Document
stringlengths
40
198k
هاملت كان هاملت الابن الوحيد لملك الدانمارك. وكان يحبُّ أباه وأمه بشدة، وكان سعيدًا في حبه لامرأة رقيقة تُدعى أوفيليا والتي كان أبوها، بولونيوس، مستشار الملك. بينما كان هاملت يدرس بالخارج في فيتنبرج، مات أبوه. عاد هاملت الشاب مسرعًا لبلده وهو في حزن عظيم، وقالوا له إن حيَّة قد لدغت الملك وتسبَّبت في موته. كان الأمير الشاب يحب أباه بشدة لدرجة أنكم قد تتصوَّرون ماذا كان شعوره عندما وجد أن الملكة، قبل أن يمر شهر على دفن الملك، قررت الزواج ثانيةً؛ ومن أخي الملك الراحل. رفض هاملت إنهاء الحداد من أجل إتمام الزواج. وقال: «ليست ملابسي الحالكة وحدها بكافية للدلالة على حزني. إن ما في قلبي من حزن شديد على أبي الراحل يعجز عن إيضاحه كل مظهر. إن ابنه على الأقل يتذكره، ولا يزال حزينًا عليه.» قال كلاوديوس، أخو الملك: «هذا الحزن مبالغ فيه. بالطبع، يجب أن تحزن على فقد أبيك، ولكن …» قال هاملت، بمرارة: «آه، لا يُمكنني في شهر واحد أن أنسى من أحب.» عقب ذلك، تركته الملكة هي وكلاوديوس، ليبتهجا بشأن زفافهما، ناسيين الملك الصالح المسكين الذي كان يُعاملهما بكل ود وطيبة. بدأ هاملت، عندما أصبح بمفردِه، يفكر ويتساءل ماذا عليه أن يفعل؛ إذ لم يستطع تصديق قصة لدغ الحيَّة لأبيه. بدا له بكل وضوح أن كلاوديوس الوغد قد قتل الملك حتى يستوليَ على العرش ويتزوج الملكة. لكنه لم يكن لديه دليل على ذلك، ولم يكن بإمكانه اتهامه. وبينما كان يُفكِّر على هذا النحو، جاء هوراشيو، والذي كان أحد زملائه، من فيتنبرج. وبعد أن رحَّب هاملت بزميله بلطف، سأله: «ما الذي تفعله هنا؟» «جئت يا سيدي لأحضر جنازة أبيك.» قال هاملت بمرارة: «أظن أنك جئت لترى زفاف أمي.» وأضاف: «أبي! إنه رجل لن ترى عيني مثله ثانيةً.» قال هوراشيو: «سيدي، أظن أنني رأيته الليلة الماضية.» أخبر هوراشيو هاملت، والذي كان يستمع له باندهاش، بأنه، هو وسيدان من الحراس، رأوا شبحَ الملك عند الأبراج. ذهب هاملت إلى المكان الذي أشاروا إليه في تلك الليلة، وعند منتصَف الليل، تحقَّق ما قالوه وظهر شبح الملك، مُرتديًا ملابسه العسكرية التي كان معتادًا أن يلبسها في حياته، عند الأبراج في ضوء القمر البارد. كان هاملت شابًّا شجاعًا، وبدلًا من أن يخاف من الشبح ويفرَّ هاربًا، تحدث إليه، وعندما أشار إليه لكي يأتي وراءه، تبعه حتى وصَلا إلى مكانٍ هادئ، وهناك أخبره الشبح أن ما كان يشكُّ فيه حقيقي؛ فقد قتل كلاوديوس الشرير بالفعل أخاه الملك الطيب، بوضع سمٍّ في أذنه بينما كان نائمًا في حديقته عصرًا. قال الشبح: «يجب أن تنتقم من هذا القاتل القاسي؛ أخي الوغد. لكن لا تُؤذِ الملكة؛ فقد أحببتها، وهي أمك. لا تنسَني.» لما رأى الشبح الصباح يقترب، اختفى. قال هاملت: «والآن، لا يبقى شيء سوى الانتقام. لا تنسني؛ لن أتذكر أي شيء آخر؛ سأنسى الكتب والمتع والشباب؛ لتذهب جميعها عن ذهني، ولتظلَّ أوامرك وحدها في عقلي دون غيرها.» شبح الملك يظهر. لذا، عندما عاد أصدقاؤه، جعلهم يُقسمون على الحفاظ على السر الخاص بالشبح، ثم دخل إلى القصر، وقد بدا أشيب مع امتزاج الفجر مع ضوء القمر، ليفكر في أفضل طريقة يُمكنه بها الانتقام لأبيه المقتول. إن صدمة رؤية شبح أبيه وسماع كلامه جعلته يكاد يشعر بالجنون، وخوفًا من أن يلاحظ عمه أنه على غير طبيعته، فقد قرَّر أن يخفي شغفه الشديد بالانتقام تحت ستار ادعاء الجنون في أشياء أخرى. وعندما قابل أوفيليا، التي كانت تحبه، والتي كان يبعث لها بهدايا وخطابات والعديد من كلمات الحب، تعامل معها على نحوٍ قاسٍ للغاية لدرجة أنها ما كان أمامها إلا أن تظن أنه قد فقد عقله؛ فهي كانت تحبه لدرجة أنها ما كانت لتعتقد أنه سيعاملها بهذه القسوة، إلا إذا كان قد أصابه الجنون. لذا، أخبرت أباها، وأرته رسالة غريبة من هاملت. وقد جاء في الرسالة أشياء سخيفة كثيرة، من بينها ما يلي: يُمكِن أن تشكِّي أن النجوم نار، وأن الشمس تدور في السماء، وأن الحقيقة كذب، ولكن لا تشككِّي أبدًا في أني أحبكِ. [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا] ومنذ ذلك الوقت، ظن الجميع أن سبب جنون هاملت المزعوم هو الحب. كان هاملت المسكين شديد التعاسة. لقد أراد بشدة أن يُطيع شبح أبيه، لكنه كان مهذبًا وطيبًا بشدة لدرجة أنه ما كان يريد أن يقتل شخصًا آخر، حتى قاتل أبيه. وفي بعض الأحيان، كان يتساءل إذا ما كان الشبح يقول الحقيقة أم لا. في هذه الأثناء جاء بعض الممثِّلين إلى البلاط، وأمرهم هاملت بأن يُمثلوا مسرحية معينة أمام الملك والملكة. وقد كانت هذه المسرحية تتحدَّث عن قصة رجل «قُتل في حديقته على يد قريب له، والذي تزوَّج فيما بعد زوجة المقتول». قد تتخيَّلون مشاعر الملك الشرير، وهو يجلس على عرشه، والملكة بجواره وكل رجال البلاط حوله، وهو يرى العمل الخبيث الذي اقترفته يداه وقد تجسَّد بالفعل على خشبة المسرح. وعندما، في المسرحية، صب القريب الشرير سمًّا في أذن الرجل النائم، نهض فجأة كلاوديوس الشرير، وخرج مندهشًا من الغرفة، وتبعتْه الملكة والآخرون. ثم قال هاملت لأصدقائه: «تأكَّدت الآن أن الشبح يقول الحقيقة؛ إذ لو لم يكن كلاوديوس قد ارتكب جريمة القتل هذه، فما كان ليشعر بهذا الاضطراب لرؤيتها وهي تُمثَّل في مسرحية.» أرسلت الملكة إلى هاملت، بناءً على رغبة الملك، لتُوبِّخَه على سلوكه أثناء المسرحية، وعلى أشياء أخرى، ورغبةً من كلاوديوس في معرفة ماذا سيحدث بينهما بالضبط، طلب من بولونيوس العجوز أن يختبئ خلف الستارة في غرفة الملكة. وبينما كانت الملكة وهاملت يتحدثان، شعرت الملكة بالذعر من كلمات هاملت الغريبة والفظة، وصرخت طلبًا للنجدة، وهكذا فعل بولونيوس من وراء الستارة. ظنَّ هاملت أن الملك هو من يختبئ وراء الستارة، وضرب بسيفه ضربة نافذة خلالها، مما تسبب في قتل، ليس الملك، وإنما بولونيوس المسكين. وهكذا، يكون هاملت قد أساء إلى عمه وأمه، وقتَل، بسبب سوء الحظ، أبا حبيبته. بولونيوس يُقتل على يد هاملت. صاحت الملكة قائلةً: «يا للفعلة الدموية الهوجاء!» رد هاملت بمرارة: «فعلة دموية تكاد تُوازي بسوئها قتل ملك والزواج من أخيه.» ثم أفصح هاملت بوضوحٍ عن كل ما يعتقِد وأوضح لها كيف عرف بجريمة القتل، وترجاها على الأقل ألا تبدي مزيدًا من الود والطيبة تجاه كلاوديوس الخسيس، الذي قتل الملك الطيب. وبينما كانا يتحدثان، ظهر شبح الملك ثانيةً أمام هاملت، ولكن الملكة لم تستطع رؤيته. وعندما ذهب الشبح، تفرق هاملت وأمه. عندما أخبرت الملكة كلاوديوس بما حدث وبطريقة موت بولونيوس، قال: «هذا يُثبت بوضوح أن هاملت قد أصابه الجنون، وحيث إنه قد قتل مستشارنا، فمن أجل سلامته هو علينا أن نُنفِّذ خطتنا ونرسله إلى إنجلترا.» وهكذا، أُرسل هاملت إلى إنجلترا، تحت حراسة اثنين من رجال البلاط اللذَين كانا في خدمة الملك، وقد حمل هذان الشَّخصان رسائل إلى ملك إنجلترا تطلب منه قتل هاملت. لكن كان هاملت من الفطنة بحيث وصَل إلى تلك الرسائل واستبدل بها أخرى، باسم هذين الرجلَين اللذين كانا على أتم الاستعداد لخيانته. وبينما كانت السفينة متجهة إلى إنجلترا، استطاع هاملت الهروب على متن سفينة قراصنة، وقد تركه رجلا البلاط الشريران ليُلاقي مصيره، وذهبا هما ليلاقيا مصيرهما. أسرع هاملت عائدًا إلى بلده، لكن في تلك الأثناء حدث شيء مريع. لقد جُنَّ أيضًا جنون أوفيليا الحسناء المسكينة، بعد أن فقدت حبيبها وأباها، وأخذت تَجوب أنحاء البلاط في جنون وحزن، وهي تضع القش والأعشاب والأزهار في شعرها، وتُغنِّي أجزاء من أغانٍ غريبة، وتقول كلامًا حزينًا وسخيفًا وجميلًا لا معنى له. وفي أحد الأيام، ذهبت إلى مجرًى مائي حيث تنمو أشجار صفصاف، وحاولت أن تعلق إكليلًا من الأزهار على إحدى أشجار الصفصاف، فوقعت في الماء هي وكل أزهارها، وماتت. غرق أوفيليا. كان هاملت يُحبها، رغم أن خطته المتعلقة بالتظاهر بالجنون قد جعلته يُخفي هذا، وعندما عاد، وجد الملك والملكة وكل من في البلاط يبكون في جنازة حبيبته الغالية والعزيزة. وكان أخو أوفيليا، لايرتيز، قد جاء أيضًا لتوِّه إلى البلاط ليطلب القصاص لوفاة أبيه، بولونيوس العجوز، وكان مضطربًا جدًّا بسبب الحزن، فقفز إلى قبر أخته ليَضمها بين ذراعَيه لآخر مرة. صاح هاملت قائلًا: «حبُّ أربعين ألف أخ لا يُساوي مقدار حبِّي لها!» وقفز هو الآخر إلى قبرها بعده، وتصارَعا حتى جرى التفريق بينهما. بعد ذلك، ترجَّى هاملت لايرتيز أن يُسامحه. وقال: «أنا لا أحتمل أن أي شخص، حتى ولو كان أخًا، يبدو أنه يحبها أكثر مني.» لكن كلاوديوس الشرير ما كان ليسمح لهما بأن يُصبحا صديقَين. لذا، أخبر لايرتيز كيف قتل هاملت بولونيوس العجوز، وتآمَر الاثنان على قتل هاملت غدرًا. تحدَّى لايرتيز هاملت أن يدخل معه في مباراة للمُبارَزة بالسيف، وكان كلُّ مَن في البلاط حضورًا في هذا اللقاء. كان مع هاملت السيف الكليل المستخدَم دائمًا في مباريات المبارزة، لكن لايرتيز كان قد أعد لنفسه سيفًا حادًّا قد غُمس طرفه في السم. وأعد الملك الشرِّير كأسًا من النبيذ المسموم والذي خطط أن يُعطيَه لهاملت عندما يصيبه التعب بسبب المبارزة، ويطلب بعض الشراب. تبارز لايرتيز وهاملت، وبعد بعض النزال، أعطى الأول الأخير طعنة بالسيف الحاد. غضب هاملت بشدة من هذا الغدر — إذ كانا يتبارزان في مباراة ولا يتقاتلان في الحقيقة — واقترب من لايرتيز ودخل معه في عراك، وسقط من كلٍّ منهما سيفه، وعندما أمسكا بهما ثانيةً، استبدل هاملت، دون أن يعرف، بسيفه الكليل سيف لايرتيز الحاد والسام. وبضربة منه، اخترق لايرتيز، الذي سقط صريعًا بسبب خيانته. في تلك اللحظة، صاحت الملكة: «الشراب، الشراب! أوه، يا حبيبي يا هاملت! لقد سمَّموني!» لقد شربت من الكأس المسمومة التي أعدَّها الملك لهاملت، ورأى الملك أن الملكة التي، رغم شرِّه، كان يحبها حبًّا حقيقيًّا، وهي تموت بسبب صنيعه. ثم بعد موت أوفيليا وبولونيوس والملكة ولايرتيز ورجلَي البلاط اللذَين أُرسلا إلى إنجلترا، واتت هاملت أخيرًا الشجاعة ليُنفِّذ طلب الشبح ويثأر لقتل أبيه، وهو الأمر الذي إن استجمع قواه ليفعله قبل ذلك بفترة طويلة، ما كانت ستُزهَق كل هذه الأرواح، ولمَا عانى أحد غير الملك الشرير، الذي كان يستحق بالفعل أن يموت. بعد أن أصبح لدى هاملت أخيرًا الشجاعة الكافية للقيام بالمهمَّة المنوطة به، طعن الملك الشرير بالسيف المسموم. ثم صاح: «إذن، عليك به يا سم!» وهكذا، مات الملك. وهكذا، يكون هاملت قد أوفى في النهاية بالوعد الذي قطعه لأبيه. والآن، وبعد أن انتهى كل شيء، مات هو نفسه. وكل الذين كانوا بجواره رأوه وهو يموت، وقد أخذت الدموع تنهمر من أعينهم والصلوات تجري على ألسنتهم لتطلب الرحمة له؛ إذ كان أصدقاؤه وشعبه يُحبُّونه من صميم قلوبهم. وهنا، تكون قد انتهت القصة التراجيدية لهاملت، أمير الدانمارك. عشرون قصة من روائع شكسبير
الفصل الأول طفولته السعيدة لم يعرف ديفيد كوبرفيلد والدَه مُطلقًا؛ لأنه تُوفيَ قبل أن يُولد ديفيد؛ لكنَّ ديفيد لم يَنسَ قط والدته الشابةَ الجميلة، ولا شَعرها الجميل، وعينَيها اللطيفتَين اللامعتَين. عندما عاد ديفيد بذاكرته إلى الأيام الضبابيةِ لطفولته، كانت أمُّه هي أوَّلَ شخصٍ تذكَّره؛ وكذلك بيجوتي. كانت عينَا بيجوتي سوداوَين، ووجنتاها وذراعاها شديدة الحُمرةِ، لدرجة أن ديفيد كان يتعجَّب لِمَ لمْ تُفضِّل الطيورُ نقرَها هي على نقر ثمار التفاح. وفي عصر يوم صحو نَشطت فيه الرياح، من أيام شهر مارس، وهو اليوم الذي وُلدَ فيه ديفيد، كانت السيدة كوبرفيلد جالسةً بجوارِ مدفأة رَدهة المنزل، وعندما رفعتْ عينَيها إلى النافذة المقابَلة لها رأتْ في الحديقة سيدةً غريبةً قادِمةً. وعلى الرغم من أن الأرملة الشابَّة لم تكن قد رأتها من قبلُ قط؛ فإنها شعرت شعورًا جازمًا أنها الآنسةُ بيتسي تروتوود؛ عمةُ زوجها المُتوفَّى، التي كثيرًا ما كان يتحدث عنها. لقد كان ابنُ أخي الآنسة بيتسي أثيرًا عندها، لكنها غضبَت عليه للغاية عندما تَزوَّج مثل هذه الزوجة الشابة الأشبه ببنتٍ صغيرة. كانت الآنسة بيتسي تُسميها «دُمية شمعية»، رغم أن عينَيها لمْ تقعَا عليها مُطلَقًا قبلَ عصر ذلك اليوم. بدلًا من أن تدقَّ الآنسةُ بيتسي الجرسَ كأيِّ ضيفٍ آخر، جاءتْ وأخذتْ تنظر من النافذة إلى داخل المنزل، حيث ألصقتْ طرف أنفها قريبًا جدًّا من الزجاج لدرجةِ أنه صار أفطسَ وشاحبًا للغاية من أثر ضغطِه بالزجاج؛ وعندما رأت جسد السيدة كوبرفيلد الشابةِ الشبيهةِ بالبنات الصغيرات في ثوب الحِداد مثل الأرامل، أشارتْ إليها لكي تأتيَ وتفتح الباب. قالت الآنسةُ بيتسي وهي تُقلِّب النظر فيها بازدراء: «أظنُّكِ السيدة ديفيد كوبرفيلد.» قالت السيدة كوبرفيلد بوهن: «نعم.» قالت الضيفة: «أنا الآنسة تروتوود، لقد سمعتِ عنِّي، أظن هذا.» قالت السيدة كوبرفيلد إنها سمعتْ عنها بالفعل. قالت الآنسة بيتسي، وهي تسير خلف مُضيفتها إلى الردهة: «الآن ترينني.» كانت الآنسة بيتسي تبدو مهيبةً للغاية، كما أنها راحت تُحدِّق بقوةٍ، لدرجة أن السيدة كوبرفيلد المسكينة بدأت تبكي. قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي، كفَى. لا تَفعَلي هذا! تعالَي إليَّ! اخلعي قُبعتكِ يا ابنتي، ودعيني أراكِ.» كانت السيدة كوبرفيلد خائفةً جدًّا بحيث لم تَستطِع أن تَرفض؛ لذا خلعتْ قبعة الأرامل التي ترتديها بيدَين متوترتَين للغاية لدرجةِ أن شعرها، الذي كان في غاية الجمال، سقط على وجهها. صاحَت الآنسة بيتسي قائلةً: «يا إلهي، يا لَلروعة! إنكِ صغيرةٌ للغاية!» نكَّسَت السيدة كوبرفيلد المسكينةُ رأسَها خجلًا وكأنما كانت هي المسئولة، تلك البائسة، عن هيئتها التي بدَتْ صغيرةً للغاية؛ وبينما راحت تبكي وتتحسَّرُ بصوتٍ خافتٍ على أنها ليستْ سوى أرملةٍ شبيهةٍ بالأطفال، وأنها إذا عاشَت فلن تُصبِح سوى أمٍّ شبيهة بالأطفال، خُيِّلَ إليها أنها أحسَّتْ بالآنسة بيتسي تَلمسُ شَعرها في رفْق؛ لكنَّها عندما رفعتْ رأسَها رأتِ الضيفةَ جالسةً وقدماها على حاجِز المِدفأة، وقد شبَّكَت يدَيها فوق ركبتها، وراحت تنظر بعبوس في النيران. قالت الآنسة بيتسي، عندما رأت مضيفتَها وكأنها قد أوشَكَت على الإغماء: «تناوَلي بعضَ الشاي. بمَ تُنادين خادمتَكِ؟» قالت السيدة كوبرفيلد: «بيجوتي.» ردَّدت الآنسة بيتسي الاسمَ بسخط: «بيجوتي!» ثم قالت: «أتقصدين أن تقولي إنَّ أيَّ إنسانةٍ قد سُمِّيَت بيجوتي عند تعميدها؟» قالت السيدة كوبرفيلد بوهن: «إنه اسمُ عائلتها. كان السيد كوبرفيلد يُناديها به؛ لأنَّ اسم معموديتها كاسمي تمامًا.» صاحَت الآنسة بيتسي وهي تفتح باب الردهة: «يا بيجوتي! أحضري الشاي. إن سيدتكِ مُتعَبة قليلًا. لا تَتلكَّئي.» كانت بيجوتي قادمةً في الدهليز وفي يدها شمعة، لكنَّها وقفتْ مشدوهةً من الصوتِ الغريب الذي يصيح مُعطيًا الأوامرَ وكأنه صوت سيد المنزل. بعد ذلك أغلقت الآنسةُ بيتسي الباب من جديدٍ، وجلست كما كانت تَجلِس من قبل، واضعةً قدميها على حاجز المدفأة. ثم سألت الآنسةُ بيتسي بعد فترةِ صمتٍ قصيرةٍ: «وهل كان ديفيد يُحسنُ معاملتكِ يا بُنيتي؟ هل كان كلٌّ منكما مُرتاحًا مع الآخر؟» كانت الإجابة: «لقد كنا سعيدَين للغاية. وكان السيد كوبرفيلد طيبًا معي للغاية.» دخلت بيجوتي بعد بُرهةٍ ومعها الشاي وبعض الشموع، وعندما رأتْ مدى السقَم البادي على سيدتها الصغيرةِ أوصلتْها إلى غرفتها، واستدعَت الطبيب، وتركت الضيفةَ الغريبةَ جالسةً بمفردها في الردهة. وقد وُلد ديفيد في تلك الليلة؛ وبعد إتمام الولادة توجَّه السيد تشيليب، الطبيبُ، إلى الردهة ليتحدَّث إلى الضيفة الغريبة. التي خلعت قبعتها الصغيرةَ وربطتها بالأشرطة على ذراعها اليُسرى. فسألت الآنسةُ بيتسي بجفاءٍ وهي تُحدِّق في الطبيب بتجهُّمٍ شديدٍ جعل أعصابَه تتوتر، وقد كان رجلًا قصير القامة للغاية: «كيف حالُها؟» أجاب السيد تشيليب بلُطف: «بخير يا سيدتي، سوف ترتاح جدًّا قريبًا، أرجو ذلك، ستَنعم بالراحة التي نأمُل أن تَنعم بها أيُّ أمٍّ صغيرة. لا مانع من أن تَرَيها الآن يا سيدتي. قد يكون هذا في صالحها.» قالت الآنسة بيتسي بحدَّة: «وهي، كيف حالُها؟» أمال السيد تشيليب رأسه قليلًا على جنبٍ، وراح ينظر إلى الآنسة تروتوود نظرةَ طائرٍ لطيف. قالت الآنسة بيتسي: «المولودة، كيف حالُها؟» أجاب السيد تشيليب: «سيدتي، كنتُ أظنُّ أنكِ عرفتِ. إنه صبي.» لم تَنطِق الآنسة تروتوود بكلمةٍ واحدة، وإنما أمسكَت قبعتها الصغيرة من الأشرطة، مثلما تُمسِكُ مقلاع الحجارة، ووجهتْ بها ضربةً لرأس السيد تشيليب، ثم وضعتها فوق رأسها مائلة، وخرجت؛ ولمْ تَعُد بعد ذلك مطلقًا. لقد كانت في حالةٍ كبيرةٍ من خيبة الرجاء لأنَّ المولود كان صبيًّا. يا إلهي! لقد كانت تلك أيامًا جميلة، أقصد السنوات الأولى من طفولة ديفيد. وكانوا سُعداء ومُبتهجين دائمًا؛ هو والأمُّ الصغيرةُ الجميلةُ، والمُخْلِصة بيجوتي. وقد كان لمطبخ بيجوتي بابٌ يُفتح على فناءٍ خلفي؛ يوجد في منتصفِه بيتُ حمامٍ منصوبٌ على ساريةٍ، لكن لم يكن فيه أيُّ حمام، كما يوجد بيت صغير للكلب في أحد الأركان، ولم يكن به أيُّ كلبٍ كذلك، وهناك عددٌ من الدجاج وديكٌ يقف على عمودٍ ليَصيح فوقه. كما تُوجد حديقةٌ اعتاد أن يَلعب فيها؛ حيث كانت ثمار الفاكهة الناضِجةُ تتراكم على الأشجار في فترة الصيف الدافئة؛ وهناك في طرف الحديقة البعيد أشجارُ دردار طويلةٌ تَميل إحداها على الأخرى في النَّسيم مثل عمالقةٍ يتهامَسُون بالأسرار، وتتدلَّى من فروعها العُليا أعشاشُ غربان باليةٌ هجرتْها الغربان منذ زمنٍ بعيد. وفي فترة الشتاء كان ديفيد يلعب في الردهة، ويتعلم دروسه الصغيرة على يدَي أمه وهو لا يزال مُلازمًا لها، كما يرقص معها على ضوء المدفأة عندما تَنتهي كلُّ الدروس؛ ويُمضيان وقتًا جميلًا سعيدًا! وذات ليلةٍ كان يَجلس هو وبيجوتي بمفردهما إلى جوار مدفأة الردهة؛ لأنَّ السيدة كوبرفيلد كانت قد خرجت لقضاء جزء من الليلة في منزل إحدى جاراتها، وكانت مُتعةً كبيرةً لديفيد أن يُطيل السهر حتى عَودة أمه. حيث ظلَّ يقرأ عن التماسيح، حتى شعر بالإرهاق، وأحسَّ أنه نعسان تمامًا، لكنه لم يكن ليَعترفَ بذلك مهما كانت الأسباب، بالتأكيد. قال ديفيد فجأةً: «بيجوتي، هل تزوَّجتِ قبل ذلك قَط؟» أجابت بيجوتي: «يا لَلعجب، سيد ديفي، ما الذي جعلك تُفكر في أمر الزواج؟» «لكن هل سبق لكِ الزواجُ قط يا بيجوتي؟ إنكِ امرأةٌ جميلة للغاية، أليس كذلك؟» «أنا جميلة؟ يا ديفي! يا لَلعجب، لا، يا عزيزي! لكن ما الذي جعلك تُفكر في أمر الزواج؟» «لا أدري! لكنكِ لا تَستطيعين الزَّواج بأكثر من شخصٍ في آنٍ واحد، أليس كذلك يا بيجوتي؟» قالت بيجوتي: «بلى، بالتأكيد لا يُمكنُني ذلك.» «لكنْ لو أنكِ تزوجتِ شخصًا، وهذا الشخص مات، عندئذ، تستطيعين في هذه الحالة أن تتزوَّجي شخصًا آخر، أليس كذلك يا بيجوتي؟» قالت بيجوتي: «بلى! أستطيع، إذا اخترتُ ذلك.» ونظرتْ باستغرابٍ إلى ديفيد. «أنتِ لستِ غاضبةً، أظنُّ هذا، أليس كذلك يا بيجوتي؟!» هكذا قال ديفيد؛ لأنَّه في الحقيقة اعتقدَ أنها غضبَت؛ حيث كانت تتكلَّم باختصارٍ نوعًا ما. وردًّا على هذا السؤال وضعتْ بيجوتي الجوربَ الذي كانت تَنسجه جانبًا، وفتحت ذراعَيها واحتضنَت بينهما ذلك الرأس ذا الشعر المُجعَّد، وضمَّتْه إليها ضمةً قوية. وقالت: «والآن أخبرني المزيد عن التماسيح، فإنَّ ما سمعتُه لا يكاد يَكفيني.» بدت بيجوتي متأثرةً للغاية، وتمنَّى ديفيد لو يعرف لمَ بدتْ غريبةً هكذا؛ لكنه واصل القراءةَ مرةً أخرى حتى دقَّ جرسُ الحديقة. خرج الاثنان ليَفتحَا الباب معًا، فوجدَا والدة ديفيد وقد بدَت أجمل من المعتاد، ومعها رجلٌ ذو شعرٍ أسود جميل وسالفين أسودَين جميلَين، كان ذلك الرجل قد رافَقَهما وهما عائدان من الكنيسة يوم الأحد الماضي. فانحنَت السيدة كوبرفيلد لتُمسك ديفيد بين ذراعيها وتُقبِّله، وقال الرجل إنه فتًى أكثر حظًّا من أيِّ ملِك. فسأل ديفيد بينما تحمله: «ما معنى هذا؟» لم يَزِد الرجل على أن ربتَ على رأسه؛ لكنَّ ديفيد بطريقةٍ ما لم يُحبَّه، وحاول إبعادَ يده. اعترضت السيدة كوبرفيلد على ابنها قائلةً: «أوه، ديفي!» قال الرجل: «يا ولدي العزيز! لستُ مستغربًا من حبه الشديد لكِ.» تسلَّل تورُّدٌ جميلٌ إلى وجه السيدة كوبرفيلد. وعاتبتْ ديفيد برفقٍ على وقاحته؛ لكنها ضمَّته قريبًا منها وهي تَشكر رفيقها على توصيلها إلى المنزل. قال الرجل بعدما انحنى مُقبِّلًا يدَ الأمِّ الصغيرة: «ليتمنَّ كلٌّ منا ليلةً سعيدةً للآخر يا ولدي الجميل.» قال ديفيد: «ليلة سعيدة.» قال الرجل ضاحكًا: «هلمَّ! لنُصبحَ أحسنَ صديقَين في الدنيا. فلنَتصافح!» كانت يدُ ديفيد اليُمنى في يد أمه اليُسرى، لذا ناول الرجلَ يدَه الأخرى. قال الرجل ضاحكًا: «يا للعجب، هذه اليدُ الخطأ يا ديفي.» سحبتِ السيدة كوبرفيلد يدَه اليُمنى للأمام؛ لكنَّ ديفيد لم يُحبَّه، ولم يُرِد أن يناوله إيَّاها، وإنما أصرَّ على تقديم يده اليُسرى. لكنَّ الرجلَ صافحها بحماسةٍ، وقال إنه ولدٌ شُجاع، وانصرَف؛ وبينما هو في طريقه التفتَ وراءه وهو في الحديقة، وألقى عليهما نظرةً أخيرةً بعينَيه السوداوَين الداكنتَي السواد قبل أن يُغلَق الباب. اندفعَتْ بيجوتي — التي لم تَنطِق بكلمة واحدة — وأغلقتِ الباب، ودخلوا جميعًا إلى الردهة. قالت بيجوتي وهي واقفةٌ في وسط الغرفةِ مُتيبِّسة كبرميلٍ، وفي يدها شمعدان: «أرجو أن تكوني قد قضيتِ ليلةً مُمتعةً يا سيدتي.» قالت السيدة كوبرفيلد بابتهاجٍ إنها قضَت ليلةً بهيجةً جدًّا. قالت بيجوتي: «يبدو أن ضيفًا ما أو ما شابه قد أحدث تغييرًا سارًّا.» أجابت السيدة كوبرفيلد: «تغييرٌ سارٌّ جدًّا في الواقع.» كان ديفيد بين النائم واليقظان؛ لكنَّ شعورًا مُقلِقًا خامره بأن بيجوتي كانت تلومُ والدته على شيءٍ ما، وأن والدته كانت تُحاول أن تُبرِّر خطأها، وأنها كانت تبكي؛ بعد ذلك انفجرت بيجوتي نفسُها في البكاء، واستيقظ ديفيد وراح يَبكي هو الآخر، وأخذوا جميعًا يبكون. لكن في يوم الأحد التالي أوصلهم الرجلُ إلى المنزل مرةً أخرى وهم عائدون من الكنيسة، وأدركَ ديفيد أن بيجوتي لم تكن أكثرَ حبًّا منه لذلك الرجل؛ لكنَّ هذا لم يمنع السيد ميردستون من مرافقتهم إلى المنزل مرةً أخرى. أما والدةُ ديفيد فكانت تلبسُ أجمل ما في خزانتها من الفساتين، حتى لبستْها كلَّها تِباعًا، وكانت تُكثر جدًّا من زيارة جارتها تلك. وفي صباح أحد الأيام من فصل الخريف، عندما كان ديفيد في سن الثامنة تقريبًا وبينما هو مع والدته في الحديقة الأمامية، أقبل عليهما السيدُ ميردستون على صهوة حصانٍ، وبعدما شدَّ عنان حصانه ليوقفه قال إنه ذاهبٌ إلى مدينة لُويستوفت لزيارة بعض أصدقائه الموجودين هناك على أحد اليخوت، واقترح أن يركب ديفيد على السرج أمامه، إذا كان يرغب في نزهةٍ على ظهر الحصان. كان الجو صحوًا وصافيًا للغاية، وبدا أن الحصان نفسه قد أُعجب جدًّا بفكرة الخروج في نزهة، حيث ظلَّ يصهل وينكتُ الأرض بحافره وهو واقفٌ عند بوابة الحديقة، لدرجة أن ديفيد أحسَّ برغبةٍ كبيرةٍ في الذهاب. لذا أرسلتْه أمُّه إلى بيجوتي في الطابق العلوي كي تُهندمَ مظهره؛ وفي غضون ذلك ترجَّل السيد ميردستون عن حصانه، وراح، ولجامُ حصانه يُغطِّي ذراعَه، يتمشَّى ببطءٍ ذهابًا وإيابًا في الجانب الخارجي من سياج زهور النسرين، بينما راحت السيدة كوبرفيلد تتمشَّى معه في الجانب الداخلي من السياج. اختلس ديفيد وبيجوتي النظرَ إليهما من نافذة ديفيد الصغيرة، وبطريقةٍ ما انزعجتْ بيجوتي للغاية، وسرَّحت شعر ديفيد في الاتجاه الخطأ وبشدةٍ كبيرة. لكنَّ ديفيد أصبح جاهزًا بعد قليل، وخلال وقتٍ قصيرٍ أصبحَا على ظهر الحصان وقد انطلَق يعدو بهما فوق العُشْب الأخضر على جانب الطريق. أمسك السيدُ ميردستون ديفيد بسهولةٍ كبيرةٍ بذراعٍ واحدة، وأحس ديفيد بشيءٍ ما يَجذبه للاستدارة والنظر إلى وجهه؛ ورغم أنه لم يستطع أن يتَّخذ قرارًا بزيادة درجة محبَّته له بأيِّ صورة، فقد اعتقد أنه رجلٌ وسيمٌ للغاية. ذهب ديفيد والسيد ميردستون إلى فندقٍ على البحر، وكان في الفندق رجلان يُدخِّنان السيجار في غرفةٍ بمفردهما. صاح الرجلان قائلَين: «مرحبًا ميردستون! لقد حسبْناكَ مت.» قال السيد ميردستون: «ليس بعدُ.» قال أحد الرجلين وهو مُمسكٌ بديفيد: «ومَن هذا الغلام؟» أجاب السيد ميردستون: «إنه ديفي.» قال الرجل: «ديفي مَن؟ ديفي جونز؟» قال السيد ميردستون: «كوبرفيلد.» «ماذا! ابن الفاتنة السيدة كوبرفيلد؟ الأرملة الصغيرة الجميلة؟» قال السيد ميردستون: «انتبه لكلامك لو سمحت. ثَمَّ شخصٌ حادُّ الذهن هنا.» راح الاثنان بعد ذلك يتَّمشَّيان فوق المنحدَر الصَّخري، ثم جلسَا على العُشب، وبعدها نظَرَا إلى إلى السماء بواسطة أحد التلسكوبات، ثم عادَا إلى الفندق ليتناولَا غداءً مُبكرًا؛ وبعد ذلك ركبَا اليخت. كان على متن اليخت رجلٌ لطيفٌ للغاية، ذو رأس كبير جدًّا وشعره أحمر اللون، ويَرتدي فوقه قبعةً لامعةً صغيرةً للغاية، كما كان يلبس قميصًا أو صديريًّا مخططًا بخطوط عرضية ومكتوبًا على صَدره بأحرفٍ كبيرة «قُبَّرةُ السماء». وقد ظنَّ ديفيد أن هذا هو اسمه؛ ولأنه يعيش على متْن اليخت وليس لديه بابٌ على الشارع ليَضعَ اسمَه عليه، فقد وضَعَه على صَدرِه بدلًا من ذلك؛ لكنه عندما نادى عليه باسم السيد قُبَّرة السماء، قال الرجل إنه اسم اليخت. ثُم عادَا إلى المنزل مع بداية المساء، وراحت السيدة كوبرفيلد والسيد ميردستون يتمشَّيان مرةً أخرى بجوار السياج بينما أرسلت ديفيد إلى داخل المنزل ليتناوَل شاي الخامسة مساءً؛ وعندما رحل السيد ميردستون سألت والدةُ ديفيد ابنَها عمَّا فعله طوال اليوم. وقد قصَّ عليها ديفيد كلَّ شيءٍ، دون أن يَنسى إخبارها أنَّ أحد الرجلَين في الفندق نعتها ﺑ«السيدة كوبرفيلد الفاتنة»، و«الأرملة الصغيرة الجميلة»، وهو ما وصفتْه السيدة كوبرفيلد بالهُراء، لكنَّها راحتْ تضحك كذلك، وبدَتْ مَسرورةً قليلًا. قالت السيدة كوبرفيلد بتلعثُم: «ديفيد، عزيزي.» «نعم يا أمي.» «لا تُخبر بيجوتي؛ فربما تغضَب منهما. أُفضِّل ألَّا تعرف بيجوتي بهذا.» وبالطبع وعدها ديفيد ألَّا يُخبرها. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الثاني زيارته لمدينة يارمث «سيد ديفي.» هكذا قالت بيجوتي ذات ليلةٍ، بعد حوالي شهرَين من نزهته مع السيد ميردستون على متن الجواد — بينما كانَا جالسَين معًا، حيث كانت السيدة كوبرفيلد تقضي الليلة خارج المنزل — «سيد ديفي، ما رأيُكَ في السفر معي لقضاء أسبوعين في منزل أخي بمدينة يارمث؟ ألن يكون هذا مُمتعًا؟» سألها ديفيد: «هل أخوكِ رجلٌ لطيفٌ يا بيجوتي؟» صاحت بيجوتي قائلةً، وقد رفعت يدَيها للأعلى: «أوه، كم هو لطيف! ثم إنَّ هناك البحر، والقوارب والسفن؛ والصيادين والشاطئ؛ وآم لتَلعب معه.» وهي تَقصد هام ابنَ أخيها. تحمَّسَ ديفيد كثيرًا للفكرة، وأجاب بأنه سيكون شيئًا مُمتعًا حقًّا، لكنه تساءل عن رأي أمِّه في الأمر؟ قالت بيجوتي: «يا إلهي، إنَّني في الواقع أُراهن على جنيهٍ ذهبيٍّ أنها ستَسمح لنا بالذهاب. سأطلب منها ذلك، إذا أحببتَ، حالَمَا تأتي إلى المنزل. ما رأيكَ الآن!» سألها ديفيد: «لكن ماذا ستفعل أثناء سفرنا؟ إنها لا تستطيع العيشَ بمفردها.» بدَتْ بيجوتي مرتبكةً جدًّا للحظة، وتظاهرتْ بالبحث عن ثقبٍ آخر في الجورب الذي كانت ترفوه. «أرى يا بيجوتي أنها لا تستطيع العيش بمُفردها، كما تَعلمين.» قالت بيجوتي وهي ترفع نظرها إليه وكأنها تذكَّرَت فجأةً: «أوه، باركك الله! ألا تعلم أنها ستَمكُث مدةَ أسبوعين مع السيدة جريبر؟ سيكون عند السيدة جريبر الكثير من الضيوف.» وهكذا، أصبح ديفيد مُستعدًّا تمامًا للذهاب؛ وراح يَنتظِر على أحرَّ من الجمر أن تعود أمُّه إلى المنزل كي يَنطلِق لتنفيذ هذه الفكرة العظيمة. لم تتفاجأ أمُّه ألبتةَ من دعوة بيجوتي. وفي الواقع، لقد بدا أنها كانت تعلم كلَّ شيءٍ عن الأمر، ووافقتْ على الخطة في الحال. وقد تقرَّر أن يُسافرَا في عربة أحد الحمَّالين والتي غادرت قرية بلاندستن في الصباح؛ بعد الإفطار؛ لأنه في تلك الأيام لم يكن يُوجد سككٌ حديديةٌ على الإطلاق. حيث حُزمَت حقيبةُ ديفيد، وحُزمت حقيبةُ بيجوتي، وعندما جاء الصباح الزاخر بالأحداث، وقفوا عند البوابة ينتظرون عربةَ الحمَّال؛ وراحت أمُّ ديفيد تُقبِّلُه قبلات الوداع، وتضمُّه إليها بشدةٍ لدرجة أنه أَحسَّ بقَلبها يدقُّ على قلبه. وعندما وصلَت العربة، ركبها هو وبيجوتي، وبينما هي تَبتعِد بهما انطلقَت أمُّه تجري من عند البوابة، وراحت تُنادي على الحمَّال ليتوقَّف كي تُقبِّل ابنها الصغيرَ مرةً أخرى. في النهاية ابتعدَا تمامًا، وتركاها واقفةً في الطريق؛ وعندما نظرَا وراءهما رأيَا أن السيد ميردستون قد جاء إلى حيث هي واقفةٌ، وبدا أنه كان يَتجادَل معها بشأن تأثُّرها الشديد هذا؛ وراح ديفيد، وهو ينظر من النافذة الخلفية المُظلَّلة في العربة، يتعجَّب من علاقة السيد ميردستون بهم. كان الحصان، كما اعتقد ديفيد، أكثر الأحصنة كسلًا في الدنيا؛ فهو يسير متثاقلًا ورأسُه إلى الأسفل، كما نكَّس الحمَّالُ رأسَه هو الآخر، مثلما فعل الحصان، وراح يتهدَّل إلى الأمام تهدُّلَ النعسان أثناء القيادة، بينما إحدى ذراعيه ممدودةً على كلتا ركبتَيه، وأخذ يصفر كثيرًا. كانت بيجوتي تحمل على ركبتها سلةً بها وجبة خفيفة، فراحت هي وديفيد يأكلان الأشياءَ الطيبةَ من أجل تمضية الوقت؛ لكنَّ الحمال توقَّف في أماكن كثيرةٍ ليُوصِّل الطرود التي معه، لدرجة أن ديفيد قد أُصيب بسأمٍ شديد، لكنه شعر بسعادةٍ كبيرةٍ عندما رأى مدينة يارمث أخيرًا. كان هناك بحارةٌ يسيرون في الشارع، وعرباتٌ تُجلجل فيه ذهابًا وإيابًا، كما فاحت فيه روائحُ السمك وجدائل الحبال القديمة والقطران و… صاحت بيجوتي بحماسةٍ قائلةً: «ها هو ذا آم ابن أخي! لقد كبر لدرجة أني عرفتُه بصعوبة!» وذلك عندما خطَا شابٌّ قويٌّ ضخمُ البِنيةِ يبلغ طوله ستة أقدام وله وجهٌ صبيانيُّ الملامح وشعرٌ متجعِّدٌ أشقرُ اللون، خارج باب الحانة التي كان ينتظرهما فيها. حيث أمسك ديفيد ووضعه على ظهره ليحمله إلى المنزل، بينما حمل حقيبةَ ديفيد تحت ذراعه. وتبعتهما بيجوتي بالحقيبة الأخرى، وانعطفوا إلى أزقةٍ مكسوةٍ بالرمال وقطع الروث المجفف؛ ثم مروا على ساحات صُنَّاع القوارب، ومصانع الحبال، ودكاكين الحدادين، حتى خرجوا إلى أرض قاحلةٍ منبسطةٍ يُمكنهم رؤية البحر على جانبها الآخر. فقال هام: «منزلنا هذا الذي هناك يا سيد ديفي.» تساءل ديفيد قائلًا: «إنه ليس هذا، أليس كذلك؟ هذا شيءٌ شبيهٌ بسفينةٍ.» لأنه لم يرَ أيَّ منزلٍ على الإطلاق — لا شيءَ سوى مركب بضائع أسود اللون، لم يكن بعيدًا جدًّا، وهو جاف وثابت على اليابسة، ويَخرُج منه أنبوبٌ معدنيٌّ يقوم مقام مدخنةٍ، ينبعثُ منه الدخان بانسيابية شديدة. قال هام: «إنه هو يا سيد ديفي.» أخذ ديفيد يشهق ابتهاجًا بالفكرة الرومانسية التي جعلتْهم يعيشون في مكانٍ كهذا. حيث يوجد هناك بابٌ مُبهِجٌ صُنعتْ فتحتُه في جانب المركب، وهو مَسقوف، ويحتوي على نوافذَ صغيرة؛ لكنَّ الجميل المُدهِش فيه أنه كان مركبًا حقيقيًّا وقد نزَل من دون شكٍّ إلى الماء مئات المرات قبل ذلك، ولم يكن مُصمَّمًا مُطلقًا للعيش فيه على اليابسة. كان المركَّب نظيفًا بصورةٍ مُبهجةٍ من الداخل، وفي غاية الترتيب. حيث توجد منضدةٌ، وساعةٌ هولنديةٌ، وخزانةٌ ذاتُ أدراجٍ وُضعت فوقها صينيةُ شاي، وهي مسنودة بإحدى نسخ الكتاب المُقدس كي لا تسقط، مع بعض الفناجين وصحون الفناجين وإبريق شاي حول الكتاب. كما تُوجد صناديقُ للجلوس عليها بدلًا من الكراسي، ويتدلَّى من دعائم السقف بعضُ الخطاطيف التي راح ديفيد يتساءل فيمَ كانت تُستخدم. وقد رحبت بهم امرأةٌ مهذَّبةٌ للغاية ترتدي مريلةً بيضاء، وبنتٌ صغيرةٌ جميلةٌ ترتدي عِقدًا من خرزٍ أزرق اللون، ولم تسمح لديفيد بأن يُقبِّلها، وإنما جرتْ بعيدًا واختبأت. وبعد ذلك فتحت بيجوتي بابًا صغيرًا لترشد ديفيد إلى غرفة نومه. وهي تقع في مؤخرة المركب؛ وقد وجدها ألطف غرفة نومٍ صغيرةٍ رأتْها عينُه على الإطلاق، وبها نافذةٌ صغيرةٌ في المكان الذي كانت توضع فيه الدفة؛ ومرآةٌ صغيرةٌ، تُناسِب طولَ قامة ديفيد تمامًا، وهي مُثبتةٌ على الحائط، ومُحاطةٌ بإطارٍ من أصداف المحار؛ وبها كذلك سريرٌ صغيرٌ يستطيع المرء بالكاد أن يَدخله من ضيق المساحة المتاحة لذلك؛ كما كان في الغرفة باقةُ زهرٍ من العُشب البحري في كوبٍ أزرق اللون على المنضدة. ثم تناولوا أسماك الدَّاب الصغيرةَ المفلطحة المسلوقة على الغداء، مع زبدٍ مصهورٍ، وبطاطس، وشريحةِ لحمٍ من أجل ديفيد؛ وما إن انتهَوا من تناوُل الغَداء حتى دخل عليهم رجلٌ كثيرُ الشعر ذو وجهٍ لطيفٍ للغاية، وقدَّموه لديفيد باسم السيد بيجوتي؛ رُبَّانُ البيت، وأخو السيدة بيجوتي. قال السيد بيجوتي: «سُررتُ برؤيتكَ يا سيدي، سوف تجد أنَّنا خشنو الطبع يا سيدي، لكننا مُتأهِّبون للمساعَدة.» شكره ديفيد، وقال إنه متأكِّدٌ أنه سيكون سعيدًا في مثل هذا المكان المُبهِج. سأله السيد بيجوتي: «كيف حالُ والدتك يا سيدي؟ هل تركتَها سعيدةً بدرجةٍ كبيرة؟» قال ديفيد: «نعم.» وأضاف أنها تُرسِل له تحياتها. قال السيد بيجوتي: «أنا في غاية الامتنان لها بالتأكيد.» ثم قال وهو يُومئ إلى أُخته، وهام، والصغيرة إميلي: «حسنٌ يا سيدي، إذا كنتَ ستستطيع الإقامة هنا مدةَ أسبوعين كاملَين معنا، فسنَشرُف بصحبتِك.» ثم خرج السيد بيجوتي ليغتسل بملءِ قدرٍ من الماء الساخن. وبعد احتساء الشاي أُغلق الباب، وأُعدَّ كلُّ شيءٍ ليُصبحَ مريحًا ودافئًا؛ لأن ليالي تلك الفترة كانت باردةً وضبابية. ثم تغلَّبت الصغيرةُ إميلي على خجلها، وجلسَت مع ديفيد على الخزانة الأقرب إلى الأرض، والتي لم تكن تتَّسع إلا لشخصين، وكان ركن المدخنة يستوعبها تمامًا. بينما أخذت السيدةُ المُهذبة ذاتُ المريلة البيضاء تحيكُ شيئًا ما على الجانب الآخر من نار المدفأة؛ وبدت بيجوتي، وهي تعمل بالتطريز، على حريتها تمامًا وكأنها في بيتها. أما هام فراح يُعلِّم ديفيد بعضَ الحيل في لعبة الورق، وجلس السيد بيجوتي في استرخاءٍ يُدخن غليونه. بعد قليلٍ قال ديفيد: «سيد بيجوتي.» قال السيد بيجوتي: «نعم يا سيدي.» «هل سمَّيتَ ابنكَ هام لأنك تعيش في نوع من أنواع الفُلْك؟» «لا يا سيدي، أنا لمْ أُسمِّه مُطلقًا.» «فمن سمَّاه بهذا الاسم إذن؟» «يا إلهي، أبوه يا سيدي هو الذي سماه به.» قال ديفيد: «كنتُ أحسب أنك أنت أبوه.» قال السيد بيجوتي: «لقد كان أبوه أخي جوي.» سأل ديفيد، بعد فترةِ صمتٍ مُعبرة عن الاحترام: «هل تُوفي، يا سيد بيجوتي؟» قال السيد بيجوتي: «لقد غَرِق.» تفاجأ ديفيد للغاية عندما اكتشف أن السيد بيجوتي لم يكن والدَ هام، لدرجة أنه بدأ يتساءل بعد ذلك عن طبيعة صِلته بالصغيرة إيميلي؛ فبادرَ ديفيد، وهو يُلقي إليها نظرةً عَجلى، قائلًا: «والصغيرةُ إيميلي، إنها ابنتُكَ أليس كذلك يا سيد بيجوتي؟» «لا يا سيدي. بل كان أبوها توم، زوج أختي.» سأل ديفيد، بعد فترةِ صمتٍ أخرى معبرةٍ عن الاحترام: «هل تُوفي يا سيد بيجوتي؟» قال السيد بيجوتي: «غرِق.» «أما لديك أيُّ أطفالٍ يا سيد بيجوتي؟» «بلى يا سيدي. إنني أعزب.» صاح ديفيد باندهاش: «أعزب!» وأشار إلى السيدة المُهذبة ذات المريلة البيضاء وقال: «يا للعجب، ومَن هذه؟» قال السيد بيجوتي: «هذه السيدة جُوميدج.» بادر ديفيد إلى السؤال: «جُوميدج؟» لكنَّ بيجوتي — مربيته بيجوتي — عبستْ في وجهه ليكُفَّ عن الكلام؛ وهكذا ظلَّ ديفيد ساكتًا حتى حان وقتُ النوم. بعد ذلك، عندما انفردتْ به في حجرته الصغيرة، أخبرتْه أن هام وإيميلي يتيمان، وأن عمَّهما تبنَّاهما عندما فقدَا أبوَيهما؛ وأن السيدة جوميدج أرملةُ شريكِه في أحد القوارب، وقد تُوفي شريكُه هذا فقيرًا جدًّا، فآواها السيد بيجوتي في بيته هي الأخرى عندما أصابها العَوَز؛ وأن الشيء الوحيد الذي يُغضب السيد بيجوتي هو أن يُذكِّره أحدٌ بعمله النبيل معها. أُعجب ديفيد للغاية بطيبة السيد بيجوتي، وظلَّ يُفكر فيها قبل أن يأخذه النوم. ذهبت بيجوتي والسيدة جوميدج والصغيرةُ إيميلي للنوم في حجرةٍ صغيرةٍ أخرى في الطرف المقابل من المركب، وعلَّق السيدُ بيجوتي وهام لنفسَيهما أرجوحتين شبكيتَين في الخطاطيف التي كان ديفيد قد رآها مُعلقةً في السقف عند أول دخوله إلى البيت. استيقظ ديفيد مبكرًا في صباح اليوم التالي، وخرج مع الصغيرة إيميلي يجمعان الصخور على الشاطئ. قال لها ديفيد: «لا بُد أنكِ بحَّارةٌ ماهرةٌ.» أجابت إيميلي، وهي تهزُّ رأسها: «لا، أنا أخاف من البحر.» صاح ديفيد بقوةٍ، وهو ينظر بجسارةٍ إلى الأمواج العظيمة: «تخافين! أنا لا أخاف منه.» قالت الصغيرة إيميلي: «آهٍ! لكنه قاسٍ. لقد رأيتُ منه قسوةً شديدةً على بعض رجالنا. لقد رأيتُه وهو يُمزِّق مركبًا في حجمِ بيتنا قِطَعًا.» «أرجو ألَّا يكون هو المركب الذي …» قالت إيميلي: «الذي غرق فيه أبي؟ لا. ليس هذا. أنا لم أرَ ذلك المركب قط.» سألها ديفيد: «ولا رأيتِ أباك؟» هزَّت الصغيرةُ إيميلي رأسَها. وقالت: «ليس بما يكفي لأتذكَّره.» أخبرها ديفيد أنه هو الآخر لم يرَ أباه مطلقًا، وأنه يعيش هو وأمُّه بمفردهما وينويان أن يكونَا كذلك دائمًا؛ لأنهما سعيدان للغاية. كما أخبرها أن قبر أبيه موجودٌ في فِناء الكنيسة قريبًا من منزلهم، حيث تُظلِّله إحدى الأشجار. قالت إيميلي إنه ما من أحدٍ يعرف شيئًا عن مكان قبر أبيها، باستثناء أنه في موضعٍ ما في البحر. وأضافت، وهي تبحث عن الأصداف والحصى: «وفوق ذلك، فقد كان والدُك سيدًا نبيلًا، وأمُّك سيدة نبيلة؛ أما أبي فكان صيادًا وأمي بنت أحد الصيادين، وعمي دان صيادٌ كذلك.» سألها ديفيد: «دان هو الاسم الأول للسيد بيجوتي، أليس كذلك؟» أجابت إيميلي وهي تومئ برأسها ناحيةَ البيت المركب: «عمي دان؛ الذي هناك.» قال ديفيد: «نعم. أقصده هو. لا بد أنه طيبٌ للغاية، أعتقد هذا.» قالت إيميلي: «طيب؟! لو كان لي أن أُصبح من النبيلات يومًا لمنحتُه سترةً زرقاءَ سماويةً ذاتَ أزرار ماسية، وبنطلونًا من قماش النَّنكين، وصديريًّا مخمليًّا أحمر اللون، وقبعةً مرفوعة الحواف، وساعةَ جيبٍ ذهبيةً كبيرة، وغليونًا فِضيًّا، وصندوقًا من المال.» ظلَّ الاثنان يتمشيان مسافةً طويلةً، ويلتقطان أشياءَ غريبةً من على الشاطئ، ثم عادَا لتناول الإفطار في البيت المركب ووجهاهما يتوهَّجان صحةً وسعادة. لقد أصبحَا صديقَين حميمَين للغاية، وصارَا يتمشَّيان في سهل يارمث ذاك بالساعات يبحثان فيه عن أشياءَ لافتةٍ للنظر، ثم يعودان إلى البيت المركب في أوقات الطعام وهما جائعان مثل طائرَين صغيرين من طيور السمنة، هكذا كان يقول السيد بيجوتي. لقد كان وقتًا بهيجًا جدًّا. أما الإنسانة الوحيدة التي لم تكن على درجةٍ كبيرةٍ من التناغم، الذي كان بإمكانها تحقيقُه، مع هذا البيت الصغير الهانئ هي السيدة جوميدج. كانت السيدة جوميدج تُعاني اكتئابًا، وتشير إلى نفسها «كإنسانة بائسة وحيدة»؛ وعندما يزيد اكتئابُها جدًّا، كانت تُلمِّح كثيرًا بطريقةٍ رآها ديفيد أكثر من المستساغ، إلى أنه كان الأجدر بها أن تذهب إلى الملجأ، وأن تموت، وتنال الخلاص. وهو ما كان السيد بيجوتي يردُّ عليه بلُطفٍ قائلًا: «لا تبتئسي أيتها الفتاة.» فتردُّ السيدة جوميدج قائلةً: «إنني لستُ كما أتمنى أن أكون، أنا بعيدةٌ جدًّا عن ذلك. أنا أعلم حقيقتي. إن مشاكلي قد جعلتْ مني امرأةً مناقِضة. ليتَني أتعود على احتمال صعابها، لكنني لا أستطيع. إنني أبثُّ الضِّيق في البيت. أنا إنسانةٌ بائسةٌ وحيدة، ويجدر بي ألَّا أجعل من نفسي امرأةً مناقِضة هنا. إذا كان لا مفرَّ من أن تُناقضني الظروف، وأن أُصبح مناقضة أنا الأخرى، فلتدعني أعيش مناقضة في ملجأ أبرشيتي يا دانيال؛ إنه ليجدر بي أن أدخل الملجأ، وأن أموت هناك، وأنال الخلاص.» ثم تذهب السيدة جوميدج بعد ذلك إلى فراشها، وعندما كان ديفيد ينظر إلى السيد بيجوتي، وهو يتوقَّع أن يراه مُغتاظًا أو مُنزعجًا، يجده لا يزيد على أن يُنكِّس رأسه وعلى وجهه نظرةُ تعاطُفٍ عميقٍ، ويهمس قائلًا: «لقد كانت تُفكِّر في رجُلها.» وهو يقصد الفقيدَ السيدَ جوميدج. وعندما أدخل نفسه في أرجوحته الشبكية ليلًا، بعد واحدةٍ من نوبات المُشاكَسة التي تعتري السيدة جوميدج، سمعه ديفيد وهو يُردد بينه وبين نفسه: «المسكينة! لقد كانت تُفكِّر في رجُلها.» يا للعجب! ما أسرع انقضاء هذين الأسبوعين! حيث كان هام في وقتِ فراغه يمشي مع ديفيد والصغيرة إيميلي، ويريهما القوارب والسفن، وقد أخذهما مرةً أو مرتين في جولةٍ على قاربٍ ذي مجاديف. وبأسرع مما يتمنَّون حان في نهاية الأمر وقتُ العودة إلى البيت. رافقت الصغيرةُ إيميلي ديفيد إلى الحانة حيث كانت عربة الحمَّال تنتظر، ووعدها ديفيد، وهو في الطريق، أن يكتب إليها. لقد حزن الاثنان جدًّا لافتراقهما؛ وذلك لأنهما صارَا صديقَين مقرَّبَين للغاية؛ لكن كان عليهما أن يُودِّعَا بعضهما؛ وعندما بدأت عربة الحمال رحلتها إلى قرية بلاندستن، تذكَّر ديفيد، وهو يهتزُّ سرورًا، أنه سيرى أُمَّه ثانيةً. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الحادي عشر زِفاف بيجوتي كان أول ما فعلته الآنسة ميردستون بعد انتهاء يوم الجنازة أن أخطرت بيجوتي بالفصل من عملها بعد شهر. أما بخصوص مستقبل ديفيد، فلم تقل كلمة، ولم تتخذ خُطوة. ذات مرةٍ تجرَّأ وسأل الآنسة ميردستون متى سيرجع إلى المدرسة، فقالت له بأسلوبٍ جافٍّ إنها تعتقد أنه لن يعود إلى المدرسة على الإطلاق. لا السيد ولا الآنسة ميردستون أرادَا رؤيته في الردهة، لذا كان يقضى الوقت مع بيجوتي؛ ولم يبدُ أن السيد ميردستون كان يكترث لهذا ما دام ديفيد لم يُزعجه. قالت بيجوتي ذات يوم: «ديفي، لقد سلكتُ، يا عزيزي، كلَّ طريقٍ هداني تفكيري إليه لكي أجد عملًا مُناسبًا هنا في بلاندستن، لكنْ لا وجود لشيءٍ كهذا يا حبيبي.» «وماذا تنوين أن تفعلي يا بيجوتي؟» هكذا سألها ديفيد بنبرةٍ ملأها الحزنُ والشفقة؛ فقد كانت هي الصديق الوحيد الذي له في الدنيا في هذه اللحظة؛ وقد كان متشبِّثًا بها. أجابت بيجوتي: «أتوقع أني سأُضطر للذهاب إلى يارمث والعيش هناك.» قال ديفيد وعلاماتُ الابتهاج تبدو على وجهه: «كان من الممكن أن تبتعدي أكثر من هذا، وتُصبحي في مكانٍ سيئٍ بالنسبةِ لي وكأني فقدتك. سوف أراكِ هناك بين الحين والآخر يا عزيزتي بيجوتي؛ فلن تكوني في الطرف الآخر من الأرض، أليس كذلك؟» صاحت بيجوتي: «بالعكس، وأرجو أن يساعدني الله! ما دمتَ هنا يا حبيبي، فسآتي كلَّ أسبوعٍ طوال حياتي كي أراك. يومٌ كلَّ أسبوع على مدى حياتي!» وبعد ذلك أخبرتْه أنها ستذهب إلى بيت أخيها أولًا، إلى أن يتسنى لها الوقتُ للبحث عن وظيفةٍ أخرى حولها. ثم قالت إنه من المحتمل أن يسمحَا لديفيد بالذهاب معها إلى يارمث لبعض الوقت، لأنه يبدو ألَّا أحد منهما يرغب في وجوده في المنزل؛ وفيما بعد تجرَّأت بما فيه الكفاية لاقتراح هذا على الآنسة ميردستون. قالت الآنسة ميردستون وهي تنظر في برطمان مُخَلل: «سوف يضيع الولدُ وقته في البطالة هناك، لكنه بالطبع سيضيعه في البطالة هنا … أو في أي مكانٍ آخر، في رأيي.» وبعد فترةٍ أضافت: «إن من المهم للغاية ألَّا يُزعِجَ أخي شيءٌ أو يُضايقَه شيء. أظن أنه يجدر بي أن أوافق.» شكرها ديفيد، دون أن يُظهرَ أيَّ علامةٍ تدل على الفرح، خشيةَ أن يدفعها هذا إلى سحب موافقتها. وعندما انقضى الشهر، رحل هو وبيجوتي في عربة الحمَّال. كانت بيجوتي بطبيعة الحال في حالةٍ من الحزن لمفارقتها ذلك المكان الذي ظلَّ بيتًا لها على مدى سنواتٍ عديدة. كما أنها زارت مدفن فناء الكنيسة، مبكرًا جدًّا، لذا فقد جلستْ في العربة ومنديلُها على عينيها. ظلَّ باركس طوال مدة بقائها على هذه الحال ساكنًا سكون الأموات؛ لكنه، عندما بدأت تنظر حولها، راح يَبتسِم لديفيد عدة مرات. قال ديفيد: «إنه يومٌ جميل يا سيد باركس.» قال السيد باركس: «ليس سيئًا.» «لقد هدأت بيجوتي الآن تمامًا يا سيد باركس.» قال السيد باركس: «حقًّا؟» بعد تفكيرٍ جديٍّ في الأمر، نظر لها السيد باركس وقال: «هل هدأتِ الآن تمامًا؟» ضَحِكت بيجوتي وقالت نعم. قال السيد باركس بهمهمةٍ، وهو ينزلق مقتربًا منها أكثر في المقعد، ويكِزُها بمرفقه في رفق: «لكن أخبريني، حقًّا وبصراحة، هل أنت مرتاحة؟ أخبريني؟ هل حقًّا وبصراحةٍ تشعرين بارتياحٍ كبير؟ حقًّا؟ أخبريني؟» ثم وكزها ثانيةً. كان السيد باركس لطيفًا للغاية؛ حيث توقَّف لأجلهما أمام إحدى الحانات، واشترى لهما لحم ضأنٍ مسلوقٍ وجعة، وكثيرًا ما عبَّر لبيجوتي أثناء ذلك عن تمنِّيه لها بأن تشعر بارتياحٍ كبير. كان السيد بيجوتي مع هام ينتظرانهما عند المكان القديم، وحملَا الحقائب على أكتافهما ومضَوا جميعًا، وهنا أشار السيد باركس بسبَّابته لديفيد بجديةٍ. وقال في همهمةٍ: «أرى أن الأمر قد سار على ما يرام.» قال ديفيد: «أوه!» «لم ينتهِ الأمر عند ذلك. لقد سار على ما يُرام.» قال ديفيد مرةً أخرى: «أوه!» قال الحمَّال: «أنت تعلم مَن كان راغِبًا، إنه باركس، وباركس فقط.» ثم صافح ديفيد. وقال: «إنني صديقك المُخلِص. أنت من بدأتَ بجعل الأمر يسير على ما يرام. إنه على ما يرام الآن.» لم يفهم ديفيد شيئًا مما عناه السيد باركس؛ وظل واقفًا يُحدِّق فيه إلى أن نادتْه بيجوتي. وعندئذٍ سألتْه ما الذي كان يقوله له باركس، فأخبرها ديفيد. قالت بيجوتي: «هذا يليقُ بوقاحته، لكنني لا أكترث لهذا. عزيزي ديفي، ما رأيك لو أنني فكرتُ في الزواج؟» قال ديفيد: «يا للمفاجأة؛ أظنُّ أنكِ ستُحبينني عندئذٍ بقدر ما تحبينني الآن.» عانقته بيجوتي في الطريق. ثم سألته عندما سارَا: «قل لي ما رأيُكَ يا عزيزي؟» «لو أنكِ فكرتِ في الزواج … من السيد باركس يا بيجوتي؟» قالت بيجوتي: «نعم.» «أعتقد أنه سيكون شيئًا جيدًا جدًّا. لأنكِ عندئذٍ يا بيجوتي ستجدين الحصان والعربة دائمًا ليُحضرانكِ لزيارتي، وستَستطيعين المجيء دون أن تدفعي شيئًا، وستكونين واثقةً من قدرتكِ على المجيء.» صاحت بيجوتي: «كم أنتَ ذكيٌّ يا حبيبي! هذا ما ظللتُ أُفكر فيه طوال ذلك الشهر الماضي!» وأضافت أنها ربما ما عادت تصلح للعمل كخادمة عند أحدٍ غريب؛ وتكلَّمت عن رغبتها في أن يكون لها منزلٌ خاصٌّ بها، وألَّا تكون بعيدةً عن قبر ابنتها الحبيبة. قالت بيجوتي: «إن باركس إنسانٌ بسيطٌ طيب، وإذا ما حاولتُ أن أفعل ما يُتوقع مني وفقًا لما يريده، فأظنُّ أنه سيكون من الخطأ ألَّا … ألَّا أشعر بارتياحٍ كبير.» وراحت تضحك من قلبها. ضحك ديفيد هو الآخر؛ وظلَّا يتكلَّمان عن السيد باركس إلى أن لاح البيت المركَّب لأعينهما. كانت السيدة جوميدج تَنتظِر أمام الباب، حيث كلُّ شيءٍ على حاله تمامًا في البيت المركَّب القديم الحبيب، حتى العُشب البَحري الذي في الكوب الأزرق في غرفة النوم. لكن إيميلي الصغيرة لم تكن موجودةً ليراها، وقد سأل ديفيد السيدَ بيجوتي أين هي. فقال السيد بيجوتي: «إنها في المدرسة يا سيدي.» ثم نظر إلى الساعة الهولندية، وقال: «سوف تعود إلى البيت في ظرف عشرين دقيقةٍ إلى نصف ساعة. إننا جميعًا نفتقدها، بوركتَ.» أخذت السيدة جوميدج تئنُّ. قال السيد بيجوتي: «لا تبتئسي أيتها الفتاة.» قالت السيدة جوميدج: «أنا أفتقدها أكثر من أيِّ أحدٍ آخر، إنني إنسانةٌ بائسةٌ وحيدة، وقد كانت هي الشخصَ الوحيد الذي لا يشاكسني.» أخفى السيد بيجوتي فمَه بيده وهمس قائلًا: «المرأة العجوز!» وتوصل ديفيد إلى أن حالتها النفسية كانت سيئةً كالمعتاد. بعد قليلٍ ظهر شكلٌ بشريٌّ صغيرٌ من بعيد. ثم تبيَّن أنها الصغيرة إيميلي، فذهب ديفيد لاستقبالها. حيث أصبحت قامتُها أكثرَ طولًا، وبدت جميلةً جدًّا لدرجة أن ديفيد شعَرَ فجأةً بالخجل، وتركها تمرُّ وكأنه لم يتعرف عليها. لم تزد الصغيرةُ إيميلي على أن ضحكتْ وجرتْ متجاوِزةً إيَّاه، وعندئذٍ اضطر ديفيد للجري وراءها كي يلحقَ بها. قالت الصغيرة إيميلي: «أوه، إنه أنت، أليس كذلك؟» قال ديفيد: «يا للعجب، أنتِ تعلمين من رأيتِ يا إيميلي، أليس كذلك؟» قالت إيميلي: «وأنتَ، ألم تعلمْ مَن رأيت؟» أراد ديفيد أن يُقبِّلها؛ لكنها قالت إنها لم تعُد طفلةً الآن، وجرت إلى داخل المنزل. قال السيد بيجوتي، وهو يربتُ عليها بيده الكبيرة: «إنها قطة صغيرة.» صاح هام: «إنها كذلك! إنها كذلك! نعم يا سيد ديفي، إنها كذلك.» كانوا جميعًا يدللون الصغيرة إيميلي؛ وخصوصًا السيد بيجوتي، والذي كانت تستطيع أن تنال منه أيَّ شيءٍ عندما تلاطفه فقط بوضع خدها على سوالفه الخشنة. لكنها كانت رقيقة القلب للغاية؛ وعندما جلسوا جميعًا حول المدفأةِ بعدما شربوا الشاي؛ وتكلم السيد بيجوتي مع ديفيد برفقٍ شديد عن فقدانه والدته، ترقرقت الدموع في عينَي الصغيرة إيميلي. قال السيد بيجوتي، وهو يُمسك بعِقْصات شعرها: «آه! ها هي ذي يتيمةٌ أخرى، أترى يا سيدي؟» ثم سدَّد ضربةً بظهر يده إلى صدر هام وقال: «وها هو ذا واحدٌ آخر منهم، رغم أنه لا يُشبههم كثيرًا.» أجابه ديفيد: «لو كنتَ أنتَ وصيًّا عليَّ يا سيد بيجوتي، فلا أظن أني كنتُ سأشعر كثيرًا باليُتم.» صاح هام في ابتهاجٍ غامر: «أُوافقك تمامًا، يا سيد ديفي! مرحى! أتفق معك تمامًا! لم تكن لتشعر به بعد ذلك! هه! هه!» وردَّ هام ضربةَ السيد بيجوتي، ونهضت الصغيرةُ إيميلي وقبَّلتْ عمَّها. سأل السيد بيجوتي ديفيد: «وكيف حالُ صديقك يا سيدي؟» قال ديفيد: «ستيرفورث؟» صاح السيد بيجوتي، ملتفتًا إلى هام: «هذا هو الاسم! كنتُ أعلم أنه شبيهٌ بشيءٍ ما في مهنتنا.» (كلمة ستير تعني حرفيًّا: يقود السفينة.) علَّق هام ضاحكًا: «لقد قلتَ إنه رَدَرفورد.» (كلمة ردر تعني حرفيًّا: دفة السفينة.) أفحمه السيد بيجوتي قائلًا: «حسنٌ، وأنت تقود السفينة بواسطة دفة، أليس كذلك؟ فالفرق ليس كبيرًا. كيف حاله يا سيدي؟» قال ديفيد إنه كان في خير حالٍ في آخر مرةٍ رآه فيها، وانطلق يمدح ستيرفورث كالعادة. وافقه السيد بيجوتي وهام في كل ما قال، وأصغت له الصغيرة إيميلي بأشد ما يكون من الانتباه، وهي تحبس أنفاسها من الدهشة، بينما تلمع عيناها الزرقاوان كالجوهرتين. مرَّت الأيام في الأغلب كما مرَّتْ من قبل، باستثناء أن الصغيرة إيميلي كان لديها الكثير من الواجباتِ لتتعلَّمها، والتطريزِ لتنجزه، لذا لم تستطع أن تسير كثيرًا مع ديفيد على الشاطئ. وكان السيد باركس يأتي لزيارتهم كلَّ ليلة. حيث أحضر معه في أول زيارةٍ صرةَ برتقالٍ مربوطةً في منديلٍ من أجل بيجوتي؛ وفي اليوم التالي أربعة أزواجٍ من أقدام البقر، ومرةً أخرى فخذ من اللحم المنقوع في الخل؛ وكان أحيانًا يخرج مع بيجوتي في نزهةٍ على الشاطئ. في النهاية، وقبل أن يَتركهم ديفيد مباشرةً، جاء السيد باركس في صباح أحد الأيام في عربةٍ خفيفةٍ، وكان مظهره أنيقٌ جدًّا وهو يَرتدي معطفًا جديدًا أزرق اللون، ليأخذ بيجوتي كي تَقضي معه يوم العطلة. فذهب ديفيد والصغيرةُ إيميلي معهما، وعندما ركبوا في العربة ناول السيد بيجوتي السيدةَ جوميدج حذاءً قديمًا لترميَه خلفهم كي يجلب الحظ السعيد. فقالت السيدة جوميدج: «يجدر بغيري فعلُ هذا يا دانيال، فأنا إنسانةٌ بائسةٌ وحيدةٌ، وكل شيءٍ يذكرني بأشخاصٍ غير وحيدين ولا بائسين يأتي معي بأثر عكسي.» قال السيد بيجوتي: «هيا أيتها العجوز، خذي الحذاء واقذفيه وراءهم.» لكنَّ السيدة جوميدج أبَت؛ فألحَّ بيجوتي عليها كي تفعل؛ وهكذا رمت السيدةُ جوميدج الحذاء وراءهم من أجل الحظ السعيد، فانفجرتْ في البكاء من فورها، وراحت تقول إنها تعلم أنها عبء، وأنه ينبغي أن تُنقل إلى الملجأ في الحال. وقد رأى ديفيد أنها فكرةٌ سديدةٌ جدًّا، وراح يتساءل لماذا لمْ يُنفذوها. وهكذا رحلوا بعيدًا بالعربة من أجل نزهة عطلتهم؛ وكان أول ما فعلوه هو أن توقفوا أمام إحدى الكنائس، حيث ربط السيد باركس الحصان في قضبان أحد الأسيجة، ودخل هو وبيجوتي، وتركَا الطفلين في الخارج. وقد بقيا فترةً طويلةً داخل الكنيسة، لكنهما خرجا في النهاية، ثم انطلقوا بالعربة إلى الريف. سأل السيدُ باركس ديفيد بغمزةٍ من عينه: «ما الاسم الذي كتبتُه على غطاء العربة؟» قال ديفيد: «كلارا بيجوتي.» فقال السيد باركس: «أيَّ اسمٍ سأكتبُ إذا كان هناك غطاء أكتب عليه الآن؟» قال ديفيد مخمنًا: «كلارا بيجوتي مرةً أخرى.» «كلارا بيجوتي باركس.» هكذا أجاب الحمالُ وانفتح في القهقهة. وهكذا فقد تزوَّجَا، حيث كانَا في الكنيسة من أجل هذا الغرض؛ وقررت بيجوتي أن يكون زفافها زفافًا هادئًا، لأنها كانت لا تزال تلبس ثوب الحِداد على روح «ابنتها الغالية.» قبَّلت بيجوتي ديفيد قُبلةً حنونةً جدًّا لتُعلمَه أن حبَّها له لا يزال بالقدر نفسه الذي كان عليه دائمًا؛ وانطلقت المجموعة الصغيرة بالعربة مسافةً ليست بالبعيدة حتى وصلُوا إلى مطعمٍ صغيرٍ تناولوا فيه غداءً رائعًا، واحتسوا بعده شايًا جيدًا جدًّا. وخيَّم عليهم الظلام عندما ركبوا العربة مرةً أخرى، وعادوا بها بينما يُدفئهم جوٌّ عائليٌّ حميم، وهم ينظرون إلى النجوم ويتحدثون عنها. حسنًا، لقد عادوا مرةً أُخرى إلى البيت المركب العتيق في توقيتٍ مبكِّر من الليل؛ وهناك ودَّعهما السيدُ والسيدةُ باركس وانطلقَا في جوٍّ من الحميميةِ إلى منزلهما الخاص. عندئذٍ أحسَّ ديفيد، لأول مرةٍ، أنه فقد بيجوتي؛ لكنَّ هام والسيد بيجوتي، كانَا يعلمان بما يدور في خلده؛ لذا فقد تجهَّزا بشيءٍ أعدَّاه للعَشاء، وبوجهيهما المضيافَين، لطرد تلك الأفكار. كان الوقتُ وقتَ مَدٍّ ليليٍّ؛ وما لبث السيد بيجوتي وهام، بعدما استلقيَا في فراشَيهما، أن نهضَا وخرجَا للصيد. فأحسَّ ديفيد بشجاعةٍ كبيرةٍ عندما تركوه في المنزل المنعزل ليحميَ الصغيرة إيميلي والسيدة جوميدج، وما كان يتمنَّى سوى أن يهجم عليهم أسدٌ أو ثعبان حتى يفتكَ به، ويُكلِّلَ نفسه بالمجد. لكن نظرًا لأنه لم يكن شيءٌ من هذه الأشياء يتجوَّل في سهول يارمث في تلك الليلة، تمنَّى ديفيد أن تهاجمهم التنانين بدلًا من ذلك. جاءت بيجوتي في صباح اليوم التالي، وبعد الإفطار ودَّعَ ديفيد السيدَ بيجوتي وهام والسيدة جوميدج والصغيرةَ إيميلي، وعاد مع بيجوتي إلى بيتها؛ وقد كان بيتًا صغيرًا جميلًا. في تلك الليلة نام ديفيد في غرفةٍ صغيرةٍ فوق السطح، وقد قالت بيجوتي إنها ستكون غرفتَه دائمًا، وستظلُّ على حالتها نفسها تمامًا من أجله. قالت بيجوتي: «سواءٌ كنتَ صغيرًا أم كبيرًا يا عزيزي ديفي، ما دمتُ أنا على قيد الحياة وما دمتُ أعيش تحت سقف هذا البيت، فستَجدها دائمًا وكأنني أترقب وصولك إلى هنا كلَّ لحظة. وسوف أعتني بها كل يومٍ كما كنتُ أعتني بحجرتك الصغيرة القديمة يا عزيزي؛ ولو أنك ذهبت إلى الصين، فتأكد أنها ستبقى كما هي تمامًا، طوال مدة سفرك.» قالت له هذا وذراعاها يطوقان رقبته؛ ولم يكن ديفيد في حاجةٍ لمن يُخبرُه بمدى صدقها ووفائها. حاول ديفيد أن يَشكُرَها، وحاول ألا يبكي؛ لكنَّ قلبه كان مثقلًا بالأسى، لأنه سيعود في الصباح إلى بيته؛ بيته في بلاندستن حيث السيد والآنسة ميردستون من جديد، ولن تكون أمُّه هناك، ولا بيجوتي كذلك للأبد. وفي صباح اليوم التالي أوصلهما باركس بعربة الحمَّال، حيث تركاه عند البوابة. وكان غريبًا عليه أن يرى العربة ترحل، آخذةً بيجوتي معها، وتتركه تحت أشجار الدردار القديمة ينظر إلى البيت الذي ما عاد فيه وجهٌ ينظر إلى وجهه بحبٍّ أو اهتمام. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الثاني عشر ديفيد يخرج إلى الدنيا كان السيد والآنسة ميردستون يَكرهان ديفيد. كما واصلَا إهمالَه في عنادٍ وصرامة. وهما لم يكونَا في الحقيقة قاسيَين عليه؛ وإنما فقط يُهملانه. ولم يتكلم أحدٌ عن ذهابه إلى المدرسة، فظلَّ ديفيد يُضيع وقته سُدًى من دون شيءٍ يفعله. وقد كان يُفضِّل أن لو أُرسل إلى مدرسةٍ تُدار بأقسى الطرق في الدنيا على أن يبقى في هذه الحالة من الفتور وانعدام الأصدقاء؛ ولكنَّ في تلك الفترة أصبح عمل السيد ميردستون — حيث كان يتعامَل مع مؤسسةٍ لتجارة الخمر في لندن — غيرَ مزدهر بالصورة المُرضية، وقد اتخذ من هذا مبررًا لعدم إرسال ديفيد إلى المدرسة؛ وفي الواقع، لقد حاول إقناع نفسه بأنه ليس للصَّبي حقٌّ في أن يطالبه بشيءٍ على الإطلاق. كما رفض السيد والآنسة ميردستون أن يُصبح له أصدقاء في بلاندستن؛ وأسوأ شيءٍ على الإطلاق أنهما نادرًا ما كانَا يسمحان له بزيارة بيجوتي. فربما كانَا يخافان من احتمال أن يشكوَ الصبيُّ من معاملتهما؛ لكن بيجوتي، وفاءً منها بوعدها، كانت إما تأتي لزيارته، أو تقابله في مكانٍ قريب، مرةً كلَّ أسبوع، ولم تأتِ مرةً دون أن تُحضرَ معها شيئًا من الطعام الطيب من صنع يدها. وهكذا ظلَّ ديفيد يعيش حياة الوحدة هذه أسبوعًا وراء أسبوع، وشهرًا وراء شهر. وفي يومٍ من الأيام، وبينما هو يتسكع في مكانٍ ما بلا حماس أو هدف، تقابَل فجأةً مع السيد ميردستون وهو يسير مع أحد الأشخاص. فضحك الرجل وتكلَّم مع ديفيد، وعندما نظر ديفيد إليه أحسَّ أنه رآه من قبل، ثم تذكَّر أنه السيد كوينين، ذلك الرجل الذي كان قد قابله في الفندق في مدينة لُويستوفت، عندما أركبه السيد ميردستون أمامه على حصانه ليَقضيَ ذلك اليوم مع أصدقائه. سأل السيد كوينين: «وكيف حالك في الدراسة، وأين تدْرُس؟» لم يعرفْ ديفيد بمَ يُجيب، ورمق السيد ميردستون بعينه. قال السيد ميردستون: «إنه في البيت في الوقت الحالي. وهو لا يَدرس في أيِّ مكان. لا أعرف ماذا أفعل به. إنه فتًى مُشاكس.» واكفهرَّت عيناه وهو يتجهَّم. قال السيد كوينين وهو ينظر إلى كليهما: «إنه أمر مؤسف!» «يا لَه من جوٍّ جميل.» ثم بعد قليلٍ قال: «أعتقد أنك لا تزال فتًى حادًّا للغاية، أليس كذلك؟» قال السيد ميردستون: «بلى. إنه حادٌّ جدًّا، يجدر بك أن تتركه.» رفع السيد كوينين يده من على كتف ديفيد، فانطلق ديفيد مسرعًا إلى البيت؛ لكنه نظر خلفه فرآهما ينظران إليه ويتكلمان، وأحسَّ أنهما كانَا يتكلمان عنه. جاء السيد كوينين للمبيت في بيتهم تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي، بعد الإفطار، وبينما ديفيد يَنصرف من الغرفة، ناداه السيد ميردستون مرةً أخرى. وقال: «ديفيد، إن هذه الحياة بالنسبة للشباب حياةُ نشاط؛ وليست من أجل التسكُّع وتضييع الوقت في …» أضافت الآنسة ميردستون: «كما تفعل أنت.» نظر السيد كوينين خارج النافذة. تابع السيد ميردستون كلامَه قائلًا: «أعتقد أنك تعلم يا ديفيد أنني لستُ غنيًّا. وأنت قد تلقيتَ قدرًا كبيرًا من التعليم بالفعل. إن ما أنت مقبلٌ عليه هو معركةٌ مع الحياة؛ ومن الأفضل أن تبدأها مبكرًا. لقد سمعتَ ذِكر مكتب المحاسَبة يتردَّد أحيانًا، أليس كذلك؟» قال ديفيد: «مكتب المحاسبة يا سيدي؟» رد السيد ميردستون: «مكتب ميردستون وجرينبي للمحاسبة، في تجارة الخمر.» قال ديفيد بشرود: «أعتقد أني سمعتُ كلمة المكتب تُذكَر أمامي يا سيدي.» قال السيد ميردستون: «إن السيد كوينين يُدير ذلك المكتب، ويقول إنه يوفر وظائف لبعض الأولاد الآخرين، وإنه لا يدري لماذا لا يوفر لك وظيفةً أنت أيضًا بالشروط نفسها.» قاطعه السيد كوينين بصوتٍ خفيضٍ، وقد استدار نصف استدارة: «ليس لديه أيُّ مستقبل غير هذا يا ميردستون.» أومأ السيد ميردستون إيماءةَ تبرُّمٍ وغضبٍ، وواصل كلامه قائلًا: «تلك الشروط هي أنك ستَكسب بنفسك ما يكفي لدفع نفقات طعامك وشرابك، ومصروف جيبك. أما إقامتُك (والتي جهزتُها أنا) فسأدفع أنا تكلفتها. وبالمثل غسيلُ ملابسك …» قالت الآنسة ميردستون: «وهو ما سيَخضع لتقديري أنا.» «وهكذا فإنك الآن ذاهبٌ إلى لندن يا ديفيد، مع السيد كوينين، لتبدأ الحياةَ على مسئوليتك الخاصة.» قالت الآنسة ميردستون: «باختصار، إننا نُعِيلُك، وسيكون عليك، من فضلك، أن تقوم بواجبك.» لم يستطع ديفيد أن يُميِّز أكان مسرورًا أم خائفًا. لقد كان بالكاد في العاشرة من عمره، ومن الطبيعي أن اضطراره لبدءِ الحياة على مسئوليته الخاصة في هذه السن المبكِّرة كان أمرًا مروِّعًا نوعًا ما. لكنه لم يحظَ بالكثير من الوقت للتفكير في الأمر؛ ففي صباح اليوم التالي مباشرةً حُزمتْ حقيبةُ ملابسه الصغيرةُ، ووجد نفسه جالسًا في عربة البريد التي كانت تحمل السيد كوينين إلى مدينة يارمث حيث العربة المتَّجهة إلى لندن؛ فأحسَّ بأنه «إنسان بائس وحيد» في الحقيقة، كما كان من المُمكن أن تقول السيدةُ جوميدج. كان مستودع ميردستون وجرينبي قريبًا من الشاطئ، بجوار منطقة بلاكفرايرز. وهو منزل عتيق للغاية له رصيفٌ خاصٌّ به، تَمتلئ أقبيتُه بالجرذان الرمادية الكبيرة. حيث سمع ديفيد أصواتها وهي تتَشاجر وتَنبِش هنا وهناك، عندما ذهب إلى المستودَع للمرة الأولى، ويدُه ترتعش في يد السيد كوينين. وفي هذا المكان وضعه السيدُ كوينين في عهدة فتًى يرتدي مريلةً باليةً وقبعةً ورقية، يُدعى مِك ووكر، وأمره بتعليم ديفيد عملَه. وكان عمله هو أن يَغسل ويشطف الزجاجات المُعدَّة لأن تُملأ بالخمر، وأن يرفعها في الضوء، ويستبعد المكسورة أو التالفة منها. كما توجد سداداتٌ من الفلين تحتاج أن تُوضَع على مقاسها، أو شمعٌ يُوضع على السدادات، ولُصاقاتُ تعريفٍ تُلصَق على الزجاجات بعدما تُملأ بالخمر، ثم بعد ذلك تُعبَّأ تلك الزجاجات في براميل خشبية. وقد أخبره مِك ووكر أن أباه يعمل على مركبٍ لنقل البضائع؛ وأن الصبي الآخر الذي سيَعمل معهما يُدعى ميلي بوتيتوز، وهو لقبٌ أطلقه عليه العاملون في المستودَع بسبب بشرته الشاحبة. وكان والد ميلي يعمل سقاء، وإطفائيًّا أيضًا، حسبما قال؛ وكانت أخت ميلي الصغيرة تلعب دور عفريتةٍ صغيرةٍ في المسرحيات الإيمائية، ويبدو أنهم كانوا فخورين جدًّا بهذا. فتذكَّر ديفيد زميلَيه ستيرفورث وترادلز، وبقيةَ طلاب مدرسة سِيلم هاوس؛ وكان كلما خرج مِك من الحجرة لإحضار أيِّ شيءٍ، تنحدر الدموع على وجنتَي ديفيد، وتمتزج بالماء الذي يغسل فيه الزجاجات، ويبكي وكأنما سينفطر قلبُه. وفي الثانية عشرة والنصف نهض الأولاد ليتناوَلُوا غداءهم، ونقر السيد كوينين على نافذة مكتب المحاسبة، وأشار إلى ديفيد كي يدخل إلى حجرته حيث وجده ديفيد جالسًا وراء مكتب. فدخل ديفيد الحجرة ووجد فيها رجلًا بَدينًا في خريف العمر، يرتدي معطفًا طويلًا بنِّيَّ اللون وبنطلونًا ضيقًا أسود اللون وحذاءً، ولم يكن يعلو رأسَه (الذي كان ضخمًا وشديد اللمعان) من الشعر أكثرُ مما يعلو بيضة. كانت ملابسُه رثَّة، لكنه يرتدي ياقةَ قميصٍ مهيبة المنظر؛ ويحمل عصًا أنيقةً نوعًا ما، وشُرَّابتَين بلون الصدأ من أجل العصا؛ بينما تتدلَّى من معطفه عدسةٌ مكبرة. قال السيد كوينين، قاصدًا ديفيد: «هذا هو.» قال الرجل الغريب بصوتٍ عالٍ يتصنع اللطف: «هذا هو السيد كوبرفيلد. أرجو أن تكون بخيرٍ يا سيدي؟» قال ديفيد، الذي كان يشعر بارتباكٍ شديدٍ، إنه على ما يرام، وتمنَّى للرجل أن يكون بخيرٍ كذلك. قال الرجل الغريب: «أنا، بفضل الله، على خير ما يرام.» وأردف يقول إنه تلقَّى رسالةً من السيد ميردستون يطلب منه فيها أن يستقبل ديفيد في منزله. قال السيد كوينين: «هذا هو السيد ميكوبر، وقد أرسل له السيد ميردستون بشأن إقامتك، وسوف تُقيم عنده في غُرفةٍ مفروشةٍ من بيته.» قال السيد ميكوبر: «عنواني في شارع وندسور تيراس، من طريق سيتي رُوود.» ثم أضاف بنبرةٍ بدتْ مهذَّبة: «إنني، باختصارٍ، أسكن هناك.» وانحنى له ديفيد احترامًا. قال السيد ميكوبر: «لديَّ انطباعٌ بأنك لم تتجول في هذه العاصمة كثيرًا حتى الآن، وأنك ربما تواجه بعضَ الصعوبة في كشف أسرار مدينة بابليون الحديثة تلك الواقعة في طريق سيتي رُوود باختصار» قال السيد ميكوبر وقد اعترته ثِقةٌ مفاجِئة: «إنك ربما تضل طريقك؛ لذا فإنه من دواعي سروري أن أصحبك هذه الليلة، وأدلَّك على أقصر الطرق المؤدية إلى المنزل.» رأى ديفيد أن تكبُّدَه مثل هذا العناء كان أمرًا في غاية اللُّطف منه، وشكره من صميم قلبه. قال السيد ميكوبر: «متى أ…» قال السيد كوينين: «في الثامنة تقريبًا.» قال السيد ميكوبر: «في الثامنة تقريبًا، أتمنى لكما يومًا طيبًا.» ثم لبس قبعته، وخرج متأبطًا عصاه؛ حيث سار منتصبَ القامةِ للغاية، وراح يترنم بأغنيةٍ عندما ابتعد عن مكتب المحاسبة. بعد ذلك قال السيد كوينين لديفيد إن عليه أن يبذل غاية وسعِه لصالح المستودع، وإن مرتبه سيكون ستة شلنات في الأسبوع؛ وناوله مرتب أول أسبوعٍ في الحال. تولَّى ميلي بوتيتوز مهمة حمل حقيبته إلى منزل السيد ميكوبر، لأنها كانت أثقل بكثيرٍ من أن يحملها ديفيد بنفسه، وأعطاه ديفيد نصفَ شلنٍ من مرتب أول أسبوعٍ نظير ما تجشمه من عناء حمل الحقيبة؛ ثم خرج إلى مطعمٍ صغيرٍ قريبٍ منه واشترى فطيرةَ لحمٍ بنصف شلنٍ آخر، ورشف جرعةَ ماءٍ من مضخة ماءٍ مجاورة. في الثامنة مساءً جاء السيد ميكوبر، وانصرفَا معًا، وراح صديقه الجديد يؤكد عليه أثناء سيرهما أسماءَ الشوارع، وأشكالَ المنازل الواقعة عند ملتقى شارعين، لعله يستطيع العودة بسهولةٍ في الصباح. بدا المنزل في شارع وندسور تيراس رثَّ المنظر مثل مالكه؛ الذي حاول جاهدًا أن يُضفيَ عليه كلَّ المظاهر الخادعة. وقد قام السيدُ ميكوبر بمهمة تعريف ديفيد على السيدة ميكوبر، وهي سيدة نحيلة شاحبة، جلست في الردهة لتُرضع طفلًا صغيرًا، وكان أحدَ توءمين. كان هناك ولدان آخران غير التوءمين؛ السيد ميكوبر بعمر الرابعة، والآنسة ميكوبر بعمر الثالثة. وكذلك امرأةٌ شابةٌ داكنةُ البشرة، لديها عادةُ الشخير، وهي خادمة الأسرة، وقد أخبرت ديفيد، بعد نصف ساعة من مكوثه هناك، أنها «فتاةٌ يتيمةٌ داكنةُ البشرة»، وأنها كانت تعيش في ملجأ سانت لوك. ثم أخذته السيدة ميكوبر إلى حجرته، التي كانت فوق سطح المنزل، وحملت الرضيعين معها. وهي حجرة ضيقة نوعًا ما، وقليلة الأثاث للغاية. قالت السيدة ميكوبر: «لم أتوقع قط، قبل زواجي، عندما كنت أعيش مع أبي وأمي، أنني سأضطر يومًا لتأجير غرفةٍ في منزلي. لكن مع وجود العُسر الماليِّ الواقعِ فيه السيد ميكوبر، كان لا بد أن تتراجع أيُّ أهميةٍ للشعور بالخصوصية.» قال ديفيد: «نعم يا سيدتي.» قالت السيدة ميكوبر: «إن العسر المالي الذي يعانيه السيد ميكوبر يكاد يكون خانِقًا هذه الأيام، ولا أدري إن كان من الممكن إنقاذُه منه.» أخبرتْه السيدة ميكوبر كذلك أنها حاولت أن تبذل جهدها؛ وأنها، في الواقع، قد غطتِ الجزء الأوسط من الباب الخارجي بلوحةٍ نحاسيةٍ كبيرةٍ منقوشٍ عليها «مدرسة السيدة ميكوبر الداخلية للفتيات»؛ لكن لم تأتِ أيُّ فتاةٍ للدراسة هناك. في الواقع، لم يرَ ديفيد أيَّ زوَّارٍ هناك سوى الدائنين، الذين كانوا يأتون طوال الوقت؛ وكان بعضهم شرِسًا للغاية. ومنهم رجلٌ متسخُ الوجه اعتاد أن يسير ببطءٍ داخل الدهليز في السابعة صباحًا، وينادي السيدَ ميكوبر من على السلَّم قائلًا: «اخرج إليَّ! إنك لم تغادر المنزل بعدُ. ألن تدفع لنا ما عليك، ألن تفعل؟ لا تختبئ، هذه دناءةٌ منك. لو كنتُ مكانك لما تصرفتُ بدناءة. ألن تدفع ما عليك لنا، ألن تفعل؟ ادفع ما عليك وحسب، هل تسمع؟ اخرج إليَّ!» وكان أحيانًا يقف في الشارع ويصيح قائلًا: «لصوص» و«نصابون» تحت النوافذ التي يعلم أن السيد ميكوبر موجودٌ عندها. كان هذا يجرح مشاعر السيد ميكوبر إلى أبعد حدٍّ. وقد يتظاهر في بعض الأحيان بأنه سيقطع رقبته بشفرة الحلاقة؛ لكنه يَعدِل عن ذلك بعد قليل، وبعدما يلمع حذاءه بصعوبةٍ بالغةٍ، يخرج من المنزل وهو يدندن بأغنية. كانت السيدة ميكوبر، هي الأخرى، تُصاب بنوبةِ إغماءٍ في تلك الأوقات؛ لكنها تبتهج بعد ساعةٍ، وتُرسل ملعقتين من ملاعق الشاي إلى مكتب الرهن، وتشتري بمال الرهن وجبةً من شرائح لحم الحمَل المكسوة بقِطَع الخبز، وكوبًا من الشاي الدافئ. ذاتَ مرةٍ، بعد زيارةِ دائنٍ شرِس، سقطتْ مغشيًّا عليها تحت شبكة المدفأة وهي تحمل أحد الرضيعين بين ذراعيها؛ لكنها استطاعت في تلك الليلة نفسها أن تتناول شريحةً من لحم العجل المشوي بجوار مدفأةِ المطبخ، وراحت تُسلِّي ديفيد بقصص عن أبيها وأمها، وعن الشركة التي كانوا يمتلكونها. قضى ديفيد وقت فراغه كله مع أسرة السيد ميكوبر، وبدأ يحبُّهم جدًّا. وقد أعطوه غرفة نومٍ فقط؛ حيث يتوجب عليه أن يشتريَ طعامه كلَّه بنفسه؛ واعتاد أن يضع الخبز والجبن على رفوف خزانةٍ صغيرةٍ هناك لإعداد عشائه عندما يعود إلى البيت في المساء. وقد كان طوال اليوم يغسل زجاجات الخمر مع ميلي بوتيتوز ومِك ووكر؛ لكنَّ معاناةَ روحه الخفيةَ كانت تكبُر عندما يتذكر ترادلز وستيرفورث، ويتصورهما وهما يكبران ليصيرَا رجلَين مهذَّبَين متعلمَين، بينما رفيقاه الآن في كل يومٍ غلامان جلفان جاهلان، وهو نفسه لا أملَ لديه في أن يصبح أفضل حالًا منهما البتة. وشعر بانحطاط القدر بسبب عمله الوضيع، وأحسَّ أيضًا أنه لم يفعل شيئًا يستحق عليه هذه الإهانة؛ ورغم أنه يُراسل بيجوتي كثيرًا، فلم يجرؤ على إخبارها كم كان تعيسًا، من ناحيةٍ لأنه يحبها، وهذا من شأنه أن يحزنها، ومن ناحيةٍ أخرى لأنه كان يشعر بخزيٍ شديد. لم يتعرف ديفيد على أيِّ أحدٍ سوى أسرة ميكوبر؛ كما لم يتكلم مع أي أحدٍ من الأولاد الكثيرين الذين كان يراهم يوميًّا لدى ذهابه إلى المستودع أو رجوعه منه، أو عندما يتجول خلسةً في الشوارع أثناء أوقات تناول الطعام. لقد كان يزداد تكتمًا، واعتمادًا على النفس، وفقرًا في المظهر كل يوم. لم يخبر ديفيد الولدَين اللذين يعمل معهما قط كيف صار به الأمر إلى العمل هناك في مثل هذه المهنة الوضيعة، كما لم يخبرهما كم يكرهها. لقد كان يؤدي عمله ويحتفظ برأيه لنفسه؛ لكنَّ التفكير في بيجوتي ووالدته وأيام الماضي السعيد كان يكاد يكسر قلبَه. وكان الأولاد والرجال الذين في المستودع يشعرون أنه مختلفٌ عنهم. وقد بدءوا يسمونه «الفتى المهذب»، وأحيانًا «الفتى القادم من مقاطعة سافُك.» وذات يومٍ اعترض ميلي بوتيتوز على هذا؛ لكن مِك ووكر أسكتَه في الحال. وقد كان كبيرُ عُمَّال التعبئة في المستودع، وهو رجلٌ يُدعى جِريجوري، وسائقُ العربة، ويُدعى تِب، يناديانِه «ديفيد» أحيانًا؛ لكن هذا حدث غالبًا بعد أن أَمتعهم بأجزاء من «مغامرات رودريك راندوم» وبقية الكتب القديمة الحبيبة. وكان غِرًّا وصبيانيًّا جدًّا لدرجة أنه أحيانًا لا يستطيع مقاومة المعجنات البائتة المعروضة للبيع بنصف الثمن على أبواب طهاة المعجنات، وينفق ماله على شراء قطع التورتة الصغيرة، ومن ثم يضطر للاستغناء عن اللحم في غدائه. وذات مرةٍ أخذ ديفيد خبزَه معه وكان ملفوفًا في قطعةٍ من الورق — حيث أحضره من المنزل في الصباح — وذهب إلى محلٍّ جميلٍ أنيقٍ بقرب مسرح دروري لين، وطلب طبقًا صغيرًا من لحم البقر ليأكله بالخبز الذي معه. فحدَّق النادلُ بقوةٍ في الفتى الصغير، لكنه أحضر له اللحم، ثم بعد ذلك نادى نادلًا آخر ليأتي وينظر إليه. يا إلهي! آهٍ لو كان لأمه أن تراه الآن! أو بيجوتي! حيث أصبح طفلًا باليَ الثياب، يعمل من الصباح حتى المساء مع العامة من الرجال والأولاد! ويتسكع في الشوارع في أوقات الوجبات، ولا يكاد يأكل ما يكفيه! ما مِن أحدٍ قط نصح الصبيَّ أيَّ نصيحة؛ وما كان هناك مَن يُعينه أو يُشجعه. ولولا رحمة الله لربما كان من اليسير أن يصبح سارقًا صغيرًا أو متشردًا. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الثالث عشر العسر المالي لأسرة ميكوبر ربما كان من الممكن أن تعتنيَ السيدة ميكوبر بديفيد أفضل من ذلك، لأنها طيبة القلب حقًّا؛ لكنها مُثقلةٌ للغاية بهمومها وعُسْرها المالي كي توازن بين دخلها ونفقاتها، كما كانت مهمومةً جدًّا بتخوفاتها من دائني السيد ميكوبر، الذين يزدادون شراسةً كلَّ يوم، لدرجة أن الوقت لم يسمح لها برؤية ديفيد على أنه ابنٌ صغيرٌ عديم الأصدقاء، وأنه ربما يحتاج إلى قليلٍ من النصائح الحانية بين الحين والآخر. وعلى العكس من هذا، فإن ذهابه إلى المستودع وعودته منه كلَّ يوم، على مسئوليته الخاصة، ليجنيَ قوت يومه وكأنه كان رجلًا، جعلها تنظر إليه باعتباره شابًّا له شيءٌ من التجربة، بدلًا من أن تنظر إليه على أنه ولدٌ صغيرٌ للغاية في العاشرة من عمره؛ واعتادتْ أن تُفضيَ إليه بمشاكلها، بدلًا من أن تسعى لتخفيف مشاكله هو. وقد كان ديفيد عطوفًا بطبعه، وكثيرًا ما يتكدر بمشاكل أسرةِ ميكوبر أكثر مما يتكدرون هم بها؛ حيث يسير بطريقته شبه اليائسة، ويتأمل وسائل السيدة ميكوبر في تدبير مواردها المالية المعدة لتحمل نفقاتها، وهو مهمومٌ بِثقَل ديون السيد ميكوبر. وكثيرًا ما كان السيد ميكوبر يعود إلى البيت في ليالي السبت غارقًا في دموعه، معلنًا أنه لم يعُد ينتظره سوى السجن؛ لكنه بعد تناول العشاء يصبح مبتهجًا، ويبدأ في حساب كم قد يكلفه تركيب نوافذ قوسية للمنزل «في حال حدث أيُّ شيءٍ على غير توقع»؛ وهي جملته المفضلة. وكثيرًا ما كان السيد والسيدة ميكوبر، وبدافعٍ من رقة قلبَيهما، يدعوان الصبيَّ للعشاء معهما، لكنَّ ديفيد دائمًا يعتذر بأمرٍ ما، ولم يكن يقبل الدعوة — رغم أنه كان سيستمتع بها كثيرًا — وذلك لعلمه أنهما في الغالب لم يكونَا يملكان الكثير لنفسَيهما. وبعد ذلك جاء موعد عيد ميلاده من جديد. لقد قضى عيد ميلاده الفائت في مدرسة سيلم هاوس؛ وهو عيد ميلادٍ لا يُنسى، فهو يوم أن استدعتْه السيدة كريكل لتُخبرَه أن والدته قد تُوفيت. يا لكثرة ما أصابه منذ ذلك الحين! لقد كان بالكاد يشعر أنه لا يزال ديفيد كوبرفيلد نفسه — «الصغير كوبرفيلد»، كما كان ستيرفورث يُناديه — الذي يغزل خيوط الحكايات في حجرة النوم في المساء، بينما تومي ترادلز يضحك في الظلام، وستيرفورث ينعشه برشفاتٍ من العصير عندما يصبح صوته «أجشَّ» قليلًا. بالطبع لم يُخبر ديفيد أيَّ أحدٍ أن اليوم عيد ميلاده؛ فهو أكثر تحفُّظًا من أن يقول هذا؛ لكنه ذهب إلى حانة عامة وسأل صاحبها — حيث كانت تلك مناسبةً مميزة — قائلًا: «ما ثمن كأس أفضل أنواع العصير عندك؛ أفضلها على الإطلاق؟» قال صاحب الحانة وهو يُحدِّق فيه: «بنسان ونصف ثمن العصير من نوع جينيوين ستانينج.» قال ديفيد، وهو يقدم له المال: «إذن، صُبَّ لي كأسًا من عصير جينيوين ستانينج، من فضلك، ولتكن له رغوةٌ عالية.» راح الرجل ينظر إليه من فوق المَشْرَبِ، من رأسه إلى قدمَيه، وعلى وجهه ابتسامةٌ غريبة؛ وبدلًا من صَبِّ العصير، نَظَرَ وراء الستار وقال شيئًا ما لزوجته. خرجت زوجتُه من وراء الستار وفي يدها شغل التطريز الذي تصنعه، ووقفت إلى جوار زوجها، وراحت تنظر إلى الصبي الصغير الغريب، ووجهه وأسلوبه المحافظَين. حيث سألاه عن اسمه، وسنِّه، وأين يسكن، وما مهنته، وكيف أتى إلى هناك. فاخترع ديفيد بطريقته الرجولية الصغيرة إجاباتٍ مناسبة. وبعد ذلك أعطاه صاحب الحانة كوبَ العصير؛ لكن زوجته فتحت الباب النصفيَّ الصغير الذي في المَشْرَب، ثم انحنتْ وأعادت نقودَه في يده، وقبَّلته قبلةً امتزج فيها الإعجاب بالشفقة، لكنها كانت قبلةً جيدةً ونسائيةً للغاية. وهكذا مرت الأسابيع والشهور. بينما ديفيد يتساءل إن كان سينجو أبدًا من هذه الحياة البائسة؛ وراح يتخيل في يأسٍ أنه قد لا يصير إلى شيءٍ — عندما يكبر — أكثرَ من أن يُصبح سائقَ عربةٍ مثل تِب، أو كبيرَ عمال تعبئةٍ مثل جريجوري. لقد بدأ ينسى ما تعلَّمه كذلك؛ وقد أصابه هذا بالحزن، لأنه في الأيام الماضية كان ديفيد ولدًا طموحًا، ويُعد من الأذكياء البارعين. وذات يومٍ قالت السيدة ميكوبر، التي قابلت ديفيد وعيناها محتقنتان للغاية: «يا سيد كوبرفيلد، أنا لا أعدُّك غريبًا، لذا لا أتردد في القول إن عُسْر السيد ميكوبر المالي يوشك أن يتحول إلى أزمة.» فأصيب ديفيد بالتعاسة لسماع هذا — وكان قد بدأ يحب أسرة ميكوبر للغاية — ونظر إلى وجهها الملطَّخ بالدموع بأقصى درجات التأثر. قالت السيدة ميكوبر: «باستثناء قطعة من قالب جبن هولندي، والتي لا تفي باحتياجات أسرةٍ صغيرة، فإنه لا يوجد حقًّا فتاتةٌ واحدةٌ من أي شيءٍ في غرفة المئونة. لقد كنتُ معتادة على الحديث عن غرفة المئونة عندما كنتُ أعيش مع أبي وأمي، وأنا أستخدم الكلمة من دون قصدٍ تقريبًا. ما أقصده هو أنه ليس هناك طعامٌ في المنزل.» اهتمَّ ديفيد غاية الاهتمام. وكان معه شلنان أو ثلاثة في جيبه، حيث إنهم في منتصف الأسبوع، فأخرجها من جيبه مباشرةً، وراح يرجو السيدة ميكوبر أن تأخذها منه قرضًا، والدموع تترقرق في عينَيه. لكن السيدة ميكوبر جعلته يردها في جيبه مرةً أخرى، وقبَّلتْه، وهزَّتْ رأسها علامةً على الرفض. وقالت: «لا يا عزيزي السيد كوبرفيلد، لم تقترب هذه الفكرة من رأسي مطلقًا. لكنَّ لك إدراكًا يتجاوز سنَّك، وتستطيع أن تُقدِّم لي خدمةً من نوعٍ آخر إذا أردتَ؛ وهي خدمةٌ سأقبلها منك شاكرةً.» رجاها ديفيد أن تُخبرَه ما هي. قالت السيدة ميكوبر: «لقد تخليتُ بنفسي عن أدوات المائدة الفضية، وستة من أوعية الشاي، واثنين من أوعية الملح، وزوجين من أوعية السكر، لقد اقترضتُ المال بضمانها في أوقات متفرقة، فعلتُ ذلك سرًّا، بنفسي. لكنَّ احتياجاتِ التوءمين قيدٌ كبير، وبالنسبة لي، وبسبب ذكرياتي مع أبي وأمي، فإن هذه الصفقات مؤلمةٌ للغاية. ولا يزال هناك قليلٌ من الأغراض التافهة التي نستطيع التخلي عنها. لكنَّ مشاعر السيد ميكوبر لن تسمح له أبدًا ببيعها؛ كما أن كليكيت» — كان هذا اسم الخادمة القادمة من الملجأ — «وبسبب جلافة تفكيرها، سوف تتجاوز حدودها بطريقةٍ مؤلمةٍ إذا عُهِد إليها بشيءٍ بالغ الخصوصية كهذا. سيد كوبرفيلد، إذا أمكنني أن أطلب منك …» حَزَرَ ديفيد أنها تريد منه أن يبيع لها بعض هذه الأغراض التافهة التي تكلمتْ عنها، ورجاها أن تسمح له بمساعدتها فيما تريد. وفي صباح اليوم التالي، وقبل ذهابه إلى المستودع، أخذ القليل من الكتب إلى أحد أكشاك الكتب في طريق سيتي روود، وباعها في مقابل أيِّ ثمنٍ قد تُساويه. ثم بدأ بعد ذلك، في صباح كل يومٍ، وقبل ذهابه إلى العمل، يأخذ شيئًا ما ليبيعَه أو ليرهنَه في مكتب الرهن. وقد كان صاحب كشك الكتب يترنَّح سُكْرًا كل ليلة؛ لذا يرافق ديفيد شخصٌ ما إلى غرفة الرجل، ليجدَه مستلقيًا على سريرٍ قابلٍ للثني، بجرح في جبهته أو كدمةٍ حول عينه، ليساوم على ثمن الكتب؛ بينما تقف زوجتُه إلى جواره، بحذائها بالي الكعبين، تعنِّفه بشدةٍ طوال الوقت. وكان الرجل أحيانًا لا يتمكن من العثور على ماله، فيطلب من ديفيد أن يمرَّ عليه مرةً أخرى؛ لكن زوجته عادةً ما تحتفظ ببعض المال في جيبها، وكانت تدفع المال لديفيد سرًّا أثناء نزولهما معًا إلى الطابق السفلي. بدأ ديفيد يُصبح معروفًا في مكتب الرهن أيضًا؛ وقد رآه الرجل الجالس خلف طاولة المحاسبة مراتٍ عديدة، وكثيرًا ما طلب منه أن يُصرِّف له اسمًا أو فعلًا لاتينيًّا ريثما يقوم بعمله. ودائمًا ما كانت السيدة ميكوبر تُنفق جزءًا من المال الذي يُحضره إلى المنزل على شيءٍ لذيذٍ للغاية من أجل العشاء. وفي النهاية آلَ عسرُ السيد ميكوبر المالي إلى أزمة، وقُبض عليه في وقتٍ مبكرٍ من صباح أحد الأيام، وأُخذ إلى سجن كينجز بينش. وقد قال لديفيد عندما أخذوه إن شمس أمله قد غربت الآن؛ فتذكَّر ديفيد أنه عندما دخل رودريك راندوم أحدَ سجون المَدِينِين، كان هناك رجلٌ لا يُغطيه شيءٌ سوى دثارٍ غليظٍ بالٍ، وعندئذٍ توقع أن يكون قلبُ السيد ميكوبر قد انسحق حزنًا وغمًّا مثلما انسحق قلبُه هو حزنًا وغمًّا. وبينما قضى ديفيد يومًا كئيبًا في المستودع؛ ابتهج السيد ميكوبر داخل السجن، ولعب مباراةً بولينج مثيرةً في عصر ذلك اليوم. شكل ١٣-١: تناول ديفيد الغداء مع السيد ميكوبر في السجن. وفي يوم الأحد التالي، ذهب ديفيد لتناول الغداء معه (حيث كان مسموحًا لأصدقاء المدينين بزيارتهم). وقد قابله السيد ميكوبر عند البوابة، وصحبه إلى غرفته الصغيرة، وناشده في جديةٍ أن يعتبر من مصيره؛ وقال له: «لو أن دخْلَ رجلٍ ما عشرون جنيهًا في السنة، وأنفق منها تسعة عشر جنيهًا وتسعة عشر شلنًا وستة بنسات، فسيكون سعيدًا، لكنه إذا أنفق واحدًا وعشرين جنيهًا، فسيقع في التعاسة.» ثم طلب من ديفيد أن يُقرِضه شلنًا، اشترى به إبريقًا من مشروب البُرْتر الثقيل، وأعطى ديفيد أمرًا كتابيًّا يسلمه للسيدة ميكوبر كي تُسدِّد له المبلغ، ثم جفَّف دموعه، وأعاد منديله إلى مكانه. وجلس ديفيد والسيد ميكوبر يتحدثان أمام مدفأة صغيرةٍ داخل شبكة صغيرة صدِئة، إلى أن عاد مدينٌ آخر، كان مسجونًا مع السيد ميكوبر في حجرته، من الفرن ومعه خاصرةٌ من لحم الضأن تناولها الثلاثة على الغداء؛ وفي بداية فترة بعد الظهر، عاد ديفيد إلى البيت ليخبر السيدة ميكوبر عن أخبار زوجها. أُغمي على السيدة ميكوبر في غمرة قلقها عندما رأت ديفيد قادمًا؛ وما إن أفاقت من إغمائها حتى صنعت ملءَ إبريقٍ صغيرٍ من العصير ليلطِّف عنهما أثناء مناقشتهما أحوال السيد ميكوبر. ثم بِيع الأثاثُ كلُّه تدريجيًّا؛ إلى أن قررت السيدة ميكوبر في النهاية أن تنتقل، هي وأولادها، إلى السجن، حيث كان السيد ميكوبر قد حصل على حجرةٍ لنفسه الآن؛ وأخذ ديفيد مفتاح البيت إلى صاحب البيت الذي سعد غاية السعادة بالحصول عليه. لقد اعتاد ديفيد على أسرة ميكوبر بدرجةٍ كبيرةٍ حتى إنه لم يحبَّ أن يبتعد عنهم؛ لذا استُؤجرت له غرفةٌ صغيرةٌ خارج أسوار السجن، وكان يتناول إفطاره معهم كلَّ صباح، ويدخل إلى السجن كلَّ ليلةٍ، ويسير في الفناء مع السيد ميكوبر. وقد عاشت أسرة ميكوبر داخلَ السجن في راحةٍ أكبر من التي كانت تعيشها خارجه؛ حيث جاء بعضُ أقاربهم من أجل مساعدتهم في هذا الوقت، وقد ساعدوهم كثيرًا؛ بحيث ارتاح ديفيد الآن هو الآخر من قدرٍ كبيرٍ من ثقل هموم الأسرة. لم يسأل السيد ميردستون قط كيف كان ديفيد يقضي وقته، ولم يُخبر الصبيُّ قط أيَّ أحدٍ في المستودع. حيث ظلَّ يعيش نفس الحياة في سريَّة وتعاسة، بينما ثيابه تزداد فقرًا في المظهر كلَّ يوم. ولم يُرسل السيد ميردستون له أيَّ رسالة. أما الآنسة ميردستون فأرسلت له مرةً أو مرتين، عن طريق السيد كوينين، طردًا به ملابس قديمة، وكانت تضع معها قصاصةَ ورقٍ مكتوب فيها بخط يدها ما معناه: «ترجو ج. م. أن يكون د. ك. مهتمًّا ببذل جهده في العمل، والعناية التامة بمسئولياته.» لا شيءَ سوى هذا! ولا كلمةً واحدةً عن أي شيءٍ آخر! ربما لو أصبح الولد مفقودًا لما اهتمَّا مطلقًا. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الرابع عشر ديفيد يتخذ قرارًا وهكذا انقضت الأسابيع والشهور على الوتيرة الكئيبة نفسها، إلى أن أثمرت مساعدةُ ومشورةُ أقرباء السيدة ميكوبر عن إطلاق سراح السيد ميكوبر من السجن؛ وأصبح هناك إمكانيةٌ أخيرًا لحدوث شيءٍ ما على غير توقعٍ للسيد ميكوبر؛ ولكن ليس في لندن — بل بعيدٌ عن لندن، وبينما ديفيد عائدٌ إلى غرفته المستأجرة تلك الليلة، هبط ثقلٌ على قلبه عندما فكَّر في ابتعاد أصدقائه الوحيدِين عنه. ولم يستطع ديفيد النوم في تلك الليلة؛ فقد اعتاد على أسرة ميكوبر للغاية، وكان ودودًا جدًّا معهم في محنتهم، كما أنه ليس لديه أصدقاء سواهم، إلى جانب أن إمكانية أن يعيش مرةً أخرى وسط أُناسٍ مجهولين كانت تمثِّل تعاسةً بالنسبة له. وراح يتأمل كلَّ الخزي والإهانة اللذين عاناهما في العام المنصرم، وصاح بينه وبين نفسه قائلًا إن حياته لا تُطاق. ألا يوجد أيُّ أمل في الفرار منها؟ لا أملَ. لا أمل على الإطلاق؛ ما لم يفرَّ هو بنفسه منها! الفرار! خطرت الفكرةُ بباله وهو مستلقٍ يعاني الأرق في فراشه، ويتساءل ماذا عساه يفعل بعد رحيل أسرة ميكوبر؛ وتدريجيًّا شكَّلت الفكرةُ نفسها في صورة قرارٍ نهائي. كانت أسرة ميكوبر ذاهبةً إلى مدينة بليمِث في غضون أسبوع، وطوال تلك المدة استأجروا شقةً مع ديفيد في المنزل نفسه، وذهب السيد ميكوبر إلى مكتب المحاسبة ليُخبر السيد كوينين أنه مضطرٌّ لأن يتخلَّى عن عنايته بديفيد في اليوم الذي سيرحل فيه. فاستدعى السيدُ كوينين سائقَ العربةَ تِب، الذي كان متزوجًا، وعنده غرفةٌ للإيجار، وسأله إن كان يستطيع أن يُسكن ديفيد فيها. فلم يزد تِب على أن سُرَّ للغاية، وتركهم ديفيد يقررون الأمر هكذا، ولم يقل شيئًا. فقد عقد العزم على الهروب فور رحيل أسرة ميكوبر. وبالطبع لم يتفوه ديفيد مطلقًا بكلمةٍ واحدةٍ عن الموضوع لأي أحد؛ وجعله تكتُّمه يفكر في الأمر أكثر. إلى أين عساه يذهب؟ لقد سأل نفسه هذا السؤال مائة مرة، وهو يتقلب متأرِّقًا في فراشه؛ وظل مائةَ مرة يكرر تلك القصة القديمة التي قصَّتها عليه أمُّه عن يوم مولده (وهي قصةٌ كانت أمُّه تحب أن ترويَها له، وكان هو يحب أن يسمعها) قصة الآنسة بيتسي تروتوود — عمة والده — التي دخلت المنزل في ذلك اليوم من شهر مارس، الذي اشتدت فيه الرياح، ثم وثبت خارجةً منه مرةً أخرى، وذلك عندما سمعت أن المولود كان صبيًّا. «اخلعي قُبعتكِ يا ابنتي، ودعيني أراكِ …» لقد سمع القصةَ مراتٍ عديدة؛ وكيف عندما أطاعتها أمُّه على الفور، ولكن بيدَين متوترتَين للغاية، انسدل شعرُها الجميل كله على وجهها؛ وكيف صاحت الآنسة بيتسي قائلةً بصوتٍ يمتلئ بالإعجاب: «يا إلهي، يا للروعة! إنكِ صغيرةٌ للغاية!» لم يستطع ديفيد أن ينسى كيف تخيلتْ أمُّه أنها أحسَّت بالآنسة بيتسي تلمس شعرها بيدٍ لا تُوصف بعدم الرقة، ورغم أن هذا ربما يكون فقط من مخيلة والدته، فقد خرج ديفيد بتصورٍ صغيرٍ عن الفكرة؛ إذ رقَّتِ العمةُ البغيضةُ للجمال الطفولي الذي تذكَّره هو جيدًا، وسامحتها تمامًا على كونها «دُمية شمعية.» لو أن الآنسة بيتسي علمت بأحزانه، أليس من المحتمل أن تسامحه على أنه وُلد صبيًّا؟ إنه لم يعلم حتى أين تعيش الآنسة بيتسي؛ لذا كتب رسالةً طويلةً لبيجوتي، وسألها فيها سؤالًا ثانويًّا، إن كانت تتذكر أين مكان بيتها؛ وسألها أيضًا إن كانت تستطيع أن تُقرضَه نصف جنيه، وأخبرها أنه يريده بدرجةٍ كبيرة. جاء ردُّ بيجوتي في الحال، وجاء معه نصفُ الجنيه، وكثيرٌ من عبارات الودِّ، كما جاء معه أن الآنسة بيتسي تعيش في مدينة دوفر، لكنها لم تكن تدري أفي دوفر نفسها أم في هايث، أم ساندجيت، أم في فوكستون. بعد ذلك سأل أحدَ الرجال في المستودع إن كان يستطيع أن يخبرَه أين تقع هذه الأماكن الثلاثة الأخيرة، وعندما أخبره الرجلُ أنها جميعًا قريبةٌ من بعضها البعض قرَّرَ ديفيد أن يُغادر إلى دوفر في نهاية ذلك الأسبوع نفسه. كان ديفيد يقضي لياليَه مع السيد والسيدة ميكوبر، ومع اقتراب موعد رحيلهم ازدادتْ محبةُ كلٍّ منهم للآخر. في يوم الأحد الأخير استضافوه على العشاء؛ وتناولوا خاصرةً من لحم البقر، وصلصة التفاح، وحلوى البودينج؛ وأعطى ديفيد هدايا الوداع للأطفال — حصانًا منقطًا اشتراه للصغير ويلكينز ميكوبر، ودميةً للصغيرة إيما. وقد أمضَوا يومًا ممتعًا للغاية؛ لكنهم شعروا بالحزن بسبب الفراق القادم. قالت السيدة ميكوبر: «لن أسترجعَ، يا سيد كوبرفيلد، تلك الفترة التي عانى فيها السيد ميكوبر من عسرٍ ماليٍّ، دون أن أتذكرك. لقد كان تصرُّفُك من أرقِّ وألطف ما يكون. إنك لم تكن مُستأجِرًا؛ بل كنت صديقًا.» رد السيد ميكوبر: «إن عزيزي كوبرفيلد يمتلك قلبًا يرِقُّ لآلامِ أمثاله من الناس عندما تغشاهم سُحُب الأزمات، وعقلًا يُدبر، ويدًا … باختصار، إن لديه موهبةً شاملةً في بيع الأشياء المتاحة وغير الضرورية.» كما رجا السيد ميكوبر أن يتذكر ديفيد هذه النصيحة دائمًا: «الدخل السنوي عشرون جنيهًا، الإنفاق السنوي تسعة عشر جنيهًا وتسعة عشر شلنًا وستة بنسات، النتيجة سعادة. الدخل السنوي عشرون جنيهًا، الإنفاق السنوي عشرون جنيهًا ووستة بنسات، النتيجة تعاسة.» تأثر ديفيد كثيرًا، ووعده بتذكر هذه الوصايا؛ وفي صباح اليوم التالي التقى بالأسرة كلها في مكتب حجز عربة السفر، ثم راح ينظر إليهم خارج المكتب، بقلبٍ حزينٍ، وهم يأخذون أماكنهم في الجزء الخلفي من العربة. قالت السيدة ميكوبر: «سيد كوبرفيلد، ليباركك الله! لن أستطيع أبدًا أن أنسى كلَّ ما تعرفه، ولو استطعتُ فلم أكن لأفعل أبدًا.» قال السيد ميكوبر: «الوداع يا كوبرفيلد! أتمنى لك كلَّ سعادةٍ ونجاح! وفي حال حدثَ أيُّ شيءٍ على غير توقعٍ (وأنا واثقٌ تمام الثقة من هذا)، فسيسعدني غاية السعادة — إذا أصبح ذلك في استطاعتي — أن أُحسِّن من إمكانياتك.» وأثناء جلوس السيدة ميكوبر مع الأطفال في الجزء الخلفي من العربة، ورؤيتها ديفيد في الطريق وهو ينظر بحزنٍ إلى الأعلى، بدا فجأةً أنها أفاقت على حقيقةِ أنه لم يكن سوى صبيٍّ صغيرٍ للغاية؛ وذلك لأنها أشارت له كي يعتليَ العربة، وبتعبيرٍ جديدٍ وحنون على وجهها، طوَّقتْ عنقه بذراعها، وقبَّلتْه بالطريقة نفسها التي كان من الممكن أن تقبِّل بها أحد أبنائها. وتمكَّن ديفيد بصعوبة من النزول مرةً أخرى قبل انطلاق العربة، واستطاع بصعوبة أيضًا أن يرى الأسرة من وراء المناديل التي كانوا يلوحون بها. لقد اختفت العربة في لحظة؛ وانصرف ديفيد ليبدأ يومه المرهِق في مستودع ميردستون وجرينبي. ولأنه كان صبيًّا أمينًا للغاية، ولأنه لم يرغب في جعل الذكرى التي سيخلفها وراءه مشوبةً بما يشينه، فقد رأى نفسه مُلزَمًا أدبيًّا بالبقاء حتى مساء السبت؛ ولأنه تقاضى أجرة أسبوعٍ مقدمًا في بداية مجيئه إلى هناك، لم يكن ينوي أن يظهر في مكتب المحاسبة لأخذِ راتبه. لهذا السبب الخاص اقترضَ نصف الجنيه، كي يكون معه بعضُ المال من أجل نفقات سفره. وهكذا عندما أقبل مساءُ يوم السبت، وكانوا جميعًا ينتظرون في المستودع لقبض رواتبهم، وعندما دخل تِب، سائقُ العربة، أولًا لسحب ماله، صافحَ ديفيد مِك ووكر، وطلب منه أن يُخبر السيد كوينين أنه ذهب لنقل حقيبته إلى منزل السيد تِب؛ ثم ودَّع ميلي بوتيتوز وداعًا أخيرًا، وبعد ذلك هرب. وأثناء فراره إلى حجرته، أخذ يبحث عن شخصٍ ما كي يساعده في حمل حقيبته إلى مكتب حجز عربة مدينة دوفر، وراح يدقق النظر في شابٍّ طويل الرِّجلين يَركب عربةً يجرُّها حمار وليس عليها حمولة في طريق بلاكفرايرز. قال الشاب: «حسنٌ، يا عديمَ الفائدة، لقد حفظتَ شكلي جيدًا، وتستطيع تأكيد هويتي أمام القضاة.» قال ديفيد إنه إنما نظر إليه لأنه يظنه ربما يحب أن يؤديَ عملًا. قال الشاب الطويل الرِّجلين: «أيُّ عملٍ هذا؟» قال ديفيد: «تنقل حقيبة.» «أي حقيبة؟» أخبره ديفيد عنها، وأخبره أنها في الشارع المقبل، وأنه سيعطيه ستة بنسات لينقلَها له إلى مكتب حجز عربة مدينة دوفر. قال الشاب الطويل الرِّجلين: «اتفقنا على ستة بنسات.» وركب عربته مباشرةً وانطلق، محدثًا خشخشةً، بسرعةٍ كبيرةٍ بذل ديفيد معها وُسعه كي يُواكبَ سرعة الحمار. صعِد الاثنان إلى حجرته الصغيرة وأنزلَا الحقيبة معًا، وطلب منه ديفيد أن يتوقف لحظةً عندما وصل إلى الحائط المسدود لسجن كينجز بينش، حيث أراد أن يضع بطاقةَ عنوانٍ على الحقيبة؛ لأنه لم يُرد أن يَضَعها وهو في المنزل، مخافةَ أن يرى أيٌّ من أفراد أسرة صاحب المنزل العنوانَ، ويخمنوا ما الذي كان ينوي فعله. انطلق الشابُّ مرةً أخرى، وعانى ديفيد كثيرًا كي يلحقَ به في المكان المحدد. من شدة ما كان فيه ديفيد من الإثارة والحماس أسقطَ نصف الجنيه من جيبه وهو يُخرج البطاقة؛ لكنه وضعه في فمه ليُؤمنه، وما إن ربط البطاقة بيدَين مرتعشتَين على حقيبته حتى أحسَّ بضربةٍ عنيفةٍ تحت ذقنه يُسدِّدها له الشابُّ ذو الرِّجلين الطويلتين، ورأى نصف الجنيه يطير من فمه إلى يد الشاب. صاح الشابُّ، وهو يُمسك ديفيد من ياقة سُترته، وعلى وجهه تكشيرةٌ مرعبة: «ماذا! هذه قضية يجب رفعها للشرطة، أليس كذلك؟ سوف تهرب، أليس كذلك؟ هيَّا إلى الشرطة، أنت أيها المؤذِي الصغير، هيَّا إلى الشرطة!» قال ديفيد، وهو يشعر بذعرٍ شديد: «أعدْ إليَّ مالي، أرجوك، ودعني وشأني.» أعاد الشابُّ كلامه قائلًا: «هيَّا إلى الشرطة! يجب أن تُثبت للشرطة أنه مالك.» صاح ديفيد وهو ينفجر في البكاء: «أعطني حقيبتي ومالي، من فضلك.» ردَّ عليه الشابُّ بالكلام نفسه: «هيَّا إلى الشرطة!» ويدُه قابضةٌ على ياقة ديفيد، لكنه غيَّر رأيه، فقفز إلى العربة، وجلس فوق الحقيبة، وصرخ قائلًا إنه سيذهب إلى الشرطة مباشرةً، وانطلق بالعربة أسرع من ذي قبل. جرى ديفيد وراءه بأسرع ما يمكنه، لكنَّ نفَسَه لم يُساعدْه على النداء. لقد كاد يُدهس عشرين مرة على الأقل في مسافة نصف ميل. وظلَّ مرةً يفقده، ومرةً يراه، ومرةً يفقده من جديد، ومرةً يسقط في الطين، ومرةً يصطدم بذراعَي شخصٍ ما، ومرةً يصطدم برأسه في أحد الأعمدة. أخيرًا، وبسبب ما أصابه من ارتباكٍ من الرعب والحَرِّ، لم يعُد يستطيع أن يجريَ؛ وظلَّ يلهث ويبكي، لكنه لم يتوقف مطلقًا عن الجري، وأثناء ذلك انعطفَ إلى منطقة جرينيتش، والتي علم أنها كانت في طريق مدينة دوفر، وفي رأسه فكرةٌ جامحةٌ تدعوه لمواصلة الجري حتى يجد عمَّتَه. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الخامس عشر رحلته الزاخرة بالأحداث لكنَّ وعيَه الذاهلَ عاد إليه بعدما وصل إلى طريق كينت روود؛ فجلس ديفيد على عتبة باب منزلٍ من مجموعة منازل متلاصقةٍ هناك، وكان مرهَقًا ومنهَكًا للغاية، وراح يتساءل ماذا عساه يصنع. كان الظلام قد حلَّ في هذا الوقت، ودقت الساعات معلنةً تمام العاشرة عندما جلس يستريح على العتبة؛ لكن من حسن الحظ أنها كانت ليلةً صيفية، والجو جميل. ورغم كلِّ ما كان فيه من الأسى لم ينوِ الرجوع؛ ولم يخطر بباله قط أن يرجع؛ وحالما التقط أنفاسه نهضَ وواصل السير. ولم يكن في جيبه سوى ثلاث قطع نقدية من فئة نصف البنس، تبقَّت من الأجرة التي تقاضاها في الأسبوع الفائت؛ لكنه ظل يمشي مُجهَدًا على نحوٍ بائس، إلى أن مرَّ مصادفةً على محلٍّ صغيرٍ مكتوب فوق بابه أنه يشتري الملابس الرجالية والنسائية المُستعملة. فأوحتْ لديفيد تجربتُه الصغيرةُ مع السيد والسيدة ميكوبر أنَّ هذا المكان ربما يكون وسيلةً لزيادةِ نقوده الضئيلة؛ لذا توجه إلى الشارع الجانبي المجاور، وخلع الصديري الذي يرتديه، وطواه بشكلٍ أنيقٍ تحت ذراعه، وعاد إلى باب المحل، حيث كان صاحب المحل جالسًا يدخن وهو يرتدي قميصًا بلا سترةٍ فوقه. قال ديفيد: «من فضلك، أريد بيع هذا بسعرٍ مقبول.» تناول السيد دولوبي — كان دولوبي هو الاسم المكتوب فوق باب المحل — الصديري، وأوقف غليونه على قاعدته مقابل حافة الباب، ودخل إلى المحل، وتبعه ديفيد، حيث أزال السيد دولوبي الجزأين المحترقين من فتيلَي شمعتين بأصابعه، وبسط الصديري على المنضدة، وراح ينظر إليه، ثم رفعه في الضوء، وراح ينظر إليه، ثم قال: «ما السعر الذي تطلبه في هذا الصديري الصغير؟» رد ديفيد بتواضع: «أوه! أنت أعلم مني يا سيدي.» قال السيد دولوبي: «لا يمكنني أن أكون مشتريًا وبائعًا أيضًا، حدِّدْ سعرًا لهذا الصديري الصغير.» لمَّح ديفيد بعد شيءٍ من التردد: «هل ثمانية عشر بنسًا …» طواه السيد دولوبي ثانيةً، وأعاده له. وقال: «لو دفعتُ فيه تسعة بنساتٍ حتى فسأكون قد سرقتُ من قوت أسرتي.» خاب رجاء ديفيد، لكن لم يكن من الأمر بُدٌّ؛ وقال إنه سيأخذ تسعة بنساتٍ ثمنًا للصديري. فأخرج السيد دولوبي تسعة بنسات، دون أن يمنع نفسه من بعض التذمُّر. وتمنى له ديفيد ليلةً سعيدةً، وخرج من المحل والمال في يده، وأغلق أزرار سُترته على قميصه. ظلَّ ديفيد يمشي دون انقطاعٍ وهو مُجهَدٌ إلى أن وصل إلى مقاطعة بلاكهييث — بلاكهييث، حيث توجد مدرستُه القديمة؛ سِيلم هاوس — وأحسَّ أنه يريد أن ينام هذه الليلة وراء السور عند الجزء الخلفي من المدرسة، في ركنٍ كانت توضع فيه كومة تبنٍ كبيرة. حيث تصوَّر ديفيد أن قرْبه الشديد من الأولاد، ومن غرفة النوم التي كان يحكي فيها القصص سيؤنسه نوعًا ما. كان ديفيد قد قضى يومًا شاقًّا في العمل، وأصبح مُرهَقًا للغاية، لكنه أخيرًا وجد مدرسة سِيلم هاوس. فراح يدور بحذرٍ حول السور القديم، وينظر إلى النوافذ ليرى إن كانت جميع الأضواء مُطفأة. وبعد ذلك وجد الركن الذي فيه التبن هناك، واستلقى على الأرض إلى جواره، لأول مرةٍ في حياته، دونما سقفٍ فوق رأسه. وقد نام ديفيد نومًا عميقًا؛ إذ كان منهكَ القوى، ورأى نفسه في الحلم ينام على سرير مدرسته القديم، ويتحدث مع الأولاد في الغرفة؛ واستيقظ فزِعًا يصيح «ستيرفورث! ستيرفورث!» ووجد نفسه جالسًا ممدَّدَ الرِّجلين على الأرض، يُحدِّق في النجوم المضيئة المتلألئة فوقه. وأحسَّ ديفيد بخوفٍ لا يعرف مصدره؛ إذ إن الليل موحِش وساكِن للغاية، فنهضَ وراح يتجول؛ لكنه كان متعَبًا جدًّا، وبعد قليلٍ رقد مرةً أخرى، ونام حتى أيقظه رنينُ جرسِ الاستيقاظ في مدرسة سِيلم هاوس. كان يود لو أن هناك أملًا في رؤية ستيرفورث يخرج من المدرسة، أو حتى ترادلز؛ لكن هذا كان محفوفًا بمخاطر كبيرة، فانسلَّ بعيدًا بينما طُلاب السيد كريكل يستيقظون من نومهم، وانطلق يسير على الطريق الطويل المغبرِّ الذي علم أنه طريق مدينة دوفر عندما كان واحدًا منهم. إنه صباح يوم الأحد، وقد سمع ديفيد أجراس الكنيسة تدق بينما هو يمشي متثاقلًا، وقابل في طريقه الناس الذاهبين إلى الكنيسة. فاشترى ديفيد بعضَ الخبز، وظلَّ يواصل السير، حيث قطع في ذلك اليوم ثلاثةً وعشرين ميلًا، مرَّ خلالها على كثيرٍ من المسافرين سيرًا بالأقدام. وقد أغراه بيتٌ أو بيتان صغيران تتدلَّى خارجهما لافتةٌ مكتوبٌ عليها «غرف للمسافرين» بالمبيت هناك؛ لكنه كان يخشى أن يُنفق البنسات القليلة التي معه، وواصل التقدم بمشقةٍ حتى وصل إلى بلدة تشاتَم، وزحف في النهاية فوق شيءٍ يُشبه منصة المدفع مكسوٍّ بالعشب وبارز من بين أحد الأزقَّة، حيث كان هناك خفيرٌ يسير ذهابًا وإيابًا. فرقد بقرب أحد المدافع، وهو مسرورٌ برفقة خُطى الخفير، ونام نومًا عميقًا حتى الصباح. لكنَّ قدمَه كانت متيبسةً ومتقرحة، وأُصيب بدوارٍ شديدٍ من قرع الطبول ومسيرات الجند، وأحسَّ أنه لن يستطيع أن يتقدمَ كثيرًا في رحلته ذلك اليوم. ولم يتبقَّ معه سوى قليل من البنسات، ورأى أن أفضل شيءٍ يمكنه فعله، قبل ارتحاله عن تشاتَم، أن يبيع سترته. لذا خلعها وحملها تحت ذراعه — وهو سعيدٌ أنه كان في الصيف وأن الجو دافئ — وبدأ يبحث عن محلٍّ مناسب. كان يوجد الكثير من محلات الملابس المستعملة في كل مكان؛ لكنه أراد أن يعثر على مكانٍ صغيرٍ مثل محل السيد دولوبي؛ وفي النهاية تجرَّأ ودخل محلًّا صغيرًا متواضعًا عند ناصية زقاقٍ قذر. تعيَّن عليه أن ينزل درجتين أو ثلاثة ليدخل إلى هناك، فنزل وقلبه يخفق. حيث صاح رجلٌ عجوزٌ قبيح: «أوه، ماذا تريد؟» وأمسك ديفيد من شعره. كان رجلًا عجوزًا شكله مخيف، ويرتدي صديريًّا قذرًا من الصوف، وتفوح منه رائحةٌ كريهةٌ جدًّا بسبب شراب الرَّم. «آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي، ماذا تريد؟ آهٍ يا رئتاي آه يا كبدي، ماذا تريد؟ أوه، كح، كح!» كانت الكلمة الأخيرةُ كالحشرجة في حلقه. قال ديفيد وهو يرتعد: «كنتُ أريد أن أعرف إن كنتَ ترغب في شراء سترة؟» صاح الرجل العجوز: «حسنًا، هات السُّترة! آهٍ لقلبي الذي تأكله النار، أرني السترة! آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي، أَخرجِ السترة!» وهنا أخرجَ يدَيه المرتعشتَين، اللتين كانتَا كمخلبَي طائرٍ ضخمٍ، من شعر ديفيد، ووضع نظارة على عينيه. صاح الرجل العجوز، بعدما فحصها: «حسنًا، كم ثمن السترة؟ أوه، كح! كم ثمن السترة؟» ردَّ ديفيد مستجمعًا شجاعته: «نصف كراون.» صاح الرجل العجوز: «آهٍ يا رئتاي آهٍ يا كبدي! آهٍ يا عيناي، لا! آهٍ يا أطرافي، لا! بل ثمانية عشر بنسًا. كح!» كان يتكلم بطريقةٍ رتيبةٍ نوعًا ما تنتهي بطبقة صوتٍ ذات درجة عالية، وفي كل مرة يقول «كح» كانت عيناه تبدوان وكأنهما تقفزان خارج رأسه. قال ديفيد متلعثمًا، وقد سرَّه أن أنهى الصفقة: «سآخذُ الثمانية عشر بنسًا.» صاح الرجل العجوز، وهو يُلقي بالسترة على أحد الأرفف: «آهٍ يا كبدي! اخرُج من المحل! آهٍ يا رئتاي، اخرج من المحل! آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي — كح — لا تطلب مالًا؛ فلنتقايض.» كان ديفيد مذعورًا للغاية؛ لكنه قال له بتواضعٍ إنه يريد مالًا، وإنه ما من شيءٍ آخر سيُفيده، ولكنه سينتظره، كما أراد، خارج المحل، وإنه لا يرغب في استعجاله. وهكذا خرج من المحل، وجلس في الظل عند الزاوية. بعد قليلٍ جاء الأولاد الذين في الشوارع يُناوشون البائع عند المحل، وراحوا يصيحون قائلين إن الرجل العجوز قد باع روحه للشيطان، ويزعقون قائلين: «إنك لستَ فقيرًا، يا تشارلي، كما تدَّعي. أَخرج ذهبك. هيَّا! إنه في بطانة الفراش، يا تشارلي. هيَّا مزِّقه ودعنا نأخذ بعض الذهب.» ثم أرادوا أن يعطوه سكينًا ليفعل ما طلبوه منه، لكنَّ هذا أسخطه كثيرًا لدرجة أنه خرج من المحل مسرعًا يجري خلفهم، وجعلهم يهربون بعيدًا. ظل الأولاد طوال اليوم يضايقونه حينًا بعد حين، وظل هو طوال اليوم يهجم عليهم هجماتٍ مفاجئةً مسعورة. حاول الرجل العجوز مِرارًا أن يُقنع ديفيد بالموافقة على المقايضة، وخرج ذاتَ مرةٍ بقصبة صيد، لكنَّ ديفيد رفضها، وتوسَّل إليه والدموع في عينيه أن يُعطيَه المال أو السترة؛ بعد ذلك خرج بآلة كمان، ثم بقبعةٍ مرفوعة الحافة، ثم بمزمار؛ لكنَّ ديفيد رفضها جميعًا، وجلس في يأس. في النهاية، وكي يتخلص منه الرجلُ العجوز، بدأ يدفع له نصفَ بنسٍ بنصف بنس، حتى وصل المبلغ إلى شلن كامل خلال ساعتين. شكل ١٥-١: كان يندفع خارج المحل ويجري خلفهم ويجعلهم يفرون. وبعد فترة صمتٍ طويلةٍ، راح يختلس النظر خارج المحل وقد بدا منظرُه بشعًا، وصاح قائلًا: «آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي! هل ستقبل ببنسين إضافيين؟» قال ديفيد: «لا أستطيع، لو فعلتُ هذا فسأتضور جوعًا.» «آهٍ يا رئتاي آهٍ يا كبدي! هل ستقبل بثلاثة بنسات؟» قال ديفيد: «لو كان أستطيع لرضيتُ من دون أي شيء، لكنني في أشدِّ الحاجة إلى المال.» «يا إلهي، كه … كح! هل ستقبل بأربعة عشر بنسًا؟» كان ديفيد خائرَ القوى ومنهكًا للغاية؛ فقد جلس هناك طيلة اليوم، لذا قبِل بهذا العرض؛ وأخذ المال من مخلبه بيدٍ لم تخلُ من ارتجاف، وانصرف وهو يشعر بجوعٍ وعطشٍ لم يشعر بمثلهما قبل ذلك قط، وأنفق ثلاثة بنساتٍ على الشاي؛ وعندما أحسَّ بتحسن مزاجه بعد ذلك، راح يسير وهو يعرج حتى قطع سبعة أميالٍ من طريقه، إلى أن وصل إلى جدول ماء صغيرٍ غسل فيه قدميه اللتين تؤلمانه، ثم رقد تحت كومة تبنٍ كبيرةٍ ليقضيَ تلك الليلة. امتدَّ طريقه في صباح اليوم التالي بين سلسلةٍ متواليةٍ من حقول الجنجل والبساتين. حيث كانت ثمار التفاح الناضجة تتدلَّى من الأشجار، بينما عمَّال جني نبات الجنجل منهمكون في العمل. وقد رأى ديفيد المكان جميلًا، فقرر أن ينام بين نباتات الجنجل تلك الليلة. لكنَّ المسافرين سيرًا على أقدامهم الذين قابلهم في الطريق أخافوه، لأن بعضهم راح ينظر إليه بشراسةٍ شديدة. إذ التفتَ رجلٌ شرسُ المنظر — يعمل سمكريًّا — ترافقه امرأةٌ، وحدَّق في الصبي، ثم صرخ بصوتٍ هائلٍ طالبًا منه أن يعود، مما جعل ديفيد يتوقف وينظر وراءه. قال السمكري: «تعالَ إلى هنا عندما أناديك، وإلا شققتُ بدنك الصغير.» أحسَّ ديفيد أن من الأفضل أن يعود، وبينما يسير لاحظَ أن عين المرأة كانت سوداء. قال السمكري وهو يُمسك قميص ديفيد بيده المسودة: «إلى أين أنت ذاهب؟» «أنا ذاهبٌ إلى دوفر.» سأله السمكري وهو يُحكم قبضته على القميص: «ومن أين أنت؟» قال ديفيد: «من لندن.» «ماذا تعمل؟ هل أنت لصٌّ؟» قال ديفيد: «ﻟ… لا.» قال السمكري: «لو تباهيتَ عليَّ بأمانتك سأكسر رأسك. هل معك ثمنُ كوبٍ من الجعة؟ لو كان معك فأَخرجه قبل أن آخذه أنا.» كان ديفيد سيُخرجه على الفور، لولا أن هزَّت المرأة رأسَها له هزًّا رفيقًا وحركت شفتَيها دون صوتٍ بكلمة «لا.» قال ديفيد: «أنا فقيرٌ جدًّا، وليس معي مال.» قال السمكري، وهو ينظر له بتجهمٍ شديد، لدرجة أن ديفيد كاد يخشى أن يكون قد رأى المال في جيبه: «ماذا! ماذا تقصد؟» قال الصبي متلعثمًا: «سيدي.» قال السمكري: «ماذا تقصد بارتداء منديل أخي الحريري؟ هاتهِ الآن!» وخلعه من على رقبة ديفيد في الحال، ورمى به إلى المرأة. أخذت المرأةَ نوبةٌ من الضحك، وكأنها حسبت أن هذه مزحة، وقذفت المنديل مرةً أخرى إلى ديفيد، وأومأت برأسها إيماءةً خفيفةً، مثلما فعلت من قبل، وحرَّكت شفتَيها من دون صوتٍ بكلمة «اذهب.» لكنَّ السمكري جذب المنديل من يد الصبي، وأرخاه على رقبته هو، والتفتَ إلى المرأة وسبَّها، وضربها. أرعبت هذه المغامرةُ ديفيد كثيرًا، لدرجة أنه عندما كان يرى أيًّا من هؤلاء الناس قادمًا فيما بعد، كان يرتدُّ راجعًا إلى أن يجد مخبأً، فيختبئ فيه حتى يغيبوا عن نظره. ظل ديفيد يواصل السفرَ سيرًا على قدمَيه، لكن، رغم كلِّ الصعوبات التي واجهها في رحلته، فقد كان يُريحه ويحدُوه إلى المواصلة الصورةُ التي تخيَّلها لعمَّته الصارمة وهي تلين تحت تأثير جمال والدته الشابة الفاتنة، وتضع يدها برفقٍ على شعرها الجميل. كانت تلك الصورةُ تُرافقه عندما استلقى لينام بين نباتات الجنجل؛ وحتى عندما استيقظ في الصباح؛ وظلتْ أمامه طوال اليوم. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل السادس عشر كيف استقبلته الآنسة بيتسي أخيرًا، وفي اليوم السادسِ بعد هروبه، وصل إلى مدينة دوفر؛ حيث وقف بحذائه البالي، وجسمه المكسوِّ بنصف الملابس، الذي لفحته الشمس وعلاه التراب، وبدا أن الصورة الخيالية قد تلاشت كما يتلاشى الحلم، وشعر بخوفٍ وتشاؤم. قابل ديفيد بعضَ الصيادين وسألهم إن كان بإمكانهم أن يُخبروه أين تعيش الآنسة تروتوود. قال أحدهم إنها تعيش في منارة ساوث فورلاند لايت، وإن هذا قد تسبَّب في حرق سالفَيها حرقًا سطحيًّا؛ وقال آخر إنها قد رُبطت بإحكامٍ في الشمندورةِ الكبيرة خارج الميناء، ولا يمكن زيارتُها إلا عند المدِّ النصفي؛ وقال آخرُ إن بعض الناس قد رأوها راكبةً على مكنسةٍ عندما هبَّت الرياحُ الشديدة الأخيرة، وإنها توجهت مباشرةً إلى مدينة كاليه الفرنسية. بعد ذلك سأل سائقي عربات الأجرة، فسخروا منه أيضًا؛ ثم سأل أصحاب المتاجر، لكنهم، ودون أن يسمعوه، قالوا إنه ليس لديهم ما يقولونه له. لقد نفدت نقودُه كلُّها، ولم يكن يستطيع أن يستغنيَ عن أي ملابس أخرى ليبيعَها. وهو يشعر بالجوع والعطش والإرهاق، وكان أكثر تعاسةً وحرمانًا من أي وقتٍ مضى. جلس ديفيد ليستريح على عتبة محلٍّ خالٍ قُرب ساحة السوق، وبينما هو كذلك مرَّ سائقُ عربةِ أجرةٍ من أمامه وسقطَ منه غطاءُ حصانه. فناوله ديفيد إياه، وكان في وجه الرجل شيءٌ من الوُدِّ شجَّعَ ديفيد على أن يسألَه إن كان يعرف مكان سكن الآنسة تروتوود. قال الرجل: «تروتوود، دعْني أتذكرْ، أنا أعرف هذا الاسم. إنها سيدةٌ كبيرة، أليس كذلك؟» قال ديفيد: «بلى، كبيرةٌ نوعًا ما.» «ظهرها متيبِّسٌ نوعًا ما، أليس كذلك؟» من جديدٍ قال ديفيد بلى. «وتحمل حقيبةً، وهي سيدة فظَّةٌ، وتُعنِّفُ الناس بقسوة؟» وقع قلبُ ديفيد داخل صدره؛ حيث كانت هذه هي أوصافها التي حدَّثتْه عنها بيجوتي ووالدتُه. قال الرجل: «اسمع، إذا صعِدتَ بهذا الاتجاه،» وأشار بسَوطه إلى المرتفعات، «وظللتَ تسير حتى تصل إلى بعض المنازل التي تُواجه البحر، فأظن أنك ستعرف مكانها. وبرأيي أنها لن تقبل استضافتَك، لذا خُذ هذا البنس.» قبِل ديفيد البنس شاكرًا، واشترى به رغيفًا صغيرًا، وبدأ يأكله وهو متوجهٌ إلى حيث أرشده الرجل، حتى وصل إلى المنازل التي تُواجه البحر. وهناك دخل محلًّا صغيرًا قريبًا منه، وسأل الرجل الواقف خلف طاولة البيع، والذي كان يزنُ بعض الأرز لإحدى الفتيات، إن كان يعرف أين تسكن الآنسة تروتوود. أسرعت الفتاة تقول: «سيدتي؟ ماذا تريد منها أيها الصبي؟» «أريد التحدث معها، إذا سمحتِ.» «لتشحذَ منها، هذا ما تقصده.» قال ديفيد: «لا، في الواقع.» وحينئذٍ احمرَّ وجهُه للغاية من شدة الحياء، ولم يقل شيئًا آخر. وضعت الفتاةُ الأرز في سلَّةٍ صغيرة وخرجت من المحل، وقالت لديفيد إنه بإمكانه أن يتبعها إذا كان يريد أن يعرف أين تعيش الآنسة تروتوود. لم يحتَجْ ديفيد لإذنٍ آخر، وتبِعها إلى أن وصلَا بعد قليلٍ إلى بيتٍ صيفيٍّ صغيرٍ جميلٍ جدًّا له نوافذُ قوسيةٌ مبهجة؛ وأمامه فِناءٌ أو حديقةٌ صغيرةٌ مربعة الشكل مكسوةٌ بالحصى ومليئة بالأزهار، والتي تحظى بعنايةٍ دقيقةٍ وتفوح منها روائحُ مُبهجة. قالت الفتاة: «هذا هو منزل الآنسة تروتوود، الآن قد عرفتَه، وهذا كلُّ ما أستطيع قوله.» وأسرعتْ بالدخول إلى المنزل، تاركةً ديفيد أمام البوابة ينظر بحزن من فوقها ناحية نافذة الردهة؛ حيث رأى كرسيًّا كبيرًا جعله يتخيَّل أن عمَّتَه ربما تكون جالسةً في تلك اللحظة في حالةٍ مروِّعة. كانت رِجلاه ترتجفان من تحته. وحذاؤه في حالةٍ مثيرةٍ للشفقة. وقبَّعتُه متغضنةً منحنية. أما قميصه وبنطاله الملطَّخان بسبب الحرِّ والعَرَقِ والعُشب — فضلًا عن أنهما كانَا ممزَّقَين — كانَا من الممكن أن يُفزعَا الطيور فلا تقترب من حديقة الآنسة تروتوود، وقد وقف كأنه فزَّاعةٌ عند بوابة الحديقة. كما لم يكن شعرُه قد صُفِّف أو مُشِّط منذ غادر لندن. وتحولت بشرتُه إلى اللون البُنِّيِّ من لفح الشمس. وهو مُغطًى من رأسه إلى قدمَيه بغبارٍ أبيض. فأخذت ديفيد رجفة عندما فكَّر في تقديم نفسه بهذه الحال لعمَّته المرعبة. وفي واحدةٍ من النوافذ العليا رأى ديفيد فجأةً رجلًا متوردَ الوجه، حسن المنظر، أشيب الشعر؛ وقد غمزَ له بعينه، وأومأ برأسه، وضحك، ثم انصرف. أقلقه هذا التصرف الغريب للغاية لدرجة أنه فكَّر في أن ينسلَّ بعيدًا؛ وفي تلك اللحظة خرجت من المنزل سيدةٌ تعقد وِشاحَها فوق قبعتها، وفي يدَيها قفَّازان من قفازات الحدائق، وقد ربطت حول خاصرتها جِرابًا يُشبه مريلةَ مُحصل الضرائب، وهي تحمل في يدها سكينًا كبيرة. فأدرك ديفيد على الفور أنها الآنسة بيتسي، لأنها خرجت من المنزل تمشي ببطءٍ واختيال تمامًا كما وصفتها أمُّه مرارًا بأنها جاءت تمشي ببطءٍ واختيالٍ في حديقةِ منزل روكاري في قرية بلاندستن. قالت الآنسة بيتسي، وهي تهزُّ رأسها، وتشقُّ الهواء شقًّا طويلًا بسكينها: «انصرف! ارحل! لا أولادَ يأتون هنا!» فنظر إليها ديفيد وقلبُه يكاد يخرج من فمه من شدة الخوف، وذلك عندما سارت إلى أحد أركان حديقتها، وتوقفت لتقتلع جذرًا صغيرًا لأحد النباتات هناك. حينئذٍ، دفع اليأسُ ديفيد إلى التهور، وتقدَّم برفقٍ حتى وقف إلى جوارها، ولمسها بأصبعه. وبدأ يقول: «من فضلك يا سيدتي.» قفزت الآنسة بيتسي من مكانها ورفعتْ عينَيها. «من فضلك يا عمَّتي.» صرخت الآنسة بيتسي بنبرةٍ ملأها الدهشةُ: «ماذا؟» «من فضلك يا عمتي، أنا ابن أخيكِ.» قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي، يا رحمن!» وافترشت أرضَ ممر الحديقة. «أنا ديفيد كوبرفيلد، من قرية بلاندستن، من مقاطعة سافُك؛ حيث أتيتِ، ليلة مولدي، ورأيتِ والدتي الغالية. إنني في غاية الحزن منذ ماتت. لقد تجاهلونني، ولم يُعلِّموني شيئًا، وتركوني أواجه الحياة بنفسي، ووضعوني في عملٍ لا يُناسبني. لقد جعلني هذا أفرُّ إليكِ. حيث تعرضتُ للسرقة في بداية رحلتي، ومشيتُ الطريق كلَّه على قدميَّ، ولم أنَمْ على سريرٍ قط مذ بدأت الرحلة.» وهنا أخذتْه نوبةُ بكاء، وظل يبكي وكأنما قلبُه سينفطر. ظلَّت الآنسة بيتسي تُحدِّق فيه في ذهولٍ حتى بدأ يبكي، وهنا نهضتْ مسرعةً، وأمسكتْ به، وأدخلته إلى الردهة، وفتحت خزانةً طويلة، وأخرجت منها عدة زجاجاتٍ وأخذت تصبُّ من كل واحدة منها في فمه. وبعد ذلك أرقدته، وهو لا يزال يبكي، على الأريكة، ووضعت شالًا تحت رأسه، والمنديل الذي في رأسها تحت قدميه، خشيةَ أن يوسخ الغطاء؛ ثم جلست، وظلت تهتف مرةً بعد مرةٍ: «ارحمنا يا الله!» وراحت تُطلق تلك الهتافاتِ مثلما تُطلق البنادقُ طلقاتِها في الجنازات العسكرية. وبعد مدةٍ دقَّت الجرس؛ وقالت للفتاة التي قابلتْه في المحل: «جانيت، اصعدي إلى الطابق العلوي، واحملي تحياتي للسيد دِك، وأخبريه أني أودُّ التحدث معه.» راحت جانيت تُحدِّق في دهشة إلى ديفيد الممدد على الأريكة متيبسَ الجسد، لكنها ذهبت تُبلِّغ الرسالة، بينما راحت الآنسة بيتسي تذرَعُ الغرفة ذهابًا وإيابًا إلى أن جاء الرجل الذي كان قد غمزَ له من النافذة العلوية ودخل الردهة وهو يضحك. فقالت الآنسة بيتسي: «سيد دِك، لا تتحامق، لأنه ما مِن أحدٍ يستطيع أن يكون أكثرَ حكمةً منك، عندما تريد هذا. لذا لا تتحامق، مهما حدث.» أصبح الرجل جادًّا فجأة. وقالت الآنسة بيتسي: «سيد دِك، لقد سمعتَني وأنا أذكر ديفيد كوبرفيلد، أليس كذلك؟ والآن لا تدَّعي أنه ليست لديك ذاكرةٌ، لأنني أعرف أنك تتذكر كل شيء.» قال السيد دِك: «ديفيد كوبرفيلد؟ ديفيد كوبرفيلد؟ يا إلهي، بلى، بالتأكيد، ديفيد بلا شك.» قالت الآنسة بيتسي: «حسنًا، هذا ولدُه؛ ابنه. كان سيُشبه أباه أشد ما يمكن أن يكون الشبه، إذا لم يكن شبيهًا جدًّا بأمِّه كذلك.» قال السيد دِك: «ابنه؟ ابن ديفيد؟ حقًّا.» تابعت الآنسة تروتوود كلامها قائلةً: «نعم، وقد تصرَّف تصرفًا رائعًا. لقد هرب. والسؤال الذي أطرحه عليك هو، ماذا أفعل معه؟» قال السيد دِك متأمِّلًا: «يا للعجب، لو كنتُ مكانكِ، لكنتُ» — ونظر إلى بدن ديفيد المتسخ — «لكنتُ نظفتُه.» قالت الآنسة بيتسي: «جانيت، لقد أرشدنا السيد دِك للتصرف السليم. سخِّني الحمَّام.» ذهبت جانيت لتجهز الحمَّام، وفجأةً تجهمت الآنسة بيتسي وبدا عليها السخط، وصاحت: «جانيت! أبعدي الحمير!» وهنا أسرعت جانيت على السلَّم وكأنما كان المنزل يحترق، واندفعت كالسهم إلى أرض خضراء صغيرةٍ أمام المنزل، وأخذت تُبعد حمارَين مسرَّجَين، تمتطيهما سيدتان، وقد تجرَّأتَا على جعل حماريهما يطآن الأرض بحوافرهما؛ بينما اندفعت الآنسة بيتسي خارج المنزل، وأمسكت لجامَ حمارٍ ثالثٍ، يركبه طفل، وأخرجته من الأرض، ولطمت أُذُنَي الولد صاحبِ الحمير الذي تجرَّأ على إحضارها إلى هنا. لم يعلم ديفيد قط إن كان لعمته أيُّ حقٍّ قانونيٍّ في المرور دون الآخرين في تلك الأرض؛ لكنها قررتْ أنها تمتلك ذلك الحق، وكانت تُنفق ساعاتٍ من وقتها في إبعاد الحمير. وقد تكرر هجوم الحمير المباغت ثلاث مرات قبل أن يُجهَّز الحمَّام، وتكرر إسراع الآنسة بيتسي وجانيت بالخروج من المنزل لإبعاد الحمير. وقد أراح الاغتسالُ ديفيد للغاية، لأن عظامه كانت تؤلمه بسبب النوم في عراء الحقول؛ وبعدما اغتسل، ألبسته الآنسةُ بيتسي وجانيت قميصًا وبنطالًا من ملابس السيد دِك، ووضعتَا حول جسده شالَين كبيرين أو ثلاثة؛ وقدمتَا له بعضَ الحساء ليشربه، وأجلستاه على الأريكة، حيث غرِق في النوم سريعًا. وبينما هو نائمٌ رأى في حلمه فيما يبدو أن الآنسة بيتسي جاءت وانحنتْ فوقه، وأبعدت شعرَه عن وجهه، ووضعت رأسه في وضع مريحٍ أكثر، وهمست تقول: «الفتى الجميل!» و«الفتى المسكين!» وهي تنظر إليه. استيقظ ديفيد أخيرًا، وعندئذٍ جلسوا يتناولون ديكًا مشويًّا وحلوى البودينج على الغداء، حيث جلس ديفيد على المائدة وقد بدا هو نفسه وكأنه ديكٌ مكتَّف، وهو ملفوفٌ في بنطال وقميص السيد دِك، وشيلان الآنسة بيتسي. كان ديفيد متلهفًا جدًّا لمعرفة ما ستفعله معه الآنسة تروتوود؛ لكنها تناولت غداءها في صمت، ولم تزِدْ على أن ظلت تهتف بقولها «ارحمنا يا الله!» كلما وقعت عيناها عليه. كانت الآنسة بيتسي امرأةً طويلة القامة قاسية الملامح، لكنها جميلة أيضًا، رغم ما كانت تبدو عليه من تجهمٍ شديد. ولها عينان متألقتَان للغاية وشعرُها أشيب اللون، وهي ترتدي فستانًا بلون نبتة اللافندر شديد الأناقة، مثل كلِّ شيءٍ آخر في المنزل. وكان رأسُ السيد دِك الأشيبُ منحنيًّا بطريقةٍ لافتة للنظر، وعيناه الواسعتان تنظران نظراتٍ بلهاء حولهما، بينما هو يُخشخش بنقوده في جيبيه، وكأنما يفتخر جدًّا بذلك. فاعتقدَ ديفيد أنه يبدو مخبولًا بعضَ الشيء. وفي النهاية أُزيل غطاءُ المائدة، ووُضع عليها بعضُ عصير الكريز، الذي شرب منه ديفيد كأسًا؛ ثم بعد ذلك جعلته الآنسة بيتسي يقصُّ عليها كلَّ ما حدث له، وراحت تسأله أسئلةً كثيرةً، وتأمر السيد دِك بالإنصات لردوده جيدًا. فقالت الآنسة بيتسي، بعدما انتهى ديفيد من سرد قصته: «ما الذي دفع تلك الطفلة المسكينة التعيسة كي تتزوجَ من جديد! لستُ أدري.» قال السيد دِك: «ربما وقعتْ في غرام زوجها الثاني.» كررت الآنسة بيتسي العبارة: «وقعتْ في غرامه! ماذا تقصد؟ بأي حقٍّ فعلتْ هذا؟» قال السيد دِك وعلى وجهه ابتسامةٌ متكلفة، بعد قليلٍ من التفكير: «ربما فعلتها من أجل المتعة.» قالت الآنسة بيتسي: «المتعة، حقًّا! لقد تزوجتْ من قبل. لقد رُزقتْ طفلًا؛ أوه، كان هناك طفلان عندما ولدتْ هذا الصبي الجالس هنا! فماذا أرادت أكثر من هذا؟ وها هي ذي تلك المرأةُ ذات الاسم الوثني، بيجوتي هذه؛ لقد تزوجتْ بعد ذلك. لأنها لم ترَ ما فيه الكفاية من الشرور التي تُلازم هذه الأمور، لقد تزوجتْ بعد ذلك هي الأخرى، كما يروي هذا الصبي.» ثم هزَّت الآنسةُ بيتسي رأسها، وقالت: «أرجو فقط أن يكون زوجها من أولئك الأزواج الذين تعجُّ بهم الجرائد، الذين يضربون زوجاتِهم بقضبان إحماء النار، وأن يبرحها ضربًا بقضيبٍ من تلك القضبان.» لم يُطِق ديفيد سماع عمته تتمنى مثل هذه الأمنية لعزيزته بيجوتي، وأخبر الآنسةَ بيتسي كم كانت بيجوتي طيبةً، وصادقةً، ووفيةً، ومخلصة؛ وأنها تحبُّه كثيرًا، وأنها أحبَّت والدتَه كثيرًا؛ وأنه كان سيلجأ إليها لحمايته لولا منزلتُها الاجتماعية المتواضعة، والتي جعلته يخشى أنه ربما يسبِّب لها بعض المتاعب؛ وعندما تذكَّر ديفيد طيبة بيجوتي، انهارَ، ووضع وجهه بين كفَّيه على المائدة وانخرط في البكاء. قالت الآنسة بيتسي: «حسنًا، حسنًا، إن الصبيَّ محقٌّ في الوقوف بجانب من وقفوا بجانبه.» كانت تضع يدها على كتفه، وقد تشجَّع ديفيد، وأوشك أن يطوقَها بذراعَيه ويتوسل إليها أن تحميَه، لكنها صاحت فجأةً: «جانيت! حمير!» وأسرعت بالذهاب وجانيت في عقبها، وفاتته الفرصةُ في تلك اللحظة، لأنها لم تتكلم عن شيءٍ، إلى أن حان موعدُ تناول الشاي، سوى عن عزمِها على إقامة دعاوى تعدٍّ على أملاك الغير على جميع أصحاب الحمير في دوفر. بعد احتساء الشاي جلسوا بجوار النافذة إلى أن أحضرت جانيت الشموع وأنزلت الستائر. قالت الآنسة بيتسي، وقد بدت عليها ملامحُ الجد: «والآن يا سيد دِك، سوف أسألك سؤالًا آخر. انظُر لهذا الصبي! ما الذي قد تفعله معه الآن؟» قال السيد دِك، وهو ينظر إلى ديفيد بوجهٍ مرتبك: «ماذا أفعل مع ابن ديفيد؟» ردَّت الآنسة بيتسي: «نعم! مع ابن ديفيد.» قال السيد دِك: «يا إلهي، نعم. أفعل معه؛ سوف أجعله ينام.» قالت الآنسة بيتسي بنبرة المبتهج بالنصر: «جانيت، إن السيد دِك يُرشدنا للتصرف السليم مرة أخرى. إذا كان السرير جاهزًا، فسنصعد به إليه.» قالت جانيت إنه على أتمِّ الجاهزية، وتقدَّمتهم الآنسة بيتسي، وتبعها ديفيد، وجانيت في الخلف. وفي منتصف الطريق إلى الدور العلوي توقفت الآنسة بيتسي وسألت ما رائحة الحريق هذه؛ فأجابتها جانيت بأنها تحرق الملابس البالية التي جاء بها ديفيد إلى المنزل. أراح ردُّها ديفيد. وكانت الغرفة جميلةً تُطلُّ على البحر الذي يتلألأ نورُ القمر من فوقه. وهكذا تلا ديفيد صلواته واستكان في الملاءات الناصعة البياض التي تكسو السرير الصغير ذا الستائر البيضاء، فتذكَّر كلَّ الأماكن المهجورة التي نام فيها تحت سماء الليل، وراح يدعو من جديدٍ ألَّا يعود شريدًا مرةً أخرى أبدًا، وألَّا ينسى المشردين أبدًا. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل السابع عشر الآنسة تروتوود تقرر لم تقل الآنسة بيتسي شيئًا عندما نزل ديفيد لتناول الإفطار في صباح اليوم التالي، لكنها ظلَّتْ مركزةً عينَيها عليه لدرجةٍ جعلت الارتباك يستبدُّ به. وفي غمرةِ ارتباكه وقعت سكينُه فوق شوكتِه، وشوكتُه فوق سكينِه، وراح يقطع قطعًا صغيرةً من اللحم فتتطاير إلى مسافاتٍ مذهلةٍ في الهواء، وشَرِق وهو يشرب شايه، الذي أصرَّ على النزول في الطريق الخطأ بدلًا من الذهاب إلى مكانه الصحيح، وجلس وقد احمرَّ وجهُه خجلًا تحت نظرات الآنسة بيتسي المتفحصة. قالت الآنسة بيتسي، بعد فترة صمتٍ طويلة: «مرحبًا!» رفع ديفيد عينَيه وتلقَّى نظرتها الذكية الحادة باحترام. قالت الآنسة تروتوود: «لقد أرسلتُ إليه رسالة.» قال ديفيد متلعثمًا: «إلى …؟» قالت الآنسة بيتسي: «لزوج والدتك، لقد أرسلتُ له رسالةً أُخبرُه فيها أنني سأسبِّبُ له مشكلة إن لم يستجبْ لي، وقد أتشاجر معه أيضًا، وأكَّدْتُ عليه ذلك.» سألها ديفيد في ذُعر: «هل يعرف مكاني يا عمتي؟» أجابت وهي تُومئ برأسها: «لقد أخبرتُه.» قال الصبي متلعثمًا: «هل ﺳ… أُسلَّم له؟» قالت الآنسة بيتسي: «لا أعرف، سوف نرى.» صاح ديفيد: «يا إلهي، لا أدري ماذا عساي أفعل إذا توجَّب عليَّ الرجوع إلى السيد ميردستون!» قالت الآنسة بيتسي، وهي تهزُّ رأسها: «لا أعرف أيَّ شيءٍ عن الأمر، لا يمكنني أن أُخبرَك، صدِّقْني. سوف نرى.» تحطَّم عزم ديفيد تحت وطأة هذه الكلمات وأصابه اكتئابٌ شديدٌ وانقبض صدرُه. ولم تنتبه له عمَّتُه، وإنما واصلت أعمالها اليومية، وبعد قليلٍ وضعت علبة أدوات تطريزٍ على طاولتها، عند النافذة المفتوحة، وجلست تُمارس التطريز. قالت الآنسة بيتسي، بعدما أولجَت الخيط في سَمِّ الإبرة: «أرجو أن تصعدَ إلى الطابق العلوي، وتُبلغَ تحياتي للسيد دِك، وسوف يُسعدني أن أعرف كيف يتقدم في كتابة المذكرة.» فصعِد ديفيد إلى الطابق العلوي، ووجد السيد دِك يكتب سريعًا جدًّا بريشة كتابةٍ في يده، بينما رأسه يلامس الورقة تقريبًا. كما توجد كميةٌ كبيرةٌ من الحبر في برطمانات بسعة نصف غالون فوق المنضدة، ورزمٌ من المخطوطات، وعددٌ من الأقلام؛ كما رأى ديفيد أيضًا طائرةً ورقيةً كبيرةً في ركن الغرفة. قال السيد دِك، وهو يضع قلمه: «ها! كيف الأحوال؟ اسمع، وأرجو ألَّا تذكر هذا لأحد، لكنه …» وهنا أومأ إلى ديفيد، وقرَّب شفتَيه من أذنه «إنه عالَمٌ مجنون. مجنونٌ كمستشفى المجانين يا بُني!» واستنشق السيد دِك بعضًا من مسحوق التبغ وراح يضحك من قلبه. وأبلغه ديفيد رسالةَ الآنسة بيتسي. فقال السيد دِك: «حسنًا، تحياتي لها، وأعتقد … أعتقد أني قد بدأت. أظن أني بدأت.» وضع السيد دِك يدَه في شعره الأشيب، وسأل: «هل دخلت المدرسة؟» أجاب ديفيد: «نعم يا سيدي، مدةً قصيرة.» قال السيد دِك وهو ينظر بجدٍّ إليه: «هل تذكر اليوم الذي قُطع فيه رأسُ الملك تشارلز الأول؟» قال ديفيد إنه يظن أن ذلك كان في سنة ١٦٤٩. قال السيد دِك: «هكذا تقول الكتب، لكنني لا أدري كيف يمكن أن يحدث هذا؛ لأنه إذا كان هذا قد وقع منذ زمنٍ بعيدٍ جدًّا هكذا، فكيف استطاع الناس الذين حوله أن يرتكبوا هذا الخطأ ويضعوا بعض الاضطراب الذي كان في رأسه بعدما قُطع في رأسي أنا؟» لم يستطع ديفيد أن يُجيبَه، واندهش جدًّا من السؤال. كان ديفيد سينصرف، لكن السيد دِك لفت انتباهه إلى الطائرة الورقية، وقال: «أنا صنعتُها، سوف نذهب ونطيرها، أنا وأنت.» قالت الآنسة بيتسي، عندما نزل إلى الطابق السفلي: «حسنًا أيها الصبي، ما أخبار السيد دِك هذا الصباح؟» قال ديفيد إنه يُرسل تحيَّاتِه، وقد بدأ بدايةً جيدةً جدًّا في الحقيقة. قالت: «ما رأيك فيه؟» بعد قليلٍ من التلعثم، قال ديفيد إنه يظن أن عقل السيد دِك غيرُ متزنٍ قليلًا. ردَّت الآنسة بيتسي: «مطلقًا! إذا كان هناك شيءٌ في الدنيا لا يمكن أن يتصف به السيد دِك، فهو هذا.» وأضافت: «لقد كانوا ينعتونه بالمجنون.» وبعد قليلٍ أخبرتْه أنه أحدُ أقربائها البعيدين، وأن أقرباءَه وثيقي الصلة به، عندما تخيَّلوا أنه مجنون، وضعوه في مصحة نفسية خاصة، لكنه لم يحظَ بمعاملةٍ جيدة فيها؛ وبعد كثيرٍ من المنازعات حول الأمر، استطاعت أن تُخرجَه من هناك، وعاش السيد دِك معها منذ ذلك الحين. قالت الآنسة بيتسي: «إذا كان يحبُّ أن يطير طائرةً ورقيةً في بعض الأحيان، فما الضير في هذا؟ لقد اعتاد فرانكلين أن يطير طائرةً ورقية. وقد كان أحدَ أعضاء طائفة الفرندز المسيحية، أو شيئًا ما من هذا القبيل، إذا لم أكن مخطئةً. وعندما يطير أحدُ أعضاء هذه الطائفة طائرةً ورقيةً فإن هذا يبعث على السخرية أكثر بكثيرٍ مما لو فعلها أيُّ شخصٍ آخر.» بعث دفاعُها النبيل عن المسكين السيد دِك الأملَ في صدر ديفيد الصغير؛ وبدأ قلبُه يحب الآنسة بيتسي نفسها؛ فقد أحسَّ أنه برغم كونها سيدةً كبيرة غريبةَ الأطوار نوعًا ما؛ فإنها تستحقُّ الثقة والاحترام. كان ديفيد ينتظر في قلقٍ ردَّ السيد ميردستون على الآنسة بيتسي، ويبذل وسعَه في إرضاء عمتِه والسيد دِك؛ وأراد أن يخرج مع هذا الأخير ليطير الطائرة الورقية الكبيرة، لولا أنه لم يكن لديه أيُّ ملابس غير ملابس السيد دِك، والتي حبسته في المنزل. وأخيرًا جاء ردُّ السيد ميردستون، حيث أخبرتْها الآنسة ميردستون، أن السيد ميردستون قادمٌ للحديث معها بنفسه في اليوم التالي، وقد أرعبه هذا! فجلس ديفيد في اليوم التالي، تُغطِّيه ملابسُ السيد دِك الدافئة، ويعتريه الغضبُ والقلقُ والانفعال، منتظرًا رؤيةَ الوجه القاسي الموحِش لزوج أمه المفزع. كما جلست الآنسة بيتسي لتحيك ثوبًا بجوار النافذة، وبدت مهيبةً أكثر من أي وقت مضى، وفجأةً سمعها ديفيد تصرخ بالتحذير: «جانيت! حمير!» أصاب ديفيد الرعبُ والدهشةُ عندما رأى الآنسة ميردستون فوق سرجٍ جانبيٍّ على ظهر حمارٍ تتعمد السير به فوق قطعة الأرض الخضراء المقدسة، وتتوقف أمام المنزل، وتنظر حولها. صاحت الآنسةُ بيتسي، وهي تهزُّ قبضتها من النافذة: «انصرفي من هنا! لا شيءَ يخصُّكِ هنا. كيف تجرئين على التعدِّي على أملاك غيرك؟ انصرفي! أوه، أنتِ يا صفيقةَ الوجه!» صاح ديفيد قائلًا: إن هذه هي الآنسة ميردستون، وإن الرجل الذي يسير خلفها هو السيد ميردستون. صاحت الآنسة بيتسي وهي تهزُّ رأسها: «لا يهمُّني مَن هما! لن يتعدَّى أحدٌ على أملاكي؛ لن أسمح بهذا. انصرفَا! جانيت، أديريه للجهة الأخرى. أبعديه من هنا!» أمسكت جانيت اللجام وحاولت أن تُديرَ الحمار، وحاول السيد ميردستون أن يسوقَه بعيدًا؛ لكن الآنسة ميردستون ضربت جانيت بمظلةٍ خفيفةٍ كانت معها، وراح عددٌ من الأولاد، الذين جاءوا لرؤية الاشتباك، يصيحون بحماس؛ وفجأةً لمحت الآنسةُ بيتسي الصبيَّ الحمَّار، الذي كان بينها وبينه عداءٌ قديم، فأسرعتْ بالخروج إلى مشهد الأحداث، وانقضت عليه، وسحبته، وسترتُه تغطِّي رأسه، إلى داخل الحديقة، ونادت جانيت كي تُحضرَ رجال الشرطة حتى يُمسكوه في الحال؛ لكن الحمَّار أفلت من قبضة الآنسة بيتسي سريعًا، ومضى بعيدًا وهو يهتف، وأخذ حماره معه؛ لأن الآنسة ميردستون كانت قد ترجَّلت عن ظهر الحمار أثناء إمساك الآنسة بيتسي بالولد، ووقفت تنتظر الآن مع أخيها عند أسفل درجات سُلَّم الباب، ريثما تفرغ الآنسة بيتسي لاستقبالهما. مرَّت الآنسة تروتوود من أمامهما، وكانت منزعجةً قليلًا بسبب المعركة، ودخلت المنزل في وقارٍ كبير، ولمْ تكترث لوجودهما، إلى أن أعلنت جانيت حضورهما. قال ديفيد وهو يرتجف: «هل أنصرف يا عمتي؟» قالت الآنسة بيتسي: «لا يا سيدي، بالطبع لا.» ودفعتْه إلى أحد أركان الغرفة، وحبستْه بكرسي؛ ودخل السيد والآنسة ميردستون إلى الغرفة. قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي! لم أُدرك في بداية الأمر مَن الذي تشرفتُ بالاعتراض على وجوده، لكنني لا أسمح لأيِّ أحدٍ بالسير بدابته فوق هذه الأرض.» قالت الآنسة ميردستون: «إن قاعدتكِ مربكةٌ بعضَ الشيءِ للغرباء.» قالت الآنسة بيتسي: «حقًّا؟» قاطعها السيد ميردستون قائلًا: «الآنسة تروتوود؟» قالت الآنسة بيتسي، وهي ترمقه بنظرةٍ حادة: «معذرةً، أنت السيد ميردستون الذي تزوَّج أرملة ابن أخي، ديفيد كوبرفيلد.» قال السيد ميردستون: «نعم أنا.» ردت الآنسة بيتسي: «سامحني، يا سيدي، عندما أقول إنني أعتقد أنه كان من الأفضل كثيرًا والأنسبِ لو أنك تركت الطفلة المسكينة وشأنها.» قالت الآنسة ميردستون: «أنا متفقةٌ بقدرٍ كبيرٍ مع ما قالتْه الآنسة تروتوود، فأنا أرى أن فقيدتَنا كلارا لم تكن — من كل ناحيةٍ — أكثر من مجرد طفلة.» ردَّت الآنسة بيتسي: «إن من العزاء لكِ ولي، يا سيدتي — نحن اللتين تقدَّم بنا العمر، ولا يُتوقع أن نشقى بسبب مفاتنِنا الشخصية — أن أحدًا لا يستطيع قولَ هذا الكلام نفسه عنَّا!» قالت الآنسة ميردستون، دون أن يخلوَ كلامها من موافقةٍ سريعةٍ جدًّا: «من دون شك.» وهنا دقَّت الآنسة تروتوود الجرس، وطلبت من جانيت أن تُبلغَ تحيَّاتِها للسيد دِك وأن ترجوَه أن ينزل إليهم. جلست الآنسة بيتسي بثباتٍ كبيرٍ، وظلت تنظر بعبوسٍ في الجدار إلى أن دخل السيد دِك، وهو يقضم سبَّابتَه، وقد بدا مرتبكًا بعضَ الشيء. قدَّمتْه الآنسة بيتسي قائلةً: «السيد دِك، صديقٌ قديمٌ مقرب، أثق في رأيه.» أخرج السيد دِك أصبعه من فمه، ووقف بين الجمع بوجهٍ رزينٍ جدًّا. قال السيد ميردستون: «آنسة تروتوود، عندما تلقَّيتُ رسالتكِ، وجدتُ أن من الإنصاف لنفسي أن أردَّ عليها شخصيًّا، بدلًا من الرد برسالة. إن هذا الولد التعيس، الذي هرب من أصدقائه ووظيفته، كان السببَ المباشر في كثيرٍ من المشاكل العائلية، خلال حياة زوجتي الحبيبة الراحلة، وبعدها. إنه يتصف بروحٍ مشاكسةٍ ومتمردة، كما أن طبعَه عنيفٌ، ولديه نزعةٌ للعناد. وقد أحسستُ أن من الصواب أن تستمعي لهذا البلاغ الخطير من أفواهنا.» أضافت الآنسة ميردستون: «وأرجو أن تلاحظي، أنه من بين جميع الأولاد في الدنيا، فأنا أعتقد أن هذا هو الأسوأ.» قالت الآنسة بيتسي باختصار: «يا لَلشدة!» ثم سألت السيد ميردستون: «حسنًا، أيها السيد؟» أوضحَ لها السيد ميردستون، ووجهُه يزداد عبوسًا أكثر فأكثر، أنه وضع الولد «تحت رعاية صديقٍ، في عملٍ محترم.» قاطعته الآنسة بيتسي بحدَّة وقالت: «بمناسبة العمل المحترم، لو كان ابنكَ أنتَ؛ كنتَ ستضعه في هذا العمل، بنفس الكيفية، حسبما أظن.» تدخلت الآنسة ميردستون وقالت: «لو كان ابنَ أخي، لكانت شخصيتُه مختلفةً تمامًا.» بعد هذا سألت الآنسةُ بيتسي السيدَ ميردستون بحسمٍ عن المنزل والحديقة في قرية بلاندستن، وسألته كيف لم تنتقل ملكيتُهما إلى الصبي. قال السيد ميردستون: «لقد كانت زوجتي الراحلة تحبُّ زوجها الثاني يا سيدتي، وكانت تثق فيه ثقةً كاملة.» ردت الآنسة تروتوود، وهي تهزُّ رأسها أمامه: «زوجتُك الراحلة يا سيدي كانت طفلةً ساذجةً، وحزينةً، وتعيسةً لأبعد الحدود، هكذا كانت زوجتك. والآن ماذا تريد أن تقول أيضًا؟» «ليس غير هذا يا آنسة تروتوود. أنا هنا لأستعيدَ ديفيد؛ لأستعيدَه دون شرط، كي أتصرف معه بالطريقة التي أراها مناسبةً، ولأتعاملَ معه بالطريقة التي أظنُّها صحيحة.» قالت الآنسة بيتسي: «وما رأيُ الولد؟ هل أنت مستعدٌّ للذهاب معه يا ديفيد؟» صاح ديفيد: «لا» وتوسَّل إليها ألَّا تتركَه يذهب، وصرخ قائلًا إن السيد والآنسة ميردستون لم يُحبَّاه قط؛ وإنهما جعلَا والدتَه، التي طالما أحبَّتْه كثيرًا، غيرَ راضية عنه؛ وإنه يعلم هذا جيدًا، وبيجوتي تعرف هذا جيدًا. وتوسَّل إلى عمَّتِه ورجاها أن تُساعدَه وأن تحميَه من أجل والده. قالت الآنسة بيتسي: «سيد دك، ماذا أفعل مع هذا الصبي؟» أجابها السيد دك: «اجعلي الخياط يأخذ مقاسَه ويفصِّل له مجموعةً من الملابس في الحال.» قالت الآنسة بيتسي بنبرة المبتهج بالنصر: «ناولني يدكَ يا سيد دك، فإن تفكيرك السليم لا يُقدَّر بثمن.» بعدما صافحت يدَه بحرارةٍ، جذبت ديفيد إليها، وقالت للسيد ميردستون: «يمكنك أن ترحل عندما تحبُّ؛ سآخذ فرصتي مع الصبي. ولو اتضح أن فيه كلَّ هذه الصفات التي تقول إنها فيه، فسيمكنني ساعتها على الأقل أن أفعل معه مثلما فعلت أنت. لكنني لا أصدق كلمةً مما قلتَه.» قال السيد ميردستون وهو ينهض من مكانه: «آنسة تروتوود، لو كنتِ رجلًا …» قالت الآنسة بيتسي: «يا لَلحقارة! هذا هراءٌ وسخافة! لا تتكلَّمْ معي! أتظنُّ أنني لا أعرف كم كان يومًا تعيسًا على تلك الفتاة الصغيرة الرقيقة عندما ظهرتَ أنت في حياتها؛ حين كنتَ تتكلف الابتسامَ وتُسبل عينَيك لها لتبدوَ رقيقًا كمن لا يستطيع أن يصيحَ في وجه إوَزَّة! يا إلهي، نعم، فليرحمنا الله! من هذا الذي كان رقيقًا وناعمًا بقدر ما كان السيد ميردستون في البداية! إن البريئة المسكينة لم ترَ قط رجلًا مثله. لقد كان مخلوقًا من اللطف. لقد أحبَّها لدرجة العبادة، كما أحبَّ ولدَها، وبشغف! حيث سيُصبح أبًا ثانيًا له، وكانوا جميعًا سيعيشون في حديقة زهور، أليس كذلك؟ أمر مقزز! انصرفَا من هنا، هيَّا!» قالت الآنسة ميردستون: «لم أسمع قط مثل هذه المرأة في حياتي.» واصلت الآنسة بيتسي كلامها، وهي تهزُّ أصبعَها أمامه، ولا تُعِير أيَّ انتباهٍ للآنسة ميردستون: «يا سيد ميردستون، لقد كنتَ مستبدًّا مع الطفلة الساذجة، وقد كسرتَ قلبَها … نعم، نعم! حتى بدون تكشيرة بسيطة، وأنا أعلم أنك فعلت حتى بدونها.» وقف السيد ميردستون عند الباب وعلى وجهه ابتسامةٌ، رغم أن حاجبَيه الأسودين كانَا منعقدَين للغاية، وقد هرب الدم من وجهه، وتسارعتْ أنفاسه وكأنه كان يجري. قالت الآنسة تروتوود: «طاب يومك يا سيدي. ومع السلامة!» وأضافت وهي تلتفت فجأةً للآنسة ميردستون: «طاب يومكِ أنتِ أيضًا يا سيدتي، دعيني أراكِ تمتطين حمارًا فوق أرضي مرةً أخرى، وتأكدي أني سوف أطيح بقلنسوتكِ، وأدوس فوقها!» كان هذا الكلام يخرج منها بانفعالٍ شديد لدرجة أن الآنسة ميردستون، ودون أن تنطق بكلمةٍ، وضعت ذراعها في ذراع أخيها، وخرجت في غطرسةٍ من المنزل الصيفي. بعد ذلك بدأ وجهُ الآنسة بيتسي الصارم يهدأ تدريجيًّا، وأصبحت لطيفةً جدًّا لدرجة أن ديفيد تشجَّع وطوَّق عنقها بذراعَيه وقبَّلها وراح يشكرها مرةً بعد مرةٍ على حمايتها له. ثم صافح السيد دك، الذي صافحه بدوره عدةَ مرات، وهو يضحك من قلبه. قالت الآنسة تروتوود: «سوف تعدُّ نفسك وصيًّا، بالمناصفة معي، على هذا الصبي، يا سيد دك.» قال السيد دك: «سوف يُسعدني أن أكون وصيًّا على ابن ديفيد.» ردَّت الآنسة بيتسي: «جيدٌ جدًّا، لقد تقرَّر هذا. أتعرف، لقد كنت أفكر يا سيد دك أن أناديَه باسم تروتوود.» قال السيد دك: «بالتأكيد، بالتأكيد. فلتناديه تروتوود، بالتأكيد، ابن ديفيد تروتوود.» ردَّت الآنسة بيتسي: «تقصد تروتوود كوبرفيلد.» قال السيد دك: «نعم، من دون شك. نعم. تروتوود كوبرفيلد.» وقد طرأت على رأس الآنسة بيتسي فكرةٌ أن تكتب بخط يدها، وبحبرٍ لا يُمحى، اسم «تروتوود كوبرفيلد» على كل الملابس الجاهزة التي اشترتْها من أجل ديفيد في عصر ذلك اليوم. ••• وهكذا بدأ حياتَه الجديدة، باسمٍ جديدٍ، وبكلِّ شيءٍ حوله جديد، في منزلٍ سعيد جديدٍ، وهنا، في رأيي، يجب أن نتركَه. أما كيف كبِر في رعاية صديقته المخلصة الآنسة بيتسي، وكيف أرسلته إلى مدرسةٍ جيدة، وكيف ذهب لزيارة بيجوتي وباركس، وكيف قابل ستيرفورث وترادلز من جديد، وكيف كبُر ليُصبح رجلًا مرموقًا؛ فهذا ما ستكتشفونه بأنفسكم عندما تكبرون، وتستطيعون أن تفهموا بطريقةٍ أفضل قصة «ديفيد كوبرفيلد» الجميلة، وهو يحكيها بنفسه. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الثالث غُرباء في المنزل القديم عندما اقتربَا من البيت العتيق الحبيب إليهما، ومرَّا بأماكنَ مألوفةٍ، ازدادت حماسةُ ديفيد للغاية، وأخذ يَلفِت انتباه بيجوتي إلى تلك الأماكن، ويُبدي مدى تَوْقه للارتماء بين ذراعَي أمه. ولسببٍ ما، لم تَنخرِط بيجوتي معه في فرحته العارمة، وإنما حاوَلَت أن تكبحها بهدوء، وبدتْ مرتبكةً غاضِبة. لكنهما وصلَا أخيرًا إلى منزل روكاري (هو اسم منزلهم، ويعني اسمُه: بيت الغِربان) بقرية بلاندستن؛ فأوقف الحمَّال حصانه، ونزل ديفيد وبيجوتي. انفتح الباب، ورفع ديفيد رأسه، وهو بين ضحكٍ وبكاءٍ، كي يرى أمَّه؛ لكنْ لم تكن أمُّه تلك التي عند الباب. لقد كانت خادمةً غريبة. صاح ديفيد بنبرةٍ حزينةٍ قائلًا: «يا إلهي، بيجوتي! ألم تأتِ أمي إلى البيت؟» قالت بيجوتي: «بلى، بلى يا سيد ديفي، لقد عادت إلى البيت. انتظر قليلًا يا سيد ديفي، وسوف … سوف أُخبركَ أمرًا.» كانت بيجوتي في حالةٍ شديدةٍ من القلق. ثم أمسكتْ ديفيد من يده، وأخذتْه إلى المطبخ، وأغلقت الباب. صاح ديفيد في ذُعرٍ شديد: «بيجوتي! ما المُشكلة؟» أجابت بيجوتي، وهي تُحاول الكلامَ بنبرةٍ مُبتهِجة: «ما من مشكلةٍ يا سيدي العزيز ديفي، باركك الله.» «بل هناك مشكلةٌ، أنا متأكدٌ من هذا. أين أمي؟» ردَّدت بيجوتي كلامه قائلةً: «أين أمك، يا سيد ديفي؟» قال ديفيد: «نعم، لماذا لم تخرج إلى البوابة، ولماذا أتينا إلى هنا؟ آهٍ يا بيجوتي!» وبدأ يَرتجِف. «بوركت أيها الغالي! ما الأمر؟ تكلَّم يا حبيبي!» «لم تمُت، هي الأخرى! آه، هل ماتت يا بيجوتي؟» صاحت بيجوتي قائلةً: «لا.» ثم قالت له، وهي تلهث، إنه قد أفزعها للغاية. وأضافت، عندما هدأت: «أتدري يا عزيزي، كان يجدر بي أن أُخبرك قبل الآن، لكن لمْ تُتَح لي الفرصة. ربما كان ينبغي لي أن أصنع أنا تلك الفرصة، لكنَّني لم أستطع أن أتذكرها.» ألحَّ عليها ديفيد قائلًا، وقد تملَّكه الخوفُ أكثر من ذي قبل: «أكملي يا بيجوتي.» قالت بيجوتي وهي تحلُّ قلنسوتها بيدٍ مرتعشة: «سيد ديفي، ما رأيُك؟ لقد أصبح لديك أب! واحدٌ جديد!» ردَّد ديفيد كلامها: «واحدٌ جديد!» التقطت بيجوتي أنفاسها، وقالت وهي تمدُّ يدها: «تعالَ لتراه.» «لا أريد أن أراه.» قالت بيجوتي: «ووالدتك.» أخذته بيجوتي إلى الردهة، وتركته هناك. حيث كانت أمُّه تجلس على أحد جانبَي المدفأة؛ وعلى الجانب الآخر يجلس الرجلُ ذو السالفين الأسودين. لقد تزوَّجت السيدة كوبرفيلد السيدَ ميردستون. تركت السيدة كوبرفيلد ما كان في يدها من أعمال التطريز، ونهضت مسرعةً، ولكن بتهيُّبٍ، لاستقبال ابنها الصغير. قال السيد ميردستون: «والآن يا كلارا، يا عزيزتي، تحكَّمي في أعصابك. أيها الولد ديفي، كيف حالُك؟» صافحه ديفيد. ثم ذهب وقبَّل أمه. فقبَّلتْه أمُّه هي الأخرى، وربتت برفقٍ على كتفه، وعادت لما كان في يدها من أعمال التطريز ثانيةً، وكأنما كانت تَخشى أن تُظهِر مدى شِدة حبِّها لابنها الصغير أمام زوجها. شعر ديفيد بذهولٍ شديد. وهو يعلم أن السيد ميردستون ينظر إلى كلٍّ منهما، فاستدار إلى النافذة وراح ينظر خارجها. ثم انسلَّ ديفيد إلى الطابق العلوي حالَما أُتيحت له الفرصة. ولم يدخل إلى غرفة النوم القديمة الحبيبة. حيث أصبحت له غرفة نومٍ غيرها الآن. كم تغير كلُّ شيء! لم يعُد المكان يُشبه البيت القديم في شيءٍ تقريبًا. نزل ديفيد إلى الطابق السُّفلي، وراح يتجوَّل في الفناء؛ لكنَّ بيت الكلب الخالي أصبح به كلبٌ أسود كبير، وقد ثار غضبُه جدًّا عندما رأى ديفيد، وقفز خارج البيت ليصل إليه. فعاد ديفيد مُسرعًا إلى غرفة نومه، وظلَّ طوال المسافة إلى الطابق العُلوي يسمع نباح الكلب في الفناء. كان قلبه مثقلًا بحزنٍ كبير؛ يا إلهي! يا لها من عودةٍ إلى المنزل! جلس ديفيد على طرف سريره وراح يتذكر الصغيرة إيميلي، وتمنَّى لو أنهم تركوه معها؛ لأنه يبدو ألَّا أحد يريده هنا. لقد أحسَّ بتعاسةٍ كبيرة، وفي النهاية غطَّى نفسه بأحد أطراف غطاء السرير، وراح يبكي إلى أن نام. استيقظ ديفيد في النهاية على صوتٍ يقول: «ها هو ذا.» وأزال شخصٌ ما غطاءَ السرير من على رأسه. وحينئذٍ وجد أن والدته وبيجوتي قد جاءتَا تبحثان عنه. قالت أمُّه: «ديفي، ما المشكلة؟» اعتقد ديفيد أنه من الغريب أن تسأله أمُّه هذا السؤال؛ وأدار وجهه ليُخفيَ شفتَيه المرتجفتَين. قالت أمُّه ثانيةً: «ديفي، ديفي، يا بُنيَّ.» لكنَّ ديفيد خبَّأ وجهَه في كسوة السرير، وأبعد أمَّه عنه بيده. قالت والدةُ ديفيد: «بيجوتي، هذه فعلتُكِ، أنتِ أيتها القاسية.» هكذا راحت تصيح متهمةً إيَّاها بأنها حاولت أن تجعل ابنها يتحامل عليها. قالت بيجوتي: «سامحكِ الله يا سيدة كوبرفيلد، وأرجو ألا تندمي أبدًا على ما قُلتِه الآن!» قالت والدة ديفيد: «يكفي تشويشًا لي … في شهر العسل أيضًا، بينما كان من الممكن أن أحظى بقليلٍ من راحة البال والسعادة.» ثم صاحت وهي تُدير رأسها بينهما بطريقتها العنيدة الشبيهة بتصرفات البنات: «ديفي، أنت أيها الولد السيئ السلوك! وأنت يا بيجوتي!» فجأةً أحسَّ ديفيد بلمسةِ يدٍ علِم أنها لم تكن يدَ أمه ولا يدَ بيجوتي، فانزلق واقفًا على قدمَيه بجوار السرير. حيث كانت يد السيد ميردستون، وظلَّ ممسكًا ذراع ديفيد بها، وقال: «ما هذا؟ كلارا، حبيبتي، هل نسيتِ؟ الثبات يا عزيزتي!» قالت والدة ديفيد بتلعثم: «أنا آسفةٌ جدًّا يا إدوارد. كنتُ أريد أن أكون في أحسن حال، لكنني منزعجةٌ جدًّا.» قال السيد ميردستون: «فعلًا! هذا خبرٌ سيئ وقد جاء قبل أوانه.» ثم جذبها إليه، وهمس بشيءٍ في أُذنها، وقبَّلها، وأضاف قائلًا: «انزلي أنتِ يا حبيبتي؛ سوف أنزل أنا وديفيد معًا.» ثم التفت إلى بيجوتي عابسًا وقال: «صديقتي، هل تعلمين اسم سيدتِك؟» قالت بيجوتي: «إنها سيدتي منذ وقتٍ طويلٍ يا سيدي. ينبغي أن أكون على علمٍ به.» أجابها: «هذا صحيح، لكنني وأنا صاعدٌ على الدَّرَجِ، سمعتُكِ تُخاطبينها باسمٍ غير اسمها. ألا تعلمين أنها قد أصبحتْ تحمل اسمي، هل ستَتذكرين هذا؟» انحنت بيجوتي، دون رَدٍّ، ثم خرجت من الغرفة، وهي تنظر إلى ديفيد نظراتٍ خائفةً عَجلى؛ وعندما أصبح الاثنان بمفردهما، جلس السيد ميردستون على كرسيٍّ وأوقف ديفيد أمامه. وقال: «ديفيد، لو كان عليَّ التعاملُ مع حصانٍ أو كلبٍ عنيد، ماذا تظنني سأفعل؟» «لا أدري.» «سأضربه.» وهنا شهق ديفيد. «سأجعله يجفل ويتألَّم ألمًا شديدًا. ما هذا الذي على وجهِك؟» قال ديفيد: «إنه متسخ.» لأن قلبه الطفوليَّ كان سيتفطَّر حزنًا قبل أن يعترف بأن البقع التي على وجهه كانت من أثر الدموع. ابتسم السيد ميردستون. وقال وهو يشير إلى حوض الاغتسال: «اغسل هذا الوجه أيها السيد، وتعالَ معي إلى الأسفل.» ففعل ديفيد ما أمره به، ثم أخذه السيد ميردستون إلى الردهة بالطابق السفلي، ويده لا تزال ممسكةً بذراعه. وقال: «كلارا، عزيزتي، لن يُزعجكِ شيءٌ بعد الآن، أرجو ذلك. قريبًا سنُحسِّن من سلوك فتانا.» كان ديفيد يعلم أنَّ أمه حزينة لرؤيته وهو يبدو خائفًا وغريبًا هكذا، وعندما انسلَّ إلى أحد المقاعد، أحسَّ بها تتبعه بعينيها بحزنٍ أشد؛ لكنها بدتْ أكثر تهيبًا من أن تضمَّه بين ذراعيها وتُقبِّله كما كانت تحب أن تفعل. ثم تناولوا العشاء بمفردهم … هم الثلاثة معًا. وقد بدا السيد ميردستون مغرمًا للغاية بزوجته الشابة الجميلة، وهي كذلك. لكنَّ هذا لم يزد ديفيد حُبًّا له عن ذي قبل مطلقًا. وقد استنتج من كلامهما أنهما كانَا يترقبان مجيء أخت السيد ميردستون الكبرى لتُقيم معهم تلك الليلة. وبعد العشاء توقفتْ عربةٌ أمام الباب، وخرج السيد ميردستون لاستقبال أخته. حينئذٍ احتضنتْ ديفيدَ والدتُه بين ذراعيها وقبَّلتْه بحنانٍ، وقالت له هامسةً إنَّ عليه أن يحبَّ أباه الجديد وأن يُطيعَه؛ ثم مدَّت يدها وراءها، وأمسكت يده في يدها، وخرجت معه وهما على هذه الهيئة إلى الحديقة. كانت الآنسة ميردستون سيدةً كئيبة المظهر؛ عابسةً مثل أخيها، كما تُشبهه كثيرًا في وجهه وصوته. سألت الآنسةُ ميردستون، بعدما أدخلوها إلى الردهة: «هل هذا هو ابنُكِ يا زوجةَ أخي؟ أنا لا أحب الصبيان. كيف حالك يا ولد؟» وكان من الواضح أن الآنسة ميردستون قد جاءت لتمكث إلى الأبد. وفي صباح أول يومٍ بعد وصولها مباشرةً قالت على مائدة الإفطار: «والآن، كلارا، عزيزتي، لقد جئتُ إلى هنا لأُريحكِ من كل عناءٍ أستطيع إراحتَكِ منه. إنكِ أكثرُ جمالًا وطيشًا بكثيرٍ مِن أن يُفرض عليكِ أيُّ واجباتٍ أستطيع أنا التكفلَ بها. إذا تكرمتِ بإعطائي مفاتيحَكِ يا عزيزتي، فسأُعنى بكلِّ هذه الأمور في المستقبل.» وهكذا تسلَّمت الآنسةُ ميردستون المفاتيح، وشرعتْ في إفراغ محتويات غرفة الخزين وجميع الخزانات، وتنظيم كل شيءٍ على هواها؛ وهمَّشتْ زوجةَ أخيها تمامًا. لم يُعجب هذا والدةَ ديفيد كثيرًا، وحاولت أن تعترض؛ وفي النهاية تكلَّمتْ فجأةً ذات يومٍ وقالت: «إنه أمرٌ صعبُ الاحتمال للغاية ألَّا أستطيع وأنا في منزلي أن …» ردَّد السيد ميردستون كلامها: «منزلي؟ يا كلارا!» قالت متلعثمة، ومن الواضح أنها كانت مذعورةً: «أعني منزلنا. إنه لصعب الاحتمال للغاية ألَّا أستطيع، وأنا في منزلك يا إدوارد، أن أقول كلمةً واحدةً بشأن الأمور المنزلية. أنا متأكدةٌ أنني كنتُ أفعل هذه الأشياء جيدًا جدًّا من دون مساعدةٍ قبل زواجنا.» قالت الآنسة ميردستون: «إدوارد، فلننتهِ من هذا الأمر. أنا راحلةٌ غدًا.» غضب السيد ميردستون للغاية بسبب ذلك، وأخذت والدةُ ديفيد تبكي، وفي النهاية طلبت من الآنسة ميردستون أن تُسامحها، وطلبت منها بتواضُعٍ أن تحتفظ بالمفاتيح، وقبَّلتْها، وحاولتْ أن تُصالحها. شعر ديفيد بحزنٍ كبيرٍ على والدته لدرجة أنه ظلَّ يبكي حتى نام. وبعد هذا تركت الزوجةُ المسكينة الصغيرةُ إدارةَ منزلها كله في يدي الآنسة ميردستون، ولم تعُد إلى الاعتراض مطلقًا. وقد اعتاد ديفيد أن يتساءل، كلما ساروا إلى المنزل عائدين من الكنيسة — السيد والآنسة ميردستون في المقدمة، والزوجة الصغيرةُ بينهما، وديفيد نفسه يسير خلفهم متباطئًا — إن كان الجيرانُ قد تذكروا قط، مثلما يتذكر هو دائمًا، كيف كان يسير هو ووالدتُه عائدَين إلى المنزل وكلٌّ منهما ممسكٌ بيد الآخر في محبةٍ وسعادةٍ كبيرتين وهما معًا. لقد ولَّى ذلك الزمنُ السعيد إلى الأبد! لقد كان يرى الجيران يتهامسون أحيانًا، ويُنقِّلون أبصارهم بينها وبينه. وعندما ينظر إليها يجد أن مِشيتها لم تعُد رشيقةً للغاية كما كانت من قبل، وأن وجهها الذي كان يومًا ما يُشبه وجوه البنات أصبحتْ تكسوه نظرةٌ قلِقةٌ حزينة. كان ديفيد يتعلم دروسه على يد أمِّه مثلما يفعلان دائمًا، لكن لأن السيد والآنسة ميردستون كانا موجودَين عادةً في الغرفة؛ فقد أصابه وجودهما بالتوتر، وأصبحت دروس الجغرافيا أو التهجئة التي كان يبذل جهدًا كبيرًا للغاية كي يتعلَّمَهما تطير من رأسه، وأخذ يتلعثم ويُخطئ. كان يجول في خاطره، في تلك الأوقات، أن أمَّه لو امتلكت الجسارة لأرتْه الكتاب. وفي الواقع، لقد كانت تُحاول أحيانًا أن تُلمح له بالكلمةِ عن طريق تحريكِ شفتيها أمامه دون أن تُصدر صوتًا. «كلارا!» لكن صرخة الاحتجاج هذه كانت تَنطلق من فم السيد ميردستون؛ حيث تَنتفض والدةُ ديفيد فزَعًا، ويحمرُّ وجهُها خجلًا، وتُحاول أن تَبتسم. حينئذٍ كان السيد ميردستون يأخذ الكتاب منها، ويرميه على ديفيد، أو يَلكم به أُذنيه، أو يدفعه في كتفيه ويطرده خارج الغرفة. جعلت هذه المعاملة ديفيد غاضبًا ومتبلدًا وعنيدًا؛ خاصةً لأن السيد والآنسة ميردستون كانَا يُبعدانه عن أمِّه كلما سنحت لهما الفرصة. لكنه برغم هذا لديه مصدرُ سُلوانٍ لم يكن السيد ولا الآنسة ميردستون يعرفان عنه شيئًا؛ ومنبعُ سرورٍ، كذلك، ما كانا يستطيعان أن يسلباه منه. كان الأمر كالآتي. في غرفةٍ صغيرةٍ مجاورةٍ لغرفته، في الدور العلوي، ويستطيع دخولها متى شاء، وجدَ مجموعةَ كتبٍ كان يمتلكها أبوه المتوفى. يا إلهي! يا لتلك الكتب البهيجة! فكلما أحسَّ بضيقٍ ينسلُّ إلى الأعلى ويقرأ هذه الكتب؛ يا لها من كتب! «مغامرات رودريك راندوم»، «مغامرات بيراجرِن بيكل»، «بعثة هامفري كلينكر»، «روبنسون كروزو»، «ألف ليلة وليلة»، وعددٌ كبيرٌ من الكتب الأُخرى التي حفظها عن ظهر قلب. وكان بطريقته الصبيانية يتخيل نفسه رودريك راندوم، أو يُحاكي روبنسون كروزو، وقد وجد بهذا قدرًا كبيرًا من العزاء. وفي صباح أحد الأيام دخل ديفيد بكتبه إلى الردهة، فرأى على وجه أمِّه علاماتِ قلقٍ كبير، بينما راح السيد ميردستون يُلوِّح بعصًا في الهواء، وسمعه ديفيد يقول: «لقد ضُربتُ أنا نفسي بالعصا مِرارًا.» لا شك أن هذا جعل ديفيد أكثر توترًا وبلادةً من أيِّ وقتٍ مضى، وبدأ يُخطئ أخطاء كثيرةً في دروسه. وقد كانت الدروس تُدَّخر له درسًا بعد الآخر ليذاكرها من جديد، إلى أن انفجرت أمُّه في البكاء. قالت الآنسة ميردستون بنبرة تحذير: «كلارا!» قالت الأم متلعثمة: «أظن أنني لستُ على ما يرام.» قال السيد ميردستون وهو يرفع العصا: «ديفيد، سوف تصعد معي إلى الطابق العُلوي، أيها الولد.» مدَّت الأم ذراعَيها وجرت خلفهما إلى الباب؛ لكنَّ الآنسة ميردستون أوقفتها، ورآها ديفيد وهي تضع أُصبعيها في أُذنيها، وسمعها تبكي. أخذ السيدُ ميردستون ديفيد إلى الطابق العلوي، وعندما وصلَا إلى غرفته أمسك برأس ديفيد تحت ذراعه. صاح ديفيد: «سيد ميردستون! سيدي! لا تفعل! أرجوك لا تضربني! لقد حاولتُ أن أتعلم يا سيدي، لكنني لا أستطيع التعلم عندما تكون أنت والآنسة ميردستون موجودَين. لا أستطيع بالفعل.» قال السيد ميردستون: «ألا تستطيع حقًّا يا ديفيد؟ سنُجرِّب هذا.» حينئذٍ ارتفعت العصا وهوَتْ عليه بقوة، وفي اللحظة نفسها وضع ديفيد يد السيد ميردستون بين أسنانه، وعضَّها بشدة. وعندها ضربه السيد ميردستون وكأنما سيَضربه حتى الموت. فراح ديفيد يصرخ، وسمع الآخرين يجرون إلى الدور العلوي. كما سمع أمَّه وهي تصرخ؛ وبيجوتي كذلك. بعد ذلك تركه السيد ميردستون وأغلق الباب، وانهار ديفيد على الأرض باكيًا مُتألمًا غاضبًا. بعد قليلٍ بدأ غضبُه يفتر، وبدأ يعتقد أنه كان مُؤذيًا جدًّا عندما عضَّ يد السيد ميردستون. فجلس يستمع؛ لكنه لم يسمع أيَّ صوت. ثم أخذ يحبو ببطءٍ حتى نهض من على الأرض، ونظر إلى وجهه في المِرآة، فرآه متورمًا ومحمرًّا وملطخًا للغاية؛ وقد كان جسمه متقرحًا ومتيبسًا جدًّا من أثر الضرب لدرجة أن الحركة كانت تؤلمه ألمًا شديدًا؛ لكنه راح يحبو حتى وصل إلى النافذة وأسند رأسه على حافتها، وراح ينظر بخمولٍ خارج النافذة، وظلَّ يراوح بين البكاء والإغفاء. كان الظلام قد بدأ يملأ الغرفةَ عندما أُدير مفتاحُ الباب، ودخلت الآنسة ميردستون بغطرسة ومعها بعضُ الخبز واللحم واللبن. لم تقل الآنسة ميردستون كلمةً واحدة، وإنما نظرت إليه ببرود؛ ثم خرجت مرةً أخرى وأغلقت الباب. ظل ديفيد جالسًا في غرفته حتى أظلم الجو تمامًا، وظلَّ يتساءل إن كان أيُّ أحد آخر سيأتي إليه؛ ثم خلع ملابسه وزحف إلى فراشه. وبدأ يشعر بالخوف، وهو يرقد في فراشه، بسبب ما فعله، وراح يتساءل عمَّا سيفعلون به. هل كان ما فعله جريمة؟ وهل سيأتي شرطيٌّ ليأخذه إلى السجن؟ لم يدرِ. في صباح اليوم التالي وقبل نهوض ديفيد من فراشه ظهرت الآنسة ميردستون من جديد، وقالت له بفتورٍ إنَّ بإمكانه أن يتمشَّى مدةَ نصف ساعةٍ في الحديقة. بعد ذلك كان عليه أن يعود إلى غرفته مرةً أخرى؛ وفي المساء جاءت إليه ورافقته إلى الردهة بالأسفل للمشاركة في صلوات العائلة، حيث كان عليه أن يجثوَ على ركبتَيه من أجل الصلاة بعيدًا عن الآخرين، بقرب الباب. ولم يُسمَح لأمه بالحديث معه؛ بينما كانت يد السيد ميردستون ملفوفةً في ضمادةٍ كبيرةٍ من الكتان. لو أنه رأى أمَّه بمفردها لكان جثَا على ركبتيه راجيًا عفوها؛ لكنه لم يرها بمفردها مطلقًا. وقد ظلَّ حبيس غرفته طيلة خمسة أيام، وفي الليلة الخامسة، بعدما ذهب إلى النوم، استيقظ على صوتِ شخصٍ ما يهمس باسمه. فانتفض ديفيد من مكانه، وتلمس طريقه إلى الباب ووضع فمه على ثقب المفتاح، وهمس قائلًا: «هل هذه أنتِ يا عزيزتي بيجوتي؟» ردَّت بيجوتي: «نعم يا حبيبي الغالي ديفي. أَبقِ صوتكَ خفيضًا كصوت الفأر وإلَّا فستَسمعنا القطة.» عرف ديفيد أنها تَقصد الآنسةَ ميردستون. وقال: «كيف حال أمي، يا عزيزتي بيجوتي؟ هل هي غاضبةٌ عليَّ كثيرًا؟» كانت بيجوتي تتكلَّم بصوتٍ خفيضٍ على الجانب الآخر من ثقب المفتاح، وقالت: «لا. ليس كثيرًا.» «ماذا سيحدث لي يا بيجوتي، هل تعلمين؟» جاءتْ همسةُ بيجوتي من ثقب المفتاح قائلةً: «مدرسة. بقرب لندن.» «متى يا بيجوتي؟» «غدًا.» «ألن أرى أمي؟» همست بيجوتي: «بلى ستراها، في الصباح» ثم قرَّبت فمها من ثقب الباب، وقالت في جمل مفكَّكة: «ديفي، عزيزي. إذا كنتُ لم أتعامل معك بوُدٍّ. مؤخرًا، كما كنتُ من قبل. هذا ليس لأنني لا أُحبك. كما كنتُ من قبل وأكثر، يا حبيبي الجميل. لكن لأنني ظننتُ أن هذا أفضل لك. ولشخصٍ آخر كذلك. ديفي، حبيبي، هل تسمعني؟ هل تستطيع سماعي؟» قال ديفيد وهو يبكي: «ﻧﻌ… ﻧﻌ… نعم يا بيجوتي.» قالت بيجوتي بحُنوٍّ عظيمٍ للغاية: «عزيزي، ما أريد قوله هو. عليك ألَّا تنساني أبدًا. لأنني لن أنساك أبدًا. وسوف أعتني بوالدتك يا ديفي. كما كنتُ أعتني بك دائمًا. ولن أتركها أبدًا. وسوف أُراسلك يا عزيزي. وسوف … سوف.» انكبَّت بيجوتي على ثقب المفتاح تُقبِّله، لأنها لم تستطع تقبيل ديفيد نفسه. «أشكركِ يا عزيزتي بيجوتي. آه، أشكركِ! أشكرك. هل تعدينني بشيءٍ يا بيجوتي؟ هل تكتبين رسالةً للسيد بيجوتي والصغيرة إيميلي، والسيدة جوميدج وهام تُخبرينهم فيها أنني لستُ سيئًا للغاية كما قد يظنُّون، وأنني أبعث لهم جميعًا مودتي؛ وخصوصًا للصغيرة إيميلي؟ هل تفعلين هذا، لو تكرمتِ يا بيجوتي؟» وعدتْه الطيبةُ الكريمة بيجوتي أن تفعل، وقبَّل الاثنان ثقب المفتاح بحُبٍّ كبير. وفي الصباح ظهرت الآنسة ميردستون كالمعتاد، وأخبرت ديفيد أنه سيذهب إلى المدرسة. فلم يَقُل لها ديفيد إنه خبرٌ قديم. ونزل معها إلى الردهة حيث كان عليه أن يتناول إفطاره؛ وهناك وجد أمَّه، التي كانت شاحبةً للغاية، وعيناها حمراوان. فجرى ديفيد وارتمى بين ذراعيها، وراح يرجوها أن تسامحَه. قالت: «يا إلهي، يا ديفي! لا أُصدق أنك تستطيع إيذاءَ أيِّ شخصٍ أُحبه! حاول أن تكون أفضل من هذا. لقد سامحتُك؛ لكنني حزينةٌ للغاية يا ديفي لأنك تَحمل في قلبك مثل هذه المشاعر السيئة.» هذا لأن السيد والآنسة ميردستون كانَا قد صوَّرا لها ديفيد على أنه ولدٌ مؤذٍ، لا يستحق رحمتَها وحبَّها. حاول ديفيد أن يتناول إفطاره، لكنَّ الدموع سقطت على شطيرة الزبد، وسالتْ داخل فنجان شايه. رأى ديفيد أمَّه تنظر إليه بشفقةٍ، لكنَّ الآنسة ميردستون نظرت إليها، فحوَّلتْ أمُّه عينَيها عنه. بعد قليلٍ سُمع صوتُ عربةٍ أمام البوابة. وسمع ديفيد الآنسةَ ميردستون تقول: «ضع حقيبة السيد كوبرفيلد هناك!» فجاء باركس، الحمَّالُ، ورفعها من على الأرض ووضعها داخل عربته. قالت والدة ديفيد وهي مُمسكةٌ به: «مع السلامة يا ديفي. إنكَ ذاهبٌ إلى هناك من أجل مصلحتك. مع السلامة يا بُني. لقد سامحتُك يا ولدي الحبيب. باركك الله.» قاطعتْها الآنسةُ ميردستون: «كلارا!» فتركته والدتُه، وأوصلته الآنسة ميردستون إلى العربة وقالت إنها ترجو له أن يتوب قبل أن يَنتهيَ به المطافُ إلى نهايةٍ سيئةٍ بسبب أفعاله. لم يرَ ديفيد بيجوتي في أيِّ مكان، ولم يظهر السيدُ ميردستون. ركب ديفيد العربة، وراح الحصانُ الكسولُ الذي أوصله في ذلك اليوم البهيج إلى يارمث، يجرُّ قدميه جرًّا كعادته مُبتعدًا عن المنزل. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الرابع السفر بالعربة ربما ساروا مسافة نصف ميلٍ تقريبًا قبل أن يتوقَّف الحمَّال فجأة. وعندما نظر ديفيد من نافذة العربة ليعرف ما الذي منعه من مواصلة السير رأى بيجوتي تخرج من وراء سياجٍ وتُسرع نحوهما، وتصعد إلى العربة. أخذته بيجوتي بين ذراعيها وقبَّلتْه وضمَّتْه؛ لكنها كانت تَلهث بشدةٍ بحيث لم تستطع قول كلمةٍ واحدة. ثم أفلتت إحدى ذراعيها، ودسَّتْه في جيبها حتى مرفقها، وأخرجت بعضَ الأكياس الورقية المليئة بالكَعك، وحَشَتْ بها جيوب ديفيد، ومحفظةً وضعتْها في يده. ثم احتضنتْه مرةً أخرى ونزلت من العربة وأسرعت بالانصِراف. قال الحمَّال للحصان الكسول: «هيَّا.» وراح الحصان يَسير مُتثاقلًا من جديد. بكى ديفيد حتى لم يَعُد يستطيع البكاء، واقترح عليه باركس، عندما نظر إليه، أن ينشر منديله المبلَّل فوق ظهر الحصان ليجف. أعطاه ديفيد إياه، ونشره الحمَّال على ظهر الحصان؛ وعندما نظر ديفيد في المحفظة التي أعطتها له بيجوتي وجد بها ثلاثة شلنات لامعة. وفي جزءٍ آخر منها وجد قطعتي نقدٍ من فئة نصف الكراون ملفوفتَين في قُصاصة ورقٍ كُتب عليها بخط والدته: «من أجل ديفي، مع حُبِّي.» تأثر ديفيد تأثرًا شديدًا لدرجة أنه بدأ يبكي من جديد، وطلب من الحمَّال أن يُناوله منديله من على ظهر الحصان. لكنَّ باركس قال إنه يعتقد أنه سيكون أفضل من دونه؛ لذا جفَّف ديفيد عينَيه بكُمَّيه بدلَ المنديل، وتوقف عن البكاء. بعد ذلك تكلَّم الاثنان قليلًا، وقال باركس إنه ذاهبٌ إلى مدينة يارمث فقط. وقال: «وهناك، سأُوصِّلُك إلى عربة السفر العمومية، وستوصلك عربة السفر إلى … حيثما ستذهب.» بعد ذلك قدم ديفيد كعكةً من الكعك الذي معه لباركس، فالتهمها باركس مرةً واحدةً، مثلما يفعل الفيل تمامًا. ثم سأل ذلك الحمَّالُ، وهو مُنحنٍ إلى الأمام انحناءته المترهلة المعتادة: «هل صنعتْه الآن؟» «أتقصد بيجوتي؟» قال باركس: «نعم! هي.» «نعم. إنها تصنع جميع معجناتنا وتطهو الطعام كله.» قال باركس: «هل هي مع ذلك؟» وضم شفتيه ليُصفر، لكنه لم يُصفر، وراح ينظر إلى أُذُنَي الحصان. ثم سأل بعد فترةٍ ليست بالقليلة: «ما من محبوب، على ما أظن، أليس كذلك؟» قال ديفيد: «ما من ماذا؟ أتقصد الحلوى يا سيد باركس؟» وكان يظن أنه يريد المزيد من الطعام. قال باركس: «محبوب، حبيب؛ ما من رجلٍ في حياتها!» «حياة بيجوتي؟» «نعم! هي.» «يا إلهي، لا. لم يكن في حياتها حبيبٌ قط.» قال باركس: «ألم تكن مع ذلك؟» ومن جديدٍ ضمَّ شفتيه ليصفر، ولم يصفر كذلك، وإنما جلس ينظر إلى أذني الحصان. وقال: «إذن هي التي تصنع جميع فطائر التفاح، وتطهو الطعام كله، أليس كذلك؟» قال ديفيد نعم. قال باركس: «حسنًا، اسمع، لعلَّك سترسل لها رسالة، أليس كذلك؟» أومأ ديفيد برأسه أنه سيفعل. قال باركس ببطءٍ، وقد حوَّل عينيه إلى ديفيد: «نعم! حسنًا! إذا كتبتَ لها، فلعلك تتذكر أن تقول لها إن باركس راغب؛ أتسمح؟» «إن باركس راغب. هل هذه هي كل الرسالة؟» قال باركس وهو يُفكر: «ﻧﻌ… عم، ﻧﻌ… عم. باركس راغب.» «لكنك ستعود إلى بلاندستن مرةً أخرى غدًا يا سيد باركس، وتستطيع إيصال رسالتك بطريقةٍ أفضل من هذا بكثير.» لكن باركس لم يَزِد على أن هزَّ رأسه وردد قائلًا: ««إن باركس راغب.» هذه هي الرسالة.» وهكذا أثناء جلوسهما في الفندق في مدينة يارمث يَنتظِران وصول عربة السفر، أحضر ديفيد ورقة ومُحبرةً، وكتب هذه الرسالة لبيجوتي: عزيزتي بيجوتي. لقد وصلتُ إلى هنا سالِمًا. إن باركس راغب. أبلغي حُبِّي لأمي. المُخلص لكِ ديفيد. ملحوظة: إنه يقول إنه يُريد على وجه التحديد أن تعلمي أن «باركس راغب». بعد قليلٍ سألت مالكةُ الفندق إن كان هذا هو السيد الصغير من قرية بلاندستن، وعندما اكتشفت أنه هو، دقَّت جرسًا واستدعتْ نادلًا ليأخذ ديفيد إلى غرفة القهوة. أدخله النادل غرفةً كبيرةً مستطيلةً، وفرَشَ غطاء مائدةٍ، وأحضر بعض الخضروات وشرائح اللحم، ووضع كرسيًّا لديفيد عند المنضدة، وقال برقةٍ: «والآن يا فارع الطول! تفضَّل!» جلس ديفيد على كرسيِّه، لكنه كان مرتبكًا للغاية من النادل الواقف أمامه والذي راح يُحدِّق فيه، حتى إنه سكب مرق اللحم على نفسه، فاحمرَّ وجهه جدًّا من الخجل. قال النادل: «هناك نصف لتر من عصير الفاكهة من أجلك. هل ستشربُه الآن؟» شكره ديفيد، وقال: «نعم.» وعلى إثر ذلك صبَّ النادلُ العصير من دورقٍ كان معه في قدح كبيرٍ، ورفعه في ضوء المصباح. وقال: «يا للعجب! يبدو قدرًا كبيرًا من العصير، أليس كذلك؟» وافقه ديفيد الرأيَ، وسُرَّ للغاية عندما وجده رجلًا لطيفًا هكذا. قال النادل: «كان هنا رجلٌ بالأمس، رجلٌ قويُّ البنية، يُدعى توبسْوير؛ لعلك تعرفه؟» قال ديفيد: «لا.» قال النادل: «كان يَرتدي بنطالًا قصيرًا من بناطيل ركوب الخيل وحذاءً طويلًا، وقبعة عريضة الحافة، وربطة عنق مُنقَّطة.» كرَّر ديفيد إجابته باستحياء: «لا.» قال النادل: «لقد دخل إلى هنا، وطلب كأسًا من هذا العصير — وقد نصحتُه بألَّا يفعل — لكنه شربه، وسقط ميِّتًا.» ارتاع ديفيد للغاية، وقال إنه يظن أنه ينبغي له الحصول على بعض الماء. قال النادل وهو ينظر إلى قدح الشراب وإحدى عينيه مغلقة: «يا للعجب، أتدري، إن صاحبة الفندق لا تُحب أن يَطلب الزبائن الأشياء ثم يتركونها. إن هذا يُضايقها. لكنني سأشربه إذا أحببتَ. أنا متعودٌ عليه، والتعود هو الأهم في هذه الأمور. لا أظن أنه سيُؤذيني إذا ألقيتُ رأسي إلى الوراء وابتلعتُه بسرعة. أتسمح لي؟» قال له ديفيد إنه إذا كان متأكدًا من أنه لن يؤذيَه، فسيكون ممتنًّا له للغاية. وعندما ألقى النادلُ رأسه إلى الوراء، وابتلع العصير بسرعةٍ، راح ديفيد يراقبه بشيءٍ من الذعر خشيةَ أن يسقط ميتًا هو الآخر. لكن العصير لم يؤذِه. في الواقع، وعلى عكس ما توقعه ديفيد تمامًا، لقد بدا النادلُ أكثر نشاطًا بعدما شربه. قال النادل وهو يضع شوكةَ طعامٍ في الطبق: «ماذا لدينا هنا؟ أليست هذه شرائح لحم؟» قال ديفيد: «بلى، شرائح لحم.» هتف النادل قائلًا: «يا إلهي! لم أكن أعرف أنها شرائح لحم. يا للهول، إن شريحة اللحم تحديدًا هي ما يُزيل الآثار السيئة لهذا العصير! أليس هذا من حُسن الحظ؟» وهكذا أمسك شريحة لحمٍ من ضلعها بيدٍ، وقطعة بطاطسٍ في اليد الأخرى، وراح يأكل بشهيةٍ مفتوحةٍ جدًّا. بعدما انتهت شرائحُ اللحم، أحضر النادلُ حلوى البودينج، وعندما وضعها أمام ديفيد، بدا شاردَ الذهن للحظات. ثم قال فجأةً: «ما رأيُك في الفطيرة؟» قال ديفيد: «إنها حلوى البودينج.» هتف النادل: «بودينج! يا للعجب، يا إلهي، إنها كذلك بالفعل.» ثم نظر إليها عن قربٍ أكثر وقال: «ماذا! لا تقل لي إنها حلوى البودينج المخفوقة!» «بلى، إنها هي بالفعل.» قال النادل وهو يتناول ملعقةً من ملاعق المائدة: «يا للعجب، بودينج مخفوق، إنها النوع المفضل عندي من حلوى البودينج! أليس هذا من حسن الحظ! هيَّا أيها الصغير، لنرَ مَن منَّا سيأكل أكثر من الآخر.» بالتأكيد أكل النادل النصيبَ الأكبر. وقد توسل إلى ديفيد أكثر من مرةٍ كي ينخرط في السباق ويفوز، لكن بسبب كِبر ملعقة المائدة التي كانت معه مقارنةً بملعقة الشاي التي كانت مع ديفيد، وبسبب انفتاح شهيته الكبير مقارنةً بشهيةِ ديفيد، فقد جاء الصبي الصغير في ذيل السباق. بعد قليلٍ دوَّى نفيرُ عربة السفر في الساحة؛ وبينما يساعدُ شخصٌ ما ديفيد على صعود العربة من جهتها الخلفية، سمع صاحبة الفندق تقول للحارس: «اعتنِ بهذا الطفل يا جورج وإلَّا سينفجر!» وفي تلك اللحظة خرجت بعضُ خادمات الفندق لينظرن إليه، ويضحكْن. كنَّ يحسبنه هو الذي أكل كلَّ شرائح اللحم وكل البطاطس التي كانت في الطبق، وحلوى البودينج كلها. وعندما استحثَّ سائق عربة السفر جيادَه على المسير بلسعات سوطه وصاروا في الطريق إلى وِجهتهم، راح هو والحارس يتندران على ثِقل العربة خلفهما، بسبب جلوس ديفيد فيها، ويقترحان أنه كان ينبغي أن يسافر بعربة كبيرةٍ خاصة. بعد ذلك أمسك الركابُ الذين على سطح العربة قصةَ شهية ديفيد الكبيرة المزعومة، وراحوا يسألونه إن كان سيدفع في المدرسة مصروفات أخوين أو ثلاثة، وكانوا مبتهجين للغاية من القصة في الواقع. اعترى ديفيد المسكينَ شعورٌ كبيرٌ بالخجل، لدرجة أنه عندما توقفت العربة أمام فندق آخر ليتناول الركابُ العشاء، تظاهر بأنه ليس جائعًا على الإطلاق، ولم يتناول أيَّ شيءٍ على العشاء، رغم أنه كان يودُّ بشدةٍ أن يتناول بعض الطعام. لكنَّ هذا لم يُنقذه من المزيد من النكات، حيث قال رجلٌ عجوزٌ إنه مثل الثعبان العاصر الذي يتناول في وجبة واحدةٍ ما يكفيه وقتًا طويلًا. في تلك الأيام، كما أوضحتُ من قبل، لم يكن هناك سككٌ حديديةٌ على الإطلاق، وكان مَن يسافرون من مكانٍ إلى آخر يستقلون العربات دائمًا. وهم قد غادروا يارمث في الساعة الثالثة بعد الظهر، ولن يصلوا إلى لندن قبل الثامنة من صباح اليوم التالي. لكن الجو كان صيفيًّا معتدلًا، والمساء صافٍ للغاية. وقد أَحب ديفيد التنقل بالعربة عبر القرى واحدةً تلو الأخرى، وحاول أن يتخيل كيف تبدو البيوتُ من الداخل. وكان بعضُ الصِّبية يجْرون خلفهم أحيانًا ويتعلقون في المَركبة قليلًا، بينما ديفيد يتساءل إن كان آباؤهم على قيد الحياة، وإن كانوا سُعداء في بيوتهم. لقد فكَّر مدةً طويلةً كذلك في والدته وفي بيجوتي، لكنه أحسَّ وكأنه قد انقضتْ دهورٌ على مغادرته قرية بلاندستن. طلع الصبحُ أخيرًا، وبعد قليلٍ لاحت لأعينهم مدينةُ لندن العظيمة النشيطة الصاخبة، وفي الوقت المناسب وصلت العربة إلى وِجهتها أمام أحد الفنادق، في مكانٍ ما بمقاطعة وايتشابل. فسأل الحارس عند مكتب الحجز: «هل يوجد أيُّ أحدٍ هنا ينتظر وصولَ طفلٍ محجوزٍ له في عربة السفر العمومية باسم ميردستون، من قرية بلاندستن، بمقاطعة سافك، كي أسلمه له؟» لم يُجبه أحد. قال ديفيد: «لو سمحتَ يا سيدي، جرِّب اسمَ كوبرفيلد.» أعاد الحارسُ سؤاله، مُضيفًا: «لكنه ينتمي لعائلة كوبرفيلد.» لا، لم يكن هناك أحد. واقترح رجلٌ سخيف يرتدي حذاءً طويلًا أن يضعوا طوقًا نُحاسيًّا في رقبة ديفيد، وأن يربطوه في الإسطبل. بعد ذلك أُحضر سلمٌ خشبيٌّ، ونزل جميع الرُّكاب، وأُزيلت حقائب السفر، وحُررت الخيولُ من العربة. وحتى الآن لم يأتِ أحدٌ للمطالبة بالطفل المُغبرِّ القادم من قرية بلاندستن، بمقاطعة سافُك. فدخل ديفيد مكتب حجز التذاكر، وأجلسه الموظفُ على الميزان الذي توزن عليه جميع حقائب السفر؛ وجلس الفتى الصغيرُ ينظر إلى الطرود، ويتساءل عمَّا قد يحدث له إذا لم يأتِ أحدٌ لاصطحابه. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الخامس الأسابيع الأولى في مدرسة سِيلم هاوس أخيرًا دخل شابٌّ نحيلٌ شاحبٌ، غائرُ الخدين، يرتدي بدلةً لونها أسود صدئ، وأكمامها وأرجل بنطلونها قصيرة نوعًا ما، إلى المكتب وهمس في أذن الموظف، فأمال الموظفُ ديفيد من على الميزان ودفع به إلى الوافد الجديد. فأمسك الشاب يدَ ديفيد، وخرج الاثنان معًا. قال الشاب: «أنت الولد الجديد، أنا أحد مُدرِّسي مدرسة سِيلم هاوس.» أحنى ديفيد رأسه مُحيِّيًا إياه وأحسَّ برهبةٍ شديدةٍ تعتريه؛ واستحيَا للغايةِ أن يذكر شيئًا شديد الابتذال مثل حقيبته، لواحدٍ من عُلماء ومدرِّسي مدرسة سِيلم هاوس، لدرجة أنهما سارَا بعض المسافة قبل أن يَمتلك الشجاعة لكي يُلمح إليها. وهكذا رجعَا إلى المكتب، وقال المدرس للموظف إن الحمَّال سيأتي لأخذها في الظهيرة. سأله ديفيد، بعدما سارَا في طريقهما مرةً أخرى: «لو سمحتَ يا سيدي، هل المدرسة بعيدة؟» قال: «إنها في الجنوب بجوار مقاطعة بلاكهيث.» سأله ديفيد: «هل هذه المسافة بعيدةٌ يا سيدي؟» قال: «إنها بعيدة بالفعل، سوف نستقل عربة السفر العمومية. فهي تبعد ستة أميال تقريبًا.» شعر ديفيد بإرهاقٍ ووهنٍ شديدَين، فهو لم يأكل شيئًا منذ أن ساعده النادلُ على إنهاء طعامه من شرائح اللحم وحلوى البودينج بالأمس، لدرجة أن تشجَّع على أن يقول للمدرس ذلك. حينئذٍ قال المدرس إنه يريد أن يزور سيدةً عجوزًا لا يبعد بيتُها كثيرًا عنهما، وإنه إذا اشترى ديفيد شيئًا ما وهما في الطريق فإن بإمكانه أن يتناوله في بيتها. وهكذا اشتريَا رغيفًا صغيرًا لذيذًا من الخبز البُنِّيِّ من محل أحد الخبازين؛ ثم اشتريَا بيضةً وشريحةً من اللحم المُملَّح المُقدَّد من البقال، وحملهم ديفيد حتى وصلَا إلى بيت السيدةِ الفقيرة، والذي أدرك ديفيد في الحال أنه جزء من أحد ملاجئ الفقراء. رفع المدرسُ رتاج بابٍ من عدة أبوابٍ صغيرةٍ سوداء متشابهة كلها، ودخلَا المنزل الصغير الذي تسكنه امرأةٌ عجوزٌ فقيرةٌ كانت تُوقد نارًا كي تضع فوقها قِدرًا صغيرةً لتغليَ. وما إن رأت المرأةُ المدرِّس حتى صاحت بشيءٍ يُشبه «ولدي تشارلي!» لكنها عندما رأت ديفيد يدخل هو الآخر، نهضت وانحنت محيِّيةً إياه في ارتباك. قال مدرِّس مدرسة سِيلم هاوس: «أيُمكنكِ أن تطهيَ لهذا السيد الصغير إفطارَه، من فضلِك؟» قالت السيدةُ العجوز: «أيمكنني؟ نعم، يمكنني، بالتأكيد.» وأنضجته ببراعةٍ حقًّا. بينما ديفيد يستمتع بوجبته قالت السيدةُ العجوز: «هل أحضرتَ مزمار الفلوت معك؟» أجابها المدرس: «نعم.» قالت السيدةُ العجوز، بنبرة مُلاطفة: «فلتعزف به، هيَّا.» وهكذا أخرج المدرس مزماره المكون من ثلاث قطعٍ، وربط بعضها ببعض، وبدأ العزف في الحال. أحسَّ ديفيد أن اللحن الذي عزفه كان كئيبًا وسوداويًّا إلى أبعد الحدود، وفي الحقيقة، لقد أحسَّ أنه مُغرقٌ في السوداوية، لدرجة أنه جعله يذرف الدموع في البداية، ثم بعد ذلك ألقى على عينيه أغشية النوم. وبينما ديفيد يَنعسُ خُيِّل إليه أن السيدة العجوز راحت تقترب ببطءٍ من المدرس حتى أصبحت قريبةً بما يكفي لتطويق عنقِه بذراعيها في حنان. لكنه استيقظ بعد قليل، وحلَّ المدرس مزماره وأعاد القطع إلى مكانها؛ وقال لديفيد إنه قد حان وقتُ الذهاب إلى عربة السفر. لم تكن العربة بعيدةً، وركب الاثنان فوق السطح؛ لكنَّ النعاسَ كان متمكنًا جدًّا من ديفيد حتى إنهم عندما توقفوا في الطريق لاصطحاب شخصٍ آخر، وضعوه داخل العربة التي كانت خاليةً من الركاب، ونام نومًا عميقًا. توقفت العربة بعد قليل، وأخرجه المُدرس منها، ثم سارَا لمسافة قصيرة حتى وصلَا إلى مكانٍ كئيبِ المنظر يحيط به سورٌ قرميديٌّ عالٍ من جميع الجهات، وكان مكتوبًا على رقعةٍ خشبيةٍ وُضعت فوق بابٍ في الحائط «مدرسة سِيلم هاوس»؛ وعندما دقَّا الجرس راح وجهٌ مُكفهرٌّ يُحدِّق فيهما عبر نافذة شبكية في الباب، ثم فتح لهما الباب رجلٌ قصير القامة ذو رقبةٍ غليظةٍ قصيرةٍ، ورِجلٍ خشبيةٍ، وشعرٍ قصيرٍ. قال المدرس: «الصبي الجديد.» حدَّق الرجل ذو الرِّجل الخشبيةِ في ديفيد، وأغلق البوابةَ خلفهما، وصاح قائلًا: «مرحبًا!» بينما اتجهَا نحو مبنى المدرسة. ثم نظر الاثنان خلفهما، إذ قال الرجلُ، الذي كان واقفًا عند باب كوخِ بوابٍ صغيرٍ وفي يده حذاءٌ طويل: «تفضَّل! لقد جاء الإسكافيُّ، بعد أن غادرتَ، يا سيد ميل، ويقول لك إنه لا يستطيع إصلاحه بعد الآن. كما يقول إنه لم يَعُد يُوجد فيه حتى ولو جزءًا صغيرًا من الحذاء الأصلي، وهو يعجب من تمسُّكك به.» ثم ألقى الحذاء إلى السيد ميل، فالتقطه وراح ينظر فيه بخيبة أملٍ شديدة. وعندئذٍ لاحظ ديفيد للمرة الأولى أن الحذاء الذي كان يرتديه أسوأ بكثيرٍ من أن يَرتديَه أحد. لم يكن هناك أيُّ صوتٍ في المكان. كان هادئًا جدًّا لدرجة أن ديفيد تساءل إن كان الأولاد جميعهم قد خرجوا. عندئذٍ أوضح له السيد ميل أنهم كانوا في وقت الإجازة، وجميع الأولاد في بيوتهم، كما أن السيد كريكل، مالك المدرسة، ذهب إلى شاطئ البحر مع السيدة والآنسة كريكل؛ وأن ديفيد أُرسل إلى المدرسة في وقت الإجازة عقوبةً له بسبب عضِّه ليد السيد ميردستون. كانت حجرة الدرس أكثر مكانٍ موحشٍ رآه ديفيد في حياته؛ فهي حجرةٌ مستطيلة بها ثلاثةُ صفوفٍ طويلةٍ من المكاتب، وستةُ مقاعدَ طويلةٍ مُلطَّخةٍ تمامًا بالحبر. تركه السيد ميل هناك ريثما يحمل حذاءه إلى الطابق العلوي، وبينما ديفيد يستكشف الحجرةَ، لمح فجأةً لافتةً من الورق المُقوَّى موضوعةً على المكتب، وكان مكتوبًا عليها بخطٍّ جميل: «احترسوا منه. إنه يَعض.» عندئذٍ صعِد فوق المكتب في الحال وراح يبحث بعينين قلقتين عن الكلب، لكنه لم يجده؛ وفي تلك اللحظة دخل السيد ميل، وسأله عمَّا يفعله فوق المكتب. قال ديفيد: «معذرةً يا سيدي، لو سمحتَ، إنني أبحث عن الكلب.» قال السيد ميل: «كلب؟ أيُّ كلب؟» «أليس هذا كلبًا يا سيدي؟» «عن أيِّ شيءٍ تتحدث؟» «ذاك الذي ينبغي الاحتراسُ منه يا سيدي؛ ذاك الذي يعض.» قال السيد ميل بوقارٍ يشوبه الحزن: «لا، يا كوبرفيلد، ليس هذا كلبًا. إنه ولد. إن التعليمات التي لديَّ، يا كوبرفيلد، أن أعلِّق هذه اللافتة على ظهرك. أنا حزينٌ أن أبدأ علاقتي معك بمثل هذه البداية، لكنني مُضطرٌّ لفعلها.» بعد ذلك مباشرةً أنزل ديفيد من على المكتب، وربط اللافتة في كتفيه مثل حقيبة الظهر. هنا موضع صورة، مكتوب تحتها: شكل ٥-١: كلُّ مَن جاءوا إلى المدرسة ذاتَ صباحٍ، قد قرءوا أنه ينبغي الاحتراس منه لأنه يعضُّ. مسكينٌ ديفيد! إن ما عاناه من تلك اللافتة لا يستطيع مخلوقٌ أن يتخيَّلَه. لقد كان يعلم أن الخدم قرءوها، وأن الجزار قرأها؛ لأن كل مَن جاءوا إلى المدرسة ذاتَ صباحٍ كان هو قد أُمر أن يمشيَ فيه في ملعب المدرسة — وهو عبارة عن فِناءٍ مكشوفٍ مكسوٍّ بالحصى في الجزء الخلفي من المدرسة — قد قرءوا أنه ينبغي الاحتراس منه لأنه يعض. وكان الرجل ذو الرِّجل الخشبية كلما رآه يستند على الحائط ليُخفيَ اللافتة، يَصيح عاليًا بصوتٍ قاسٍ: «أنتَ أيها السيد! أنت يا كوبرفيلد! أظهِر هذا الشعار وإلَّا أبلغتُ عنك!» وكان ديفيد يستذكر واجباتٍ دراسية طويلةً كل يومٍ مع السيد ميل؛ لكن، نظرًا لعدم وجود السيد والآنسة ميردستون معه كي يُوتِّرا أعصابه، أصبح يستذكر واجباتِه دون أن يشعر بأي خزي. كان هو والسيد ميل يتغدَّيان معًا في طرفِ غرفة طعامٍ مُستطيلةٍ خاليةٍ من التجهيزات. وبعدها يستذكر المزيد من الواجبات المدرسية حتى موعد تناول شاي الخامسة عصرًا، ثم يسير بعد ذلك في ملعب المدرسة، والرجل ذو الرِّجل الخشبية يراقبه. لم يُكثر السيد ميل من الكلام مع ديفيد مطلقًا، لكنه كذلك لم يقْسُ عليه مطلقًا. وعندما كان ديفيد يذهب إلى النوم في الغرف الشاغرة المليئة بالأسِرَّة الخالية، لم يكن يستطيع أن يمنع نفسه من البُكاء أحيانًا شوقًا إلى سماع كلمة مواساةٍ من بيجوتي. وكان في ملعب المدرسة بابٌ قديمٌ تعوَّد الأولادُ أن يحفروا أسماءَهم عليه. وهو مُغطًّى بالكامل بأسمائهم. وعندما قرأ ديفيد الأسماء لم يملك إلا أن يتساءل كيف سيقرأ كلُّ ولدٍ اللافتةَ المعلقة على ظهره: «احترسوا منه، إنه يعض.» فهناك ولدٌ — يُدعى جيه. ستيرفورث — وقد حفر اسمَه عميقًا جدًّا، فتخيَّل ديفيد أن يقرأ اللافتةَ بصوتٍ جهوري نوعًا ما، ثم بعد ذلك يجذبه من شعره. وهناك آخر، يُدعى تومي ترادِلْز، وقد خشي ديفيد أن يجعل منه أُضحوكةً، ويتظاهر بأنه يرتعد خوفًا منه. كان عددُ الأولاد خمسة وأربعين ولدًا في المُجمل، كما أخبره السيد ميل، ورغم أن نفسه كانت تتوق في أحوال كثيرة لرفقتهم، فقد خشي مما سيحدث عندما يقرءون: «احترسوا منه، إنه يعض.» ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل السادس جيه ستيرفورث وترادِلْز عاش ديفيد هذه الحياة على مدى شهرٍ تقريبًا، حيث بدأ يعتاد على منظر الرجل ذي الرِّجل الخشبية وهو يمشي بتثاقل وجلَبةٍ ومعه مِمسحةٌ ودلوٌ مليءٌ بالماء، بينما تقوم امرأتان أو ثلاثة بأعمال التنظيف بالفُرش وينفضن الغبار عن الأشياء. ثُم في يومٍ من الأيام أخبره السيد ميل أن السيد كريكل سيعود إلى بيته في المساء؛ وفي تلك الليلة قبل موعد نومه جاء الرجل ذو الرِّجل الخشبية وأخذه للمثول أمام السيد كريكل. أخذ الرجلُ ديفيد إلى الردهة، لكنه كان يرتعد للغاية بحيث من المحتمَل ألَّا يكون قد رأى السيدة والآنسة كريكل اللتَين كانتا تجلسان هناك، أو أيَّ شيءٍ آخر غير السيد كريكل؛ وهو رجل بدينٌ يحمل مجموعةً من سلاسل الساعات والأختام، وكان يجلس على كرسيٍّ ذي ذراعين، وإلى جواره قدَحٌ وزجاجة. قال السيد كريكل: «إذن! هذا هو الفتى الذي تحتاج أسنانُه أن تُبْرَد! أَدِرْه!» أداره الرجل ذو الرِّجل الخشبية لكي يُظهر اللافتة، ثم أعاد وجهه مرةً أخرى في مواجهة السيد كريكل، ووقف هو إلى جوار السيد كريكل. كان وجه السيد كريكل شديدَ الاحمرار، وعيناه صغيرتَين وغائرتَين في رأسه؛ مع أنف صغير، وذقن عريض؛ لكنَّ أشدَّ ما أثار انتباه ديفيد أن السيد كريكل لم يكن له صوت، لأنه يتحدث بالهمس. قال السيد كريكل: «والآن، ما هو تقريرك عن حالة هذا الولد؟» قال الرجل ذو الرِّجل الخشبية: «لا شيءَ ضده حتى الآن.» بدت على السيد كريكل علاماتُ خيبة الرجاء. أما السيدة والآنسة كريكل، واللتان كانتا كلتاهما نحيلتين وهادئتين، فقد بدَت عليهما أماراتُ السرور. فقال السيد كريكل، مُشيرًا بيده إلى ديفيد: «تعالَ إلى هنا أيها السيد.» «لقد سُررتُ بالتعرف على زوج أمك،» هكذا قال السيد كريكل بصوته الهامس، وهو يمسك ديفيد من أُذنه. وأضاف وهو يقرص أذنه: «وهو رجلٌ فاضلٌ جدًّا، وقويُّ الشخصية. إنه يعرفني، وأنا كذلك أعرفه. هل تعرفني أنت؟ أجب؟» قال ديفيد وهو يتراجع إلى الوراء من الألم: «لم أعرفك بعدُ يا سيدي.» «ليس بعدُ؟ أليس كذلك؟ لكنك ستَعرفني قريبًا، أليس كذلك؟» ردَّد الرجل ذو الرِّجل الخشبية: «ستعرفه قريبًا، أليس كذلك؟» واكتشف ديفيد فيما بعدُ أنه كان في العادة يُوضح، بصوته الجهوري، كلامَ السيد كريكل للأولاد. ارتعب ديفيدُ للغاية، وقال إنه يرجو ذلك، إذا سمح له السيد كريكل. همس السيد كريكل، وهو يترك أُذنه أخيرًا، بعدما قرصها قرصةً أخيرةً جعلت عينَيه تترقرقان بالدموع: «سوف أُخبرك ماذا أكون، إنني رجلٌ تَتَريٌّ.» ردَّد الرجل ذو الرِّجل الخشبية: «رجلٌ تتريٌّ.» قال السيد كريكل: «عندما أقول إنني سأفعل شيئًا، فإنني أفعله، وعندما أقول إنني سأُنجز شيئًا، فسوف أُنجزه.» ردَّد الرجل ذو الرِّجل الخشبية، وكأنه صدى الصوت: «… سأُنجز شيئًا، فسوف أُنجزه.» بعد ذلك أمر السيد كريكل بإخراجه، لكنَّ ديفيد قال فجأةً؛ وهو مُندهشٌ من تلك الشجاعة التي تحلَّى بها: «لو سمحت يا سيدي …» همس السيد كريكل: «ها؟ ما هذا؟» «بعد إذنك يا سيدي، أنا في غاية الأسف حقًّا يا سيدي لِما فعلتُه؛ فهل تسمح لي أن أخلع هذه الكتابة، قبل أن يعود الأولاد …» اندفع السيد كريكل من كرسيه فجأةً، ودون أن ينتظر ديفيد الرجلَ ذا الرِّجل الخشبية، فرَّ خارج الغرفة، ولم يتوقف بتاتًا حتى وصل إلى غرفة نومه؛ وعندما رقد على سريره ظلَّ يرتعد فيه طوال ساعتين. في صباح اليوم التالي عاد السيد شارب إلى المدرسة. كان السيد شارب المدرس الأول، وكان أعلى منزلةً من السيد ميل. حيث يتناول السيد ميل وجباتِه مع الأولاد، أما السيد شارب فهو يتغدَّى ويتعشَّى على مائدة السيد كريكل. وكان رجلًا ضعيفًا واهنَ البنية، وله أنفٌ كبيرٌ، وشعرٌ ناعمٌ متموجٌ كثيف. أما أول ولد عاد إلى المدرسة فكان تومي ترادلز. الذي قدَّم نفسه لديفيد بقوله إنه سيجد اسمَه مكتوبًا على الركن الأيمن من البوابة، فوق الرتاج العلوي. قال ديفيد: «ترادلز؟» قال ترادلز: «هو نفسه.» ثُم طلبَ وصفًا كاملًا لديفيد وعائلته؛ وأخبره أن شعر السيد شارب ليس حقيقيًّا، وإنما يضع شعرًا مستعارًا (مستعملًا)، وهو يخرج كل سبتٍ بعد الظهر ليُجعِّده. كان من حسن حظ ديفيد أنْ وصل ترادلز إلى المدرسة أولًا. فقد استمتع باللافتة كثيرًا، وأنقذ ديفيد من الإحراج بتقديمه لكل مَن عاد إلى المدرسة من الطلاب بصيغة التقديم هذه: «انظر! انظر لهذه المزحة.» أخذ بعض الأولاد يرقصون حوله كالهنود الهمجيِّين، وناداه بعضُهم ﺑ «الكلب تاوزر»، وراح آخرون يربتون عليه ويقولون «استلقِ على الأرض يا سيدي.» لكنَّ الجزء الأعظم من الأولاد كانوا مكتئبين للغاية بسبب عودتهم إلى المدرسة، بحيث إنهم لم يمرحوا على حساب إيذاء ديفيد كما كان من الممكن أن يفعلوا في حالةٍ غير هذه. لم يكن جيه. ستيرفورث قد جاء بعدُ. لقد قال الأولاد عنه إنه فتًى ذكيٌّ وحسن المظهر جدًّا، ولم يَعدُّوا أن ديفيد قد قُبِل رسميًّا في المدرسة قبل وصول جيه. ستيرفورث. ثم جاء ستيرفورث أخيرًا؛ وهو أكبر من ديفيد بست سنواتٍ تقريبًا، وأُخذ الولد الجديدُ إليه وكأنما أُخذ للمثول أمام قاضٍ من القضاة. وتحت سقيفةٍ في ملعب المدرسة تفحَّص ستيرفورث اللافتة، واستعلمَ عن تفاصيل عقوبة ديفيد. أخبره ديفيد بكلِّ شيءٍ عن السيد ميردستون وعن عضه يدَه. وعندئذٍ قال جيه. ستيرفورث إن اللافتة «عارٌ كبير.» ممَّا وثَّق صلةَ ديفيد به للغاية بعد ذلك. انفرد ستيرفورث بديفيد وسأله: «كم معك من النقود يا كوبرفيلد؟» أخبره ديفيد أن معه سبعة شلنات. قال ستيرفورث: «يجدر بك أن تعطيني إياها كي أعتني لك بها، أو على الأقل يمكنك أن تفعل هذا إذا أحببتَ. لستَ مضطرًّا لذلك إذا لم ترغب فيه.» فتح ديفيد محفظة بيجوتي في الحال، وقلبها بطنًا لظهرٍ في يده. سأله ستيرفورث: «هل ترغب في إنفاق أيِّ شيءٍ الآن؟» قال ديفيد: «لا، شكرًا لك.» قال ستيرفورث: «يمكنك هذا إذا أحببتَ، اطلب فقط.» أعاد ديفيد ردَّه السابق: «لا، شكرًا لك.» «ربما تودُّ أن تنفق شلنين أو نحو ذلك لشراء زجاجةٍ من عصير التوت بعد قليل، لتشربها هناك في غرفة النوم. سوف تنام في نفس الغرفة التي أنام فيها، لقد اكتشفتُ هذا.» قال ديفيد إنه يحب ذلك. قال ستيرفورث: «حسنٌ، سوف يسرُّك أن تنفق شلنًا آخر أو نحو ذلك لشراء كعك اللوز، أليس كذلك؟» قال ديفيد إنه يعتقد أنه يحب ذلك أيضًا. قال ستيرفورث: «وشلنٌ آخر لشراء البسكويت، وآخر للفاكهة، أليس كذلك؟ أرى أيها الصغير كوبرفيلد أنك ستبددها كلها!» ابتسم ستيرفورث، ولم يملك ديفيد إلا أن يبتسم هو الآخر. قال ستيرفورث: «حسنٌ، يجب أن نَقتصِد غاية الاقتصاد في إنفاق هذه النقود؛ هذا كلُّ ما في الأمر. وسوف أبذل أقصى ما بوسعي من أجلك. إنني أستطيع الخروج متى شئتُ، وسأُهرب الطعام إلى هنا.» ثم وضع النقود في جيبه وقال لديفيد بلطفٍ إنه سيحرص على أن يكون كلُّ شيءٍ على ما يرام. كان ستيرفورث عند كلمته: فعندما صعِدَا إلى الطابق العلوي لينامَا أخرج جميع ما اشتراه بالشلنات السبعة، وبسطه على فراش ديفيد تحت نور القمر، وقال: «هاك ما طلبتَ، أيها الصغير كوبرفيلد، وقد حصلتَ على مأدبةٍ ملكية!» لم يتصوَّر ديفيد أن يحتفيَ هو بضيوف الوليمة في وجود هذا الفتى الذكيِّ الوسيم، لذا توسَّل إلى ستيرفورث أن يترأسَّها بنفسه. أيَّد الأولاد الآخرون الذين في الغرفة رغبةَ ديفيد، فوافق ستيرفورث بلباقةٍ عليها، وجلس على الوسادة، وراح يُناولهم الكعك والفاكهة بنزاهةٍ تامة حقًّا، ويُوزِّع عصير التوت في كأسٍ صغيرةٍ من دون ساق، كانت كأسه هو؛ بينما جلس ديفيد على يساره، والتفَّ الآخرون حولهما. كانوا جميعًا يتهامسون بالكلام؛ وكان ستيرفورث، إذا أراد أن يبحث عن أيِّ شيءٍ، يُقحم عود ثقابٍ في قداحةِ فسفورٍ ويُشعل وهجًا أزرق لا يلبث أن ينطفئ سريعًا. همس الأولاد للولد الجديد بكل شيءٍ عن المدرسة؛ فعرَّفوه أن السيد كريكل هو أشدُّ المديرين صرامةً وقسوة؛ وأنه لم يكفَّ يومًا في حياته عن الضرب بعصاه يمنةً ويسرة. وأخبروه أنه لجأ إلى العمل في مجال التعليم بعدما أفلس في تجارة نبات حشيشة الدينار (نبات يدخل في صناعة البيرة)، وأنه قد سرق أموال السيدة كريكل. وأخبروه كذلك أن الرجل ذا الرِّجل الخشبية، والذي يُدعى تنجاي، كان يعمل في تجارة نبات حشيشة الدينار هو الآخر، وأن رجله قد قطعت أثناء عمله مع السيد كريكل. كما أخبروه أن السيد كريكل عنده ابنٌ، وأن هذا الابن لم يكن على وفاقٍ مع تنجاي، وأنه طُرد بسبب اعتراضه على طريقة أبيه القاسية في التعامل داخل المدرسة؛ وأن الحزن مسيطرٌ على السيدة والآنسة كريكل منذ ذلك الحين. وقد سمع كذلك أن الأجر الذي يحصل عليه كلٌّ من السيد شارب والسيد ميل زهيدٌ جدًّا؛ وأن السيد ميل لم يكن من نوع الرجال السيئين، لكنه لم يكن يملك نصف شلنٍ ليُسعدَ نفسه به؛ وأن العجوزَ السيدة ميل، والدتَه، قد بلغ منها الفقرُ ما بلغه من النبي أيوب. فتذكر ديفيد فجأةً السيدة المُسنة التي صاحت قائلةً: «ولدي تشارلي!» عندما ذهب لطهي فطوره، لكنه لم يُخبر الآخرين بهذا. كما سمع ديفيد أيضًا أن الأولاد كلهم يعتقدون أن الآنسة كريكل تحبُّ ستيرفورث، وهو ما لم يستغربه على الإطلاق؛ وأن ستيرفورث طالبٌ ذو امتيازاتٍ، وهو ابن سيدةٍ غنيةٍ جدًّا، وأنه الولد الوحيد في المدرسة الذي لم يجرؤ السيد كريكل قط على أن يمدَّ يدَه عليه. بعد ذلك تفرَّق الأولاد وذهبوا للنوم. فكَّر ديفيد كثيرًا في ستيرفورث بعدما ذهب إلى فراشه، ورفع نفسه مستندًا على كوعه لينظر إليه وهو مضطجعٌ تحت نور القمر ووجهه الوسيم للأعلى، ورأسه مُعتمدٌ على ذراعه. كان ستيرفورث قد قال قبل أن ينام: «طابت ليلتُك أيها الصغير كوبرفيلد. سوف أعتني بك.» وفي غمرة إعجاب ديفيد بستيرفورث وعرفانه بجميله راح ينظر إليه بإجلالٍ وكأنه بطلٌ وملك. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل السابع حياة المدرسة بدأت المدرسة جدِّيًّا في اليوم التالي. وتحولت جلَبةُ الأصوات المتواصلة التي في حجرة الدرس إلى صمتٍ كصمت القبور بمجرد أن دخل السيد كريكل، ووقف في المدخل يُجيل النظر بين الأولاد، ويصيح بهمسٍ شرس: «سكوت!» كان تنجاي واقفًا على مقربةٍ من السيد كريكل، وراح يردد بصوته الجهوري ما قاله السيد كريكل همسًا. «والآن أيها الأولاد، ها قد بدأ فصلٌ دراسيٌّ جديد. فانتبهوا لما أنتم مقدمون عليه في هذا الفصل الدراسي. واحضُروا الدروس بنشاط، اسمعوا نصيحتي، فأنا نشيطٌ في توقيع العقاب. إنني لن أُحجم عن معاقبتكم. ولن يُفيدَكم أن تفركوا آثار الضرب بأيديكم؛ فلن تستطيعوا أن تُزيلوا آثار عصاي من على أجسامكم. والآن إلى دراستكم جميعًا!» بعد ذلك خرج تنجاي محدثًا جلبةً برِجله الخشبية، بينما أقبل السيد كريكل إلى حيث يجلس ديفيد، وقال له إنه إذا كان هو مشهورًا بالعض، فإن السيد كريكل مشهورٌ بالعض أيضًا. ثم أظهر العصا لديفيد، وسأله عما إذا كانت تشبه الأسنان؟ هل هي سِنَّة حادَّة، أجِب؟ هل هي سنة مزدوجة، قُل؟ هل هي تعض، تكلَّمْ؟ وكان مع كل سؤالٍ يضرب ديفيد بها ضربةً تجعله يتلوى من الألم. لكنه لم يكن الولد الوحيد الذي ضُرب بالعصا ذلك اليوم؛ فقبل أن ينتهي اليومُ الدراسيُّ كان نصف المدرسة يتلوى من الألم ويبكي، ويبدو أن السيد كريكل يَستمتِع للغاية بمساهمته في إحداث ذلك. لقد كان رجلًا جاهلًا متوحشًا، لا مهمةَ له ولا متعة في غير معاقبة الأولاد. أما التدريس فهو متروك للسيد شارب والسيد ميل. كان المسكين ترادلز تعيسَ الحظ إلى أبعد الحدود، وقد ضُرب بالعصا في كل يومٍ من أيام هذا الفصل الدراسي؛ لكنه وإن كان أكثرَ الأولاد بؤسًا؛ إلا أنه أكثرهم مرحًا، وكان، بعد أن يضع رأسه على المكتب قليلًا، يبتهج بطريقةٍ ما، ويبدأ في الضحك من جديد، ويأخذ في رسم هياكلَ عظميةٍ على طول لوح كتابته الأردوازي وعرضه، قبل أن تجفَّ دموعه. لقد كان جديرًا جدًّا بالاحترام، إن ترادلز هكذا حقًّا؛ وقد جعل مساندة الأولاد بعضهم بعضًا واجبًا مُقدَّسًا. فذات مرةٍ ضحك ستيرفورث داخل الكنيسة، وظنَّ الشَّمَّاسُ أن ترادلز هو الذي ضحك، وأخرجه خارج الكنيسة؛ لكنَّ ترادلز لمْ يقل مطلقًا مَن الذي انتهك حرمةَ المكان في الحقيقة، رغم أنه عُوقب على هذا الانتهاك في اليوم التالي. لكنه تلقَّى مكافأته. حيث قال ستيرفورث إن ترادلز ليس واشيًا، وقد شعر الأولاد جميعًا أن هذا هو أعلى مراتب الثناء. واصل ستيرفورث حماية ديفيد، وأثبتَ أنه صديقٌ نافعٌ جدًّا؛ لأنه ما من أحدٍ كان يجرؤ على إزعاجِ شخصٍ شرَّفه ستيرفورث بصداقته. وذات مرةٍ، بينما هما يتكلمان في ملعب المدرسة، تصادف أنْ قال ديفيد شيئًا عن واحدٍ من كتبه الحبيبة، وهو كتاب «مغامرات بيراجرِن بيكل»؛ وفي تلك الليلة أثناء ذهابهما للنوم سأله ستيرفورث إن كان هذا الكتاب معه. أخبره ديفيد أنه ليس معه، وحكى له كيف ساقتْه الصدفةُ إلى قراءته، وقراءة كل تلك الكتب اللطيفة الأخرى التي عثر عليها في تلك الغرفة الصغيرة المجاوِرة لغرفته بالطابق العُلوي. سأله ستيرفورث: «وهل تذكرها؟» قال ديفيد إنه يعتقد ذلك. «اسمع إذن أيها الصغير كوبرفيلد، سوف تقصُّها عليَّ. فأنا لا أستطيع النوم مبكرًا جدًّا بالليل، وعادةً ما أستيقظ مبكرًا نوعًا ما في الصباح. سوف تحكيها لي واحدة تلو الأخرى. ولنجعل الأمر يبدو مثل ألف ليلة وليلة.» أرضى هذا كبرياءَ ديفيد للغاية، وبدأ يحكي «مغامرات بيراجرِن بيكل» في تلك الليلة نفسها، بعدما استلقيَا في فراشَيهما. لم يكن ديفيد يحب أن يوقظه أحدٌ من النوم في صباح كل يومٍ ليكمل القصة، لكنَّ ستيرفورث واظب على إيقاظه بنشاطٍ عظيم؛ وقد كان ديفيد يُجله كثيرًا بحيث إنه لم يكن ليخذلَه لأيِّ سبب كان. وذات يومٍ وصلت أخيرًا رسالةُ بيجوتي التي كانت قد وعدته أن تُرسلها له؛ رسالةٌ مُشجعةٌ للغاية، تمامًا مثل بيجوتي! ووصلت معها فطيرةٌ، وكثيرٌ من البرتقال، وزجاجتان من عصير زهرة الربيع. جاء ديفيد بهذه الكنوز، مثلما يحدث في حالات الالتزام الأدبي، ووضعها بين يدي ستيرفورث، ورجاه أن يُوزِّعها عليهم. قال ستيرفورث: «اسمع أيها الصغير كوبرفيلد، سوف نحتفظ بالعصير لترطب به فمك عندما تحكي القصص.» حاول ديفيد أن يعترض؛ لكنَّ ستيرفورث صمَّم على رأيه. وقال إنه لاحظ أن صوت ديفيد كان «أجشَّ قليلًا» وأكَّد أنه سوف يحتفظ له بكل قطرةٍ من العصير. وهكذا أغلق ستيرفورث على الزجاجتين في حقيبته هو، وكان كلما أصبح صوتُ ديفيد «أجشَّ» يصبُّ له قليلًا من العصير في قنينة. كما قد يُضيف عليه بعض البرتقال من أجل التغيير، أو يمزجه بالزنجبيل، أو يُذيب فيه قطرةً من النعناع؛ وكان ديفيد يشربه بامتنانٍ كبير، وهو يُدرك جيدًا جدًّا اهتمام ستيرفورث به. كان ديفيد يُجيد رواية القصص جدًّا، لأنه هو نفسه شديد الإيمان بها. كما أنه أصغر الأولاد في حجرة النوم هذه، وربما لهذا السبب تحديدًا، كانوا يُقدِّرون هذه المهارة فيه. شيئًا فشيئًا عرفت المدرسةُ كلُّها مهارتَه تلك، وهكذا اشتهر ديفيد كثيرًا. في هذه الأثناء أُزيلت اللافتةُ القديمة من على ظهره؛ ليس مراعاةً أبدًا لشعور ديفيد؛ وإنما لأن السيد كريكل وجدها تعترض طريقه عندما جاء فجأةً من وراء المقعد الطويل الذي يجلس فيه ديفيد، وأراد أن يضربه ضربةً بالعصا أثناء مروره؛ لهذا السبب أُزيلت ذات يومٍ، ولم تعُد إلى ظهره بعد ذلك قط. وقد أحبَّه السيد ميل كذلك، وبذَلَ أفضل ما لديه كي يُتقنَ تعليمه غاية الإتقان. ولسوء الحظ، أخبر ديفيد — وكان لا يستطيع أن يُخفيَ سرًّا عن ستيرفورث لأي سببٍ — بطله ذات مرةٍ بأمر السيدة العجوز التي أخذه السيد ميل لرؤيتها في مأوى الفقراء في صباح ذاك اليوم الأول. ولم يكن يتخيَّل على الإطلاق كيف ستكون العواقب. وقد مرض السيد كريكل ذات يومٍ، ولم يستطع المجيء إلى حجرة الدرس. وابتهج الأولاد بالخبر غاية الابتهاج، لدرجة أنه كان من الصعب جدًّا الحفاظُ على نظامهم في ذلك الصباح. فجاء تنجاي يسير متثاقلًا برِجله الخشبية حتى دخل الفصل، ودوَّن أسماء أهمِّ من انتهكوا النظام؛ لكنهم كانوا متأكدين غاية التأكد أنهم سيُعاقَبون غدًا لذا رغبوا في أن يستمتعوا بوقتهم اليوم. وبعد الظهر أصبح الأولاد أسوءَ من ذي قبل؛ وقد تصادف أنها كانت فترة بعد الظهر من يوم السبت، وعادةً ما كانت تُعطى إجازةَ نصفِ يوم؛ لكنْ لأن السيد كريكل لم يستطع احتمال ضجيج الأولاد وهم يندفعون بسرعةٍ في ملعب المدرسة، ولأن الجو كان مطيرًا جدًّا ذلك اليوم بحيث يصعب المشيُ خارج المدرسة، أُمر بإدخالهم إلى حجرة الدرس لأداء قليلٍ من الواجبات المدرسية الخفيفة، تحت رعاية السيد ميل. حيث خرج السيد شارب ليُجعِّد شعره المُستعار. وكان الأولاد مشاكسين جدًّا بحيث إن المسكين السيد ميل، وهو رجل لطيف هادئ، لقِيَ أشدَّ العناء في المحافظة على النظام. حيث كان الضجيج مُخيفًا. أسند السيد ميل رأسه الذي يؤلمه بيده وحاول مواصلة عمله المرهق على أكمل وجهٍ يستطيعه. بينما أخذ الأولاد يثبون داخل مقاعدهم وخارجها، ويلعبون لعبة «الهرة التي تريد ركنًا»؛ وكان بعض الأولاد يضحك، وبعضهم يُغنِّي، وبعضهم يتكلم، وبعضهم يصرخ؛ وهناك من يجرُّون أقدامهم على الأرض، ومن يدورون حوله، وهم يبتسمون، ويرسمون على وجوههم تعابير السخرية، ويقلدونه ساخرين من وراء ظهره وأمامَ عينيه؛ ويسخرون من فقره، أو حذائه، أو مِعطفه، أو والدته؛ كانوا يسخرون من كل شيءٍ يخصُّه بينما الأجدر بهم احترامُه. فجأةً نهض السيد ميل من مكانه، وضرب المكتب بكتابه، وصاح قائلًا: «سكوت! ما معنى هذا؟ من المستحيل احتمالُ هذا. إنه شيءٌ يدفع إلى الجنون. كيف تفعلون بي هذا أيها الأولاد؟» لقد كان كتاب ديفيد ذاك الذي ضرب به المكتب؛ حيث يقف ديفيد إلى جواره. توقف الأولاد جميعًا، وقد اعترت الدهشةُ بعضهم فجأةً، وتمكن الخوفُ جزئيًّا من بعضهم، وربما تملَّك الندمُ بعضَهم. وكان مكان ستيرفورث في الجزء الأخير من الصف، عند الجانب المقابل للحجرة المستطيلة. وقد استند متهدلًا بظهره على الحائط، واضعًا يديه في جيبيه، وراح ينظر إلى السيد ميل وفمه مغلقٌ على هيئةٍ مستديرةٍ وكأنه كان يُصفِّر، وهنا نظر إليه السيد ميل. وقال: «اصمت يا ستيرفورث!» قال ستيرفورث، ووجهه متوهجٌ من الانفعال: «اصمت أنت، إلى مَن تتكلم؟» قال السيد ميل: «اجلس.» قال ستيرفورث: «اجلس أنت، ولا تتدخَّل فيما لا يعنيك.» أخذ بعض الأولاد يضحك ضحكًا مكبوتًا مستهزئًا؛ وراح بعضهم يُصفِّق؛ لكنَّ السيد ميل اتَّقد غضبًا لدرجة أن الصمت عمَّ الحجرة في الحال. قال السيد ميل: «إذا كنتَ تظن يا ستيرفورث أني لا أعلم عن السُّلطة التي تسيطر بها على أي عقلٍ هنا؛ أو أني لمْ أرك، منذ قليلٍ، وأنتَ تُحرِّض الأولاد الأصغر منك على إهانتي بجميع أنواع الإهانة؛ فإنك مخطئ.» قال ستيرفورث، في غرورٍ بمركزه الاجتماعي، وازدراءٍ للسيد ميل: «أنا لا أشغل نفسي بك مطلقًا، وأنا لستُ مخطئًا في هذا، في الحقيقة.» واصل السيد ميل كلامه، وشفتُه ترتعش بشدة: «وعندما تستغل ما تتمتع به من محاباةٍ في معاملتك لتُهين سيدًا …» صاح ستيرفورث: «أُهين ماذا؟ أين هو هذا السيد؟» وهنا صاح شخصٌ ما: «عارٌ عليك يا جيه. ستيرفورث! هذا سيئٌ جدًّا!» وقد كان ترادلز. قال السيد ميل وشفتاه تزدادان ارتعاشًا: «… لتُهين شخصًا ليس له حظٌّ في الحياة، يا سيدي، ولمْ يُسئ لك قط أدنى إساءةٍ، فإنك بهذا ترتكب فعلًا دنيئًا حقيرًا. تستطيع أن تجلس أو أن تقف كما تحب يا سيد كوبرفيلد، هيَّا.» قال ستيرفورث وهو يتقدم نحوه داخل الحجرة: «أيها الصغير كوبرفيلد، توقَّف قليلًا. اسمع يا سيد ميل، فهذا كلامٌ نهائي. عندما تجترئ على نعتي بالدنيء أو الحقير، أو أي شيءٍ من هذا القبيل، فإنك بهذا تكون شحَّاذًا وقحًا. إنك شحَّاذ على الدوام، كما تعلم؛ لكنك عندما تفعل هذا، فأنت شحاذٌ وقِح.» فجأةً بدا كلُّ مَن في المدرسة وكأنهم قد تحوَّلوا إلى تماثيل؛ حيث وجدوا السيد كريكل في وسطهم، وتنجاي إلى جواره، والسيدة والآنسة كريكل تنظران من الباب، وكأنما كانتَا خائفتَين. وضع السيد ميل مرفقَيه على مكتبه، ووجهه بين يديه، وجلس صامتًا تمامًا لبعض الوقت. قال السيد كريكل وهو يهزُّه من ذراعه: «سيد ميل، أرجو ألا تكون قد نسيت نفسك.» أجاب المدرس، وهو يرفع يدَيه عن وجهه، ويَفركهما ببعضٍ من شدةِ ما يشعر به من الاضطراب: «كلَّا يا سيدي، كلَّا. كلَّا يا سيدي، كلَّا. أنا لم أنسَ نفسي. ليتكَ تذكرتَني قبل هذا بقليلٍ يا سيد كريكل. كان هذا … كان هذا سيُصبح أكثر لُطفًا يا سيدي، وأكثر عدلًا يا سيدي. كان هذا سيصون لي شيئًا ما يا سيدي.» أخذ السيد كريكل يُحِدُّ النظر إليه، ووضع يده على كتف تنجاي، ورفع رجليه على المقعد الطويل القريب منه، وجلس فوق المكتب؛ ثم التفت إلى ستيرفورث وقال: «والآن أيها السيد، حيث إنه لا يريد أن يتعطَّف ويُخبرني، ما الأمر؟» تهرَّب ستيرفورث من السؤال قليلًا، ثم قال أخيرًا: «ما الذي قصده بالحديث عمَّن يُحابَون في المعاملة إذن؟» أعاد السيد كريكل الكلام، وقد انتفخت عروقُ جبهتهِ سريعًا: «مَن يُحابَون في المعاملة؟ من تكلم عمَّن يُحابَون في المعاملة؟» قال ستيرفورث: «هو فعل هذا.» فجأةً هاجم السيد كريكل مساعدَه بغضبٍ، وسأله قائلًا: «وماذا قصدتَ بهذا، من فضلك، يا سيدي؟» أجابه السيد ميل بصوتٍ خفيض: «كنت أقصد، يا سيد كريكل، كما قلتُ من قبل؛ إنه ليس من حقِّ أيِّ تلميذٍ أن يستغلَّ ما يتمتع به من محاباةٍ في معاملته ليحطَّ من قدري.» «ليحطَّ من قدرك أنت؟ يا للعجب! لكن اسمح لي أن أسألك يا سيد … أيًّا كان اسمُك، إن كنتَ، وأنتَ تتكلم عن المحاباة في المعاملة، تَحترمُني كما ينبغي؟ إن كنتَ بهذا تحترمني أنا أيها السيد، أنا، مدير المدرسة، وصاحب عملك؟» قال السيد ميل: «لم يكن هذا تصرفًا حكيمًا مني يا سيدي، أعترف بهذا، ما كنتُ لأفعل هذا، لو كنتُ هادئَ الأعصاب.» وهنا قاطعه ستيرفورث فجأةً. وقال: «بعد ذلك قال إنني دنيء، وبعدها قال إنني حقير، وعندئذٍ نعتُّه بالشحَّاذ. لو كنتُ أنا أيضًا هادئَ الأعصاب، ربما ما كنتُ لأنعته بالشحاذ. لكنني فعلت، وأنا مستعدٌّ لتحمُّل عواقب ذلك.» قال السيد كريكل: «أنا متفاجئٌ يا ستيرفورث — رغم أن صراحتك تُعلي من شأنك. نعم، تُعلي من شأنك بالتأكيد — أنا متفاجئٌ، يا ستيرفورث، من دون شكٍّ، أنك تنعتُ أيَّ شخصٍ يعمل ويتقاضى راتبًا من مدرسة سِيلم هاوس بمثل هذه الصفة أيها السيد.» ضحك ستيرفورث ضحكةً مقتضبة. قال السيد كريكل: «ليس هذا جوابًا على تعليقي أيها السيد.» قال ستيرفورث: «فلينكر الأمر إذن.» صاح السيد كريكل: «ينكر أنه شحَّاذٌ يا ستيرفورث؟ يا للعجب، وأين يمارس الشحاذة إذن؟» «إذا لم يكن هو نفسه شحاذًا، فإن بعض أقربائه وثيقي الصلة به كذلك. والأمران سِيَّان.» نظر ستيرفورث نظرةً خاطفةً إلى ديفيد، وكانت يدُ السيد ميل تُربتُ بلطفٍ على كتف ديفيد. فنظر ديفيد لأعلى بوجهٍ تكسوه حمرةُ الخجل وقلبٍ يعتصره عذابُ الضمير؛ لكنَّ عينَي السيد ميل كانتَا مثبتتَين على ستيرفورث. قال ستيرفورث: «بما أنك تنتظر مني، يا سيد كريكل، أن أُبرِّر كلامي، وأن أوضِّح قصدي؛ فلا بد لي من القول بأن أمَّه تعيش على الصدقة في أحد ملاجئ الفقراء.» ظلَّ السيد ميل ينظر إليه، ويربتُ بلطفٍ على كتف ديفيد، وقال لنفسه هامسًا: «نعم، هذا ما ظننتُه.» التفت السيد كريكل إلى مُساعده بوجهٍ شديدِ التجهم، وقال: «والآن لقد سمعتَ ما قاله هذا السيد يا سيد ميل. فلتتفضَّل، إذا سمحتَ، بتوضيح الحقيقة له أمام المدرسة كلها.» أجاب السيد ميل وسط صمتٍ مُطبقٍ ساد المكان: «إنه مُصيب، دون أن أُصحح شيئًا، إن ما قاله صحيح.» قال السيد كريكل: «فلتتكرَّم وتُعلن على الملأ إن كنتُ أعلم الأمر قبل هذه اللحظة.» قال السيد ميل: «إن ما أعرفه هو أنك لم تعتقد قط أن وضعي المالي كان على ما يرام، أنت تعرف حقيقة وضعي، وكيف كان هنا في المدرسة طوال الوقت.» قال السيد كريكل، وعروقه تنتفخ ثانيةً أكثر من أي وقتٍ مضى: «إن ما أعرفه، في الحقيقة، أنك كنتَ في وضعٍ خاطئ إجمالًا، وأنك كنتَ تحسب أن هذه مدرسةٌ خيرية. يا سيد ميل، سوف نفترق، إذا سمحت. ومن الأفضل التعجيل بذلك.» قال السيد ميل وهو ينهض من مكانه: «لا وقت أنسب لهذا من الآن.» قال السيد كريكل: «القرارُ قرارك أيها السيد!» قال السيد ميل، وهو يُلقي نظرةً سريعةً على مَن في الحجرة، ويربتُ على كتف ديفيد من جديد: «الوداع يا سيد كريكل، الوداع جميعًا. أما أنت يا جيمس ستيرفورث، فأفضل ما أتمناه لك أن تَخجَل يومًا مما فعلتَه اليوم. والآن فأنا أُفضِّل أن أراك أيَّ شيءٍ سوى أن تكون صديقًا، لي أنا، أو لأيِّ أحدٍ يُهمُّني أمرُه.» مرةً أخرى وضع يده على كتف ديفيد؛ ثم أخذ مزماره وبعض الكتب من على مكتبه، وترك المفتاح فيه لمن سيَخلُفه، وخرج من المدرسة وهو يحمل ممتلكاته تحت ذراعه. بعد ذلك ألقى السيد كريكل، الذي كان ميَّالًا إلى تملُّق ستيرفورث بسبب مكانته وثروته، خطابًا شكر فيه ستيرفورث على رفعه لوجاهة مدرسة سِيلم هاوس، وطلب من الأولاد أن يُحيُّوه بالهjاف ثلاث مرات. بعد هذا ضرب السيدُ كريكل تومي ترادلز بالعصا؛ لأنه بدلًا من الهُتاف لستيرفورث راح يبكي عند رحيل السيد ميل؛ ثم عاد السيد كريكل للنوم على أريكته، أو من حيثما أتى. تُرك الأولاد بمفردهم، وراح كلٌّ منهم ينظر إلى الآخر في ذهول. وكان ديفيد سيبكي، لولا أنه خشيَ أن بكاءه ربما يُغضب ستيرفورث. حيث غضب ستيرفورث من ترادلز للغاية، وقال إنه سعيدٌ لأنه قد عُوقب. قال ترادلز إنه لا يكترث لهذا، وإن السيد ميل قد ظُلم. فرد ستيرفورث، وقد شعر بشيءٍ من الخجل، لكنَّ غروره كان أكبر بكثيرٍ من أن يدعه يعترف بخطئه: «ومن الذي ظلمه أيتها الفتاة؟» «يا للعجب، أنت ظلمتَه.» قال ستيرفورث: «وما الذي فعلتُه؟» فردَّ عليه ترادلز مُبكِّتًا: «ما الذي فعلتَه؟! لقد جرحتَ مشاعره، وأفقدتَه وظيفته.» قال ستيرفورث: «سوف تَتعافى مشاعرُه قريبًا من جُرحها، أنا واثقٌ من هذا، إن مشاعره ليست كمَشاعركِ، يا آنسة ترادلز. أما عن وظيفته — والتي كانت وظيفةً غالية، أليس كذلك؟ — أتظنين أني لن أرسل رسالةً إلى بيتي، وأحرص على أن يَحصل على بعض المال، يا آنسة بُولي؟» رأى الأولاد في هذا نُبلًا كبيرًا من ستيرفورث، الذي كانت والدته أرملةً غنيةً جدًّا، وهي مستعدةٌ، كما شاع عنها، لفعل أيِّ شيءٍ تقريبًا من أجل ابنها، إذا ما طلبه منها. لكنْ في تلك الليلة أخذ ديفيد يُفكِّر في المزمار القديم، ويتساءل إن كان السيد ميل يعزف في مكانٍ ما وهو حزين، وأحسَّ ببؤسٍ شديدٍ في الحقيقة. وبعد ذلك جاء إلى المدرسة مُعلِّمٌ جديد من إحدى المدارس الثانوية؛ وأكدَّ ستيرفورث أنه شخصٌ طيب؛ لكنَّه لم يبذل قط في تعليم ديفيد ذلك الجهدَ العظيم الذي كان يبذله السيد ميل. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل الثامن زوار من أجل ديفيد بعد ظُهْر أحد الأيام، وبينما السيدُ كريكل يُعمل عصاه بشكلٍ مرعبٍ في كل مَن حوله، أقبل تنجاي، وصاح قائلًا: «زوَّارٌ لكوبرفيلد!» وقف ديفيد في مكانه، وقد أصيب بدُوارٍ شديدٍ من الذهول، وطُلب منه أن يذهب عبْر السلالم الخلفية لارتداء قميص مكشكش نظيف قبل أن يدخل إلى حجرة الطعام. وأخذ يتساءل إن كانت الزائرة هي أمَّه، ثم توجه إلى الباب وهو مضطربٌ تمامًا، وتعيَّن عليه أن يوقف بكاءً كان قد اعتراه قبل الدخول. وقد فوجئ بأن السيد بيجوتي وهام هما اللذان أتيَا لزيارته. حيث أمسك كلٌّ منهما طرفَ قبعته بيده وانحنى تحيةً لديفيد، وحشر أحدهما الآخرَ في الحائط من الارتباك الذي أصابهما. ضحك ديفيد ابتهاجًا برؤيتهما مرةً أخرى، وتصافحوا جميعًا بمودةٍ شديدة؛ لكنَّ الدموع كانت قريبةً جدًّا من الضحك كذلك، وأخرج ديفيد منديله، رغم أنه ظلَّ يضحك، وراح يُجفف به دموعه؛ لقد تأثر تأثرًا كبيرًا عندما رآهما. وَكَزَ السيدُ بيجوتي هام بمرفقه برفقٍ كي يقول شيئًا. فبدأ هام قائلًا: «فلتبتهج يا صديقي السيد ديفي! يا للعجب، كم كبُرتَ!» قال ديفيد: «أنا كبُرتُ؟» قال هام: «كبُرتَ يا صديقي السيد ديفي؟ ألم يكبر بالفعل!» قال السيد بيجوتي: «لقد كبُر بالفعل!» «هل تعلم كيف حالُ أمي يا سيد بيجوتي؟ وكيف حال عزيزتي بيجوتي؟» قال السيد بيجوتي: «على خير ما يرام.» «والصغيرة إيميلي، والسيدة جوميدج؟» قال السيد بيجوتي: «بخير حال.» سادت فترةٌ من الصمت. ولكي يُبدِّدَها السيدُ بيجوتي، قدَّم لديفيد جرادتَين بحريَّتَين هائلتين، وسلطعونًا ضخمًا، وحقيبةً كبيرةً مصنوعةً من القماش الثقيل مملوءةً بالروبيان، وكوَّمها فوق ذراعَي هام. قال السيد بيجوتي: «أتدري، لِعلمنا أنك كنت مُولعًا بالقليل من فواتح الشهية مع طعامك عندما كنتَ معنا، رفعنا الكُلفةَ وأتينا بهذه الأشياء. لقد طهتها الفتاةُ الكبيرة.» ولأن السيد بيجوتي لم يجد شيئًا آخر يقوله حينها، فقد أضاف: «نعم، صدِّقني، لقد أنضجتها السيدةُ جوميدج.» شكره ديفيد من القلب. قال السيد بيجوتي: «لقد أتينا، وكانت الرياح والمدُّ يعملان لصالحنا، في واحدٍ من المراكب الشراعية المُبحِرة من مدينتنا يارمث إلى مدينة جريفزيند. حيث أرسلتْ لي أختي اسم هذا المكان في رسالة، وقد أرسلتْها لي كما لو كنتُ قد أتيتُ إلى مدينة جريفزيند في أيِّ وقتٍ من حياتي، وطلبتْ مني أن آتيَ إلى هنا وأسألَ عن السيد ديفي، وأُبلغَه أنها تتمنى له — في إخلاصٍ وتواضعٍ — أن يكون على ما يرام، وأنها تُخبره أن الأسرة على خير ما يرام من دون شك. وعندما أعود سترسل الصغيرةُ إيميلي رسالةً إلى أختي، وستخبرها فيها أني رأيتُك وأنك أيضًا على خير ما يرام، وهكذا نجعلها جولة اطمئنان سعيدة.» شكره ديفيد مرةً أخرى، وسأله إن كانت الصغيرة إيميلي قد تغيَّرت. قال السيد بيجوتي: «إنها تكبر وستصبح امرأةً جميلة، هكذا ستكون. اسأله.» كان يقصد هام، الذي راح يبتسم، من فوق حقيبة الروبيان، ابتسامةً عريضةً تنمُّ عن الابتهاج والموافقة. قال السيد بيجوتي، ووجهه يتألق كالضوء: «فوجهها جميل!» قال هام: «وهي متعلِّمة!» قال السيد بيجوتي: «وخطُّها! يا لروعته، إنه كالكهرمان الأسود. وهو كبيرٌ جدًّا، يمكنك أن تراه من أي مكان.» كان على وشك أن يقول المزيد عن محبوبته الصغيرة، لكنَّ ستيرفورث نظر داخل الحجرة فجأةً، وقطع أُغنيةً كان يغنيها، وقال: «لم أكن أعلم أنك هنا أيها الصغير كوبرفيلد!» (وذلك لأن هذه لم تكن الغرفة المعتادة للزيارات.) ومضى في طريقه إلى خارج الحجرة. أراد ديفيد من جهةٍ أن يتباهى بصديقه الأنيق ستيرفورث، ومن جهةٍ أخرى أن يشرح له كيف حدث أن أتاه ضيفان مثل هذين الصيادَين الجلفَين، فنادى قائلًا: «لا تنصرف يا ستيرفورث من فضلك. هذان صيادان من مدينة يارمث — إنهم أناسٌ طيبون وصالحون للغاية — وهما قريبَا مربيتي، وقد جاءَا من مدينة جريفزيند لزيارتي.» قال ستيرفورث وهو يعود أدراجه: «نعم، نعم، سررتُ برؤيتهما. كيف حالكما؟» كان يتصرف على طبيعته؛ وبأسلوب مرِح ولطيف، كما أنه لم يكن متبجِّحًا، فضلًا عن نبرته المُبهجة، ووجهه ومظهره الوسيمَين، اللذَين يبدو أنه كان لهما سُلطانٌ طاغٍ، وما كان يستطيع مقاومتَهما الكثيرون. حيث ارتاح له السيد بيجوتي وهام في الحال. وقد أخبرهما ديفيد بكلماتٍ قليلةٍ عن مدى طيبةِ ستيرفورث معه. قال ستيرفورث ضاحكًا: «إنه يُبالغ!» قال ديفيد: «وإذا حدث يومًا يا سيد بيجوتي أن زار السيد ستيرفورث مقاطعةَ نورفك أو مقاطعة سافُك وأنا هناك، فثِقْ أنني سوف آتي به إلى مدينة يارمث، إذا سمح لي بهذا، ليرى بيتك. إنك لم ترَ قط بيتًا في مثل جماله يا ستيرفورث. إنه مصنوعٌ من أحد المراكب.» قال ستيرفورث: «مصنوعٌ من أحد المراكب، حقًّا؟ إنه البيت الأمثل لصياد قويِّ البِنية مثلك!» قال هام وهو يبتسم ابتسامةً عريضةً: «إنه كذلك يا سيدي، إنه كذلك يا سيدي. أنت مُحقٌّ أيها السيد. يا سيد ديفي، هذا السيد مُحقٌّ. صياد قويُّ البِنية! هه هه! هذه هي حقيقته إلى حدٍّ بعيد!» وقال السيد بيجوتي، وهو يضحكُ بصوتٍ خافتٍ، ويُقحِم طرفَي منديل عنقه في صدره: «أشكرك يا سيدي، أشكرك! إنني أبذل جهدي في عملي يا سيدي.» قال ستيرفورث، وكان قد حفظ اسمه بالفعل: «إن أفضل الرجال لا يستطيعون أن يزيدوا على ما تبذله شيئًا يا سيد بيجوتي.» قال بيجوتي: «أنا واثقٌ أن هذا ما تفعله أنت يا سيدي، وهو ما تُتقن فعله؛ تتقنه تمامًا! أشكرك يا سيدي.» أنهى السيد بيجوتي اللقاء بدعوة ستيرفورث لزيارته يومًا ما «مع السيد ديفي.» وتمنَّى لهما العافية والسعادة. ردَّد هام أمنيةَ عمِّه، وافترق الولدان عنهما بأسلوبٍ غاية في الوُدِّ؛ ثم عادَا وحملَا الطعام إلى غرفة النوم دون أن يُلاحظَهما أحدٌ، حيث أقامَا حفلةَ عشاءٍ عظيمةً تلك الليلة. أفرط المسكين ترادلز جدًّا في تناول السلطعون، وأصابه الغثيان فجأةً أثناء الليل؛ وكان غثيانًا شديدًا، لدرجة أنه احتاج إلى أن يُعالَج بجرعاتٍ من شرابٍ أسود وحبوبٍ زرقاء؛ وفي صباح اليوم التالي ضُرب بالعصا، وفُرض عليه حفظ ستة فصولٍ من نسخة الكتاب المقدس اليونانية لرفضه الاعتراف بما أكله وأصابه بالغثيان هكذا. وهكذا انقضى الفصل الدراسي الأول من حياة ديفيد في المدرسة، ولاحت الإجازاتُ في الأفق وأخذت تقترب أكثر فأكثر. فبدأ ديفيد يخاف من ألَّا يسمح له السيد ميردستون بالعودة إليهم؛ لكنَّ خوفه تحوَّل إلى سعادةٍ في نهاية المطاف، وفي يومٍ مبهجٍ وجد نفسه داخل عربة بريد يارمث، وفي طريقه إلى المنزل. توقفت العربة في مدينة يارمث؛ لكن ليس أمام الفندق الذي تعرفونه حيث ساعده النادلُ على إنهاء شرائح اللحم وحلوى البودينج. بل فندق آخر يُسمى «ذا دولفن»، وأُدخل ديفيد حجرةً صغيرةً لطيفةً ليقضيَ فيها الليلة؛ وكان المفترضُ أن يُقلَّه الحمَّال باركس في الصباح. استقبله باركس وكأنما لم يمرَّ على فراقهما سوى خمس دقائق، وما إن صار ديفيد والحقيبة في العربة حتى سار الحصان الكسول بسرعته المعتادة. قال ديفيد: «تبدو في حالٍ جيدةٍ جدًّا يا سيد باركس، لقد أبلغتُ رسالتك. لقد أرسلتُ خطابًا لبيجوتي.» قال السيد باركس: «نعم!» وقد بدا فظًّا، وردَّ على ديفيد بأسلوبٍ جافٍّ. سأل ديفيد بعد قليلٍ من التردد: «أما كان مناسبًا يا سيد باركس؟» قال باركس: «يا إلهي، بلى.» «الخطاب؟» قال باركس: «كان الخطابُ مناسبًا جدًّا، ربما، لكنه انتهى عند هذا.» «انتهى، يا سيد باركس؟» أوضَح باركس قصدَه وهو ينظر إلى ديفيد شزْرًا: «لم يُسفر عن شيء، لا ردَّ.» سأل ديفيد وهو يفتح عينيه: «كنتَ تتوقع ردًّا، أليس كذلك يا سيد باركس؟» قال باركس: «عندما يقول رجلٌ إنه راغبٌ، فإن هذا يُعد كما لو أنه ينتظر ردًّا.» «حسنٌ يا سيد باركس، وماذا بعد؟» قال باركس، وهو ينظر إلى أُذُنَي الحصان: «حسنًا، هذا الرجل ينتظر ردًّا منذ ذلك الحين.» شكل ٨-١: أخرج السيد بيجوتي من جيبَيه جرادتَين بحريَّتَين هائلتين، وسلطعونًا ضخمًا، وحقيبةً كبيرةً مصنوعةً من القماش الثقيل مملوءةً بالروبيان. «هل قلتَ لها هذا يا سيد باركس؟» قال الحمَّال مزمجرًا، وقد غرِق في التفكير: «ﻟ… لا. لم يدعُني أحدٌ ألبتة كي أذهب وأقول لها هذا. كما أني لم أُكلِّمْها ولو قليلًا قبل ذلك قط. لا، لن أقول لها هذا.» قال ديفيد بتردد: «هل تحب أن أُخبرها أنا يا سيد باركس؟» قال باركس: «فلتقُل لها، إذا أحببتَ، إن باركس كان ينتظر ردًّا. فلتقُل؛ ما هو الاسم؟» «اسمها؟» قال باركس وهو يومئ برأسه: «نعم!» «بيجوتي.» «هذا اسمُها الأول؟ أم اسمُ عائلتها؟» «أوه! ليس هذا اسمها الأول. اسمها الأول كلارا.» قال باركس: «حقًّا؟» ثم راح يفكر مليًّا في هذه الحال، واستأنف كلامه أخيرًا: «فلتقُل: «بيجوتي، إن باركس ينتظر ردًّا.» وربما تقول لك: «رد على ماذا؟» فقل: «على ما قُلتُه لك.» فإذا قالت: «وما هو هذا الذي قُلتَه؟» فقل: «إن باركس راغب».» في هذه اللحظة وكز سائقُ العربة ديفيد بمرفقه برفقٍ في جنبه، ثم جلس مترهلًا فوق حصانه كعادته، ولم يُشر بعدها أيَّ إشارةٍ أخرى إلى الموضوع. لكنه بعد نصف ساعةٍ أخرج قطعة طباشيرٍ من جيبه، وكتب داخل غطاء عربته «كلارا بيجوتي.» وفي هذه اللحظة أصبح البيت القديم على مرأًى من راكبي العربة، حيث كانت أشجار الدردار الطويلة تُلوِّح بأغصانها العارية في الهواء البارد، بينما تجرف الرياحُ بعضَ القشِّ من أعشاش الغربان العتيقة. أنزل الحمَّالُ حقيبة ديفيد أمام بوابة الحديقة، وتركه؛ وسار ديفيد فوق المسار القديم، بينما يرفع عينيه ويُلقي نظراتٍ خاطفةً على النوافذ، ويخشى مع كل خطوةٍ يخطوها أن يرى السيد أو الآنسة ميردستون وهما يُطلَّان من واحدةٍ منها. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل التاسع مثل الأيام الماضية تمامًا وصل ديفيد إلى باب المنزل، وأدار المقبضَ دون أن ينتظر ليطرق الباب، ومضى إلى الداخل بخُطًى هادئةٍ متهيبة. وعندما دخل سمع صوتًا خافتًا يغنِّي في الردهة؛ وقد كان صوتَ والدته؛ وبدت الأغنية التي تُغنيها شبيهةً بأغنيةٍ قديمةٍ كانت تغنيها له وهو رضيع. نظر ديفيد داخل الغرفة؛ لكنَّ والدته لم ترَه؛ حيث كانت تجلس إلى جوار المدفأةِ وبين ذراعيها طفلٌ رضيع، بينما تضع يدَه البالغةَ الصغر على خدِّها، وعيناها تنظران إلى وجهه. ولم يكن هناك أيُّ أحدٍ آخر في الغرفة. تَكلَّم ديفيد، فانتفضتْ في مكانها، وما إن رأته حتى قالت: حبيبي ديفي، ولدي! ثم مضت إلى منتصف الغرفة لاستقباله، وجثت على ركبتَيها وقبَّلتْه، ووضعتْ رأسَه على صدرها، قريبًا من المخلوق الصغير الذي كان مستقرًّا هناك، ورفعتْ يد الرضيع إلى شفتَي ديفيد. وقالت تُلاطف ديفيد: «إنه أخوك، يا ديفي، يا ولدي الجميل! يا طفلي المسكين!» ثم راحتْ تُقبِّله مرةً بعد مرة، وتطوق عنقه بذراعيها، وهنا دخلتْ بيجوتي تجري، ووثبتْ فجأةً على الأرض بجوارهما، واحتفت بهما وعقلُها يكاد يطير من الفرح طيلةَ ربع ساعة. لقد شعروا وكأن الأيام الماضية الغالية قد عادت من جديد؛ حيث وصل ديفيد مبكرًا عمَّا كانوا يتوقعون، وكان السيد والآنسة ميردستون خارج البيت في زيارة، ولن يعودَا قبل حلول الظلام. أوه! لقد كان وقتًا سعيدًا؛ حيث جلسَا لتناول الغداء معًا بجوار نار المدفأة بينما تقوم بيجوتي على خدمتهما؛ لكنَّ والدة ديفيد لم تتركها تفعل ذلك، وجعلتْها تجلس وتتناول غداءَها معهما. كان ديفيد يأكل في طبقه القديم، المرسومِ عليه سفينةٌ حربيةٌ مبحرةٌ بكامل أشرعتها، والذي كانت بيجوتي قد خبَّأته بعيدًا، وقالت إنها ما كانت لتكسرَه، ولو في مقابل مائة جنيه. وكذلك كوبه القديم المكتوب عليه «ديفيد»، وسكينه وشوكته الصغيرتان اللتان لا تقطعان. وبينما هم يتناولون غداءهم مسرورين، بدأ ديفيد يُحدِّث بيجوتي عن السيد باركس، وقبل أن تُنهيَ طعامها، بدأت تضحك، وتغطي وجهها بمريلتها. قالت والدة ديفيد: «بيجوتي! ما الأمر؟» لم تزد بيجوتي على أن ضحكت أكثر من ذي قبل، وثبتت مريلتها بقوةٍ على وجهها عندما حاولت أمُّه أن تُزيلَها. قالت والدة ديفيد، وهي تضحك هي الأخرى: «ماذا تفعلين أيتها الحمقاء؟» صاحت بيجوتي: «يا إلهي! تبًّا لذلك الرجل! إنه يريد أن يتزوجني.» قالت والدة ديفيد: «سيكون زوجًا مناسبًا جدًّا لكِ، أليس كذلك؟» قالت بيجوتي: «يا إلهي! لا أدري. لا تسأليني. لن أتزوجَه ولو كان مخلوقًا من ذهب. ولن أتزوج أيَّ أحد.» «إذن فلمَ لا تخبرينه بهذا، أيتها السخيفة؟» أجابت بيجوتي، وهي تنظر خارج مريلتها: «أُخبره بهذا؟ إنه لم يُخبرني قطُّ بكلمةٍ واحدةٍ عن الأمر. إنه أعقل من أن يفعلها. لو أنه تجرَّأ جدًّا وقال لي كلمةً واحدةً لصفعتُ وجهه!» كان وجهُها محمرًّا للغاية، وظلَّت بين الحين والآخر تضحك من قلبها. نظر ديفيد إلى أمِّه فرأى أنها أصبحتْ جادةً ومُستغرقةً في التفكير جدًّا، رغم ابتسامتها في وجه بيجوتي عندما نظرت إليها. لقد ظلَّ وجهها جميلًا، لكنه بدا مهمومًا واهيًا، وراحت تنظر إلى بيجوتي نظراتٍ قلقةً مرتبكة؛ ثم مدَّت يدها، ووضعتْها بحنانٍ فوق يدِ خادمتها الرائعة، وقالت: «عزيزتي بيجوتي، ألن تتزوجي؟» «أنا يا سيدتي؟ باركك الله، نعم لن أفعل!» قالت الأم في حنان: «ليس الآن.» صاحت بيجوتي: «أبدًا.» قالت أمُّه وهي ممسكةٌ بيدها: «لا تتركيني يا بيجوتي. ابقَي معي. ربما لا يطول هذا كثيرًا. ماذا عساي أن أفعل من دونك؟» صاحت بيجوتي: «أنا أتركك يا غالية؟ لن أفعل هذا لأي سببٍ كان. يا إلهي، ما الذي وضع هذه الفكرة في رأسك الصغير السخيف؟» لم تُجب الأم إلا بأن شكرتْها، وأكملت بيجوتي كلامَها قائلةً: «أنا أتركك! أنا أعرف نفسي. لا، لا يا عزيزتي! بيجوتي تبتعد عنكِ؟ لستُ أنا من يفعل هذا يا عزيزتي. ليس هذا لأنه لا يوجد بعضُ الأشخاص مِمن سيسعدون غاية السعادة لو فعلتْ، لكنهم لن يسعدوا، بل سوف يغضبون. سوف أبقى معكِ إلى أن أَصير عجوزًا عصبية فظَّة. وعندما أبلُغ من الهَرم حدًّا لا أكون فيه ذات فائدةٍ لأيِّ أحدٍ، فسأذهب إلى حبيبي ديفي، وأطلب منه أن يُئويني عنده.» قال ديفيد: «وسيُسعدني حينها أن أراكِ، وسأستقبلكِ كما تُستقبَل الملِكات.» قالت بيجوتي وهي تُقبِّله: «بُوركت! يا حبيب قلبي، أَعلم أنك ستفعل.» ثم أخرجت الرضيع من مهدهِ وأرضعتْه؛ وأزالت الأطباق من فوق المائدة، وجاءت بعد ذلك وفوق رأسها قبعةٌ أخرى، ومعها عُلبةُ أدوات الحياكة، وجلسوا جميعًا حول المدفأة وراحوا يتحدثون في ابتهاج. أخبرهما ديفيد كم كان السيد كريكل مديرًا قاسيًا، وقد شعرتَا بالحزن للغاية. وأخبرهما بكل شيءٍ عن ستيرفورث، وقالت بيجوتي إنها تتمنى لو أن تقطع الأميال سيرًا على أقدامها كي تراه. وعندما استيقظ الرضيع أمسكه ديفيد بين ذراعيه وأرضعه في حنان؛ وعندما نام الرضيع مرةً أخرى، تزحزح ديفيد ببطءٍ إلى جوار أمِّه وطوَّق خصرها بذراعه، ووضع خده على كتفها، وأحسَّ من جديدٍ بشعرها الجميل يتدلَّى فوقه مثل جناح ملَكٍ من الملائكة تمامًا. لقد بدا الأمر وكأنه لم يغادر المنزل قط؛ وأنه لم يكن هناك مَن يُدعَيان السيد والآنسة ميردستون في الدنيا. لقد كان وقتًا سعيدًا حقًّا. قالت بيجوتي فجأةً: «تُرى أين عمةُ ديفي الأرستقراطية وكيف حالُها؟» قالت والدة ديفي، وهي توقظ نفسها من حُلم يقظةٍ: «ما هذا الهراء الذي تقولينه يا بيجوتي؟» قالت بيجوتي: «حسنًا، لكنني أتوق حقًّا إلى أن أعلم يا سيدتي.» قالت والدة ديفي: «ما الذي جعلك تُفكرين في امرأةٍ كهذه؟ إن الآنسة بيتسي منعزلة في بيتها الصيفي الصغير على شاطئ البحر، لا شك في هذا، وسوف تظلُّ هناك. على أي حال، ليس من المتوقع أبدًا أن تزعجنا مرةً أخرى.» قالت بيجوتي مُتأمِّلةً: «لا! لا. ليس هذا متوقعًا أبدًا؛ تُرى، لو ماتتْ، هل ستترك لديفيد أيَّ شيءٍ؟» «يا إلهي، يا بيجوتي! يا لكِ من امرأةٍ سخيفة! وأنتِ تعلمين أنها انزعجتْ من مجرد ولادة الصبي العزيز المسكين!» إذ لعلكم تذكرون كيف خرجت الآنسة بيتسي من المنزل عندما سمعتْ أن المولود صبيٌّ، ولم تعُد بعدها مطلقًا. بعد قليلٍ تناولوا الشاي، وأُشعلت نارُ المدفأة وأُطفئت الشموع؛ وأخبرهم ديفيد المزيدَ عن مدرسة سِيلم هاوس، وأخبرهم أكثر عن ستيرفورث؛ وكانت الساعة قد اقتربت من العاشرة قبل أن يسمعوا صوتَ إحدى العربات. عندئذٍ انتفضوا جميعًا واقفين، وقالت والدة ديفيد في عجلةٍ إن الوقت قد تأخر جدًّا وربما يحسُن بديفيد أن يذهب إلى فراشه. وهكذا قبَّلها ديفيد وصعِد إلى الطابق العلوي على ضوء شمعته مباشرةً، قبل دخول السيد والآنسة ميردستون؛ وبينما يصعد درجات السلم تخيَّل السيدَ والآنسة ميردستون يجلبان معهما إلى المنزلِ عاصفةً من الهواء البارد بددتِ الشعور العائلي القديم. لم يكن ديفيد مرتاحًا للنزول لتناول الإفطار في صباح اليوم التالي؛ وذلك لأن عينَيه لم تقعَا البتةَ على السيد ميردستون منذ أن عضَّه في ذلك اليوم الذي لا يُنسى. لكن لم يكن هناك بُدٌّ من النزول، وقد وجد السيدَ ميردستون واقفًا وظهره إلى نار المدفأة، بينما كانت الآنسة ميردستون تُعدُّ الشاي. راح السيد ميردستون ينظر إلى ديفيد وكأنه لا يعرفه؛ لكن نظرته كانت ثابتةً وغير ودية. شعر ديفيد بالارتباك؛ لكنه توجه إليه وقال: «معذرةً يا سيدي. إنني في غاية الأسف على ما فعلتُه، وأرجو أن تسامحني.» رد السيد ميردستون: «أنا سعيدٌ لأنك شعرت بالأسف يا ديفيد.» وناوله اليد التي كان قد عضَّها. رأى ديفيد أثرَ العضة عليها. احمرَّ وجه ديفيد جدًّا من الخجل، وقال للآنسة ميردستون: «كيف حالُكِ يا سيدتي؟» تنهَّدت الآنسة ميردستون، وقالت وهي تناوله ملعقة علبةِ الشاي ليصافحها بدلًا من أن تناوله أصابعها: «آه، يا إلهي! كم ستستغرق الإجازة؟» «شهرًا يا سيدتي.» «بدايةً من متى؟» «من اليوم يا سيدتي.» قالت الآنسة ميردستون: «يا إلهي! إذن فهناك يومٌ غير محسوب.» غضبت الآنسة ميردستون للغاية عندما رأت ديفيد فيما بعد يحمل الرضيع بين ذراعيه؛ كانت متأكدةً أنه سيدعُه يسقط؛ وقالت لأمه إنه يجب ألَّا يحمل الرضيع بعد ذلك أبدًا. وقد غضبت أكثر عندما قالت والدةُ ديفيد إن عينَي الرضيع تُشبهان عينَي ديفيد تمامًا؛ وخرجت تمشي من الغرفة بعجرفةٍ وصفقت الباب. لم تكن أيام الإجازة أيامًا سعيدةً جدًّا بالطبع. وكيف تكون سعيدةً في وجود السيد والآنسة ميردستون؟ إذ شعر ديفيد أن أمَّه كانت تخشى أن تتكلم معه، أو أن تعاملَه بلطفٍ في وجودهما، مخافةَ أن يُزعجهما هذا بطريقةٍ ما؛ لذا تعوَّد أن ينسلَّ إلى المطبخ ليجلس مع بيجوتي، هناك حيث لم يشعر قطُّ أن هناك عقبةً في طريقها. لكنَّ السيد ميردستون اعترض على هذا. وقال: «يُحزنني أنْ أُلاحظ أنَّ لك صداقةً مع رفقة وضيعةٍ من العامة. لا يجب أن تُرافق الخدم. إن المطبخ لن يُفيدَك.» يا إلهي! يا للساعاتِ الكئيبةِ التي قضاها في الردهة، يومًا بعد يومٍ، وهو يخشى أن يُحرك رِجلًا أو ذراعًا خشيةَ أن تتذمَّر الآنسةُ ميردستون من تململه. وهكذا اعتاد أن يسير بمفرده في أزقَّةٍ موحلةٍ في طقس الشتاء الرديء ليتحاشى لقاءَهما! وكم كان يُفرحه أن يسمع الآنسة ميردستون وهي تُنادي مع أول دقات التاسعة في المساء، وتأمره بالانصراف إلى فراشه! لم يشعر ديفيد بالحزن عندما انتهت الإجازة؛ إذ كان يتطلع لرؤية ستيرفورث مرةً أخرى. لذا لم يشعر بالحزن عندما ظهر باركس أمام البوابة ووضع حقيبته في العربة. قبَّل ديفيد والدتَه وأخاه الرضيع، وعندئذٍ شعر بشيءٍ من الحزن. فضمَّته والدتُه إليها؛ لكنَّ الآنسة ميردستون كانت موجودةً، لذا اضطُرت لتركه يذهب. لكنَّه عندما أصبح داخل العربة وراحتْ تبتعد به، سمع والدته تناديه. فأطلَّ ديفيد من نافذة العربة، ووجدها واقفةً بمفردها أمام بوابة الحديقة، وقد رفعت له الرضيع بين ذراعيها كي يراه. كان الجو باردًا خاليًا من الرياح؛ فلم تهتزَّ شعرةٌ واحدةٌ في رأسها، ولا ثنيةٌ من ثنيات فستانها، عندما وقفتْ وعيناها مثبتتان عليه، والرضيع مرفوعٌ بين ذراعيها. لم يرها ديفيد بعد ذلك مطلقًا. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
الفصل العاشر عيدُ ميلادٍ لا يُنسى كان ديفيد قد قضى شهرين فقط في المدرسة عندما عادت ذكرى يوم ميلاده من جديد. وقد خيَّم الضبابٌ على المكان، واكتست الأرضُ بصقيعٍ فِضيٍّ؛ في صباح يوم بارد قارس البرودة من أيام شهر مارس. وعندما انتهى الفطور واستُدعي الأولاد للدخول من ملعب المدرسة، دخل السيد شارب حجرةَ الدرس وقال: «ديفيد كوبرفيلد مطلوبٌ في الردهة.» قفز قلبُ ديفيد في صدره. إذ كان يتوقع أن تُرسل له بيجوتي سلة هدايا عيد مولده. وطلب منه الأولاد ألَّا ينساهم عندما تأتي الأشياء الجميلة، لأنهم كانوا يعلمون ما الذي كان يتطلع إليه. وقفز ديفيد من مقعده في الحال. فقال السيد شارب بنبرةٍ رقيقةٍ غيرِ مُعتادةٍ منه: «لا تتعجل يا ديفيد، فهناك متَّسعٌ من الوقت يا بُني، لا تتعجل.» لكنَّ ديفيد أسرع بالدخول إلى الردهة، حيث كان السيد كريكل جالسًا على مائدة الإفطار وأمامه العصا وإحدى الجرائد. ولم يرَ ديفيد سلة الهدايا. قالت السيدة كريكل وقد أخذته إلى أريكةٍ وجلستْ إلى جواره: «ديفيد كوبرفيلد، أُريد أن أكلمك كلامًا خاصًّا جدًّا. إن لديَّ شيئًا أريد أن أُخبرك به يا بُني.» هزَّ السيد كريكل رأسَه، وسدَّ تنهيدتَه بقطعةٍ كبيرةٍ جدًّا من الخبز المحمص المدهون بالزبد. قالت السيدة كريكل: «إنك أصغر بكثيرٍ من أن تعلم كيف يتغيَّر العالم كلَّ يوم، وكيف يموت الناس الذين فيه. لكن علينا جميعًا أن نعلم هذا يا ديفيد؛ بعضنا يموت وهو صغير، وبعضنا يموت وهو كبير، وبعضنا يموت في أي وقت من أوقات حياتنا.» كان ديفيد ينظر إليها بجدية. قالت السيدة كريكل، بعد فترة صمتٍ قصيرة: «عندما عدتَ من المنزل في نهاية الإجازة، هل كانوا جميعًا على ما يرام؟» ثم بعد فترةِ صمتٍ أخرى قالت: «هل كانت صحةُ والدتك على ما يرام؟» بدا وكأن غشاوةً قد ظهرت بين ديفيد والسيدة كريكل. وأحسَّ بدموعٍ حارقةٍ في عينيه. قالت: «لقد كانت مريضةً على نحوٍ خطير.» فعلم ديفيد ما الذي كان قادمًا. قالت السيدة كريكل: «ثم ماتت.» صرخ ديفيد صرخةً حزينةً، وشعر أنه قد أمسى يتيمًا في ذلك العالم الكبير المتسع. كانت السيدة كريكل طيبةً معه للغاية؛ إذ أبقته في الردهة طوال اليوم، وكانت تتركه بمفرده أحيانًا. ثم نام من فرط ما أرهق نفسه في البكاء، وعندما استيقظ بكى ثانيةً؛ حيث كان يشعر بثقلٍ كئيبٍ على صدره؛ وراح يتصوَّر والدته كما رآها آخر مرة؛ ترفع الرضيع بين ذراعيها أمام البوابة. تصور ديفيد المنزلَ ساكنًا مُغلَقَ الأبواب والنوافذ؛ وراح يفكر في الرضيع الصغير، الذي قالت السيدةُ كريكل إنه ظلَّ يضعف بعضَ الوقتِ، والذي يعتقدون أنه سيموت هو الآخر؛ كما أخذ يُفكر في العودة إلى المنزل، لأنهم أرسلوا له كي يحضر الجنازة. وظلَّ ديفيد يتمشَّى في الملعب بعد ظهر ذلك اليوم بينما كان الأولاد الآخرون في المدرسة؛ ولمْ يَقصَّ عليهم شيئًا من القصص في غرفة النوم تلك الليلة، وأصرَّ ترادلز على أن يُعيرَه وسادته، رغم أنه كانت لديه واحدة. غادر ديفيد مدرسة سِيلم هاوس بعد ظهر اليوم التالي؛ وقد خرج منها خروج مَن لن يعود إليها للأبد؛ لكنه لم يكن يعلم ذلك حينها. أخذ ديفيد ينظر حوله بعناية في مدينة يارمث بحثًا عن وجه باركس المألوف؛ لكنَّ رجلًا عجوزًا لطيفَ المنظر قصيرَ القامة ذا ملابس سوداء أقبل ينفخ دخان سيجاره في نافذة العربة، وسأله قائلًا: «السيد كوبرفيلد؟» «نعم يا سيدي.» قال الرجل وهو يفتح باب العربة: «هلا تتفضل بالمجيء معي يا سيدي الصغير، إذا سمحت، وسأنال شرفَ إيصالك إلى المنزل.» ورحل معه ديفيد، وهو يتساءل عمَّن عساه يكون، إلى محلٍّ مكتوبٍ عليه «أُومَر، تاجر ملابس وخردوات، خيَّاط، مجهز جنازات … إلخ.» أخذه السيد أُومَر إلى هناك ليقيس له بدلةً للحِداد، ثم بعد ذلك أخذه إلى قرية بلاندستن. احتضنته بيجوتي بين ذراعيها قبل أن يصل إلى الباب، وأدخلته إلى المنزل. حيث بكتْ بكاءً مريرًا، وكانت تتكلم في همسٍ، وتسير برفقٍ، وكأنما تخشى أن تُزعج الموتى. وكان الرضيع الصغير قد مات هو الآخر، ووضعوه بين ذراعَي أمه. لم يُبالِ السيد ميردستون بديفيد عندما دخل إلى الردهة، وإنما ظلَّ جالسًا بجوار المدفأةِ وعيناه محمرَّتان. ناولتْه الآنسةُ ميردستون أظافر أصابعها ليصافحها — حيث كانت منهمكةً للغاية في كتابة بعض الرسائل — وسألتْه بهمسةٍ حديديةٍ إن كان الخياط قد أخذ مقاسه من أجل بدلة الحِداد. وقد ظلَّت تكتب طوال اليوم، ويبدو أنها كانت تستمتع بصرامتها وقوةِ عقلها؛ كما أنها لم تُرخِ قَطُّ عضلةً واحدةً من عضلات وجهها، ولا لطَّفتْ نبرةَ صوتِها مرةً واحدة. كان السيد ميردستون يتناول كتابًا بين الحين والآخر ليقرأه، لكنه يظل ساعةً كاملةً من دون أن يقلب منه ورقة، ثم يضعه في مكانه، ويسير في اضطرابٍ ذهابًا وإيابًا. وفي تلك الأيام السابقة على الجنازة لم يرَ ديفيد بيجوتي إلَّا قليلًا؛ لكنها كانت تأتي إليه دائمًا في المساء وتجلس إلى جوار سريره حتى ينام. وبعد يوم الجنازة — ذلك اليوم الحزين الذي لمْ ينسَه ديفيد أبدًا — صعِدت معه إلى غرفته الصغيرة، وجلست معه على سريره الصغير، وأخبرته — وهي ممسكةٌ بيده — بكل ما يريد سماعه. قالت بيجوتي: «لمْ تكن أمُّك في حالةٍ جيدة أبدًا، وطوال فترةٍ كبيرة. كما أظن أنها بدأت تُصبح أكثر تهيُّبًا، وأكثر خوفًا في أيامها الأخيرة؛ إذ إن أيَّ كلمةٍ قاسيةٍ كانت كاللطمة بالنسبة لها. لكنها ظلتْ تعاملني المعاملة نفسها؛ فلم تُغيِّر قط معاملتها لخادمتها الحمقاء بيجوتي، لمْ تفعل فتاتي الجميلة. كانت آخر مرةٍ رأيتُها فيها وهي تُشبه ما كانت عليه قديمًا هي تلك الليلة التي عُدتَ فيها أنت إلى المنزل يا حبيبي. وفي اليوم الذي رحلتَ فيه قالت لي: «لن أرى حبيبي الجميل بعد ذلك أبدًا. شيءٌ ما يُحدِّثني بهذا، إنه يحدِّثني بالحقيقة، أنا متأكدة. فليحفظ الله ولدي اليتيم وليصُنْه».» قالت بيجوتي: «لم أتركها بعد ذلك قط. إنها كثيرًا ما كانت تتكلم معهما في الطابق السفلي — فقد كانت تحبهما؛ وما كانت تقوى على ألَّا تحبَّ أيَّ أحدٍ قريبٍ منها — لكن عندما كانَا ينصرفان من جانب سريرها، كانت دائمًا تتوجه إليَّ، وكأنما كان هناك راحةٌ حيث توجد بيجوتي، ولم تكن تنام قط بأي طريقةٍ أخرى. في الليلة الأخيرة قبَّلتني وقالت: «اجعلي ابني العزيز يرافقني إلى قبري، وأخبريه أن أمَّه، بينما ترقد هنا الآن، لا تباركه مرةً واحدةً فقط، وإنما تباركه ألف مرة … بيجوتي، عزيزتي، قربيني منكِ أكثر.» لأنها كانت تشعر بضعفٍ شديد. وقالت: «ضعي ذراعكِ الطيبة تحت رقبتي، ووجهيني إليكِ، فوجهكِ يبتعد جدًّا، وأنا أريده أن يكون قريبًا مني.» فوضعتُها حيث أرادت؛ ويا لَلألم يا ديفي! لقد جاء الوقت الذي سرَّها فيه أن تضع رأسها المسكين فوق ذراع خادمتها الحمقاء بيجوتي؛ ثم ماتت وكأنها طفلةٌ خلدت إلى النوم!» منذ ذلك الحين لم يعُد ديفيد يتذكرها إلَّا في صورة تلك الأم الصغيرة التي كانت تلفُّ عِقْصاتِ شعرها الزاهية حول أصبعها، وترقص معه ساعة الشفق في ردهة المنزل. لقد عادت أمُّه بموتها هذا إلى شبابها الهادئ الخالي من الهموم، وألغت كل ما سواه. ديفيد كوبرفيلد: أعدَّتها للأطفال أليس إف جاكسون
ميكروميغاس (١) رحلة أحد سكان عالم الشِعرَى إلى كوكب زحل في أحد الكواكب السيارة التي تدور حول النجمة المُطلق عليها اسم الشعرى اليمانية، كان فتًى متوقِّد الذهن تشرفت بالتعرف إليه في الرحلة الأخيرة التي قام بها في هذا العالم الصغير، ويُدعى هذا الفتى ميكروميغاس، وهو اسم يوافق كل كبير، يبلغ طول ميكروميغاس ثمانية فراسخ، وأعني بثمانية فراسخ أربعة وعشرين ألف خطوة هندسية، كل منها خمس أقدام. سيُسرع بعض العارفين بالجبر، وهم دائمًا من مُحبي الفائدة، إلى تناول القلم، فيتبين لهم أنه إذا كان السيد ميكروميغاس القاطن بلد الشعرى اليمانية يبلغ من قمة رأسه إلى باطن قدميه أربعة وعشرين ألف خطوة، يساوي مجموعها مائة وعشرين ألف قدم، وكنا نحن مواطني الأرض لا يتجاوز طول الواحد منا خمس أقدام، وكان قطر الكرة الأرضية تسعة آلاف فرسخ؛ فيجب — حتمًا — أنْ تبلغ دائرة الكرة التي أنبتت ميكروميغاس واحدًا وعشرين مليونًا وستمائة ألف مرة أكثر من محيط أرضنا الصغيرة، وليس في الطبيعة أبسط من هذا، ولا أكثر شيوعًا؛ فولايات بعض ملوك ألمانيا وإيطاليا، هذه الولايات التي يمكن لفها بمدة نصف ساعة، إذا قيست بدولة تركيا أو المسكب أو الصين، لا تأتي بسوى صورة ضئيلة عن الفروق الهائلة التي وضعتها الطبيعة في جميع الخلائق. ولن يشقى جميع من عندنا من النحاتين والمصورين في الموافقة على أنه إذا كان طول فخامته كما ذكرت، فمن المعقول ألَّا يقل زُنَّاره عن خمسين ألف قدم. أما عقله فمن أخصب ما يتوفر لإنسان؛ فهو يعي أشياءَ لا تُعد ولا تُحصى، وقد اخترع بعضًا من هذه الأشياء؛ إذ حزر — بقوة ذكائه — أكثر من خمسين مسألة من مسائل إقليدس، وهو بعد طالب في أشهر معاهد الشعرى، غير متجاوز مائتين وخمسين سنة من عمره، ولما بلغ المائة الرابعة بعد الخمسين سنة؛ أي لما اجتاز عتبة الحداثة، شرح كثيرًا من تلك الحشرات الصغيرة، التي لا يبلغ قطرها مائة قدم، ولا تُرى بالميكروسكوبات العادية، وألف عنها كتابًا — على جانبٍ كبير من الغرابة — أورثه بعض مشاحنات؛ فقد وجد فيه شيخ بلده، وهو عجوز طاعن في السن وبالغ من الجهل أبعد حدوده، قضايا تدعو إلى الشبهة، وتُسيء إلى الآداب العامة، وتفوح منها رائحة الكفر والإلحاد؛ فأمر بملاحقته. وكان مدار البحث في الكتاب براغيث الشعرى اليمانية، وهل تتفق طبيعتها وطبيعة الحلزون؛ فدافع ميكروميغاس عن نفسه بظرفٍ وذكاء، آخذًا النساء من جهته، وبقيت الدعوى مائتين وعشرين سنة، وأسفرت عن فوز الشيخ بمساعدة بعض الفقهاء الذين لم يقرءوا الكتاب؛ فحُكم على المؤلف وعلى صاحبه بالنفي ثمانية قرون من البلاط الملكي. على أنَّ ميكروميغاس لم يحزن كثيرًا لطرده من بلاطٍ ملأتْه الصغائر والأكاذيب؛ فنظم أغنية تهكَّمَ بها على الشيخ، ولم يعبأ بها هذا الأخير، وشرع يتنقل من كوكبٍ إلى كوكب كالطائر من غصنٍ إلى غصن، فعبر المجرة بوقتٍ قصير، وانتهى به السير إلى كرة زحل. وهو وإنْ يكن ألِف رؤية الأشياء الجديدة، إلا أنه حين وقع نظره على صغارة تلك الكرة وسكانها لم يقوَ على ضبط نفسه من ابتسامة التفوق التي تفلت أحيانًا من أعقل الناس؛ ذلك أنَّ زحل ليس أضخم من الأرض بسوى تسعمائة مرة، ومواطنو هذا البلد أقزام، لا يبلغ علو الواحد منهم إلَّا ستة آلاف قدم. سخر منهم بادئ ذي بدء، كما يسخر موسيقي طلياني من موسيقى لولي حين يأتي إلى فرنسا، ولكنه رجع في الحال إلى رشده، وتذكر أنَّ العقل لا يُقاس بمقياس الطول والعرض، وأنَّ قزمة لا يتجاوز طوله ستة آلاف قدم قد يكون على جانبٍ من الذكاء؛ فسعى إلى التقرب من الزحليين، بعد أن أدهشتهم جثته الهائلة، حتى توصل إلى كاتم أسرار المجمع العلمي الزحلي، وهو رجلٌ واسع الإدراك، لم يخترع شيئًا، ولكنه يعطي آراءً صائبة في مخترعات الآخرين، ويحْسن بعض الإحسان نظم مقاطع قصيرة من الشعر، وحل مسائل حسابية عويصة؛ فأنس به وارتبط معه بعرى صداقة متينة. وإلى القراء حديثًا عجيبًا دار يومًا بين ميكروميغاس وحضرة كاتم الأسرار! (٢) حديث بين قاطن الشعرى وقاطن زحل بعد أنْ تمدد فخامته واقترب كاتم الأسرار من وجهه قال ميكروميغاس: لا بُدَّ لنا من الاعتراف بأن الطبيعة كثيرة التنوع. فقال الزحلي: أجل، إنَّ الطبيعة أشبه ما تكون بروضة أزهارها … فقاطعه الآخر بقوله: دع روضتك لا تتكلم عنها. فاستطرد كاتم الأسرار قائلًا: هي كمجلس نساء بيضٍ وسمرٍ زينتهن … فقاطعه الآخر بقوله: ما لي ولنسائك السمر! إذن هي كرواق صور رسومها … فقاطعه الرحَّالة بقوله: لا، بل الطبيعة، هي كالطبيعة؛ فلماذا نبحث لها عن تشابيه؟ فأجاب كاتم الأسرار: لأَسُرَّك. فقال الرحَّالة: لا أريد أن أُسَرَّ، بل أريد أنْ أتعلم، قل لي أولًا كم حاسة لرجال كرتك؟ فأجاب الزحلي: لنا اثنتان وسبعون، وكل يوم نتذمر من هذه القلة؛ فتصوُّرنا يذهب إلى أبعد من حاجاتنا، ونرى أن حواسنا الاثنتين والسبعين، وحلقتنا وأقمارنا الخمسة تجعلنا في حيزٍ ضيق، وأننا — بالرغم من فضولنا كله، ومن مشتهياتنا الكثيرة الناتجة عن حواسنا الاثنتين والسبعين — لا يزال لنا متسعٌ كاف للسأم والملل. فقال ميكروميغاس: ليس في ذلك أي ريبٍ عندي؛ فنحن لنا في كرتنا ما يقرب من ألف حاسة، ولا يزال فينا لا أعرف أية رغبة مبهمة، بل أي قلق، ينبهنا دائمًا إلى صغارتنا، وإلى أنَّ ثمة خلائق أكمل منا بكثير، لقد سافرت قليلًا، فرأيت مائتين دوننا بكثيرٍ، ومائتين فوقنا بكثير، ولكني لم أرَ منهم أحدًا لا ينطوي من المشتهيات على أكثر مما ينطوي من الاحتياجات الصحيحة، ومن الاحتياجات على أكثر من إرضاء الخواطر، وقد أصل يومًا إلى البلد الذي لا يعوزه شيء، ولكن حتى الآن لم يجئني أحد بأنباءٍ راهنة عن هذا البلد. وبعد أنْ أفرغا ما في جعبتيهما من الافتراضات والأدلة، عادا إلى الأمور الواقعة، فقال ميكروميغاس: كم تعيشون؟ فأجاب القزمة الزحلي: وقتًا قصيرًا جدًّا. فقال الرحَّالة: عندكم كما عندنا؛ فنحن نتذمر دائمًا من القليل، ولا شك في أنه ناموس كوني من نواميس الطبيعة. فقال الزحلي متحسرًا: نحن لا نعيش إلا خمسمائة دوران كبير من الشمس؛ (أي خمسة عشر ألف سنة، على طريقتنا الحسابية)، ألا ترى أننا لا نكاد نولد حتى نموت؟ فحياتنا نقطة، وموتنا لحظة، وكرتنا ذرة، لا نوشك أنْ نهمَّ بمعرفة شيء قليل حتى يدركنا الموت قبل الاختبار، لا أكتمك أني لا أجرؤ على القيام بأي مشروع؛ فإني أرى نفسي كنقطة ماء في بحرٍ خضم، وإني لأخجل، أمامك على الخصوص، بالوجه المضحك الذي أظهره في هذا العالم. فأجابه ميكروميغاس: لو لم تكن فيلسوفًا لخشيت أنْ أحزنك حين أقول لك إنَّ حياتنا أطول من حياتكم بسبعمائة مرة، ولكنك تعرف حق المعرفة أنه حين يعود الجسد إلى أصوله ليحيي الطبيعة في شكلٍ آخر؛ أي حين يجيء الموت، لا يبقى أي فرق بين أنْ نكون قد عشنا أبدية أو عشنا يومًا، لقد زرت بلدانًا يعيش سكانها حياة أطول بألف مرةٍ من الحياة التي نعيشها نحن، ومع هذا رأيتهم يتذمرون، ولكنَّ في كل مكان أناسًا أولي أحكام سليمة يحسنون تناول قسمتهم وحمد مبدع الطبيعة؛ فقد وزع على هذا الكون فيضًا من المتنوعات في انسجامٍ عجيب، خذ مثلًا جميع الخلائق المفكرة؛ فهي تختلف في الشكل، ولكنها في باطن الأمر تتشابه بموهبة الفكر والرغائب، إن المادة منتشرة في كل مكان، ولكن لها في كل كرة خصائص متنوعة، فكم من هذه الخصائص المتنوعة تُحصي في مادتك؟ فأجاب الزحلي: إذا كنت تتكلم عن تلك الخصائص التي نعتقد أنَّ هذه الكرة لا تقوى بدونها على البقاء كما هي، فلدينا منها ثلاثمائة؛ كالمدى، وعدم قابلية النفوذ، والحركة، والثقل، وقابلية التجزؤ، وغير ذلك. فقال الرحَّالة: هذا العدد الصغير يكفي في الظاهر وجهات نظر الخالق في موطنكم الصغير، إني لأعجب بحكمته في كل شيء؛ ففي كل مكان أرى فروقًا، ولكني أرى أيضًا تناسبًا في كل مكان، فَكُرَتُك صغيرة وسكانها أيضًا، وإن تكن أحاسيسكم قليلة فليست خصائص مادتكم كثيرة، وكل هذا عمل الحكمة العلياء، من أي لون شمسكم؟ فأجاب الزحلي: من الأبيض المائل إلى الاصفرار الشديد، وحين نجزئ أحد أشعتها نجد فيه سبعة ألوان. فقال ميكروميغاس: أمَّا شمسنا نحن فتضرب إلى اللون الأحمر، وعندنا تسعة وثلاثون لونًا أصليًّا، وليس بين جميع الشموس التي عرفتها شمس تشبه الأخرى، كما أنه ليس عندكم وجه لا يختلف عن سائر الوجوه. وبعد جملة أسئلة من هذا النوع، استخبر عن عدد الجواهر المختلفة في زحل، فعلم أنه ليس فيه إلَّا ثلاثون منها كالله، والمدى، والمادة، والخلائق المديدة التي تحس وتفكر، والخلائق المفكرة التي لا امتداد لها، والخلائق التي يكمن النفوذ إليها، والتي لا يمكن النفوذ إليها، وغيرها. وكان في الشعرى من هذه الجواهر المختلفة ثلاثمائة عدا الثلاثة الآلاف الأخرى التي اكتشفها ميكروميغاس في أسفاره، فأحدث في الفيلسوف الزحلي دهشة عظيمة. وفي نهاية الأمر، بعد أن تبادلا قليلًا مما يعرفان، وكثيرًا مما لا يعرفان، وبقيا مدة دوران شمسي — أي ثلاثين سنة — يقرعان البرهان بالبرهان، والدليل بالدليل، صحَّ عزمهما على القيام برحلةٍ فلسفية قصيرة. (٣) رحلة قاطني الشعرى وزحل كان الفيلسوفان على أُهْبة النزول في جو زحل، مزودَين بعدةٍ وافية من الآلات الرياضية حين جاءت عشيقة الزحلي، وقد بلغها الأمر، دامعة المقلتين كئيبة القلب توبخه على سوء تصرفه، وهي فتاة جميلة سمراء، لا تبلغ من الطول إلَّا ثلاثة آلاف وتسعمائة وستين قدمًا، ولكنها تعوض عن قصر قامتها بكثيرٍ من الفتن والجواذب. قالت معولة: آه يا ظالم! أبعد أنْ قاومت حبك خمس عشرة مائة سنة، وحين بدأت أستسلم إليك، ولمَّا تنقضِ مائة سنة على ارتمائي بين ذراعيك، تتركني لتسافر مع ماردٍ من عالم آخر؟! رُحْ؛ فلست سوى فضولي، ولم يطرق الحب قلبك أبدًا، ولو أنك زحلي صحيح لكنت وفيًّا، إلى أين تريد الذهاب؟ وماذا تريد؟ إن أقمارنا الخمسة لأقل دورانًا منك، وحلقتنا أقل منك تقلبًا، لقد آليت على نفسي ألَّا أحب بعد اليوم أحدًا. فطوقها الفيلسوف بذراعيه، ولم يمنعه مقامه كفيلسوف من البكاء معها، وبعد أنْ أُغمي عليها ذهبت تُعزي نفسها بين ذراعي أستاذ آخر. وفي غضون ذلك ذهب الفيلسوفان، فقفزا أولًا على الحلقة فوجداها مسطحة، كما حزر أحد مشاهير قاطني كرتنا الصغيرة، ومن الحلقة ذهبا من قمرٍ إلى قمر، ومر مذنَّب بالقرب من القمر الأخير فوثبا عليه مع الخدم والآلات، حتى إذا قطعا نحوًا من مائة وخمسين مليون فرسخ، صادفا المشتري، فمكثا فيه عامًا اطلعا خلاله على أسرار عجيبة كانت — ولا ريب — تحت الطبع، لولا قلم المراقبة الذي وجد فيها بعض قضايا صارمة. وما إنْ خرجا من المشتري، واجتازا نحوًا من مائة مليون فرسخ حتى حازيا كوكب المريخ، وهو — كما هو معلوم — أصغر من كرتنا الصغيرة بخمس مرات، فشاهدا قمرين يُستخدمان لهذا الكوكب، لم تعثر عليهما أنظار علمائنا الفلكيين، على أنهما خشيا ألَّا يتوفر لهما فيه مكان للنوم؛ لصغر محيطه، فمرا كما يمر مسافران بحانة قذرة. وبعد مسافة طويلة تراءى لهما شعاعٌ ضئيل، كان هذا الشعاع كرة الأرض، وبديهي أنْ يثير مشهد كهذا شفقة من يهبط من المشتري، ولكنهما خشيا ألَّا يجدا مكانًا آخر يستريحان فيه؛ فقررا النزول في هذه الكرة الحقيرة، وصادفا مذنب هالي، فركباه وأبصرا فجرًا فجلسا فيه، وبلغا الشاطئ الشمالي من المحيط البلطيقي، في الخامس من شهر تموز من العام ألف وسبعمائة وسبعة وثلاثين. (٤) ماذا جرى لهما في كرة الأرض؟ بعد أنْ استراحا قليلًا، وأكلا جبلين أعدتهما الحاشية بنظافةٍ وإتقان، أرادا أنْ يتعرفا إلى البلد الصغير الذي حلَّا فيه، فذهبا أولًا من الشمال إلى الجنوب. وكانت خطوة ميكروميغاس العادية ورجاله تبلغ نحوًا من ثلاثين ألف قدم، أما القزمة الزحلي فكان يركض خلف الجبار لاهثًا. وبما أنَّ سيرهما كان على جانبٍ كبير من السرعة، فقد دارا دورة الكرة بست وثلاثين ساعة، والواقع أنَّ الشمس — أو بالأحرى الأرض — تنجز مثل هذه الرحلة بنهارٍ واحد، سوى أنَّ من يدور على نفسه أكثر ممن يمشي على قدميه. وعادا أخيرًا إلى حيث كانا بعد أنْ شاهدا ذلك المستنقع الدقيق المُسمى بالبحر المتوسط، وذلك الغدير الصغير المعروف بالأوقيانوس، فلم يغمر الماء سوى النصف الأول من ساق القزمة، ولم يكد الآخر يتبلل عقب حذائه، ولقد بذلا كل ما بوسعهما، في الذهاب والإياب، لمعرفة شيء عن هذه الكرة، وهل هي مأهولة بالسكان أم لا، فانحنيا وتمددا وجسَّا كل مكان، سوى أنَّ انقطاع التناسب بين أيديهما وأعينهما من جهةٍ، والخلائق الصغيرة التي تدب هنا من جهةٍ أخرى؛ لم يشعرهما بشرف وجودنا نحن وزملائنا من سكان هذه الكرة. وكان القزمة يتسرع أحيانًا في أحكامه؛ فقرر أولًا أنْ لا ساكن في الأرض، وحجته الأولى أنه لم يرَ أحدًا، فأشعره ميكروميغاس بكل تهذيب أنَّ تعليله خاطئ، فقال: أنت لا ترى بعينيك الصغيرتين بعض نجوم أراها أنا بوضوحٍ كبير، أفتستنتج من هذا أنَّ هذه النجوم ليست موجودة؟ فقال القزمة: ولكني لم أدع نقطة إلَّا جسستها. فأجاب الآخر: لقد أخطأت الحس. فقال القزمة: ولكن هذه الكرة رديئة البنيان، شاذة عن قواعد الهندسة، وفي شكل يثير الضحك، ألا يبدو لك أنَّ كل شيء مشوش فيها؟ هذه السواقي الصغيرة تجري بدون أي نظام، وهذه الغدران لا مستديرة هي، ولا مربعة، ولا مستطيلة، ولا في أي شكلٍ منظم، وهذه البذور الصغيرة الحادة (يعني الجبال) تنتفش بها هذه الكرة، وقد خدشت رجليَّ، أوَلم تلاحظ أيضًا قالب الكرة بمجموعها، كيف أنه مُسطح في القطبين، وكيف يدور حول الشمس بطريقة خرقاء تفسد هواء القطبين، فلا يصلحان لزرع ولا لضرع؟ الحقيقة أنَّ ما يحملني على القول بأن لا حياة في هذه الكرة هو ظني أنَّ الإنسان العاقل لا يقبل السكن فيها. فقال ميكروميغاس: قد لا يكون سكانها من القوم العقلاء، ولكن من مظاهرها ما يدل على أنها لم تخلق عبثًا، قلتَ إنَّ كل شيء يبدو لك مشوشًا هنا؛ لأن كل شيء محكم البنيان في زحل والمشتري، وربما لهذا السبب نفسه نرى بعض التشويش في هذه الكرة، ألم أقل لك إني لاحظت في أسفاري أنَّ كل شيء يختلف باختلاف الأماكن؟ ولكان الجدل مضى بهما إلى ما لا نهاية له، لو لم تبلغ حدة النقاش بميكروميغاس مبلغًا انقطع معه عقده الماسي، فانفرطت الجواهر، وكانت كُبراها تزن أربعمائة ليبرة، وصغراها خمسين، فالتقط القزمة بعضًا منها، وإذ تبين له وهو يدنيها من عينيه أنَّ كلًّا منها ميكروسكوب ممتاز، تناول ماسة يبلغ قطرها مائة وستين قدمًا، وركبها على حدقته، واختار ميكروميغاس واحدة قطرها ألفان وخمسمائة قدم، ولكنهما لم يبصرا شيئًا بادئ ذي بدء، ولما أحكم الزحلي ميكروسكوبه رأى شيئًا دقيقًا يتحرك بين موجتين في البحر البلطيقي، كان هذا الشيء حوتًا، فتناوله ببنصره بلباقة وخفة ووضعه على ظفر إبهامه، وعرضه على رفيقه؛ فلم يتمالك للمرة الثانية من الضحك حين وقع نظره على صغارة المخلوقات في كرتنا هذه. ولما قنع الزحلي بأن عالمنا مأهول صوَّر له في الحال أنه ليس مأهولًا بسوى الحيتان، وبما أنه كان من كبار الراغبين في الإثبات والتحليل، أراد أنْ يعرف مصدر هذه الذرَّة، ومن أين تستمد حركتها، وهل لها أفكار وإرادة. وكان أن الحيوان حيَّر ميكروميغاس، فأخذ يتفحصه بصبرٍ وجلد، وخلص إلى أنه ليس ثمة سبيل إلى الاعتقاد بأن فيه روحًا. وفيما الرحَّالتان يجنحان إلى تثبيت رأيهما فيما يتعلق بانعدام وجود النفس في قاطني هذه الكرة، أبصرا في الميكروسكوب شيئًا أضخم من الحوت؛ يطفو على مياه البلطيقي. يعلم الجميع أنَّ سربًا من الفلاسفة كان عائدًا في تلك السنة نفسها من القطب الشمالي، بعد أن أجرى فيه أبحاثًا لم تخطر في بال أحدٍ من قبل، فذكرت الصحف أنَّ الباخرة التي كانت تقل هؤلاء الفلاسفة جنحت على شواطئ خليج بوتني، وأنَّ ركابها كابدوا مشقةً كبيرة في سبيل النجاة. وسأقص بِنيَّةٍ سليمة كيف جرى ذلك، من غير أنْ أزيد حرفًا من عندي، ولا يخفى ما في ذلك من الصعوبة على المؤرخ. (٥) ما أتاه الرحَّالتان من التجارِب والبيِّنات بسط ميكروميغاس يده بتؤدة نحو الجهة التي ظهر فيها هذا المشهد، وقدم أصبعين من أصابعه، التقط بهما المركب الذي كان يقل أولئك السادة، ثم وضعه على ظفر إبهامه بخفةٍ وعناية؛ مخافة أن يسحقه، فقال القزمة: «هذا حيوانٌ يختلف كل الاختلاف عن الأول.» وما كاد ميكروميغاس يضع الحيوان المزعوم في باطن كفه، حتى تحرك جميع من في المركب من الركاب والبحارة؛ إذ خيل إليهم أن عاصفة هوجاء رفعت المركب وألقته على جسمٍ يشبه الصخر، وراح البحارة يطرحون دنان النبيذ على يد ميكروميغاس ويترامون وراءها، والرياضيون يأخذون آلاتهم، وينزلون بها على أصابعه، حتى أحس بجسمٍ يدغدغ إحداها، كان هذا الجسم إسفينًا أغرز في سبابته؛ فاستنتج من هذا الوخز أن شيئًا خرج من الحيوان الصغير، ولم يذهب إلى أبعد من ذلك في بادئ الأمر. لا تسل عما أتاه فيلسوفنا الشِعروي من ضروب الحنكة والحذق ليتمكن من رؤية الذرات التي ذكرتها، فحين رأى لوفنهوك وهارتسويكر، أو حين خيل إليهما أنهما أول من رأى البذرة التي تتكون منها لم يقوما بأدهش من هذا الاكتشاف، ولا تسل عن عظم اللذة التي شعر بها ميكروميغاس وهو ينظر إلى تلك الآلات الصغيرة تتحرك، ويتتبعها في جميع أعمالها، وإذ وضع واحدًا من ميكروسكوباته في يدي رفيقه هتف هذا الأخير قائلًا: «لقد رأيتها!» وقالا بصوتٍ واحد: «ألا تراها تقل أحمالًا، تنحني وتنهض؟» وكانا يتكلمان وأيديهما ترتجف فرحًا برؤية أشياء بهذا المقدار من الجدة، وخوفًا من فقدانها، وفيما الزحلي ينتقل من الإسراف في الشك إلى الإسراف في سرعة الإيمان، صور له أنها تتكاثر، عملًا بسنة نشر الجنس فقال: «آه! لقد فاجأت الطبيعة في أثناء ارتكابها.» ولكنه انخدع بالمظاهر، والانخداع بالمظاهر كثير الوقوع في حالتَي استعمال الميكروسكوب وعدم استعماله. (٦) ماذا جرى لهما مع الناس؟ تبين لميكروميغاس، وهو أحسن ملاحظة من قزمته، أنَّ الذرات تتخاطب، وأعلم رفيقه بذلك، سوى أنَّ هذا الأخير — وقد خجل من خطأه في موضوع التناسل — أبى الاقتناع بأن أنواعًا كهذه يتفق لها أن تفكر. ومع أنه لم يكن دون الشعروي معرفة باللغات، فلم يتوصل إلى التقاط أصوات الذرات، وبقي مُصرًّا على اعتقاده الأول، وكانت حجته أنه يستحيل على خلايق دقيقة كهذه أنْ تتكلم، وماذا يمكنها أنْ تقول؟ فمن شروط الكلام أنْ يكون ناجمًا عن الفكر، ومن شروط الفكر أنْ يكون صادرًا عما يوازي النفس، فعزْو ما يوازي النفس إلى هذا النوع من الحشرات ضربٌ من الغباوة. فقال الشعروي: ولكنك اعتقدت منذ هنيهة أنها تتعاشق، أفتظن أنَّ التعاشق ممكن بدون تفكير، وبدون التلفظ بكلمة، أو بدون تفاهم على الأقل؟! أو تظن أنَّ الإتيان بحجةٍ أصعب من الإتيان بولد؟ … فقال القزمة: كلاهما، في مذهبي، من الأسرار العظيمة؛ فقد صرت لا أجرؤ على الإيمان، ولا على النكران، وما دمت لم يبق لي رأي فلنتفحص هذه الحشرات، ثم نعود إلى الأدلة والبراهين. فقال ميكروميغاس: حسنٌ جدًّا ما تقوله. وفي الحال تناول مقصًّا قلم به أظافره، ومن قلامة إبهامه صنع بوقًا كبيرًا يشبه القمع، ووضع قُصيبته في أذنه، وبدائرة القمع طوق الباخرة وركابها. كان أضعف الأصوات يتغلغل في عروق الظفر المستديرة، بحيث إنَّ فيلسوف العالم الأعلى سمع بجلاء طنين الحشرات في هذا العالم، وما هي إلا ساعات قلائل حتى تمكن من تمييز الكلمات، وسماع اللغة الفرنسية، وحذا القزمة حذوه ولكن بأشد جهدًا منه. وكانت دهشة الرحَّالتين تزداد ثانيةً بعد ثانية لدى سماعهما الحشرات تلزم منطق الحكم السليم، فشرعا يبذلان كل ما بوسعهما لمخاطبة هذه الحشرات، وإذ خشيا أنْ يصم صوتهما الجهوري مسامعها الدقيقة، وضعا في فمهما مساويك لإضعاف الصوت، ثم أجلس الشِعروي القزمة على ركبتيه ووضع المركب وركابه على أحد أظافره، وبدأ يخاطب الحشرات بصوتٍ منخفض جدًّا، قال: «أيتها الحشرات الخفية، التي حلا لِيَدِ الخالق أنْ تلِدَها في هوة الصغر المُتناهي، إني لأحمده على أنه تنازل، فكشف لي أسرارًا كنت إخالها لن تكشف، قد لا يكلف المرء في عالمي نفسه مشقة النظر إليك، ولكني لا أحتقر أحدًا وأمد لك يد الحماية.» لم يسبق للدهشة أنْ استحوذت على مخلوق مقدار ما استحوذت على أولئك الذين سمعوا هذه الكلمات ولم يحزروا مصدرها؛ فتلا مرشد المركب صلاة التقاسيم، وجدَّف البحارة، وضرب الفلاسفة قياسًا لم يُجْدِهم نفعًا، وكان قزمة زحل أرق صوتًا من ميكروميغاس، فأطلعهم ببضع كلمات على نوع الخلايق التي تخاطبهم، وقصَّ عليهم رحلة زحل، وأوقفهم على حقيقة السيد ميكروميغاس، وبعد أنْ أعرب لهم عن أسفه لأجرامهم الصغيرة، سألهم أيلزمون دائمًا هذه الحالة البائسة القريبة من العدم، وماذا يصنعون في كرة كأنها ملك الحيتان، وهل يتمتعون بالسعادة ويتكاثرون، وهل لهم روح، ومائة من أمثال هذه الأسئلة. فأثارت هذه الأسئلة، ولا سيما الشك في وجود الروح، مكمن الغضب من صدر رياضي كان قد أبصر مخاطبه عن طريق أحد المراصد، فقال: ألِأنك تبلغ ستة آلاف قدم من رأسك إلى قدميك، يخيل إليك يا حضرة السيد أنك … فصرخ القزمة قائلًا: ستة آلاف قدم! يا للسماء! من أين عرف طولي؟! ستة آلاف قدم! لم يخطئ قيد شعرة، ماذا؟! أبوسع هذه الذرة أنْ تقيسني ولا يسعني أنْ أقيسها، أنا الذي لا يستطيع رؤيتها إلَّا بالميكروسكوب؟! فقال الرياضي: أَجَلْ، لقد قستك وسأقيس أيضًا رفيقك الضخم. فقُبل الطلب واضطجع فخامته؛ إذ لو بقي واقفًا لظل رأسه محجوبًا بالغيوم، فغرس فلاسفتنا شجرة كبيرة في مكانٍ منه، لو كان الدكتور سويفت مكاني لما تردد في تسميته باسمه، ولكني لن أفعل؛ لشدة احترامي للسيدات. وبدأ فلاسفتنا بإجراء أرقام حسابية خلصوا منها إلى أنَّ الذي يرونه شاب يبلغ طوله مائة وعشرين ألف قدم. حينئذ لفظ ميكروميغاس هذه الكلمات: «لقد صرت كبير اليقين أنه لا ينبغي لنا أنْ نحكم بالظواهر، ربِ! يا من وهبتَ الذكاء لكل مادة مهما تبلغ صغارتها، إنَّ الأجرام المتناهية في الصغر تكلفك من الجهد مقدار ما تكلفك الأجرام المتناهية في الكبر، وإذا كان من الممكن وجود مخلوقات أصغر من هذه، فلا يستبعد أنْ يكون لها عقل يتفوق على عقل تلك الحيوانات الرائعة التي رأيتها في السماء، وتستطيع أنْ تغمر بقدمها الكرة التي هبطت إليها.» فأكد له أحد الفلاسفة أنه ثمة خلائق ذكية أصغر من الإنسان بكثير، وأخبره ليس عن كل ما ذكره ڨرجيل من الخوارق عن النحل، بل عما اكتشفه سوامردام وشرحه ريومور، وأعلمه أخيرًا أنَّ ثمة حيوانات هي من النحل بمثابة النحل من الإنسان، أو الشعروي نفسه من تلك الحيوانات الهائلة التي ذكرها، وهذه الأخيرة من أجرام أخرى لا تبدو أمامها إلَّا بمثابة ذرات. وما زالوا يتباحثون حتى دخلوا في مواضيع راقت الرحَّالتين جدًّا، فقال ميكروميغاس: (٧) حديث مع الناس «أيَّتها الذرات الذكية! يا مستودعًا لعظمة الخالق وفطنته، لا شك أنك تتمتعين بملذاتٍ طاهرة في كرتك؛ لأنك وأنت قليلة المادة كثيرة العقل، لا يمكنك إلَّا أنْ تصرفي حياتك في الحب والتفكير، وهي حياة الأرواح الصحيحة! لم يتفق لي أنْ أجد السعادة الحقيقية في مكان، ولكني لا أشك في أنها تقطن هذه البقعة.» فلما سمع الفلاسفة هذا الكلام هزوا رءوسهم، واعترف أحدهم وهو أشد صراحة من الآخرين، أنه إذا استُثني عدد قليل من السكان يبقى جماعة من المجانين والأردياء والبائسين، قال: إنَّ المادة التي تتكون منها هي أكثر مما نحتاج لنرتكب كثيرًا من الشر إذا كان الشر يصدر عن المادة، والروح التي فينا هي أوسع مما نحتاج إذا كان الشر يصدر عن الروح، أتعلم أنَّ مائة ألف مجنون مبرنط من جنسنا يعمدون في الساعة التي أخاطبك فيها إلى قتل مائة ألف حيوان آخر معمم، أو أنَّ هؤلاء يقتلون أولئك؟ فارتعش الشِعروي وسأله عن سبب هذه المخاصمات الشنيعة بين حيوانات بهذا المقدار من الحقارة، فأجابه الفيلسوف: إنَّ السبب في هذه المخاصمات يرجع إلى حمأة لا تبلغ مساحتها ما تبلغه مساحة عقبك، يذهب بعضهم إلى أنها ملك رجل يدعى «السلطان»، ويذهب آخر إلى أنها ملك رجل يدعى «القيصر»، ولا أعلم لماذا يدعي كذلك، ولم يسبق لهذا ولا لذاك أنْ رأى بقعةً الأرض التي يقتتلون لأجلها ولن يراها أبدًا، كما أنه لم يتفق لأيٍّ من الحيوانات التي تتناحر أنْ رأى بعينه الحيوان الذي يجري التناحر لأجله. فصرخ الشِعروي غاضبًا وقال: يا لهم من أشقياء! تحدثني نفسي بأن أخطو ثلاث خطوات، وأسحق بثلاث رفسات وكرٍّ أولئك القتلةَ المضحكين. فقال الفيلسوف: لا تكلف نفسك تلك المشقة، فهم يجدُّون في العمل على هلاك أنفسهم، ولن تمضي عشرة أعوامٍ حتى لا يبقى نزرٌ قليلٌ من أولئك البائسين؛ فالجوع والأتعاب والطمع نذير ينذرهم بالهلاك إذا لم ينذرهم السيف، والواقع أنَّ الذين يستحقون العقاب ليسوا هؤلاء، بل هم أولئك البرابرة القاعدون، الذين يصدرون من داخل دواوينهم وفي أويقات الهضم أوامرَهم بقتل مليون رجل، ثم يحمدون الله علنًا على ما فعلوا. فشعر الرحَّالة بدافعٍ يدفعه إلى الشفقة على الجنس البشري، الذي اكتشف فيه ذلك القدر من المتناقضات المدهشة، فقال لأولئك السادة: بما أنكم في جملة ذلك العدد الصغير من العقلاء لا تظلمون على ما يظهر، ولا تقتلون طمعًا في المال، فأسألكم أنْ تُطلعوني على نوع الأعمال التي تقومون بها. فقال الفيلسوف: إننا نشرح ذبابًا ونقيس خطوطًا، ونجمع أعدادًا، فنتفق على نقطتين أو ثلاث نقاط نفهمها، ونختلف على ألفين أو ثلاثة آلاف لا نفهمها. فحلا للشِعروي وللزحلي أنْ يستنطقا تلك الذرات المفكرة؛ ليعرفا الأشياء التي تتفق عليها، فقال هذا الأخير: كم تعدون من الشِعرى إلى برج الجوزاء؟ فأجابوا كلهم بصوتٍ واحد: اثنتين وثلاثين درجة ونصف درجة. كم تعدون من هنا إلى القمر؟ ستين نصف قطر من الأرض. كم يبلغ ثقل الهواء الذي تعيشون فيه؟ وكان يعتقد أنهم يجهلون، ولكنهم أجابوا جميعًا أنَّ الهواء يزن نحوًا من تسعمائة مرة أقل من مثل هذا الجرم من أخفِّ ماء، وتسعة عشر ألف مرة أقل من ذهب البدرة. فدهش القزمة الزحلي من أجوبتهم حتى كاد يحسبهم من السحرة، وكان لرُبع ساعة خَلَا أَبَى أنْ يعترف بوجود نفس فيهم. وأخيرًا قال لهم ميكروميغاس: بما أنكم تحسنون معرفة ما يخرج عنكم، فلا شك أنكم أحسن معرفةً بما يدخل فيكم، فما هي نفسكم؟ وكيف تكوِّنون أفكاركم؟ فتكلم جميع الفلاسفة دفعة واحدة شأنهم في البداية، ولكنهم جاءوا بآراءٍ مختلفة؛ فأكبرهم سنًّا أورد أرسطاطاليس، ومنهم من ذكر اسم ديكارت أو لبنيتز أو لوك؛ أما التابع لمذهب أرسطاطاليس فقال بصوتٍ مرتفع وبلهجة الواثق من نفسه: إنَّ النفس هي الكمال في الذات، وهي عِلَّة تملك على يدها القدرة على أنْ تكون كما هي، هذا ما صرح به أريسطو في الصفحة اﻟ ٦٣٣ من طبعة اللوفر. وأورد الفيلسوف استشهادًا باللغة اليونانية، فقال المارد: أنا لا أحسن اللغة اليونانية. فقالت الحشرة الفلسفية: ولا أنا كذلك. فاستطرد الشِعروي قائلًا: فيم إذن تستشهد بذلك الأريسطو باللغة اليونانية؟ فأجاب العالم: لأنه يجب أنْ نستشهد بما لا نفهم باللغة التي نحن أقل فهمًا لها من سواها. وقال التابع لمذهب ديكارت: النفس هي روح طاهرة، اكتسبت في أحشاء أمها جميع الأفكار الميتافيزية، وعند خروجها من أحشاء الأم ذهبت توًّا إلى المدرسة، فتلقنت من جديد كل ما كانت تدركه تمام الإدراك، وظلت جاهلة إياه تمام الجهل. فأجاب الحيوان البالغ من الطول ثمانية فراسخ: كان الأحرى بنفسك ألا تكون عالمة في بطن أمك من أنْ تكون جاهلة، وأنت صاحب لحية، ولكن ماذا تفهم بالروح؟ فأجاب الفيلسوف: ما معنى سؤالك هذا؟ يقال إنها ليست المادة. – ولكن أتعلم على الأقل ما هي المادة؟ – تمام العلم، خذ مثلًا هذا الحجر، فهو أغبر اللون، وذو شكلٍ ما، وله أقيسته الثلاثة، كما له ثقله وقابليته للتجزيء. فقال الشِعروي: حسن، فما هو هذا الشيء الذي يبدو لك قابلًا للتجزيء، ثقيلًا وأغبر؟ أنت ترى بعض خاصيَّات، أما كنه الشيء فهل تعرفه؟ فأجاب الفيلسوف: لا. – إذن أنت لا تعرف ما هي المادة. ووجه ميكروميغاس الكلام إلى حكيمٍ آخر كان على إبهامه، فسأله ما هي نفسه؟ وماذا تعمل؟ فأجاب الفيلسوف الماليبرانشي أنها لا تعمل شيئًا، قال إنَّ الله هو الذي يعمل كل شيء لأجلي؛ فأنا أرى كل شيء فيه وأعمل فيه كل شيء، وهو الذي يعمل كل شيء بدون تدخلي. فقال حكيم الشِعري: كل هذا دليل على عدم الفائدة من وجودك. وتحول إلى أحد أشياع لبنيتز وسأله قائلًا: وأنت يا صاح، ما هي نفسك؟ فأجاب اللبنيتزي: هي إبرة تشير إلى الساعات بينا جسدي يدق، أو إذا شئت هي التي تدق بينا جسدي يشير إلى الساعات، أو أنَّ نفسي مرآة الكون وجسدي إطار هذه المرآة، وكل هذا في منتهى الوضوح. وكان أحد أشياع لوك واقفًا على مقربةٍ، فلما وُجه إليه السؤال أجاب: لا أدري كيف أفكر، ولكني أدري أني ما فكرت مرة إلَّا بداعٍ من حواسي، ولست أشك في وجود جواهر مجردة من المادة وذكية، ولكني أشك جدًّا في أنه يستحيل على الله أنْ يعطي المادة فكرًا، إني أجلُّ القدرة الأبدية، وليس من شأني أنْ أحدَّها، ولست أؤَكد شيئًا، وأكتفي بأن أعتقد أنَّ الأشياء الممكنة أكثر وجودًا مما يُظن. فابتسم الحيوان الشِعروي؛ إذ لم يجد هذا الأخير دون الآخرين حكمة، ولكان قزمة زُحَل عانق تابع لوك لولا التفاوت العظيم بينهما. ولكن سوء البخت شاء أنْ يكون هناك حيوان ذو قبَّعة مربعة قطع الكلام على جميع الحيوانات الفلاسفة، قائلًا إنه يعرف كل السر فهو في كلام القديس توما، وبعد أنْ نظر إلى الرحَّالتين من قمة رأسهما إلى باطن قدمهما، أكد لهما أنَّ شخصيهما والعوالم التي جاءا منها والشموس والنجوم لم تخلق إلَّا للإنسان. فأطلق الرحَّالتان من ذلك الضحك المتأجج، الذي قال عنه هوميروس إنه قسمة الآلهة، وكانت أكتافهما وبطناهما تذهب وتجيء، ويستلقي أحدهما على الآخر حتى سقط المركب من ظفر الشعروي، واختفى في طية من سروال الزحلي، فأخذا يجدَّان في البحث عنه، ولما وجداه عاد الشِعروي إلى ملاطفة تلك الحشرات، وإنْ يكن ساءه في أعماق نفسه أنْ يرى في المتناهِين في الصغر عجرفة متناهية في الكبر، ووعدهم بأن يضع لهم كتابًا في الفلسفة يرون فيه منتهى الأشياء، وفي الواقع أعطاهم هذا الكتاب قبل ذهابه، فحملوه إلى أكاديمية العلوم في باريس، ولكن لما فتحه أمين السر لم يرَ إلَّا أوراقًا بيضاء! ميكروميغاس وثلاث قصص
ممنون أو الحكمة البشرية صحَّ عزم ممنون يومًا أنْ يكون حكيمًا كاملًا، وليس في الناس من لم يخطر في باله أحيانًا هذا الخاطر الأحمق. قال ممنون في نفسه: ليس لي لكي أكون حكيمًا، ومتى صرت حكيمًا صرت في منتهى السعادة، إلَّا أنْ أجرد نفسي من الأهواء، وليس أسهل من هذا الأمر؛ فأول ما أعمله أني لن أحب امرأة؛ فإذا رأيت جمالًا كاملًا أقول في نفسي: هاتان الوجنتان ستنكمشان يومًا، وهاتان المقلتان الجميلتان ستذبلان، وهذا الجيد المستدير سيصير متهدلًا بشعًا، وهذا الرأس الجميل سيمسي أصلع. وليس لي إلَّا أنْ أراه منذ الآن بالْعين التي ستراه فيما بعد؛ لأكون واثقًا من أنَّ هذا الرأس لن يلعب برأسي. وثاني ما أعمله أني أزهد في الأكل والشرب، فإذا أغوتني الأطعمة الشهية والخمورُ اللذيذة وفتنةُ المجتمع، فليس لي إلَّا أنْ أتمثل عواقب الإفراط؛ من ثقل في الرأس، وتلبُّك في المعدة، وضياع العقل والصحة والوقت؛ فأعتدل في الأكل والشرب، فتعتدل صحتي وتصفو أفكاري وتشرق، وكل هذا من السهولة بحيث لا أرى أي فضلٍ في الوصول إليه. ثم يجب أنْ أصرف بعض الاهتمام إلى ثروتي، فرغباتي معتدلة وأموالي المضمونة تسمح لي بأن أعيش في غنى عن الآخرين، وهذه أعظم النِعَم إذ لن أُضطر إلى بذل ماء الجبين في التسكع لأولي الجاه، ولن أحسد أحدًا ولن يحسدني أحد، أما أصدقائي فسأحتفظ بهم؛ لأنهم لن يجدوا عندي موضوعًا لنزاع، وهذا أيضًا من السهولة بمكان. وما كاد ممنون يضع على هذا الشكل خطته الصغيرة للوصول إلى الحكمة حتى أطلَّ من نافذته، فرأى امرأتين تتنزهان تحت شجرة الدلب بالقرب من بيته؛ كانت إحداهما مسنة وكأنها لا تفكر في شيء، والأخرى شابة جميلة وكأنها شديدة الانهماك، فكانت تتنهد وتبكي فتزداد ظرفًا وملاحة، فتأثر حكيمنا ليس بجمال السيدة؛ إذ كان كبير اليقين أنَّ الضعف لن يتملكه من هذه الناحية، بل بمظهر الحزن الذي بدت فيه، فنزل إليها ليواسيها بحكمة، فقصَّت عليه بلهجةٍ ساذجة مؤثرة المَظْلَمة التي أنزلها بها عمها، ولم يكن لها عم، وكيف أنه انتزع منها أموالها، ولم يكن لها أموال، وكل ما كانت تخشى من عسفه وطغيانه، قالت: يبدو لي أنك رجل حسن النصح، فإذا تلطفتَ فصحبتني إلى بيتي وتفحَّصت شئوني، فإنك ولا شك رافع عني ما يرهقني من الهم. فلم يتردد ممنون في الذهاب معها ليتفحص شئونها بحكمة ويسدي إليها نصيحة حسنة. فمضت به السيدة الحزينة إلى غرفةٍ معطَّرة، وأجلسته معها بأدب وحشمة على مقعدٍ عريض، وراحت تتكلم خافضة النظر، وكلما ارتفع نظرها المندَّى بالدمع صادف نظر الحكيم ممنون، وكان كلامها طافحًا بحنوٍّ يتضاعف كلما التقى النظران، فيشعر ممنون من حينٍ إلى حين بدافعٍ عظيم يدفعه إلى تأدية معروف لشخص على هذا الجانب من الاستقامة وسوء البخت، وكانت نصائح ممنون لها من الرقة بحيث خرج بهما الحديث عن نطاق الشئون. وهما كذلك، دخل العم كما كان متوقعًا، وكان مدججًا بالسلاح من قمة رأسه إلى باطن قدميه، وأول كلمة تلفظ بها أنه سيقتل الحكيم ممنون وابنة شقيقه، وآخر ما تلفظ به من الكلام أنه يقبل الصفح لقاء كمية وافرة من المال، فاضطر ممنون إلى إعطائه كل ما كان لديه، وفي ذلك الزمان كان سعيدًا من يستطيع تبرئة ذمته بمثل هذه الصفقة البخسة، فأميركا لم تكن بعد قد اكتشفت، والسيدات الحزينات لم يكنَّ خطِرات مقدار ما هن اليوم. ولما عاد ممنون إلى بيته خجلًا ومغتمًّا، وجد بطاقة تدعوه إلى تناول الغداء مع رهطٍ من أصدقائه الخلَّص، فقال في نفسه: إذا بقيت وحدي هنا أفسح لنفسي سبيل التفكير في حادثتي المؤسفة؛ فأمتنع عن الأكل وأمرض، فالأفضل أنْ أشاطر أصدقائي الخلَّص طعامهم الشهي؛ فأنسى في عذوبة محيطِهم ما أتيته من الحمق هذا الصباح. وإذ علم أصدقاؤه بما حلَّ به حملوه على الشرب ليسري عنه؛ فقليلٌ من الخمر دواء للروح وللجسد، هكذا قال الحكيم ممنون في نفسه، وشرب حتى السكْر، وبعد الطعام اقتُرح عليه أنْ يلعب، فلعبة معتدلة مع أصدقاء هي أُلْهِيَّة صالحة، فلعِبَ فخسر كل ما كان في كيسه وأربعة أضعاف ما كان فيه تعهَّد بدفعها. وكان أنْ احتدم الجدل في أثناء اللعب، فرماه أحد أصدقائه الخلَّص على رأسه ببوقٍ، صادف عينه ففقأها، فحُمل الحكيم ممنون إلى بيته سكران بلا مال وأعور. وما كاد يصحو من سكره حتى أرسل خادمه إلى مديونه ليجيئه بمالٍ يدفعه إلى أصدقائه الخلَّص، فقيل له إنَّ مديونه أفلس في الصباح تاركًا مائة عائلة في قبضة البؤس، فذهب ممنون إلى البلاط ليشكو المفلس إلى الملك، وكان على عينه مرهم وفي يده عريضة، فصادف في إحدى القاعات رهطًا من السيدات، فقالت إحداهنَّ ناظرةً إليه خلسة، وكانت تعرفه قليلًا: «يا للفظاعة!» وقالت له أخرى، وكانت أكثر معرفة به: «عم مساء يا سيد ممنون، إني مسرورة برؤيتك يا سيد ممنون، ولكن لماذا يا سيد ممنون خسرت إحدى عينيك؟» ومرت بدون أنْ تنتظر جوابه، فاحتجب ممنون في زاوية، وانتظر ريثما يحين الوقت ليرتمي على قدمي الملك، ولما حان قبَّل الأرض ثلاث مرات وقدم عريضته، فأولاه الملك حسن التفاته، وناول العريضة أحد أفراد حاشيته ليعمل بمقتضى فحواها، فمضى الرجل بممنون إلى ناحية، وقال له بلهجةٍ تتقاسمها العجرفة والسخرية اللاذعة: يا لك أعور مضحكًا! أتجرؤ على رفع عريضتك إلى الملك بدلًا من رفعها إليَّ؟ وتتجاسر على أنْ تشكو مفلسًا شريفًا يتمتع بشرف حمايتي، وهو نسيب لإحدى وصائف عشيقتي؟ إذا شئت أنْ تحتفظ بالعين الباقية لك فارجع عن هذه الدعوى. وهكذا رأى ممنون نفسه، بعد أنْ عدل في الصباح عن النساء، وعن الإفراط في الطعام، وعن اللعب والمشاحنات، وعن البلاط بوجهٍ خاص؛ قد انخدع بسيدةٍ حسناء، وسُرق، وسكِر، ولعب، وخُوصم، وخسر إحدى عينيه، وذهب إلى البلاط حيث سُخر منه، وكل هذا حصل له قبل أنْ يهبط الليل. عاد ممنون إلى بيته ممزق القلب من الألم، وقبل أنْ يدخل رأى رُسل المحكمة يصادرون الأثاث من قِبل دائنيه، فلبث تحت شجرة دلب على وشك أنْ يغشى عليه، وفي تلك الآونة مرت سيدة الصباح مع عمها العزيز، فلما وقع نظرها على ممنون معصوب العين انطلقت في الضحك، وإذ هبط الليل استلقى ممنون على كومة قش إزاء جدران بيته، وأصابته الحمى فرقد، وإذا بروح سماوي يتراءى له في الحلم. كان هذا الروح يشع نورًا، وله ستة أجنحة جميلة، ولكن ليس له قدمان، ولا رأس، ولا ذنب، ولا يمت بشبهٍ إلى أحد، فسأله ممنون قائلًا: من أنت؟ فأجابه الروح: أنا روحك الصالح. فقال له ممنون: ردَّ إليَّ إذن عينِي وصحتي ومالي وحكمتي، ثم قصَّ عليه كيف خسر كل هذا في يومٍ واحد. فقال الروح: هذه الحوادث لا تحصل لنا أبدًا في العالم الذي نقطنه. فقال الرجل الحزين: وأي عالم تقطنون؟ فأجاب الروح: إنَّ وطني يبعد مسافة خمسمائة مليون فرسخ عن الشمس، فهو في نجمةٍ صغيرة بالقرب من الشعرى التي تراها من هنا. فقال ممنون: يا له بلدًا جميلًا! أليس عندكم لصَّات يخدعن رجلًا مسكينًا، ولا أصدقاء خلص يربحون ماله، ويفقئون عينه، ولا مفلسون، ولا حاشية تسخر منك وترفض دعواك؟ فقال ساكن النجمة: لا، ليس عندنا شيء من هذا؛ فنحن لم ننخدع بالنساء؛ إذ ليس عندنا نساء، ولا نفرط في الطعام؛ لأننا لا نأكل، وليس عندنا مفلسون؛ إذ ليس عندنا ذهب ولا فضة، وليس بوسع أحدٍ أنْ يفقأ لنا أعيننا؛ إذ ليس لنا أجساد كأجسادكم، ورجال الحاشية لا يظلموننا؛ لأن جميع الخلق متساوون في نجمتنا الصغيرة. فقال له ممنون: بماذا تصرفون وقتكم يا حضرة السيد الذي لا يعرف النساء ولا يأكل ولا يشرب؟ فأجاب الروح: نصرفه في السهر على سائر الكرات التي عهد إلينا بالسهر عليها، وها أنا ذا قد جئت لأواسيَك. فقال ممنون: واحسرتاه! لماذا لم تجئ في الليلة الفائتة لتمنعني من ارتكاب تلك الحماقات كلها؟ فأجابه المخلوق السماوي: كنت مُنشغلًا بحسن، أخيك البكر، فهو أدعى إلى الشفقة منك؛ فصاحب الجلالة ملك الهند الذي أوتي أخوك شرف الإقامة ببلاطه، أمر بأن تفقأ له عيناه الاثنتان بسبب هفوة صغيرة، وهو الآن في السجن مكبَّل اليدين والرجلين بالحديد. فقال ممنون: إنَّ وجود روح صالح في عائلةٍ لا يخلو من الفائدة، ما دام لا يمنع أنْ يصير أحد الأخوين أعور والآخر أعمى، أحدهما على القش والآخر في السجن. فقال حيوان النجمة: ولكن حظك سيتبدل، لا أكتمك أنك ستبقى دائمًا أعور، ولكنك ستذوق شيئًا من السعادة بشرط أن لا تحدثك نفسك بالوصول إلى الحكمة الكاملة. فقال ممنون متنهدًا: إذن يستحيل على الإنسان أنْ يصير حكيمًا كاملًا؟ فأجابه الروح: كما يستحيل عليه أنْ يبلغ المهارة الكاملة، والقوة الكاملة، والسلطة الكاملة، والسعادة الكاملة، نحن أنفسنا أبعد بكثيرٍ من بلوغ هذا الكمال، ثمة كرة يجتمع فيها كل هذا، ولكن كل شيء يتعاقب تدريجًا في المائة الألف من ملايين العوالم المنتشرة في المدى الرحب؛ ففي الثاني تقل الحكمة واللذة عنهما في الأول، وفي الثالث تقلان عنهما في الثاني، وهكذا دواليك حتى تصل إلى الأخير وكل من فيه مجانين. فقال ممنون: أخشى أنْ تكون كرتنا الصغيرة هذه هي العالم الذي ذكرته. فقال الروح: ليس تمامًا ما تقول، بل هي قريبة منه، يجب أنْ يكون كل شيء في مكانه. فقال ممنون: ولكن هل أخطأ بعض الشعراء وبعض الفلاسفة في قولهم: إنَّ كل شيء حسن؟ فأجاب الفيلسوف السماوي: بل أصابوا كل الإصابة حين نظروا إلى تنظيم الكون بمجموعه. فاعترض ممنون المسكينُ بقوله: لن أصدق ذلك إلَّا حين يزول عوري. ميكروميغاس وثلاث قصص
