Datasets:

text
stringlengths
1
2.38k
en_topic
stringclasses
10 values
لم يكن «الشرق»، ولا الدافع إلى قول بعض «كلمات أخيرة» عنه، بالبعيدين قطّ عن التضاريس التخيّلية للحداثة
Art-and-Literature
لكنَّ اللافت في المقاطع التي أوردتها أعلاه هو التصرّف في أمر التجاذبات الوجدانية والاشتراطات
Art-and-Literature
ثمة رمال لغوية متحركة في جميع هذه المقاطع، كما لو أنَّ صدقَ كلِّ تلفّظٍ مشروطٌ بوجود عكسه، ويبدو رشدي دائمًا كأنّه يستعيد بيد ما أعطاه باليد الأخرى: فإرادة الوداع تقف قبالة استحالة الوداع وهو كان قد بدأ ينفكّ لكنه لا يزال «مرتبطًا»، وهو لايزال مرتبطًا إنّما بروابط «مطاطة» فحسب، وهو ليس واثقًا مما إذا كان الارتباط الدائ...
Art-and-Literature
لهذا أثره المرير والحارق، بلا شكّ، لكن صياغات رشدي تبذر الاضطراب في أمرين في الأقلّ
Art-and-Literature
موقف رشدي مختلف
Art-and-Literature
أودُّ أن أؤكّد، بين قوسين، أنني لا أريد أن أفسّر هذا التجاور بين النصّين - أو بالأحرى، بين مجموعتي الاقتباسات المقتضبة - على أنّه نوع من الاختلاف المُثبَت بين الحداثة وما بعد الحداثة
Art-and-Literature
سوف يواصل «الشرق» مطاردة رشدي، بالطبع، لسنوات عدة بعد كتابة العار، وصولًا إلى الوقت الراهن وربما إلى مستقبل غير محدَّد
Art-and-Literature
لكن مسألة «ضياع بعض الشظايا» لا يمكن تسويتها بهذه السهولة، بوصفها مجرد مشكلة تتوسّل حلًّا شكليًا
Art-and-Literature
ما يبدو أنَّ رشدي يعرفه - من الداخل، بسبب أصله الطبقي - هو تاريخ فساد حكّام باكستان وجرائمهم
Art-and-Literature
لاحظ الجميع عمليًا، كما لاحظ رشدي نفسه، أنَّ العار - التي تكاد تكون عن باكستان على وجه الحصر، على الرغم من بضع حوادث تجري في الهند - هي عملٌ موجع وموئس، ومُغِمّ وخانق، أكثر من أطفال منتصف الليل بكثير
Art-and-Literature
سوف نعود للتوّ إلى بعض هذه الشخصيات، لكن علينا أولًا أن نلاحظ التعارض مع أطفال منتصف الليل التي هي عن الهند، بلد طفولة رشدي الحميمة
Art-and-Literature
هكذا يتركّز الجزء الأكبر من السرد على مسيرة الشخصيتين الرئيستين في المعترك السياسي وفسادهما وسفالتهما وتنافسهما: رضا حيدر، الضابط الذي تختلف أصوله ومسيرته الباكرة تمام الاختلاف عن أصول ضياء الحقّ ومسيرته لكنه يزداد شبهًا به، واسكندر («إسكي») حربا، الذي صيغ على غرار شخصية ذو الفقار علي بوتو، رئيس الوزراء الأسبق
Art-and-Literature
تركّزت معظم قراءات العار على هذا الخط السردي والمواضيع التي تجمّعت من حوله، ولم يكن ذلك من غير سبب
Art-and-Literature
هذه القضايا الأخرى هي التي أريد أن أتناولها، بإيجاز، لكني مهتمّ هنا في الأساس بتمثيل رشدي للمرأة، وذلك لأسباب أربعة: أولها أنَّ النساء يشغلن حيّزًا كبيرًا جدًا في جميع سرديات العمل
Art-and-Literature
