنجليزي المتجهِّم والمتحفظ، كان يُعَد من أطرفِ الأمور الواردة في هذا الكتاب الصغير. وقد اقتُبِس بكثرةٍ باعتباره مثالًا نموذجيًّا لروح الدعابة الأمريكية.
عندما كانت جيني بروستر تظهر على سطح السفينة، كانت تمشي بمفردِها جيئةً وذَهابًا بطول السطح، وكانت تظهر في عينيها نظرةٌ شبهُ متحدِّيةٍ بينما كانت تمرُّ على كينيون وإديث لونجوورث، اللذَين كانت تراهما أغلبَ الوقت معًا.
في صباح يوم السبت هذا الحافلِ على نحوٍ خاص، كان كينيون وإديث بمفردِهما على سطح السفينة. تمركز الحوارُ بينهما على نحوٍ طبيعي حول الموضوع الذي كان يَشغَلُ بالَ الاثنين في الأيام القليلة الماضية.
قالت الفتاة: «هل تعرف أنني كنتُ أعتقد طَوالَ الوقت أنها ستأتي إليَّ في النهاية وتقبل المال؟»
ردَّ عليها كينيون: «أنا لستُ متأكدًا على الإطلاق من هذا.»
«ظننتُ أنها ربما ستُبقينا في حالةٍ من التوتر الشديد لأطولِ مدَّة ممكنة، ثم ستأتي في اللحظةِ الأخيرة وتقول إنها ستَقْبل العرض.»
قال كينيون: «إن فعلَت، فلن أثقَ بها. سأُعلِمُها أننا لن نُعطيَها الشيك إلا عندما نكون متأكِّدين من عدم استخدامها لما بين يدَيها من معلومات.»
«هل تعتقد أن هذه ستكون طريقةً آمنة للتصرُّف إن جاءت وقالت إنها ستأخذ المالَ مقابل عدم إرسال البرقية؟ ألا تعتقد أنه سيكون من الأفضلِ أن ندفع لها ونثقَ في كلمتها؟»
ضحك كينيون.
«أنا لا أعتقد أنني سأثقُ كثيرًا في كلمتها.»
«هل تعلم أنَّ لدي رأيًا مختلفًا فيها؟ أنا متأكدة أنها إذا قالت إنها ستفعل شيئًا، فإنها ستفعله.»
رد كينيون: «أنا لا أعتقد هذا.» وأضاف: «أرى، على العكس، أنها يُمكنها أن تطلب المال ومع ذلك تُرسل البرقية.»
«حسنًا، أنا أشكُّ أنها ستفعل ذلك. أعتقد أن الفتاة ترى بالفعل أنها تقوم بالشيء الصحيح، وتتصوَّر أنها قد قامت بفعلٍ لافتٍ بطريقة ذكيَّة جدًّا. إن لم تكن تتَّصف بما تُطلق عليه «الأمانة»، فما كانت ستُبدي انفعالًا شديدًا كما فعَلَت. أعتقد أنني أبديتُ انفعالًا مؤسفًا، لا مبرر له في واقع الأمر.»
رد كينيون بحرارة: «أنا متأكدٌ من أنكِ لم تفعلي شيئًا من هذا. في كل الأحوال، أنا متأكدٌ من أن كل ما فعَلتِه كان صحيحًا على نحوٍ تام؛ وأعلم أنك كنتِ محقةً في أي شيء قلتِه.»
«ليتني أستطيعُ الاعتقادَ بصحة هذا.»
قال كينيون: «أريد أن أسألَكِ سؤالًا.»
لكن لم يُعرفَ قطُّ ماذا كان هذا السؤال. إنه لم يُطرَح على الإطلاق؛ وعندما سألت إديث لونجوورث عنه بعد مدة، كان قد ذهَب كُليةً من ذهن كينيون. اهتزت السفينة البخارية، التي كانت تتقدم بثباتٍ عبر الماء، فجأة، كما لو أنه قد ضرَبها زلزال؛ وكان هناك ثلاثُ خبطات هائلة، كالتي تتعرَّضُ لها زلَّاجة عندما تصادف فجأة قطع أشجار مخبَّأة في الجليد. قام كلٌّ من كينيون والآنسة لونجوورث على قدمَيهما على الفور. وكان هناك صخبٌ لم يكن عاليًا لانطلاق البخار، وقد رأَيا سحابةً تصعد من وسط السفينة، التي تتدفَّق على ما يبدو من كلِّ فتحة يُمكنها الخروجُ عبرها. ثم ساد الصمت. لقد توقفَت المحركات، ومالت السفينة على نحوٍ واضح إلى جانبها الأيسر. وعندما بدأت إديث لونجوورث في إدراك الموقف، وجدَت نفسها قريبةً للغاية من كينيون، ورأت أنها كانت تُمسك ذراعه بكلتا يديها.
صاحت بانزعاج: «ما … ما هذا؟»
قال كينيون: «هناك مشكلةٌ ما.» ثم أضاف: «آمُل ألا تكون كبيرة. هل لك أن تنتظري هنا للحظاتٍ حتى أذهبَ وأرى ما الأمر؟»
ردَّت، محرِّرةً ذراعه: «إن هذا غباءٌ مني، لكنني خائفة بشدة.»
«ربما من الأفضل ألا تُترَكي بمفردكِ.»
«أوه، لا، لقد انتهى الأمر الآن؛ لكن عندما وقعَت أُولى تلك الصدمات الرهيبة، بدا لي أننا قد اصطدَمْنا بصخرة.»
قال كينيون: «لا توجد صخور هنا.» ثم أضاف: «اليوم صافٍ على نحوٍ مثالي، ومن الواضح أننا لم نخرج عن مسارنا. هناك مشكلةٌ ما في الآلات، على ما أعتقد. فقط انتظريني للحظاتٍ، وسأكتشف الأمر.»
بينما كان يُسرع كينيون باتجاه الدرَج، قابَل بحَّارًا يُسرع في الاتجاه الآخَر.
سأل كينيون: «ما الأمر؟»
لم يردَّ البحار.
ولدى دخولِ كينيون من الباب الخاصِّ بالدرَج المؤدي لأسفل السفينة، وجد المكان مليئًا بالبخار، وقابل هناك ضابطًا.
سأله: «ما الأمر؟ هل هناك خَطبٌ ما؟»
كان الرد، الذي كان مقتضبًا بشدة: «كيف لي أن أعرف؟ رجاءً لا تطرح أيَّ أسئلة. كل شيء سيكون على ما يُرام.»
لم يكن هذا مشجعًا. وبدأ الناسُ يحتشدون على الدرَج، وهم يسعلون ويتنفَّسون بصعوبةٍ وسط البخار، وسرعان ما امتلأَ السطحُ — الذي كان منذ لحظاتٍ خاليًا تقريبًا من أيِّ شخص — بأناسٍ منزعجين بعضهم بملابسَ كاملة، وأما البعض الآخر فلا.
«ما الخطب؟» كان هو السؤال الذي كان يجري على كلِّ لسان، والذي لم تكن له، بعدُ، إجابةٌ. كان الضباط الذين كانوا يَجْرون هنا وهناك صامتين، أو كانوا يُعطون رُدودًا قصيرة وغيرَ مُرضِيَة على الاستفسارات التي كانت تنهالُ عليهم من كل حَدبٍ وصَوْب. لم يتوقف الناس للحظةٍ ليُفكِّروا أنه حتى الضابط البحري ليس منتظرًا منه أن يعرف مقدمًا ماذا قد يكون السببَ وراء التوقف المفاجئ للمحرِّك. وبعد مدَّة قصيرة، ظهر القبطان، وهو يبتسمُ ويتَّسم بالهدوء. وأخبرهم بأنه ليس هناك خطر. قال إنه قد حدثت مشكلةٌ ما في الآلات، لم يكن بإمكانه حينها تحديدُها على وجه الدقة؛ لكن لم يكن هناك أيُّ داعٍ للفزع، وأضاف أنَّ كل شيء سيُصبح على ما يُرام في خلال وقتٍ قصير فقط إنِ احتفظَ الجميع بهدوئه. أسهَمَت هذه الكلمات، والعديدُ من الأكاذيب الأخرى، التي دائمًا ما تُقال في مثل هذه المناسبات، في تهدئةِ مخاوفِ الركَّاب؛ وتدريجيًّا، غادر الواحد تِلوَ الآخر إلى غرفته عندما عرَف أن السفينة لن تغرق في الحال. كلُّهم ظهروا بعد بعض الوقت مرتدين الملابسَ المناسبة. وسرعان ما اختفى البخار الذي كان قد ملأ القاعةَ الرئيسية، تاركًا الأثاثَ تعلوه الرطوبةُ الدافئة. وفي النهاية، دقَّ جرس الإفطار ذو الصوت العالي كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث، وربما أدَّى هذا، أكثرَ من أي شيء آخر، لتبديدِ مخاوف الركاب. إذا كان الإفطار على وشك أن يُقدَّم، إذن، فالأمورُ، بالطبع، لم تكن خطيرة. ومع ذلك، فالعديد من الركاب في ذلك الصباح لم تكن لديهم شهيةٌ كبيرة لتناول الإفطار المقدَّم لهم. الشيء السار الوحيد، كما قال الجميع، كان أن الطقس ظلَّ رائعًا بشدةٍ والبحرُ هادئًا جدًّا. بالنسبة إلى القليلين الذين يعرفون شيئًا عن كوارث البحر، فإنَّ ميل السفينة للجانب الأيسر كان علامةً شديدةَ الخطورة. لكن غالبية الركاب لم يُلاحظوا الأمر. بعد الإفطار، صعد الركاب على السطح. وكان هناك تجنُّبٌ رائع للعجَلة، من جانب الضباط البحريِّين والبحَّارة على حدٍّ سواء. كانت الأوامر تُعطى بهدوءٍ وبرَزانة، وتُطاع بنفس الهدوء والرزانة. وكان الضباط البحريُّون لا يزالون موجودين على منصَّة القيادة، على الرغم من عدم وجود أوامرَ ليُعطوها للرجل المسئول عن الدفة أو تدويرٍ للمراوح الدافعة. كلُّ هذا الغياب للعجَلة كان له تأثيرٌ مهدِّئ جدًّا على الركاب، الذين كان الكثيرُ منهم يحتاجون فقط إلى مبررٍ صغير للدخول في حالة خوفٍ هيستيري. لكن مع تقدُّم اليوم، بدا أن شعورًا عامًّا بالأمن كان يُسيطر على كل مَن كان على متن السفينة. كلهم هنَّئوا أنفسَهم على حقيقة تصرفهم على نحوٍ مثالي في ظل الظروف المفزعة بعضَ الشيء التي مرُّوا بها. ومع ذلك، أولئك الذين كانوا يُراقبون تحركات القبطان رأَوا أنه كان يفحص خطَّ الأفق الطويل عبر نظارته المكبِّرة من آنٍ لآخَر بقلق كبير، ولاحظوا عند النظر إلى خطِّ المستوى الطويل حيث يلتقي البحرُ والسماء عدمَ وجود أيِّ شِراع حول الدائرة الكاملة. وكان يأتي من غرفة المحرِّك صوتُ صلصلةِ المطارق، وكان الاعتقادُ السائد هو أنه يمكن تصليحُ المحرك، بغضِّ النظر عن المشكلة الموجودة فيه. كان هناك شيءٌ واحد أكيد وهو عدمُ وجود أي مشكلة في أعمدة الإدارة. كانت المشكلة، أيًّا كانت ماهيتها، موجودةً في المحرك وحده. وجد كلُّ الركاب أنفسَهم متأثرين بنحوٍ أو بآخرَ بالإحساس الغريب الناتج عن توقف السفينة — الإدراك العجيب والمحيِّر للصمت التام — بعد الصخب المستمرِّ الذي اعتادوا عليه بشدةٍ طَوال رحلتهم. في تلك الليلة وفي وقت العشاء، أخذ القبطان مكانَه على رأس الطاولة، وهو في شدة اللطف والتهذيب، وكأنه لم يحدث شيء غير عادي؛ ولاحظ الركابُ، الذين كانوا في حالةٍ من التوتر والقلق، بغضِّ النظر عن الهدوء الخارجي البادي عليهم، ذلك مُبدِين مشاعرَ تقديرٍ وإعجاب.
سأل أحدُ الركاب القبطانَ: «ما المشكلة؟ وما مدى الحادث؟»
نظر القبطان عبر أنحاء الطاولة الطويلة.
وقال: «لو دخلتُ في تفاصيلَ فنية، أخشى أنكم لن تفهموها. كان هناك خللٌ في أحد أذرُع التوصيل المرتبطة بالمحرك. لقد انكسر هذا الذراع، وبانكساره، أتلفَ أجزاءً أخرى من المحرك. أنتم بلا شكٍّ سمعتم الخبطاتِ الثلاث الناتجة عن ذلك قبل أن يتوقَّف المحرك. في الوقت الراهن، من المستحيل تحديدُ الوقت الذي سيستغرقه إصلاحُ هذا الخلل. ولكن، حتى إذا كان الحادث خطيرًا، فنحن في مسار السفن، ولا يوجد أيُّ خطر.»
كان هذا مطمئنًا؛ لكن هؤلاء الذين ظلُّوا مستيقظين تلك الليلةَ سمعوا الصوت المخيفَ للمِضخَّات، وحفيفِ الأمواج في المحيط.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثاني عشر
استيقظ معظمُ الركاب في صباح اليوم التالي ولديهم توجُّسٌ غامض. كان لغيابِ أيِّ حركة للسفينة، والصمت الشديد وغيرِ المعتاد، تأثيرٌ محبِط. لم تكن المحركاتُ قد بدأَت في العملِ بعد؛ كان هذا على الأقل واضحًا. كان كينيون أولَ مَن صعد على سطح السفينة. ولاحظ أن المضخات كانت لا تزالُ تعمل بأقصى سرعةٍ وأن السفينة كانت لا تزال تَميل على نحوٍ غيرِ مفهوم للجانب الأيسر. لحسن الحظ، استمرَّ الطقس جيدًا كما هو؛ فقد ظل البحرُ هادئًا. بدأ مطرٌ خفيف في الهطول، ولم يكن الأفقُ بعيدًا بعدَّة أميال عن السفينة. وما كانت هناك مِن فرصةٍ كبيرة لرؤية سفينةِ ركابٍ أخرى في حال استمرار هذا الطقس.
بعد عدةِ دقائقَ من صعود كينيون على سطح السفينة، صعدَت إديث لونجوورث الدرَج المؤديَ للسطح. وسارت باتجاه كينيون وهي مبتسمة.
قال: «حسنًا، أنتِ، على الأقل، لا يبدو عليكِ أنكِ تُعانين من أي قلقٍ بشأن وضعنا.»
ردَّت: «هذا صحيح؛ أنا لم أكن أُفكر في هذا على الإطلاق، بل كنتُ أفكر في شيء آخر. هل تستطيع تخمينَ ما هو؟»
رد بتردُّد: «لا.» ثم أردف: «ما هو هذا الشيء؟»
«هل نسيتَ أن هذا هو صباح يوم الأحد؟»
«هل هو كذلك؟ بالطبع، إنه كذلك. بدا، لي، أن الوقت توقَّف عندما توقفَت المحركات. لكنني لا أفهم ما أهمية صباح الأحد على وجه التحديد.»
«هل صحيحٌ أنك لا تفهم ذلك؟ حسنًا، بالنسبة إلى شخصٍ كان يُفكر على مدى اليومين أو الأيام الثلاثة الماضية بشدةٍ في موضوع واحدٍ معين، أنا مندهشة منك. صباح الأحد ولا توجد أرضٌ على مرمى البصر! فكِّر للحظةٍ.»
تهلَّل وجه كينيون.
وصاح: «آه، فهمتُ ما تقصدين الآن! لن تظهر الرسالةُ الموجودة ببرقية الآنسة بروستر في طبعة هذا الصباح من صحيفة «نيويورك آرجوس».»
«بالطبع، لن تظهر؛ أوَلَا ترى، أيضًا، أننا عندما نصل، ستكونُ لديك فرصةٌ متساوية في السِّباق؟ إذا وصلنا قبلَ الأحد المقبل، فستصلُ برقيتك إلى الناس في لندن بنفسِ سرعة وصول رسالتها التلغرافية إلى نيويورك؛ ومن ثَم لن تتعرَّض لخزيِ عرض خلاصة تقريرك في صحف لندن قبل رؤية المديرين للتقرير نفسِه. إن احتمال حدوث ذلك ليس كبيرًا بالتأكيد؛ لكن مع ذلك، يضعُك هذا على قدمِ المساواة معها؛ بينما لو كنا قد وصَلْنا إلى كوينزتاون الليلةَ الماضية، لكان هذا مستحيلًا.»
ضحك كينيون.
وقال: «حسنًا، من أجل الوصول إلى مثل هذه النتيجة، كان علينا أن نُواجه هذا الأمرَ المريع للغاية، أليس كذلك؟ إن هذا يُشبه إلى حدٍّ ما حرق المنزل من أجل شوي الخنزير!»
بعد الساعة العاشرة بقليل، صفَا الأفقُ وبدَت من بعيدٍ سفينةٌ بخارية، متجهةٌ ناحية الغرب. كان من الواضح أن السفينة تنتمي لأحدِ أكبر خطوط المِلاحة في المحيط. وفي اللحظة التي لُوحِظَت فيها، عُلِّق عددٌ من أعلام الإشارة بأعلى الصاري، واحتشد الناسُ على جانب السفينة لمشاهدةِ تأثير ذلك على السفينة القادمة. مرت دقيقة تلوَ الأخرى، لكن لم تكن هناك أيُّ استجابة من السفينة الأخرى. أخذ الناس يُراقبونها بقلقٍ لاهث، كما لو أن مصيرهم كان يعتمد على مُلاحظتها لأعلامهم. بالطبع، ظن الجميعُ أنها يجب أن تراها، لكنها ظلَّت تتجه ناحية الغرب. وخرجَت سحابةٌ من الدخان الأسود من مدخنتها، ثم خلَّفَت وراءها خطًّا أسودَ طويلًا، مثلَ ذيل مذنَّب، لكنها لم تُلاحظ الأعلامَ المرفرفة الموجودة بأعلى الصاري. ولأكثرَ من ساعة، كانت السفينةُ مرئية. وبعد ذلك، أخذت تدريجيًّا تتلاشى في الغرب، وفي النهاية اختفت.
كان لهذه الواقعة تأثيرٌ محبط على ركاب السفينة المعطَّلة. وعلى الرغم من أن كلَّ الضباط البحريِّين كانوا يقولون إنه لا يوجد خطر، فقد بدا أن رحيلَ هذه السفينة قد تركهم على نحوٍ ما بمفردهم؛ وقد رجع الناس، بعد أن أخذوا ينظرون تجاهَ الغرب حتى لم يبقَ أيُّ أثر للسفينة في الأفق، إلى كراسيِّهم على سطح السفينة، وهم يشعرون بجزعٍ أكبرَ من ذي قبل.
لكن فليمنج رأى أنه إذا كان لا بد للناسِ أن يغرقوا، فمن الأفضل أن يغرقوا وهم فَرِحون بدلًا من أن يكونوا حَزانى، ولذا، دعا الجميعَ لتناول كأسٍ من الشراب على حسابه؛ وهو عرض سخيٌّ قبِله على الفور كلُّ معتادي التردد على غرفة التدخين.
قال فليمنج، بينما كان يحتسي الكوكتيل الذي أُحضِرَ له: «فِكْرتي هي التالية: إذا كان لشيءٍ أن يحدث، فدَعْه يحدث؛ وإذا لم يحدث شيء، فلا بأس. لا فائدة من القلق بشأن أيِّ شيء، خاصة إذا كان شيئًا لا حيلةَ لنا معه. نحن هنا في المحيط في سفينةٍ معطَّلة! رائعٌ جدًّا؛ لا يمكننا فعلُ أيِّ شيءٍ حيالَ ذلك، وما دامت الحانةُ مفتوحة، ففي صحتكم، أيها الرفاق!»
وبهذه الفلسفة المبهِجة، ابتلع السياسيُّ الأمريكي الشراب الذي دفع ثمنه.
كان لا يزال بالإمكان سماعُ صوت حفيفِ الماء المتدفِّق من المضخات، لكن لم تَعُد صلصلة الصُّلب على الصلب تُسمَع من غرفة المحرك. كان هذا في حدِّ ذاته أمرًا منذرًا بالسوء لهؤلاء الذين لديهم علمٌ بهذه الأمور. لقد كان هذا يُشير إلى أن المهندس قد يئس تمامًا من إصلاح العطل، أيًّا كانت ماهيَّتُه، وأن السبب الحقيقي للكارثة لا يزال غيرَ معلوم كما كان من البداية. وقبل الغداء بقليل، أصبح من الواضح لمن هم على متن السفينة أنَّ شيئًا على وشك الحدوث. لقد فكَّ البحارةُ وَثاق أحدِ القوارب الكبيرة، ودفعوه على المرافع حتى تدلَّى فوق البحر.
وتدريجيًّا، بدأَت الشائعة تتحقَّق على أرض الواقع، وأصبح معلومًا أن أحد الضباط البحريِّين وبعضَ البحارة على وشك عمل محاولةٍ للوصول إلى شاطئ أيرلندا وإرسالِ برقية لكوينزتاون لطلب إرسال قواربِ سَحْبٍ لجرِّ السفينة إلى هناك. كان القبطان لا يزال يُؤكِّد على عدمِ وجود أيِّ خطر من أيِّ نوع، وأن السبب وراء المحاولة التي كانت على وشك البدء هو فقط الحيلولة دون حدوث تأخيرٍ كبير في ميعاد الوصول.
في حالةٍ من الإثارة الشديدة، قالت إديث لونجوورث لجون كينيون: «هل تعرف ماذا سيفعلون؟»
كان كينيون يمشي على سطح السفينة مع ونتوورث، الذي نزَل الآن لأسفل.
قال كينيون: «لقد سمعتُ أنهم يَنْوون محاولةَ الوصول إلى الشاطئ.»
«بالضبط. والآن، لماذا لا تُرسل برقيةً لرجالك في لندن وتجعلهم يُرسلون التقريرَين على الفور للمديرين؟ من المحتمل جدًّا أن الآنسة بروستر لن تُفكر أبدًا في إرسال برقيتها مع الضابط البحري الذي سيقوم بالرحلة؛ إذن، ستكون قد سبقتَها بيومٍ كامل أو يومين كاملين، وسيكون كلُّ شيء على ما يُرام. في واقع الأمر، عندما تفهم ما حدث، لن تُرسل على الأرجح رسالتها على الإطلاق.»
قال كينيون: «يا إلهي!» ثم أردف: «هذه فكرة جيدة. سأذهب للرجل على الفور، وأرى أيأخذ البرقية أم لا.»
بِناءً على ذلك، ذهب كينيون وتحدَّث إلى الرجل عن إرسال رسالة معه. قال الضابط إن أيَّ راكب يرغب في إرسال برقية له مطلقُ الحرية في ذلك. وقال إنه يسرُّه بشدة أن يكون مسئولًا عن البرقيات. ذهب كينيون إلى غرفته وأخبر ونتوورث بما سيحدث. وللمرة الأولى في غضون عدةِ أيام، بدَت بعضُ الحيوية على جورج ونتوورث. وذهب إلى المسئول عن سطح السفينة وأحضر الطوابعَ التي ستُوضع على البرقية، بينما قام جورج كينيون بكتابتها.
لقد أُعطِيَت الرسالة للضابط، الذي وضَعَها في جيبه الداخليِّ، ثم ظنَّ كينيون أن الأمر مرَّ بسلام. لكن إديث لونجوورث لم تكن متأكدةً من هذا. كانت جيني بروستر جالسة في كرسيِّها على سطح السفينة تقرأ بهدوءٍ روايتَها المعتادة ذات الغلاف الورقي. كانت فيما يبدو لا تعرف شيئًا عما كان يجري، وقد جلست إديث لونجوورث بجوارها، تملؤها إثارةٌ مكبوتة، وأخذَت تُراقبها عن كثب، بينما كان يجري الانتهاءُ من الاستعدادات الخاصة بإطلاق القارب. وفجأة، ولفزعِ إديث، ظهر المسئول عن سطح السفينة وصاح بصوت عالٍ:
«السيدات والسادة، أي شخص يرغب في إرسال برقياتٍ لأصدقائه لديه بضعُ دقائقَ الآن لكتابتها. الضابط سيأخذها للشاطئ معه، وسيُرسلها مِن أول مكتب بريدٍ يصل إليه. لا يمكن أخذُ أيِّ خطابات؛ برقيات فقط.»
نظرت الآنسة بروستر ببطء مِن كتابها في أثناء الجزء الأول من الخطاب. ثم وقفَت فجأة على قدميها، وألقت الكتابَ على سطح السفينة.
سألت الرجل: «مَن الذي سيأخذ البرقيات؟»
«الضابط، يا آنسة. إنه يقف هناك، يا آنسة.»
سارَت بسرعة إلى هذا المسئول.
«هل ستأخذ برقيةً عاجلة من المفترض إرسالها إلى نيويورك؟»
سأل: «نعم، يا آنسة. هل هي طويلة جدًّا؟»
«نعم، إنها طويلة جدًّا.»
كان الرد: «حسنًا، يا آنسة، ليس لديكِ الكثيرُ من الوقت لكتابتها. إننا سنُغادر الآن في غضون دقائقَ قليلة جدًّا.»
«إنها مكتوبةٌ بالفعل؛ فقط عليَّ أن أُضيف إليها بضعَ كلمات.»
جرَت الآنسة بروستر على الفور بسرعة إلى غرفتها. وسرعان ما كانت البرقية الخاصة بالمناجم أمامها وقد احتُسِب عدد كلماتها، وقد كانت على الطاولة العُملات الفِضية والذهبية التي ستكون مقابلَ إرسالها. وعزَمَت ألا تتعرَّضَ لاحتمالِ تأخُّر وصول الرسالة بجعلها تُرسل إلى وكالة خاصة بتوزيع الرسائل التلغرافية. ثم كتبت بأقصى سرعة لها سردًا موجزًا ومعبِّرًا بشدةٍ للكارثة التي حلَّت بسفينة «كالوريك». إذا كان هذا السردُ مبالَغًا فيه قليلًا، فما كان لدى الآنسة بروستر من الوقت لتعديلِه. إن الوصف التصويريَّ والدرامي هو ما كانت تطمح لتقديمه. كان قلمُها يسير فوق الورق بسرعة شديدة، وكانت تنظر من حينٍ لآخَر، عبر نافذةِ غرفتها، لترى القارب الذي سيُستخدَم في محاولة الوصول إلى الشاطئ الأيرلندي وهو يتدلَّى من الحبال. وحيث إنها كانت تستطيعُ رؤية كيف كانت تتقدَّمُ الاستعداداتُ للرحيل، فقد تباطأَت أكثرَ مما كانت ستفعل لو كان الأمرُ غيرَ ذلك، وأخذت تُضيف السطر تِلوَ السطر إلى الرسالة التي تسرد قصةَ الكارثة. وفي النهاية، رأت الرجال يأخذون مواقعهم في القارب الطويل. عدَّت بسرعة الكلمات في الرسالة الجديدة التي كتبَتْها، وأخرجت بسرعةٍ من حقيبتها العملاتِ الذهبيةَ المطلوبة لإتمام إرسالها. ثم وضعَت الرسالتَين في ظرفٍ وأغلقَته، وجمَعَت كومتَي العملات الذهبية في كومة واحدة بعد أن عدَّتْهما ثانيةً بسرعة، ثم ألقت نظرةً سريعة على القارب الذي كان لا يزال بلا حَراك، وأمسكَت بالعُملات الذهبية في يد، والظرف باليد الأخرى، ووقفت على قدميها، ولكن ما إن قامت بهذا، حتى أطلقت صرخةً قوية وتراجعت خطوة للوراء.
كانت إديث لونجوورث تقف وظهرها للباب. عندما دخلَت الغرفة، لم تكن الآنسة بروستر تعرف أنها فعَلَت، لكنَّ قلب الأخيرة دقَّ بسرعة عندما رأى الفتاة واقفةً في صمتٍ هناك، كما لو أنها قد طلعَت من تحت الأرض.
سألتها: «ما الذي تفعلينه هنا؟»
قالت الآنسة لونجوورث: «أنا هنا لأنني أرغبُ في الحديث معكِ.»
«أفسِحي الطريق؛ ليس لدي الوقتُ الكافي الآن للحديث معكِ. لقد أخبرتُكِ أنني لا أريد أن أراكِ ثانيةً. لقد قلتُ لكِ أفسحي الطريق.»
«أنا لن أفسح الطريق.»
«ماذا تقصدين؟»
«أقصد أنني لن أُفسح الطريق.»
«إذن سأدقُّ الجرس وأجعلهم يطردونكِ من هنا لوقاحتكِ.»
قالت إديث بهدوء، واضعةً يدها على اللوحة الخزفية البيضاء التي يوجد في وسطها زرُّ الكهرباء الأسود: «أنتِ لن تدقي الجرس.»
«هل تريدين أن تقولي لي إنك تنوين منعي من مغادرة غرفتي؟»
«أريد أن أقولَ لكِ هذا بالضبط.»
«هل تعرفين أنكِ يُمكن أن تُحبَسي لمحاولتك القيامَ بمثل هذا الشيء؟»
«أنا لا يُهمني هذا.»
«أفسِحي الطريق، أيتها الوضيعة، وإلا سأضربكِ!»
«أريني ماذا ستفعلين.»
للحظاتٍ، وقفت الفتاتان هناك، الأولى غاضبة ومهتاجة، والثانية تبدو هادئةً وظهرها قبالة الباب ويدها موضوعة على الزرِّ الكهربي. أوضحت نظرةٌ عبر النافذة للآنسة بروستر أن الضابط قد صعد على متن القارب وأنهم قد بدَءوا يُنزِلون القارب بثبات.
«دعيني أمُرَّ، أيتها … أيتها الحقيرة!»
ردت إديث لونجوورث، التي كانت تنظر أيضًا إلى القارب وهو يتأرجح في الهواء: «حين يحينُ الوقت المناسب.»
رأت جيني بروستر على الفور أنها إذا تشابكت بالأيدي مع الفتاة الإنجليزية، فلن تكون لديها أيُّ فرصة للتغلب عليها، حيث إنها من كل الوجوه أقوى منها بدنيًّا. كان في إحدى يديها الظرفُ وفي الأخرى العُملات الذهبية. وضعَت الاثنين في جيبها الذي وجدَته بعد بعضِ التحسُّس. ثم رفعَت صوتها مطلِقةً واحدةً من أقوى الصرخات التي سمعَتْها إديث لونجوورث في حياتها. وكما لو كان ردًّا لهذا الصوت الذي يُصِمُّ الآذان، جاء من السفينة صوتُ هُتاف عالٍ ومدوٍّ. نظرَت الفتاتان لرؤية مكان القارب، لكنه لم يكن مرئيًّا. كان العديدُ من الحبال متدليًا أمام النافذة. صعدت الآنسة بروستر على الأريكة، وبيدَيها الصغيرتين أدارَت المسمار الذي كان يُبقي النافذة مغلقة.
نظرت إديث لونجوورث إليها دون القيام بأيِّ محاولة لمنعها من فتح النافذة.
فتحت جيني بروستر الدائرةَ النُّحاسية الثقيلة التي كانت تُبقي الزجاج الأخضر الثقيل في مكانه، ومرة أخرى، أخذَت تصرخ بأعلى صوت لديها، وتصيح: «النجدة!» و«محاولة قتل!»
لم تتحرَّك الأخرى من مكانها. وفي مدَّة الصمت التالية، كان يُمكن سماعُ طرطشة المياه المنتظمة الناتجة عن حركة المجاديف، ومرة أخرى صدر هُتاف عالٍ من هؤلاء الذين تُرِكوا على متن السفينة المتوقفة. رفعت إديث لونجوورث نفسَها بالوقوف على أطراف أصابعها ونظرت عبر النافذة المفتوحة. وعند قمة موجة، على بُعد خَمسمائة ياردة من السفينة، رأت القاربَ وقد ظهر للحظات، وبان منه البريق الأبيض لمجاديفه الستة الغائصة في الماء؛ ثم اختفى القارب في الجانب الآخر للموجة في عمق الماء.
قالت: «والآن، آنسة بروستر، يمكنكِ الذهاب.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثالث عشر
دخلت جيني بروستر، بعد أن تركتها إديث لونجوورث، في نوبةٍ هيستيرية قصيرة. لكنَّ تعقُّلَها سرعان ما أنقذها؛ وعندما أصبحت أكثرَ هدوءًا، بدأت تسأل نفسَها لماذا لم تُهاجم الفتاةَ التي جرؤت على حبسِها. لقد تذكرت بالكاد أنها قد فكرت في القيام بهجوم شديد في ذلك الوقت، وتذكرَت أيضًا أن خوفها من مغادرة القارب أثناء المشاجرة قد منعَها من القيام بها. ولكنها الآن، وبعد أن غادر القارب، ندمت بشدةٍ على سلبيتها، وحزنت دون جدوى على حقيقة أنها توقفت لكتابة القصة الخاصة بالكارثة التي حاقَت بسفينة «كالوريك». ولو لم تكن قد فعلت هذا، لسار كلُّ شيء على ما يُرام، لكنَّ طموحها الكبير كي تُعَد أفضلَ صحفية في نيويورك وكي تُثبت لمدير التحرير أنَّ بإمكانها مواجهةَ أيِّ طارئ قد يظهر، دمَّرَها. وبينما كان بإمكانها إرسالُ البرقية الأولى، فقد أدت رغبتُها في كتابة البرقية الثانية إلى عدم إرسال أيِّ شيء على الإطلاق. وعلى الرغم من أنها انتقدت سلوكَها بلُغةٍ ما كان لأحد أن يتوقع سماعها من ابنةِ مليونير، فإنَّ غضبَها تجاه إديث لونجوورث أصبح أكبر، وتملكَت من المراسلة الشقراء رغبةٌ عنيفة في الانتقام. وعزمَت على الصعود إلى سطح السفينة وفضحِ تلك الفتاة أمام الجميع. كانت ستجذب انتباه الركابِ للأمر بدفع إديث لونجوورث من كرسيها على السطح، وفي حالتها المِزاجية الحاليَّة، لم يكن لديها أدنى شكٍّ في قدرتها على فعل ذلك. وضعَت الصحفيةُ القبعة على رأسها وغادرت إلى السطح، وهي تتطلَّع لانتقام عنيف وقوي. ومرَّت بأعلى أحد الجانبين ثم نزلت للآخر، لكنَّ ضحيتها المنتظَرة لم تكن موجودة. زاد غضب الآنسة بروستر عندما لم تجد ضحيتها حيث توقعَت وجودَها. وكانت تخشى أن يسيطر عليها توجُّهٌ مختلف، عندما تهدأ، ويذهب انتقامها أدراجَ الرياح. وأثناء سيرها جَيئة وذهابًا بطول السطح، قابلت كينيون وفليمنج وهما يسيران معًا. كان فليمنج قد لحق لتوِّه بكينيون، الذي كان يَذْرع بهدوءٍ السطحَ بمفرده، وضربه برفقٍ على كتفه طالبًا منه أن يشرب كأسًا معه.
وقال: «يبدو لي أنني لم أحظَ قطُّ بمتعةِ عرض كأسٍ من الشراب عليك منذ أن صعدنا على متن هذه السفينة. أريد أن أشرب مع الجميع هنا، وخاصةً الآن، عندما حدث شيء جعل ذلك أمرًا جديرًا بالاهتمام.»
قال جون كينيون ببرود: «أنا ممتنٌّ لك بشدة، لكنني لا أشرب الخمر أبدًا.»
«عجبًا، لا تمسُّها على الإطلاق؟ ولا حتى الجعة؟»
«ولا حتى الجعة.»
«حسنًا، أنا مندهشٌ لسماع ذلك. ظننت أن أيَّ رجل إنجليزي يشرب الجعة.»
«هناك على الأقل رجل إنجليزي واحد لا يفعل هذا.»
«لا بأس، إذن؛ أرجو ألا أكون قد تسبَّبتُ في أي إساءة أو ضرر. لكن يحقُّ لي أن أقول لك إنك يفوتك الكثيرُ من المرح في هذا العالم.»
«أعتقد أنني يفوتني القليلُ من حالات الشعور بالصداع أيضًا.»
«أوه، ليس بالضرورة. لديَّ وصفةٌ رائعة لعدم الإصابة بالصداع. كما ترى، هذه هي فلسفةُ تجنُّب الصداع.» وهنا، ولخيبة أمَلِ جون، شبك الرجل ذراعه بذراع جون وغيَّر من سرعة خطوته لتتناسبَ مع تلك الخاصة بجون، وأخذ يتحدَّث طوالَ الوقت كما لو كانا أكثرَ صديقَين حميمَين في العالم. وأردفَ قائلًا: «لديَّ خُطةٌ فعالة لتجنُّبِ الصداع. كما ترى، عندما تُفكر في الأمر، فستجده كالتالي: يأتي الصداع فقط عندما تكون غيرَ ثَمِل. رائعٌ جدًّا، إذن. إن هذا بسيط للغاية. لا تُفِق أبدًا؛ هذه هي خُطتي. إنني ببساطةٍ أستمرُّ في تناول الشراب، ولا أُفيق أبدًا، ومن ثم لا أُصاب بالصداع أبدًا. إذا كان هؤلاء الذين يَسْكرون يتجنَّبون الضرورة غيرَ السارةِ المتمثلةَ في ألا يُفيقوا، فسيُصبح حالهم على ما يُرام. ألا تفهم ما أقصد؟»
«وماذا عن عقولهم في تلك الأثناء؟»
«أوه، عقولهم تكون في خيرِ حال. الشراب الجيد يشحذُ عقل المرء على نحوٍ رائع. والآن، فلتُجرِّب هذا الأمر لبعض الوقت. أتسمح لي أن أدعَهم يمزجوا لك كوكتيلًا؟ دَعْني أخبِرْك، يا جون، أن الكوكتيل يُعَد واحدًا من أفضل المشروبات التي صُنِعت على الإطلاق، وهذا الرجل القائم على الحانة — عندما جئتُ على متن هذه السفينة، كان يظن أنه يُمكنه عملُ كوكتيل، لكنه حتى كان لا يعرف الأساسيات — لقد علَّمتُه كيف يصنعه؛ ودعني أخبرك أن هذا السرَّ سيكون بمنزلةِ كَنزٍ له؛ لأنه إذا كان الأمريكيون يُحبون شيئًا، فإنه أن تُمزَج مشروباتُ الكوكتيل الخاصة بهم على نحوٍ صحيح. لا يوجد رجلٌ في إنجلترا بأسْرِها يُمكنه فعلُ ذلك، ويوجد عددٌ قليل جدًّا من الرجال على متن الخطوط البحرية الأطلنطية الذين يُمكنهم ذلك. لكنني أُعلِّمهم بالتدريج. لقد شرحتُ هذا ستَّ مرات. إنهم يدَّعون أنهم يُعطونكم في إنجلترا مشروباتٍ أمريكية، لكن لا بد أنك تعرف كيف أنها لا تَرْقى إلى المستوى المطلوب.»
«أنا متأكد أنني لن أعرفَ هذا؛ لأنني لم أتذوَّقْ أيًّا منها.»
«آه، صحيح؛ لقد نسيتُ هذا. حسنًا، لقد درَّبتُ رجلَ الحانة هذا، وهو يعرف الآن كيف يصنعُ كوكتيلًا جيدًا على نحوٍ معقول؛ وكما قلت، فإن هذا السرَّ سيجلب له الكثيرَ من المال من الركاب الأمريكيين.»
كان جون كينيون يُفكر في حلٍّ لمشكلة التخلصِ من هذا الشخص الثَّرثار والكريم، عندما رأى الآنسةَ جيني بروستر الأنيقةَ تقترب منهما؛ وتساءل في نفسه عن سبب نظرةِ الحَنْق المرير التي كانت باديةً في عينَيها. ظنَّ أنها كانت تنوي الحديثَ مع السياسي الأمريكي، لكنه كان مخطئًا. لقد أتَت إليه مباشرةً، وقالت في نبرة ثائرة، تنمُّ عن غضبٍ شديد:
«حسنًا، يا جون كينيون، ما رأيك في صنيعك؟»
سأل الرجل المتحيِّر: «أي صنيع؟»
«أنت تعرف جيدًا أيَّ صنيع أقصد. يا لك من رجل بارع! إنك لم تكن لديك الشجاعةُ الكافية لمنعي من إرسال تلك البرقية، لذا فقد حرَّضتَ صديقتك على الذَّهاب لغرفتي ومنعي بوقاحةٍ من إرسالها.»
إن النظرة الخاليةَ من التعبير التي تنمُّ عن اندهاشٍ تامٍّ والتي كانت باديةً على وجه جون كينيون الصادقِ كانت ستُقنع أيَّ امرأة حكيمة بأنه لا يعرف أيَّ شيء على الإطلاق عما تتحدث عنه. تولَّد بالفعل انطباعٌ مضجِرٌ بهذا في عقل تلك الفتاة الغاضب. لكن قبل أن تستطيعَ التحدث، قال فليمنج:
«لا، لا، يا فتاتي العزيزة! إنكِ تتحدثين بصوت عالٍ للغاية. هل تريدين جذبَ انتباه كلِّ مَن على سطح السفينة؟ يجب ألا تصنعي فضيحةً بهذه الطريقة على متن السفينة.»
صرخَت قائلة: «فضيحة! سرعان ما سترى أتكون هناك فضيحةٌ أم لا. جَذْب انتباه كلِّ مَن على سطح السفينة! هذا على وجه التحديد ما سأفعلُه، حتى أكشفَ عن دناءة هذا الرجلِ الذي تتحدَّث إليه. إنه كان مدبرَ الأمر، وهو يعرف ذلك. إنها ليس لديها قطُّ من الذكاء ما يُمكِّنها من التفكير فيه. لقد كان شديدَ الجُبن بحيث لا يُمكنه أن يفعلها بنفسه؛ ولذا، حرَّضها على تنفيذ تدبيره الخسيس.»
قال فليمنج: «حسنًا، حسنًا، حتى لو فعل كلَّ هذا، أيًّا ما كان، فلا فائدةَ من جذب الانتباه إليه هنا على سطح السفينة. انظري كيف أن الجميع يستمعون لما تقولين. فتاتي العزيزة، أنتِ غاضبة بشدة ولا تستطيعين أن تتحدَّثي الآن؛ لذا، فإن أفضل شيء يُمكنكِ فعله هو أن تذهبي إلى غرفتكِ.»
ردَّت، مهاجمةً إياه بغضب: «مَن طلبَ منك أن تتدخل؟ أرجو أن تهتمَّ بشأنك، وتدعَني أهتم بشأني. كنتُ أعتقد أنك لا بد اكتشفتَ قبل ذلك أنَّ بإمكاني تدبُّر شئوني.»
رد السياسيُّ محاولًا تهدئتها: «بالتأكيد، بالتأكيد، يا عزيزتي، أنا آسفٌ أنني لا أستطيع دعوتَكما لتناول كأسٍ معي والتحدث بشأن هذا الأمر بهدوء. هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الأمور، وليس الوقوفُ هنا للتعنيف على سطح السفينة، والكل يستمع إليكما. والآن، إذا كنتِ ستتناقشين بهدوء حول هذا الأمر مع جون هنا، فأنا متأكد أن كلَّ شيء سيكون على ما يُرام.»
ردت الفتاة: «أنت لا تعرف ما تتحدث بشأنه. هل تعرف أنه كانت لديَّ رسالة مهمة كان عليَّ إرسالُها لصحيفة «آرجوس» وقد جاءت صديقة هذا الرجل، بالطبع بتحريضٍ منه، إلى غرفتي ومنعتني فعليًّا من الخروج منها حتى غادر القارب؛ وذلك حتى لا يُمكِنَني إرسالُ الرسالة؟ فكِّر في دناءةِ ذلك الفعل وخسَّتِه، ثم تحدث معي عن التحدث على نحوٍ عاصف!»
أقنعَ تعبيرُ الاندهاش البادي على وجه كينيون الصحفية، أكثرَ مما كانت ستفعل تأكيداتُه بأنه لا يعرف أيَّ شيء على الإطلاق عن هذا الفعل الطائش.
سألها فليمنج: «ومن منَعَكِ من الخروج من غرفتكِ؟»
ردت بحدة: «هذا ليس مِن شأنك.»
قال كينيون في النهاية: «أرجو أن تُصدِّقي أنني ليس لدي أيُّ علم على الإطلاق بكل هذا؛ لذا، كما ترين، ليس هناك فائدةٌ من الحديث معي بشأنه. أنا لن أتظاهرَ بأنني آسف؛ لأنني لستُ كذلك.»
أدى هذا إلى اشتعالِ الموقف أكثر، وكانت على وشك الحديث بحدةٍ مرةً أخرى، عندما تركَها هي وفليمنج في مواجهةِ بعضهما بعضًا، مبتعدًا عنهما بطريقةٍ سريعة ومفاجئة. ثم استدارت الفتاةُ ورحلت بسرعة، تاركةً السياسيَّ المندهش بمفردِه، بحيث لم يكن أمامه ما يُمكنه فعلُه سوى أن يذهب إلى غرفة التدخين وأن يطلب من شخصٍ آخرَ أن يشرب كأسًا معه، وهو ما فعله على الفور.
ذهبت الآنسة بروستر إلى غرفة القبطان وطرَقَت الباب. وعندما سُمح لها بالدخول، وجدت الرجلَ جالسًا على طاولته وأمامه بعضُ الخرائط وعلى وجهه نظرةٌ منهكة قد تُنذِر بأن هذا لم يكن الوقتَ المناسب للحديث بشأن أيِّ شكاوى شخصية.
قال باختصار عندما دخلَت: «ما الأمر؟»
قالت: «لقد جئتُ إليك، يا قبطان، لأنَّ شيئًا فظيعًا قد حدث على متن هذه السفينة، وأنا أرغب في الإنصاف. والأكثر من ذلك، أنني سأحصل عليه!»
سألها القبطان: «ما هو «الشيء الفظيع»؟»
«كانت هناك رسالتان كان عليَّ إرسالُهما إلى نيويورك إلى صحيفة «نيويورك آرجوس» التي أنا مِن ضمن طاقمها.»
قال القبطان باهتمام: «نعم، وهل كانت هاتان الرسالتان متعلقتَين بما حدث على السفينة؟»
«إحداهما متعلقةٌ بما حدث، أما الأخرى، فلا.»
قال القبطان: «حسنًا، آمُل ألا تكوني قد قدمتِ عرضًا مبالغًا فيه للوضع الذي نحن فيه.»
«أنا لم أقدِّم أي عرض على الإطلاق، ببساطة لأنني مُنِعتُ من إرسال الرسالتين.»
قال القبطان، وقد بدَت على وجهه نظرةُ ارتياح، رغم محاولاته إخفاءها: «آه، حقًّا، ولكن ما الذي منعَكِ من إرسال رسالتَيكِ؟ كان الضابط سيأخذ معه أيَّ رسائل تُعطى له.»
قالت السيدة الشابة: «أعرف هذا، لكن عندما كنتُ في غرفتي أكتب آخِرَ الرسالتين، جاء شخصٌ مِن ركاب هذه السفينة — الآنسة لونجوورث — إلى غرفتي وحبسَني هناك حتى غادر القاربُ السفينةَ.»
انعقد حاجبا القبطان من الدهشة.
وقال: «سيدتي العزيزة، هذا اتهامٌ خطير جدًّا من جانبك. لقد سافرَت الآنسة لونجوورث عدة مرات معي، ويُمكنني القولُ إنني لم أصادف قط على متن سفينتي سيدةً شابة أكثرَ أدبًا منها.»
قالت الصحفية بغضب: «يا لها من سيدةٍ مؤدبة بشدة! لقد وقَفَت أمام بابي ومنعَتني من الخروج. لقد صرختُ طلبًا للعون، لكن صرخاتي لم يسمعها أحدٌ وسط هتاف الركاب عندما غادر القارب.»
«لماذا لم ترنِّي الجرس؟»
«لم أستطِع رن جرسي لأنها منعَتني من فعلِ ذلك. بالإضافة إلى ذلك، إن كنتُ قد استطعت الوصولَ إليه، فمن غير المحتمل أن أحدًا كان سيسمعه؛ إذ بدا أن الجميع كان يصرخ بصوت عالٍ بينما كان القارب يُغادر.»
«لا يُمكنك أن تلوميهم على ذلك. تعتمد الكثير من الأمور على سلامةِ هذا القارب. في الحقيقة، إذا فكَّرتِ في الأمر، فستجدين أن أيًّا كانت الشكوى التي قد تكون لديك، فإنها، في النهاية، شيءٌ تافه جدًّا مقارنةً بالحمل الذي يقع على كتفَيَّ الآن، وأنا أُفضل ألا يكون لي أيُّ علاقة بالخلافات التي بين الركاب حتى نخرجَ من مأزقنا الحالي.»
«المأزق ليس له أيُّ علاقة على الإطلاق بهذا الأمر. أنا أخبرك بحقيقة. أنا أُخبرك بأن أحد ركابك جاء وحبَسَني في غرفتي. وأنا آتيةٌ إليك من أجل أن تُنصِفَني. والآن، يجب أن يكون هناك قانونٌ ما على متن السفينة يحلُّ محلَّ القانون العاديِّ على الأرض. أنا أُقدم هذا الطلبَ رسميًّا لك. إذا لم تستمع لي ورفضتَ أن تُنصفني في شكواي، إذن، فيُمكنني أن ألجأَ إلى الرأي العامِّ عبر صحيفتي، وربما ستكون هناك أيضًا فرصةٌ للحصول على العدالة عبر قانون الأرض التي أنا ذاهبة إليها.»
قال القبطان بهدوء: «سيدتي العزيزة، يجب ألا تُهدديني. أنا لستُ معتادًا على أن يتحدث معي أحد بتلك النبرة التي أخذتِ على نفسك استخدامَها. والآن، أخبريني ما الذي تريدين مني أن أفعل.»
«أنت مَن سيقول ماذا سيفعل. أنا راكبةٌ على متن هذه السفينة، ومن المفترض أن أكون تحتَ حماية قبطانها. أنا أخبرك بأنني قد حُبِستُ قَسْرًا في غرفتي، وأطلب أن يعاقب الشخص الذي قام بهذا.»
«تقولين إن الآنسة لونجوورث هي الشخص الذي قام بهذا؟»
«نعم، هذا ما أقوله.»
«والآن، هل تُدركين أنك تُوجِّهين اتهامًا خطيرًا لتلك السيدة الشابة؛ وهو اتهام أجدُه صعبَ التصديق على نحوٍ ملحوظ؟ هل لي أن أسألكِ عن السبب وراء اضطرارِها إلى فعلِ ما تقولين إنها قد فعَلَته؟»
«إنها قصة طويلة. وأنا على أتم الاستعداد كي أوضح لك أنها حاولَت رِشْوتي حتى لا أُرسل إحدى الرسالتين، وعندما لم تنجح في ذلك، حبَسَتني قسرًا في غرفتي؛ حتى لا أتمكنَ من إرسال تلك الرسالة.»
فكَّر القبطان فيما قيل له.
«ألديكِ أيُّ دليل على هذه التهمة؟»
«إثبات! ماذا تقصد؟ أتشكُّ في كلامي؟»
«أنا أقصد تمامًا ما أقول. هل لديكِ أيُّ شخص يمكنه إثباتُ الاتهام الشديد الخطورة الذي تُوجِّهينه لها؟»
«بالتأكيد لا. ليس لديَّ دليل. إذا كان هناك شاهد، ما كان الأمرُ سيحدث. إن كان بإمكاني طلبُ المساعدة، ما كان هذا سيقع. كيف لي أن أمتلِكَ أيَّ دليل على مثلِ هذا الانتهاك؟»
«إذن، ألا ترَين أنه من المستحيل بالنسبة إليَّ أن أتخذَ إجراءً فيما يتعلَّق بكلامك الذي ليس عليه دليل؟ ألا ترين أن الآنسة لونجوورث ستطلب منك تقديمَ دليلٍ على ما قلتِه، إذا ما اتخذتِ خطواتٍ أخرى في هذه المسألة الغريبة؟ وإذا أنكرَت قيامها بما قلتِ إنها قد قامت به، وفَشِلتِ في إثبات ادِّعائك، فيبدو لي أنك ستكونين في موقفٍ صعب للغاية. إنك ستكونين معرَّضةً للمقاضاة بتهمة التشهير. فكِّري في الأمر بهدوءٍ لبقية اليوم قبل أن تتخذي أي إجراء آخر بشأنه، وأنصحُكِ بشدة بألا تذكري هذا الأمرَ لأي شخص على متن السفينة. ثم غدًا، إذا كنتِ لا تزالين على رأيك، فتعالي إليَّ.»
على إثر هذا، تركت السيدة الشابة غرفةَ القبطان وقابلَت فليمنج بالخارج الذي قال لها:
«آنسة بروستر، أريد أن أتحدثَ إليكِ. لقد كنتِ فظَّة جدًّا معي قبل قليل.»
«سيد فليمنج، أنا لا أريد أن أتحدث معك.»
«أوه، لا بأس … لا بأس؛ لكن دعيني أخبِرْك بالآتي: إنكِ شابة ذكية للغاية، وقد تسبَّبتِ في أذيتي بشدة مرةً أو مرتين في حياتك. وقد عرَفت كلَّ شيء عن هذا الأمر، وهو يُعَد من أطرفِ الأشياء التي سمعتُ بها.»
قالت السيدة الشابة بحدَّة: «طريف للغاية، أليس كذلك؟»
«بالطبع، إنه طريفٌ للغاية؛ لكن عندما يظهر بالتفصيل في الصحف المنافِسة لصحيفة «آرجوس»، ربما لن تُلاحظي مدى طرافته؛ رغم أن الجميع غيرَكِ في نيويورك سيفعل، وهذه إحدى سبُل العزاء.»
«ماذا تقصد؟»
«أقصد أن أقول يا جيني بروستر إن عليكِ أن تنسَيْ هذا الأمر إلا إذا أردتِ أن تَبْدي حمقاء. لا تدَعِي أحدًا، بحقِّ السماء، يعرف أنكِ عُوملتِ بالطريقة التي عوملتِ بها على يدِ فتاةٍ إنجليزية. خُذي بنصيحتي ولا تتحدَّثي عن هذا الأمر مرةً أخرى.»
«وما شأنك بهذا الأمر؟»
«لا شأن لي به على الإطلاق؛ وهذا هو سببُ تدخُّلي فيه. ألا تعرفيني بالقدر الكافي بحيث تُدركين أن لا شيء يُسعدني في هذه الدنيا أكثرَ من تدخلي في شئون الآخرين؟ لقد عرَفتُ كل شيء عن الفتاة التي حبسَتكِ، ويا له من فعلٍ شديد الشجاعة ذلك الذي قامت به. لقد رأيتُ تلك الفتاة على سطح السفينة، وأُعجِبتُ بسَمْتِها العام. لقد أُعجبتُ بطريقة مشيها. واستقلاليتُها تروق لي. إنها فتاة لن تُسبب لأي رجلٍ أيَّ مشكلة إن كان سعيدَ الحظ بالقدْرِ الكافي واستطاع اكتسابَ ثقتها. وأنا لستُ على استعداد لأن أرى هذه الفتاةَ تتعرض لأي مشكلة على يديك، أتُدركين هذا؟!»
«وهل لي أن أسأل كيف ستمنع ذلك؟»
«هل لكِ أن تسألي؟ بالطبع، لكِ هذا. سأُخبرك كيف سأمنعُ هذا. ببساطةٍ بمنعِك عن فعل أيِّ شيء آخرَ في هذا الأمر.»
«إذا كنت تعتقدُ أن بإمكانِك فعلَ هذا، فأنت مخطئٌ بشدة. أنا سأجعل تلك الفتاةَ تُوضَع في السجن، إذا كان هناك قانونٌ على الأرض.»
«حسنًا، أولًا: نحن لسنا على الأرض؛ وثانيًا: أنتِ لن تفعلي شيئًا من هذا القبيل لأنكِ إن فعلتِ، فسوف أذهب إلى مراسلي لندن التابعين لصحفِ نيويورك الأخرى وأُفصِح لهم عن قصتكِ اللعينة كاملةً. سأُخبرهم كيف أنَّ الآنسة دولي ديمبل الذكية والجميلة، التي خدعت العديد من الأشخاص في حياتها، قد حُبِسَت في غرفتها؛ وسأحكي لهم كيف حدثَ هذا. وسيكونون سعداءَ للحصول على هذه القصة، كوني واثقةً من هذا! سيكون هذا موضوعًا مثيرًا جدًّا للقراءة في الصحف المنافسة لصحيفتك في نيويورك في صباح أحدِ أيام الأحد الرائعة؛ وسيَظهر في عمودٍ ونصف، على ما أعتقد. ألن يكونَ هناك بعضُ الجدال في صحيفة «آرجوس» عندما يظهر هذا؟! إنه لن يكون بسبب عدمِ إرسالكِ للرسالة التي كان من المفترض أن تُرسليها، ولكن بسبب غبائك الشديدِ في نشر هذه القصة وجعل الصحف الأخرى تستغلُّها. إنَّ أفضل شيء يُمكنك فعله — وهو الشيء الوحيد الذي عليكِ فعلُه — هو أن تتكتَّمي قدرَ الاستطاعة على الأمر. أنا مندهشٌ من أن فتاةً ذكية مثلك، يا دولي، تُحدث جدلًا كبيرًا كهذا، عندما يجب أن تكون أولَ من تُحاول إبقاءه سرًّا.»
فكَّرَت المراسلةُ الصحفية في هذه الكلمات.
«وإذا تكتمْتُ على الأمر، فهل ستفعل أنت الشيء نفسَه؟»
«بالتأكيد؛ لكن يجب أن تتذكَّري أنكِ إن حاولتِ يومًا القيامَ بإحدى حِيَلِك للحصولِ على معلوماتٍ مني ثانيةً، فستخرج تلك القصةُ بالكامل للنور. لا تنسَي ذلك.»
قالت الآنسة جيني بروستر: «لن أفعل.»
وفي صباح اليوم التالي، بينما كان القبطان ينتظر بقلقٍ مجيئها إلى غرفته، لم تأتِ.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الرابع عشر
في النهاية، يجب الاعترافُ بأن جورج ونتوورث كان رجلًا ذا شخصيةٍ متقلِّبة بعضَ الشيء. على مدى آخرِ يومين أو ثلاثةِ أيام، كان مكتئبًا بشدةٍ مثل رجل يُفكر في الانتحار؛ أما الآن، فبينما الجميعُ حوله كانوا يتساءلون بقلقٍ عما سيحدث للسفينة، صار هو فجأةً أكثرَ الأشخاص تهلُّلًا على متن السفينة. أن يكون المرء متقلبَ المِزاج ومضطربًا في حالة الخطر الوشيك، فهذا أمر ليس مفاجئًا على الإطلاق؛ لكن أن يتهلَّل المرءُ فجأةً ويدخلَ في حالةٍ عامة من الابتهاج بعد أن كان يعيشُ في حالة من الحزن والاكتئاب، فهذا شيء غيرُ معتاد. ظن الناسُ أنها لا بد أن تكون حالةً من الاضطراب العقلي. لقد راقَبوا الشابَّ باهتمام بينما كان يمشي بخطًى نشيطة هنا وهناك على سطح السفينة. بين الحين والآخر، كانت ابتسامةٌ مضيئة تُنير وجهه، ثم كان يبدو أنه يشعر بالخجل من ملاحظة الناس لشعوره بالفرح الشديد. وعندما يكون بمفرده، كان لديه عادةُ ضربِ فخذه بقوة والانفجار في ضحكٍ طويل ومنخفض النبرة، وليس عاليَ النبرة وصاخبًا. لم يكن أحدٌ أكثرَ اندهاشًا من هذا التغيير من السياسيِّ فليمنج. لقد قابله جورج على سطح السفينة، ولدهشةِ هذا الرجل الكريم، ضرَبه برفقٍ على ظهره وقال:
«سيدي العزيز، عندما تحدثتَ إليَّ قبل بِضْعة أيام، أخشى أنني ردَدتُ عليك ببعضِ الغِلظة. أرجو منك المعذرة. تعالَ وتناول معي كأسًا.»
قال فليمنج بمرح: «أوه، لا عليك، كلنا نمرُّ بحالاتِ حزنٍ قليلة بين الحينِ والآخَر. أنا نفسي أمرُّ بها، عندما يكون الشراب سيئًا أو قليلًا! قد لا تصدق هذا، لكنني أشعر في بعض الأيام بعدم السعادة. صحيحٌ أن لديَّ وصفةً لرفع المعنويات ثانيةً، دائمًا ما أستخدمها. وهذا يُذكِّرني بما قاله حاكمُ نورث كارولينا لحاكم ساوث كارولينا، هل تتذكره؟»
قال ونتوورث: «أنا بالطبع لا أعرف؛ فكما ترى، أنا لستُ على درايةٍ كبيرة بعالم السياسة في الولايات المتحدة.»
«حسنًا، ليس للسياسة علاقةٌ كبيرة بهذه الملاحظة. لقد قال فقط: «إنه لوقت طويل بين كل كأس والأخرى.» فتعالَ وتناوَلْ شيئًا معي. يبدو لي أنك لم تشرب شيئًا في صُحبتي منذ بداية الرحلة.»
قال ونتوورث: «أعتقد أن هذه مقولةٌ صحيحة. دعنا نُعدلها في أسرعِ وقتٍ ممكن، فقط في هذه الحالة، دعني أدفَعْ ثمن الكئوس. أنا أدعوك للشرب معي.»
قال فليمنج: «أبدًا، أبدًا! ليس بينما أنا هنا. سيكون هذا على حسابي، ومن الغريب أن يقضيَ شخصٌ أسبوعًا مع شخص آخرَ دون أن يعرفه. في الواقع، كما ترى، أنا لم أعرفك حتى الآن.»
وهكذا، ذهب الرجلان الكريمان إلى غرفة التدخين ورنَّا الجرسَ الإلكتروني.
لكنَّ سعادة جورج ونتوورث كانت تبدو في أبهى صورها في غرفته. كان يُمسك بجون كينيون من كتفه ويهزُّ هذا الرجل الرزين، الذي كانت تبدو على وجهه بوجهٍ عام ابتسامةٌ جادة جدًّا عندما كان يلاحظ السعادةَ الشديدة لرفيقه.
صاح ونتوورث: «جون، لماذا لا تضحك؟»
رد رفيقُه: «حسنًا، يبدو لي أنك تضحكُ بالقدر الكافي لنا نحن الاثنين. من الضروريِّ أن يكون أحدُ عضوَي الشركة رزينًا وجادًّا. أنا أحاول الحفاظ على التوسُّط على نحوٍ صحيح. عندما كنتَ تمرُّ بحالةِ اكتئاب شديد، كان عليَّ أن أبدوَ مبتهجًا لنا نحن الاثنين. والآن حيث إنك مبتهجٌ بشدة، فأنا ألتزم حالةَ الكآبة، لأحصلَ على بعض الراحة بعد محاولاتي الحثيثة لأن أبدوَ مبتهجًا.»
«حسنًا، يا جون، يبدو لي أن ما حدث كان رائعًا لدرجةِ أنه لا يكاد يُصدَّق. يا لها من فتاة شجاعة بحيث تقومُ بهذا الأمر! مَن أدراها أن الوضيعة الشابَّة لم يكن معها مسدَّس وقد تُطلق الرَّصاص عليها منه؟»
«أعتقد أنها لم تُفكر في هذا على الإطلاق.»
«هل رأيتها منذ هذا الحدَث المثير؟»
«رأيت مَن؟ الآنسة بروستر؟»
«لا، لا؛ أقصد الآنسة لونجوورث.»
«لا، إنها لم تظهر بعد. أعتقد أنها تخاف أن تتعرَّض لموقف محرج، وهي تسعى لتجنُّبه.»
قال ونتوورث: «هذا هو الوضع على الأرجح.» ثم أضاف: «حسنًا، إذا رأيتَها، يُمكن أن تخبرها أنه لا يوجد أي خطر. تحدث صديقي المرِح، فليمنج، مع تلك الصحفية، هكذا قال لي، والطريقة التي وصف بها كيف سار الأمرُ رائعةٌ على نحوٍ كبير. لقد هددها بأن يُفصِحَ عن قصة حبسها من قِبَل فتاة إنجليزية لصحف نيويورك الأخرى، ويبدو أن الشيء الوحيد في هذا العالم الذي تخشاه الآنسة بروستر هو الصحف المنافسة. لذا، وعدَت بألا تتحدث على الإطلاق مرة أخرى عن تلك الحادثة.»
«إذن، أنت تتحدث مع فليمنج؟»
«بالتأكيد؛ كما أنه شخصٌ طيب ومرح. أنا أفعل ما هو أكثرُ من الحديث معه؛ أنا أشرب معه.»
«ومع ذلك، منذ يومٍ أو يومين، على ما أعتقد، كنتَ تُهدد بأنك ستضربه.»
«منذ يوم أو يومين، يا جون! كان هذا منذ دهور. ولم يكن منذ يومٍ أو يومين. لقد كان منذ عدةِ سنينَ أو قرون، كما يبدو لي. لقد كنتُ حينها رجلًا عجوزًا؛ أما الآن، فقد عدتُ شابًّا مرة أخرى، وكل هذا بفضل الفعل الشجاع الذي قامت به فَتاتُك التي تُشبه الملائكة.»
قال كينيون بجدية: «إنها ليست فتاتي؛ أتمنى أن تكون كذلك.»
«حسنًا، ابتهِج. كلُّ شيء سيُصبح على ما يُرام؛ كما ترى، إن هذا يحدث دائمًا. لا يوجد أسوأُ من هذا الأمر المتعلِّق بالرسالة منذ بضعة أيام، وانظر كيف اختلف الأمر الآن على نحوٍ رائع.»
لم يقل كينيون شيئًا. لم يُرد مناقشة الأمر حتى مع أفضلِ أصدقائه. صعد الاثنان معًا على السطح، وقاما ببعض الانعطافات بطوله، وكانت عينا كينيون أثناء مشيِه موجَّهتَين تجاه الجالسين على كراسيِّ السطح، لكنه لم يرَ الشخص الذي كان يبحث عنه. ترك كينيون صديقه ليستمرَّ في مشيه بمفرده، بعد أن أخبره بأنه سيذهب لأسفل للحظات، وعندما وصل إلى القاعة الرئيسية، تحدث إلى إحدى الخادمات.
«هل تعرفين إن كانت الآنسة لونجوورث في غُرفتها أم لا؟»
كان الرد: «نعم، يا سيدي، أعتقد أنَّها هناك.»
«هل لكِ أن تُعطي لها هذه الرسالة؟»
جلس جون منتظرًا الردَّ. لم يأتِ الرد في يد الخادمة. بل جاءت إديث نفسُها وراحت تنظر بوجَلٍ عبر القاعة، وعندما رأت كينيون بمفرده، دخلَتها. وهبَّ هو واقفًا ليُقابلها.
قال: «خشيتُ أن تكوني مريضة.»
ردت: «لا، أنا لست مريضة، ولكني كنتُ على وشك ذلك.» وأضافت: «أوه، يا سيد كينيون، لقد قمتُ بأفظعِ شيء في العالم! أنت لا تستطيع تخيُّلَ كم كنتُ جريئة وشريرة!» وهنا بدأَت الدموعُ تتجمع في عينَيها.
مد كينيون يدَه إليها، وأخذتها.
قالت: «أخشى المكوثَ معك هنا، خوفًا من …»
قال كينيون: «أوه، لقد عرَفتُ كلَّ شيء عن الأمر.»
«أنت لا يمكن أن تكون قد عرَفت بالأمر؛ أنت بالطبع لا تعرف ما فعلت، أليس كذلك؟»
«بلى، أنا أعرف تمامًا ما فعلتِ؛ وكلنا معجبون بشدةٍ بشجاعتكِ.»
«لم يصبح الأمر بالتأكيد مَثارَ حديثِ كلِّ مَن على متن السفينة، أليس كذلك؟»
«بلى، لم يُصبح كذلك؛ لكن الآنسة بروستر اتهمَتنِي بكوني شريكًا في الأمر.»
«وأنت بالطبع أخبرتَها بأنك لم تكن كذلك؟»
«لم أستطِع إخبارها بأيِّ شيء، لسبب بسيط وهو أنني لم تكن لديَّ أدنى فكرةٍ عما كانت تقوله؛ لكن تلك هي الطريقة التي عرَفتُ بها ما حدث، وأنا هنا لأشكرَك، آنسة لونجوورث، على الفعل الذي قمتِ به. أنا أعتقد بحقٍّ أنكِ أنقذتِ عقل صديقي ونتوورث. لقد أصبح رجلًا مختلفًا منذ وقوع الحادثة التي نتحدث بشأنها.»
«وهل رأيتَ الآنسة بروستر منذ ذلك الحين؟»
«أوه، نعم؛ كما كنتُ أقول لكِ، لقد قابلتها على سطح السفينة. يا إلهي! يا لغفلتي! لقد نسيتُ أنكِ تقفين. هلا تجلسين؟»
«لا، لا؛ لقد مكثتُ في غرفتي لمدة طويلة لدرجة أنني سعيدةٌ لوقوفي في أي مكان.»
«إذن، هلا تصعَد معي على سطح السفينة؟»
قالت: «أوه، أخشى … أخشى حدوثَ مواجهة علَنية؛ وأنا متأكدة، من خلال النظرة الأخيرة التي رأيتُها في عينَي الفتاة، أنها لن تتوانى عن عمل أيِّ فضيحة لتنتقم. أنا آسفة أن أقول إنني أخشى بشدةٍ لقاءَها. بالطبع، من وجهة نظرها، لقد ارتكبتُ خطأً شنيعًا في حقِّها. وربما الأمر كذلك من وجهة نظر الجميع.»
قال جون كينيون بود: «آنسة لونجوورث، يجب ألَّا تخافي على الإطلاق لقاءها. إنها لن تقولَ شيئًا.»
«كيف عرَفتَ ذلك؟»
«أوه، إنها قصة طويلة. لقد ذهبَت إلى القُبطان بشَكْواها، ولم تحصل على دعمٍ كبير هناك. سأخبركِ بالأمر كلِّه على سطح السفينة. احصلي على غِطاء وتعالَي معي.»
عندما أعطى كينيون هذا الأمر الحاسم، أدرك أنه كان يسمحُ لنفسه بحقٍّ لم يُتَح له بعد، واحمرَّ وجهه عندما تساءل في داخله عما إذا كانت إديث سترفض رفعَه للكُلفة في حديثه؛ لكنِ اكتفَت بالنظر إليه بابتسامةٍ مشرقة وقالت:
«سأفعل، يا سيدي، كما أمرت.»
قال كينيون: «لا، لا، إنه لم يكن أمرًا، رغم أنه بدا كذلك. إنه كان أمرًا متواضعًا؛ على الأقل، أردتُ أن يكون هكذا.»
«حسنًا، سأحصلُ على الغطاء.»
عندما تركَته لتذهبَ إلى غرفتها، سُمِع هُتاف كبير على سطح السفينة. توقفَت، ونظرَت إلى كينيون.
سألته: «ماذا يعني هذا؟»
كان الرد: «لا أعرف.» وأضاف: «رجاءً ضَعي الغِطاء عليكِ ودعينا نصعَدْ إلى السطح ونرَ ماذا حدث.»
عندما وصلا إلى السطح، رأَيَا الجميعَ في الجزء الأمامي من السفينة. وكان مرئيًّا في الأفق الشرقيِّ ثلاثةُ آثار من الدخان الأسود، التي كانت على ما يبدو تقتربُ منهم.
كان الجميع يتهامسون ويقولون: «إنها قواربُ السَّحْب. إنها آتيةٌ لمساعدتنا.»
القليل جدًّا ممَّن هم على متن السفينة كان يعرف أنَّ بقاءهم على قيد الحياة كان يرجع كلِّيةً إلى الطقس الجيد. لقد أثبت العملُ المستمرُّ للمضخَّات للجميع، الذين فكَّروا في الأمر، أن التسريب كان خطيرًا؛ لكن نظرًا إلى أن تدهوُرَ حال السفينة كان أمرًا غيرَ معروفٍ بالنسبة إلى الجميع ما عدا الخبراء منهم بالأمر، فلم يكن أحدٌ ما عدا الضبَّاط البحريِّين يعرف حقًّا الخطرَ الحقيقي الذي كانوا فيه. ورغم السعادة التي كان يشعر بها الركاب عندما رأَوا تلك القواربَ الثلاثة تقترب، فإن أكثر مَن سَعِد بالأمر كان هو الشخصَ الذي يعرف كلَّ شيء بشأن الكارثة وآثارِها، ألا وهو: القبطان.
اجتازت إديث لونجوورث وجون كينيون السطحَ معًا، ولم يتزاحما مع الآخَرين على الوجود في الجزء الأمامي في السفينة، لمشاهدة قواربِ السَّحْب التي كانت تقترب تدريجيًّا. وعن قصدٍ، جعل جون كينيون الفتاةَ التي كانت معه تقفُ أمام الآنسة جيني بروستر، وعلى الرغم من أن تلك الفتاة كانت تُحملق بغضبٍ شديد في إديث، التي احمرَّت وجنتاها من الخوف والاضطراب، فلم تَقُل أي شيء؛ وعرَف كينيون أن رفيقته بعد ذلك لن تشعر بقلقٍ شديد من لقاء المرأة التي دخلَت معها في مواجهة لمدة خمسِ دقائق عاصفة. وسرعان ما بدأَت قواربُ السَّحب تسحب السفينة الكبيرة، وأخذت الأربع المركبات تتقدم ببطءٍ باتجاه كوينزتاون، وقد تقرر إنزال كلِّ الركاب هناك، وسحب السفينة المعطَّلة إلى ليفربول، إن أثبتَ فحصُ هيكل السفينة أن هذا الخيار سيكون آمنًا. ودَّع الركابُ كلٌّ منهم الآخرَ بعد أن غادروا السفينة، والعديد ممن كانوا على متنها لم يرَ كلٌّ منهم الآخرَ مرةً أخرى. واحدةٌ على الأقل منهم لم تكن حزينةً على ترك السفينة أو لديها مَن تُودعه عليها، لكن كانت هناك مفاجأة بانتظارها. لقد وجدَت جيني بروستر برقيةً بانتظارها من نيويورك. وقد جاء فيها: «لا تُرسلي شيئًا بشأن المناجم. ستُرسل رسالةٌ بالتفاصيل.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الخامس عشر
لندن الموحلة والممطرة التي يُغلفها الضباب؛ لندن بحافلات النقل العامِّ السريعة الممتلئة بالركاب التي تنطلق في الشوارع، وتُعَد أخطرَ من عربات روما ذاتِ العجَلتَين؛ لندن مرة أخرى! التي تجرُّها الخيول؛ لندن، بطرقها المزدحمة، ومرورها المتوقِّف في الأركان بسبب إيقاف السير من قِبَل رجل شرطةٍ برفعه ليده المغطَّاة بقفاز أبيض؛ لندن، بعرباتها ذات الأربع العجلات التي تجرُّها الخيول والممتلئة عن آخرها بالمتاع، وعرباتها ذات العجلتَين التي تسير بسرعة، متفاديةً عجلاتِ المركبات الأخرى بشِقِّ الأنفس، بينما راكبُها يجلس وهو يُدخن بهدوء أو يُوجِّه سائقَه للطريق بمظلته؛ لندن، الممتلئةُ طرقُها دائمًا بكل أنواع العربات ذاتِ العجلات؛ من العربات ذات الأربعة الأحصنة وحتى العربات ذات العجَلتين التي تُدفَع باليد. لندن، لندن، لندن، لندن! بدا أن الاسم كان يرنُّ في أذنَي جون كينيون بينما كان يسير بخفَّةٍ بطول الرصيف المزدحم المؤدِّي إليها. إنَّ صخب شوارع لندن المزدحمة كان أعذبَ موسيقى في العالم بالنسبة إليه، كما كان بالنسبة إلى أي شخص أُعجب يومًا بلندن. اشرب من نافورة تريفي، وستعود ثانيةً إلى روما. اشرب من صخب وضجيج لندن، ولن تشعر أبدًا بحنينٍ داخلك لأيِّ مدينة في العالم سِواها. لندن هي لندن، وجون كينيون كان يعشق حتى عيوبَها بينما كان يسير في طرقاتها.
انطلق كينيون إلى مكتب جورج ونتوورث، واصطحب معه هذا الرجل الشابَّ، وذهَبا معًا إلى مكان انعقاد الاجتماع المؤجَّل لمجلس إدارة شركة لندن سينديكيت. كانت هناك أسئلةٌ ستُطرَح على الرجلَين، ولم يفهم المديرون سببَ عرض التقريرين عليهم فجأة، قبل وصول الخبيرين اللذَين أرسلوهما. لذا، فقد اكتفَوا بقراءة المستندات في الاجتماع السابق وأرجَئوا قرارَهم حتى يحينَ الوقت الذي يمكن أن يحضر فيه الخبيران شخصيًّا. معظم المديرين كانوا هناك، لكن كينيون، رغم أنه نظر بتلهُّف إليهم، لم يرَ وسطهم السيد لونجوورث العجوز. طُرِحت على كينيون أسئلةٌ عن مكان المناجم ونِتاجها وغيرهما من التفاصيل التي أراد المديرون معرفتَها. ثم خضع ونتوورث لاستجواب مماثل. وأشار إلى التناقضات التي وجَدها في الحسابات. وأوضح أن هناك رغبةً واضحة من جانب مُلَّاك المناجم المختلفة لأن يبدوَ أن المناجم تُحقق أرباحًا أكبرَ من الأرباح الحقيقية، وأجاب على نحوٍ واضح ومقنِع عن كلِّ الأسئلة التي طُرِحت عليه. شكَر رئيس الشركة الشابَّين على العناية الواضحة التي أبدَياها في القيام بعمَلِهما، وتحوَّل الاجتماع بعد ذلك إلى جلسة خاصة لتدارُسِ القرار الذي يجب اتخاذُه بشأن المناجم. وعندما خرج الصديقان من المبنى، قال كينيون:
«شكرًا للربِّ أن هذا الأمر انتهى وانتهينا منه. والآن، يا جورج، ما رأيك بخصوص منجم الميكا؟»
قال ونتوورث: «أعتقد أنه من الأفضل أن نذهبَ إلى مكتبي ونتشاور هناك بهدوء في الأمر. دعنا نعقد جلسةً خاصة كما فعل هؤلاء المديرون. أشعر الآن بأنني غنيٌّ بعد حصولي على شيكي، وبعد كمِّ الشكر الذي وجَّهه لي رئيسُ الشركة؛ لذا، سأدفع شلنًا لأستقلَّ عرَبة بخيول كي أصِلَ إلى مكتبي على نحوٍ سريع ومريح. في واقع الأمر، منذ مجيئي إلى لندن، وأنا أُنفق كلَّ فائض نقديتي على عربات الأجرة هذه. إنها بالتأكيد أفضلُ وأرخص مَرْكبات في العالم. تذكَّر كم أخذ منا ذلك اللصُّ ليُوصلنا من الفندق إلى السفينة في نيويورك.»
قال كينيون: «أنا لا أحب تذكُّرَ هذا الأمر؛ فإنه يُصيبني بقُشَعْريرة!»
«هل تعرف، يا جون، أنني يجب ألا أحزن إن لم أرَ ثانيةً مدينة نيويورك العظيمة. إن لندن تُلائمني بشدة.»
«أوه، أنا لا أعرف! إن نيويورك رائعة. أُقرُّ بأن هناك واحدًا أو اثنَين من مُواطنيها لا أهتمُّ كثيرًا بأمرهما.»
قال ونتوورث: «إممم.» ثم بعد بضعِ دقائقَ من التفكير، قال فجأة، دون أي مقدمات: «هل تعرف، يا جون، أنني كدت أقعُ في غرام تلك الفتاة؟»
«ظننتُ أنك كنتَ منجرفًا في هذا الاتجاه.»
«منجرف! إنه لم يكن انجرافًا. لقد كان سقوطًا سريعًا ومجنونًا عبر الشلَّال، وقد بدأتُ مؤخرًا فقط أرى كيف أنني نجوتُ منه بأعجوبة. إن الرعب الذي كنتُ أشعر به في تلك الأيام، عندما كنت أظن أن الرسالة كانت ستُرسَل إلى نيويورك، منَع تمامًا تكوُّن أيِّ شعورٍ آخر تجاهها. لو كنت قد وجدت أنها فتاةٌ عابثة لا أملُّ منها — أو شيئًا من هذا القبيل — كانت تعبث معي، لشعرتُ بصدمةٍ كبيرة بالطبع، لكني كنت سأفكر في مشاعري. والآن، الشيء الغريب هو أنني لم أبدأ في التفكير في مشاعري حتى قَدِمتُ إلى لندن.»
«رائع جدًّا، يا ونتوورث؛ لو كنتُ مكانك، ما كنت سأفكر فيها الآن.»
«لا، أنا لا أنوي ذلك، تحديدًا. إن حقيقة أنني أتحدثُ معك بشأنها تُوضح أن تأثيرها لم يكن عميقًا جدًّا.»
أخذ ونتوورث نفَسًا طويلًا يمكن أن يُعتقَد خطَأً أنه تنهيدة، إن لم يكن قد أوضح منذ لحظاتٍ كيف أنه تحرَّر تمامًا من الشَّرَك الذي أوقعَته فيه لبعض الوقت الآنسةُ بروستر.
«رغم ذلك، إنها فتاة جميلة جدًّا، يا جون. لا يُمكنك إنكارُ هذا.»
«ليست لديَّ الرغبة في إنكار ذلك. أنا ببساطة لا أريد التفكير فيها على الإطلاق.»
«لا، ونحن لسنا في حاجةٍ إلى ذلك، حمدًا للرب. لكنها كانت مبهرة وذكية جدًّا. بالطبع، أنت لم تكن تعرفها مثلما فعلت. أنا لم أقابل قطُّ من قبلُ شخصًا … حسنًا، كل هذا أصبح من الماضي وانتهينا منه. لقد أخبرتها بكلِّ شيء عن أمر منجم الميكا الخاص بنا، وقد أعطتني نصيحةً حكيمة للغاية بشأنِه.»
ابتسم كينيون، لكنه احتفظَ بهدوئه.
«أوه نعم، أنا أعرف ما تُفكر فيه. لقد تحدثت عن مناجم أخرى أيضًا؛ لكن كان هذا خطئي، وليس خطأها على وجه التحديد. إنها كانت تتصوَّر أنها تفعل الشيءَ الصحيح، وفي النهاية، كما تعلم، أعتقد أننا أحيانًا لا ننظر بعين الاعتبار بالقدر الكافي إلى وجهة نظر الآخَرين.»
ضحك كينيون مِلءَ شدقَيه.
«يبدو لي أنك تُدافع عنها بالفعل. أتذكر أنك لم تأبَهْ كثيرًا بوجهة نظرها عندما كنت تجلس على مجموعة من الحبال في مقدمة السفينة؛ تلك الأيام التي لم تكن تتكلم فيها حتى معي.»
«أعترف بذلك، يا جون. لا، أنا لا أدافع عنها. لقد نجحتُ في إبعادها تمامًا عن فكري؛ بعد بعض الجهد. ماذا عن حالتك، يا جون؟»
«حالتي! ماذا تقصد؟»
«أنت تعرف جيدًا ما أقصد.»
«أعتقد أنني أتغاضى عن القليل من التصنُّع، فهل ستفعل أنت ذلك؟ لكن الرجل يُصبح عصبيًّا بعضَ الشيء عندما يُطرَح عليه مثلُ هذا السؤال. إن حالتي على الوضع الذي ترَكناها عليه في كوينزتاون.»
«ألم ترَها منذ ذلك الحين؟»
«لا.»
«ألن تفعل؟»
«أنا حقًّا لا أعرف ماذا سأفعل.»
«جون، إن هذه السيدة الشابة لديها اهتمامٌ شخصي واضحٌ بك.»
«يا ليتني كنتُ متأكدًا من هذا، أو بالأحرى، يا ليتني كنت متأكدًا من الأمر وفي وضعٍ يسمح لي … لكن ما الفائدة من الكلام؟ أنا فقيرٌ جدًّا.»
«لا، لكن إن نجح مشروعُ المنجم الخاص بنا، فسرعان ما ستصبح غنيًّا.»
«نعم، لكن كم سأربح؟ أنا لن أستطيع أبدًا نسيان نبرة الاستخفاف المتكبرة التي كان يتحدث بها شخصٌ معين عن الخمسين ألف جنيه. إن الأمر يصيبني بالقُشَعريرة كلما فكَّرت فيه. إن الخمسين ألف جنيه بالنسبة إليها كانت تبدو قليلة جدًّا؛ أما بالنسبة إليَّ فشيءٌ قد أحصل عليه بعد صراعٍ مدى حياتي.»
«لو كنتُ مكانك، ما كنتُ لأدعَ هذا يُحبطني كثيرًا؛ بالإضافة إلى ذلك، عليك … أوه! ها نحن قد وصلنا. سنتحدَّث عن هذا في وقتٍ آخر.»
بعد دفعِ أجرة سائق عرَبة الأجرة، صعد الشابَّان لأعلى إلى غرفة ونتوورث، وأغلقا الباب وراءهما، وسحب جون كرسيًّا ليجلس عليه بجانب صديقه.
قال ونتوورث: «والآن، ماذا فعلت بخصوص المنجم؟»
«لم أفعل شيئًا على الإطلاق. لقد كنتُ بانتظار هذا الاجتماع معك.»
«يا صاح، إن الوقت عاملٌ مهم في أي شيء من هذا النوع.»
«نعم، أعتقد ذلك.»
«كما ترى، إننا نخسَر خيارنا؛ فكل يوم نُضيعه يُقلل كثيرًا من فرصنا في النجاح. ألديك أيُّ اقتراح؟»
«سأُخبرك بما فكَّرت في فعله. لقد قلت لك إن ابن أخي السيد لونجوورث تحدَّث إليَّ كثيرًا عن المنجم في وقت سابق. لقد قدَّمتني إليه ابنة عمه، وبدا أنها كانت تعتقد أنه قد يكون لديه بعضُ الاهتمام بتأسيس الشركة. كان عليَّ أن أتشاورَ معك؛ لأن لونجوورث كان يرى أننا لا بد أن نجعل سعر المنجم مائتي ألف جنيه بدلًا من خمسين ألف جنيه.»
أطلق ونتوورث صافرةً طويلة.
«نعم، إنه يبدو مبلغًا كبيرًا للغاية؛ لكنه يرى أنه ينبغي أن يكون كذلك إذا كان سيعود بربح عشرة بالمائة. يُمكننا جعله مائتي ألف إذا كان بإمكاننا إثباتُ أن هناك فرصةً جيدة لتحقيق أرباحٍ كبيرة.»
«في الواقع، هذا يبدو معقولًا. ما الذي قاله بخلاف ذلك؟»
«إنه لم يقل أكثرَ من ذلك بشأنه؛ لأنني أخبرته بأن عليَّ أن أُشاورك في الأمر.»
«ولماذا لم تفعل؟ إن وجودنا معه على متن السفينة يُعَد واحدةً من أفضلِ الفرص التي كان يُمكننا الحصول عليها للحديث معه. في حقيقة الأمر، ربما كان بالإمكان إنهاءُ الاتفاق معه برُمتِه هناك.»
«أوه، في واقع الأمر، كما تعرف، لم يكن بإمكاني التحدثُ إليك عن الموضوع؛ لأن هناك مشكلةً ما قد حدَثَت، وقد كنتَ تقضي أغلب وقتك في الجزء الأمامي من السفينة، جالسًا على مجموعة من الحبال تلعن العالم بوجهٍ عام ونفسك بوجه خاص.»
«آه، نعم، أتذكَّر ذلك، بالطبع … نعم. رائع جدًّا، إذن، أنت لم ترَ لونجوورث هذا منذ ذلك الحين، أليس كذلك؟»
«نعم، لم أفعل.»
«ألن يدخل الثريُّ العجوز في هذه الصفقة؟»
«بدا أن ابنتَه كانت تعتقد أنه لن يفعل؛ لأن المبلغ صغير جدًّا.»
«لماذا لا يقوم هو بالأمر كلِّه بنفسه؟ إذا جعلنا السعر مائةَ ألف جنيه أو مائتي ألف جنيه، فمن المفترض أن هذا سيكون مبلغًا كبيرًا بالقدر الكافي بالنسبة إليه، إذا كان سيقوم بالأمر بمفردِه.»
«في واقع الأمر، كما ترى، أنا لا أعتقد أنهم يُفكِّرون في الدخول في هذه الصفقة بهذا السعر، إلا كنوعٍ من المضاربة. بالطبع، إذا كانت لديهم النيَّة لشراء بعض الأسهم، فمن غير المحتمل أنهم سيقترحون رفع السعرِ من خمسين ألف جنيه إلى مائتي ألف جنيه. إن لونجوورث الشاب تحدَّث عن تقسيم الرِّبح. وزعم أنه مهما بلَغ حجم الربح الذي سنُحقِّقه عندما يكون السعر خمسين ألف، فسيكون صغيرًا جدًّا بحيث لا يُمكن تقسيمه على ثلاثةِ أشخاص. لقد أخبرته بالطبع أنك شريكي في هذا الأمر، ولهذا، اقترح أن يكون السعر مائتي ألف جنيه.»
«أعتقد أنه بدا أنه لم يكن يُبالي بمسألة تحقيق المنجم لربحٍ على هذا المبلغ من عدمه، أليس كذلك؟»
«إنه لم يذكر ذلك على وجه التحديد؛ على الأقل، إنه لم يُناقش ذلك. لقد سأل ما إذا كان سيُحقق ربحًا على مبلغ مائتي ألف، وأخبرته بأنني أظن أنه سيُحقق ربحًا قدرُه عشرةٌ بالمائة. هذا إن أُديرَ على نحوٍ صحيح؛ ثم قال بالطبع إن هذا هو سعره، وإننا سنكون حَمْقى للغاية لطرحه للبيع بسعر خمسين ألف جنيه عندما تكون قيمته الحقيقية في واقع الأمر مائتي ألف جنيه.»
فكَّر ونتوورث في هذا لبضعِ دقائق، وهو يطرق بقلمه الرصاص على المكتب ويُقطِّب جبينه.
«إنها تبدو قفزةً هائلة، من خمسين ألف جنيه إلى مائتي ألف جنيه، أليس كذلك، يا جون؟»
«بلى، إنها كذلك؛ إن الأمر يبدو كنوعٍ من الاحتيال. لكن كم سيكون أمرًا رائعًا إن أمكن تحقيقُه على أرض الواقع، وإن أدرَّ الرِّبحَ المناسب عندما نستطيع تنفيذ الخطة بنجاح!»
«بالطبع، أنا لن أكون طرَفًا، ولا أنت أيضًا، في أي تزوير.»
«بالطبع لا. أنا لن أُفكر ولو للحظةٍ في رفع السعر إذا لم أكن متأكدًا من أن المنجم يستحقُّ ذلك. لقد كنت أعمل على مجموعة كبيرة من الأرقام التي ستُثبت على وجه التقريب كم سيُدِر المنجم، وهي لديَّ هنا في جيبي، وأنا مقتنعٌ تمامًا بأنه سيُحقق ربحًا يصل على الأقل إلى ١٠ بالمائة، وربما ١٢ أو ١٥.»
«في واقع الأمر، لن يُريد أيُّ أحد نسبةَ ربحٍ أفضلَ من هذه على أموالهم. ألديك الأرقامُ؟»
«نعم، ها هي.»
«رائعٌ للغاية، من الأفضل أن تتركها لي، وسأفحصها بدقة شديدة كما لو أنها أرقامُ شخص أشكُّ فيه بشدة، وآمُل أن تكون صحيحة؛ أما إذا لم تكن كذلك، فسأوضح لك مواضعَ الخلل فيها.»
«لكن، يا جورج، إنها مسألةٌ متعلقة بالحقائق أكثرَ من كونها متعلقةً بالأرقام. أنا أعتقد أن الجبل بأكمله مصنوعٌ من المعدن الذي يُعَدُّ ثمينًا للغاية، لكنني أرى أنه يُمكن استخراجُ ثُمن المادة الموجودةِ فيه فقط، وهو الأمر الذي يبدو لي تقديرًا معقولًا جدًّا.»
«نعم، لكن ما مدى الطلبِ عليها؟ ذلك هو السؤال المهم. قد تكون المادة مهمةً بالقدر الكافي، لكن لو كان يوجد عليها طلبٌ محدود؛ أقصد، أننا لو لدينا عشَرةُ أضعاف ما يحتاج إليه العالم، فإن الأجزاء التسعة الأخرى تكون نسبيًّا لا قيمة لها.»
«هذا صحيح.»
«هل تعرف عدد المنشآت الموجودة في العالم التي تستخدم هذه المادة؟»
«هناك العديد منها في إنجلترا، وأيضًا في الولايات المتحدة.»
«وماذا عن الضَّريبة المفروضة عليها في الولايات المتحدة؟»
«آه، هذا ما لا أعرفه.»
«حسنًا، يجب أن نعرف هذا. ما عليك إلا أن تكتب هنا استخداماتِها؛ وسأُحاول أنا الحصولَ على بعض المعلومات عن المصانع التي تحتاج إليها، وأيضًا عن الكميات التي تحتاج إليها في العام الواحد. سيكون علينا الحصولُ على كل تلك الحقائق والأرقام كي نضعَها أمام الأشخاص الذين سيقومون بالاستثمار؛ لأن النقطة المهمة، حسْبما أفهم، التي سنُبرزها ليست مادةَ الميكا، وإنما المادة الأخرى.»
«هذا صحيح.»
«رائعٌ جدًّا، إذن، اترك لي ما تعرفه بالفعل عن الأمر، وسأُحاول استكمالَ معلوماتك. في الحقيقة، علينا أن نستكملها، قبل أن يكون بإمكاننا الذَّهاب بها إلى أي شخص. والآن، أنصحك بزيارة آل لونجوورث — كلٍّ من لونجوورث العجوز والشاب — وقد تجد أن الحديث معهما في لندن مختلفٌ تمامًا عن الحديث معهما على متن سفينة «كالوريك». بالمناسبة، أتساءل عن سبب عدم وجود لونجوورث في اجتماع المديرين اليوم.»
«لا أعرف. لقد لاحظتُ غيابه.»
«من المحتمل جدًّا أنه قرَّر عدم الاستثمار في المناجم الأخرى، ومن ثَم قد تكون هناك إمكانيةٌ لاستثماره في منجمنا. هل تعرف عُنوانه؟»
«نعم، إنه معي.»
«إذن، لو كنتُ مكانك، لركبتُ عرَبة أجرةٍ وذهبتُ إلى هناك على الفور. وفي تلك الأثناء، سأُحاول ترتيبَ أرقامك على نحوٍ جيد، واستكمالَها قدر الإمكان. وهذا لن يكون أمرًا سهلًا، يا جون. يوجد الآن عددٌ كبير للغاية من المنشآت المعروضة على الناس للاستثمار فيها — الصحف زاخرةٌ بها — وكلٌّ منها يبدو أنه أفضلُ وسيلة لتحقيق الأرباح في العالم؛ لذا، إذا كنا سنطرحُ هذا المنجمَ للبيع دون أن يكون معنا مستثمرٌ معيَّن، فستكون مهمتُنا صعبةً للغاية.»
«إذن، أنت على استعدادٍ لرفع السعر حتى مائتي ألف جنيه؟»
«نعم، إذا كنت ترى أنه يستحقُّ ذلك. هذا ما يُمكننا تحديدُه على نحوٍ أفضل بعد فحصِنا للأرقام معًا. حريٌّ بنا أن نكون متأكِّدين من حقائقنا أولًا.»
«رائع جدًّا. وداعًا؛ سأذهب لمقابلة السيد لونجوورث.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل السادس عشر
لم يستقلَّ جون كينيون عربة أجرة. لقد مشى حتى يتوفَّر له بعضُ الوقت للتفكير. أراد أن يُرتب في ذهنه ما سيقوله للسيد لونجوورث؛ لذا، فقد تفكَّر في اللقاء الذي هو مقبلٌ عليه بينما كان يمشي عبر الشوارع المزدحمة للندن.
لم يكن قد انتهى بعدُ من ترتيب الأمور في ذهنه على نحوٍ مُرْضٍ عندما وصل إلى الباب المؤدي لمقرِّ شركة السيد لونجوورث.
قال في نفسه، بينما وقف هناك: «في النهاية، السيد لونجوورث لم يتحدث قطُّ معي بشأن منجم الميكا؛ ومن خلال ما تعتقدُه ابنته، من غير المحتمل أنه سيهتمُّ بالأمر. إن لونجوورث الشابَّ هو من تحدثَ معي بشأنه.»
لقد شعر بأن لونجوورث الشابَّ هو الشخص الذي يجب أن يزوره، لكنه كان خائفًا بعض الشيء من لقائه. إن الجانب القليل الذي رآه من شخصية ويليام لونجوورث على متن سفينة «كالوريك» لم يجعَلْه يُكوِّن عنه انطباعًا جيدًا، وقال في نفسه: يا ليتني لم أخبر ونتوورث بأنه من المتوقَّع أن يكون هناك استثمارٌ من جانب آل لونجوورث. لكنه قرَّر ألا يتهرب من اللقاء؛ لذا، صَعِد الدرَج حتى وصل إلى منطقة الاستقبال. ووجد المبنى أكبرَ بكثير مما كان يتوقَّع. وكان هناك على المكاتب العديدة موظَّفون كُثْر منهمكون بشدةٍ في عملهم. اقترب من مكان الاستعلامات، وقام رجلٌ ليستمع لما عليه قولُه.
«هل السيد لونجوورث موجود؟»
«نعم، يا سيدي. أيًّا منهما تُريد؛ السيد الشاب أم السيد جون لونجوورث؟»
«أرغب في مقابلة رئيس الشركة.»
«آه! هل لديك ميعادٌ معه؟»
«لا، ليس لدي؛ لكن ربما إذا أخذتَ هذه البطاقة إليه، وإن لم يكن مشغولًا، فقد يُقابلني.»
«إنه مشغول جدًّا دائمًا، يا سيدي.»
«حسنًا، خُذ البطاقة إليه؛ وإن تصادف ولم يتذكَّر الاسم، فأخبره أنني قابلتُه على متن سفينة «كالوريك».»
«حسنًا، يا سيدي.» ومع اختفاء الموظف، تاركًا كينيون يُفكر في الأمر الذي لا يزال لم يُحسَم والمتعلق بما يجب عليه أن يقوله للسيد لونجوورث إن سُمِح له بمقابلته. وبينما كان يقف هناك منتظرًا، وحوله مجموعةُ الرجال الذين كانوا يعملون بانشغالٍ وصمت، وفي ظل جوِّ الأهمية العام الذي يسود المكان، رأى أن السيد لونجوورث لن يراه؛ ولذا، اندهش بشدةٍ عندما عاد الموظف دون البطاقة وقال: «هلَّا اتبعتَني يا سيدي؟»
بعد أن مرَّ هو والموظف عبر زوجَين من الأبواب المتأرجِحة، طرق الأخيرُ برفقٍ على باب مغلَق، ثم فتحَه.
وقال باحترام: «السيد كينيون، يا سيدي.» ثم أغلق البابَ وراءه، تاركًا جون كينيون واقفًا في غرفة كبيرة مفروشة على نحوٍ أنيق بعضَ الشيء، مع وجود مكتبَين بالقرب من النافذة. وكان يأتي من غرفة داخلية النقر المستمرُّ والمكتوم للكتابة على آلة كاتبة. كان يجلس على أحد المكتبين لونجوورث الشاب، الذي لم ينظر عندما أُعلن عن وجود كينيون. أما عمه العجوز، فقام ومدَّ يده بترحيب ووُد.
قال: «كيف حالك، يا سيد كينيون؟» ثم أضاف: «أنا سعيدٌ للغاية للقائك ثانيةً. إن الرعب الذي سبَّبه الوضعُ على متن تلك السفينة يبدو أنه لم يترك أثرًا كبيرًا عليك. إنك تبدو في أحسن حال.»
قال جون: «نعم؛ أنا مسرورٌ للغاية للعودة ثانيةً إلى لندن.»
«آه، أعتقد أننا جميعًا كنا نودُّ العودة. بالمناسبة، لقد كان الأمر أخطرَ بكثير مما ظننَّا حينها على متن سفينة «كالوريك».»
«هكذا علمتُ من الصحف.»
«كيف حال صديقك؟ بدا أنه انزعجَ بشدةٍ من الأمر.»
سأل جون في اندهاش: «انزعج من أيِّ أمر؟»
«في الواقع، بدا لي، في وقت وقوع الأحداث، أنه كان يشعر بجزَعٍ شديد بشأنِ وضعنا.»
«أوه، نعم، تذكرتُ الآن. نعم، إنه كان يشعر ببعض الحزن في وقتها، لكن لم يكن هذا بسبب الحادث. لقد كان أمرًا مختلفًا تمامًا، ولحسن الحظ، انتهى على خير.»
«أنا سعيدٌ لسماع هذا. بالمناسبة، هل قدمتَ تقريرك للمديرين؟»
«نعم؛ لقد كنا في اجتماعٍ معهم اليوم.»
«آه، لم أستطِع الذَّهابَ إلى هناك. في الحقيقة، لقد قررتُ ألا تكون لي أيُّ علاقة بمناجم أوتاوا تلك. هل تعرف القرار الذي اتخذه مجلس الإدارة في هذا الأمر؟»
«لا؛ لقد تسلَّموا تقريرَنا فقط؛ في الحقيقة، لقد تسلَّموه قبل ذلك، لكن كان لديهم بعضُ الأسئلة التي كانوا يودُّون طرحها، والتي أجبنا عنها على ما يبدو على نحوٍ أثار إعجابهم.»
«مَن كان هناك؟ أعتقد أن السير روبس ماكينا قد شغَل كرسيَّ الرئاسة، أليس كذلك؟»
«بلى، سيدي، كان كذلك.»
«آه، صدَق ظني. في واقع الأمر، رأيي فيه أنه بمنزلةِ فأرِ تَجارِب؛ هل تعرف معنى هذا؟ لقد توصلتُ إلى قرارٍ بعدم المشاركة في هذا المشروع، على أي حال. المهم، هل كانوا راضينَ عن تقريركما؟»
«بدا أنهم كانوا كذلك. لقد وجَّهوا الشكر لنا، وتحدث واحدٌ أو اثنان منهم مثنِيَين بشدةٍ على ما قمنا به من جهد.»
«أنا سعيدٌ لسماع هذا. بالمناسبة، ويليام، أنت تعرف السيد كينيون، أليس كذلك؟»
جال الرجل الشابُّ بعينيه فيما حوله بطريقة منشغلة، متجاوزًا السيدَ كينيون.
وقال في نفسه: «كينيون، كينيون.» كما لو كان يُحاول تذكر اسمٍ قد سمعه في مكانٍ ما من قبل. ثم أضاف: «أنا في الحقيقة لا …»
قال الرجل العجوز: «لا، لا! ألا تتذكر السيد كينيون الذي كان معنا على متن سفينة «كالوريك»؟»
«أوه، بلى، بالتأكيد … أوه، بالتأكيد. كيف حالك، سيد كينيون؟ لقد نسيتُك للحظة. ظننتُ أنني قد قابلتك في حي السيتي في مكانٍ ما. أرجو أن تكون في أحسنِ حال بعد رحلتك.» وثبَّت السيد لونجوورث الشابُّ نظارته الأحادية العدسة في مكانها ونظر باتجاه كينيون.
«أنا في خير حال، شكرًا لك.»
«أرى ذلك. أرى أن عملك مع شركة لندن سينديكيت قد انتهى الآن، أليس كذلك؟»
«بلى، لقد انتهينا منه.»
«آه، وماذا تفعل الآن؟ هل لديك أيُّ عمل آخر؟»
«في واقع الأمر، هذا ما أردتُ مقابلتك بشأنه.»
«حقًّا؟»
«نعم؛ أنا … ربما تتذكر أننا تحدثنا قليلًا عن أحد مناجم الميكا بالقرب من نهر أوتاوا، أليس كذلك؟»
«يا ألله، نعم. كما ترى، كانت الرحلة … كان هذا على متن السفينة، على ما أعتقد، أليس كذلك؟»
قال جون: «بلى.» وذهب إلى مكتب الرجل الشابِّ وجلس على كرسيٍّ بجواره. حوَّل الرجل العجوز نظره إلى الأوراق الخاصة به، وترك الشابَّين يتحدثان معًا.
«هل تقصد أن تقول إنك لا تتذكر الحديث الذي أجريناه ذات يوم على سطح السفينة بشأن منجمٍ للميكا؟»
نظر إليه لونجوورث الشابُّ بنظرةٍ متحيرة، كما لو أنه لم يكن بإمكانه على وجه التحديد معرفةُ ما كان يتحدث بشأنه.
ثم قال: «أتذكر أنك أخبرتَني بأنك قد أُرسِلتَ من قِبل شركة لندن سينديكيت لفحص بعض المناجم؛ لكنني لا أتذكر أن شيئًا قد قيل بشأنها.»
«إنه لم يكن بشأنها على الإطلاق؛ لقد كان بشأن منجمٍ آخر، لديَّ عقدُ خيار شراءٍ فيه. ربما تتذكر أن ابنة عمك قد قدَّمَتني إليك. بدا أنك كنت تعتقد في ذلك الوقت أن السعر الذي سنطرح به المنجم قليلٌ للغاية.»
«يا إلهي، نعم! لقد تذكرتُ الآن شيئًا عن هذا، عندما ذكَرتَ هذا. دعني أتذكر، كم كان سعره؟ مليون، ألم يكن كذلك؟»
قال كينيون، مقطبًا جبينه: «لا، لا.» ولم يكن يُعجبه على الإطلاق المنحى الذي أخذه الحوار. وأضاف: «لا، ليس مليونًا، أو أي شيء قريبٍ من هذا المبلغ.»
«آه، أنا آسف لهذا. كما ترى، عمي وأنا نادرًا ما نعمل في شيء لا يستحق؛ ألا ترى أن أيَّ شيء يقلُّ سعره عن مليون لن يستحقَّ عناءَ الاهتمام به؟»
«أنا لا أرى هذا؛ يبدو لي أن الأشياء التي يَقِل سعرها عن مليون تستحقُّ قضاء القليل من الوقت فيها؛ على الأقل، أرى أنها تستحق ذلك.»
«هذا قد يكون صحيحًا جدًّا؛ لكن، كما ترى، عمي لا يهتمُّ كثيرًا إلا بالأعمال الضخمة.»
«إذا كنتَ تتذكر، يا سيد لونجوورث، عمُّك لم يأتِ ذِكرُه في هذا الأمر على الإطلاق. بدا أن ابنةَ عمك كانت تعتقد أنك قد يكون لديك بعضُ الاهتمام به. لقد أخبرتَني، عندما قلتُ إن السعر الذي سنطرح المنجم للبيع به هو خمسون ألف جنيه، بأن المبلغ صغيرٌ للغاية؛ على الأقل، سيترك هامشَ ربحٍ قليلًا للغاية بحيث يصعب تقسيمُه على ثلاثة أشخاص.»
«في الواقع، أعتقد أنني كنت على حقٍّ تمامًا في هذا الشأن.»
«وقلتَ أيضًا إنك ستُشارك في الأمر معنا إن رفعنا المبلغ إلى مائتَي ألف جنيه.»
«هل قلتُ هذا؟»
«نعم. توقَّفَ الأمر حينها على رأي شريكي. لقد قلتُ إنني سوف أتحدث إليه عن الأمر، وإن وافق، سأوافق أنا كذلك. لكن وقعَت بعضُ الأحداث التي جعلت من المستحيل بالنسبة إليَّ أن أخوض في تفاصيل الأمر معه على متن السفينة؛ لكنني تحدثتُ إليه اليوم في مكتبه، وهو على أتمِّ الاستعداد لعرض المنجم للبيع بمائتي ألف جنيه، بشرط أن تُثبِتُ الأرقامُ التي أعطيتُها إياه أن المنجم سيُدِر ربحًا معقولًا على هذا المبلغ.»
«حسنًا، يبدو لي أنه من المحزن عرضُ المنجم للبيع بسعر خمسين ألف جنيه إذا كان يستحقُّ حقًّا مائتي ألف جنيه. ألا تعتقد ذلك؟»
«بلى، أعتقد ذلك؛ لذا، جئتُ لرؤيتك بهذا الشأن. أود أن أقول إن ونتوورث سيفحص بعنايةٍ الأرقامَ التي أعطيتُها له، ويرى إن كان بها أيُّ خطأ. وإن لم يكن هناك خطأٌ بها، وإن وجدنا أن سعر المنجم يمكن رفعه إلى مائتي ألف جنيه، فسأكون ممتنًّا للغاية للحصول على مساعدتِك في هذا الأمر، وسنتقاسم كلَّ شيء بالتساوي معك. يعني هذا أن كلًّا منا سيأخذ الثلث.»
«إن كنتُ أتذكر جيدًا، سألتك سؤالًا لم تُجِب عنه. سألتك كم ستدفع ثمنًا للمنجم.»
اندهش كينيون من هذا النوع الغريب من الذاكرة التي يُمكنها نسيانُ محادثةٍ بأكملها ومع ذلك تتذكَّر على نحوٍ دقيقٍ تفصيلةً صغيرة منها.
ومع ذلك، ردَّ قائلًا:
«بالطبع، أنت في ذلك الوقت لم تقل إنك ستنضمُّ إلينا. أُدرك أن من حقِّك أن تعرف على وجه التحديد المبلغَ الذي سندفعه ثمنًا للمنجم إذا كنتَ ستُصبح شريكنا. ويجوز لي أن أقول إننا لم ندفعه بعد، لكن لدينا فقط عقد خيارِ شراءٍ عليه بسعرٍ معين، وبالطبع، إذا أمكَننا بيعُه بمائتي ألف جنيه، فسنحصل على مبلغٍ كبير نستطيع اقتسامه بيننا. والآن، إذا كنتَ تعتقد أنك ستنضمُّ إلينا وتفعلُ كل ما في وُسعك لإنجاح هذا المشروع، فسأخبرك بالتفاصيل المالية لعقدنا الخاصِّ بمنجم الميكا.»
«في الواقع، كما ترى، أنا لم أقل بعد إنني سأنضمُّ إليكما. إنها في الحقيقة مسألةٌ بسيطة جدًّا. من المفترض ألا توجد أيُّ صعوبة في عرض هذا المنجم للبيع في سوق لندن، فيما عدا إذا لم يكن الأمرُ يستحق. ومع ذلك، يجب أن أعرف على وجه الدقة المبلغَ الذي ستدفعانه ثمنًا للمنجم قبل أن أمضِيَ قُدمًا في الأمر.»
«رائعٌ جدًّا، إذن، دعني أخبرك — على أن تجعل هذا سِرًّا بيننا، وفقط لأنني أتوقع أنك ستُصبح شريكًا معنا — بأن المبلغ المعروض علينا لشراء المنجم هو عشرون ألف جنيه.»
رفع لونجوورث نظارته لأعلى.
«لا يمكن أن يستحقَّ المنجم كثيرًا إذا كان هذا هو كلُّ ما طلبوه ثمنًا له.»
«السعر الذي يطلبونه ثمنًا للمنجم ليس له في واقع الأمر أيُّ علاقة بقيمته. إنهم لا يُدركون قيمتَه. إنهم لا يستغلُّونه على النحو الأمثل، حتى الآن، بحيث يستخرجون منه كلَّ ما هو موجود فيه. إنهم يستخرجون الميكا، وكما أخبرتُك، فإن المادة التي يُلقونها أهمُّ بكثير من كلِّ الميكا التي يُمكنهم استخراجها من المنجم. إذا استُغِلَّ هذا المنجم على نحوٍ صحيح، فإن الميكا ستدفع كلَّ التكاليف، هذا إلى جانبِ ربحٍ جيد على الخمسين ألف جنيه، في حينِ أن المادة الأخرى ستُدِر ربحًا كبيرًا على المائة والخمسين ألف جنيه، أو حتى المائتي ألف جنيه.»
«فهمت. وهل أنت متأكدٌ أنَّ هناك ما يكفي من تلك المادَّة بحيث تبقى لبعض الوقت؟»
«أوه، أنا متأكِّد من هذا. هناك جبلٌ بالكامل منها.»
«وهل حصلتُما على هذا الجبل إلى جانب المنجم؟»
«حصلنا على ثلاثمائة فدَّان منه، وأعتقد أنه لن تكون هناك أيُّ صعوبة في شراء الباقي.»
«حسنًا، يبدو أن هذه ستكون مضاربةً جيدة، وأتمنى لك أن تنجح في تأسيسِ شركتك. كم من المال أنت على استعدادٍ لإنفاقه من أجل طرحِ المنجم للبيع؟»
«ليس معي فعليًّا أيُّ مال على الإطلاق. ما معي هو عقدُ خيارِ الشراء الذي حصلتُ عليه على المنجم.»
«إذن، كيف ستدفع كلَّ الرسوم المبدئية ومقابلَ الإعلان في الصحف وتكلفةَ الاستشارات وكل هذا؟ إن تلك النفقات ستُمثِّل جانبًا كبيرًا جدًّا من تكلفة تأسيسِ أي شركة. أنت بالطبع تعرف هذا.»
«في الواقع، أعتقد أننا ربما يُمكننا جعلُ شخصين أو ثلاثةٍ يقومون بهذا وتأسيس شركتنا بهدوء، دون أن يكون علينا دفعُ أيٍّ من تلك النفقات الكبيرة التي تُعَد ضرورية لتأسيس بعض الشركات.»
«سيدي العزيز، عندما تعمل في هذا المجال لمدَّةٍ أطولَ قليلًا، ستُصبح أكثرَ وعيًا بكثير. لا يمكن أن يحدث هذا؛ على الأقل، أنا لا أعتقدُ أن هذا يمكن أن يحدث. أنا لا أعرف أن هذا بالإمكان حدوثُه، وإن استطعتَ القيام به، فأنت أمهرُ مني بكثير. الشركات لا تُؤسَّس بدون مقابلٍ في حي السيتي بلندن. يبدو أنك ليس لديك أيُّ فكرة عن كيف يسير هذا النوع من الأمور. دعني أُخبرك بصراحة أنا لا أعتقدُ أنني يُمكنني المشاركةُ في هذا الأمر معك؛ فلديَّ مشاغلُ أخرى كثيرة عليَّ إنجازُها.»
على الرغم من أن كينيون توقَّع هذا، فقد تملَّكَه شعورٌ حزين بالهزيمة بينما كان يقول الرجل الشابُّ بهدوءٍ هذه الكلمات. ثم قال بدون تفكير:
«إذا لم تكن لديك النية في الانضمام إلينا، فلماذا سألتَني أسئلةً دقيقة عن المنجم لم أكن لأُجيبَ عنها إذا اعتقدتُ أنك لن تكونَ مهتمًّا بالأمر؟»
رد الآخَرُ ببرود: «سيدي العزيز، كان لديك كاملُ الحرية للردِّ على تلك الأسئلة من عدمه، بحسَب اختيارك. ولقد اخترتَ أن تردَّ عليها، ولا يجب تلوم أحدًا إلا نفسَك إذا كنت تشعر بالأسف أنك رددتَ عليها. إن الأمر حقيقةً لا يَعْنيني على الإطلاق، وسأنسى كلَّ ما قلتَه في غضونِ يوم أو اثنين على الأكثر.»
«رائع للغاية؛ ليس لديَّ المزيدُ لأقوله سِوى أنني طلبتُ منك في البداية أن تحتفظ بسرِّية ما سأقوله لك.»
«أوه، بالطبع. أنا لن أُخبر أحدًا به.»
«إذن، أتمنى لك يومًا طيبًا.»
والتفت للرجل العجوز، ثم قال:
«طاب يومك، يا سيد لونجوورث.»
رفع الرجل العجوز عينيه على نحوٍ شارد من الورقة التي كان يقرؤها، ثم صافح كينيون بحرارة.
وقال: «إن كان بإمكاني فعلُ أيِّ شيء لمساعدتك في أي أمر تعمل عليه، فسيُسعدني بشدةٍ أن أقوم به. أتمنى أن أراك ناجحًا. طاب يومك، يا سيد كينيون.»
«طاب يومك، يا سيد لونجوورث.»
خرج الرجل الشابُّ ووجد نفسَه ثانيةً في منطقة الاستقبال وبعد هذا بقليلٍ في الشارع المزدحم، وكان يسيطر عليه شعورٌ شديد بالإحباط. لقد باءت أُولى خطواته نحوَ تأسيس شركته بفشلٍ ذريع؛ وبينما كان يُفكر في هذا، سار متجاوزًا مانشن هاوس، مقرَّ عُمدة لندن، ودخل في شارع تشيبسايد.
تَدخُّل امرأة |
الفصل السابع عشر
سار جون كينيون بطول شارع تشيبسايد وهو يشعر بإحباطٍ شديد بسبب رفض لونجوورث لعرضه. كان يُدرِك بالطبع أن الرجل الشابَّ كان يتصنَّع النسيان. لكنه مع ذلك شعر بأسفٍ شديد لأنَّ اللقاء لم يُسفِر عن شيء، وبدلًا من الذَّهاب إلى ونتوورث وإخباره بما حدث معه، ظن أنه من الأفضل أن يسير قليلًا ليتخلَّص من الشعور بخيبة الأمل الذي كان يسيطر عليه. وقد فزع بعضَ الشيء عندما دنا منه فجأةً رجل؛ وعندما رفع ناظِرَيه إليه، رأى خادمًا طويلًا واقفًا أمامه، يرتدي معطفًا طويلًا يصل إلى عَقِبَيه مصنوعًا من قماش رماديٍّ داكن.
قال الخادم: «أستميحك عذرًا، يا سيدي، لكن الآنسة لونجوورث تودُّ الحديث معك.»
رد كينيون باندهاش: «الآنسة لونجوورث! أين هي؟»
«إنها هناك في عرَبتِها، يا سيدي.»
كانت العربة واقفةً بجانب الرصيف، ونظر جون كينيون حوله في حيرةٍ ليرى أن الآنسة لونجوورث كانت تنظر إليه وإلى الخادم بابتهاج. وكانت تجلس قُبالتَها في العربة سيدةٌ عجوز، بينما كان هناك سائقُ عربةٍ رزينٌ ووَقور، يرتدي على نحوٍ مماثلٍ بعضَ الشيء للخادم، يجلس في مكانه، وكأنه تمثالٌ جالس في المقدمة. خلع جون كينيون قبعته عندما اقترب من السيدة الشابة، التي لم يرَها منذ آخرِ يوم له على متن السفينة.
قالت إديث لونجوورث بابتهاج، وهي تمدُّ يدها للرجل الشابِّ الواقف بجوار العربة: «كيف حالك، يا سيد كينيون؟ هلَّا دخلتَ إلى العربة؟ أريد أن أتحدث إليك، وأخشى أن الشرطة لن تسمح لنا بسدِّ شارعٍ مزدحم مثل تشيبسايد.»
عندما قالت هذا، فتح الخادمُ النشيط بابَ العربة بينما لم يعرف جون ماذا يقول ودخل إلى العربة وأخذ مقعدَه هناك.
قالت السيدة الشابة للسائق: «انطلِق بنا إلى هولبرن.» ثم أردفَت، ملتفتةً إلى كينيون: «هلا تخبرني بالمكان الذي تقصده، حتى يُمكِنَني أن أعرف أين أُنزِلك؟»
قال جون: «في الحقيقة، أنا لا أعتقد أنني ذاهبٌ إلى مكان محدَّد. أخشى أنني لم أشبع بعد من متعة العودة ثانيةً إلى لندن؛ لذا، أهيم على وجهي في بعض الأحيان في شوارعها.»
«حسنًا، لم تَبدُ عليك السعادةُ عندما وقع ناظراي عليك لأول مرة. اعتقدتُ أنك كنت تبدو مكتئبًا بشدة، وهذا ما شجعني بالقدرِ الكافي على أن أطلب منك أن تركب معي وتتحدثَ إليَّ. لقد قلتُ لنفسي: «هناك خَطْبٌ ما بشأن منجم الميكا»، وبدافع الفضول النسائي، أردتُ أن أعرف كلَّ شيء عنه. والآن، هيا أخبرني.»
«هناك حقًّا القليل جدًّا لأُخبِرَك به. إننا بالكاد بدأنا. إن ونتوورث يفحص اليوم الأرقام التي أعطيتُها إياه، وقد كنت أحاول اتِّخاذَ أولى الخطوات عن طريق لقاءِ بعض الأشخاص الذين أعتقد أنهم قد يكونون مهتمِّين بأمر المنجم.»
«وهل كانوا كذلك؟»
«لا، لم يكونوا كذلك.»
«إذن، كان هذا هو السببَ في أنك كنتَ تبدو مغتمًّا بشدة.»
«أعتقد أن الأمر كذلك.»
«حسنًا، يا سيد كينيون، إذا كنتَ قد أُصِبتَ بالإحباط بعد لقاء مع أولِ شخص تظنُّ أنه سيكون مهتمًّا بالمنجم، فماذا ستفعل عندما ترفض دُزَينةٌ أو أكثرُ من الأشخاصِ العملَ معك؟»
«أنا بالتأكيد لا أعرف. أخشى أنني لستُ الشخصَ المناسب لطرح هذا المنجم للبيع في سوق لندن. أنا في الواقع تلميذ، كما ترَين، وأظن نفسي أستاذًا. أعرف كيف أتصرَّف عندما أكون في أحدِ المناجم، على بُعد أميالٍ من الحضارة، لكن عندما أكون وسط الناس، أشعر إلى حدٍّ ما بحيرةٍ شديدة. أنا لا أفهمُهم. وعندما يُخبرني شخصٌ بشيءٍ اليوم، وينسى ببرودٍ في اليوم التالي كلَّ شيء بشأنه، أعترف أن هذا … في واقع الأمر يُربكني.»
«إذن، الرجل الذي قابلتَه اليوم نسي ما قاله لك بالأمس. هل هذا هو الوضع؟»
«نعم؛ هذا جزئيًّا هو الوضع.»
«لكن، يا سيد كينيون، نجاحُ مشروعك لن يعتمد على ما يقوله شخصٌ أو اثنان أو ثلاثة، أليس كذلك؟»
«بلى؛ أنا لا أعتقد أنه يعتمد عليهم.»
«إذن، لو كنتُ مكانك، فلن أشعر بالإحباط لأن أحدَ الأشخاص قد نسي ما قاله. ليتَني كنتُ أعرف هذا الرجل، وأعتقد أنني كنت حينَها سأجعله يشعر بالخجل من نفسه.»
تورَّد كينيون خجلًا عندما قالت هذا، لكنه لم يردَّ.
نظر سائق العربة حوله عندما وصل إلى هولبرن، وأومأَت له الآنسة لونجوورث؛ لذا، انطلَق دون أن يتوقف في شارع أكسفورد.
«والآن، يا سيد كينيون، أنا مهتمةٌ بشدة بمَنجمِك، وأتمنى رؤيتك وأنت تنجح فيه. ليت بإمكاني مُساعدتك، أو بالأحرى، ليتك تكونُ صريحًا معي وتُخبرني كيف يُمكنني مساعدتُك. أعرف الكثير عن رجال حيِّ السيتي وطرُقِهم في التعامل، وأعتقد أنني قد أكون قادرةً على تقديم بعض النصائح المفيدة لك؛ على الأقل، إن تواضعتَ وطلبتَ مني المشورة.»
ابتسم كينيون.
«إنك تسخرين مني الآن، يا آنسة لونجوورث. بالطبع، كما قلتِ على متن السفينة، إنها مجردُ مسألة بسيطة جدًّا.»
«أنا لم أقل أبدًا مثلَ هذا الشيء. متى قلتُ ذلك؟»
«لقد قلتِ إن خمسين ألف جنيه مسألةٌ بسيطة.»
«هل قلتُ هذا؟ حسنًا، أنا مثلُ رجلك الذي نسي ما قاله لك؛ لقد نسيتُ هذا. أتذكَّر قولي شيئًا عن كون المبلغ صغيرًا جدًّا بحيث لا يمكن أن يكون مناسبًا لأبي. ألم يكن هذا هو ما قلتُه؟»
«بلى، أعتقد أنه كان هذا. لقد جعلَني هذا أعتقد أنكِ تظنين أن خمسين ألف جنيه في واقع الأمر مبلغٌ تافه.»
ضحكَت إديث لونجوورث.
«يا لها من ذاكرةٍ فظيعة تلك التي تتمتع بها! أنا لا أتعجب من نسيان رجلِك الذي من حي السيتي. هل أنت متأكد أنك قلتَ ما قلتَه له في وقتٍ سابق وليس أمس؟»
«نعم؛ لقد حدث هذا في وقت سابق.»
«آه، ظننتُ ذلك؛ لذا، أخشى أنك يجب أن تُلقِيَ باللائمة على ذاكرتِك الفظيعة، وليس نسيانه.»
«أوه، أنا لا أُلقي عليه باللائمة على الإطلاق. كل إنسانٍ له كامل الحق في تغيير رأيه، إن أراد أن يفعل هذا.»
«ظننتُ أن المرأة فقط هي التي لديها هذا الامتياز.»
«لا؛ أنا أمنحه بلا قيدٍ للجميع، لكنه في بعض الأحيان قد يكون محبطًا قليلًا.»
«يمكنني فَهمُ ذلك؛ في الواقع، أعتقد أن لا أحد يمكن أن يكون مكروهًا أكثرَ من رجلٍ ينسى اليوم ما وعد به بالأمس، وخاصةً إن كان هناك شيءٌ بالتحديد يعتمد على هذا. والآن، لماذا لا تأتي إلى منزلنا في مساء أحد الأيام وتتحدث عن المنجم مع ابن عمي أو أبي؟ يستطيع أبي أن يُعطيَك نصائحَ قيِّمة جدًّا في هذا الشأن، وأعتقد أن ابن عمي يستطيع مساعدتَك في إنجاح هذا المشروع. ومن الأفضل أن تتحدث إليهما هناك وليس في مكتبهما؛ لأن كِلَيهما يكونان مشغولَين بشدةٍ أثناء النهار بحيث أخشى أنهما قد لا يستطيعان إعطاءَك الوقت الكافيَ لمناقشة الأمر.»
هز جون كينيون رأسه تعبيرًا عن الرفض.
ثم قال: «أخشى أن هذا لن يُجدِيَ نفعًا. أنا لا أعتقد أن ابن عمك يهتمُّ بأن تكون له أيُّ علاقة بالمنجم.»
«ما الذي يجعلك تقول هذا؟ ألم يُناقش معك الأمر على متن السفينة؟»
«بلى؛ لقد تحدثنا قليلًا عن الأمر هناك، لكنني أظن أن … أنا لا أعتقد في واقع الأمر أنه سيهتمُّ بالمضيِّ قدمًا فيه.»
قالت إديث لونجوورث: «آه، فهمت.» ثم أردفَت: «ابن عمي هو الرجل الذي «نسي اليومَ ما قاله بالأمس».»
«ماذا يجب عليَّ أن أقول، يا آنسة لونجوورث؟ أنا لا أريد أن أقول «نعم»، ولا يُمكنني أن أكذب وأقول «لا».»
«أنت لا يجب أن تقول شيئًا. أنا أعرف على وجه التحديد كيف كان الأمر. لذا، هو لا يريد أن ينضمَّ إليك في المشروع. ما السبب الذي أعطاه لذلك؟»
«أنتِ لن تقولي أيَّ شيء له عن الأمر، أليس كذلك؟ سأشعر بأسفٍ شديد إن عرَف أنني تحدثتُ مع أي شخص عن لقائي معه.»
«أوه، بالتأكيد لا؛ أنا لن أقول له أيَّ شيء على الإطلاق.»
«إنه لم يُعطِ سببًا محددًا؛ لقد بدا ببساطةٍ أنه قد غيَّر رأيه. لكنني يجب أن أقول الآتي: إنه لم يَبدُ عليه أنه كان متحمسًا بشدة عندما ناقشتُ الأمر معه على متن السفينة.»
«حسنًا، يا سيد كينيون، يقع على عاتقي الآن الحفاظُ على سُمعة آل لونجوورث. هل تريد الحصول على كلِّ الربح الذي سيعود من منجم الميكا؛ أقصد، أنت وصديقك السيد ونتوورث؟»
«ماذا تقصدين ﺑ «كل الربح»؟»
«حسنًا، أقصد … أتريد مشاركة الرِّبح مع أي شخص؟»
«بالتأكيد، إذا كان هذا الشخص بإمكانه مساعدتُنا في تأسيس الشركة.»
«رائعٌ للغاية؛ أعَلى هذا الأساس كنتَ ستتخذ من ابن عمي شريكًا؟»
«نعم.»
«إذن، أودُّ أن أُشارِكَكما في الربح الذي سيعود من المنجم إن كان هو لا يهتمُّ بالأمر. إن جعلتَني أدفع التكاليف المبدئية الخاصة بتأسيس تلك الشركة، وإن أعطيتَني نصيبًا مما ستربحه، فسأكون سعيدةً لتقديم المال الذي ستحتاج إليه في البداية.»
نظر جون كينيون إلى الآنسة لونجوورث والابتسامةُ تعلو وجهَه.
«أنتِ ذكية جدًّا، يا آنسة لونجوورث، لكنني أستطيع تبيُّن، رغم صياغتكِ للأمر، أنَّ ما تعرضينه مجردُ شكلٍ من أشكال الإحسان. وبافتراض أننا لم ننجح في تأسيس شركتنا، كيف لنا أن نردَّ لكِ المال؟»
«لن تحتاجا إلى ردِّ المال. سآخذ على عاتقي القيامَ بهذه المخاطرة. إنها نوعٌ من المضاربة. إذا أسَّستُما الشركة، فسأتوقَّع الحصولَ على مبلغ كبير جدًّا لقيامي بالتمويل. إنني أقوم بهذا بدافع حبِّ الذات فقط. أعتقد أن لديَّ عقليةً تِجارية. النساء في هذا البلد لا يحظَيْن بمثلِ هذه الفرص لتطوير قدراتهن التِّجارية كما يبدو أنهن يحظَين بها في أمريكا. في ذلك البلد، هناك نساءٌ كوَّنَّ ثرواتٍ بأنفسهن. أنا أومن بمنجمِك، وأنا على يقينٍ أنك ستنجح في تأسيس شركتك. إن كنتَ أنت أو السيد ونتوورث من أصحاب رءوس الأموال، فبالطبع لن تكون هناك حاجةٌ إلى مساعدتي. وإن كنتُ بمفردي، ما كنت سأستطيع تأسيسَ شركة. ويُمكنك أنت والسيد ونتوورث فِعلُ ما لا يُمكنني فعلُه. يُمكنكما الظهورُ أمام الجميع والقيامُ بكل المسائل التمهيدية. على الجانب الآخر، أعتقد أنني يمكنني فعلُ ما لا يُمكنكما فعله؛ أي يمكنني توفيرُ مبلغٍ معيَّن من المال من آنٍ لآخَر لدفعِ تكاليفِ تأسيس الشركة؛ لأنني أؤكِّد لك أنه لا يمكن تأسيسُ أي شركة في لندن بدون مقابل. ربما تعتقد أنَّ عليك ببساطةٍ الذَّهابَ ولقاءَ عددٍ كافٍ من الناس، وبهذا ستتمكَّن من تأسيس شركتك. أظن أنك لن تجد الأمر بالسهولة التي قد تتوقَّعُها. وإلى جانب هذا الاهتمام المادِّي بالأمر، لديَّ اهتمام شخصيٌّ شديد بالسيد ونتوورث.»
بعد أن قالت هذا، مالت باتجاه جون كينيون، وقالت بنبرةِ صوتٍ منخفضة:
«رجاءً لا تُخبره بذلك؛ لأنني أعتقد أنه شابٌّ يمكنه أن يغترَّ بنفسه.»
قال كينيون باغتمام: «أنا لن أخبره بأيِّ شيء عن الأمر.»
«رجاءً لا تفعل. بالمناسبة، أودُّ أن تُعطيَني عنوان السيد ونتوورث، حتى يمكنني أن أتواصل معه إن خطرَت لي فكرةٌ جيدة، أو عرَفتُ شيئًا مهمًّا فيما يتعلق بتأسيس شركتنا.»
أخرج كينيون بطاقة، وكتب عنوان ونتوورث عليها، وأعطاها لها.
قالت: «شكرًا. كما ترى، أشعر بتعاطفٍ شديد مع السيد ونتوورث؛ لما كان يمرُّ به على متن السفينة.»
رد كينيون: «إنه ممتنٌّ جدًّا لكلِّ ما فعَلتِه من أجله في هذا الشأن.»
«أنا ممتنَّة لهذا. الناس، بوجهٍ عام، لا يكونون ممتنين لما يفعله أصدقاؤهم من أجلهم. لذا، أنا ممتنَّة لأن السيد ونتوورث استثناء. والآن، أنا أفترضُ أنك ستتحدَّث معه بشأنِ ما قلتُه لك، قبل أن تتخِذا قرارَكما. وأنا سأكون راضيةً تمامًا بأي حصة من الأرباح ستعطونها لي.»
«آه، ما تقولينه ليس له علاقةٌ بعالم التجارة والمال، يا آنسة لونجوورث.»
«نعم، إنه ليس كذلك؛ لكنني أتعامل معك — أقصد، مع السيد ونتوورث — وأنا متأكدة أنكما ستفعلان ما هو صحيح. ربما سيكون من الأفضل ألا تُخبره بمن سيُمول الشركة. قل له فقط إنك قابلتَ صديقًا اليوم وعرَض عليك، مقابل الحصول على حصة معقولة من الأرباح، تقديمَ كلِّ الأموال اللازمة لدفع مقابل التكاليف التمهيدية لتأسيس الشركة. إنك ستتشاورُ معه في الأمر، أليس كذلك؟»
«بلى، إن كانت هذه هي رغبتَكِ.»
«بالتأكيد، إنها رغبتي؛ وأرغبُ أيضًا في أن تقوم بذلك بطريقةٍ دبلوماسية بحيث تُخفي اسمي عنه على نحوٍ أفضلَ مما فعلتَ عندما أخفيتَ اسمَ ابنِ عمي عني عصرَ اليوم.»
قال جون، متوردًا: «أخشى أنني أخرقُ جدًّا.»
«لا؛ إنك صادقٌ جدًّا، هذا كلُّ ما في الأمر. إنك لستَ بارعًا في فنِّ إخبار ما ليس صحيحًا. والآن، هذا هو بيتنا؛ هلا تتفضل بالدخول؟»
«شكرًا لكِ، لا؛ أخشى أنني لن أستطيع الدخول. أنا حقًّا يجب أن أغادر الآن.»
«دع سائق العربة يأخذك إلى محطتك.»
قال جون: «لا، لا، الأمر لا يستحقُّ العناء؛ إن المكان على مقربة من هنا.»
«لا يوجد أي عناء. ما محطتك … ساوث كينزينجتن؟»
«نعم.»
قالت لسائق العربة: «رائعٌ للغاية. أوصِلْه إلى محطة ساوث كينزينجتن، يا باركر.» ثم لوَّحَت له بيدها مودِّعة وهي تصعد الدرَج، بينما كانت العربة تنعطف.
وهكذا، تم توصيل جون كينيون، الذي كان يشعر بالخجل من فقرِه، في تلك العربة الفخمة لمحطة مترو لندن المذكورة، حيث استقلَّ القطار المتجِهَ إلى حيِّ السيتي.
وبينما كان ينزل من العرَبة في ساوث كينزينجتن، خرج السيد لونجوورث الشابُّ من المحطة في طريقه إلى المنزل، واندهش بشدةٍ ببساطة لرؤية كينيون في عربة آل لونجوورث.
مرَّ جون بجواره دون أن يُلاحظ مَن هو، وفي الوقت الذي كان سائقُ العربة على وشك التحرُّك، قال لونجوورث له:
«باركر، أتستخدم العرَبةَ كعربةِ أجرة؟»
رد باركر المحترم: «أوه، لا، يا سيدي، الرجل الشابُّ الذي ترَكَنا لتوِّه أتى من حيِّ السيتي مع الآنسة لونجوورث.»
«هل فعل، حقًّا؟ هل ذهبتم لاصطحابه، يا باركر؟»
«لقد ركب معنا في تشيبسايد، يا سيدي.»
«آه، فهمت.» وبعد أن صبَّ بعض اللعنات على كينيون، دخل إلى العربة وذهب إلى المنزل.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثامن عشر
كان جورج ونتوورث رجلًا مناسبًا أكثرَ بكثيرٍ من جون كينيون فيما يتعلَّق بالمهمة التِّجارية التي كانا يرغبان في القيام بها. كان ونتوورث مختلطًا بالناس، ولم يكن خائفًا منهم. وعلى الرغم من أنه عانى بشدة من الواقعة البسيطة التي حدثَت على متن السفينة، وعلى الرغم من أنه في هذا الوقت العصيب بدا أنه كان يفتقد الشجاعةَ المطلوبة، فإن السبب كان إلى حدٍّ كبير أن الضربة جاءت له من امرأة، وليس من رجل. وونتوورث، حتى الآن، إنْ تجاوز أحدُ معارفه في حقِّه ووجَّه إليه ملاحظةً مسيئة أو جارحة، يهزُّ كتفَيه تعبيرًا عن عدم الاكتراث، ولا يُفكر مرة أخرى في الأمر. على الجانب الآخر، وبغضِّ النظر عن مظهره الخارجي الذي يدلُّ على البرود والهدوء، فإن جون كينيون حساس مثل الأطفال، وصدٌّ كالذي تعرَّض له من جانب آل لونجوورث كان كافيًا لجعله يكتئب لمدة أسبوع. لقد كان تلميذًا طوال حياته، ولم يتعلَّم بعدُ الدرسَ المهم المتمثِّل في معرفة كيفية النظر إلى أفعال الآخَرين بتوازن. كان ونتوورث يقول لنفسه إن آراء الآخرين لا تُهمه كثيرًا، لكن كينيون كان لا يعرف الكثير عن رفاقه بحيث يصل إلى تلك النتيجة المريحة.
أغلق جورج ونتوورث باب مكتبه عندما أصبح بمفرده، وقرَّب إليه على مكتبه مجموعةَ الأوراق، التي تركها له كينيون، وأخذ يفحصها بمنهجية ليجد ما إذا كان هناك أيُّ خطأ فيها. وقال لنفسه: «يجب أن أتعامل مع هذا الشيء دون أيِّ تهاون، وأُعامل كينيون كما لو أنه لص. يجب أن أجد أيَّ خطأ في الحُجة أو أيَّ شيء غير دقيق فيما يتعلق بالحقائق.» وأخذ يدرس الأوراق بجدِّية، واضعًا علاماتٍ بالقلم الرصاص في الهامش هنا وهناك. في البداية، قال لنفسه: «من الواضح جدًّا أن استخراج الميكا سيُغطي تكاليف العمل بالمنجم. ويُمكننا النظر إلى الطلب على الميكا باعتباره شيئًا على نحوٍ ما محسومًا. إنه غطَّى تكاليف العمل بالمنجم حتى الآن، وأدرَّ أيضًا رِبحًا بسيطًا، ولا يوجد سبب يدعونا إلى الاعتقاد بأن هذا لن يستمر. والآن، الكمية غير المؤكدة هي المادة الأخرى هذه، والشيء غير المؤكد بشأن تلك الكمية غير المؤكدة هو الطلب عليها في أسواق العالم، وأيضًا تكلفة نقلها.» كان لدى ونتوورث نظريةٌ مفادها أن أيَّ شيء ممكن فقط إذا كنت تعرف شخصًا يعرف شخصًا عالِمًا ببواطن الأمور. هناك دائمًا شخصٌ كهذا في كل مجال؛ شخص يُعَد هو المرجعيةَ فيما يتعلق بالحديد، أو المناجم، أو العملات، شخص يعرف كل شيء عن مجال الطباعة. وإذا أردتَ أي معلومات عن موضوع معين، فليس من الضروريِّ أن تعرف مثل هذا الرجل الخبير، لكن من المهم جدًّا أن تعرف رجلًا يُمكن أن يوصلك إلى هذا الرجل. ما عليك إلا أن تحصل على خطابٍ تقديمي من رجل يعرف هذا الرجل الخبير، وهذا كل ما في الأمر!
ضغط ونتوورث على جرسه، وجاء ساعٍ ليعرف ماذا يريد.
«هلا تطلبُ من فضلك من السيد كلوز أن يأتيَ هنا للحظات!»
خرج الساعي، وبعد فترة قصيرة، دخل رجل عجوز بعض الشيء ويظهر عليه وَقار شديد، وكانت لديه عادةُ حكِّ يدَيه معًا، أغلقَ الباب بهدوء وراءه بطريقة خجولة.
قال ونتوورث: «كلوز، مَن الذي يُعد المرجعيةَ في مجال الخزف؟»
«الخزف، يا سيدي؟»
«نعم، مجال الخزف.»
«جملة أم تجزئة، يا سيدي؟»
«أريد أن أتواصل مع شخص يعرف كلَّ شيء عن صناعة الخزف.»
قال كلوز، بنبرةٍ دلَّت على أن هذا أمرٌ مختلف تمامًا: «آه، صناعة، يا سيدي … صناعة، يا سيدي؛ نعم، سيدي، أنا في واقع الأمر لا أعرف شخصًا بإمكانه معرفةُ كلِّ شيء عن صناعة الخزف، لكنني أعرف شخصًا يمكنه وضعُك على الطريق الصحيح.»
«رائع جدًّا؛ هذا شيء جيد بالقَدْر نفسِه.»
«لو كنتُ مكانك، يا سيدي، لقابلتُ السيد ميلفيل؛ السيد ميلفيل، من شركة سكرانتن الشهيرة للخزف.»
«وما عُنوانه؟»
«عنوانه …» وهنا، انحنى الرجل العجوز وكتب العنوان على بطاقة. ثم أردف: «هذا سيجعلك تصلُ إليه، يا سيدي. إن أمكنَك، يا سيدي، إرسالُ رسالة إلى السيد ميلفيل، وإخبارُه أنك تريد شخصًا يعرف كل شيء عن إنتاج الخزف، فسيُمكنه إخبارُك بالرجل الذي تريده. إنه يعمل في مجال تجارة الخزف بالجملة، يا سيدي.»
«أتعتقد أنه سيكون في مكتبه في هذه الساعة؟»
«أوه، نعم، يا سيدي، من المؤكد أنه سيكون في مكتبه الآن.»
«رائع جدًّا، إذن؛ أعتقد أن عليَّ الذَّهابَ الآن للقائه.»
«جيد جدًّا؛ أتريد شيئًا آخر، يا سيدي؟»
«لا، يا كلوز، شكرًا لك.»
عندما غادر كلوز، الرجل الذي يستحق التقدير، بهدوء وخجل كما دخل، التقط ونتوورث إحدى عيِّنات السبار التي كان كينيون قد حصل عليها من المنجم، ووضعها في جيبه. وفي غضون دقيقتين، كان في عربة أجرة، أخذَت تجري عبر الشوارع المزدحمة متجهةً إلى مكتب ميلفيل. وبالقرب من باب مخزن شركة الخزف، وداخل القاعة الرئيسية، كان هناك صفَّان متوازيان من الأسماء؛ الأول تحت العنوان العام «بالخارج»، والثاني تحت عنوان «بالداخل». بدا أن السيد سميث كان بالخارج، وأن السيد جونز كان بالداخل، لكن المهم أن اسم ريتشارد ميلفيل تصادف أنه كان في عمود هؤلاء الذين كانوا بالداخل. وبعد تأخيرٍ لبِضْع لحظات، أُدخِل ونتوورث إلى مكتب هذا الرجل.
قال: «سيد ميلفيل، لقد نُصِحتُ بالمجيء إليك للحصول على بعض المعلومات المتعلقة بصناعة الخزف. المعلومات التي أريدها قد لا تكون باستطاعتك أن تُوفِّرها لي، لكنني أعتقد أن بإمكانك أن تُخبرني إلى مَن يجب أن أرجع حتى أحصلَ عليها.» وبعد أن قال هذا، أخرج من جيبه عينةَ المادة المعدِنية التي أحضرها معه. ثم أردف: «ما أريد معرفتَه هو مقدارُ ما تستخدمه من هذه المادة كلَّ عام في صناعة الخزف؛ والمقابل الذي تدفعه لِقاءَ ذلك؛ وأود الحصول على تقدير، إن كان هذا ممكنًا، للكمية المستخدَمة منها في إنجلترا كلَّ عام.»
أمسك ميلفيل بالعينة وقلبها في يده، ناظرًا إليها باهتمام.
ثم قال في النهاية: «حسنًا، أستطيع إخبارك بأي شيء تريده عن تجارة الخزف بالجملة، لكنني لستُ على دراية كبيرة فيما يتعلق بصناعتها. من أين حصلتَ على هذه؟»
قال ونتوورث: «إنها من منجمٍ أنا مهتم به.»
«آه، هل لي أن أسأل عن مكان وجوده؟»
رد ونتوورث على نحوٍ مبهم: «إنه في أمريكا.»
«فهمت. هل فكَّرت في مسألة النقل قبل محاولتك طرْحَه للبيع في السوق الإنجليزية؟ إن هذه، كما تعرف، مسألةٌ مهمة. إن تكلفة نقل مادة ثقيلة لمسافة طويلة تُعَد عاملًا مهمًّا فيما يتعلق بقيمته التجارية.»
قال ونتوورث: «أُدرك ذلك، وإن سؤالي عن تفاصيل سعر تلك المادة هنا هدفه أن أستطيعَ وضع تقديرٍ تقريبي لقيمتها.»
«أفهم ذلك، لكنني لن أستطيع الإجابة عن أسئلتك. إن كان لديك من الوقت ما يُتيح لك الانتظار لرؤية السيد براند، مدير الإنتاج لدينا، الذي يُعَد أيضًا أحدَ الملاك، فيُمكنه بسهولة إخبارُك بكل شيء عن هذه المادة؛ إنه سيقول لك ما إذا كانت تُستخدَم على الإطلاق من عدمه. إنه يأتي إلى لندن مرةً كل أسبوعين، واليوم هو يومه. أنا في انتظار وصوله إلى هنا في أي وقت. يمكنك الانتظار، إن أردتَ، ورؤيتُه.»
«أنا لا أعتقد أن هذا سيكون ضروريًّا. سأكتب، إذا سمحتَ لي، ما أريد معرفته على وجه التحديد، وفي غضون دقيقتين أو ثلاث، يُمكنه كتابةُ المعلومات التي أريدها منه. ثم، سأزورك ثانيةً غدًا، إذا كنتَ لا تمانع.»
«على الإطلاق. سأوضح الأمر له. ويُمكنك أن تترك لي هذه القطعة، أليس كذلك؟»
قال ونتوورث: «بالتأكيد.» وراح يكتب على قطعة ورق الأسئلة: «أولًا: ما الكمية التي تستخدمها من هذه المادة في أعمالك كلَّ عام؟ ثانيًا: ما المقابل الذي تدفعه لكل طنٍّ منها؟ ثالثًا: هلا تعطيني، إن كان هذا ممكنًا، تقديرًا للكمية المستخدَمة منها في إنجلترا؟»
قال: «لقد انتهيت، إن أعطيتَه قطعة الورق هذه، وأريتَه عينةَ المادة، فسوف أكون ممتنًّا لك بشدة.»
قال ميلفيل: «بالمناسبة، هل هذا المنجم يعمل؟»
«نعم، إنه كذلك.»
«هل هناك شخصٌ آخر غيرك مهتمٌّ بشأنه في هذا البلد؟»
قال ونتوورث، ببعض التردد: «نعم، جون كينيون، خبير التعدين، مهتمٌّ به والسيد لونجوورث؛ السيد لونجوورث الشاب الذي من حي السيتي.»
«هل تجمعه صلةُ قرابة بجون لونجوورث؟»
«إنه ابنُ أخيه.»
«آه، حسنًا، إن أيَّ شيء يهتم به لونجوورث يكون إلى حدٍّ كبير مشروعًا ناجحًا.»
«أنا ربما أكون قد بالغتُ كثيرًا بقولي إنه مهتم بالمنجم، لكنه بدا أثناء عودته من أمريكا أن لديه الرغبةَ في الانضمام إلينا. إن شريكي، جون كينيون، الذي ذكرتُه لك لتوي، معه الآن، على ما أعتقد.»
«رائعٌ للغاية. سأعرض تلك العينة على السيد براند كما أردتَ، وسأجعلك تعلم غدًا ماذا قال.»
وهنا، غادر ونتوورث، ولدى خروجه عبر القاعة الرئيسية، قابل مديرَ الإنتاج، على الرغم من أنه لم يكن يعرفه في ذلك الوقت. لقد كان رجلًا تبدو على وجهه أماراتُ البراعة الشديدة، وكان يمشي بخُطًى سريعة تُبين أنه كان يعتقد أن الوقت من ذهب.
قال عندما دخل: «حسنًا، ميلفيل، لقد تأخرتُ قليلًا اليوم، أليس كذلك؟»
«لقد تأخرتَ قليلًا عن موعدك المعتاد، ولكن ليس كثيرًا.»
قال المدير: «بالمناسبة …» ثم وقعَت عينه على العينة الموجودة على المكتب أمام ميلفيل. وصاح قائلًا: «ما هذا؟ من أين جئتَ بها؟»
«لقد تركَها لي هنا منذ لحظات رجلٌ كريم أردتُه أن ينتظرك حتى تأتي، لكن بدا أنه كان في عجَلة من أمره. إنه سيأتي إلى هنا ثانيةً غدًا.»
«ما اسمه؟»
«ونتوورث. وها هي بطاقته.»
«آه، من شركة لمراجعي الحسابات، أليس كذلك؟ كيف أمكَنه الحصولُ على هذه القطعة؟»
«لقد أراد الحصولَ على بعض المعلومات عنها، وأخبرته بأنني سأريك إياها. وها هي الرسالة التي تركَها لك.»
أدار المدير الكريستالة مرةً بعد أخرى في يده، وارتدى نظارته، وفحص الكريستالة بعناية، ثم التقط قطعة الورق وقرأ ما كتبه ونتوورث.
«هل قال من أين حصل عليها؟»
«نعم؛ إنه يقول إن هناك منجمًا منها في أمريكا.»
«في أمريكا، ها؟ هل قال كم يوجد من هذه المادة؟»
«لا؛ لم يُخبرني بذلك. لكن المنجم قيد التشغيل.»
«هذا غريب جدًّا! أنا لم أسمع به قط.»
قال ميلفيل: «لقد فهمتُ منه أنه يرغب في بيع المنجم هنا. إنه لم يقُل الكثير، لكنه أخبرني أن شريكه — لقد نسيت اسمه — كان يتحدث في الوقت الحاليِّ مع لونجوورث الشابِّ بشأنه.»
«لونجوورث … مَن يكون؟»
«إنه رجلٌ مولَع بالعمل في مجال المناجم أو غيرها من الاستثمارات؛ أقصد، عمه هو الذي يفعل هذا؛ إنه أيضًا رجلٌ عجوز بارع وداهية جدًّا. إنه دائمًا في الجانب الصحيح من السوق، بغضِّ النظر عما تئول إليه الأمور.»
«إذن، إنه شخصٌ من المؤكد أنه سيعرف قيمة المنجم إن اشتراه، أليس كذلك؟»
«أنا لا أعرف شخصًا يعرف قيمة ما يمتلكه على نحوٍ أفضلَ من لونجوورث.»
قال متأملًا: «آه، يا للحسرة!»
«لماذا؟ هل تلك مادة ذات قيمة؟»
«ذات قيمة! محجر من تلك المادة سيكون أفضلَ بالنسبة إلينا من منجم ذهب!»
«حسنًا، بدا لي، أثناء الحديث مع السيد ونتوورث، أنه ليست لديه أيُّ فكرة محدَّدة عن فائدتها. وبدا لي أنه لا يعرف شيئًا عنها، ولهذا جاء إلى هنا للحصول على معلومات عنها.»
نظر المديرُ ثانيةً إلى الورقة التي معه.
ثم قال: «لستُ متأكدًا من ذلك.» وأضاف: «إنه يريد معرفةَ الكمية التي نستخدمها منها كلَّ عام، والكمية المستخدَمة منها في إنجلترا، والسعر الذي ندفعه في الطنِّ منها. أستطيع أن أحكم، من هذا، أن لديه فكرةً عن قيمتها، ويريد فقط أن يتحقَّق منها. نعم، أنا متأكد من أن هذا هو مَسْعاه. أخشى أنه لا يمكن فعلُ الكثير مع السيد ونتوورث.»
«ما الذي تُفكر في فعله؟»
«عزيزي ميلفيل، إن استطعنا الحصولَ على مثل هذا المنجم، مع افتراض أنَّ به كميةً لا محدودة من تلك المادة، فيمكننا السيطرة على أسواق الخزف في العالم.»
«أنت بالطبع لا تقصد ما تقوله!»
«إن هذه حقيقة، بسبب نقاء المادة. المادة التي نستخدمها مُشرَبة بشدةٍ بالحديد؛ علينا إخراجُ الحديد منها، وهذا يكلفنا بعض المال. هذا لا يعني أن المادة في حدِّ ذاتها غيرُ مألوفة على الإطلاق؛ فهي واحدة من أكثر الموادِّ شيوعًا في الطبيعة؛ لكنني لم أرَ شيئًا من قبلُ بهذا النقاء. إنني أتساءل إن كانت هذه عينة فعلية مما بإمكانهم استخراجُه من المنجم. وإذا كان الأمر كذلك، فأنا أُفضِّل امتلاك هذا المكان على امتلاك منجمِ ذهبٍ أنا أعلمُ بتفاصيله.»
«حسنًا، سأتحدث إلى السيد ونتوورث، إن أردت. إنه سيأتي إلى هنا في نحوِ ذلك الوقت غدًا، وسأجد إن كان بالإمكان عقدُ اتفاق معه.»
رد المدير، الذي كان لا يُفضل أبدًا فعلَ الأشياء بطريقة مباشرة: «لا، أنا ما كنت سأفعل هذا.» ثم أردف: «أعتقد أن أفضل طريقة هي أن ترى لونجوورث. الاحتمال الأكبر أن رجلَ اقتصاد مثله لا يعرف قيمة هذا المكان؛ وإن لم تكن تُمانع، فسأكتب رسالة إلى السيد ونتوورث وأُعطيه رأيي في هذه المادة.»
«ماذا سأقول للونجوورث؟»
«قل له ما تشاء؛ أنت تفهم في هذا النوع من الأمور أفضل مني. ها هي حقائقُ المسألة. إن استطعنا الحصولَ على حصة غالبة في هذا المنجم، مع افتراض أن المادة الموجودةَ به متوافقةٌ مع العينة — أعتقد أن هذه عينة مختارة بعناية؛ بالطبع، سيكون علينا أن نُرسل أحدًا إلى أمريكا لنتأكد — إن استطعنا الاستحواذَ على هذا المكان، فستكون هذه هي أهمَّ صفقةٍ قمنا بها في مجال الأعمال، بشرط، بالطبع، أن نحصل عليه بسعرٍ رخيص بالقدر الكافي.»
«ماذا تقصد بسعر رخيص بالقدر الكافي؟»
«ستعرف المبلغ الذي سيبيع به لونجوورث المنجم.»
«لكن ماذا لو كان ونتوورث يمتلك المنجمَ أو يمتلكه مُناصَفة مع لونجوورث؟»
«أعتقد، على نحوٍ ما، أنك إذا كنتَ تعرف لونجوورث، فيمكنك على الأرجح التوصلُ إلى اتفاقٍ جيد معه. وفي غضون ذلك، سأرسل أنا رسالةً إلى ونتوورث. هل معك هنا عنوانه؟»
«نعم.»
«رائع جدًّا.»
أخذ قلمه وكتب على عجَلٍ الرسالةَ التالية: سيدي العزيز يُؤسفني القول إن المادة التي تركتها في مكتبنا أمس غيرُ ذات قيمة بالنسبة إلينا. إننا لا نستخدم مادةً من هذا النوع، وبقدرِ عِلمي، إنها غيرُ مستخدمة في أي مكان في إنجلترا. المخلص آدم براند
تَدخُّل امرأة |
الفصل التاسع عشر
الاحتمال الأكبر، بغضِّ النظر عن الظروف التي التقى فيها لونجوورث الشاب وكينيون لأول مرة، هو أن الأول سيكرهُ الثاني. وعلى الرغم من أن صداقاتٍ قويةً قد تكوَّنَت بين أشخاصٍ مختلِفين في الطبائع، فلا يجب أن يُنسى أن عداواتٍ قويةً مماثلة قد نشأت بين أناس فقط لأنهم ذَوو طبائعَ متباينة. لا يمكن أن يكون هناك شابَّان مختلفان كلٌّ منهما عن الآخر مثل هذَين الشابَّين؛ وعندما تذكر لونجوورث اللقاءات المختلفة التي جرَت بينه وبين كينيون، اعترف بينه وبين نفسه بأنه يُكِنُّ بُغضًا شديدًا لهذا المهندس. وقد أضافت الصداقة الواضحة التي كانت تجمع بين كينيون وابنةِ عمه مرارةً لهذا البُغض الذي كان يتحول بسرعة إلى كراهية. لكنه هدَأ كثيرًا، في أثناء الرجوع للمنزل بالعربة، وأصبح مقتنعًا بأنه من الأفضل ألا يقول شيئًا عن لقائها بكينيون ما لم تذكر هي الموضوع. ففي النهاية، العربة مِلكُها وليست مِلكَه، وقد كان يُدرك هذه الحقيقة. وقد تساءل عن مقدار ما قاله كينيون عن اللقاء الذي جرى بينهما في مكتب عمه. ولكنه أثنى على نفسه بأنه كان يعرف الكثيرَ عن النساء بحيث يتأكد من أنها سرعان ما تذكرُ الأمر، ثم تمنَّى معرفةَ مقدارِ ما قد قيل على وجه التحديد. ولدهشته، لم تقُل ابنةُ عمه شيئًا على الإطلاق عن الأمر، لا في ذلك المساء ولا في صباح اليوم التالي، ومن ثم ذهب إلى مكتبه في حالةٍ مزاجية متحيرة بعض الشيء.
عند وصوله إلى غرفته في حي السيتي، وجد ميلفيل بانتظاره.
صافح ميلفيل لونجوورث الشاب، وأخرج عينة معدنية من جيبه ووضعها على مكتب الرجل الشاب وقال:
«أعتقد أنك تعرفُ من أين أتَت هذه؟»
نظر لونجوورث إليها في حيرة جعلَت ميلفيل يعتقد أنه يعرف القليل جدًّا عن الأمر.
«أنا ليست لديَّ أدنى فكرة، في واقع الأمر.»
«كيف؟ لقد قيل لي إنك مهتمٌّ بالمنجم التي أُخِذَت هذه منه. لقد زارني السيد ونتوورث أمس، وأعطاني اسمك باعتبارك أحدَ المهتمين بأمر المنجم.»
«آه، نعم، فهمت؛ نعم، نعم، أنا لدي … بعض الاهتمام بالمنجم.»
«حسنًا، هذا ما جئتُ لأتحدث معك بشأنه. أين يقع المنجم؟»
«إنه بالقرب من نهر أوتاوا، على ما أعتقد، فوق مونتريال بمسافة كبيرة. أنا لستُ متأكدًا من مكانه بالضبط، لكنه في مكانٍ ما في تلك المنطقة.»
«ظننتُ من خلال ما قاله ونتوورث أنه في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد ذكر شخصًا آخرَ باعتباره شريكَه في هذا الأمر؛ لقد نسيتُ اسمه.»
«جون كينيون، على الأرجح.»
«كينيون! نعم، أعتقد أن هذا هو الاسم. نعم، أنا متأكد أنه كذلك. والآن، هل لي أن أسألك عن علاقتك بهذا المنجم؟ هل أنت شريك ونتوورث وكينيون فيه؟ هل أنت المالك الأساسي للمنجم، أو أن المنجم مملوكٌ لهما؟»
«بادئَ بَدْء، سيد ميلفيل، أود أن أعرف لماذا تسألني هذه الأسئلة؟»
ضحِك ميلفيل.
«حسنًا، سأخبرك. نحن نودُّ معرفةَ فرصةِ حصولنا على حصةٍ غالبة في هذا المنجم. لقد أوضحتُ لك ما أريد بصراحة شديدة، أليس كذلك؟»
«بلى، لقد فعلتَ. لكن مَن تقصد بكلمة «نحن»؟ مَن مهتمٌّ بالأمر غيرك؟»
«بكلمة «نحن» أقصد شركةَ الخزف التي أنتمي إليها. تلك المادة مفيدة في صناعة الخزف. أعتقد أنك تعرف هذا.»
رد لونجوورث: «نعم، أنا على علم بهذا.» رغم أنه قد سمع بالأمر في ذلك الوقت للمرة الأولى.
«رائع جدًّا، إذن؛ أود أن أعرف مالك المنجم.»
«مالك المنجم في الوقت الراهن شخص أجنبي لا أعرف اسمه أو عنوانه. الشابان اللذان تتحدث عنهما لديهما عقدُ حقِّ شراءٍ على هذا المنجم لمدة محددة؛ لكنني لا أعرف ما هي. لقد كانا يحثَّاني على الانضمام إليهما لتأسيس شركة لطرح هذا المنجم للبيع بمبلغ مائتي ألف جنيه في سوق لندن.»
قال ميلفيل: «مائتا ألف جنيه!» ثم أردف: «يبدو هذا لي مبلغًا ضخمًا للغاية.»
«هل تعتقد ذلك؟ في واقع الأمر، الاعتراض الذي أبديته على الأمر كان أنه كان صغيرًا جدًّا.»
«لا بد أن هذين الرجلين لديهما فكرةٌ مُبالغ فيها فيما يتعلق بقيمة هذه المادة عندما ظنَّا أنه سيُدِر أرباحًا على المائتي ألف جنيه.»
«إن تلك المادة هي ليست المادةَ الوحيدة الموجودة في المنجم. في الواقع، إنه يُدِر أرباحًا بالفعل على خمسين ألف جنيه أو نحو ذلك، بسبب الميكا الموجودة به. إنه يجري التنقيب فيه عن الميكا فقط. وفي الحقيقة، أنا لا أعرف الكثير عن المادة الأخرى.»
«وهل تعتقد أن المنجم يستحق مائتي ألف جنيه؟»
«بصراحة، لا.»
«إذن، لماذا لك علاقة به؟»
«أنا ليست لي علاقة به؛ على الأقل، ليست لي علاقة محددة به. إني أضع الأمر قيدَ الدراسة. بالطبع، إن كان هناك أيُّ شيء يقترب من كونه احتيالًا فيه، فأنا لن تكون لي أيُّ علاقة به. ستعتمد علاقتي به من عدمها على نحوٍ كبير على الأرقام التي سيُريني إياها الرجلان.»
«فهمت؛ لقد فهمت موقفَك.» ثم مال باتجاه لونجوورث وقال بصوتٍ منخفض: «أنت رجل أعمال. والآن، أريد أن أسألك عن فرصة حصولنا على المنجم بمبلغ يقترب من قيمة عقد الخيار الأصلية، التي، بالطبع، تقلُّ كثيرًا عن المائتي ألف جنيه. نحن لا نريد أن يكون هناك الكثيرُ من الأطراف في الأمر. في واقع الأمر، إن استطعتَ أن تحصل عليه لنا بسعرٍ معقول، ولا تريد أن تزعج نفسك بشأن المنجم نفسِه، فسنحصل عليه بأكمله لنا.»
فكَّر لونجوورث الشابُّ للحظات، ثم قال لميلفيل:
«هل تقصد استبعاد الرجلين الآخرين، كما يقولون في أمريكا؟»
«أنا أعرف شيئًا عن مسألة الاستبعاد هذه؛ لكن، بالطبع، مع وجود هذين الشخصين، لن يكون هناك ربحٌ كبير يمكن اقتسامه. نود التعامل مع أقلِّ عدد ممكن من الأشخاص.»
«تمامًا. أفهم ما تقصد. وأعتقد أن هذا يمكن تنفيذُه. هل أنتم في عجَلة شديدة من أمركم فيما يتعلق بتملُّك المنجم؟»
«ليس تمامًا. لماذا؟»
«حسنًا، إذا سارت الأمور على ما يُرام، فأعتقد أن بإمكاننا الحصولَ عليه بنفس مقابل عقد خيار الشراء الأصلي. وسيعني هذا، بالتأكيد، الانتظارَ حتى انتهاء مدة هذا العقد.»
«ألن تكون هناك بعضُ المخاطرة في هذا؟ إنهما ربما يؤسِّسان شركتهما في غضون ذلك، وحينها، سنفقد كل شيء. إننا كما نسعى للحصول على المنجم لأنفسنا نسعى بالقدر نفسه لمنع أيِّ أحد غيرنا من فعل ذلك.»
«أفهم ذلك. لقد فكرت مليًّا في الأمر. وأعتقد أن هذا يمكن تحقيقه دون مخاطرة كبيرة؛ لكن، بالطبع، سيكون علينا أن نتكتَّم بعض الشيء على الأمر.»
«أقدِّر ضرورةَ ذلك.»
«رائع للغاية. سأراك ثانيةً بعد أن أكون قد فكَّرت في المسألة، ويُمكننا التوصل إلى اتفاقٍ ما.»
«يجب أن أقول إن مديرنا قد كتب رسالة إلى ونتوورث، يقول له فيها إن تلك المادة ليست ذاتَ فائدةٍ بالنسبة إلينا.»
قال لونجوورث الشاب، بنظرة تنمُّ عن الذكاء: «رائع.»
«لذا، بالطبع، عند الحديث مع ونتوورث عن المنجم، من الأفضل أيضًا ألا تذكرنا بأيِّ نحو.»
«أنا لن أفعل هذا.»
«رائع جدًّا. سأترك الأمر في يديك في الوقت الراهن.»
«نعم، افعل هذا. سأُمعِن التفكير في الأمر في عصر اليوم، وربما أرى ونتوورث وكينيون غدًا. لا داعي للعجَلة الشديدة؛ لأنني عرَفتُ مصادفة أنهما لم يفعلا أيَّ شيء حيال الأمر حتى الآن.»
وهنا، غادر السيد ميلفيل، وأخذ لونجوورث الشابُّ يذرع الغرفة ذَهابًا وإيابًا، وهو يُفكر في خُطة ستجلب له مالًا وفي نفس الوقت ستجعله يشعر بالرضا لإضاعةِ فرصةٍ مهمة على جون كينيون.
وعندما وصل لونجوورث البيت، انتظر أن تقول له ابنةُ عمه شيئًا عن كينيون؛ لكنه سرعان ما رأى أنها لم تكن تنوي الحديثَ عنه على الإطلاق. لذا، قال لها:
«إديث، هل تتذكَّرين كينيون وونتوورث؛ اللذين كانا على متن السفينة؟»
«أتذكرهما جيدًا.»
«أتعرفين أن لديهما منجمًا للبيع؟»
«نعم.»
«لقد كنتُ أفكِّر فيه؛ في الحقيقة، زارني كينيون في مكتبي منذ يوم أو اثنين، وفي ذلك الوقت، ودون أن أُخضع الموضوع لمزيدٍ من التفكير، لم أتحدَّث إليه على نحوٍ إيجابي؛ لكنني أخذتُ أفكِّر في الأمر منذ ذلك الحين، ووصلت إلى شبهِ قرار بمساعدتهما. ما رأيكِ؟»
«أوه، أعتقد أن هذه ستكون خطةً رائعة. أنا متأكدة أن المنجم جيد، وإلا ما كان كينيون ستكون له أيُّ علاقة به. سأكتب رسالةً لهما، إن رأيتَ أن هذا مناسب، أدعوهما فيها للمجيء إلى هنا للحديث معك عن الأمر.»
«لن يكون هذا ضروريًّا على الإطلاق. أنا لا أريد أن يأتيَ الناس إلى هنا للحديث بشأن أمور العمل. مكتبي هو المكان الملائم.»
«لكننا قابلناهما على نحوٍ ودي على متن السفينة، وأعتقد أنه سيكون من اللُّطف إن جاءا إلى هنا في مساء أحد الأيام وتحدَّثا في الأمر معك.»
«أنا لا أُحبِّذ مناقشة أمور العمل في البيت. سيكون هذا حديثَ عمل فقط، ويجب أن يتم في مكتبي أو في مكتب ونتوورث، إن كان لديه واحد، وأعتقد أن هذا هو الحال.»
«أوه، بالتأكيد؛ إن عنوانه هو …»
«أوه، إنك تعرفينه، أليس كذلك؟»
تورَّدَت إديث عندما أدركت ما قالته؛ ثم قالت:
«هل هناك أي مشكلة في معرفة عنوان العمل الخاص بالسيد ونتوورث؟»
«أوه، لا على الإطلاق … لا على الإطلاق. أنا فقط أتساءل كيف تأتَّى لكِ معرفةُ عنوانه، في حين أنني لا أعرفه.»
«حسنًا، لا يُهم كيف عرَفتُه. أنا مسرورة أنك ستنضم إليه، وأنا متأكدة أنك ستنجح. هل ستراهما غدًا؟»
«أعتقد ذلك. سأزور ونتوورث وأتحدَّث إليه عن الأمر. بالطبع، قد لا يكون بإمكاننا الوصولُ إلى اتفاق مناسب. وإن حدث ذلك، فإن هذا في واقع الأمر لا يُهم كثيرًا. أمَّا إن استطعتُ الوصول معهما إلى اتفاق مُرضٍ، فسأساعدهما في تأسيس شركتهما.»
عندما ذهبت إديث إلى غرفتها، كتبت رسالة. وكانت الرسالة موجهةً لجورج ونتوورث في حي السيتي، ولكن فوق هذا العنوان كتبَت اسم جون كينيون. وقالت فيها: عزيزي السيد كينيون كنت متأكدةً أثناء حديثك معي أن ابن عمي ليس مَلومًا كثيرًا في مسألة نسيانه حديثَه معك كما كنت تظن. لقد تحدثنا الليلةَ عن المنجم، وعندما يزورك غدًا، كما ينوي أن يفعل، أريدك أن تعرف أنني لم أقل شيئًا على الإطلاق له عما ذكرتَه لي. لقد ذكَر الموضوعَ أولًا. وأريدك أن تعرف هذا لأنك قد تشعر بالإحراج عندما تُقابله عندما تظن أنني قد أرسلتُه إليك. ليس الأمر هكذا إطلاقًا. إنه سيأتي إليكَ بمحضِ إرادته، وأنا متأكدة أنك ستجد مساعدته في تأسيس الشركة قيِّمة جدًّا. وأنا مسرورة لفكرةِ أنكما ستصبحان شريكَين. مع خالص تحياتي إديث لونجوورث
أعطت الرسالةَ لخادمها كي يُرسلها، وقابل لونجوورث الشاب الخادم في البهو والرسالة في يده. وقد كان لديه شكٌّ على نحوٍ ما، بعد الحوار السابق، بشأن الشخص المرسلة إليه الرسالة.
«إلى أين أنت ذاهب بهذا؟»
«إلى صندوق البريد، يا سيدي.»
«إنني خارج؛ ولأوفر عليك العناء، سآخذه معي.»
بعد أن تجاوز المنعطف، نظر إلى العنوان الموجود على الظرف؛ ثم أخذ يُطلق اللعنات في نفسه لبعض الوقت. ولو كان شخصية شريرة في مسرحية، لفتح الرسالة؛ لكنه لم يفعل. لقد أسقطها فقط في أول صندوقِ بريد عمومي صادفه، وقد وصلت الرسالة في النهاية إلى جون كينيون.
تَدخُّل امرأة |
الفصل العشرون
على الرغم من أن جيني بروستر وصلَت لندن وهي غاضبة من العالم بوجهٍ عام، ومن العديد من سكانه بوجهٍ خاص، فسرعان ما بدأت تستمتع بالمباهج الموجودة في تلك المدينة العظيمة. لقد كانت المدينة عتيقةً للغاية؛ لذا كانت جديدة عليها، وقد زارت كنيسة وستمنستر وغيرها من المعالم القديمة على نحوٍ متتابع. وقد أعجبها رخصُ أجرة العربات التي تجرُّها الخيول، وقضَت معظم وقتها في التنقُّل في أنحاء المدينة باستخدام تلك العربات. ولقد أقامت في أحد الفنادق الكبرى، وطلبَت العديد من الفساتين الجديدة من أحد الأماكن في شارع ريجنت. ولقد اشترت معظم الصحف، الصباحية والمسائية منها، وقالت إنها لم تستطِع إيجاد مقال ممتع في أيٍّ منها. ورأت، من وجهة نظرها، أنها كانت غبيةً وتنقصها الجُرأة، وقررت أن تنقد محرِّرَ إحدى الصحف اليومية الكبيرة عندما يكون لديها وقت، وتُجري معه حوارًا، وتعرف كيف سمح له ضميرُه بنشر صحيفة غبية بشدة كصحيفته كلَّ يوم.
كتبت لمدير تحريرها في نيويورك بأن لندن، رغم أنها مدينة بطيئة الإيقاع، كانت مليئةً بالموادِّ الجيدة الصالحة للنشر، وأن أحدًا لم يقترب منها بالكتابة منذ عصرِ ديكنز؛ لذا، عرَضَت أن تكتب سلسلةً من المقالات عن المدينة الكبيرة التي ستجعل هؤلاء المحرِّرين ينشطون قليلًا. وقد أرسل مدير التحرير برقيةً لها يطلب منها المضيَّ قدمًا في مشروعها، وقد فعلَت.
لقد استعانت جيني بخدمات مرافقة، وكانت سعيدةً للغاية بتلك الرفاهية غيرِ المعتادة. وقد أُوعِزَ إليها بأن الليدي ويلو كانت بمنزلة القديس بيتر لكن من الناحية الاجتماعية؛ فقد كانت تحمل المفاتيح التي ستفتح بوابات جنة الحياة الاجتماعية الإنجليزية، إن حصلت على مقابل مُجْزٍ بالقدر الكافي. ومن بين كل المعالم القديمة في إنجلترا، لم يجذب انتباهَ جيني شيءٌ أكثر من الطبقة الأرستقراطية، وعلى الرغم من أنها كتبت إلى نيويورك تطلب خطاباتٍ تقديميةً لتساعدها في عملها في لندن، فلم يكن لديها من الصبر ما يجعلها تنتظر وصولَها. ولذلك، استعانت بخدمات الليدي ويلو، أرملة السير دبنهام ويلو، الذي مات بالخارج، مفلسًا، قبل بضع سنوات، وقد حزن عليه الدائنون الذين تركَهم خلفه.
كانت جيني تشكُّ في اللقب الذي تحمله الليدي ويلو، وطلبت منها أدلةً أكيدة على صحته قبل أن تستعين بخدماتها. واندهشت كيف يُمكن أن تبيع أيُّ سيدة نبيلة حقًّا، كما كان الحال، تأثيرَها الاجتماعي مقابل مبلغٍ ما في الأسبوع؛ لكن، نظرًا إلى أن الليدي ويلو تعجَّبَت هي الأخرى من كَسْبِ الفتاة الأمريكية لعيشها بكتابة مقالاتٍ للصحف، وجد اندهاشُ الأولى نظيرَه في تعجُّب الأخرى.
كانت الليدي ويلو تظن أن كل الفتيات الأمريكيات قد وُلِدن بناتٍ لميلونيرات؛ وذلك بِناءً على قانونٍ طبيعيٍّ غربيٍّ ما غيرِ مفهوم، وتخيلَت أن هدفهن الوحيد من رغبتهن في دخول المجتمع اللندني هو أن يشترينَ لأنفسهن سليلَ أسرة أرستقراطية بأي ثمن؛ لذا، كانت ميالةً لرفض لقاءِ شابة حريصةٍ عازمة على ما يبدو على الحصول على مقابل لما تدفعه من مال.
قالت الليدي ويلو بتكبُّر شديد: «ليس من عادتي الحديثُ عن شروط العمل.»
ردت جيني بلا مبالاة: «إنه من عادتي؛ فأنا أحب دائمًا معرفة ما أشتريه، والثمن الذي سأدفعه مقابلًا له.»
قالت السيدة، وهي تقوم من مكانها بسخط: «إنكِ تتعاملين معي، كما لو كنتِ تستأجرين طباخًا. أنا متأكدة أننا لن نتوافق معًا على الإطلاق.»
«رجاءً اجلسي، يا ليدي ويلو، ولا تغضبي. دعينا نتحدث عن الأمر بصورةٍ ودية، حتى لو لم نصل إلى اتفاق. أعتقد أن الطباخ شخص مهم للغاية، وأؤكد لكِ أنني كنتُ سأعامله بأكثرِ الطرق احترامًا؛ بينما معكِ، على الجانب الآخر، فأنا أتحدث بطريقة صريحة ووُدية، كما هو الحال بين الأصدقاء. أعتقد أنني وأنتِ وضعُنا مماثل بعض الشيء. لا أحد منَّا غنيٌّ؛ لذا، على كلٍّ منا أن يَكسِبَ المال الذي يحتاج إليه بطريقته الخاصة. ولن يكون من الأمانة أن أدَّعيَ أمامكِ بأنني غنية، ثم لا أستطيع أن أدفع لكِ ما تتوقعين الحصولَ عليه بعد أن فعَلتِ كلَّ ما يُمكنكِ من أجلي، أليس كذلك؟ رائع جدًّا، إن كان لديك شخصٌ آخر يمكن أن تعملي كمُرافقة له ويستطيع أن يدفعَ لكِ أكثرَ مما سأفعل، فلا يجب أن تهتمِّي بشأني على الإطلاق، وعليك الحصولُ على العميلِ الأكثرِ ثراءً.»
تذكَّرَت الليدي ويلو أن هذا ليس الموسمَ الذي يكثر فيه العُملاء الأثرياء؛ لذا كبَحَت جِماح سخطها، وجلسَت ثانيةً.
قالت جيني: «هذا جيد، ودَعينا نَخُض حديثًا هادئًا ولطيفًا، بغضِّ النظر عما سيُسفِر عنه. والآن، إن أردتِ، يُمكنني كتابةُ مقالٍ لطيفٍ عنكِ في صحيفة «صنداي آرجوس»، وهو ما سيجعل كلَّ الفتيات الثريات اللائي يَقْدَمْن إلى هنا يأتين إليكِ مباشرة.»
صرخَت الليدي ويلو، وقد صُعِقَت على ما يبدو على نحوٍ لا يُوصَف من الفكرة: «يا إلهي! يا إلهي! أنتِ بالطبع لن تفعلي شيئًا فظيعًا كهذا. إن عرَفَت صديقاتي أنني أُصاحب الفتيات الصغيرات وآخذ مالًا منهن، فلن يسمَحْن لي بدخول بيوتهن ثانيةً.»
«آه، أنا لم أُفكر في ذلك. بالطبع، لن يكون ذلك مقبولًا. يا له من شيء غريب أن أولئك الذين يُريدون أن يظهروا في الصحف بوجهٍ عام لا يرَون أبدًا أسماءهم هناك؛ في حين أن أولئك الذين لا يريدون أن يُذكَر أيُّ شيء عنهم هم الذين يسعى الصحفيون دائمًا لنشر أخبارهم!»
«إذن، هل تكتبين مقالاتٍ في الصحف؟»
«في إحداها.»
قالت الليدي ويلو، وقد قامت ثانيةً، ويبدو عليها أنها كانت عازمةً على الرحيل: «يا له من أمر مريع!» وكان من الواضح أن أيَّ تعامل مع تلك الفتاة الأمريكية كان مستحيلًا.
«اجلسي ثانيةً، ليدي ويلو. سنفترض أنني غيرُ جديرة على الإطلاق بمرافقتك؛ لذا، دعينا لا نَقُلِ المزيد عن هذا الأمر؛ لكنني أريد التحدثَ إليكِ.»
«لكنكِ ستكتبين شيئًا …»
«أنا لن أكتب كلمةً عنكِ ولا عن أي شيء تقولينه لي. كما ترين، إن مِهْنتكِ غريبةٌ بالنسبة إليَّ كما تبدو مهنتي بالنسبة إليكِ.»
«مهنتي؟ أنا ليس لديَّ مهنة.»
«حسنًا، أيًّا كان ما تُسمين الأمر. أقصد الطريقة التي تَكسِبين بها المال.»
تنهَّدت الليدي ويلو، وترقرقت الدموع في عينيها.
«أنت لا تعرفين، يا صغيرتي، المصاعبَ التي قد يُصادفها الشخص الذي أصبح فجأةً بلا عائل، وعليه أن يفعل كلَّ ما في وُسعِه للحفاظ على المظاهر.»
قامت جيني على الفور، وأمسكت بيد السيدة العجوز التي لم تُبدِ أيَّ مقاومة، وأخذت تُمسِّدها بيدها بلطف.
ردَّت، بارتعاش قليل في صوتها: «كيف هذا؟ أنا بالطبع أعرف هذا، ولا يوجد شيءٌ أفظع في هذه الدنيا من الفقر. إن كان هناك بلدٌ متحضِّر بحقٍّ في هذا الوجود، لكان سيوفر كلَّ ما تحتاج إليه نساؤه. يجب أن تضمن كلُّ امرأة ما يكفل لها مواصلةَ العيش؛ فقط لأنها امرأة. إن خصَّصت إنجلترا لنسائها الأموالَ التي أنفَقَتها في الأعوام المائة الأخيرة على الحروب البغيضة، أو إن أنشأت أمريكا صندوقًا لدعم النساء من الأموال التي سُمح لسياسيِّيها بسرقتها، فربما كانت ستحصل نساءُ هذين البلدين الهمجيَّين على دخلٍ لن يجعلَهن، على الأقل، يخشين الحاجة والعَوَز.»
بدا أن حماس الآنسة بروستر لم يُهدئ من رَوْع الليدي ويلو، بل زادها انزعاجًا. وقالت في تردد:
«أخشى، يا عزيزتي، أنكِ تعتنقين بعضَ الأفكار الغريبة للغاية.»
«ربما؛ لكنني لديَّ فكرة واحدة ليست غريبة؛ وهي أنك ستكونين مسئولةً عن فتاةٍ وحيدة لا صديق لها لبضعة أسابيع على الأقل … حتى تأتيَ ابنةُ صاحب شركة تعبئة لحم خنزير غني من شيكاجو، التي لن تصل إلى هنا قبل شهرٍ أو اثنين. إننا لن نتحدث عن شروط العمل؛ سأدفع لكِ كلَّ ما سيتبقى معي بعد دفع مقابلِ تنقُّلاتي بعربات الأجرة ذات الخيول.»
«سأكون مسرورةً للغاية لفعل ما يُمكنني فعلُه من أجلك، يا عزيزتي.»
خفَّفت الليدي ويلو من حدَّة نبرتها تجاهَ عميلتها الشقراء، وتبنَّت الآن نبرةً عطوفة بعض الشيء معها، وهو ما أعجب جيني على ما يبدو.
«سأحاول ألا أكون مصدرَ إزعاج كبيرٍ لكِ، على الرغم من أنني على الأرجح سأسألُكِ العديدَ من الأسئلة. كل ما أريده في واقع الأمر هو فقط رؤية حديقة الحيوان، وسماع الحيوانات وهي تصيح، ورؤيتها وهي تأكل. وأنا لا أطمح لسرقة أيٍّ منها.»
قالت الليدي ويلو باندهاش: «أوه، هذا سيكون من السهل القيامُ به. يمكننا الحصولُ على تذكرتين من أحد العاملين في جمعية علم الحيوان، وهو ما سيُدخلنا إلى هناك يوم الأحد، حيث لا يوجد سوى عددٍ قليل من الأشخاص.»
ضحكَت جيني بابتهاج.
«أقصد حديقة الحيوان الاجتماعية، يا ليدي ويلو؛ لقد زرتُ الأخرى بالفعل. رجاءً لا تنظري إليَّ باندهاشٍ شديد، ولا تخافي؛ فأنا في واقع الأمر أتحدَّث على نحوٍ لطيف للغاية عندما أكون في أحد التجمعات، وأنا واثقةٌ أنكِ لن تخجلي من وجودي على الإطلاق. كما ترَين، أنا لم أتحدَّث إلى أي شخص منذ أن جئتُ إلى لندن؛ لذا، أعتقد أنني يجب أن يُسمَح لي بنطاقٍ محدود من المعارف في البداية.»
قلَّلت الليدي ويلو من حدة تكبرها حتى إنها ابتسمت، وإن كان ببعض الارتياب؛ وقالت جيني بابتهاج إنهما هكذا يكونان قد أنهَيا اتفاقهما، وإنها متأكدة من أنَّ أواصر الصداقة ستتوطَّد بينهما بشدة.
وأردَفَت: «يجب أن تُخبريني ماذا عليَّ فعلُه. أعتقد أن الملابس أهمُّ الأمور المبدئية عندما يُفكر المرء في الدخول لأي مجتمع. حسنًا، لقد طلبتُ الكثير منها؛ لذا، هذا الأمر لا مشكلة فيه. ما الأمر التالي؟»
«نعم، الملابس مهمة؛ لكنني أعتقد أن أول شيء عليكِ فعلُه هو الإقامة في منزل جيد في مكانٍ ما. أعتقد أنك لا يمكنك البقاءُ في هذا الفندق؛ هذا إلى جانب أن المنزل الذي ستختارينه يجب أن يكون فخمًا للغاية.»
«نعم، من الأفضل أن يكون كذلك؛ لكن هذا متاحٌ وفي المتناول بشدة.»
«إنه ليس في المتناول بالنسبة إلى كلِّ أفراد المجتمع.»
«أوه، هل هو كذلك؟ كنتُ أفكِّر في كنيسة وستمنستر وميدان ترافالجار، ومثل هذه الأماكن. بالإضافة إلى ذلك، هناك «دائمًا» عربة بخيول أنيقة متاحةٌ بالقرب من الباب عندما يريد أيُّ شخص الخروج.»
«أوه، اعلمي أنه لا يجب عليكِ أن تركبي عرباتِ الأجرة هذه!»
«لماذا؟ أظن أن أفراد الطبقة الأرستقراطية — الراقية جدًّا — تركب هذه العربات.»
«البعض لديهم عرَبات خاصةٌ بخيول؛ لكن هذا أمر مختلف للغاية.»
«وقد سمعتُ في مكانٍ ما أن أغلب العربات التي تجرها الخيول في لندن تمتلكها الطبقة الأرستقراطية. أنا متأكدة أنني ركبتُ واحدة تنتمي لماركيز مكان؛ أنا لا أتذكر اسمه. أنا لا أفترض أن الماركيز نفسه هو الذي كان يقودها. ربما كان يقودها سائقُه؛ لكن السائق كان شابًّا لطيفًا للغاية، وأعطاني الكثير من المعلومات. لقد أخبرني بأن الماركيز يمتلك العربة؛ لأنني سألتُه عن صاحبها. ظننت أن السائق ربما يكون مالِكَها. سأترك الفندق عن طيب خاطر، لكنني لست متأكدةً بشأن العربات. أخشى أن أعِدَكِ بشيء في هذا الأمر؛ لأنني متأكدة أنني سأستأجر عربةً بخيول تلقائيًّا عندما أخرج بمفردي. لذا، سنؤجِّل مسألة العربات حتى وقتٍ لاحق. والآن، أين تقترحين أن أُقيم بينما أكون في لندن؟»
«يمكنكِ الإقامةُ معي إن أردتِ. أنا لا أملك منزلًا كبيرًا؛ لكن هناك مكان لصديقٍ أو اثنين، والمنزل في موقع جيد للغاية.»
«أوه، سيكون هذا رائعًا. أظن أن العنوان المناسب على ورق رسائل المرء هو كلُّ شيء، ويكاد يكون مهمًّا مثل شعار النبالة — إن استُخدِم شعار النبالة كرأسية؛ وهناك فرق بين دروري وبارك عندما يأتيان بعد كلمة «شارع».»
توصلَت السيدتان بسرعة إلى تفاهمٍ كان مُرضيًا للطرفين، ووجَدَت الليدي ويلو، على نحوٍ أرضى بشدة كبرياءها، أن التلهُّف المندفع للسيدة الشابة قد غيَّر الوضع بحيث غادرَت الآن السيدة العجوز، رغم أنها قد جاءت إلى الفندق بتوجُّهِ شخصٍ كان، إن جاز التعبير، يسعى من أجل الحصول على إحسان، بإحساس بهيج بالرضا عن الذات الذي يشعر به شخصٌ كريم منَّ على شخص آخر. ولم يكن تنازلها دون طائل، سواءٌ على الجانب المادي أو المعنوي؛ فقد دفعت لها جيني بقليلٍ من البذخ، كما أن النجاح الاجتماعي الفوري لجيني كان مثيرًا لفخر الليدي ويلو باعتبارها مَن قدَّمَت الأمريكية البارعة والمليئة بالحيوية جدًّا.
لقد كان الانطباع الذي ترَكَته جيني لدى الرجال الشباب السريعي التأثر عاطفيًّا الذين قابلَتهم تحت رعاية الليدي ويلو كبيرًا، حتى إن الشائعة التي انتشرَت بأنها ليس لديها مالٌ لم تُقلِّل من إعجابهم كلِّهم بها. لم يَفتُر اللورد فريدريك في تودُّده لها، وعاملها كما لو أنها أغنى وريثةٍ عبَرَت المحيط لتتخلَّى عن ذهبٍ تم الحصول عليه بطريقة مريبة في مقابل لقبٍ حصل عليه أحدُ اللصوص في العصور الوسطى، كما لو كان يصنع مقارنة بين الشر القديم والحديث.
نظرت الليدي ويلو لتفضيل اللورد فريدريك لجيني باندهاشٍ بهيج. وعلى الرغم من أنها لم تكن راضيةً تمامًا عن الفتاة التي في رعايتها، فقد كانت معجبة بها بشدة؛ لكنها لم تستطِع معرفةَ لماذا يسعى الرجال وراء جيني بشدة، في الوقت الذي يجري فيه تجاهلُ فتياتٍ أخريات، جميلاتٍ مثلها وأكثر جدارةً منها بالاهتمام بكثير. لقد ألمحت بلطفٍ إلى الفتاة في أحد الأيام أن زيارتها لإنجلترا ربما لن تكون، في النهاية، عديمةَ الجدوى.
قالت جيني: «لا أعتقد أنني أفهمُك.»
«حسنًا، يا عزيزتي، بقليلٍ من الكِياسة من جانبك، أظن أن اللورد فريدريك بنجهام قد يعرضُ عليك الزواج.»
توقفَت جيني، التي كانت ترتدي قُفازها، ونظرت إلى الليدي ويلو، وفي عينيها تألقٌ بهيج وحول أطراف ثَغرِها ابتسامةٌ خَجولة.
«هل تتصوَّرين أنني قد جئت إلى هنا من أجل أن أوقِع بأحد النبلاء المساكين … بإبداء بعضِ الكياسة؟ يا إلهي! كما لو أن الكياسة لها أيُّ علاقة بهذا! أبدًا، أبدًا، أبدًا، يا ليدي ويلو! أنا لن أتزوج إنجليزيًّا حتى إن كان آخِرَ رجل على وجه الأرض.»
«العديد من الرجال الإنجليز لطفاء جدًّا، يا عزيزتي.» هكذا قالت الليدي ويلو معترضةً بلطف، ثم تنهَّدَت بعمق؛ إذ تذكرَت زوجها الذي، رغم كونه شخصًا مستهترًا على نحوٍ يصعب إصلاحه، قد استحوذ على كاملِ حبِّها طَوال حياته، وكان موضِعَ أسفها الشديد الآن نظرًا إلى أنه قد غادر عالَمًا لم يُقدِّر قطُّ مواهبَه؛ رغم أن ذلك، في تقدير السيدة الأرملة، كان يرجع بالكامل للعيوب التي لم يستطِع السير دبنهام إخفاءها.
أضافت جيني على نحوٍ مناقض لما سبق، بينما كانت تُزرر قفازها: «ومع ذلك، أنا أعشق الحصولَ على لقب؛ أنا لا أعرف السبب في هذا. أعتقد أنه لا توجد أبدًا امرأةٌ في صميم قلبها تُفضل النظام الجمهوري، وإذا كان للولايات المتحدة أن تنهار، فإن النساء هن مَن سيَقُمنَ بذلك، وسيُقِمْن مكانه نظامًا ملكيًّا. أنا ليس لديَّ شك في أن الرجال لن يدَعونا نُقيم إمبراطورية الآن إذا ظنوا أن هذا سيُسعدنا.»
قالت الليدي ويلو: «ظننت أنَّ جميعكن بالفعل ملِكاتٌ هناك.»
«أوه، نحن كذلك، لكن تلك هي المشكلة. هناك منافسةٌ شديدة للغاية في مسألة المَلِكة؛ هناك الكثيراتُ منا للغاية، لذا، نتخلى عن لقَبنا الملكيِّ المشترك في مقابل الألقاب الأقلِّ أهمية المتمثلة في الدوقات والكونتيسات وكل هذا.
إنه ليس بالأمر الهين، باعتقادي، أن تُصبحي ملكةً متوَّجة ومُطْلَقة. أنا لا أقصد أن يكون هناك مَن يُنازعك في ذلك. ولكن أن تصبحي ملِكة مطلقة، مطلقة، مطلقة، مطلَقة وكاملةَ الصلاحيات.
أنا لا أعرف إن كانت الكلمات صحيحة أم لا، لكنَّ الفكرة العامة موجودة. أوه، يا إلهي! أخشى أنني سأُصبح إنجليزية تمامًا.»
قالت الليدي ويلو، وهي تبتسم رغمًا عنها، بينما كانت رفيقتُها الطَّليقة اللِّسان تُغني وترقص في أنحاء الغرفة: «أنا لا أرى أماراتٍ كثيرةً على هذا.»
قالت جيني: «هيا، يا ليدي ويلو، ارتدي ملابسك؛ أنا ذاهبة إلى مصرف حي السيتي لصرف شيك، وأنا أعلمك مسبقًا بأنني سأستقلُّ عربةَ أجرةٍ بخيول. اللورد فريدي يتفق معي في أن هذه العربات هي أبهجُ أنواع المركبات؛ رجاءً لا تتضايقي مني، يا ليدي ويلو؛ إن «أبهج» هي كلمة اللورد فريدي وليست كلمتي.»
قالت الليدي ويلو، بأكثرِ أسلوبٍ حادٍّ كان يمكن للسيدة الطيبة أن تستخدمه: «ما لا يعجبني هو مناداتك له باللورد فريدي.»
«أوه، هذه هي عبارته، أيضًا! إنه يقول إن الجميع يَدْعونه اللورد فريدي. تعالي معي، وسأناديه باللورد … فريدريك … بنجهام.» هكذا ردَّت بنبرةٍ تعلوها الاحترامُ مع وجود سكتات ملائمة بين الكلمات. ثم أردفت: «إنه يبدو دائمًا تافهًا مقارنةً باسمه؛ إنه يُشبه رجلَ مبيعاتٍ يقف أمام طاولة بيع قديمة، وأنا لا أتعجب من أن الجميع يَدْعونه اللورد فريدي. أخشى أنني قد أُصبت بخيبةِ أمل، يا ليدي ويلو. أعتقد أن الرجال قد تدهوَر حالُهم منذ أن أصبحَت البذلات الدرعية عتيقةَ الطِّراز؛ فقد كان عليهم أن يكونوا ضِخامَ الجثة وأقوياءَ حينها؛ كي يحملوا هذا الكمَّ من الأشياء المعدنية. بالطبع، يتأثَّر الرجل بما إذا كان خيَّاطه يُفصِّل له بِذْلة من قماش الجوخ أو من صفائح الحديد. نعم، بدأتُ أعتقد أنني قد جئت إلى إنجلترا متأخرةً عدة قرون.»
صُدِمَت الليدي ويلو بشدةٍ من تلك الملاحظات السخيفة بحيث لم تستطِع الرد؛ لذا، ودون أن تحاول الرد، ذهبَت إلى غرفتها لتجهز نفسها لرحلتها إلى حي السيتي.
تركَت جيني الليدي ويلو في عربة الأجرة، ودخلت إلى المصرف وخرجَت ومعها الأوراقُ النقدية البيضاء، التي يُشار إليها عامةً في عالم الأدب بأوراق البنكنوت، وأخذت تحشرها بلا مبالاة أكبرَ مما تقتضيه قيمتُها في حقيبة اليد الخاصةِ بها. وأخرجَت من الحقيبة قطعةَ ورق مكتوبًا عليها عُنوان، وأخذت تنظر فيها لبضع لحظات قبل أن تغادر المصرف. ولدى وصولها إلى عربة الأجرة، أعطت قطعة الورق للسائق.
وسألَته: «هل تعلم أين يقع هذا العنوان؟»
«نعم، يا آنستي؛ إنه على مقربة من هنا.»
«حسنًا، اذهب إلى الجانب الآخَر من الشارع، واستمر حتى تصل إلى الباب رقم ٢٣.»
«حسنًا، يا آنستي.»
عندما وصل السائقُ تقريبًا قُبالة الباب رقم ٢٣، أوقف العربة. ونظرَت جيني إلى المدخل حيث كان العديد من الرجال المسرعين يدخلون ويخرجون. كان مبنًى كبيرًا ممتلئًا على ما يبدو بالمكاتب؛ وأخذت الفتاة نفَسًا عميقًا، لكن لم تتحرك لمغادرة العربة.
سألَتها الليدي ويلو، التي كان حي السيتي بالنسبة إليها مكانًا مجهولًا، وكانت العجَلة والجلَبة الموجودتان فيه مُربِكتَين لها على نحوٍ بغيض: «هل لديك مهمةُ عمل توَدِّين القيام بها هنا، أيضًا؟»
قالت جيني، بنبرة حزينة: «لا، هذه ليست مهمةَ عمل؛ إنها متعة. أريد الجلوس هنا لبضعِ دقائق والتفكير.»
قالت الليدي ويلو محتجَّة: «لكن يا صغيرتي لا يُمكنك التفكير في ظل هذه الجلَبة؛ هذا بالإضافة إلى أن الشرطة لن تسمح للعربة بالوقوف هنا إلا إذا كان أحدُنا يتسوَّق أو لديك مهمةُ عمل تودِّين القيام بها في أحد المكاتب.»
«إذن، عزيزتي الليدي ويلو، اذهبي للتسوُّق لمدة عشر دقائق؛ رأيت بعض المتاجر الرائعة على مقربة من هنا في نفس الشارع. ها هي خمسة جنيهات، وإن رأيتِ أيَّ شيء عليَّ أن أشتريَه، فاشترِيهِ من أجلي. يجب أن يُفكر المرء من آنٍ لآخَر، كما تعرفين. إن أفكارنا تُشبه الخطابات التي نستقبلها؛ نحتاج إلى فرزها دوريًّا والتخلُّص من تلك التي لا نرغب في الاحتفاظ بها. أريد أن أفحص بدقةٍ أفكاري وأرى إن كان يجب التخلصُ من بعضها أو لا.»
عندما تركَت الليدي ويلو جيني، جلست الأخيرة وذقنها على يديها ومِرفقاها على ركبتَيها وأخذت تُحدق في رقم ٢٣. لم تكن وجوهُ أيٍّ ممن كانوا يدخلون أو يخرجون مألوفةً لها. وكثيرًا ما كان المارُّون ينظرون إليها، لكنها لم تكن تأبهُ بالناس، ولا بالإعجاب العابر الذي كان يتشكَّل نتيجةً لوجهها الجميل في صدور العديد من الأشخاص القُساة العاملين في المجال المالي، إن كانت، بحقٍّ، على وعيٍ بالاهتمام الذي تلقَّته. واستيقظت من حلم اليقظة الخاص بها عندما دخلت الليدي ويلو إلى العربة.
صاحت: «كيف هذا، أعُدتِ بهذه السرعة؟»
ردَّت السيدة العجوز موبخةً إياها: «لقد كنت بالخارج لمدة ربع الساعة.» وأردفت: «لقد أنفقتُ كلَّ المال، وها هي المشتريات.»
ردَّت جيني: «المال لا يدوم طويلًا في حي السيتي، أليس ذلك؟»
سألتها السيدة العجوز: «عجبًا، ماذا بكِ، يا عزيزتي؟ يبدو صوتُك وكأنك كنتِ تبكين.»
«هراء! غباء! هذا الشارع يُذكرني كثيرًا ببرودواي مما جعلني أشعر بالحنين بشدةٍ إلى الوطن، هذا كل ما في الأمر. أعتقد أنني سأعود إلى نيويورك.»
«هل قابلتِ شخصًا من هناك؟»
«لا، لا. أنا لم أرَ أحدًا أعرفه.»
«هل تتوقعين ذلك؟»
«ربما.»
«لم أكن أعلم أن لديكِ أيَّ أصدقاء في حي السيتي.»
«ليس لدي أيُّ أصدقاء هنا. إن ما أتوقَّع رؤيته هو عدوٌّ لي.»
«حقًّا؟ هل هو عدو كان قبل ذلك صديقًا؟»
«نعم. لماذا تسألينني العديد من الأسئلة؟»
أمسكَت الليدي ويلو بيد الفتاة وقالت محاولةً تهدئتها:
«أنا آسفةٌ من حدوث سوء فهم.»
قالت جيني: «وأنا كذلك آسفة.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثالث
لقد كان اليوم الثاني مفاجأةً سارَّة لكل ركابِ السفينة الذين أعدُّوا أنفسهم لرحلةٍ شتوية غيرِ سارة. لقد كان الهواء صافيًا والسماء زرقاء كما لو كان الوقتُ وقتَ الربيع، وليس منتصفَ الشتاء. وكانت السفينة في منطقة تيار الخليج الدافئ. سطَعَت الشمس بشدة وكان الطقس معتدلًا. ومع ذلك، كان يومًا غيرَ مريح للركاب المعرَّضين لدُوار البحر. فعلى الرغم من أنه لم يكن يبدو، للملاحِظ العادي، أن هناك حركةً كبيرة للماء، فقد أخذت السفينةُ تتأرجح على نحوٍ شديد. إن هؤلاء الذين اتخذوا قراراتٍ جريئةً بالجلوس على السطح كانوا يجلسون هناك في بؤسٍ صامت على كراسيهم التي كانت مربوطةً بدعامات قوية. القليل كان يتمشَّى على السطح اللامع النظيف لأن التمشيَ في ذلك الصباح كان يتطلب رشاقةَ لاعبي الجمباز. واستطاع الثلاثة أو الأربعة الذين أرادوا على ما يبدو أن يُثبتوا أنهم سافروا على متن هذه السفُن من قبل، ويعرفون كلَّ شيء عنها، أن يمشوا بالكاد على طول السطح. أما هؤلاء الجالسون على كراسيِّ السطح، فكانوا يُشاهدون ببعض الاهتمام مَن كانوا يسيرون أمامهم والذين كانوا من آنٍ لآخَر يتوقفون عن المشي وينحَنون بشدةٍ مع ميلِ السطح لأسفل. وأحيانًا كانت أقدامُ السائرين تَزلُّ، فينزلقون بسرعة على السطح المائل. ومثل هذه الحوادث كانت بلا شكٍّ محلَّ متابَعةٍ من قِبَل الجالسين، وحتى العُجُز كانوا يضحكون بوهن.
أسند كينيون ظهره على كرسيِّه على سطح السفينة وكانت عيناه مثبَّتتَين على السماء الزرقاء. كان عقله غيرَ منشغل الآن بشأن تقرير المناجم بعد أن أرسله بالتلغراف إلى لندن. وأخذ عقلُه ينظر في أحواله، وتساءل ما إذا كان سيجني الكثيرَ من المال من عقدِ خيار الشراء الذي حصل عليه في أوتاوا. لم يكن شخصًا متفائلًا، ولذلك شكَّ في هذا الأمر.
بعد أن انتهى الشابَّان من عملهما لصالح شركة لندن سينديكيت، أجريا صفقةً صغيرة لصالحهما. لقد زارا معًا منجمَ ميكا كان بالكاد يُغطي نفقاته، وكان مالكوه متلهِّفين على بيعه. كان المنجم مملوكًا لشركة المناجم النمساوية التي قابل كينيون وكيلها، فون برينت، في أوتاوا. أبرم الشابَّان عقد خيارِ شراءٍ بشأن هذا المنجم لمدة ثلاثة أشهُر مع فون برينت. كانت عين كينيون الخبيرة تقول له إن المادة المعدِنية البيضاء التي كانوا يُلقونها عند مقدَّمةِ المنجم كانت حتى ذاتَ قيمةٍ أعلى من الميكا التي كان المنجمُ يستخرجها من الأرض.
كان كينيون أمينًا بشدة — وهي صفةٌ نادرة بعضَ الشيء في مجال المناجم — وبدا له أنه ليس من العدل أن يستغلَّ جهل فون برينت بشأن المادة المعدِنية التي يتمُّ التخلُّص منها. ووجد ونتوورث بعضَ الصعوبة في التغلُّب على ضميرِ صديقه وأمانته الشديدة. وزعَم أن المعرفة دائمًا شيءٌ يجب أن يُدفَع من أجل الحصول عليه، سواءٌ في القانون أو الطبِّ أو مجال المناجم، ومِن ثَم فهما مُحقَّان تمامًا في الاستفادة من عِلمهما الكبير. وهكذا عاد الشابان بعقدِ خيار شراءٍ إلى لندن، مدتُه ثلاثة أشهر بشأن هذا المنجم.
أخذ ونتوورث يتجول في أنحاء السفينة طوال الصباح كروحٍ تائهة تبحث على ما يبدو عن صاحبِها. وقال لنفسه: «لا، لا يُمكن.» فقد كانت الفكرة مريعةً للغاية؛ ولذا، فقد أبعَدَها عن رأسه وخمَّن أنها ربما ليست من مُحبي الاستيقاظ المبكِّر، وقد كان بالفعل. في واقع الأمر، لم يستفِد أحدٌ يعمل في صحيفة صباحية قطُّ من المثَل الذي تضربه القُنْبُرة في الاستيقاظ مبكرًا.
قال ونتوورث: «حسنًا يا كينيون، إنك تبدو وكأنك تكتب قصيدة أو تقوم بشيء يتطلَّب جهدًا ذهنيًّا كبيرًا.»
«أترك لك كتابةَ القصائد، يا عزيزي ونتوورث. أنا أقوم بشيء عمَلي أكثرَ على نحوٍ كبير؛ شيء كان يجب أن تقومَ به أنت أيضًا. أنا أفكِّر فيما سنفعله في منجم الميكا الخاص بنا عندما نصل إلى لندن.»
قال ونتوورث بمرح: «أوه، «يكفي اليومَ شره»؛ بالإضافة إلى ذلك، نصف الساعة من التفكير من جانب شخصٍ في ذكائك تُساوي رحلةً كاملة من تأمُّلي العميق.»
قال كينيون: «ألم تَظهر بعد؟»
«نعم، يا عزيزي؛ نعم، ليس بعد. انظر كيف أنني لم أُظهِر غيرَ ما أُبطن كما يفعل غيري من الرجال الأقلِّ صدقًا. نعم، هي لم تظهر، ولم تتناول طعامَ الإفطار.»
قال كينيون: «ربما …»
صاح ونتوورث: «لا، لا! أنا لا أريد كلمةَ «ربما». لقد فكرتُ في هذا، لكنني استبعدتُ الفكرة على الفور. إنها غيرُ معرَّضةٍ لدوار البحر.»
«يجب أن تكون كذلك لكي تحتملَ مثل هذه الحركة. كما أن هذا يبدو غيرَ ضروري أيضًا. تُرى لماذا تتمايل السفينةُ هكذا؟»
«لا يُمكنني القول، لكن يبدو أنها تتمايل بشدة. يا صديقي القديم كينيون، أشعر بأن ضميري يُؤنِّبني بشدة بشأنِ تركِك هكذا، وفي وقتٍ مبكِّر من الرحلة. أنا لم أفعل ذلك في المرة السابقة، أليس كذلك؟»
ردَّ كينيون: «لقد كنتَ مثالًا لرفيق السفر في الرحلة السابقة.»
«أنا لا أريد أن أُقدِّم لك اقتراحاتٍ وقحةً، يا عزيزي، لكن اسمح لي أن أخبرك بأن هناك بعضَ الفتيات الأخرى الجميلات جدًّا على متن السفينة.»
ردَّ كينيون: «إذن، أنت لستَ سيئًا للغاية كما كنتُ أخشى، وإلا ما كنتَ ستعترف بهذا. ظننتُ أنك لا ترى أحدًا سوى الآنسة … الآنسة … في الواقع لم أسمَعِ اسمها.»
«أنا لا أُمانع في أن أخبرك يا كينيون، مع اعتبار هذا سرًّا، بأن اسمها هو جيني.»
صاح كينيون: «يا إلهي! أوصَلَ الأمر إلى هذا الحد؟ ألا تعتقد يا ونتوورث أنك متعجِّل بعضَ الشيء؟ يبدو هذا التوجُّهُ أمريكيًّا أكثرَ منه إنجليزيًّا؛ فالإنجليز يَزِنون الأمورَ على نحوٍ أكبر.»
«لا توجد ضرورة لوزن الأمور، يا صاح. أنا لا أرى أيَّ ضرر في التقرب من فتاةٍ جميلة ما دام أمامَ المرء رحلةٌ طويلة.»
«حسنًا، أنا ما كنتُ سأترك العلاقة تتطور، لو كنتُ مكانَك.»
«لا يوجد أيُّ احتمال للتطور في هذه العلاقة. فعندما تصل الفتاة إلى الشاطئ، لن تلقاني ثانية. إنها ابنة مليونير. وأبوها الآن في باريس، وسينطلقان في رحلةٍ إلى منطقة الريفيرا في غضون بضعة أسابيع.»
ردَّ كينيون: «وهذا سببٌ أدعى لضرورةِ ألَّا تجعل العلاقة تتطور. خذ حذرَك، يا صاح. لقد سمعتُ أن الفتيات الأمريكيات يَهْوَين استدراجَ الرجال في علاقةٍ حتى تصل تلك العلاقة لنقطة معينة، وحينها ترفع كلٌّ منهن حاجبَيها وتبدو عليها أماراتُ الاندهاش وبعد ذلك تنسى كلَّ شيء بشأنه. ومن الأفضل أن تنتظر حتى ينجح مشروعنا الخاصُّ بمنجم الميكا، وبعدها، قد تستمع إليك مليونيرتُك الحسناء.»
قال ونتوورث: «جون، أنت أكثرُ رجل أعرفه غِلظة. لم ألاحظ ذلك على نحوٍ خاصٍّ من قبل، ولكن يبدو لي أن سنواتٍ وسنواتٍ من العمل مع المعادن من كافةِ الأنواع؛ المعادن الصُّلبة والمتحجِّرة، تُغيِّر الإنسان. احذر أن تُصبح مثل المعادن التي تعمل معها.»
«حسنًا، أنا لا أعرف شيئًا أقلَّ قابليةً لترقيق الطِّباع من أعمدة الأرقام الطويلة. أعتقد أن الأرقام التي تعمل معها تُسبب غِلظة الطباع تمامًا مثلَ المعادن التي قضيتُ حياتي في العمل معها.»
«ربما أنت مُحِق في ذلك، لكن يجب أن تُلقى فتاةٌ بين ذراعيك قبل أن تعترف بوجودِ ذلك الشيء الذي يُطلَق عليه فتاة جميلة.»
«إذا استطعتُ الحصول على كل المال الذي آمُل أن أكسِبَه من منجم الميكا، فأتوقع أن الفتيات لن يُلقين بأنفسِهن بين ذراعيَّ، وإنما سيتهافَتْن على التقرُّب مني. إن المال عاملٌ مهمٌّ في إغراء أي فتاة لقَبول الزواج.»
قال ونتوورث بتمهُّل: «إنه بالطبع عامل مهم لإغراء أمِّها لقَبول الزواج. أنا لا أعتقد أن حبيبتي … أن الآنسة بروستر تُفكر على الإطلاق في المال.»
«ربما هي لا تحتاج إلى فعل ذلك، لكن لا شك أنَّ هناك أحدًا سيُفكر في ذلك بالنيابة عنها. إذا كان أبوها مليونيرًا، وقد كوَّن، مثلَ الكثير من الأمريكيين، ثروتَه بنفسه، فيجب أن تثقَ في أنه سيُفكر في الأمر بالنيابة عنها، وإذا اتضحَ أن الآنسة بروستر لا تُفكر في هذا الأمر، فإن الثريَّ العجوز سرعان ما سيُعيدكما أنتما الاثنان إلى صوابِكما. سيكون الأمر مختلفًا لو كان لديك لقَبٌ كبير.»
ردَّ ونتوورث: «ليس لدي أيُّ لقب، فيما عدا لقب جورج ونتوورث، مُراجع الحسابات، مع عُنوان في لندن وشقَّة في ضواحيها.»
«بالضبط؛ إذا كنت اللورد جورج ونتوورث أو حتى السير جورج أو ونتوورث بارون كذا أو كذا، فربما تكون لديك فرصة؛ أما في الوضع الحاليِّ، فإنَّ لقبَ مراجع حسابات لن يجعلَك تنجح في مسعاك مع مليونير أمريكي أو ابنته.»
«إنك فتًى بائسٌ وبارد وشديدُ الحرص.»
«أنا لستُ أيًّا من ذلك على الإطلاق. أنا فقط أفكِّر بعقلانية، وأنت تفتقد هذا في هذه اللحظة. إنك لن تثقَ في أرقامِ أيِّ كاتبِ حسابات دون أن ترى فواتيرَه. حسنًا، يا صاح، أنت ليس لديك الفواتير؛ على الأقل، ليس حتى الآن، ولهذا أطلبُ منك أن تُوجِّه اهتمامك لما سنفعلُه في منجمنا؛ وإذا أخذتَ بنصيحتي، فلن تُفكر بجِدِّية في المليونيرات الأمريكيين أو بناتِهن.»
انتصبَ جورج ونتوورث بسرعة؛ وذلك لأن السفينة مالت فجأة في تلك اللحظة، وما إنِ استطاع الحفاظَ على توازنه، حتى كاد أن يفقده ثانيةً؛ لكنه كان خبيرًا في مسألة التوزان هذه كما هو حاله مع الحسابات، وعلى الرغم من أن انتباهه كان في هذه اللحظة مركَّزًا على الحفاظ على توازنه، نظَر إلى رفيقه، الذي كان لا يزال يُسنِد ظهره بهدوء على كرسيِّه، وعلى وجهه ابتسامة.
وقال: «كينيون، سأبحثُ عن فتاة أخرى.»
«ألا تكفيك واحدة؟»
«نعم، أريد اثنتين؛ واحدةً لي والثانية لك. لا يمكن لأحدٍ أن يتعاطف مع الآخرين إلا إذا وُضع في نفس الموقف الذي هم فيه. جون، أريد بعضَ التعاطف، ولا أحصل عليه منك.»
قال كينيون بهدوء: «ما تحتاج إليه على نحوٍ فوري هو العقلانية، وهذا هو ما أُحاول أن أُمِدَّك به.»