ليس تناول هذا الأمر بالهيّن في أيّ حال من الأحوال، ذلك أنَّ رشدي ليس معاديًا للنساء صريحًا وبسيطًا، على النحو الذي كثيرًا ما كان عليه أورويل
Art-and-Literature
هكذا نجد، إلى جانب قصص إسكي ورضا التي تشكّل معًا الإطار السردي الرئيس، محن زوجتيهما، بلقيس وراني
Art-and-Literature
لكنَّ بلقيس وراني كلتيهما هما - في النهاية، وبصرف النظر عمّا تعانيانه من إذلال وإهمال على يد زوجيهما - مخلوقتان سخيفتان، ضحلتان، لا تقويان على شيء سوى الهذر (على «الطريقة النخبوية المسرحية»)، أو العطالة، أو علاقة رخيصة مع صاحب دار السينما المحلية، في أحسن الأحوال
Art-and-Literature
لكنَّ لبّ المسألة هو تصوير صوفية زينوبيا، الفتاة التي كان يُفترض أن تكون صبيًّا، «المعجزة التي جرت على نحوٍ خاطئ»، الطفلة المعتوهة التي وُلدت محمرّة خجلًا، العار مجسّدًا
Art-and-Literature
يبدأ احمرار صوفية زينوبيا خجلًا منذ الولادة، بالطبع، وذلك لسببٍ بسيط يتمثّل في أنّها، مثل جميع الأطفال، كان منتظَرًا أن تكون صبيًا
Art-and-Literature
علاوة على ذلك، يأتي عار صوفية، في سياق الرواية، لا ليشير إليها هي نفسها (إلى أنوثتها؛ تخلّفها العقلي) أو إلى عائلتها (التي تشعر حيالها بالعار للأمرين كليهما، الأنوثة والتخلّف) بل ليتركّز بصورة متزايدة على العالم كما تجده صوفية؛ فتغدو، على نحوٍ يكاد يكون حرفيًا، ضميرَ عالمٍ صفيق، أو مبدأ شرفه، إذا جاز التعبير
Art-and-Literature
يتضح هذا ما إن نتذكر مراحل تصاعد عنفها
Art-and-Literature
في هذا المقطع، تغدو صوفيةُ الأسطورة الأقدم بين الأساطير المعادية للنساء: العذراء التي هي مصّاص دماء فعليًا، المغوية التي تغري الرجال لقتلهم ولا سبيل إلى مقاومتها، مصّاصة الدماء والمغوية التي ليست موضوعًا لتلاعب الرجال بل ملتهمة للمنحوسين منهم
Art-and-Literature
تمضي صوفية إلى البيت وتنام، لكنّ من الواضح أنّها مسألة وقت فحسب قبل أن تهرب من جديد، إلى الأبد هذه المرّة، «لأنّ الحيوان اللاحم ما إن يتذوّق الدمّ حتى لا يعود بمقدورك خداعه بالخضار بعد ذلك»، ولأنَّ «العنف الذي وُلِدَ من العار
Art-and-Literature
وعلى نحوٍ غير متوقّع، يلوح ما يعتبره الكاتب معنى هذه الأشياء كلّها لعمر الخيام شاكيل، زوجها وطبيبها الذي لم يكن حتى ذلك الحين سوى الصفاقة مجسّدةً:
Art-and-Literature
هذا، بالطبع، كلام رشدي نفسه؛ فما من شيء في شخصية شاكيل يشير إلى أنّه قادر على القيام بمثل هذا الفعل من الفهم وسعة الخيال
Art-and-Literature
تطرح صورة صوفية زينوبيا هذه - متضافرة مع صورتيّ بلقيس وراني اللتين ناقشناهما آنفًا وصورة أرجوماند («العذراء ذات السراويل الحديدية») التي لم تُتَح لنا فرصة مناقشتها كما ينبغي - سؤالًا أساسيًا حول رؤية رشدي للعالم عمومًا والنساء خصوصًا
Art-and-Literature
ما يوضحه تصوير صوفية زينوبيا هو مرّة أخرى الطبيعة المحدودة، بل والمعادية للنساء التي تَسِمُ التنميط الذي يضمّنه رشدي طيفَ تجربة النساء بكامله
Art-and-Literature
أحسبُ أنَّ عجز رشدي عن إدراج احتمالات التجديد في العالم الغروتسكي لإبداعه التخيلّي يمثّل خللًا مفهوميًا من نوع أساسي
Art-and-Literature
ثمّة صلة، كما أعتقد، بين رؤية العالم هذه وطريقة رشدي في تمثيل النساء
Art-and-Literature
بصرف النظر عن ضروب الخيارات الأخرى التي كان يمكن رشدي أن يتّخذها أو لا يتّخذها، فإنَّ ذلك الضرب من السياسة مُسْتَبْعَدٌ بالنسبة إليه بحكم الموقع (ما بعد) الحداثيّ الذي يختاره لنفسه وبحكم مدى تثمينه تجربة «الهجرة» وعدم الانتماء
Art-and-Literature
تبدأ المقالة عن غراس، مثلًا، كما يلي:
Art-and-Literature
أوردتُ الجملتين الأخيرتين في المقطع أعلاه («ومثل كثيرٍ من معاصريَّ
Art-and-Literature
غدا اليأس الآن، في عصر الرأسمالية الراهنة وفي أعقاب الحداثة الرفيعة، عنصرًا مكوِّنًا في الثقافة البرجوازية المعاصرة، وهو يتضافر عَرَضًا مع ضروب كثيرة من اللذائذ الخاصة، حيث ينسى المرء، حين يقع على صيغ مثل «لا مستقبل» وما إلى ذلك، أيَّ رؤية قاتمة للإمكان البشري يشير إليها هذا النوع من التفكير
Art-and-Literature
الافتراض هو أنَّ الظلام «يحلّ باكرًا»؛ مرّة أخرى، ما من مستقبل
Art-and-Literature
لا مجال هنا لتقديم قراءة مفصّلة لتلك المقالة الغريبة: غريبة بمعنى أنّها حسنة جدًا من مناحٍ كثيرة لكنها، في النهاية، مشوبة بعمق بجماليات اليأس عند رشدي
Art-and-Literature
ليس هذا التوازي مع أورويل بالمسألة الثانوية
Art-and-Literature
ليس لديّ في هذا السياق ما هو أفضل من اقتباس مقطع طويل من ذاك العمل الكلاسيكي القديم، الثقافة والمجتمع، يدور في الظاهر حول أورويل لكنّه يتحدث بوضوح عن أشياء أكبر:
Art-and-Literature
الآن، بعد حكم الخميني عليه، تحول «تشرّد» رشدي، على نحوٍ متناقض ومأساوي، إلى نفي تام
Art-and-Literature
سبق أن كتبتُ منتقدًا فريدريك جيمسن، وسوف تتركّز الأقسام الأساسية من كتابتي هنا على انتقاداتٍ حادّة أوجّهها إلى إدوارد سعيد
Art-and-Literature
لكنَّ هذه الاختلافات، العامة والمحدّدة على السواء، لا تشكّل سوى جزء صغير من الصعوبة التي أواجهها لدى الكتابة عن إدوارد سعيد
Art-and-Literature
لقد اعتقدتُ لسنين أنَّ ذلك من غير الممكن، وأنَّ الكلام المُخالف قد يكون ضربًا من الخيانة لهذا التضامن
Art-and-Literature
كتب إدوارد سعيد بصورة مباشرة في بعض الأحيان عن معنى ذلك المكان، وعن مسألة ذلك الأصل: ولا سيما في كتابيه قضية فلسطين وبعد السماء الأخيرة، وكذلك في مقالات كثيرة
Art-and-Literature
يَسِمُ الاستشراق قطيعةً جذرية في مسيرة سعيد الفكرية، وذلك على وجه الدقّة لأنّ كتابة هذا الكتاب كانت محاولة لحلّ مشكلة ما يعنيه بالنسبة إليه أن يكون المرء فلسطينيًا يعيش في الولايات المتحدة ويعلّم فيها، من دون سلاح سوى اختصاصه الفكري في العلوم الإنسانية، ومسيرته الناجحة كناقد أدبيّ، وتضلّعه المذهل من نطاقات واسعة في الن...