«أنت تفعل كلَّ ما تستطيع في هذا الشأن؛ لكن الإنسان لا يحيا بالعقلانية وحدها. يأتي على الإنسان وقتٌ يرى فيه أن العقلانية لا قيمة لها. أنا لا أقول إن هذا الوقت قد أتى عليَّ بعد، لكني مُصرٌّ على أن أجعلَك في مِزاجٍ أكثرَ تعاطفًا؛ لذا، سأسعى لأن أجد فتاةً مناسبة لك.»
ردَّ كينيون، بينما تركه صديقه وعبَر إلى الجانب الآخَر من السفينة متواريًا عن الأنظار: «الأكثر احتمالًا أنك ستبحث عن فتاتك.»
لم يَعُد كينيون للتفكير في حساباته بشأن المنجم عندما تركه صديقه. وأخذ يُفكِّر في التطور السريع على نحوٍ غريبٍ للأحداث. وأمَّلَ ألا يأخذَ ونتوورث الأمر بجدِّية شديدة؛ لأنه شعر بطريقةٍ ما أن الآنسة بروستر من نوعية الفتيات التي ستتجاهله بعد أن تقتل الوقتَ معه في رحلةٍ مملَّة. بالطبع، لم يكن يستطيع أن يقول هذا لصديقه، الذي من الواضح أنه كان معجبًا بالآنسة بروستر، لكنه قال له أقصى ما يُمكنه ليجعله يأخذُ حذره.
قال كينيون لنفسه: «لو كانت مثلَ هذه الفتاة، ما كنتُ سأُبدي أيَّ اعتراض.» كانت هذه الفتاةُ المشارُ إليها فتاةً تمشي على سطح السفينة بمفردها لمدة نصف الساعة بمهارةٍ شديدة. إنها لم تكن جميلةً مثلَ الفتاة الأمريكية، ولكن كانت بشَرتُها أجمل، وكانت هناك حُمرة في وجنتَيها تُشير إلى أنها تنتمي لإنجلترا. إن فستانها لم يكن أنيقًا ولا ملائمًا بشدةٍ على جسدها مثل فستان الفتاة الأمريكية، ومع ذلك، كان ما ترتديه مناسبًا للطقس والظروف، وكانت ترتدي قبعةً من نوع تام أو شانتر بُنِّية تُغطي شعرها الأشقر. كانت تضع أطراف أصابع يديها في جيبَيْ معطفِها الأزرق القصير، وأخذَت تمشي على السطح بخُطًى ثابتة وواثقة أثارت إعجابَ جون كينيون. وكرَّر كلامه لنفسه قائلًا: «لو كانت مثل هذه الفتاة، ما كنت سأبدي أي اعتراض. هناك شيء غضٌّ وأصيل بشأنها. إنها تُذكرني بتِلال جنوب إنجلترا البهيجة.»
بينما أخذَت تمشي جَيئةً وذَهابًا، حاول شابٌّ أو اثنان التقرُّبَ منها، لكن كان واضحًا لكينيون أن الفتاة أعلنَت صراحةً لهما، على نحوٍ مهذَّب بالقدر الكافي، أنها تُفضِّل السير بمفردها، وقد رفعا لها قبعتَي البحر الخاصتَين بهما احترامًا لها وتركاها.
قال في نفسه: «إنها لم تُصادق أولَ رجل يتحدث إليها.»
بدأت السفينة في التأرجُح أكثرَ فأكثر، لكن اليوم كان بديعًا والبحر يبدو هادئًا. وقد غادر معظمُ المتنزهين السطح. وقد حافظ اثنان أو ثلاثةٌ منهم على توازنهم بنجاحٍ مُرضٍ ولَّد لديهم الشعورَ بالفخر الذي يسبق السقوط، لكنَّ لحظة انزلاقهم أتت أخيرًا ووجدوا أنفسهم مَلْقيِّين قُبالةَ سور السفينة. حينها، ضحكوا بخجلٍ وقاموا وتركوا السطح. والكثير من هؤلاء الذين كانوا جالسين في كراسيِّهم على متن السطح تركوا أماكنهم وذهبوا إلى غُرفِهم. كانت هناك لحظةُ إثارة مفاجئة عندما انخلع أحدُ الكراسيِّ عن وَثاقِه وانزلق حتى اصطدم بالسُّور، محدِثًا صوتَ ارتطامٍ قويًّا. ورُفِع مَن كان يجلس عليه من على الأرض وكان في حالة هيستيريَّة، وأُخِذ للأسفل. وربط المسئول عن السطح الكرسيَّ على نحوٍ أكثرَ حزمًا، حتى لا تقع تلك الحادثةُ مرةً أخرى. وكانت الفتاة الإنجليزية قُبالةَ جون كينيون عندما وقعَت تلك الحادثة، وقد تشتَّتَ انتباهُها بسبب الخوف على سلامة الشخص الجالس على الكرسيِّ المنزلق، وتلاشى اهتمامها بنفسها في أكثرِ وقتٍ كان مطلوبًا فيه. كان الميل التالي الذي تعرَّضَت له السفينة على الجانب الآخر هو الأقوى في هذا اليوم. ارتفع السطح حتى كادت الفتاةُ التي مالت بجسدها أن تلمسَه بيدها، ثم، ورغم محاولاتها، انزلقَت بسرعةِ البرق باتجاه الكرسي الذي كان يشغله جون كينيون، وتعثرَت ووقعت على جون على نحوٍ مفاجئ بشدة، وهو الأمر الذي كان سيُودي به إذا لم يفعل ذلك السقوطُ المباغتُ لفتاةٍ ممتلئةِ القِوام عليه. انكسر كرسيُّ السطح الهشُّ محدِثًا صوتًا عاليًا، وكان من الصعب تحديدُ مَن كان الأكثرَ تضرُّرًا من الحادثة المفاجئة، جون كينيون أم الفتاة.
قال متلعثمًا: «أرجو ألا تكوني قد أُصِبتِ.»
ردَّت: «لا تهتمَّ بأمري. لقد كسرتُ كرسيَّك، و… و…»
قال كينيون: «الكرسي لا يُهم. لقد كان ضعيفًا وهشًّا. أنا لم أُصَب، إن كان هذا ما تقصدينه؛ ولا يجب أن تهتمِّي بهذا.»
وهنا، تذكَّر مقولة جورج ونتوورث: «يجب أن تُلقى فتاةٌ بين ذراعَيك قبل أن تعترف بوجود ذلك الشيء الذي يُطلَق عليه فتاة جميلة.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الحادي والعشرون
عندما دخل جون كينيون مكتبَ صديقه في صباح اليوم التالي، قال له ونتوورث:
«حسنًا، كيف سارت الأمور مع آل لونجوورث؟»
كان الرد: «لم تكن جيدةً على الإطلاق؛ فقد بدا أنَّ الرجل الشاب قد نسي كلَّ ما جرى بيننا من حديثٍ على متن السفينة، والرجل العجوز لا يهتمُّ مطلقًا بالأمر.»
تنحنح ونتوورث وأخذ يطرق على المكتب بطرَفِ قلمه الرصاص.
وقال في النهاية: «أنا لم أُعوِّل كثيرًا على هذا الشاب قط.» ثم أضاف: «ما السبب الذي أعطاه لرفضه؟»
«أنا لا أعرف على وجه التحديد. إنه لم يُعطِ أيَّ سبب. لقد قال فقط إنه لن يشتركَ في هذا الأمر، بعد أن جعلني أخبره بالمبلغ الذي سندفعه ثمنًا للمنجم.»
«لماذا أخبرتَه بذلك؟»
«في الواقع، بدا، بعد أن تحدثتُ إليه قليلًا، أن هناك بعضَ الأمل في انضمامه إلينا. لقد قلت له بوضوح إنني لن أُخبره بالمبلغ إلا إذا كان يرغب في الانضمام إلينا. ورد بالطبع أنه لا يُمكنه النظر في الأمر على الإطلاق ما لم يعرف ما هو مقبلٌ عليه؛ ولذا، أخبرته به.»
«وما المبرِّر الذي أعطاه لعدم الانضمام إلينا؟»
«أوه، لقد قال فقط إنه يرى أنه لن يشتركَ في الأمر.»
«والآن، ماذا تظن أنه كان يهدف من الضغط عليك إن لم تكن لديه النيةُ للانضمام إلى المشروع الخاصِّ بالمنجم؟»
«أنا بالتأكيد لا أعرف. أنا لا أفهم هذا النوع من البشر على الإطلاق. في الحقيقة، أشعر براحةٍ كبيرة لأنه لن ينضمَّ إلينا. أنا لا أثق به.»
«من الواضح، يا جون، أنك متحاملٌ عليه؛ لكنك تعرف أن اسم لونجوورث سيكون له تأثيرٌ كبير للغاية على عقولِ رجال حي السيتي الآخرين. إن استطعنا أن نُشرك آل لونجوورث في هذا الأمر، حتى ولو بقدرٍ قليل، فأنا متأكد أننا لن نجد صعوبة كبيرة في بيع المنجم.»
«في الواقع، كل ما يمكنني قولُه هو أن مهمتي مع آل لونجوورث فشلت. هل فحصتَ الأوراق؟»
«أوه، نعم، وهذا ذكَّرَني بالأمر. النقطة التي تقوم عليها المسألة بأكملها هي تَوفُّر تلك المادةِ واستخدامها في صناعة الخزف، أليس كذلك؟»
«بلى، إنها كذلك.»
«حسنًا، انظر لتلك الرسالة؛ فقد جاءت هذا الصباح.»
ألقى بالرسالة لكينيون، الذي قرأها ثم سأله:
«من يكون آدم براند؟ إنه لا يعرف عما يتحدث.»
«إممم، لكن المشكلة أنه يعرف تمامًا عما يتحدث. أعتقد أنه لا أحد في إنجلترا يعرف أكثرَ منه. إنه مديرٌ وشريك في شركة سكرانتن للخزف الشهيرة. ذهبتُ لمقابلة ميلفيل الذي يعمل في تلك الشركة أمس. ولم يستطِع إخباري بأي شيء عن المادة، لكنه احتفظ بالعينة التي أعطيتَني إياها، وقال لي إنه سيُري إياها المديرَ عندما يأتي. إن براند هو مدير الإنتاج، وإن كان هناك شخصٌ يعرف قيمة تلك المادة، فمن الأحرى أن يكون هو.»
قال كينيون: «لكنه مخطئ.»
«هذه هي أهمُّ نقطة في المسألة بأكملها؛ هل هو كذلك؟ إما أن المادة لا قيمة لها، كما يقول، وإما أنه يتعمَّد الكذب علينا لغرضٍ محدَّد؛ وأنا لا أستطيع أن أفهم، على أيِّ نحوٍ على الإطلاق، السببَ الذي يدفع أحدَ الغرباء ليس فقط للكذب، وإنما أيضًا لكتابة تلك الكذبة على الورق. والآن، يا جون، ماذا تعرف عن صناعة الخزف؟»
«أعرف القليل جدًّا في واقع الأمر عنها.»
«رائع جدًّا، إذن، كيف يمكنك مقارنةُ معرفتك بها بمعرفة هذا الرجل، الذي لديه خبرة عمَلية في مجال التصنيع؟»
نظر كينيون إلى ونتوورث، الذي كان من الواضح أنه لم يكن في أفضلِ حالاته المزاجية.
«هل تقصد أن تقول، يا جورج، إنني لستُ على علمٍ جيد بالموضوع عندما أخبرتُك أن تلك المادة مهمة في مجالٍ ما؟»
«حسنًا، لقد اعترفتَ لتوك أنك لا تعرف أي شيء عن صناعة الخزف.»
«ليس «أي شيء»، يا جورج … أنا أعرف القليل عنها؛ لكن ما أدركه جيدًا هو قيمة المواد. إن السبب وراء معرفتي بصناعة الخزف هو ببساطة أنني أعلم أن تلك المادة تُعَد واحدةً من أهم المكونات التي يُصنَع منها الخزف.»
«إذن لماذا كتَب هذا الرجلُ تلك الرسالة؟»
«أنا لا أعرف بالتأكيد. بما أنك قد رأيتَ الرجل، فيمكنك أن تحكم أفضلَ مني ما إذا كان سيتعمَّد الكذب، أم أنه مجرد شخص جاهل بالأمر.»
«أنا لم أرَ براند على الإطلاق؛ لقد رأيت ميلفيل. اتفقنا أن يعرض ميلفيل تلك العينةَ على براند، ويُطلِعَني على رأيه فيها. بالطبع، كل شيء يعتمد على قيمة تلك المادة في صناعة الخزف.»
«بالطبع.»
«رائع جدًّا، إذن، لقد سلكتُ السبيل الوحيد الذي كان متاحًا أمامي لأعرفَ رأي الخبراء في المجال في تلك المادة. إن قالوا إن تلك المادة لا قيمةَ لها في عمَلِهم، فمن الأحرى نحن أيضًا أن نتخلى عن مشروعنا الخاص بالمنجم، ونُخطر السيد فون برينت برغبتنا في عدم الاستمرار في تعاقدنا.»
قرأ كينيون الرسالةَ مرة أخرى، وأخذ يفكِّر فيها بعمق.
قال جورج مرة أخرى: «أنت ترى، بالطبع، أن كل شيء يعتمد على ذلك، أليس كذلك؟»
«بالتأكيد أرى ذلك.»
«إذن، ما رأيُك؟»
«رأيي هو التالي: عليَّ أن أقوم بجولة في مصانع الخزف في بريطانيا العظمى. وأعتقد أنها ستكون فكرةً جيدة لو كتبتَ إلى المُصنِّعين المختلفين في الولايات المتحدة تطلب منهم معرفةَ مقدار استخدامهم لتلك المادة. ليست هناك ضرورةٌ لإرسال المادة. لا بد لهم أن يستخدموا تلك المادة، ولا بديل لها بالنسبة إليهم. اعرِفْ منهم، إن استطعتَ، المقدارَ الذي يحتاجون إليه منها، والسعرَ الذي سيدفعونه في مقابل الحصول على الخام النقيِّ منها، والسعرَ الذي يدفعونه في مقابل الحصول على المادة غير النقية التي يستخدمونها الآن.»
«كيف تعرف، يا جون، أنه ليست هناك عشراتُ المناجم التي توجد بها تلك المادة؟»
«كيف لي أن أعرف؟ حسنًا، إن أردتَ أن تطعن في معرفتي بعلم المعادن، فأرجو أن تفعل ذلك على نحوٍ مباشر. أنا إما أن أكون عالمًا بمجالي وإمَّا لا. إن كنتَ تعتقد أنني لستُ كذلك، فاخرج من هذا الأمر تمامًا. أنا أؤكد لك أن ما أقوله عن تلك المادة صحيح. وما أقوله عن نُدرتها صحيح. لا توجد مناجمُ أخرى بها مادة نقية كهذه.»
«لقد اقتنعتُ تمامًا عندما قلتَ هذا، لكن يجب أن تتذكر أن هؤلاء الذين سيضعون أموالهم في هذه الشركة لن يكونوا مقتنعين. يجب أن توضَع أمامهم الحقائقُ والأرقام، وهم لن يثقوا في كلامك أو كلامي فيما يتعلق بقيمة المادة. إن اقتراحك بزيارة المصانع المختلفة جيد. وكنتُ سأبدأ في تنفيذه على الفور، لو كنتُ مكانك. نحن يجب أن نعرف بوضوح آراءَ الخبراء العاملين في المجال قبل أن يكون بإمكاننا التحركُ في الأمر. والآن، كم معك من هذه المادة؟»
«فقط القطع القليلة التي حملتها معي في حقيبة السفر. البرميل المليء بها الذي حصلنا عليه في بيرنتباين لم يصل بعد. أعتقد أنه مرسل عبر إحدى السفن البخاريَّة البطيئة، وهو على الأرجح لا يزال في المحيط.»
«رائع جدًّا. خذ العيِّنات التي معك، واذهب إلى الشمال، وقابل هؤلاء المصنِّعين. اعرف، بطريقة أو بأخرى، سواءٌ من المديرين أو من مرءوسيهم، السعرَ الذي يدفعونه للحصول على تلك المادة، وتكلفة إزالة الشوائب من المادة التي يستخدمونها حاليًّا؛ لأن تلك هي في الواقع المادةُ التي تُنافس مادتَنا حاليًّا. ليس علينا أن نتعامل مع مادتهم الخام، بل مع مادتهم بعد تنقيتها من المواد الغريبة المزعجة. اعرف على وجه التحديد تكلفةَ عملية التنقية هذه، ثم عندما تعرف الحقائقَ والأرقام، سأُرتِّبهما لك على أفضلِ نحو. وفي غضون ذلك، كما اقترحت، سأُعلم المصنِّعين الموجودين في الولايات المتحدة. لا يُمكن فعل شيء إلا عندما تعود، ولو كنت مكانك، لكان عليَّ بدءُ العمل على الفور.»
«أنا جاهز تمامًا. أنا لا أريد إضاعة أي وقت آخر.»
وهكذا، غادر جون كينيون، وسرعان ما كان في طريقه إلى الشمال، ومعه في دفتر ملاحظاته قائمةٌ بمُصنعي الخزف.
في عصر هذا اليوم، أرسل ونتوورث الرسائل بالبريد الأمريكي، وشعَر بأنها كانت تُؤدي الغرضَ منها بسرعة كما كان يتوقَّع. وفي صباح اليوم التالي، استقبل رسالةً باسم جون كينيون موجَّهة لعناية ونتوورث، وعن طريق بريدٍ لاحق، وصلَت رسالة إلى ونتوورث نفسه من جون، الذي كان قد وصل إلى أول مكان له وعقد مقابلة بالفعل مع مدير مصنع للخزف هناك. لقد وجد المادة تمامًا كما كان يتوقع، وكانوا هناك على استعدادٍ للحصول على كميةٍ معينة كلَّ عام من المادة بسعر معيَّن. وقد رسمَت تلك الرسالة على وجه ونتوورث ابتسامةَ رضًا، وبدأ ثانيةً يتساءل عن السبب الذي دفع آدم براند، الذي يُمثِّل إحدى الشركات المعروفة، إلى الكذب المتعمَّد. وقبل أن يُتاح له الوقتُ لحلِّ هذا اللغز، أعلن الساعي عن رغبة أحد الأشخاص في رؤيته، وأعطى له بطاقةً تحمل اسم ويليام لونجوورث. عقَّد ونتوورث حاجبَيه بينما كان ينظر إليها.
وقال: «من فضلك، اطلب من هذا السيد النبيل أن يدخل.» ودخل الرجل.
«كيف حالك، يا سيد ونتوورث؟ أعتقد أنك تتذكرني، على الرغم من أنني لم ألتقِ بك كثيرًا على متن السفينة.»
ردَّ ونتوورث: «أنا أتذكرك جيدًا.» ثم أردف: «هلا تتفضل بالجلوس؟»
«شكرًا. أنا لم أكن أعرف أين أجد السيد كينيون؛ لذا، ونظرًا إلى أنني على علمٍ بأنَّ كِلَيكما مهتمَّان بأمر منجم الميكا هذا، جئتُ لمقابلتك بشأنه.»
«فعلًا! لقد فهمتُ من السيد كينيون أنه قد زارك وأنك قد قررتَ ألا تكون لك أيُّ علاقة بالأمر.»
«أعتقد أنه لم يكن محقًّا في قولِ أي شيء خاص جدًّا كهذا. لقد حصلتُ منه على التفاصيل التي سمح هو بإعطائها. إنه ليس شخصًا جيدًا في التواصل في أحسن الأحوال، لكنه قال لي شيئًا عن الأمر، وكنتُ أُفكر في عرْضه. وقد قررتُ الآن أن أساعدكما في هذه المسألة، هذا إن أردتما الحصولَ على مساعدتي. لكن ربما وصلَت الأمور إلى مرحلةٍ لا ترغبان فيها في أيِّ مساعدة؟»
«على العكس، لم نفعل سوى القليل جدًّا. السيد كينيون الآن لدى مُصنِّعي الخزف في الشمال، ليعرفَ مدى الطلب الذي سيكون في إنجلترا على هذه المادة.»
«آه، فهمت. هل وصلَتك بعدُ أيُّ أخبار منه؟»
«لا شيء سوى رسالةٍ هذا الصباح، وكانت مُرضية جدًّا.»
«إذن، لا يوجد أيُّ شك في كون تلك المادة مفيدةً في صناعة الخزف؟»
«لا شكَّ على الإطلاق.»
«في الواقع، أنا سعيدٌ لهذا. والآن، تحدثَ معي السيد كينيون على متن السفينة عن إمكانية وجودِ شراكة متساوية بيننا؛ أي: تأخذ أنت الثلثَ ويأخذ هو الثلث الثانيَ وآخذ أنا الثلث الأخير. إننا لم ندخل بعمقٍ في التفاصيل، لكنني أعتقد أننا يجب أن نتشارك التكلفةَ بالقدرِ نفسِه؛ أقصد التكاليفَ المبدئية، أليس كذلك؟»
قال ونتوورث: «بلى، هذا سيكون أساسَ الاتفاق، كما أتصور.»
«حسنًا، هل لديك الصلاحيةُ لمناقشة الأمر معي أم سيكون من الأفضل بالنسبة إليَّ أن أنتظر حتى يعود كينيون؟»
«يمكننا الاتفاقُ على كل شيء هنا والآن.»
«رائعٌ للغاية. هل سيكون لديك أيُّ اعتراض على رؤية الأوراق الخاصة بالمنجم؟ وأود الحصول على الأرقام الخاصة بالمردود بأسرعِ ما يمكن، وأي تفاصيل أخرى قد تكون لديك ممَّا يُتيح لي تقديرَ قيمة المنجم. وأيضًا، أودُّ رؤيةَ نسخةٍ من عقد خيار الشراء، أو الوثيقة الأصلية التي امتلكتما بها المنجم.»
«بالتأكيد؛ أنا على أتم الاستعداد لإعطائك كلَّ المعلومات التي في حوزتي.» التفتَ ونتوورث إلى مكتبه وكتب لبضع دقائق ثم جفَّف الورقة التي كان يكتب عليها من الحبر وأعطاها للونجوورث. ثم أضاف: «أنت ليس لديك اعتراض، قبل فعلِ هذا، على التوقيع على هذه الوثيقة، أليس كذلك؟»
ضبط لونجوورث نظارته الأحادية على عينه، ونظر إلى الورقة، التي كان محتواها كالتالي: «اتفقتُ بموجب هذا على أن أفعل ما في وُسعي لتأسيسِ شركةٍ ذات مسئولية محدودة بغرض الاستحواذ على منجم أوتاوا للميكا. واتفقت على دفع حصتي من التكاليف وحصولي على ثلث الأرباح.»
«لا، أنا لا أعترض على التوقيع على هذا، رغم أنني أعتقد أنه يجب أن يكون أكثرَ تحديدًا قليلًا. أعتقد أنه يجب أن يُذكر أن الالتزام الذي عليَّ هو ثلثُ التكاليف المبدئية برُمَّتها، وأن الثلثَين الآخَرين يجب دفعُهما من قِبَلك أنت وكينيون؛ وأنني، في المقابل، يجب أن أحصل على ثُلث الأرباح، في حين تحصلان أنت وكينيون على الثُّلثَين الآخَرين. أعتقد أنه يجب أن يتضمن أيضًا قيمةَ رأس مال الشركة الجديدة؛ لقد اقتُرِح مائتا ألفِ جنيه، إن كنتُ أتذكر جيدًا.»
رد ونتوورث: «رائع للغاية، سأُعيد كتابة هذا وَفْقَ ما تريد.»
فعل ونتوورث هذا، وقرأه لونجوورث، بعد أن عدَّل من وضع نظارته ثانيةً.
ثم قال: «والآن، وبما أننا التزمنا الرسميةَ الشديدة حيال الأمر، فربما يكون حريًّا بك أن تُعطيَني وثيقةً يمكنني الاحتفاظ بها، تنص على هذه التفاصيل نفسِها.»
رد ونتوورث: «دون شك، سأفعل هذا. ربما سيكون من الأفضل أن تكتب أنت الوثيقةَ بحيث تُناسب ما تريد، وأنا سأُوقِّع عليها.»
«أوه، لا، مطلقًا. اكتب كلَّ ما هو مذكور هنا، بحيث تكون لديك نسخةٌ وتكون لديَّ النسخة الأخرى.»
لقد تم القيام بهذا.
قال لونجوورث: «والآن، متى سينتهي عقد الخيار الخاص بك؟»
ذكر له ونتوورث التاريخ.
«مَن مالك المنجم؟»
«إنه يتبع شركة المناجم النمساوية، التي مقرُّها الرئيسي فيينا، وعقد الخيار وقَّعه السيد فون برينت، من أوتاوا، الذي يُعَد مديرَ المنجم وأحدَ ملاكه.»
«هل أنت متأكد تمامًا من أنه يحقُّ له بيعُ المنجم؟»
«نعم؛ تأكَّد محامي السيد كينيون من هذا عندما كان في أوتاوا.»
«وهل أنت متأكد، أيضًا، من أن عقدك قانوني تمامًا؟»
«نحن متأكدان من هذا.»
«هل فُحِص من قِبَل محامٍ من لندن؟»
«لقد عُرض على محامٍ كنَدي. لقد عُقِدت الصفقة في كندا، وسيجري تنفيذها في كندا، بمقتضى القوانين الكندية.»
«لكن، ألا تظن أنه من الأفضل أيضًا أن نحصل على رأي محامٍ إنجليزي فيه؟»
«أعتقد أن هذه ستكون تكلفةً غيرَ ضرورية. لكن، إن أردتَ هذا، فسنفعله.»
«نعم، أعتقد أننا سنحتاج إلى رأي محامٍ جيد في العقد قبل أن نُقدمه للمساهمين.»
«رائعٌ للغاية، سأقوم بهذا. هل هناك أحد ترغب في الحصول على رأيه بشأنِه؟»
«أوه، هذا الأمر لا يُهمُّني؛ محاميك سيفي بالغرض كما سيفعل أيُّ محامٍ آخر. لكن ربما سيكون من الأفضل أن يكون هناك مستشارٌ قانوني ﻟ «الشركة المحدودة لمنجم الميكا» — سيكون علينا تعيينُ واحدٍ أثناء عملنا — وقد يكون من الأفضل أيضًا أن نعرض هذا العقدَ على الشخص الذي سنختاره لِشَغل هذه الوظيفة. إن هذا لن يَزيدَ من النفقات القانونية على الإطلاق، أو على الأقل سيَزيدها بمقدارٍ ضئيل للغاية. هل لديك أيُّ شخص تقترحه لِشَغل هذا المنصب؟»
قال ونتوورث: «أنا لم أفكِّر في هذا الأمر.»
«أعتقد أنك ستجعلني أبحثُ عن شركةٍ تفي بغرضنا، أليس كذلك؟ عمي بالتأكيد يعرف الأشخاصَ المناسبين في هذا الشأن، وهذا سيندرج ضمنَ حصَّتي في تأسيس الشركة.»
قال ونتوورث: «رائعٌ للغاية، سيكون هذا مناسبًا لي.»
«والآن، هناك الكثير مما يجب فِعلُه لتأسيس الشركة، وسيستغرق ذلك من ثلاثة أشخاص الكثيرَ من الوقت، إلى جانب بعض التكلفة. ما رأيك في أن تجعلَني أبحث لنا عن مقرٍّ للشركة؟»
«هل ترى أن مِن الضروري أن يكون لنا مقر؟»
«أوه، بالتأكيد. الكثير جدًّا يعتمد، في هذا النوع من الأمور، على المظاهر. سنحتاج إلى مقرٍّ في موقع جيد.»
«في الحقيقة، يا سيد لونجوورث، كينيون وأنا ليس لدينا الكثيرُ جدًّا من المال، ولا نريد أن نتحمل أيَّ تكلفةٍ غيرِ ضرورية.»
«سيدي العزيز، إنها ليست غيرَ ضرورية. إن هذا العمل واحد من الأمور التي ستنجح فيها إن دخلتَ فيها بجُرأة؛ أما إذا دخلتَ فيها بحرصٍ شديد، فيما يتعلق بالجانب المالي، فستفقد كلَّ شيء. بالطبع، إن كانت هناك ندرةٌ في المال، فلن تكون لي أيُّ علاقة بالأمر؛ لأنني أعرف ما تئول إليه تلك الأعمالُ الفقيرة ماليًّا. لقد رأيت الكثير جدًّا منها. إننا نسعى لتفعيل عقدِ خيار من أجل الحصول على رِبحٍ قدرُه ستُّون ألف جنيه لكلٍّ منا. وهذا مبلغٌ يستحق المخاطَرة من أجله، وصدِّقني إن قلتُ إنك لن تحصل عليه إلا إذا ضحيتَ بشيء من أجله.»
«أعتقد أن هذا صحيح.»
«نعم، هذا صحيح تمامًا. بالطبع، أنا لديَّ خبرةٌ أكبرُ في الأمور التي من هذا النوع مقارنةً بكما أنتما الاثنان، وأعلم أنه سيكون علينا أن نحصل على مقرٍّ جيد، ذي مظهرٍ ملائم. الناس يتأثَّرون بشدةٍ بالمظاهر. والآن، إن أردتَ، سأتولَّى أمر إيجادِ مقرٍّ للشركة واختيار محامٍ. إن كل خطوة يجب اتخاذُها تحت إشرافٍ قانوني، وإلا قد ندخل في مشكلة كبيرة جدًّا، وننفق قدرًا أكبرَ من المال في النهاية.»
قال ونتوورث: «رائع للغاية.» ثم أردف: «هل هناك أي شيء آخر يمكن أن تقترحه؟»
«ليس الآن؛ لا شيء يجب فعله حتى يعود كينيون، وحينها يمكننا عقدُ اجتماع لتحديد أفضلِ طريقة للمُضيِّ قدمًا في الأمر.»
ألقى لونجوورث نظرةً على الأوراق، وكتب ملاحظاتٍ عن بعض الأمور الواردة في عقد الخيار، وقال في النهاية:
«أرجو أن تنسخ لي هذه الأوراق، أعتقد أن لديك شخصًا في المكتب يُمكنه فعل ذلك؟»
«نعم.»
«إذن، اصنع لي نسخةً من كلٍّ منها. طاب صباحك، يا سيد ونتوورث.»
تأمَّل ونتوورث لبضع لحظات التحوُّلَ غيرَ المتوقَّع الذي حدث في الأمور. وكان مسرورًا للغاية للحصول على مساعدة لونجوورث؛ فالاسم في حدِّ ذاته كان مصدرَ قوة في حي السيتي. بالإضافة إلى ذلك، كانت رسالة كينيون من الشمال مشجِّعة. وعندما تذكَّرَ الرسالة، تذكَّر كاتبَها؛ لذا أخذ نموذجَ برقية من مكتبه، وكتب برقية إلى العنوان الموجود على الرسالة.
«كلُّ شيء على ما يُرام. لقد انضم لونجوورث إلينا، ووقَّع على أوراقٍ بغرض مساعدتنا في تأسيس الشركة.»
ثم قال، عندما أرسل الساعيَ بالبرقية: «رائع، ستُسعِد هذه البرقيةُ العزيزَ جون عندما تصل إليه.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثاني والعشرون
عندما عاد جون كينيون من الشمال ودخل مكتب صديقه ونتوورث، وجد صديقه ولونجوورث الشابَّ يتحدثان في الغرفة الخارجية.
قال ونتوورث، بعد أن صافحه: «هناك رسالةٌ من أجلك على مكتبي.» ثم أردف: «سأكون هناك في غضون دقيقة.»
دخل كينيون الغرفة ووجد الرسالة. ثم فعل شيئًا لا علاقة له بعالم الأعمال على الإطلاق. لقد قبَّل الكتابة ووضع الرسالةَ في دفتر ملاحظته. وهذا الفعل يستحقُّ الذِّكر لأنه شيء غير معتاد في حي السيتي. بوجهٍ عام، العاملون في حي السيتي لا يُقبِّلون المراسلاتِ الخاصةَ بالعمل، والرسالة التي تلقَّاها جون كانت بكل تأكيد إحدى مراسلات العمل، التي تتعلَّق فقط بالمنجم، وبعلاقته المنتظرة بويليام لونجوورث. لقد تساءل ما إذا كان يجب عليه أن يكتب ردًّا عليها أم لا.
لقد جلس على مكتب ونتوورث، وصادفته مشكلةٌ في أول خطوة في الكتابة. لم يكن يعرف كيف يُخاطب الفتاة. كان لا يعرف هل يخاطبها ﺑ «عزيزتي الآنسة لونجوورث» أو «سيدتي العزيزة» أو ما إذا كان سيستخدم صفة «عزيزة» من الأساس أم لا؛ وكان يُفكر في هذا عندما دخل ونتوورث وهو مليءٌ بالحيوية.
قال الأخير، بينما كان جون يُمزق إحدى أوراق دفتر ملاحظات إلى قطعٍ صغيرة، ويُلقي بها في سلة المهملات: «حسنًا، كيف سارت الأمور معك؟ رسائلك كانت قصيرةً للغاية في واقع الأمر، لكنها كانت في الصميم إلى حدٍّ كبير. يبدو أنك قد نجحت في مهمتك.»
«نعم، لقد نجحتُ بشدة. لقد حصلت على كل الأرقام والأسعار وكلِّ شيء آخر من الضروري الحصولُ عليه. لقد نجحتُ في التعامل مع الجميع فيما عدا براند، الذي كتب تلك الرسالةَ إليك. أنا لا يُمكنني فَهمُه على الإطلاق. لم يُعطِني أي معلومات، واستطاع منعَ أيِّ شخص آخر في شركته مِن فعل ذلك. لقد سخر من خُطتِنا؛ في واقع الأمر، هو لم يستمع إليها. وقال إنه ليس من المعتاد بالنسبة إلى أصحاب الأعمال أن يُعطوا معلوماتٍ عن أعمالهم؛ وهو في ذلك، بالطبع، على حق تمامًا؛ ولكن عندما حاولتُ مناقشته حول ما إذا كانت تلك المادة تُستخدَم في مصنعه أم لا، لم يستمع إليَّ. وسألته ما الذي يستخدمه مكانها، لكنه لم يخبرني. في المجمل، هو رجلٌ غريب للغاية، وأعترف أنني لم أفهمه.»
«أوه، إن أمره لا يُهمنا على الإطلاق. لقد كنت أتحدث مع لونجوورث لتوي عن خطابه العجيب هذا، واتفق معي على أنه غيرُ مهم. وقال، وقوله صحيحٌ تمامًا، إن المرء في كل مجال يجد بعضَ الأشخاص الذين من الصعب التعاملُ معهم.»
«نعم، إن الأمر هكذا؛ لكنه مع ذلك إما أنه يستخدم تلك المادة وإمَّا لا. يُمكنني فهمُ شخصٍ يقول: «نحن لسنا بحاجة إلى تلك المادة، لأننا نستخدم مادةً أخرى.» لكن هذا أحدُ الأشياء التي لم يَقُلها براند.»
«حسنًا، ليس من المجدي الحديثُ عنه. بالمناسبة، أعتقد أن لديك كلَّ الأرقام والملاحظات معك؟»
«نعم، لديَّ كل شيء.»
«رائع جدًّا. اتركها معي، وسأرتِّبها على نحوٍ ما. يقول لونجوورث إن علينا طباعةَ كلِّ شيء متعلقٍ بهذا الأمر؛ بياناتك وكل شيء.»
«هذا سيتكلَّف الكثير من المال، أليس كذلك؟»
«لا، ليس كثيرًا. يبدو أن هذا ضروري. لا بد أن تكون لدينا مادةٌ مطبوعة كي نُعطِيَها لمن يطلبون الحصولَ على معلومات. سيكون من المستحيل شرحُ الأمر على نحوٍ شخصي لكل شخص يستعلم عن الأمر، وعرضُ هذه الوثائق عليه.»
«نعم، أعتقد ذلك.»
«كان لونجوورث يتحدث إليَّ لتوه عن المقر الذي رآه للشركة، وهو يتطلَّع للحصول عليه على الفور. إنه مهتم بهذا الأمر.»
«هل تعتقد أننا بحاجةٍ إلى مقر؟ لماذا لا يمكن القيامُ بالعمل هنا؛ أو ربما سيفي بالغرض إن أمكنَنا الحصولُ على غرفة هنا في هذا الطابق؛ حينها، سنُصبح قريبين بعضنا من بعض، وسنستطيع التواصلَ عند الضرورة؟»
«يبدو أن لونجوورث يُفكر بطريقة مختلفة. إنه يقول إننا يجب أن نُبهر الناس، ولذا هو متحمِّس للحصول على مقرٍّ فخم.»
«نعم، لكن مَن سيدفع ثمنه؟»
«عجبًا، نحن بالطبع؛ أنت ولونجوورث وأنا.»
«هل لديك المالُ المطلوب؟»
«لديَّ بعض المال. أعتقد أننا سيكون لدينا ما يكفي لإتمام الأمر، وإن لم يكن الوضعُ كذلك، فيمكننا بسهولة الحصولُ على المال اللازم، وتسوية الأمور في نهاية المشروع.»
«حسنًا، أنت تعرف أنني ليس لديَّ مالٌ لأنفقه.»
«أوه، أنا أعرف ذلك بالقدر الكافي. ربما سيُساعدنا لونجوورث؛ لأن هذا النوع من الأمور، بحسَب قوله، يمكن أن يُفسده التقتير. لقد رأى، ورأيت أنا كذلك، العديد من الأعمال وهي تنهار بسبب الاقتصاد الزائف.»
«لكن يبدو لي أن كلَّ هذا يُعَد تكلفةً لا داعيَ لها. إننا نريد فقط جذْبَ بعضِ المستثمرين المهتمِّين بمشروعنا، وإن كان هؤلاء حُكماء، فإنهم سينظرون إلى احتمالية الحصول على ربحٍ جيد وليس إلى المقر الفخم.»
«رائعٌ للغاية، يا جون؛ احصل أنت على هؤلاء الرجال، وسأكون ممتنًّا. أنا أتطلَّع بالتأكيد لإتمام هذا الأمر بطريقة رخيصة كما تفعل. وإن كنتَ تعتقد أن بإمكانك الذَّهابَ وإثارةَ اهتمام دُزَينة أو اثنتَين من المستثمرين في حي السيتي، وإقناعَهم بشراء منجمنا، فسأدافع عن طريقتك في التعامل حتى تُتِم الأمر. هل يمكنك فعل ذلك؟»
فكَّر كينيون لبضع دقائق، ثم قال: «أعتقد أن هذا سيكون شيئًا من الصعب القيامُ به بعض الشيء.»
«نعم، هذه هي الطريقة التي أرى بها الأمر. أنا لا أعرف لمن يُمكنني الذَّهاب. إن لونجوورث رجلٌ رائع، وقد ذهبنا إليه. والآن، يبدو لي، بعد أن حصلنا على مساعدته، أن أقل ما يُمكننا فعله، ما لم نكن مستعدِّين لجذب المستثمرين بأنفسنا على الفور، هو أن نتصرف وفقَ ما يريد.»
«نعم، أنا أُقدِّر ذلك بشدة، وأعي أيضًا حقيقة أن التقتير الشديد ليس أفضلَ أسلوب؛ لكن على الجانب الآخر، يا جورج، كيف لنا أن نقوم بأدوارنا مع لونجوورث؟ إن أفكاره وأفكارك عن الاقتصاد قد تكونان مختلفتَين تمامًا. فما يكون مبلغًا تافهًا بالنسبة إليه قد يُؤدي بنا إلى الإفلاس إن دفعناه!»
«أعي ذلك. حسنًا، إنه سيأتي إلى هنا عصرَ هذا اليومِ في الساعة الثالثة. إن استطعتَ أن تكون هنا في هذا الوقت، فتحدَّثْ إليه. وفي غضون ذلك، سأفحصُ الأوراق وأرتِّبها على نحوٍ مُجدوَل.»
«رائع جدًّا؛ سوف أكون هنا في الساعة الثالثة.»
سيكون من الصعب تصديقُ أن رجلَ أعمال مثل جون كينيون قد قضى معظمَ الوقت بين تلك الساعة والساعة الثالثة في محاولةِ كتابةِ رسالةِ عملٍ ردًّا على رسالة العمل التي تلقَّاها في صباح ذلك اليوم. لكن تلك كانت هي الحقيقةَ المدهشة، وقد أوضح هذا، ربما أكثر من أيِّ شيء آخر، كيف أن السيد جون كينيون لم يكن الشخصَ الملائم على الإطلاق للانضمام إلى مشروع تِجاري في مدينةٍ تضم رجالَ أعمالٍ عمَليِّين صَعْبي المِراس. لكن، في النهاية، أُرسِلَت الرسالة، وأسرع كينيون ليصل في الوقت المناسب لميعاده الذي في الساعة الثالثة. ووجد ونتوورث والسيد لونجوورث الشابَّ معًا، وكان الأخيرُ يبدو كشابٍّ من منطقة وست إند أكثرَ منه رجلَ أعمالٍ تقليديًّا من حي السيتي. كانت نظارته الأحادية مثبتةً في عينه، ولمعت باتجاه كينيون عندما دخل. وكان من الواضح أن شيئًا كان يُقلق ونتوورث، وكان من الواضح على نحوٍ مماثل، أن هذا الشيء، أيًّا ما كان، كان لا يُقلق لونجوورث الشاب.
كانت تحية ونتوورث له: «لقد تأخرتَ، يا جون.»
رد: «قليلًا.» وأردف: «لقد أخرَني الازدحام المروري.»
ساد الصمتُ لبضع لحظات، وبدا أن ونتوورث ينتظر أن يتحدث لونجوورث. وفي النهاية، قال لونجوورث:
«لقد نجحتُ بالفعل في الحصول على مقرٍّ فخم للشركة، وكنتُ أخبر السيد ونتوورث بشأنه. كما تعرف، ليس من السهل جدًّا استئجارُ مقرٍّ في منطقة جيدة من حي السيتي بالأسبوع. إنهم لا يسعَوْن لتأجيره بهذه الطريقة لأنه بينما يستأجرُه المستأجر الأسبوعي، قد يكون عليهم صرف شخصٍ آخر، يريده لمدَّة أطول.»
قال كينيون بطريقة متحفِّظة: «نعم.»
«حسنًا، لقد حصلتُ على المقر الذي نحتاج إليه تمامًا، وتركتُ الرجالَ الآن ينقشون على النوافذ اسمَ الشركة بأحرفٍ ذهبية. لقد استأجرتُ المقر تحت اسم «الشركة الكندية المحدودة لمنجم الميكا» الذي سيظهر على النوافذ ذات الزجاج المسطَّح في غضون وقتٍ قصير جدًّا. والآن، يبدو أن السيد ونتوورث يعتقد أن المقر غالٍ بعضَ الشيء. وقد أخبرتُه من قبل عن رأيي في مسألة التكلفة. وربما، قبل أن يُقال أيُّ شيء آخر في هذا الموضوع، من الأفضل أن نذهب ونُلقي نظرةً على المقر.»
سأل كينيون: «ما تكلفة استئجاره في الأسبوع؟»
لم يُجب السيد لونجوورث الشاب؛ لأنَّ نظارته الأحادية في تلك اللحظة سقطَت من مكانها، وكان عليه تعديلُ وضعها مرة ثانية؛ لكن ونتوورث انفجر قائلًا الكلمتين: «ثلاثون جنيهًا.»
صرخ جون: «في «الأسبوع»؟»
قال لونجوورث، بعد أن نجح في تثبيت العدسة الزجاجية على عينه: «نعم … نعم؛ يبدو أن السيد ونتوورث يظن أن هذا مبلغ كبير، لكنني أُراهنه أن يحصل على مقرٍّ فخم كهذا بسعرٍ أقلَّ من هذا. إنه سيُكلف كلًّا منا عشرة جنيهات فقط في الأسبوع. لكن، قبل أن تحكما على مدى غلوِّ أو رِخَص ثمنه، يجب أن ترَياه. إن سألتماني، سأقول لكما إنها صفقة رابحة.»
قال كينيون: «رائع للغاية.» وأردف: «أيسمح وقتُك يا جورج؟»
دفع ونتوورث، دون أن يرد، الأوراقَ داخل المكتب وأغلقه. وخرج الشباب الثلاثة معًا، وبعد مشيٍ قصير، وصلوا إلى النوافذ الكبيرة ذات الزجاج المسطَّح، حيث كان يوجد رجلٌ على سُلَّم وكان يكتب بالطباشير الكلماتِ «الشركة الكندية المحدودة لمنجم الميكا» في نصف دائرة.
قال لونجوورث: «كما ترون، يُعَد هذا واحدًا من أفضل المواقع في حي السيتي. وكما قلتُ من قبل، أشكُّ أن بإمكانكما الحصولَ على أيِّ مكان مثل هذا وبهذا السعر.»
لم يكن بإمكانهما إنكارُ روعة الموقع، أو أن الزجاج المسطَّح بدا فخمًا بشدة وأن الحروف الذهبية رائعة جدًّا؛ لكن بدَت تكلفة استئجار هذا المقر ربما لشهرين أو ثلاثة أشهر صادمةً بالنسبة إليهما.
قال لونجوورث الشاب على نحوٍ لطيف: «ادخلا، وأنا على يقين أنكما ستُعجَبان بالمقر الذي حصلنا عليه.» ثم أضاف، وهو يدخل ويومئ للنجَّارين الذين كانوا يعملون هناك: «كما ترون، هذا سيكون مكتبَ الاستقبال، حيث سيجري استقبال الناس. وهنا لدينا غرفةٌ لمراجع حسابات أو اثنين، وسكرتيركما. والغرفة الخلفية، التي ترَون أنها أيضًا مضاءةٌ جيدًا، ستكون هي المكانَ الذي سيجتمع فيه رجالُنا. ستكون هنا طاولة طويلة وكبيرة، وعدد من الكراسي، وهذه ستكون غرفةَ الشركاء.»
سأل كينيون: «هل الثلاثون جنيهًا في الأسبوع تشمل تأثيثَ المكان؟»
«أوه، باركك الله، لا! أنت بالتأكيد لا تستطيع توقُّعَ هذا؟ سيكون علينا إحضارُ الأثاث، بالطبع.»
«وهل تنوي أن تُحضر إلى هنا مكاتبَ وطاولةَ استقبال وما يُماثلهما من أشياء؟»
«بالطبع. وإلى جانب هذا، سنُحضر خزينةً كبيرة. لا يوجد شيء يمكن أن يُبهر الناس مثل خزينة كبيرة، منقوش عليها بأحرف ذهبية اسمُ الشركة.»
«وكم ستكون تكلفةُ تأثيث هذا المكان؟»
«في واقع الأمر، أنا لا أعرف. سيقوم الناس الذين استأجرتهم بالأمر بسعرٍ معقول جدًّا. لقد قاموا بخدماتٍ لي من قبل. إن المساومة حول التكلفة قبلَ إتمام الأمر لن تُؤدِّيَ للحصول على سعرٍ أقل؛ هذا ما اكتشفتُه.»
قال كينيون: «أنا لا أعرف كيف سندفع نصيبنا من كلِّ هذا.»
«لا يوجد شيءٌ أسهلُ من ذلك، يا صغيري؛ لقد رتبتُ كلَّ هذا. سأدفع لهم نصيبي وهو الثلثُ نقدًا عندما يُنهون العمل، واتفقت معهم على أن ينتظروا ثلاثةَ أشهر كي يحصلوا على الباقي. وبحلول ذلك الوقت، سيكون لدى كلٍّ منكما ستون ألف جنيه، ولن تكون تكلفةٌ صغيرةٌ كهذه شيئًا بالنسبة إليكما.»
بدا كينيون متجهمًا.
وقال: «يبدو الأمر قليلًا مثل عدِّ الفراخ قبل أن يفقس البيض.»
ضحك لونجوورث وقال: «آه، وكلُّها ستفقس على ما يُرام.» ثم سقطَت عدسة نظارته.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثالث والعشرون
ليس من الحكمة أبدًا أن تُقلِّل من شأن عدوِّك، مهما بلغ مقدارُ ضعفه. لقد حرَّر الفأرُ الأسدَ الواقعَ في الشِّباك. كان يجب أن تكون جيني بروستر ممتنَّةً أن الظروف، التي كانت تعمل لصالحها، قد جعلَت إرسالها للمعلومات التي توصَّلَت إليها عن المناجم غيرَ ضروري. لقد أُنقِذَت من مَرارة الاعتراف بالهزيمة من خلال برقية كانت بانتظارها في كوينزتاون، أخبرَتها ألا تبعث المعلومات التي توصلَت إليها. والرسالة التي استقبلتها من مدير تحرير صحيفة «آرجوس» لاحقًا أوضحَت معنى البرقية. لقد حصلت الصحيفةُ من مصدرٍ آخرَ على ما زُعم أنه مُلخَّص لما ورد في التقريرين الخاصَّين بالمناجم، الذي نُشِر. إنْ أكَّدَت المعلوماتُ التي لدى جيني ما جاء في هذا المقال، فإنها ستكون غيرَ مهمة؛ أما إذا عارضَت ما نُشِر بالفعل، فإنها، بالطبع، ستكون غيرَ مهمة على نحوٍ مماثل؛ إذ إن الصحيفة كانت من نوعية الصحف التي لا تُقلل أبدًا من قدْرِ نفسها بالاعتراف بوقوعها في خطأ. لذا، أرسل مديرُ التحرير لمراسِلتِه رسالةً تلغرافية قصيرة ليُوفِّر تكلفة إرسال رسالة تلغرافية طويلة ومكلفة كانت ستكون غيرَ مجدية عندما تصل إلى مقر الصحيفة.
لكن، بدلًا من أن تكون جيني ممتنةً للأقدار التي حاربت بشدةٍ من أجلها، كانت غاضبةً بشدة من فليمنج، وكانت غاضبةً بالقَدْر نفسِه تقريبًا من الآنسة لونجوورث. فلولا تدخلُ السياسي المتطفِّل، ما كان ونتوورث سيكتشف أبدًا هُويتها، وما كانت سلسلةُ الأحداث المهينة التي تلَت ذلك ستحدث. وحينها كانت ستفترق عن ونتوورث على نحوٍ ودِّي، على الأقل. كانت مضطرَّة، رغمًا عنها، إلى الاعتراف في قرارةِ نفسها بأنها كانت تُحب ونتوورث أكثرَ من أيِّ شاب آخر قد قابلَته من قبل؛ والآن وفي ظل تضاؤلِ فرصةِ رؤيته ثانيةً، كان أسفُها يَزيد أكثر وأكثر مع مرور الوقت. لقد أخبرها بكلِّ آماله بشأن منجم الميكا قبل حدوث تلك الحادثة المؤسفة، وائتمَنها على سرِّه على نحوٍ هي متأكدةٌ أنه لم يفعله قطُّ مع أيِّ امرأة أخرى. لقد كانت ترى النظرة المخلصة في عينَيه الصادقتين كلما أغمضَت عينيها، وتلك النظرة كانت تُطاردها طَوال اليوم، على نحوٍ تبادلي مع تذكُّرِ نظرةِ العتابِ غيرِ المصدِّقة التي نظَر بها إليها عندما اكتشف مهمَّتها، الذي كان حتى أصعب في تحمُّلِه من تذكُّرِ ثقته في نفسه وتقديره لذاته.
وما جعل الأمرَ أكثرَ مرارةً حقيقةُ أن هذا كلَّه كان بلا طائلٍ أو فائدة. لقد جرَحت صديقها وأذلَّت نفسها، وكل هذا من أجل لا شيء! إن التغييرات السريعة التي حدَثَت في مقر الصحيفة منذ أن سافرت قد جعلت تضحياتِها بلا جدوى، ورغم أنها كانت تشدُّ من أزر نفسِها على متن السفينة بقول إنها كانت فقط تقوم بواجبها تجاه رؤسائها، فإن تلك التعزيةَ حتى قد أصبحت بلا معنًى بسبب رسالة مدير التحرير.
هكذا الحال دائمًا في عالم اليانصيب الدائم التغيُّرِ والهائل والمدهش هذا، عالم الصِّحافة الحديثة. إن الشيء الذي سيبيع مديرُ التحرير نفسَه من أجله اليومَ يكون لا قيمة له غدًا. إن أغبى شخصٍ في الصحيفة قد يقع تحت يدَيه أحيانًا أهمُّ خبر في اليوم، في حين أن أبرع صحفي قد ينهزم في صراعِه المستمرِّ مع الوقت؛ لأن الصحيفة تظهر في وقتٍ معين، وبعد ذلك، يكون الجهد بلا فائدة. إن القائم على إدارة أيِّ صحيفة كبيرة يُشبه سائقَ عربة رومانية؛ إنه يحتاج إلى رِباطة جأشٍ وذراعَين قويتين، وعين بصيرة تنظر للمستقبل ولا تأبهُ كثيرًا لضحايا الشفرات المنجلية الدائرة في المنتصف. إنه قد يُطيح بإحدى الحكومات، أو قد يُلقى هو نفسُه، بحركة غير متوقعة، تحت العجلات. إن الجيادَ المندفعة لا تقف أبدًا، وعندما يترك أحدٌ اللجام، يلتقطُه آخرُ، لِيَضيع هو الآخرُ ويُنسى في السباق المجنون، الذي لا يُنظَر فيه أبدًا إلى الخلف. إن أفضل العقول في البلاد يُستولى عليها وتُعصر وتُنحَّى جانبًا. وبيدٍ سخية ولكن عشوائية يتم توزيعُ السمعة الطيبة والسمعة السيئة، والغنى والفقر. إن الصِّحافة، على نحوٍ غيرِ قابل للرِّشوة بالمعنى العادي للأمر، من أجل حفنة نقود، تُبالغ في التخويف من الكوليرا وتُصيب حالَ أمةٍ ما بالشلل، ثم تهاجم حكومةً فاسدة وتُسقطها، على الرغم من أنه يُمكن جنيُ الملايين باتخاذ مسارٍ آخر. إنها مصدر رعب الأوغاد وسببُ يأس الشرفاء.
كانت جيني بروستر، في وسط أسفها الذي بلا جدوى، تُحكِم قبضتها الصغيرة غيظًا عندما تتذكَّر فليمنج. من المعتاد ومن المُعزِّي أيضًا أن يُلقي الفردُ باللائمة على الآخرين وليس على نفسِه. إن الطبيعة البشرية فاسدةٌ بحيث عادةً ما يكون باستطاعتنا إيجادُ كبشِ فداءٍ من رِفاقنا البشر، يمكن اعتبارُه مسئولًا عن أيِّ أخطاء أو حالاتِ فشل هي جزءٌ منا بشدةٍ لدرجةٍ يصعب الإقرارُ بمسئوليتنا عنها. إن اهتمَّ فليمنج فقط بشئونه، كما هو مفترض من أيِّ شخص، فما كان ونتوورث سيعرف أن جيني تعمل لصالح صحيفة «آرجوس»، ولأَصبح لجيني صديقٌ في لندن، الأمر الذي كان سيُضفي طابعَ الإثارة على زيارتها، الذي عادةً ما يرتبط بالصداقة بين شابٍّ لطيف وفتاة جميلة وساحرة للغاية.
أقام فليمنج في الفندق الذي أقامت فيه جيني في البداية، وكانت من آنٍ لآخرَ تُقابله في القاعات الكبيرة لمبنى الفندق الضخم؛ لكنها كانت دائمًا ما تمرُّ عليه بأنَفةِ ملِكةٍ مستاءة، على الرغم من أن هذا الرجل المسكين كان دائمًا ما يخلع لها قبعته احترامًا لها؛ ومرة أو مرتين، توقَّف وبدا كما لو كان على وشك أن يتحدَّث إليها.
وفي آخرِ أيام بقائها في الفندق، رأت فليمنج على نحوٍ أكبر من ذي قبل؛ لكن لم يخطر ببالها أن السياسيَّ الحزين كان يترصَّدُها، دون أن يمتلك أبدًا الشجاعة الكافية للحديث إليها عندما كانت تحينُ له الفرصة. وفي النهاية، وصلت رسالةٌ إلى الغرفة التي تقيم فيها، من فليمنج، قال لها فيها إنه يودُّ الحديث إليها لبضع لحظات، وإنه ينتظر الرد.
قالت الفتاة للشخص الذي حمل الرسالة: «أخبِره أنه لا يوجد رد.»
قد يكون من الجيد أحيانًا أن تعرف وجهةَ نظر حتى العدو، لكن كانت جيني غاضبةً منه بشدة بحيث لم تُفكر في هذا. لكن السياسي، حتى يكون ناجحًا، يجب ألا يُهزَم بسهولة، وهذا بوجهٍ عام ما يحدث.
عندما حصل فليمنج على الرد الفظِّ على رسالته، ألقى بسيجاره وارتدى قبعته وركب المصعد وسار عبر الممر الطويل وطرَق باب غرفة جيني.
إن دهشة الفتاة لدى رؤيةِ عدوِّها هناك كانت كبيرةً للغاية لدرجة أن ردَّ الفعل المتوقعَ المتمثِّل في غلق الباب في وجهه لم يخطر ببالها حتى فات أوانُ تنفيذه، وقد وضع فليمنج قدمه الكبيرة بلا مبالاةٍ ليمنع إغلاقَه.
صرخَت، والشررُ يتطاير من عينيها: «كيف تجرؤ على المجيء إلى هنا، بعد أن رفضتُ رؤيتك؟»
رد السياسي الكاذب: «أوه، فهمت من الشخص الذي حمل الرسالة إليكِ أن بإمكاني المجيءَ إلى هنا.» ثم أضاف: «كما تعرفين، إنه ليس أمرًا شخصيًّا، بل أكبر شعور يمكن أن يتكون في عُرْض المحيط، وظننتُ … حسنًا، كما تعلمين، شعرتُ أنني — دون قصد تمامًا — قد أسأتُ إليكِ على متن سفينة «كالوريك»، وكانت هذه محاولةً مني للاعتذار لكِ عن ذلك.»
«لن يُمكنَك أبدًا إصلاحُ ما فعلتَه.»
«لا، بل يُمكنني ذلك، يا جيني.»
«أرجو أن تتذكَّر أن اسمي هو الآنسة بروستر.» هكذا قالت الفتاة، وقد اعتدلت في وقفتها؛ لكن فليمنج لاحظ، بنوعٍ من الارتياح، أنه منذ أن ذكر مسألة الشعور، لم تصدر عنها أيُّ محاولةٍ لإغلاق الباب، وكان تَحفُّز الصحفية يحلُّ تدريجيًّا محلَّ الغضب الذي قابلَته به في البداية.
«حسنًا، آنسة بروستر. أنا لا أقصد أيَّ إساءة، كما تعرفين؛ وبصدقٍ، فضَّلتُ إعطاءك معلومةً مهمة على إعطائها لأي شخص آخر.»
«أوه، إنك صادقٌ للغاية … أعلم هذا.»
«في الواقع، أنا كذلك، كما تعلمين، يا جين … أقصد يا آنسة بروستر؛ على الرغم من أنني أرى أن هذه ليست مَيزةً في السياسة تمامًا كما هو الحال في مجال الصِّحافة.»
«إن كنتَ قد جئت فقط لتتحدث على هذا النحو عن الصحافة، فأنا لا أهتمُّ بالاستماع لما تقوله.»
«انتظري دقيقة. أنا لا ألومك على شعورك بالغضب …»
«شكرًا لك.»
«لكن، مع ذلك، إن تركتِ تلك المعلومةَ تضيع منكِ، فستندمين. إنني أعطيك معلومةً موثوقًا فيها. يمكنني الحصول على أموالٍ أكثرَ من كل الأموال التي رأيتِها في حياتك من الكشف عن هذه المعلومة، ومع ذلك، أنتِ تُعاملينني كما لو كنت …»
«سياسيًّا من نيويورك. لماذا جئتَ إليَّ بتلك المعلومة القيمة؟ فقط لأنك تُكِنُّ تقديرًا كبيرًا لي، على ما أعتقد؟»
«هذا صحيح. هذا هو الوضع بالضبط.»
«ظننت ذلك. رائعٌ للغاية. هناك غرفة استقبال في هذا الطابق حيث يُمكننا أن نتحدث دون مقاطعة. تعالَ معي.»
أغلقَت جيني الباب وسارت عبر الممر، وتبعها فليمنج، الذي ابتسم تعبيرًا عن رضاه عن لَباقته وبراعته، حيث كان، بالفعل، له كلُّ الحق في ذلك.
في غرفة الجلوس التي لا يوجد بها أحد، كانت توجد طاولةٌ للكتابة، وجلسَت جيني بجانبها، وأشارت لفليمنج بالجلوس على كرسي قبالتَها.
قالت، مقرِّبةً بعضَ الورق إليها، وملتقطة قلمًا: «والآن، ما تلك المعلومة المهمة؟»
رد فليمنج: «حسنًا، قبل أن نبدأ، أودُّ إخبارَكِ بسبب تدخلي على متن السفينة وجعْلِ الرجل الإنجليزي يعرف من أنتِ.»
«لا عليك من هذا. من الأفضل ألا نُثيره.» وظهرت لمحةٌ من الغضب في عينَي الفتاة، لكن، وبالرغم منها، استمرَّ فليمنج في حديثه. لقد كان رجلًا مثابرًا.
«لكن هذا له علاقة بما سأخبرك به. عندما رأيتُكِ على متن سفينة «كالوريك»، خفَق قلبي بشدة. ظننتُ أن سري قد انكشف وأنكِ كنتِ تُلاحقينني. وكان عليَّ أن أعرف ما إذا كانت صحيفة «آرجوس» قد علمت أيَّ شيء عن رحلتي أم لا، وما إذا كانت قد أرسلَتْكِ لتَعَقُّبي. فقط خمسة أشخاص في نيويورك كانوا على علمٍ بأمر رحلتي، وحيث إن الكثير كان يعتمد على عاملِ السرية، فقد كان عليَّ أن أعرف على نحوٍ ما إن كنتِ هناك من أجل … حسنًا، أنت تعرفين بالطبع. لذا، تحدثتُ إلى الرجل الإنجليزي، وأخذتُ أُنصِت جيدًا لما كان يدور حولي؛ لكن سرعان ما اتضح لي أنكِ ليس لديكِ أيُّ علم بما كنتُ أنا طرَفًا فيه، وإلا لكنتُ أرسلتُ حينها برقيةً لبعض الأشخاص في لندن، وأمرتُهم بإنهاء الأمر.»
«يا إلهي! وما الفعل الشرير الذي كنتَ تُدبِّره؟ تزوير؟»
«لا؛ أمر متعلق بالسياسة. إنه شيء بنفس السوء، أعتقد أنك ستظنين هذا. والآن، هل تعرفين أين كرابر؟»
«حاكم نيويورك؟ لقد سمعتُ قبل أن أغادر أنه كان في كارلزباد للاستشفاء.»
قال فليمنج على نحوٍ غامض: «لقد كان هناك، لكنه الآن …»
أشار السياسي بجدِّية لأسفل بسبابته.
«ماذا! مات؟» هكذا قالت جيني؛ إذ كانت الحركة المشئومة لإصبع فليمنج تُشير على نحوٍ طبيعي إلى ما يعتقده كل الناس الشرفاء بأنها النهاية الحتمية لكل زعيمِ عصابة.
قال فليمنج، وهو يضحك: «لا؛ إنه في هذا الفندق.»
«أوه!»
«نعم، والسيناتور سموليت، رئيس حزب الصلاح، هنا أيضًا، على الرغم من أنكِ لن تُقابليهما كثيرًا في قاعات الفندق كما تفعلين معي. إن هذين الرجلين المحترمين اللذين من المفترض أنهما خَصْمان سياسيان، لا يُحاولان لفت الأنظار إليهما ولا يُدلِيان بأي تصريحات.»
«فهمت. وقد عقَدا اجتماعًا معًا.»
«بالضبط. والآن، الأمر يُشبه هذا.» سحب فليمنج ورقةً تجاهه، ورسم عليها شكلًا بيضاويًّا. ثم أردف: «هذه هي نيويورك. سنُسميها فطيرة اليَقْطين، إن أرَدتِ، التي تُشبه المادةُ المصنوعةُ منها رءوسَ مواطنيها أصحابِ الضمير الحي. أو ربما، فطيرة الحمام؛ لأن المواطن النيويوركيَّ يُستغَل بسهولة. والآن، انظري هنا.» رسم فليمنج من نقطة في المنتصف عدةَ خطوط متشعبة. ثم أردف: «هذا ما يفعله كرابر وسموليت في لندن. إنهما يقسمان الفطيرةَ بين الحزبَين.»
«هذا مثيرٌ جدًّا للاهتمام، لكن كيف ستُوزَّع الأجزاء؟»
«الأمر بسيطٌ للغاية. كما تعرفين، إن رِهاننا الكبير على المواطن الصالح؛ الناخب الذي يريد أن ينتخبَ على نحوٍ صحيح وينتخب رجلًا شريفًا. ولو لم يكن المرشحون شرفاءَ والناخبون أيضًا شرفاء، لكان عالمُ السياسة في نيويورك لعبةً غير مضمونة إلى حدٍّ كبير. كما تعرفين، ما يُسمى بالعنصر المحترم في كلِّ الحزبَين هو أمَلُنا الوحيد. إن كلًّا منهما يثق في حزبه، ويرى أن أتباعه أفضلُ من أتباع الآخر؛ لذا، كل ما يجب فعلُه هو ترشيحُ شخصٍ أمين لتمثيل كل حزب، ثم سيُقسم هذا ما يُسمُّونه بالانتخاب النزيه، ونحن السياسيِّين الحقيقيِّين نحصل على رَجُلِنا من بين الاثنين. هذا هو ما يحدث في عالم السياسة في نيويورك. والآن، السيناتور سموليت هدَّد بألا يضعَ رَجُلًا شريفًا في قائمة مرشَّحي حزبه، وكان هذا سيقلب علينا بالكامل الانتخابَ النزيه للحزبين؛ لذا كان علينا أن نعقد صفقةً معه، ونُضيفَ إليها مسألة انتخابات الرئاسة القادمة. إن كرابر ليس طماعًا؛ إنه يعرف متى يكون لديه الكثير، ونيويورك كافية بالنسبة إليه. وهو لا يهتمُّ بمن سيحصل على مقعد الرئاسة.»
«وهذا الاجتماع قد عُقد؟»
«هذا صحيح. لقد تم في هذا الفندق.»
«لقد عُقِدت الصفقة، على ما أظن؟»
«نعم. وقُسِمت الغنيمة.»
«ألم تحصل على قطعة منها؟»
«أوه، معذرةً، لقد فعلت!»
«إذن، لماذا جئتَ إليَّ وأخبرتني بكل هذا؛ إن كان هذا صحيحًا؟»
ظهر استياءٌ مستحقٌّ على وجه فليمنج.
««إن» كان هذا صحيحًا؟ بالطبع، إنه صحيح. لماذا جئتُ إليكِ؟ لأنني أريد أن أصبح صديقًا لكِ؛ هذا هو السبب.»
نظرَت جيني إليه بتأمُّلٍ لبضع لحظات، وهي تقضم طرَف قلمها، ثم هزت رأسها ببطء.
«إن استطعتَ أن تجعلني أُصدِّق هذا، يا سيد فليمنج، فلن أنشر كلمة. لا، لا بد أن يكون لديَّ دافعٌ مناسب؛ لأنني لن أنشر أي شيء لا أعتقد أنه صحيحٌ مائةً بالمائة.»
«أؤكد لكِ، يا جيني …»
«انتظر دقيقة. إنك تقول إنك قد وُعِدت بنصيبك في الصفقة الجديدة، لكنه ليس بالنصيب الكبير الذي لديك الآن. من المنطقيِّ أن اقتسام كرابر الغنيمةَ مع أوغاد سموليت سيؤدي إلى حصول كلٍّ من أوغاد كرابر على جزءٍ أصغرَ منها. وكلما زاد عدد اللصوص، قلَّ نصيبهم من الغنيمة. إنك لم تدرك هذا عندما غادرتَ نيويورك، ولذلك، كنت تخاف من أن يُعلَن أمرُ سفرك. ولقد أدركتَ هذا الأمر الآن، وأنت تريد أن يُنشَر مقالٌ مثير، حتى يُضطَرَّ السيناتور سموليت إلى إنكار الأمر أو إثارة المزيد من الشكوك في نفوس الرجال الشرفاء في حزبه. وفي كلتا الحالتين، نشرُ الأمر سيُؤدي إلى إلغاء بنود الصفقة، وستحتفظ بنصيبك الحالي. وحيث إنك لا تعرف أيًّا من مُمثِّلي صحف نيويورك الدائمين في لندن، فلا يمكن أن تثقَ في ألَّا يَشُوا بك، ولذلك، جئتَ إليَّ. والآن، بعد أن تبيَّن الدافعُ الأنانيُّ بشدةٍ لفعلك، أنا على استعدادٍ لتصديقك.»
ظهر بعضُ الارتباك في البداية على وجه السياسي، لكنَّ هذا أفسحَ الطريق لنظرةٍ تَشِي بالإعجاب غيرِ المخفي بينما كانت الفتاة تتكلم.
ثم قال، ضاربًا بقبضة يده على الطاولة عندما انتهت من كلامها: «يا إلهي، يا جيني! إنكِ خَسارةٌ في مجال الصِّحافة؛ حريٌّ بكِ أن تكوني سياسيَّة. لو تزوَّجتِني، يا فتاة، فسأصبح يومًا رئيسَ الولايات المتحدة.»
قالت جيني، دون أن تشعر بالإحراج على الإطلاق من عرضه المهذَّب، رغم كونه مثيرًا: «أوه لا، إنك لن تُصبح كذلك.» وأضافَت: «لن يصبح أبدًا سياسيٌّ نيويوركيٌّ فاسدٌ رئيسًا للولايات المتحدة. سيكون عليك التعاملُ مع الناس الصالحين الذين يُمثلون الغالبية العظمى هناك، وأنا ديمقراطيةٌ بالقدر الكافي بحيث أومِنُ بهم عندما يتعلق الأمرُ بالمسائل الكبيرة، مهما حاولتَ أن تُهمِّشَهم؛ فإنك لن تستطيع خداعَ كلِّ الناس طَوال الوقت، يا سيد فليمنج، كما قال أحد السياسيِّين الكبار ذات مرة. إن الناس سيستفيقون من آنٍ لآخر ويُحطمونك.»
ضحك فليمنج بصخب.
وقال: «هذا هو الوضع.» ثم أضاف: «إن هذا يحدث من آنٍ لآخَر. لو فعَلوا هذا كلَّ عام، لكان عليَّ تركُ السياسة. لكن هل ستُرسلين تفاصيلَ هذا الاجتماع لصحيفة «آرجوس» دون أن تكشفي عن هُويتي؟»
«نعم، أنا أُدرك أهمية الموضوع. والآن، أريد منك أن تُعطيَني كلَّ التفاصيل؛ رقم الغرفة التي التقَوا فيها، وميعاد الاجتماع بالتحديد وكل هذا. إن ما يُهمني في أي تقرير عن اجتماعٍ سريٍّ هو معرفةُ كلِّ التفاصيل الصغيرة، بحيث يعرف كلُّ مَن حضَروه أن ما أكتبُه ليس من قَبيل التخمين. وهذا دائمًا ما يُقوِّض أيَّ محاولات مستقبلية للإنكار. سأذكر اسمك …»
«يا إلهي، لا تفعلي ذلك!»
«يجب أن أذكر أنك كنتَ حاضرًا.»
«لماذا؟»
«لماذا؟ يا إلهي! لا يمكن أن تكون غبيًّا بشدةٍ بحيث لا ترى أنه، في حالة عدم ذكرِ اسمك، ستحوم الشكوكُ على الفور حولَك باعتبارِك مَن قام بإفشاء سرِّ الاجتماع، أليس كذلك؟»
«بلى، أعتقد أنَّ هذا صحيح.»
«وهذا الرجل هو حاكمُ إحدى كبرى المدن في العالم! استمِرَّ في سرد التفاصيل، يا سيد فليمنج؛ مَن أيضًا كان حاضرًا في الاجتماع بخلافك أنت وكرابر وسموليت؟»
كان المقال — الذي شغَل عمودين ونصف العمود — بمنزلة قنبلة تفجَّرَت في عالم السياسة في نيويورك في الصباح الذي ظهَر فيه في صحيفة «آرجوس». لقد أرسل السيناتور سموليت برقيةً من باريس قال فيها إن كل ما جاء بالمقال كذب، وإنه لم يكن بلندن في اليوم المشار إليه، وإنه لم يرَ قطُّ كرابر هناك أو في أي مكان. وأرسل كرابر برقيةً من كارلزباد قال فيها إنه كان مريضًا، وإنه لم يُغادر السرير منذ شهر. وأضاف أنه سيُقاضي الصحيفة بتهمة التشهير، وهو الأمر، بالمناسبة، الذي لم يَقُم به قط. ولقد أسرع الصحفيُّون للقاء فليمنج عندما وصلَت سفينتُه لأرض الوطن، لكنه بالطبع أعلن أنه لا يعلم شيئًا عن الأمر؛ فقد سافر عبرَ المحيط في مهمةٍ خاصة لا علاقة لها بالسياسة. إنه لم يكن يعرف شيئًا عن مكان كرابر، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا، وهو أن كرابر كان رجلًا أمينًا ومحترمًا جدًّا بحيث لا يمكن أن يتعاملَ مع العدو.
بغضِّ النظر عن كل حالات الإنكار هذه، فقد كان المقال يحمل في طياته أماراتِ الصدق، وقد صدَّق الجميعُ ما جاء به، رغم تظاهُرِ الكثيرين بخلافِ ذلك. إن تقسيم الغنائم أثار بشدةٍ ذُعرَ واستياءَ أتباع كرابر، وذهب وفدٌ منهم للقاءِ الرجل العجوز.
ومن جهةٍ أخرى، أوضحت صحيفة «آرجوس»، بأسلوبٍ بليغ، أنها تقفُ إلى جانب مصالح الناس، وأنها لا تخشى شيئًا عندما يتعلَّق الأمر بقضايا الشعب. وتحدَّت الجميعَ أن يرفعوا ضدَّها قضايا تشهير إن أرادوا؛ فقد كانت على استعدادٍ للنضال من أجل حقوق الشعب. وقد زاد معدَّلُ توزيعها أكثرَ فأكثر، وقد عملت طابعاتها الدوارةُ العديدةُ بكامل طاقتها لسدِّ الطلب على الصحيفة. وهكذا يُكافَأ مَن يقوم بعمل جيدٍ بحق.
إن الصحيفة الكبيرة تكون كريمةً ببذخ، شأنها شأن الحاكم المستبد، مع مَن يُؤدي لها خدماتٍ جليلة، والشيك الذي صرَفَته جيني عندما صاحَبَتها الليدي ويلو إلى حي السيتي ملأ حقيبةَ اليد الخاصة بها عن آخرِها بأوراق البنكنوت، وهو الأمر الذي لم تشهده صاحبتُها قط.
وبعد قضاء بضعة أسابيع مع الليدي ويلو، بدا أن جيني قد سئمت من تفاهاتِ الاختلاط مع الناس، وحتى من الرفقة الرزينة للسيدة الطيبة التي تعيش معها. وقد أعلنت أنها ستذهب إلى باريس لمدة أسبوعٍ أو اثنين، لكن، نظرًا إلى عدم التأكُّد من العنوان، فإن رسائلها ما كانت ستُرسَل. لقد أخذت معها فقط حقيبةَ سفرٍ صغيرة، وتركت بقية حقائبها مع الليدي ويلو التي جعلَها هذا يَحْدوها الأملُ في سرعة عودة ضيفتها التي تدفع لها.
استقلَّت جيني عربةَ أجرة تجرها الخيول إلى تشارينج كروس، لكن بدلًا من أن ترحل في قطارِ باريس السريع، أشارت إلى عربة أجرة مغلَقة ذاتِ أربع عجلات، وبعد أن أعطت سائقها عنوانًا في منطقة وست إند، دخلت إليها.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الرابع والعشرون
على النوافذ الكبيرة ذاتِ الزجاج المسطَّح لمقر الشركة الجديد، سرعان ما ظهرَت بأحرفٍ ذهبيةٍ ذاتِ حوافَّ سوداء الكلمات «الشركة الكندية المحدودة لمنجم الميكا: مكتب لندن». لكن العمال الذين كانوا يجهِّزون الجزء الداخلي من المقرِّ لم يكونوا بنفس سرعة الرسامين والكاتبين باللون الذهبي. ولذلك، استغرق إعداد المقر الجديد وقتًا طويلًا، وغضب كلٌّ من كينيون وونتوورث من التأخير؛ لأن لونجوورث قال إنه لن يُمكن فعلُ أي شيء حتى ينتهيَ تجهيز المكان.
قال ونتوورث له: «أنت تعرف، يا لونجوورث، أن كل دقيقة مهمة. إن الوقت يُداهمنا، وليس أمامنا وقتٌ طويل كي نُؤسس شركتنا.»
رد السيد لونجوورث الشاب، وهو ينظر بلومٍ إليه من خلال نظارته الأحادية اللامعة: «ويجب أن تتذكر أنني مهتمٌّ بهذا المشروع على نحوٍ مساوٍ لك. ومن المهم لي كما هو مهم لك ألا يضيع الوقت. يجب ألا تقلقَ بشأن هذا الأمر، يا سيد ونتوورث؛ فكل شيء يسير على ما يُرام. إن الرجال يقومون بعمل جيد من أجلنا، ولن يمرَّ وقتٌ طويل حتى ينتهوا من عملهم. وكما قلتُ لك مِرارًا وتَكرارًا، الكثير من الأمور يعتمد على المظهر الذي سنبدو به أمام الناس. إننا نمتلك تقريبًا أفضلَ مقر في حي السيتي. إن العمال بالتأكيد استغرقوا في العمل وقتًا أطولَ مما توقعتُ، لكن كما ترى، إن عليهم إنجازَ قدْرٍ كبير من العمل. وعندما نبدأ العمل في هذا المقر، فإن الأمر لن يستغرقَ طويلًا. أنا، في هذه الأثناء، قمتُ ببعض التحركات. على الأقل ستة من المستثمرين مستعدُّون للعمل معنا في هذا المشروع. وعندما ينتهي تجهيزُ المقر، سنعقد اجتماعًا للمساهمين المحتملين. وإن قدَّموا أموالًا كبيرة بالقدر الكافي — وأعتقد أنهم سيفعلون — فإن كلَّ الباقي سيكون مجردَ تفاصيلَ سيهتمُّ بها محامونا. لكن إن كنت ترى أنك والسيد كينيون بإمكانكما إدارةُ كلِّ شيء على نحوٍ أفضل مما أفعل، فلكما مطلقُ الحرية في فعل ذلك. أنا بالتأكيد لا أرغب في احتكار القيام بكلِّ العمل. ما الذي فعلتَه أنت، على سبيل المثال؟ وماذا فعل السيد كينيون؟»
«كينيون، كما أعتقد أنك تعرف، قد حصل على كل الحقائق المتعلقة بالطلب على المادة، وقد رتَّبتُها. وقد طبعنا كل شيء كما اقترحت، والأوراقُ جاهزة. وقد وصلَت إلى مكتبي اليوم.»
رد لونجوورث الشاب: «رائع جدًّا، إننا نُحرز تقدمًا كبيرًا. لقد أنجزنا الكثيرَ ولن يكون علينا القيامُ به ثانيةً. ربما من الأفضل أن تُرسل لي بعضًا من المادة المطبوعة، حتى يتسنَّى لي إعطاؤها للرجال الذين أخبرتُك بهم. وفي تلك الأثناء، لا تقلق بشأن المقر؛ إنه سيكون جاهزًا في وقت قصير.»
كان ونتوورث وكينيون يزوران المقرَّ الجديد من آنٍ لآخر، لكن بدا أن العمل كان لا يزال يسيرُ ببطء. وفي النهاية، قال ونتوورث بحدة شديدة لرئيس العمال:
«ما لم ينتهِ هذا بحلول الإثنين القادم، فلن تكون لكم أيُّ علاقة به.»
بدا رئيسُ العمال مندهشًا.
وقال: «فهمتُ من السيد لونجوورث وهو الشخص الذي نحصل منه على التعليمات أنه لا توجد عجَلةٌ حقيقية بشأن هذا العمل.»
«حسنًا، توجد عجَلة حقيقية. يجب أن نبدأ العمل بهذا المكان في أول أيام الأسبوع المقبل، وإن لم تنتهوا من عملكم بحلول ذلك الوقت، فسيكون علينا بدءُ العمل فيه دون أن ينتهيَ تمامًا.»
قال رئيس العمال: «في هذه الحالة، سأفعل كل ما في وُسعي. أعتقد أن بإمكاننا الانتهاءَ منه هذا الأسبوع.»
وهكذا، انتهى العمل في المقر في الوقت المحدد.
وعندما دخل كينيون مقرَّ عمله الجديد، وجد المكان خانقًا بشدة بالنسبة إلى شخصٍ بسيط للغاية مثلِه. وضحك ونتوورث من الكآبة التي بدَت عليه وهو يتأمَّلُ فخامة المكان.
قال جون: «ما يُضايقني هو إدراك أن كل هذا يجب دفعُ ثمنه.»
رد ونتوورث: «آه، نعم، لكن بحلول وقتِ استحقاق هذا الدَّين، آمُل أن يكون لدينا الكثيرُ من المال.»
«يجب أن أعترف أنني لا أفهم لونجوورث فيما يتعلق بهذا الأمر. يبدو أنه لا يفعل شيئًا؛ على الأقل، إنه لم يُطلِعْنا على أي شيء يوضح العملَ الذي قام به، ولا يبدو أنه يعتقد أن الوقت مسألة مهمة بالنسبة إلينا؛ أي إن تأسيس الشركة قد أصبح بحقٍّ سِباقًا مع الزمن.»
«حسنًا، سنرى قريبًا جدًّا ما الذي سيفعله. لقد أرسلتُ شخصًا إليه يطلب منه لقاءنا هنا — من المفترض أن يصل إلى هنا الآن — ويجب بالتأكيد أن نتحرَّك للأمام. لا يوجد وقتٌ لنضيعه.»
«هل قال لك أيَّ شيء — إنه يتحدث معك بحريةٍ أكثرَ مما يفعل معي — عن الخطوة التالية التي من المفترض اتخاذُها؟»
«لا؛ إنه لم يقُل شيئًا.»
«حسنًا، ألا ترى الوضع الذي نحن فيه؟ إننا فعليًّا لا نقوم بشيء؛ ونترك كلَّ شيء في يديه. والآن، إن أتى في أحد الأيام الكئيبة وقال إنه لن تكون له أيُّ علاقة بعد ذلك بهذا المشروع (وأنا أعتقد أنه قادرٌ تمامًا على فعل ذلك)، فسيكون وقتُنا قد نَفِد تقريبًا، وأصبحنا غارقين في الدَّين، ولم نقُم بأي شيء.»
«عزيزي جون، كيف لعقلك أن يُنتج كل هذه الاحتمالات المرعبة! صدقني لونجوورث لن يتصرفَ على النحو الذي أشرت إليه. سيكون هذا تصرفًا مخزيًا من جانبه، وهو، بقدرِ ما أعرف، رجلُ أعمال محترم. أعتقد أن لديك بعضَ التحامل عليه، ومن ثم لا يُمكنك رؤية شيء جيد في أي فعلٍ يقوم به. لقد أخبرني لونجوورث منذ بضعة أيام أن لديه خمسة أو ستة أشخاص مستعدِّين للانضمام إلينا في مشروعنا، وإن كان هذا هو الحال، فقد قام بالتأكيد بما عليه من عملٍ في هذا المشروع.»
«نعم، أعي ذلك. هل أعطاك أسماءهم؟»
«لا، إنه لم يفعل.»
«الشيء الوحيد الذي يُقلقني هو قلة حيلتنا. يبدو، بنحوٍ أو بآخَر، أننا قد زُجَّ بنا في الخلفية.»
قال ونتوورث: «إن الأمر بعيدٌ كلَّ البعد عن هذا؛ فقد أخبرني لونجوورث بأننا علينا المُضيَّ قُدمًا في أي شيء مناسب يتراءى لنا. ولقد سأل عما فعلتَه أنت وعما فعلتُه أنا، وقد أخبرتُه. وبدا مهتمًّا بشدةٍ بضرورةِ قيامنا بكل شيء نستطيع القيام به، كما يفعل هو.»
«رائع، لكن ألا ترى أن الوضع هو التالي: إن قمنا بأيِّ خطوة أيًّا كانت، فقد نقوم بشيء قد يعترض عليه؟ ألم تُلاحظ أنني كلما اقترحتُ شيئًا أو أنك كلما اقترحتَ شيئًا، كان لديه دائمًا اعتراضٌ عليه؟ كما أنني لم يُعجبني المحامون الذين اختارهم للقيام بهذا العمل. إنهم مَن يُوصَفون بأنهم «مُريبون»؛ أنت تعي ذلك كما أعي تمامًا.»
«يا إلهي، يا جون! إذن، اقترِح أنت شيئًا إن كانت لديك تلك الشكوكُ الفظيعة في لونجوورث. أنا بالتأكيد أريد أن أفعل أي شيء تريده. اقترح شيئًا.»
قبل أن يتمكَّن جون من ذِكر الاقتراح المطلوب، عاد الرجل الذي أرسله ونتوورث للونجوورث الشاب.
قال الرجل: «يقول عمُّه، يا سيدي، إن السيد ويليام قد سافر إلى الشمال، ولن يعود إلا بعد أسبوع.»
صاح الشابان في الوقت نفسِه: «أسبوع!»
«نعم، يا سيدي، لقد قال أسبوعًا. لقد ترك رسالةً لأيٍّ منكما في حالة ذَهاب أيٍّ منكما لمكتبه. وها هي الرسالة، يا سيدي.»
أخذ ونتوورث الظرفَ الذي أعطاه الرجل له وفتحه. وكان محتوى الرسالة كالتالي: لقد استُدعيتُ لمهمةٍ مفاجئةٍ في الشمال، وقد أستمر فيها لمدة أسبوع أو عشرة أيام. أعتذر عن الوجود بالخارج في هذا التوقيت، لكن حيث إنه من غير المحتمل أن ينتهيَ الرجال من تجهيز مقرِّ الشركة قبل أن أعود، فلن يقع أيُّ ضررٍ كبير. وفي تلك الأثناء، سأقابل العديدَ من رجال الأعمال الذين لديَّ قائمةٌ بهم في ذهني وهم نادرًا ما يأتون إلى لندن، وسيَكونون ذَوِي فائدةٍ كبيرة لنا. إن فكَّرتَ في أي شيء في صالح مشروع منجم الميكا، فأرجو منك أن تمضيَ فيه قُدمًا على الفور. يمكنك إرسالُ أي رسائلَ لي إلى عمي، وسوف أحصل عليها. ومع ذلك، وحيث إنه لا توجد أيُّ عجَلة في مسألة الوقت، فأنا أوصي بشدةٍ بعدم القيام بأي شيء حتى عودتي، حيث يمكننا جميعًا القيامُ بالأمر بعزم وإصرار. مع خالص تحياتي ويليام لونجوورث
عندما انتهى ونتوورث من قراءة تلك الرسالة، نظر الشابان كلٌّ منهما إلى الآخر.
قال كينيون: «ماذا تفهم من هذا؟»
«أنا بالتأكيد لا أعرف. في المقام الأول، إنه سافر لمدةِ أسبوع.»
«نعم؛ هذا هو الشيء الوحيد المؤكد.»
«والآن، يا جون، يجب فعلُ أحد أمرين. إما أن نثق في لونجوورث هذا، وإما أن نَمضيَ قُدمًا بدونه. ما الذي علينا فعلُه؟»
رد كينيون: «أنا بالتأكيد لا أعرف.»
«لكننا، يا عزيزي، قد وصلنا إلى مرحلةٍ علينا أن نُقرِّر فيها. أنت، على ما يبدو، تشكُّ في لونجوورث. ما تقوله في الحقيقة يُشير إلى ما يلي: أنه، لسببٍ خاص به، أُقِر أنني لا أستطيع إدراكَه أو فهمَه، يرغب في تأجيل تأسيس هذه الشركة حتى يفوت الأوان.»
«أنا لم أقُل هذا.»
«إنك تقول ما يُشير فعليًّا إلى هذا. إنه إما أمينٌ وإما لا. والآن، علينا أن نُقرِّر اليوم، وهنا، ما إذا كنا سنتجاهله ونمضي قدمًا في تأسيس الشركة أم سنعمل معه. وما لم يُمكِنْك إعطاءُ سببٍ وجيه للقيام بغير ذلك، أرى أن نعمل معه. وأعتقد أن الأمر سيكون أسوأَ بكثير إن تركَنا الآن مما لو لم يكن قد انضمَّ إلينا على الإطلاق. الناس سيسألون عن سبب انسحابه من المشروع.»
«ربما لن ينسحب، حتى لو أردتَه أن يفعل هذا. إن لديه توقيعَك على الاتفاق الذي بينك وبينه، ولديك توقيعه عليه.»
«بالتأكيد.»
«أنا لا أعرف كيف يمكن أن نمضيَ قدمًا في الأمر بمفردنا.»
«لذا، أرى أن تلك الشكوك يجب أن تختفي؛ لأنك لا يُمكن أن تعمل مع شخص تشكُّ في أنه وغد.»
«أعتقد تمامًا في صحة هذا؛ لذا، لن أتحدث عن هذا الموضوع مرة أخرى. وفي تلك الأثناء، هل تقترح الانتظار حتى يعود؟»
«سأكتب إليه الليلة وأسأله عما ينتوي فعله. سوف أخبره، كما أخبرتُه من قبل، أن الوقت يُداهمنا، وأننا نريد معرفة ما يحدث.»
قال جون: «رائعٌ للغاية؛ أنا سأنتظر حتى تحصل على ردِّه على رسالتك. وفي تلك الأثناء، أرى أن لا شيء يمكن فعلُه سوى شَغْلِ هذا المكتب الفخم بأفضلِ صورةٍ ممكنة، وانتظار ما ستئول إليه الأمور.»
«هذا رأيي. أنا أرى أنه ليس من العدل أن نشكَّ في كون أحد الأشخاص وغدًا رغم أنه لم يفعل في واقع الأمر شيئًا يُشير إلى أنه كذلك.»
لم يردَّ جون على هذا.
وفي اليوم التالي، ذهب كينيون إلى المقر الجديد، وشرَع بهمَّة في تنفيذ مهمةِ الاعتياد عليه. في اليوم الأول، جاء إلى مقر الشركة القليلُ من الأشخاص واستفسروا عن المنجم، وأخذوا بعضَ المواد المطبوعة وسألوا بوجهٍ عام عدةَ أسئلة لم يستطِع كينيون الإجابةَ عنها. وفي اليوم التالي، جاء إلى المكتب عددٌ من رجال الصِّحافة — غالبيتهم من مندوبي الإعلانات — الذين أعطَوا لكينيون بطاقاتٍ أو نشراتٍ دعائية، توضِّح أن أيَّ مشروع تجاري لا يجري الترويج له في صحفهم من المؤكد أنه لن ينجح. وطلب شخصٌ يرتدي ملابسَ شديدةَ الأناقة، كانت ملامحُ وجهه تُشير إلى انتمائه إلى عائلةٍ مقتصِدة وحذرة وغنيَّة، من كينيون عقْدَ حوارٍ خاصٍّ معه. لقد قال إنه يعمل لصالح «فاينانشال فيلد»، الصحيفة اللندنية الشهيرة، التي يقرؤها كلُّ مستثمرٍ في حي السيتي وفي كل أنحاء البلاد. وكل ما أراده هو الحصول على بعض تفاصيل المنجم.
هل تأسسَت الشركة؟
لا، لم تُؤسَّس بعد.
متى تنوون طرْحَ أسهمها للاكتتاب العام؟
لم يستطِع كينيون الإجابةَ عن هذا.
ما الشيء الذي يُميز المنجم ويجعل المستثمرين يُقبلون عليه؟
رد كينيون بأن التفاصيل الكاملة سيجدها في الورقة المطبوعة التي أعطاها له، وبوافر الشكر، وضعَ الصحفي الورقة في جيبه.
كيف كان الوضعُ الماليُّ للمنجم في السنوات الماضية؟
لقد حقَّق أرباحًا قليلة.
على أيِّ سعر؟
لم يكن كينيون مستعدًّا للرد على هذا.
منذ متى بدأ العمل فيه؟
منذ عدة سنوات.
هل طُرِح من قبلُ للبيع في سوق لندن؟
لم يكن كينيون متأكدًا من الرد.
مَن في الوقتِ الحاليِّ مهتمٌّ بأمر المنجم؟
لم يهتمَّ السيد كينيون بالرد على هذا، وقال، فيما يتعلق بالدعاية للمشروع، إنه ليس مستعدًّا بعدُ للقيام بأي ترويج. رد ضيفه، الذي كتب تلك الملاحظات، إنَّ هدفه لم يكن الحصولَ على إعلان لصحيفته، ولكن الحصول على معلومات عن المنجم. ويمكن للناس القيامُ بالإعلان في صحيفته أو لا، بحسَب اختيارهم. إن الصحيفة كانت وسيلةَ إعلام معروفًا عنها أنها تستطيع الوصولَ إلى المستثمرين لدرجةِ أن الجميع يعلمون أن أعمالهم سيُروَّج لها فيها بطبيعة الحال؛ لذا فهم لا يُعينون مندوبي إعلاناتٍ ولا يسعَوْن للحصول على إعلانات.
قال الصحفي، بينما كان يستعدُّ للرحيل: «الاحتمال الأكبر أن مدير تحريرنا سيكتب مقالًا عن هذا المنجم، وحتى لا يكون هناك أيُّ عدم دقة، سأُحضره إليك لتقرأه، وسوف أكون ممتنًّا لو صححتَ أي أخطاء قد تَرِد به.»
رد كينيون، بينما كان مندوبُ صحيفة «فاينانشال فيلد» يرحل: «سيُسعدني فعلُ ذلك.»
كان رجال الصِّحافة من الصعب إلى حدٍّ كبير إرضاؤهم والتخلصُ منهم، لكن جون استقبَل زائرًا في عصر اليوم التالي كاد يجعل عقلَه يطير منه. نظر كينيون من مكتبه بينما كان الباب يُفتَح، ودُهش عندما رأى الوجه المبتسِم لإديث لونجوورث، وقد كانت وراءها السيدة العجوز التي كانت تستقلُّ العربة عندما ركب فيها واتجه إلى الغرب.
«أنت لم تتوقع رؤيتي هنا وسطَ المستثمرين الذين يحضرون لزيارتك، يا سيد كينيون، أليس كذلك؟»
مد كينيون يده ليُسلم عليها وقال:
«أنا مسرور جدًّا بالفعل لرؤيتكِ، سواءٌ جئتِ كمستثمرة أم لا.»
قالت وهي تتفحص المكان: «هذا إذن مكتبك الجديد، أليس كذلك؟ كيف ازدهرَت أحوالك؟ إن هذا المقر فخمٌ للغاية مثل مقرات شركات حي السيتي الأخرى.»
قال جون: «نعم، إنه فخمٌ للغاية بحيث لا يُلائمني.»
«أوه، أنا لا أرى سببًا لعدم امتلاكك لمقرٍّ فخم مثل أي شخص آخر. لقد ذهبتُ لمقر شركة أبي، بالطبع. لكنَّ مقرَّ شركته ليس فخمًا مثل هذا المكان.»
«أعتقد أن هذا يُساعد في توضيح سخافة مقرِّنا. إن مقر شركة أبيكِ قديم، وهذا يُعطي عنا انطباعًا بأننا مُحدَثو نعمة، ويجب أن أعترف أنني لا أُفضله، خاصة أننا لم نُصبح أغنياءَ بعد.»
«إذن، لماذا وافقت على استئجار هذا المقر؟ أعتقد أنك قد أُخذ رأيُك في هذا؟»
«بالكاد، يجب أن أعترف. لقد استُؤجِر بينما كنتُ في الشمال، وبعد استئجاره، بالطبع، لم أُرِد قول أي شيء ضده.»
«حسنًا، وكيف حال مشروع المنجم؟ أنت لم تتحدث إليَّ بعدُ بشأن عَرضِي، الذي أعتقد أنه جيد للغاية.»
رد كينيون: «أنا لم أحتَجْ إلى فعل هذا.»
«آه، إذن، لقد بدأ المستثمرون يتوافدون، أليس كذلك؟ أين القائمة الخاصة بهم؟»
«ليست هناك قائمةٌ بعد. إننا بانتظار ابن عمك، الذي سافر إلى الشمال.»
قالت إديث، وهي فاغرة العينين: «إلى الشمال!» ثم أردفت: «إنه ليس في الشمال؛ إنه في باريس، ونتوقع عودته الليلة.»
«أوه، بالفعل!» هكذا قال جون، دون أن يُعلِّق أكثر.
«والآن، أين قائمة المستثمرين الخاصة بكم؟ أوه، لقد قلتَ لي إنكم ليس لديكم واحدةٌ بعد. رائع جدًّا؛ تلك الورقة ستفي بالأمر.» رسمت الفتاة بعضَ الخطوط على الورقة، وعنونتها ﺑ «منجم الميكا الكندي». ثم كتبَت تحت العنوان اسم إديث لونجوورث وبعد ذلك كتبَت «بمبلغ عشَرة آلاف جنيه». وقالت: «انظر! أنا أولُ مساهمة في الشركة الجديدة؛ إن استطعتَ الحصول على الباقين بنفس هذه السهولة، فستكون محظوظًا للغاية.»
وقبل أن يتمكَّن جون من شكرها، التفتت على نحوٍ ضاحك إلى رفيقتها، وقالت:
«يجب أن نرحل.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الخامس والعشرون
عندما جاء ونتوورث إلى مقرِّ الشركة ليرى إن كان قد جدَّ جديد، أخبره كينيون بأن لونجوورث الشابَّ لم يُسافر إلى الشمال على الإطلاق، وأنه في باريس. فكَّر ونتوورث في هذه المعلومة للحظة، ثم قال:
«لقد بعثتُ رسالةً له، لكني لم أتلقَّ أيَّ رد. لقد ذهبتُ لتوي لمقابلة المحامين، وأخبرتُهم بأن الوقت يُداهمنا وبأننا يجب أن نفعل شيئًا. لقد اتفقوا تمامًا على أنه من الأفضل اتخاذُ بعض الإجراءات على الفور، لكنهم، بالطبع، وكما قالوا، كانوا فقط ينتظرون الأوامر. إنهم على استعدادٍ لفعل أي شيء نطلبه منهم. لكنهم نصحوا بضرورة الانتظار حتى عودة لونجوورث، ثم اقترحوا ضرورة عقد اجتماع في مقرِّ الشركة هنا. لقد قالوا أيضًا إن المسألة برُمَّتها ستنتهي في غضون أسبوع على الأكثر إن كان لدى لونجوورث خمسة أو ستة أشخاص يعزمون على الانضمام للمشروع. إنهم لم يَبدُ عليهم على الإطلاق القلقُ بشأن ضيق الوقت، لكنهم قالوا إن كل شيء يعتمد على المستثمرين الذين سيجلبهم لونجوورث. إن كانوا مناسبين، فلن تكون هناك أيُّ مشكلة. لذا، إجمالًا، نصَحوني بعدم القلق بشأن الأمر، وبضرورة التواصل مع لونجوورث، إن كان ذلك باستطاعتي، وحثِّه على العودة بأسرعِ وقتٍ ممكن. يجب أن أعترف أن هذا كان هو الشيءَ الوحيد الذي يجب فعله؛ لذا جئتُ إلى هنا لأرى إن كانت قد وصَلَتك أيُّ أخبارٍ عنه.»
قال كينيون: «لم تصلني أيُّ أخبار عنه، فيما عدا أنه قد كذب، وذهب إلى باريس بدلًا من الشمال.»
رد متأملًا: «حسنًا، أعتقد أن هذه ليست نقطةً مهمة للغاية. قد يكون في مهمةِ عمل في باريس، وربما ظن أنه ليس من شأن أحد معرفةُ أين ذهب، وهو أمر محقٌّ ومخطئٌ فيه بعض الشيء. لقد ظن، بلا شك، أنه إن قال إنه ذاهبٌ إلى الشمال، لرؤيةِ بعض الرجال الذين لا يُمكن رؤيتهم دون الذَّهاب إلى هناك، فإن ذلك سيُهدئنا، ويجعلنا نعتقد أن مشروعنا يسير على ما يُرام.»
«هذا بالضبط ما أعترض عليه، يا ونتوورث. إن سلوكه بالكامل يبدو أنه يُشير إلى أنه يريدنا أن نعتقد أن كلَّ شيء على ما يُرام، في حينِ أن الأمر ليس كذلك.»
«حسنًا، يا جون، كما قلت من قبل، عليك القيامُ بأحد الأمرين. عليك الوثوق بلونجوورث أو المضيِّ قدمًا بدونه. والآن، بحق السماء، قرِّر ماذا تريد، ولا تتذمَّر.»
«أنا لا أتذمر. الرجل الصادق بحقٍّ لن يكذب، حتى ولو كانت كذبة صغيرة.»
«أوه، أنت نَيِّقٌ بشدَّة. ابقَ في حي السيتي لمدة عشْر سنوات، ولن تُبالي بأمر بسيط كهذا.»
«الأمور البسيطة كهذه، كما تُسميها، تشير إلى أمرٍ عام.»
«أحيانًا يكون هذا هو الحال، وأحيانًا لا يكون كذلك. لا يجب أن تأخذ الأمور بجدِّية شديدة هكذا. أنا لا أرى أن أي شيء يمكن فعله حتى يُقرر لونجوورث الظهور. إن كان بإمكانك اقتراحُ أي شيء أفضل، كما قلت من قبل، فأخبرني به، وأنا على استعدادٍ للقيام بدوري فيه.»
«أعترف بأنني لا أعرف ما يُمكننا فعله. قد يكون علينا الانتظارُ ليوم أو اثنين آخَرين، ثم إن لم نسمع أي أخبار عن لونجوورث، فعلينا الاستغناء عن المحامين الذين اختارهم والاستعانةُ بآخرين يعملون لصالحنا.»
«الأشخاص الذين اختارهم لونجوورث ليسوا ذَوي شهرة كبيرة للغاية؛ ومع ذلك، يجب أن أعترف أنهم يتحدثون بطريقة أمينة للغاية. وكما قلت، ربما يكون من الأفضل أن نُبقي الأمورَ على ما هي عليه ليوم أو يومين.»
سرعان ما مرَّت هذه المهلة. وكتب ونتوورث مرة أخرى للونجوورث رسالةً في مكتبه، وقال إنهما سينتظران ليومَين آخرَين، وإن لم يظهر، قبل ذلك الوقت، فسيمضيان قدمًا في تأسيس الشركة، كما لو أنه لم ينضمَّ إليهما من الأساس.
لم يأتِ أيُّ رد على تلك الرسالة؛ ولذا بدأ كينيون وونتوورث مرة أخرى يناقشان الأمر في المقرِّ الفخم الذي اخْتِيرَ لهما.
قال كينيون: «أعتقد أنه لا توجد أيُّ أخبار بعد؟»
كان الرد: «لا شيء على الإطلاق.»
«رائع للغاية؛ لقد قررتُ ما يجب عليَّ فعلُه …»
وقبل أن يكون بإمكان كينيون قولُ ما قرَّر فعله، انفتح الباب ودخل عليهما السيد ويليام لونجوورث، بقبعته الحريرية اللامعة كالمرآة، ومظهره العامِّ الأنيق والفخم، ونظارته المثبتة في مكانها وعروة معطفه المعلَّق بها وردة.
وقال: «صباح الخير، يا رفاق.» ثم أردف: «ظننتُ أنني سأجدكما هنا؛ ولذا لم أذهب إلى مكتبك، يا ونتوورث.» ثم قال، وهو يتفحَّص المكان: «آه، هذه هي الخُطة الملائمة! هذا المقر يبدو حتى أفضل مما ظننتُ أنه سيكون عليه.» وأضاف، وهو يلتفت إلى شريكيه: «لقد وصلتُ لتوي هذا الصباح.»
قال ونتوورث: «في واقع الأمر، إننا سعيدان للغاية لرؤيتك. كيف كانت رحلتك لباريس؟»
لم يبدُ الشابُّ على الإطلاق مندهشًا من هذه الملاحظة. لقد رفع حاجبَيه فقط وهزَّ كتفيه وقال:
«آه، حسنًا، كما يعلم كِلاكما بلا شك، باريس لم تَعُد كما كانت. ومع ذلك، فقد قضيتُ وقتًا طيبًا للغاية هناك.»
قال ونتوورث: «أنا سعيدٌ لمعرفة هذا؛ وهل قابلتَ الرجال الذين توقعتَ مقابلتهم؟»
«يجب أن أُقِر بأنني لم أفعل. لم أظن أن هذا ضروري. لديَّ خمسة أو ستة أشخاص مهتمِّين بالفعل بالأمر، وقد تعهَّدوا فعليًّا بتقديم كل رأس المال اللازم.» وبعد أن قال هذا، استدار حول المكتب الذي كانوا يقفون عنده، وجلس، واضعًا ساقه اليمنى على ساقه اليسرى، وممسكًا ركبته بيديه.
«حسنًا، ما الذي تمَّ في غيابي؟ هل طُرِح المنجم للبيع بعد؟»
رد ونتوورث: «لا؛ لم يُطرَح المنجم للبيع بعد. والآن، سيد لونجوورث، قد حان وقتُ التحدُّث بصراحة. لقد سافرتَ لباريس دون أن تُعلِمَنا على نحوٍ مسبق في وقتٍ حرج للغاية، ولم تردَّ على أيٍّ من الرسائل التي بعثتُ بها إليك.»
«في الواقع، يا عزيزي، السبب هو أنني كنت أتوقع كلَّ يوم أن أعود إلى هنا، وكل يوم كنتُ أجد أن الأمر يحتاج إلى وقتٍ أطول.»
«رائعٌ للغاية؛ النقطة التي أود التأكُّدَ من إدراكك لها هي ما يلي: إن الوقت يُداهمنا. إن كنا سنُؤسس هذه الشركة، فعلينا أن نشرع في ذلك على الفور.»
قال لونجوورث، بنبرةِ عتاب: «زميلي العزيز، هذا بالضبط ما قلتُه لنفسي. إن الوقت يُداهمنا، كما تقول. وبالطبع، كما قلت عندما انضممتُ إليكما، أنا ليس بإمكاني تخصيصُ كلِّ وقتي لهذا. إننا شركاءُ متساوون، وحقيقة أنني كان عليَّ أن أسافر لبضعة أيام لا يجب أن تُؤثر على عمَلنا. ما الذي كان من المفترض أن تقوما به إن لم أكن شريكًا لكما؟»
رد ونتوورث ببعض الحدَّة: «إن لم تكن شريكًا لنا، لكُنَّا قد مضَينا قُدمًا في الأمر وأسَّسنا الشركة، وإلا لكنا سنفشل؛ لكن حقيقة أنك شريكٌ لنا هي فقط التي تعوقنا الآن عن فعل ذلك. نحن نشعر بأننا لا يحقُّ لنا فعلُ أي شيء حتى نحصل على موافقتك، أو حتى نعلم أنه لا يتعارض مع شيء قد قمتَ به بالفعل.»
«حسنًا، يا رجال، إن كنتما تنظران للأمر هكذا، فأنا على استعداد تامٍّ للانسحاب. أنا على استعداد لإرجاع الورقة التي أخذتُها منك، واستعادةِ الورقة التي أعطيتها لك. بالطبع، لا يمكننا العمل معًا إن كانت هناك أيُّ اتهامات متبادَلة. لقد فعلتُ كلَّ ما في وسعي؛ لقد فعلت كل ما وعدتُ بفعله؛ وحتى أكثر من ذلك؛ لكن إن ظننتُما للحظةٍ أن بإمكانكما المضيَّ قُدمًا في الأمر على نحوٍ أفضلَ بدوني، فأنا على استعداد في أي وقت للانسحاب.»
«ليس من السهل قولُ هذا، يا سيد لونجوورث، الآن بعد أن بقي على انتهاء مدة عقد خيار الشراء شهرٌ واحد فقط. يجب أن تتذكر أن وقتًا طويلًا قد ضاع، ولم يكن هذا خطَأَنا.»
«آه! هل تقصد أن تقول إنه قد ضاع بسبب خطئي أنا؟»
«أقصد أننا إن كنا بمفردنا في الأمر، لكان شيءٌ قد تم، بينما نحن الآن في نفس الوضع الذي انطلقنا منه. إننا في وضعٍ أسوأَ عما كان عليه الحال في البداية، ليس فقط لأننا قد أضَعْنا أموالنا وإنما أيضًا لأننا قد أصبحنا غارِقين في الدَّين.»
«حسنًا، سيد ونتوورث، أنا لم أعرض الانسحابَ حتى كِدتَ، في واقع الأمر، تطلبُ ذلك. أنا مستعدٌّ ومتحمس بشدة للمساعدة، لكن إن بقيتُ معكما، فيجب التأكد من عدم وجود مثلِ هذه الاتهامات المتبادَلة بيننا. يجب أن تفعلا كلَّ ما في وسعكما، ويجب أن أفعل كلَّ ما في وسعي.»
قال ونتوورث: «رائعٌ للغاية، إذن، تركُك لنا في هذا الوقت ليس محلَّ نقاشٍ على الإطلاق. والآن، هلا تعطيني أسماءَ الأشخاص الذين عرَضوا الانضمام إلينا؟»
«بالتأكيد.»
أخرج لونجوورث دفتر ملاحظات من جيب معطفه الداخلي، بينما التقط ونتوورث قلمًا من على المكتب وسحب ورقة باتجاهه.
«أولًا: السيد ميلفيل.»
«هل هذا هو ميلفيل الذي قابلتُه وتحدثتُ إليه بشأن تلك المادة؟»
«أنا بالتأكيد لا أعرف. إنه على رأس شركة سكرانتن للخزف.»
«هل أعربَ عن رغبته في الانضمام إلينا؟»
«نعم، يبدو أنه يعتقد أن المشروع جيد. لماذا تسأل؟»
«في واقع الأمر، فقط لأنني قد أخذتُ عينة من المادة إليه وكتب لي مديرُه أنها غيرُ ذاتِ قيمة. يبدو من الغريب جدًّا أن يرغب في الاستثمار في المنجم رغم أن مديره يعتقد أن تلك المادة لا قيمةَ لها.»
«أوه، إنه يرغب في الانضمام بصفته الشخصية. إنه ليس متأثرًا على الإطلاق بما يقوله المدير. المدير لا علاقة له بشئون ميلفيل الخاصَّة.»
«مع ذلك، يبدو هذا غريبًا للغاية لأنَّ كينيون عندما قابل المدير في الشمال، زعَمَ أنهم لا يستخدمون هذه المادة وقال إنها ليس لها أيُّ فائدة بالنسبة إليه.»
قال لونجوورث متأملًا: «هذا عجيبٌ للغاية.» ثم أضاف: «حسنًا، كل ما يُمكنني قوله هو أن ميلفيل أكد لي أنه يرغب في الاستثمار في هذا المنجم؛ لذا بحسَب اعتقادي، هو والمدير مختلفان بشأن قيمة المادة. يُمكنك كتابة اسم السيد ميلفيل بثقةٍ تامة. أنا أعرفه جيدًا، وأعرف أنه رجلُ أعمال دقيق. بالإضافة إلى ذلك، ستكون مَيزةً كبيرة أن ينضمَّ إلينا رجلٌ له صلة بصناعة الخزف.»
لم يكن هناك أيُّ جدل بشأن هذه النقطة؛ لذا لم يقل ونتوورث أيَّ شيء آخر. ثم ذكر لونجوورث أسماءَ خمسة أشخاص آخَرين، لكن لم يكن ونتوورث يعرفُ أيًّا منهم. ثم أغلق دفتر ملاحظاته ووضعه في جيبه.
سأل ونتوورث: «السؤالُ الذي يطرح نفسَه هو: هل حدَّد هؤلاء الرجالُ مدى مساهمتهم في الشركة؟»
«لا، لم يُحددوا. بالطبع، إن كل شيء سيعتمد على مدى انبهارهم بما يمكن أن نُخبِرَهم به. الشيء المهم هو إيجاد أشخاص راغبين حتى في الاستماع إليك. والباقي يعتمد على الحوافز التي تُقدِّمها.»
«هل تتوقع الحصولَ على مزيد من الأشخاص المهتمين بالأمر؟»
«أنا لا أعتقد أن هناك حاجةً إلى المزيد. إن أفضل شيءٍ علينا فعلُه الآن هو جمعُ هؤلاء الأشخاص معًا وإحضارُ محامينا إلى هنا. ثم يمكن لصديقنا كينيون، الذي هو متحدثٌ بارع، عرضُ المسألة عليهم.»
إن كينيون، الذي لم يتحدَّث على الإطلاق أثناء الحوار الدائر، حتى لم يرفع بصرَه باتجاه المتحدث، وعلى ما يبدو لم يسمع بالتلميح الساخرِ لبراعته في الحديث.
«رائع جدًّا؛ ومتى سيكون الوقت المناسب للدعوة إلى هذا الاجتماع؟»
رد لونجوورث: «بأسرعِ ما يمكن، على ما أعتقد.» ثم أضاف: «ما رأيك في يوم الإثنين، الساعة الثالثة؟ الناس ينتهون من تناول الغداء في تلك الساعة، ويكونون في حالةٍ مِزاجية جيدة. إن أرسلتَ رسالة مفادها أنَّ اجتماعًا سينعقدُ هنا في غرفة المديرين في الساعة الثالثة، تمامًا، يوم الإثنين، فسأزور هؤلاء الرجالَ وأجعلهم يأتون. إنهم بالطبع بوجهٍ عام منشغلون، وقد تكون لديهم مواعيدُ أخرى؛ مع ذلك، يجب أن نفعل شيئًا، ولا يمكن فعلُ شيء حتى نجمعهم معًا.»
«صحيح؛ دعوات الاجتماع ستُرسَل على الفور.»
قام لونجوورث من مكانه، وذهب إلى المكتب والتقط ورقة.
ثم قال: «ما هذا؟»
رفع كينيون بصره فجأة.
وقال، بتورُّد بسيط: «هذا هو أول مساهمٍ لدينا.»
«من كتب اسمَ الآنسة إديث لونجوورث هنا؟»
«السيدة الشابة نفسُها.»
«هل أتت إلى هنا؟»
«لقد جاءت إلى هنا، وأرادت أن تكون أولَ المساهمين.»
صاح لونجوورث، بعبوس: «هُراء! نحن لا نريد أن يكون لأيِّ امرأة علاقةٌ بهذا الأمر.» وبعد أن قال هذا، مزَّق الورقة نصفين.
أمسك كينيون بقبضة يده، وكان على وشك أن يقول شيئًا، عندما نزلت يد ونتوورث على كتفه بقوة.
وقال ونتوورث: «أنا لا أعتقد أننا سنرفض عشَرة آلاف جنيه من أي شخص يعرض دفعها، سواءٌ كان رجلًا أو امرأة. ربما من الأفضل أن نعرف ما إذا كان رجالُك سيُساهمون بمبلغ مساوٍ لهذا قبل أن نرفض مساهمةً حصلنا عليها بالفعل.»
«لكنها ليست لديها عشَرةُ آلاف جنيه.»
رد ونتوورث: «أعتقد أن أي شيء تقرن الآنسة لونجوورث اسمَها به تكون على استعدادٍ للالتزام به.» وبعد ذلك مباشرة، وضع الورقة المقطوعة نصفين في أحد الأدراج. وأضاف: «والآن، أعتقد أن هذا هو كل شيء؛ إننا سندعو للاجتماع يوم الإثنين، وننتظر ما سيُسفر عنه.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل السادس والعشرون
كان لويليام لونجوورث عينان تُقدِّران الجمال. إن إحدى عينيه كانت بوجه عامٍّ تُغطَّى بقرص مستدير من الزجاج، إلا عندما كان القرص يسقط من مكانه ويتدلَّى أمام صدريته. وسواءٌ أكانت النظارة الأحادية تساعد ويليام في النظر أم لا، فمن المؤكد أنه كان يعرف الفتاةَ الجميلة بمجرد أن يراها. إن إحدى الخادمات في منزل لونجوورث قد تركَت العمل به فجأة، دون أيِّ سبب أو استفزاز واضح، كما يُقال، وقد حلَّت محلَّها فتاةٌ كانت جميلةً للغاية لدرجة أن ويليام لونجوورث عندما وقع بصرُه عليها، سقطت نظارته الأحادية من مكانها المعتاد، وأخذ يُحملق فيها بكلتا عينَيه الطبيعيتين، دون أن يحتاج إلى أيِّ مساعدة من نظارته الطبية. ولقد حاول الحديثَ إليها في المرة أو المرتين اللتين الْتقاها فيهما بمفردها؛ لكنه لم يحصل على ردٍّ منها؛ ذلك لأنها كانت خجولةً ومحتشمة للغاية، وتعرف حجمها، كما يُقال. كل هذا زاد من قيمتها في نظر لونجوورث الشاب، وقد أُعجِب بشدةٍ بقدرات ابنة عمه لاختيارها تلك الفتاةَ لنفضِ الغبار عن الأثاث.
كان لدى ويليام غرفةٌ في المنزل كانت جزئيًّا غرفةَ جلوس وجزئيًّا غرفةَ مكتب، وهناك، كان يحتفظ بالكثير من الأوراق الخاصة به. وقد كان من المفترض أن ينظر في مسائل العمل في تلك الغرفة، وقد أعطاه هذا عذرًا جيدًا لذَهابه متأخرًا إلى المكتب في الصباح. لقد كان يقول لعمه إنه يظل مستيقظًا حتى ساعاتِ الصباح الأولى؛ على الرغم من أنه أحيانًا كان يُغيِّر العذر ويقول إنه مِن الأهدأ العمل في المنزل مقارنةً بالعمل في حي السيتي وإنه قد قضى الجزءَ المبكِّر من الصباح في قراءة المستندات.
إن أول مرة حصَل فيها ويليام على ردٍّ من الخادمة الجديدة كانت عندما عبَّر عن قلقه بشأن العناية بغرفته. لقد قال إن الخدمَ بوجهٍ عام مهمِلون للغاية، وإنه يأمُل أن تعتنيَ بكل شيء، وأن تحرص على ترتيب أوراقه على نحوٍ دقيق. ووعدَت الفتاة، دون أن تنظر إليه، بأن تفعل هذا، ووجد ويليام بعد ذلك أن غرفته منظَّمة بشدة، الأمر الذي كان سيُسعد أكثرَ الأشخاص تدقيقًا.
في صباح أحد الأيام، بينما كان يجلس أمامَ طاولته، يستمتعُ بسيجارة بعد تناول الإفطار، انفتح البابُ برفق، ودخلَت الخادمة الجديدة. وعندما رأته هناك، بدا الارتباكُ عليها وكانت على وشك الخروج عندما وقف فجأةً على قدميه، ملقيًا سيجارته بعيدًا.
ثم قال: «لا، لا تذهبي؛ كنت على وشك استدعائك.»
توقفت الفتاة ويدها على الباب.
وأضاف: «نعم، كنتُ على وشك استدعائك، لكنك وفَّرتِ عليَّ عناءَ ذلك؛ لكن، بالمناسبة، ما اسمك؟»
ردَّت الفتاة بخجل: «سوزي، يا سيدي.»
«آه حسنًا، يا سوزي، فقط أغلقي الباب للحظة.»
لقد فعلَت الفتاة هذا، لكن على ما يبدو ببعض الممانعة.
قال ويليام بتبختُر: «حسنًا، يا سوزي، أعتقد أنني لست أولَ شخص يُخبركِ بأنك جميلة للغاية.»
قالت سوزي، بتورُّد وهي تنظر إلى البِساط: «أوه، يا سيدي!»
وأضاف ويليام: «نعم، يا سوزي، وأنت تعتنين بشدةٍ بهذه الغرفة لدرجة أنني أريد أن أشكركِ على هذا.»
وهنا، أخذ يتحسَّس جيبَه للحظة، وأخرج منه نصف جنيه ذهبي.
«هذا، يا فتاتي، مقابل تعبك. احتفظي به لنفسك.»
قالت الفتاة، وهي تتراجع للوراء: «أوه، أنا لا يمكنني أخذُ أي مال، يا سيدي.» ثم أردفت: «أنا لا يمكنني ذلك، يا سيدي!»
قال ويليام: «هراء! أليس هذا كافيًا؟»
«أوه، إن هذا كثيرٌ جدًّا. إن الآنسة لونجوورث تدفع لي مقابلًا جيدًا نظيرَ ما أقوم به من عمل، وإن من واجبي الحفاظَ على ترتيب الأشياء.»
«نعم، يا سوزي، هذا صحيح جدًّا؛ لكن القليل جدًّا منا يقوم بواجبه، كما تعلمين، في هذا العالم.»
ردت الفتاة، بنبرةٍ تنمُّ عن توبيخٍ مهذَّب جعلَت الرجلَ الشاب يبتسم: «لكنْ حريٌّ بنا أن نفعل ذلك، يا سيدي.»
رد: «ربما، لكننا لسنا جميعًا على نفس قدرك من الجمال والصلاح. أنا حزين لأنك لن تأخذي المال. وأرجو ألا تتضايقي مني لعرضه عليكِ.» وعدل نظارته، وأخذ ينظر باهتمام شديدٍ إلى الفتاة التي كانت تقف أمامه.
قالت: «أوه، لا، يا سيدي، أنا لست متضايقة على الإطلاق، وأشكرك شكرًا جزيلًا، في واقع الأمر، يا سيدي، وأود أن أسالك سؤالًا، راجيةً ألا تعتقد أنني أتجاوزُ حدودي.»
رد ويليام: «تتجاوزين حدودك؟» ثم أردف: «أعتقد أنكِ أخجل فتاة رأيتها في حياتي. يُسعدني كثيرًا الإجابة عن أي سؤال قد تطرحينه عليَّ. ما سؤالك؟»
«دعني أوضِّحْ لك، يا سيدي، أنني أمتلكُ القليل من المال.»
«في الواقع، أعتقد، يا سوزي، أن هذا مثير جدًّا للاهتمام. لم أكن أعرف أنك وارثة.»
قالت سوزي، وهي تنحني له احترامًا انحناءةً بسيطة خجولة، ظن أنَّها رائعةٌ للغاية: «أوه، لستُ وارثة، يا سيدي … الأمر بعيد كل البعد عن هذا. إنه فقط مبلغٌ صغير يصل إلى أربعمائة أو خَمسمائة جنيه، يا سيدي.» ثم أردفت: «إن هذا المبلغ مودعٌ في البنك، ولا يُدِر أيَّ عائد، وأودُّ استثماره في شيء يُدِر عائدًا لي.»
«بالتأكيد، يا سوزي، وتلك رغبةٌ من جانبك تستحقين عليها الثناء الشديد. أعَنْ هذا كنتِ تودين سؤالي؟»
«نعم، إذا سمحت، يا سيدي. رأيتُ تلك الورقة على مكتبك، ورأيت أن أسألَك ما إذا كان وضعُ أموالي في تلك المناجم استثمارًا آمنًا بالنسبة إليَّ، يا سيدي. اعتقدت، عندما رأيت تلك الورقة هنا، أنَّ لك علاقةً بهذا الأمر.»
أطلق ويليام صافرة طويلة متشكِّكة، ثم قال:
«إذن، أنتِ كنتِ تطَّلعين على أوراقي، أليس كذلك، يا آنسة؟»
ردَّت الفتاة، ناظرةً إليه بفزع: «أوه لا، يا سيدي.» ثم أردفت: «أنا فقط رأيتُ اسم «منجم الميكا الكندي» على هذه الورقة التي كانت تقول إنه سيُدِر ربحًا قدرُه عشَرةٌ بالمائة، وظننت، إن كانت لك أيُّ علاقة بهذا الأمر، أن استثمارَ أموالي فيه سيكون آمنًا بشدة.»
رد ويليام: «أوه، هذا لا شكَّ فيه، لكنني لو كنتُ مكانك، يا عزيزتي، لم أكن لأضعَ أموالي في منجم الميكا.»
«أوه، إذن، أنت ليس لك أي علاقة بالمنجم، أليس كذلك، يا سيدي؟»
«بلى، يا سوزي، أنا لي علاقةٌ بالأمر. كما تعلمين، الحمقى يبنون البيوت، والحكماء يَسكنون فيها.»
قالت سوزي متأملة: «لقد سمعتُ هذا من قبل.»
قال الرجل الشاب، بابتسامةٍ جميلة: «في الواقع، هناك شخصان أحمقان يَبنيان المنزلَ الذي سنَدْعوه منجم الميكا الكندي، وأنا الشخص الحكيم، ألا ترَيْن ذلك، يا سوزي؟»
«أخشى أنني لا أفهم تمامًا، يا سيدي.»
ردَّ الشاب، وهو يضحك: «أنا لا أظن أن هناك الكثيرين الذين يُمكنهم فعلُ هذا؛ لكنني أعتقد أنني في غضون شهر سأمتلك منجمَ الميكا هذا، وحينها، يا عزيزتي، إن كنتِ لا تزالين تريدين الحصولَ على سهم أو اثنين فيه، فسيُسعدني بشدة إعطاؤك بضعةِ أسهم دون أن تدفعي أي أموال على الإطلاق.»
قالت سوزي باندهاش وسعادة: «أوه، هل ستفعل، يا سيدي؟ ومَن يملك المنجم الآن؟»
«أوه، رجلان؛ لن تعرفي اسمَيهما إن أخبرتُكِ بهما.»
«وهل سيبيعانه لك، يا سيدي؟»
ضحك ويليام بشدة، وقال:
«أوه لا! إنهما نفسيهما سيُباعان.»
«لكن كيف يمكن أن يحدث هذا إن كانا لا يملكان المنجم؟ كما ترى، أنا فقط فتاةٌ غبية جدًّا، ولا أفهم في أمور الأعمال. وهذا ما جعلني أسألك عن أموالي.»
«أنا لا أعتقد أنكِ تعرفين ما هو عقدُ خيار الشراء، أليس كذلك، يا سوزي؟»
«نعم، يا سيدي، لا أعرف؛ أنا لم أسمع به قطُّ.»
«حسنًا، هذان الشابان لديهما ما يُسمَّى بعقد خيار شراء على المنجم، وهذا يعني أن عليهما دفْعَ مبلغٍ معيَّن من المال في غضونِ وقتٍ معيَّن حتى يتَملَّكا المنجم؛ لكن إن لم يدفعا هذا المبلغ في غضون الوقت المحدد، فلن يتملكاه.»
«ألنْ يدفعا هذا المبلغ، يا سيدي؟»
«نعم، يا سوزي، إنهما لن يفعلا ذلك؛ لأنهما لم يحصلا عليه. ثم إن هذين الأحمقَين سيُباعان؛ لأنهما يعتقدان أنهما سيحصلان على المبلغ، ولكن هذا لن يحدث.»
«وأنت لديك المالُ اللازم لشراء المنجم عندما تنتهي مدة عقد خيار الشراء، يا سيدي.»
قال ويليام باندهاش: «يا إلهي! لديك عقلية جبارة تصلح لمجال الأعمال، يا سوزي؛ لم أرَ قطُّ أحدًا فهم هذا الأمرَ بتلك السرعة. سيكون عليكِ الحصولُ على بعض الدروس على يدي، ثم دخول السوق وتجرِبة نفسك.»
«أوه، أودُّ أن أفعل هذا، يا سيدي … أود ذلك بالفعل.»
رد ويليام بلطف: «حسنًا، كلما توفَّر لديك الوقت، تعالَي إليَّ، وسأُعطيكِ دروسًا.»
اقترب الشاب منها، وأمسك بيدها، لكن الفتاة انسلَّت منه وفتحت الباب.
قال لها هامسًا: «أعتقد أنَّ عليكِ أن تُعطيني قُبلةً بعد كل تلك المعلومات القيِّمة التي أعطيتها لكِ.»
صاحت سوزي، بفزع: «أوه، سيد ويليام.»
تقدَّم باتجاهها، وحاول الإمساك بها، لكن الفتاة كانت سريعة الحركة بشدةٍ مقارنةً به، وخرجَت بسرعةٍ إلى الممر.
قال ويليام متذمرًا: «هذا بالتأكيد هو الحصول على معلومات بالخداع؛ أنت تعلمين أنني أنتظر أجري.»
ردَّت الفتاة وهي تضحك بصوت خفيض: «وسوف تحصل عليه عندما أحصلُ على الأرباح التي تبلغ نسبةَ عشرةٍ بالمائة على أموالي المستثمَرة.»
قال لنفسه بينما كان يدخل غرفته ثانيةً: «يا إلهي! سأعمل لضمان حصولكِ عليها. إنها ماهرة مثل سمسار خارجي.»
عندما غادر لونجوورث الشابُّ المنزلَ متجهًا إلى مكتبه، كنست سوزي غرفتَه ثانيةً ونفضت الغبار عنها، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
وسألت أحد الخدم: «أين سيدة المنزل؟»
كان الرد: «في المكتبة.» لذا، ذهبَت سوزي إلى المكتبة، ودخلَت الغرفة دون أن تطرق الباب، مما أثار بشدةٍ دهشةَ إديث لونجوورث التي كانت تجلس بالقرب من النافذة وعلى حجرها أحد الكتب. لكن كان هناك المزيدُ من الاندهاش في انتظار سيدة المنزل. لقد أغلقت الخادمة الباب، ثم اختارت أحد الكراسي المريحة وألقت بنفسِها عليه ثم قالت متأوهة:
«أوه، يا إلهي! لقد مللتُ بشدة.»
قالت الآنسة لونجوورث: «سوزي، ما معنى هذا؟»
ردت سوزي: «هذا يعني، يا سيدتي، أنني سأُنهي هذا.»
قالت الآنسة لونجوورث، باندهاش: «ستفعلين ماذا؟»
«سأنهي هذا. ألا تفهمين؟ سأُنهي هذا الوضع. لقد مللت منه.»
قالت السيدة الشابة، وهي تقف: «رائع جدًّا؛ عليكِ أن تُخطِريني بذلك بالطريقة اللائقة. ولا يحقُّ لكِ الدخولُ إلى هذه الغرفة بتلك الطريقة الوقحة. هلا تتكرَّمين بالذَّهاب إلى غرفتكِ؟»
ردت سوزي: «يا إلهي! يُمكنكِ تصنُّعُ فعلِ الشيء المحترم! يجب أن أتمرَّن وأرى إن كان بإمكاني اتخاذُ موقفٍ مثل هذا. إن كنتِ أجملَ قليلًا، يا آنسة لونجوورث، لكان يجب أن أصفَ هذا بأنه مذهل.» ومالت الفتاة برأسها للخلف وضحكت.
أثارت الضحكةُ شيئًا في ذاكرة الآنسة لونجوورث، وانتابتها قُشَعريرة من الخوف؛ لكنها عندما نظرَت ثانيةً إلى الفتاة، وجدَت أنها مخطئة. أخذَت سوزي تقفز لأعلى، وهي لا تزال تضحك، وفكَّت دبوسًا من القبعة الصغيرة التي كانت ترتديها، ورمَته على الكرسي؛ ثم خلعت شعرها المستعار، وكشفَت عن شخصيتها الحقيقية لإديث لونجوورث.
قالت إديث المندهشة بصوت لاهث: «آنسة بروستر!» ثم أضافت: «ما الذي تفعلينَه في بيتي بهذا التنكُّر؟»
ردَّت جيني: «أوه، أنا خادمةٌ هاوية. ما رأيك في تمثيلي لهذا الدور؟ والآن، اجلسي، يا مَن تدَّعين الاحترام، وسأُخبرك بشيء بشأن أُسرتك. كنت أعتقد أنكم مجموعةٌ من الأوغاد، والآن، بإمكاني إثباتُ ذلك.»
صاحت إديث، في غضب: «هلا تتركين بيتي فورًا؟» ثم أردفَت: «لن أستمع إليكِ.»
ردت جيني: «أوه لا، ستفعلين؛ إذ إنني سأحذو حذْوَك، ولن أسمحَ لكِ بالخروج حتى تسمعي ما أود أن أخبركِ به.»
وبعد أن قالت الخادمة الهاوية هذا، جرَت برشاقة إلى الباب، وأسندت ظهرها إليه.
تَدخُّل امرأة |
الفصل السابع والعشرون
وقفت جيني بروستر وظهرُها للباب، وعلى وجهها ابتسامةٌ لطيفة.
«هذا يومُ التمثيل بالنسبة إليَّ، يا آنسة لونجوورث. لقد مثلتُ دور الخادمة على نحوٍ بارع للغاية، لدرجة أنني خدعتُ عدة أفراد في هذه الأسرة. أنا الآن أُقلدكِ في تمثيليتك الدرامية المثيرة: «ما حدث بالبحر». ألا تعتقدين أنني أؤدي هذا بإتقانٍ شديد؟»
ردت إديث، وهي تجلس مرةً أخرى: «بلى.» ثم أردفت: «أتساءل لماذا لم تتَّخذي من التمثيل مِهنةً لكِ.»
«لقد فكرتُ كثيرًا في فعل هذا، لكن مجال الصِّحافة مثيرٌ أكثر.»
«ربما. لكن به لحظات خيبةِ أمل. عندما مثَّلت تمثيليتي الدرامية، كما تُسمينها، على متن السفينة، لقد تم ترتيب أدواتي المسرحية لصالحي أكثرَ مما هو الوضع عليه الآن.»
«هل تقصدين منعي من ركوبِ القارب؟»
«لا؛ أقصد أن الزرَّ الكهربي كان تحت يدي؛ أي كان من المستحيل بالنسبة إليك الضغطُ عليه للحصول على مساعدة. والآن، بينما أنت تسدِّين الباب، فلا يمكنك منعي من دق الجرس؛ لأن حبل الجرس هنا بجواري.»
«نعم، هذا موطنُ ضعف، أُقِر بذلك. هل تنوين، إذَن، شد حبل الجرس، وجعلهم يطردونني؟»
«أنا لا أعتقد أن هذا سيكون ضروريًّا. أتصور أنك ستخرجين بهدوء.»
«إنك فتاةٌ ذكية جدًّا، يا آنسة لونجوورث. أتمنى لو كنتُ أحبك، لكنني لا أفعل؛ لذا لن نُضيع وقتنا الثمين في التأسُّف على هذه الحقيقة. أليس لديكِ أيُّ فضول لسماع ما كنتُ سأخبرك به؟»
«مطلقًا؛ لكنَّ هناك شيئًا واحدًا أودُّ معرفته.»
«أوه، هل هناك؟ حسنًا، هذا شيء بشري، على أية حال. ما الذي ترغبين في معرفته؟»
«لقد أتيتِ إلى هنا بعد تزكياتٍ كثيرة. كيف عرَفتِ أنني أريدُ خادمة، وهل كانت تزكياتك …»
توقفَت إديث عن الكلام لتُفكر في الكلمة، التي قالتها جيني على الفور.
«مزوَّرة؟ أوه، لا، يا عزيزتي! لا حاجة إلى القيام بأيِّ فعلٍ إجرامي في ذلك البلد، إن كان لديك مال. أنا لم أُزوِّرها؛ لقد اشتريتها. ألم تكتبي لأيٍّ من السيدات الصالحات اللائي من المفترض أنني عملت لديهن؟»
«بلى، وأثنَيْن عليكِ بشدة.»
«بالتأكيد. كان هذا جزءًا من الاتفاق. أوه، يُمكنك فعلُ أي شيء بالمال في لندن؛ إنها مدينة مثيرة بشدة للإعجاب. وفيما يتعلق بكيفية معرفتي بحاجتكِ إلى خادمة، فهذا أيضًا تم بسبب المال. لقد رشوتُ الخادمة السابقة لتُغادر المكان.»
«فهمت. وما الذي كنتِ تهدفين إليه من كل هذا؟»
ضحكَت جيني بروستر؛ نفس الضحكة الرقيقة التي أبهرت ويليام لونجوورث منذ ساعةٍ أو اثنتين؛ والتي كانت تُطارد مخيلةَ ونتوورث أحيانًا في حي السيتي. وتركت مكانها لدى الباب وألقَت بنفسها على كرسي.
ثم قالت: «آنسة لونجوورث، أنتِ لستِ ثابتةً على رأيٍ واحد. لقد تظاهرتِ في البداية بأنه ليس لديكِ أيُّ فضول لسماعِ ما أود قوله، ثم ها أنت تسأليني على وجه التحديد عما كنت أودُّ قولَه لك. بالطبع، أنت متلهفةٌ بشدةٍ لمعرفة سبب وجودي هنا؛ لن تكوني امرأةً إن لم تكوني كذلك. والآن، لقد غيَّرتُ رأيي، ولا أنوي إخبارك. ومع ذلك، سأقول لك إن هدفي من المجيء إلى هنا، كان، أولًا، أن أعرف بنفسي كيف تُعامَلُ الخادمات في ذلك البلد. كما تعرفين، كلُّ تعاطفي مع النساء العاملات، وليس مع نساء … في الواقع، مثلك، على سبيل المثال.»
«نعم، أعتقد أنك قلتِ هذا ذاتَ مرة قبل ذلك. وما رأيك في معاملتنا لخادماتنا؟»
«من خلال تجرِبتي، إنها رائعة جدًّا في حقيقة الأمر.»
«يُسعدني بشدةٍ سماعي لردك هذا. كنت أخشى ألا نحوز رضاءك. والآن، أين عليَّ أن أُرسل أجْرَك الشهري، يا آنسة بروستر؟»
أسندت جيني بروستر ظهرها إلى مسند كرسيِّها، وعيناها شبهُ مغلقتَين؛ وكان شعورٌ بالغضب باديًا فيهما ممَّا ذكَّر إديث بنظرةِ الكره التي كانت تُبديها تجاهَها على متن السفينة. واكتسى وجهُها الأبيض بلونٍ دافئ وكانت شفَتاها مغلقتَين تمامًا. ثم سادت لحظةٌ من الصمت، واختفى غضبُ جيني سريعًا كما تكوَّنَ سريعًا. ثم ضحكت، بنبرةٍ بدا فيها بعضُ التحفظ.
«يُمكنك قولُ أي شيء مسيء على نحوٍ أكثرَ هدوءًا ولطفًا من أي شخص قابلتُه من قبل؛ أنا أحسدك على هذا. عندما أقول شيئًا دنيئًا ووضيعًا، أفعل ذلك بغضب، ويكون في صوتي قدرٌ معيَّن من الحدة. ليس بإمكاني الخرخرةُ مثل القطَّة والخربشة في نفس الوقت … أتمنى لو كان بإمكاني فعلُ ذلك.»
«هل من المسيء أن أعرض عليكِ مقابلَ ما قمتِ به من عمل؟»
«نعم، إنه كذلك، وأنت كنت تعلمين أنه كذلك عندما قلتِ ذلك. أنت لا تفهمينني على الإطلاق.»
«هل من الضروريِّ أن أفعل؟»
ردت جيني بتأمُّل، مريحةً مرفقَها على ركبتها وذقنها على راحة يدها: «أنا لا أظن أنك تعتقدين ذلك.» ثم أردفت: «هنا تختلف رؤيتنا للأمور. أنا أحب معرفة كلِّ شيء. ويُهمني معرفةُ ما يعتقده الناس وما يتحدَّثون بشأنه، وعلى نحوٍ ما، لا يبدو أن هُويَّة الأشخاص تُهمني؛ فأنا مهتمةٌ بآراءِ رئيس خدَمِك السياسيةِ أكثرَ من تلك الخاصة باللورد فريدريك بنجهام. إنَّ كليهما من المحافظين، لكن اللورد فريدي يبدو متزعزعَ الرأي؛ إذ يُمكنك التأثيرُ عليه خلال خمسِ دقائق؛ لكنَّ رئيس الخدم ثابتٌ على آرائه كالصخرة. أنا معجبة حقًّا برئيس الخدم هذا. أرجو أن تنقلي له خبرَ رحيلي بلُطف؛ لأنه عرَض عليَّ الزواج، ولم يحصل على الرد بعد.»
قالت إديث، وهي تبتسم رغمًا عنها: «لا يزال هناك وقت. أتريدين أن أستدعيَه؟»
ردت جيني، متنهِّدةً بعمق: «رجاءً لا. أريد تجنب مثل هذا المشهد المؤلم؛ لأنه كان واثقًا بشدةٍ من نفسه، ولم يتصور أبدًا أن أرفضه. إن الأمر مثيرٌ للشفقة أيضًا لأن رئيس الخدم يُعَد بالنسبة إليَّ النموذجَ الذي ينبغي أن يكون عليه الشخصُ الأرستقراطي. إن نُبلَه مذهل على نحوٍ كبير؛ في حين أن اللورد فريدي شابٌّ عادي وبسيط ولطيف، بحيث لو أرسلتُه إلى الولايات المتحدة فأنا متأكدة أن لا أحدَ سيعتقد أنه لورد حقيقي. أما رئيس الخدم، فالأمر مختلفٌ معه تمامًا.»
«من المحزن جدًّا ألا تستطيعي الحصولَ على عرضٍ مماثل من اللورد فريدريك.»
ردَّت جيني، ناظرةً بعينين محملقتين إلى الفتاة الموجودة أمامها: «المحزن جدًّا! يرحمك الله! لقد تلقيتُ عرضًا بالزواج من اللورد فريدي قبل أسبوعين من رؤية رئيس الخدم. أعتقد أنك لا تُصدِّقين أيَّ كلمة مما أقوله. حسنًا، فلتسألي اللورد فريدي. سأُقدِّمكِ إليه، وأخبره بأنك لا تُصدِّقين أنه قد طلب مني أن أُصبح الليدي فريدي، إن كان هذا هو اللقَب. إنه حينها سيبدو مرتبكًا، لكنه لن يُنكر الأمر. كما تعلمين، عندما وجدتُ نفسي أنني سأمكث في إنجلترا لبعض الوقت، كتبتُ إلى مدير تحرير صحيفة «آرجوس» أطلب منه إعداد مجموعة من الرسائل التقديمية وإرسالها إليَّ، حيث إنني أريدُ على وجه الخصوص دراسةَ الطبقة الأرستقراطية. لذا، أرسلها إليَّ، وأؤكد لك أنني وجدتُ الدخول إلى غرفة خدَمِك أكثرَ صعوبة بكثير من الدخول إلى قصور النبلاء؛ هذا بالإضافة إلى أنَّ تكلفة الاختلاط بأفراد الطبقة العليا أقل.»
جلسَت إديث في صمت، ناظرةً باهتمامٍ مندهش إلى الفتاة، التي كانت تتكلم بسرعةٍ شديدة لدرجة أنه كانت هناك أحيانًا صعوبةٌ في متابعة ما قالته.
«لا، اللورد فريدي أقلُّ في تعاليه بكثيرٍ من رئيس الخدم، كما أن كلامه ليس مختارًا بعنايةٍ مثلَه؛ لكني أعتقد أن رئيس الخدم لديه خبرة أكبر؛ ففريدي صغيرُ السن للغاية. أنا محبطة بشدة من أفراد الطبقة الأرستقراطية. إنهم ليسوا متكبِّرين كما تصوَّرتُهم. لكن ما أدهشني في هذا البلد هي الطريقة التي تُفسِدون بها يا معشر النساء الرجالَ. إنكن تُحسِنَّ معاملتهم بشدة. إنكن تَقُمن بتدليلهم والمبالغة في التودُّد إليهم، ومن الطبيعي أن يُصبحوا مغرورين. إن هذا مثير للشفقة أيضًا؛ لأن أغلبهم أناسٌ لطفاء. إن الأمر سيَّان في أيِّ مكان ذهبتُ إليه؛ بما في ذلك غرفة الخدم. عجبًا، عندما تُقابلين زوجَين صغيرين في السنِّ، ينتميان إلى ما قد تُطلقين عليه «الطبقات الفقيرة»، يمشيان في الحديقة، يُطأطئ الرجلُ رأسه بينما يمشي مترهلًا، بينما تنظر الفتاة إليك بنظرةٍ متحدِّية، كما لو أنها تقول لك: «لقد حصلت عليه. فليُبارِكْه الرب! ما الذي لديكِ لتقوليه في ذلك؟» بينما يبدو أن الرجل خجلانُ من نفسِه، ومن الواضح أنه يشعر بأنه قد خُدِع. إن أيَّ رجل يجب أن يفهم أنك تُحسنين إليه عندما تُثنين عليه بكلمةٍ مهذَّبة. هذا هو الإطار الصحيح الذي يجب أن تُعاملي أيَّ رجل فيه، وحينها يُمكنك فعلُ أي شيء تريدينه معه. أنا بوجه عام أجعله يعرض عليَّ الزواج، حتى يُمكنَني إنهاءُ الأمر قبل أن يحدث أيُّ ضرر حقيقي، وحتى أُضفِيَ لمسةً نهائية فنِّية على الأمر. وبعد ذلك، يمكننا أن نُصبح صديقين رائعين، ونقضيَ معًا وقتًا طيبًا. تلك هي الطريقة التي استخدمتُها في التعامل مع اللورد فريدي. والآن، ها أنا ذا، أُثرثر كما لو أنني أحصل على مقابلٍ من أجل أن أتكلم وليس من أجل أن أكتب. لماذا تنظرين إليَّ هكذا؟ ألا تُصدقين ما أقوله لكِ؟»
«بلى، أنا أُصدق كلَّ ما تقولينه. ما لا يمكنني فهمه هو لماذا تدخلُ فتاةٌ بارعة مثلُك أحدَ المنازل و… حسنًا، تفعل ما فعَلتِه هنا.»
«لماذا لا يجب عليَّ أن أفعل هذا؟ أنا أسعى للحصول على معلومات دقيقة. وأنا أحصل عليها بطريقتي. إن كُتَّابكم هنا يتحدثون عن الطريقة التي يعيش بها الفقراء، وما إلى ذلك. إنهم يدخلون منازل الفقراء دون أيِّ خجل، ويكتبون انطباعاتهم عن المنازل الفقيرة جدًّا. لماذا إذن يجب أن يُحرَم الأغنياء من القيام باستقصاءٍ مماثل؟»
«إن هذا في كلتا الحالتين يُعَد من قبيل التجسُّس.»
«نعم؛ لكن الجاسوس ليس شخصًا سيئًا؛ على الأقل، لا يجب أن يكون كذلك. لقد رأيت نُصبًا تذكاريًّا في كنيسة وستمنستر لشخصٍ شُنِق لاتهامه بالتجسُّس. الجاسوس يجب أن يكون شجاعًا؛ فهو يجب أن يتَّسِم بالجُرأة والحذر وسَعةِ الحيلة. إنه في بعض الأحيان يفعل من أجل بلده أكثرَ مما تفعله كتيبةُ جيش بأكملها. أوه، هناك أناسٌ أسوأُ من الجواسيس في هذا العالم.»
«أعتقد أن هذا صحيح، لكن …»
«نعم، أعرف. من السهل على الأشخاص الذين لديهم وافرٌ من المال أن يَعِظوا فيما يتعلق بعيوب الآخرين. سأُخبرك بسر. إنني أكتب كتابًا، وإن تحقَّق له النجاح، فسأودِّع عالم الصِّحافة. أنا عن نفسي مِثلُك لا أحب عالمَ التجسُّس؛ أخشى أن إنجلترا تُفسدني، وإن جلستُ هنا لبضع سنوات، فقد ينحدرُ ذوقي كثيرًا بحيث أعتقد أن صُحفكم مثيرةٌ للاهتمام. بالمناسبة، هل رأيتِ السيد ونتوورث مؤخرًا؟»
ترددَت إديث للحظة، وفي النهاية قالت:
«نعم، لقد رأيتُه منذ يوم أو يومين.»
«هل كان على ما يُرام؟ أعتقد أنه حريٌّ بي أن أكتب له رسالةَ اعتذار عن كلِّ القلق الذي سبَّبتُه له على متن السفينة. قد لا تُصدقين هذا، لكنَّ ضميري أخذ يُؤنبني بعضَ الشيء بالفعل فيما يتعلق بهذا الأمر. أعتقد أن هذا هو السبب في أنني سامحتُكِ جزئيًّا على منعي من إرسال البرقية.»
اندهشَت إديث لونجوورث من نفسها لإعطاء الفتاة الشابة معلوماتٍ عن ونتوورث، لكنها كانت قد أعطَتها إياها، وغادرَت الخادمةُ الهاويةُ في هدوء، وهي تقول، على سبيل الوداع:
«لن أكتب شيئًا عن بيتك، في نهاية الأمر.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثامن والعشرون
في أحد الأيام، عندما دخل كينيون إلى المكتب، قال له السكرتير:
«لقد أتى الرجل الشابُّ هذا إلى هنا مرتين لرؤيتك. لقد قال إن الأمر مهمٌّ للغاية، يا سيدي.»
«مَن الرجل الشاب هذا؟»
«الرجل — ها هي بطاقته — الذي ينتمي لصحيفة «فاينانشال فيلد»، يا سيدي.»
«هل ترك أيَّ رسالة؟»
«نعم، يا سيدي؛ لقد قال إنه سيأتي إلى هنا ثانيةً في الساعة الثالثة.»
قال كينيون: «رائع للغاية.» وبدأ يُحضِّر خطابه للمساهمين المنتظَرين.
وفي الساعة الثالثة، حضر الصحفي الأنيق الهادئ المنتمي لصحيفة «فاينانشال فيلد».
وقال: «آه، سيد كينيون، أنا مسرورٌ للقائك. لقد أتيتُ إلى هنا مرتَين، لكن لم يُسعِدْني الحظُّ لإيجادك. هل يمكنني أن أتحدث إليك على انفرادٍ للحظات؟»
رد كينيون: «نعم.» ثم أردف: «هيا بنا إلى غرفة المديرين.» وذهب الاثنان إلى غرفة المديرين، وأغلق كينيون الباب وراءهما.
قال مندوبُ صحيفة «فاينانشال فيلد»: «والآن، لقد أحضرتُ لك مسوَّدة المقال الذي نريد نشره، والذي طلَب مني مالكُ الصحيفة أن أُرِيَك إياه، حتى يكون، إن كان هذا ممكنًا، خاليًا من الأخطاء. إننا نتطلَّع بشدةٍ في صحيفتنا لإخراج كلِّ شيء على نحوٍ صحيح.» وهنا، أعطى لجون قطعةَ ورق طويلةً بها عمودٌ من المادة المطبوعة.
كان عنوان المقال هو «الشركة الكندية المحدودة لمنجم الميكا». وتناول المقالُ حالَ المنجم، والدخل الذي كان يُدِره، والفرصَ المتاحة للمستثمرين للحصول على عائدٍ جيد على أموالهم من خلال شراء الأسهم. قرأ جون المقال بالكامل بعناية.
ثم قال: «هذا مقالٌ رائع للغاية، ولا يوجد به أي خطأ، بحسَب ما أرى.»
رد الشاب، وهو يَطْوي المسودة ويضعها في جيب المعطف الداخلي: «أنا سعيدٌ لرأيك هذا.» ثم أضاف: «والآن، وكما قلت من قبل، على الرغم من أنني لست مندوبَ إعلان لصحيفة «فاينانشال فيلد»، فقد أردتُ أن أراك بشأن عمل إعلان عن الشركة لصالح الصحيفة.»
«حسنًا، يجب أن تعلم أننا لم نعقد بعدُ اجتماعًا للمساهمين المنتظَرين، ومن ثَم لسنا في وضعٍ يسمح لنا بعمل أي إعلانات عن المنجم. أنا ليس لديَّ شكٌّ في أننا سنقوم بعمل إعلانات، وبالطبع، ستكون صحيفتك من أوائل الصحف التي سنضعُها في الاعتبار عند التفكير في ذلك.»
قال: «أوه، هذا ليس مُرضيًا لنا. لدينا نصف صفحة خالية لعدد يوم الإثنين، وهو أفضلُ مكان في الصحيفة، وقد كان مالكُ الصحيفة يظنُّ أنك سترغب في حجزِه.»
«كما قلتُ منذ لحظة، لسنا في وضعٍ يسمح لنا بحجزه. من السابق لأوانه الحديث عن الإعلان في ظل الوضع الحالي.»
«أعتقد أنه سيكون في صالحك أن تحجز نصف الصفحة. سيكون المقابل ثلاثمائة جنيه، وإلى جانب هذا المبلغ، نودُّ الحصول على بعض الأسهم في الشركة.»
«هل تقصد أن ندفع ثلاثَمائة جنيه من أجل إدراج إعلانٍ لمرة واحدة فقط؟»
«نعم.»
«ألا ترى أن هذا المقابل مبالَغٌ فيه بشدة؟ إن توزيع صحيفتك محدود نسبيًّا، ولا يُطلَب مثلُ هذا المقابل حتى في الصحف اليومية الكبيرة.»
«آه، سيدي العزيز، الصحف الكبيرة مختلفةٌ إلى حدٍّ كبير. صحيح أن لها توزيعًا كبيرًا، لكن توزيعها ليس من النوع الذي لدينا. لا توجد أيُّ صحيفة تُوزَّع على نحوٍ كبير بين المستثمرين مثل صحيفة «فاينانشال فيلد». إنها تُقرَأ من قِبَل نوعية الأشخاص الذين ترغب في الوصول إليهم، وأستطيع القول إنك لا يُمكنك، إلا من خلال صحيفتنا، الوصولُ إلى بعضٍ من أفضل الرجال في حي السيتي.»
«حسنًا، مع التسليم بكل هذا، وكما قلت قبل ذلك مرة أو مرتين، نحن لسنا بعدُ في وضعٍ يسمح لنا بعمل إعلان.»
«إذن، يُؤسفني بشدة أن أقول إننا لا يُمكننا، في يوم الإثنين، نشرُ المقال الذي أريتُك إياه.»
«رائع جدًّا؛ لا حيلة لي في هذا. أنتم لستم مجبرين على نشره إلا إذا كنتم ترغبون في ذلك. وأنا لستُ متأكدًا أيضًا من أن نشر المقال يوم الإثنين سيُفيدنا بأيِّ نحو. سيكون هذا سابقًا لأوانه، كما قلت. نحن لسنا مستعدِّين بعدُ للسعي وراء الإعلان حتى نعقد أول اجتماع لمساهمينا المنتظرين.»
«متى سيكون أولُ اجتماع للمساهمين؟»
«يوم الإثنين، في الساعة الثالثة.»
«رائعٌ للغاية، يمكننا وضع هذا الإعلان في عمودٍ آخر، وأنا متأكد من أنك ستجد أن عدد الحاضرين في اجتماعك سيزيد على نحوٍ كبير وملائمٍ جدًّا.»
«ربما؛ لكنني لن أفعل أي شيء إلا بعد الاجتماع.»
«أعتقد أنك ستستفيد الكثيرَ إن أخذت نصف الصفحة هذه.»
«أنا لا أشك في صحةِ ذلك على الإطلاق. أنا فقط أقول ما قلتُه للآخَرين، وهو أننا لسنا على استعدادٍ للتفكير في مسألة الإعلان.»
«أنا حزينٌ لعدم استطاعتنا التوصل إلى اتفاق، يا سيد كينيون … حزينٌ للغاية، في واقع الأمر.» وبعد أن قال هذا، أخرج مسودة أخرى من جيبه، وأعطاها لكينيون. ثم أضاف: «إن لم نستطِع الوصولَ إلى اتفاق، فالمدير مُصرٌّ على نشرِ هذا، بدلًا من المقال الذي أريتُك إياه. هلا تتكرَّم وتلقي نظرة عليه؛ لأننا نودُّ أن يكون صحيحًا قدْرَ الإمكان؟»
فتح كينيون عينَيه، وبسط الورقة. لم يتغيَّر العنوان، لكنه ما إن قرأ جملة أو اثنتين حتى اكتشف أن المقال يقول إن منجم الميكا كان يُعَد إحدى كُبرى عمليات الاحتيال التي يتعرض لها أهل المال الأبرياء المساكين في لندن!
قال جون، وهو ينظر إليه، بغضبٍ شديد: «هل تقصد القول إنني إن لم أَرْشُكم بدفع ثلاثمائة جنيه، إلى جانب إعطائكم عددًا غيرَ محدَّد من الأسهم، فستنشرون هذا التشهير؟»
قال الشاب بهدوء: «أنا لا أقول إن هذا تشهير؛ إذ إن هذا أمر تُقرره المحاكم. يُمكنك مقاضاتنا بتهمة التشهير، إن ظننتَ أننا عاملناك بطريقةٍ سيئة. أستطيع القول إن هذا قد جرَت محاولته عدة مرات، لكن دون تحقيق أيِّ نجاح ملحوظ.»
«لكن هل تقصد أن تقول إنكم تنوون نشر هذا المقال إن لم أدفع لكم الثلاثمائة جنيه؟»
«نعم؛ دعني أصُغْ بصراحة، هذا تمامًا ما أقصده.»
قام كينيون غاضبًا وفتح الباب بقوة.
«يجب أن أطلب منك ترك هذا المكان، وعليك تركُه في الحال. إن جئتَ إلى هنا مرة أخرى بينما أكون موجودًا، فسأستدعي أحد رجال الشرطة وأجعله يطردك!»
رد عليه الآخر بلباقة: «سيدي العزيز، إنها فقط مسألةٌ خاصة بالعمل. إن وجدتَ أنه من المستحيل التعاملُ معنا، فلا مشكلة في ذلك. إن كانت صحيفتنا لا تأثير لها، فلن نستطيع بأيِّ حال أن نضرَّك. هذا، بالطبع، متروك لك الحكم عليه بالكامل. وفي أيِّ وقت من الآن وحتى ليلة الأحد، إنْ قررتَ أن تتصرف على نحوٍ آخَر، فإنَّ برقيةً لمكتبنا ستُؤجل الأمور حتى تُتاح لنا الفرصةُ للوصول إلى اتفاق معك. وفي حالة عدم حدوث هذا، فسيُنشَر هذا المقال صباحَ يوم الإثنين. أتمنى لك يومًا سعيدًا جدًّا، يا سيدي.»
لم يقُل جون شيئًا، لكنه راقب زائره حتى وصل إلى الرصيف، ثم عاد لإعداد تقريره.
وفي صباح يوم الإثنين، بينما كان كينيون آتيًا بالقطار، لمحت عيناه ملصقًا جذابًا على واحدةٍ من اللوحات الإعلانية بالمحطة. كان عُنوانه «فاينانشال فيلد»، وكان مكتوبًا في السطر التالي، بأحرف سوداء سميكة، «عملية الاحتيال الخاصة بمنجم الميكا»، ونادى كينيون على بائع الصحف واشترى منه نسخةً من الصحيفة. وجد أمامه، بمسافةٍ رأسية كبيرة بين السطور، المقال. لقد بدا، على نحوٍ ما، أكثرَ أهمية بكثيرٍ في الصفحة المطبوعة مما بدا في المسودة.
وبينما أخذ يقرؤه، لاحظ فيه بعضَ الصدق الذي كان قد فاته أثناء النظرة السريعة التي ألقاها عليه يومَ الجمعة. لقد ذكر المقالُ أن شركة المناجم النمساوية قد خَسِرت قدرًا كبيرًا من المال في المنجم، وأنها لم تدفع قطُّ أيَّ أرباح؛ وأنها واصلَت فقط تحمُّلَ الخسارة على أمَل أن تستطيعَ الاحتيال على بعض المستثمرين الواثقين فيها؛ لكن حتى تلك المخطَّطات لم تكن لتُقارَن بالفعل الشديدِ الحقارةِ الذي يسعى جون كينيون للقيام به. لقد توقف لالتقاطِ أنفاسه عندما رأى اسمه في الصحيفة. كانت هذه صدمةً لم يكن مستعدًّا لها؛ لأنه لم يُلاحظ اسمه في المسودة. ثم تابع القراءة. بدا أن هذا الرجل، كينيون، قد حصل على حقِّ شراء المنجم بمبلغٍ يصل لنحو عشرة آلاف جنيه، وكان يُحاول أن يُقنع البريطانيِّين العاثِري الحظ بشرائه بزيادة هائلة في الثمن بحيث يصل إلى مائتي ألف جنيه؛ لكن تلك المحاولة البشعة ستُحبَط بلا شك ما دامت هناك صحفٌ نزيهة مثل «فاينانشال فيلد» يُمكنها تحمُّلُ مُخاطرة وتكلفة كشفٍ، كالذي هو مذكورٌ هنا.
كان المقال يتضمَّن تركيزًا شديدًا على كينيون. لقد أخذ كينيون يقرؤه ويُعيد قراءته في ذهول، كما لو كان يتحدث عن شخصٍ آخر، ولم يستطِع منع نفسه من الحزن على هذا الشخص.
كان لا يزال يحمل الصحيفة في يده بينما كان يسير في الشارع، وكان يشعر بالخَدر والدُّوار كما لو أن شخصًا قد ضربه على رأسه. كان على وشك أن يُصدَم أثناء عبوره لأحد الشوارع، وسمع سيلًا من السباب موجَّهًا إليه من سائق إحدى عربات الأجرة ورَجُلٍ في إحدى الحافلات؛ لكنه لم يُعِرهما انتباهًا، وأخذ يسير وسط الحشود وكأنه واقعٌ تحت تأثير سحر.
تجاوَز بابَ مقرِّ عمله الفخم لدى وصوله إليه، وسار بعض المسافة للأمام في نفس الشارع قبل أن يُدرك ما فعله. ثم عاد أدراجَه مرة أخرى، وعند عتبة الباب تمامًا، توقف وهو يشعر بوخز في صدره.
وقال لنفسه: «ماذا لو قرأَت إديث لونجوورث هذا المقال؟»
تَدخُّل امرأة |
الفصل التاسع والعشرون
عندما دخل جون كينيون مكتبه، ظن أن السكرتير كان ينظر إليه بارتياب. وتصوَّر أن الموظف المسكين كان يقرأ المقال المنشور في صحيفة «فاينانشال فيلد»؛ لكن الحقيقة هي أن جون لم يكن على الإطلاق في حالةٍ مِزاجية تسمح له بتكوين رأيٍ صحيح عما كان يفعله الآخرون. لقد بدا له أنَّ كل الأشخاص الذين قابلهم في الشارع كانوا يُناقشون ذلك المقال المنشور في الصحيفة.
سأل إن كان أيُّ شخص قد جاء إلى المكتب هذا الصباح، وقيل له إنه لم يأتِ أيُّ زائرين. ثم دخل إلى غرفة المديرين، وأغلق البابَ خلفه، وجلس على كرسيٍّ، وأسند رأسه على يدَيه مع وضع مرفقيه على الطاولة. وعلى هذا الوضع، وجده ونتوورث في وقتٍ لاحق، وعندما رفع جون بصره إليه، كان وجهه منهكًا وعجوزًا.
«آه، إذن لقد قرأتَه.»
«نعم.»
«هل تظن أن لونجوورث يقفُ وراء هذا المقال؟»
هزَّ جون رأسه تعبيرًا عن الرفض.
وقال: «أوه لا؛ إنه ليس له أيُّ علاقة على الإطلاق به.»
«كيف عرَفت هذا؟»
حكى كينيون بالضبط ما حدث بينه وبين الشاب المتملِّق المنتمي لصحيفة «فاينانشال فيلد» في نفس هذه الغرفة. وبينما كان السرد جاريًا، أخذ ونتوورث يسير جيئة وذهابًا، ويُعبِّر عن رأيه من آنٍ لآخر، في ملاحظاتٍ قصيرة وبليغة، لكن ليس من اللائق ذِكرُها. وعندما انتهى سرد القصة، التفت إلى كينيون.
وقال: «حسنًا، ليس أمامنا سوى مقاضاةِ الصحيفة بتهمة التشهير.»
«ما جدوى هذا؟»
«ما جدوى هذا؟! هل تقصد أن تقول إنك تنوي الجلوسَ هنا وأنت متهَم بذلك الاتهامِ الذي وجَّهوه إليك، ولا تفعل شيئًا؟ ما جدوى ذلك؟ إن هذا سيكون له جدوى كبيرةٌ جدًّا.»
«لا يُمكننا تأسيسُ شركتنا ومقاضاةُ الصحيفة في نفس الوقت. يجب أن تُوجَّه كلُّ طاقاتنا للأمر الذي نعمل عليه.»
«لكن، يا عزيزي جون، ألا ترى تأثيرَ هذا المقال؟ كيف يمكننا تأسيس الشركة إن لم يَجْرِ إثباتُ عدم صحة مثل هذه الكذبة؟ لن يهتمَّ أحدٌ بعروضنا. وسيقول الجميع: «ماذا فعلتم في المقال الذي ظهَر في صحيفة «فاينانشال فيلد»؟» إن قلنا إننا لم نفعل شيئًا، فسيكون الاستنتاج الطبيعي، بالطبع، هو أننا محتالان، وأن مشروعنا نوعٌ من الغش.»
قال جون: «طالما ظننتُ أن المبلغ المطلوب عالٍ جدًّا.»
«في الواقع، أعتقد أنك ترى أن المقال لم يكن ظالمًا جدًّا، في نهاية الأمر. جون، أنا مندهشٌ منك!»
«لكننا إن رفعنا قضيةَ تشهير، فلا يمكن أن تنتهيَ قبل أن تنتهي مدة عقدِ الخيار الخاص بنا. وإذا قلنا للناس إننا قد رفعنا قضيةً ضد صحيفة «فاينانشال فيلد» بتهمة التشهير، فسيقولون إنهم يُفضِّلون الانتظارَ ومعرفةَ ما ستئول إليه القضية. وبحلول ذلك الوقت، ستتلاشى تمامًا فُرَصُنا في تأسيس الشركة.»
«هناك جانبٌ من الصواب فيما تقول؛ ومع ذلك، أنا لا أعرف كيف سيكون علينا المضيُّ قُدمًا في تأسيس شركتنا إن لم نكن قد بدأنا على الأقل في رفع قضية التشهير.»
قبل أن يكون بإمكان جون الرد، كان هناك طَرقٌ على الباب، ودخل السكرتير بخطابٍ في يده كان قد وصل لتوه. فتحه كينيون، وقرأه ثم ألقاه عبر الطاولة إلى ونتوورث. رأى ونتوورث اسم شركة المحامين الخاصة بهم بأعلى ورقة الخطاب. ثم قرأ: سيدي العزيز لقد اطلعتَ بلا شكٍّ على المقال المنشور في عدد هذا الصباح من صحيفة «فاينانشال فيلد»، والمتعلق ﺑ «الشركة الكندية المحدودة لمنجم الميكا». نودُّ معرفة الإجراء الذي تنوي اتخاذَه في هذا الأمر. نودُّ إعلامك بأننا، حفاظًا على سُمعتنا، لا يمكننا بعدَ الآن تمثيلُ شركتك إلا إذا جرَت مقاضاةُ الصحيفة التي نشرَت المقال. مع خالص الاحترام دبليو هوك
ضحك ونتوورث ببعض المرارة.
ثم قال: «حسنًا، إن وصل الأمرُ لدرجة أن هوك يخشى على سُمعته، فكلما أسرعنا في مقاضاة الصحيفة بتهمة التشهير، كان ذلك أفضل!»
قال جون، والضيقُ يبدو على وجهِه: «ربما، لكن عليك أن تُخبرني من أين سنأتي بالمال. في اللحظة التي سندخل فيها ساحاتِ القضاء، سينسلُّ المال ببساطةٍ هاربًا كالماء، ولا شكَّ أن «فاينانشال فيلد» لديها الكثيرُ منه. إن هذا سيَزيد من شعبيتها، وسيتشدَّقون بأنهم يُحاربون المعركة بالنيابة عن المستثمرين في لندن. إن كل شيء سيكون في صالحهم. وفي غضونِ ذلك، سيكون علينا إنفاقُ الكثير من المال، وإلا سنُصبح في مأزقٍ كبير، وربما سيكون ناتجُ كلِّ هذا اختلافَ هيئة المحلَّفين ودمارَنا الفعلي. كما تعرف، أنا ليس لديَّ شهودٌ على الأمر.»
«نعم، لكن ماذا عن المنجم؟ كيف يُمكننا المضيُّ قُدمًا دون تبرئة ساحتنا؟»
قبل أن يُمكن قولُ أيِّ شيء آخر، دخل لونجوورث الشاب، وقد بدا غيرَ مبالٍ وهادئًا ورابطَ الجأش كما لو أن العالم ليس به تلك الأشياء التي تُسمَّى بالصحف المالية.
كانت أولى كلماته: «أرى أنكما تُناقشان الأمر.»
رد ونتوورث: «نعم؛ أنا مسرورٌ للغاية لمجيئك. هناك اختلافٌ بسيط في الرأي في مسألة هذا المقال. كينيون يُعارض فكرة مقاضاةِ تلك الصحيفة بتهمة التشهير؛ وأنا أؤيدها. ما رأيك؟»
رد لونجوورث: «صديقي العزيز، أنا سعيدٌ لأنني أنا والسيد كينيون اتفقنا على شيءٍ ولو لمرةٍ واحدة. نُقاضيهم! بالطبع لا. هذا بالضبط ما يُريدونه.»
قال ونتوورث: «لكن، إن لم نفعل، فمَن سيهتمُّ بأمر منجمنا؟»
«نفس الأشخاص الذين كانوا سيهتمُّون بشأنه قبل ظهور المقال.»
«ألا تظن أنَّ هذا سيكون له أيُّ تأثير؟»
«على الإطلاق.»
«لكن انظر إلى هذا الخطاب المرسَل من محاميك بشأن هذا الأمر.» أعطى ونتوورث لونجوورث الخطابَ المرسل من هوك. عدل لونجوورث من وضع نظارته وقرأه بالكامل بعناية.
قال ضاحكًا: «يا إلهي! هذا جيدٌ بالقدر الكافي! هذا جيد جدًّا. لم أكن أدري أنَّ هوك العجوز ظريفٌ لهذا الحد! سُمعته بالطبع؛ حسنًا، هذا ما لا أفهمه! كل ما يريده هوك هو رفعُ قضية أخرى. أرجو أن تجعلني أحتفظُ بهذا الخطاب. سأحظى ببعض المرح مع صديقي هوك بشأنه.»
قال ونتوورث: «أرى أنه لا مانعَ في احتفاظك بالخطاب؛ لكن هل تقصد أن تقول، يا سيد لونجوورث، أن علينا أن نجلس هنا بهدوءٍ ونحن نتعرَّض لهذا الاتهام ولا نفعل شيئًا؟»
«أنا لا أقصد قولَ أيِّ شيء من هذا؛ لكنني لا أرى أن نفعل تمامًا ما يُريدونه بمقاضاتهم؛ على الأقل، ما كنت سأفعل هذا لو كنتُ مكانَ كينيون.»
«كيف كنتَ ستتصرف إذن؟»
«سأجعلهم يُقاضونني إن أرادوا. بالطبع، مندوب الإعلان الخاص بهم أتى لرؤيتك، أليس كذلك، يا كينيون؟»
«بلى، لقد فعل.»
«لقد أخبرك بأن قدْرًا معينًا من المساحة متاحٌ للبيع بمقابل نقدي معيَّن، أليس كذلك؟»
«بلى.»
«وأن هذا المقال سيظهر، إن لم تشترِ تلك المساحة؛ في حين أنك لو فعلتَ، فسيظهر مقالٌ فحواه مختلفٌ تمامًا؟»
قال كينيون بارتياب: «يبدو أنك تعرف كل شيء عن الأمر.»
«بالطبع، أعرف، يا صديقي العزيز! الجميع يعرف كل شيء عن هذا الأمر. هذه هي الطريقة التي تَكسِب بها تلك الصحفُ المال. أعتقد، بوجهٍ عام، أنه مِن الأرخص أن نَرشوَهم. أظن أن عمي دائمًا ما يفعل هذا عندما يكون منشغلًا بشيءٍ ما، ولا يريد أن يُشتِّت انتباهَه في أمورٍ خارجية. لكننا لم نفعل هذا في هذه الحالة، وهذه هي النتيجة. هذا مع العلم أن هذا يمكن بسهولة إصلاحُه، إن رغبت. كلُّ ما عليك فعله هو أن تدفع له المبلغَ الذي يريده، وسينشر مقالًا بنفس الطول يقول فيه إنه، بعد حصوله على معلوماتٍ خارجية تتعلق ﺑ «الشركة الكندية المحدودة لمنجم الميكا»، يتأسف بشدة على عدم صحة ما جاء في المقال السابق، وإنه لا يوجد استثمارٌ أكثرُ أمانًا في إنجلترا من هذا المنجم بالتحديد. لكن الآن، وبعد أن خرج على الناس بمقاله، أعتقد أن أيَّ تعامل معه لن يكونَ ذا جدوى. إن أي شيء يُمكنه قوله الآن لن يكون مُهمًّا. لقد تسبَّب في كلِّ الضرر الذي يمكنه إحداثُه. لكنني سأعكس الوضع على الفور. سأكتب تفاصيلَ كلِّ ما حدث بالضبط؛ سأحدِّد اسمَ الشابِّ الذي زارك، وأذكر المقابل الذي طلبه من أجل سكوته، وسأنشر هذا في صحيفةٍ منافسةٍ غدًا. وحينها، سيكون على صديقنا — صحيفة «فاينانشال فيلد» — الدفاعُ عن نفسه. سيقول بالطبع إن كل هذا كذب، لكن لن يُصدِّقه أحد، وسنقول له، من خلال الصحيفة المنافسة، إنه إن كان هذا كذبًا، فله مطلقُ الحرية في أن يُقاضِيَنا بتهمة التشهير. ودَعْه يرفع القضية إن أراد هذا. ودعه يُدافع عن سُمعته. وقاضِه بتهمة التشهير! وأنا أعرف خُطةً أفضلَ من هذه. هل يمكنك إعدادُ بيان بملابسات الأمر قبل الاجتماع الذي سيُعقَد عصر هذا اليوم؟»
قال كينيون، الذي كان ينظر، لأول مرة في حياته، بامتنانٍ للونجوورث، إنه بإمكانه ذلك.
«رائع جدًّا؛ ما عليك إلا صياغتُه بكلماتك بأوضحِ طريقة ممكنة، وحدِّد التاريخ والساعة وكافة التفاصيل. وأمهرِ البيانَ باسمك، وسآخذُه عندما آتي لحضور الاجتماع في عصر هذا اليوم. لن يكون من الخطأ قراءتُه على هؤلاء الذين سيحضرون إلى هنا. لا شيء أفضل من محاربة الشيطان بنفسِ سلاحه. علينا محاربة الصحيفة بصحيفةٍ أخرى. أعتقد أنه ليس هناك شيءٌ جديد، أليس كذلك؟»
رد كينيون: «نعم، لا يوجد شيء جديد فيما عدا الأمر الذي نُناقشه.»
«حسنًا، لا تجعل هذا الأمر يُزعجك. افعل كما قلت، وسنُطلِق جدلًا مثيرًا للاهتمام. إن الناس يُحبُّون المعارك، وهذا سيجذب الانتباه للمنجم. وداعًا. سأراك في عصر هذا اليوم.»
ترك لونجوورث كلًّا من كينيون وونتوورث في حالٍ أسعدَ مما وجدهما عليها.
قال ونتوورث: «لقد قلتُ، يا كينيون، إن هذا الشابَّ شخصٌ يُعتمَد عليه. نصيحته قد أنهَت القلق على نحوٍ رائع. أعتقد أن خطته هي الأفضل، بعد كل شيء، وكما قلت، نحن ليس لدينا أيُّ مال من أجل مُلاحقةٍ قضائية مكلِّفة. سأتركك الآن كي تنتهيَ من عملك، وسأعود في الساعة الثالثة.»
في تلك الساعة، كان جون قد أنهى بيانه. وكان أول من وصل هو لونجوورث، الذي قرأ المقالَ باستحسان، مقترحًا فقط بعضَ التغييرات الطفيفة هنا وهناك، وقد أُدخِلَت في حينها. ثم وضَع البيان في ظرف، وأرسله إلى مدير تحرير الصحيفة المنافسة. ثم جاء بعد ذلك ونتوورث، ثم ميلفيل ثم السيد كينج. وبعد ذلك، توجَّه الجميعُ إلى غرفة المديرين، وفي غضون بضعِ دقائق، كان الآخَرون موجودين.
قال لونجوورث: «والآن، بما أننا جميعًا هنا، فلا أرى أي ضرورة للتأجيل. لقد قرأتُم على الأرجح المقال الذي ظهرَ هذا الصباح في صحيفة «فاينانشال فيلد». لقد كتب السيد كينيون بيانًا بهذا الشأن، يذكر كافةَ التفاصيل المتعلقة بما يجري داخلَ مؤسسةٍ سيِّئة السمعة جدًّا. لقد كانت فقط محاولةً للابتزاز وقد تعرَّضَت للفشل. أردتُ أن يُقرَأ عليكم البيان، لكننا ظننَّا أنه من الأفضل أن نتجاهل فعلَ ذلك بأسرعِ ما يمكن، وهو سيظهر غدًا في صحيفة «فاينانشال إيجل»، حيث آمُل أن تقرَءوه جميعًا. والآن، سيد كينيون، ربما ستُخبرنا بشيء عن المنجم.»
لقد كان كينيون، مثلَ الكثير من الرجال من ذَوي الشأن ولكن ليس من ذوي الكلمة، متحدثًا سيئًا للغاية. لقد بدا مرتبكًا، وكثيرًا ما بدا غامضًا قليلًا في ملاحظاته، لكن الحاضرين استمعوا له بانتباهٍ شديد. وكان يُساعده من حينٍ لآخرَ سؤالٌ حكيم من قِبَل لونجوورث الشاب، وعندما جلس، لم يكن الانطباعُ سيئًا للغاية كما كان يُتوقَّع. وبعد صمتٍ للحظة، تحدَّث السيد كينج.
وقال: «أرى أن كلَّ ما نرغب في معرفته هو الآتي: هل المنجم بالفعل كما عُرِض؟ وهل المادة الموجودة به هي الأفضل فيما يتعلق بالاستخدام الذي أشار إليه السيد كينيون؟ وهل هناك قدْرٌ كافٍ من تلك المادة في الجبل الذي تحدَّث عنه بحيث يجعل من المجدي تأسيسَ هذه الشركة؟ يبدو لي أنه يمكن فقط الإجابةُ عن كل هذا من قِبَل رجلٍ خبير يذهب إلى هناك ويفحص المنجم بنفسه. أعتقد أن السيد ميلفيل رجلٌ خبير. إن كان لديه وقتٌ خالٍ، أقترح أن يذهب إلى أمريكا ويرى المنجم ويكتب تقريرًا عنه.»
سأل شخصٌ آخرُ عن موعد انتهاء عقد الخيار الخاص بالمنجم. وردَّ على هذا لونجوورث، الذي قال إن الشخص الذي سيذهب لفحصِ المنجم وكتابة تقرير عنه يُمكنه إرسالُ برقية مكتوب فيها كلمة «صحيح» أو «خاطئ»؛ ثم سيكون هناك وقتٌ للتحرك في لندن لوضع قائمة المساهمين.
قال آخر: «أعتقد أنه في حالة التأخير لن تكون هناك أيُّ مشكلة في تجديد عقد الخيار لمدة شهر أو اثنين، أليس كذلك؟»
رد كينيون على هذا بأنه لا يعرف. قد يطلب المالكون سعرًا أعلى للمنجم، أو ربما يُنتِج المنجم ميكا أكبرَ من ذي قبل، وقد لا يكونون حينئذٍ ميَّالين إلى بيعه. لقد اعتقد أنه يجب تنظيم الأمور بحيث لا تكون هناك أيُّ حاجة إلى طلب مدِّ مدة عقد الخيار، وقد وافقَ الكلُّ على هذا.
ثم قال ميلفيل إنه ليس لديه أيُّ اعتراض على السفر إلى كندا. كانت تتبقَّى فقط مسألةُ كمية المادة المتوقَّعة، وظن أن بإمكانه تحديدَ هذا على نحوٍ جيد مثل الجميع. وكانوا على وشك الاتفاق على هذا الأمر، عندما وقف لونجوورث، وقال إنه على استعدادٍ تام للذَّهاب إلى كندا، بصحبة السيد ميلفيل؛ وإنه سيدفع كل نفقاته، وسيعطيهم رأيه بالتفصيل أيضًا. قُوبل هذا بالتصفيق، وانتهى الاجتماع. وصافح لونجوورث كلًّا من كينيون وونتوورث.
وقال: «سنُبحر على متن أول سفينة، وحيث إنني قد لا ألتقيك ثانيةً، فعليك أن تكتبَ لي خطابًا تقديميًّا للسيد فون برينت، تُخبره فيه بأنني أنوب عنك في هذه المسألة. هذا سيُسهل الأمورَ فيما يتعلق بمدِّ أجَلِ عقد الخيار، إن أصبح هذا ضروريًّا.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثلاثون
كان كينيون في طريقه لتناول الغداء في اليوم التالي، عندما قابل ونتوورث عند الباب.
سأل الأخير: «هل أنت ذاهبٌ لتناول الغداء؟»
«نعم.»
«رائع جدًّا؛ سأذهب معك. لم أستطِع البقاءَ ليلة أمس للحديث إليك عن الاجتماع؛ لكن ما رأيك فيه؟»
«في الواقع، بالنظر إلى المقال الذي نُشر في الصباح وبالنظر أيضًا إلى محاولتي السخيفة لتوضيحِ مزايا المنجم، أعتقد أن الأمور سارت على نحوٍ سلسٍ إلى حدٍّ كبير.»
«وهذا ما أعتقده أيضًا. ألم يُدهشك أنها سارت على نحوٍ سلس جدًّا؟»
«ماذا تقصد؟»
«أنا لا أعرف على وجه التحديد ماذا أقصد. أردتُ فقط أن أعرف رأيك فيه. كما تعرف، لقد حضرتُ العديد من الاجتماعات من هذا النوع، وأدهشني عدمُ وجود اختلاف كبير بين المشاركين في الاجتماع. أنا لا أستطيع تحديدَ ما إذا كنتُ قد سعدت بهذا أم لا، لكنني لاحظتُه.»
«ما زلتُ لا أفهم ماذا تقصد.»
«حسنًا، بوجهٍ عام في مثل هذه الاجتماعات، عندما يقوم شخصٌ ويقترح القيامَ بشيء ما، تكون هناك بعضُ المعارضة، أو يكون لدى شخصٍ آخرَ اقتراحٌ أو شيء يرى أنه أفضل — أو يظن ذلك — بحيث يكون هناك قدرٌ كبير من الكلام. لكن، عندما قام كينج وعرَض بهدوء أن يذهب ميلفيل لأمريكا، بدا لي إلى حدٍّ كبير أن هذا فعلٌ غريب، ما لم يكن قد أخذ مسبقًا رأي ميلفيل.»
«ربما يكون قد فعَل هذا.»
«نعم، ربما. ما رأيك في الاجتماع ككلٍّ؟»
أخذ كينيون يُفكر بتأمُّل للحظة قبل أن يرد قائلًا:
«كما قلتُ من قبل، أظن أن الأمور سارت على نحوٍ سلس جدًّا. مَن الذي تشك فيه؛ لونجوورث الشاب؟»
«أنا لا أعرف فيمن أشك. أنا فقط قلِقٌ من قِصَر مدة الاجتماع. أعتقد أنه حريٌّ بك الذَّهاب إلى أمريكا. لا يوجد ما يمكن فعله هنا. يجب أن تذهب، وترى فون برينت وتحصل على تجديدٍ لعقد الخيار. ألا ترى أنه عندما يذهبان إلى هناك ويقضيان بضعة أيام في نيويورك، ويومًا أو اثنين كي يصلا إلى المنجم، لن يكون أمامنا سوى أكثرَ من أسبوعٍ بقليل، بعد أن تأتيَ البرقية، كي نفعل أي شيء، إن تصادف وكان محتواها سلبيًّا؟»
«بلى، أرى ذلك. ومع ذلك، إنها مسألةُ حقائقَ تلك التي عليهما الإخبارُ عنها، وأنت تعلم، كما أعلم، أن الرجل الصادق لا يمكنه الكذبُ فيما هو مؤكَّد. لقد حمَّلْنا الأمورَ أكثرَ مما تحتمل.»
«أعلم ذلك. أنا على وعي تامٍّ بهذا. كل شيء سيسير على ما يُرام، لو … لو … كان لونجوورث يتعامل بأمانةٍ معنا. وإن لم يكن كذلك، فنحن في مشكلةٍ كبيرة، وسأشعر براحةٍ أكبرَ لو حصلنا على عقد خيار على المنجم لثلاثة أشهر أخرى. إن مدة سريان هذا العقد على وشك الانتهاء، ويبدو لي، كحمايةٍ لوضعنا، أنه حريٌّ بنا أن نكتب إلى فون برينت … بالمناسبة، هل كتبتَ إليه قبل ذلك؟»
«لقد كتبتُ رسالة واحدة أخبره فيها بأننا نُحقِّق تقدُّمًا، لكنني لم أتلقَّ ردًّا؛ ربما هو غيرُ موجود في أوتاوا في الوقت الحاضر.»
«حسنًا، أعتقد أنه حريٌّ بك الذَّهاب إلى المنجم مع لونجوورث وميلفيل. إن اجتماعَ هذين الشخصين معًا هو ما يجعلني أشك. أنا لا يمكنني تحديدُ ما أشك فيه. ولا أستطيع تحديد شيء معين؛ لكن يتملَّكُني إحساسٌ غامض بعدم الراحة عندما أرى أن الرجل الذي حاول تضليلَنا فيما يتعلق بقيمة المادة يذهب مع الرجل الذي جعلنا نتكلَّف كلَّ هذه التكلفة. لقد رفض لونجوورث في البداية الانضمامَ للمشروع، وتظاهر بأنه قد نسي كلَّ شيء عنه، ثم فجأةً عبَّر عن اهتمامه به.»
عقَّد جون حاجبيه ولم يقُل شيئًا.
«أنا لا أريد أن أُقلقك بشأن الأمر، لكنني متلهِّفٌ لسماع رأيك الصريح. ما أفضلُ شيء يُمكننا فعلُه؟»
رد جون، بعد لحظة صمت: «يبدو لي أنه ليس بإمكاننا فعلُ شيء. إنه موقف معقَّد جدًّا. ومع ذلك، أعتقد أن علينا التفكيرَ جيدًا في الأمر لبضعةِ أيام، ثم يُمكنني الذَّهاب إلى أمريكا، إن كان هذا ضروريًّا؛ فلا يزال أمامنا الوقتُ الكافي لذلك.»
«رائع جدًّا، دَعْنا نفترض أننا سنُمهِلُهما عشَرة أيام للوصول إلى المنجم وإرسالِ الرد. إن لم يأتِ ردٌّ بحلول اليوم الحادي عشر، فسيكون لدينا ١٨ أو ١٩ يومًا حتى تنتهيَ مدةُ عقد الخيار. دعنا نجعَلْها ١٢ يومًا. أعتقد أن عليك الذَّهاب إلى هناك إن لم نسمع منهما شيئًا بحلول ذلك الوقت.»
رد جون: «هذا مناسب؛ دعنا نستقرَّ على هذا.»
«بالمناسبة، لقد حصلتَ على دعوة اليوم، أليس كذلك؟»
«بلى.»
«هل ستذهب؟»
«لا أعرف. أنا أودُّ الذَّهاب، ولكن، كما تعرف، أنا غيرُ معتاد تمامًا على الحفلات الراقية. أنا لا أعرف ماذا أقول أو أفعل عندما أكون هناك.»
«كما أفهم، إنها لن تكون حفلةً راقية، ولكن مجرد حفلة صغيرة غير رسمية تُقيمها الآنسة لونجوورث؛ لأن ابن عمها على وشك الإبحارِ إلى كندا. أنا لا أُريد أن أجاملك، يا جون، على الإطلاق، لكنني أتصوَّر أن الآنسة لونجوورث ستحزنُ بشدة إن لم تذهب. هذا إلى جانب أننا شريكان للونجوورث في هذا المشروع وأنه سيُسافر بسبب المنجم. أعتقد أنه ستكون من الفظاظة بعضَ الشيء ألا نذهب.»
«رائعٌ جدًّا، سأذهب. هل سآتي إليك، أم ستأتي أنت إليَّ؟»
«سآتي إليك ونذهب إلى هناك معًا في عربةِ أجرة. كُنْ جاهزًا للذَّهاب بحلول الساعة الثامنة تقريبًا.»
كان قصر آل لونجوورث مُضاءً على نحوٍ مبهر، وشعر جون بهيبة شديدة عندما وصل إلى السُّلم المؤدي للداخل. الاحتمال الأكبر أنه ما كانت ستكون لديه الشجاعةُ الكافية التي تسمح له بالدخول إن لم يكن صديقه ونتوورث معه. لكن جورج لم تكن لديه مثلُ هذه الهواجس، نظرًا إلى أن لديه خبرةً أكبر من رفيقه فيما يتعلق بهذا النوع من التجمُّعات. لذا، دخَلا معًا، وقد حيَّتهما بحرارة المضيِّفةُ الشابة.
وقالت: «إنه لمن اللُّطف منكما للغاية أن تأتيا رغم دعوتكما للحفلة قبلها بوقتٍ قصير جدًّا. كنتُ أخشى أن يكون لديكما ارتباطٌ مسبق، وأن تجدا أنه من المستحيل أن تكونا معنا.»
رد ونتوورث: «لا يجب أن تعتقدي هذا بشأني.» ثم أردف: «أنا كنتُ سآتي لا محالة؛ لكن يجب أن أُقِرَّ بأن صديقي كينيون كان صعبًا بعضَ الشيء في التعامل معه. يبدو أنه لا يحب التجمُّعات الاجتماعية، وبالفعل كان لديه من عدم الاهتمام ما جعله يقترح أن علينا أن نتحجَّج بأن لدينا ارتباطًا أكثرَ أهمية.»
نظرت إديث بعتابٍ إلى كينيون، الذي تورَّدَ خجلًا، كما كانت عادتُه، وقال:
«هذا ليس مُلائمًا يا ونتوورث. يجب ألا تُبالي بما يقول، آنسة لونجوورث؛ إنه يحبُّ أن يُصيبني بالارتباك، ويعرف كيف يفعل هذا. أنا بالتأكيد لم أقل شيئًا يتعلق بوجودِ ارتباطٍ مسبق.»
«حسنًا، بما أنكما معنا هنا، فأتمنى أن تستمتعا بوقتِكما. إنها حفلة صغيرة غيرُ رسمية على الإطلاق، ولا يوجد بها ما يُمكن أن يُحرج حتى السيد كينيون.»
وجدا لونجوورث الشاب بصحبة ميلفيل، الذي من المفترض أن يُرافقه في رحلته. صافحَهما، لكن دون أن يُبدِيَ سعادته بلقائهما، كما فعلَت ابنة عمه.
وقال الشاب: «يبدو أن ابنة عمي مصرَّة على جعلِ سفر ابن عمها المُسرِف مناسبةً للاحتفال. أنا بالتأكيد لا أعلم السبب وراء ذلك، إلا إذا كانت سعيدةٌ للتخلُّص مني لمدة شهر.»
ضحكت إديث على هذا، وتركت الرجال معًا. استطاع ونتوورث بسرعة أن يجعلَ الفتيات الحاضرات ينجذبن إليه؛ لكن جون، في واقع الأمر، شعَر بالإحراج وأحسَّ بأنه في المكان الخاطئ. ولم يكن يستمتع بوقته. لقد وجد نفسَه من حينٍ لآخَر يُتابع إديث لونجوورث بعينَيه، وعندما أدرك أنه يفعل هذا، كان ينظر على الفور إلى الأرض. لقد بدَت إديث في ثوبها المسائي البهيِّ رائعةً للغاية، وقد أقرَّ جون كينيون بهذا بينه وبين نفسه متنهدًا؛ لأن جمالها الشديد بدا أنه كان يُبعدها عنه أكثرَ فأكثر. عزَف أحدُ الأشخاص مقطوعة على البيانو، وكان هذا، على نحوٍ ما، بمنزلة استراحة بالنسبة إلى جون. لقد شعر بأن لا أحد ينظر إليه. ثم بدأ شابٌّ يُلقي شعرًا، وهو ما لاقى استحسانًا شديدًا، وبدأ كينيون ينسى شعوره بعدم الراحة. وجلس رجل ألماني ذو شعر طويل على البيانو وقد بدا على سلوكه الكثيرُ من الأبهة. كان هناك الكثيرُ من الإعداد الموسيقي، وفي النهاية، عندما أصبح كلُّ شيء كما يريد، كان هناك طَرقٌ هائل على أصابع البيانو، وكان بدايةَ ما بدا أنه سيكون وقتًا صعبًا على البيانو. وفي وسط هذه العاصفة الصوتية، أدرك جون كينيون أن إديث لونجوورث تجلس بجواره.
قالت له هامسةً: «لقد تأكدتُ من عدم وجود أحدٍ بمفرده، ويبدو أنك الوحيد، إن جازَ القول، المنبوذ؛ لذا، كما ترى، شرَّفتُك بالمجيء إليك والحديث معك.»
قال جون بجدية: «إنه بالفعل لشرفٌ.»
ردت الفتاة، وهي تضحك برقة شديدة: «أوه، فعلًا، يجب ألا تأخذَ الأمور بجدِّية هكذا. أنا لم أقصد على الإطلاق ما قلتُ؛ كنت فقط، كما يقول الأطفال، أتصنَّع هذا، لكنك تأخذ الملاحظاتِ البسيطةَ كما لو أنها عباراتٌ مهمة للغاية. والآن، يجب أن تبدوَ كما لو أنك تُسليني بشدة، في حين أنني قد جلستُ بجوارك لأتحدثَ إليك لبضعِ دقائق عن شئون العمل؛ أعلم أنه شيء سيِّئ جدًّا التحدثُ عن شئون العمل في حفلة مسائية، لكن، كما تعرف، ليست لديَّ فرصة أخرى للتحدث إليك. أعلم أنك قد عقدتَ اجتماعًا للمساهمين، لكنك لم تُرسل لي على الإطلاق دعوةً لحضوره. لقد أخبرتُكَ بأنني أرغب في مساعدتك في تأسيس الشركة؛ لكن هذه هي الطريقة التي تعاملون بها دائمًا — أنتم رجال الأعمال — النساءَ.»
«في الواقع، يا آنسة لونجوورث.» هكذا بدأ كينيون كلامه، لكنها سرعان ما قاطعته.
«لن أدعَك تُقدم أيَّ تفسير. لقد جئت إلى هنا لأستمتعَ بتوبيخك، ولن أتنازلَ عن هذه المتعة.»
قال جون: «أعتقد أنكِ إن علمتِ كم عانيتُ خلال اليوم أو اليومين السابقين، فستكونين رحيمةً جدًّا بي. هل قرأتِ ذلك المقالَ الذي كُتب عني في صحيفة «فاينانشال فيلد»؟»
«لا، لم أفعل، لكنني قرأتُ ردَّك عليه هذا الصباح، وأعتقد أنه كان رائعًا.»
«أوه، هذا ليس عدلًا. على المرء أن يتعرف على موقف طرَفَي أيِّ مشكلة قبل أن يُصدِر حكمه.»
ردت إديث: «إن فكرة أيِّ امرأة عن العدل تتمثل في التعرف على موقف صديقها وإصدار حُكمها دون أن تستمع للطرَف الآخر. لكنك يجب ألا تعتقد أنني سأتخلى عن توبيخي إياك بسبب تعاطفي معك. ألا تتذكر أنك قد وعدتَ بأن تجعلني أطَّلع على مدى تقدُّمِ الأمور في شركتك من آنٍ لآخَر، وها أنا ذا لم أسمع منك كلمة قط؛ والآن، أخبرني كيف تسير الأمور معكم.»
«أنا لا أعرف على الإطلاق، لكنني أعتقد أننا في واقع الأمر نسير على نحوٍ جيد جدًّا. أنت تعلمين بالطبع أن ابن عمك سيذهب لأمريكا ليكتب تقريرًا عن المنجم. وحيث إنني لم أذكر شيئًا عن المنجم إلا وكان صحيحًا تمامًا، فلا يمكن أن يكون هناك أيُّ شك فيما سيحتويه هذا التقرير؛ لذا، يبدو لي أن كل شيء يسير على نحوٍ جيد.»
«لماذا لم تذهب إلى أمريكا؟»
«آه، حسنًا، أنا صاحبُ مصلحة، وهؤلاء الذين يُفكرون في الانضمام إلينا لديهم تقريري بالفعل. من الضروري التأكدُ من صحة ما جاء بتقريري. وعندما يحدث ذلك، فأنا أتوقع أننا لن نُواجه أي مشكلة في تأسيس الشركة.»
«وهل اخْتِيرَ ويليام من قِبَل هؤلاء الرجال للذهاب إلى كندا؟»
«إنه لم يُختَر؛ بل تطوَّع لفعل ذلك. إن السيد ميلفيل الموجود هنا هو الشخص الذي اختِيرَ لأداء هذه المهمة.»
«ولماذا السيد ميلفيل وليس أنت، على سبيل المثال؟»
«حسنًا، كما قلت، اختياري غيرُ وارد على الإطلاق لأنني صاحبُ مصلحة. ميلفيل رجل له صلةٌ بصناعة الخزف؛ ولذا فهو، إلى حدٍّ ما، خبير.»
«هل السيد ميلفيل صديق لك؟»
«لا، إنه ليس كذلك. أنا لم أرَه من قبلُ حتى أتى إلى الاجتماع.»
قالت، وقد خفَضَت صوتها ومالت ناحيته: «هل تعرف أنني لا يُعجبني وجهُ ميلفيل؟» نظر كينيون إلى ميلفيل، الذي كان في الجانب الآخر من الغرفة، واستمرت إديث في حديثها قائلة: «يجب ألا تنظر إلى الناس عندما أذكرهم بتلك الطريقة، وإلا سيعرفون أننا نتحدثُ عنهم. أنا لا يُعجبني وجهه. إنه رجل وسيم للغاية، وأنا لا أحب الرجل الوسيم.»
رد جون: «هل أنتِ كذلك، فعلًا؟ إذن، حريٌّ بكِ أن …»
ضحكَت إديث برقة، وكانت ضحكةً خفيضة موسيقية لم تُسمَع بسبب الضجة الناتجة عن البيانو، وكانت موجَّهةً لجون فقط، وبالنسبة إلى أذنيه، كانت أعذبَ موسيقى سمعها في حياته.
ثم قالت: «أنا أعرف ما كنتَ ستقوله؛ لقد كنت ستقول إنه حريٌّ بي في هذه الحالة أن أُعجَب بك. أنا كذلك بالفعل؛ وهذا ما جعلني أهتمُّ بمنجمك وبصديقك السيد ونتوورث. وهذا ما جعل ابنَ عمي يتطوَّع للذَّهاب إلى كندا. والآن، أعتقد أن عليك الذهابَ إلى هناك بنفسك.»
«لماذا؟» هكذا كان رد كينيون، وقد اندهش من تناولها للنقطة التي ناقشها هو وونتوورث.
«يمكنني فقط إعطاؤك السبب الذي تُعطيه النساء، وهو: «لأنني أرى هذا». يبدو لي أنه حريٌّ بك أن تذهب إلى هناك لتعرف ماذا سيكون رأيُهما في الوقت الذي يصلان فيه إليه. ربما لا يكون بإمكانهما فهمُ المنجم بدون شرحك له، وحينها، قد يصل إليك رأيٌ سلبي بحسن نية تامة. أعتقد أنك لا بد أن تذهب إلى أمريكا، يا سيد كينيون.»
«هذا بالضبط ما قاله جورج ونتوورث.»
«هل فعل؟ طالما اعتقدتُ أنه شابٌّ حكيم جدًّا، والآن، تأكَّدَ لي هذا. حسنًا، يجب ألا أجلس هنا أُدردش معك في شئون العمل. أرى أن البروفيسور على وشك الانتهاء؛ ولذا سيكون عليَّ أن أعتنيَ بضيوفي الآخرين. إن لم أرَك ثانيةً هذا المساء، أو لم تُتَح لي فرصةُ الحديث معك، ففكِّر جيدًا فيما قلتُه لك.»
وبعد وهلة، وبنفاقٍ طريف للغاية، شكرت الفتاة البروفيسور على الموسيقى التي لم تستمع إليها على الإطلاق.
قال ونتوورث عندما خرَجا من المكان ثانية: «حسنًا، هل أمضيتَ وقتًا طيبًا؟»
كانت ليلةً صافية تُضيئها النجوم، وقد قررا المشي إلى المنزل معًا.
رد كينيون: «لقد أمضيتُ وقتًا طيبًا جدًّا في واقع الأمر، أكثرَ مما كنتُ أتوقع. لقد كان الأمر محرجًا قليلًا لي في البداية، لكنني تغلَّبتُ على ذلك.»
«لاحظتُ أنك فعلتَ هذا … ببعض المساعدة.»
«نعم، «ببعض المساعدة».»
«إن كنتَ ميالًا لأن تتحدث بافتتان، يا جون، بما أننا الآن نمشي تحت النجوم، فتذكَّر أنني صديقٌ صَدوق ومستمعٌ متعاطف. أودُّ سَماعك وأنت تتحدَّث بافتتان، فقط لأعرف كيف يتصرفُ الرجل الحكيم بشدة في مثل هذه الظروف.»
«أنا لن أتحدثَ بافتتانٍ عن أي شيء، يا جورج، لكنني سأخبرك بشيءٍ ما. إنني سأذهب إلى كندا.»
«آه، هل تحدثَت إليك بهذا الشأن؟»
«لقد فعلَت.»
«وبالطبع، نصيحتها على الفور حسَمَت الأمر، بعد أن فَشِلَت حُججي المقنِعةُ في ذلك؟»
«لا تغضب، يا جورج، لكنها بالفعل قد فعلَت ذلك.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الرابع
بالكاد يمكن القول إن إديث لونجوورث نموذجٌ للفتاة الإنجليزية. صحيحٌ أنها قد تعلَّمت مثلَ أيِّ فتاة إنجليزية، لكن ليس على تنشئتها المعتادة. لقد فقدَت أمَّها في مرحلة مبكِّرة من حياتها، وهو ما أحدثَ فارقًا كبيرًا في تربيتها، بغضِّ النظر عن مدى ثَراء والدها، الذي كان ثريًّا، دون أدنى شك. إذا سألت أيَّ رجل لندنيٍّ عن مكانة جون لونجوورث، فستعرف أن «المنزل» سُمعتُه طيبة. يقول الناس إنه محظوظ، لكن جون لونجوورث العجوزَ يؤكِّد أنه لا يوجد شيءٌ اسمه الحظُّ في مجال الأعمال، وهو قولٌ غير صحيح على الأرجح. إن لديه استثماراتٍ كبيرةً في كل أنحاء الكرة الأرضية تقريبًا. وعندما يدخل أيَّ مجال، فإنه يدخله بقوة. يتحدث الناسُ عن عدم استحسان وضع كلِّ البيض في سلةٍ واحدة، لكن جون لونجوورث مؤمنٌ بهذا الشيء؛ ومؤمن أيضًا بمراقَبة السلَّة. هذا لا يعني أنه يضع كلَّ بيضة في سلة واحدة، أو حتى في نوعٍ واحد من السِّلال؛ لكن عندما يكون جون لونجوورث مقتنعًا بنوعية السلة المقدَّمة إليه، فإنه يضع عددًا كبيرًا من البيض فيها. وعندما يُعرَض عليه أيُّ شيء للاستثمار فيه — سواءٌ كان منجمًا أو مصنعًا للجِعَة أو خطَّ سكةٍ حديدية — كان يأخذ رأي الخبراء في الأمر، والاحتمال الأكبر أن يتجاهل في النهاية هذا الرأي. لقد كانت لديه عادةُ الذَّهاب شخصيًّا لرؤيةِ ما يُعرَض عليه. وإذا كان الاستثمار كبيرًا بما يكفي، فلم يكن ليتردَّد في السفر إلى الجانب الآخر من العالم من أجل إلقاء نظرة عليه. صحيحٌ أنه في حالاتٍ كثيرة كان لا يعرف أيَّ شيء عن المجال الذي سيستثمرُ فيه، لكن هذا لم يكن مهمًّا له؛ فقد كان يحب أن يفحص بنفسه المكانَ الذي سيضعُ فيه جزءًا كبيرًا من أمواله. بدا أن الاستثمار بالنسبة إليه نوعٌ من الحَدْس. وفي أحيانٍ كثيرة عندما كانت تُجمِع آراء الخبراء على مدى رِبْحية مشروعٍ ما، وكان يبدو كل شيء آمنًا على نحوٍ تام، كان يقوم بزيارة شخصية للمكان موضوعِ البيع، ويصل إلى قناعةٍ فورية بعدم شرائه. وحينها، كان لا يُبدي أيَّ أسباب لرفاقه بشأن تغييرِ رأيه؛ كان فقط يرفض الاستمرارَ في النظر في العرض وينسحبُ من الأمر. وقعَت حالاتٌ كثيرة من هذا النوع في مسيرته. أحيانًا، كانت تخسر شركة كبيرة ورابحة، وكان يُتوقَّع لها مستقبل كبير، وعندما تجري تصفيتُها، يتذكَّر الناسُ ما قاله لونجوورث عنها. وهكذا تكوَّنَ لدى مَن يعرفون السيد لونجوورث العجوزَ شعورٌ غيرُ مستند على أيِّ أساس عِلمي مفاده أنه لو كان طرَفًا في شيء، فإن هذا الشيء آمن، ولو استطاع مؤسِّسٌ لشركةٍ ما أن يحصل على موافقته على المشاركة فيها، فمِن شبه المؤكد أن مشروعه سينجح. •••
عندما انتهت إديث لونجوورث رسميًّا من تعليمها، أصبحت رفيقةَ أبيها أكثرَ فأكثر، وكان عادةً ما يُشير إليها على سبيل المزاح باعتبارها مساعدتَه. لقد كانت تُسافر معه في أسفاره الطويلة، ولذلك، سافرَت العديدَ من المرات إلى أمريكا، ومرةً إلى رأس الرجاء الصالح وأخذَتها إحدى الرحلاتِ البحرية الطويلة التي كانت وِجهتُها أستراليا في جولة كاملة حوال العالم. لقد ورثت إديث الكثير من فطنة أبيها، ولا شكَّ أنه لو قُدِّر لها أن تعتمد في حياتها على نفسها وعلى إمكانياتها فقط، لأصبحَت سيدةَ أعمال ممتازة. وكانت تعرف بدقةٍ نطاقَ استثمارات أبيها، وكانت كاتمةَ أسراره على نحوٍ لا تجدُه سوى في نساءٍ قليلاتٍ فيما يتعلَّق بأقاربهن الرجال. ولقد كان الرجل العجوز يثقُ بشدةٍ في رأيها، على الرغم من أنه نادرًا ما يعترف بذلك. ونظرًا إلى أنهما سافرا معًا كثيرًا في رحلات طويلة، فمن الطبيعيِّ أنهما أصبحا، على نحوٍ ما، صديقَين مقرَّبين. وهكذا يتضح لنا أن تعليم إديث كان مختلفًا تمامًا عن تعليمِ أيِّ فتاة إنجليزية عادية، وتلك التنشئة الخاصة حوَّلتها إلى نوعٍ مختلف من النساء، عمَّا كانت ستكون عليه لو كانت والدتها حية.
نمَتْ ثقةٌ تامة بين الأبِ والابنة، ومؤخرًا فقط حدَث ما عكَّر صفوَ علاقتهما معًا، وهو الأمر الذي لم يتحدَّث بشأنه أيٌّ منهما مرةً أخرى منذ فُتح الحوار حوله.
قالت إديث، ربما بصراحةٍ أكثر من المعتادة منها، إنها لا تُفكر على الإطلاق في الزواج، ومن ثَم، فهي لا ترغب في الزواج من الرجل الذي بدا أن أباها قد اختاره لها. وردًّا على ذلك، لم يَقل أبوها شيئًا، لكن إديث كانت تعرفه جيدًا وتعتقد أنه لا يُمكن أن يُغيِّر رأيه بشأن هذا الأمر. إن دعوة أبيها لابن أخيه كي ينضمَّ إليهما في هذه الرحلة تحديدًا، أثبتَت لها أنَّ أباها يرى أن كلَّ ما يحتاج إليه الأمر هو أن يقرِّب أحدَهما من الآخر أكثرَ من ذي قبل؛ وعلى الرغم من التزامها الصمتَ حيال ذلك، فقد كانت تعتقد أنَّ أباها ليست لديه فِطنةٌ في هذه الأمور مثل التي يُبْديها عند شراءِ شركةٍ نامية. وقد كانت إديث في تعاملها مع ابن عمِّها شديدةَ التهذيب — تمامًا كما هو حالها مع أيِّ شخص — لكنه لاحظَ أنها تُفضِّل البقاء بمفردها على مرافقته، وهذا ما جعله، رغم غضبِ السيد لونجوورث، يقضي معظمَ وقته في لعب الورق في غرفة التدخين، بدلًا، بحسَب رأي الرجل العجوز، من أن يتَنزَّه على سطح السفينة مع ابنةِ عمه.
كان ابن عم إديث ويليام لونجوورث يشعر بالضيق بعض الشيء؛ لأنه كان يرى أنه شخصٌ مناسب جدًّا للزواج، شخص تتطلع أيُّ فتاةٍ عاقلة إلى الاقتران به. إنه لم يدَّعِ على الإطلاق بأنه واقعٌ بشدة في غرام إديث، لكنه كان يعتقد أن الزواج سيكونُ شيئًا رائعًا من كافة الجوانب. لقد قال في نفسه إن إديث فتاة جميلة، وإنَّ مال عمِّه أمرٌ بالتأكيد يستحقُّ التفكير فيه. وفي واقع الأمر، بدأ يتمنى أن يُتِم الزواج، لكن نظرًا إلى أنه لم يرَ حوله مَن يمكن أن يعتبره منافسًا له، فقد كان ينظر إلى الأمر باعتباره محسومًا لصالحه. لذا، كان يُظهِر للآنسة إديث أن سعادته ليست معتمدةً بأيِّ نحوٍ على مرافقتها له؛ وكان يفعل هذا بقضاءِ وقته في غرفة التدخين ولعب الورق مع غيره من الركَّاب. كان من الواضح جدًّا لأي شخص يرى إديث، أنه إن كان هذا يُلائمه، فهو يُلائمها بالتأكيد؛ لذا، كانا نادرًا ما يتقابلان في السفينة إلا على طاولة الطعام، حيث يكون مكانُ إديث بين أبيها وابن عمِّها. وقد جرى حوارٌ واحد قصير بين الآنسة لونجوورث وابن عمها حولَ موضوع الزواج. تحدَّث هو عن الأمر بنبرةٍ واثقة جدًّا باعتباره ترتيبًا جيدًا، لكنها قالت باختصارٍ شديد إنها ليست لديها أيُّ رغبة في تغيير اسمها.
قال ابنُ العم ويليام: «أنتِ لا تحتاجين إلى ذلك، فاسمي لونجوورث، وهو اسمُك في الوقت نفسِه.»
ردَّت: «هذا ليس مجالًا للمزاح.»
«أنا لا أمزح، عزيزتي إديث. أنا فقط أُخبرك بما يعرف الجميعُ أنه صحيح. أنتِ بالطبع لا تُنكرين أن اسمي هو لونجوورث، أليس كذلك؟»
ردَّت الفتاة: «أنا لا أقصد أن أُنكِر أو أؤكِّد أي شيء فيما يتعلق بهذا الأمر، وسأكون ممتنةً بشدةٍ لو لم تَعُد إلى هذا الموضوع ثانيةً.»
ونتيجةً لذلك، عاد الرجل الشابُّ مرة أخرى إلى غرفة التدخين.
في هذه الرحلة، عرَفَت إديث الكثيرَ عن المجتمع الأمريكي. وقد حبَّبها الأمريكيُّون بشدةٍ في بلدهم، وعلى الرغم من أن الطقس كان صعبًا بعضَ الشيء، فقد استمتعَت بشدةٍ بالجولات التي كانت تتمُّ بالزلَّاجات والفعاليات المختلفة التي يُتيحها الشتاءُ لسكان أمريكا الشمالية. لقد ذهب أبوها وابنُ عمها إلى أمريكا لتفقُّدِ عدةِ مصانعَ للجِعَة كانت توجد في أجزاء مختلفة من البلاد، التي كان من المفترض دمجُها في شركة واحدة كبيرة. لقد اتخذوا من إحدى مدن الساحل الغربيِّ هناك مَقرًّا لهم، وبينما كانت إديث تستمتع بوقتها بصُحبة أصدقائها الجدد، زار الرجلان مصانعَ الجِعَة الموجودةَ في أماكنَ مختلفةٍ من البلاد، التي رغم ذلك كانت قريبةً من المدينة التي كانت تمكثُ فيها إديث. بدا أن مصانع الجِعَة كانت في حالة جيدة جدًّا، على الرغم من أن ابن عم إديث قال إن الجعة التي يُخمرونها كانت أسوأَ جعةٍ ذاقها، وقال إنه لا يرغب في أن تكون له أيُّ صلة بإنتاجها، حتى لو أدَّى إنتاجها إلى أرباح كبيرة. كان عمه قد تذوق الجعة المنتَجة هناك، لكنه قصَر نفسه على تناول الجعة الإنجليزية الجيدة المعبَّأة والمعتَّقة، التي ارتفع ثمنُها، إن لم يكن جودتها، بسبب مصاريفِ النقل. ولكن كان هناك شيءٌ في مزيج الجعة الذي يُصنع هناك لم يُعجبه، ومن الكلمات القليلة التي قالها عن الموضوع، أدرك ابنُ أخيه أن لونجوورث لن يُصبح عضوًا في اتحاد شركات الجعة الكبير المزعوم. كانت هناك نيةٌ للقيام برحلةٍ إلى كندا، وكانت إديث تأمُل في مشاهدة مدينة مونتريال في نسختها الشتوية؛ لكن تم التغاضي عن فكرةِ هذه الزيارة؛ بسبب قضاء الكثير من الوقت في الولايات الأمريكية الغربية. لذا، بدَءوا رحلتهم إلى أرض الوطن، وكان لونجوورث العجوز يجلس قدرًا كبيرًا من الوقت على كرسيِّه على سطح السفينة، بينما كانت إديث تتمشَّى هناك بمفردها، وكان ابن عمها يقضي معظم وقته في غرفة التدخين. كانت هذه هي الفتاةَ التي ألقى بها القَدَرُ بين ذِراعَي جون كينيون.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الحادي والثلاثون
«ما اسمكِ، من فضلك؟»
«أخبِر السيد ونتوورث أن سيدةً ترغب في رؤيته.»
تركَها الساعي وهو لا يعرف ماذا يفعل؛ لأنه كان يعلم أن تلك الرسالة كانت بلا شكٍّ غيرَ معتادة في أماكن العمل. لقد كان يعرف أن الناس يجب أن تُعطي أسماءها.
قال لونتوورث: «سيدة ترغب في رؤيتك، يا سيدي.» وحينها، وتمامًا كما توقَّع الساعي، أراد رئيسه أن يعرف اسم السيدة.