Art-and-Literature
تمثّل جانبٌ من الغاية التي وضعها سعيد نصب عينيه في كشف خيوط هذه الشبكة وتواريخها الكثيرة التي تقف بمواجهة الفلسطيني
Art-and-Literature
يبدو أنَّ هذا المقطع من غرامشي يعني الكثير لسعيد، ذلك أنّه يعاود الظهور في بداية مقالته عن الصهيوينة
Art-and-Literature
لكن ما الذي أوجب على هذا «الجرد» للآثار أن يتّخذ شكل قراءة مضادة للنصوص المُعْتَمَدة المُكَرَّسة، خصوصًا في نطاقي الأدب وفقه اللغة القريبين، بدءًا بالتراجيديا اليونانية وصاعدًا؟ كان السبب شخصيًا مرّة أخرى، وإِنْ لم يكن مرتبطًا هذه المرّة بفلسطينية سعيد
Art-and-Literature
إن كان ثمّة نقيض للبطل غائب عن عمل سعيد الكلاسيكي المضاد، فهو إريك أورباخ
Art-and-Literature
الحال، إنَّ هذه العلاقة المتناقضة مع أورباخ، المعلّم الفرد، إنّما تُؤدَّى على مستوى أعقد بكثير، في علاقةٍ متناقضةٍ بالمثل مع الإنسانويّة الرفيعة بحدّ ذاتها
Art-and-Literature
على الرغم من أنَّ هذه التجاذبات الوجدانية حيال أورباخ وحيال الإنسانوية بوجهٍ عام هي من الإشكالية بما يكفي، إلا أنّها تتعقّد مزيدًا من التعقيد بالتسوية المستحيلة التي يحاول سعيد إقامتها بين تلك الإنسانوية ونظرية الخطاب عند فوكو، والتي ما كان لمفكّرٍ جدّي أن يبتغي استخدامها كمنهج في قراءة كتب المُعْتَمَد المكرَّس وتصنيفه...
Art-and-Literature
هذا الإحساس بالانتساب إلى فوكو يظلّ قويًا طوال الاستشراق، ونثر الكتاب طافحٌ بالمصطلحات الفوكوية: الانتظام، الحقل الخطابيّ، التمثيل، الأرشيف، الاختلاف الإبيستيمي، وهلم جرا
Art-and-Literature
لن أتفحّص هنا هذه الأطروحات الفوكوية المشكوك فيها، ذلك أنني لستُ مهتمًّا في هذه اللحظة إلا بالنحو الذي يعاود فيه فكر فوكو الظهور في فكر سعيد
Art-and-Literature
يستخدم سعيد المصطلحات الفوكوية على أنّها عناصر منفصلة في جهاز، لكنه يأبى أن يتقبّل العواقب المترتبة عن خريطة التاريخ التي يرسمها فوكو
Art-and-Literature
الآن، إنَّ الفكرة التي تقول بإمكانية وجود خطاب - أي بناء إبيستيمي - يطول كامل اتّساع التاريخ «الغربي» ونصوصه، مستغرقًا لا المرحلة الرأسمالية الحديثة فحسب بل أيضًا جميع المراحل السابقة ما قبل الرأسمالية، هي فكرة لا تقتصر على كونها ليست ماركسية بل تتعدّى ذلك إلى كونها ليست فوكوية أيضًا في أي حال من الأحوال
Art-and-Literature
عادةً ما أخالف فوكو في معظم ما جاء به، غير أنَّ عليَّ أن أعترف أنّه كان محترسًا إلى هذا الحدّ أو ذاك في مثل هذه المسائل
Art-and-Literature
أحد الحدود الأشدّ صرامةً في فكر فوكو هو ذاك الذي رسمه ضدّ الإنسانويّة ذاتها
Art-and-Literature
الحال، إنَّ هذا التناوب بين الإطراء الجامح والرفض بالجملة قد استمرّ أبعد من الاستشراق بكثير
Art-and-Literature
هكذا تشتمل قائمة الروايات التي يُقارَن بها عمل كيبلنغ بكلّ رصانة ووقار على التربية العاطفية لفلوبير، وصورة سيدة لجيمس، وكلُّ من عليها فان لبتلر، من دون أن يكون واضحًا تمامًا ما الذي يجعل رواية قليلة الشأن، لا تدين بانتشارها الواسع إلا للرواج الاستعماري، ترتفع على هذا النحو - وتُجْعَل جديرةً بالهجوم عليها - قبل أن يُلقى...
Art-and-Literature
تشير محاولة التسوية بين أورباخ وفوكو إلى سلسلة كاملة من المشكلات المنهجية والمفهومية في آنٍ فضلًا عن كونها سياسية؛ ذلك أنَّ عمل سعيد ليس منقسمًا بين الإنسانوية الرفيعة الأورباخية واللاإنسانوية النيتشوية فحسب (حيث سأتناول قضية نيتشه لاحقًا) بل أيضًا بين حشد من المواقف في النظرية الثقافية عمومًا تتعذّر التسوية بينها، من ...
Art-and-Literature
ليس على المرء أن يمضي بعيدًا في كتاب جوليان بندا الشهير خيانة المثقفين كي يرى (أ) أنَّ «الخيانة» التي يتّحدث عنها بندا ليست سوى مساهمة المثقفين في ما يسميه «الأهواء السياسية»؛ و(ب) أنَّ «الأهواء الطبقية» و«الأهواء العرقية» هي بالنسبة إليه من بين أسوأ الأهواء، وأنَّ «الاشتراكية» شيطانية شأنها شأن «معاداة السامية»، في حي...
Art-and-Literature
ها نحن، إذًا، أمام إدانةٍ لا حدّ لها لكلّ سياسة، ولا سيما السياسة الاشتراكية، باسم «الفكر غير المتحيّز»؛ حتى مايكل أنجلو المسكين يُدان لأنّه «أنحى باللائمة على ليوناردو دافنشي لعدم اكتراثه حيال مِحَن فلورنسا»
Art-and-Literature
هذه الضروب المنتفخة من الاستحضار الذي يتوسّل سقراط وفولتير وغرامشي لا تساعد في الحقيقة على إيضاح ما يعنيه سعيد فعليًا، حتى حين يختم بتلك العبارة الأورويلية «الخيانة الجماعية المعاصرة»
Art-and-Literature
ما يلفت الانتباه أيضًا، إذ ننظر مرّة أخرى في المقطع الذي أوردته من قبل، وفيه اقتباس من غرامشي، هو قول سعيد - «كانت دراستي الاستشراق، من مناحٍ كثيرة، محاولةً لجرد الآثار التي خَلَّفَتْهَا فيَّ، أنا الذات الشرقية، تلك الثقافة التي كانت سيطرتها عاملًا بالغ القوة في حياة جميع الشرقيين» - هذا القول الذي يوجز بهذا القدر من ا...
Art-and-Literature
تفترض فكرة «جرد الآثار» بمعناها الأصلي لدى غرامشي أنّ ثمة شخصية، موقعًا ثقافيًا، تكون تلك الآثار منقوشة عليهما؛ أي إنها تفترض أنّ ثمّة «آثارًا» أخرى تكون هذه الآثار متحابكةً معها، حيث تكون الشخصية التي تبزغ من هذا التحابك، هذا التداخل، مشروطة لا بمجموعة محدّدةٍ من الآثار فحسب بل بكامل تاريخها
Art-and-Literature
تتمثّل واحدة من السمات اللافتة في الاستشراق في أنّه يتفحّص تاريخ النصوص الغربية التي تتناول اللاغرب بمعزلٍ عن الكيفية التي استُقْبِلَت بها هذه النصوص أو قُبِلَت أو عُدِّلَت أو عُورِضَت أو أُطيحَت أو أُعيد إنتاجها من قبل إنتلجنسيات البلدان المستعمَرة: لا ككتلةٍ غير متمايزة بل كفاعليات اجتماعية متموقعة مدفوعة بصراعاتنا و...