إن السيدات لسنَ من الزوار المعتادين في مكتبِ مراجعِ حسابات في حيِّ السيتي؛ لذا لمس ونتوورث ياقته ورابطةَ عنقه ليتأكَّد من أنهما في مكانهما الصحيح، وطلب من الساعي، وهو يسأل نفسه مَن تكون تلك السيدة، أن يُدخِلَها.
قالت بابتهاج، وهي تتقدَّم باتجاه مكتبه وتمدُّ يدها لتُسلِّم عليه: «كيف حالك، يا سيد ونتوورث؟»
التقطَ نفَسه، وأمسك بيدها الممدودة على نحوٍ رخوٍ بعض الشيء، ثم تمالك نفسه وقال:
«يا لها من مفاجأة سعيدة غيرِ متوقعة، آنسة بروستر!»
تورَّد وجه جيني على نحوٍ جميل للغاية، وضحكت ضحكةً ظنَّ ونتوورث أنها كانت تُشبه نغمةً عذبة من نايٍ رخيم.
وقالت: «قد تكون غيرَ متوقعة، لكنك لا تبدو على الإطلاق مثل شخصٍ يُعاني جَرعةً زائدة من السعادة الحقيقية. أنت لم تتوقَّع رؤيتي، أليس كذلك؟»
«بلى، لكن بما أنكِ هنا الآن، فهل لي أن أسألك كيف أساعدك؟»
«حسنًا، أولًا: يجب أن تطلب مني الجلوس، وثانيًا: يجب أن تجلس أنت أيضًا؛ لأنني جئتُ لأخوض حديثًا طويلًا معك.»
لم يَبدُ الأمر مُغريًا بشدةٍ لونتوورث كما قد يتوقع المرء، رغم أنه قد أتى من فتاةٍ جميلة للغاية، وترتدي ملابسَ شديدة الأناقة، لكن الشاب عرَض عليها على الفور الجلوس، ثم جلس هو، وكان بينهما المكتب. وضعَت مظلتها والأشياءَ القليلة التي كانت تحملها على المكتب، ورتَّبت تلك الأشياء ببعض الاهتمام؛ ثم، وبعد أن منحَته بعض الوقت ليتمالكَ نفسه بعد المفاجأة التي تعرَّض لها، رمَقَته بنظرة جعلَت كلَّ جسدِه ينتفض. لكن الخطر المعروف يسهل التغلبُ عليه؛ وونتوورث، بعد أن أخذ نفَسًا عميقًا على نحوٍ لا واعٍ، استجمعَ قُواه حتى لا يُعاوده شعورٌ كان يُحاول نسيانه، لكن دون تحقيق نجاح ملحوظ، ثم قال في نفسه بتجهُّم، ولكن على نحو غير مقنِع تمامًا:
«لن تخدعيني مرة ثانية، يا فتاتي، رغم جمالك الشديد.»
بدَت بوادرُ ابتسامة على الشفتين الحمراوين للفتاة، وهي ابتسامةٌ كانت بالكاد ظاهرة، لكنها ساهمت مع بشَرتِها الصافية في ترك انطباعٍ يُشبه دخولَ شعاع الشمس إلى الغرفة، وإضاءة انعكاسه لوجهِها.
وقالت في النهاية: «لقد أتيتُ للاعتذار، يا سيد ونتوورث.» ثم أضافت: «أجد ذلك شيئًا صعبًا للغاية، وحيث إنني لا أعرف على الإطلاق كيف أبدأ، فقد دلفتُ مباشرة إلى الموضوع.»
رد ونتوورث، ببرود شديد: «إنك لستِ بحاجةٍ إلى الاعتذار لي عن أيِّ شيء، يا آنسة بروستر.»
«أوه لا، عليَّ ذلك. لا تُصعب الأمر عليَّ أكثر بتعامُلِك معه بأدبٍ وبرود؛ لكن قل لي إنك قد قبلتَ اعتذاري، وإنك تشعر بالأسف … لا، أنا لا أقصد هذا … كان يجب أن أقول إنك متأكِّد أنني أشعر بالأسف وإنك تعرف أنني لن أفعل ذلك ثانيةً.»
ضحك ونتوورث، وانضمَّت إليه في ذلك الآنسة بروستر.
ثم قالت: «رائع، هذا أفضل بكثير. أعتقد أنَّ ثَمة أفكارًا سيئة للغاية كانت تُراودك عني منذ أن قابلتك آخر مرة.»
رد ونتوورث: «لقد حاولتُ أن أفعل ذلك.»
«هذا ما أُسميه صراحةً من جانبك؛ هذا بالإضافة إلى أنني أعجبَتني المجاملةُ المتضمَّنة فيه. أعتقد أن هذا رائعٌ للغاية بالفعل. أنا حقًّا آسفة جدًّا جدًّا على قيامي … سير الأحداث على النحو الذي سارت عليه. ما كنتُ سألومكَ لو استخدمتَ لغةً بذيئة بشدة للحديث عن الأمر في ذلك الوقت.»
«لا بد أن أُقِر بأنني فعلتُ هذا.»
ردت جيني، متنهدة: «آه! أنتم أيها الرجال لديكم العديد من وسائل السَّلْوى الممنوعةِ علينا نحن النساء. لكنني جئت إلى هنا لغرضٍ آخر؛ إن أردتُ فقط الاعتذار، أعتقد أنني كنت سأكتب إليك. أريد بعضَ المعلومات التي بإمكانك أن تُعطيَني إياها، إن أردت.»
أراحت الفتاةُ مرفقيها على المكتب، جاعلةً ذقنها بين يدَيها، وأخذَت تُحملق فيه بجدِّية وبراءة. شعر جورج المسكين بأنه سيكون من شبه المستحيل رفضُ أي شيء تطلبه تلك العينان المتضرعتان الواسعتان.
«أريدكَ أن تُحدثني عن منجمك.»
كلُّ الود الذي كان يبدو على نحوٍ تدريجي على وجه ونتوورث وسلوكه اختفى على الفور.
وقال: «إذن، هذا هو نفس الأمر القديم مرةً أخرى.»
ردَّت جيني بعتاب: «كيف أمكنَك أن تقول هذا؟!» وأردفت: «أنا أسألُ من أجل شيءٍ في نفسي، وليس من أجل صحيفتي. بالإضافة إلى ذلك، أنا أُخبرك بصراحةٍ بما أريد أن أعرِفَه، ولا أُحاول أن أصلَ إليه بطرقٍ غير مباشرة؛ بالخداع، كما قلتَ ذات مرة.»
«كيف يمكن أن تتوقَّعي أن أُعطيَكِ معلوماتٍ ليست خاصةً بي وحدي؟ ليس لي الحقُّ في الحديث عن أمرٍ يهمُّ آخَرين دون أخذِ إذنهم.»
قالت جيني بمرح: «آه، إذن، هناك على الأقل شخصان آخران مَعْنيَّان بأمر المنجم.» ثم أضافت: «كينيون الأول، بحسَب علمي؛ فمَن الآخر؟»
«آنسة بروستر، لن أخبرك بأيِّ شيء.»
«لكنك قلتَ لي شيئًا بالفعل. رجاءً استمِرَّ في الحديث، سيد ونتوورث — عن أي شيء تُريده — وسرعان ما سأتوصل إلى كلِّ ما أريد معرفته عن المنجم.»
سكتَت وبقي ونتوورث صامتًا، وهو الشيء، في واقع الأمر، الذي أدركَ الشاب المتحير أنه آمَنُ ما يمكن فِعلُه.
استمرَّت الآنسة بروستر في الحديث، كما لو أنها تتحدث إلى نفسها: «إنهم يتحدثون عن ثرثرة النساء، لكنه لا شيءَ بجانب ثرثرة الرجال. فقط اجعل الرجلَ يبدأ في الحديث، وستعرف كلَّ شيء يعلمه؛ هذا إلى جانب كلِّ ما لا يعلمه.»
تخلَّت الآنسة بروستر عن أسلوبها المثير للغاية، وما يقترحه من علاقةٍ قائمة على الثقة المتبادَلة، وأنزلَت مرفقيها من على المكتب، وأسندت ظهرها على كرسيِّها، وأخذت تُحملق على نحوٍ حالم في النافذة المغبرة التي كانت تُدخِل الضوء من الشارع المغبر. وبدا أنها نسيَت أن ونتوورث موجودٌ هناك، وقالت، لنفسها أكثرَ مما كانت تقول له:
«أتساءل إن كان كينيون سيُحدِّثني عن المنجم.»
«عليكِ أن تسأليه.»
قالت، وهي تهز رأسها برفق: «لا؛ هذا لن يُجدِيَ نفعًا.» ثم أردفَت: «إنه أحد الرجال الذين يُفضِّلون الصمت، وهم قليلون جدًّا في هذا العالم. ربما من الأفضل أن أذهبَ إلى ويليام لونجوورث نفسِه؛ إنه لا يشك فيَّ.»
بينما كانت تقول هذا، ألقت نظرةً سريعة على ونتوورث، ووجهُ الشاب التعيس وشَى على الفور بأنها قد أصابت الهدفَ. ثم مالت برأسها فوق المكتب، وضحكَت باستمتاعٍ واضح، الأمر الذي جعل ونتوورث، رغم غضبه العاجز، يبتسمُ بتجهُّم.
رفعَت جيني رأسها، لكن منظر وجهه المتحير كان كثيرًا عليها، ولم يسمح لها ابتهاجُها بالحديث إلا بعدَ بعضِ الوقت. وفي النهاية، قالت:
«ألا تودُّ أن تُمسك بي من كتفَيَّ وتطردَني من الغرفة، يا سيد ونتوورث؟»
«أودُّ أن أُمسك بكِ من كتفَيك وأهزَّك.»
«آه! هذا سيكون فعلًا غيرَ لائق، ولا يمكن أن يُسمَح به. يجب أن نترك العقابَ للقانون، كما تعلم، على الرغم من أنني أعتقد أن أي إنسانٍ يجب أن يُسمَح له بطرد أي زائر غير مرغوب فيه إلى الشارع.»
قال الشاب بجدِّية، وهو ينحني فوق المكتب باتجاهها: «آنسة بروستر، لماذا لا تتركين مهنتَكِ الاستقصائية المريعة، وتستغلِّين مواهبك التي لا جدال فيها في شيء آخر؟»
«ماذا، على سبيل المثال؟»
«أوه، أي شيء.»
أراحت جيني خدَّها الأبيض على راحة يدها المفتوحة مرة ثانية، ونظرت إلى النافذة المغبرة. كانت هناك فترة صمت طويلة بين الاثنين؛ انشغَل ونتوورث بمشاهدة جوانب وجهها الواضحة المعالم ورقبتها البيضاء، وكانت أنفاسُه تتسارع كلما تعمقَت عيناه في تأمُّلِ جمالها.
وقالت في النهاية، بصوت خفيض به رعشةُ تنهيدةٍ مكبوتة: «دائمًا ما يتملَّكُني الغضبُ عندما يقول الآخرون هذا لي؛ أتساءل لماذا شعرتُ فقط بالإهانة والألم عندما قلتَ أنت هذا. من السهل جدًّا القول: «أوه، أي شيء»؛ هذا سهلٌ للغاية، سهل للغاية. إنك رجل، ولديك قوةُ الرجال وإصرارُهم، ومع ذلك، صادفتَ خيباتِ أملٍ ومصاعبَ تطلبَت منك كلَّ شجاعتك للتغلب عليها. إن كل الناس حدث لهم هذا؛ وبالنسبة إلى معظم الناس، إنها معركة تستمرُّ حتى يشيبَ الرأس، ويُنهَك العقل من الصِّراع الذي لا يتوقف. إن العالم عديمُ الرحمة على الإطلاق؛ إنه سيدهسُك بقسوةٍ إن استطاع، وإن تراخَتْ يقظتُك للحظةٍ، فإنه سيسرق قوتك ويتركك تموت جوعًا. عندما أُفكر في هذا الصراع الكئيب الذي لا يتوقف، والذي لا مكان فيه للرحمة، أرتعدُ وأدعو الربَّ أن أموت قبل أن أقع تحت رحمة العالم القاسي. عندما أتيتُ إلى لندن، رأيت، لأول مرة في حياتي، المسيرةَ البائسة الحزينة لحاملي الإعلانات المتجولين؛ إنهم حُطامُ بشرٍ يسيرون بطول طرَفِ الشارع، كما لو أنهم قد طُرِحوا هناك من قِبَل المدِّ المندفع الكاسح خلفهم. إنهم … إنهم قد بدَوْا لي مثل حشدٍ مترنِّح من الموتى؛ وعلى ظهورهم كان هناك إعلانٌ عن مسرحية كانت تجعل كلَّ سكان لندن يموتون من الضحك. يا له من أمر مريع تمتزج فيه الكوميديا والتراجيديا! ببساطة، أنا لم أستطِع تحمُّلَه. وكان عليَّ أن أجري في شارعٍ جانبي وأبكي مثل الأحمق الصغير الذي أنا عليه، في وضحِ النهار.»
توقفَت جيني عن الكلام وحاولت أن تضحك، لكن المحاولة نتجَ عنها صوتٌ أشبهُ بنشيج. مرَّرَت بنفادِ صبرٍ شديدٍ يدَيها على عينيها، اللتين لم يُنزِل ونتوورث قط نظرَه عنهما، واللتين رآهما وقد أصبَحَتا مظلِمتَين، كما لو أن الضوء الآتيَ من النافذة كان شديدًا جدًّا عليهما، وفي النهاية امتلأَتا بالدموع عندما توقفَت عن الكلام. بحثَت جيني دون جدوى داخلَ ثوبها عن المنديل، الذي كان موجودًا بجانب مظلتها دون أن يُلاحظه أيٌّ منهما، ثم استمرت في الكلام ببعض الصعوبة، قائلة:
«في الواقع، تلك المخلوقاتُ المسكينة البائسة كانوا رجالًا؛ رجالًا انحدرَ بهم الحال؛ وإن كان العالم قاسيًا بشدة على الرجل رغم كل قوته وسَعةِ حيلته، ففكِّر … فكِّر كيف سيكون الحال بالنسبة إلى امرأةٍ مُلقاة في غَيابة هذا الاضطرابِ اللاإنساني — امرأة بلا أصدقاء وبلا مال — ووسَط تلك الذئاب العديمة الرحمة، وعليها أن تعيشَ إن استطاعت أو أن تموتَ إن كان بإمكانها كذلك.»
انقطع صوت الفتاة، وغطَّت وجهها بذراعيها، اللتين كانتا موضوعتين على المكتب.
قام ونتوورث واستدار متوجهًا إلى المكان الذي كانت تجلس فيه.
ثم قال، واضعًا يده على كتفها: «جيني.» أبعدَت الفتاة، دون أن تنظر إليه، اليدَ التي لمستها.
قالت بصوتٍ مخنوق: «عُد إلى مكانك.» ثم أردفت: «واتركني لشأني.»
قال ونتوورث مُصرًّا: «جيني.»
قامت الفتاة من كرسيِّها ووقفت قبالته، راجعةً للخلف خطوة.
«ألم تسمع ما أقول؟ ارجع مكانَك واجلس فيه. لقد أتيتُ إلى هنا لأتحدثَ في أمور العمل، وليس لأجعل من نفسي أضحوكة. إن الأمر كلَّه بسببك، وأنا أكرهك من أجل هذا؛ أكرهك أنت وأسئلتك السخيفة.»
لكن الشاب وقف حيث كان، رغم الشرارة الخطيرة التي ظهرَت في عينَي زائرته الدامعتين. وارتسم العبوس على جبينه.
وقال ببطء: «جيني، هل تعبثين معي ثانية؟»
إن الغضب السريع الذي توهَّج في وجهها، مُحمِّرًا خدَّيها، جفَّف الدموع.
وقالت بغضب: «كيف تجرؤ على أن تقول شيئًا كهذا لي؟!» ثم أردفَت: «لا تغترَّ بنفسك بحيث تظن، لأنني قد جئتُ إلى هنا لأتحدَّثَ في أمور العمل، أنني لديَّ أيضًا بعضُ الاهتمام الشخصي بك! بالتأكيد حتى غرورك لم يُبالغ بحيث يذهبُ بعيدًا إلى هذا الحد!»
وقف ونتوورث صامتًا، والتقطَت الآنسة بروستر مظلتَها، مبعثرةً، في تعجُّلِها، الأشياءَ الأخرى على الأرض. لو توقعَت أن يضَعها ونتوورث ثانيةً على المكتب، لكانت قد أُصيبَت بخيبةِ أمل؛ فرغم أن عينيه كانتا مثبتتان عليها، إلا أن أفكاره كانت هائمةً في عالم آخر.
صاحت في حَنق، معيدةً ثانيةً أفكارَ ونتوورث فجأة إلى لندن: «لن أبقى هنا حتى لا أُهان.» ثم أضافت: «إن استخدامك لمثل هذا التعبير معي كان غيرَ محتمل. أعبث معك، حقًّا؟!»
«أنا لم أقصد إهانتَكِ، آنسة بروستر.»
«ماذا يعني استخدامُ هذا التعبير سوى أن يكون إساءة؟ إنه يُشير ضِمنًا إلى أنني إما مهتمَّة بك وإما …»
«وهل أنتِ كذلك؟»
«هل أنا ماذا؟»
«هل أنتِ مهتمَّة بي؟»
بسَطَت جيني أطرافَ المظلة بيديها ثم مسدتها ببعض الدقة. كانت عيناها تُركزان على ما كانت تفعله؛ وبالتالي، لم تقابل عينَي سائلها.
ثم قالت في النهاية، وهي لا تزال تُولي اهتمامًا كبيرًا بالمظلة: «أنا مهتمةٌ بك كصديق، بالطبع.» ثم أردفت: «لو لم أكن أعتبرك صديقًا، لما كنتُ قد أتيت إلى هنا لأشاورك، أليس كذلك؟»
«أنتِ على حق. حسنًا، أنا آسفٌ على استخدامي الكلمات التي ضايقَتْك، والآن، إذا سمحتِ دعينا نَمضِ قُدمًا فيما جئتِ من أجله من استشارة.»
«لم يكن من اللائق أن تقولَ هذا.»
«أخشى أنني لا أُجيد قولَ الأشياء اللائقة.»
«لقد كنتَ كذلك.»
بعد أن رتَّبَت المظلة كما تريد، نظرَت إليه.
«مع ذلك، فقد قلتَ إنَّك آسف، وهذا كل ما يمكن لأي رجلٍ أن يقوله — أو امرأة أيضًا؛ إذ إن هذا هو ما قلتُه عندما دخلت إلى هنا. والآن، إن التقطتَ هذه الأشياء من على الأرض … شكرًا … فسنتحدَّث عن المنجم.»
جلس ونتوورث مرةً ثانية، وقال:
«حسنًا، ما الذي تُريدين معرفته عن المنجم؟»
«لا شيء على الإطلاق.»
«لكنكِ قلتِ إنكِ تُريدين معلومات.»
«يا له من مبرر مضحِك! أتعجَّب من تجاهل الرجال لكل النقاط المهمة في أيِّ حوار! لا؛ اعتقدتُ أنكَ ربما كنت ستعرف، فقط عندما قلتُ إنني أريد معلومات، أن هذا ليس ما أريده حقًّا.»
«أخشى أنني غبي جدًّا. أكره سؤالَكِ على نحوٍ صريح عما تُريدينه حقًّا، لكنني أودُّ أن أعلمه.»
«أردتُ أن أتعرف على مدى وثوقِكَ فيَّ. لقد قلتُ لكَ إنني آسفة بسبب حادثةٍ ما. ووددتُ معرفةَ إن كنتَ تثق فيَّ أم لا، ووجدتُ أنك لستَ كذلك. هذا هو الوضع!»
«أعتقد أن هذا لم يكن اختبارًا عادلًا. كما ترَين، الحقائق ليست خاصةً بي بمفردي.»
تنهدَت الآنسة بروستر، وهزت رأسها ببطء.
«ما كان لهذا أيُّ أهميةٍ لو كنتَ تثق بي بحق.»
«أوه، كيف هذا؟! لا يمكن أن تنتظري من رجلٍ أن …»
«بل يمكنني.»
«ماذا، من مجردِ صديق؟»
أومأت الآنسة بروستر برأسها.
قال ونتوورث ملاحظًا، وهو يضحك: «حسنًا، كل ما يمكنني قولُه هو أن الصداقة قد تطورَت في الولايات المتحدة أكثرَ بكثير مما فعلَت هنا في هذا البلد.»
قبل أن تستطيع جيني الرد، طرق الساعي البابَ ودخل بصينية شاي ووضعَها أمام سيدِه؛ ثم غادر في صمت، مغلقًا الباب وراءه في هدوء.
«هل لي أن أُقدِّم لكِ فنجانًا من الشاي؟»
«من فضلك. يا لها من عادة غريبة هذا التناول للشاي في مكاتب العمل! أعتقد أنني سأكتبُ مقالًا بعنوان «أُمَّةُ مدمِني الشاي». لو كنتُ عدوة لإنجلترا، بدلًا من كوني كُبْرى صديقاتها، لنزلتُ بجيشي على هذا البلد فيما بين الساعة الرابعة والخامسة عصرًا، وهكذا، سأُفاجئ الشعب في وقت شرب الشاي. ماذا كنتَ ستفعل لو هاجمَتك العدوة أثناء هذا الطقس القومي المقدس؟»
رد ونتوورث، موائمًا بين الفعل والعبارة: «كنتُ سأقدم لها فنجانًا من الشاي.»
قالت الفتاة بمكر: «سيد ونتوورث، إن أداءك يتطوَّر. إن تلك الملاحظة جيدةٌ على نحوٍ واضح. ومع ذلك، يجب أن تتذكر أنني قد جئتُ إليكَ صديقةً، وليس عدوة. هل قرأتَ من قبل «طفلان في الغابة»؟ إنه عمل أدبي تعليمي لكنه محزن. أنت تتذكر بالتأكيد العم الشرير؟ حسنًا، أنت والسيد كينيون تُذكِّراني ﺑ «الطفلين»، هذين الشيئين الصغيرين البريئين المسكينين! ولندن … هذا الجزء منها … هي الغابة المظلِمة غير المطروقة. أنا الطائر الذي يحوم حولَك، بانتظارِ تغطيتك بأوراق الشجر. أوراق الشجر، حتى تكون مفيدة، يجب أن تكون الشيكات التي تنهال عليك برِفقٍ من السماء، لكن، للأسف، أنا ليس لديَّ أيٌّ منها. لو كانت فقط الشيكات القابلة للتداول تنمو على الأشجار، لما كانت الحياة بتلك الصعوبة.»
أخذَت الآنسة بروستر ترشف شايَها بتأمُّل، وكان ونتوورث يستمع بسعادة إلى الهمهمة الموسيقيَّة لصوتها. لقد كان لهذا تأثيرٌ آسِر عليه لدرجة أنه لم يهتمَّ كثيرًا بما كانت تقوله كما هو مفترض من أي رجل عندما تتحدث إليه إحدى السيدات. لقد أضاف شربُ الشاي لمحةً من الأُلفة على الحوار بين الاثنين، الأمر الذي أربكَ الشاب. لقد أخذ يضمُّ يده ثم يفتحها دون أن تراه تحت المكتب، وشعر برطوبة راحةِ يده. وود لو أمكنه الاحتفاظُ بالتحكم في نفسه، لكن صعوبة المهمة كادت تتغلَّب عليه عندما كانت هي من آنٍ لآخَر تُنعم عليه بنظرةٍ أو إيماءة، وشعر كما لو أنه يجب أن يصيح قائلًا: «يا فتاتي، يا فتاتي، لا تفعلي هذا، إن أردتِ أن أبقى في مكاني.»
وقالت، وهي تضع الفنجان بعيدًا: «أرى أنك لا تنتبه على الإطلاق لما أقوله.» وأراحت ذراعيها على المكتب، ومالت للأمام قليلًا، وحوَّلت وجهَها بالكامل إليه ثم قالت: «أستطيع من خلال عينيك أن أقول إنك تُفكر في شيء آخر.»
قال جورج، وهو يأخذ نفسًا عميقًا: «أؤكد لك أنني أستمع باهتمامٍ شديد.»
«حسنًا، هذا صحيح؛ لأن ما سأقوله مهم. والآن، وحتى تعيَ الأمرَ جيدًا، سأخبرك أولًا بكل شيء عن منجمك؛ ستُدرك بعدها أنني لستُ بحاجةٍ إلى سؤال أي شخص عن معلومات بشأنه.»
وفي هذا الإطار، ولدهشة ونتوورث، أعطَت تصورًا سريعًا ودقيقًا للمفاوضات والترتيبات التي تمَّت بين الأطراف الثلاثة، والوضع الحاليِّ للأمور.
سألها: «كيف تسنَّى لكِ معرفةُ كل هذا؟»
«لا تشغَل بالك بهذا؛ ولا يجب أن تسأل كيف عرَفتُ ما سأقوله لك الآن، لكن يجب أن تُصدقه دون تردُّد، وتعمل بناءً عليه على الفور. إن لونجوورث يتلاعب بكَ أنت وكينيون. إنه يضيِّع الوقت حتى تنتهيَ مدة العقد الخاصِّ بكما؛ وحينها سيشتري عقد الخيار الخاص بالمنجم نقدًا بالسعر الأصلي، وستُترَك أنت وكينيون لتدفعا ثُلثَي الدَّين المستحَق. أين كينيون؟»
«لقد ذهب إلى أمريكا.»
«هذا جيد. أرسِل له برقيةً اطلب منه فيها تجديدَ عقد الخيار. ويُمكنكما بعد ذلك محاولةُ تأسيس الشركة بنفسيكما في لندن. وإن لم يستطِعْ تجديد العقد، فلديكما وقتٌ قليل للغاية للحصول على المبلغ النقدي المطلوب، وإن لم تستطيعا فعلَ هذا، فستفقدان كلَّ شيء. هذا ما جئتُ لأقوله لك، على الرغم من أنه قد مضى وقتٌ طويل قبل أن أفعل هذا. والآن، يجب أن أذهب.»
قامت، وجمعَت أشياءها من المكتب، ووقفت وهي تُمسك المظلة بذراعها. استدار ونتوورث وأتى إلى حيث كانت تقف، ووجهه أكثرُ شحوبًا من المعتاد، ربما بسبب الأخبار التي سمعها. وكانت إحدى يديه تُمسك بإحكامٍ برسغ اليد الأخرى أمامه. وشعر بأنه يجب عليه أن يشكرها على ما فعلَته، لكنَّ شفتَيه كانتا جافَّتين، وعلى نحوٍ ما، كانت الكلماتُ الملائمة عصيَّةً عليه.
كانت، وهي تُمسك مظلتها الضعيفة ذات الأطراف الشريطية بذراع واحدة، تضبط قفازها الطويلَ الملائمَ تمامًا لمقاسها، والذي كانت قد خلعَته قبل تناول الشاي. كان أحد أزراره الكثيرة صعبًا في قفله، وبينما حاولت جاهدةً وضعه في مكانه، وقع كمُّها، كاشفًا عن ذراع بيضاء ممتلئة فوق القفاز.
قالت، وهي تلهث قليلًا، وعيناها على قفازها: «كما ترى، إن الموقف خطير جدًّا، وعامل الوقت مهمٌّ للغاية.»
«أُدركُ ذلك.»
«سيكون من المحزن أن تفقد كلَّ شيء الآن، بعد كل ما صادفتَه من مشاكل وقلق.»
«هذا صحيح.»
«وأعتقد أن أيَّ إجراء سيجري اتخاذه يجب القيامُ به بسرعة. يجب أن تتصرف على الفور وبهمةٍ شديدة.»
«أنا مقتنعٌ أن هذا صحيح.»
«إنه بالطبع كذلك. إنك تثقُ بسرعةٍ في الآخرين؛ يجب أن تكون شكاكًا أكثر، وحينها لن تنخدعَ كما حدث.»
«لا. المشكلة أنني كنتُ شكاكًا بشدة، لكن هذا قد انتهى. لن أصبح كذلك ثانيةً.»
قالت، وهي ترفع بصرها إليه بسرعة: «ما الذي تتحدَّث عنه؟» ثم أردفَت: «ألا تعرف أنك ستفقد المنجمَ إذا …»
صاح، وهو يمد يده ويضمها إليه قبل أن تتحرك للوراء أو تترك مكانها: «فليذهب المنجم للجحيم! هناك شيءٌ أكثرُ أهميةً من المناجم أو المال.»
انكسرَت المظلة مُحدِثة صوتًا حادًّا، وهمهمت الفتاة قائلة: «أوه!» لكن الهمهمة كانت ضعيفة.
قال، مبعدًا المظلةَ من بينهما وملقيًا بها جانبًا: «لا تهتمِّي بشأن المظلة؛ سأشتري لك أخرى.»
قالت بصوتٍ لاهث: «يا لك من رجل متهوِّر! إنك لا تعرف شيئًا عن ثمنها، وأعتقد، كما تعرف، أنني يجب أن يُؤخَذ رأيي … في … في … شيء كهذا … يا جورج.»
«لم يكن هناك وقت. لقد تصرفتُ بِناءً على نصيحتك … على الفور. إنكِ لستِ غاضبة، يا جيني، يا فتاتي العزيزة، أليس كذلك؟»
«أعتقد أنني لستُ كذلك، رغم أنني أرى أنه كان يجب أخذُ رأيي؛ خاصة وأنني أعرف جيدًا أنني أملك قلبي في يدَي طَوال الوقت، وها أنا على وشك أن أهَبَه لك. أرجو ألا تُعامله كما عاملتَ المظلة.»
كان ردُّه هو تقبيلَه لها.
قالت، وهي تعدل من وضع رابطة عنقه: «أتعرف أنني أُعجبت بك منذ اللحظة الأولى، أكثر مما كنتُ أدرك في ذلك الوقت؟ إن … أنا أحاول تبرير موقفي، كما تعلم … إنْ، حسنًا، حاولتَ فقط التوددَ إليَّ قليلًا، ما كنتُ سأرسل تلك البرقية. بدا أنك قد استسلمتَ تمامًا، وأرسلتَ كينيون إليَّ، وهذا أغضبني. توقعتُ أن تأتيَ إليَّ، لكنك لم تأتِ قط.»
«أنا شديدُ الحمق. أنا دائمًا ما أكون هكذا عندما أحصل على فرصةٍ عادلة.»
«أوه، لا، أنت لستَ كذلك، لكنك تحتاج بالفعل إلى شخص يعتني بك.»
وفجأة أبعدَت نفسها عنه مسافة ذراع.
«أنت لا تعتقد للحظة، يا جورج ونتوورث، أنني قد جئتُ إلى هنا اليوم من أجل … من أجل هذا.»
صاح الشاب الأمين، بكثيرٍ من الشغف الساخط، مقربًا إياها ثانيةً منه: «بالتأكيد لا!»
«إذن، هذا جيد. أنا لا أستطيع تحمُّلَ تصورِك لهذا الشيء، خاصةً … حسنًا، سأُخبرك بالسبب يومًا ما. لكنني أتمنى بالفعل أن يكون لديك لقَب. ألا يمنَحون ألقابًا أبدًا لمراجعي الحسابات في هذا البلد، يا جورج؟»
«لا؛ إنهم يفعلون ذلك مع الحَمْقى الأغنياء فقط.»
«أوه، أنا سعيدةٌ بشدة من أجل هذا؛ لأنك ستُصبح غنيًّا بسبب المنجم، وسأصبح الليدي ونتوورث في النهاية.»
ثم أمالت رأسَه لأسفل حتى لامست شفتاها الضاحكتان شفتَيه.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثاني والثلاثون
على الرغم من أن السفينة البخارية التي كانت تُقِلُّ كينيون إلى أمريكا كانت واحدةً من أسرع السفن البخارية التي تُسافر عبر المحيط الأطلنطي، فإن الرحلة كانت كئيبةً على نحوٍ لا يُوصَف بالنسبة إليه. لقد قضى معظمَ وقته وهو يسير جَيئةً وذَهابًا على متن السفينة، ويُفكر في الرحلة الأخرى التي كان على متنها قبل أربعة أسابيع. إن العزاء الوحيد في الرحلة الحاليَّة هو سرعتها.
عندما وصل إلى فندقه في نيويورك، سأل إن كانت هناك أيُّ رسائل قد وصلَت له هناك، فأعطاه الموظَّف مظروفًا، وقد فتحَه على الفور. كانت برقيةً من ونتوورث، بها الكلمات الآتية:
«لونجوورث في ونزر. اذهب إلى أوتاوا على الفور. جدِّد عقد الخيار. إن لونجوورث يخدعنا.»
عقد جون حاجبَيه وتساءل عن مكان ونزر. لاحظ الموظفُ حيرته فسأله إن كان بإمكانه أن يُسدِيَه أي مساعدة.
«لقد تلقيتُ هذه البرقية، لكنني لا أفهمها تمامًا. أين تقع ونزر؟»
«أوه، هذا يعني فندق ونزر. إنه بعدنا في الشارع نفسِه.»
أنهى كينيون إجراءاتِ الدخول إلى الفندق وطلب من الموظَّف أن يُرسل متاعه إلى الغرفة التي سيُقيم بها عندما يأتي. ثم خرج من الفندق وأخذ يبحث عن فندق ونزر.
وجد ذلك الفندق الكبير، وكان قد بدأ لتوِّه يسأل الموظفَ إن كان يوجد شخصٌ يُقيم هناك باسم السيد لونجوورث، عندما ظهر هذا الرجلُ عند مكتب الاستقبال وأخذ بعض الرسائل ومفتاحه.
ربَّت كينيون على كتفه.
استدار لونجوورث الشابُّ بابتهاجٍ أكبرَ مما يُبديه في المعتاد، وأطلق صافرةً طويلة تنمُّ عن الاندهاش عندما رأى مَن يكون.
وقال: «باسم كل الآلهة، ما الذي تفعله هنا؟» ثم، وقبل أن يستطيعَ كينيون الردَّ، قال: «تعالَ إلى غرفتي.»
ذهبا إلى المصعد وصعدا بضعة أدوار، ومرَّا عبر ردهة بدا أنها لا نهايةَ لها، كانت مفروشةً بمادةٍ حاجزة للصوت تمنع صدورَ أيِّ صدًى لوقْع الأقدام. وضع لونجوورث المفتاح في باب غرفته وفتحه. ثم دخلا غرفة كبيرة ورائعة.
وقال: «حسنًا، هذه مفاجأة. ما السبب الذي جعلك تأتي إلى هنا؟ هل حدثَت أيُّ مشكلة في لندن؟»
«لم تحدث مشكلة، بحسَب علمي. لم نستقبل أيَّ برقية منك، وظننَّا أنه قد تكون هناك بعضُ العقَبات التي صادفتك في أداء مهمتك؛ ولذا، جئتُ إلى هنا.»
«آه، فهمت. أرسلتُ برقية على عُنوانك، وقلت فيها إنني أُقيم في ونزر لبضعة أيام. لقد أرسلت برقيةً يقترب طولها من طول الرسالة، لكن يبدو أنها لم تكن ذاتَ جدوى.»
«لا، لم أستلمها.»
«وما المشاكل التي تتوقع أن تحدث هنا؟»
«هذا ما لا أعرفه. علمتُ أنه قد مضى ١٢ يومًا منذ مجيئك من لندن إلى أوتاوا ومشاهدتِك للمنجم. ونظرًا إلى أنني أنا وونتوورث لم نستقبل منك أيَّ رسائلَ في غضون ذلك الوقت، ولأننا كنَّا نعلم أن مدة العقد على وشك الانتهاء، فقد شعرنا بالقلق ولذا جئتُ إلى هنا.»
«تمام. حسنًا، أخشى أن رحلتك كانت بلا جدوى.»
«ماذا تقصد؟ أليس كلُّ ما قلتُه عن المنجم صحيحًا؟»
«أوه، المنجم رائع؛ كل ما قصدتُه أنه لم تكن هناك ضرورةٌ حقيقية لمجيئك.»
«لكن، كما تعرف، عقد الخيار سينتهي بعد مدَّة قصيرة جدًّا.»
«حسنًا، عقد الخيار، شأنه شأن المنجم، لا مشكلة فيه. أعتقد أنه ما كان سيحدث شيءٌ لو تركتما الأمر في يدي.»
يجب الإقرارُ بأن جون كينيون قد بدأ يشعر أنه تصرَّف بتهور غيرِ مقبول عندما قام بتلك الرحلة الطويلة.
«هل السيد ميلفيل معك هنا؟»
«لقد عاد ميلفيل إلى الوطن. لم يكن لديه وقتٌ للبقاء لمدة أطول. كل ما أراده هو أن يتأكَّد من المعلومات التي لديه عن المنجم. وقد تأكَّد منها، وعاد إلى الوطن. لو كنتَ الآن في لندن، لاستطعتَ أن تراه.»
«هل قابلت السيد فون برينت؟»
«نعم، لقد أخذَنا إلى المنجم.»
«وهل قلت له أيَّ شيء عن عقد الخيار؟»
«حسنًا، تحدثنا قليلًا عنه. لن تكون هناك أيُّ مشكلة بشأنه. ما يُريده فون برينت هو بيع منجمه، هذا كل ما في الأمر.» مرت بضع لحظات من الصمت، ثم قال لونجوورث: «متى ستعود؟»
«لا أعرف. أعتقد أن عليَّ رؤيةَ فون برينت. أنا لست مرتاحًا على الإطلاق لترك الأمور على ما هي عليه الآن. أعتقد أنني يجب أن أحصل على تجديدٍ لعقد الخيار. ليس من الحكمة تلك المخاطرةُ التي نقوم بها الآن. قد يحصل فون برينت في أي وقت على عرضٍ لبيع منجمه، بينما نقوم نحن بتأسيس الشركة، وبالطبع، إن لم يجرِ تجديد عقد الخيار، فإنه سيبيعه لأولِ رجل يُعطيه مقابله نقدًا. كما قلت، إن كل ما يريده هو أن يبيعَ منجمه.»
كان لونجوورث منشغلًا بفتح رسائله، وعلى ما يبدو لم يكن يُبدِ اهتمامًا كبيرًا بما كان يقوله كينيون. لكنه في النهاية قال:
«لو كنتُ مكانك — إن أردتَ أن تحصل على نصيحتي — لَعدتُ مباشرةً إلى إنجلترا. لن تستفيد أيَّ شيء بالبقاء هنا. لقد قلتُ ذلك فقط حتى أوفر عليك الجهد والوقت والمال.»
«ألا تظن أنه سيكون من الأفضل الحصولُ على تجديدٍ لعقد الخيار؟»
«أوه، بالتأكيد؛ لكن، كما قلتُ لك من قبل، لم يكن من الضروري على الإطلاق مجيئُك إلى هنا. بالإضافة إلى ذلك، أستطيع القول إن فون برينت لن يُجدد عقدَ الخيار دون دفع مبلغٍ محترم مقدمًا، وهو الذي سيضيع إن لم تُؤسَّس الشركة. هل لديك المال الذي ستدفعه له؟»
«لا، ليس لدَي.»
«رائع جدًّا، إذن، لماذا تُضيع الوقت والمال بالذَّهاب إلى أوتاوا؟» عقد السيد لونجوورث الشابُّ حاجبيه وحدَّق في جون عبر نظارته. ثم أضاف: «سأدَعُك تحصل على نصيبي في الصفقة، إن كان هذا سيُجدي نفعًا.»
«كم من المال يريده فون برينت؟»
«كيف لي أن أعرف؟ لِأَصدُقَك القول، سيد كينيون — والصدق لا يُؤذي، أو يجب ألا يفعل هذا — أنا لا يعجبني على الإطلاق تلك الزيارةُ لأمريكا. أنت والسيد ونتوورث كنتما تشكان فيَّ من البداية. ولم يسعَ أيٌّ منكما قط لإخفاءِ ذلك. إن وجودك في أمريكا في هذا التوقيت ليس سِوى إهانةٍ لي. أنا أعتبرها كذلك.»
رد كينيون: «لا أنوي توجيه أيِّ إهانة لك إن كنتَ تتعامل بأمانةٍ معي.»
«ها هو ذا الأمر قد برَز ثانيةً. تلك الملاحظة تُعَد إهانة. إن كل شيء تقوله يُشير إلى رأيك فيَّ. أود ألا أقول لك المزيد. لقد أعطيتك نصيحتي بأنه من الأفضل لك، ومن الأرخص أيضًا، أن تعود إلى لندن. أنت لا تحتاج إلى اتباعها إلا إذا كنتَ تريد ذلك. أنا ليس لديَّ أيُّ شيء آخر لأقوله لك؛ ولذا، فيُمكنك اعتبارُ هذا اللقاء منتهيًا.»
«وماذا عن المنجم؟»
«أعتقد أن المنجم سيُسيِّر أموره بنفسه.»
«هل تعتقد أن تلك معاملة مهذَّبة لشريكٍ في العمل؟»
«سيدي العزيز، أنا لا آخذ دروسي عن التهذيب منك. إن رضاءك أو عدمَ رضائك عن معاملتي لك أمرٌ لا يعنيني على الإطلاق. لقد سئمتُ من الوجود في جوٍّ من الشك، وقد طفح بي الكيلُ من ذلك؛ هذا كل ما في الأمر. أنت تعتقد أنَّ هناك شيئًا يُدبَّر في الخفاء ضدك — أنت والسيد ونتوورث تعتقدان ذلك — ومع ذلك، ليس لديكم من «البراعة»، كما يُسمُّونها هنا، أو الذكاء ما يُتيح لك اكتشافَه. دعني أقُل لك إن على الرجل الذي لديه شكوكٌ لا يستطيع إثباتَ صحتها أن يحتفظ بها لنفسه حتى يُمكنه إثباتُها. هذه هي نصيحتي لك. أتمنى لك يومًا طيبًا.»
سار جون كينيون عائدًا إلى فندقه، ولديه هواجسُ أكثر من ذي قبل. كتب رسالة إلى ونتوورث ذكَر فيها تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين لونجوورث، وأخبره أن ميلفيل رحل عائدًا للوطن، ونصحه بأن يراه عندما يصل. ولقد بقي كينيون تلك الليلة في نيويورك، وأخذ قطار الصباح المتجهَ إلى مونتريال. وفي الوقت المناسب، وصل إلى أوتاوا، وتوجَّه لزيارة فون برينت. ووجد الرجل في مكتبه، وبدا كما لو أنه لم يُغادِرْه قط منذ أن تم التوقيع على عقد الخيار. لم يتعرف فون برينت في البداية على زائره، وبعد أن حملق فيه للحظة، قام من كرسيِّه وسلَّم عليه.
وقال: «أنا بالفعل لم أتعرَّف عليك؛ لقد تغيرتَ كثيرًا منذ آخر مرة رأيتُك فيها. تبدو متعبًا ولستَ على ما يُرام على الإطلاق. ما بك؟»
«لا أعتقد أنَّ هناك شيئًا بي. أنا في صحة جيدة جدًّا، شكرًا لك؛ لديَّ بعض المشاكل الخاصة بالعمل، هذا كل ما في الأمر.»
قال فون برينت: «آه، نعم؛ أنا حزين جدًّا في واقع الأمر على أنك فشلتَ في تأسيس شركتك.»
ردَّد كينيون ما قاله: «فشلت!»
«نعم؛ إنك لم تنجح في ذلك، أليس كذلك؟»
«حسنًا، أنا لا أعتقد أن هذا صحيح؛ إننا على الأرجح سننجح في ذلك. لقد قابلتَ لونجوورث وميلفيل، اللذين أتَيا لرؤية المنجم، أليس كذلك؟ لقد قابلتُ لونجوورث في نيويورك، وقال لي إنك قد أخذتَهما إلى هناك.»
«هل هما مهتمَّان معكما بأمر المنجم؟»
«بالتأكيد؛ إنهما يُساعداننا في تأسيس الشركة.»
بدا فون برينت مندهشًا.
«أنا لم أفهم ذلك على الإطلاق. في الواقع، لقد فهمتُ العكس تمامًا. ظننت أنكما قد حاولتما تأسيس الشركة، وفشلتما في ذلك. لقد أراني هجومًا في إحدى الصحف المالية عليك، وقال إن هذا قد قضى على فرصِكما في تأسيس شركة في لندن. وقد حضرا إلى هنا، على ما يبدو، من أجل مصلحةٍ خاصة بهما.»
«ماذا كانت هذه المصلحة؟»
«شراء المنجم.»
«هل اشترياه؟»
«عمَليًّا، نعم. بالطبع، ما دام عقدُ الخيار الخاص بك ساريًا، لا يمكنني بيعه، لكنه، كما تعلم، سينتهي في غضون بضعة أيام.»
بعد أن وجد كينيون أن أسوأ شكوكه قد تحقَّق، انعقد لسانُه من الدهشة، ومن شدة ضيقه انهمرَت من جبينه قطرات العرق التي تجمَّعَت هناك.
قال فون برينت: «يبدو أنك قد اندهشتَ من هذا.»
«أنا مندهشٌ بشدة.»
«حسنًا، أنت لا يمكن أن تُلقي باللوم عليَّ. لقد تعاملت بأمانةٍ تامة في هذا الأمر. أنا لم أكن أعرف أن لونجوورث، والرجل الذي كان معه، لهما أيُّ علاقة بك. لقد قالا لي إن ذلك المقال قد جذب انتباههما للمنجم. وقد تفحَّصاه وبدَوَا مقتنِعَين بأن هناك شيئًا فيه … أقصد، في المنجم، وليس في المقال. لقد قالا إنهما قد حضرا اجتماعًا قد دعَوتَ أنت له، لكن كان من الواضح للغاية أنك لن تكون قادرًا على تأسيس الشركة. لذا، أتَيا إلى هنا وقدَّما لي عرضًا بدفع ثمن عقد الخيار الخاصِّ بالمنجم نقدًا. ولقد أودعا عشرين ألف جنيه في البنك هنا، وفي يوم انتهاء مدة عقد الخيار، سيُعطيانني شيكًا بالمبلغ.»
رد كينيون: «أنا الملوم في هذا الأمر.» ثم أضاف: «لقد تعرضتُ للغشِّ والخداع. لقد كانت لديَّ شكوكٌ كبيرة في الأمر طوال الوقت، لكنني لم أسعَ للتأكُّد من صحتها. لقد كنتُ جبانًا ورِعْديدًا بشدة. لقد تظاهر هذا الرجل الذي يُسمى لونجوورث بمساعدتي في تأسيس الشركة. وكل ما فعله كان يهدف لإضاعة الوقت عليَّ. لقد أتى إلى هنا، في الظاهر، من أجل صالح الشركة التي كنتُ أؤسِّسها، وقد حصَل الآن على عقد الخيار لنفسه.»
رد فون برينت: «نعم، لقد فعل.» ثم أضاف: «دعني أقُل إنني أشعر بحزنٍ شديد بالفعل على المسار الذي اتخذَته الأمور. بالطبع، وكما قلتُ لك، أنا لم تكن لديَّ أدنى فكرةٍ عن حقيقة الوضع. كما ترى، أنت لم تُودِع لي أيَّ عربون، ويجب أن أهتمَّ بمصلحتي. لكن عقد الخيار ما زال ساريًا لبضعة أيام أخرى، ولن أبيع المنجم لهما حتى آخرِ دقيقة فيه. هل هناك أيُّ فرصة لحصولك على المبلغ قبل هذا الوقت؟»
«على الإطلاق.»
«حسنًا، كما ترى، في هذه الحالة أنا لا حيلة لي. أنا مقيد بوثيقة قانونية لبيع المنجم لهما عند استلام مبلغ عشرين ألفَ جنيه في اللحظة التي ينتهي فيها عقدُ الخيار. لقد تم التوثيق القانوني لكلِّ شيء، وأنا لا حيلة لي تمامًا في الأمر.»
رد جون: «نعم، أفهم ذلك.» ثم أردف: «وداعًا.»
ذهب إلى مكتب التلغراف وأرسل برقية.
تسلَّم ونتوورث البرقية في لندن في صباح اليوم التالي. وكان نصُّها:
لقد خُدِعنا. لقد حصَل على عقد الخيار الخاصِّ بالمنجم لنفسه.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثالث والثلاثون
عندما تسلَّم جورج ونتوورث تلك البرقية، قرأها عدة مرات جيدًا قبل أن يتجلَّى له معناها الكامل. ثم أخذ يَذْرع غرفته ذهابًا وإيابًا، وأطلق العِنان لمشاعره. إن أفضل أصدقائه، الذين حَظُوا بفرصة الاستماع لجورج وهو غاضبٌ بشدة، أقروا بأن هذا الشاب كانت لديه طَلاقةٌ في التعبير تتميز بأنها موجزة على نحوٍ بليغ أكثرَ من كونها ملائمة. وعندما أصبح المغزى الحقيقيُّ للبرقية واضحًا أمامه، تفوَّق جورج على نفسه في هذه الناحية بالذات. ثم أدرك أنه مهما كانت قدرةُ هذه اللغة على مواساة رجلٍ غاضب للغاية، فإنها ليست ذاتَ جدوى كبيرةٍ بأي نحوٍ عمَلي. لذا، أخذ يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا في صمت، ويسأل نفسه عما يُمكنه فعله، وكلما فكَّر في الأمر، قلَّ احتمال رؤيته لحل. لذا، ارتدى قبعته وذهب إلى الغرفة الأخرى.
وقال لشريكه: «هنري، هل تعرف أحدًا يُمكنه إقراضي عشرين ألف جنيه؟»
ضحك هنري. إن فكرة قيام شخصٍ بإقراض هذا المبلغ، إلا إذا كانت هناك ضمانةٌ كبيرة جدًّا، كانت في حدِّ ذاتها مضحكةً للغاية.
قال: «هل تريده اليوم؟»
«نعم، أريده اليوم.»
«حسنًا، أنا لا أعرف أيَّ طريقة أفضلَ لفعل ذلك من أن تخرج إلى الشارع وتسأل أيَّ شخص تُقابله إن كان معه هذا المبلغ. أنت بالتأكيد ستصادف أشخاصًا معهم أكثرُ من عشرين ألف جنيه بكثير، وربما أحدهم، بعد أن يُعجَب بمظهرك الرزين في تلك اللحظة، سيعطيك المبلغ. لكنني أعتقد، يا جورج، أنك ستنجح في مسعاك أكثرَ إن قابلتَ صاحب رأس المال في حارة منعزلة في إحدى الليالي المظلمة، واصطحبتَ معك عصًا قوية.»
رد جورج: «أنت على حق.» ثم أضاف: «بالطبع، إن احتمال صعودي للقمر يتساوى مع احتمال حصولي على هذا المبلغ من المال في غضون وقتٍ قصير.»
«نعم، أو أيضًا في غضون وقت طويل، بحسب اعتقادي. أعرف الكثير من الأشخاص الذين لديهم أموال، لكنني لن آخذَ على عاتقي طلبَ هذا المبلغ منهم، وأعتقد أنك لن تفعل. ومع ذلك، إن السبيل الوحيد المتاحَ أمامك هو المحاولة. إن مَن يُحاول قد ينجح، لكن لا يمكن لأحدٍ أن ينجح دون أن يُحاول. لماذا لا تذهب للونجوورث العجوز؟ إنه يمكن أن يُقرِضَك المبلغ في لحظة إن أراد أن يفعل هذا. إنه يعرفك. ما الضمانة التي لديك؟ ما الذي ستفعله به؛ ذلك المنجم السرمديُّ الخاص بك؟»
«نعم، هذا «المنجم السرمدي»؛ أريده أن يكون مِلكي. هذا ما أريد العشرين ألف جنيه من أجله.»
«حسنًا، يا جورج، أنا لا أرى أنَّ هناك أملًا كبيرًا أمامك. أنت لم تتحدث مع لونجوورث العجوز بشأن هذا الأمر، أليس كذلك؟ إنه لم يكن من ضمن الأشخاص الذين أردتَ انضمامهم لهذه الشركة، أليس كذلك؟»
«نعم، إنه لم يكن كذلك. أتمنى لو كان كذلك. إنه كان سيتعامل معنا على نحوٍ أفضل مما فعل ابنُ أخيه الوغد.»
«آه، إن هذا الشاب الذي لا غبار عليه كان يُمارس عليك بعض ألاعيبِ الخداع، أليس كذلك؟»
«لقد خدَعني في شيء واحد، وكان ذلك كافيًا.»
«حسنًا، لماذا لا تذهب وتقابل الرجل العجوز، وتكشف الأمر أمامه؟ إنه يُعامل ابن عمه كما لو كان ابنه. إن أيَّ شخص سيفعل الكثيرَ من أجل ابنه، وربما يفعل لونجوورث العجوز شيئًا من أجل ابن أخيه.»
«نعم، لكن يجب عليَّ أن أوضح له أن ابنَ أخيه نذل.»
«رائعٌ للغاية؛ هذا بالضبط هو نوع التوضيح الذي سيجعلك تحصل على العشرين ألف جنيه. إن كان ابنُ أخيه نذلًا بحق، ويُمكنك إثباتُ هذا، فأنت لن تحتاج إلى حُجة أفضل من ذلك للحصول على أموال الرجل العجوز.»
رد ونتوورث: «يا إلهي! أعتقد أنني سأقوم بتلك المحاولة. أريد أن أجعله يعرف، على أيِّ حال، حقيقةَ ابن أخيه. سأذهب لمقابلته.»
قال الآخر، وقد عاد إلى عمله: «وأنا أيضًا أريد ذلك.»
وهكذا، ذهب جورج ونتوورث، بعد أن وضع البرقية في جيبه، لمقابلة السيد لونجوورث العجوز وكان في حالةٍ مِزاجية ليس من المفترض أن يُقابل فيها أحدًا. إنه لم ينتظر أن يُؤذَن له بالدخول، لكنه سار، لدهشة موظف الاستقبال، مباشرةً إلى غرفة السيد لونجوورث. ووجد الرجلَ العجوز جالسًا على مكتبه.
قال رجل المال بحرارة: «طاب يومك، سيد ونتوورث.»
رد جورج بإيجاز: «طاب يومك.» ثم أردف: «لقد جئتُ لأقرأَ عليك إحدى البرقيات، أو أجعلَك تقرؤها.»
ألقى الورقة أمام الرجل العجوز، الذي عدل نظارته على عينَيه، ثم قرأها. ثم نظر مستفسرًا إلى ونتوورث.
قال الآخَر: «أنت لم تفهمها، أليس كذلك؟»
«أقرُّ أنني لم أفهمها. إن لونجوورث المذكور في تلك البرقية ليس أنا، أليس كذلك؟»
«نعم، إنه ليس أنت، بل أحد أفراد عائلتك. إن ابنُ أخيك، ويليام لونجوورث، نذل!»
رد الرجل العجوز، وهو يضع البرقية على المكتب ثانية ويخلع نظارته: «آه! هل أتيتَ لتقول لي هذا؟»
«نعم، هذا صحيح. هل كنتَ تعرف هذا من قبل؟»
أجاب الرجل العجوز، وقد بدأ وجهه يتورَّد: «لا، لم أفعل؛ وأنا لا أعتقد ذلك الآن. ما أعرفه هو أنك قلتَ هذا، وأرى أنه من المحتمل للغاية أنك ستودُّ الرجوع فيما قلتَه. إنني على الأقل سأعطيك الفرصةَ كي تفعل هذا.»
«أنا لن أرجع فيما قلتُه، يا سيد لونجوورث، وسأُثبته لك. إن ابن أخيك دخل في شَراكة معي أنا وصديقي كينيون كي نطرح أحد المناجم الكندية للبيع في سوق لندن.»
قاطعه الرجل العجوز: «سيدي العزيز، أنا ليست لدي أيُّ رغبة في سماع أيِّ شيء عن مضاربات ابن أخي الخاصة؛ أنا ليست لي أيُّ علاقة بها. أنا ليست لي أي علاقة بمنجمك. إن الأمر ليست له أيُّ أهمية على الإطلاق بالنسبة إليَّ، ويجب أن أرفض سماع أي شيء بشأنه. أنت، أيضًا، إذا سمحتَ لي بأن أقول هذا، لست في حالة مِزاجيةٍ تسمح لك بالحديث مع أي شخص. إن أردتَ أن تأتي إلى هنا مرة أخرى عندما تُصبح أكثر هدوءًا، فسأكون مسرورًا للغاية لسماع ما تود قوله.»
«أنا لن أكون أكثرَ هدوءًا أبدًا بشأن هذا الموضوع. لقد قلتُ لك إن ابنَ أخيك نذل. أنت تريد إنكار هذا الاتهام.»
«أنا لا أنكره؛ لقد قلتُ فقط إنني لا أعلم ما الأمر، وأنا لا أصدِّق ما تقول، هذا كلُّ ما في الأمر.»
«رائع جدًّا؛ عندما أبدأ في تقديم الدليل على أن الأمور كما أقول …»
صاح الرجل العجوز، ببعض الغضب: «سيدي العزيز، إنك لا تُقدم لي أيَّ دليل. إنك تقدم فقط ادِّعاءات، وهي ادعاءاتٌ عن رجل غائبٍ عن مجلسنا … إنه ليس موجودًا هنا حتى يُمكِنَه الدفاع عن نفسه. إن كان لديك أيُّ شيء ضد ويليام لونجوورث، فتعالَ وقله عندما يكون موجودًا هنا، وهو سيُدافع عن نفسه. إنه لَجُبن منك، وتصرفٌ حقير في حقي، أن تُوجِّه عددًا من الاتهامات لن أكون بأي نحوٍ قادرًا على الرد عليها.»
«ألن تستمع لما عليَّ قولُه؟»
«نعم؛ لن أفعل.»
«إذن، والله، ستفعل!» وهنا، أسرع ونتوورث إلى الباب، وأدار المفتاح، بينما قام الرجل العجوز من كرسيِّه وواجه الآخَر.
«هل تقصد تهديدي، يا سيدي، في مكتبي؟»
«أقصد القول، يا سيد لونجوورث، إنني قد ذكرتُ أمرًا وسأسعى لإثباته لك. أقصد أنك ستستمع إليَّ، وستستمع إليَّ الآن!»
«وأنا أقول لك، إن كان لديك أيُّ اتهام ضد ابن أخي، إن عليك أن تأتيَ وتقوله بينما هو موجود هنا.»
«عندما يكون موجودًا هنا، سيد لونجوورث، سيكون قد فات أوانُ قولِه؛ في الوقت الحاضر، يمكنك إصلاحُ الضرر الذي تسبب فيه. أما عندما يعود إلى إنجلترا، فلن يُمكِنَك فعلُ هذا، بغض النظر عن مدى رغبتك في القيام بالأمر.»
وقف الرجل العجوز في حيرةٍ للحظة، ثم جلس في كرسيه ثانيةً.
ثم قال متنهدًا: «حسنًا جدًّا؛ أنا لستُ مستعدًّا للمقاومة كما كنتُ من قبل. اسرد لي قصتك.»
رد ونتوورث: «قصتي قصيرة جدًّا؛ إنها ببساطة كالتالي: هل تعرف أن ابنَ أخيك قد دخل في شراكة معنا فيما يتعلق بالمنجم الكندي؟»
أجاب السيد لونجوورث: «لقد قلتُ لك إنني لا أعرف أيَّ شيء عن هذا.»
«رائع جدًّا، ها أنت قد عرَفتَ الآن.»
«أنا أعرف أنك قلتَ هذا.»
«هل تشكُّ فيما أقول؟»
«سأردُّ عليك على نحوٍ أكثر تحديدًا عندما أسمع ما تريد قوله. تفضَّل.»
«حسنًا، ابنُ أخيك، بعد أن تظاهرَ بأنه يُساعدنا في تأسيس هذه الشركة، فعَل كلَّ ما يمكن لإعاقة تقدُّمنا. لقد أجَّر مقرًّا استغرق وقتًا طويلًا في تجهيزه، وكان علينا في النهاية تولِّي أمره بأنفسِنا. ثم سافر لمدة أسبوع، دون أن يترك لنا عُنوانه، ورفض الردَّ على الرسائل التي أرسلتُها له على مكتبه. وبذريعةٍ أو بأخرى، تأخَّر تأسيسُ الشركة؛ حتى في نهاية المطاف، عندما بقي على انتهاء مدة عقد الخيار الذي لدى السيد كينيون على المنجم أقلُّ من شهر، ذهب ابنُ أخيك لأمريكا بصحبة السيد ميلفيل، ظاهريًّا لرؤية المنجم وكتابة تقريرٍ عنه. وبعد انتظارٍ دام لمدَّة طويلة من الوقت وعدمِ سَماع أي شيء منه (لقد وعدَنا بإرسال برقية لنا)، ذهب كينيون إلى أمريكا لتجديد عقد الخيار. تلك البرقية تُوضِّح مدى نجاحه في مهمته. لقد وجد، لدى ذَهابه إلى هناك، أن ابن أخيك قد حصَل لنفسه على عقد خيارٍ على المنجم، وكما يقول كينيون، لقد خُدِعنا. والآن، هل لديك أيُّ شكٍّ في أن ابن أخيك نذل؟»
فكَّر السيد لونجوورث لبضع لحظات فيما قاله له الشاب.
«إن كان ما قلتَه صحيحًا تمامًا، فلا يوجد شكٌّ في أن ويليام متهمٌ بالقيام بممارسة غير شريفة.»
صاح الآخر: «ممارسة غير شريفة!» ثم أردف: «من الأحرى أن تقول عنها إنها ممارسة غيرُ شريفة تقوم على السرقة!»
«سيدي العزيز، لقد استمعتُ إليك؛ والآن، أطلب منك الاستماعَ إليَّ. إن، كما قلتُ، كان ما قلتَه صحيحًا، فإن ابن أخي قد ارتكب فعلًا أرى أن أيَّ رجل شريف ما كان سيفعله؛ لكنني لا يُمكنني الحكم على هذا حتى أسمعَ جانبه من القصة. قد يُغيِّر هذا من ملامح الأمر، وأنا لا أشكُّ أنه سيفعل هذا؛ لكن حتى مع التسليم بصحة روايتك من كافة الأوجه، ماذا عليَّ فِعلُه بشأن الأمر؟ أنا لستُ مسئولًا عن أفعال ابن أخي. يبدو أنه قد دخل في علاقةِ عملٍ مع شابَّين، وقد فاقَهما ذكاءً. هذا على الأرجح ما سيقوله الجميعُ عن الأمر. وربما، كما قلت، هو متهمٌ بالقيام بشيء أسوأ، وقد خدعَ شريكَيه. لكن حتى مع التسليم بصحةِ كل ما قلتَه، أنا لا أرى بأيِّ نحوٍ كيف أنني مسئولٌ عن الأمر.»
«قانونًا، أنت لستَ مسئولًا؛ أما أدبيًّا، فأعتقدُ أنك كذلك.»
«لماذا؟»
«إن كان ابنَك …»
«لكنه ليس ابني؛ إنه ابنُ أخي.»
«إن ارتكب ابنُك جريمة سرقة، ألن تفعل كلَّ ما في وُسعك لتُصلح الضرر الذي تسبَّب فيه؟»
«قد أفعل، وقد لا أفعل. بعضُ الآباء يدفعون ديون أبنائهم؛ والبعض الآخَرُ لا. أنا لا يمكنني تحديدُ الإجراء الذي عليَّ اتخاذه في حالةٍ متخيَّلةٍ بالكامل.»
«رائعٌ جدًّا؛ كل ما أود قوله هو أن عقد الخيار ستنتهي مدتُه في غضون يومين أو ثلاثة. إنَّ دفْع عشرين ألف جنيه سيضمنُ امتلاكنا للمنجم. أريد الحصول على هذا المبلغ قبل أن تنتهيَ مدة العقد.»
«وهل تتوقع مني أن أدفع لك عشرينَ ألف جنيه من أجل هذا؟»
«نعم، أتوقع هذا.»
أسندَ لونجوورث العجوز ظهره إلى كرسيِّ مكتبه، ونظر إلى الشاب باندهاش.
«عندما أرى أنك، وأنت أحدُ رجال حي السيتي، قد أتيتَ إليَّ، وأنا أيضًا أحد رجال هذا الحي، وفي ذهنك تلك الفكرةُ السخيفة، أجد الأمر غريبًا.»
«إذن سُمعة عائلة لونجوورث لا تعني شيئًا لك؛ أنا أقصد، السُّمعة الطيِّبة؟»
«السمعة الطيبة لعائلة لونجوورث، يا سيدي العزيز، أهمُّ شيء بالنسبة إليَّ؛ لكنني أعتقد أنها ستعتني بنفسِها دون أن تحتاج إلى أيِّ مساعدة من جانبك.»
ساد الصمتُ لبضعِ لحظات. ثم قال ونتوورث، بصوتٍ فيه حزنٌ مكتوم:
«أعتقد، يا سيد لونجوورث، أن أحد أفراد أسرتِك نذل؛ وأنا الآن أودُّ القول إنني أرى أن الصفة تمتدُّ من ابن الأخِ لتشملَ العم. أنت لديك فرصةٌ لإصلاح الضرر الذي أحدثَه أحدُ أفراد أسرتك. لقد ردَدتَ عليَّ باحتقار. ولم تُبدِ أيَّ إشارة لرغبتك في تقديم أي تعويض.»
ثم فتح الباب.
قال السيد لونجوورث العجوز، وهو يقوم: «أنا لا أُصدق ما تقول، هذا يكفي، هذا يكفي، يا سيد ونتوورث.» ثم ضغط على جرس كهربي، وعندما جاء موظف الاستقبال، قال له: «أوصل هذا الرجل إلى الباب، من فضلك، وإن جاء إلى هنا ثانيةً، لا تسمح له بالدخول.»
وهكذا، اصطحب موظفُ الاستقبال جورج ونتوورث، وهو يقبض يدَيه من الغضب، إلى الباب. وقد قضى بقية اليوم يُفكر في حقيقة أن الرجل الغاضب نادرًا ما يُحقق هدفه.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الرابع والثلاثون
أفسد اللقاءُ العاصف الذي جرى بين ونتوورث والسيد لونجوورث الهدوءَ المعتاد للأخير. ورجع في تلك الليلة إلى المنزل في وقتٍ أبكر من المعتاد بالنسبة إليه، وكلما فكَّر في الواقعة التي تعرَّض لها، بدَت غيرَ مبرَّرة. أخذ يتساءل عما فعله ابنُ أخيه بالفعل، وحاول تذكُّرَ الاتهاماتِ التي وجَّهها إليه ونتوورث. لم يستطِع تذكُّر الأمر؛ نظرًا إلى أن الأجزاء التي كانت تُثير غضبه أكثرَ من اللقاء قد جعلَت الاتهامات تتبخَّر من عقله. لكن بقي هناك استياءٌ مرير من ونتوورث. راجع السيد لونجوورث نفسه ليرى إن كان من الممكن أن يُلام في أي شيء، لكنه لم يجد أيَّ شيء في تعاملاته مع هذا الشاب يمكن أن يجعله يشعر بأيِّ نحوٍ أنه مسئول عن الكارثة التي حلَّت بونتوورث وصديقِه. ولقد قرأ صحيفته المسائية المفضَّلة باهتمامٍ أقلَّ من المعتاد؛ إذ كانت الواقعة التي جرَت في مكتبه تأتي على باله من آنٍ لآخَر. وفي النهاية، قال بحدَّة:
«إديث!»
ردَّت ابنتُه: «نعم، يا أبي.»
«هل تتذكَّرين ذلك الشخص الذي يُسمى ونتوورث، هذا الذي دعَوتِه للحضور إلى هنا في مساء اليوم الذي سافر فيه ويليام؟»
«نعم. يا أبي.»
«رائع جدًّا. لا تَدْعيه لهذا المنزل مرةً ثانيةً.»
سألت الفتاة بصوت منزعج بعضَ الشيء: «ما الذي فعله؟»
استمر أبوها في حديثه، متجاهلًا سؤالها: «وأودُّ أيضًا ألا تَدْعي أبدًا أي شخص قريب منه؛ ذلك الشخص الذي يُدعى كينيون، على سبيل المثال.»
ردت: «أعتقد أن السيد كينيون ليس موجودًا في هذا البلد حاليًّا.»
«إنه كذلك، لكنه سيعود ثانيةً، على ما أعتقد. على أي حال، أودُّ ألا تكون لنا أيُّ علاقة بهؤلاء الأشخاص. أتفهمين هذا؟»
«نعم، يا أبي.»
استمرَّ السيد لونجوورث في قراءته. رأت إديث أن أباها متضايق بشدَّة، وكانت متلهفةً لمعرفة السبب، لكنها كانت على دراية كافية بالطبيعة البشرية بحيث تُدرك أنه في غضون وقتٍ قصير سيُنهي قلقَها. لقد بدا ثانيةً أنه يُحاول تركيز انتباهه على الصحيفة. وبعد مدَّة، ألقاها، والتفتَ إليها.
وقال بمرارة: «هذا الرجل الذي يُدعى ونتوورث تصرَّف معي اليوم في مكتبي على نحوٍ غيرِ مبرر على الإطلاق. يبدو أن ويليام وهو وكينيون قد اشترَكوا معًا في مشروع خاصٍّ بأحد المناجم. لم أكن أعرف شيئًا عن مَسْعاهم، ولم تتمَّ حتى استشارتي بشأنه. والآن، يبدو أن ويليام قد ذهب إلى أمريكا وفعل شيئًا يعتبره ونتوورث تصرفًا أضرَّ بهما. لقد أتى إليَّ ونتوورث، وطلب مني عشرين ألف جنيه — وهو أغربُ شيء سمعته على الإطلاق — وقال إنني عليَّ دفعه له لأُحافظ على السمعة الطيبة لعائلة لونجوورث. كما لو أن السمعة الطيبة للعائلة تعتمد عليه أو أيِّ شخص مثله! لقد طردتُه من المكتب.»
لم تُجِب إديث لبضع لحظات، بينما عبَّر أبوها عن استيائه بعبارات حادة لا حاجة إلى ذكرها هنا.
قالت بعد فترة: «هل ذكر كيف أضرَّ ويليام بهما؟»
«أنا لا أتذكر الآن ما قاله بالضبط. أتذكر أنني قد أخبرتُه بأن يأتي ثانيةً عندما يكون ابنُ أخي موجودًا، ويُوجِّه اتهاماته إليه إن أراد فعل هذا. هذا ليس معناه أنني أقرُّ بأن لي أيَّ علاقة على الإطلاق بالأمر، لكنني ببساطة رفضتُ الاستماع لاتهاماتٍ موجَّهة إلى إنسان غيرِ موجود معنا. أنا لم أُبدِ أي انتباه لها.»
ردت إديث: «هذا بالتأكيد كان منطقيًّا.» ثم أردفَت: «ما كان ردُّه على هذا؟»
«أوه، لقد أساء إليَّ، وإلى ويليام، وتجاوز الحدَّ بشدة حتى اضطُرِرت إلى طرده من المكتب.»
«ما الذي قاله عن مقابلة ويليام لدى عودته، وتوجيه الاتهامات إليه حينها؟»
«ما الذي قاله؟ أنا لا أتذكر. أوه، نعم! لقد قال إن أوان القول سيكونُ قد فات حينها؛ وإنه يتبقَّى فقط بضعة أيام على العمل الذي عليهما القيامُ به، وهذا ما جعله يطلبُ العشرين ألف جنيه. إن دفعي هذا المبلغ كان سيدفعُ الضرر، أيًّا كان، الذي تسبَّب فيه ويليام. أرى الأمر ببساطةٍ باعتباره محاولةَ ابتزاز من جانبه، وأنا مندهش من محاولة شخصٍ ينتمي لشركة جيدة جدًّا مثل شركته ممارسةَ هذه اللعبة عليَّ. سأتحدث غدًا مع شريكه الأكبر عن الأمر، وإن لم يجعل هذا الشابَّ يعتذر بندمٍ شديد، فسيكون هو الخاسر، يمكنني إخبارُه بهذا.»
«لن أُفكر ثانيةً في الأمر، يا أبي، لو كنتُ مكانك. لا تدَع الأمر يُضايِقْك على الإطلاق.»
«أوه، إنه لا يُضايقني، لكن الشباب هذه الأيام يبدو أنهم يعتقدون أنَّ بإمكانهم قولَ أي شيء لمن هم أكبرُ منهم.»
ردَّت: «أقصد أنني ما كنتُ سأذهب لشريكه في اليوم التالي أو الذي يليه. انتظر وانظر كيف ستسير الأمور. أنا ليس لدي شكٌّ أنه، عندما يُفكر في الأمر، سيشعر بالخزي الشديد من نفسه.»
«حسنًا، أتمنى ذلك.»
«إذن أعطِه الفرصة كي يشعر بالخزي من نفسه، ولا تأخذ أيَّ خطوات أخرى في الوقت الحاضر.»
ذهبَت إديث بعد ذلك بوقتٍ قصير إلى غرفتها؛ وهناك، وهي تُشبك يدَيها خلف ظهرها، أخذت تسير جيئة وذهابًا وهي تُفكر، بقلبٍ مهموم بشدة، فيما سمعَته. كان تصوُّرها للواقعة مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي كان لدى أبيها. لقد كانت متأكدةً أن ابن عمها قد قام بشيء شائن. إنها كانت لمدَّة طويلة تشكُّ في الصداقة المزعومة بينه وبين الشابَّين، وهي الآن تصوَّرَت جون كينيون في أدغال كندا وهو محبطٌ وقليل الحيلة بسبب الخداع الشديد الذي تعرَّض له. ولم تذهب إلى النوم إلا في ساعةٍ متأخرة جدًّا من الليل، واستيقظَت في وقت مبكر جدًّا من صباح اليوم التالي. كان أبوها مبتهجًا ورائقًا على الإفطار، وقد نسي على ما يبدو كلَّ شيء عن الواقعة المؤلمة التي حدَثَت في اليوم السابق. إن النوم الجيد بالليل قد مَحاها من ذاكرته. كانت إديث سعيدةً لهذا، ولم تذكر الموضوع. وبعد أن ذهب لعمله، أعدَّت ابنتُه نفسها لتتبعه. لم تأخذ عربتها، لكنها استأجرت عربةَ أجرة تجرُّها الخيول، وأعطت السائق رقمَ البناية التي يوجد بها مكتب ونتوورث. اندهش هذا الشابُّ على ما يبدو بعض الشيء لرؤيتها. لقد كان يُحاول أن يكتب لكينيون عما حدث في لقائه مع السيد لونجوورث العجوز؛ لكن بعد أن انتهى، اعتقد أن جون كينيون ما كان سيُعجبه ما فعله؛ لذا، كان قد مزَّق لتوِّه الرسالة.
قال، وهو يدفع كرسيًّا ذا ذِراعين إلى المكان المناسب: «تفضلي هذا الكرسي.» ثم أردف: «إنه الكرسي المريح الوحيد الذي لدينا في الغرفة.»
ردَّت الآنسة لونجوورث: «الراحة ليست مهمة.» ثم أضافت: «لقد أتيتُ لأراك بشأن منجم الميكا. ماذا فعل ابنُ عمي؟»
«كيف عرَفتِ أنه قد فعل أي شيء؟»
«هذا غيرُ مهم. لقد عرَفت. أخبِرني بأقصى سرعتك ماذا فعل.»
قال: «إنها ليست قصةً لطيفة للغاية بحيث يكون من المناسب سردُها على مسامع فتاة عن أحد أقاربها.»
«لا عليكَ من هذا. أخبرني بالأمر.»
«رائعٌ للغاية، لقد فعل ما يلي: لقد تظاهر بأنه صديقنا، وتعهَّد بمساعدتنا في تأسيس هذه الشركة. وقد أخَّرَنا بكل الطرق التي في استطاعتِه حتى أصبحَت مدة عقد الخيار على وشك الانتهاء. ثم ذهب إلى كندا وحصل لنفسه، ولرجلٍ يُدعى ميلفيل، على عقد الخيار الخاصِّ بالمنجم عندما تنتهي مدة عقد جون كينيون؛ أي غدًا في الساعة الثانية عشرة، عندما تنتهي مدةُ عقد كينيون، سيدفع ابنُ عمِّك المال ويمتلك المنجم؛ وحينها، بالطبع، سأكون أنا وكينيون خارجَ الأمر. أنا لا تُهِمني الخَسارة على الإطلاق — أنا لن أتوانى عن إعطاء كينيون نصيبي — أما بالنسبة إلى جون، فهذه ضربةٌ موجعة. لقد كان ينتظر الحصولَ على المال ليدفع الدَّين الذي يرى أنه يَدين به لأبيه فيما يتعلَّق بمصاريف تعليمه. إنه يَدْعوه دَينَ شرف، رغم أنه ليس كذلك بالمعنى العاديِّ للكلمتين. لذا، بدا لي أنه من المريع أن …» هنا توقَّف عن الكلام ولم يُسهِب فيه. لاحظ أنَّ هناك دموعًا في عينَي الفتاة التي كان يتحدث إليها. ثم أضاف: «إنه لمن القسوة أن أُخبرك بكل هذا. أنتِ لا يمكن أن يُلقى عليك بأيِّ لوم، ولا على أبيك كذلك، على الرغم من أنني تحدثتُ إليه بأسلوب غاضب أمس.»
«متى قلتَ إن عقد الخيار سينتهي؟»
«في الساعة الثانية عشرة غدًا.»
«ما المبلغ المطلوب لشراء المنجم؟»
«عشرون ألف جنيه.»
«هل يمكن إرسال المال إلى كندا عن طريق الإبراق؟»
«نعم، أعتقد هذا.»
«ألستَ متأكدًا تمامًا من هذا؟»
«نعم، لستُ متأكدًا. إنه يمكن إرساله بالإبراق في هذا البلد، وفي أمريكا.»
«كم من الوقت ستستغرق لتتأكدَ من هذا؟»
«فقط بضع لحظات.»
«رائعٌ جدًّا. أين السيد كينيون الآن؟»
«كينيون في أوتاوا. لقد وصلَتني برقيةٌ منه أمس.»
«إذن، هلَّا تكتب برقية، يمكن إرسالُها على الفور، تطلب منه فيها الانتظارَ في مكتب التلغراف حتى يحصل على رسالةٍ أخرى منك؟»
«نعم، يُمكنني فعل هذا؛ لكن ما جدوى هذا؟»
«لا تهتمَّ؛ ربما لن تكون له أيُّ جدوى. سأحاول جعله ذا جدوى. وفي غضونِ ذلك، ضَعْ في اعتبارك، في حالة نجاحي في مسعاي، أن جون كينيون يجب ألا يعرف أبدًا تفاصيل هذا الأمر.»
«إنه لن يعرفَ أبدًا … إن أردتِ هذا.»
«إنني أريد هذا بالفعل. والآن، هناك فرقُ ستِّ ساعات بين بلدنا وكندا، أليس كذلك؟»
«تقريبًا هكذا، على ما أعتقد.»
«رائع جدًّا؛ أرسِل على الفور البرقيةَ له، واطلب منه أن يردَّ عليك، حتى نتأكَّد من أنه هناك في المكان المحدَّد. ثم اسأل عن مسألة إرسال المال بالإبراق. سأعود إلى هنا، كما أعتقد، بأسرعِ ما يمكن.»
وهنا، غادرَت المكتب، وركبَت عربة الأجرة الخاصة بها، وذهبت إلى مقرِّ العمل الخاص بأبيها.
قال الرجل العجوز، وهو يدفع نظارته إلى جبينه وينظر إليها: «حسنًا، يا فتاتي، ما الأمر … مغامرةٌ جديدة؟»
«نعم، يا أبي، مغامرة جديدة.»
كان من الواضح أن ابنتَه كانت منفعلة، وكانت أنفاسُها متلاحقة. أغلقت الباب، وجلسَت على كرسيٍّ مقابلٍ لكرسي أبيها.
ثم قالت: «أبي، أنا مساعِدتُك، كما تَدْعوني، منذ مدَّة طويلة.»
«نعم، إنك كذلك. هل ستُضربين عن العمل حتى تحصلي على زيادة في الراتب؟»
ردَّت بجدية، دون أن تنتبه إلى نبرة المزاح التي كانت في صوته: «أبي، هذا أمر جادٌّ للغاية. أريدك أن تُعطيني بعض المال من أجل أن أُضارب به.»
«سأفعل هذا بكل سرور. كم تريدين؟»
أدار الرجل العجوز كرسيَّه وأخرج دفتر شيكاته.
ردت: «أريد ثلاثين ألف جنيه.»
استدار السيد لونجوورث بسرعةٍ بكرسيِّه ونظر إليها باندهاش.
«ثلاثين ألف ماذا؟»
«ثلاثين ألف جنيه، يا أبي؛ وأريدها الآن.»
قال محتجًّا: «فتاتي العزيزة، هل تُقدِّرين حجم مبلغ الثلاثين ألف جنيه؟ هل تعلمين أن هذا المبلغ يُعَد بمنزلة ثروةٍ ضخمة؟»
«نعم، أعلم هذا.»
«هل تعلمين أنه لا يوجد أحدٌ من بين التجار العشرين الأغنى في لندن يُمكنه في غضون وقتٍ قصير توفيرُ سيولة قدرها ثلاثون ألف جنيه؟»
«نعم، أعتقد أن هذا صحيح. هل لديك هذه السيولة؟»
«نعم، لديَّ. يُمكنني كتابة شيك بالمبلغ، وسيجري قَبولُه وصرفه على الفور؛ لكنني لا يُمكنني إعطاؤك مثل هذا المبلغ الكبير دون معرفة ما الذي ستفعلينه به.»
«وماذا، يا أبي، لو لم توافق على ما سأفعله به؟»
«هذا سببٌ أدعى، يا عزيزتي، لضرورة معرفتي بالأمر.»
«إذن، يا أبي، أعتقد أنك تقصد أن أيَّ خدمات قد قدَّمتُها لك، وأي راحة قد وفَّرتها لك، وما مثَّلته بالنسبة إليك طوال حياتي، لا تساوي ثلاثين ألف جنيه؟»
«لا يجب أن تتحدَّثي هكذا، يا ابنتي. كل ما أمتلكه مِلكُك، أو سيكون مِلكَك، عندما أموت. أنا أعمل من أجلك؛ إنني أجمع المال من أجلك. إنك ستستحوذين على كل ما أملك في اللحظة التي سأتقاعد فيها عن العمل.»
قالت الفتاة، وهي تقف أمامه: «أبي! أنا لا أريد أموالك عندما تموت. أنا لا أريدك أن تموت، كما تعلم؛ لكنني أريد ثلاثين ألف جنيه اليوم، والآن. إنني أريدها أكثرَ من أي شيء أردتُه من قبلُ في حياتي، أو سأريده بعد ذلك. هلا تعطيني إياها؟»
«لا؛ أنا لن أفعل، إلا إذا أخبرتِني بما ستفعلينه بها.»
«إذن، يا أبي، يمكن أن تترك مالك لابنِ أخيك عندما تموت؛ أنا لن أمسَّ أبدًا بنسًا منه. والآن، دعني أودِّعْك. سأخرج من هذه الغرفة وأكسب عيشي بنفسي.»
وهنا، استدارت الفتاة كي تخرج، لكن والدها، بخفَّةٍ لم يكن لأحد أن يتوقعها من شخصٍ في سنه، اندفع إلى الباب ونظر إليها باندهاش.
«إديث، يا عزيزتي، أنت لم تتحدَّثي إليَّ بهذه الطريقة من قبل في حياتك. ما بك؟»
«لا شيء، يا أبي، فيما عدا أنني أريد شيكًا بثلاثين ألف جنيه، وأريده الآن.»
«وهل تقصدين القولَ بأنك ستتركينني إن لم أعطِكِ إياه؟»
«هل رجعتُ قط في كلمةٍ قلتُها، يا أبي؟»
«مطلقًا، يا ابنتي، على ما أتذكر.»
«إذن، تذكَّر أنني ابنتُك. لقد قلتُ إنك إن لم تعطِني هذا المبلغ الآن فإنني لن أدخل أبدًا منزلَنا ثانيةً.»
«لكنَّ ثلاثين ألف جنيه مبلغٌ ضخم. تذكَّري، أنني أيضًا قلتُ إنني لن أعطيَك المال ما لم تُخبريني بما ستفعلينَه به.»
«رائع جدًّا، يا أبي، سأخبرك بما سأفعله به عندما تسألني. لكنني أنصحُك بألا تسألني، وأنصحك بأن تعطيني المال. وستتم إعادته لك إن أردتَه.»
«أوه، أنا لا أهتمُّ بالمبلغ على الإطلاق، يا إديث. أنا فقط، بالطبع، لا أريده أن يَضيع هباءً.»
«أوَلا تثق، يا أبي، في حُكمي على الأمور؟»
«حسنًا، أنت تعرفين أنني ليست لديَّ ثقة كبيرة في حِكمة أي امرأة، في مسألة استثمار الأموال.»
«ثق بي هذه المرة، يا أبي. لن أطلبَ منك أبدًا أيَّ مال آخر.»
ذهب الرجلُ العجوز ببطءٍ إلى مكتبه، وكتب شيكًا، وأعطاه لابنته. لقد كان بمبلغ ثلاثين ألف جنيه.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الخامس والثلاثون
ركبَت إديث لونجوورث، ومعها تلك الورقةُ الغالية في جيبها، مرة أخرى عربتَها ذاتَ الخيول، وذهبت إلى مكتب ونتوورث. مرة أخرى، جلسَت على الكرسيِّ المريح الوحيد الموجود في الغرفة. وكان وجهُها تبدو عليه الجدِّية الشديدة، وقال ونتوورث، في اللحظةِ التي رآها فيها، لنفسه: «لقد فَشِلت في مهمتِها.»
سألته: «هل أرسلتَ البرقية للسيد كينيون؟»
«نعم.»
«هل تأكدتَ من قيامك بتوضيح المراد منه جيدًا؟ البرقيات تميل إلى أن تكون موجزة إلى حد كبير.»
«لقد أخبرتُه بأن يبقى على تواصلٍ معنا. ها هي نسخةٌ من البرقية.»
قرأت الآنسة لونجوورث البرقية باستحسان، لكنها قالت:
«لكنك لم تكتب كلمة «رد».»
«لا؛ لكنني ذكرتها في البرقية العاجلة التي أرسلتها. لقد تذكرت هذا الآن.»
«ألم تتلقَّ بعدُ ردًّا منه؟»
«أوه لا؛ كما ترين، إنها تأخذ وقتًا طويلًا حتى تصل إلى هناك؛ لأن هناك الكثيرَ جدًّا من التغييرات من نهاية كابل التلغراف وحتى المكتب الموجود فيه كينيون. ثم، أيضًا، كما ترين، ربما يكون عليهم أن يبحثوا عنه. إنه ربما لا يتوقَّع وصول برقيات إليه؛ في الواقع، من المؤكد أنه لا يتوقع وصولَ أيٍّ منها. ومن خلال برقيته التي أرسلها لي، من الواضح تمامًا أن اليأس تملَّك منه بشدة.»
«أرِني تلك البرقية، من فضلك.»
تردَّد ونتوورث في فعل هذا.
وقال: «إنها مكتوبة بلغةٍ لن تُعجِبَك على الإطلاق.»
«هذا لا يهم. أرِني إياها. يجب أن أرى كل المستندات الخاصة بالأمر.»
أعطاها الورقة، التي قرَأَتها في صمت، وأعادتها إليه دون أن تنبس ببنتِ شفة.
قال: «كنتُ أعرف أنها لن تعجبك.»
«أنا لم أقل إنها لم تعجبني. إن لغتَها لم تكن على الإطلاق حادةً جدًّا في ظل الظروف المكتوبة فيها. في الواقع، أنا لا أتصوَّر أنه كان يمكن أن يكتبَها بطريقةٍ أخرى غير تلك. إنها موجزة وفي صميمِ الموضوع للغاية.»
«نعم؛ لا يوجد أيُّ شكٍّ في هذا، خاصة أول كلمتين فيها: «لقد خُدِعنا.» إن هاتين الكلمتين هما ما جعَلاني أعتقد أن كينيون قد يئس تمامًا؛ لذا، قد تكون هناك بعضُ الصعوبة في إيجاده.»
«هل علمت ما إذا كان المال يمكن إرساله بالإبراق أو لا؟»
«أوه، نعم؛ لا توجد أدنى صعوبةٍ في ذلك. سيُودَع المال في بنكٍ هنا، وسيُنقل لكينيون في البنك في أوتاوا.»
قالت الآنسة لونجوورث، وهي تُعطيه الشيك: «رائع جدًّا، إذن، ها هو المال.»
أطلق ونتوورث صافرة طويلة بينما كان ينظر إليه. ثم قال: «اغفِري لي وقاحتي؛ فأنا لا أرى ورقةً مثل هذه كل يوم. هل تريدين، إذن، شراءَ المنجم؟»
«نعم، أريد شراءَ المنجم.»
«رائع جدًّا؛ لكن هناك عشرة آلاف جنيه هنا زائدة عن المطلوب.»
«نعم. أنا لا أريد شراء المنجم فقط، بل جعْله يعمل أيضًا؛ ولذا، ستكون هناك حاجةٌ إلى بعض رأس المال العامل. ما مقدارُه بحسَب اعتقادك؟»
رد ونتوورث: «أنا ليست لدي أيُّ فكرة عن هذا.» ثم أضاف: «أعتقد أنَّ خمسة آلاف جنيه ستكون كافية.»
«إذن، سنترك خمسة آلاف جنيه في البنك هنا لأيِّ طارئ، ونرسل الخمسة والعشرين ألف جنيه للسيد كينيون. أتوقَّع منه أن يُحضر لي شخصًا خبيرًا لإدارة المنجم. أنا متأكدةٌ أنه سيكون مسرورًا لفعل ذلك.»
«إنه بالتأكيد سيكون كذلك. إن جون كينيون، بعد أن يرى أن المنجم لم يَؤُلْ للشخصين اللذَين حاوَلا خِداعه، سيكون على استعدادٍ لفعل أيِّ شيء من أجل مالكِه الجديد. إنه لن يُهِمَّه على الإطلاق فقْدُ ماله إن عرَف أنكِ قد امتلكتِ المنجم.»
«آه، لكن هذا هو الشيء الوحيد الذي يجب ألا يعرفَه. أما فيما يتعلق بفقدِ المال، فلا أنت ولا السيد كينيون ستفقدان أيَّ بنس. إن كان المنجم كما تعتقدان، فسيكون استثمارًا مربحًا بشدة؛ وأنوي أن يحصل كلٌّ منا على نصيبِ الثلث، كما لو كنتَ قد أسهمتَ أنت بثلث المبلغ والسيد كينيون بالثلُث الآخر.»
«لكن، يا عزيزتي آنسة لونجوورث، هذا غيرُ معقول. نحن لا يُمكننا أبدًا قَبولُ هذا.»
«أوه لا، بل يمكنكما فعلُ هذا. لقد تحدثتُ إلى جون كينيون نفسِه بشأن أن أصبح شريكةً في هذا المنجم. أخشى أنه لم يهتمَّ كثيرًا بالعرض في ذلك الوقت. أنا لا أريد أن أجعله يعلم أيَّ شيء على الإطلاق عن مِلْكيتي للمنجم الآن. لقد اكتشف المنجم؛ أقصد أنت وهو معًا. إن لم يكن ذا قيمة، فستكون أنت وهو اثنين من الخاسرين؛ وإن كان تمامًا كما تعتقدان، إذن فستكونان الرابحين. العامل مستحِقٌّ أجرتَه، وأنا متأكدة أنك أنت والسيد كينيون قد عمِلتُما بكدٍّ بالقدر الكافي في هذا المشروع. لو عرَف أنني قد اشتريتُه، فالاحتمال الأكبر أن ضميره لن يقبل بهذا وسيتصرف بعنادٍ وحُمق، وسيرفض أن يجنيَ ثمار عمله.»
«وهل تعتقدين، يا آنسة لونجوورث، أن ضميري سيسمح لي بقَبول هذا؟»
«أوه، لا؛ إن ضميرك حي، لكنك عقلاني. أما السيد كينيون، فليس كذلك.»
«أعتقد أنكِ مخطئةٌ في هذا. إنه أحدُ أكثرِ الرجال عقلانيةً في العالم؛ ربما هو عقلاني على نحوٍ مبالَغ فيه.»
«حسنًا، أعتقد أن السيد كينيون لو عرَف أنني امتلكتُ المنجم، فلن يأخذ بنسًا واحدًا كنصيبٍ له. لذا، أثق في أنك لن تجعلَه يعرف أبدًا أنني الشخصُ الذي دفع المال الذي اشتُري به المنجم.»
«لكن ألن يعرف أبدًا بالأمر، يا آنسة لونجوورث؟»
«ربما لا. وإن كان له أن يعرف، فيجب أن أكون أنا الشخصَ الذي يُخبره.»
«أتفق معك بشدةٍ في هذا، ولن أُفشِيَ سرَّك.»
قالت الفتاة، وهي تنظر في ساعتها: «والآن، ما الوقت الذي من المفترض أن نحصل فيه على ردٍّ من السيد كينيون؟»
«آه، هذا، كما قلت من قبل، ما لا يُمكن لأحدٍ تحديدُه.»
«أعتقد، إذن، أن أفضل سبيل هو إرسال المال على الفور، أو السعي لإرساله إلى أحد البنوك في أوتاوا.»
«نعم، أعتقد أن هذا هو أفضل سبيل؛ رغم، بالطبع، أن جون كينيون لو لم يكن هناك …»
«لو لم يكن هناك، ماذا سنفعل؟»
«أنا لا أعرف على وجه التحديد. يمكنني إرسالُ برقية إلى السيد فون برينت. إن فون برينت هو مالكُ المنجم، وهو الشخص الذي أعطى لجون عقدَ خيارِ الشراء. أنا لا أعرف إلى أيِّ مدًى هناك اتفاقٌ ملزم بينه وبين الآخرين. إن كان أمينًا كما أحسَبُه، فسيقبل المال، بشرط أن يُرسَل قبل الساعة الثانية عشرة، وحينها سنحصل على المنجم. إنني لا أعرف شيئًا على الإطلاق عن هذا؛ لأنني لا أعرف أيَّ تفاصيل سوى ما جاء في برقية جون.»
«إذن، أنا لا يمكنني فعلُ شيء آخر الآن؟»
«بلى، يُمكنك. سيكون عليك كتابةُ شيك بخمسة وعشرين ألف جنيه. كما تعلمين، هذا الشيك مسطَّر، وسيدخل في حسابك المصرفي. وستجب كتابة شيك آخرَ لسحب المال.»
«آه، فهمت. أنا ليس معي دفتر شيكاتي، لكن ربما يُمكنك إرسالُ هذا الشيك إلى البنك، وسأعود. أعتقد أنه سيكون هناك وقتٌ كافٍ قبل أن يُغلق البنك أبوابه، أليس كذلك؟»
«بلى، سيكون هناك متسَعٌ من الوقت. بالطبع، كلما أسرعنا في الحصول على المال، كان ذلك أفضل.»
«سأعود سريعًا بعد وقت الغداء. ربما تكون حينها قد تلقيتَ ردًّا من السيد كينيون. إنْ وصلك شيءٌ قبل هذا الوقت، فهلا ترسل لي برقية؟ ها هو عنواني.»
رد ونتوورث، وهو يُودعها: «سأفعل.»
بمجرد انتهاء وقت الغداء، زارت الآنسة لونجوورث، ومعها دفتر شيكاتها، ثانيةً مكتب ونتوورث. وعندما دخلت، هزَّ رأسه تعبيرًا عن عدم وصول أيِّ رد من كينيون.
وقال: «لم تصل أيُّ أخبار بعد.»
ردت: «هذا أمرٌ فظيع؛ هل تعتقد أنه قد غادر أوتاوا وهو الآن في طريق العودة للوطن؟»
«لا أعتقد أنه قد فعل هذا. ومع ذلك، أتصور أنه سيعتقد أنه لا داعيَ للبقاء في أوتاوا. ومع هذا، أنا أعرف كينيون جيدًا بالقدر الكافي بحيث أرى أنه سيبقى هناك حتى الدقيقةِ الأخيرة من مدة عقد الخيار، على أملِ حدوثِ شيء. إنه يعرف، بالتأكيد، أنني سأفعل كلَّ ما في وُسعي في لندن، وربما يكون لديه أملٌ ضعيف في أنني سأستطيع القيامَ بشيء.»
«سيكون من غيرِ المجدي إرسالُ برقية أخرى، أليس كذلك؟»
«بالتأكيد. إن لم تصله تلك الرسالة، فلن يصله شيء.»
بينما كان يتحدث، دخل ساعٍ إلى الغرفة ومعه برقية في يده. وكان محتواها موجزًا وفي صلب الموضوع: لقد تلقَّيت البرقية. كينيون
قال ونتوورث: «حسنًا، هذا رائع؛ سأرسل له الآن برقيةً أقول له فيها إننا حصلنا على المال، وأنصحه بأن يُعلِمَ القائمين على البنك بنفسِه، بحيث لا تؤخِّره أيُّ إجراءات روتينية فيما يتعلَّق بسحبه.»
بعد أن قال هذا، قرَّب ونتوورث نماذجَ البرقيات إليه، وبعد جهدٍ كبير، استطاع كتابة برقية مُرضِيَة.
قالت له زائرته: «لا تسعَ لتوفير المال فيما يتعلق بالبرقية؛ أوضح له الأمورَ جيدًا.»
«أعتقد أن هذا سيفي بالغرض، أليس كذلك؟»
ردت، بعد أن قرأَت البرقية: «بلى؛ هذا سيفي بالغرض.»
ثم أضافت: «والآن، ها هو الشيك. هل عليَّ أن أنتظر هنا حتى تقوم بكلِّ ما هو ضروري لإرسال المال بالإبراق، أو من الأفضل أن أذهبَ وأعود ثانيةً لأرى إن كان كلُّ شيء على ما يُرام أم لا؟»
«إن لم تُمانعي، فاجلِسي هنا. يمكنك إغلاقُ هذا الباب، إن أردتِ، ولن يُزعِجَك أحد.»
عاد ونتوورث بعد ساعة، لكن وجهه كان مشرقًا.
وقال: «لقد قمنا بكلِّ شيء في استطاعتنا، والمال بانتظاره هناك، إن وصلَت البرقية إليه قبل الساعة الثانية عشرة غدًا، كما ستفعل بالطبع.»
قالت الفتاة بابتسامة، وهي تُسلِّم عليه: «رائع جدًّا، إذن، وداعًا.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل السادس والثلاثون
إن كان هناك شخصٌ أكثرُ بؤسًا وحزنًا من جون كينيون في الحدود الواسعة لكندا، فيجب بالفعل أن يُرثى بشدةٍ لحاله. بعد أن أرسل جون برقيته إلى ونتوورث، عاد إلى فندقه الكئيب جدًّا. وفي صباح اليوم التالي عندما استيقظ، كان يعرف أن ونتوورث قد وصلَته الرسالة، لكن الاحتمالات كانت عشَرةَ آلاف إلى واحدٍ أنه لن يستطيعَ الحصول على المال في الوقت المناسب، هذا إن كان سيستطيعُ الحصول عليه من الأساس. ومع ذلك، قرَّر البقاءَ في أوتاوا، رغم كرهِه الشديد للمكان، حتى انتهاء مدة العقد. وبعد ذلك، رأى أن يُلقي نظرةً على المناجم، ويرى ما إن كان بإمكانه الحصولُ على أي عمل متعلقٍ بإدارة أحدها. إن هذا كان سيُمكِّنه من كسبِ بعض المال، الذي من خلاله سيستطيع تسديد الديون التي كان سيتكبَّدها هو وونتوورث نتيجةً لمضاربتهما الفاشلة. كان يشعر بإحباطٍ شديد لدرجة أنه فعل ما كان سيفعله معظمُ الإنجليز الآخرين لو كانوا مكانَه؛ وهو السير لوقت طويل. لقد وقف على الجسر المطلِّ على نهر أوتاوا وأخذ ينظر لبعض الوقت إلى شلالات شوديير، ويُراقب الضبابَ وهو يرتفع من الهاوية التي تندفع إليها المياه. ثم مشى بطول الجانب الآخَر من النهر، وسط المناشر الضخمة وأكوام الحطب الهائلة التي لا نهاية لها، برائحتها الصنوبرية الجميلة. وشيئًا فشيئًا، وجد نفسَه في الريف، واقتربت الغابةُ من الطريق السيِّئ الذي كان يسير عليه. ورغم ذلك، ظلَّ يسير، دون أن يعبَأ بالمكان الذي هو ذاهبٌ إليه. وهنا وهناك، كان يرى أراضيَ مجتثَّةَ الأشجار في الغابة، وكوخًا مصنوعًا من الحطب أو ربما حظيرة. ونتج عن كلِّ هذا، نظرًا إلى أنه كان ذا صحة جيدة، أنه سرعان ما شعر بجوع شديد، وهو أمرٌ لفَت انتباهه بشدةٍ رغم الإحباط الذي كان يُعانيه. لاحظ أن المساء كان يحلُّ عليه، وسرَّه بشدة أن يجد بيتًا ريفيًّا كان مظهره أفضلَ من الأكواخ العادية التي تركها خلفه. وهناك، طلب طعامًا، وسرعان ما جلس وحصل على وجبة كبيرة، وقد عوَّضَت بشدة عدمَ جودتها شهيتُه الكبيرةُ للأكل. وبعد الأكل، بدأ يُدرك مدى تعبِه، واندهش عندما سمع مِن مضيِّفه مدى بُعده عن أوتاوا.
قال المزارع: «لا يُمكنك الذَّهاب إلى هناك الليلة؛ لا جدوى من المحاولة. ابقَ معنا، وسأُقِلُّك إلى هناك غدًا. سأذهب إلى هناك عصرًا.»
وهكذا، بقي كينيون هناك طَوال الليل، ونام النومَ الذي لا أحلام به والناتج عن الإنهاك والشِّبع.
ولم يصل إلى مدينة أوتاوا إلا في وقت متأخر بعض الشيء من عصر اليوم التالي. وبينما هو في طريقه إلى فندقه، اندهش لسماع اسمِه يُنادى مِن خلفه. وعندما استدار، رأى رجلًا، لم يتعرَّف عليه، يجري خلفه.
سأله الرجل، وهو يلهث بعض الشيء: «اسمك كينيون، أليس كذلك؟»
«بلى، هذا اسمي.»
«أعتقد أنك لا تتذكرني. أنا موظفُ مكتب التلغراف. لدينا برقية بانتظارك منذ بعضِ الوقت، برقية من لندن. لقد فتَّشنا عنك في كل أنحاء المدينة، لكننا لم نستطِع العثور عليك.»
قال كينيون: «آه، هل هي مهمة؟»
«في الواقع، هذا ما لا أعرفه. من الأفضل أن تأتي معي إلى المكتب وتحصلَ عليها. بالطبع، إن الناس بوجهٍ عام لا يُرسلون برقياتٍ غيرَ مهمة. أتذكَّر أنها كانت تقول شيئًا عن ضرورة انتظار شيء.»
مشَيا معًا إلى مكتب التلغراف. كان الساعي لا يزال يبحث عن كينيون ومعه البرقيةُ الأصلية، ولكن الموظَّف فتح الملف وقرأ النسخة عليه.
ثم قال: «كما ترى، إنه بحاجةٍ إلى رد؛ لهذا ظننتُ أنه من المهم الوصولُ إليك. سيكون لديك متسَعٌ من الوقت لإرسال الردِّ الليلة.»
أخذ جون قلمًا رصاصيًّا وكتب البرقية التي تسلَّمَها ونتوورث. ودفع مقابلَ البرقية ثم قال:
«سأذهب إلى فندقي؛ إنه فندق … سأنتظر هناك، وإن أتت أيُّ برقياتٍ لي، فأرسلها إليَّ بأسرعِ ما يمكن.»
رد الموظف: «اتفقنا، هذه أفضلُ خطة؛ إذ إننا سنعرف بالضبط أين نجدُك. بالطبع، لا جدوى من بقائك هنا؛ لأننا بإمكاننا الوصولُ إليك في غضون خمس دقائق. ربما يكون من الأفضل أن أتصل هاتفيًّا بالفندق لأخبرهم بمجيء برقيات إليك.»
قال كينيون: «رائعٌ للغاية؛ سأترك الأمر بالكامل تحتَ تصرفك.»
شعر جون بأن البرقية التي تسلَّمها كانت فألًا حسنًا، بغضِّ النظر عما إذا كان ذلك نتيجةَ ذَهابه إلى الريف أم لا. وتأمَّل الحظ السيئ الهائل الذي عاناه في المسألة برُمَّتها من البداية وحتى النهاية، وفكَّر في مقولة السيد لونجوورث العجوز المفضلة: «لا يوجد شيء اسمه حظ.»
ثم كان هناك طَرْقٌ على باب غرفته، وقال خادم الفندق:
«يوجد رجلٌ هنا يرغب في الحديث إليك.»
كان الرد: «دعه يصعد.» وبعد دقيقتين، دخل فون برينت.
سأله: «هل هناك أيُّ أخبار؟»
رد جون، الذي كان في حالة مزاجية جعَلَته يشكُّ في كل الأشياء والأشخاص:
«لا، لا جديد.»
«آه، أنا حزينٌ لسماع هذا. كان لدي بعضُ الأمل في أنك ربما تستطيع توفير المال قبل الساعة الثانية عشرة غدًا. بالطبع، أنت تعرف أن العقد ينتهي غدًا في وقت الظهيرة؟»
«نعم، أعرف هذا.»
«هل تعلم أن لونجوورث في أوتاوا؟»
رد كينيون: «لا، لقد كنتُ أنا نفسي خارج المدينة.»
«حسنًا، لقد جاء الليلة الماضية. ولديه المال في البنك، كما قلت لك. والآن، أنا لن أقبلَه حتى آخرِ لحظة. بالطبع، قانونًا، لا يُمكنني قَبوله قبل ذلك الوقت، وقانونًا بنفس القدْر، أنا لا يُمكنني رفض ماله عندما يعرضه. أنا حزينٌ للغاية لحدوث كل هذا؛ حزين على نحوٍ أكبر مما يُمكنني إخبارُك. وأتمنى ألا تعتقد أنني يمكن أن أُلام على أي شيء فيما يتعلق بهذا الأمر.»
«لا، أنت لا يمكن أن تُلام إطلاقًا على أي شيء. لا يوجد مخطئٌ سواي. أشعر أنني كنتُ متهاونًا على نحوٍ يستحقُّ اللوم، وحسن الظن بالآخَرين على نحوٍ مبالَغ فيه.»
«أتمنى بصدقٍ لو كنت أعرف من أين يمكنك الحصولُ على المال؛ لكنني، بالطبع، لو كنتُ أعرف هذا، لكنتُ قد حصلت عليه لنفسي منذ مدَّة طويلة.»
قال كينيون: «أنا ممتنٌّ لك بشدة، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله من أجلي هو التأكُّد من أن ساعتك ليست مقدَّمة غدًا. ربما آتي إلى المكتب قبل الساعة الثانية عشرة؛ هذا هو المكان الذي سأجدك فيه، على ما أعتقد؟»
«نعم؛ سأكون هناك طَوال فترة الظهيرة. لن أغادر حتى الساعة الثانية عشرة.»
«رائعٌ جدًّا؛ أنا ممتنٌّ بشدة، يا سيد فون برينت، لتعاطفك. أؤكد لك أنني ليس لديَّ الكثير من الأصدقاء، وأنه … حسنًا، أنا ممتنٌّ لك، هذا كل ما في الأمر. إن الرجل الإنجليزي، كما تعلم، ليس سخيًّا في مسألة الشكر، لكنني أعني ما أقول.»
رد فون برينت: «أنا متأكِّد أنك تفعل، وأنا حزينٌ فقط لأن مساعدتي ليست كبيرة. حسنًا، وداعًا، وأتمنى أن أراك غدًا.»
بعد أن رحل، زاد نفادُ صبرٍ كينيون مع مرور الساعات. وترك الفندق، وتوجَّه مباشرةً إلى مكتب التلغراف؛ لكن شيئًا لم يصل إليه.
قال الموظف: «أخشى أنه لن يكون هناك أيُّ شيء آخر الليلة. إن أتى شيءٌ في وقت متأخر، فهل أُرسله لفندقك؟»
«بالتأكيد؛ بغضِّ النظر عن الساعة التي يأتي فيها، أرجو أن تجعلَني أحصل عليه بأسرعِ ما يُمكن. إنه مهمٌّ للغاية.»
ترك المكتب ومشى في الشارع، وبينما كان يمرُّ بالفندق الرئيسي في المكان، رأى لونجوورث الشابَّ يقف تحت الرِّواق المعمَّد للفندق وهو في كاملِ هندامه كالمعتاد، وكان يرتدي نظارته الأحادية التي كانت مصدرَ إعجاب كلِّ مَن في أوتاوا؛ إذ لم يكن لها أيُّ مثيل في المدينة.
قال هذا الشاب: «كيف حالك، يا كينيون؟»
رد كينيون: «سيدي العزيز، آخر مرة تحدثتَ فيها إليَّ، قلتَ إنك لا تودُّ أن تتحدث إليَّ مرة أخرى. أنا أشاركك من كل قلبي الشعورَ نفسَه، ولا أودُّ الحديث إليك على الإطلاق.»
قال لونجوورث بنبرةٍ مرحة: «صديقي العزيز، لم يحدث أيُّ شيء. لقد كنت بالتأكيد، في نيويورك، سيِّئ المِزاج قليلًا. الجميع يكون كذلك في نيويورك؛ إنه مكانٌ كريه! أنا لا أعتقد أنه أسوأُ من أوتاوا، لكن الهواء هنا أكثرُ نقاءً. بالمناسبة، ربما يمكنني أنا وأنت التوصُّل إلى اتفاقٍ ما. أنا سأشتري ذلك المنجمَ غدًا، كما تعرف بلا شك. وأودُّ أن يكون تحتَ إدارة رجلٍ كُفء وأمين. إن كان مبلغ مائتي ألفِ جنيه في السنَة مناسبًا لك، فأعتقد أننا يُمكننا أن نجعلَك تُدير المنجم.»
رد كينيون: «شكرًا لك!»
«كنتُ أعرف أنك ستكون ممتنًّا لذلك؛ فقط فكِّر جيدًا في الأمر، هلا تفعل ذلك؟ ولا تتخذ أيَّ قرار متسرِّع. ربما يُمكننا إعطاؤك مبلغًا أكثرَ قليلًا من هذا؛ ولكن حتى يتضحَ لنا مدى جودةِ المنجم، فمن غيرِ المحتمل أننا سنُنفق الكثير من المال عليه.»
قال جون: «بالطبع، أفضل ردٍّ على ملاحظتك سيكون طرحَك أرضًا؛ لكنني، إلى جانب كوني مواطنًا ملتزمًا بالقانون، لا أرغب في دخولِ السجن الليلةَ لقيامي بهذا؛ لأن هناك فرصةَ واحدٍ في الألف، يا سيد لونجوورث، أن تكون لي علاقةٌ ما بذلك المنجم قبل الساعة الثانية عشرة غدًا.»
قال لونجوورث: «آه، لقد حان الآن دوري لأكون ممتنًّا!» ثم أضاف: «في أي صراعٍ عنيف، أخشى أنك ستنتصر عليَّ على نحوٍ أسهل مما ستفعل في أي سجالٍ قائم على حُسن التصرف.»
«هل تُسميه حُسن تصرف؟ أعتقد أنك تُشير إلى تصرفك فيما يتعلق بالمنجم. إنني أُسميه سرقة.»
«أوه، هل تفعل هذا؟ حسنًا، هذا هو نوع الحديث الذي يُؤدي إلى العراك؛ وحيث إنني أيضًا مواطنٌ ملتزم بالقانون، فلن أستمرَّ في هذا النقاش أكثرَ من ذلك. أتمنى لك وقتًا طيبًا للغاية، سيد كينيون.»
تركه الشابُّ ودخل الفندق. وسار جون إلى فندقه الأكثرِ تواضعًا بكثير، وذهب لينامَ الليلة في غرفته. لكنه لم ينَمْ جيدًا. وطوال الليل، كان يتخيَّل أن سُعاة التلغراف يَطرُقون بابَ غرفته، وكان يقوم من حينٍ لآخَر ليتسلَّمَ البرقياتِ التي كانت تختفي عندما يستيقظ. وبعد وقتٍ قصير من تناول الإفطار، ذهب إلى مكتب التلغراف، لكنه لم يجد شيئًا وصله.
قال موظف التلغراف: «أخشى ألا يأتي شيءٌ قبل وقت الظهيرة.»
ردَّد جون ما قاله: «قبل وقت الظهيرة!» ثم أضاف: «لماذا؟»
«إن الأسلاك بها مشكلةٌ في بعض الأماكن في الشرق، ويتأخر وصولُ الرسائل كثيرًا. ربما لاحظتَ نقص أخبارِ الشرق في الصحف الصباحيَّة؟ لقد أتت أخبارٌ قليلة للغاية من الشرق الليلة الماضية.» وأضاف عندما لاحظَ نظرة الاهتمام القلِق في عينَي جون: «هل البرقيةُ التي تنتظرها تتعلق بأمورٍ مالية؟»
«نعم، إنها كذلك.»
«هل يعرفونك في البنك؟»
«لا، أعتقد أنهم لا يعرفونني.»
«إذن، لو كنتُ مكانك، لكنت سأذهب إلى البنك وأُعرفهم بنفسي، بحيث، إن كانت المسألة مسألةَ دقائق، لا يضيع أيُّ وقت غير ضروري. ومن الأفضل أن تُخبرهم بأنك تتوقع حوالةً مالية بالإبراق، وعلى الرغم من أن تلك الحوالات تُصرف بدون أيِّ تحقُّق من الهوية في البنك، فهم يتخذون كافةَ الاحتياطات للتأكد من عدم وقوع المال في يد الأشخاص الخاطئين.»
قال كينيون: «شكرًا لك.» ثم أردف: «أنا ممتنٌّ بشدة لك لاقتراحك هذا. وسأنفذه.»
بمجردِ أن فتح البنكُ أبوابه، قدَّم جون كينيون نفسَه للصراف.
«إنني بانتظار وصول مبلغٍ كبير من المال من إنجلترا اليوم. إنه مهمٌّ للغاية بحيث، عندما يصل، يجب ألا يكون هناك أيُّ تأخير في حصولي عليه. أريد أن أعرف إن كانت هناك أيُّ إجراءات روتينية يجب اتخاذُها.»
سأله الموظف: «من أين سيأتي المبلغ؟»
«سيأتي مِن إنجلترا.»
«هل هناك أيُّ شخص في أوتاوا يعرفك؟»
«نعم؛ أعرف موظَّفَ مكتب التلغراف الموجود هنا.»
قال الصراف بتشكُّك بعضَ الشيء: «إممم! هل هناك شخصٌ آخر؟»
«السيد فون برينت يعرفني جيدًا.»
«هذا سيكفي. أعتقد أن عليك أن تجعل السيد فون برينت يأتي إلى هنا ويُؤكد أنك الرجلُ الذي يحمل اسم كينيون. بعدَئذٍ، في اللحظة التي ستصل فيها برقيتك، سيكون المالُ تحت تصرفك.»
أسرع كينيون إلى مكتب فون برينت ووجده بمفرده.
«هلا تذهب إلى البنك وتقول لهم إنني كينيون؟»
«بالتأكيد. هل وصل المال؟»
«لا، إنه لم يصل؛ لكنني أنتظر وصولَه، وأريد الاستعدادَ لأيِّ طارئ. أنا لا أريد أي تأخير بسبب التحقُّق من هُويتي عندما يأتي.»
قال فون برينت: «إنْ جاء بالإبراق، فلن تكون هناك حاجةٌ إلى التحقق من الهوية. أنت تعرف أن البنك لن يكون مسئولًا في هذه الحالة. إنهم يأخذون المال والمخاطرةُ تقع بالكامل على عاتق المرسِل. إنهم قد يدفعونه لموظف التلغراف الذي يستقبل الرسالة! أعتقد أنهم لن يكونوا مسئولين عن هذا. ومع ذلك، من الأفضل ألا يجري إغفال أيِّ شيء.»
ذهب الاثنان إلى البنك، وقال فون برينت للصرَّاف: «هذا هو جون كينيون.»
ردَّ الصراف: «رائعٌ جدًّا.» ثم أردف: «هل ذهبتَ لمكتب التلغراف مؤخرًا، يا سيد كينيون؟»
«لا، لم أفعل؛ على الأقل، منذ نصف الساعة أو نحوِ ذلك.»
«حسنًا، لو كنتُ مكانك، لكنت سأذهب إلى هناك بأسرعِ ما يمكن.»
قال فون برينت، بمجرد وصوله إلى الباب: «هذا يعني أنهم قد وصلَهم إخطارٌ بتحويل المال. أعتقد أنه موجود بالفعل في البنك لك. سأعود لمكتبي ولن أُغادره حتى تأتي.»
أسرع جون إلى مكتب التلغراف.
وقال: «ألم يصل أيُّ شيء لي بعد؟»
رد الموظف بابتسامة: «لا شيء بعد، سيد كينيون؛ لكني أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يُرام. أتمنى ذلك.»
أخذ الوقتُ يمضي بسرعته المعتادة، غير أنه بدا لكينيون أن الساعة كانت تسير بسرعةٍ رهيبة. حانت الساعة الحادية عشرة، وكان هو لا يزال يَذْرع مكتب التلغراف جَيئةً وذهابًا. عرَض عليه موظفُ المكتب استضافتَه في غرفة الضيوف، لكنه رفض. وفي كل مرة كانت آلة التلغراف تعمل، كانت أذُنَا جون تتأهَّبان، وتحاولان فهم أي شيء منها.
مرَّت عشرُ دقائق بعد الحادية عشرة!
ثم عشر دقائق أخرى، ولم تصل أيُّ برقية! تراكَم العرقُ البارد على جبين جون، وتأوَّه بصوت عالٍ.
قال الموظف: «أعتقد أنها مهمة للغاية.»
«مهمة «للغاية».»
«حسنًا، الآن، يجب عليَّ ألا أقول هذا، لكنني أعلم أن المال موجودٌ في البنك لك. ربما إن ذهبتَ إلى هناك وطلبته، فسيُعطونه لك.»
كانت الساعة الحادية عشرة وخمسًا عشرين دقيقة عندما وصل مسرعًا إلى البنك.
قال للصراف: «أنا متأكدٌ أن المال موجود لي هنا. هل من الممكن أن أحصل عليه؟»
«هل حصلتَ على البرقية؟»
«لا، لم أحصل.»
«حسنًا، كما تعرف، نحن لا يُمكننا دفع المال حتى نرى برقيتك. إن كان عاملُ الوقت مهمًّا، فيجب ألا تُغادر مكتب التلغراف، وفي اللحظة التي ستصل إليك رسالتك، تعالَ إلى هنا؛ وحينها لن يكون هناك أيُّ تأخير. هل ترغب في سحب كل المبلغ على الفور؟»
«أنا لا أعرف مقداره، لكن يجب أن أحصل على عِشرين ألف جنيه.»
«رائعٌ للغاية، لتوفير الوقت، من الأفضل أن تكتب شيكًا بعشرينَ ألف جنيه؛ هذا سيكون …»
وهنا، أعطى عدد الدولارات بسعرِ اليوم في مقابل الجنيه. ثم أضاف: «اكتب فقط شيكًا بهذا المبلغ، وسأعتمدُه. إن الشيك المعتمَد جيدٌ للغاية. وفي اللحظة التي ستحصل فيها على رسالتك، سأعطيك الشيك المعتمد.»
كتب جون الشيك وأعطاه للصراف، وكان ينظر للساعة وهو يفعل هذا. كانت الساعة حينَها الثانية عشرة إلا خمسًا وعشرين دقيقة. جرى جون إلى مكتب التلغراف بأقصى سرعةٍ بإمكانه، لكنه رأى فقط النظرةَ الخاليةَ من أيِّ تعبير على وجه الموظف.
وقال، وهو يهزُّ رأسه: «إنها لم تأتِ بعد.»
تدريجيًّا، بدأ اليأس يتسرَّب للرجل المنتظر. لقد كان ضياع كلِّ شيء أسوأ من عدم وجود أيِّ أملٍ على الإطلاق في النجاح. لقد كان الأمر أشبهَ بإعدام رجلٍ أُعفِيَ من العقوبة. عاود تذرُّعَه العصبي جيئةً وذهابًا في غرفة التعذيب هذه. أصبحت الساعة الآن الثانية عشرة إلا الربع. سمع دقاتِ الساعة ترن في مكانٍ ما. إن لم تأتِ الرسالة قبل أن ترن ثانية، فسيكون قد انتهى الأمر للأبد.
بقي على الساعة الثانية عشرة أربعَ عشرةَ دقيقة … ثم ثلاثَ عشرة دقيقة … ثم اثنتا عشرة دقيقة … ثم أحدَ عشرة دقيقة … ثم عشر دقائق، ومع ذلك، لم …
صاح الموظف بصوت عالٍ وسعادةٍ كبيرة: «ها هي! إنها تأتي … إنها هي المطلوبة … «جون كينيون، أوتاوا».» ثم كتب بنفس سرعةِ نقلِ الآلة للرسالة. ثم أردفت: «ها هي البرقية؛ والآن أسرع!»
لم يكن جون يحتاج إلى أن يحثَّه أحدٌ على الإسراع. لقد بدأ الناس يلاحظونه حيث إن الرجل لم يكن يفعل شيئًا سِوى الجري بين البنك ومكتب التلغراف.
لقد كانت الساعة الثانية عشرة إلا سبعِ دقائق عندما وصل إلى البنك.
«هل تلك البرقية هي المطلوبة؟» هكذا قال، وهو يدفعها عبر الفتحة المقوسة.
نظر إليها الموظف بهدوءٍ مستفز، ثم قارنها ببعض الأوراق.
قال له جون مناشدًا: «بالله عليك، أسرع!»
قال الصراف على نحوٍ بارد، وهو ينظر إلى الساعة ويستمرُّ في فحصه: «لديك متسَع من الوقت». ثم أضاف: «نعم، إنها هي المطلوبة. ها هو الشيك المعتمَد الخاص بك.»
التقطه جون، وخرَج مسرعًا من البنك كما قد يفعل أيُّ سارق. وكانت الساعة قد بلغَت الثانية عشرة إلا خمسَ دقائق عندما وصل إلى درجات السُّلم التي تؤدي إلى مكتب السيد فون برينت. الآن، بدا أن كل القلق الذي كان يشعر به قد هجَره. لقد كان هادئًا وباردًا كما لو كان أمامه خمسةُ أيام، وليس بضع دقائق، للقيام بدفع المبلغ. لقد صعد درجاتِ السلَّم بهدوء، وسار عبر الممر وطرقَ باب مكتب فون برينت.
«ادخل!» كان الرد الذي سمعه.
فتح الباب، وهو ينظر إلى الساعة الموجودة خلف رأس فون برينت.
لقد بقي ثلاثُ دقائق على حلول الساعة الثانية عشرة.
كان السيد لونجوورث الشاب يجلس هناك، ويعلو وجهَه بعضُ الشحوب، وبدا أن هناك لمعةً منذِرة بالسوء في نظارته. لم يقل شيئًا، وتجاهل جون كينيون تمامًا وجوده.
قال لفون برينت، بعد أن أومأ له محييًا إياه: «أعتقد أن عَقْدي لم تنتهِ مدتُه بعد؟»
قال فون برينت: «يتبقى منها القليلُ جدًّا، لكن ربما ستفي بالغرض. لديك دقيقتان ونصف الدقيقة.»
سأله جون: «هل الأوراق جاهزة؟»
«كلها جاهزة، كلُّ شيء فيما عدا كتابة الأسماء.»
«رائع جدًّا، ها هو المال.»
نظر فون برينت إلى الشيك المعتمَد. ثم قال: «هذا ملائمٌ تمامًا، والمنجم أصبح مِلكَك.»
ثم قام ومد يدَه عبر الطاولة لكينيون، الذي أمسكها بحرارة.
قام أيضًا لونجوورث الشاب، وقال ببطء: «حيث إن هذا يبدو كلِقاء أخَوَين لم يلتقِيَا منذ مدَّة طويلة، فلن أتطفَّل عليكما. طاب يومك، يا سيد فون برينت.»
ثم عدل نظارته ببطء وخرج من المكتب.
تَدخُّل امرأة |
الفصل السابع والثلاثون
عندما دخلَت إديث لونجوورث مكتب جورج ونتوورث، جعلها هذا الشابُّ المحترم تُفاجَأ بعض الشيء. لقد هبَّ واقفًا من كرسيه في اللحظة التي دخلَت فيها الغرفة، وأسرع إلى الباب، ونادى بأعلى صوته على الساعي، الذي رد عليه، وحينها عاد ونتوورث للغرفة، وهو على ما يبدو في حالته العقلية الطبيعية.
ثم قال، وهو يضحك: «أرجو المعذرة، آنسة لونجوورث؛ فالحقيقة هي أنني قد بعثتُ لتوي الساعيَ الخاص بي ليُرسل برقيةً إليك، وها أنا الآن، كما ترين، قد وفرتُ نصف شلن.»
ردت الفتاة: «إذن، لقد وصلَتك أخبارٌ من كندا؟»
«نعم؛ رسالة قصيرة، لكنها في صميمِ الموضوع.» أعطاها البرقية، وقرأتها بصوت عالٍ: لقد اشترينا المنجم؛ سأتولى إدارتَه لبعض الوقت.
قالت، وهي تُعيد إليه البرقية: «إذن، المال قد وصل إلى هناك في الوقت المناسب.»
قال جورج، بالثقة المطمئنة لشخصٍ لا يعرف على الإطلاق ما يتحدَّث عنه: «لقد كان لدينا متسعٌ من الوقت؛ كنت أعرف أنه سيصل إلى هناك دونَ أيِّ مشاكل.»
«أنا مسرورةٌ من أجل هذا؛ كنت أخشى أن نكون قد أرسلناه بعد فواتِ الأوان. لا يمكن للمرء أبدًا أن يعرفَ أسباب التأخير أو الإجراءات الشكلية التي قد يتعرض صرفه لها.»
«على ما يبدو، لم تكن هناك أيُّ مشكلة. والآن، آنسة لونجوورث، ما أوامرُك؟ هل سأكون وكيلَكِ هنا، في بريطانيا العظمى؟»
«هل كتبتَ للسيد كينيون؟»
«نعم، كتبتُ له فور أن أرسلتُ البرقية.»
«بالطبع، أنتَ لم …»
«لا، لم أقل أيَّ شيء يجعله يشكُّ في أنكِ مالكةُ المنجم. حتى إنني، في حماستي، ذهبتُ إلى حدٍّ بعيد بحيث أعطيتُك اسمًا. أنتِ من الآن سيُطلَق عليكِ في المراسلات السيد سميث، مالك المنجم.»
ضحكَت الآنسة لونجوورث.
قال لونجوورث: «و… أوه، بالمناسبة، يوجد هنا برميل خاصٌّ بك.»
ردَّت: «برميل!» وعندما نظرَت في الاتجاه الذي أشار إليه، رأت في ركن الغرفة برميلًا غِطاؤه منزوع. ثم أضافت: «إن كان هذا ملكي، فمن سمح لنفسِه بفتحه؟»
«أوه، لقد فعلتُ هذا باعتباري وكيلَكِ. يحتوي هذا البرميل على المادة المستخرَجة من المنجم، التي نأمُل أن تُثبِتَ أهميتها. لقد بدأ نقلُ البرميل من كندا منذ أكثرَ من ثلاثة أشهر، ولم يصل إلى هنا سوى قبلِ أيام. يبدو أن الأحمق الذي أرسله جعله يمرُّ بنيويورك، وقد احتُجز هناك من قِبَل موظفٍ صغيرٍ متغطرسٍ ينتمي إلى هيئة الجمارك الأمريكية. لقد واجَهْنا الكثيرَ من العناء وأرسلنا الكثير من المراسلات الدبلوماسية من أجلِ هذا البرميل أكثرَ مما يُمكنك أن تتخيَّلي، وها هو قد وصل بعد يومٍ من انتهاء الأمر، عندما أصبح في واقع الأمر غيرَ ذي جدوى لأحد.»
قامت الآنسة لونجوورث وذهبَت إلى البرميل. والتقطت بعضًا من العيِّنات البيضاء الجميلة التي كانت موجودة فيه.
سألته: «هل هذه هي المادة؟»
ضحك ونتوورث.
«كيف لشخصٍ أن يشتريَ منجمًا بثمن كبير، دون أن يعرف ماذا يُنتج؟ نعم، هذه هي المادة.»
«هذه ليست ميكا، بالطبع؟»
«لا، إنها ليست ميكا. إنها المادة المستخدَمة في صناعة الخزف.»
«يبدو وكأنها ستحتاج إلى كثيرٍ من التلميع. هل تعرف إن كانت ستحتاج إلى ذلك أو لا؟»
«أنا لا أعرف. يُمكنني بسهولة معرفة ذلك من أجلك.»
«أرجو أن تفعل، وتُلمع لي قطعةً منها، حيث سأستخدمُها كثقالةٍ للورق.»
«ما أوامرُكِ فيما يتعلق بباقي محتويات البرميل؟»
قالت السيدة الشابة: «ما الذي تنوي فعله بها؟»
«حسنًا، أعتقد أن أفضل سبيلٍ سيكون إرسالَ بعضٍ منها إلى كلٍّ من أصحاب مصانع الخزف في هذا البلد، والحصولَ على طلباتهم من هذه المادة، إن أرادوا استخدامها.»
«أعتقد أن هذه فكرةٌ جيدة للغاية. فهمتُ من البرقية أن السيد كينيون يقول إنه سيتولَّى أمر المنجم لبعض الوقت.»
«نعم؛ أتصوَّر أنه قد ترك أوتاوا على الفور، بمجرد أن أنهى الصفقة. بالطبع، لن نتأكَّد من هذا تمامًا حتى يكتب إليَّ.»
«رائع جدًّا، إذن، يبدو لي أن أفضل شيء يُمكنك فِعله هنا هو تسجيل الطلبات التي يُمكن الحصولُ عليها في إنجلترا على المادة. ثم، أعتقد أنك يُمكنك أن تكتبَ إلى السيد كينيون وتطلبَ منه أن يُعيِّن شخصًا ملائمًا لإدارة المنجم.»
«نعم، سأفعل هذا.»
«عندما يعود، يُمكنك أنت وهو التشاورُ بشأن الخطوة التالية التي يجب اتخاذُها. أعتقد أنه لا شيء محدَّدًا يمكن القيامُ به حتى يعود. يمكنك اختلاقُ أيِّ عذر تريده لغياب شخصية السيد سميث الخياليَّة، وإخباره بأنك تنوب عنه. ثم يُمكنك إخبار السيد كينيون، بأي طريقة تشاء، أن السيد سميث يُريد أن يُشارِكَكما أنت وهو في المنجم بحصصٍ متساوية. أرى أنك لن تجد أي مشكلة في جعل جون — أي، في جعل السيد كينيون — يُصدِّق أن السيد سميث هذا شخصيةٌ حقيقية، إن نجحتَ بالقدْر الكافي في إقناعه بالأمر. اجعله يفهم أن السيد سميث ما كان ليسمعَ قط بالمنجم ما لم تكتشفه أنت والسيد كينيون، وأنه سيكون سعيدًا للغاية بالفعل لاستغلال تلك الفرصة الطيبة لاستثمار أمواله؛ بحيث يكون من الطبيعيِّ أن يرغب في أن يُشاركه في الأرباح التي ستعود من المنجم على كلِّ مَن كان له دورٌ حاسم في إرشاده لهذا الاستثمار. أتصور أنك يُمكنك جعلُ كل هذا واضحًا بالقدْر الكافي، بحيث لن يشكَّ صديقُك في أي شيء. ألا تعتقد هذا؟»
«حسنًا، بالنسبة إلى أيِّ رجل آخرَ غيرِ جون كينيون، يجب أن يكون لديَّ شكٌّ في هذا؛ لأنني لا أعتقد أنني ماهرٌ بشدة في اختلاق الأمور وخداعِ الآخرين؛ لكن مع جون، فأنا ليست لديَّ أيُّ مخاوف. إنه سيُصدق أي شيء أقوله. إنه لمن المثير للشفقة أن تخدعَ رجلًا يثقُ في الآخرين بشدة، ولكن هذا سيكون في صالحه للغاية مما يجعلني لا أتردَّد في القيام به.»
«إذن، ستكتب إليه بشأنِ اختيار شخصٍ أمين ومُلائم لإدارة المنجم؟»
«نعم. أنا لا أعتقد أنه ستكون هناك أيُّ ضرورة لفعل هذا، لكنني سأتأكَّد من حدوث هذا. أتصور أن جون لن يرحلَ حتى يتأكد من أن كلَّ شيء كما ينبغي. إنه سيكون متلهِّفًا بشدةٍ بالفعل من أجل تحقيق المنجم للنجاحِ الكبير الذي طالما كان يطمح إليه، حتى ولو لم يكن يعلم، في الوقت الحاضر، أنه سيكون له نصيبٌ في أرباحه.»
«رائع جدًّا إذن، يجب أن أتركَكِ الآن. قد لا آتي إلى هنا ثانيةً، لكن عندما تسمع أيَّ أخبار من السيد كينيون، سأكون سعيدةً للغاية إن جعلتَني أعرف.»
«بالتأكيد؛ سأرسل إليكِ كل المستندات المتعلقة بالأمر، كما سبق أن طلَبتِ. أنت ترغبين دائمًا في رؤية الأوراق الأصليَّة، أليس كذلك؟»
«بلى، أعتقد أنني كذلك.» تلكَّأَت الآنسة لونجوورث قليلًا قبل الخروج من الباب، ثم قالت له وهي تنظر مباشرة في عينَيه: «هل تتذكر عندما تحدثتَ بحدةٍ شديدة مع أبي منذ بضعة أيام؟»
رد ونتوورث، وقد تورَّد وجهه: «نعم. أتذكر ذلك.»
«أنت رجلٌ صغير السن، وهو رجل عجوز. إلى جانب هذا، أعتقد أنك كنتَ مخطئًا تمامًا. إنه لا علاقة له على الإطلاق بأفعالِ ابن أخيه.»
قال ونتوورث: «أوه، أعرف هذا.» ثم أردف: «كنتُ سأعتذر إليه منذ مدَّة طويلة، فقط … حسنًا، كما تعلمين، لقد أخبرني بأنني لن يُسمَح لي بدخول مكتبه ثانيةً، ولا أعتقد أنه يجب السماح لي بهذا.»
ردَّت السيدة الشابة، وهي تنظر إلى الأرض: «إن كتبتَ خطابًا إليه، فلن يُمنَع من دخول المكتب.»
قال جورج: «بالطبع، إنه لن يُمنع؛ سأكتب إليه رسالةً على الفور وأعتذر إليه.»
قالت إديث، وهي تمدُّ يدها لتُسلِّم عليه: «هذا لطفٌ شديد منك.» ثم رحلَت على الفور.
عاد جورج ونتوورث إلى مكتبه وكتب رسالةَ اعتذار. ثم قال لنفسه وهو يتأمَّل الطبيعة الغريبة غيرَ المفهومة للنساء. «لقد جعلَتْني أعتذرُ إليه، وهذا صحيحٌ تمامًا؛ لكن لولا شجاري مع أبيها، ما كانت ستعرف أبدًا شيئًا عن الأمر، ومن ثَم ما كانت ستشتري المنجم، وهو الأمر الذي كانت متحمِّسةً لفعله من أجل كينيون؛ يا لك من شحاذ محظوظٍ يا جون، بعد كل شيء!»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثامن والثلاثون
عندما انتهَت عملية تحويل مِلْكية المنجم إلى مالكِه الجديد، ذهب جون كينيون إلى مكتب التلغراف، وأرسل رسالةً تلغرافية قصيرة إلى ونتوورث. ثم توجَّه إلى الفندق، وهو في قمة الإنهاك. إنَّ قلقَ اليوم وتوتره كانا كثيرَين عليه بشدة، وشعر أنه سيمرض إن لم يترك مدينةَ أوتاوا ويذهب إلى الريف، حيث يوجد بشرٌ أقلُّ وهواءٌ أكثر. وقرَّر أن يذهب إلى موقع المنجم بأقصى سرعةٍ ممكنة. هناك، كان سيُعيد ترتيب الأمور كما ينبغي أن تكون، ويُحافظ على سَير العمل حتى تصلَه تعليماتٌ من المالك. وعندما وصل إلى فندقه، كتب رسالة إلى ونتوورث، سرَد فيها باختصارٍ الظروفَ التي استطاع في إطارها امتلاكَ المنجم، وتناولَ أمورًا أخرى شخصيةً أكثر. وبعد أن أرسلها، بدأ يحزمُ أشياءه في حقيبة السفر الخاصة به، استعدادًا للمغادرة مبكرًا في صباح اليوم التالي. وبينما كان منهمكًا في فعل هذا، أتى خادمُ الفندق إلى غرفته، وقال:
«هناك سيد يرغب في رؤيتك.»
ظن على الفور أنه كان فون برينت، الذي أراد مقابلته بشأن أحد الإجراءات الرسمية المتعلقة بعمليةِ انتقال الملكية؛ ولذا اندهش بشدةٍ — في واقع الأمر، انعقد للحظةٍ لسانُه — عندما دخل السيد ويليام لونجوورث، وأخذ يتفحصُ بهدوء جوانبَ الغرفة المهلهلة بعض الشيء بنظارته الناقدة.
ثم قال: «آه، هذا هو مكانُ إقامتك، أليس كذلك؟ أعتقد أن هذا الفندق يندرجُ تحت الفئة التي يُطلِقون عليها الفنادق الرخيصة. حسنًا، بعض الناس قد يُحبونه، لكنني أُقر بأنه لا يُعجبني كثيرًا. أرى أن فنادقهم التي تتكلَّف ثلاثة أو أربعة دولارات في اليوم سيئةٌ بالقدر الكافي. بالمناسبة، تبدو متفاجئًا بشدة لرؤيتي؛ ونظرًا إلى أننا غريبان في بلدٍ غريب، فقد كنتُ أتوقَّع ترحيبًا أكبرَ من جانبك. لقد قلت ليلة أمس، أمام فندق راسل، إنك سيُسعدك كثيرًا أن تُرحِّب بي بشدة؛ ربما ستودُّ فِعلَ ذلك الليلة.»
سأله كينيون: «هل جئتَ إلى هنا لتفتعلَ مشاجرةً معي؟»
«أوه، يرحمك الله، لا! مشاجرة! لا شيء من هذا النوع. ما الذي من المفترض أن أرغب في الشِّجار بشأنه؟»
«إذن، هلا تتفضل وتخبرني بسبب مجيئك إلى هنا؟»
«طلبٌ معقول للغاية. معقول للغاية في واقع الأمر، وطبيعيٌّ تمامًا، لكنه مع ذلك غيرُ ضروري بعض الشيء. من غير المحتمل أن يأتيَ أحدٌ هنا إلى غرفتك، ثم لا يكون مستعدًّا لإخبارك بسبب مجيئه. لقد أتيتُ، في المقام الأول، لأهنئك على الطريقة البديعة والدرامية التي حصلتَ بها على المنجم في اللحظة الأخيرة، أو كما بدا في اللحظة الأخيرة. أعتقد أنك كنتَ تمتلك المال طوالَ الوقت؟»
«لا، أنا لم أفعل.»
«إذن، أنت ذهبتَ إلى فون برينت بمجرد حصولك عليه؟»
«حسنًا، الآن، أنا لا أعتقد أن هذا شأنُ أيِّ أحدٍ سواي. ومع ذلك، إن أردتَ أن تعرف، فيُمكنني القول إنني قد ذهبت إلى مكتب السيد فون برينت في اللحظة التي حصلتُ فيها على المال.»
«حقًّا! إذن، أظن أنه قد أُرسِل إليك عبر الإبراق؟»
«ظنُّك صحيح تمامًا.»
قال الشاب، وهو يجلس دون أن يسمح له، وينظر إلى جون بطريقةٍ وَدودة: «لقد أبديت بالفعل بعضَ الانفعال بشأن هذه المسألة الصغيرة الخاصة بك. والآن، إليك القصة بالكامل باختصار …»
«سيدي العزيز، أنا لا أرغب في معرفة القصة بالكامل، باختصار. أعرف كلَّ شيء بشأنها … أعرف كل شيء أرغبُ في معرفته.»
«آه، بالضبط؛ بالطبع، أنت تعرف بالتأكيد؛ لكن، مع ذلك، دعني أُخبرك بالأمر. إليك القصةَ بالكامل. لقد حاولتُ … حسنًا، حاولت خِداعَك. ظننتُ أن بإمكاني كسْبَ بعض المال بفعل هذا، ومسعايَ فشل. والآن، إن كان يجب أن يكون أحدٌ في حالة مِزاجية سيئة، فإنه أنا، وليس أنت. ألا تعي ذلك؟ أنت لا تُمثل دورك جيدًا على الإطلاق. أنا مندهشٌ منك!»
«سيد لونجوورث، أنا لا أود أن أتحدث معك على الإطلاق. إن كان هناك أيُّ شيء تريد أن تسألني عنه، فأودُّ أن تفعل هذا بأسرعِ ما يمكن، ثم تتركني بمفردي.»
قال لونجوورث، وهو يضع ساقًا على الأخرى، ويقبض يديه حول ركبته: «أكبرُ عيب وجدتُه فيك … أكبر عيب فيك هو افتقارك المؤلم إلى روح الدعابة. والآن، أنت تتذكَّر بالطبع الليلة السابقة عندما عرَضتُ عليك إدارةَ المنجم. لقد ظننت، بالتأكيد، أنني بحلول هذا الوقت اليوم سأُصبح مالِكَه، أو، على الأقل، أحدَ ملَّاكه. والآن، أنت لا يبدو أنك تُقدِّر مدى هَزْلية الموقف. ها أنت الآن مالكُ المنجم، وأنا خارج السباق … «كمٌّ مُهمَل»، كما يقولون هنا في أمريكا. أنا الرجل الذي يُعَد كَمًّا مهمَلًا …»
قال كينيون بجدية: «إن كان هذا هو كلَّ ما تودُّ قوله، فيجب أن أطلب منك أن تدَعني أنتهي من حزمِ أشيائي. أنا سأذهب إلى المنجم غدًا.»
«بالتأكيد، يا صديقي العزيز؛ اذهب على الفور ولا تُبالِ بشأني. هل يمكنني أن أساعدك بأيِّ نحو؟ يتطلب حزمُ الأشياء جيدًا في حقيبة سفر، كما تعرف، عبقريةً من نوع خاص. لكن ما أردتُ قوله كان هو الآتي: لماذا لم تَستدِر، عندما امتلكتَ المنجم، وتعرض عليَّ إدارتَه؟ حينها، كنت ستحظى بانتقامِك مني. كلما فكرتُ في تلك الواقعة التي حدثَت في مكتب فون برينت، اعتقدتُ أنك فَشِلتَ تمامًا في إدراك الاحتمالات الدرامية للموقف.»
صمتَ كينيون.
«والآن، أنت تتساءل كلَّ هذا الوقت عن سبب مجيئي إلى هنا. أنت بلا شك تودُّ معرفةَ ما أريد.»
قال كينيون: «أنا ليس لديَّ أدنى اهتمامٍ بالأمر.»
«هذه فظاظة، لكنني، رغم ذلك، سأستمرُّ في حديثي. من الأفضل، كما أرى، أن يكون المرءُ صادقًا معك، إن أراد أن يعرف أي شيء منك. والآن، أنا أريد معرفةَ معلومة صغيرة منك. أريد أن أعرف مِن أين حصلتَ على النقود التي اشتريت بها المنجم.»
«حصلت عليها من البنك.»
«آه، نعم، لكنني أريد أن أعرف مَن أرسلها لك.»
«أرسلها لي جورج ونتوورث.»
«بالتأكيد؛ لكنني أريد الآن أن أعرف مَن أعطى النقود لونتوورث.»
«ستكون لديك فرصةُ معرفة ذلك عندما تعود إلى إنجلترا، من خلال سؤاله.»
«إذن، أنت لن تُخبرني، أليس كذلك؟»
«أنا لا يمكنني إخبارُك.»
«أنت تقصد بهذا، بالطبع، أنك لن تُخبرني.»
«أنا أقصد دائمًا، سيد لونجوورث، تمامًا ما أقوله. أنا أقصد أنني لا يُمكنني إخبارك. أنا لا أفهم نفسي تمامًا.»
«حقًّا؟»
«نعم، حقًّا. يبدو أن لديك بعضَ الصعوبة في تصديق أن أيَّ شخص يُمكنه أن يقول الحقيقة.»
«في الواقع، إن قول الحقيقة ليس رذيلةً شائعة. يجب أن تغفر لي اندهاشتي البسيطة.» رفع ركبته إلى أعلى للحظة، ونظر بتأمُّل في السقف. ثم قال: «والآن، هل تود معرفة مَن قدم هذا المال؟»
«أنا ليس لدي أيُّ فضول لمعرفة هذا.»
«هل هذا صحيح؟ أنت رجلٌ غريب. يبدو لي أن شخصًا هبطت عليه من السماء عشرون ألفَ جنيه سيكون لديه بعضُ الفضول لمعرفة مصدر هذا المال.»
«ليس لديَّ أي فضول لمعرفة هذا.»
«رغم ذلك، سأُخبرك بالشخص الذي أعطى المال لونتوورث. لقد كان هو صديقي العزيز ميلفيل. أنا لم أُخبِرْك في نيويورك، بالطبع، أنني وميلفيل وقعَت بيننا مشاجرة بسيطة حول هذا الأمر، وقد عاد هو إلى الوطن وهو غاضبٌ بالتأكيد. لم أتصور أنه سيستخدم تلك الطريقةَ في الانتقام؛ لكنني اتضحَ لي الأمر تمامًا الآن. لقد كان يعرف أنني حصلتُ على حقِّ شراء المنجم. وكان هناك خلافٌ بسيط حول نصيب كلٍّ منا من الأسهم فيه، وظننت، بعد حصولي على عقد حقِّ الشراء، أنني لدي الحقُّ في إملاء شروطي. وفكَّر هو بطريقة مختلفة. كان سيذهب إلى فون برينت لشرح الأمر برُمَّته له؛ لكنني أوضحتُ له أن مِثل هذا المسار لن يُجدي؛ نظرًا إلى أنَّ عقد حقِّ الشراء قد أُبرِم قانونًا باسمي، بحيث يبدأ حقي في شراء المنجم بمجرد انتهاء مدةِ عقدك. وعندما أدرك هو ذلك، أبحرَ وعاد إلى إنجلترا. والآن، يُمكنني رؤية دورِه في ذلك الختام الدرامي للأمور. لقد كانت خدعةً ماكرة جدًّا من جانب ميلفيل، وأنا أُهنِّئه عليها. إنه رجل يمتلك مهارةً ومكرًا أكثرَ بكثير مما ظننت.»
«يبدو لي، سيد لونجوورث، أن غرورك الشديد يجعلك دائمًا تُقلِّل من قدْرِ أصدقائك، أو حتى أعدائك، فيما يتعلق بهذا الأمر.»
«هناك شيءٌ من الصحة في هذا، يا كينيون؛ أعتقد أن كلامك صحيحٌ بنسبة كبيرة؛ أعتقد أنني قد أفيدك إن أسديت لي معروفًا في هذا الأمر. أعتقد أنه لا يوجد لديك أيُّ اعتراض على كتابةِ وثيقة قصيرة مفادُها أن المال لم يصل في الوقت المناسب، ومن ثَم فقد حصلت على المنجم. ثم، إن كان لك أن تُوقِّعها، فسآخذها إلى ميلفيل وأتوصَّل إلى اتفاقٍ معه. بالطبع، إن عرَف أنني امتلكتُ المنجم، فستكون هناك فرصةٌ أكبرُ لتوصُّلي إلى اتفاق معه.»
«لا يُمكن عقدُ أيِّ اتفاق معي، سيد لونجوورث، يتضمن جعلي أَحيدُ عن الصدق.»
«آه، حسنًا، هذا ما شككتُ فيه؛ لكنني ظننت أن الأمر يستحقُّ المحاولة. لكن، يا سيدي العزيز، قد أتوصل إلى اتفاق مع ميلفيل في النهاية، وحينها، كما أتصوَّر، لن يكون لك أيُّ علاقة بالمنجم.»
«أنا لن يكون لي أي علاقة به إن كان لك ولميلفيل نصيبٌ فيه؛ وإن، كما تشكُّ، كان ميلفيل هو مالِكَ المنجم، أعتقد أنك في وضعٍ سيِّئ. أرى أنه عندما يتغلب وغدٌ على وغدٍ آخر، فإن الوغد الآخرَ سيكون، كما قلتَ، «كمًّا مُهمَلًا».»
فكَّر لونجوورث بتدبُّر في هذا للحظة، ثم قال:
«نعم، أخشى أن ما تقوله صحيح؛ في الحقيقة، أنا متأكدٌ من ذلك. حسنًا، هذا كلُّ ما أردتُك أن تعرفه. والآن، وداعًا. ولن أراك ثانيةً في أوتاوا، حيث إنني سأبحر قريبًا جدًّا إلى إنجلترا. هل لديك أيُّ رسائل تودُّ إيصالها إلى أصدقائك هناك؟»
«لا، شكرًا لك.»
«حسنًا، إلى اللقاء!» وهكذا تُرِك جون لينتهيَ من حزم أشيائه. وبعد انتهاء هذه العملية الضرورية، جلس كينيون وأخذ يُفكر فيما قاله له لونجوورث الشاب. إن انتصاره، في النهاية، كان قصيرَ الأجل. وقد شعر أنه لا يُهمه مَن منهما قد امتلك المنجم لأنَّ الاثنين وغدان. وبينما كان يتأمَّل هذا الموضوع الكريه، تذكَّر فجأة طلبًا قد طلب من ونتوورث عرضه على المالكِ الجديد للمنجم. إنه لم يكن يريد أيَّ معروف من ميلفيل؛ لذا، كتب رسالةً أخرى، يطلب فيها تجاهُلَ الطلب الذي قدَّمه في الرسالة الأولى، وبعد أن أرسلها، عاد إلى فندقه، وخلَد للنوم، وهو على الأرجح أكثرُ شخصٍ مرهق في مدينة أوتاوا.
تَدخُّل امرأة |
الفصل التاسع والثلاثون
يتكوَّن هذا الفصلُ في أغلبه من رسائل. بوجهٍ عام، الرسائل تكون غيرَ ذات أهمية كبيرة لأي أحدٍ سوى كاتبيها ومستقبِليها، لكنها مدرَجة هنا على أمل أن القارئ، بعد أن تُصبح لديه درايةٌ كافية بمرسليها ومستلِميها، قد يشعر ببعض الاهتمام بما ورد فيها.
بعد أسبوعين تقريبًا من استقبال جورج ونتوورث للبرقية من كينيون، وجد، في صباح أحد الأيام، على مكتبه رسالتَين، كلتاهما تحمل طابعَ بريدٍ كنديًّا. كانت إحداهما سميكةً بعض الشيء، أما الأخرى، فرفيعة، لكنَّ الاثنتَين كانتا من المرسِل نفسِه. فتح بسرعة الرسالةَ الرفيعة أولًا، دون أن ينظر إلى التاريخ المطبوعِ عليها. وقد اندهَش قليلًا من محتواها، الذي كان كالتالي: عزيزي جورج لقد سمعتُ لتوي أن ميلفيل هو الشخص الذي اشترى المنجم. إن ملابساتِ الأمر لا تجعلُني أشكُّ في أن هذه هي الحقيقة؛ لذا، رجاءً تجاهَلِ الطلب الذي قدَّمتُه المتعلقَ بالعمل المتضمَّن في الرسالة التي بعثتُ بها إليك منذ مدَّة قصيرة. أشعر بإحباطٍ شديد بسبب امتلاك ميلفيل للمنجم. يبدو أنني فقط منَعتُ وغدًا من شرائه حتى يقعَ في يد وغدٍ آخر. صديقك المخلص جون كينيون
قال ونتوورث في نفسِه: «ميلفيل المالك!» ثم أردفَ: «ما الذي يُمكن أن يكون قد وضَع هذه الفكرةَ في رأس جون؟ هذه الرسالة هي مِن الواضح أنها تلك التي أُرسِلَت قبلَ هذه ببضع ساعات؛ لذا، ستحتوي على الطلب الذي تقدَّم به أيًّا كان.» ثم، ودون تأخير، فتح جورج ونتوورث الظرفَ الخاص بالرسالة الثانية، التي كان من الواضح أنها كُتِبَت أولًا.
لقد احتوت على عددٍ من المستندات المتعلِّقة بنقل مِلكية المنجم. والرسالة المرسلة من جون نفسِه ذكَرَت تفاصيلَ عملية شراء المنجم. ثم ورد فيها ما يلي: أودُّ أن تُسدِيَ لي معروفًا، يا جورج. هلا تتفضل وتطلب من مالك المنجم أن يجعلني أتولَّى إدارته؟ أنا بالطبع أتطلع لجعله يزدهرُ قدرَ الإمكان، وأعتقد أنني يمكنني الحصولُ على أكثرَ من راتبي، أيًّا كان. أنت تعرف أنني لا أهتمُّ كثيرًا بمسألة المال، لكن احصل لي على أكبرِ راتب تعتقد أنني أستحقُّه. أنا أريد المال لأغراض ليست أنانيةً على الإطلاق، كما تعلم. لكي أَصدُقَك القول، يا جورج، أنا سئمتُ من المدن والناس. أريد أن أعيش هنا في الغابة، حيث لا يوجد الكثيرُ من الخداع والغش، كما يبدو أنه الحال في المدن الكبيرة. عندما ذهبتُ إلى لندن في المرة الأخيرة، شعرت وكأنني صبيٌّ عاد إلى بيته. لقد تبدَّلَت مشاعري تمامًا، وأعتقد أنني، لولا وجودُك أنت وإحدى الشابَّات، ما كنتُ سأهتم قط برؤية المدينة الكبيرة ثانيةً. ما فائدة تعمُّدي الغموضَ، وكتابة الكلمتين «إحدى الشابات»؟ بالطبع، أنت تعرف ما أقصد؛ الآنسة إديث لونجوورث. أنت تعرف، أيضًا، أنني واقعٌ الآن، ومنذ مدَّة طويلة، في غرامها. إن نجحت في كسب المال الذي أعتقد أنني يجب أن أكسبه ببيع المنجم، فقد يكون لديَّ بعضُ الأمل في كسبِ المزيد، وبأن أُصبح في النهاية في وضعٍ يسمح لي بطلبها للزواج؛ لكن هذا والكثير جدًّا من الآمال الأخرى قد اختفى في ظلِّ تَجارِبي اللندنية الأخيرة. أريد أن أذهب إلى الغابة وأستعيدَ بعضًا من طبيعتي المفقودة، وثقتي المفقودة في الطبيعة البشرية. إن كان بإمكانك الاتفاقُ مع مالك المنجم، بحيث يُمكنني المكوثُ هنا لسنة أو اثنتين، فستُسدي لي معروفًا عظيمًا.
قرأ جورج ونتوورث الجزءَ الأخير من هذه الرسالة مرتين أو ثلاثَ مرات. ثم وقف، وأخذ يذرع المكان وهو يُفكر.
ثم قال في نفسه متمتمًا: «إن هذا ليس شيئًا يُمكنني أن أستشير أحدًا فيه.» ثم أردف: «المشكلة في كينيون هي أنه متواضعٌ بشدة؛ إن القليل من تقدير الذات المفيد سيكون هو الشيءَ المناسب له.» وفي النهاية، توقف فجأةً في أثناء مشيه. وقال لنفسه: «يا إلهي! سأفعل هذا الأمر، وليكن ما يكون.»
ثم جلس على مكتبه وكتب رسالة. عزيزتي الآنسة لونجوورث (هكذا بدأت الرسالة) لقد أخبرتِني عندما كنتِ هنا آخِرَ مرة أنكِ تريدين كل المستندات الخاصة بالمنجم. لقد وصل مستندٌ هذا الصباحَ مهم للغاية. إن جون كينيون، كما ستعلمين من خلال قراءة الرسالة، يرغب في إدارة المنجم. لا داعي للقول إنني أعتقد أنه أفضلُ رجل مناسبٍ في العالم لهذا المنصب، وإن كل شيء سيكون على ما يُرام على يدَيه. لذا، سأُرفق بهذه الرسالة رسالتَه. فكَّرتُ في إرسال جزء منها، لكن نظرًا إلى معرفتي برغبتك في الحصول على كلِّ المستندات الخاصة بالأمر، فقد سمحتُ لنفسي بإرسال تلك الرسالة تمامًا كما وصلَتني، وإن كان أيُّ شخص يجب أن يُلام في هذا الأمر، فأنا هو هذا الشخص. سأظل وكيلَك. جورج ونتوورث
وأرسل هذه الرسالة على الفور، بحيث لا يكون أمامه أيُّ فرصة للتراجع.
«ستصل إليها عصرَ هذا اليوم، وهي بلا شكٍّ ستأتي لرؤيتي.»
ربما ليس من الضروري القولُ إنها لم تَزُره، ولم ترَه لعدة أيام بعد ذلك؛ لكن في صباح اليوم التالي، عندما ذهب إلى مكتبه، وجد رسالةً منها. وكان نصها كالتالي: عزيزي السيد ونتوورث إن إرسالك لي رسالةَ السيد كينيون تُعَد سابقةً خطيرة بعض الشيء، ولا يجب تحتَ أيِّ ظرف أن تُتبع بإرسال أيِّ رسائل قد تتسلَّمها من أي شخص آخر إلى السيد كينيون. مع ذلك، وكما كنتَ على الأرجح مدركًا عندما أرسلتَ الرسالة، فلن يُلقى بأيِّ لوم على عاتقك، أو على عاتق أيِّ شخص آخر، في تلك الواقعة. ومع ذلك، كن حذرًا للغاية في المستقبَل؛ لأن إرسال الرسائل، بالكامل، يُعَد أحيانًا شيئًا محفوفًا بالمخاطر. يجب أن تتذكر أنني أريد دائمًا كلَّ المستندات الخاصة بالأمر، وأنني أريدها جميعها دون استثناء. أنا ممتنَّة جدًّا لك لإرسالك الرسالة. وفيما يتعلق بإدارة المنجم، أنا بالطبع كنتُ أظن أن السيد كينيون كان يرغب في العودة إلى لندن. إن كان يريد البقاءَ بالخارج، ويريد بالفعل المكوثَ هناك، فأودُّ أن تُخبره بأن السيد سميث سعيدٌ للغاية لمعرفة أنه يرغب في تولِّي مسئولية المنجم. لن يبدوَ عمَليًّا من جانب السيد سميث أن يقول إن السيد كينيون عليه أن يُحدِّد الراتب الذي يريده، لكن، لسوء الحظ، السيد سميث يجهل تمامًا الراتب الملائم في هذه الحالة؛ لذا، هلا تتفضل وتسوِّي أنت هذا الأمر؟ أنت تعرف الراتبَ المعتاد لمثل هذه الوظيفة. رجاء اكتب هذا الرقم، وأضف إليه مائتين في العام. وأخبر السيد كينيون أن المبلغ المذكور هو الراتب الذي وضعَه له السيد سميث. أرجو أن تكون حذرًا بشدةٍ في صياغة الرسائل، بحيث لا يعرف السيد كينيون أيَّ شيء عن هُوية السيد سميث. مع خالص الاحترام إديث لونجوورث
عندما تسلَّم ونتوورث هذه الرسالة، ونظرًا إلى أنه رجل، لم يعرف ما إذا كانت الآنسة لونجوورث مسرورةً أم لا. لكنه، كتب بسرعة رسالةً لجون، أخبره فيها بأنه عُيِّن مديرًا للمنجم، وأن السيد سميث مسرورٌ للغاية لِشَغلِه هذا المنصب. وذكر الراتب، لكنه أخبره بأنه إن لم يكن كافيًا، فلا شكَّ أن السيد سميث متلهِّفٌ بشدة للحصول على خدماته بحيث يُمكن زيادة المبلغ.
عندما تسلَّم جون الرسالة، كان سعيدًا بشدة.
في الوقت الذي كان يقرأ فيه ونتوورث رسالتَيه، تلقَّى جون الرسائل التي أُرسِلَت عندما اشتُري المنجم. شعر بالارتياح عندما عرَف أن ميلفيل في النهاية لم يُصبِح المالك؛ وذهب إلى العمل بعزمٍ وإصرار، وهو ينوي قضاءَ عامين أو ثلاثة من حياته في العمل الشاقِّ من أجل تطوير موارد المنجم. في أول أسبوعين، قبل أن يستقبل أيَّ رسائل، لم يفعل شيئًا سوى التعرُّفِ على الطريقة التي يسير بها العملُ هناك. لقد وجَد العديد من الأشياء التي يجب تطويرها. لقد شُغِّلت الآلات على نحوٍ أدى إلى تعطُّلِها، وكان العمَّال يعملون بتَهاوُن كما يفعل العمال عندما لا يكونون خاضعين لإشراف. كان مديرُ المنجم قلقًا بشدةٍ على منصبه. وأخبره جون بأن ملكية المنجم قد تغيرَت، لكنه، حتى تصله تعليماتٌ أخرى من إنجلترا، لا يمكنه تحديد ما سيحدث. وعندما وصلَته الرسائل، تولى جون زِمامَ العمل بعزمٍ وإصرار، وسرعان ما حدث تحسُّنٌ واضح في طريقة العمل. وقد سمح ببقاء المدير القديم كمديرٍ مساعد؛ لكن هذا الشخص سرعان ما وجد أن التساهل الذي كان سائدًا في عهد شركة المناجم النمساوية قد ذهَب إلى الأبد.
كان على كينيون أن يسافر في رحلةٍ أو رحلتين طويلتين إلى كندا والولايات المتحدة، للترتيب لبيعِ منتجات المنجم؛ لكنه، بوجهٍ عام، قضى وقته بالكامل في قرية الحطَب بالقرب من النهر.
وبعد مرور عام، استطاع كتابة رسالة مبهجة للغاية إلى ونتوورث.
قال: «كما ترى، المنجم، في النهاية، كان يستحقُّ المائتي ألف جنيه التي طلَبْناها فيه. لقد أدرَّ، حتى في العام الأول، عشَرةً بالمائة من هذا المبلغ. وهذا سيردُّ كلَّ المبلغ الذي تكلَّفَه شراءُ المنجم بأكمله، وأعتقد، يا جورج، أنه من الأمانة أن ندعَ كلَّ هذا العائد يذهب إلى السيد سميث هذا العام؛ لأنه هو مَن قدَّم المال في وقتٍ عصيب. هذا سيجعله يستعيدُ المبلغ الذي دفعه؛ لأن رأس المال العامِلَ لم يُمَس. إن الميكا المستخرَج غطَّى تكاليفَ تشغيل المنجم، وكل الباقي ربحٌ صافٍ. لذا، إن كنتَ تريد، سنتخلَّى عن نصيب الثلث الخاص بنا هذا العامَ، ثم يُمكننا أخذُ ربحنا الكبير العامَ المقبل ونحن مرتاحو الضمير. سأُرفق الموازنة.»
جاء على تلك الرسالة ردٌّ في الوقت المناسب من ونتوورث، الذي قال إنه قد عرَض طلب جون على السيد سميث؛ لكن بدا أن الرجل سُرَّ بشدةٍ بالاستثمار المربح الذي قام به، لدرجةِ أنه لن يقبلَ بأيِّ تقسيمٍ آخرَ للأرباح سِوى بالتقسيم المتساوي. وبدا أنه تأثَّر بشدةٍ بالعرض الذي قدَّمه جون، واحترمه لتقديمه، لكن الرفض المقترَح من جانبه وجانبِ السيد ونتوورث لتقسيم الرِّبح شيءٌ لا يمكن قَبوله. وحيث إن الوضع كان كذلك، فقد أرسل جون رسالةً وشيكًا بمبلغٍ كبير للغاية لأبيه. وكانت لحظةُ إرساله لهذه الرسالة، بلا شكٍّ، إحدى أسعدِ اللحظات في حياته، وكانت تلك الرسالة هي آخِرَ مجموعة الرسائل العجيبة التي ظهرَت في هذا الفصل.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الأربعون
كتب ونتوورث إلى كينيون يقول إن السيد سميث رفَض تمامًا أخذ أكثرَ مِن ثلث أرباح المنجم. صحيحٌ أن هذا العرض قد رُفِض، لكن ونتوورث لم يعرف قطُّ مدى الإغراء الذي شعَرَت به صاحبةُ المنجم عندما قدَّمه كينيون. لقد كان همُّها الأكبر هو ردَّ الثلاثين ألف جنيه لأبيها، وأرادت فِعلَ ذلك بأسرعِ ما يمكن. وفي نهاية العام الثاني، كان نصيبُها من الأرباح من المنجم، ومن ضمنها العائد على الخمسة آلاف جنيه التي أُرسِلَت إلى أوتاوا باعتبارها رأسَ مالٍ عاملًا، لا يزال أقلَّ من الثلاثين ألف جنيه بنحوِ خمسةِ آلاف جنيه. لقد تطلعَت بشدةٍ إلى الوقت الذي ستستطيع فيه دفعَ الثلاثين ألف جنيه لأبيها. لم يتحدَّث السيد لونجوورث العجوز قطُّ مع ابنته عن المبلغ. لقد توقعَت أنه سيسألها عما فعَلَته به، ولكنه لم يذكر قط الموضوع. لقد كان ضميرها يُؤنبها كثيرًا بسبب الطريقة التي اتبعَتها للحصول على هذا المبلغ الكبير. ورأت أن أباها قد غيَّر من طريقة معاملته لها منذ ذلك اليوم. لقد أعطاها المال، لكنه قد أعطاها إياه، كما يمكن أن نقول، وهو شبهُ مُجبَر، ولا شكَّ أنه لم يُعجبه أن يُكرَه على دفعِ ماله، رغم كرَمِه. لقد ضحَّت إديث لونجوورث من أجلِ المنجم بأكثرَ من المبلغ النقديِّ الذي أودَعَته في أوتاوا. لقد ضحَّت من أجله بأن فقدَت ثقةَ أبيها. إنه الآن لم يَعُد قط يطلبُ نصيحتها في أيٍّ من مشروعاته، ولأول مرة منذ عدة سنوات، ذهب في رحلةٍ بحرية طويلة دون أن يدعُوَها لمصاحبته. كلُّ هذا جعل الفتاةَ متلهفةً أكثرَ فأكثر للحصول على المال لردِّ دَينها، وإن قدَّم ونتوورث في نهاية العام الثاني العرض نفسه الذي قدَّمه في نهاية العام الأول، فستقبلُه. لكن العرض لم يُقدَّم، ولم تقل الآنسة لونجوورث شيئًا، وأخذَت نصيبها من الأرباح ووضعَته في البنك.
إن وضع المرء كلَّ البيض الذي يمتلكه في سلةٍ واحدة يُعَد فكرةً جيدة؛ حتى يحدث شيءٌ للسلَّة! ويُقال إن البرق لا يضرب أبدًا مرتَين المكانَ نفسَه، وكما يُشير الطفل الصغير، «إنه لا يحتاج أبدًا إلى فعل ذلك». أما في عمل السيد لونجوورث، فالبرق ضربَ ثلاثةَ أماكن، وفي كلٍّ من ضرباته أصاب سلةً كبيرة. لقد مُرِّر قانونٌ جديد في جزءٍ من العالم مما أثَّر بشدةٍ على مصالحه الكبيرة هناك. وفي جزء آخرَ من العالم، في الوقتِ نفسِه، حدثَت ثورةٌ، وتوقفَت كلُّ مجالات العمل في هذا البلد في الوقت الحالي. وفي جزءٍ ثالث من العالم، حدثَت أزمةٌ تِجارية، وتأثَّر سوقُ المال في لندن بكل تلك الكوارث المالية، وتأزَّم الوضعُ فيه بشدة.
أراد الجميعُ البيع، ولم يرغب أحدٌ في الشراء. وأثرَت مجموعةُ الأحداث المؤسفة هذه بشدةٍ في السيد لونجوورث العجوز. لم يكن الأمر أنه لم يكن يعتقد أن كلَّ استثماراته كانت آمِنة، لو استطاع فقط تجاوُزَ العاصفة، لكن كانت هناك حاجةٌ فورية إلى سيولة نقدية بدا أنه كان من شبه المستحيل الحصولُ عليها. ويومًا بعد يوم، كانت ابنتُه ترى علاماتِ الشيب تظهر عليه على نحوٍ واضح. وكانت تعرف أن القلق هو السبب في هذا، وكانت تُدرك أن الأحداث التي كانت تحدث في أجزاءٍ مختلفة من العالم لا بد أنها أربكَت أباها بشدةٍ. وتاقَت إلى الحديث معه بشأنِ مسائل العمل، ولكن المحاولة الوحيدة التي قامت بها في هذا الشأن قُوبِلَت بصدٍّ عنيف من جانبه، ولم تكن من نوعية النساء التي يُمكن أن تتعرض لصدٍّ آخرَ من هذا النوع. لذا، بقيت صامتة، وأخذت تُراقب بحزنٍ كيف أن أزمات العمل كانت تُؤثِّر بشدةٍ في صحة أبيها.
قال لونجوورث الشاب: «يبدو أن الرجل العجوز في أزمة.»
قالت الفتاة بغضب: «أنا لا أريدك أبدًا أن تُشير إلى أبي ﺑ «الرجل العجوز» … تذكَّر هذا!»
هز لونجوورث الشابُّ كتفيه، وقال:
«أنا لا أعتقد أنه يُمكنك أن تُصِري على جعلي أصفُه بالشاب أكثرَ من ذلك. إن لم يكن هو رجلًا عجوزًا، فأودُّ أن أعرف مَن عساه أن يكون سواه.»
قالت إديث: «لا يُهم هذا.» ثم أردفَت: «يجب ألا تُردِّد مثل هذا الوصف على مسامعي ثانيةً. ماذا تقصد بقولك إنه في أزمة؟»
رد: «حسنًا، أنا لا أعرف الكثير عن أعماله. إنه لا يُطلِعُني على أسراره على الإطلاق. في الحقيقة، إنه كلما كبر في السن، زادت احتمالاتُ وقوعه في مأزق، والاحتمال الأكبر أنه سيقوم بمضاربة سيئةٍ للغاية عمَّا قريب، إن لم يكن قد فعل هذا بالفعل. هذا هو الحال بالنسبة إلى الرجال العُجُز، وأستميحُكِ عذرًا على استخدامي هذه الصفة. إن هذا الكلام لا ينطبق على أبيك فقط في هذا المقام، بل على كلِّ الرجال العُجُز، خاصة مَن كانوا ناجحين منهم. يبدو أنهم يرفضون قَبولَ أيِّ نصيحة من أحد.»
في أحد الأيام، تلقَّت إديث برقيةً، تطلب منها الذَّهاب إلى مكتب أبيها في حي السيتي دون تأخير. أصابها ذعرٌ شديد عندما قرأت الرسالة، وكانت متأكدةً أن أباها قد سقط على الأرض في مكتبه، وربما كان يحتضر؛ أو ربما مات بالفعل. لقد كانت تخشى حدوثَ مثل هذا الأمر منذ فترة طويلة، بسبب الضغط الشديد الذي كان يتعرَّض له، ولم يكن هو من نوعية الرجال الذين يُمكن أن يُنصَحوا بضرورة الاهتمام بأنفسهم بدعوى تقدُّمِهم في السن. لقد كان يرفض أيَّ إيعازٍ بأنه لم يَعُد رجلَ أعمالٍ ناجحًا كما كان دائمًا؛ لذا، كان من الصعب بشدةٍ جعلُه يستمع إلى صوت العقل، هذا إن كان لدى أيِّ أحدٍ الشجاعةُ لأن يُمثِّل هذا الصوتَ بالنسبة إليه.
قفزَت إديث بسرعةٍ ودون أيِّ تأخيرٍ في عربة أجرة، وذهبت لاستقلال مترو لندن دون انتظارِ عربتها. ومن محطة مانشن هاوس، أقلَّتها عربةُ أجرة أخرى بسرعة إلى مكتب أبيها.
لقد شعرت بارتياح شديد، بينما كانت تمرُّ عبر مقر الشركة، لرؤية الموظفين وهم يعملون؛ كما لو لم يكن قد حدَث شيءٌ محدَّد. ولدى دخولها مكتب أبيها، وجدَته يذرع المكان جيئةً وذهابًا، بينما كان ابنُ عمها جالسًا على مكتبه، منشغلًا على ما يبدو في شئونه. وكان أبوها على ما يبدو غاضبًا بشدة.
صاح في اللحظة التي دخلت فيها: «إديث، أين ذلك المبلغُ الذي أعطيتُكِ إياه منذ عامين؟»
ردَّت، وقد شحب وجهها قليلًا: «لقد استُثمرَ.»
ضحك أبوها ضحكةً جافة وساخرة.
قال ساخرًا: «تمامًا كما ظننت؛ لقد استُخدِمَ بنحوٍ لا يُمكن استعادةُ بنس منه، حسبما أعتقد. فيمَ استُثمِر؟ لا بد أن أحصل على هذا المبلغ.»
«متى أنت بحاجةٍ إليه، يا أبي؟»
«أريده الآن، في تلك اللحظة؛ إن لم أحصل على هذا المبلغ، فسأتعرَّض لمشكلة كبيرة.»
«تلك اللحظة. أعتقد أن هذا معناه أيُّ وقت اليوم، قبل أن يُغلق البنك أبوابه؟»
نظر أبوها إليها للحظةٍ، ثم قال:
«نعم، هذا ما يعنيه.»
«سأحاول الحصول لكَ على المبلغ قبل حلول هذا الوقت.»
قال بمرارة: «ابنتي العزيزة، أنت لا تعرفين ما تتحدَّثين عنه. إن قمتِ باستثمار هذا المبلغ، وحتى إن أدرَّ استثمارُك ثلاثةَ أضعاف المبلغ الأصليِّ الذي دفَعتِه، فلا يُمكنك الحصولُ على بنس واحد منه. ألا تعرفين الوضعَ الذي عليه سوق المال بلندن؟ ألا تُدركين مقدارَ نُدرة المال؟ ظننتُ أنكِ ربما لا يزال معك جزءٌ منه، ولم تُضيعيه في استثمارِك الأحمق، أيًّا كان. أنا لم أسألك قطُّ عن ماهيته. لقد قلتِ لي إنك ستُخبرينني به، لكنكِ لم تفعلي هذا قط. لقد اعتبرت هذا المبلغ مفقودًا. وأنا لا أزال أعتبره كذلك. إن كان بإمكانك إعطائي ما تبقَّى منه، فهذا سيُساعدني الآن أكثر مما كان سيفعل المبلغ كلُّه، أو ضِعفُه، في وقت إعطائي إياه لكِ. ما الذي فعَلتِه بالمبلغ؟ فيمَ استُثمِر؟»
«لقد استثمرتُه في منجم.»
«منجم. من بين كل الأشياء في العالم التي يمكن إضاعةُ المال فيها، يُعَد المنجمُ هو الأسوأ. إن هذا هو المتوقع تمامًا من أي امرأة أو أحمق! كيف تتوقَّعين كسْبَ مالٍ من منجم في الوضع الراهن للسوق؟ ما الذي، بالله عليك، جعلَكِ تستثمرين المال في منجم؟ منجمُ مَن هذا الذي اشتريتِه؟»
«أنا لا أعرف مَن كان مالِكَه، يا أبي، لكنني كنت أريد أن أخبرك بكلِّ ما كنتُ أعرفه في الوقت الذي سألتني فيه وإن سألتني الآن عن المنجم الذي اشتريتُه، فسأخبرك عنه.»
«بالتأكيد، سأفعل. ما المنجم الذي اشتريتِه؟»
«لقد اشتريتُ المنجم الذي كان جون كينيون لديه حقُّ شرائه.»
في اللحظة التي قيلت فيها تلك الكلمات، وقف ابنُ عمها وحدَّق فيها مثلَ رجلٍ مجنون.
«لقد اشتريتِ ذلك المنجم … أنت؟ إذن ونتوورث كذب عليَّ. لقد قال إن شخصًا يُدعى السيد سميث قد أعطاه المال.»
«أنا السيد سميث، يا ويليام.»
«أنتِ السيد سميث! أنت الشخص الذي خدعَني وحرَمني من هذا المنجم!»
«ابن عمي العزيز، كلما قلَّ الحديثُ عن الخداع، كان هذا أفضل. أنا أتحدث إلى أبي الآن، ولا أريد أيَّ مقاطعة. هلا تتفضل بمغادرة الغرفة حتى ينتهيَ حديثي معه؟»
«إذن لقد اشتريتِ منجم الميكا، أليس كذلك؟! وقد كنتِ تتظاهرين بمصادقتي، وأنت تعرفين طَوال الوقت أنك كنت تفعلين كل ما في وُسعِك لخداع …»
قاطعَه الرجل العجوز قائلًا: «مهلًا، مهلًا! ويليام، كفَّ عن هذا. إن كان لأحدٍ أن يتحدث بحِدَّة مع إديث، فسيكون أنا، وليس أنت. اهدَأ، يا عزيزي، واترك الغرفة، كما طلبَت منك هي.» ثم أردف، بنبرةٍ أهدأَ بكثير، بعد أن غادر لونجوورث الشابُّ الغرفة: «والآن، يا ابنتي، هل لديكِ أيُّ مال سائل؟ لا جدوى من القول إن المنجم يستحقُّ مائة ألف جنيه أو مليونًا الآن، إن لم يكن لديك مالٌ سائل.» ثم أضاف: «إديث، ابنتي، اجلسي للحظةٍ، وسأشرح لك الوضعَ بالكامل. يبدو لي أن الأمور منذ أن توقفتُ عن استشارتك لا تسير على ما يُرام. ربما، حتى لو لديكِ المال، فمن الأفضل ألا تُخاطري به الآن؛ لكنَّ جنيهًا واحدًا سيفعل ما لن يفعلَه جُنيهان بعد عامٍ من اليوم، أو ربما ستَّة أشهر من الآن، عندما تنتهي هذه الأزمة.»
جلسَت إديث بجوار أبيها وعرَفَت منه كيف كان الوضع بالضبط. ثم قالت:
«كلُّ ما تحتاج إليه بالفعل هو نحوُ خمسة عشَرَ ألف جنيه، أليس كذلك؟»
«بلى، هذا سيَفي بالغرض؛ أنا متأكد من أن هذا المبلغ سيُساعدني في تجاوزِ الأزمة. هل يمكنك توفيره لي، يا صغيرتي؟»
«نعم، والمزيد. سأحاول أن أوفر لك المبلغَ كلَّه. انتظرني هنا عشرين دقيقة أو نصفَ الساعة.»
اندهش جورج ونتوورث بشدةٍ عندما رأى إديث لونجوورث تدخل مكتبه. لقد مرَّ عدةُ أشهر منذ مجيئها آخِرَ مرة إلى هنا، ومد يدَه بكلِّ ترحيب ليُسلم على الفتاة.
قالت على الفور: «سيد ونتوورث، هل معك أيٌّ من المال الذي أدرَّه منجم الميكا؟»
«نعم. لقد استثمرتُ أرباحَ العام الأول، لكن، منذ أن حصلتُ على آخرِ مبلغ، أصبحَت الأمور غيرَ مستقرة للغاية في حي السيتي لدرجة أنه لا يزال موجودًا في البنك.»
«هل ستُقرضني … هل يمكن أن تُقرضني خمسةَ آلاف جنيه منها؟»
«بالطبع، يُمكنني، وسأفعل؛ وأنا سعيدٌ جدًّا لأنْ أُتيحَت لي الفرصة لفعل ذلك.»
«إذن، من فضلك اكتب لي شيكًا بالمبلغ على الفور، وأي أوراق تُريدها كضمان، اكتبها، وسأضمن لك حقك.»
رد الشاب، واضعًا يدَيه على وركيه وقد أخذ يُحدق فيها: «اسمعيني، يا آنسة لونجوورث، هل تقصدين إهانتي؟ ألا تعرفين أن السبب في قدرتي على كتابة شيكٍ بخمسة آلاف جنيه، ويكون مقبولَ الدفع، يرجع بالكامل إلى أنكِ أعطيتِني أنا وكينيون مالَك دون ضمان؟ هل تعتقدين أنني أريد ضمانًا؟ اسحَبي هذا الكلام، يا آنسة لونجوورث.»
قالت: «سأفعل … سأفعل، لكني في عجَلة من أمري. من فضلك اكتب لي الشيك؛ لأنني يجب أن أصرف المبلغ قبل أن يُغلق البنكُ أبوابه.»
وكتب الشيك على الفور وأعطاه لها.
قالت: «أخشى أنني لست مهذبةً جدًّا اليوم، وأنني فظَّة بعض الشيء، لكنني سأُصلح هذا في وقتٍ آخر.»
وهكذا، بعد أن ودَّعَت الشاب، ركبَت عربتَها إلى البنك، ثم أودعت الشيكَ في حسابها وصرفت أموالها لتحصل على مبلغ الثلاثين ألف جنيهٍ وحمَلَته إلى أبيها.
ثم قالت: «ها هي الثلاثون ألف جنيه، وأنا لا أزال أملكُ المنجم، أو، على الأقل، جزءًا منه. كل هذا المال مصدره الشيك الذي أعطيتَني إياه، أو، على وجه الدقَّة، ثُلثَاه؛ لأن ثُلثَه لم يُمَس قط. والآن، يبدو لي، يا أبي، أنني إن كنتُ سيدةَ أعمالٍ جيدةً بالقدر الكافي بحيث أَزيد أموالي إلى أكثرَ من الضِّعف في غضون عامين، فأنا سيدةُ أعمال جيدةٌ بما يكفي بحيث يَستشيرني أبي حينما يحتاج إلى كاتمِ أسرار. والدي العزيز، أريد أن أحمل عنك بعضًا من الأعباء التي على كاهلك.»
ترقرَقَت الدموعُ في عينَي أبيها عندما وضَع ذراعه حول وسطها وقال لها هامسًا:
«لا يوجد مثيلٌ لك في لندن بأكملها، يا عزيزتي … لا أحد يُشبهك. أنا لن أُخفِيَ عنك أيَّ أسرار، يا فتاتي الشجاعة.»
تَدخُّل امرأة |
الفصل الخامس
تنضج صداقاتُ الرحلات البحرية بسرعة. ومن الصحيح أيضًا بوجهٍ عام أنها تختفي بسرعةٍ مساوية؛ ففي اللحظة التي يضعُ فيها المرءُ قدَمَه على أرضٍ صُلبة، يبدو أنَّ بهاء البحر يذهب عنه، وينسى بسرعة على الشاطئ الصديقَ الذي أقسمَ على الإخلاصِ لصداقته طَوال العمر بينما كان على سطح السفينة. لم تُفكر إديث لونجوورث في موضوع الطبيعة البريئة لصداقات الرحلات البحرية عندما تذكَّرَت مشيها المبهِجَ على سطح السفينة مع كينيون. لقد قابلَت العديدَ من الأشخاص الظُّرفاء في أسفارها المتعددة، لكنهم أثبتوا جميعًا أنهم مجردُ معارفِ سفر، وكانت تجدُ الآن صعوبة كبيرة في تذكُّر أسمائهم. ربما ما كانت ستتذكَّر السيد كينيون ثانيةً في تلك الليلة لولا بعضُ الملاحظات الغبيَّة التي رأى ابنُ عمها أنَّ من المناسب إبداءَها على طاولة العشاء.
سأل لونجوورث الشابُّ: «مَن كان ذلك الرجل الذي كنتِ تسيرين معه اليوم؟»
ابتسمَت له إديث بابتهاج، وردَّت قائلة:
«أعتقد أنك تقصد السيد كينيون؟»
ردَّ بغلظة: «أوه، أنتِ تعرفين اسمه، أليس كذلك؟»
أجابت: «بلى؛ فأنا بالتأكيد لن أمشي مع رجلٍ دون أن أعرف اسمه.»
قال لها ابنُ عمها باستهزاء: «حقًّا؟! وهل جرى تقديمُكِ له؟»
ردَّت إديث بهدوء: «أنا لا أعتقد أن أيَّ شخص لديه الحقُّ في طرح هذا السؤال عليَّ سوى أبي. إنه لم يطرحه، وردًّا على سؤالك، فأنا فقط سأُجيب بأنني قُدِّمتُ للسيد كينيون.»
«أنا لا أعرف أيَّ شخص مشترك بينكما على سطح السفينة يُمكنه تقديم كلٍّ منكما للآخَر.»
«حسنًا، كانت المسألة غيرَ رسمية بعض الشيء. لقد قدَّم أحدَنا إلى الآخرِ صديقُنا المشترك، إلهُ البحر العجوز نيبتون. لقد جعلني نيبتون، الذي كان، كما تعرف، صاخبًا قليلًا هذا الصباح، أصطدم بالسيد كينيون. إنَّ وزني أخفُّ من الريشة، وكانت النتيجة — على الرغم من أن السيد كينيون كان مهذبًا بما يكفي لأن يقول بأنه لم يُصَب بسوء — أن الكرسيَّ الذي كان يجلس عليه لم يُراعِ بنفس القدر مشاعري وتحطَّم. ظننت أن السيد كينيون سيأخذ كرسيًّا بدلًا من كرسيه الذي حطمتُه رغمًا عني، لكن السيد كينيون لم يكن رأيه هكذا. لقد قال إنه يعمل مهندسَ تعدين وإنه لا يمكن أن يزعم أنه رجلٌ بارع جدًّا في هذا المجال إذا وجد أيَّ صعوبة في إصلاح كرسيٍّ على سطحِ سفينة. ويبدو أنه نجح في فعل هذا، وهذه كلُّ قصة تقديمي إلى السيد كينيون، مهندس التعدين، وتواصُلي معه.»
ردَّ الرجل الشاب: «هذا ممتع ورومانسي جدًّا، وهل تعتقدين أن أباكِ سيُوافق على تكوينك معارفَ عشوائيةً على هذا النحو؟»
قالت إديث، وقد تورَّدَت خجلًا قليلًا بسبب هذا:
«لن أفعلَ بمحض اختياري أيَّ شيء يرفضه أبي.» ثم أضافت بصوتٍ منخفض: «فيما عدا، ربما، شيء واحد.»
مال الآن أبوها، الذي سمع مقتطفاتٍ من الحوار، باتجاه ابن أخيه، وقال محذرًا:
«أعتقد أن إديث قادرةٌ على الحكم على الأمور بنفسها. تلك هي الرحلة البحرية السابعة لها معي، ودائمًا ما أجد أن هذا هو الوضع. إن تلك هي أولُ رحلة لك معنا، ولذلك، إذا كان لي أن أضعَ نفسي مكانك، فسأتوقَّف عن الحديث في هذا الموضوع.»
صمت الشاب، وأعطَت إديث لأبيها نظرةَ شكرٍ وامتنان. نتيجةً لهذا، ورغم أنها ما كانت لتُفكِّر ثانيةً في كينيون، فإن الملاحظات التي أبداها ابنُ عمها، جلبَت إلى ذهنها، بينما كانت بمفردها، صورةَ الرجلَين، ولم تكن المقارنةُ بينهما على الإطلاق في صالح ابن عمها.
أيقظَت كينيون أصواتُ فُرَش التنظيف على سطح السفينة فوق غرفته مبكرًا في صباح اليوم التالي. لبضعِ لحظات بعد أن صعد على سطح السفينة، ظنَّ أن السفينة له وحده. كان أحدُ جانبي السطح نظيفًا ومبتلًّا، وكان الرجال على الجانب الآخر يُحركون ببطءٍ فُرَشَ التنظيف للأمام والخلف، بصوتٍ ممل. وبينما كان يمشي على السطح، رأى راكبًا صعد هناك على نحوٍ أبكرَ منه.
استدارت إديث لونجوورث عندما سمعَت خطواته، وأشرق وجهُها بابتسامةٍ عندما عرَفَت أنه هو.
رفع كينيون بجديةٍ قبعةَ البحر الخاصة به وقال لها: «صباح الخير.»
«إنكَ مِن الذين يستيقظون مبكرًا، يا سيد كينيون.»
«ليس مثلَكِ، كما أرى.»
ردَّت الفتاة: «أعتقد أنك راكبٌ استثنائي في هذا الشأن. أنا أستمتع دائمًا بالصباح الباكر في البحر. أحبُّ أن أذهب إلى أبعدِ مكان في الأمام في السفينة قدرَ الإمكان، بحيث لا يقف شيءٌ بيني وبين اللانهائي. حينها، يبدو لي وكأنَّ العالم كلَّه مِلكي، ولا يوجد به أحدٌ سواي.»
قال كينيون: «ألا ترَين أن هذه نظرة أنانية جدًّا؟»
«أوه، أنا لا أرى هذا. لا يوجد بالتأكيد شيءٌ أناني في استمتاعي بالأمر، لكن، كما تعرف، هناك أوقاتٌ يرغب فيها المرء أن يكون بمفرده وأن ينسى الجميع.»
«أرجو ألا أكونَ قد قاطعتُكِ في أحد هذه الأوقات.»
ردَّت رفيقتُه وهي تضحك: «أوه، لا، على الإطلاق، يا سيد كينيون. لا يوجد شيءٌ شخصيٌّ في ملاحظتي. إذا أردتُ أن أكون بمفردي، ما كنت سأتردد في الانصراف. أنا لستُ معتادة على التلميح؛ فأنا أتحدَّث بصراحة؛ بعضُ أصدقائي يرون أن هذه صراحةٌ زائدة قليلًا عن اللزوم. هل سافرتَ من قبلُ عبر المحيط الهادئ؟»
«مطلقًا.»
«آه، الصباح هناك ممتع. إنه رائعٌ هنا الآن، لكن في الصيف في المحيط الهادئ يكون الصباحُ أحيانًا هادئًا ومسالمًا ونضرًا لدرجةٍ يبدو معها كما لو أنَّ العالم قد خُلق مؤخرًا.»
«لقد سافرتِ كثيرًا، يا آنسة لونجوورث. أنا أحسدكِ.»
«كثيرًا ما أظن أنني شخصٌ يجب أن أُحسَد، لكن ربما تتحطَّم سفينةٌ أكون على متنها في أحد الأيام، وحينها، لن أكون موضعَ حسد.»
«أتمنى عن صدقٍ ألا تتعرَّضي قطُّ لمِثل هذه التجرِبة.»
«هل تعرضتَ من قبل، يا سيد كينيون، لتجرِبة تحطمِ سفينةٍ كنتَ على متنها؟»
«أوه، لا؛ فتجارِبُ سفري محدودةٌ للغاية. لكن التعرف على الأمر عن طريق القراءة عنها يؤكِّد صعوبةَ الأمر بشدة.»
«إن رحلتنا رائعةٌ حتى الآن. تمامًا كما لو كانت قد حدثَت في الصيف. يُمكن للمرء بصعوبةٍ تصديقُ أننا ترَكْنا أمريكا في وسط الشتاء، والجليد في كلِّ مكان ودرجة الحرارة أقلُّ من الصفر بكثير. هل أصلحتَ كرسيَّك الذي على سطح السفينة، بالشكل الكافي الذي يجعلك تثقُ في الجلوس عليه مرة أخرى؟»
قال كينيون، وهو يضحك: «أوه! يجب حقًّا ألا تسخَري من مهارتي كهاوٍ في أعمال النِّجارة على هذا النحو. كما أخبرتُكِ، أنا مهندس تعدين، وإذا لم أستطِع إصلاحَ كرسي مثل هذا، فماذا ستتوقَّعين مني أن أفعل في منجم؟»
سألت الشابة: «هل لديك خبرةٌ في التعامل مع المناجم؟»
ردَّ كينيون: «لقد دخلتُ لتوِّي المجال، وهذه، في واقع الأمر، إحدى مهامِّي الأولى. لقد أُرسِلتُ مع صديقي ونتوورث لفحص مناجمَ معينةٍ على نهر أوتاوا.»
قالت إديث متعجبة: «نهر أوتاوا! هل أنت أحد الاثنين اللذين أرسلتهما شركةُ لندن سينديكيت؟»
رد كينيون باندهاش: «نعم. ماذا تعرفين عن الأمر؟»
«أوه، أنا أعرفُ كل شيء عنه. كل شيء، فيما عدا ما يجب أن يكونَ عليه تقريرُ خبير التعدين، والمعلومات، بحسب ظني، التي لديك؛ لذا، نحن الاثنان نعرف الكثيرَ عن أعمال لندن سينديكيت.»
«حقًّا! أنا مندهشٌ لمقابلة شابةٍ تعرف أي شيء عن الأمر. كنتُ أعتقد أن الأمر سرِّي إلى حدٍّ كبير حتى اللحظة.»
«آه! لكني، كما ترى، أحدُ ملاك الشركة.»
«أنتِ!»
ردَّت إديث لونجوورث، وهي تضحك: «بالتأكيد. على الأقل، والدي أحدُ الملاك، وهو الأمر نفسُه، أو قريبًا من ذلك. لقد كنا ننوي السفرَ لكندا بأنفُسِنا، وشعرتُ بخيبة أملٍ كبيرة لعدم الذَّهاب إلى هناك. وأعتقد أن التزحلق هناك بالزلاجات وأحذية التزلج والمزالج شيءٌ رائع.»
«لقد رأيتُ القليل جدًّا من الجانب الاجتماعي للحياة في هذه المنطقة، حيث قضيتُ الغالبية العظمى من وقتي في المناجم، لكن حتى في القرية التي يوجد بها المنجم وسكَنتُ فيها، كان هناك نادٍ لأحذية التزلُّج، ومكانٌ رائع للتزحلق بالمزالج، وكان جيدًا جدًّا في واقع الأمر، لدرجةِ أنني، بعد أن سقطتُ مرة واحدة، لم أغامر مطلقًا بفقدان حياتي بفعلِ ذلك مجددًا.»
«إذا علم والدي بوجودِك على متن السفينة، فسيتلهَّف للقائك. أنت تعرف بلا شكٍّ أن لندن سينديكيت ستكون شركةً كبيرة للغاية.»
«نعم، أنا أُدرك ذلك.»
«وهل تعلم أن الكثيرَ من الأمور سيعتمد على تقريرك؟»
«أعتقد أن الأمرَ كذلك، وأتمنى أن تجد الشركةُ تقريري على الأقل أمينًا ووافيًا.»
«هل الزميل الذي كان معك موجودٌ أيضًا على متن السفينة؟»
«نعم، إنه هنا.»
«إنه إذن مُراجع الحسابات الذي أُرسل إلى هناك؟»
«نعم، وهو رجلٌ يقوم بعمله بإتقانٍ شديد، وأعتقد أن الشركة ستَسْعد بما قام به من عمل.»
«وهل تعتقد أنهم سيَسعدون بما قمتُ به من عمل أيضًا؟ أنا متأكدة من أنك قمتَ بعملك بإخلاص وضمير.»
كاد كينيون يتورَّد خجَلًا بينما كانت تُبدي السيدة الشابة هذه الملاحظةَ، لكنها نظرَت إليه باهتمامٍ شديد، ورأى هو أنَّ أفكارها لم تكن تتمحورُ حوله، لكن حول المصلحة المالية الكبيرة التي قد تنتجُ عن تقريره.
سألَتْه: «هل ترى أن أوتاوا منطقةٌ ملائمة للتعدين؟»
أجاب: «نعم، بشدة.» ثم أضاف، وهو يريد أن يُحوِّل دفَّة الحوار بعيدًا عن تقريره: «لقد أُعجبتُ بالمكان بشدة لدرجة أنني حصَلتُ على عقدِ خيارِ شراءِ منجمٍ لنفسي هناك.»
«أوه! هل تنتوي شراءَ أحد المناجم هناك؟»
ضحك كينيون.
«لا. أنا ليس لديَّ رأسُ مال ولا أسعى لإيجاد استثمارٍ لأموالي، لكنني رأيتُ أن احتمالات تحقيق المنجم لأرباح كبيرة لمن يمتلكونه كبيرة. إن قيمته أعلى بكثير، في رأيي، مما يعتقد أصحابُه أنفسُهم؛ لذا، حصلتُ على عقد خيار شراءٍ بشأنه لمدة ثلاثة أشهر، وأتمنى عندما أصلُ إنجلترا، أن أُؤسِّس شركةً للاستحواذ عليه.»
قالت السيدة الشابة: «حسنًا، أنا متأكدة، إذا كنتَ واثقًا بأن المنجم جيد، أنك لن تجدَ مَن سيُساعدك في هذا الشأن أكثرَ من أبي. لقد كان يفحص بعضَ مصانع الجِعَة التي كان يريد الاستثمار فيها، لكنه خلَصَ إلى عدم المضيِّ قدمًا في هذا الأمر، ولذا، سيكون متلهفًا لإيجاد استثمارٍ أكثرَ رِبْحيةً مكانه. ما المبلغ المطلوبُ لشراء المنجم الذي ذكَرتَه؟»
قال كينيون: «كنتُ أفكِّر في طلب خمسين ألف جنيه كمقابلٍ له.» وتورَّد عندما فكَّر في اندفاعه وقيامه بزيادةِ سعر المنجم لأكثرَ من الضِّعف.
كان كينيون وونتوورث قد قدَّرا القيمة المحتملة للمنجم، وخلصا إلى أنهما حتى عندما يبيعانه بهذا الثمن — الذي سيجعلهما يحصلان على مبلغٍ قدره ثلاثون ألفَ جنيه ويقسمانه بينهما — فإنهم يبيعان منجمًا يستحقُّ بحقٍّ أكثرَ من ذلك بكثير، وسرعان ما سيُدِرُّ أرباحًا كبيرةً على الخمسين ألف جنيه. وتوقَّع أن تتعجَّب السيدة الشابة من المبلغ، ولذا، اندهش بشدةٍ عندما قالت:
«خمسون ألف جنيه! هل هذا هو المبلغ فقط؟ إذن، أخشى أن أبي لن يستثمرَ فيه. إنه يشارك فقط في المشاريع الكبيرة، وأنا واثقةٌ أنه لن يهتمَّ بالمشاركة في شركة باستثمار خمسين ألف جنيه.»
قال كينيون: «أنتِ تتحدَّثين عن الخمسين ألف جنيه كما لو أنه مبلغٌ تافه. بالنسبة إليَّ، إنه يبدو ثروةً كبيرة. أتمنى فقط أن أحوزه، أو أحوزَ نصفه.»
قالت الفتاة، باهتمامٍ واضح: «أنت لستَ ثريًّا، إذن؟»
رد الرجل الشاب: «نعم. أنا عكس ذلك جدًّا.»
في هذه اللحظة، ظهرَ السيد لونجوورث العجوز عند مدخل الدرَج، وأخذ ينظر في أنحاء سطح السفينة.
وقال، بينما كانت ابنتُه تقفز ناهضة من كرسيِّها: «أوه، ها أنتِ هنا.»
صاحت: «أبي، أودُّ أن أُعرفك بالسيد كينيون، خبير التعدين الذي أُرسِل من جانب شركتنا لإلقاء نظرةٍ على مناجم أوتاوا.»
قال الرجل العجوز: «سُرِرتُ بمقابلتك.»
جلس الرجلُ الرأسمالي بجوار مهندس التعدين، وبدأ الحديثَ عن شركة لندن سينديكيت، مما سبَّب الإحراجَ بعض الشيء لكينيون.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الحادي والأربعون
لقد كان الحظُّ حليفَ كينيون، كما قال لنفسه. لقد كان العام الثاني حتى أكثرَ ازدهارًا من العام الأول، وكان العامُ الثالث ناجحًا كما هو الحال في العام الثاني. لقد كان هناك إقبالٌ منتظِمٌ على المعدِن الخاصِّ به، هذا إلى جانب امتلاكِه المَيْزةَ الكبيرة المتمثِّلة في معرفة الأوغاد الموجودين في المجال بحيث أمكنَه تجنُّبُهم. وقد علَّمَته بعضُ عمليات الاحتيال الجديدة التي صادفَها في خلال تَجرِبته بالعام الأول دروسًا استفاد منها في العامين الثاني والثالث. وقد أحبَّ منزله في البرِّية، وأحبَّ الناسَ الغِلاظ الذين وجدَ نفسه يعيش في وسطهم.
بالرغم من بُغضه للندن، كان يتملَّكُه بين الحينِ والحينِ حنينٌ إلى المدينة الكبيرة، ومنَّى نفسه بالقيام برحلةٍ إليها في نهاية العام الثالث. وقد كان ونتوورث شهرًا بعدَ شهر يُهدِّد بالذَّهاب لزيارته، لكن كان يحدث دائمًا شيءٌ يعوقه عن فعل ذلك.
بوجهٍ عام، كان جون يُحب المكانَ الذي يعيش فيه في الشتاء أكثرَ مما يحبه في الصيف، رغم البرودة الشديدة. لقد كانت البرودةُ منتظمةً ويُمكن الاعتيادُ عليها؛ علاوةً على ذلك، لقد كانت صحِّية ومنعِشة. في الصيف، لم يعتَدْ جون قطُّ هجماتِ الذباب الأسود والبعوض وغيرهما من الآفات الحشرية التي تسكن المنطقة. لقد تركَت مواجهتُه الأولى مع الذباب الأسود وجهَه في حالةٍ جعلَته سعيدًا أنه يعيشُ في البرِّية.
في بداية الشتاء الثاني، حصل جون لنفسه على إحدى وسائل الرفاهية. لقد اشترى مُهرةً قزَمةً كَندية فرنسية جميلة، وكانت سريعةً جدًّا ومعتادةً بشدة على جليد النهر، الذي مثَّلَ الطريق السريع الذي يستخدمه للوصول إلى بيرنتباين من المنجم في الفصل البارد. وأضاف إلى المهرة زلاجةً صغيرة مُريحة، وبوسيلة النقل هذه، تنقَّل في جولاته المتعدِّدة بين المنجم وبيرنتباين في راحةٍ وسرعة، وهو ملتحفٌ على نحوٍ مريح في الأردية المصنوعة من جلد الجاموس.
إن كانت لندن تُلِحُّ على عقله كثيرًا، فقد كان هناك موضوعٌ آخرُ يُقحم نفسَه عليه على نحوٍ حتى أكثرَ تَكْرارًا. إن ازدهار حاله المتزايِدَ كان له علاقةٌ بهذا. لقد رأى أنه إن كان سيكون له ثلثُ أرباح المنجم، فإنه لن يظلَّ فقيرًا لمدَّة طويلة، وتلك الحقيقة أعطَته بعضَ الشجاعة التي كان يفتقِدُها من قبل. وتساءل في نفسِه عما إذا كانت لا تزال تتذكَّره. لم يَقُل ونتوورث عنها إلا أقلَّ القليل عندما كان يكتبُ إليه؛ إذ كانت رسائله تُركز على نحوٍ كبير على الإطراء الشديد على جيني بروستر، وكينيون، رغم الاعتراف الذي أدلى به عندما بدا أن مسألته لا أملَ فيها، كان يكره أن يكتب ليسأل صديقه عن أيِّ شيء بشأن إديث.
في أحد الأيام، وفي صباح يومٍ شتوي شديدِ البرودة، ربط كينيون مُهرته القزمة بالزلاجة من أجل رحلته الأسبوعية إلى بيرنتباين. وبعد تجاوز الجزءِ الأصعب من الطريق فيما بين المنجم والنهر، وبدءِ المهرة عملَها على الثلج، وقد كانت هناك ضفَّتان بيضاويَّتان من الثلج على جانبَي الطريق الناعم، أطلق جون العِنانَ للتفكير في الموضوع الذي صار الآن يَشغل باله بكثرة. وجدَت أفكار جون، الذي كان ملتحفًا بأرديته، ويركب زلاجته التي كانت تنساب عبر الثلج، صحبةً مبهجة في الجلجلة الرخيمة للأجراس التي كانت تُجلجل حولَ عنق مهرته. إنه، بوجهٍ عام، لم يُصادِفْ أحدًا على الطريق الجليدي من المنجم إلى القرية. وأحيانًا، كان يمرُّ به موكبٌ من الزلاجات التي تحمل المؤن إلى منجمِه والمناجمِ التي تليه، وعندما كان يرى ذلك الموكب، كان عليه أن يبحث عن مكانٍ على جانب الطريق حيث يمكنه إيقافُ مهرته القزمة وزلاجته حتى يسمح للموكب بالمرور. كان الثلج على كِلا جانبي الحفر الذي تتسبَّب فيه الزلاجات كبيرًا جدًّا لدرجة أن هذَين الركنين كانا يُسوَّيان من آنٍ لآخَر؛ للسماح للزلاجات بالمرور بعضها بجانب بعض. كان قد تجاوز نصفَ الطريق إلى القرية، عندما رأى أمامه حِصانَين أدرك على الفور أنهما ينتميان لصاحب الفندق وكانا يقودان إحدى الزلاجات. توقَّف في الجانب الأول من الطريق، وانتظر وصول الزلاجة. ورأى أنَّ بها زائرين له؛ لأن السائق، بمجرد أن رآه، استدارَ وتحدَّث إلى شاغلي العربة. وعندما اقتربت العربة، وقف الرجل وأومأ لكينيون محييًا إياه، لكنه، رغم أنه أكثرُ الأشخاص تهذيبًا في المكان، لم يردَّ له التحية. لقد تملَّكَته الدهشة وجعلَته عاجزًا عن الكلام عندما رأى مَن كان في الزلاجة. لقد كانت هناك امرأة ملتحفة بشدةٍ بالأغطية حتى إن أنفها لم يظهر في البرد، لكن الوجه الورديَّ المبتسم للراكبة الأخرى كان جون كينيون يعرفه بشدة.
صاح صوتٌ ضاحك: «حسنًا، يا سيد كينيون، أنت لم تتوقَّع رؤيتي هذا الصباح، أليس كذلك؟»
رد جون: «أعترف أنني لم أفعل، ومع ذلك …» وتوقفَ هنا عن الكلام؛ فقد كان سيقول: «ومع ذلك، فقد كنتُ أُفكر فيكِ.» لكنه كبحَ جِماح نفسه.
ربما لم تكن الآنسة لونجوورث، التي كانت لديها مهارةُ قراءة الأفكار الخفية لجون كينيون، تحتاج إلى معرفة نهاية الجُملة.
سألته: «هل ستذهب إلى القرية؟»
«لقد كنتُ في طريقي إليها. ولكنني لن أذهب إليها الآن.»
«هذا جيد. لقد كنتُ سأدعوك لتوي كي تستديرَ وتأتيَ معنا. كما ترى، إننا في طريقنا لإلقاء نظرةٍ على المنجم، وأعتقد أننا سيكون علينا الحصولُ على موافقة المدير قبل أن يُمكِنَنا فعلُ هذا.»
ظهرت مُرافِقةُ الآنسة لونجوورث للحظةٍ من أرديتها ونظرَت إلى جون، لكنها رجعت على الفور إلى أغطيتها ثانيةً وهي ترتعش. لم تكن صغيرةَ السن للغاية مثل مرافقتها، وقد اعتبرت هذا أفظعَ طقسٍ قد صادَفَته في حياتها.
قال جون: «حسنًا، رغم أن زلاجتك مريحةٌ للغاية، إلا أنني أعتقد أن زلاجتي أكثر راحة منها. إنَّ بها مكانًا لشخصين؛ هلا تنزلين من زلاجتكِ وتركبين زلاجتي؟ حينها، إن تحركَ السائق، يُمكنني أن أستدير وسنتبعهما بزلاجتي.»
قالت السيدة الشابة، وهي تُحرِّر نفسها من الرداء المصنوع من جلد الجاموس، وتنزل بخفَّة من زلاجتها إلى زلاجة كينيون، لكنها توقفَت للحظةٍ قبل أن تفعل هذا، لتضع أغطيتها الخاصة بها على مرافقتها: «سيسرُّني فِعل ذلك.» أركبَها جون بجواره، وعندما بدأت الزلاجةُ الأخرى في التحرك، أدار هو ببطء مهرته القزمةَ محركًا إياها للطريق ثانيةً.
قال: «لديَّ مهرة قزمة سريعة للغاية، لكنني أعتقد أننا سنجعلهما يتقدَّمون علينا قليلًا. إن مهرتي الصغيرة هذه يزعجها رؤية أيِّ شيء أمامها.»
ردت إديث: «ثم يُمكننا زيادة السرعة واللَّحاق بهما قبل أن يصلا إلى المنجم. هل هو بعيدٌ عن هنا؟»
«لا؛ ليس بعيدًا جدًّا؛ على الأقل، لن نستغرقَ وقتًا طويلًا للوصول إلى هناك ونحن معنا مهرة جيدة.»
قالت: «لقد استمتعتُ بهذه التجرِبة بشدة؛ كما ترى، كان على أبي أن يأتيَ إلى مونتريال في مهمةِ عمل؛ لذا، جئتُ معه، كالمعتاد، وعندما وصلتُ إلى هنا، فكَّرت في أن آتيَ إلى هنا وأرى المنجم.» ثم أردفَت، وهي تنظر على الجانب الآخر من الزلاجة وتُجرجر أصابعها المغطاة جيدًا في الجليد: «أردت … أردت أن أعرف بنفسي ما إذا كان مديري يُشرف على منجمي كما ينبغي، بغضِّ النظر عن الميزانيات المُرضية للغاية التي يُرسلها.»
قال جون في اندهاش: «منجَمِك!»
ردَّت، وهي تنظر إليه للحظة، ثم وهي تُبعد نظرها عنه: «بالتأكيد. أنتَ لا تعرف هذا، أليس كذلك؟ أدعو نفسي مالِكةَ المنجم.»
«إذن، أنتِ … أنتِ …»
قالت الفتاة لتُساعده: «السيد سميث.»
سادت لحظةٌ من الصمت، والكلمات التالية التي قالها جون لم تكن على الإطلاق ما توقَّعَته.
قال آمرًا: «أبعدي يدَكِ عن الثلج، وضَعيها تحت الرداء المصنوع من جلد الجاموس؛ أنت لا تعرفين مدى برودةِ الجو هنا، ويدك ستتجمَّد في لحظة.»
قالت الفتاة: «حقًّا، الموظف لا يجب أن يتكلم مع ربِّ عمله بهذه النبرة! إن يدي مِلكي، أليس كذلك؟»
قال جون: «أتمنى أن تكون كذلك لأنني أُريد أن أطلبها منك.»
ردَّت الآنسة إديث لونجوورث على طلبه بأن وضعَت يدها في يده.
الأفعال أبلغُ من الأقوال. كانت الزلاجة الأخرى متقدمةً بشدةٍ على زلاجتهما، ولم يكن هناك شهودٌ على التلال المغطاةِ قِممُها بالثلوج.
قالت: «ألم تندهش عندما قلتُ لك إنني مالكةُ المنجم؟»
«لقد اندهشتُ بشدةٍ في واقع الأمر. ألم تندهشي عندما قلتُ لكِ إنني أرغب في أن تُصبح مالكةُ المنجم مِلكًا لي؟»
«مطلقًا.»
«لماذا؟»
«لأن صديقك الخائن ونتوورث أرسلَ لي خِطابَك الذي تمنيتَ فيه أن تُصبح في وضعٍ ما. وها أنت قد حصلتَ على هذا الوضع، أليس كذلك، يا جون؟»
تَدخُّل امرأة |
الفصل السادس
بعد عدة أيام، كان ونتوورث يسير في الصباح على سطح السفينة، محاولًا بشدةٍ الحفاظَ على توازنه والإمساكَ بالدعامات؛ لأن السفينة كانت تتمايل بعنف، لكن الشخص الذي كان يبحث عنه لم يكن مرئيًّا في أيِّ مكان. أراد أن يذهب إلى غرفة التدخين، لكنه غيَّر رأيه عند الباب، ونزل الدرَج متجهًا إلى القاعة الرئيسية. كانت الطاولات قد رُفِعَت أغطية وبقايا الإفطار عنها، لكن كان هناك غِطاءٌ أبيضُ على واحدةٍ من الطاولات الصغيرة، وفي تلك البقعة البيضاء من غابة المخمل الأحمر، كانت تجلس الآنسة بروستر، التي كانت تطلب بلا مبالاةٍ ما كانت تريد تناوُلَه من أحد الخدم، الذي كان يبدو أنه ليس سعيدًا على الإطلاق بخدمة أحدٍ تجاهلَ وقتَ الإفطار، ضاربًا بكلِّ قواعدِ الأكل في القاعة عُرضَ الحائط. وقف كبير الخدم بجوار أحدِ الأبواب ونظر بسخط إلى الضيفة المتأخرة. لقد قارب وقتُ تجهيز الطاولات من أجل الغداء، والسيدة الشابة كانت تطلب إفطارَها بهدوء كما لو كانت أولَ شخص يأتي لتناول الإفطار.
نظرَت متهللةَ الوجه إلى ونتوورث، وابتسمَت بينما كان يقترب منها.
بدأت حديثَها قائلةً: «أعتقد أنني تأخرتُ بشدة، والخادم ينظر إليَّ وكأنما يريد أن يُوبِّخَني. إن السفينة تتمايل بعنف. هل هناك عاصفة؟»
«لا. يبدو أنها تقوم بذلك من أجل التسلية. أعتقد أنها تريد أن تجعلَ الأمر مسليًا للركاب سيِّئي الحظ الذين يُصابون بدُوار البحر. إنها تفعل ذلك أيضًا. لا يوجد تقريبًا أيُّ أحد على السطح.»
«يا إلهي! ظننتُ أننا نتعرض لعاصفة رهيبة. هل السماء تُمطر؟»
«لا. إنه يوم مشمسٌ جميل، لا توجد به ريحٌ كثيرة، رغم كل هذا الصخب.»
«أظن أنك تناولتَ إفطارك منذ وقتٍ طويل؟»
«منذ وقت طويل جدًّا لدرجة أنني بدأت أتطلَّع بشدة لتناوُلِ الغداء.»
«يا إلهي! أنا لا أعرف أنني تأخرتُ كثيرًا هكذا. ربما عليك أن توبِّخني. يجب أن يفعل أحدٌ هذا، ويبدو أن الخادم يخشى فعل ذلك.»
«أنتِ تُبالغين في تقدير شجاعتي. أنا أخشى فعلَ ذلك أيضًا.»
«إذن، أنت تعتقد أنني أستحقُّ ذلك؟»
«أنا لم أقل ذلك، ولم أفكر فيه. لكني أعترف أنني الآن أشعرُ قليلًا بالوحدة.»
«فقط قليلًا! حسنًا، هذا إطراء. كم هي لطيفة طريقتكم أيها الإنجليز في صياغة المجاملة! فقط قليلًا!»
«أعتقد أننا، كشعبٍ، لا نهتمُّ كثيرًا بعمل المجاملات. إننا نترك هذا للأجنبي المهذَّب. إنه سيقول بالطبع ما أحاول قولَه على نحوٍ أفضلَ كثيرًا مما كنتُ سأفعل، لكنه ما كان سيقصد نصف ما أقصده.»
«أوه، هذا لطيفٌ للغاية، يا سيد ونتوورث. ما كان لأجنبيٍّ أن يَصوغ الأمر على نحوٍ رائع هكذا. والآن، ماذا عن الذَّهاب إلى سطح السفينة؟»
«يمكنني الذَّهاب إلى أي مكان، إذا سمحتِ لي بمرافقتك إليه.»
«سأكون سعيدةً جدًّا لمرافقتك. ولن أقول سعيدة قليلًا.»