Art-and-Literature
سوف أعلّق أدناه على بعض خصائص الاستشراق النوعية المميّزة، ثم أتناول لاحقًا بعض الشيء تلك الأزمة في تاريخ الأكاديميا الأنكلو - أميركية الفكري، هذان الأمران اللذان يفسّران معًا، وبوجهٍ عام، قوة الكتاب ومداه
Art-and-Literature
من الواضح أنَّ الاستشراق ليس كتابًا في الدراسات الشرق الأوسطية، أو في أيّ فرع أكاديمي قارّ وراسخ، بل ينتمي إلى ذلك التقليد الفكري الشهير الذي يقوم فيه كتّابٌ بفضح النُّصُب العظيمة القائمة في فروعهم الأكاديمية أو بتفحّص تورّط المثقفين في أيديولوجياتٍ سائدة وفي اختلاقاتِ سلطةٍ غير شرعية
Art-and-Literature
هكذا ينتمي الاستشراق، في الجزء الأدبي من مشروعه، وهو الجزء الذي لا شكّ في أنّه يشكّل الجزء الأكبر من الكتاب، إلى خطِّ نَسَبٍ مشهور
Art-and-Literature
لستُ، من جهتي، بالمتحمّس لمسألة الأصالة، لكنَّ سعيدًا حين يعود إلى هذه المسألة المتعلّقة بما قد يدين به لنقّاد الاستعمار الذين سبقوه وإلى العواقب الثقافية التي ترتّبت على الاستعمار في المستعمرات، وذلك في مقالته المشهورة «إعادة النظر في الاستشراق»، فإنّه يستخدم بلاغة متناقضة على نحو مميّز
Art-and-Literature
هكذا تُدْمَج جميع «انتقادات الإمبريالية» السابقة بكلّ بساطة بـ «الممارسة الفعلية للإمبريالية»، نظرًا إلى تلوثها بالتاريخانية
Art-and-Literature
لكنَّ عليّ أن أعترف أنَّ ميل سعيد العنيد إلى قول أشياء متناقضة تمامًا في النصّ الواحد ذاته، مما يروق لجمهورين مختلفين في آنٍ إنّما على النحو الذي يُبْطِلُ فيه كلّ قول أساسي القول الآخر، هو واضحٌ في هذه المقالة على نحو يفوق وضوحه في أيّ مكان آخر
Art-and-Literature
هكذا يُقابَل ادّعاء الأصالة الكاسح بإنكار كلّ أصالة؛ ويُقابل الهجوم الذي لا هوادة فيه على التاريخانية بقائمة من الكتّاب لا يجد كثير منهم أيّ غضاضة في أن يقرنوا أنفسهم بالتاريخانية، ويمكن أن أضيف أنَّ قائمة الكتّاب والتواريخ ذاتها غريبة جدًا، إذْ تعتمد، إلى هذا الحدّ أو ذاك، طريقة الخليط ما بعد الحديث
Art-and-Literature
إلى جانب عدم قابلية الاستشراق للتصنيف من حيث النوع، فإنَّ ما يلفت الانتباه أيضًا هو امتداد محتوياته
Art-and-Literature
ما كان يحصل في الماضي هو أنّ النقّاد الذين طرحوا هذه القضايا بالإشارة إلى الأدب البريطاني الحديث نادرًا ما كانوا يعرفون الكثير عن الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، وأولئك الذين كتبوا عن الأدب نادرًا ما تفحّصوا المعاجم أو وثائق وزارة الخارجية الأميركية، على الرغم من أنَّ المخطّط الإمبريالي كثيرًا ما كان موضع نقاش
Art-and-Literature
أخيرًا، إنَّ جِدَّة الاستشراق الأشدّ لفتًا للانتباه والتي أسبغت عليه هيبته الأساسية في النظرية الثقافية الطليعية، هي جِدّة منهجية: لا تقتصر على استعارته الواسعة من الفروع الأكاديمية القائمة بل تتعدّى ذلك، على نحوٍ أشدّ حسمًا بكثير، إلى استحضاره فوكو استحضارًا صريحًا، وإعلانه أنَّ موضوع هذه الدراسة، أي الاستشراق، هو خطا...
Art-and-Literature
حين ظهر الكتاب في عام 1978 وبدأ مسيرته في عالم يرعاه ريغان وتاتشر، وقع كلّ هذا موقعًا حسنًا لدى تلك الضروب المتنوّعة من معاداة الشيوعية وما بعد الماركسية التي كانت تستحوذ في تلك الفترة على القطاعات الأشدّ تقدّمًا من الإنتلجنسيا المتروبولية
Art-and-Literature
ينبغي لقضية الانتقائية أن تعود بنا إلى النصّ، لنبدأ مع الصفحات الافتتاحية ذاتها حيث يقدّم سعيد لمصطلح «الاستشراق» ليس تعريفًا واحدًا بل ثلاثة تعريفات - متعارضة واحدها مع الآخر - يحاول أن يستخدمها بعد ذلك، معًا وفي الوقت ذاته، في كامل الكتاب
Art-and-Literature
الاستشراق، بهذا المعنى، هو نطاق من المعرفة الأكاديمية تتداخل فيه الفروع المعرفية، حيث توحي المصطلحات المُسْتَخْدَمة هنا - الأنثروبولوجيا، فقه اللغة  
Art-and-Literature
سنعود لاحقًا بإسهاب إلى عثرات هذا التضخيم بالذات، ثمّ إلى موضوع «دانتي وماركس»، ولكن اسمحوا لي الآن بأن أورد التعريف الثالث:
Art-and-Literature
تَرِدُ هذه التعريفات الثلاثة في صفحتين متتاليتين، ويُذْكَر أسخيلوس ودانتي كمثالين على «الأسلوب الاستشراقي من الفكر» قبل خمسة أسطرٍ من تحديد القرن الثامن عشر، في التعريف الثالث، على أنّه «نقطة للانطلاق محدّدة تحديدًا تقريبيًا»
Art-and-Literature
هكذا، إذًا، يكون «الخطاب الاستشراقي» قد أُطْلِقَ في أوائل التراجيديات الأثينية، لا بصورة عامة بل بضروبٍ محدّدة من الانتظام والتكرار سوف تحدّد بنيته منذ ذلك الحين وصاعدًا: هزيمة آسيا، انتصار أوروبا؛ خَرَسُ آسيا، تضلّع أوروبا من الخطاب؛ عجز آسيا عن تمثيل نفسها، مشيئة أوروبا أن تمثّلها وفقًا لمرجعيتها الخاصة
Art-and-Literature
الآن، إنْ لم يكن هناك حقًّا أيُّ تاريخٍ لـ «الخطاب الاستشراقي» سوى هذا التاريخ المتّصل والمتنامي من أسخيلوس إلى دانتي إلى ماركس إلى برنارد لويس، فكيف يمكن أن نتّخذ القرن الثامن عشر «نقطة للانطلاق محدّدة تحديدًا تقريبيًا»؟ بعبارةٍ أخرى، نحن لا نعرف حقًّا ما إذا كان «الخطاب الاستشراقيّ» قد بدأ في مرحلة ما بعد التنوير أم ...
Art-and-Literature
لكن لماذا احتاجت أوروبا إلى أن تكوِّن الشرق - أو «تنتجه» بحسب كلمة سعيد الصارخة - بوصفه «ذلك العالم الآخر المعادي»؛ ولأَنْ «تُحْيي»، كما يقول، «ذلك الفضاء
Art-and-Literature
ليست هذه سوى مشكلة واحدة فحسب
Art-and-Literature
لكن دعونا نعود إلى تلك التعريفات الثلاثة، ولا سيما ثانيها الذي يعرّف الاستشراق بأنّه «أسلوب من الفكر قائم على تمييز أنطولوجي (كيانيّ) وإبيستيمولوجي (معرفيّ) بين «الشرق» و(في معظم الحيان) «الغرب»»
Art-and-Literature
من الواضح أيضًا أنَّ ذلك النوع من إضفاء الطابع الجوهرانيّ الذي يقرنه سعيد بـ «الغرب» حصرًا ليس بالسمة المقتصرة على أوروبا وحدها في أي حال من الأحوال؛ فثمة أعداد كبيرة من المسلمين الذين يقيمون في العادة تمييزاتٍ إبيستيمولوجية وأنطولوجية بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية، وحين فعل آية الله الخميني ذلك لم يفعله انطل...