«آه! ألم تَغفري لي بعدُ هذه الملاحظة؟»
«لا يوجد ما يستحقُّ أن يُغفَر، وهو أمر مسلٍّ جدًّا لدرجةِ أنه لا يجب أن يُغفَر. وأنا لن أغفره لك أبدًا.»
«أعتقد أنكِ قاسيةُ القلب جدًّا، يا آنسة بروستر.»
نظرَت إليه السيدة الشابة نظرةً جانبية طريفة، لكن لم تَرُد. وجمعَت الأغطية التي أخذَتها معها من غرفتها، وأعطته إياها قبل أن يُفكر في أن يعرض عليها أخْذَها، ثم سبقَته إلى سطح السفينة. وجد أن كرسيَّيهما موضوعان جنبًا إلى جنب، وأُعجِب بذكاء المسئول عن السطح، الذي بدا أنه عرَف الكرسيَّين اللذين يجب وضعُهما بعضهما بجوار بعض. جلسَت الآنسة جيني برشاقةٍ على كرسيها، وسمحَت له بوضع الأغطية حولها بعناية.
وقالت: «انظر! لقد فعلتُ ذلك على خيرِ ما يُرام؛ تمامًا كما كان سيفعله المسئول عن السطح، وأنا متأكدة أنه من المستحيل أن تُسدَى لك مجاملةٌ على نحوٍ أفضلَ من ذلك. إن القليل من الأشخاص يعرفون كيفيةَ جعل الراكب في وضعٍ مريح في كرسيِّ السفينة.»
«أنتِ تتكلَّمين وكأنَّ لديك خبرةً واسعة في السفر على متن السفن، رغم أنكِ قلتِ لي إن هذه هي أول رحلة لكِ.»
«إنها بالفعل أول رحلة لي، لكن لا تحتاج المرأة إلى أكثرَ من يومٍ لترى أن الرجل العاديَّ يتعامل مع تلك التفاصيل البسيطة على نحوٍ أخرقَ بشدَّة. والآن، اثنِ الطرْفَ جيدًا بعيدًا عن الأنظار. هذا جيد! شكرًا جزيلًا. هلا تتكرَّم و…؟ نعم، هذا أفضل. وهذا الغطاء الآخرُ أيضًا. أوه، هذا ممتاز. يا لكَ من إنسانٍ صبور، يا سيد ونتوورث!»
«نعم، آنسة بروستر. إنكِ أجنبية. أستطيع تبيُّنَ ذلك الآن. إن مجاملتَكِ المزعومةَ جوفاء. لقد قلتِ إن ما فعلتُه ممتاز، ثم على الفور أرشَدتِني إلى كيفية فعله.»
«إن ما قلتَه بعيدٌ عن الحقيقة. لقد قمتَ بالأمر جيدًا، وأعتقد أنك لا يجب أن تحرمَني متعةَ إضافةِ بعض التحسينات الصغيرة الخاصة بي.»
«أوه، إذا كنتِ ترَين الأمر هكذا، فلن أحرمك من هذه المتعة. والآن، قبل أن أجلس، أخبريني أيُّ كتاب يُمكن أن أحضره ويكون ممتعًا لكِ. إن المكتبة تحتوي على باقةٍ رائعة جدًّا من الكتب.»
«لا أعتقد أنني أريد القراءةَ اليوم. اجلس وتحدَّث معي. أعتقد أنني أشعر بكسل شديد اليوم. ظننتُ، عندما صعدت على سطح السفينة، أنني سأقرأ كثيرًا، لكنني أرى أن هواء البحر يجعل المرءَ كسلانَ. يجب أن أعترف أنني لا أشعر بالاهتمام مطلقًا الآن بتنمية العقل.»
«من الواضح أنكِ لا تعتقدين أنَّ حديثي إليكِ سيستحقُّ الاستماعَ إليه على الإطلاق.»
«كم أنت سريعٌ في تحريف ما أقصد من كلامي! ألا ترى أنني أعتقد أنَّ حديثك إليَّ يستحقُّ الاستماع إليه أكثرَ من أكثرِ كتابٍ إمتاعًا أو تنميةً للعقل يمكنُك أن تختاره من المكتبة؟ في الحقيقة، يبدو أنني، في محاولتي عدمَ إعطائك فرصةً لإبداء هذه الملاحظة، وقعتُ في خطأٍ أسوأ. كنتُ فقط على وشك أن أقول إنني أرى أن حديثك معي أفضلُ كثيرًا من قراءة كتاب، عندما ظننتُ أنك ستأخذ هذا باعتباره قدحًا في قراءتك. إذا تعاملتَ مع ما أقول بهذه الحدَّة، فسأجلس هنا ولن أقول شيئًا. والآن، تحدَّث!»
«ماذا أقول؟»
«أوه، إذا قلتُ لك ماذا تقول، فسأكون أنا من يُوجِّه الكلام. أخبرني عن نفسك. ماذا تعمل في لندن؟»
«إنني أعمل بجِد. أنا مراجعُ حسابات.»
«ماذا تعني كلمة مراجع حسابات؟ ماذا يفعل؟ هل يُسجل الحسابات؟»
«بعضهم يفعل هذا؛ لكنني لا أفعل هذا. أنا، بدلًا من ذلك، أتأكَّد أن الحسابات التي يُسجلها الآخرون قد سُجِّلت على نحوٍ صحيح.»
«ألا تُسجَّل دائمًا على نحوٍ صحيح؟ ظننت أن هذا هو العمل الأساسي للمحاسبين.»
«إذا كان هؤلاء يفعلون عملهم دائمًا على نحوٍ صحيح، فلن يكون أمامَنا الكثيرُ لنقوم به؛ لكن يحدث، لسوء حظِّ البعض، وحُسن حظنا، أن هؤلاء من آنٍ لآخرَ لا يُسجلون حساباتهم بدقة.»
«وهل بإمكانك دائمًا اكتشافُ ذلك عند فحصك للحسابات؟»
«دائمًا.»
«ألا يمكن للمرء أن يضبطَ حساباته بحيث لا يُمكن لأحدٍ أن يرى أن بها أيَّ شيء خطأٍ؟»
«إن الاعتقاد بإمكانية حدوثِ هذا الشيء جعل العديدَ من البائسين التَّعِسين يدخلون السجن. لقد جرَت تجربةُ الأمر كثيرًا بالقدر الكافي.»
«أنا متأكدة أنَّ بإمكانهم فِعلَ هذا في أمريكا. لقد قرأتُ عن حدوث هذا واستمراره لسنوات. لقد اختلس الكثيرون مبالغَ كبيرةً من المال عن طريق تزوير الحسابات، ولم يكتشف أحدٌ الأمرَ إلا بعد أن مات المجرم أو هرب.»
«لكن إذا كان قد استُدعِي مراجعُ حساباتٍ خبيرٌ، كان سيكتشف بسرعةٍ كبيرة أن هناك خطأً ما، وسيُحدِّد بالضبط مكانَ الخطأ ومقدارَ المبلغ المختلَس.»
«أنا لا أعتقد أن هذه البراعةَ موجودة. هل اكتشفتَ من قبلُ شيئًا كهذا؟»
«نعم، فعلت.»
«ما الإجراء الذي يُتخَذ عند اكتشاف شيء كهذا؟»
«هذا يعتمد على الظروف. عادةً ما يجري استدعاء الشرطة.»
«يا إلهي! يبدو عملُك مثلَ عمل المحقِّق. أرجو أن تُخبرني ببعض القضايا التي صادفتَها. لا تجعلني أطرح عليك العديدَ من الأسئلة. تكلَّم.»
«لا أعتقد أن تَجارِبي ستُثير اهتمامك على الإطلاق. هناك قضيةٌ تعاملتُ معها في لندن، منذ عامين، والتي …»
«أوه، لندن! أنا لا أعتقد أن ماسِكي الحسابات هناك في نصف ذكاء نُظَرائهم لدينا. إذا كان عليك أن تتعامل مع المحاسبين الأمريكيِّين، فلن تكتشف بسهولةٍ ما فعلوه وما لم يفعلوه.»
«حسنًا، آنسة بروستر، دعيني أقُلْ لكِ إنني مرَرتُ لتوي بتجرِبةٍ من هذا النوع مع بعض المحاسبين الأمريكيِّين الأذكياء جدًّا. ووجدتُ أن الحسابات قد ضُبِطَت بطريقةٍ بارعة للغاية؛ بهدف الخداع والتزوير. ولقد كان الأمر مستمرًّا على مدى سنوات.»
«يا له من أمر مثير! وهل استدعيتَ الشرطة؟»
«لا. كانت تلك إحدى القضايا التي لم يكن من الضروريِّ فيها استدعاءُ الشرطة. لقد ضُبِطت الحسابات بهدف إظهار أن أرباح اﻟﻤ… الشركة … أكبرُ بكثيرٍ مما هي عليه في الواقع. كان أحدُ مُراجعي الحسابات الأمريكيِّين لديكم قد فحَص بالفعل الحسابات، وسواءٌ بسبب الجهل أو الإهمال أو بدافعٍ خبيث، أكَّد على صحتها جميعًا. إنها لم تكن صحيحة، وهذه الحقيقة كانت ستَعْني فقدانَ بعض الأشخاص عندكم لمبلغٍ كبير من المال، وعدمَ ضياع مبلغٍ كبير على آخَرين عندنا.»
«إذن، أعتقد أنَّ مِهنتَك مهمةٌ للغاية.»
«نحن نعتقد ذلك، يا آنسة بروستر. أودُّ الحصولَ على نسبة مئوية من المبلغ الذي يجري توفيرُه بسبب التقرير الذي أُقدِّمه.»
«وهل تحصل على ذلك؟»
«للأسف، لا.»
«أعتقد أن هذا أمر سيِّئ جدًّا. لا بد أن الفرق، بحسَب اعتقادي، كان قليلًا، وإلا ما كان مراجعُ الحسابات الأمريكي سيتجاهله، أليس كذلك؟»
«أنا لم أقل إنه تجاهلَه. ومع ذلك، حجم الفرق لا يُشكِّل أي فارق. الخطأ الصغير يسهلُ إيجاده شأنه شأن الخطأ الكبير. لكن كان هذا خطأً كبيرًا. أعتقد أنه لا ضررَ في القول بأن الحسابات، عند النظر إليها معًا، أوضحَت أن هناك أرباحًا تُساوي أربعين ألف جنيه، بينما كان يجب أن تُشير إلى أن هناك خَسارةً بنصف هذا المبلغ تقريبًا. أتمنى ألا يكون قد سَمِعني أحد.»
«لا؛ نحن تقريبًا بمفردنا، ويجب أن تتأكَّد أنني لن أنطق ولو بكلمةٍ عما كنتَ تتحدَّث معي بشأنه.»
«لا تقولي شيئًا بهذا الشأن لكينيون، على الأقل. إنه سيظنُّ أنني مجنون لو عرَف ما قلته.»
«هل السيد كينيون مراجعُ حسابات أيضًا؟»
«أوه، لا. إنه خبيرُ تعدين. إنه يمكنه الدخولُ إلى أيِّ منجم، وتحديدُ بدرجةٍ معقولة من التأكيد ما إذا كان يستحقُّ العملَ به أم لا. بالطبع، كما يقول هو نفسُه، يمكن لأيِّ أحد أن يرى لعمقٍ قدرُه ستُّ أقدام في جوف الأرض مثلما يُمكنه أن يفعل. لكن لا يمكن للجميع الحكمُ على قيمة أيِّ منجم عاملٍ على نحوٍ جيد مثلما يفعل جون كينيون.»
«إذن، بينما تعيشُ أنت وسطَ الأرقام، يعيش رفيقك وسطَ المعادن؟»
«بالضبط.»
«وهل توصَّل هو إلى اكتشافٍ مدهش مثلَما فعلت؟»
«لا؛ بل على العكس تمامًا. إنه يرى أن المناجم تُعَد أماكنَ جيدةً للتملُّك، ويعتقد أنها إذا أُديرت على نحوٍ ذكي، فستُمثل استثماراتٍ جيدة؛ أي، كما تعرفين، عندما تكون بسعرٍ معقول، وليس بالسعر الذي يطلبه مالِكوها في الوقت الحاضر. لكني أعتقد أنه لا يمكن أن يكون لديكِ أيُّ اهتمام بهذه التفاصيل المملَّة.»
«في الحقيقة، أنت مُخطئ. أعتقد أن ما قلتَه لي مثيرٌ بشدة.»
قالت الآنسة جيني بروستر، للمرة الوحيدة في حياتها، الحقيقةَ بالضبط. وشعرَ الرجل السيِّئ الحظ الذي كان بجوارها بالإطراء.
قال: «من أجل ما قلتُه لكِ، عُرِض علينا ضِعفُ ما يدفعه لنا اللندنيُّون من أجل المجيء إلى هنا. في حقيقة الأمر، حتى أكثر من ذلك؛ فقد طُلِب منا أن نُحدِّد المقابلَ الذي نُريده.»
«حقًّا؟! من قِبَل مُلَّاك المناجم، بحسب افتراضي، حتى لا تفضحَ أمرهم؟»
«لا. من قِبَل أحد رجال صِحافة نيويورك المشهورين لديكم. حتى إنه ذهَب إلى أبعدَ مِن هذا وسرقَ الأوراق التي كانت بحوزة كينيون في أوتاوا. لكن قُبِض عليه ببراعة قبل أن يستفيدَ بأيِّ نحوٍ بما سرَقه. في الواقع، ما لم تكن بحوزةِ إدارة صحيفته في نيويورك الأرقامُ التي وُضِعت في الأصل أمامَ مجلس الشركة اللندنية، أشكُّ أن أرقامي ما كانت ستكون ذاتَ نفعٍ كبير للصُّحفي إذا كان قد سُمِح له بالاحتفاظ بها. إن الأهمية الكاملة لتقريري ما كانت ستتَّضِح حتى تجريَ مقارنةُ الأرقام التي أعطيتُها بتلك التي كانت بالفعل بحوزة اللندنيِّين، التي أشار بصحَّتِها مراجعُ حساباتكم الأمريكي الذكيُّ.»
«لا تطعَنْ في أيِّ مُراجع حساباتٍ فقط لأنه أمريكي. ربما يأتي يوم، يا سيد ونتوورث، تعترف فيه أنَّ هناك أمريكيين أكثرَ ذكاءً وبراعةً من مراجعِ الحسابات هذا أو هذا الصحفي. أنا لا أعتقد أن النماذج التي تعاملتَ معها يمكن القياسُ عليها.»
«أنا لا «أطعن»، كما تُسمِّين الأمر، في الرجلين لأنهما أمريكيَّان. أنا «أطعن» في مراجع الحسابات لأنه جاهلٌ أو فاسد. كذلك، «أطعن» في رجل الصِّحافة لأنه كان لصًّا.»
سكتت الآنسة بروستر لبضعِ لحظات. كانت تطبع في ذاكرتها ما قاله لها، وكانت متلهفةً لتركه حتى تستطيعَ تدوين ما قاله لها بدقةٍ في غرفتها. أعطاها صوتُ جرس الغداء العذرَ الذي كانت تحتاج إليه، لذا، بعد أن ودَّعَت ضحيتها على نحوٍ مهذَّب ووَدود، غادرت سطح السفينة مسرعةً إلى غرفتها.
تَدخُّل امرأة |
الفصل السابع
في صباحِ أحد الأيام، عندما ذهب كينيون إلى غرفته عند سَماعه جرسَ الإفطار، وجدَ شاغلَ السريرِ العُلويِّ الكسولَ لا يزال في فِراشه.
صرَخ فيه قائلًا: «استيقِظ يا ونتوورث؛ هذا لن يُجدِيَ نفعًا، كما تعلم. انهض! انهض! الإفطار، يا صاح! الإفطار! إنه أهمُّ وجبةٍ في اليوم بالنسبة إلى الرجل الذي يُحافظ على صحته.»
تثاءبَ ونتوورث ومدَّ ذراعَيه فوق رأسه.
وسأله: «ما الأمر؟»
«الأمر هو أنه قد حان وقتُ الاستيقاظ. لقد دق الجرسُ الثاني.»
«يا إلهي! هل تأخَّر الوقتُ هكذا؟ أنا لم أسمعه.» جلس ونتوورث في فراشه ونظر بأسًى إلى المسافة الكبيرة بينه وبين الأرض. ثم سأل: «هل استيقظتَ منذ وقت طويل؟»
رد كينيون: «طويل؟ لقد ظللتُ على سطح السفينة لمدة ساعة ونصف الساعة.»
«إذن، لا بد أن الآنسة التي لا أعرفُ اسمها كانت هناك أيضًا.»
رد كينيون، دون أن ينظر إلى رفيقه: «اسمها الآنسة لونجوورث.»
«هذا اسمها، أليس كذلك؟ وهل كانت على سطحِ السفينة؟»
«نعم.»
قال ونتوورث: «كان ظنِّي في محلِّه؛ ألاحظتَ التأثير المدهش للمرأة؟ تستيقظُ الآنسة لونجوورث مبكرًا، فيستيقظ جون كينيون مبكرًا هو الآخَر. وتستيقظ الآنسة بروستر متأخرًا، فلا يُرى جورج ونتوورث حتى مجيءِ وقت الإفطار. إذا انعكس الأمر، فأعتقد أنَّ وقت استيقاظ الرجلَين كان سيتغيَّر تبعًا لذلك.»
«ليس هذا صحيحًا على الإطلاق، يا جورج، هذا ليس صحيحًا. كنت سأستيقظُ مبكرًا سواءٌ أكان هناك أحدٌ على السطح أم لا. في الحقيقة، عندما صعَدتُ على السطح هذا الصباح، توقعتُ أن أكون هناك بمفردي.»
«أعتقد، رغم ذلك، أنك لم تشعر بخيبةِ أملٍ كبيرة عندما وجدتَ أنك لم تكن وحدك على السطح؟»
«في الواقع، وإحقاقًا للحق، هذا صحيح؛ فالآنسة لونجوورث فتاةٌ شديدة التعقُّل.»
قال ونتوورث بنبرةٍ مرحة: «أوه، إنهنَّ جميعًا هكذا.» ثم أضاف: «أنت لم تُبدِ أيَّ تعاطف معي بشأن فتاتي في ذلك اليوم. والآن عرَفتَ بنفسك ماهيَّةَ الأمر.»
«أنا لم أعرف ماهية الأمر. الحقيقة أننا نتكلَّم في شئون العمل.»
«حقًّا؟ هل ذهبتما بعيدًا إلى هذا الحد؟»
«نعم، ذهَبْنا بعيدًا إلى ذلك الحد؛ هذا إذا كان ذلك يُمثل أيَّ تقدم. لقد أخبرتها بشأن منجم الميكا.»
«أوه، لقد فعلت! ماذا قالت؟ هل ستستثمرُ فيه؟»
«في واقع الأمر، عندما قلتُ لها إننا نريد أن نؤسِّس شركةً برأس مال خمسين ألف جنيه، قالت إنه مبلغٌ صغير للغاية، وشكَّكَت في قدرتنا على إيجادِ شخصٍ يهتمُّ بالاستثمار فيها في لندن.»
أطلق ونتوورث، الذي قد وصل الآن إلى مرحلة متقدمة في ارتداءِ ملابسه، صافرةً طويلة.
«خمسون ألف جنيه مبلغٌ صغير؟ لا بد أنها يا جون ثريةٌ للغاية! ربما أكثر من المليونيرة الأمريكية.»
«حسنًا، كما ترى يا جورج، الاختلاف بين الفتاتين هو الآتي: بينما تفخر الوريثاتُ الأمريكيات بثرواتهن الهائلة، لا تقول الفتياتُ الإنجليزيات شيئًا عنها.»
«إذا كنتَ تقصد الآنسة بروستر بحديثك هذا، فأنت مخطئٌ تمامًا. إنها لم تُلمِّح على الإطلاق إلى ثروتها، باستثناءِ قولها إن أباها مليونير. لذا، لو كانت الفتاة التي تتكلَّم عنها قد تحدثَت بأي نحوٍ عن ثروتها، فقد فعلَت أكثرَ مما فعلته الفتاة الأمريكية.»
«إنها لم تقل شيئًا للإشارة إلى أنها ثرية. أنا فقط استنتجتُ الأمر عندما وجدتُ أنها تنظر إلى مبلغ الخمسين ألف جنيه على أنه مبلغٌ تافه.»
«حسنًا، الخطأ يمكن تصحيحُه بسهولة. يمكننا رفعُ سعر المنجم إلى مائة ألف جنيه إن كان بإمكاننا إيجادُ أشخاص يُمكنهم الاستثمارُ فيه. ربما قد يهتمُّ والد الفتاة بالاستثمار فيه إذا كان هذا سعره.»
قال كينيون: «أوه، بالمناسبة، يا ونتوورث، نسيتُ أن أخبرك بأن والد الآنسة لونجوورث أحدُ ملاك شركة لندن سينديكيت.»
«يا إلهي! هل أنت متأكِّد من هذا؟ كيف عرَفت؟ أنتما لم تتحدَّثا عن مهمتِنا هناك، أليس كذلك؟»
رد كينيون متوردًا: «بالطبع لا.» ثم أضاف: «أنت بالطبع لا تعتقد أنني سأتحدث عن هذا مع شخصٍ غريب، أليس كذلك؟ أو عن أيِّ شيء متعلِّق بالتقريرين الخاصَّين بنا؟»
استمر ونتوورث في ارتداء ملابسه، وقد نما في داخله إحساسٌ بالذنب.
«أريد أن أسألَك سؤالًا في هذا الشأن.»
قال ونتوورث باقتضاب: «عن أيِّ شأنٍ تتحدَّث؟»
«عن هذه المناجم. افترض أنَّ والد الآنسة لونجوورث بصفته أحدَ مُلَّاك شركة لندن سينديكيت سألني عن رأيي أنا وأنت في الأمر، هل يحقُّ لنا أن نُخبره بأي شيءٍ حيالَه؟»
«إنه لن يسألني لأنني لا أعرفُه؛ إنه قد يسألك، وإن فعل، فسيكون عليك تحديدُ الإجابة عن هذا السؤال بنفسك.»
«هل كنت ستقول أيَّ شيء عن الأمر إن كنتَ مكاني؟»
«أوه، لا أعرف. إذا كنا متأكدَين أن كل شيء على ما يُرام … إذا كنتَ متأكدًا بأنه أحدُ ملاك الشركة، وصادف أنه سألك عن الأمر، فأنا أرى أنه مِن الصعب أن تتجنَّب إخبارَه.»
«سيكون الأمر محرجًا؛ لذا أتمنى ألا يسألني. يجب ألا نتحدث عن الأمر حتى نُسلِّم تقريرينا. لكنه يعرف أنك مراجعُ الحسابات المسئول عن الجانب المالي من المهمة.»
«أوه، إذن، أنت تحدثتَ معه؟»
«فقط لدقيقة أو اثنتَين، بعد أن قدَّمَتني ابنتُه له.»
«ما اسمُه؟»
«جون لونجوورث، حسبَما أعتقد. أنا متأكِّد من اسم لونجوورث، ولكني لستُ متأكدًا من اسم جون.»
«أوه، جون لونجوورث العجوز من حيِّ السيتي اللندني! أنا أعرفُه جيدًا. صحيحٌ أنني لم أرَه من قبل، لكنني أعتقد أنه لا ضررَ على الإطلاق من إخباره بأيِّ شيء يريد معرفتَه، إنْ طلب هو ذلك.»
قال الخادم، مقحِمًا رأسه في باب الغرفة: «الإفطار، أيها السيدان.»
بعد الإفطار، كانت إديث لونجوورث تسير مع ابن عمها على سطح السفينة. كان لونجوورث الشابُّ، على الرغم من أنه كان في مِزاجٍ أفضلَ من الليلة السابقة، لا يزال بعضَ الشيء موجزًا في ردودِه، ومزعجًا في أسئلته.
سأل ابنةَ عمه: «ألا تتعبين من هذا السير الدائم بأعلى وأسفل؟» ثم أضاف: «يبدو الأمر لي كعملٍ روتيني؛ كما لو أن على المرء أن يعملَ من أجل الحصول على طعام وسكن.»
ردَّت: «دعنا نجلس إذن، على الرغم من أنني أعتقد أن السيرَ قبل الغداء أو العشاء يَزيد من جاذبية هاتين الوجبتَين على نحوٍ مدهش.»
قال على نحوٍ مشاكس: «لم أشعر قط بالحاجة إلى فتحِ شهيتي للطعام.»
قالت: «حسنًا، كما قلتَ من قبل، دعنا نجلس.» وعندما وصلَت الفتاة إلى كرسيها، رفعَت الغطاء الذي كان عليه، وجلست مكانه.
بعد أن وقف الشابُّ للحظاتٍ وهو ينظر إليها عبر نظارته أحادية العدسة اللامعة، جلس في النهاية بجوارها.
وقال: «إن أكثرَ شيء مزعج في العيش على مَتْن سفينةٍ هو أن المرء لا يستطيع لعبَ البلياردو.»
ردَّت: «أنا واثقةٌ أنك لعبتَ ألعاب الورق بالقدر الكافي الذي يُرضيك في الأيام القليلة التي رَكِبنا فيها هذه السفينة.»
«أوه، ألعاب الورق! أنا سرعان ما مللتُ منها.»
«إنك تمَلُّ بسرعة شديدة من كل شيء.»
«أنا بالتأكيد أشعرُ بالملل من الوجود على سطح السفينة، سواءٌ كنتُ ماشيًا أو جالسًا.»
«إذن، من فضلك لا تبقَ معي.»
«أنت تريدين مني أن أرحل حتى يُمكنَكِ المشيُ مع صديقكِ الجديد، رجل المناجم هذا؟»
«إن رجل المناجم هذا يتحدَّث مع أبي الآن. ومع ذلك، إذا كنتَ تريد أن تعرف، فأنا لن أتردَّد في إخبارك بأنني أُفضِّل كثيرًا رُفقتَه على رفقتِك إذا كنت ستستمرُّ في مِزاجك الحالي.»
«نعم، أو في أيِّ مِزاجٍ آخر.»
«أنا لم أقل هذا؛ لكن إذا كان سيُريحك أن أقول هذا، فأنا سأكون سعيدةً لفعلِ ما تريد.»
«ربما، إذن، عليَّ أن أذهب لأتحدث مع والدك وأجعلَ رجل المناجم يأتي إلى هنا ويتحدث إليكِ.»
«رجاءً لا تدْعُه برجل المناجم. إن اسمه هو السيد كينيون. وهو اسمٌ ليس من الصعب تذكرُه.»
«أعرف اسمه جيدًا بالقدر الكافي. هل أُرسله إليكِ؟»
«لا. أنا أريد أن أتحدث إليك أنت على الرغم من سخافتك. والأكثرُ من ذلك، أنني أريد أن أتحدثَ معك عن السيد كينيون. لذا، أريد أن تتحلَّى بأكثرِ سلوك مهذَّب لديك. وقد يكون هذا لصالحك.»
أطلق الشابُّ ضحكة ساخرة.
قالت إديث بهدوء، وهي تقوم من كرسيِّها: «أوه، إذا كنتَ ستقوم بهذا، فلن أقول أيَّ شيء.»
«أنا لم أقصد أيَّ إساءة. اجلسي واستمري في حديثك.»
«استمع، إذن. إن السيد كينيون لديه عَقدُ خيارِ شراء بشأن منجم في كندا، ويعتقد أنه سيكونُ استثمارًا رائعًا. وهو ينوي تأسيسَ شركة عندما يصل إلى لندن. والآن، لماذا لا تُكوِّن صداقةً معه وإذا وجدتَ المنجم استثمارًا جيدًا كما يظنُّ هو، تساعده في تأسيس الشركة وتربَحان أنتما الاثنان معًا بعض المال؟»
«إنكِ تسعَين من أجلِ صالح كينيون أكثرَ مما تسعين من أجل صالحي.»
«لا، سيكون الأمر لصالحك تمامًا كما هو الحالُ بالنسبة إليه، ومن ثم سيفيدُكما الأمر أنتما الاثنين.»
«إنكِ مهتمَّة به بشدة.»
«ابنَ عمي العزيز، أنا مهتمة بشدةٍ بالمنجم، ومهتمةٌ بشدة بك أنت أيضًا. إن السيد كينيون لا يتحدث عن شيء سِوى المنجم، وأنا متأكدةٌ أن أبي سيَسْعد عندما يراك تهتمُّ بشيءٍ كهذا. أقصد أنك تعرف أنك إذا قمتَ بشيء من تِلْقاء نفسك — شيء لم يُشِر عليك به — فإنه سيسعَد به.»
«حسنًا، إنكِ أشرتِ عليَّ به، وهذا تقريبًا الشيء نفسُه.»
«لا، هذا ليس الشيءَ نفسَه على الإطلاق. أبي سيكون سعيدًا بلا شكٍّ إذا قمتَ بأي عملٍ لحسابك وحققتَ نجاحًا فيه. لماذا لا تقضي بعضَ وقتك في الحديث مع السيد كينيون ومناقشة الترتيبات، بحيث عندما تعود إلى لندن، تكون مستعدًّا لعرض المنجم للبيع وتأسيس الشركة؟»
«لو كنتُ أظن أنك تتحدَّثين معي من أجل صالحي، لفعَلتُ ما أشَرتِ به عليَّ؛ لكنني أعتقد أنك تتحدثين معي في هذا الشأن فقط لأنك مهتمةٌ بأمر كينيون.»
«هذا هُراء! كيف يمكن أن تكون سخيفًا لهذه الدرجة؟ أنا لم أعرف السيد كينيون إلا من عدة ساعات؛ يوم أو اثنين على الأكثر.»
عبَث الشابُّ بشاربه للحظات، وعدل وضعَ نظارته، ثم قال:
«رائع جدًّا. أنا سأتحدث مع كينيون عن هذا الموضوع إذا أردتِ هذا، لكنني أقولُ لكِ إنني لن أساعده.»
«أنا لا أطلب منك أن تُساعده. أنا أطلب منك أن تساعد نفسَك. ها هو السيد كينيون. دعني أُقدِّمْك إليه، وبعد ذلك يُمكنك أن تتحدثَ معه حول المشروع وقتَما يُلائمك.»
قال الرجل الشابُّ متذمرًا: «أنا لا أعتقد أن هناك حاجةً إلى تقديمك إياي له»؛ ولكن حيث إن كينيون كان يقترب منهما، قالت إديث لونجوورث:
«نحن، سيد كينيون، مجلس إدارة منجم الميكا الكبير. هلا تنضم إلى مجلس الإدارة الآن أو بعدَ تحديد الحصص؟» وقبل أن يُجيب، قالت: «سيد كينيون، أُقدِّم لك ابنَ عمي، السيد ويليام لونجوورث.»
لونجوورث، دون أن يقوم من كرسيِّه، سلَّم عليه بطريقةٍ فظة بعض الشيء.
قالت الفتاة: «سأذهب للتحدُّث مع أبي وسأترككما لتتحدثا بشأن منجم الميكا.»
عندما ذهبَت، سأل لونجوورث الشابُّ كينيون:
«أين يوجد المنجم الذي تتحدث عنه ابنةُ عمي؟»
كان الرد: «إنه يوجد بالقربِ من نهر أوتاوا بكندا.»
«بكم تتوقَّع أن تبيعه؟»
«خمسين ألف جنيه.»
«خمسين ألف جنيه! هذا لن يترك شيئًا ليتمَّ اقتسامه بين … بالمناسبة، كم عددُ الأشخاص المشتركين في هذا الأمر؛ أنت وحدك؟»
«لا؛ صديقي ونتوورث شريكي فيه.»
«هل الشراكة بينكما متساوية؟»
«نعم.»
«بالطبع، أنت تعتقد أن هذا المنجم يستحقُّ المقابل الذي تطلبه؛ ألا يوجد أيُّ تلاعب بشأن ذلك؟»
اعتدل كينيون بشدةٍ في وقفته عندما ذُكِرَت هذه الملاحظة. وأجاب ببرود:
«إن كان هناك أيُّ تلاعب بشأنه، فما كان لي أن أشارك فيه.»
«في الواقع، كما ترى، أنا لا أعرف؛ إن التلاعباتِ بشأن المناجم ليست أمورًا نادرةً كما قد تتخيَّل. إذا كان المنجم مهمًّا بشدة، فلماذا يتلهَّف أصحابُه على بيعه؟»
«الملَّاك في أستراليا، والمنجم في كندا، لذا، فهم بعيدون عنه، إلى حدٍّ ما. إنهم يبحثون عن الميكا، لكن المنجم أهمُّ في جوانبَ أخرى أكثر من كونه منجمَ ميكا. إنهم قد حدَّدوا مبلغًا لبيع المنجم أكثرَ من المبلغ الذي تكلَّفوه فيه حتى الآن.»
«هل تعرف قيمته في تلك الجوانب الأخرى؟»
«نعم، أعرف.»
«هل يعرف ذلك أحدٌ غيرك؟»
«أعتقد أن لا أحد يعرف ذلك؛ فيما عدا صديقي ونتوورث.»
«كيف أمكنَك معرفةُ قيمته؟»
«بزيارة المنجم. ذهبتُ أنا وونتوورث معًا لرؤيته.»
«أوه، هل ونتوورث أيضًا خبيرُ تعدين؟»
«لا؛ إنه مراجعُ حسابات في لندن.»
«لقد أُرسِلتما من قِبَل شركة لندن سينديكيت، كما أفهم، لإلقاءِ نظرةٍ على مناجمها، أو المناجم التي تُفكر في شرائها، أليس هذا صحيحًا؟»
«بلى، هذا صحيح.»
«وقد قضيتما وقتَكما في النظر في مناجمَ أخرى من أجل صالحكما الخاص، أليس كذلك؟»
احمرَّ وجه كينيون عند طرح هذا السؤال.
وقال: «سيدي العزيز، إذا كنتَ ستتحدث بهذا الأسلوب، فأنا لن أسمحَ بالاستمرار فيه. لقد أرسلَتْنا شركة لندن سينديكيت للقيام بمهمة معينة. وقد قُمنا بها، وبكلِّ دقة. وبعد قيامنا بها، كان الوقتُ مِلكَنا، تمامًا كما هو الآن. لم تكن طريقةُ الاستعانة بخِدْماتنا باليوم، لكننا أخَذْنا مبلغًا محددًا من المال مقابلَ القيام بعملٍ معين. يُمكنني الذَّهاب لما هو أبعدُ من ذلك وأقول إن الوقت كان مِلكَنا في أيِّ وقت من زيارتنا، ما دمنا قد أوفَيْنا بما طلَبَته منا شركةُ لندن سينديكيت.»
قال لونجوورث: «أوه، أنا لم أقصد أيَّ إساءة.» ثم أضاف: «لقد بدَوتَ فقط أنك تدَّعي أنك رجلٌ فاضل عندما تحدثتُ عن التلاعبات التي تحدثُ في المناجم، لذا أردتُ فقط أن أُباغتك. كم كان عليك أن تدفعَ من أجل المنجم؛ أقصد منجم الميكا؟»
تردَّد كينيون في الرد للحظة.
«ليس لي الحقُّ في ذكر المبلغ حتى أرجع إلى صديقي ونتوورث.»
«حسنًا، كما ترى، إذا كان لي أن أُساعدك في هذا الأمر، فسأحتاج إلى معرفة كل التفاصيل.»
«بالتأكيد. سوف أتشاور مع ونتوورث لأرى إن كنا سنحتاج إلى أي مساعدة أم لا.»
«أوه، سرعان ما ستكتشف أنك تحتاج إلى كل المساعدة التي يُمكنك الحصولُ عليها في لندن. ربما ستعلم أنَّ هناك المئاتِ من مثل هذه المناجم المعروضة الآن للبيع، ومن المحتمل أنك ستجد أنَّ منجم الميكا هذا من ضمنها. كم تعتقد القيمة الحقيقية لهذا المنجم؟»
«أعتقد أنها تتراوح ما بين مائة ومائتي ألف جنيه، وربما أكثر.»
«هل هو حقًّا يستحقُّ مائة ألف جنيه؟»
«وَفْق تقديري، هو كذلك.»
«هل يستحقُّ مائة وخمسين ألف جنيه؟»
«نعم، يستحق.»
«هل يستحقُّ مائتي ألف جنيه؟»
«أعتقد ذلك.»
«ما نسبة الرِّبح التي سنَجْنيها من المائتي ألف جنيه؟»
«ربما ستكون عشرةً بالمائة، وربما أكثر.»
«باسمِ كلِّ ما هو رائع، لماذا لا تجعل ثمنه مائتي ألف جنيه؟ إذا كان سيعود علينا هذا المبلغُ برِبْح عشرة بالمائة أو أكثر، إذن فهذا هو المبلغ الذي ينبغي أن تَبيعه به. والآن، دعنا نُناقش هذا الأمر، إذا أردتَ، وإذا أردت أن تجعلَني شريكًا لك في الأمر، وترفع الثمن حتى مائتي ألف جنيه، فسأرى ما يُمكن فعلُه بشأنه عندما نصل إلى لندن. بالطبع، هذا سيَعْني إرسالَ شخصٍ إلى كندا ثانية لإعداد تقرير عن المنجم. لن يُؤخَذ بتقريرك بطبيعة الحال في هذه الحالة، فأنت صاحبُ مصلحةٍ بشدة.»
رد كينيون: «بالطبع، أنا لا أتوقَّع أن يكون لتقريري أيُّ أهمية.»
«حسنًا، يجب إرسال شخصٍ لإعداد تقريرٍ عن المنجم. هل أنت متأكد من أنه سيُثبِت قيمته بعد الفحص الدقيق؟»
«أنا واثقٌ من ذلك.»
«هل أنت على استعدادٍ لتقديم هذا العرض للمستثمرين؛ إنك ستدفعُ تكاليفَ سفر الخبير إذا جاء تقريره بعكس ما قلت؟»
قال كينيون: «سأكون على استعدادٍ لفعل هذا إذا كان لديَّ المال اللازم لذلك، لكنني ليس لديَّ هذا المال.»
«إذن، كيف تتوقع أن تطرح المنجمَ للبيع في سوق لندن؟ إن هذا لا يمكن أن يتمَّ دون مال.»
«ظننتُ أنني قد يكون بإمكاني أن أُثير اهتمامَ أحد أصحاب رءوس الأموال فيه.»
«أخشى كثيرًا، سيد كينيون، أنَّ لديك أفكارًا غيرَ واضحة عن كيفية تأسيس الشركات. ربما يعرف صديقك ونتوورث الكثير عن الأمر، نظرًا إلى كونه مراجعَ حسابات.»
«نعم، أعترف أنني أعتمد على نحوٍ أساسي على مساعدته.»
«حسنًا، هل تُوافق على جعل سعر المنجم مائتي ألف جنيه، ونتقاسَم ما سنربحه نحن الثلاثة معًا؟»
«إنه سعرٌ عالٍ.»
«إنه لن يكون كذلك إذا كان المنجم سيُحقق أرباحًا جيدة؛ إذا كان سيُحقق أرباحًا بنسبة ثمانيةٍ بالمائة. إن هذا المبلغ هو السعر الحقيقي للمنجم، وأنت تقول إنك متأكدٌ أنه سيُحقق أرباحًا بنسبة عشرة بالمائة.»
«أقول إنني أعتقد أنه سيُحقق أرباحًا بهذه النسبة. لا يمكن للمرء قطُّ أن يتحدث بتأكيدٍ تامٍّ عندما يتعلق الأمر بمنجم.»
«هل أنت على استعداد لجعلِ هذا المبلغ هو سعرَ المنجم؟ إذا لم تكن على استعداد لذلك، فلن تكونَ لي علاقةٌ بالأمر.»
«كما قلت، عليَّ استشارةُ صديقي بشأن هذا الأمر، لكن هذا يمكن أن يتمَّ في غضون وقتٍ قصير جدًّا، وسأرد عليك في المساء.»
«جيد؛ لا توجد مَدْعاة للعجَلة. تناقَشْ معه في الأمر، وبينما لا يُمكنني أن أعِدَ بشيء، أعتقد أن الأمر يبدو قابلًا للتحقيق، إذا كان المنجمُ جيدًا. تذكر أنني لا أعرفُ شيئًا عن الأمر على الإطلاق، لكن إذا وافقتَ على إشراكي فيه، فسيكون عليَّ معرفةُ التفاصيل الكاملة لما ستدفعه كمقابلٍ للمنجم وكذلك قيمته الحقيقية.»
«بالتأكيد. إذا وافقنا على أخذِ شريك، فسنعرِّف هذا الشريكَ بكامل التفاصيل.»
«حسنًا، لا يوجد شيءٌ آخر يمكن قولُه حتى تتشاورَ مع صديقك. طاب صباحك، يا سيد كينيون.» وهنا قام لونجوورث، وذهب إلى غرفة التدخين.
بقي كينيون في مكانه لبعض الوقت، آمِلًا في مجيء ونتوورث، لكنَّ الشابَّ لم يظهر. في النهاية، ذهبَ ليبحثَ عنه. سار بطولِ سطح السفينة، ولكن لم يجد أيَّ أثرٍ له، وبحثَ عنه للحظاتٍ في غرفة التدخين، لكن ونتوورث لم يكن هناك. نزل إلى أسفل للقاعة الرئيسية، لكن بحثه لم يكن مجديًا أيضًا. صعد على السطح ثانيةً، فوجد الآنسة بروستر تجلس بمفردها تقرأ روايةً غِلافُها ورقي.
سألها: «هل رأيتِ صديقي ونتوورث؟»
وضعَت الكتاب مفتوحًا على حجرها، ونظرت بسرعةٍ لأعلى إلى كينيون قبل أن ترد.
«لقد رأيتُه منذ مدَّة ليست بالطويلة، لكنني لا أعرف أين هو الآن. ربما ستجده في غرفته؛ في الواقع، أعتقد أنه مِن المحتمل بشدةٍ أن تجده هناك.»
بعد أن قالت الآنسة بروستر هذا، عاودَت القراءة في كتابها.
نزل كينيون إلى غرفته وفتحَ الباب ورأى رفيقَه يجلس على الأريكة المغطَّاة بالمخمل، ورأسُه بين يدَيه. وعند فتحِ الباب، جفَل ونظر للحظةٍ إلى صديقه، وبدا وكأنَّه لا يراه. كان وجهه شاحبًا ومريعًا للغاية، لدرجة أن كينيون استند على الباب حتى لا يقعَ عندما رآه.
صاح: «يا إلهي، جورج! ماذا بك؟ ما الذي حدَث؟ أخبِرْني!»
حدَّق ونتوورث أمامه بعينَين جامدتين للحظةٍ، لكنه لم يَرُد. ثم أخفض رأسه ثانيةً ووضعها بين يدَيه، ثم تأوَّه بصوت عالٍ.
تَدخُّل امرأة |
الفصل الثامن
كان هناك رجلٌ واحد على متن سفينة «كالوريك» يُكنُّ له ونتوورث بغضًا شديدًا. كان اسمه فليمنج، ويزعم أنه سياسي من نيويورك. وحيث إن أيًّا من أصدقائه أو أعدائه لم يُثبت أي شيء سيِّئ بشأنه، فيُمكن الزعم أنه أشار إلى مهنته على نحوٍ صحيح. وإذا سُئل ونتوورث عن أكثرِ شيء يكرهه في الرجل، فربما كان سيقول رفعه المزعج للكُلفة. بدا أن فليمنج يعتقد أنه رجل ظريفٌ ولطيف، وكان معروفًا على نحوٍ كبير وسط طبقة معينة في غرفة التدخين. لقد كان سخيًّا بشدةٍ في دعواته الآخَرين لتناول الشراب معه، ودائمًا في جيبه علبةٌ مليئة بأنواع السيجار الفاخر، التي كان يُعطي منها بكرمٍ شديد لمن حوله. وكانت لديه عادةُ ضرب أيِّ رجل برفقٍ وصخب على ظهره، ثم كان يقول له: «حسنًا، أيها الصديق العجوز، كيف حالك؟ كيف تسير الأمور معك؟» وكان كثيرًا ما يقول لمستمعيه إنه رجلٌ صنَع نفسه بنفسه؛ فقد ذهب لنيويورك وليس في جيبه سنتٌ واحد، وانظروا الآن إلى ما وصَل إليه من مكانة!
أبدى ونتوورث برودًا تجاه الرجل؛ لكن البرود لم يكن له أيُّ تأثير على المِزاج المرح للسياسي الأمريكي.
قال فليمنج عندما ذهب إلى ونتوورث وشبَّك ذراعه بذراعه على نحوٍ ودود: «حسنًا، أيها العجوز! يا له من طقس جميل ذلك الذي نَحْظى به في وقت الشتاء!»
قال ونتوورث: «إنه جيد.»
«جيد؟ إنه بديع! مَن كان سيعتقد، عند ترك نيويورك في عاصفة ثلجيَّة كما فعلنا، أننا سنسير إلى هذا الربيع؟ أرجو أن تكون مستمتعًا برحلتك، أليس هذا هو الحال؟»
«بلى.»
«حريٌّ بك أن تكون هكذا. بالمناسبة، لماذا أنت متحفِّظ بشدة هكذا؟ هل هذا طبعُك أم أنك تبدو هكذا «في هذه المناسبة فقط»؟»
«أنا لا أعرف ما تقصده بكلمة «متحفِّظ»؟»
«أنت تعرف جيدًا ما أقصده. لماذا تتظاهر بأنك جامدٌ ورسمي جدًّا في تعاملك مع الآخَرين؟»
«أنا لا أكون أبدًا جامدًا ورسميًّا في تعاملي مع أحد إلا إذا كنتُ غيرَ راغبٍ في رفقته.»
ضحك فليمنج بصوت عالٍ.
«أعتقد أن هذا تلميحٌ شخصي. حسنًا، يبدو لي، إن كانت تلك الرغبةُ في الانعزال أصيلةً فيك، أنك ستكون أكثرَ خوفًا من مشاهير الصِّحافة أكثرَ من أي أحدٍ آخر.»
«لماذا تقول هذا؟»
«لأنني لا أستطيع، على الإطلاق، أن أفهم لماذا تقضي الكثيرَ من الوقت مع دولي ديمبل. أنا لا أعرف بالتأكيد لماذا هي هنا؛ لكنني أعرف الآتيَ: إنك ستظهر، دون أدنى شكٍّ، في نحو عمودَين أو ثلاثة أعمدة في صحيفة «صنداي آرجوس».»
«أنا لا أفهمُ ما تقصد.»
«لا تفهم؟! إن الأمر واضحٌ وضوحَ الشمس. إنك تقضي كلَّ وقتك معها.»
«أنا حتى لا أعرف عمن تتحدث.»
«أوه، كُن معقولًا فيما تقول؛ فهذا غير مقبول تمامًا! هل من الممكن أنك لا تعرف أن الآنسة جيني بروستر هي تلك الفتاة التي تكتب مقالاتِ الأحد هذه وتُمهِرُها باسم «دولي ديمبل»؟»
تملَّك خوفٌ غريب من ونتوورث عندما ذكر رفيقه صحيفة «آرجوس». تذكَّر أنها صحيفةُ جيه كيه ريفرز؛ لكن عندما قال فليمنج إن الآنسة بروستر مراسلةٌ للصحيفة، أصابته دهشةٌ شديدة.
قال متلعثمًا: «أنا … أنا … أنا لا أعتقد أنني فهمتُ تمامًا ما تقصد.»
«حسنًا، قصدي واضحٌ بالقدر الكافي بحيث يمكن لأيِّ أحد معرفتُه. ألم تقل لك هذه المعلومة؟ إذن، يُبين هذا أنها تريد الإيقاعَ بك. إنك لست سياسيًّا إنجليزيًّا، أليس كذلك؟ أنت ليست لديك أيُّ أسرار سياسية تريد دولي الحصولَ عليها، أليس كذلك؟ إنها أمهرُ فتاة في كافة أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية في اكتشاف ما لا يريد الرجلُ أن يعرفه أحد. هل تعرف أن وزير الخارجية …» وأخذ فليمنج يسرد إحدى الخبطات الصحفية البارعة بشدةٍ التي قامت بها دولي؛ لكن الشخص الذي كان يتحدث إليه لم يكن له عينان ولا أذنان. ولم يسمع شيئًا ولم يرَ شيئًا.
قال فليمنج، وقد اعتدل في وقفته وضرب برفقٍ رفيقه على ظهره: «يا إلهي! يبدو أنك مذهولٌ بشدة. أعتقد أنني ما كان يجب عليَّ أن أكشف دولي على هذا النحو؛ لكنها تظاهرَت طوال الرحلة بأنها لا تعرفني، لذا، قرَّرتُ أن أنتقم منها. خذ بنصيحتي، وأي شيء لا تريده أن يظهر على صفحات الجرائد، لا تُخبر الآنسة بروستر به، هذا كلُّ ما في الأمر. هل تريد سيجارًا؟»
رد الآخَرُ على نحوٍ آلي: «لا، شكرًا لك.»
«من الأفضل أن تدخل وتحصل على شراب.»
«لا، شكرًا لك.»
«حسنًا، إلى اللقاء. سأراك لاحقًا.»
«لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا … لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا!» هذا ما كرَّره ونتوورث لنفسه في فزعٍ شديد، لكنَّ هاجسًا داخليًّا حذَّره قائلًا إن هذا في النهاية قد يكون صحيحًا. أخذ يذرع المكان جَيئةً وذَهابًا مشبكًا يديه خلف ظهره، وهو يحاول جمع شتات نفسِه … وتذكَّر ما قاله وما لم يقله. وبينما كان يسير هكذا، دون أن ينتبهَ لأحد، أثاره صوتٌ رقيق آتٍ من أحد الكراسي، وجعله يتوقف عن السير.
«عجبًا، سيد ونتوورث، ما خطبك هذا الصباح؟ تبدو كما لو أنك قد رأيتَ شبحًا.»
نظر ونتوورث إلى الفتاة الجالسة على الكرسي، التي كانت تُحملِق فيه بابتهاج.
قال في النهاية: «حسنًا، أنا لستُ متأكدًا، لكنني رأيتُ بالفعل شبحًا. هلا أجلس إلى جوارك؟»
«هل تستأذن؟ بالطبع، يمكنك الجلوس. سأكون سعيدةً إن فعلت. هل ثَمة خَطْبٌ أصابك؟»
«أنا لا أعلم. نعم، أعتقد أن ثَمة خَطبًا أصابني.»
«حسنًا، أخبرني به؛ فربما أستطيع مساعدتك. أنت تعرف مدى مكرِ المرأة. ما الأمر؟»
«هل لي أن أطرح عليكِ بضعة أسئلة، يا آنسة بروستر؟»
«بالتأكيد. ألف، إذا أردت، وسأردُّ عليها جميعًا إن استطعت.»
«شكرًا لكِ. هل يمكن أن تُخبريني، آنسة بروستر، إن كانت لكِ علاقةٌ بأي صحيفة؟»
ضحكَت الآنسة بروستر ضحكتها الرقيقة المرحة الصافية.
«مَن أخبرك؟ آه! عرَفتُ كيف سار الأمر. إنه ذلك الكائن الذي يُدعى فليمنج. سوف أنتقم منه بسبب هذا يومًا ما. أعرف المنصب الذي يسعى وراءه، وفي المرة التالية التي يُريد فيها مقالًا جيدًا من صحيفتي عنه، سيُعاقَب على ما فعَل؛ إن هذا سيحدث بطريقةٍ ما. إنني أعرف بعض الأشياء عنه التي سرعان ما سيَراها على صفحات الجرائد. أوه، يا له من رجلٍ أحمق! أعتقد أنه قال لك هذا رغبةً في الانتقام مني؛ لأنني لم أتحدث إليه في ذلك المساء. لا عليك؛ يمكنني الانتظار.»
«إذن … إذن، آنسة بروستر، هذا صحيح، أليس كذلك؟»
«بالتأكيد، هذا صحيح؛ هل هناك أيُّ مشكلة في هذا؟ أرجو ألا تعتقد أنه من المخزي العملُ مع صحيفة جيدة؟»
«مع صحيفة جيدة، لا؛ أمَّا مع صحيفة سيئة، فنعم.»
«أوه، أنا لا أعتقد أن صحيفة «آرجوس» صحيفة سيئة. إنها تدفع لي راتبًا جيدًا.»
«إذن، أنتِ تعملين مع صحيفة «آرجوس»؟»
«بالتأكيد.»
«هل لي أن أسالَكِ، آنسة بروستر، إن كان هناك أيُّ شيء قلتُه لكِ تنوين نشره في صحيفتكِ؟»
ضحكت الآنسة بروستر ثانيةً.
«سأكون صريحةً بشدةٍ معك. أنا لا أكذب أبدًا؛ فلا جدوى من ذلك. نعم. إن سبب وجودي هنا هو وجودُك هنا. أنا هنا لمعرفة خلاصة تقريرك وكذلك تقرير صديقك عن تلك المناجم. وقد عرَفتُ ما أريد.»
«وهل تنوين استخدام هذه المعلومات التي حصلتِ عليها — إن جاز لي القول — بالخداع؟»
«سيدي العزيز، إنك تنسى نفسك. يجب أن تتذكر أنك تتحدث إلى سيدة.»
صرخ ونتوورث في أسًى: «سيدة!»
«نعم، سيدي، سيدة؛ ويجب أن تكون حذرًا وأنت تتحدثُ إلى «هذه» السيدة. ليس هناك أيُّ خداع في الأمر، إذا كنتَ تتذكر. ما قلتَه لي في كلامنا أنا لم أسألك عنه. أنا حتى لم أسعَ للتعرُّف عليك.»
«لكن يجب أن تعترفي، آنسة بروستر، أنه ليس من العدل تمامًا أن تجعلي رجلًا ينخرطُ في حديثٍ يعتقد أنه خاص، ثم تنشري ما قاله.»
«سيدي العزيز، إن كان هذه هي الحال، فكيف سيُمكننا الحصولُ على أيِّ شيء للنشر لا يريد الناسُ أن يعرفه الآخرون؟ عجبًا، أتذكر ذاتَ مرة، عندما كان وزير الخارجية …»
قاطعها ونتوورث بضجر: «نعم، لقد ذكر لي فليمنج تلك القصة.»
«أوه، هل فعل؟ حسنًا، أنا ممتنةٌ له بشدة. إذن، أنا لن أحتاج إلى تَكْرارها.»
«هل تقصدين القول بأنكِ تنوين إرسال ما قلتُه لكِ سرًّا إلى صحيفة «آرجوس» كي يجريَ نشرُه؟»
«بالتأكيد. كما قلتُ قبل ذلك، هذا ما جئتُ إلى هنا من أجله. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد أيُّ «سرية» في الأمر.»
«وهل ما زلتِ تتظاهرين بأنكِ سيدةٌ صادقة وأمينة وشريفة؟»
«أنا لا أتظاهر بذلك؛ أنا كذلك بالفعل.»
«إذن، ما مدى صحةِ قصتك التي تقول إنكِ ابنة مليونير على وشك زيارة أبيها في باريس، ثم مرافقته من هناك إلى منطقة الريفيرا؟»
ضحكت الآنسة بروستر بابتهاج.
«أوه، أنا لا أعتبر الكذبَ الأبيض، الذي على المرء أن يختلقه من أجل العمل، كذبًا.»
«إذن، أنتِ ربما لا ترَين أن زميلك المبجَّل، السيد جيه كيه ريفرز، قد تصرف على نحوٍ مُخزٍ في أوتاوا؟»
«أوه، لا على الإطلاق. أعتقد أن ريفرز لم يكن مُحقًّا فيما فعل لأنه لم ينجح في مهمته، هذا كل ما في الأمر. أراهن أنني لو كنتُ قد حصلت على الأوراق، لكانت ستُرسَل إلى نيويورك؛ لكن جيه كيه ريفرز رجل غبي.» ثم أضافت وهي تنظر نظرةً خبيثة إلى ونتوورث: «ومعظم الرجال أغبياء.»
«أنا على استعدادٍ للاعتراف بهذا، آنسة بروستر، إذا كنتِ تقصدينني. لا يوجد أبدًا رجلٌ أكثرُ غباءً مني.»
«سيدي العزيز ونتوورث، سيُفيدك كثيرًا لو أصبحتَ واعيًا بهذه الحقيقة. في الواقع، أنت تقسو على نفسك بشدة. أنت لن يَضُرك قِيدَ أنملةٍ نشرُ ما سأرسله في صحيفة «آرجوس»، ولكنه سيُساعدني بشدة. رجاءً انتظرني هنا لبضع لحظات.»
وهنا، ألقَت كتابها بقوةٍ على حِجره، وقامت، واختفَت بسرعة عبر الدرَج. وبعد وقت قصير جدًّا، ظهرت مرة أخرى ومعها بعضُ الأوراق في يدها.
«سترى الآن مدى نزاهتي وأمانتي. سأقرأُ عليك ما كتبت. إذا كان هناك أيُّ شيء فيه غيرَ صحيح، فلن أمانع في حذفه؛ وإذا كان هناك أيُّ شيء آخر يجب إضافته، فلن أمانع في إضافته. أليس هذا عدلًا؟»
كان ونتوورث مندهشًا بشدةٍ من وقاحة المرأة لدرجة أنه لم يستطِع الرد.
بدأت القراءة: «في سبقٍ صحفي غيرِ مسبوق، استطاعت صحيفة «نيويورك آرجوس» هذا الصباحَ أن تُقدم لقرائها عرضًا وافيًا وحصريًّا لما جاء في التقرير الذي كتَبه الخبيران الإنجليزيان، السيد جورج ونتوورث والسيد جون كينيون، اللذان أُرسِلا من قِبَل شركة لندن سينديكيت للتعرف على القيمة الحقيقية لمناجمِ نهر أوتاوا وفحص حساباتها.»
رفعَت بصرَها من الورقة ثم قالت، بنبرة واثقة ودودة:
«ما كنتُ سأرسل هذا لو ظننتُ أن الناس في الصحيفة في نيويورك ستكون لديهم الكفاءةُ الكافية بحيث يكتبونه بأنفسِهم؛ لكن حيث إن الصحيفة يُحرِّرها رجالٌ أغبياء وليس سيدةً ذكية، فعليَّ أن أجعلَهم يدفعون خمسة وعشرين سنتًا عن كلِّ كلمة مقابلَ الترويج لبراعتهم. حسنًا، دعني أستمرَّ في القراءة: «عندما نتذكر أن القرار الذي ستتخذُه شركة لندن سينديكيت سيعتمد بالكامل على تقريرِ هذين الخبيرين …»»
قاطعها ونتوورث في يأس: «ما كنتُ سأصوغ هذا على هذا النحو.» ثم أضاف: «كنتُ سأستخدم كلمة «إلى حدٍّ كبير» بدلًا من «بالكامل».»
قالت الآنسة بروستر باحترام: «أوه، شكرًا لك.» ووضعَت الورقة على رُكبتها وحذفَت، بقلمها الرصاص، كلمة «بالكامل» واستبدلت بها عبارةَ «إلى حدٍّ كبير». ثم تابعَت القراءة قائلةً: «عندما نتذكر أن القرار الذي ستتخذُه شركة لندن سينديكيت سيعتمد إلى حدٍّ كبير على تقرير هذين الخبيرَين، فلكم أن تتخيَّلوا مدى براعة صحيفتنا في الحصول على هذه المعلومات الحصرية التي ستُرسَل على الفور إلى لندن بالتلغراف.» هذه هي المقدمة، كما تُلاحظ؛ وكما قلت، ما كان سيكون من الضروريِّ إرسالُها بالتلغراف إذا كانت هناك نساءٌ على رأس الأمور في الصحيفة، وهو ما ليس الحال. ثم تابعَت القراءة: «لقد زار السيد جون كينيون، خبيرُ التعدين، كلَّ المناجم الموجودة بطولِ نهر أوتاوا، ويرى أن المناجم تستحق كلَّ ما قيل عنها؛ لكنه يعتقد أنها لا تعمل على نحوٍ ملائم، وأنها، إذا أُديرت على نحوٍ حكيم وتم التعدين فيها على نحوٍ أكثرَ دقةً، فيُمكن أن تُدِرَّ أرباحًا جيدة. أما السيد جورج ونتوورث، الذي يُعَد أحدَ أهم مُراجعي الحسابات في لندن …»
قال جورج ناخرًا: «ما كنت سأقول هذا.» ثم أضاف: «فقط عليكِ حذفُ الكلمات الآتية «الذي يُعد أحدَ أهم مُراجعي الحسابات في لندن».»
قالت الآنسة بروستر: «حسنًا، وماذا عليَّ أن أضع مكانها؟»
«ضعي مكانها «الذي يُعَد أغبى الأغبياء في لندن»!»
ضحكت الآنسة بروستر لقوله هذا.
«لا؛ سأستخدم الصياغةَ الأولى: «إن السيد جورج ونتوورث، الذي يعدُّ أحدَ أهم مُراجعي الحسابات في لندن، قد فحص الحسابات الخاصةَ بالمناجم المختلفة. وقد توصل إلى بعض الاكتشافات المثيرة. لقد تم ضبطُ الحسابات بحيث تُضلِّل المستثمرين تمامًا، وتلك الحقيقة سيكون لها تأثيرٌ كبير على رأي شركة لندن سينديكيت. كشفت حساباتُ المناجم المختلفة عن وجود أرباحٍ بنحوِ مائتي ألف دولار، في حين أن الحقائق الفِعلية للأمر هي أن هناك خَسارةً سنوية بنحو مائةِ ألف دولار …»»
صاح ونتوورث بحِدة: «ما هذا؟ ما هذا؟»
«دولار، كما تعلم. لقد قلتَ عشرين ألفَ جنيه. لقد جعلناها بالدولار، أتُصدق ذلك؟»
قال ونتوورث، راجعًا لهدوئه ثانيةً: «أوه.»
««مائة ألف دولار» … إلى أين وصلتُ؟ أوه، نعم. «زُعم أن خبيرًا أمريكيًّا قد فحص هذه الحسابات قبل السيد ونتوورث، وأنه أكد أنها صحيحة. ستكون هناك حاجةٌ الآن إلى تفسير هذا من قِبَل هذا الخبير.»»
صاحت السيدة الشابة: «ها أنا قد انتهيت! هذا هو صُلب المقال. بالطبع، قد أُسهب أكثرَ قليلًا قبل أن نبلغ كوينزتاون حتى أجعلهم يدفعون أكثر. إن الناس لا تُقدر الشيء الذي لا يُكلفهم الكثير. ما رأيك فيما كتبت؟ هل صُغته على نحوٍ صحيح؟»
رد الشاب البائس: «على نحوٍ صحيح تمامًا.»
«أوه، أنا سعيدة للغاية لأنه أعجبَك! أُحب أن أفعل الأشياء على نحوٍ صحيح.»
«أنا لم أقل إنني «أُعجِبت» به.»
«لا، بالطبع، لا يمكن أن يُتوقَّع منك أن تقول ذلك؛ لكنني سعيدة أنك رأيتَ أنه دقيق. سأضيف ملاحظةً مفادها أنك تعتقد أن هذا ملخَّص جيد لما ورَد في تقريرك.»
صاح ونتوورث: «بحق السماء، لا تُشركيني في هذا الأمر!»
«حسنًا، لن أفعل، إذا لم تكن تُريد مني أن أفعل.»
ساد الصمت لبضعِ لحظات، بدَا خلالها أن السيدة الشابة تُضيف فاصلاتٍ ونقاطًا ختاميةً للمسودة الموجودة على ركبتها. تنحنح ونتوورث مرتين أو ثلاث مرات، لكنَّ شفتَيه كانتا جافَّتَين للغاية لدرجة أنه ما كان يستطيع الكلام. وفي النهاية قال:
«آنسة بروستر، كيف يمكنني حثُّك على عدم إرسال هذا من كوينزتاون إلى صحيفتك؟»
نظرت إليه السيدة الشابة بابتسامةٍ مشرقة وبهيجة.
«تحثُّني؟ لا يمكنك فعلُ هذا؛ ولا يمكن أن يحدث هذا. ستكون هذه إحدى كبرى النجاحات التي حقَّقتُها في حياتي. فكِّر كيف أن ريفرز قد فشل في إنجازها، وأنجزتُها أنا!»
رد الرجل الشابُّ بيأس: «نعم، فكرتُ في هذا.» ثم أضاف: «قد لا تعرفين أن التقرير الكامل أُرسل بالبريد من أوتاوا لشركتنا في لندن، وأنني، عندما نصل إلى كوينزتاو، سأرسل برقيةً لشركائي لتسليم التقرير لمديري الشركة، هل تعلمين ذلك؟»
ردت الآنسة بروستر: «أوه، أعرف كل هذا. أخبرني ريفرز به. لقد قرأ الرسالة المتضمَّنة في المستندات التي أخذها من صديقك. والآن، هل قمتَ بأي حسابات بشأن رحلتك؟»
«حسابات؟ أنا لا أفهمُ ما تقصدين.»
«حسنًا، أنا أقصد ما يلي: إننا ربما سنصلُ كوينزتاون مساءَ السبت. وهذا الخبر، مراعاةً لفروق التوقيت، سيظهر في صحيفة «آرجوس» صباح الأحد. ستصلُ برقيتك إلى شركتك مساءَ السبت، حين لا يمكن فعلُ شيءٍ بشأنه. وفي يوم الأحد أيضًا لا يمكن فعل شيء بشأنه. في صباح الإثنين، قبل أن يصل تقريرُك إلى المديرين، سيكون صُلب ما ظهر في صحيفتنا قد ظهَر في الصحف الماليَّة، التي ستُرسل إلى لندن مساءَ الأحد. وأول شيء سيعرفه مديروك عن الأمر سيكون من خلال صحف لندن المالية في صباح الإثنين. هذا ما أقصده، يا سيد ونتوورث، بعمل حسابات الرحلة.»
لم يقل ونتوورث أيَّ شيء آخر. وقام على قدَميه وذهب بأفضلِ ما يُمكنه إلى غرفته، وهو يتلمَّس طريقه كالأعمى. وهناك، جلس واضعًا رأسَه بين يديه، وهناك وجده صديقه كينيون.
تَدخُّل امرأة |
الفصل التاسع
قال جون كينيون بإلحاح: «أخبِرْني ماذا حدث.»
رفع ونتوورث بصرَه إليه.
ورد: «لقد حدث كلُّ شيء.»
«ماذا تقصد، يا جورج؟ هل أنت مريض؟ ما بك؟»
«أنا في حالٍ أسوأ من المرض؛ أسوأ كثيرًا من المرض. يا ليتني كنت مريضًا فقط.»
«هذا لن يُجدي، أيًّا كانت المشكلة التي تُعاني منها. هيا، انهض. وأخبرني بما حدث.»
«جون، أنا غبي … أحمق … أبلهُ ثَرْثار.»
«إذا سلَّمْنا بهذا، فماذا إذن؟»
«لقد وثقتُ بامرأة … أنا أحمق؛ والآن … والآن … أنا على الحال الذي تراه.»
سأل كينيون بارتياب: «هل … هل الآنسة بروستر لها أيُّ علاقة بهذا؟»
«إنها السبب في كل هذا.»
«هل … هل رفضَتْك، يا جورج؟»
«ماذا! «هذه» الفتاة؟ أوه، أنت الشخص الأحمق الآن. هل تعتقد أنني كنتُ سأسألها؟»
«أنا لا يُمكن أن أُلامَ على الاستنتاج المتسرِّع. يجب أن تتذكَّر أن «هذه الفتاة»، كما تُشير إليها، قد حَظِيت بمرافقتك أغلبَ الوقت أثناء هذه الرحلة؛ وبمعظم ثنائك بينما لم تكن معها. ما الأمر؟ وما علاقتها بما تُعانيه؟»
ذرَع ونتوورث جَيئة وذهابًا الحدودَ الضيقة للغرفة كما لو أنه محبوسٌ في قفص. وضرب بيده على فخذه، بينما كان كينيون ينظر إليه متعجبًا.
قال: «لا أعرف كيف يُمكن أن أخبرك بالأمر، يا جون.» ثم أضاف: «يجب أن أخبرك، بالطبع؛ لكني لا أعرف كيف يمكنني ذلك.»
«اصعد معي على سطح السفينة.»
«أبدًا.»
«كلُّ ما أطلبه منك هو أن تخرج إلى الهواء الطَّلْق. إن الجو خانقٌ هنا، كما أن احتمال أن يُسمعَ ما نقول في الغرفة أكبرُ مما هو عليه على سطح السفينة. تعالَ معي، يا صديقي القديم.»
أمسك رفيقَه من ذراعه، وجرَّه جزئيًّا خارجَ الغرفة، وأغلق الباب وراءه.
وقال: «تماسك.» ثم أضاف: «القليلُ من الهواء الطلق سيُحسن من حالتك.»
سارا باتجاه السطح، وأخذا يمشيان جيئةً وذهابًا عليه، مشبكين ذراعَيهما معًا. لوقت طويل، لم يقل ونتوورث شيئًا، وكان لدى كينيون من الكِياسة ما جعله يلزمُ الصمت. وفجأة، لاحظ ونتوورث أنهما كان يمشيان جيئةً وذهابًا أمام الآنسة بروستر، لذا سحب صديقه بعيدًا إلى جزءٍ آخرَ من السفينة. وبعد بضعة انعطافات هنا وهناك، قال:
«أنت بالطبع تتذكَّر ريفرز.»
«دون شك.»
«إنه يعمل في تلك الصحيفة القذرة، «نيويورك آرجوس».»
«أعتقد أنها صحيفةٌ قذرة. أنا لا أتذكر أنني رأيتها يومًا. نعم، أنا أعرف أن له صلةً بهذه الصحيفة. ماذا إذن؟ ما علاقة الآنسة بروستر بريفرز؟»
«إنها واحدةٌ من فريق عمل تلك الصحيفة، أيضًا.»
«جورج ونتوورث، أنت لا تقصد أن تُخبرني بما فهمت؟!»
«بل، أنا أقصد.»
«وهل هي هنا من أجل مسألةِ المناجم؟»
«بالضبط. لقد تولَّت المهمة بعد فشلِ ريفرز.»
قال كينيون، مسقطًا فجأةً ذراعَ رفيقه ومواجهًا إياه: «جورج! ماذا قلتَ لها؟»
«هنا تَكْمن المأساة. لقد أخبرتُها بكل شيء.»
«صديقي العزيز، كيف يُمكن أن تكون …»
«أوه، أعرف … أعرف! أنا أعرف كل شيء ستقوله. كل شيء يمكن أن تقولَه قلتُه لنفسي، وأكثر وأسوأ منه عشر مرات. لا يوجد شيءٌ يمكن أن تقوله لي أكثرَ مرارةً مما أعتقده عن نفسي.»
«هل قلتَ لها أي شيء عن «تقريري»؟»
«قلتُ لها كل شيء … «كل شيء»! هل فهمت؟ إنها سترسل برقيةً من كوينزتاون تتضمن خلاصة ما جاء بالتقريرين … كِلا التقريرين.»
«يا إلهي! هذا أمرٌ مخيف. ألا توجد طريقة لمنعها من إرسالها؟»
«إذا كنتَ تعتقد أن بإمكانك منْعَها، فأرجو أن تحاول فعل ذلك.»
«كيف اكتشفتَ هذا؟ هل قالت هي لك؟»
«أوه، لا يهمُّ كيف اكتشفتُ الأمر. لقد اكتشفته. لقد أخبرني رجلٌ مَن تكون، ثم سألتها، وكانت صريحةً جدًّا بشأن الأمر. لقد قرأَتْ عليَّ حتى نصَّ المقال.»
«قرأَتْه عليك؟»
«نعم، قرأته عليَّ، ووضعَت علاماتِ ترقيمه في حضوري … وأضافَت بعض الكلمات التي رأيتُ أنها أفضلُ من تلك التي كانت تستخدمها. أوه، لقد كان أروعَ مقال يمكن أن يراه المرء!»
«لكن لا بد أن تكون هناك طريقةٌ ما لمنعِها من إرسال هذا المقال إلى نيويورك في الوقت المناسب. كلُّ ما علينا فعلُه هو أن ترسل برقيةً لرجالك تطلب فيها منهم تسليمَ تقريرنا للمديرين، وحينها سنكونُ قد سبَقْنا مقالها. إنَّ عليها إرسالَ البرقية من مكتب بريدٍ بريطاني، ويبدو لي أن بإمكاننا منْعَها من ذلك بطريقةٍ ما.»
«مثل ماذا؟»
«أوه، أنا لا أعرف كيف الآن، لكن يجب علينا أن نستطيع فعل ذلك. لو كنتَ رجلًا، لحبسناه باعتباره أحدَ المخرِّبين أو شيئًا من هذا القبيل؛ لكن نظرًا إلى أنها امرأة، فهذا يجعل الأمر أكثرَ صعوبةً في التعامل معه. جورج، لو كنتُ مكانك، كنت سأخاطب الجانب الطيب فيها.»
ضحك ونتوورث بتهكُّم.
رد: «الجانب الطيب؟» ثم أضاف: «إنها ليس لديها جانبٌ طيب، وهذا ليس أسوأَ ما في الأمر. لقد «حسَبَت»، بحسَب قولها، كلَّ الاحتمالات المتضمَّنة في الأمر؛ لقد «حسبَت» أننا سنصلُ كوينزتاون تقريبًا يوم السبت ليلًا. وإذا فعَلْنا ذلك، فستُرسل مقالها في الوقت المناسب بحيث يُنشَر يوم الأحد في صحيفة «نيويورك آرجوس». إن كان هذا هو الوضع، فانظر كيف سيكون حالُ برقيَّتِنا. سنرسل برقية إلى رجالنا نطلب فيها إرسالَ التقرير. ستصل البرقية إلى المكتب يومَ السبت ليلًا، ولن تُقرَأ. المكتب سيُغلَق في الساعة الثانية، وحتى إذا حصَلوا عليها وأدرَكوا مدى إلحاحِ الأمر، فلن يستطيعوا عرض الأوراق على المديرين قبل صباحِ الإثنين، وبحلول صباح الإثنين، سيكون الموضوع معروضًا في صحف لندن المالية.»
«جورج، تلك المرأة شيطانة.»
«لا، إنها ليست كذلك، يا جون. إنها مجردُ صُحفية أمريكية بارعة، تظن أنها قد قامت بعملٍ رائع جدًّا، وأنها، بسبب غباء أحد الرجال، قد نجحَت، هذا كلُّ ما في الأمر.»
«هل حاولتَ أن تُناشدها بأيِّ نحوٍ ألا تفعلَ ما تنوي فعله؟»
«أوه، هل من الممكن ألا أفعل؟! بالطبع، فعلتُ هذا. لكن ما الفائدة؟ لقد سخرَت مني. ألا تفهم؟ إنها هنا من أجل هذا. إن رحلتها بالكامل كان هذا هو هدفَها الوحيد؛ ومن غير المحتمل أن تتخلَّى المرأة عن نجاحها بعد أن حقَّقَته؛ وخاصةً بعد أن أخفقَ في تحقيقه شخصٌ آخرُ من مكانِ العمل نفسِه. تبدو حقيقةُ أن ريفرز فشل وأنها نجحَت شيئًا عظيمًا تفتخر به.»
قال كينيون: «إذن، أنا سأُناشد الآنسة بروستر بنفسي.»
«رائعٌ جدًّا. أتمنى لك النجاح في مسعاك. لكن افعل ما يُمكنك، يا جون، إذا كنتَ لا تُمانع في ذلك. وفي تلك الأثناء، أريد أن أكونَ بمفردي في مكانٍ ما.»
نزل ونتوورث على الدرَج المؤدي إلى جزء السفينة الخاص بالمسافرين بتكلفةٍ رخيصة، وجلس لبضع لحظات وسط هؤلاء الركاب. ثم صعد سُلَّمًا آخرَ واقترب بشدةٍ من مقدمة السفينة. وهناك جلس على لفة من الحبال، وأخذ يُجيل الأمر في رأسه. لكن التفكير لم يُفِده كثيرًا. وأدرك أنه، حتى لو حصل على الورقة التي كتبَتها الآنسة بروستر، فبإمكانها بسهولةٍ أن تكتبَ غيرها. إنَّ لديها الحقائقَ في رأسها، وكل ما تحتاج إلى فعله هو الذَّهاب إلى مكتب تلغراف وإرسال رسالتها عبره.
في تلك الأثناء، قام كينيون ببعض الانعطافات هنا وهناك عبر السطح، وهو يُفكِّر بعمقٍ في نفس الموضوع. ووصل إلى الجانب الذي كانت تجلس فيه الآنسة بروستر، وعندما وقف أمامها، لم يمتلك الشجاعةَ الكافية لأن يجلس بجوارها. لقد كانت تقرأ بهدوء كتابَها. جاء ثلاثَ مرات قُبالتَها، وتوقَّف للحظة، ثم استمرَّ في سيره البائس. رأى أن شجاعته لن تكون كافيةً من أجل إتمام المهمة، ومع ذلك، كان يشعر أنه يجب تنفيذ المهمة بأيِّ نحو. لم يكن يعرف كيف يبدأ. لم يكن يعرف ما الحافزُ الذي يمكن أن يُقدمه للسيدة الشابَّة للتخلِّي عن ثمار براعتها. شعر أن هذه نقطةُ الضعف في دفاعه. في المرة الثالثة التي وقف فيها أمام الآنسة بروستر، رفعَت بصرها باتجاهِه وأشارت إليه بالجلوس على الكرسيِّ المجاور لها، قائلةً:
«أنا لا أعرفُك جيدًا، سيد كينيون، لكنني أعرف مَن تكون. هلا تجلس هنا للحظة؟»
جلس الرجل المدهوش على الكرسي الذي أشارت إليه.
«والآن، سيد كينيون، أنا أعرفُ ما الذي يَشغَلُ بالك. لقد مررت ثلاثَ أو أربع مرات آمِلًا أن تجلسَ بجواري، ولكنك خشيتُ أن تُغامر بفعل ذلك. أليس هذا صحيحًا؟»
«بلى، صحيح تمامًا.»
«أعلم ذلك. والآن أنا أعلم أيضًا ما أتيتَ من أجله. أخبرك السيد ونتوورث بالأمر. لقد أخبرك بأنه أعطاني كافَّة التفاصيل الخاصة بالمناجم، أليس كذلك؟»
«لقد فعل.»
«ولقد ذهب إلى غرفته ليُفكر في الأمر، وترك الأمر في يدَيك، وأنت تتخيَّل أنك يُمكنك أن تأتيَ هنا إليَّ، وربما تستطيع أن تَثْنيني عن إرسالِ مقالي إلى صحيفة «آرجوس». أليس هذا ما تريد؟»
قال كينيون، وهو يمسح العرق عن جبينه: «هذا ما آمُل أن أكون قادرًا على فعله.»
«حسنًا، ظننت أن عليَّ أن أُخلصك من حيرتك في الحال. إنك تأخذ الأمور بجدِّية شديدة، يا سيد كينيون؛ يمكنني ملاحظةُ ذلك. والآن، أليس هذا صحيحًا؟»
«أخشى أن هذا صحيح.»
«بالطبع، هذا صحيح. إنَّ نشر هذا، كما قلت للسيد ونتوورث، لن يكون شيئًا مهمًّا في واقع الأمر على الإطلاق. إنه لن يكون له أيُّ تأثير على أيٍّ منكما؛ لأن أصدقاءكما سيكونون متأكدين من أنكما، إن كنتما تعرفان مع مَن تتحدثان، ما كنتما ستقولان قطُّ شيئًا عن المناجم.»
ابتسم كينيون بتجهُّم لهذا النوع من المواساة.
«والآن، لقد كنت أفكر في شيء منذ أن تركني السيد ونتوورث. أنا حقًّا حزينة للغاية من أجله. أنا حزينة أكثرَ مما يمكن أن أخبر به.»
قال كينيون بحماس: «إذن، ألا …»
«لا، أنا لن أفعلَ هذا؛ لذا، لا يجب أن نعود إلى تلك المرحلة من الموضوع. إن هذا هو ما جئتُ هنا من أجله، وبغضِّ النظر عما ستقول، سيجري إرسالُ برقيتي. من الأفضل أن تعيَ هذا من البداية، حتى لا يُشكِّل هذا أيَّ مشكلة فيما بعد. ألا ترى أن هذا هو الأفضل؟»
رد الرجل البائس: «ربما.»
«حسنًا، إذن، دَعْنا نبدأ مِن هناك. سأقول في البرقية إنني لم أحصل على معلوماتي لا مِن السيد كينيون ولا من السيد ونتوورث.»
«لا بأس، لكن هذه لن تكون الحقيقة.»
«بالطبع، لن تكون الحقيقة؛ لكن هذا لا يُهم، أليس كذلك؟»
قال كينيون: «حسنًا، في بلدنا، نحن نعتقد أن الحقيقة شيءٌ مهم حقًّا.»
ضحكَت الآنسة بروستر من كلِّ قلبها.
وقالت: «يا إلهي! أنت لستَ عمَليًّا بالقدر الكافي. ما الذي يَعْنيك إذا كانت هذه الحقيقةَ أوْ لا؟ إذا كان هناك أيُّ كذب، فأنت لم تَقُله؛ لذا، أنت ليس عليك أيُّ لوم. في واقع الأمر، أنت لا يقعُ عليك أي لوم بأيِّ نحو، في هذه المسألة؛ إنه خطأُ صديقك ونتوورث بالكامل؛ ومع ذلك، لو لم يكن ونتوورث هو مَن أخبرني بما جاء في التقرير، لكنتَ أنت ستُخبرني.»
نظر إليها كينيون بارتياب.
قالت، وهي تُومِئُ له بثقة: «أوه، نعم، كنتَ ستفعل ذلك.» ثم أضافت: «يجب ألا تغترَّ بنفسك — لأن السيد ونتوورث أخبرني كل شيء بشأن هذا الأمر — وترى أنك ما كنتَ ستفعل الشيءَ نفسَه، إذا أردتُ أن أكتشف حقيقةَ الأمر منك. إن كل الرجال متشابهون عندما يتعلق الأمر بالنساء.»
«هل هناك شيء يُمكن أن أقولَه لكِ، يا آنسة بروستر، يجعلكِ تتراجعين عن إرسال الرسالة إلى أمريكا؟»
«لا، يا سيد كينيون. أعتقد أننا حسَمْنا هذا الأمر من البداية. أرى أنه لا توجد فائدةٌ من الحديث إليك. سأعود إلى كتابي المثيرِ جدًّا. طاب صباحك، يا سيد كينيون.»
شعر كينيون بفشلِ محاولته تمامًا مثلما شعر ونتوورث، وأخذ يتجول بتعاسةٍ بطول سطحِ السفينة، واضعًا يديه بعمقٍ في جيبيه.
وعندما وصل إلى الجانب الآخر من السطح، التقى الآنسة لونجوورث التي كانت تمشي بمفردها. ابتسمَت ابتسامةَ ترحيب وُدية له، فالتفت وبدلَ خطوته لتُناسب خطوتها.
وقال: «هل تسمحين لي بالسير معكِ لبضع دقائق؟»
كان ردُّها: «بالطبع، تفضل، ما الأمر؟ تبدو في غاية التعاسة.»
«أنا ورفيقي في مشكلةٍ كبيرة، ورأيت أنني يجب أن أتحدث معكِ بشأنها.»
«إن كان هناك أيُّ شيء يُمكنني فعله لمساعدتك، فيُسعدني بشدة فعله.»
«ربما تُقدِّمين اقتراحًا مفيدًا. كما تعرفين، إن تعامُلَ رجلين مع امرأةٍ واحدة أمرٌ لا جدوى منه تمامًا.»
«آه، مَن هي هذه المرأة … إنها ليست أنا، أليس كذلك؟»
«لا، ليس أنتِ، يا آنسة لونجوورث. يا ليتها كانت أنتِ؛ إذ حينَها لن تكون هناك أيُّ مشكلة.»
«أوه، شكرًا!»
«إن الأمر كالتالي: عندما كنا في كيبيك — أعتقد أنني أخبرتُكِ بهذا الأمر — أرسلَت صحيفة «نيويورك آرجوس» رجلًا لمعرفةِ ما أوردناه في تقريرنا الذي أرسلناه، أو كنا سنُرسله، لشركة لندن سينديكيت.»
«نعم، لقد أخبرتَني بذلك.»
«كان اسمه ريفرز. في واقع الأمر، عندما علمَت هذه الصحيفةُ نفسُها بفشلِ ريفرز في مهمته رغم سرقته للمستندات، نفذَت خطةً أكثرَ مكرًا، وكانت مبشرةً بالنجاح. لقد أرسلَت على متن هذه السفينة امرأةً شابة معروفًا عنها أنَّ لديها مهارةً في معرفة الأسرار التي يحاول الناسُ إخفاءها عن الجميع. تلك المرأة الشابة هي الآنسة بروستر، التي تجلس بجوار ونتوورث على الطاولة. يبدو أن القدَر قد وقف إلى جانبها وجعلها تجلسُ بجواره. اقترب الاثنان أحدهما من الآخر، ولسوء الحظِّ أخبرها صديقي بالكثير عن مسألة المناجم، التي أعلنت عن اهتمامِها بها. أو، بالأحرى، تظاهرت باهتمامها بونتوورث، مما جعلَه يتحدَّث؛ نظرًا بالطبع إلى أنه كان يجهل الحقيقة. لا يوجد شخصٌ في العالم أكثرُ حذرًا من جورج ونتوورث، لكن الرجل لا يتوقع أبدًا أن يظهر يومًا حوار خاصٌّ له مع سيدة في صحيفة.»
«من الطبيعي ألا يحدث هذا.»
«رائع جدًّا، هذا هو الوضع. بطريقةٍ ما، عرَف ونتوورث أن هذه السيدة الشابة هي المراسلةُ الخاصة لصحيفة «نيويورك آرجوس». وتحدَّث معها عن ذلك، وكانت صريحةً بشدة وقالت إنها هنا فقط من أجل معرفة مضمونِ التقريرين الخاصَّين بنا، وإنها بمجرد أن تصل إلى كوينزتاون، ستُرسل برقية تتضمَّن كلَّ ما اكتشفته إلى نيويورك.»
«يا إلهي! هذا أمر محير جدًّا. وماذا فعلتم؟»
«لم نفعل شيئًا حتى الآن، أو بالأحرى، يجب أن أقول إننا جربنا كلَّ شيء يُمكننا التفكيرُ فيه، ولم نصل إلى شيء. ناشدها ونتوورث أن تتراجعَ عن مسعاها، وقد قمتُ بمحاولةٍ بليدة لاستجدائها أيضًا، لكنها لم تكن مجدية. أشعر بقلة حيلتي في هذا الأمر، وونتوورث محطَّم تمامًا بسببه.»
«يا له من مسكين! أنا متأكدة من ذلك. دعني أُفكِّر لبُرهة.»
أخذا يسيران جَيئة وذهابًا بطول السطح في صمتٍ لبضع دقائق. ثم نظرت لونجوورث إلى كينيون وقالت:
«هلا تترك هذا الأمر لي؟»
«بالتأكيد، إذا كنتِ من اللطف بحيث تُظهرين أيَّ اهتمام به.»
«أنا مهتمةٌ به بشدة. بالطبع، أنت تعرف أن أبي مهتمٌّ بشدة به أيضًا؛ لذا، أنا على نحوٍ ما أنوبُ عنه.»
«هل لديكِ أيُّ خطة؟»
«نعم؛ خُطتي ببساطة هي الآتي: السيدة الشابة تعمل من أجل المال؛ لذا، إذا استطعنا أن نعرض عليها أكثرَ مما تُعطيه لها صحيفتها، فسرعان ما ستَقْبل، وإلا فسأكون مخطئةً بشدة في نوعية النساء التي تنتمي إليها.»
قال كينيون: «آه، نعم، لكننا ليس لدينا المالُ اللازم، كما تعرفين.»
«لا عليك؛ المال سرعان ما سيأتي. لا تَشْغل بالَك كثيرًا بشأنه. أنا متأكدة من إمكانية تنفيذ ذلك.»
شكرها كينيون، وعبَّر عن امتنانه بعينيه لا بلسانه؛ لأنه لم يكن سريعَ البديهة، وتركته حتى يُمكِنَها التفكيرُ في كيفية تنفيذ خطتها.
في ذلك المساء، كان هناك نقرٌ على باب غرفة الآنسة جيني بروستر.
صاحت شاغلةُ الغرفة: «ادخل.»
دخلت الآنسة لونجوورث، ورفعت شاغلة الغرفة بصرها باتجاهها، بعبوس، مما كانت تكتب.
سألتها الزائرة بجدِّية: «هل لي أن أتحدثَ إليكِ لبضع لحظات؟»
تَدخُّل امرأة |
الفصل العاشر
انزعجَت الآنسة جيني بروستر بشدةٍ من المقاطعة، ولم تبذل أيَّ جهد لإخفاءِ مشاعرها. كانت تكتب مقالًا بعنوان «كيف يقتل الناس الوقتَ على متن سفينة؟» ولم تكن ترغب في أن يُزعجها أحد، كما أنها، كما كانت تقول كثيرًا، لم تكن ترتاح للتعامل مع النساء، ولم تكن تُحب بناتِ جنسها ولا هن يُحبِبنَها.
قالت إديث لونجوورث، بينما كانت تُغلق الباب وراءها: «أودُّ أن أتحدث إليكِ لبضعِ لحظات، إذا تكرمتِ.»
ردت: «بالتأكيد.» ثم أضافت: «هلا تتفضل بالجلوس؟»
ردَّت الأخرى، بينما كانت تجلس على الأريكة: «شكرًا.» ثم أضافت: «أنا لا أعرف كيف أبدأ ما أريد قولَه. ربما سيكون من الأفضل أن أبدأ بإخبارك بأنني أعرف سببَ وجودكِ على متن هذه السفينة.»
«نعم؛ وهل لي أن أسأل لماذا أنا على متن السفينة؟»
«أنتِ هنا، كما أفهم، للحصول على معلوماتٍ معينة من السيد ونتوورث. ولقد حصَلتِ عليها، ولقد جئتُ لأراكِ بهذا الشأن.»
«فعلًا! وهل أنتِ على علاقةٍ وثيقة بالسيد ونتوورث بحيث يُخبرك …»
«أنا بالكاد أعرفُ السيد ونتوورث.»
«إذن، لماذا تأتينَ في مهمةٍ من أجله؟»
«أنا لستُ في مهمةٍ من أجلِه. أنا لستُ في مهمة من أجلِ أيِّ أحد. أنا كنتُ أتحدث مع السيد كينيون، أو بالأحرى، كان السيد كينيون يتحدَّث معي، عن موضوعٍ كان يَشْغَله على نحوٍ كبير. إنه موضوعٌ مهتمٌّ به أبي. إن أبي أحدُ ملَّاك شركة لندن سينديكيت، وهو بطبيعة الحال لن يرغب في أن تُرسَل برقيتك المنتظرة إلى نيويورك.»
«حقًّا؛ وهل أنتِ متأكدة تمامًا أنكِ لا تتحدثين بالنيابة عن صديقكِ كينيون أكثرَ من أبيك؟»
احمرَّ وجه الآنسة بروستر غضبًا، وتطاير الشرر من عينيها بينما كانت تقول:
«يجب ألا تتحدَّثي معي بهذه الطريقة.»
«عفوًا، سأتحدث إليكِ بالطريقة التي تُعجبني. أنا لم أسعَ لهذا اللقاء؛ بل أنتِ التي فعَلتِ ذلك، وحيث إنكِ سمحتِ لنفسك بالمجيء إلى هذه الغرفة دون أن تُدعَي، فعليكِ أن تتقبلي ما ستسمعين. إن الذين يتدخلون في شئون الآخرين، كقاعدةٍ عامة، يواجهون أوقاتًا صعبة.»
«عندما أتيتُ إلى هنا، كنت أقدِّر تمامًا كلَّ الانزعاج المحتمل الذي قد يَنتج عن مجيئي.»
«أنا سعيدة لقولكِ هذا؛ لأنكِ إذا سمعتِ مني أيَّ شيء لا يُعجبك، فلن تنزعجي وسيكونُ عليك فقط أن تلومي نفسَكِ عليه.»
«أودُّ أن أتحدثَ إليكِ في هذا الأمر بروحٍ وُدية إن استطعت. أعتقد أننا لن نصل إلى أي شيء إذا تحدَّثنا بأي طريقة أخرى.»
«رائع جدًّا، إذن. أيُّ مبرر ستُقدِّمينه لي لمجيئك إلى غرفتي لتتحدثي عن أمرٍ لا يُهمك؟»
«آنسة بروستر، إنه «بالفعل» يُهمني؛ إنه يهم أبي وهذا يُهمني. أنا، إلى حدٍّ كبير، السكرتيرةُ الخاصة بأبي، وعلى علمٍ كبير بكل الأعمال التي يُديرها. هذا الأمر يهمه، ومن ثَم يهمني. هذا هو السبب وراء وجودي هنا.»
«هل أنتِ متأكدة؟»
«هل أنا متأكدة من ماذا؟»
«هل أنتِ متأكدة من أن ما تقولينه صحيح؟»
«أنا ليس من عادتي أن أقول غيرَ الحقيقة.»
«ربما تُثنين على نفسك وترَين أن هذا هو الحال، لكن هذا لن يخدعَني. لقد جئتِ إلى هنا فقط لأن السيد كينيون متحير بشدة بشأنِ ما سأفعل. أليس هذا هو السبب؟»
رأت الآنسة لونجوورث أن مهمَّتها ستكون حتى أكثرَ صعوبة مما كانت تتوقع.
«ما رأيُكِ إن توقَّفْنا عن الحديث عن مسألة الدافع؟ لقد جئتُ إلى هنا … لقد طلبتُ منك الإذنَ بالحديث عن هذا الموضوع، وقد أعطيتِني الإذن. ومن ثَم، يبدو لي أنكِ يجب أن تستمعي لما أودُّ قولَه. لقد قلتِ إنني يجب ألا أنزعج …»
«أنا لم أقل هذا. لا أهتم على الإطلاق إن كنت ستشعرين بالانزعاج أم لا.»
«لقد قلتِ على الأقل إنني قد أسمعُ شيئًا سيكون غيرَ مريح. ما أريد قولَه هو الآتي: لقد أخذتُ على عاتقي القيامَ بهذا، وكما أشرتِ، ما إذا كنتُ سأشعر بالانزعاج أوْ لا أمرٌ لا يهم. والآن، نأتي للنقطة الأساسية …»
«قبل أن نأتيَ للنقطة الأساسية، دَعيني أعرِفْ ما إذا كان السيد كينيون قد أخبرَكِ أنه قد تحدث معي بالفعل في هذا الموضوع.»
«نعم، لقد أخبرني بهذا.»
«وهل أخبرَك أن صديقه ونتوورث أجرى معي حوارًا بنفس الشأن؟»
«نعم، لقد أخبرني بذلك أيضًا.»
«رائع جدًّا، إذن، إذا كان هذان الرجلان لم يستطيعا فعلَ شيءٍ يجعلني أتراجعُ عما أريد فعله، فكيف تتوقعين أن تفعلي أنتِ ذلك؟»
«هذا ما أنا على وشك أن أقولَه لكِ. هذا عالم مادي، وأنا ابنةُ رجلِ أعمال. أنا أُدرك حقيقة أنكِ ستُرسلين هذه المعلومات من أجل المال الذي سيجلبه ذلك لكِ. أليس هذا هو الحال؟»
«إنه كذلك جزئيًّا.»
«لأيِّ اعتبار آخرَ تعملين، إذن؟»
«من أجل أن أُصبح معروفةً باعتباري أفضلَ صحفية في مدينة نيويورك. هذا هو الاعتبار الآخر.»
«فهمتُ أنك معروفةٌ بالفعل باعتبارك أبرزَ صحفية في نيويورك.»
كانت هذه الملاحظةُ أكثرَ دبلوماسية بكثيرٍ مما توقعَت الآنسة لونجوورث نفسها.
بدَت جيني بروستر مسرورةً بشدة، ثم قالت:
«أوه، أنا لا أعرف هذا؛ لكن أسعى لأن أكونَ كذلك في خلال عام.»
«رائعٌ جدًّا، أمامكِ الكثيرُ من الوقت لتحقيقِ هدفك دون استخدامِ المعلومات التي حصَلتِ عليها على متن هذه السفينة. والآن، وكما كنتُ أقول، تدفع لك صحيفة «نيويورك آرجوس» مبلغًا معينًا من أجل القيام بهذا العمل. إذا وعَدتِني بعدم إرسال المعلومات إلى تلك الصحيفة، فسأُعطيكِ شيكًا بضِعف المبلغ الذي ستدفعه لك الصحيفة، هذا إلى جانب إعادة ضِعْف قيمة كلِّ النفقات التي تكلَّفتِها إليكِ.»
«بعبارةٍ أخرى، أنت تطلبين مني أن أحصل على رِشوةٍ وأرفضَ القيام بواجبي تجاه الصحيفة.»
«هذه ليست محاولةً للرِّشوة. أنا فقط أدفع لك، أو سأدفع لك، ضِعفَ ما ستحصلين عليه من هذه الصحيفة. أنا أفترض أن علاقتك بها ماديةٌ بحتة. إنك تعملين من أجلها لأنك تحصلين على مبلغٍ معين من المال؛ إذا وجد مديرُ التحرير أحدًا سيفعل المهمة نفسَها بمقابلٍ أرخص، فسيُعيَّن على الفور بها، وسيستغني عن خِدْماتك. أليس هذا صحيحًا؟»
«بلى، هذا صحيح.»
«رائعٌ جدًّا، إذن، مسألةُ الواجب لا محلَّ لها في هذا الإطار. لقد أرسلوكِ في مهمةٍ ستكون لمعظم الناس صعبةً جدًّا. وقد نجحتِ فيها. أنت، بالتالي، لديك في حوزتك شيءٌ يمكن بيعُه. ستدفع الصحيفةُ الأمريكية مبلغًا نقديًّا معينًا من أجل ذلك. وأنا سأعرض، لنفس هذا الشيء، ضعفَ المبلغ الذي ستدفعه لك صحيفة «نيويورك آرجوس». أليس هذا عرضًا رائعًا؟»
قامت جيني بروستر من مكانها. وأخذت تُشبك يدَيها ثم تفكُّ تشبيكها بعصبيَّة. ولمُدَّة قصيرة من الوقت، ساد الصمت، وتصوَّرَت إديث لونجوورث أنها قد حقَّقَت هدفها. نظرت السيدة الواقفة إلى الأخرى الجالسة.
سألت الآنسة بروستر: «هل تعرفين كلَّ التفاصيل الخاصة بمحاولة الحصول على هذه المعلومات؟»
«أنا أعرفُ بعضها. ما التفاصيل التي تقصدينها؟»
«هل تعرفين أن رجلًا من صحيفة «آرجوس» حاول الحصولَ على هذه المعلومات من السيد كينيون والسيد ونتوورث في كندا؟»
«نعم؛ أعلم هذا.»
«هل تعلمين أنه سرقَ التقريرين، وأنهما أُخِذا منه قبل أن يستغلَّهما؟»
«نعم.»
«هل تعلمين أنه عرضَ على السيد كينيون والسيد ونتوورث ضعف المبلغ الذي كانت شركةُ لندن سينديكيت ستدفعه لهما، بشرط أن يُطلِعاه على خلاصة التقريرين؟»
«نعم، أعلمُ هذا أيضًا.»
«هل تعلمينَ أنهما، بفعلهما ما طلَبه منهما، ما كانا سيُؤخِّران ولو ليومٍ واحد تقديمَ التقرير الحقيقي للناس الذين استعانوا بخدماتهما؟ أنت تعرفين كلَّ هذا، أليس كذلك؟»
«بلى؛ أنا أعلم كلَّ هذا.»
«رائعٌ جدًّا، إذن. أنت الآن تطلبين مني أن أفعلَ أكثرَ مما طلبه ريفرز منهما؛ لأنك تُريدين مني أن أُخفِيَ تمامًا تقريري عن المعلومات التي حصلتُ عليها. أليس الأمر كذلك؟»
«نعم، يُمكنُكِ إخفاءُ هذه المعلومات حتى يُقدَّم التقرير للمديرين؛ وحينها، بالطبع، يُمكنك فعلُ ما تريدين بها.»
«آه، لكن بحلول ذلك الوقت، ستكون بلا أيِّ فائدة. وبحلول ذلك الوقت، سيَجري نشرُها في صحف لندن المالية. وفي ذلك الوقت، سيكون بإمكان أيِّ أحدٍ الحصولُ عليها. أليس هذا هو الوضع؟»
«أظن هذا.»
«والآن، أريد أن أسألَكِ سؤالًا آخر، يا آنسة … آنسة … أنا لا أعتقد أنكِ قد أخبرتِني باسمك.»
«اسمي إديث لونجوورث.»
«حسنًا جدًّا، آنسة لونجوورث. أريد أن أسألَكِ سؤالًا آخر. ما رأيك فيما فعله السيد كينيون والسيد ونتوورث عندما رفضا الحصولَ على ضِعف مقابل ما كانوا سيتقاضَوْنه من أجل إتمام التقرير؟»
كرَّرَت الفتاةُ قولها: «ما رأيي فيهما؟»
«نعم؛ ما رأيُكِ فيهما؟ أنتِ تردَّدتِ في الرد. أنت لا تعرفين ماذا تقولين. أنتِ تعتقدين أن السيد ونتوورث والسيد كينيون تصرَّفا على نحوٍ نبيل برفضهما عرضَ ريفرز، أليس كذلك؟»
«بالطبع، بلى.»
«وأنا كذلك. أعتقد أنهما تصرَّفا على نحوٍ صحيح، وفعَلا مثلما يفعلُ الرجال الشرفاء. والآن، بما أنكِ، آنسة لونجوورث، تعتقدين هكذا، فكيف تجرُئين على المجيء إليَّ وعرضِ ضعف أو ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف المبلغِ الذي تدفعه لي صحيفتي للحصول على هذه المعلومات؟ هل تعتقدين أنني أقلُّ نزاهةً من كينيون أو ونتوورث؟ إنَّ عَرْضكِ إهانةٌ لي؛ لا أحد سوى امرأة، وامرأة مِن طبقتك، كان سيُمكنه تقديمُه. ما كان كينيون سيستطيع تقديمه. ولا حتى ونتوورث كان سيُمكنه ذلك. أنتِ أتيتِ إلى هنا لرِشْوتي. أنتِ جئتِ إلى هنا لتفعلي نفسَ الشيء الذي حاول جيه كيه ريفرز فِعلَه لصالح صحيفة «آرجوس» في كندا. أنتِ تعتقدين أن المال سيشتري أيَّ شيء؛ هذا ما يعتقده أفراد طبقتكِ. والآن، أريد أن تعرفي أنني امرأةٌ من عامة الشعب. لقد وُلِدتُ ونشأتُ في فقرٍ في نيويورك. أما أنتِ، فقد وُلِدتِ ونشأتِ في ترَفٍ في لندن. لقد عانيتُ الحرمان والمصاعب التي لا تعرفين شيئًا عنها، وحتى لو قرَأتِ عنها، فلن تَعيها. أنتِ، بوقاحةِ طبقتكِ، تعتقدين أنَّ بإمكانك أن تأتي إليَّ وترشيني لأخونَ ربَّ عملي. أنا هنا من أجل أن أفعلَ شيئًا معينًا، وسأفعل هذا الشيءَ بغضِّ النظر عن كل الأموال التي يمتلكها كلُّ آل لونجوورث، أو سيمتلكونها يومًا. هل أوضحتُ موقفي بالقدر الكافي؟»
«نعم، يا آنسة بروستر. أنا لا أعتقد أن أحدًا يُمكنه إساءةُ فَهمِ ما قلتِ.»
«حسنًا، يسرُّني ذلك لأن المرء لا يُمكنه أبدًا تحديدُ مدى حمق بعض الأشخاص.»
«هل تعتقدين أن هناك أيَّ تشابهٍ بين حالتكِ وحالة السيد ونتوورث؟»
«بالطبع، هناك تشابه. كلانا أُرسِل للقيام بمهمَّةِ عملٍ محددة. وكلانا قام بواجبه. وكِلانا عُرِضت عليه رِشوةٌ ليغشَّ ربَّ عمله فيما يتعلق بنتائجِ مهمته؛ فقط في حالتي الأمر أسوأُ كثيرًا مما هو عليه في حالة ونتوورث؛ لأن أرباب عمله ما كانوا سيُعانون، أما أرباب عملي، فسيُعانون.»
«هذا كلُّه معقول جدًّا، آنسة بروستر، لكن دعيني الآن أخبِرْكِ أن ما فعَلتِ كان شيئًا مخزيًا للغاية، وأنكِ وصمةُ عار على نساء عالمنا. لقد استطعتِ، أثناءَ مدَّة تعارفٍ قصيرة جدًّا، أن تَكْسِبي ثقةَ رجل؛ هناك نوعٌ من النساء يعرف كيف يفعل ذلك، أشكر الربَّ أنني لستُ من هذا النوع؛ فأنا أُفضِّل الانتماء إلى الفئة التي كنتِ تذمِّينها للتو. بعضُ الرجال لديهم احترامٌ أصيل لكل النساء؛ يبدو أن السيد ونتوورث واحدٌ من هؤلاء، وبينما هو يأخذ حذرَه مع أيِّ رجل، فإنه لا يكون كذلك مع أيِّ امرأة. وقد استغلَلتِ ذلك، واستطعتِ الحصولَ منه على معلوماتٍ معينة تعرفين أنه ما كان سيقولها لكِ لو كان يعلم أنه سيجري نشرها. لقد سرَقتِ تلك المعلوماتِ بالطريقة الشائنة نفسِها التي سرَق بها هذا الرجلُ المستنداتِ من جيب السيد كينيون. أنتِ تتحدَّثين عن شرَفِك وعن أمانتكِ رغمَ قيامك بهذا الشيء البغيض! أنتِ تتشدَّقين بالحديث عن غير قابليتكِ للرِّشوة رغم أنها الطريقةُ الوحيدة الممكنة لجعلكِ تفعلينَ ما هو صحيحٌ وعادل ونزيه! إنَّ سلوكك يجعلني أشعر بالخزيِ من كوني امرأة. أستطيع أن أفهمَ أن امرأةً سيئة تمامًا يُمكنها فعلُ هذا، أما امرأةٌ مثلك، فلا؛ لقد استغللتِ كونَكِ امرأةً وكونك جميلةً وأن لديكِ أسلوبًا جذابًا في التعامل. لقد استخدمتِ هذه المَيْزات كما يستخدمُ اللصُّ أو المزوِّرُ القدراتِ الخاصةَ التي وهبها الله له. كيف تجرئين على التظاهر ولو للحظةٍ بأنَّ حالتكِ مماثلةٌ لحالة السيد ونتوورث؟ إن السيد ونتوورث رجلٌ محترم، قام بمهمةٍ محترمة؛ أما أنتِ ومهمتكِ، فليس لديَّ كلماتٌ يمكنها التعبيرُ عن احتقاري لكلٍّ منهما. إن النشل أمرٌ أكثر احترامًا عند مقارنته بما فعلتِه.»
قامت إديث لونجوورث من مكانها، ووجهُها محمرٌّ ويداها مشبكتان. لقد تحدثَت بحِدَّة ندمَت عليها بشدةٍ عندما فكَّرَت في الأمر بعد ذلك؛ لكن شعورها بالمرارة وخيبةِ الأمل لفشلها في مهمتها، التي كانت قبل لحظات تثقُ من النجاح فيها، تغلَّبَ عليها. وقفت خَصمتُها أمامها، غاضبةً وشاحبة. في البداية، ظنَّت إديث لونجوورث أن الصحفية ستضربها، لكن حتى إذا كانت هذه الفكرةُ قد أتت على بالها، فلم تُنفِّذها. ولبضعِ لحظات، لم تتحدث أيٌّ منهما، ثم قالت جيني بروستر، بنبرةٍ هادئة على نحوٍ غيرِ طبيعي:
«أنتِ حرة في رأيكِ فيَّ، يا آنسة لونجوورث، وأعتقد أنني حرةٌ في رأيي في كينيون وونتوورث. إنهما أحمقان، وأنتِ حمقاءُ في اعتقادكِ أن بإمكانك التحكُّمَ في أفعالِ امرأة عندما فَشِل في ذلك رجلان. هل تعتقدين للحظةٍ بأنني سأمنحُك أنتِ، المرأة التي تنتمي إلى طبقةٍ أكرهها، ما لم أمنحه لرجلٍ مثل ونتوورث؟ إنهم يقولون إنه لا حماقةَ تعدل حماقةَ الرجل العجوز، لكن يجب أن يقولوا إنه لا حماقةَ تعدل حماقةَ السيدة الشابة التي تعتقد أنَّ بإمكانها أن تُسيِّر كلَّ شيء كما تريد في هذا العالم. أنتِ …»
«لن أبقى كي أستمعَ لشتيمتي. أرجو ألا يجمعَني بكِ أيُّ شيء أكثر من ذلك.»
قالت الفتاة الأخرى، واضعةً ظهرها أمام الباب: «أوه، كلا! ستبقين.» ثم أضافت: «لقد أتيتِ إلى هنا برغبتِك، وستُغادرين برغبتي أنا. سأخبرك بحقائقَ في خمسِ دقائق أكثرَ مما سمعتِ من قبلُ في حياتك. سأخبرك، في المقام الأول، بأنَّ عملي محترمٌ تمامًا مثل عمل كينيون أو ونتوورث. ما الذي يفعله كينيون سوى محاولةِ الحصول على معلوماتٍ عن المناجم التي يسعى بشدةٍ أُناسٌ آخرون لإخفائها عنه؟ وما الذي يفعله ونتوورث سوى البحثِ وسط الحسابات مثل المحققين محاولًا التوصُّلَ لما يُحاول أناسٌ آخَرون إخفاءه؟ وما أمر المناجم بأكمله سوى عمليةِ تلاعبٍ كبيرة، عدوُّها الأكبرُ هو الصِّحافة؟ لا عجب أنَّ كل مَن له علاقة بمجال التعدين يخافُ النشر. إذا كان أبوك قد كوَّن ثروته من المناجم، فقد قام بذلك ببساطةٍ بالتلاعب بالضحايا سيِّئي الحظ. أنا أقوم بعملي بطريقتي، وصديقاكِ يقومان بعملهما بطريقتهما. ومن بين العمَلين، أرى أن مهنتي هي الأكثرُ نزاهة. والآن، وبعد أن استمعتِ إلى ما كان عليَّ قولُه، فيُمكنك المغادرة، ودعيني أقُلْ لكِ إنني لا أتمنى رؤيتَكِ أو الحديثَ إليكِ مرةً أخرى.»
«أشكركِ على السَّماح لي بالمغادرة. وأتمنى أيضًا من كلِّ قلبي ألا أُقابلَكِ ثانيةً. لكن يجب أن أقول إنني آسفةٌ على الحديث إليكِ بالطريقة التي تحدَّثتُ بها. من المستحيل، بالطبع، لكِ أن تنظري للأمر من وجهةِ نظري، كما أنه من المستحيل لي أن أنظرَ له من وجهةِ نظرك. ومع ذلك، أرجو أن تنسَيْ ما قلتُه، وأن تُفكري في الأمر مرةً أخرى، وإذا رأيتِ أنَّ من صالحك قَبولَ عرضي، فسيكون متاحًا لكِ دائمًا. إذا تغاضَيتِ عن إرسال تلك البرقية، فأنا على استعدادٍ لأن أدفعَ لكِ ثلاثةَ أضعاف ما كانت صحيفة «نيويورك آرجوس» ستدفعه لكِ مقابلَ هذا الأمر. أنا لا أعرض عليك هذا العرضَ باعتباره رِشوة؛ أنا أعرضه عليكِ فقط حتى لا تُعاني من فعلِ ما أرى أنه تصرفٌ عادل. يبدو لي أنه من المؤسف أن يتعرض الشابان لهِزَّة عنيفة تعوقُ مسيرتهما في العمل لأن أحدهما كان غبيًّا بما يكفي بحيث يُفضي بسرٍّ إلى امرأة كان يثق بها.»
كانت إديث لونجوورث صغيرةَ السن، ومن ثَم لم تكن لديها البراعةُ الكافية للتعامل بدبلوماسية شديدة، لكن كان يُمكنها أن تعرف أن الجملة الأخيرة التي قالتها قد أفسَدَت تأثيرَ كلِّ ما قالته قبلها.
«في الحقيقة، آنسة لونجوورث، كنتُ أُكنُّ لكِ بعضَ الاحترام عندما انفجرتِ فيَّ بالطريقة التي قمتِ بها؛ ولكن، الآن، عندما كرَّرتِ بهدوءٍ عرضَكِ الخاصَّ بالرِّشوة، مضيفةً ضِعفًا ثالثًا إليه، تبدَّد كلُّ احترامي لكِ. يمكنك الذَّهابُ وإخبارُ مَن أرسلك أنْ لا شيء في هذا العالم يُمكنه منعي من إرسال تلك البرقية.»
لكن الآنسة بروستر، بقولِها هذا، تكون قد تجاوزَت بعض الشيء بشأن علمها. لا يمكن سوى للقليل منا توقُّعُ ما يحدث وما لا يحدث في هذا العالم.
تَدخُّل امرأة |
آلهة الأرض
وعندما حلَّت ليلة العصر الثاني عشر، وابتلَع الصمتُ، الذي هو مدُّ بحرِ الليل، جميع التلال،
ظهر الآلهة الثلاثة، المولودون في الأرض وأسيادُ الحياة، على الجبال، فتراكضت الأنهار إلى أقدامهم،
وغمرت أمواج الضباب صدورهم،
وارتفعت رءوسُهم بجلال فوق العالم،
ثمَّ تكلموا، فتموَّجت أصواتهم كالرعد الرعيد، فوق السهول.
الإله الأول : إن الريح تهبُّ شرقًا،
فأريد أن أحوِّل وجهي نحو الجنوب،
لأن الريح تملأ مشامي برائحة الأشياء الميتة.
الإله الثاني : هذه رائحة الأجسام المُحترقة، وهي لذيذة وسخيَّة،
وأنا أودُّ أن أتنشقَّها.
الإله الأول : هي رائحة الميتوتة المُحترقة على لهيبِها الضئيل،
وهي تملأ دقائق الهواء بوفرة،
فتُزعج حواسِّي كما يُزعجها الهواء الفاسد في الهاوية،
ولذلك أريد أن أحوِّل وجهي إلى الشمال الذي لا رائحة فيه.
الإله الثاني : إنها العبير المُلتهب للحياة المُثمرة،
وهي ما أودُّ أن أتنشقَّه الآن وفي كل أوان.
إنما تعيشُ الآلهة على التضحية،
وتبرِّد غُلَّة عطشها بالدم،
وتسكِّن قلوبَها بالنفوس الفتية،
وتشدِّد عزائمها بالتأوُّهات الدائمة التي تُصعِّدها أرواح القاطنين في قلب الموت،
وعروشها مبنية على رماد الأجيال.
الإله الأول : قد سئمتْ روحي كلَّ ما هو كائن،
فأنا لن أمدَّ يدًا لأَخلُق عالَمًا،
ولا لأمحُوَ عالمًا من الوجود.
إنني ما كنتُ لأعيش لو أنني قادر أن أموت،
لأنَّ ثقل الأعصر كلِّها على كتفي،
وهدير البحر الذي لا يَنقطِع يَستنفد كنوز نومي.
فيا ليت لي أن أخسر المطلب الأول،
فأزول كالشمس الزائلة.
أودُّ لو أستطيع أن أجرِّدَ ألوهيَّتي من غايتها،
لأنفخَ أنفاس ميتوتتي في الفضاء،
فلا أكون فيما بعد.
يا ليت لي أن أَحترق وأمضيَ من ذاكرة الزمان إلى فراغ الأزمان!
الإله الثالث : أصغيا يا أخويَّ، أصغيا أيها الشقيقان القديمان.
فإن شابًّا في ذلك الوادي،
يُنشِد مكنونات قلبه في أذن الليل.
إنَّ قيثارته من الذهب والأبنوس،
وصوتَه من الفضة والذهب.
الإله الثاني : إنني لستُ مغرورًا بهذا المقدار لأتمنَّى أن لا أكون؛
فأنا لا أَقدر أن أختار إلا أصعب الطرق،
لأتتبَّع الفصول، وأُخضِّد شوكة السنين؛ لأزرع البذور وأراقبها إلى قلب الأرض،
لأدعو الزهرة من مخبئها وأُسلِّحها بقوة لتَحضن حياتها، ثمَّ أعود فأقلعها عندما تضحَك العاصفة في الغابة؛ لأُنهض الإنسان من الظلمة السرمدية،
ولكنَّني أحفظ لجذوره حنينها إلى الأرض،
لأغرس فيه العطش للحياة، وأجعل الموت حامل أقداحه،
لأعطيه المحبَّة النامية بالألم، المتسامية بالشوق، المتزايدة بالحنين، والمضمحلَّة بالعِناق الأول،
لأُمنطِقَ لياليَه بأحلام الأيام العلوية،
وأسكب في أيامه رؤى الليالي المقدَّسة.
ثمَّ أحكم على أيامه ولياليه بالمُماثلة التي لا تتغير،
لأجعل خياله كالنسر على الجبل،
وأفكاره كعَواصف البحار،
ثمَّ أعطيه يدًا بطيئةً في الحكم،
وقدمًا ثقيلةً في التأمُّل،
لأمنحه مسرة ليترنَّم أمامنا، وكآبةً ليلتَجئ إلينا،
ثمَّ أجعله وضيعًا عندما تصرخ الأرض في مجاعتها طالبة طعامًا،
لأرفع نفسه عالية فوق الجلد،
ليصير قادرًا على مذاقة غدنا،
وأحفظ جسده يتمرَّغ بالحمأة،
لكي لا يتناسى ذكر أَمسِه.
هكذا يليق بنا أن نَحكم الإنسان إلى منتهى الزمان،
مقيِّدين النسمة التي تبدأ بصراخ أمه،
وتنتهي بنواح أولاده.
الإله الأول : إن قلبي يحترق عطشًا، بيد أنني لا أريد أن أشرب دمًا ضعيفًا لجنسٍ ضعيف؛
لأن الكأس ملطَّخة، والعصير الذي فيها مرُّ المذاق في فمي.
وأنا مثلك قد عجنتُ الطين وصنعت منه أشكالًا متنفِّسة لم تلبث أن سقطت من بين أصابعي إلى الآجام والتلال.
وأنا مثلك قد أنرتُ الأعماق المُظلمة لبداءة الحياة.
وراقبتها تزحف من الكهوف إلى الأعالي الصخرية.
أنا مثلك قد أحضرتُ الربيع ووضعت جماله؛
ليكون غواية تقبض على الشباب وتُرغمه على الإنتاج والتكاثر.
أنا مثلك قد سرتُ بالإنسان من مزار إلى مَزار.
وحوَّلتُ مخاوفَه الصمَّاء من غير المنظورات إلى إيمان مضطرب بنا من غير أن يرانا أو يَعرفنا.
أنا مثلك قد جعلتُ العاصفة الهوجاء على رأسه ليَنحني أمامنا،
وزعزعتُ الأرض تحت قدميه حتى يصرخ إلينا،
ومثلك أثرت الأوقيانوس البربري فطغى على عش جزيرته،
حتى مات في توسله إلينا.
كل هذا فعلته، وأكثر منه،
وكل ما فعلته فارغ باطل.
باطلة هي اليقظة، وفارغ هو النوم.
وثلاث مرات باطل وفارغ هو الحلم.
الإله الثالث : يا أخوي، إن في غابة الريحان تلك فتاة تَرقص للقمر،
وفي شَعرها ألف نجمة مِن النَّدى،
وحول قدمَيها ألف جناح.
الإله الثاني : إننا قد غرسنا الإنسان، كَرمَتنا،
وفلحْنا الأرض في الضَّباب الأرجواني للفجر الأول،
وراقبْنا الأغصان النَّحيلة نامية،
وغذَّينا الأوراق الفتية على مرِّ الأيام والسنين التي لم تَعرف الفصول.
وحصَّنَّا البراعم ضدَّ العناصر الغَضوب،
وحرسْنا الزهرة من اعتداء الأرواح المظلمة.
والآن، وقد أخرجت كرمَتُنا عنبها،
فأنتم لا تحملونه إلى المعصرة لتملئوا الأقداح.
فأية أيدٍ أقدر من أيديكم ستجمع الثمر؟
وأي مطلب أنبل من عطشكم يَنتظر الخمرة؟
فالإنسان طعام للآلهة،
ومجد الإنسان يَبتدئ عندما تمتصُّ شفاه الآلهة المقدَّسة نسمته الهائمة على غير هدى.
كل ما هو بشريٌّ لا قيمةَ له إذا ظلَّ بشريًّا.
إنَّ طهارة الأطفال، ووجْد الشباب اللذيذ،
وهوى الرجولة العزوم، وحكمة الشيخوخة الناضجة،
إن مجد الملوك، ونصر المحاربين،
وشهوة الشُّعراء، وشرف الحاكمين والقدِّيسين،
كل هذه، وكل ما تَحمله في ثناياها، وهو خبز الآلهة.
وهي لن تكون إلا خبزًا بغير بركة إذا لم ترفعْها الآلهة إلى أفواهها.
وكما أن حبة الحنطة الصمَّاء تتحوَّل إلى أنشودة محبة عندما يَبتلعها البلبل، هكذا الإنسان إذا كان خبزًا للآلهة يتذوَّق الألوهية.
الإله الأول : نعم؛ إن الإنسان هو خبز الآلهة!
وكل ما هو مِن الإنسان سيأتي إلى مائدة الآلهة الخالدة!
آلام الحمل، وعذاب الولادة،
صراخ الأطفال الذي يشقُّ كبد الليل،
وغم المرأة وهي تصارع النوم التي تتوق إليه لتسكب الحياة الذاوية من ثدْيَيها.
الأنفاس المُلتهبة الخارجة من صدور الشباب المتقطِّعة، والعبرات المُثقلة بأحمال الأهواء التي لم تفتح خزائنها بعد.
جباه الرجولة القاطرة عرقًا وهي تَحرُث الأرض الجدباء، وتحسُّرات الشيخوخة الذابلة عندما تدعو الحياة — ضدَّ إرادة الحياة — إلى القبر.
تأملوا، هذا هو الإنسان!
مخلوق يَلدُه الجوع فيصير طعامًا للآلهة الجائعة،
وكرمة تدبُّ في تراب الأرض تحت أقدام الموت الذي لا يموتُ.
زهرة تُزهر في ليالي الأشباح الشريرة،
وعنب لا ينضج إلا في أيام الدموع والرعب والعار.
وأنتم على رغم هذا كلِّه تَطلُبون إليَّ أن آكُل وأشرب،
وترغبون إليَّ أن أجلس بين الوجوه المكفَّنة.
وأستقي حياتي مِن الشِّفاه الصخرية،
وأقتبل خلودي مِن الأيدي اليابسة!
الإله الثالث : يا أخويَّ، أيها الأخوان الراعبان،
إن الشاب يغني في أعماق الوادي،
ولكنَّ أنشودته تتصاعَد إلى أعالي الجبال،
وهو يهزُّ الغابة بصوته، ويشقُّ كبد السماء، ويبدِّد أحلام الأرض.
الإله الثاني (يصمُّ أذنيه دائمًا) : إنَّ النحلة تطنُّ بغلاظة في أذنيك،
والعسل مرُّ المذاق في فمك،
إنني أودُّ أن أعزِّيَك،
ولكن أنَّى السبيل إلى ذلك؟
فليس يُصغي غير الهاوية عندما تُخاطب الآلهةُ الآلهةَ؛
لأن الهوَّة الفاصلة بين الآلهة لا تُحدُّ ولا تقاس،
والفضاء صامت لا ريحَ فيه،
ومع كلِّ هذا أريد أن أعزِّيَك،
أريد أن أجعل دائرتك المتلبِّدة بالغيوم نقية صافية.
ومع أننا مُتساويان بالقوة والفهم،
فإنني أريد أن أُخلص لك النصح.
عندما خرجَتِ الأرض من الفضاء، ورأينا نحن، أبناء البدء، أحدنا الآخر في النور الذي لا عيب فيه، حينئذٍ أصعدنا الصوت الخفيَّ، المُرتعش، الأول، الذي أنعش مجاري الهواء والماء.
ثمَّ مشينا، جنبًا إلى جنب، على سطح العالم الفتي الشيخ، ومن صدى خطواتنا البطيئة وُلِدَ الزمان إلهًا رابعًا، فاقتفى آثار خطواتنا، وأظلم بخياله أفكارنا ورغباتنا، ولم يرَ إلا بنور عيوننا.
ثمَّ جاءت الحياة إلى الأرض، وجاءت الرُّوح إلى الحياة، وكان الرُّوح نغمًا مُجنَّحًا في الوجود، فحكمنا على الحياة والرُّوح، ولم يقدر أحد غيرنا على معرفة مقاييس السنين، وموازين الأحلام السديمية في الأعوام، حتى جاء العصر السابع فزففْنا في مدِّ ظهيرته البحر عروسًا للشمس.
ومن مضجَع هذا الزواج المقدَّس أخرجنا الإنسان، الذي على رغم ضعفه وسقمه، ما برح يَحمل شارةَ والديه.
وبواسطة الإنسان، الذي يمشي على الأرض وعيناه في النجوم، قد وجدنا طُرُقًا نافذةً إلى أبعد الأصقاع النائية في الأرض، ومن الإنسان، وهو القصبة الوضيعة النامية على المياه المُظلمة، قد صنعنا مزمارًا نسكب من قلبه الفارغ صوتنا إلى العالم الصامت في جميع أرجائه، ومن الشمال الذي لا شمس فيه، إلى رمال الجنوب المُحترقة بالشمس، ومن أرض عرائس النيل حيث تُولد الأيام، إلى جزائر الأخطار حيث تذبح الأيام،
ترى الإنسان الضعيف القلب يتشجَّع بغايتنا،
فيغامر بالقيثارة والسيف.
فهو يُذيع إرادتنا، ويُعلن سيادتنا،
والمَجاري التي يطؤها بأقدام محبَّته هي أنهار سائرة إلى بحر رغباتنا.
زفاف البحر إلى الشمس.
فنحن، جالسين إلى أعالينا، نحلم أحلامنا في نوم الإنسان.
إننا نحثُّ أيامه لتُفارق وادي الشفق البعيد، وتنشد كمالها على التلال،
وأيدينا تُسيِّر العواصف التي تجرف العالم،
وتحمل الإنسان من السلامة العقيمة إلى الجهاد المُثمر،
ومِن ثمَّت إلى الانتصار،
وفي أعيننا بصيرة نيِّرة تحوِّل نفس الإنسان إلى لهيب،
وتقودُه إلى وحدة رفيعة ونبوَّة ثائرة،
ومن ثمَّت إلى الصلب،
فقد وُلِدَ الإنسان للعبودية،
وبالعبودية شرفه ومكافأته،
بالإنسان نطلُب علامةً لما بنا،
وبحياته نَنشُد كمال ذواتنا.
فإذا أخرَسَ تُراب الأرض قلب الإنسان، فأي قلبٍ يستطيع أن يرى صدى صوتنا؟
وإذا عميَت عيون الإنسان بظلمة الليل، فمَن يستطيع أن يرى لمعان مَجدِنا؟
فماذا يجب أن نفعل بالإنسان وهو ابن قلبنا الأول، وهو صورتنا ومثالنا؟
الإله الثالث : يا أخويَّ، أيها الأخوان القديران،
إن قدمَي الراقصة الحسناء قد سكرتا بخمرة الإنشاد،
فأثارتا دقائق الهواء المُرتعشة،
وهي كالحمامة تحلِّق مرتفعةً بجناحَيها.
الإله الأول : القُبَّرة تُنادي القبَّرة،
ولكنَّ النسر يحوم فوقها،
وهي لا تتوقَّف لتُصغي إلى الإنشاد.
أنت تريد أن تعلن محبة الذات مُتكمِّلة بعبادة الإنسان، وراضية بعبودية الإنسان.
ولكن محبة ذاتي لا حدَّ لها ولا قياس.
فأنا أريد أن أسموَ على ما يموت منِّي في الأرض،
وأتَّخذ لي عرشًا في السماوات،
فأمنطق الفضاء بذراعي، وأُحيط بالأفلاك،
وأريد أن أتَّخذ من المجرَّة قوسًا،
ومن المُذنبات سهامًا.
وباللانهاية أريد أن أحكم اللانهاية.
أما أنت فلا تريد أن تفعل هذا ولو كان في منالك.
فنسبة الإنسان إلى الإنسان،
هي كنسبة الآلهة إلى الآلهة.
وأنت تريد أن تحمل إلى قلبي التعب،
ذكرى الأدوار المنقضية في الضباب،
في حين أن نفسي نشدت ذاتها بين الجبال،
وعينيَّ تعقَّبتا صورتهما في المياه الهاجعة،
ولكن عروس أمسي قضتْ نحبها في أثناء ولادتها،
فالصمت فقط يزور رحمها،
والرمال التي تَقذفها الرياح تُرضع ثديها.
فيا أمسي أيها الأمس المائت، يا والد ألوهيتي المقيدة.
أي إله عظيم قبض عليك في طيرانك،
وأرغمك على الولادة في قفص؟
وأية شمس جبَّارة بعثت حرارتها في بطنك لتَلِدي؟
إنني لا أباركك، ولكنَّني لا ألعنك.
فكما أنك أثقلت كاهلي بأحمال الحياة،
هكذا أثقلتُ أنا كاهل الإنسان.
بيد أنني كنتُ أقل قساوةً منك.
فأنا، الخالد، قد جعلت الإنسان ظلًّا زائلًا.
أما أنت، المائت، فقد خلقتَني خالدًا.
فيا أمسي، أيها الأمس المائت،
هل تعود مع الغد البعيد،
فأقودك إلى المحاكمة؟
وهل تَستيقظ مع الفجر الثاني للحياة،
فأمحو ذاكرتك العالقة بالأرض من الأرض؟
أودُّ لو أنَّك تقوم مع جميع الأموات القدماء،
حتى تَختنق الأرض بأثمارها المريرة،
وتُنتن جميع البحار بدماء المذبوحين فيها،
ويَستنزف الويل فوق الويل كل ما في الأرض من الخصب الذاهب عبثًا.
الإله الثالث : يا أخويَّ، أيها الأخوان القدِّيسان،
قد سمعتْ فتاتُنا الأنشودة الساحرة،
وهي تفتِّش الآن عن المرنِّم.
وهي كالخشف، في دهشة مسرَّتها،
ترقص فوق الصخور والجداول،
فتديرها في جميع الجهات.
ما أجمل الغبطة التي تُرافق المطالب المائتة،
والعين التي تفتحها الغاية النصف المولودة!
ما أحلى الابتسامة المرتجفة لما ستتمتَّع به من الغبطة الموعود بها!
أية زهرة تساقطت من السماء،
أي لهيب ارتفع عن الجحيم،
فحمل قلب الصمت إلى هذا الفرح والخوف المقطع الأنفاس؟
أي حلم حلمناه على الأعالي،
أي فكر بعثْناه في الريح،
فأيقظ غفلة الوادي،
وفتح عيني الليل؟
الإله الثاني : إنك قد أُعطيت النَّول المقدَّس.
وأُعطيت الفنَّ لحياكة الثياب.
فالنَّول والفنُّ سيكونان لك إلى الأبد،
وسيكون لك معهما الخيط الأسود والنور،
ولك أيضًا الأرجوان والذهب.
وأنت مع كلِّ هذا تحوك من نفسك ثوبًا.
قد نسجت يداك نفس الإنسان من الهواء الحيِّ والنار،
وأنت تريد الآن أن تقطع الخيط،
وتُطلق أصابعك الشعرية في الأبدية الخاملة.
الإله الأول : نعم، نعم؛ إنني سأُطلق يدي الأبدية التي لم تُسبك في قوالبها بعد،
وفي الحقول التي لم تَطأْها قدمٌ سأطلق قدمي،
فأية مسرة لي في سماع الأناشيد التي طالما سَمعها غيري، التي تلتقط ذاكرة الأذن أنغامها قبل أن يسلِّمها النفس إلى أمواج الهواء؟
إنَّ قلبي يحنُّ إلى ما يستطيع أن يتصوره،
وأنا لن أرسل رُوحي إلا إلى عالم غير المجهول الذي لا تقطن فيه الذاكرة.
بربك، لا تُجرِّبني بمجد فارغ،
ولا تطلب لي تعزيةً بأحلامك أو أحلامي؛
لأن كل ما فيَّ، وكل ما في الأرض،
وكل ما سيكون في الوجود، لا يَقدر أن يستهوي نفسي.
فيا نفسي،
إن وجهكِ صامت،
وأشباح الليل النائمة في عينيك.
ولكن صمتك راعب،
وأنت راعبة.
الإله الثالث : يا أخويَّ، أيها الأخوان الرصينان،
إن الفتاة قد وجدت المُرنِّم.
فهي تنظر وجهه المحبوب.
وهي كالنمر تتخطَّر بخطوات ساحرة،
بين الدوالي والأسيجة المُتموِّجة.
وهو يَنظر إليها الآن في وسط أناشيد محبته.
أواه يا أخويَّ، أيها الأخوان الغافلان،
هل هنالك إلهٌ آخر وقد حاك من آلامه هذا النسيج القرمزيَّ والأبيض؟
أيُّ نجم جامح قد أفلتَ هاربًا؟
ومن يفصل الليل عن النهار بسرِّه؟
ومن يضع يده على عالمنا؟
الإله الأول : يا نفسي، يا نفسي،
أيتها الدائرة المحترقة التي تُمنطقني بلهيبها،
كيف أستطيع أن أقود سيرك،
وإلى أي فضاء أدير شوقك؟
يا نفسي التي لا رفيق لها،
إنك في مجاعتك تَصطادين ذاتك،
وبدموعك تريدين أن تبرِّدي عطشك؛
لأنَّ الليل لا يجمع نداه في أقداحك،
والنَّهار لا يَحمل إليك أثماره.
يا نفسي، يا نفسي،
أنت تحملين سفينتك إلى الشاطئ وهي مثقلة بأحمال الراغبات،
فمن أين تأتي الرِّياح لتملأ شعارك،
وأي مد فيَّاض يقدر أن يُحرِّر دفَّتك؟
إن مرساتك حاضرة وجناحَيك على أُهبة الطيران،
ولكنَّ السماء صامتة فوقك،
والبحر الهادئ يهزأ بسكونك.
فأيُّ رجاء ثمَّت لي ولك؟
وأي تقلب في العوالم، أو تبدُّل في غايات السماء سيَطلُبك؟
هل تحمل رحم عذراء اللانهاية زرعَ منقذك،
ذلك الذي هو أقدر من أحلامك،
وستنقذك يده من عبوديتك؟
الإله الثاني : احبس صراخك اللَّجوج،
وأنفاس قلبك المُلتهِب،
لأن أذن اللانهاية الصماء، وغافلة هي عين السماء،
فنحن كل ما وراء العالم وكل ما فوقه،
وبيننا وبين الأبدية غير المحدودة لا يوجد شيءٌ غير أهوائنا التي لم تتشكَّل، وغاياتها التي لم تتكمل.
أنت تستهوي غير المعروف،
وغير المعروف، المرتدي بالضباب المتحرك،
إنما يقطن في أعماق نفسك.
نعم، في أعماق نفسك يضطجع مُنقذُك نائمًا،
وهو يرى في نومه ما لا تراه عيناك المستيقظتان.
هذا هو سرُّ كياننا،
فهل تُعرض عن جمع حصادك؛
لتُلقي بذارك بعجلة إلى أثلام أحلامك؟
وعلامَ تبسط سُحبك في الحقول الخربة،
في حين أن قطيعَكَ يفتِّش عنك،
وأنت عبثًا تجمع في خيالك؟
فتأنَّ، وأنعم نظرك في العالم.
انظر إلى أولاد محبَّتك غير المَفطومين.
إن الأرض هي مسكنك، والأرض هي عرشُك،
وفوق أرفع آمال الإنسان تَقبض يدك على قسمته،
أنت لا تُريد أن تتركه،
وهو المجاهد أن يصلَ إليك بمسرَّاته وآلامه.
وأنت لا تُحوِّل عينيك عن الحاجة التي في عينيه.
الإله الأول : هل يضمُّ الفجر قلب الليل إلى صدره؟
أم هل يَعبأ البحر بأجسام موتاه؟
كالفجر تنهَض نفسي في أعماقي،
عارية غير متحيِّرة.
وكالبحر الذي لا يَستريح،
يطرَح قلبي عنه النفاية الزائلة من الأرض والإنسان.
إنني لن أعلِّق بكل ما يعلق بي،
ولكنني أريد أن أسموَ إلى ذلك المُتسامي فوق ما تصل إليه قوتي.
الإله الثالث : يا أخويَّ، تأمَّلا أيها الأخَوان،
إن روحين سائرتين إلى النجوم قد اجتمعتا في الجو للحساب.
وهما تنظران الواحدة إلى الأخرى بصمتٍ وسكون.
إن المرنم قد انقطع عن الغناء،
ولكنَّ حلقه الذي حرقته الشمس يَرتعش بالأناشيد،
ورفيقته الراقصة قد سكن الرقص في أعضائها،
بيد أنه لم ينم.
يا أخويَّ، أيها الأخَوان الغريبان،
إن الليل يشتد ادلهمامًا،
والبدر يزداد إشراقًا، وبين الغابة والبحر،
تصرُخ المحبة بأعلى الصوت تدعوكما وتدعوني إلى قلبها.
الإله الثاني : يا لتفاهة الكيان، والنهوض والاحتراق أمام الشمس الملتهبة،
والحياة والمراقبة لليالي الأحياء،
كما تُراقبنا عين الجوزاء!
يا لحقارة مجابهة الرياح الأربع برأسٍ مُكلَّل رفيع،
وشفاء أسقام الناس بأنفاس لا مدَّ في بحرها!
إنَّ الخيَّام جالس يخبط خبط عشواء أمام نوله،
والخزَّاف يُدير دولابه بعدم اكتراث،
أما نحن، الذين لا ينامون، ويعرفون كل شيء،
فقد أُعتقنا من ظلمة الظنِّ والتخمين؛
فنحن لا نتردَّد ولا نُنعم الفكر والنظر؛
لأننا قد سمونا رفعةً على جميع الأسئلة القلقة.
فلنعش مطمئنين، ولنُطلِق طيور أحلامنا من أقفاصها.
وكالأنهار فلنسكب في البحر،
من غير أن تُديرنا حافات الصخور،
فإذا بلغنا قلب اللجَّة، وابتلعتْنا أمواجها،
انقطعنا عن المجادلة والتأمل في مصير الغد إلى الأبد.
الإله الأول : أُفٍّ من ألم هذا التكهُّن الذي لا يَنقطِع،
وهذا السهر السائر بالنهار إلى الشفق،
والذاهب بالليل إلى الفجر!
أُفٍّ من هذا المد الذي يحملنا إلى الذكرى الدائمة، والنسيان الدائم،
وهذا الزرع المُتواصل لبذار الأقذار التي لا تحصد منها غير الآمال،
وهذا الرفع غير المتغيِّر للذات من التراب إلى الضباب،
لتَحنَّ إلى التراب، ثمَّ تسقط بحنينها إلى التراب،
ثمَّ لا يلبث أن يتضاعف حنينها فتنهض ناشدةً الضباب ثانية!
أُفٍّ من هذا القياس الذي بغير أوانه للزمان الذي لا يتغيَّر!
وهل تحتاج نفسي إلى أن تصير بحرًا تُزعج مجاريه بعضها بعضًا إلى الأبد، أو جوًّا تتحوَّل فيه الرياح المُتحاربة إلى زوبعة؟
لو كنتُ رجلًا، لو كنتُ عبيرًا أعمى،
لكان في طوقي الصبر على كل هذا.
أو لو كنت الإله الأعلى، الذي يملأ فراغ الإنسان والآلهة، لكنتُ أكتفي بذاتي.
ولكن أنا وأنت لسنا بشرًا،
ولا نحن بالعليِّ الذي فوقنا،
ولكنَّنا أشفاق (جمع شفق) لا تنقطع عن الظهور والزوال من أفق إلى أفق.
وآلهة، تمسك بالعالم ويُمسِك العالم بنا.
وقد قُضيَ علينا أن ننفخ بالأبواق،
ولكنَّ الرُّوح النافخة والموسيقى الخارجة من أبواقنا ليست مِنَّا، بل تأتي من فوق.
لذلك تراني أرغب في الثورة.
أريد أن أستنزفَ ما بي حتى أصير فارغًا،
أريد أن أبتعد عن بصيرتك،
أريد أن أختفيَ من ذاكرة هذا الشاب الصامت، الذي هو أخونا الأصغر، الجالس قريبا مِنَّا يتأمل في ذلك الوادي،
ومع أن شفتَيه تتحرَّكان فهو لا ينطق بكلمة.
الإله الثالث : إنني أتكلم أيها الأخَوان الغافلان.
إنني أتكلم بالحقيقة.
ولكنكما لا تسمعان غير حديثكما.
أطلب إليكما أن تَنظُرا مجدَكما ومجدي،
بَيد أنَّكما تتحوَّلان، وتُطْبقان أجفانكما، وتهُزَّان عرشيكما.
فيا أيها الحاكمان الراغبان في السيادة على العالم العُلويِّ والعالم السُّفليِّ،
أيها الإلهان الأنانيَّان اللذان لا يَنقطع أمسهما عن حسد غدِه،
أيتها التَّعِبان من أثقال ذاتكما، المُهدِّئان حدَّة غضبكما بالكلام، والضاربان مَحاجرنا بالصواعق!
ليس مخاصمتكما سوى صوت القيثارة القديمة،
التي نَسيَت أصابع القدير نصف الضرب على أوتارها، ذلك الذي الجوزاء عوده والثريا صنوجه،
وهو حتى في هذه الساعة التي تُتمتِمان وتُدمدمان فيها يضرب على عوده وصنوجه،
فألتمس منكما أن تُصغيا إلى أنشودته.
انظرا، رجلًا وامرأة،
لهيبًا مع لهيب،
يَذوبان وجدًا وهيامًا.
جذور ترضع ثدي الأرض الأُرجواني،
وزهورٌ مِن نار على صدر السماء.
ونحن الثَّدي الأرجواني،
ونحن السماء الباقية.
إن نفسنا، التي هي نفس الحياة، نفسكما ونفسي،
إنما تُقيم الليلة في حلق ملتهب،
مجلَّلةً جسم فتاة طاهرة بثَوب من الأمواج الثائرة.
إن صولجانكما لن يغيِّر هذه القسمة المُعَدَّة لنا.
وهمومكما هي الطموح بعينه؛
لأن هذا جميعه سيُمحى من الوجود في هوى الرجل والمرأة.
الإله الثاني : وما شأن هذه المحبة بين الرجل والمرأة؟
تأمل كيف تَرقُص الريح الشرقية الرشيقة،
وتنهض الريح الغربية مُترنِّمةً بأُنشودتها.
انظر إلى محجَّتنا المقدَّسة جالسةً على عرشها الآن،
باستسلام رُوح يغنِّي إلى جسد يرقص.
الإله الأول : إنني لن أحوِّل عيني إلى وهم الأرض،
ولن أنظر إلى أولادها في الألم البطيء الذي تُسميه محبة.
وما هي المحبة،
سوى طبل مقنَّع يقود مركبًا طويلًا من الريب اللذيذ، إلى شكلٍ آخر من الألم البطيء؟
إنني لا أريد أن أنظر إلى هذا الوهم.
وأي شيء تراه هناك،
إلا رجلًا وامرأةً في الغابة التي نمت لتصطادهما في فخاخها، وتعلمها إنكار الذات،
وولادة المخلوقات لغدنا الذي لم يولد بعد؟
الإله الثالث : أُفٍّ من الألم الذي تجلبه المعرفة!
والقناع المظلم الذي وضعه تفحُّصُنا وتساؤلنا على وجه العالم، والاستنهاد الذي نوجهه في كل ساعة للصبر البشري!
فنحن نضع تحت حجرٍ شكلًا من الشمع،
ثمَّ نقول: إنه شكل من الطين،
فليجد من الطين آخرته.
ونمسك بأيدينا لهيبًا أبيض،
ثمَّ نقول في قلوبنا:
إنه عبير ذواتنا يرجع إلينا،
ونسمة نسمتنا الفالتة مِنَّا،
وبعد ذلك نعمد مفتشين في أيدينا وشفاهنا عن المزيد من العبير.
فيا إخوتي، آلهة الأرض،
إننا وإن كُنَّا في أعلى الجبل،
فنحن ما زلنا نسير إلى الأرض،
بواسطة الإنسان الراغب في الساعات الذهبية التي في نصيب أخيه الإنسان.
فهل تسلب حكمتنا الجمال من عينيه؟
أم هل تُخضع مقاييسُنا أهواءه فتحملنا إلى السكون، أو تقودُنا إلى مستوى أهوائنا؟
ماذا تقدر أن تصنع جيوش أفكاركم،
حيث تجتمع المحبة بجيوشها الجرارة؟
إلا أنَّ الذين غلبتْهم المحبة،
وسارت بمَواكبها فوق أجسادهم من البحر إلى الجبل،
ومن الجبل إلى البحر،
يَقفون الآن، وفي كل أوانٍ، مُتعانقَين بحياء ووقار.
باجتماع أوراق زهور محبَّتهم يتنشَّقون عبير الحياة المُقدَّس،
وباتحاد نفوسهم يجدون نفس الحياة،
وعلى أجفانهم تَرتسم صلاة مُرتفعة إلينا.
المحبة هي ليلٌ مُنحَنٍ بوقار تحت خيمة مقدَّسة،
وسماء قد تحولت إلى غابة،
بل هي جميع النجوم قد تحولت إلى حباحب.
نحن بالحقيقة كل ما وراء العالم وكل ما فوقه.
ولكن المحبة أبعدُ من أن تصل إليها أسئلتنا،
وأسمى من أن تبلغ إليها أنشودتنا.
الإله الثاني : أتطلب دائرة بعيدة،
ولا تهتم بهذا الكوكب الذي غرستَ فيه عزيمتك؟
ليس في القضاء مركز إلا حيث نزفُّ النفس إلى النفس،
ويكون الجمال شاهدًا وكاهنًا.
فتأمَّل وانظر الجَمال مُبعثرًا حول أقدامنا.
تأمل جيِّدًا كيف يملأ الجمال أيدينا ليُنزل العار بشفاهنا،
إنَّ الأبعد هو الأقرب.
وحيث يكون الجَمال يكون كل شيء.
أواه أيها الأخ الحالم الرفيع!
ارجع إلينا من عهد أرض الكآبة القاتمة.
حرِّر قدمَيك من اللامكان واللازمان.
واقطن معنا في هذه الطمأنينة الآمنة،
التي ابتنتها يداك وأيدينا حجرًا فوق حجر.
انزع عنك ثوب خفَقان قلبك،
وكن رفيقًا لنا في السيادة على هذه الأرض الفتية، الحارة بجلال خُضرتها.
الإله الأول : أيها المذبح الخالد!
هل تُريد بالحقيقة إلهًا لضحيتِك في هذه الليلة؟
إذن فأنا قادم، وبقدومي أقرب محبَّتي وألَمي.
هنالك تقف الراقصة، التي نُحتَت من شوقنا القديم.
والمرنِّم يصيح بأناشيدي في أمواج الريح.
وفي ذلك الرقص، وفي ذلك الإنشاد،
يموت إله قدير في أعماقي.
إنَّ إله قلبي القاطن وراء ضلوع بشريتي يُنادي إله قلبي المقيم في الهواء.
والهاوية البشرية التي طالما عطلت عليَّ راحتي تصرخ إلى الألوهية.
والجمال الذي نشَدْناه منذ البدء يصرخ إلى الألوهية.
وفي إصغاء قد قست هذا الصراخ.
وها أنا أُلقي سلاحي.
فالجمال طريق يؤدِّي إلى الذات المقتولة بيد ذاتها،
فاضرب أوتارك.
إنني مستعدٌّ للسير على الطريق،
فهي تمتد إلى فجر آخر.
الإله الثالث : قد انتصرت المحبة!
سواء أكانت المحبة بياضًا ناصعًا أو خضرةً زاهيةً بجانب بحيرة، أو كانت جلالًا وفخارًا في القباب الرفيعة، أو كانت في بستان حافل بالناس، أو في صحراء لم تَطأها قدم الإنسان.
فالمحبة هي ربنا ومُعلِّمنا في كل حال،
فهي ليست بالشَّهوة الزائدة في الجسد.
ولا هي فُتات الرغبة المُتساقط من مصارعة الرغبة للذات.
كلَّا، ولا هي بالجسد الحامل سلاحه على الروح؛
لأن المحبة لا تعرف الثورة،
ولكنها تهجر طريق الأقدار القديمة لتسير إلى الغابة المقدسة،
لترقص وتترنَّم بأناشيد أسرارها في آذان الأبدية.
المحبة شباب قد تحطَّمت قيوده،
ورجولة قد تحرَّرت من عناء الأرض،
وأنوثة حارة بلهيبٍ مقدَّس، مُشرقة بنور سماءٍ أبهى من سمائنا.
المحبة ضحك بعيد في أعماق الرُّوح.
المحبة حملة قديرة تسير بك إلى يقظتك.
المحبة فجر جديد على الأرض،
ويوم لم تصل إليه لا عينك ولا عيني،
ولكن المحبة قد وصلت إلى قدس أقداسه بقلبها الأعظم.
يا أخويَّ، يا أخويَّ،
إنَّ العروس قادمة من قلب الفجر،
لتلاقي عروسها القادم من الغروب،
وسيكون عرسٌ في الوادي،
ويومٌ أعظم من أن تُدوَّن حوادثه.
الإله الثاني : هكذا كان منذ أطلق الصباحُ الأولُ السهول إلى التِّلال والأودية،
وهكذا سيكون إلى بعد المساء الأخير.
إنَّ جذورنا قد أنبتت الأغصان الراقصة في الوادي،
ونحن أزهار عبير الأنشودة المُرتفعة إلى الأعالي.
فالخالد والمائت نهران توءمان يُناديان البحر بغير انقطاع،
وليس بين النداء والنداء فراغ قطُّ، إلا في الأذن.
فالزمان يزيد إصغاءنا ثقة،
ويضيف إلى رغباته.
ولا يخرس الصوت في المائت غير المرتاب.
أما نحن فقد تسامَينا على الشكوك؛
فالإنسان هو ابن قلبنا الأصغر.
الإنسان إلهٌ يَرتفع إلى ألهويته ببطء شديد،
وبين مسرَّته وألمه نَنام ونحلم أحلامنا.
الإله الأول : دع المُرنِّم يترنَّم، والراقصة تحرِّك قدميها،
ودعني أطمئنُّ هنيهة،
إن نفسي تريد أن تستريح الليلة.
فقد يَغلبني النوم،
وفي نومي أرى عالمًا أكثر نورًا من هذا العالم،
فتأتي مخلوقات أبهى من مخلوقاتنا فتسترق طريقها إلى فكري.
الإله الثالث : إنني أنهض الآن فأجرِّد نفسي من حدود الزمان والمكان،
وأرقص في ذلك الحقل الذي لم تَطأه قدما إنسان،
وستتحرَّك قدما الراقصة مع قدمي،
وسأترنَّم في ذلك الملأ الأعلى،
وسيَختلج صوتٌ بشريٌّ مع صوتي.
سنَعبُر إلى الشفق البعيد،
فقد نَستيقِظ في فجر عالم آخر.
ولكنَّ المحبة باقية،
ولن تُمحى آثار أصابعها.
إنَّ الكور المقدَّس متأجِّجٌ بالنار،
وكل شعلة تصعدُ منه هي شمس محترقة.
فالأجدر بنا، والأحكم لمصلحتنا،
أن نفتِّش عن زاوية صغيرة فنَنام في ألوهيتنا الأرضية،
تاركين أمر قيادتنا إلى اليوم المقبل، إلى المحبة البشرية الضعيفة.
آلهة الأرض |
تقدمة الكتاب ينبوع الفضل ورب الذكاء والنبل صاحب العزة محمد بك زين العابدين الأفخم
هذا — أيَّدك الله — سِفر جليل الفائدة، من بنات أفكار الفيلسوف الطائر الصيت، نابغة فلاسفة العصر، الكونت لاون تولستوي، أبرزه في ثوب العلم والحكمة إلى عالم الوجود؛ فتناقلته الأمم الغربية إلى سائر لغاتها، فكشفت بأسراره عما رسخ في الأذهان من أصول الخرافات والأباطيل منذ أجيال طوال.
وقد أردت أن أخدم به أبناء اللغة العربية؛ فقضيت من نفيس العمر شيئًا ليس بالقليل، مُلتزمًا في التعريب أصل ما فكَّر الفيلسوف دون زيادة ولا نقص، فجاء في العربية كما أُنِزل من سماء تلك الحكمة الروسية.
ولما كنت غِراس نعمة أياديك بما طالما طوَّقتني به من النِّعم؛ رأيت أن أرفع هذا الكتاب لسُدَّتكم الشريفة؛ لعلي أقوم في ذلك ببعض الواجب راجيًا أن ينال من فضلكم قبولًا، ويصادف استحسانًا يكون لي أكبر مُشجعٍ على انتهاج سبيل الخدمة العامة، أدامكم الله ذُخرًا للآداب ونصيرًا لأبنائها.
المخلصسليم قبعين
الكونت لاون تولستوي، فيلسوف الروس العظيم.
إنجيل تولستوي وديانته |
كلمة لمُعرِّب الكتاب
نبغ الفيلسوف تولستوي من أمة الروس، وفي بلاد اشتُهرت بالحَجْر على الأفكار وتشديد المراقبة على المطبوعات. ولقد أَعجب هذا الفيلسوف العالم بما فاض عليه من أسرار الحكمة وما ابتكره من فنون المعارف، وأوجده من أسباب الحقائق التي أماط عنها النقاب في كل ما يتناول فيه البحث من المواضيع النافعة، مما شهد له فيه بنقد النظر وجلاء الخاطر جميع علماء أوروبا وحكمائها. وقد اجتمع في العام الماضي أئمة فلاسفة الألمان، وقرَّ رأيهم بأن تولستوي هو أكبر فيلسوف خلقه القرن العشرون. ومن جملة ما وضعه هذا الفيلسوف من المؤلفات الأدبية الشهيرة التي تُرجمت إلى سائر اللغات الحية: كتاب يبحث في أسباب فساد المرأة والهيئة الاجتماعية، أطلق عليه اسم «نغم كريتسر». وقد التزم طبعه أحد الأمريكيين باللغة الإنكليزية سبع مرات في نحو خمسة أشهر، وكان يطبع في كل مرة ٥٠٠٠ نسخة، فلما رأى الأرباح الطائلة التي عادت عليه بسبب طبع هذا الكتاب؛ طلب إلى الفيلسوف يرجوه أن يضع له كتابًا ثانيًا من نوع الأول، ويتعهَّد له بدفع سبعة ريالات أمريكية عن كل كلمة، فأبى عليه الفيلسوف ذلك بدعوى أنه يخصُّ عمله بخدمة الجمهور ولا يقصد به ربحًا.
أما الشيء الخطير الذي أتاه تولستوي، فانقلبت من أجله روسيا ظهرًا لبطن: تخطيئه الكنيسة المسيحية في أكثر أمورها؛ إذ أنكر عليها عقائدها بدعوى أنها من أوضاع البشر، وتُخالف أحكام الإنجيل مخالفة صريحة؛ فأثَّرت أقواله في عقول متنوري روسيا، وحلَّقت بها الصحف في سماء العالم الأوروبي، حتى اجتمع بسبب ذلك المجمع المُقدَّس في عاصمة الروس برئاسة السيد أنطوني رئيس المجمع المُقدَّس ومطران بطرسبرج، وحرَم ذلك الفيلسوف، وعدَّه كاذبًا في دعوته مفتريًا على الكنيسة، وكان لذلك أسوأ وقع في نفوس الطلبة والطالبات، وقاموا بعمل مظاهرات في الكنائس والشوارع، وكاد يُفضي الأمر إلى ثورة داخلية لولا أن أخذت الحكومة الروسية بالحكمة في تهدئة الخواطر وتسكين الاضطراب. وقد وضع الفيلسوف تولستوي كتبًا لاحظ فيها على نُقَطِ الخطأ في كثير من مواضع ترجمة الإنجيل، واعتبر الأناجيل الأربعة مُشاكلةً لبعضها البعض، فوحَّدها في كتاب واحد سماه: «إنجيل تولستوي» كان له شأنٌ يُذكر فيما بين علماء الدين وأرباب الفِطنة وأصحاب المدارك السامية في أوروبا، فنقلته كل أمة إلى لغتها واشتغلت بأمره. وقد أردنا أن نخدم قُرَّاء اللغة العربية إجابة للذين داوموا إلينا الطلب أن نعرِّبه، فأقدمنا على ذلك، وليس في عملنا مظنَّة لبعض الذين يسارعون إلى القضاء على الأمر دون الاستبصار بتمحيصه والتماس صوابه من خطئه. فنحن إن عرَّبنا هذا الكتاب. فليس الدافع لنا إلى ذلك تآلف المذاهب أو تعارف العقائد، وإنما نحن ننقل إلى أبناء اللغة العربية مكتوبًا جليل الفائدة ثمين القيمة بالنسبة لنصيبه لدى المشتغلين بأمر البحث في أصول الأديان والمُنقِّبين عن عِلل العقائد الدينية، ولأن الكتاب في وضعه إن لم يكن حكمة نطق بها صاحبها فهو جوهرة انفصلت من أشعَّة فِكر الفيلسوف الذي أحسنُ ما يُنعت به: أنه لا يضِن على الناس بما في ضميره، فبسط لهم قلبه كتابًا يقرءونه، ويتحسَّسون بأبصارهم وبصائرهم من مواضيعه ومواضعه ما يشاءون.
إنجيل تولستوي وديانته |
ترجمة الفيلسوف تولستوي
وُلِد الفيلسوف تولستوي نابغة الروس في ٢٨ أغسطس عام ١٨٢٨ في قرية ياسنايا بوليانا من أعمال ولاية تولا في أملاك والدته.
وكان والده نقولا تولستوي أحد معاوني قوَّاد الجنود الروسية المُحالين على المعاش، وقد اشترك في وقائع حرب سنتي ١٨١٢ و١٨١٣، وهو ابن إيليا بن أندراوس بن حنا بن الكونت بطرس تولستوي من أكبر معضدي القيصر بطرس الأكبر؛ وأما والدته فكانت ابنة الأمير نقولا سرجيوس، وعلى ذلك يكون الفيلسوف عريقًا في النسب من جهة أبويه.
ولقد تُوفِّيت والدته عام ١٨٣٠ قبل بلوغه العامين، وعام ١٨٣٧ تُوفِّي والده فجأة في مدينة «موسكو» على إثر إصابته بخسائر مالية فادحة، وعند احتضاره أقام وصية على أولاده نقولا وسرجيوس وديمتري وليون وماري إحدى قريبات عائلتهم السيدة يوشكوفا، فرحلت بهم إلى «موسكو» وعهدت أمر تربيتهم إلى أساتذة نمساويين وفرنسيين، وعام ١٨٤١ نزحت بأسرة تولستوي إلى كازان، وعام ١٨٤٣ دخل صاحب الترجمة كلية كازان وانتظم في صف اللغات الشرقية؛ فأقام فيها سنتين ثم رحل عنها مع إخوته إلى قرية ياسنايا بوليانا مسقط رأسه، ولبث فيها مدة ثماني سنوات متوالية كان يشخص فيها أحيانًا إلى «موسكو» وبطرسبرج.
وعام ١٨٥١ زاره شقيقه الأكبر نقولا الذي كان ضابطًا في جيش القوقاز، ومكث عنده مدة إجازته العسكرية، وعند عودته إلى فرقته صحبه معه إلى تلك البلاد الفيحاء، وحبًّا في عدم مفارقة شقيقه انتظم وقتئذٍ في الجندية في نفس طابور أخيه. وابتدأ في هذه البلاد يزهر رياحين علمه، فكتب رواية المهرب «نابيغ» التي أحسن فيها وصف بلاد القوقاز ومعيشة أهلها، ثم رواية «القوزاق» ورواية الفتوة والصبوة والشبيبة، ووضع غيرها من الكتب المفيدة.
وعام ١٨٥٣ أي في ابتداء الحرب الشرقية؛ نُقِل صاحب الترجمة إلى صفوف جنود الطونا وانضم إلى فيلق القائد غورتشا كوف الشهير، ثم انضم إلى حامية «سيفاستوبل» واشترك بمعركة سنة ١٨٥٥، وكذلك شهد ضرب «سيفاستوبل» من الجنود المتحدة، وفي أثناء هذه المعمعة المُخيفة والأحوال المزعجة انتُدب بصفة كونه مُعتمدًا إلى جلالة القيصر نقولا الأول حاملًا إليه أوامر سياسية مهمة.
وبين عامي ١٨٥٣ و١٨٥٥ وضع رواية «سيفاستوبل» ثم رواية «روبكاليسا» (قطع الغابة) وعام ١٨٥٥ استقال من الخدمة العسكرية، وأخذ من ذلك الحين يقضي الشتاء في «موسكو» و«بطرسبرج» والصيف في قرية «ياسناسا بوليانا»، وقد أنشأ في هذه الأثناء عدة تآليف مهمة، وعام ١٨٦١ جاب بعض أنحاء أوروبا ثم عاد فاستوطن قريته، وجرَّد نفسه لخدمة الأُمة مُبشرًا بالسلام والخير والفضيلة.
ثم أصدر مجلة تهذيبية أطلق عليها اسم بلدته، وجعل ينشر فيها المقالات الأخلاقية بقصد تربية الأهالي وتثقيف عقول أبنائهم.
ثم أنشأ الفيلسوف في بلدته مدرسة وطنية كان يُنفِق عليها من جيبه الخاص، ويُعلِّم فيها بنفسه أبناء الفلاحين، ويبثُّ فيهم روحًا جديدًا، فأحدثت تلك المدرسة شهرة فائقة دوَّى صداها في جميع أنحاء روسيا، وأخذ يتقاطر إليها كثيرون من شبان بطرسبرج المُتخرِّجين في كلياتها؛ ليُلقوا فيها دروسًا بلا مقابل، تحت مراقبة الفيلسوف، وإنما كانوا يفعلون ذلك ليقتبسوا من معارفه السامية ويغترفوا من بحار فلسفته شرابًا عذبًا خاليًا من شوائب الأكدار، فاجتمعوا حوله واستظلوا بلواء علمه وفلسفته.
وعام ١٨٦٢ تزوج الفيلسوف من الآنسة صوفيا كريمة الدكتور بيرس، وفي أواخر سنة ستين وضع روايته الشهيرة «الحرب والسلام»، وجعل مدار البحث فيها على فساد عيشة المُترفين وحرب سنة ١٨١٢، وفي السنة السبعين كتب رواية أخرى سماها: «حنة كاريننا»، وقد أخذت هاتان الروايتان في عموم أوروبا أدوارًا مهمة، فعُرِّبت إلى جميع لغاتها، وقد اطَّلع الفيلسوف على فلسفة الفيلسوف الإنكليزي الاشتراكي المستر هربرت سنبسر بشأن توزيع الأراضي على الأفراد بالسواء أولى من استقلال نفر قليل بها، فوافقه على رأيه وعمل به، فإنه وزَّع جميع أملاكه الواسعة على فلاحيه وأبقى له ولعائلته مساحة من الأرض تقوم بحاجاتهم، ثم إنه يحرث الأرض بنفسه ويزرعها.
وقد كتب هذا الفيلسوف في مواضيع جليلة وكتب في الدين، فكتب بشأنه ما يُخالف عقائد الكنيسة المسيحية وخطَّأها، فأثار عليه ذلك أحقاد رجال الدين في روسيا، والتأم أعضاء المجمع المقدس في ٢٠ فبراير عام ١٩٠١ وقضوا عليه بالحرمان من الكنيسة كذي بدعة أو ضلالة، فكان لذلك الفعل تأثير شديد في جميع أنحاء روسيا، وكاد يُفضي الأمر إلى ثورة داخلية كما أشرنا إلى ذلك قبلًا، وقد ردَّ على حكم المجمع ردًّا مُطوَّلًا ثبت فيه إيمانه وخطأ الكنيسة في تعاليمها، فقال إنها بهتان ظاهر وعقائدها ليست إلا مجموعة خرافات منبوذة، واختلاق مُحكَم الوضع قد غشي على جوهر تعاليم المسيح، ثم أنكر ألوهية المسيح وولادته من غير أب، وأنكر الاعتقاد بالتثليث، وقال: «إني أومن بإله واحد هو إله روح ومحبة وأصل كل موجود، وأومن بأنه فيَّ وأنا فيه، وأن شريعته سمحاء واضحة في تعليم المسيح الإنسان الذي لا أعتقد به إلهًا، وإني أعتبر الصلاة له تهكمًا عليه، ثم أعترف بأن سعادة الإنسان الحقيقية تحصل بوفور إرادة الله في الناس، فيحبُّون بعضهم بعضًا ويفعلون مع غيرهم ما يريدون أن يفعل الناس بهم.»
إن الفيلسوف على جانب عظيم من الجراءة في طلب الحق لم يساوِه فيه أحد في العالم، فإنه كتب كثيرًا إلى القيصر يعترض على حالة الحكومة وسيرها وذمها بسبب تعذيبها الأهالي في سجون سيبيريا المظلمة وجزيرة سخالين القفراء الجرداء.
وتولستوي لم يزل حيًّا يُرزق مُقيمًا في بلدته، يضع المؤلفات المفيدة، وقد زاره كثيرون من علماء الأمريكان والإنجليز والألمان وحادثوه طويلًا في الشئون الاجتماعية، فكان يُقيم لهم أسدَّ الحجج ويُفيض عليهم من بحار مداركه، فيخرجون من لديه معجبين بما أُوتيه هذا الرجل من الحكمة البالغة.
إنجيل تولستوي وديانته |
مقدمة المؤلف
لقد سئمتُ عيش الحياة بعد أن أنكرتُ على الكنيسة عقائدها، وإذ ساورتني عوامل اليأس ضربت ببصري في جمهور الناس لألتمس من بينهم من يقاسمني هذا القنوط، فأداني البحث إلى أن جميعهم عائشون بالإيمان، وحيث رأيتُ إلى مَن يحدِق بي من السواد الأعظم وجدتهم مؤمنين، وقد انتزعوا من ذلك الإيمان نظامًا لهم، ومنه كوَّنوا منهجًا يستنهجونه إلى خاتمة أنفاسهم، غير أني لم أتحسَّس بعقلي ما أستدل به على صحة هذا النظام؛ فاستعقبت حال هؤلاء المؤمنين في سبيل الحياة الدنيا؛ فجعلت أُكثِر من مخالطتهم، وأجاريهم في تأدية عبادة الله الكمالية، ولكن كنتُ لا أزداد في التقرُّب منهم على تلك العبادة إلا تَنازعني عاملان متخالفان، فمن جهة: قد ظهر لي أن هذه الحياة لا يُبيدها الموت ولا يُفنيها الفناء، ومن جهة ثانية: قد استوثقت مما في هذا الإيمان، وتلك العبادة من المَيْن والبُهتان، وإني لا أثق بأن في قدرة الشعب استدراك ذلك، إما لأُمِّيته أو قصور إدراكه أو مَيْله عن البحث في الوصول إلى الحقيقة، غير أني أكبرتُ السكوت عن ذلك خِيفة استفحال أمر هذه المُفتريات، وقد شاركني في ذلك جماعة من الذين استنارت عقولهم؛ فلجأت إلى التنقيب عن أصل فساد هذه التعاليم وتمحيص الحقيقة في ذلك.
ولما كنتُ لا أُنكر على تعاليم المسيح تضمُّنها لنظام الحياة الحقيقية، حدا بي الفكر إلى إجلاء النظر في تلك التعاليم والإحاطة التامة بمنابت أصولها التي تفرَّعت عنها هاته الفروع، ففي بادئ الأمر استرشدت في ذلك القُسوس والرُّهبان والأساقفة والمطارنة وعلماء اللاهوت، فعجزوا عن إقامة الحُجة، وكان فيما يقولون تناقض بيِّن، فلم أرَ فيهم فكرًا قادرًا على الحوم حول النقط الجوهرية، ولعل سبب ذلك قِلة يقينهم مما به يعتقدون. ثم ظهر لي أن مآخذ عقائدهم هي مؤلفات رجال الكنيسة والكتب الموضوعة في الدين واللاهوت، فلما لم أحصل على ثمرة من مجادلتهم رجعتُ بنفسي إلى جميع التآليف اللاهوتية، فعلمت بالاستقراء فساد ما تعطيه كنيستنا للشعب من العقائد، وتحققتُ أن ذلك خِداع بيِّن وضلال مبين.
ثم وجدت غالب تعاليم الكنيسة الأورثوذكسية موضوعًا غير معقول، ليس فيه شيء يؤثر عن الحياة وماهيتها إلا أنه محصور في تخطئة اعتقادات الطوائف الأخرى من المسيحيين؛ ولذا توجَّهت بعقلي إلى درس هاته العقائد؛ فألفيتها تشبه من جميع وجوهها تعاليم الكنيسة الأورثوذكسية، والغريب أن هذه تُنكر على الطوائف الأخرى عقائدها، كما وأن هذه تُنكر عليها ذلك؛ فنشأ من تخالف كل طائفة مع الأخرى تنافر بين أبناء هذه الطوائف، ليس هو في شيء من تعاليم المسيح، وبالجملة: فإن جميع الطوائف مُصدِّقين لعقائد لا تنفع الحياة، ويقضي بفسادها العقل الصحيح، ثم حكمتُ بعد ذلك بعدم وجود كنيسة مسيحية مطلقًا.
إن المسيحيين قد انقسموا إلى طوائف متعددة، وكل منها تعتقد اعتقادًا متينًا بأنها هي الطائفة المسيحية الحقيقية، وتُنكر عقائد الطوائف الأخرى، ثم كل منها تُسمِّي نفسها كنيسة تدَّعي أنها هي الحقيقية التي ثبتت على الإيمان المسيحي القويم، وأما بقية الطوائف فقد انفصلت وتفرَّعت منها، والأغرب من ذلك: أن كل طائفة تعتقد بداهة بهذا الاعتقاد دون أن تبحث عن تسمية نفسها بالكنيسة الحقيقية، وهل هي بالفعل أصل الكنائس أو هي فرع منفصل عن الأصل؟ كلا ثم كلا، بل إن أتباعها يدَّعون هذه الدعوى لأنهم وُلِدوا فيها؛ ففضلوها على غيرها، ويدافعون عنها ما استطاعوا إلى الدفاع سبيلًا، وهم في ذلك لا يفتكرون بأن كل طائفة تدَّعي دعواها، وتقول عن نفسها ما تقوله هي حرفًا بحرف.
ولذلك فلا يستغربنَّ القارئ حُكْمي بعدم وجود كنيسة واحدة، بل يوافقني على وجود ما ينيف على ألفَي كنيسة، وكلها تُنكِر الحقيقة وتُجاهر بهذه العبادة الواردة في دستور جميع الكنائس: «وأُومن بكنيسة واحدة جامعة مُقدَّسة رسولية مسكونية.» ثم تزيد على ذلك قولها: وأن كتب ديننا مقدسة ويسوع المسيح رأس لكنيستنا التي يُدبِّرها الروح القدس، وأنها وحدها فقط خارجة من عند المسيح الإله.
نحن إذا نظرنا إلى أية شجرة نحكم بأن الأغصان من الفروع، والفروع من الجذور، والجذور من الأصول، فلا نقول إن كل الفروع والأغصان متفرعة من الجذر، كما إننا لا نستطيع أن نقول بإن كل فرع وحده دون غيره متفرع من الجذر، بل إنها جميعها متساوية بالتفرُّع ومن الحماقة أن نُفضِّل أحد الفروع ونخصَّه بصفات التفضيل على جميع الكنائس، فالحقيقة التي لا مِراء فيها هي: أنه يوجد نحو ألف طائفة كل منها تُنكر عقائد الأخرى وتلعنها، ولا تعتقد هي إلا بقداسة ذاتها وصحة مبدئها؛ كالكاثوليك واللوثريين والبروتستانت والكلفينيين والشاكرين والمورمون والروم الكاثوليك والمؤمنين الأقدمين والآباء والناكري الآباء والبويكر والبليموث والخصيان ومصارعي الأرواح والسريان واليعاقبة والمورانة والأقباط و… و… إلخ مما لا يستطيع إحصاءه أحد، وكل منها تدَّعي أن ديانتها هي الحقيقية المقدسة الحالَّة فيها نعمة الروح القُدُس، وأما بقية الطوائف ففي ضلال مبين.
مضى على هذه الحال ما ينيف على ١٨٠٠ سنة، والضلال راسخ في أذهان أتباع هاته الطوائف، ولن يزول عنها أبدًا.
إن الناس على العموم يخادعون بعضهم بعضًا في الأعمال الدنيوية والتجارية، وقلَّ مَن منهم يقع في غش أو خداع، مضت ١٨٠٠ سنة وهذه الملايين الكثيرة عمي على هذا الضلال الديني، سواء كان ذلك في روسيا أو أوروبا، حتى وفي أمريكا أم العجائب والاختراعات الجديدة، كأن جميع الطوائف اتَّفقت على تلازم الخرافات.
أجل، إني لا أُنكر بأن كثيرين من الفلاسفة وذوي الأفكار الحرة من علماء الأجيال السالفة جاهروا بفساد هاته الخرافات والأضاليل الباطلة، وصرَّحوا على رءوس الأشهاد بأن الديانة المسيحية، وما تفرَّع عنها من الطوائف، كلها إفساد في إفساد؛ ومن ثَم ينبغي وضع ديانة خالصة من أدران المفاسد، فقام هؤلاء الأفاضل بوضع ديانة جديدة، ولكن لم يتبعهم أحد ولم تجد أقوالهم آذانًا مُصغية، وظل جميع المسيحيين متمسكين بكنائسهم وعقائدها، فالكاثوليك في الكثلكة، والروم في الأورثوذكسية، واللوثريون في البروتستانتية؛ وقِس على ذلك.
فما أغرب هذا الأمر! وما أصعب حلَّه! ثم لماذا لا يترك الخلق هاته التعاليم المُضلَّة؟ فالجواب على ذلك واحد (مُتَّفق عليه من جميع العقلاء الأحرار وذوي المدارك السامية الذين نبذوا جميع معتقدات الكنائس المسيحية)، وهو أنه يصعب على الناس ترك تعاليم المسيح، ولكن لماذا ترى أن جميع المؤمنين بتعليم المسيح قد انقسموا إلى طوائف شتَّى، ويزداد انقسامهم هذا يومًا عن يوم؟ ثم كيف لا يستطيعون الاتِّحاد والإجماع على معتقد واحد؟ فالجواب على ذلك واضح لا يخفى على كل ذي بصيرة نقَّادة، وهو أن منشأ انقسام المسيحيين التعاليم الموضوعة بواسطة الكنيسة ليس إلا التي تُشير إلى أن المسيح هو الواضع لنظام الكنيسة الواحدة الحقيقية التي تُعتبر بحسب وجودها وجوهرها كنيسة مُقدَّسة ومعصومة من الخطأ فيما يتحتَّم عليها من التعاليم التي تُلقيها إلى أتباعها؛ إذ لو لم يكن ذلك لما وُجِد شيء من الانقسام بين المسيحيين.
إن تعليم كل كنيسة مسيحية، أو بعبارة أخرى معتقد كل طائفة، مأخوذ طبعًا من تعليم المسيح، فكل تعاليمها إذن من أصل واحد، ونبتت جميعها من حبَّة واحدة، وإن هذه الحبَّة يلزم أن تكون مرجع أصول هذه المعتقدات.
وبناءً على ذلك فليس من الضروري لمن يريد فهم تعليم المسيح أن يدرس تاريخ العقائد والأديان، ويُطالع كتب الكنيسة الموضوعة، بل عليه أن يلتمسه من مأخذه الحقيقي؛ لأن هذه العقائد قد تفرَّعت عن ذلك التعليم، والفرع ابن الأصل، واعتقادي أنه ينبغي على المسيحيين أن ينبذوا هاته الفروع التي لا توصلهم إلى ضالتهم المنشودة، ولا يكون ذلك إلا أن يُجاذبوا أصول هاته المعتقدات من تلك الحبَّة التي هي الأصل الأصيل في ذلك.
على أن المسيحيين وجدوا بالنفس من حياة أعمال المسيح، وعاشوا ليحذوا حَذوه في أعمال الخير والصلاح اللذين هما مرجع اتِّحادهم.
وقد قادني إلى الإيمان حُب البحث عن معنى الحياة أو إيجاد طريق الحياة، أو بعبارة أخرى: كيف يجب أن أعيش؛ فأجلتُ الطرف في مجاري حياة المؤمنين بتعليم المسيح، والتصقت بهم التصاقًا، فألفيت بين أتباع جميع الطوائف من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس كثيرين ممن تدل أعمالهم على إيمانهم، ثم درست أخلاق الكثير من أفاضل الطوائف المسيحية، فوجدتُهم مُجمِعين على لزوم الإيمان للحياة، ومُتَّفقين على التمييز بين الخير والشر في الحياة الدنيا.
نعم، إن الطوائف مختلفة بحسب الاعتقاد؛ وإنما الأصل واحد، وعليه فإنه يوجد لدى كل طائفة منهن أثر للأصل الحقيقي الذي أريد أن أدرسه دون زيادة ولا نقصان؛ لأن حقيقة الإيمان ليست في الشروح الموضوعة لتعاليم المسيح التي انشق بسببها المسيحيون إلى ألف طائفة، بل إنها محصورة في نفس تعاليم المسيح الموجودة في الأناجيل؛ ولذا فإني قد عُنيت بدرس تلك الأناجيل بإمعان.
أسلفت أن تعاليم الكنيسة لا تنحصر في الإنجيل فقط، بل وفي موضوعات رجالها التي لا تُحصى، وما تحتفظ به من التقاليد؛ ومن ثَم فقد علم القارئ الكريم من سياق ما مضى من الكلام أني لا أتعرَّض للبحث في مجموعة تلك التآليف تاركًا أمرها للكنيسة.
والأنكى من كل ما تقدَّم: أن الكنيسة تُحرِّم على أتباعها مطالعة الإنجيل والبحث في قوانينها، وهو تمادي في المغالطة لا يُغتفر لجميع الكنائس الآخذة بالتقاليد والتعاليم المتخالفة.
إن الله سبحانه وتعالى قد كشف عن الحقيقة للناس، وأوجد لهم نظامات وقواعد يسيرون بموجبها، ثم إنني أحد هؤلاء المُبصرين بالكتاب الذي أُعطي للخلق ليفهموه من أنفسهم دون أن يسألوا تفسير معنًى من معانيه؛ فإذا كان ما في الكتاب هو كلام الله تعالى، فإنه سبحانه يعرف مقدار قصور عقلي وقلة إدراكي، فكان يلزم أن يكون كلامه سهل المأخذ حتى لا يستعصي على إدراك أوامره وتعاليمه؛ فأذهب في تأويلها كل مذهب، وقد أقع من ذلك في ضلال مبين.
ولذا فإن عدم إباحة الكنيسة لأتباعها مطالعة الإنجيل أولًا، وعدم تناول البحث في تآليفها الدينية ثانيًا، بدعوى أن ذلك يؤدي بهم إلى تشويش الذهن واضطراب الفكر، قد يُوقعهم في الريبة، وهو ادِّعاء منبوذ ساقط؛ على أنها كانت تظفر بادِّعائها لو أنها كانت واحدة في تعاليمها وأجمع عليها المسيحيون.
ولا يخفى أن جميع ما تُعطيه الكنيسة من التعاليم الخاصة بابن الله، والله وكونه في ثلاثة أقانيم، والعذراء التي ولدت ابنًا دون أن تُفسد عذارتها، ثم الخاصة بالخبز والخمر اللذين يستحيلان فعلًا إلى جسد ودم الله، ويتناولهما المسيحيون على هذا الاعتقاد؛ غير معقول ولا محسوس.
وعدا ما تقدَّم: فإنه قد دخل على الكنيسة من المعتقدات ما لا حصر له، ولا يمكن أن يُقرر منه الإنسان معتقدًا واحدًا؛ لأنه يتضمن لعقائد متعددة تُناقض بعضها بعضًا.
وإن الناس الآن لفي شديد الحاجة إلى كتاب واحد يقول بالاعتقاد في إله واحد، ويجمع الناس في معبد واحد في سائر أقطار الأرض، والناس لا يجمعون انتقاد العقلاء وتنقيب الفلاسفة والعلماء، بل إن هؤلاء يُسلِّمون به فيرُكبهم سفينة السلام ويرسو بهم في مقر الطمأنينة والهدوء.
وعلى ذلك؛ فإذا احتشدت في كلام الإله الخُرافات والتعاليم المستحيلة، فإن العلم ينبذ ذلك كما نبذ تعاليم الآلهة الوثنية الكثيرة، وحاشا لله الحقيقي أن يُوحي بشيء غامض فوق عقول البشر.
إن الكنيسة تعتقد بأن الإيمان هو قانون وُضِع لتسير بحسبه النفس، وتكون بين عوامل التهديد والوعيد إذا هي حادت عن مواده وخالفت نصوصه، والعكس بالعكس.
وأما أنا فأعتقد بأن الإيمان هو الحق الذي تحوم حوله قوة الإدراك لاستجلاء مكنوناته، أو بتعبير آخر: إن الإيمان هو إدراك الوحي الإلهي إدراكًا ترسخ صحته في النفس، فيتولَّد من ذلك الإيمان بالإله الحقيقي.
ثم إني لا أطالع التوراة (العهد القديم) ولا أبحث في أسفارها؛ إذ إنني لا أبحث في ديانة اليهود، بل ما نقوله الآن خاص بالديانة المسيحية التي يدين بها قسم عظيم من سكان المعمور، وكلهم يعتقدون بأنه لا معنى للحياة بدون تلك الديانة، وإنما نرجع إلى بعض مواضع التوراة التي تُرشدنا إلى ظهور الديانة المسيحية.
ولذلك لا يلزم الاعتقاد بتلك الديانة التي وُجدت من عهد آدم جدِّ البشر الأول حتى يومنا هذا؛ لأن ديانة اليهود قبل المسيح كانت ديانة وقتية مكانية، يجب أن ننظر إليها كما ننظر إلى ديانة البراهمة والبوذيين سواء بسواء، وأما الديانة المسيحية فهي الديانة التي نأخذ بها الآن، وينبغي علينا أن نبحث فيما أتت به بحثًا مُدقَّقًا، وإلا فيكون مَثَلنا في درس الديانة العبرانية لفهم الديانة المسيحية كمثل من يدرس مادة الشمعة قبل إضاءتها ليدرك من ثَم ماهية النور الذي يخرج منها.
والكنيسة قد أخطأت خطأً عظيمًا باعتبارها كتب العهد القديم كتبًا موحًى بها من الله، كاعتبارها للإنجيل أو العهد الجديد، وهي إنما تعتقد هذا الاعتقاد بالقول فقط دون الفعل؛ ومن ذلك فقد وقعت بين اعتقادات متخالفة، وأضحى مركزها حرجًا لا يمكنها التخلص منه إلا إذا عقلت خطأها وأدركت سقطتها.
وبناءً على ما تقدَّم فإني أنبذ كتب العهد القديم والكتب المقدسة التي حصرتها الكنيسة في سبعة وعشرين كتابًا، فدع عنك التقاليد المحفوظة لديها التي لم يمكنها حصرها لا في سبعة وعشرين كتابًا ولا في خمسة ولا في ١٣٨ كتابًا، ولا يجوز حصر الوحي في الصحائف والحروف.
فالقائل مثلًا بأن الوحي الإلهي محصور في ١٨٥ صحيفة، كالقائل بأن نفس هذا الإنسان تعدل خمسة عشر رطلًا، أو أن نور ذلك المصباح يعدل سبعة أكيال.
أما وحي الله فقد هبط على أرواح أفراد من الناس ذوي القوى الفيَّاضة الذين نشروه وعلَّموه للأمة الموحى به إليها فحفظته، وقام البعض من أفرادها يكتب ما علق بذاكرته من ذلك الوحي، فكتب الآخرون تلك الكتب واعتبروها منزلة موحًى بها من الله، وقد حصر بعضهم عدد ما كتب منها، فبلغ ما ينيف على المائة بين إنجيل ورسالة، ولم تعتبرها الكنيسة كلها كتبًا منزلة، بل اختارت منها سبعة وعشرين كتابًا وأطلقت عليها اسم الكتب القانونية. ولا ندري السر في اختيارها لهذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره، واعتباره مقدسًا مُنزَّلًا دون سواه، مع أن الأشخاص الذين كتبوها هم في نظرها رجال قدِّيسون أتقياء، خدموا المسيحية في بدء ظهورها خدمات جليلة بتبشيرهم في الناس، وجَوبهم في طول البلاد وعرضها، واحتمالهم الاضطهاد والأهوال من عبدة الأوثان. ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس سبب هذا التفضيل، فبيَّنت إذ ذاك ما وجدته من الخطأ في الكتب التي لم تعتبرها موحًى بها، بل اعتبرتها كتبًا تاريخية وُضِعت لسرد تاريخ الكنيسة وتخليد أعمال رجالها أُسوة بكتب تاريخ الأمم والممالك السالفة، وإني على يقين من عجزها عن توضيح ذلك السبب وإظهار الحق من الباطل مما حوته تلك الكتب الكثيرة.
إن الكنيسة عملت عملًا بإتقان وإحكام، ولكنها أخطأت خطأ لا يُغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى، واجتهدت عند ذلك التقسيم بأن تُؤيِّد أن ما اختارته من الكتب هو الصحيح المُنزَّل المُوحى به من الرُّوح القُدُس، وكل حكمة واردة فيها هي من السماء لا تحول ولا تزول، ولكنها لو تبصَّرت قليلًا بما فعلت لأدركت بداهة بأنها بعملها هذا أفسدت وأضرَّت الكتب التي اختارتها؛ فقد أضافت إليها التقاليد المُتباينة المعنى المُتضاربة المغزى بين بيضاء وصفراء وزرقاء، أعني: أن بعض تلك التقاليد في اعتقادها مفيد وبعضه «ذو تعليم سام»، وقد وضعت عليها كلها ختم العِصمة من الخطأ، وبذلك حرمت الكنيسة نفسها الحق في تدقيق النظر بتلك الكتب والتعاليم، وإيضاح غامضها وشرحها وحذف غير الموافق منها؛ الأمر المنوط بها، بل الفرض الملقى على عاتقها، ولكنها ما فعلت شيئًا من ذلك، ولن تفعل ما دامت على حالها، بل كل شيء في نظرها مقدس سماوي؛ كالعجائب وأعمال الرسل آراء بولص الرسول بشأن الخطيئة والعقاب والثواب، وهذيان الرسل في رسائلهم، وخرافات يوحنا اللاهوتي في رؤياه.
ولقد مرَّت ١٨٠٠ سنة وتلك الكتب لم تزل مطروحة بين أيدينا كما كانت عليه عند وضعها، بما فيها من الخطأ والخشونة والمخالفة لبعضها، وعدم وجود المعنى في كثير من فصولها.
ولو فرضنا أن كل حكمة من كلمات تلك الكتب حقيقة مقدسة، وقد أوضحتها الكنيسة وفسَّرتها تفسيرًا واضحًا، وأزالت عن الأذهان تخالُف المعاني التي تتبادر لأول وهلة لذهن القارئ، ووجدت بتآويلها معنًى لما ليس له معنًى؛ غير أن غلطتها الأولى أحرجت مركزها، وأوقعتها في ارتباك واضطراب عظيمين؛ لأنه كان يجب عليها حين اختيارها لتلك الكتب أن تدرسها درسًا مُدقَّقًا، وتحذف منها ما يقود القارئ إلى الانتقاد والشك والارتياب، ثم بعد ذلك تُسلمها للمؤمنين بعد أن تُقيم الحُجة الدامغة على صحة أقوالها وسمو مبانيها، ولكن رجال الكنيسة لم يُوجِّهوا مزيد التفاتهم لهذا الأمر، ولم يُجهدوا أنفسهم بالدرس والتنقيب، بل عوَّلوا في كل إجراءاتهم وأعمالهم على الكلام؛ ولذلك اضطروا أن يرفضوا كثيرًا من الأسفار وبعض فصول من أعمال الرسل ورسائلهم التي لو طالعها الإنسان بإمعان لما وجد فيها شيئًا من روح التعاليم الإلهية، بل هي أقرب إلى الرياء والغش منه إلى التعليم، وعلى ما أظن أن لوقا الإنجيلي أورد ذكر العجائب ليُعزِّز بها الإيمان ويجذب الناس إليه. وكثيرون من الناس حتى عصرنا الحالي يعتقدون بتلك العجائب اعتقادًا صحيحًا، وتُؤثِّر مطالعتها على أذهانهم وقلوبهم، وتوطد إيمانهم وتُعزِّز معتقدهم. ومن الحماقة وسخف الرأي الاعتقاد بأن العجائب تُعزِّز الإيمان؛ لأنه من الحقائق الثابتة أن الناس يوقدون المصباح في الظلام لينير لهم، ولكن إذا كان النور موجودًا فهل من لزوم للمصباح؟! فعجائب المسيح هي بمثابة المصابيح التي تُوقد في النور لكي تنيره، فما دام النور موجودًا فهو يُضيء من نفسه وتراه العيون، ولكن إذا أسدل الظلام جلبابه فحينئذٍ يأتون ليُبدد غياهب الظلام ويُنير للحاضرين.
وإذا طالعنا السبعة والعشرين كتابًا الكنائسية، واعترفنا بأنها كلها مُنزَّلة مقدسة، فإننا نقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الكنيسة؛ أعني أنها أنكرت نفسها إنكارًا شنيعًا؛ ولذلك لا أنصح الناس بالاعتراف بتلك الكتب. وإذا أردنا أن نقرأ الكتب التي تبحث في الدين المسيحي، يجب علينا أولًا أن نعرف أيًّا من السبعة وعشرين كتابًا هو المهم المفيد، وإذ ذاك نشرع بدرسه والنظر فيه نظر الناقد الخبير، وبالطبع كل يقول معي إن أهم تلك الكتب هي الأناجيل الأربعة: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا، وما تقَدَّمَها من الكتب لا ننظر إليه إلا كمادة تاريخية لأجل فهم الإنجيل، وما تأخرها ما هو إلا شرح لتعاليمها ومُفسِّرًا له؛ ولذلك ينبغي علينا أن نفتش في هذه الكتب الأربعة عن الحقيقة؛ لأنها حسب قول الكنيسة حاوية أهم التعاليم التي قالها المسيح نفسه، وفيها مُتمثل الوحي الإلهي، ثم يجب علينا أن نبحث عن أصول التعليم الأساسية بدون تطبيقها على ما جاء في بقية الكتب من التعاليم والأقوال، أقول ذلك ليس لأني لا أريد مطالعة تلك الكتب، كلا بل لكيلا أسقط في هذا الضلال والخطأ.
وإني سأبحث في تلك الكتب عما يأتي؛ أولًا: أبحث في كل شيء أفهمه وأدركه من تعاليمها؛ لأنه لا يعتقد أحد في الوجود بشيء لا يدركه ولا يفهمه، ومعرفة غير المفهوم لا تفرق في شيء عن عدم المعرفة. ثانيًا: عمَّا أجد به جوابًا على سؤالي الآتي: من أنا؟ ومَن هو الله؟ ثالثًا: عن أساس الوحي وماهيته؛ ولذلك فقد عزمتُ أيضًا على مطالعة الأشياء التي أستطيع فهمها وإدراك كُنهها مرارًا عديدة علَّني أتوصل بواسطتها إلى بعض الحقيقة. وأنا أقول: إني قد طالعت جميع كتب الكنيسة ودرستها درسًا مُدقَّقًا، وطالعت كتب تفاسيرها وشروحها، وتيقَّنت بعد ذلك أن تعاليم الكنيسة محصورة في الحقيقة، ونفس الأمر بالأربعة أناجيل فقط، وأن كتب العهد القديم لا تفيد مطالعتها المسيحيين شيئًا، بل تزيد الظلام ظلامًا، وتُوقع القارئ في الشكِّ والريبة؛ لأنها تخالف العهد الجديد على خط مستقيم مخالفة لا تخفى على كل ذي بصيرة وقَّادة، وأما رسائل يعقوب ويوحنا، فهي تحتوي على تفسير وإيضاح تعاليم المسيح الموجودة في الأربعة أناجيل، ولا يجد فيها القارئ شيئًا جديدًا مُطلقًا، ولكن بمزيد الأسف أقول: إن رسائل بولص مشحونة بأقوال فارغة وأباطيل كثيرة تقود القُرَّاء إلى لُجة عميقة لا يستطيعون الصعود منها، وأما كتاب أعمال الرسل وبقية رسائل بولص، فليس لها أدنى ارتباط بتعليم الإنجيل، بل في كثير من المواضع تُخالف نصوصه، وتخالف أقوال رسائل يعقوب ويوحنا.
ولقد طالعت الأربعة أناجيل مُطالعة دقيقة باللغة الروسية وسائر اللغات المستعملة، ثم طالعتها باللغة اليونانية التي تُرجِمت عنها إلى سائر اللغات ترجمة بعيدة عن الحقيقة بُعد السماء عن الماء، ثم أجهدت القريحة وعرَّبتها تعريبًا دقيقًا يُطابق المعنى، واستعنت في ذلك بالقواميس المُطوَّلة ذات الشروح الضافية، وقد اعتنيت في خلال التعريب بأن أُوحِّد الأربعة أناجيل؛ لأن تعاليمها جميعًا متقاربة مُتَّفِقة، لا تختلف إلا اختلافًا طفيفًا، وإذا اعترض معترض وقال بلزوم مطالعة وتعريب إنجيل يوحنا على حدةٍ لأنه يتضمن تعاليم لاهوتية سامية المبنى لم تَرِد في بقية الأناجيل، فأردُّ ذلك الاعتراض بأني لا أقصد في الترجمة قصر البحث على الحوادث التاريخية واللاهوتية والفلسفية، كلا؛ فإني أوجِّه التفاتي إلى معنى التعاليم والبحث فيها بحثًا مُفصَّلًا، وهذا التعليم وارد في الأربعة أناجيل على السواء دون تمييز الواحد عن الآخر، فإذا جميعها مُستقاة من الوحي الإلهي كما تقول الكنيسة، ثم إن فكرة توحيد الأناجيل ليست جديدة وليست من مخترعات بنات أفكاري، بل قد سبقني إليها كثيرون وعزموا على ذلك، ولكنهم لم يُظهروا عزمهم من حيِّز القول إلى حيِّز الفعل، وبعضهم بدأ في العمل ولم يُتمَّه، ومن بين هؤلاء أرنوليدي فيرس وفاوارديس وغريتشوليف وغيرهم.
ولكن جميع أولئك الشارعين كانوا مُوجِّهين التفاتهم، وقصدوا في تآليفهم توحيد وقائع الإنجيل التاريخية وتعليمه معًا، ولكني أنا أخالفهم في هذا المبدأ، وأضرب صفحًا عن الحوادث التاريخية، ولا أبحث بغير التعاليم.
معنى كلمة الإنجيل
أولًا: اصطلح مترجمو الأناجيل على عدم ترجمة لفظة الإنجيل؛ بل استعملوها كما هي بلفظها اليوناني، ولا يقدرون لها معنًى آخر سوى أنه يقصد بها أربعة كتب تحتوي على تعاليم المسيح، مع أن لهذه اللفظة معنًى خاصًّا مرتبطًا ارتباطًا متينًا بفحوى تلك الكتب ومحتوياتها. وإذا أردنا أن نُعرِّب هذه اللفظة إلى اللغة العربية أو غيرها من اللغات تعريبًا حرفيًّا فيكون معناها البشارة، وهو تعريب فاسد لا يفي بالغرض المقصود ومخالف لمعنى الكلمة. إن لفظة إنجيل باللغة اليونانية مركبة من كلمتين «أيف» ومعناها: جيد، حسن، صلاح، خير، صدق، و«إنجيليون» ومعناها: الإخبار بخبرٍ ما من الأخبار، ويكون تعريب اللفظتين معًا الإخبار بالخير أو الخبر الحسن.
ثانيًا: إن الكلمتين «كاتا ماتذيون» تُفيدان الأخبار الحسنة التي أخبرها الإنجيليون الأربعة: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا عن أعمال المسيح، ولكن غير مُوضِّحة الطريقة التي كتبوا فيها تلك الأخبار، هل كتبوها بمجرد السماع، أو أملاها عليهم أحد، أو سمعوها من أفواه الناس، أو من نفس المسيح، فإنهم قد أغفلوا هذا الأمر وأهملوه مع أنه في غاية الأهمية المطلوبة عند وضع كتب يعترف بها الملايين من البشر.
ثالثًا: لفظة «خريستوس» أو المسيح معناها الممسوح من الله، وهذه اللفظة مأخوذة من تقاليد اليهود وموافقة لها كل الموافقة، ولكنها غير منطبقة على تأدية المراد من الإخبار بالخير أو التبشير للناس بأقوال حسنة مفيدة لهم.
رابعًا: لفظة ابن الله التي تدعو الكنيسة بها يسوع المسيح وتخصُّه بهذا النعت دون سواه من الناس، مع أنها في الحقيقة ونفس الأمر مختصة بجميع الناس على السواء، وذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ومصرح به في كثير من مواضع الإنجيل.
ولما كان يسوع المسيح يخاطب الشعب كان يقول: فليضئ نوركم هكذا بين الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجِّدوا أباكم الذي في السموات (متَّى، ص٥، عدد ١٦).
وجاء أيضًا في متَّى، إصحاح ٥، عدد ٤٥: «لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات؛ فإنه يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين.» وفي لوقا، ص٦، عدد ٣٦: «فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم.»
وفي متَّى، ص٦، عدد ١: «احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قُدَّام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات.» ومتَّى، ص٦، عدد ٤: «لكي تكون صدقتك في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يُجازيك علانية.»
وفي متَّى، ص٥، عدد ٤٨: «فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل.»
وفي متَّى، ص٦، عدد ٦: «وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يُجازيك علانية.»
وفي متَّى، إصحاح ٦، عدد ٨: «فلا تتشبَّهوا بهم؛ لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه.» ومتَّى، إصحاح ٦، عدد ١٤: «فإنه إن غفرتم للناس زلَّاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي.»
والمسيح نفسه سمَّي نفسه «ابن الله» من جهة التعميم، كما كان يُسمي تلامذته وسائر الناس أبناء الله كما ورد في الآيات السالفة الذِّكر التي لا تدع شكًّا في نفس مُرتاب. والمسيح نفسه يعتقد بأن الله خلقه كسائر الناس؛ ولذا دعا نفسه ابن الله كما دعاهم أبناء الله سواء بسواء، ولقد اتَّخذت الكنيسة ذلك حجة لتأييد دعواها على أن المسيح هو ابن حقيقي لله، كما أنني لاون بن نقولا تولستوي! معاذ الله إن هذا إلا ضلال مبين وافتراء على مقام الله الواحد الصمد المُنزَّه عن الشريك.
ورد مثل ذلك في كثير من مواضع الإنجيل؛ مما يدل على أن جميع الناس هم أبناء الله، وقد جاء في إنجيل لوقا بأعظم صراحة أن كل إنسان هو ابن الله، وأن يسوع ليس مُختصًّا بتلك التسمية، بل هو أيضًا ابن الله كجميع الناس الذين خلقهم الله دون تمييز ولا حصر.
وعندما أورد لوقا الإنجيلي نسب المسيح ذكره من جهة الأم فقط، فقال: كان يسوع ابن مهللئيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم بن الله … إلخ (لوقا، ص٣، عدد ٣٨).
وهكذا؛ فإن يسوع المسيح ابن الله هو ذلك الرجل الذي بشَّر الناس بتلك الأخبار الصالحة، وقد دعاه الناس يسوع، ودُعِي أيضًا المسيح؛ أي المختار من الله، وقد دُعِي أيضًا ابن الله.
إن هذا الفصل من الإنجيل يدل على مضمون الكتاب جميعه، فقد قلنا: إن تلك الكتب تتضمن أخبارًا مفيدة للبشر؛ ولذلك يجب أن نُوجِّه مزيد التفاتنا إلى مضمون هذا الفصل لكي نستطيع فيما بعد اختيار الأهم وتفضيله على المهم، وبما أن الكتاب كما قدَّمنا يتضمن أخبار الناس بالخير أو الصلاح؛ ولذلك فتكون تلك الأخبار موضوع بحثنا بقطع النظر عما ورد في الكتاب أيضًا من الأخبار التاريخية والعجائب التي لا نهتم بها؛ ولذلك فإنه يمكننا حصر الفصل كله بالجملة الآتية: إن يسوع المسيح المُسمى أيضًا ابن الله قد أخبر الناس أخبارًا مُسرَّة مفيدة.
إنجيل تولستوي وديانته |
مختصر الأناجيل أو تلخيصها
إن هذا السِّفر يتضمن أربعة أمور:
(١) إيضاح شئون حياتي الشخصية وإظهار أفكاري التي قادتني إلى الاعتقاد بأن تعاليم المسيح تتضمن حقائق صحيحة.
(٢) إن الشروح التي علَّقتها الكنيسة على تعاليم المسيح وشروح الرسل، مع الإضافات التي أدخلها عليها آباء الكنيسة في المجامع كلها هذيان وبهتان وكذب محض واختلاق ظاهر.
(٣) وجوب البحث في تعاليم المسيح بما وصل إلينا منها في الأناجيل الأربعة مما هو منسوب إليه فقط، ثم وجوب رفض رسائل الرسل وتفاسير الكنيسة وإضافاتها المُختلَقة على تعليم المسيح.
(٤) إيراد الأدلة القاطعة على أن الكنيسة أفسدت جوهر تعليم المسيح، ثم البحث في نفس تلك التعاليم، مع إيجاد النتيجة التي نجمت عن كرازة المسيح وتبشيره الناس.
ثم إني بعد إمعان الفكر الطويل وإجهاد القريحة وسهر الليالي الطوال في البحث والتنقيب، قد استطعت أن ألخص الأناجيل الأربعة في اثني عشر فصلًا مرتبطة ببعضها ارتباط حلقات السلسلة، ضمنتها جميع تعاليم المسيح وروح كلامه.
ويمكننا أن نورد بالإيجاز مضمون التعاليم المسيحية ونذكرها بعدة بنود، وإليك البيان:
(١) إن الإنسان هو ابن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، أو بعبارة أخرى: هو ابن الله بالروح وليس بالجسد.
(٢) ولذلك يتحتَّم على الإنسان أن يخدم ذلك الأزلي بالروح فقط.
(٣) أصل حياة جميع البشر صادر من عند الله؛ ولذلك فإن هذه الحياة مقدسة طاهرة.
(٤) إرادة أب البشر تنحصر في أنه ينبغي على الإنسان أن يخدم جميع الناس؛ لأن حياته وحياتهم مأخوذة من أصل واحد.
(٥) إذا أتم الإنسان إرادة ذلك الآب وخدم الناس خدمة حقيقية فإن حياته إذ ذاك تكون حياة مقدسة.
(٦) ولذلك فلا ينبغي على الإنسان أن يهتم كثيرًا بإرادته الخاصة والسير على هواها؛ لأن ذلك يُناقض مطالب الحياة الحقيقية المقدسة.
(٧) إن الحياة الوقتية أو بتعبير آخر الحياة الجسدية، ما هي إلا طعام للحياة الروحية أو مواد مادية لها.
(٨) الحياة الحقيقية غير مقيدة بزمان، بل هي حياة في الزمن الحاضر فقط.
(٩) إن مشاغب وملاهي الحياة الماضية والآمال الكاذبة في الحياة المستقبلة تقودان الناس إلى الضلال، وتسدلان على عيونهم حِجابًا كثيفًا يحول بينهم وبين القيام بمطالب الحياة الحاضرة المقدسة.
(١٠) يتحتم على الإنسان أن يُحارب غش الحياة الماضية والمستقبلة، ويهدم كل صروح تلك الآمال والأفكار الكاذبة.
(١١) إن حياة الإنسان الحقيقية الحاضرة ليست خاصة بشخصه وحده، بل هي في الحقيقة ونفس الأمر مرتبطة بحياة الهيئة الاجتماعية ارتباطًا متينًا.
(١٢) ولذلك عندما يُكرِّس الإنسان حياته الحقيقية الحاضرة لخدمة البيئة الاجتماعية المرتبط معها والعائش في وسطها، حينئذٍ فقط يتحد مع الآب الذي هو أصل هذه الحياة.
إن هذه البنود الاثني عشر ملخص الاثني عشر فصلًا التي لخَّصتُ بها الأناجيل، ثم أضفتُ إلى ذلك الصلاة التي علَّمها المسيح لتلاميذه.
ولما انتهيتُ من عملي وجدت أن هذه الصلاة مركبة من اثنتي عشرة مادة، يُطابق معنى كل واحدة منها مضمون فصل من الفصول التي لخَّصتُ بها الأناجيل، فأدهشني ذلك ووقع من نفسي الاستحسان والسرور، وإليك البيان:
(١) أبانا. الإنسان هو ابن الله.
(٢) الذي في السموات. الله هو أصل الحياة الروحية ولا بداية له ولا نهاية.
(٣) ليتقدَّس اسمك. ليتقدَّس أصل هذه الحياة.
(٤) ليأتي ملكوتك. فلينتشر سلطانه بين جميع الناس.
(٥) لتكن مشيئتك كما في السماء. فلتتم إرادة ذلك الأزلي أصل الحياة، كما يتمها هو ويريد.
(٦) كذلك على الأرض. وبالجسد أيضًا.
(٧) أعطنا خبزنا الجوهري. الحياة الوقتية هي طعام للحياة الحقيقية.
(٨) اليوم. الحياة الحقيقية في الزمن الحاضر فقط.
(٩) واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه. فلا تسدل غلطات وضلال الحياة الماضية حجابًا على عيوننا، حتى لا نرى الحياة الحاضرة الحقيقية.
(١٠) ولا تدخلنا في التجربة. ولا تقودنا إلى الضلال والانخداع.
(١١) لكن نجِّنا من الشرير. وإذ ذاك فلا يكون أثر للشر.
(١٢) لأن لك الملك والقوة والمجد. بل يكون سلطانك وقوتك وكلمتك.
ثم إني أزيد القارئ إيضاحًا، وهو أني وضعت كتابًا طويلًا في عدة مجلدات، بحثت فيه عن تعليم الإنجيل بحثًا مفصلًا، وهو لم يزل بين يديَّ لعدم إمكان طبعه في روسيا، وأما في هذا الكتاب المختصر فلم أستطع التفصيل الوافي لضيق المقام؛ ولذلك لم أبحث كثيرًا في المواضيع الآتية: الحبَل بيوحنا المعمدان وولادته وسجنه وموته، وولادة المسيح ونسبه وهربه مع والدته إلى مصر، وعجائبه في مدينة قانا الجليل التي حوَّل فيها الماء إلى خمر، ثم عجائبه في كفر ناحوم وطرد الشياطين، ومسيره على الماء، وتيبيس التينة، وشفائه المرضى، وإقامته الأموات، ثم قيامة المسيح. كما أني ضربت صفحًا عن نبوات الأنبياء التي طبقتها الكنيسة على حياة المسيح وأعماله، وقد أضربت عن ذكرها؛ لأنها لا تحتوي على شيء من التعليم ولا فائدة من ذكرها لعدم أهميتها؛ لأنه بقطع النظر عن صدقها أو كذبها، فإنها لا تخالف التعليم ولا تؤيده، وإنما الكنيسة توردها كبراهين ساطعة للدلالة على ألوهية المسيح مع أنها ليست في شيء من ذلك، وأن أعظم برهان يدل على حقيقة التعليم هو توحيد التعليم ووضوحه وبساطته وكماله وموافقته لحواس الإنسان الذي يطلب الحقيقة، ثم أوجِّه التفات القارئ بأن لا يأخذ علي من تكراري ذكر تعليم المسيح أني أعتبر الأناجيل الأربعة كتبًا مقدسة؛ فإن ذلك وهم وضلال مبين، وليعلم القارئ أيضًا: أن يسوع المسيح لم يكتب مدة حياته كتابًا كبلاتون وفيلون أو مارك إفريلي حتى، ولا كان كسقراط الذي كان يُلقي تعاليمه على تلاميذه المُتنوِّرين ذوي المدارك السامية، كلا كلا، فإن المسيح كان يُعلِّم البسطاء الجهلاء الذين كان يُصادفهم في حياته وأهل الوسط الذي كان عائشًا فيه، وإنما بعد وفاته بزمن طويل أخذ بعض الناس يذكرون أقواله ووجَّهوا إليها التفاتهم، وجعلوا يتناقلونها، وبعد مائة عام كتبوا ما سمعوه عنه، وليعلم القارئ أيضًا أن ما كُتِب بهذا الصدد كان لا يُحصى له عدد، فُقِد منها جزء كبير، وما بقي عنها كان في غاية الركاكة، ومما لا يصح الركون إليه والوثوق بصحته، ثم إن المسيحيين جمعوا تلك الكتابات واختاروا منها الأنسب لأذواقهم ومآربهم.
ثم فليعلم القارئ أيضًا: أن تعليم المسيح الحقيقي هو مقدس فقط، وأما كثرة الآيات والأسطر والحروف فليست مقدسة، ولا ينبغي أن نعتقد بها لمجرد قول الناس بقداستها.
وليعلم القارئ أيضًا: أن الأناجيل التي بين أيدينا الآن ما هي إلا ثمرة أنضجها الزمان بواسطة النقل والإملاء، واشتغال عقول ألوف من البشر بها، وتلاعب أيدي الكثيرين، وليست هي وحي من الروح القدُس أوحاه للإنجيليين كما تعتقد الكنيسة.
ثم فليعلم القارئ أيضًا: أن الأناجيل لعبت بها أيدي التحريف والنقل والزيادة والنقصان، والأناجيل التي وصلت إلينا في الجيل الرابع كانت مكتوبة بخط سقيم لا ضابط لها يضبط صحَّتها، وكانت تُقرَأ في الجيل الخامس على طُرق مختلفة، كل طريقة منها تُخالف الأخرى، حتى أحصى بعضهم أن عدد الأناجيل المختلفة في طُرق القراءة بلغ الخمسين ألفًا.
ثم إني أرجو مُطالِع كتابي هذا أن يعلم بأني لا أنظر إلى الأناجيل ككتب مقدسة مُنزَّلة علينا من السماء بواسطة وحي الروح القدُس، كما أني لا أنظر إليها كتاريخ يتضمن آداب الدين، وكذلك أوجه التفات القارئ ألا ينظر إليها كما تنظرها الكنيسة ورجال العصر المتنورون الذين يعتبرونها بمثابة تاريخ ديني ليس إلا، وإني لا أعتقد بالديانة المسيحية أنها وحي إلهي، ولا بأنها تاريخ، كلا كلا، بل أعتقد بأنها تعليم يكشف للبشر عن ماهية الحياة ومعناها، والأمر الذي قادني إلى اتباع تعليم المسيح هو أني لما بلغت الخمسين سنة سألت فلاسفة الوسط المُقيم به أن يرشدوني إلى ماهية حياتي، ومن أنا؛ فأجابوني: إنك شخص مركب من أعضاء عديدة ولا يوجد معنًى لوجودك وحياتك، وإن الحياة كلها مملوءة شرًّا، فوقع جوابهم على رأسي كالصاعقة سقطت على أثره في حضيض اليأس وعزمت على الانتحار، ولكني ثُبتُ إلى الرشد عندما تذكرت أني لما كنت غلامًا مؤمنًا كنت أشعر بمعنى الحياة، ثم تذكرت أن السواد الأعظم من الناس البسطاء الذين لم تُفسد أخلاقهم الثروة مؤمنين، وأنهم عائشون عيشة حقيقية؛ فشككت في صحة جواب الفلاسفة، وأخذت أبحث عن الجواب الذي تجيب به الديانة المسيحية المؤمنين العائشين في ظلها، وللوقوف على ذلك شرعت بدرس الديانة المسيحية درسًا مُدقَّقًا، فأخذتُ أُطالع بإمعان وروية الأناجيل الأربعة، وما تضمنته من التعاليم، فوقفت فيها على إيضاح المعنى الذي يرشد المؤمنين إلى الحياة الحقيقية، غير أني في أثناء استقائي من ذلك الينبوع العذب وجدتُ فيه أقذارًا كثيرة عكَّرت صفاء مائه، ووجدتُ إلى جانب تلك التعاليم تعاليم أخرى غير مطابقة له، بل هي تُخالفه على خط مستقيم، وأريد بها التعاليم الكنائسية والعبرانية، فكنتُ في بحثي كذلك الرجل الذي وجد كيسًا مملوءًا بالأقذار المُنتنة، ولكنه بعد التعب والمشقة وجد في ذلك الكيس عددًا وافرًا من الحجارة الكريمة، فبعد أن وجَّه جميع عبارات السفه لأولئك الذين ملئوا الكيس بالأقذار، عاد يُثني عليهم ويشكرهم؛ لأنهم أخفوا تلك الجواهر وسط الأقذار، وكذلك فإني لبثتُ رازحًا تحت عبء الاضطراب والتفكير حتى أدركت أنه في الإمكان تطهير تلك الجواهر من الأقذار التي علقت بها وشوَّهت محاسنها.
إني لم أكن أعرف النور، وكنت أزعم ألا حقيقة في هذه الحياة، ولكنني تحقَّقت أن الناس عائشون في النور، فطفقتُ أبحث عن ينبوعه؛ فوجدته في الأناجيل الأربعة بقطع النظر عن تفاسير الكنيسة الكاذبة، ولما بلغت الينبوع غشت بصري ظلمة حالكة، وإنما عثرت على ضالتي المنشودة، فوجدت الجواب الذي كنتُ أسأله؛ فعرفت معنى حياتي وحياة الناس.
إن أبحاثي كانت مقتصرة على ماهية الحياة، ولم تتعدَّاها إلى المسائل الإلهية والتاريخية؛ ولذلك كان لا فرق عندي؛ سواء كان المسيح إلهًا أم إنسانًا، وكذلك لم أهتم بمسألة انبثاق الروح القُدُس ولا بمن كتب الأناجيل، وهل الأمثال الواردة فيها منسوبة للمسيح حقيقة أم لا، وإنما كان يهمني ذلك النور الذي أنار البشر مدة ١٨٠٠ سنة كما ينيرها وينيرني الآن.
ثم أخذت أتفرَّس في ذلك النور وأقاوم كل شيء يحاول إخفاءه، وكلما توغَّلت في المسير على ذلك الطريق كانت تزول الريبة من نفسي وتظهر لي الحقيقة بحذافيرها، حتى استطعت أخيرًا أن أُفرِّق بين الصحيح والفاسد.
ثم إنه ينبغي علينا لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي كما كان يفهمه، هو أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الطويلة الكاذبة التي شوَّهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، ويرجع بحثنا إلى أيام بولص الرسول الذي لم يفهم تعليم المسيح، بل حمله على محمل آخر ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيِّين وتعاليم العهد القديم.
وبولص كما لا يخفى كان رسولًا للأمم أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهرات الخارجية الدينية كالخِتان وغيره، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي؛ فأفسد جوهره.
ومن عهد بولص ظهر التلمود المسيحي المعروف بتعاليم الكنائس، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها منذ ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي المتمسكة بها جميع الكنائس.
إن أولئك الشُّرَّاح والمُفسِّرين يدَّعون يسوع إلهًا دون أن يُقيموا على ذلك الحُجة، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار؛ موسى، والزبور، وأعمال الرسل، ورسائلهم، وتآليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله.
كل الرجال الذين ظهروا بعد المسيح وشرحوا تعاليمه وألَّفوا فيها التآليف الكثيرة كانوا يُؤيِّدون للناس بأنهم يكتبون بإلهام الروح القُدُس، كبولص الرسول ورجال المجامع الذين عند عقدهم المجامع كانوا يفتتحونها دائمًا بالصلاة إلى الله ليسكب عليهم نعمة الروح القُدُس، ومثل ذلك تراتيب البابوات والمجامع المقدسة والأريوسييين وجميع المُفسِّرين الكَذَبة الذين يُجاهرون على رءوس الملأ بأن الروح القدُس يتكلم بأفواههم؛ ليُعزِّزوا أقوالهم ويثبتوا للناس حقيقتها، ويدَّعون أن مطابقتهم التعاليم لبعضها ليست من مبتكرات بنات أفكارهم، بل هي صادرة عن الروح القدُس.
إن تعاليم الإله الذي نزل إلى الأرض لا يمكن أن تكون متناقضة، فإذا كان الإله نزل إلى الأرض ليُظهر الحقيقة للناس، فأقل شيء يُطلَب منه عند كشفه تلك الحقيقة أن تكون مفهومة لدى الجميع، فإذا لم يستطع ذلك فإنه ليس إله، فإذا كانت التعاليم الإلهية على شكل لا يستطيع الله نفسه أن يجعلها مفهومة، فالناس مهما أُوتوا من الحكمة والذكاء فإنهم يعجزون عن إيضاحها وتفسير غامضها.
وأما إذا لم يكن المسيح إلهًا؛ بل إنسانًا عظيمًا، فإن تعاليمه لا تتولد منها أيضًا الأباطيل؛ لأن أقوال الرجل العظيم تُعرَف ببساطتها وقُرب مأخذها.
ولم تظهر الطوائف والشِّيَع في الديانة المسيحية ابتداء من أريوس فصاعدًا إلا من كثرة البحث في تعاليم المسيح، وتفسيرها تفسيرًا يُطابق هوى المفسر أو الشارح التي لم تُطابق عقائد الآخرين.
والقول بإن هذه العقيدة إلهية صادرة من الروح القدُس قول بلغ أقصى درجات الكِبْر والحماقة؛ لأنه أي كبرياء يتَّصف بها الإنسان أعظم من ادِّعائه بأن الله يتكلم بفمه ولسانه؟! وهل توجد في العالم حماقة أعظم من هذه؟! فما هذا الغش والضلال؟! ألا يجوز لكل إنسان أن يضع كتابًا دينيًّا ثم يدَّعي أنه مُنزَّل من السماء؛ لأن الله أوحى به له حيث تكلم بفمه ولسانه؟! ومن هذا القبيل جميع تآليف المجامع الكنائسية وعقائدها ودستور إيمانها؛ ولذلك دخلت على الكنائس ما يُسمونه بالهرطقات التي زعزعت أركان الدين المسيحي وهدمت معالم حقيقته.
والغريب أن مبتدعي تلك التعاليم يدَّعون أنهم يكتبون بإلهام الروح القدُس الذي حلَّ على الرسل، ولا يزال يحلُّ على مفسري الكتاب الكَذَبة، ومع تماديهم في الادِّعاء فإنهم لا يستطيعون إقامة برهان واحد على صِحَّة دعواهم يوضِّحون لنا ماهية الوحي، ويكشفون لنا النقاب عمَّن هو الروح القدُس، بل ما زالوا يُغرِّرون بالناس ويدعون أنفسهم كواكب الكنيسة المسيحية، والأنكى من ذلك أن حيلتهم انطلت على البشر مُدة عشرين جيلًا.
إن المسيحيين واليهود والمسلمين يعتقدون جميعهم بالوحي الإلهي، فالمسلمون يعتقدون بنبوة موسى وعيسى، ولكنهم يعتقدون كما أعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانة النصرانية، وهم يعتقدون بأن محمدًا خاتمة الأنبياء، وأنه قد أوضح في قرآنه تعاليم موسى وعيسى الحقيقية كما قالاها دون زيادة ولا نقص، وأن كل مسلم أمامه كتاب القرآن يقرأه ويتمسَّك به ويسير بموجب أحكامه ولا يعترف بغيره من الكتب مهما اشتهر واضعوها بالتقوى والصلاح، ويُسمِّي المسلمون ديانتهم بالمحمدية لأن محمدًا وضعها بخلاف الكنيسة المسيحية التي تسير الآن بموجب تآليف الآباء الذين يدَّعون بأن ما كتبوه هو من الروح القدُس، فكان الأحرى بالمسيحيين أن يُسمُّوا كنيستهم الروحية القدسية أولى من تسميتها بالمسيحية.
إن أصحاب البدع الروح القدسية يعتبرون كلام بولص وسائر الرسل والبابوات والبطاركة ولوثيروس وفيلاريت آخر كلام أُنزل على الكنيسة من الروح القدُس، فكان يجب على كل طائفة أن تُسمِّي نفسها باسم ذاك الذي تتبع أقواله ولا تُسمِّي نفسها مسيحية؛ لأنها تُخالف تعاليم المسيح التي لا تهتم بها، بل فضَّلت عليها أقوال الآباء والمجامع والأساقفة؛ لأنهم يعلمون الناس بأن المسيح قال في كرازته: إنه نزل إلى الأرض ليفتدي الجنس البشري من الخطيئة التي تسلسلت إليه من آدم جَدِّ البشر الأول، وإن الروح القدس حلَّ على الرسل، ثم يحلُّ على الكهنوت بواسطة وضع الأيدي، وإنه لأجل الخلاص يتحتَّم على الناس تتميم سبعة أسرار الكنيسة، ويدَّعون أن هذه الأمور علَّمها المسيح للناس وألقاها على تلاميذه، مع أن المسيح براء منها، ولم يُشِر إلى شيء منها أقل إشارة.
هذه إيضاحات وافية أوضحتها لقُرِّاء كتابي الذين ربما تضطرب أفكارهم لدى مطالعتها، ويحزنون على الزمن الذي أضاعوه باتِّباع الأضاليل والتُّرَّهات، وما على المقتنع بصحة أقوالي إلا أن يتوب توبة خالصة، ويرفض تلك التعاليم الكاذبة التي رسخت في ذهنه، ولا يلتفت للاضطهاد الذي تضطهده به الكنيسة ورجالها.
وإذا لم يقتنع قُرَّاء كتابي بأقوالي فما عليهم إلا أن يضطهدوني؛ لأني شوَّشت أفكارهم، وإني أحتمل بفرح وسرور جميع ما يتوقَّع لي منهم.
إنجيل تولستوي وديانته |
تمهيد
الإنجيل هو كتاب أظهر للناس أن الله الأزلي هو أصل كل شيء في العالم، وأوضح لهم أن الله لا يمكن أن يكون شخصًا محسوسًا تتحسَّسه الأيدي وتراه الأبصار، ولم تظهر في العالم سوى كلمة الله أو بمعنًى آخر كلمة الحياة، وكل إنسان يعيش في هذه الحياة الدنيا بواسطة كلمة الحياة التي بدونها لا يمكن أن يكون عائشًا عيشة حقيقية، وأولئك الناس الذين لا يفقهون معنى كلمة الحياة، بل يعتقدون أن الجسد أصل كل شيء هم في ضلال مبين، ولا يتوصَّلون إلى الحصول على الحياة الحقيقية التي أرشدنا إليها المسيح بتعاليمه، فإنه وضع لنا ناموسًا لنسير عليه ولا نتعدَّى حدوده.
مرقص، ١: ١: بشارة يسوع المسيح ابن الله.
يوحنا، ٢٠: ٣١: إن تلك البشارة الحسنة تتضمن أن الناس المعتقدين بأنهم أبناء الله ينالون الحياة الصالحة، يوحنا، ١: ١: في البدء كانت كلمة الحياة، وكلمة الحياة قامت بمقام الله فإذن هي الله.
٢: وبما أن المسيح بشَّر بتلك الكلمة، فقد أصبحت أصلًا لكل شيء.
٣: كل شيء في العالم وُلِد بواسطة كلمة الحياة، وبدونها لا يمكن أن يكون شيئًا حيًّا.
٤: كلمة الحياة: توصل الناس للحياة الحقيقية.
٥: كلمة الحياة هي نور الحقيقة، والنور يُضيء في الظلام، والظلام لا يقوى عليه.
٦: النور الحقيقي كان موجودًا في العالم، ويُنير كل إنسان يوجد في العالم.
١٠: وكان في العالم، والعالم كان عائشًا بوجود كلمة الحياة في وسطه، ولكن العالم لم يستطع ضبطه.
١١: هو ظهر في خاصته، وخاصته لم تقبله.
١٢: إنما أولئك الذين أدركوا كلمة الحياة استطاعوا أن يستحقوه لأنهم آمنوا به.
١٣: أولئك الذين آمنوا أن الحياة في الكلمة أصبحوا أبناء الكلمة وليس أبناء الجسد.
١٤: وكلمة الحياة أظهرت ذاتها بالجسد بواسطة يسوع المسيح، وعلمنا أنه كإنسان بالجسد ابن للكلمة.
١٥: تعليم المسيح هو إيمان حقيقي كمالي.
١٦: لأننا بإتمامنا تعليم المسيح نقبل ديانة جديدة عِوَض العتيقة.
١٧: موسى وضع شرائع ونواميس، ولكن يسوع المسيح علَّمنا الديانة الحقيقية.
١٨: الله لم يرَه أحد قط، ولن يراه أحد مطلقًا، إنما يسوع المسيح أرانا طريق الحياة.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الأول ابن الله (أبانا) (الإنسان — ابن الله — ضعيف بالجسد قوي بالروح)
فحوى الفصل الأول
يسوع المسيح كان ابنًا لأب مجهول، وإذ لم يعرف من هو والده دعا نفسه ابن الله منذ صباه، وفي ذلك الزمان كان في بلاد اليهودية نبي اسمه يوحنا، كان يُكرز للناس بقرب ظهور الله على الأرض، فكان يقول: إن الناس إذا غيَّروا طريقة حياتهم وأصبحوا يحسبون جميع الناس متساوين، وينقطعون عن التعديَّات على بعضهم، ويأخذون بمساعدة بعض؛ فإن الله ينزل إلى الأرض ويُوطد دعائم مملكته عليها؛ فلما سمع يسوع هذه الكرازة ابتعد عن الناس وسار إلى البرِّيَّة حيث اختلى بنفسه ليتأمل بمعنًى حياة الإنسان ونسبته إلى ذلك الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، أعني به الله جل جلاله، وكما قدَّمنا: إنه لما كان لا يعرف له أبًا التجأ إلى ذلك الواحد القدير مبدع الموجودات الذي سمَّاه يوحنا: الله.
ولما أقام يسوع المسيح في البرِّيَّة عدة أيام بدون طعام ولا شراب، أخذ يشعر بالجوع، فافتكر بنفسه قائلًا: أنا ابن الله القادر على كل شيء، فإذن يحق لي أن أكون قادرًا مثله، ولكني الآن جائع وليس لدي خبز وليس في استطاعتي إيجاده؛ ولذلك فإني ضعيف جدًّا، فأجاب نفسه على ذلك بقوله: إني لا أستطيع أن أُحوِّل الحجارة إلى خبز، ولكني أستطيع الإمساك والعيشة بدون الخبز، وإذا كنتُ ضعيفًا بالجسد فإني قوي بالروح، وأستطيع أن أغلب الجسد؛ ولذلك فإني ابن الله بالروح وليس بالجسد.
ثم قال لنفسه: إذا كنتُ ابن الروح فإني أستطيع أن أتخلص من الجسد وأُفنيه، إنني ولدت بالروح في الجسم، هكذا شاءت إرادة أبي فأنا لا أُخالفها.
ثم قال لنفسه: إذا كانت إرادتي لا تستطيع إرضاء جسدي ومجاراته في مطالبه، فإنه يتحتَّم عليَّ أن أخضع للجسد ولا أنكره، وأن أعمل وأشتغل لأجله، وأتمتع بجميع الملذات التي يهبني إياها الجسد، فأجاب نفسه على ذلك بقوله: إني لا أقدر أن أُجاري مطالب الجسد، كما أني لا أستطيع إنكاره، وإنما روحي قوية بالله أبي؛ ولذلك يتحتَّم عليَّ أن أخدم الروح بالجسد، ولما تثبَّت وأيقن أن حياة الإنسان مُكرَّسة للروح أو لله عاد من البرِّيَّة، وأخذ ينشر تعاليمه بين الناس، فقال: إن به روحًا، وأنه من الآن تُفتَّح أبواب السماء، وتتَّحد القوات السموية مع الإنسان، وقد أقبلت على الناس حياة أبدية حُرة، وأن الناس مهما كانوا تعساء فإنهم يصبحون سعداء، يرفلون بسربال الغبطة والهناء. •••
متَّى، ١: ١٨: أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا، كانت أمه مريم مخطوبة ليوسف، ولكن قبل أن يعزما على العيشة كما يعيش الرجل مع زوجته ظهرت مريم حُبْلى.
١٩: ويوسف كان رجلًا بارًّا، فلم يشأ أن يجلب عليها العار ويُشهر أمرها، بل إنه قبلها كزوجته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعته يسوع.
لوقا، ٢: ٤٠: وكان الغلام ينمو ويتقوَّى، وكان حاد الجَنان، أُوتي ذكاءً مُفرطًا لم يُؤته أحد في سِنِّه.
٤١: ولما بلغ الثانية عشرة سنة.
٤٢: قصد ذات عام يوسف ومريم أورشليم لحضور العيد، واصطحبا الغلام معهما.
٤٣ و٤٤: ولما انقضت أيام العيد سافرا إلى مدينتهما ونسيا الغلام.
٤٥: وفيما هما في الطريق ذكراه ظنًا أنه مضى مع أترابه، فبحثا عنه ولمَّا لم يجداه، عادا إلى أورشليم يطلبانه فيها.
٤٦: وفي اليوم الثالث وجدا الغلام في الهيكل جالسًا بين العلماء يُسائلهم ويسمع حديثهم.
لوقا، ٢: ٤٧: وجميعهم كانوا مُتعجِّبين لسمو مداركه.
٤٨: فلما رأته أمه قالت له: ماذا فعلتَ بنا؟ لأني كنت مع أبيك نبحث عنك وحزنَّا جدًّا على فقدك.
٤٩: فقال لهما: أين بحثتما عني؟ ألا تعلمون أنه ينبغي البحث عن الابن في بيت أبيه؟
٥٠: ولكنهما لم يفهما كلامه، ولم يُدركا مَن يعني بأبيه.
٥١: ومن ذلك الحين عاش يسوع عند والدته وكان طائعًا لها.
٥٢: وكان ينمو في القامة والعقل.
لوقا، ٣: ٢٣: وكان الجميع يظنون أن يسوع ابن يوسف، وبقي عائشًا على حاله حتى بلغ الثلاثين عامًا.
متَّى، ٣: ١: وفي ذلك الزمان ظهر في اليهودية النبي يوحنا.
مرقص، ١: ٤: وكان يوحنا يعيش على ضفاف نهر الأردن الواقع في اليهودية.
متَّى، ٣: ٤ وكان لباسه من وبر الإبل، وكان طعامه من جذور الأشجار والعسل البري.
مرقص، ١: وقد نادى في الناس أن يُغيِّروا طريق معيشتهم ليخلصوا من الكذب والنفاق، وإشارة إلى تغيير معيشة الناس كان يُعمِّدهم بالماء.
لوقا، ٣: ٤: وكان يقول: صوت صارخ إليكم في البرِّيَّة، أعدُّوا طريق الرب، واصنعوا سُبله مستقيمة.
٥: مهِّدوا كل شيء حتى لا يكون اعوجاج ولا وِهاد ولا وديان ولا ارتفاع ولا انخفاض.
٦: وحينئذٍ يظهر الله بيننا ويجد الجميع الخلاص.
١٠: ثم سأله الشعب ماذا نعمل؟
١١: فأجابهم: من له ثوبان فليعطِ لمن ليس له، ومن عنده طعام فليعطِ من ليس عنده.
لوقا، ٣: ١٢: فجاء إليه العشَّارون وسألوه: ماذا نفعل؟
١٣: فأجابهم: لا تتقاضوا من الناس أكثر مما هو مفروض عليهم.
١٤: وسأله جند: ونحن ماذا نعمل؟ فأجابهم لا تُهينوا أحدًا، ولا تخادعوا الناس، واكتفوا بما عُيِّن لكم.
متَّى، ٣: ٥: وأتى إليه الأورشليميون وجميع اليهود من كورة الأردن.
٦: وتابوا أمامه عن خطاياهم، وكان يُعمِّدهم في الأردن إشارة إلى تغيير معيشتهم.
٧: وجاء إليه الفريسيُّون والصدوقيُّون سرًّا ولكنه عرفهم، وقال لهم: يا أولاد الأفاعي من أرشدكم إلى مخالفة نواميس الله حتى جلبتم عليكم غضبه؟ فارجعوا عن آثامكم وغيِّروا معتقداتكم.
٨: وإذا غيَّرتم معتقداتكم فأتوا بأثمار تدل على إقلاعكم عنها.
١٠: قد وضعت الفأس على أصل الشجر فكل شجرة لا تُثمر ثمرًا جيدًا تُقطع وتُلقى في النار.
١١: وإني إشارة إلى رجوعكم عن معتقداتكم أُعمِّدكم بالماء، ولكن ينبغي عليكم بعد ذلك أن تتطهَّروا بالروح.
١٢: الروح يطهِّركم كما يُنقِّي الفلاح بيدره، فيجمع القمح ويحرق التبن.
١٣: فأتى يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا، واعتمد منه وسمع وعظه وكرازته.
متَّى، ٤: ١: ومضى من الأردن إلى البرِّيَّة حيث دعا الروح.
٢: فأقام يسوع في البرِّيَّة ٤٠ يومًا و٤٠ ليلة دون أن يأكل أو يشرب.
٣: فقال له صوت جسده.
لوقا، ٤: ٣: إذا كنتَ ابن الله القادر على كل شيء، فأنت تستطيع أن تصنع من هذه الحجارة خبزًا، وبما أنك تعجز عن صنع ذلك فلست إذن ابن الله.
٤: ولكن يسوع قال لنفسه: إذا كنتُ لا أستطيع أن أصنع من الحجارة خبزًا فأكون لستُ ابن إله الجسد، ولكن ابن الله الروح، وأني حي ليس بالخبز بل بالروح، وروحي تقدر أن تستغني عن الجسد، ولكن الجوع أضناه، فقال له أيضًا صوت الجسد: إذا كانت روحك تستغني عن الجسد فيمكنك إذن أن تنفصل عن الجسد وتبقى روحك حية.
٩: ثم تصوَّر نفسه واقفًا على جناح الهيكل، وصوت الجسد يقول له: إذا كنت ابن الله فارمِ نفسك إلى أسفل فلا تُقتَل ولا يلحقك أذًى.
١٠: لأن القوة السماوية غير المنظورة تحرسك وتحملك وتنقذك من كل شر.
١١: ولكن يسوع قال لنفسه: إني أستطيع إنكار الجسد، ولكن لا أستطيع الانفصال عنه؛ لأني وُلِدت بالروح في الجسد كما شاءت إرادة أب روحي التي لا أقدر أن أُخالفها، فقال له حينئذٍ صوت الجسد: إذا كنت لا تستطيع مخالفة أبيك بأن لا تطرح نفسك عن جناح الهيكل وعدم الانفصال عن الجسد، ولكنك لا تستطيع مخالفة أبيك عندما تجوع وتريد تأكل، وأنك لا تستطيع أيضًا أن تُنكر شهوات الجسد، بل يجب عليك أن تخدمها.
٥: ثم تمثَّلت ليسوع جميع ممالك العالم وجميع الناس، وكيف يعيشون ويتعبون للجسد ويتوقَّعون المكافأة منه.
٦: فقال له صوت الجسد: انظر! ألا ترى أنهم يشتغلون لي وإني أعطيهم جميع ما يتمنون؟!
٧: فإذا أردتَ أن تخدمني وتشتغل لي فيُصيبك مني مثل ذلك.
٨: غير أن يسوع قال لنفسه: أبي ليس جسد بل روح، وأنا أعيش به وأعرف أنه فيَّ؛ ولذا فإني أكرمه وحده وأشتغل له وحده، ومنه دون سواه أنتظر المكافأة.
١٣: وعلى أثر ذلك انتهت التجربة وعرف يسوع قوة الروح.
لوقا، ٤: ١٤؛ ويوحنا، ١: ٣٦: ولما عرف يسوع الروح عاد من البرِّيَّة، ورجع إلى يوحنا، ومكث عنده، ولما تركه ومضى قال يوحنا عنه: إن هذا هو مُخلِّص العالم.
يوحنا، ١: ٣٧: فلما سمع تلميذا يوحنا كلامه تركا معلمهما وتبِعا يسوع.
٣٨: فلما رآهما يسوع يتبعانه وقف وقال لهما: ماذا تُريدان مني؟ فأجاباه: يا معلم نحن نريد أن نكون معك لنسمع تعليمك.
٣٩: فقال لهما: هلُمَّ ورائي وأنا أقول لكما كل شيء، فسارا معه ومكثا عنده يسمعان كلامه حتى الساعة العاشرة.
٤٠: وكان اسم أحد التلميذين أندراوس، وكان له أخ اسمه سمعان.
٤١: فلما سمع أندراوس تعليم يسوع مضى إلى أخيه سمعان، وقال له: نحن وجدنا ذاك الذي كتب عنه موسى والأنبياء، ذلك الذي سيرشدنا إلى طريق الخلاص.
٤٢: ثم أخذ أندراوس أخاه سمعان إلى يسوع، وقد دعاه فيما بعد بطرس أعني الحجر، ومن ذلك الحين صار الأخوان تلميذين ليسوع.
٤٣: ثم قبل أن يدخل يسوع الجليل صادف فيلبس، وقال له: اتبعني.
٤٤: وكان فيلبس من بيت صيدا وطن أندراوس وبطرس.
٤٥: ولما عرف فيلبس يسوع مضى ووجد أخاه نثنائيل، وقال له: نحن وجدنا ذاك الذي اصطفاه الله، الذي كتب عنه الأنبياء وموسى المدعوَّ يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة.
٤٦: فاستكبر نثنائيل خروج ذلك الذي كتب عنه موسى والأنبياء من بلدة مجاورة لهم، وقال: إن لفي خروج المختار من الله من الناصرة حكمة خافية عن الناس، فقال له فيلبس: هلمَّ معي، وأنت ترى وتسمع.
٤٧–٤٩: فسار نثنائيل مع أخيه، ولما أبصر يسوع وسمع كلامه، قال له: قد تحققتُ الآن الصحيح والحق يقال بإنك أنت ابن الله وملك إسرائيل.
٥١: فقال له يسوع: الأحرى بك أن تعرف ما هو أهم من ذلك، فإن من الآن تُفتَح السماء ويستطيع الناس أن يتَّحدوا مع القوات السماوية، ولا يكون الله بعدُ بعيدًا عن الناس.
لوقا، ٤: ١٦: وجاء يسوع إلى وطنه الناصرة، ولما جاء يوم العيد دخل كعادته إلى المجمع وصار يقرأ.
١٦: فدفعوا إليه سِفر أشعياء النبي ففتحه، وقرأ فيه ما يأتي: إن روح الرب عليٌّ، ولأجل ذلك مسحني، وأرسلني لأُبشِّر المساكين، وأشفي منكسري القلوب، وأنادي للمأسورين بالحرية، وللعميان بالبصر، وأُطلق المهشَّمين إلى الخلاص، وأُكرز بسُّنة الرب المقبولة.
لوقا، ٤: ٢٠: ثم طوى السِّفر، ودفعه إلى الخادم وجلس، وكان الجميع ينتظرون ماذا يقول.
٢١: فقال لهم: لقد تمت الآن هذه الكتابة أمام أعينكم.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الثاني «ولذلك يتحتَّم على الإنسان ألا يشتغل للجسد بل للروح» (الذي في السموات)
فحوى الفصل الثاني
إن اليهود كانوا يعتقدون بقداستهم وصلاحهم وصحة مبدأهم الديني بعبادتهم الإله الظاهرية أو الخارجية خالق العالم وسيده، وكانت تعاليمهم تدل على أن هذا الإله عقد معهم شرطًا من مُؤدَّاه أنه يمدُّ لهم يد المساعدة دائمًا أبدًا إذا عبدوه عبادة خالصة، وأظهروا له جميع مظاهر الإكرام، وأعظم ما في الشرط الإلهي هو حفظ يوم السبت، غير أن يسوع قال: إن حفظ السبت هو من أوضاع الناس؛ لأن الإنسان الحي أعظم بروحه من جميع الطقوس والفروض، وأما حفظ السبت وجميع طقوس عبادة الله الخارجية كالإشارات التي يأتيها الناس في صلاتهم ما هي إلا رياء وغش وخداع، حفظ السبت يمنع الإنسان أن يأتي أقل عمل من الأعمال، مع أنه يتحتَّم على الإنسان أن يعمل أعمال الخير دائمًا، وإذا كان السبت يحول بينه وبين عمل الخير فإن ذلك يدل على أن السبت كذب وضلال.
وكان يدَّعي اليهود الأبرار أن الشرط الذي عقدوه مع الله يُحتِّم عليهم اجتناب بقية الأمم وعدم مخالطتهم، ومؤاكلتهم ومجالستهم، وقد قال يسوع: إن الله لا يطلب من الناس ذبائح، بل يأمرهم بمحبة بعضهم بعضًا محبة خالصة من أدران الرياء والمداهنة.
ويُحتِّم عليهم ذلك الشرط أيضًا أن يغتسلوا ويتطهَّروا، ولكن يسوع قال: إن الله لا يطلب الطهارة الخارجية، بل يأمر الناس أن يأتوا أفعال الرحمة ويحبوا بعضهم، ثم أردف يسوع كلامه بقوله: إن جميع الطقوس مُضرة جدًّا، وإن التقاليد المُتَّبعة عند اليهود ما هي إلا شرٌّ وجريمة لا تُغتفر؛ لأن تلك التقاليد العبرانية تبعد الناس عن إظهار المحبة حتى لوالديهم.
ثم قال يسوع بشأن جميع نواميس العهد القديم التي ورد فيها ذكر احتمال وقوع الناس في النجاسة: اعلموا جميعًا أنه لا يستطيع شيء أن يُنجِّس الإنسان من الخارج، وإنما ما ينجِّسه هو الأفكار الداخلية التي يفتكر بها وتصدر عنه، وبعد ذلك جاء يسوع إلى أورشليم، تلك المدينة التي كان يعتبرها اليهود مقدسة، ولما بلغها دخل توًّا الهيكل الذي كان يعتقد اليهود بأن الله ساكن فيه، وقال: إنه لا لزوم لتقديم الذبائح والقرابين لله؛ لأن الإنسان أعظم من الهيكل، وإنما يُطلَب منه أن يحب قريبه ويساعده.
ثم قال أيضًا: إن عبادة الله لا تُقيَّد بمكان، بل تجوز في كل زمان ومكان، وإنما يُطلَب من البشر خدمة أبيهم الأعلى بالروح والأعمال الصالحة، ولا يستطيع أحد أن ينظر الروح أو يظهره؛ لأن الروح هي أن يعرف الإنسان بُنُوَّته للروح الأعلى الأزلي الصمد؛ ولذلك فلا لزوم من ثَم للهيكل، وأما الهيكل الحقيقي فهو عالم البشر المُتَّحدين ببعضهم بالمحبة، ثم قال: إن عبادة الله الخارجية أو الكمالية مُضرَّة وأثيمة؛ لأنها أولًا تقاوم أعمال المحبة كعبادة اليهود مثلًا التي تُجيز القتل وتأمر بعدم إكرام الوالدين، ثم إنها تجلب أضرارًا عظيمة للإنسان، فإنه عندما يُتممها يعتقد بنفسه الطهارة والقداسة ويبتعد عن أعمال المحبة، ثم قال: إن الإنسان لا يفعل أفعال الخير والمحبة إلا إذا كان يشعر بعدم كماله، ولكن الطقوس الخارجية تجعله يظن بنفسه الكمال؛ ولذلك يجب على الناس تركها ورفضها رفضًا باتًّا؛ لأنه لا يمكن الجمع بين الطقوس وأعمال المحبة، والإنسان هو ابن لله بالروح، ولذلك يتحتَّم عليه أن يخدم أباه بالروح.
متَّى، ١٢: ١؛ ومرقص، ٢: ٢٣؛ ولوقا، ٦: ١: حدث مرة أن يسوع اجتاز مع تلاميذه بين الزروع في يوم السبت، فجاع التلاميذ؛ فجعلوا في طريقهم يقطفون السنابل ويفركونها بأيديهم ويأكلون الحبوب، ولكن حسب تعليم العبرانيين الحِسي للعبادة: أن الله عقد مع موسى عهدًا على حفظ السبت الذي لا يحل فيه العمل، ومن خالف ذلك يُرجَم بالحجارة حسب أمر الله.
متَّى، ٧: ٢: فلما رأى المستقيمو الرأي (الفريسيُّون) أن التلاميذ يفركون السنابل، قالوا لهم: لا يليق فعل مثل هذا في السبت الذي لا يحلُّ فيه العمل؛ لأن الله أمر بحفظه؛ وكل من لا يحفظه يُحكم عليه بالقتل.
٧: فلمَّا سمع ذلك يسوع قال لهم: لو كنتم تدركون معنى كلام الله القائل: إني أريد محبة لا ذبيحة لما حكمتم على من لا ذنب له.
٨: والإنسان أعظم من السبت.
لوقا، ١٣: ١٠: وحدث أنه بينما كان يسوع يُعلِّم مرة في السبت.
١١: تقدَّمت إليه امرأة مريضة وطلبت إليه أن يُعينها.
١٢: فأخذ يسوع ينفعها.
١٤: فاغتاظ رئيس المجمع البارُّ من يسوع، وقال مخاطبًا الشعب: لقد حدَّد ناموس الله ستة أيام للعمل فقط.
لوقا، ١٤: ٣: فأجاب يسوع علماء الناموس: إذن حسب ناموسكم لا تجوز مساعدة الإنسان في السبت؟!
١٦: فلم يجدوا ما يجيبونه به.
متَّى، ١٢: ١١؛ ولوقا، ١٤: ٥: حينئذٍ قال يسوع: أيها الماكرون! أليس كل واحد منكم يحلُّ دابته من المِذْوَد في يوم السبت ويقودها ليسقيها؟! ومن منكم إذا وقعت نعجته في البئر في يوم السبت لا يُتعب قواه في انتشالها؟!
متَّى، ١٢: ١٢: أليس أن الإنسان أفضل بكثير من النعجة؟ وأنكم تقولون: إنه لا يصح مساعدة الإنسان في السبت؟! وما الذي يجوز فعله إذن في السبت على رأيكم الخير أم الشر؟ خلاص نفس أو إهلاكها؟ أما أنا فأقول: إنه يجب فعل الخير دائمًا في السبت وغيره.
متَّى، ٦: ٦: ورأى يسوع مرة رجلًا جابيًا يجبي الأموال اسمه متَّى، فكلَّمه يسوع وفهم متَّى كلامه، فأحب تعليمه ودعاه إلى بيته، وعمل له وليمة فاخرة.
١٠: ولما كان يسوع في البيت، جاء إليه أصدقاء متَّى من العشَّارين وغير المؤمنين، فلم يشمئز يسوع من وجودهم، بل جالسهم هو وتلاميذه.
١١: فلما رأى ذلك المستقيمو الرأي قالوا لتلاميذ يسوع: لماذا يأكل معلمكم مع الخُطاة والعشَّارين؟ لأن حسب تعليمهم قد أمر الله بعدم مخالطة الأثَمَة.
١٢: فلما سمع يسوع ذلك قال: إن الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب؛ بل المرضى.
١٣: افهموا كلام الله القائل: إني أريد محبة لا ذبيحة، وأنا لا أستطيع أن أحمل المستقيمي الرأي على تغيير اعتقادهم ودينهم؛ ولذلك فإني أُعلِّم الخُطاة غير المؤمنين.
متَّى، ١٥: ١؛ ومرقص، ٧: ١: وجاء إلى يسوع علماء الناموس من أورشليم.
متَّى، ٢؛ ومرقص، ٢: ورأوه مع تلاميذه يأكلون الخبز دون أن يغسلوا أيديهم، فجعلوا يحاكمونه على ذلك.
متَّى، ١٥: ٣: لأنهم أنفسهم يحافظون جدًّا على تقاليد الشيوخ من جهة غسل الآنية التي إذا لم تكن مغسولة فلا يأكلون منها.
متَّى، ٧: ٤: وكذلك لا يأكلون شيئًا من السوق ما لم يغسلوه.
٥: فسأله الناموسيُّون: لماذا لا تحافظون على تقاليد الكنيسة وتُمسكون الخبز بأيديكم غير المغسولة ثم تأكلونه؟
متَّى، ١٥: ٣: لماذا أنتم تتعدُّون وصية الله بسُنة شيوخكم؟
مرقص، ٧: ١٠: فإن الله قد قال: أكرم أباك وأمك.
١١: وأنتم تزعمون أنه يحق لكل واحد أن يقول: إني أُقدِّم لله كل ما قدم لوالدي؛ لذلك تقدرون ألا تطعموا والديكم شيئًا، وهكذا بسنة شيوخكم تتعدُّون وصية الله.
متَّى، ١٥: ٧: أيها المخادعون! لقد قال حقًّا عنكم أشعياء النبي.
٨: إن هذا الشعب يقترب مني بالكلام فقط ويُكرمني بلسانه، وأما قلبه فإنه بعيد عني.
٩: وبما أن خوفه أمامي أعني بها الأوامر البشرية الذي حفظها واستظهرها؛ ولذلك فإني أعمل لهذا الشعب عجيبة لم يكونوا يتوقَّعونها فتسقط حكمة حكمائه ويُظلم عقل فُهَمائه، وويل لأولئك الذين يُخفون أعمالهم عن الأبدي ويعملون أعمالهم في الظلام.
مرقص، ٧: ٨: لأنكم تركتم وصايا الله المهمة في الناموس وتمسكتم بتقاليد شيوخكم القائلة بغسل الآنية.
١١: فدعا يسوع جميع الشعب، وقال: اسمعوا لي جميعكم وافهموا.
١٥: لا شيء في الدنيا مما هو خارج عن الإنسان إذا دخله يمكن أن ينجِّسه، فليجتهد كل منكم أن تكون بنفسه المحبة والرحمة، وإذ ذاك يكون طاهرًا.
١٦: افهموا ذلك واحفظوه.
١٧: ولما عاد إلى البيت سأله تلاميذه أن يوضح لهم هذا الكلام.
١٨: فقال لهم: ألعلكم أنتم أيضًا لم تفهموا أن كل شيء خارج عن الجسد لا ينجِّس الإنسان؟
١٩: لأنه لا يدخل إلى نفسه بل إلى جوفه، فيدخل الجوف ثم يذهب إلى المخرج.
٢٠: وقال: إنما ما يُنجِّس الإنسان هو الذي يخرج من نفسه.
٢١: لأنه يخرج من نفس الإنسان الشر والغش والعهارة والخُبث والحسد والفتنة والكبرياء.
٢٣: كل هذه الشرور تصدر عن نفس الإنسان وهي وحدها تُنجِّسه.
يوحنا، ٢: ١٣: وبعد ذلك قرُب عيد الفِصْح فمضى يسوع إلى أورشليم ودخل الهيكل.
١٤: فرأى عند مدخل الهيكل حيوانات كثيرة بين ثيران وخِراف وأقفاص مملوءة بالحمام، وقد أقام الصيارفة موائد لصرف النقود، وقد وُجِدت جميع هذه الأشياء ليشتريها الشعب ويُقدِّمها لله؛ حيث كانوا يذبحونها في الهيكل لتقديمها ضحايا لله، على هذه النمط كانت صلاة اليهود المؤمنين التي اتَّخذوها عن الشيوخ.
١٥: فدخل يسوع الهيكل وجدل سَوطًا وطرد جميع الحيوانات من الهيكل، وأطلق الحمام من أقفاصه.
١٦: وقلب موائد الصيارفة ونثر نقودهم، وأمرهم ألا يُحضروا مثل هذه الأشياء إلى الهيكل.
١٧: ثم قال: إن النبي أشعياء قال لكم: بيت الله ليس هيكلًا في أورشليم فقط، بل وفي كل العالم، ثم قال لكم أرمياء النبي: لا تُصدِّقوا الأقوال الكاذبة القائلة إن هنا بيت الأزلي، لا تُصدِّقوا ذلك، بل غيِّروا حياتكم، ولا تحكموا بالكذب ولا تطردوا الغريب والأرملة واليتيم ولا تسفكوا دمًا بريئًا، وإذا دخلتم بيت الله فلا تقولوا: إننا الآن مُطمئنُّون نستطيع أن نعمل الرذائل، فلا تجعلوا بيت أبي مغارة لصوص.
١٨: فتنازع اليهود فيما بينهم وقالوا له: تقول إن عبادتنا لله غير مستقيمة، فبماذا تُبرهن على ذلك؟
١٩: فالتفت يسوع إليهم وقال: اهدموا هذا الهيكل وأنا في ثلاثة أيام أُعيد لكم هيكلًا حيًّا جديدًا.
٢٠: فقال له اليهود: كيف تستطيع أن تصنع هيكلًا جديدًا، مع أن هذا الهيكل بُنِي بست وأربعين سنة؟
متَّى، ١٢: ٦: فأجابهم يسوع: إني أكلمكم عمَّا هو أعظم من الهيكل.
٧: ولو كنتم تفهمون ما قاله النبي، «لما فهمتم بهذا الكلام»، أنا الله لا أُسَرُّ بما تُقدِّمون إليَّ من الذبائح، ولكني أُسَرُّ بمحبتكم لبعضكم بعضًا، وأما الهيكل الحي فهو جميع الناس في العالم إذا أصبحوا يحبون بعضهم بعضًا.
يوحنا، ٢: ٢٣: وكثيرون من الموجودين في أورشليم صدَّقوا التعليم الذي علَّمهم به.
٢٤: وأما هو فلم يعتقد بشيء خارجي؛ لأنه كان يعلم أن كل شيء في الإنسان.
٢٥: ولم يكن يحتاج لشهادة أحد على الإنسان لعلمه أن الإنسان فيه روح.
يوحنا، ٤: ٤: واضطرَّ يسوع ذات مرة أن يجتاز بالسامرة.
٥: ومرَّ بجانب بلدة سامرية اسمها سوخار واقعة إلى جانب ذلك المكان الذي أعطاه يعقوب لابنه يوسف.
٦: وكانت هناك بئر يعقوب، وبما أن يسوع قد تعب جدًّا في الطريق جلس إلى جانب البئر.
٧: ومضى تلاميذه إلى المدينة ليبتاعوا خبزًا.
٨: وأتت امرأة من سوخار لتستقي ماءً، فطلب منها يسوع أن تسقيه.
٩: فقالت له: كيف وأنت يهودي تطلب مني ماء لتشرب؛ لأنكم معشر اليهود لا تخالطون السامريين.
١٠: فقال لها: لو كنتِ تعلمين من أنا وكنتِ تعلمين ما أُعلِّم الناس لأعطيتني ماء لأشرب وأعطيتُكِ أنا ماء الحياة.
١٣: لأن الذي يشرب ماءك يعطش أيضًا.
١٥: ومَن يشرب من الماء الذي أُعطيه فلن يعطش أبدًا، بل يكون مسرورًا دائمًا، ومائي يوصله إلى الحياة الأبدية.
١٩: فأدركت المرأة أنه يتكلم عن شيء إلهي؛ ولذلك قالت له: إني أرى أنك نبي، فهل تريد إرشادي وتعليمي؟
٢٠: ولكن كيف تُرشدني إلى التعليم الإلهي وأنت يهودي وأنا سامرية؟ والسامريون يُصلُّون لله على هذا الجبل، وأما أنتم اليهود فتقولون: إن بيت الله في أورشليم فقط، وأظن أنك لا تستطيع أن تعلمني شيئًا؛ لأن ديانتكم شيء وديانتنا شيء آخر.
٢١: فقال لها يسوع: صدقيني أيتها المرأة، إنه قد حان الزمان الذي لا يعود الناس يُصلُّون به لله لا على هذا الجبل ولا في أورشليم.
٢٢: لأنهم إذا كانوا يُصلُّون لله فإنهم يُصلُّون إلى من لا يعرفون، وإذا كانوا يُصلُّون لأبيهم فإنهم يُصلُّون لمن لا تخفى معرفته على أحد.
٢٣: ولكن جاء وقت وهو الآن حاضر، إذ الساجدون لا يسجدون لله بل للآب بالروح والفعل؛ لأن الآب يريد مثل هؤلاء الساجدين.
٢٤: الله روح، وينبغي السجود له بالروح والعمل.
٢٥: فلم تدرك المرأة ما قاله لها؛ ولذلك قالت: سمعت أن رسول الله الذي يُسمُّونه المسيح سيأتي، وعندئذٍ يُخبرنا بكل شيء.
٢٦: فقال لها يسوع: أنا هو الذي أكلمك، فلا تنتظري بعد.
يوحنا، ٣: ٢٢: وبعد ذلك جاء يسوع إلى أرض اليهودية، وعاش فيها مع تلاميذه، وكان يُعلِّم.
٢٣: وكان يوحنا في هذه الوقت يُعلِّم بقرب ساليم ويُعمِّد في عين نون.
٢٤: لأن يوحنا لم يكن بَعدُ وُضِعَ في السجن.
٢٥: وحدثت مناظرة بين تلاميذ يوحنا وتلاميذ المسيح على أيهما أفضل: تطهير يوحنا الناس بالماء أم تعليم المسيح؟
٢٦: فجاء التلاميذ إلى يوحنا وسألوه قائلين: أنت تطهر بالماء، وأما يسوع فإنه يُعلِّم فقط، فماذا تقول عنه؟
٢٧: فقال يوحنا: إن الإنسان لا يستطيع أن يُعلِّم من نفسه شيئًا إذا كان لا يُعلِّمه ويرشده الله.
٢٨: فمن يتكلم عن الأرض فهو من الأرض، ولكن إذا كان يتكلم عن الله فهو من الله.
٣٢ و٣٣ و٣٤: لا يستطيع أحد أن يُبرهن أن الكلام الذي يقوله هو من الله أو من غير الله؛ لأن الله روح لا يمكن قياسه بمقياس، ولا يمكن أيضًا إظهاره، والذي يفهم كلام الروح يبرهن بذلك على أنه من الروح.
٣٥: والله إذ أحب الابن سلَّمه كل شيء.
٣٦: الذي يؤمن بالابن فله حياة، والذي لا يؤمن بالابن فليس له حياة؛ لأن الله روح في الإنسان.
لوقا، ١١: ٣٧: وبعد هذا جاء إليه رجل فريسيٌّ ودعاه ليتغدى عنده، فدخل وجلس على المائدة.
٣٨: فلحظ الفريسيُّ أنه لا يغسل يديه قبل الغداء، فاستغرب منه ذلك.
٣٩: فقال له يسوع: إنكم أيها الفريسيُّون تهتمون بتطهير كل شيء من الخارج فقط، فهل باطنكم طاهر؟ ولا تطهر قلوبكم ما لم تصنعوا أعمال الرحمة مع الناس.
لوقا، ٧: ٣٧: وفيما هو جالس عند الفريسيِّ، دخلت عليه امرأة من المدينة كافرة ومعها زجاجة طِيب.
٣٨: فسجدت أمامه، وأخذت تبكي وتغسل رجليه بدموعها وتمسحهما بشعرها وتدهنهما بالطيب.
٣٩: فلما رأى ذلك الفريسيُّ قال في نفسه: لو كان هذا نبي لعرف أن التي تغسل رجليه امرأة كافرة وخاطئة، وكان لا يأذن لها أن تمسه.
٤٠: فعلم يسوع أفكاره فالتفت إليه وقال له: أتريد أن أخبرك بما افتكر؟ فأجابه ذاك: قل.
٤١: فقال يسوع: كان لمُداين مديونان، على الواحد خمسمائة دينار، وعلى الآخر خمسون.
٤٢: وإذ لم يكن لهما ما يُوفِّيان سامحهما، فقل: أيهما يكون أكثر حبًّا له؟
٤٣: فأجاب ذاك: الذي كان مديونًا بالأكثر.
٤٤: فأشار يسوع إلى المرأة وقال للفريسيِّ: إن المثل الذي ضربته ينطبق عليك وعلى المرأة، إنك تحسب نفسك مؤمنًا بالله، فإذًا أنت المديون الأصغر، وهي كافرة خاطئة فتكون المديون الأكبر، إني دخلت بيتك فلم تقدم لي ماءً لأغسل رجلي، وهي غسلتهما بدموعها ومسحتهما بشعرها.
٤٥: وأنت لم تُقبِّلني، وهي لم تكف عن تقبيل قدمي.
٤٦: أنت لم تُقدِّم لي زيتًا لأدهن به رأسي، وأما هي فمسحت قدمي بالطِّيب.
٤٧: إن الذي يدَّعي بالقداسة والإيمان فذاك لا يفعل أفعال الرحمة والمحبة، والذي يعتبر نفسه خاطئًا؛ فإنه يفعل أعمال المحبة التي لأجلها يُغفر له كل شيء.
٤٨: ثم قال لها: قد غُفِر لك ضلالك، ثم قال يسوع: إن كل شيء يتوقَّف على ما يظن كل إنسان بنفسه، فالذي يفتخر بتقواه وصلاحه فاعرفوا أنه على عكس ذلك، والذي يعترف بضلاله وآثامه فذلك صالح وتقي.
لوقا، ١٨: ١٠: ثم قال يسوع: جاء الهيكل رجلان لكي يُصلِّيا، أحدهما فريسيٌّ والآخر عَشَّار.
١١: أما الفريسيُّ فصلَّى هكذا: اللهم إني أشكرك لأني لست كسائر الناس الخطفة الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العَشَّار.
١٢: أما العَشَّار فوقف عن بُعدٍ ولم يُرِد أن يرفع عينيه إلى السماء، بل كان يقرع صدره قائلا: اللهم ارحمني أنا الخاطئ.
١٤: أليس أن العَشَّار أحسن من الفريسيِّ المتعاظم؛ لأن كل من رفع نفسه اتَّضع، ومن وضع نفسه ارتفع.
لوقا، ٥: ٣٣: وبعد هذا جاء إلى يسوع تلاميذ يوحنا، وقالوا له: لماذا نحن والفريسيُّون نصوم كثيرًا؟ وأما تلاميذك فلا يصومون؟ لأنه بحسب الناموس قد أمر الله بالصيام.
٣٤: فقال لهم يسوع: ما دام العريس موجودًا في العُرْس فلا أحد يحزن.
٣٥: ومتى ذهب العريس فحينئذٍ يحزنون.
٣٦: فما دام العريس فليس من ثَمَّ ما يدعو إلى الحزن؛ ولذلك لا يجوز الخلط بين عبادة الله الخارجية الكمالية وأعمال المحبة، ولا يجوز أيضًا خلط التعليم القديم بتعليمي الجديد المبني على محبة القريب، وليس فرق بين مزج تعليمي بالتعليم القديم وبين من يأخذ رُقعة من ثوب جديد ويجعلها في ثوب قديم بالٍ، فإن الرقعة الجديدة تُشَقُّ لأنها لا تُوافق البالي، فيجب أن تقبلوا إما التعليم القديم أو تعليمي الجديد، ومن يقبل تعليمي؛ فلا يُطلَب منه المحافظة على أوامر التعليم القديم القائل بالتطهير والصيام وحفظ السبت.
٣٧: كما أنه يجب أن تضعوا الخمر الجديدة في زِقاق جديد فيُحفظان معًا.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الحادي عشر حديث الوداع
الحياة الكاذبة هي ضلال الجسد أو هي شر، وأما الحياة الحقيقية فهي الحياة العامة لجميع الناس. (لكن نجِّنا من الشرير.)
فحوى الفصل الحادي عشر
ولما شعر يسوع بأنه مستعد للموت مضى ليُسلِّم ذاته بنفسه، فاستوقفه بطرس، وسأله: إلى أين ماضٍ؟ فأجابه يسوع: إني ماضٍ إلى حيث لا تستطيع أن تمضي أنت؛ إني أنا مستعد للموت، وأما أنت فغير مستعد له، فأجابه بطرس: كلا، فإني الآن مستعد أن أُقدِّم نفسي ضحية من أجلك، فأجابه يسوع: إن الإنسان لا يستطيع أن يعد بشيء، ثم قال لتلاميذه: إني عالم بأن الموت ينتظرني، ولكني أومن بحياة الآب؛ ولذلك فلستُ أخشى الموت، لا تضطربوا من أجل موتي، بل آمنوا بالله الحقيقي وبأب الحياة، وإذ ذاك يُهوِّن لديكم أمر موتي إذا اتَّحدت أنا مع أب الحياة فلا أخسر الحياة؛ أجل، إني أقول لكم الحق: إني لا أعلم كيف وأين ومتى تكون حياتي بعد الموت؟ ولكني أريكم الطريق المؤدي إلى الحياة الحقيقية، كل تعليمي لا يوضح كيفية الحياة، ولكنه يرشد إلى الطريق الوحيد المؤدي إليها الذي يؤهل السائرين عليه أن يتحدوا مع الآب الذي هو أصل الحياة، إن تعليمي يرمي إلى غرضٍ واحدٍ، وهو ألا يتعدَّى الناس مشيئة الآب، وسيكون لكم بعدي مرشدًا معرفتكم الحق وإقبالكم عليه، وإذا سرتم بحسب تعليمي تشعرون دائمًا بأنكم في الحق، وأن الآب فيكم وأنتم في الآب.
فإذا عرفتم الحق وعِشتم به فلا يُزعزع إيمانكم موتي أو موتكم أيضًا.
يتصور كل واحد من الناس أنه شخص مستقل بنفسه وإرادته وحياته، لكن ذلك ضلال مبين؛ لأن الحياة الحقيقية هي تلك التي تعترف بأن تتميم إرادة الآب هي أصل الحياة، وتعليمي يكشف للناس وحدة هذه الحياة، وأنها ليست كالأغصان المُتشعِّبة المُتفرِّقة، بل كالشجرة الواحدة التي تتفرَّع منها الأغصان، والذي يُتمم مشيئة الآب هو كالغصن الذي يتفرع من الشجرة ويحيا ما دام مُتَّحدًا بها، والذي لا يتمم مشيئة الآب هو كالغصن المقطوع من الشجرة، فإنه يموت وييبس.
الآب أعطاني الحياة لأحيا بها وأعمل الصلاح، وأنا أعلمكم أن تعملوا أعمال الصلاح، فإذا أتممتم وصاياي تنالون الغبطة والسعادة، ثم إن وصية واحدة أوصيكم بها هي أن تحبوا بعضكم بعضًا، وتعلمون الناس أن يحبوا بعضهم بعضًا أيضًا، والمحبة هي أن يضحي الإنسان حياته الجسدية من أجل الغير وليس لها تعريف آخر.
وإذا أتممتم هذه الوصية لا تكونون كأولئك العبيد الذين يُتمِّمون إرادة سيدهم دون أن يفهموا ماذا يفعلون، بل تصبحون مثلي أحرارًا.
أنتم لم تقبلوا تعليمي عرضًا لوجودكم معي، كلا، بل لأنه هو التعليم الحقيقي الوحيد الذي يقول بأن جميع الناس أحرار.
أما تعليم الناس فإنه مبني على فعل الشر للآخرين، وأما تعليمي فإنه يأمر بالمحبة ولذلك سيُبغضكم العالم كما أبغضني، العالم لم يفهم تعليمي، ولذلك فإنه سيضطهدكم ويصنع لكم الشر حاسبًا أنه بذلك يُقدِّم خدمة لله.
ولذلك لا تستكبروا هذا الأمر، بل اعتقدوا بأنه هكذا ينبغي أن يكون، العالم الذي لا يفهم ماهية الإله الحقيقي يرى أنه يجب اضطهادكم، وأما أنتم فيجب عليكم أن تُؤيِّدوا الحق، قد حزنتم لأنهم يقصدون قتلي؛ لأني أؤيد الحق وأُعزِّزه؛ ولذلك فموتي أصبح لازمًا لا بد منه لتأييد الحق، إني أقدم على الموت غير هيَّاب ولا وَجِل ولا أميل عن الحق، فهو يُشدد عزائمكم فتفرقون بين الحق والباطل، وتدركون ما ينجم عن ذلك التمييز، وهو أن الناس يعتقدون بالجسد اعتقادًا عظيمًا ولا يؤمنون بحياة الروح، مع أنه كان يجب عليهم أن يُدركوا بأن باتِّحادهم مع الآب يستظهر الروح على الجسد، وعندما أفقد حياتي الجسدية فإن روحي تكون معكم، ولكنكم كجميع الناس سوف لا تشعرون في نفوسكم بقوة الروح؛ فسيحيق بكم الضعف أحيانًا، وتفقدون قوة الروح وتقعون إذ ذاك في التجارب والشدائد، ولكنكم تتنبَّهون أحيانًا إلى الحياة الحقيقية، وتحل بكم أحيانًا عذابات جسدية، ولكن لا يكون هذا إلا إلى حين، تحتملون العذاب، ولكن قواكم تتجدَّد بالروح فتفرحون وتبتهجون كالمرأة التي تصادف آلامًا مُبَرِّحة أثناء الولادة، ولكنها بعد ذلك تفرح فرحًا عظيمًا لأنها ولدت إنسانًا في العالم.
ثم وجَّه يسوع كلامه إلى الآب قائلًا: إني قد أتممت العمل الذي عهدتَه إلي، فقد كشفتُ للناس أنك أصل كل شيء، وقد فهموا ذلك مني، قد علمتهم أنهم جميعًا خرجوا من أصل الحياة الخالدة الواحدة، فإذن كلهم واحد كما أن الآب كذلك هم واحد معي ومع الآب.
يوحنا، ١٣: ٣٦: فقال بطرس ليسوع: إلى أين تذهب؟ أجاب يسوع: حيث أذهب أنا لا تقدر أن تتبعني الآن، لكنك ستتبعني بعد حين.
٣٧: فقال له بطرس: لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن؟ إني أبذل نفسي عنك.
٣٨: أجابه يسوع: أنت تبذل نفسك عني؟! الحق الحق أقول لك: إنه لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات.
١٤: ١: ثم قال يسوع لتلاميذه: لا تضطرب قلوبكم، أنتم تُؤمنون بالله الحقيقي وتُصدِّقون تعليمي.
٢: حياة الآب ليست هي كالحياة الأرضية، بل هنالك حياة أخرى.
٣: لو كانت الحياة كما هي على الأرض لكنتُ قلتُ لكم: إني عندما أموت أذهب إلى حضن إبراهيم، وأُعدُّ لكم هناك مكانًا، وسآتي وآخذكم حيث نتمتع كلنا في الغبطة في حِضن إبراهيم.
٤: إني إنما أرشدكم إلى طريق الحياة فقط.
٥: فقال له توما: لسنا نعرف إلى أين تذهب، وكيف نستطيع أن نعرف الطريق؟ نحن نريد أن نعرف ماذا يصير هنالك بعد الموت.
٦: فقال له يسوع: لا أستطيع أن أخبرك ما سيكون هناك، تعليمي هو الطريق والحق والحياة، ولا يستطيع أحد أن يتَّحدَ مع الآب إلا بواسطة تعليمي.
٧: فإذا أتممتم تعليمي حينئذٍ تستطيعون أن تعرفوا الآب.
٨: فقال له فيلبس: من هو الآب؟
٩: فأجابه يسوع: الآب هو ذلك الذي يُعطي الحياة، إني قد أكملت مشيئة الآب، ومن سير حياتي تستطيع أن تعرف ما هي مشيئة الآب.
١٠: أنا عائش في الآب، والآب مُقيم فيَّ وكل الكلام الذي أكلمكم به لا أتكلم به من عندي، بل من عند الآب.
١١: تعليمي يتضمن إني أنا في الآب والآب فيَّ، إذا كنتم لا تُصدِّقون تعليمي، فيكفي أنكم تُبصرونني ورأيتم أعمالي، ومن ذلك تقدرون أن تعرفوا ما هو الآب.
١٢: أنتم تعلمون أن من يسير حسب تعليمي يستطيع أن يعمل أعمالي وأعظم منها؛ لأني أنا سأموت وأما هو فسيبقى حيًّا.
١٣: كل من يعيش في هذه الحياة الدنيا حسب تعليمي ذلك ينال كل ما يتمنَّى؛ لأن الابن يصبح حينئذٍ مثل الآب.
١٤: كل ما تطلبونه بناء على تعليمي تنالونه.
١٥: ولذلك ينبغي عليكم أن تحبوا تعليمي.
١٦: وتعليمي يُعطيكم عوضًا عني محاميًا ومُعزِّيًا.
١٧: وليس هذا المُعزِّي إلا معرفة الحق الذي لم يقبله أهل هذا العالم، لكنكم ستشعرون أنه يكون فيكم.
١٨: إنكم لا تكونون وحدكم مطلقًا، إذا كان روح تعليمي يكون معكم.
١٩: إني سأموت ولا يعود العالم يراني، ولكنكم أنتم تبصرونني؛ لأن تعليمي حي وستحيون به.
٢٠: فإذا أقام تعليمي فيكم تدركون حينئذٍ إني في الآب والآب فيَّ.
٢١: من يحفظ تعليمي ويعمل به ذلك يُدرك بنفسه الآب وتحلُّ فيه روحي.
٢٢: فقال له يهوذا غير الإسخريوطي: لماذا لا يستطيع الجميع أن يحيوا بروح الحق؟
٢٣: فأجابه يسوع: الذي يحفظ وصاياي ذلك يُحبُّه الآب، وتستطيع روحي أن تُقيم فيه.
٢٤: والذي لا يحفظ وصاياي وتعليمي ذلك لا يُحبُّه أبي؛ لأن تعليمي ليس من عندي، بل هو من عند الآب.
٢٥: هذا جميع ما أستطيع أن أقوله لكم الآن.
٢٦: ولكن روحي روح الحق الذي يحلُّ فيكم بعدي سيظهر لكم كل شيء، وحينئذٍ تذكرون وتفهمون كثيرًا من الكلام الذي قلته لكم الآن.
يوحنا، ١٥: ١: تعليمي هو كَرْمة الحياة، وأما الآب فهو الكَرَّام الذي يعتني بالشجرة.
٢: وهو يُنقِّي ويعتني بالأغصان المثمرة لكي تُعطي ثمرًا أكثر.
٤: تمسَّكوا بتعليمي الحي فتُقيم فيكم الحياة، وكما أن الغصن لا يستطيع أن يعيش إن لم يثبت في الشجرة، فهكذا أنتم أحيوا بتعليمي.
٥: تعليمي هو الشجرة وأنتم الأغصان، ذلك الذي يثبت في تعليمي يُعطي ثمرًا كثيرًا، فليست حياة بدون تعليمي.
٦: والذي لا يسير بموجب تعاليمي ذلك يذبُل ويَهلك كما تُحرَق الأغصان اليابسة.
٧: إن أنتم ثبتم فيَّ وثبت كلامي فيكم؛ تسألون ما شئتم فيكون لكم.
٨: لأن مشيئة الآب هي أن تعيشوا عيشة حقيقية وتنالوا ما تريدون.
٩: كما أعطاني الآب الصلاح أُعطيكم أنا أيضًا إياه، فاثبتوا في الصلاح.
١٠: أنا حيٌّ؛ لأن الآب يُحبُّني وأنا أحب الآب، وأنتم تحيون بهذه المحبة.
١١: فإذا سِرتم كما علَّمتكم تصبحون سعداء.
١٢: هذه هي وصيتي أن يحب بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا.
١٣: ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يبذل حياته عن أحبائه.
١٤: أنتم تصبحون مساويين لي إن صنعتم ما أنا أوصيكم به.
١٥: لا أُسمِّيكم عبيدًا بعد؛ لأن العبد لا يعلم ما يصنعه سيِّده، لكني ساويتكم بنفسي؛ لأني علَّمتكم بكل ما فهمته من الآب.
١٦: ليس أنتم اخترتم تعليمي، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتنطلقوا وتأتوا بأثمار، وتدوم أثماركم لكي يعطيكم الآب كل ما تسألونه.
١٧: وتعليمي يطلب منكم أن تُحبُّوا بعضكم بعضًا.
١٨: إن كان العالم يُبغِضكم؛ فلا تستكبروا الأمر؛ لأنه قد أبغض تعليمي من قبلكم.
١٩: لو كنتم من العالم لكان العالم يحب ما هو له، لكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم، لأجل هذا يبغضكم.
٢٠: إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضًا.
٢١: وإنما هم سيعملون بكم هذه كله؛ لأنهم لم يعرفوا الإله الحقيقي.
٢٢: إني قد أوضحت لهم كل شيء، ولكنهم لم يريدوا أن يسمعوا كلامي.
٢٣: هم لم يفهموا تعليمي؛ لأنهم لم يفهموا الآب.
٢٤: هم رأوا حياتي وأعمالي، وقد أرتهم حياتي ضلالهم وغلطاتهم.
٢٥: ولكنهم من أجل هذا قد زادوا في بغضي.
٢٦: روح الحق الذي سيأتي إليكم سيُعزِّز هذا الكلام.
٢٧: وأنتم أيِّدوا ذلك أيضًا.
يوحنا، ١٦: ١: قد كلمتكم بهذا الآن؛ لكيلا تنخدعوا عندما يسوقون عليكم الاضطهاد.
٢: وسيطردونكم ويضطهدونكم ويظن كل من يقتلكم أنه يصنع صلاحًا.
٣: وإنما يفعلون هذا بكم؛ لأنهم لم يعرفوا تعليمي، ولم يعرفوا الإله الحقيقي.
٤: وقد كلمتكم بهذا قبل حدوثه حتى لا تستكبروا، ذلك عندما يفعلون معكم تلك الأفعال.
٥: والآن فإني مُنطلِق إلى ذلك الروح الذي أرسلني، وقد فهمتم أنه لا يجوز لأحد أن يسألني إلى أين تنطلق.
٦: وقبل هذا قد ملأت الكآبة قلوبكم؛ لأني لم أخبركم إلى أين أنطلق.
٧: إلا أني أقول لكم الحق إن في انطلاقي خير لكم، فإني إن لم أمت لا يأتي إليكم روح الحق، وإذا متُّ فإنه يحلُّ فيكم.
ومتى حلَّ فيكم يتَّضح لكم الفرق بين الحق والباطل والدينونة.
٩: أما الباطل فلأن الناس لم يؤمنوا بحياة الروح.
١٠: وأما الحق فهو إني والآب واحد.
١١: وأما الدينونة فلأن سلطة الحياة الجسدية قد أُبطِلت.
١٢: وإن عندي كثيرًا أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون فهمه الآن.
١٣: ولكن عندما يحلُّ فيكم روح الحق؛ لأنه لا يتكلم من عنده، بل من عند الآب، وسيكون معكم في جميع الأحوال ويرشدكم إلى طريق الحق.
١٥: وهو سيكون من الآب أيضًا؛ لأنه سيتكلم بما تكلمت أنا.
١٦: وعندما يكون فيكم روح الحقِّ فلا ترونني، ولكن عما قليل ترونني أيضًا.
١٧: فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ما هذا الذي يقول لنا عما قليل ترونني، وعما قليل لا ترونني.
١٨: قالوا: ما معنى قوله عمَّا قليل؟ إننا لا نفهم ما يقول.
١٩: فقال لهم يسوع: أتتساءلون عن هذا؟ إني قلت لكم عمَّا قليل لا ترونني، ثم عمَّا قليل ترونني.
٢٠: أنتم تعلمون ما يحدث في هذا العالم، يكون أن البعض يحزنون والآخرون يفرحون، الحق أقول لكم أنكم ستحزنون، ولكن حزنكم يئول إلى فرح.
٢١: المرأة حين تلد تحزن وتتألم من شدة الأوجاع، لكنها متى ولدت لا تعود تتذكر شدتها من أجل الفرح؛ لأنه قد وُلِد إنسان في العالم.
٢٢: وهكذا فأنكم ستحزنون لكنكم سترونني وروح الحق يحلُّ فيكم فيئول حزنكم إلي فرح.
٢٣: وحينئذٍ لا تسألونني شيئًا؛ لأنكم تنالون كل ما تطلبون، حينئذٍ كل ما تتمنونه بالروح يكون لكم من الآب.
٢٤: إلى الآن لم تسألوا شيئًا لأجل الروح، ولكنكم حينئذٍ تسألون كل شيء للروح فتنالون ما تطلبونه، فيكون فرحكم كاملًا.
٢٥: إني الآن كإنسان لا أقدر أن أُصرِّح لكم أكثر من ذلك بالكلام، ولكني حينئذٍ كروح الحق سأحلُّ فيكم وأخبركم بكل شيء عن الآب.
٢٦: حينئذٍ كل ما تطلبونه من الآب باسم الروح، ليس أنا أعطيكموه.
٢٧: بل أبوكم يعطيكموه؛ لأنه يحبكم لأنكم قبلتم تعليمي.
٢٨: هل فهمتم أن الكلمة خرجت من الآب إلى العالم، وتعود من العالم إلى الآب.
٢٩: فقال له تلاميذه: إننا الآن قد فهمنا كل شيء، وليس من ثَم لنا احتياج لأن نسألك عن شيء.
٣٠: وقد آمنا أنك من عند الله خرجت.
٣١: فقال لهم يسوع: قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام، إنكم في العالم ستكونون في ضيق، ولكن ثقوا فإن تعليمي قد غلب العالم.
يوحنا، ١٧: ١: تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء، وقال: يا أبتِ إنك قد أعطيتَ ابنك حرية الحياة لكي ينال الحياة الحقيقية.
٣: وهذه هي الحياة الحقيقية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي، ويعرفوا الكلمة التي أوضحتها أنا.
٦: قد أوضحتُ اسمك للناس الذين على الأرض، وقد قمتُ بالعمل الذي أمرتني به.
٤: قد أظهرتُ وجودك للناس على الأرض الذين هم لك من ذي قبل، ولكن حسب إرادتكَ قد أظهرت لهم الحق فاستطاعوا أن يعرفوك.
٧: وقد أدركوا الآن أن كل ما ينبغي لهم معرفته وأن حياتهم هي منك.
٨: وفهموا أن ما علمتهم إياه ليس هو مني بل إني وإياهم قد خرجنا من عندك.
٩: وإني أسألك الآن من أجل الذين عرفوك.
١٠: لأنهم قد فهموا أن كل شيء لي فهو لك، وكل شيء لك فهو لي، وليس أنا بعد في العالم وهؤلاء في العالم، وأنا آتي إليك فأسألك يا أبتِ أن تحفظ فيهم كلمتك.
١٥: لست أسأل أن ترفعهم من العالم؛ بل أن تحفظهم من الشر.
١٧: ثبِّتهم في حقك، إن كلمتك هي الحق.
١٨: يا أبتِ أريد أن يكونوا مثلي حتى يفهموا كما فهمت أن الحياة الحقيقية وُجِدت قبل ابتداء العالم.
٢١: ليكونوا بأجمعهم واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا كما نحن واحد.
٢٣: أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين في الوحدة، حتى يفهم الناس أنهم لم يولدوا وحدهم، بل إنك أحببتهم وأرسلتهم إلى العالم كما أرسلتني.
٢٥: يا أبت العادل، إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتك وهم عرفوك بواسطتي.
٢٦: إني قد أوضحت لهم من هو أنت، وسأعرفهم أيضًا لتكون فيهم المحبة التى أحببتني بها فيهم، أنت أعطيتهم الحياة وتحبهم، من أجل ذلك أنا قد علمتهم أن يعرفوا هذا ويحبوك، حتى إن محبتك لهم تعود إليك.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الثاني عشر استظهار الروح على الجسد
الرجل العائش في سلطان الآب يعلم أن حياته ليست خاصة به، بل هي عامة لجميع الناس، فمثل هذا لا يرى الشر، وما الموت الجسدي سوى الاتِّحاد مع الآب. (لأن لك الملك والقدرة والمجد.)
فحوى الفصل الثاني عشر
ولما أنهى يسوع كلامه مع تلاميذه، فبدلًا من أن يهرب أو يدافع عن نفسه، مضى لاستقبال يهوذا الذي أحضر جنودًا للقبض عليه، فتقدم إليه يسوع وسأله: لماذا حضر إلى هناك؟ فلم يُجبه يهوذا بشيء، وحينئذٍ أحاطت الجنود بيسوع، فهجم بطرس للدفاع عن معلمه، واستلَّ سيفًا وأراد أن يضرب به، فقال له يسوع: ردَّ سيفك إلى غِمده؛ لأن الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يُؤخَذون، ثم قال يسوع لأولئك الذين جاءوا ليأخذوه: إني قَبلًا كنت أسير وحدي فيما بينكم، وما كنتُ أخاف، والآن لستُ خائفًا منكم، وها إني أُسلِّمكم ذاتي فافعلوا بي ما تشاءون، وفي هذه الأثناء هرب جميع تلاميذه وبقي يسوع وحده، فأمر رئيس الجند أن يُوثقوه ويأخذوه إلى حنانيا.
وحنانيا كان قَبْلًا رئيسًا للكهنة، وكان عائشًا في دار واحدة مع قَيَافا الذي كان في هذه الأثناء رئيسًا للكهنة، وهو الذي قال: يجب أن يُقتَل يسوع حتى لا تهلك الأمة كلها.
وكان يسوع يشعر من نفسه أنه يُتمِّم إرادة الآب؛ ولذلك كان مُستعدًّا للموت، ولم يقاوم عندما أخذوه، ولم يجزع عندما قادوه، ولكن بطرس الذي وعد يسوع بأنه لا ينكره وأنه يبذل نفسه عنه، والذي أراد أن يُدافع عنه عندما رأى أنهم أوثقوه وقادوه؛ خاف من أن يقتلوه معه؛ ولذلك لما سأله الخُدَّام: هل كنتَ معه؟ أنكر وذهب عنه وتركه، ولكن لما صاح الديك تذكَّر بطرس كل ما قاله له يسوع، وعلم أنه وقع في عثرتين: عثرة الخوف والمقاومة، وأن يسوع كان يقاومهما عندما كان يصلي في البستان، ودعا تلاميذه للصلاة.
ثم أخذوا يسوع إلى قَيَافا الذي أخذ يسأله عن مضمون تعليمه، ولكنه لم يُجبه بشيء؛ لأنه كان عالمًا أنه يسأله، ليس ليفهم تعليمه، بل لكي يُحاكمه، لكنه قال له: إني لم أكن أعلم في الخفاء، فإن كنتَ تريد أن تعرف ما هو تعليمي اسأل أولئك الذين سمعوه وأدركوا معناه، ولما قال هذا لطمه خادم رئيس الكهنة على خده، فسأله يسوع: لماذا ضربه؟ ثم أقاموا عليه شهودًا يشهدون أنه قال بأنه يهدم كل أساسات ديانة اليهود، فسأله رؤساء الكهنة عن ذلك فلم يُجبهم بشيء، ثم سأله قَيَافا قائلًا: قل لي: هل أنت المسيح ابن الله؟ فأجابه يسوع: نعم، أنا إنسان ابن لله، والآن وأنتم تعذبونني سترون أن الإنسان يستطيع أن يساوي الله.
فسُرَّ رئيس الكهنة لما سمع هذا الكلام، وقال لمحاكمي يسوع: يكفينا ذلك شهادة عليه لمحاكمته، فحكموا جميعًا عليه بالموت، وحينئذٍ هجم عليه الشعب وأخذوا يلطمونه ويضربونه ويبصقون في وجهه، ويستهزئون به، أما هو فكان صامتًا ولم يفه ببنت شفة.
ولم يكن يحق لليهود أن يقتلوا شخصًا دون أن يُصادقوا على قتله من الحاكم الروماني؛ ولذلك فإنهم بعد أن حكموا على يسوع واستهزءوا به أخذوه إلى بيلاطس لكي يُصدر لهم أمرًا بقتله، فسألهم بيلاطس: لماذا تطلبون قتله؟ فأجابوه: لأنه رجل شرير، فقال لهم: فحاكموه إذن حسب ناموسكم، فقالوا له: نحن نريد أن نقتله؛ لأنه مجرم ضد القيصر الروماني؛ لأنه رجل مُهيِّج قد قَلَب أفكار الأمة، وحرَّضها على ألا تدفع الضرائب لقيصر، وقد ادَّعى أنه ملك اليهود؛ فدعا بيلاطس يسوع إليه وسأله: هل صحيح ما يدَّعون به عليك من أنك ملك اليهود؟ فأجابه يسوع: هل إنك بالفعل تريد أن تعرف ما هي مملكتي أو أنك تطارحني الأسئلة على عيونهم؟ فقال له بيلاطس: إنني لستُ يهوديًّا، وعندي سواء إن قلتَ: إنك ملك اليهود أو لم تقل، وإنما أريد أن أعرف من أنت أيها الإنسان، ولماذا يقولون عنك إنك ملك لليهود؟ فقال له يسوع: إنهم يقولون الحق من أني مَلِك، ولكن مملكتي ليست أرضية بل سماوية، إن ملوك الأرض يُحاربون ويُقاومون ولديهم جنود وأعوان، وأنت ترى أنهم أوثقوني وضربوني ولم أقاومهم بشيء، إنني ملك سماوي وقوي بالروح، فقال له بيلاطس: إذن صحيح ما يشتكونك به، وأنك تدَّعي بأنك مَلِك، فقال له يسوع: أنت تعلم ذلك، كل إنسان يسلك بحسب الحق فهو حر، أوبعبارة أخرى هو مَلِك وأنا حيٌّ بهذا، واعلم أن الناس أحرار بالروح، فقال له بيلاطس: أنت تعلم الحق، ولكن لا يوجد أحد يعرف ما هو الحق. قال هذا وجاء إلى اليهود وقال لهم: إني لم أجد على هذا الإنسان عِلَّة يستحق عليها الموت، فقال له رؤساء الكهنة: يجب قتله لأنه يُهيِّج الشعب، فطفق بيلاطس يستجوب يسوع أمام اليهود فلم يُجبه بشيء، حينئذٍ قال بيلاطس: لا أقدر وحدي أن أحكم عليه، فخذوه إلى هيرودس، ولما مثلوا بحضرته طلبوا منه أن يحكم عليه بالقتل، فأخذ يسأله أسئلة متعددة؛ فلم يُجبه يسوع بشيء، فعلم هيرودس أن يسوع رجل فارغ سخيف العقل، فأمر أن يُلبسوه استهزاء به طَيْلَسانًا أحمر، وأمر بإعادته إلى بيلاطس الذي كان مُشفقًا على يسوع، فأخذ يطلب إلى اليهود أن يسامحوه، ولو من أجل العيد، فلم يتنازل رؤساء الكهنة عن طلبهم، بل كانوا يصرخون مع جميع الشعب طالبين أن يُصلَب يسوع على الصليب، فكرَّر بيلاطس طلبه أن يُطلقوا يسوع فلم يرضوا، بل قالوا: لا بدَّ من قتله؛ لأنه يقول عن نفسه إنه ابن الله، فدعاه إليه بيلاطس وسأله على انفراد عن معنى هذا الكلام؛ فلم يُجبه بشيء، فقال له: لماذا لا تُجيب؟ ألا تعلم أن لي سلطانًا أن أُطلِقك وسلطانًا أن أصلبك؟ فأجابه يسوع: ليس لك عليَّ سلطان، فإن السُّلْطة لا تكون إلا من فوق. فخرج بيلاطس وجعل يطلب إلى اليهود للمرة الثالثة أن يطلقوا يسوع، فصرخوا كلهم بصوت واحد: يجب أن يُصلب؛ لأنه يُهيِّج الأمة ضد قيصر، وإن كنتَ لا تحكم بقتله، فإنك تكون عدوًّا لقيصر، فلما سمع ذلك بيلاطس رضخ لكلامهم وأصدر أمرًا بصلب يسوع، ثم عرَّاه وجلده، وأمر بأن يُلبِسوه الرداء القِرْمِزي، وكان الحاضرون يضربونه ويضحكون عليه ويهزءون به، ثم حمَّلوه صليبًا ليحمله إلى مكان يُسمي الجلجلة؛ حيث صلبوه هناك.
ولما كان يسوع مصلوبًا على الصليب كان الشعب يستهزئ به، فقال يسوع: يا أبتِ اغفر لهم؛ لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون، ولماذا دنت ساعة وفاته، قال: يا أبتِ إني بين يديك، أُودِع روحي، ثم أحنى رأسه وأسلم الروح.
متَّى، ٢٦: ٤٦: وبعد ذلك قال يسوع: هيا بنا ننطلق الآن، فإن الذي يُسلِّمني قد جاء.
٤٧: وفيما هو يتكلم هذا إذا بيهوذا واحد من الاثني عشر قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وعِصي.
٤٨: وقد سبق وأعطاهم علامة قائلًا: الذي أُقبِّله أولًا هو فأمسكوه.
٤٩: فللوقت تقدَّم إلى يسوع، وقال له: السلام يا معلم وقبَّله.
٥٠: فقال له يسوع: يا صاحب! لماذا جئتَ إلى هنا؟ حينئذٍ تقدَّم الجنود، وأرادوا أن يأخذوه.
٥١: فاستلَّ بطرس سيف عبد رئيس الكهنة وقطع به أُذُنه.
٥٢: فقال له يسوع: فعلتَ إثمًا، أما أوصيتك بأن لا تقاوم الشر! فرُدَّ السيف إلى صاحبه؛ لأن كل الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يُهلَكون.
٥٥: وحينئذٍ قال يسوع للجموع: كأنه على لصٍّ خرجتم بسيوف وعِصي لتأخذوني! كل يوم كنتُ أجلس معكم أُعلِّم في الهيكل ولم تمسكوني.
لوقا، ٢٢: ٥٣: ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة.
متَّى، ٢٦: ٥٦: ولما رأى التلاميذ أنهم أخذوه تركوه كلهم وهربوا.
يوحنا، ١٨: ١٢: ثم إن الجند والقائد وخدام رؤساء الكهنة قبضوا على يسوع وأوثقوه.
١٣: ومضوا به إلى حنان أولًا؛ لأنه كان حما قَيَافا الذي كان رئيسًا للكهنة الذي أشار على اليهود أنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب من أن يهلك الشعب كله.
مرقص، ١٤: ٥٣: ثم مضوا بيسوع إلى دار رئيس الكهنة.
متَّى، ٢٦: ٥٨: فتبعه بطرس من بعيد إلى دار رئيس الكهنة، فدخل إلى داخل، وجلس بين الخُدَّام لينظر النهاية.
٦٩: فجاءت إليه جارية، وقالت له: وأنتَ كنتَ مع يسوع الجليلي؟
٧٠: فخاف بطرس لئلا يقبضوا عليه، فأنكر قدَّام الجميع قائلًا: لستُ أدري ما تقولين!
٧١: ثم إذا خرج إلى الدهليز رأته أخرى، فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسوع الناصري.
٧٢: فازداد خوفه، وأقسم أنه لم يكن مع يسوع، ولا يعرف من هو ذلك الرجل.
٧٣: وبعد قليل جاء الحاضرون، وقالوا لبطرس: حقًّا إنك واحد من أولئك الثُّوَّار؛ لأن كلامك يدلُّ على أنك من الجليل.
٧٤: فابتدأ حينئذٍ يلعن ويحلف أني لا أعرف الرجل، ولا رأيته قط، وللوقت صاح الديك.
٧٥: فتذكَّر بطرس تلك الكلمات التي قالها له يسوع عندما قال له: إذا أنكرك الجميع فأنا لا أنكرك، من أنه قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات، فخرج إلى خارج وبكي بكاءً مُرًّا، أما سبب بكائه فهو أنه صغرت نفسه وسقط في العثرة، فإنه أولًا لم يستطع ضبط نفسه عندما أخذوا يسوع وأخذ يدافع عنه، ثم سقط لخوفه من الموت وإنكاره يسوع.
مرقص، ١٤: ٥٣: ثم اجتمع في دار رئيس الكهنة جميع الشيوخ والكَتَبة.
يوحنا، ١٨: ١٩: فقدَّموا يسوع إلى رئيس الكهنة، فسأله عن تعليمه وتلاميذه.
٢٠: أجابه يسوع: أنا كلمتُ العالم علانية، أنا علَّمتُ كل حين في المجمع وفي الهيكل؛ حيث يجتمع اليهود دائمًا وفي الخفاء لم أتكلَّم بشيء.
٢١: لماذا تسألني أنا؟ اسأل الذين قد سمعوا ماذا كلَّمتُهم، فقد فهموا تعليمي.
٢٢: ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخُدَّام كان واقفًا قائلًا: أهكذا تُجاوِب رئيس الكهنة؟!
٢٣: فأجابه يسوع: إن كنتُ قد تكلمتُ رديئًا فاشهدْ على الرديء، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟
متَّى، ٢٦: ٥٩: وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كلهم يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه، فلم يجدوا.
٦٠: ولكن أخيرًا تقدم شاهدا زور.
٦١: وقالا: هذا قال: إني أقدر أن أنقض هيكلكم المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني هيكلًا جديدًا لله غير مصنوع بالأيادي.
مرقص، ١٤: ٥٩: غير أن شهادتهما لم تكن كافية لقتله.
متَّى، ٢٦: ٦٢: فقام رئيس الكهنة وقال له: أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هذان عليك؟
٦٣: وأما يسوع فكان ساكتًا، ولم يُجب بشيء، فقال له رئيس الكهنة: قل لنا هل أنت المسيح ابن الله؟
٦٤: فأجابه يسوع: نعم، أنا المسيح ابن الله، وأنتم ستبصرون من الآن بأن ابن الإنسان مساوٍ لله.
٢٥: فقال رئيس الكهنة: إنه جدَّف، فما حاجتنا بعد إلى شهود؟ ها قد سمعتم جميعًا تجديفه على الله.
٦٦: ماذا ترون؟ فأجابوا جميعًا وقالوا: إنه يستحق الموت.
٦٧: حينئذٍ هجم الشعب والخُدَّام على يسوع، وأخذوا يبصقون في وجهه ويلطمونه على خديه، وكانوا يُغطُّون عينيه ويضربونه على وجهه ويسألونه: أخبرنا أيها النبي مَن ضربك؟ أما هو فكان صامتًا.
متَّى، ٢٧: ٢: وبعد أن استهزءوا به أوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي.
يوحنا، ١٨: ٢٨: وأتوا به إلى دار الولاية.
٢٩: فخرج بيلاطس إليهم، وقال: أية شكاية تُقدِّمون على هذا الإنسان؟
٣٠: أجابوا وقالوا له: لو لم يكن فاعل شر لما كُنَّا قد سلَّمناه إليك.
٣١: فقال لهم بيلاطس: إذا فعل لكم شرًّا فخذوه وحاكموه حسب ناموسكم، فقالوا له: نحن أحضرناه إليك لكي تحكم عليه بالموت بأنه لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا.
٣٢: وقد تم القول الذي قاله يسوع بأنه ينبغي أن يكون مستعدًا ليموت مصلوبًا من الرومانيين.
لوقا، ٢٣: ٢: ثم أخذوا يشتكون عليه لبيلاطس قائلين: إننا وجدناه يُفسِد الأُمة، ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر قائلًا: إنه هو مسيح مَلِك.
يوحنا، ١٨: ٣٣: ثم دخل بيلاطس أيضًا إلى دار الولاية ودعا يسوع، وقال له: أنت ملك اليهود؟
٣٤: أجابه يسوع: أمِنْ ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عنِّي؟
٣٥: فأجابه بيلاطس ألَعَلِّي أنا يهوديٌّ؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليَّ، فمن أنت إيها الرجل؟
٣٦: فأجاب يسوع: إني مَلِك، ولكن مملكتي ليست من هذا العالم؛ لأني لو كنت ملكًا أرضيًّا لكانت رعيَّتي تُجاهد عني حتى لا أُسلَّم إلى رؤساء الكهنة.
٣٧: فقال له بيلاطس: أفأنت إذن مَلِك؟ فقال يسوع: أنت تقول ذلك، إني أُعلِّم الناس الحق وأرشدهم إلى طريق الملكوت السماوي، وكل من يحيا بالحق فهو مَلِك.
٣٨: فقال له بيلاطس: تقول إنك تُعلِّم الحق، فما هو الحق؟ ولما قال هذا خرج أيضًا رؤساء الكهنة، وقال لهم: أنا لست أجد فيه عِلَّة واحدة.
مرقص، ١٥: ٣: أما هم فأصرُّوا على عِنادهم وطلبهم، وقالوا: إنه صنع شرًّا كثيرًا، وقد هيَّج الشعب وجميع اليهودية ابتداء من الجليل.
٤: فشرع بيلاطس يستجوب يسوع أمام اليهود، لكنه لم يُجب بشيء، فقال له بيلاطس: أما تُجيب بشيء؟ انظر كم يشهدون عليك؟
٥: فلم يُجِب يسوع أيضًا بشيء حتى تعجَّب بيلاطس.
لوقا، ٢٣: ٦: وتذكَّر بيلاطس أن الجليل تحت سلطة الملك هيرودس، فسأل: هل الرجل من الجليل؟ فأجابوه: نعم.
٧: إذا كان من الجليل فهو من رعايا هيرودس، فأنا أرسله إليه. وكان هيرودس إذ ذاك في أورشليم، فأرسل بيلاطس يسوع إليه لكي يتخلَّص من اليهود.
٨: أما هيرودس؛ فلما رأى يسوع فرح جدًّا؛ لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة.
٩: فدعا هيرودس يسوع إليه وسأله بكلام كثير فلم يُجبه بشيء.
١٠: فأخذ رؤساء الكهنة ومعلمو الشعب يشتكون عليه بإلحاح قائلين: إنه يُهيِّج الشعب.
١١: فاحتقره هيرودس كثيرًا فاستهزأ به، وألبسه لباسًا أحمر لامعًا، وردَّه إلى بيلاطس.
١٢: فصار بيلاطس وهيرودس صديقين مع بعضهما في ذلك اليوم؛ لأنهما كانا قَبْلًا عدوين.
١٣: فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة ورؤساء اليهود وقال لهم.
١٤: قد قدَّمتم إلي هذا الإنسان كمن يُفسِد الشعب، وها أنا قد فحصت قدامكم ولم أجد في هذا الإنسان عِلَّة مما تشتكون به عليه.
١٥: فأرسلته معكم إلى هيرودس، فلم يجد هو أيضًا أنه فعل شيئًا يستحق عليه الموت، فأنا أُؤدِّبه وأُطلِقه.
متَّى، ٢٨: ٢٠: فلما سمع ذلك رؤساء الكهنة صرخوا كلهم بصوت واحد قائلين: أمِته أمِته، واصلبه على الطريقة الرومانية.
٢١: فسمع منهم ذلك بيلاطس وقال: لكم عادة أن أُطلق لكم على عيد الفِصْح أحد الأَثَمة، وعندنا في السجن القاتل باراباس، فيجب أن أطلق لكم واحدًا من الاثنين يسوع أم باراباس، فحرَّض الرؤساء الكهنة أن يطلبوا إطلاق المسجون، فصرخوا بصوت واحد بلغ عَنان السماء: باراباس باراباس.
٢٢: فقال لهم بيلاطس: وماذا أفعل بيسوع؟ فقالوا: اصلبه اصلبه.
٢٣: فقال بيلاطس: لماذا اتَّفقتم كلكم على قتل هذا الرجل، فإنه لم يفعل شيئًا يستحق الموت، ولم يعمل لكم شرًّا؟
يوحنا، ١٩: ٤: ثم قال لهم: إني أُطلقه؛ لأني لم أجد فيه عِلَّة واحدة.
٦: فصرخ رؤساء الكهنة وخُدَّامهم: اصلبه اصلبه، فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم واصلبوه؛ لأني لست أجد فيه عِلَّة.
٧: أجابه اليهود: لنا ناموس، وحسب ناموسنا يجب أن يموت؛ لأنه جعل نفسه ابن الله.
٨: فلما سمع ذلك بيلاطس ازداد خوفًا واضطرب؛ لأنه لم يدرك معنى كلمة ابن الله.
٩: فدخل أيضًا إلى دار الولاية وسأل يسوع: مِن أين أنت؟ فلم يعطِه جوابًا.
١٠: فقال له بيلاطس: أما تُكلِّمني؟ ألستَ تعلم أن لي سلطانًا أن أصلبك وسلطانًا أن أطلقك؟
١١: فقال له يسوع: ليس لك عليَّ سلطان ألبتة؛ لأن السلطان من العلو فقط.
١٢: ومع ذلك فكان بيلاطس يريد أن يُطلقه.
١٥: ولذلك قال لليهود: كيف تريدون أن أصلب مَلِككم؟
١٢: فقالوا له: إن كنت تُطلقه فلست محبًّا لقيصر؛ لأن كل مَن يجعل نفسه ملكًا فهو عدو لقيصر.
١٥: فليس لنا مَلِك غير قيصر فاصلبه.
١٣: فلما سمع بيلاطس هذه الكلمة رأى أنه لا يستطيع عدم معاقبة يسوع.
متَّى، ٢٧: ٢٤: فأخذ ماء وغسل يديه قُدَّام الجميع، وقال: إني بريء من دم هذا الإنسان البار.
٢٥: فأجاب جميع الشعب، وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا.
لوقا، ٢٣: ٢٣: وكانوا يُلحُّون بأصوات عظيمة طالبين أن يُصلب، فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة.
يوحنا، ١٩: ٢٣: حينئذٍ جلس بيلاطس على كرسي الولاية.
متَّى، ٢٧: ٢٦: وأمر بجلد يسوع.
٢٨ و٢٩: فأخذه العسكر ووضعوا على رأسه إكليلًا، وأعطوه عصًا بيمينه، وألبسوه رداءً قِرْمِزيًّا، وطفقوا يهزءون به، وكانوا يجثون أمامه قائلين: افرح يا ملك اليهود، وبصقوا في وجهه، وأخذوا العصا وضربوه على رأسه.
يوحنا، ١٩: ١٦: وبعد ذلك أسلمه لهم بيلاطس ليصلبوه.
متَّى، ٢٧: ٣١: ثم نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه، وحمَّلوه صليبه ومضوا به إلى مكان يُسمَّى الجلجلة ليصلبوه.
يوحنا، ١٩: ١٨: فصلبوه هناك وصلبوا معه اثنين آخرين على جانبيه، ويسوع في الوسط.
لوقا، ٢٣: ٢٤: فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم؛ لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.
٢٥: وكان الشعب يمر أمامه ويهزأ به.
مرقص، ١٥: ٢٩: وكانوا يُحدقون عليه وهم يهزُّون رءوسهم قائلين: آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام.
٣٠: خلِّص نفسك وانزل عن الصليب.
٣١: وكذلك رؤساء الكهنة، وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكَتَبة، قالوا: خلَّص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يُخلِّصها.
٣٢: لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن، قلتَ: إنك ابن الله وأن الله لا يتركك، فلماذا قد تركك الله الآن؟ ثم إن واحدًا من اللذين صُلِبا معه كان يُعيِّره.
لوقا، ٢٣: ٢٩: وكان واحد من المذنبين المصلوبين يهزأ به قائلًا: إن كنتَ أنت المسيح؛ فخلِّص نفسك وإيَّانا.
٤٠: فأجاب الآخر وانتهره قائلًا: أفلا تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحُكم بعينه.
٤١: أما نحن فبعدل؛ لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محلِّه.
٤٢: ثم التفت إلى يسوع، وقال: اذكرني يا رب إذا أتيتُ في ملكوتك.
٤٣: فقال له يسوع: الحق أقول لكَ: أنكَ أصبحت الآن سعيدًا مثلي.
متَّى، ٢٧: ٤٦: ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع من شدة الآلام بصوت عظيم قائلًا: إيلي إيلي، لماذا شبقتني؟ أي إلهي إلهي، لماذا تركتني؟
٤٧: فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا ضحكوا، وقالوا: إنه ينادي إيليا، فلننظر هل يأتي إيليا وينقذه!
٤٨: ثم طلب يسوع ماءً ليشرب، فركض واحد من الحاضرين وأخذ إسفنجة وملأها خلًّا وجعلها على قصبة وسقاه، فلما ذاق الخل قال: يا أبتي قد انتهى كل شيء، وبين يديك أستودع روحي، ثم أحنى رأسه وأسلم الروح. ا.ﻫ. •••
وكان الفراغ من تعريبه في اليوم التاسع من شهر أغسطس سنة ١٩٠٤ في مدينة القاهرة، وإني أرجو الذين يطلعون على كتابي هذا أن يسدلوا ذيل الستر على ما يرونه فيه من الزلل؛ لأن العصمة لله، وله الحمد أولًا وآخرًا.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الثالث «من روح الآب صدرت حياة جميع الناس» (ليتقدَّس اسمك)
فحوى الفصل الثالث
سأل التلاميذ يسوع عن ماهية مملكة الله، فأجابهم: إن مملكة الله هي التي أُبشِّر بها، وكَرَز بها يوحنا من قبلي، وهي تتضمن أن الناس مهما كانوا بؤساء يستطيعون أن يكونوا سعداء.
وقد خاطب يسوع الشعب بقوله: إن يوحنا أول من نادى في الشعب بملكوت الله، ولكن مناداته لم تكن خارجية محسوسة كما يريد العالم، بل كانت روحية معنوية، وقد جاء إليه الفريسيُّون ليسمعوا تعليمه ولكنهم لم يفهموا شيئًا؛ لأنهم لا يفهمون إلا ما ولدته بنات أفكارهم عن الإله الخارجي المحسوس، وهم لا يُعلِّمون الشعب سوى أوضاع أفكارهم الفاسدة، ويستكبرون كيف أنه لا يوجد من يسمع تعليمهم ويعمل به، إن يوحنا نادى بين الناس بملكوت الله الحقيقية؛ ولذلك فإنه قام بعمل عظيم لم يسبقه إليه أحد، فإنه أرشد الناس إلى أنه من عَهْده فصاعدًا ما عاد لزومًا للناموس والأنبياء والعبادة الكمالية، وأن ملكوت الله كائنة في نفوس الناس وأن البدء والمُنتهى في نفس الإنسان الذي أصبح بعد ذلك يعلم أن ما عدا حياته الجسدية الفانية التي اتَّصلت به عن أب الجسد والحبَل به في جسم امرأة أن به نفس حرة عاقلة مُدركة ليس لها علاقة بالجسد، وأنها — أي النفس — خالدة صادرة من ذاك الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، وأصل الوجود الذي نُسمِّيه الله ونحن نعرف الله بنفوسنا، والنفس هي بدء حياتنا وينبغي علينا أن نضعها في مواضع الشرف والسمو، وبواسطتها ينبغي أن نعيش، وعندما نعتقد فيها بمثل هذا الاعتقاد نحصل إذ ذاك على الحياة الأبدية الحقيقية، إن الآب الروح لم يرسل الروح للناس ليخدعهم ويغشهم حتى إنهم عندما يعلمون أنهم حاصلون على الحياة الأبدية لا يفعلون ما هو مفروض عليهم فيفقدوها؛ لأنه إن كانت في الناس نفس خالدة فقد أُعطيت لهم ليحصلوا بها على الحياة الأبدية.
إن الناس مخيَّرون بين اختيار الحياة أو الموت، فالحياة في النفس والموت في الجسد، وحياة الروح هي صلاح ونور وحياة الجسد شر وظلام، والمؤمن بالروح يعمل أعمال الصلاح، ومن لا يؤمن بها يعمل أفعال الشر، فالصلاح حياة والشر موت، نحن لا نعرف الله المحسوس خالق جميع الموجودات وأصل كل أصل، وما نستطيع أنه تتصوَّره به هو أنه زرع الروح في الناس كما يزرع الزارع الحبوب في كل مكان دون أن يختار الأرض أو يُنقِّي الحبوب التي إذا وقعت على أرض صالحة تنمو وتعطي ثمرًا، وإن وقعت على أرض رديئة تهلك، والروح فقط يعطي الحياة للناس، وعليهم وحدهم يتوقف ضبطها أو فقدها، والشر لم يوجد لأجل الروح، وإنما الشر يشبه الحياة أو هو مثالها، وإنما يوجد إنسان حي وإنسان غير حي، وقد أُعطِيت لكل إنسان معرفة مملكة الله في نفسه، وكل واحد له الخيار بدخولها أو الخروج منها، وما عليه لدخولها إلا أن يؤمن بحياة الروح، والمؤمن بحياة الروح تكون له حياة أبدية. •••
متَّى، ١١: ٢ و٣: وبعد ذلك جاء إلى يسوع تلاميذ يوحنا وسألوه: هل هو ذاك الذي تكلَّم عنه يوحنا؟ وهل هو الذي يفتح ملكوت الله ويجدد الناس بالروح؟
٤: فأجابهم يسوع: انظروا واسمعوا وأخبروا يوحنا، واحكموا هل قام ملكوت الله وتجدَّد الناس بالروح؟ أخبروه عن كَرازَتي بملكوت الله.
٥: فقد جاء في النبوَّات: أنه عندما يجيء ملكوت الله يصبح جميع الناس سعداء، فأخبروه أن مملكتي الإلهية تجعل الناس سعداء.
٦: لأن كل من يفهمني يصبح سعيدًا مغبوطًا.
٧: وبعد أن أطلق يسوع تلاميذ يوحنا ابتدأ يُعلِّم الشعب عن ملكوت الله التي كَرَز بها يوحنا، فقال: إنكم قد ذهبتم إلى البرِّيَّة إلى يوحنا لتعتمدوا منه، فماذا رأيتم؟ وكذلك الناموسيُّون والفريسيُّون ذهبوا إليه، ولكنهم لم يفهموا ما علَّمهم به، وعلَّم غيرهم، ولذلك لم يعدوه شيئًا.
١٦: وهذا الجنس أعني به جنس الناموسيِّين والفريسيِّين لا يعتقدون بصحة شيء سوى ما وضعوه من الأباطيل والمعتقدات الفاسدة، فيسمعون بعضهم بعضًا، ويرضخون لأحكام ذلك الناموس الذي اختلقوه.
١٨: وما قاله يوحنا أقوله أنا، ولكنهم لا يسمعون ولا يفهمون، ولم يفهموا من أقوال يوحنا وأعماله إلا أنه يصوم في البرِّيَّة، فقالوا: إن الله به.
١٩: ولقد فهموا مما قلتُه أني لا أصوم فقط، فقالوا: إنه يأكل ويشرب مع العشَّارين والزُّناة، وإنه صديق لهم.
١٧: فهم كالأولاد الذين يلعبون في الأزِقَّة ويصرخون ويستغربون كيف أنه لا يسمعه أحد!
١٩: إن أعمالهم تدل على حكمتهم.
٨: إذا أردتم أن تُبصروا إنسانًا مرتديًا لباسًا فاخرًا فمثل هؤلاء كثيرون يعيشون في القصور.
٩: ماذا أبصرتم في البرِّيَّة؟ هل ذهبتم لاعتقادكم أن يوحنا كغيره من الأنبياء؟ فلا تظنوا ذلك؛ لأن يوحنا ليس كبقية الأنبياء، بل هو أعظم منهم جميعًا؛ لأن أولئك تنبئوا بما سيحدث وقوعه في المستقبل، وأما هو فقد علَّم الناس عن موجود حاضر، وأن ملكوت الله كان وسيكون على الأرض.
١١: الحق أقول لكم: إنه لم يُولد رجل أعظم من يوحنا، فإنه أظهر ملكوت الله على الأرض؛ ولذلك فهو أعظم من الجميع.
لوقا، ١٦: ١٦: الناموس والأنبياء قبل يوحنا كان لهما احتياج، وأما بعد يوحنا فليس لهما من ثَم احتياج؛ لأن احتياج ملكوت الله أصبح على الأرض، وكل من يسعى إليه يستطيع دخوله.
٢٠: وجاء إلى يسوع الفريسيُّون، وسألوه: كيف ومتى يأتي ملكوت الله؟ فأجابهم: إن ملكوت الله هو ما أُكْرِز وأُعلِّم به، وليس هو كما بشَّر به الأنبياء السابقون؛ لأنهم ذكروا أن الله يجيء بصور وهيئات مختلفة، وأما أنا فأُعلِّم عن ملكوت الله الذي لا تستطيع الأعين أن تراه.
لوقا، ١٧: ٢٣: فإذا قالوا لكم: قد جاء أو سيجيء أو إنه هناك أو هو ذا هو هنا فلا تُصدِّقوا؛ لأن ملكوت الله ليس في زمان ولا في مكان.
٢٤: لأنه كالبرق يلمع هنا وهناك وفي كل مكان.
٢١: فليس هو محصور في زمان ولا مكان؛ لأن ملكوت الله هو ذاك الذي أُكْرِز لكم به.
يوحنا، ٣: ١ و٢: وبعد هذا جاء إلى يسوع ليلًا رجل فريسيٌّ اسمه نيقوديموس رئيس لليهود، وقال له: إنك تأمر بعدم حفظ السبت، ولا تأمر بالمحافظة على الطهارة، وتمنع تقديم الضحايا ولا تأمر بالصيام، وقد حقرت الهيكل وتقول عن الله: إنه روح، وإن ملكوت الله في وسطنا، فما ملكوت الله هذا؟
٣: فأجابه يسوع: اعلم أن الإنسان إذا وُلِد من السماء فيكون كل شيء فيه سماويًّا.
٤: فلم يفهم نيقوديموس كلامه؛ ولذلك قال: كيف يستطيع الإنسان المولود من جسم أب وكَبِر وشاخ أن يدخل بطن أمه ثانية ويُولَد من جديد؟
٥: فأجابه يسوع: افهم كلامي، فإني أقول: إن الإنسان مولود من الروح كما هو مولود من الجسد؛ ولذلك كل إنسان مولود بالجسد والروح يكون فيه ملكوت الله.
٦: لأن الجسد من الجسد، والروح لا يمكن أن تولد من الجسد، بل الروح يمكن أن تُولِد من الروح فقط.
٧: وأما الروح فهو ما يعيش فيك عيشة مطلقة حرة عاقلة التي لا تعرف لها أولًا ولا آخر، وذلك ما يشعر به كل إنسان.
٨: ولماذا تعجَّبت عندما قلتُ لك: إنه ينبغي لنا أن نُولَد من السماء؟
٩: فقال نيقوديموس: ومع ذلك فإني لا أصدق بإمكان ذلك.
١٠: فحينئذٍ قال له يسوع: كيف تكون معلمًا ولا تُدرك ذلك؟
١١: تبصَّر وافهم أنني لا أنطق بفلسفة، وإنما أُعلِّم بما نعلمه كلنا وأطلب تصديق ما نراه جميعنا.
١٢: وكيف أنت تستطيع الإيمان بالسماء إذا كنت لا تؤمن بما هو على الأرض وموجود بك؟
١٣: لم يصعد أحد للسماء، وإنما الإنسان هبط إلى الأرض من السماء فهو إذن سماوي.
١٥: ولذلك يجب أن نرفع شأن الابن السماوي الذي تمثَّل في الإنسان حتى يصدقه كل واحد ويؤمن به فلا يهلك، بل تكون له حياة أبدية.
١٦: والله لم يُرسل ابنه للناس لأجل هلاكهم؛ بل لأجل صلاحهم وخيرهم، وقد أرسله لكي أن كل من يؤمن به لا يهلك، بل تكون له حياة أبدية.
١٧: إن الله لم يبذل ابنه (روحه) ويُرسله للعالم لكي يُهلك البشر، ولكنه بذل ابنه (روحه) لكي يحيي الناس به.
١٨: ومن يعتقد بوجود الحياة فيه فإنه لا يموت، وأما من لا يعتقد بذلك فإنه يُهلك نفسه.
١٩: ومن ذلك يتأتى الانفصال (الموت)؛ لأن الحياة جاءت للعالم، ولكن الناس يخرجون أفواجًا من العالم، النور هو حياة الناس، والنور جاء إلى العالم، ولكن الناس فضَّلوا الظلمة على النور الذي لم يقبلوا إليه.
٢٠: ولذلك؛ فإن من يعمل السيئات فلا يمضي إلى النور ولا تظهر أعماله، وذلك يحرم نفسه من الحياة.
٢١: ومن يعِش في الحق ذلك يُقبِل إلى النور، فتظهر أعماله وتكون له حياة ويتَّحد مع الله.
فلا تظنوا ملكوت الله كما تعرفونه وتفهمونه بأنه لجميع الناس، وأنه يأتي في أجل محدود وفي مكان مُعيَّن، كلا، كلا، بل إنه موجود في كل العالم دون حصر ولا تعيين، فالناس منتشرون في كل العالم، فالذين منهم يلقون اتِّكالهم على ابن البشر السماوي أولئك يصبحون أبناء الملكوت، والذين لا يتَّكلون عليه أولئك يهلكون، إن أب ذلك الروح الموجود في الإنسان هو أب لأولئك الذين يعترفون بأنهم أبناؤه؛ ولذلك فإن له فقط أولئك الذين يضبطون في نفوسهم ما أعطاهم إياه الآب.
متَّى، ١٣: ٣: وبعد هذا أخذ يسوع يوضح للناس ملكوت الله، وضرب لهم الأمثال ليُقرِّب فهمه إلى أذهانهم، فقال: إن الآب الروح يزرع في العالم الحياة المدركة كما يزرع الفلاح الحبوب في أرضه سواء بسواء.
٤: وهو يزرع كل الحقل بقطْع النظر عن المكان الذي تقع فيه الحبوب التي يسقط بعضها على الطريق فتطير طيور السماء وتأكله.
٥: وبعضها سقط على الأرض المُحْجِرَة فنمت، ولكن إذ لم يكن لها تربة كافية لتأصل فيها يبست بسرعة.
٧: وبعضها سقط في الشوك، ولكن الشوك طلع وخنقه.
وبعضها سقط في الأرض الجيدة فنبت ونما وأرسل سنابله مملوءة بالحبوب، وأعطت ثمرًا بعضها مائة وبعضها ستين وبعضها ثلاثين.
وعلى هذه الطريقة زرع الله الروح في الناس، فضاع عند بعضهم، ونما عند الآخرين الذين تتألف منهم مملكة الله.
مرقص، ٤: ٢٦: ولذا فإن ملكوت الله ليس كما تزعمون بأنه يجيء ويسود بينكم، فإن الله لم يزرع سوى الروح، ويكون ملكوت الله بين أولئك الذين يحفظونه.
٢٦: فإن الله لا يُحاكم الناس الآن ولا يدبرهم، بل هو كالفلاح الذي يبذر الحبوب في الأرض ولا يفتكر بها.
٢٦: فإن الحبوب تنبت من نفسها ثم تنمو وتخضر وترسل سوقها فوق الأرض، ثم تُخرج السنابل مملوءة بالحبوب.
٢٩: وعندما تنضج يرسل الفلاح الحصَّادين بمناجلهم ليحصدوها، وهكذا فإن الله أعطى ابنه الروح للعالم، والروح من نفسه ينمو في العالم، وأبناء الروح هم الذين يؤلفون ملكوت الله.
متَّى، ١٣: ٣٣: ومثل ذلك أن امرأة وضعت الخميرة في الدقيق، فإنها لا تحركها بل هي تتحرك من نفسها، فتُخمِّر الدقيق حتى يرتفع، وما دام الناس عائشين فإن الله لا يتداخل في شئون حياتهم، فإنه أعطى العالم الروح، والروح نفسه يعيش في الناس، والناس الذين يعترفون بأنهم أبناء الروح يؤلفون مملكة الله، والروح لا يسطو عليه الموت أو الشر فإنهما من خواص الجسد وليس لهما مساس بالروح.
١٣: ٢٤: وبعبارة أوضح أقول: إن الفلاح زرع الحبوب الجيدة في الحقل، فالفلاح هو الروح هو الآب، والحقل هو العالم، والحبوب الجيدة هم أبناء الله.
متَّى، ٢٥: زرع الفلاح الحقل ونام، وفيما هو نائم جاء العدو وزرع فيه الزَّوان، فالعدو هو العثرات، والزَّوان هم أبناء العثرات والضلال.
٢٧: ثم جاء إلى صاحب الحقل الفعلة، وقالوا له: لماذا زرعت في حقلك حبوبًا رديئة؟ فإنه قد ظهر بين الحبوب زَوان كثير، فأْذَن لنا لنمضي وننقِّيه.
٢٩: فقال لهم: لا لزوم لذلك؛ فإنكم إذا نقَّيتم الزَّوان تدوسون القمح وتُتلفونه.
٢٠: دعوهما ينموان معًا إلى حين الحصاد، فآمر الحصادين أن يجمعوا الزَّوان ليحرق، وأما القمح فأُخزِّنه في مخازني.
أما الحصاد فهو نهاية حياة الناس، والحصَّادون هم القوات السماوية، فيحرقون الزَّوان ويُنقُّون القمح ويجمعونه، وهكذا فإنه عند انتهاء الحياة يزول كل شيء مما كان يدعو الناس إلى الضلال والعثرات، ونثبت الحياة الحقيقية في الروح، إذ ليس عند الروح الآب شر؛ لأن الروح يحفظ ما هو لازم له، والذي ليس له فهو ليس منه.
٤٧: فملكوت الله كالشبكة التي تُطرَح في البحر وتصطاد كل أنواع السمك.
٤٨: وعندما ينتشلونها من الماء يفرزون السمك الرديء ويطرحونه في البحر، وسيكون هكذا عند انتهاء الدهر، فإن القُوَّات السماوية تختار الجيد وتطرح الرديء.
١٣: ١٠: ولما أنهى كلامه سأله تلاميذه أن يُوضِّح لهم هذه الأمثال.
١١: فقال لهم: إن هذه الأمثال تُفهم على نوعين؛ فإني أضربها للحاضرين المنقسمين بالطبع إلى قسمين، فإنكم أنتم تلاميذي تفهمون ما هو ملكوت الله، وتُدركون بأنه موجود في كل إنسان، وكيف يمكن الدخول فيه، ولكن الآخرين لا يستطيعون فهم ذلك لأنهم ينظرون ولا يُبصرون، ويسمعون ولا يفهمون.
١٥: لأنه قد قسيت قلوبهم؛ ولذلك أنا أضرب أمثالي إلى فريقين، فريق لا يفهمها وفريق يُدركها، فأقول للذين لا يفهمون: إن الله له ملكوت عظيم، فيفهمون ذلك، وأما لكم فإني أقول: إنه يلزمكم ملكوت الله الموجود فيكم فتدركون ذلك.
١٨: إني أُوجِّه التفاتكم لفهم مثل الزارع، وهذا هو معناه لكم.
١٩: كل من فهم معنى ملكوت الله ولم يقبله في قلبه فيأتيه الشر ويخطف ما قد زرع، وهذه هي الحبوب التي سقطت على الطريق.
٢٠: والمزروع في الأرض المُحجرة هو ذاك الذي يقبل الملكوت من ساعته بفرح.
٢١: ولكن ليس له فيه أصل وإنما هو إلى حين، فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الملكوت فإنه حالًا يُنكره.
٢٢: والذي زُرِع في الشوك هو الذي فهم معنى الملكوت، ولكن همَّ هذا الدهر وخداع الغنى يخنقان في نفسه هذا المعنى فلا يُعطي ثمرًا.
٢٣: وأما الذي زُرِع في الأرض الجيدة فهو الذي يفهم معنى ملكوت الله ويقبله في قلبه، فيُعطي ثمرًا الواحد مائة والآخر ستين والآخر ثلاثين.
١٢: لأن من له يُعطى ويزاد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه.
لوقا، ٨: ١٨: ولذلك تبصَّروا كيف تفهمون الأمثال حتى لا تستسلموا للضلال وتسقطوا في وهدة الامتهان وهموم هذا العالم، بل لكي تُعطوا ثمرًا بعضه ثلاثين وبعضه ستين وبعضه مائة.
متَّى، ٨: ٣١: فإن ملكوت الله تنمو في النفس من دون شيء، ولكنه يُعطي كل شيء؛ لأنه مثل حبة الخردل الصغيرة، لكنها متى نمت تصبح أعظم من كل الأشجار وتبني عليها طيور السماء أعشاشها.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الرابع «ملكوت الله» (ولذا فإن مشيئة الله هي حياة وخير للناس) (ليأت ملكوتك)
فحوى الفصل الرابع
إن يسوع كان يحزن على الناس؛ لأنهم لا يُدركون معنى الصلاح الحقيقي، ولذلك كان يرشدهم إليه بقوله: طوبى لأولئك الذين لا يهتمون بشئون هذا العالم، ولا يسعون للحصول على المجد الباطل العاطل. ثم قال: وبئسًا لأولئك الذين يسعون للغنى والمجد العالمي؛ لأن البؤساء والفقراء يطيعون إرادة الله، وأما الأغنياء وأصحاب المجد فإنهم لا يطلبون سوى المكافأة من الناس في هذه الحياة الفانية الوقتية، ولا ينبغي لمن يريد إتمام مشيئة الآب أن يخشى الفقر والمسكنة والاحتقار، بل ينبغي عليه أن يفرح لذلك لكي يُظهر للناس ما هو الصلاح الحقيقي، ولإتمام مشيئة الآب التي هي مصدر الحياة والصلاح ينبغي على الناس أن يُتمموا الخمس وصايا الآتية: الوصية الأولى: لا تُهِن أحدًا، واجتهد بألا تحرك أحدًا لفعل الشر؛ لأن الشر يتولَّد من الشر. الوصية الثانية: لا تغازل النساء، ولا تترك المرأة التي اتَّحدتَ بها؛ لأن ترك النساء وتغييرهن يُحدثان الفساد في العالم. الوصية الثالثة: لا تحلف بشيء، ولا تعد بشيء؛ لأن الإنسان جميعه تحت سلطة الله، والناس لا يجنحون إلى القَسَم إلا في أعمالهم الشريرة. الوصية الرابعة: لا تقاوم الشر واحتمل الإهانة، واعمل أكثر مما يطلبه منك الناس، لا تُحاكم أحدًا ولا تقُد ذاتك للمحاكمة، فالإنسان مملوء بالأغلاط ولا يستطيع تعليم الآخرين، وإذا أراد الإنسان أن يجنح إلى الانتقام؛ فإنه يعلم الناس أن يحذوا حذوه وينسجوا على مِنواله. الوصية الخامسة: لا تُفرِّق بين مواطنيك والغرباء؛ لأن جميع الناس أبناء أب واحد.
ثم لا نقصد بإتمام هذه الوصايا والسير بموجبها أن تنال ثناء الناس وتمجيدهم، كلا؛ بل أتمها لنفسك لتحصل بواسطتها على الغبطة والسعادة، ثم إنه لا لزوم للصلاة والصيام مطلقًا، أما عدم ضرورة الصلاة فهو لأن الآب يعلم ما يحتاجه الناس؛ ولذلك فليس من ثَم لزوم لأن يطلبوا منه شيئًا، بل يجب عليهم أن يسعوا جهد طاقتهم؛ لكيلا يخرجوا عن طاعته ويتعدَّوا حدود إرادته التي تطلب من كل واحد ألا يحقد على أحد ولا يجلب الشر للغير، وأما عدم لزوم الصيام فلأن الناس يصومون لكي يُمجِّدهم الناس، والعاقل من يتجنَّب هذا المجد العاطل الذي ينفخ في الرءوس روح الكِبْر والخُيلاء والغطرسة، والذي يهتم بالجسد فلا يستطيع الاهتمام بالملكوت السماويِّ، والإنسان أيضًا إذا لم يهتم بما يأكل ويشرب ويلبس فإنه يبقى حيًّا يُرزق، فإن الآب يعطيه الحياة، وما على الإنسان إلا أن يهتم في ساعته الحاضرة أن يكون خاضعًا لإرادة الله، والآب يعطي أولاده جميع ما يحتاجون إليه، وعليه أن يطلب فقط قوة الروح التي يعطيها الآب وحده.
إن الخمس الوصايا المذكورة آنفًا تُرشد الناس إلى الطريق الذي يؤدي إلى ملكوت السموات، وهذا الطريق الضيق وحده يوصل الناس إلى الحياة الأبدية، غير أن المُعلِّمين الكاذبين أو الذئاب الذين يظهرون بثياب الحُمْلان يسعون جهدهم لتضليل الناس وإبعادهم عن ذلك الطريق، فينبغي الاحتراس منهم ورفض تعاليمهم، ومن السهل معرفة هؤلاء المُضلِّين؛ لأنهم يُعلِّمون الناس الشر باسم الخير، فإذا كان أساس تعليمهم مبنيًّا على القوة والقتل فهم كذبة ماكرون، فمن ثمارهم تعرفون تعليمهم.
ليس كل من يذكر الله كثيرًا يتمم إرادته، بل الذي يفعل أفعال الصلاح والخير؛ ولذا فمن يُتمم الخمس وصايا المذكورة فإنه ينال حياة خالدة ثابتة لا ينزعها منه أحد، ومن لا يتممها فذاك تكون له حياة ضعيفة تنزع منه حتى لا يبقى له شيء.
وأما تعليم المسيح: فكان يُدهش القوم ويوافق مشاربهم؛ لأنه كان يعلم أن جميع الناس أحرار.
وكان من جهة أخرى مُتمِّمًا لنبوة أشعياء النبي القائل: إن مسيح الله المختار قد جاء بالنور إلى العالم، وقد غلب الشر وأقام الحق بالتواضع والانكسار والصلاح وليس بالقوة.
متَّى، ٩: ٣٥: وكان يسوع يطوف المدن والقرى مرشدًا الناس إلى السعادة وإتمام مشيئة الآب.
٣٦: وكان يسوع يحزن على الناس؛ لأنه رآهم يهلكون دون أن يعرفوا ما هي الحياة الحقيقية، ويُعذبون دون أن يعرفوا لذلك سببًا مثل الخِراف التي لا راعي لها.
٥: ١: وجاء إلى يسوع ذات يوم جمهور عظيم من الشعب ليسمعوا تعليمه؛ فصعد إلى الجبل وأحاطه تلاميذه.
٢: وشرع يسوع يُعلِّم الشعب عما تتضمنه إرادة الله.
لوقا، ٦: ٢١: فقال: طوبى لكم أيها المساكين الذين لا مأوى لكم؛ لأنكم بين يدي الله، وإذا جُعتم الآن فإنكم ستشبعون، أو حزنتم وبكيتم فإنكم ستتعزون.
٢٢: وإذا الناس احتقروكم أو نفوكم أو طردوكم.
٢٣: فليفرحوا من أجل ذلك لأنهم طردوا من قبلكم رجال الله، ولكنكم ستنالون أجرًا عظيمًا سماويًّا.
٢٤: ولكن ويل للأغنياء؛ لأنهم نالوا كل ما يتمنون، ولا ينالون بعد ذلك شيئًا.
٢٥: أما الآن فإنهم مُشبَعون ولكنهم سيجوعون، والآن هم فرحون يضحكون ولكنهم سيحزنون ويبكون.
٢٦: وإذا كان الناس يمجدونهم الآن، ويقولون عنهم كل كلمة حسنة، فالويل لهم في ذلك؛ لأنه لا يطلب المجد غير المخادعين الضالين، وأما المساكين الذين لا مأوى لهم؛ فإنهم يكونون سعداء إذا كانوا مساكين بالروح، وليس بحسب الظاهر، كالملح الذي لا نستطيع أن نحكم على جودته بمجرد النظر إلى لونه إذا كان صالحًا غير فاسد.
متَّى، ٥: ١٣: ولذلك أنتم أيها المساكين الذين بلا مأوًى ومُعلِّمي العالم طوبى لكم من أجل مَسْكَنَتكم الحقيقية، وأما إذا كنتم مساكين بالظاهر فلا أجر لكم، بل أنتم كالملح الفاسد الذي لا ينفع لشيء.
١٤: أنتم نور العالم؛ ولذلك لا تُخفوا نوركم، بل أظهروه للناس.
١٥: فلا يوقد سِراج ويوضع تحت المِكيال لكن على المنارة لينير على كل من في الغرفة.
١٦: فلا تُخفوا نوركم أنتم أيضًا، بل أظهروه بالأعمال؛ ليرى الناس أنكم تعرفون الحق، وعندما يرون أعمالكم الحسنة يعرفون أباكم السماوي.
١٧: ولا تظنوا أني أُحلُّكم من الناموس، فإن تعليمي لا يحلُّ الناموس، بل يأمر بإتمام الناموس الأبدي.
١٨: فما دام الناس عائشين تحت السماء يدوم الناموس على الأرض، وإنما الناموس يزول عندما يصبح الناس من أنفسهم يُتممون الناموس الأبدي، وعليه فإني أرشدكم إلى وصايا هذا الناموس.
١٩: فكل من يحلُّ واحدة من تلك الوصايا الصغار، ويعلم الناس أن يحلوا أنفسهم منها فإنه يكون الأخير في ملكوت السموات، وأما الذي يتممها ويعلم الناس بها فإنه يكون عظيمًا في ملكوت السموات.
٢٠: ولذلك فإني أقول لكم: إن لم تزد أعمالكم الصالحة عن أعمال الكتبة والفريسيِّين فلن تستطيعوا دخول ملكوت السموات. الوصايا
الوصية الأولى: متَّى، ٥: ٢١: جاء في الناموس القديم: لا تقتل، ومن قتل آخر فإنه يستوجب الدينونة. ٢٢: وأما أنا فأقول لكم: إن كل من غضب على أخيه يستوجب الدينونة ويُدان، وأعظم ذنبًا من ذلك الذي يقول لأخيه كلمة سِباب أو سَفه. ٢٣: وإذا أردت أن تُصلِّي لله؛ فاذكر قبل ذلك هل يوجد إنسان في نفسه شيء ضدك؟ ٢٤: وإذا ذكرت أنك أهنت شخصًا وتركت له عليك شيئًا؛ فاترك صلاتك وامضِ وصالح أخاك أولًا، وبعد ذلك صلِّ، واعلموا أن الله لا يحتاج إلى القرابين والصلاة، بل يطلب السلام والوِفاق والمحبة؛ ولذلك لا يجوز لكم أن تُصلُّوا أو تذكروا الله في أفواهكم إذا كان لكم مبغضٌ واحدٌ. فالوصية الأولى هي: ألا تحنقوا وتغضبوا ولا تشتموا أحدًا، وإذا فعلتم ذلك فصالحوه حتى لا تدعوا أحدًا يبغضكم أو في نفسه شيءٌ منكم.
الوصية الثانية: ٢٧: قيل في الناموس القديم: «لا تَزْنِ»؛ وأما أنا فأقول لكم: إنكم إذا تغزَّلتم بجمال المرأة ونظرتم إليها نظرًا فاسدًا فكأنكم قد زنيتم، وكل غواية تهلك النفس؛ ولذلك خير لكم أن تبتعدوا عن شهوات الجسد لئلا تُهلكوا حياتكم. ١٩: ٩: وإذا طلقت امرأتك تصبح زانيًا، وتقودها إلى الزنا هي والذي يلتصق بها. ولذلك (الوصية الثانية): لا تظن أن محبة المرأة أمر حسن ممدوح، فلا توجِّه التفاتك إلى جمال المرأة، ولا تتغزَّل بمحاسنها، بل عِشْ مع تلك التي التصقت بها ولا تتركها.
الوصية الثالثة: متَّى، ٥: ٣٣: جاء في الناموس القديم: «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلًا»، ولا تحلف باسمه كذبًا، ولا تدنس اسم إلهك (لاويين، ١٩: ١٢)؛ وأما أنا فأقول لكم: إن كل قَسَم يدنس اسم الله، فلا تحلفوا مُطلقًا. متَّى، ٥: ٣٤: لا يجوز للإنسان أن يُعطي وعدًا؛ لأنه دائمًا موجود بين يدي الله، وتحت سلطته، والإنسان لا يستطيع أن يحوَّل شعرة بيضاء من رأسه سوداء، فكيف إذن يجوز له أن يُقسِم أنه يفعل كذا وكذا؟! ويصنع كيت وكيت؟! ويُقسِم بالله أنه يستطيع ذلك؟! ٣٦: وكل قَسَم يُدنِّس اسم الله؛ لأن الإنسان يتمِّم ما أقسم به، وهو مخالف لإرادة الله، فإذا هو قد أقسم وتعهَّد بأنه يُخالف إرادة الله، وكل قَسَم هو شر دائم. ٣٧: وإذا سُئِلت عن شيءٍ؛ فأجب: نعم، إذا كان نعم، أو لا، إذا كان لا، وما تزيده على ذلك فهو شر؛ ولذلك (الوصية الثالثة): لا تُقسِم لأحد شيء مطلقًا، ولا تزد على نعم أو لا، واعلم أن كل قسم إثم وشر.
الوصية الرابعة: متَّى، ٥: ٣٨: قيل في الناموس القديم (الخروج، ٢١: ٢٢): من يُهلك نفسًا فإنه ينبغي عليه أن يُقدِّم نفسًا مثلها، وعينًا بعين وسِنًّا بسِن ويدًا بيدٍ، وثورًا بثورٍ وعبدًا بعبدٍ، وغير ذلك كثير. ٣٩: أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرَّ بالشرِّ، ولا تأخذوا عينًا بعينٍ ولا ثورًا بثورٍ ولا نفسًا بنفسٍ. ٤٠: وإذا أراد أحد أن يأخذ منك أمام المحكمة ثورك فأعطِه الآخر، ومن أراد أن ينزع منك ثوبك فأعطِه رداءك أيضًا، ومن خلع من فَكِّكِ سنًّا فحوِّل له الفكَّ الآخر. ٤١: ومن أراد أن يُسخِّرَك بشغلٍ فضاعفْه أنت. لوقا، ٦: ٣٠: ومن أخذ منك مالك فلا تطالبه به؛ ولذلك. ٣٧: لا تدينوا فلا تُدانوا، ولا تعاقبوا أحدًا، فلا أحد يدينكم ويقضي عليكم، تنازلوا للجميع وتساهلوا في جميع أعمالكم؛ لأنكم إذا حاكمتم الناس يحاكمونكم هم أيضًا. متَّى، ٧: ١: لا تدينوا أحدًا؛ لأنكم جميعًا عميان لا تبصرون الحق. ٣: ما بالك تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تُبصر الخشبة التي في عينيك أولًا ثم تُبصر ما في عين أخيك. لوقا، ٦: ٣٩: ألعلَّ أعمى يستطيع أن يقود أعمى، أليس أنهما يسقطان كلاهما في حفرة؛ ولذلك فإن الذين يدينون ويتقاضون كالعميان يقودون العميان. ٤٠: إن أولئك الذين يحاكمون ويحكمون بالقوة والجراح والشنق والموت يريدون أن يحكموا بين الناس بالعدل ويعلمونهم، وماذا يا ترى ينجُم عن تعليمهم غير أن تلاميذهم يصبحون مثلهم؟ وماذا يفعل التلاميذ عندما يتعلَّمون غير ما يفعله معلموهم من أفعال القتل والقوة؟ وما شابه ذلك. متَّى، ٧: ٦: لا تظنون أنكم تجدون العدل في المحاكم؛ لأن المحبة لا تقدم على المحاكم البشرية، ومن يفعل ذلك فيكون كمن يطرح دُرره أمام الخنازير فتدوسها بأرجلها، ثم تلتفت فتُمزقه. ولذلك الوصية الرابعة: فإنه مهما أُهنت فلا تقاوم الشرَّ ولا تدِن أحدًا لئلا يدينك، ولا ترفع دعوى على أحد ولا تعاقب أحدًا.
الوصية الخامسة: جاء في الناموس السابق متَّى، ٥: ٤٣: اصنعوا الخير مع أبناء أمتكم ووطنكم، وافعلوا الشرَّ للغرباء. ٤٤: وأما أنا فأقول لكم: لا تحبوا مواطنيكم فقط؛ بل أحبوا أيضًا جميع الناس الغرباء والأجانب، وإذا أبغضكم الأجانب واضطهدوكم وأهانوكم؛ فاثنوا عليهم، وأحسنوا لهم، وقابلوهم بالخير. لوقا، ٦: ٣٣: فإن أحببتم أهل وطنكم فقط وأحسنتم إليهم؛ فكأنكم لم تفعلوا شيئًا تمتازون به عن الأجانب الذين يحبون بعضهم، ومن هذه البغضاء الموجودة بين الأمم تحدث الحروب، وأما أنتم فساووا بين جميع الناس، فتكونوا أبناء أبيكم السماوي الذي هو أب لجميع البشر، فإذن كلنا إخوة. ولذلك (الوصية الخامسة): اصنعوا مع الأجانب ما قلت لكم أن تصنعوه مع نفوسكم؛ لأن الآب لا يفرق بين الناس والممالك؛ لأنهم كلهم إخوة أبناء أب واحد، فلا تميِّزوا بين الأمم والشعوب والممالك.
وعليه؛ فإنه يجب عليكم: (١) لا تغضبوا؛ بل سالموا الجميع. (٢) لا تنغمسوا في شهوات الجسد. (٣) لا تحلفوا لأحد بشيء. (٤) لا تقاوموا الشرَّ، ولا تدينوا ولا تُدانوا. (٥) لا تميِّزوا بين الناس، بل أحبوا الأجانب كما تحبون أنفسكم.
متَّى، ٧: ١٢: وجميع هذه الوصايا تنحصر في وصية واحدة، وهي كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوه أنتم بهم.
٦: ١: لا تتمموا هذه الوصايا على أمل أن تنالوا ثناء الناس فتنالون منهم أجركم، وأما إذا صنعتموها لغير الناس؛ فإنكم تنالون أجركم من أبيكم السماويِّ.
٢: وإذا صنعتَ صدقة للناس؛ فلا تبوق بها أمام الناس بالبوق كما يفعل المراءون؛ لكي يمجدهم الناس، ويأخذوا منهم أجرهم.
٣: وأما أنت إذا صنعتَ صدقة؛ فلا تعلم شمالك ما تصنع يمينك.
٤: فيرى أبوك ذلك، ويُعطيك جميع ما تحتاج.
٥: وإذا صليتَ؛ فلا تكن كالمرائين الذين يُصلُّون في الكنائس والمجامع على مرْأَى من الناس، فإذا هم يُصلُّون للناس، ومنهم ينالون ما يتمنون.
٦: وأما أنت إذا صليت؛ فادخل مكانًا لا يراك فيه أحد، وصلِّ لأبيك بروحك، فأبوك يرى ما في نفسك، ويعطيك بالروح جميع ما تتمنَّى.
٧: ومتى صليت؛ فلا تُكثر الكلام كالذين يتظاهرون بالصلاة؛ لأن أباك يعرف ما تحتاج إليه قبل أن تفتح فاك.
وأما أنتم فصلُّوا هكذا: يا أبانا الأزلي الأبدي، ليتقدَّس وجودك كما في السماء، فليأتِ ملكوتك لكي تتم إرادتك دائمًا أبدًا على الأرض، أعطني طعام الحياة الحاضرة، وتغاضَ عن سيئاتي الماضية وامحُها، كما أتغاضى وأمحو سيئات إخوتي، فلا أسقط في الضلال بل أنجو من الشرِّ؛ لأن لك السلطة والقوة والمجد.
مرقص، ١١: ٢٥: ومتى صليتم؛ فإن كان لكم على أحدٍ شيء فاغفروا له.
٢٦: فإن لم تغفروا للناس زلَّاتهم؛ فأبوكم السماويُّ لا يغفر لكم زلَّاتكم.
متَّى، ٦: ١٦: وإذا صُمتم: فاحتملوا ولا تتظاهروا بالصيام أمام الناس، كما يفعل المراءون لكي يراهم الناس وينالوا منهم ما يتمنَّون.
١٧ و١٨: وأما أنت فلا تكن هكذا؛ بل احتمل الفاقة بالصبر، وسِر بوجه باشٍ مُتهلِّل حتى لا يراك الناس، ويراك أبوك السماوي فيعطِك ما تحتاج.
١٩: لا تكنز لك كنوزًا على الأرض، حيث يفسد السوس والدود يأكل والسارقون يسرقون، لكن اكنز لك كنزًا في السماء.
٢٠: فالكنز السماوي لا يُفسده سوس ولا يأكله دود ولا يسرقه سارق.
٢١: لأنه حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك.
٢٢: نور الجسد هي العين، ونور النفس هو القلب.
٢٣: فإذا كانت عينك مظلمة؛ فجسدك كله يكون مظلمًا، وإذا كان نور قلبك مظلمًا؛ فنفسك كلها تكون مظلمة.
٢٤: لا يستطيع أحد أن يخدم سيِّدين؛ لأنه: إما أن يُرضي الواحد ويرذل الآخر، ولا أحد يقدر أن يخدم الله والجسد؛ لأنه إما أن يخدم الحياة الأرضية أو الله.
٢٥: ولذلك لا تهتموا بما تأكلون أو تشربون أو تلبسون؛ لأن الحياة أفضل من الطعام واللباس، والله يعطيكم جميع ذلك.
٢٦: انظروا إلى طيور السماء (مخلوقات الله)؛ فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن، ولكن الله يقوتها، والإنسان أمام الله أفضل من الطيور، وإذا كان الله أعطى الحياة للإنسان فإنه يستطيع أن يقوته.
٢٧: وأنتم تعلمون أنكم مهما اهتممتم؛ فلا تقدروا أن تصنعوا لنفوسكم شيئًا، ولا تقدروا أن تزيدوا في أعماركم ساعة واحدة.
٢٨: ولماذا تهتمون باللباس؛ فإن أزهار الحقل لا تتعب ولا تغْزِل.
١٩: وإن سليمان في كل مجده لم يلبس لباسًا جميلًا مثل لباسها الزاهر.
٢٠: فإذا كان الله يُنبت عشب الحقل الذي ينمو اليوم وغدًا يطرح في التنوُّر، أفلا يُلبسكم أنتم؟!
٣١: فلا تهتمُّوا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟
٣٢: لأن ذلك يحتاجه جميع الناس، والله يعلم باحتياجكم هذا.
٣٣: فلا تهتموا بالمستقبل؛ لأنه عندما يأتي يهتم بشأنه.
متَّى، ٧: ٩ و١٠: هل يوجد أب يُعطي ابنه حَجَرًا عِوَض الخبز، أو حيَّة عِوَض السمكة.
١١: فإذا كنا نحن الناس الأشرار نعرف أن نعطي أولادنا ما يحتاجون إليه؛ فكم بالحري أبونا الذي في السماء؛ فإنه يعرف ما نحتاج إليه حقيقة، ويهبنا إياه إذا سألناه منه، اطلبوا فقط، والآب السماوي يهب حياة الروح للذين يسألونه.
١٣: ما أضيق باب الحياة! فادخلوا أنتم من الباب الضيق؛ لأن طريق الحياة واحد فقط، ولكنه ضيق وحرج مُحاط بسهل فسيح الأرجاء يُؤدي إلى الهلاك.
١٤: الطريق الضيق يُؤدي إلى الحياة، وقليلون الذين يجدونه ويدخلون منه.
لوقا، ١٢: ٣٢: لا تخف أيها القطيع الصغير؛ لأن أباكم قد أعدَّ لكم الملكوت.
متَّى، ٧: ١٥: إنما احذروا من الأنبياء الكَذَبة (المعلمين) الذين يأتونكم بلباس الحِمْلان وهم في الباطن ذئاب خاطفة.
١٦: من ثمارهم تعرفونهم، فهل يجنون من الشوك عنبًا أو من العوسج تينًا؟
١٧: لأن الشجرة الجيدة تُعطي ثمرًا جيِّدًا والشجرة الرديئة تُعطي ثمرًا رديئًا، فمن ثمار تعليمهم تعرفونهم.
لوقا، ٦: ٤٥: الرجل الصالح من قلبه الصالح يخرج الصلاح، والرجل الشرير من قلبه يُخرج الشرَّ؛ لأنه من فضلة القلب يتكلم الفم؛ ولذا فإذا كان المعلمون يُعلِّمون الناس الآخرين ما هو شرٌّ لكم؛ فإنهم يُحلِّلون للناس استعمال القوة والقتل والحروب، فاعلموا أن هؤلاء معلمين كذبة.
متَّى، ٧: ٢١: ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب؛ يدخل ملكوت السموات، لكن الذي يتمم إرادة الآب السماويِّ.
٢٢: لأنهم سيقولون: يا رب، يا رب نحن علَّمنا بموجب تعليمك وطردنا به الشر.
٢٣: ولكني سأُنكرهم، وأقول لهم: إني ما عرفتكم مطلقًا، ولا أعرفكم، اذهبوا عني خارجًا لأنكم تعديتم وصاياي.
٢٤: فكل من يسمع وصاياي هذه فلا يغضب ولا يسير في الضلال، ولا يرتكب الموبقات ولا يحلف، ولا يقاوم الشر، ولا يُميِّز بين مواطنيه والأجانب، بل يسمعها ويعمل بها كالرجل الحكيم الذي بنى بيته على الصخر.
٢٥: فلا تُزعزع أركان بيته الرياح والأخطار.
٢٦: ومن يسمع وصاياي هذه ولا يعمل بها يكون كالرجل الجاهل الذي بنى بيته على الرمل.
٢٧: فتجيء الرياح والأمطار وتهدم ذلك البيت.
لوقا، ٤: ٢٢: ودُهِش الشعب من تعليم يسوع؛ لأنه كان مخالفًا لتعليم الفريسيِّين والناموسيِّين الذين حسب ناموسهم ليتحتَّم على الناس أن يكونوا خاضعين لهم خضوعًا أعمى، وأما يسوع فكان يُعلِّم أن جميع الناس أحرار.
متَّى، ٤: ١٤: وقد نمت على يسوع المسيح نبوَّة أشعياء النبي القائل.
١٦: الشاب الجالس في الظلمة وبقعة الموت أبصر نور الحياة، وأن الذي أحضر نور الحق لا يأتي بأقل ضرر للناس ولا يستعمل منهم القوة؛ لأنه وديع ومتواضع.
متَّى، ١٢: ١٩: لأنه لأجل أن يجلب الحق للعالم لا يُخاصم ولا يصرخ ولا يسمع أحد صوته.
٢٠: ولا يكسر قصبة ولا يُطفئ كَتَّانًا مُدخَّنًا.
٢١: وأن آمال الناس موجَّهة كلها إلى تعليمه.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الخامس «الحياة الحقيقية» (إتمام إرادة الآب يؤدي إلى الحياة الحقيقية) (لتكُن مشيئتك)
فحوى الفصل الخامس
حكمة الحياة هي أن تعرف نفسك ابنًا للآب الروح.
إن الناس لا يبحثون إلا عن الحياة الجسدية والانغماس في ملذاتها، وفي الغالب ينالون ضالتهم التي يسعون إليها، ولكنهم يعذبون أنفسهم وغيرهم أيضًا.
وكثيرون من الناس أيضًا يُطالعون التعاليم بشأن الحياة الخالدة الروحية فيُدركون منافعها وأفضليتها، ويجنحون إلى الوداعة والتواضع وتذليل الجسد، ويسيرون بموجب مطالب الحياة الروحية؛ فيجدون فيها راحة وموافقة لأميالهم، ويعلمون أنهم لا يتوصَّلون إلى الحياة الحقيقية الخالدة إلا بها.
اضطرَّ يسوع ذات مرة أن يطلب من امرأة غريبة ماءً ليشرب، لكنها أبت عليه ذلك؛ لأنها تدين بديانة تُخالف ديانته، ولكنه قال لها بشأن ذلك ما يأتي: لو كنتِ تعلمين أن الذي يطلب منكِ الماء هو إنسان حي، وبه روح الآب؛ لما امتنعتِ عن إعطائه الماء، بل لسعيتِ بفعلكِ الخير للاتِّحاد بالروح مع الآب، وروح الآب يعطيك في نظير ذلك ماءً لا يعطش أبدًا من يشربه، وتكون له الحياة الأبدية، وليس من لزوم للصلاح لله، بل يلزم خدمة أولئك الذين حلَّت روحه بهم خدمة حقيقية.
ثم قال يسوع لتلاميذه: إن طعام الإنسان الحقيقي هو أن يتمم إرادة الآب الروح، وهو أمر مُستطاع في جميع الأحوال، إن حياتنا ما هي إلا مجموعة أثمار تلك الحياة التي زرعها فينا الآب، والأثمار هي الخير والصلاح اللذين نصنعهما للناس دون أن ننتظر عليهما أجرًا أو مكافأة.
وجاء يسوع مرة إلى أورشليم، وفيما هو مجتاز مرَّ على بركة ماء فرأى رجلًا مريضًا جالسًا إلى جانبها لا يعمل شيئًا، بل كان ينتظر شفاءه من مرضه بعجيبة، فدنا يسوع منه وقال له: لا تنتظر شفاءك بعجيبة أبدًا، بل ابقَ عائشًا ما دامت فيكَ قوة للمعيشة، ولا تغلط بفهم معنى الحياة. فسمع المريض كلام يسوع، ونهض من ساعته وسار في طريقه، ولما رأى ذلك الفريسيُّون حنقوا على يسوع؛ لأنه كلَّم الضعيف وأنهضه في يوم السبت، فقال يسوع: إنني لم أفعل شيئًا جديدًا، بل فعلتُ ما يفعله أبونا الروح الذي هو حي ويحيي الناس، وأنا فعلت هذا أيضًا.
إن كل إنسان مطلق الحرية يستطيع أن يعيش أو يموت، فإذا أراد العيشة عليه أن يتمم إرادة الآب؛ أي إنه يفعل الخير مع الجميع، وإذا طلب الموت فإنه يُتمم إرادة نفسه ويعيش على هواه ولا يفعل الخير لأحد، وفي إمكان كل واحد أن يفعل هذا وذاك فينال الحياة أو يُهلكها، وحياة الناس الحقيقية تُشبه رجلًا قسَّم ثروته على عبيده، وأمر كل واحد أن يشتغل بالنصيب الذي ناله، فالبعض منهم اشتغل بالمال، والبعض الآخر لم يشتغل، بل أخفى ما أخذ، وعندما طلب الرجل محاسبة عبيده أغدق خيره على من اشتغل، ونزع النصيب الذي أعطاه لمن لم يشتغل، فثروة الرجل هي روح الحياة في الإنسان الذي هو ابن الآب الروح.
فمن يعمل في حياته يعمل للحياة الروح فينال حياة أبدية خالدة، ومن لا يعمل تنزع منه الروح التي أعطيت له.
والحياة الحقيقية هي الحياة العامة لجميع الناس، وليست حياة فرد من أفرادهم، ويتحتَّم على الجميع أن يعملوا للحياة العامة.
وبعد هذا مضى يسوع إلى البريَّة وتبعه جمهور غفير من الشعب، ولما حان المساء دنا منه تلاميذه وقالوا له: بمَ نعول هذا الشعب؟ وكان بين الحاضرين قوم تزوَّدوا للطريق بالخبز والسمك، وبعضهم لم يأخذ معه زادًا للطريق، فقال يسوع لتلاميذه: أحضروا لي كل ما عندكم من الخبز. ففعلوا، فأعطاه للتلاميذ، والتلاميذ أعطوا الذين ليس معهم زاد، ولما رأى فِعْلهم أولئك الذين كان معهم الخبز والسمك حذوا حَذْو التلاميذ وجعلوا يُعطون الذين ليس معهم زاد، وعلى هذه الطريقة أكل الشعب وشبع، فقال إذ ذاك يسوع: افعلوا دائمًا هكذا؛ لأنه لا ينبغي على كل إنسان أن يسعى لتحصيل الطعام لنفسه فقط، بل ينبغي عليه أن يعمل طِبقًا لما تطلبه منه الروح الموجودة فيه؛ أي أن يُعطي للغير كل ما عنده؛ لأن طعام الناس الحقيقي هو روح الآب، والناس عائشون بالروح، وينبغي عليهم أن يخدموا كل من فيه روح؛ لأن الحياة لا تقوم بإتمام إرادة كل منا، بل بإتمام إرادة أب الحياة.
وإرادة أب الحياة تطلب أن تبقى حياة الروح الموجودة في كل إنسان، وأن الجميع يضبطون في نفوسهم حياة الروح إلى آخر نسمة من حياتهم، والآب هو ينبوع جميع الحياة، أما الجسد فهو طعام حياة الروح والذي يمحض جسده لخدمة الروح ذلك يحيا فقط.
وبعد ذلك اختار يسوع تلاميذه، وأرسلهم إلى كل مكان ليكْرَزوا بتعليمه عن الحياة الروح، وعندما أرسلهم قال لهم: اكرزوا بين الناس بالحياة الروح؛ ولذلك ينبغي عليكم أن تبتعدوا عن جميع شهوات وملذات الجسد، لا تحملوا معكم شيئًا مُطلقًا، وكونوا مستعدين للاضطهاد والعذاب والإهانة؛ لأن الناس الذين يحبون ويعبدون الجسد سيبغضونكم ويعذبونكم ويسلمونكم للقتل، ولكن أنتم لا تخافوا لأنكم إذا أتممتم إرادة الآب تكون لكم حياة الروح الخالدة التي لا يستطيع أحد أن ينزعها منكم؛ فذهب التلاميذ وعندما رجعوا أخبروه بأنهم في كل مكان حلُّوه كانوا يستظهرون على التعاليم الشريرة، وحينئذٍ قال الفريسيُّون ليسوع: إذا كان تعليمه يغلب الشر فهو إذن الشر بعينه؛ لأن الناس الذين يتممونه يتحملون العذاب والإهانة، فأجابهم يسوع: إن الشر لا يُغلب بالشر مطلقًا، وإنما الشر يُغلب بالصلاح الذي هو في الحقيقة، ونفس الأمر إرادة الآب الروح العامة لجميع الناس، وكل إنسان يعلم أنه يستطيع عمل الصلاح مع الآخرين، وأنه بذلك يتمم إرادة الله، فإذن ينجم عن ذلك أن الصلاح يتوقف على إتمام إرادة الله بقطع النظر عما يصادف متممها من صنوف العذاب والموت. •••
متَّى، ١١: ٢٥: فتهلَّل يسوع بالروح، وقال: إني أعترف بأن روح الآب أصل كل شيء مما في السماء وما على الأرض؛ لأن الذي كان خافيًا عن العقلاء والحكماء أصبح معلنًا لعديمي الفهم الذين يعترفون بأنهم أبناء الآب.
٢٨: الجميع يهتمون بمصالح الجسد ومطالبه، ورضخوا تحت أرزاء هذا الحِمْل الثقيل الذي لا يستطيعون احتماله، وحملوا نيرًا ثقيلًا لم يُصنع لأجلهم، افهموا تعليمي واعملوا به فتجدوا الراحة والسرور في الحياة؛ لأني أنا أعطيكم حملًا خفيفًا ونيرًا لينًا وهما الحياة الروحية.
٢٩: احملوا نِير هذه الحياة، وتعلموا مني الوداعة، وخذوا عني الراحة والسعادة، كونوا ودعاء ومتواضعين بالقلب فتجدوا الغبطة في حياتكم.
٣٠: لأن تعليمي ما هو إلا نِير لين تستطيعون حمله، وإتمام تعليمي حمل خفيف تستطيعون حمله.
يوحنا، ٤: ٥: واجتاز يسوع مرة بمدينة للسامريين تدعى سُوخار، واقعة بقرب الحقل الذي أعطاه يعقوب لابنه يوسف.
٦: وكان هناك بئر يعقوب، وكان يسوع قد تعب من المسير فجلس عند البئر.
٧: فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماء، فقال لها يسوع: أعطيني لأشرب.
٨: وكان تلاميذه قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا.
٩: فقالت له المرأة السامرية: كيف تطلب أن تشرب مني وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية، واليهود لا يخالطون السامريين؟
١٠: أجاب يسوع وقال لها: لو كنتِ تعرفين عطية الله؛ ومن الذي قال لكِ: أعطيني لأشرب لكنتِ أنتِ تسألينه فيعطيكِ ماء الحياة.
١١: فقالت له المرأة: إنه ليس معكَ دلو تستقي به والبئر عميقة، فمن أين لك ماء الحياة؟
١٢: ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر وشرب منها هو وبنوه وماشيته؟!
١٣: فأجاب يسوع، وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، وأما من يشرب من الماء الذي أنا أُعطيه له فلن يعطش أبدًا.
١٤: بل الماء الذي أُعطيه له يكون فيه ينبوع ماء ينبع إلى الحياة الأبدية.
١٥: فقالت له المرأة: أعطني هذا الماء لكيلا أعطش، ولا أجيء استقي من ها هنا.
١٦: فقال لها يسوع: اذهبي وادعي زوجك، وهلُمِّي إلى ها هنا.
١٩: قالت له المرأة: أرى أنكَ نبي.
٢٠: إن آباءنا سجدوا في هذا الجبل، وأما أنتم فتقولون: إن في أورشليم بيت الله؛ حيث ينبغي أن يسجد.
٢١: فقال لها يسوع: صدِّقيني أيتها المرأة؛ إنه لا في هذا الجبل ولا في أورشليم يسجدون ويصلون للآب.
٣٢: ولكن جاء الوقت الذي به يصلون للآب بالروح والحق؛ لأن الآب إنما يريد مثل هؤلاء الساجدين.
٢٤: لأن الآب روح والذين يصلون له، فبالروح والحق ينبغي أن يصلوا.
٢٥: قالت المرأة: أنا أعلم أن مسيا سيأتي، ومتى جاء يخبرنا بكل شيء.
٢٦: فقال لها يسوع: أنا قد أخبرتك بكل شيء.
٢٨: فانطلقت المرأة إلى المدينة ودعت الناس.
٣١: وفي ذلك الوقت عاد تلاميذ يسوع وسألوه أن يأكل.
٣٢: فقال لهم: إن لي طعامًا ليس تعرفونه أنتم.
٣٣: فظنوا أن أحدًا جاءه بما يأكل.
٣٤: ولكنه قال لهم: إن طعامي أن أعمل مشيئة ذاك الذي أعطاني الحياة، وأُتمم العمل الذي عهده إليَّ.
٣٥ و٣٦: ولا تقولوا: إنه يوجد أيضًا وقت كما يقول الفلاح الذي ينتظر الحصاد؛ لأن الذي يتمم مشيئة الآب فذاك يكون دائمًا مسرورًا، لا يعرف الجوع ولا العطش، وإتمام مشيئة الله تُرضي الإنسان وتنيله أجرًا من نفسها، ولا يسوغ لكم أن تقولوا: إننا فيما بعد نتمم مشيئة الآب، فما دمنا عائشين نستطيع في كل وقت إتمامها.
٣٧: إن حياتنا هي الحقل الذي زرعه الله، وأما العمل المطلوب منا فهو اقتطاف أثماره.
٣٦: فإذا جمعنا الأثمار فإننا نأخذ أُجرة حياة أبدية، والحق الذي لا مِراء فيه هو أننا لسنا نحن الذين أعطينا لنفوسنا الحياة، وإنما آخر أعطانا الحياة، وإذا تعبنا لأجل جمع الحياة فإننا ننال أُجرة كالحصَّادين، وإني أُعلِّمكم أن تحصدوا أثمار تلك الحياة التي أعطانا إياها الآب.
يوحنا، ٥: ١: ثم صعد يسوع إلى أورشليم.
٢: وكانت في أورشليم في ذلك الوقت بِرْكة ماء.
٤: وكانوا يقولون عن هذه البِرْكة: إنه كان ينزل فيها ملاك ويُحرك ماءها؛ فيزداد بعد ذلك زيادة تُذكر، وإن كل من كان ينزل إليها بعد تحريك الماء يُشفى من أي مرض اعتراه.
٢: وكان للبِرْكة عدة أروقة.
٣: وكان مُضطجعًا فيها مرضى كثيرون ينتظرون تحريك الماء.
٥: وكان هناك رجل سقيم منذ ثمان وثلاثين سنة فسأله يسوع: من هو؟ فقال له الرجل: إني مريض منذ ثمان وثلاثين سنة كنت أنتظر في خلالها أن أنزل إلى البِرْكة أولًا بعد تحريك الماء لكي يبرأ جسمي، ولكني لم أتمكن من ذلك؛ لأن المرضى كانوا يسبقوني.
٦: فرأى يسوع أن الرجل شيخ، فسأله: هل تريد أن تبرأ؟
٧: فأجاب السقيم: ليس لي إنسان، إذا تحرك الماء يلقيني في البِرْكة، بل بينما أكون مُتقدمًا ينزل قبلي آخر.
٨: فقال له يسوع: استيقظ، واحمل سريرك، وامشِ.
٩: فأخذ السقيم فراشه ومضى، وكان ذلك اليوم سبتًا.
١٠: فقال له الفريسيُّون: إنه سبت، فلا يحلُّ لك أن تحمل سريرك.
١١: فقال لهم: الذي أنهضني أمرني أن أحمل سريري.
١٥: ثم مضى السقيم إلى الفريسيِّين، وقال لهم: إن يسوع هو الذي أبرأه.
١٦: فاغتاظوا، وجعلوا يضطهدون يسوع؛ لأنه فعل مثل هذا في السبت.
١٧: فأجابهم يسوع: إني أعمل ما يعمل أبي.
١٩: الحق أقول لكم: إن الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما فهمه من الآب، وما يفعله الآب يفعله الابن.
٢٠: الآب يحب الابن ويُريه جميع ما يعمل.
٢١: كما أن الآب يُحيي الموتى هكذا الابن يُعطي الحياة لمن يريد، وبما أن جميع أعمال الآب حياة، فهكذا ينبغي أن تكون أعمال الابن.
٢٢: إن الله لا يحكم على الناس بالموت، بل أعطاهم السلطة المطلقة ليحيوا أو يموتوا.
٢٣: وإنهم سيحيون إذا أكرموا الابن كما يُكرمون الآب.
٢٤: الحق أقول لكم: إن ذاك الذي يفهم معنى تعليمي ويؤمن بآب جميع الناس العام فتكون له حياة وينجو من الموت.
٢٥: إن أولئك الذين أدركوا معنى الحياة الإنسانية قد انتقلوا من الموت إلى الحياة الدائمة.
٢٦: لأنه كما أن الآب له الحياة في ذاته كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته.
٢٧: وأطلق له الحرية وبها يعرف أنه ابن البشر.
٢٨: ومن الآن ينقسم الأموات إلى فريقين.
٢٩: فريق منهم الذي عمل الصالحات يجد الحياة، وفريق فعل الشر يجد الهلاك.
٣٠: وإني لا أحكم بهذا من نفسي، بل كما فهمته من الآب، وحكمي عادل لأني لست أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب.
٣١: وإذا شهدت لنفسي فليست شهادتي حقًّا.
٣٦: وإنما أعمالي تشهد لي ولتعليمي، فإنها تدل على أن تعليمي ليس مني، بل من أب جميع البشر.
٣٧: وأبي الذي علمني يثبت حقيقة وصاياي في نفوس الناس، ولكنكم لم تسمعوا صوته ولا تريدون أن تعرفوه.
٣٨: ولم تتمسكوا بنداء هذا الصوت، ولم تؤمنوا بالروح الموجود فيكم الذي نزل عليكم من السماء.
٣٩: ابحثوا في كتبكم تجدوا فيها ما يُوافق تعليمي ووصاياي التي تُعلِّم كل إنسان ألا يَقْصر معيشته على خدمة نفسه، بل يجب عليه أن يُكرِّسها لفعل الخير والصلاح.
٤٠: لماذا لا تعتقدون بوصاياي التي تعطي الحياة لجميع الناس؟
٤١: أنا أُعلِّمكم باسم أب جميع البشر، ولكنكم لا تقبلون تعليمي، ولكن إذا علَّم أحدكم باسمه فإنكم تقبلون تعليمه.
٤٤: لا ينبغي تصديق ما يُعلِّم به الناس بعضهم بعضًا، بل ينبغي أن نصدق بأن في كل إنسان ابن يماثل الآب.
لوقا: ١٩: ١٢: ولا ينبغي عليكم أن تعتقدوا بأن ملكوت الله شيء محسوس ظاهر للعيان، بل يجب أن تعتقدوا بأن ملكوت الله هو أن تتمموا إرادة الآب التي بواسطتها تنالون الحياة الأبدية، ثم ضرب لهم مثلًا فقال: كان رجل شريف أراد أن يُسافر من بلده.
١٣: وقبل سفره دعا إليه عبيده، ووزَّع عليهم عشر وزنات، وقال لهم: تاجروا بها حتى أعود.
١٤: وحدث أنه بعد أن سافر قال البعض من أهالي المدينة: إننا لا نريد أن يملك علينا بعد، فشقوا عليه عصا الطاعة.
١٥: وعندما رجع الرجل الشريف من سفره دعا إليه عبيده الذين سلَّمهم الوزنات وطلب إليهم أن يُعلِموه بما فعل كل منهم بالمال الذي أخذه.
١٦: فأقبل الأول وقال: يا سيد إن وزنتك قد ربحت عشر وزنات، فقال له: أحسنت أيها الخادم الأمين! قد وجدتُ أمينًا في القليل فأُقيمك أمينًا على الكثير، وأنت من الآن شريك لي في جميع سلطاني وثروتي.
١٨: ثم جاء العبد الثاني وقال: يا سيد إن وزنتك ربحت خمس وزنات.
١٩: فقال لهذا أيضًا: أحسنت أيها الخادم الأمين، فكن شريكًا أيضًا لي في سلطاني.
٢٠: وجاء عبد آخر وقال: هو ذا وزنتك، فقد أخفيتها في منديل ودفنتها في الأرض.
٢١: لأني خفت منكَ لكونكَ رجلًا قاسيًا تأخذ ما لم تضع، وتحصد ما لم تزرع.
٢٢: فقال له: من فمك أُدينك أيها العبد الأحمق، قد علمتَ أني رجل قاسٍ آخذ ما لم أضع وأحصد ما لم أزرع، فلماذا لم تفعل بمالي كما أمرتُكَ؟
متَّى: ٢٥: ٢٦ و٢٧: فلو أنك اشتغلتَ بوزنتي لزادتْ أضعافًا وكنتَ أتممتَ أوامري، وبما أنك لم تقُم بما عُهِد إليك فإننا نسترد الوزنة منك.
لوقا، ١٩: ٢٣–٢٨: وأمر السيد بأن تُؤخذ الوزنة من الذي أخفاها، وأن تُعطى للذي اشتغل كثيرًا.
٢٤ و٢٥: لأن كل من له يُعطى فيزداد، ومن ليس له يُؤخذ منه ما هو له.
متَّى، ٢٥: ٣٠: لأن جميع الذين لا يريدون أن يكونوا تحت سلطاني اطردوهم خارجًا حتى لا يكونوا فيه.
السيد هو أصل الحياة، أعني الآب الروح وعبيده هم الناس، والوزنات هي حياة الروح، وأن السيد لا يشتغل بنفسه بوزناته أو بماله، بل يأمر عبيده أن يشتغل كل لنفسه، وهكذا فإن الآب الروح جعل روح الحياة في الناس، وأمرهم أن يشتغلوا لحياة الناس، وتركهم وشأنهم، أما الذين أرسلوا يقولون: إنهم يريدون الخروج عن طاعة السيد هم أولئك الذين لا يريدون معرفة روح الحياة.
أما رجوع السيد وطلب تقديم الحساب فهو نهاية حياة الجسد ومعرفة ما يُفضي إليه حظ الناس، وهل تكون لهم حياة أخرى غير التي أوتوها أولًا، أما العبيد الذين قاموا بوصية السيد وأتموا أوامره واشتغلوا بالمال الذي أُعِطي لهم بأمانة فربحوا أولئك الناس الذين إذا أخذوا الحياة، أدركوا أنها هي إرادة الآب يجب عليها أن تخدم حياة الآخرين.
أما العبد الأحمق الشرير الذي أخفى وزنته ولم يشتغل بها فهم أولئك الناس الذين يُتمِّمون إرادتهم الخاصة فقط وليس إرادة أبيهم، ولا يخدمون حياة الآخرين، ثم إن العبيد الذين أتموا إرادة السيد واشتغلوا حتى يزيدوا ماله أصبحوا شركاء له في جميع ممتلكاته، وأما العبيد الذين لم يُتمِّموا إرادته ولم يشتغلوا بماله يُنزَع منهم ما أُعِطي لهم، ثم إن الناس الذين ساروا حسب مشيئة الآب فخدموا الحياة يصبحون شركاء في حياة الآب، وينالون حياة جديدة بقطع النظر عن هلاك حياة الجسد، والذين لم يُتمِّموا مشيئة الآب ولم يخدموا الحياة تنزع تلك الحياة التي أُعِطيت لهم ثم يهلكون، والذين شقُّوا عصا الطاعة ولم يريدوا البقاء في سلطان السيد فإنه لا يعترف بهم، بل يطردهم، والناس الذين لا يعترفون بنفوسهم حياة الروح (الابن) فأولئك لا أثر لهم عند الآب.
يوحنا، ٦: ١: وبعد ذلك انطلق يسوع إلى مكان مُقْفِر.
٢: وتبعه جمعٌ كثيرٌ من الشعب.
٣: فصعد يسوع وجلس هناك مع تلاميذه.
٥: ورأى أن جمعًا كثيرًا مُقبِلًا، فقال: من أين نبتاع خبزًا لنُطعم هذا الشعب؟
٦: فقال له فيلبس: إنه لا يكفيهم خبز بمائتي دينار حتى يُصيب كل واحد منهم شيئًا يسيرًا.
متَّى، ١٤: ١٧؛ ويوحنا، ٦: ٩: ولكن عندنا خمسة أرغفة وسمكتان، وقال تلميذ آخر مع الشعب: يوجد خبز أيضًا، فإني رأيت غلامًا معه خمسة أرغفة وسمكتان.
يوحنا، ٦: ١٠: مروا الناس أن يتكئوا على العُشْب.
١١: فأخذ يسوع الخبز الذي كان عنده وأعطاه إلى تلاميذه فأعطوه للشعب، وجعلوا يعطون بعضهم بعضًا مما عندهم؛ فشبعوا كلهم، وفضل عنهم شيء كثير.
٢٦: وفي اليوم التالي جاء الشعب أيضًا إلى يسوع فقال لهم: الحق أقول لكم إنكم لم تأتوا إليَّ لأنكم عاينتم العجائب، بل لأنكم أكلتم الخبز وشبعتم.
٢٧: وقال لهم أيضًا: اعملوا لا لطعام الجسد الفاني، بل للطعام الباقي الأبدي الذي يعطيكموه روح ابن البشر الذي قد ختمه الله.
٢٨: فقال له اليهود: ماذا نصنع حتى نعمل أعمال الله؟
٢٩: فقال يسوع: هو ذا عمل الله أن تؤمنوا بالحياة التي أعطاكم إياها.
٣٠: فقالوا له: أقم لنا برهانًا لكي نؤمن بما تصنع.
٣١: آباؤنا أكلوا المنَّ في البرِّيَّة كما هو مكتوب؛ إنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا.
٣٢: فأجابهم يسوع: إن الخبز السماوي الحقيقي هو روح ابن البشر الذي يعطيه الآب.
٣٣: لأن طعام الإنسان هو الروح النازل من السماء الذي يعطي الحياة للعالم.
٣٥: تعليمي يعطي الطعام الحقيقي للناس، فالذي يتَّبعني فلا يجوع أبدًا، والذي يُصدِّق تعليمي فلا يعرف العداوة مطلقًا.
٣٦: وقد قلت لكم: إنكم رأيتم هذا، ولكنكم لا تُصدِّقون.
٣٧: ثمَّ إن الحياة التي أعطاها الآب للابن ظهرت واضحة في تعليمي، وكل من يُصدِّقه يشترك به.
٣٧: أنا نزلت من السماء ليس لأعمل كل ما أريد، بل لأتمم مشيئة الآب الذي أعطاني الحياة.
٣٩: ومشيئة الآب الذي أرسلني تطلب مني أن أحافظ على الحياة التي أُعطيتها حتى لا أُهِلك منها شيئًا.
٤٠: وهذه هي مشيئة الآب الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويُؤمن به تكون له الحياة الأبدية في اليوم الأخير (الجسد).
٤١: فتذمَّر اليهود لأنه قال: إن تعليمي نزل من السماء.
٤٢: وقالوا: أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذي نعرف أباه وأمه؟ فكيف هذا يقول: إن تعليمي نزل من السماء؟
٤٣: فقال لهم يسوع: لا تبحثوا عمَّن أنا ولا مِن أين أتيتُ.
٤٤: إن تعليمي حقيقي، ليس لأني كموسى أقول لكم: إن الله موجود على جبل سيناء حيث كلَّمني، كلا، بل لأن تعليمي موجود فيكم أيضًا، والذي يُصدِّق وصاياي لا يُتممها من أجل كلامي، بل لأن الآب يجذبه إليه، وتعليمي يعطيه الحياة في اليوم الأخير.
٤٤: قد كتب في الأنبياء: إنهم يكونون بأجمعهم مُتعلِّمين من الله، فكل من يتعلَّم من الله ويعرف إرادته ذلك يُقبل من نفسه على تعليمي.
٤٦: ليس أحد رأى الآب سوى الذي هو من الله، فهذا قد رأى الآب.
٤٧: من يؤمن بي وبتعليمي فله الحياة الأبدية.
٥٨: فتعليمي هو طعام الحياة.
٤٩: آباؤكم أكلوا المنَّ في البرِّيَّة الذي نزل من السماء، ولكنهم ماتوا.
٥٠: وطعام الحياة الحقيقي قد نزل من السماء، والذي يأكل منه فلا يموت.
٥١: تعليمي هو طعام الحياة النازل من السماء، والذي يأكل منه يحيا إلى الأبد، وهذا الطعام الذي أُعلِّم به هو جسدي الذي أمحضه لخدمة حياة جميع الناس.
٥٢: فلم يفهم اليهود أبدًا ما قال، وتخاصموا فيما بينهم قائلين: كيف ولماذا يُعطي جسده طعامًا للناس؟
٥٣: فقال لهم يسوع: إذا لم تُكرِّسوا جسدكم لحياة الروح؛ فلا تكون لكم حياة.
٥٤: والذي لا يُكرِّس جسده لأجل حياة الروح؛ فلا تكون له حياة حقيقية.
٥٥: والذي فيَّ يقدم الجسد للروح، وهو يحيا فقط؛ ولذلك: فإن أجسادنا هي الطعام الحقيقي للحياة الحقيقية.
٥٦: والذي فيَّ يأكل جسدي، ويضحي الحياة الجسدية على مذبح خدمة الحياة الحقيقية، ذلك هو أنا، وهو فيَّ وأنا فيه.
٥٧: مشيئة الآب هي أن أحيا في الجسد، والذي فيَّ يحيا بحسب إرادتي.
٦٠: إن كثيرًا من تلاميذه لما سمعوا ذلك قالوا: هذا الكلام صعب، مَن يستطيع سماعه؟
٦١: فقال لهم يسوع: وأنتم أيضًا تشكُّون حتى إنه ظهر كلامي لكم صعبًا، وأنا لم أقل شيئًا غير أن الإنسان كان ويوجد وسيبقى موجودًا أيضًا.
٦٣: الإنسان روح في الجسد، والروح يعطي الحياة، والكلام الذي قلتُه لكم ورأيتموه صعبًا لا يتضمن سوى أن الروح هي حياة.
لوقا، ١٠: ١: وبعد ذلك اختار يسوع من المقرَّبين إليه سبعين رجلًا، وأرسلهم إلى كل مدينة وموضع أزمع أن يأتي إليه.
٢: وقال لهم: إن كثيرًا من الناس لا يُدركون ماهية الحياة الحقيقية، وإني أحزن عليهم من أجل هذا، وأريد أن أُعلِّمهم جميعًا، ولكني كذلك الفلَّاح الذي لا يستطيع وحده أن يحصد حقله، وأنا لا أستطيع وحدي القيام بتعليم الناس.
٣: فاذهبوا أنتم إلى مدن كثيرة، ونادوا بين الناس بإتمام مشيئة الآب، وعلِّموهم أن يسيروا بموجب الخمس وصايا: (١) لا تغضب. (٢) لا تزنِ. (٣) لا تحلف. (٤) لا تقاوم الشر. (٥) لا تفرق بين القريب والغريب.
وذلك ينبغي عليكم أنتم أن تُتمُّوا جميع هذه الوصايا.
متَّى، ١٠: ١٦: ها أنا مرسلكم، مثل خرفان بين ذئاب، كونوا حكماء كالحيَّات، وبسطاء أنقياء كالحمام.
لوقا، ١٠: ٤: وأوصيكم أن لا تحملوا كيسًا ولا مِزودًا ولا حذاء ولا مالًا، ولا تفرقوا بين الناس، ولا تطلبوا شيئًا من أصحاب البيوت التي تدخلونها.
مرقص، ٦: ١٠: وأي بيت دخلتموه فامكثوا فيه حتى تخرجوا منه، وعندما تدخلونه سلِّموا على أهله.
١١: فإذا قبلكم أهل البيت فامكثوا عندهم، وإلا فاذهبوا إلى بيت آخر.
متَّى، ١٠: ٢٢: وتكونون مبغضين من الجميع الذين يهجمون عليكم ويطردونكم من مكان إلى آخر.
٢٣: وإذا طردوكم من قرية؛ فامضوا إلى أخرى، فإذا طردوكم منها أيضًا، فاذهبوا إلى قرية ثالثة، وهلمَّ جرًّا.
إنهم سيطردونكم كما تُطارد الذئاب الخِراف، أما أنتم فلا تخافوهم؛ بل اصبروا حتى الساعة الأخيرة، وسيقودونكم إلى المحاكم لمحاكمتكم، وسيجلدونكم، ويسلمونكم إلى الرؤساء والوُلاة لكي تُبرِّروا أنفسكم أمامهم.
متَّى، ١٠: ١٩: وإذا أسلموكم إلى المحاكم؛ فلا تهتمُّوا كيف أو بماذا تتكلمون؛ لأن روح الآب يرشدكم إلى ما ينبغي أن تقولوا.
٢٣: الحق أقول لكم: إنكم لا تُتمُّون جميع المدن حتى يفهم أهلها ويصدِّقون تعليمكم ويرجعون إليه.
٢٦: ولذلك فلا تخافوهم، فإن ما هو مخفي في نفوس الناس سيظهر إلى الخارج.
٢٧: والذي تقولونه إلى اثنين أو ثلاثة يشيع بين الألوف.
٢٨: ولا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، بل خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد معًا، وذلك نصيب أولئك الذين لا يُتمِّمون مشيئة الآب.
٢٩: أليس خمسة عصافير تُباع بقرش؟ ولكن لا يموت منها واحد بدون إرادة الآب.
٣٠: وكذلك فلا تسقط شعرة من رءوسكم بدون إرادة الآب.
٣١: فلا تخافوا إذا كنتم بين يديِّ الله وفي سلطانه.
٣٤: كثيرون لا يصدِّقون تعليمي، وأولئك يبغضونه لأنه يُحرِّم عليهم ما يُحبون ويشتهون.
لوقا، ١٢: ٤٩: لأن تعليمي كالنار يحرق العالم.
٥١: ولذلك ينجم عنه شقاق في العالم.
٥٢: حتى ويحدث انشقاق في كل بيت.
٥٣: يخاصم الأب ابنه، والأم بنتها، وجميع أفراد العائلة يخاصمون ذاك الذي يفهم تعليمي ويؤمن به، ومن ثمَّ يقتلونه.
١٤: ٢٦: ولذلك فمن يُصدِّق تعليمي؛ فيصبح أباه وأمه وزوجته وأولاده وأملاكه لا شيء في نظره، بل يتركهم جميعًا من أجل تعليمي.
متَّى، ١٢: ٢٢: وحينئذٍ جاء الفريسيُّون وعلماء اليهود من أورشليم إلى يسوع، وكان يُعلِّم في قرية، وقد اجتمع حوله جمٌّ غفيرٌ من الشعب ليسمع كلامه.
٢٤: فقال الفريسيُّون للشعب: لا تسمعوا وصايا يسوع؛ لأنهم إن فعلوا ذلك يكونوا كأنهم تبعوا الشيطان، وتكُن ضلالتهم الأخيرة أشرَّ من الأولى. وقالوا لهم أيضًا: إن يسوع يطرد الشرَّ بالشرِّ.
٢٦: فدعاهم يسوع إليه، وقال لهم: تقولون: إني أطرد الشرَّ بالشرِّ، فإنه لا توجد قوة تهلك نفسها ولا تقاوم ذاتها.
٢٧: أنتم تطردون الشرَّ بالتهديد والشنق والقتل، ولكن الشرَّ لم ينقطع؛ لأنه لا يستطيع أن يطرد بعضه، وأما أنا فإني أطرد الشرَّ، ليس كما تطردونه أنتم، فإذن أنا أطرده بغير الشرِّ.
٢٨: إني أطرد الشرَّ بدعوتي الناس إلى إتمام مشيئة لروح الآب الذي يهب الحياة للجميع، والخمس وصايا تُعبِّر عن إرادة الروح الذي يعطي الخير والصلاح والحياة.
٢٩: ولذا فإنها، أي الوصايا، تطرد الشر، وذلك أعظم دليل لكم على صحتها، وإذا لم يكن الناس أبناء روح واحد لأصبح طرد الشرِّ مستحيلًا، كما أنه لا نستطيع أن ندخل بيت القوي وننهبه؛ ولذلك ينبغي أولًا أن نربط القويَّ ونشدَّ وثاقه، وعلى هذا المثال: فإن جميع الناس مُتَّحدين بوحدة روح الحياة.
٤١: ولذلك أقول لكم: إن كل غلطة وتعليم كاذب يُغتَفر للناس، ولكن تجديفهم على الروح القدوس الذي يعطي الجميع الحياة فلا يُغْفَر لهم.
٣٢: إذا قال لكم أحد كلمة ضد الإنسان؛ فذلك ليس بشيء، ولكن إذا قال كلمة ضد ما هو مقدس في الإنسان وأعني به الروح؛ فإنه لا يحسن السكوت عن ذلك، اشتموني ما استطعتم ولكن لا أسكت إذا قلتم شرًّا عن وصايا الحياة التي كشفتها لكم.
٣٠: ينبغي أن نكون مع روح الحياة، ومن ليس معه فهو ضده، ويجب أن نخدم روح الحياة والصلاح الموجود عند جميع الناس، وليس يخدم كل واحد منَّا نفسه فقط.
٣٣: ولذلك ينبغي عليكم أن تعتقدوا بأن الحياة والصلاح هما خير للعالم أجمع، وإذ ذاك تتمنون الحياة والخير لجميع الناس، وأما إذا اعتقدتم بأن الحياة والصلاح هما شرٌّ فإذ ذاك لا تتمنون الخير حتى لنفوسكم، فإما أن تجعلوا الشجرة صالحة وثمرها صالحًا، وإما أن تجعلوا الشجرة فاسدة وثمرها فاسدًا؛ لأن من الثمر تُعرَف الشجرة.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل السادس الحياة الكاذبة
ولذلك ينبغي على الإنسان لكي ينال الحياة الحقيقية أن يُنكِر حياة الجسد الكاذبة على الأرض ويعيش بالروح. (وعلى الأرض كما في السماء.)
فحوى الفصل السادس
لا فرق عند حياة الروح بين الأهل والأجانب الغرباء.
قال يسوع: إن أمه وإخوته ليس لهم عنده أهمية تُذكر، وإنما هو يهتمُّ بإخوته الذين يُتمِّمون مشيئة الآب العام لجميع البشر؛ لأنه لا تتوقف غبطة وسعادة الإنسان على الأهل والأقارب، بل على حياته الروحية، ثم قال أيضًا: طوبى لأولئك الذين يضبطون كلمة الآب في نفوسهم؛ لأنه لا يوجد مسكن للإنسان العائش بالروح، ويسوع قال عن نفسه أن ليس له مكان يسند إليه رأسه؛ لأن إرادة الله يمكن إتمامها في كل مكان وزمان، ثم إن الإنسان الذي سلَّم نفسه ومحضها لخدمة الله فلا ينبغي عليه أن يخشى الموت الجسدي؛ لأن حياة الروح لا تتوقف على موت الجسد ومن يؤمن بحياة الروح فلا يخشى شيئًا ولا يجب أن تحول بينه وبين الروح جميع اهتمامات هذا العالم وملذَّاته، ثم إن يسوع قال لذلك الذي طلب إليه أن يأذن له أولًا أن يدفن أباه ثم يتبعه لاستماع تعليمه: «إن الموتى فقط يهتمون بدفن الموتى؛ لأن الأحياء يهتمون دائمًا أبدًا بإتمام مشيئة الآب.»
ثم إنه لا يجب أن يحول أيضًا الاهتمام بالأهل والأقارب بين الإنسان والروح، والذي يزعم أنه ماذا ينجم له عن خدمة الروح هو كالحرَّاث الذي يضع يده على المِحراث وينظر إلى الوراء.
ثم قال يسوع: إن من يسعى للحصول على الحياة الحقيقية المتوقفة على إتمام مشيئة الله ينبغي عليه ألا يهتم بهذه الحياة الدنيا، ويُدبِّر شئون معيشته كما يريد، بل يطلب منه أن يُنكر جميع ملذَّات الحياة وشهواتها، ويكون مُستعدًّا في كل آونة لاحتمال العذاب والإهانة والاضطهاد.
إن ذلك الذي يهتم بحياة الجسد وشهواته يخسر الحياة الحقيقية الخالدة.
إن أعظم أمر يُهلك حياة الروح هو حب المجد الباطل والسعي وراء تحصيل الثروة، والناس ينسون أنهم مهما جمعوا من المال والعقار مُعرَّضون للموت في كل ساعة؛ لأن الموت ملازم للإنسان كظله، فإن المرض وقتل الناس والمصائب المتعددة التي تُصادف الإنسان تستطيع في كل ثانية إيقاف حركة الحياة، فالموت الجسدي هو من شروط الحياة الإنسانية الفانية.
ينبغي على الإنسان أن يضع نُصْب عينيه: أنه ضيف على هذه الأرض، لا بدَّ له يومًا من الأيام أن يرحل عنها، ومن الجهل والحماقة أن نتناسى هذا الأمر ونُعرض عنه، نحن أوتينا عقل نستطيع بواسطته أن ندرك ما يحدث على الأرض ويجري في السماء، ولكننا نتجاهل أننا نموت، ولو تذكرنا ذلك لما تهورنا في الملذات وكرَّسنا حياتنا لخدمة الجسد، ينبغي على كل إنسان أن يتروَّى ويتبصَّر دائمًا أبدًا في المصير الذي يُفضي إليه، فيظهر له جليًّا أن اتِّكاله على الجسد لا يُجديه نفعًا، وإنما ينال الغبطة والراحة إذا اتَّكل على مشيئة الله وسار بموجبها في هذه الحياة الدنيا، إن الله قد وهب الناس الحياة الحقيقية وهم يعرفونها ويسمعون صوتها، ولكن اهتمامات هذا العالم تحولهم عنها وتحرمهم إياها، فالحياة الحقيقية تشبه الوليمة التي أولمها الغني ودعا إليها أشخاصًا معدودين، كما أن صوت الروح الآب يدعو إليه جميع الناس، ولكن بعض المدعوِّين لم يحضروا لاشتغالهم بتجارتهم، وبعضهم لاهتمامهم بأملاكهم، وبعضهم بأهله وزوجته، ولم يُجِب الدعوة غير الفقراء والمساكين الذين لا تشغلهم مشاغل الجسد، فحضروا الوليمة وفازوا بالسعادة، وهكذا فإن جميع الناس منغمسون بالشهوات والاهتمام، فحرموا نفوسهم من الحياة الحقيقية؛ فالذي لا يطرح الاهتمام بالجسد جانبًا ذلك لا ينال الحياة الصالحة؛ لأنه لا يستطيع أن يخدم جسده والآب في آن واحد.
إن الحياة الجسدية هي وديعة مودعة عندنا، والثروة المالية التي نحصل عليها ينبغي أن نستعملها لننال الثروة الحقيقية.
إذا توظَّف رجل وكيلًا لأحد الأغنياء ينبغي عليه أن يفتكر دائمًا بأن الغني يحاسبه على أعماله، ويحتمل أن يطرده في كل ساعة من وظيفته فيصبح لا يملك شيئًا، ويفعل ذلك الوكيل عين العقل إذا كان أثناء وجوده وكيلًا للغنى مُتصرِّفًا بثروته، يصنع الخير لجميع الناس، حتى إذا أصبح يومًا ما من غير وظيفة يعطفون عليه ويُطعمونه خبزًا، وعلى هذا المثال ينبغي على الناس أن يسيروا في حياتهم الدنيوية، وليعلموا أن الجسد هو كثروة الغني يتصرَّفون به إلى أجل مسمًى، فإذا أحسنوا الاستعمال ينالون الثروة الحقيقية.
فإذا نحن لم نعطِ ثروتنا الكاذبة فإننا نخسر الحقيقية، فلا يجوز خدمة الحياة الكاذبة والروح معًا، فإما أن نخدم المال أو نخدم الله؛ لأن الثروة هي شرٌّ في عينَي الله، والغني يرتكب خطيئة لا تُغتفر؛ لأنه يعيش بالرفاه والرخاء ويأكل المأكولات الفاخرة، والمساكين على بابه يتضوَّرون جوعًا وبطونهم خاوية خالية، ومن الحقائق المقررة: أن من لا يصنع الإحسان للناس فلا يتمِّم إرادة الله.
وجاء مرة إلى يسوع رجل فريسيٌّ غنيٌّ، وأخذ يمدح ذاته بقوله: إنه يتمِّم جميع وصايا الناموس، فقال له يسوع: إنه توجد وصية أخرى تأمر بأن تحب جميع الناس مثل نفسك، فقال الفريسيُّ: إنه كذلك، فقال له يسوع: لا أُصدِّق ذلك؛ لأنك لو كنت تحب الناس لما كنت غنيًّا صاحب أملاك واسعة، بل كنت تُوزِّع مقتنياتك على الفقراء، وتُعطيهم من أموالك.
ثم قال يسوع لتلاميذه: يتبادر لذهن الناس أن العِيشة غير مُستطاعة بدون المال، ولكني أقول لكم: إن حياة الإنسان الحقيقية هي أن يعطي كل ما يملك للآخرين.
وحدث أن رجلًا اسمه زكَّا سمع تعليم المسيح وصدَّقه، ثم دعاه إلى بيته، وقال له: إني أعطي نصف أملاكي للفقراء، وأردُّ أربعة أضعاف لكل من سلبتُ منه شيئًا، فقال يسوع: هو ذا إنسان يسعى إلى تتميم إرادة الآب.
لا يستطيع أحد أن يقيس فعل الخير بمقياس، ولا يصح أن نقول: فلان أعطى كثيرًا وفلان أعطى قليلًا، فالأرملة التي دفعت قرشًا واحدًا أعطت أكثر من الغني الذي دفع الألوف.
متَّى، ١٢: ٤٦: وجاءت إلى يسوع أمه وإخوته ولم يستطيعوا أن يروه لكثرة الجموع.
لوقا، ٨: ٢٠: فتقدَّم إليه رجل، وقال له: إن أمك وإخوتك واقفون خارجًا يريدون أن يروك.
٢١: فقال له: إن أمي وإخوتي هم الذين يعرفون إرادة الله ويتمِّمونها.
١١: ٢٧: فرفعت امرأة صوتها وقالت: طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما.
٢٨: فقال يسوع: إنما الطوبى للذين يفهمون كلمة الله ويحتفظون بها.
٩: ٥٧: فقال واحد ليسوع: أتبَعُكَ إلى حيث تمضي.
٥٨: فقال له يسوع: أنْ ليس لي بيت أسكنه ولا مكان مُعيَّن لي، وإنما الوحوش فقط لها أوجرة وأوكار، وأما الإنسان فكل مكان هو بيت له إذا كان عائشًا بالروح.
مرقص، ٦: ٤٥: وركب ذات مرة يسوع السفينة مع تلاميذه ليعبروا بها إلى الجهة المقابلة.
٤٦: فهبت ريحٌ شديدةٌ في البُحيرة كادت تُغرِق السفينة.
٤٧: أما هو فكان نائمًا عند مؤخر السفينة؛ فأيقظه تلاميذه، وقالوا له: يا معلم أليس ترى أننا نكاد نغرق؟
ولما هدأت الريح قال لهم: لماذا اضطربتم وخفتم؟ أليس عندكم إيمان بحياة الروح؟
لوقا، ٩: ٥٩: فقال يسوع لرجل: اتبعني، فأجابه الرجل: لي أبٌ شيخٌ فأْذَن لي أن أدفنه أولًا ثم أتبعك.
٦٠: فقال له يسوع: دع الموتى يدفنون الموتى، وأما أنت إذا أردت أن تكون حيًّا فتمِّم إرادة الله ونادِ بها.
٦١: ورجل آخر قال ليسوع: إني أريد أن أكون تلميذًا لك وأُتمم إرادة الآب كما تأمر، ولكن ائذن لي أولًا أن أُدبِّر شئون عائلتي.
٦٢: فقال له يسوع: إذا كان الحرَّاث ينظر إلى الوراء؛ فلا يستطيع أن يحرث.
لوقا، ١٠: ٣٨: فدخل يسوع قرية، فقبلته بها امرأة اسمها مرثا، ودعته مع تلاميذه إلى بيتها.
٣٩: وكانت لها أخت اسمها مريم، وكانت جالسة عند قدمي يسوع تسمع كلامه.
٤٠: أما مارثا فكانت مرتبكة بأمر الطعام، فوقفت، وقالت ليسوع: أما يعنيك أن أختي قد تركتني وحدي أخدم؟ فقُل لها أن تساعدني.
٤١: فقال لها يسوع: مرثا مرثا! إنك مهتمة ومضطربة بأمور كثيرة، وإنما الحاجة إلى واحد.
٤٢: فاختارت مريم النصيب الصالح الذي لا يُنزَع منها، فإن الحياة لا تحتاج إلا لطعام الروح.
لوقا، ٩: ٢٣: ثم قال يسوع للجميع: من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه، ويستعد في كل ساعة لاحتمال العذاب ومصائب الجسد.
٢٤: لأن من يهتم بحياة الجسد فذلك يُهلك الحياة الحقيقية، ومن يُهلك حياة الجسد بإتمامه إرادة الله؛ فذلك يخلص الحياة الحقيقية.
٢٥: لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها.
لوقا، ١٢: ١٥: وقال يسوع: احذروا المال؛ فإنه ليست حياة أحد بكثرة أمواله.
١٦: رجل غني أغلَّت له أرضه كثيرًا.
١٧ و١٨: فقال في نفسه: أهدم أهرائي وأبني أعظم منها، وأُخزِّن فيها جميع أرزاقي وخيراتي.
١٩: وأقول لنفسي: يا نفس، إن لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة؛ فاستريحي، وكلي، واشربي، وتمتَّعي.
٢٠: فقال له الله: يا جاهل! في هذه الليلة تُطلَب نفسُك منكَ، فهذه التي أعددتها لمن تكون؟
٢١: هكذا يكون لكل من يُعدُّ للجسد ولا يعيش بما لله.
لوقا، ١٣: ٢: فقال لهم يسوع: تقولون: إن بيلاطس قتل الجليليِّين، فهل تظنون أنهم كانوا أكثر إثمًا من الآخرين حتى نُكِبوا بمثل ذلك؟
٣: كلا، كلا، بل إننا كلنا كذلك، ونهلك جميعًا إذا لم نجد خلاصًا من الموت.
٤: وأولئك الثمانية عشر رجلًا الذين هبط عليهم البرج وقتلهم؛ هل كانوا أشد رداءة من جميع سكان أورشليم؟!
٥: كلا، فإذا نحن لم ننجُ من الموت؛ فإننا سنهلك مثلهم، إنما غدًا وليس اليوم.
٦: وإذا لم نهلك مثلهم؛ فإنه ينبغي علينا أن نفتكر بنفوسنا بما هو آتٍ: كان لرجل تينة مغروسة في كَرْمه، فجاء يطلب فيها ثمرًا فلم يجد.
٧: فقال للكرَّام: ها إن لي ثلاث سنين آتي وأطلب ثمرًا في هذه التينة فلا أجد، فأقطعها، فلماذا تعطل الأرض؟
٨: فأجابه الكرَّام وقال: دعها هذه السنة أيضًا حتى أعزق حولها، وألقي دمالًا؛ فإن أثمرت وإلا نقطعها فيما بعد.
وهكذا ما دُمنا عائشين بالجسد ولا نعطي ثمر حياة الروح؛ فنكون كالتينة غير المثمرة، وأُبقِي علينا برحمة من له الرحمة، فإذا لم نعطِ ثمرًا فإننا سنهلك، كذلك الغني الذي أراد أن يهدم الأهراء ويبني غيرها أو كالجليليِّين الثمانين الذين هبط عليهم البرج، وكل الذين لا يعطون ثمرًا يهلكون ويموتون موتًا أبديًّا.
لوقا، ١٢: ٥٤: وفَهْم هذه الأمور لا يطلب فلسفة زائدة، فإننا نستطيع أن نميز؛ ماذا يجري في بيوتنا وفي جميع العالم أيضًا؛ لأننا إذا رأينا الهواء يهب من جهة الغرب نعلم أن المطر يأتي.
٥٥: وإذا هبت ريح الجنوب تعلمون أنه سيكون حرًّا.
٥٦: فإذا كنا نستطيع أن نميز حالة الطقس ولا نستطيع أن نُدرك ما هو أهم منه ونضعه نُصْب أعيننا، وذلك بأنه محتوم علينا جميعًا بأننا سنموت، وأن خلاصنا الوحيد هي حياة الروح وإتمام مشيئة الله.
لوقا، ١٤: ٢٥: وتبع يسوع جمعٌ غفيرٌ؛ فخاطبهم قائلًا.
٢٦: من يريد أن يكون لي تلميذًا عليه ألا يهتم بأبيه وأمه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته وأملاكه ونفسه أيضًا، ويكون مُستعدًّا لكل أمر.
٢٧: وإنما ذلك الذي يعمل ما أعمله ويسير حسب تعليمي يخلص من الموت.
٢٨: لأن كل من يريد أن يعمل عملًا يفتكر قبل الشروع به: هل تنجم له عنه فائدة فيعمله، وإلا فيتركه.
فإنه من منكم يريد أن يبني بيتًا ولا يجلس أولًا، ويحسب النفقة؟ وهل عنده ما يكمله به؟
٢٩: لئلا يبتدئ بالبناء ثم يعجز عن اتمامه؛ فيبتدي جميع الناظرين يسخرون منه.
٣٠: وهكذا فإن الذي يمحض نفسه لمعيشة الجسد يجب عليه أن يحسب: هل في استطاعته إتمام ما يشغله إلى النهاية.
٣١: أم أي مَلِك يخرج ليحارب ملِكًا آخر ولا يجلس أولًا ويشاور نفسه: هل يستطيع أن يلاقي بعشرة آلاف من يأتي عليه بعشرين ألفًا؟
٣٢: وإلا فيرسل سفارة وهو بعيد، ويلتمس ما هو من أمر الصلح، فكذلك كل إنسان يجب عليه قبل أن يُكرِّس نفسه لخدمة الجسد أن يفتكر: هل يستطيع أن يحارب الموت ويستظهر عليه، وإلا خير له أن يتخوف من قبل ويرجع إلى الحقيقة؟
لوقا، ١٤: ٣٣: فكذلك كل واحد منكم إذا لم يرفض جميع أمواله وأملاكه؛ فلا يستطيع أن يكون لي تلميذًا.
١٥: فلما سمع ذلك أحد المُتَّكئين قال: حسنًا تقول، ولكن كيف توجد حياة الروح؟ وكيف نستطيع أن نعطي كل شيء ولا وجود لهذه الحياة؟
١٦: فقال له يسوع: إن ما تقوله غير صحيح؛ لأن كل واحد يعرف حياة الروح، أنتم جميعًا تعلمون أن إتمام مشيئة الله يعطي الحياة، أنتم تعلمون ذلك، ولكن لا تفعلون بما تعلمون، ليس لأنكم مرتابون بذلك، كلا، بل لأنكم تبتعدون عن الحياة الحقيقية بالاهتمامات الدنيوية الكاذبة، وإليكم ماذا تعلمون: أولم رجل وليمة ودعا إليها مدعوين كثيرين؛ لكنهم امتنعوا عن الحضور.
١٨: فقال الأول: إني اشتريت أرضًا، ولا بد لي أن أخرج وأنظرها، فأسألك أن تعذرني.
١٩: وقال آخر: اشتريتُ خمسة أزواج بقر وأنا ماضٍ لأجربها.
وقال ثالث: قد تزوجت امرأة؛ فلا أستطيع أن أجئ.
٢١: فرجع العبيد وأخبروا سيدهم بأن المدعوين لا يريدون الحضور، فقال لهم: امضوا وادعوا الفقراء والمساكين، فلبَّى هؤلاء الدعوة وحضروا جميعًا.
٢٣: فقال السيد لعبيده: امضوا وادعوا أيضًا آخرين حتى يمتلئ بيتي، فإني أقول لكم: إنه لا يذوق أحد من أولئك المدعويين عشائي.
الكل يعلمون أن إتمام مشيئة الآب تهب الحياة، ولكنهم لا يُتممونها؛ لأن الاهتمام بالمال يحول بينهم وبينها.
لوقا، ١٦: ١: كان رجل غني له وكيل، فعلم الوكيل أن سيده عازم على طرده، وأنه يصبح بعد ذلك بلا مأوًى وتحلُّ به الفاقة.
٣: فافتكر في نفسه الوكيل، وقال: أصنع هكذا، أوزِّع على الفلاحين قسمًا من أموال سيدي، حتى إذا ما طردني يذكرون ما صنعته لهم فلا يتركونني.
٥: وفعل الوكيل كما افتكر، فدعا الفلاحين المديونين لسيده وغيَّر الصكوك المكتوبة عليهم.
٦: فمن كان مديونًا بمائة كتب له خمسين، والمديون بستين كتب له عشرين وهلمَّ جرًّا.
٨: فعلم بذلك السيد، وقال: إنه تصرَّف بالحكمة، ولولا ذلك لما كان أحد يقبله، نعم، إنه ألحق بي خسارة، ولكنه حوَّر الحساب بعقل، ونحن نعلم جميعًا بحسب عيشة الجسد الحساب الحقيقي الذي سنؤديه، ولا نلتفت في الوقت ذاته إلى حياة الروح.
لوقا، ١٣: لا يستطيع الإنسان أن يخدم في آن واحد سيِّدين: الله والمال، أو إرادته وإرادة الآب، فيجب أن يُكرِّس نفسه لخدمة واحد منهما.
١٤: فسمع الفريسيُّون عبدة الأموال هذا الكلام، وكانوا يسخرون به.
١٥: فقال لهم: أنتم تُزكُّون أنفسكم بأن ثروتكم تجلب لكم احترام الناس، وأنتم بالحقيقة مكرمون، ولكن الله لا ينظر إلى الخارج؛ بل إلى القلوب، والرفيع عند الناس هو رجس أمام الله.
١٦: والآن أصبح ملكوت الله على الأرض، وما أعظم الذين يدخلونه، ولكن الأغنياء لا يدخلون، بل أولئك الذين لا يملكون شيئًا، وهذه سُنة الله لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، وكان ذلك أيضًا حسب ناموسكم وناموس موسى والأنبياء.
١٧: واسمعوا من هم الأغنياء والفقراء.
١٩: كان رجل غني يلبس البَزَّ والأرجوان ويتنعَّم كل يوم تنعُّمًا فاخرًا.
٢٠: وكان مسكين اسمه لعازر مطروحًا عند بابه مصابًا بالقروح.
٢١: وكان يشتهي أن يشبع من الفتات الذي يسقط من مائدة الغني ولم يعطِه أحد، وكانت الكلاب لا تشبع من ذلك الفتات، بل كانت تأتي وتلحس قروح ذلك المسكين لتملأ بطونها.
٢٢: فمات الاثنان لعازر والغني.
٢٣: فأبصر الغني، وهو في جهنم من بعيد، إبراهيم ولعازر المسكين جالس معه.
٢٤: فنادى الغني قائلًا: يا أبتِ إبراهيم ارحمني، وأرسل لعازر ليغمس في الماء طرف أصبعه ويبرد لساني؛ لأني مُعذَّب في هذا اللهيب.
٢٥: فقال إبراهيم: اذكر أنك نلت خيراتك في حياتك ولعازر كذلك بلاياه، والآن فهو يفرح ويتعزَّى وأنت تتعذب.
٢٦: ومع هذا كله فبيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت لا يستطيع أحد اجتيازها فنحن أحياء وأنتم موتى.
٢٧: فقال الغني: أسألك يا أبتِ إبراهيم أن ترسله إلى بيت أبي.
٢٨: فإن لي خمسة إخوة حتى يشهد لهم ويُفهمهم الأضرار التي يجرها المال حتى لا يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا.
٢٩: فأجابه إبراهيم: إنهم يعلمون ما هو مضرٌّ لهم ويجلب عليهم الهلاك، وقد كلمهم بذلك موسى والأنبياء.
٣٠: فقال الغني: بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يصدقونه ويتوبون.
٣١: فقال إبراهيم: إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء؛ فإنهم ولا إن قام واحد من الأموات يصدقونه.
مرقص، ١٠: ١٧: وجاء إلى يسوع رجل فريسيٌّ غني، وقال له: أيها المُعلم الصالح، ماذا أعمل لأنال الحياة الأبدية؟
١٨: فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا؟ فإن الآب وحده فقط صالح، وإذا أردت أن تنال الحياة فأتم الوصايا.
١٩: فقال الرجل: إن الوصايا كثيرة، فأيها أُتمم؟ فقال له يسوع: لا تقتل، لا تشهد بالزور، لا تسرق، لا تكذب، أكرم أباك، وسِر حسب وصاياه، وحبَّ قريبك كنفسك.
٢٠: فقال الرجل: هذه كلها حفظتها منذ صباي، وإنما أسألك أن ترشدني إلى وصايا جديدة.
٢١: فنظر إليه يسوع، ولم ينظر إلى ملابسه الفاخرة، ثم ابتسم وقال له: واحدة تنقصك، اذهب وبِع كل مالك وأعطهِ للمساكين، وإذ ذاك تُتمم مشيئة الآب.
٢٢: فاكتأب الرجل من هذا الكلام ومضى حزينًا؛ لأنه كان ذا مالٍ كثيرٍ.
٢٣: فقال يسوع لتلاميذه: انظروا كيف أنه لا يستطيع الأغنياء أن يُتمموا إرادة الله.
٢٤: فانذهل التلاميذ لما سمعوا كلامه، فكرر يسوع ذلك وقال: نعم يا أولادي، لا يستطيع ذو الأموال الكثيرة أن يدخل ملكوت الله.
٢٥: إنه لأسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من أن يُتمم غني مشيئة الآب.
٢٦: فازدادوا دهشًا قائلين فيما بينهم: من يستطيع إذن أن يخلُص؟
٢٧: فنظر إليهم يسوع، وقال: نعم، أمَّا عند الناس فلا يُستطاع، وأمَّا عند الله فليس كذلك؛ لأن كل شيء عند الله مُستطاع.
لوقا، ١٩: ١: واجتاز مرة يسوع بمدينة أريحا.
٢: وكان في هذه المدينة رجل غني اسمه زكَّا كان رئيسًا على العشَّارين.
٣: وقد سمع بتعليم المسيح وآمن به، ولما علم أنه في أريحا طلب أن يراه؛ فلم يستطع من الجمع؛ لأنه كان قصير القامة.
٤: فتقدَّم مسرعًا وصعد إلى جميزة لينظره؛ لأنه كان مزمعًا أن يجتاز بها.
٥: فلما انتهى يسوع إلى الموضع رفع طرفه فرآه، فقال له: يا زكَّا أسرع أنزل، فاليوم ينبغي لي أن أمكث في بيتك.
٦: فأسرع ونزل وقبله فرحًا.
فلما رأى الجميع ذلك تذمَّروا قائلين: إنه حلَّ عند رجل عشَّار مخادع.
٨: فوقف زكَّا، وقال ليسوع: أُعطي المساكين نصف أموالي، وإن كنت قد غبنتُ أحدًا في شيء أرده له أربعة أضعاف.
٩: فقال له يسوع: قد خلصت اليوم؛ لأنك قد كنت ميتًا فأصبحت حيًّا، وكنت ضالًّا فوجدت؛ لأنك فعلت كإبراهيم الذي عندما عزم على ذبح ابنه أظهر إيمانه.
١٠: لأنه بذلك تنحصر حياة الإنسان أن يخلص ما قد هلك في نفسه، ولا يستطيع أحد أن يقيس الذبيحة بمقياس.
مرقص، ١٢: ٤١: وجلس يسوع قُبالة الخزانة، ونظر كيف يُلقي الجميع أموالهم في الخزانة في سبيل الله، فألقى كثير من الأغنياء شيئًا كثيرًا.
٤٢: وجاءت أرملة فقيرة ووضعت فلسين.
٤٣: فدعا تلاميذه، وقال لهم: الحق أقول لكم، إن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من كل الذين ألقوا في الخزانة.
٤٤: لأن الجميع ألقوا مما فضل عندهم، وأما هذه فمن عوزها ألقت كل مالها، كل معيشتها.
متَّى، ٢٦: ٦: ودخل يسوع بيت سمعان الأبرص.
٧: فدخلت البيت امرأة معها قارورة طِيب يساوي ثلاثمائة دينار، وقال يسوع لتلاميذه: إن ساعة موته قد دنت، فلما سمعت ذلك المرأة رثت لحاله، وأرادت أن تُظهر محبتها له فأفاضت الطيب على رأسه.
٨: فلما رأى التلاميذ ذلك جعلوا يقولون فيما بينهم: إنها لم تفعل حسنًا، ويهوذا الذي أسلم فيما بعد يسوع قال: لِمَ هذا الإتلاف العظيم؟
٩: فقد كان يمكن أن يُباع هذا الطيب بثلاثمائة دينار توزَّع على المساكين، وأخذ التلاميذ يؤنبون المرأة حتى جعلوها تضطرب، ولم تعرف هل فعلت حسنًا أو رديئًا.
١٠: فقال لهم يسوع: لماذا تُعنِّفون المرأة؟ فإنها قد صنعت بي صنيعًا حسنًا، وعبثًا تذكرون الآن المساكين.
١١: إذا أردتم أن تصنعوا خيرًا للمساكين فاصنعوا؛ لأنهم عندكم في كل حين، ولماذا تذكرونهم الآن؟ فإنكم إذا كنتم تُشفقون عليهم فامضوا إليهم وتصدَّقوا عليهم، أما هي فأشفقت علي وصنعت بي خيرًا؛ لأنها قدَّمت لي كل ما تملك، ولماذا تقولون: إنها صنعت قبيحًا بإفاضتها الطِّيب على رأسي؟ إنها إنما فعلت ذلك لتُعدَّ جسدي للدفن.
١٢: وهي بالحقيقة قد أتمت إرادة الآب؛ لأنها نسيت نفسها، وأشفقت على آخر، نسيت اهتمامات الجسد وتصدَّقت بكل ما تملك.
متَّى، ٢١: ٢٨: إذا كان ابن عندما يأمره أبوه يقول له: أسمع وأطيع، ولكنه لا يفعل ما يطلب منه أبوه.
٢٩: وإذا كان ابنه الثاني يقول له: لا أريد أن أسمع وأُطيع، ولكنه يذهب بعد ذلك ويتمم إرادة أبيه، فالثاني هو أفضل من الأول، وهكذا يجري بين الناس؛ لأنه لا يدخل ملكوت الله من يقول: أنا طائع لله وأتمم وصاياه، بل الذي يفعل ما يأمر به الله.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل السابع أنا والآب واحد
طعام الحياة الحقيقي هو إتمام مشيئة الآب والاتحاد معه. (أعطنا خبزنا الجوهري.)
فحوى الفصل السابع
عندما طلب اليهود من يسوع أن يأتيهم بالبرهان على صحة تعليمه؛ أجابهم أن البرهان على صحة تعليمي هو أنني لست أُعلِّم من نفسي بل من تعليم أب الجميع، إني أعلم ما هو حسن لأب جميع البشر، فإذن يكون ذلك التعليم حسن للناس أيضًا.
اعملوا حسب كلامي، أتموا الخمس وصايا، وحينئذٍ تجدون أن تعليمي صحيح، إن إتمام الخمس وصايا يطرد الشرَّ من العالم، وذلك دليل على حقيقتها، ومما لا مراء فيه هو أن ذاك الذي لا يعلم من تلقاء إرادته، بل حسب إرادة الذي أرسله، فذاك دليل على أن تعليمه حق؛ إن ناموس موسى يأمر بإتمام إرادة الناس؛ ولذلك فإنه في كثير من مواضعه يناقض بعضه بعضًا، وأما تعليمي فهو يرشد الناس إلى إتمام مشيئة الآب، فإذن هو يرمي إلى غاية واحدة وهي الوحدة.
أما اليهود: فلم يفهموا كلامه، وسألوه أن يأتيهم بالبراهين المحسوسة الدالة على أنه المسيح الذي كُتِب عنه في الأنبياء، فأجابهم على ذلك: لا تبحثوا عمَّن أنا، وهل كتب أنبياؤكم عني أم لم يكتبوا؟ بل افقهوا تعليمي الذي أتكلَّم به عن أبينا العام، لا تُصدِّقوني كإنسان، وإنما صدِّقوا ما أقوله عن أب البشر؛ ولذلك لا تبحثوا عمَّن أنا ومن أين أتيت، بل اتَّبعوا تعليمي فتنالون به حياة حقيقية، لا يوجد برهان لتعليمي؛ لأنه نور، ولا يستطيع أحد إنارة النور، كما لا يستطيع الإتيان بالبرهان على حقيقة الحق، فتعليمي هو نور وحياة؛ ولذلك فلا يحتاج إلى برهان، وأما الموجود في الظلمة فذلك يمضي إلى النور.
فسأله اليهود أيضًا: من هو بحسب الجسد؟ فأجابهم: إني أنا ذلك الذي قلت لكم عنه أولًا، إنني إنسان ابن الآب الحياة.
ولكي تفهموا ما أقول يجب أن تعلموا أولًا: أن أبي ليس كأبيكم الذي تسمونه الله، إن إلهكم أب جسدي، وأما أبي فهو الآب روح الحياة، أبوكم الحقيقي وإلهكم هو قاتل البشر الذي يسعى في هلاكهم، وأما أبي فإنه يعطيهم الحياة.
ولذلك فنحن أولاد لوالدين مختلفين، أنا أفتِّش عن الحقيقة وأنتم تطلبون قتلي لترضوا إلهكم الذي هو شيطان أصل الشرِّ والضلال، فإذن أنتم تعبدون الشيطان، أما تعليمي فهو يتضمن أننا أبناء أب الحياة، ومن يؤمن بتعليمي ويعمل به ذلك لا يرى الموت؛ فقال اليهود: إن الموت مُحتَّم على جميع الناس، وهو يقول: إن الإنسان لا يموت، أليس أصفياء الله وأولياؤه كإبراهيم وداود قد ماتوا؟ فوجَّهوا الخطاب إليه قائلين: فكيف تقول: إنك والذين يؤمنون بتعليمك لا يموتون؟ أليس ذلك قول خرافة وسخافة؟
فأجابهم يسوع على ذلك: إني لا أقول شيئًا من نفسي، بل إني أتكلم عن ذلك الذي هو أصل الحياة الذي تسمونه أيضًا إلهًا والموجود في الناس، وإني أعرف هذا الأصل، ولا أستطيع إنكاره وأُتمم إرادته وأُصرِّح بأن هذه الأصل كان وكائن وسيكون، وأنه حيٌّ أزليٌّ لا يموت.
يوحنا، ٧: ١: وبعد ذلك كان اليهود يطلبون قتل يسوع، فمضى إلى الجليل، وأقام بين أقاربه.
٢: وكان عيد اليهود لنصب المَظال قد قرُب.
٣: فأخذ إخوة يسوع يستعدون للذهاب إلى العيد، فدعوه لكي يمضي معهم.
٥: ولم يكن إخوته مُصدِّقين لتعليمه، فقالوا له: إنك تقول: إن عبادة اليهود لله غير حقيقية، وإنك أنت وحدك فقط تعرف عبادة الله الحقيقية، فإن كنتَ كما تدَّعي فهلمَّ معنا لحضور العيد، حيث يكون خَلْق كثير، فيمكنك أمام ذلك الجمهور أن تُصرِّح بأن ناموس موسى كذب محض.
فإذا صدَّق الناس أقوالك؛ فحينئذٍ تلاميذك أيضًا يُصدِّقون تعليمك.
٤: ولماذا تختفي؟ أنت تقول: إن عبادتنا لله كاذبة، وأنك وحدك فقط تعرف عبادة الله الحقيقية فأظهرها للعالم الآن.
٦: فقال لهم يسوع: إن لكم أوقاتًا محدودة لعبادة الله في أمكنة خاصة، وأما أنا فليس لي وقت محدود، بل إني دائمًا أبدًا أعبد الله في كل مكان وزمان.
٧: وسأُظهِر للعالم بأن عبادتهم كاذبة وأعمالهم شريرة؛ ولذلك فإنهم يبغضونني من أجل ذلك.
٨: اصعدوا أنتم إلى العيد، وأما أنا فسأصعد حينما أريد.
٩: فصعد إخوته، وأما هو فلبث في الجليل ثم صعد هو إلى العيد عندما بلغ منتصفه.
١١: وكان اليهود في اضطراب يسألون عنه ويُوبِّخونه فيما بينهم؛ لأنه لا يحترم أعيادهم.
١٢: وكانت في الجموع مهامسة كثيرة بشأنه، فبعضهم يقولون: إن تعليمه صادق، وبعضهم يقولون: إنه كاذب يضلُّ الشعب.
١٤: وعند انتصاف العيد صعد يسوع إلى الهيكل، وشرع يُعلِّم الشعب؛ أن عبادتهم لله كاذبة غير مستقيمة؛ لأن عبادة الله لا تكون بتقديم الذبائح في الهيكل، بل يجب أن تكون بالروح والأعمال الصالحة وإتمام الخمس وصايا.
١٥: وكان اليهود يسمعونه ويتعجَّبون؛ قائلين: كيف يتكلم بمثل هذه الحكمة وهو لم يتعلَّم؟
١٦: فأجابهم يسوع، وقال: إن تعليمي ليس هو لي، بل للذي أرسلني.
١٨: إن من يتكلم من عنده؛ إنما يطلب مجد نفسه، فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق ولا كذب عنده.
١٩: إن ناموسكم الذي أعطاه لكم موسى ليس هو ناموس الله، وإن من يسير بموجبه فلا يتمم مشيئة الله؛ بل يقترف الشرَّ والكذب.
٢١: أنا أُعلِّمكم أن تُتمِّموا مشيئة الآب فقط؛ ولذلك يستحيل أن يكون تناقض في تعليمي.
٢٢ و٢٣: وأما ناموسكم الذي كتبه موسى فهو كثير التناقض والاختلافات.
٢٤: لا تحكموا بحسب الظاهر؛ بل بحسب الروح.
٢٥: فقال كثيرون: أليس هذا هو الذي يقولون عنه: إنه نبي كاذب؟ وها هو يُكذِّب الناموس علانية، ولا أحد يعارضه بشيء.
٢٦: ألعل الرؤساء تيقَّنوا أن هذا هو النبي الحقيقي وآمنوا به؟
٢٧: إلا أنه شيء واحد يجعلنا أن نرتاب في أمره، ذلك أن رسول الله لما يجيء، فلا يعلم أحد من أين هو، ولكن نحن نعلم من أين جاء هذا، ونعرف جميع أقاربه، ولم يفهم الشعب تعليمه؛ لأنه كان يطلب لذلك أدلة محسوسة.
٢٨: فقال لهم يسوع: إنكم تعرفوني بالجسد، وتعلمون من أين أنا، ولكنكم لا تعرفونني بالروح الذي أرسلني، مع أن معرفته يجب أن تكون قبل كل شيء.
٢٩: فلو قلتُ: إني المسيح لآمنتم بي بالجسد، ولكنكم لم تؤمنوا بالآب الموجود فيَّ وفيكم أيضًا.
٣٣: وقال أيضًا: أنا معكم بعد زمانٍ يسيرٍ أمضي بعده إلى الذي أرسلني، فما دمت معكم أُريكم الطريق المؤدِّي إلى ينبوع الحياة الذي خرجت منه.
٣٤: أنتم تسألونني أدلة محسوسة ثم تطلبون محاكمتي، فإذا كنتم لا تعلمون ذلك الطريق الآن فمتى ذهبتُ عنكم فلا تجدونه مطلقًا، لا يجب عليكم أن تحاكموني، بل يُطلب منكم أن تتبعوني، وأن من يعمل بحسب كلامي ذلك يعلم أن ما أقوله هو حقٌّ لا ريب فيه.
٣٨: إن من لا يُقدِّم الجسد طعامًا للروح ذلك لا يسعى إلى الحقيقة كالعطشان إلى الماء، وأما العطشان إلى الحقِّ والصدق فليأتِ إليَّ ويشرب، ومن يصدق تعليمي ينال الحياة الحقيقية.
٣٩: ذلك ينال حياة الروح.
٤٠: وكثيرون صدَّقوا تعليمه، وقالوا: إن كلامه هو نفس الحقيقة صادرًا من عند الله.
٤٢: وآخرون لم يصدِّقوا كلامه، وكانوا يُفتِّشون في كتب الأنبياء عن البراهين الدالة على أنه رسول الله.
٤٣: وكثيرون ناقشوه وجادلوه، فلم يستطِع أحد أن يفوز عليه.
٤٤: فأرسل الفريسيُّون إليه مساعديهم لكي يناقشوه ويجادلوه.
٤٥: ولكنهم عادوا إلى الفريسيِّين ورؤساء الكهنة، وقالوا لهم: إننا لا نستطيع أن نعمل له شيئًا.
٤٦: لأنه ما نطق إنسان قط بمثل ما نطق هذا الرجل.
٤٧: ألعلكم أنتم أيضًا قد ضللتم وصدَّقتم بتعليمه؟
٤٨ هل أحد من الرؤساء أو من الفريسيِّين آمن به؟
٤٩: وأما هذا الشعب فإنه ملعون؛ لأنه جاهل ويُصدِّق كل ما يسمع.