Art-and-Literature
أمّا ولع سعيد بإبراز أدبيّة هذا الخطاب المزعوم فيولّد مشكلة أخرى حين يعرّف الاستشراق، في تعريفه الثالث، بأنّه «أسلوب غربيّ للسيطرة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلط عليه»
Art-and-Literature
هكذا يكون لدينا تلميحٌ ما في الأقلّ نعرف من خلاله ما ليس هو الاستشراق: فهو ليس ما تفهمه الأيديولوجيا الاستعمارية - أو الإمبريالية - في العادة
Art-and-Literature
الملمح البارز في هذه المقاربة هو رغبة سعيد في أن يجمع إلحاحات مألوفة جدًا في طرائق القراءة النقدية الأدبية («الأسلوب، والصور البلاغية، والخلفيّة، والتقنيات السردية، والظروف التاريخية والاجتماعية») إلى إلحاح ما بعد حداثيّ على «التمثيلات بوصفها تمثيلات»
Art-and-Literature
الحال، إنَّ كثيرًا من هذه القراءات الفردية - كقراءة نيرفال، مثلًا، أو ت
Art-and-Literature
النقلة التي ينقلها سعيد باتجاه دانتي هي نقلة استراتيجية انطلاقًا من اعتبارين في الأقلّ: فدانتي هو الشخصية الأساسية، المثلى التي تشكّل الجسر بين العصر القديم والحداثة، كما أنَّ «طاقات دانتي الشعرية تعزّز تلك المنظورات التي يُعايَن الشرق من خلالها، وتجعلها أكثر لا أقلّ تمثيلًا»
Art-and-Literature
ثمّة إذًا تاريخٌ متنامٍ («تمثيلات لاحقة مبنية على التمثيلات الأولى»)، وثمّة «عناية مفرطة» في «تخطيط» هذا التاريخ، الذي يصل القرنين التاسع عشر والعشرين بدانتي و«اليونان القديمة»
Art-and-Literature
الحال، إنَّ قلّة فحسب ممن قرأوا الجحيم هم الذين يمكنهم أن ينسوا أنَّ محمدًا، نبيّ الإسلام، يوضع في الدائرة الثامنة من دوائر الجحيم التسع، أبدًا يُقْطَع إلى نصفين من ذقنه إلى دبره، في أسوأ عقاب أمكن لخيال دانتي الخصب أن يبتكره
Art-and-Literature
ما أقترحه هو أنَّ هذا التناقض ينبغي أن يُفهَم من حيث ارتباطه بالتناقضات القائمة في أيديولوجيا دانتي، وهي تناقضات تنبع من واقعة أنّ دانتي يمثّل باقتدار تلك اللحظة الانتقالية في الفكر الأوروبي حيث كان الإبيستيم القروسطي لا يزال حاضرًا إنّما على وشك التحطّم والتجاوز اللذين ستحدثهما الثورة الفكرية الإنسانوية، فإذا ما كان م...
Art-and-Literature
بل إنَّ اللافت أكثر، في واقع الأمر، هو حضور صلاح الدين الذي ألحقت به القرون اللاحقة في كلّ مكان من العالم المسيحي، وبخلاف ابن رشد، كثيرًا من السبّ واللعن، لأنّه كان قائدًا للجيوش العربية الإسلامية التي اصطفَّت في مواجهة الصليبية المسيحية
Art-and-Literature
لكنَّ سعيدًا يخاطر إذْ يتجاهل ضروب التعقيد هذه حين يعلّق قائلًا:
Art-and-Literature
تكشف الإشارة إلى كلٍّ من رفاييل وفينيلون مزيدًا من الكشف عن اطّلاع سعيد الواسع لكنها لا تقدّم أيّ تبصّر في موضوع النقاش
Art-and-Literature
ظهر الاستشراق في عام 1978، تلك اللحظة الدقيقة من التاريخ العالمي، ومن تاريخ التركيب الديموغرافي وإعادة تنظيم الوضع السياسي في الولايات المتحدة، ومن تاريخ الإنتاج الفكري في البلدان المتروبولية عمومًا
Art-and-Literature
في عام 1978، كان قد انقضى العقدان الثوريان العظيمان اللذان كانا قد استُهِلَّا - بصورة تقريبية - بانطلاق حرب التحرير الجزائرية في عام 1954 وبلغا ذروتهما بتحرير سايغون في عام 1975
Art-and-Literature
ذلك كله أتى لاحقًا، لكنَّ ما حقّقته نهاية العقدين الثوريين الآنفين تمثّل، قبل كلّ شيء، بإمالة الكفّة داخل البلدان المتروبولية مزيدًا من الإمالة نحو اليمين
Art-and-Literature
هذا الهجوم العالمي لليمين، والتراجع العالمي لليسار، وتراجع ما كان تقدميًا حتى في قوميتنا المُعْتَمَدَة المكرَّسة، هو الخلفية الأساسية لأيّ تحليل لبنية النتاجات الفكرية وتلقّيها في زمننا
Art-and-Literature