٥٠: فقال لهم نيقوديموس أحدهم الذي كان قد جاء إلى يسوع سرًّا وفهم تعليمه.
٥١: لا تجوز محاكمة إنسان قبل أن نسمع منه أولًا ونعلم ماذا فعل.
٥٢: فأجابوه: لا نريد أن نسمعه مطلقًا؛ لأننا نعلم أنه لا يقوم نبي من الجليل.
يوحنا، ٨: ١٢: ثم كلَّم يسوع الفريسيِّين مرة أخرى، وقال: إن تعليمي لا يحتاج إلى برهان، كما أن النور لا يحتاج إلى مصباح ينيره، إن تعليمي هو نور ساطع، يستطيع به الناس أن يُفرِّقوا بين الحقِّ والباطل، ومن يتبعني فلا يمشي في الظلام، بل تكون له حياة، فالنور والحياة هما واحد.
١٣: فقال له الفريسيُّون: أنت تشهد لنفسك وليست شهادتك حقًّا.
١٤: فأجابهم: وإن كنتُ أشهد لنفسي فشهادتي حقٌّ؛ لأني أعلم من أين جئتُ وإلى أين أذهب، وتعليمي يتضمن معنى الحياة، وأما تعليمكم فليس فيه شيء من ذلك.
١٨: وعدا ذلك فإني لست أُعلِّم وحدي، بل أبي الروح يعلم ذلك أيضًا.
١٩: قالوا له: أين أبوك؟ فقال لهم: إنكم لا تفهمون تعليمي؛ ولذلك فلا تعرفون أبي.
٢١: أنتم لا تعلمون من أين أنتم، ولا إلى أين تذهبون، إني أقودكم، ولكنكم بدلًا من أن تتبعوني تسألون عمَّن أنا؛ ولذلك لا تستطيعون أن تنالوا خلاص الحياة الذي أرشدكم إليه.
٢٢: ولذلك فإنكم ستهلكون إذا لبثتم على ضلالكم ولم تتبعوني.
٢٥: فسأله اليهود: من أنت؟ فقال لهم يسوع: أنا ذاك الذي كلمتكم عنه منذ الابتداء.
٢٦: أنا ابن البشر الذي أعترف بأن أبي هو الروح، وما علمته منه أُكلِّم به العالم.
٢٨: وعندما ترفعون ابن البشر؛ فحينئذٍ تعرفون أني أنا هو، وأني لست أفعل شيئًا من عندي؛ لأني إنسان، ولكن كما علمني الآب كذلك أقول، وبه أُعلِّم.
٢٩: والذي أرسلني هو معي، ولم يدعني وحدي؛ لأني أفعل ما يُرضيه كل حين.
٣١: إن من يثبت على كلمتي ذلك يُرضي الآب ويتعلَّم مني التعليم الحقيقي، ومن أراد أن يأتي إلى الحق عليه أن يصنع الخير للناس؛ لأن من يصنع الشرَّ للناس ذلك يحب الظلام ويمضي إليه، ومن يصنع الخير للناس ذلك يمضي إلى النور؛ ولذلك فمن أراد فهم تعليمي ما عليه إلا أن يصنع الخير والبر والإحسان.
٣٢: من يصنع الصلاح والخير يعرف الحق ويتحرر من الشرِّ والموت.
٣٤: لأن من يسير في الضلال يصبح عبدًا للضلال.
٣٥: والعبد لا يثبت في البيت إلى الأبد، وإنما الابن يثبت إلى الأبد، وهكذا فإن الإنسان إذا ضلَّ في هذه الحياة يصبح عبدًا لضلاله ويثبت في الضلال حتى يموت، ومن يثبت في الحق ذلك يثبت فيه إلى الأبد، والحق هو ألا يكون الإنسان عبدًا؛ بل ابنًا، وإذا أنتم لبثتم في ضلالكم فإنكم تصبحون عبيدًا وتموتون عبيدًا للخطيئة.
٣٦: وإذا أقبلتم على الحق؛ فإنكم تصبحون أبناء، وتحيون إلى الأبد.
٣٧: أنتم تقولون في أنفسكم إنكم ذُريَّة إبراهيم، وتعرفون الحق، ولكنكم تطلبون قتلي؛ لأنكم لا تفهمون كلامي.
٣٨: أنا أتكلم بما تعلَّمته من أبي، وأنتم تُعلِّمون بما تعلَّمتموه من أبيكم.
٣٩: أجابوا وقالوا له: إن أبانا إبراهيم، فقال لهم يسوع: لو كنتم بني إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم.
٤٠: لكنكم الآن تطلبون قتلي؛ لأني قلت لكم عمَّا فهمته من الله، وذلك لم يعمله إبراهيم؛ ولذلك فإنكم لا تعبدون الله، بل تعبدون أبًا آخر لكم.
٤١: فقالوا له: نحن لسنا مولودين من زنا، وإنما لنا أب واحد هو الله.
٤٢: فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني؛ لأني خرجت من عند الآب، وإني لم آتِ من نفسي.
٤٣: إني وأنتم لسنا أبناء أب واحد؛ ولذلك فلا تفهمون كلامي؛ لأن ليس فيكم محل له، إذا كنت أنا من أب وكنتم أنتم من ذلك الأب لما كنتم تطلبون قتلي، وما دمتم تطلبون ذلك فلسنا أبناء أب واحد.
٤٤: أنا خرجت من أب الصلاح الذي هو الله، وأما أنتم فمن إبليس أبي الشر، وشهوات أبيكم تبتغون أن تعملوها، هو من البدء قتَّال وكذَّاب؛ لأن لا حق عنده، وإذا تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما هو عنده؛ لأنه كذوب وأبو الكذب وعليه فأنتم خدمة إبليس وابنائه.
٤٦: هل أبصرتم كيف أنه من السهل توبيخكم على ضلالكم؟! فإذا كنت ضالًّا فوبِّخوني على ضلالي، وإذا لم أكن ضالًّا بل محقًّا فيما أقول فلماذا لا تُصدِّقوني؟
٤٨: فأخذ اليهود يشتمونه قائلين: إن به شيطان.
٤٩: أجاب يسوع: إنه ليس بي شيطان، لكني أُكرم أبي وأنتم تريدون قتلي؛ ولذلك فأنتم لستم إخوتي بل أبناء أب آخر.
٥٠: ولست أشهد لنفسي، بل الحق يشهد لي.
٥١: الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إن كان أحد يحفظ كلامي؛ فلن يرى الموت إلى الأبد.
٥٣: مات إبراهيم، وأنت لا تموت! ألعلك أعظم من إبراهيم؟
٥٤: إن اليهود كانوا يبحثون فقط عن يسوع الجليلي؛ هل هو بالحقيقة نبي عظيم أو ليس كذلك؟ ولذلك لم يُوجِّهوا التفاتهم لفهم ما كان يكلمهم به، إنه لا يقول شيئًا من عنده؛ لأنه إنسان، ولكنه كان يتكلم عن الروح الحالِّ فيه، فقال يسوع: أنا لا أعمل شيئًا من عندي، بل أعمل أعمال أبي الذي تقولون أنتم: إنه إلهكم.
٥٥: لكنكم لم تعرفوه، وأما أنا فأعرفه، وإن قلت: لا أعرفه صِرت كاذبًا مثلكم، ولكني أعرفه وأحفظ كلامه وأتُمم مشيئته.
٥٦: إبراهيم أبوكم ابتهج حتى يرى يومي فرأى وفرح.
٥٧: فقال له اليهود: لم يأتِ لك بعدُ خمسون سنة، وكيف تقول: إنك رأيت إبراهيم؟
٥٨: فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم كانت الكلمة موجودة.
٥٩: فأخذوا حجارة ليرجموه، لكنه توارى عنهم.
يوحنا، ٩: ١: وفيما هو في الطريق رأى رجلًا مظلمًا منذ ولادته، فسأله تلاميذه: من أخطأ حتى إن هذا الرجل منذ ولادته لبث مظلمًا، هل هو أم والداه لأنهما لم يُعلِّماه؟
٣: فأجابهم يسوع: لا هذا أخطأ، ولا أبواه، ولكن لكي تظهر أعمال الله لكي يحلَّ النور محل الظلام.
٥: فإذا وجد تعليمي؛ فإنه يكون نورًا للعالم.
٦ و٧: وأرشد يسوع الرجل المظلم (الجاهل) عن أنه هو ابن لله الروح، ولما فهم الرجل ذلك التعليم استنارت بصيرته بالنور الحقيقي.
٨ و٩: والذين كانوا يعرفون الرجل من ذي قبل أصبحوا لا يعرفونه الآن؛ لأنه تغيَّر تغييرًا يُذكر.
١١: فقال لهم: أنا هو بنفسي، ولكن يسوع أوضح لي بأني ابن لله؛ فانكشف لي النور، وأصبحت أرى ما لم أستطع رؤيته من ذي قبل.
١٣: فأتوا به إلى الفريسيِّين.
١٤: وكان اليوم سبتًا.
١٥: فسأله الفريسيُّون: كيف أصبح يدرك كل شيء مع أنه كان قبلًا جاهلًا جهلًا مُطبقًا؟ فأجابهم: لا أعلم، وإنما ما أعلمه أني أصبحت أُدرك وأفهم كل شيء.
١٦: فقالوا له: إن ما تفهمه الآن ليس من الله ولا عن الله؛ لأن يسوع فعل لك ذلك في السبت، وفوق ذلك فلا يستطيع رجل من العالم أن يُغيِّر أفكار الناس، وحصل بينهم انشقاق بسبب ذلك.
١٧: ثم سألوا الرجل الذي استنار بنور الحقيقة: ماذا تظن بيسوع؟ فأجابهم: أظن أنه نبي.
١٨: ولم يُصدِّق اليهود أنه كان قبلًا جاهلًا مظلمًا؛ فأصبح اليوم مُتنوِّرًا مُتعلِّمًا، فاستدعوا والديه وسألوهما عن ذلك قائلين.
١٦: أهذا هو ابنكما الذي منذ ولادته كان جاهلًا مُظلمًا، فكيف استنار بنور الحق الآن؟
٢٠: فأجاب والداه: نحن نعلم إن هذا ولدنا، وأنه وُلِد مظلمًا ولبث كذلك.
٢١: وأما كيف أبصر الآن فلا نعلم، إنه كامل السنِّ فهو يتكلم عن نفسه.
٢٢: فدعاه الفريسيُّون مرة ثانية، وقالوا له: صلِّ لإلهنا الحقيقي؛ لأن ذلك الرجل الذي أنار بصرك هو رجل من العالم وليس من الله، نحن نعلم ذلك حقَّ العلم.
٢٥: فأجاب الرجل الذي كان مُظلمًا: أمن الله ذلك الإنسان أم من غير الله؟ لا أعلم، وإنما أمر واحد أعلمه، وهو أني لم أكن أُبصر النور قبلًا، وأما الآن فإني أبصره.
٢٦: فقالوا له: ماذا صنع بك حتى جعلك تُبصر؟
٢٧: أجاب: قد أخبرتكم؛ فلم تسمعوا، فإذا كنتم تريدون أن تصيروا له تلاميذ فإني أُعيد على سماعكم ماذا صنع بي.
٢٨: فشتموه، وقالوا: كن أنت تلميذه، فأما نحن فإنا تلاميذ موسى.
٢٩: أجاب الرجل وقال: إن في هذا لعجب، إنكم لا تعرفون من أين هو؟ وقد جعلني أُبصر.
٣١: لأن الله لا يسمع للخُطاة، ولكن إذا أحد اتَّقى الله وعمل مشيئته؛ فإنه يستجيب له.
٣٣: ولم نسمع منذ الدهر: أن رجلًا ليس من الله يستطيع إنارة أفكار رجل مظلم، فلو لم يكن من الله لما استطاع ذلك.
٣٤: فغضب الفريسيُّون من كلامه وقالوا له: إنك جميعك منغمس في حمأة الضلال والآثام، وتريد أن تُعلِّمنا وطردوه خارجًا.
يوحنا، ١١: ٢٥: ثم قال يسوع: إن تعليمي هو القيامة والحياة، ومن يُصدِّقه، وإن مات بالجسد لكنه سيحيا فيما بعد، وكل من كان حيًّا وآمن بي؛ فلن يموت إلى الأبد.
١٠: ١: ثم علَّم يسوع الشعب مرة ثالثة، وقال: إن الناس يُقبلون على تعليمي ليس لأني أشهد له؛ لأن الحق لا يطلب شهادة، وإنما يُقبلون عليه؛ لأنه تعليم واحد، ويَعِد الذين يسيرون بموجبه أن ينالوا الحياة.
٢ و٣: إن تعليمي للناس معلوم، مثل صوت الراعي للخِرفان، فإنه عندما يفتح الباب ويدعوها تعرفه وتتبعه؛ حيث يقودها للمرعى.
٥: أما تعليمكم فلا يصدقه أحدٌ؛ لأنه غريب للناس الذين يرون: أنه مطابق لأهوائكم وأغراضكم، وهو للناس كذلك الرجل الذي لا يدخل من باب حظيرة الخِراف، بل يتسوَّر من موضع آخر؛ فالخِرفان لا تعرفه وتعلم أنه لصٌّ سارقٌ.
٧: أما تعليمي فإنه واحد حقيقي كالباب الواحد للخِراف.
٨: جميع تعاليمكم عن ناموس موسى كلها كذب، وجميعهم كاللصوص والسارقين للخرفان.
٩: من يتبع تعليمي يجد حياة حقيقية، كما أن الخرفان تخرج وتجد مرعًى إذا تبعت راعيها.
١٠: لأن السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويُهلك، وأما الراعي فيعطي الحياة للخِراف.
١١: يوجد رعاة يحافظون على الخرفان كمحافظتهم على ذواتهم، ويبذلون نفوسهم من أجلها، وهؤلاء رعاة صالحون.
١٢: ويوجد رعاة مستأجرون لا يهتمون بالخرفان، فيرون الذئب مُقبلًا فيتركون الخرفان ويهربون، فيخطف الذئب الخِراف ويُهلكها.
١٣: وهؤلاء رعاة أشرار، وعلى هذا المثال يكون المعلمون، فمنهم أشرار لا يهتمون بحياة الناس، ومنهم صالحون يبذلون نفوسهم من أجل حياة الناس.
١٤: أنا مُعلِّم صالح.
١٧: لأن تعليمي يرمي إلى غرض واحد وهو أن أبذل نفسي من أجل حياة الناس.
١٨: ليس أحدٌ يأخذها مني، ولكني أبذلها باختياري من أجل الناس؛ لكي ينالوا الحياة الحقيقية، وهذه الوصية قبلتها من أبي.
١٥: كما أن الآب يعرفني، وأنا أعرف الآب، وأبذل نفسي من أجل الناس.
١٧: من أجل هذه يحبني الآب؛ لأني أتمم وصاياه.
١٦: وجميع الناس يسمعون صوتي، ويتَّحدون جميعًا في واحد ويكون تعليمهم واحدًا.
٢٤: فأحاط به اليهود، وقالوا: كل ما قلته لنا يصعب علينا فهمه؛ لأنه لا يُطابق ما في كتبنا، فلا تُعذِّبنا أكثر، بل قل لنا علانية: هل أنت مَسيَّا الذي كُتِب عنه في كتبنا بأنه سيجيء إلى العالم؟
٢٥: فأجابهم يسوع: قد قلت لكم من هو أنا، فلم تُصدِّقوا، فإذا لم تُصدِّقوا كلامي فصدِّقوا أعمالي التي تشهد من أنا، والتي لأجلها جئتُ.
٢٦: ولكنكم لا تُصدِّقون؛ لأنكم لا تريدون أن تتبعوني.
٢٨: ومن يتبعني ويسير بحسب سيري، ويعمل طبقًا لكلامي؛ ذلك يفهم تعليمي.
٢٧: ومن يفهم تعليمي ويعمل به ينال الحياة الحقيقية.
٢٩: أبي قد جمعهم معي ولا يستطيع أحد أن يفرقنا.
٣٠: أنا والآب واحد.
٣٢: فاغتاظ اليهود، وأخذوا حجارة؛ لكي يرجموه.
٣٢: فقال لهم يسوع: إني أريتكم أعمالًا حسنة كثيرة من عند الآب، فلأي عمل منها ترجمونني؟
٣٣: فأجابه اليهود: إنَّا لسنا لعمل حسن نرجمك، بل لأنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا.
٢٤: فأجابهم يسوع: أليس هذا نفسه مكتوبًا في كتبكم؟ فقد كُتِب: إن الله نفسه قال للحكام الظالمين: إنكم أصبحتم كالآلهة.
يوحنا، ١١: ٢٥: ثم قال يسوع: تعليمي هو القيامة والحياة، ومن يؤمن به، وإن مات بالجسد؛ فإنه سيحيا فيما بعد، وكل من كان حيًّا وآمن بي؛ فلن يموت إلى الأبد.
١٠: ٢٠: فوقع أيضًا بين اليهود شِقاق، فقال بعضهم: إن به شيطان.
٢١: وقال آخرون: إن من به شيطان لا يستطيع أن يُنير أبصار الناس.
٢٩: ولم يدرِ اليهود ما يصنعون به؛ لأنهم لم يمسكوا عليه شيئًا يستحق من أجله المحاكمة.
٤٠: وذهب أيضًا إلى الأردن، ومكث هناك.
متَّى، ١٦: ١٣: وسأل يسوع مرة تلاميذه قائلًا: أخبروني؛ كيف يفهم الناس تعليمي عن ابن الله وعن ابن البشر؟
١٤: فأجابوا: إن البعض فهموا تعليمك كما فهموا تعليم يوحنا سواء بسواء، وبعضهم كما فهموا نبوَّات أشعياء، وآخرون قالوا: إن تعليمك يشبه تعليم النبي أرمياء؛ وعليه: فالجميع يعتقدون أنك نبيٌّ.
١٥: فقال لهم: وأنتم كيف تفهمون تعليمي؟
١٦: فأجابه سمعان بطرس: على رأيي أن تعليمك يدل دلالة واضحة على أنك ابن إله الحياة المختار، وأنك تُعلِّم أن الله حياة موجود في الإنسان.
١٧: فقال له يسوع: سقيًا لك يا سمعان؛ لأنك فهمتَ ذلك، وأنه ليس إنسان كشف لك ذلك؛ لأن الله الموجود فيك، كشف لك عن ذلك، ولستُ أنا بتعليمي كشفت لك عن ذلك، بل الله أبي كشف لك ذلك مباشرة.
١٨: وعلى فهمك هذا سيوضع أساس لجماعة الذين سيختارهم الله من بين الناس الذين لا يذوقون الموت.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل الثامن الحياة ليست محصورة في وقت
وذلك فإن الإنسان يعيش بالحق عندما يتغذى بإتمام إرادة الآب في كل يوم، وينبغي عليه أن يترك الاهتمام بالماضي والمستقبل. (أعطنا اليوم.)
فحوى الفصل الثامن
فسأل التلاميذ يسوع ذات يوم أي أجر ينالونه على إنكارهم معيشة الجسد؟ فأجابهم على ذلك بقوله: إن الإنسان الذي يفقه معنى التعليم لا ينتظر أجرًا أو مكافأة؛ لأنه: أولًا: إذا أنكر الإنسان أهله وأقاربه وأملاكه باسم ذلك التعليم؛ فإنه ينال مائة ضعف أعظم من أولئك الأهل والأموال والعقارات. ثانيًا: إن الإنسان الذي يطلب الأجر يسعى لكي يكون عنده أكثر من الآخرين، وهذا ينافي ذلك التعليم القائل بإتمام مشيئة الآب؛ لأنه لا يكون في ملكوت السموات كبير أو صغير، بل يتساوى فيه الجميع. إن الذين يطلبون الأجر على فعل الصلاح والخير يشبهون أولئك الفعلة الذين طلبوا من سيدهم أن يدفع لهم أجرة على عملهم أكثر من الآخرين؛ لأنهم حسب زعمهم يستحقون أكثر منهم، فالذي يفهم التعليم على علَّاته ذلك ليس في نظره ثواب أو عقاب أو ارتفاع أو انخفاض؛ لأنه بحسب تعليمي: الجميع متساوون في كل شيء ما دام كل واحد يستطيع إتمام مشيئة الآب، ومن يريد أن يكون أعظم من الغير عليه أن يكون لهم خادمًا؛ لأن الحياة أعطيت للإنسان ليس ليخدم؛ بل لكي يبذل حياته في خدمة الآخرين، وكل من لا يسير بموجب ذلك ولا يرفع نفسه ذلك يسقط منزلة أكثر مما كان قبلًا.
ينبغي على كل واحد أن يفهم ماهية الحياة الحقيقية، التي تعرف بأن الشيء المفقود يردُّ إلى صاحبه، والنائم الخامد يهب ويستيقظ، والناس الذين ينالون الحياة الحقيقية يرجعون إلى أصلهم، ولا تخطر على بالهم الأفكار البشرية التي تبحث عن الارتفاع والانخفاض، بل عندما يشاركون حياة الآب يفرحون برجوع المفقودين الضالين إلى الآب.
إذا سار ابنٌ في طريق الضلال وابتعد عن أبيه ثم تاب وعاد إليه؛ فكم يكون فرح الأب به عظيمًا! وهل يا ترى يحلُّ لأبناء الرجل الآخرين أن يُوبِّخوا أباهم ويحسدوه على فرحه بابنه الذي عاد إليه تائبًا؟!
فلأجل تصديق التعليم وتغيير طرق الحياة لا ينبغي على الإنسان أن يطلب أدلة محسوسة وأجرًا ومكافأة، بل يكفيه أن يفهم ما هي الحياة الحقيقية.
إن الحياة الحقيقية التي تكون بإرضاء الله ليست هي الحياة الماضية أو المستقبلة؛ بل هي الحياة الحاضرة أو ما يعلمه الإنسان في الدقيقة الحاضرة؛ ولذا لا ينبغي أن تتثبط عزائم كل واحد، بل يجب عليه أن يكون نشيطًا ذا عزم ثابت وإقدام لكي يحصل على الحياة الحقيقية، وغير مطلوب من الناس أن يحافظوا على حياتهم الماضية أو المستقبلة، كلا، إنما ما يُطلب منهم هو أن يحافظوا على الحياة التي يعيشون بها الآن ويُتمِّمون بواسطتها إرادة أبي جميع الناس، وإذا لم يحافظوا عليها وأهملوا الاعتناء بها والسير بحسب إرادة الله ووصاياه؛ فإنهم يكونون كذلك الحارس المعين لحراسة البيت طول الليل، فإنه إذا نام ولو بُرهة يسيرة؛ فإنه يكون أهمل واجباته؛ لأنه يحتمل أن يأتي السارق في تلك البُرهة ويسرق البيت؛ ولذلك يتحتم على الإنسان أن يوجِّه كل قوته إلى الساعة الموجود فيها، ويتمم بها مشيئة الله التي هي صلاح وحياة لجميع البشر؛ ولذلك فالذين يعملون الصلاح هم وحدهم يحيون.
متَّى، ١٠: ٣٨: قال يسوع: إن الذي لا يستعد لاحتمال جميع آلام الجسد وإنكار الذات ذلك لا يفهم تعليمي.
٣٩: من يسعى لتحسين عيشة الجسد ذلك يهلك الحياة الحقيقية، ومن يُهلك جسده بإتمامه تعليمي ذلك ينال الحياة الحقة.
١٩: ٢٧: فقال له بطرس: هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك؛ فماذا يكون لنا؟
مرقص، ١٠: ٢٩ و٣٠: فأجاب يسوع وقال: الحق أقول لكم: إنه ما من أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًّا أو بنين أو حقولًا من أجل تعليمي إلا يأخذ مائة ضعف، أما في هذا الزمان فبيوتًا وإخوة وأخوات وأمهات وبنين وحقولًا وكل ما يلزمه لهذه الحياة، وأما في الدهر الآتي فحياة أبدية.
٣١: ثم إنه لا توجد مكافأة في ملكوت السموات؛ لأن الملكوت هو الغرض والمقصود والمكافأة لكل واحد، والجميع يكونون فيه متساوين، فليس فيه أوَّلون ولا آخرون.
متَّى، ٢٠: ١: لأن ملكوت السموات يُشبه رجلًا ربَّ بيت خرج بالغداة يستأجر عَمَلة لكَرْمه.
٢: فشارط العَمَلة على دينار في اليوم، وأرسلهم إلى كَرْمه ليشتغلوا، فخرج عند الظهر واستأجر أيضًا عَمَلة وأرسلهم إلى الكَرْم، وعند المساء استأجر أيضًا آخرين وأرسلهم إلى الكَرْم ليشتغلوا.
٨: وعند الحساب قال السيد رب الكَرْم لوكيله: ادعُ العَمَلة وأعطهم الأجرة مبتدئًا من الآخرين إلى الأولين.
٩: فجاء الذين استأجرهم عند المساء، وأخذ كل واحد منهم دينارًا.
١٠: فلما جاء الأولون ظنُّوا أنهم يأخذون أكثر؛ فأخذوا هم أيضًا كل واحد دينارًا.
١١: وفيما هم يأخذون تذمَّروا على ربِّ البيت.
١٢: قائلين: إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعة واحدة؛ فجعلتهم مساوين لنا، ونحن حملنا ثقل النهار وحَرِّه.
١٣: فأجاب رب البيت وقال لواحد منهم: يا صاحِ ما ظلمتك، ألم أكن على دينار شارطتك؟!
١٤: خُذ مالك وامضِ فإني أريد أن أعطي هذا الآخر مثلك، أليس لي أن أفعل بمالي ما أريد؟
١٥: أم لأنكم رأيتموني صالحًا كريمًا فتطاولتم بأعناقكم وحسدتم الآخرين؟!
١٦: ففي ملكوت السموات لا يكون أوَّلون ولا آخرون.
مرقص، ١٠: ٣٥: جاء إلى يسوع ذات مرة تلميذان من تلاميذه، هما يعقوب ويوحنا، وقالا له: يا معلم نريد أن تصنع لنا كل ما نسألك.
متَّى، ٢٠: ٢١: فقال لهما: ماذا تريدان؟ أجاباه: نسألك أن تساوينا بنفسك.
٢١: فأجاب يسوع وقال: إنكما لا تعلمان ما تطلبان، نعم إنكما تستطيعان أن تعيشا كما أعيش، ثم إنكما تستطيعان إنكار الجسد كما أنكرته أنا، غير أنه ليس في سلطاني أن أساويكما بنفسي.
٢٣: كل إنسان يستطيع أن يدخل ملكوت الله إذا كرَّس كل قواه لإرضاء الله وإتمام نواميسه.
٢٤: فلما سمع ذلك بقية التلاميذ غضبوا على الآخرين؛ لأنهما يطلبان أن يُساويا المعلم ليكونا في مقدمة التلاميذ.
٢٥: فدعاهم إليه يسوع، وقال للتلميذين على مسمع الآخرين: إنكما تغلطان إذا كنتما تطلبان مساواتي لكي تنالا الرئاسة على التلاميذ، ثم قال للآخرين: وأنتم أخطأتكم لأنكم غضبتم على الآخرين، فإنه لا يتنازع الرئاسة غير ملوك هذا العالم وعظمائه لكي يتسلَّطوا على الأمم.
٢٦: وأما أنتم فلا يكون فيكم هذا، ولكن من أراد أن يكون فيكم كبيرًا؛ فليكن لكم خادمًا.
٢٧: ومن أراد أن يكون فيكم أولًا فليكن بينكم أخيرًا.
مرقص، ١٠: ٤٥: لأن هكذا قضت إرادة الآب بأن ابن البشر يعيش ليس ليُخدَم؛ بل ليَخدِم الجميع ويبذل جسده فداءً عن حياة الروح.
متَّى، ١٨: ١١: وقال يسوع للشعب: إن الآب يسعى لخلاص ما قد هلك، وهو يفرح له كما يفرح الراعي عندما يجد الخروف الضال؛ لأنه إذا ضل خروف فإنه يترك التسعة والتسعين ويمضي يفتش على الضال لينقذه من الهلاك.
لوقا، ١٥: ٨: وأي امرأة إذا أضاعت درهمًا واحدًا أليس أنها تكنس البيت وتطلبه باهتمام حتى تجده؟!
١٠ إن الآب يحب ابنه ويدعوه إليه.
١٤: ٨: وضرب لهم مثلًا آخر؛ فقال: إذا دُعيت إلى وليمة؛ فلا تتكئ في أول المتكئات، فلعلَّه دُعِي إليه من هو أكرم منك.
٩: فيأتي الذي دعاك وإياه ويقول لك: أخلِ الموضع لهذا، فتأخذ لك موضعًا في المتكأ الأخير وأنت خَجِل.
١٠: ولكن إذا دُعيت فامضِ واتكئ في آخر موضع، حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك: ارتفع أيها الحبيب إلى فوق، فحينئذٍ يكون لك المجدُ أمام المُتكئين.
١١: وعليه ففي ملكوت السموات لا محل للكِبْر والسيادة، بل من يرفع نفسه يتَّضع، ومن يضع نفسه (حاسبًا أنه غير أهل) يرتفع.
٥: ١١: وقال: رجل كان له ابنان.
١٢: فقال أصغرهما لأبيه: يا أبتِ، أعطني النصيب الذي يخصني من المال؛ فقسم لكل منهما معيشته.
١٣: فأخذ الصغير نصيبه وسافر إلى بلد بعيد، وبذر ماله هناك؛ فأصبح فقيرًا يشكو الفاقة والاحتياج.
١٥: فانضوى إلى واحد من أهل ذلك البلد، فأرسله إلى حقله يرعى الخنازير.
١٦: وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت تأكله الخنازير فلم يُعطِه أحد.
١٧: فرجع إلى نفسه وافتكر بمعيشته السابقة؛ فندم على فعلته وترْكه والده، وقال: قد نلت عقابي؛ حيث أصبحت آكل مع الخنازير طعامًا واحدًا.
١٨: أقوم وأمضي إلى أبي وأسجد أمام رجليه، وأقول له: إني أخطأت أمامك يا أبتِ، ولست مستحقًا أن أُدْعى لك ابنًا؛ فاجعلني كأحد أُجرائك.
٢٠: فقام وجاء إلى أبيه، وفيما هو بعيد رآه أبوه؛ فأسرع خارجًا لاستقباله، وألقي بنفسه على عنقه وقبَّله.
٢١: فقال الابن: يا أبتِ، قد أخطأتُ أمامك ولستُ مستحقًا أن أُدْعى لك ابنًا.
٢٢: فلم يسمع الأب كلامه، بل من عِظَم فرحه قال لخدمه: هاتوا الحُلَّة الأولى وألبسوه، واجعلوا في يديه خاتمًا وفي رجليه حذاءً.
٢٣: وأتوا بالعجل المُسَمَّن واذبحوه؛ فنأكل ونفرح.
٢٤: لأن ابني هذا كان مَيِّتًا فعاش، وضالًّا فوُجد.
٢٥: وكان ابنه الأكبر في الحقل، فلما أتى وقرب من البيت سمع أصوات الغناء والرقص.
٢٦: فدعا أحد الغلمان وسأله: ما هذا؟
٢٧: فقال له الغلام: قد قدم أخوك؛ فذبح له أبوك العجل المُسَمَّن؛ لأنه لقيه سالمًا.
٢٨: فغضب ولم يُرِد أن يدخل، فخرج إليه أبوه، وطفق يتوسَّل إليه.
٢٩: فأجاب وقال لأبيه: كم لي من السنين أخدمك، ولم أتعدَّ وصيتك قط، وأنت لم تعطني قط جَدْيًا لأتنعَّم مع أصدقائي.
٣٠: ولما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني والسكِّيرين؛ ذبحت له العجل المُسَمَّن.
٣١: فقال له: يا ابني، أنت معي في كل حين، وكل ما هو لي فهو لك.
٣٢: ولكن كان ينبغي أن تتنعم وتفرح؛ لأن أخاك هذا كان مَيِّتًا فعاش، وكان ضالًّا فوُجد.
مرقص، ١٢: ١: ثم قال: رجل غرس كرْمًا وأحاطه بسياج، وعمل كل ما من مُقتضاه يجعل الكَرْم يُعطي أثمارًا كثيرة.
٢: وأرسل إلى الكَرْم عَمَلة ليعملوا في الكَرْم، وعقد معهم شروطًا على دفع الأجرة، وعند أوان الثمر أرسل إلى العَمَلة خادمًا ليأخذ من العَمَلة من ثمار الكَرْم.
٣: فطرد العَمَلة الخادم دون أن يعطوه شيئًا، ولبثوا في الكَرْم يعملون كأنه خاص بهم.
٤ و٥ و٦: فأرسل رب الكَرْم كثيرًا من أخصائه لكي يُنبِّهوا الكرَّامين إلى واجباتهم، فلم يُصغوا إليهم، بل رجموا بعضًا وقتلوا بعضًا، وبقى ابن وحيد له محبوب؛ فأرسله إليهم أخيرًا قائلًا: لعلهم يهابونه إذا نبَّههم إلى واجباتهم.
٧: أما العَمَلة فقالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث، تعالوا نقتله؛ فيصير الميراث لنا، ونستولي على الكَرْم.
٨: فأخذوه وقتلوه وطرحوه خارج الكَرْم.
متَّى، ٢١: ٤٠: فإذا جاء رب الكَرْم فماذا يفعل بالعَمَلة؟
٤١: إنه يطرد أولئك العَمَلة، ويُسْلم الكَرْم إلى عَمَلة آخرين يُؤدُّون إليه الثمر في أوانه.
٤٢: لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمة تستثمر ثمره.
لوقا، ١٧: ٥: ثم قال التلاميذ ليسوع: زِدنا إيمانًا، وأرشدنا إلى ما يُقوِّي إيماننا بحياة الروح؛ حتى يسهل علينا إنكار الجسد.
٦: فقال لهم يسوع: لو كان لكم إيمان كاعتقادكم بأن حبَّة الخردل إذا نمت تصبح شجرة عظيمة، ولو كان لكم إيمان أنه يوجد فيكم بذار الروح الذي ينبت لكم الحياة الحقيقية لما كنتم تسألونني زيادة إيمانكم، الإيمان لا يكون بأن يؤمن الإنسان بأعجوبة تحدث أمامه، وإنما الإيمان يكون بأن يعقل الإنسان ويدرك الحالة التي أفضى إليها ثم يسعى بما يوصله إلى ميناء الخلاص الأمين، فإذا كنت تعرف نفسك وحالك وأعمالك؛ فإنك لا تطلب أجرًا ولا جزاءً، بل تؤمن بما نلته.
٧: من منكم له عبد يحرث أو يرعى، إذا رجع من الحقل يقول له: ادخل سريعًا واتكئ.
٨: ألا يقول له: اعددْ ما أتعشى، ثم بعد ذلك يقول له: اجلس وكلْ واشرب.
٩: فهل عليه أن يشكر ذلك العامل؛ لأنه فعل ما أمر به؟ لا أظن مطلقًا، والعامل إذا كان يدرك أنه عامل فلا يغضب ولا يتكدَّر من أوامر سيده؛ لأنه يعلم أنه فعل ما يجب عليه فعله لينال أُجرته.
١٠: وكذلك أنتم أتموا مشيئة الله كما ينبغي، وقولوا: إننا عملة بطَّالون عملنا ما يجب علينا، ولا تنتظروا أجرًا واكتفوا بما تنالونه؛ مما تستحقون.
لوقا، ١٢: ٣٥ و٣٦: وكونوا مثل رجال ينتظرون سيدهم متى يرجع، حتى إذا جاء، وقرع يفتحون له سريعًا.
٣٧ و٣٨: الرجال لا يعلمون الوقت الذي يعود به سيدهم؛ ولذلك ينبغي عليهم أن يسهروا حتى إذا جاء في أي وقت يستقبلونه؛ فيُحسن إليهم.
٣٩: واعلموا هذا: إنه لو علم رب البيت في أية ساعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته يُنْقَب، فكونوا أنتم أيضًا مستعدين؛ لأن حياة ابن البشر غير محدودة بزمان لأنه ابن ساعته، ولا يعرف بدء ومنتهى حياته.
متَّى، ٢٤: ٤٥ و٤٦: إن حياتنا كحياة ذلك العبد الذي أقامه سيده رئيسًا على بيته، طوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده؛ فيجده يصنع هكذا.
٤٨: ولكن إن قال ذلك العبد: إن سيدي يُبطئ في قدومه، فينسى العمل الذي عهده إليه.
٥٠: فيأتي سيده في يوم لا يظُّنه وساعة لا يعلمها.
٥١: فيطرده طردًا شنيعًا.
مرقص، ١٣: ٣٣: وأما أنتم؛ فلا تيأسوا من رحمة الله، بل اثبتوا في عيشة الروح، فإن حياة الروح غير محصورة في زمان ولا مكان.
لوقا، ٢١: ٣٤: فاحترسوا لأنفسكم: ألا تشتغل قلوبكم في الخلاعة والسُّكْر والهموم المعاشيَّة فتفقدوا ساعة الخلاص؛ لأن وقت الخلاص يشبه فخًّا يُطبق على جميع المقيمين على وجه الأرض؛ ولذلك ينبغي عليكم أن تعيشوا على مثال معيشة ابن البشر.
متَّى، ٢٥: ١: يشبه ملكوت السموات عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس.
٢: خمس منهم عاقلات، وخمس جاهلات.
٣: فأخذت الجاهلات مصابيحهن، ولم يأخذن معهن زيتًا.
٤: وأما العاقلات: فأخذن زيتًا في آنيتهن مع مصابيحهن.
٥: وإذ أبطأ العريس نعسن كلهن ونمن.
٦: ولما جاء العريس.
٧: رأت الجاهلات أن زيتهن قليل.
١٠: فلما ذهبن ليبتعن زيتًا وفد العريس، ودخلت معه العذارى العاقلات المُستعدَّات، وأُغلق الباب في وجه غير المستعدات.
لوقا، ١٣: ٢٤: ولذلك فاجتهدوا في الحال لكي تدخلوا في حياة الروح، وإذا لم تجتهدوا فلا تدخلونها.
متَّى، ١٦: ٢٧: لأن ابن البشر سيظهر لكل إنسان.
متَّى، ٢٥: ٣٢: وعلى ذلك؛ فالناس ينقسمون إلى قسمين حسب خدمتهم لابن البشر، وبحسب أعمالهم يقسمون إلى قسمين، كما يفصل الراعي الخراف عن الجِداء، فيهلك بعضها ويبقي على البعض الآخر.
٣٤: أولئك الذين خدموا ابن البشر ينالون ما أُعِدَّ لهم منذ ابتداء العالم، وهي الحياة التي حفظوها، فإنهم أطعموا الجائع وكسوا العريان، وأضافوا الغريب، وزاروا المسجون.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل التاسع العثرات
إن عثرات الحياة الدنيوية الحاضرة تُبعد الناس عن الحياة الحقيقية وتُخفيها عنهم، فلا تُمكِّنهم من الاتِّحاد مع الآب. (واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه.)
فحوى الفصل التاسع
الإنسان يُولد في هذا العالم ليُرضي الله، ويسير بحسب وصاياه، فينال الحياة الخالدة. إن الأولاد الصغار هم في الحقيقة أطهار لا يتعدُّون حدود وصايا الآب، وإذا أراد أحد أن يفهم تعليم يسوع ينبغي عليه أن يُوجِّه التفاته إلى حياة الأولاد، ويجتهد أن يكون مثلهم في سيرهم وأعمالهم، فالأولاد يعيشون دائمًا أبدًا عيشة صالحة، ويُتمِّمون إرادة أبيهم ولا يتعدون الخمس وصايا، ولا يخطر على بالهم تعديها، لولا أن الكبار يسببون لهم العثرات فيقودونهم بأيديهم إلى الهلاك، وبعلمهم هذا لا يفرقون في شيء عن رجل علَّق بعنق رجل آخر حجر الرحى وألقاه في البحر، ولولا العثرات لسادت السعادة في العالم، ولكنها تجلب عليه التعاسة والشقاء، أما العثرات فهي الشر الذي يرتكبه الناس ليحصلوا بواسطته على خيرات هذه الحياة الدنيا، ولكنها تُفضي بهم أخيرًا إلى الهلاك، فيجب على كل واحد أن يبذل كل مرتخص وغالٍ في سبيل تجنب العثرات وعدم السقوط بها.
إن أعظم عثرة للناس ضد الوصية الأولى، هي أن كل واحد يعدُّ نفسه أعلى منزلة من الآخرين وأرفع شأنًا من الغير، وأنهم جميعًا دونه مقامًا ومرتبة، وما على الناس لكي يتجنَّبوا السقوط فيها إلا أن يذكروا دائمًا أنهم مديونون للآب، وأنهم يستطيعون وفاء هذا الدَّين إذا غفروا سيئات إخوانهم؛ وعليه: فيجب على الناس أن يغفروا سيئات الآخرين دون أن يهتمُّوا بأنه ربما يعود هؤلاء ويُسيئون إليهم مرة أخرى أو مرات عديدة، ومهما أُسِيء إلى الإنسان ينبغي عليه أن يغفر ويسامح ولا يذكر الشر؛ لأن ملكوت السموات مُستطاع مع الغفران، فإذا لم نغفر للغير نفعل كذلك المديون دينًا عظيمًا الذي جاء سيده الدائن وطلب إليه أن يرحمه، فرثى السيد لحاله وترك له الدين جميعه، فذهب المديون وضايق مديونًا آخر له بدين قليل، فماذا يفعل السيد إذا سمع بفعلته؟ وهكذا نحن، فإننا نطلب الغفران من الآب، فإذا لم نغفر لغيرنا سيئاتهم فلا يغفر لنا أبونا سيئاتنا.
والعثرة ضد الوصية الثانية، هي أن الناس يزعمون أن المرأة خلقت لأجل شهوات الجسد وملذَّاته، فإذا ترك الإنسان امرأته وأخذ غيرها يحصل على ملذَّات أعظم، ولكي نتجنب هذه العثرة ينبغي علينا أن نعرف بأن إرادة الله لا تكون بتمتُّع الإنسان بملذَّات المرأة، بل هي تقضي بأن الإنسان إذا اختار امرأة أن يلتصق بها حتى يصبح الاثنان جسدًا واحدًا، وإرادة الله تقضي بأن يكون لكل رجل امرأة، ولكل امرأة رجلًا، فإذا حافظ كل رجل على امرأته ولم يعرف غيرها فيصبح لجميع الرجال نساء، ولجميع النساء رجالًا؛ ولذلك: فإن الذي يُغيِّر زوجته يحرم المرأة رَجُلها، ويدعو رجلًا آخر لكي يترك زوجته ويتزوج المطلقة أو المهجورة، يجوز للإنسان أن يستغني عن المرأة، ولكن لا يصح له أن يُطلِّق امرأته بتاتًا، ثم إن العثرة المضادة للوصية الثالثة هي: أن الناس لكي يتمتَّعوا بالسيادة والسعادة أسَّسوا على الأرض الحكومات، ويطلبون من الناس أن يقسموا الأقسام بطاعة الحُكَّام والسير على نواميس المملكة، ولكي نتجنب هذه العثرة يجب علينا أن نفقه ونُدرك بأننا أحرار، وليس نحن بسلطة أحد ولا نخضع إلا لسلطة الآب السماوي الذي وهبنا الحياة.
وينبغي على الناس أن ينظروا إلى مطالب الحُكَّام وأوامرهم كإلى قوة شديدة تفوق قوتهم ولا يستطيعون مقاومتها، وطبقًا لنصوص الوصية الآمرة بعدم مقاومة الشرِّ بالشرِّ يتحتَّم عليهم أن يُتمِّموا مطالب الحكومات التي لا همَّ لها سوى سلب أملاك رعاياها وابتزاز أموالهم التي يحصلونها بعرق جبينهم وكدِّهم ونَصَبهم، وإنما لا يجوز لهم أن يقرنوا إتمام تلك الأوامر بحلف الأيمان التي هي من أعمال الشر، والشر لا يلد إلا الشر.
ولا يخفى أن الإنسان المسلم أمره إلى الله والخاضع لسلطانه لا يستطيع أن يعد أنه يفعل كذا ويعمل كذا.
إن العثرة التي يتعدى بها الناس الوصية الرابعة هي: أنهم عندما يستولي عليهم الغضب ويجنحون إلى الشر والانتقام يزعمون أنهم بذلك يُصلحون ما فسد من أخلاق الناس وأعمالهم، يتوهَّم البشر، بل ويُرجِّحون بأنه إذا أهان أحد آخر أو تعدى عليه يجب الانتقام من المعتدي ومعاقبته ومحاكمته لينال جزاء ما اقترفت يداه أو لسانه، وما على الناس لتجنب هذه العثرة إلا أن يذكروا أنهم وُجِدوا ليس لمحاكمة بعضهم، بل لإنقاذ إخوانهم من وهدة المصائب، وأنه لا تجوز لهم محاكمة الآخرين لمجرد ارتكابهم بعض الذنوب وهم مُعرَّضون في كل آونة لاقتراف أعظم منها، بل إنهم كلهم تائهون في بيداء الضلال، ويُطَلب منهم القيام بأمر واحد، وهو أن يكونوا للغير مثال الكمال والتسامح والمحبة.
وأما العثرة التي تقود الناس إلى تعدي الوصية الخامسة: هي أن الناس يزعمون أنه يوجد فرق جسيم بين أهل وطنهم والناس الأغراب والأجانب، وعلى ذلك يجب عليهم اتقاء شرِّ الأجانب والإضرار بهم إذا مكَّنتهم الظروف.
ومتى يتجنب الناس الوقوع في هذه العثرة ينبغي أن يعلموا بأن جميع الوصايا ترمي إلى غرض واحد أو أنها كلها مجموعة في وصية واحدة، وهي إتمام مشيئة الآب الذي أعطى الحياة والخير لجميع البشر؛ ولذلك ينبغي على كل واحد أن يصنع الخير لجميع الناس بقطْع النظر عن الجنس؛ حتى مع وجود بعض الناس الذين يُفرِّقون بين الغريب والقريب، ووجود بعض الأمم التي تشهر الحروب على الأمم الأخرى، وتسفك دماء رجالها هدرًا، وينبغي على كل إنسان ألا يوجِّه التفاته إلى ذلك، ولا يُعلِّق عليه كبير أهمِّية، بل ما عليه إذا شاء إرضاء الآب إلا أن يصنع الخير لكل إنسان ولو كان من أُمَّة غريبة واشترك في حرب ضد أمته ووطنه.
ثم ينبغي على الإنسان لكي لا يسقط في ضلالات هذا العالم ألا يفتكر مطلقًا بالأمور الدنيوية، ولا يعتني بشهوات الجسد، بل يوجه التفاته وفكره إلى الأشياء الروحية العلوية السامية، وإذا أدرك بأن الحياة الحقيقية لا تنال إلا إذا أتم في الحال إرادة الله، فلا يرهب مع ذلك الموت ولا العذابات ولا الاضطهاد، ولا ولا … إلخ إلخ، ولا ينال الحياة الخالدة إلا ذاك الذي في كل ساعة يكون مُستعدًّا لتضحية حياته الأرضية على مذبح إرضاء الآب وإتمام إرادته، ثم قال يسوع بشأن الحياة الخالدة التي لا يُبيدها الموت ولا يفنيها الفناء ما مؤداه: لا ينبغي أن نفهم بأن الحياة الخالدة تُشبه الحياة الحاضرة، وأنها محصورة في زمان أو في مكان؛ لأن الحياة في سلطان الله غير مُقيَّدة بمكان أو زمان؛ لأن الذين أقبلوا على الحياة الحقيقية يعيشون حسب مشيئة الآب غير المحصورة في زمان أو مكان، وإذا ماتوا من أجلنا فهم أحياء لله؛ ولذلك فإن جميع الوصايا محصورة كلها في وصية واحدة، وهي أن يحب الناس بكل قواهم أصل الحياة؛ ولذلك فإن كل إنسان يحمل في نفسه هذا الأصل.
ثم قال يسوع: إن أصل هذه الحياة هو المسيح الذي تنتظرونه، وإن كلمة أصل الحياة ليست مُعيَّنة لأشخاص معلومين، بل إنها تُعطى لجميع أبناء البشر، وكل ما يُخفي هذه الكلمة عن الناس ويُبعدهم عن تناولها فهو عثرة وضلال، ويجب عليكم أن تحذروا غِش الكَتَبة، ولا تسمعوا أقوالهم، واحذروا غِش الحكام وأرباب السلطات ولا تتَّكلوا عليهم، واحذروا غِش معلمي الناموس الذين يدعون أنفسهم فريسيِّين فاحذروهم كثيرًا؛ لأنهم يدعون دعوة باطلة، وأدخلوا على الدين عقائد كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، ويجتهدون لتعليمكم إياها وإبعادكم عن الله الحقيقي، فهم بدلًا من أن يعبدوا إله الحياة بالفعل قد وضعوا كلامًا كثيرًا يُعلِّمونه للناس ولا يعملون شيئًا، فاسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم؛ لأن الله يطلب العمل وليس الكلام، ولا يستطيع الإنسان أن يتعلم منهم شيئًا لأنهم أنفسهم لا يعرفون شيئًا، وإنما هم اتخذوا التعليم حرفة لتنفيذ أغراضهم ومآربهم الذاتية والحصول على ما يتمنَّون في هذه الحياة الدنيا، ويجب عليكم أن تعلموا أنه لا يستطيع أحد أن يدعو نفسه معلِّمًا للآخرين؛ لأن مُعلِّم الناس هو واحد فقط رب الحياة، أو بعبارة أخرى: كلمة الحياة؛ ولذلك فإن هؤلاء المعلمين الكَذَبة بدعوتهم تعليم الناس يضلون عن الحق ويُضلون غيرهم عنه؛ لأنهم يعلمون الناس أن يعبدوا إلههم بالطقوس الخارجية، ويزعمون أنهم بإقسامهم وحلفهم اليمين يجلبون الناس إلى الإيمان وهم مشغولون دائمًا أبدًا بالتظاهر فقط بالقداسة الخارجية، ولا ينظرون إلى ما في القلوب، فهم كالقبور المُزيَّنة من الخارج ولكنها من الداخل مملوءة نجاسة، وهم بالكلام يُكرمون الشهداء والقديسين الذين اضطُهدوهم وقتلوهم من ذي قبل، وهم ما زالوا إلى الآن يقتلون القدِّيسين، وجميع العثرات تأتي بسببهم إلى العالم؛ لأنهم يدسُّون السم في الدَّسَم ويعملون الشر باسم الصلاح، وعثرتهم هي أساس العثرات؛ لأنهم هزءوا بما هو مقدس في العالم، وسيبقون على ضلالهم إلى أجل غير مسمًى، ويستمرون في فعل الشر وارتكاب المحرمات ويقودون الناس إلى الضلال والشرور ولكنه سيأتي وقت تُهدم فيه جميع الهياكل وتزول عبادة الله الخارجية، ولا يبقى أثر للطقوس، وحينئذٍ يُدرك الناس الحقيقة ويتَّحدون جميعًا بالمحبة والإخاء وعبادة الله بالروح.
متَّى، ١٩: ١٣: فقدموا إلى يسوع مرَّة أولادًا، غير أن تلاميذه جعلوا يطردونهم.
١٤: فقال يسوع: لا تطردوهم؛ لأنهم هم أحسن الناس وأعظمهم صلاحًا، ولمثلهم ملكوت السموات فقط.
لوقا، ١٨: ١٧: لا ينبغي عليكم أن تطردوا الأولاد، بل يجب أن تتعلموا منهم؛ لأن من يريد أن يُتمم مشيئة الله يجب أن يكون في سيره وأعماله كالأولاد الذين دائمًا أبدًا يسيرون حسب منطوق الخمس وصايا التي علَّمتكم إياها، فالأولاد الصغار لا يشتمون أحدًا، ولا يصنعون الشر للناس، ولا يضلونهم ولا يحلفون بشيء، ولا يقاومون الشر، ولا يُفرِّقون بين القريب والغريب؛ ولذلك فهم أعظم من الكبار في ملكوت السماء.
متَّى، ١٨: ٣: الحق أقول لكم: إنكم إذا لم تنكروا جميع عثرات الجسد وتصيروا كالأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات.
٥: ومن يفهم أن الأولاد أحسن منا حالًّا؛ لأنهم لا يتعدون وصايا الله، ذلك فقط يفهم تعليمي.
لوقا، ٩: ٤٨: ومن يعمل حسب تعليمي ذلك يُتمِّم مشيئة الآب.
متَّى، ١٨: ١٠: لا يجوز لنا احتقار الأولاد؛ لأنهم أحسن منا، وقلوبهم أطهر منا أمام الآب؛ ولذلك فهم معه دائمًا.
٢٤: ليست مشيئة الآب أن يهلك أحد هؤلاء الصغار، بل إذا هلك أحدهم فإن ذلك يكون بواسطة الناس الذين يضلونهم ويخدعونهم.
١٦: ولذلك ينبغي أن تحافظوا عليهم، ولا تنزعوهم عن إرادة الله والحياة الحقيقية، فإذا خَدَعْنا الأولاد وقُدناهم إلى الضلال نكون كأننا علَّقنا في أعناقهم أحجارًا وطرحناهم في البحر فيغرقون.
٧: ويل للعالم من العثرات؛ فلا بد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي تأتي بسببه العثرة.
٨: ولذا ينبغي على كل واحد أن يضحي بكل شيء ويبذل النفس والنفيس، حتى لا يسقط في العثرات، فإذا أعثرتك يدك فاقطعها ولا تحسب لها حسابًا.
لوقا، ١٧: ٣: احترزوا من أن تتعدوا الوصية الأولى عندما الناس يعملون لكم الشر وتقصدون الانتقام منهم.
متَّى، ١٨: ١٥: فإذا أخطأ إليك إنسان فاذكر أنك وإياه ابنان لأب واحد، فإذن هو أخوك، وإذا أخطأ إليك وأهانك بشيء فاذهب إليه وعاتبه وجهًا لوجه، فإذا سمع منك فقد ربحته.
١٦: وإن لم يسمع منك فخذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين لكي يعاتباه معك.
لوقا، ١٧: ٣ و٤: فإن تاب فاغفر له، وإن أخطأ إليك سبع مرات في اليوم، ورجع إليك سبع مرات في اليوم قائلًا: أنا تائب؛ فاغفر له.
متَّى، ١٧: ١٨: وإذا لم يسمع منك فقل لجماعة المؤمنين بتعليمي، وإن لم يسمع من الجماعة فاغفر له واتركه وشأنه، ولا تكن لك به علاقة بعد.
٢٣: لأن ملكوت السموات تشبه إنسانًا مَلكًا أراد محاسبة عبيده.
٢٤: فلما ابتدأ في المحاسبة قدم إليه واحد مديون بعشرة آلاف دينار.
٢٥: وإذ لم يكن له ما يُوفي أمر سيده أن يُباع هو وامرأته وأولاده وكل ماله ويُوفي الدين.
٢٦: فأخذ العبد يسترحم سيده ليُشفق عليه.
٢٧: فتحنَّن سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدَّين.
٢٨: ولما خرج هذا العبد وجد واحدًا من العبيد، رفقائه، كان مديونًا له بمائة دينار؛ فأمسكه، وأخذ بعنقه قائلًا: أوفني ما لي عليك.
٢٩: فخر العبد رفيقه على قدميه، وطلب إليه قائلًا: تمهل عليَّ فأوفيك الجميع.
٣٠: فلم يرد؛ بل مضى وألقاه في سجن حتى يُوفي الدَّين.
٣١: فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان، ذهبوا إلى سيدهم الملك، وقصُّوا عليه كل ما جرى.
٣٢: فدعاه سيده، وقال له: أيها الكلب الشرير، كل ذلك الدَّين تركتُه إليك لأنك طلبت إليَّ.
٣٣: أفما كان ينبغي أنك أنت ترحم العبد رفيقك كما رحمتُك أنا؟!
٣٤: وغضب سيده، وسلمه إلى المُعذِّبين ليعذبوه؛ حتى يُوفي كل ما كان عليه.
٣٥: وهكذا يفعل الآب بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلَّاته.
متَّى، ٥: ٢٥: أنت تعلم أنك إذا تخاصمت مع رجل، خير لك أن تصطلح معه في الطريق قبل أن تصل إلى القاضي لعلمك بأنك إذا وصلت معه إلى القاضي تخسر كثيرًا، وهكذا أفعل بكل شر؛ لأنك تعلم أن الشر أمر قبيح يُبعدك عن الآب، فابتعد أنت عن الشر وسالِم الكل.
١٨: ١٨: أنتم تعلمون تمام العلم أن كل ما ترتبطون به على الأرض تظهرون به أمام الآب، ولكنكم إذا حللتم نفوسكم من عِقال الشر على الأرض فتظهرون كذلك أمام الآب وتكونون أطهارًا محلولين من الآثام.
١٩: وأقول لكم أيضًا: إذا اتَّفق اثنان أو ثلاثة على الأرض على تعليمي، فإنهم ينالون كل ما يطلبون من أبيهم.
٢٠: لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسم الروح في الإنسان، فإن روح الإنسان يحل فيهم ويكون بينهم.
متَّى، ١٩: ٣؛ ومرقص، ١٠: ٢: احترزوا من العثرة التي تقودكم إلى تعدِّي الوصية الثانية، وهي تغيير النساء.
متَّى، ٣: وجاء إلى يسوع الفريسيُّون ليُجرِّبوه قائلين له: هل يحل للرجل أن يُطلق امرأته؟
٤: فأجاب وقال لهم: لقد قضت إرادة الآب منذ البدء بأن يخلق الإنسان ذكرًا وأنثى.
٥: ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا، فتصبح المرأة للرجل كأنها جسدٌ له.
٦: ولذلك لا ينبغي على الإنسان أن يتعدَّى ناموس الله الطبيعي ويُفرِّق ما جمعه.
٨: حسب ناموسكم أو ناموس موسى يحل للرجل أن يترك امرأته ويتزوج بغيرها، ولكن ذلك غير صحيح؛ لأن مشيئة الله ليست كذلك.
٩: وأما أنا فأقول لكم: إن من يترك امرأته يسوقها إلى الزنا هي ومن يرتبط معها، وبواسطة تركه امرأته يوجد الزنا والضلال في العالم.
١٠: فقال تلاميذه: يصعب كثيرًا على الإنسان أن يعيش العمر مع امرأة واحدة، وخير له ألا يتزوج.
١١: فقال لهم: يجوز للإنسان ألا يتزوج، ولكن يجب إيضاح ذلك إيضاحًا وافيًا.
١٢: إذا شاء أحد ألا يتزوج مطلقًا؛ فإنه يفضُل الذي يتزوج؛ لأنه يبقى طاهرًا بعدم ملامسته النساء، ولكن من يحب المرأة فعليه أن يكتفي بواحدة، ولا يلتصق بغيرها، ولا يُغازل النساء.
متَّى، ١٧: ٢٤: وتقدَّم مرة جُباة الأموال الأميرية إلى بطرس، وسألوه: ألعلَّ مُعلِّمكم لا يدفع الضريبة؟
٢٥: فأجابهم بطرس: كلا، لا يدفع، ثم أخبر يسوع بذلك قائلًا: إنهم يطلبون منه الضريبة أُسوة ببقية الأهالي.
٢٦: حينئذٍ قال له يسوع: إن الملك لا يأخذ الجباية من بنيه، ونحن بما أننا أبناء الله؛ فإننا لسنا مديونين لأحد غير الله بشيء، فنحن إذن أحرار من جميع السلطات ولسنا مضطرِّين أن ندفع شيئًا.
٢٧: ولكنهم إذا كانوا يطلبون منك الجباية فادفع لهم، ليس لأنك ملزوم بدفعها، بل لكيلا تقاوم الشر؛ لأنه كما لا يخفاك أن مقاومة الشر تجلب المصائب العظيمة.
٢٢: ١٦: واتَّفق الفريسيُّون والهيرودسييون أن يصطادوه بكلمة، فجاءوا إليه، وقالوا له: يا معلم، نحن نعلم أنك صادق تُعلِّم الناس الحق.
١٧: فقل لنا: ماذا تظن؛ أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟
١٨: فأدرك يسوع أنهم يريدون أن يصادروه ليحاكموه بأنه غير خاضع لقيصر.
١٩: فقال لهم: أروني معاملة الجزية، فقدَّموا له دينارًا.
٢٠: فنظر إلى الدينار وقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟
٢١: فقالوا له: لقيصر، فأجابهم: إذن أعطوا ما لقيصر لقيصر، وأما أنفسكم التي لله فلا تعطوها لأحد سواه، ويجوز لكم أن تعطوا كل من يطلب منكم أموالكم وعقاركم وكل ما تملكون.
متَّى، ٢٣: ١٦: إن معلميكم الفريسيِّين يطوفون البر والبحر ليكسبوا دخيلًا واحدًا ليعلِّموه تعاليمهم الفاسدة، ويأخذون عليه العهود بأنه يتمم ناموسهم، ولكنهم بأعمالهم هذه يُضلُّون الناس، وتكون ضلالتهم الأخيرة أشر من الأولى.
١٦ و٢٢: لا يستطيع أحد أن يعد بجسده عن نفسه؛ لأن الله في نفوسكم ولا يستطيع الناس أن يحلفوا للناس ويعدوهم بأمور ما داموا لا يعرفون ساعتهم.
لوقا، ٩: ٥٢: دخل مرة تلاميذ يسوع إلى قرية، وطلبوا أن يبيتوا فيها.
٥٣: فلم يقبلهم أهلها.
٥٤: فجاء التلاميذ إلى يسوع، وشكوا له من ذلك، وقالوا: فلتنزل نار من السماء وتأكلهم.
٥٥: فقال لهم يسوع: إنكم للآن لم تعلموا: من أي روح أنتم؟
٥٦: إني لا أُعلِّم ما يُهلك الناس، بل بالعكس أُعلِّمهم إلى ما يرشدهم إلى طريق الخلاص.
١٢: ١٣: جاء إلى يسوع رجل، وقال له: قل لأخي أن يُقاسمني الميراث.
١٤: قال له يسوع: من أقامني عليكما قاضيًا أو مُقسِّمًا؟! إني لا أحاكم أحدًا.
١٥: فاحذروا كلكم لئلا تُحاكموا أحدًا لأنكم لا تقدرون على ذلك.
يوحنا، ٨: ٣: فقدَّم الفريسيُّون ليسوع امرأة وقالوا.
٤: إن هذه المرأة أُمسِكت في زنا.
٥: وحسب الناموس ينبغي أن تُرجم بالحجارة، فما قولكَ في ذلك؟
٦: أما يسوع فلم يُجبهم بشيء، وانتظر ريثما يتبصَّرون في ذلك.
٧: أما هم فجعلوا يُلحُّون عليه أن يُجيبهم عمَّا يجب فعله في المرأة، وكيف ينبغي أن يُحكم عليها، حينئذٍ قال لهم: من كان منكم بغير خطيئة فليرجمها أولًا بحجر.
٨: ولم يقُل شيئًا غير ذلك.
٩: حينئذٍ جعل الفريسيُّون ينظرون إلى بعضهم بعضًا، ثم أخذوا يخرجون الواحد تلو الآخر، وبقيت المرأة وحدها أمامه.
١٠: ولما أبصر أنه لم يبقَ أحد قال للمرأة: أين أولئك المُشتكون عليكِ؟ أما أدانكِ أحد منهم؟
١١: فقالت له المرأة: كلا، فقال لها: وأنا لا أُدينكِ أيضًا، امضي، ولا تُخطئي فيما بعد.
لوقا، ١٠: ٢٥: وجاء إليه ناموسي ليُجرِّبه، وقال له: ماذا أصنع لأرث الحياة الأبدية؟
٢٧: فقال له يسوع: أنت تُعلِّم حِبَّ أباك الله وأخاك بالله من كل قلبك، ولا تُفرِّق بين الوطني والأجنبي؟
٢٩: فقال الناموسي: إن هذا أمر حسن لو لم يكن في العالم شعوب كثيرة، فكيف أستطيع أن أحب أعداء أُمتي؟
٣٠: فقال له يسوع: رجل يهودي وقع بين لصوص؛ فعرُّوه وجرحوه وتركوه بين حيٍّ وميت وسط الطريق.
٣١: فاجتاز به رجل يهودي، فلما رآه أعرض عنه ومضى في طريقه.
٣٢: وكذلك لاوي يهودي إذ صار عند المكان جاء ونظره وجاز مقابله.
٣٣: ثم اجتاز في الطريق رجل سامري من أشد أعداء اليهود، فلما رأى اليهودي يختبط بدمائه رثى لحاله، ولم يفكر بالعداوة المُتأصِّلة بين اليهود والسامريين.
٣٤: بل تقدَّم إليه، وغسل جراحاته وضمَّدها، وحمله على حماره حتى أوصله إلى فُنْدق في الطريق.
٣٥: ودفع دراهم لصاحب الفندق وقال له: اعتنِ به، ومهما أنفقت، فعند عودتي أوفيك إياه.
ثم قال يسوع للناموسي: افعل مثل هذا مع الغرباء، حينئذٍ تنال الحياة الأبدية.
متَّى، ١٦: ٢١: قال يسوع: إن العالم يحب خاصته، ولكنه يبغض الذين هم خاصة الله؛ ولذلك فإن أهل هذا العالم كالكتبة والكهنة والرؤساء سيُعذبون كل من يتمم إرادة الله، وها أنا ماضٍ إلى أورشليم؛ فسيعذبونني ويقتلونني، ولكن روحي لا يستطيع أحد إهلاكها أو قتلها فتبقى حية إلى الأبد.
مرقص، ٨: ٣٢: فلما سمع ذلك بطرس قبض على يد يسوع، وقال له: إذا كان الأمر كذلك؛ فلا لزوم لذهابك إلى أورشيلم.
٣٣: فقال يسوع: لا تقل مثل هذا الكلام؛ لأنه غِشٌ وعثرة لي، فإذا كنت تحسب حسابًا لعذابي وموتي فذلك دليل على أنك لا تفتكر بما هو لله والروح، بل تفتكر أكثر بالإنسان والجسد.
٣٤: ثم دعا يسوع الشعب وتلاميذه؛ وقال لهم: إن من يريد أن يسير بحسب تعليمي يجب عليه أن ينكر جسده ويكون مستعدًّا لاحتمال جميع الآلام والعذاب، وأن من يحسب حسابًا لحياته الجسدية ذلك يخسر الحياة الحقيقية، ومن يهلك جسده ينالها.
متَّى، ١٢: ٢٣: لكنهم لم يفهموا هذا الكلام، ثم تقدم إليه الصدوقيُّون وشرح لهم معنى الحياة الحقيقية والقيامة من الموت، أو بعبارة أخرى استيقاظ النفس، وكان الصدوقيُّون يعتقدون أن لا حياة للإنسان بعد أن يموت بالجسد.
٢٤: فقالوا له: كيف يستطيع الأموات أن يقوموا من الموت، وإذا قاموا أية بلاد تستوعبهم وكيف يستطيعون أن يعيشوا معًا؟
٢٥: كان عندنا سبعة أخوة تزوج الأول ومات، ثم تزوج امرأته بعد موته أخوه الثاني، ثم الثالث إلى السبعة.
٢٨: فإذا قام هؤلاء السبعة الأموات من الموت، فلمن منهم تكون المرأة؟ لأنها كانت زوجة للسبعة.
لوقا، ٢٠: ٣٤: فقال لهم يسوع: إما أنكم عن قصد تخلطون في كلامكم، أو أنكم لا تدركون معنى استيقاظ الحياة؛ إن الناس في هذا العالم يُزَوِّجون ويتزوَّجون.
أما أولئك الذين حسبوا أهلًا للحصول على الحياة الأبدية والاستيقاظ من الموت لا يُزَوِّجون ولا يتزوَّجون؛ إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا؛ لأنهم يتَّحدون مع الآب.
متَّى، ٢٢: ٣١: جاء في ناموسكم: إن الله قال: أنا إله إبراهيم ويعقوب، وقد قال هذا الإله أيضًا: إن إبراهيم ويعقوب ماتا من أجل الناس، فإذن يكون أولئك الذين ماتوا في هذا العالم من أجل الناس يحيون من أجل الله، فإذا كان يوجد إله وهذا الإله حي لا يموت، فجميع الذين يكونون مع الله لا يموتون؛ فاستيقاظ الحياة هو عبارة عن العيشة في سلطان الله.
٣٤: أما الفريسيُّون؛ فلما سمعوا ذلك لم يجدوا عليه حُجة يمسكونه بها، فاجتمعوا جميعًا، واتَّفقوا على تجربته معًا.
٣٦: فقال له واحد من الفريسيِّين: يا معلم، أية وصية هي العُظمى في الناموس؟ زاعمًا أن يسوع لا يُحسن الجواب على سؤاله.
٣٧: فأجابه يسوع: تحب الرب إلهك من كل نفسك ومن قلبك؛ لأنك عائش في سلطانه، والوصية الثانية تُشتَق منها وهي.
٣٩: تحب قريبك كذلك؛ لأن الرب حالٌّ فيه.
٤٠: وهاتان الوصيتان تتضمنان جميع ما كُتِب في ناموسكم.
٤٢: وسألهم يسوع أيضًا: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود.
٤٣: فحينئذٍ قال لهم: كيف داود يدعو المسيح ربًّا، فالمسيح إذن ليس هو ابن داود، وليس هو ابن أحد بالجسد، بل المسيح هو ذلك الرب سيدنا الذي نعرفه في نفوسنا، أو بتعبير آخر: إنه هو الكلمة الموجودة فينا.
لوقا، ١٢: ١: ثم قال يسوع: تحذَّروا من خمير الفريسيِّين المعلمين، ومن خمير الصدوقيِّين والحكام أيضًا.
متَّى، ٢٣: ٣: لأنهم يُعلِّمون الناس أن يفعلوا كيت وكيت، وهم لا يعملون شيئًا من أعمال الصلاح؛ بل يقولون كثيرًا.
٤: فإنهم يحزمون أحمالًا ثقيلة عسرة الحَمْل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يُحرِّكوها بأصبعهم.
٥: وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس فيعرضون عصائبهم ويُعظِّمون أهداب ثيابهم ويحبون المُتَّكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع.
٨: واعلموا أنه لا يستطيع أحد أن يدعو نفسه مُعلمًا.
١٣: أما الفريسيُّون؛ فيدعون نفوسهم مُعلِّمين، ثم يُغلِقون ملكوت السموات قُدَّام الناس، فلا يدخلونه ولا يدعون الداخلين يدخلون.
١٥: لأنهم يظنون أنهم بالأقسام والطقوس الخارجية يقودون الناس إلى الله.
١٦: فهم كالعميان لا يبصرون بأن الأمور الخارجية لا تُفيد شيئًا، وأن كل شيء موجود في نفس الإنسان.
٢٣: فقد اختاروا إتمام الأمور السهلة، وتركوا أعمال الصلاح الصعبة، وهي الرحمة والمحبة والحق.
٢٨: هم يتراءون أمام الناس أنهم سائرون حسب الناموس، ولكنهم بالحقيقة هم على خِلاف ذلك.
٢٩: فهم يُشبهون قبورًا مُبيَّضة تظهر من خارج جميلة، وهي من داخل مملوءة بكل نجاسة.
٣٠: وهم بالظاهر يحترمون القدِّيسين والشهداء.
٣١: ولكنهم في الحقيقة ونفس الأمر هم هم يقتلون ويعذبون القدِّيسين الأبرار، فهم كانوا ولم يزالوا أعداء لكل صلاح؛ لأنهم أساس الشر في العالم، وهم يُخفون الصلاح ويُظهرون الشر.
مرقص، ٨: ٢٣: أنتم تعلمون: أنه يجوز إصلاح كل غلطة يغلطها الناس.
٢٩: ولكن إذا كان الناس يغلطون في الحق الواضح ويُكابرون في غلطهم، فلا يمكن إصلاح هذه الغلط الفادح.
متَّى، ٢٣: ٢٧: ثم قال يسوع: إني قصدت هنا في أورشليم أن أجمع بين الناس لكي يتَّحدوا بكلمة الحق، ولكن أهل هذا البلد لا يعرفون سوى قتل معلمي الحق والصلاح.
٢٨: ولذلك فإنهم يبقون على ضلالهم ولا يعرفون الإله الحقيقي حتى يُقبلوا على اتخاذ كلمته ومحبتها.
٢٤: ١: ثم خرج ومضى يسوع من الهيكل، فقال له تلاميذه: ماذا تقول عن هذا الهيكل الفخيم وجميع مفروشاته الفاخرة التي يقدمها الناس فيه لله.
٢: فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم: إنه سينقض، ولا يُترَك منه حجر على حجر.
٣: لأنه يوجد هيكل واحد هو هيكل الله الحقيقي، وهو قلوب الناس، على شرط أن تحب بعضها بعضًا، ثم: سألوه متى يقوم هذا الهيكل؟
٤: فقال لهم يسوع: لا يكون ذلك في وقت قريب؛ لأن الناس سيلبثون طويلًا على ضلالهم ولا يعلمون حسب تعليمي، وستحدث من أجل ذلك حروب هائلة ومصائب عظيمة.
١٢: وتبرد المحبة كثيرًا في القلوب وتحدث اضطرابات شديدة.
١٣: ولكن عندما ينتشر التعليم الحقيقي في العالم حينئذٍ ينقطع الشر وتنتهي المصائب.
إنجيل تولستوي وديانته |
الفصل العاشر محاربة العثرات
ينبغي على الإنسان لكي ينجو من الشر أن يكون في كل ساعة مُتَّحدًا مع الآب. (ولا تُدخِلنا في التجربة.)
فحوى الفصل العاشر
تحقَّق اليهود أن تعليم يسوع يُزعزع أركان المملكة وينقض أساس الدين، ويقلب الأمة ظهرًا لبطن، ثم إنهم أبصروا من جهة أخرى أنه ليس في استطاعتهم دحض تعاليمه أو مقاومتها؛ ولذلك فقد قرَّروا فيما بينهم أن يقتلوه؛ ولكنهم لم يجدوا ذنبًا يستحق عليه الموت، فتربَّصوا بُرهة طويلة يفتكرون في الأمر، وأخيرًا: وجد رئيس الكهنة قَيَافَا مخرجًا من ذلك الانتظار، وافتكر بأمر يحكم به على يسوع بالقتل ولو كان بريئًا، فقال: نحن لا يهمنا أن ننظر؛ هل هذا الرجل مُجرم أم بريء؟ وإنما ينبغي علينا: أن ننظر في أمر آخر أعظم من ذلك أهمية، وهو: هل نريد أن يبقى الشعب الإسرائيلي شعبًا خاصًّا منفردًا عن بقية الشعوب؟ أم نريد أن يهلك ويتشتت في طول البلاد وعرضها، وستلعب أيدي التفريق بين هاته الأُمة وتُمزِّق شمل اجتماعها إذا لبث هذا الرجل يسوع ينشر بينها تعاليمه؛ فإذن يجب علينا أن نقتله، فلما سمع الكهنة والشيوخ كلام قَيافَا صادقوا عليه، ثم أصدروا قرارًا عليه وحكموا بصحته، ثم أصدروا قرارًا أنه ينبغي قتل يسوع، وأصدروا منشورًا إلى ساكني أورشليم يطلبون منهم أن يُلقوا القبض على يسوع عندما يحضر إلى مدينتهم.
ومع أن يسوع علم بذلك تمام العلم، فقد حضر على عيد الفِصْح إلى أورشليم، واجتهد تلاميذه لإقناعه بالعدول عن ذلك، أما هو فقال لهم: كل ما يريد أن يصنعه بي الفريسيُّون، وما يستطيع فعله جميع الناس بي ذلك لا يُزعزع عقيدتي بالحق.
أنا أعلم: أين أنا؟ وإلى أين أمضي؟ ولا يخاف إلا ذلك الذي لا يعرف الحق وهو معذور؛ إذا ارتاب وحسب للأمور حسابًا وأخذ حذره من الناس، ولا يعثر في الطريق غير الأعمى الذي لا يُبصر نور الشمس.
وفيما هو ماضٍ إلى أورشليم عرَّج في طريقه على قربة بيت عَنْيا؛ حيث قبلته امرأة اسمها مريم وسكبت على رأسه قارورة طِيب كثير الثمن، وإذ علم يسوع أنه سيموت في أورشليم موتًا جسديًّا قال لتلاميذه عندما وبَّخوا مريم لأنها سكبت ذلك الطِّيب عليه: إنها إنما فعلت ذلك لتعُدَّ جسدي للدفن.
ولما خرج يسوع من بيت عَنْيا ومضى إلى أورشليم، استقبله جمهور عظيم من الناس وساروا وراءه، وقد حرَّض هذا الأمر رؤساء الكهنة على سرعة قتله، فأخذوا ينتظرون فرصة ليقبضوا عليه، وقد علم هو أن أقل كلمة يتفوَّه بها ضد الناموس تكون سببًا لإلقاء القبض عليه وقتله، ومع ذلك فقد دخل الهيكل، وأخذ يُجاهر بأن تعاليم الكهنة والفريسيِّين وطقوسهم كلها كاذبة، مبنية على الخرافات والأوهام، وأخذ يُعلِّم الشعب بتعليمه الذي كان مبنيًّا على أقوال الأنبياء، فلم يستطع الفريسيُّون إلقاء القبض عليه، ومن جهة أخرى: فإنهم رأوا أن سواد الأُمة الأعظم في جانبه، وكان في أورشليم على عيد الفِصْح وثنيُّون كثيرون، فهؤلاء طلبوا أن يروا يسوع ليسمعوا تعليمه، فلما علم بذلك تلاميذه خشيوا هذا الأمر كثيرًا؛ فقالوا: إذا علَّم الوثنيِّين؛ فإنه يجلب بذلك غضب الأُمة فتنفر عنه، ويجد إذ ذاك الفريسيُّون سببًا مهمًّا لإلقاء القبض عليه، ولم يريدوا في بادئ الأمر أن يجمعوا بين يسوع والوثنيِّين، لكنهم قرَّروا فيما بينهم بعد ذلك أن يُعلموه بطلب الوثنيِّين ففعلوا.
فلما سمع ذلك يسوع اضطرب؛ لأنه كان واثقًا بأن تعليمه الوثنيين يظهر لليهود بأجلي بيان: أنه يرفض جميع أقوال وأوامر ناموسهم، ويدكُّ أركانه، وإذا شاع هذا الأمر؛ فإن الأُمة التي تحبه وتحافظ عليه تقلب له ظهر المِجَن وتُظهر له العداء، وإذ ذاك يسهل على الفريسيِّين محاكمته وتسليمه للقتل، ولدى افتكاره بهذا الأمر اضطرب كثيرًا، لكن من جهة أخرى: كانت واجباته تُلزمه أن يرشد الناس أبناء الآب الواحد، ويُعلِّمهم بقطْع النظر عن الجنس والمذهب، وعرف من وجهة ثالثة: أن خطوته هذه تُهلك حياته الجسدية، ولكنها تُرشد الناس إلى معرفة كلمة الحق والإقبال إلى الخلاص، فقال: كما أن الحبة تُطرَح في الأرض لتموت وتُعطي ثمرًا، هكذا يجب على الإنسان أن يُضحي حياته الجسدية لكي تُعطي ثمرًا روحيًّا، من يحافظ على حياته الجسدية ذلك يخسر الحياة الحقيقية، ومن يُهلك جسده ينال الحياة الحقيقية الخالدة، وقال: إني مضطرب مما هو قادم عليَّ، ولكني وُلِدتُ وعِشتُ منتظرًا هذه الساعة، فكيف لا أقوم بعمل ما يجب علي أن أعمله، فلتكن مشيئة الآب.
ثم التفت إلى الشعب اليهودي والوثنيين، وقال جهرًا ما قاله سرًّا لنيقوديموس، وهو أن حياة الناس ومذاهبهم المختلفة وحُكَّامهم المتنوِّعين ينبغي أن ينقلب كل ذلك انقلابًا عظيمًا، ولا بدَّ لكل سلطة بشرية من الانقراض، وينبغي على الناس أن يُدركوا بأن الإنسان ابن أب الحياة، وهذه المعرفة تهدم جميع سلطان البشر، وتُغيِّر أفكار الناس وتجعلهم أن يتَّحدوا معًا حتى يصبحوا كالشخص الواحد، فقال له اليهود: إنك بذلك تهدم جميع أساسات ديننا، إن ناموسنا يقول بإن المسيح سيأتي وأنت تقول خلاف ذلك، وعلى رأيك لا يوجد غير ابن البشر الذي يجب أن يُكرم ويُرفَع، فما معنى هذا الكلام؟ فقال لهم: أما إعلاء شأن البشر فهو إدراك كلمة الله الموجودة في الناس الذين ينبغي عليهم أن يعيشوا في النور ما دام النور موجودًا، وإني لا أُعلِّم بديانة جديدة، بل أُرشد كل واحد إلى ما في نفسه، كل يعرف أن فيه حياة أُعطيت له، ولجميع الناس على السواء من أب الحياة وتعليمي يرمي إلى غرضٍ واحدٍ، وهو أنه يجب على الناس أن يحبوا الحياة التي أعطاها الآب لجميع البشر.
كثيرون صدَّقوا تعليم يسوع وفهموه كما ينبغي، ولكن الفريسيِّين لم يُصدِّقوه ولم يقتنعوا به؛ لأنهم لم ينظروا إلى معناه نظرًا روحيًّا، بل نظروا إلى معناه الظاهري؛ ولذلك أرادوا أن يقتلوه، لكنهم لم يستطيعوا ذلك بسبب تعلُّق الأُمة به؛ ولذلك أرادوا أن يقبضوا عليه خارج أورشليم سرًّا، وجاء إليهم مرة أحد تلاميذ يسوع المُسمَّى يهوذا الإسخريوطي، فرشوه بالمال لكي يُرشد خُدَّامهم إلى يسوع عندما يكون منفردًا، فمال إليهم ووعدهم بذلك، وعاد إلى يسوع منتظرًا فرصة مناسبة لتسليمه.
وفي ابتداء عيد الفِصْح كان يسوع يحتفل بالعيد مع تلاميذه، ولعلم يهوذا بأن يسوع غير عالم بخيانته كان بينهم، لكن يسوع علم أن يهوذا باعه، وعندما جلسوا جميعًا على المائدة أخذ يسوع الخبز، وقسَّمه إلى اثني عشر قسمًا ووزعه على التلامذة ومن بينهم يهوذا، ومن دون أن يُسمِّي أحدًا، قال لهم: خذوا كلوا جسدي، ثم أخذ كأسًا مملوءة خمرًا ودفعها إليهم؛ لكي يشرب كل واحد منها شيئًا يسيرًا، وقال: إن واحدًا منكم يُهرق دمي، فاشربوا دمي جميعكم، ثم نهض يسوع، وغسل أرجل جميع التلامذة، وعندما انتهى من عمله قال لهم: إن واحدًا منكم سيُسلِّمني إلى الموت ويُهرق دمي، وقد أطعمته وسقيته وغسلت رجليه، لكي أُعلِّمكم كيف ينبغي أن نتصرف مع أعدائنا الذين يصنعون بنا الشر، فإذا حذوتم حذوي تصبحون سعداء وتفوزون بالغِبطة الدائمة، فسأله التلاميذ واحدًا واحدًا من الذي سيُسلِّمك؟ لكنه لم يرشدهم إليه خوفًا من أن ينتقموا منه، ويُوقعوا به العقاب الشديد، وعندما حان الظلام أشار يسوع إلى يهوذا بالانصراف، فنهض هذا من على المائدة وفرَّ هاربًا، ثم قال يسوع: هذا هو معنى إعلاء شأن ابن البشر، أن يكون الناس صالحين كالآب العام، ولا ينبغي عليهم أن يحبوا الذين يحبونهم، بل يجب أن يحبوا أعداءهم ويصنعون الخير للذين يُسيئون إليهم؛ ولذلك لا ينبغي عليكم أنتم أيضًا أن تبحثوا عن مضمون تعليمي، بل انظروا إلى أعمالي التي صنعتها الآن أمامكم، واعملوا مثلها دائمًا أبدًا، وصية واحدة أوصيكم بها، وهي حبُّوا الناس، وبعد ذلك أحاق بيسوع خوف شديد، فمضى مع تلاميذه إلى بستان ليختفوا فيه.
وفيما هم في الطريق قال يسوع لتلاميذه: إنكم جميعًا جبناء غير ثابتين على محبتي، فإنه عندما يُلقى القبض عليَّ تهربون جميعًا وتتركونني، فقال له بطرس: إني لا أتركك مطلقًا، وسأدافع عنك دفاعًا شديدًا، ولو عرَّضتُ نفسي للموت، وقال جميع التلاميذ مثل ذلك، فقال لهم يسوع: إذا كان الأمر كذلك فاستعدوا للدفاع وتزوَّدوا؛ لأننا سنختفي عن الأبصار، وخذوا معكم سلاحًا لتدفعوا به، فقال له التلاميذ: عندنا سَيفان، ولما سمع هذا الكلام استولى عليه الحزن وأخذ يكتئب، ولما وصل إلى مكان مُقفِر انفرد وشرع يصلي، ونبَّه تلاميذه إلى الصلاة، لكنهم لم يفهموا قصده، فقال يسوع حينئذٍ: يا أبتي الروح! أجز عني هذه التجربة، وثبِّت عزائمي لإتمام إرادتكَ، وإني لا أريد أن أسير حسب إرادتي لأدافع عن حياتي الجسدية، بل أريد إتمام مشيئتك التي تأمرني بعدم مقاومة الشر، ولكن تلاميذه لم يفهموا كلامه هذا، فقال لهم: لا تفتكروا بالجسد مطلقًا، بل اجتهدوا أن تتعالوا بالروح؛ لأن القوة والنشاط بالروح، وأما الجسد فضعيف جدًّا، ثم قال: يا أبتِ إذا كانت الآلام العتيدة لا بدَّ منها فلتكن، ولكني مع ذلك أطلب أن تكون مشيئتك وليس مشيئتي، ولم يفهم التلاميذ شيئًا من ذلك أيضًا، أما هو فلبث يُصارع التجربة حتى غلبها، ولما تيقَّن من فوزه عليها دنا من تلاميذه، وقال لهم: ثِقوا، فقد انتهى الأمر، وقد عدلتُ عن الدفاع والمقاومة، وها أنا ماضٍ لأُسلِّم نفسي إلى أيدي أهل هذا العالم.
لوقا، ١١: ٥٣: وبعد ذلك أخذ الكتبة والفريسيون يحنقون جدًّا ويصادرونه على أمور كثيرة، وهم يراقبونه لكي يقتلوه.
يوحنا، ١١: ٤٧: فجمعوا محفلًا عظيمًا، وقالوا: يجب أن نعدم هذا الرجل؛ لأنه بتعاليمه يضحد تعاليمنا.
٤٨: وإن تركناه هكذا آمن به الجميع فيتركون ديانتنا، وقد آمن به الآن أكثر من نصف الأُمة، فإذا كان اليهود يُصدِّقون تعليمه القائل بأن جميع الناس أبناء أب واحد وكلهم أخوة، وأنه لا فرق بين شعب اليهود والشعوب الأخرى، فلا ريب أن الرومانيين حينئذٍ يستولون على أُمَّتنا، ولا يبقى ذكر للمملكة اليهودية.
لوقا، ١٩: ٤٧: وتفاوض الفريسيُّون ورؤساء الكهنة كثيرًا في أمر قتله، لكنهم لم يجدوا عليه عِلَّة تستحق القتل.
٤٨: وذهبت مفاوضتهم عبثًا؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يقرروا شيئًا معلومًا.
٤٩: فقال لهم واحد منهم اسمه قيافا، وكان رئيسًا للكهنة: إني قد افتكرت فكرًا مناسبًا.
يجب علينا أن نعلم أنه خير لنا أن يموت واحد عن الأمة من أن تهلك الأمة كلها، فإذا تركنا هذا الرجل فإن الأمة تهلك برمَّتها، وإني أؤكد لكم ذلك؛ ولذا فإني أرى من الصواب قتل يسوع.
٥٢: حتى ولو لم يهلك الشعب، فإنه يتشتت ويترك دين آبائه وأجداده بما يتعلمه من تعليم يسوع، وهذا وحده كافٍ لقتله.
٥٣: فصادق الجميع على كلام قَيَافا، وقرَّروا جميعًا فيما بينهم قتل يسوع.
٥٤: فبحثوا عنه لكي يُلقوا القبض عليه، لكنهم علموا: أنه اختفى في مكان مُقْفِر.
٥٥: وكان قد قرب عيد الفِصْح الذي تجتمع فيه جماهير اليهود في أورشليم.
٥٦: وقال رؤساء الكهنة والفريسيِّين بأنه لا بد له من القدوم إلى أورشليم على عيد الفِصْح.
٥٧؛ ويوحنا، ١٢: ١ و٢: وحدث أنه قبل الفِصْح بستة أيام قال يسوع لتلاميذه: قوموا بنا لنمضي إلى أورشليم.
يوحنا، ١١: ٨: فقال له تلاميذه: إن الفريسيِّين كانوا يطلبونك لكي يرجموك بالحجارة، فإذا ذهبت إلى أورشليم يقتلونك لا محالة، فخير لنا ألا نمضي جميعًا.
٩: فقال لهم يسوع: ليس يُخيفني شيء؛ لأني عائش بنور الكلمة، وكل إنسان يسير في النهار لا يعثر، بعكس إذا ما سار في الليل، وكل إنسان أيضًا يستطيع الحصول على نور الكلمة، وإذ ذاك يصبح لا يخشى شيئًا.
١٠: وإنما الرجل المتمتِّع بشهوات الجسد يتوغَّل في الضلال ويخشى كل شيء، وأما ذاك الذي أنكر ذاته واستنارت نفسه بنور كلمة الحق؛ فإنه يكون مطمئنًا لا يخشى شيئًا.
يوحنا، ١٢: ٢: وفيما هو ماضٍ إلى أورشليم عرَّج على بلدة قريبة منها اسمها بيت عَنْيا، ودخل بيت مريم ومَرْثا؛ حيث صنعتا له عشاء، وكانت مَرْثا تخدمه.
٣: وأما مريم؛ فأخذت رطل طِيب كثير الثمن، ودهنت به قدمي يسوع، ومسحتهما بشعرها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب.
٤: فقال يهوذا الإسخريوطي أحد تلاميذه.
٥: عبثًا عملت مريم هذا الفعل، لِمَ لم يُبَع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويُدفع للمساكين؟
٨: فقال يسوع: إن المساكين عندكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين.
٧: وقد فعلتْ حسنًا؛ لأنها أعدَّتْ جسدي للدفن.
١٢: وفي صباح اليوم التالي مضى يسوع إلى أورشليم؛ حيث كان مجتمعًا بها خلق كثير لا يُحصى.
١٣: فلما سمع الجمع أنه آتٍ إلى أورشليم خرجوا للقائه، وأخذوا سعف النخل، وكانوا يطرحونها في طريقه، والبعض الآخر كان يطرح ثيابه، وكانوا كلهم يصرخون قائلين: هذا هو ملكنا الحقيقي الذي سيُرشدنا إلى معرفة الإله الحقيقي الواحد الأزلي.
١٤: وأن يسوع وجد حمارًا فركبه، وكان الشعب سائرًا وراءه وقُدَّامه يصرخ صراخ التهليل والابتهاج.
متَّى، ٢١: ١٠: ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلين: من هذا؟
١١: فقال أولئك الذين عرفوه: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الخليل.
١٥: فدخل يسوع الهيكل وطرد منه أيضًا الباعة والمشترين.
يوحنا، ١٢: ١٩: فقال الفريسيُّون فيما بينهم: انظروا! إنكم لا تستفيدون شيئًا، ها إن العالم قد تَبِعه.
مرقص، ١١: ١٨: فالتمسوا كيف يهلكونه؛ لأنهم كانوا يخافونه؛ إذ الجمع كله كان يتعجَّب من تعليمه، وقد أجمع على محبته وإكرامه.
يوحنا، ١٢: ٢٠: وفي خلال ذلك كان يسوع يُعلِّم في الهيكل، وكان موجودًا بين سامعيه ما عدا اليهود كثير من اليونانيين الوثنيين، فهؤلاء لما سمعوا تعليم يسوع فَهِموه وصدَّقوه، وعلموا أنه يُرشد إلى الحق ليس اليهود فقط، بل وجميع الناس.
٢١: فأرادوا أن ينتظموا في سلك تلاميذه، فأخبروا فيلبس أحد تلاميذه بذلك.
٢٢: فقال فيلبس ذلك إلى أندراوس، وقد خاف التلميذان أن يجمعا بين يسوع والوثنيِّين؛ لأنهما علما أن الشعب ينقم عليه لتعليمه بأن لا فرق بين اليهود والوثنيِّين، ولبثا بُرهة واقفين يتحدثان بهذا الأمر، وأخيرًا تقدَّما إلى يسوع وأخبراه جليَّة الأمر، فاضطرب لدى سماعه ذلك؛ لأنه علم أن الشعب سينقم عليه إذا تَلمَذ الوثنيين.
٢٣: أتت الساعة التي أوضح فيها ما أفهمه أنا بابن البشر، ولا بأس من موتي في هذا السبيل؛ لأني أموت ضحيَّة مجاهرتي بالحقائق.
٢٤: الحق أقول لكم: إن حبَّة الحِنطة إن لم تقع على الأرض وتمت فإنها لا تُعطي ثمرًا.
٢٥: من أحبَّ حياته الجسدية، فإنه يُهلك حياته الحقيقية، ومن أبغضها في هذا العالم فإنه يحفظها للحياة الأبدية.
٢٦: من يريد أن يخدم تعليمي؛ فليعمل أعمالي التي أعملها أنا، فيكرمه أبي ويُجازيه علانية.
٢٧: الآن نفسي قد اضطربت، فهل أرضخ لأحكام الحياة الدنيوية أو أُكمل إرادة الآب في هذه الساعة؟ وما هذا العلني عندما دنت الساعة التي أحيا بها أقول: «يا أبتي نجِّني مما يجب عليَّ أن أفعله.» إني لا أستطيع أن أفوه بمثل هذا الكلام؛ لأني سأحيا في تلك الساعة.
٢٨: ولذلك فأقول: يا أبتي مجِّد اسمك وأظهره فيَّ.
٣١: ثم قال يسوع: قد حضرت ساعة هلاك هذا العالم البشري الآن، هلك رئيس هذا العالم ويُطرَد خارجًا.
٣٢: وعندما يتمجَّد ابن البشر ويرتفع شأنه على الحياة الأرضية، حينئذٍ يُجمع الجميع في واحد.
٣٤: فأجابه اليهود: قد سمعنا من الناموس أن المسيح يدوم إلى الأبد، فكيف تقول أنت: إنه ينبغي أن يرتفع ابن البشر؛ من هذا ابن البشر؟
٣٥: فأجابهم على ذلك يسوع بقوله: ارتفاع شأن البشر يتأتى من أنكم تعيشون بنور الحياة الموجود فيكم.
٣٦: وارتفاع شأن ابن البشر على الحياة الأرضية يتأتى من أنه يُصدِّق بوجود النور، ما دام النور موجودًا لكي يصبح ابنًا للحياة.
٤٤: من يُصدِّق تعليمي لا يجب عليه أن يؤمن بي، بل بذلك الروح الذي أعطى الحياة للعالم.
٤٥: ومن يفهم تعليمي يفهم ذلك الروح الذي أعطى الحياة للعالم.
٤٧: وإن كان أحد يسمع أقوالي ولا يحفظها فأنا لا أُدينه؛ لأني لم آتِ لأُدين العالم، بل لأُخلِّص العالم.
٤٨: ومَن لم يقبل أقوالي فإن له من يدينه. الكلمة التي نطقت بها هي تُدينه.
٤٩: لأني لم أتكلم من نفسي، بل تكلمت ما ألهمني إليه الآب الروح الساكن فيَّ.
٥٠: وما أقوله هو نفس ما قاله لي روح الكلمة، وأعلم به، وهو الحياة الحقيقية.
يوحنا، ١٢: ٣٦: قال يسوع هذا ثم مضى واختفى عن رؤساء الكهنة.
٤٢: ومع هذا فإن كثيرًا من الرؤساء والأغنياء وأصحاب النفوذ لما سمعوا تعليم يسوع صدَّقوه، لكنهم من أجل الفريسيِّين لم يعترفوا به ولم يُصرِّحوا بأفكارهم؛ لأنه ليس ولا واحد من الكهنة ورؤساء الكهنة صدَّق هذا التعليم.
٤٣: لأنهم أحبوا مجد الناس على مجد الله.
متَّى، ٢٦: ٣: حينئذٍ اجتمع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب في دار قَيَافا.
٤: فتشاورا فيما بينهم أن يُمسكوا يسوع سرًّا عن الشعب ويقتلوه.
٥: لأنهم خافوا أن يلقوا القبض عليه علنًا.
١٤: وقد جاء إليهم أحد تلاميذ يسوع الذي يقال له يهوذا الإسخريوطي.
١٥: وقال لهم: إذا كنتم تريدون إلقاء القبض على يسوع سرًّا دون أن يعلم الشعب، فأنا أنتهز فرصة وجوده منفردًا مع تلاميذه، وآتي فأُخبركم، فماذا تريديون أن تعطوني لأُسلِّمه لكم؟ فجعلوا له ثلاثين من الفضة.
١٦: فرضي، ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليُسلِّمه إلى رؤساء الكهنة.
١٧: وفي هذه الأثناء كان يسوع يبتعد عن الشعب منفردًا مع تلاميذه، وفي يوم عيد الفطير دنا التلاميذ منه، وقالوا له: أين تريد أن نُعِدَّ الفِصْح؟
١٨: فقال لهم يسوع: اذهبوا إلى أية بلدة، ومن تُصادفوه فيها قولوا له: إنه ليس عندنا وقت لإعداد الفِصْح، وارجوه أن يقبلنا في بيته لنُعِدَّ عنده الفِصْح.
١٩: ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع، ومضوا إلى قرية، وطلبوا إلى أحد رجالها أن يأذن لهم بإعداد الفِصْح في بيته فأجاب طلبهم.
٢٠: فدخلوا بيت الرجل، وجلس يسوع على المائدة مع تلاميذه الاثنى عشر، ومن بينهم يهوذا.
يوحنا، ١٣: ١: وكان يسوع قد علم أن يهوذا وعد أن يُسلِّمه إلى الموت، ولكنه لم يُوبِّخه، ولم يقصد أن ينتقم منه، بل كان حتى هذه الساعة يُعلِّم تلاميذه أن يُحبوا بعضهم بعضًا على عادته من ذي قبل.
متَّى، ٢٦: ٢١؛ ومرقص، ١٩: ١٨: وفيما هم يأكلون، قال: الحق أقول لكم: إن واحدًا منكم سيُسلِّمني.
متَّى، ٢٦: ٢٣: أجل، ذلك الذي يأكل ويشرب معي هو يُهلِكني.
٢٦: ولم يقل شيئًا فيما سوى ذلك، حتى إن التلاميذ لم يعرفوا مَن يقصد بكلامه، وعندما شرعوا في الأكل أخذ يسوع الخبز، وقسَّمه إلى اثني عشر قسمًا حسب عددهم، وقال لهم: خذوا كلوا هذا هو جسدي.
٢٧: ثم ملأ الكأس خمرًا، وقال لهم: خذوا اشربوا كلكم، ولما شربوا قال.
٢٨: هذا هو دمي، فإني أُهرقه ليعلم الناس أني أغفر خطايا كل من يعمل لي شرًّا.
لوقا، ٢٢: ١٨: لأني سأموت قريبًا، ولا أكون معكم في هذا العالم، ولكني سأجتمع معكم في ملكوت السموات.
يوحنا، ١٣: ٤: وبعد هذا نهض يسوع من على المائدة وتمنطق بمِنْشَفة وأخذ إبريق ماء بيده.
٥: وأخذ يغسل أرجل جميع التلامذة.
فتقدم إلى بطرس الذي قال له كيف تغسل أنت رجلي؟
٧: أجاب يسوع وقال له: إن الذي أصنعه لا تعرفه أنت، ولكنك ستعرفه حالًا.
١٠: أنتم أنقياء، ولكن ليس كلكم؛ لأنه بينكم يوجد ذلك الذي سيُسلِّمني، الذي أعطيته من يدي الخبز ليأكل والخمر ليشرب، وأريد أن أغسل رجليه أيضًا.
١٣: ولما غسل يسوع أرجل الاثني عشر جلس وقال: هل فهمتم لماذا فعلت ذلك؟
١٤: إنما فعلت ذلك لكي تصنعوا مع بعضكم فيما بعد كما عملت لكم أنا معلمكم، قد صنعت هذا لتعلموا فيما بعد كذلك للذين يُسيئون إليكم ويصنعون لكم شرًّا.
١٧: فإذا فهمتم ذلك وعملتم به تصبحون سعداء وتنالون الغبطة الدائمة.
١٨: عندما قلت لكم: إن واحدًا منكم سيسلمني لم أتكلم عنكم جميعًا؛ لأن الذي يسلِّمني واحد فقط، ذلك الذي قد غسلت رجليه وأكل الخبز معي هو يُهلكني.
٢١: ولما قال هذا اضطرب بالروح، ثم قال أيضًا: نعم. نعم، واحد منكم يُسلِّمني.
٢٢: فجعل التلاميذ ينظرون إلى بعضهم بعضًا ولم يعرفوا من يقصد في كلامه.
٢٣: وكان أحد التلاميذ جالسًا بالقرب من يسوع.
٢٤: فأشار إليه سمعان بطرس أن يسأله من الذي سيُسلِّمه.
٢٥: فسأل ذلك التلميذ يسوع.
٢٦: فأجابه: إني أغمس الآن لقمة وأدفعها إلى مُسلِّمي، ثم دفعها إلى يهوذا الإسخريوطي.
٢٧: وقال له: ما تريد أن تفعل؛ فاصنعه بسرعة.
٣٠: فأدرك يهوذا أنه لا بدَّ له من الخروج، وبعد أن أخذ اللقمة خرج في الحال، ولم يستطع أحد أن يتبعه؛ لأن الوقت كان ليلًا والظلام حالكًا.
٣١: ولما خرج يهوذا قال يسوع لتلاميذه: لقد أصبح الآن مفهومًا لديكم ما هو ابن البشر، وأصبحتم تعلمون أن الله حالٌّ فيه وأنه يستطيع أن يشبه الله في الصلاح وفعل الخير.
٣٣: يا أولادي لا أكون معكم زمنًا طويلًا، فلا تبحثوا عن تعاليمي كما قلتُ للفريسيِّين، بل افعلوا ما فعلت أنا.
٣٤: أعطيكم وصية واحدة جديدة، كما أني أحببتكم منذ البداية حتى النهاية، هكذا أنتم، حبُّوا بعضكم بعضًا من البداية حتى النهاية.
٢٥: وبهذا فقط تمتازون عن سائر الناس، حبِّوا بعضكم بعضًا.
متَّى، ٢٦: ٣٠: وبعد هذا صعدوا جميعًا إلى جبل الزيتون.
٣٠: وفيما هم في الطريق قال لهم يسوع: سيأتي وقت يتم ما جاء في الكتب، وهو أنهم يقتلون الراعي فتتبدَّد الخِراف، وسيتم ذلك في هذه الليلة، فسيأخذونني وأنتم تتركونني وتتبدَّدون.
٣٢: فقال له بطرس: إذا تركك الجميع وهربوا؛ فإني لا أتركك أبدًا، بل إني مستعد أن أمضي معك إلى السجن أو الموت.
٣٤: فأجابه يسوع: الحق أقول لك: إنه قبل أن يصيح الديك تُنكرني ثلاث مرات.
٣٥: فقال بطرس: كلَّا. كلَّا، لا أُنكرك، وقال قوله هذا جميع التلاميذ.
لوقا، ٢٢: ٣٥: فقال يسوع حينئذٍ لتلاميذه قَبْلًا: لم يعوزنا شيء مطلقًا، فقد كنتم تسيرون بلا كيس ولا حذاء ولا مِزْود؛ لأني أمرتكم بذلك.
٣٦: وأما الآن؛ فقد أحصوني مع الأثَمة الذين لا يسيرون بحسب الناموس، فلا يستطيع أن نبقى كما كنا قَبْلًا بلا شيء، فينبغي علينا أن نتزوَّد بكل شيء، ونقتني سيوفًا حتى لا يقتلوننا ويسفكون دمنا هَدرًا.
٣٨: فقال له التلاميذ: عندنا سيفان، فقال لهم يكفي.
يوحنا، ١٨: ١؛ ومتَّى، ٢٦: ٣٦: ولما قال هذا مضى يسوع مع تلاميذه إلى بستان الجسمانية، ولما بلغوه قال: البثوا ها هنا؛ لأني أريد أن أُصلي.
متَّى، ٢٦: ٣٧: ولما اقترب من بطرس وابني زَبْدي أخذ يكتئب ويحزن.
٣٨: وقال لهم: ما أثقل هذه الليلة عليَّ؟! فإن نفسي حزينة حتى الموت، فامكثوا ها هنا ولا تحزنوا مثلي.
٣٩: وابتعد عنهم قليلًا وخرَّ على وجهه ساجدًا، وقال: يا أبتي الروح، فليكن ليس كما أريد من أني لا أرضى الموت، بل فلتكن إرادتك ودعني أن أموت، وبما أنك روح فلَدَيْكَ كل شيء مستطاع، فارفع عني هذه التجربة الجسدية، فالروح قوي نشيط، ولكن الجسد ضعيف.
٤٢: ثم تباعد عنهم أيضًا، وطفق يصلي، فقال: يا أبتي إذا كان لا يُستطاع أن أتعذب وينبغي عليَّ أن أموت؛ فلا بأس من موتي، فلتكن مشيئتك.
٤٣: ولما قال هذا دنا من تلاميذه، فوجد الحزن مستوليًا عليهم حتى كادوا يبكون.
٤٤: فابتعد عنهم أيضًا وقال للمرة الثالثة: يا أبتِ فلتكن إرادتك.
٤٥: وحينئذٍ عاد إلى تلاميذه، وقال لهم: استريحوا الآن، ولا تضطرب أفكاركم، فقد تم الأمر؛ لأني سأُسلِّم نفسي إلى أيدي أهل هذا العالم.
إنجيل تولستوي وديانته |
مقدمة الأعمال الكاملة للكاتب والمترجم طلعت الشايب
حينما طلبَت مني دار النشر «هنداوي» كتابةَ مقدمةٍ لأعمال والدي الكاملة وإسهاماته في مجال الترجمة، قفزَت إلى ذهني مُباشَرةً صورتُه في جلسته الدَّءُوبة ساعاتٍ طويلة في غرفة مكتبه مُحاطًا بعشرات الكتب والمَراجع والقواميس.
كان أبي قارئًا نَهِمًا ومُتابِعًا دقيقًا لكل الإصدارات الحديثة لمعظم الكُتاب والمُفكرين والأُدباء العرب والأجانب، لكنَّ أمتعَ لحظاته على الإطلاق تلك التي يَقضيها في ترجمةِ عملٍ ونقله من لُغته الأم إلى اللغة العربية. ينشغل أيامًا للعثور على التعبير المناسب أو الكلمة الدقيقة أو المقابل اللغوي الصحيح الذي يَنقل روحَ النص وليس المعنى الحرفي؛ مهمةٌ لم تكن قَطُّ سهلة، خاصةً عند ترجمة الشعر أو الأدب اللذين كان مُولَعًا بهما في الأساس.
احترف أبي الترجمةَ من وحي احترافه القراءةَ والنقد في زمنٍ لم تكن فيه مصادرُ البحث عبر الإنترنت متوافرةً كما هي الآن؛ بكبسةِ زرٍّ تستطيع العثورَ على مصطلحاتٍ أو معلومات أو تفاصيل عن حدَثٍ تاريخي.
كان عليه البحث في المَراجع والكتب أيامًا للعثور على مُرادفٍ له مدلولٌ ثقافي أو معلومات عن حدثٍ تاريخي ورَدَ في كتابٍ يقوم بترجمته.
وتنتهي رحلةُ ترجمة الكتاب بشراء عشرات الكتب الأخرى التي استعان بها في أثناء الترجمة.
كان يصف ترجمةَ الشعر والأدب بالمُغامَرة المحفوفة بالمخاطر. المهمة هنا أشد صعوبةً لأنك لا تنقل أفكارًا أو معلومات، بل أحاسيس ومشاعر وأجواء وروح نص لأعمال مثل: «اتَّبِعي قلبك»، و«أصوات الضمير»، و«بقايا اليوم»، و«هوس العمق»، و«الخوف من المرايا»، و«فتاة عادية»، وغيرها.
عليك، بصفتك مُترجِمًا، مهمة الحفاظ على روح الكاتب الأصلي وموسيقى النص ليصل المعنى بدقةٍ إلى القارئ، وكأنه يقرأ العمل بلُغته الأصلية، وكأن العمل له كاتبان؛ الكاتب الأصلي والمُترجِم.
في أعوامٍ لاحقة اقترب أبي من التكنولوجيا أكثر، واستخدم الإنترنت التي اختصرَت عليه عمل أيام وشهور، لكنه لم يَتنازل قَطُّ عن استعمال أقلام الرصاص لنقل ما بذهنه على الورق. ترقد الأقلامُ مصفوفةً أمامه بعضها إلى جوارِ بعضٍ على المكتب مَبريَّة وجاهزة للكتابة، وكأنها سلاحه الأمين.
يكتب بسرعةٍ بخط جميل مُنمَّق على أكثر من مرحلة لم تكن إحداها قَطُّ الكتابة على الكمبيوتر. كان يُفضِّل المسوَّدات الورقية، وإدخال التعديلات بالأسهم أو الشطب على الكلمة وكتابة غيرها؛ لتظل أمامه مراحلُ التفكير في الكلمات واستبدالها بأخرى.
يقول لي: أُحب أن تظل أمامي الكلمات «تخايلني»، ربما أعود لها مرة أخرى. لا أُفضل الإلغاء التام أو المسح النهائي الذي توفره أجهزة الكمبيوتر. المسوَّدة بكل هوامشها هي عمليةُ ولادةِ النص المُترجَم.
أبي كان راهبًا في مِحراب الترجمة، شغوفًا برحلته مع كل كتاب، تلمع عيناه في نهاية يومِ عملٍ شاقٍّ بما اكتشفه في رحلته من أفكارٍ وثقافات يَتحدَّث عنها بحماسةِ وسعادةِ مَن يُعيد اكتشاف ذاته كلَّ مرة.
وتبقى الجملة الأجمل بالنسبة إليه عندما يَلتقيه قارئٌ ويُخبره أنه لم يشعر قَطُّ أنه أمامَ عملٍ مُترجَم لسلاسة الترجمة وانسيابية الكتابة.
هذه دعوة للغوص في مجموعةٍ من أهم ما قدَّمه مُفكرون ومُؤرخون وشُعراء ومجالات أخرى متنوعة تناسب كلَّ الأذواق، من بينها كُتبٌ غيَّرت مجرى التاريخ، مثل: «صدام الحضارات»، و«الحرب الباردة الثقافية»، و«فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي»، و«الاستشراق الأمريكي»، وغيرها من الأعمال الهامة.
رحلة عبْرَ ترجماتِ والدي، المُترجِم والكاتب «طلعت الشايب»، وأَعِدُكم بمتعةٍ تضاهي متعةَ قراءةِ العمل الأصلي بلُغته الأم.
منى الشايب
محنة الكاتب الأفريقي |
مقدمة
كان أول تعرُّف لي على الكُتَّاب الأفارقة سنة ١٩٦٢م، في أثناء حضوري دورة تدريبية للتدريس في نيجيريا متطوِّعًا في فيلق السلام، وعندما قرأت «شَرِّيب نبيذ النخيل»١ (١٩٦٢م) لآموس تيوتولا Amos Tutuola و«الأشياء تتداعى»٢ (١٩٥٨م) لشينوا أشيبي Chinua Achebe جذبني العملان إلى عالَمهما الغريب، الذي لم يكُن قد سبق لي أن أصادف مثيلًا له في قراءاتي السابقة أثناء سنوات دراستي (التي شملت الليسانس والماجستير في الأدب الإنجليزي). وخلال العامَين اللذين كنت أقوم فيهما بالتدريس في نيجيريا الشرقية، كنت أقرأ كلَّ ما يقع في يدي من الأدب الأفريقي، بما في ذلك «الروايات» التي كانت تُنشَر في كُتيِّبات صغيرة في «أونيتشا» القريبة، وبعد عودتي إلى الولايات المتحدة في أواخر ١٩٦٤م، كنت قد أصبحت شديد الاهتمام بهذا النوع من الكتابة، والرغبة في أن أكرِّس حياتي لها.
وفي العام الدراسي ١٩٦٤–١٩٦٥م، كنت أقوم بتدريس الأدب الأفريقي في جامعة «كولورادو»، ولكن معظم الكتب لم تكُن من تأليف كُتَّاب أفارقة، وإنَّما من تأليف كُتَّاب أوروبيين (مثل جوزيف كونراد Joseph Conrad، وجراهام جرين Graham Greene، وجويس كاري Joyce Cary)، أمَّا المشكلة الأكبر، فكانت هي محاولة إقناع الناشرين الأمريكيين بإصدار طبعاتٍ أمريكية من أعمال الكُتَّاب الأفارقة، الذين كانوا قد بدءوا يَظهرون ويَنشرون أعمالهم في بريطانيا وفرنسا، واستمرَّت المحاولة طويلًا، ولكنها لم تحقِّق نجاحًا في البداية.
كان للمقاومة التي واجهتُها من الناشرين صداها أيضًا في الوسَط الأكاديمي، الذي جعله ضِيقُ الأفق يركِّز كل اهتمامه على الغرب، واستغرق الأمرُ سنوات لكي تقتنع الجامعات الأمريكية بأنَّ الأدب الأفريقي جديرٌ بالدراسة، ولحُسن الحظ، كان هناك عدد من الأكاديميين من ذوي العقول المنفتحة، الذين وقفوا إلى جانبي في هذا التحدِّي، بالرغم من أنه كان من الصعب أن أجد مُشرفًا على أطروحتي عن الكُتَّاب الأفارقة، وفيما بعدُ أصبحَت هذه الأطروحة كتابًا بعنوان «نشأة الأدب القصصي الأفريقي» (١٩٧٢م)، وهي إحدى بواكير الدراسات النقدية عن الأدب الأفريقي.
بعد أكثر من ثلاثين عامًا، لم يعُد هناك سوى قِلَّة من الباحثين الذين يمكن أن يُنكروا شرعية الأدب الأفريقي، وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الكتاب يتناول المشكلات التي ما زال الكُتَّاب الأفارقة يواجهونها عندما يحاولون أن يكونوا كذلك — أي كُتَّابًا أفارقة — بالرغم من حصول عددٍ كبير منهم على جوائزَ كثيرة مهمة، لم تتغيَّر العقباتُ كثيرًا في نصف القرن الأخير، ولذلك يمكن أن نقول إنَّك لكي تكون كاتبًا في أفريقيا، فإن ذلك يتضمَّن التغلُّب على تحديات كثيرة، والتحايُل على عقبات نادرًا ما يُصادِفُها الكُتَّاب في الغرب، وبالتالي فإن كُتَّاب الغرب لا يعرفون شيئًا عن مُكابدات كُتَّاب أفريقيا، وكثير من دول ما يُسمَّى بالعالم الثالث.
العمل الذي كان يقوم به «آموس تيوتولا»، ونشر روايته «شَرِّيب نبيذ النخيل»، يقدِّمان لنا مثالًا صارخًا على وضع كاتب يحظى بشهرة وتقدير في الغرب، ويتم تجاهله في وطنه إلى حدٍّ بعيد، وهو وضع مألوف بالنسبة لكثير من الكُتَّاب الذين جاءوا بعده؛ فهذا الروائي النيجيري «تيوتولا»، الذي يعتبره اليوم كثيرٌ من النقاد واحدًا من الآباء المؤسسين للواقعية السحرية، عاش حياةً مملوءة بالإحباط والإهمال، وعندما مات سنة ١٩٩٧م كانوا يجمعون التبرعات لتسديد نفقات دفنه.
من بين المشكلات التي ما زالت تواجه الكُتَّاب الأفارقة اليوم: اللغة التي يجب استخدامها (أفريقية أم أوروبية؟) ومشكلة الأُمية والجمهور (٥٠٪ تقريبًا من سكَّان القارة لا يستطيعون القراءة)، والمشكلات الاقتصادية (أسعار الكتب مرتفعة ولا يستطيع شراءَها سوى عدد قليل)، ومشكلة نقص منافذ النشر والتوزيع في القارة، ويُضاف إلى ذلك كله، حائط آخَر من العقبات، يتمثَّل في: الرقابة والسجن والنفي … وما هو أسوأ!
وقد اعتمدتُ في أجزاء كثيرة من هذا الكتاب على ردود وإجابات الكُتَّاب الأفارقة (منشورة وغير منشورة)، عن استطلاعٍ للرأي أرسَلتُه إليهم، وكان على النحو التالي: حيث إنَّني بصدد إعداد كتاب عن الكاتب الأفريقي، أرجو موافاتي بتقرير موجز عن مدى النجاح أو الفشل في تجربتكم مع النشر. سوف تُخصَّص فصول من هذا الكتاب لتناول قضايا مثل الأُمِّية والجمهور (مَن يقرأ الأدب الأفريقي؟ ولِمَن يُكتَب؟) والأحكام النقدية لبعض القرَّاء من غير الأفارقة، الذين قد لا يفهمون مقصد الكاتب، وقضايا الرِّقابة، والنشر الشخصي، أو عن طريق الدُّور المتخصِّصة في الداخل والخارج، بالإضافة إلى قضايا النفي والإبعاد وغيرها، كما أرحِّب بأية معلومات أو بيانات متعلِّقة بذلك.
وبمجرَّد أن تلقَّيتُ الردود، أدركتُ أنه كان لا بد من استطلاع آخَر لآراء الناشرين، الذين يُمكِن أن يُضيفوا إلى القصة، وإلى جانب الكُتَّاب والنقاد والناشرين الذين أجابوا عن أسئلتي، ما كان لهذا العمل أن يتم لولا المساعدة القيِّمة من كلٍّ من: «بيرنث لندفورس Bernth Lindfors»، و«إرنست إيمينيونو Ernest Emenyonu»، و«جيمس جبس James Gibbs»، وثلاثتهم نُقَّاد للأدب الأفريقي، كان لهم الفضل في تعريفي بأماكن بعض الكُتَّاب، وعناوين بعض الأعمال، وبمصادر أخرى يمكن الرجوع إليها، كما قام كلٌّ من «لندفورس»، و«إمينيونو»، و«تيجان م. صلاح» بقراءة مسودة الكتاب.
كما ساعدني في هذا البحث كلٌّ من الآتية أسماؤهم بعدُ، وذلك باطِّلاعي على تجاربهم مع النشر، وبخاصَّةٍ:
Cyprian Ekwensi, Similih M. Cordor, Elinor Sisulu, Véronique Tadjo, Yvonne Vera.
كما تلقَّيتُ مساعدات مُهمة من كلٍّ من:
Kehbuma Langmia, F. Odum Balogum, Douglas O. Temile, Mzamane Nhlapo, William Saidi, Irene Staunton, Mwamba, Cabakulu, Jare Ajayi, Taban Io Liyong, Lenrie Peters, Ngugi Wa Thiong’o, Chinua Achebe, Tijan M. Sallah, Steve Chimombo, Sindiwe Magona, Nuruddin Farah, Jekwn Ikeme, Wole Soyinka, Niyi Osundare, Tess Onwueme, Margaret Ling, Trish Mbanga, Miriam Bamhare, Terence Ranger, Nevilles Bsquared Oguohwo, Sanya Osha, Louis-Marie Ongoum, N. Cabakulu, Stephen Gray, George Ngwane, Segun Ourowaiye, Henry Chakava, James, Tumusiime, Manthia Diawara, Neely Tucker, Gilbert Doho Joop Berkhout, Muthui Kiboi, B. Sodindwa Neube, Hans Zell, Colin McGee, Aminata Sy, Buma Kor, Madieyna Ndiaye, Lupenga Mphande. Jeremy Ng’aug’a, Becky Clarke.
مع اعتذاري لكل مَن يكون قد سقط اسمه سهوًا، وفي النهاية فإن هذا الكتاب تحيةٌ متواضعة لكُتَّاب أفريقيا المعاصرين، الذين ما زالوا يمضون واثقي الخُطى، على طريق أسلافهم في القص التقليدي، بالرغم من كلِّ الظروف غير المواتية.
١
The Palm-Wine Drinkard.
٢
Things Fall Apart.
محنة الكاتب الأفريقي |
خاتمة
الأزمة في الكتابة الأفريقية
«تمرُّ صناعة النشر اليوم، في كثير مما كان يُعرف بدول العالَم الثالث، على مدى أربعين عامًا، بحالة من الإحباط واليأس، ومن الصعب أن نجد مَن يهتم بذلك من بين العاملين في هذه الساحة الأوروبية الأمريكية، الاستثمار في النشر في الخارج، يعبُر الأطلنطي في الاتجاهين، ولكنَّه لا يُغامر بالاتجاه صوب الجنوب، كما أنهم ينظرون إلى أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، ومعظم دول آسيا، باعتبارها أسواقًا للتصدير … وصعبة في الوقت نفسه.»
(Gordon Graham, Publishing Weekly, 15 Febrauary 1991)
«أسعار الأعمال الشهيرة، أو ما يُسمَّى بالروائع، كما حدَّدها التضخم، هبطت بشدَّة منذ صدور كتاب «ثروة الأمم» لآدم سميث سنة ١٧٧٦م، بتكلفة ربما تصل إلى ٦١٥٫٣٨ دولارًا بأسعار اليوم. كانت الطبعة الأولى خمسمائة نُسخة، ودفعوا ﻟ «سميث» ٥٠٠ دولار؛ أي ما يعادل ١٧٠٠٠٠ دولار اليوم، وكانت حصَّته ما يعادل ٣٥٠ دولارًا عن النُّسخة Peter Brimelow, 9 March 1998.
الأزمة في الكتابة ليست مع الكُتَّاب أنفسهم، وإنَّما في البيئة المعقَّدة والمربكة التي يعملون فيها، وبالرغم من ذلك، يلاحظ كلُّ مَن يحضر ورش الكتابة في القارَّة أنَّ الكُتَّاب مثابرون في عملهم، ومصممون على النجاح، ويواصلون الكتابة، يحدث ذلك بالرغم من أنَّ كثيرين منهم لم ينشروا بالمرَّة، وكما يظهر من مطبوعات «باوباب» في زيمبابوي، هناك كُتَّاب شبَّان، قادرون على إنتاج أدب قومي، لو وجدوا مَن يشجعهم وينشر لهم، بالإضافة إلى أنَّ هناك مجموعة جيدة من الكُتَّاب الذين استطاعوا التغلب على مشكلات بالغة الصعوبة، على مدى نصف القرن الأخير، لصُنع أدب غير عادي. هذه هي الأخبار السعيدة عن الكتابة الأفريقية، أمَّا الباقي فليس بهذه البساطة.
المشكلات الاقتصادية في كثير من الدول الأفريقية، هي العقبة الرئيسية في سبيل تنمية جمهور قارئ لكُتَّاب القارَّة، ومن المثير للسخرية، أنَّ الكُتب قبل ثلاثين عامًا، كانت في متناول الناس بدرجة أكبر مما هي عليه الآن، أي بعد المرحلة الاستعمارية بوقت قصير (صحيح أن الطلاب الذين كنت أقوم بالتدريس لهم في نيجيريا في أوائل الستينيات، كانوا من أبناء الأغنياء الذين يستطيعون إلحاقهم بالمدارس الثانوية، وأن يشتروا لهم الكتب اللازمة للدراسة)، ولكنَّا نجد اليوم، على سبيل المثال، أنَّ تكلفة الكُتب تحول دون رغبة «جامعة أفريقيا» في زيمبابوي، في خلقِ مؤسسة فريدة ومتميزة، تضم عددًا من أبناء القارَّة؛ فكيف يمكن أن يُكَوِّنَ طُلاب الأدب مثلًا، فكرة عن الرواية (أو عن القصة الطويلة)، إذا كان المتاح للقراءة أجزاء ومختارات من الكتب؟ وكيف سيكون حال الجيل التالي من القُرَّاء في أفريقيا، وليس لديهم كُتب بسبب ارتفاع أسعارها، بالإضافة إلى فقر القارَّة المُدقِع في المكتبات؟
الطلاب في كل أنحاء العالم، خُبراء في الالتفاف على مشكلة أسعار الكُتب، والطلاب الأمريكيون — مثل الأفريقيين — يشكون من ارتفاع أسعارها، ولذلك يقومون بنسخها بواسطة الآلات الكثيرة المتوفِّرة بالمكتبات، ولكن مكتبات المدارس الأفريقية، نادرًا ما يوجد بها ماكينات تصوير ضوئي، هذا إلى جانب أن المبلغ الذي يوفِّره الطالب الأمريكي، نتيجة تصوير كتاب بدلًا من شرائه، هو مصروف جيب إضافي له، وهو ما ليس كذلك بالنسبة لطالب أو قارئ أفريقي بشكل عام.
يقول «بيتر بريملو Peter Brimelow» في عدد حديث من مجلَّة «فوربز Forbes»: إنَّ الكُتب قبل العصر الصناعي، كانت سلعةً ترفيهية، لا يقدر عليها سوى الأغنياء، إمكانيات الطباعة الحديثة، والإنتاج الكبير، هبطت بالأسعار كثيرًا، بالإضافة إلى أنَّ التدفُّق الحُر للأفكار، الناجِم عن توفُّر كُتب ودوريَّات رخيصة، أصبحَ أمرًا مُهمًّا وأساسيًّا بالنسبة للمجتمعات الديمقراطية، أو على الأقل، بالنسبة للمجتمعات المستقرَّة. كثير من الدول الأفريقية اليوم، مُكبَّل اقتصاديًّا، لدرجة أنَّ المجتمع الخالي من الكتب، الذي يخشاه «هانز زيل Hans Zell»، مستمر في إعاقة أي تغيُّر سياسي أو اجتماعي، وكما يقول «جوردون جراهام Gordon Graham» في Publishers Weekly: فإن «النشر لا يزدهر في ظل الأنظمة الدكتاتورية، وحرية التعبير هي اللهب الذي يُعجِّل بسقوطها … والمجتمعات الخالية من الكتب خطِرة على نفسِها وعلى العالَم.»
مجتمعات بلا كُتب، مجتمعات بلا قرار، مجتمعات بلا كتاب، كيف إذَن يمكن أن يكون شكل المستقبل، إذا كانت تحولات ما يُسمى بعصر المعلومات تتجنَّب الكثير من الدول الأفريقية؟ الكل خاسِر! وخاصَّة، أنَّ ذلك يحدث متلازمًا مع النزوح الكبير للمثقفين الأفارقة. كثير من كُتَّاب أفريقيا اليوم، لاجئون، فرُّوا من مجتمعاتهم، بسبب ما فيها من اضطراب سياسي، وآخرون يشعرون بالحاجة لأن يكونوا قريبين من قُرَّائهم، وبات ذلك يعني أن يكونوا في أوروبا وأمريكا وليس أفريقيا، ولذلك، فإن نزف الأدمغة، أو خروج الكُتَّاب الأفارقة، هو أحد الجوانب المثيرة للقلق في الظروف الحالية.
ما الذي يمكن عمله إذَن لتحسين هذا الوضع الفاجع للكُتَّاب الأفارقة بعامَّة، وللجيل القادم منهم بخاصَّة؟
بعض الناس، وخاصَّة في الغرب، مَن يؤرِّقهم هذا الوضع، يحاولون تناول هذه القضية، بالإضافة إلى أنَّ هناك منظَّمات عالمية (من الغرب أيضًا)، تقدِّم مبالغ مالية كبيرة لتحسين أوضاع النشر في القارَّة، ومرَّة أخرى، نتساءل عمَّا يمكن عمله إلى جانب ذلك كله، كم مؤتمرًا إضافيًّا يُمكن عقده لتصحيح أوضاع النشر، وتحسين أحوال الكُتَّاب في أفريقيا؟ يقول «هانز زيل»: إنَّ الوضع لن يتغيَّر كثيرًا، حتى مع المزيد من هذه الوسائل والإجراءات التي لم تحقق شيئًا حتى الآن.
في كل دورة من دورات «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب»، يتم اقتراح حلول لتخفيف الخنقة الاقتصادية المطبِقة على مُعظم الناشرين الأفارقة، تتم المطالبة بإلغاء الضرائب على ورق الطباعة، وعلى الكتب المستوردة، ويدعون لطباعة كتب رخيصة (كما كانت تفعل مطبوعات أونيتشا)، وخاصَّة للأطفال في الصفوف الأولى (كما تفعل حكومة الهند)، وذلك لنشر التعليم، وتهيئة المناخ الذي يساعد على ذلك، خاصَّة باللغات المحلية، كما تُرفع شعارات جميلة من قبيل «إنَّ الطفل الذي يحب القراءة، ويقتني الكتب، سوف يشبُّ على ذلك». كل هذه الحلول، والاقتراحات، والدَّعوات، والشِّعارات، بالرغم من معقوليتها، تعتمد على وجود حكومات مُستنيرة، تتبنَّى سياسات وطنية بالنسبة للكُتَّاب، وتقوم بمتابعتها مع المنظمات العالمية، المستعدَّة لتمويل مثل هذه المشروعات.
من الضروري أن تكون هناك رؤية أشمل، لكي يحدث تغيير أساسي؛ ففي كلمة بعنوان «الثقافة والذاكرة والتقدم»، أمام البنك الدولي في أبريل ١٩٩٢م، اقترح «شوينكا» إسقاط ديون أفريقيا كتعويض عن العبودية، وهي فكرة نبيلة، ليتها تتحقق، ثم أنهى كلمته بقوله: إذا كانت كلمة «تعويض» ستمثل مشكلة، فإنني أقترح كلمة إلغاء annulment، فلها جاذبية الصدى، الذي تُحدثه كلمة الإعلان annunciation عندما نتحدَّث عن الإعلان عن نظام عالمي جديد. فليتم «إلغاء» الديون، ولا نقول «العفو» عنها، وهكذا، فنحن أيضًا لا نعفو عن الماضي، وإنما نُسقِطه، وعندما نتذكَّر القرن العشرين في المستقبل، سنقول إنَّه كان قرن «الإلغاء»، وهو أمرٌ جدير بالاعتبار بأن يكون خاتمة للقرن، كما أنه مشروع نبيل.
وفي اقتراح مُشابه لتناول جزء من المشكلة وجَّه «شينوا أشيبي» (في حديث لاحِق بعنوان «أفريقيا هي الناس»، البنك الدولي، يونيو ١٩٨٠م) نداءً مشبوبَ العاطفة، ودعوة للنظر إلى كل الشعوب، نظرة عادلة، وإلى الناس باعتبارهم سواسية: «أفريقيا تؤمن بالناس، بالتعاون مع الناس، إذا كانت مقولة «ديكارت» الفلسفية: «أنا أفكِّر إذَن أنا موجود» تمثل فكرة فردانية أوروبية، فإن مقولة البانتو «الإنسان إنسان بغيره من بني الإنسان» تمثل طموحًا أفريقيًّا عامًّا، إنسانيتنا تعتمد على إنسانية رفاقنا، لا يستطيع أي شخص أو مجتمع أن يكون إنسانيًّا بمفرده. نحن نرتفع — أو لا نرتفع — عن مستوى الحيوان، معًا، وإذا وعينا هذا الدرس، ولو متأخِّرًا، فسنكون قد قطعنا خطوة ألفية إلى الأمام.»
وعلى المستوى نفسه، هناك مثالٌ مستنير آخر، وهو Tsotso – مجلة الكتابة الجديدة التي تصدر في «هراري» زيمبابوي، التي اشتريت عددًا منها في «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب»، مجلة أدبية بسيطة ومفيدة، وثمنها ما يُعادل عشرة سنتات بسعر التحويل آنذاك. هدف المطبوعة — كما تقول هيئة التحرير — «هو قراءة وكتابة أفضل مع كل عدد»، وفي مناقشة عن نتائج «استطلاع رأي»، أُرسِل للمشتركين في المجلَّة، قال المحررون إن ٧٠٪ ممن أجابوا، أكَّدوا أنَّ كُتَّاب زيمبابوي ساعدوا في تغيير توجُّهات المجتمع، عن طريق التركيز على قضايا المرأة، والربط بين التعلُّم والتُّراث، والكشف عن ثراء ثقافة زيمبابوي، وتناول قضايا كانت دائمًا تُعتبر من المُحرَّمات، وفضح المظالم التي يتعرَّض لها الناس … وهز المجتمع لكي يفيق من حالة الاستكانة التي هو عليها.»
كان العدد الذي اشتريته من Tsotso يحمل رقم ٦٢١، وهي مطبوعة مُشجِّعة، بالرغم من عمرها القصير، وإلى جانب ورش الكُتَّاب التي تقوم بتنظيمها، يظل سعرها الزهيد أكثر ما يميِّزها، وهو في متناول معظم القُرَّاء، ولا يزيد على نصف ثمن صحيفة محلية.
وهناك ما يُشير إلى وجود توجُّهات مُشابهة، لمساعدة الكُتَّاب الجُدد في القارَّة، على نشر أعمالهم، وهو أمرٌ لا يقل أهمية، كما توجد اتحادات نشِطة للكُتَّاب في كلٍّ من زيمبابوي، وغانا، ونيجيريا، وأنجولا، وجنوب أفريقيا وليسوتو، وسوازيلاند، وموريشيوس، وغيرها من الدول، وفوق ذلك كله، هناك ذلك الاقتراح المهم، الذي يطرحه «جلبرت دو Gilbert Doho» الكاتب المسرحي والروائي الغاني، الذي يكتب بالفرنسية، وهو إنشاء جمعية تعاونية للكُتَّاب، تكون إطارًا تنظيميًّا أكثر إنتاجية، لضمان نشر الأعمال الجادَّة للكُتَّاب الملتزمين. يتضمَّن هذا الاقتراح أن يشترك عشرة كُتَّاب مثلًا في جمعية، يُسهم كلٌّ منهم فيها بمبلغ خمسين دولارًا في الشهر، لتغطية نفقات الإنتاج والتوزيع، ولكنَّ الظروف الاقتصادية — مرة أخرى — هي المشكلة، فمن أين لكاتب بمثل هذا المبلغ كل شهر؟ ربما كان بالإمكان تخفيض المبلغ، بزيادة العضوية، على ألَّا يكون من حق أحد، أن يُفرِض مادته على الآخرين، ولكنَّها بداية جيدة على أية حال، لما يمكن أن يكون مشروعًا ناجحًا للكُتَّاب في مكانٍ ما.
وأودُّ هنا في هذا السياق أن أقدِّم اقتراحًا، لعلَّه أكثر شمولًا، وهو إنشاء دار نشر على مستوى القارَّة الأفريقية، يموِّلها أفراد ومؤسسات من أفريقيا، ومن الغرب، يكون لها هيئة استشارية، معظم أعضائها من أفريقيا، يعملون دون أجر، من المهم جدًّا أن يكون الأفارقة هم المسيطرون على عملية النشر بالنسبة لأعمالهم، وأن يكونوا هم الذين يقرِّرون درجة الاعتماد على الغرب، ماليًّا وتحريريًّا.
هذه الهيئة الاستشارية لا بد من أن تضم أعضاء من كل مناطق القارَّة، بقدر الإمكان (وخاصَّة المناطق الأنجلوفونية والفرانكفونية)، مع أقلية من أعضاء دوليين، من ذوي الخبرة المباشرة بالعمل والعيش في القارَّة، أو الاهتمام بالأدب الأفريقي ونشره، وهنا ترِد على الذِّهن فورًا، أسماء مثل «دوريس ليسنج Doris Lessing»، و«وليم بويد William Boyd»، و«توني موريسون Toni Morrison»، بالرغم من وجود آخرين لديهم المؤهلات المناسبة، وإن كانوا أقل شهرة. تقوم الهيئة الاستشارية بالإشراف على كل أوجه نشاط المؤسسة، التي يجب أن تُعَرَّف بأنها مؤسسة غير ربحية، وربما يكون من الضروري أن تقوم منظمة عالمية ما، بتمويل اجتماعاتها التحضيرية، كما يمكن أن يقوم بذلك أعضاء الهيئة، ممن يستطيعون تحمل نفقات ذلك.
مثل هذه المؤسسة يحتاج إلى التمويل، وفي الماضي كان الأفارقة يتلقَّون تبرعات ومساعدات مالية للنشر، والإنفاق على الندوات وورش الكُتَّاب، وكان ذلك جزءًا من المشكلة؛ لأنه يتضمَّن وجود شخصيَّات من الخارج، تدفع الفاتورة دائمًا، وهنا أقترح ألَّا يكون المانحون، من الأفراد أو المؤسسات والمنظمات العالمية فقط، لا بد من أن يكون هناك مؤسسات أفريقية، وشخصيات أفريقية (من الكُتَّاب خاصَّة)، إلى جانب الأفارقة في الشتات، كما يمكن قبول أي مبلغ، وتُكتب أسماء المانحين في التقرير السنوي للمؤسسة، مرتَّبة أبجديًّا، وليس حسب قيمة المبلغ، وكلي أمل في أن تكون معظم الأسماء أفريقية، لكي يشعر أبناء أفريقيا بأنها مؤسستهم.
أمَّا بالنسبة لعملية اختيار الكُتب، فينبغي أن تكون في يد الأفارقة بالكامل، وكثيرون منهم لديهم خبرة مباشرة بالنشر، ويمكن أن يكون هناك في السنوات الأولى نوع من المسابقات الأدبية على مستوى القارَّة (للرواية والشعر مثلًا) تختار هيئة التحرير من بين الأعمال المقدَّمة لها ما يُنشر سنويًّا، ولا بدَّ من التأكيد مرَّة أخرى على ضرورة أن تتم كل تلك الأعمال بأسلوب تطوعي، إلى أن يشتد عود المؤسسة، ومن الجدير بالذكر هنا، أن «شينوا أشيبي» هو الذي اختار المائة كتاب الأولى، لسلسلة «هينمان» عن الكُتَّاب الأفارقة، دون أية مكافأة عمَّا قام به.
لا بدَّ من أن يتم نشر الكتب، في أكبر عدد من الدول الأفريقية في الوقت نفسه (وهذا يتوقف على شبكة التوزيع كما سيأتي لاحقًا)، باستخدام ما لدى شركات النشر القائمة من تسهيلات، على أن تحتفظ دُور النشر المحلية لنفسها بجزء من أرباح كل طبعة، ولكن لا بدَّ من تسعير الكتب، بمستوى يجعلها في متناول جمهور واسع، وإهداء عدد من النُّسخ (قبل التوزيع) لوسائل الإعلام، بهدف الدِّعاية المسبقَة، إلى جانب إهداءات المكتبات العامة ومكتبات المدارس، ومن الضروري أن تصدر كل كتب المؤسسة في طبعات بالإنجليزية والفرنسية، ثم باللغات المحلية، بعد اتساع نطاق القراءة.
ليس من الضروري أن تُنشر الكتب في أكثر من ثلاث أو أربع دول، إذا كان بالإمكان إنشاء ما يكفي من شركات التوزيع، وهكذا فإن طبعة جنوب أفريقيا من عمل ما، يمكن أن تُوزَّع في بتسوانا، وناميبيا، وزيمبابوي، وزامبيا، ومالاوي، بأسعار مناسبة بالعملة الوطنية، يجب أن تكون مُثبتة على الغلاف، وغنيٌّ عن القول إنَّ التوزيع على نطاق جغرافي أوسع يفترض إزالة كثير من المعوِّقات الموجودة حاليًّا. بوجود كتبهم في كثير من الدول، يتحقَّق للكُتَّاب قدر كبير من الاعتراف بهم، وهو أحد الأهداف الرئيسية للمؤسسة؛ حيث إنَّ مُعظم النشر في القارَّة في الوقت الراهن محلي، فكاتبةٌ مثل «إيفون فيرا Yvonne Vera» مثلًا، قد تكون مشهورةً في زيمبابوي، ولكن نادرًا ما يُقرأ لها أو يسمع بها أحدٌ في غرب أفريقيا.
الفائدة الرئيسية التي يحصل عليها الكاتب من نظام كهذا، هي ظهوره للعيان، وخاصَّة إذا كانت اتحادات الكُتَّاب، والمنظمات، والمكتبات، والإعلام، والمؤسسات الأكاديمية، مشارِكة في ذلك، فليست «إيفون فيرا» مثلًا، هي وحدها المجهولة في غرب أفريقيا (على سبيل المثال)، بل إننا يمكن أن نقول ما يشبه ذلك، عن كاتب مثل «بن أوكري Ben Okri»، الذي لا يقرأه أحد في مناطق كثيرة من القارَّة، بالرغم من شهرته الواسعة في الغرب، والكُتَّاب الذين تَنشُر المؤسسة أعمالهم سيحصلون على عائدات مشتركة من الناشرين الأفارقة ومن الخارج، والهدف هو أن يستطيع الكاتب الاعتماد على هذه العائدات، بالإضافة إلى أنَّ المقدمة التي تُدفع للكاتب، لا بد من أن تكون مبلغًا مُحترمًا.
هذه المؤسسة لا بدَّ من أن يكون مركزها الرئيسي في أفريقيا، ويمكن أن يتم ذلك بشكل دوري، أو أن يكون لها عدد من المكاتب في المناطق الجغرافية الرئيسية في القارَّة، ولا بد من أن تُعتبر مؤسسة أفريقية، وليست غربية، وبمرور الوقت، يجب أن يزيد عدد الكتب التي تنشرها سنويًّا، مع اتساعها، وضخ دماءٍ جديدة في كيانها، ولا بدَّ من أن يكون من بين الأهداف البعيدة المدى لهذه المؤسسة، أن تكون مستقلَّة، وبمنأًى عن أي تدخُّل غربي، ولذا ينبغي استبدال الأعضاء غير الأفارقة في الهيئة الاستشارية بالتدريج، ومع زيادة الأرباح، يمكن الاستغناء — بالتدريج أيضًا — عن الدَّعم الاقتصادي الغربي، ويمكن أن تفيد المؤسسة من نموذج «جامعة أفريقيا» في زيمبابوي، التي أسستها في البداية إحدى الكنائس الإصلاحية في الولايات المتحدة، واستطاعت بالتدريج أن تقلِّص اعتمادها المالي عليها.
ويجب أن يكون من بين الأهداف الثانوية للمؤسسة إنشاء دُور نشر فردية في الدول الأفريقية، أو تقوية علاقاتها بالدُّور الموجودة، وكذلك إصدار مجلة أدبية مزدوجة اللغة، رخيصة السعر، وجذَّابة، ولكن على مستوى احترافي قدر الإمكان، كما أنَّ علاقاتها وارتباطاتها بعدد من المطبوعات الرئيسية التي تصدر في الغرب (مثل Transition، وBlack Renaissance/Noire وRevue Noir، والصحف ذات التوزيع المحدود)، قد تؤدي إلى قراءة أوسع لتلك المطبوعات في الدول الأفريقية.
على مدى أربعين سنة تقريبًا، كُنت مراقِبًا محظوظًا للمشهد الأدبي الأفريقي، مستفيدًا من امتياز ميلادي أمريكيًّا، ولو لم أمارس التدريس في نيجيريا في أوائل الستينيات، لمَا تمكَّنت من قراءة عمل «آموس تيوتولا»: «شَرِّيب نبيذ النخيل»، ولا رواية «أشيبي»: «الأشياء تتداعى»، ولَما كان بالإمكان معرفة مطبوعات أونيتشا، التي كانت هناك على بُعد أميالٍ قليلة من مكان إقامتي، ولا كنتُ قد استطعتُ أن أشتري الأعداد الأولى من Black Orpheus (أورفيوس الأسود)، أحد أهم المجلات الأدبية الأفريقية، عندما بدأ ظهورها في Mbari Club في أبادان، ولَما كنت قد بدأت في شراء بعض الأعداد من سلسلة «هينمان» للكُتَّاب الأفارقة، التي ظهرت في غرب أفريقيا، ولا اشتريت الطبعة الأولى من رواية «أشيبي»: «سهم الله» من أحد محلات بيع الكتب في «أنوجو»، بعد نشرِها بوقت قصير في إنجلترا.
هذه الميزة (أمريكي – أبيض – ينتمي للطبقة المتوسطة) هي التي جعلت كل ذلك ممكنًا، وعندما عُدتُ إلى الولايات المتحدة، كانت هذه الميزة نفسها هي التي مكَّنتني من البحث في المكتبات الأمريكية، وأن أبدأ القراءة لكُتَّاب من بقية القارَّة الأفريقية، وأن أُكمل دراساتي العليا في جامعتي «هوارد Howard»، و«إنديانا Indiana»، وأن أقوم في الوقت نفسه، بالتدريس والكتابة عمَّن كُنت «أكتشفهم» من الكُتَّاب، (الاكتشاف كان اكتشافي وحدي، أمَّا الأفارقة، فكانوا يعرفون أنهم موجودون بالفعل) ويا لها من اكتشافات رائعة: شُعراء الزنوجة … كُتَّاب جنوب أفريقيا المعارضين للأبارتايد (وكان كثيرون منهم يعملون في Drum)، ثم بعد وقت قصير، كُتَّاب مثل: «كامارا لايي Camara Laye»، و«سيميله م. كوردر Similih M. Cordor»، و«أتيوكوي أوكاي Atukwei Okai»، و«دون ماتيرا Don Mattera»، و«والي سيروت Wally Serote»، و«سيل شيني كوكر Cyl Cheney-Cooker»، و«أوزوالد متسالي Oswald Mtshali»، وغيرهم، ممن عرفتهم أثناء منحة سفرٍ قصيرة من هيئة فولبرايت سنة ١٩٧٣م.
واستمرت الميزة ليكون بمقدوري مراسلة الكُتَّاب الآخرين، ومقابلة الكثير من الكُتَّاب الأفارقة، عندما يزورون «واشنطن دي سي»؛ حيث كنت أقوم بالتدريس في معظم تلك السنوات، وكذلك لكي أتابع إنجازات «شوينكا» غير العادية، ككاتب ومُخرج لمسرحية Death and the King’s Horsemen في «مركز كينيدي» سنة ١٩٧٩م، والمؤكَّد أنها كانت واحدة من أجمل الأمسيات التي أمضيتُها في أحد المسارح، كما تمكنتُ من أن أطير في أفريقيا عدَّة مرَّات، وحضور «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب»، وكنت عندما أريد معرفة مكان أية مادَّة مطبوعة في أفريقيا، سواء من الكتب أو الدَّوريَّات، أو الحصول عليها ولو على سبيل الإعارة، كان بإمكاني تحقيق ذلك بسهولة، وفي وقتٍ قصير. أتمنَّى أن يغير الإنترنت الأوضاع بالنسبة لكُتَّاب أفريقيا، عندما يصل مستوى الكهرباء والاتصالات في أفريقيا إلى المستوى الذي هو عليه في الغرب … هناك دائمًا مشكلة «عندما» و«متى»! فما هو متاحٌ بالنسبة لي، ليس في متناول الباحثين والأكاديميين الأفارقة. إنَّ رحلة طيران، من غرب أفريقيا إلى هراري، لحضور «معرض الكتاب الدولي في زيمبابوي»، مكلِّفة، بحيث لا يقدر عليها عددٌ كبير من الأفارقة، كما أنَّ حكوماتهم لا تستطيع مضاعفة الإعانات، أو الامتيازات الممنوحة لهم، والتي يعتبرها الأكاديميون الغربيون حقًّا مشروعًا، وإذا كان عدد محدود من كُتَّاب أفريقيا، هم الذين يستطيعون أن يعيشوا على أعمالهم، فكيف يمكنهم حضور مؤتمر في كمبالا، أو أكرا، أو كيب تاون، على سبيل المثال؟
كُتَّاب أفريقيا يعيشون في عالَم لا ميزات فيه ولا مزايا، قُرَّاؤه قليلون، منافذ النشر فيه غير كافية، دخول مَن يحبون شراء الكُتب هزيلة، كما أنَّ الكُتَّاب الأفارقة يفتقدون النقاد الجيدين، ونادرًا ما يصادفون قادة سياسيين مستنيرين، يكونون على استعداد للاعتراف بقيمة الفنون والآداب. الكُتَّاب لا ينعمون بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، حياتهم مهدَّدة بالرقابة، والنفي الاضطراري، والسجن … وبما هو أسوأ، وبالرغم من ذلك كله، فقد ترك كُتَّاب أفريقيا المعاصرون بصمة لا تُمحى على عقل القارة، وعلى المشهد الأدبي العالمي. إنَّ الذين يقولون إنَّ القارَّة لم يخرج منها شيءٌ جيد، لم يقرءوا كُتَّابها، أولئك الكُتَّاب الذين حملوا على عاتقهم عبء النهوض بشعوبهم، ورسموا الطريق التي ستحملهم بعيدًا عن مُستنقع الحاضر، وقد فعلوا ذلك دون أن تكون لهم فُرص أقرانهم في الغرب، أو حتى في أمريكا اللاتينية.
الأزمة في الكتابة الأفريقية أزمةٌ حقيقية، ولكنَّها ليست أكبر من عجزنا عن التعامل معها.
محنة الكاتب الأفريقي |
قائمة المراجع والمصادر
Works Cited
Achebe, Chinua, Arrow of God (London: Heinemann, 1964).
______, A Man of the People (New York: Anchor, 1967).
______, Morning Yet on Creation Day, (London: Heinemann, 1975).
______, The Trouble with Nigeria (London: Heinemann, 1984).
______, Things Fall Apart (New York: Anchor, 1994).
______, “Africa is People”, Presidential Fellow Lecture Series, World Bank, Washington, DC, 17 June 1998.
African Writers-Publishers Seminar (Arusha, Tanzania, 23–26 February 1998), Seminar Report (Uppsala: Dag Hammarskjold Foundation, 1998).
Akinjogbin, I. Adeagbo, Letter, West Africa, 5 June 1954: 513.
Aremu, Tunde, “A Pioneer, a Quiet Burial”, ALA Bulletin, 24 (Autumn 1998). 9-10.
Armah, Ayi Kwei, The Beautiful Ones Are Not Yet Born (Boston: Houghton Mifflin 1968).
______, “Larsony, or Fiction as Criticism of Fiction”, Asemka, 4 (September 1976): 1–14
Bá, Mariama, Une si longue lettre (Dakar: Les Nouvelles Editions Africaines, 1980).
Bamhare, Miriam. “Getting Hooked on Reading”, Writers’ Workshop, ZIBF, 5 August 1998.
Boyd, William, “Introduction, to Sozaboy by Ken Saro-Wiwa (Essex: Longman, 1994)” v-ix.
______, “Death of a Writer”, the New Yorker, 27 November 1995: 51-5.
Breytenbach, Breyten, The True Confessions of an Albino Terrorist (New York: McGraw-Hill, 1986).
Brimelow. Peter, “Why They Call it Harvard College”, Forbes, 9 March 1998: 50-1.
Brutus, Dennis, letters to Martha (London: Heinemann, 1968).
Calder-Marshall, Arthur, Revue of The Palm-Wine Drinkard by Amos Tutuola. The Listener, 13 November 1952: 819.
Chakava, Henry, Publishing in Africa: One Man’s Perspective (Oxford Bellagio Publishing Network, 1996).
______, Talking Books: “Henry Chakava in Conversation”, Bellagio Publishing Network Newsletter, 21 (December 1997): 14–16.
______, “Children and Books: Kenya, a Decade of Publishing for Children (1988-1989)”, ZIBF, 3 August 1998.
Chimombo, Steve, “Thirty Year of Writing Under Banda”, unpublished essay, 1996.
Chirikure, Chirikure, Hakurarwi (Harare: Baobab, 1998).
Cordor, Similih M. Modern West African Stories from Liberia (Monrovia: Books for Africa Press, 1972).
______, Africa, from People to People (Monrovia: Books for Africa Press, 1979).
______, New Voices from West Africa (Monrovia: Books for Africa Press, 1980).
Conrad, Joseph, Heart of Darkness (New York: Dover, 1990).
Ekwensi, Cyprian, When Love Whispers (Onitsha: Tabansi, 1948).
______, Jagua Nana (New York: Fawcett, 1969).
______, Jagua Nana’s Daughter (Ibadan: Spectrum, 1986).
Emenyonu, Ernest, Cyprian Ekwensi (London: Evans, 1974).
______, “In Memorium: Amos Tutuola”, ALA Bulletin, 23 (Autumn 1997): 3–5.
Enahoro, Peter, How to be a Nigerian (Ibadan: Spectrum, 1966).
Evenson, Brian and David Beus, “Camara Laye”, in Pushpa Naidu Parekh and Siga Fatima Jange (eds), Postcolonial African Writers: A Bio-bibliographical Critical Sourcebook (Westport, CT: Greenwood, 1997).
Ezenwa-Ohaeto, Chinua Achebe: A Biography (Bloomington: Indiana University Press, 1997).
Facts and Figures from ZIBF 98: Children (Harare: ZIBF, 1999).
Farah, Nuruddin, From a Crooked Rib (London: Heinemann, 1970).
______, “Why I Write”, Third World Quarterly, 10 (October 1988), 4: 1591–9.
______, “In Praise of Exile”, In John Glade (ed), Literature in Exile (Chapel Hill: Duke University Press, 1990): 64–7.
George, Rosemary M. The Politics of Home: Postcolonial Relocations and Twentieth-Century Fiction (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).
Gibbs, James, “Of Kamuzu and Chameleons: Experiences of Censorship in Malawi”, Literary Half-Yearly, 23, 2 (1982): 69–83.
______, “Experiences of Censorship and Theatre in Malawi”, Literary Half-Yearly, 26, 2 (1985) 65–73.
Graham, Gordon, “For Publishing, Crisis in the Third World”. Publishers Weekly, 15 February 1991: S4.
Harding, M. Hassan, “Beyond Upholding Tutuola’s Dignity”, Daily Times, 28 June 1978: 7.
Head, Bessie, A Question of Power (London: Davis-Poynter, (1973).
______, “The Prisoner Who Wore Glasses”, in Charles R. Larson (ed.), Under African Skies: Modern African Stories: (New york: Farrar, Straus and Giroux, 1997): 167–6.
Hill, Alan, In Pursuit of Publishing (London: John Murray, 1988).
Hove, Chenjerai, Bones (Harare: Baobab, 1988).
Rodman, Selden, Revue of The Palm-Wine Drinkard by Amos Tutola, New York Times Book Review, 20 September 1953: 5.
Sallah, Tijan M. Network 2000, 4, 4 (Fall 1997): 5.
Samkange, Stanlake, On Trial for Ny Country (London: Heinemann), 1966).
Saro-Wiwa, Ken, Genocide in Nigeria: The Ogoni Tragedy (Port Harcourt: Saros Publishers, 1992).
______, Sozaboy (Harlow: Longman, 1994).
______, A Month and a Day: A Detention Diary (London, 1995).
______, Lemona’s Tale (London Penguin, 1996).
Sisula, Elinor, The Day Gogo Went to Vote (Boston: Little, Brown, 1996).
Soyinka Wole, Poems from Prison (London: Rex Collings, 1969).
______, Madmen and Specialists (London: Methuen, 1971).
______, The Man Died ,London: Rex Collings, (1972).
______, Collected Plays I and II (London: Oxford University Press), (1973).
______, Ibadan – The Penkelemes Years (London: Methuen, 1994).
______, The Open Sore of a Continent: A Personal Narrative of the Nigerian Crisis (New York: Oxford University Press, 1996).
______, “Culture, Memory and Development”. International Conference on Culture and Development in Africa, World Bank, Washington, DC, 2-3 April 1992.
______, “Interview: Nigeria Should Stick Together”, West Africa, 18–24 July 1994: 1270-1.
______, “Soyinka Tells His Exile Story”. News@FreeNigeria.org. 18 October 1998.
Speedy Eric (A. Onwudiwe), Mabel the Sweet Honey (Onitsha: Trinity Printing Press, n.d.).
Tadjo, Véronique, Latérite (Paris: Hatier, 1983).
______, A Vol d’oiseau (Paris: Fernand Nathan, 1989).
______, Le royaume aveugle (Paris: L’Harmattan, 1992).
Thomass, Dylan, “Blythe Spirits”, The Observer, 6 July 1952: 7.
Tucker, Neely, Revue of Under the Tongue by Uvonne Vera, World View (Winter 1997-98): 78.
Tumusiime, James, “A Decade of Publishing for Children in Uganda”, ZIBF, 3 August 1998.
Tutuola, Amos, The Palm-Wine Drinkard (New York: Grove Press, 1953).
______, The Wild Hunter in the Bush of Ghosts (Washington, DC: Three Continents Press, 1982).
______, Yoruba Tales (Ibadan: Ibadan University Press, 1986).
Ude. A. O. The Nigerian Bachelor’s Guide (Onitsha: Ude’s Publishing Company, n.d.).
Vera, Yvonne. Why Don’t You Carve Other Animals (Toronto: TSAR, 1992).
______, Under the Tongue (Harare: Baobab, 1996).
______, Butterfly Burning (Harare: Baobab, 1998).
West, Anthony, Revue of The Palm-Wine Drinkard by Amos Tutuola, The New Yorker, 5 December 1953: 206.
Williams, Lena, “Celebrating Writers Who Defy All the Odds”, New York Times, 22 October 1997: E1.
Woolf, Virginia, “Modern Fiction”, in Collected Essays, Vol. 2 (New York: Harcourt, Brace and World, 1967): 103–10.
Zell, Hans, “Africa: The Neglected Continent”, Logos, 1, 2 (1990): 19–27.
______, “Publishing: Books”, Encyclopedia of Africa South of Sahara, Vol. 3 (New York: Charles Scribner’s Sons, 1997): 536–9.
______, The Production and Marketing of African Books: A Msungu Perspective”, Logos, 9, 2 (1998): 104–8.
محنة الكاتب الأفريقي |
الفصل الأول نموذج آموس تيوتولا: فنان بالمصادفة أم كاتب حقيقي؟
ولمَّا كان الشهر السادس بعد موت أبي، ذهب الساقي مساء يوم أحد إلى مزرعة النخيل؛ ليجلب لي بعض النبيذ، وعندما وصل إلى المزرعة، تسلَّق نخلةً طويلة، وراح ينقرها ليستخرجَ منها النبيذ، وفي أثناء ذلك، سقط فجأةً ليموت عند جذع النخلة. كنتُ أنتظر عودته بالنبيذ، وعندما وجدت أنه تأخَّر على غيرِ عادتِه، دعوتُ اثنين من أصدقائي لنذهبَ معًا إلى المزرعة، وعندما وصلنا إلى هناك، رُحنا نفتِّش عنه، وبعد فترة وجدناه مُلقًى تحت النخلة، حيث كان قد سقط ومات.
(Amos Tutuola, The Palm-Wine Drinkard, 1952)
وفيما بعدُ ذهبتُ إلى «مديرية العمل»؛ لكي يوقِّع لي نُسخة من كتابه، فوجدته جالسًا في أحدِ الأركان بزيِّهِ الفضفاض وهو يغطُّ في النوم، ولكي أصِل إليه كان عليَّ أن أخترقَ صفوفًا متوالية من العاملين النيجيريين ذوي النظَّارات، الجالسين على مكاتبِهم في وقار موظفي الحكومة، كان يبدو عليهم الضِّيق، لأنَّني كسرت قواعد اللياقة؛ إذ لم يكُن من المعتاد أن يقوم رجل أبيض بزيارة أحد السُّعاة. سألني عمَّا أريده أن يكتب، وبعد أن وقَّع الإهداء، قال: أعتقد أنَّك عندما تصل إلى هناك، إلى الولايات المتحدة، ستكتب لي رسالةً؛ قلت: «نعم! ولكن لماذا؟» قال: لأعرف أنَّك لم تنسني.
(Eric Larrabee, Review of The Palm-Wine Drinkard, The Reporter, 12 May 1953)
هناك خلاف بين النقاد على تحديد تاريخ ميلاد الأدب القصصي الأفريقي الحديث، ولكن عندما تُذكَر الكتابة الأنجلوفونية في جنوب الصحراء، لا بد من أن يذكر كثيرون تاريخ صدور رواية «شَرِّيب نبيذ النَّخيل» للكاتب النيجيري «آموس تيوتولا Amos Tutuola» (لم تحظَ سرديات الكُتَّاب السُّود السَّابقين بمثل ما حظِيَت به روايةُ «تيوتولا» من انتشار). بعد أن نشرتها دار Faber and Faber في إنجلترا سنة ١٩٥٢م، أعادت دار نشر Grove Press طباعتها في الولايات المتحدة في العام التالي، وفي ذلك الوقت كانت الضَّجة قد بدأت والجدال قد احتدم، ليستمر حتى وفاة الكاتب سنة ١٩٩٧م.
«آموس تيوتولا» من مواليد ١٩٢٠م في «أبيوكوتا Abeokuta» — نيجيريا الجنوبية — بدأ تعليمه الأساسي سنة ١٩٣٤م في مدرسة جيش الخلاص المحلية، واستمرَّ بعد ذلك لمدة عامين في «لاجوس»، بمساعدةٍ من أحد الكفلاء (موظف حكومي اسمه F. O. Mornu)، ويقول المؤلف عن نفسه إنَّه كان تلميذًا ذكيًّا، نُقِل مرَّتَين إلى صفٍّ أعلى متخطِّيًا أقرانه، إلَّا أنَّ العقبة كانت دائمًا هي الظروف الخارجية، وليست قدراته الذهنية.
كانتْ مُدبرةُ المنزل التي تعمل لدى السيد «مورنو»، ترسل التلميذ إلى المدرسة في لاجوس كل يومٍ دُون إفطار أو نقود للغداء، ويبدو أنها كانت تستولي على النقود لنفسِها، وترى أنه يمكن أن يعيش على وجبة واحدة في اليوم، عندما يعود إلى المنزل بعد الظهر، وفي مقالٍ بعنوان «حياتي ونشاطاتي» كتَبَه بمثابة كلمة ختامية للطبعة الأمريكية من رواية «شرِّيب نبيذ النخيل»، يصف «تيوتولا» هذه السيدة مرَّة بأنها كانت «شديدة القسوة» (p. 126)، ومرَّة أخرى بأنها «غليظة القلب» (p. 127)، بالإضافة إلى أنه كان يخشى أن يشكو لسيده سوء معاملتها؛ حتى لا تتوقف عن دفع مصروفات المدرسة، وبعد أن عاد إلى «أبيوكوتا» بعد ما يزيد على العام بقليلٍ قرَّر البقاء في المنزل بدلًا من العودة إلى تلك السيدة القاسية.
كان والد «تيوتولا» مزارعًا فقيرًا، إلَّا أنه كان يستطيع أن يدفع مصروفات المدرسة الأنجليكانية، كما كان يفعل قبل ذلك عندما كان الطفل يعيش معه في «أبيوكوتا»، وقد توقَّفت هذه الدراسة سنة ١٩٣٩م، عندما مات والده، وهكذا تكون دراسته عبارة عن ستِّ سنوات متقطعة. بعد ذلك عمل في مزرعة الأسرة لمدة سنة، قبل أن يعود إلى «لاجوس»؛ ليقيم مع أخٍ له غير شقيقٍ، ويتعلَّم حرفة الحدادة. يقول تيوتولا: «وبعد أن أصبحت مُؤهَّلًا للاشتغال بهذه الحرفة، عملت سنة ١٩٤٩م بالقوات الجوية لغرب أفريقيا في وظيفة حدَّاد، رتبتي (AAl) ورقمي (WA/8624).» (p. 126) على أنَّ التواريخ المذكورة أعلاه محل خلاف بين الباحثين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حاول «تيوتولا» القيام بعدة مشروعات صغيرة، فشلَتْ كلُّها، بما في ذلك إنشاء ورشة حدادة خاصة.
كان الحصول على عملٍ آنذاك أمرًا صعبًا؛ بسبب الأعداد الكبيرة من الجنود النيجيريين العائدين من الخارج، وهكذا، عمل «تيوتولا» بوظيفة «ساعٍ» في مديرية العمل في «لاجوس»، وهناك، عندما كان لا يجد ما يفعله خلال ساعات العمل الطويلة، كان يكتب حكايات اليوروبا التي كان يستمع إليها من أمِّه وغيرها في طفولته، وكما يقول في آخِر جُملة من مقاله الذي سبق ذِكره: «كان ذلك صعبًا بالنسبة لي قبل حصولي على هذه الوظيفة غير المُجزية، التي ما زلتُ أمارسها حتَّى الآن» (p. 130).
مخطوطة «شَرِّيب نبيذ النخيل» المكتوبة بخط يده، والتي زعم «تيوتولا» فيما بعدُ أنه كتبها في يومَين، في نوبةِ إبداع شبيهة بالانفجار، وراجعَها في بضعة أشهر، أُرسلت في البداية إلى الجمعية المتحدة للأدب المسيحي في «لندن». كان «تيوتولا» قد قرأ إعلانًا في «نيجيريا ماجازين»، يصف نشاط الجمعية في نشر أعمال الكُتَّاب الأفارقة، عن طريق إدارة النشر التابعة لهم، وهي «لترويرث برس Lutterworth Press». كان تعليم الكاتب مسيحيًّا، ولم يكُن للنشر في نيجيريا وجودٌ تقريبًا، وبالرغم من عدم نشر الرواية، كان من حُسن حظِّه أن يُدرك محرِّرو الدار أهميتها الخيالية، فحاولوا لَفْت انتباه ناشر آخَر إليها، ردَّ عليهم قائلًا: «كُفُّوا عن هذا الهراء!» فما كان منهم إلَّا أنْ أرسلوها إلى دار نشر «فيبر آند فيبر Faber and Faber»،١ وبعد جهدٍ كبير في تحرير المادة، صدرت رواية «تيوتولا» سنة ١٩٥٢م، رغم أنها ربما تكون قد كُتِبت قبل ذلك بثلاث سنوات.
وسرعان ما بدأ الجدال، وانقسم النقاد إلى فريقَين: كان النقاد الإنجليز والأمريكيون مفتونين بقصة «تيوتولا»، وبأسلوبه في الكتابة، بينما كان النقاد الأفارقة يخشون أن يتصوَّر الغربيون أن «تيوتولا» هو «نموذج الأفريقي المتعلِّم بشكل عام».
كان ذلك وقتًا حرِجًا في تاريخ الاستعمار في أفريقيا، وكان التسريح من الخدمة العسكرية، قد أعاد آلاف الجنود الأفارقة إلى مواطنهم، وكانوا قد بدءوا مع زعمائهم يُطالبون بالاستقلال عن القُوى الاستعمارية. في الاحتفال بذكرى «تيوتولا» سنة ١٩٩٧م كتب «آرنست إيمينيونو» يقول: «إنَّ أفضل السياسيين الأفارقة الذين تعلَّموا في عدد من أفضل جامعات أوروبا وأمريكا يعرضون قضية استقلال بلادهم، ويُدافعون عنها بلغة المستعمر — دون أخطاءٍ — على أرضه».٢ لم يكُن «آموس تيوتولا» يستخدم إنجليزية الملكة.
من الصعب تحديد ما إذا كانت «اللغة» أم «القصة» هي التي أثَّرَت في النقاد الغربيين، بالنسبة لرواية «تيوتولا»؛ فالشاعر الويلزي «ديلان توماس Dylan Thomas»، بدأ مراجعته النقدية في جريدة اﻟ «الأوبزرفر Observer» (٦ يوليو ١٩٥٢م) بقوله: «هذه هي القصة المُحكمَة، المُحتشدة، المروعة، الفاتنة، من سلسلة قصص مكتوبة بإنجليزية فتية، لكاتب من غرب أفريقيا، عن رحلة «شَرِّيب نبيذ النخيل»، عبر كابوسٍ من المغامرات العجيبة العصِية على الوصف، يُقدِّمها ببساطة وعناية، وبأسلوب يقف له شَعرُ الرأس.»
وبعد ثلاث فقرات من المقال، يقول «توماس»: «الكتابة كلها تقريبًا مصقولة ومباشرة وقوية، ومُرَّة وصريحة، وذات نكهة خاصة، ومَشاهد الرُّعب فيها — وهي كثيرة وساخرة — قريبة ومفهومة، مثلها مثل التفاصيل الصغيرة عن الأسعار والأحجام والأعداد، كل ما في هذه الرواية الشيطانية الطويلة الاستثنائية في عجائبيتها، لا بد من أن يستوقفك.»
ويتساءل المرء، ماذا كان يمكن أن يكون مصير هذه الرواية، لو لم يتوفَّر لها حُسن الحظ غير العادي بسبب نقد «ديلان توماس»، أمَّا «بيرنث لندفورس Bernth Lindfors» فكتب يقول: «ربما يكون «تيوتولا» مَدينًا بكثير من شهرته الباكِرة لتقريظ الشاعر الويلزي الكبير (Critical Perspectives, 1975, p. 3)، وكانت الطبعات التالية والإعلانات عن عمل «تيوتولا» — بما في ذلك الطبعة الأمريكية الأولى — تقتبس دائمًا من مقال «ديلان توماس»، الذي حدَّد توجُّه كثير من التعليقات التي توالت فيما بعد.»
بعد بضعة أشهر، كتب «آرثر كالدر مارشال Arthur Calder Marshall» (في عدد 13 Nov, 1952 من The Listene) مُردِّدًا كلام «توماس»، ومُشيرًا إلى أنَّ رواية تيوتولا «عمل لافت للنظر … وأنه يؤذن بفَجْر الأدب النيجيري.» وفي العام التالي، كان النقاد الأمريكيون يُلقون الضوء على لُغة «تيوتولا»؛ فكتب «إريك لارابي Eric Larrabee» في (The Reporter, 12 May 1953)، يصف الكتاب بأنه «مكتوب بإنجليزيةٍ ليست إنجليزية هذا العالَم.» وذهب «سلدن رودمان Selden Rodman» في (New York Times Book Review, 20 Sep 1953) خطوة أبعَد من ذلك؛ ليصف المؤلِّف بأنه «فِطريٌّ حقيقي»، كما وصف الرواية بأنها «شِعْر بسيط». أمَّا «أنتوني وست Anthony West» فحمل الجِدال النَّقدي إلى ما هو أبعَد، عندما وصف أسلوب «تيوتولا» في اﻟ «نيويوركر The New Yorker, 5 Dec 1953» بأنه «بِدائيٌّ وبربري»، مُشيرًا إلى أنَّ المرء «يلحظ لمحات لبدايات أدبٍ»، كما ظهرت تنويعاتٌ كثيرة على مثل هذه التعبيرات في كتاباتٍ نقدية أخرى، وكذلك في مراجعة «في إس بريتشت V. S. Pritchett» لكتاب «تيوتولا» الثاني: «حياتي في دغل الأشباح My Life in the Bush of Ghosts» الذي نُشِر لأول مرَّة في ١٩٥٣م: «لا يستطيع المرء أن يقطع ما إذا كانت أعمال مثل أعمال تيوتولا، بمثابة شطحاتٍ دالة على أزمة لغة، أو ميلاد جديد في ثقافة ما … إنَّ صوت «تيوتولا» يشبه بدايات الإنسان على الأرض، يظهر مجروحًا وينمو.» اخدِش سطح هذه العبارة، ستجد خطوطًا متماثلة ومتوازية على نحوٍ مُقلِق مع «قلب الظلام» ﻟ «جوزيف كونراد Joseph Conrad»، «كان المُضيُّ في ذلك النهر أشبه بالعودة إلى البدايات الأولى للعالَم …» «كنا جوَّالين على أرض ما قبل التاريخ، على أرض ترتدي هيئة كوكب مجهول … في ليل العصور الأولى» (p. 30, 32). أمَّا بالنسبة لنُقَّاد وقُرَّاء غرب أفريقيا الذين قرءوا رواية «تيوتولا»، فكانوا يرون في تعليقات مثل تعليقات «وست» و«بريتشت»، احتفاءً بالبدائي والفِطري، وكان الكل يعرف أين يوجد قلب الظلام. لم يكُن «شينوا أشيبي Chinua Achebe» قد نشرَ «الأشياء تتداعَى» بعدُ (صدَرت في ١٩٥٨م)، وكان ذلك أيضًا، قبل سنواتٍ من كتابته عن عنصرية «كونراد»، وبالرغم من ذلك، كانت ردود النقاد الأفارقة على «شرِّيب نبيذ النخيل» تشي بعدم الارتياح لِما قرءوه، ولم يكونوا يعرفون ما إذا كان عداؤهم يُوجَّه للمؤلِّف وروايته التي يُشيدون بها، أم إلى الناشر.
في «وِجهات نظرٍ نقدية حول آموس تيوتولا» (١٩٧٥) يشير المحرِّر «بيرنث لندفورس» إلى ردود الفعل الأفريقية، على أول روايتَين لتيوتولا ﺑ «ذلك الجدال الحاد» في «وست أفريكا West Africa»، — ولعلَّه كان يقصد ذلك دون أية تورية في العنوان — كانت مجلةُ West Africa تُحَرَّر وتُطبَع في لندن، رغم أنَّ محتواها كان يغطِّي المساحة التي يعبِّر عنها اسمُها. لم تكُن كل الأصوات المشارِكة في الجدال أفريقية، بعضُها كان أوروبيًّا من ذوي التجربة الأفريقية المباشرة، ولم يكُن الهجوم على الكاتب بسبب قُدراتِه اللغوية فحسب، وإنَّما على درجة أصالة العمل، رغم أنه تحت هذين التحفُّظَين، كان هناك خوف متنامٍ من أنَّ «تيوتولا» لم يُحسِّن صورة الأفارقة في عيون الغربيين؛ لأنه لفت الانتباه إلى تعليمه الضئيل وضعف إنجليزيته. كانت التعليقات الأفريقية سلبية بشكل عام، وغير مستعدة لمدح نصٍّ أفريقي أصلي، وكان خلافٌ حول الجوانب الفنية قد بدأ يتشكَّل، وهو ما سيأخذ اتجاهات وتحولات مثيرة، بين الأجيال التالية من الكُتَّاب الأفارقة ونُقَّادهم العالميين.
وفي عدد West Africa الصادر في ٢٧ فبراير ١٩٥٤م، مَهَّد «إيريك روبنسون Eric Robinson» الطريق لهذا الجدال، بتنديده ونقده اللاذع لمهارات «تيوتولا» اللغوية: «إنجليزية السيد «تيوتولا» ليست وسيلة جيدة يُعتمَد عليها، إلَّا أنها مليئة بالحيوية، ولها نكهتها الخاصَّة، ولا شك في أنَّ القصص تتوالى بقوة وحِدَّة لاذعة في كتابَيه، أكثر مما لو أنها كانت مكتوبة بإنجليزية صحيحة ودون حياة.» وبعد شهرين (في ١٠ أبريل) كان «باباسولا جونسون Babasola Johnson» يزعم في رسالة إلى محرِّر المجلة نفسها أن «شَرِّيب نبيذ النخيل»: ما كان يجب أن تُنشَر بالمرَّة؛ فاللغة المكتوبة بها غريبة، سواء بالنسبة للناس في غرب أفريقيا أو للإنجليز أو لأيِّ شخصٍ آخَر، فمِن السيئ جدًّا أن تحاول كتابة رواية أفريقية «بإنجليزية جيدة»، والأكثر سوءًا، أن تحاول مثل ذلك بلغة السيد «تيوتولا» الغريبة (أم تراني يجب أن أقول لغة الموتى؟) هذه اللغة ليست الباتويز Patois، التي يتحدَّث بها الناس في غرب أفريقيا كما قد يظن البعض؛ فالباتويز أكثر انضباطًا، وهي مفهومة أكثر من لغة «شَرِّيب نبيذ النخيل»، فأنت لا تجد في الباتويز كلمات مثل unreturnable أو weird، ولا تعبيرات من قبيل The really road.
أمَّا «تيوتولا» فقد يكون فريدًا أو فذًّا ككاتب Sui generis، وهذا صحيح كذلك بالنسبة لبعض المشاهير من أسلافه الذين «انتهكوا نقاء اللغة الإنجليزية» المزعوم، خُذ مثلًا «جيمس جويس James Joice» و«وليم فوكنر William Faulkner» كمثالين لإنجليزي وأمريكي، وهل كان «ديلان توماس» ليتحمَّس لو كانت لغة «شَرِّيب نبيذ النخيل» هي الإنجليزية القياسية المعروفة؟
الأسوأ من ذلك، أنَّ القصة أو القصص نفسها لم تلقَ الكثير من الإشادة؛ حيث وَجد «إريك روبنسون» عيوبًا في القصِّ أيضًا، «الكتاب يعتمد تمامًا على الفولكلور في غرب أفريقيا، كما يمكن أن نجد الكثير من هذه القصص في أحدث طبعة من «بنجوين» للحكايات الشعبية في غرب أفريقيا، وكما يقول لنا «د. باريندر Dr. Parrinder» في تقديمه «إنَّ الحكايات هي أساطير أفريقية حقيقية، كما تُروى في عددٍ كبير من القرى حول النار أو في ضوء القمر في المناطق الاستوائية.» والأسوأ: ألم يكُن «تيوتولا» مَدينًا للحكايات المنشورة للشيخ فاجونوا D. O. Fagunwa المكتوبة بلغة اليوروبا؟٣
وراء كل هذا الهجوم على أصالة المؤلف كقاصٍّ أو كمُبدع باللغة، كانت هناك قضية مُقلِقة، وهي الصورة التي يقدِّمها «تيوتولا»، كان أقرانُه يقولون إنَّه لا يصلح نموذجًا للإبداع الأفريقي؛ لأنه كان يفتقد المؤهلات الأكاديمَّية (التعليمية) المناسبة، فكيف يمكن اعتبار هذا الشخص الذي ظهر فجأةً فنانًا؟ وكما كتب «آي أدياجبو أكينجوجبن I. Adeagbo Akinjogbin» في رسالة إلى مجلة West Africa (٥ يونيو ١٩٥٤م)، بعد اعتراف بأنه لم يقرأ أيًّا من كُتب «تيوتولا»: معظم الإنجليز والفرنسيين يُسعدهم أن يصدِّقوا كل الحكايات الخيالية والغريبة عن أفريقيا، تلك القارة التي يجهلونها تمامًا، الكتب «غير العادية» للسيد تيوتولا (التي تحتوي على أشياء لا تُصدَّق في موروثنا الشعبي)، ستكون مناسبةً تمامًا لمزاج قُرَّائه الأوربيين؛ لأنها تؤكِّد فكرتهم عن أفريقيا، ولا عجب أنها تُقْرأ الآن، ليس بالإنجليزية فحسب، وإنَّما بالفرنسية كذلك،٤ وبمجرد أن يكون هذا الضرر (وأُسمِّيه بالضرر) قد وقع، فلن يكون بالإمكان تدارُكه؛ فالسيد «تيوتولا» سوف يحصل على نقوده وشُهرته كذلك، ولكن الذين سيُعانون هم التعساء الذين سيذهبون إلى إنجلترا أو أوروبا لأي سبب. هناك بالفعل ما يجعلني أشعر بالقلق.
ولا شك أنَّ في ذلك ما يُشير إلى أنَّ «أكينجوجبن» كان يشعر بإهانة شخصية؛ لأنَّ الأوربيين كانوا يربطون بينه وبين «آموس تيوتولا»، ولذلك لن يكون مفاجئًا أن نجده يُنهي كلامه بأنَّ «كتب تيوتولا لا قيمة أدبية لها».
ما سرُّ هذا الكتاب العجيب الذي أثار كلَّ هذا القَدر من الجدال؟ بالرغم من وجود أوجه شبه كثيرة، بين «شَرِّيب نبيذ النخيل»، وملاحم ورومانس وسرديات العصور الوسطى، فإننا في مرحلة ما بعد الحداثة هذه، من السهل أن نصنِّف العمل بوصفه رواية، هناك حبكةٌ مركزية وتطوُّر كافٍ، كما أنَّ هناك صراعًا وحلًّا، وكان النقاد والقُرَّاء في البداية يتجنَّبون قصة «تيوتولا»، بسبب السرد العرضي والراوي غير التقليدي، وكلاهما قد يجعلها تندرج تحت حكايات البيكاريسك (المتشرِّدين)، بعد موت ساقي نبيذ النخيل، يقوم البطل (الشرِّيب) بمحاولةٍ للبحث عن مكان الراحل الذي كان يزوِّده بالشراب، ويواجه عقباتٍ تُحبِط مَسعاه في البحث، ولكنه يلتقي به في النهاية في العالَم الآخَر (عالَم الموتى). يقول الساقي «الميت» للشَّرِّيب: إنَّه لا بد من أن يبقى في الحياةِ الدنيا، وأنَّ الأحياء لا يمكن أن يعيشوا مع الموتى، وعليه؛ فإن «الشَّرِّيب» يعود من رحلته الطويلة إلى موطنه، مُحمَّلًا بالحكمة التي جمعها.
رواية «شرِّيب نبيذ النخيل» تبدأ هكذا: «كنت شَرِّيبًا لنبيذ النخيل منذ العاشرة من عُمري، لم يكُن لديَّ عمل آخَر في حياتي سوى أن أشرب نبيذ النخيل، وفي تلك الأيام لم نكُن نعرف نوعًا آخَر من النقود سوى «الكوريز». كان كل شيء رخيصًا، كما كان والدي أغنى رجل في المدينة» (p. 7). «الشَّرِّيب» الصغير المُدمِن يقول لنا إنَّه هو وأصحابه الكثيرون كانوا يشربون مائةً وخمسين كيلوجرامًا من نبيذ النخيل كل صباحٍ، وخمسة وسبعين أخرى كل مساء، ولكن بعد أن ظلَّ هذا الساقي يستخرج النبيذ للشَّرِّيب، على مدى خمسة عشر عامًا «سقط فجأةً ومات» (p. 8). أصدقاء الشَّرِّيب المتقلِّبون لم يعودوا يزورونه، ويقول: «تذكَّرتُ أنَّ الكبار كانوا يقولون لنا دائمًا: إنَّ كل الذين ماتوا في هذه الحياة لم يذهبوا إلى السماء مباشرة، وإنَّما كانوا يعيشون في مكانٍ ما في هذه الحياة الدنيا، وقرَّرتُ أن أعرف أين يعيش ذلك الرجل، الذي كان يجلب لي النبيذ.»
الالتقاء بالغرائبي، أو بما هو خارقٌ للطبيعة، كما كان القُرَّاء يعتبرونه في البداية، كان يعني أنَّ سردية «تيوتولا» لا يمكن أن تُصَنَّف رواية، ولكن الآن حيث لم تعُد الواقعية السحرية هي المجال الحصري للنتاج الجديد، أصبحت «شرِّيب نبيذ النخيل» تبدو أقرب إلى الرواية من ذي قبل، وحديثًا، أصبح الدارسون يذهبون إلى حدِّ اعتبار «تيوتولا» أحد آباء «الواقعية السحرية».
قبل أن يصل إلى عالَم الموتى يقابل بطل تيوتولا (الشَّرِّيب) عددًا من عجائب المخلوقات (الآدمية وغير الآدمية)، التي تختبر قواه بوصفه بطلًا أكثر من مرَّة، وذلك بإلقاء عقبات وصعاب في طريقه، ومن هذه العقبات والصعاب يكتسب خبرة وحكمة، بالرغم من الطبيعة المحبطة والمخيفة لكثير من الأحداث. الحبكة تتحوَّل إلى سلسلة من الاختبارات والمحكَّات، والأخذ والرَّد والتعلُّم والنُّضج، وأحد هذه الاختبارات الأولى نجده في كثير من المواقف: بعد عدَّة أسابيع من السفر يصل «الشَّرِّيب» إلى قريةٍ جديدة؛ حيث يعِده أحدُ المقيمين بها بأن يدُلَّه على مكان الساقي إذا فعل ما يطلبه منه أولًا، وهو أن يبحث له عن ابنته ويُعيدها إلى البيت، ويفعل «الشَّرِّيب» ذلك، فتكون مكافأته أن يأخذ الفتاة زوجةً له.
هذا هو الحدث العرَضي الذي لا زُخرف فيه، والذي لا يُمكن أن يكون شيئًا غير عادي دون ذلك العالَم الغرائبي الذي ألقى «تيوتولا» ببطله فيه. المرأة أو الابنة اختفت بعد أن تبعت مخلوقًا عجيبًا (أو إنسانًا كاملًا) (p. 18) في «الغابة اللانهائية» (p. 19)، بعد أن رفضت الزواج من الرجل الذي اختاره لها أبوها. جمال هذا «الإنسان الكامل» غير عادي، لدرجة أنه «لو كان شيئًا أو حيوانًا للبيع، لبلغ ثمنه ٢٠٠٠ جنيهٍ على الأقل» (p. 18). بعد ذلك يقول «الشَّرِّيب» عن هذا الإنسان: لو كنتُ امرأةً لتبعته إلى أي مكان يذهب إليه، وحتى رغم كوني رجلًا فسوف أحسده أكثر من ذلك؛ لأنَّ هذا الرجل لو ذهب إلى ميدان القتال، فالمؤكَّد أن العدوَّ لن يقتله أو يأسره، ولو رآه الطيارون لتوقفوا عن إلقاء قنابلهم وهو موجود، ولو رموها فإن القنبلة نفسها لن تنفجر حتى يُغادر هذا الرجل المدينة بسبب جماله. (p. 25)
وعندما يصل «الشَّرِّيب» إلى المكان، يكون الرجل قد فقَدَ كلَّ جماله؛ لأنه كان مُستعارًا؛ ذراعاه، رِجلاه، بطنه، أضلعه، صدره، حتى فروة الرأس، كانت كلها مُستأجَرة من مخلوقات أخرى، وعندما تتبعه المرأة في الغابة اللانهائية، يقوم الرجل بإعادة هذه الأشياء المُستعارة كلها لأصحابها، ويدفع لهم ثمن استئجاره، ليُصبح بعد ذلك مُجرَّد جمجمة مُشوَّهة، ولكن المرأة لم يعُد لديها القُدرة على التوقف عن متابعة هذا المخلوق المتحوِّل، وتصبح أسيرةً له، في بيت مملوء بجماجم أخرى. هذا الشَّرِّيب الذي يمتلك قُدراتٍ سحرية خاصة، يستطيع أن يحوِّل نَفْسه إلى هواء، وبذلك يمكنه أن يدخل إلى الحجرة المأسورة فيها المرأة، ويُنقذها في النهاية — وليس دون المزيد من التعقيدات والتحولات التي يجريها على نَفْسه — ويُعيدها إلى أبيها. هذا الحدث ينتهي بعبارة للشَّرِّيب يقول فيها: «وهكذا أصبح لي زوجة» (p. 31).
هذا الموقف المشهدي موجود بأشكال كثيرة في ثقافات غرب أفريقيا، وليس في الخيال الشعبي لليوروبا فقط، كما أنه موجود في الحكايات التراثية التعليمية، أمَّا الرسائل التي يحملها فواضحة: عليك بطاعة الوالدَين، وإلَّا فسوف تُقابل ما هو أسوأ ممَّا اختاروه لك. من الصعب جدًّا إدراك الخطر. لا تنخدِع بالجمال الظاهري، ويبدو أنَّ المرأة الشابَّة استوعبت الدرس؛ لأنها لا تُصبح زوجةً وفية تصحب الشَّرِّيب إلى نهاية الحكاية فحسب، وإنَّما تقوم بمساعدته في أعماله العديدة كذلك، كما يجب أن نلاحظ أنَّ الشَّرِّيب يحصل على زوجته في نوبة كرم مفاجئة لشخص آخَر (وهو صهره المستقبلي).
يكاد يكون من المستحيل أن يقرأ أحدٌ الرواية، دون أن يشعر بالمتعة والدهشة، وألَّا تنتابه موجات من الضحك؛ فمواجهات «الشَّرِّيب» في الغابة مُشوِّقة وذكية وواسعة الحيلة، وكثيرًا ما يقفُ لها شَعر الرأس؛ فقد فتح «تيوتولا» أبواب مملكة سحرية، لا تقِلُّ قدرة على الإدهاش عن تلك التي تقابلنا في أعمال «جابرييل جارثيا ماركيث» و«إيزابيللا الليندي» و«سلمان رشدي»، لو كان لنا أن نذكر ثلاثة من الكُتَّاب الذين جاءوا بعد ذلك، ولا يقِلُّ خيالُهم جسارةً وجموحًا عن خيال «تيوتولا».
في الوقت نفسه، لا بُد من أن نؤكِّد أنَّ النصَّ الفرعي لقصة «تيوتولا»، لا يبعد كثيرًا عن الروايات الأفريقية الواقعية؛ فعلى مستوى ما، نجد أنَّ «شَرِّيب نبيذ النخيل» تحكي القصة نفسها مثل «الأشياء تتداعى» عند «أشيبي» (١٩٥٨م): انهيار النظام الأفريقي التقليدي، أمام هجوم المختلف والجديد، أي التحول الثقافي الهائل. «أشيبي» يحقق ذلك، بوصف ما يحدث لقرية أفريقية عند وصول الأوربيين الأوائل، كما يوضِّح أنَّ النظام التقليدي، قد وصل إلى وضعٍ حَرِج لاختبار الذات، بسبب الجمود الثقافي وعدم المرونة، التي لا تسمح بقدر كبير من الانحراف عمَّا هو سائد، ولذلك فإن كلَّ الأشياء تتداعى لسببَين: داخلي وخارجي.
العالم التقليدي الذي تصفه «شرِّيب نبيذ النخيل»، عالَمٌ شديد القسوة وانتقامي، مثل عالَم «أشيبي». عشر سنوات حتى يتمكَّن الشَّرِّيب من معرفة مكان الساقي الميت، والسبب الرئيسي هو أنَّ الناس الذين يلتقيهم، ليسوا متعاونين معه ولا يساعدونه، كما يُخبرنا عن إحدى القرى التي زارها: «كلهم … الكبار والصغار كانوا قُساة مع البشر» (p. 58). وتتردَّد العبارة ذاتها عن أماكن أخرى يزورها، وعن أناسٍ آخَرين يقابلهم، وباختصار، فإن مَن يطلب مساعدتهم، حُقراء وسيِّئون وشديدو القسوة وكذَّابون ومخادعون، وبالرغم من أنه يفي بالتزاماته وتعهداته في بعض الاتفاقات، فإن الآخَرين لا يفون بوعودهم، بالإضافة إلى أنَّ طُرُق السفر ليست آمِنة، ومليئة بقُطَّاع الطُّرق والسفَّاحين، بما يوحي بأنَّ الحياة التقليدية قد تداعت نتيجة للجشَع والأنانية، حتى أولئك الذين كان يعتبرهم أصدقاء في قريته، يتخلون عنه بعد أن أصبح لا يستطيع إمدادهم بكميات كبيرة من نبيذ النخيل، بما يعني أنَّ الحافز على الرحلة في المقام الأول ربما كان ضياع المودَّة وفقدان العلاقات الطيبة، بقدر ما هو موت الساقي نقَّار النخيل. وفي نهاية القصة، بعد أن يعود «الشَّرِّيب» إلى قريته، يقع فريسة للمزيد من الجشع والدناءة من قِبَل أقرانه.
كانت آراء مُعظم النقاد الغربيين إيجابية، كما كانوا متحمسين لقدرة «تيوتولا» على الابتكار والإبداع في اللغة؛ فهو في رأيهم قد أخذ الإنجليزية وقلبها رأسًا على عقِب، كما اخترع تعبيرات جديدة وتركيبات مُستحدثة، ولم يكُن ذلك دائمًا بسبب جهله أو لنقصٍ في تعليمه الأساسي؛ إذَن لماذا لا يكون من حقِّه أن يستخدم لغة السيد المستعمر، بالطريقة التي يُريدها باعتباره تابعًا؟ كانت كتابته آنذاك أشبَه بكتابة شخص يتعلم لغة جديدة، ويقع في أخطاء أساسية. كان «تيوتولا» يفعل بالكلمات ما سبق أنْ فعله الرسَّامون الفِطريون في الفن؛ إذ قد ترِد على ذهنك الرسوم البدائية أو رسوم «هاييتي» من الخمسينيات والستينيات، التي تتضمَّن عددًا كبيرًا من الأذرُع والسيقان، لكي تكون متناسبة مع الجذع، أضِف إلى ذلك طريقة الكلام المتلعثمة عن الأربعمائة طفل الميِّتين الذين يلتقيهم «شَرِّيب» نبيذ النخيل وزوجته في عالَم الموت، على أحد طُرق الأجمة، والساقي يتدرَّب لمدة عامَين قبل تأهيله ليكون «رجلًا ميتًا تمامًا» (p. 100)، كما يتضح أنَّ عمل «تيوتولا» مرتبط تمامًا بعالَم الفنَّانين البدائيين.
لغة «تيوتولا» ليست إنجليزية البدجن Pidgin، الموجودة في غرب أفريقيا بالضبط؛ فالأخيرة لها تركيبتها وبنيتها الخاصَّة، مثل إنجليزية تلميذ موهوب تغلبه حماسته وتسيطر على قواعد اللغة، كما أنها ليست بالضبط «الإنجليزية الرديئة» التي استخدمها «كين سارو ويوا Ken Saro-Wiwa» في «طفل السوزا Sozaboy» في ١٩٨٥م، وإذا كانت قريبةً من الكتابة الآلية (لو صحيح أنَّ المسودة الأولى لشَرِّيب نبيذ النخيل قد تدفَّقَت من الكاتب في يومَين)، فلا عجب في أن تكون غير مصحَّحة أو مدقَّقة، وهنا يكمُن الكثير من متعة هذه الرواية. الصور طازجة وأصيلة (ومختلفة بكل تأكيد عن النماذج الأوروبية)، وكلتاهما: القصة واللغة، مليئة بالمغالاة والمبالغة العميقة، وربما بالسيريالية، (عندما يمرُّ الشَّرِّيب عَبْر بوابة شجرة الأم المُخلِّصة، فإنه لا يدخل إلى فضاء محدَّد، وإنَّما إلى عالَم جديد بالكامل)، مسافات الزمن والحسابات الرياضية تتحدَّى المنطق الغربي، وبالرغم من زحف مصطلحات أجنبية إلى لغته (لو انفجرت القنابل (p. 45)، تكنيكولورز (p. 68)، شراب وسجائر (p. 71)، وكأن أحد المصورين كان يركِّز البؤرة على شخص ما (p. 65))، فإن التعبيرات الفاتنة هي اللافتة للانتباه مثل «فكرت في دخيلة نفسي، p. 9» و«فوضاه وشخصيته الرديئة، p. 34» و«كان هو نفسه قمامة، p. 45» و«كان الضحك مهنته التي يتغذَّى عليها، p. 46» و«كانت شجرة متنوعة أيضًا، p. 55» و«طريق فعلًا، p. 101»، يُضاف إلى ذلك التأكيد من خلال طريقة الكتابة على كلمات وعبارات بعينها نجدها مبعثرةً في النص:
إعادة أجزاء الجسد إلى
أصحابها، أو الأجزاء المستأجرة
في جسد الإنسان الكامل
يجب أن تُعاد (p. 19)
وعليه، فمن المستحيل ألَّا نعتبر «تيوتولا» كاتبًا ما بعد حداثي، ولكن كيف كان موقف الكاتب نفسه من الشهرة (!) التي جاءته؟ ولعلَّ من الأنسب أن نسأل: ماذا كان يعني أن تكون كاتبًا في مجتمع لا يوجد فيه كُتَّاب سبق أن نُشرت لهم أعمال؟ «إريك لارابي» وصَف لنا لقاءه ﺑ «تيوتولا» (انظر مقدِّمة هذا الفصل)، عندما ذهب ليبحث عنه في مديرية العمل في نيجيريا، لكي يوقِّع له نسخة من روايته، ووجده نائمًا أثناء ساعات العمل. هل كان طلب «لارابي» توقيع «تيوتولا» هو الأول من نوعه بالنسبة للكاتب؟ وعندما طلب «تيوتولا» من «لارابي» أن يكتب إليه من الولايات المتحدة «لأعرف أنك لم تنسَنِي»، هل يعني ذلك أن «تيوتولا» كان مهتمًّا، أو كان يعتقد أن مهنته الجديدة ستؤدي إلى تغيُّرٍ ما في حياته؟ هذه الأسئلة، يمكن أن نجد إجابات جزئية عنها، في مراجعة «لارابي» للرواية، وخاصةً عندما يقول: حاول — من باب التمرين الذهني — أن تتصوَّر مؤلفًا:
(١) لم يسبق له أن الْتَقى بمؤلِّف آخَر. (٢) ليس لديه أي كُتب. (٣) ليس معروفًا لمَن حوله بأنه مؤلِّف. (٤) لا توجد صلة مباشرة بينه وبين ناشره. (٥) ليس متأكدًا من أنَّ كتابَه يُباع. (٦) لا يعتبر نفسه مؤلِّفًا. كلٌّ من هذه العناصر يحتوي على جزء من الحقيقة، باستثناء ملكية الكتب (رقم٢)، من المؤكَّد أنَّ «تيوتولا» كان يعرف قيمة امتلاك الكتب كملكية فكرية، وهناك أدِلَّة كافية على أنه كانت لديه مكتبة خاصَّة.
ربما لم يكُن هناك مَن هو أكثر مفاجأةً واندهاشًا لشهرة رواية «شَرِّيب نبيذ النخيل» من «تيوتولا» نفسه، بدءًا من بدعة أنه قد أصبح كاتبًا؛ فماذا كان معنى ذلك سنة ١٩٥٢م في نيجيريا؟ لقد كانت الأُمية منتشرة لدرجة أنه كان من الصعب أن نجد بين أصدقائه المقربين، أو بين أفراد أسرته، مَن يستطيع أن يقرأ الكتاب، ولعلَّ الأرجح أن نقول إنَّ تعليمهم كان محدودًا لدرجة قد لا تُغريهم بقراءة «رواية»، بالإضافة إلى أنَّ الكِتاب باعتباره سلعة مستوردة — ولو كان موجودًا في منافذ بيع الأدوات المكتبية؛ حيث لم تكُن هناك آنذاك محلات متخصِّصة في بيع الكتب — لم يكُن في متناول معظم الناس. في «بورتريه» للمؤلف نشرته مجلة «وست أفريكا» في ١ مايو ١٩٥٤م، يقول المراسل (الذي لم يذكر اسمه): إنَّ اﻟ «بي بي سي B.B.C.» أذاعت ثلاث قصص من تأليف «تيوتولا»، وإنَّ المؤلِّف كان يفكر في الانتظام في دروس مسائية لتحسين مستواه، ويضيف: «ويبدو أن قليلين من النيجيريين هم الذين سمعوا ﺑ «تيوتولا»، وإن قلة أقلَّ هي التي قرأت كتبه.»
الحقيقة أن «تيوتولا» ربما قد تساءل عن سبب تغيُّر حياته، نوعًا ما، بعد نشر روايته. كان يحصل على ٨٥ جنيهًا إسترلينيًّا في السنة من عمله في وظيفة «ساعٍ» في مديرية العمل، ولم يكُن ذلك مبلغًا رديئًا في سنة ١٩٥٢م، أمَّا المُقدَّم الذي حصل عليه من دار نشر «فيبر آند فيبر»، فكان ٢٥ جنيهًا، أي ما يُعادل أكثر من راتب ثلاثة أشهر، وهو أيضًا مبلغ كبير في نيجيريا في تلك الأيام.
وسواء أكان بسبب الدخل أم لأي سبب آخَر، فإن «تيوتولا» كان يأمل في أن تُغيِّر الكتابة حياته، وكما يقول «بيرنث لندفورس Bernth Lindfors» الذي كتب في Journal of Commonwealth Literature في مايو ١٩٨٢م — أي بعد ثمانين يومًا من صدور رواية «تيوتولا» عن دار «فيبر آند فيبر» — أن «تيوتولا» أرسل إليهم مخطوطة «حياتي في دغل الأشباح» التي كانت روايته الثالثة، وليس الثانية، وهذه الحقيقة عن نشر أعمال «تيوتولا»، لم تكُن معروفة آنذاك، وهي جديرة بأن تُروى؛ حيث إنَّها أشبه بالقصص التي كان الكاتب نفسه يخترعها، كما أنها تصور الكثير من العقبات والمعوقات أمام أن تكون كاتبًا في أفريقيا في ذلك الوقت.
في ١٩٤٨م، كتب «تيوتولا» رواية بعنوان «الصياد البرِّي في دغل الأشباح»، ويشير «لندفورس»، الذي كشف قصة هذا العمل الباكِر إلى أن «تيوتولا» كان قد بدأ كتابتها، لأنه كان شغوفًا بأن يجد أية وسيلة لزيادة دخله. (المقدمة: p. xi)؛ لأنه كان قد تزوج حديثًا، وعندما كان يعمل في مديرية العمل، كان يُمارس التصوير، على أمل أن يُصبح مُصوِّرًا مُحترفًا، كما كان يطلب مطبوعات من «فوكال برس Focal Press» في لندن.
بعد أن انتهى «تيوتولا» من كتابة «الصياد البرِّي في دغل الأشباح»، كتب رسالة إلى «فوكال برس» بشأنها، وقال إنَّه يمكن أن يزوِّد المخطوطة «بصور الأشباح» (p. xi)، كما ذكر A. Kraszna Krausz مدير «فوكال برس» بعد سنوات، ولم يكُن هناك مَن يرفض ذلك، كان الإنجليز معروفين آنذاك «بتصويرهم للجنيَّات» كما يظهر عند «آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle» و«تشارلز كاستل Charles Castle»، إلَّا أنه عندما وصلت مخطوطة «تيوتولا»، المكوَّنة من سبعة وسبعين صفحةً بخط اليد، بعد عدَّة أشهر، وتم تحميض النيجاتيف المرفق بها، اتضح أنها كانت لقطات فوتوغرافية لمجموعة من الاسكتشات المرسومة باليد، للأشباح، وغيرها من الظواهر الواردة في القصة. كان «تيوتولا» قد استأجر إحدى تلاميذ المدارس ليرسمها، ثم قام بتصويرها (p. xii). اشترت «فوكال برس» المخطوطة والصور المرفقة — ولم يكُن لديهم النية لنشرها — ودفعوا ﻟ «تيوتولا» حوالي خمسة جنيهات في المقابل، ويقول «لندفورس»: إن ذلك — ربما — كان أشبه بالمَنِّ والسلوى اللذين أرسلتهما السماء لأحد السُّعاة في مديرية العمل، وربَّما ما كان «تيوتولا» ليكتب «شَرِّيب نبيذ النخيل» لو لم يتلقَّ هذه العطية (رسالة بالبريد الإلكتروني للمؤلِّف في ١٧ نوفمبر ١٩٩٨م).
لأسبابٍ عملية لا بُد من أن تنتهي القصة هنا، ولكن ذلك لا يحدث؛ ففي ١٩٧٥م اكتشف «لندفورس» إشارةً إلى المخطوطة المنسية، في رسالة من «فوكال برس»، موجَّهة إلى دار «فيبر آند فيبر»، بعد نشر «شَرِّيب نبيذ النخيل». كان «لندفورس» يقرأ ملف «فيبر آند فيبر» عن الكاتب النيجيري، وقام بالاتصال ﺑ «فوكال برس»، وبعد عدَّة أشهر اكتشفوا مكان الرواية التي لم تُنشر، وبإلحاح من «لندفورس»، وجدوا المخطوطة الأصلية لدى «فيبر آند فيبر»، وكما يقول، فإن المخطوطتَين كانتا «أصل نشأة الأدب النيجيري المعاصِر المكتوب بالإنجليزية» (حاشية الصياد البرِّي في دغل الأشباح، p. 160).
ليس غريبًا أن تكون هناك ملامح مشتركة بين «الصياد البري في دغل الأشباح» و«شَرِّيب نبيذ النخيل»، ومثلما هو الحال في كل أعمال «تيوتولا»، يقوم الصياد البرِّي (الرَّاوي) بالرحلة الشاقَّة، بعد موت والده، فيجول من قرية إلى أخرى في دغل الأشباح؛ حيث يلتقي عددًا كبيرًا من الشخصيات غير العادية (بمَن فيهم أشباح غير شرعيين وأشباح من أكلة لحوم البشر)، كما يواجه مواقف مفاجئة، وهناك جزءٌ معيَّن من الرواية كان بمثابة صدمة للقُرَّاء؛ حيث تدور الأحداث في «مدينة الشيطان»، التي يصفها على نحو «كافكاوي» للوصول إلى عالَم الموتى: شرح لنا مدير التحويلات، كيف أنه عندما يموت أي شخص في السنوات العشر القادمة، سيكون سِجِلُّه لديهم قبل وصوله، ثم أخبرنا بعد ذلك، أنَّ عددًا قليلًا سيكون في الجنة عند الله، وأن الباقين سيكونون في النار، وبعد أن أرانا مدير التحويلات السجلات كلها، ذهبنا إلى مكتب رئيس سكرتارية النار، وقابلناه في مكتبه؛ حيث قدَّم لنا أحدُ موظفيه مقاعد فجلسنا أمامه، وبعد دقائق قليلة، اصطحَبَنا رئيسُ سكرتارية النار إلى مكتب الموظفين الذين يعملون معه، وقابلنا ٢٦٧٠ موظفًا، ولكنهم كانوا مشغولين عندما قابلناهم، أمَّا بالنسبة لمهام رئيس سكرتارية النار، فسوف نشرحُها فيما بعد. (p. 121)
هذا الجزء، وغيره، يوضِّح لنا إشارات «تيوتولا» إلى وضعه المُحبط في مديرية العمل، كما يمكن أن نقول: إن «الصياد البرِّي» بسبب ما فيها من مادة أوتوبيوجرافيه، ولأنَّ البطل يقوم برحلته بعد موت أبيه، تجعلنا نرى أنَّ الساقي في الرواية التي نُشِرت قبل ذلك هو شخصيةٌ تمثِّل الأب البديل.
كان «لندفورس» يعرف أنه قدَّم كشفَين أدبيَّين رئيسيَّين، وخاصَّةً مخطوطة الرواية الأولى التي كان «تيوتولا» نفسه قد نسيها، وبعد فترة قصيرة في لندن، بدلًا من مكان إقامته المعتادة في جامعة تكساس، كتب رسالةً مُتسرِّعة إلى «تيوتولا» (وكان قد التقاه في مناسباتٍ مختلفة، وله معه مراسلات متقطِّعة)، يبلِّغ الكاتب باكتشافه، ومثل أي باحث جادٍّ، أصبح «لندفورس» معنيًّا بالاحتفاظ بالمخطوطتين. وفي رسالة إلى المؤلِّف، اقترح عليه بيع مخطوطة «شَرِّيب نبيذ النخيل» لمركز أبحاث الإنسانيات Humanities Research Center في تكساس، ولكنَّه أكَّدَ له أنَّ المركز سوف يطلب تقييم المادَّة قبل تقديم أي عرض محدَّد له. كان «لندفورس» يفترض أيضًا، أنَّ «تيوتولا» ستكون لديه الرغبة في بيع المخطوطة، رغم إشارته إلى أنه كان يتمنَّى أن تَنشر «فيبر آند فيبر» «الصياد البرِّي في دغل الأشباح»، ما دامت لم تصدُر حتى ذلك الحين (كانت ما تزال لدى فوكال برس).
لقد أساء «لندفورس» التقدير مرَّتَين: المرَّة الأولى عندما اقترح أن يضع يدَه على المخطوطة مؤقتًا (مخطوطة شَرِّيب نبيذ النخيل)، لكي «يفحصها بدقَّة»، وقد شرح ذلك في رسالته إلى «تيوتولا» في مارس ١٩٧٨م: لستُ غنيًّا، إلَّا أنَّني أعرض عليك مائة «نيرا» فورًا، ربما تستطيع جامعتي التي يوجد بها مركزٌ لبحوث الإنسانيات، وتقوم بجمع مخطوطات القرن العشرين المهمة، ربما تستطيع أن تعرض عليك أكثر من هذا المبلغ، إلَّا أنهم لن يتمكنوا من دفع المبلغ كله قبل شهر سبتمبر القادم، عندما يحصلون على ميزانية العام الدراسي ١٩٧٨م–٧٩، ويسعدني أن أقوم بترتيب شرائهم لها بأفضل سعرٍ ممكن، إذا كنت تريد بيعها لهم. بعد ذلك ستبقى المخطوطة في مكتبتهم، وتكون مُتاحةً للدارسين وغيرهم، ممَّن يفِدون على المكتبة للقراءة والبحث، ولكن كل الحقوق القانونية ستظل في يدك أو في يد الورثة. لن يكون من حق أحد أن يقوم بنشرها أو نشر أجزاء منها دون إذن منك، وستكون تلك أفضل طريقة للمحافظة على المخطوطة، وعلى مصالحك فيها. أمَّا إذا كنت ترى من الأفضل أن تبيعَها لي الآن مُقابل مائة «نيرا»، فأنا مُستعد لبحث إمكانية إعادة بيعها لمركز أبحاث الإنسانيَّات … أي إنني لن أحاول تحقيق أية فائدة شخصية من إعادة بيعها. إن كل ما يهمني هو أن أضمن الحفاظ على المخطوطة، وأن تحصل على تعويض مناسب لو أنك قرَّرتَ أن تبيعها.٥
بعد ذلك، ستأخذ القصة منحًى ساخرًا، يعكس أساليب الخداع الدولي، كانت الاتصالات ﺑ «تيوتولا» مُعقَّدة، وكان جدول أسفار «لندفورس» في الأشهر التالية، محسوبًا بكل دقَّة. حدث تغيير في منصب رئيس مركز الأبحاث، وبالرغم من ذلك، ردَّ «تيوتولا» (في ١٠ أبريل) يقول إنَّه كان سعيدًا بالاكتشافات الجديدة، مُضيفًا بأسلوبه المعروف: «أبنائي وبناتي يَعجبون كيف تمكَّنت من تتبُّع هذه المخطوطة، ويقولون لعلَّك كُنتَ شُرطيًّا قبل ذلك!» وفيما بعد، أُذِن ﻟ «لندفورس» بأن يتولَّى أمرَ المخطوطة بشكلٍ مؤقَّت؛ لأنه كان يُريدُ أن يبيعها لمركزِ بحوث الإنسانيَّات، و— نعم — أنه كان يتمنَّى أن تقوم «فيبر آند فيبر» بنشر «الصياد البرِّي في دغل الأشباح».
إلَّا أنَّ «تيوتولا» سُرعان ما غيَّر رأيه — وربما يكون هناك مَن غيَّرَه له — ففي نهاية الشهر، تلَقَّى «لندفورس» برقية منسوبة للؤلِّف، وإنْ كان كاتبُها الفِعلي هو «كولي أُموتوزو Kole Omotoso»،٦ كان نَصُّها: «أرجو أن تصرِف النظر عن رسالتي في شهر أبريل؛ فقد غيَّرتُ رأيي بشأن المخطوطة، وسوف تصلك رسالة أخرى.» — هكذا في الأصل الإنجليزي — وفي الرسالة «الأخرى» التالية طلب «تيوتولا» أن تُعاد إليه مخطوطة «شَرِّيب نبيذ النخيل» … «لأنني أريدُ أن أراها مرَّة أخرى … بعد أن تقرأها أرجو أن تُعيدَها إلى «فيبر آند فيبر» في خلال أسبوعَين، وبمجرَّد أن تُرسلها إليهم سوف أكتب لهم لكي يرسلوها إليَّ.»
بعد قرابة شهر أبلَغ شخصٌ ما «لندفورس»، بمقال كتبه «يمي أُجونبي Yemi Ogunbiyi» نشرته جريدة «ديلي تايمز Daily Times» النيجيرية في ١٠ يونيو ١٩٧٨م، بعنوان «تيوتولا في محيط من سمك القرش».
يبدأ هذا النقد العنيف والساخر بهجوم على «فيبر آند فيبر»: «لقد تعرَّض تيوتولا لعمليات غش — ونحن نستخدم تعبيرًا مُهذَّبًا — من ناشريه، وبذلك فهو ضحية لما يُمكن أن يكون أكبر عملية احتيال على فنَّان أفريقي على قَيد الحياة من قِبَل شركة نشر أجنبية.» كانت اللغة عنيفة، ولكنَّ الوقائع مُزعجة بالفِعل: ناشر «تيوتولا» الإنجليزي مُتَّهم بإساءة استخدام الطبعة الأمريكية والترجمات الأجنبية ﻟ «شَرِّيب نبيذ النخيل»، دون أن يدفعَ بنسًا واحدًا للمؤلِّف، ويواصِل المقال: «إن تيوتولا ضحية للظروف المُشتركة بين التاريخ وأسماك القرش المتوحشة عديمة الأخلاق، الذين يظنهم الناس ناشرين … ففي سنة ١٩٧٨م، ما زالوا يُقدِّمون لنا عُقود الخرز الملوَّن، مُقابل ما لدينا من ذهبٍ.» ثم يقول «أُجونبي Ogunbiyi» في أقسى عبارات المقال: «في الإحدى وعشرين سنة (هكذا)، التي نَشرَت فيها «فيبر آند فيبر» رواية «شَرِّيب نبيذ النخيل»، حصل «آموس تيوتولا» — بالضبط — على مبلغ ٥٥٩٫٥٢ جنيهًا (حوالي ٩٥١ نيرًا)، كعائدٍ دون أي توضيح لهذا المبلغ.»
لو صحَّت هذه الأرقام، يكون من الصعب قبول شكوى «أُجونبي»، فماذا حدث بالنسبة لعائدات الطبعة الأمريكية والترجمات الأجنبية، لأول رواية تُنشَر ﻟ «تيوتولا»؟ كانت عائدات الطبعة الإنجليزية ٥٥٩٫٥٢ جنيهًا فقط، على مدى ما يزيد على عشرين سنة، وماذا عن الحقوق الأخرى عن الأجزاء المنشورة ضمن أنطولوجيات و/أو كتب دراسية، بما في ذلك كُتبي وأنطولوجياتي التي دفع ناشروها في مُقابلها لكلٍّ من «فيبر آند فيبر» و«جروف برس» مئات الدولارات؟ وماذا عن حقوق السينما، عن الرواية التي بيعت لوالت ديزني؟٧
من السهل أن نفهم لماذا يربط «أُجونبي» بين مصير «تيوتولا» بوصفه كاتبًا، وما يصفه ﺑ «الاستغلال الذي لا يتوقف للفنانين السُّود، وخاصَّةً الموسيقيين والمؤدِّين، بواسطة أسماك القرش، في شركات الدعاية، ولأنهم يفتقرون إلى القاعدة الصناعية، التي أصبحت هناك حاجةٌ ماسَّة لها، وللقدرة على متابعة الاتفاقيات والمساومات الصعبة، فإن الكُتَّاب السُّود في أمريكا يكونون دائمًا تحت رحمة شركات الدعاية الكبرى، قليلة العدد، التي يُقال هناك إنها تحصل لنفسها على كل شيء، ولديها الجرأة على أن تُحدِّد لهم ما يكتبون، وما يحصلون عليه في المقابل، ومن الواضح، أنَّ «تيوتولا» قد واجه هذه المشكلة سنة ١٩٥١م، وأنَّ الكثيرين من كُتَّابنا، الناشئين منهم بخاصَّة، يواجهونها هذه الأيام.»
ويضع «أُجونبي» قضية حق النشر موضع المساءلة، كما يُثير عددًا من الهموم، بما في ذلك عدم إعادة النُّسخة الأصلية لمخطوطة «شَرِّيب نبيذ النخيل» إلى «تيوتولا»، قبل الهجوم على البروفيسور «لندفورس»: ولكن الدَّور الحقير ﻟ «لندفوس» هو الأكثر مَدعاة للقلق الآن، وخاصَّةً أنه يجيء من أمريكي، يَدَّعي أنه باحثٌ ليبرالي، يُفاخِر بأنه ليس فقط مرجعًا في أدبنا فحسب، بل وصديق لعدد كبير من فنَّانينا كذلك، والدَّور الذي يقوم به يؤكِّد فكرة كثير من كُتَّابنا (أشيبي وشوينكا وآرمه Armah من غانا، ونجوجي من كينيا) التي كثيرًا ما يردِّدونها، وهي أنَّ مُعظم الأصدقاء النقاد — المغامرين الأوروبيين الأمريكيين — لأدبنا، إنَّما هم انتهازيون لا يعرفون الخجل، ويستغلون كَوْن أدبِنا ناشئًا ينتظر تقييمه بشكل جادٍّ.
أمَّا بالنسبة للمخطوطة، فيُلمح «أُجونبي» إلى جرأة «لندفورس» على اقتراح مبلغ ضئيل «مُقابل مخطوطة لا شك في أنه هو نفسه يعرف أنها تُساوي ثروةً كبيرة، وهذا العرض يأتي من رجل يعلم جيدًا، أن «تيوتولا» الآن، مُعدم ومُستغَل ومُتقاعِد ولا يعمل»، كما أشكُّ أن يكون «لندفورس» يعرف أي شيء عن محنة «تيوتولا» الاقتصادية، كما لا يوجد دليلٌ كبير على اهتمام النيجيريين بحياة الكاتب، إلى أن يتم اكتشاف المخطوطتَين، إلَّا أنَّ «أُجونبي» لا يترك السكين من يده قبل أن يطعن طعنةً أخيرة، فيقول: «موقف «لندفورس يدل على تلك الغطرسة الثقافية المكتومة، التي تفوحُ منها رائحة كريهة، هي رائحة الشعور بالتفوق المزعوم، وربما العنصرية.»
وينتهي النقد اللاذع، بنغمة أكثر هدوءًا، وأقل كمدًا؛ فقد «بادَرَ مجموعة من الكُتَّاب بخطوةٍ لاستعادة المخطوطات الأصلية»، وتعيين «تيوتولا» أستاذًا زائرًا في جامعة Ife، وكانت هذه المجموعة تضم «كولي أُموتوزو Kole Omotoso»، و«وولي شوينكا Wole Soyinka»، والبروفيسور «أبويادي Aboyade» نائب رئيس جامعة Ife، ويُقال إنَّه سيحصل من الجامعة على ألف «نيرا»، عن المخطوطة الأصلية لرواية «شَرِّيب نبيذ النخيل»، وهو أكثر مما يعتقد أنه قد حصل عليه من حقوقٍ على مدى ٢١ سنة، بالإضافة إلى أنه سيحظى بالخدمات القانونية لإحدى الشركات النيجيرية المحترمة Odujinrin, Adefulu, Ayaniaja & Co. «للتفاوض على عقودٍ جديدة لكتبه مع «فيبر آند فيبر»، ولكي تكون وكيلًا أدبيًّا له.»
ظلَّت قصة «تيوتولا» قضيةً مُثارة في الصحافة النيجيرية لعدَّة أسابيع، مع مقالات أخرى كثيرة كانت غالبًا ما تُحرِّف المعلومات الأوَّلية؛ ففي مقال بقلم «حسن م. هاردنج Hassan M. Harding» نشرته «ديلي تايمز Daily Times» في ٢٨ يونيو ١٩٧٨م، نجد أنَّ الرقم الأصلي لاستحقاقاته وهو ٥٩٥٫٥٢ جنيهًا يُصبح ٤٧١ نيرًا، وهو رقمٌ أقل بكثير، وفي مقالٍ آخَر بعنوان «آموس تيوتولا … ضحية الاستغلال» نشرته «صنداي تايمز Sunday Times» في ٢ يوليو، يقول «جِيد أوسيكومايا Jide Osikomaiya»: إن دار نشر «فيبر آند فيبر» أرسلت إلى «تيوتولا» نقودًا إضافية، ربما مُقابل طبعة «جروف برس» وترجمة الرواية، ولكن المبلغ لم يُحدَّد، ويحتوي المقال على عبارات كثيرة من أقوال «تيوتولا» الاعتباطية، باعتباره «رجلًا طيِّبًا» (وهي الصفة التي يزعم كثيرٌ من المُعجبين به أنها كانت تجعله دائمًا عُرضة للاستغلال). أمَّا عن قبول روايته، بداية، فيقول ببساطة: «كنت بكل أمانة أعتقد أنَّني لا بد أن أدفع ﻟ «فيبر آند فيبر» لكي ينشروا أعمالي، لم أكُن أعرف أنهم يستفيدون من موهبتي، لم يكُن لديَّ الشعور بأنهم يغشُّونني، وعلى أية حال، لم يكُن هناك أحد في نيجيريا على استعداد لأن ينشر لي … وحتى الآن!» العبارة الأخيرة في كلام «تيوتولا» تُلقي الضوء على واحدة من أهم المشكلات التي كان قد واجهها فعلًا على مدى حياته؛ فأين كان الناشرون النيجيريون عندما كان في حاجةٍ إليهم؟ يقول: «لم يكُن هناك ناشرون من حولي، وخاصَّةً في أفريقيا. «فيبر آند فيبر» تحمَّلوا المُخاطرة بنشر أعمالي، لم يكونوا يتوقَّعون أنها ستعود عليهم بمبالغ كبيرة، أو أنها ستصل إلى عدد كبير من القُرَّاء.»
من الصعب أن نقرأ مثل هذه الأقوال، دون شعور بالحُزن، وعندما يسأل «أوسيكومايا Osikomaiya» الكاتب «تيوتولا»، ما إذا كان يعتقد أنه قد ترك أثرًا على الأدب النيجيري، يقول: «لا أعتقد ذلك.» كان «أوسيكومايا» قد بدأ مقاله بقوله: «كثيرٌ منَّا — نحن النيجيريين — حتى بعد النشر في الصحف الحديثة، ما زلنا نتساءل: مَن يكون «تيوتولا» هذا؟» حتى الفقرة التي يبدأ بها مقال «ييمي أجونييا» كانت تتضمَّن الملاحظات التالية: «تيوتولا» عامل المخزن الذي تحوَّلَت معرفتُه المحدودة بقواعد اللغة، وتحوَّلَت إنجليزيته الضعيفة لكي تُصبح ميزةً في محاولاته لأن يروي قصصه الكثيرة. إن ما تُعطيه يدٌ تأخذه الأخرى!»
في أواخر سنة ١٩٨٢م، وبعد أكثر من أربع سنوات على استعادة المخطوطتَين، نشرت دار «ثري كونتننتس برس Three Continents Press» في واشنطن دي سي، رواية «تيوتولا»: «الصياد البرِّي في دغل الأشباح» … تحرير وتقديم وتذييل «بيرنث لندفورس»، ويتضمَّن الكتاب صورة من العمل بخط يده، مع النَّص مطبوعًا بكامله، مع تنقيحات «تيوتولا» الأصلية، أمَّا حقوق النشر فهي ﻟ «تيوتولا». المقدِّمة والتذييل (بعنوان حكاية صياد آخَر) تُلخِّص الأحداث التي أدَّت إلى اكتشاف «لندفورس» للمخطوطة، والهجوم على دوافعه في الصحافة النيجيرية.
التفاصيل التالية تكشف لنا، على نحوٍ أكثر وضوحًا، حياةَ «تيوتولا» والأحداث التي سبقت طبعة «ثري كونتننتس»، من أولى روايات الكاتب: لا يوجد أيٌّ من المخطوطات في أيِّ أرشيف نيجيري، كلاهما أُعيد لآموس تيوتولا وهُما بحوزته، كما لم تتقدَّم مكتبة أية جامعة أو مؤسسة وطنية بعروض لشرائها، كما تم توظيف «تيوتولا» لمدة سنة في جامعة Ife، ولكن الجامعة لم تُنفِّذ ما أعلنته وروَّجت له من قبلُ عن نيتها في الاحتفاظ بأوراقه، كما أن دار نشر جامعة Ife لم تَنشُر أيًّا من أعماله حتى الآن، وهو وضعٌ مُخيِّب للآمال، وربما يكون على النيجيريين، الذين يُجيدون التعبير عن اهتمامهم بالحفاظ على كنوز الثقافة الوطنية، أن يبدءوا التساؤل: لماذا لم يحدُث أي شيء! (p. 164)
وبعد سلقها بألسنةٍ حِداد في الصحافة النيجيرية، قررت دار «فيبر آند فيبر» ألَّا تنشر «الصياد البرِّي في دغل الأشباح». باع «كرازنا كراوس Kraszna Krausz» المخطوطة الأصلية لدار «ثري كونتننتس برس»، التي أعادتها إلى المؤلِّف، بعد أن نشرت الرواية في طبعة محدودة. ويبدو أن قصة كفاح «تيوتولا» المستمر، لكي يكون كاتبًا — ولأن يجد جمهورًا في الداخل وفي الخارج، ويكسب احترام أولئك القُرَّاء، مع الاعتراف به كاتبًا مُهمًّا — سوف تصِل في النهاية إلى مرحلة هدوء. استطاع «تيوتولا» أن يستريح ويستقر على هذا المجد، وأن يُصبح أكبر وأهمَّ كاتب في نيجيريا، وأن يحصل على عائدٍ كافٍ من أعماله، وأن يعيش حياةً مُريحة … إلَّا أنَّ القصة لا تصل إلى هذه المرحلة من الهدوء!
بعد السنة التي عمل فيها في جامعة Ife عاد «تيوتولا» ليعتمد على نفسه مرَّة أخرى. لم تُقدِّم له الجامعة المبلغ الذي كانت قد وعدت به، مُقابل الاحتفاظ بالمخطوطة الأصلية لرواية «شَرِّيب نبيذ النخيل» … هذا، لو كان هناك أصلًا وعدٌ من هذا القبيل! كان «تيوتولا» يتمنَّى أن يشتريها أحدٌ — الحكومة الفيدرالية مثلًا — وأن تبقى في نيجيريا. كان هناك أكاديمي أمريكي (بوب رن Bob Wren) يقوم بالتدريس في جامعة «أبادان»، ساعد المؤلِّف في إعداد «حكايات شعبية من اليوروبا» للنشر، عن طريق قسم النشر التابع للجامعة (١٩٨٦م)، وقام بتحرير لغة «تيوتولا» الهجينة، وتحويلها إلى إنجليزية سليمة، واقترح عليه — كما اقترح «لندفورس» من قبلُ — أن يُعيد مركزُ بحوث الإنسانيات النظرَ في إمكانية شراء المخطوطة الأصلية لرواية «شَرِّيب نبيذ النخيل»، وفي النهاية دفع المركزُ خمسة آلاف جنيه، وحصل بالتالي على مواد إضافية من المؤلِّف، عن طريق وسيط أمريكي، وهكذا أصبح مركز بحوث الإنسانيات في «جامعة تكساس»، هو المستودع الرئيسي لممتلكات الكاتب النيجيري.٨
قد نفترض أن العائدات المتراكمة عن أعمال «آموس تيوتولا»، كانت كافيةً لإعالته بقية حياته، وخاصَّةً أن الدراسات السوداء كانت تلقى رواجًا في الولايات المتحدة، في السبعينيات والثمانينيات، مما أدَّى إلى الاهتمام الشديد بأعماله، وبما يضمن بيعًا مستقرًّا لرواية «شَرِّيب نبيذ النخيل»، وهو العنوان الوحيد الذي كان يُطبع باستمرار، أمَّا أثناء العقد الأخير من حياته، فقد انخفضت المبيعات في الولايات المتحدة، ووصلت إلى ٢٠٠٠ نسخة في السنة تقريبًا،٩ وفي سنة ١٩٨٧م نشرت «فيبر آند فيبر» روايته الأخيرة (المُعدم والمُشاغب والمُفتري Pauper, Brawler and Slanderer)، وبعد ثلاث سنوات نُشرت له مجموعة قصصية بعنوان «طبيب القرية الدَّجَّال وقصص أخرى The Village Witch Doctor and Other Stories». لم تظهر أية طبعة «يوروبا» من رواية «شَرِّيب نبيذ النخيل» في نيجيريا، بالرغم من أنَّ «تيوتولا» نفسه كان قد أكمل ترجمتها، لحساب إحدى دور النشر الصغيرة، أمَّا تقديرات إجمالي مبيعات أعمال «تيوتولا» فهي ليست دقيقةً بشكل عام.
وقد كشفَت المراسلات مع «بيرنث لندفورس»، عن أنَّ «لندفورس» نفسه، هو الذي دفَع الألف جنيه التي طلبها «كراننا-كراوس»، عن مخطوطة «الصياد البرِّي في دغل الأشباح»، لكي تنشرها «ثري كونتننتس برس»، وقد صَدرت طبعة بخط اليد (هولوجراف) محدودة (٢٥٠ نسخة)، وبعد ذلك كانت هناك طبعة شعبية حقَّقَت مبيعات متواضعة، أمَّا عائد الطبعتَين فقد دُفع ﻟ «تيوتولا» مباشرةً.
(Lindforce e-mail to author, 17 November 1998.)
وبالنسبة لعائدات كُتبه الأخرى — بما في ذلك استحقاقاته عن الطبعات الأمريكية التي تمرُّ عَبْر «فيبر آند فيبر» — فمن المستحيل القطع بأنَّ «تيوتولا» كان يفهم أساليب المحاسبة بشأنها. «لندفورس» الذي قرأ المراسلات الباكرة في السبعينيات بين «فيبر آند فيبر» والمؤلِّف (بما في ذلك نصوص الحقوق)، يستنتج أنَّ الناشر الإنجليزي لأعمال «تيوتولا»، كان كثير الشكوك في أسلوب تعامله؛ إذ كان «تيوتولا»، عادةً، يطلب من المُحرِّر أن يشتري له أشياء لا يمكنه أن يشتريها في نيجيريا (إطارات لسيارته مثلًا)، ويرسلها إليه بالبحر، على أن يخصم ثَمَن ذلك من مُستحَقَّاته. بالإضافة إلى أنَّ دار «فيبر آند فيبر» استمرَّت مع المؤلِّف (بعد «شَرِّيب نبيذ النخيل» و«حياتي في دغل الأشباح») فنَشَرت له ستة كتب أخرى هي:
Simbi and the Stayer of the Dark Jungle (1955); Feather Woman of the Jungle (1962); Ayaiyi and his Inherited Poverty (1967); The Witch-Herbalist of the Remote Town (1981); Pauper, Brawler and Slanderer (1987); and The Village Witch Doctor and Other Stories (1990).
كما نَشرت له «جروف برس Grove Press» عملًا آخَر في ١٩٥٨م، وهو The Brave African Huntress، كثيرٌ من المراسلات بين «تيوتولا» و«فيبر آند فيبر» اختفت؛ حيث كان «تيوتولا» قد أعارها إلى أحد الأكاديميين النيجيريين، ولم يُعِدها الأخير، كما رفضت «فيبر آند فيبر» كل محاولاتي، لمعرفة حساب عائدات «تيوتولا» لديهم على مدى السنوات، ولكن ماذا عن المبالغ التي كان من المفترض أن يحصل عليها «تيوتولا»، من «والت ديزني»، مقابل تحويل «شَرِّيب نبيذ النخيل» إلى فيلم؟ لقد رفض المحامون في ديزني الردَّ على أسئلتي بهذا الخصوص، بالرغم من محاولاتي العديدة لمعرفة ما حدث بالنسبة للتَّرِكة.
تُوفِّي «آموس تيوتولا» في ٧ يونيو ١٩٩٧م، وكان في السابعة والسبعين من العمر، وبعد شهر ونصف الشهر تلقَّى «بيرنث لندفورس» طلبًا من كلٍّ من «آيو أليجبيلي Ayo Alegbeleye»، و«ينكا تيوتولا Yinka Tutuola»، و«بنمي تيوتولا Bunmi Tutuola» (بتاريخ ٢٥ يوليو) بالتبرع لتأبين الكاتب بشكلٍ لائق، كانت الرسالة تتضمَّن: أبدى عددٌ كبير من أصدقاء الفقيد والزملاء والطلاب رغبةً شديدة في أن يحتفلوا بوداعه الأخير، وذلك بقراءة مخطوطات، وتقديم مسرحيات ورقصات وأشعار عند الدَّفن، كما يُخطِّط فنانون لتقديم عرض فنِّي. التكلفة مرتفعة رغم محاولاتنا اختصار بعض الأنشطة، ونكون من الشاكرين لمساعدتك المالية بهذا الخصوص، كما أننا سوف نعلن عن المبالغ المقدَّمة عن طريق الصحافة.
كما أضاف «ينكا تيوتولا»، الابن الأكبر للكاتب معلوماتٍ عن الجهة التي يمكن إرسال التبرعات إليها. مات «تيوتولا» فقيرًا عن أسرة كبيرة مكوَّنة من أربع زوجات وأحد عشر ابنًا وبنتًا، وقام «لندفورس» بنسخ الرسالة (طلب التبرُّع)، ووزَّعها في الولايات المتحدة مع عنوان الجهة التي تُرسل إليها التبرعات.
احتفت الصحافة النيجيرية بالكاتب وأشادت به وكرَّمته على نحوٍ نادرًا ما حصل عليه في حياته، وفي مقالٍ بعنوان «وداع يليق بآموس تيوتولا» (تعليق على ما حدث)، يقول «لندفورس»: «خرجت خمس صحف يومية وطنية، على الأقلِّ، تُشيد في افتتاحيَّاتها المطوَّلة بأعماله وإنجازاته، كان في نظر الجميع بطلًا وأسطورة، وحكَّاءً مُدهشًا، وعبقرية في القَصِّ.» كما اكتسب احترام الكُتَّاب والصحفيين الشُّبَّان، الذين كانوا يُشيرون إليه ﺑ «الأب تيوتولا».
وبالرغم من ذلك، كانت الجنازة هزيلة وسيئة التنظيم؛ فقد كتب «تندي أريمو Tunde Aremu» الذي شَهد الحدث في جريدة ALA Bulletin: «بالنسبة لرجلٍ عظيم كهذا، في عالَم الأدب على الأقلِّ، كان المنتظَر أن يكون دفنه بمثابة نقطة الْتِقاء، ليس فقط بين جماعة الكُتَّاب، وإنَّما بالنسبة لمُحبِّي الكلمة والنقاد ورُعاة الفنون، إلَّا أنه ذهب مجهولًا مثلما عاش.» وبالرغم من أنَّ مُنظِّم المناسبة كان هو اتحاد الكُتَّاب في نيجيريا، وأنَّ التخطيط كان يشتمل فعاليات على مدى يومين (٣، ٤ أكتوبر)، لم يحضر عدد كبير من المنظِّمين: وإذا كان اليوم الأول قد مضى دون دلالة على جنازة رجلٍ، هناك اعترافٌ بأنه ترك بصمةً على الحياة الأدبية، فإن اليوم الثاني كان أسوأ من ذلك بكثير، وفي إحدى صُحف «لاجوس» كتب مُحرِّر صفحة مُراجعة الكتب: «كُنت أتوقَّع حُضور كُتَّاب كثيرين من دولٍ أخرى.» ويبدو أنَّ هذا الصحفي كان يتوقَّع أكثر ممَّا يجب، كما كُنَّا نحن أيضًا نتوقَّع الكثير. الشخصية العامَّة الوحيدة التي حضرت المناسبة كان السفير «ألوسيجن أولوسولا Olusegun Olusola»، ومن بين الشخصيات الشهيرة الأخرى كان هناك «دابو أدلوجبا Dapo Adlugba» من قِسم الفنون المسرحية بجامعة أبادان، و«أوديا أوفيمون Odia Ofeimun»، ودكتور «بودي سواندي Bode Sowande»، بالإضافة إلى بعض الأدباء، ولكن العدد لم يصِل إلى عشرة تقريبًا.
كانت أسرة «تيوتولا» قد طلبت من حكومات ولايات «أويو Oyo» و«أوجون Ogun» الإسهامَ في نفقات الجنازة، ولكنها لم تتلقَّ ردًّا. وكما يقول «أريمو Aremu» فإن اللحظة الوحيدة الجديرة بالذكر، هي تلك التي كانت أثناء إلقاء «أوديا أوفيمن» لكلمته عندما قال: «لم يكُن لدى «تيوتولا» من أجل رحلته سوى حِمار، ولكن قدَره كان أن يُطعِم هذا الحِمار حتى أصبح حِصانًا.»
«سيبريان إكوينسي Cyprian Ekwensi»، أحد أصدقاء «تيوتولا» النيجيريين، وهو كاتب آخَر من الذين عرفوا المعاملة المهينة نفسها، قال عند وفاة الكاتب: «كان «تيوتولا» يكتب موسيقى بكلماته، ورغم أن النثر كان وسيلته، فإن كتابته كانت تبدو أكثر موسيقية وأكثر غنائية وأكثر شِعرية من كتابات كثيرٍ من الشعراء» (عن مقال لندفورس: وداع يليق بآموس تيوتولا). كان «إكوينسي» يتمنى أن تُنشئ نيجيريا جائزةً أدبية تكريمًا للراحل، وأن يكون هذا التكريم نابعًا من الداخل وليس من الخارج، ويضيف: «إنَّ الاعتراف والتقدير في نيجيريا اليوم، أمور تتوقف على ما لدى المرء من ثروة، الناس يريدون أن يعرفوا السيارات التي يملكُها، والملابس التي يرتديها، ولا أحد يسأل كيف يحصل الناس على هذه الأموال، لا أحد يهتم بالتفوُّق أو التميُّز في أي مجال.» المرارة في كلمات «إكوينسي» لا تَخفى على أحدٍ، والحقيقة أنه كان يقول قبل سنوات إنَّ رواياته — وبعضُها طُبِع عِدَّة مرَّات وفي طبعات دولية — جَلبَت له «الشُّهرة والفقر»، وهي عِبارة تنطبق أيضًا على عمل «تيوتولا».
ولا يستطيع المرء أن يتجاهل كذلك حقيقة أنه — حتى — عند موته، لم يكُن كثيرٌ من النيجيريين يعرفون مَن هو «تيوتولا» ولا كتاباته؛ فالذين قرءوا أعماله قليلون، وحتى بين أولئك الذين قرءوها، كان ما زال هناك شعور بأن كل ما فعله، هو أنه أعاد كتابة القصص التي يعرفها كل أبناء اليوروبو، وكان الناقد «ت. أ. أويساكن T. A. Oyesakin»، من جامعة لاجوس، يردِّد ما قاله آخَرون من قبلُ في مناسبات كثيرة، مثل «لو أنَّك ترجمت أعمال «تيوتولا» إلى لغة اليوروبا، فإن أي فرد منهم — من الذين لا يعرفون لغة أخرى — سوف يفترض بكل بساطة أنَّك تُصيبه بالضَّجَر بقصة يستمع إليها بشكل يومي؛ ففي سِن الخامسة عشرة يكون أي طفل من اليوروبا مُلمًّا بالحكايات الشعبية، وأنت عندما ترويها تُضيف إليها من عندك … «تيوتولا» يتبع أسلوب الحكي، وإن كان لم يفعل ذلك بشكلٍ إبداعي؛ أي إنه لم يَضَع التفاصيل التي يُضيفُها الراوي الشعبي، إنَّه يقدِّم الهيكل العظمي للحكاية فقط» (مُقتبَس عن مقال «لندفورس»: وداع يليق بآموس تيوتولا).
وبالنسبة ﻟ «أويساكن» — وغيره من الذين لا يروق لهم عمل «تيوتولا»، حتى بعد خمسين سنة من أول صدور له — فإن «تيوتولا» ليس أكثر من كاتب يُعيد كتابة ما هو معروفٌ بالفعل، وأنه ما كان يجب أن يحظى بكل ذلك الاهتمام، والمغزى طبعًا هو أن أي شخص من اليوروبا كان يُمكن أن يقوم بما قام به.
ولكن الحقيقة أنَّ أحدًا آخَر لم يفعل ذلك، وهذا جزءٌ من عبقرية الفنان؛ فهناك «الأشياء تتداعى» واحدة، رغم أن الكثير من الأفارقة، كانوا يعرفون حكايات الغزاة الأوروبيين الأوائل، الذين جاءوا إلى مجتمعاتهم، وهناك «الطفل الأسود» واحدة، رغم أنه كان هناك طلاب فرانكفونيون آخَرون يدرسون، وانتهى بهم المطاف في فرنسا مثل «كامارا لايي Camara Laye»، وكانوا يعتقدون أنهم لن يعودوا إلى بلادهم، وهناك «شَرِّيب نبيذ النخيل» واحدة، رغم وجود الكثير من روايات اليوروبا التي كتبها الشيخ «فاجونوا Fagunwa» وغيره من جامعي الموروث الشعبي.
في أواخر الأيام، عندما كان يسأله أحدٌ لماذا يكتب، كان «تيوتولا» يُقدِّم أفضل تفسير لحرفته وفنِّيَّته، مُدافعًا عن نفسه كإنسان يريد أن يحافظ على بقاء ثقافته: «لا أريد أن يموت الماضي، لا أريد لثقافتنا أن تختفي. هذا ليس جيدًا، نحن نُضيع (عاداتنا وتقاليدنا)، وأنا أحاول أن أستبقيها في الذاكرة» (مُقتبَس من مقال «لندفورس» السابق ذكره). وبالنسبة لكثير من قُرَّاء الأدب الأفريقي، فإن «آموس تيوتولا» استطاع أن يقبض على تلك الذكريات لكي يُخلِّدَها بالكلمة المكتوبة.
١
انظر: Lindfors, “Amos Tutuola’s Search”, Journal of Commonwealth Literature (1982).
٢
“In Memoriam: Amos Tutoula” p. 3.
٣
الشيخ D. O. Fagunwa (١٩١٠–١٩٦٣م): روائي شعبي من اليوروبا، بدأ النشر في ١٩٣٩م، كانت أولى رواياته «الصياد الماهر في غابة الأربعمائة شبح» التي أتبعها باثنتي عشرة رواية أخرى، ويتهم بعض النقَّاد «تيوتولا» بالاعتماد على كتابات «فاجونوا» بشكلٍ أساسي.
٤
سرعان ما تُرجمت «شرِّيب نبيذ النخيل» إلى الفرنسية وعددٍ من اللغات الأخرى.
٥
نقلًا عن “On Shocks, Sharks and Literary Archives”, Daily Times, 15 July 1978.
٦
رسالة بالبريد الإلكتروني من «لندفورس» للمؤلِّف في ٧ مارس ١٩٩٩م.
٧
انظر: Harold R. Collins, Amos Tutuola (New York. Twayne, 1969), pp. 76-77.
٨
رسالة بالبريد الإلكتروني من «لندفورس» للمؤلِّف بتاريخ ١٧ نوفمبر ١٩٩٨م.
٩
رسالة للمؤلِّف من: Nancy Flower, Groove Press بتاريخ ١٢ نوفمبر ١٩٩٨م.
محنة الكاتب الأفريقي |
الفصل الثاني في البدء كان الكلام مع الورق
«هذا هو موضوع الكتاب الخاص بسياسات اللغة في الأدب الأفريقي: التحرر الوطني والديمقراطي والإنساني. إنَّ الدعوة لإعادة اكتشاف لغتنا، والعودة إليها، هي دعوة لإعادة الصِّلة بملايين الأصوات الثورية، المُطالِبة بالتحرر في أفريقيا والعالم. هي دعوةٌ لإعادة اكتشاف اللغة الحقيقية للجنس البشري: لغة النضال. هي اللغة العالمية، الكامنة وراء كل الكلمات في تاريخنا، النضال … النضال وحده هو الذي يصنع التاريخ. النضال يصنعُنا. تاريخنا في النضال، ولغتنا ووجودنا أيضًا. هذا النضال يبدأ أينما كُنَّا، وفي كُلِّ ما نفعل. عندما نُصبح جُزءًا من هذه الملايين، الذين رآهم «مارتن كارفر» ذات مرَّة نائمين، لا لكي يحلموا، وإنما رآهم يحلمون بتغيير العالَم.»
نجوجي وا ثيونجو Ngugi wa Thiong’o
(Decolonising the Mind: the Politics of Language in African Literature, 1986)
«السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الأفارقة يستطيعون الكتابة بالإنجليزية، وإنَّما ما إذا كان ينبغي عليهم ذلك، هل من الصواب أن يهجر المرءُ لغته الأم، ويتجه إلى لغةٍ أخرى؟ الأمر أقرب إلى الخيانة العُظمى، كما أنه يُولِّد شعورًا بالذنب. بالنسبة لي ليس أمامي خيار آخَر، فقد أُعطِيتُ هذه اللغة، وسوف أستخدمها، إلَّا أنني أتمنى أن يكون هناك دائمًا أمثال الراحل الشيخ «فاجونوا»، ممَّن يختارون الكتابة بلغتهم، ويؤكدون أنَّ أدبنا العِرقي سوف يزدهر، جنبًا إلى جنب الآداب الوطنية، وبالنسبة لمَن اختاروا الإنجليزية منَّا، فأمامهم عملٌ كثير، وعالَم من الدهشة. إنَّني أشعر بأنَّ اللغة الإنجليزية، ستكون قادرةً على حمل ثقل تجربتي الأفريقية، إلَّا أنها لا بدَّ من أن تكون إنجليزية جديدة، تبقى على صِلة ببيتها … بيت الأسلاف، ولكن يتم تطويعها لكي تناسب محيطها الأفريقي الجديد …»
«شينوا أشيبي Chinua Achebe»
(Morning Yet on Creation Day, 1965)
يحدث كثيرًا في الولايات المتحدة (وفي معظم الدول الغربية في الواقع) أن يقوم مَن يريدون أن يُصبحوا كُتَّابًا، بإرسال أشعارهم، وقصصهم القصيرة، إلى الصحف والمجلات، وهي عملية في غاية السهولة، ويساعد عليها وجود عددٍ كبير من المطبوعات، وعندما يواصلون ذلك، ويجوِّدون حِرفتهم بإصرار تكون أمامهم الفرصة لكي يجدوا في نهاية المطاف ناشرًا لأعمالهم. الشيء نفسه — مع قلَّة الفرصة إلى حدٍّ ما — ينطبق على الروايات والمخطوطات الطويلة الأخرى، والصحف حافلةٌ بنماذج من هؤلاء الكُتَّاب، الذين نجحوا ووجدوا طريقهم إلى الشُّهرة. صحيح أن مَن يشتهر هذا العام، قد يطويه النسيان في العام التالي … ولكن قافلة النجاح تسير في طريقها.
القليل من جوانب النشر هذه هو الذي ينطبق على كُتَّاب أفريقيا؛ إذ عندما انتهى «تيوتولا» من روايتَيه الأُوليَين لم يكُن واثقًا من وجود ناشر في نيجيريا يهمه أن ينشر أعماله، فأرسل المخطوطة الأولى إلى «فوكال برس» التي كان يعرف كتب التصوير الفوتوغرافي التي يصدرونها، وربما لم يخطر بباله أن تلك الدار، كانت معنية بنشر الكتب الفنية. كتابه الثاني «شَرِّيب نبيذ النخيل»، أرسله إلى الجمعية المتحدة للأدب المسيحي، بعد أن قرأ إعلانًا في «نيجيريا ماجازين»، وربما يكون السبب الأهم هو أنه كان يدرس في إحدى مدارس الإرساليَّات ذات يوم.
كان من حُسن حظِّه، أن يجد ناشرًا مثل «فيبر آند فيبر»، وبالرغم من أنَّ الكتاب تأخَّر طويلًا، فإنه نُشر في النهاية. في تلك السنوات، عندما كان «تيوتولا» يكتب، كان البريد مضمونًا ويُعتمَد عليه، وإنْ كان الأمرُ لم يكُن يخلو أحيانًا من سوء حظٍّ. في ١٩٥٧م، بعد أن انتهى «أشيبي Achebe» من «الأشياء تتداعى Things Fall Apart»، أرسل النسخة الوحيدة من المخطوطة، مع إذن بريدي بمبلغ ٣٢ جنيهًا، إلى أحد مكاتب السكرتارية في لندن؛ لكي تُطبَع على الآلة الكاتبة. لاحِظ المبلغ نفسه؛ إذ إنَّه أكبر من إمكانيات مواطن أفريقي في ذلك الوقت إذا عرفنا أنَّ متوسط دَخْل الفرد في نيجيريا آنذاك، كان حوالي ٣٠ جنيهًا.
من الصعب تأكيد ما إذا كان المكتب الذي أرسل إليه «أشيبي» مخطوطته، كان وكالةً قانونية أو لا، ولكن بعد عدَّة أشهر (وكثير من خطابات الاستفسار)، لم تصِل النسخة المطبوعة على الآلة الكاتبة، وحدث أنْ كان ﻟ «أشيبي» صديق مسافر إلى لندن، فذهب لكي يستطلع الأمر، وكما يقول «إيزنوا أوهايتو Ezenwa-Ohaeto»، كانت المخطوطة مُلقاة في رُكن من المكتب يعلوها التراب، وبعد أن طُبعَت — أخيرًا — كان لدى «أشيبي» خدمة نادرة من وكيل أدبي، استطاع في النهاية أن يبيع روايته ﻟ «وليم هينمان William Heinmann»، وقد روى «أشيبي» لمحرِّر أعماله «آلان هيل Alan Hill» أنَّ المخطوطة لو كانت قد سُرقَت أو فُقدَت «لَكان من الممكن أن يُصيبَني الإحباط فأترك الأمرَ برُمَّته، ولو كنتُ قد أجبرت نفسي على كتابة العمل مرَّة أخرى، لَجاء مُختلفًا تمامًا» (p. 63). ولعل المرء يتساءل عن عدد المخطوطات التي ضاعت لكُتَّاب أفارقة، في البريد، أو فُقدَت في دور النشر.
بالنسبة لكثير من كُتَّاب أفريقيا اليوم ما زال تسليم المخطوطات عمليةً محفوفة بالمخاطر، كما أنَّ عدد الناشرين قليل جدًّا للوفاء باحتياجات كُتَّاب القارة. الصحف والمجلات الأدبية، والمطبوعات المستعدة لنشر القصص القصيرة والأشعار، ما زالت قليلةً حتى في البلاد ذات الكثافة السكانية الكبيرة، مثل نيجيريا، وجنوب أفريقيا، والقليل منها هو الذي يَدفع للكُتَّاب، بالرغم من ظهور عدد من المطبوعات المتميزة في العقود الأخيرة، فإن معظمها — بما فيها تلك المدعومة من الجامعات — كان عمرها قصيرًا، كما أنَّ الكُتَّاب الأفارقة لم يكونوا أكثر توفيقًا في تسليم قصصهم وأشعارهم للمطبوعات الأمريكية والأوروبية أكثر مما كانوا في الخمسينيات. مرَّة أخرى، الأعمال تتأخر طويلًا، والبريد لا يُعتمَد عليه، ومُعظم الكُتَّاب معلوماتهم قليلة أو غير دقيقة، بالنسبة للمطبوعات المناسبة لتلقِّي أعمالهم.
وبالنسبة لدور النشر الأفريقية — كما سنرى لاحقًا — فالوضع ليس أفضل بكثير، والحقيقة أنَّ مئات الناشرين في أفريقيا، جنوب الصحراء، لا يُحبِّذ مُعظمهم نشر الأعمال الإبداعية، وإنَّما تركيزهم على الأعمال الفنية غير الروائية، أو الكتب التعليمية، أمَّا الذين يَنشرون الروايات والأشعار، فإلى جانب قلَّة عددهم، لا يشجعون الكُتَّاب غالبًا، وغير قادرين على رعاية الكُتَّاب المبدعين، وغير أمناء في محاسبتهم، وهامشيون لدرجة أنَّ كثيرًا من الكُتَّاب ما زالوا ينظرون إلى الخارج بحثًا عن ناشر، وبخاصة في المملكة المتحدة وفرنسا، هناك طبعًا استثناءات، ولكن عدد الناشرين الأفارقة — الداعمين للمغامرات الإبداعية للكُتَّاب الأفارقة السُّود — قليل جدًّا، إلَّا أنَّ الكُتَّاب يحاولون — على مدى سنوات عدَّة — بَحْث هذه القضايا في محاولةٍ لتحسين الأوضاع.
سوق الأدب في «أونيتشا»
في أوائل الستينيات، عندما كنت أقوم بتدريس اللغة الإنجليزية، في إحدى المدارس الثانوية للبنين، التي لا تبعد كثيرًا عن «أونيتشا»، في المنطقة الشرقية من نيجيريا، كنت أواجه صعوبات في تحضير تلاميذي لامتحانات شهادة إتمام المرحلة. لم تكُن تلك الصعوبات خاصة بمشكلات التعلُّم؛ فتلاميذي كانوا من أكثر التلاميذ اجتهادًا على مدى عملي بالتدريس لمدة أربعين سنة، كانت المشكلة، بالأحرى، ذات طبيعة ثقافية. في تلك الأيام لم يكُن قد تمَّ «أفْرَقة» المواد الدراسية، وعليه: فقد كانت المختارات الأدبية كلها من أعمال كُتَّاب إنجليز، وكانت روايات العصر الفيكتوري مكروهة من قِبَل التلاميذ بسبب طولها، وأذكر منها على نحو خاص، رواية «بعيدًا عن الزحام المجنون» ﻟ «توماس هاردي: Thomas Hardy»، التي كانت تضم مئات الصفحات، ولا بد من أن تكون مُربكة لتلاميذ لغتهم الأولى هي «الإيجبو»، ولكن مع العزم والإصرار، لم يكُن طول الرواية مزعجًا أكثر من مضمونها: مسرح الأحداث غريب، والشخصيات مختلفة تمامًا عن الناس الذين يعرفونهم ويعيشون من حولهم، والمواقف مُحيِّرة، إن لم تكُن عَصية على الفهم. لماذا — مثلًا — كل تلك الضجَّة عن رجال ونساء في علاقات جنسية؟ كان من الصعب على التلاميذ أن يفهموا الحب الرومانسي بالأسلوب الغربي، أما الممارسات الجنسية الغربية فكانت أكثر إرباكًا. بعد انتهاء دروس أحد الأيام، جاءني تلميذ ليسألني: «عفوًا يا أستاذ، ما معني يُقبِّل؟»
تصوَّرت في ذلك الوقت أنه تلميذ ساذج، ولكنني اكتشفت جهلي بعد ذلك؛ حيث لم أكُن أعرف أنَّ التقبيل (والمداعبات الجنسية)، ليست ممارسات عامة يشترك فيها الجميع، بدافع من عوامل بيولوجية، فلا عجب، إذَن، أن تكون كل تلك اللقاءات المهتاجة بين «جابرييل أوك Gabriel Oak» و«باتشيبا إيفردين Bathsheba Everdene»، غير مفهومة لتلاميذي، وخاصة تلك القبلات (أو بالأحرى القبلات التي لم تكتمل)، ولذلك ليس من الغريب أن يكون الكثير من الأدب الذي يدرسونه، ليس له معنى بالنسبة لهم.
بذكائهم المعروف، كان النيجيريون — والإيبو بخاصة — قد بدءوا يكتبون قصصهم، أو «يتكلمون مع الورق» (إن كان لنا أن نستعير عبارة شوينكا)، وهو ما كان يُلبِّي رغبة القارئ النيجيري ثقافيًّا وتعليميًّا واقتصاديًّا. بدأت سوق الأدب في «أونيتشا»، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما كانت معرفة القراءة والكتابة بالإنجليزية، أكثر منها في أيِّ وقت مضى، وكانت النقود متوفِّرة، وتكفي لما هو أكثر من الاحتياجات الضرورية، والمطابع مُستعدة لتبدأ إنتاج مواد محلية، من أجل طبقة ناشئة، تعرف القراءة والكتابة.
أهداني أحد تلاميذي في المدرسة الثانوية (واسمه جي (جوزيف) يو تاجبو نزياكو J. (Joseph) U. Tagbo Nzeako) نُسخةً من روايته «روز دارلنج في حديقة الحب» التي أصدرتها له إحدى مطابع «أونيتشا»، وأنا أتفحَّص هذه النسخة بعد ثلاثين عامًا أو أكثر، أتذكَّرها باعتبارها هي التي قدَّمَتني لظاهرة ثقافية، كانت تطرح نفسها أمام العالَم الحقيقي، وليس للخطاب الأكاديمي في قاعة الدرس.
«روز دارلنج في حديقة الحب» Rose Darling in the Garden of Love عبارة عن نصٍّ من ٢٩ صفحة، يسبقه أجزاء عديدة على هيئة مُقدِّمات مطبوعة على ورق جرائد، أصبح الآن في حالة سيئة، ورق الغلاف أسمَك قليلًا، كان أخضر اللون في الأصل، والآن باهِت. إلى جانب عنوان الرواية واسم المؤلف، هناك تعريف بالكاتب، وهو أنه طالب سابق بمدرسة الدكتور أكونجو التذكارية (وذلك لكي يعرف مشتري الرواية المحتمَل أنَّ المؤلِّف وصل إلى المرحلة الثانوية، ولم يكُن ذلك بالإنجاز البسيط في تلك الأيام)، كما يعرِّف الطابع/الناشر، بأنه محلَّات «تابانسي» للكتب Tabansi Bookshops وعنوانه: 55 New Market Road في «أونيتشا»، وثمن النسخة (1s. 6d.) والغلاف مُزيَّن بزهور متشابكة ونبات مُعترش، وهذه المعلومات نفسها، نجدها مُكرَّرة على الصفحة الأولى، دون ذِكر ثمن النسخة. بعد ذلك يوجد فهرست المحتويات (ويذكر عناوين الفصول الاثني عشر)، ثم صفحة شكر وتقدير، وتصدير، ومُقدِّمتان افتتاحيتان: أمَّا الشكر فمعظمه لمدرِّسي المؤلِّف ولأصدقائه في المدرسة الثانوية، ثم تأتي بعد ذلك ملاحظة موقَّعة: «جميع المدُن والشخصيَّات والمدارس المذكورة في هذه القصة، من وحي الخيال، ولا تُشير إلى أي شخص أو مؤسسة، والقصة نفسها خيالية، وبالتالي ليس لها علاقة بأية شخصية حقيقية.» ثم بعد ذلك نجد اسم المؤلِّف.
تبدأ المقدمة على النحو التالي: «الناس في هذا القرن يُحبون دون قيود، يُعجَبون بالأشياء الجميلة، ويتزوَّجون المرأة الجميلة، ولا يفكرون كثيرًا في الشخصية.» ثم تنتقل بعد ذلك إلى رسالة المؤلف: «ينبغي على الناس أن يختاروا شركاءهم في الحياة، على أساس أنهم سوف يشاركونهم فيها، وليس لأن البنات جميلات، أو لأن الرجال يشغلون مراكز مُهمة، ويركبون السيارات» (p. 2). ثم تنتهي هذه «المواعظ» بالإشارة إلى مصير «روز»: «هنا قصة أجمل فتاة مغوية، لم تُحسن جَدَّتُها العجوز تربيتها، حيث كانت (يقصد الجدَّة) في الخامسة والستين، وتحب شابًّا في العشرين. هذه التربية السيئة، كانت سببًا في كثير من خيبات الأمل بالنسبة لها (يقصد الفتاة)، كما كانت سببًا في نهايتها» (p. 3). وبعد هذا الجزء أيضًا، نجد اسم المؤلِّف وعنوانه البريدي.
المقدِّمة الأولى كتبها «صني أوكلو Sunny Okolo»، وتتضمَّن جزءًا عن أهمية «نزياكو Nzeako»، بوصفه كاتبًا: «لا شك عندي في أنه سيكون كاتبًا عظيمًا في المستقبل القريب، إلَّا أنك إذا قرأتَ قصصه الأكثر إثارة مطبوعة، فسوف تكتشف أن نيجيريا أصبح لديها «بيكون».» ويُنهي المقدِّمة بقوله: «لن أتردَّد في القول إن هذا الكتاب يستحق مكانًا في مكتبة، وأنه سيجد تذوُّقًا يساعد الكُتَّاب الروائيين» (p. 4). المقدِّمة الثانية كتبها «تومي أ. أسيجبو: Tommy A. Asiegbu»، وتواصل تأكيد الجوانب الإيجابية والنموذجية في كتابة «نزياكو»: إنَّ «روز دارلنج في حديقة الحب» محاولة للتربية الأخلاقية للناشئة والكبار الذين ذاقوا فاكهة المرارة والحسرة، والذين يريدون التجربة. ولنقُل بصراحة … إنَّ هذه محاولة يقوم بها تلميذ، وهي لن تفشل في إلهام كثير من تلاميذ الأدب، كما أنَّني أرشِّح هذا الكتاب لكل «توم» و«ديك» و«هاري» (p. 5). والمقدِّمة الثانية بتاريخ ٢٢ يوليو ١٩٦١م، وهو التاريخ الوحيد في الكتاب كله، ولا ذِكر لحقوق النشر؛ مما يجعلنا نُخمِّن أن يكون «نزياكو» قد كتب هذا الكتاب، بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية مباشرةً.
بداية الفصل الأول: «روز» فازت بحب «أُولا»:
في كوخٍ صغير من حجرتَين في أدوري — قرية في تقسيم أوكوم — كانت تعيش عجوزٌ درداء، تحب البهرجة، وكانت مجنونةً بممارسة الجنس، وكانت في الستين، وتحب شابًّا في مثل عُمر أحفادها. هذه المرأة كانت لها ابنةٌ اسمها «روز»، وكانت ابنة زنا، وعندما كبرت كانت هي الأخرى مشهورة بممارسة الجنس. كانت «روز» تُحب شابًّا ضعيف البِنْيَة، اسمه «أُولا». عندما تقابلا لأول مرَّة في الاستاد الرياضي، سحَرَها بشخصيته وبجسده الذي يغطِّيه الشَّعر، وبجاذبيته غير العادية. كان عندما يعود إلى منزله يسلك شارع «برايت» عمدًا، وكان هو أيضًا شارع الفتاة، التي كانت جالسةً أمام منزلهم، تأكل البيض. كان «أُولا» قد اشترى درَّاجة جديدة، وكان يريد أن يستعرض أمامها، وعندما رآها، نظر إليها باهتمام. زاد من سرعته ولكن لسوء حظه اصطدم بكتلة من الخشب ووقَع. أسرعَتْ «روز» إليه وأحضرَت له ماءً ليغسل يدَيه. «أُولا» شكرها بكلماتٍ جميلة، وبصوته الناعم، أمَّا هي فنظرَت إليه تلك النظرة الغريزية مثل كل النساء، وبعدها افترقا. (p. 3)
هل يمكن أن يقاوم أي تلميذ يتصفَّح هذه البداية، في محل «تابانس لبيع الكتب» شراء نسخة من هذا الكتاب؟ «روز»، كما يكتشف القارئ الذكي، سوف تعيش كما كانت تعيش أمها، أي في حالة انفلات جنسي.
القصة تتحرَّك بسرعة، بعد حادث دراجته بيوم واحد، يكتب «أُولا» رسالةً طويلة إلى «روز»، يعترف فيها بحبه لها، ويقول إنَّه مُتيَّم لدرجة أنه يحلم بها في يقظته. «روز» تُقبِّل الرسالة أثناء قراءتها، وسُرعان ما يتزوجان، وبسرعة أيضًا تتدهور صحَّة «أُولا» الجسدية والنفسية؛ بسبب مرضٍ مجهول «كان يشرب الماء، ولكن بِوَلَه الذي كان يحتوي على ديدان صغيرة كان له لون الشوفان» (p. 13). ولو كان الكتاب مُعاصرًا، فلربما كان «الإيدز» هو سبب موت «أُولا»، وهو الموضوع الذي أصبح مسيطرًا على الأدب الروائي في القارة. بعد موت «أُولا»، تُقرِّر «روز» التي يطحنها الفقر أن تنتقل إلى مدينة أخرى لتبدأ حياتها من جديد.
تعيش «روز» قصة حبٍّ قصيرة مع «موسي Mossy» (تلميذ آخَر) ولكنه يتنكَّر بعد العودة إلى المدرسة، ثم تتزوَّج «إيدي Eddy» الذي يكبرها بسنوات، ويبدو أنها فعلت ذلك لكي تشعر بالأمان، وليس لأنها كانت تحبه. مرَّة أخرى تُصبح اللذة هي هدفها في الحياة، فتترك طفلها لتتزوج شابًّا آخَر، يتخلَّى عنها بعد أن يكتشف خياناتها الجنسية، وعند هذه النقطة، يبدو أن «روز» قرَّرَت أن تُنهي حياتها (كما يُقرِّر المؤلِّف أن يُنهي القصة)، فتشرب «كوبًا من الدِّي دي دي.» (دي دي تي؟) و«بجوار جُثتها كانت هناك نُسور وطيور، ربما كانت تتفجَّع عليها، وربما كانت تبحث عن وجبة إفطار.» وباللغة نفسها، «الوعظ والإرشاد»، تنتهي القصة كما يلي: «روز» التي رَقص عشرات ومئات العُشَّاق في ساحة قلبها العاطفي الجائع، ماتت وحيدةً وفي بؤسٍ تام. لم يكُن هناك أحد ليُقبِّل شفتَيها الذابلتَين أو يضمُّها للمرَّة الأخيرة، أمَّا الأسوأ من ذلك كُلُّه، أنه لم يكُن هناك أحد ليقوم بإجراءات الدَّفن النهائية. أمَّا نهايتها المحتومة، فكانت نموذجًا لعقاب السَّماء لمَن يتَّبعون طريق «روز دارلنج»؛ لأنَّ مَن يخدع الناس ينبغي ألَّا يمضي دون عقابٍ. (p. 29)
مثل هذه المواعظ الثقيلة، يمكن أن نجده في عدد من الكلاسيكيات الغربية: (Manon Lescaut, Thérèse Raquin, Sister Carrie). والتصدير والمُقدِّمات، تكرار لمحاولات إضفاء الصدق، وهذا أيضًا موجودٌ في الروايات الغربية الباكرة، نذكر مثلًا Moll Flanders أو Les Liaisons dangereuses، ومَزاعم المؤلِّفين بأنَّ القُرَّاء، الشُّبَّان على نحو خاص، لن يضلُّوا بقراءة مثل هذه الكتب، التي يمكن أن تكون مادةً جيدة للتوجيه والإرشاد، وكان مثل هذه العبارات، يُستخدَم بالطبع للتغطية على المضامين الداعرة لبعض الروايات الغربية الأولى، كما كان الهدف منها في المقام الأول، هو الترويج للكتب، أكثر ممَّا هو الدعوة إلى الفضيلة.
ربما يبدو من النظرة الأولى أنَّ رواية «روز دارلنج في حديقة الحُب» للكاتب «ج. يو تاجبو نزياكو»، لا تستحقُّ مثل هذا التحليل الطويل؛ حيث لا أهمية كبيرة لها في ظهور أدب في هذه الدولة، أو في القارة، إلَّا أنَّ عشرات الروايات المشابهة، قد تدفَّقَت من أقلام كُتَّاب «أونيتشا»، ثم بعد فترة وجيزة من أقلام آخَرين في دول أخرى. (غانا – كينيا – جنوب أفريقيا – زيمبابوي)، أمَّا أهمية هذه الكتابات، فهي أنها قدَّمَت منبرًا، كانت هناك حاجةٌ ماسَّة له بالنسبة للكُتَّاب «الجُدد»، الذين كان تعليمهم لا يزيد كثيرًا على تعليم قُرَّائهم.
مؤلِّفو كُتيِّبات أونيتشا The Onitsha Pamphleteers، كما يُطلَق عليهم، كانوا يكتبون أعمالًا يتم إنتاجها بتكلفة زهيدة، وبالتالي كان بالإمكان الحصول عليها في مُعظم الأحيان بملغٍ لا يُذكَر، مُقارنةً بثمن كتاب مُستورَد، وعلى خلاف الأعمال الأجنبية المستوردة، كانت نُصوصُهم تدور في بيئات قُرَّائهم نفسها، كما يُمكن التعرُّف على المواقف والأماكن والشخصيات. ومرَّة أخرى فإن أوجُه الشَّبَه بين هذا الأدب ونشأة الرواية في أوروبا — وبخاصَّة في إنجلترا وفرنسا — لا يُمكن المغالاة في التأكيد عليها، كما هو صحيح أيضًا أنَّ مُعظم ما نُشر في «أونيتشا» — كما حدث قبل ذلك في الغرب — لم يكُن أعمالًا روائية، وإنَّما كانت كُتيِّبات شعبية وتعليمية.
كانت الكتب التعليمية في الأساس تُلبِّي رغبات الناشئة والأشخاص الذين يريدون أن يُحسِّنوا حظوظهم في الحياة؛ فعلى مدى قرون، كانت كُتب «الإيتيكيت» تروق لمَن يريدون صُعود السُّلَّم الاجتماعي، ويخشون الوقوع في هنات اجتماعية مُحرِجة، وبظهور كتب «أونيتشا»، سُرعان ما ظهرت كتب لتعليم الناس كيفية تحسين أوضاعهم، ولذلك تجد عناوين كثيرة مثل: «الأقوال المأثورة لجميع المناسبات» و«حِكَم وأمثال» و«الإنجليزية والإنشاء الجيد» من تأليف «تشيدي م. أوهايسي Chidi M. Ohaejesi»، الذي يُعرِّف نفسه بأنه «صحفيٌّ وكاتبٌ حُر»، أو كتب مثل: «كيف تُنظم الاجتماعات وتُجيد عمل الرئيس والسكرتير والصرَّاف والمُحاسب … إلخ؟» من تأليف «ولفرد أنووكا Wilfred Onwuka» «مؤلِّف وشاعر وممثِّل روائي وكاتب مسرحي.» أو ذاك الذي كُنت أعتبره كتابي المفضَّل لفترة طويلة … بسبب الأخطاء الطباعية في عنوانه: «كيف تتجنَّب الخطأ وتعيش حياةً جيِّدة» تأليف: كي سي إيزه K. C. Ezeh، وكانت الكُتب التعليمية مرتبطةً دائمًا بما هو شخصي (البحث عن شَريكِ حياة مثلًا)، كما في عناوين مثل: «كيف تُصاحِب البنات؟» تأليف: «جي أبياكام J. Abiakam»، و«كيف تتكلم مع البنات وتكسب قلوبهن؟» للمؤلِّف نفسه، و«احذر بنات الهوى وكثرة الأصدقاء … الحياة صعبة» تأليف: «جي أُو مندوزي H. O. Mandozie»، و«كيف تتزوج فتاة جيدة وتعيش معها في سلام؟» (المؤلف مجهول)، ثم عنوان من وحي العنوان السابق، «دليل الشاب النيجيري الأعزب» تأليف: «أ. أُو أودي A. O. Ude»، ويحتوي على أسئلة وأجوبة، ونقرأ فيه (في فصل أسئلة البنات مثلًا): «إذا أراد زوجُك أن يجلدك أو إذا جلدك بالفعل، ماذا يكون ردُّ فعلك؟» «سأبذل كل ما في وسعي لمقاومة الجلد، ولكنني لن أتقاتل معه» (p. 49).
كانت القضايا السياسية من الموضوعات التي فرَضَت نفسها أيضًا على كُتَّاب «أونيتشا»؛ حيث نجد عناوين مثل «المحاكمة الكاملة لأدولف هتلر» تأليف: جي سي أنورس J. C. Anorue، و«كيف قاسى لومومبا في الحياة وكيف مات في كاتنجا؟» تأليف: أوكينوا أوليسا Okenwa Olisa، و«قصة حياة وموت جون كينيدي» تأليف: ولفرد أونونكا Wilfred Onwnka، وهي كُتب تجتمع فيها الحقيقة والخيال، وكانت غالبًا ما تصدُر بعد أسابيع من وقوع حدث تاريخي (مثل اغتيال كينيدي). في هذا الكتاب الأخير، الذي يروي فيه جانب كبير من الأحداث، في قالبٍ درامي، يقف كينيدي في السيارة، بعد إطلاق النار عليه مباشرةً ويُلقي كلمة طويلة منها:
فليرحم اللهُ روحي وروح قاتلي لأنه لا يعرف ما فعل،
بوركت أرض أمريكا،
بوركت شعوب وحُكَّام العالَم،
بوركت روح إبراهام لينكولن، الذي مات بسبب تحريم العبودية وتجارة العبيد سنة ١٨٦٤،
بورك أبي وأمي العزيزان،
بورك إخواني وأخواتي،
بوركَت زوجتي وأطفالي،
بورك زنوج أمريكا، الذين أضحِّي بدمي من أجل سلامتهم،
بوركَت روحي، ووداعًا لأصدقائي (p. 22-23).
كما يوجد شَبَه لافِت بين الكتابات السردية الباكِرة الأخرى، ونظيرتها الغربية مثل: الحياة في السجن «إنَّها حياة صعبة» تأليف: أوكينوا أوليسا Okenwa Olisah والرواية الإنجليزية المعروفة The Black Dog of Newgate الصادرة عام ١٦٠٠م.
إلَّا أنَّ أشهر عناوين «أونيتشا» كانت روايات مُتخفِّية في سرديات جنسية، من ثلاثين إلى سبعين صفحة، مثل الرواية الشهيرة «روزماري وسائق التاكسي» تأليف: ميللر أُو ألبرت Miller O. Albert، و«أحزان الحب»، و«آجنس ولعبة الحب» تأليف: توماس إيجو Thomas Iguh، وقد طُبعَت هذه الأعمال الشهيرة أكثر من مرَّة، ووصل إجمالي المُباع من بعضها مائة ألف نُسخة، وربما أكثر، بالإضافة إلى أنَّ مُعظم مطبوعات «أونيتشا»، كان يتم تداوُلها بين قُرَّاء كثيرين، وهو ما ينطبق على مُعظم الأعمال الأدبية الجماهيرية في القارة.
أحد أشهر هذه العناوين «ميبل، أو الجميلة التي ذَوَت» تأليف: «سبيدي إيريك Speedy Eric» (A. Onwudiwe)، التي نجِد على غُلافها صورة لفتاة قوقازية مُنحنية، في رداء شديد القِصَر، وتحتها الفقرة التالية: «بشرتُها تجعل دمَك ينساب في الاتجاه الخطأ، كانت جميلة ومثيرة وتعرف كيف تُمارس الحُب، تزوَّجَت في السادسة عشرة من عُمرها، ولكنَّها كانت تريد المزيد من الاستمتاع، إلَّا أنها قضَت في السابعة عشرة، ويا لها من نهاية! رواية مُثيرة.»
«ميبل أو الجميلة التي ذَوَت» تُشبه إلى حدٍّ كبير روايات البورنو الغربية، ذات النكهة الخاصَّة «البنت التي كانت في حالة اهتياج شديد، طوَّقَت بذراعَيها رقبته، وراحت تلعق شفتَيه، وفي الوقت نفسه، كان «جيل» قد ترك أصابعه في شَعرِها، وراح يُدغدغها بشهوانية» (p. 47). ومثل كُل كتابات «أونيتشا»، كان النصُّ حافلًا بالأخطاء الطباعية؛ فعُمَّال الطباعة أيضًا كانوا قليلي الإلمام بالقراءة والكتابة.
في مقال في مجلَّة Transition (التي كانت تصدُر في شرق أفريقيا آنذاك)، يقدر «دوناتوس آي نووجا Donatus I Nwoga» (من الإيبو)، أنه بحلول سنة ١٩٦٣م كان قد صدر في «أونيتشا» ما يقرُب من مائتَي كُتيِّب، وفي تقديري الشخصي، أن هناك قرابة مائة عنوان أخرى ظهرت سنة ١٩٦٧م، عندما بدأت حرب «بيافرا» — الحرب الأهلية النيجيرية — دمَّرَت بالفعل سوق «أونيتشا»، التي كانت تُعتبر رمزًا للسيطرة المالية للإيبو في البلاد، وبعد انتهاء الحرب بفترة قصيرة دارت المطابع مرَّة أخرى، لكي تنشر قصص ما حدث أثناء الصراع نفسه، أمَّا أشهر عمل دراسي عن هذا الأدب، فهو كتاب: An African Popular Literature: A Study of Onitsha Market Pamphlets. من تأليف «إيمانويل أوبيتشينا Emmanuel Obiechina»، الصادر عن قسم النشر بجامعة كمبريدج في ١٩٧٣م، ويتضمَّن تحليلًا مُسهبًا للأدب نفسه (وبأفكار نافذة عن العلاقات الرومانسية، والدين والأخلاق، وتأثير السينما والصحف واللغة الشيكسبيرية، بالإضافة إلى القصص الرومانسي لماري كوريللي، وبيرتا كلاي عن الكتاب)، كما يضم ببليوجرافيا طويلة، وينتهي التحليل للعلاقات الرومانسية الغربية، التي صوَّرَتها روايات أونيتشا — على سبيل المثال — كما يلي:
«الحُب الرومانسي، الذي نُقل من تربته الغربية الأصلية، إلى التُّربة الأفريقية التقليدية، التي كانت تبدو مُعادية، استطاع أن يعيش بالرغم من كل شيء، وأصبح أحد الحقائق المُعاشة في أفريقيا الحديثة، كما أنه لا بد من أن يكون في اعتبار كلِّ مَن يريد أن ينظر إلى القارة بكاملها. وجوده لم يغفله أحد من المُعلِّقين على أحوال المجتمع، وخاصة أولئك الفنانين والكُتَّاب، الذين يُعبِّرون عن هذه اللحظة المُعيَّنة، وكُتَّاب سوق أونيتشا ليسوا استثناءً» (p. 41).
الجمهور
من الصعب أن تقرأ عملًا مثل «روز دارلنج في حديقة الحب» أو «ميبل: الجميلة التي ذَوَت»، دون أن تدهشك المواقف الطريفة والحوارات المرِحة … والأخطاء الطباعية. هنا جزء اخترناه — على نحوٍ اعتباطي — من «ميبل»: «جاء رجل مرِح في الحادية عشرة صباحًا، وصفع «ميبل» على ردفَيها وقال: «هه! لو أعطوني هذا فلن أطلب طعامًا أكثر من ذلك!» حملقَت مُغضَبة في الرجل الذي كان يبدو أنه لا يقِلُّ عن الثلاثين من العمر، كان له وجه مربعاتي وذراعان مفتولان، وكان شديد السواد، لكنَّ بشرته كانت نظيفة لامعة، وكأنها مدهونة بمادة مُلمِّعة.» قالت له بصرامة: «كُف عن ذلك»، قال: «حسنٌ يا حلوة، ولكنك مثل العسل لدرجة أن أي رجل لديه شهية جيدة، لن يملك إلَّا أن يدفع إصبعه فيه بقوة … ويلعق ويلعق!» (p. 35)
يُمكن أن نجد أشياء مُشابهة لذلك في الأدب الغربي، كما كُنت ألاحظ بين تلاميذي، حالات مُشابهة من الضَّحك، وأنا أقرأ لهم نماذج من بعض الروايات الأمريكية، التي كانت تُكتَب في مطلع القرن. كانت ردود أفعالهم مثلها، عند قراءة بعض المقاطع من روايات «هوراشيو آلجر الابن Horatio Alger Jr.»، التي تُشبه كثيرًا روايات «أونيتشا». الزمن والثقافة تُصبحان بمثابة أحجار عثرة، وتؤديان إلى كل أشكال الأفكار المُسبَقة عن مضامين الأعمال، كما أنَّ السذاجة الثقافية، هي التي تُسهِم دائمًا في قبول أو رفض الأعمال الأدبية الأفريقية من قِبل المحررين الغربيين. وهناك مثال — ربما يكون مشكوكًا في صحَّته — يذكره كثير من الباحثين والدارسين الأفارقة على مدى السنوات؛ إذ يُقال إنَّ عملًا لأحد الروائيين الأفارقة تم رفضه، لأنه لم يكُن «أفريقيًّا بما يكفي». مثل هذا التوجُّه من قِبل المحرِّرين الأوربيين — سواء كان توجُّهًا حقيقيًّا أو متوهَّمًا — لا بُد من أن يكون له تأثير سلبي على الكاتب، الذي يُحاول أن يحدد جُمهوره. لمَن يكتُب الكاتب الأفريقي إذَن؟
مُجرَّد فِعل الكتابة والنشر في أفريقيا، كان يعني أن كُتَّاب «أونيتشا» يُقدِّمون بيانًا واضحًا عن جمهورهم: إنَّهُم يكتبون للقرَّاء الأفارقة. كان ذلك صحيحًا، إلى حدٍّ ما، بالنسبة للكُتَّاب الأوائل، الذين بدأت أعمالهم في الظهور بعد الحرب العالمية الثانية، بالرغم من أنَّ «آموس تيوتولا» سيظل وحده حالةً خاصَّة. يبدو لي أنه كان يكتب من أجل شعبه، ولكن القُرَّاء الأوربيين والأمريكيين، أعجبتهم قصصه، وهذا شيء جيد، إلَّا أنه لم يكُن على استعداد لأن يُغيِّر نَفْسه من أجلهم، على أي نحو. رواية «شنوا أشيبي Chinua Achebe»: «الأشياء تتداعى» شيء مُختلف، كما يُمكن أن يُستدَل على ذلك بأي عدد من الأجزاء في النصِّ نَفْسه. في الفصل الأول مثلًا: «أُكوي Okoye قال الجُمل الست التالية على هيئة حِكم وأمثال، فن الحديث بين الأيبو له احترام كبير، والحِكم والأمثال، هي الرسم الذي يجعل الكلام طيِّب الطعم والمذاق» (p. 7). التفسير الأنثروبولوجي لأهمية الحِكم والأمثال، ليس ضروريًّا بالنسبة للقُرَّاء الإيبو، أو لمعظم الأفارقة دون شكٍّ، ولكن «أشيبي» لا بد من أن يكون قد لاحظ درجة معيَّنة من الارتباك بين القُرَّاء الغربيين، ومن هنا كانت التفسيرات والشروحات التي يستخدمها أشيبي في روايته، مثلك «كان له «تشي Chi» سيئ، أو إله شخصي». (p. 18)
عندما أرسل روايته «الأشياء تتداعى»، إلى وكيل أدبي إنجليزي (لكي يُقدِّم العمل إلى ناشر بريطاني)، كان «أشيبي» يضع في اعتباره القارئ الغربي، الذي سيكون في حاجة إلى مساعدةٍ لفَهم المادة الثقافية الخاصة، ولكن «أشيبي» قدَّم، كذلك، تفسيرًا آخَر، وهو أنَّ ثقافته الخاصة، كانت هي الأخرى تتغيَّر بسرعة، بعد الحرب العالمية الثانية، لدرجة أنَّ مُعظم مادة خلفية روايته (وغيرها مما سيجيء بعد ذلك)، كانت مُتضمِّنة لكي يكون لدى شعبه سجِلٌّ لحياته، قبل أن تختفي ويطويها النسيان، وكما كتب في مقال شهير له بعنوان «الكاتِب مُعلِّمًا»:
إنَّ الكاتب الأفريقي لا يمكن أن يعفيه أحدٌ من مهمَّة إعادة التعليم وإعادة التجديد التي يجب أن تتم، أمَّا من جانبي … لا أريد أن يعفيني أحد من ذلك، ولسوف أشعر بالرضا لو أنَّ رواياتي (وخاصةً تلك التي تتناول الماضي)، لم تفعل شيئًا سوى أن تُعلِّم القُرَّاء أنَّ ماضيهم — بكل ما فيه من عيوب — لم يكُن ليلًا طويلًا من الوحشية، خلَّصَهم منه الأوربيون الأوائل، الذين جاءوا للعمل باسم الرب. ربما يكون ما أكتبه فنًّا تطبيقيًّا بعيدًا عن الفنِّ الخالِص، ولكن مَن ذا الذي يهتم بذلك؟ الفن مُهم … ولكن ذلك النوع من التعليم الذي في ذِهني مُهم أيضًا.
(Morning Yet on Creation Day, p. 45)
كانت «أمانة» و«أصالة» الكُتَّاب الأفارقة دائمًا مادَّة نقاش حي في المؤتمرات والدراسات الأكاديمية، ومثل هذه الخلافات والنزاعات ليست خاصةً بكُتَّاب من القارة الأفريقية فقط، وإنما هي جزءٌ لا يتجزَّأ من الضغائن الأكاديمية في التفكيكية، بما في ذلك الخلاف المُحتدِم حول تعريف النص. الكاتب الأمريكي الأصل «هيميوستس ستورم Hyemeyohsts Storm» مؤلِّف الرواية الرائعة Seven Arrows (سبعة سهام) (١٩٧٢م) على سبيل المثال، كان يتساءل على نحوٍ مُتكرر عن «هنديته»، بالرغم من تعلُّمه على أيدي كبار رجال القبائل.
وهكذا فإن الجدل الدائر حول الجمهور، ولمَن يكتُب الكاتب الأفريقي، سيظلُّ مُسيطرًا على الخطاب في المستقبل، مثلما كان في الماضي؛ فهل كان شعراء الزنوجة (الذين كانوا يدرسون في فرنسا في الثلاثينيات) يوجِّهون أعمالهم إلى أقرانهم في الوطن — في القارة — وفي جزر الهند الغربية أم إلى الأوربيين، آملين أن يُسرع خطابهم بعملية الاستقلال؟ هل كان الكُتَّاب السُّود في جنوب أفريقيا إبَّان بؤس التفرِقة العنصرية يقصدون أن تكون قصائدهم وقصصهم ورواياتهم لتضميد جراح المظلومين، أو كسب احترامٍ أو حتى غضب ظالميهم ومُضطهِديهم؟ وهل يمكن — حتَّى — الكتابة لجمهورَين متناقضَين؟ هل كانت تلك الأجزاء الكثيرة، عن الغائط ووظائف الجسد في رواية «الحلوين لم يُولَدوا بعدُ» (١٩٦٨م) للكاتب «آي كوي آرمه Ayi Kwei Armah»، هل كان المقصود بها أن تصدم القارئ الغربي، أم كانت لمجرَّد أن تصف واقع الحياة في مجتمع غير قادر على توفير مستوًى صحي مثل ذلك في الغرب؟ وهل قصائد ومسرحيات «وولي شوينكا Wole Soyinka» «نخبوية جدًّا» لدرجة أن الأفريقي العادي لا يستطيع أن يفهمها؟ ماذا كان يقصد «يامبو أولوجيم Yambo Ouologuem» بذلك الجزء في روايته «Le devoir de violence العنف المحتوم» (١٩٦٨م)، الذي يصف فيه داعِرة تنزف لأنَّ أحد زبائنها خبَّأ شفرة حادَّة في قطعة صابون تستخدمها لغسل مهبلها؟ بذكر «قصد» الكاتب، أعلم أنَّني أسير على الأشواك بالنسبة للنُّقَّاد، ولكن مُعظم القُرَّاء الآخَرين، لا يُعيرون مثل هذه الأمور الْتِفاتًا عندما يجدون شفرةً في قطعة صابون. مُعظم الكُتَّاب، أينما كانوا، يكتبون لأنهم يريدون أن يقرأهم الآخَرون، ومعظمهم لا يهمه مَن يكون أولئك القُرَّاء.
من حُسن الحظ أن قضية الجمهور أصبحت اليوم مختلفةً تمامًا؛ فقد زادت منذ السبعينيات معدلات تعلُّم القراءة والكتابة، وهناك الآن، في كثير من الدول، جمهور شَغوف بالقراءة لكُتَّاب أفريقيا، كما يمكن أن يُفاخر ناشرو «الأشياء تتداعى» بأنَّ الرواية قد باعت ملايين النُّسَخ في القارة نفسها (وملايين أخرى كثيرة في أماكن مختلفة من العالَم)؛ فتُحفة «أشيبي» لا تُقرَأ في الدول الأفريقية الناطقة بالإنجليزية فحسب، بل إنها مُترجَمة في المناطق الفرانكفونية كذلك، وهو ما يحملنا إلى قضية اللغة ذاتها.
اللغة
هناك حاجةٌ مُلِحَّة إلى الأدب الأفريقي المكتوب باللغات المحلية الأصلية في كل دولة من دول القارة بالفعل، وكانت محاولات الوفاء بهذه الحاجة مقصورةً على النصوص المدرسية، وخاصةً في المرحلة الابتدائية، حيث كان التعليم باللغات الأصلية، وليس باللغات الأوروبية، وهكذا، فإن الحكومات، ووزارات التعليم، كانت تدعم، وربما تُكَلِّف، بكتابة نصوص وأعمال إبداعية للصفوف الأولى. ولأن التعليم بعد المرحلة الابتدائية في معظم الدول كان بالإنجليزية، أو الفرنسية، أو البرتغالية، كانت الأعمال الأدبية اللازمة لهذه الأسواق تُكتب باللغات المستوردة، ولذا كان من الصعب أن يجد القُرَّاء مادةً مكتوبة باللغات الأفريقية، في دول كثيرة.
وبعد أربعين عامًا من الاستقلال، ما زلنا نجد الكثير من الصِّعاب نفسها، التي تعوق تطوُّر الآداب المحلية، فإذا كان نُظم التعليم تعتمد على الكُتب الدراسية المستوردة، فإن هذه الكُتب ستكون دائمًا باللغات الأوروبية؛ لأنَّ دور النشر الأجنبية لا يوجد بها محرِّرون، أو منتجون، للنصوص الأفريقية، كما أنَّ بعضَ اللغات الأفريقية لم تتحوَّل إلى لغات مكتوبة إلَّا حديثًا، مما يعني نُدرة الكُتَّاب والقُرَّاء الفعليين، وقد اكتشف عدد من الناشرين الأفارقة الذين يحاولون إنتاج أعمال محلية، أنَّ القُرَّاء (ومُشتري الكُتب) غير مُهتمين بذلك، وهذا بصرف النظر عن أنَّ الإنتاج دائمًا رديء وعشوائي ولا يُقدِّم كُتبًا جذَّابة، وبذلك لا يستطيع أن ينافس المواد المُنتَجة في الغرب.
ومن المهم بالنسبة لتحليلنا هنا، أن نضع في اعتبارنا ذلك المفهوم الخاطئ لدى عدد من الكُتَّاب والنقاد، على مدى خمسين عامًا تقريبًا، وهو أنَّ النصَّ الأفريقي والعمل الأدبي الأفريقي لا يُعتبر كذلك (أي أفريقيًّا)، إلَّا إذا كان مكتوبًا بإحدى اللغات الأفريقية، ولذا يرى البعض أن «شرِّيب نبيذ النخيل» ليست أدبًا أفريقيًّا حقيقيًّا؛ لأنها مكتوبةٌ بالإنجليزية، بينما روايات الشيخ «فاجونوا» المكتوبة عن الثقافة نفسها، وبلغة اليوروبا «أفريقية حقًّا». وأحيانًا كان هذا الزَّعم يتصاعد، ليرى أنَّ مفهوم «رواية أفريقية» ذاته، مفهوم خطأ؛ حيث إنَّ الرواية شكل أدبي مستورد، ولم يكُن له وجود في التراث الأفريقي، ونحن إذا مضينا مع هذا الزعم إلى نهايته، فسنجد أنَّ بعضَ المتزمِّتين يرون أنَّ الأدبَ الأفريقي الحقيقي هو الأدب الشفاهي.
من حُسن الحظ أنَّ بعضَ هذه الدَّعاوى يحتمل وجهات نظرٍ مُتعددة، بسبب وضوح الرؤية لدى كثير من الكُتَّاب (وولي شوينكا – بن أوكري – نور الدين فرح)، الذين حصلوا على جوائز أدبية رفيعة في الغرب، ولدى كثيرين من كُتَّاب الجنوب، الذين حققوا شهرةً في الغرب (أيضًا) على مدى العقدَين الأخيرَين (سلمان رشدي – ماركيز – فيكرام سيث، مثلًا)، وإذا كان مَن يقولون إنَّ الأدبَ الأفريقي الحقيقي، هو الأدب التقليدي السابق على الأعمال المكتوبة، أفلا يحِقُّ القول نفسه بالنسبة للأدب الغربي؟ هل يمكن أن يقول المتزمِّتون: إنَّ كل ما جاء بعد الإنجليزية القديمة ليس أدبًا أصليًّا؟
يبدو لي أنَّ القضية الحقيقية الوحيدة هي قضية اللغة، أي اللغة الأوروبية في مواجهة اللغة الأفريقية، هذا الخلاف في الواقع كان قائمًا على مدى سنوات عِدَّة، بين «شينوا أشيبي» والكاتب الكيني «نجوجي وا ثيونجو»، صحيح أنَّ آخَرين دخلوا إلى ساحة الخلاف، ولكن «أشيبي» و«نجوجي» كانا في القلب منه.
في منتصف الطريق من رحلته الأدبية، وعندما كان «نجوجي» قد نشر خمس روايات بالإنجليزية، وكان على وشك أن يُصبح أكثر كُتَّاب شرق أفريقيا قراءةً واحترامًا، في هذه الفترة بدأ يكتب بلغة الجيكويو Gikuyu، لغته الأولى، وكان لديه منطق حقيقي بما يكفي. لم يكُن هناك كثيرون من شعبه يستطيعون القراءة بالإنجليزية، وبالتالي، لم تكُن الأعمال التي نشرها متوفِّرة لهم، وكان تفكير «نجوجي» يمرُّ عبر وجهة نظر ماركسية، كما كان لديه أفكار ومشاعر قوية، تجاه ما جلبته الليبرالية الجديدة على شعبه، في كتابه «تحرير العقل: سياسات اللغة في الأدب الأفريقي».
(Decolonizing the Mind: The Politics of Language in African Literature, 1986.)
كتب «نجوجي»:
«كان الهدف الرئيسي للاستعمار هو السيطرة على ثروات الشعب: ما يُنتجه، وكيف يوزِّعه، بمعنًى آخَر، كان هدفُه أن يسيطر على عالَم لغة الحياة الحقيقية بكامله … خُذ مثلًا، اللغة، باعتبارها وسيلة للاتصال، المستعمر فرضَ لغة أجنبية، وقمعَ اللغات المحلية التي يتحدَّث بها الناس ويكتبون، كان يكسر الوئام الذي كان موجودًا من قبل، والجوانب الثلاثة للغة، وحيث إنَّ اللغة الجديدة، باعتبارها وسيلة للاتصال، كانت نتاجًا للغة الحياة الحقيقية في مكانٍ آخَر، ومُعبِّرًا عنها، فإنها كلغة للكلام والكتابة، لن تعكس أو تُحاكي حياة هذا المجتمع الحقيقية، وهو ما يُفسِّر لنا إلى حدٍّ ما، لماذا تبدو التكنولوجيا دائمًا بعيدةً عنَّا، وغريبةً عنَّا، وكأنها إنتاجهم وليس إنتاجنا.» (p. 16)
كان «نجوجي» يريد أن يكون مفهومًا للجماهير؛ فبدأ يكتب مسرحيَّات بلغة «الجيكويو»؛ لأنها يمكن أن تُقَدَّم للناس في أي مكانٍ:
«أعتقد أنَّ كتابتي بلغة الجيكويو، أو بلغة كينية، أو بلغة أفريقية، جزء لا يتجزأ من النضال الكيني، ونضال الشعوب الأفريقية ضد الاستعمار؛ ففي المدارس والجامعات كانت لغاتنا الكينية لغات القوميات المختلفة التي تتكون منها كينيا مُقترنة بصفات سلبية عن التخلُّف والرَّجعية والامتهان والعِقاب، ونحن الذين تعلَّمنا في هذا النظام المدرسي، كان المقصود أن نخرج كارهين للشعب والثقافة وقِيَم اللغة بسبب ما نتعرَّض له من امتهان وعِقاب كل يوم. إنَّني لا أريدُ أن ينشأ أطفال كينيا في ظلِّ التقاليد الاستعمارية المفروضة علينا، والتي تدعو إلى الاحتقار … احتقار أدوات الاتصال التي صنعتها مجتمعاتهم وتاريخهم. أريدهم أن يتغلَّبوا على حالة الاغتراب التي فرضها الاستعمار.» (p. 28)
هذه الرغبة المشابهة لدى الروائي السنغالي «سمبيني عثمان Sembene Ousmane»، في الوصول إلى جمهور أوسع، بدلًا من أن يكون عمله محدودًا بمَن يُتقنون الفرنسية، هذه الرغبة ذاتها، هي التي جعلته يتحوَّل من كتابة الروايات والقصص القصيرة بالفرنسية، إلى العمل بالسينما، وفي عملية انتقاله من وسيط إلى آخَر، أصبح «سمبيني» واحدًا من أهم مُخرجي السينما في بلاده من ناحية الانتشار، وربَّما لأنَّ الكثير من أفلامه كان بلغة الولوف Wolof، فكيف يمكن إذَن، التقليل من شأن مثل هذه الخطوات، أو تشويهها، وخاصةً إذا كان الهدف منها هو احتضان الأُميِّين؟
على أية حالٍ، لم يكُن «نجوجي» سعيدًا؛ لأنَّ الكُتَّاب الآخَرين الذين كانت لديهم وجهة النظر نفسها، ووصلوا إلى المكانة التي وصل إليها، لم يسيروا على الدرب نفسه، ولم يتحولوا إلى الكتابة باللغات الأفريقية، وقد كتب عن هذا الموضوع باستفاضةٍ وبلا هوادة، وانتقد كثيرًا الكُتَّاب الذين واصلوا الكتابة بالإنجليزية والفرنسية:
«… بعبارةٍ أخرى، لا بد من أن يُعيد الكُتَّاب باللغات الأفريقية صلتهم بالتقاليد الثورية للفلاحين، وللطبقة العاملة المنظَّمة في أفريقيا، في نضالهم لدحر الاستعمار، وإقامة نظام اشتراكي ديمقراطي، بالتحالف مع كل شعوب العالَم الأخرى، عندما يفتح الكُتَّاب اللغات الأفريقية على العلاقات الحقيقية في نضال الفلاحين والعمال، فسوف يكونون في مواجهةِ تحدٍّ كبير، تحدي السجن والنفي، وربَّما الموت.» (p. 29-30)
بعد عدَّة سنوات، أصبحت نبرته أقل حِدَّة وتشدُّدًا، وأصبح يرى أنَّ كُلَّ كاتبٍ حُر في اختيار اللغة التي يريد أن يكتب بها، وبرفضه أن يفرض وجهة نظره على الآخَرين، خرج «أشيبي» فائزًا من هذا الجدال أيضًا، كما أنَّ موقفه أصبحَ واضحًا منذ سنوات: «أشعر أنَّ اللغة الإنجليزية ستكون قادرةً على حمل ثقل تجربتي الأفريقية، ولكنها ينبغي أن تكون إنجليزية جيدة، وأن تكون ما زالت على صلة وثيقة بوطن الأسلاف وإن كانت مُعدَّلة لتناسب الوسط الأفريقي الجديد.» (Morning Yet on Creation Day. p. 26.)
إذا عُدنا مرةً أخرى إلى السنوات السابقة على نشر «الأشياء تتداعى» (١٩٥٨م)، فسيكون من السهل علينا أن نفهم قرار «أشيبي» أن يكتب بالإنجليزية. أين كان يمكن أن ينشر روايته لو أنه كان قد كتبها بلغة الإيجبو Igbo؟ ليس في إنجلترا بالتأكيد. كان كُتَّاب «أونيتشا» يكتبون أعمالًا قصيرةً جدًّا مقارنةً ﺑ «الأشياء تتداعى»، وليس هناك ما يدل على أنَّ الناشرين هناك، كان لديهم إمكانيَّات لطباعة كتاب من مائتي صفحة؛ فالقُرَّاء كانوا يريدون أعمالًا قصيرة رخيصة الثمن وكلماتها محدودة. قرار «أشيبي» الكتابة باللغة الإنجليزية، كان قرارًا عمليًّا؛ فكثيرٌ من أبناء شعبه «الإيبو»، كانوا يقرءون بالإنجليزية أكثر من «الإيجبو» آنذاك؛ حيث إنَّ الكتابة بالإيجبو لم تظهر إلَّا حديثًا، ولو أنه كتب بها لَظلَّ جمهوره محدودًا بجزء ضئيل من شعبه، والأسوأ من ذلك، أنه كان سيظلُّ مقصورًا على جماعته العِرقية. هناك حوالي ٢٥٠ لغةً ولهجة في نيجيريا، وقليل من الناس في المجتمعات الأخرى، هم الذين كانوا يستطيعون أن يقرءوا طبعةً من «الأشياء تتداعى» بلغة «الإيجبو»، كما أنَّ مطبوعةً كتلك ما كانت لتصل إلى قُرَّاء آخَرين في القارة التي تحتوي على ٧٥٠ لغةً ولهجة أخرى، أو في خارجها، «أشيبي» يعرف مثل الآخرين جيدًا، معنى تجاوزات النزعة القَبَلية، والكتابة الأفريقية باللغات الأوروبية، قد يعتبرها بعض المثقَّفين غير أفريقية unAfrican، وقد يرونها مُناقِضة للقيم والتقاليد المحلية، إلَّا أنَّ تَرِكة الاستعمار، لا يمكن محوها بالعودة إلى اللغات الأفريقية. إنَّ الكتابات باللغات الأوروبية، قد تساعد في الواقع على كسر الحواجز القَبَلية، بالإضافة إلى أنَّ اللغة التي يستخدمها الكاتب، ليست هي العامل الحاسم في تحديد هُويَّته القومية. «صمويل بيكيت Samuel Beckett» مثلًا، كان يكتب بالفرنسية، ولكنَّه لم يكُن أقلَّ «أيرلندية» بسبب ذلك. «فلاديمير نابوكوف Vladimir Nabokov» كتب عددًا كبيرًا من رواياته الأخيرة بالإنجليزية (الإنجليزية الأمريكية)، ولم يكُن بذلك أقل روسيةً. ولنعُد إلى «الأشياء تتداعى»، ألم يكُن «أشيبي» ليوافق على ترجمة روايته إلى «الإيجبو»، لو كان قد وجد مُبررًا لذلك؟ اختيار اللغة قضية مُواءَمة، أو لعلَّها ناحية براجماتية، إلَّا أنها — قبل كل شيء — تعبِّر عن رغبة الكاتب في أن يصل إلى أكبر جمهورٍ ممكن.
الجوانب الاقتصادية
رغم أنَّ قضيتَي اللغة والجمهور عاملان مُهمَّان في تحقيق النجاح النهائي للكُتَّاب الأفارقة، فهما ليستا مؤثِّرتَين بنفس درجة الجوانب الاقتصادية. الخط الأدنى شديد القسوة: الكُتب غالية جدًّا في أفريقيا، وكانت كذلك دائمًا، سواء أكانت تُباع اليوم نُسخة من «الأشياء تتداعى» بحوالي ١٧٥ «نيرًا» (ما يقرب ١٫٧٥ دولارًا) في نيجيريا، أم عندما كانت أول عنوان في سلسلة «هينمان» للكُتَّاب الأفارقة في سنة ١٩٦٢م، عندما كانت تُباع بما يُقارب ذلك. الكُتب باهظة الثمن، وتعتبر من السلع الترفيهية، وبالتالي فهي ليست في متناول كثير من أبناء أفريقيا من الطبقة المتوسطة، أو الوسط الدراسي (الابتدائي والثانوي والجامعي)، حيث الجمهور الطبيعي للأعمال الأدبية. مُعظم الأفارقة اليوم، يُنفقون نقودهم على الاحتياجات الضرورية: الطعام والملبس والدواء … حتى الماء الصالح للشرب.
كلاهما، العناوين المستوردة والكُتب المحلية غاليةٌ جدًّا بالنسبة للقارئ الأفريقي المُحتمَل، والأسعار المُقارَنة ربما تكون أفضل وسيلة لبيان ذلك؛ ففي ١٩٩٦م، عندما كانت رواية «الأشياء تتداعى» تُباع ﺑ ٥٫٩٩ دولارًا في طبعة «أنكور» الأمريكية ذات الغلاف الورقي، كان القارئ في زيمبابوي يدفع دولارَين أكثر عن النُّسخة المستوردة من طبعة «هينمان». ربما يشعر قِلَّة من الأمريكيين بالضيق، عندما يكون عليهم أن يدفعوا ستَّة دولارات في نُسخة من الرواية، ولكن المؤكَّد أنَّ ثمانية دولارات بالنسبة لمواطن في زيمبابوي (لا يزيد دخل أسرته السنوي على بِضع مئات من الدولارات) أمرٌ مُستحيل. في صيف ١٩٩٨م، كنت في زيارة لجامعة أفريقيا في «ميوتار» زيمبابوي، وتكلمت مع أعضاء من هيئة الإنجليزية، الذين كانوا يأسفون لأسعار الكُتب، ويعترفون أن الطُّلاب لا يستطيعون شراء المُقررات الدراسية، كما أنَّ المكتبة لم يكُن بها عددٌ كافٍ من النُّسَخ، وكان أعضاء هيئة التدريس يكتفون بتدريس أجزاء مُختارة من الروايات … لم يكُن هناك حتى وسائل كافية للنسخ. هذا المثال ينسحب على القارة كلها، وينطبق على ما يعتبره الغربيون الكُتب ذات الأسعار المعتدلة، أمَّا الكُتب الفنية، فقد يصل ثمن أحدها إلى ما يعادل سُدس دخل الأسرة؛ فكيف يمكن أن يكون مُستقبل التعليم في أفريقيا، إذا كان سعر الكتاب هكذا؟
أحيانًا تكون الكُتب المُنتَجة محليَّا أقل تكلفة من تلك المستوردة، ولكن في حدود؛ فالورق سعره مرتفع في معظم الدول الأفريقية، ومن سوء الحظ، أنَّ ما يتم إنتاجه منه قليل، كما أنَّ مُعظم الدول تقوم باستيراده لصناعة الكُتب، وفي الوقت نفسه، تقوم الحكومات (التي لا تفكر في العواقب)، بفرض ضرائب على الاستيراد، مما يرفع تكلفة الكتاب. يُضاف إلى ذلك أنَّ مُعظم الكُتب التي تُطبع في أفريقيا رديئة؛ حيث يستخدمون لذلك ورق الصحف، وهو سريع التَّلَف، بينما الأعمال الإبداعية، أو الكتب المدرسية المطبوعة على نوعيةٍ أفضل من الورق، يمكن أن يفيد منها قُرَّاء مختلفون، ويمكن أن تصمُد في الأيدي فترة أطول، حتى في المناطق الاستوائية. الكُتب المدرسية التي يتم إنتاجها لسوق المرحلة الابتدائية، أقل تكلفة، ولكن النوعية رديئة وسريعة التلف.
في هذا السياق، لا بد من تعليق سريع على المكتبات الأفريقية؛ لأنَّ ذلك وثيق الصلة بموضوعنا. إذا كانت الكُتب مرتفعة الثمن بالنسبة للأفراد، فالأمرُ كذلك بالنسبة للمكتبات (سواء العام منها أو التابع للمؤسسات التعليمية). الأنظمة التعليمية في كثير من الدول الأفريقية فقيرة، ولا يتم توفير ميزانيات للمكتبات، إلَّا بعد الإنفاق الضروري مثل الرواتب، والفصول الدراسية، أمَّا المكتبات — كما نعرفها في الغرب — فلا وجود لها في كثير من دول أفريقيا.
في أحدث إحصاء لليونسكو (١٩٩٨م)، كان عدد الكُتب في الاثنتي عشرة مكتبةً عامَّة في دولة «بنين» حوالي ٣٧٠٠٠ كتابٍ، وفي ٢٦ مكتبةً عامَّة في السنغال، كان العدد ١٧٠٠٠ كتابٍ، كما يوجد ٨٢٠٠٠ كتابٍ في المكتبة العامَّة الوحيدة في أوغندا بأفرعها السبعة عشر. عدد الكُتب في المكتبة العامَّة في كينيا (٢١ فرعًا) يصل ٦٠٣٠٠٠ كتابٍ. ولا شك في أنَّ هذه الأرقام تُصبح أكثر دِلالةً عند مقارنتها بما هو موجود في خارج أفريقيا؛ ففي كندا، يوجد مثلًا، ٣٦٧٢ مكتبة عامَّة، تضم حوالي ٧٠٠٧٧٠٠٠ كتاب، وفي تركيا ١١٧١ مكتبة عامَّة، بها ١١١٧٠٠٠٠ كتاب، وفي الدانمرك ٢٤٩ مكتبة عامَّة (٩٥٠ مركز خدمة)، يوجد بها ٣١٥٨٠٠٠٠ كتاب. حسب تقديرات African Skies Library Foundation، نجد أن الولايات المتحدة (عدد سكانها أقل من عدد سكان أفريقيا جنوب الصحراء)، يوجد بها عدد من المكتبات يصل إلى ٤٠ ضعفًا، وهذا الرقم لا يعكس — حتى — الفجوة الواسعة، عند مقارنة إجمالي عدد الكتب. أمَّا الأسوأ من ذلك، فهو أنَّ بعض الدول الأفريقية لا يوجد بها مكتبات وطنية على الإطلاق، كما أنَّ عدد الكُتب في المكتبات التابعة للمؤسسات التعليمية، يكاد لا يُذكر، وقد علمت من «تيجان م. صلاح Tijan M. Sallah»، أنه لا توجد مكتبات عامَّة في بلده (جامبيا)، كما أنَّ المكتبة الوطنية لا يوجد بها كمبيوتر ولا فاكس. (مُقابلة معه في ١٧ يونيو ١٩٩٩م)، كما يمكن أن نقول — دون مبالغة — إنَّ مُعظم الأفارقة — باستثناء مَن يعيشون منهم في الدول الكبرى — لم يدخلوا مكتبة في حياتهم. فكرة المكتبة نفسها غريبة عليهم. عندما أجريت مقابلة مع «إيرين ستونتن Irene Stanton» صاحبة دار نشر «باوباب برس Baobab Press» في «هراري» — زيمبابوي — في ٤ أغسطس ١٩٩٨م، وسألتها عن التغير الرئيسي الذي يمكن أن يترك أثرًا على الحد الأدنى لدار النشر، قالت إنَّه «مبيعات المكتبة».
هذا الواقع الاقتصادي لا مفرَّ منه بالنسبة للكاتب الأفريقي؛ فهناك المئات وربَّما الألوف من الكُتَّاب في القارة، وقصص النجاح التي نسمعها عن الكُتَّاب في الغرب نادرًا ما تنطبق على الكُتَّاب الأفارقة. صحيح، أنَّ «الأشياء تتداعى» باعت ٨ ملايين نُسخة، منذ أن نُشرت أوَّل مرَّة، والمُشجِّع أنَّ مُعظم هذه النُّسخ قد بِيع في القارة الأفريقية أكثر من غيرها، والمؤكَّد أنَّ «أشيبي» اسم معروف. الشيء نفسه ينطبق على «نجوجي»، الذي باعت روايته «لا تبكِ أيها الطفل» (Weep not Child, 1964) أكثر من مليون نُسخة، ولكن، مَن يُحقِّق مثل هذه الأرقام من الكُتَّاب الآخَرين؟ ففي سنة ١٩٨٨م، كتب «آلان هيل Alan Hill» (المحرر في هينمان ومكتشف «أشيبي»، والذي بدأ فيما بعد سلسلة كُتَّاب أفريقيا)، كتب يقول: إنَّ «أشيبي» و«نجوجي» كانا هما الغالبَين على السلسلة: حتى سنة ١٩٨٤م، فإن أكبر نسبة من عائدات ٢٨٠ كتابًا من سلسلة كُتَّاب أفريقيا (African Writers Series)، حققتها كُتب «أشيبي» الستة (In Pursuit of Publishing), p.1 44.
لن تكون مفاجأة، إذَن، أن يكون عددٌ قليل فقط من الكُتَّاب الأفارقة، هم الذين يستطيعون أن يعتمدوا في معيشتهم على عائد أعمالهم، كما أنَّ الغالبية من هذا العدد القليل أكاديميون، أو من موظفي الحكومة، أو كانوا كُتَّابًا في السابق. عدد الصحف والمجلات والمطبوعات المستعدة لأن تدفع للكُتَّاب في مُقابل كتاباتهم قليل، كما أنَّ الاعتماد على المطبوعات الأجنبية غير مضمون، ولا يمكن أن يحقِّق دخلًا ثابتًا، والاعتماد على عائد الكتب التي تصدر محليًّا، ضَرْب من العبث، والعائدات القادمة من النشر في الخارج — حتى بالنسبة للكُتَّاب المتحققين — شيء أقرب إلى الوهم، كما يتضح من الأمثلة التالية:
أظهرت المراسلات مع دار نشر «جروف» Grove Press الناشر الأمريكي لراوية «شرِّيب نبيذ النخيل»، أنَّ المبيعات الأمريكية الحديثة للرواية، كانت تصل إلى ما يقرب من ٢٠٠٠ نُسخة في السنة، ويُفترض أن مُعظمها للسوق الجامعية. ثمن الكتاب في طبعته الحالية، كما هو محدد في القائمة، ١٢٫٩٥ دولارًا، أي إنَّ ثمن عدد الكمية المطبوعة (٢٠٠٠ نسخة)، ٢٥٩٠٠ دولار، وهو مبلغ كبير، وعلى افتراض أنَّ عائد الكاتب ١٠٪ يُصبِح نصيبُه ٢٥٩٠ دولارًا، ولكن هذا هو الرقم الذي نبدأ به. لا نعرف ما إذا كان «جورج برازيلر George Braziller»، صاحب حق النشر في أمريكا، يحصل على نسبة من العائد أو لا، ولكن، لنفترض أنه لا يحصل على شيء، وأنَّ العائد كله يذهب إلى ورثة «تيوتولا»، وهكذا، فإن مبلغ اﻟ ٢٥٩٠ دولارًا، يُرسَل إلى دار «فيبر آند فيبر» في لندن، التي تحصل على ٥٠٪ (وهي نسبة مُحدَّدة في هذه التجارة) لترخيصها بالطبعة الأمريكية، وبالتالي، ينخفض المبلغ المخصص للمؤلِّف (أو لورثته) إلى ١٢٩٥ دولارًا، وهو ما يظل مبلغًا كبيرًا بالنسبة لشخصٍ ما، يعيش في ظروف اقتصادية رديئة، وحيث إنَّه لا يوجد اتفاق تبادلي يشمل الضرائب بين نيجيريا والولايات المتحدة، تقوم الضرائب الأمريكية بالخصم من حصة المؤلِّف، وهي نسبة تصل إلى ٣٠٪ (أي ٣٨٨٫٥٠ دولارًا). وهكذا، يقلُّ نصيب المؤلِّف (أو الورثة) ليصبح ٩٠٦٫٥٠ دولارًا … قبل خصم الضرائب في نيجيريا. (الحكومة البريطانية لا تخصم أية ضرائب، نظرًا لوجود اتفاق تبادلي بين المملكة المتحدة ومستعمراتها السابقة.)
من المحتمل أن يكون ورثة «تيوتولا»، يحصلون على نسبة من العائدات الأمريكية، أعلى من تلك التي يحصل عليها «أشيبي»، عن الطبعة الأمريكية من «الأشياء تتداعى»، إلَّا أنَّني أؤكِّد أنَّ الأرقام السابقة مُجرَّد افتراضات؛ لأنَّني لست مطَّلعًا على خبايا عالم النشر، وهي مبنية على ما هو متاح من شروط النشر المعروفة. إذا كانت رواية «أشيبي» تبيع ٥٠٠٠٠ نسخة في السنة في الولايات المتحدة، وهو رقم ليس مستحيلًا؛ لأنه أهم النصوص الدراسية، فإن الأرقام سوف تبدو كذلك. طبعة «أنكور» الحالية تُباع بسعر ٨٫٩٥ دولارات للنسخة، ليصبِح الرقم الإجمالي ٤٤٧٫٥٠٠ دولارًا، نسبة اﻟ ١٠٪ الخاصة بالمؤلف هي ٤٤٫٧٥٠ دولارًا، وهو ما يبدو رقمًا كبيرًا، ولكن ناشر «أشيبي» الحالي، كان عليه أن يحصل على ترخيص بنشرها من «إيفان أوبولنسكي Ivan Obolensky»، الذي يحصل على نسبة ٥٠٪، باعتباره الناشر الأمريكي الأصلي للطبعة ذات الغلاف المقوَّى، وهكذا، تقلُّ حصَّة «أشيبي» لتُصبِح ٢٢٫٣٧٥ دولارًا، وهو لا يزال رقمًا كبيرًا، إلى أن تُخصم منه حصَّة «هينمان» (٥٠٪)، باعتباره صاحب العَقد الإنجليزي الأصلي، لتنخفض حصة المؤلِّف مرَّة أخرى إلى ١١١٨٧٫٥٠ دولارًا، ثم يأتي الوكيل الأدبي ﻟ «أشيبي»، الذي باع له الكتاب في الأصل، ليحصل على ١٠٪ (١١١٨٫٧٥ دولارًا)، لتنخفض حصة المؤلِّف إلى ١٠٠٦٨٫٧٥ دولارًا، ثم تأتي الضرائب الأمريكية لتخصم ٣٠٪ (٣٠٢٠٫٦٦ دولارًا)، ويتبقَّى للمؤلِّف ١٣٫٧٠٤٨ دولارًا، قبل خصم الضرائب في نيجيريا. مرَّة ثانية، هناك بعض الافتراضات التي ربَّما لا تكون مُطبَّقة في هذه الحسابات، (فالمثالان يعتمدان على الطبعات التجارية، على أساس أنَّ العائدات محسوبة على الإجمالي، وليس على الصافي). عَقْد «أشيبي» مع «هينمان»، ربما كان في حاجة إلى إعادة النظر، بعد نجاح الكتاب على هذا النحو، أو ربما لم يكُن «أشيبي» الذي يعيش ويعمل بالتدريس في الولايات المتحدة، خاضعًا للضرائب عن عائدات في نيجيريا. على أية حال، ما زال كُتَّاب أفريقيا وكُتَّاب العالم الثالث، يحصلون على جزء ضئيل من العائدات عن نشر كُتبهم في الولايات المتحدة وأوروبا. وفي حال النشر للأسواق الدراسية (أكثر مما هو بهدف النشر التجاري)، ربما لا تكون نسبة العائدات أكثر من ٥ أو ٧٫٥٪، تُحسب على البيع بالجملة.
قبل سنوات أخبرني «ستانليك سامكانجي Stanlake Samkange»، عن الموقف المهين الذي تعرَّضَ له عند فحص بيان عائداته عن روايته On Trial for My Country (١٩٦٦م)، عندما اكتشف أنَّ النُّسخ المُباعة خارج البلاد، كانت تحقِّق عائدات أقل. ماذا كان يعني ذلك؟ حيث إنَّ ناشره كان موجودًا في إنجلترا، فإن كُل النُّسخ المُباعة خارج المملكة المتحدة — بما في ذلك دولة روديسيا (ريمبابوي الآن) — بلد سامكانجي — كانت تحصل على عائداتٍ أقل، ربَّما لكي تعوض تكاليف التوزيع المرتفعة. جميع كُتب الأفارقة الذين ينشرون خارج القارَّة، إذَن، يحصلون على عائدات منخفضة عن نُسَخ أعمالِهم، التي تُباع في بلادهم، ولم يكُن «سامكانجي» قد انتبه إلى تلك الفقرة في العَقد، إلى أن رأى تلك الحقائق الاقتصادية الفادحة بين يدَيه.
الاستحواز وغيره من المعوقات
كان أول لقاء لي ﺑ «شينوا أشيبي» في ديسمبر ١٩٧٢م، بالرغم من أنَّني كنت أعيش على مسافة قريبة منه، عندما كنت أعمل بالتدريس في نيجيريا، قبل عشر سنوات. بعد أن انتهت الحرب الأهلية النيجيرية في ١٩٧٠م، وفي أثناء إحدى زياراته المتعددة للولايات المتحدة، تقابلنا في واشنطن دي سي؛ حيث كنت أعمل بالتدريس أيضًا، وحملت معي إلى هذا اللقاء مجموعة كبيرة من الكُتب لكي يوقِّعها، في أثناء ذلك، قدَّمت له نُسخة من الطبعة الأولى لروايته الثالثة «سهم الله» Arrow of God الصادرة عام ١٩٦٤م. تفحَّص «أشيبي» الكتاب باهتمام، ثم قال ما معناه إنَّه لم يكُن لديه نُسخة من هذه الطبعة الأولى، ولمَّا سألته عن السبب، قال: إنَّ الفيدراليين خرجوا عن طريقهم أثناء الحرب الأهلية، وقصفوا منزله الذي كان يقع بعيدًا عن مسرح الحرب. لم أستوعب فكرة أن تقصف الحكومة منزل كاتِب، لمجرَّد أنه كان مع الطرف الآخَر؛ فهل الكُتَّاب على هذه الدرجة من الأهمية؟ في زمن السِّلم وفي حالات الهدوء، يتم تجاهلهم تمامًا.
ظلَّت إشارة «أشيبي» تُطاردني عدَّة سنوات، ولو كُنت على مُستوى المناسبة، لصمَّمت على أن يحتفظ بالكتاب، وهو ما كان من حقِّه أكثرَ مِنِّي، لا بدَّ من أن يكون لدى الكاتِب مجموعة كاملة من الطبعات الأولى من كتبه، ولكن هل كان فشلي في أن أُعطيه النُّسخة، راجِع إلى عدم قُدرتي على فهم الطريقة التي تم استيلائي بها على الأدب الأفريقي، أو استحوازي عليه؟ وهل «الاستحواز» هو المصطلح الصحيح، لوصف ما كنتُ أقوم به، وهو الكتابة عن الكُتَّاب الأفارقة، والترويج لأعمالهم لدى الناشرين الأمريكيين؟ هل يمكن امتلاك الأدب، أو الاستحواز عليه، مثل الموارد الطبيعية التي يتم التنقيب عنها، أو استخراجِها من باطن الأرض؟ وهل الناقد الغربي للأدب غير الغربي، مُستعمِرٌ آخَر يقوم بتجريد دولةٍ ما من مواردها الأساسية؟ وعندما يقوم ناقِدٌ أو باحِث من ثقافة ما بمراجعة نقدية، أو كتابة تحليل لكتاب أفريقي، أو عمل من هذه الثقافة؛ فهل يمكن أن نقول إن هذا الناقِد أو الباحِث قد أصبح يمتلك شيئًا من هذه الثقافة الأخرى؟ وهل لو قام ناقد أدبي أفريقي، بمراجعة الرواية الأخيرة للروائية الأمريكية «آن تيلر Ann Tyler» مثلًا، وأمضى كل حياته الأدبية في الكتابة عن كل أعمال «تيلر»؛ فهل يُعتبر ذلك تملُّكًا أو حيازةً؟
إنَّني أطرح هذه الأسئلة؛ لأنها مُرتبطةٌ بالمأزق الذي يواجه الكُتَّاب الأفارقة، عندما يريدون نشرَ أعمالِهم في الخارج: هل يكون عليهم أن يعتمدوا على أحكامٍ نقدية، يُصدرها أُناس يعيشون خارج ثقافتهم، وقد لا يفهمون ما يكتبونه (ويعتبرونه ليس أفريقيًّا بما يكفي)؟ إنَّه لأمرٌ سيئ جدًّا، أن يكون المحررون غير الأفارقة، في دور النشر الأوروبية والأمريكية هم أصحاب القرار، بالنسبة لما يُنشر من أفريقيا (أو من أي مكان من العالَم غير الغربي)، ثم تُصبِح هذه الضربة مُزدوجةً عندما يقوم بمراجعة هذه الأعمال نُقَّاد غربيون بعد نشرها، وكيف يُمكن أن يتحقَّق النجاح لهذه الأعمال لو لم يقُم بمراجعتها وتحليلها نُقَّاد غربيون؟ وعندما ترتفع الأصوات مُطالبةً بكفِّ الأيدي عن الأعمال الأفريقية؟
في مقال بعنوان «النقد الاستعماري Colonialist Criticism»، ضِمن كتابه «الصباح التالي ليوم الخلق» (١٩٧٥م) يقول «أشيبي» عن تحليلي لكتابة «آي كوي آرمه Ayi Kwei Armah»: «وهناك ناقِد أمريكي، هو «تشارلز لارسون»، يستخدم مثل هذه الأدلَّة جيدًا، لا لكي يدعم رأيه النَّقدي عن الكاتب الغاني «آي كوي آرمه» فحسب، بل بالأحرى لكي يظهر تفوقه على رأي المثقفين الغانيين» (p. 6). ويُكمل أشيبي بمثال آخَر: في كتابه، «نشأة الأدب القصصي الأفريقي» (١٩٧٢م)، يُقدِّم لنا «لارسون» بعض الأشياء الكاشفة عن العالمية؛ ففي فصلٍ يكرِّسه لرواية «لنري بيترز Lenrie Peters»، التي يجدها مُثيرةً للإعجاب على نحوٍ ما، يتحدث عن «عالميتها»، وعن ارتباطها المحدود بأفريقيا نفسها»، (p. 8)، ثم يُكمِل باقتباس من كتابي لكي يدعم رأيه: «وقوع أحداثها في أفريقيا ربما يبدو مُصادفةً؛ فباستثناء بعض التعليقات القليلة في البداية، يمكن أن تقع قصة «بيترز»، في الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة، أو في المناطق الجنوبية من فرنسا، أو إيطاليا، ولو تغيَّرَت بعض أسماء الشخصيات والأماكن، سيشعر المرء بأنها رواية أمريكية بالفعل، وباختصار، فإن رواية «بيترز» رواية عالمية. ولكن «لارسون» ليس غبيًّا كما قد يبدو للوهلة الأولى من هذا الجزء؛ حيث ينهيه بعبارة شك، أجدها مُخففة تمامًا؛ فهو يقول: … أم تراني أُضلِّل نفسي عندما أعتبر العمل عالميًّا؟ لعلَّ ما أقصده هو أن «الجولة الثانية The Second Round»، غربية بدرجة كبيرة، وبذلك، فهي أبعد من أن تكون أفريقية. وبعد ذلك، أجد من الصعب إبداء المزيد من الحِدَّة عن مُجرَّد الموافقة على هذا التضليل، ولكنَّ عددًا قليلًا ممَّن أعرف، لديهم استعداد لكي يكونوا كُرماء! وفي مراجعة حديثة للكتاب في «أوكيكي Okike»، نجد ناقِدًا نيجيريًّا آخَر، هو «أُمولارا ليزلي Omolara Leslie»، يسخر من ذلك «الإيمان المعلن بأنَّنا كلنا أمريكيون تحت الجِلد». هل خطرَ ببال «لارسونات» الأدب الأفريقي، أن يُحاولوا القيام بلعبة تغيير أسماء الشخصيات والأماكن، في رواية أمريكية ﻟ «فيليب روث»، أو «أبدايك»، على سبيل المثال، ويضعوا أسماءً أفريقية بدلًا منها، ليروا كيف سيبدو الأمر؟ إنَّ ذلك لن يحدث بالطبع، لن يحدث أن يَشُكُّوا في عالمية أدبِهم؛ لأنَّ من طبيعةِ الأشياء أن يُعتبر عمل الكاتب الغربي عالميًّا بشكلٍ تلقائي، أمَّا الآخَرون فعليهم أن يحاولوا. عمل فلان وفلان عالمي … لقد وصل! وكأنَّ العالمية شيء في الطريق، تحصل عليه عندما تواصِل سيرك في اتجاه أوروبا أو أمريكا، وتقترب منه كُلَّما بعدَت المسافة بينك وبين وطنك. كم أتمنى أن تُحذف كلمة العالمية تمامًا، من الجِدال حول الأدب الأفريقي، وأن يجيء وقت، يتوقف فيه الناس عن استخدامها كمرادِف لضيق الأُفُق الذي يخدم أوروبا، وإلى أن يمتد أُفُقهم ليشمل العالم كلَّه.» (p. 8-9)١
اتخذ الاستحواز على الأدب الأفريقي من قِبَل الدارسين غير الأفارقة، أشكالًا مختلفة، سواءً تَمثل ذلك في العلاقات التي عقدَتْها بين الأعمال الأدبية الأفريقية، والأعمال الغربية (ومفهوم العالمية الذي أعتقد أنه مفهوم إشكالي)، أو محاولات «لندفورس» لكي يرى تلك المخطوطات المهمة لكُتَّاب أفريقيا، محفوظةً جيدًا في أرشيفات ملائمة، أو حتى حديثًا في عبارات «وولي شوينكا» الخشنة، ضد «جيمس جبس James Gibbs»، الذي يتهمه بالاستحواز على حياته؛ حيث كان الأخير، على مدى سنوات، يقوم بجمع معلومات عن الأديب الفائز بجائزة نوبل، ربما ليكتب سيرة حياته.
إنَّني أطرح هذه الجوانب هنا؛ لأنها تتضمَّن قضايا معقَّدة، لسنا على وعي بمعظمها عندما نتنقَّل بين الثقافات، لقد توصَّلتُ بالتأكيد إلى استنتاجاتٍ غير صحيحة، وبالتالي إلى أحكام خطأ، عن بعض جوانب الثقافات الأفريقية (وغيرها)، عندما كَتبتُ عن أعمالهم الأدبية، وأعرف أنهم يعتبرونني جزءًا من المشكلة. كل النقاد تقريبًا يستحوزون (أو على الأقل يحصلون على سبيل الاستعارة) على نصٍّ أدبي ما، عندما يكتبون عنه، حتى في حالة النقد الإيجابي، ولكن الموقف يُصبح أكثر تعقيدًا، عندما يكون الكُتَّاب الأحياء، معنيين بتجسير الهوَّة بين ثقافتَين أو أكثر، ويكون من حق الكاتب المعاصر، أن يقول: «لارسون لا يعرف ما يتحدث عنه»، أو إنَّ «أحكام لارسون مصفَّاةٌ عبر عيون غير عربيةٍ» (أي إنَّ لارسون ليس أفريقيًّا بما يكفي)، وكُلُّها عباراتٌ مشروعة.
على الرغم من التوجُّه الحديث نحو وعيٍّ ثقافي أكبر، وتنوُّع واسع، فقد كان هناك تضييق في الأكاديمية في العقدَين الأخيرَين، ووجود لنُقَّاد وكُتَّاب، يؤكِّدون أنَّ الأمريكيين من أصول أفريقية وحدهم، هم الذين يجب أن يكتبوا عن الأدب الأفرو-أمريكي، أو يدرسونه، وأنَّ نساء فقط، هُنَّ مَن يجب أن يكتبن أو يدرسن أدب النساء، كما أنَّ الأفارقة فقط، هم الذين يحقُّ لهم أن يتناولوا الأدب الأفريقي بالدِّراسة والبحث. مثل هذه القضايا كانت محل جدلٍ في المؤتمرات الأكاديمية، والمجلات الجامعية. أفهَم كيف تطوَّرت هذه المواقف، كما أعرِف أنَّني سأقول الشيء نفسه، في حال الكُتَّاب الأفارقة، لو أنَّنا عكسنا الوضع. إنَّ «نجوجي وا ثيونجو» على حقٍّ: الاستعمار الثقافي ليس شيئًا من صُنع الخيال، بل حقيقة، والكُتَّاب الأفارقة، لم يكونوا أحرارًا لكي يكتبوا وينشروا ما يريدون، دون أن يواجهوا بنًى وافتراضات غربية.
ما زلتُ أريد أن أصدِّق أنَّ ما قُمتُ به من عملٍ، مهما كان ضئيلًا، كان مُفيدًا أكثرَ منه ضارًّا بالنسبة للكُتَّاب الأفارقة، والمؤكَّد أنَّني على مدى سنواتٍ، عندما كنتُ أقوم بمراجعةٍ نقدية، لأعمال أفريقية، لحساب الصحف الغربية، أنني كنتُ أُدرِك أنَّ عدم مراجعتي لعملٍ ما، قد يؤدِّي إلى تجاهُلِه.
كُنَّا أنا و«أشيبي» أصدقاء لفترةٍ مُعيَّنة، وهو يعرِف أنَّ أفكاري عن أفريقيا، والكُتَّاب الأفارقة، قد تطوَّرت منذ تلك الآراء الأوَّلية، التي جاءت في مواضِع كثيرة من كتابي عن نشأة الأدب الأفريقي، أمَّا «آي كوي آرمه»، الذي لم يسبق أن التقيتُ به، فلا شك في أنه ليس سعيدًا، لأنني أواصل الكتابة عن الكُتَّاب الأفارقة، وأنَّ المجال اليوم (بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على كتابة مقالة) لم يختلف كثيرًا. نُقَّاد الأعمال الأدبية الأفريقية في المجلات الأمريكية، ما زال مُعظمهم من الأمريكيين، والنقاد الإنجليز ما زالوا يسيطرون على مراجعة هذه الأعمال في المطبوعات البريطانية، كما أنَّ هناك جوانب مُعيَّنة من عملية النشر (بما في ذلك قيام الأفارقة أنفسهم، بتغطية الأدب الأفريقي، في الصحافة الأفريقية)، ليس من المحتمل أن تتغير كثيرًا في المستقبل.
إنني ما زلت على اعتقادي بأنَّ الأدبَ وغيرَه من الفنون، تقرِّبنا من بعضنا أكثرَ مما تُباعد بيننا، ربما يكون ذلك رأيًا قديمًا، في مرحلةِ ما بعد الاستعمار هذه، إلَّا أنَّ المؤسف أنَّ مجال الفنون لم يشهد تحسُّنًا كبيرًا عمَّا كان عليه الحال في مرحلة الاستعمار. نحن نقرأ لأننا نريد أن نفهم شيئًا عن الآخرين، أكثر من ثقافاتنا، ومن العصر الذي وُلِدنا فيه، ونحن نقرأ أيضًا، لأننا كُلنا بشر، وشغوفون بأن نعرف كيف يبدو العالَم خارج الحدود التي أقمناها، والتي نعرف جيدًا أنه لا بُد من إزالتها.
الاهتمام الدراسي الغربي بالأعمال الأدبية الأفريقية و«تملُّكها»، قد لا يبدو للكُتَّاب أنفسهم، بعيدًا عن الأخطار المُحدِقة بكتاباتهم: الرقابة، والمنفى الاضطراري، والأعمال الأدبية المجهَضة، والموت. في آخِر عامين من حياته، كان «كين سارو-ويوا: Ken Sara-Wiwa»، قد أصبح ما كان يتحدَّث عنه لعِدَّة سنوات: كان قد أصبح l’homme engagé الإنسان الفاعِل المثقَّف، ولم يكن، في ذلك، حالة فريدة في نيجيريا. «شينوا أشيبي» نَشر: «عِلَّة نيجيريا» في ١٩٨٣م، وبعد موت «سارو-ويوا»، نشر «وولي شوينكا»: «جُرح القارَّة المفتوح» (١٩٩٦م). هؤلاء الكُتَّاب، استمدُّوا طاقاتهم من أعمالِهم الإبداعية، وتحوَّلوا إلى التعليق النَّقدي، بما يعني أنَّ الوضعَ السياسي في عدد من الدول الأفريقية كان قد وصل إلى حالةٍ يُرثى لها، ولدرجةٍ، اضطُرَّ معها الكُتَّاب، إلى الكتابة السياسية، بدلًا من مواصلة الأعمال الإبداعية.
الرقابة، والمنفى الاضطراري، كانا مُلازمَين لهذه المطبوعات، كما كان الحال في دول أخرى (التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، وقمع «باندا» للفنون في مالاوي، على مدى سنوات). وكما سنرى بعد قليل، كان الكُتَّاب يجدون أعمالَهم ممنوعة، وكانوا يُفصَلون من وظائفهم، ويفرُّون من بلادهم، خوفًا من الأعمال الانتقامية، وبالرغم من كُلِّ الظروف غير المواتية الأخرى: الأمية، قلَّة عدد القُرَّاء، استخدام لغة أجنبية مستوردة، ضعف القوَّة الشرائية لمعظم أبناء القارَّة، تناقض ردود الفعل النَّقدية، الرِّقابة، المنفى الاضطراري … بالرغم من ذلك كله، كان الكاتب الأفريقي موجودًا دائمًا في المشهد الأدبي العالمي، على مدى خمسين سنة. هل يمكن أن تتخيَّل لِلحظة، كيف كان يُمكن أن يبدو العالَم، دون كُتَّاب أفريقيا؟ لا شكَّ في أنه كان سيبدو مختلفًا … والخسارة فادِحة!
١
كان هناك ردُّ فعلٍ أكثر عنفًا على ما كتبته عن الأدب الأفريقي من «آي كوي آرمه» الذي اتهمني ﺑ «اللارسونية». (Larsony, or Fiction as Criticism of Fiction)
محنة الكاتب الأفريقي |
الفصل الثالث الكُتَّاب الأفارقة والبحث عن ناشر
«لا بد من أن يكون الكاتب على استعداد للتجريب، رغم كل ما قد يسببه ذلك من مشكلات مع الناشر؛ فالأخير يهمه البيع، ويهمه أن يجد سوقًا وجمهورًا يشتري، وهو عادةً ما يبحث عن أكبر سوق، وأعرض جمهور، وبالرغم من ذلك كله، فلا بدَّ من أن يظلَّ الناشر مهتمًّا باحتضان صوت الكاتِب الأصلي الخاص، كما حدث معي. أمَّا بالنسبة للكاتِب، فيجب أن يكون هدفُه مُحدَّدًا، وهو تجويد فنِّه. هذه هي القصة كُلها، والباقي متروك للمُصادَفة، ولغريزة القُرَّاء، الذين سيحبون العمل الذي يُقدِّمه الكاتِب؛ فإذا كان جيدًا بالفعل، فسوف يتم الاعتراف به، وإن لم يحدث، فسوف يظل مُجرَّد عمل جيد تم إنتاجه. أمَّا بالنسبة لي، فقد كُنتُ محظوظةً بوصفي كاتِبة؛ لأنني وجدت قُرَّاء محليين وعالميين، وأنا أكتُب عن موضوعات شديدة الإيمان بها. أحب مُجتمعي ووطني، ولديَّ استعدادٌ للتعلُّم، وأتعلَّم بالفعل شيئًا جديدًا كلَّ يوم، كما أحبُّ أن أكتشفَ شيئًا عن الكتابة، لم أكن أعرفه بالأمس، ولا أضن بجهدي أبدًا.»
(إيفون فيرا Yvonne Vera)
من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٤ أكتوبر ١٩٩٨م:
«أحيانًا أحسد الكُتَّاب في المجتمعات الأخرى، الكُتَّاب الذين ليس لديهم مشكلاتٌ حادَّةٌ مثلنا.»
(وولي شوينكا Wole Soyinka)
مجلة West Africa (١٨–٢٤ يوليو ١٩٩٤م)
بدون روَّاد الكتابة الأفريقية، فإن مفهومنا عن عالَم الأدب العالمي في القرن العشرين، لا بدَّ من أن يكون مختلفًا عن ذلك الذي نعرفه، وحتى في بداية القرن الواحد والعشرين، فإن معظم القُرَّاء الذين تعلَّموا خارج القارَّة، لا يعرفون الكثير عنها؛ فهي لسوء الحظ، ما زالت منطقة من العالم غير واضحةٍ بالنسبة لهم، إن لم تكن مجهولةً أو مظلمة، اطلب على سبيل المثال من أحد الطُّلاب في أية جامعة في الولايات المتحدة، أن يذكرَ اسم كاتبٍ أفريقي، وستكون الإجابة دائمًا: «شينوا أشيبي»، أمَّا في أوروبا — وفي فرنسا بخاصَّةٍ — فربما تمتد الإجابة لتشمل «ليوبولد سيدار سنجور Léopold Sédar Senghor»، أحد آباء «الزنوجة Négritude»، رغم أنَّ «سنجور» قد يُذكَر باعتباره رئيسًا للسنغال، أكثر منه لكونه شاعرًا، ومع النخبة الأدبية في أوروبا، سيذكرون بعضَ الأسماء الأخرى: «شوينكا» لكونه أوَّل أفريقي يحصل على نوبل للآداب (١٩٨٦م)، وبعده المصري «نجيب محفوظ» (١٩٨٨م)، ثم «نادين جورديمر Nadine Gordimer» من جنوب أفريقيا (١٩٩٩م)، ومنذ عام ١٩٩١، ذاع اسم «بن أوكري Ben Okri» النيجيري، بين القُرَّاء في بريطانيا، بسبب روايته «طريق الجياع» (The Famished Road) التي حصلت على جائزة «بوكر Booker» في ذلك العام، ومؤخَّرًا، لا بد أنهم سيذكرون الصومالي «نور الدين فرح Nuruddin Farah»، الحاصل على جائزة «نيوزدات Neustadt».
أضِف إلى هذه القائمة، أسماء «نجوجي وا ثيونجو Ngugi wa Thiong’o»، و«سمبيني عثمان Sembene Ousmane» (رغم أنه يُذكر بأفلامه أكثر منه برواياته)، و«آموس تيوتولا Amos Tutuola»، و«كامارا لايي Camara Laye»، وربَّما «سيبريان إكوينسي Cyprian Ekwensi»، و«إسكيا مفاليلي Es’kia Mphahlele»، ثم تتوالى الأسماء. أمَّا بالنسبة للمُدافِعات عن النسوية فهناك «بيسي هيد Bessie Head»، و«آما-آتا آيدو Ama Ata Aidoo»، و«تسيتسي دانجاريمبجا Tsitsi Dangarembga»، و«بوشي إيميشيتا Buchi Emecheta»، وكاتبة أو اثنتين أخريين، وبالرغم من ذلك، فإن العدد لا يزال قليلًا.
مُعظم المتعلمين الأمريكيين يجهلون أيضًا الكُتَّاب الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية، حتى السبعينيات، إلَّا أنَّني أتمنَّى ألَّا يمرَّ وقت طويل قبل أن يُصبح الكُتَّاب الأفارقة مقروئين على نطاق واسع، مثل إخوانهم الأفرو-أمريكيين في الولايات المتحدة.
بيد أنَّني لستُ واثقًا من ذلك، إلى حدٍّ ما؛ فسكَّان أفريقيا جنوب الصحراء، يصل عددهم إلى حوالي ٣٦٠ مليون نسمة، ومع ذلك فإن هذه الملايين، لم تستطع أن تدعم سوى كاتب واحد، هو «شينوا أشيبي»، ولعلَّه الوحيد — ربَّما — الذي يمكنه أن ينعم بحياةٍ مُريحة من عائد كتاباته، وأقول «ربَّما»، لأنه أكاديمي إلى جانب كونه كاتبًا؛ فهل كُنَّا نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن «شوينكا»، لو أنه لم يحصل على نوبل؟ وبدون جائزتي «بوكر» و«نيوزدات»، هل كان يستطيع «بن أوكري»، و«نور الدين فرح»، أن يعيشا من عائد أعمالهما؟ «شوينكا» يعمل بالتدريس أحيانًا، كما أنه يُحاضِر كثيرًا، أمَّا «بن أوكري»، فهو الوحيد الذي لم يمارس التدريس.
باستثناء «بن أوكري» — أصغر الكُتَّاب الذين ذكرناهم هنا — لم يستطع سوى عدد قليل من الكُتَّاب الأفارقة، أن يحققوا ذواتهم في السنوات الأخيرة. جائزة «بوكر» هي التي مكَّنت «بن أوكري» من ذلك، ولم يكن هناك جوائز أدبية ذات قيمة في أفريقيا، تُقدِّم مبلغًا نقديًّا يساعد الكُتَّاب، إلى أن جاءت «جائزة كايني Caine Prize» للكتابة الأفريقية في صيف ٢٠٠٠م، أمَّا جائزة «نوما Noma Award» للنشر في أفريقيا، والتي تُعتبر أهم جوائز الكُتب في القارَّة، فقد موَّلتها دار النشر اليابانية Kodansha، التي كان يرأسها في السابق، والجائزة السويدية «صوت أفريقيا»، التي تحتوي على مبلغ مالي كبير؛ فقد حصلت عليها «إيفون فيرا Yvonne Vera»، عن روايتها «تحت اللسان»، وهناك جوائز أقل، رغم أنَّ كل الجوائز مُهمَّة إذا كنت كاتبًا، ولكنَّها نادرًا ما تحتوي على جزء مالي، كما أنه ليس من المرجَّح أن تكون سببًا في زيادة مبيعات كتاب في أفريقيا، كما يحدث عادةً في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن ربَّما يتغيَّر الوضع بعد تأسيس جائزة «كايني» للكتابة الأفريقية.
في مقالٍ بعنوان «في نيجيريا الأدبية كانت الأشياء تتداعى»، نشرته «الواشنطن بوست» ٣ فبراير ١٩٨٦م، يصف «إنيووكي إيباجير Eniwoke Ibagere» واقع الثقافة الأدبية في نيجيريا، ذلك البلد الأفريقي الذي قدَّم عددًا من الكُتَّاب المتميزين، أكثر مما قدَّم أي بلد آخر، ويوجد به أكبر تجمُّع سكاني من المتعلمين، كفيل بالحفاظ على هذا المناخ الأدبي. المؤشرات كئيبة: كثير من كبار الكُتَّاب في الدولة موجودون في المنفى، «كين سارو-ويوا» أُعدم، أحدث كتابٍ ﻟ «وولي شوينكا» يُباع بأربعة آلاف «نايرا»، (وهو مبلغ يزيد عن الراتب الشهري لمعظم الموظفين)، ويستمر المقال مع الاقتباس من أقوال «أولاينكا سولارين Olayinka Solarin»، رئيس اتحاد الناشرين في نيجيريا: «لم يعد في نيجيريا سوقًا كبيرًا للكتب، وهذا هو سبب نُدرتها، والاقتصاد في حالة متردِّية، وعليه، فالناس يفكرون أولًا في أمورهم المعيشية. أمَّا شراء الكُتب فلا يحدث إلَّا عند الضرورة، ولذلك فإن الناشرين يشكون، لأنَّ لا خيار لديهم سوى أن يطبعوا عددًا قليلًا من النُّسخ.»
كتاب شوينكا «إبادان Ibadan»، نُشر في إنجلترا، أمَّا بالنسبة لإصداراتهم، فيُقال إنَّ الناشرين النيجيريين، هم الذين ابتدعوا أسلوب «تدشين الكتاب»، إلى أن وصل الأمر إلى وضعٍ مُخلخَل لدرجة أنَّ بعضَ العناوين تُطرح للبيع، فقط، أثناء حفل التدشين، وبأسعار مرتفعة جدًّا، «إنَّ أكثرَ ما يطمَح إليه أي كاتِبٍ، هو حفل تدشين سخيٍّ، يطرَح فيه الناشر طبعة محدودة، يتخاطف نُسخها الأغنياء والمقتدرون، بأسعار عالية قد تصل إلى عشرين ألف نايرا (٢٥٠ دولارًا) للنُّسخة». في لقاء مع مجلة «وست أفريكا West Africa»، أُجري قبل عدَّة سنوات، كان «وولي شوينكا» يُندِّد بأسلوب تدشين الكُتب: «ثقافة التدشين حلَّت محل ثقافة النشر»، كما أن النُّسخ التي تُطرَح في مثل هذه الاحتفاليات، ربَّما لا تتوفَّر أبدًا في محلات بيع الكُتب، ولكن … هل النُّخَب التي تشتري هذه الكُتب بهذه الأسعار، يهمها أن تقرأَها؟ وكيف يمكن أن يُصبح الكُتَّابُ معروفين ومقروئين في مثل هذه الظروف؟ مقال «إيباجير» يقتبس عن «جوب بيركوت Joop Berkhout»، صاحب دار نشر «سبكترم بوكس Spectrum Books». هذا التعليق عن محلات بيع الكُتب في البلاد: «من الصعب أن تجدَ كتبًا في نيجيريا؛ لأنَّ محلات بيع الكتب المنظَّمة، مثل تلك الموجودة في الخارج، قليلة جدًّا، هناك بعض المحلات التي تأخذ الكتب من الناشرين، ثم تعجز عن الدفع، والناشرون لن يعطوهم الكُتب بالمجَّان.»
ويقول «بيركوت Berkhout» في عبارة مؤلمة أخرى: «إنَّ ثقافة القراءة لدى النيجيريين ضعيفة، ونادرًا ما يشترون الكتب»، وإذا كان هذا هو الحال في نيجيريا، فما بالك به في الدول الأخرى؟ في السنوات الأخيرة كان هناك نغمة واحدة يردِّدها الكُتَّاب في القارَّة كُلها تُعبِّر عن خيبة الأمل في القُرَّاء؛ ففي مؤتمر مُشترَك للكُتَّاب والناشرين (ندوة الكُتَّاب والناشرين الأفارقة، تنزانيا، من ٢٣–٢٦ فبراير ١٩٩٨م)، كان من رأي كُلٍّ من «فيمي أوسوفيسان: Femi Osofisan»، و«داف أوتوبو Dafe Otobo»، أنَّ الأفارقة «لا يذهبون إلى محلات بيع الكتب»، هذه النغمة نفسها، ردَّدَها «تيجان م. صلاح»، عندما سُئل في ندوةٍ إذاعية (٢٣ أغسطس ١٩٩٧م) ما إذا كان أبناء بلاده (جامبيا) يقرءونه، قال «تيجان»: «إلى حدٍّ ما … وذلك من قِبَل النخبة الجامعية، الذين يعرفون القراءة والكتابة، وأعتقد أنَّ أعمالي معروفةٌ في الخارج، أكثر مما هي في الداخل». «سنديوي ماجونا Sindiwe Magona» — من جنوب أفريقيا — قال الشيء نفسه تقريبًا: «أنا أفريقي والناس لا يقرءون كُتبي، البيض والملونون، هم الذين يستقبلون كُتبي جيدًا، ويقرءونها في الداخل والخارج»، والنخب الأفريقية، «لا تهتم كثيرًا بالقراءة أو الدرس، ومن أسفٍ — في رأيي — أنَّ الكُتَّاب الأفارقة يكتبون بالأساس، لكي يقرأهم الناس في أفريقيا.»
الكُتَّاب والمدرسون الأفارقة، ينحون باللائمة على نُظُم التعليم (وخاصَّةً في المراحل الأولى)، ويقولون إنَّ الاهتمام بالقراءة كان قليلًا. ويقول «أو إم لاوال-سولارين O. M. Lawal-Solarin»: إنَّ «القليل من أطفال المدارس، هم الذين يقرءون بغرض المتعة»، ولكن الكتب المتوفِّرة هي كُتب مستورَدةٌ في الغالب، وليست مكتوبةً باللغة الأم، التي يتكلَّم بها الأطفال. ويُقدِّم لنا «جيمس توموسيمي James Tumusiime» مدير «فاونتين Fountain» للنشر في «كمبالا»، مثالًا على «الغياب الكامل لكُتب الأطفال من قِبَل المؤلِّفين الأوغنديين»، حتى وقتٍ قريب، ورغم وجود بعض الكُتب الآن، ها هو يعترف بأنَّ «كتب الأطفال المنشورة محليًّا — في أوغندا — أغلى في السعر، وأقل في الألوان من الكتب المنشورة في الخارج»، كما يصف «هنري شاكافا Henry Chakava»، وهو أحد الناشرين الذين يحظون باحترامٍ شديد في أفريقيا. يصف لنا محاولاته، لنشر سلسلة من كُتب الأطفال باللغات الكينية: «الأطفال والكُتب: كينيا»، فقد طلب نصوصًا من كُتَّاب ممتازين مثل «نجوجي وا ثيونجو»، وأنتجَ كتبًا جذَّابة مُستخدِمًا في ذلك «الإخراج المُتقَن، والورق الجيد، والصور الملوَّنة على الغلاف، أو في داخل الكتب»، ولكن كل هذه الجهود، أحبطها واقع السوق: «فبعد العناوين الخمسة الأولى لم أتمكَّن من الاستمرار؛ لأنَّ مبيعات السلسلة كانت هزيلة، ولم يُطبَع أي من الكُتب مرَّةً ثانية.»
ربَّما يكون هدف «شاكافا» من نشر كُتب الأطفال باللغات الأفريقية، قد أصاب نجاحًا محدودًا، ولكنَّ السلسلة، تبعها خط أكثر نجاحًا، لكتب الأطفال بالإنجليزية؛ فقد كانت هذه السلسلة، استجابة لدعوة «أشيبي»، أثناء «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب» (دورة ١٩٨٧م)، «عندما ناشد الكُتَّاب الأفارقة الجادِّين، إنقاذ أطفال أفريقيا، بأن يكتب كل منهم قصتَين (على الأقل) مناسبتَين لهم.»١ والآن يقول «شاكافا»: إنَّ برنامج شركته لنشر كتب الأطفال، «هو الجزء الأكثر نموًّا في تجارتنا، ومن المرجَّح أن يظلَّ كذلك لفترة طويلة قادمة»، إلَّا أنَّ «شوكويميكي إيك Chukwemeke Ike»، الكاتب النيجيري، ورئيس مؤسسة الكتاب هناك، لم يكن على هذه الدرجة من التفاؤل، عندما تكلَّم عن النشر في نيجيريا، بالرغم من الجهود المبذولة، لإقامة أسبوع للكتاب في أنحاء البلاد، ومنتديات للكتب، وأيام لكتب الأطفال، وقد أدلت الخبيرة التربوية «ميريام بامار Miriam Bamhare» بتصريحاتٍ مشابهة، في كثير من معارض الكتب، عن الحاجة لغرس حب القراءة في نفوس الأطفال، الذين ينبغي تدريبهم على ذلك، وربَّما كان مدرسوهم، وأمناء المكتبات أنفسهم، غير معتادين على القراءة بهدف المتعة، وليس غريبًا أن يكون الكُتَّاب الأفارقة، وخاصَّةً صغار السِّنِّ منهم، الذين ينبغي أن يحصلوا على أكثر من موطئ قدمٍ، في عالَم النشر، قد أصابهم الإحباط، وقد اتضح لي ذلك في عشرات الإجابات التي تلقيتها من كُتَّابٍ من مختلف أنحاء القارَّة، ردًّا على استطلاع الرأي، الذي طلبتُ منهم فيه أن يَصِفوا لي تجربتَهم مع النشر.
التشاؤم والشعور بالإحباط لدى كثير من هؤلاء الكُتَّاب، نجده موثَّقًا (وبالتفصيل)، عندما يصفون خبرتهم مع الناشرين الأفارقة والأجانب، وبعضهم غير مُلمٍّ بخبايا عالَم النشر، ومن السهل أن يكونوا ضحايا للخداع، رغم أنَّ ذلك قد يكون هو الحال بالنسبة للكُتَّاب في كل مكان. لقد عبَّر الكاتب النيجيري «نيفي بسكارد أوجوهو Nevilles Bsquared Oguohwo»، عن سذاجةٍ كبيرة في ردِّه على الاستطلاع، عندما قال: «معظم الكُتَّاب الناشئين في أفريقيا، تنقصهم المعلومات الأساسية عن عملية النشر، رغم إمكانية الإشارة إلى جهود الناشرين الأجانب الإعلانية، في مجلات مثل «الإيكونومست»، وغيرها؛ فهي على الأقل تضمن أن تصل المخطوطة إلى رفِّ الكتب، وخدمات بيع واسعة في العالَم» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ١٧ أبريل ١٩٩٨م).
وقد زوَّدني أحدُ الكُتَّاب النيجيريين، الذين لم يتمكَّنوا من النشر بنُسَخ من مُراسلاته الطويلة مع دار نشر «مينرفا Minerva Press» في لندن. تشير رسالة القبول (أو تقييم التحرير لدى الدار) إلى رواية الكاتب، بأنها «موجزة، ولكن المعالجة الكافية لمثل هذا الموضوع المهم جذَّابة بالنسبة للقارئ، على خِلاف الكُتب الأخرى من هذا النوع، إذ بدلًا من مواجهتها بسيل من المعلومات والحقائق «الجافة»، نجد هناك حوارًا وتفاعلًا، مما يُساعد القارئ على البحث، كأنه مشارك فيه.»
وتستمر الرسالة «… وهذا عملٌ مليء بالمعلومات، وإن كان ينقلها بشكلٍ سهل، الأسلوب مُختصَر، ولكنَّه واضحٌ و«إنساني»، ولن يكون القارئ مضطرًّا إلى تدوين بعض النقاط لكي يفهم؛ إذ بينما كان الكاتب موضوعيًّا في تناوله، إلَّا أنه استطاع أن يُحافظ على درجة ضرورية من الحساسية والتقمُّص، بالنسبة لموضوعه». وبعد هذا القبول الأولي للرواية، تأتي رسالة مُستقلَّة توضِّح للكاتب شروط النشر: الكاتب عليه أن يُسهم بمبلغ ٢٨٠٠ جنيه إسترليني، إذا كان يريد أن ينشر الكتاب.
مُعظم دور النشر المشابهة في بريطانيا والولايات المتحدة تفعل ذلك. أولًا: ردًّا على الاستفسارات الأوَّلية، تُعلن الدار عن سياستها، وهي أنَّ الكاتب ربما يكون عليه أن يُشارك في تكلفة الإنتاج، وعلى أية حال، فإن «كثيرًا من الكُتَّاب الناجحين بدءوا هكذا — أي إنهم أسهموا في تكلفة نشرِ أعمالهم الأولى — بمَن فيهم «مارك توين Mark Twain»، و«ناثانيل هاوثورن Nathaniel Hawthorne»، و«لورد بيرون Lord Byron»، و«بياتركس بوتر Beatrix Potter»، و«إدجار آلان بو Edgar Allan Poe»، و«أ. أ. مليني A. A. Milne»، و«برنارد شو Bernard Shaw»، و«مارسيل بروست Marcel Proust»، و«جين أوستن Jane Austen» بالطبع، ولأسباب اقتصادية، فإن الشركات الكبيرة، متعددة الجنسية، التي تسيطر على النشر في العالَم، نادرًا ما تقبل أعمال الكُتَّاب الجُدد». بعد ذلك، إذا تم تسليم مخطوطة عمل، يتلقَّى الكاتِب رسالة «القبول»، وغالبًا ما يكون ذلك عن كتاب متوسط القيمة، لن تقبله دار نشر شهيرة، وبعد ذلك تأتي رسالة، تطلب المساهمة المالية، التي ربما لا يُدرك الكاتب، أنها أكثر من كافية لتغطية تكلفة الإنتاج، وتحقق ربحًا معقولًا لدار النشر؛ حيث إنَّ من المفترض أنَّ عددًا قليلًا من النُّسَخ هو الذي سيتم بيعه.
وقد يستنتج الكُتَّاب الأفارقة من ذلك، أنَّ كل الناشرين يطلبون مساهمات مالية من المؤلفين، وقد قال لي الكاتب، الذي تلقَّى هذه الرسائل، من دار نشر «مينرفا»، في ردِّه: «لا توجد معلومات دقيقة أو صحيحة عن النشر بالنسبة للأفارقة»، فكيف يعرفون ما إذا كان عرض الناشر قانونيًّا؟ نحن لسنا في حاجة إلى أن نقول: إنَّ مبلغ اﻟ ٢٨٠٠جنيه المطلوبة، تُعتبر ثروة بالنسبة لأي أفريقي، ولو تحمَّل الكاتب مثل هذا المبلغ، فلا شك في أنَّ خسارته ستكون مؤكَّدة.
مثل هذا النقص في المعلومات، والجهل بمكائد وألاعيب عالَم النشر، كلها أمورٌ مفهومة، وذلك لأسباب تتعلَّق بالمسافة (الكاتب في أفريقيا، بينما الناشر في أوروبا)، والثقافة (افتراض أنَّ الناشر في إنجلترا لا بدَّ أن يكون أمينًا وحَسَن السُّمعة). القضية الأكبر التي تمتد إلى ما هو أبعد من مجال مثل هؤلاء الناشرين، هي قضية تدني الأخلاقيات بين كل الناشرين الأفارقة، وبين نظرائهم الأوروبيين، إلى حدٍّ ما. في سنة ١٩٩٤م قال «كونت ملانجا Cont Mhlanga»: «إنَّ أكبر مشكلةٍ لكاتب أفريقي، هي أنه لا يعرف ما يتوقَّعه من اتفاق تعاقدي مع ناشر، فنحن في حاجةٍ إلى عقدٍ … يضمن الحد الأدنى من أخلاقيات العمل، داخل صناعة النشر، ويساعد على توعية كُتَّابنا.»
في ندوة الكُتَّاب والناشرين الأفارقة، التي عُقدت في «أروشا Arusha» في سنة ١٩٩٨م، وجَّه عدد كبير من الكُتَّاب الاتهام للناشرين، بسبب الإجحاف في التعامل، بالرغم من أنَّ «كول أموتوزو Kole Omotoso» — مثل كونت ملانجا من قبله — قد عزا المشكلة إلى السذاجة العامَّة، التي يتصف بها الكُتَّاب الأفارقة، كما ذكر «تابان لوليونج Taban lo liyong» مثال الكاتب الراحل «أكوت بيتيك Okot P’Bitek»، الذي باع مخطوطة «أغنية لاوينو Song of Lawino» بمبلغ ٢٠٠ شلن كيني لا غير، هذا بالرغم من إعادة التفاوض بعد ذلك، وتحدث الشاعر «نيي أوساندارو Niyi Osundaro» بالتفصيل عن تعامله مع ثمانية ناشرين، من بينهم «اثنان أو ثلاثة»، كانوا يرسلون إليه مستحقاته بانتظام، وعن ناشر كان يتعامل معه سنة ١٩٨٣م، لم يحصل منه على عائدات سوى مرتين منذ ذلك التاريخ، وعندما كتبتُ إلى الشاعر لموافاتي بمزيد من التفاصيل، جاء ردُّه: «من بين الناشرين الثمانية الذين أتعامل معهم، هناك واحد فقط في أوروبا، هو الذي يرسل لي مستحقاتي بانتظام، وهناك اثنان من نيجيريا، يرسلان مستحقاتي رغم أنَّ أحدهما يعدني دائمًا بأنه سوف يدفع «عندما يتحسن الاقتصاد»، كما نقول دائمًا في نيجيريا، بينما لم يحاول أحد من الآخرين أن يرسل إليَّ أي كشف حساب» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٢١ أكتوبر ١٩٩٨م).
وهناك كُتَّاب أفارقة آخرون، يتكلمون عن حالات، نسي فيها الناشرون أن يدفعوا استحقاقات المؤلفين، بما يعني أنَّ المؤلِّف لم يحصل على أي شيء، لأنهم لا يدفعون أي مبالغ مقدمًا، وتقول «فيرونيك تادجو Véronique Tadjo» (من ساحل العاج)، عن هذا الأمر: «عندما تتسلَّم مُستحقاتك، هذا إذا حدث، تكون العبارات غامضة دائمًا، والحقيقة، أنَّ أضمن شيءٍ، هو أن تذهب أنت بنفسِك، وتطالب بها، رغم أنَّ ذلك قد يكون مسألة مُحرجة لك، وأعرف أنَّ هذا ليس مقصورًا على «لارماتان L’Harmattan»، الناشر الفرنسي فقط، بل إن مُعظم الناشرين الأفارقة يتعاملون بالأسلوب نفسه. العائدات لا وجود لها، أو لعلَّها تأتيك بشكلٍ غير منتظم» (من رسالة للمؤلِّف بتاريخ ٢١ مايو ١٩٩٧م). وفي إشارة إلى «لامارتان»، (الذي يُعتبر الناشر الفرانكفوني الرئيسي لأعمال الكُتَّاب الأفارقة، رغم أنَّ مقرَّه باريس) قالت «مانثيا ديوارا Manthia Diwara»: إنَّ «لامارتان لا تدفع أي شيء عن الألف نُسخة الأولى من الكتاب» (من مكالمة تليفونية مع المؤلِّف في ١٨ سبتمبر ١٩٩٨م)، وبالتالي إذا كانت المبيعات هزيلة، فسيكون من السهل على المؤلِّف الذي نسي شروط التعاقد أن يعتقد أن «لامارتان» لا تدفع أي مستحقات بالمرَّة.
بوجود شروط وقواعد من هذا القبيل، فإن التشاؤم الذي عبَّر عنه عددٌ من الكُتَّاب، في ردودهم على استطلاع الرأي، لا يكون مُستغرَبًا. «سانيا أوشا Sanya Osha» من إدارة الدراسات العامة، من جامعة التكنولوجيا (Lodoke Akintola) في نيجيريا، كتبت عنوانًا للردِّ الذي أرسلته، وهو: «نهاية الأدب النيجيري»، كما كان من بين التعليقات التي تناولت دور النشر الأوروبية، عبارات من قبيل «الحقيقة أن الكتابة الأفريقية ليست هي الشيء الأساسي في السوق الثقافية العالمية»، «نشر الكتابة الأفريقية لا يختلف كثيرًا عن القيام بأعمال البر والإحسان»، «يمكن أن نقول: إنَّ النشر التقليدي في نيجيريا قد مات»، وعليه، «أصبح النشر الشخصي ضرورة»، ولكن، «لا بدَّ من أن يكون التسويق عقبةً ضخمة، وبالمثل، فإن الكُتَّاب الناشئين، يواجهون عقبات بالنسبة للتحرير؛ حيث إنَّ عليهم أن يقوموا بكل شيء، على نفقتهم، وكما هي الحال، فإن مُعظم هذه الكُتب يوزَّع الآن، في إطار الدوائر الأدبية، وليس بين جمهور واسع؛ حيث تكون مطلوبةً بشدة، وحيث يستطيع الكاتب في النهاية أن يعرف قيمته الحقيقية».
والأسوأ من ذلك، أنَّ «أوشا» عندما تذكر «رولان بارت Roland Barthes»، و«ميشيل فوكو Michel Foucault»، وتذكر «موت المؤلِّف»، فإن الاستعارة هنا، تنطبق على «المؤلِّف النيجيري»، «في هذه الأوقات الصعبة»، كما تتساءل: «كيف يمكن أن تقوم بتفكيك أو نقض ما لم يتكون أو يتحقق بعدُ؟» «إنَّ تَرِكة ما بعد الاستعمار، كانت مأساةً على كل الجبهات، وما زلنا، نحن الكُتَّاب المناضلين، نواصل تنقلنا بين دُور النشر، التي لا يمكن وصفها، ونحن نقضم أظافر أصابعنا، من أجل التخلي عن النقود المقترضة، ولبذل جهود من المرَجَّح أن تنتهي إلى لا شيء» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٢٤ سبتمبر ١٩٩٧م).
«جيكو إيكيمي Jekwu Ikeme»، (وهو من نيجيريا مثل أوشا)، يتحدث عن تجربة سلبية أخرى، عندما حاول أن ينشر مجموعة شِعرية له؛ فقد سألَه أحد الناشرين النيجيريِّين صراحةً وبشكلٍ مُباشر: «ومَن يقرأ الشِّعر؟» «إيكيمي» حاول مع ناشرين آخرين، في الداخل وفي الخارج، وفي النهاية، اقترح عليه أحدُهم أن يُسهم بقيمة ٧٥٪ من التكلفة، وهو ما لا يَقدر عليه، كما قال الناشر إنَّه لن يقبل الكتاب، إلَّا إذا كان يتضمَّن مُقدِّمة بقلم «شاعرٍ وكاتبٍ مسرحي شهير»، وهكذا، راح «إيكيمي» يتحدَّث مع أكثر من ثلاثين «فاعل خير» — بمعنى الكلمة — لكي يساعدوه في تحمُّل ما هو مطلوب منه، «إلى أن اقترحت أن أقوم بإهداء الكتاب لأي شخص، يكون مُستعدًّا لتمويل المشروع، وللأسف لم أنجح في ذلك»، أمَّا عن حالته المعنوية، «مثل كل الكُتَّاب في أفريقيا، أصبحتُ فاقِدًا للشعور بالصدمة وخيبة الأمل» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ١٢ أغسطس ١٩٩٧).
الانزعاج والضيق اللذان عبَّر عنهما الكُتَّاب الأفارقة، عن فرص النشر المتاحة حاليًّا، سواء في الداخل أو في الخارج، يشملان كل جوانب وتفاصيل عملية النشر. اقتصادات كثير من الدول الأفريقية في حالة سيئة، لدرجة أن نشر أعمال كُتَّابِهم الإبداعية، قد توقَّف تمامًا، باستثناء دولٍ قليلة. دور النشر التي كانت موجودة إلى وقت قريب، مثل «باوباب بوكس Baobab Books» في زيمبابوي، كانت تتلقَّى سيلًا من الأعمال، لا تنشر سوى جزء ضئيل منها، بصرف النظر عن المستوى. الناشرون الأفارقة الآخرون، قرَّروا أن يلبوا طلبات السوق التعليمية، وفي بعض الأحيان، ينشرون بعض الروايات، على أمل أن تختارها الحكومات للمقررات الدراسية، كما يتحدَّث الكُتَّاب عن الرقابة بدرجاتها المختلفة، أولًا، قد يتوقفون هم أنفسهم عن كتابة ما يريدون خوفًا من قمع حكوماتهم، كما أنَّ المرجَّح أن يقوم الناشرون المحليون، بحذف أجزاء قد يرونها مُسيئةً أو غير لائقةٍ، لأسباب جنسية، أو سياسية، و/أو دينية، أمَّا الأسوأ من ذلك، فهو أنَّ الناشرين خارج أفريقيا، قد يخشون التداعيات التي قد تخلقها كُتب سياسية لأسبابٍ عِدَّة.
هكذا، يرى الكُتَّاب أنفسهم، مُحاصَرين من كل الجهات. في مؤتمر «أروشا Arusha»، حدد «كول أموتوزو Kole Omotoso» أخطار هذه الرقابة الحالية، المفروضة من الخارج: «كثيرًا ما كان القُرَّاء الأجانب، يرفضون تبنِّي قضايا أفريقيا المعاصِرة، مفضلين على ذلك الصيغ الأفريقية القديمة، التي تتفق مع مصالحهم.»
أمَّا «آجنس سام Agnes Sam»، وهي كاتبة من جنوب أفريقيا (من أصول هندية)، فقد كتبت عن الصعوبات التي واجهتها لنشر رواية تجريبية: «المسودة الأولى كانت انطباعية، بِنيتها توحي بمجتمعٍ ممزق، وبشر في نظام عنصري، يعيشون منعزلين عن بعضهم، وكانت الرواية تجمع بين الشِّعر والنَّثر. كان الهدف هو إحباط حاجة القارئ للاستمرار؛ لأنَّ هذا هو الحادِث بالضبط في فهمنا للوضع في جنوب أفريقيا. رأيت أعمالًا تجريبية أخرى منشورة، وهو ما يدعم وجهة نظري، بأنَّ الناشرين لا يقرِّرون ما هو مقبول بالنسبة لسوق معيَّنة، وإنَّما لأنَّ لديهم «نمطًا» معيَّنًا، لما يجب أن يكتبه المؤلِّف، الذي ينتمي إلى جماعةٍ معيَّنة. لقد أكَّدَ لي ممثل إحدى دور النشر، أنَّ النساء السوداوات يكتُبن كتابةً أوتوبيوجرافية (ذاتية)، وأنَّ الكاتبة السوداء التي تحاول التجريب باللغة، لا مجال لها في الكتابة بهدفِ البيع، وفي «الكومنولث» الجديد، يُقال إنَّ هؤلاء الكاتبات، غير المتَّسقات مع هذا النمط، متأثرات بالتقاليد الغربية، وأنَّ إنجليزيتهن مختلفة عن «البانتو»، أو التعليم في العالَم الثالث، أو يُقال مثلًا، إنَّهن لا يكتُبن من أجل «الناس»، ولذلك ليس مسموحًا بالخروج على التقاليد الغربية في الكتابة، ولا بالتجريب بعيدًا عن «الأنماط»، التي يعرفها الناشرون.»٢
الكاتبة الغانية «آما آتا آيدو Ama Ata Aidoo»، عبَّرت عن أفكار مماثلةٍ، بخصوص كتابة أدب «يكون مقبولًا»، أو يَرضى عنه الناشرون في خارج القارَّة: «يمكن أن يقول لك أحدُهم: إنَّ مخطوطتك لا يبدو عليها، عند قراءتها، أنَّ كاتبها شخصٌ من العالَم الثالث»، كما تحدثت في مُناسبة أخرى، عن صعوبة كونها «كاتبة»، (أو امرأة تكتب): «لولا وجود دور نشرٍ بديلة، ذات توجُّهات نسوية، لما كان بالإمكان نشر كثير من الأعمال الإبداعية، وكُتب النقد الاجتماعي، التي تكتبها النساء»، مضيفةً: «إنَّهم يستغربون أن تكتب المرأة بشكلٍ عام»، وعندما حاورتها «لينا وليمز Lena Williams» (نيويورك تايمز، ٢٢ أكتوبر ١٩٩٧م)، عبَّرت عن امتنانها لقِسم النشر في «سيتي يونيفرستي، نيويورك» لنشرها كتابين لها.
بِناءً على كثير من التعليقات السلبية الكثيرة، عن وضع النشر بالنسبة للأعمال الأدبية الأفريقية اليوم، قد يتساءل المرء عن احتمالات المستقبَل، بالنسبة للجيل الحالي من الكُتَّاب الأفارقة، وباستثناء شعراء الزنوجة، فإن الجيل الأول، من كُتَّاب أفريقيا — أولئك الذين بدءوا النشر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية — سلك طريق النشر في أوروبا؛ حيث إنَّ ذلك كان هو الطريق الوحيد المتاح لهم. الجيل الثاني، الذي بدأ سنة ١٩٧٠م تقريبًا، أصاب بعض النجاح بالنسبة للنشر في أفريقيا، ولكنَّهم كثيرًا ما كانوا ينشرون في الخارج، وهنا ترِد على الذِّهن، أسماءٌ مثل: «آي كوي آرمه Ayi Kwei Armah»، و«بن أوكري Ben Okri»، و«نور الدين فرح Nurrudin Farah»، باعتبارهم الأشهر بين كُتَّاب هذا الجيل، ولكن بعد +عشرين أو خمس وعشرين سنة، كانت اقتصاداتُ كثيرٍ من الدول الأفريقية، في حالةٍ شديدة السوء، وكان من الصعب على كثير من الكُتَّاب، أن يجدوا ناشرين مستعدين لنشر أعمالهم؛ حتى إنَّ الناشرين الأوروبيين (فونتانا Fontana، وهينمان Heinmann، على سبيل المثال) كانوا يقلِّصون أعمالهم، وينشرون أعمالًا أقل، للكُتَّاب الأفارقة.
أين سيجد كُتَّاب أفريقيا ناشرين في المستقبل؟ ربَّما يساعدنا تأمُّل رحلة عدد من الكُتَّاب — سواء مَن تحقَّق منهم أو لم يتحقق — على الإجابة عن هذا السؤال، بالرغم من أنَّ بعض هؤلاء الكُتَّاب يحاولون تأكيد أهميتهم منذ سنواتٍ تفوق قدرة الآخرين على التحمُّل.
سيبريان إكوينسي (Cyprian Ekwensi) – نيجيريا
قبل رُبع القرن تقريبًا كتب الناقد النيجيري «إيرنست إيمينيونو: Ernest Emenyoun»، عن «سيبريان إكوينسي» بحماسةٍ شديدة يقول: «لقد تم توجيه الكثير من المديح واللوم إليه، ولكن أحدًا لم يقيِّمه بوصفه كاتبًا، على النحو الصحيح. النقاد الذين يبدو أنهم لم يقدروا على أن يكونوا على مستوى ثراء كتاباته، وتنوعها، ناهيك عن ضخامة كُتبه، هؤلاء النقاد قد تجنبوه، والحقيقة أنَّ تطوُّرَه ككاتب، بناءً على التسلسل الزمني لأعماله لم يستطع كثيرون إدراكَه» (Cyprian Ekwensi, p. 3). «إكوينسي» ليس مجرد كاتبٍ أفريقي، من أكثر كُتَّاب القارَّة إنتاجًا، في القرن العشرين، ولكنَّه أيضًا ممارس لعدَّة مِهن أخرى، إلى جانب الكتابة. «إكوينسي» من «الإيبو»، وُلد سنة ١٩٢١م، في نيجيريا الشمالية، درس المرحلة الثانوية في «إبادان»، في منطقة يُشَكِّل «اليوروبا غالبية سكانها، وتعكس أعماله مدى تآلفه وسهولة تعايشه مع الكثير من الجماعات العِرقية في بلاده.»
واصل تعليمه في «إبادان» (كلية يابا العليا)، ثم في كلية «أشيموتا»، في غانا؛ حيث درس الحراجة (علوم الغابات)، وعمل لمدة عامين في هذا المجال. قام بتدريس العلوم لفترة قصيرة، كما عمل في إذاعة نيجيريا، وفي ١٩٤٩م، التحق بكلية الصيدلة في «لاجوس»، ثم أكمل دراسته في جامعة لندن (كلية الصيدلة في شيلسي). أثناء هذه السنوات كتب «إكوينسي» رواياته الأولى، وكثيرًا ما كان يُعرَف بأنه أحد القوى الرئيسية، في «سوق أونيتشا» للأدب، من خلال كتابه «المصارع إيكولو وحكايات أخرى من الإيبو» Ikolo the Wrestler and Other Ibo Tales (١٩٤٧م) الذي نشره في لندن، وعندما صدرت روايته الشهيرة «جاجوا نانا Jagua Nana» ١٩٦١م في الولايات المتحدة. في ١٩٦٦م ذكَرَ المؤلِّف أنَّ له ١٩ كتابًا، بدأت ﺑ «عندما يهمس الحب» When Love Whispers (١٩٤٧م) يحدد «إيرنست إيمينيونو Ernest Emenyonu» أهميتها على النحو التالي: «كانت قصة الحب القصيرة هذه إحدى الأعمال الباكرة التي صدرت في نيجيريا باللغة الإنجليزية، وربَّما تكون قد ساعدت على الإلهام بكتابات «أونيتشا» الأدبية» (p. 7)، وعلى خلاف كُتَّاب نيجيريا الآخرين، استطاع «إكوينسي» أن يحقق تلك النقلة من الكتابة لسوق «أونيتشا» الأدبية، إلى جمهور عريض؛ أي إنه — بمعنًى آخر — اكتشف في مرحلة باكرة، أنَّ هناك نيجيريين يمكن اجتذابهم للقراءة، لو توفرت مادَّة مناسبة. «عندما يهمس الحب»، و«جاجوا نانا»، وغيرهما، كثير من أعمال الكاتب التي جاءت بعد ذلك، تلغم حقل الأدب الروائي الشعبي الغربي بالجنس، والعنف (رغم عدم تطرُّفه كما هو في الغرب)، والخداع، والغموض، وذلك في إطار معاصِر، وخاصةً في بوتقة انصهار المدن الكبرى، وقد أضاف «إكوينسي» إلى ذلك كُلِّه افتتانًا لا يهدأ بالمرأة الأفريقية، وباختصار، فإن أعماله تحتوي على كل عناصر الروائع الغربية، باستثناء أنَّ الأحوال الاقتصادية المتردِّية قد ألقَت بظلالِها على «مفهوم الروائع» في سوق الكتابة النيجيرية في السنوات الأخيرة. العملان: «عندما يهمس الحب»، و«جاجوا نانا»، يتمحوران حول امرأة أفريقية، شديدة الجاذبية، يتقدَّم لها عدد كبير ممَّن يطلبون يدها للزواج. في الرواية الأولى، ينشأ الصراع؛ لأنَّ «أشوكا» تعتقد أنها قد وجدت حبَّ حياتها، بينما يتوقَّع أبوها أن تتزوج من رجل أكبر سنًّا، وبأسلوبٍ مرتب جيدًا. «جاجوا نانا» أكبر سنًّا، وأكثر حبًّا للحياة: داعِرة في الخامسة والأربعين من العمر، ولها عشيق دائم إلى جانب زبائنها الذين يدفعون لها. هذه الرواية — مثل كثيرٍ من الروايات الباكرة في «أونيتشا» — تقدِّم لنا القاع الرثَّ للمدينة الرثَّة، (التي هي «لاجوس» في الرواية)، أمَّا المكان المفضَّل ﻟ «جاجوا»، فهو «بار تروبيكانا»، وهو مسرح معظم أحداث القصة: «كانت كلُّ النساء يرتدين ثيابًا قصيرة جدًّا، تبرز منها الأرداف والصدور بوحشية فوق ثنايا الأجساد، وفي الوقت نفسه كانت الخصور نحيلة، والثياب ضيِّقة لدرجة الاختناق، وكان الثوبُ الأجمل هو ذلك الذي يلفت أعين الرجال النَّهِمة إليه، في هذه السوق الجنسية الفادحة، وكان الراقصون يشغلون مساحةً صغيرة، دون إضاءة، بحيث يُبدون صورًا ظِلِّية لأجساد بلا وجوه، وكان أي شخص، مهما كان بعيدًا عن الرياضة، يحاول أن يتقمَّص تلك الحياة، التي توصَف بأنها الحياة الراقية.» (p. 14)
«جاجوا نانا» كانت رواية شهيرة، ومنتشرة في الستينيات، لدرجة أنَّ إحدى شركات السينما الإيطالية، فكَّرت في تحويلها إلى فيلم، وقد أدَّت هذه الفكرة — فكرة تحويل رواية مثيرة إلى فيلم، يُقدِّم للعالَم لمحةً عن الحياة في نيجيريا — إلى مناقشات في البرلمان النيجيري، انتهت بإلغاء مفاجئ للمشروع، ويشير «إيمينيونوس Emenyonus» إلى المفارقة الساخرة في هذا الحدث؛ لأنه وقع تقريبًا، في الوقت الذي حصل فيه «إيكوينسي»، على جائزة «داج همرشلر» الدولية للآداب (١٩٦٨م). هذا التناقض بالغ الدِّلالة؛ لأنَّ «إيكوينسي» كتب أعمالًا أدبية كثيرة مثيرة، بالرغم من أنه لا يُعرَف إلَّا بهذا العمل. رواياته الباكرة، مثل «الولد الطبَّال The Drummer Boy (١٩٦٠م)» و«جواز سفر مالام إيليا Passport of Mallam Ilia (١٩٦٠م)» و«العُشب المحترق Burnning Grass (١٩٦٢م)» و«إسكا Iska (١٩٦٦م)» كلها روايات «جادَّة»، صدر بعضُها عن دور نشر أكاديمية، مثل «أوكسفورد يونيفرستي برس»، من أجل السوق الأفريقية، كما أصبحت نصوصًا دراسية لامتحانات شهادة إتمام الدراسة الثانوية، في غرب أفريقيا، وقد كان هناك دائمًا ذلك التنوع بين المثير والجاد، والصريح والمتحفظ، في أعمال «إكوينسي».
كتب «سيبريان إكوينسي» مئات القصص القصيرة، والتمثيليات الإذاعية، والسيناريوهات التليفزيونية، وعشرات الروايات، بما في ذلك أعمالًا للأطفال، وبالرغم من ذلك، نجده يقول في السبعينيات: إنَّ كتاباته لم تجلب له سوى «الشهرة والفقر»، وفي ردِّه على استطلاع الرأي، الذي أرسلْتُه إليه، كتب يقول: «خمسة عقود أو ما يزيد في كتابة الروايات، والقصص، وكُتب الأطفال، جلبت لي الشهرة العالمية، وليس الثروة، لو أنَّني أمريكي يعيش في أمريكا أو أوروبا، لكنت الآن أطفو في حَمَّام من الرغوة، على يخت خاص، بالقرب من ساحل فلوريدا» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٨ مارس ١٩٩٩م).
مثل الكثيرين من أقرانه، يوافق «إكوينسي» على أنَّ ثقافة القراءة في بلاده (وفي القارَّة بشكلٍ عام) قد تغيَّرت تغيُّرًا ملموسًا، على مدى حياته الأدبية، التي استمرت خمسين سنة. عندما بدأ «إكوينسي» الكتابة، أيام سوق الأدب في «أونيتشا»: «كانت الكُتب تخرج أو تتدفَّق، على نحوٍ تلقائي، ودون إلحاح، وكانت تُوزَّع بسرعة، وفي كثير من الأحيان، كان المؤلِّف هو الناشر». في تلك المرحلة، كانت مبيعات الكتب جيدة، وكثيرٌ مما نشره في كُتيبات «أونيتشا»، طُبِع أكثر من مرَّة، أمَّا اليوم، «فهناك سيطرة مُحكمة من الناشرين (ومن النواحي الاقتصادية)، لا بدَّ من أن يكون كتابك مُلائمًا لجداولهم وبرامجهم، وليس العكس، الراديو والتليفزيون — والفيديو مؤخَّرًا — وراء تخريب ثقافة القراءة»، وما تبقَّى من القراءة هو قراءة بعض النصوص المقرَّرة على المدارس.
وينحو «إكوينسي» باللائمة — على نحوٍ أساسي — على تجارة النشر الكبرى، التي غيَّرت مضمون الكتابة بالنسبة للمؤلِّف، وبشكل جذري: «هناك دُور نشر أفريقية كبيرة، مع شركاء أجانب، وهناك ناشرون نيجيريون مستقلون، وهناك مؤلِّفون طموحون، ينشرون لحسابهم. هدف الجميع هو أن يبيعوا الكُتب، ولكن الأكثر ربحًا، هو أن يكون من بين زبائنِك مشروع للبنك الدولي، أو وزارات التعليم، أو صناديق شركات البترول؛ فهذه التكتلات، تطلب طلبيَّات كبيرة. وبعض المؤلفين، وخاصَّة مؤلفي النصوص المدرسية، يفيدون من المبالغ الكبيرة، التي تأتيهم على هيئة مستحقَّات عن أعمالهم. لا بدَّ من أن تضع في اعتبارك دائمًا، أنَّ النشر تجارة. الناشر الصغير للكتب الإبداعية، مجرَّد بائع تجزئة، عائداته لن تكفي لتسديد إيجار شقة الكاتب المكوَّنة من غرفة نوم واحدة، ولا لشراء ضرورات الحياة، ولكن أصدقاءه يكونون قد سمعوا أنه قد أصبح «مؤلِّفًا»، هذه السُّمعة تُعتبر بمثابة ريشة في قُبَّعته.»
أمَّا بالنسبة لاحتفالات تدشين الكُتب التي أدانها «شوينكا» وغيره، فيقول «إكوينسي»: إنَّ الناشر الذي لديه نفوذ كافٍ، يمكن أن «يكسب آلاف النيرات عن طريق إعادة الاستثمار، الطرفان يتشاركان الأموال طبقًا للاتفاق، ولكن هذا النظام لا يضمن للكاتب دخلًا منتظمًا»، وسيكون على المؤلفين أن يوقِّعوا عقودًا «كلها لصالح الناشرين»، تمنحهم حق التحكم في الحقوق العالمية، وهم لا يستطيعون بيعها أو تنفيذها، ونادرًا ما يتسلَّم الكُتَّاب عائدات عن كتبهم، إلَّا إذا طالبوا بها: «لم أسمع أبدًا عن كاتب أفريقي يعيش في أفريقيا، مات ثريًّا من كتابته، أمَّا الأغنياء منهم فيعيشون كلهم في الخارج». ربَّما تكون المشكلة الرئيسية التي يشير إليها «إكوينسي» بمثابة موقف تجاه الكاتب المبدع نفسه: «ما زالت الكتابة تُعتبر عملًا خيريًّا، وليس مهنةً مخصصة لتعليم وتسلية القُرَّاء، ولا شيء يتحقق فيها للكاتب. كما أنَّ ذِكر النقود يُعتبر نقيصة، ولكن العمل له بريق، والآلاف يُقْدِمون على ذلك، ويدعمون عملهم بالقيام بوظائف أخرى، أو أعمال في شركات البناء، أو الوزارات. لكي تُصبح الكتابة مهنة، سيكون على الكاتب أن يحاول مع الإعلام، وخاصَّةً الراديو والتليفزيون والصحافة المنتظمة. الصحفيون ينجحون هناك، ولكن الكُتَّاب المبدعين ينحرفون، ويتخلَّى عنهم الإبداع، إذا كان لا بدَّ من أن يحملوا الخبز والزُّبد إلى منازلهم، وأحد أخطار المهنة، هو أن ينتهي بك الأمر، في سجن إحدى الحكومات الدكتاتورية.»
إلَّا أنَّ «إكوينسي» لديه بعض الكلمات الإيجابية، التي يقولها في حقِّ دار نشر «سبكترم بوكس Spectrum Books»، في إبادان، وهي الدار التي نشرت إحدى رواياته الحديثة «ابنة جاجوا نانا» (١٩٨٦م) وقد كشفَت حواراتي مع الناشر «جوب بيركوت Joop Berkhout»، عن أنَّ المبيعات الحالية من الرواية، تصل إلى ألفي نُسخة في السَّنة، وذلك في دولة كانت ذات يوم تمتلئ بالقُرَّاء (مقابلة مع الكاتب في ٦ أغسطس ١٩٩٨م).
وباستثناء تلك السنوات، التي كان يدرس فيها الصيدلة في إنجلترا، ظلَّ «إكوينسي» كاتبًا نيجيريًّا يعيش في نيجيريا، وكان يعتمد في حياته على مهنة الصيدلة، إلَّا أنه ظلَّ يكتب، متحركًا مع الزمن (عندما تكلَّمتُ معه مؤخَّرًا كان يصف لي بحماسة شديدة قصة قصيرة نشرها على الإنترنت)، وفي ردِّه على استطلاع الرأي، الذي أرسلته إليه عَرَّف نفسه «واحِدًا من روَّاد الكتابة الأفريقية الجديدة»، والحقيقة أنَّ لا أحد في مجال الأدب الأفريقي يمكن أن يشك في ذلك، إلَّا أنَّني ما زلت أتساءل: لو أنه بدأ عمله الكتابي مرَّة أخرى، فكيف كان سينظر إلى الطريق الأجنبي الذي سلكه كثير من معاصريه: «بحياته في الخارج، يكون الكاتب الأفريقي وسط الناشرين، وباعة الكُتب، وكُتَّاب العالَم، وغيرهم ممَّن يستجيبون لحضوره بينهم، ويعطونه المكان الذي يليق به في المجتمع، بل إنَّه يُصبح سفيرًا للثقافة الأفريقية، وهو ما يجب أن يكون. الاتصال يُصبح سريعًا وجيِّدًا، والعالم كلُّه يُصبح مسرحًا، يستطيع أن يقوم بدوره عليه، ورغم أنَّ المنفى حنينٌ للوطن، وبُعدٌ عنه، ومجرَّد تأجيل للتاريخ المشئوم، الذي يعود فيه إليه، ليجد أن لا علاقة له به، إنَّها حياةٌ قلِقة ومُربِكة.»
ومن الصعب أن نُحدِّد ما يعنيه بعبارته الأخيرة. مَن بالضبط الذي سيجد أنه لم تعُد له علاقة بالوطن، هل هو الكاتب الأفريقي المنفي، أم الكاتب الأفريقي بشكلٍ عام؟
سيميليه م. كوردر Similih M. Cordor – ليبيريا
النجاحات التي كانت جزءًا من عمل «سيبريان إكوينسي» الأدبي، لا يمكن أن يتصوَّرها سوى الكاتب الليبيري «سيميليه م. كوردر Similih M. Cordor»، «كوردر» من مواليد فوينجاما في ليبيريا الشمالية سنة ١٩٤٦م، عانى من كل المظالم والإهانات التي يمكن أن يواجهها كاتب، وخاصةً بسبب تراثه الليبيري. الليبيريون يميلون دائمًا للقول إن بلدَهم لم ينعم «بمزايا» الاستعمار؛ فليبيريا — التي أنشأها عبيد أمريكيون محررون سنة ١٨٢٢م — كانت مُهمَلة تمامًا من جانب الولايات المتحدة (فيما عدا استغلال مواردها الطبيعية من قِبَل بعض الشركات الأمريكية)، بمجرَّد أن تم تسهيل عملية الإعادة السريعة للعبيد السابقين.
هناك كثير من النكات والطرائف، التي تُروَى عن الثقافة الليبيرية؛ فيقول «كوردر» مثلًا: «على مدى قرن ونصف القرن تقريبًا، لم يكن في ليبيريا أدبٌ وطني حقيقي، ولا موسيقى، ولا تصوير، ولا نحت» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٢٧ يوليو ١٩٩٧م)؛ فالعبيد الذين أعيدوا كانوا في الغالب الأعمِّ غير متعلمين، ولكنَّهم تمكَّنوا من الهيمنة على القبائل الأصلية، وأصبحت كل جماعة تحتقر غيرها، وذلك، بالرغم من أنَّ الأفارقة الليبيريين، ظلُّوا مسيطرين على البلاد سياسيًّا، حتى سنة ١٩٨٠م. وقد وصف «كوردر» نفسه بأنه نشأ في فراغ ثقافي، وأنه لم يكُن يريد أن يُصبح كاتبًا فحسب، وإنما عامل مساعد على ثورة فنية في بلاده أيضًا، ويقول إنَّ قراره بأن يصبح كاتبًا: «كان نابعًا فقط، من اقتناعي العميق، بأنَّ ليبيريا التي لعبت دورًا سياسيًّا مُهمًّا في التاريخ الأفريقي، ينبغي كذلك أن تلعب دورًا مُهمًّا في الأدب الأفريقي الحديث. كنت أشعر بأنَّ ليبيريا، عليها أن تكون جزءًا مُهمًّا، من الكتابة الأفريقية المعاصِرة، التي ظهرت في القارَّة، بعد أفول الاستعمار الأوروبي، ولكنَّ ذلك لم يكُن مهمَّة سهلة؛ لأنَّ بلادنا ليس لديها تُراث أدبي غني.»
وبوصفه كاتبًا طموحًا، سرعان ما اكتشف «كوردر» أنه لم يكُن هناك ناشرون للكتب في بلاده، أو حتَّى عدد قليل من المطابع، كما أنَّ الناشرين الأمريكيين، الذين أرسل إليهم مخطوطات أعماله، لم يكونوا مهتمين بالأدب الليبيري، كما أسقطه الناشرون الإنجليز من الاعتبار؛ لأنه لم يكن من أبناء المستعمرات البريطانية السابقة. ليبيريا في الحقيقة لم يكن لها صِلات كثيرة بالدول الأفريقية الأخرى بشكلٍ عام، والمؤكَّد أنه لم يكن لها أية صِلة ثقافية بأحد، وكان هناك شبه احتقار عام للثقافات الأفريقية الأصلية من قِبَل نسل العبيد الأمريكيين. «كانوا يحتقرون النموذج الأفريقي للحياة»، ويحاولون تقليد النموذج الأمريكي.
لم تكن قراءة الكُتب معروفة بين الطبقة الوسطى، باستثناء بعض الكُتب المستورَدة التي تُستخدم في المدارس.
كان «كوردر» يريد أن يُغيِّر ذلك كله، وكانت مُشكلته الأولى، هي أن يُحدِّد كيف ينشر أعمالَه، فتحدَّث مع أشخاص في وزارة التعليم، على أمل أن يكون لهم اهتمام بالقصص القصيرة التي كان يكتبها عن أحداث ومواقف وشخصيات من ليبيريا، «بعد أن قرأها المسئولون في الوزارة لم يُعجبهم مضمونها، وقرَّروا عدم نشرها». كانت تلك أول مواجهة «واقعية» له مع الرقابة، فأرسل أعماله إلى ناشرين في غانا، ونيجيريا، ولكن النُّسَخ الخطية، إمَّا أنها فُقِدت، أو أنَّ الناشرين كانوا يطلبون منه إسهامًا ماليًّا، لا يتحمَّله راتبُه كمدرس، ولذا قرر أن ينشر على نفقته.
في البداية، كانت هذه الأعمال، تصدر منسوخة ومُدَبَّسة معًا، وهي قصصه القصيرة، وأعماله شبه النقدية: «المرشد لدراسة الأدب الليبيري» (١٩٧١م)، و«نحو دراسة الأدب الليبيري» (١٩٧٢م)، ويشير إلى أنه في تلك الأيام، كان بمثابة «مؤسسة بحثية مكونة من رجُل واحد»، بالرغم من أنَّ تلاميذه في كلية منروفيا، كانوا يساعدونه، وسرعان ما وجد جمهورًا جاهزًا، بما يوحي بأن الليبيريين، كانوا ينتظرون شخصًا ما، يقوم بإنتاج أعمالٍ أدبية عنهم، وبمساعدتهم، هذه الكُتب بِيعت بسرعة، كما أعيدت طباعتها، «كان القُرَّاء يحبون قصصي، لأنَّ الموضوعات كانت ليبيرية، وكان الليبيريون يرون أنفسهم وحياتهم وأنماط الثقافة الليبيرية في تصويري الروائي للملامح المجتمعية والثقافية المحلية». في سنة ١٩٧٧م أصدر «كوردر» أنجح أعماله «قصص حديثة من ليبيريا: غرب أفريقيا»، وهي أول أنطولوجيا للقصص القصيرة في بلاده، تُنشر محليًّا، وقد بِيعت معظم النسخ بسرعةٍ، بسبب تدريسها في جامعة ليبيريا. بعد ذلك ظهرت أعماله الأخرى، و«اكتشفتُ أنَّ الليبيريين كان لديهم الاستعداد للقراءة». المشكلة أنَّ الكُتب كانت قليلة، وخاصةً مؤلَّفات الكُتَّاب الآخرين، بعد ذلك بدا وكأن «كوردر» لا بد من أن يكون أول كاتب/ناشر حقيقي، وسرعان ما بدأت الأشياء تتداعى، وبقيادة «صمويل دو Samuel Doe» قام الجيش بأسوأ الانقلابات العسكرية التي شهدتها القارَّة، كان «كوردر» قد تفرَّغ للتعليق السياسي، وأصدر كتابه «إعادة البناء الوطني لليبيريا جديدة» سنة ١٩٧٩م، أثناء الفترة التي تصاعد فيها الاضطراب، الذي أدَّى إلى الانقلاب. وبعد ذلك جاء كتابه «ليبيريا تحت الحكم العسكري» (١٩٨٠م)، بعد الانقلاب، وكلاهما كتابان منسوخان، كما ارتبط بأحد الناشرين في الولايات المتحدة، أصدر له «أفريقيا: من الشعب وإلى الشعب» (١٩٧٩م)، وهي مجموعةٌ قصصية، و«في مواجهة الأمَّة الليبيرية» (١٩٨٠م)، وباعتباره واحدًا من كبار المثقفين في البلاد، بدأ يخشى على حياته، رغم اعترافه بأنَّ نظام «تولبرت Tolbert»، الذي سبق نظام «دو Doe»، كان أيضًا نظامًا قمعيًّا:
«بمرور السنوات وجد كثيرٌ من الكُتَّاب، والصحفيين، والمعلمين، أنفسهم محاصرين بمشكلات كثيرة، وكان يُلقَى القبض عليهم، ويُعتقلون، ويُسجنون، بسبب كتاباتهم الناقدة للحكومة، أو للقيادات السياسية، فكلاهما، النظامان، العسكري أو المدني، كان قاسيًا في معاملة الكُتَّاب والصحفيين، بالرغم من أنَّ القادة العسكريين كانوا هم الأكثر وحشيةً في التعامل مع «أصوات المثقفين المنشقين»، ولم أكُن أنا استثناءً.»
«كوردر» نفسه عانى من التهديد والمضايقات المستمرة والاعتقال، بسبب انتقاداته للحكومة وللقيادات السياسية، كان أوَّل صدامٍ له مع السلطة (واعتقاله) سنة ١٩٧٢م، وهو طالبٌ في جامعة ليبيريا، ثم أخذ ذلك شكلًا أكثر خطورة سنة ١٩٧٩م قبل الانقلاب، عندما أُلقي القبض عليه، وهو يُجري امتحانًا لطلابه في «كلية منروفيا». أخذوه إلى المبنى الإداري للتحقيق معه بسبب كتاباته، ثم أُطلِق سراحه، ثم أُلقي القبض عليه مرَّة أخرى (وتم تفتيش مسكنه ومصادرة كُتبه)، وأُخِذ إلى رئاسة وكالة المخابرات الوطنية، حيث اعتُقِل عدَّة أيام. اتُّهم «كوردر» بمحاولة إثارة الفتنة، وإشعال الثورة في البلاد، وفي النهاية، بعد خوفه من زيادة قمع الحكومة له، قرَّر أن يقبل منحة زمالة لمواصلة الدراسة في الولايات المتحدة، بتمويل من جامعة ليبيريا، ولعلَّ الحكومة قد وجدت بذلك وسيلة مناسبة لإسكاته.
يشير «كوردر» إلى حالة «الاضطراب الفكري، وخيبة الأمل السياسية» التي كان عليها عندما غادر ليبيريا؛ فالدراسة كانت تحدِّيًا جديدًا له، سيؤدي إلى توقفه عن الكتابة «كنت أشعر بالاكتئاب، لتعطُّلي عن الكتابة، وكانت دراسة الدكتوراه تستهلك جهدًا كبيرًا، كما كنت أشعر بأنني قد وقعت في فخٍّ، وكثيرًا ما كان يُصيبني الحزن والضَّجَر». وكانت زوجته وأولاده في «ليبيريا»، وكان يخشى على حياتهم، أمَّا الأكثر قسوة، فكان شعوره بأنه مقطوع من جذوره وثقافته، وبالرغم من ذلك، لم تكُفَّ الحكومة الليبيرية عن إزعاجه وترويعه أثناء وجوده في الولايات المتحدة، يقول عن تلك السنوات: «كانت تنتابني الكوابيس، عن الأساليب المروِّعة، التي كان العسكريون يديرون بها شئون البلاد، حاولت التركيز على دراستي، وفشلت. كنت نافذ الصبر، وأريد العودة إلى الوطن بسرعةٍ، لكي أواصل الكتابة، كما كنت أشعر بأنَّ أهم مادَّة بالنسبة لعملي الروائي، والشعري، والمسرحي، وللأعمال الإبداعية كُلها، موجودة هناك، في ليبيريا، وبوصفي مثقفًا وطنيًّا، كنت أشعر بأن روحي مربوطةٌ بروح الوطن، فأنا أتألَّق في التراث الثقافي لمجتمعي، وألمع في العمق التاريخي لوطني، وأغنِّي أغنيات شعبي، تلك الأغنيات التي يخشون ترديدَها بسبب المناخ الاجتماعي والسياسي في مجتمعنا، أغوص في أعماق الوطن، بحثًا عن مادَّة لكتابتي؛ فأنا طفلُ بلادي. لذلك كله كنت أريد أن أعود بأسرع ما يمكن، ولكنَّ ذلك لم يحدث، كما كنت أتمنَّى، وهكذا، بعد ستة عشر عامًا، ما زلت أعيش في الخارج … في المنفى.»
السنوات الستة عشرة امتدَّت لما هو أكثر من ذلك، وأثناء ذلك لحقت به زوجته وأولاده، بالرغم من أنه لم يكُن يستطيع حضور جنازات أفراد آخرين من عائلته، وتراكمت عليه الديون، لأنَّ الحكومة الليبيرية أوقفت الإعانة، بعد فترة قصيرة من وصوله إلى الولايات المتحدة، أمَّا درجة الدكتوراه، فقد تأخرت كذلك؛ لأنه كان يتوقف عن الدراسة من وقت إلى آخر، ليعمل بالتدريس، لكي يتمكَّن من دفع فواتيره، وأخيرًا، حصل على الدرجة العلمية سنة ١٩٩٧م، وقد مرَّت في حياته فترات كان فيها متعطلًا عن العمل، ومُفلسًا، وفي ردِّه الذي أرسله إليَّ كان يستخدم عبارات ومصطلحات من قبيل: «كنت أشعر بأنَّ لا حول لي ولا قوَّة»، و«كنت أشعر بأنني قد خذلت شعبي ككاتب»، و«كنت أشعر بالاكتئاب، لأنني لم أكن هناك في الوطن، لأشهد الحرب مباشرة، وأكتب عنها»، و«مررت بأزمة التوقف عن الكتابة (سكتة كتابية)، وقد جفَّ عقلي، وفقدت القدرة على التركيز»، و«شعرت بأنَّ حياتي تنفجر، وتنقسم إلى عالمين منفصلين: عالم ما قبل الحرب، وعالم ما بعد الحرب.»
في النهاية، وكان على وشك الانتهاء من أطروحة الدكتوراه، كتب يقول: «لقد أجبرتني الحرب على أن أدرك أنني كنت الآن في حالة نفي إلى الأبد»، أمَّا الشيء الوحيد الذي كان عليه أن يعود إليه، فكان هو الكتابة، وقد وصل إلى هذه الحالة — جزئيًّا — عندما كتب الشِّعر، وهو جنس أدبي لم يكن قد مارسه من قبل، وتُصوِّر لنا هذه الحالةَ قصيدتُه «ماضيَّ … حاضري … مستقبلي»:
وضعتُ كُلَّ ماضيَّ ورائي هناك على تلال فوينجاما، عميقًا في قلب «لوفا» في ليبيريا أغنِّي ماضِيَّ في سنواتي الماضية؛ لأنه قد أصبح ذاتي التاريخية. ترجمتُ ماضِيَّ إلى أمسي، وضعتُ حاضري كله أمامي، ماثل في كرب منفاي: بعيدًا … بعيدًا عن شعبي في ليبيريا، حاضري هو كل ما أملك الآن، وأحاول أن أعيشه الآن، لقد فردت حاضري على يومي، وضعت مستقبلي كله أمامي وهو ينتظر يوم عودتي كل الطريق إلى وطني الأم … في ليبيريا، مستقبلي سيكون لي يومًا ما أراه يقترب مُسرعًا، لقد ميزت مستقبلي بِغدي.
في الخطاب الذي أرفقه برَدِّه على الاستطلاع، نجده متفائلًا بالنسبة لحالة المنفى الذي يعيشه في الولايات المتحدة، ولكنه كان قلقًا ومشغولًا، بقضية «الأدب الوطني الحقيقي في ليبيريا»، وهي القضية التي كرَّس لها كل طاقته، على مدى ثلاثين سنةً تقريبًا، ثم يُضيفُ بألم: «أشعر بالحزن لأنني لم أنشر روايات عظيمة، وقصائد، ومسرحيات، تحمل اسمي، تُبيِّن أنني كنت أحاول أن أكون كاتبًا من ليبيريا»، ولكنه يعترف بالاستقرار في حياته الحالية: «لديَّ الآن وظيفة في التدريس طوال الوقت، بمزايا طيبة، وراتب لا بأس به، وقد نجحتُ في حلِّ بعض المشكلات الشخصية. كانت أمور الأسرة مزعجة ومقلقة لي. ما زلت حزينًا على شعبي ووطني، وما زلت أعاني من آلام المنفى، إلَّا أنني الآن أفضل ذهنيًّا وجسديًّا ومعنويًّا، مما كنت قبل نصف عقد. أصبحتُ أكثرَ حذرًا، لتجاربي السابقة، مثل البطالة ونتائجها المُدمِّرة، والديون، والطَّرْد من المسكَن، والإفلاس، واسترداد السيارات، والاعتداء على كرامتي، والديون للأقارب والأصدقاء، والاكتئاب الذي يصاحب ذلك كله.»
فيرونيك تادجو (Véronique Tadjo) – ساحل العاج
بالرغم من أنها تكتب بالفرنسية، اعتمدت «فيرونيك تادجو»، على ترجماتها للإنجليزية — التي تقوم بها — لتأكيد نوعية أعمالها، ولحسن الحظ، فإن تعليمها الكوزموبوليتاني، وعملها المِهَني، أمدَّاها بالطلاقة في اللغتين. وُلدت «فيرونيك تادجو» في باريس في ١٩٥٥م، ونشأت في «أبيدجان» في ساحل العاج، ودرست في مدارسها المحلية، حصلت على ليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة «أبيدجان»، ثم على الدكتوراه في الأدب الأفرو-أمريكي والحضارة، من «السوربون»، واشتغَلت بالتدريس في جامعة «أبيدجان» في أوائل الثمانينيات، بالرغم من أنها أمضت جزءًا من سنة ١٨٨٣م، في واشنطن دي سي في جامعة «هوارد»، بمنحة من «فولبرايت»، وبينما كانت تشغل مناصب تدريسية كثيرة في تلك السنوات، كانت تكتب الشِّعر والنثر (بما في ذلك كتب للأطفال).
تصف «تادجو» عملها الباكر بأنه كان ناجحًا، ولكنها تقول: إنَّ إحباطات السوق، قد تدخلت في السنوات الأخيرة، وهي ليست أول مَن يعترف، بأنَّ الكُتَّاب في دولٍ كثيرة — وخاصةً في إنجلترا والولايات المتحدة — يمكن أن يحكوا قصصًا مُشوَّشة، عن تجاربهم في عالَم النشر. صدَرت أول مجموعة شِعرية لها (تُربة صُلبة حمراء Latérite) سنة ١٩٨٣م، وكان السبب الأساسي لذلك هو حصولها على جائزة أولى في مسابقة أدبية.٣ عندما تلقَّت اتصالًا تليفونيًّا من «هاتييه Hatier»، وهو ناشر شهير لكُتَّاب الفرنكفون الأفارقة، كانت في غاية السعادة، وخاصةً لأنَّ «هاتييه»، كانت قد أطلقت منذ وقت قريب سلسلة بعنوان Mond Noir Poche، وكانت الكُتب الصادرة في هذه السلسلة — كما تقول — «تُباع بسعر معقول وتُوزَّع جيدًا» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٢١ مايو ١٩٧٩م). كانت Latérite أول مجموعة شِعرية في السلسلة، ولقيت اهتمامًا كبيرًا من وسائل الإعلام في «أبيدجان»، «وقد أثبتت لي هذه التجربة، أنَّ الشِّعر عندما يتم تسويقه جيِّدًا، يصبح منتشرًا، وهذا على عكس ما يقوله معظم الناشرين.»
بعد هذه المجموعة، كتبت «تادجو» روايةً تجريبية بعنوان «عندما يطير الغراب As the Crow Flies»، يمكن قراءة عشرات الفصول القصيرة منها، كقصصٍ منفصلة (وكان عدد منها قد سبق نشره بهذه الصفة)، ولكن عندما تُقرأ متصلة، فإنها تُشكِّل كلها رواية غير تقليدية. كان لدى «تادجو» انطباع أنَّ «هاتييه» لم تكن مهتمَّة بنشر العمل، إلَّا أنَّ ذلك، كان مُجرَّد سوء فهم، وعندما أدركت ذلك كانت قد بدأت البحث عن ناشر آخر بالفعل. كان أحد الناشرين في السنغال قد قال لها إنَّ كتابها «كئيب ومُقبض»، ولكن «فرنان ناثان Fernand Nathan» (دار النشر الفرنسية)، التي تنشر الكتب المدرسية، قَبِلت الكتاب؛ لأنها كانت على وشك إصدار سلسلة عن الأدب الأفريقي، وللمرة الثانية تقول «تادجو» إنَّ أحد كُتبها لقي اهتمامًا كبيرًا.
لسوء الحظ، اندمجت دار «فرنان ناثان» مع «لاروس La rousse»، بعد نشر الرواية بفترة قصيرة، وتوقفت السلسلة الجديدة فجأةً بعد أن أصدرت خمسة عناوين، «كان علينا ككُتَّاب، بأن نصارع من أجل الحصول على حقوقنا، لأنَّ الناشر كان يتوقَّع أن نقبل ما حدث دون نقاش، وتجمَّع بعضُنا، وباستخدام الضغط، جعلناهم يدفعون مستحقَّات عن الكتب التي كانت ستُعدَم دون عِلمٍ منَّا». وهكذا انتهى شهر العسل، بين «فيرونيك تادجو» وناشريها، وفي تلك السنة، حصلت على مبالغ كبيرة، كعائدات عن أعمالها، ولكنَّها كان عليها أن تبحث مرَّة أخرى عن ناشرٍ آخر، إلَّا أنَّ حياة «عندما يطير الغراب» توقَّفت فجأة، حيث لم يكُن هناك ناشرٌ آخر، يريد أن يُعيد طباعتها.
كان قرارها باختيار مكان النشر (في أفريقيا أو في فرنسا)، عملية استغرقت فترةً طويلة، قبل أن تستقرَّ في النهاية على «لارماتان L’harmattan»، في فرنسا مرَّة أخرى، كان سبب هذا الاختيار، هو أنَّ النشرَ في ساحل العاج كان في حالة سيئة، بعد الانهيار المالي، لداري النشر الحكوميتين المحليتين، كان الوضع مثله في القارَّة كلها. النشر في أفريقيا، يعني أنَّك محدود بإطار الدولة، التي يعمل فيها الناشر، وكان ذلك أيضًا يعني المخاطرة بقبول تحرير، ربما لا يكون مُرضيًا لك، وكمثال على ذلك تقول إنَّها أعطت مجموعة شِعرية لدار Les Nouvelles Editions du Sénégal، التي كانت من بين الدور التي نادرًا ما تنشر الشعر، «كان عملهم في غاية السوء — أخطاء كثيرة وإخراج رديء — فكان عليَّ أن أرفض الكتاب، ولأنهم كانوا قد أرسلوا إليَّ العقد — بالخطأ — بعد النشر، رفضت توقيعه.»٤
وفي سنة ١٩٩٢م نشرت «لامارتان» المجموعة الشعرية الثانية لها (المملكة العمياء Le Royaume Aveugle)، وكانت النتيجة أقل من مُرضية، وشعرت «تادجو» بأنَّ دار النشر — هكذا ببساطة — كانت كبيرة لدرجة أنها «لا تُولِي أحدًا أي اهتمام شخصي»، «صحيح أنَّ الكتاب يصدر بسرعة، ولكنَّه يضيع في زحام كتب أخرى كثيرة، ذات مستويات متفاوتة. مجرَّد زيارة واحدة لمكتباتهم وتكتشف أنَّ العملية كلها فوضى، كتبٌ في كُل مكان ولا تستطيع أن تتحرَّك، وتعجب كيف يمكن أن يجدوا شيئًا يبحثون عنه! لم يكن هناك أي إعلانات، كما أنهم لا يُرسلون نسخًا لوسائل الإعلام، والأسوأ من ذلك كُلِّه، أنَّ كُتبَهم كانت غالية جدًّا، بالنسبة للسوق الأفريقية»، كما تُضيف أنَّ الكُتَّاب عادةً ما يصفون «لامارتال»، بعدم الأمانة، «قال لي أحد الأصدقاء الذين أثق بهم: إنَّه بينما كان في رحلة إلى إيطاليا ذات يوم، للمشاركة في ورشة عمل، وجد ترجمة إيطالية لروايته، ولم يكُن يعرف شيئًا عن ذلك»، والآن يريد أن يقاضيهم، ولكي تحصل على مستحقَّاتها، كان على «تادجو» أن تذهب إلى مكتب «لامارتان» بنفسها لتطالب بها.٥
بالرغم من هذه المشكلات، فإن لديها الحافز لكي تواصل الكتابة، بسبب النقد الإيجابي لأعمالها التي يُعاد طباعتها في أنطولوجيا كثيرة، كما أنها تُدعَى إلى مؤتمرات عالمية. النقاد والكُتَّاب الآخرون لهم رأيٌ إيجابي في أعمالها، «لقد شجعوني على المُضي في هذه الطريق الصعبة، التي اخترتها»، وفي سنة ١٩٩٧م، كانت ما زالت تندب حظَّها وتقول: «أودُّ من كلِّ قلبي أن أجد ناشرًا أثق به، وأناقش معه عملي، وتوجهه، هل سيكون هذا الناشر في أوروبا … أم في أفريقيا؟ لا أعرف على وجه التحديد، الوضع في الوطن (أفريقيا الفرانكفونية)، لم يتحسَّن كثيرًا، بالرغم من أنَّ الأمور قد تغيَّرت منذ تخفيض قيمة الفرنك، وقد شجَّع ذلك الناشرين؛ لأنَّ الكتب المستوردة، مرتفعة الثمن جدًّا بالنسبة لمعظم الناس، وبالتالي، فإن الكتب، يتم إنتاجها محليًّا الآن. الكتب المدرسية لها الأولوية بدون شكٍّ، ولحُسن الحظِّ فإن اهتمام الناشرين بالأدب بطيء، ولكن النواحي الفنية ما زالت في حاجة إلى مهارات احترافية، كما أنَّ مشكلة التوزيع ما زالت قائمة.»
تقول «تادجو»، إنَّها تلقى تشجيعًا من دار نشر Les Nouvelles Editions Ivoiriennes (تم خصخصتها مؤخَّرًا)، التي تنشر كُتب الأطفال بما في ذلك كُتبها. كانت هناك مجموعة شِعرية لها بعنوان (Ami-chemin)، كتَبَتها قبل عِدَّة أعوام، وكان من المخطط أن تنشرها Feu de Brousse، ولكنها لم تظهر، وتقول بهذا الخصوص: «يبدو أن الناشر اختفى من على وجه الأرض … ويعتقد أنني قمتُ بتصحيح البروفات، المؤسف أنه ضيَّعني عِدَّة سنوات، وجعلني أترك الشِّعر، ولكن لحُسن الحظ أنا شاعرة في أعماقي، وسأجد دائمًا وسيلة لإخراج هذا الشِّعر» (من رسالة إلى المؤلِّف بالبريد الإلكتروني بتاريخ ٢٦ فبراير ١٩٩٩م).
تقول «تادجو» إنَّ أفضل وضع للنشر، بالنسبة لها، سيكون النشر المشترك: طبعة للسوق الأوروبية والأمريكية، مُثَمَّنة بمعدَّل واحد، وطبعة للسوق الأفريقية، يكون سعرها أقل، «سيكون ذلك أفضل بالنسبة للعالَمَين؛ لأنني أكتب في الأساس لجمهور أفريقي، ولكن لكل مَن يحب القراءة أيضًا» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٢١ مايو ١٩٧٧م). روايتها الجديدة: «ساحات الوغى والحب: Champs de bataille et d’amour»، سوف تصدر في ضوء هذا الترتيب، عن دار نشر Présence Africaine في باريس، ودار Nouvelles Editions Ivoiriennes، وهو ما يعني «أنَّ السوق الأفريقية سوف تكون مكتفية، وكذلك السوق الأوروبية» (رسالة بالبريد الإلكتروني للمؤلِّف في ٢٦ فبراير ١٩٩٩م).
وعندما تفكِّر في قضية النشر بالنسبة للكاتب الأفريقي بشكلٍ عام تلاحظ «تادجو» أنها:
«عملية صعبة، والموهبة وحدها لا تكفي هنا، لا بدَّ من أن يكون لديك إصرارٌ وعزيمة، وقوة تحمل وشجاعة تواجهك مرتفعات ومنخفضات، ونجاحات وإخفاقات، ولكن إذا كنت مستعدًّا لأن تقاتل وإذا كنت مؤمنًا بنفسك، أعتقد أنه سيكون هناك مكان لكثير من الكُتَّاب، في عالَم النشر الأفريقي. أهم شيء هو تطوير السوق الأفريقية، لكي يصبح النشر الأفريقي مؤسسة جيدة.»
وتقول بالنسبة لكتاباتها:
«أكتب لأنني أريد أن أفهم العالَم الذي أعيش فيه، ولأنني أريد أن أتواصل وأتبادل تجربتي مع الآخرين عن معنى العيش في أفريقيا هذه الأيام. أستخدم عيني مثل الكاميرا، وأحاول أن أسجِّل كل شيء: من العواطف والمشاعر الخاصة، إلى الأزمات الكبرى، مثل الحروب والموت والإيدز.» عندما أُسأل عن رواياتي، وعمَّا تتناوله، أتنهَّد بعُمق، وأقول: إنَّها «عن الحياة»؛ لأنني لا أستطيع أن أشرح ذلك بطريقة أخرى. أنا مُهتمَّة بالحياة بكلِّ جوانبها، بالحياة ككل، وهذا هو سبب مقتي لإعطاء أسماء لشخصياتي. أريد أن يراهم القُرَّاء كائنات حية بداية، هذه الكائنات الحية، تواجهها تحدِّيات وصراعات، لا بدَّ من أن يتغلبوا عليها إذا كانوا يريدون الإبقاء على آدميتهم، في هذا الإطار غير المواتي، لمجتمع أفريقي يعيش أزمة.
(مقتبس من كتاب: Larson: “Under African Skies” p. 277)
إلينور سيزولو Elinor Sisulu – زيمبابوي؛ جنوب أفريقيا
«إليونور سيزولو» كاتبةُ أطفال من مواليد ١٩٥٨م في سالزبري — هراري — في روديسيا — زيمبابوي — عندما يسألها الأطفال اليوم، ما إذا كانت قد اختارت أن تكون كاتبة عندما كانت طفلة، تجيب قائلة:
«كانوا سيعتبرونني مجنونة تمامًا. كانت آفاقُ طفل أسود ينمو في روديسيا، في الستينيات محدودة جدًّا، والناجحون في مجتمعنا، كانوا إمَّا مدرسين أو ممرضات، أمَّا الذين كانوا يتطلعون بعيدًا، فكان يمكن أن يفكِّروا في أن يصبحوا محامين أو أطباء … لكن «كاتب»؟! أبدًا! كان ذلك شيء خارج تجربتنا تمامًا. أمَّا بالنسبة لكاتب أطفال، فقد كان ذلك شيئًا لم نسمع عنه.» (من رسالة إلى المؤلِّف بتاريخ ٩ أكتوبر ١٩٩٨م)
في المدرسة، ظهرت موهبة «سيزولو» في الكتابة، الأمر الذي جعلها تفكِّر في العمل بالصحافة فيما بعدُ، وبالرغم من ذلك، حذَّروها من أنَّ «الصحافة مهنة خطِرة وغير مضمونة»، ولذلك «تخلَّيت عن الفكرة إلى أن كبرت»، كانت الكُتب التي تقرؤها في طفولتها، «عن الريف الإنجليزي، وكانت رأسي مليئة برؤًى وتصورات عن الثلج والعفاريت والجنِّيَّات»، وكان كُتَّابُها المفضلون هم «تشارلز ديكنز Charles Dickens»، و«إينيد بليتون Enid Blyton»، و«ريشمال كرومتون Richmal Crompton»:
«في الأحيان القليلة، التي كنت أقرأ فيها عن أفريقيا، كان ذلك يأتي في سياق قصص عن المبشِّرين، والمستكشِفين، والغابات الغرائبية، وكانت كلها أشياء بعيدة عن واقعي. لم تكُن ثقافتي الخاصَّة، ولا مجتمَعي، منعكسة في الكلمة المطبوعة، ولعلَّ ذلك كان سببًا في أنَّ فكرة أنْ أُصبح كاتبة، كانت فكرة بعيدة في مجتمعنا. الكُتب كلها كانت تقدِّم عالمًا مختلفًا ومثيرًا ومدهشًا. لم يسبق أن حلمت بالكتابة عن تجاربي، أو عن تجارب مَن حولي، كُنت أعتقد أن حياتي دائمًا مُملَّة ودُنيوية.»
درست «سيزولو» اللغة الإنجليزية والتاريخ، وتعرفت على الأدب الأفريقي، في جامعة زيمبابوي في «هراري»، ابتداءً من سنة ١٩٧٦م، وبعد التخرُّج، عملَت في وزارة تخطيط القوى العاملة والتنمية، وفي سنة ١٩٨٥م حصلَت على إجازة من العمل، لدراسة الماجستير في التنمية، في معهد الدراسات الاجتماعية، في The Hagu— هولندا — وهناك تعرفت على الأيديولوجيا النسوية، وفي العام التالي، تزوَّجَت «ماكس سيزولو»، المنفي من جنوب أفريقيا، الذي كان يعمل لحساب African National Congress – ANC (المؤتمر الوطني الأفريقي)، وبعد ذلك بوقت قصير، انتقلا إلى «لوزاكا» زامبيا، حيث واصلا العمل لحساب ANC، واستطاعا الانتقال إلى جنوب أفريقيا في ١٩٩١م، بعد التغيرات السياسية والاجتماعية، في نهاية مرحلة «الأبارتايد».
في هذا الوقت تقريبًا، بدأت «سيزولو» تكتب مادَّة خيالية، أكثر من البحث الأكاديمي الذي كانت تنتجه، كما عملت لفترة قصيرة لحساب Speak، وهي مجلة نسوية في جنوب أفريقيا، تُعنَى بشئون الطبقة العاملة، والنساء القرويات. بعد ذلك، حصلت على منحة من «مؤسسة فورد»، لكي تكتب سيرة حياة مشتركة لأصهارها، القادة في جنوب أفريقيا (وولتر، وألبرتينا سيزولو)، وأخذَتْها المنحة إلى كلية «رادكليف»، لعدَّة أشهر سنة ١٩٩٣م، ولكن الحدث الأساسي، الذي جعلها تكتب أول كتاب للأطفال جاء نتيجة لأول انتخابات ديمقراطية في جنوب أفريقيا في أبريل ١٩٩٤م.
تقول «سيزولو»، إنَّها وهي طالبةٌ سنة ١٩٨٠م، كانت تراقب الانتخابات الديمقراطية في بلادها، وكانت تشعر بإثارة تلك المرحلة غير العادية، وهكذا، فإن انتخابات جنوب أفريقيا بعد ١٤ سنة، كانت هي المناسبة الثانية التي شهدت فيها صُنع التاريخ في بلادها. أما الحدث الذي ألهمها، فقد وقع عندما كانت تعمل في إحدى لجان التصويت: «جاء كهلٌ في ثياب رثَّة، للإدلاء بصوته في الانتخابات، في الصباح الأخير من أيام التصويت، ولأنَّ صورته على بطاقة الهوية كانت ممزَّقة، ولا يمكن التعرُّف منها على شخصيته، اعتبرت البطاقة غير صالحة. كان علينا أن نشرحَ له أنَّ الطريقة الوحيدة للإدلاء بصوته، هو أن يذهب للحصول على شهادة قيد مؤقتة من مكتب السجل المدني في وسط المدينة. آلَمنا أن نرى خيبة الأمل على وجهه، وهو يمضي منصرفًا، كُنَّا نتوقَّع أنه لن يعود، حيث لم يكُن هناك وسائل نقل إلى المدينة؛ لأنَّ يوم الانتخابات، كان عطلة، حتى لو تمكَّن من الذهاب إلى هناك، فإن طابور المنتظرين للحصول على شهادات مؤقتة، كان بطول كيلومترات. في الخامسة والنصف بعد الظهر، كان يأتي إلى اللجنة عدد قليل للإدلاء بأصواتهم، وكانت الغرفة خاليةً تقريبًا، وأعضاء اللجنة على وشك الانصراف. أخرجَت الضابطة المشرفة عُلبة الشوكولاتة، التي كانت قد أحضرتها كمكافأة، لصاحب آخِر صوت، وقبل إغلاق المركز بخمس دقائق، ظهر الرجل، وهو يلوح بشهادة القيد التي استخرجها، لقد استطاع أن يمشي الطريق كله، إلى وسط المدينة، وأن يقف في الطابور عِدة ساعات، ثم يمشي عِدة ساعات أخرى، عائدًا إلينا، قبل انتهاء الموعد بدقائق قليلة. كان من الصعب أن نصف أيُّنا كان أسعد من الآخر، صاحب الصوت، أم الضابطة المسئولة، وعُدنا للعمل، لكي نجعله يُدلي بصوته، وعندما فعل ذلك، قدَّمت له الضابطة عُلبة الشوكولاتة، بينما كان ضابط آخَر يلتقط صورة له، كنَّا نُصفِّق له، وهو سعيد لاحتفائنا — غير المتوقَّع — به. بالنسبة لنا، كان هذا الحدث، بمثابة رمز لروح العزيمة والإصرار، من قِبَل المصوِّتين، وكان مبرِّرًا للأيام الثلاثة، من العمل الصعب، في هذه اللجنة الصغيرة.»
من هذا الحدث، خرج كتاب «يوم أن ذهب جوجو للإدلاء بصوته» The Day Gogo Went to vote، ونُشر في الولايات المتحدة سنة ١٩٩٦م، وفي البداية طلبت إحدى الشركات التلفزيونية من «سيزولو»، أن تكتب وصفًا لما رأته في لجنة الانتخابات، وعَرَضت ما كتبته على صديق أمريكي زائر، وأخذ هذا الصديق بدوره نُسخة من تقريرها، قدَّمها لأحد المحررين في دار Little Brown، قبِلَت الدار الكتاب بسرعة، وعهدت به لأحد الرسَّامين، وصدرت منه طبعتان، أمريكية وإنجليزية؛ في ذلك العام، كان «يوم أن ذهب جوجو للإدلاء بصوته»، واحدًا من أهم كتب الأطفال، وحصل على جائزة أفضل كتاب للأطفال، من جمعية الدراسات الأفريقية، كما حصل على جائزة «جان آدمز» للكُتب التي تدعو للسلام والديمقراطية، ووصلت مبيعاته في الولايات المتحدة إلى ٢٢٠٠٠ نُسخة. في العام التالي، أصدرت دار Tafelberg Publishers، في جنوب أفريقيا، الكتاب مُترجَمًا بست لغات، هي «الزولو»، و«الهوسا»، و«السوثو»، و«السيبيدي»، و«التساونا»، و«الأفريكانز».
تقول «سيزولو»، إنها ككاتبة لأدب الأطفال، كان يشغلها انقراض تقليد الحكي الشفاهي في المجتمعات الأفريقية، «إذا لم نكتب قصصًا، ولم نحافظ عليها، عن طريق تقليد الحكي الشفاهي، فإنها سوف تختفي تمامًا، وسوف نفقد في هذه العملية جزءًا مهمًّا من تاريخنا»، كما تعترف بأنَّ تفكيرها في أطفالها، كان أحد أسباب رغبتها في الكتابة للطفل، «قرَّرتُ أن أكتب ذلك النوع من القصص، التي كان يجب أن أقرأَها عندما كُنت طفلة»، وهي تُعرِّف دورَها بأنه «الحفاظ على التاريخ». أمَّا عن قصة «يوم أن ذهب جوجو للإدلاء بصوته»، فتقول: «لقد تمكنت من التعبير عن مشاعري، عن الطريقة التي يُعَامَلُ بها الكبار، ويُقدَّرون في مجتمعنا، والاحتفاء بالعلاقة بين الأجداد والأحفاد، وأن أنقل جزءًا خاصًّا جدًّا من تاريخنا، إلى الأجيال القادمة.»
ليس غريبًا أن تعتنق «إلينور سيزولو» آراءً قوية، عن الحاجة لأدب الأطفال، في المجتمعات الأفريقية، ولكن إذا كانت الكتب «مرتفعة الثمن»، بحيث لا يقدر معظم الأفارقة على شرائها، فإن ثمن الكتب المصورة (التي تعترف بأن الأطفال يحتاجونها)، أكثر ارتفاعًا، وتخشى أن تُحجِم محلات بيع الكتب عن إحضارها، إذا كان ذلك يكلِّفها كثيرًا، وهكذا فإن نوعية الكتب الأكثر ملاءمة لغرس عادة القراءة في نفوس الأطفال، هي مشكلة أكبر من مشكلة كتب الكبار، كما أنَّ المدرسين الأفارقة، لا يشعرون بحاجة إلى الأعمال الخيالية، التي تُعتبر «قراءة إضافية». عدد كبير من المدرسين لا يقرءون كثيرًا، وبالتالي فهم لا يستخدمون أدب الأطفال في قاعات الدرس، ويميلون للتركيز على عملية القراءة والكتابة الميكانيكية، وليس على استخدام القصة كوسيلة للتعليم، كما أنَّ معظم المدرسين ليسوا — حتى — على وعي كامل بأنَّ هناك كمية كبيرة من أدب الأطفال الأصلي.
لكي تروِّج لأعمالِها، ولكي تعود إلى مسقط رأسها، حرصت «سيزولو» على حضور «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب» في هراري في أغسطس ١٩٩٨م، ورأت أنه سيكون من الجميل، أن تزور المدرسة الابتدائية، التي تعلمت فيها وهي طفلة، وأن تتحدث عن كتابتها، وعن عملها ككاتبة، ولكن خطتها فشلت؛ لأنها لم تكُن تتوقَّع كل تلك العقبات البيروقراطية، التي يمكن أن تحُول دون هذه الزيارة.
وفي الخامس من أغسطس، نقلت جريدة The Herald أن ناظر مدرسة «موفات» الابتدائية، أبلغها أنه «ليس مسموحًا لها بالالتقاء بتلاميذ المدرسة، إلَّا بموجب تصريح من وزارة التعليم والرياضة والثقافة» (منع طالبة سابقة من الالتقاء بالتلاميذ في مدرستها القديمة)، وتُعلِّق «سيزولو» على ذلك بقولها: «كل ما كنت أريده، هو أن أرى كيف يدرس التلاميذ، وربما إهداء بعض الكتب. لقد أصابني الذهول عندما أبلغني ناظر المدرسة، بضرورة الحصول على تصريح من مدير المنطقة، المؤكَّد أنَّ قُدامَى التلاميذ لا بدَّ من أن يُعامَلوا ببعض الاحترام.»
في الأسبوع نفسه، كانت «سيزولو» أقل مُجامَلة في ورشة الكتاب التي نظمها المعرض، عندما عبَّرت عن ملاحظاتها في عدد ٥ أغسطس من الجريدة نفسها، حيث بدأت مقالها هكذا «في إطار تنمية مجتمع أفريقيا الجنوبية، لا بدَّ من أن تعمل الحكومات على إدراج المزيد من الكتب التي ينشرها مؤلفون محليون، في المناهج الدراسية، بدلًا من كتب المؤلفين الأجانب المستوردة»، كان مقال «سيزولو» يحمل عنوان «أدخلوا الكتب في المناهج»، كما نُقِل عنها قولها: إن شُهرة «شيكسبير» في أفريقيا راجعة لحضوره في المناهج الدراسية، وإنَّه إذا كان هناك وجود لكُتَّاب أفريقيا، فإن شعبيتهم وشهرتهم سوف تزيد، وبعد أن قدَّمت أمثلة من مناطق أخرى من العالم، حيث تتوفَّر الكُتب، ويتم الترويج لها في الكنائس، وحتى في المناسبات الرياضية، كما كان من رأيها أيضًا، أنَّ «أصحاب الأسهم في صناعة الكتاب، لا بدَّ من أن يجدوا وسائل فعَّالة لتسويق الكتب، بدلًا من الأساليب القديمة.»
إيفون فيرا Yvonne Vera – زيمبابوي
عدد قليل من كُتَّاب أفريقيا جنوب الصحراء، هم الذين حققوا نجاحًا كبيرًا، في السنوات الأخيرة، وانهال عليهم المديح، كما حدث بالنسبة ﻟ «إيفون فيرا»، وذلك منذ أن نشرت كتابها الأول سنة ١٩٩٢م، وهو مجموعة قصص قصيرة بعنوان Why Don’t You Carve Other Animals، وقد صدر هذا الكتاب في كندا، حيث كانت «فيرا» قد بدأت تكتب، منذ أن كانت طالبة. كانت روايتها الأولى Nehanda (١٩٩٣م) قد كُتبت أيضًا في كندا، ولكنها صدرت في نشرٍ مُشترَك مع دار «باوباب بوكس» في زيمبابوي، وبذلك بدأت واحدة من أكثر العلاقات إثمارًا، بين الكاتب الأفريقي، وناشره، وبدون تلك العلاقة الحميمة بين «إيفون فيرا» ومحرِّرة أعمالها «إيرين ستونتن Irene Staunton»، ما كان لعمل «إيفون» أن يتحرك بمثل تلك السرعة، أو أن يحظى بقبول عالمي كبير، ولا أعرف علاقة أخرى بين كاتب ومحرر في أي دار نشر في القارَّة مثمرة ومفيدة للطرفين قدر هذه العلاقة.
«فيرا» من مواليد ١٩٦٤م في «بولاوايو Bulawayo»، واحدة من أكبر مدن زيمبابوي (روديسيا بعد ذلك)، كانت أمُّها مُدرِّسة وأبوها — بالمثل — على دراية بالفنون الاجتماعية، أي إنَّ حب الكُتب، كان موجودًا، قبل أن تذهب إلى المدرسة الابتدائية (كانت تقرأ وتكتب قبل أن تبدأ تعليمها الرسمي)، والأهم من ذلك أنها بدأت الكتابة وهي طفلة، تتذكر «فيرا»، أنها كانت تترك ملاحظات وقصائد لأمِّها عندما كانت مريضة، وفي المدرسة كان التلاميذ يعرفونها بالكاتبة. بعد انتهاء المرحلة الثانوية، أمضت إجازة في أوروبا، حيث استهوتها المعارض وقاعات الفنون في فلورنسا، على نحوٍ خاص، ثم قامت بعد ذلك، بزيارات للولايات المتحدة (نيويورك)، وكندا، وانتهى بها المطاف في «جامعة يورك» تورنتو، حيث درست الفنون الجميلة، مع التخصص في السينما. كانت دراستها كوزموبوليتانية، وبقيت في «يورك» فترة طويلة، للحصول على ثلاث درجات علمية، كانت آخرها الدكتوراه في الأدب.
كان كتاب «فيرا» الثالث Without a Name (١٩٩٤م) هو أول عمل تكتبه في زيمبابوي، أثناء وجودها في إجازة في الوطن، أمَّا موضوعه فهو الحرب الأهلية (وهو موضوع خلافي). الكتاب هو أول عمل، ينحو نحوًا أكثر قتامة، وينتهك التقليد، بتركيزه على اغتصاب امرأة شابَّة، كانت قد تركت الريف، وانتقلت إلى المدينة، وكانت الرواية والكتابان على القائمة المختصَرة لجائزة «كتاب الكومنولث»، في المنطقة الأفريقية، وهي الجائزة التي حصلت عليها «فيرا»، بعد ذلك بعامَين، عن روايتها الثالثة «تحت اللسان Under the Tongue» (١٩٩٦م)، في مراجعة نقدية، في مجلَّة Worldview، تصف الناقدة «نيلي تاكر Neely Tucker» بؤرة هذه الرواية، بأنها «اغتصاب، وسفاح قُربى، وقتل زوجة، وموت طفل صغير، إنَّها ليست مكانًا سعيدًا». ومثلما كان الأمر في الرواية السابقة، يلعب نضال البلاد الحديث، من أجل الاستقلال، دورًا مُهمًّا في النفوس المشطورة، للشخصيات الرئيسية. إلى جانب حصولها على أهم جائزة أدبية في وطنها — الجائزة الأدبية لاتحاد الناشرين في زيمبابوي — حصلت «فيرا» في العام التالي، كذلك، على الجائزة السويدية الأدبية «صوت أفريقيا»، عن كتابها «تحت اللسان» (فبراير ١٩٩٩م)، التي كانت تتضمَّن مكافأةً مالية قيمتها حوالي ١٢٦٠٠ دولار.
عندما حصلت «فيرا» على هذه الجائزة السويدية المحترمة، كانت قد نشرت روايتها الرابعة، الأكثر إتقانًا «احتراق فراشة Butterfly Burning» ١٩٩٨م وهي سردية مكثَّفة، شديدة الإيجاز، مُربكة لبعض القُرَّاء، وتتناول، مرَّة أخرى، موضوعًا جسورًا، من الأفضل أن يظل مسكوتًا عنه (أو تحت اللسان إذا كان لنا أن نستخدم إحدى استعارات الكاتبة)، في مجتمع زيمبابوي، وهو موضوع الإجهاض. ومثل أعمالها الأولى، هذا عمل مليء بالوحشية والألم اللذين يتعرض لهما الرجال والنساء، على السواء، بالرغم من أنَّ مسرح الأحداث، ليس معاصرًا، وإنما يعود إلى الأربعينيات، إلى «جيتو»، في «بولاوايو»، أثناء الحقبة الاستعمارية، عندما كان الأفارقة، يُعامَلون معاملة مَن يعيشون في مستوطنة للعقاب، وبهذه الرواية، والروايتين السابقتين، التي تمثل ثُلاثية غير تقليدية، تبدو «فيرا» داعية نسوية، معارضة للهيمنة الذكورية في بلادها. أوجه الشبه بين روايات «فيرا»، وروايات «توني موريسون Toni Morrison»، واضحة بشكل كبير، وعندما سألتها عن موضوعها المثير للجدل — الاغتصاب وسفاح القُربى والإجهاض — قالت:
«ما دامت النساء تعاني من الضغوط الاجتماعية، وكل صور الوصم الاجتماعي في زيمبابوي، وما دامت هناك تلك الانحرافات المتعددة في الاتصال الإنساني التي تؤثر عليهن بشكلٍ أساسي، ستظل كتاباتي تنتقد الضعف الاجتماعي في بلادنا، وضع المرأة في حاجة إلى إعادة نظر مع المزيد من الإصرار على التغيير، وهناك فهمٌ قاصر لمأساة المرأة أو رحلتها الخاصَّة في زيمبابوي، كما في أماكن أخرى. المتوقَّع أن تكون النساء حارسات هذا المجتمع، وضحاياه في الوقت نفسه، وهنَّ مستمرات في ذلك، رغم شعورهن بالحصار والإهمال. هناك جميلات أيضًا، وأنا أكتب عنهن، وعن طاقتنا المشتركة، رجالًا ونساءً، على تحمُّل كل ما خبرناه في زمن الاستعمار والآن، أتمنَّى أن تُبرِز رواياتنا أفضل خواصِّنا، وأن تُفجِّرَ طاقاتنا.» (من رسالة بالبريد الإلكتروني، ٢٣ يناير ١٩٩٩م)
هل تعتبر «فيرا» نفسها كاتبة نسوية؟ وما معنى أن تكون مُدافعًا عن النسوية، في زيمبابوي في أواخر القرن العشرين؟
«أعرف أنَّ النسوية مصطلح ملتبس، ولست متأكدةً من معناه إن أنا أجبت ﺑ «نعم»، إلَّا أنني بالتأكيد مهتمَّة بقضايا المرأة، ومتحمِّسة لها، وأكتب عن النساء كما تقول. هناك شكٌّ كبير، وخُرافات عن النسوية في زيمبابوي، هناك خوف، وفي النهاية فإن الموارد التي نُصارِع عليها، وخاصةً بالنسبة للملكية، هي موارد محدودة، إلَّا أنَّ الصراع في الحقيقة على ما هو أكثر من ذلك، نحن نصارع من أجل وجودنا كُله … وجودنا كبشر … نحاول أن نجد اهتمامًا بكل جوانب وجودنا، ومن المهم جدًّا، أن تبحث النساء عن هذا الحل، عبر أصواتهن المختلفة، ليس هناك رفض معوِّق أمام النساء الكاتبات في زيمبابوي، بل ربما يكون هناك احتفاء بهن، ربما تكون المرأة قد جاءت متأخرة إلى المشهد، وأضافت إلى التنوُّع في أدب بلادنا.»
في ردٍّ سابق على استطلاع الرأي الذي أرسلْتُه إليها، كانت «فيرا» سعيدة وهي تشير إلى أنها كانت تتلقَّى رسائل أكثر وأسئلة أكثر من الرجال في بلادها عمَّا تتلقاه من النساء.
لا يوجد كاتب آخر من الجيل الحالي يمكن أن يُقال عنه إنَّه قد بلغ ما بلغته «إيفون» من النجاح الأدبي، رغم أنَّ «بن أوكري» — من الجيل السابق — هو الأقرب إليها بسبب ذلك العدد الهائل من الجوائز، إلَّا أنَّ الفارق بين الاثنين، على أية حال، هو أنَّ «فيرا» قرَّرت أن تترك كندا — حيث كانت قد وجدت مكانها، في وظيفة أكاديمية مريحة، إن لم تكُن مفيدة ماديًّا — لكي تعود إلى الوطن، والوطن في هذه الحالة هو كلٌّ من بولاوايو وزيمبابوي. بعد أن ظهرت كُتبُها الأولى في طبعات كندية، شعرت «فيرا» أن جمهور قُرَّائها، لم يكُن حيث ينبغي أن يكون، «كنت في حاجة إلى العودة إلى الوطن»، وفي مقابلة مع «إيشي مافاندكوا Ish Mafundikwa» لمجلة Skyhost في سنة ١٩٩٧م، تقول: «لم أكن أريد أن أترجم، كنت أريد أن يسمعونني؛ فأنا أرى أنَّ هذه المباشرة أمر شديد الأهمية بالنسبة لي». وعندما سُئلَت عن قرارها بالعودة إلى «بولاوايو»، أجابت بأسلوب غنائي: «لقد وُلدتُ ونشأتُ في «بولاوايو»، وهي المدينة الثانية في زيمبابوي. كل واحد هنا يشعر بهوية هامشية، وبالتالي، بحب قوي لأن يكون هنا. الناس في «بولاوايو» كانوا دائمًا يشكِّلون هويَّاتهم حول مفهوم أن يكونوا طرفيين، كأن يكونوا مضروبين بالجفاف مثلًا، وفي أوقات مختلفة هم، سياسيًّا، مواطنون من الدرجة الثانية. المشهد الطبيعي متميز وفريد، مشرع وممتد على مسافات طويلة، شجيرات الأشواك منتشرة في كل مكان من هذه الأراضي الفقيرة، وكذلك كثبان الرمل، السماء منخفضة تستطيع أن تلعقها بلسانك، شديدة الزرقة في الشتاء. لم أفقد أبدًا دقات قلبها طوال وجودي في كندا، ولم أكن أبدًا كاملة. كنت أشعر أنَّني على سفر، في حالة انتقال، وبأنني أكثر هامشيةً هناك، رغم أنَّ كندا مكان جميل وهادئ. صحيح أنني لم أكن لأستطيع أن أجد مهنتي، دون أن أقيم هناك، وأخيرًا قررت أن أكون أنا. أن أتوقف عن الترحال والانتقال تحت سماء أخرى، لقد أحببت «بولاوايو» دائمًا. وبشكل تام، الجو جميل طوال العام، ودرجة الحرارة شديدة الارتفاع في أكتوبر، كنت أفتقد وطني، وأعرف أنَّ العودة ضرورية. قد تفشل، وقد يكون عليَّ أن أرحل مرَّة أخرى إلى أرضٍ أخرى. لم أكُن أريد أبدًا أن أكون كاتبة في المنفى، أتمنى ألَّا أكون مضطرة ذات يوم لاتخاذ قرار بمغادرة زيمبابوي، لأي سبب من الأسباب. أتمنى أن أبقى في هذه المدينة الصغيرة، ذات الإيقاع الهادئ.» (رسالة بالبريد الإلكتروني في ٢٣ يناير ١٩٩٩م)
في سنة ١٩٩٨م عُيِّنت مديرًا لقاعة الفنون الوطنية في «بولاوايو»، وكانت وظيفة طول الوقت جعلتها على صلة مستمرة بالفنانين الآخرين، أمَّا واجباتها فكانت محدَّدة:
«التأكد من انتظام العمل في قاعة الفنون الوطنية، لعرض أفضل منتجاتنا الفنية البصرية، عبر الوسائط المختلفة، ولتسهيل مهام الفنانين، وتنمية الفنون في المنطقة، وتوفير التدريب والتعليم لهم، كلما أمكن.»
ومن مهام عملي كذلك، المحافظة على الأعمال الفنية في المنطقة، بالاحتفاظ بنماذج تمثيلية في الأرشيف، وعادةً نحن نقدِّم أنفسنا كمركز للنشاط الثقافي، فننظِّم الاحتفاليات، ليس في مجال الفنون البصرية فحسب، وإنَّما في كل فنون الأداء، كما نقدِّم سلسلة من المحاضرات، ونستضيف معارض للكتب، لتكون في خدمة المترددين على القاعة.
ما معنى أن تكون كاتبًا يحقِّق مبيعات كبيرة في زيمبابوي؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدَّ من العودة إلى محررة أعمال «إيفون فيرا»، في دار نشر «باوباب»، وهي «إيرين ستونتن»، عندما سألتها عن الكتاب الناجح في زيمبابوي من منظور البيع، قالت: إنَّه الكتاب الذي يبيع ثمانمائة، أو تسعمائة نُسخة تقريبًا، معنى ذلك أنه لن يُصبح أي كاتب غنيًّا، بالرغم من بيع حق النشر الأجنبي أحيانًا. بالإضافة إلى الطبعات الكندية، فإن دار النشر الأمريكية Farrar, Straus & Giroux بدأت تنشر روايات «فيرا» سنة ٢٠٠٠م، كما كانت هناك ترجمة لعناوين كثيرة، بالرغم من أنَّ ذلك لا يحقق سوى عدد قليل من الدولارات، تقسم بنسبة ٥٠٪ مع «باوباب بوكس Baobab Books».
كيف، إذَن، ترى «إيفون فيرا» نفسها ككاتبة، حتى من ناحية السن، وهي ما زالت في مرحلة باكرة من عملها؟ لقد نجحت في تلافي كثير من المشكلات، التي واجهها كُتَّاب أفارقة آخَرون من جيلها، وكان من حُسن حظها، أن وجدت مُحرِّرًا متعاطفًا وراعيًا في «باوباب بوكس»، كما كان من حُسن حظها أيضًا، أنها استطاعت أن تكرِّس وقتًا لعملها الإبداعي، بالرغم من وظيفتها التي كانت تستغرق كل الوقت في قاعة العرض الوطنية في «بولاوايو». «وظيفة الكاتب هي أن يكتب، أن يحكي القصة بطريقة مُقنعة، أن يصنع عالَمًا، ويكتب بفصاحة وفنِّية تجعل العمل يظهر أصيلًا في تصوره، وممتازًا في تنفيذه، هذا هو التحدِّي، وهو المعيار الذي يجب أن يكون أمام الكاتب» (من رسالة بالبريد الإلكتروني للمؤلِّف في ٣٠ سبتمبر ١٩٩٨م)، كما قالت ﻟ «إيش مافندكوا»: «ليس لديَّ خيار، عليَّ أن أكتُب لكي أشارك، لكي أحرر خيالي، كل ما يشغلني هو أن أتطور في ذلك وكيف؟»
أعمال هؤلاء الكُتَّاب الخمسة مختلفة، وإن كان يجمع بينها بعض السمات المشتركة، أصغرهم «إيفون فيرا» (من مواليد ١٩٦٤م)، هي الأكثر نجاحًا في الحصول على دعم مستمر من ناشرها، ومن المجتمع الأدبي. لم يكُن عليها أن توجِّه جزءًا كبيرًا من طاقتها للبحث عن الناشر التالي لِكُتبها، مثل «فيرونيك تادجو». وبالرغم من أنَّ علاقتها كانت محدودةً — بدرجة ما — بزيمبابوي، أو بالقارَّة نفسها. كان من حظ «فيرا»، أن تكون لديها دائرة صغيرة من القُرَّاء الذين رحَّبوا بأعمالها عند نشرها. كانت في الحقيقة تستطيع أن تكتب لشعبها، ولا شك في أنَّ ذلك هو حلم كل كاتب أفريقي. صحيح أنَّ بعض قُرَّائها الأفريقيين قد يجدون رواياتها صعبة، إلَّا أنَّ الواضح، أنها قد أقامت مع هؤلاء القُرَّاء، ومع عالَم الأدب نفسه علاقة مريحة.
«فيرا»، تشترك مع الآخرين في تعليمها الكوزموبوليتاني، بما في ذلك الدرجات العلمية المتقدِّمة، وهو ما ينطبق كذلك على كثير من كُتَّاب أفريقيا، ومنذ أن بدأ شُعراء الزنوجة Négritude الكتابة، في أوائل الثلاثينيات، وحده «تيوتولا Tutuola»، الذي قدَّمناه في الفصل الأول، هو الحاصل على تعليم مختلف عن بقية الكُتَّاب، الذين نتناولهم هنا، بالرغم من أنَّ تعليم «أشيبي Achebe» كان كله في داخل حدود الوطن. «تادجو Tadjo» مولودة في باريس. «فيرا Vera» بدأت الكتابة وهي طالبة في كندا. «سيزولو Sisulu» بدأت الكتابة بشكل احترافي في أوروبا. «إكوينسي Ekwensi» أكمل دراسته في لندن. «كوردر Cordor» ربما لم يكن ليغادر مسقط رأسه، ويستكمل دراسته في الولايات المتحدة، لو أنَّ ليبيريا كانت مستقرَّة سياسيًّا. «كوردر» أيضًا، هو الكاتب الذي واجه أقسى الصعوبات، ليحقِّق النجاح في كتابته، وسواء أكان ذلك للأحسن أم للأسوأ، فإن الاستعمار البريطاني والفرنسي — وخاصةً المستوى العالي لأنظمتهم التعليمية — كانا هما الأرجح لتهيئة مناخ، يمكن أن يبدأ الأفريقي الكتابة فيه أكثر من حالة ليبيريا التي لم يكن بها أي إرث استعماري. لم تكن الولايات المتحدة مهتمة بليبيريا، وبما أنَّ التعليم كان مُهمًّا في المستعمرات البريطانية والفرنسية — إن لم يكن لخلق الهياكل الضرورية لقيام خدمة مدنية — فقد أُنشئت دور نشر محلية في النهاية في تلك المناطق، ولعل معظمها كان بغرض خدمة سوق الكتب الدراسية. رحلة «فيرونيك تادجو» مع النشر، ربما تكون أشبه بالمشي على حبل مشدود، إلَّا أنها تبدو كمَن حققت هدفَها، في نشر أعمالها، في كلٍّ من فرنسا وساحل العاج في الوقت نفسه، وهو ما يمكن أن يُقال عن عدد قليل من كُتَّاب القارة الآخرين.
حرص «تادجو» على أن تكون كتبها متاحة للقارئ الأفريقي، وعلى أن يقرأها شعبها، هذا الحرص يقترب من الإلحاح، الذي يعبِّر عنه كُتَّاب القارة، في العقد الأخير، كما أنَّ الجزء الأكبر من قلق «كوردر» أثناء سنوات المنفى يمكن أن نقول إنَّه كان نتيجة واقع صارخ، كونه مقطوعًا عن شعبه، وأنهم لا يقرءونه. «إلينور سيزولو» تعبِّر عن وضع أكثر تفاؤلًا من ذلك الإلحاح، بتأكيدها الحاجة إلى أدب خيالي للأطفال الأفارقة، وخاصةً إذا كانت هذه الكتابة متجذِّرة في التاريخ، على ضوء تقلُّص تقليد الحكي، في كثير من المجتمعات الأفريقية. «فيرا»، لم تعُد جسديًّا إلى جذورها فحسب، بل إنها بدأت تكتب عن مسقط رأسها «بولاوايو»، بعد أن كانت قد كتبت عدة أعمال أولى. شهرة «إكوينسي» كانت عالمية، إلَّا أنَّ عائداته كانت لا شيء تقريبًا، وذلك لأنه — كما يقول — قرَّر البقاء في الوطن الأم.
هذه الحاجة للإبقاء على الصلة، والارتباط بالثقافة الخاصَّة، وبالشَّعب، تبدو نوعًا من فكرة مهيمنة، سواءً في ردود الكُتَّاب على استطلاع الرأي، أو في أماكن أخرى كثيرة، حيث يتحدَّثون عن أعمالهم. عندما يتذكَّر «جلبرت دو Gilbert Doho»٦ السنوات الأولى، عندما بدأ يكتب، يصف حياته في المدرسة الثانوية مزدوجة اللغة، في خليج فيكتوريا، كان من المفترَض أن تكون «رحلة» الطالب روحانية، ولكنَّه في هذه المدرسة اكتشف رغبته في أن يُصبح كاتبًا؛ لأن كل الكُتَّاب الذين عرفهم أثناء الدراسة، كانوا أوروبيين.
«منذ ذلك الحين وأنا أكتب، بهدف ترسيخ كل شيء في الكاميرون، كنت أحلم بدور نشر، ينتقل منها الإنتاج الأدبي بسهولة، من الكاميرون إلى المناطق الأخرى. كنت أريد أن تُنشر أعمال في الكاميرون، في المقام الأول، وأن يجيء الآخرون إلى هنا، ويبحثوا عن إنتاجنا. ربما يكون هذا التصور الوطني للكتب، هو الذي أسهم في تكويني، ويظل هو صليبي الذي أحمله ككاتب. أعتقد أنه إذا كان هناك فخرٌ في أن تكون مقروءًا، فإن هذا الشعور يتضاعف، عندما تكون المادَّة مغروسةً في تُربتِنا. الشُّهرة التي تأتي من الخارج، طعمُها حامض.» (من رسالة للمؤلِّف في ١٥ يوليو ١٩٩٧م)
«دو» شخص وطني يؤرِّقه سؤال وجود أدب حقيقي لبلاده، إذا كان الكاتب يعتمد على ناشرين ومحررين في فرنسا، ومن هنا، يرى ضرورة لأن يكافح أبناء بلده، ليس من أجل إنتاج أعمال ذات مضامين جيدة فحسب، وإنما من أجل أسلوب هذا الإنتاج نفسه، وهو يعتقد أنَّ الكُتَّاب الكاميرونيين المشاهير، مثل «مونجو بيتي Mongo Beti»، و«فرديناند أويونو Ferdinand Oyono»، و«كاليكستي بيالا – Calixte Beyala» مؤخَّرًا، قد أضروا بالكتابة الكاميرونية، أكثر مما أفادوها، ويضيف ساخرًا: أنهم لو لم ينشروا في الخارج، لما عرفهم أحدٌ بالمرَّة. ولكن «القرار الصريح بالنشر في الخارج، أوقف عملية النشر في داخل الكاميرون، وبالتالي أسهم في نمو ظاهرة «الكاتب غير المرئي»، وهناك في الكاميرون ألوف الكُتَّاب الذين لا يعرفهم أحد.»
بعد تعرُّضه للمعاملة المهينة من قِبَل الناشرين الفرنسيين، والكاميرونيين — بما في ذلك دار نشر فرنسية، وقبولها لمجموعة من أشعاره، ثم رفضها بعد ذلك، دون تفسير — يتوصل «دو Doho»، إلى أنَّ الحل الوحيد هو إنشاء جمعية تعاونية أدبية: يشترك فيها عشرة كُتَّاب مثلًا، يُسهم كلٌّ منهم بمبلغ خمسين جنيهًا، ليصل المبلغ الإجمالي إلى خمسمائة جنيه في الشهر، وبعد قراءة ونقد بنَّاء للكاتب الذي يتم اختياره شهريًّا، من بين المجموعة، تُطبع مخطوطته بعد تحريرها، وهكذا يصبح للمجموعة، وللكاتب إنتاج يحمل رقم إيداع، يوزَّع محليًّا وعالميًّا، وهكذا استطعنا أن نبقى (ككُتَّاب)، في إطار القمع الذي يُسيطِر عليه بعض الناشرين وبعض الكُتَّاب.
مرَّة أخرى، يبرز الواقع الاقتصادي، باعتباره أحد العوامل التي تقوِّض مثل هذه الأفكار والخطط. رواتب الجامعة في الكاميرون، تم تخفيضها بنسبة كبيرة نتيجة التضخم، لدرجة أنَّ العدد القليل من الأكاديميين الذين يحصلون على رواتب أفضل من غيرهم، لا يُمكنهم المشاركة في الجمعية التعاونية، ولذا يرى «دو»، أنَّ الكاتب — نفسه — عليه أن يجوع، إذا كان يريد أن يرى كتابه مطبوعًا!
وجد «دو Doho» وغيره من الأفارقة أنفسهم في دائرة مُغلقة، لو أنهم نشروا في الخارج، فإن المحررين الذين لا يفهمون ثقافاتهم، قد يحاولون التدخل فيما يقولونه (ناهيك عن التدخل في طريقة قول ذلك)، كما أنَّ كتبَهم لن يقرأَها أبناء وطنهم. يُضاف إلى ذلك أنَّ النشرَ المحلي له مشاكله وعيوبه الأخرى (الإرشاد التحريري محدود، والإنتاج ضئيل، والتوزيع هزيل)؛ فمن الأفضل أن ينشروا في الخارج، ليكونوا معروفين هناك على الأقل، أو ينشروا في الداخل، مع احتمال أن يظلُّوا مجهولين، إلَّا لنُخبة غنية تستطيع أن تقرأهم، فكيف يُمكن للكاتب إذَن، أن يُلبِّي حاجة جمهورين مختلفين؟
بالرغم مما قاله لي بعضُ طُلابي، الذين أُدرِّس لهم الكتابة الإبداعية، وهو أنهم يكتبون لأنفسهم، في تقديري، أنَّ الكاتب إنما يكتب، لكي يقرأه الآخرون، وأعتقد، أنَّ مُعظم الكُتَّاب، يريدون أن يكونوا مقروئين (أو يتوقعون ذلك على الأقل) بواسطة شعوبهم، أي بواسطة مَن يكتبون عنهم. هؤلاء الكُتَّاب، الذين تناولنا أعمالَهم في هذا الفصل، يؤكِّدون أنَّ الفنَّ مغروس في ثقافة الكاتِب المحدَّدة، وفي زمنه ومكانه، وذلك بالرغم مما نعتبره دائمًا «عالمية»، أو «عمومية» لا تعرف الزمن. قبل سنوات كتبَت «فرجينيا وولف Virginia Woolf» عن مأزقها في إطار مختلف نوعًا ما، عندما خرجت على المألوف وكتبت شيئًا جديدًا ومختلفًا، شيئًا حديثًا، وفي كتابها «الأدب الروائي الحديث» نقرأ:
«… لذلك إذا كان الكاتب حُرًّا وليس عبدًا، إذا استطاع أن يكتب ما اختار، وليس ما يجب، لو استطاع أن يؤسس عملَه على مشاعره، وليس على المألوف والسائد، فلن تكون هناك حبكة، لا كوميديا، لا مأساة، لا رغبة في الحُب، ولا كارثة في الأسلوب المقبول، وربما لن يكون هناك زر في مكانه، كما قد يضعه ترزية بوند ستريت.» (p. 106)
الكُتَّاب الأفارقة ليسوا مختلفين عن غيرهم من الكُتَّاب في العالَم في أي شيء، لديهم الأهداف، والطموحات، والأفكار نفسها، ولنتأمَّل هذه الشهادات:
«أحب اللغة والشكل.» (إيفون فيرا، رسالة بالبريد الإلكتروني في ٣ أكتوبر ١٩٩٨م).
«أكتب لأنَّني أحاول أن أُثبت للآخرين، أنني أستطيع أن أفعل ذلك، على نحو جيد مثل غيري.» (نور الدين فرح، لماذا أكتب؟ ١٩٨٨م)
«هدفي ككاتب، هو أنني أريدهم أن يتذكَّرونني، بعد أن أموت.» (جيكو إيكيمي، رسالة للمؤلف في ١٢ أغسطس ١٩٩٧م)
«هدفي ككاتب، هو أن أُعلِّم، وأُسلِّي، وأُحرِّك الجنس البشري.» (كيبوما لانجميا، رسالة المؤلف في ٢٦ يونيو ١٩٩٧م)
«أريد أن أشارك قُرَّائي في حب الحياة … أريد أن أستكشف العقل، وأرى إلى أي مدى يمكن أن يصل بي الخيال؟ أريد أن يستمتع الناس بما أكتب، على ألَّا يعتقدوا أنني أتصوَّر الحياة، رحلة واحدة سعيدة. الحياة قد تكون جحيمًا نعيشه، أريدهم أن يتقبَّلوا ذلك … جنبًا إلى جنب الحب والقُبُلات، أريد أن تدعنا حكوماتُنا نستكشف حدود الخيال.» (رسالة للمؤلِّف من «وليم سعيدي» في ٢٤ أبريل ١٩٩٧م)
«هدفي ككاتبٍ هو أن أقلل الرديء، وأزيد الجيد.» (ف. أودم بالوجم، رسالة للمؤلِّف في ١٢ أغسطس ١٩٩٧م)
«هدفي ككاتب، أولًا وأخيرًا، هو أن أقوم بتوصيل فكرة أو إحساس لديَّ، أرى أنه قد يكون مُهمًّا للآخرين.» (جار أجايا، رسالة للمؤلِّف في أكتوبر ١٩٩٧م)
«بهجة الكتابة بالنسبة لي في أن أُغيِّر، أن أضيف، أن أُثري اللغة.» (لينري بيترز، رسالة للمؤلِّف في ٢٤ أكتوبر ١٩٩٧م)
«لديَّ إيمان بالشِّعر، ككلمات ناطقة، كلمات ممسوسة، كلمات تحرِّك الأشياء، مُحصنة ضد الاتهام بالتجاوز، الشِّعر عندي يمكن أن ينقِّب عميقًا في مصادر التاريخ، ويوقظ الصور النائمة. يُعطي الماضي حياة في الحاضر، يُمَكِّننا من العودة إلى مدرسة الموتى، فنزور هياكلهم العظمية القلقة، ونتعلَّم من أصواتهم الخرساء.» (تيجان م. صلاح – Network ٢٠٠٠م، ١٩٩٧م)
منذ أن بدءوا النشر تقريبًا، غرس الكُتَّاب الأفارقة أعمالهم بعمق في ثقافتهم المحلية، وربما كان على «شينوا أشيبي Chinna Achebe»، أن يقوم في «الأشياء تتداعى» بشرح المزيد من تعبيرات شعبه وممارساته أكثر مما لو كان حُرًّا في أن يكتب ما يريد، ولكن هذه الإشارات السريعة، والتعليقات الخاطفة، على ثقافة «الإيبو» التقليدية، تعني أنَّ كتابَه كان مفهومًا، سواءً لشعبه أو للآخَرين، خارج قبيلته وبلده وقارَّته، تعليم قُرَّائه من «الإيبو»، عن عالمهم سريع التغيُّر، لم يكن أقل أهمية، من تعليم قُرَّائه الآخرين، عن ثقافة نيجيرية معيَّنة، كانت تفقد تقاليدها بسرعة، أكثر مما تكسب من تقاليد جديدة. «آموس تيوتولا Amos Tutuola» الذي لم يتوقف طويلًا عند المفاهيم الأكاديمية للرواية، وما يمكن أن تفعله، (وبالتالي كان أكثر حُرية من غيره من الكُتَّاب، لكي يكتب ما يريد)، قفز بجسارة إلى السوق الأدبية الغربية، لكي تفعل به ما تشاء. شاعر الزنوجة «ليوبولد سيدار سنجور: Léopold Sedar Senghor»، يتصور في واحدة من قصائده الشهيرة (صلاة للأقنعة)، يتصور علاقة جديدة بين أفريقيا والغرب، لم يعُد فيها الطرف الأول (أفريقيا) مجرَّد مُتلقٍّ، وإنما يقدِّم «الخميرة التي يحتاجها الطحين الأبيض»، وبالرغم من ذلك، يُعلن أنَّ الأفارقة ما زالوا مرتبطين ببيئتهم المباشرة. «إنَّهم يسموننا بالرءوس القطنية، رجال القهوة، المداهنين، يسموننا رجال الموت، لكننا رجال الرقصة الذين تكتسب أرجلهم القوة، عندما تدق الأرض الصُّلبة» (Moore and Beier [eds], The Penguin Book of Modern African Poetry, p. 233).
قائمة الأمثلة هذه، يمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية، ولكن يكفي إضافة مثالين لكُتَّاب ما زالوا في المراحل الباكرة. «جيكو إيكيمي Jekwu Ikeme» شاعر نيجيري، حصل على أكثر من نصيبه من «الفشل المتكرر في أن يكون صوتي مسموعًا، وعملي مقروءًا، وأحلامي مُعاشة» (رسالة المؤلِّف في ١٢ أغسطس ١٩٩٧م)، وبالرغم من ذلك، نجده يعبِّر عن المشاعر العامة لأقرانه، في القارَّة كلها، إلى جانب تفاؤل عنيد، وإصرار على النجاح: «أكتب لكي أنقل معلومات، لكي أُعلِّم، لكي أُشارك، وأتبادل الرأي، وبذلك، أُسهم في عملية إعادة تعريف اكتشاف الذات، فَنِّي موجَّه للاحتفاء بتراثنا الثقافي وتأكيده، ومن خلال أعمالي، أقوم بتأكيد المطلب الإنساني بالكرامة، والعدل، والسعادة؛ فأنا واحد ممن يؤمنون بمسئولية الكاتب تجاه وطنه، الكاتب هو الرائي والمعلم، وهو ضمير المجتمع، وهو الذي يحدد المهمة، والهدف، هنا يوجد البُعد الأسمى للفن.»
أو بكلمات «سيجون ديوروواي Segun Durowaiye»، الكاتب النيجيري الذي نشر قصصًا قصيرةً في الصحافة المحلية: «في عالَم لا يوجد فيه نقود لشراء الأشياء الجميلة في الحياة، في عالَم يسود فيه الفقر، كما هو الحال في أفريقيا، فإن القِلَّة المتعلمة، وشبه المتعلمة، في حاجة إلى قصص إبداعية خلَّاقة، تجعلهم يشعرون بالسعادة، في زمن الحزن والكرب، إنَّهم في حاجة إلى شيء من السلوى … لشيء يُنعش أرواحَهم.» (رسالة المؤلِّف في ٢٦ أغسطس ١٩٩٧م)
١
أشيبي نفسه كتب ونشر كُتبًا للأطفال لاقت نجاحًا كبيرًا في السوق النيجيرية.
٢
عن كتاب: (Rosemary George: “The Politics of Homa”, 1996, p. 119).
٣
Prix de l’Agence de coopération Culturelle et Technique.
٤
الشاعر النيجيري «نيي أوساندار Niyi Osundare» مرَّ بمثل هذه التجربة السيئة عندما نُشرت مجموعته الشعرية وكأنها كتابة نثرية لحل مشكلة المساحة، فتداخلت القصائد وفقدت معالمها.
٥
كان هناك رد فعل أكثر عُنفًا على ما كتبته عن الأدب الأفريقي من «آي كوي آرمه» الذي اتهمني ﺑ «اللارسونية» (Larsony, or Fiction as Criticism of Fiction).
٦
روائي وكاتب دراما من الكاميرون يكتب بالفرنسية.
محنة الكاتب الأفريقي |
الفصل الرابع الناشر الأفريقي – النشر الأفريقي
«نوعية الكتب التي ننشرها واحدة من أهم المشكلات التي تواجه الناشرين الأفارقة المستقلين، وبالرغم من أنَّ هذه النوعية تتحسَّن، فإن ذلك لا يتم على نحوٍ مُرضٍ … لا يوجد اهتمام بتصميم أغلفة جذَّابة، كما أنَّ التحرير، وقراءة البروفات، وعمل الفهارس … كل ذلك، يتم دون حماسة. الاختيار يقع على عروض الطباعة الأقل سعرًا، حتى وإن كانت رديئة المستوى، وذلك بهدف التوفير، بالإضافة إلى أنَّ المطابع الكبرى، التي تمر بظروفٍ اقتصادية بالغة السوء، تعمل باستمرار على خفض التكلفة، وبذلك تأتي النتائج دائمًا شديدة الرداءة.»
«وولتر بجويا Walter Bgoya»، نقلًا عن Zell
“The Production and Marketing of African Books”, Logos, 1998
«الكتب المدرسية، مليئة بالأخطاء الهجائية، وأخطاء اللغة منذ الصفحات الأولى، وعلى الكعب، وفي التعريف بالكتاب، على الغلاف الخلفي. التصميم سيئ، والصور غير واضحة، ومستوى الطباعة والتجليد رديء، ومستوى الحبر ليس واحدًا، والصفحات مرتبكة، وأحيانًا ملطَّخة …»
Henry chakava عن: Zell, op. cit
ربما لا يكون دخول عدد كبير من محلات بيع الكتب، في مناطق كثيرة من القارة الأفريقية لحظة ممتعة، المحلات معظمها كئيب، وطارد، ومكون من غرفة واحدة، وهي غالبًا رديئة، وسيئة الإضاءة. معظم الكتب الموجودة على الأرفف، هي كتب المناهج الدراسية، المقررة على المراحل الابتدائية، انتهاءً بالمرحلة الثانوية. في السنوات الأخيرة أصبح معظم هذه الكتب، يُطبع في أفريقيا، الأغلفة — دائمًا — من لونين، مع تخصيص المساحة الأكبر للكتابة، وليس للرسوم، أو الصور. معظم الكتب الأخرى في المحلات كتابات دينية (حيث إنَّ معظم المدارس في أفريقيا بدأت على أيدي البعثات التبشيرية)، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأناجيل، ويوجد عادةً مجموعات صغيرة من الكتب الإرشادية، معظمها خاص بالتجارة، الأرفف عادةً مُكدَّسة بكتب متهرِّأة، وأغلفة بالية متلفة، مما يدل على ركود حركة البيع. جزء كبير من الأرفف مخصص للمواد المكتبية الخاصَّة بالمدارس والمكاتب، إلى جانب أدوات فنية قليلة، وجزء آخر مخصص للصحف والمجلات المحلية، التي تجد بينها أحيانًا بعض أعداد صحف أجنبية، مثل «تيم»، و«أيكونوميست»، وأخرى عن المرأة، أو السينما، وهي في غالب الأحيان قديمة.
محلات بيع الكتب في المدن الكبيرة، أفضل حالًا إلى حدٍّ ما؛ فقد تجد بها رفًّا أو اثنين للكُتَّاب الأفارقة، سواء كانت كُتبًا محلية، أو مستوردة، مثل سلسلة «هينمان» المكرَّسة لذلك، كما يمكن أن نجد بعض الكتب الأوروبية والأمريكية الأكثر مبيعًا، ذات الأغلفة الورقية، أو المقوَّاة (روائية وغير روائية)، وكذلك بعض كتب الأطفال المستوردة، غالية الثمن، وخاصةً تلك التي حققت مبيعات مرتفعة في الغرب، مثل كتب «هارولد روبنز Harold Robins»، و«جاكلين سوزان Jacqueline Susann»، و«إيرفنج والاس Irving Wallace»، وحديثًا، كُتب «ستيفن كنج Stephen King»، وهي كُتب لا يستطيع شراءها سوى الأغنياء؛ فما زالت ماثلة في ذهني صورة تلك السيدة الأفريقية التي شاهدتها في أحد المطارات، تلفُّ نفسها بعباءة لا يظهر منها سوى عينيها، ممسكة في يدها إحدى روايات «جاكي كولنز Jackie Collins» المثيرة. كُتب الإثارة الأمريكية، منتشرة في كل مكان، وبهذه الكتب وغيرها من كُتب الجنس تقدِّم الولايات المتحدة النموذج؛ فلماذا لا يقرأ الأفارقة أيضًا هذه «القِمامة» التي يقرؤها الأمريكيون؟!
معرض زيمبابوي الدولي للكتاب
ليس غريبًا أن يحقق «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب» نجاحًا باهرًا، في السنوات الأخيرة؛ فوجود محلَّات كبيرة في أرجاء القارَّة، تحتاج إلى الإبداعات الرئيسية، ووجود ناشرين وكُتَّاب يرغبون في التغيير، يجعل هناك دائمًا مجالًا للتحسُّن، ويتمنَّى المرء أن يؤدي هذا النجاح السنوي للمعرض والجو الذي يشيعه إلى تحسين وتطوير النشر في أفريقيا، هذا المعرض السنوي، الذي يتم تنظيمه خارج حديقة المنحوتات، خلف قاعة الفنون الوطنية في «هراري»، ينبض بالإثارة والدهشة. تمتلئ الشوارع المحيطة بالمكان بالموسيقيين والفنانين الاستعراضيين، أطفال المدارس يشاركون في الفعاليات (بالرسم، والنسج، والتصوير، وتمثيل الأعمال الأدبية)، الخيام الموزَّعة بين الأشجار والتماثيل، تعرض أعمال الناشرين والوكالات الدولية، وخارج الحديقة الشاسعة، يصطف الناس للدخول، كما تراهم متجمعين حول محلات الأطعمة والبضائع، التي تجدها عادةً في أية مدينة أفريقية، وهنا يبدو باعة الشوارع جزءًا لا يتجزأ من الهدف الكُلي للمعرض، وهو أن يكون متعة للعقل والحواس.
تم تنظيم أول معرض دولي للكتاب في زيمبابوي سنة ١٩٨٣م، أي بعد ثلاث سنوات من استقلال البلاد. في السنوات الأولى، كان المعرض حدثًا متواضعًا؛ فقد نُظِّمت إحدى الدورات الأولى في «مكتبة كنجستون» في وسط العاصمة «هراري»، على سبيل المثال، ومنذ سنة ١٩٨٩م، أصبح المعرض نشاطًا سنويًّا (ويُقام في الأسبوع الأول من أغسطس)، ويسبقه مؤتمر علمي لمدة يومين، يركِّز على الموضوع السنوي للمعرض، وفي السنوات الأخيرة، كان من بين هذه الموضوعات «القراءة تنمية»، و«العلم والتكنولوجيا»، و«حرية التعبير والصحافة»، و«السياسة الوطنية للكتاب»، و«الأطفال»، و«كتب التجارة»، و«المكتبات». في سنة ١٩٩٨م شارك في المعرض ٣٠٠ عارض، يمثلون ٥٠٠ ناشر، من خمسين دولة، وتردد عليه ١٩٦٤٥ زائرًا، من بينهم ١٩٤٠ زائرًا تجاريًّا في الأيام المخصصة للتجارة، و١٠٤٠٥ زوار في الأيام المخصصة للجمهور. (Facts & Figures from Zibf98: Children.)
من تلك البدايات المتواضعة تطور المعرض تحت إشراف ورعاية كلٍّ من «تريش مبانجا Trish Mbanga»، و«مرجريت لنج Margaret Ling»، ليصبح مناسبة عالمية للناشرين من كل أنحاء العالم. في بداياته، كانت تديره وزارة الإعلام والبريد والاتصالات، ومنذ سنة ١٩٩٠م، أصبح المسئول عنه مؤسسة معرض زيمبابوي للكتاب، وهي هيئة مستقلة، والواضح أنه لولا الدَّعم المالي (الذي يأتي معظمه من الدول الأوروبية المانحة)، لما كان هذا المعرض موجودًا بالشكل الذي هو عليه اليوم، ولكن الناشرين الأوروبيين والأمريكيين، والمنظمات الدولية، ليس لها أية سلطة عليه. في سنة ١٩٩٨م، كان هناك ٣٢ دولةً أفريقية مُمثَّلة بعارضين وزائرين، وكان من بين الدول الباقية (وعددها ٢٦ دولة)، كوبا، وجامايكا، والهند، وإندونيسيا، والفيلبين، وفيتنام، أما أهداف دور النشر الأمريكية، التي تحتوي معروضاتها على كُتب كثيرة، فتبدو مثيرة للتساؤل: هل تحاول إغراق القارَّة الأفريقية بالعناوين التي لم تنجح في بيعها؟ بالرغم من ذلك كله، فلا يمكن إلَّا أن يكون «معرض زيمبابوي الدولي للكتاب» حدثًا أفريقيًّا كبيرًا.
معرض الكتاب نعمة بالنسبة للمبدعين، ليس فقط لأنه يتيح الفرصة للقاء الكُتَّاب ببعضهم (الكُتَّاب محتاجون للكتاب)، وإنما أيضًا بسبب ما يُصاحبه من أنشطة، تركِّز على الكُتَّاب/العناوين، وعلى كل جوانب عملهم؛ فبالإضافة إلى وِرَش الكتاب، هناك قراءات في المكتبات، وهناك لقاءات أدبية مهمَّة، واحتفالات منح الجوائز للكُتَّاب المبدعين (مثل جائزة نوما Noma، والجائزة السنوية لاتحاد الناشرين في زيمبابوي)، كما تُنَظَّمُ ورش عمل عن التحرير، والمراجعة، والنقد، وتتم لقاءات واجتماعات بين كل الجهات ذات الصلة، مثل شبكة المانحين المعروفة ﺑ The Bellagio Publishers Donors، وشبكة الناشرين الأفارقة African Publishers Network، وهناك معرض سنوي للدوريات الأفريقية، وفي تعليقهما على معرض زيمبابوي الدولي للكتاب، الذي نشراه قبل سنوات بعنوان «فرانكفورت طموحة في أفريقيا»، يروي «تريش مبانجا»، و«مرجريت لنج» هذه الطرفة، عن «روبرت موجابي Robert Mugabe»:
كان معرض زيمبابوي الدولي للكتاب ٩١ بداية النهاية في معركة طويلة، لإقناع الحكومة في زيمبابوي بأن من مصلحتها إلغاء ضريبة الاستيراد، وضريبة المبيعات الباهظة على الكتب، وكان الزائرون المحليون والأجانب سعداء عندما أشار الرئيس «روبرت موجابي» إلى تلك الضرائب «الغبية»، في كلمته، عندما قدَّموا إليه شارة، تحمل شعار «لا للضرائب على الكتب». (p. 212)
كانت هناك أيضًا دعاية سلبية من ذلك النوع الذي تقوم الصحافة الغربية دائمًا بتقديمه بصورة مشوَّهة؛ ففي عامي ١٩٩٥ و١٩٩٦م كانت جماعات الشواذ في هراري ممنوعة من أن يكون لها جناح في المعرض، ولم يكن ذلك القرار من قِبَل هيئة الكتاب، وإنما من قِبَل حكومة «موجابي»، والحقيقة، أنَّ هذه الجماعات، كان يجب أن تُمنع من المشاركة من هيئة الكتاب؛ إذ ليس لديهم مطبوعات يمكن عرضها، ولكنَّ الهيئة تعلِن دائمًا عن مواقفها المؤيِّدة لحرية التعبير، بالرغم من أنَّ حكومة «موجابي» تتحرك في الاتجاه الآخر.
في المؤتمر السنوي لجمعية المكتبة الأمريكية، شرحت «مرجريت لنج» ما يمثله هذا المعرض:
معرض زيمبابوي الدولي للكتاب، جزء من استجابة أفريقيا لعولمة النشر، ونشر المعرفة، ولعولمة إنتاج المعرفة نفسها. وبلغة حركة تحرير جنوب أفريقيا يمكن للمرء أن يصف معرض زيمبابوي الدولي للكتاب بأنه سلاح سياسي في الحرب ضد تهميش أفريقيا وإقصائها، وأيًّا كانت الكلمات التي نستخدمها، فإن المهم هو أنَّ المعرض يتم في أفريقيا، وموجود في أفريقيا، ويدور حول موضوعات أفريقية، وأجندته أفريقية … ونحن ملتزمون بدعم تطوير قراءة الكتاب، واستخدام الكتاب، وثقافة شراء الكتاب في أفريقيا، ونريد في الوقت نفسه، أن يكون معرضًا تجاريًّا، واحتفالية ثقافية، على طريق تنمية سياسة مرتبطة بالكتاب في أفريقيا.
(Ling. “Response to Speakers”, 1998)
ليست مُهمَّة سهلة بالتأكيد، وإن كانت قد عبَّرت عنها جيدًا، وبالرغم من حماسة كلٍّ من المنظمين والمشاركين، لا يمكن أن نقول إنَّ كل شيء على ما يُرام. «هانز م. زيل Hanz M. Zell»، أحد المراقبين المحترمين للمشهد الخاص بالنشر في القارَّة، وأحد المشاركين بشكل مباشر، أشار أكثر من مرة في العقد الأخير أن النشر في أفريقيا قد وصل إلى نقطة الأزمة؛ فبالرغم من وجود ٣٠٠ شركة محلية، ذات برامج معقولة، إلى جانب مئات الدور الصغيرة،١ فإن هناك «مجاعة كُتب خطيرة في أفريقيا»،٢ نتج عنها ما يصفه «زيل»، بأنه «مجتمع بلا كتب»، كما يشير إلى ذلك بأنه «ليس مجرَّد قضية اقتصادية، ولكنَّها الأنظمة الفاسدة، وهروب رأس المال، وسنوات الخراب التي خلَّفها الجفاف والمجاعة والاضطراب السياسي، ونتائج الارتفاع الكبير في أسعار النفط (p. 19)، بالإضافة إلى أنه بخفض موازنات التعليم بشكل كبير، فإن الاعتمادات المالية الخاصَّة بالكتب والمكتبات قد تقلَّصت.»
«المكتبات العامة في أفريقيا كانت عاجزة عن شراء أي كُتب جديدة، على مدى السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، وكذلك، عن المحافظة على ما لديها. أرفف المكتبات خاوية، والمدارس بدون كُتب، والبحث مشلول، وليس لدى المدرسين أو الطلاب مواد، تمكنهم من مواصلة الدراسة، أو متابعة التطورات التي تحدث في مجال دراستهم، في أي مكان في العالم.» (pp. 21-22.)
أصبحت المكتبات، على نحو خاص، تعتمد على المنح والتبرعات الغربية، والباحثون في الغرب على عِلمٍ بذلك، بحيث إنَّهم عندما يقومون بتجديد اشتراكاتهم الشخصية، في دورية ما، يُطلب منهم عمل اشتراك آخر، لإحدى المكتبات الأفريقية. ويلاحظ «زيل» أن شركات النشر عمرها قصير، وأنَّ هناك مُعدَّلًا مرتفعًا في توقف معظمها عن النشاط، كما أنَّ العلاقات بين الكُتَّاب الأفارقة وناشريهم، تصل إلى نقطة الأزمة، ويُنقَل عن «أنوشيكوا جيمي Onwuchekwa Jemi» وصفه لكل الناشرين، بأنهم كذَّابون وغشَّاشون في معظم الأحوال (The Nigerian “Guardian”, 25 Jan, 1987)، لم تختفِ أية مشكلة من المشكلات السابقة. اللغة، تكاليف الإنتاج، التوزيع، الأُمية … إلخ، بل لعلها زادت وتفاقمت.
«زيل»، لديه خبرة سنوات طويلة بالنشر في القارَّة، وفي نشر مواد أفريقية في الخارج، وكان مديرًا لقسم النشر في جامعة Ife في نيجيريا، كما شغل مناصب أخرى في القارَّة، وإلى جانب تحرير ونشر مواد عن أفريقيا لعدَّة سنوات منذ ١٩٧٥م، فهو مُحرر سِجِل نشر الكتب الأفريقية، وهو سِجِل تجاري وببليوجرافي ربع سنوي، يحاول أن يحقِّق نوعًا من التنظيم أو الانضباط في عالَم النشر المرتبك في القارَّة، كما يحاول «زيل»، أن يجعل من النشر في أفريقيا عملًا مسئولًا.
إلَّا أنه بالرغم من حماسته للقارَّة نفسها، ولنشاط النشر بها، فإنه لا يتردد في أن يصف الأشياء على حقيقتها، ولا يحاول أن يجمِّل الصورة، ويشير إلى حالة بعض الكتب التي تُنشر، وكيف يتم إنتاجها بطريقة «غاشمة»، فيقول:
«غالبًا ما تكون الكتب المحلية رديئة، من ناحية التحرير والتصميم، كثيرة الأخطاء، وسيئة الطباعة، وهي منتجات أشبه بعمل الهواة. وقد رأيت بعض الأعمال الأفريقية مؤخَّرًا — بعضها من نيجيريا — وكانت الصفحات غير متسلسلة، بعضها ملطخ بالحبر، وبعضها طباعته باهتة تصعب قراءته، مع رداءة التجليد، وتغضُّن الورق، إلى جانب عيوب فنية أخرى كثيرة، ويبدو أنه لا توجد أية درجة من درجات مراقبة الجودة.٣
عندما نتفحَّص مثل هذه الكتب، نجد أنَّ النشر في أفريقيا، لم يتطور منذ أيام «مطبوعات أونيتشا».
مما يُقلق «زيل» أيضًا تسويق بعض الناشرين الأفارقة لأعمالهم، ويتساءل: لماذا لا يكفُّون عن الشكوى من المنافسة الغربية، بالاستفادة من الشبكات، التي أُنشئت لكي تساعدهم على ترويج كُتبهم؟ أصحاب المكتبات يقولون: إنَّه ليس لديهم معلومات كافية عن المطبوعات الأفريقية، وفي الوقت نفسه، نجد أنَّ بعض هؤلاء الناشرين، لا يحاولون أن تكون كتبهم ضمن سِجِل النشر الأفريقي، بالرغم من أنها خدمة مجانية، ولا الاستفادة من شبكة الناشرين الأفارقة (APNET)،٤ وبالإضافة إلى ذلك كله، فإنهم يتجاهلون قوائم تجارة الكتب في الغرب، بالرغم من أنها دعاية مجَّانية.
هذه الملاحظات التي يبديها «زيل»، لها مَن يؤيدها مِن بين الناشرين الأفارقة الناجحين، ومنهم «وولتر بجويا Walter Bgoya»، و«هنري شاكافا Henry Chakava»، الذي يُعلِّق على غياب «الحِرَفِية»، في أعمال أقرانه، بقوله:
«على قدر عِلمي، لا يوجد أي ناشر أفريقي، يقوم بعمل دعاية مُسبقة لأي عناوين جديدة، وقليلون، هم الذين يهتمون بإصدار كُتيبات دعائية وقلة قليلة هي التي تُصدر كتالوجات سنوية، ومعظم الكتالوجات يحتوي على معلومات ناقصة وقديمة، والتعريف بالكتاب الموجود على الغلاف كان يمكن أن يكون مفيدًا، ولكن المعلومات الببليوجرافية الأساسية، مثل رقم الإيداع، وسنة النشر، وثمن النُّسخة … إلخ، لا وجود لها.»٥
يعني «زيل»، أنه يستطيع — في ظل هذه الظروف — أن يفهم سبب إحباط الكُتَّاب الأفارقة، بالرغم من أنهم ينبغي ألَّا يكونوا مضطرِّين لقبول مُنتج من الدرجة الثانية، لمجرَّد أنه يتم إنتاجه في أفريقيا، ويقول «زيل»:
«كل ذلك قديم، وقد قلته أنا وغيري مرارًا وتكرارًا في أكثر من مناسبة، فما المطلوب أكثر من الدَّعم، والوِرَش، والدورات التدريبية، وتوصيات المؤتمرات والمقترَحات، لكي يُصبح أغلبية الناشرين الأفارقة أكثر «حِرَفية»؟ إلى أن يحدث ذلك، فهم لا يستحقون تعاطف أحد، ويجب أن يخرجوا من مهنة النشر أولًا. المؤكَّد أنه ليس لديهم أي أساس للشكوى، عندما ينتزع منهم «الرجل الأبيض» هذا العمل في عُقر دارهم.» (p. 106)
ربما يكون من المفيد هنا، أن نشير إلى تجربة الهند في النشر، بكلمات قليلة، حيث توجد أوجه شبه كثيرة، بين شبه القارَّة الهندية، وأفريقيا جنوب الصحراء. نسبة الأمية مرتفعة، مع وجود عدَّة لغات، بما في ذلك ١٣ لغةً رسمية للوثائق الحكومية، فقر وكساد اقتصادي، كما هو الحال في أفريقيا، وبالرغم من ذلك كله، فإن نشر الكتب كان — ولا يزال — مزدهرًا في الهند منذ عقود. صحيح، أنَّ الكُتب هناك، يتم إنتاجها على أرخص أنواع الورق (ورق الصحف في الغالب)، إلَّا أنَّ الجوانب الأخرى المزعجة في إنتاج الكتاب، قد تمَّ التغلب عليها، لم تعُد الكُتب سلعًا «ترفيهية»، كما هي في أفريقيا، ولكنها في متناول الجميع، أطفال المدارس والكبار على السواء، السياسة الوطنية للكتاب في الهند تساعد على إنتاج الكُتب وتوزيعها، منذ سنوات طويلة؛ ففي سنة ١٩٩٦م كان الطفل الهندي يستطيع أن يشتري سبعة كُتب، بما يعادل دولار أمريكي واحد، كما تبذل الحكومة جهدًا كبيرًا لكي توفِّر الكُتب، ولكي تكون القراءة أساسية في حياة الناس، وناشرو الكتب الهنود، الذين يحضرون معرض زيمبابوي الدولي للكتاب، يصيبهم الفزع عندما يرون الكُتب التي ينتجها أقرانهم في أفريقيا.
من الصعب أن نقول: إنَّ النشر نشاط حديث في أفريقيا، لتبرير رداءة المستوى؛ فالنشر في أفريقيا قديم، وفي القرن السابع عشر، كانت هناك مخطوطات عربية، توزع في المناطق الحضرية الرئيسية، والمراكز التجارية في السودان الغربي،٦ ومع الاستعمار، وقُدوم المسيحية، أصبح يوجَّه من قِبَل البعثات التبشيرية، مع توزيع نصوص لدعم أهداف التبشير، إلى جانب إنتاج الأناجيل باللغات المحلية، وفي منتصف القرن الثامن عشر تقريبًا، أُنشئت في نيجيريا أول مطبعة، تابعة لإحدى البعثات التبشيرية، وفي سنة ١٨٦١م، بدأت أول مطبعة (تابعة لبعثة تبشيرية أيضًا) النشر في جنوب أفريقيا، وفي كينيا، بدأت أول مطبعة نشاطها في سنة ١٨٨٧م، أما ناشرو أونيتشا، فقد بدءوا إنتاج كتبَهم قبل خمسين عامًا، ولن يكون دقيقًا القول: إنَّه لا توجد تسهيلات في القارَّة، لإنتاج كُتب وكرَّاسات جيدة.
النشر في كينيا
من الصعب الحصول على معلومات مفصَّلة، عن النشر في بعض الدول الأفريقية، إلَّا أنَّ كتابين حديثين عن كينيا، يقدِّمان لنا فكرة عامَّة، وأكثر شمولًا، مما هو متوفِّر عن معظم المناطق الأخرى. الكتابان هما: «النشر في أفريقيا: منظور رجُل واحد»، تأليف «هنري شاكافا»،٧ والثاني: «النشر وتجارة الكتب في كينيا»، تأليف «روث ل. ماكوتسي»، و«ليلي ك. نياريكي».٨ منظور «شاكافا» أوسع من منظور زملائه، وهو كاشِف، على نحوٍ خاص؛ لأنَّ العقبات التي يضع يدَه عليها، موجودة في القارَّة كلها؛ فهو يورِد على سبيل المثال، عدد اللغات في القارَّة الأفريقية (١٢٠٠ لغة)، وهو رقم يمكن أن نجده في أماكن أخرى، ثم يشرح لنا كيف أنَّ ما يمكن كتابته من هذه اللغات، لا يزيد على نصف عددها، وهو ما يعني أنَّ «كثيرين من الأفارقة، لا يستطيعون الوصول إلى المواد المكتوبة بلغاتهم» (p. 73) حتى الإنجليزية والفرنسية، وهما اثنتان من اللغات الأكثر استخدامًا في القارَّة، لا يقرأ بهما أكثر من ٢٥٪ من سكان الدول التي تستخدمهما (p. 97)، وبالرغم من أنَّ إنتاج القارَّة من الكتب قد تضاعف «من ٤٣٠٠ عنوان في ١٩٦٥م إلى ٨٧٠٠ عنوان في ١٩٧٨م» (p. 96)، فإن أفريقيا، كما تقول إحصائيات «اليونسكو»، لا تقدِّم سوى ١,٢٪ فقط من إجمالي إنتاج العالم من الكتب (p. 81)، ويقول «شاكافا»: إنَّ حوالي ٦٥٪ من أبناء القارَّة أميُّون (وهناك مَن يقدِّر نسبتهم ﺑ ٥٠٪)، ولكن قد يكون الأكثر دِلالةً هو أنَّ «الناشر في أفريقيا ينشر لحوالي ٢٠٪ فقط من السكان» (p. 73)، ولكن «شاكافا»، لا يقول لنا عدد مَن يشترون الكتب، من بين هذه النسبة.
مؤلفو الكتابين يقدِّمون لنا فكرة لا بأس بها عن النشر في كينيا، تبدأ بعبارة ﻟ «ماكوتسي»، و«نياريكي»، عن أن «مشهد النشر في كينيا، مليء بالمشكلات منذ فترة طويلة» (p. 1)، إلَّا أنَّ «كينيا قد تحسَّنت كثيرًا في هذا المجال، عن كثير من الدول الأفريقية» (p. 65)، ويرى المؤلفون، أنَّ النشر في كينيا قد تطوَّر، كردِّ فعلٍ للنشر الأجنبي، بما يعني أنَّ ذلك ليس هو الأسلوب، أو الطريق، لتنمية صناعة النشر، كما يعترفون بأنَّ نشر الكتب المدرسية فقط هو الأضمن اقتصاديًّا، والمرجَّح أن يكون له عائد أفضل عن رأس المال.
عندما نشر «ماكوتسي»، و«نياريكي» دراستهما (١٩٩٧م)، كان عدد سكان كينيا ٢٦ مليون نسمة، وكان هناك ١٦ مكتبة كاملة في البلاد (p. 54)، و٦٠٠ محل للكتب، و٥ موزِّعين رئيسيين للكتب، ولكنَّ أحدًا منهم لم يشمل نشاطه كل مناطق الدولة (p. 31)، وكانت نسبة الكتب المدرسية، حوالي ٦٠٪ من إجمالي ما يُنشر (p. 31)، بينما كان يعمل في صناعة النشر، حوالي ٥٠٠ شخص (p. 33)، وهو رقم شديد التواضع.
أمَّا بالنسبة لإنتاج الكتاب نفسه، فيلاحظ «ماكوتسي»، و«تياريكي»، أنَّ الورق في كينيا هو أكثر العناصر ارتفاعًا في السعر، في إطار تكلفة الإنتاج؛ إذ يمثِّل حوالي ٦٠٪ منها، وبالرغم من ذلك، «هناك احتكار في إنتاج الورق، مع وجود مصنع واحد، تمتلك الحكومة مُعظم أسهمه» (p. 80)، وكما هو الحال في الدول الأخرى، هناك ضرائب عالية على الورق المستورد، وعلى أحبار الطباعة، أمَّا المفارقة الساخرة، فهي أنَّ الورق المستورَد أرخص من المُنتَج محليًّا. (p. 105.)
من السهل أن نفهم لماذا يُطبع عدد كبير من الكتب، التي يتم إنتاجها في أفريقيا على ورق رخيص، ولماذا الصور كلها باللونين الأسود والأبيض فقط، هذا إن كان هناك صور أصلًا.
بدأ نجاح النشر في كينيا، مع مكتب الأدب في شرق أفريقيا، East African Literature Bureau وذلك في سنة ١٩٤٧م، وهو فرع من دار نشر Nadia Kuu Press، التي أنشأتها البعثات التبشيرية في البداية، وكان لها مكاتب في دار السلام، ونيروبي، وكمبالا، لإنتاج مواد أدبية وتعليمية، وتطوير مواد باللغات المحلية، للوفاء باحتياجات الأعداد المتزايدة من المتعلمين (p. 25)، وبعد عشرين عامًا تقريبًا، تم إنشاء أول دار نشر محلية «شرق أفريقيا للنشر East African Publishing House (١٩٦٥م)» وبعد ذلك بفترة، انقسم مجتمع شرق أفريقيا، إلَّا أنَّ النشر ظلَّ مزدهرًا في نيروبي، وفي سنة ١٩٦٨م، تطوَّرت «هينمان لنشر الكتب التعليمية (شرق أفريقيا)» إلى «شرق أفريقيا للنشر التعليمي East African Educational Publishers»، (تحت إدارة هنري شاكافا). وفي الوقت نفسه، ظهر عدد من دور النشر الصغيرة، بما في ذلك مشروعات محدودة، يمتلكها كُتَّاب لنشر أعمالهم، وبالرغم من وجود محاولات للنشر باللغات المحلية (أشهرها بواسطة شاكافا)، فإن الإنجليزية هي المسيطرة على السوق، ولم يتغيَّر المشهد، حتى بعد محاولات بعض الكُتَّاب الرئيسيين، مثل «نجوجي واثيونجو»، «شرق أفريقيا للنشر التعليمي» لديها قائمة تضم أكثر من ألف عنوان، معظمها للسوق التعليمية، والأهم من ذلك كله — على الأقل بالنسبة للكاتب المبدع — أنَّ هذه الدار قد نجحت في إنتاج طبعات محلية لكثير من كُتَّاب القارَّة البارزين (شينوا أشيبي، آي كوي آرمه، بيتر أبرامز، ألكس لاجوما، إليشي أمادي، ميريام با، على سبيل المثال)، وقد حصلت على ترخيص بذلك من «هينمان» (سلسلة كتاب أفريقيا). وبما هو متوفِّر لها من بِنْية تحتية للاتصالات، أفضل منها في معظم الدول الأخرى، كان لا بد أن تكون حركة النشر في كينيا باعتبارها نموذجًا يُحتذى بالنسبة لغيرها؛ ففي كينيا نظام للنقل يكفي لتوزيع الكتب، وكذلك نظام بريدي جيد (مقارنةً ببعض الدول، حيث لا ضمان لأي شيء له قيمة)، كما أنَّ التليفونات تعمل معظم الوقت،٩ وبالرغم من ذلك، فإن «شاكافا Chakava» ليس متفائلًا بنجاح النشر الذي تعترضه عقبات عِدَّة، بما يدل على أنَّ الدأب والمثابرة، ضروريان قبل أي شيء آخر.
«ناشرو الكتب في كينيا، لديهم بيئة مواتية بالمقاييس الأفريقية، وبالرغم من ذلك، لم تنتعش دور النشر الخاصَّة. حوالي ٤٠٪ من إجمالي النشر، يتم عن طريق الدولة، الواردات تمثِّل ٢٠٪، والمطابع الدينية تقدِّم ١٠٪، أمَّا معظم اﻟ ٣٠٪ الباقية فهي في أيدي الأجانب، ومنذ استقلال كينيا في ١٩٦٣م، وجد الناشر المحلي نفسه بين مطرقة حكومته، وسندان الأفرع الكينية للشركات متعددة الجنسية، ولكن بوادر التحرر من ذلك الوضع تلوح في الأفق، بعد صراع طويل. أمَّا أسباب وكيفية حدوث ذلك الصراع، وخبرتي به، فتصور لنا الطريق غير المؤكَّدة، لتطور الكتاب في عالَم ما بعد الاستعمار، وهي طريق مفروشة بالنوايا الطيبة في كينيا، كما في غيرها من الدول، وعرضة للمنعطفات، وتغير الاتجاهات، والصخور والمنحدرات الوعرة …» (p. 45.)
في نشاط النشر الذي يقوم به، واجه «شاكافا» كذلك عددًا من أسوأ الكوابيس التي يمكن أن تواجه الكُتَّاب والناشرين في أي مكان؛ فعندما قرَّر «نجوجي واثيونجو»، أن ينشر طبعات «بلغة الجيكويو» من أعماله، كان «شاكافا» هو الذي وافق على أن يكون ناشره، ولم يمر هذا القرار دون عواقب؛ لأنَّ الكاتب — نجوجي — كان قد بنى بعض شخصيات رواياته على أُناس حقيقيين؛ فكان هناك تهديدات مباشرة ضد الناشر «شاكافا»، وضد شركته، كما قامت الحكومة بإلغاء كُتب «نجوجي» من المقررات الدراسية، «كما ظهرت أشكال أخرى من الرقابة، والترويع، والتهديد المستمر باللجوء إلى القضاء، من قِبَل أشخاص يشعرون أنَّ «نجوجي» قد شهَّرَ بهم». (p. 61) ويقول «شاكافا»: إنَّه لا يستطيع أن يتكلم نيابةً عن المؤلِّف، ولا أن يتكهَّن بمعاناته، بما في ذلك قراره بأن يظل في المنفى. «لو كان نجوجي قد بقي في كينيا، واستمر في كتابة المزيد من الكتب، في هذا الاتجاه نفسه (بلغة الجيكويو)، وشجع زملاءه على دعم هذه المجازفة، فلربما كان ذلك قد أدَّى إلى نجاح البرنامج، وبالرغم من انتكاستي الحالية في النشر في هذه المنطقة، فأنا أنتظر اليوم الذي يعود فيه «نجوجي» إلى الوطن، لكي نواصلَ من حيث توقفنا» (p. 62-63).
المثال الكيني، يوضح واحدة من الحقائق الأساسية، في عملية النشر في الدول الأفريقية بشكل عام، وهي أنَّك إذا كنت تريد أن تربح من النشر، فليكن تركيزك على الكتاب المدرسي. حتى في الفيلم المأخوذ عن رواية «أشيبي» «الأشياء تتداعى» (١٩٧٢م)، والذي تتراكم فيه الأحداث، من حقبة «أكونكوو Okonkwo» في «أموفيا Umuofia»، وفترة أحدث منها في أبادان، حتى في هذا الفيلم، لم يستطع صانعوه أن يقاوموا إغراء تضمينه بعض الملاحظات الساخرة عن النشر المعاصر. حفيد أكونكو يفقد وظيفته، كمراسل لصحيفة كبرى؛ لأنه حاول أن يفضح وزيرًا في الحكومة، كانت جريمته احتكار كتب الدراسة الخاصة بالأطفال. القضية في الفيلم هي الرشوة، ولكن صانعي الفيلم لا بد من أن يكونوا قد توقَّعوا أن يكون المشاهد على دراية بأسعار الكُتب الدراسية المرتفعة.
وبالرغم من أنَّ النشر المدرسي مُربح، فإنه لا يخلو من قيوده الخاصَّة؛ فالكُتب التي توافق عليها وزارة تعليم في دولةٍ ما، قد ترفضها الوزارة المناظرة في دولة أخرى، وبذلك تكون المبيعات مقصورة على الدولة المنتجة، أمَّا الأسوأ — كما يقول «شاكافا» مرة أخرى — فهو «أنَّ الناشرين الأفارقة، ليس لديهم سوى القليل، وربما ليس لديهم أي شيء على الإطلاق يقدِّمونه، لتسهيل تدفق المعارف بين الدول، وهو أحد الافتراضات الأساسية لحق النشر الدولي؛ فالدول شديدة الفقر، وضعيفة الإمكانيات، وعديمة الخبرة في بيع وشراء الحقوق» (p. 82)، وليتنا نعرف شيئًا عن عدد حقوق النشر التي يتم بيعها في معرض زيمبابوي الدولي للكتاب، أو عن عدد الكتب المدرسية، التي تُباع حقوق إعادة نشرها في دول أخرى.
الشيء نفسه، نجده بالنسبة للأعمال الإبداعية، لا نعرف عدد الروايات، التي يبيع ناشر ما حقوقها، لكي تصدر في دولة أخرى، أو لإعادة طباعتها خارج القارَّة. «شاكافا» يأسف — وهو مُحقٌّ في ذلك — لأنَّ كُتَّاب أفريقيا المشهورين، يختارون النشر في أوروبا بدلًا من أفريقيا، وبالرغم من أنه يستطيع أن يبيع الحقوق الأجنبية لكثير من كتب «نجوجي» (التي نشرها في البداية بلغة الجيكويو) وخاصَّة «ماتيجاري Matigari» في ١٩٨٧م، فإنه لا يملك العناوين السابقة التي باعت على نطاق واسع في أنحاء العالم. إدراج أعمال الكُتَّاب الأفارقة، في السلسلة التي تصدرها «هينمان» (وغيرها من السلاسل التي يصدرها ناشرون أوروبيون)، لا شك أنه يضمن درجة ما من التوزيع في القارَّة الأفريقية، ولا شك في أن ذلك هو سبب تردد كثير من الكُتَّاب في نشر أعمالهم محليًّا. ولأن التوزيع الداخلي في أي بلدٍ أفريقي محدود دائمًا، يصبح توزيع رواية، أو مجموعة شِعرية، في دولةٍ أخرى، أمرًا بالغ الصعوبة، انظر إلى الوقت الذي يستغرقه وصول رسالة، من دولة أفريقية إلى دولة مجاورة، أو حاوِل أن تتصل تليفونيًّا بدولة أخرى. إلى أن يتم إزالة معوقات التوزيع والاتصال، سوف يظل النشر في أفريقيا شأنًا محليًّا.
الروائع الأفريقية أو الكتب الأكثر مبيعًا
من الصعب جدًّا أن يَعرف الكُتَّاب الأفارقة، الذين ينشرون في القارَّة، أرقام توزيع أعمالهم، ولعلَّها درجة الصعوبة نفسها التي تواجههم، لكي يَقبل أولئك الناشرون أعمالهم. لم يكن الناشرون الأفارقة، متحمسين للردِّ على استطلاع الرأي، الذي أرسلته إليهم، لكي أسألهم عن التغيرات التي يرون أنها قد تساعدهم على تحقيق نجاح أكبر، وفي مقابلاتي الكثيرة معهم (ومن المتابعة عبرَ البريد الإلكتروني والفاكس)، عندما كنت أسألهم عن أرقام المبيعات الخاصَّة بعناوين معيَّنة، كانوا يترددون في الإجابة، كما لو كانوا غير متأكدين من ضرورة الإعلان عن تلك الأرقام.
أعرف أنَّ مفهوم «الروائع»، أو الكتب الأكثر مبيعًا، كما نعرفه في الغرب، لا يوجد له مقابل، أو نظير طبيعي، في دول الجنوب بشكل عام، وعلى الأخصِّ، في مناطق كثيرة من أفريقيا، إلَّا أنَّ الكُتَّاب الأفارقة — بالرغم من العقبات الكثيرة، التي يجب أن يتغلبوا عليها — ما زالوا على اعتقادهم، بأنَّ بإمكانهم الاعتماد في حياتهم على الكتابة.
وكما رأينا بالفعل في نيجيريا، التي كانت تزهو ذات يوم بوضعها الأدبي، فإن ظهور أعمال إبداعية جديدة، قد تقلَّص إلى حدٍّ بعيد، أكثر كُتَّاب القارَّة نجاحًا، ما زالوا ينشرون أعمالهم الجديدة خارج البلاد، بالرغم من أنَّ هؤلاء الكُتَّاب — على الأقل — ما زالوا مقروئين، وما زالت أعمالهم تُدرس في الداخل. مبيعات رواية مثل «الأشياء تتداعى» هبطت بشدَّة إلى بِضع مئات من النُّسَخ، ولا شك في أنَّ السبب هو أنها لم تعُد جزءًا من المقرر الدراسي، كما يمكن أن نعزو تدهور مُعدلات البيع — بالتأكيد — إلى هبوط الأحوال الاقتصادية أثناء سنوات الإدارة السيئة للعسكر. في إجابته عن سؤالي عن أرقام المبيعات قال «جوب بيركوت Joop Berkhout» (ناشر سبكترم بوكس): إن كُتب «شوينكا Soyinka» (The Man Died and the Jero Plays) تبيع ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة سنويًّا من طبعته (مقابلة مع المؤلِّف في ٦ أغسطس ١٩٩٨م)، ونفس الشيء بالنسبة للروايات «سيبريان إكوينسي Cyprian Ekwensi» (Iska & Jagua Nana’s Daughter)، وبالرغم من ذلك، فقد حدث أن كانت هناك بعض العناوين التي تبيع عدة آلاف من النُّسخ سنويًّا. الخسارة الأكبر بالنسبة للقارئ، هي ضياع فرصة الحِفاظ على جمهوره؛ فكثير من الناس الذين يقرءون مرة بهدف التسلية، أو الاستمتاع، لم يعودوا يفعلون ذلك.
هناك كما يقول «بيركوت Berkhout» استثناءات؛ فبعض الكتب قد يحقق مبيعات جيدة مثل A Gift to the Troubled Land (١٩٩٩م) من تأليف «سيجون أوكيونورين Segun Okunoren» (وهو كاتب من اليوروبا)، الذي حقق زيادة في المبيعات السنوية، وصلت إلى عشرة آلاف نسخة، منذ أن أصبحت الرواية مقررة على طلاب المرحلة الثانوية، ولكن حتى هذا الرقم يبدو متواضعًا في دولة يبلغ تعدادها ١٢٠ مليونًا، عند مقارنته بمبيعات الكتب، التي كانت تُقرَّر على طلاب المدارس الثانوية، قبل عشرين عامًا، وربما تكون رواية «بيتر إيناهورو Peter Enahoro» «كيف تكون نيجيريا؟» (١٩٦٦م)، هي أفضل مثال على كتاب يحافظ على التوزيع، بمستوى جيد، وبنفس النظام الذي نعرفه في الغرب؛ فهو مستمر في بيع عدَّة آلاف من النُّسَخ سنويًّا، كما يقول «بيركوت».
الوضع في كينيا أفضل نسبيًّا في الكتب الإبداعية، بالرغم من أنَّ عدد سكانها أقل من ربع عدد سكان نيجيريا؛ فرواية «مرجريت أ. أوجولا Margaret A. Ogola» الصادرة سنة ١٩٤٤م، بعنوان The River and the Source، باعت ١٢٠٠٠ نُسخة في ١٩٩٧م، والسبب الرئيسي هو استخدامها في المدارس الثانوية والجامعات في كينيا، وهي رواية تقدِّم ثلاثة أجيال من النساء، أُعيدت طباعتها عدَّة مرات، وتُرجِمت إلى لغة أوروبية واحدة على الأقل، وقبل اعتمادها في المناهج الدراسية، كانت تبيع خمسة آلاف أو ستة آلاف نُسخة في السنة. ناشر «أوجولا» وهو «ميوتي كيبوي Muthui Kiboi» مدير «فوكس بوكس»، قال لي: إنَّ الذي دعم عملية بيع الكتاب هو شراء جامعات الولايات المتحدة لأعداد كبيرة من النُّسَخ (مقابلة مع الكاتب في ٦ أغسطس ١٩٩٨م)، وعندما سألته عن العمل الثاني الأكثر مبيعًا، قال: The Grapevine Stories من تأليف «نجومي كيبيرا Ngumi Kibera»، الذي حقق مبيعات وصلت إلى ما يقرب من ٤٣٠٠ نُسخة في سنة ١٩٩٨م، كان «كيبوي» متفائلًا بحذر بخصوص نشر الأعمال الإبداعية، وقد حصلت أعمال كلٍّ من «أوجولا»، و«كيبيرا» على جائزة «جوموكينياتا» للأدب.
بعيدًا عن كتب السوق الدراسية، كان أكثر الكتب الكينية نجاحًا في السنوات الأخيرة، هو كتاب «جون كيرياميتي John Kiriamiti» بعنوان My Life in Crime الصادر عن Spear Books طبعته East African Educational Publishers، وقد باع ٢٠٠٠٠ نُسخة منذ أول نشر له سنة ١٩٨٤م، على الغلاف الخلفي للكتاب، نقرأ هذه النبذة: ربما يتذكَّر الناس أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، باعتبارها سنوات سرقات البنوك الكبرى، وغيرها من السرقات المسلحة في كينيا، هذه هي القصة الحقيقية لأحد المشاركين في بعض هذه السرقات، وهو «جون كيرياميتي»، الذي يروي بلغة تلقائية مباشرة قصة تسرُّبه من المدرسة الثانوية، وهو في الخامسة عشرة، ليصبح نشَّالًا، قبل أن يتخرَّج في الجريمة، مثل كسر السيارات، ثم في أعمال السرقة العنيفة. هذه القصة المثيرة تأخذ القارئ إلى عالَم الجريمة السُّفلي، وتصوِّر صراع المجرم ضد قوى القانون، من أجل البقاء. ««جون كيرياميتي» الذي دخل السجن في ٦ يناير ١٩٧١م، بعد إدانته بارتكاب جريمة سرقة في نيفاشا في ٤ نوفمبر ١٩٧٠م غادر سجن نيفاشا الكبير في أغسطس ١٩٨٤م، بعد خمسة أشهر من نشر هذه الرواية، واسعة الانتشار، التي نُعيد طباعتها الآن.»
ظلال لرواية «دانيل ديفو Daniel Defoe» مول فلاندرز، وغيرها من الأعمال المارقة، ما يبدو سيرة ذاتية، يوصف بأنه رواية، وكما يقول «جيرمي نجوجا» Jeremy Ng’aug’a من «سبير بوكس»: تُعاد طباعة الكتاب بمعدل ٥٠٠٠ نُسخة في كل مرَّة، وسرعان ما يتخاطفها القُرَّاء في شرق أفريقيا، رغم أنَّ سعر النُّسخة حوالي خمسة دولارات أمريكية (مقابلة مع الكاتب في ٥ أغسطس ١٩٩٨م). وفي سنة ١٩٨٩م، نشر «كيرياميتي» روايةً أخرى، بعنوان «حياتي مع مجرم» My Life with a Criminal، والروايتان جزء من سلسلة، يشير إليها ناشرو الكتب المدرسية في شرق أفريقيا، في الكتالوج الخاص بالدعاية، بأنها أعمال «تربوية وذات إيقاع سريع»، هذه السلسلة «سبير بوكس»، تُسهم في تسلية وتعليم الشباب، ويقول «شاكافا» عن نشأة هذه السلسلة: «لاحظت أننا كُنا نرفض بعض الكُتب، التي تتناول قصص الحب والجريمة، في «سلسلة هينمان للكُتَّاب الأفارقة»، كانت روايات مُشوِّقة، ولكنَّها لا تناسب الفصول الدراسية، هذه الكتب هي التي أصبحت سلسلة «سبير بوكس»، وبذلك فتحنا سوقًا جديدة، وتبِعَنا في ذلك ناشرون آخرون، والغريب أنَّ هذه السلسلة، التي بدأناها كبديل للأعمال الروائية التعليمية أصبحت مقروءة في المدارس على نطاق واسع.»١٠ أصدرت السلسلة أكثر من أربعين عنوانًا، منذ أن بدأت في ١٩٧٥م، وهي تتضمَّن أعمالًا مثل: The Life and Times of a Bank Robber تأليف جون كيجيا كيماني John Kiggia Kimani، ورواية Ben Kamba ooq in Operation DXT تأليف «ديفيد ميلو David Maillu»، ورواية Sugar Daddy’s Lover تأليف «روزماري أوينو Rosemary Owino»، ورواية The Confessions Corolyne Abala of an AID’s Victim.
وتقول «مادينا ندياي Madieyna» مدير القسم الأدبي في Les Nouvelles Editions Africaines du Sénégal في «داكار»: إنَّ العنوان الأكثر مبيعًا من الكتب الفرانكفوانية في السنوات الأخيرة هو رواية «ميرياما با Mariama ba»، يا لها من رسالة طويلة! التي تُدرَّس في عدَّة مدارس، وقد تخطت المبيعات من هذه الرواية، رقم ٤٤٠٠٠ نُسخة، اعتبارًا من مايو ١٩٩٩م، ومن الروايات الأخرى التي حققت نسبة مبيعات عالية، مثل رواية «با» بسبب حصولها على جوائز أدبية أو تدريسها في المدارس أو للسببين معًا، هناك: La trahison de Marianne تأليف «برنارد نانجا Bernard Nanga»، وLa Gréve des Bottu تأليف Aminata Sow Fall، وليس معروفًا ما إذا كانت أرقام توزيع هذه الكتب، مقصورة على السنغال، أو أنها تشمل كل غرب أفريقيا الفرانكفوني (رسالة إلى المؤلف في ١٩ مايو ١٩٩٩م).
«ب. د. بوماكور B. D. Buma Kor» الذي يقوم بتوزيع الكتب في الكاميرون باسم Buma Kor & Co. Ltd.، بدأ مؤخرًا في نشر سلسلة لكُتَّاب الكاميرون، بعناوين موجهة للقُرَّاء الأنجلوفون، في الجزء الغربي من البلاد، ويبلغ عدد نُسخ الطبعة ٣٠٠٠ نُسخة، «ولكننا نأمل أن يتم اختيار عناوين للمدارس في العام القادم، وسوف يمكِّننا ذلك من أن نطبع عشرة آلاف نُسخة من كل عمل» (رسالة بالبريد الإلكتروني للمؤلِّف في ١٤ مايو ١٩٩٩م). والمتوقَّع أن تصل المبيعات من رواية Daughter of the Upstream Python للكاتب «تشارلز ألوبويدي ديبي Charles Alobwede D ’Eipe» إلى ٣٠٠٠٠ نُسخة، ويضيف «بوما كور Buma Kor»، قول أحد طلابه الذين درسوا عادات القراءة في جامعة «ياوندي Yaoundé» مؤخرًا:
معظم الطلاب يقرءون (حتى الروايات)، بهدف النجاح في الامتحان، البعض يقرأ الروايات لتمضية الوقت، أو قبل النوم، بينما قد يحمل البعض أعمالًا روائية معهم، في كل مكان، سواء قرءوها أو لا، ويبدو أن ذلك تقليد عام في المجتمع ككل، ولذلك، عندما ذهبنا لنبحث عن مادة أدبية لسلسلة كُتَّاب الكاميرون، كان لدينا الاستنتاج نفسه، ووجَّهنا اهتماماتنا التحريرية، نحو الوفاء باحتياجات الطلاب، وكذلك شباب الطبقة العاملة، هؤلاء هم الذين يشترون الأدب الروائي الجيد (والكثير من روايات الحب، أو القصص ذات الحبكة الأفريقية التقليدية).
الناشرون الأفارقة يعرفون جيدًا، أن الكتب الحِسية (التي تتناول الحب، والجنس، والجريمة، والعنف) تروق للقارئ الأفريقي، كما هو الحال بالنسبة لأي قارئ آخر، كما يعرفون أيضًا أنَّ الوسيلة الوحيدة لزيادة المبيعات هي أن تتم الموافقة على اختيار أعمالهم للمناهج الدراسية. وقد علمت من «ب. سودندوي نوبي B. Sodindwe Neube»، المحرر في دار نشر Mambo في «هراري»، أنهم لكي يدخلوا إلى سوق النشر المدرسي، عليهم أن يسلموا المخطوطات للحكومة في «زيمبابوي»، وسوف تحذف طبعًا بعض الأجزاء التي قد تعترض عليها قبل الموافقة على نشر الكتاب، (مقابلة مع المؤلِّف في ٥ أغسطس ١٩٩٨م). رقابة المخطوطة قبل النشر، قد «تنقيها»، كما قد تؤدي إلى زيادة نسبة المبيعات، ولكن ذلك من منظور أوسع يعني إضافة قيد رقابي آخَر على النشر، ولا نعرف كيف يكون موقف الكُتَّاب من هؤلاء الناشرين الذين يخضعون لعمليات التدخل الحكومي.
وعلى خلاف الأوضاع في نيجيريا، وكينيا، والسنغال، والكاميرون، وإلى حدٍّ ما، في زيمبابوي، يمكن أن نتوقع أن يكون نشر الأعمال الأدبية للكُتَّاب السُّود في جنوب أفريقيا أفضل حالًا، ولكن ذلك ليس صحيحًا. الأحوال الاقتصادية سيئة، كما هي في كثير من دول أفريقيا الأخرى. الكتب سِلَع ترفيه، يقول «كولين مجي Colin McGee» من دار نشر جوندوانا (Gondwana Books): إن مؤلفي الكتب الأكثر مبيعًا قد تصل أرقام توزيع أعمالهم إلى خمسين ألف نُسخة (غلاف ورقي) في جنوب أفريقيا، ولكن الأغلبية تبيع أقل من خمسة آلاف نُسخة (رسالة بالبريد الإلكتروني للمولِّف بتاريخ ٢٥ سبتمبر ١٩٩٨م)، ويضيف «مجي»: إنَّه لا توجد محلات لبيع الكتب، في المناطق الشعبية التي يعيش فيها السود. العوامل المؤثرة إذَن هي الفقر، ومحدودية التعليم، وعدم وجود إمكانية لتنمية العلاقة بين القارئ والكاتب، عن طريق المكتبات المحلية … حيث لا وجود لمثل هذه المكتبات.
دار نشر «باوباب» Baobab Books
ما زال الناشرون الجادون مستمرِّين في محاولتهم، لتنمية جمهور قارئ، مثل دار نشر باوباب Baobab Books في زيمبابوي، التي برز نشاطها في نشر كتابات جيدة المستوى، على مدى عشر سنوات، وتتضمَّن قائمة الكُتَّاب الجيدين الذين تُنشر لهم أسماء، مثل «شنجيريا هوف Chenjeria Hove»، و«تشارلز»، و«ديفيد منجوشي»، Chorles and David Mungoshi، و«دامبدزو مارشيرا Dambudzo Marechera»، و«ألكساندر كانينجوني Alexander Kanengoni»، و«شيمر شينودا Shimmer Chi nodya»، و«إيفون فيرا Yvonne Vera»، وهي قائمة كُتَّاب جديرة بالإعجاب، خاصَّة وأنهم من دولة واحدة، وفي فترة زمنية قصيرة، وهي تشبه قائمة الكُتَّاب النيجيريين في فترة استقلال البلاد قبل أربعين عامًا، وبدون «باوباب»، وبدون «إيرين ستونتن Irene Staunton»، كناشرة، لبدت خريطة الكتابة الأفريقية مختلفة تمامًا، فما الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من ذلك؟ المطلوب هو العمل الجاد من قِبَل دار نشر واحدة، يتوفَّر لها النزاهة، وتكون مُهتمَّة بنوعية الكُتب، وبعد ذلك سيظهر الكُتَّاب، ولعلَّنا نتساءل عمَّا كان يمكن أن يحدث لمسيرة «تسيتسي دانجاريمبجا Tsitsi Dangarembga» الأدبية، لو أن روايتها الجميلة Nervous Conditions، كانت قد صدرت عن «باوباب بوكس». لم تكُن المشكلة أبدًا في عدم وجود كُتَّاب في القارَّة الأفريقية، ولا في قلَّة عددهم، المشكلة هي نقص الناشرين المخلصين.
لقد حصل عدد كبير من كُتَّاب «باوباب» على جوائز أدبية في الداخل والخارج، «شينجيراي هوف Chenjerai Hov»، و«شيمر شينوديا Shinner Chinodya»، و«إيفون فيرا Yvonne Vera»، وكما فعلت «شرق أفريقيا للنشر التعليمي» قامت «باوباب» كذلك بنشر طبعات مدرسية لعدد من كُتَّاب القارَّة البارزين، مثل «نور الدين فرح»، و«شينوا أشيبي»، و«ألكس لاجوما»، ولكن «باوباب» ما زالت تركِّز على كُتَّاب زيمبابوي؛ حيث إنَّ قربهم يمكِّن «إيرين ستونتن» من أن تقوم بما يندر أن يقوم به المحررون هذه الأيام. تقول:
دور الناشر في رأيي ليس مجرَّد نشر الكتب، وإنَّما إقامة علاقة، يمكن أن تساعد الكُتَّاب نقديًّا على النظر في أعمالهم قبل نشرها، والناشر يجب ألَّا يخشى مناقشة العمل، وطرح أسئلة عن تفاصيله؛ فالكلمات والجمل والعبارات والاستعارات هي المادَّة التي تُنسَج منها الشخصيات والحبكات والموضوعات بشكل متناغم في العمل كله، وبعد الانتهاء من كتابة عمل ما، سوف تختلف أساليب النظر إليه، والناشر لا بد من أن يكون بمثابة المصفاة الأخيرة، بحيث عندما يظهر، يكون المؤلِّف متأكدًا من أنَّ المكتوب هو ما يريد أن يوصله، وما يريد أن يقوله، وهذا يمكن أن يتحقق من خلال العلاقة المتبادلة بين المؤلِّف والمحرر/الناشر، ولكن — فقط — من خلال الثقة والاحترام المتبادل.
(رسالة بالبريد الإلكتروني للمؤلِّف في ٢٣ مايو ١٩٩٩م)
الشيء المهم أيضًا بالنسبة لهذه العملية التي تقوم بها «ستونتن» هو أنها غالبًا ما ينتج عنها أعمال تتطلب اهتمامًا جادًّا من القُرَّاء، أي إنَّ النصوص — باختصار — تكون صعبة، وأفضل مثال على ذلك هو نموذج «إيفون فيرا»، التي تمتاز رواياتها بكثافة تشبه تلك التي نجدها في أعمال «توني موريسون Toni Morrison»، التي تُتَّهم أحيانًا بالغموض من قِبَل القُرَّاء الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية. احتفالًا بالذكرى العاشرة لتأسيسها اتخذت «باوباب» خطوة غير مسبوقة بأن أطلقت ثلاثة مجلدات من الشِّعر في الوقت نفسه، مجموعة «شنجيراي هوف» (أقواس قزح في الغبار)، ومجموعة «تشارلز منجوشي» (اللَّبَّان لا يوزع اللبن فقط)، ومجموعة «كيريكور كيريكور» (هاكوراروي) والأخيرة، باللغتَين الشونا والإنجليزية. المجلدات الثلاثة مطبوعة على ورق فاخر صقيل، وبأغلفة ملونة وجيدة، وكانت النتيجة بشكلٍ عام بمثابة حدَث غير مسبوق في عالَم النشر من قِبَل أي دار أفريقية.
لم يكُن من السهل التركيز على الكيف، بدلًا من الاهتمام بالتسويق، وفي لقاء معها (٤ أغسطس ١٩٩٨م)، أبلغتني «إيرين ستونتن» أنَّ الأعمال التي تنشرها في «باوباب» لا بد من أن تكون مدعومة، ولذلك تستخدم براعتها وتُمضي وقتًا طويلًا في جمع الإعانات من المنظمات الدولية، والمؤسسات متعددة الجنسية، وهو ما حدث عند إصدار المجلَّدات الثلاثة، بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة لتأسيس الدار. نشر مجلَّد واحد من الشِّعر يُعتبر كارثة في نظر معظم الناشرين الأفارقة، أمَّا إصدار ثلاثة مُجلَّدات فكان سابقةً بكل تأكيد.
في بعض الأحيان كانت «ستونتن» تقوم بترتيب عمليات نشر مُشترك، مع ناشرين في الخارج، إلَّا أنَّ ذلك لا يمكن الاعتماد عليه، كما لا يمكن الاعتماد بشكل مُطلق على الحقوق المصاحبة لذلك؛ فالأموال التي تأتي من هذه الحقوق، كما تقول، «تأتي بالقطَّارة دائمًا، ولا بد من اقتسامها مع المؤلِّف مناصفة، وبالرغم من أنها قد أعطت الإذن بعشر طبعات من رواية «شنجيراي هوف» (عظام)، الصادرة في ١٩٨٨م، والحاصلة على جائزة، بالرغم من ذلك فإن أكبر مبلغ حصلت عليه من ناشر آخر عن هذه الحقوق، كان ألف دولار، وهكذا، لم تكن الخمسين في المائة التي حصلت عليها الدار كافية أبدًا لتغطية تكلفة عنوان جديد آخر. بالرغم من ذلك كله، فما زالت الكتب ذات النوعية الجيدة هي التي تحظى باحترام عالَم الأدب، خارج الحدود.»
النشر الجيد في أفريقيا ليس عملية سهلة، ولا يمكن تحقيقه بتكلفة قليلة، والنشر الجيد يعني أن يكون الكتاب قد تم تحريره ومراجعته جيدًا، وطباعته جيدة، وغلافه جيد. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعل كاتبًا من العالَم الثالث يلقى اهتمامًا نقديًّا في العالَم الأول، لا بدَّ أن يكون أمام الكاتب الخيار في أن ينشر بشكل جيد في وطنه، أو لا، وإذا كانت نوعية الإنتاج تعكس نوعية العمل يمكن بعد ذلك بيع الحقوق في العالَم الأول، وليس العكس.
تطبع «باوباب» ٢٠٠٠ نُسخة عادةً من الكتاب، وأكثر الكتب نجاحًا يبيع حوالي ٨٠٠–٩٠٠ نُسخة سنويًّا، بالرغم من أنَّ رواية «إيفون فيرا» «تحت اللسان Under the Tongue»، باعت ٢٠٠٠ نسخة في سنة واحدة، توزيع خمسمائة وستمائة نُسخة في السنة، يُعتبر نسبة جيدة، وإذا اعتمدت «باوباب» على طلبيات بعض المكتبات المهمة (أي من داخل زيمبابوي)، فسوف يتحسَّن الوضع كثيرًا، وإذا وافقت على حذف بعض الأجزاء، التي تلقى اعتراضًا من الرقابة الحكومية، فسوف يتحسن الوضع أكثر، ولكنها كانت تتردد دائمًا في أن تفعل ذلك. كثير من إصدارات «باوباب» يحصل على مُعظم الجوائز الأدبية في البلاد (في معرض زيمبابوي الدولي للكتاب، الذي يُنظَّم في أغسطس من كل عام)، ولكن بالرغم من هذه الجوائز، وبالرغم من إشادة المنظمات الدولية بكتب «باوباب»، فقد أعلنت الشركة الأم (Academic Books) سنة ١٩٩٨م فجأةً عن عرض «باوباب» للبيع بزعم أنها لا تحقق مبيعات جيدة. بعد ذلك بأشهرٍ قليلة انتهت علاقة «إيرين ستونتن» بدار «باوباب»، وقبل هذا التطوُّر بفترةٍ قصيرة كانت «ستونتن» قد كتبَت إليَّ عندما سألتها عن فلسفتها في النشر: الناشرون الجيدون، يُشبهون الكُتَّاب في عدَّة أمور؛ فهم يؤمنون بالكتب، وبتطوير قوائم مطبوعاتهم كعمل إبداعي، وكوضع، وكهوية مُتَّسِقة. الناشرون الجيدون ينشرون لأنهم يؤمنون بما يفعلونه، ويريدون أن يمنحوا حياةً للأصوات التي تبدو لهم ذات معنًى، ولها صدًى في مجتمعاتهم. إنَّهم يفعلون ذلك، لكي يجعلوا هذه الأصوات مسموعة … مسموعة على أوسع نطاق.
بالرغم من وجود ناشرين غير تقليديين، مثل «ستونتن»، فليس من الصعب أن نفهم درجة الشك الموجود بين كثير من الكُتَّاب الأفارقة وناشريهم؛ فكل طرف لديه توقُّعات ومفاهيم مختلفة عن واقع عالَم النشر، وكثيرًا ما لا تُحقِّق المطبوعات عائدات، وقد تنشر الكتب ولكن التوزيع يكون شديد السوء، ولذلك عندما يراها الكاتب في الأسواق، يتصوَّر أنَّ الناشر يثري من ورائها. قرصنة الكُتب — كذلك — مشكلة كبيرة في عدد من الدول الأفريقية، ولكنَّ الكُتَّاب يعتقدون أنَّ ناشريهم يقومون أحيانًا بهذه القرصنة؛ أي إنهم يقدِّمون معلومات مغلوطة عن أرقام التوزيع. هذا الرأي عبَّر عنه «أولالاري أولاديتان Olalare Oladitan»، في معرض زيمبابوي الدولي للكتاب (١٩٩٨م)، ومن ناحية أخرى، يشعر الناشرون بأنَّ الكُتَّاب لا يعرفون تفاصيل عملية النشر وما تتضمَّنه، كما يُشير تقرير ندوة الكُتَّاب والناشرين في «أروشا» (١٩٩٨م) إلى أنَّ «هناك حاجة لأن يفهم الكُتَّاب الحقائق العملية، والتكلفة التي تتضمنها الطباعة، والتخزين، والتوزيع، وغيرها من العمليات، ومن جانبهم، فإن الناشرين لا بدَّ من أن يفكروا فيما يجب عمله من أجل تقديم خدمات أفضل للكُتَّاب» (p. 5). في هذه الندوة اتفق المشاركون العشرون من الكُتَّاب والناشرين من أنحاء القارَّة، على قانون جديد يحكم عملهم، ليكون أكثر إنسانية، ويحسِّن العلاقات بينهم، وتحدد الوثيقة التي جاءت بعنوان «صفقة جديدة» بين الكُتَّاب والناشرين، ما يتوقعه كل طرف من الآخر، لا جديد هنا، لا شيء أكثر من قواعد النشر المعروفة في الغرب سوى اعتراف الطرفين «بضرورة عمل شيء ما»، ومعظم الاتفاق محاولة لجعل كل طرف على علم بما يفعله الطرف الآخر في جميع المراحل، بدءًا من تسليم الكاتب مخطوطته، وانتهاءً بمسئوليات ما بعد البيع، واستلام مستحقَّاته، والعبارات النهائية لها الدرجة نفسها من الأهمية: «لا بدَّ من تشجيع مشاركة الكُتَّاب في كل جوانب النشر في أفريقيا، وكذلك في كل الجهود المبذولة من أجل دعم وتنشيط اتحادات الكُتَّاب، كما نرحِّب بإعلان شبكة الناشرين الأفارقة بأنَّ مهمتها هي تقوية اتحادات الناشرين من خلال وسائل الاتصال، والتدريب، والترويج للكتب الجيدة المرتبطة بالواقع الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي الأفريقي، كما أنَّ هناك حاجة لدعم إنتاج الكُتب المدرسية، والكتب الإبداعية، وتشجيع المؤلِّفين على الكتابة باللغات الأفريقية، وتنمية القيم الأفريقية الإيجابية، وأن يجد الناشرون وسيلة لنشر هذه الأعمال، بحيث تحقِّق ربحًا، وتكون في متناول الأفارقة في الوقت نفسه.» (p. 35)
وهناك أملٌ كبير، في أن يساعد مؤتمر «أروشا»، على تخفيف حدَّة التوتُّر بين الكُتَّاب والناشرين.
١
Encyclopedia of Africa, p.537.
٢
“Africa-The Neglected Continent”, Logos, 1990. p. 20..
٣
“The Production and Marketing of African Books”, Logos, 1998, p. 107.
٤
African Publishers Network.
٥
Quoted in Zell: “The Production and Marketing of African Books”, p. 104.
٦
Encyclopedia of Africa, p. 536.
٧
Publishing in Africa: “One Man’s Perspective”, (1996) by Henry Chakava.
٨
“Publishing and Book Trade in Kenya”, (1997) by Ruth L. Makotsi and Lily K. Nyariki.
٩
Chakava, “Publishing in Africa”, p. 45.
١٠
Talking Books, 1997, p. 15.
محنة الكاتب الأفريقي |
الفصل الخامس الرعب … الرعب!
«نحن الذين نكتب في كينيا، في أفريقيا، في العالَم الثالث … نحن نموذج لكاساندرا الجديدة في العالَم النامي، محكوم علينا بأن نصرخ في وجه الثقافات الاستعمارية الجديدة، ثم نكون مستعدين بعد ذلك لدفع الثمن بالسجن، والنفي، وربما الموت.»
نجوجي وا ثيونجو
(Detained: A Writer’s Prison Diary, 1981)
«ما موضوع الأدب؟ لقد بدأ بطرد آدم من الجنَّة، وما يفعله الكُتَّاب في الواقع هو أنهم يلهون، إمَّا بأسطورة الخلق، أو أسطورة العودة، وبين القوسين هناك ذلك الوعد بالعودة، وبينما ننتظرها نروي القصص، ونصنع الأدب، ونُنشد الشِّعر، ونتذكَّر الماضي، ونعيش الحاضر، نحن الكُتَّاب نروي قصة هذه العودة بالأساس.»
نور الدين فرح
(Literature in Exile, 1990)
لم تكُن نهاية القرن العشرين فترة سعيدة بالنسبة لكثير من الكُتَّاب غير الغربيين على نحو خاص، وليس الأفريقيين وحدهم؛ فالفتوى التي عُمرها عقد من الزمان ضد «سلمان رشدي»، بسبب نشره «آيات شيطانية» تظل في أذهان الكثيرين، باعتبارها رمزًا للعصر، كما تعرَّض الروائي المصري «نجيب محفوظ» لطعنة سكين متعصِّب من أحد أبناء وطنه لا يحب روايات الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للآداب، أمَّا الكاتبة البنجلاديشية «تسليمة نسرين»، فقد فرَّت من وطنها في صيف ١٩٩٤م خوفًا على حياتها من بعض قُرَّائها المتطرِّفين (أو على الأرجح من غير قُرَّائها)، هؤلاء الكُتَّاب الثلاثة، نجوا من أسوأ كوابيس الكثيرين من كُتَّاب العالَم الثالث: نجوا من الموت، ولكن ذلك لم يكُن مصير الكاتب النيجيري «كين سارو-ويوا»، الذي أعدمته حكومة بلاده شنقًا، في ١٠ نوفمبر ١٩٩٥م، لتحيي بذلك النمط القديم لأفريقيا، باعتبارها القارَّة السوداء.
لقد عانى الكُتَّاب الأفارقة من سوء المعاملة، والترويع، والامتهان، والرعب الحقيقي أكثر من نظرائهم في بقية العالَم غير الغربي، أمَّا أحد تفسيرات هذا الرعب، الذي لا مُبرر له، فلا شك، في أنه يرجع إلى ما أشار إليه «كين سارو-ويوا»، بحاجة الكاتب الأفريقي إلى الالتزام، مُلمِّحًا إلى وضعه الخاص كناطق باسم شعب «أجوني»؛ إذ كتب يقول:
«عندما يكون الأدب في ظرف دقيق، كما هو الحال في نيجيريا، فمن المستحيل، أن يكون منفصلًا عن السياسة، والحقيقة، أن الأدب لا بدَّ من أن يكون في خدمة المجتمع بأن يغمس نفسه في السياسة، بأن يتدخَّل فيها، وينبغي ألَّا تكون كتابة الكُتَّاب لمجرَّد التسلية، أو للنظر بذهول إلى المجتمع. لا بدَّ من أن يقوموا بدور اقتحامي، لا بدَّ من أن يكون الكاتب هو الإنسان الفاعل L’homme engage»، هذا الاقتباس، من كتابه «شهر ويوم: يوميات الاعتقال»، ١٩٥٥م (p. 81). الذي نُشر بعد إعدامه بفترة قصيرة، ولكنه كان قد كتب أعمالًا أخرى غير روائية، أبعدته قليلًا، عن أعماله الإبداعية.
هذا الابتعاد عن الأعمال الإبداعية، والشِّعر والدراما، والاتجاه إلى مجال التعليق السياسي الأوسع، كان مشحونًا بتعقيدات لكثير من كُتَّاب القارَّة، وخاصَّة كُتَّاب نيجيريا. كانت الكتابة الإبداعية ترفًا يراوغ عددًا من أشهر كُتَّاب البلاد، وقد شنَّ «شينوا أشيبي» هجومًا مباشرًا على المشكلة، في كتابه … The Trouble with Nigeria (١٩٨٣م)، ولكن الطُّغاة والسفَّاحين لا يقرءون، كما هو معروف عنهم: مُشكلة نيجيريا أو عِلَّتها، بكل بساطةٍ ووضوح، هي فشل القيادة، ليس هناك عيب جوهري في الشخصية النيجيرية، ولا في الأرض النيجيرية، ولا المناخ، أو الماء، أو الهواء، أو أي شيء آخر، مشكلة نيجيريا هي عدم استعداد قادتها، أو عدم قدرتهم، على الارتفاع إلى مستوى المسئولية، إلى مستوى تحدي النموذج الشخصي، وتلك هي السِّمات الحقيقية، المميزة للقيادة السليمة. (p. 1)، بعد ذلك بأكثر من عقد، جاء كتاب «وولي شوينكا»: The Open Sore of a Continent: A Personal Narrative of the Nigerian Crisis (1996).
لينقل هذا الخطاب إلى مرحلة أبعد، وهي الهجوم المباشر، على الزعيم المزعوم، سيئ الذِّكر «ساني أباشا Sani Abacha»، ولك أن تتخيل مثلًا كاتبًا مثل «وليم فوكنر William Faulkner»، أو «إيرنست هيمنجواي Ernest Hemingway»، أو كاتبًا أحدث قليلًا، مثل Anne Tyler، عندما ينتزعون أنفسهم من أعمالهم الروائية، ليتناولوا موضوعًا مخيفًا مثل القيادة.
هناك بالطبع كثير من الكُتَّاب الغربيين الملتزمين، أو الفاعلين، كما كان «كين سارو-ويوا»، وفي هذا السياق، ترِد إلى الذهن أسماء مثل «ألدوس هكسلي Aldous Huxley»، و«آرثر كويستلر Arthur Koestler»، و«نورمان ميلر Norman Mailer»، و«دوريس ليسنج Doris Lessing»، ولكن عددًا كبيرًا من الكُتَّاب الأفارقة، قد توقفوا عن الكتابة، أو تركوا أعمالهم على نحو مفاجئ، بسبب اتساع شبكة الرقابة، أو التهديد، أو السجن الفعلي، أو النفي، سواء الإجباري أو الاختياري، بالرغم من صعوبة التمييز الفعلي، بين النوعين أحيانًا. صفحات Index on Censorship، ومطبوعات نادي القلم الدولي، ومنظمة العفو الدولية مليئة بأمثلة على التحرُّش المستمر بالصحفيين الأفارقة خاصَّة، وكُتَّاب القارَّة بشكل عام، وهناك أمثلة مزعجة كثيرة من أفريقيا، لا يستطيع أن يتجاهلها أيُّ كاتب في الغرب؛ لأن ما يحدث لكاتب في نيجيريا، أو غينيا، أو أي مكان آخر، إنما هو أمرٌ يعنينا كُلنا، بيد أن الكُتَّاب الغربيين الذين كانوا يُعبِّرون عن غضبهم لإساءة معاملة نظرائهم خلف الستار الحديدي أثناء الحرب الباردة، لم يُبدوا اهتمامًا خاصًّا — في معظم الأحيان — بكُتَّاب أفريقيا، أو العالَم الثالث؛ فعندما صدَرت الفتوى ضد «سلمان رشدي»، كان هناك صمت مُربك من جانب كثير من الكُتَّاب والأكاديميين الأمريكيين، كما تكرَّر الموقف نفسه عند إعدام «كين سارو-ويوا».
لا بدَّ من أن تكون البيئة الخطِرة، التي يكتب فيها الكُتَّاب الأفارقة مدعاة لقلق الكُتَّاب في الغرب؛ فالمشكلات لم تنتهِ، ولا يبدو ذلك ممكنًا في المستقبل المنظور، هناك دول بأكملها في القارَّة، لا وجود فيها لكُتَّاب مبدعين تقريبًا — سيراليون، وليبيريا، ورواندا، والكونغو، مثلًا — وهناك دول أخرى كثيرة حالة الأدب فيها يُرثى لها، كما أنَّ المشكلات ليست مجرَّد مشكلات معاصرة، وإنما تعود إلى بدايات فترة ما بعد الاستعمار.
«كامارا لايي Camara Laye»: موت الفنان
في الستينيات والسبعينيات كان نُقَّاد الأدب الأفريقي (وأنا منهم) يشيرون كثيرًا إلى الكاتب الغيني «كامارا لايي»، باعتباره مؤلِّف الرواية الأفريقية العظيمة «نظرة الملك» (Le regard du roi) (١٩٥٣م)، التي تُرجِمت إلى الإنجليزية، بعنوان The Radiance of the King، نفس الدرجة من التقريظ تقريبًا كانت من نصيب رواية L’enfant noir، في سنة ١٩٥٢م، التي تُرجمت بعناوين مختلفة، مثل «الطفل الأفريقي»، و«الطفل الأسود»، وهي السيرة الذاتية ﻟ «كامارا لايي» (رغم إشارة بعض النقاد إليها كرواية)، كما ظهرت على غلاف الكتاب عبارة مقتبسة عن هيئة الإذاعة البريطانية، تقول: إن «لايي هو أول كاتب عبقري يخرج من أفريقيا»، وقد حصلت رواية «الطفل الأسود» على جائزة «شارل فيللون»، إلَّا أنَّ الكثير من هذا المديح طواه النسيان في السنوات التالية، وذلك — دون شكٍّ — لأنَّ «لايي» مات سنة ١٩٨٠م، وهو في الثانية والخمسين، وفي ذلك الوقت كان نتاجه قد قلَّ نتيجة لسلسلة من الأحداث التعسة، إنْ لم تكُن مأساوية، كما أثارت «ليليان كيستلوت Lilyan Kesteloot»، أسئلة كثيرة، حول المؤلِّف الحقيقي لرواية Le regard du roi..
«لايي» من مواليد «كوروسا» في غينيا العليا سنة ١٩٢٨م، لإحدى عائلات «المالينكي» المتميزة، كان أبوه حدَّادًا مشهورًا، وحِرَفيًّا ماهرًا، كما وصفه «لايي» في «الطفل الأسود»، في التاسعة عشرة ذهب «لايي» إلى فرنسا، في منحة لدراسة صناعة السيارات، وبعد الانتهاء منها، قرَّر البقاء للحصول على البكالوريا، ولمَّا كانت المنحة الحكومية قد توقَّفت عملَ بمهن مختلفة لكي يعُول نفسه، ويدبِّر مصروفات مدرسة ليلية، وفي وحدته واكتئابه لعزلته وابتعاده عن وطنه بدأ يكتب مذكَّراته عن مرحلة الطفولة، فكانت «الطفل الأسود»، التي تُعتبر واحدة من أنقى القصص، التي ظهرت عن الطفولة وأكثرها صدقًا في أي مكان، ولا شك أن أهم أسباب ذلك كان الكتابة، بصرف النظر عن عملية النشر.
مثل «آموس تيوتولا»، كان «كامارا لايي» كاتبًا آخر بالمصادفة، أتبَع كتابه الأول بكتاب ثانٍ أكثر طموحًا، وهو Le regard du roi بعد عام واحد، الشخصية الرئيسية في هذه الرواية (كلارنس) أوروبي، ذو خلفية يصعُب تصنيفها، وهو موجود في أفريقيا بالمصادفة، قامَرَ بممتلكاته المتواضعة، ويحاول أن يعمل لدى الملك الذي يعتقد أنه سوف يستأجره لمجرَّد أنه أبيض، أو بمعنى آخر، لأنه أفضل من الأفارقة المحيطين به. تحيزات «كلارنس» ضد الأفارقة كثيرة في الحقيقة، إلَّا أنَّ «لايي» يجعل ما هو متعذِّر فهمه ممكنًا بإزالة قصر نظره تدريجيًّا، إلى أن يحوِّله في آخر الرواية إلى أفريقي.
«نظرة الملك Le regard du roi»، واحدة من القصص النادرة عن المواءمة الثقافية وهي عمل متفائل بإمكانياتنا كبشرٍ؛ لكي نفهم بعضنا البعض، و«كامارا لايي» نفسه لم يكن أسيرًا للجدل والخطابة، ولكنه كان متفائلًا دائمًا في تناوله لظروف الإنسان على الأرض.
هناك قصصٌ وروايات مختلفة، عن حياة «كامارا»، ولكننا نعرف أنَّ «الطفل الأسود» نُشرت؛ لأنَّ صديقًا فرنسيًّا للمؤلِّف قرأ المخطوطة وأدرك أهميتها، وعندما عاد «كامارا» إلى «غينيا»، كان قد أصبحَ مشهورًا في فرنسا بوصفه كاتبًا شغل عدَّة مناصب في حكومة غينيا، واستمرَّ في الكتابة، وفي وقتٍ ما في أوائل السبعينيات عرف «سيكوتوري Sekou Toure» — رئيس غينيا — بأمر الكتاب الجديد الذي كان «لايي» يكتبه، وربما يكون قد قرأ المخطوطة (أو أن يكون أحد قد قرأها له)، ورأى أنها كانت تنتقد نظامَه، وتلقَّى «لايي» إخطارًا بأنه يمكن أن يبقى في غينيا بشرط ألَّا ينشر الكتاب.
فرَّ «لايي» إلى السنغال، ونشر رواية Dramouss في باريس في ١٩٦٦م، أي بعد ثلاث عشرة سنة من نشر كتابه السابق، وكانت «دراموس» تكملة لرواية «الطفل الأسود». كان عنوان الطبعة الإنجليزية «حلم بأفريقيا A Dream of Africa» (١٩٦٨م). تبدأ القصة بعودة فاتومان (لايي) إلى غينيا، في إجازة لمدَّة أسبوعين بعد ست سنوات في فرنسا. الصدمات التي تواجهه في كل مكان ذات صلة بالتغيرات السياسية المشئومة في بلاده التي يحبها، وبأحوال والده في عمله. كانت البلاد وهي تقترب من الاستقلال، في حالة تمزُّق، تعاني من الصراعات والانشقاقات السياسية والمطالب الأخيرة للبقية الباقية من الزعماء، وبعد مؤتمر سياسي، يقوم «فاتومان» بتنفيذ ما قاله المتحدثون. ويقول وهو يشعر بالحسرة على مستقبل بلاده: لا بدَّ من أن يقول المرء إنَّه بالرغم من أنَّ الاستعمار كان شرًّا مستطيرًا بالنسبة لبلادنا، فإن النظام الذي تطرحونه سيكون كارثة لها نتائجها التي ستبقى عِدَّة عقود، لا بدَّ من أن يتكلم أحد ليقول إنَّ نظامًا يعتمد على سفك الدماء، من خلال عمليَّات الإحراق العمد للأكواخ والمنازل، ليس سوى نظام للفوضى والدكتاتورية، نظام يقوم على العنف. (p. 164)
كما يصف «فاتومان» لوالده مستقبل غينيا وهو يروي له حُلمًا رآه عن «الإلهة رداموسي»: رأيت شعبًا في أسمال ومزق بالية، شعبًا يتضوَّر جوعًا، شعبًا يعيش في ساحة يحيط بها سور عالٍ بارتفاع السماء، وفي هذا السجن الكبير، كانت القوة هي القانون الوحيد، أو ربما لا بد من أن أقول: إنَّه لم يكن هناك قانون على الإطلاق. كان الناس يُعاقَبون، ويُعدَمون دون محاكمة … الأمر مُرعب! هؤلاء الناس هم شعب غينيا، شعب أفريقيا. (pp. 183-84)
بنشر «دراموس: حلم أفريقيا»، أصبح الكاتب المعتدل كاتبًا ملتزمًا، أو إنسانًا فاعلًا، بعبارة «كين سارو-ديوا».
على مستوى شخصي أبعد من ذلك، كان «كامارا لايي» شديد الانزعاج، لما حدث لوالده أثناء غيابه، البراعة الفنية التي وصفها بعناية في «الطفل الأسود» أصبحت مُهدَّدة أمام حالة الفورة الثقافية؛ فلكي يكسب قوته أصبح والد «فاتوم» مضطرًّا لحفر منتجات خشبية للسائحين، وعندما يطلب «فاتوم» من والده أن يُعطيه التمثال الذي كان يقوم بحفره، يقول له والده: إنَّ الصائغ الأفريقي القديم قد أصبح شيئًا من الماضي: في تلك الأيام كان فن الحِدادة يفوق كل الفنون الحِرَفية الأخرى، كان فنًّا نبيلًا بحقٍّ، وساحرًا وحقيقيًّا، وكان يتطلب مهارة أكبر ومعرفة أكثر من كل الفنون، وكان من الطبيعي في تلك الأيام أن يتجه الناس إلى الحدَّاد، لا ليصنعَ لهم شيئًا يستطيع أي شخص أن يصنعه، وإنَّما ليصنع نماذج تصوِّر الأسلاف (أقدم نماذج لها الطوطم)، ولعمل أقنعة الرقصات التقليدية الطقسية التي كانت قوى الحدَّاد الكامنة تجعلها مقدَّسة، لأنه خالقها، وبالرغم من أنَّ هذه القوى، لم تمُت تمامًا يا بُني، فإنني لا أستطيع أن أُخفي عنك أنها قد فقدت قدرتها إلى حدٍّ ما، وأنها لم تعُد تهتم بطبيعة مجتمعنا الخاصَّة، التي سمحت لنفسها بأن تتحوَّل إلى الإسلام، بالرغم من أنها لم تتخلَّ تمامًا عن معتقداتنا الخاصَّة، وإذا كانت طبقتُنا ما زالت قوية، فمَردُّ ذلك إلى أننا نحن الحدَّادين وعمال المعادن بِتنا نصنعُ أشكالًا بعيدة عن أي اهتمامات دينية، وليس صحيحًا أن أفكار القوَّة والسِّحر قد ماتت تمامًا واختفت؛ لأنها لم تعُد موجودة حيث كانت في السابق، ولكنَّها بدأت تذوي وتندثر تحت تأثير الأفكار الحديثة؛ لذا فإن هذا الشكل الذي ستأخذه معك لن يكون أكثر من حِلية، أو زينة.» (p. 131-32)
اندثار فن والده يمكن فهمه باعتباره خوف «لايي» من أن يموت فنُّه أيضًا.
لم تكن بقية حياته سهلة، فقد دفع ثمنًا باهظًا نتيجة قراره بأن ينشر كتابه الثالث، كانت كُتبه ممنوعة في غينيا وفي منفاه في السنغال حصل على وظيفة بحثية، في أحد المعاهد العلمية Institut Fondamental d’Afrique Noir، بواسطة رئيس البلاد «ليو بولد سيدار سنجور Léopold Sédar, Senghor»، الذي يشاركه الاهتمام بالأدب، والزنوجة Négritude،١ وعندما عادت زوجة «لايي» إلى غينيا في زيارة قصيرة بسبب حالة وفاة في العائلة وضعها «سيكوتوري» في السجن انتقامًا من الكاتب، حيث بقيت سبع سنوات. (Evenson and Beus, “Camara Laye” 1997, p. 277.)
تدهورت صحة «لايي» الجسدية والنفسية، وكان لا بدَّ من التردد على المستشفى، والبقاء به لفترات متقطعة، وبالرغم من أنه نشر عملًا رابعًا، قبل وفاته بفترة قصيرة Le maitre de la parole (١٩٧٨م)، الذي تُرجم إلى الإنجليزية ﺑ The Guardian of the Word (١٩٨٠م) (حارس الكلمة)، والذي هو إعادة صياغة للملحمة المالية «سوندياتا Soundiata»، بالرغم من ذلك فإن بقية حياته كانت مليئة بمشروعات مُجهضة، ومخطوطات أعمال لم تكتمل، ومن بين الأوراق التي تركها رواية كان يُشير إليها ﺑ «المنافي The Exiles»، ربما تُلقي الضوء على أزمته ككاتب انتُزع من جذور أسلافه، ولكن العمل لم يكتمل.
عندما التقيت «لايي» في «داكار» سنة ١٩٧٣م، قال لي: «لا أحد في أفريقيا اليوم لديه الحرية لكي يكتب ما يريد، لا أحد حُر؛ لأنَّ الحُكَّام الأفارقة لديهم حساسية شديدة، ولن يستمعوا لشعرائهم، ولا لفنانيهم الذين يسبق تفكيرهم تفكير السياسيين بسنوات.» (مقابلة مع المؤلِّف في مايو ١٩٧٣م)، ولا يستطيع أحد أن يغفل عن السخرية التي تنطوي عليها العبارة، «سكوتوري» طرَدَه أمَّا الملاذ فكان عند «سنجور». كان «لايي» يعرف أنَّ بقاءه هو سبب عدم إكمال عمله «المنافي»، ويبدو كذلك أنه كانت هناك مشكلة «السكتة الكتابية»!
كان «كامارا لايي» إنسانًا متواضعًا، لا يعرف الادِّعاء، وفنانًا نادرًا يُضفي على أعماله رؤية من التفاؤل والإنسانية، وبالرغم من أنه كان يصف دَور الكاتب، بأنه دَور الرجل الواهِن الذي يحمل عبء مجتمعه على كاهله، كان كل مَن يلتقونه، يجدون أنفسهم أمام شخص ذي قوَّة داخلية جبَّارة، وصلابة لا مثيل لهما. عنوان آخِر أعماله «حارس الكلمة The Guardian of the Word»، أصبح هو مرثاته؛ فقد كتب يقول فيه: «إننا ينبغي ألَّا نخلط بين حارس الكلمة، والمأجورين «تُجار الموسيقى، ومُنشدي الكوراس، أو عازفي الجيتار، الذين يجوبون شوارع المدن الكبرى، بحثًا عن ستوديوهات للتسجيل.» (p. 24) الحارس الحقيقي للكلمة، كان واحدًا من أهم أعضاء المجتمع القديم ذي التراتبية الاجتماعية المحدَّدة؛ فهو فنَّان قبل أن يكون مؤرِّخًا، وحارسًا للتراث، وللقيم الثقافية والتقاليد التي يعرفها، وبالتالي فإن مرويَّاته وأساطيره وملاحمه أعمال فنية، وعليه، فإن الموروث الشفاهي فن أكثر مما هو عِلم، وكما يفعل النَّحَّات، أو المثَّال الأفريقي، فإن حارس الكلمة، لا يقدِّم التاريخ بأسلوب الأمر الواقع، إنَّه يُعيد حكيه مستخدمًا صورًا قديمة مهجورة، الحقائق تُترجم إلى أساطير مُسلِّية بالنسبة للإنسان العادي، ولكنَّها تنطوي على معانٍ سرية لأولئك الذين يستطيعون قراءة ما بين السطور.» (p. 25.)
الرقابة
باستثناء دولتين أو ثلاث في أفريقيا جنوب الصحراء لا توجد رقابة شاملة على الأعمال الأدبية، وإنما هي رقابة موجَّهة كيفما اتُّفِق بالنسبة لكُتَّاب معيَّنين، ولأعمال مُعيَّنة لهؤلاء الكُتَّاب أحيانًا من الذين يكونون قد أساءوا إلى أشخاص في السُّلطة، أو أزعجوهم، وغالبًا ما تكون الأسباب سياسية؛ فالزعماء الأفارقة يضيقون بحرية الصحافة، هذا إن كان لمثل هذه الحرية وجود أصلًا. الصحفيون غالبًا، هم الأكثر عُرضة للرقابة، ولكن بالرغم من أنَّ الرقابة على الأعمال الإبداعية صارمة — بالمقاييس الغربية — فإنها كانت دائمًا محدودة، يمكن التنبؤ بها، وعليه، فقد كانت هناك أعمال فردية محظورة لعدد من كُتَّاب القارَّة في مرحلة ما بعد الاستعمار، بالإضافة إلى أعمال عدد كبير من كُتَّاب جنوب أفريقيا، ومالاوي (مثل لجسون كاييرا Legson Kayira، وجاك مابانجي Mapanje Jack، ولوبنجا مباندي Lupenga Mphande… إلخ)، ومن الكُتَّاب الذين كان هناك حظر على بعض أعمال لهم: «وليم سعيدي William Saidi» من زيمبابوي، و«نجوجي وا ثيونجو Ngugi wa Thiong’o» من كينيا، و«نور الدين فرح» من الصومال، و«كامارا لايي Camara Laye» من غينيا، و«سيميليه م. كوردر Similih M. Cordor» من ليبيريا، و«رينيه فيلومبي René Philombe» من الكاميرون.
أحيانًا يستطيع الكاتب أن يرد بقوة في عمل من أعماله؛ ففي رواية «شينوا أشيبي» الرابعة وهي هجائية بعنوان A Man of the People (١٩٦٦م)، نجد «شيف نانجا» وزير ثقافة البلاد شخصية سياسية أكثر منه شخصية راقية محبَّة للجمال، مما يمنح الكاتب فرصة لتوجيه سخريته نحو أحداث ربما يكون قد خبرها في الواقع. في الرواية نجد «أوديلي Odili» (الراوي)، عندما يُدعى إلى منزل الوزير، يشير بسرعة إلى الكُتب الموجودة في مكتبته، ويقول: كانت هناك موسوعة أمريكية، موضوعة كديكور، ورواية She لريدر هاجارد، و«عائشة Ayesha»، أو The Return of She، وبعض كتب ماري كوريللي، وبرتا كلاي، وأتذكر على نحوٍ خاص The Sorrows of Satan، كان ذلك هو كل شيء تقريبًا، باستثناء بعض المواد الأخرى، مثل: Speeches: How to Make Them (p. 38)، والأسوأ، أن الوزير لا يعرف شيئًا عن كُتَّاب بلاده، ويقول «أوديلي»: «وقال وزير الثقافة على الملأ إنَّه لم يسمع أبدًا بأشهر رواية في بلاده، وصفقوا له، كما صفقوا له بعد ذلك عندما قال إنه لن يمر وقتٌ طويل قبل أن يظهر في بلادنا كُتَّاب عِظام، مثل «شكسبير»، و«دكنز»، و«جين أوستن»، و«برنارد شو» ثم رفع عينيه من على الورقة وقال: و«مايكل وست»، و«ددلي ستامب» (p. 62)، وهذا كثير على كاتب في أفريقيا.»
نتمنى أن تكون الرقابة على الأعمال الأدبية في أفريقيا قد أصبحت شيئًا من الماضي؛ ففي مرحلة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وفي مالاوي، تحت حكم «هيستنجز باندا Hastings Banda»، كان وحش الرقابة طليقًا يلتهم كل شيء في طريقه تقريبًا، وبعض الأمثلة التي نسوقها من جنوب أفريقيا، تبدو مضحكة أكثر منها براجماتية، ولأنَّ الفصل العنصري، كان لا بدَّ من تحقيقه بأي ثمن، كان الرُّقباء يمنعون حتى الكُتب التي لا علاقة لها بالاندماج العِرقي، أو تدعو إليه، ولذا، نجد أنهم في وقت من الأوقات منعوا أعمالًا مثل: Black Beauty من تأليف «أنَّاسيول Anna Sewell»، وReturn of the Native من تأليف «توماس هاردي Thomas Hardy»، بسبب ما قد توحي به عناوينها، وكانت مثل هذه الإجراءات السخيفة مربكة للذهن، بالرغم من أنَّ أصحاب هذه الأعمال لم يكونوا من الأحياء، ولكن الشبكة التي اصطادت كثيرين من كُتَّاب جنوب أفريقيا من مواليد القارَّة، أو من مواليد أوروبا، كانت تحتوي أيضًا على أعمال فردية لكُتَّاب يحظون بمكانة عالمية، مثل «نادين جورديمر – Nadine Gordiner»، و«أتول فيوجارد Athol Fugard»، اللذين يكتبان بالإنجليزية، وغيرهما من ذوي الأصول الأوروبية، الذين سجلوا فظائع التفرقة والاضطهاد العنصري، وكانوا يهزون القارب، وينتقدون تراثهم بكل جرأة مثل «أندريه برنك Andre Brink»، و«إيتيان ليرو Etienne Leroux»، و«ج. م. كويتزي J. M. Coetzee»، و«بريتين بريتنباخ – Breyten Breytenbach».
من المعروف أيضًا، أنَّ لجنة الرقابة كانت تراقب وتراجع وتحظر وتمنع الأعمال على أساسٍ عنصري؛ ففي سنة ١٩٦٦م أعلنت Government Gazette Extraordinary حظرًا شاملًا، على أعمال ٤٦ من كُتَّاب جنوب أفريقيا السود؛ حيث لم يكُن بالإمكان نشر، أو إعادة طباعة، أو اقتباس كلمة واحدة لأي منهم في البلاد، وكان من بينهم «أسكيا مفاليلي Es’kia Mphahlele»، و«لويس كوزي Lewis Nkosi»، و«بيسي هيد Bessie Head»، و«كان تيمبا Can Themba»، و«ريتشارد ريف Richard Rive»، و«دينيس بروتس Dennis Brutus»، و«ألكس لاجوما Alex La Guma»، و«بيتر أبرامز Peter Abrahams»، وأحيانًا كانت تُمنع أعمال هؤلاء الكُتَّاب لكونهم ماركسيين، وكانت سلطات جنوب أفريقيا قد اكتشفت أنَّ ردود الفعل والاستجابة لأنشطتهم يمكن أن تخمد لو أنهم أوقفوا قضية الشيوعية. الأكثر مدعاةً للأسف هو أنَّ بيروقراطية الاضطهاد العنصري كانت تسمح للكُتَّاب بمغادرة البلاد شريطة ألَّا يعودوا، ولذلك كان كثير من كُتَّاب جنوب أفريقيا الذين يعيشون في لندن ونيويورك يعرفون أنَّ التفرقة العنصرية والاضطهاد لن تنتهي دون معركة دامية، وقد صدرت كتب ومقالات كثيرة عن هؤلاء الكُتَّاب وسوف نكتفي هنا ببعض الأمثلة لتوضيح الصورة.
الاضطهاد العنصري، دفع بالكاتبة «بيسي هيد Bessie Head» إلى الجنون، «بيسي»، ابنة زواج مختلط (أمها بيضاء، وأبوها أسود)، أُعيد تصنيفها فجأة من بيضاء إلى ملوَّنة، ولم تبرأ من مرضها بشكل كامل. حاولت في روايتها الصادرة سنة ١٩٧٣م بعنوان A Question of Power أن تقدِّم — على نحو غير مباشر — حياتها كطفلة في جنوب أفريقيا، إلى جانب سنوات المنفى التالية في «بتسوانا»، والرواية بشكلٍ عام دليل على فداحة الآثار النفسية، للاضطهاد العنصري، وقد كانت ممنوعة — بالطبع — في جنوب أفريقيا، حتى تحرُّر البلاد في ١٩٩٤م.
رواية «إسكيا مفاليلي Es’kia Mphahlele» الصادرة سنة ١٩٧١م بعنوان The Wanderers (الهائمون)، تصوِّر عجز الشخصية الرئيسية عن التأقلم مع أي مكانٍ آخر بعد فرض المنفى عليه، وطرده من جنوب أفريقيا، والعمل في مُجمله جسر على جغرافيات جنوب أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة (على نحوٍ يُصوِّر تجوال الكاتب نفسه) في محاولة للإجابة عن سؤال: «لِمَ ينتمي المواطن الجنوب أفريقي؟» وبالرغم من أنَّ الكتاب لا يُقدِّم إجابة، فإن «مفاليلي» نفسه فعل ذلك؛ إذ إنَّه عاد إلى جنوب أفريقيا قبل انتهاء الاضطهاد العنصري، وكان بعض رفاقه يعتبرونه قَبِل بمساومة مُذِلَّة، وكأنه أقرَّ في النهاية بأنَّ التفرقة والاضطهاد ليست سيئة إلى ذلك الحد. وإذا كانت الحكومة لم تُسكِته، بعد عودته في ١٩٧٧م، فإنه «كَمَّ» نفسه بنفسِه، وهناك أيضًا، مَن عادوا إلى بلادهم الحبيبة بعد أن أصبح «نلسون مانديلا Nelson Mandela» رئيسًا ليكتشفوا أنَّ أعمالهم الأولى كانت مؤسَّسة على الهجوم على الاضطهاد العنصري، والتفرقة، وبمجرد أن انتهى النظام، لم يكن هناك تقريبًا ما يكتبون عنه.
الرقابة الواسعة والقائمة الطويلة، بالأعمال الممنوعة في جنوب أفريقيا كانت تضم مئات العناوين، لكُتَّاب من داخل البلاد، وكل أعمال كُتَّاب آخرين، ومئات الأعمال أيضًا لكُتَّاب من العالَم، كان الرُّقباء يرون أنها تهدد النظام، كما كانت أعمال الكُتَّاب الأمريكيين من أصول أفريقية ممنوعة أيضًا «ريتشارد رايت Richard Wright»، و«جيمس بولدوين James Baldwin»، بالطبع، وأعمال فردية للكُتَّاب البيض «تينسي وليمز Tennessee Williams»، و«إيرنست هيمنجواي Ernest Hemingway»، و«روبرت جريفز Robert Graves»، و«جون أبدايك John updike»، و«روبرت بن وارين Robert Penn Warren»، و«كورت فونجت Kurt Vonnegut»، و«جان بول سارتر Jean-Paul Sartre»، و«ألبرتو مورافيا Alberto Moravia»، و«كارلوس فوينتس Carlos Fuentes»، و«نيكوس كازانتزاكس Nikos Kazantzakis»، وعشرات غيرهم. في ظل سياسة التمييز العنصري Apartheid، لم يكن مسموحًا بالتلفزيون؛ خوفًا مما قد يشاهده الأفارقة عليه، كما كانت عشرات — إن لم يكن مئات — الأفلام الغربية تخضع لعمليات الرقابة، وأحيانًا بغباء شديد، مثل منع فيلمي: Black Beauty، وThe Return of the Native، وفي كتاب بعنوان The Apartheid Handbook (الطبعة الثانية، ١٩٨٦م)، يقدِّم لنا «روجر أوموند Roger Omond»، مثالًا مُضحكًا (وسخيفًا لغرابته)، وهو ما تم بالنسبة للفيلم الموسيقي The King and I، «ففي الخمسينيات والستينيات تم تغيير البوسترات (الملصقات الإعلانية)، لتظهر فيها البطلة «ديبورا كير Deborah Kerr»، في أحضان ظل باهت، بينما كانت في الملصق الأصلي في أحضان «يول براينر yul Brynner»، الذي كان يقوم بدور ملك سيام: السياميون آسيويون، وكان الملصق يعتبر مخالفًا لقانون حماية الأخلاق الذي يمنع اختلاط الأجناس.» (p. 244.)
وأثناء فترة حكم «هيستنجز كاموزو باندا Hastings Kamuzu banda»، في دولة «مالاوي» القريبة، كانت الرقابة على كُتَّاب البلاد صارمة، وشاملة، مثل تلك التي كانت تفرضها حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا؛ إذ كان على المحررين، والناشرين أن يقوموا بتسليم المواد التي يريدون نشرها إلى هيئة الرقابة. وفي هذا السياق، يقول «جيمس جبس James Gibbs»، الذي كان يقوم بالتدريس في جامعة مالاوي، في الفترة من (١٩٧٢–١٩٧٨م)، إلى جانب اشتغاله بالإخراج المسرحي: «بالإضافة إلى ضرورة الموافقة على المسرحية (قبل تقديمها)، كان ينبغي أن يحصل كل مسرح على ترخيص، وأن يحصل كل عرضٍ على إذْن في كل مرة.»
(“Experiences of Censorship and Theatre in Malawi”, 1958, pp. 69-70.)
كما كانت هيئة الرقابة تقوم بشكل روتيني، بمنع أعمال مثل:
«في انتظار جودو Waiting for Godot»، و«سيدة ستشوان الطيبة The Good Woman of Setzuan»، وكذلك أية مسرحية ﻟ «وولي شوينكا»، التي كان الرقيب يعتبرها ضد الرئيس «باندا» بالتحديد.
كان الرقيب يستهجن رغبة «جبس» في تقديم مسرحيات أفريقية، «بينما هناك مسرحيَّات لشكسبير، ودكنز، وتينسون، لا تُقدَّم كثيرًا»: وكما يشير «جبس»: «كان الرقيب يؤكِّد لي أنه وافق على مسرحيات لمثل أولئك الكُتَّاب دون أن يكون عليه أن يقرأها، وكان يحُثُّني على نحو خاص، على إخراج «جزيرة الكنز Treasure Island»، التي كان قد شاهدها في بريطانيا، واستمتع بها تمامًا! (“Of Kamuzu and Chameleons”, 1982, p. 77)» أمَّا القضية الرئيسية وراء الرقابة على المسرح، فكانت — كما يقول جبس — هي الكاموزويزم – Kamuzuism:٢ «مالاوي بلد لا أمل فيه للفنان، إذا حاول أن يتحدَّى القوة المطلقة للدولة، ويتشامخ على شعار الكاموزويزم»، مالاوي لها بطلُها القومي الذي أسَّس مسرحًا وطنيًّا ضخمًا يقف عليه نجمًا وحيدًا، البطل ذو القُبَّعة العالية، يلوح بعظمة، بمذبَّة الذباب لآلاف النسوة اللائي يرقصن أمامه، وآلاف النسوة اللائي يرقصن خلفه، وإلى آلاف الوزراء والمسئولين، الذين يتحلَّقون حوله أينما ذهب، صفوف من الأعلام (التي يرفعها سُجناء في كثير من الأحيان) تحدد طريقه وكلماته الهادئة المعسولة تلتقطها مكبِّرات الصوت لتنفخ بها في السماعات، وآلاف أجهزة الراديو، والويل والثبور لمَن يحاول أن يخفض قوة الصوت. لا أمل للكاتب المسرحي، في أن يناطح أو يُعارض هذا المقام المتنقل، هذه المؤسسة القومية، هذه الشريحة من التاريخ … (p. 81).
«ستيف شيمومبو Steve Chimombo»، الذي بقي في مالاوي أثناء سنوات حكم «باندا»، مما أثار غضب بعض زملائه، يقول: كنت مُستهدَفًا باستمرار من الرقابة الحكومية، بكل صورها، لمجرَّد أنَّني كنت — وما زلت — كاتبًا مسرحيًّا، وشاعرًا، وناقدًا، وروائيًّا، كنت أعمل محررًا لصحيفة أكاديمية، توقفت، وأعمل الآن محررًا لصحيفة جديدة عن الفنون، وفي كل مرة كنت ضحية لقمع الرقباء، وترويع الفنانين، الوجود القوي والمتغلغل للرقابة، كان يعني توقفي عن الإبداع كإنسان حُر، وابتداءً من انتهاك خصوصية غرفتي أو مكتبي، كان عليَّ أن أُصارع الرقابة الذاتية أيضًا: هل ستسمح هيئة الرقابة بذلك؟ كيف سيكون موقفها من هذه العبارة، أو الفقرة، أو من هذا السطر؟ كنت أُجبِر نفسي على التوقف أحيانًا، بعد أن جفَّ نبع الإبداع، وحتى إذا كتبت مرَّة أخرى، لم يكن هناك أمل في أن يرى ما كتبْتُه النور. (“Thirty Years of Writing under Banda”, 1996)
ويصف «شيمومبو»، على نحوٍ تفصيلي القيود الكثيرة التي كانت مفروضة على الكُتَّاب، والصحفيين وغيرهم في فترة حكم «باندا»، عندما كان السفر إلى الخارج مستحيلًا دون إذن رسمي، ووجود شبكة من المخبرين السريين جعلت الناس يرتابون في أقرب الأقارب وفي أفراد أُسرهم كما كانت الرسائل الخاصَّة تُفتح بشكل روتيني — هذا إذا سُمح بتسليمها لأصحابها — ثم يُعاد لصقها بشريط مكتوب عليه «فُتح بمعرفة حكومة مالاوي»، أمَّا الأعمال الأدبية، التي كانت تحصل على موافقة بنشرها، فكان يُمكن أن تُمنع بعد ذلك، أمَّا الأجانب (ومعظمهم من الأكاديميين) فكان يمكن ترحيلهم من البلاد فجأة، بينما يُلقَى بالمواطنين في غياهب السجون، وحدث أن منعوا كتابًا عن عِلم البيئة بسبب الكلمة الأولى في عنوانه «الثورة الخضراء»، وكان الكثير من هذه الأساليب نفسها موجودًا في جنوب أفريقيا في مرحلة «الأبارتايد» — التمييز العنصري — إلَّا أنَّ رئيس مالاوي كان أفريقيًّا، كما يشير «شيمومبو» أيضًا إلى أنَّ الرقابة تبدأ بالكاتب نفسه؛ فحيث يوجد خطر الرقابة، يقوم هو بأول حذف «قبل أن يكتب»، كأن يتجنَّب تضمين رواية أو مسرحية مشهدًا ما. الجو العام في الكونغو، وأوغندا، وسيراليون، وليبيريا، ونيجيريا، والسودان — وهي دول كانت توجد بها أنظمةٌ سيكوباتية أحيانًا — لم يكن يشجع على الإبداع، من أي نوع.
ولو افترضنا أن عملًا قد تمَّ إنجازه فلا بد من أن تأتي بعد ذلك درجة أخرى من الرقابة وهي الحذف أو التعديل الضروري قبل النشر، وكنا قد أشرنا إلى استعداد بعض الناشرين الأفارقة لتسليم أعمال إبداعية إلى الدوائر الحكومية مسبقًا لضمان ألَّا يكون بها ما يُسيء، أو ما يُحتمَل أن يُعطِّل الموافقة على الكتاب في السوق التعليمية، والقضايا هنا ليس بالضرورة أن تكون أيديولوجية، وإنما قد تكون دينية، وأحيانًا جنسية، كما أنَّ الناشرين خارج القارَّة، يمارسون شكلًا آخر من الرقابة قبل النشر، عندما يحاولون أن يجعلوا الكتابة الأفريقية، متَّسِقة مع قوالب ونماذج مقبولة ومتوقَّعة. (ليست أفريقية بما يكفي! كم كاتب غربي رُفضَت أعماله لأنها لم تكن غربية بما يكفي؟!)
إحدى درجات الرقابة الموجودة في الولايات المتحدة — مثل إلغاء بعض النصوص من المقررات الدراسية، بسبب اعتراضات من أولياء الأمور المحافظين، أو أعضاء في مجالس إدارات المدارس — يبدو أنها لم تصِل بعدُ إلى شواطئ القارَّة الأفريقية، ولكن كانت هناك على أية حال صورة أخرى من صور الرقابة — إذا رجعنا إلى الفترة الاستعمارية — عندما كانت المدارس الدينية تقوم بفحص المواد الموجودة في مكتباتها الهزيلة ولا تشتري لها سوى الأعمال التي ترى أنها أخلاقية.
السجن
غالبًا ما كانت الرقابة مترادفة مع التعذيب والسجن أو على الأقل مع التلويح بهما، وحالة الكاتب الأفريقي الأبيض «بريتين بريتنباخ Breyten Breytenbach»، تصوِّر على نحو مذهل أسباب فرار كثير من كُتَّاب جنوب أفريقيا قبل أن يوضعوا في السجون.٣ ربما تكون القصص الطويلة عن تعذيب السجناء السياسيين قد استُخدمت كوسيلةٍ للرَّدع؛ فلماذا البقاء في الوطن ودخول السجن في آخِر الأمر عندما يكون هناك بديل وهو المنفى بالرغم من عدم وجود فرصةٍ للعودة؟ ومرةً أخرى، نجد جنوب أفريقيا، ومالاوي، تتصدران قائمة الدول، التي يوجد بها سجناء سياسيون، بمَن فيهم الكُتَّاب المبدعين.
حالة الشاعر المالاوي «جاك مابانجي Jack Mapanje»، الذي قضى في السجن حوالي أربع سنوات، هي واحدة من أسوأ هذه الحالات، بقيت زنزانته يغمرها الماء حتى ركبتيه لمدة أربعة أشهر وكان من المتعذر عليه أن ينام، وحتى اليوم يجد صعوبة في المشي، هذه التجربة تعبِّر عنها قصائدُه في مجموعته الصادرة عام ١٩٩٨م، بعنوان «Skipping Without Ropes القفز دون حبال» بالرغم من أنها قد لا تكون ذاتية بشكل مباشر، مثل القصة التي يُقال إنَّه يكتبها، وفي أُمسية شِعرية في مقهى الكُتَّاب في هراري أثناء معرض زيمبابوي الدولي للكتاب (١٩٩٨م)، أشار «شنجيراي هوف Chenjerai Hove»، إلى محنة وعذابات «مابانجي Mapanje» كمثال على ما أصاب عددًا كبيرًا من الكُتَّاب الأفارقة بقوله: «معظمنا لهم تاريخ مرعب» (٧ أغسطس ١٩٩٨م).
سجن الكُتَّاب الأفارقة كانت عملية متكررة، ومنتشرة بالدرجة التي أدَّت إلى ظهور جنس أدبي فرعي، وهي قصص وتقارير، وحكايات طويلة كتبها المبدعون (مثل وولي شوينكا، ونجوجي وا ثيونجو، وكين سارو-ويوا)، الذين قضوا فترات في سجون بلادهم، كما كتبوا قصائد وقصصًا قصيرة، وروايات، عن هذه التجربة المؤلمة، ومن بين هذه الأعمال Mating Birds (١٩٨٦م) ﻟ «لويس نكوسي Lewis Nkosi»، وThe Prisoner Who Wore Glasses (١٩٧٣م) ﻟ «بيسي هيد Bessie Head»، وThree Days on the Cross (١٩٩١م) ﻟ «واهوم ميوتاي Wahome Mutahi»، وLemona’s Tale (١٩٩٦م) ﻟ «كين سارو ويوا»، التي نُشرت بعد إعدامه، والمجموعة الشِّعرية Letters to Martha (١٩٦٨م) ﻟ «دينيس بروتس Dennis Brutus»، ومن بين «خريجي السجون» كذلك (بتعبير كوامي نكروما Kwame Nkrumah)، هناك «موليف بيتو Molefe Pheto»، و«كوفي أوونر Kofi Awoonor»، و«جيمس ماتيوز James Matthews»، و«تود ماتشيكيزا Todd Matshikiza»، و«ميكيري موجو Micere Mugo»، و«بيرسي متوا Percy Mtwa»، و«لويس برناردو هونوانا Luis Bernardo Honwana»، و«رينيه فيلومبي René Philombe».
إحدى حالات سجن الكُتَّاب الأفارقة المثيرة للقلق والإزعاج هي حالة «وولي شوينكا» الذي سُجن من أغسطس ١٩٦٧م إلى أكتوبر ١٩٦٩م، وقد سجَّلها في واحد من أهم كُتبه، وهو The Man Died (١٩٧٢م) في بداية الحرب الأهلية في نيجيريا (حرب بيافرا)، نشر «شوينكا» رسالة في الصحافة النيجيرية يشير فيها إلى ما يعتبره «عبثية هذه الحرب»، وكان نُقَّاد الأدب، يتوقَّعون أن يكون «شوينكا» أقرب إلى «الإيبو» ولو بالفكر منه إلى الفيدراليين، بمَن فيهم شعب اليوروبا، الذي ينتمي إليه، وفي أغسطس ١٩٦٧م، قام «شوينكا» بزيارة خاطفة إلى «إينوجو Enugu»، للقاء الكولونيل «أوجوكوي Ojukwe» القائد الانفصالي في محاولة لمنع الأعمال العدائية الوشيكة بين الجماعتين، وفي ١٧ أغسطس أُلقي القبض عليه في «أبادان»، وبعد شهرين، أعلن المفوض الإعلامي الفيدرالي (Chief Anthony Enahoro)، أنَّ «شوينكا» قد اعترف بمساعدة متمردي بيافرا لشراء طائرات قتالية وقلب الحكومة الفيدرالية.
أنكر «شوينكا» الاتهام الموجَّه إليه، ولكنهم اقتادوه إلى سجن في «كادونا»، في نيجيريا الشمالية؛ حيث تم احتجازه لمدة عامين، قبل أن يُطلق سراحه. لم تُجرَ محاكمة له، وترددت في تلك الفترة شائعات كثيرة عن مرضه، وعن موته في السجن. معظم هذه الفترة، قضاها في سجن انفرادي، محرومًا من أدوات الكتابة، ولكنه كتب قصائد (نُشرت بعد ذلك بعنوان «قصائد من السجن» في سنة ١٩٦٩م)، و«الرجل مات The Man Died»، وقد كتبها بين سطور الكتب التي كانت تُهرَّب إليه في زنزانته.
بعد إطلاق سراحه في أكتوبر ١٩٦٩م عمل بالتدريس في «أبادان»، ولكنه سرعان ما غادر نيجيريا؛ حيث عمل في مشروعات مختلفة عدة سنوات في أوروبا، والولايات المتحدة. في تعليق مختصر في بداية روايته The Man Died، التي نشرها بعد الإفراج عنه بثلاث سنوات تقريبًا، يقول «شوينكا»: إنَّ فترة سجنه، كانت تنطوي على «أشد الإجراءات والاحتياطات الأمنية الصارمة، التي اتُّخذت ضد أي سجين في تاريخ سجون نيجيريا.» (p. 8) ويقول: إنَّه لن يذكر أسماء مَن ساعدوه أثناء هذه الفترة (ربما يكون بعضهم ما زال يعمل في حراسة السجن)، كما يقدِّم تفسيره الخاص، لأسباب الزج به في السجن. القبض عليَّ، وتلفيق الاتهام ضدي، كانا أمرَين مختلفَين تمامًا، الأمر الأول، كان بسبب الأعمال التالية: إدانتي للحرب في الصحافة النيجيرية، زيارتي للشرق، محاولتي تجنيد مثقفي البلاد في الداخل والخارج كجماعة ضغطٍ للعمل من أجل فرض حظر شامل، على توصيل السلاح إلى أي مكان في نيجيريا، إنشاء قوة ثالثة، يمكن أن تستغل الورطة العسكرية، واستنكار وإنهاء انفصال بيافرا، ودكتاتورية الجيش التي جعلت كلًّا من الانفصال والحرب حتميين. أمَّا تلفيق الاتهام ضدي، فكان بسبب ما كنت أقوم به في السجن، وقد كانوا على وشك تصفيتي عندما كتبتُ رسالة، وهربتها من «كيري-كيري»، تفضح سياسات حكومة «جاوون Gowon»، وعرف بها المذنبون والخونة الحقيقيون، فحاولوا أن يضيفوا إلى خياناتهم مؤامرة على حياتي. (p. 18)
في البداية سُجن في «أبادان» ثم في «لاجوس» بعد ذلك نقلوه إلى سجن أكثر صرامةً في «كادونا»؛ حيث أمضى ثمانية عشر شهرًا، من الأشهر السبعة والعشرين، و«طبقًا لقانون الطوارئ» (p. 27) كان يُقيد بالسلاسل أحيانًا ولكنه كان يعرف ما يحدث للسجناء الآخرين وما يدور في السجن. يقول إنَّه عندما كان لا يزال في لاجوس، كان هناك حظر على كل الأخبار من الخارج، وأنه كان قد بدأ «يفقد القدرة على التمييز بين الواقع والخيال.» (p. 80) فقدَ كل الشهية للطعام والماء: «فقدتُ الإحساس بالزمن، وتحوَّلتُ إلى حجر.» (p. 80) كان هناك آخرون من «الإيبو»، في سجن لاجوس، وكانت كل جريمتهم هي أنهم «إيبو»! في ذلك الوقت، كان «رهاب الإيبو» (p. 111) منتشرًا في أرجاء البلاد.
في سجنه الانفرادي في كادونا، وبالرغم من عدم السماح له بأدوات الكتابة، كان بإمكان «شوينكا» أن يستعير الكتب من مكتبة السجن المتواضعة، وبعد أن قرأ كل العناوين الموجودة بها في تسعة أيام بدأ يشعر بفقدان الواقع من حوله، وكأنه قد دُفن حيًّا. وبعد وقت قصير، ونتيجة لفترات متكررة من الصيام، بدأت نوبات الهلوسة؛ فكان يتخيَّل الذين عرفهم في حياته، وكأنهم معه في الزنزانة (مثل الشاعر «كريستوفر أوجيبو Christopher Okigbo»، الذي مات في بدايات الحرب الأهلية)، ومعظم الوقت الذي قضاه في السجن كان مريضًا بالحمَّى، ويعاني من مضاعفات في مرض عينيه، وعندما زاره طبيب آسيوي في إحدى المرات خدعه «شوينكا» بأن جعله ينظر إلى السقف، ونشل قلمه الجاف من جيبه. (p. 190.)
بدأت أسوأ فترات محنته في السنة الثانية من وجوده في «كادونا»، رغم صعوبة وصف تفاقم مشكلاته وتردِّي صحته بسبب الصيام. مرَّة يُخيَّل له أن «هتلر Hitler» معه في الزنزانة، ومرَّة أخرى يتصوَّر «ألبرت شفيتزر Albert Schweitzer»، ومرَّة يتساءل ما إذا كان قد أصبح «حاملًا»، بسبب تغيُّر شكل جذعه تمامًا. «حملي يبدأ من بعد السُّرة مباشرة، وهو صلب كالحجر، صغير ومُدمج، يبدو أنني أحمل بداخلي بيضة كبيرة … موجودة تحت جلدي مباشرة، وهذا أمر غريب، لأنَّ بقية جسدي جلد وعظم.» (p. 212) وفي رسم غريب لنفسه، نُشر مع النَّص بعنوان «فحم على ورق تواليت» (p. 227)، يبدو «شوينكا» كالمجنون، وهو جالس في أحد أوضاع اليوجا، وهذا الرسم يصوِّر مدى الاشمئزاز الذي كان يشعر به من حالة ومنظر جسده.
كان يقضي مُعظم وقته في السجن في نشاط يحاول به أن يُحافظ على عقله يقِظًا. من قِطع الورق والخيوط كان يُشكِّل سيارات ويراقب حياة الحشرات، والسحالي، بدأب واهتمام عالِم مُجرِّب، ويُشارك في مسائلَ رياضية لا تنتهي «قُمتُ ذات مرَّة، بكتابة كل الاحتمالات، التي يمكن أن تكوِّنها ستة أرقام» (p. 244). ومن قصَبة نبات عبَّاد الشمس، صنع ذات مرَّة «فلوت»، ولكن المحاولة لم تنجح تمامًا، وفوق ذلك كله، يستمع إلى الأصوات — أي أصوات إنسانية — من بقية أرجاء السجن، وأحيانًا كان يسمع أصوات السُّجناء الآخرين أثناء عمليَّات التعذيب وفي مرحلة واحدة على الأقل من مراحل سجنه، كان يعتقد أنه قد انتصر على مشكلة «صُنع أي شيء من اللاشيء»، «كان لديَّ الوقت، كنت أستيقظ في الصباح على مشكلة، وبعد دقيقة، دقيقة واحدة بمعنى الكلمة، أجد الحَرس يدق الباب مُعلنًا مرور ساعة من فترة السجن، كنت أحطم الزمن.» (p. 144.)
بالرغم من كل هذه «التحولات»، فإن القضية الأكبر في رواية The Man Died، تظل هي عملية الموت البطيء التي كان «شوينكا» يمر بها في السجن؛ فموت العقل هو الذي يحطم الكاتب. كان العنوان الأصلي للكتاب: «قتل بطيء»، ولكن «شوينكا» غيَّره بعد أن قرأ رسالة كتبها «جورج مانجاكيس George Mangakis» (أحد الأساتذة اليونانيين ممن سجنتهم الدكتاتورية في بلادهم)، وبعد أن عرف بوفاة أحد رفاقه النيجيريين، من مضاعفات «الغنغرينا». لا توجد عبارة تصف ما حدث له أصدق من عبارة «الرجُل مات»، وهو الاعتقاد الذي يتردد صداه في كل الكتاب، كما توجد في آخِر الكتاب أيضًا، جُملة موجزة تلخِّص الوضع المهين، لأي سجين، وهي أنَّ «السجين ليس بشرًا» (p. 279)، وإن كان … فللحظات خاطفة.
إحدى هذه اللحظات، وقعت قبل أشهر معدودة من إطلاق سراحه، عندما سُمح لزوجته بزيارته، فرَشَت سُلطات السجن الزنزانة، وزوَّدته بورق للكتابة (رزمة ٥٠٠ ورقة)، وأقلام، وآلة كاتبة … حتى ورق الكربون … كما زوَّدته بكُتب، وجرائد جديدة … «جديدة بنار الفُرن»، كما يقول. (p. 279)، ولكنَّ الورق بالنسبة له، كان أهم الأشياء، وأكثرها إثارةً لمشاعره: كيف يمكن أن أصف ورقة كتابة نظيفة … بِكر؟! كيف أصف مساحة بيضاء لم يلمسها أحد، ولا تحمل أي علامات وخالية من التجاعيد؟! كيف أصف شعوري بذلك؟ هل أقول إنَّها تُشبه الربيع … تشبه الواحة التي تظهر بعد تبدُّد الأمل والتصاق اللسان بجذوره؟ هل أقول إنَّها مثل النبيذ؟ لا! حتى النبيذ الذي يجيء بعد سنوات من الحرمان لا يمكن أن يكون له رائحة هذه الورقة بنقائها المصون، فلأشبهها إذَن بصبية جميلة تلمع الكتابة عليها لمعان الأقراط الفضية، بشقيقة صغيرة أحلى وأنقى من أي فتاة، ترتدي ثوب الزفاف، لم تكُن ورقة واحدة، بل مئات، وكنت أجلس أمامها لكي أرقِّمها، واحدة تلو الأخرى: ٥٠، ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤ … ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥ … ٢٠٧، ٢٠٨، ٢٠٩، كان عملًا مُضنيًا. أكتب الأرقام بخطٍّ بالغ الدقة، في ركن أعلى كل صفحة، وكان ذلك أيضًا شيئًا سخيفًا. كانت فكرة الترقيم، لكي يضمنوا أنَّني لن أستخدم هذه الأوراق، في غرض آخَر غير مصرَّح به … كأن أكتب عليها رسائل من السجن مثلًا، وكان الضابط يقف على رأسي وأنا أقوم بهذا العمل الغريب، وبعد رقم ٢١٩، عُدت إلى رقم ١٢٠ وهو خطأ قد يبدو غير مقصود، وقد يبدو طبيعيًّا، لو أنهم اكتشفوه … ولم يكتشفوه … وفي النهاية وصلنا إلى رقم ٣٧٥، فطلبت من الضابط أن يبلغ قائده أنَّ الرزمة لم تكُن ٥٠٠ ورقة، وأنني لم أحاول أن أقول ذلك، إلَّا بعد التأكد منه «ولكن ألم تلاحظ أنَّ الرزمة كانت مفتوحة؟» وبعد أن خرج الضابط بدأت أفرز الأوراق التي كانت تحمل الأرقام المكررة، وهكذا اعتمدوا العدد على أنه ٣٧٥ ورقة. (p. 278)
«بعد ساعة من مغادرة زوجته للسجن جاءت مجموعة من الحرَّاس، وأخذت كل شيء … كل شيء!» (p. 280)، وهكذا كانت العودة إلى اللاشيء! إلَّا أنَّ «شوينكا» حاول بشكل غير قانوني أن يكتب بين سطور الكتب القليلة التي كان مسموحًا له بها مستخدمًا في ذلك القلم الجاف الذي سرقه من جيب الطبيب الآسيوي وكان ذلك هو سلامه العقلي، في وجه الجنون.
سنوات السجن كسرت في «وولي شوينكا» ما هو أكثر من روحه! صحيح أنه أصبح أول كاتب أفريقي يحصل على جائزة نوبل للآداب (١٩٨٦م)، ولكنَّه في ذلك الوقت وبعده كان قد أصبح أيضًا جوَّالًا أفريقيًّا يقضي في الخارج وقتًا أطول مما يقضيه في وطنه، وعندما جاء الجنرال «أباشا Abacha» إلى السلطة — لكي تتضاءل آمال نيجيريا في الديمقراطية — كان «شوينكا» قد عاد للتدريس في «أبادان». «شوينكا» الصريح دائمًا، والنَّشِط السياسي كل الوقت، كان مضطرًّا للفرار من بلاده، بعيدًا عن فِرَق الاغتيالات التابعة للجنرال. هرب بجواز سفر مزوَّر، ورصد «أباشا» مكافأة بعد ذلك مقابل حياته. هكذا، حتى خارج نيجيريا، كان عليه أن يكون حذِرًا في كل تحركاته، وأن يعيش حياة أشبه بحياة «سلمان رشدي»، ولو بشكل مؤقت. بعد الحرب الأهلية النيجيرية، اتجهت طاقته الإبداعية نحو التراجيدي، مثل Madmen and Specialists (١٩٧١م)، ونحو التعليق السياسي، مثل The Open Sore of a Continent، التي جاء ذكرُها قبل ذلك. «شوينكا» الذي كان يُعرَف بأعماله التراجيدية، والكوميدية، الرائعة، (The Lion and the Jewel and the Jero Plays)، وبعدد من قصائده، «شوينكا» هذا، كَتب عن الجوانب المُعتمة في جنون بلاده. «شوينكا» القديم مات في زنزانته الضيقة، في ذلك السجن، في «كادونا».
هناك أوجه شبه كبيرة، بين سجن «نجوجي وا ثيونجو» في كينيا، وسجن «شوينكا» في نيجيريا، مع بعض الاختلافات. في منتصف ليلة ٣٠ ديسمبر ١٩٧٧م أُلقي القبض على الكاتب في منزله في «ليمورو»، وفي اليوم التالي تم اقتياده إلى سجن «كاميتي»، وقد كتب عن هذه التجربة — السجن لمدة سنة — في Detained: A Writer’s Prison Diary، بعد أن أُطلق سراحه في ١٢ ديسمبر ١٩٧٨م، «نجوجي» لم يوضع في سجن انفرادي، بل كان بإمكانه الاتصال بغيره من السجناء، وبالرغم من أنه كان ممنوعًا من الكتابة، مثل «شوينكا»، كان يكتب على ورق التواليت وعلى قصاصات كان يحضرها له بعض العاملين بالسجن. كان لدى «نجوجي» مادة كافية للقراءة، بما في ذلك الإصدارات الإخبارية الدولية، وبالإضافة إلى قيامه بتسجيل مذكرات عن سجنه، كتب Devil on the Cross، التي نُشرت بالجيكويو في كينيا في سنة ١٩٨٠م، إلى جانب عددٍ من الأعمال الأخرى بلغته القَبَلية.
كانت اللغة، إلى حدٍّ ما هي التي أوقعت «نجوجي» في مشكلة في المقام الأول؛ إذ كان معروفًا بحملته دفاعًا عن اللغات الأصلية عندما كان رئيسًا لقسم اللغة الإنجليزية في جامعة نيروبي، وكان يرى في استخدام الإنجليزية تعبيرًا عن الاستعمار الجديد. كان «نجوجي» مرتبطًا لدرجة التماهي بفقراء الطبقة العاملة، ويبدو لي أنه — وذلك من حقِّه المشروع — كان يريد أن يكون الكينيُّون قادرين على قراءة الأدب بلغاتهم: «ليس أمام الكُتَّاب في كينيا سوى أن يعودوا إلى الجذور إلى منابع وجودهم في إيقاع الحياة، وحديث ولغات الجماهير الكينية، إذا كانوا يريدون أن يرتفعوا إلى مستوى التحديات الكبرى للإبداع في أشعارهم، ومسرحياتهم، ورواياتهم، لتكون معبِّرة عن عظمة هذا التاريخ.» (Detained p. 196.)
كان الحدث الذي أدى إلى القبض عليه، عرض لمسرحية (سوف أتزوج عندما أريد Ngaahika Ndeenda) بالجيكويو، بواسطة مجموعة من العمال والفلاحين من «ليمور»، لجمهور عريض، متحمس ومتعطش، في المركز الثقافي التعليمي في «كاميريثو Kamirithu» (pp. 174-175).
ويتساءل: ماذا كانت جريمته في أن يكتب بلغة كينية؟ في أن يضم ساعده إلى سواعد الفلاحين، لبناء مسرح كيني وطني حديث؟ للتواصل مع عدد قليل من الفلاحين (p. 143). «في حالتي فإن أسباب اعتقالي غير المعلنة، هي معارضتي الدائمة للسيطرة الأجنبية على اقتصادنا وثقافاتنا للاستعمار الذهني للطبقة البرجوازية الحاكمة الذي يجعلهم يثقون ثقة أطفال في الأجانب، وخاصة إذا كان أولئك الأجانب رأسماليين بريطانيين، أو أمريكيين» (p. 174). قبل ذلك كان «نجوجي» قد نشر «بتلات الدم Petals of Blood» (١٩٩٧م)، وهي هجوم على الاستعمار الجديد والمؤسسات متعددة الجنسية التي كان بعضها يحاول تملُّق الحكومة الكينية.
في معظم الأحوال، كان «نجوجي» يرى نفسه جزءًا من جماعة كبيرة مُضطهَدة، وهكذا، «فإن سَنة واحدة في سجن «كاميتي»، علَّمتني ما كان ينبغي أن يكون واضحًا بالنسبة لي، وهو أنَّ نظام السجن، سلاح قَمعي في يد قلَّة تحكم، كلها تصميم على تحقيق أكبر درجة من الأمان، لدكتاتورية طبَّقتها على بقية الشعب» (p. 4). لم يكن سجن «نجوجي» قضية خاصَّة، «إنَّه جزء من تاريخ طويل من المحاولات، لتربية الشعب الكيني في ظل ثقافة رجعية من الصمت والخوف، جزء من كفاح الشعب الكيني الضاري، ضدهم، لخلق ثقافة شعبية، ثورية، شجاعة، وبطلة» (p. 28). أمَّا الأسوأ من ذلك، فهو أنَّ «الاعتقال دون محاكمة جزءٌ من تجربة الخوف الاستعمارية (p. 44)، التي يطبِّقها الكينيون الذين جاءوا إلى السلطة على مواطنيهم، بعد عامين تقريبًا من الاستقلال، أمَّا بالنسبة لقضية اللغة، فإن التوجُّه في رحلة ما بعد الاستعمار أيضًا ليس سوى امتداد للوضع الاستعماري نفسه.» «كان المستوطِن يحتقر لغات الفلاحين، التي يصفها بالعامِّية أو بلغات العبيد، بينما يعتقد أنَّ الإنجليزية مُقدَّسة، وكان تلاميذهم يتمادون في هذا الاحتقار؛ فكان من أوائل الأشياء التي فعلوها عندما تولوا أمر التعليم أن حظروا اللغات الأفريقية في المدارس، واعتمدوا الإنجليزية وسيطًا للتعليم من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، وكان العقاب البدني دائمًا من نصيب مَن يُضبطون متلبسين بالكلام بلغاتهم الأصلية في بعض المدارس، كما كانوا يدفعون غرامات عن ذلك، أمَّا كبار الموظفين والقيادات فكانوا يغضبون عندما يُخطئ الأفارقة في النطق بالإنجليزية، ويتباهون بأنهم لا يجيدون التحدث بلغاتهم الأفريقية، وفي بعض المصالح الحكومية كانت إجادة الإنجليزية مثل أصحابها هي المعيار الوحيد للحصول على وظيفة أو للترقي، ولمَّا كان عدد مَن يجيدونها مثل أصحابها قِلَّة، كان الإنجليز هم الذين يحصلون على الوظائف، وهم الذين يُرَقَّون في المناصب المهمَّة.» (p. 59)
في حالة «نجوجي» إذَن، فإن اللغة لا تصنع تميُّزًا طبقيًّا فحسب، وإنما تؤدي إلى السجن كذلك، وهو إذا كان يكتب عن رتابة الحياة في السجن، وعن المتاعب الصحية التي عانى منها، هو وغيره من السجناء، وعن الرائحة الكريهة والنتنة للسجن نفسه، فإن حُجَّته الرئيسية هي أن السجن رمز للاستعمار، وأنه المعبِّر الصحيح عنه. لم يتغيَّر الأمر كثيرًا بالنسبة لأولئك في مستوطنة العقاب، سوى أنَّ الكاتب أصبح يرى ويفهم وضعه في كينيا، في مرحلة ما بعد الاستعمار على نحو أكثر وضوحًا (مُدركًا أن في ذلك جمعًا بين نقيضَين). «كنت وأنا طليق أنظر إلى وضعي من خلال غشاوة. في السجن أصبحت أرى في ضوء مصباح في زنزانتي بقوَّة مائة واط، يحرمني النوم، أصبحت أرى في الضوء الأقوى المنبعث من عيون أفراد الحراسة، وصلصلة المفاتيح في أياديهم، الحرَّاس الذين حرموني كل خصوصية في الأكل والاغتسال … حتى في قضاء الحاجة، أصبحت أرى وضعي في ضوء الطعام، الذي يصيبني بالغثيان، والذي لا بد من أن أدفعه في حلقي دفعًا، أراه في ضوء هذا البيت الكئيب حديقة الحيوان البشرية، حيث لا أرى طول الوقت، سوى الحجارة، والتراب، وقضبان الحديد، أصبحت أرى وضعي في استخدام الشرطة الفظ للمرض كوسيلة للتعذيب، أراه في الضوء المبهر للامتهان الذي لا نهاية له والذي يهدف إلى تجريدي من البقية الباقية من إنسانيتي، مثل تكبيلي بالسلاسل، كشرط لإرسالي للعلاج في مستشفى، أو تقييدي، كشرط لرؤية أسرتي، وفوق ذلك، فإنني أرى وضعي، في ضوء معرفتي واقتناعي التام، بأنَّ القوى التي سارعت لإلقاء القبض عليَّ واعتقالي، هي القوى ذاتها، التي تقتل الديمقراطية، والحرية الإنسانية، في هذه البلاد.» (p. 187)
عندما مات «جومو كينياتا Jomo Kenyatta»، كان «نجوجي» وغيره من السجناء يُمَنون أنفسهم بعفو عام يُخلِّصهم من السجن، ولكنَّ ذلك لم يحدث. الهمُّ الرئيسي للسجين السياسي المعتقَل — على خلاف المجرمين العاديين المحكوم عليهم بفترات محددة — هو طول فترة الاعتقال؛ فهو «لا يعرف متى يخرج» (p. 140)، أي إنَّ السجين السياسي لا يُطَبَّق عليه أي إطار زمني، وهو وضع لا يمكن احتماله، ولكن «نجوجي» كان يجد السلوى على أية حال في كتابات غيره من السجناء، وخاصَّة «وولي شوينكا» (هناك إشارات مباشرة إلى The Man Died في مذكراته Detained)، وقصائد «دينيس بروتس Dennis Brutus». وكما حدث مع «شوينكا»، أطلقوا سراح «نجوجي» ذات يوم، ولم يكن هناك أي منطق وراء التوقيت!
بمجرَّد خروجه من السجن، بدأ يواجه مشكلات جديدة، كانت هذه المرَّة، خاصَّة بوظيفته السابقة في جامعة نيروبي؛ فعندما حاول أن يعود للتدريس وجد نفسه في مأزق آخر؛ فالجامعة لن تعيده للعمل، وفي الوقت نفسه ليس هناك قرار بفصله، كما أنه لم يُقدِّم استقالة من العمل. كانت رسائله للمسئولين في الجامعة تُقابَل بالصمت. وأخيرًا، أبلغوه في لقاء مع نائب رئيس الجامعة، بأنَّ اعتقاله كان بقرار من الدولة (p. 209) وهو ما يعني إلغاء كل العلاقات التعاقدية السابقة، بينه وبين الجامعة، أو بين «نجوجي والحكومة»! وهكذا، أصبح بلا عملٍ، ولا يمكن أن يعمل، وهو وضعٌ لا يختلف كثيرًا، عن ذلك الذي كان كُتَّاب جنوب أفريقيا يجدون أنفسهم فيه في مرحلة الأبارتايد، وهكذا، لم يكن أمامه سوى الرحيل أو اختيار المنفى.
المنفى
المنفى لا يعرف العودة، أو هكذا يُعتقَد، إلَّا أنَّ تنوع المنافي، الذي عرفه كُتَّاب أفريقيا كان واسعًا لدرجة يصعُب معها تحديد نموذج واحد له على مدى أكثر من ثلاثين سنة، منذ صدور روايته الأولى The Beautiful Ones Are Not Yet Born (١٩٦٨م) «الحلوين لم يولدوا بعدُ»، لم يمضِ «آي كوي آرمه Ayi Kwei Armah»، سوى وقت قليل في «غانا»، مسقط رأسه، بينما قضى معظم تلك السنوات في دول أفريقية أخرى؛ فهل يُعتبر كاتبًا في المنفى؟ «آرمه» يقول: لا! كما أنه لم يكن مضطرًّا لذلك، لأسباب تتعلق بالكتابة، أو الوضع السياسي في البلاد، كان هو الذي يختار المكان الذي يقيم فيه (الآن في السنغال)، والمفترض أنه يستطيع أن يعود إلى «غانا» في أي وقت.
هل الكاتب الأفريقي الذي يعيش في أي مكان في القارَّة غير مسقط رأسه يعتبر كاتبًا في المنفى؟ لو أنَّ «كامارا لايي Camara Laye» ما زال على قيد الحياة، لأجاب ﺑ «نعم»، وذلك بالنسبة لحالته على الأقل. كان «لايي» ممنوعًا من العودة إلى «غينيا»، بعد أن أصدر «سيكوتوري Sékou Toré» إنذاره، بسبب كتاباته، كما كان يكتب قبل وفاته رواية بعنوان The Exiles — المنافي — بالإضافة إلى أنَّ هناك ما يكفي للدلالة على شعوره بالاغتراب عن وطنه، سواء أثناء الفترة الباكرة من حياته، كطالب في فرنسا، أو عندما لجأ إلى «السنغال». الجانب الثاني من قضية المنفى ينطبق على «نور الدين فرح» الذي لم يكن يستطيع العودة إلى الصومال، على مدى عشرات السنين، وهو يقول: إنَّ حياته في دول أفريقية أخرى لا تجعله يعتبر نفسه كاتبًا في المنفى، «فرح» يعيش الآن في جنوب أفريقيا، ويشعر أنه لا يزال في الوطن، ويبدو أنه لا خطر من عودته إلى الصومال لو أنه فكَّر في ذلك.
بوجود كُتَّاب من جنوب أفريقيا أثناء فترة «الأبارتايد»، وبوجود «نجوجي وا ثيونجو»، وبوجود عدد كبير من الكُتَّاب النيجيريين بالتأكيد في أثناء حكم «أباشا Abacha»، يصبح موضوع المنفى أكثر تعقيدًا. تَذكرة الاتجاه الواحد صوب المنفى التي كان يختارها كُتَّاب كثيرون من جنوب أفريقيا، قبل أن تنتهي «الأبارتايد»، كانت تُسفر دائمًا عن كثير من حالات العصاب، وإدمان المُسكرات، والجنون أحيانًا، لدرجة أننا يمكن أن نقول: إن حكومة جنوب أفريقيا كانت تحقق ما تريده تمامًا: «كُتَّاب مكسورون، سكتوا لأنهم عاجزون عن الاستمرار في الكتابة»، ولم ينجُ من هذا المصير سوى قِلَّة واصلت الكتابة بغزارة، مثل «دينيس بروتس Dennis Brutus». هناك أيضًا حالة «إسكيا مفاليلي Es’kia Mphahlele»، الذي اكتشف أنَّ المنفى كان فوق الاحتمال، وحتى مع تأشيرة الخروج بلا عودة، لو كان له أن يعيش، كان لا بدَّ من أن يعود إلى بلاده.
وأخيرًا، هناك حالات مختلفة للمنفى الاختياري (بالرغم من أنَّ كل المنفيين تقريبًا، يعتقدون أنَّ حالاتهم مؤقتة) التي تنتهي بالعودة المظفرة للطفل الضال العائد إلى الجنَّة (إن كان لنا أن نستخدم مثال نور الدين فرح) ولذلك، فإن «آما آتا آيدو Ama Ata Aidoo»، الكاتبة الغانية فرَّت إلى إنجلترا، حيث عاشت ثلاث سنوات، إلى أن أصبحت لا تخشى التهديد بالقتل، أمَّا «جاك مابانجي Jack Mapanje»، فهو ينتظر في إنجلترا حتى يتحسن الوضع في «مالاوي»، بالرغم من أنَّ «هيستنجز باندا Hastings Banda» لم يعُد في السلطة، وكذلك فإن «سيميليه م. كوردر Similih M. Cordor» ما زال ينتظر … وينتظر … في الولايات المتحدة، لعلَّ الأوضاع في ليبيريا تجعل عودته ممكنة، والشيء نفسه، ينطبق على «سيل شيني كوكر Syl Cheney-Coker»، الذي ينتظر في الولايات المتحدة أيضًا، حتى يعود إلى «سيراليون»، أو «نجوجي وا ثيونجو»، الذي ما زال يردد الخطاب الماركسي، في ملجئه في الغرب الرأسمالي، ويبدو مستريحًا لهذا الوضع: للمنفى نتائجُ إيجابية وسلبية، من الناحية السلبية، فإن الكاتب، أيَّ كاتب، يحتاج إلى انتعاشة تأتي من الاحتكاك المستمر بالناس من حوله، أولئك الذين يكتب عنهم. هذا الإثراء، الذي يتحقق من خلال الاحتكاك بالناس، لا بديل عنه لكاتب مثلي، يكتب بلغة أفريقية (الكيكويو)، يتحدثون بها في داخل البلاد التي نُفيت منها. من الناحية الإيجابية، فإن المرء يحاول أن يُقيم هذه الصلة؛ فالكاتب يتعامل مع المنفى باعتباره تحديًا كما أنه قد يُساعد على رؤية ما له صلة بالوطن، وبتاريخه، من منظور أفضل. (من رسالة بالبريد الإلكتروني للمؤلِّف في ٣ أكتوبر ١٩٩٨م)
وهناك أيضًا مثال «وولي شوينكا»، الذي يقول إنَّه عرف المنفى ثلاث مرات: الأولى، بعد سجنه إبَّان حرب «بيافرا»، عندما كَتب The Man Died في فرنسا (وكان ذلك منفًى اختياريًّا، وإن كان السجن هو الذي حفَّزه عليه) وكانت المرة الثانية بعد انتخاب ١٩٨٣م، المُعد سلفًا، عندما حذَّروه من جماعات اغتيالات، تحاول قتله (ولم يكن منفًى اختياريًّا) والمرة الثالثة بعد أن رصد الجنرال «أباشا» مكافأة سخية لمَن يقتله، بسبب تصريحاته الملتهبة ضد نظامه: «كانوا يحولونني إلى نكرة، ويضعونني رهن الإقامة الجبرية في المنزل، ثم من هناك يجعلونني أختفي، بينما يشيعون أنني تحت الإقامة الجبرية! كانت لدينا تفاصيل ذلك كله، كما خططوا له، وعليه، فقد اكتشفت أنه قد حان وقت التحرُّك لإنشاء مراكز للمقاومة، ولكي يعرف العالَم ما كان يحدث لشعبنا.» Soyinka Tells His Exile Story 1998، ورغم أنه عاد بشكل مؤقت إلى نيجيريا، بعد موت «أباشا»، ما زال «شوينكا» ينتظر صابرًا في أمريكا وأوروبا ليرى ما إذا كان توجُّه نيجيريا مرة أخرى نحو حكم مدني سوف يحرر بلاده من هذه القبضة العسكرية الخانقة. حتى «شينوا أشيبي» الذي كان يقوم بالتدريس في الولايات المتحدة، على مدى سنوات، ولم يكُن مجبرًا على مغادرة نيجيريا، نجده يتساءل في رسالة لي أثناء حكم «أباشا»، ما إذا كان من الأفضل أن يعود في خضم الأحداث، بدلًا من البقاء على بُعدِ آلاف الأميال.
وهناك حقيقةٌ أخرى وهي أنَّ كثيرًا من الكُتَّاب المنفيين، وخاصةً ممن يشغلون مناصب أكاديمية، تركوا بلادهم الأصلية، من أجل ظروف عمل أفضل في الغرب، فيقول «إيرنست إيمينيو Ernest Emenyom» (نيجيري) مثلًا: إنَّ منفاه، ومنفى الآخرين، كان اختياريًّا، بسبب الظروف السياسية والاقتصادية في موطنه الأصلي، «فقد اضطرَّتهم ظروف مادية لمغادرة أوطانهم، لمجرد البقاء على قيد الحياة، كما دفعتهم ضمائرهم للبحث عن الاستقرار، ولو لفترة قصيرة خارج أوطانهم.» (رسالة للمؤلِّف في ٧ أكتوبر ١٩٩٨م)، كما يصف نفسه بأنه كان واحدًا من آخِر أساتذة الأدب الذين غادروا نيجيريا، و«عندما تتغير الظروف إلى الأفضل، أعتقد أنَّ المنفيين طوعًا بدافعٍ من ضمائرهم، سيكونون أول العائدين للوطن، وسوف يتبعهم الآخرون بسرعة»، ولكن «الآخرين»، ليسوا على هذه الدرجة من التفاؤل، وبخاصة عندما يكون المنفى قد امتدَّ إلى عدَّة سنوات.
في مواجهة بين «جيري رولنجز Jerry Rawlings» رئيس غانا، و«علي مازوري Ali Mazuri» حول المنفى، حدد الأخير (وهو أستاذ أكاديمي أكثر منه كاتبًا، بالرغم من أنه نشرَ رواية واحدة) عدة أسباب لاستحالة العودة الدائمة تقريبًا، بعد العيش في الغرب لمدة ٢٥ سنة، «فالمهنيون المهاجرون» — كما يصف نفسه، وغيره من الأكاديميين الأفارقة، الذين يعيشون في الغرب — «عُرضة لعوامل جذب تتضمَّن تسهيلات أفضل، ورواتب أفضل، وظروف عملٍ أفضل، وكذلك حرية أكبر» (Why exiles won't come home soon 1999) «مازوري Mazuri» أجاب عن تساؤلات «رولنجز Rawlings» بقوله: إنَّه ترك عمله — أصلًا — في التدريس بجامعة «ماكيريري Makerere» في «أوغندا»، خوفًا من «إيدي أمين Idi Amin»، ولكن بعد عدَّة سنوات في الولايات المتحدة، لم يعُد أبناؤه يعتبرون أنفسهم أفارقة (أولادي في الحقيقة أمريكيون). والأسوأ من ذلك، أن يقول ﻟ «رولنجز»: إنَّه لا يعتقد أن هناك فرصة لتطوره الأكاديمي في كينيا، موطنه، ثم يعترف بمشكلة أكبر: «السبب الوحيد لعدم وحدتنا كأفارقة هو أننا فشلنا فشلًا ذريعًا في الاعتراف بالتنوع.»
الكاتب الوحيد، الذي يبدو أنه قد تكيَّف على نحوٍ أفضل مع المنفى، هو «نور الدين فرح» (من مواليد ١٩٤٥م) الذي قضى معظم حياته خارج بلده الصومال، ابتداءً من الدراسة الجامعية في الهند، حيث كتب أول رواية له بالإنجليزية «من ضلع أعوج From a Crooked Rib» (١٩٧٠م). فرح عاش وعمل بالتدريس فتراتٍ طويلة، في إنجلترا، وإيطاليا، والدانمرك، والولايات المتحدة، وكذلك في دول أفريقية كثيرة (جامبيا – نيجيريا – جنوب أفريقيا)، وبالرغم من كل هذه السنوات في الخارج، فهو معروف بأنه الكاتب الرئيسي في بلاده، وواحد من أبرز الروائيين في القارَّة، وقد حصل على جائزة «نيوستاد Neustadt» سنة ١٩٩٧م، ويقول «فرح»: إنَّ كل كتاباته الرئيسية قد أُنجزت خارج الصومال. «البعد بالنسبة لي يقوم بعملية أشبه بالتقطير، فتصبح الأفكار أكثر صفاءً ونقاءً، المسافة تجعل الرؤية أفضل، وأنا أحبُّ أن تكون هناك مسافة ذهنية، ومادية، بيني وبين ما أكتب» (في مديح المنفى In Praise of Exile, (p. 65, 1999)).
يحدِّثُنا «فرح»، عن ملاحظات بعض أفراد الأسرة على روايته الأولى، فيقول: إنَّ ردَّ فعل أمِّه، تجلَّى في ملاحظة مُقلقة بالنسبة له: «ولكن هذا (يقصد أحد المواقف الخاصَّة بالشخصية الرئيسية) يحدث كل يوم، وحياة «إلبا» عادية، مثل العواصف الرملية في مقديشيو» (p. 66)، وقد علَّمته هذه الملاحظة درسًا مُهمَّا، وهو أنَّ السِّحر الذي يجده قُرَّاء الرواية في الخارج لم يكن موجودًا بالنسبة لأمِّه، ولعلَّه كان يكتب لجمهور عالمي، وقد سبق أن واجه «تيوتولا» مثل هذا الموقف من شعبه، عندما صَدرت روايته «شرِّيب نبيذ النخيل» قبل سنوات.
«فرح» يعترف بأنَّ كل رواياته تتناول المنفى، على نحوٍ أو آخر: هي روايات «عن نساء يرتعدن في عالَم شديد البرودة، يحكمه الرجال، روايات عن العدالة المنكورة بشكل عام، عن الذي يسوم الناس العذاب، ويسومه ضميرُه العذاب، من فرط شعوره بالذنب، عن خائن يخونه الآخرون.» (p. 66) نأيُه بنفسه عن مصادر مادَّته، كان لا بدَّ منه (de rigueur): «لكي أكتب عملًا مُلهمًا عن الصومال، كان لا بدَّ من أن أغادر البلاد … بُعْدِي عنها وَفَّر لي الوقت، لكي أواصل عملي … ومهنتي … مهنة الكتابة» (p. 67)، وفي إشارة دالَّة، يقول عندما يتحدث عن كتابته: «أكتب لأنَّ الموضوع يختارني، ولأنني أريد أن أستعيد نصفي الضائع»، (Why I Write, 1998, p. 1599)، وربما يكون «فرح» قد تعلَّم أكثر من غيره، كيف يستغلُّ منفاه، على نحو إيجابي، يُغذي كتابته، بشكل لم يستطع أقرانه أن يفعلوه.
موت «كين سارو-ويوا»
كان إعدام «كينول بيسون سارو-ويوا» شنقًا في ١٠ نوفمبر ١٩٩٥م، مُحاكاةً مُضحكة وسُخريةً من حقوق الإنسان، وفشلًا ذريعًا للدبلوماسية العالمية. موجات الصدمة التي أحدثها إعدامه ترددت أصداؤها في أنحاء العالم، وعلى الأخص في تلك الفترة المضطربة، عندما كان كُتَّاب الجنوب الكوني، يُجبرون على الفِرار إلى المنافي والاختفاء، بسبب المُكافآت المرصودة لمَن يأتي برءوسهم، الأمر الذي يجعل المرء يتساءل: ما إذا كان القلم أصدق أنباءً، وأمضى من سيف الجلَّاد.
الكُتَّاب يمضون بهدوءٍ في هذا الليل البهيم، ولكن إعدام «كين سارو-ويوا»، سوف يُسجَّل جريمة شنعاء، وفعلًا خسيسًا في تاريخ الحكم الشمولي، جديرًا بالازدراء؛ فالجلَّاد الذي لم يكن على دراية بعمله الذي يقوم به، الجلَّاد الذي أتوا به للتنفيذ، حاول شنق الكاتب خمس مرات، قبل أن يُفلح، أم تراها كانت عملية مقصودة، لإرهاب الآخرين وتحذيرهم، ورسالة موجَّهة تقول: حتى الموت على أيدي الطُّغاة، لن يكون سريعًا وناجزًا؟!
كان «سارو-ويوا» قد أمضى العامين السابقين من حياته، مُطارَدًا، مُفزعًا، وسجينًا من قِبَل السلطات في «نيجيريا»، بسبب دفاعه عن شعبه «الأجوني» (The Ogonis)، وتصدِّيه للدمار الذي تُلحِقه بالبيئة، التكتلات الاحتكارية البترولية، وبالتحديد شركة «شل».
قبل موته، كان «كين سارو-ويوا»، قد أصبح واحدًا من أشهر كُتَّاب «نيجيريا»، وأكثرهم إنتاجًا في السنوات الأخيرة، بالرغم من أنَّ مُعظم كتبه، كانت منشورة على نفقته الخاصَّة، ولم تكن معروفة تقريبًا، وغير متوفِّرة خارج «نيجيريا». كان يكتب عمودًا صحفيًّا على مدى عدَّة سنوات، كما كان يؤلِّف الكُتب للمرحلة الابتدائية، وكتب الرواية، والشعر، والمسرحية، أمَّا أشهر رواياته فهي «طفل السوزا Sozaboy» (١٩٨٥م)، وهي الوحيدة التي كانت منشورة في الغرب، عندما مات، وقد أسسها على تجربته في الحرب الأهلية في «نيجيريا»، ويعتبرها الروائي الإنجليزي «وليم بويد William Boyd» — الذي كان يَعرف الكاتب جيِّدًا — رواية عظيمة، مناهضة للحرب، كما يعتبرها من بين أفضل روايات القرن العشرين. (Introduction, p. ix)، العبارة الأولى، من الفقرة الافتتاحية في الرواية، هذه العبارة التي لا تُنسى، والتي تقول: «بالرغم من أنَّ الكُل في «دوكانا»، كانوا سُعداء في البداية …» تظل معلَّقة في الهواء، وتجعل القارئ يكتم أنفاسه انتظارًا للمزيد من التفصيل، بعد ذلك فإن القصة، بإنجليزيَّتها الرثَّة، كما يقول المؤلِّف، تصف صبيًّا أصبح جنديًّا، يذهب إلى ميدان القتال، متمنيًا أن يعود إلى الوطن بطلًا … إلَّا أنه ليس هناك ما يعود إليه، يعود «ميني Mene» الجندي الطفل، إلى قريته لكي يكتشف أنه بالرغم من نجاته بحياته، فإن أحدًا لم ينجُ من القرية (بمَن في ذلك أمه وزوجته). ليس من الصعب أن نربط بين مصير سكان القرية، ومصير شعب «أجوني»، الذي ينتمي إليه الكاتب، بالرغم من أن «سارو-ويوا»، عندما كتب رائعته لم يكن قد مرَّ بذلك التغيُّر الثوري الذي سيحرِّكه مثل كُتَّاب القارَّة الآخرين نحو ذلك المجال الاجتماعي الثوري. كانت هناك أشياء أخرى، عليه أن يكتبها في البداية، بما في ذلك المسلسل الناجح لتلفزيون نيجيريا، والذي استمرَّ بثُّه من ١٩٨٥ إلى ١٩٩٠م، في أوج الازدهار الاقتصادي النفطي. كتب «سارو-ويوا» ١٥٠ حلقة من المسلسل أثرى من ورائها، وخاصَّة أن المسلسل كان يُنشر مطبوعًا كذلك.
بعد الحرب الأهلية النيجيرية، أصبح «سارو-ويوا»، مهمومًا بمعاناة شعب «أجوني»، الذي كانت أرضه مركز حقول النفط الغنية في البلاد، وفي ١٩٨٠م، لم يكن يذهب للأجونيين سوى ١,٥٪ من عائدات هذه الثروة، ومع توالي الحكومات العسكرية على البلاد، كانت ثروة البلاد تُنهب، كما يُستخدم جزءٌ كبيرٌ منها في مشروعات في مناطق أخرى، وبدأ «سارو-ويوا» يرى معاناة شعبه، باعتبارها شكلًا من أشكال الاستعمار المحلي (A Month and a Day, p. 73). تحوَّلت الأرض إلى كارثة بيئية، ولم يكُن للشعب الأجوني — كما كَتَب — أي تمثيل على أي مستوى، في أيٍّ من مؤسسات الحكومة النيجيرية الفيدرالية، لم يكن لديهم مياه صالحة للشرب، ولا كهرباء، ولا فرص عمل في شركات القطاعين العام والخاص، ولا مشروعات اجتماعية، أو اقتصادية، من قِبَل الحكومة الفيدرالية (p. 68)، وبدأ وهو يرقب ما يحدث لشعبه عن كَثَب، ينشر كُتبًا تحمل عناوين من قبيل: Genocide in Nigeria: The Agoni Tragedy (الإبادة الجماعية في نيجيريا: مأساة شعب الأجوني). وبعمله مع «الحركة من أجل إنقاذ الشعب الأجوني»٤ التي ساعد في تكوينها، راح يناشد منظمات وجماعات مثل «السلام الأخضر Greenpeace»، و«منظمة العفو الدولية Amnesty International»، وأخيرًا منظمة الأمم المتحدة، ويدعوها للمشاركة في عملية إنقاذ شعبه. كان «سارو-ويوا» تحت المراقبة، والغريب أنَّ أحدًا لم يُحاول إسكاته قبل ذلك، كما كانت هناك صحافة حرة في نيجيريا، إلى أن جاء الجنرال «ساني أباشا» إلى السلطة، ثم بدأت أيامه تصبح معدودة، عندما بدأت حكومة «أباشا» تستشعر خطر انشقاق الأجوني (وهو ما لم يكن سارو-ويوا يفكِّر فيه).
ما كتبه «سارو-ويوا» عن تحرش حكومة «أباشا» به، بعنوان A Month and a Day (والذي نُشر بعد موته في أواخر ١٩٩٥م)، يقدِّم صورة مرعبة لقانون العقوبات في نيجيريا، ويغطي أحداث سنة، بدأت في ١٩٩٣م، برغم أنها لم تكن آخر مرة يُسجن فيها لتنتهي بإعدامه، ومن المفارقات الساخرة، أن «سارو-ويوا» كان قد كتب رواية تدور أحداثُها في السجن، Lemona’s Tale (١٩٩٦م)، ولكنه لم يكن يتصوَّر أنها سوف تتحول إلى واقع. يصف الكاتب عملية نقله من سجنٍ إلى آخر (مثل شوينكا)، وتعذيبه جسديًّا ومعنويًّا، وكيف كان يلتقي سُجناء صغار (١٢ سنة)، لا يجدون من الطعام سوى ما قد يرسله إليهم أهلهم وأصدقاؤهم. ولكي يبقى السجين على قيد الحياة، في ظل هذا النظام العقابي، كان لا بد من أن يكون معه نقود، وإلَّا «فإنك تُعرِّض نفسك لقسوة بالغة، وتقف طوال الليل للتهوية على أفراد الحراسة بصُحُف قديمة، وفي حال وجود نقود معك، يمكن أن يُسمح لك بأن تبقى خارج دورة المياه، التي كان بعض السجناء يُجبرون على النوم بها، بسبب ضيق المساحة وازدحام المكان» (p. 40)، وحيث إنَّ «سارو-ويوا»، كان لديه أموال كثيرة استطاع النجاة في هذه الظروف القاسية، ويصف على نحو سريالي، كيف كان عليه أن يدفع حتى ثمن أكل طاقم الحراسة، الذين كانوا ينقلونه في أرجاء البلاد (إلى أن انتهى به الحال في سجن بورت هاركورت)، كما كان يدفع أجور الأطباء، وثمن الأدوية التي يصفونها له، لأنه — مثل شوينكا ونجوجي — كان يعاني من متاعب صحية.
ويشير إلى أنَّ سجن بورت هاركورت «كان قد بُني في عهد الاستعمار، وكان في ذلك الوقت أكبر سجن في غرب أفريقيا، كان تصميمه جيدًا … ولكن كل شيء كان مُهدَّمًا … مُنهارًا» (p. 224)، «لم يكن هناك حتى تليفون لدى مسئولي السجن للاتصال بالعالم الخارجي، وكان الماء يتسرَّب من سقف العيادة مثل المصفاة … لم يكن هناك سقف تقريبًا … والمكان رطب، والأسِرَّة ضيقة، عليها مراتب عفِنة.» (p. 226) ولكنها كانت أكثر الأماكن أمانًا، في سجن يتكدَّس فيه ١٢٠٠ نزيل.
لقد بقي على قيد الحياة على أية حال، وفي النهاية أخذوه إلى المحكمة، مُتَّهمًا بالدَّعوة للانشقاق، وإثارة الفتنة، والتجمُّع غير القانوني (p. 219)، ويبدو أنها كانت اتهامات للتخويف والإرهاب؛ لأنهم أطلقوا سراحه في ٢٢ يوليو ١٩٩٣م، وكما يقول في آخِر تقريره، الذي يشيب له شعر الرأس «اعتُقلتُ لمدة شهر ويوم، عرفت وشاهدت فيها كيف يعمل الشرُّ بكفاءة! في بلاد لا شيء يعمل فيها تقريبًا، كانت الخدمات الأمنية مُجهَّزة بأحدث الأسلحة والمعدَّات، لضمان تنفيذ كل الأوامر، بدقَّة عسكرية بالغة، وكان الرجال ينفِّذون التعليمات بأمانة تدعو للإعجاب!» (pp. 237-8.)
قبل ذلك بأيام، وبينما «كان ١٣٢ رجلًا وامرأة وطفلًا من الأجوني، عائدين (١٥ يوليو) من مكان إقامتهم في الكاميرون، اقتادتهم جماعة مُسلَّحة إلى نهر أندوني، وقتلتهم، ولم يتبقَّ منهم على قيد الحياة غير امرأتين لكي تحكيا الحِكاية … كانت المذابح الجماعية للأجوني، قد اتخذت بُعدًا جديدًا.» (p. 238) وبعد موت أربعة من زعماء الأجوني المُوالين للحكومة، (وكان «سارو-ويوا» قبل ذلك، يعتبر اثنين منهم متعاطفين مع قضيته)، أُلقي القبض على «سارو-ويوا» وثمانية آخرين يوم ٢١ مايو ١٩٩٤م، متهمين بقتل الزعماء الأربعة، بينما كان «سارو-ويوا» الذي عُرف بسلاميَّته طوال حياته، يرى أنَّ الحكومة هي التي قتلتهم. وفي نوفمبر ١٩٩٥م، أصدرت محكمة عسكرية حُكمها بالإعدام على الرجال التسعة، وتم التنفيذ على وجه السرعة، فكانت مُحاكمة صورية، وهزلية، في رأي الجميع، في كل مكان، واحتجَّت عليها شركة «شل»، ولكن صوتها ضاع أدراج الرياح، في غمار الأحداث التي تمَّ التكتُّم الشديد عليها.
بعد موت «سارو-ويوا» بوقت قصير، لخَّص «وليم بويد William Boyd» موقف الحكومة الغامض تجاه صديقه المقتول: «لقد كان مصدر إزعاجٍ لهم، شخص يقف عقبة في طريق الأغنياء الذين يحاولون أن يكونوا أكثر غنًى … فلِمَ لا يقتلونه؟!» (Death of a Writer, 1995, p. 51.)
وفي تغطيتها للحدث، نقلت نشرة اتحاد الكُتَّاب النيجيريين (ANA) Association of Nigerian Authors، عن «لور إيهونوا Laure Ehonwa» من منظمة الحرية المدنية قولَها: «لسنا مقتنعين بأنَّ المحاكمة كانت حرَّة وعادلة؛ لأنَّ مستوى الإجراءات لم يضمن حقوق المتَّهمين.» (Sola Olorunymi, The New Hemlock, 1995, p. 23.)
ثم يمضي المقال متسائلًا لماذا يُحاكَم «سارو-ويوا» وغيره من المتهمين أمام محكمة عسكرية، وليس أمام محكمة مدنية؟! وفي بيان لاتحاد الكُتَّاب النيجيريين، وقَّعه رئيسه «أوديا أوفيمن Odia Ofeimun»، جاء «أنَّ حكم الإعدام يؤكِّد أنَّ الشرَّ والظُّلم، أصبحا لغة الحياة العادية في شئوننا الوطنية».
على مدى حياته في الكتابة، لم يكن «سارو-ويوا» يخشى أن يُعلن رأيه، لأنه الإنسان الفعَّال L’homme engagé، صاحب الموقف في وجه قوى الإرهاب والقمع المدعومة من الحكومة، ومع تدهور الأوضاع في نيجيريا في التسعينيات، وازدياد سوء أحوال شعب الأجوني، كان «سارو-ويوا»، يستخدم كل طاقته، من أجل قضية هذا الشعب، بالرغم من أنه كان يعرف أنه يُغامِر بحياته. لم يكن هناك ما يزعجه مثل الصمت، الذي كان يراه تواطؤًا مع القمع والظلم، كان لا بدَّ من أن تؤرق محنة وآلام شعب الأجوني كل أصحاب الضمائر، وليس الأجونيين وحدهم: «إنَّ صمت دُعاة الإصلاح الاجتماعي النيجيريين، والكُتَّاب، ورجال القانون، عن هذه القضية، صمت يُصيب بالصمم!» (“A Month and a Day”. p. 64.)
وكان أحد البيانات الأخيرة، عن حياة «سارو-ويوا»، المنشور في الصحيفة النيجيرية Mail & Guardian (مايو ١٩٩٥م)، يتضمَّن الملاحظات البعيدة النظر التالية: مرَّت سنة على إيقاظي من سريري بطريقة فظَّة، واعتقالي، خمسة وستون يومًا في الأصفاد، أسابيع من التجويع، شهور من العذاب المعنوي، وفي النهاية، تلك الجولات في سيارة عفِنة عديمة التهوية، للمثول أمام محكمة، لم تُراعَ فيها قواعد القانون والعدالة تُسمَّى محكمة عسكرية خاصَّة؛ حيث لا تترك الإجراءات أي مجال للشك، في أنَّ الأحكام كانت مكتوبة مُسبقًا، وأنه سيكون هناك بالتأكيد حكم بالإعدام، غير قابل للاستئناف. الذين يقدِّمون عرض العار هذا ويُشرِفون على هذه المسرحية المأساوية يخشون الكلمة وقوة الأفكار، يخيفهم القلم، وترعبهم مطالب العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، ليس لديهم حِس بالتاريخ، إنَّهم يرتعدون أمام قوة الكلمة، لدرجة أنهم لا يقرءون، وهذه هي جنازتهم! عندما قرَّرت بعد سنوات من الكتابة أن أحمل الكلمة إلى الشارع، لتعبئة شعب الأجوني، وتمكينه من الاحتجاج على تدمير البيئة على يد شركة «شل»، وامتهانه وتجريده من إنسانيته على يد الدكتاتورية العسكرية في نيجيريا، لم يكن لديَّ أدنى شكٍّ أين ستكون نهاية ذلك كله. هذه المعرفة كانت تمنحني القوَّة، والشجاعة، والبهجة، والتفوق النفسي والمعنوي، على مَن يقومون بتعذيبي … وسواء عشتُ أو مُت لا يهم، يكفي أن أعرف أن هناك مَن يبذلون المال والوقت والجهد، لمقاومة هذا الشر من بين شرور أخرى كثيرة سائدة، إذا لم ينجحوا اليوم، فسوف ينجحون غدًا، ولا بد من مواصلة الجهد؛ لكي يصبح العالَم مكانًا أفضل لكلِّ البشر، كلٌّ لا بدَّ من أن يُسهم على طريقته بقسط من الواجب، مهما كان صغيرًا.
كان «كين سارو-ويوا» يُسهم بأكثر من قسطه؛ لكي يحدث تغييرًا أساسيًّا في تلك البلاد التي أحبَّها، وكما نقلت وسائل الإعلام الغربية، فإن «ساني أباشا»، خصم «سارو-ويوا» اللدود، مات بأزمة قلبية في الثامن من يونيو ١٩٩٨م، وإن كان الناس في الشوارع يعتقدون أنَّ الجنرال قد قُتِل وهو نائم.
ليس هناك شكٌّ في أنَّ كُتَّاب أفريقيا المعاصرين يحملون على كاهلهم عبئًا ثقيلًا من المحن والمظالم، أمَّا الأسوأ من ذلك فهو عدم ظهور أي ضوء في نهاية هذا النفق المظلم. عندما سقط حائط برلين، وانتهت الحرب الباردة، وجد الكُتَّاب في العالَم الثاني أنفسهم فجأةً في وضع أفضل، والآن وأنا أكتب لا يبدو مصير «سلمان رشدي» غامضًا كما كان من قبل، بالرغم من أنه لا بد من أن يظل حذِرًا. حتى أثناء سنوات الفتوى، كان مستمرًّا في الكتابة والنشر، بما يوحي بأنَّ إبداعه لم يسكت، وإن كان ذلك ليس هو الحال بالنسبة لكثير من الكُتَّاب الأفارقة، الذين قَلَّ إنتاجُهم، وربما سكتوا تمامًا، بانقطاعهم عن جذورهم، وبقائهم في المنفى الاختياري. في ١٩٩٧م، وأثناء قيامي بتحرير كتاب «تحت سموات أفريقية Under African Skies»، أشار أحد النقَّاد، إلى أنَّ نصف العدد من بين سبعة وعشرين كاتبًا، من الذين تناولتهم «الأنطولوجيا»، عرفوا السجن أو المنفى الاضطراري، وأيًّا كانت طريقة فهمنا لمواقفهم، فإن الكُتَّاب الأفارقة، لم يحدث أن وجدوا أنفسهم أبدًا، في ظروف عادلة أو منصفة.
١
كان «لايي» أحد الروائيين الفرانكفونيين القلائل الذين تأثروا بشعراء الزنوجة وشاركوهم الكثير من أفكارهم.
٢
نسبةً إلى الرئيس كاموزو باندا.
٣
انظر: The True Confessions of an Albino Terrorist (1983)
٤
Movement for The Survival of the Ogoni People (MOSOP).
محنة الكاتب الأفريقي |
مقدمة
بقلم توفيق الرافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذا كتاب «جوامع الكلم» لنابغة الفلاسفة الدكتور غوستاف لوبون، قد لخص فيه كثيرًا من آرائه في مؤلفاته على ما قاله في مقدمة هذا الكتاب وتراه مبثوثًا في تضاعيف أسطره وثنايا أوراقه.
والدكتور غوستاف لوبون ليس بدعًا من الفلاسفة، فقِدمًا سارت حِكَمهم وأمثالهم مسير الشمس في الفلك والنور في الحلك يتناقلها الرواة ويشيد بذكرها الركبان، يردُ نميرها الملك والأمير، ويهتدي بهديها الغني والفقير. هذا، ومكانة صاحب هذا المؤلَّف مكانته بين فلاسفة الغرب والشرق ومنزلته منزلته عند رجال الحكمة وأمراء البيان.
ولذا اعتنى علماء الأمم وكُتَّابها بجميع ما خط يَراع هذا الفيلسوف العظيم، وفي مقدمة هؤلاء الأستاذ العلامة المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا.
فقد كان لهذه المؤلفات منزلة خاصة في نفسه، جعلته يحرص كل الحرص على ترجمتها وتعميم فائدتها، فنقل إلى اللغة العربية منها «سر تطور الأمم» و«روح الاجتماع» وهذا الكتاب، وحالت المنية بينه وبين إتمام ترجمة باقيها.
ولما كانت هذه الكتب مما تحتاج إليه الأمم الشرقية، لا سيما في أيام نهضتها ودَور انتقالها، آثرنا إعادة طبعها ونشرها إلى الناس، فنشرنا لهم: سر تطور الأمم، وروح الاجتماع، وهذا الكتاب. والله نسأل أن يوفقنا لخدمة هذه الأمة والعمل لمصلحتها، والسلام.
القاهرة في مارس سنة ١٩٢٢
جوامع الكلم |
مقدمة المؤلف
الغرض من هذا الكتاب تلخيص بعض الأفكار المنثورة في مؤلفاتي على اختلاف أنواعها، وإبرازها في صورة قضايا جامعة؛ لأن الصيغ المختصرة تأخذ باللب، وتبقى في الذاكرة، ولذلك شاعت جوامع الكلم في عالم الأدب.
يتناول العقل أكثر الحقائق المقررة عندنا، أعني ما يرتسم فيه من صور المعلومات على شكل أفكار موجزة، وما فتئ الناس يلخصون تجاربهم في قضايا وحِكَم ترسل أمثلة، هي جوامع كلم الأمم، فالمرء يفكر بواسطة القضايا الموجزة، ويسير في حياته مدفوعًا بها؛ ذلك لأنها تعفيه من إطالة التفكير قبل الإقدام على فعل ما يُريد.
بجانب هذه المزايا مضارُّ. فالمثل خلاصة تقريرات ينبغي للمرء أن يستحضرها، فإذا سهل تصور الدليل، كان المثل صيغة من البديهي، وإذا عسر تناوُل ذلك تعذَّر فهم المراد منه، ويظهر من ذلك أنه لا يفيد إلا في استحضار الحقائق الإجمالية البديهية غالبًا، وذلك هو الواقع في معظم الأمثلة، ولكني لم أحجم عن ضم بعض القضايا، وإن صعب إدراك الغرض منها وحدها لأول وهلة؛ لأنها مبسوطة في مؤلفاتي، فهذا المختصر جامعها.
غوستاف لوبون
پاريس: مارس سنة ١٩١٣
جوامع الكلم |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.