الزوجة المخلصة كان في بغداد القديمة، على عهد الملك «معبدر»، رجل مقبل العمر يدعى «صادقًا»، فطر على سلامة الطبع، وعلى خُلق، صُقل بما تهيأ له من أسباب التهذيب، وكان مع وفرة غناه وطلاقة شبابه يحسن أنْ يلطف أهواءه، فلا يتردَّى بثوبٍ غير ثوبه ولا يغتم، ثم إنه كان يأبى أنْ يكون الحق إلى جانبه في كل حين، وكان أيضًا على خبرةٍ في ضعف الناس، فلم يجنح عن احترام الوهن في صدر أيٍّ كان. أما الناس فكانوا يدهشون إذ يرونه، مع بسطة علمه ونضوج عقله، لا يتردى بداعر الكلام إلى شتم تلك الخزعبلات الباطلة، والاستخفاف بتلك العربدة الممقونة، أو تلك النمائم المتهورة والآراء المغفلة، والممازحات الغليظة الجافة، وذلك الكلام الزهوق، وإلى كل ما كان يطلق عليه كلمة «مطارحات» في بابل. كان صادقٌ قد أخذ عن الكتاب الأول، الذي ألَّفه «زردشت»، أنَّ الأنانية كرة هوائية منتفخة، متى وُخزتْ خرجت منها زوابع؛ فلم يكن ليذهب بنفسه أنه يحتقر النساء، أو يملك عليهن مذاهب الجدل؛ إذ كان كريم النشأة أدعى إلى التساهل بما تناهى إليه من إباء النفس، حتى إنه لم يكن يخشى أنْ يصطنع إلى الجاحدين، على حد قول «زردشت» في هذه القاعدة الوجيهة: «عندما تأكل أطعمْ الكلاب ولو أيقنت أنها ستعَضُّك.» وكان حكيمًا بقدر ما اتسع لذاك الزمن من أسباب الحكمة؛ إذ كان يتسلل إلى أماكن الحكماء ليعيش معهم. ألمَّ بأطراف العلوم الكلدانية القديمة، فلم يكن يجهل أصول الطبيعيات بحسب ما كان يتناولها عصره، وفوق ذلك كان يدرك من علم المعقولات ما أدركه الناس في أي عصر كان؛ أعني نزرًا تافهًا لا يتدلى إلى ذكره اللسان. وكان يعتقد كل الاعتقاد أنَّ السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا على رغم الفلسفة الجديدة التي كان يحيط بها زمانه، وأنَّ الشمس تقوم في وسط العالم، وحين كان وجوه الموابذة يقولون له بمَخيلةٍ من شأنها أنْ تقضي شهوة من العبث به، إنه على جانبٍ من فساد الرأي، وإنَّ قوله في دوران الشمس على نفسها واعتباره السنة في اثنى عشر شهرًا، إنما هو مظهر من مظاهر العداء للدولة، كان يلزم الصمت من غير أنْ يدع للغضب أو للهوان سبيلًا إليه. لقد أمكنه الله من نواصي الغنى، وأمده بأصدقاء أوفياء، ومنحه عافية ووجهًا وسيمًا مع روح عادل لا يتهوَّر، وقلب صادق نبيل؛ فشخصَ له أنه يقدر أنْ ينحط على جوانب السعادة، وكان يرغب في الزواج من «سمير»، وهي فتاة تهيَّأ لها من أسباب الجمال والثروة وكرم النشأة ما جعلها أول قسمة في بابل. كان «صادق» يضمر لها في صدره كلفًا راسخًا عفيفًا، وتضمر له حبًّا يتدلف بها إلى الهوى، حتى إنهما كانا من القران السعيد على أيام ساعة أبصرا، وهما يتنزهان معًا تحت النخيل المزيِّن شواطئَ الفرات، جمعًا من رجالٍ مدججين بسيوفٍ وحراب، كان هؤلاء أتباع «أركان» الفتى، وهو ابن أخت وزير، وقد صور له جلساء خاله أنه إنْ عالج امرأً ملك عليه من جميع أطرافه، ولم يكن الله قد فسح له فيما فسح لصادق، إلَّا أنه كان يائسًا من بلوغ الذروة التي بلغ إليها هذا، مع اعتقاده أنَّ أسباب المعرفة هي أوفر في نخاعه مما هي في نخاع صادق. هذه الغيرة التي لم تأت إلَّا عن الادعاء والزهو بالنفس، صوَّرت له أنه يحب «سمير» حتى الوله فحدثته نفسه بخطفها، وما هي إلَّا فترة حتى قبض الخاطفون عليها. وفي نزوة من نزوات حدَّتهم أصابوا منها جرحًا من حيث لم يتعمدوا، فأسالوا دم شخص لو تناولت نَمِرَةُ جبل «إيماووس» نظرةً منه لما ملكت نفسها من الحنو والشفقة! كانت «سمير» تشق جلدة السماء بصراخها وشكواها، وتنادي إليها حبيبها صارخة: «إنهم يسلخونني عمَّن أعبد يا حليلي!» ولم يكن همها منصرفًا إلى الخطر المحدق بها، بل كان منصرفًا كله إلى حبيبها صادق، الذي كان يعالج في الذود عنها كل ضروب الشدة التي تُفتِّقها البسالة والحب. وفي نهاية الأمر أُتيح لصادق، بمؤازرة اثنين من العبيد، أنْ يشتت شمل الخاطفين، وينكفئ بسمير إلى بيتها وهي مغشيٌّ عليها ومضروجة بالدم. لما فتحت عينيها وقعتا على منقذها فقالت له: «كنت أحبك يا صادق حب الحليلة لحليلها، أما اليوم فإني أحبك كما يجب أنْ أحب من أنا مدينة له بالشرف والحياة.» لم يجاور قلبَ بشريٍّ تأثرٌ أبعد من التأثر الذي جاور قلب سمير، ولم ينطق فم ساحر بعاطفة وحنو أكيدين أخلص مما نطق به فم هذه المخلوقة في تلك العبارات النارية المتأججة، التي تلهمها عاطفة تنتسب إلى أجلِّ فضل وأنبل معروف، ويوحيها أرق هيجان لأحق هوى. كان جرحها طفيفًا لا يدعو إلى قلق، أما جرح «صادق» فكان بالغًا؛ إذ أصيب بسهمٍ في محجره لم يسلم منه. لم تسأل «سمير» الآلهة إلَّا أنْ تمنحها شفاء حبيبها، وكانت عيناها منطلقتين في الدموع صباحَ مساءَ، وهي ترقب الحين الذي يتاح فيه لمقلتي صادق أنْ تتمتعا بالنظر إلى مقلتيها، إلَّا أنَّ قروحًا فاجأت العين المجروحة، فأشاعت الخوف في كل خلجةٍ من خلجات سمير. جيء من «منفيس» بالطبيب الأكبر «هرمس»، ومعه موكب عظيم من حاشيته، فصرح بعد الفحص أنَّ المريض لن يسلم من فقد عينه، حتى إنه تدلف في حكمه إلى التنبؤ عن اليوم وعن الساعة اللذين سيحل فيهما ذلك المصاب الجلل، وقد خلص في كلامه إلى القول: «لو كان الجرح في المقلة اليمنى لما صعب علي شفاؤه، أما وهو في المقلة اليسرى فلن يشفى.» لم تجد بابل مندوحة عن النزاع في أمرها على احترام معارف «هرمس»، في حين أنها كانت تشترك في التأسف على ما أحاط القدر بصادقٍ من ألوان التعاسة، وما هي إلَّا ثمان وأربعون ساعة حتى زالت القروح من نفسها وتم لصادق الشفاء، فوضع «هرمس» كتابًا بيَّن فيه أنَّ صادقًا وإنْ شُفي إلَّا أنه كان عليه ألَّا يشفى. أما صادق فلم يحفل بالكتاب ولم يقرأْه، ولكنه لما وطئ له الخروج من بيته شرع في إعداد العدة لزيارة تلك التي كانت رجاءه الوحيد في سعادة عيشه، والتي من أجلها وحدها كان يشتهي أنْ يكون له عينان. كانت سمير في خلال ذلك قد أنتجت قرية في خارج المدينة لتصرف من الأيام ثلاثة، فانتهى لصادق وهو في الطريق أنَّ تلك المرأة الجميلة، بعد أنْ أعلنت أنها لا ترى في العور إلَّا بشاعة كبيرة، قد زفت إلى «أركان» في الليلة نفسها التي اختلط فيها النور على صادق، فقُطع به لدى هذا الخبر المشئوم، وأسقط في يده حتى كاد الحزن يفقده الحياة. بقي مدة طويلة يتقلب على فراش المرض إلى أنْ تمنَّع العقل من حزنه بالحصن القوي، وإلى أنْ أمكنته فظاعة ما اختبر من الوصول إلى مواطن العزاء، فقال: «بما أني نفضت عن نفسي هوى قاسيًا صرمته فتاة تقلبت في طرف البلاط أعطافها، فيجب عليَّ أنْ أتزوج من ابنة وطنية.» واختار حليلة له «عذراء»، وهي ابنة أكرم من في المدينة نشأة، وأوفر بنات جنسها حكمة، فتزوجها وعاش معها شهرًا كاملًا تمتع فيه بعذوبة الاتحاد وحنانه، إلَّا أنه كان يشتمُّ فيها ميلًا خفيفًا إلى الطيش ورغبة شديدة في أنْ تجد دائمًا أنَّ أكرم الشباب نشأة هو من توفرت فيه أسباب الفضيلة والرشد. في أحد الأيام عادت «عذراء» من نزهة، والغضب يجهم أسارير وجهها، وصراخ الدهشة يملأ فمها، فقال لها صادق: ما حلَّ بك يا زوجي الحبيبة؟ ومن يستطيع أنْ يخرجك عن نفسك؟ فقالت: آواه! لو شهدت ما شهدته لمَلَكَ عليك السخط كما ملك عليَّ، خرجت لأعزي أرملة «كاسر» الشابة، التي بَنَتْ منذ يومين ضريحًا لزوجها الشاب على جانب الساقية التي تكتنف هذا المرج. لقد وعدت الآلهةَ ساعة حزنها أنْ تلزم الضريح ما جرت مياه تلك الساقية على قدميه. فقال صادق: فيم الغضب إذن؟ إنها لامرأة وقور تحب زوجها حبًّا صادقًا. فتأوهت عذراء واستطردت قائلة: آه، لو أنك عرفت أي أمر كان يشغلها ساعة أتيت لزيارتها! فقال: أي أمر يا جميلتي عذراء؟ فقالت: كانت تحول الماء عن قدم الضريح. وأرسلت عذراء نفسها على استمطار ألوان الشتائم، وانطلقت تردد كل أنواع المثالب بحق الأرملة الشابة، فلم يرُق صادقًا هذا النوع من الفضيلة. وكان لصادق صاحب يدعى «قادور» قسط له في النبل والخلق الكريم، فنزل من نفس عذراء منزلًا موفور الكرامة، فوطَّأ له صادق رحابة بيته وأدخله في عهدته، وقد وثق من أمانته بقدر ما اتسع له لما اتصف به الرجل من حاضرٍ شريف وصيتٍ حسن. أما عذراء فإنها بعد أنْ صرفت يومين بضيافة صديقة لها في ظاهر المدينة، عادت في اليوم الثالث إلى البيت، ففاجأها الخدم والدموع تنحدر من أجفانهم بأن زوجها قد مات على حين غرَّة في الليلة نفسها التي خرجت فيها لزيارة صديقتها، وزادوا على ذلك أنهم دفنوا صادقًا في ضريح آبائه في طرف الحديقة. فانطلقت عذراء في البكاء الشديد، وملك عليها الحزن من جميع أقطارها، فأخذت تنتف شعرها وأقسمت ألَّا تحيا بعده. في المساء استأذنها «قادور» في التحدث إليها، واستسلما للبكاء معًا. وفي اليوم التالي فطرا على مائدةٍ واحدة، وكان بكاؤهما أقل منه في اليوم المنصرم، فأفضى إليها «قادور» أنَّ صديقه ترك له القسم الأوفر من ملكه، وأنه يقف سعادته كلها لاقتسام الثروة بينه وبينها، فبكت المرأة، ثم حزنت، ثم لانت، وتناول العشاء من الوقت أكثر مما تناول الغداء. وما زال «قادور» يدارجها في الكلام، ويلطف في حديثه معها حتى ارتفعت الكلفة، واستوثق أحدهما من الآخر، فتدلت «عذراء» إلى الثناء على المرحوم، سوى أنها لم تجد بدًّا من مصارحة «قادور» بأن صادقًا وإنْ كان بعيد الهمة فإن له نقائص تنزه هو عنها. في منتصف العشاء تشكى قادور من ألمٍ شديد في معدته، فأشكل على المرأة من شدة الأسف، وانطلقت تعالج فيه كل أنواع الأريج الذي تتعطر به لعلها تقع منها على نوعٍ يصلح لداء المعدة. وكانت في الوقت نفسه تأسف جدَّ الأسف لكون «هرمس» الكبير لم يبق في بابل، حتى إنها تلطفت فجست ملمس الألم من «قادور»، وقالت له بتوددٍ وشفقة: هل عالجتَ هذا الداء الوبيل فاستوصفتَ دواءه؟ فأجابها: إنه ليتزاحف بي أحيانًا إلى حافة القبر، ولا يقيلني إياه ويشيع فيَّ الصحة إلَّا دواء واحد؛ هو أنْ يلصق على جهة الألم أنف رجل لم يمرَّ أكثر من ليلة على موته. فقالت عذراء: إنه لدواءٌ غريب! ثم استوت على فكرة فأردفت قائلة: حين يتخطى زوجي عالم الأمس إلى عالم الغد على جسر «شنوار»، هل يعمي عزرائيل السبيل عليه، فلا يستبين موضع خطوه لأن أنفه يكون أقصر في الحياة الثانية منه في الحياة الأولى؟ قالت هذا وأخذت محلقًا، وخرجت إلى ضريح زوجها فرطبته بدموعها، ودنت من «صادق» لتبتر أنفه فرأته ممددًا في وسط الضريح، في تلك الآونة نهض «صادق» قابضًا على أنفه بيدٍ وموقفًا المحلق بالأخرى، وقال لها: لا تتحيَّفي بعد من حق أرملة «كاسر»؛ فإن تعمُّدك بتر أنفي ليوازي، ولا مرية، تحويل ساقية عن مجراها. ميكروميغاس وثلاث قصص
سزوستريس تعرفون أنَّ لكل امرئ روحًا صالحًا يرشده ويقود خطاه في مسالك هذه الحياة القصيرة، وهذا الروح لا يبدو لأنظارنا، ولكنه يرافقنا من غير أنْ نراه. ومعلومٌ أنَّ الأرواح الصالحة كانت في الماضي أكثر مؤالفة لنا منها اليوم، تحدثنا وتعيش معنا — ولا سيما مع الملوك — عيشة الأصدقاء الخلص. ففي مساء أحد الأيام فيما الملك سزوستريس يتنزه مع ملاكه على الشاطئ بالقرب من منفيس، قال له: ها أنا ذا ملك يا سيدي، وبودِّي أنْ أستحق الملك، فكيف أعمل؟ فأجابه مرشده: تعال معي إلى هذه البناية الكبيرة، التي بنى أوزيريس سورها الجميل، تتعلم كيف تعمل. فأطاع الملك، ولما وصل إلى البناية رأى في ساحتها إلهتين مختلفتين، إحداهما على جانبٍ عظيم من الجمال والرونق، كانت مستلقاة بين الأزهار، يحيط بها الحب اللعوب والظرف المغوي، وكأنها ما تزال سكرى من اللذة. وكان على مقربةٍ منها ثلاثة مساعدين، تبدو عليهم مظاهر الجفاف والهزال والإصفرار والخور، فسأل الملك مرشده الأمين قائلًا: من تكون هذه العروس البالغة هذا المبلغ من الرقة والجمال؟ وما شأن هؤلاء الثلاثة المقيتين؟ فأجابه المرشد: أتجهل من هي هذه العروس الحسناء يا أميري؟ إنها الشهوة، معبودة كل من في بلاطك، ومن في المدينة والريف، أما هؤلاء الثلاثة المقيتون الذين يمشون دائمًا وراء سيدتهم، فهم المقت والسأم والندم، الأشباح البشعة، أبناء اللذة القدماء. فحزن الملك المصري لدى سماعه هذه الحقيقة، وسأل مرشده قائلًا: وهذه الإلهة الأخرى، من تكون؟ فإني أراها دون هذه سهولة ورقة، ولكن سيماءها النبيلة وصفاءها الرصين تعجبني هي كذلك، أرى إلى جانبها صولجانًا من الذهب وسيفًا وميزانًا، وفي يدها صحائف تصرفها عما حولها، وأرى هيكلًا جميلًا ينفتح لدى صوتها متألقًا نورًا وبهاء، وعلى واجهة الرواق العظيم أقرأ هاتين الكلمتين: إلى الخلود! أبوسعي الدخول إلى هذا الهيكل؟ فأجاب الملاك: الأمر شاق، فكثيرون حاولوا الدخول إليه ثم عدلوا قانطين، فهذه الحسناء التي تبدو لك صلبة قاسية قد تلتهب أحيانًا، وإذا كانت الشهوة أشد عذوبة وإحساسًا وأكثر فتونًا فهذه أعرف بالحب، ولكن من يريد أنْ يحل في نظرها محلًّا موفور الكرامة، يجب عليه أنْ يتصف بروحٍ عادل وقلب نقي وفيٍّ، إنها الحكمة، وهذا الهيكل اللألاء الذي انفتح الآن هو هيكل المجد. ألا فاختر بين هاتين الإلهتين؛ إذ لا تستطيع أنْ تكون كلتيهما معًا. فقال الملك الشاب: لقد تم اختياري، ولغيري أنْ يرغب في حب الاثنتين معًا، فبوسع إحداهما أنْ تسعدني هنيهة من الزمن، أما الأخرى فتستطيع بي أنْ تسعد العالم. ثم طبع على الأولى قبلتين وهو ماضٍ، ولكنه وهب قلبه للثانية. ميكروميغاس وثلاث قصص
براون وولف تأخَّرَت في الخروج إليه بسبب العُشب الندي؛ لترتديَ واقيَ الحذاء، وعندما خرجَت من المنزل وجدت زوجها الذي يَقف في انتظارها مُستغرقًا في روعة بُرعم لوز يتفتَّق. راحت تُفتِّش عبر العُشب الطويل بنَظرة سريعة وبين أشجار البستان من الداخل ومن الخارج. ثم سألت: «أين وولف؟». «كان هنا منذ لحظة.» سحب والت إرفين نفسه بعيدًا، وفي نفسه اختلاجة من الشِّعر والميتافيزيقا الكامنَين في مُعجزة الإزهار الطبيعية، وأطلق عينَيه ماسحًا المشهد أمامه «كان يُطارد أرنبًا في آخر مرة رأيتُه». راحت تُنادي: «وولف! وولف! تعالَ هنا يا وولف!» وكانا في تلك اللحظة يُغادران الفُسحة الخالية من الأشجار، ويَسلكان الممشى الذي يشقُّ غابة أشجار المانزانيتا بأزهارها المستديرة الناعمة ككرات الشمع، مُؤدِّيًا إلى طريق المقاطعة الرئيسي. دسَّ إرفين الإصبع الصغيرة من كلتا يدَيه بين شفتَيه، ومُسانَدةً منه لجهودها أطلَق صافرةً مجلجِلة. سرعان ما غطَّت أذنَيها، وقطَّبَت وجهها في امتعاض. «يا إلهي! تستطيع إطلاق أصوات بَشِعة رغم أنك شاعر مُعتاد على الرهافة وكل هذه الأشياء. لقد ثقبتَ أذنيَّ. صفيرك أعلى من …» «أورفيوس.» ردَّت بحِدَّة: «كنتُ سأقول أولاد الشوارع.» «الشاعرية لا تَمنع المرء من أن يكون عمليًّا … على الأقل لم تَمنعني. فعبقريتي ليست بعبقرية عقيمة تَعجز عن بيع نفائسها للمجلات.» اتخذ إرفين نَبرة غلو ساخرة، وتابعَ قائلًا: «أنا لستُ بمغنٍّ مغمور، ولا مُطرب من مطربي صالات الرقص. ولمَ ذلك؟ لأني عمَليٌّ. أغنياتي ليست حثالة لا تَستطيع أن تتحوَّل — بالمقابل المناسب — إلى كوخ مكلَّل بالأزاهير، إلى مرج جبلي بديع، إلى أيكة من أشجار السكويا، إلى بستان من ثلاث وسبعين شجرة، إلى صفٍّ طويل من أشجار العليق وصفَّين قصيرَين من أشجار الفراولة، فضلًا عن جدول ماء يُخرخر يتدفَّق لمسافة ربع ميل.» قالت ضاحكةً: «أوه، ليتَ كل أغانيك تتحوَّل بمثل هذا النجاح.» «سمِّي واحدة لم تكن كذلك.» «تلكما القصيدتان الجميلتان اللتان تحوَّلتا إلى تلك البقرة التي أخذَت لقب أسوأ بقرة حَلوب في الناحية.» بادَرَها بالرد: «لقد كانت جميلة …» قاطعته مادج: «لكنها لم تُدرَّ لبنًا.» ردَّ عليها في إصرار: «لكنها كانت جميلة، أليس كذلك؟» فردَّت: «وهنا مُفترق الطريق بين الجمال والمنفعة … وها هو وولف!» من جنَبة التل المُغطَّى بالآجام جاء صوتُ ارتطام وسط الشُّجيرات، ثم فوقهما بأربعين قدمًا، على حافة السور الصخري الشديد الانحدار، ظهر رأسُ ذئب وكتفاه (ليس ذئبًا كما سيتضح بعد ذلك). أطاحَ بحصاة بقدمَيه الأماميتَين المثبتتَين في الأرض، ثم وقفَ يُراقب سقوط الحصاة بأذنَين مُنتصبتَين بقوة وعينَين محدقتَين، حتى سقطت عند أقدامهما. ثم انتقل بناظرَيه إليهما، وبملء فيه ضحكَ عليهما. صاحَ به الرجل والمرأة: «أنت يا وولف، أنت!» و«وولف، أيها المُزعِج!». انخفضَت أذناه وانسحبتا للخلف عند سماع صوتَيهما، وبدا رأسه وكأنه استكانَ وارتخى استجابةً لمُداعبةٍ خفيفة من يدٍ خفية. شاهَداه وهو يَتراجَع إلى الخلف ببطء عائدًا إلى الأجمة، ثم تابعَا طريقهما. بعد عدة دقائق، وبينما كانا يَنعطفان عند مُنحنًى في الدرب حيث كان المنزل أقل انحدارًا، انضمَّ إليهما وولف وسط انهيار صغير من الحصيِّ والتربة الرخوة. لم يُظهر لهما ودًّا. وبعد أن ربَّت الرجلُ عليه وفركَ أذنَيه، ومسَّدت عليه المرأة تمسيدةً طويلة، إذا بوولف يَمضي في الدرب متقدمًا إياهما، يَنزلق بلا جهد على الأرض كما يَليق بذئبٍ حقيقي. كان يبدو من البِنية والفراء والذيل ذئبًا رماديًّا ضخمًا، لكن لونه والعلامات على جسده ينفيان عنه ذلك. فهناك كان الكلب مميَّزًا دون أي مجال للالتباس. لم يكن لذئب يومًا لونٌ كلونه. كان وولف بُنيًّا، بل بُنيًّا قانيًا، بل بُنيًّا يميل إلى الحُمرة، بل مزيجًا صاخبًا من درجات اللون البُني. اكتسى ظهره وكتفاه بلونٍ بُني دافئ، ويميل إلى الأصفر على جانبَيه وبطنه، لكنه أصفرُ كَدِر بسبب بقايا اللون البُني العالقة به. حتى اللون الأبيض الذي يُلوِّن نحره وأقدامه والبُقَع فوق عينَيه لم يخلُ من هذه الكدرة، بسبب هذا اللون البُني الثابت الذي لا فكاك له منه، بينما كانت عيناه كقطعتَين من التوباز، تَلتمِعان بين الذهبي والبُني. أحبَّ الرجلُ والمرأةُ الكلبَ حبًّا جمًّا؛ ربما لأنَّ فوزهما بحبِّه كان مُهمةً صعبة. لم يكن الأمر سهلًا حين عرجَ خفيةً على كوخهما الجبَلي الصغير أول مرة وكأنه انبثقَ من العدم. دخلَ بأقدام مُتقرِّحة وبطن خميص، وفتَكَ بأرنب تحت سَمعهما وبصرهما وتحت نافذتهما، ثم زحفَ مُبتعدًا ونامَ في جوار النبع تحت شجيرات العُلَّيق. عندما ذهبَ والت إرفين ليَستطلع أمرَ هذا الدخيل، لم ينَلْ منه إلا زمجرة، وكذلك نالت مادج نصيبها من الزمجرة عندما ذهبت له لتُقدِّم عربون سلام؛ وعاءً كبيرًا من الخبز واللبن. لكَمْ بَرهنَ على أنه كلبٌ انطوائي عنيف إلى أقصى مدًى، يُقابل كلَّ ما كانا يُبادِران به للتقرُّب إليه بسخط، ويرفض أن يتركهما يَضعان يدًا عليه، مُهدِّدًا إياهما بنفش شَعره والتكشير عن أنيابه. غير أنه ظلَّ باقيًا بجوارهما، يَنام ويرتاح بجانب النبع، ويأكل الطعام الذي يُقدِّمانه له بعدما يضعانه على مسافة آمنة منه ويَتراجعان. كانت حالته الجسمانية المزرية تُفسِّر بقاءه، وعندما تماثَل للشفاء بعد إقامة امتدَّت بضعة أيام، اختفى بلا أثر. كادت أن تصبح هذه نهاية أمره مع إرفين وزوجته، لولا أن إرفين استُدعي في هذا الوقت بالذات للسفر إلى شمال الولاية. فبينما كان إرفين جالسًا ينتظر في القطار، بالقُرب من الحدود بين كاليفورنيا وأوريجون، تصادَف أن نظَر من النافذة، فرأى ضيفه الانطوائي يسير في انسيابية عبر طريق عربات الخيول المُمهَّد، بلَونه البُني وهيئته الذِّئبية، مُتعَبًا لكن عزمه لم يكل، يغطيه الغبار والدنس من عناء رحلة طولها مائتا ميل. كان إرفين رجلًا يَنساق وراء اندفاعاته، كونه شاعرًا. فقد نزلَ من القطار في المحطة التالية واشترى قطعة لحم من الجزارة، وأمسكَ بالكلب الشريد في ضواحي المدينة. كانت رحلة العودة في عربة الأمتعة، وبنِهايتها عاد وولف مرةً أخرى إلى الكوخ الجبَلي. وهناك رُبط لمدة أسبوع، حيث أغدقَ عليه الرجل والمرأة بالحب. لكنه كان حبًّا حَذِرًا للغاية. كان وولف منعزلًا وغريبًا، وكأنه مسافر قادم من كوكب آخر، وكانت الزمجرة هي إجابته على كلماتهما الودودة الرقيقة. ولم يكن يَنبح مطلقًا. طوال الوقت الذي أمضاه معهما لم يَنبح قَط. صار الفوز بودِّه مشكلة. وكان إرفين يحبُّ المشكلات. عَهِدَ إلى أحدهم بتصنيع لوحة معدنية كُتِب عليها: «يُعاد إلى والت إرفين، جلين إلين، مقاطعة سونوما، كاليفورنيا.» ثبَّت هذه اللوحة بإحكام في طوق ثم علَّقه في رقبة الكلب. ثم حُلَّ وثاقه، وسرعان ما اختفى في لمح البصر. وفي اليوم التالي وصلت برقية من مقاطعة ميندوسينو. ففي خلال عشرين ساعة، كان وولف قد قطعَ ما يزيد على مائة ميل نحو الشمال، وكان لا يَزال منطلقًا حين أُمسكَ به. أُعيد إليهما من خلال شركة «ويلز فارجو إكسبريس» للشحن، وقُيد ثلاثة أيام، ثم حُلَّ وثاقه في اليوم الرابع وضلَّ الطريق. في هذه المرة كان قد بلغَ جنوب أوريجون قبل أن يُمسَك به ويُعاد إليهما. كان دائمًا يفرُّ في كل مرة يُطلَق سراحه، وكان دومًا يفرُّ إلى الشمال. ثَمة هاجس استحوذ عليه كان يدفعه دفعًا نحو الشمال. «غريزة الحنين إلى الوطن» هكذا أسماها إرفين، بعدما بذَل في سبيل استرجاعه من أوريجون الشمالية ما يُوازي ثمن بيع قصيدة. في مرة أخرى، نجحَ الرحَّالة البُني في اجتياز نصف كاليفورنيا ثم أوريجون بأكملها، وأغلب واشنطن، قبل أن يُمسَك به ويُعاد إليهما «مع دفع رسوم الشحن». وكانت السرعة التي يَرتحل بها جديرة بالملاحظة. فما إن يُحلَّ وثاقه، بعد أن يستريح وتَمتلئ معدته، حتى يُكرِّس طاقته كلها ليطوي الأرض طيًّا. فقد وُجد أنه في اليوم الأول قطَع ما يصل إلى مائة وخمسين ميلًا، وفي كل يوم بعد ذلك كان يقطع نحو مائة ميل، حتى يُمسَك به. ودائمًا ما كان يعود ناحلًا وجائعًا وشرسًا، ودائمًا ما يُغادِر قويًّا عفيًّا، ليشقَّ طريقه نحو الشمال مجيبًا داعيًا في داخله لا يَفهمه أحد. لكن أخيرًا، بعد عام من الفرار ذهبَ أدراج الرياح، تقبَّل المحتوم واختارَ أن يُقيم في الكوخ؛ حيث قتل الأرنب في المرة الأولى ونامَ بجوار النبع. وحتى بعد ذلك، مرَّ وقتٌ طويل قبل أن ينجح الرجل والمرأة في التربيت عليه. كان هذا نصرًا مؤزَّرًا؛ إذ لم يَسمَح لأحد سواهما أن يضع يدًا عليه. فقد كان في غاية الانتقائية والتحفُّظ في ذلك، ولم ينجح أحدٌ من زوار الكوخ قط في التودُّد إليه. وكانت مثل هذه المحاولات للتقرُّب إليه تُقابَل بهدير خفيض، أما إن سوَّلت لأحدهم جرأته أن يقترب أكثر، فكانت شَفتاه تَنفرجان كاشفتَين عن أنيابه، ويتحوَّل هديرُه إلى زمجرة مُروِّعة ضارية تُرهب أشجع الشجعان، مثلما كانت ترهب كلاب الفلاحين التي كانت تَعرف أن الكلب العادي يزمجر، ولكنَّهم لم يروا ذئبًا يزمجر من قبل. لم يُعرف له ماضٍ. فتاريخه بدأ مع والت ومادج. لقد جاء من الجنوب، ولكن لم يكن لديهما أدنى فكرة عن مالكه الذي هرَب منه كما هو واضح. أشاعت السيدة جونسون، وهي أقرب جار للزوجين وهي مَن تُزوِّدهم باللبن، أنه واحدٌ من كلاب منطقة كلوندايك. كان أخوها يعمل في التنقيب عن المعادن النفيسة في هذه الأراضي المتجمِّدة البعيدة؛ ولذا نصَّبت نفسها مرجعًا في هذا الأمر. لكنهما لم يُجادلاها. فكان واضحًا أن طرفَي أذنَي وولف مُتضرِّرَين بشدة من أثر تجمُّدٍ عنيف تعرَّضتا له في وقت ما، لدرجة أنهما لم تتعافيا تمامًا قَط. وفوق ذلك، كان وولف يشبه كلاب ألاسكا التي يريان صورها في المجلات والجرائد. كثيرًا ما تساءلوا عن ماضيه، وحاولوا (من واقع ما قرآه وسمعاه) تخيُّل شكل حياته في الأراضي الشمالية. ما عرفاه أن الأراضي الشمالية ما زالت تجذبه؛ فقد كانا أحيانًا ما يَسمعانه ليلًا يئنُّ أنينًا خافتًا، وعندما تهبُّ الرياح الشمالية وتنتشر لسْعة الصقيع في الهواء، يتملَّكه شعور حادٌّ بالتململ والاضطراب، ويُطلق عويلًا حزينًا كانا يعلمان أنه عُواء الذئاب الطويل. لكنَّه لم يكن ينبح قَط. ولم يكن ثَم ما يُمكن أن يستفزَّه لدرجة تنتزع منه صيحة الكلاب تلك. لكَمْ خاضا نقاشاتٍ طويلة عن أيهما صاحب الكلب عندما كانا لا يزالان يُحاولان الظفر بودِّه. كلٌّ منهما ادعى ملكيته، وكان كلٌّ منهما يملأ المكان ضجيجًا عند أي تعبيرِ ودٍّ أو انسجام يُبديه له وولف. لكن كان للرجل النصيب الأكبر في البداية، والسبب الأساسي أنه رجل. كان واضحًا أن وولف لم يكن له أيُّ تعامل مع النساء قبلًا. لم يكن يَفهم النساء. لم يتقبل التنانير التي كانت ترتديها مادج قط. حتى هفيفها كان كافيًا لأن يجعل فراءَه يَنتصب من الريبة والشك، وفي الأيام العاصفة لم يكن يُمكنها أن تقترب منه على الإطلاق. من ناحية أخرى، كانت مادج هي مَن تُطعمه، بل كانت هي أيضًا الآمر الناهي في المطبخ، وبفضلها — بفضلها وحدها — كان يُسمَح له بدخول هذه البقعة المقدسة. وبفضل هذه الأشياء صارت لديها فُرصة جيدة لتُعوِّض إعاقة ملابسها لها. غير أنَّ والت بذل جهدًا مُضاعفًا، مُبتدئًا تقليدًا جديدًا بأن يَجعل وولف يتمدَّد عند قدمَيه بينما يكتب، مهدرًا كثيرًا من وقت عمله بين التربيت والحديث معه. وكان النصر حليف والت في النهاية، وكونه رجلًا هو سبب انتصاره على الأرجح، رغم أنَّ مادج ما بَرحت تؤكِّد أن خرير غديرهما كان ليمتدَّ ربع ميل آخر، وأن ريحين غربيتَين أُخريَين على الأقل كانتا تهبَّان عبر أيكة السكويا، لو أنَّ والت كرَّس طاقاته كما ينبغي ليتكسَّب من أغنياته، وترك وولف وشأنه لتكوين رغبة طبيعية وقرار غير مُنحاز. قال والت بعد خمس دقائق من الصمت كانا يَتهاديان خلالها بخطًى ثابتة عبر الدرب: «حان الوقت لوصول ردٍّ بشأن تلك المقطوعات الشعرية. أنا مُتأكِّد أنني سأجد شيكًا باسمي في مكتب البريد، وسوف نُحوِّله إلى دقيق الحنطة السوداء الجميل، وجالون من شراب القيقب، وواقٍ جديد لحذائك.» أضافت مادج: «وإلى حليبٍ شهي من بقرة السيدة جونسون الجميلة. فغدًا أول يوم في الشهر كما تعلم.» تجهَّم والت دون أن يشعر، ثم تهلَّل وجهه ودسَّ يده في جيبه القريب من صدره. «لا عليك. لديَّ هنا بقرة لطيفة جميلة جديدة، بل أفضل بقرة حلوب في كاليفورنيا.» سألته في لهفة: «متى كتبتها؟» ثم أردفَت في عتاب: «كما أنكَ حتى الآن لم تُرِني إياها.» ردَّ والت: «احتفظتُ بها لأقرأها عليك ونحن في طريقنا إلى مكتب البريد، عندما نَصل إلى بقعة كهذه»، مُلوِّحًا بيده ناحية جذع شجرة جافٍّ ليَجلسا عليه. كان ثَمة جدول صغير يَتدفَّق من وسط بساط كثيف من السراخس، يَنساب عبر حجر يَبرز من طرفه طحالب، ويَتقاطَع مع الممشى حيث يقفان. ومن الوادي انبعثت أغاريد طيور المروج الرخيمة المبهجة، فيما كانت فراشات صفراء رائعة تتراقص بين الظل وضوء الشمس وترفرف حولهما في كل مكان. عندما بدأ والت يقرأ قصيدته المكتوبة بخطِّ يده بصوتٍ رقيق عذب، قاطعه صوتٌ آخر أتاهما من أسفل. كان صوت خطوات ثقيلة طاحنة، يَقطعه بين الفينة والأخرى صوتُ دحرجة حجر. عندما انتهى والت ونظر في عينَي زوجته التماسًا للاستحسان، ظهر رجل أمامهما عند منعطف الدرب. كان حسير الرأس ويتصبَّب عرقًا. مسح وجهه بمنديل كان في إحدى يدَيه، وفي الأخرى حمل قبعةً جديدة وياقة مُنشَّاة بدَت مُرتخية كان قد خلَعها من رقبته. كان رجلًا قويَّ البِنية، وبدَت عضلاته على وشك أن تَفتق الملابس السوداء الجاهزة الجديدة تمامًا التي كان يرتديها. بدأ والت بتحيته: «إنه ليومٌ دافئ.» فقد كان والت مؤمنًا بالشعبوية الريفية، ولم يكن يُضيِّع فرصة لمُمارستها. توقَّف الرجل وأومأ برأسه. ثم ردَّ بنَبرةٍ شبه اعتذارية: «أعتقد أني لستُ مُعتادًا الدفء كثيرًا. اعتدتُ أكثر الطقس المتجمِّد حيث تصل الحرارة إلى صفر.» رد والت ضاحكًا: «لن تجد شيئًا من هذا في هذه البلدة.» رد الرجل: «كلا، بتاتًا. ولستُ هنا بحثًا عن هذا أيضًا. أنا أُحاول العثور على أختي. ربما تَعرف أين تسكن. اسمها السيدة جونسون، حرَم السيد ويليام جونسون.» صاحت مادج بعينَين تَلتمعان بالإثارة: «لا تَقُل إنك شقيقها الذي يعيش في كلوندايك! أأنت أخوها الذي كثيرًا ما حدَّثَتنا عنه؟» أجابها بتواضع: «نعم يا سيدتي، هذا أنا. اسمي ميلر، سكيف ميلر. وددتُ أن أفاجئها بقُدومي فحسب.» ردَّت مادج: «أنت على الطريق الصحيح إذَن. لقد جئت فحسب عن طريق الممشى.» وقفت مادج لتُرشده إلى الطريق، مُشيرةً إلى الوادي الضيق الكائن على بُعد ربع ميل: «هل ترى أشجار السكويا الذابلة هنالك؟ اسلك الدَّرب الصغير المُنعطِف يَمينًا عندها. إنه الطريق المختصر إلى منزلها. ستَصل بسهولة لا تقلق.» قال: «حسنًا يا سيدتي، شكرًا لك.» بذلَ مُحاولاتٍ مُتردِّدة لكي يُغادِر، إلا أنه بدا وقد غُرس في مكانه بشكلٍ غريب. كان يُحدِّق فيها بإعجاب لم تُخفِه عيناه إلا أنه لم يكن واعيًا به، كان يغرق معه في بحر الإحراج المتلاطم الذي كان يتخبط بين أمواجه. قالت مادج: «سنكون سُعداء بسماع قصصك عن إقليم كلوندايك. لمَ لا نأتي لزيارتكما يومًا ما خلال إقامتك في منزل أختك؟ أو الأفضل أن تَزُورانا ونَتناول العشاء معًا.» ردَّ مُتمتمًا بشكلٍ آلي دون تفكير: «حسنًا يا سيدتي، شكرًا لك سيدتي.» ثم استجمع شتاته وأردف: «لن أبقى هنا كثيرًا. لا بدَّ أن أرتحل إلى الشمال مُجدَّدًا. سأُغادر في قطار هذا المساء. فلديَّ عقدٌ مع الحكومة لتوصيل البريد.» عبَّرت مادج عن استيائها لهذا، وحاول عبثًا مرةً أخرى أن يُغادِر. لكنه لم يستطِع أن يرفع عينيه عن وجهها. وهذه المرة غلَبَه الإعجاب فنسيَ إحراجه، فيما بدأت هي تَرتبك واحمرَّت وجنتاها خجلًا بدورها. في هذه اللحظة تحديدًا، أدرك والت أنه لا بد أن يقول شيئًا ليُخفِّف من توتُّر الموقف، واقتحم وولف المشهد مُهرولًا، بعد أن كان بعيدًا عنهم يتشمَّم الهشيم على الأرض. أفاق سكيف ميلر من استغراقه. واختفَت السيدة الجميلة من مرآه. لم تَعُد عيناه تريان إلا الكلب، وبدا على قسماته الذهول. قال ببُطء ومهابة: «عجبًا!» جلس سكيف على الجذع مُطرقًا، تاركًا مادج واقِفة. أما وولف، فما إن سمع صوت سكيف حتى انخفَضَت أذناه، وانفرجت أساريره عن ضِحكة. هرول ببطءٍ نحو هذا الغريب، وتشمَّم يديه أولًا، ثم لعقهما بلسانه. ربت سكيف ميلر على رأس الكلب، ثم ببُطء ومهابة قال مجددًا: «وا عجباه!» ثم قال «معذرة يا سيدتي، لقد تفاجأتُ بعض الشيء لا أكثر.» ردَّت بلطف: «نحن أيضًا مُتفاجئان. لم نرَ وولف يومًا يتآلف مع شخص غريب عنه.» سألها الرجل: «أهكذا تُسمِّيانه … وولف؟». فأومأت مادج بالإيجاب. «لكنِّي لا أفهم سر تآلُفه معك، اللهم لو كان ذلك لأنك من كلوندايك. فهو من كلاب كلوندايك إذا كنت تَعلم.» ردَّ عليها في شرود: «أجل يا سيدتي.» كان يرفع إحدى قدمَي وولف الأماميتين ويتفحَّص باطنها، وأخذ يتحسَّسه ويضغط عليه بقوة. ثم علَّق قائلًا: «باطن قدمه ليِّن نوعًا ما. يبدو أنه لم يمارس أعمال الجر منذ فترة طويلة.» قاطعه والت قائلًا: «لا بد أن أقول إن تركَه لك تُمسكه بهذا الشكل أمرٌ غير مألوف.» نهضَ سكيف ميلر، بعد أن زالَ عنه الارتباكُ إعجابًا بمادج، وبنَبرة حازمة عملية سأله: «منذ متى وهو معك؟» لكن في هذه اللحظة بالذات، بينما كان الكلب يتلوَّى ويتمعَّج بين رجلَي الرجل ويحكُّ جسده فيهما، فتَح فمه ونبح. كان نباحًا قصيرًا مُدويًا يشعُّ بهجة، لكنه في النهاية نباح! بادر سكيف ميلر مُعلقًا: «أما هذه فجديدة عليَّ.» حدَّقَ والت ومادج أحدهما في الآخر. ها هي المُعجزة قد حدثت. لقد نبح وولف. قالت مادج: «لأول مرة ينبح.» فعقَّب ميلر: «وأنا أول مرة أسمع نباحَه كذلك.» تبسَّمت له مادج. كان الرجل خفيف الظل حقًّا. قالت: «بكل تأكيد، بما أنك لم ترَه إلا من خمس دقائق.» رمقَها سكيف ميلر بنظرة ثاقبة، مُتفرِّسًا وجهها بحثًا عن الدهاء الذي تُوحي به كلماتها وقاده إلى الشك فيها. قال لهما ببُطء: «ظننتُ أنكما أدركتما الأمر. كنت أعتقد أنكما فطنتما للأمر من تودُّده لي. إنه كلبي. واسمه ليس وولف. بل اسمه براون.» استنجدت مادج بزَوجها تلقائيًّا: «والت، يا إلهي!» وفي الحال تحفَّز والت للدفاع. سأله والت: «كيف تَعرِف أنه كلبك؟» فكان ردُّه: «لأنه هو.» قال والت بحِدَّة: «مُجرَّد زعم بلا دليل.» وببطء وتأنٍّ، كما هي طريقته، نظر سكيف ميلر إلى والت، وبإيماءة من رأسه ناحية مادج سأله: «وكيف تَعرف أنها زوجتك؟ كل ما ستقوله «لأنها هي»، وسأردُّ عليك بأن هذا مجرَّد زعم بلا دليل. الكلب كلبي. أنا هجَّنتُه وربَّيتُه، وأظنُّ أن هذا كافٍ لأعرفَه. انظر إلى هذا. سأثبت لك.» التفتَ سكيف ميلر ناحية الكلب. وبصوت مُدوٍّ ناداه: «براون!» فانخفضت أذنا الكلب كما لو كان أحدٌ يُداعبهما. صاحَ به: «يمييين!» فانحرف الكلب سريعًا نحو اليمين. «إلى الأمام!» فكبح الكلب انحرافَه في الحال وانطلق إلى الأمام مباشرة، ثم توقَّف في انصياع عندما أمره بالتوقف. قال سكيف ميلر بفخر: «بل يُمكنني القيام بذلك بالصفير له. فقد كان كلب الطليعة في فريقي.» سألته مادج بصوتٍ رجيف: «لكنَّك لا تَنوي العودة به؟». فأومأ الرجل. «تُعيده إلى عالم كلوندايك البَشِع المليء بالمُعاناة؟» أومأ برأسه ثم أضاف: «لكن الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد. انظري إليَّ. شخص سليم مُعافًى، أليس كذلك؟» «لكن الكلاب! الشدائد والأهوال، الكدح والشقاء الذي يَنفطر له القلب، التضوُّر جوعًا، الصقيع! يا إلهي، لقد قرأت عن هذه الأهوال وأعرف ما أتحدَّث عنه.» ردَّ ميلر مُتجهمًا: «كنتُ على وشك أكله ذات مرة، هنالك عند غدير السمك الصغير. لولا الأيل الذي ظفرتُ به يومَها لما أنقَذَه شيء من يدي.» صاحت فيه مادج: «لكان موتي خيرًا لي عندها!» أوضحَ لها ميلر: «الأمور عندكم هنا مختلفة. فأنتم لا تُضطرُّون إلى أكل الكلاب. سيتغيَّر رأيك في اللحظة التي تُستنزفين فيها. وأنتِ لم تبلغي حد الاستنزاف قط؛ لذا لا تَعرفين أي شيء عما أتحدث عنه.» جادَلَته بلطفٍ قائلة: «هذا تحديدًا ما أعنيه. لا أحد يأكُل الكلاب في كاليفورنيا. لمَ لا تتركْه هنا إذَن؟ إنه سعيد هنا! لن يُعاني عَوزًا للطعام أبدًا، وأنت تعلم ذلك. لن يُعاني الأمرَّين من البرد وشظف العيش. هنا لن يجد إلا كلَّ رخاء وعطف. فالوحشية ليست من طبع البشر ولا الطبيعة هنا. لن يرى ضربة سوط ثانية أبدًا. وبالنسبة إلى الطقس، فالثلوج لا تتساقط هنا أبدًا.» رد سكيف ميلر ضاحكًا: «مع احترامي، لكنَّها تكاد تتأجَّج نارًا في الصيف هنا.» تابعت مادج في انفعال: «لكنَّكَ لم تُجبني. ماذا لديك لتُقدِّمه له في حياة الشمال تلك؟» أجابها: «طعامًا، حين يَتيسَّر لي، وهذا ما يحدث أغلب الأحيان.» «وفي باقي الأحيان؟» «لا طعام.» «والعمل؟» قال ميلر بنَفاد صبر: «نعم، هناك كثير من العمل. عمل لا يَنتهي، وجوع، وصقيع، وكل هذه التعاسات … هذا ما سيَلقاه عندما يأتي معي. لكنَّه يُحبه. وهو مُعتاد عليه. تلك هي الحياة التي يعرفها. هذا ما وجده حين وُلد وهذا ما نشأ عليه. وأنتِ لا تَعرفين أي شيء عن ذلك أبدًا. أنت لا تَعرفين ما تتحدَّثين عنه أصلًا. هذا هو المكان الذي ينتمي إليه، وهناك سيُصبح أسعد ما يكون.» ردَّ والت بصوت حازم: «الكلب لن يرحل. لذا لا حاجة لمَزيد من النقاش.» عبس حاجبا سكيف ميلر الكبيران، وتدفَّق الدم في عروقه في عناد فاحمرَّت جبهته، وسأله: «ما هذا الذي تقول؟». «قلتُ إنَّ الكلب لن يرحل، وهذه نهاية الأمر. أنا لا أصدق أنه كلبك. ربما رأيتَه يومًا. ربما حتى قُدتَه بدلًا من صاحبه. لكن امتثاله لتوجيهات كلاب الجرِّ التي تُستخدم في ألاسكا بأكملها ليس دليلًا على أنه كلبك. أيُّ كلب في ألاسكا كان سيَمتثل لك كما فعل. كما أنه كلب نفيس بلا شك؛ لأنَّ الكلاب لها رواج في ألاسكا، وهذا تفسير كافٍ لرغبتك في الاستحواذ عليه. على أي حال، لا بد أن تُثبت ملكيتك له.» كان سكيف ميلر هادئًا ورابط الجأش وهو يتفحص الشاعر بعينيه من أعلاه لأسفله، وكأنه يعاين ما قد يَحمله قوامه الممشوق هذا من قوة، وقد صارت الحمرة التي ضرَبها عنادُه في جبهته أشد قليلًا، وعضلاته الضخمة تَبرُز من تحت قماش معطفه الأسود. وفي النهاية ارتسَمَت نظرة ازدراء على وجه الرجل وهو يقول: «أعتقد أن لا شيء على مرمى بصري يَمنعُني مِن أخذ الكلب في التوِّ واللحظة.» احمرَّ وجه والت، وبدَت عضلات ذراعَيه وكتفَيه البارزة مُتصلِّبة ومُتوتِّرة. أما زوجته فانبرت في قلق تتدارك الشقاق الذي حدث. قالت: «لربما يكون السيد ميلر مُحقًّا. أخشى أنه كذلك فعلًا. فيَبدو أن وولف يعرفه، ولا شك أنه يتجاوب مع اسم «براون». لقد ألفه بمُجرَّد أن رآه، وكما تَعلم فهذا لم يحدث قَط من قبلُ مع أي شخص. وفوق ذلك، انظر كيف نبحَ! كان يُشعُّ بهجة. ولمَ هذه البهجة؟ لعثوره على السيد ميلر بلا ريب.» ارتخَت عضلات والت البارزة، وبدَت كتفاه تتهدَّلان في يأس. ثم قال: «أعتقد أنك مُحقَّة يا مادج. وولف ليس اسمه وولف، بل براون، ولا بدَّ أن السيد ميلر هو مالكه.» تقدَّمت مادج باقتراح: «ربما يُمكن للسيد ميلر بيعه. نحن مُستعدَّان لشرائه.» هزَّ سكيف ميلر رأسه نافيًا، بلا عُدوانية هذه المرة بل بلُطف ودماثة، وسرعان ما أجاب إحسانهم بإحسان. حاول أن يَتحرَّى أسهل طريقة يُخفِّف بها من وطأة رفضِه، فقال: «كان لديَّ خمسة كلاب. كان هو قائدها. وكانوا خير فريق في ألاسكا كلها. لم يكن لها مثيل. حتى إنني في عام ١٨٩٨ رفضت بيعها بخمسة آلاف دولار. كانت أسعار الكلاب عاليةً حينها عمومًا، لكنَّ هذا لم يكن سبب هذا السعر الباهظ. بل كان السبب هو الفريق نفسه! وكان براون الأفضل في الفريق. حتى إنني رفضتُ بيعه مقابل ألف ومائتَي دولار في شتاء ذلك العام. لم أَبعِه حينها ولن أبيعه الآن. كما أنني أفكر فيه على الدوام. لثلاث سنوات ما فتئتُ أبحث عنه. أضناني الحزن عندما علمت بسرقتِه؛ ليس لقيمتِه المادية بل … حسنًا؛ إنه غالٍ على قلبي، هذا كلُّ ما في الأمر. لم أُصدِّق عينيَّ حين رأيته لتوِّي. ظننتُ أني أحلم. كان الأمر أروعَ مِن أن أُصدِّقه. رباه، لقد كنت راعيه. كل ليلة كنت أضعه في فراشه، وكل ليلة كنتُ أُوثِّر فراشه له وأدفئه. ماتَت أمه، وكنت أُغذِّيه على حليب مكثَّف كان سعر العلبة منه دولارَين، بينما لم يكن يتيسَّر لي شراؤه لوضعه على قهوتي. لم يَعرف يومًا غيري أمًّا له! كان دومًا يَمصُّ إصبعي، ذلك الجرو الصغير الملعون … كان يمصُّ تلك الإصبع!» ورفع سكيف ميلر إحدى سبَّابتَيه ليُريهما إياها وقد جاشَت مشاعره حتى لم يَعُد قادرًا على الكلام. قال بصعوبة: «هذه الإصبع»، وكأنه مُمسك بدليلِه على ملكيتِه للكلب، وعلى رباط المحبَّة بينهما. كان لا يزال يُحدِّق في إصبعه الممدودة أمامه عندما بدأت مادج تتكلم. قالت مادج: «لكن الكلب. أنت لم تُفكِّر في الكلب.» بدت الحيرة على وجه سكيف ميلر. سألته: «هل فكَّرت فيه؟». فكان جوابه: «لا أدري ما تَرمين إليه.» تابعت مادج حديثها قائلةً: «ربما للكلب رأيٌ في الأمر. ربما عنده ما يُحبه ويميل إليه. أنت لم تفكر فيه. لم تُعطِه خيارًا. لم يخطر ببالك قط أنه ربما يُفضل الحياة في كاليفورنيا عن ألاسكا. أنت لا تفكر إلا فيما تُريده أنت. تتعامل معه كما تُعامل جِوالًا من البطاطس أو كومة قش.» لم يُفكِّر ميلر في الأمر من هذا المنظور قط، وبدا واضحًا أن كلام مادج قد ترك أثرًا فيه وهو يُقلِّبه في عقله. واستغلَّت مادج تردُّده هذا. راحت تستحثُّه قائلةً: «إن كنت تحبُّه فعلًا، فإن سعادتك ستكون فيما يسعده.» استمر سكيف ميلر يَتباحث الأمر مع نفسه، واسترقت مادج نظرةَ تهلُّل سريعة نحو زوجها، وبادلها هو نظرة استحسان دافئة. سألها الرجل الوافد من كلوندايك فجأةً: «ماذا ترَين؟». فتحيَّرت هي بدورها. سألته: «ما الذي تعنيه؟». «هل ترين أنه سيألف الحياة في كاليفورنيا قريبًا؟!» أومأت برأسها إيجابًا. «بل أنا واثقة من هذا.» راح سكيف ميلر يَتباحث مع نفسه مجددًا، لكن هذه المرة بصوتٍ مسموع، وبنظرة متفحِّصة تقييمية سريعة كان يتطلَّع إلى الحيوان محل الخلاف في الوقت ذاته. «لقد كان فتًى جيدًا في عمله. كان يُتمُّ لي أكوامًا من العمل. لم يتكاسل يومًا عما أُكلِّفه به، وكان متمرسًا في تحويل فريق من الكلاب غير المدرَّبة إلى تشكيل مُنظَّم. لديه عقلية ذكية منظمة. عدا الكلام يمكنه عمل كل شيء. إنه يُدرك ما تقولانه له. تطلَّعا إليه الآن. إنه يعلم أننا نتحدَّث عنه الآن.» كان الكلب يجلس ممددًا تحت قدمَي سكيف ميلر، رأسه يَستند على كفيه، وأذناه مُنتصبتان تنصتان، وعيناه كلهما يقَظة ولهفة لمُتابعة الكلمات وهي تتساقَط من فم مُتحدِّث تلو الآخر. «ولا يزال قادرًا على فعل الكثير. سيكون قادرًا على العمل لسنوات. وأنا أحبُّه حقًّا.» فتح سكيف ميلر فمه بعد ذلك مرة أو مرتين وأغلقه دون أن يَنبس ببنت شفة. وأخيرًا قال: «سأُخبركما بما سأفعل. ملاحظاتك يا سيدتي بها بعض الوجاهة. فالكلب قد عملَ بجدٍّ، وربما يكون قد وجَد لنفسه مأوًى مُريحًا ومن حقه أن يختار. على كل حال، سأترك الأمر له. ما يختاره سيَسري علينا. ابقيا أنتما جالسَين هنا. أما أنا فسأُودِّعكما وأُغادر كما لو أن الأمر عادي. إن أراد أن يَمكُث معكما فليمكث. وإن أراد أن يأتي معي، فدعاه يأتي. لن أناديَه ليأتي إليَّ، وأنتما لا تنادياه ليعود إليكما.» ثم نظر بارتياب مُفاجئ إلى مادج، وأردف: «لكن عليكما أن تلعبا بشرف. لا تُحاولا استمالته بعدما أدير ظهري.» ردت مادج: «سنَلعب بشرف»، إلا أنَّ سكيف ميلر قاطع تأكيداتها. قال ميلر: «أعرف ألاعيب النساء. قلوبهنَّ رقيقة. وإذا ما مس قلوبهنَّ شيء فمن المرجح أن يعبثن بالورق لصالحهن، ويَختلسنَ النظر إلى آخر ورقة، ويَكذبن … أستميحك عذرًا يا سيدتي. أنا أتحدَّث عن عموم النساء فحسب.» ردَّت عليه باختلاج: «لا أعرفُ كيف أشكرك.» فردَّ عليها: «لا أرى ما يَستدعي الشكر. فبراون لم يُقرِّر بعد. لكن أرجو أنكما لن تُمانعا في أن أنصرف ببطء! إنه مَطلب عادل؛ لأني سأكون خارج مرمى البصر بعدما يَقرُب من مائة ياردة.» وافقت مادج، وأضافت: «وأنا أعدكَ بإخلاص بأننا لن نفعل أي شيء لنَستميلَه.» وبالنبرة المعتادة عند الانصراف قال سكيف ميلر: «حسنًا، عليَّ أن أرحل الآن.» وعند هذا التغيُّر في نبرة صوته، رفع وولف رأسه بسرعة، وكان نهوضه أسرع عندما تصافح الرجل والمرأة. قفَز على قائمَيه الخلفيَّين، وأسند قائميه الأماميين على خاصرتها، وفي الوقت نفسه كان يَلعَق يد سكيف ميلر. وعندما تصافح الرجلان، كرَّر وولف فعلته، مُستندًا بثقله على والت وراح يلعق يدَي كلا الرجلين. كانت آخِر كلمات الوافد من كلوندايك: «لن يكون الأمر سهلًا، أؤكد لكما هذا»، واستدار واتخذ طريقه ببطء على الدرب. ظلَّ وولف يُراقبه وهو يبتعد لمسافة عشرين قدمًا، بنفس يملؤها تلهُّف وترقُّب، كأنه ينتظر أن يستدير الرجل مرةً أخرى ويعود أدراجه إليه. وثَب وولف خلفه مع أنينٍ خفيض سريع حتى لحق به، وبحنوٍّ مُرتبِك أمسك يدَيه بين أسنانه، وظل يكافح معه بلطف علَّه يجعله يتوقف. لما فشل في ذلك، عاد وولف مُسرعًا إلى حيث كان والت إرفين جالسًا، ثم أمسك كُم معطفه بين أسنانه محاولًا دون جدوى أن يَسحبه ليلحق الرجل المغادر. بدأ اضطراب وولف يتصاعَد. أراد لو كان خارقًا يتيسر له أن يكون في كل مكان. كان يُريد أن يكون في المكانَين في آنٍ واحد، مع سيِّده القديم ومع سيِّده الجديد، وكانت المسافة بينهما لا تفتأ تتزايد. ظل يتقافَز هنا وهناك في اهتياج، مُصدرًا قفزات والْتواءات قصيرة ومُتوتِّرة، مرةً ناحية هذا ومرة ناحية ذاك، في حيرة تُبرِّحه ألمًا، لا يَدري ماذا يُريد، يُريدهما كليهما ولا يستطيع أن يختار أحدهما دون الآخر، ويُصدِر أنَّات حادة سريعة، حتى تتقطَّع أنفاسه ويبدأ باللهاث. خرَّ وولف على كفليه فجأةً، مادًّا أنفه إلى أعلى، وفمه يَرتجف بين انغلاق وانفتاح، ومع كل مرة يتسع انفراجه أكثر. وصاحَبَ هذه الحركات المختلجة تشنُّجات مُتتابعة تُداهم حلقه، كل واحدة أشد من سابقتها. وبالتزامن مع هذه الارتجافات والتشنُّجات، بدأت حنجرته ترتعش، كان ارتعاشًا غير مسموع في البداية، مَصحوبًا بدفعة الهواء الخارج من رئتَيه، ثم أصدر نغمة خفيضة عميقة، كانت من أخفض النغمات التي مرَّت على الأذن البشرية. كان كل هذا ما هو إلا تمهيد الأعصاب والعضلات للعُواء. لكن في اللحظة التي أوشك فيها هذا العواء أن يَنطلق بأعلى صوت وقوة لديه، أُغلق الفم المفتوح على مصراعَيه، وتوقَّفَت التشنُّجات، وحدَّق الكلب طويلًا وبثبات في الرجل المغادر. فجأةً أدار وولف رأسه، ومن فوق كتفِه نظر إلى والت نظرة بالثبات نفسه. لكن الاستجداء لم يُقابل بردٍّ. لم يتلقَّ الكلب أي كلمة أو إشارة، لم يتلقَّ أي اقتراح أو إلماح بما يجدر به أن يفعل. عندما نظر نظرةً سريعة إلى الأمام ولمح سيده القديم يُقارب منحنى الدرب، تجدَّد انفعاله. هب واقفًا على قوائمه وهو يئنُّ، ثم واتَته فكرة جديدة، فحوَّل انتباهه إلى مادج. حتى هذه اللحظة لم يكن قد أعارها اهتمامًا، لكن الآن بعد أن خذله سيداه كلاهما، فلم يتبقَّ إلا هي. أقبل نحوها وأرخى رأسه في حجرها، وراح بأنفه يَنكز ذراعها … خدعة قديمة كان يُمارسها عند استجداء شيء ما. ابتعد عنها وراح يتلوَّى ويتمعَّج ويدُور مُلاعبًا، ويتبختر مرحًا، ويشبُّ طافرًا على قائمَيه الخلفيَّين ثم يضرب الأرض بقائميه الأماميَّين، معافرًا بكل جسده، من عينَيه المتملقتَين وأذنَيه المنخفضتَين وحتى ذيله الذي لا يكفُّ عن الاهتزاز، ليُعبر لها عما يجول بخاطره، دون أن يُقابل ذلك برد. سرعان ما أقلع عن هذا أيضًا. فقد أُحبِط من برودة هؤلاء البشر تجاهه، فلم يكونوا بذلك البرود يومًا. لم يَستطِع أن ينتزع منهم جوابًا واحدًا، ولم يحصل من أحد منهم على أي مساعدة. لم يكونوا يُفكِّرون به. كانوا صُمًّا كالموتى. التفتَ وفي صمتٍ تابَع سيده القديم بعينه. كان سكيف ميلر يأخُذ المنعطف. في لحظة، سيكون خارج مرآهم. لكنه لم يَلتفت إليه بتاتًا، بل كان يتقدم ببطء للأمام، ببطء وانتظام، كأنه لا يُلقي بالًا لما يحدث خلف ظهره. وهكذا اختفى الرجل من المشهد. انتظر وولف أن يعود. انتظر برهةً طويلة، صامتًا، هادئًا، ساكنًا، بلا حراك وكأنه تحوَّل إلى حجر، لكنه حجر يجيش باللهفة والرغبة. نبح مرةً، ثم انتظر. ثم استدار وهرول عائدًا إلى إرفين. تشمَّم يده، ثم خرَّ مستلقيًا تحت قدمَيه في تثاقل، وعيناه على المسار حيث المنعطف الخالي أمامه. بدا الجدول الصغير الذي ينزلق على الصخور المُكتسية بالطحالب فجأةً وكأنه يزيد من جهارة خريره. وفيما عدا صوت طيور القُبَّرة في المروج، لم يكن هنالك أي صوت آخر. كانت الفراشات الصفراء الرائعة تطوف في صمت في ضوء الشمس، وتختفي بين الظلال الناعسة. نظرت مادج إلى زوجها نظرةً مُفعَمة بنشوة الانتصار. بعد بضع دقائق هبَّ وولف واقفًا. كانت أمارات الحسم والإصرار تتبدَّى على حركاته. لم ينظر نحو الرجل والمرأة. بل كانت عيناه ثابتتَين على الطريق. لقد حزم أمره. وهما علما بهذا. كما علما أن الكارثة مُقبلة عليهما. انطلق مهرولًا، فزمَّت مادج شفتَيها، متأهبةً لإطلاق صوت المداعبة الذي كانت تريد أن تُصدره. لكن الصوت لم يُغادر فمها. لم يَسعها إلا أن تنظر في وجه زوجها أولًا، ورأت النظرة الصارمة التي كان يرمقها بها. فأرخت شفتيها المزمومتين، وتنهَّدت بصوت غير مسموع. تحوَّلت هرولة وولف إلى عَدْو. كانت قفزاته تتَّسع أكثر وأكثر. لم يلتفت برأسه ولو مرة، وقد لاحَ من خلفه مباشرةً ذيلُه الكثيف الذي يُشبه ذيلَ الذئب. وقطعَ الطريق نحو مُنحنى الدرب بخفة، واختفى. براون وولف
مقدمة المعرب بقلم زكي نجيب محمود هذا كتاب ألَّفه ﻫ. ب. تشارلتن H. B. Charlton أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة مانشستر بإنجلترا، وسمَّاه «فن الدراسة الأدبية» The Art of Literary study، وقصد به إلى أوساط القُراء الذين لم يتعمقوا في أصول النقد الأدبي، ولعلهم لا يُريدون أن يتعمقوا فيها، فهم يقرءون آثار الأدباء من شعر ونثر ليستمتعوا بما يقرءون؛ فأراد مُؤلِّف الكتاب أن يكون لهؤلاء مُرشِدًا ومُعينًا، وأن يهديهم إلى بُغيتهم سواء السبيل؛ فهو في الفصل الأول يُبيِّن لقارئ الشعر كيف ينبغي له أن يقرأ الشعر لكي يُسيغه ويتذوقه، وفي الفصل الثاني يُحدِّد لبعض المصطلحات الأدبية مَعانيها؛ حتى يكون القارئ أتم دراية بما يقرأ، ثم يُبيِّن في الفصل الثالث لكل فنٍّ ميدانه ونطاقه؛ ليعرف صاحب الفن ما حدوده، فلا يطغى الشاعر على ما يجب أن يُترَك للمُصوِّر، ولا كاتب القصة على ميدان الرواية المسرحية وهكذا، وفي الفصل الرابع يُوضِّح لنا الكاتب أصول القصة وأوضاعها وشروطها توضيحًا دقيقًا بارعًا، كما يُوضِّح في الفصل الخامس أصول الرواية المسرحية وشروطها. ولعلنا في هذا العهد الذي أخذت فيه القصة والمسرحية تلتمسان سبيلهما إلى الظهور في الأدب العربي، أحوجُ ما نكون إلى هذَين الفصلَين الأخيرَين؛ فليس من يمشي مُكبًّا على وجهه أهدى ممن يمشي على صراط مستقيم. ولقد أخذت على نفسي أن أنقل آراء الكاتب نقلًا أمينًا لا زيادة فيه ولا نقصان، دون أن ألتزم الترجمة الحرفية جريًا على السُّنة التي رسمتها لجنة التأليف والترجمة والنشر في إخراج هذه السلسلة؛ فقد أقِف هنا سطرًا أو سطرَين لأُوضِّح فكرةً أخشى أن تكون غامضة على القارئ العربي، وقد أقتضب هناك سطرًا أو سطرَين لأجتنب إطنابًا ليس فيه كبير غَناء، واستبحت لنفسي أن أُبدِل عنوان الكتاب، فجعلته: «فنون الأدب». وبديهيٌّ أن كتابًا في النقد الأدبي لا بد له أن يسوق الأمثلة والشواهد للبيان والإيضاح، وبديهي كذلك أن من الأمثلة ما يفقد في الترجمة مَوضع الاستشهاد، بحيث لا تعود له دلالته التي أُريدَ له أن يُوضِّحها، فلمْ يكُن لي بد من التصرُّف الشديد؛ فأمثلة حذفتها حذفًا وحاوَلت جهدَ المُستطاع أن أستبدل بها أخرى من الأدب العربي، تدلُّ بعضَ الدلالة على ما أراد الكاتب أن يُوضِّحه، وأمثلة آثَرت نقلها إلى العربية؛ لأن الترجمة لا تُفقِدها الفكرة، وإن أفقدتها شيئًا من جمال لفظها، ولم أشَأ أن أفصل الأمثلة الدخيلة في هوامش الكتاب، بل أجريتُها في سياق الحديث ليخرج القارئ العربي بشيء قريب من الأثر الذي يخرج به قارئ الكتاب في أصله الإنجليزي. فإن استطاع هذا الكتاب أن يُعين قارئ الأدب على أن يَزيد من تقديره لما يقرأ واستمتاعه به فقد أدَّى رسالته. وإني أشكر الأستاذ الجليل أحمد أمين بك على اختياره لهذا الكتاب، وعهده إليَّ بترجمته ومُراجَعته قبل طبعه. واللهَ أسأل أن يُسدِّد خُطانا، وأن يُوفِّقنا إلى ما نُريد. فنون الأدب
الفصل الأول الشِّعر سَل من شئت من أوساط الناس: ما الشعر؟ يُجِبك: إنه الكلام المنظوم. لكني في هذا الكتاب سأستخدم لفظ الشعر في معنًى لم تألفه الآذان. سأستخدمه لأدلَّ به على كلامٍ صدَر عن فن، ولم يقصد به كاتبه أو قائله أن يُضيف بمَعانيه إلى ذخيرة العرفان قطرة أو قطرات. سأستخدمه لأدلَّ به على كلامٍ يُراد به قبل كل شيء أن يكون لقارئه لذة ومَتاعًا، وسواء بعد ذلك أكان هذا الكلام نثرًا، كما ترى في القصص والمقالات والروايات المسرحية، أم كان الكلام نظمًا، كما ترى في القصائد الغنائية وشعر الملاحم. وما دمتُ قد أطلقت لفظ الشعر ليشمل هذا النطاق الواسع الفسيح، فلا بد لي أن أُخرِج منه القصائد المنظومة التي قُصِد بها إلى النفع لا إلى المتعة، كهذه التي تُصادِفها في كتب النحو تصوغ لك القواعد في منظومٍ لتحتفظ به الذاكرة في غير عسر ولا عناء. فالذي أردتُ أن أستهلَّ به الحديث — إذن — هو أن سِمة الشعر على اختلاف ضروبه أنه لا يرمي إلى نفعٍ، ولا يبتغي مَعرفة وعلمًا؛ إنما هو شيءٌ يُذاق فيُستساغ، ولكن ماذا أُريد؟ إن كان الشعر لا يرمي إلى النفع، أفيكون معنى هذا أنه لا ينفع ولا يُفيد؟ أيكون الشعر حقيقًا منا بالجهد والعناء؟ أخَليقون نحن أن نُنفِق فيه من دهرنا شطرًا يقصُر أو يطول؟ أيجوز في هذا العالم الذي يُحيط بنا اليوم، والذي ارتجَّ لزعازع السياسة الهُوج ارتجاجًا عنيفًا، أيجوز لنا إذ نعيش في عالمٍ اعوجَّت فيه قوائم المجتمع وأعوَزه الإصلاح، أن نُزجِّي من فراغنا وقتًا وأن نبذل من مجهودنا قسطًا في دراسة الشعر؛ وإن فراغنا لَقليل، وإن جهدنا لَضئيل؟ فإن قال قائل: ولمَ لا؟ إن الشعر بعد العناء مَتاع بريء لا يضرُّ ولا يُؤذي، أستمتع به لاهيًا كما يستمتع اللاعبون بالنرد والورق في أوقات الفراغ. فلنا أن نُجيبه: أواثقٌ أنت أن الشعر ليس بذي ضرٍّ ولا أذًى؟ ألا يجوز أن يكون الغاوُون وحدَهم هم الذين يقرءون الشعر ويلهون به؟ إن الرجل من أوساط الناس إذا ازدرى الشعر فسيجد إلى جانبه إمام الشعراء يُؤيِّده في قضيته ويشدُّ أَزره، سيجد «شيكسبير» يُجري على لسان «هتسبير» هذه الأبيات: قد كنتُ أُوثِر أن أكون قُطَيطةً تصرخ بالمواء، ولا أُعدَّ في قومٍ يُتاجِرون بنظم الغِناء. قد كنتُ أُوثِر أن أستمع إلى مَقبضٍ نحاسيٍّ يصرُّ في وعائه وهو يدور، أو إلى عجلةٍ جفَّت تُصلصِل حول مِحورها. فذلك كله لا يُصيبني بضراس، كالذي يُصيبني به شعرٌ يحزُّ فيقطع. ولا تقُل إن ذلك «هتسبير» يتحدث في سياق روايته، وليس هو بالرأي يُدلي به الشاعر، فما لاح لأحدٍ خطرُ الشعر كما لاح لشيكسبير؛ انظر إلى «هاملت» كيف تردَّى — أو قُل أرداه الشاعر — في المَهالك؛ لأنه يحمل بين جنبَيه نفسًا شاعرة، وينظر إلى الأمور بعين الشاعر، وفي «حُلم ليلة في منتصف الصيف» يسوق الشاعر رأيه في الشعراء على لسان الحاكم في أثينا، فيحشرهم في زمرة أشباههم، المَجانين ومَخبولي العاشقِين، وعجيبٌ أن يتفق شيخ الشعراء في رأيه مع شيخ الفلاسفة، أفلاطون! فهل جاءك أن هذا الفيلسوف في «جمهوريته» التي يُصوِّر فيها دولة مُثلى، قد انتهى إلى ضرورة إخراج هذه الطائفة الخطيرة من حظيرة المجتمع، طائفة الشعراء؛ فهم عنده خطر على الدولة من أي ناحيةٍ أتيتَهم، هم خطر على الناشئة إن قُصِد بشعرهم إلى تربية الناشئة، وهم خطرٌ على الأخلاق إن اتُّخِذت أوضاعهم مَثلًا أعلى للأخلاق، وهم فوق ذلك خطر على التفكير إن وُضِعت أقوالهم أمام العقول نماذجَ تُحتذى؛ وإن كان ذلك كذلك فما بقاؤهم في جماعة تنشُد لنفسها الكمال؟ فإن كان هذا رأي أئمة الفكر في الشعر، فلا ينبغي أن تنال منا سَورة الغضب إذ نُصادِف بين أوساط الناس من يزدري الشعر، ولا يراه جديرًا بما يُنفِق فيه من وقتٍ ومجهود، وحريٌّ بنا ألا نُطالِبه بما يُؤيِّد زرايته؛ فعلينا نحن — أنصارَ الشعراء — أن نُقيم الدليل على قيمته، فالبَيِّنة على من ادَّعى. ولما كان الحكم على الشيء فرعًا عن تصوُّره — إذ لا نستطيع أن نجزم بشيء عن الشعر، دون أن نعرف حقيقته وطبيعته — كان لا بد لنا أن نُعاوِد السؤال من جديد: ما الشعر؟ ههنا تجد إجابات عِدة، منها ما يقِف بك عند السطح، ومنها ما يعمُق حتى يضعك في مُشكِلاتٍ ميتافيزيقية قد لا يكون لك بها قِبَل. فلَئن أقنَعتْ هذه الإجابات العميقة الفلاسفة والعلماء، فلسنا نُريد اليوم أن نكون من هؤلاء ولا أولئك. ويُقنِعنا أن نقِف مع أوساط الناس حتى نستطيع الفهم والإفهام، فنكتفي من الحلول بأيسرها، ومن الأمور بظواهرها ذات المَأخذ القريب؛ فالشعر عندنا هو كلامٌ يصنعه ويُؤلِّف بينه الشعراء. وإن كان صناعةً وتأليفًا فممَّ يُصنَع، ومن أي مادةٍ يتألَّف؟ ههنا أيضًا تصدمك إجاباتٌ تضرب من الأمور في أعماقها، فتزعم لك أن الشعر مُؤلَّف من أحلام سرمدية خالدة، أو أنه نفثاتٌ تزفر بها القلوب، لكننا سنقِف مع أوساط الناس مرةً أخرى، فلا نرضى عن مثل هذا القول المُبهَم؛ وعندنا أن الشعر مُؤلَّف من ألفاظ، ومن ألفاظ فقط، كما تتألَّف سائر ضروب الكلام، فكل ما للشعر من سِحرٍ يفتن القلوب، إنما هو سحر صادر عن الألفاظ، والألفاظ وحدَها. إذن فما هي الألفاظ؟ فما سمعتُ قبل اليوم أن السِّحر والفتنة من خصائصها. وأفتح المُعجَم لأعلم ما «اللفظ» فإذا هو «صوتٌ أو مجموعة أصوات تواضَع الناس على أن تكون جزءًا من الحديث؛ لتنقل بينهم فكرة من الأفكار.» كلا، لا تُحدِّد نفسك بأوضاع المعاجم، فلِلألفاظ مَهمَّة أخرى غير هذه التي يُعرِّفها لنا المعجم، بل ليس ما يُعرِّف به المعجم «اللفظ» إلا أقل جوانب اللفظ شأنًا؛ فمن ألفاظ اللغة طائفة قليلة جدًّا مَهمتها أن تنقل الأفكار بين الناس، ثم تقِف عند هذا الحد لا تعدُوه، فالكثرة الغالبة من الألفاظ مُثقَلة بأشياء غير الفكرة التي تحملها، مُثقَلة إلى جانب الأفكار بما لا يقع تحت حصر من المَشاعر والصور. خُذ لذلك مثلًا لفظة «أم»، فهي عند المعجم دالة على فكرة مُجرَّدة لوالدة مُجرَّدة، لا تستطيع أن تُصوِّرها لنفسك في «أم» من لحم ودم، فتقِف إزاء المعنى المعجمي جامد العاطفة بارد الشعور؛ لأنه لا يُعطيك إلا شبحًا خافتًا لأُم تصلح لكل إنسان، وهي لهذا نفسه لا تصلح أمًّا لإنسان، لكنك إذ تستخدم في حياتك الخاصة لفظ «الأم» تجده في ذهنك كائنًا حيًّا، وترى هذا الهيكل الجامد البارد الذي قدَّمه إليك المعجم منذ حين قد انتفض في قلبك نابضًا يتدفق عاطفةً ويفيض شعورًا، «ففكرة» الأم لم تعُد فكرة وكفى، بل نُفِثت فيها الحياة، فخُلِقت بذلك خلقًا جديدًا من العدم أو ما يُشبِه العدم. ندعُ المعجم وشأنه في تعريف الأم بالوالدة. أما أنت وأما أنا في حياتنا اليومية فالأم تعني عندنا إنسانة بعينها، تُحيط بها هالة وضَّاءة من ذكريات الطفولة، وترمز إلى ما شهدناه في أيامنا الأولى من أماكن وأحداث، وتُفيض على وجودنا وكياننا سيَّالًا دافقًا من المَشاعر الحية. هذا مثال واحد من ألفاظ اللغة بأَسرها، فهي في المعجم جُثَث هوامد وهياكل جامدة ليس بها حَراك؛ لأنها خاوية من اللحم والدم، هي رموز لأفكار. أما إن سلكنا اللفظ في الحديث فقط أضحى جزءًا حيًّا من مَجرى الحياة، أو إن شئت فقُل إنه بات قطعة من الحياة نفسها، يكسوها اللحم وتجري فيها الدماء، وما لحمها ودماؤها إلا الصور والمَشاعر التي تُحرِّكها في الأذهان وتُثيرها في حبَّات القلوب، وهذه المَشاعر وتلك الصور جزء من مَعانيها؛ لأن ذلك هو ما تعنيه بالقياس إلينا. ليست الألفاظ — إذن — أدواتٍ نستعين بها على الحياة، ولكنها في ذاتها جزء من الحياة، بل إن الألفاظ حيَّة أبدًا لا تعرف الموت، وما ماتت إلا على صفحات المعجم؛ فجامع المعجم يُحدِّد لك معنى اللفظ تحديدًا قاطعًا، ويحسب أنه بذلك قد حنَّطها وخلَّفها مضمونة من العبث في صندوق من زجاج، فما يَروعه — وقد مضى على معجمه عشرون عامًا — إلا أن يرى سواه قد اضطلع بجمع معجم آخر؛ لأن الألفاظ التي ماتت و«حنَّطها» قد دبَّت فيها الحياة وهو لا يدري، فطرأ عليها ما يطرأ على الكائنات الحيَّة جميعًا من تغيُّر وتحوُّل، ومن هنا مسَّت الحاجة إلى معجم جديد. ومن ذا يُريد لنفسه أن يقرأ عن فلان أنه ذهب في «سيارة» إلى داره، فيُخامِره الشك أن تكون السيارة المقصودة قافلة من الإبل لأن ذلك ما يُريده لنا المعجم؟ الألفاظ كائنات حيةٌ تُولَد وتنمو وتتغير وتفنى كسائر الكائنات الحية، ومنها ما يبلغ فيه التحوُّل حدًّا بعيدًا بحيث يُصبح من المعنى السابق كالنقيض من نقيضه، ونسوق لهذا مثالًا كلمة إنجليزية هي «تُوري» Tory، فقد ظلَّت تعني حتى سنة ١٦٨٠م مَارقًا سفَّاكًا، ثم أخذت تتحول رُوَيدًا رُوَيدًا حتى باتَت تُطلَق اليوم على أكثر الناس احترامًا وأشدهم رعايةً للقانون والنظام. ألست ترى إلى الفلاسفة يشكُون مُر الشكوى أن ألفاظ اللغة لا تُذعِن لهم ولا تستقر في أيديهم، فما تنفكُّ قلَّبًا حوَّلًا، وهم يُريدونها ثابتة جامدة؛ لتصلح للتعبير عن أفكارهم المُجرَّدة التي تتصف بالدوام والثبوت؟ الفيلسوف في حقيقة الأمر لا ينشُد ضالته في ألفاظ اللغة؛ لأنها لا تُسعِفه في مُسايَرة أفكاره، فهي مُتغيِّرة تغيُّر المادة الحية، وأفكاره ثابتة؛ لأنها مُجرَّدة عن المادة. إنه يُريد رموزًا تُعبِّر له عن آرائه العارية الخالصة؛ لأن الرأي الخالص العاري لم يُخلَق للألفاظ ولم تُخلَق له الألفاظ، إذ هي تحمل في تضاعيفها إلى جانب الفكرة المُجرَّدة الخالصة عددًا يقلُّ أو يكثر من الذكريات والعواطف والمَشاعر، وكلها شِراك وفِخاخٌ يخشاها الفيلسوف؛ لأن فكرته إفراز عقلي خالص، لا تشوبه شائبة من عاطفة أو شعور؛ فإن أراد الرياضي — مثلًا — أن يُحدِّد العلاقة المُجرَّدة بين ضلعَي مثلثٍ تساوَت ساقاه، فهو لا يُريد لعاطفته أن تتدخل في مَجرى تفكيره ليتحزَّب لضلع دون ضلع، ولا يُحِب لعينَيه أن تُفتَنا بجانب وتنفرا من جانب؛ ولذلك تراه لا يُطلِق على أضلاع مثلثه ألفاظًا؛ خشية أن تحمل اللفظة أكثر مما يُراد لها أن تحمل، وهو يتحوَّط للأمر ويُميِّز الأضلاع برموزٍ تُحدِّدها، ولا تُضيف إلى ذلك التحديد شيئًا آخر، فيقول عن هذا «أ ب» وعن ذاك «أ ج». وحيثما استطاع الفيلسوف أن يصطنع من الرموز ما اصطنعه إقليدس في الهندسة، سارَع إلى ذلك فرِحًا مُغتبِطًا؛ لأن الرموز مُؤتَمنة على نقل المعاني المحدودة البينة، فهي ميتة لا حياة فيها. أما ألفاظ اللغة الحية فأداة خطيرة في نقل المعاني، إن أردت لمَعانيك تحديدًا لا يعرف الغموض وثباتًا لا يقبل التغيُّر. ولا تحسبَنَّ أننا وحدَنا قد احتكرنا لأنفسنا الحق في نفخ الحياة السارية في ألفاظ اللغة بما ندسُّه فيها من تجارب حياتنا؛ فقد تداول أسلافنا هذه الألفاظ، وكان كل إنسان في كل مرة يستخدم فيها لفظًا من الألفاظ، يبثُّ في ثناياها شيئًا من المعنى، فكلما أمعنَت الكلمة في القِدَم، أو كلما ازدادت الكلمة تداوُلًا، كانت أثقل شحنةً بتجارب الناس في حيواتهم، أو بعبارة أخرى كانت أملًا بحياة الذين اتخذوها أداة للتعبير عما في نفوسهم. هكذا تُفعَم اللفظة بالحياة كما عاشها الناس، تتداولها الأجيال المُتعاقِبة، فيُقطِّر فيها كل جيل تجاربه الخاصة من حياته الخاصة، وكأنما يتخذ من الفكرة الكامنة في حنايا اللفظة مِشجَبًا يُعلِّق عليه هذه التجارب التي بثَّها إياها. أتظن —مثلًا — أن «الناقة» تعني لساكن البادية ما تعنيه لساكن الحضر؟ أكانت تُثير كلمة «الحرية» عند المصريين القدماء ما تُثيره فينا اليوم؟ أم ترى أن الألفاظ تختلف خلاءً وامتلاءً باختلاف الظروف؟ لقد كانت «الجبال» عند أهل القرن الثامن عشر من الإنجليز تعني هضبة ناهضة على صدر الأرض، يضطرب لها خط الأفق، فيضطرب في إثره قلب المُسافِر المسكين، فلا يظل على بِشره ورجائه، إذ ربما اعترضَته في طريقه فألزمته أن يُجاهِد لاهثًا في صعودها وهبوطها، لكن «الجبال» تبدَّلت عند أهل القرن التاسع عشر، فأصبحت مَحاريب الطبيعة الشامخة بأنفها إلى السماء، وباتت مَهبِط الوحي ومَلاذَ المكروب بجمالها الفتَّان، وكان «الدكتور جونسن» هو الذي طبع الكلمة في القرن الثامن عشر بطابعه، ووسَمها بمِيسم تجاربه؛ فجاءت من البشاعة بما رأيت، وكان «وردزورث» هو الذي نفث في الجبال سحرها في القرن التاسع عشر، فأصبحت بفضله مُجتلًى للفن والجمال. فليست الفظة إذن رمزًا يُشير إلى فكرة ومعنًى فحسْب، بل هي نسيج مُتشعِّب من صور ومَشاعر أنتجَتها التجربة الإنسانية، وبُثَّت في اللفظة فزادت معناها خصبًا وحياة؛ فإن رأيت رجلًا غنيًّا بألفاظه فاعلم أنه لذلك أوسع حياةً من سواه، وإن رأيت رجلًا قديرًا على استخراج المَعاني من ألفاظها فاعلم أنه أيضًا أعمق حياةً من سواه. وأول طابعٍ يُميِّز الشاعر من سائر الناس قدرته على أن يستخرج من اللفظة المُعيَّنة عددًا من المعاني يعجز عن استخراجه سائر الناس. للألفاظ تأثير عجيب في الشاعر؛ فهي تتفجر في نفسه كأنها القنبلة المشحونة، فتُخرِج كل ما تحتويه في جوفها من صور ومَشاعر وتجارب؛ أعني أنها تنحلُّ في نفس الشاعر، فتُخرِج مكنونها الذي اختزنته على مر الدهور؛ فكل لفظة عند الشاعر مُستقِلة بوجودها مُتميِّزة بشخصيتها، تختلف عن كل لفظة أخرى في خصائصها وسماتها. ولنضرب لذلك مثالًا يُوضِّح ما نُريد: لقد روَوا أن الخنساء سمعت في عكاظ حسان بن ثابت يقول: لنا الجفنات الغُر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطُرن من نجدة دما ولَدْنا بني العنقاء وابنَي مُحرَّق فأكرِم بنا خالًا وأكرِم بنا ابنما فقالت الخنساء في نقده: ضعَّفتَ افتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع. قال: وكيف؟ قالت: قلتَ «لنا الجفنات» والجفنات ما دون العشر فقلَّلت العَدد، ولو قلتَ «الجفان» لكان أكثر. وقلت «الغر» والغُرة البياض في الجبهة، ولو قلت «البيض» لكان أكثر اتساعًا. وقلتَ «يلمعن» واللمع شيء يأتي بعد الشيء، ولو قلت «يُشرِقن» لكان أكثر؛ لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت «بالضحى» ولو قلت «بالعشية» لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا. وقلت «أسيافنا» والأسياف دون العشر، ولو قلت «سيوفنا» كان أكثر. وقلت «يقطرن» فدللت على قِلة القتال، ولو قلت «يجرين» لكان أكثر لانصباب الدم. وقلت «دمًا» و«الدماء» أكثر من الدم. وفخرتَ بمن ولدتَ ولم تفتخر بمن ولدك. وهذا يدلك على الفروق الدقيقة بين الألفاظ عند الشعراء. الشعر مُفعَم بالمعاني على نحو لا يدنو منه ضرب آخر من ضروب الانشاء؛ لأن الشاعر يُريد بالألفاظ حين يستخدمها أكبر قسط من معانيها الدفينة ومَشاعرها المخزونة. وإذا وزنتَ الألفاظ بكل محصولها من معنًى وشعور، وجدتها مُتبايِنة لا يتشابه بينها اثنان؛ لأن لكلٍّ منهما تاريخًا مرَّت به، وظروفًا نشأت فيها، وتجارب اندسَّت في حناياها، فاللفظتان المُترادِفتان تتقاربان كما يتقارب الشقيقان، ولكنهما لا تتماثلان تماثُل الأصل وصورته، والشاعر المُجيد حين يتناول المُترادِفات لا يغضُّ عن هذه الفروق مهما دقَّت؛ ومن ثَم استحال عليك أن تستبدل في القصيدة الجيِّدة لفظة بأخرى، دون أن يتغيَّر معنى القصيدة كلها. والقصيدة العصماء يُصيبها الفساد إن تغيَّرت فيها لفظة واحدة؛ لأنها نتاج شاعر عبقري عظيم، ولا يستحق الشاعر أن يرقى إلى صف العباقرة الأفذاذ إلا إن علِم عِلم الإحاطة واليقين ماذا يُريد أن يقول، وكيف يستطيع، وبأي الأدوات يستطيع أن يُعبِّر عن هذا الذي يُريد تعبيرًا دقيقًا لا زيادة فيه ولا نقصان، لكن الشاعر قد يُريد أحيانًا أن يقول ما يستحيل قوله في ألفاظ، فثَم ضروب من الخيال الجامح تُحطِّم حدود الألفاظ ثم تلوذ بالفرار؛ لأن طبيعتها تأبى عليها السكينة والقرار، وهنالك من الشعراء من يشطحون بخيالهم إلى تلك الضروب الشَّموس الشَّرود، فلا يرَون من الحياة إلا جوانبها الغوامض الدِّقاق دون ألوانها المُحدَّدة الواضحة، وهم من يُطلَق عليهم في الآداب الأوروبية اسم الشعراء «الابتداعيِّين» تمييزًا لهم من فريق «الاتباعيِّين» الذين يُذعِنون بخيالهم وتفكيرهم للقيود والحدود، فهؤلاء الشعراء الابتداعيون يُريدون أن يُعبِّروا عن تجاربَ مرَّت بهم، وخواطرَ طافَت بأذهانهم، مما يستعصي على التعبير؛ لأنهم إن ساقوها في أدوات التعبير المألوفة باتَت كالتجارب والخواطر المألوفة، وهي ليست كذلك، وبديهي أنك لو جسَّمت الظل لم يعُد ظلًّا؛ لهذا ترى هؤلاء الشعر ينتقون للتعبير عما في نفوسهم ألفاظًا تُوحي بالمعاني ولا تُحدِّدها، وذلك باستخدام كلمات لم يكثر دورانها على الألسنة ولم تألفها الأسماع، فتكون غرابتها وندرتها سببًا في إبهامها وعدم تحديدها؛ لأنها عندئذٍ تكون كالوعاء المَليء بمادة مجهولة، فلا ندري — على وجه التحديد والدقة — على أي شيء يحتوي. في مثل هذه الحالات يكون للإبهام قوة أكثر مما يكون للوضوح. وتحضرنا في هذا الصدد أمثلة من القرآن الكريم؛ ففي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسُنت في كلام قط إلا في مَوقعها منه، وهي كلمة «ضيزى» من قوله تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى فغرابة اللفظ أشد الأشياء مُلاءمةً لهذه القسمة التي أنكرها الله تعالى على العرب. وكقوله تعالى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فههنا ليس حتمًا عليك أن تعلم المعنى الدقيق للكلمة، حتى يكون لها الوقع المنشود، بل إن قوة وقعها في النفس صادرة عن غرابتها وندرتها في الأسماع. أو انظر إلى هذه الآية الكريمة التي يُوصيك الله فيها بوالدَيك: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ تلمس قوة عجيبة في التعبير قبل أن تُمعِن النظر في حقيقة المعنى على نحو دقيق؛ فقد لا تستطيع أن تُصوِّر لنفسك جناحًا للذل تخفضه لوالدَيك، ومع ذلك فهذا الإبهام القليل في العبارة هو سرُّ إعجازها. وهكذا أيضًا يلجأ الشعراء أحيانًا إلى اللفظ الغريب للزيادة من قوة التأثير، ولا سيما إن كانت الصورة المرسومة مما لا يألفه الناس في الحياة الجارية؛ فإذا رأيتهم يُطلِقون على الأشياء غير أسمائها فاعلم أنهم لا يصنعون ذلك عبثًا، ولو أرادوا الأسماء المعروفة للأشياء لأطلقوها. على أننا يجب أن نكون في هذا على حذر؛ ففي العهود التي يضعف فيها الشعر ويقلُّ النوابغ الفحول ترى الشعراء يقصدون إلى أشياء معروفة مألوفة، لكنهم يلفُّونها في لفظ غريب فيُبهِموا الصورة ويطمسوها، وعندئذٍ تكون غرابة اللفظ ضعفًا لا قوة. يجب أن يكون الشاعر صادقًا في التعبير عن شعوره، فإن أراد شيئًا مألوفًا فليُطلِق عليه اسمه المألوف. أما إن أراد صورة فيها شيء من الغرابة لأنه أحسَّها في نفسه غريبة، فيجوز له أن يلجأ إلى اللفظ الغريب المُبهَم. وإنما الشِّعر لبُّ المرء يعرضه على المجالس إن كَيسًا وإن حُمقا فإن أشعرَ بيتٍ أنت قائله بيتٌ يُقال إذا أنشدتَه: صِدقا انظر مثلًا إلى هذا الذي يصف السحاب بقوله: تسربَل وَشيًا من حريرٍ تطرَّزت مَطارفها لمعًا من البرق كالتِّبرِ فوشيٌ بلا رقْم ونقشٌ بلا يدٍ ودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغْرِ تُدرِك من فورك أن هذا الشاعر كاذب في شعوره، يبحث عن اللفظ أولًا ثم يترك المعنى تابعًا. والأصل أن يضطرب المعنى في ذهنه فيُخرِجه في ألفاظ، فلمْ يتسربل السحاب وشيًا من حرير مُطرَّز، وليس البرق تطريزًا، ولا الرعد ضحكًا. وكيف يكون وهو الذي ما سمعتُه يُدوِّي مرة إلا ورأيت قلوب الناس تنخلع لدَويِّه المُخيف؟ لو كان الشاعر يصف أصيلًا جميلًا هادئًا، لَجاز له أن يرى السحاب الخفيف المُنتثِر على صفحة السماء وشيًا من الحرير المُطرَّز، ولكنه يصف السماء وقد زعزعتها العاصفة القاصفة برعدها وبرقها؛ فمن كذب الشعور أن تُوحي إليه تلك الطبيعة الخشنة الغليظة بنعومة الحرير وزركشة التطريز، أو أن يُوحي له الرعد بالضحك مع أنه أدنى إلى الزمجرة الغاضبة. وسنسوق لك من الشعر الإنجليزي أمثلة لثلاثة من الشعراء، وصفوا الكارثة التي تحل بالأُسرة حين تُعاجِل المنية عائلها في شرخ شبابه، لترى كيف يضعُف الشعر إن كذب الشعور وكيف يقوى إن صدق. يقول «تومسن» في قصيدته «الشتاء» في وصفِ راعٍ أتَت عليه العاصفة، وهو يرعى ماشيته على سفوح التلال: عبثًا راحت زوجته الكدود له تُعِد مُصطلى النار ذا وهج والدِّثار دفيئًا. عبثًا صغار بَنيه إلى الطريق تطلَّعوا ينشُدون مولاهم في لجة العاصفة. فهنا يزلُّ الشاعر حين يقول عن الصغار إنهم «ينشدون مولاهم»، ولو قال «يُنادون أباهم» لكان أقرب إلى الأطفال في شعورهم؛ لأن الوالد عند الطفل «أب» وليس بمولًى. وإنك لتستدرُّ عطف القارئ على الطفل الذي حُرِم أباه إذا تكلمت بلغة الطفل وشعرت بشعوره، أكثرَ مما تستدرُّه إذا فخَّمت اللفظ وجئت بكلام لا يعرفه الأطفال. وكذلك يُخطئ الشاعر مرة ثانية حين يُطلِق على الثياب التي تعدُّها الزوجة الوفية لزوجها لفظ «الدثار»؛ لأن الزوج هنا راعٍ، والراعي يلبس الثياب المُجرَّدة، ولا تُعَد له الدُّثُر الدفيئة التي تُعَد للأغنياء المُترَفين. وعلى الجملة فإن أبيات «تومسن» لا تُشعِرك بالجو الصحيح في منزل الراعي؛ ولهذا أعوزتها الجودة حين أعوزها الصدق. ويقول «جراي» في قصيدته المشهورة «مرثية في فناء كنيسة ريفية» التي نظمها بين عامَي ١٧٤٢–١٧٥٠م، في معنًى كهذا ما يلي، والضمير في الأبيات عائد على الراقدِين في أجداثهم في فناء الكنيسة التي وقف فيها الشاعر راثيًا: لن تشتعل لهم بعدُ مِدفأة وهَّاجة ليصطلوا، ولن تنكبَّ لهم زوجة في شغلٍ تُتِم عناء المساء، ولن يُسرِع نحوهم صغار بعودة مولاهم يلثغون، أو يصعدوا ركبتَيه ليقتسموا قُبلة منه مرجوَّة. وفي هذه الأبيات ترى صورة الزوجة مُنكبَّةً تُتِم أعمالها قبل عودة زوجها، أصدقَ وأكثر تحديدًا من صورة الزوجة عند «تومسن» تعدُّ «الدثار دفيئًا»، وكذلك صورة الأطفال يُسرِعون نحو أبيهم وهم يلثغون في الترحيب به، أقربُ إلى الوضوح من الأطفال عند «تومسن»، ولكن «جراي» يُضخِّم اللفظ في غير موضع للتضخيم حين يُسمِّي الأب مولًى، فيُخطئ هنا كما أخطأ تومسن. ويُصوِّر «كولنز» صورة شبيهة بهذه أيضًا في قصيدة له عنوانها «نشيد في الخرافات الشائعة»، إذ يرسم لنا حالة الأُسرة وقد أُغرِق في اليم عائلها: عبثًا سترقُبه في قلق زوجته، وتجوب الطريق لعلها تُلاقيه في عودته. عبثًا إذا ما أطبق المساء على ضوء النهار يُطيل الصغار وقوفهم عند الباب لأبٍ يفتحه. فهنا تُحِس كأنما امتزج الشاعر بهذه الأُسرة الحزينة وأُشرِب شعورها؛ فهو لا يُصوِّر مأساتها وهو واقف على مَبعدة منها يرقب ويصف، بل يحيا في هذه المأساة نفسها مع أفراد الأسرة المنكوبة. انظر كيف أقلقه قلق الزوجة، وراح يُصوِّر من المنظر ما يُعين على أداء غرضه الذي يهدف إليه، ولا ينحرف إلى سواه، فكل سطرٍ يُضيف إلى صورة المأساة خطوة حتى تتكامل، ويضيع الرجاء حين يُقبِل المساء، ويجتمع الأطفال خلف باب الدار ينتظرون أبًا لن يعود؛ فالباب الذي لن ينفتح لأبيهم الغائب أبعثُ على الحزن من القُبلة التي يرجونها من أبيهم في وصف «جراي». كل سطر في هذه القصة دالٌّ على خيبة الرجاء، وباعث على مُشارِكة الزوجة وبَنيها وجدانهم وأحزانهم. أفحش الخطأ أن يظن الشاعر أن هذه لفظة تصلح للنثر ولا تصلح للشعر، لأنها درجَت على ألسنة الناس في الحديث؛ إذ العِبرة بما تحتويه اللفظة من مكنون شعوري، وبما تُوحيه في موضعها الذي يختاره لها الشاعر من خواطر ومشاعر. نعم إن لبعض الألفاظ في المسامع نغمًا أشجى من بعضها الآخر، وبعض الألفاظ أسلسُ في يد الشاعر من بعضها، وأكثر اتساقًا وانسياقًا في الكلام الموزون، لكن هذه العوامل كلها مُتصِلة بجمال الألفاظ الظاهري الخارجي، وهو جمال تافه ضئيل إذا قيس بالجمال الباطني الحقيقي، جمال المعنى والشعور الذي تُوحي به اللفظة عند كاتبها وسامعها. جمال اللفظ أن يُؤدِّي ما أُريدَ له أن يُؤدِّيه أداءً كاملًا مليئًا بالقوة والحياة، ولا عِبرة بعد ذلك أي لفظة يختار الشاعر. وإذن فالمقياس الذي تقيس به الأدب كافة — شعرًا كان أو نثرًا — هو قوة التعبير؛ كلما فاضت العبارة بمعانيها ومشاعرها وعواطفها التي قصد الكاتب أن يسوقها فيها، كانت أدنى إلى الأدب الحي الصحيح، على شريطة ألا يُقصَد من العبارة أن تُؤدِّي معنًى عقليًّا خالصًا يُمكِن للرموز الجافة أن تُؤدِّيه، بل لا بد أن تحمل الألفاظ إلى جانب معانيها العقلية محصولًا من العواطف الإنسانية والصور الذهنية والمشاعر الحية، التي تجمعت حول تلك المعاني العقلية على مر الدهور، بفعل ما مرَّت به الإنسانية من تجارب؛ «فاثنان واثنان تُساوي أربعة» عبارةٌ تُؤدِّي معناها على أتم وأوفى ما يُراد لها، لكنك لا تسلكها في الأدب الرفيع بسبب أدائها المعنى أداءً تامًّا وافيًا؛ لأن معناها عقلي خالص، يخلو من العواطف والمشاعر الإنسانية، ومن الممكن أن نستغني في أداء هذا المعنى عن الألفاظ جملةً ونستبدل بها رموزًا دون أن ينقص من المعنى شيء، كأن نسوقه في أرقام كهذه ٢ + ٢ = ٤، وهذا ما أردناه منذ قليل حين اشترطنا للعبارة الأدبية الجيدة أن تُعبِّر عن معناها أوفى ما يكون التعبير، على شرط ألا يكون معناها عقليًّا خالصًا، بل يُضاف إليه شعور إنساني بثَّتْه في الألفاظ تجارب الإنسان على مر العصور. ولست أُحِب لك أن تتعجل الأحكام، فلا يسبقن إلى وهمك أن «اثنين واثنين أربعة» كُتِب عليها ألا تجري في سياق الشعر لأنها تخلو من الصور الذهنية والمشاعر الإنسانية، وتقول الحق العقلي مُجرَّدًا عاريًا؛ فقد تجد في الشعر موضعًا يكون فيه نقصها الشعوري نفسه سببًا في جمال المقطوعة الشعرية في مجموعها، فانظر مثلًا إلى الشاعر الإنجليزي «هاوسمان» Housman في قصيدته التي يستهلُّها بقوله: لما سلكتُ طريقي إلى السوق أول مرة. كيف استفاد في أداء معناه من هذه الحقيقة الرياضية التي تُوفِّي المعنى كاملًا، ولا تعتمد على عواطف الإنسان ومشاعره في قليل ولا كثير؛ إذ يتخيل الشاعر نفسه غلامًا صغيرًا وقف في السوق يتطلع في شوق شديد إلى أشياء لا يستطيع شراءها، فلما أن شبَّ رجلًا وامتلأ كيسه بالنقود والأشياء ما زالت في السوق معروضة كما كانت أيام طفولته، فقدَ الشهية التي كانت له وهو غلام. ويختم القصيدة بهذه الرباعية التي يُقابِل فيها نقص الإنسان وانعدام الرضا في نفسه بما يُشاهِد في الطبيعة الخارجية من ثبات في الحقائق لا يتغير: رأى الناس اثنتَين واثنتَين أربعا، لا هي في عدِّهم ثلاث ولا خمسُ. فآلَم هذا الحق القلوب وأوجعا، وسوف يُؤلِم حتى يضمَّهم رَمسُ. فما رأيك في هذه الحقيقة العارية الباردة وقد وُضِعت هذا الموضع؟ أليست تُحرِّك فيك الإشفاق على هذا الإنسان الذي يتقلب ويتغير وسط عالم ثابت؟ القصيدة الجيدة من الشعر — إذن — هي ما يستخدم فيها الشاعر الألفاظ بحيث تُؤدِّي معانيها كاملة، والشاعر الحق هو من تميَّز عن سائر الناس بإدراكه لما للألفاظ من قوة؛ أي بإدراكه لما في ثناياها من معانٍ تجمَّعت فيها خلال العصور؛ فالكلمة عند الشاعر لا تُفسَّر بالعقل وحده، لكنها تُفسَّر كذلك بالقلب والخيال؛ فإذا ما تردَّدت لفظة في ذهنه كان لها أصداء مُدوِّية في دخيلة نفسه؛ لأنها تسكب مكنونها كله فيسري في كيانه، ويكشف لخياله في سريانه هذا مَناظر الماضي وذكرياته، فيستعيد المشاعر التي كانت هذه الألفاظ قد أثارتها في أنفُس الناس في شتَّى تجارب الحياة؛ فاللفظة الواحدة على هذا النحو قد تسكب في نفس الشاعر من الصور المُتلاحِقة ما يملأ قصيدة كاملة. خُذ هذه القصيدة التي أنشأها أمير الشعراء في إنجلترا اليوم (مستر ميسفيلد) وعنوانها «حمولة السفن»، وما أظن هاتَين اللفظتَين تُثيران في نفسك أو في نفسي إلا أتفه الصور وأبرد المعاني؛ فهما قد تستدعيان إلى ذهنك وذهني صورة السفينة وقد حملت الأثقال فوق ظهرها، وقد نُمعِن في التقصي فنشمُّ خلال الكلمتَين رائحة البحر، ونتعقَّب البضائع المُحمَّلة إلى قواعدها عَبر البحار، لكن انظر كم سكبت اللفظة في نفس الشاعر من صور ومعانٍ! لقد أخرج من «الحمولة» قصيدة بأَسرها من أجود الشعر، لا يعتمد أن يسوق فيها فكرة أو يُضمِّنها رأيًا، بل يكتفي بالنظر إلى السفينة المُحمَّلة ثم يترك لشعوره العنان. هو في هذه القصيدة لا يفعل شيئًا سوى أن يترك لفظ «الحمولة» يُفرِغ شحنته في رأسه، وما عليه بعد ذلك إلا أن يُخرِج الصور التي كانت كامنة في اللفظ وانسكبت في نفسه، وتستطيع وأنت تقرأ القصيدة أن ترى الصور تتداعى واحدةً في إثر واحدة، كأن اللفظة شريط ملفوف ينحلُّ وينبسط أمام عينَيك شيئًا فشيئًا؛ حمولة، سفينة، أنواع السفن واحدة بعد أخرى، السفينة الثقيلة القديمة ذات المجاديف الخمسة، السفينة الخفيفة التي استُعملت في معارك البحر، السفينة التي تحمل اليوم تجارة العالم وصناعته وهكذا. وفي كل مرحلة من هذه الحلقات المُتتابِعة تنشأ في ذهن الشاعر صور فيُعمِل فيها فنَّه؛ هذه يُثبِتها وتلك يمحوها. فلما وردت على ذهنه السفينة القديمة ذات المجاديف الخمسة، تلاحقت الصور كما يلي: نينوى، أوفير، ميناء، فلسطين، عاج … إلخ. حتى إذا ما أتم القصيدة كانت «الحمولة» قد أفرغت ثلاثة عصور مُتبايِنة من عصور التاريخ، فأعادت له عصر سليمان بكل مَجده وجلاله، وعصر اليصابات بما فيه من مُغامَرات وحروب في البحر، والعصر الحديث بسفنه التي تجوب البحار بتجارتها وصناعتها، كل هذه الصور وغيرها كانت مُندَسة في لفائف اللفظة الواحدة «حمولة»، وما إن أدارها الشاعر في ذهنه حتى تفجَّرت مكنوناتها وازدحمت صورها في نفسه، فأحسَّ ما أحسَّه العالم في عهوده الماضية. وإذن فهو مُؤرِّخ بمعنى الكلمة الصحيح؛ لأنه يستثير كوامن الماضي في نفسه، أو إن شئت فقُل إن الماضي يُبعَث إلى الحياة من جديد في نفس الشاعر، بعثًا على سبيل الحقيقة لا المجاز؛ لأنه سيعود حيًّا في وعيه وقلبه وشعوره، ولا يظل معروضًا — كما يُعرَض في كتب التاريخ — في جمود القواقع الجافة التي تُشير إلى ما كان فيها من حياة، دون أن تكون هي الحياة نفسها. على هذا النحو تُفرِغ الألفاظ ما أودَعه الماضي في جوفها، كأنها تفعل ذلك بفعل السحر. ولعلك قد رأيت في المثال السابق كيف أتم الشاعر قصيدته على غير وعي منه؛ فهو وإن يكُن مُتيقِّظًا يُوجِّه عملية «التفريغ» — تفريغ الصور من اللفظة — إلى حيث يُريد، فيُقرِّر أي الأضابير يُحَل ويُفرَغ، وأيها يُنحَّى ولا يُؤذَن له بموضع في السياق، إلا أنه يقِف من اللفظة موقفًا قابلًا لا فاعلًا، فيدعها تتمخض عما شاءت من المعاني والذكريات حتى تكمل القصيدة كلها. وهو إذ يستعرض في القصيدة أنواع السفن الثلاثة، ويدع كل نوع منها يستدعي إلى ذهنه سلسلة من الخواطر والذكريات، وينتهي به الأمر إلى تصوير ثلاثة عصور من التاريخ؛ لا يُوازِن بين الحياة في هذه العصور المختلفة، ولا يزن كلًّا منها بما يراه له من قيمة وقدر، بل يكتفي بأن يبسط تجربة حيَّة من كل عصر، وللقارئ أن يتخذ من هذه التجربة التي يبسطها له الشاعر تجربة كسائر ما تمدُّه به الحياة من تجارب، ثم له أن يجعلها موضعًا لتفكيره وتأمله، فتكون له مادة يُكوِّن منها في النهاية فلسفته الخاصة به. أما الشاعر فلا يُقدِّم له رأيًا ولا فلسفة، ويكتفي باسترجاع العناصر الحيوية التي طبعت «حمولة السفن» في الأعصر السوالف بطابعها. فأول ما يُطلَب من الشاعر أن يحيا في تجارب الماضي حياة جديدة، باستخراج ما تُكِنه الألفاظ من تلك التجارب. لكن القصيدة ليست كلمة واحدة تُفرِغ ما فيها وكفى، إنما هي كلمات مُتجاوِرة مُتعاقِبة، تقذف كل منها بما هي مُفعَمة به من تراث الماضي في نفس الشاعر ووعيه، وما تزال به تُؤثِّر فيه حتى تدفعه دفعًا أمام تيارها، فيجاوز الحاضر وينحدر إلى المستقبل يتسلفه ويسبق وقوعه. ومن ثَم سُمِّي الشعراء بالأنبياء؛ فهم يستجيبون لما ورثه الحاضر من الماضي خلال الألفاظ وما بُث فيها، بحيث يتبين لهم أكثر مما يتبين لسواهم مجرى الحوادث في المستقبل كما تدل عليه تجارب الماضي. هم يتنبئون بالمستقبل؛ لأنهم يرون طريق التطوُّر والرقي الذي تسير فيه الحياة، وتُعينهم على ذلك قدرتهم العظيمة على استكناه ما تُبطِنه الألفاظ في جوفها من تراث فكري وشعوري خلَّفه فيها الأقدمون. خُذ مثلًا لذلك قصيدة «وردزورث» «الحاصدة المنفردة»،١ فترى الشاعر فيها يسير على تل في اسكتلندا، وإذا ببصره يقع على فتاة تحصد حقلًا عبر الوادي، ويُنصِت فإذا بالحاصدة تُغنِّي فيتأثر أبلغ الأثر بمنظرها وغنائها. انظر إليها في الحقل وحيدة، تلك الفتاة الريفية في عزلتها تحصد وتُغنِّي بنفسها. قِف ها هنا أو امضِ هادئًا. يُقدِّم الشاعر بهذه الأبيات الأربعة لما يُريد أن يسوقه في قصيدته، وهي غاية في بساطة المعنى، لا تعقيد فيها ولا التواء، ولا يُريد بها الشاعر غير أن يُثبِت حادثةً رآها، ولكنك رغم بساطتها تُلاحِظ أن الشاعر مسحور بشيءٍ رآه، وهو يخشى بهذه الفتنة البادية أن يُفسِدها عليه سائرٌ ينهب الأرض بسرعته، فيهمس في إشفاق: «قِف ها هنا، أو امضِ هادئًا»؛ ليدوم له هذا السحر الذي أخذ يستغرق فيه. فما مبعث الفتنة في نفس الشاعر المأخوذ؟ أهو منظر الفتاة تجمع الحصاد أم صوتها تُغنِّي؟ قد تكون الفتنة منهما معًا، لكنها فتنة الصوت قبل كل شيء، ذلك ما يُبيِّنه البيت التالي؛ فهي تُغنِّي «نغمًا حزينًا»، هي تغني «نغمًا» لا «أغنية»؛ فألفاظ غنائها قد انبهمت مع البعد فلمْ يبلغ أُذُن السامع إلا طلاوة الموسيقى وحلاوة «النغم»، ولكن هذا النغم قد مثَّل الأعاجيب المعجزة. صَه! أنصِت، فالوادي العميق فيَّاضٌ بصوت النغم. وفي هذا القول أول إشارة تدل على الفتنة الغامضة المُلغِزة التي احتوت الشاعر في موقفه، ولم يصِف «وردزورث» واديه — الذي يفصل بينه وبين الفتاة في حقلها — بالعمق لهوًا وعبثًا، لكنه يُريدك على أن تتصور هذا العمق وقد امتلأت جنباته بسحر الغناء. إن الوادي وقد ملأه المصوت الشجي، قد تبدَّى في عين الشاعر واديًا جديدًا غير الوادي المعهود، فصوت النغم قد سما بطبيعة المُنصِت حتى أرهف حسَّه وشعوره، وهو ينظر بهذا الحس الذي أرهفه الصوت وبدَّل من طبيعته، فإذا هو بالمنظر الطبيعي أمامه قد أصابه التحوُّل، فبات في عينه واديًا غير الوادي. لكن «وردزورث» يشعر أنه لم يُوفِّ تأثُّره تعبيرًا وإفصاحًا، فلا يزال في نفسه أكثر مما أعرب عنه. إنه لم يُعطِ السامع صورة كاملة للرهبة المُفاجِئة التي فعلت في نفسه فعلها، فسمَت بها عن طبيعتها. إنه لم يفعل بعد سوى أن أشار إلى ما أحسَّه تلميحًا، وهو الآن في سبيله إلى التعبير الوافي عما أحسَّ إذ أنصَت إلى صوت هذه الحاصدة، ولكن أثر النغم في نفسه — كما كان في حقيقته — من الإلغاز والغموض بحيث يستحيل عليه أن يصفه وصفًا مباشرًا، وكل ما يستطيعه إزاءه أن يذكُر لك أشباهًا له قد تُوحي إليك بطبيعته؛ ولهذا تراه يستحضر في ذهنه أصواتًا أخرى في ظروف أخرى يجوز لها أن تُحدِث في نفس السامع أثرًا كالذي أحدثه صوت الحاصدة وهي تُغنِّي؛ فيذكُر لك صوت البلبل وهو يُهدهِد آذان المُسافِرين في القفر الفسيح وقد هدَّهم النصَب، فناموا بفعل النغم، وعمُق بهم النعاس، حتى فقدَت مَسامعهم إحساسها. هذا صوت قد يكون له من الأثر مثل ما أحسه «وردزورث» حين طرقَت مِسمعَيه نغمة الحاصدة، ومع ذلك فالصوتان لا يتشابهان إلا في تسلُّلهما إلى حبَّات القلوب، ثم يبقى بعد ذلك لنغمة الفتاة هِزَّتها؛ لذلك تراه بعد أن يقول: إن بلبلًا قطُّ لم يُغرِّد بهذه الطلاوة للحشد النائم من المُسافِرين عند بعض الفيء الظليل في جوف الرمال من بلاد العرب. يُعقِّب بهذه الأبيات: إن صوتًا كهذا يهزُّ النفس لم تسمعه آذان من الوقواق المُغرِّد إبانَ الربيع يشقُّ سكون البحار عند جزائر الهبريد النائية. ففي الصورة الثانية توسعة للصورة الأولى؛ إذ تُضيف إليها اهتزاز النفس حين يُدوِّي صوت الوقواق بغتةً، فيشقُّ سكونًا رهيبًا يملأ الفضاء، والصورتان معًا تتعاونان على بيان ما أحسَّه الشاعر من فتنة لصوت الحاصدة المُغنِّية في عزلتها وهي تجمع الحصاد، لكن هاتَين الصورتَين لم تقِفا عند حد التعبير عن إحساس الشاعر، بل أحدثتا أثرًا وراء الغاية التي من أجلها سِيقتا في القصيدة؛ فالشاعر إذ رأى هذه المناظر أمام عينَيه قوية ناصعة ناضبة بالحياة، وترجم إحساسه بها في كلمات؛ دفعته قوة الكلمات دفعًا حتى جاوزت به الغاية التي قصد إليها من قصيدته؛ فاقرأ الأبيات السالفة مرة أخرى، والحظْ فيها، فضلًا عن مَواضع التشابه بين هذه المناظر التي ساقها الشاعر وبين ما أحاط بالفتاة الحاصدة من ظروف، مواضعَ شَبه أخرى أدَق وألطف، تسلَّلت في سياق القصيدة فأكسبتها جوًّا جديدًا مُشبَعًا بالعزلة وروح الكآبة الحزينة؛ فهو إذ يذكر — عامدًا أو غير عامد — صحراء العرب المُوحِشة وبحار الهبريد القصية المُنعزِلة، قد أطلقَنا معه نسبح في طول البلاد وعرضها، ونجمع في تحوامنا لمحاتٍ دقيقة عما تحمله الأرض فوق سطحها من ألوان العناء والهم، وكأن الهم والعناء من لوازم الحياة الدنيا، وبغيرهما لا تكون حياة؛ فها أنت ذا مع الشاعر وسط الفيافي القفر التي تمتد ما امتد البصر، حيث المسافرون قد هدَّهم الإعياء فرقدوا عند الفيء يُهدهِدهم تغريد البلبل، حتى أطبق عليهم نعاس عميق لا يزول عنهم إلا مع الصبح، فينهضوا من نومهم وقد ازدادوا إحساسًا بعزلتهم في تلك الفلاة، ثم ينتقل بك الشاعر من ذلك اليَباب البَلقَع إلى حيث بطاح البحر قد امتدَّت آفاقها، وهنالك يغشاك إحساس رهيب بسكون الأغوار العميقة الدكناء، وإن المنظر ليزداد في نفسك رهبةً حين يُدوِّي في جنباته بغتةً صوتٌ تُوحي نغمته بالطرب وإشراق الربيع وبهجة الحياة، لكن أصداء الصوت تمَّحي فوق سطح الماء، ويظل كل شيء كما كان، بل إن صرخة الوقواق نفسها تُصبِح في الأُذن صوتًا يُؤذِن بعبث الحياة، ونبرةً حزينة تنمُّ عما تنطوي عليه الدنيا من هموم مُضنِية، ويثقل في عينك منظر الطبيعة بما تستشفُّه في صميم الكون من بؤس وشقاء، ثم يعود العقل بعد سبحاته الطويلة مع الشاعر في أنحاء الأرض، يعود إلى صوت الحاصدة وهي تُغنِّي في عزلتها، فيستمع إليها وقد تملَّكه هذا الإحساس الحزين الكئيب من رحلته فوق الصحراء وأمواه المحيط، هو يستمع الآن إلى نغمتها الحزينة وكأنها احتوت في نبراتها كل ما في الكون من وحشة وانفراد، وتجيء المقطوعة التالية في القصيدة، فتُتمِّم المعنى الذي أحسَّه الشاعر: هلا وجدتُ من يُحدِّثني بماذا تُغنِّي؟ فربما فاضت هذه النغمات الحزينة من أجل ماضٍ سحيق شقي قديم ومعارك انقضى عهدها منذ زمن بعيد. ها هنا يعود الشاعر فيُثير فيك الرهبة برحلة طويلة أخرى، لكنه هذه المرة لا يرتحل معك في أنحاء المكان، بل يذهب بك قافلًا على مَدى الزمان؛ فالماضي السحيق الشقي القديم قد ترك نغمته المُرة الحزينة، وإذا ما عدتَ تُنصِت إلى نغمة الحاصدة وهي تُغنِّي، فلا يسعك إلا أن تُثقِلها بهذا الحزن الجديد الذي اجتلبته معك بعد رحلتك مع الشاعر في الزمان. إن أغنية الحاصدة المُنعزِلة في حقلها لم تعُد أغنية فتاة ريفية تجمع حصادها، بل باتت لحنًا يُعبِّر عما في الكون من همٍّ وأسًى. إنه يُعبِّر عما تنطوي عليه الحياة البشرية من آلام وأحزان؛ وبهذا كله لم يصنع «وردزورث» أكثر مما يصنعه كل شاعر عظيم، لكنه يعود بهذه المقطوعة الآتية، فيتفرَّد دون سائر الشعراء: أم تراني أسمع نغمًا مُتواضِعًا، نغمًا لا ينبو بمعناه عن شئون العصر، فيه ما في الحياة الجارية من ألمٍ وفقدٍ وأسًى مما شهدته الحياة، وما قد تعود فتشهده. فبعد أن صنع «وردزورث» ما يصنعه كبار الشعراء، بأن سما بأغنية الفتاة حتى جعله لحنًا كونيًّا يُعبِّر عن صوت العالم بأَسره، ويجري بأعمق ما هدَّ قلوب البشر من أحزان، يعود بطريقةٍ نعهدها فيه وحده دون سائر الشعراء، فيردُّ الأغنية من جديد إلى قلب الفتاة النكرة التي لا نعرف منها حتى اسمها، والتي لم تكُن منذ عهد قريب سوى حاصدة مُنفرِدة في حقلها، مُنهمِكة في عملها اليومي المألوف، لكن الفتاة يستحيل أن تعود إلى ما كانت عليه بساطةً وقِلةَ شأن، فقد تجسَّدت فيها أخطر جوانب الحياة؛ وإذن فهذه القصيدة في صميمها تقويم جديد لقِيَم الإنسان، وأسلوب جديد في النظر إلى الإنسان والطبيعة، وإحساس جديد بقيمة الحياة البشرية. إنها كشف لعالم جديد تسوده القِيَم الروحية، فيُصبِح فيه الحقير التافه وقد اكتسب قيمة عالمية كبرى. إنها نبوءة بروح الديمقراطية، وسبقٌ للحوادث التي ستتمخض عنها الأيام. فوردزورث في قصيدته هذه يكشف عن تجربة جديدة؛ فلمْ يرَ أحد قبله ما رآه، ولم يسمع أحد قبله ما سمعه، ولم يُحِس أحد قبله ما أحسَّه، حين طرقت مِسمعَيه أغنية «الحاصدة المنفردة». كل قصيدة كبرى هي كشفٌ جديد وتنبُّؤ وتسلُّف لحوادث المستقبل وروحه. القصيدة الجيدة تكشف عن آفاق من التجربة الروحية لم يُسبَق إليها الشاعر، فالشاعر كشَّاف رائد في دولة الروح. وإذا ما قرأت القصيدة العصماء كنت بمثابة من يُمارِس تجارب جديدة في عالم الروح، تهتز لها نفسك اهتزازًا لا يقلُّ في قوته عن اهتزازها إذا ما أقبل رحالة على إقليم جديد، ووقع بصره فيه على عالم لا عهد له به. تقرأ للشاعر العظيم فكأنك تُتابِعه في ذلك العالم الروحي الذي كشف عنه الغطاء، وتحيا في التجارب التي أحسَّها في رحلته التي كشف فيها عن ذلك العالم. والعجيب أن الشاعر لا يكشف لنا الغطاء عن عوالم الروح وكفى، بل يزيد على ذلك أنه يُجهِّزنا بملكاتٍ نستطيع بها أن نفهم ونتشرب تلك العوالم، بحيث يُصبِح جزءًا منا يجري في دمائنا. فما جهِل الإنسان قطُّ وجود زهرة الأقحوان، يراها في الحقول في غُدُوه ورَواحه، ولكن عينه لم ترَ فيها قط ما أصبحت تراه فيها بعد أن هداها وردزورث بشعره في الأقحوان. فلئن عجز الإنسان أن يُضيف إلى عالم المادة ذرة واحدة، فقد عوَّضه الله عن هذا العجز خير العِوَض، إذ أتاح له أن يُوسِّع لنفسه من عالم الروح كيف شاء. وتلك هي المَهمَّة الكبرى التي على الشعر أن يُؤدِّيها؛ فكل واجبه أن يُوسِّع من قدرة الإنسان على أن يُمارِس في عالم الروح ما لم يُمارِسه في عالم المادة، فكل قصيدة تُجسِّد تجربة مُعيَّنةً صادفت شاعرًا مُعيَّنًا، فلما تبلورت التجربة في وعي الشاعر واستقرَّت في ألفاظ، كان في مقدور القارئ أن يُعيد في نفسه تلك التجربة بذاتها التي صادفت الشاعر في حياته، ومعنى ذلك أن القارئ يستطيع أن يمرُّ خلال الحالة النفسية والشعورية التي مرَّ بها الشاعر، فيحياها من جديد بفضل ما تمتاز به الألفاظ من خصائص، وما الألفاظ هنا إلا بَلوَرات صغيرة تجسَّدت فيها تلك الحالة النفسية الشعورية، وخصائصها العجيبة التي امتازت بها قدرتها على أن تتحلل من تلقاء نفسها في عقل القارئ، فتُخرِج ما دُس فيها من عناصر الفكر والشعور. وفن قراءة الشعر هو الفن الذي يُعين الألفاظ على أداء هذه العملية في ذهن قارئها، عملية التحلُّل إلى عناصرها المكونة لها. فن قراءة الشعر هو فن تنفُذ به إلى معاني الألفاظ كاملة، فلا تكتفي بمعانيها السطحية العامة، بل تستخرج من أجوافها كل الصور والمشاعر التي ترتبط بمعانيها. لو أخرجت من ألفاظ القصيدة محصولها المكنون، ونقشتها في ذهنك نقشًا يُفرِز عناصرها ومُقوِّماتها، ويُحلِّل كيانها؛ فقد قرأت القصيدة قراءة صحيحة. وطبيعيٌّ أن يختلف الناس اختلافًا بيِّنًا في القدرة على استخراج مكنون الألفاظ من معانٍ ومشاعر وصور؛ فكلما ازددتَ معرفةً بالحياة والعالم ازددت قدرةً على تعمق الألفاظ واستخراج ما في أحشائها من معنًى مُدخَّر. تقرأ — مثلًا — هذه الأبيات لأبي نواس يصف الخمر وهي تُدار في كئوس من الذهب عليها تصاوير: تُدار علينا الرَّاح في عسجدية حبَتْها بأنواع التصاوير فارسُ قرارتها كسرى، وفي جنَباتها مهًا تَدَّريها بالقِسِي الفوارسُ فلِلرَّاح ما زُرَّت عليه جيوبها وللماء ما دارَت عليه القلانسُ فلا تفهم كل ما في الأبيات من معنًى إذا لم تكُن قد علمت من تجارب حياتك ومن دراساتك ما الراح، وكيف تكون في كأس عسجدية، وما التصاوير الفارسية، ومن كسرى الذي رُسِمت صورته في قرارة الكأس، وكيف يدَّرئ الفوارس المَها بأقواسهم لتتخيل الصورة التي رُسِمت في جنبات الكأس، ثم لا بد لك أن تعلم من صور فارسية رأيتها أو وُصِفت لك في شكل الثياب الفارسية والقلانس؛ لتتكوَّن في ذهنك صورة حيَّة عن مَزيج الخمر بالماء في الكأس، إذ يقول الشاعر إن الخمر في الكأس بلغت جيوب الثياب التي في التصاوير، وكمية الماء تبدأ من الجيوب وتنتهي عند القلانس؛ فكلما ازددت بهذه الأشياء علمًا ازددت قدرةً على استكناه الألفاظ واستخراج الصور المُرادة حية ناصعة. وكذلك وردت في الشعر ألفاظٌ تردَّدت على ألسنة الشعراء، فاكتسبت طعمًا خاصًّا لا يتذوَّقه إلا من أدمَن قراءة الشعر، كلفظة «المها» التي وردت في الأبيات السالفة — مثلًا — فليس يكفيك لفهمها أن تفتح المعجم لتعلم أنها الظباء، بل لا بد أن تُحاط في ذهنك بكل ما أحاطها به الشعراء من هالةٍ تفيض غزلًا واستحسانًا، لكن هذه وأمثالها صعاب قليلة لا تحول دون قراءتك للشعر واستمتاعك به؛ فمُعظَم الفحول من شعراء العالم أجمع يبثُّون في ألفاظهم وقصائدهم من المعاني ما يكفي رجلًا مارَس الحياة وحدَها وعرف حلوها ومرها، ولو لم يكُن له من الثقافة المُستمَدة من الدراسة وقراءة الكتب إلا قليل؛ فقصيدة «الحاصدة المنفردة» التي أسلفنا لك تحليلها لا تحتاج في فهمها وتذوُّقها إلى علم وقراءة واسعة، فحسْبُ قارئها إلمامٌ ضئيل بحقائق الجغرافيا، فيعرف صحراء العرب وجزائر الهبريد ومحيطها، ليُتابِع الشاعر في قصيدته، وكل ما تحتاج من عُدة لتستمرئ شعرًا كهذا هو القدرة على الشعور؛ لأن القوة الشعرية في ألفاظ هذه القصيدة مُستمَدة في الأعم الأغلب من عناصرها الشعورية والعاطفية، لا من معانيها المكسوبة بالتعلُّم وقراءة الكتب، والكلمات الشائعة البسيطة أملأُ — في كثير من الأحيان — بهذه العناصر الشعورية والعاطفية، من الكلمات الغريبة التي تحتاج في تحصيلها إلى دراسة ومُطالَعة. وقد رأيت فيما أسلفناه من مقطوعات شعريةٍ تناوَلناها بالتحليل والمُقارَنة أن كلمة «أب» فيها من الشعور والعاطفة أضعاف ما في كلمة «مولًى» على ألسنة الصغار. ونُحِب للقارئ الذي يُريد أن يستسيغ الشعر ألا يمرَّ على الكلمات السهلة مَر الكرام، ظنًّا منه أنها مألوفة لا تستحق الوقوف الطويل؛ فالألفاظ السهلة المألوفة في الشعر أشد خطرًا من الصعبة الغريبة؛ لأن هذه ستضمن لنفسها بصعوبتها وغرابتها وقفة طويلة مُتروِّية مُتمعِّنةً تُفيد القارئ في استخراج مضمونها، أما الكلمات السهلة فالأرجح أن يستصغر القارئ شأنها ولا يختصَّها إلا بأقل عنايته. ونُعيد القول بأننا نُحِب للقارئ الذي يُريد أن يستسيغ الشعر ألا يمر على الكلمات السهلة مرًّا سريعًا، فلا بد له أن يُطيل الوقوف عند أسهل الألفاظ كما يُطيله عند أصعبها وأغربها؛ لأن زلةً صغيرة في فهم لفظة واحدة قد تُفسِد القصيدة كلها. إن ألفاظ القصيدة الجيدة لها حصانة عجيبةٌ تَقِيها شر القلق الثائر المُتعجِّل، ولها قداسة عجيبة تُحتِّم أن يدنو منها الداني برفق وعلى مَهَل. وهاك مثالًا أبياتًا من الشعر في قصيدة للشاعر الإنجليزي «براوننج» عنوانها «ببَا ماضية»،٢ «ببا» هذه فتاة إيطالية صغيرة تشتغل عاملة في مصانع الحرير، ولا تستريح من العام إلا يومًا واحدًا، وجاء يوم عُطلتها، فخرجت إلى مجالِي الطبيعة تنتقم لنفسها من حبسة الجدران التي تُحرِج صدرها، وتُطبِق على أنفاسها طيلةَ العام، فتجد كل شيء كما تمنَّته ازدهارًا وإشراقًا: العام من الربيع في رَيعانه، واليوم من الإشراق في إصباحه، والصبح في ساعته السابعة، وسَفحُ التل مُرصَّع بلآلئ الندى، والقُبَّرة في طيرانها سابحة، والدودة البزَّاقة على الأرض زاحفة. الله في سمائه، وكل ما في الدنيا بخير. اقرأ هذه المقطوعة مُسرِعًا، يتبادر إلى ذهنك أن بيتَيها الأخيرَين ضربٌ من القياس المنطقي، وكأن الشاعر يُريد بهما أن يقول إنه ما دام الله في سمائه فالنتيجة أن كل ما في الدنيا بخير، والدليل هو هذه الأمثلة المطروحة: ريعان الربيع وإشراق الصبح ولآلئ الندى … إلخ، ولو كان الأمر كذلك لكان الشاعر فيلسوفًا يُدبِّر عقله في الأمور، ويضع المُقدِّمات وينتزع النتائج، وهنا يتعرض الشاعر لنقدك إن كنت من أصحاب الجدل المنطقي، فستقول إن في هذا القياس مُغالَطةً لأن النتيجة لا تلزم عن مُقدِّماتها؛ فقد يكون الله في سمائه ولا يكون كل ما في الدنيا بخير. لكن «براوننج» في قوله هذا شاعر وليس بالفيلسوف الذي يقرع بالحجة والدليل، ولو أجرى فلسفة على لسان هذه الفتاة الصغيرة العاملة المنهوكة المُتعَبة لما استحقَّ أن يكون شاعرًا؛ فهي في يوم عطلتها أسرعت إلى التل عند شروق الشمس، وراحت في مرحها وجذلها تنقل عينها هنا وهناك؛ لتنهب بهما مجالِي الجمال نهبًا، فما وسِعها إلا أن تُغنِّي من فرط السرور: «العام من الربيع في ريعانه، واليوم من الإشراق في إصباحه، والصبح في ساعته السابعة، وسفح التلال مرصع بلآلئ الندى، والقبرة في طيرانها سابحة، والدودة البزاقة على الأرض زاحفة. الله في سمائه، وكل ما في الدنيا بخير.» وكل هذه أشياء أدركتها بعينَيها إدراكًا مُباشِرًا، ولم تستدلَّ على وجودها بقياس العقل والمنطق. هي لا تقول: «إنه الربيع»، لكنها تقول: «العام من الربيع في ريعانه»، كأنما هي في اللحظة الواحدة التي يتمُّ فيها ازدهار الربيع ويكمل، وكل ما في الأرض والسماء والماء والهواء ناطق بأن الربيع في ريعانه. وما البيتان الأخيران «الله في سمائه، وكل ما في الدنيا بخير» إلا من قبيل هذه المُشاهَدات المُباشِرة التي تراها بعينَيها فيما حولها. إنها ترى الله في سمائه كما ترى لآلئ الندى على سفح التل، والقُبَّرة في طيرانها سابحة؛ فإن أردت أن تقرأ أغنية هذه الفتاة، كان لزامًا عليك أن تشعر بشعورها، وتنظر إلى الأشياء بعينَيها لا بعينَيك، فتتأثر بكل القوة التي تأثَّرت بها حين استجابت لازدهار الربيع وطيران القُبَّرة. وإن لم تُحِس ما أحسَّته «ببا» في نشوتها وهي تُجيل بصرها في جوانب الطبيعة حولها، فليس لقراءة الشعر عندك من غَناء، وليس من الخطر في شيء أن تعود — وقد فرغت من قراءة القصيدة — إلى أفكارك العالية التي لا تُدرِكها فتاة ريفية مثل «ببا»، فلك أن تستعيد كل آرائك ونظراتك السابقة بعد فراغك من القصيدة، فلِتلك الآراء والنظرات كل الحق في أن تقِف في ذهنك إلى جانب هذه النظرة الجديدة الساذجة التي أحسَستَها حين شاركتَ «ببا» وجدانها، لك أن تستعرض تلك النظرات السابقة وهذه النظرة الجديدة قبل أن تُكوِّن عن الحياة فلسفتك الخاصة بك، وقد تصل في تلك الفلسفة إلى نتيجةٍ تختلف عما شعرَت به ببا، ورغم ذلك كله فأغنية الفتاة لا تقلُّ في صدقها قِيدَ أنملة. هي صادقة بالنسبة إلى الفتاة وبالنسبة إلى اللحظة الزمنية التي قِيلت فيها. هي تعبير صادق أمين عما دار في نفسها، ويستحيل على قارئ الأغنية أن يُوقِن بصدقها إلا إذا قرأها باذلًا كل ما يستطيع من جهد وعناية في الوقوف عند ألفاظها لفظةً لفظة، يستخرج كل ما فيها من مخزون الشعور، ولا تُغرينَّه سهولتها، وإلا أفلت منه لبُّها وجوهرها. سرُّ الفن في قراءة الأدب واستساغته مُتوقِّف على شيء واحد، هو فن استخراج المعاني من ألفاظها، بحيث تُخرِج منها كل مخزونها. وقراءة القصيدة من الشعر ليست عملية نقدية عقلية، فلك أن تُعمِل فيها عقلك ونقدك على أن يكون لذلك المحل الثاني. ولئن جاز لك أن تقرأ القصيدة لتنقدها بعقلك بعد أن تقرأها لتُحِس ما فيها من مشاعر، فلا يجوز لك قطعًا أن تقرأ قصيدة لتحكم على آراء الشاعر بالصواب أو بالخطأ. إن أردت القصيدة لفنها فليس الشاعر فيلسوفًا يبسط رأيًا يحتمل الصدق والكذب، لكنه شاعر يُحِس، وله كل الحق في أن يُحِس كما يشاء. قراءة الشعر عمل فيه شيء من الخلق والإبداع، فيه هضم لما تقرأ، فلمْ تقرأ شعرًا إذا لم تتثمل ما فيه من مشاعر وتجارب؛ إذ القصيدة من الشعر تعبير عن تجربةٍ مارَسها الشاعر، هي سلسلة من المشاعر والمناظر والأفكار، تتولَّد في ذهن الشاعر عن موقف بعينه، ثم تُودَع في قوارير الألفاظ لتبقى أبدَ الدهر مُتعةً لمن شاء أن يفتح هذه القوارير، ويستخرج منها ما استُودِعَته؛ فلِكَي تقرأ القصيدة من الشعر لا بد لك أن تتناول هذه القوارير اللفظية واحدةً بعد واحدة، فتُفرِغها في شعورك وتتثمل ما أفرغته في دمائك، وليس من اليسير أن تبعث إلى الحياة تجربة الشاعر التي مارَسها ومرَّ خلالها وعاشها وهو يُنشئ قصيدته، بأن تُعيد في نفسك كل ما تولَّاه من حالات نفسية ومشاعر، وكل ما طاف بذهنه من مَناظر وخواطر، هو لا شك مجهود عظيم أن تفعل ذلك، لكنه مجهود لا يقوم به العقل، وإنما يُؤدِّيه الخيال. قراءة القصيدة صورة من صور العيش، ولون من ألوان الحياة. أليست حياتنا الحقيقية سلسلة من ردود الأفعال نستجيب بها لطائفة من مُؤثِّراتٍ نُصادِفها في ظروفنا المحيطة وبيئتنا التي نعيش فيها؟ ثُم أليست هذه البيئة مُقيَّدة بما يضبط الكون من قوانين المادة؟ فإذا جاء الشاعر وخلق لنا بخياله بيئةً تحلَّلت من قيود المادة وقوانينها، أفلا يُوسِّع من نطاق بيئتنا التي نعيش فيها، ويُهيِّئ لنا بذلك الفرصة أن نستجيب لمُؤثِّرات جديدة؟ إنه يُمِدنا في شعره بتجربة لا تقف عند حد، أو بعبارة أخرى يمدُّ لنا من مجال الحياة ونطاق العيش أضعافًا مُضاعَفة، لكنك لن تظفر منه بذلك إلا إذا تناوَلت القصيدة على أنها حياةٌ ستحياها حينًا من زمانك، لا فكرةٌ ستُناقِشها بعقلك لتُميِّز فيها بين الخطأ والصواب، والجيد والرديء. اقرأها بخيالك لتتمرَّس بتجربتها أولًا، ثم اقرأها بعد ذلك — إن شئت — قراءة النقد والتمحيص. وقراءة النقد نوعان؛ نقد أدبي يسأل: إلى أي حدٍّ أجاد الشاعر في قصيدته؟ ومعنى السؤال: هل عبَّرت ألفاظ القصيدة عن تجربة الشاعر تعبيرًا حيًّا ناصعًا مكَّننا أن نُعيد الصور إلى أذهاننا حيَّةً ناصعة كما مرَّت به؟ وفي هذا النقد الأدبي لا يجوز أن تبحث أصَدق الشاعر في حكم العقل أم كذب، ولا يجوز كذلك أن تسأل أحَافظ الشاعر على قوانين الأخلاق وأوضاع العُرف أم خرج عليها؛ فالبحث في صدق التجربة أو كذبها، وفي المُحافَظة على قواعد الأخلاق أو الخروج عليها، ليس من النقد الأدبي في شيء. وإن شئت بحثًا كهذا فذلك هو الضرب الثاني من ضروب النقد؛ فليس ما يمنع أن تعود فتقرأ القصيدة للمرة الثالثة لتحكم على ما ورد فيها — كما تحكم على ما يُصادِفنا من تجارب الحياة — بالخطأ أو بالصواب، بالفضيلة أو بالرذيلة، بل لك أن تحكم عليها من أية ناحيةٍ شئت؛ اجتماعية أو سياسية أو خُلقية أو دينية، غير أن ذلك شيء والنقد الأدبي شيء آخر، ولا ينبغي أن تخلط بينهما كما يخلط لسوء الحظ مُعظَم النقاد. فلِلقصيدة إذن ثلاث قراءات؛ قراءة أُولى تُعمِل فيها الخيال لتحيا في التجربة التي مرَّت بالشاعر، وقراءة ثانية لتنقدها نقدًا أدبيًّا، والنقد الأدبي مقصور على قدرة الألفاظ التي استخدمها الشاعر على التعبير عما أراد، وقراءة ثالثة لتنقدها في معانيها وآرائها ومذاهبها إن خطأً أو صوابًا. على أننا نشترط لهذا النوع الثاني من النقد ألا يكون إلا بعد قراءة القصيدة قراءةً من النوع الأول، ليس لك أن تحكم على تجربة الشاعر بالصواب أو بالخطأ إلا إذا عشتها كما عاشها، وتمرَّست أحاسيسها كما تمرَّسها؛ ففي قصيدة «ببا ماضية» التي أسلفناها وحلَّلناها لا تستطيع أن تُقدِّر القيمة العقلية لقولها: «الله في سمائه، وكل ما في الدنيا بخير» إلا إن تقمَّصت شعورها بخيالك أولًا؛ لترى بعينَيها في موقفها هل ثَمة ما يُبرِّر لها أن تحكم بذلك أو ليس هناك ما يُبرِّره. ونُحِب أن نُلاحِظ لك في هذا الموضع أن القصائد التي أضافت إلى الفكر الإنساني قسطًا أوفر إنما أضافت قسطها ذاك لا بما فيها من فكر خالص، بل بما لها من قوة الشعر. قد يقول الشاعر قصيدة دينية، فيزيد بها من ذخيرة العقيدة الدينية، مع أنها لا تسوق في تأييد تلك العقيدة حُجة عقلية واحدة، وكل ما يصنعه هو أن يُصوِّر شعوره الديني — كما يُحِسه — تصويرًا يُتيح للقارئ أن يستعيد في نفسه ذلك الشعور بعينه إذا ما قرأ القصيدة؛ وإذن فالحكم على القصيدة من الناحية العقلية مُتوقِّف على قيمتها الشعرية الخالصة. وهكذا ترى أن ألزمَ ما يلزمك في الشعر هو فن قراءته باعتباره شعرًا لا كلامًا يُساق لبسط رأي أو عقيدة. ونعود فنُكرِّر أن ذلك الفن مرهون بقدرتك على فهم الألفاظ فهمًا يستخلص لك كل ما تحتويه في جوفها من تجارب ومشاعر وخواطر ومعانٍ، كأنما هي — كما ذكرنا — قوارير مُفعَمة مُترَعة، عليك أن تُفرِغها وتتمثل ما بها. تلك هي السبيل الوحيدة إن أردت أن تتذوق الشعر بكل ضروبه؛ قصيدةً كان أو قصة أو مسرحية. ولنتناول الآن بعض الشعر بالتحليل؛ لنرى كيف يُفهَم إن فُتِّحت مَغاليق ألفاظه وانسكب ما فيها. قال شاعر عربي في هجاء قوم هذا البيت، الذي قيل عنه إنه أهجى بيت قالته العرب: قومٌ إذا استنبح الأضياف كلبهمُ قالوا لأُمهمِ بُولي على النار فتكاد كل لفظة في هذا البيت تدل على الذم والهجاء؛ فكلمة «إذا» تُفيد الشرط المُؤقَّت المُعيَّن، وتدل على أن الأضياف لا يعتادونهم إلا في الأوقات القليلة. وسين الاستفعال في «استنبح» تُؤذِن أن كلبهم ليس من عادته النباح، وإنما يقع منه ذلك نادرًا لقِلة الضيف. و«الأضياف» جمع قلة يُفيد عددًا أقل من العشرة؛ إذ لا يقصد هؤلاء القومَ إلا نفرٌ قليل. وتعريف الشاعر «للأضياف» بأداة التعريف إشارة إلى أنهم أضياف معهودون؛ إذ لا يقصد أولئك القومَ كلُّ ضيف لبُخلهم. واستنباح الأضياف للكلب فيه دلالة على أن الكلب لا ينبح إلا بالاستنباح؛ لهزاله وقلة قوته من الجوع والضعف. وقد أفرد الشاعر الكلب ولم يجعل لهم كلابًا كثيرة؛ احتقارًا لهم وتقليلًا من شأنهم. وإضافة الكلب إليهم يزيدهم احتقارًا وزِراية. وفي كلمة «قالوا» دليل على أنهم قوم بغير خادمٍ يقوم على شئونهم، وأنهم يُباشِرون حوائجهم بأنفسهم. وجعل الشاعر القول يتجه منهم مُباشَرةً لأُمهم؛ ليدل على أنه لم يكُن هناك من يخلُفها من خادمة في إطفاء النار، فأقام الأم مُقام الأَمة والخادمة في قضاء الحوائج لهم، وهم من الذلة والضعة بحيث رضوا لأُمهم هذا المَقام. وأنطقهم الشاعر بلفظ البول وهو ممجوج يدل على أنهم جفاة لا يألفون شيئًا من مكارم الأخلاق، خصوصًا وأن ذلك اللفظ مُوجَّه إلى أُمهم. وقوله «على النار» دليل على ضعف نارهم لقلة زادهم، فحسبك أن بولة واحدة من امرأة عجوز تُطفئها. واستخدم الشاعر حرف الجر «على» النار، وفي ذلك إشارة إلى أن حرف الاستعلاء مقصود؛ ليتخيل القارئ صورة بشعة مُنفِّرة، صورة الأم وقد استعلت النار، تصب عليها بولها لا تُبالي تستُّرًا. وقد لخَّص الأصمعي مَواضع الذم في هذا البيت بعبارة أوجَز، فقال: هذا البيت أهجى بيت قالته العرب؛ لأنه جمع ضروبًا من الهجاء؛ نسبهم إلى البخل لكونهم يُطفئون نارهم مَخافة الضيفان، وكونهم يبخلون بالماء فيُعوِّضون عنه البول، وكونهم يبخلون بالحطب فنارهم ضعيفة تُطفئها بولة، وكون البولة بولة عجوز وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أُمهم وذلك للؤمهم. هذا بيت واحد يُريك في جِلاء كم تُفيد إذا أطلت الوقوف عند الألفاظ تُحلِّلها وتستخرج مضمونها ومكنونها، وبغير ذلك لا تظفر من الشعر بغير الوزن الأجوف والنغمة الخاوية. ولننتقل إلى مثال آخر، فنسير مع الدكتور طه حسين بك في سيره «مع المتنبي» وهو يقرأ له لاميته: لياليَّ بعد الظاعنِين شُكولُ طِوالٌ وليلُ العاشقِين طويلُ فعنده أن الشاعر قد أجرى في القصيدة روحًا عذبًا غريبًا ليس من اليسير وصفه ولا تصويره، ولكنك تُحِسه إحساسًا قويًّا، بل أنت تقرأ القصيدة فإذا هذا الروح يسبق ألفاظها ومعانيها إلى قلبك، ويُشيع في نفسك خفةً وطرَبًا، لا تجدهما حين تقرأ أي قصيدة أخرى من قصائد المتنبي. «والغريب أن هذا الروح العذب الخفيف يحتفظ بعذوبته وخفته في القصيدة كلها، ولكنه مع ذلك يتخذ أشكالًا، وإن شئت فقُل يتخذ ألوانًا، وإن شئت فقُل يتخذ ألوانًا مختلفة، تتباين بتبايُن المعاني والموضوعات التي يطرُقها الشاعر في هذه القصيدة، فهو على عذوبته وخفته حزين شاحب كئيبٌ، يُثير في نفسك الحنان والرحمة والألم الهادئ، حين يتغنى الشاعر في هذا الغزل الذي بدأ به القصيدة، فإذا انتهى الشاعر إلى المدح ووصف الموقعة خلع عن هذا الروح العذب الخفيف دائمًا حزنه وشحوبه وكآبته، واتخذ ثوبًا زاهي الألوان إلى أبعد حد، يمسُّه ضوء الشمس فتضطرب ألوانه، وتتموج تموُّجًا ساحرًا، وإذا هو يغلبك على نفسك، وإذا نفسك تتموج معه كما يتموج. والشاعر يصف الحرب وصفًا دقيقًا، وكانت الحركة النشيطة السريعة أخص ما تمتاز به هذه الحرب، وهي الجرأة التي لا تسمح بمَهَل ولا أناة ولا تُبيح رويَّة ولا تفكيرًا، وإنما هي اندفاع مُتصِل إلى أمام، يزداد عنفه من وقت إلى وقت، ولا يحفِل بالمصاعب ولا يقِف عند العقاب، وإنما يقتحم كل ما يعترضه ويكتسح كل ما يلقاه، يصعد حين تعترضه الجبال، وينحدر حين ينتهي من القمة إلى السفح، ويعدو حين ينتهي إلى السهل، حركةً وجرأة هما أشبه شيء بنشوة النشوان الذي يأتي ما يأتيه عن فرح ونشاط، لا سعة فيهما لتعقُّل أو تدبُّر.» «وكذلك فعل سيف الدولة في هذه الحرب، وقد خطرت له فجأة فاندفع إليها من «حران»، لا يلوي على شيء حتى أمعن في بلاد الروم واقتحم ملطية، فلما أراد العودة من درب أرمينية وجد الدرب قد أُخِذ عليه، وكان خليقًا أن يتدبَّر وأن يُقدِّر أنه قد أُخِذ من ورائه أيضًا، وأن يحتال في اقتحام الدرب، ولكنه أبى أن يُضيِّع الوقت، فكرَّ راجعًا في سرعة الطير، واقتحم ملطية مرة أخرى، غير مُبالٍ بما كان العدوُّ قد أعدَّ له من أمامه، وبما كان خليقًا أن يلحقه من ورائه، ثم انتهى بهذه السرعة الجريئة الغريبة إلى مخرج من بلاد الروم فسلكه، وظن الروم أنه قد انصرف عنهم، ولكنه لم يلبث أن عاد إليهم مرة أخرى، فدمَّر وخرَّب وسلب الغنائم والنفوس، ومضى حتى أدرك الفرات واقتحمه اقتحامًا على ظهور الخيل، ولم يكد ينتهي إلى آمد ويعلم بعبث الروم حول أنطاكية، حتى خفَّ وأغذَّ وأخذ الروم عند مرعش وهم قافلون فمزَّقهم تمزيقًا، وأضاف إلى ما كان عنده من الغنائم والأسرى، وأخذ ابن القائد نفسه وعاد مُظفَّرًا.» «كان سيف الدولة نشوان قد أسكرته الحرب، فمضى فيها لا يقِف ولا يتدبر، وأُتيحَ له النصر، فإذا هذا النصر نفسه يُسكِر شاعره المتنبي، وإذا هو يُنشئ هذه القصيدة صورة دقيقة مُطابِقة كلَّ المُطابَقة للأصل الذي أراد وصفه وتصويره؛ فأنت ستُحِس حين تقرأ هذا الوصف نفس الحركة والنشاط اللذَين أحسَّهما المتنبي حين تبِع سيف الدولة في غارته الجريئة السريعة تلك، لا يكاد يطمئن ولا يستقر ولا يستريح.» «وستمضي أنت في قراءة القصيدة كما مضى المتنبي في اتباع سيف الدولة مُندفِعًا من بيت إلى بيت، مُتنقِّلًا من مُقام إلى مُقام، صاعدًا مع الجيش حين يصعد، ومُنحدِرًا مع الجيش حين ينحدر، ودائرًا مع الجيش حين يدور حول العدُو، ثم هاجمًا على الجيش حين يهجم على العدُو. ثم إن هذا الروح العذب الخفيف — على احتفاظه بعذوبته وخفته — يخلع هذا الثوب ذا الألوان المُشرِقة المُتألِّقة إذا فرغ من هذا الوصف، ليتخذ ثوبًا آخر ليس شديد التأنُّق والإشراق، ولكنه حالكٌ بعضَ الشيء، أو قُل قاتمٌ يكاد يُمعِن في القتوم، لولا أن شيئًا من البهجة يترقرق فيه بين حين وحين، وذلك حين يلتفت الشاعر إلى ما وراء سيف الدولة من بلاد المسلمين، وإلى ما حول سيف الدولة من ملوك المسلمين، فلا يرى إلا ذلًّا وضعة، وإلا خمولًا وخمودًا، وإلا إقبالًا على اللهو وعكوفًا على اللذات، وضجيجًا وعجيجًا لا غَناء فيهما ولا طائل منهما في هذا الوقت الذي يجدُّ فيه الجِد بين سيف الدولة وعدوِّه من الروم، فإذا الظفر الذي ينتهي إلى البطولة حينًا، وإذا الهزيمة التي تنتهي إلى البطولة حينًا آخر، وإذا الثقة بالنفس، والنهوض بالواجب، والاطمئنان إلى الله على كل حال. وإذا فرغ الشاعر من هذا التعريض الحزين الفرح، خلع عن روحه العذب الخفيف ثوبه هذا، فأفاض عليه ثوبًا آخر، هو ثوب الفخر بالنفس والاعتزاز بالكفاية الشخصية والبراعة الفنية، وكأنه رضي عن قصيدته وعن فنه بعد أن سمع قصائد الشعراء الآخرين، ورأى فنونهم، وهو ساخط على هؤلاء الشعراء الذين يعجزون عن مُجاراته، ويقصُرون عن بلوغ غايته، فلا يسعهم إلا أن يسعوا به، ويكيدوا له، ويتألَّبوا عليه، وهو قد أشرف عليهم وأخذ يرمُقهم مُزدريًا لهم مُحتقِرًا لما يقولون ويفعلون. فالمتنبي يبدأ القصيدة بنفسه حزينًا مُفتخِرًا، ويختم القصيدة بنفسه مُبتهِجًا مُنتصِرًا، ويمنح أكثر القصيدة وخير ما فيها لا لسيف الدولة وحده، بل له ولجماعة المُجاهِدين معه في سبيل الله، الذائدين عن حوزة الإسلام، وحسب العرب، ولجماعات أخرى من المسلمين، لاهية عن الجِد، ساهية عن المَجد، مُنصرِفة إلى المخازي والآثام؛ فالشاعر مُغنٍّ، والشاعر مادح، والشاعر قاصٌّ، والشاعر هاجٍ، والشاعر مُفاخِر مُتحمِّس، والشاعر يجمع أكثر فنون الشعر في هذه القصيدة التي لم تُسرِف في الطول.» قلتُ لك إن هذه القصيدة عندي أروع ما قال المتنبي لسيف الدولة من الشعر، واقرأ معي بعض أبياتها، فسترى أني لست مُسرِفًا فيما أقول: لياليَّ بعد الظاعنِين شُكولُ طِوالٌ وليلُ العاشقِين طويلُ يُبِنَّ ليَ البدر الذي لا أُريده ويُخفِين بدرًا ما إليه سبيلُ وما عشتُ من بعد الأحِبة سلوةً ولكنني للنائبات حَمولُ «لماذا بدأ المتنبي قصيدته بهذا الغناء الحزين، وقد عرفناه إذا امتلأت نفسه إعجابًا ورضًا، يُعرِض عن النسيب وينصرف عن الغناء ويهجم على موضوعه هجومًا لا يبتغي إليه الوسائل، ولا يبسط بين يدَيه المُقدِّمات؟ ستقول لأنه شاعر يُريد أن يتأنَّق في فنه، وأن يُبهِر سامعِيه، وأن يُهيِّئهم لاستماع ما يقصُّ عليهم من أنباء الحرب، وما سيعرض عليهم من أوصافها، وقد يكون هذا حقًّا وما أكثر ما يفعل الشعراء هذا! وما أكثر ما يكون أحدهم مُمتلئًا بموضوعه، شاعرًا بأن الناس من حوله مُمتلئون بهذا الموضوع، ولكنه مع ذلك لا يُسرِع إليه ولا يبلغه حتى يدور إليه في أنحاء من الغناء. نعم، ولكني أرى في نفس المتنبي شيئًا آخر غير هذا التأنُّق الفني والترفُّق الذي يعمد إليه الشعراء، فيها حزنٌ دفينٌ يصدر أحيانًا عن نفس الشاعر التي لم تُدرِك من آمالها شيئًا، أو لم تكَد تُدرِك منها شيئًا، ويصدر أحيانًا أخرى عن حال هذه الأمة الإسلامية التي تُبلي فتُحسِن البلاء، وتُجاهِد فتُحسِن الجهاد، ولكنها حيث هي لا تتقدم خطوة، ولعلها تتأخر خطوات. هذه الحرب التي أبلى فيها سيف الدولة كأحسن ما يُبلي الأمراء المُجاهِدون، ماذا أفاد منها المسلمون؟ وماذا أفاد منها سيف الدولة؟ وماذا أفاد منها المتنبي إذا تعمَّقت الأمر ونفذت إلى حقائق الأشياء؟ المسلمون حيث هم، لم يمدُّوا حدودهم ولم يُؤمِّنوها من غارة الروم، والمسلمون حيث هم لم تصلح أحوالهم الخاصة، ولم تبرأ سياستهم الداخلية من الإغراق في الفساد، وسيف الدولة حيث هو يظفر اليوم ليستأنف الحرب غدًا، وقد ينتصر غدًا، وقد تدور عليه الدائرة، لم يأمن بأس الروم ولم يأمن مكر المُنافِسِين، والمتنبي نفسه حيث هو يمدح الأمير اليوم مُهنِّئًا كما مدحه أمس مُعزِّيًا، وقد يُهنِّئه غدًا، وقد يُعزِّيه، ولكنه سيظل شاعرًا مادحًا على كل حال، وهو مع ذلك مُحسَّد يُكادُ له ويُؤتمر به، ويُدبَّر له السوء، حياته مُتشابِهة كحياة المسلمين، وكحياة الأمير؛ وإذن فهذه الليالي المُتشابِهة في الطول، المُتشابِهة في أنها تُبدي له البدر الذي لا يُريده، وتُخفي عليه البدر الآخر الذي يهواه كل الهوى، ويطمح إليه كل الطموح، ولا يجد إليه مع ذلك سبيلًا؛ هذه الليالي المُتشابِهة التي أمضَّته، وتثاقلت عليه لتشابُهها، لمَ لا تكون رمزًا لهذه الحياة المُتشابِهة، التي تُمِض وتُثقِل بتشابُهها؟ لماذا ننظر إلى الشعراء دائمًا كما ننظر إلى الأطفال وهم يلعبون؟ لماذا نبخل عليهم بأن نظن بهم الرجولة والبطولة أحيانًا؟ وأي صفات الناس أدنى إلى الرجولة والبطولة، وأقرب إلى حالة الفن الرفيع من هذا السأم وهذا الضيق بالتشابُه حين يتصل ويطول؟ أحقٌّ أن هذا البدر الذي تُخفيه الليالي على المتنبي هو صاحبته هذه التي يزعم أنها ظعنت عنه، وأن الأسباب قد تقطَّعت به من دونها؟» «لِمَ لا يكون هذا البدر شيئًا آخر غير هذه الفتاة الأعرابية التي تحميها الأسِنة والرماح؟ لِمَ لا يكون هذا البدر رمزًا لهذه الآمال النائية وهذه الهموم البعيدة التي تاقَت إليها نفس الشاعر منذ أحسَّ الحياة، وقدر على النشاط، والتي أنفق من حياته دون أن يبلغها أو يدنو منها؟» «لو أنك سالت المتنبي نفسه عن هذه الليالي المُتشابِهة في الطول والعقم، وعن هذا البدر الخفي العزيز، لما أجابك بغير ما يقول الناس؛ فهو شاعر يتغنى، وهو إنما يُجيد الغناء ويبرع فيه؛ لأنه يتغنى بما لا يُحقِّقه، ولا يُحيط به علمًا.» «فجائزٌ بل مُرجَّحٌ أن يكون المتنبي بعيدًا كل البعد عن أن يُفكِّر في هذه المعاني التي أشَرت إليها وأفَضت فيها، ولكنه مع ذلك يتغنى هذه المعاني نفسها؛ لأنه شاعر، وأبرع الشعراء من عرض لما يفوته من مَطالب الفن، فتعلَّق بأذياله وطار في أثره، دون أن يبلغه أو ينتهي إليه.» «كل هذا أفهمه من هذه الأبيات الثلاثة الحزينة التي بدأ المتنبي بها قصيدته، وما يعنيني أن يكون المتنبي قد أراد هذا أو لم يُرِده؛ فأنا لا أطلب من الشاعر أن يُفهِمني ما أراد حقًّا، وإنما أُريد من الشاعر البارع — كما أُريد من الموسيقي الماهر — أن يفتح لي أبوابًا من الحس والشعور، ومن التفكير والخيال، وما أشكُّ في أن المتنبي قد وُفِّق إلى هذا التوفيق كله من هذه الأبيات …» إلخ.٣ هكذا يجب أن تقرأ الشعر في تدبُّر وأناة، فتُتابِع الشاعر في كل ما دار بنفسه أو جال في خاطره بحيث تُمارِس تجربة نفسية مارَسها الشاعر، وتحيا حياةً عاشها الشاعر، أيًّا كانت تلك التجربة وأيًّا كانت تلك الحياة. فليس شرطًا لازمًا أن يُصوِّر لك الشاعر في قصيدته تجربة فيها المشاعر سامية، والخواطر عالية، والحياة فاضلة، والآمال كبار، بل ربما صوَّر لك الشاعر في تجربته خواطر سفَّاك للدماء، ومشاعر شرِّير خبيث، يكيد للناس ويتربص بهم الدوائر. فسواءٌ لدينا نحن قُراء الشعر أصَوَّرت القصيدة ملكًا رحيمًا أو شيطانًا رجيمًا، ما دامت الصورة ناصعة مُعبِّرة تُتيح للقارئ أن يتقمص مشاعرها كأنه انقلب ساعة القراءة ذلك الملك الرحيم بعينه أو هذا الشيطان الرجيم. نعم يصحُّ لنا أن نُؤثِر القصيدة التي تعلو بالنفس على زميلتها التي تُصوِّر الشر إن تساوَت القصيدتان في جودة التصوير، ولكننا لا نُبيح هذا التفضيل بحال من الأحوال لو أجادت الثانية أكثر مما أجادت الأولى؛ إذ القصيدة الجيدة من الوجهة الفنية — حتى وإن عالجت موضوعًا تأباه الأخلاق — خير ألف مرة من القصيدة الرديئة من الوجهة الفنية وإن عالجت الفضيلة والأخلاق الكريمة. وإنك لتجدُ من قادة النقد الأوروبي من يزعم — وربما صدقوا فيما يزعمون — أن الجودة الفنية في القصيدة أعظم شأنًا وأكثر خطرًا — حتى من الناحية الخُلقية نفسها — من موضوع القصيدة أفضيلةٌ هو أم رذيلة. فهذا رأيٌ أخذ به «شلي» الشاعر الناقد الإنجليزي الذي تُوشِك ألا تجد في تاريخ العظماء أصفى منه عقلًا، أخذ به في مقالة طويلةٍ كتبها دفاعًا عن الشعر، هي من أعظم ما جادت به قريحة، وجرت به يراعة، في الدفاع عن الشعر. وهو في هذه المقالة الرائعة يحتجُّ بأن كافة الشرور، وما يُصيب المجتمع منها بوجه أخص، إنما نشأت عن سبب رئيسي واحد، وليس ذلك السبب في أخلاقنا، ولا هو في عقولنا، ولا في نظامنا الاقتصادي. إن مَنازل الفقراء الوبيئة قائمة بيننا، لا لأن الكثرة الغالبة من الناس يجهلون قيامها، ولا لأن تلك الكثرة تودُّ أن تُبقِي المنازل الوبيئة ساعةً واحدة، إنما قامت تلك المنازل بيننا وستظل قائمة؛ لأن من لا يسكنها لا يُشارِك ساكنِيها الشعور مُشارَكةً وجدانية كاملة. من هم خارج بيوت الفقراء القذرة الوبيئة لا «يشعرون» بما يشعر به من هم داخل تلك البيوت من فقراء؛ ولذلك استحال عليهم أن يُحِسوا مثل آلامهم إحساسًا حقيقيًّا. فلأن تُشارِك غيرك وجدانه مُشارَكةً كاملة، وتشعر بشعوره شعورًا حيًّا قويًّا، يقتضيك لا أن تقِف مثل موقفه فحسْب، بل أن تصبُّ نفسك صبًّا في إهابه لتجري فيك دماؤه، وتسري فيك مشاعره وآلامه. ولئن استحال ذلك بالصورة المادية، فهو مُمكِن بقوة الخيال؛ فكلما ازداد الإنسان قدرةً على أن يضع نفسه بخياله في جِلد غيره ليشعر مثل شعوره، كان أقرب إلى المُشارَكة الوجدانية الكاملة. وإذن فالمشاركة الوجدانية — التي هي مِلاط المجتمع وبغيرها لا يكون إصلاح — تعتمد قبل كل شيء على قوة الخيال، ومهمة الشعر الأولى — بل الوحيدة — هي أن يُخاطِب في الإنسان خياله. الشعر لا يُخاطِب القوة العاقلة، بل يتجه فينا إلى المَلَكة التي تتقبل الفكر والشعور في آن معًا، ملكة الخيال. الشعر يُقوِّي فينا تلك المَلَكة التي تُمكِّننا أن نصير — ولو مَدى لحظة قصيرة — أشخاصًا غير أنفسنا. وسواءٌ أصِرنا بفعل الشعر وقوة الخيال ملائكةً أو شياطين، فحسْبنا أن تكون لنا بفضل الشعر هذه القدرة التي ننقلب بها هذا الشخص أو ذاك، ساعةً من زمان لنشعر بشعوره، فنألم لألمه أو نُسَر لسروره. لو أكسبك الشعر هذه القدرة العجيبة فقد أدى مهمته الكبرى، ولا عِبرة بعد ذلك أكانت وسيلته إلى هذه الغاية أن يُلبِسك ثوب «إياجو» القاتل أو «دزدمونا» الملائكية الرقيقة. فليضعك الشعر في إهاب من شاء من صنوف البشر، إن كانت النهاية أن تظفر بالقدرة على مُشارَكة غيرك في وجدانه. إن ما يهمُّنا من الشعر أن يكون شعرًا، ولا نزنُ بجناح بعوضة موضوع الشعر الذي يُعالِجه، وإنما يهمُّنا الشعر لذاته؛ لأننا لا نرى وسيلة للإصلاح الخُلقي والاجتماعي سوى أن يشعر الفرد بشعور غيره، ولا تتحقق تلك الوسيلة إلا بقراءة الشعر قراءة صحيحة. ١ Solitary Reaper. ٢ Pippa Passes, Brouning. ٣ اقرأ تحليل القصيدة بأكملها في كتاب «مع المتنبي» للدكتور طه حسين بك. فنون الأدب
الفصل الثاني النقد الأدبي عالَجنا في الفصل الأول كيف نقرأ الشعر لا كيف ننقده، ونعود فنُذكِّرك أننا نقصد بالشعر في هذا الكتاب كل ضروب الأدب؛ قصائد الغناء والملاحم والقصص والمسرحيات، ولعلك تذكُر أننا فرَّقنا بين قراءات ثلاث؛ قراءة الشعر قراءة فيها خَلق وإبداع، نعيش فيها بخيالنا مع الشاعر في تجاربه وخوالج نفسه، وقراءة نقدية نتبيَّن فيها مَدى نجاح الشاعر وتوفيقه في رسم الصور، لنرى هل ساقها ناصعة حيَّةً ترتسم في ذهن القارئ، بمثل ما ارتسمت في ذهنه وهو يُنشئ، أو كان دون هذه الغاية مُقصِّرًا عاجزًا، ثم قراءة ثالثة ليست بذات خطر، نناقش فيها آراء الشاعر من حيث هي خطأ أم صواب. فأنت إذا ما فرغت من قراءة مجموعة من القصائد قراءةً فنية أجرَتها في دمائك وأشاعتها في نفسك، أحسَست رغبةً في مُقارَنة تلك القصائد إحداها بالأخرى لتعلم أيها أقوَم، وهذه ما نُسمِّيها بالقراءة «النقدية»، وهي ما تزال — كالقراءة الفنية الأولى — تنظر إلى الشعر شعرًا خالصًا، وليست تُعنى في كثير أو قليل بالبحث في قيمة القصيدة الخُلقية والفلسفية. فسواءٌ لديها أجاءت القصيدة حافزة على الفضيلة أو داعية إلى الرذيلة، وسواءٌ أكانت مُصيبة الرأي أم كانت في رأيها على ضلال؛ فالنقد الأدبي مَعني بصورة الشعر دون موضوعه. النقد الأدبي كما نفهمه — وكما نُريد لقُرائنا أن يفهموه — من شأنه أن يُحلِّل وقْع القصيدة في نفس قارئها، ثم يتعقب عناصر القصيدة ومُقوِّماتها ليرى بأي هذه المُقوِّمات والعناصر أحدثت القصيدة ما أحدثته من أثر. ولهذا النقد الأدبي — أو إن شئت فقُل لهذه القراءة النقدية للشعر — قيمةٌ كبرى؛ لأنها — وقد كشفت لنا عن عوامل التأثير في القصيدة — تزيد من تقديرنا للقصيدة بنقل خصائصها من اللاشعور إلى الشعور؛ فقد تأثَّرنا بها في القراءة الأولى بغير عقولنا، وأُعجِبنا بها ونحن في ذهول عن وعينا، وها نحن أولاء نُسلِّط عليها العقل والقوة الواعية حين نقرؤها للمرة الثانية قراءة النقد والتحليل، في هذه القراءة النقدية نستكشف عن وعي وشعور قوة هذا اللفظ وأثر تلك الصورة، وسنجد بعد الكشف ظلالًا لطيفة دقيقة في الصور والألفاظ كانت قد غابت عنا في القراءة الأولى؛ لأننا كنا بسِحر الوقع في شغل عن الأجزاء، ولكن لا يغيبنَّ عن ذهنك أن القراءة «النقدية»، لا بد أن تسبقها قراءة «إبداعية» تتمُّ بقوة الخيال وحده، تُتابِع فيها الشاعر بخيالك أنَّى سار؛ فيخفق قلبك إذا خفق، وتحزن إن حزن وتنتشي إذا انتشى، ولا تتلكأ من دونه لحظة لتنظر إلى هذه اللفظة أو هذه الصورة ما أثرُها وما خبرها؛ فتلك مهمة القراءة الثانية، قراءة النقد، ثم لا يغيبنَّ عن ذهنك أيضًا أن القراءة النقدية قيمتها في نسبتها إلى القراءة «الإبداعية»، فليست بذات شأن في ذاتها، إنما كل القيمة وكل الشأن للقراءة التي نعيش فيها مع الشاعر، فهي المبدأ والمُنتهى، وما قراءة النقد إلا وسيلةً تزيد من تلك القراءة الإبداعية الأولى قوةً وأثرًا. وإذا ما أخذ رجال النقد في مهمتهم، وطفقوا يقرءون الشعر ليُحلِّلوه، ويردُّوا كل أثر له إلى عناصره، تحتَّم عليهم أن يتواضعوا على أسماءٍ يُطلِقونها على فنون الشعر وصوره؛ فهذه «ملحمة» وتلك «قصيدة غنائية» وثالثة «نشيد»، وهذه الخاصة في الشعر نُسمِّيها «بحرًا»، وتلك الطريقة في التعبير نُطلِق عليها «استعارة» أو «تشبيهًا»، ولنُسمِّ هذا الاتفاق في أواخر الأبيات «قافية»، وهكذا وهكذا حتى بلغت هذه المصطلحات وأشباهها ألوفًا. ولما كانت غايتنا في هذا الفصل أن نشير في اختصار إلى أهم المسائل التي اجتمعت عليها آراء الناقدِين، كان لزامًا علينا أن نتكلم بلغتهم، وأن نُقدِّم للقارئ أشيع المصطلحات التي يستخدمها رجال النقد في كلامهم. الأدب كله فن وتعبير، فلكل كاتب طريقته في إخراج معانيه، وتلك الطريقة الخاصة في إخراج المعاني هي ما نُسمِّيه «أسلوبًا». وقد يبدو للوهلة الأولى أن الأساليب مهما اختلفت وتباينت؛ فمقياس الحكم لها بالجودة أو عليها بالسوء واحد لا يتغير، وهو قدرة الأسلوب على التعبير الكامل ما دامت مهمته الأولى أن يُعبِّر؛ فالأسلوب الجيد هو ما استطاع أن يُعبِّر عما يُريد إخراجه من خلجات الشاعر تعبيرًا يكون له أعمق الأثر في نفس السامع أو القارئ. «فاثنان واثنان أربعة» مثال للعبارة وقد بلغت بتعبيرها حد الكمال؛ لأنها لم تُبقِ في نفس القائل شيئًا، ولم تترك أمام القارئ أو السامع مجالًا للَّبس والغموض، ذلك ما قد يبدو للوهلة الأولى، والواقع أن تقدير الأسلوب الجيد ليس مسألة هيِّنة تعتمد على أساس علمي واضح، كما يدل عليه هذا المثال. نحن نُسلِّم بالمبدأ ونُقِر ببساطته؛ فأجود الأساليب هو أبلغها إحاطة بما يُراد قوله، لكن الصعوبة تبدأ حين نتساءل: ما الذي يُراد قوله لكي نرى هل أدَّاه الأسلوب أداءً حسنًا أو لم يُؤدِّه؟ فبديهيٌّ أنك لا تستطيع الحكم على وسيلة إلا إذا عرفت الغاية، فلا حكم على الأسلوب إذا لم تعرف «المعنى» الذي خُلِق ذلك الأسلوب لأدائه. ولقد رأينا في حديثنا عن الألفاظ أن الكلمة فيها — إلى جانب معناها العقلي — حشدٌ عظيم من دقائق الشعور قد يهتزُّ لها كياننا كله، وفي هذه الدقائق يختلف المعنى من شخص إلى شخص؛ إذ قد تُثير فيك اللفظة المُعيَّنة من الذكريات ما لا تُثيره في سواك، لكن في الحياة جوانب أخرى نستجيب لها بعقولنا وحدها، ولا دخل لشعورنا فيها، هي هذه الجوانب التي يبحثها العلماء والرياضيون، كتركيب الهواء وزوايا المثلث وتشريح الزهرة وتحليل الشعاع وما إلى ذلك من حقائق، الناس كلهم إزاءها سواء؛ فإذا ما تحدَّث في شأنها مُتحدِّث تكلَّم بعقله ليُخاطِب سائر العقول، وهو إذ يتكلم لا يكون إلا فردًا من الجنس البشري يُوجِّه الكلام إلى العنصر المُشترَك في سائر الأفراد، هو لا يُدخِل جانبه الشخصي في كلامه، ذلك الجانب الذي يتميز به الأفراد بعضهم من بعض؛ فالعقول في الناس كلهم تنظر إلى الأمور من وجهة واحدة، أما المَشاعر فمُختلِفات، لكلٍّ فيها وجهته وشخصيته؛ ومن ثَم كان التعبير العلمي يقوله هذا، هو نفس التعبير يقوله ذاك، ويقوله أُلوف الناس من أقصى الأرض إلى أقصاها، لا سبيل إلى خلاف بينهم فيه. ولعل ذلك ما حدا بالعلماء أن يُؤثِروا الرموز على الألفاظ، فرمز كهذا «ا٢» معناه واحد، لا يختلف قيد شعرة عند أهل الأرض جميعًا، في هذا الزمان وفي سائر الأزمان، لكننا لا نستجيب بعقولنا المُشترَكة وحدها إلا لرموز علمية كهذه، أما ما خلا ذلك من صنوف الكائنات التي تُعَد بالألوف وألوف الألوف، فإنما نستجيب لها بكل كياننا؛ ومن هنا كانت استجابتي للشيء هي استجابتي وحدي دون سواي، أختلف فيها عما يستجيب به كل إنسان خلاي، بمقدار ما تختلف طبائعنا ومشاعرنا بعضها عن بعض؛ فقد تجد الرجلَين يتحدثان فيما يبدو لك أنه شيء واحد، وإذا الحديثان يختلفان، وإذا وجهتا النظر لا تلتقيان، وإذن فهما يتحدثان في حقيقة الأمر عن شيئَين، ما داما ينظران إلى الشيء من وجهَين، أو ما دام للشيء الواحد في نفسَيهما أثران مختلفان؛ فإذا أراد كاتب من هذَين أن يُعبِّر عما في نفسه فماذا هو صانع؟ لا بد له أن يُعبِّر بشيءٍ نفهمه جميعًا، ثم يُضيف إليه أو يُلوِّنه ويصبغه بلون نفسه وصبغة شخصه. وعلى كل حال لا بد لأسلوبه — إذا ما أراد التعبير عما في نفسه إزاء الشيء المُعيَّن — أن يُخرِج مكنون نفسه، ويُفصِح عن حقيقة حسِّه، مهما يكُن في ذلك من ضروب الخلاف بينه وبين سائر الناس. ولعل هذا ما نُريده حين نقول «الأسلوب هو الإنسان»، وفي هذه العبارة وحدها ما يدل على استحالة أن نُقيم ميزانًا دقيقًا نُفرِّق به بين الأساليب، فنقول هذا أسلوب من الطراز الأول، وذاك أسلوب من الطراز الثاني وهكذا؛ إذ يستحيل علينا أن نتبين ما يُريد الكاتب أن يُفصِح عنه إلا خلال لمحات شخصية دقيقة ينثُرها في أسلوبه هنا وهناك، والتفرقة بين العناصر الشخصية عسيرة صعبة، أو هي ضرب من المُحال. ولكن ما لنا ولهذه المشكلة التي ربما انحدرت بنا إلى مسألة عويصة مُعقَّدة، وقد أخذنا أنفسنا منذ البداية أن نقف في أمورنا مع أوساط الناس، وسنجد في ذلك ما ينفع ويُفيد؛ فلئن كانت أساليب الناس تختلف باختلاف طبائعهم وأشخاصهم، فلا شك أننا نستطيع رغم ذلك أن نلتمس مُميِّزات عامة وخصائص مُشترَكة تُقسِّم لنا أنواع الأساليب أنماطًا وطبقات، ثم نستطيع أن نتبين عناصر تلك الخصائص والمُميِّزات لكي نرى على أي نحوٍ تعمل على جودة الأسلوب؛ أي أنه في مقدورنا — رغم الصعاب كلها — أن نُحدِّد الصفات التي تجعل الأسلوب أداة جيدة للتعبير عما يُريد كاتبه أن يُعبِّر عنه. لو كان غايتك أن تُوضِّح فكرة توضيحًا محدودًا جليًّا، لَكان الأسلوب المثالي في التعبير هو صيغ الجبر وما إليها من رموز الرياضيين والعلماء، وإن أردت بالقول أن تُقيم برهانًا وتقرع حُجة ثم لا شيء بعد ذاك، كانت طريقة إقليدس في التدليل على مسائل الهندسة خير نموذج يُحتذى، تُريد بكل لفظة غرضًا معلومًا ومعنى محدودًا، ولا تُجيز لنفسك أن تضع كلمة تزيد عن حاجتك، وتأخذ نفسك أخذًا لا هوادة فيه في بناء الجمل والفقرات بناءً منطقيًّا، تُتابِع فيه المُقدِّمات والنتائج، لكن ذلك الأسلوب أدخلُ في باب العلم منه في باب الأدب؛ فلئن طالبنا الأديب — كائنًا ما كان فنه الذي يكتب فيه — أن يُعنى في تعبيره بمثل هذا الوضوح النافع، فلا بد أن نُجيز له إلى جانب ذلك أن يُخاطِب بأسلوبه شيئًا غير العقل، وأن يصطنع في سبيل ذلك شيئًا غير الترتيب المنطقي الصارم للجمل والفقرات. نعم قد تجد من أمراء البيان من يستخدم الأسلوب المُحدَّد الواضح الذي يُخاطِب العقل قبل أن يُخاطِب ناحية أخرى من قارئه؛ فهذا هو «سوفت» صاحب «رحلات جلفر»، يصطنع هذا الأسلوب الذي قوامه مادة وعظام، تلتمس فيه شيئًا من طراوة اللحم أو نبضات الدم فلا تجد، وإنما اختار لنفسه هذا الأسلوب؛ لأنه خير وسيلة تُعينه على أداء غرضه المقصود، لكن ما كل كاتب هو هذا، وليست أغراض الإنشاء كلها شبيهة بما كان يرمي إليه هذا الكاتب، فالكثرة العظمى من أرباب الأقلام تنشُد التأثير في قرائها عن غير طريق المنطق، أو قُل إنها تستخدم المنطق في نطاق ضيق محدود. وهذا هو «أدسن» الذي عاصر «سوفت» في أوائل القرن الثامن عشر، والذي برع في المقالة الأدبية براعةً طارت بذِكره في الخافقَين، تراه يكتب في سبيل غاية نفعية، يكتب ليُصلِح، فيُناشِد في قُرائه عقولهم ليسوق إليها الحجة المُقنِعة والدليل الناهض، وذلك بأسلوب تستطيع أن تسلكه في عِداد الأساليب المستقيمة البسيطة العلمية، لكنه إلى جانب ذلك يُريد أيضًا أن يأخذ على قُرائه مشاعرهم، وأن يُثير فيهم العواطف الإنسانية التي يعهدها كل إنسان في نفسه. فهذا — إذن — ضرب آخر من الأسلوب يُخاطِب العقل والشعور جميعًا؛ من أجل هذا تراه يتأنَّق في أسلوبه ليُخرِجه خفيفًا رشيقًا سلسًا مُستساغًا، فاستطاع بذلك كله أن ينفخ الحياة في نثرٍ يُستخدم في التعبير عن ضرورات الحياة على نحو ما تُلاقينا يومًا بعد يوم وساعة في إثر ساعة. ودع هذَين الكاتبَين بأسلوبَيهما المُختلِفَين، وانظر إلى خطيبٍ يبثُّ الحماسة في الجماهير، أو واعظٍ اعتلى مِنبره ليهدي من في قلوبهم زيغ أو ضلال، أو مُحامٍ وقف أمام القضاة يدفع تهمة ويستدرُّ عطف القضاة على صاحبه المُتهَم. انظر إلى هؤلاء جميعًا تجدهم — في الأعم الأغلب — لا يقصدون إلى إقناع بالحجة والبرهان، بل يُريدون التأثير بالاستمالة، والاستهواء واللعب على أوتار العواطف، هم يُخاطِبون الشعور ولا يُخاطِبون العقل، يتجهون إلى القلب ولا يتجهون إلى الرأس؛ ولذلك كان من خصائص الأسلوب الخطابي الجيد أن يستخدم الصور ليفتن بها نواظرنا، والألفاظ الفخمة الرنانة التي تُزلزِل الأرض تحت أقدامنا. ومن خصائص الأسلوب الخطابي الجيد أن يُكثِر من المُحسِّنات لعله يتحكم في الأفئدة، ولو جاء ذلك على حساب العقول. انظر إلى «ملتن» في خطابه المشهور الذي وجَّهه إلى نُواب الأمة دفاعًا عن حرية الكتابة وقد خنقوها حين كمُّوا أفواه الكاتبِين بقوة القانون، ترَ الخطاب قد كسب المعركة واستولى القلوب، مع أنه واهي الحجة ضعيف البرهان، وإنما نجح الحطاب بالعاطفة المُلتهِبة التي سرت في ألفاظه فأشعلت شعور السامعين أو القارئين، لا بما فيه من قوة الإقناع، أو بما أعوَزه من قوة الإقناع بتعبير أصح. إنه خطاب تتمثل فيه فصاحة القول بأجلى معانيها، و«الفصاحة»١ في عُرف النقاد هي أن تدور بالحديث حول الموضوع ولا تمسَّ قلبه وصميمه. وهكذا تستطيع أن تمضي في التفرقة بين الأساليب، وبيان ما يُجوِّد كلًّا منهما؛ فلِلصحافة أسلوب، وللتاريخ أسلوب، وللرسائل أسلوب وهكذا، وفي كل نوع من هذه الأساليب فروع وضروب تُميِّز بينها فواصل وفروق. خُذ أعلام القصة تجد لكلٍّ أسلوبه الذي يُلائم غايته. وهل يسع قصصيًّا مثل «مردث» يُصوِّر طائفة من الرجال والنساء امتازوا بالثقافة العالية والحياة المتحضرة، إلا أن يستخدم الصنعة في أسلوبه، فيكون تناسبٌ بين صنعة الأسلوب وتلك الحياة التي أخرجتها الحضارة والثقافة عن طبيعتها؟ أم يسع قصصيًّا مثل «هاردي» اختار من الحياة لونًا جادًّا مُستقِرًّا ثابتًا، إلا أن يُقيم أسلوبه من لبِنات راسخة راكزة، كأنما هي عُمدٌ يبني بها بناءً أشم يُطاوِل في ثبوته رواسخ الجبال؟ فجاءت عباراته رصينة دسمة واضحة مُحدَّدة، تقع من موضعها في أنسب مكان يُلائم البناء. وكما يختلف القصصيون يختلف كتاب المقالة وسائر فنون الأدب. فبين كُتاب المقالة فروقٌ شاسعة، حتى ليعجب الإنسان كيف تجتمع كلها تحت صورة واحدة من صور الأدب. فهل تجمع هذه الصنوفَ المُتفاوِتة من المقالة الأدبية صفاتٌ مشتركة إلى جانب اشتراكها في القِصر؟ هذا سؤال تقتضي الإجابة عنه عودة إلى الأساليب الأدبية وخصائصها، فيجمل بنا أن نُعرِّج حديثنا على أدب المقالة؛ ليكون حديثنا عن الأسلوب مُتصِلًا، ولو أن ذلك سبقٌ لترتيب الكتاب؛ إذ الكلام في الصورة الأدبية له في الكتاب موضع آخر. لقد تواضَع رجال النقد على أن يُطلِقوا كلمة «مقالة» على كل ضروب الكتابة النثرية، إن قصُر طولها وعالَجت موضوعًا واحدًا (وقد تكون المقالة نظمًا، ولذلك أمثلة قليلة)؛ ولهذا كان مدى التفاوت بعيدًا جدًّا بين مختلف صنوف الإنشاء التي تقع تحت هذا الاسم؛ فالبحث العلمي القصير مقالة، كالرسالة العلمية التي كتبها «لوك» عن طريقة اكتساب الإنسان للمعرفة، وأطلق عليها «مقالة في العقل البشري». والقطعة الأدبية الفنية مقالة، ومثال ذلك مقالات «لام»، وهذا النوع من المقالة لا يُضيف إلى العلم الإنساني علمًا جديدًا، ولا يُقدِّم للقارئ معرفة، إنما يقصد إلى إمتاعه ولذته بما فيه من فن جميل. وبين هذَين الطرفَين — المقالة العلمية من ناحية، والمقالة الأدبية من ناحية أخرى — تتفاوت المقالات درجاتٍ في دُنُوها من هذا الطرف أو ذاك؛ فمنها ما هو إلى العلم الخالص أقرب، ومنها ما هو إلى الفن الخالص أدنى، ومنها ما يجمع الغايتَين في آن معًا. فإن كان «لوك» مثالًا للفريق الأول، و«لام» مثالًا للفريق الثاني، فخير مثال نسوقه للفريق الثالث «ماكولي» الذي يُحاوِل في مقالاته أن يكون مُؤرِّخًا علميًّا يتوخَّى الحق وصدق الرواية، وأن يكون فنَّانًا في ألفاظه وعباراته في وقت واحد، يُحاوِل ماكولي بأسلوبه ما يُحاوِله الخطيب، يظهَر للناس كأنما هو يُدير القول في موضوع عقلي منطقي، لكنه رغم ذلك لا يرجو أن يُؤثِّر عليهم بحجته ودليله بقدر ما ينفذ إلى قلوبهم بقوة العبارة وحسن البيان؛ وبهذا المقياس نفسه نستطيع أن نقدُر الكثرة الغالبة من المقالات الأدبية، لولا أننا نجد المقالة عند «لام» لا تخضع لهذا المقياس؛ فبأي معيارٍ نقيس أسلوبًا كالذي نراه في مقالات «لام»؟ لن نجد معيارنا إلا إذا استعرضنا تاريخ المقالة الأدبية؛ فقد يُعيننا هذا العرض التاريخي على فهم طبيعة هذا الفن الأدبي، فكثيرًا ما يكون الكشف عن مراحل التطوُّر وسيلة تُلقي ضوءًا على طبيعة المُتطوَّر وقوامه. فما «المقالة» التي نسلُكها في عِداد الفنون الجميلة، والتي ليست من قبيل البحوث العلمية؟ «المقالة» التي تُكتَب لذاتها ولا يُقصَد بها أداء معنًى وراءها؟ يقول مُؤرِّخو الآداب إن الكاتب الفرنسي «مونتيني» هو رب المقالة ومُنشِئها في القرن السادس عشر، بعد أن لم تكُن، وقد كان «مونتيني» وهو يكتب مقالاته عالمًا بأنه يُنشئ شيئًا جديدًا لم يسبقه إليه أديب آخر، فقد أحسَّ في نفسه الرغبة أن يكتب شيئًا يختلف في جوهره عما ألِف السابقون أن يكتبوه، أراد صورةً أدبية، أو قُل أراد قالبًا أدبيًّا يصبُّ فيه خليطًا من الصفات التي وإن تكُن سطحية مُتناقِضة في ذاتها إلا أنها مع ذلك تُصوِّره لأنها قوامه وجوهر كيانه، فليس من شك في أن هذا الفرد «ميشيل مونتيني» يختلف في خليط صفاته، من ذوق وشهوة وعادة وأسلوب في التفكير، عن سائر الناس، وأراد أن يُخرِج من نفسه عناصره التي تُكوِّن فرديته هذه التي لا يُشارِكه فيها إنسان آخر، لكن عناصر الشخصية الفردية مُتبايِنة لا حد لتبايُنها، فلا بد له — إذن — من قالب أدبي مرِن شديد المرونة، بحيث يسع ما ينطبع على النفس من آثار عارضة، لا بد له من قالبٍ تحتمل حدوده أن يُطلِق فيها مكنون نفسه الجياشة إطلاقًا لا ينقطع ولا تضبطه الضوابط، في ظاهره على الأقل. ستقول: ولماذا لم يُعبِّر عن مشاعره وخواطره في قصيدة غنائية أو قصائد؟ أليست القصيدة الغنائية عند الأدباء وسيلة التعبير عن الذات وما يضطرم فيها من عواطف تُميِّزها وتطبعها بطابع خاص؟ وفاتك أمر خطير، هو أن القصيدة الغنائية تُعبِّر عن الذات تعبيرًا يعلو بالذات ويسمو بها، القصيدة الغنائية لا تُصوِّر الذات بكل ما فيها من أوجه النقص وأوجه الكمال؛ لأن طبيعة الشعر المنظوم تدعو إلى التسامي، لكن «مونتيني» أراد أن يسكب نفسه بكل ما فيها على القرطاس. إذن فقد أراد للقصيدة الغنائية أن تُنثَر، أراد قصيدة غنائية تتراخى أوتارها، فكانت له بهذا التحوير «المقالة» الأدبية، المقالة الأدبية في صميمها قصيدة غنائية وجدانية سِيقت نثرًا لتتسع لما لا يتسع له الشعر المنظوم من بعض عناصر الذات. فإن شئت قانونًا يضبط لك «المقالة» من حيث الصورة، فاعلم أنه قدرتها على التعبير عن خوالج النفس في سيرها الذي لا يجري على نظام واطراد. قد تكتنف الأديبَ حالةٌ نفسية خاصة، فتجري في ذهنه سلسلة من الخواطر المُتناثِرة التي تتصل بتلك الحالة النفسية السائدة، فتُؤثِّر فيها وتتأثر بها، فإن استطاع أن يصبُّ هذا السيل من الخواطر كما يجري في ذهنه، فقد أنشأ «مقالة أدبية». الخواطر في المقالة الأدبية تتصل بصِلات من العاطفة أو الخيال؛ أعني أن خاطرًا يلحق خاطرًا ويتبعه، لا لأن بينهما علاقة منطقية كالتي تأتي بالنتيجة وراء سببها، بل لأن هذَين الخاطرَين مُرتبِطان في خيال الأديب أو مُتصِلان بعاطفته. كاتب المقالة الأدبية يكتب وكأنه يتحدث في سَمَر حديثًا مُطلقًا من كل قيد، فيدع الخواطر يسوق بعضها بعضًا بما بينها من روابط تستدعي تتابُعها وتداعيها دون أن يُعمِل في ذلك عقله ومنطقه ليُنظِّم الترتيب والسياق. هكذا بدأ مونتيني أدب المقالة على وجه الصحيح، فجاء من بعده وأخطئوا خصائصها على قُرب الزمن بينهم وبينه؛ فها هو ذا «بيكن» — وتكاد شهرته في عالم الأدب ترتكز على مقالاته — يتناول الفن الأدبي الوليد، فيُحطِّم أركانه تحطيمًا، ويكتب لنفسه مقالة من نوع آخر، فمقالته بحث بغير نظام في موضوع مُنظَّم، يسوق الآراء في موضوعٍ مقالته مُتلاحِقة، كأنه يرصُّ خرزات ليُنشئ منها عقدًا، فالخرزات مُنفصِلة ولكنها مُتعاوِنة على إنشاء العقد في نهاية الأمر. فليس التعبير عن خصائص الذات وعناصرها ومشاعرها هو كل شيء في مقالة «بيكن» كما كان كل شيء في مقالة «مونتيني»، لكن أعلام «المقالة» في الأدب الإنجليزي «كاولي» و«أدسن» و«جولد سمث» أخذوا بعدئذٍ يتعهَّدون هذه الصورة الأدبية الناشئة، ويُبرِزون خصائصها وصفاتها، حتى جاء «لام» فبلغت به المقالة ذروة الكمال، وعندئذٍ عادت المقالة الأدبية كما بدأت عند مُنشِئها وخالقها، تُعالِج الجوانب التي تجعل من الفرد فردًا مُتميِّزًا، وتُخرِج من نفس الأديب ما يجعلها ذاتًا قائمة بنفسها، مختلفة عن سواها. ولم تكُن مُصادَفةً أن تنشأ المقالة الأدبية على يدَي مونتيني في القرن السادس عشر، حين تحكَّمت النزعة الفردية في عقول الناس وسادت تفكيرهم، فطبيعي لهذه الفردية الطاغية أن تبحث لها في الأدب عن مخرجٍ تتنفَّس منه، والمقالة الأدبية خير مخرج لها. ولم تكُن كذلك مُصادَفةً أن ينشأ إذ ذاك أيضًا أدب التراجم في صورة جديدة، فلِأول مرة في تاريخ الأدب كُتِبت سِيَر الرجال بدقائقها الشخصية وتفصيلاتها الذاتية. فإن كانت الغاية من المقالة الأدبية أن تُعبِّر عن خليطٍ يُكوِّن في مجموعه ذاتية الفرد تعبيرًا يبعد عن جفاف الحقائق الموضوعية العلمية، ولا يسير وفق تسلسل المنطق، فالأسلوب الجيد في المقالة يجب أن يكون ذاتيًّا لا ينبني على أساس عقلي، ولا يبسط حقائق موضوعية. فعُد إلى قراءة طائفة من المقالات الأدبية، وكلما وجدت الكاتب أدنى إلى من يُحدِّثك عن تاريخ نفسه فيما يكتب، إن رأيته يُرسِل الخوطر إرسالًا هيِّنًا، فتستشفُّ منها ما وراءها من حالته النفسية، فاعلم أنه قد أجاد. أما إن وجدته يُعالِج موضوعًا لا يتصل بمكنون نفسه، ويُعنى بتنظيمه وتبويبه كما يُنظِّم البحث العلمي، فاعلم أنه عن الجودة بعيد. إن ما ذكرناه عن الأسلوب يصدُق على النثر والنظم؛ فالذي يُحدِّد أسلوب الكاتب أو الناظم عناصر ثلاثة؛ استخدامه لألفاظ مُعيَّنة تُميِّزه عن سواه، ثم اتباعه لطريقة مُعيَّنة خاصة به في ترتيب هذه الألفاظ، ثم مُعالَجة موضوعاته على نحوٍ يتفرَّد به. وهذا العنصر الثالث من العناصر المُكوِّنة للأسلوب هو في الحقيقة نتيجة تتفرع عن العنصرَين الأولَين؛ فيستطيع الكاتب — مثلًا — أن يُعالِج موضوعه بطريقةٍ تُقنِع العقل بمنطقها إذا هو استخدم ألفاظه ورتَّبها في الجمل على النحو الذي يُحدِث صداه في العقل لا في القلب، كما يستطيع الكاتب أن يزيد في إنشائه من الألفاظ المشحونة بالعاطفة، ويُرتِّبها ترتيبًا من شأنه أن يُحرِّك الشعور، فيتغير أسلوبه جملةً واحدة ويُصبِح أسلوبًا عاطفيًّا. فكل الفرق بين أسلوب وأسلوب هو في الألفاظ المُختارة، وفي الطريقة التي تُساق بها هذه الألفاظ، وهذا صحيح في النثر والنظم على السواء. والفرق بين الناظم والناثر هو أن الأول يستخدم الصوت وسيلة للتعبير؛ أي أنه يُرتِّب الألفاظ ترتيبًا يُحدِث رنينًا خاصًّا يكون جزءًا من أداة التعبير. ولا شك أن صوت اللفظ جزء من معناه لو أردت المعنى كاملًا؛ فلفظة جميلة الوقع في المسامع تخلع على مُسمَّاها لونًا من الجمال لمُجرِّد حسن وقعها وجمال رنينها. فلو أسمعت رجلًا هذه الألفاظ: ورد وسوسن، وقلقاس وبطيخ، لَأدرك من فوره أن اللفظتَين الأوليَين تدلان على شيئَين أجمل مما تدل عليهما اللفظتان الأخريان، وهو لا يحتاج في هذا الحكم إلى رؤية هذه الأشياء؛ لأن في رنين الألفاظ ما يهديه. وما نظن أحدًا يقرأ هذَين البيتَين دون أن يلمس أثر رنين الألفاظ في تكوين المعنى: إذا ما غضِبنا غضبةً مُضَريةً هتكْنا حجاب الشمس أو قطرت دما فأمطرت لؤلؤًا من نرجسٍ وسقتْ وردًا وعضَّت على العُناب بالبرَدِ إذن فمن أدوات الشاعر في التعبير أن يستخدم جرس اللفظ، فيُحاوِل أن يُحاكي صوت الفعل الذي يُصوِّره في صوت الألفاظ التي ينظمها؛ فقد يُكثِر مثلًا من حروف «الضاد» و«الطاء»، كما في البيت الأول؛ ليدل على الضرب والطعن، وقد يُكثِر من حروف «السين» و«الصاد»؛ ليدل على الحرير وهكذا، ثم هو يُحاوِل أن يُحاكي صوت الفعل الذي يُصوِّره أيضًا بنوع البحر الذي يختاره؛ فبحرٌ يصلح للحركة السريعة لسرعة تفعيلاته، وآخر يصلح للحركة البطيئة لكثرة حروف المد في تفعيلاته وهكذا. غير أننا يجب أن نُشير إلى ما في هذه المُحاولة من خطر؛ لأنها كثيرًا ما تُعرِّض الشاعر إلى صناعةٍ تخرج به عن جمال الطبع وحسن السليقة، نقول ذلك دون أن نغضَّ من شأن الجرس في قوة التعبير، ولا ينشأ هذا الأثر من كل لفظة على حِدة بوجود تناسُب بين صوتها ومعناها، بل من تتابُع الأصوات في سلسلة من الألفاظ، وذلك ما نُسمِّيه بالوزن، والوزن هو أعظم ما يُميِّز النظم من النثر. وللنثر وزن كما للنظم، والفرق في درجته واطراده؛ فقد تجيء في النثر عبارة موزونة على بحر مُعيَّنٍ تَليها عبارة من بحر آخر، تليها ثالثة لا وزن لها. أما في القصيدة فالوزن مُطرِد مُنتظِم في الأبيات كلها، وليس من شك في أن لهذا الوزن أثره في قوة التعبير، وسنتناول ذلك بشيء من التفصيل فيما بعد. وحسبنا الآن أن نُشير إلى حسن وقعه في الأذن، مما يُحدِث في السامع لذة كالتي تُحدِثها الأنغام المُتسِقة أيًّا كان نوعها ومصدرها؛ فالإنسان مفطور بطبعه على إيثار الصوت الموسيقي المنغوم. والوزن في النظم أنواع تُسمَّى «بُحورًا»، والعلم الذي يضبط قواعدها يُسمَّى «عَروضًا». وتُجيز قواعد العروض في الشعر الإنجليزي أن يختلف الوزن في أبيات القصيدة الواحدة؛ فقد وجد الناظمون بفطرتهم الموسيقية الموهوبة أنه لو تتابَعت مجموعة من الأبيات على أوزان مُعيَّنة، كوَّنت مجموعة موسيقية جميلة النغم جميلة التوقيع؛ ومن ثَم تواضَع الشعراء على نظام مُعيَّن في بناء المقطوعات الشعرية، فهنالك المقطوعة الرباعية التي يتألف بيتاها الأول والثالث من أربع تفعيلات، والثاني والرابع من ثلاث، ويجدون أن هذه المقطوعة تُلائم الترانيم، وهنالك المقطوعات السباعية التي أُغرِم بها «تشوسر»، والتُّساعية التي آثَرها «سبنسر» ونسبت إليه، وهكذا. وأبيات المقطوعة الواحدة لا تختلف في أوزانها فحسب، بل كذلك في قوافيها؛ ففي الرباعية مثلًا تتحد القافية في البيتَين الأول والثالث، وفي الثاني والرابع، وفي سباعية «تشوسر» تسير القوافي هكذا (ا – ب – ا – ب – ب – ج – ج) أي أن الأول والثالث قافية واحدة، والثاني والرابع والخامس قافية واحدة، والسادس والسابع قافية ثالثة. وفي تساعية «سبنسر» تسير هكذا (ا – ب – ا – ب – ب – ج – ب – ج وكلها وزن واحد، ثم يجيء البيت التاسع بقافية «ج» ومن وزن آخر) لكن القافية ليست شرطًا لازمًا في هذه المقطوعات؛ فالشعر القديم كله خالٍ من القافية خلوًّا تامًّا، وكذلك تخلَّص من قيد القافية كثير من الشعراء المُحدَثين. ومن أشهر المقطوعات الشعرية التي تُعرَف وتتميز بنظام القوافي في أبياتها، المقطوعة الأربع عشرية، وهي تقوم بذاتها وحدة مُستقِلة — وليست كسائر المقطوعات السالفة تكون أجزاءً من قصيدة كبرى — والمقطوعة الأربع عشرية أنواع تختلف باختلاف قوافيها. ولكل من الشعراء الفحول في الأدب الإنجليزي طريقة في تقفية مقطوعة، نخصُّ منهم بالذكر «سبنسر» و«شيكسبير» و«ملتن». فالشعر في الأدب الإنجليزي يقع من حيث الوزن والقافية في ثلاثة أنواع: (١) الشعر المُرسَل الذي يجري بغير قافية. (٢) وشعرٌ تزدوج فيه القافية، فيكون لكل بيتَين مُتعاقِبَين قافية واحدة، وتُسمَّى الوحدة فيه بالدوبيت. (٣) وشعرٌ تتألف القصيدة فيه من مقطوعاتٍ تسير فيها القافية على وجه من الوحدة التي ذكرناها لك منذ قليل. ولقد آن أن نُحدِّثك عن مهمة النظم بصفة عامة، مُوضِّحين القول بالإشارة إلى أنواعه الشائعة، ونُحِب أن نُذكِّرك بما أسلفناه وهو أن اطراد الأنغام والأوزان في النظم جزء من وسيلة التعبير كالألفاظ نفسها سواءً بسواء؛ وما دامت أبحُر الشعر وأوزانه أداة يستخدمها الشاعر في التعبير، فلا بد أن نبحثها من حيث علاقتها بالمعنى الذي يُراد التعبير عنه. نستطيع القول بصفة عامة إن الشعر ضربان؛ فالقصيدة إما أن تحكي عن حوادث وأشخاص وأقطار وبلاد، وإما أن تُعرِب عن الحالة النفسية الداخلية التي تسود الشاعر وهو يُنشئها. أو بعبارة أخرى، إما أن تحكي القصيدة عن العالم الخارجي، وإما أن تُعبِّر عن العالم الداخلي عند الشاعر نفسه؛ فأما النوع الأول فنُسمِّيه شعرًا قصصيًّا، أما الآخر فهو الشعر الغنائي أو الوجداني. وطبيعيٌّ أن يتداخل النوعان؛ فالقصيدة القصصية التي تأخذ نفسها قبل كل شيء بالرواية عما وقع من أفعال وحوادث، قد تُفسِح المجال آنًا بعد آن لهذا الشخص أو ذاك من أشخاصها أن يُفصِح عن مشاعره على نحو ما تفعل القصيدة الغنائية. وقد تجد قصيدة قصصية مُثقَلة بعاطفة راويها وعواطف سامعِيها والأشخاص والواردة فيها، حتى لتكاد تُخرِجها العاطفة السارية فيها من نوع الشعر القصصي إلى النوع الغنائي الوجداني، والأغاني الشعبية التي شاعت في العصور الوسطى مُعظَمها من هذا القبيل؛ فالأغنية الشعبية حكاية منظومة مُثقَلة بالعاطفة. وهنالك نوع ثالث من الشعر لا هو قصصي بالمعنى الدقيق ولا هو غنائي بالمعنى الدقيق، ولكنه يجمع طرفًا من هنا وطرفًا من هناك، وأعني به المسرحية الشعرية؛ فالمسرحية تقصُّ قصة على غير ما تقصُّها القصيدة القصصية، فهي ليست قصة في ذاتها تُروى لذاتها، إنما هي قصة يُنظَر إلى حوادثها من حيث هي مُؤثِّراتٌ تفعل فعلها في عواطف أشخاصها ومشاعرهم وحالاتهم النفسية بصفة عامة. ولكننا نستطيع لسهولة التقسيم أن نُقسِّم الشعر كله إلى النوعَين الأساسيَّين؛ القصصي والغنائي، وإنما يُعرَف الشعر القصصي عادةً باسم فرع واحد من فروعه وهو «الملحمة»؛ لأن الملاحم أقدم ضروب الشعر القصصي ظهورًا، وكان الشعر الغنائي أولَ أمره يُنشَد ليُغنَّى على قيثارة، من اسمها اشتُق اسم هذا الشعر في اللغات الأوروبية.٢ ولما كانت قصائد الغناء تفيض عادةً عن وجدان الشاعر من سرور وحزن وحب وما إلى ذلك، تطوَّر هذا الشعر بحيث اشتمل على كل قصيدةٍ تُعبِّر عن الوجدان ولو لم يقصد بها إلى الغناء. وهنا نسأل: أي لون من النظم يُلائم هذا وأي لون يلائم ذاك، بحيث يجيء التعبير أتمَّ ما يكون كمالًا وقوة؟ إن كانت القصة في الشعر القصصي تروي أعمال البطولة السامقة لجبابرة الرجال، أعمالًا كان لها شأنها في تاريخ الأمة أو في تاريخ العالم بأَسره، فبديهيٌّ أن أنسب الشعر لوصفها ما جرى في بحر فخم رصين؛ ليناسب جلاله جلالها، وقد كانت أمثال هذه الأفعال المجيدة أول ما وقعت عليه أعين الشعراء في أقدم العصور، فاختاروها وأجروها فيما نُسمِّيه بالملاحم، بأوزان وبحور فيها هذه الرصانة وهذا الجلال؛ فالإلياذة تُنبئ عن بطولة «أخيل» و«هكطور» في الحرب الطروادية التي دامت عشر سنوات، وتحكي عن تلك البطولة في شعرٍ يسوده الوقار والجلال ورصانة النغم، وهو مُرسَل لا قافية فيه، شأنه في ذلك شأن الشعر اليوناني والروماني كله. ولقد حاول شعراء العصور الحديثة أن يجدوا لهذا الشعر القصصي القديم الذي خلفته لنا آداب اليونان والرومان بديلًا في لغاتهم الحديثة، فأوشكوا جميعًا أن يبوءوا بالفشل فيما حاولوا؛ إذ لم يجدوا قصة فيها كل هذا الجلال الذي رأوه في ملاحم هومر؛ فهذا هو «سبنسر» أراد أن يتخذ الملكة اليصابات، ملكة إنجلترا في عهده، موضوعًا لملحمة، لكنه أخرج الموضوع في قصيدته الكبرى «ملكة الجن» فجاءت خلوًا من خصائص الملحمة؛ إذ قطَّع الحكاية أجزاءً مُنفصِلًا بعضها عن بعض، في كل جزء يعرض بطولة فارس من فرسانه، وحصر اهتمامه وهو يعرض بطولة الفارس في الحوادث الجزئية الباهرة اللامعة التي صادفها الفارس في سيرته، وهو في نظمه لا يتدفق بحيث يُخرِج القصة كتلة واحدة منظومة، بل قسَّم قصيدته مقطوعاتٍ تجري القوافي على نظام مُعيَّن عُرِف باسمه، وأصبحت المقطوعة الاسبنسرية لونًا من ألوان النظم في الأدب الإنجليزي؛ في كل مقطوعة ثمانية أبيات مُطرِدة الوزن تنتهي بتاسع طويل يجيء لها كالخاتمة في القطعة الموسيقية، فلا يسع القارئ إلا أن يقِف، وهكذا تفكَّكت أجزاء القصة وانتثرت خرزاتها، ولو أن ذلك لم يُقلِّل من جمال الأجزاء. ولقد شُبِّهت قصيدة «ملكة الجن» بقطعة من الحرير الجميل المُطرَّز؛ فهي رقيقة رائعة ناعمة الملمس، لكنها لا تصلح لتخليد العظماء. وهل نُخلِّد أبطالنا الأمجاد وبطولتهم العالية على لوحة من الحرير المُوشَّى؟ إن هذه القطعة إنما تُلائمها التماثيل المرمرية الرزينة الرصينة الجليلة الثابتة. وانقضى قرن بعد سبنسر، فجاء «ملتن» وطاف بخياله موضوع عظيم لملحمة عظيمة، قد يكون للناس عامةً أجلَّ شأنًا من موضوع الملحمة الهومرية نفسها، وهو عصيان الإنسان الأول وطرده من الجنة، واختار له الشعر المُرسَل أداة فأحسن الاختيار، إذ لا يصلح للملحمة من أوزان الشعر الإنجليزي إلا هذا؛ لأنه يسكب على الموضوع وقارًا وجلالًا، ويُكسِبه عظمة ورهبة. أما الشعر المُقفَّى فيكسو الموضوع نوعًا من السحر والفتنة دون العظمة والجلال. الشعر المُرسَل جليل والشعر المُقفَّى جميل، ذلك رزين وقور وهذا فاتن جذاب. إذن قد وُفِّق «ملتن» في اختيار الموضوع والأسلوب معًا، ثم زاد على ذلك أنه أجاد في شعره المُرسَل إجادةً لا زيادة بعدها لمُستزيد؛ فهو في يده مُطرِد البناء ثابته، ولا يجعل الكلمة الأخيرة في البيت تُوحي للقارئ بالوقوف، فيمضي القارئ من سطر إلى سطر كما يمضي في حديثه الموصول، ولكنه استطاع في الوقت نفسه أن يجعل توقيع الكلام على نحوٍ يُبايِن نغمة الحديث المُعتاد، بحيث يُشعِر القارئ بأنه يستمع إلى نغمات موسيقية فخمة تنبعث عن «أُرغُن» يملأ الجو بألحانه العريضة، وذلك ليُوائم بين جلال النغم وجلال الموضوع؛ فوُفِّق «ملتن» توفيقًا عظيمًا، لكنه جُوزي بما وُفِّق ثمنًا باهظًا. فلئن جاء شعره هذا الفخم الجليل الرصين مُنقطِع النظير في التعبير عن مواقف الفخامة والعظمة والجلال، فقد كان ثقيلًا وهو يروي أجزاء القصة التي لا تتطلب كل هذه الرزانة والرصانة؛ فمن أجزاء القصة ما يُروى عن أفعال دنيوية لا يلزمها جو التفخيم والتعظيم الذي يكون حول حوادث السماء الجسام، فهو مثلًا حين يتحدث عن آدم وحواء وهما يُنظِّمان شئونهما العائلية الخاصة، يستخدم أسلوبه العالي نفسه، فيكون أقرب إلى مُمثِّل المهزلة الذي يُقطِّب الجبين ويُفخِّم العبارة في غير موضع للتقطيب والتفخيم. وليس الذنب في هذه السقطات ذنب الشعر المُرسَل في ذاته، لكنه ذنب «ملتن» الذي لم يُغيِّر في أوتاره شدةً وارتخاءً بحيث يُسايِر موضوعه ويُطابِق معانيه. ومهما يكُن من أمر فما يزال الشعر المُرسَل أنسب أداة للشعر القصصي لقابليَّته العجيبة لمُسايَرة جوانب الموضوع توتُّرًا وارتخاءً؛ ذلك أن خلوه من القافية يُقرِّب مسافة الخُلف بينه وبين النثر، فيستطيع أن يهبط من سماء الشعر إلى شئون العيش الجارية، ثم يستطيع أن يعود فيعلو إلى ذروة الشعور العالي والتأمل الرفيع؛ ففيه وحده هذه القدرة على الصعود والهبوط وفقَ ما تقتضيه مراحل الموضوع ومواقفه. وهذه الصفة الرئيسية في الشعر المُرسَل هي التي جعلته الأداة التي لا أداة سواها بين ألوان الشعر في كتابة المسرحيات؛ فالمُمثِّلون في المسرحية لا ينبغي لهم أن يتحدثوا على نحوٍ يختلف عن طريقة الحديث في الحياة اليومية اختلافًا بيِّنًا، على أن تظل لهم القدرة — في الوقت نفسه — على أن يُعبِّروا عن العواطف السامية والأفكار العالية إذا ما اقتضى الأمر، فها هو ذا «هاملت» في مسرحية شيكسبير، يتحدث آونةً عن توافه شئونه، ويتأمل آونةً أخرى في الحياة، أفيجوز له أن يتكلم بنفس الأسلوب في الموقفين؟ يجب أن يهبط حين يتحدث عن شئون حياته اليومية، ثم يعلو حين يُغرِق في تأمُّلاته العميقة. والشعر المُرسَل وحده هو الذي يستطيع أن يحتمل هذا الصعود والهبوط؛ ومن ثَم كان السر في عظمته ومُلاءمته للأدب المسرحي هو هذه المرونة الشديدة التي يتصف بها دون سائر البحور والأوزان. ولقد برع شيكسبير في هذا الشعر المُرسَل براعةً ممتازة أخذت تزداد معه كلما أمعن في إنتاجه وسيطر على فنه، وحسْبك أن تقرأ له — مثلًا — «رتشرد الثالث» من نتاج المرحلة الأولى، ثم «يوليوس قيصر» من نتاج المرحلة الوسطى، ثم «الملك لير» من نتاج المراحل الأخيرة؛ لتعلم كيف كان هذا العبقري يسير في فن الشعر المُرسَل بخطوات الجبابرة حتى بلغ به أوج الكمال. لكن ليس الشعر القصصي الإنجليزي كله شعرًا مُرسَلًا، فهنالك بحر آخر يأتي بعد المُرسَل في صلاحيته للقصص، وذلك هو بحر «الدوبيت»، والدوبيت بيتان على قافية واحدة، يغلب فيهما أن يتألف الواحد منهما من خمس تفعيلات أيامبية، والتفعيلة الأيامبية هي التي تتألف من جزأين يقع الضغط الصوتي على ثانيهما ولا يقع على الأول. وكان تشوسر أول من استخدم هذا البحر في حكاياته المشهورة في القرن الرابع عشر، وهو خير من المقطوعة التساعية الاسبنسرية في سياق القصة؛ لأن الدوبيت الواحد أقل من أن يكون وحدة معنوية مُستقِلة، فلا تتفتت القصة أجزاءً وتتناثر، كما هي الحال في قصة تُروى بالمقطوعات الاسبنسرية، التي فيها يقف الذهن وقفة في ختام كل مقطوعة، فلا يتصل حبل القصة. الدوبيت بحر يصلح للقصة؛ لأن وحداته تبدو كأنها الخطوات السريعة التي تخطو بالقارئ إلى الأمام، وكل خطوة فيها من القِصر بحيث يتقدم بها القارئ في القصة ولا يتحدد بها اتجاه مُعيَّن، فيظل الكاتب مُمسِكًا بزمام السير والسياق يُوجِّهه كيفما شاء؛ وإذن فالزوج يتلو الزوج من هذا البحر، يُهيِّئ الحركة التي هي أهم عناصر القصة، وفضلًا عن ذلك فإن الدوبيت يميل بطبيعته إلى أن يكون مُطرِدًا في انتظام لا يعرف الشذوذ، كأن وحداته قِطع مُتساوية أخرجتها آلة على صورة واحدة؛ فكل وحدة بيتان مقسومان بالقافية إلى نصفَين مُتساوِيَين، وكل بيت تتوازن فيه التفعيلتان الأُولَيان مع التفعيلتَين الأخريَين، يتوسطها تفعيلة وسطى كأنها للطرفَين بمثابة المحور. هكذا ترى للدوبيت حركة مُرتَّبة النغم حسنة التوقيع، تسير ضرباتها في انتظام صارم كأنها كتيبة من الجند تسير بخطوة واحدة ثابتة، لكن هذا الانتظام السوي نفسه هو للدوبيت نقيصةٌ تهبط بمنزلته في حكاية القصة دون منزلة الشعر المُرسَل. وقد حاول «دريدن» — في أواخر القرن السابع عشر — أن يُعالِج في الدوبيت هذا النقص، فغيَّر من مواضع الوقف بحيث تتباين الأزواج ولا تقع في الأذن رتيبة مملولة، لكن محاولته إن أفلحت في التغلُّب على الرتابة المُمِلة، فقد بقيت أزواج الأبيات على استوائها واطرادها الذي يمنعها من العلو إلى الذروة ساعةَ تعلو العاطفة ويسمو الفكر بجناحَيه. يستطيع الدوبيت أن يصعد بالعاطفة والفكر خطوة فوق المجال العادي المألوف في الحياة اليومية، لكنه يعجز عن الضرب في أجواز السماء إلى أوجها، كما يعجز — عادةً — عن الهبوط إلى العادي المألوف. هو أصلح ما يكون في قصة تموج بالحوادث الخلابة التي تستوقف الأنظار بغرابتها، بحيث تكون حوادث القصة هذه هي مركز الانتباه ومحور الاهتمام، بل ربما كان الدوبيت أصلح بحور الشعر جميعًا في رواية قصة لا تُعنى بالحوادث، على أنها مُجرَّد أفعال وقعت كما تقع الحوادث في الحياة، بل تُحاوِل أن تُكسِب الحوادث قوة فوق قوتها الذاتية الطبيعية. وكذلك يصلح الدوبيت في شعر الهجاء؛ لما يُضيفه إلى الحوادث التي يرويها من قوة، وخير مثال لهذا قصيدة «دريدن» الهجائية المشهورة «أبشالوم وأكيتوفيل»؛٣ ففيها ترى الدوبيت في يد الشاعر أداة طيِّعة تُعينه على السير بالحوادث حتى تتكامل له القصة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من ملامح الصورة قوة بحيث تجيء أقرب إلى الصور «الكاريكاتورية» منها إلى التصوير الصادق للأشخاص الذين يروي عنهم في قصته. ومن مزايا هذا البحر أيضًا أنه يُمكِّن الشاعر من بعض الانحراف عن سير القصة دون أن يتأثر بالسياق؛ لأنه إن اعترض مَجرى الحوادث، بزوجٍ يحشره بين زوجَين، لَما كانت هذه الزائدة استطرادًا يلفت النظر ويُعطِّل المسير. ولسنا نرى بين أبحُر الشعر الإنجليزي كلها بحرًا أصلح من الدوبيت في شعر الهجاء، أو في شعر النِّقاش بالحجة والدليل، فلِأزواج الأبيات ما لِلنصل الباتر من حِدَّة وبريق، فيقع كل منها موقع الحدِّ المرهَف على المَهجُو، وتتلاحق الضربات تلاحقًا لا يدع للمُهاجِم فرصةً يُفيق فيها، وكذلك قُل في شعرٍ يُراد به إقامة الدليل وإنهاض الحجة. على فرض أن هذا موضوع صالح للشعر فيستحيل أن تجد بحرًا يدنو من الدوبيت في حسن أدائه لهذا الغرض؛ لأنه يسير بالنِّقاش خطوة في إثر خطوة كأنه بحث منطقي مُنظَّم تتعاقب فيه المُقدِّمات مُرتبِطة مُتصِلة، فما تزال الأدلة والشواهد يأخذ بعضها برقاب بعض، وتتجمع منها واحدة فوق واحدة حتى ينتهي التدليل إلى خاتمة مُركَّزة في هيئة الحكمة المُستنِدة إلى أقوى برهان وأصدق دليل. اقرأ — مثلًا — «مقالة في الإنسان» لبوب، وهو ربُّ القريض في هذا البحر غيرَ مُدافَع، تجد في القصيدة روحًا يُوحي إليك بقوة في منطق الفكرة وسلامة المُقدِّمات والنتائج. والواقع أن منطقه في القصيدة واهٍ مُتهافِت ضعيف، وإنما أوحى بذلك الروح فيها طريقةُ نظمِها؛ فمن شأن الدوبيت أن يضع الفكرة في حدود البيتَين، فيُبلوِرها ويُركِّزها، فتُوهِم السامع أنها الرأي القاطع الجازم الذي لا يأتيه الشك من بين يدَيه ولا من خلفه. من أجل ذلك كان لهذا البحر سيادة مطلقة في العصر الاتباعي (الكلاسيكي) في تاريخ الأدب الإنجليزي، وموقعه النصف الأول من القرن الثامن العشر؛ لأن أدباء الاتباع — على نقيض أصحاب الابتداع (الأدب الرومانتيكي) — يجولون بأشعارهم في مرحلة وسطى، لا هم يرتفعون إلى اللحظات التي تسمو فيها العاطفة إلى أحدها، ولا هم يهبطون إلى حيث تعمق الحياة إلى أغوارها. وهذا أنسب الظروف للدوبيت؛ فلا هو يبلغ الذُّرى، ولا هو ينزل إلى الأعماق، وإنما يُجيد غاية الإجادة التعبير عن المعاني حين تكون وسطًا بين الطرفَين. ومن أجل هذا أيضًا تجد أدباء المسرحية يستخدمون الدوبيت عادةً ليختموا به فصلًا أو منظرًا أو خطبة؛ لأنه يقع في أذن القارئ أو السامع بمثابة الستار المُنسدِل. هذان هما البحران الرئيسيان اللذان يجري فيهما الشعر القصصي، وليس ينفي ذلك بالطبع أن بعض الشعراء قد يختار غيرهما لقصصه، لكنها قلة ولهما الكثرة الغالبة. أما الشعر الغنائي الذي يُعبِّر عن الوجدان ولا يقصُّ الحوادث، فبحوره أكثر تنوُّعًا وأوسع نطاقًا، وهي بصفة عامة أعقد تفصيلًا من بحور الشعر القصصي؛ فكلها يتألف من مقطوعات، وكثيرًا ما تكون المقطوعات مُعقَّدة التأليف مُتشعِّبة في تفعيلاتها من حيث الأوزان والقوافي، وليس في هذا التعقيد والتشعُّب بالقياس إلى بساطة الشعر القصصي ما يدعو إلى العجَب، فلسنا في القصيدة الغنائية الوجدانية إزاء قصة بسيطة عن أشخاص وحوادث، إنما نحن في هذا الشعر إزاء التعبير عن عالم العواطف والمشاعر التي تجيش في صدورنا، وهي من التنوُّع والتبايُن والتغيُّر بما يستلزم هذا التعقيد والتشعُّب في وسيلة التعبير. والقصائد الغنائية أنواع تختلف باختلاف العاطفة التي تُعبِّر عنها القصيدة؛ فهنالك «الأغاني»، وقد تكون الأغنية مما يُتغنَّى بالحب أو بالشراب أو بجمال الربيع أو بألوان لا تنتهي من ألوان الغناء، ولكنها على اختلافها تُعبِّر في مجموعها عن المشاعر التي يشترك فيها الشاعر مع غيره من الناس، على الرغم مما لها من قويِّ الأثر في حياة الشاعر الخاصة؛ ولهذا كانت «الأغاني» أبسط أنواع الشعر الغنائي بناءً وتركيبًا، فكلما قلَّت الفردية الذاتية في الشعر قَل بناؤه تعقيدًا. الأغنية — إذن — بسيطة التركيب لشيوع موضوعها وعدم اقتصارها على شعور قائلها، ولو أنك قد تجد شعراء الأغاني أحيانًا — وخصوصًا في أغاني الحب — يُحِسون العاطفة قد تفرَّدت في نفوسهم، وتميَّزت عن عواطف الناس بطابع فردي خاص، رغم اشتراك سائر الناس معه في اسمها ونوعها؛ فالحب هو الحب عند المُحِبين جميعًا، لكن الشاعر الغزِل قد يرى في حبه ما يجعله مخالفًا للحب عند الآخرين. هكذا كان الأمر عند الشعراء الطوَّافِين في فرنسا في العصور الوسطى، وهكذا كان عند «بترارك» الشاعر الإيطالي في عصر النهضة. لذلك استدعى هذا الحب الفردي بعض التعقيد في بناء القصيدة الغنائية؛ ومن ثَم نشأت المقطوعة الأربع عشرية٤ على يدَي «بترارك» وكان له فيها فنه الخاص. لكن ضروب النظم التي ابتكرها الطوَّافون في الشعر الفرنسي، وابتكرها «بترارك» في الأدب الإيطالي، سرعان ما أصبحت نماذج لمن جاء بعدهم من الشعراء يحتذونها؛ إذ شاع فيهم نوع الحب الجديد بفعل العدوى، وبات يُحِس المُحِب إزاء حبيبته ما أحسَّه «بترارك» نحو معشوقته، فيُجري غناءه الغرامي على نحو ما أجرى «بترارك» الغناء. وهنالك من الشعر الغنائي أيضًا «الترانيم» و«الأناشيد» و«المراثي» و«الأغاني الشعبية» وغيرها، لكل منها خصائص تُميِّزها، وقد تتمسك إحداها ببحر تقليدي لا تخرج على أوضاعه. ولسنا نستطيع أن نُفيض القول في هذه الأنواع، فحسْبنا في بعضها كلمة مُوجَزة. ونُريد أن نُؤكِّد قبل المُضِي في الحديث أن الصورة العروضية التي اختص بها كل من هذه الضروب الغنائية، إنما شاعت بين الشعراء لأنها أنسب القوالب لصياغة المعنى وأدائه في كل مجال على حِدَة؛ فالنشيد يُنظَم ليتغنَّى به حشد من الناس، ليحمدوا به الله ويبتهلوا إليه في ظروف تتطلب من النفوس خشوعًا ووقارًا. أما الأرجوزة الغزلية أو القصيدة الغرامية فتُنظَم مُعطَّرة لتصلح للغناء بين يدَي المعشوقة في مَخدَعها. لهذا يميل شاعر النشيد إلى صياغة قصيدته في بناء مُتسِق مُنسجِم، وكثيرًا ما يكون في مقطوعاته بساطة وقوة وجلال، وبخاصة إن قُصِد بها إلى تمجيد الوطن في أعياده القومية وذكرياته الخالدة. ومثل هذا النشيد ذي البناء الفخم الجليل يُنسَب إلى الشاعر اللاتيني «هوراس» فيُقال «نشيد هوراسي»؛ لأنه مُنشئه وواضع أساسه. لكن من الأناشيد ما لا يأخذ بالبساطة الهوراسية، ويتأنق ويُكثِر من التفعيلات والأجزاء، ويُنسَب هذا النوع إلى الشاعر اليوناني «بندار» فيقال «نشيد بنداري»، وأبرز خصائصه أنه يتألف من وحدة ثلاثية، وذلك أن النشيد البنداري كانت تُغنِّيه جوقة في نوع من الرقص الحلقي؛ فمقطوعة من القصيدة تُلازِمها حركة الراقصِين من اليمين إلى اليسار، والمقطوعة التي تليها تُلازِمها حركة من اليسار إلى اليمين، وفي المقطوعة الثالثة يقف الراقصون في سكون، وهذه الوحدة الثلاثية يُكرِّرها الشاعر في قصيدته عددًا من المرات كما يشاء. ومن أمثلة هذه الأناشيد في الشعر الإنجليزي قصيدة «شلي» وعنوانها «نشيد الرياح الغربية»، وقصيدة «كيتس» وعنوانها «نشيد العندليب»، وقصيدة «سونبيرن» «نشيد عيد الميلاد»، وقصيدة «تنسن» «الدوق ولنجتن». وليست هذه الأناشيد في موضوعها شبيهة بأناشيد بندار إلا في وقار الموضوع وجد العاطفة. وكان الأصل في النشيد أن يكون جماعيًّا تُنشِده طائفة من الناس في صوت واحد في مناسبات قومية، كالانتصار في الحروب أو الظفر في حلبة السباق، ولكنك إذ تُلقي نظرة عَجلى على الأناشيد عند «شلي» و«كيتس» — مثلًا — تُدرِك للوهلة الأولى أنها ليست من الأناشيد الجماعية في شيء. وهذا التحوُّل نتيجة طبيعية للحضارة الحديثة التي أزالت — فيما أزالته من أوضاع المجتمع القديم — الشعائر القبَلية والجماعية والقومية التي كانت أول ما أوحى بهذه الأناشيد للشعراء القدامى، لكنك إن تعمَّقت الأمر بنظرة فاحصة، أدركت في الأناشيد الحديثة روح الجماعة رغم تغيُّر الموضوع. خُذ — مثلًا — لذلك نشيد «شلي» «في القُبَّرة»، فهو على الرغم من تعبيره عن وجدانه الذاتي الفردي يُدير هذا الوجدان حول موضوع ليس قبليًّا أو قوميًّا فحسب، بل موضوع عالمي يشتمل العالم كله. وكذلك في نشيده «الرياح الغربية» تستطيع أن تتبَع الشاعر مقطوعةً بعد مقطوعة وقد تحلَّلت فرديته حتى اندمجت في الرياح التي يُوجِّه إليها النشيد، بل في العالم كله الذي لم تكُن الرياح إلا أنفاسه. النشيد — إذن — لون من الشعر الغنائي يُعبِّر عن وجدان الشاعر في علاقته بمجموعة الناس أو ظواهر الطبيعة. ولن نقول في الترانيم والمراثي والأغاني الشعبية شيئًا، فكلها ضروب من الغناء تختلف موضوعًا ونظمًا، لكننا لا نُحِب أن نطوي الحديث عن الشعر الغنائي قبل أن نعود إلى المقطوعة الأربعة عشرية نُطنِب فيها القول ونتتبع مراحلها في تطورها؛ لنتخذها مثالًا يُوضِّح كيف تنمو صور الأدب، كما تنمو الكائنات الحية جميعًا، فتبدأ ناقصة التكوين وتأخذ في الرُّقي والكمال كلما تقدَّم بها الزمن على أيدي الشعراء، فلن تجد صورة أدبية خلقها وسوَّاها شاعر واحد. تتألف المقطوعة الأربع عشرية من أربعة عشر بيتًا، وكان أول من أكثر الغناء بها شاعر اللاتين «بترارك» في بث حبه لمُهجَة قلبه «لورا»، وقد عاش بترارك في عصرٍ جاشَت فيه الصدور بجديد الدوافع والحوافز، عصرٍ كان فاتحة عهد جديد في تاريخ البشر يُطلِق عليه المُؤرِّخون اسم «النهضة»؛ ليدلُّوا به على أن كل شيء قد هبَّ بعد رقاد طويلٍ همدت فيه العقول وخمدت القلوب قرونًا مُتتابِعة. فرأى «بترارك» وجه الحياة على غير ما رآه مُعاصِروه، وأحسَّ الحب على نحوٍ يختلف عما تعوَّد الناس أن يُحِسوه؛ فأراد أداة جديدة يُعبِّر بها عن تجربة جديدة، وسرعان ما وجد في المقطوعة الأربع عشرية خير أداة تُعبِّر له عما يُريد. لقد كانت في حبه للورا لفتةٌ غريبة وجو غير معهود، كانت فيه مثاليةٌ يشوبها شيء من شهوة الحس العَفة الطاهرة، ثم كان فيه ما جرى به العُرف بين العاشقِين من تقديس المحبوبة وعبادتها، كان حبًّا عذريًّا وشهويًّا في آن معًا، فكانت هذه العاطفة الجديدة في نفس الشاعر بمثابة التجربة الجديدة التي تطلَّبت منه أسلوبًا جديدًا، وكان أسلوبه الجديد في التعبير عن حبه هذا الجديد هذه المقطوعة القصيرة المُركَّبة رغم قِصرها، التي تلمع وتسطع بأجزائها المصقولة كأنها أحجار الماس في دِقة صنعها، والنجوم الخالدة في لألائها وبريقها. ولم يكَد «بترارك» يصوغ لعاطفته هذا القالب الجديد حتى سار الشعراء في إثره جماعات، وباتت المقطوعة الوليدة عُرفًا سائدًا بين عشية وضحاها؛ ذلك لأن المشاعر الجديدة التي كان «بترارك» أول من وعاها وأحسَّها إحساسًا حادًّا واضح المعالم، كانت هي بعينها المشاعر التي بذر العصر بذورها في قلوب الناس جميعًا، فلما ألقى عليها الشاعر ضوءًا وضَّح حدودها ومعالمها مُستعينًا بالصورة الأدبية الجديدة التي ابتكرها لها، تبيَّن الناس في أنفسهم ما كان كامنًا غامضًا، وأرادوا بإخراجه، فلمْ يكُن لذلك الإخراج من سبيل سوى المقطوعة البتراركية ذات الأبيات الأربعة عشر، وأخذت إيطاليا كلها تكتب هذه المقطوعات الغزلية؛ لأن إيطاليا كلها كانت تضطرب بمشاعر كالتي أحسَّها «بترارك». ومضَت سِنون، وشرع الناس في إنجلترا يُدرِكون في غموض وإبهام مثل هذا الشعور الذي سبقهم «بترارك» إلى تبيُّنه في نفسه، فأحسُّوا رغبة التعبير، فما أسعفتهم إلا أداة جديدة، هي هذه المقطوعة الأربع عشرية نفسها، فجرَوا فيها على غِرار مُنشئها، لكنهم سرعان ما وجدوا أنهم إذ ينقلون المقطوعة البتراركية وزنًا بوزن وقافية بقافية لا يُعبِّرون عن مثل ما عبَّر عنه صاحب المقطوعة في لغته الإيطالية، فما وجدوا فيها عندئذٍ كبير نفع؛ لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى قالب أجوف، إنما أرادوا صورة حية تُعبِّر لهم عن هذا الإحساس الجديد الذي أحسوا فعله في نفوسهم، والذي سبقهم الشاعر الإيطالي إلى إحساس فعله في نفسه؛ فجاهَد شعراء العصر الأليصاباتي في إنجلترا — ما وسِعهم الجهاد — أن يجدوا في الإنجليزية أداة تُساوي الأداة الإيطالية في قدرتها على التعبير، حتى انتهت بهم المحاولة إلى ضرب من المقطوعة الأربع عشرية، يختلف اختلافًا بيِّنًّا عن مقطوعة «بترارك» في الشكل والملامح، لكنه يُؤدِّي بالضبط ما أدَّته مقطوعة «بترارك» من عاطفة وشعور. لقد زعمنا في بداية حديثنا عن الأسلوب أنه يتألف من ثلاثة عناصر أساسية؛ الألفاظ التي يستخدمها الشاعر أو الكاتب، وتركيب هذه الألفاظ في جمل، ثم طريقة السير في موضوع الحديث. وقد فرغنا فيما سلف من البحث في الألفاظ وقيمتها في أداء المعنى، وفرغنا كذلك من البحث في وجه واحد من وجوه تركيب الألفاظ، وأعني به تنسيقها بحيث يكون لوقع أنغامها في الأذن أثر وتعبير. وكان لا بد لنا أن نتناول سائر وجوه التأليف بين الألفاظ في ضروب العبارة المختلفة، ولكن ذلك سيدخل بنا في دقائق البيان والبديع، فلنا أن نتجاوز عنها لنُفسِح لأنفسنا بعض المجال لبحث العنصر الشعري الثالث في إيجاز، وأعني به طريقة السير في موضوع الحديث. فكيف يُعالِج الأديب مادته؟ لقد أسلفنا لك فيما مضى كيف يستغل الأديب — والشاعر بصفة خاصة — ما للألفاظ من قوة تعبيرية، بحيث يُؤدِّي بها فضلًا عن معانيها العقلية كلَّ ما تحمل في أحشائها من صور مُدخَرة ومشاعر كامنةٍ لفَّت نفسها لفًّا حول ذلك المعنى العقلي. وقلنا إن الألفاظ كالقماقم أُغلِقت سداداتها على شحنة من تجارب لا حصر لها، اختزنها فيها الإنسان على كر العصور، والشاعر البارع هو الذي يعلم كيف يُزيل عن تلك القماقم سداداتها ليُفرِغ المكنون المُدخَر فيها. وهذا بعينه هو طريقته في مُعالَجة موضوعه؛ فهو لا يعنيه أن يعرض موضوعه عرضًا عقليًّا، بل يُحاوِل أن يُبرِز كل ما يحتويه الموضوع من سائر العناصر التي هي قوامه وجوهره. خُذ هذَين البيتَين لمردث: لا بد لي أن أهوي واجفًا على هذا الصدر الذي يحمل الوردة؟ ويُريد بهما الشاعر أن المُلحِد — الذي يكفُر بخلود الروح بعد موت الجسد — لا ينبغي له أن ييأس ما دام مصيره هذه الأرض التي تحمل الورد فوق صدرها، لكن الشاعر لا يُقنِعه أن يسوق معناه هذا مُستقيمًا واضحًا كما عبَّرنا عنه في النثر؛ لأن المعنى العقلي وحده لا يكفيه، إنما يُريد أن يُضيف إليه ألوان المشاعر والعواطف التي ليست من المعنى العقلي في شيء وإن تكُن مُرتبِطة به. «فالصدر الذي يحمل الوردة» هو الأرض، ولكن هل هو الأرض التي تتألف من الكربون والنتروجين وما إلى ذلك من عناصر التربة والصخور؟ كلا، بل إنه ليرى في هذه الأرض أمًّا رَءومًا تنسل من جوفها الورد الجميل، ويخلع على الأرض عاطفة الأمومة نحو نسلها هذا الجميل، فكل هذه الخواطر تتداعى إلى الذهن حين يقرأ عن الأرض أنها «الصدر الذي يحمل الوردة»، وهو وصف بعيد عن الدقة العقلية كل البعد، فليس الورد أطفالًا، وليست الأرض صدرًا حنونًا يضمُّ إليه هؤلاء الأطفال، ولكن هذا الانحراف نفسه عن الدقة العقلية هو قيمة الصورة التي رسمها الشاعر باستعارته؛ فالمُماثَلة بين الأرض والورد من ناحية، والأم وأطفالها من ناحية أخرى تشبيه حقيقي صادق، لكنه يخفى عن العين حتى يكشف عنه الشاعر بمثل هذه الصورة التي يرسمها، فكلنا يستطيع أن يرى الوردة نباتًا تُنتِجه الأرض، والشاعر وحده هو الذي يرى الوردة طفلًا تلده الأرض. فالشعراء بما يرسمون من صور كهذه يخلعون على الأشياء صفاتٍ ليست لها في حكم العقل، لكنها في حقيقة الأمر ترمز لروحها الحق وجوهرها الصحيح. هذه الصور هي إحدى الوسائل الشعورية التي يستخدمها الشعراء في التعبير عما يُريدون. وبديهيٌّ أن تحكم للشاعر بالجودة في صوره هذه التي يُكوِّنها ليُعبِّر بها عن معانيه بما لها من قوة التأثير والتعبير، فقد تكون الصورة مُمتِعة في ذاتها مُزخرَفة مُزركَشة، لكنها لا تُضيف جديدًا إلى معاني القصيدة، بل قد تُضعِف تلك المعاني. ونعود مرة أخرى إلى هذَين البيتَين اللذين يصف بهما الشاعر السحاب في يوم عاصف، فنتخذهما مثالًا مُوضِّحًا: تسربَل وَشيًا من حريرٍ تطرَّزت مَطارفها لمعًا من البرق كالتِّبرِ فوشيٌ بلا رقْم ونقشٌ بلا يدٍ ودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغْرِ فلا شك أن هذه كلها صور جميلة؛ فالسحاب الذي لبس رداءً من حرير، والرداء الذي طرَّزه لمع البرق، والدمع الذي ينسكب من غير المحاجر، ثم الضحك الذي تتحدر قهقهته من غير الأفواه، كل هذه صور جميلة ولكنها تُفسِد المعنى؛ لأنها لا تترك في القارئ أثر السماء العاصفة ببرقها ورعدها. وخُذ مثالًا آخر من الشعر الإنجليزي، يقول «لونجفلو» في قصيدة «أنشودة الحياة»٥ ما يأتي: حَيَوات العظماء حافزة لنا أن نعلو بالحياة إلى أعلى القُننْ؛ حتى إنْ رحلنا تركنا في إثرنا آثار أقدام على رمال الزمنْ. وظاهرٌ أن تصوير الجزاء الذي يلقاه ذو الحياة العظيمة — والذي يُراد به أن يكون إغراءً للناس أن يحيوا حياة عظيمة — بخلود لا يزيد على آثار أقدام فوق الرمال لن تلبث أن تُسفيها الرياح، لا يُؤدِّي المعنى المراد إلا أضعف الأداء؛ فالصور الكلامية التي يستخدمها الشاعر إن أُجيدَ استخدامها كانت أداة مُفيدة في أيديهم، فبفضلها تُشخَّص المعاني المُجرَّدة، وتصبُّ في صور مرئية محسوسة، وبذلك تكتسب قوة ونصوعًا. ويجمل بنا في هذا الصدد أن نُشير إلى حيلة شائعة في الآداب الأوروبية، وكانت أكثر شيوعًا في العصور الوسطى منها في العصر الحديث، وهي أن يكتب الشاعر اسم المعنى المُجرَّد الذي يُريد تشخيصه وتجسيده مبدوءًا بحرف التاج، وإنها لَحيلة قمينة أن تبلغ غايتها في الشاعر المُجيد، لكنها أقرب إلى الإخفاق؛ لأنها في أكثر حالاتها لا تحمل إلى الذهن صورة مُجسَّدة كما أُريدَ لها أن تفعل. ومن خير الأمثلة التي تُساق لنجاح الشاعر في تشخيص المعاني المُجرَّدة مع جعلها حية في الذهن، ما صنعه «ملتن» في «الفردوس المفقود» إذ شخَّص «الخطيئة» و«الموت» فأبرزهما في أبشع صورة لهما، وما صنعه هو نفسه كذلك في إحدى قصائده الأخرى، إذ شخَّص «الضحك» فجعله كأنما هو شخص ينبض بالحياة مُمسِكًا جانبَيه بكلتا يدَيه من فرط القهقهة. وما هذا التشخيص إلا واحد من مئات من طرائق التعبير وأساليبه عند الشعراء، يُريدون بها ألا يقتصروا في أداء المعنى على مُجرَّد سرده وبسطه بطريقة مُستقيمة مُباشِرة؛ لأنهم إن فعلوا كانوا يُخاطِبون العقل، ومهمتهم أن يُثيروا بألفاظهم وصورهم الجيدة كل ما يُمكِنهم أن يُثيروه في أنفُس القُراء من مشاعر وذكريات. ومن أهم هذه الطرائق التي يصطنعها الشعراء في أداء المعاني التشبيه والاستعارة. وللاستعارة في الشعر قيمة بالغة، بحيث يكاد يستحيل أن يكون الشعر شعرًا بغيرها؛ وذلك لأن الشاعر يرى بين الأشياء التي تبدو مُنفصِلة لا علاقة لإحداها بالأخرى روابط وصلات، فإذا ما ربط بعضها ببعض كانت له استعارة أو تشبيه، وأمثلة الاستعارة والتشبيه في الأدب كثيرة لا تقع تحت الحصر، يقول الشاعر: فأمطرَت لؤلؤًا من نرجس وسقَت وردًا وعضَّت على العُنَّاب بالبرَدِ فليست العين نرجسًا، ولا قطرات الدمع لؤلؤًا، ولا حمرة الخدود وردًا، ولا أطراف أناملها المُخضَّبة عنابًا، ولا أسنانها بردًا، لكن هكذا ربط الشاعر الصلة بين هذه المُتفرِّقات ليوحي إلى القارئ بمعنًى وصورةٍ لا يُوحي بهما التعبير المُستقيم «سالَت عَبراتها على خدها وعضَّت على أناملها بأسنانها»، فلن يمضي القارئ على اللؤلؤ والنرجس والورد والعناب والبرد، دون أن يتصوَّر لألاءها وعبَقها وفتنة جمالها. ويقول امرؤ القيس في وصف الليل: وليلٍ كموج البحر أرخى سُدولهُ عليَّ بأنواع الهموم لِيبتلي فقلتُ له لما تمطَّى بصُلبهِ وأردف أعجازًا وناء بكَلكلِ فانظر إلى هذا البيت الثاني، يُريد الشاعر أن يقول إن ليله طويل بطيء ثقيل، فلما رأى للَّيل وسطًا مُمتدًا استعار له من البعير صلبه وهو يتمطى به، ولما رآه بطيئًا ثقيلًا مضى في استعارته لأجزاء البعير فجعل له أعجازًا، ثم أمعن في تصوير الثقل والبطء فجعل بعيره ينوء بكلكله. وهكذا صوَّر الليل على صورة البعير، حيث جعل له صلبًا يتمطى به أولًا، ثم عقَّب على ذلك بذِكر العجُز، ثم بالكلكل، وهو ما يعتمد عليه البعير إذا برك. وانظر إلى هذا الشاعر الذي يصف لك كاتبًا يحلُّ المُشكِلات بقلمه، فيجعل الأقلام نبالًا، ويجعل الأنامل ريشًا لتلك النبال، ثم يجعل من سواد الليل نصولًا لها، ويجعل القرطاس أمامه حَلبة، وكأنما الأقلام جياد في هذه الحلبة، وما صريرها وهي تكتب إلا صهيل تلك الجياد. نبلٌ حباها من رءوس بنانهِ ريشًا ومن حُلَل المداد نُصولا ففرَت شواكلَ كلِّ أمرٍ مُشكِلٍ وردَدنَ كل مُفضَّلٍ مفضولا وترى الصحيفة حَلبةً وجيادَها أقلامَه وصريرَهن صهيلا ثم اقرأ هذه الاستعارة التي تُثير فيك التأمُّل والتفكير: العيش نومٌ والمَنيَّة يقظةٌ والمرء بينهما خيالٌ ساري فاقضوا مَآربكم سراعًا إنما أعماركم سفَرٌ من الأسفارِ وهذه الاستعارة التي يرثي بها والد ولده: وهلال أيامٍ مضى لم يَستدِرْ بدرًا ولم يُمهَل لوقتِ سرارِ عجِل الكسوفُ عليه قبل أوانهِ فمحاه قبل مَظِنة الإبدارِ واستُلَّ من أترابه ولِدَاتهِ كالمُقلَة استُلَّت من الأشفارِ فلو قال لك إن ولدي مات صغيرًا، لما وفَّى ما أراد أن يقوله، إنما أراد هذا الأمل الذي يتعلق به ويرقُبه يومًا بعد يوم لعله أن يكتمل، وإذا به يقضى قبل أوانه بقدَر مُباغِت لم يكُن يتوقعه، كهذا الكسوف الذي ينقضُّ على الهلال فيقضي عليه قبل أن يكتمل إبداره، ولا تقُل إن في هذا التصوير خطأً يبعد به عن الواقع، إذ الكسوف لا يُصيب القمر إلا وهو بدر مُكتمِل؛ لأن الشاعر يُريد التأثير بألفاظه وصوره، فلو أثَّرت ألفاظه وصوره الأثر الذي يُريد لم يعُد له بعد ذلك مَطلب. والفرق بين التشبيه والاستعارة هو أن الأول يحتفظ للمُشبَّه والمُشبَّه به بذاتَيهما، وكل ما يفعله أن يربط الصلة بينهما. وأما الاستعارة فتدمج الواحد في الآخر وتجعلهما شيئًا واحدًا؛ ففرقٌ بين أن يقول الشاعر: «فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد» وبين أن يقول: «فأمطرت دمعًا كاللؤلؤ من عين كالنرجس وسقت خدًّا كالورد وعضت على أنامل كالعناب بأسنان كالبرد» فالتشبيه — كما ترى — أقرب إلى تصوير الواقع. أما الاستعارة فأمعنُ في الخيال؛ لأنها تطمس الأشياء طمسًا وتستبدل بها أشباهها؛ فالفتاة الباكية في هذا البيت لم تسفح من عينها دمعًا كاللؤلؤ، إنما سفحته لؤلؤًا؛ لهذا كان التشبيه أكثر شيوعًا من الاستعارة في العصور «الاتباعية» التي يكون فيها الشعراء أقل حِدَّة في الخيال، وأكثر انصياعًا لأحكام العقل والمنطق، وكانت الاستعارة أكثر شيوعًا من التشبيه في العصور «الابتداعية» التي يشطح فيها الخيال ويجمح، فلا يكون للعقل عليه ضابط. ولعله من الخير أن نختم هذا الفصل بتحليل لقصيدة «المعشوقة المفقودة» للشاعر الإنجليزي «براوننج»؛٦ لنُوضِّح بمثال محسوس كيف يستخدم الشاعر أدوات التعبير حين يُنشئ قصيدته. «فالمعشوقة المفقودة» قصيدة يُفصِح فيها شخص مُعيَّن عن تجربة مُعيَّنة يُمارِسها في ظروف مُعيَّنة؛ فلِكي تقرأ القصيدة قراءة صحيحة لا مندوحة لك عن خَلق الظروف التي كانت تُحيط بهذا الشخص في موقفه ذاك، ولا مندوحة لك أيضًا عن تبيُّن طبيعة خَلقه، حتى يُتاح لك أن تُعيد تجربته في نفسك حيةً قوية كما كانت في نفسه وهو يُمارِسها. تستهلُّ القصيدة بقول العاشق «إذن فكل شيء قد انتهى.» وتدلنا كلمة «إذن» أن الرجل قد سمع لِتَوه من حبيبته ما أفاده أن كل شيء قد انتهى، فتتطلع نفوسنا إلى معرفة وقع هذا الهجر والصدود في نفسه، فلو عرفنا ذلك لوُفِّقنا إلى مفتاحٍ يكشف لنا عن حقيقة شخصيته. وسرعان ما نتبين أن صد المعشوقة لم يصرعه باليأس والأسى، فهو فيما يظهر ليس بذي عاطفة عميقة مُحتدِمة؛ إذ تراه هو نفسه لا يكاد يعرف وقع الضربة في نفسه، فبدل أن ينطلق لسانه ليُعبِّر في صورة محدودة عن إحساسه وشعوره، تراه يتساءل: أترى الحق مرًّا كما يُظَن به لأول وهلة؟ واضحٌ من هذا التساؤل أنه رجل ينطوي على نفسه، ويستبطن مَشاعره ليتعقَّبها، وهي تجري في دخيلته؛ كي يعلم حقيقتها وكنهها، أم نرى الضربة قد أطارت شيئًا من صوابه، أو على التقدير القليل قد فلَّت من حِدَّة انفعاله بعض الشيء. فلِمَ تترك له من القوة المُدرِكة ومن تماسُك النفس إلا قدرًا يستطيع به أن يعلم من نفسه هذا الذي يُلاحِظه ويعجَب لحقيقته؟ إننا بعدُ لا نعرف طبيعة الرجل، فلا بد لنا أن نأخذ تساؤله هذا «أترى الحق مرًّا كما يظن به لأول وهلة؟» على أنه بحث يُلقيه فيلسوف من طبيعته أن يغوص إلى حقائق الأشياء، ولعله أراد الآن أن يطرح أمام نفسه هذه المشكلة النفسية لدراستها في نفسه هو، وقد وقع به مُصاب كان يظنُّ به المرارة أول الأمر، وبغير أن يقول الرجل عن نفسه ما يكشف لنا عن طبيعته تراه ينتقل فجأةً فيقول: أنصِت! إنه العصفور يُناغي: عِم مساءً، على مَقربة ها هنا فوق رفرف البيت! بهذَين البيتَين قُضي الأمر وانزاح الشك وتبيَّنت حقيقة الرجل. لقد شككنا في أن يكون فيلسوفًا بلغ من حبه للتفكير المُجرَّد أنه في اللحظة التي علم فيها أن أمله في الحب قد ضاع، أخذ يُحلِّل وقع الأمر في نفسه باحثًا مُدقِّقًا ليجزم إن كان «الحق مرًّا كما يظن به لأول وهلة». لكن الفيلسوف الذي يغرق في تفكيره المُجرَّد والذي يستطيع أن يُمسِك بزمام نفسه، فينظر إلى الأمور نظرة موضوعية علمية هادئة حتى وهو في محنته، مثل هذا الفيلسوف لا تستوقف سمعَه مُناغاةٌ خافتة من عصفورٍ يُعشِّش على رفرف البيت. فلمْ يعُد من سبيل إلى الشك في أن صاحبنا عاطفيٌّ تسوقه مَشاعره ولا يعهد بزمام نفسه إلى عقله المُجرَّد الخالص، إنه رجلٌ يتلفت إلى الدنيا ومن حوله فلا يفتنه منها إلا الأحاسيس الرقيقة المُمتِعة، إنه لَيسعَد ويغتبط إذا ما استجاب إلى المُؤثِّرات العاطفية التي تنبعث عن الطبيعة من حوله؛ ومن ثَم استوقف سمعَه تغريدُ العصفور. لقد ساق الشاعر مُناغاة العصفور في هذا الموضع من قصيدته؛ لأن العصفور كان يُناغي في عشه على رفرف البيت حين وقف الشاعر عند بابه عقب لقائه بالحبيبة الهاجرة، لكن الشاعر لم يُرِد أن يُثبِت في قصيدته وجود العصفور في ذلك المكان وفي تلك الساعة من ذاك المساء لمُجرَّد أنه حقيقة وقعت، بل أراد فوق ذلك أن يُبيِّن أي نوع من الرجال صاحبنا، فلولا أنه رجل تغلب عليه العاطفة لما أدرك وجود العصفور ولا تحدث عنه. لقد ألِف الرجل في أماسِيه الذاهبة أن يهمس في أذن حبيبته لغوًا، كالذي يهمس به المجنون، لغوًا مُحبَّبًا إلى النفس. ولقد كان الحبيبان يطيران على جناح من الخيال والعاطفة، فإذا ما تناغيا: «عم مساءً» عند الفراق، سمعا العصفور يُناغي كذلك: «عم مساءً» كأن لحبهما صدًى في صدور الطير. فإن علمت هذا استطعت أن تُدرِك وقع ما ناغى به الطير عندما أقبل المساء في تلك الليلة على نفس الحبيب المهجور. إن الحياة الواعية عند صاحبنا تبدأ بأحاسيسه؛ لأنها من حياته أهم ما يستثير عنايته واهتمامه، وقد أراد في مُستهَل القصيدة أن يُسلِّط عقله على هذه الأحاسيس؛ لعله يهديها سواء السبيل. وها هو ذا يرى ويسمع العصفور الصغير الذي يُضرَب بضعفه المثل بين الأحياء جميعًا. ها هو ذا يرى العصفور ويسمعه وقد اتصلت حياته، فكانت الليلة كما كانت الأمس وكما ستكون غدًا وبعد غد. إن العصفور الهزيل الضئيل يحيا حياة موصولة لا مقطوعة؛ وذلك دليل في حكم العقل الذي أسلَمه الرجل زمام عاطفته على أن أساس الحياة في الكون كله هو الاستمرار والاتصال. فكيف يُمكِن في كونٍ هذا أساس الحياة فيه أن يفهم أو يُسيغ فكرة النهاية والانقطاع، أو أن يُصدِّق عن إيمان وعقيدة «أن كل شيء قد انتهى» كما قالت له المعشوقة الصادة، فاستهل بقولها قصيدته! كلا، يستحيل عليه أن يفهم أو يُسيغ فكرة النهاية والانقطاع، ثم يزداد ذلك استحالة عليه؛ لأنه وقد فكَّ عواطفه من عِقالها وأطلق سراحها، تلك العواطف التي اعتاد أن تُثيرها في نفسه ظواهر الطبيعة من حوله، مضَت في طريقها لا تنتظر مُثيرًا يدفعها، فراحت تجري في مُخيِّلته يدعو بعضها بعضًا في صف مُتتابِع الصور. فلئن ذكر العصفور لأن صوته وقع في سمعه، فقد عقَّب عليه بذكر الكروم ولم تكُن هناك، لكن الخواطر تتداعى من تلقاء نفسها: والزَّغب على براعم الورق فوق الكَرْم، لقد لحظتُه ذلك اليوم. وفي البيت الثاني دلالة كبرى؛ فهو في ألفاظه وتركيبه كاللغة الدارجة على الألسن في الحديث السائر، وليست فيه مُحسِّنات الشعر وزخارفه. وكان في مقدور شاعر مثل «براوننج» أن يتأنق لك في العبارة كيف شئت، وأن يرسم لك من الصور المُطرَّزة ما يخطف السمع والبصر، لكنه لم يُرِد في هذا الموضع إلا هذا القول البسيط؛ لتشمَّ منه رائحة الحياة الجارية المألوفة بما تعهده فيها من لغو بين المُحِبين. إنه يُريد أن يُعيد إلى ذهنك حياة الحبيب مع حبيبته كل يوم، فلقد لبث العاشقان أمدًا طويلًا يجولان في الطرق المُحيطة بالبيت، يلغو كل منهما للآخر لغوًا مرِحًا طَروبًا بما يراه من ظواهر الطبيعة البهيجة من حوله؛ فلطالما لاحَظا وتحدَّثا عن الحشرة تزحف فوق الأرض، والفراشة تنشر جناحها فتُبدي ألوانه الزاهية، وجذوع الأشجار وقد حُزَّت فيها علامات وإشارات، وأوراق الأشجار وقد بدت إحداها في وضع رشيق … تلك كانت أحاديث اليوم بين الحبيبَين. وفي مثل هذه الحياة يكون اليوم الذي تسقط فيه أول قطرات الثلج في الشتاء يومًا مشهودًا له عند الحبيبَين علامته التي تُميِّزه، وربما ظلَّا يرقُبانه أمدًا بعيدًا وقد ملأهما المرح والفرح والنشاط، فإذا ما قدِم احتفلا به، في إقبال طروب على الحياة. هكذا كانت حياة الحبيبَين معًا؛ دورة مُتجدِّدة تسري فيها عاطفة يخفُّ لها قلباهما. فلما سمع صاحبنا مُناغاة العصفور عند المساء، انطلق خياله إلى مَظهر آخر في الطبيعة لحظةَ ذاك النهار، وربما احتفظ به في واعيته ليكون موضوع السَّمر بينه وبين حبيبته، بل ربما كانت تلك البراعم الزاغبة على أوراق الكَرْم ظاهرةً أخذا يرقبانها معًا ليبتهجا بها عند أول ظهورها، فطبيعيٌّ أن ترِد على خاطر الرجل حلقةٌ أولى في سلسلة الخواطر التي أثارها تغريد العصفور. هكذا ترى الرجل غير مدفوع بتدبير من العقل الواعي، بل يفيض عنه التعبير فيضًا وينبثق انبثاقًا، كما يتفجر الينبوع بالماء والشمس بالضياء، فيُصوِّر لنا نفسه على سجيتها في تعبيره البسيط الذي جاء على نفس الصورة التي كان سيُحدِّث بها حبيبته عن براعم الأوراق في كَرْمة العنب. فأما وقد طفَت براعم أوراق الكَرْم من اللاشعور الدفين إلى الشعور الواعي — فورَدت في القصيدة — فكيف تراه يتأثر بها؟ لقد أحدث تغريد العصفور في نفسه إحساسًا باستمرار الحياة واتصال الوجود، فماذا عسى أن تُحدِث هذه الصورة الجديدة في نفسه؟ لقد أحدثت فيه أثرًا قويًّا ناصعًا، لا بمُجرَّد استمرار الحياة كما فعل العصفور، بل بناموس طبيعي آخر يدفع الكائنات الطبيعية كلها دفعًا نحو حياة أكمل خلقًا وأتم نضجًا. فكيف لرجلٍ تتردد في خاطره هذه الأحاسيس أن يفهم أو يُسيغ ما قالته له الحبيبة وما استهل به القصيدة «إن كل شيء قد انتهى»؟ إنه في هذه اللحظة المُعيَّنة، وفي هذا الموقف المُعيَّن، يستحيل عليه أن يُصدِّق ذلك عن عقيدة وإيمان، فيمضي قائلًا: وإذن فسوف نلتقي غدًا كما كنا نلتقي يا حبيبة الفؤاد! لقد حملته مَشاعره إلى عالم آخر لا يعرف اتصاله انقطاعًا، فتراه قد نسي الآن نسيانًا تامًّا أن «كل شيء قد انتهى» بينه وبين حبيبته، وأخذ يتوقع أن يتمَّ اللقاء بينه وبين حبيبته غدًا كما كان يتم كل يوم، ولكنه لم يكَد يُخرِج هذا الأمل الذي يجري به خاطره عن غير وعي، لم يكَد يُخرِجه في ألفاظ فيَعِيه عقله الذاكر اليقظان حتى أيقن من فوره أن اللقاء لن يكون غدًا كما كان، ومع ذلك فهو لا ييأس كل اليأس، ويستخرج من الموقف كل ما في مُستطاعه ليُشبِع عاطفته. فلئن استحال أن يكون اللقاء غدًا كما كان كل يوم، فلا ينفي ذلك أن يتم ذلك اللقاء على أي وجه من الوجوه: هل لي أن أضع يدك في يدي؟ صديقَين ولا شيء غير صديقَين؛ ففي الصداقة العابرة كثير مما نفضتُ عنه رجائي. فقد استدرك ها هنا أنهما إذا التقَيا غدًا فلن يكونا حبيبَين، ولكنها لا شك ستأذن له أن يضع يدها في يده. وهل تحرمه لذةً تهبُها أصدقاءها العابرين؟ فبعد أن يُهدهِد عاطفته على هذا النحو، ويبعث فيها الطمأنينة بالآمال الكاذبة، يُفيق من غفوته ويُواجِه الموقف كما هو، فيتبين له في جِلاء فقدُ الحبيبة إلى الأبد، فليس في غد لقاء بين الحبيبَين ولا بين الصديقَين، فتحتدُّ فيه العاطفة وتشتد حتى تنقلب انفعالًا مُضطرِمًا مُحتدِمًا، ويبدأ الجزء التالي من القصيدة بنبرات أقوى: فكل لمحة من عين بهذا البريق وهذا السواد سأحفظها في النفس والقلبُ جاهد وصوتكِ إذ تَرْجينَ أن يكون لقطرات الثلج أوبةٌ ومَعاد. يئس المحب — إذن — من لقاء حبيبته، فلا أقَل من أن يحفظ أبد الدهر نظراتها وصوتها، ثم يعود الشاعر في الجزء التالي فيُهدِّئ من عاطفته الثائرة ليُخفي عن نفسه مَدى فادحته التي حلَّت به، ثم ليُمنِّي نفسه بحظوة عندها ضئيلة جدًّا، لكنها أصبحت في هذه الحالة اليائسة تكفيه: لستُ أُريد أن أقول لكِ إلا ما يقوله سائر الخِلَّان، أو أزيد عليهم بفكرة. سأُمسِك يدك كما يُمسِكها بقية الإخوان، أو أزيد عليهم بطول الفترة. وهكذا نترك صاحبنا مغمورًا بعاطفته حتى أطراف أنامله، كل أمله من حبيبته أن يضغط الضاغطون على يدها ثانيتَين اثنتَين، وأن تترك يدها في يده ثانيتَين ونصف ثانية. لقد حاوَلنا بهذا التحليل أن نُوضِّح ما لعوامل التعبير الثلاثة من قوة؛ الألفاظ، ثم الصور، ثم طريقة السير في الموضوع. وكان ينبغي إتمامًا للتحليل أن نستعرض الأوزان والقوافي؛ لأن الصوت والنغم — كما قدَّمنا — جزء من التعبير، لكن ذلك لا يكون إلا في الأصل الموزون المُقفَّى. ١ Rhetoric. ٢ اسم الشعر Lyric واسم القيثارة Lyre. ٣ Absalom and Achitophel. ٤ Sonnet. ٥ Longfellow, Psalm of life. ٦ Browning, The Lost Mistress. فنون الأدب
الفصل الثالث كل فن لما خُلِق له لقد أنبأناك منذ فاتحة الكتاب أننا سنستخدم لفظ «الشعر» لندل به على كل ضروب الأدب التي تُقصد لذاتها وجمال فنها، لا لنفعها وما فيها من علم وعرفان، ولكن العُرف قد جرى بتقسيم هذا الشعر أنواعًا وأقسامًا؛ فملحمة ومسرحية وقصيدة غنائية وقصة ومقالة إلى آخر هذه الأقسام والأنواع، وكلها يخضع لما قدَّمناه في الفصلَين السابقَين من مبادئ وموازين، إلا ما يخصُّ النظم منها، فهو لا ينطبق إلا على المنظوم؛ فالعوامل التي تُؤدِّي إلى قوة التعبير هي بعينها لا تتغير في كل هذه الضروب الأدبية على اختلافها، فمهما تكُن القطعة الأدبية، ملحمةً كانت أو قصيدة غنائية أو مقالة، فينبغي لك أن تقرأها على النحو الذي أفضْنا في شرحه وتوضيحه في الفصلَين السابقَين، لكن مشكلة جديدة تنشأ ها هنا، وتتطلب منا التفكير والحل. لقد زعمنا أن الميزان الذي نُميِّز به جيِّد الشعر من رديئه، هو قوة الألفاظ والصور في التعبير عما أُريدَ لها أن تُعبِّر عنه، لكننا عرفنا مما قدمناه في الفصل السابق أن لأنواع الشعر المختلفة قدراتٍ مختلفة على التعبير؛ فقصيدة في الشعر المُرسَل تختلف في طريقة أدائها للمعنى وتعبيرها عما يُريد الشاعر عن قصيدة في بحر الدوبيت، وإذن فربما كانت الطريقة المُثلى في الحكم على قصيدة أن نحكم عليها باعتبارها شعرًا أولًا، ثم باعتبارها هذا الضرب أو ذاك ثانيًا؛ إذ يستحيل أن تزن قصيدةً بميزان النقد الكامل العادل إلا إذا قِستها بمعيار نوعها، أما أن تقيس القصيدة الغنائية بما تقيس به الملحمة، ثم تستخفُّ قيمتها وتستصغر شأنها لأنها لا تُؤدِّي ما تُؤدِّيه الملحمة، فضلالٌ وانحراف عن سواء السبيل، ولا يقلُّ خطلًا وحمقًا عمن ينتقص من شأن النمر لأنه لم يكن أسدًا؛ فإذا كانت القصيدة الغنائية تختلف عن زميلتها القصصية بمقدار ما يختلف النمر عن الأسد، فبديهيٌّ أن تحكم على القصيدة الغنائية في حدود ما يستطيع الشعر الغنائي أن يُؤدِّيه، وأن تحكم على الملحمة في حدود ما يستطيع الشعر القصصي أن يبلغه؛ فالقصيدة الغنائية الجيِّدة هي التي تُجوَّد في صفتها الغنائية، كما أن خير النمور ما يُمثِّل طبيعة النمر على وجهها الكامل. ونسوق لذلك مثالًا هذه العبارة الآتية التي وردت في تأمُّل «هاملت» وهو وحده يُحدِّث نفسه، قالها وهو يُفكِّر في العالم الآخر، فيصفه بأنه: العالم المجهول الذي من حدوده لا يعود مسافر. وتقرأ العبارة في أصلها الإنجليزي فتجد لها رنينًا جميلًا ونغمًا حلوًا مُستساغًا، ولا تُخطئ فيها جودة الصياغة وقوة التعبير، وما دمت قد حكمت لها بقوة التعبير فقد سلكتها في الشعر الجيِّد، فذلك مِقياسنا الذي اتخذناه وحرصنا أن تكون له المنزلة الأولى في الحكم والتقدير. تقرأ هذه العبارة فتشعر أنك قد أحببتها، لا لأن لها نغمًا جميلًا في مِسمعَيك فحسْب، بل لأنها بأسلوبها؛ أي بطريقتها في معالجة موضوعها. تُصوِّر لك العالم الآخر صورةً تُغنيك وتُرضيك؛ فتصوير هذا العالم الآخر «بعالم مجهول» وبأنه لِسَفر الحياة نهاية وختام، قد هيَّأ للشاعر أن يُبرِز صفتَين هما من أهم الفوارق بينه وبين هذا العالم الأرضي الذي نعيش فيه؛ أولاهما إلغازه وغموضه فهو «عالم مجهول»، والثانية انفصاله التام عن هذا العالم؛ إذ «من حدوده لا يعود مسافر». وهكذا كشف الشاعر عن العناصر الأساسية في الفكرة التي يسوقها كشفًا صحيحًا جميلًا، فلا يسعنا إلا أن نحكم لعبارته بالجمال، وإذن فهي عظيمة بمقياس الشعر بوجه عام، لكنها ليست شعرًا بمعنى الشعر العام وكفى. إنها قول مُعيَّن لشخص مُعيَّن في نوع مُعيَّن من الشعر هو المسرحية، فلا يُمكِن الحكم لها أو عليها حكمًا قاطعًا إلا إذا رأيناها في موضعها من المسرحية التي وردت فيها؛ لنزِن قدرها في ذلك الموضع ومقدار أدائها لما أُريدَ لها أن تُؤدِّيه. ونعود إلى المسرحية فإذا العبارة تجري على لسان «هاملت»، وإذا بعامل جديد يدخل في الحكم والتقدير؛ فقد كنا حكمنا على العبارة بالجودة لأنها عبَّرت لنا عن رأينا في العالم الآخر؟ حكمنا لها بالجودة لصدقها، لكنها تجري في الرواية على لسان «هاملت» الذي يعلم دون سائر الناس جميعًا أنها كاذبة! فلمْ يكُن قد مضى في حوادث المسرحية إلا قليل حين رأى «هاملت» مُسافِرًا قد عاد إليه من العالم الآخر، ولم يكُن المُسافِر العائد إلا أباه. كان هاملت قد رأى منذ قليل شبح أبيه أمام عينَيه، وأخذ الشبح يقصُّ عليه من الأنباء ما تشيب له النواصي وتنخلع له القلوب. فواضحٌ — إذن — أن الصفة التي جعلتنا نحكم على العبارة بالجودة وقوة التعبير — أعني صفة الصدق في التصوير — قد ارتفعت عنها في موضعها من الرواية؛ فإن كانت لا تزال جيدة قوية في سياقها، فلِسَبب آخر غير صدقها. وهنا نتساءل: ولماذا وصف هاملت العالم الآخر وصفًا كاذبًا بالنسبة إليه؟ إن تجربته القريبة القوية قد دلَّت على عكس ما يقول؛ إذ آب إليه من حدود العالم المجهول مسافر هو أبوه، ولا نكاد نبدأ البحث عن علة هذا حتى ينفتح لنا طريق نتسلل منه إلى أعماق نفسه؛ فحين أخذ هاملت يتأمل الحياة بفكره المُجرَّد كما يتأملها الفيلسوف، طارَت عنه تجربته الشخصية المحدودة المحسوسة، فهو في تأمُّله هذا قد بات عقلًا خالصًا مفصولًا عن الجسد وتجاربه، وفي هذا وحده كل مأساته! إن مأساة هاملت في صميمها أنه رجل يسير بفكره المُجرَّد في وادٍ وبجسمه وحواسه وتجاربه في وادٍ آخر، هو رجل لا يبني تفكيره على تجاربه؛ ومن هنا كانت متاعبه، رجل يعرف كيف يتأمل ولا يعرف كيف يعمل؛ لأن التأمُّل من خصائص العقل وهو على عقله مُسيطِر، وأما العمل فمن صفات الجسم وليس له على جسمه من سلطان؛ وإذن فقد ظهر للعبارة جمال آخر وروعة أخرى، إنها ليست عظيمة في سياقها من الرواية لمُجرَّد أنها تقول الصدق، بل لأنها عند التحليل مفتاح لشخصية هاملت، فتفتح آفاق نفسيته وتُلقي عليه الضوء، وبذلك تُفسَّر المأساة كلها؛ هي عبارة جميلة قوية من حيث هي شعر مُطلَق، ثم هي أجمل وأقوى من حيث هي جزء في رواية مسرحية ينطق به شخص مُعيَّن في موقف مُعيَّن. من هذا ترى أنك لا تستطيع الحكم بالجودة على قول في مسرحية إلا بمقياس المسرحية، ولا على بيت في قصيدة غنائية إلا بميزان القصيدة الغنائية وهكذا. أما الحكم على إطلاقه فعبثٌ وضلال. وإنه ليشيع اليوم بين رجال النقد رأي بأنه لا فرق بين شعر وشعر عند الحكم والتقدير، فما نُريده من شعر القصيدة الغنائية هو ما نُريده من شعر المسرحية أو الملحمة، أو غير ذلك من فنون النظم؛ فالشعر إما أن يكون شعرًا أو لا يكون شيئًا. ويمضي رجال النقد في رأيهم، فيزعمون أن ما يجعل الشعر شعرًا لا يتوقف في قليل ولا كثير على المُصادَفة البحتة التي جعلت هذا البيت من الشعر جزءًا من قصيدة غنائية أو جزءًا من مأساة. وعندنا أنه رأي بعيد عن الصواب؛ فقد رأينا في تحليل العبارة التي قالها «هاملت» أنها اكتسبت قوة وجودة وجمالًا بعد إذ نظرنا إليها وهي في موضعها من المأساة، ولو جرَّدناها عن موضعها ذاك لاحتفظت بقليل من قوتها وجودتها وجمالها. إن الرواية المسرحية تختلف عن القصيدة الغنائية بمقدار ما يختلف الأُرغُن عن القيثارة؛ فإن كانتا أداتَين مُختلِفتَين في طبيعتهما فبديهيٌّ أن تختلفا كذلك في قدرتَيهما على التعبير. ولن نقدُر قصيدة غنائية أو مسرحية حق قدرها إلا إذا عرفنا في غير لَبس ماذا تستطيع القصيدة الغنائية أو المسرحية أن تُؤدِّيه، وبالقياس إلى ما تستطيعه من الوجهة النظرية يُمكِن الحكم على هذه القصيدة المُعيَّنة أو المسرحية المُعيَّنة، بأن نرى كم جرَت من شوطها المفروض. ولكن أنَّى لنا أن نعلم لكل نوع مَداه؟ كنا في الفصل الأول قد آثَرنا في تعريف الشعر طريقًا مأمونًا من الخطل والزلل بعيدًا عن العمق والغموض، فقلنا إن الشعر هو ما يصنعه الشاعر. وذلك هو ما نعنيه إن قلنا بعبارة أخرى إن الشعر فن. ولكن كلمة «الفن» قد اضطربت معانيها في استعمالاتها الحديثة فغشِيها بعض الغموض؛ فقد تفهم الفن على أنه وجه آخر من المعرفة غير «العلم» وإنه لكذلك، ولكن وجه الخطأ في هذا الفهم أن تضع هذَين الضدَّين في غير موضعهما الصحيح، فقد تتوهم أن «العلم» أشد ارتباطًا بالحياة العلمية النافعة من «الفن». فالعالِم هو عند أهل العصر ما يبحث في المعرفة النافعة، فيخترِع للصناعة آلاتِها وللحرب أدواتها، وللحياة اليومية ما يزيدُها رغدًا وبهجةً وجمالًا. أما «الفنون» فتشمل صنوفًا من الدراسة لا خَير فيها، وتشغل وقتَها وتُنفق جهدها في كتبٍ عتيقة أكَلَ عليها الدهر، تُعالج علمًا قديمًا بلغةٍ ماتت ومات أصحابها. ذلك ما يتوهَّمُهُ أهل هذا العصر من العلم والفن، وإنه لقلبٌ للوضع الصحيح. فإن أردْنا الدقَّة ألفَينا «العلم»، بعيدًا كلَّ البعد عن الحياة العملية؛ إذ العلم لا ينظر إلى المعرفة من وجهها النافع المُفيد، فهو لا يَعنيه إلَّا المشكلات المُجرَّدة والمبادئ العامة، العلم فِكر مجرَّد يقوم به العالم، بغضِّ النظر هل يُفيد في نهاية الأمر أو لا يُفيد. وأما «الفنون» فهي في حقيقة أمرها، ليست فروعًا من المعرفة، بل هي الطرائق العملية لصناعة الأشياء وأدائها، والمواد الدراسية التي يُطلَق عليها اليوم في الجامعات اسم «الفنون»، كاللغة اللاتينية والتاريخ والأدب الإنجليزي وما إليها «فنون»؛ لأنها جميعًا تعمل على التوسيع من «فن» الحياة، فهي تُهيِّئ للإنسان أدواتٍ تُعينه على أن يعيش حياته على صورةٍ أكمل وأوفى. الفن — إذًا — في حقيقة معناه صناعة وعمل وطريقة أداء. وأصدَقُ ما أسوقه لك من مثالٍ، يوضح كيف يخلط الناس اليوم بين «العلم» و«الفن»، خلطًا يضع كلًّا منهما مكان الآخر، هو ما يفهمه الرجل من أوساط الناس من معنى «مدرسة الفنون». فعنده أن هذه مدرسة تُعِدُّ التلاميذ لصناعة الأشياء المختلفة، كالتصوير والتطريز وتركيب الآلات وإصلاحها وغير ذلك، وهو مُصيبٌ في فهمه، لكنَّ خطأه يبدأ حين يظنُّ أن هذه الأمور هي من أبواب «العلم»، مع أنَّها «فنون» خالِصة ليس لها من «العلم» الخالِص البحَت كثيرٌ ولا قليل. «مدرسة الفنون» في حقيقة أمرها تُطبِّق العلوم على صناعاتٍ مُختلفة، أي أنها تُعلِّم «الفنون» التي تتَّصِل بفروع العلم الخالص. فالصباغة — مثلًا — فنٌّ وصناعة، لكنها تعتمِد على فرعٍ من فروع العلم البحت، هو كيمياء الألوان. إذًا فصورةٌ تُصوِّرها وقطعةٌ من القماش تصبغها، تجعلانك من أصحاب الفنون لا من رجال العلوم. لكنَّنا نعود فنفرِّق بين هذين الفنَّين، فتصوير الصورة فن، وصبْغ القماش فن، لكن الأول من عمل «الفنان» والثاني من صنائع «الصانع». فلئن كان «الفنان» و«الصانع» كلاهما من رجال الفنون، إلَّا أنَّ أولهما مَعنيٌ «بالفنون الجميلة»، وثانيهما معنيٌ «بالفنون المفيدة». فصانع القصائد وصانع الصور، وصانع التماثيل وصانع الموسيقى، فنَّانون يُعالجون «فنًّا جميلًا»، وصانع الأحذية وصانع الإطارات للصور، وصانع المناضِد وصانع القيثار، فنَّانون يُعالجون «فنًّا مُفيدًا». فما الفرقُ بين الفنِّ الجميل والفنِّ المُفيد؟ قيمة ما يصنعه الصانع مرهونة بفائدة ما يصنع، فغاية الحذَّاء أن يصنع شيئًا ننتفِع به نفعًا مُعيَّنًا، نعم قد نُحبُّ لحذائنا أن يكون جميلًا، لكننا قبل جماله نتطلَّب أن يكون وقايةً لأقدامنا، فلا بُدَّ للحذاء أن يكون على شكل القدَم، وألَّا تكون به خروق تُدخِل الماء، وأن يكون ذا جلدٍ قوي يُقاوم صلب الأديم فيَحمينا من أذاه، وبعبارةٍ أخرى لا بُدَّ لإنتاج الحذاء أن يكون في شكله وبنائه وصفاته، مُتمشِّيًا مع الظروف المفروضة عليه، فهو في صناعته يُرضي عوامل خارجةً عنه، ليس له عليها نفوذ وسُلطان، عليه أن يستخدِم مادَّةً مُعيَّنة — هي الجلد عادة — لأنَّ للجِلد من الخصائص والصفات ما يجعله نافعًا أكبر النفع فيما نُريده له، ثم عليه أن يشكل الجلد ويصوغُه على نحوٍ فُرِض عليه فرضًا؛ إذ لا بُدَّ له أن يُخرج الحذاء على صورةٍ معلومة. نعم في وُسعِه أن يستغلَّ ما لبعض صنوفِ الجلد من صفات، فيُؤثر اللامع منها على القاتم؛ لكي يُكسب صناعته جمالًا، لكنَّ الجمال في الحذاء له المرتبة الثانية، ولفائدته المكان الأول، والحذَّاء الماهر هو الذي يصنع لنا أحذيةً تنفَعُ وتفيد، لا من يقصُر عنايته على جمال المظهر. قابِل هذه القيود التي تُكبِّل الصانع في صناعته، بالحرية التي ينعَم بها الفنان في أدائه لفنه، فليس على المُصوِّر قيدٌ تفرِضه الظروف، فلا عليه أن يضع الألوان والأصباغ على نحوٍ مُعيَّن لتكون مُفيدة نافعة. أمام المُصوِّر ألوان، لكلٍّ منها قُدرة على التمثيل والتعبير، وكلُّ نبوغه أن يُدرك على أيِّ نحوٍ تُوضَع الألوان، فتبلُغ حدَّها الأقصى في التمثيل والتعبير. وإذًا فإنتاجه الفني — أي الصورة — لا يخضع لشروطٍ تأتيه من خارج، وإنما يخضع للخصائص الكامِنة في طبائع الألوان ذاتها، باعتبارها أدواتٍ تُعبِّر. خُذ مثلًا آخر: أعطِ مادة الصوت لصاحب مصنع ولرجُل موسيقى، يُسارع صاحب المصنع إلى تشكيل نبرةِ الصوت بحيث تنفَعُه، فتُوقِظ له من العُمَّال من تأخُذهم سِنةٌ من النوم، وهو إذ يُعدُّ الصفَّارة التي تَصْفرُ للقوم، إنما يخضع لعواملَ خارجةٍ عن نفسه، فلا بُدَّ أن يُسمِع آذانًا غافلة، لا تُريد أن تسمع، فهو لا يُشكِّل الصفارة لتُعجِب بصوتها بل لتنفَعَ وتفيد. أما الموسيقيُّ فمُطلَق السَّراح من هذه القيود، وهو يُخرج الصوت على نحوٍ لا يُقيِّده ولا يُحدِّده إلَّا قُدرة الصوت نفسه على حُسن التعبير وقوَّته. وهاك مثلًا ثالثًا: أعطٍ قطعةً من المرمر لبنَّاء، ومِثلها لفنَّان يصنع التماثيل، فأمَّا البنَّاء فيَصوغُها بحيث تنفع في بناء ما يبنيه، وهو في صناعته يضع نُصبَ عينه الظروف الخارجية، فيُسوِّي قطعةَ المرمر مُستطيلةً أو مُربَّعة أو مُكوَّرة، وفقًا لِما تُمليه تلك الظروف. أما المَثَّال فينحَتُ قطعتَهُ تمثالًا، ولا يُحدِّده في نحت تمثاله ما يتطلَّبه العالم الخارجي، وإنما يَستوحي شيئًا واحدًا فقط، وهو القُدرة الكامنة في المرمر على التعبير عمَّا يُريد أن يَبُثَّه فيه من معنى، فيُشكِّله في وضعٍ يؤدي ذلك المعنى خير الأداء. ونَسوق مثلًا رابعًا وأخيرًا يُوضِّح الفرق بين الفنون الجميلة والفنون المُفيدة توضيحًا جليًّا، ويُهيِّئ لنا في الوقت نفسه علامةً لا تُخطئ، في تمييز ما أنتجه الفنُّ الجميل وما أخرجَتْه الصناعة، وإنما قصدتُ فنَّ الحياة، والحياة فنٌّ من الفنون، ما دامت طريقةَ تصرُّفٍ وسلوكٍ وأسلوبَ عيش. فهل الحياة فنٌّ جميل أو فنٌّ مُفيد؟ لكي نُجيب لا بُدَّ لنا من نظرةٍ نُلقيها على النتاج الفني نفسه، على الثمرة التي أخرَجَها الفن، على رَجُلٍ ونوع حياته، لنرى هل كانت حياته تلك فنًّا جميلًا أو مُفيدًا، ثُمَّ لكي نُجيب لا بُدَّ لنا أن نسأل: هل هذا الرجل كما هو الآن، قد جاء نتيجةً لظروفٍ وعوامل خارجة عن نفسه، أم هو نتيجة لعواملَ كامنةٍ في مادَّتِه الخامة التي منها نشأ وتكوَّن، ومادته الخامة هي الطفل الذي كانَهُ، فلو كانت الحياة فنًّا جميلًا، لاقتضى ذلك أن يكون الرجل — وقد نما واكتَمَل — قد برَزَتْ فيه كلُّ خصائص الطفل الكامنة فيه، بروزًا بلغ بها أقصى ما تستطيعُهُ من قوةٍ ونُضج، دون أن يَحُول في سبيل نموِّها حائل ليس منها. لكن ما هكذا يتمُّ تكوين الرجال، فمَلَكات الطفل وقواه لا تنطلِق في طريقها إلى النمو، بغَير أن تُعرقِل سيرَها وتعُوق نموَّها ألوفُ العوامل الخارجية؛ فهذه ضرورات اقتصادية، وهذه تقاليد اجتماعية، وتلك عادات أهله وذويه، بل هذه ضرورة العَيش قد ألزَمَتْه أن يسلك في كسْب قُوتِه سبيلًا، قد يكون بينها وبين استعداده الفِطري شُقَّةٌ بعيدة؛ فقد ينعرِج طريق الحياة باليافع إلى مصنعٍ، يُنفِق فيه بَياض نهاره ضاربًا بالمِطرقة فوق السندان، أو إلى مكتبٍ ما ينفكُّ فيه مُطقطِقًا بالآلة الكاتبة فَوق القرطاس، أو إلى الجامعة يُطيل الدراسة النظرية بالاستماع آنًا، وبالقراءة والبحث آنًا آخر. وربما كان حامل المِطرقة أولى بالجامعة، والطالب الجامعي أنسب للمطرقة، لكنها ظروف العَيش تضع رجُلًا هنا ورجُلًا هناك، بغضِّ النظر عن المواهب والمَلَكات، فليس الرَّجُل — إذًا — طفلًا نما فنمَتْ ملَكاتُه معه إلى حدِّها الأقصى، لقد شكَّلتْهُ ظروفٌ خارجة عن نفسه، قاهرةٌ مُلزِمة، أكثر مِمَّا سيَّرَتْه ملَكاته وقواه التي غرَسَها الله في فِطرته. ليست الحياة — وا أسفاه — فنًّا جميلًا، ولكنها فنٌّ نافع مُفيد. ليس الرجل الذي صنعتْهُ الظروف آيةً يتجلَّى فيها الفنُّ الجميل؛ لأنه لا يُحقِّق معنى «الرجولة» تحقيقًا كاملًا، فقد حالت دُون نموِّ «الرجولة» فيه عوامل، قطَّعَت ذلك النموَّ الطبيعيَّ قطعًا، أو أجرَتْهُ في طريقٍ مُلتوٍ، لا يتَّفِق مع الاستعداد الموهوب والقوة الفطرية، عوامل خارجةٌ عنه لا تمتُّ إلى «رجولته» بسببٍ من الأسباب. ويَسوقُنا هذا المَثَل الذي ضربناه، إلى تدبُّر الفن الجميل من ناحيةٍ أخرى، فلقد كثُر الحديث بين رجال النقد، عن الصِّلة التي تربط الطبيعة بالفن الجميل. ونحبُّ أن نُقرِّر في جلاءٍ أن الآية، مما يُنتِجه الفن الجميل، تختلف اختلافًا جذريًّا بيِّنًا عن الشيء إذا كوَّنَتْه الطبيعة وأنتجَتْه. خُذ بِذرتَين من بذور الورد، واغرس إحداهما في العراء، فإذا ما ازدهَرَتْ ورودُها، فاترُكها للرياح تلفَحُها، للأمطار تصفَعُها، ولحرارة الشمس تذويها، ولآفات النبات تقضي عليها، يكُن لك بذلك عملٌ من أعمال الطبيعة. واغرس الأخرى في مكانٍ تَحُوطه الرعاية، بحيث لا تنال من زهراتها العوامل الخارجية، يكُن لك من وردِها شيء، هو بعمل الفنِّ الجميل أشبه؛ إذ يُعبِّر عمَّا كان كامنًا في البِذرة من صفات الورد، تعبيرًا تامًّا كاملًا، وإنما تخيَّرتُ هذا المَثَل عامدًا؛ لأنَّني أعلم أن كثرَتَنا الغالبة، تستمدُّ مُتعةً فنية من شجرة الورد الأولى، بما يلفَحُها من ريحٍ وما يصفَعُها من مطر، وما يُذويها من حرارة الشمس، وما يقضي عليها من آفات النبات، أكثر مِمَّا تستمدُّه من الشجرة الثانية، بكلِّ ما يَحُوطها من عنايةٍ ورعاية، وكل ما ظفِرت به في النهاية من نموٍّ واكتمال؛ لكنني أعلم إلى جانب ذلك أن المُتعة الفنية، التي تستمدُّها من الشجرة الأولى، ليس مصدرها «وردية» الشجرة، بل أساسها أننا نحبُّ أن نرى الوردَ والريح والمطر، تفعل فِعلها في آنٍ معًا، وقد وجدْنا بُغيَتَنا في شجرةٍ غُرست في العراء، تُحيط بها عوامل الطبيعة المنشودة. وإذًا فهي شجرة تُعبِّر، بما انتهَتْ إليه، عن مجموعةٍ من القوى مُجتمِعة: قوة الريح والمطر والورد. أما الشجرة الثانية ففيها فنُّ «الوردية» قد نما واكتمل، وإنَّ ما صنَعَه فيها النباتي، هو بِعَينه ما يصنعه كلُّ فنانٍ في مادة فنِّه؛ فقد حرَّرها من كلِّ القيود والعوامل الخارجية القاهرة، ولم يُبقِ إلَّا على العوامل الفطرية الكامِنة في جِبلَّتِها، تُنميها كما أراد لها الله أن تنمو شجرة وردٍ فقط، لا شجرة وردٍ أضيفَتْ إليها العوامل والمُؤثِّرات. وخير قصيدة من الشعر، هي ما أبرزَتْ أكثر ما يُمكن إبرازه، من الشعور من المادة التي منها صُنِعت، وقد صُنِعت من ألفاظ، فخَير قصيدة هي ما حقَّقت خصائص الألفاظ الكامنة فيها تحقيقًا يبلغ الغاية القصوى، أو بعبارةٍ أخرى هي ما أخرجت من الألفاظ قُدرتها على التعبير إلى أبعد الحدود. أما قصيدة لا تُستخدَم فيها الألفاظ، للتعبير إلى أبعدِ ما يُمكن للألفاظ أن تُستخدَم وتستغل، فهي قصيدة رديئة، أو قُل إنها ليسَتْ من الشعر في شيء. والواقع أن عددًا قليلًا جدًّا من القصائد، هو الذي تستطيع أن تقول عنه إنَّ القصيدة منه شِعرٌ كلُّها من الفاتحة إلى الختام، وأما الكثرة الساحِقة مِمَّا نعدُّه شعرًا جيدًا، فلا تكون القصيدة شِعرًا صادقًا إلَّا في بعض أجزائها، وتلك الأجزاء هي التي يبلُغ فيها التعبير حدَّ الكمال، فليس الشعراء شعراء في كلِّ ما يكتبون، فهذا وردزورث مثلًا — وهو مِن فحول الشعر — لا يُنازِع في صِدق شاعريته وقوَّة عبقريَّتِه ناقد واحد، ومع ذلك تراهُ في بعض ما يكتُب بعيدًا عن الكمال. لقد اختَرْنا له في الفصل الأول قصيدة «الحاصِدة المُنفرِدة»، نموذجًا جيِّدًا من شِعره، وتناولناها بالتحليل، فأسقطْنا منها المقطوعة الأخيرة؛ لأنها لم تُساير زميلاتها قوةً وجودة. إن وردزورث في بعض ما يُنشئ يقِفُ موقف المُعلِّم المُرشِد الواعظ، فيَبطُل أن يكون شاعرًا، فخَير ما يكون الشاعر مُعلِّمًا حين لا يُحاول أبدًا أن يُعلِّم. نحن لا نُنكر أن يكون للشاعر حِكمةٌ يُعلمنا إيَّاها، بل إن الشاعر أحقُّ الناس بجمْع الحكمة؛ لأن رجلًا أُرهِفَت حواسُّه، بحيث استمتع من تجارب الحياة، بعددٍ أكبر مِمَّا استمتَعَ به سواه، تكون حِكمة الحياة أقربَ إلى أطراف بَنانِه منها إلى غيره، لكن تحصيل الحِكمة وإنشاد الشِّعر عَمَلان مُختلفان، وما أكثرَ ما يسهو عن هذه الحقيقة شُعراؤنا، كأنما هم يجهلون أنَّ مُحاولة أيٍّ من العَمَلَين يُفسِد الآخر؛ فإن كنتَ حكيمًا فلستَ بشاعر، وإن كنتَ شاعرًا فلستَ بحكيمٍ في شِعرك.١ وليس تعليل ذلك علَينا ببعيد، فالشِّعر من شأنه أن يرفَعَ نفوسنا عن تجربة الحياة العادية المألوفة إلى مُستوًى أرفع وأعلى. من شأن الشِّعر أن يخدَعَنا عن أنفسنا، فيُنسينا لحظةً ما يُحيط بحواسِّنا من واقع، ليَجُول بنا في مُحيطٍ أسمى من حياتنا، فإنْ سها الشاعر وحشَرَ حكمة — والحكمة قانون الحياة التي نحياها؛ إذ تُركِّز تجربة هذه الحياة في جوهرةٍ لامعة — أقول إن سها الشاعر وحشَرَ حكمةً في هذا المجال الخيالي السامي، كان بمثابة من يخرُج إلينا من وراء الستار، ونحن ننظُر في دهشةٍ وإعجاب، إلى بعض المناظر العجيبة على المسرح، فيَدُلُّنا على سِرِّ الحيلة التي أحدثَتْ كلَّ هذه الغرابة فيما نرى، فلا يكون قوله هذا شاذًّا في مَوضِعه فحسب، بل يُفسِد كلَّ شعورنا، ومهما يُتقِن اللاعبون بعد ذلك حركاتهم، فلن نعود إلى سِحرنا الأول. ولنَعُد إلى موضوعنا فنستأنف فيه الحديث، لقد بلَغْنا بالبحث مرحلةً قرَّرنا عندها أن العمل يكون فنًّا جميلًا لو استغل مادَّته الخامة، فأخرج منها قُواها المُعبِّرة إلى آخر قطرةٍ فيها، ولكن كيف لنا أن نعرِف ما في وُسع هذه المادة أو تلك أن تبلُغه، حتى نقول إنَّ العمل الفنيَّ هنا قد استخدَم القوة الكامنة، أو لم يَستخدِمْها فيكون تَبَعًا لذلك جيدًا أو رديئًا؟ لا أحسبُنا مُستطيعين ذلك إلَّا إنْ كُنَّا من رجال الفن، فعبقرية الفنان هي التي تَهديه إلى ما في مادته، من قوةٍ تعبيرية في وُسعه استغلالها وإخراجها، فالشاعر — مثلًا — يرى في الألفاظ معنًى أغزرَ وقوةً تعبيرية أكبرَ مِمَّا يراها فيها سواه، لكنَّنا قد نُوفَّق إلى سبيلٍ تؤدِّي بنا إلى حيث نريد، لو اقتفَينا أثر رجال الفن، الذين يستخدمون المادة التي نحن بصدَد الحُكم عليها، لنرى ماذا يصنعون لإدراك ما في مادَّتِهم من قوةٍ كامنة. السبيل المُؤدِّية بنا إلى ما نُريد، هي أن نستعرِض بعض روائع الفن، التي أراد بها أصحابها أن يستخرِجوا معنًى بعَينه من مادةٍ بعَينها، بالتصرُّف فيها على هذا النحو أو ذاك، بهذا نستطيع أن نصل إلى مبادئ عامة، تكون لنا بمثابة القوانين الثابتة التي تصلُح مقياسًا للحكم، على شرط ألَّا نركَبَ رءوسنا فنظنُّ بهذه القوانين صدقًا لا يقبَلُ رِيبةً ولا شكًّا؛ لأننا — على أحسن الفروض — ننتزِع هذه القوانين ممَّا أبدَعَه رجال الفن السابقون، وقد يهبُ الله فنانًّا ما لم يَهَبْهُ أحدًا غيره، فيستخرج من مادَّته ما لم يستطع سواه من السابقين أن يستخرِجَه. ولنبدأ البحث بالنظر في آثار المرمر، التي خلَّفَها جهابذة النحْتِ في تماثيلهم، فلماذا آثر المثَّالون أن يُصوِّروا بتماثيلهم الأرباب وعمالقة الأبطال والشُّخوص الرمزية وقادة الأُمَّة من مشاهير الرجال؟ آثروا ذلك لأنَّ المَثَّال إن صنع تمثالًا لهذا الفرد أو ذاك، فهو لا يُريد حقًّا هذا أو ذاك، وإنما يَرمي إلى شيءٍ وراءهما، إن المَثَّال إن نحتَ تمثالًا «لأخيل» أو «نلسن»، فإنما يُريد أن يُخلِّدَ المرمرُ العنصرَ الخالِدَ فيمن يُصوِّره بتمثاله؛ يُريد العنصر الذي يمتاز به بطلُه من سائر الناس، ويُهمل سائر صفاته التي يشترك فيها مع السَّواد، ومن أجل هذا اختار المثَّالون المرمرَ مادةً لفنِّهم؛ لأنه يُبرِز العظمة والجلال ويُهمِل الدقائق الصغيرة، التي ليست بذات شأنٍ أو خطر، ومن أجل هذا ترى المثَّالين يَخلعون على شخوصهم أردِيةً بسيطة، تنسدِل من عواتِقِهم إلى أوساطهم في أقواسٍ بسيطة الانحناء قوية الأثر، فذلك عندهم أوفى بالغرَض المقصود من ثيابٍ، كلُّها تفصيلات وأجزاء وزخارف ونقوش؛ لأنَّ مِثل هذه الثياب المُزخرَفة المُزَركشة، المُعقَّدة بأجزائها الكثيرة من الشئون العابرة الفانية. ونحن إنما نريد أن نُبقي من بَطلِنا على جانبه الخالد، ونُزيل عنه كلَّ ما يعلَقُ به من فقاقيع الحياة اليومية، التي يستوي فيها العظيم وغير العظيم. ومن ناحية أُخرى فإن المرمر يُلائمه أن يُصوِّر الثياب البسيطة، القوية بطيَّاتها القليلة المُستقيمة المُنسدِلة في فخامةٍ وجلال، لا أن يُصوِّر المُخرَّم الرقيق الدقيق، فإنْ رأيتَ من المثَّالين المُحدَثين من يأبى أن يُلبس أبطاله الثياب البسيطة، التي جرى بها العُرف بين رجال النحت خلال العصور، ويُؤثِر لهم أن يبدوا في حُلَلِهم العسكرية أو ثياب التشريف، فاعلم أنه لا يُريد بذلك أن يُظهِر أبطاله في دقائق الحياة اليومية، فتلك الدقائق في ذاتها صَغار لا يستحقُّ الخلود، وإنما يرمُز بتلك الحلَّة العسكرية أو ثياب التشريف، إلى ما في بطلِهِ من عُنصرٍ قوميٍّ أو عالمي. ويزيد موضوعنا وضوحًا مُوازنةٌ نُجريها بين النحت والتصوير، فلو سُئلت: أيهما تُحبُّ تخليدًا لذِكر صديقٍ قضى: صورة له مُلوَّنة أو تمثال نِصفي، فما أحسبُك إلَّا مُفضلًا صورَتَه على التمثال، فالصورة بما تستطيعه من تَبايُنٍ في الظلِّ والنور ودرجات اللَّون، يُمكنها أن تُصوِّر صديقَك كما كان في حياته، مُحتفظةً له بكل الدقائق الصغيرة التي جعلتْهُ رجلًا فردًا كما عَهِدْتَهُ وعرَفْتَه. الصورة تقدِّم إليك الصديق في مُحيط الحياة اليومية، التي ألِفْتَ أن تراه فيها فأحبَبْتَه وأعزَزْتَه. أما التمثال فبطبيعة مادَّتِه لا يُمثِّل لك الصديق رجلًا فردًا، له سِماته الشخصية وخصائصه المميِّزة، بل يُمثِّل منه الجانب الذي يجعله إنسانًا عامًّا، ينتمي إلى وطنٍ مُعيَّن، وقد يكون الجانب القومي العام الذي يُبرِزه التمثال أحقَّ بالبقاء والخلود، من دقائق حياته اليومية التي جعلتْهُ فردًا من الأفراد، لكنك بهذه الدقائق المألوفة، ربطَتْ بينك وبينَه أواصِرُ الصداقة والود. ويتبيَّن من هذا الذي عرضناه، أن كل فنٍّ من الفنون الجميلة له مجال خاص به، تتجلَّى فيه قُدرته وقوَّتُه على التعبير، وهي قوةٌ مُستمدَّة من خصائص المادة، التي يَستخدمها في صُنع نتاجه. وفي كلِّ فنٍّ جميل يبلُغ الإنتاج ذروة الكمال، إن تحقَّق فيه كلُّ ما تنطوي عليه مادة ذلك الفنِّ من قُدرةٍ كامنة على التعبير، فالمرمر يستطيع أن يُمثِّل زخرفة الثياب ووَشْيَها، لكنَّها عندئذٍ تكون مهارةَ صانع لا براعةَ فنان؛ إذ الفنان الحقُّ يعلَمُ ما يكمُن في مادته من خَير خصائصها، ويُبرِزه دون غيره، وخير خصائص المرمر أن يُبرِز البسيط الجليل. نستطيع الآن أن نُلخِّص المشكلة في عبارةٍ وجيزة واضحة فنقول: إنَّ للفن الجميل أنواعًا مُختلفة، من تصويرٍ ونحتٍ ومُوسيقى وشعرٍ وما إليها، وإنما كانت هذه الأنواع صورًا مختلفة للتعبير؛ لأنها تستخدِم ألوانًا مُختلفة من المادة، تُعبِّر بها عمَّا تُريد، وما دامت موادُّها قد اختلفَتْ عنصرًا، فقد اختلفتْ كذلك في قُدرتها على التعبير. فهل نستطيع أن نصِل بالتحليل إلى معرفة العلاقة بين المادة الخامة، التي هي وسيلة التعبير، وبين قُدرة الفنان على استخدامها؟ سنجِد جواب هذا السؤال مبسوطًا في وضوحٍ وقوة، عند شاعرٍ ناقد ألماني، هو «لسنج» في كتابه «لاو كون»، الذي يبحث فيه وجوه الخلاف بين التصوير والشعر، في القدرة على التعبير، مُعللًا لِما يقول، ونرى لزامًا علينا قبل أن نُقدِّم إليك خُلاصة رأيه، أن نُحذِّرك من بعض الأخطاء الشائعة التي سبَّبَتْها ألفاظ مُعينة، فأولًا لا فرقَ بين «التعبير» و«التمثيل»، في مِثل قولِنا إنَّ هذا التمثال يُمثِّل «أخيل» أو يُعبِّر عنه، فإن كانت الفنون الجميلة كلها وسائل تعبير، فهي كلها وسائل تمثيل لأشياء. هذا تحذير لا مناصَ منه في هذا الموضع، لِما نشأ من خلطٍ في التفكير عند التعليق على تعريف الفن، بأنه «مُحاكاة» الطبيعة، وهو تعريف قديمٌ مَردُّه إلى فلاسفة اليونان الأقدمين، فجاء المُحدَثون وأنكروا هذا التعريف في أنفةٍ وكبرياء؛ إذ ساءهم أن تتقلَّصَ فنونهم الجميلة، وتهوي من ذُروة «الخلق والإبداع» إلى حضيض «المُحاكاة والتقليد»، هم يخلُقون ويبتكرون ولا يُحاكون أو يُقلِّدون، لكنَّ مُحاكاة الطبيعة معناها تمثيلها، وتمثيلها معناه التعبير عنها. ولا بدَّ أن تُفهَم الطبيعة بأوسع معانيها، فتشمل القوى الإلهية، والطبيعة البشرية فضلًا عن ظواهر الطبيعة المادية، التي كثيرًا ما تُفهَم وحدَها من اللفظ. مُحاكاة الطبيعة ليس معناه أن ننقل عن الطبيعة «نُسخة طِبق الأصل» كما يقولون، وإلَّا انقلب الفنان آلة تصوير تنقل ما تقع عليه عينُها في أمانةٍ ودقَّة، وليس معناها كذلك أن يكون العمل الفني هو الواقع حرفًا بحرف، فصِدق العمل الفني بهذا المعنى الحرفي علامة فشَلِه لا دليلَ نجاحِه، فهذا «شلي» يُنشئ قصيدَتَه المعروفة عن «القُبَّرة»، فلا تكون آيةً فنية رائعة إلَّا لأنها لا تُصوِّر ما في الطبيعة، إن أُريد بالطبيعة هنا القُبَّرة التي تراها في الحقول أنَّى سِرْتَ. فإذا أردتَ قُبَّرةً طبيعية، فعليك بها في حقولها ودَعْ شاعرنا وشأنه، أما قُبَّرةُ الشاعر فطائرٌ صبَّ عليه الشاعر سِحر خياله، فتحوَّل طائرًا فيه طبيعة إلهية، ولا تقُل إنَّ «شلي» شاعر «مثالي» يُحوِّر الواقع ويسمو به عن حقيقته، وإن هنالك من الشعراء «الواقِعيِّين» من يُعنى بالطبيعة كما هي، فالتفرِقة الزائفة بين «المثالي» و«الواقعي» في الفنون، هي النقطة الثانية التي أردْنا أن نُحذِّر منها، فهؤلاء الواقعيُّون أنفسهم قلَّما ينقلون في فنِّهم صورة طِبق أصلها الطبيعي بغير زيادة أو نقصان، فهم لا يُحاولون أن يُصوِّروا الواقِع تصويرًا فوتوغرافيًّا، بكلِّ ما فيه من دقائقَ وتفصيلات، إنما هم يختارون ويَنتَقون من تلك الدقائق الكثيرة، ما يُلائم الأغراض التي يَنشُدونها، ويُهمِلون سائرها. وكلُّ الفرْق بين الشعراء من نوع «شلي» وغيرهم مِمَّن قال عنهم واقعيُّون، أنَّ شلي وأضرابه المِثاليِّين يختارون من موضوعهم جانبًا مُعيَّنًا، ويختار الواقعيُّون من نفس الموضوع جانبًا آخر. «شلي» يُؤثِر السحاب وقوس قزَح وأفلاك السماء وأنجُمَها السواطع، ويُؤثِر الشاعر الواقعي بيوت الفقراء والأرض والطين، وقد يكتفي بها، وقد يُضيف إليها العناصر التي اختارها شلي. وعلى كلِّ حالٍ فالشاعران كلاهما يتَّفِقان في أنهما يختاران من عناصر الموضوع الذي يُصوِّرانه، ما يَريان أنه يُصوِّره خير تصوير في رأي كلٍّ منهما. فكلاهما بهذا المعنى «مِثالي» يُهمِل كثيرًا من تفصيلات الواقع؛ ليُركِّز الوصفَ في جانبٍ مُعيَّن يقع عليه اختياره. وإذًا فإطلاقنا على هذا الشاعر اسم المثالي، وعلى ذاك اسم الواقعي فيه بُعدٌ عن الصواب، لكنها تفرقةٌ مُفيدة في التمييز بين طائفتَين من الشعراء، إن لم يكن الخلاف بينهما في مِثالية إحداهما وواقعية الأخرى، فهما مُختلفتان في جانب الطبيعة الذي يختاره كلٌّ منهما موضوعًا لفنِّه، فليست القصور الباذخة بأقلَّ واقعيةً من الأكواخ، ومع ذلك فالفنان الذي يُصوِّر الأكواخ وساكنيها — في عُرف هؤلاء القوم — واقعي، والذي يُصوِّر القصور وآهلِيها مِثالي، وذلك بغَير شكٍّ خلْط في معاني الألفاظ. ومِمَّا يزيد الأمر سُخرية وهزلًا أن أولئك «الواقعيين» كثيرًا ما يكونون أمعَنَ إيغالًا في المِثاليَّة من «المِثاليِّين»، فترى مُصوِّر الأكواخ يتعنَّت في وصفه ويتزمَّت، فلا يأذن لشعاعٍ واحدٍ من أشعة الشمس، أن يتسلَّل إلى ساكن الكوخ المسكين، لتجيء الصورة كما أرادها محلوكة دامِسة فيها بؤس وشقاء. وأمَّا مُصوِّر القصور فكثيرًا ما يُفسِح صدرَه للعصافير، تُعشِّش فوق سقوفها أو تُزقزِق على نافذةٍ مكسورة الزُّجاج. وإذًا فآمَنُ طريق — فيما نرى — لاستخدام هاتَين اللفظتَين الخطيرتَين — مِثالي وواقِعي — ألَّا ننظُر إلى الموضوع المُختار، بل إلى طريقة السير في الموضوع كائنًا ما كان؛ فقد تكون مِثاليًّا في وصفك للأكواخ، وقد تكون واقعيًّا في وصفك للقصور، فالعِبرة بالطريقة لا بالموضوع. على أنه يجب أن نضعَ نُصب أعيُنِنا، أنَّ الفنَّ الجميل بكلِّ أنواعه وضُروبه — مِثاليًّا كان أو واقعيًّا — ليس هو صورة صادقة للشيء، كما هو في الطبيعة بكلِّ أجزائه ودقائقه، فتلك الأجزاء والدقائق لا سبيلَ إلى حصرِها وحدَها، إنما هو انتقاءٌ واختيار. ومعنى ذلك أنَّ كلَّ عملٍ فني مِثالي، بمعنى أنه يَسير بشيئه نحوَ مِثاله، الذي تتركِز فيه صفات الشيء الذاتية الجوهرية، مُهمِلًا صفاته العرَضيَّة المُتغيِّرة، فإن اختار الفنان صفةً أو صفتَين يرمُز بهما لجوهر الشيء، الذي يُصوره كان فنانًا «مِثاليًّا»، وإن آثَرَ أن يختار من تفصيلات الموضوع، ما وَسِعَه أن يختار كان فنانًا «واقعيًّا». ولنَعُد بعد هذا التحذير إلى «لسنج» وكتابه «لاو كون»؛ لنعرض رأيَهُ في مشكلة التفرِقة بين فنَّي التصوير والشعر، في قُدرتِهما على التعبير. إنَّ كلَّ الفنون الجميلة — بما فيها التصوير والشعر— تُمثل ناحيةً من الطبيعة، لكن في جنَبات الطبيعة أنحاء كثيرة مُختلفة، فماذا في الشعر مِمَّا يجعله أصلَحَ لتصوير جانبٍ منها دون جانب، وماذا في التصوير؟ الأشكال الملونة هي وسيلة التصوير، فأيُّ جوانب الطبيعة يُمكن تمثيلها، خيرَ تمثيلٍ بهذه الوسيلة من وسائل التعبير؟ فانظُر إلى الأشكال المُلوَّنة: ما هي وكيف تكون في الطبيعة؟ إن المُصوِّر إذ يتناوَلُ لوحتَهُ، غايَتُه المنشودة أن يُثبِت على مُسطَّحِها أشكالًا مُلوَّنة جنبًا إلى جنب، فالمادَّة التي يستخدمها المُصوِّر تتألف من أجزاء يقَع بعضها إلى جانب بعض في حيزٍ من مكان، فهذا التجاوُرُ المكاني خاصَّتُها الطبيعية وشرطُها اللازم، ودَعْ مُصوِّرَنا لحظةً وَجُلْ ببصرِك في جوانب الطبيعة، التي قدْ همَّ ذلك المُصوِّر أن يُمثِّل منها جانبًا، أو إن شئتَ فقل الطبيعة، التي هَمَّ المُصوِّر أن يختارَ منها موضوعًا لفنِّه، فماذا في الطبيعة يُجاور بعضَه بعضًا في حيزٍ من مكان؟ هي «الأجسام» فكلُّ ما في الطبيعة مِمَّا يتجاوَرُ في المكان نُسمِّيه «أجسامًا»، فلو اختار المُصوِّر أجسامًا يُمثِّلها في صورته — أجسامًا حيَّةً أو جامدة — فقد اختار من الطبيعة موضوعًا لفنِّهِ شديد الصِّلة بوسيلته في التعبير؛ لأنَّ ظروف الأجسام في الطبيعة وظروف الأشكال، التي يُثبِتُها على لوحةٍ واحدة لا خِلاف بينها، وأعني بها التجاور في المكان. خيرُ ما تستطيع الأشكال المُلوَّنة المُتجاوِرة على لوحة الفنان، أن تُمثله من الطبيعة أشياء يُجاوِرُ بعضها بعضًا في المكان، ومن ثَمَّ رأيتُ المُصوِّر يختار الأجسام موضوعًا لفنه، أو بعبارةٍ أُخرى فإنَّ موضوع الصور الفنية كلها إمَّا صور لأشخاص، أي صور لأجسامٍ حية، وإما صُوَر لمناظرَ من الطبيعة، أي صور لأجسامٍ جامدة. وليس أدلَّ على ذلك من جولةٍ في أي متحفٍ شئتَ من متاحف الفنون، فلن ترى هناك إلَّا صُورَ أشخاصٍ أو صُورَ مناظر طبيعية، وإن صادفتَ بينها قليلًا من الشذوذ، لا يستقيم مع القاعدة، فذلك شذوذ في الظاهر كما سنُبيِّن بعدَ حين. وانظُر إلى الشعر على نحوِ ما نظرتَ إلى التصوير فماذا ترى؟ انظُر إلى المادة التي يتَّخِذها الشعر وسيلةً لتعبيره، وإلى الظروف التي تُحيط بتلك المادة شرطًا لوجودها، ولك أن تُقرِّر بعد ذلك أي جانبٍ من الطبيعة يقَع في هذه الظروف عينها، فيكون ذلك الجانب هو موضوع الشعر، فالخامة التي يتكوَّن منها الشِّعر ألفاظ، لكنَّ الألفاظ لا تقوم في مكانٍ كما تقوم الأجسام. نعم تقَعُ اللفظة المكتوبة أو المطبوعة، في حَيِّزٍ مَكاني من الصفحة التي كُتِبت عليها أو طُبِعَت، لكن هذا الرمز المرقوم على الصحيفة ليس هو ما نقصده بالألفاظ؛ إذ نقول إنها أداة الشاعر. الألفاظ — كما يَستخدِمُها الشاعر — أو كما تستخدِمُها أنت ويستخدِمُها كلُّ إنسان للتعبير عن خواطره ومشاعره — ليس لها شيء من خصائص المكان، هي حركة عقلية ونشاط ذِهني، فهي لا تملأ حيزًا من مكان، وإنما تشغل جزءًا من الزمان، اللَّفظتان أو الألفاظ لا تتجاوَرُ في مكان، لا يقِف بعضها إلى جانب بعضٍ كالأشجار والأحجار، لكنَّها تتعاقَبُ بعضها في إثر بعضٍ في فترةٍ من زمان، انطِقْ بالعبارة فلن تجِدَ لعبارتك مساحة، ولكنك ستجِدُ لها زمنًا قِيلت فيه، وإذا ما نطقتَ بالكلمة الثانية فقد ذهبتِ الأولى إلى العدَم، أو قُل أصبحَتْ ماضيًا، ويستحيل عليهما معًا أن يقِفا جنبًا إلى جنبٍ كما تفعل الأجسام. وأحسَبُك الآن تستطيع في غير عُسرٍ، أن تحزر أيَّ جوانب الطبيعة، يخضع لنفس الظروف التي تخضع لها الألفاظ، حتى تتَّخِذ منه موضوعًا لها، أي الأشياء في الطبيعة لا يملأ حَيِّزًا من مكان، ولكنه يستغرِق فترةً من الزمان؟ أي الأشياء في الطبيعة تتعاقب ولا تتجاوَر؟ هي «الأفعال» ولا فرقَ بين أن يكون الفعل حركةً في جماد أو في كائنٍ حي، لا فرق بين أن يكون الفعل لإنسانٍ أو زهرة، لماءٍ مُتدفِّق أو ريح عاصفة، فالشِّعر — إذًا — بطبيعة مادَّتِه الخامة التي يتألَّف منها — وهي الألفاظ — أنسبُ ما يكون وسيلةً لتصوير الأفعال، فهو في ذلك المجال أبرع وأروع ألف مرة من تصوير الأجسام. وكما أشرْنا عليك بجولةٍ في أي متحفٍ شئتَ من متاحف الصُّور؛ لترى صِدقَ ما زعمْناه من أنَّ روائع التصوير، إنما تُمثِّل أجسامًا حيَّةً أو جامدة، فكذلك نُشير عليك الآن أن تستعيدَ ما شئتَ من قصائد الشعر؛ لتعلَمَ أنَّ مجال الشعر تصوير الحركة والفعل. وهنا نُورد ذِكر ما قد يبدو لك شذوذًا، لا يَطَّرِد مع القاعدة ولا يستقيم، فكأنِّي بك مُعترضًا تقول: أليس من الشِّعر ما يُصوِّر أجسامًا ولا يُمثِّل فعلًا؟ فما هذا «الشعر الوَصفي» إذًا، إن لم يكن وصفًا لمناظر من الطبيعة وقد سَمَّيتها أجسامًا؟ لكن هيا نُمعِنُ في النظر، أيستطيع الشاعر حقًّا أن يُصوِّر منظرًا من مناظر الطبيعة، بالمعنى الحرفي الذي يُفهَم من هذه العبارة؟ إن المُصوِّر في وُسعِه أن ينشُر لوحته، فيُثبت القمر في ركنٍ من أركانها، وقد أحاط به الغيم، ويضع تحته الأشجار، وفي ظلِّها يُقيم دارًا ويشقُّ طريقًا ويُجري جدولًا، حتى إذا ما فرَغ كانت الصورة كلها منشورةً أمام أبصارنا، قمرًا وسحابًا وشجرًا وبيتًا وطريقًا وجدولًا، مُتجاوِرَة كلها في مكانٍ واحد وفي لحظةٍ واحدة. أما الشاعر فما شأنه؟ يصِف القمر في البيت الأول من قصيدته، والسحاب في بيته الثاني، والأشجار في الثالث وهكذا، حتى إذا ما جاء إلى وصف الجدول في بيتِهِ الأخير، فأين ذهب القمر؟ لقد انحدَرَ إلى غروب! لقد بات ماضيًا؛ وذلك لأنَّ الوسيلة التي يستخدمها الشاعر في تصويره — وهي الألفاظ — لا تقوم جنبًا إلى جنبٍ في مكانٍ واحد، وفي بُرهةٍ واحدة، إنما تتعاقَبُ خلال فترةٍ من الزمن، وهي إذ تتعاقَبُ على هذا النحو، لا تبلُغ آخِرَها إلَّا وقد ذهب عنك أولُّها، فبديهيٌّ أنَّ الشاعر لا يستطيع أن يُنافس المُصوِّر في تمثيل المناظر الطبيعية، ليس في وُسع الشاعر أن يُصوِّر القمر مُستقرًّا في السماء، كما يُصوِّره زميله المُصوِّر. أما إن أراد غروبه — مثلًا — فها هُنا تراه يَجُول في مَيدانه؛ لأنَّ الغروب فِعل وحركة، وليس هو بالحالة المستقرة الثابتة. ومع ذلك كله فلسْنا نُنكر — ولا نُريد أن نُنكر — أن القصائد الوصفية جزء من الشعر؟ كلا، بل لا تكاد تجِدُ قصيدةً واحدة تخلو من الوصف في بعض أجزائها، لكنه — في الأعم الأغلب — لا يكون وصفًا بمعنى التصوير، فقد يبدو لك الشاعر وكأنما يصِف منظرًا كالذي أسلَفْنا، لكنه في حقيقة الأمر لا يُريد أن يُمثِّل لك مجموعة الأجزاء كلها، مُتماسِكة في منظرٍ واحد، فهو في ختام قصيدته لا يرجو أن يضع أمام عينيك في آنٍ واحدٍ ما هنالك من قمرٍ وشجَرٍ وجدول، هو لا يُريدك على أن ترى القمر وأنت تنظر إلى الجدول، وإنما يُطالبك أن تحتفظ بذِكرى القمر فتعكس ضوءه على الجدول إذ ترنو إليه. ولا شكَّ أنَّ القمر في موقفٍ كهذا لم يعُد قمرًا، لكنه ذِكرى، وأمَّا ضوءُه معكوسًا على صفحة الماء «ففعل» يُناسِب الشعر، فليس الشاعر في قصيدةٍ كهذه يُصوِّر منظرًا مُعينًا من مناظر الطبيعة، لكنَّهُ يُمثِّل أثر القوى الطبيعية بعضها في بعض، أو بعبارةٍ أخرى يُمثِّل أفعالًا. قد يصِف الشاعر قريةً وحقولها، لكنه فيما يفعل لا يُنافِس المصور في عمله، وإنما يتَّخِذ من منظر الدُّور والحقول بطانةً، يُقيم عليها ما يُريد من أفعال وعواطف، ممَّا تضطرِبُ به حياة الناس في القرية، ما تجيش به صدورهم. والشاعر قد يصِف لك نهرًا وزهرًا، فيُخيِّل إليك أنه قد اختار لقصيدته مَوضوعًا، كالذي يقَعُ في نِطاق المُصوِّر، لكنَّكَ إن أمعنتَ النظر، ألفَيتَ الشاعر يصِفُ الأجسام مُتحرِّكة، فيُصوِّر النهر دافِقَ الموجِ مَسموع الصوت، والزَّهْرَ راقصًا مع الريح ناشِرَ العطر. وتدفُّقُ الموج وانبعاثُ الصوت ورقْصُ الزهرِ ونشْرُ العطر «أفعال»، ويستحيل على الشاعر الحقِّ أن يريد الأجسام لذاتها، كما هي جامدة في الطبيعة، إنه يُريدها كما تَستعيدُها الذاكرة، ليُعيد وضعَها وترتيبها كما يحلو لنفسه، وهذا التشكيل الجديد لأجسام الطبيعة «فعل»، يدخُل في نطاق الشعر والشاعر. يُريد امرؤ القيس أن يصِف جواده، فلا يصِفُ فيه إلَّا حركةً و«فعلًا»: مكرٍّ مِفرٍّ مُقْبلٍ مُدبْرٍ معًا كجلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من عَلِ وحتى إن وقَفَ عند بعض أجزاء الجسم، يصِفُها ويُصورها فلكي تعلَقَ بذهنك ذكراها، وتتخيَّلها وهو في فِعله وحركته، وكذلك قد يصِف الشاعر منظرًا ليَستثير به الذِّكريات، وعندئذٍ يكون بمثابة من بثَّ الحركةَ في المنظر الجامد؛ لأنَّ المحور الرئيسي في هذه الحالة، لا يكون الجسم الموصوف، بل حركة الخواطر والذِّكريات تتداعى وتتعاقَبُ في ذِهن الرائي. من ذلك كله ترى أنَّ «الفعل» هو خير مجال، تتجلَّى فيه قُدرة الشعر على التعبير، فإن حاوَلَ وصْفَ الأجسام لذاتها قصَّر دون التصوير، كما يقصر التصوير دون الشعر، إن حاوَلَ تمثيل «الفعل». خُذ — مثلًا — صورةً تاريخية تُحاول أن تُمثِّل فعلًا وقَع، فماذا ترى؟ تراها لا تُصوِّر — ولا تستطيع أن تصوِّر — الفعل في ذاته وهو يجري، وكلُّ ما في وُسعها أن تفعله، هو أن تُصوِّر الفعل منظرًا، أعني أنها تُصوِّر الفعل وقد تمَّ أداؤه، أو على وشْك أن يقَع، تُصوِّر قدَمَ الجواد مرفوعة؛ لتُعلِم أنه يُوشِك على الوثوب، أو ذِراع الجندي منشورة والسَّهم في قبضتها؛ لتُري أنه قد هَمَّ بقذفه وهكذا. أما الوثوب نفسه والقذْف نفسه وما إليهما، فأفعال يستحيل تصويرها وإن أمكن أن يُوحى بوقوعها. تلك خلاصة لِما يقوله الشاعر الناقد الألماني «لسنج»، في كتابه العظيم «لاو كون» وهو بغَير شكٍّ مِمَّا يُعينُنا على تفهُّم الفنون، فالفنون الجميلة كلها وسائل للتمثيل والتصوير، وهي تكون في كمالها، إن تشابَهَتْ وسيلة التمثيل والشيء المُمثَّل، أي إذا كان الشيء ووسيلة تصويره في ظروفٍ مُتماثِلة مُتشابِهة، ومن ثَمَّ كان لكلِّ فنٍّ مجال خاصٌّ به بِحُكم خامته، وإنما يبلُغ كلُّ فنٍّ درجة كماله الفني، إذا ما أحسَنَ القيام بمهمَّتِه. وها نحن أولاء قد عرَفْنا أنَّ مهمَّةَ الشعر ومجاله، تصوير «الفعل» وتمثيله، وبقي لنا أن نعرِف أي ضربٍ من ضروب الفعل يُناسِب القصَّة، وأيُّها يُلائم الرواية المسرحية، وفي مُحاولتنا أن نعرِف ذلك سنُصادِف الموازين، التي نُرجِّح بها قصَّةً على قصة، ونُؤثِر بها مسرحيةً على أُخرى. ١ هذا يتَّفِق مع قول بعض نُقَّاد العرب: المُتنبِّي والمعرِّي حكيمان والشاعر هو البُحتري. فنون الأدب
الفصل الرابع القصة القصة أشيَعُ ما يعرفه عصرُنا هذا من صُوَر الأدب، لا يدنو منها في شُيوعها بين الناس صورةٌ أخرى، فتكاد لا تجِد من لا يقرأ القصص، ولكلِّ قارئ ما يُؤثره مِمَّا قرأ. ولمَّا كانت القصة بطبيعتها مجالًا خصبًا لبذْر الآراء والمذاهب؛ رأيت كُتَّابها يبثُّون في قصصهم ما يريدون من مبادئ الاقتصاد والاجتماع والدِّين. وقد يُحبُّ الكاتب أن يتَّخِذ من قصته أداةً للتحليل النفسي، الذي ربَّما ذهب فيه إلى أبعدِ الآماد عُمقًا واتساعًا، فلا عجَبَ إن رأينا الكثرة الغالبة من القُرَّاء، لا تُقوِّم القصَّة إلَّا بما تحمِل لها من تلك الآراء والمذاهب، فلا تَزِنها بمِقياس الفن الخالص، ولا تُقدِّرها على أساس القواعد الفنية للقصة، بغضِّ النظر عما تحمِل في طَيِّها من مذهبٍ أو رأيٍ أو تحليل، ولا غرابةَ كذلك إنْ رأيْنا أديبًا عظيمًا مثل «ولز» — بعد أن كان يُعنى بفنِّ القصة أولًا وبالمذهب الفكري بعد ذلك — أصبح اليوم لا يكتُب القصة إلَّا ليبُثَّ فيها رأيًا أو مذهبًا، يُريد له الذُّيوع بين الناس. ومن الجائز أن يكون ذلك أجدى على قُرَّائه وأنفَع، لكِنَّا إن جزَيناهُ على ما فعَلَ من حُسن الصنيع، فإنما نَجزيه مُفكرًا اجتماعيًّا لا كاتبًا قصصيًّا؛ لأنه بقِصَصِهِ التي ينشرُها اليوم، قد جاوَزَ ما نعرِفُه للقصَّة الفنية من حدودٍ وأوضاع. وكأنِّي بك تسأل الآن: وما هذه الأوضاع وما تلك الحدود التي تُشترَط في القصة الفنية؟ كيف نحكُم لقصةٍ دون أخرى بالجودة والإتقان، أو بعبارةٍ أقصر وأوضح: ما هي القصة؟ ذلك هو ما نُحاول الإجابة عنه في هذا الفصل. القصة ضربٌ من ضروب الشعر، مِثلها في ذلك مثل المسرحية والملحمة والقصيدة الغنائية. ولعلَّك لم تنسَ بعدُ ما زعَمْناه لك في أول الكتاب، من أن الشعر يتناول كلَّ ضروب القول، الذي أُريدَ به أن يُمتِعَ لا أن يُفيد. وقد رأيتَ فيما سلَفَ أن ضروب الشعر كلها تُمثِّل «الفعل»، أصدَقَ تمثيلٍ وأحسَنَه؛ لأنها تستخدم الألفاظ وسيلةً وأداة، فموضوع الشعر بكافَّة ألوانه هو تصوير «الأفعال». وإذًا فالقصَّة كسائر زميلاتها من فنون الشعر، خُلِقت لتصوير هذه الأفعال، لكنها لم تُخلَق لتصويرها بكلِّ صنوفها، وما كان لها أن تطمَعَ في هذا؛ لأنها فنٌ واحد من فنون الشعر، فيجمُل بها أن تَقصُر نفسها على لونٍ واحد من ألوان الحركة والنشاط؛ لتترُك لسائر الزميلات سائر الألوان، فأيُّ جوانب «الفعل» هو للكاتب القصصي مَيدانه وحلبته؟ أي جوانب «الفعل» يتهيَّأ فيه للكاتب القصصي أن يجُول ممَّا لا يستطيعه أصحاب الفنون الشعرية الأخرى؟ لقد قابَلْنا بين الشعر والتصوير في فصلٍ سابق، فأتاحَتْ لنا المُقابَلة منفذًا يُدنينا من مثل هذا المطلَب. فلنبدأ البحث في الوسيلة التي يستخدمها القصصي في تصوير ما يُصوِّره، أو بعبارةٍ أخرى: في الخامة التي يُعالجها الكاتب القصصي؛ لنرى ماذا في وُسع هذه الوسيلة، أو هذه الخامة، أن تصنَعَه في تصوير ما يُراد لها أن تُصوِّره. أول ما يَرِد على الخاطر هو أنَّ وسيلة القصصي أو خامته، هي الألفاظ، لكن الألفاظ أداة يُشاركه فيها أصحاب الفنون الشعرية على اختلافها، ومن ثَمَّ اشتركوا جميعًا في مهمَّةٍ واحدة هي تصوير «الأفعال». وإنما سَبيلُنا الآن أن نرى وجوه الخلاف، التي تُميِّز أداة القصصي من أدوات فنون الشعر الأخرى. فالملحمة والقصيدة الغنائية — مثلًا — تتَّخِذ الألفاظ الموزونةَ أداةً لها، أما القصة فتستخدم الألفاظ منثورة. إذًا فوضْعُ الألفاظ في سياق النثر من الخصائص المُميِّزة لمادة القصصي. فلننظُر الآنَ في قُدرة النثر على التعبير والتصوير، بالقياس إلى الكلام المنظوم. لكن ذلك جانبٌ واحدٌ من جوانب الموضوع، فليست القصة وحدَها دون سائر فنون الشعر، هي التي تَستخدِم النثر أداةً لها، فالمسرحية — مثلًا — تستخدِم الأداة نفسها، وإذًا فلا بُدَّ لنا أن نعود فنُميِّز القصة من ضروب الكتابة النثرية، وقد يكون هذا مَطلبًا عسيرًا يشقُّ علينا بحثُه في استقصاءٍ وشمول، فحسبُنا أن نُشير إلى الخصائص البارزة التي تفصل فنون الأدب النثري بعضها عن بعض. فإن أرَدْنا مُوازنة القصة والمسرحية النثرية من حيث الخامة التي يتألَّف منها كلٌّ منهما، فلن نُخطئ بينهما فارقًا واضحًا هو الطول؛ فللقِصَّة أن تطُول كما تشاء، لها أن تبلُغ ستة عشر جزءًا، كما كان مألوفًا في قصة القرن السابع عشر، ولها أن تكون أربعةَ أجزاء كما أرادتْ قصة القرن الثامن عشر، ولها أن تقتصِر على ثلاثة كما شاءت قصة القرن التاسع عشر، ثُمَّ لها أن تكتفي بجزءٍ واحدٍ كشأنها اليوم. ولكنها حين تكتفي بجُزءٍ واحدٍ فهي — برغم ذلك — أطول جدًّا من المسرحية التي يَقتضيها زمن تمثيلها — وهو ساعتان أو ثلاث — ألَّا تطُول إلَّا بمقدار ما يَسَعُه ذلك الزمن القصير. فمِن حقِّنا — إذًا — أن نتَّخِذ هاتين الصِّفتَين طابِعَين يُميِّزان القصة، وليس هو بالتمييز الدقيق الجامع المانع، لكنه تمييز يُعين على التفرقة بينها وبين سائر فنون القول على كلِّ حال. فالمادة الخامة أو الأداة التي يستخدمها القَصَصيُّ في التصوير هي النثر، ولهذا النثر أن يطُول به النَّفَس إلى غير حدٍّ معلوم، فعلى أي نحوٍ تستعين القصة بهاتَين الصِّفتَين على أداء واجبها؟ أو بعبارةٍ أخرى: أيُّ ضربٍ من ضروب الفعل يمكن تصويره أحسَنَ ما يكون التصوير بهذه الأداة التي يصطنِعُها القصصيُّ في فنِّه؟ أي موضوع هو للكاتب القصصيِّ خيرُ مجال؟ لنبدأ جوابَنا بالحديث في النثر. فبماذا يتميَّز النَّثر عن الشعر في القُدرة على التعبير؟ لقد قدَّمْنا لك — فيما سلَفَ من فصول — بعض الجوانب عن هذا السؤال، حين تناوَلْنا بالبحث وزْن الشعر وأدبَ المقالة، فحَسْبُنا الآن في موضوعنا كلمةٌ أو كلمتان. إنَّنا نُحِسُّ الرغبة في قول الشعر عندما تَنزعُ نفوسُنا إلى التَّسامي، فإذا ما أردْنا — مثلًا — أن نطرَحَ عن أنفسنا أعباء العَيش الدُّنيوي، بكلِّ ما فيه من كللٍ وملال، لِنصْعَد بأرواحِنا إلى ذُرى التعبُّد ونشوة المُثول بين يدي الله، تغنَّينا بالترانيم الدِّينيَّة شعرًا، فالشِّعر بإيقاعه الجميل يكون لنا بمثابة الأجنحة، تخفُق خفقاتٍ مُتتابِعة فتعلو بأرواحنا وعقولنا إلى أجواز السماء، ومِن هنا كان النَّغم الجميلُ في جرْس القرآن الكريم، وكانت الحِكمة في أن يُرتَّل في القراءة ترتيلًا منغومًا. وإذا ما امتلأت نفس العاشق بحرارة الحب، تراه ينفجِر في غزلٍ منظومٍ يتغنَّى به، فيُشعِره الغناء المُنغَّم الموزون أنه قد سما إلى أوجٍ لا يسمو إليه في مجرى عيشه المألوف. وقد تكون العِلَّة الحقيقية فيما للشعر على نفوسنا من أثرٍ يصعَد بها، أو يُشعِرها بالصعود، شيئًا في فِطرتِنا يجعل النفس تستجيب للوزن والإيقاع، فليس من شكٍّ في أنَّنا نُفتَنُ بسحر النغم في الشعر فتنةً تخدَعُنا عن أنفسنا فنقبَل كلَّ ما يَسوقُه إلينا الشعر من أفكارٍ وصور وعواطف ومشاعر، فمهما يكُن ما يُقدِّمه إلينا الشعر، يُصادِفُ منَّا عقولًا وعيونًا وشعورًا مُذعِنة، مُستسلِمة مُتعاونة كلها على استيعابه وقبوله، فمُعظم بحور الشعر — كما قدَّمْنا — لها القُدرة على هذه الفتنة وهذا السحر، الذي تستجيب له نفوسُنا على النحوِ الذي ذَكَرْنا، فضلًا عن أنها، بفعل ذلك السحر، تزيد من ضخامة ما يحمِل الشعر من معانٍ. فانظر مثلًا إلى «ملتن» في شعرِه المُرسَل، تجِدْهُ يستخدِمُه في تفخيم معانيه وتضخيمها، بمِثل ما يستخدِم المثَّال مادة المرمر، ليعلوَ بفِكرتِه التي يَصبُّها في تمثاله، ولو نحَتَ التمثال نفسه في مادة غير المرمر، لهبطتْ قيمة الفِكرة المُمَثَّلة فيه وقلَّ وزنُها. فهكذا تجِدُ الفكرة المألوفة قد ارتفعتْ درجاتٍ في شعر «ملتن»، ولو كُتِبت نثرًا لما كانت شيئًا. وقُل ما شئتَ في تعليل ما للشعر من أثرٍ في النفوس، فالنتائج التي نُقرِّرها واضحةٌ، لا لبسَ فيها ولا غموض. الشِّعر صوت ينطِق بما هو خارقٌ للمألوف، وبما هو أسمى من مجرى الحياة المعهود، وبالإحساس النادر الذي لا يُلِمُّ بالإنسان إلا قبسات مُتباعدة، فهو على الجملة يتحرَّك في مجالٍ أعلى من مجال الحياة الواقعة. أما النثر فهو — على نقيض ذلك — أداةٌ تُعبِّر عن الحياة الجارية المألوفة الشائعة، التي لا غرابةَ فيها ولا شذوذ ولا سُمُو، فترانا نُباشر أعمالنا بالنثر، ونطلُب إفطارنا بالنثر، ونُنجِز سائر شئون العيش بالنَّثر، ففي مقدور النَّثر أن يُعبِّر عن كل هذه الأشياء، تعبيرًا أدقَّ وأوفى ممَّا يستطيع الشعر. وإذًا فطبيعة النثر من ناحية، وما جرَتْ به العادة ألوفَ السِّنين من ناحيةٍ أخرى، جعلت هذا النوع من التعبير، مُرتبِطًا في أذهانِنا بما هو عاديٌّ واقعيٌّ مألوف. من هنا كان النثر أداةً مُلائمة للتعبير عن حوادث الحياة اليومية، التي تجري على المألوف ولا تكون عظيمة المَغزى. ولمَّا كانت القصة حكاية تَروي بالنثر وجهًا من أوجه النشاط والحركة في حياة الإنسان، فخير لها إذًا أن تَقُصَّ قصَّةً عادية عن الإنسان العادي الحقيقي، كما تجري حياته في عالم الواقع المُتكرِّر كل يوم. أما الحكاية التي تُساق شعرًا، فمَوسُومة بالمواقف الخارقة والتطلُّع إلى المثل الأعلى والخيال الجامح. فالمَلْحمة — مثلًا — قصيدة من الشعر القصصي، تُروى عن أحداث فوق ما يألَفُه البشر، يُؤدِّيها رجالٌ عتاةٌ جبابرة، من طرازٍ أسمى من مستوى البشر. الحكاية التي تُروي شعرًا — كهذه التي أنشأها «سكت» و«بيرن» في الأدب الإنجليزي — تحكي حوادث غريبة تتمُّ في جوٍّ خيالي على أيدي رجال خوارق، فإنْ رأيتَ حكايةً منظومة تبدو للوهلة الأولى، أنها تُعالج أحداثًا عادية في جوٍّ مألوف، فاعلَمْ على الفور أنَّ الشاعر إنما يريد بها، غايةً غير التي بدرَتْ في القراءة الأولى. الحكاية النَّثرية المُثلى — أي القصة الجديدة — هي التي تستغلُّ كلَّ ما للنثر من قدرةٍ على التعبير، وقد علِمتَ أنَّ النثر من شأنه أن يُعالج الواقعيَّ المألوف، وإذًا فرَوعة القصة وبراعتها أن تروي حكاية الحوادث المألوفة الواقعية الجارية. وكأنى بك تعترِض على هذا القول مُحتجًّا بطائفةٍ من أروع القصص، فهذه «رحلات جلفر» وتلك «روبنسن كروزو» وأشباههما كثيرة لا تقع تحت الحصر، لا تُصوِّر الحياة كما نراها في البيت والشارع، وهل نرى في البيت والشارع أقزامًا في طول الأصابع وعمالقة في ارتفاع العمائر العالية؟ فهي بغَير شكٍّ تنقلنا من عالمنا الواقعي إلى بلادٍ لا عهد لنا بها؛ لتقُصَّ علينا هناك أغرب الأنباء وأعجَبَ الحوادث. ولكن رُوَيدك لا تتعجَّل الحكم، فنظرةٌ منك فاحصةٌ، ستؤدِّي بك إلى نتيجةٍ غير التي ظننت، وترُدُّك إلى ما زعمناه لك من خصائص القصة الفنية الأصيلة البارعة. فالكاتب في أمثال هذه القصص التي ذكَرْنا، يُنبئك بالحوادث الشاذَّة في بلادٍ غريبة، فلا الحوادث مألوفة، ولا البلاد لك بمِثلها عهد، ولكن غايته التي يضعها نُصب عينيه، هي أن يُنسيك شذوذ الحوادث وغرابة الرحلات. فسِوِفْت يُحاول جاهدًا مُوفِّقًا في «رحلات جلفر» أن يخدَعَك عن نفسك، بحيث لا تأخذك رِيبةٌ في صحة الحوادث التي يرويها، إذ يخلع ثوبًا من الواقعيَّة على «ليلبيت» أرض الأقزام، و«بروبد نجناج» أرض العمالقة، ويروي لك «روبنسن كروز» قصَّته في يوميات ليُوهِمك أن الحوادث التي يُسجلها، هي ما حدثت بالفعل في عالم الواقع المشهود، فتراه كلما اعترَضَه موقفٌ طارئ، عالَجَه بنفس الأدوات والوسائل، التي يُعالج بها الناس مشكلاتهم في حياتهم اليومية؛ هكذا يفعل في طهيِهِ للطعام وإعداده للثياب، وسائر ما تتطلَّبُه ضرورات الحياة. اقرأ القصة وأمعِنِ النظر في شخصية «روبنسن»، تجِدْه رجلًا يصِحُّ أن يكون واحدًا من جيرتك، فلا إسراف فيه ولا شذوذ ولا إفراط في الخيال، ولن تلمس فيه تلك العواطف المُحتدِمة العنيفة المُستهتِرة، التي تراها في أبطال شاعر مثل «بيرن»، إنه رجل بسيط مُتمسِّك بالتقاليد، يعيش حياته كما تعيش أنت حياتك وكما أعيش حياتي. انظُر مثلًا إلى جموده فيما يتَّصِل بعقائد الدين وقواعد الأخلاق، إنه لا تَشُوبه شائبة من الإغراق والشطط والجموح، التي نعهدها في المُغامرين كما يُصوِّرهم الشعراء الخياليُّون، فقد أراد «دفو» أن يَصُبَّه في هذه الصورة، ليَمثُل أمام عينَي القارئ رجلًا من الطبقة الوسطى، كأي رجلٍ آخَر ممَّن يُصادِفُهم في الحياة، حتى يُشيع في قصته جوَّ الحقيقة والواقع. وإذًا فقصَّتا «روبنسن كروزو» و«جلفر» لدى النظرة الفاحِصة لا تَحيدان قَيدَ شعرةٍ عمَّا اشترطناه للقصة من التزام الصِّدق في التصوير، بحيث لا يُداخِل القارئ شكٌ في أنه يَخُوض — وهو يقرأ القصة — حياة كالتي عهِدَها ومارَسَها. قُلنا إنَّ للقصة طابِعَين يُميِّزانها: النثر والطول. وحسْبُنا ما قُلناه في خاصة النثر، لننتقِل إلى الصِّفة الثانية، ولكي نُدرك ما تكسِبه القصة من طولها في قُدرتها على الأداء والتعبير، يجب أن نُقارنها بضربٍ آخر من ضروب الأدب، مُضطرٍّ إلى القِصَر اضطرارًا بحُكم طبيعته، وهو المسرحية؛ فالمسرحية لا بُدَّ أن تقصُر نفسها على مجالٍ يبدأ وينتهي في سُويعات قلائل، ومن خصائص الحوادث التي تعرضها، أن تبعث شيئًا من الدهشة في نفوس النظارة لغرابَتِها ومُفاجآتها. القصة والمسرحية — كسائر ضروب الشعر — تُمثلان أفعالًا، ولكن ماذا نقصِد بكلمة «فعل»؟ أصحيحٌ أنَّ هنالك شيئًا مُعينًا محدودًا، يصحُّ أن نُطلِق عليه هذه التسمية؟ إنك إذا ما تناولتَ بالبحث وعُمق النظر عملًا مِمَّا تواضَعْنا على اعتباره «فعلًا» واحدًا، وجدْتَه في حقيقة أمره حزمةً كبيرة من الأفعال، فرَميُك الكرة قد يبدو «فعلًا» واحدًا، مع أنه في الواقِع يحتوي سلسلةً طويلة من الأفعال، يعقُب بعضها بعضًا! إمساك الكرة والشد عليها بقبضة اليد، وقذف الذراع إلى الوراء مسافةً مُعينة، وثَنْي الرسغ، وتطويح الذراع إلى الأمام ثُم إطلاق الكرة وهكذا، وقُلْ مِثل هذا في كلِّ فعلٍ آخَر. لا بل إن الفعل الواحد لا يقتصِر على أنه في ذاته مُتألفٌ من مجموعةٍ كبيرة من الأفعال، إنما يزيد في تَعقُّده أنه مُرتبطٌ بمئاتٍ من الأفعال سبقَتْه ومئاتٌ أُخرى ستلحق به، وهذه السوابق واللواحق مُرتبِطة به ارتباطًا بحيث يَستحيل فصلُها عنه، ففي المِثال السابق، قد تقدَّم رميَ الكرة رؤيتُها ورؤيةُ الهدف، والانحناء إليها وهي مُلقاةٌ على الأرض، وتَبِع رمْيَها إرخاءُ الذراع وتعقُّبُ الكرة في سيرها وهي مقذوفة في الهواء وهكذا، وإذًا فمن العسير أن تعزِل فعلًا واحدًا عمَّا يُحيط به من الأفعال، فالذي اصطلَحْنا أن نُسمِّيه «فعلًا»، هو في الحقيقة مجموعة أفعالٍ كثيرة يُمكن اعتبارها وحدةً مُتَّصِلة، ومِثل هذه المجموعة من الفعل هو ما يتَّخِذه القصصيُّ والمسرحيُّ كلاهما موضوعًا لإنشائه، لكن المسرحيَّ — على عجلٍ — لا يملك أن يُضيِّع من وقته القصير شيئًا؛ لأنه مُلزمٌ أن يَفرُغ ممَّا يُريد تمثيله وتصويره في ساعتَين أو ثلاث، فليس في مقدوره أن يُقدِّم إليك الفعل بكل حذافيره وأجزائه، ولا بدَّ له أن يتخيَّر من الحوادث الكثيرة التي ترتبط بالفعل عددًا قليلًا، يراه أكثر من غيره دلالةً ومغزًى، فلو كان «الفعل» الذي نحن بصدَدِه مَدًّا في البحر وجَزْرًا يعقُبه، كان على المسرحي أن يُسقِط من حسابه ألوفَ الألوف من صِغار المَوج، مُكتفيًا بقمَّة الموجة الكبرى أو بأسفل الفجوةِ بين المَوجتَين؛ لأنَّ هاتين النُّقطتين أبرز وأوضح ما تراه العين من حركة البحر في مَدِّه وجزْرِه. فالمسرحية إذًا لا تُمثِّل من الفعل إلَّا الجانب البارز الواضح الملحوظ، الذي كثيرًا ما يُثير الدهشة والعَجَب. أمَّا القصصيُّ فليست تُلزِمه الضرورة أن يبتُر الحادثة أو الفعل ليَجتزئ منها بجانبٍ دون جانب، فهو إذا ما عمَدَ إلى تصوير فعل، بسَطَه بكل تفصيلاته من سوابق ولواحق وأجزاء. فافرِض — مثلًا — أنَّ القصصيَّ والمسرحي كليهما يُصوِّران مائدة الغداء، ففي المسرحية يرتفِع الستار وإذا بالمائدة قد هُيِّئت، والأضياف قد جلَسوا في أماكنهم من المائدة، وكلُّ ما على المسرحيِّ أن يُمثِّله بعد ذلك تقديم الطعام وأكله، أمَّا القصصي ففي وُسعه أن يرتدَّ إلى الأُصول الأولى لهذا الطعام، فيرجِع بك إلى البطاطس حين جناها الزارِع وعرَضَها البائع واشتراها الطاهي، وأخذ يُعدُّها في مطبخه تقشيرًا وسلقًا وتهيئةً في الصحون، وهكذا يستطيع أن يصنع في كلِّ ما قُدِّم في الغداء من ألوان الطعام. وبعد أن يمضي بك في ذلك صفحاتٍ تلوَ صفحات، ينتهي بك إلى حيثُ وجدْتَ المسرحي، فيُطالِعك بالأضياف وقد جلسوا إلى المائدة يأكلون، وليس حتمًا على المسرحيِّ أن يختار من الفعل نهايته، فقد كان يستطيع أن يُمثِّل جانبًا آخر من حلقات الفعل غير المائدة وحولها الأضياف، لو رأى أنَّ ذلك الجانب الآخر أبرَزُ علامةً وأوضح دلالةً للمعنى الذي يُريد. وأيًّا ما كان الجانب الذي يختاره المسرحي، فيستحيلُ أن يذهب في عرضِهِ وتمثيله، إلى ما يذهب إليه القصصيُّ من تحليلٍ وتفصيل. هذا شيكسبير في رواية «كما تهواه» يُفاجئك بجماعةٍ يأكلون في الغابة، ولا تدري كيف أُعِدَّت ألوان الطعام هناك، ولا عليك ألَّا تدري، فالمُهمُّ هنا أن تشهد الطاعمين وهم يأكلون، وهذا هو أيضًا في رواية «ماكبث» يبدأ حفلةَ عشاءٍ في قصر ماكبث، لكنَّهُ لا يلبَثُ أن يَسوق من الحوادث ما ينحرِف بك عن العشاء، فلا تدري عن الآكلين شيئًا؛ لأن اختيار الكاتب لم يقَعْ على هذا الجانب من حلقات الفعل؛ إذ رأى جانبًا أجدَرَ منه بلفتِ النظر. أما قصَصِيٌّ مثل «مردث» ففي وُسعه أن يملأ ثلاثة فصول كاملة، بشاربٍ يَحتَسي زجاجةَ خمر، و«جولز ور ذي» يُنفِق مساءً بأكمله في عشاءٍ هادئ للأسرة، التي يُصوِّرها في قصة «فور سايت ساجا»، ويخلُص من هذا كله إلى نتيجةٍ نُريد تقريرها، وهي أنه لمَّا كانت القصة هي الفرصة السانحة لعرض الفعل بكل أجزائه ودقائقه، كان الكاتب القصصي أبرعَ وأجود، وكانت قصته أروعَ فنًّا كلَّما استطاع استغلال هذه الفرصة السانحة. ولقد وصف «ستيرن» — القصصي الإنجليزي في القرن الثامن عشر — فنَّ القصة، فحصرَه في مهارة الكاتب في الاستطراد، بحيث لا يعُوق هذا الاستطراد تطوُّر الحوادث وسيرها، بل يسير الاستطراد والتقدُّم بحوادث القصة، جنبًا إلى جنبٍ رغم ما يبدو في ذلك القول من تناقُض، فيكون الكاتب مثلًا بصدَدِ شخصٍ يُحكى عنه، ثم يعترِض الحكاية شخصٌ آخر أو حادثة، فينحرِف الكاتب إلى هذا الطارئ الجديد، على شرْط ألَّا يَغفُل عمَّن كان يحكي عنه، بل يذكُره خلال استطراده بلمحاتٍ بارعة آنًا بعد آن، بحيث تَزيد صورتُه في ذِهنك وضوحًا ورسوخًا، حتى يعود إلى حكايته من جديدٍ بعد فراغِهِ من استطراده الطارئ الدخيل. ومِن الحكايات النثرية ما لا يُفرِط في الطول، فلا تدخُل في عِداد القصص بمعناها الصحيح، وقد جري العُرف أن تُسمَّى واحِدَتُها «قصة قصيرة» أو أقصوصة. وليست القصص القصار في أوضاعها الفنية شبيهةً بالقصص التي حدَّثناك عنها، فقد يبدو للوهلة الأولى أنها تُعالج موضوعاتٍ وأشخاصًا كالتي تُعالجها القصص الطويلة، لكنك لا تلبَثُ بعد المُوازنة الدقيقة أن تتبيَّن فروقًا بين هذه وتلك؛ فقد رأينا في تحليل «الفعل»، أنَّ ما نعُدُّه «فعلًا» بسيطًا، هو في حقيقته مُركَّبٌ مُعقَّد، يشتمل على أفعالٍ ثانوية صُغرى تُلازمه، ويتعذَّر عزله وفصله عن أفعالٍ أخرى كثيرة، تُحيط به قبل وقوعه وبعد وقوعه، فالفعل يأتيه الإنسان ليس حادثًا واحدًا وخيطًا مُفردًا، وليس هو كذلك مُجرَّد عملٍ يظهَر في السلوك المرئي المُشاهَد، بل هو نتيجة عددٍ كبير من الدوافع والرغبات والعادات والضوابط، وما إلى ذلك ممَّا تموج به النفس وتزخَر، سواء كانت هذه العوامل الباطنية الخافية في حدود الوعي، عند القيام بالعمل أو لم تكن، فقد يُدرك الإنسان دوافعه وحوافِزه إلى العمل حينًا ولا يُدركها أحيانًا، لا بل الأمر أوسَعُ من ذلك نِطاقًا وأبعدُ مدًى، فهذا العمل الظاهر نفسه، الذي هو ثمرة لأخلاطٍ من العوامل النفسية المُستتِرة، يعود بدَوره فيُحدِث آثارًا شتَّى في شخصية الفاعل، ثم لا يقتصر الأمر على شخص الفاعل، بل إنَّ رشاشَهُ ليتَّسِع ويتشعَّب فيشمل أُسرته ومُحيطه الاجتماعي كله، وقد يُمعن في الاتساع والتشعُّب، حتى يُؤثِّر في الحضارة القائمة كلها. وبديهيٌّ أنك لو أردتَ أن تستقصيَ كلَّ هذه الأصداء، التي تتردَّد نتيجة لحدوث الفعل المُعيَّن، كان لزامًا عليك أن تُوسِّع من مجال البحث، بحيث تتغلغل في نفس الفاعل، لتتعقَّب كلَّ ما اقترن بالفعل، من خواطرَ ومشاعر ودوافع وموانع، ثم تجوب في أنحاء العالم الخارجي، مُسجِّلًا كلَّ ما أحدثه الفعل من آثارٍ في الحياة والناس جميعًا. وإن ذلك ليَقتضيك إطنابًا لا تستطيعه إلَّا القصة الطويلة، وأمَّا كاتب «القصة القصيرة» فيدَع ذلك لزميله صاحِب القصة الطويلة، ولا يُحاول أن يُجارِيَه في مِضماره هذا، ويكتفي من هذا الخِضمِّ الزاخِر بالأجزاء والدقائق، بالحادثة الأوَّليَّة التي أحدثت هذا كله، ويحصُر اهتمامه بالفعل وحدَه دون نتائجه ومُقدِّماته، باطنةً كانت تلك المُقدِّمات أو ظاهرة، فتجيء قِصته حكايةً لسلسلةٍ من الحوادث، لا صورةً تفصيلية لوجهٍ من وجوه الحياة الإنسانية، بما فيها من شَتيت التجارب وعديدها. وهو يختار لقصته مِحورًا تدور حوله الحوادث، بحيث يكون ذلك المِحور شائقًا في ذاته ولِذاته، لا يرجو القارئ أن يستشفَّ وراءه شيئًا. وخَير ما نَسُوقه مِثالًا للقصة القصيرة، هذا النوع الذي يُسمَّى بالقصة البوليسية، فاقرأ — مثلًا — قصة «شرلوك هولمز» المشهورة، لا تجِد فيها تحليلًا نفسيًّا بالمعنى الصحيح الدقيق، رغم ما فيها من مُحاولاتٍ سطحية لتصوير شخصيَّتَي «هولمز» و«وطسن»، فالمهم في القصة البوليسية، أو القصة القصيرة بوجهٍ أعم، هو سلك الحوادث وحبْكَتها. نعم استطاع عبقري مثل «بو»، أن يأخُذ نفسه أخذًا دقيقًا، بقَيد القصة القصيرة فحصَر نفسه في الحوادث، وأن يُلوِّن الحوادث في الوقت نفسه بِلَون الحالة النفسية، التي أحاطت بوقوعها تلوينًا قويًّا ساطعًا، يترُك في نفس القارئ أثرًا، فيه دراسة كاملة لموقفٍ من مواقف الحياة، لكن ذلك لا يعدو أن يكون خِداعًا يُحدثه فنُّ الكاتب بما فيه من سحرٍ وفِتنة، فلقد سما «بو» بالقصة القصيرة حتى بلغ بها في دولة النثر ذُروةً تُعادل الذي صعد إليه «كولردج» في قصيدة «البحَّار القديم» — كلاهما يخلع على المَوصوف لونًا من فَنِّه يَزيدُه فِتنة — وقد اختار «بو» لنفسه نمطًا خاصًّا من القصة، وذاك أن يَحكيَ حوادث تُلقي في النفوس فزعًا ورعبًا، فجاء نثرُه أداةً قوية تُعينه على الأداء، بحيث بلغ من الكمال مرتبةً ليس بعدَها زيادةٌ لمُستزيد، فالحادِث المُرعب يزداد في قلَمِه رُعبًا؛ لأنه يُقرِّبه من الواقع ويدنو به من المألوف، ولو كُتبتْ مُرْعِباتُه شعرًا لما استطاعت أن تفوح برائحة الصِّدق والواقع كما هي الآن في نثرها. لكن مهما بلغَتِ القصة القصيرة في دقَّة التصوير وروعة التعبير، فهي قصة قصيرة، وليست من قبيل القصة الطويلة في فنِّها وأوضاعها، ما دامت تحصُر همَّها وغايتها في الحادثة أو سلسلة الحوادث، سواء جاءت هذه الحوادث في تَتابُعٍ ساذجٍ بسيط، أو تعقَّدَتْ فكوَّنَت حبكةً تَستثير انتباهَ القارئ بتعقُّدِها وحلِّها. حسبنا هذا حديثًا في الفخامة التي تتكوَّن القصة من عناصرها، فليس يسمَحُ لنا مجال القول في هذا الكتاب الصغير، بالإفاضة في البحث والتحليل، وأظنُّنا بما قدَّمناه من تعليلٍ وتدليل، نستطيع أن نزعُم أن القصة ضربٌ من الخيال النثري له مهمَّةٌ خاصَّة به، وهي أن تقصَّ أعمال الرجل العادي في حياته العادية، بعد أن تضَعَها في شبكة من الحوادث كاملة الخيوط، مُتتبِّعة كلَّ فعلٍ إلى أدقِّ أجزائه وتفصيلاته وسوابِقِه ولواحِقِه، مُوغِلةً في دخيلة النفس حينًا لتبسُطَ مكنوناتها أثناء وقوع الفعل، مُستعرِضةً الآثار الخارجية للفعل حينًا آخر، لا تترُك من جوانبه ومُلحقاته ونتائجه شاردةً ولا واردة، إلَّا سجَّلَتْها في أمانةٍ وصدق، كما تحدُث في الحياة الواقعية التي يخوضها الناس ويُمارسونها. لو كانت هذه مهمَّة القصة، إذًا فقد أصبح لدَيْنا مِقياس واضح، نزِن به قيمة ما نَقرؤه من القصص، لنُميِّز فيها الطيِّب من الخبيث، فكلَّما وجدْنا في القصة رُوح الواقع، الذي يُمثِّل لنا الحياة الصحيحة، كما تجري يومًا بعد يوم، كانت أصدقَ مُراعاةً لفنِّ القصة كما ينبغي أن يكون. أما وقد فرَغْنا من بسْط المبادئ النظرية، فيجمُل بنا أن نستعرِض تاريخ القصة وبعض القصص الرائعة؛ لنرى إن كانت تقوم دليلًا قاطعًا على صِدق ما ذهَبْنا إليه، فإذا استبْعَدْنا القصص التي صادفَتْ إعجابَنا لا بفنِّها، بل بما تُذيعه وتُوضِّحه من آراءٍ ومذاهب، فليس بعد ذلك من سبيلٍ إلى الشك في أنَّ طابع القصة الجيدة هو، أولًا وقبل كل شيء، هذه «الواقعية» التي تعكِس لك الحياة كما ألِفْتَها وعرَفْتَها في حياتك، وحياة أهلك وجيرتك وعشيرتك والعالم الذي تعيش فيه. وأول ما يلفِتُ النظر — إذ نستعرِض القصة في ماضيها وحاضرها؛ لنرى إلى أي حدٍّ تصدُق مبادئنا على نتاج الأدباء — هو حداثة سِنِّها في تاريخ الأدب، فهي حديثة العهد جدًّا إذا قِيسَت بسائر ضروب الأدب وفنونه، ومع ذلك فهي أوسعُ تلك الضروب والفنون شُيوعًا بين الناس، فلو قارَنْتَها — مثلًا — بالملحمة التي عرَفَها الإنسان منذ أول نشأته، ألفَيْتَها وليدةَ الأمس لا تزال في نعومة أظفارها تحبو، فقد يُحدِّثك مُؤرِّخو الآداب أن القصة قد شهِدَتْ نور الحياة أول ما شهدَتْهُ سنة ١٧٤٠م، حين أخرج القصصي الإنجليزي «رتشردسن» قصة «باملا». وسيبدو لك ما زَعَمَه مؤرخو الآداب أمرًا عجيبًا؛ لأنك في أغلب الظنِّ ستخلِط بين الحكاية والقصة، وسترجِع بخيالك إلى أعمَقِ أعماق الماضي السحيق، لِترى الناس يَروُون الحكايات كلَّما كان فراغٌ ودارَ في حلقاتِ السَّمَر حديث، ثم تقول: وهذه قصص العرَب، وألف ليلة وليلة، وهي كلها أسبق من هذا التاريخ الذي زَعَمه مؤرخو الآداب بدايةً للقصة، لكنك قد أُنسِيتَ خصائص القصة بمعناها الصحيح، فليستْ كلُّ تلك الحكايات الأولى قصصًا؛ لأنها تفقِد أخصَّ خصائص القصص، فما هي بالصادِقة في تصوير الحياة، ولا هي تتعقَّب أجزاء الحادثة الواحدة تحليلًا حتى تبلُغ أقصى مداها، إنما هي حكايات تُطالِعها، ولا تنسى قطُّ وأنت تُطالع أنك في عالمٍ من خيال، ولكن لماذا تأخَّرَت القصة في الظهور؟ تأخَّرَت بسبب تلك الحكايات الأولى نفسها، التي أخطأتَ منذُ حينٍ قليل، فظنَنْتَها من القصص وما هي منها في كثيرٍ ولا قليل، فقد كان الرجل الموهوب في الخيال القصصي، إذا ما جلس ليروي للناس حكاية في الأزمان الغابرة، توهَّم أنه لو ساق في حكايته الحوادث العادية المألوفة، لم يستوقِفْ أسماع المُنصِتين ولم يَستثِر إعجابهم، كما لو ساق في حكايته الحوادث الشاذَّة العجيبة الشاطحة في خيالِها؛ فلا بُدَّ إذًا لكي يظفَر أولئك الحكاءون بالتقدير، أن يَرْوُوا المُدهِشات التي تُثير نفوس السامعين بغرابتها؛ لهذا جاءت حكايات القديم والعصر الوسيط حول الأرباب وأبطال الأساطير، فتُروى الأعاجيب عن الملك أرثر وملوك الجنِّ والشياطن وما إلى ذلك. وكانت هذه الحكايات تُروى شعرًا في أوروبا القديمة والوسطى؛ لأنَّ الشعر هو الأداة التي تستطيع أن ترتفع بالكاتب أو الحكَّاء إلى هذا الخيال البعيد، وهو الأداة التي تصلُح أن تطير بعقول السامعين إلى أرض الجنِّ والشياطين، وتُخلِّص عقولهم مِمَّا يقعُد بها ويُثقِلها من شئون هذا العالم الأرضي الذي نعيش فيه. ونُحبُّ — إنصافًا لهذه القصائد القصصية — أن نقول إنها تُمثِّل جانبًا من الحياة النفسية الحقيقية، وإن لم تُصوِّر الواقع الملموس من أوضاع الحياة؛ ذلك لأنها تُشبِع في الناس أهواءً ونزعاتٍ لا يُشبِعها عالَم الواقع، فهي في ذلك كأحلام اليقظة أو أحلام النوم، تُحقِّق للحالِم أمانيه التي لم يستطع تحقيقها في دُنياه. خُذ مثلًا لذلك مغامرات الفرسان في أساطير الملك أرثر، فلا هي بالصحيحة ولا هي بالباطلة، لا هي تُصوِّر ما يُغامر به الفرسان فعلًا في الحياة الواقعة، ولا هي بعيدة عمَّا يتمنَّاه الفرسان من مثلٍ أعلى، هي تُصوِّر الفرسان كما ينبغي أن يكونوا، فهي صحيحة إن نظرتَ إليها على أنها أُمنية تتردَّد في أنفس الفرسان وأملٌ يبتَغون تحقيقه، وهي باطلة إن قِسْتَها بالحياة الواقعة الجارية كما هي؛ لهذا أجراها الأدباء شعرًا؛ لأنَّ الشعر — كما قدَّمْنا — يخدع القارئ عن نفسه ويُلوِّن له الباطل في صورة الحق، ويعلو بالنفس إلى أفقٍ أعلى من مستوى الحياة، الشعر أصلَحُ من النَّثر في التعبير عن الغريب الشاذِّ الذي يَسمو على المألوف، فإن فقدَتِ الحادثة غرابتها وشذوذها وسُمُوَّها كان النثر لها أصلح أداة. ونعود فنقول إنَّ مغامرات الفرسان المثالية كانت تُمثِّل ما يطمَحُ إليه الفرسان، فكان الشعر أداةً صالحة لها. فلمَّا ذهب عصر الفروسية وانقضى، ولم يعُدِ الناس يَرَون مَثَلهم الأعلى في حياة الفارس المُغامِر، ذهبت عن تلك الأماني حلاوَتَها وطلاوَتَها، وأصبحتْ مجرَّد حكايات تُروى عن حوادث خيالية غريبة، دون أن تكون صورًا مِثالية تُفخِّم الواقِع وتسمو به. وعندئذٍ جاز لكاتبٍ مِثل «مالوري» أن يُحوِّلها إلى النثر، فيروي بها ذكريات عصرٍ زال أو في طريقه إلى الزوال. بدأتِ القصة إذًا حكاية خيالية تَروي الغريب الشاذَّ ولا تُصوِّر الواقع، ثم مضت في هذا الطريق عصورًا طوالًا، فحتَّى حين اطَّرَح الحكَّاءون التقليد القديم، الذي كان يُحتِّم أن تدور الحكاية حول أشخاصٍ جبابرة عمالقة يَعلُون عن مألوف الرجال، فقد استبدلوا بذلك التقليد غرابةً في الحوادث التي صوَّروها. نعم كانوا يختارون لحكاياتهم أشخاصًا من الحياة العادية، لكنهم سَلَكوا هؤلاء الأشخاص في مَجرًى من الحياة لا يُشبِهُ الحياة الجارية في شيء، فكأنهم بذلك استبدلوا شذوذًا بشذوذ، وغرابةً بغرابة، ولم تبلُغ بعُد حكايتُهم أن تكون قصةً تَقصُّ الواقع في أشخاصه وحوادثه على السواء. هكذا كانت الحكاية في عصر اليصابات، لم تعُدْ كما كانت سالِفَتُها في العصور الوسطى، تنتقل بأشخاصها وحوادثها في أرض الجن والشياطين، ولم تعُدْ تختار عمالقة الأبطال يخوضون الحروب الصليبيَّة؛ ليأتوا بالبطولة النادِرة التي لا يُسلِّم بصِدقها عقل سليم، وأصبحت تختار لأبطالها أشخاصًا عاديين، بل أشخاصًا أقربَ إلى سِفلة الناس يتسكَّعون في الحانات ومَباءات الفساد. لكن هؤلاء الأبطال السِّفلة يأتون من الأعمال ما لا يقلُّ غرابةً وشذوذًا عن فرسان الملك أرثر في حكايات العصور الوسطى. ومن ذلك ترى أنَّ القصة التي تُعالج ناسًا كأوساط الناس، يَحيَون حياةً كالحياة المألوفة الواقعة، كانت لم تُخلَق بعدُ في عصر اليصابات، وكان من الجائز أن تظهَر عندئذٍ لو أن عقول الناس تهيَّأت للتمتُّع بالقراءة عن أشخاصٍ عاديين في حياةٍ عادية، فقبل أن يُفكِّر كاتبٌ في وصف حياة الرجل العادي، في حياته الجارية بكلِّ تفصيلاتها وأجزائها، لا بدَّ أن تنشأ عند الناس عادةُ الانتِباه إلى الحوادث التافِهة العابرة التي لا تحمِل في طَيِّها مغزًى ولا معنى، وعادةُ تقديرها وتقويمها لمُجرَّد أنها وقعَتْ تحت عَين المُشاهد الذي يرقُب مجرى الحياة بِعَينٍ تلحَظ كلَّ الدقائق. لا يُمكن لقصةٍ بمعناها الصحيح أن تنشأ، إلَّا إذا اهتمَّ الناس أولًا بأجزاء الحياة وتفصيلاتها اهتمامًا يُحوِّل التافِهَ إلى شيءٍ ذي وزنٍ وشأن، وإلَّا إذا أخذوا يستمتِعون بمُطالعة أوجه الحياة المألوفة كما تقَعُ كلَّ يوم. لكن هذا الاستعداد الخاص لم ينشأ عند القرَّاء إلَّا في بطءٍ شديد. نعم أثارت صور الحياة الواقعة اهتمامًا شديدًا عند شيكسبير ومُعاصِريه، لكنهم كانوا في الحياة كالمَبهوت الذي يُعجَب بكلِّ شيءٍ يراه لأنه جديد؛ ولهذا صَوَّروا من الحياة فِتنَتَها وسِحرها، ولم يُعنَوا بجوانبها الفاترة الرتيبة. فلَمَّا انقضى قرنٌ بعد شيكسبير وعصره، أخذ اهتمام الناس يزداد رُويدًا رويدًا بالتَّوافِهِ من مُقوِّمات الحياة، وكان هذا الاهتمام الناشئ مُرتبطًا أشدَّ ارتباطٍ برُوحٍ علمي ناشئ، تمثَّلَ في إنشاء الجمعية الملَكية العلمية سنة ١٦٦٢م. والبحث العلمي — كما تعلَم — يُوجِّه النظر إلى المُلاحظة الدقيقة الفاحصة في أتفَهِ الأشياء وأقلِّها خطرًا، ثم إلى تسجيل ما انتهتْ إليه المُلاحظة، تسجيلًا هادئًا عاريًا عن كل تهويلٍ ومُبالَغة. وسايَرَ هذه النظرة التحليلية لظواهر الطبيعة نظرةٌ تحليلية أخرى، تنطوي على باطن الإنسان ودخيلته، تُحلِّل مكنون نفسه، وما يضطرب فيها من خواطرَ ومشاعر، فكما أرادت المُلاحظة الخارجية تسجيل العالم الخارجي كما تراه العين، أرادت المُلاحظة الباطنية تسجيل العالم النفسي الداخلي، كما يراه مَن يَستبطن نفسه وينظر في طوِيَّته. ولم يكن هذا الاستِبطان الذي يُسجِّل خواطر النفس معروفًا عند شيكسبير؛ فلا تراه حتى في شخصٍ كهاملِتْ رغم ما يتَّصِف به من تأمُّلٍ وإغراقٍ في التفكير، لأنه لم يعمَدْ قطُّ إلى تحليل نفسه تحليلًا دقيقًا. ثُم أخذَ انطواء الإنسان على نفسه يزدادُ مع الأيام، وأسرَعَ الخُطى في عهد المُتزمِّتين، الذين ما فتِئوا يفحصون ما تنطوي عليه ضمائرهم؛ ليُطهِّروها من أدرانها وشوائبها، فترى ظاهرة الاستبطان النفسي باديةً في جلاءٍ عند كاتب مثل «بنين» Bunyan في كتابه المشهور «رحلة الحاج»، الذي يُعدُّ في الطليعة إذا عُدَّتْ روائع الأدب الإنجليزي، ثم سار التحليل النفسي خطوةً أخرى إلى الأمام، وأخذ الكاتب لا يُحلِّل نفسه وكفى، بل يتحسَّس نفوس الآخرين ليستخرج كوامنها وأسرارها، ليتَّخِذَ ما يظفَر به من علمٍ وسيلةً تُعينه على تقسيم الناس أنماطًا مُختلفة. وهنا ينشأ لونٌ جديد من الأدب يُعنى بتصوير الشخصية البشرية، تصويرًا يرُدُّ هذا الفرد أو ذاك إلى هذا النَّمَط أو ذاك من نماذج البشر. فما إن أقبل القرن الثامن عشر وأخذ يتقدَّم بأعوامه، حتى اشتدَّتْ هذه النَّزعة في تصوير النفوس المُتبايِنة، لأهل الطَّبَقات الوسطى والدُّنيا؛ إذ كان زمام الأمر ينتقِل إلى أيدي هذه الطبقات رُويدًا رويدًا، بحيث لم يَعُد تصريف الأمور من شأن الأشراف والنُّبَلاء، بل عُهِد به إلى الطبقة الوسطى، التي كان قِوامها رجالًا أثْرَوا عن طريق التجارة. ومن أجل هذه الطبقة الجديدة أخذ يكتُب الأدباء، فإليهم خاصَّة توجَّهَ «أدسن» و«ستيل» بما كانا يكتُبان من مقالاتٍ في الصُّحف التي أنشآها لهذه الغاية، فقد بذَلَ هذان الكاتِبان، وغيرهما من أدباء القرن الثامن عشر، كلَّ جهدٍ مُستطاعٍ لتركيز الحياة كلها بما فيها من أوجه النشاط المختلفة، في مقهًى أو في مائدةٍ للطعام؛ أعني أنهم يَصِفون لك هذه المجامع الصغيرة، فيُحاولون أن يلحَظوا كلَّ شيءٍ ممَّا يجري بها، ثم يعرضون مجرى الحياة فيها بكلِّ جوانبها ودقائقها. فأَدَبُ القرن الثامن عشر بدأ يَصبُّ اهتمامه على الحياة الواقِعة وعلى أهل هذه الحياة الواقِعة كما يعيشون وينشطون ويسلكون ويُفكِّرون، فترى أُدباء ذلك العهد يتناولون بأقلامهم الرجل العادي، فيلحَظون فيه شذوذَ مسلَكِه وخواصِّ تفكيره، ممَّا يُميِّزه عن سائر أفراد الطبقة التي يعيش بينها. واقترَن بهذه الاتجاهات الأدبية ما قد نُسمِّيه مبادئ الشعور الديمقراطي، وهو الإيمان بقِيمة الرجل العادي، الذي لا يحتلُّ في الحياة مكانةً مُمتازة تملأ النظر. فلمَّا أخذَتْ هذه الاتجاهات تنتشرُ وتسُود، أخذَ يسُودُ إلى جانبها جوٌّ فكري جديد، كان من شأنه أن يُنتِجَ القصة بمعناها الصحيح. وهكذا قُدِّرَ للقصة أن تظهَرَ في عالم الوجود، بعد أن جاهدَتْ في سبيل الظهور قُرونًا، كانت خلالها تبدو آنًا بعد آنٍ شائهةَ الخَلْق ناقِصَةَ التكوين، وكُتِب لها آخر الأمر أن تُولَد في صُورتها السَّويَّة على يدي «رتشردسن» في قصة «باملا» عام ١٧٤٠م كما قدَّمْنا. والعجيب في نشأة القصة أنها — وإن لم تكن قد جاءت نتيجة جهود مُتَّصِلة وخطوات مُتتابِعة مُتلاحِقة — إلا أنها ظهرَتْ وكأنها وليدةُ المُصادفة، التي لم يُهيئ لها منطق الحوادث، فقد همَّ «رتشردسن» أن يكتب سلسلة من رسائلٍ نموذجية، يستعين بها من لم يُصِبْ حظًّا من التعليم من رجال ونساء الطبقة الوسطى والطبقة الدُّنيا، ثُم طاف بذهنه خاطر وهو أن يربِط هذه الرسائل ربطًا يجعلها تحكي قصة، فكان له بذلك قصة «باملا»؛ فهي إذًا مجموعة من الخطابات، تُبُودِلت بين فريقٍ من الرجال والنساء، وإنما تُعَدُّ القصة الأولى في آداب العالم، لأنها تروي حكايةً تتألَّف من رسائلَ عادية، تبادَلَها أشخاص عاديُّون، وعبَّروا فيها عن حياتهم وشعورهم تعبيرًا صادقًا أمينًا، ومن الخطابات يستخرج القارئ صورةً كاملة وافيةً لحياةِ خادِمة عادية — هي باملا — في حياتها وسلوكها، سجَّلَتْ أفكارها العابرة وعواطفها الصحيحة كما وقعَتْ، وكما تقَع دائمًا في الحياة الواقعة. ولم تكَدِ القصة الأولى تشهَدُ الوجود، حتى تبيَّن للعالَم أنه قد اهتدى إلى ضالَّتِه، التي ظلَّ يَنشُدُها قرونًا طوالًا، يلتمس إليها الطريق ولا يجدها، حتى وقعَتْ عليها عبقرية «رتشردسن»، وأخذَتِ القصة منذ ذلك الحين تتبوَّأ مكانةً عالية في نفوس الناس، فما زالت تزداد انتشارًا حتى أصبحَتْ أوسعَ فنون الأدب ذُيوعًا بين القُرَّاء؛ ولذلك أسبابٌ ظاهرة، فالعالم كما نعرِفه يُشدِّد علينا قبضَتَهُ أكثرَ مِمَّا يفعل بنا عالم الخيال، وها هي ذي القصة قد صوَّرَت هذا العالم وأهله، والعالَم عالَمُنا والأهلُ أهلُنا. وإذًا فالقصة مِرآة تعكِس كلَّ شيء في العالم، الذي يؤثِّر فِينا بعوامله، ويجتذِب انتِباهنا ويَسترعي اهتمامنا بحوادثه وناسِه. أضِفْ إلى ذلك عاملًا آخر وسَّع من انتشار القصة، وهو أنَّ عصر الديمقراطية الذي نعيش فيه، والذي يرفع من قدْر الطبقات الوسطى والدُّنيا، يجد نفسه مُنعكسًا بكلِّ دقائقه في القصة، فالدوافع الكثيرة التي تُحرِّكنا باعتبارنا من أهل تلك الطبقات، كلُّها مُصوَّرة في القصة تلتمِسُها هناك فتراها، فالقصَّة تُمثِّل لنا أنفسنا وتُمثِّل لنا المُحيط الاجتماعي الذي نعيش فيه، بما فيه من تياراتٍ سياسية وغيرها، ومن ثَم لجأ إلى القصة كلُّ من أراد أن ينشُر في الناس رسالته السياسية أو الدِّينية أو الاجتماعية؛ لأنهم يعلمون أنها أقرَبُ الفنون الأدبية إلى قلوب القُرَّاء، فتراهم يُصوِّرون — فيما ينشُرون من قصص هذا العالم نفسه — ما يُبشِّرون به من عقائد ومذاهب وآراء؛ ليُبيِّنوا في جلاءٍ أنها طريق إلى السعادة التي يَنشُدونها للمجتمع، أو تراهم يُمثِّلون في قصصهم هذا العالم، بما فيه من عقائدَ ومذاهب وآراء؛ ليُبيِّنوا أنها لو بقِيَت بغَير إصلاحٍ فالمجتمع مصيره إلى بؤسٍ وشقاء. لكن هنالك خطرًا عظيمًا في أن يَستخدِم ذو هوًى أداةً من أدوات الفنِّ الخالص، فإنْ عمَدَ فيلسوفٌ سياسيٌ إلى قصةٍ يُنشِئها، فاعلَمْ أنه لن يُصوِّر فيها العالم والناس كما هم في الواقع، بل سيُبشِّر فيها بمذهبه، بأن يُبدي العالم في الصورة التي يُريدها له، إذا ما اعتنَقَ الناس مذهبه، وهذا القول يَصدُق على «ولز» إلى حدٍّ ما، فقد لبِثَ هذا الكاتب الكبير يُمثِّل العالم الحقيقي في قصصه حينًا من دَهره، ثمَّ اتَّجَهَ اهتمامه إلى آرائه الاجتماعية لا إلى الحياة كما تقع، فهو مُخلِص لمذهبِه وعقيدته إخلاصًا حَدا به ألَّا يتصوَّر العالم في قصصه، إلَّا وقد شاع في الناس ذلك المذهب وتلك العقيدة. ومن الجائز أن يصلح العالم بذلك، لكن على حساب الفنِّ القصصي، فقصة لا تُصوِّر الواقع كما هو، ليست من ذلك الفنِّ في شيء. وقد يَصلُح الناس بقراءة أمثال قصصه، لكنهم سيدفعون ثمن ذلك الإصلاح مُتعةً، كانوا قَمِينينَ أن يُلاقوها في قصَّةٍ فنيَّة. وإنَّنا لعلى يقينٍ أنه حتى لو كان الغرَض المقصود، أن يتحوَّل الناس إلى الرأي الجديد، فهم أسرع إلى هذا التحوُّل إن قرءوا قصةً فنية، منهم إذا قرءوا قصةً تسُوق إليهم الرأي الجديد بالبُرهان العقلي. وهذه قصة «آن فيرونكا Anne Veronica» تُدافع عن حُريَّة المرأة، دفاعًا يستنِد إلى براهين العقل، فكم حوَّلَتْ من قُرَّائها إلى الرأي الذي تُدافِع عنه؟ كانت القصة من خلْق القرن الثامن عشر، خلَقَها «رتشردسن» ثُم أعقبَهُ «فيلدنج»، فصوَّر الحياة كما تجري في الهواء الطَّلْق، كما صوَّر «رتشردسن» الحياة داخل الدُّور. فقصَّتُه «توم جونز Tom Jones» صورةٌ للحياة اليومية في إنجلترا سنة ١٧٤٢م، وحسبُك — لتعلمَ مقدار عناية الكاتب بالرجل العادي في تصويره — أن ترى هذا العنوان الذي اختاره لقصته، فهذان الاسمان «توم» و«جونز» مِمَّا يفوح برائحة الطبقات الشعبية. ثُم جاء «ستِيرْن» وقصته «تِرسْترام شاندي Tristram Shandy»، مثلًا قويًّا، يُوضِّح لك كيف تُعنى القصة الصحيحة بالتفصيلات الدقيقة للحوادث، فمُجلَّدات عدَّة منها تقصُّ لنا أنباء البطل «ترسترام» في حياته الأولى، بل إنها لتبدأ في حكاية أنباء بطلِها منذ كان نُطفةً في جَوف أمِّه، وتقرأ الفصلَ بعدَ الفصل، و«ترسترام» لا يزال جنينًا لم يشهَدِ النور! ولا يُولَد إلَّا وقد قرأتَ من الرواية شطرًا كبيرًا من المُجلَّد الثالث! فهي قصة لا تملُّ مِن تعقُّب الدقائق، بحيث تُكوِّن صورةً شاملة كاملة للمراحل الأولى من حياة شخصٍ لا يَزِنُه المجتمع إلَّا بأخفِّ الموازين، مع ذِكر تفصيلات البيئة التي نشأ فيها، بحيث لا يترُك منها شاردةً ولا واردة إلَّا أثبَتَها. وبطَلُ القصة رجل له شذوذه وغرابته، لكنه الشذوذ الذي تلمسُهُ في سوادِ البشر. ولا نحسَبُ قصة غير هذه استطاعت أن تستغلَّ ما تمتاز به القصة من سائر الفنون الأدبية، وهو حُرية الكاتب في الإفاضة والإطناب إلى غَير حدٍّ معلوم، فترى الكاتب يُطيل الوقوف عند كلِّ حادثة؛ لأنه يراها مَحوطة بشبكةٍ كبيرة واسِعة الأطراف من الحوادث المُسايرة، فيظلُّ يُتابع الطريق المُتشعِّبة هنا وهنالك في هوادة، لا يتعجَّل الوصف ولا يُسرِع إلى الختام، بل يتتبَّع الخيوط والشُّعَب حيث تسير به، حتى يُشبِعَها وصفًا وتحليلًا. وعاصَرَ «ستيرن» قصصيٌّ آخَر هو «سمولت Smollett»، صاحب «رودريك راندم Roderick Random»، وكان السهم الذي شاطر به في تقدُّم القصة وتطوُّرها، أنه لم يكتفِ بما اكتفى به زملاؤه، وهو أن يتعقَّب الدقائق ساعةً بعد ساعة، بل أضاف إلى ذلك لونًا من الواقعية، هو ما يفهمه سوادُ الناس من كلمة «واقعي»، وإن لم يكن ذلك فهمًا للكلمة صحيحًا دقيقًا؛ وذلك أنه يذكُر الحقائق الغليظة التي يأباها الذَّوق المُهذَّب المُرهَف، فكان ذلك مُعينًا قويًّا للقصة على تصوير الدُّنيا، كما هي بغَير حذفٍ ولا تشذيب، فسواد الناس يُؤمنون بأنَّ «أنابيب المياه»، أكثرُ واقعيةً من قَوس قزح بألوانه الزاهية، وهذه الناحية من الواقع هي ما صوَّرَها «سمولت». لكن تقدُّم القصة أصابَتْه نكسةٌ مُؤقَّتة؛ إذ عاود الناسَ حنينٌ إلى القصة القديمة الخيالية المُسرِفة في خيالها، حتى بعدَ أن تكشَّفَت لهم قيمة القصة الفنية الصحيحة. وليس في هذه النكسة ما يدعو إلى العَجَب؛ فالإنسان رُوحان في إهابٍ واحد، يحبُّ ما يدنو من قلبه وفؤاده وما تألَفُه عيناه وأُذُناه، أي أنه يُحبُّ الواقعي الذي يعيش بين ظهرانيه، وهو في الوقت نفسه يحنُّ إلى البعيد النائي الساحِر بخياله، الذي هو أقرَبُ إلى الأحلام منه إلى الحقِّ والواقع، أي أنه يحنُّ إلى فِتنة الوَهْم والخيال الجامِح. فهل تُريد من فنٍّ أدبي ذائعٍ بين سَواد الناس — وهو فنُّ القصة — أن يكتفي بإشباع جانبٍ واحدٍ من الإنسان دون جانبه الآخر؟ هل يُمكن أن يَقنَع القصصي بمُخاطبة الناحية الواقعية منها، ويُهمِل الناحية الخيالية إهمالًا تامًّا؟ لقد كان للجانب الخيالي الغَلَبة على القصة قرونًا طوالًا، حِيلَ فيها دون القصة الواقعية، فلمَّا ظهرَتِ القصة الواقعية، لم تعدِم قصة الخيال رجالًا يَعودون إليها بأقلامهم، مُفتونين بسحرها مأخوذين بأحلامها. وترى هاتَين النَّزعتَين مُتمثِّلتَين في القصة في القرن التاسع عشر، فقصةٌ تميل إلى تصوير الواقع كما هو، وقصةٌ تميل إلى الجوِّ الخيالي الذي يسمو عن عالم الواقع ويبعُد عنه، وثالثةٌ تجمَع اللونين معًا ما استطاعت إلى جمعهما سبيلًا. فهنالك في أوَّل القرن «جين أوسْتن Jane Austen» تُخْلص الولاء للقصة الفنية، مُحتفظةً لها بعناصرها الرئيسية الأساسية، فتُسجِّل شئون الحياة العادية كما كانت تجري في عصرها، وإلى جانبها «سكت» يُحاول جهدَ طاقته، أن يجمع بين الإيهام الواقِع وبين رَوعة الخيال وسِحره، وكانت «القصة التاريخية» سبيلَهُ إلى غايته المنشودة، فقصته «قلب الأسد» تجري مجرى الخيال، الذي لا يرتبط بالواقع بِصِلةٍ قوية، لكنها في الوقت نفسه تتَّخِذ من الموضوع التاريخي الذي تُعالجه ذريعةً لإيهام القارئ أنه في جوٍّ من العالَم الواقعي الصحيح، لكنَّهُ لم يُوفَّق فيما أراد؛ لأن الواقعية التي نُريدها للقصة الفنية الكاملة، ليست هي الواقعية التي يشهَدُ بصِدقها المؤرخون، وتقوم الوثائق دليلًا على صِحتها، لكنها الواقعية التي تُلقي في رَوع القارئ أنها صحيحة. فسواء كانت حوادث القصة مأخوذةً فعلًا من الحياة الجارية أو لم تكن، فكلُّ ما نشترِطُه للقصة أن تُوحي للقارئ بشتَّى الوسائل الفنية، أنه يخُوض حياةً واقعية كالتي تجري كلَّ يوم. ومِمَّا هو جدير بالذِّكر في هذا الصَّدَد — وهي مُلاحظة قد يَعجَبُ لها القارئ — أنَّ «سكت» أبرَعُ فنًّا وأروع تصويرًا وأدنى إلى أوضاع القصة الصحيحة، ومُقتَضَياتها في أشخاصه الذين خلَقَهم بخيالِهِ خلْقًا من عدم، منه في أشخاصه الذين استمدَّهم من بطون التاريخ، وهذا وحدَه أقوى دليل على أنَّ واقعية التصوير، هي كلُّ ما يطلُبُه الفنُّ الصحيح، ولا عِبرة بعد ذلك أكان الموضوع من خلْق الخيال أو من حوادث التاريخ. على أنَّ القصة الفنية الصحيحة تختار بطلَها رجلًا عاديًّا، ممَّن أهملَتْهم صحائف التاريخ ووثائقه؛ إذ ليست القصة بحاجةٍ إلى الرجوع إلى الماضي، لانتقاء أبطالها من بين أعلام التاريخ، وأولى لها أن تقصدَ إلى تصوير هؤلاء الناس الذين نعيش بينهم. أضِف إلى ذلك أنَّ معرفة الدقائق التي أحاطت بحياة البطل التاريخي مُتعذِّرة أو مُستحيلة، وهذه الدقائق هي لُحمة القصة وسداها، فكُلَّما أمعَنَتِ القصة في الماضي لاختيار موضوعها، كانت أبعدَ عن مجالها لبُعدها عن جوِّ الحياة بتفصيلاته وظروفه، وبذلك تبعُد عن «الواقعية» المطلوبة. فلا عجَبَ أن رأيْنا «سكت» أنجحَ في قِصَصِه — التي لم تَعْدُ أول القرن الثامن عشر في رجوعها إلى الماضي — منه في قِصَصه التي اختار موضوعاتها من الماضي السَّحيق؛ فهو في قصته «ويفرلي Waverly» التي يختار لها عنوانًا ثانويًّا «منذ ستِّين عامًا»، كان مُوفَّقًا في فنِّه؛ لأنه استطاع أن يستعيد جوَّ الحياة التي يحكي عنها، إذ لم تكن قد طواها الماضي البعيد فطمَسَها، بل كانت لا تزال ذِكراها عالقةً في ذاكرات الأحياء، لا سيما إن ذَكَرْنا أنَّ «سكت» من رجال العشائر والقبائل الأسكتلندية، التي تحتفِظ بحقائق ماضيها زمنًا طويلًا. ومهما يكُن من أمرٍ فلا سبيل إلى الشكِّ في أنَّ الحياة المُعاصرة القائمة هي مَيدان القصصي؛ وذلك هو السبب في أن القصة، أحبُّ فنون الأدب إلى الناس وأمَسُّها بقلوبهم؛ لأنَّ القصصي إنما يُخاطِب مُعاصريه بما يَفهمونه ويألَفُونه. ولَسْنا — بطبيعة الحال — نُريد لقصص «سكت» التاريخية أن يُلقى بها في اليَمِّ أو أن يُنتَقَصَ من قدْرِها وقيمتها، بل إنَّنا — على نقيض ذلك — نعترِف لها بسِحر الفنِّ وفِتنته، ولا نَضعُها إلَّا بين روائع الأدب الخالدة، على ألَّا نضَعَها بين القصص؛ لأنها ليست منها. إنها لا تقَعُ عند التبويب والتقسيم مع طائفة القصص النثرية، التي تُعالج أمورًا قاصِرةً على النثر، ولا يستطيع أداءها غير النثر، ولكن رحاب الأدب لن تَضيقَ بها صدرًا، فهنالك مكانها بين القصة النثرية وبين القصة الشعرية؛ لأنها لا إلى هذه ولا إلى تلك، بل تقَعُ بينَ بين، تأخُذ من الأولى نثَرَها ومن الثانية لونَ خيالِها. وما أكثر ما تشتهي النفس، أن تَطير في عالَم الخيال على جناح النثر، في قصَّةٍ من قبيل ما جادَتْ به قريحة «سكت». لَسْنا نُريد أن نُحرَم هذه الروائع، فكلُّها مطلوبٌ لمُتعة النفس التي تنشُد الجمال، لكنَّنا لا نُحبُّ خلْط الأوضاع واضطراب الأقسام، فالقِصَّة قصةٌ لها خصائصها وسِماتها، وليست مُؤلَّفات «سكت» مِمَّا يتَّصِف بتلك الخصائص والسِّمات، أم تظنُّ أنه ما دام «المزمار البلدي» يُمتِعنا أحيانًا أكثر من موسيقى «موزار»، فالمِزمار البلدي ومُوسيقى «موزار» شيءٌ واحد؟ كانت الغاية التي وضعها «سكت» نُصبَ عينَيه، وتمنَّى أن يبلُغها بقصصه، هي أن يُؤلِّف على نحوٍ ما عناصر الخيال وعناصر الواقع في صعيدٍ واحد، لكنه لم يُصِب توفيقًا فيما أراد، فخَير قِصَصه هي التي يَسُود فيها الرُّوح الواقعي، وأمَّا قِصَصُه التي يسُودها جوُّ الخيال، فهي أدنى إلى «الحكايات» القديمة منها إلى القصص في فنِّها الحديث، وإذا وزنْتَها بميزان «الحكاية» لا «القصة» ألفَيْتَها رائعة بارعة، وسِرُّ رَوعتِها وبراعتها هو استخدامها للنثر، على نحوٍ بلغَ من جودةِ الفنِّ مَبلغًا عظيمًا استطاع أن يخلَع على الحوادث الخيالية العجيبة رِداءً فيه شَبَهٌ بالواقع، لكنها رغم هذه البراعة تترُك في قارئها أثرًا قويًّا بأنَّ هذا الذي يقرؤه لا يتمُّ له الكمال إلَّا إذا جرَتْ به يراعة شاعر؛ لأنه يُحسُّ أن الكلام الذي يُطالِعه كأنما ينقُصه الوزن والقافية! وشهد القرن التاسع عشر قَصَصيًّا عظيمًا أعقَبَ «سكت»، وواجه المُشكلة القصصية التي واجهتْ سَلَفه — بل التي واجهَتِ القصَّة طوال القرن التاسع عشر — وهي أن يُشبِعَ في قصَصِهِ الجانِبَين جميعًا؛ جانب الواقع وجانب الخيال؛ وذلك هو «دِكنْز»، فليس من شكٍّ في أنَّ «دكنْز» يُعالِج بقصصه العالم الواقعي كما هو، فلا تفوتُه بيوت الفقراء واللُّصوص وصِغار الدكاكين. قِصَصُه مرآة للحياة كما تجري وكما تُبصِرها عيناه، لكنه إذا ما صوَّر الشخصيات مال إلى المُبالَغة، فبَعُد عن الواقع وضرَب في عالم الخيال بسهم. إنه لا يُصوِّر رجاله ونساءه كما يُشاهدهم في الحياة الحقيقية في مجموعها، بل يُصوِّرهم في لحظاتٍ من حياتهم يختارها، ثُمَّ يَمُطُّ تلك اللحظات ويَمُدُّها حتى يجعلَ منها حياةً بأكملها. فهذه شخصية «مستر مكوبر» يُمثِّلها لك تنتظِر الفرَج دائمًا، ولا ينقطع عنها الأمل في انفراج الضائقة التي تُلِمُّ بها، وهذه شخصية «مارك تابلي»، لا تنفكُّ باسمةً عن قلبٍ طيبٍ ومَيلٍ إلى فِعل الخير، وهكذا، فشخصياته «خيالية» وظروف الحياة التي يُقدِّمها «واقعية» — وهذا ما يقصِدُه رجال النَّقد حين يقولون عن «دكنز» إنه يُمثِّل شخصياته تمثيلًا «كاريكاتوريًّا»، ولا يرسُمُهم رسمًا يُطابق الحقَّ والواقع. وقد كان «ثاكري» Thackeray أكثرَ إخلاصًا للفنِّ القصصي من زميله «دكنز»، فهو لا ينظُر إلى الحياة والأشخاص بمنظارٍ وردي، يلوِّن له الأشياء والأحياء على غَير طبائعهم، وهو في الوقت نفسه لا ينظُر إلى العالم بمنظارٍ أسود، يُبدي له هؤلاء الناس أتعَسَ وأخبَثَ مِمَّا هُم في حقيقة الأمر؛ فهو من ناحية لا يَجِد «بطولةً» في الحياة البشرية العادية، ولا تقتضيه أن يُدير قصَّتَهُ حول «بطل»؛ ولذلك ترى قصته «عبث الحياة الدُّنيا Vanity Fair» خاليةً من البطل، لكنه من ناحيةٍ أخرى يُصوِّر لك في هذه القصة شخصية «بكي شارب»، فتاةً واقعية حقيقية تتحرَّك في دُنيا الحق والواقع، لا تزيد منه ولا تنقُص، ومع كل هذا المَيل الشديد الذي أبداه «ثاكري»، نحوَ تصوير الواقع كما هو، تراه ينحرِف آنًا بعد آن، في عالمٍ من الخيال البعيد عن دُنيا الواقع، على شرط ألا يُقلِّل ذلك الانحراف الخيالي من واقعية قصته، فلا عجَبَ إن قرأتَ «عبث الحياة الدنيا»، فوجدتَ مناظرَ مُستمدَّة من الحكايات القديمة، عن طرائق القتال التي جرى بها في تلك الحكايات، عرفٌ ثابت وتقليد لا يتغيَّر، فلم تكن الحكاية القديمة لتُعالِج غير المعارك واحتشاد الجيوش للقتال، ورفرفة الأعلام في حَوماتِ الوَغى ودَويِّ المدافع، والغواني وقد جَلَسْنَ على مسمعٍ من ذلك الدَّوي يرقُبنَ في قلقٍ ما عسى أن تتمخَّض عنه الواقعة. وإلى هذه المادة بعَينها كان يرجِع كل كاتب يحنُّ إلى حكاية الماضي، فهكذا فعل «بيرن» في قصته الشعرية «تشيلد هارلد»، وهكذا صنع «ثاكري» في قصته «عبث الحياة الدُّنيا»، حين أدخل فيها تلك المناظر حينًا بعد حين، وبهذا مزج ثاكري عُنصر الخيال القديم بعُنصر الواقعية الحديث، لكنه — كما ذكرنا — لم يأذن قطُّ لعنصر الخيال أن يطغى، بل إنه ما استخدَمَ الخيال، إلَّا ليُعينه على الرُّوح الواقعي الذي أراد تصويره. فترى من ذلك أنَّ «ثاكري» لم يكَدْ يُوسِّع من نِطاق القصة شيئًا، وكلُّ فضلِهِ عليها أنه ثبَّتَ لها عناصرها الواقعية، وأضاف إليها هذه القَبَسات الخيالية، التي تلمَعُ بين صفحاتها آنًا بعد آن. أما مَن وجَّهَ القصة توجيهًا جديدًا تحتفِظ فيه بواقِعيَّتِها، وتُضيف إلى تلك الواقعية رحابًا فسيحة من الخيال، فأخواتٌ ثلاث: «إملي» و«شارلوت» و«آن»، ويُنسَبنَ إلى أُسرتِهنَّ «برونتي»؛ فقد جعلْنَ موضوع القصَّة ما يألَفُه الناس جميعًا من شئون الحياة، لكنهنَّ يَخترْنَه بحيث يصلُح، مع ذلك، لأن يحتمِل أغربَ النواحي وأبعَثَها على الدهشة والعجَب، فموضوع القصة عندهنَّ هو العاطفة الإنسانية، لا كما تبدو في المدينة التي تزخَر بأوجه الحضارة، بل في الريف وسُهول الرَّعي التي تقِف من المدينة عند هامِشها، فهي مُتَّصِلة بالحضارة مُنفصِلة عنها في آنٍ معًا، تتَّصِل بها اتِّصالًا بعيدًا لا يَغمِسُها في لُجَّتِها، ولا يجعلها في عزلةٍ تامَّة عنها. لقد اختار الشعراء في أوائل القرن التاسع عشر موضوعات لقصائدهم من الريف النائي؛ لكي يجدوا الطبيعة البشرية على صفائها ونقائها، ولكن الريف النائي عن ألوان الحضارة لا يصلُح للقصة الواقعية، فتوسَّط «أخوات برونتي» بين الطرَفَين، ووَقَعنَ على حياةٍ ريفية لا تتَّصِل بحياة المدينة الصناعية اتصالًا تامًّا، ولا تنفصل عنها انفصالًا تامًّا. والعاطفة عند «أخوات برونتي» هي لبُّ الحياة وصميمها؛ فهي من مُقدِّمات الإنسان كائنًا من كان، تكمُن في كلٍّ مِنَّا ولا تنفكُّ شديدة الصِّلة بنفوسنا، هي معنا في الدار والمصنع والملهى، فهي عنصر مألوف لا غرابةَ فيه ولا شذوذ، لكنَّها في الوقت نفسه قابلة للثَوَران العنيف، فتُبدي فيه أعجبَ القوى. هذه العاطفة هي أهمُّ جوانب الطبيعة البشرية غير العاقلة، والجانب غير العاقِل من الإنسان، هو بِذرة العنصر الخيالي في الحكاية القديمة، وهو ما كان أصحاب القصة في القرن التاسع عشر يُحاولون أن يضَعُوه مع العنصر الواقعي جنبًا إلى جنب. فالعاطفة — إذًا — تستطيع أن تُشبع رغبة الإنسان في الصورة الواقعية، ورغبتَه في فِتنة الخيال سواءً بسواء. وهكذا شقَّ أخوات برونتي طريقًا جديدًا في تاريخ القصة، إذ أدَرْنَها حول العاطفة الإنسانية، ولهُنَّ قِصص — منها «جين أير» و«مُرتفعات وذرنج» — تبدأ في القصة عصرًا جديدًا. ولك أن تقول وأنت بمنجاةٍ من الزَّلل، إن الشطر الأعظم من الأدب القصصي منذُ أيامِهنَّ، مَدينٌ لقصص هؤلاء الأخوات بما فيه من قوَّة العاطفة. ولسْنا بالطبع نَعني أنَّ العواطف البشرية، لم تدخُل القصة إلَّا على أيدي أخوات برونتي، فنحن نعلم أنه حيثما كان إنسانٌ كانت عاطفة بشرية، أما ما صنَعْنَهُ في القصة، ولم يكن قبلهُنَّ معروفًا ولا مُحقَّقًا، فهو مِقدار ما يكمُن في عاطفة الشخص العادي، من قوةٍ وقُدرة على الخيال والسحر. ولم تكن الغَضبات العاطفية قبل هؤلاء الكاتبات، تتجلَّى إلَّا في الشواذ، ولكنهنَّ جِئنَ فبَيَّنَّ هذه القوة في أوساط الناس وعامَّتهم. نعم كانت العاطفة قَبلَهُنَّ أداةً يستغلُّها القصصيون؛ فمُعظم القصص يدور حول الحب، ولكن ذلك لا ينفي ما زعمناه لهنَّ من مكانة؛ لأنَّ الكثرة العُظمى ممنَّ جاء قبلهن، عالج عاطفة الحبِّ في وجهها العاطفي الخيالي، وعالَجَها الآخرون من حيث هي عنصرٌ في بناء الأسرة، أي أنهم عالَجوها من جانبها الواقعي، فكاد أخوات بُرونتي أن يَكُنَّ أول من وحَّدَ بين هذين الجانبين، فعالَجْنَ عاطفة الحب من وجهيها الخيالي والواقعي في آنٍ معًا، فضلًا عن أنهنَّ تناولنَ ألوانًا أُخرى من العواطف البشرية، فأظهرْنَ ما لها من قوةٍ تُوجِّه الإنسان في حياته. وسنختِم هذا الفصل بكلمةٍ نُوضِّح بها ما نُريده بلفظة «الواقعية» التي طال ترديدُها، لا سيما وقد فسَّرَت جماعةٌ من قادة الأدب القصصي في عصرنا الحاضر هذه الكلمة تفسيرًا عجيبًا، فراحوا يحشِدون حوادث القصة في خلطٍ وفَوضى، لتجيء قصَّتُهم مُطابقةً للحياة؛ لأن حوادث الحياة لا تسير على نظامٍ معلوم، تراهُم لا يجعلون لقصَّتِهم بدايةً ولا نهاية؛ لأنَّ الحياة لا تبدأ عند نقطةٍ وتنتهي عند أخرى، ولا بدَّ لهم أن يُصوِّروا الواقع في قصصهم ما داموا يؤمنون بالواقعية، فيضعون حقيقةً في إثرِ حقيقة، لا تربِطُهما صِلة؛ لأنَّ حقائق الحياة تتتابَعُ على هذا النحو بغير صِلةٍ لازمة بين السابقة واللاحقة. ومن هذا القبيل أيضًا ما يتَّجِه إليه بعض رجال القصة المُعاصرين، من سَوق حكاياتٍ قصيرة مُتعاقِبة، أو مُحادثات مُتقطِّعة تفصل بينها الفواصل، وقد بلغ هذا الاتجاه الجديد في القصة، أبلغ مداه عند «جويس» Joyce و«مس رتشردسن»، فتراهما يخرجان القصة في خلطٍ عجيب، زاعِمين أنهما يُصوِّران الحياة تصويرًا واقعيًّا. والحقيقة أنَّنا نُطالب كاتب القصة بأن يترك في نفوسنا، بقصته أثرًا نُحسُّ معه واقعية الحياة، لكن ذلك لا يعني أن يترُك فينا هذا الأثر، على نفس الصورة التي تترُكه بها الحياة نفسها؛ ففي القصة يجِب أن يتلقَّى القارئ هذا الأثر، وهو شاعرٌ به مُدرك له، أمَّا في الحياة نفسها بما فيها من اضطرابٍ في تتابُع للحوادث، ومجال للمُصادَفة العمياء في سَيرها، فإنَّنا لا نُحسُّ الأشياء، إلَّا إحساسًا غامضًا مُهوَّشًا مُضطربًا، ونشعر بها شعورًا ناقصًا، ونُدركها إدراكًا ليس فيه كلُّ الوعي لصفاتها وخصائصها، كأنَّنا نتلقَّاها ونحن غافلون. وواجب القصة أن تُقدِّم لنا هذه الأشياء، على صورةٍ تُشعِرنا بها شعورًا كاملًا قويًّا، واجِب القصصي أن يَخلُق من فوضى الحياة نظامًا مُتَّسِقًا في قصته، وإنَّ ما نُسمِّيه بالحبكة القصصية، ما هو إلَّا عملية اختيار وتقديم وتأخير للحوادث، فالقصصي يختار الحوادث الصالحة، ويضع هذه قبلَ تلك وتلك قبل هذه، بحيث يجيء السياق والتتابُع مُوفيًا بالغرض المقصود. ولو خَلَت القصَّة من «الحبكة» لم تعُدْ قصةً فنية، ولو كان لنا أن نختم هذا الفصل بنُصحٍ نُسديه للقارئ، فذاك أن نُوصِيَه بقراءة قصةٍ إنجليزية حديثة لجولز ورذي، عنوانها «فورسايت ساجا» Forsyte Sega، وهي تدور كلها حول أسرةٍ تُسمَّى بهذا الاسم، تصِف حياتها وتصوِّر أشخاصها، ففي هذه القصة تتمثَّل كلُّ عناصر القصة الفنية، التي أشرْنا إليها فيما سلَف. فنون الأدب
الفصل الخامس الرواية المسرحية الرواية المسرحية كالقصة؛ ضربٌ من ضروب الأدب، لأن الألفاظ وسيلتُها إلى التصوير، لكن ظروف الألفاظ في الرواية المسرحية تختلف عنها في القصة، وأول ما يلمَحُه النظر بينهما من فروقٍ، هو أنَّ المسرحية تُكتَب لتُمثَّل، وأما القصة فتكتب لتُقرأ، أو بعبارةٍ أخرى، المسرحية والقصة كلتاهما تُمثِّلان «أفعالًا»، لكن الأفعال التي تصلُح الرواية المسرحية لتصويرها، تختلف عن الأفعال التي تصلُح لها القصة؛ ذلك لأنَّ لكلِّ فنٍّ مجاله، الذي تتجلَّى فيه قُدرته ورَوعته، فما الذي تتميَّز به المسرحية من سائر فنون الأدب؟ ما خامَتُها وما مداها في قوة التعبير؟ أما طابعها المُميَّز فهو بغيرِ شكٍّ أنها أدبٌ يُراد به التمثيل، لكنَّ التمثيل مُتعدِّد العناصر، فيه المُمثِّلون وفيه الملابس، وفيه المسرح، وفيه المناظر، وفيه النظَّارة وفيه البناء الذي يجتمع فيه النظَّارة ليُشاهدوه، فكلُّ هؤلاء عناصر تتكوَّن من مجموعها الخامة التي تتألَّف منها المسرحية، فإذا ما تضافرَتْ هذه العناصر كلها في اتِّساقٍ وانسجام، كان لنا بذلك نِتاج فني من الطراز الأول، وعلامة المسرحية الرديئة أن ترى هذه العناصر مُتنافِرة، يضرِب كلٌّ منها على وترٍ غير ما يضرب عليه الآخر، أو بعبارةٍ أخرى يُفصِح كلٌّ منها عن قوَّتِه المُعبِّرة مُستقلًّا عن سواه، وتلك هي الحال حين تأخُذ صورةٌ جديدة من المسرحية في التكوُّن، فعندئذٍ تكون هذه العناصر في تنافُرها، وكلما سارت الصورة الفنية الجديدة خطوةً في مجرى تطوُّرها، تحلَّلت العناصر وتداخَلَ بعضها في بعض، بحيث يتكوَّن منها في النهاية صوتٌ واحد مُتناغِم النَّبَرات، وهنا يتكامَلُ للمسرحية الجديدة تكوينها، والفنان البارِع هو الذي أرهف حِسَّه لعناصر فَنِّه، بحيث يُدرِك من فوره كيف يستطيع أن يستغلَّ تلك العناصر إلى أقصى مداها. وأما من لم يَهَبْهُ الله ملكةَ الفنِّ الصحيح، فيَعْمى عن القوة الكامنة في عناصر فنِّه، ومِن ثَمَّ لا يسعه استغلالها وإخراجها، فيجيء إنتاجُه خلْقًا شائهًا ناقصَ التكوين مَبتورَ الأعضاء. ولعلَّك تذكُر حديث المقطوعة الأربع عشرية، وكيف تطوَّرَتْ هذه المقطوعة في الأدب الإنجليزي، وكيف كان الشعراء الإنجليز بادئ الأمر يُحسُّون رغبةً غامضة، ولا يجدون لها التعبير المُلائم، حتى قَيَّضَ الله لعبقري أن يُحِسَّ الرغبة عينَها، وأن يُعبِّر عنها في هذه المقطوعة بأوزانها وقوافيها، تعبيرًا تنفُثُ فيه النَّفسُ كلَّ ما يَجيشُ بها، فتَبِعَه الشعراء جميعًا، وهكذا تُوجَد العناصر اللازمة، وتظلُّ مُتنافِرة فيكون النقصُ والعجز، حتى إذا ما أُتِيح لها مَن يوفق بينها ويضعها في مواضعها الصحيحة، بحيث تتَّفِق وتتَّسِق كان لها الكمال، وهذا ما يحدُث في كلِّ خلقٍ فنيٍّ جديد. الصورة الفنية الجديدة تنشأ من ائتلاف عناصر، كانت قبلُ مُختلفةً ثُم اتَّصلتْ في تَوافُقٍ وانسجام، لكنها لا تكون عند مَولِدِها حاصل جمع عناصرها ومُقوِّماتها، إنما تتَّخِذ لها طبيعةً جديدة وحياةً جيدة، ويكون لها كيانٌ عضوي جديد وقُدرة جديدة على التعبير. وإنك لتسلُب الشعر قيمتَهُ الكُبرى إذا فاتك أن ترى هذا الطابع الذي يُميِّزه. ونحن نعلم أنَّ من أخطر النتائج التي قد تترتَّب على طرائق النقد والتقدير التي قدَّمناها، أنها قد تُنسيك هذا الطابع، فقد تُحلِّل القصيدة إلى عناصرها، وتُخطئ فتظنُّ أنه يكفي أن تضُمَّ العناصر بعضَها إلى بعض؛ لتكون لك قصيدة الشاعر، لكن الأمر في القصيدة كالأمر في الكائنات الحيَّة جميعًا، فقد يظفَر العالم بكلِّ مقومات الحشرة أو الزهرة أو الإنسان، لكنه مع ذلك يعجِز أن يَصُبَّها في حشرةٍ حيَّة أو زهرة نامية أو إنسان يعيش يشعُر ويُفكِّر، ولا يستطيع أن يأتي بهذه المُعجِزة إلَّا الشاعر. إنَّ القصيدة من الشعر كالمُركَّب الآلي فيه عجلاتٌ وتُروس وأذرعة وأنابيب، ثُم أُضيف إلى هذه الأجزاء رُوح فكانت القصيدة، لكن الشاعر وحدَه يستطيع أن يُدرِك أي مُركَّبٍ آلي يصلُح لقصيدته، على أنَّ المُركَّب الذي يختاره الشاعر يعود بدَورِه فيؤثِّر في عمله. ولو رأيْتَنا اليوم نتحدَّث عن أدوات الشعر كالأوزان والبحور والقوافي وما إلى ذلك، فاعلَمْ عِلمَ اليقين أنه ما كان لنا أن نُدرِك لهذه الأشياء وجودًا لو لم يخلُقْها الشعراء. وإنَّ النُّقَّاد ليُحسنون صُنعًا — إذ هم يقتَتِلون في بحور الشعر وما إليها — أن يَذكُروا أن بحور الشعر هي صنيعة الشعراء، هي ما يُجري فيه الشعراء شعرَهم بالفعل، لا ما يُقرِّر أصحاب النظريات النقدية أنه يصلُح للشعر، وينبغي أن يكون أداةً في يَدِ الشاعر. ولنَعُد بعد هذا الاستطراد الواجب إلى حديثنا في الرواية المسرحية. الطابع الذي يُميِّز الرواية المسرحية من سائر الفنون الأدبية أنها أدبٌ يُمثَّل، أي أنها أدبٌ ينطِقُ به المُمثِّلون على مسرح، فيه مناظر على جوانبه، وأمامه نظَّارة يجلسون في بناءٍ على نحوٍ مُعيَّن، ولا بُدَّ لنا أن نتساءل عن القوة المُعبِّرة في هذه العناصر، بحُكم تكوينها وطبيعتِها، فمِن تلك القوة المُعبِّرة الكامنة فيها جميعًا تتكوَّن الرواية المسرحية. الرواية المسرحية تُمثَّل في مسرح ليشهدها نظَّارة، والنظَّارة ناسٌ كسائر الناس من رجالٍ ونساء، جاءوا في وقتٍ مُعيَّن ليرجِعوا في وقتٍ مُعيَّن، فلا مندوحةَ للرواية أن تُحدِّد الزمن الذي يَلزَمُها، للتعبير عمَّا تُريد أن تُعبِّر عنه، ومن ثَم نشأت ضرورة في إنشاء الرواية المسرحية، أن يختار كاتبها من الفعل الذي يُريد تمثيله، أعقابَه التي تُحرِّك الدهشة والعجَب في نفوس المُشاهدين، وليس له أن يُصوِّر الفعل بكلِّ دقائقه المُفصَّلة وأجزائه المُعقَّدة المُركَّبة المُتشعِّبة، التي تقع في الحياة الحقيقية الجارية، وترتَّبَ على ذلك أيضًا إيثار الرواية المسرحية لأنواعٍ من الحوادث، تضمُّ كلُّ واحدة منها أكبرَ ما يُمكن ضمُّه من العناصر المُثيرة، حتى يتركَّز في الزمن القصير المُحدَّد لتمثيلها مقدارٌ كبيرٌ من الحوادث التي تستوقِف النظر. وليس معنى ذلك بالطبع أنه كلما ازداد الفعل المُختار إثارةً للنفوس، ازدادت الرواية رَوعةً وجَودةً في فنِّها، فليس كلُّ مقومات الرواية المسرحية فعلًا مُثيرًا، إنما هي كائنٌ عضوي مُركَّب فيه مئات الألياف والأنسجة والخلايا، ولكلٍّ من هذه العناصر الكثيرة خصائصه، ولا تبلُغ الرواية مرتبةَ الكمال إلَّا إن جاءت هذه الأجزاء كلها مُتَّسِقة مُتَّفِقة مُتناغِمة، لا تَنافُر بين نغماتها ولا نشاز، فإنْ أُبرِزَ عنصرٌ واحد منها في إفراطه — بغضِّ النظَرِ عمَّا تقتضيه سائر العناصر — فقد يحدُث التعارُض والتضارُب، ومن ثَمَّ الاضطراب والنقصُ والسُّوء، فربَّما كان الغلوُّ في اختيار الحوادث المُثيرة طاغيًا على عنصرٍ آخر، كالمُمثِّل مثلًا، فلا يُمكِّنه من إخراج كلِّ ما يستطيع إخراجه من قوته. ونعود فنُقرِّر أن الرواية المسرحية تزداد كمالًا، كلما زال التنافُر بين العناصر المُكوِّنة لها، فلا يطغى عنصرٌ منها على عنصر، وتتَّحِد خُيوطها جميعًا في وترٍ واحدٍ يخرج نغمةً واحدة. خُذ مثلًا روايَتَي شيكسبير «تيتس أندرونكس» و«رتشرد الثالث»، تجِد الأولى بغير شكٍّ أكثرَ ازدحامًا بالحوادث المُثيرة من الثانية، ولكنَّها في الوقت الذي أذِنَت فيه لعُنصرٍ من عناصرها أن يُبرِز قوَّتَه على هذا النحو، حدَّتْ من قوة عنصرٍ آخر، فالمُمثِّل الذي يُمثِّل «تيتس» يُوضِّح بأعماله كيف يُمكن لرجلٍ أن يُؤثِّر في مجرى الحوادث بقوته الجسَديَّة العضلية، مع أنه لو بَيَّنَ إلى جانب ذلك كيف يُؤثِّر في مجرى الحوادث، بقوة أخلاقِه وقوَّة فِكره، لحقَّقَ الشخصية الإنسانية أكثرَ مِمَّا فعل، وهذا ما قصَدْناه حِين قُلنا إنَّ كثرة الحوادث المُثيرة في الرواية، قد طغَتْ على عنصر المُمثِّل، فلَمْ تسمَحْ له أن يُبرِز كلَّ ما يستطيع، وبهذا بعُدت الرواية عن الكمال. أمَّا «رتشرد الثالث» فقد أزالت هذا التنافُر بين العُنصرَين: عنصر الحوادث، وعنصر المُمثِّل؛ فجاءت أكمل فنًّا من زميلتها، إذ هي تُمثِّل الحوادث والشخصية الإنسانية في اتِّزانٍ بحيث لا يطغى جانبٌ منهما على جانب. ونُلخِّص ما نُريده فنقول: إنَّ الرواية المسرحية تَتبَع قانونها الذاتي وتنساقُ مع طبيعتها، إذا أباحَتْ لنفسها أن تختار من الحوادث ما يُدهِش ويُثير، على شرط ألَّا يكون في تصوير الفعل على هذا النحو ما يَحُدُّ قوَّةً أخرى لعنصرٍ آخَر من عناصرها، تستطيع أيضًا استغلالها وإبرازها. ونحن إذ نضَعُ المُمثِّل في اعتبارنا عنصرًا أساسيًّا من عناصر الرواية المسرحية، نتساءل: ما دامتِ الرواية كغيرها من صُوَر الأدب، لها مجالها الخاص وقوَّتُها الخاصة في تمثيل الفعل، فأيُّ نوعٍ من الفعل يَصلُح لها أكثر من غَيره — مع العِلم بأنها تستخدِم إنسانًا بشريًّا وسيلةً لتمثيل فعلها؟ الأمر واضِح جَلِي، فالمُمثِّل — وهو إنسان من البشر — يكون في أحسن حالاته ومواقِفِه إنْ مَثَّل فِعلًا إنسانيًّا مِمَّا يأتيه البشر، فالأفعال الإنسانية هي مجال الرواية المسرحية، وعليها أن تتجنَّب غير ذلك من الأفعال الخوارق التي تقتضي طبيعةً غير طبائع البشر، فليس من شأنها أن تُمثِّل فعل القوى الطبيعية، ولا فعل الحيوان والطير. نعم لها أن تُحدِث — إذا اقتضى الأمر — رعدًا «مسرحيًّا» أو تيَّارًا من الماء جارفًا، لكن إن غالَتْ في ذلك بحيث لم تَعُد هذه الظواهر الطبيعية عُنصرًا ثانويًّا، يُساعد على اتِّساق الرواية في مجموعها وحدةً مُتِّصِلة؛ أقول إن غالت الرواية في تصوير هذه الظواهر الطبيعية، فجعلتْها عنصرًا أساسيًّا مقصودًا لذاته، فقد خرجت على حدودها الطبيعية من جهة، وأذِنَتْ لعنصرٍ واحدٍ أن يطغى على سائر العناصر من جهةٍ أخرى. وكذلك لا يجُوز للمسرحية أن تُمثِّل فِعل الطير والحيوان. وقد ترى روايات يقوم بأدوارها طَير وحيوان، ولكن ذلك لا يهدِم القاعدة ولا يُشكِّك في صِحَّتِها؛ لأنَّ الطير والحيوان في أمثال هذه الروايات تُمثِّل الآدمِيِّين وأفعالَهم بطريقةِ الرمز. ثُم هل للرواية المسرحية أن تُدخِل عنصرًا رُوحانيًّا بين عناصرها؟ هل لها أن تقبَل بين عناصرها أربابًا وأشباحًا وجنِّيَّاتٍ وساحرات؟ الجواب بالإيجاب على شرط أن تُعامَل — كالطير والحيوان — مُعامَلَة الآدميين خُلُقًا وسُلوكًا، ومع ذلك فالذَّوق المسرحي الحديث ينفِر من أمثال هذه الخوارق ولا يَستسيغها. وكم يُعاني المخرج الحديث في روايات شيكسبير، حين يخرُج له الشبح في «هاملت» أو في «ماكبث». ولقد كانت هذه الأشباح — فيما يظهر — أيسَرَ تناوُلًا في عصر شيكسبير، بل في عصر اليونان الأقدَمين، ولنا إلى ذلك عودة. الفعل الإنساني — إذًا — هو مجال الرواية المسرحية، لكنه الفعل الإنساني مُمثَّلًا وظاهرًا في سلوكٍ مرئيٍّ مَشهود. ونقول ذلك لأنك قد تجِد من المسرحيات ما يقلُّ فيه الفعل الجسدي المنظور قِلَّةً تلفِتُ النظر، ويكثُر فيها الكلام، ولو أن كثرة الكلام في المسرحية وقِلَّة العمل، لا تُخرِجها عن حدودها الطبيعية؛ لأنَّ الكلام ضربٌ من الفعل الإنساني على كلِّ حال، لكن حصر الفعل البدني في دائرةٍ ضيِّقة يُعرِّض فنَّ الرواية لخطرٍ عظيم، وهو أن يُفقِدها قوةً كامنة في أحد عناصرها، وبذلك يَضيع التوازُن واستغلال العناصر إلى أقصى حدٍّ مُستطاع، فلا تتوفَّر فيها شروط الجودة والكمال. وكم مِن مسرحيةٍ قُضِيَ عليها بالإفلاس والفشل؛ لكثرة القول فيها وقِلَّة العمل، وفي رواية «شو»: «الإنسان والإنسان الأعلى» منظر لا فِعل فيه ولا حرَكة، فيُوشِك المُخرِجون جميعًا أن يُسقِطوه حين يُهيِّئون الرواية للتمثيل، ومع ذلك فالمسرحية الحديثة أمْيَلُ من سابقَتِها إلى الحدِّ من الفعل الجسدي فوق المسرح، وذلك بحُكم الرغبة — التي أخذتْ تَشيع — في أن تنحصِر مناظر الرواية في أمكنةٍ مَسقوفة، أعني أن تُمثِّل الرواية من الأفعال ما يُمكن حدوثُه داخل الدُّور، وتُهمِل منها ما يقتضي السُّهول الطلْقة والعراء المكشوف، وفي هذا بالطبع تحديدٌ شديد لِما يُمكن تمثيله، فلا معارك ولا جماهير مُحتشِدة ولا حقول ولا غابات، إلى آخر هذه الأشياء التي لا تقَعُ بين الجُدران. ولنا كذلك إلى هذا الموضوع عودة. كمال الرواية المسرحية — كما رأينا — في تمثيلها للفعل الإنساني، وذلك راجعٌ قبل كل شيءٍ إلى وجود المُمثِّل — وهو إنسان — بين عناصرها التي تُكوِّن خامتها، لكنَّ المُمثِّل لا يقف وحدَه فردًا قائمًا بذاته، إنما تُحيط به جماعة من الناس هو عضو من أعضائها، فماذا تستفيده المسرحية من هذا العنصر الجديد؟ أتراه يُضيف إلى قُوَّتها المُعبِّرة قوةً جديدة؟ وازِن في ذلك بين المسرحية والقصيدة الغنائية، فالشاعر الغنائي إذا ما انطلق يتغنَّى بشِعره، فهو إنما يحصُر غناءه في نفسه ويسمو بوجوده الذاتي، حتى يبلُغ أوجًا يُطلِق فيه نفسه من قيودها لتُخرِج مكنونها، فهو يضع نفسه في عالمٍ خيالي لا يُقيم في وَجهِهِ الحوائل والحواجز، عالَم يخلُقُه بخياله يسُود فيه سيادة مُطلَقة، فيستطيع أن يقول في نفسه ما يشاء، عالَم من خلاءٍ لا يَسكُنه سِواه، فلا اهتمامَ إلَّا بشخصه، وليس لشيءٍ غير شخصِهِ وزْن ولا قِيمة، وإن كان لشيءٍ قِيمةٌ ووزن؛ فلأنه يتَّصِل بشخصه ويكتسِب وجودَه من وجوده. أما في الرواية المسرحية فالمُمثِّل يُعبِّر عن نفسه في عالمٍ مأهول، فتراه في هذا العالم يفعل فيكون لفِعلِه ردُّ فعلٍ في سِواه، أو يفعل سواه فيكون لفِعلِهم ردُّ فعلٍ فيه. هو في عالمٍ أرضي يتفاعَلُ فيه مع غيره، يُؤثِّر في الناس ويتأثَّر بهم. وإذًا فالرواية المسرحية الكاملة هي التي تضع شبكة الأفعال وردود الأفعال في صورةٍ طبيعية تتَّفِق مع جماعةٍ إنسانية. الرواية الجيدة لا تُمثِّل الفعل الإنساني في خلاءٍ بل تُمثِّله في مجتمع، ولا تُمثِّله على المريخ بل فوق هذا الكوكب الأرضي، وفي هذه الحياة الدُّنيا. الرواية الجيدة تُمثِّل الفعل الإنساني من جانبه الاجتماعي، لا من جانبه الفردي كما تفعل القصيدة الغنائية، هي تُصوِّر لنا الأفراد وحداتٍ من مجتمع، لا أفرادًا استقلُّوا بوجودهم. هذه الصِّفة الاجتماعية التي تكوِّن جزءًا أساسيًّا من طبيعة الرواية المسرحية، هي التي تُفسِّر لنا كثيرًا من الظواهر الغربية في تاريخ المسرحية الحديثة، فكيف حدَث — مثلًا — للمسرحية الحديثة ألا تكتفي بتخصيص شطرٍ عظيم من مجالِها واهتمامها للنشاط الاجتماعي، وأن تُغالي فتجعل من نفسها مَيدانًا للبحث الاجتماعي وعرْض نظريات الاجتماع؟ لماذا نجعل بين روايات العصر الحديث عددًا ضخمًا لا يدُور إلَّا حول مِحورٍ واحد، هو شرْح مشكلة اجتماعية أو علاجٌ لمرضٍ اجتماعي؟ انظر إلى «شو» و«جولز ورذي» و«باركر» من أدباء المسرحية في العصر الحديث، تجِدْهم قد دفعوا أدبَهم المسرحيَّ في الاتجاه الاجتماعي إلى نهايته، فأصبحَتِ الرواية المسرحية تفُوق كلَّ ضروب الفنِّ الأخرى في تصوير وجهة النظر الاجتماعية وتمثيلها. أتَظنُّها مُصادفةً عرضية عابرة أن يُنتِج أحسنَ الروايات المسرحية من «إبسن» إلى يَومِنا هذا رجالٌ يَعتنِقون الاشتراكية مذهبًا اجتماعيًّا؟ ثُم كيف نُعلِّل خلوَّ الأدب الإنجليزي من الإنتاج المسرحي فترةً طالت، فامتدَّت من عهد «شردان» و«جولد سمث» في مُنتصف القرن الثامن عشر، بحيث لم تَستيقظ من رُقادها إلَّا في ختام القرن التاسع عشر؟ لن نقول إنه عصر ضعُف فيه الأدب وعزَّ فيه الأدباء الفُحول، فحَسْبُه خصوبةً وغزارة أن يكون بين رجاله «وردزورث» و«كولردج» و«شلي» و«كيتس» و«تنسن» و«براوننج». لَبِثت الرواية المسرحية خامدةً في الأدب الإنجليزي ما يزيد على قرنٍ كامل، حتى أيقَظَها كاتب مسرحي من النرويج هو «إبسن»، أفلا تكون هناك علاقة بين النَّزعة الفردية القوية، التي تملَّكَتِ النفوس طوال تلك السنين، وبين مَوات الأدب المسرحي؟ أليس لنا أن نقول إنه لا رجاءَ في أدبٍ مسرحي قوي، إلَّا إذا شاع في الناس شعور اجتماعي، يُحسُّ معه الفرد أنه لا يتحرَّك في خَلاء، إنما يحيا في عالمٍ مأهول يُؤثِّر فيه ويتأثَّر به؟ لقد أنشأ «بيرن» في فترة الجدْبِ المسرحي كثيرًا من الروايات، لكنَّها فشلَتْ جميعًا؛ لأنه لم يستطع أن يُجاوِزَ حدود نفسه إلى سواه، وكذلك كتَبَ «براوننج» الروايات، ولكنها فشلتْ أيضًا لأنها لا تُوضِّح أثَرَ أشخاصها بعضهم في بعض. عُنِيَ «براوننج» في مسرحياته بالفرد، حتى لقد أطلَقَ عليها «مسرحيات وجدانية»، فجاءت أبعدَ ما تكون المسرحيات عن كمالِها الفني، باعتبار نوعِها لا باعتبار شِعرها. الرواية المسرحية إذًا مَحتومٌ عليها — بحُكم طبيعتها — أن تُمثِّل فعلًا إنسانيًّا، فعلًا من شأنه أن يقَعَ من الرجال والنساء في هذه الحياة، لكنَّها تنظُر إلى الفعل يأتيه الفرد من حيث علاقته بالأفعال يأتيها سائر الأفراد، أو بعبارةٍ أخرى تنظُر إلى الأفعال ورُدودها، تنظُر إلى الفعل من جانبٍ اجتماعي، وقد يكون بين الفعل وردِّ الفعل صنوفٌ من الروابط والعلاقات، لا تقَعُ تحت الحصر والتحديد، ولكنَّا نستطيع أن نجمع العلائق التي تَصِل فردَين أو جماعتَين، تحت نوعَين رئيسِيَّين، فهي إما علاقة ودٍّ أو نفور، وللرواية المسرحية أن تختارَ ما شاءتْ من النَّوعَين، لكنها تُوشِك ألا تختار منهما إلَّا نوعًا واحدًا، هو ذلك الذي فيه عداوة ونفور؛ ذلك لأنَّ الرواية تُمثَّل ليشهدها نظَّارة في مسرح، وهذه الحقيقة قد مالَتْ بالأدب المسرحي — كما رأينا — نحو الحوادث المُثيرة والأفعال، التي تبعَثُ الدهشة في النفوس، ولا شكَّ أنَّ العداوةَ بين الناس أبعَثُ على الدهشة من التَّغنِّي بأناشيد السلام. إنَّ العين تجذِبُها المعركة تنشَبُ بين رَجُلَين أكثر مِمَّا يَستوقِفُها الرَّجُلان يتصافحان في ودٍّ وصفاء، إلَّا إن كانت المُصافَحة مُقدِّمةً للقتال، أو مُمهِّدةً لصداقةٍ بعد قتال! ومِن ثمَّ كان موضوع المسرحية المُفضَّل المُختار أفعال الفرد التي تصطدم مع أفعال الآخرين. وكلُّ حبكةٍ مسرحية هي في حقيقة الأمر مُصطرَع فيه تضارُبٌ وصدام، وأغلَظُ أنواع الصراع هو بالطبع ما اشتَجَرَ فيه المُتقاتِلان بالأكتُفِ ضربًا وصفعًا، وقد يتَّخِذ الصراع صورةً أعلى، فيُنافِس بطلُ الرواية نذْلَها مُنافسةً تنتهي بنصرِهِ وفَوزِهِ بالجزاء، والجزاء امرأة، تلك هي الحبكة التي لا تكاد تتغيَّرُ فيما يُسمَّى «بالميلودرامة»، والمِيلودرامة مَسرحية ترمي إلى تحريك الانفعالات الشديدة في نفوس المُشاهدين، ثم تنتهي بخاتمةٍ سعيدة، وقد كانت فيما مضى تتخلَّلُها الأغاني، لكن الأغاني لم تعُدْ شرطًا لها. ولمَّا كان الصراع فيها بين البطل والنَّذْل مِحور الحوادث، كانت مَيدانًا صالحًا لتمثيل الفعل الجسدي، وبهذا اتَّصفَتْ بأخصِّ خصائص المسرحية الجديدة، لكنَّها مَعيبةٌ من ناحيةٍ أخرى، وهي أنها لا تتعمَّق في الحوادث والأشخاص، فلا تُمكِّن الفنَّ المسرحي أن يستغلَّ كلَّ قوته المُعبِّرة الكامنة في طبيعته؛ إذ لا تُتيح للمُمَثِّل أن يعرِضَ الإنسان في تَعقُّده وتشعُّبِه، كما ينبغي له أن يُعرَض، لكنَّ الكاتب المسرحي مُتأثِّر بكثيرٍ من العوامل، التي تُحدِّد له نوع الصراع الذي يَختاره موضوعًا لروايته. فمن هذه العوامل الكثيرة التي تُسيِّر الكاتب المسرحي في فنِّه، وتضطرُّه اضطرارًا أن يتَّخِذ لنفسه طريقًا مُعيَّنًا، أنه يُريد أن يُشكِّل الحوادث التي تقع خلال ساعتين، تشكيلًا يُوحِّد بينها ويُكسِبها قوةً وشدَّةَ وقْعٍ في نفوس نظَّارته، فهو مُلزَم بالضرورة أن ينصرِف بأكثرِ عنايته إلى البطل، فيُولِيه اهتمامًا لا يظفَر بمثله سائر أشخاص الرواية، وبذلك يُرسِّخ البطل في أذهان المشاهدين أكثر من سواه، ولكن لا بُدَّ لهذا البطل أن يصطرِع ويختصِم، وأن يكون الصراع وأن تكون الخصومة مع ندٍّ وقرين، فماذا يصنع الكاتب وكلُّ أشخاص الرواية أدنى منه شأنًا وأقلُّ قوَّةً وخطرًا؟ إذًا فليُثِر معركةً بينه وبين جماعة، أو قُل بينَه وبين طائفةٍ اجتماعية، أو بينَهُ وبين تقاليد المجتمع وعقائده، وقد يُؤدي ذلك إلى انتقال ميدان الصراع من الدُّنيا الخارجية إلى العالم الباطني، إلى دخيلة نفسه، فيكون موضوع الرواية صِدامًا بين البطل ونفسه، بين نوازِعِه المختلفة ودوافعه المُتعارِضة، بين واجبه الوطني وولائه لأسرته — مثلًا — أو بين الحبِّ والواجب أو بين نداء العقل ونداء القلب وهكذا. في مِثل هذه الحالة نرى البطل، وكأنما تُمزِّقه النوازع المختلفة والدوافع المُتعارِضة تمزيقًا مُخيفًا، ويترتَّبُ على ذلك أن يجعل الكاتب المسرحي لهذه العوامل الباطنية الماثلة، قوَّةً أعنفَ ممَّا يجعل للفرد الذي يحتويها، وتلك ناحية سنعود إليها بعد حين، وحسبُنا أن نقول إنَّ مثل هذه المسرحية تُمثِّل فعلًا لا يقَعُ في صميم المجال المسرحي، وإذًا فهو فِعل لا يمكن للمسرحية أن تبلُغ فيه حدَّ الكمال؛ لأنه خارجٌ عن طبيعتها، أو قُل إنه فِعل لا يستغلُّ كلَّ عناصر الرواية المسرحية، فهو يُهمِل المسرح ولا يستخرِج منه كلَّ ما يُمكن أن يستخرجه من قوةٍ تُضيف إلى قوَّة التعبير. الفعل الذي يُمثِّل المسرح هو فِعل إنسان، قد تضارَب وتعارَض مع أفعال سائر الناس، ولكن أي صراع يُناسِب التمثيل المسرحي؟ ستقول: هو الصراع الذي يقتضيه الجوُّ الذي تقَعُ فيه الحوادث. فأيُّ المناظر وأيُّ الجواء يكون المسرح على أكمل مراتِبِه وهو يُمثِّلها؟ لقد رأيْنا أنَّ المسرح بمثابة الميدان، يلتقي عليه المُمثِّلون فيتفاعلون، كما يلتقي الناس في الحياة الواقعة، فهو وسطٌ اجتماعي لا يكون فيه الفرد قائمًا بذاته، لكنَّنا نعود فنقول إنَّ الحياة الاجتماعية التي تربِط الأواصِر بين الفرد وغيره صنوفٌ وأشكال، فقد تكون «الجماعة» أُسرة، وقد تتدرَّج في الكِبَر والاتِّساع فتكون جمعيةً أو قرية أو حزبًا سياسيًّا، أو سُكان هذه الأرض كلها، أو كلَّ ما يَعمُر الكون من أرواح، فهل يُلائم الرواية المسرحية جماعةٌ من هذه الجماعات دون أخرى؟ ممَّا ينفعنا في الإجابة عن هذا السؤال أن ننظُر إلى المسرح ومناظره، فهما عاملٌ قوي يُوجِّه الرواية المسرحية إلى خير جماعة تختارها موضوعًا لتمثيلها، فافرِضْ أنك في مسرحٍ في مدينة القاهرة، تُمثَّل عليه رواية تقَع حوادثها في غرفة الاستقبال من منزلٍ في لندن، فماذا تتوقَّع أن ترى؟ تتوقَّع أن ترى مناضد ومقاعد وما إليها، ممَّا يصحُّ أن يكون في غُرفة الاستقبال من بيتٍ إنجليزي، وعلى الرغم من يَقينك بأنَّ هذه المناضد والمقاعد التي تُشاهدها على المسرح، لم تكن قط في بيتٍ في لندن، فأنت تُوقِن كذلك أنها تُماثلها وتُحاكيها، وإذًا فالمسرح يُحاول أن يكون بين أشيائه وبين الأشياء التي يُمثِّلها شَبَهٌ كالذي بين الأصل وصورته، أو بعبارةٍ أخرى، يميل المسرح، بما عليه من أشياءٍ، أن يكون واقعيًّا يُصوِّر الحقيقة كما هي، ثُمَّ تجيء المناظر المرسومة والستائر فتزيد من هذه النزعة الواقعية. وتاريخ المسرح من أوله إلى آخره، يتلخَّص في جهاده المُتَّصِل أن يَقرُبَ من تصوير الواقع جهد المُستطاع، فتراه يصطنع الوسيلة إِثر الوسيلة، ممَّا يدنو به من هذه الواقعية المنشودة. وقد حقَّقَ المسرح ما ينشُدُه من تصوير الواقع، تحقيقًا بلَغَ أقصى مداهُ في المناظر، التي تُمثِّل البيئة الاجتماعية المُباشِرة كالمنازل والشوارع، وبواطِن الدُّور والمباني، كتصويره لغُرَف البيوت أو الفنادق، وللمكاتب والمَتاجر، وقد ساعَدَه على النجاح في تمثيل هذه الأماكن المُغلَقة، أنه بحُكم هندسته يُشبِهُ الغرفة أو المكتب، أو المتجر بجُدرانه الثلاثة التي يقَعُ عليها بصَرُ الرائي. نتَجَ عن هذا كُلِّه مَيل طبيعي في المسرح نحو الواقعية فيما يُمثِّله، أضِفْ إلى ذلك مَيل المسرحية بطبيعتها أن تُعالج الشئون الاجتماعية، أعني شئون الإنسان باعتباره عضوًا في جماعة، وأن تكون هذه الجماعة واقعةً ملموسة كالأُسرة، أو المدينة، أو القرية، أو الطائفة التي ينتمي إليها الفرد، وما إلى ذلك، فتُصوِّر المسرحية ما يقَع من صدامٍ بين الفرد وتقاليد الأسرة، كأنْ تُمثِّله وقد أفلَتَ من والديه ليُؤسِّس أُسرة لنفسه، أو تُمثِّله وقد أراد أن يظفَر بزَوجة رجُلٍ آخر وما شابَهَ ذلك. وكذلك تُصوِّر المسرحية ما يقَعُ من صدامٍ بين الفرد وطائفته التي ينتمي إليها، أو جماعته التي هو عضوٌ فيها، كأن تُمثِّله يعمل حيث تقضي التقاليد الدِّينية أن يقِفَ العمل، أو تُمثِّله صاخبًا بالحديث في حُجرة المُطالعة العامة، حيث القُرَّاء يريدون الصمت، أو يلبَس الجلباب حيث يجِب أن يلبَس غيره، أو يخلَع الطربوش في وقتٍ لا بُدَّ فيه أن يلبَسَه وهكذا. هذه أمثلة قليلة من الخلاف الذي يقع بين الفرد وما يُحيط به من أفراد المجتمع، في منزله أو في ناديه أو في مكان عمله. وصفوة القول أنَّ المسرح يعمل على تمثيل الحياة كما تبدو، ولاحِظ أنَّ هناك فرقًا بين الحياة كما تبدو للعَين وبينَها على حقيقتها، والمسرح يهتمُّ بها كما تتراءى وتبدو بغضِّ النَّظر عن حقيقتها، هو يأخُذ الأشياء بظواهرها لا بحقائقها الكامِنة وراء تلك الظواهر، أي أنه يُصوِّر الحياة من السطح لا من الأغوار والأعماق، فهو مثلًا يُمثِّل السلوك الظاهر، ولا شأنَ له بمبادئ الأخلاق الكامنة وراء هذا السلوك، ويقِفُ عند تقاليد المجتمع وأوضاعه، ولا يأبَهُ بمُشكلات الكون الكُبرى. وبعبارةٍ أُخرى فإنَّ المسرحية مُلزَمة — بحكم استخدامها للمسرح وأدواته — أن تتَّجِه اتجاهًا واقعيًّا، وإنَّ هذه الواقعية لتزداد شيئًا فشيئًا، كلَّما سارَتِ المسرحية في طريق التطوُّر، وكلَّما ازدادت في تطوُّرها وواقعِيَّتها، تَبِع ذلك ازدياد في مَيلها إلى الملاهي دون المآسي، فالسَّير في طريق الواقعية يُوازيه حتمًا رُجحان المَلهاةِ على المأساة، وذلك ما وقَع فعلًا في تاريخ الرواية المسرحية، فالكَثْرة العُظمى مما يخرجه أدباؤنا اليوم من المسرحيات ملاهٍ. وارجِعْ ببصرك إلى بدء الرواية المسرحية في تاريخ الآداب الأوروبية، تجِدِ للمأساة الرُّجحان، ثُمَّ تَعادَلتا أيام النهضة الأوروبية، ثُمَّ أخذتِ الملهاةُ تطغى على زميلتها وتسُود. ومن الخَطَل أن نُعلِّل هذه الظاهرة بأنَّنا اليوم أقلُّ جِدًّا وأكثرُ هزلًا من أسلافنا، والتَّعليل الصحيح إنما يُلتمَس في طبيعة المسرحية ذاتها. فهذا التحوُّل نتيجةٌ لا مندوحةَ عنها لِما طرأ على المسرحية من تغيُّر، وبخاصَّة صناعة المسرح نفسه وإعدادِه بأدواته. وتتَّضِح العلاقة بين المَلهاة والواقعية، إذا عرَفْنا الفروق بين المَلهاة والمأساة، فقد رأيْنا فيما سلَفَ أنَّ الرواية المسرحية تُمثِّل صراعًا، والصراع إمَّا أن ينتهي بالنَّصر أو بالفشل (لأن التعادُل الذي لا هوَ إلى النصر ولا هو إلى الفشل، ليس نهايةً لموضوع الخلاف، بل هو تسويف وإرجاء لصراعٍ آخر). فأمَّا المسرحية التي تنتهي بفوز البطل — والفوز عادةً ظفَرٌ بزواج امرأة يُحبُّها — فمَلهاة، وأمَّا التي تنتهي بفشله — والفشل عادةً يقتضي مَوتَه — فمأساة. على أن العِبرة ليست بالنهاية وحدَها، وإلَّا لكانت المأساة والمَلهاة كِلتاهما سواءً في سائر الأجزاء، حتى الفصل الذي يسبِقُ الأخير، فإن كان الفصل الأخير فوزًا للبطل كانت مَلهاة، وإن كان فيه قضاؤه كانت مأساة. فالخاتمة في الحقيقة نتيجة لازمة للفصول السابقة كلها، وفيها العقاب أو الثواب الذي يترتَّب على سلوك البطل في مجرى الرواية كلها، ولو أراد المسرحيُّ لبطل الرواية أن يموت في نهايتها، فحَتْمٌ عليه أن يُرتِّب الحوادث ترتيبًا مُحكمًا، بحيث يَجيء الموت نتيجةً طبيعية، لا تُثير العجَب والاستنكار. ماذا يحدُث إذ نقصِد إلى المسرح لنشاهد فيه مأساة؟ إنَّنا ندفع أجرًا لقاء «متعة»، نرقُبها من رؤية منظرٍ فيه الأسى وفيه الموت! ترى أيكون ذلك مِنَّا حُمقًا لا يُبرِّره العقل السليم؟ لننظُر إلى الأمر عن كثب، نحن ندفَع أجَرَ الدخول، ونستوي في مَقاعِدنا، ويُرفع الستار ويُقدِّم لنا المسرحيُّ بطلَ الرواية، رجُلًا ليس لنا به صِلة كائنةً ما كانت، لكنَّ المسرحي سُرعان ما يَستميلنا بفنِّه، فلا تكاد تمضي الرواية في حوادثها قليلًا، حتى يكون البطل قد تسلَّل إلى قلوبنا، واحتلَّ من نفوسنا مكانة، كأنَّنا معه على ودٍّ قديم، ثم تمضي الرواية ونزداد بالبطل إعجابًا، حتى إذا ما بلَغَ حُبُّنا له وإعجابُنا به أقصى الحدود، أخذ المسرحيُّ نفسه يتسلَّل وراء البطل خفيةً، ثم يضرِبُه الضربةَ التي تقضي عليه، ويكون في ذلك الختام. فكيف نحتمِل مثل هذه الفجيعة تقع على مرأًى مِنَّا فوق المسرح! لماذا لا يحدُث للنظَّارة وقد أُوذِيت في شعورها، أن تنهَضَ من فورِها ثائرةً تصبُّ لعَناتِها على المسرحيِّ الذي لم يعرِف قلبُه الرحمة، وظنَّ النظارة في مِثل فظاظتِهِ وغِلظة قلبه؟ أم ترى المؤلف المسرحي يفترِض أنَّنا بغرائزنا نستمتع بمَوت من أحببناه وأُعجِبنا به؟ ولو لم يكن ذلك لما اقتضانا أجرًا ولَما دفَعْناه، اللَّهم إن كان هذا شأن المأساة فما أغنانا عن رؤية الفجيعة لقاءَ مالٍ ندفَعُه! لكنَّ المأساة ليس هذا شأنها، وما أصاب رجال النقد الذين زعموا أنَّ المأساة والملهاة مُتشابِهتان كلَّ التشابُهِ في مجرى الحوادث، ولا تختلفان إلَّا في الختام، فقد زَعَموا أن ما يَصلُح ملهاةً قد يَصلُح مأساة، لو تغيَّرتِ الخاتمة وحدَها، لكنَّنا لا نذهب معهم فيما ذهبوا إليه، ونُحتِّم أن يجيء مَوت البطل في المأساة نتيجةً طبيعية لمَجرى الحوادث، حتى لا نَصدِم النظَّارة في شعورهم. يجِب أن يشعُر هؤلاء النظارة أن مَوت بطلِهم، الذي ظفِر منهم بالحبِّ والإعجاب، لم يكن عنه مَحيص؛ لأنَّهُ — كما يرَون — جزاءٌ وفاقٌ لِما قدَّمَت يداه، وليس هو بالعقاب الظالِم المُفاجئ الذي لا تُبرِّره المُقدِّمات، فمنذُ بداية الرواية يضع المؤلف المسرحي عنصرًا أو مجموعة عناصر، ثُمَّ يَدَعُها تفعل فِعلها وتسير سَيرها المنطقي الصارِم المُحكم الدقيق، فإذا بها تنتهي إلى ختامها الطبيعي وهو موت البطل، تلك هي المأساة الجيِّدة عندنا، وخير مقياس تحكُم به على جودة المأساة، أن ترى هل تُحقِّق عند مُشاهديها الشعور، بأن موت البطل محتوم بحُكم الحوادث، فإن فعلَتْ جادَت، وإلَّا فاحكُم عليها بالضعف والفشل. لو شعرتَ لحظةً واحدة وأنت تشاهد مأساة، أنك تودُّ لو نهضتَ من كرسيِّك لتُنقذ البطل من مَوقفه، فاعلَم أن المأساة ضعيفةٌ فاشلة. فمثلًا قد يَصيح مشاهد إذ يرى روميو قد همَّ بقتل نفسه، إلى جانب ما ظنَّها جُثَّة حبيبته جوليت، أقول قد يَصيح مُشاهد في مكانه مُحذِّرًا روميو ألَّا يُتمَّ فعلته؛ لأنَّ جوليت في حالةٍ من التخدير وليست بِميِّتة، فتكون هذه الصيحة نقدًا سليمًا، نُوجِّهه إلى رواية شيكسبير «روميو وجوليت»؛ لأنَّ هذا الصائح لم يُحسَّ من أعماق نفسه، أنَّ روميو سيموت نتيجةً لازمة لما قدَّمَت يداه، بل شعر أنه مَوتٌ ظالِم وقَعَ في غير موضعه، وإن كان هذا هكذا فالرواية ضعيفة بغَير شكٍّ من هذه الناحية. إنَّنا نعترِف أنَّ «روميو وجوليت» مُترَعة بألوان السِّحر الفني، الذي لا يستطيعه إلَّا شاعر في عظَمَة شيكسبير ونُبوغه، لكنها من حيث هي مأساةٌ فيها ضَعف لا شكَّ فيه، مصدره هذا الشعور الذي أشرْنا إليه، وهذا الشعور إنما نشأ عن ضعفٍ في منطق الحوادث، أدَّى إلى نتيجةٍ لا تلزَم حتمًا هذه المُقدِّمات. الموت في ختام هذه الرواية ليس وليدَ الحوادث نفسها، إنما هو ضربةٌ من القَدَر شاءتها المُصادَفة، وربما شاءت سواها، وقد أدرك ذلك شيكسبير — وهو الفنان العبقري — فأدخل في فَنِّه عُنصر «القدر»؛ ليُسعِفه بمَوت البطل، حيث لا تُسعِفه حوادث الرواية نفسها. لكنَّنا اليوم إذ نُشاهد رواية لشيكسبير فيها إصبع القدر، لا نعترِف بهذا العامل الدخيل، على أنه جزء من طبائع الأشياء؛ لأنه في رأْيِنا اليوم اسمٌ آخر يُطلَق على المُصادفة العمياء التي تقَعُ لغَير سببٍ ظاهر. وفي رواية «روميو وجوليت» يلجأ شيكسبير إلى حيلةٍ فنيَّة أُخرى، يُخفِّف بها من وقْع الموت المُفاجئ على النظَّارة، وهي إصلاح ذات البَين بين الأُسرتَين المُتخاصِمَتَين — الأُسرة التي منها روميو والأُسرة التي منها جوليت — لعلَّ هذا الوئام بَين أُسرَتي الشهيدَين يشفع له عند نظَّارته، لكنَّهُ في الحق عِوَض ضئيل، إذا قيس إلى الفاجِعة الأليمة. يُشترَط لخاتمة المأساة أن تكون نتيجة لازمة لطبائع الأشياء، حتى يشعُر المشاهدون أنها مُتَّفِقة مع ما يسود الكون كلَّه من سببيَّة مُطَّرِدة لا تتخلَّف، فإن وقَعَت الأسباب فلا مناصَ من وقوعِ المُسبِّبات في أثرها. لا يَجوز أن يجيء موت البطل في النهاية بفعل المُصادفة، التي لا تَجِد مُبرِّراتها في فصول الرواية، بل يجب أن تصعَدَ الحوادث بعقول النظَّارة خُطوةً فخطوة، حتى تبلُغ ذُروةً مُرتكِزة على الماضي كلِّه. هنالك مآسٍ يموت أبطالها بفعل حوادثَ عارِضةٍ أو عوامل مُؤقَّتة، فلا شكَّ في أن هذه المآسي مَعيبة لم يكمُل فنُّها، إذ أعوَزَها شعور المُشاهد بأن القوانين التي تتحكَّم في حوادثها هي نفسها القوانين التي يَسير بمُقتضاها الكون كله، فقد يموت البطَلُ مثلًا في حادثةٍ تصدمه فيها سيَّارة فتقضي عليه، ومِثل هذه الحادثة مما يقع في الحياة، ويستدرُّ العطف والإشفاق، ومع ذلك فلا يجوز للمؤلف المسرحي أن يختارها نهايةً لبطله؛ لأنها تُشعِر بعامل المُصادفة الذي لا ينساق مع قوانين الكون، اللَّهمَّ إلَّا إن كان المشاهد مِمَّن يعتقدون أنَّ اصطدام السيارة نتيجة ترتَّبَت على ألوف الحوادث قبلها، فمُنذ الساعة الأولى التي رُصِفتْ فيها الطريق، ومنذ الطرقة الأولى في صناعة السيارة، ومنذ اليوم الأول في حياة البطل، ودقائق الحادثات تجري على صورةٍ مُعيَّنة من شأنها أن تؤدي، في لحظةٍ مُعيَّنة، إلى أن تَصدِم السيارة البَطلَ في هذا المكان. نقول إنه بغير هذه العقيدة — وهي بعيدةٌ عن مُعظَم المشاهدين — لن يسعَكَ إلَّا أن ترى في موت الرجل تحت عجلات السيارة خروجًا على المألوف وشذوذًا في القانون ونتيجةً لا تلزَم طبائع الأشياء. وإذًا فمأساة كهذه ضعيفةٌ في فنِّها. تلك هي المشكلة في كثيرٍ من المآسي الحديثة التي تُؤثِر في الأعمِّ الأغلبِ أن تختار موضوعها ما بين الفرد وموقفه الاقتصادي من تَعارُضٍ وصراع. وخير مَثَل يُساق لذلك روايات «جولز ورذي»، فلو جعلتَ تُحسُّ وأنت تشاهد الرواية أنَّ النُّظم الاقتصادية والقضائية القائمة، التي يُصارعها البطل فتصرَعُه في النهاية — لو جعلتَ تُحسُّ أن هذه النُّظم رغم ما يبدو أنَّها مُؤقَّتة عرَضية قد تتغيَّر وتتبدَّل، ضاربةً بجذورها في طبائع الأشياء الثابتة الدائمة — كانت المأساةُ جيدة لا غُبار عليها ولا عيبَ فيها، لكنك لا تُحسُّ هذا الإحساس في المآسي الحديثة، بل إنَّ المؤلف المسرحي نفسه يعرِض عليك في رواياته هذه النُّظم الفاسدة التي تصرَع الأفراد، ليَستحِثَّك على إصلاحها وتغييرها، وما دُمتَ قد شعرتَ أن الأسباب التي انتهت بمصرع البطل عرَضية عابرة، لا تَمتُّ إلى نظام الكون المُطَّرِد وقوانينه الدائمة الصارِمة التي لا تتخلَّف، كانت المأساة مَعيبةً في فنِّها. نعم قد تَستدِرُّ منك العطف والإشفاق، لكنَّها مع ذلك يَعوزها «العنصر الكوني»، أي يَعوزها العنصر الذي يُوحي إلى المُشاهد أنه يرى قطعةً تأتلِف مع نواميس الكون، ليس بينها وبينَهُ نُبوٌّ ولا نشاز. ولسْنا نُريد بهذا أن نزعُم أنَّ ظروفًا مُعيَّنة، أو موضوعًا مُعيَّنًا، يستعصي على الفنان فلا يُمَكِّنُه من مُعالجته على نحوٍ يجعله «كونيًّا»، كما ينبغي له أن يكون إذا قصَدَ به إلى الكمال الفني — وفي هذا قُدرة الفنَّان ونُبوغه — إنما أرَدْنا أن نُوضِّح قاعدةً للحُكم على المأساة بجودة الفنِّ أو ضَعفه، فليس أصحاب المآسي الحديثة من الفنانين المُجيدين، تطبيقًا لهذه القاعدة، هم يُعالِجون المشكلات الاجتماعية حقًّا، يُشخِّصون الدَّاء ويصِفون الدواء، فينتفِع بهم نظام المجتمع، فإن استحقُّوا على مجهودهم الجزاء، فإنما هو الجزاء الذي نُقدِّمه لمن ينفَعُنا في أخلاقنا وبنائنا الاجتماعي، وليس هو بالجزاء الذي يَستحقُّه الفنان القدير في فنِّه. ونعود فنُقرِّر الفكرة من جديدٍ ترسيخًا لها في الأذهان، وهي أنَّ مآسي «إبسن» ومن لَفَّ لِفَّه من رجال الرواية المسرحية في عصرنا الحديث، وهم جميعًا يُعالجون في مسرحياتهم مشكلاتٍ اجتماعية، ويُبيِّنون أنَّ للنُّظم القائمة كثيرًا من الضحايا لاضطرابها وفسادها. مآسي «إبسن» ومن لفَّ لِفَّه قد تُعدُّ جيدة، لو اعتبَرْتَ البيئة الاجتماعية بنظامها الراهن جُزءًا من نظام الكون ليس لنا بِرَدِّه قِبَل، أو بعبارةٍ أخرى لو كنتَ قدريًّا، يؤمن بأنَّ كلَّ أوضاع الحياة من فعل القضاء الذي لا رادَّ له، عندئذٍ تُشاهد المأساة وتشهد البطل صريعًا أمام هذه النُّظم الاجتماعية، فتُدرك أنه هُزِم أمام قوةٍ تشتمل الكون كلَّه، فتكون المأساة جيِّدةً سليمة. أما إذا نظرتَ إلى النُّظم الاجتماعية، نظرَتَك إلى الأشياء العرَضية السطحية العابرة، التي كان يُمكن اجتنابُها، والتي لا يزال في وُسعِنا أن نُصلِح فيها كما نُريد، فليست المآسي الحديثة من جودةِ الفنِّ في شيء. وليس لختام المَلهاة كل هذا الخطر، الذي عزَوناه إلى ختام المأساة؛ لأنَّ المَلهاة لا تخلُص إلى نهاية يكون الأمر فيها موتًا أو حياة، وكذلك تقلُّ في نظرِنا أهمية العوامل والقوى، التي تتفاعل في مجرى الرواية وتؤدي إلى الخاتمة، تقلُّ في المَلهاة عنها في المأساة. الحوادث في المَلهاة أقلُّ شأنًا وأخفُّ وزنًا منها في المأساة، فلو صوَّرتَ لنفسِك بطلَ المأساة وقد وقفَ أمام محكمة القدَر، تُطوِّح به هنا وهناك جريًا على قوانين الكون الثابِتة، فلك أن تتصوَّر بطل المَلهاة رجلًا تفصِل في أمره جماعة النادي؛ لتقبَلَه عضوًا بين أعضائها أو لا تقبَله، فالملهاة تختار الحوادث السطحية التافِهة الخفيفة، وتترُك للمأساة الحوادث العميقة الجادَّة ذات الخطر البعيد. المَلهاة تنظُر في الرجل، هل تُخوِّل له عاداته وصفاته، أن يكون عضوًا في نادٍ أو لا يكون، والمأساة تنظُر في الرجل هل يُقضى عليه بالموت لِما قدَّمت يداه أو لا يُقضى. فمن شأن المَلهاة أن تُعالج من الأشخاص عاداتهم، التي قد تتَّفِق أحيانًا مع أوضاع المجتمع وقد تتعارَض أحيانًا، ولكنها على كلِّ حالٍ لا تضمُّ الشَّرَف ولا تمسُّ صميم الأخلاق، من شأنها أن تُصوِّر من الأشخاص جوانبهم، التي تجعلهم مصادر شغَبٍ في المجتمع، لكنها لم تبلُغ من العمق والجدِّ حدًّا يجعلهم بين المجرمين الآثمين، فإنْ كان بين بطل المَلهاة وبين المجتمع الذي يُحيط به صراع وتضارب، فمن أجل هذه التَّوافِه، فهو يُثرثِر والناس يُريدون الهدوء والصمت، وهو يشمَخُ بأنفسه والناس يُريدون التواضُع، ففي مِثل هذا التعارُض بين الصفات السطحية الخارجية للشخص، وبين نُظم المجتمع العرَضية المُتغيِّرة العابرة، يكون موضوع المَلهاة. العالم الذي تتحرَّك فيه المَلهاة تُسيِّره التقاليد، وأما العالم الذي تتحرك فيه المأساة، فتُسيِّره القوانين الطبيعية التي لا تتخلَّف، فليس هناك قانون كوني صارم، يُحتِّم أن تنطِق حرف القاف في مِثل «قلم» ألفًا أو جيمًا، لكن إن تَواضَع القوم على نُطقه ألفًا وجاء رجل ينطقه بالجيم، كان في ذلك تعارُضٌ بين عاداته وبين الجماعة التي هو عضوٌ فيها، وفي مِثل هذا التعارُض تكون ملهاة، ومِثل هذا الخارج على أوضاع الجماعة يكون بطلَ المَلهاة، وعاقبة خروجه أن يُعاقبه الناس بالضَّحِك والسخرية. وأغلظ أنواع الملاهي هو ما يختار بَطلَه رجلًا لا يأتي الأشياء إلَّا معكوسة مغلوطةً مقلوبة، وعندئذٍ يكون بطلُ الملهاة مُهرِّجًا لا أكثر ولا أقل، فيدخل هذا المهرج الساخر سائرًا على يَدَيه ورجلاه إلى أعلى، ويضع السُّترة حيث تواضَعَ الناس أن يضعوا السراويل، ويقول ألفاظًا تعني عكس ما يُريد وهكذا. وتتدرَّج الملهاة صاعدةً من هذا التهريج الصِّبياني الغليظ، إلى ألوانٍ من الانحراف دقيقة لطيفة، لكن أساسَ الملهاة واحدٌ في كِلتا الحالتَين. ولئن كان المسرح وأدواته يحاول أن يُمثِّل الواقع كما يبدو للعَين، فهو في هذه المُحاولة أنجحُ في تمثيل الملهاة منه في تمثيل المأساة، ما دامت الملهاة تتحرَّك على سطح الحياة الظاهر، والمأساة تغُوص إلى الأعماق. إنه أيسرُ على المسرح بغير شكٍّ أن يُمثِّل ثياب الرجل من أن يُمثِّل قلبَه الدَّفين، وأن يُمثِّل عاداته الظاهرة من أن يُوضِّح مبادئه الكامنة في نفسه، وسلوكه البادي من أن يُمثِّل أساسها الخُلقيَّ الراسخ. والملهاة أقرب من المأساة إلى المجتمع الذي يمَسُّنا من قريب، هي أقرب إلى حياتنا في الدار والنادي ومكان العمل. ولمَّا كان أيسر على المسرح وأدواته أن يُمثِّل هذه البيئة القريبة تمثيلًا واقعيًّا صادقًا، أيسَرَ عليه أن يُمثِّل غرفة في الدار أو بهوًا في النادي أو حجرةً في مكان العمل، كانت كلُّ العوامل المسرحية مُؤدِّية إلى نجاح الملهاة أكثر ممَّا تؤدي إلى نجاح المأساة. ومن ثَمَّ كان تطوُّر الملهاة وتطوُّر المسرح يسيران جنبًا إلى جنبٍ كما أسلفنا لك القول، ومن ثمَّ كان التوفيق الذي أصابه أدباء المسرح في ملاهيهم في عصرنا هذا. فنستطيع أن نضعَ ملاهي «برنارد شو» في طليعة ما عرفَتْهُ آداب العالم من الأدب المسرحي حتى اليوم. ولا أحبُّ لك أن تفهَمَ من هذا العرض الذي عرضتُهُ أمامك من خصائص الملهاة والمأساة، أنَّ الملهاة لخِفَّةِ موضوعها تخلو حتمًا من الجدِّ العميق؛ فامتيازها ومجال نُبوغِها أنها تُصوِّر الأشياء من ظواهرها، ولا تتعمَّق فيما يكمُن وراء هذه الظواهر البادية من مبادئ عميقة. امتياز الملهاة ومجال نبوغها أنها تُصوِّر من الأشياء جانبها المادي، والصِّعاب التي تُقيمها في وجه بطلِها أدْخَلُ في شئون الحياة العارِضة منها في أصولها الحيوية الجوهرية، والمبادئ التي يخرُج عليها بطل الملهاة هي التقاليد السائدة في جماعةٍ — ضاقت حدودها أو اتَّسَعَت — وليست هي النُّظم الأبدية الثابتة في الخير والشر والصواب والخطأ. لكن الملهاة تستطيع أن تُوسِّع من أُفقها بحيث تُمثِّل النظام الاجتماعي، الذي يُظلِّل الإنسان بصفةٍ عامة، ولا يقتصِر على قومٍ أو طائفة، وتستطيع أن تجعل التقاليد التي يخرُج عليها البطل، مِمَّا يؤمن به الجنس البشري كافَّة، ضرورةً لا مندوحةَ عن رعايَتِها وصيانَتِها؛ لتسير الحياة الإنسانية سيْرَها في أمنٍ وسلام. فالبطل في الملاهي الخفيفة يستمدُّ بطولته هذه من خروجه على تقاليد طائفةٍ أو فريقٍ محدود من الناس، والبطل في الملاهي الرفيعة بطل؛ لأنه يخرُج على أوضاع الجنس البشري كله، ويتحدَّى ما يُمليه الإدراك الفطري السليم. وأسمى الملاهي ما مجَّدَ هذا الإدراك الفطري السليم الذي يَهدي — أو يحبُّ أن يهدي — الإنسان في سلوكه وتصرُّفه. فمن أخطأه هذا الإدراك الفطري، فثارَ على ما يُوحى به، وتحدَّى ما يُمليه يُعدُّ ثائرًا على المجتمع مُتحدِّيًا له؛ لأنه لا يعترف بالشروط والقيود التي لا بدَّ من رعايتها، إنْ أُريد للإنسان حياةً آمنة فوق هذه الأرض. والملهاة بما تُصوِّره لنا من شروط الحياة الواجبة المفروضة، إنما تقصد إلى غاية عملية خالصة، تُريد أن تُبَصِّرنا كيف ينبغي أن نحيا حياةً مستقيمة، لا تَعارُض فيها ولا تضارُب، وتُريد أن تمدح الخصال التي تُعين على مثل هذه الحياة، وأن تقدَحَ في الخصال التي تُعرقِل سيرها وتعوق مجراها. غاية الملهاة أن تُفصِّل ما يصلُح للعيش من صفات، تاركة لزميلتها المأساة أن تُبيِّن ما هو حقيق، بالتَّضحية والموت في سبيله من تلك الخصائص والصفات، الملهاةُ تأخُذ الأمور كما هي، ولا تبحث عما يمكن لها أن تكون عليه، ولا ما ينبغي أن تصير إليه، تأخُذ العالم كما يبدو للعَين، لا كما هو في حقيقته الخافية، ورُوح الملهاة وصميمها أنها تجعل من الإدراك الفطري السليم، فيصلًا يُفرِّق بين الطيِّب والخبيث. فالبداهة عند الملهاة هي الحَكَم الأول والأخير، فما رأيتَ بالبداهة الفطرية أنه صحيح فهو صحيح، وليس بك حاجة إلى تَعمُّق الأمور إلى جذورها وأصولها، وحُكم البداهة عند الملهاة هو مفتاح السعادة والنجاح، في هذه الحياة الدنيا التي نحياها، في هذه الحياة الدنيا التي جُعلت للناس جميعًا، ولم تُخلَق لفريقٍ من الناس دون فريق، والتي نرى الحياة فيها مشكلة عملية تحتاج إلى حلولٍ عملية، لا إلى فروضٍ نظرية، حتى يُتاح للفرد أن يعيش بين الناس في غير تضاربٍ، مع تقاليدهم وقوانينهم ومصالحهم، وفي غير تَعارُضٍ مع ما للطبيعة من شروطٍ وفروض. الملهاة من شأنها أن تُفصِّلَ للناس أسلوب العيش الهانئ السعيد، وليس من شأنها أن تُعِدَّ الإنسان للخلود بعد الموت، مُهمَّتها السعادة هنا لا هناك، ومجالها الحياة الدُّنيا لا الحياة الآخرة. تلك إذًا غاية الملهاة، فامتيازها ومجال نبوغها أن تُوضِّح ضرورة الإدراك الفطري السليم، ضرورة الاحتكام إلى البداهة التي لا عِوَج فيها ولا الْتِواء؛ كي نعيش في هذه الحياة الدنيا خير عيشٍ مُستطاع. وعلامة الملهاة الجيدة في فنِّها، هي هذه النظرة الصادِقة التي تُفرِّق بها بين السويِّ والمُلتوي، بين المألوف والشاذ، علامتها هي إرهافها لحواسِّنا إرهافًا يُشعِرها بما يقَع من تناقُضٍ بين حماقة الحمقى، وبين ما يَستوجِبه الإدراك الفطري والبداهة السليمة، علامتها أنها تُصوِّر العالم وقد سادَه النظام بفضل ما فيه من تناسُقٍ بين الأجزاء. وتناسُق الأجزاء في صميمه وجوهره، إنْ هو إلَّا حُبُّ الإنسان للإنسان، وتسامُحٌ سخيٌّ كريم يصدُر عن رُوح الفكاهة. علامَتُها أنها تنظُر إلى الدُّنيا كما هي، لا تضجَر بها ولا تَضيق، تلك هي الغاية التي تلتمِس إليها الملهاة الجيدة مُختلِف الوسائل والسُّبل، فقد تسلُك إليها سبيل إظهار الفعل المُنحرف بوضعها في مُحيطٍ يُبرِز انحرافَهُ واعوجاجه. وفي هذا التَّبايُن الواضح بين الشيء وما يُحيط به ما يَستثير الضحك، كأن تُلبِس عبدًا أسود قُبَّعةً من الحرير الأسود، أو أن تجعل الماجِن المأفون يقِف موقِف الواعظ الهادي، فهذا تناقُضٌ تلمَحُه العين. وقد تَسلُك إليها سُبلًا أخرى في بَيان التناقُض والتبايُن، إذ تُوضِّح التناقُض بين الفكرة والفكرة، لا بين الشيء المنظور والشيء المنظور. وفي التناقُض الذي يلمحه العقل ولا تراه العين فِطنةٌ بارعة، ومن ثم كان الحوار الفَكِهُ من أفعَلِ أدوات الملهاة؛ لأنه مجال خصيب للمُؤلِّف المسرحي أن يَعرِض فيه الفكرة، ثم لا ينفكُّ يقرِنُها إلى أضدادها وأشباهها، مُقارنةً تُبيِّن على الفور أوجهَ الضعف والركاكة فيها. فكم فكرة لنا رسختْ في أذهاننا بحكم العُرف القوي، ولم نتبيَّن سُخفها وغضاضتها إلَّا حين تعرَّض لها كاتب مِثل «وايلد» أو «شو»، فوضَعَها أمام عقولِنا جنبًا إلى جنبٍ مع أشباهها، فظهرَتْ لنا فيها أشياء لم تدُرْ بخلدِنا من قبل، وبهذا اهتزَّ أساسُها، وترنَّح بناؤها، وقد كان مَتينًا مكينًا. ولنَعُد الآن بحديثنا إلى المأساة؛ تُمثِّل المأساة فعل الفرد وهو في صراعٍ مع بيئته، وليست غايتها عمليةً كالملهاة، إنما هي مُطلَقة مُجرَّدة تبحث عن القوى النظرية، والقوانين العامة التي تُسيِّر حوادث الحياة، ومن ثَمَّ رأيتَ مآسي كل عصر خير مرآة، تعكس لك عقائد ذلك العصر فيما يتعلق بالقوى التي تتحكَّم في مصاير البشر، ولكلِّ عصر في ذلك عقائده، فالمأساة بهذا المعنى تنطوي على فلسفةٍ عصرها؛ لأنها تُمثِّل الفعل الذي يشفُّ عن القوة العُليا، المُدبِّرة للكون المُسيطرة على ما فيه، في رأي ذلك العصر. وعلى الرغم من ذلك فليس مُؤلِّف المأساة فيلسوفًا يُحلِّل بعقله الكون وقواه، ليستخرج القوَّةَ العُليا الكامنة وراء ظواهر الوجود، إنما هو رجلٌ ذو خيالٍ خصيب يُدرِك عناصر تلك القوَّة بقوةِ خياله، وليس لكاتب المأساة عن إدراك هذه القوة المُتسلِّطة المُسيطرة محيص؛ لأنَّ مأساته لا بدَّ لها أن تُقرِّر مصير بطلِها بالموت والحياة، فمن ذا يصرِف مثل هذا القضاء الخطير غير قوَّةٍ يعتقِد العصر وأهله أنَّ لها الأمر في آجال الرجال؟ وعظمة مُنشئ المأساة تنحصِر في قُدرته على إيهام النظَّارة بفعل تلك القوة الخفية الجبَّارة، إيهامًا لا يدَعُ لهم مجالًا للشكِّ بأنها هي صاحبة الحَول والطول والنفوذ والسلطان، فالمأساة سلسلة من الأفعال يتلو بعضها بعضًا، وينتهي بها البطل إلى قضائه المحتوم، فواجب الأديب أن يَحبُك هذه المراحل حَبْكًا مُحكمًا، بحيث يُبدي لنظارته في جلاءٍ لا يقبَلُ الشك، أن البطل سائر في طريقه ذاك، مُسَيَّرًا بتلك القوة العُليا لا يلوي ولا ينحرِف. وما تلك القوة العُليا بالطبع إلَّا ما تتعلَّق به عقيدة العصر، فقد كانت «ربة الانتقام» عند اليونان هي المُصرِّفة للبشر، فكان على كُتَّاب المآسي عند اليونان مثل: «اسخيلوس» و«سوفوكليز»، أن يُؤلِّفوا مسرحياتهم على نحوٍ يجعل الأمور كلها من فعل «ربة الانتقام»، ولم يُصغِّروا من شأنها في أعيُن الناس، فيرمزوا لها بشخصٍ يظهر على المسرح أمام الأبصار، إنما جعلوها يدًا خفيَّة، تُبدي آثارها للناس ولا تبدو، وبهذا لم يَزالوا في خطأ زلَّ فيه رجال المأساة في العصور الوسطى، إذ جعل هؤلاء قواهم العُليا مِثل «الخير» و«الشر» و«الضمير» و«التوبة» إلى آخر هذه المعاني المُجرَّدة، التي شخَّصوها وجسَّدوها واعتبروها مُصرِّفةً للأمور، ثم جعلوها تبدو على المسرح مرموزًا لها بأشخاص المُمثِّلين، فكان ذلك بغير شكٍّ تخفيفًا من خطرها وتهوينًا من شأنها. خذ مأساة «أويدبس» عند اليونان، فقد تزوج «أويدبس» من أمه على غير علمٍ منه، لكن الجريمة تُرتَكب جهلًا لا تجِد مغفرة عند «ربة الانتقام»، ولا بُدَّ أن يُكفِّر الآثِم عن إثمه؛ لأنَّ قوة سماوية عُليا قد أُوذِيت بفعله، فلا مناص من التكفير ليزول ذاك الأذى، لقد كان «أويدبس» أداةً جاءت إلى الأرباب بالسوء، فلا بدَّ أن تَرُدَّ الأرباب عن نفسها السوء في شخص «أويدبس». وهكذا ترى أطراف القصَّة في مُحيطٍ يعلو على المُحيط الإنساني الخالص، ولا تقِف عند القوانين الموضعيَّة المؤقَّتة، بل تعدُوها إلى قوانين الكون بأسره؛ فقوانين الكون العُليا هي التي أُوذِيت بفعل الآثم، وقوانين الكون العُليا هي التي تردُّ الإيذاء، وتُقيم الأمور في نصابها الصحيح، وليست هذه قوانين الدولة أو قوانين المدنية أو تقاليد الأُسرة أو النادي أو الحزب الذي ينتمي إليه البطل، ليست هذه القوانين الموضعية المؤقَّتة، هي التي تتصرَّف في الأمر، فمجال الفعل في المأساة اليونانية هو الكون الرُّوحاني الأعلى، لا العالم الأرضي الذي نعيش فيه. لكن كيف يُمكن للمسرح أن يُمثِّل هذا المجال الرُّوحاني؟ كيف له أن يُمثِّل مكانًا لا تحدُّه الحدود الموضعية، وزمانًا لا تُقيِّده مقاييس الزمان؟ لقد رأَيْنا أنَّ كفاية المسرح وامتيازه، إنما يَظهران في تمثيله للواقع زمانًا ومكانًا، وهذه الواقعية هي التي جعلَتْه في عصرنا أداةً قوية في إخراج الملاهي، التي هي أقربُ من المآسي إلى الحياة الواقعة. المسرح الحديث يخلع على الفعل شبهًا بالحياة الصحيحة الواقعة؛ لأنه يُحيط الفعل بمكانٍ وزمان يُشبِهان ما في الدنيا الواقعة من مكانٍ وزمان، أفيكون المسرح الحديث الذي يصلُح للملهاة أدنى قوَّةً وأضعف أداة للمأساة من المسرح أيام اليونان وأيام شيكسبير، وإلَّا فكيف كان هؤلاء وأولئك يُمثِّلون على مسارحهم ما في رواياتهم من عناصرٍ هي أسمى من حياة البشر؟ إنَّ ما جعل المسرح عند اليونان وفي عصر شيكسبير أصلح أداةً من المسرح الحديث لتمثيل المأساة — كما كانت تُفهَم المأساة عندئذٍ — هو أنهم لم يعدُّوا المسرح بحيث يُمثِّل المنظر تمثيلًا واقعيًّا صحيحًا، إنما كانوا يكتفون فيه بالرمز، فلم يكن عند اليونان مناظر مرسومة يُعلِّقونها على جُدران المسرح، لتدلَّ على مكان الفعل وزمانه، إنما كانوا يرمزون للزمان والمكان باعتبارهما حقيقتَين مُجرَّدتَين، فلم يكن يَعنيهم أن يُمثِّلوا مكانًا مُعيَّنًا وزمانًا مُعيَّنًا، وكفاهم أن يقولوا إنَّ الحوادث حدثَتْ في مكانٍ ما وفي زمانٍ ما بغير تحديد. كانوا يكتَفُون فوق المسرح بحاجزٍ يُقام في طرفِهِ الخلفي ليكون رمزًا للمكان، ولم يأبَهوا في مآسيهم بتحديد الزمن تحديدًا يتَّفِق مع الواقع، فليس ما يمنع مثلًا أن نسمع أنَّ أجاممنون بسُفُنه في عرْض البحر، ثم نراه بعد لحظةٍ في داره مع زوجته. وحسبُهم أنَّ هذه الحادثة وتلك وسائر الحوادث وقعَتْ في زمان. وليس بذي خطرٍ أن يُصوِّر المسرح أوضاع الزمان وأقسامه، كما هي في الدنيا الواقعة، وزاد من هذه النزعة نحو التجريد عند اليونان، أنَّ مُمثليهم كانوا يلبسون أقنعةً تُخفي وجوههم، فلا يعود المُمثِّل المُقنَّع شخصًا له قسماته ومميزاته، بل يُصبح صوتًا يُمثل نمطًا من أنماط الإنسان، ونموذجًا من نماذج البشر، وهكذا كان الفعل يأتيه المُمثل المُقنَّع من هؤلاء، فعلًا مُجرَّدًا من كل جوانبه، فلا هو يُعزى إلى فردٍ مُعيَّن، ولا هو يَتقيَّد بحدود مكانٍ مُعيَّن وزمانٍ معلوم. أما المسرح في عصر شيكسبير فكان أقرب إلى مسارحنا الحديثة منه إلى مسرح اليونان الأقدمين، ولكنه شابَهَ المسرح القديم في اصطناعه للرموز بدل التمثيل الواقعي، فلم يكن يُصور المكان المُعيَّن الذي تقع فيه الحوادث، إنما كان يُشير إليه بالرمز الدال، فشُجَيرة تُوضَع على جانب المسرح دليل على غابة، بل ربما وُضِعت لوحة كُتِب عليها وصف المكان المفروض. لكن لم يكن المُمثِّلون يُقنِّعون أنفسهم كأسلافهم اليونان، بل كانوا على عكس ذلك يُمثِّلون بين النظَّارة أنفسهم. كان المُمثِّل عند اليونان يُمثِّل في مُدرَّجٍ فسيح يتسع لألوف المشاهدين؛ ولذلك لم يكن بدٌّ من أن يقف على مَبعدةٍ منهم، وكذلك ترى المُمثِّلين في مسارحنا الحديثة يفصِلهم عن الجمهور حاجزٍ من مصابيح، أما المسرح في عصر شيكسبير فمصطبة بارزة في فناء، والمشاهدون يجلسون حول جوانبه الثلاثة، بل يجلسون على أطراف مصطبة التمثيل نفسها. ومن هنا كان المُمثِّلون في عصر اليصابات أشخاصًا من لحمٍ ودم، وليسوا رموزًا مُقنَّعة، كانوا أفرادًا لكلٍّ طابعه المُميز، وملامحه الخاصة التي تجعله إنسانًا بين الناس، وكان لهذا أثره في قوة المأساة عندئذٍ؛ إذ أتاحت هذه الفرصة للمُمثِّل أن يُعبِّر عن مَعانيه بملامح وجهه وإشارات جوارحه، فنظرةٌ من العين، وإشارة باليد، ونبرة في الصوت قد تزيد في التمثيل قوة، بل كان لظهور الممثل بين النظارة أثر أقوى من هذا؛ إذ كان عاملًا ذا شأنٍ في صياغة الموضوع المسرحي عند شيكسبير. لم تكن القوة العُليا التي تُسيطِر على مجرى الحياة عند شيكسبير «ربَّة الانتقام» كما كانت عند اليونان، بل لم تكن قوة خارجة عن الإنسان نفسه، إنما يتحكَّم الإنسان في مصير نفسه، والقوة العُليا نابعة من نفسه لا مفروضة عليه من خارج، فالذي ساق «هاملت» إلى قضائه المحتوم، لم تكن قوَّة آمِرة ناهية خارجة عنه، بل قوة داخلية فيه، ساقَتْه إلى قضائه «فردِيَّتُه» أو «شخصيته»، من هنا كان للشخصية الإنسانية في مآسي شيكسبير أكبر شأنٍ وأعظم مكان؛ فالذي يُحدِّد مسلك الفعل من أوله إلى آخره، ويُقرِّر له مراحِلَه التي يجتازها، هو شخصية الإنسان نفسه الذي يقوم بذلك الفعل. فالشخصية — إذًا — هي القوة الدافعة، ولن تجِدَ سبيلًا إلى فَهم مسرحية عند شيكسبير، إلَّا إذا ألمَمْتَ بعناصر شخصية البطل إلمامًا تامًّا؛ لأنها المفتاح الذي يلقي الضوء على سلوكه وتصرُّفه. وكثيرًا ما ترى شيكسبير يحشُر المناظر المسرحية، لا ليُواصل بها القصة لمُجرَّد أنها فعلٌ مُتَّصِل، بل ليُتيح فرصةً أخرى يدخل بها إلى صميم شخصية البطل، إذ كلَّما تعدَّدتِ المواقف كثُرَت النواحي، التي ندرُس منها نفسية البطل وحقيقة خلقه، ولا أمل في فَهم الحوادث نفسها فهمًا صحيحًا، إلَّا إذا وُفِّقتَ إلى هذه الدراسة؛ إذ بِغَيرها تظلُّ مُفردات الحوادث حلقاتٍ مُفككة، لا تجِد من عامل الشخصية في البطل ما يَربِطها في سلسلةٍ واحدة. وقد وجَدَ شيكسبير من نظام المسرح في عصره، ما عاوَنَه على بناء المسرحية على هذا الأساس؛ إذ كان المُمثلون في طليعة العناصر المكوِّنة للمسرح والرواية المسرحية، هم العامل الأول الهام، وعلى براعَتِهم تتوقَّف قوة التعبير المسرحي للرواية، فتمكن المؤلف المسرحي بذلك أن يجعل الأفراد، الذين يتفاعلون في الرواية أفرادًا لهم شخصياتهم، ولكلٍّ طابعه المميز، لا مُجرَّد أشباح ورموز؛ لأنه كلَّما كان المُمثل ذا شخصيةٍ حيَّة متميزة، أمكن أن يقوم بدَور فيه هذه الخصائص الفردية المُتميِّزة. كان الممثلون إذ ذاك عاملًا يساعد على تمثيل الواقع؛ لأنهم يُمثلون أفرادًا مِمَّن تُصادِفُهم في الحياة بين أهلك وجيرتك، لكن البطانة المسرحية من أدواتٍ ومناظر مرسومة وما إلى ذلك، لم تكن تساعد حينئذٍ على هذه الواقعية كما تساعد عليها اليوم، لم يكن يدلُّ المسرح بما عليه من أدواتٍ ورسوم على مكان الحادثة وزمانها. وإذًا فقد كان الممثلون طُلَقاء من حدود الزمان والمكان، كأنما هم أفراد قِوامهم الدوافع الأبدية الكونية الخالدة، ومعنى ذلك أنَّ سلوكهم الخارجي لم يكن يُنظَر إليه نظرةً جغرافية تاريخية، تربِطه بمكانٍ معلوم وزمانٍ معلوم، من بيئتهم التي يعيشون فيها، بل كان يُنظَر إليه باعتباره صادرًا عن عالمٍ رُوحيٍّ كامن في أنفسهم. وصفْوَة القول أن المسرح الحديث يُصوِّر العالم المحسوس، الذي يُحيط بنا ويُبرز جوانب الحياة الظاهرة البادية، دون صميمها الخَفيِّ المستور. والحياة الظاهرة المحسوسة العملية، كما تبدو أمام أعيُننا، هي خير مجالٍ للملهاة بصفةٍ خاصة. أمَّا المأساة — فعلى نقيض زميلتها — من شأنها أن تتغلغلَ إلى ما وراء هذه القشور الظاهرة التي تُغلِّف الحياة لتضرِب في الصميم الكامن خلْف سِتارها؛ لهذا كُلِّه كان المسرح الحديث أصلح لتمثيل الملاهي منه لتمثيل المآسي، ومن ثَمَّ كان تطوُّر الرواية المسرحية نحوَ الملهاة. ونختم الحديث بكلمةٍ مُوجَزة عن اللغة التي تُكتَب بها الرواية المسرحية. ظلَّت المسرحيات مآسيها وملاهيها على السواء، تُكتَب شعرًا حتى القرن السادس عشر، وعندئذٍ بدأ النثر يأخُذ مكانته رويدًا رويدًا، حتى أصبحت له الغَلَبة على الشعر في الملهاة، وبقي الشِّعر سائدًا في المأساة وحدَها، ولكن حركة التطوُّر لم تقِف عند حد، فأخذ النَّثْر يتسلَّل إلى المأساة أيضًا، حتى أصبحنا اليوم ومُعظم المآسي تُكتَب نثرًا، وتلك نتيجة طبيعية لسَير المسرح نحوَ الواقعية، فتمثيل الواقع من شأنه أن يضع النثر مكانَ الشعر؛ لأنه لغة الحياة الواقعة، غير أنَّنا نُلاحظ أنَّ النَّثْر أصلح للملهاة منه للمأساة؛ وذلك لسببٍ ظاهر، فالملهاة — كما أسلفنا لك القول — تُعالج ظروف الحياة القائمة كما نعيشها ونلمسها، وأمَّا المأساة فتضرِب وراء الظواهر لتَصِل إلى الأعماق. المأساة تُريد القوانين الكونيَّة الشاملة الأبدية الخالدة، ولا يَعنيها في كثيرٍ أو قليل قوانين هذه الطائفة من الناس أو تلك. وإذًا فالنثر في الملهاة يُساعد على واقعيتها، والشعر في المأساة يُساعد الخيال على تحطيم الحدود المادية، التي يُوهِم بها المسرح وأوضاعه؛ لكي يطير بأجنحته إلى المجال الكوني المُطلَق. لكن شعر المأساة يعجز عن تحطيم حدود المسرح المادية؛ إذ كانت هذه الحدود مُقيِّدة شديدة التقييد، لا يستطيع الخيال أن يتخلَّص من أثقالها، فقد كان المسرح عند شيكسبير — مثلًا — لا يحمِل ما يدلُّ على الزمان والمكان دلالةً قوية. ولهذا كان شِعر المأساة قمينًا أن يطير بالخيال، وراء تلك القيود الخفيفة. أما في المسرح الحديث فيكاد يستحيل على مأساةٍ مهما سمَتْ بشعرها، أن تتخلَّص ممَّا يزدحِم به المسرح من مناضدَ ومقاعدَ وطنافِسَ وستائرَ ومناظرَ تُقيِّد الخيال بمكانٍ مُعيَّن وزمانٍ مُعَيَّن تقييدًا لا خلاص من أغلاله. فمن الغفلة — إذًا — أن يقف المُمثِّلون وسط هذه الأشياء، التي تنمُّ عن الحياة المادية، ثُم يتكلَّمون شعرًا! فلا بُدَّ أن يكون حديثهم شبيهًا بملابسهم ومقاعدهم ومناضدهم وسائر متاعهم، حتى تتِمَّ خديعة الحواس عند النظَّارة، ويعيشوا في جوٍّ واقعي مسرحًا وحديثًا ووقائع. ولعلَّكَ الآن تُدرك العُسر الشديد الذي يُلاقيه المُخرِجون في إخراج روايات شيكسبير على المسارح الحديثة. لقد حدَّثناك فيما سلَفَ عن نوعَين من الرواية المسرحية؛ المأساة والملهاة، وبقِيَت أنواعٌ أخرى لن نجِدَ المجال لبَسْطها؛ فهناك المسرحية التي تجمع بين المأساة والملهاة، ثُمَّ هنالك الرواية التاريخية. فما مجالها؟ إن كانت الملهاة تُصوِّر لنا مُجتمعًا بشريًّا خالصًا كما نُشاهِده ونُمارِسه، وتضع الفردَ على محكِّ الإدراك الفِطري والبديهة السليمة؛ لترى هل يتصرَّف بما يتَّفِق مع أوضاع المجتمع القائم، أو يشذُّ وينحرِف فيكون مُثيرًا للضحك، ثُمَّ إن كانت هذه المأساة تُصوِّر لنا القوانين الكونية العُليا التي تتحكَّم في أقدار البشر، وتضع الفرد على محكِّ الأبدية المُطلقة؛ لترى إن كان مُتَّفقًا مع رُوح الكون بأسره. فهل يكون للمسرحية التاريخية مجالها الخاص كذلك؟ هل تضع الفردَ على محكٍّ ثالثٍ لتَسبر فيه جانبًا ثالثًا؟ قد يكون ذلك. قد تكون المسرحية التاريخية مِعيارًا للإنسان — لا باعتباره حيوانًا اجتماعيًّا كما تفعل الملهاة، ولا باعتباره طامحًا إلى الخلود كما تفعل المأساة — ولكن باعتباره أداةً سياسية في المجتمع، أعني باعتباره خادمًا ساهرًا على مصلحة الجماعة التي يعيش فيها. ولعلَّ البطل في المسرحية التاريخية أن يكون فردًا تمَّحي الفردية فيه أمام عُنصره السياسي الذي يَمتُّ إلى الجماعة بصفةٍ عامة. فنون الأدب
شكر وتقدير إن هذا الكتاب لهُو نتاج سنوات من التدريس وإجراء المحادثات مع طلبة وزملاء كُثُر، حتى إنه لا يتسع المجال لذكر كلٍّ منهم على حِدة، لكنني أتمنى أن يتعرفوا على أنفسهم بين سطور هذا الكتاب. ومع ذلك، لا بد لي من ذكر أربعة أشخاص بأعينهم. فكما هو الحال دائمًا، كان بيتر هانت وبيتر رينولدز ونيكولاس تاكر أوائل قُرَّائي، وإنني أُكِنُّ لكم تقديرًا عميقًا على صبركم ومثابرتكم. كذلك قرأَتْ هازل شيكي مسودات الكتاب وأبدت تعليقاتها عليها. وقد أعطتني كلية الآداب واللغة واللغويات الإنجليزية بجامعة نيوكاسل إجازة من العمل لكي أؤلف هذا الكتاب؛ ولذلك فأنا ممتنَّة لها للغاية، ولمحررتي بمطبعة جامعة أكسفورد آندريا كيجان التي طلبت مني تأليف الكتاب وانتظرته: شكرًا لكِ. كما أقدم جزيل الشكر لإيما مارشانت التي عالجت التفاصيل الدقيقة ببراعة مدهشة. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
مقدمة: ما هو أدب الأطفال؟ يتمتع مصطلح «أدب الأطفال» — خارج الدوائر الأكاديمية — بمعنًى شائع وبسيط إلى حدٍّ كبير؛ فمن الصحف ووسائل الإعلام الأخرى إلى المدارس والوثائق الحكومية، من المفهوم أن المصطلح يشير إلى المواد التي تُكتب لكي يقرأها الأطفال والشباب، وينشرها ناشرو كتب الأطفال، وتُعرَض وتُخزَّن في الأقسام الخاصة بكتب الأطفال و/أو اليافعين بالمكتبات العامة ومتاجر بيع الكتب. ومن وقت لآخر، تُطرح أسئلة بشأن ملاءمة مادةٍ ما لجمهورٍ من صغار السن من عدمها، وهو سؤال عادة ما تدفعه مخاوف بشأن المحتوى: هل يحتوي على إيحاءات جنسية واضحة؟ هل هو مرعب؟ هل يتسم بالغموض الأخلاقي؟ وفي بعض الأحيان الأخرى، تعكس الأسئلة حول مدى ملاءمة النص مخاوفَ من الأسلوب: هل تتعارض اللغة العامية، أو غير السليمة نحويًّا، أو أسلوب الكتابة الذي يتضمن سبابًا أو لغة بذيئة، أو الكتابة التجريبية مع الدروس التي يتلقَّونها في المدرسة أو ترسِّخ لعادات سيئة؟ ومؤخرًا — وحيث إن عددًا كبيرًا من الكبار صاروا يقرءون كتبًا نُشِرَت في الأصل كأدب أطفال (سلسلة كتب «هاري بوتر»، وثلاثية «مواده المظلمة»، ورواية «الحادثة الغريبة للكلب ليلًا»، ورواية «سارقة الكتب»، ورواية «برسبوليس») — ظهر بعض الجدل حول ملاءمة هذه الكتب للكبار، أو حول ما إذا كان هذا النوع من القراءة هو أحد أعراض تسطيح الثقافة. ولكن بوجه عام، تعد ماهية أدب الأطفال شيئًا مسلَّمًا به. وعلى النقيض، فإن هذا المصطلح — بالنسبة لمن يبحثون في أدب الأطفال ويدرسونه — مليء بالتعقيدات، وبالفعل، ففي واحدة من أكثر الدراسات المثيرة للجدل عن أدب الأطفال في القرن الماضي، أشارت جاكلين روز (١٩٨٤) إلى «استحالة» أدب الأطفال. كانت روز في الواقع تشير إلى طبيعة العلاقة بين الكبار والأطفال في قصص الأطفال، وسوف نتناول مخاوفها، إلى جانب غيرها من القضايا ذات الطابع النظري الأعمق التي تضفي التعقيد على دراسة أدب الأطفال في الفصل الثاني. لكنْ من العديد من الجوانب — حتى على المستوى العملي — فإن أدب الأطفال يعد «مستحيلًا»؛ فهو شديد الاتساع وغير متبلور بشكل يجعل من المستحيل حصره في مجال دراسة. وفي الحقيقة، لا يوجد إنتاج أدبي محدد لما يُطلَق عليه «أدب الأطفال»، تمامًا مثلما لا يوجد شيء يمكن أن يطلق عليه «أدب الكبار»، كما أن مجالَي النشر هذين ليسا منفصلَين بالقدر الذي يوحي به اسماهما. فكلاهما يعكس أفكارًا عن غرض الكتابة وطبيعتها وأساليبها في أي لحظة؛ وهما يتشاركان في التكنولوجيا ونظام التوزيع، فغالبًا ما يكون منتجو الأعمال المخصصة للكبار هم أنفسهم من ينتجون أعمالًا مخصصة للأطفال، بل وبعض النصوص تكون واحدة. ومع ذلك، فإن مصطلح «أدب الأطفال» يُستخدم على نطاق واسع؛ ولذلك فلا بد من فهم كيفية استخدامه قبل الشروع في مناقشته. في الوقت الحالي، كل شيء بدءًا من القصص الشعبية والخيالية، والخرافات والأساطير، والمواويل القصصية وأغاني الأطفال — التي يرجع تاريخ الكثير منها إلى عصور ما قبل الكتابة — ووصولًا إلى طرق التجسيد في عصر النقل الحرفي الذي نعيشه — مثل الكتب الإلكترونية والروايات التي يؤلفها المعجبون بالأعمال الأدبية الأخرى حول بعض شخصياتها، وألعاب الكمبيوتر — ربما يندرج تحت مظلة أدب الأطفال. علاوةً على ذلك، فإن أدب الأطفال — كمجالٍ للبحث والتدريس — يشمل كل الأجناس الأدبية، والصيغ، والوسائط، وكل فترات الكتابة، وأنواعها، والحركات الأدبية من أي بقعة من العالم، وما يرتبط بذلك غالبًا من المطبوعات المؤقتة والسلع أيضًا. وهو يشير إلى الأعمال التي وُجهت تحديدًا لصغار السن، وإلى الأعمال التي باتت تُعتبر أدبًا للأطفال من خلال تخصيصها لصغار القرَّاء، وإلى الأعمال التي كان الأطفال يقرءونها فيما مضى واقتصرت قراءتها الآن على دارسي الأدب. ويتناول الفصل الثاني عواقب هذا التنوع على الطريقة التي يُدرَس بها أدب الأطفال؛ وهنا من المهم أن نؤكد أنه لا يوجد نتاج أدبي واحد ومترابط ومحدد يشكل أدب الأطفال، ولكن بدلًا من ذلك يوجد العديد من أعمال أدب الأطفال التي تم إنتاجها في فترات مختلفة، وبطرق مختلفة، ولأغراض مختلفة، وعلى يد ألوان مختلفة من الناس باستخدام صيغ ووسائط مختلفة. وعلى الرغم من هذا التنوع، فإن ثَمَّةَ إجماعًا كبيرًا حول ما يدرسه أولئك الذين يعملون في هذا المجال، ويتمثل أحد أغراض هذه «المقدمة القصيرة جدًّا» في تحديد بعض الافتراضات الشائعة بخصوص ماهية أدب الأطفال كمجال للبحث والتدريس. ويمكن الإلمام بنطاق المواد المصنفة على أنها أدب للأطفال — ومن ثَمَّ إدراك استحالة تقدير أدب الأطفال حقَّ قدره في تلك النوعيات من الدراسات التي عادة ما تشكل مقدمات إلى هذا المجال — من خلال النظر إلى كيفية تنظيم الدراسات التاريخية للموضوع، ودراسة ما صُنف على أنه كتابة للأطفال، وكيف تغير ذلك عبر الزمن. وتوجد مشكلات جوهرية متعددة في اتباع منهج تاريخي في تناول القضية، أبرزها حقيقة أن هناك مخاطرة تتمثل في الإشارة إلى وجود تطور تدريجي بلغ ذروته بتفهُّم أدب الأطفال وإنتاجه بصورته الحالية. ومن الصعب تجنب هذا الانطباع عند ترتيب المادة الأدبية في تسلسل زمني، ولكن الدراسة التاريخية التي يقدمها الفصل الأول تحاول على الأقل تقييد هذا المعنى الضمني من خلال تقديم المادة الأدبية من حيث التغيير والاستمرارية، وليس من ناحية التطور. ثَمَّةَ نقطة أخرى يجب أن نضعها في اعتبارنا وهي أنه حتى وقت قريب، كانت الدراسات التاريخية لأدب الأطفال تكاد تكون مقصورة في كتابتها وما تتناوله على تلك الدول الغربية التي ترسَّخت لديها عادة النشر للأطفال، وعادةً ما كان الدارسون وجامعو الكتب وأمناء المكتبات والمتحمسون من أبناء تلك البلدان هم من ينظمون المؤتمرات، ويطلقون الصحف، بل ويصيغون المصطلحات الفنية من أجل مناقشة النصوص الموجَّهة للأطفال. وقد شكَّل هذا الإرث محاولات لتوصيف أدب الأطفال، وما ضُمِّن في الدراسات التاريخية لهذا الجنس الأدبي، وكيف يقيِّمه الدارسون ويتناولونه، لدرجة أنه في الكثير من البلدان التي يُدرَس بها أدب الأطفال، عادةً ما تكون الأعمال الأدبية من بريطانيا، وبقية أجزاء أوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية هي المسيطرة. وهذا الأمر يحجب التقاليد الأدبية الأخرى وإلى أي مدًى تم إثراء أدب الأطفال الغربي من خلال قصص، وشخصيات، ومؤلفين ورسامين من أجزاء مختلفة من العالم. وقد زادت العولمة واستخدام الإنترنت من ميل هذه النزعة لصالح المطبوعات الصادرة عن الناطقين بالإنجليزية. وهكذا، بينما شوهت هذه النزعة الحقائق حول تاريخ أدب الأطفال شر تشويه من ناحية، فإن الدراسة التاريخية الموجزة المبينة في الفصل الأول مبنية على الأعمال المنشورة باللغة الإنجليزية، حتى وإن كانت هذه الأعمال قد كُتبت أول ما كُتبت بلغة أخرى. وفي الواقع، قبل مرحلة العولمة الحالية بأمد بعيد، وكنتيجة للهجرة أو الاستعمار أو أنشطة التبشير والتجارة، أو الاحتلال، كان هناك قدر كبير من الشيوع فيما يقرؤه الأطفال في كثير من أرجاء العالم؛ ومن ثَمَّ، فسوف يكون لهذه الدراسة التاريخية التي يغلب عليها الطابع الأنجلو-أمريكي في مجملها تشابه كبير مع الدراسات التاريخية لأدب الأطفال في العديد من البلاد. القيمة الثقافية لأدب الأطفال نظرًا لأن أدب الأطفال هو إحدى الطرق المبكرة التي يواجه من خلالها الصغار القصص، فإنه يلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل كيفية تفكيرنا في العالم وفهمنا له؛ فالقصص تعد مصادر رئيسية للصور والمفردات والسلوكيات والتركيبات والتفسيرات التي نحتاج إليها لكي نتأمل التجربة؛ وذلك لأنه عندما تُوجَّه القصص للأطفال، فغالبًا ما يكون لها ارتباط وثيق بنوعٍ أو بآخر من أنواع التعليم، وبإمكانها أن تكون ناقلًا مهمًّا للمعلومات المتعلقة بالتغييرات الثقافية في الماضي والحاضر. وبالفعل فإن تاريخَ هذه القصص الطويل وحقيقةَ أن الكتابة للأطفال تمتد عبر الثقافات النخبوية والجماهيرية، والرسمية وغير الرسمية، والمنزلية والمؤسسية، وعادةً ما تشتمل على عناصر بصرية؛ يعنيان أن المواد الموجهة للأطفال يمكن أن تكون مصدرًا قيِّمًا بشكل خاص للمعلومات التاريخية عن كل شيء، بدءًا مما كان يبدو عليه الأطفال في الماضي والظروف البيئية التي عاشوا فيها، إلى المتاجر والخدم ومعالجة الأمراض والدين والحروب والهجرة والتطور العلمي والاستكشافات، وأكثر من ذلك بكثير. وتعمل حلقات وصل أدب الأطفال بالماضي على مستويات عدة أيضًا، فمثلما أن فترة الطفولة التي عشناها لا تزال بداخلنا ولا يزال ذلك الطفل الصغير يؤثر علينا، فإن صدى الكتابات الموجَّهة للأطفال يتردد عبر الزمن، كما أنها تُربَط بالطريقة التي يجري من خلالها فهم المجتمعات وتنظيمها وإدارتها. وهذه ليست عملية مباشرة؛ فالأفكار التقليدية ربما تُحفَظ في النصوص المبكرة، أو يعاد طرحها عمدًا في الأعمال المعاصرة المحافظة، أو تُخلد بلا وعي في تلك الأعمال التي تمثل مرآة غير انتقادية للاتجاهات الاجتماعية الحالية. وفي الوقت نفسه، فإن الكثير من القصص التي تُقدَّم للأطفال اليوم عبارة عن إعادات روائية لقصص تقليدية أراد الكُتَّاب والرسامون من خلالها كشف التصور الداخلي الذي نفسر من خلاله العالم ونقده وتعديله. والحوار الذي يخلقونه بين طرق التفكير القديمة والحديثة قد يكون طريقة أخرى لغرس بذور التغيير الاجتماعي ورعايتها، مثلما رأينا في الطريقة التي أسهم بها أدب الأطفال في التطورات التي طرأت على مجالَي المساواة والتنوع. وهذه القدرة كانت لها أهمية خاصة لدى والتر بنجامين، الذي جمع كتب الأطفال وأجَلَّ إمكانية الكتابة للصغار في جعل الأجيال الصاعدة أكثر رغبة في التعرف على السياسات والأفكار الجديدة والمختلفة؛ مما يشجعهم على مقاومة أساليب التفكير التقليدية التي يروجها التعليم الرسمي. وسواءٌ أكانت الكتابة للأطفال مجددة أم محافظة، قيِّمة أم خادعة، فإنها تعد مصدرًا ثريًّا للمعلومات المتعلقة بالثقافة لطالما أُبخس قدره، كما أنها إسهام للثقافة. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
مراجع وقراءات إضافية مقدمة In PMLA vol. 126, January 2011, pp. 209–16, Marah Gubar details the problems that have resulted in a series of failed attempts to define children’s literature, suggests a definition is unnecessary for good scholarship, and proposes that such efforts be abandoned. Walter Benjamin discusses children’s books in ‘Old Forgotten Children’s Books’, in Marcus Bullock and Michael W. Jennings (eds.), Walter Benjamin: Selected Writing, Vol. I, 1913–1926 (Cambridge, MA: Belknap of Harvard University Press, 1996 [1924]), pp. 406–13. Works cited: Jacqueline Rose, The Case of Peter Pan, or, The Impossibility of Children’s Fiction (London: Macmillan, 1984). الفصل الأول: دراسة تاريخية موجزة عن النشر للأطفال باللغة الإنجليزية More information about individual works, writers, printers, and publishers for children mentioned throughout can be found in the following, many of which are referred to in this chapter: Brian Alderson and Felix de Marez Oyens, Be Merry and Wise: Origins of Children’s Book Publishing in England, 1650–1850 (London: British Library and New Castle; Delaware: Oak Knoll Press, 2006); Brian Alderson’s edition of F. J. Harvey Darton’s Children’s Books in England: Five Centuries of Social Life (Cambridge: Cambridge University Press, 1982 [1932]); Humphrey Carpenter and Mari Prichard, The Oxford Companion to Children’s Literature (Oxford and New York: Oxford University Press, 1984); J. S. Bratton, The Impact of Victorian Children’s Fiction (London: Croom Helm, 1981); Patricia Demers (ed.), From Instruction to Delight: An Anthology of Children’s Literature to 1850, 2nd edn. (Ontario: Oxford University Press, 2004); Peter Hunt (ed.), Children’s Literature: An Illustrated History (Oxford and New York: Oxford University Press, 1995); Seth Lerer, Children’s Literature: A Reader’s History from Aesop to Harry Potter (London and Chicago: University of Chicago Press, 2008); Percy Muir, English Children’s Books, 1600–1900 (London: B. T. Batsford, 1954); John Rowe Townsend, Written for Children: An Outline of English-Language Children’s Literature, 5th edn. (London: Bodley Head, 1995 [1965]); Jack Zipes (ed.), The Oxford Encyclopedia of Children’s Literature (New York: Oxford University Press, 2006). Digital versions of many early children’s books can be read at, for example, Eighteenth-Century Collections Online (information at http://gale.cengage.co.uk/product-highlights/history/eighteenthcentury-collections-online.aspx), the Hockcliffe Collection (http://www.cts.dmu.ac.uk/hockliffe/) and Project Gutenberg (http://www.gutenberg.org/catalog/). The importance of radical Protestantism in relation to children’s literature is considered in C. John Sommerville, The Discovery of Childhood in Puritan England (Athens, GA: University of Georgia Press, 1992). For information about the materials made by Jane Johnson, see Evelyn Arizpe, Morag Styles, and Shirley Brice Heath, Reading Lessons from the Eighteenth Century (Lichfield: Pied Piper Press, 2006). Charles Lamb is quoted by Nicholas Tucker in Suitable for Children? Controversies in Children’s Literature (London: Chatto & Windus for Sussex University Press, 1976), p. 116. The quote from George Crabbe appears in Mary Trim, ‘A Rediscovery of John Bunyan’s A Book for Boys and Girls’, in International Review of Children’s Literature and Librarianship, 8.3, pp. 149–67, p. 150. Attention to marginalia and other evidence of how books were used and valued by the child readers has been discussed by Brian Alderson and Felix de Marez Oyens (as above) and more by M. O. Grenby, The Child Reader, 1700–1840 (Cambridge: Cambridge University Press, 2011). Henry James’s views and their impact on children’s literature are discussed in Felicity A. Hughes, ‘Children’s Literature: Theory and Practice’, in Peter Hunt (ed.), Children’s Literature: The Development of Criticism (London and New York: Routledge, 1990 [1978]), pp. 71–90. A useful discussion of ‘the century of the child’ appears in Hugh Cunningham, Children and Childhood in Western Society since 1500 (London: Longman, 1995). The quote from Myles McDowell comes from ‘Fiction for Children and Adults: Some Essential Differences’, in Geoff Fox (ed.), Children’s Literature in Education, 4.1 (March 1973), pp. 50–63, p. 58. Peter Hunt has written insightfully about ‘books that are and books that were for children’ in ‘Passing on the Past’, Children’s Literature Association Quarterly, 21.4 (1996), pp. 200–2. For details about reading levels and Potter’s books, see http:// americanenglishdoctor.com/wordpress/. Rumer Godden’s invented exchange of letters between Beatrix Potter and an American publisher committed to simple language in children’s texts deserves to be read: ‘An Imaginary Correspondence’, in Horn Book Magazine, 38 (August 1963), pp. 197–206. Works cited: Erik Erikson, Childhood and Society (New York: W. W. Norton, 1993 [1950]); Maria Nikolajeva, Power, Voice and Subjectivity in Literature for Young Readers (London: Routledge, 2009); Perry Nodelman, The Hidden Adult: Defining Children’s Literature (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2008); Barbara Wall, The Narrator’s Voice: The Dilemma of Children’s Fiction (London: Macmillan, 1991); Torben Weinreich, Children’s Literature—Art or Pedagogy? (Copenhagen: Rothskilde University Press, 2000). الفصل الثاني: لماذا تدرَس كتب الأطفال وكيف؟ Discussions of the relationship between children’s literature and critical theory are contained in Peter Hunt, Criticism, Theory and Children’s Literature (Oxford: Basil Blackwell, 1991); Roderick McGillis, The Nimble Reader: Literary Theory and Children’s Literature (New York: Twayne, 1996); David Rudd (ed.), The Routledge Companion to Children’s Literature (London and New York: Routledge, 2010) and David Rudd, ‘Theorizing and Theories: The Conditions of Possibility of Children’s Literature’, in Peter Hunt (ed.), International Companion Encyclopedia of Children’s Literature, 2nd edn. (London and New York: Routledge, 2004), where more detailed discussions of individual critical approaches can also be found. The quote from T. S. Eliot is taken from Margaret Drabble’s The Pattern in the Carpet: A Personal History with Jigsaws (London: Atlantic Books, 2009), p. 56. The references from Spufford occur in the first chapter of The Child that Books Built (London: Faber and Faber, 2002). The quote from F. J. Harvey Darton (Alderson’s 1982 revised edition as above) appears on p. 260. Emer O’Sullivan discusses Hazard and the founding of comparative children’s literature in Peter Hunt (ed., 2004), as above, pp. 13–25. Discussions of the more open style of writing used by some writers when addressing children are found in Hamida Bosmajian, ‘Psychoanalytic Criticism’, in Peter Hunt (ed., 2004), as above, pp. 129–39; James R. Kincaid, Child Loving: The Erotic Child and Victorian Culture (London: Routledge, 1992); Catherine Robson, Men in Wonderland: The Lost Girlhood of the Victorian Gentleman (Princeton and Oxford: Princeton University Press, 2001), and Jacqueline Rose (as above). For more on Jungian theory and children’s literature, see Susan Hancock, The Child that Haunts Us: Symbols and Images in Fairy Tales and Miniature Literature (London and New York: Routledge, 2008). Discussion of Jacqueline Rose’s The Case of Peter Pan can be found in Karín Lesnik-Oberstein, Children’s Literature: Criticism and the Fictional Child (Oxford: Clarendon Press, 1994); Kimberley Reynolds, Radical Children’s Literature: Future Visions and Aesthetic Transformations (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007); David Rudd and Anthony Pavlik (eds.), ‘The (Im)possibility of Children’s Fiction: Rose Twenty-Five Years On’, Children’s Literature Association Quarterly, 35.3 (2010). For a detailed analysis of progressive children’s literature during the McCarthy era, see Julia L. Mickenberg, Learning from the Left: Children’s Literature, the Cold War, and Radical Politics in the United States (New York: Oxford University Press, 2006). The quote from Peter Hunt comes from ‘How Not to Read a Children’s Book’, in Children’s Literature in Education, 26.4 (1995), pp. 231–40, p. 239. The quote from Aidan Chambers appears in Peter Hunt (ed.), Children’s Literature: The Development of Criticism (London and New York: Routledge, 1990 [1985]), pp. 91–114, p. 91. The quote from C. Walter Hodges is taken from David Rudd (2004) as above. Comics Scholarship on the Net: A Brief Annotated Bibliography is accessed at http://www.dr-mel-comics.co.uk/sources/academic.html). Works cited: Brian Alderson and Felix de Marez Oyens, Be Merry and Wise (as above); Bruno Bettelheim, The Uses of Enchantment: The Meaning and Importance of Fairy Tales (London: Thames and Hudson, 1976); Aidan Chambers, ‘The Reader in the Book’, in Booktalk: Occasional Writing on Literature and Children (Stroud: Thimble Press, 1977), pp. 34–58; Karen Coats, Looking Glasses and Neverlands: Lacan, Desire and Subjectivity in Children’s Literature (Iowa City: University of Iowa Press, 2004); F. J. Harvey Darton (see Brian Alderson, above); Jane Doonan, Looking at Pictures in Picture Books (Stroud: Thimble Press, 1992); Stanley Fish, Is There a Text in this Class? (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980); Gretchin R. Galbraith, Reading Lives: Reconstructing Childhood, Books and Schools in Britain, 1870–1920 (New York: St Martin’s Press, 1997); M. O. Grenby, ‘Children’s Literature: Birth, Infancy, Maturity’, in Janet Maybin and Nicola J. Watson (eds.) (2009) as below; D. W. Harding, ‘Psychological Processes in the Reading of Fiction’, in British Journal of Aesthetics 2, 2 (1962), pp. 113–47; Norman Holland, 5 Readers Reading (New Haven: Yale University Press, 1975); Peter Hollindale, Signs of Childness in Children’s Books (Stroud: Thimble Press, 1997); Wolfgang Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response (London: Routledge, 1978); U. C. Knoepflmacher and Mitzi Myers, ‘“Cross-Writing” and the Reconceptualizing of Children’s Literary Studies’, Children’s Literature, 25 (New Haven: Yale University Press, 1997), pp. vii–xvii; Karín Lesnik-Oberstein, Children’s Literature: Criticism and the Fictional Child (Oxford: Clarendon Press, 1994); David Lewis, Reading Contemporary Picturebooks: Picturing Text (London: Routledge Falmer, 2001); Scott McCloud, Understanding Comics: The Invisible Art (New York: HarperCollins, 1993); Margaret Mackey, Literacies Across Media: Playing the Text (London and New York: Routledge, 2007 [2002]); Kerry Mallan, Gender Dilemmas in Children’s Fiction (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009); Janet Maybin and Nicola J. Watson (eds.), Children’s Literature: Approaches and Territories (Basingstoke: Palgrave Macmillan with the Open University, 2009); Margaret Meek, Aidan Warlow, and Griselda Barton (eds.), The Cool Web: The Pattern of Children’s Reading (London: Random House, 1977); William Moebius, ‘Introduction to Picturebook Codes’, in Word and Image, 2, 2 (1986), pp. 63–6; Beverley Naidoo Through Whose Eyes? Exploring Racism: Reader, Text and Context (Stoke-on-Trent: Trentham Books, 1992); Maria Nikolajeva (as above); Maria Nikolajeva and Carole Scott, How Picturebooks Work (New York: Garland, 2001); Perry Nodelman, Words about Pictures: The Narrative Art of Children’s Picture Books (Athens, GA: University of Georgia Press, 1988); Perry Nodelman, ‘The Other, Orientalism, Colonialism, and Children’s Literature’, in Children’s Literature Association Quarterly, 17.1 (1992), pp. 29–35; Nicholas Orme, Medieval Children (New Haven: Yale University Press, 2001); Jacqueline Rose (as above); Louise Rosenblatt, Literature as Exploration (New York: Appleton-Century, 1938); Margaret and Michael Rustin, Narratives of Love and Loss: Studies in Modern Children’s Literature, revised edn. (London and New York: Karnac, 2001); Edward Said, Orientalism (London: Routledge and Kegan Paul, 1978); Zohar Shavit, The Poetics of Children’s Literature (Athens, GA: University of Georgia Press, 1986); Francis Spufford, The Child that Books Built (London: Faber and Faber, 2002); John Stephens, Language and Ideology in Children’s Fiction (London: Longman, 1992) and Ways of Being Male: Representing Masculinity in Children’s Literature and Film (London: Routledge, 2002); Maria Tatar, Enchanted Hunters: The Power of Stories in Childhood (New York: W. W. Norton, 2009); Nicholas Tucker, The Child and the Book: A Psychological and Literary Exploration (Cambridge: Cambridge University Press, 1991 [1981]); Barbara Wall (as above). الفصل الثالث: تحويل نصوص الطفولة Discussions of the effects of new media on how children read and how new media are represented in children’s literature are found in Noga Applebaum, Representations of Technology in Science Fiction for Young People (New York and London: Routledge, 2009); Peter Hunt, ‘Futures for Children’s Literature: Evolution or Radical Break?’, in Peter Hunt (ed.), Children’s Literature: Critical Concepts in Literary and Cultural Studies, Vol. 1 (London: Routledge, 2006), pp. 237–45; Gunther Kress, Literacy in the New Media Age (London: Routledge, 2003); Sonia Livingstone, Young People and New Media (London: Sage, 2002). The quotes from Henry Jenkins’s Convergence Culture: Where Old and New Media Collide (New York and London: New York University Press, 2008 [2006]) appear on pp. 186, 2, and 21. ‘Remediation’ is a term coined by Jay David Bolter and Richard Grusin in Remediation: Understanding New Media (Cambridge, MA, and London: MIT Press, 1999). For a discussion of remediation in relation to children’s literature, see Lisa Sainsbury, ‘Rousseau’s Raft: The Remediation of Narrative in Romain Victor-Pujebet’s CD-ROM Version of Robinson Crusoe’, in Fiona M. Collins and Jeremy Ridgman (eds.), Turning the Page: Children’s Literature in Performance and the Media (Bern: Peter Lang, 2006), pp. 207–26. The quote from Button Sound Books is found at http://www.buttonsoundbook.com. For more on the narrative qualities of Assassin’s Creed I and II, see Marcello Arnaldo Picucci, ‘A New Dimension of Children’s Literature: Exploring Narratives in the Video Games of the Twenty-First Century’, unpublished M.Litt thesis for Newcastle University, UK, 2010. Works cited: Andrew Burn, ‘Multi-Text Magic: Harry Potter in Book, Film and Videogame’, in Fiona M. Collins and Jeremy Ridgman (eds.), Turning the Page: Children’s Literature in Performance and the Media (Bern: Peter Lang, 2006), pp. 227–49, and ‘Potterliteracy: Cross-Media Narratives, Cultures and Grammars’, in Papers: Explorations into Children’s Literature, 14.2 (2004), pp. 5–17; Margaret Mackey, ‘Media Adaptations’, in David Rudd (ed., 2010) as above, pp. 112–24; Maria Tatar, as above; Jacquelyn Ford Morie and Celia Pearce, ‘Uses of Digital Enchantment: Computer Games as the New Fairy Tales’ (n.d.) can be read online at http://www.lcc.gatech.edu/~cpearce3/PearcePubs/MoriePearceFROG-FINAL.pdf (accessed 04/11/2010). الفصل الرابع: الأجناس الأدبية والأجيال: القصة العائلية مثالًا Details of the development of the individual genres discussed are found in Peter Hunt (ed., 2004) as above; discussions of the family/domestic story are found in M. O. Grenby, Edinburgh Critical Guide: Children’s Literature (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2008); Nicholas Tucker and Nikki Gamble, Family Fictions (London: Continuum, 2001). For a discussion of children’s literature as a genre, see Perry Nodelman (2008) as above. The quote from Jacqueline Rose (1984, as above) appears on p. 44. Works cited: Kimberley Reynolds (2007) as above; Andrew O’Malley, The Making of the Modern Child: Children’s Literature and Childhood in the Late Eighteenth Century (New York and London: Routledge, 2003). الفصل الخامس: رؤًى للمستقبل Works that raise questions about messages contained in children’s literature include: Herbert R. Kohl, Should We Burn Babar?: Essays on Children’s Literature and the Power of Stories (New York: The New Press, 1995), and Joseph Zornado, Inventing the Child: Culture, Ideology and the Story of Childhood (London: Garland, 2000). A detailed study of recent dystopian children’s fiction is Clare Bradford, Kerry Mallan, John Stephens, and Robyn McCallum, New World Orders in Contemporary Children’s Literature: Utopian Transformations (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2008). The quote is from Chapter 26 of Uncle Tom’s Cabin. The quote from Trease is from the 2009 edition (London: Elliott and Thompson), p. 102. The quotes from Mitchison appear on pp. 5 and 11. Other works that show adolescents as victimized include Gillian Rubenstein’s Galax-Arena (1992), Koushun Takemi’s Battle Royale (1999, also released as a film and serialized in manga form), and Suzanne Collins’s Hunger Games trilogy (2008–10). Works cited: Farah Mendlesohn, The Inter-Galactic Playground: A Critical Study of Children’s and Teens’ Science Fiction (Jefferson, NC: McFarland, 2009); Julia Mickenberg (2006), as above; Julia Mickenberg and Philip Nel (eds.), Tales for Little Rebels: A Collection of Radical Children’s Literature (New York: New York University Press, 2008); Ted Nordhaus and Michael Shellenberger, Break Through: From the Death of Environmentalism to the Politics of Possibility (Boston: Houghton Mifflin, 2007). الفصل السادس: الجدل الأخلاقي في أدب الأطفال Italian Fascism and children’s literature are discussed in Lindsay Myers, ‘Meo’s Fists—Fighting For or Against Facism? The Subversive Nature of Text and Image in Giovanni Bertinetti’s I pugni de Meo’, in International Research in Children’s Literature, 1.1 (2008), pp. 1–15. The quote from The New Pioneer Story Book is taken from Paul C. Misher, ‘Communism for Kids: Class, Race and Gender in Communist Books in the United States’, in Anne Lundin and Wayne A. Wiegand (eds.), Defining Print Culture for Youth: The Cultural Work of Children’s Literature (Westport, CT: Libraries Unlimited, 2003), pp. 27–41, p. 31. Lisa Sainsbury is currently writing a monograph on the relationship between philosophical thinking and children’s literature. She explores aspects of this material in ‘A Boy’s Duty: Ethics and Masculinity in B.B.’s Brendon Chase and Nina Bawden’s The Real Plato Jones’, in Paola Bottala and Monica Santini (eds.), What Are Little Boys and Girls Made Of? (Padua: Unipress, 2009), pp. 67–85. For more on the similarities between children, servants, and animals, see Seth Lerer (2008) as above, and Kristina Straub, ‘In the Posture of Children’, in Andrea Immel and Michael Witmore (eds.), Childhood and Children’s Books in Early Modern Europe, 1550–1800 (New York and London: Routledge, 2006), pp. 127–52. The quote from Mao Tse-tung is taken from Hsing, Chia Hui, ‘Gained in Translation: The Effects of Translators’ Gender on English-Language Children’s Literature as Translated in China and Taiwan’, unpublished PhD thesis submitted to the University of Newcastle, UK, 2011, p. 15. For discussions of writing about the Holocaust for children, see Hamida Bosmajian, Sparing the Child: Grief and the Unspeakable in Youth Literature about Nazism and the Holocaust (New York: Routledge, 2002); Adrienne Kertzer, My Mother’s Voice: Children, Literature and the Holocaust (Peterborough, Ontario: Broadview Press, 2001); Lydia Kokola, ‘Holocaust Narratives and the Ethics of Truthfulness’, in Bookbird, 45.4 (2007), pp. 5–12. Works cited: Roberta Seelinger Trites, Disturbing the Universe: Power and Repression in Adolescent Literature (Iowa City: University of Iowa Press, 2000); Maria Nikolajeva (2009) as above. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
الفصل الأول دراسة تاريخية موجزة عن النشر للأطفال باللغة الإنجليزية البدايات على الرغم من أن «خرافات أيسوب» — التي تُرجِمَت ونُشِرَت على يد ويليام كاكستون عام ١٤٨٤ — عادةً ما كانت تُدرج بموضع ما في الدراسات التاريخية لأدب الأطفال حتى نهاية القرن المنصرم، فإن الدراسات التاريخية عن الكتابة للأطفال غالبًا ما بدأت في القرن السابع عشر بنماذج من أعمال بعض المنشقين عن الكنيسة، والتي عادةً ما تبدأ بكتاب «العالم المرئي بالصور» الذي ألَّفه الإصلاحي التربوي التشيكي جون آموس كومينيوس. وقد أتيحت نسخة باللغة الإنجليزية لكتاب «العالم المرئي بالصور» — والذي كُتِب باللغة الألمانية عام ١٦٥٨ — في العام التالي في طبعة ظلت تُنشَر حتى القرن التاسع عشر، بما فيها نسخة منقحة الصور نُشرت في الولايات المتحدة عام ١٨١٠. ويكشف تاريخ هذا الكتاب الصغير — الذي لا يتعدى حجمه ١٤٢ × ٨٣ ملليمترًا (ما يقرب من ٦ × ٣ بوصات) — الكثير عن تاريخ الكتابة للأطفال، ولا سيما كيف أنه — قبل وقت طويل من عصر الاتصالات الفورية والعولمة — كانت بعض كتب الأطفال تنتقل بسرعة بين البلدان. وقد تُرجم كتاب «العالم المرئي بالصور» إلى العديد من اللغات الأوروبية. وفي كل الطبعات، يبدأ الكتاب بالأبجدية، ثم يسعى — من خلال مزيج من الكلمات والصور — إلى تمثيل كل شيء في العالم، بداية من المخلوقات والنباتات، وحتى المفاهيم المجردة مثل الثالوث القدوس. شكل ١-١: يعتبر نص كومينيوس التعليمي مزدوج اللغة (اللاتينية + لغة أخرى) أيضًا كتابًا مصورًا طموحًا يحاول أن يقدم صورة تمثل كل اسم يذكره، مهما كان ذلك الاسم مجردًا، وهو يهدف لتعليم الأطفال من خلال تسليتهم.1 ويجسد كتاب «العالم المرئي بالصور» عدة خصائص للكتابة المبكرة للأطفال، بدايةً من افتراضاته بشأن السن، فكومينيوس كان يكتب من أجل الأطفال الصغار؛ أي الأطفال تحت سن السادسة، ويتعلمون القراءة بلغتهم الأصلية، وبعدها — بدايةً من سن السادسة — يتعلمون القراءة باللغة اللاتينية (فكانت نصوص الكتاب مكتوبة باللغة المحلية واللغة اللاتينية معًا). وبينما كان صغر سن القارئ المقصود سمةً مميزة لأدب الأطفال عبر تاريخه منذ أيام كومينيوس، فإن الطفولة كمرحلة من مراحل الحياة قد توسعت باطراد لدرجة أن بعض الأعمال الحديثة التي أصدرتها دور نشر كتب الأطفال تستهدف «اليافعين» الذين هم في سن الثامنة عشرة. ومع ذلك فحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت كتب الأطفال موجَّهة للأطفال قبل مرحلة البلوغ، والذين عادةً ما كانوا إما على أعتاب بدء تعليمهم، أو في المراحل المبكرة منه. وبعد تعلُّم القراءة، كان الأطفال في معظم الحالات يتشاركون النصوص مع الكبار، الذين غالبًا ما تكون مهارات القراءة لديهم على نفس المستوى تقريبًا. فعلى سبيل المثال، كان بإمكان كلٍّ من الصغار والكبار قراءة كتيِّبات الحكايات والأشعار، وهي كتيِّبات صغيرة الحجم رخيصة الإنتاج، بدأت في الظهور في القرن السادس عشر. فمن خلال نصوصها البسيطة (التي عادةً ما تستند إلى الحكايات الشهيرة، والقصائد القصصية، وما شابهها من مواد شعبية) والرسوم بالقوالب الخشبية، جذبت كتيِّبات الحكايات والأشعار القراء الصغار، بالرغم من أن نماذجها المؤلَّفة خصوصًا للأطفال لم تبدأ في الظهور حتى القرن الثامن عشر. وكان المقصود من كتاب «العالم المرئي بالصور» أن يكون أداة تعليمية، وهناك جدال قوي يدور عبر تاريخ أدب الأطفال بين النظريات التعليمية والكتابة للأطفال، رغم أنه من الشائع الآن التمييز بين الكتب المعلوماتية/التعليمية — مثل كتاب كومينيوس — والأدب القصصي الذي أصبح الآن القوة المسيطرة في عالم أدب الأطفال. ومع ذلك، فعندما نتتبع أصول أدب الأطفال، فإن الدراسات التاريخية عادةً ما تشمل كل أشكال الكتابة المخصصة للأطفال، وتعتبر كتاب «العالم المرئي بالصور» كعلامة فارقة. وعلى غرار كتاب «العالم المرئي بالصور»، فإن معظم الكتابات المخصصة للأطفال في القرن السابع عشر كانت مستلهَمَةً من مجموعة من المنشقِّين عن الكنيسة، والذين غالبًا ما يشار إليهم باسم «البيوريتانيين»؛ ولهذا، فإن تلك الكتابات كانت تسعى — إلى جانب تعليم الأطفال القراءة — إلى تعليمهم كيف يعيشون حياة صالحة، ويبتغون النعيم الإلهي، ويحاولون اجتناب عذاب الجحيم. وأحد الأمثلة النموذجية لهذا النوع من الكتابة التي نشأت في إنجلترا هو كتاب جيمس جانواي «دليل للأطفال» (١٦٧١-١٦٧٢)، والذي يعتبر في مضمونه شهادة حية على «الهِداية، والحيوات المقدسة والنموذجية، والميتات السعيدة لعدد من الأطفال الصغار»، مثلما يبين العنوان الفرعي للكتاب. ويعد مجلد جانواي — الذي اشتُهر بإنجلترا والولايات المتحدة (في نسخة موسعة كتبها كوتون ماثر ونُشرت عام ١٧٠٠) لفترة تجاوزت المائتي عام، وأعيد طبعه على نحو منتظم، وكذلك زاد حجمه وأُعِيدَت صياغته — علامةً بارزةً ومفيدةً في أي تسجيل لنشأة وتطور أدب الأطفال؛ فهو يخاطب صغار القراء بشكل واضح (رغم أنه يفترض كذلك أن الكبار سوف يشتركون في عملية قراءة الكتاب، مثلما يتضح من الخطاب الافتتاحي الموجَّه للوالدين ولكل المشتركين في عملية تعليم الأطفال)، ويقدم نطاقًا من الأفكار والرؤى الثاقبة حول كيفية فهم المجتمع للأطفال والطفولة في بدايات إنجلترا الحديثة. ومن خلال محتوى كتاب «دليل للأطفال» التعليمي الصريح، وأسلوبه التدريسي، وافتراضه بأن الأطفال يولدون مذنبين، يشير الكتاب إلى العلاقة بين تأسيس مرحلة الطفولة في أي فترة زمنية وتاريخ الكتابة للأطفال؛ فقد أصبحت هذه العلاقة من مواضع الاهتمام الرئيسية في دراسة أدب الأطفال. وكثيرًا ما تُستخدَم النصوص البيوريتانية أيضًا لدعم وجهة النظر القائلة بأن تاريخ أدب الأطفال هو تاريخ قد انتقل من الاقتناع بأن الكتابة للأطفال يجب أن تركِّز على توجيه قُرَّائها نحو الطريقة التي يجب أن يتصرفوا بها، والأفكار التي يجب أن يؤمنوا بها، إلى الرغبة في تسليتهم. ورغم أن هذا التفسير لتطور أدب الأطفال قد ظل غير مُختَلَفٍ عليه لعقود طويلة، فقد أصبح الآن يعتبر تفسيرًا منقوصًا؛ وذلك لأن الكثير من كُتَّاب الأطفال المبكرين قد فهموا الحاجة لاستخدام «شبكة العنكبوت من أجل اصطياد الذباب»؛ فجعلوا نقل الرسالة التعليمية داخل الكتابة أكثر جذبًا من خلال استخدام شخصيات الأطفال، والقصائد الشعرية، والأحاجيِّ، والألغاز، والحوارات الدرامية، والإشارات إلى ألعاب الأطفال. إن المصادر الرقمية الجديدة والمتعددة، والتي تتيح الوصول بسهولة للنصوص المنشورة قبل عام ١٩٠٠ عبر شبكة الإنترنت، تُسهِّل على أي شخص مهتم بهذا النقاش أن يطَّلع على عينة واسعة مما نُشر للأطفال قبل عام ١٩٠٠، وأن يتحقق إلى أي مدًى كان التعليم والتسلية متضافرَين إلى حدٍّ كبير. أحد الأسباب التي تجعل الدراسات التاريخية الأولى لأدب الأطفال عادةً ما تبدأ في القرن السابع عشر، هو أنه بحلول ذلك الوقت كانت المواد المخصصة للأطفال قد صارت تُطبَع بهدف التوزيع العام بدلًا من أن تُكتَب بخط اليد من أجل الاستخدام الخاص، أو تُستخلَص من الكتابات المخصصة للكبار؛ وهذا رسخ هذه الكتابات كجزء من ثقافة الطباعة، وغالبًا ما مثَّل الاهتمامُ بتاريخ المواد المطبوعة نقطة انطلاقة للدراسات التاريخية المبكرة لكتب الأطفال. ونظرًا لأن المواد التي كانت تؤلَّف للأطفال كانت قليلة نسبيًّا — كما رأينا في حالة كومينيوس وجانواي — فقد بقيت الأعمال الشهيرة تُطبَع لفترات طويلة، وغالبًا في مجموعة متنوعة من الصيغ المزينة بالرسوم، وكثيرًا ما كانت تظهر في مجموعات الكتب والمذكرات. فعلى سبيل المثال، يتذكر تشارلز لامب — الذي وُلد في عام ١٧٧٥ — أنه كان يحب «كتابًا عظيمًا عن الشهداء»، هو («كتاب فوكس عن الشهداء» الذي نُشر للمرة الأولى عام ١٥٥٤، وتُرجِم للإنجليزية في عام ١٥٦٣). إن التاريخ الطويل والمتنوع لهذه الأعمال يجعلها دراسات حالة مثيرة للاهتمام من أكثر من منظور؛ فمن الممكن استخدامها لاستكشاف تقنيات الطباعة والتسويق، والأفكار المتغيرة عن الطفولة والتعليم، والجدال السائد بخصوص الدين والسياسة والنوع والعلم وتجربة الحياة اليومية، وغير ذلك الكثير من الموضوعات. ومع ازدياد الاهتمام بالدراسات التاريخية عن الطفولة والكتب وأدب الأطفال، صارت هناك مواد جديدة تُدرس؛ لأنه أصبح من الواضح أن الكتابة للأطفال قد بدأت قبل جيمس جانواي ومعاصريه بوقت طويل. أدب الأطفال في العصور القديمة والوسطى يشتمل كتاب «تاريخ أدب الأطفال» الذي ألَّفه سيث ليرر عام ٢٠٠٨ على مناقشة لنصوص إغريقية، ورومانية، وقروسطية قدمت للأطفال. ويوضح ليرر أنه في كلٍّ من تلك الفترات، رُسِّخت التقاليد التي كان لها تأثير مستمر — ولكن غير معترف به لوقت طويل — على أدب الأطفال (كانت المواد التي ناقشها ليرر مكتوبة باللغة اللاتينية، ولكن كما رأينا في كتاب «العالم المرئي بالصور»، فإن اللغة اللاتينية ظلت على مدار قرون لغة أساسية في التعليم؛ ومن ثَمَّ فإن تلك الأعمال أثرت على النصوص التي كُتبت وقُرئت باللغة الإنجليزية). على سبيل المثال، كان أطفال الإغريق والرومان يتعلمون مهارات المواطنة، وسمات البطولة، وتعقيدات الأخلاق والفضيلة، والسلوكيات الملائمة للجنسين، وذلك من خلال تعلم ترديد مقاطع من نصوص تشمل «خرافات أيسوب» و«الإلياذة» و«الإنياذة». وبينما كان ما يتعلمونه عبارة عن فقرات مأخوذة من نصوص موجودة بالفعل مخصصة للجمهور العام، وليس نصوصًا مكتوبة خصوصًا للأطفال، فإن الطريقة التي عُدِّلت بها تلك النصوص لكي تلائم احتياجات واهتمامات الأطفال تضع هذه الأعمال داخل نطاق أدب الأطفال. على سبيل المثال، كانت المقتطفات تُختار وفقًا لملاءمتها للأطفال، وتُعدَّل لكي تناسب قدراتهم وتصبح أكثر جاذبية من خلال توظيف عناصر كالقافية الشعرية، وإدراج رسوم توضيحية. أثناء العصور الوسطى في إنجلترا وعبر أوروبا، كانت هذه الخصائص تُستخدم في الكتابة خصوصًا للأطفال، بدءًا من كتاب «مرآة للأمراء» بما يحتويه من دروس للملوك، ومرورًا بتوجيه الصبية المتمرِّنين على المهن، ووصولًا إلى النصح المقدم للأطفال الذين يُربَّون في الأديرة والذين يتعلمون فضائل حياة التعبد. ويقترح ليرر أنه مِن رَحِمِ هذه الخصائص وُلدت الكثير من الأساليب الأدبية التي تستمر في الظهور داخل الكتابات المخصصة للأطفال. وتكشف المناطق الجديدة للدراسات الأدبية عن أمثلة جديدة للكتابة للأطفال؛ مما يغيِّر بدقة علامات بارزة وراسخة في تاريخ أدب الأطفال. فعلى سبيل المثال، كانت الدراسات التاريخية لأدب الأطفال تحتفي — على نحو تقليدي — بانطلاق النشر التجاري من أجل الأطفال في القرن الثامن عشر على أنها اللحظة التي شهدت ميلاد أدب الأطفال كما نعرفه اليوم. وعلى الرغم من أن حقيقة أن إمكانية بيع المواد المطبوعة بمختلِف أنواعها للأطفال قد استُثمرت للمرة الأولى من قِبَل أصحاب المطابع الناشرين بالقرن الثامن عشر تظل صحيحة، فقد أصبح واضحًا الآن أن هذا الأمر لم يكن تطورًا تلقائيًّا، وإنما كان جزءًا من متسلسلة أدبية ظل فيها الآباء والمعلمون وغيرهم من الكبار المشاركين في تعليم وتثقيف الأطفال يجربون لوقت طويل طرقًا لتأليف مواد جذابة ومشوقة لكي يقرأها الأطفال. مجال النشر للأطفال: ابتكارات القرن الثامن عشر كانت إحدى طفرات فهم القوى التي شكَّلت النشر التجاري للأطفال في القرن الثامن عشر هي الاكتشاف الذي حدث في تسعينيات القرن العشرين، لمجموعة من المواد مكتوبة بخط اليد، كتبتها جان جونسون في أربعينيات القرن الثامن عشر من أجل تعليم أطفالها القراءة. فقد قدمت البطاقات والألعاب والدمى والكتب الشخصية التي صمَّمتها جونسون بإبداع من أجل أطفالها، وجسدت فيها شخصياتهم، دليلًا واضحًا على وجود تقليد تأليف أدب الأطفال بالمنزل، والذي استوحى الأفكار من النصائح والممارسات التعليمية الحالية، ولكن قام بتعديلها لكي تناسب الاحتياجات الخاصة بأطفال محددين. ولقد أثبتت الأبحاث التي أعقبت الاكتشاف الخاص بجان جونسون أن الناشرين التجاريين لم يخترعوا طرقًا جديدة للكتابة للأطفال، ولكنهم كانوا يعدِّلون الممارسات التي كانت موجودة بأشكال متنوعة منذ عدة قرون. لقد صار واضحًا الآن أن الشخصيات الرائدة في مجال الطباعة والنشر، مثل جون نيوبيري (١٧١٣–١٧٦٧)، وماري كوبر (تُوُفِّيَتْ عام ١٧٦١)، وجون هاريس (١٧٥٦–١٨٤٦)، وويليام جودوين (١٧٥٦–١٨٣٦)؛ كانوا يحاولون استنساخ الرابطة بين مواد القراءة التي تم إنتاجها في المنزل وشخص بالغ مهتم — والذي عادةً ما يكون الأم — يقرأ للأطفال ويعلمهم، وذلك بغرض استبدال نسخهم المطبوعة من هذه المواد بالنسخ التي كانت تُكتَب منزليًّا. (من المفترض أن معظم المواد المصنوعة في المنزل كانت أقل دقة وأقل عناية من تلك التي كتبتها جان جونسون). شكل ١-٢: «هذه الفتاة لكي تحصل على المال»: واحدة من العديد من البطاقات التي ألفتها جان جونسون من أجل أطفالها في أربعينيات القرن الثامن عشر.2 على عكس الوالدين، كان أصحاب المطابع الناشرون ينتجون مواد القراءة للأطفال بغرض بيعها، بمعنى أنه كان لا بد لموادهم أن تجذب الكبار الذين كانوا يشترون الكتب والمواد المطبوعة الأخرى وتُرضيهم مثلما تُرضي القُرَّاء الأطفال، وربما قبلهم. وهذا الإحساس بوجود جمهور مشترك من الكبار والأطفال يتضح أيضًا في الأعمال المبكرة، والتي من أمثلتها ذلك الخطاب الموجَّه للآباء، الذي يحثهم على بذل كل الجهد من أجل إنقاذ أطفالهم، والذي افتتح به جيمس جانواي كتابه «دليل للأطفال». وعلى يد محترفي القرن الثامن عشر — أصحاب المطابع والناشرين والرسامين والمدرسين — صارت ممارسة مخاطبة الكبار والأطفال في الوقت نفسه تتم بطريقة مؤسسية. وقد بدأ المشاركون في إنتاج المواد المطبوعة للصغار — ربما من أجل مقاومة آثار مخاطبة الكبار — في تجربة خصائص النصوص الموازية المصممة خصوصًا لكي ترسخ فكرة أن أعمالًا بعينها مخصصة للأطفال. وقد ركزت هذه التجارب في بعض الأحيان على الحجم، فالكثير من الكتب كانت تتضمن كلمة «صغير» في عناوينها، وكان حجم الكتب بالفعل صغيرًا، كما هو الحال مع كتاب «مكتبة ليليبوتيان» (١٧٧٩) المكوَّن من عشرة مجلدات تبلغ أبعاد كل مجلد منها ٩٩ × ٧٨ ملليمترًا (٤ × ٣ بوصات). ومن بين الطرق الأخرى لابتكار مظهر جذاب للقراء الأصغر سنًّا استخدام الورقات الأخيرة ذات الألوان المبهجة، واستخدام الألوان والرسومات والقصاصات والتغليف المبتكر، مثل مجموعات الكتب التي تشبه المكتبات المصغرة. وهذه العناصر جعلت عمليةَ التعرف على كتب الأطفال سهلةً، ومن خلال ذلك أكدت على فكرة أنه يجب السماح للأطفال بالوصول إلى الكتب بأنفسهم؛ ومن ثَمَّ زادت من المبيعات. وكان أسلوب تقديمها يشير إلى أن تلك المواد جيدة ومناسبة للأطفال. شكل ١-٣: الدمج ما بين الحجم المصغَّر والتقديم التفصيلي — على شكل خزانة كتب ورفوف على طراز مكتبي مليئة بالكتب المصغرة الكاملة — سمة للطاقة الإبداعية التي استُخدمت في التسويق للقراء الصغار.3 وبالطبع كما تتغير الأفكار الخاصة بالطفولة، فإن فهم ماهية الأشياء المناسبة للأطفال وما يستمتع به الأطفال يتغير أيضًا؛ بمعنى أنه قد يكون من الصعب على العين المعاصرة أن تدرك جاذبية الكثير من المواد التي كانت رائجة في أيامها. ومع ذلك، فهناك أدلة جوهرية توضح أن الكثير من الكتب التي نُشرت في تلك الفترة — بما فيها كتب مثل «رحلة الحاج» الذي كتبه جون بانيان عام ١٦٧٨، والتي لم تُكتب في الأساس للأطفال ولكن أعيد تقديمها من أجلهم — بقيت مفضلة لدى القراء الصغار لفترة طويلة بعد ظهورها لأول مرة. على سبيل المثال، في عام ١٨٦٢، كتب الكاتب البريطاني جورج كراب لأحد أصدقائه أن ابنته ذات الأعوام الستة كانت متعلقة للغاية بحكاية بانيان لدرجة أن «الطفلة المسكينة قد ضبطتها مربيتها التي كانت نائمة وهي تقرأ في الكتاب في الخامسة من فجر هذا اليوم، وهي لا تطيق صبرًا — وهي طبيعتنا نحن البشر — حتى تنتهي من الكتاب الممتع». وبالمثل، فإن شخصيات وتعبيرات كتب الأطفال قد صارت مألوفة للغاية لدرجة أنها دخلت اللغة الشائعة بين الناس وظلت باقية حتى يومنا هذا. ويعد تعبير «الفتاة الطيبة ذات الحذاءين» مثالًا لتلك الشخصيات، بينما سيكون من الصعب أن نجد مجموعة مختارة من أشعار الأطفال لا تحتوي على إحدى الأغنيات التي جُمعت للمرة الأولى في «كتاب أغاني تومي ثامب الجميلة»، المجلد الثاني (١٧٤٤)، ومن بينها «باه، باه، العنزة السوداء»، «من الذي قتل الديك روبن؟»، «أيها الفتيان والفتيات، تعالوا لكي نلعب»، «الخنفساء الصغيرة، الخنفساء الصغيرة». ولكن ما يعتبره الكبار «مناسبًا» قد لا يتوافق دائمًا مع ما يستمتع به الأطفال أو ينتابهم الفضول لقراءته. وإحدى المناطق الأخرى لدراسات أدب الأطفال، والتي تغيِّر من فهم تاريخ الموضوع، هي دراسة كيف قرأ أطفال القرن الثامن عشر المواد التي أُعطيت لهم وكيف استجابوا لها، وذلك وفقًا للأدلة المستقاة من الملاحظات والرسومات الموجودة على هوامش الكتب، وكذلك معرفة إلى أي مدًى كان الأطفال يشتركون في عملية اختيار تلك المواد. إن مقارنة التعليقات والرسومات الموجودة في الكتب التي كانت يومًا ما ملكًا للأطفال بالصور التي يظهر فيها أطفال يمسكون بكتب بين أيديهم، أو يحاولون خلسة الوصول إلى الكتب التي وُضعت بعيدًا عن المتناول، يعرِّفنا عن إلى أي مدًى كان الأطفال يستاءون أو يستمتعون بالمواد التي كانت تُمنح لهم لكي يقرءوها، وإلى أي مدًى كانوا يرغبون في الحصول على ما كانت ممنوعةً عنهم قراءتُه. وهذا النوع من التحليل هو نموذج للطريقة التي يتوسع بها فهم الموضع الملائم لأدب الأطفال في تاريخ القراءة والثقافة المطبوعة والطفولة؛ حيث صار يتوافد على هذا المجال المزيد من الباحثين من خلفيات متنوعة. وقد وُضِعَت القوى التجارية والتربوية والفلسفية التي شكلت منظومة النشر للأطفال في القرن الثامن عشر ضمن سياق حركة التنوير، بما اتسمت به من التزام تجاه المنطق والتفكير العلمي والتقدم. وبالنسبة للعصور القديمة، فقد اعتُبِرَت الكتابة للأطفال جزءًا من تعليمهم لكي يصبحوا مواطنين ذوي فائدة وقيمة كبيرة؛ فكما ساعد أدب الأطفال في تعليم الأطفال القراءة، فقد حذر من الخرافات ومخاطر الإخفاق في اكتساب تعليم شامل. وقد علَّم أدب الأطفال مبادئ المنطق، وتناول بعض أوجه الظلم في ذلك الوقت مثل العبودية. وبوجه عام، فإن القُرَّاء الصغار المعنيِّين بقراءة نصوص القرن الثامن عشر المخصصة للأطفال كانوا متحررين من وصمة الخطيئة الأصلية التي اتسمت بها كتابات الأطفال في القرن السابع عشر؛ إلا أن الأعمال المخصصة للأطفال كانت تذكِّر القراء بانتظام بجهلهم وقلة خبرتهم وإمكانية ارتكابهم للأخطاء. وتؤكد قصص كالتي يحتويها كتاب ماريا إدجورث «مساعد الوالد» (١٧٩٦) على الحاجة إلى اليقظة الدائمة والتوجيه المستمر من جانب الكبار كي يمنعوا الأطفال من الخروج عن الطريق القويم. وعلى نحو تقليدي، فقد وصف مؤرخو أدب الأطفال كتاباتِ القرن الثامن عشر بأنها استمرار للتحيُّز المبكر تجاه التعليم والتوجيه، بينما تقدمت التسلية للصفوف الأمامية فقط على أيدي مجموعة من كتاب ورسامي القرن التاسع عشر، مثل واشنطن إيرفنج (١٧٨٣–١٨٥٩)، وناثانيال هوثورن (١٨٠٤–١٨٦٤)، وإدوارد لير (١٨١٢–١٨٨٨)، وتشارلز كينجسلي (١٨١٩–١٨٧٥)، ولويزا ماي ألكوت (١٨٣٢–١٨٨٨)، ولويس كارول (١٨٣٢–١٨٩٨)، ووالتر كرين (١٨٤٥–١٩١٥)، وراندولف كالديكوت (١٨٤٦–١٨٨٦)، وكايت جرينواي (١٨٤٦–١٩٠١)، وجويل تشاندلر هاريس (١٨٤٨–١٩٠٨)، وهوارد بايل (١٨٥٣–١٩١١). وقد ظهر الكثير من الأعمال ذات المستوى الأدبي الراقي والجدارة الفنية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى إن تلك الفترة صارت تُعرَف باسم «العصر الذهبي» لأدب الأطفال. ولكن مثل هذه المسميات العامة غير التفصيلية أصبح مفهومًا أنها مسميات مختزلة؛ فقد كان هناك الكثير من الأعمال من أجل تسلية وجذب القراء المبكرين، ونُشرَ كَمٌّ كبير من كتابات الأطفال سيئة الصياغة ذات الأسلوب التعليمي المباشر في القرن التاسع عشر. ولكن ما حدث هو أنه خلال القرن التاسع عشر، حدث تراجع تدريجي للطفل العقلاني الجاهل، كما صوره أدب الأطفال في عصر التنوير، ليحل محله أطفال تركيبتهم أكثر تعقيدًا — سواء كشخصيات أو قراء — في حين أتاحت التطورات في تكنولوجيا النشر إنتاج تشكيلة كبيرة من الكتب والمطبوعات الدورية، والمقالات المطبوعة من أجل الأطفال — والتي تتميز جميعها بألوانها الغنية وتصميماتها الجذابة — بكميات ضخمة وأسعار متنوعة. أصبح أدب الأطفال مجالًا مربحًا للغاية بالنسبة للكثير من الناشرين، لا سيما دور النشر الدينية، مثل «جمعية الأعمال الأدبية الدينية» (بدايةً من عام ١٧٩٩)، و«جمعية نشر المعارف المسيحية» (بداية من ١٦٩٨)، والتي انطلقت لمواجهة ذلك النوع من الأدب الرائج المتجسد في الغايات التي يغلب عليها الطابع الحسي لنشر كتيبات الحكايات والأشعار، وكذلك المطبوعات الحسية الرخيصة المسماة «بيني دريدفول». وفي حين أن معظم هذه المطبوعات لم تكن مكتوبة للأطفال، إلا أنه غالبًا ما كان الأطفال هم من يقرؤها. وقد حارب ناشرون، مثل «جمعية الأعمال الأدبية الدينية» و«جمعية نشر المعارف المسيحية»، والكثير من الناشرين التجاريين الذين ساروا على نهجهما، هذا الاتجاه باستخدام السلاح نفسه من خلال استخدام استراتيجيات سرد وتقديم مشابهة — كالحبكات الروائية المفعمة بالحيوية، والشخصيات الصغيرة المثيرة للتعاطف، والرسومات الجريئة — من أجل إيصال رسائل تتماشى مع الجهات الدينية التي يمثلونها. ولم ينتج عن دوافعهم الجديرة بالاحترام بالضرورة نصوصٌ مثيرةٌ للضجر؛ فمن أجل إظهار عواقب الخطيئة، كان لا بد للحبكات الروائية لتلك الأعمال أن تبرز أولًا الرذائل والشرور، في حين أنه من أجل الحض على الإحسان، روى المؤلفون حكايات مثيرة للشفقة عن ضحايا من الأطفال البؤساء والأمهات الفاضلات الذين عانوا حتى الموت بسبب الفقر. وبنهاية القرن التاسع عشر، امتد النشر للأطفال ليشمل كل شيء بدايةً من هذه القصص الهادفة ذات المغزى الديني والتي تُدمي القلب، ووصولًا إلى الخيال والقصص الخرافية والقصص التافهة ومجموعة من الأجناس الأدبية التي تشمل المغامرات وقصص الحيوانات والقصص المدرسية، وكان هناك أيضًا كتب مصورة مبتكرة ومطبوعات دورية. لقد صار مجال النشر للأطفال ديناميكيًّا للغاية وناجحًا تجاريًّا حتى إنه في عام ١٨٩٩، وبينما كان هنري جيمس يتفكر في «مستقبل الرواية»، أبدى هذه الملاحظة الغاضبة: إن ذلك الأدب — كما يمكن أن نطلق عليه من باب التيسير — المخصص للأطفال هو صناعة تحتل في حد ذاتها مساحة كبيرة للغاية تصل إلى ربع الساحة الأدبية. وقد علمنا أنه يمكن تحقيق ثروات عظيمة — إن لم تكن شهرة عظيمة أيضًا — من خلال الكتابة لصبية المدارس … وقد نبع جانب كبير من سخط جيمس من حقيقة أنه كان يعمل على إنتاج أعمال أدبية فائقة الجودة تحتل مكانة بارزة، وشعر بأن جهوده يعرقلها سوق تجاري لا يميز بدقة بين الكتابة الجيدة وتلك التي يستمتع بها هؤلاء الذين اعتبرهم «غير مفكرين وليست لديهم قدرة على التمييز»، وبخاصة النساء والأطفال. ولكن الواقع هو أنه بنهاية القرن التاسع عشر، كان سوق النشر يحدد فروقًا دقيقة بين القراء، ولم يحدث ذلك في أي مجال أكثر من مجال النشر للأطفال المقسم إلى طبقات، والذي تعمَّد تقسيم جمهوره إلى فئات، وحرص على إرضاء أذواق القراء من مختلِف الأعمار والطبقات الاجتماعية ومستويات الدخل والاهتمامات ومن كلا الجنسين. لكن جيمس كان مُحقًّا في نقطةٍ ما؛ فما يُسمى الآن «الروايات مختلطة الجمهور» — وهي نصوص تروق جمهورًا مختلطًا من الكبار والأطفال — كان موجودًا في الماضي أيضًا. ففي الأصل، كان الأكثر شيوعًا هو أن «يَعبُر» الأطفال إلى نطاق نصوص الكبار، ليجلبوا تلك الأعمال التي تروقهم إلى النطاق الخاص بهم. والكثير من النصوص المبكرة التي عادةً ما تُدرَج ضمن تاريخ أدب الأطفال تنتمي لهذه النوعية، وتعتبر روايتا «رحلة الحاج»، و«روبنسون كروزو» (١٧١٩)، وروايات شارلوت ماري يونج (وبخاصة «سلسلة ديزي» ١٨٥٦) أمثلةً لهذه النوعية. ولكن تمامًا مثلما انجذب الكبار في نهايات القرن العشرين إلى سلسلتَي «هاري بوتر» و«مواده المظلمة»، فإن كثيرًا من كتب الأطفال خلال القرن التاسع عشر قد حظيت بمتابعة كبيرة لا يشوبها أي شعور بالقلق من قِبَل الكبار. والأمثلة المبكرة للأدب القصصي مختلط الجمهور تتضمن رواية تشارلز كينجسلي «أطفال الماء» (١٨٦٣)، وروايتَي لويس كارول «أليس في بلاد العجائب» (١٨٦٥) و«عبر المرآة» (١٨٧١)، والقصة اللقيطة التي ألَّفتها هيسبا ستريتون بعنوان «الصلاة الأولى لجيسيكا» (١٨٦٧)، ونسبة كبيرة من أعمال مارك توين (١٨٣٥–١٩١٠). وربما كانت قصص مغامرات الصبية هي أهم منطقة من مناطق القراءة المختلطة. وقد كان الرؤساء ورؤساء الوزراء من بين الكثيرين من الكبار الذين أرجعوا الفضل لقصص الصبية — كتلك التي كتبها كابتن ماين ريد (١٨١٨–١٨٨٣)، وجي إيه هنتي (١٨٣٢–١٩٠٢) — في تعليمهم الكثير عن العالم الطبيعي والتاريخ والجغرافيا عندما كانوا صغارًا، والذين عندما كبروا، صاروا قراءً متحمسين لقصص روبرت لويس ستيفنسون المخصصة للصبية، وبخاصة رواية «جزيرة الكنز» (١٨٨١). لقد اشتكى هنري جيمس من القصص المكتوبة لطلاب المدارس، مع أن نطاقًا مكتمل التطور من الكتابة للفتيات قد تطور بنفس الدرجة خلال القرن التاسع عشر. فعندما بدأ النشر التجاري لكتب الأطفال، عادةً ما كان الفتيان والفتيات يتشاركون الكتب والقصص نفسها، حتى لو طُبعت تلك الكتب بزخارف نصوص موازية مختلفة قليلًا. على سبيل المثال، كتاب «كتيب صغير وجميل للجيب» (١٧٤٤) لجون نيوبيري، كان المقصد منه توجيه وتسلية كلٍّ من «السيد الصغير تومي» و«الآنسة الجميلة بولي»، وكان يوزَّع معه كرة ثنائية اللون للصبية أو وسادة دبابيس للفتيات، وكانت التعليمات تُعطَى لكليهما بأن يطلبا من مربيتهما أن تغرز دبوسًا في الجانب الأحمر عند قيامهما بعمل جيد، ودبوسًا في الجانب الأسود عند قيامهما بعمل سيئ. وكجزء من تقسيم الأسواق إلى طبقات في القرن التاسع عشر، كان الكثير من الكتب يستهدف الصبية «أو» الفتيات. وفي الغالب، كانت هذه قصصًا متوازية. على سبيل المثال، كتبٌ تدور قصصها في مدارس للصبية، وأخرى تدور قصصها في مدارس للفتيات، ولكن كان هناك أيضًا اختلافات نوعية؛ فقصص المغامرات كانت تميل إلى أن توجَّه بالأساس إلى الصبية، بينما كانت القصص المنزلية أو العائلية توجَّه للفتيات. وعلى الرغم من أن معظم قصص الفتيات كانت تفتقر إلى البيئة المذهلة والحبكات المثيرة التي تتسم بها حكايات الاكتشافات والمعارك الموجهة للصبية، فإن الكثير من الشخصيات النسائية الشابة التي لا تُنسَى ولدت في تلك المرحلة، واستمرت في جذب المتابعين المتحمسين لفترات طويلة. وكان المؤلفون من أمريكا الشمالية بارعين على نحو خاص في تأليف الكتب التي تحتوي على شخصية فتاة جذابة ومفعمة بالحيوية، والأشهر بين تلك الشخصيات هي شخصية «جو مارش» التي قدمتها لويزا ماي ألكوت في كتابها «نساء صغيرات» (١٨٦٨)، ولكن كان هناك تراث سابق من القصص المكتوبة عن هذه النوعية من الفتيات. على سبيل المثال، كان لرواية «هايدي» (١٨٨٠-١٨٨١، وتُرجمت سنة ١٨٨٤) للمؤلفة السويسرية جوهانا سبيري، متابعة جيدة خلال القرن الماضي، وفي عام ١٩٣٧ كانت واحدًا من أوائل كتب الأطفال التي يتم تحويلها إلى فيلم سينمائي من إنتاج شركات هوليود، وهو الفيلم الذي كان محطة الانطلاق للنجمة شيرلي تمبل. وقد استمر تدفق شخصية الفتاة الجذابة من أمريكا الشمالية في القرن التالي مع روايات مثل «آن في المرتفعات الخضراء» (١٩٠٨)، و«ريبيكا من مزرعة سونيبروك» (١٩٠٣)، و«بوليانا» (١٩١٣). كتب الأطفال في عصرٍ تمركز حول الطفل إن ذلك السيل من شخصيات الفتاة الحيوية في بدايات العقد الأول من القرن العشرين ما هو إلا عَرَض للولع الثقافي بفكرة الطفولة (كمفهوم مستقل عن الأطفال الحقيقيين) الذي اتسمت به بدايات القرن العشرين، والذي وصل إلى أقصى ذروته في رواية جيمس ماثيو باري «بيتر بان، الصبي الذي رفض أن يكبر»، والتي عُرِضَت نسختها المسرحية الأصلية سنة ١٩٠٤؛ فقد استلهم باري روح العصر الخاصة ببداية القرن العشرين؛ مما ساعد في التبشير بقدوم «قرن الطفل»، ذلك القرن الذي شهد احتفاءً بمخيلة وإبداع الطفولة. والدليل على الأهمية المستمرة التي أعطيت للطفولة موجود في المناقشات حول الحداثة والقوة الرمزية التي مُنِحت للأطفال في فترة ما بعد الحرب، حينما كان الأطفال يمثلون الأمل في المستقبل بعد حربين عالميتين والدخول إلى عصر الذرة. ومنذ عام ١٩٨٩، سعت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل إلى دعم حقوق الأطفال في حماية احتياجاتهم الأساسية في الحياة والازدهار. إن الأفكار المتغيرة بشأن الأطفال والطفولة والمثبتة بوضوح في هذا الملخص الموجز قد رُسمت ملامحها تفصيلًا في الكتابة للأطفال. خلال النصف الأول من القرن العشرين، سيطرت رؤية خاصة للغاية عن الطفولة على أدب الأطفال الأنجلو-أمريكي؛ فشخصيات الأطفال في أدب الأطفال، أو القراء الأطفال الذين يُفترض أنهم يقرءون ذلك الأدب، كانوا — مع بعض الاستثناءات القليلة للغاية — في مقتبل البلوغ من أبناء البِيض ومن الطبقة المتوسطة، يعيشون في عائلات بها والدان ميولهما الجنسية سوية — وغالبًا ما يكون هناك بعض الخدم بمنزل الأسرة — وفي ثقافة أبوية. وكانت الطفولة مرتبطة بقوة بالطبيعة، وكان الأطفال في تلك الكتب عادة ما يظهرون شديدي البراعة، سواءٌ أكانوا يرتحلون ويعسكرون في مخيمات، أم يبحرون في السفن ويركبون الأحصنة، أم يحلون الجرائم، بل وكثيرًا ما كانوا يُتركون دون إشراف لأيام متتالية. وبوجه عام، كان أدب الأطفال يصور الطفولة كمرحلة متحررة من القلق أو الاحتياج، وهو ما دعم الإحساس بالحنين إلى الطفولة، والذي تجلى في بعضٍ من الكتب الخالدة التي أُلفت ما بين عامي ١٩٠٠ و١٩٥٠، ومن بينها رواية «الريح في أشجار الصفصاف» (١٩٠٨) لكينيث جراهام، ومجموعة كتب «ويني الدبدوب» (١٩٢٦–١٩٢٨) لآلان ألكسندر ميلن. وهذه النغمة أكثر تكرارًا في الكتب البريطانية عنها في الكتب المؤلَّفة في الولايات المتحدة، ولعل ذلك يعكس انخراط إنجلترا الأطول والأكثر تكلفة في حربين عالميتين، وأفول إمبراطوريتها الذي تزامن مع البزوغ العالمي لنجم الولايات المتحدة. وهكذا يمكن مساواة الحنين إلى الطفولة بإدراك ثقافي أكبر بأن التغييرات المرتبطة بالحداثة كانت تعمل كحلقات وصل تربط الحاضر بالماضي. تطورات القرن العشرين بحلول العقود الوسطى من القرن العشرين، لم يعد الحنين إلى الطفولة هو اللازمة المسيطرة على الكتابة للأطفال، وربما يكون أحد أسباب ذلك هو أن فترة الطفولة نفسها صارت أطول؛ حيث ارتفعت سن الانتهاء من الدراسة في إنجلترا والولايات المتحدة على حدٍّ سواء، بمعنى أن عددًا أكبر من الأطفال ظلوا معتمدين على أولياء أمورهم لفترة أطول؛ ومن هنا — وعلى الأقل كنوع من رد الفعل لهذه التعديلات — وُلدت ثقافة المراهقين؛ ففي أعقاب نشر رواية «الحارس في حقل الشوفان» (١٩٥١) للكاتب جيروم ديفيد سالينجر، بدأت أولى الكتب المكتوبة خصوصًا للمراهقين في الظهور على قوائم كتب الأطفال في الولايات المتحدة، وقد تبع ذلك — بعد فترة من التأخير — ظهور تلك الكتب في المملكة المتحدة. وقد مالت أولى الكتب المخصصة للمراهقين — مثل رواية «الغرباء» (١٩٦٧) للكاتبة سوزان إلويز هينتون — إلى رفض نموذج الشباب خالي البال، وبدلًا من ذلك، وتماشيًا مع الدراسات المؤثرة مثل دراسة «الطفولة والمجتمع» (١٩٥٠) التي أعدها إيريك إريكسون، فقد ركزت على المشكلات التي تواجه الشباب في كفاحهم لكي يكونوا مستقلين. علاوةً على ذلك، بدأ أدب الأطفال — بما يتضمنه من أفلام وأعمال تليفزيونية وغيرها من المصادر الأخرى للمعلومات والتسلية التي يستخدمها الشباب — في تقديم أفكار وتوفير خبرات بديلة من نوع كان يُعتبر قبل ذلك خارج نطاق الطفولة. وهذا الأمر قد قاد البعض إلى الادِّعاء بأن مرحلة الطفولة — التي تقاس بقلة الخبرة، وبعيدًا عن أنه قد تم تمديدها — كانت في الواقع في طريقها للاختفاء. ما لم يكن في طريقه للاختفاء — مع أنه بالتأكيد كان يتعرض لتحديات كبيرة في أدب أطفال منتصف القرن العشرين — هو ذلك العالَم المليء بالعائلات السعيدة من الطبقة المتوسطة البيضاء ذات الميول الجنسية السوية. فبدايةً من كتب المبتدئين والحكايات الخرافية ووصولًا إلى روايات اليافعين، بدأت صفحات كتب الأطفال والقصص المصورة والمجلات تمتلئ بالأطفال والشباب من مختلِف الخلفيات الاجتماعية والأعراق، ولاحقًا التوجُّهات الجنسية. وقد ساندت الجوائز الجديدة والمناهج الدراسية هذه التغيرات، فقد أظهرت رواية «ساحة جامبل» (١٩٦١) للكاتب جون رو تاونسند، أطفالًا منبوذين من الطبقة العاملة يعيشون في بيئة حضرية مزدحمة، وهم يحاولون إعالة أنفسهم ويتجنبون نقلهم إلى إحدى دور الرعاية. ويعد هذا مثالًا يوضح كيف أن تغير الزمن كفيل بأن يعيد في النهاية بعض جوانب مجال النشر على الأقل إلى نقطة البداية؛ إذ إن رواية تاونسند — في العديد من الجوانب — أشبه بقصة كان يمكن لجمعية الأعمال الأدبية الدينية أن تنشرها قبل قرن مضى، ولكن من ناحية الأسلوب، فإن رواية «ساحة جامبل» تنتمي بلا نزاع للقرن العشرين، تمامًا مثلما تنتمي إليه تلك المشاهد الصريحة والقاسية في روايتَي الأديبة الأمريكية روزا جاي — «الأصدقاء» (١٩٧٣)، و«روبي» (١٩٧٦) — اللتين ترويان قصة فتاة تنتقل أسرتها من البيئة الريفية بترينيداد إلى حي هارلم بمدينة نيويورك، حيث تموت والدتها، ويعرِّضها والدها للإيذاء الجسدي، ويتعين عليها أن تتعامل مع التحيز والتحامل وصعوبات الحياة في شوارع مدينة أمريكية حديثة. وعلاوةً على إدراج المزيد من أنواع الأطفال، بدأ مؤلفو أعمال الأطفال في استخدام أساليب كتابة متنوعة — كالواقعية والخيال، والتراجيديا والكوميديا — من أجل مواجهة نطاقٍ من القضايا الموضوعية؛ فرواية «فستان بيل الجديد» (١٩٨٩) للكاتبة آن فاين — والتي تحكي عن تلميذ اسمه بيل سيمبسون، يستيقظ في صباح أحد الأيام ليكتشف أنه قد تحوَّل إلى فتاة ترتدي فستانًا ورديًّا مزركشًا للذهاب إلى المدرسة — هي رواية كوميدية، ولكنها تمثِّل استجابة قوية لقضية عدم المساواة بين الجنسين. بينما تتناول رواية «إننا جميعًا نسقط» (١٩٩١) للكاتب روبرت كورماير، التداعيات المأساوية لعنف المراهقين العشوائي وتخريب الممتلكات، في حين تستكشف رواية «السقوط» (١٩٩٥، وتُرجمت إلى الإنجليزية سنة ١٩٩٧) للكاتبة البلجيكية آن بروفوست، العلاقات بين خيانة اليهود السرية للنازيين أثناء أحداث الهولوكوست وبين الصعود الحالي لجماعات اليمين المتطرف في مدينة صغيرة بفرنسا، بينما يتخيل ديفيد ليفيثان مدينة فاضلة للشواذ جنسيًّا في روايته «صبي يقابل صبيًّا» (٢٠٠٣). وكما تشير هذه السيناريوهات، فإن الكتابة للأطفال صارت الآن تعكس الكثير من أشكال الطفولة المختلفة، وتجارب المراهقة المختلفة في أنواع كثيرة من العائلات: العائلات التي يعيش معها أحد الوالدين فقط، والعائلات التي فيها الوالدان من نفس الجنس، والعائلات التي بها أولاد من زواج سابق، إلى جانب العائلات النموذجية التقليدية. ليس المقصد من هذا هو التلميح بأن مهمة جعْل أدب الأطفال معبرًا عن كل الطوائف قد اكتملت الآن؛ فحتى في البلدان التي تتمتع بصناعة نشر مكتملة التطور، يظل هناك الكثير من المجموعات التي تعتبر — على أفضل تقدير — غير ممثلة بالقدر الكافي؛ ففي أمريكا الشمالية — على سبيل المثال — لا يوجد سوى قدر محدود من أدب الأطفال عن السكان الأصليين للبلاد، وقدر أقل من تأليفهم. وأحد التفسيرات المحتملة لذلك هو أن فهم هؤلاء الناس لكيفية سرد القصص مختلف للغاية عن ذلك الفهم الخاص بالثقافة السائدة لدرجةٍ قد لا تجعل المحررين يتعرفون على ذلك الأسلوب، بحيث إذا ما قدم الكتَّاب من السكان الأصليين قصصًا للنشر، فقد لا يدرك المحررون أنها قصص، وإذا أدركوا ذلك، فربما لا يدعمونها بحجة أنه من غير المحتمل أن تحقق مبيعات تُذكَر. ولو نُشِرت إحدى قصص السكان الأصليين، فإن نوع التغييرات التي قد تتعرض لها أثناء عملية النشر — بداية من التحرير إلى إضافة الرسومات — ربما يغير القصة الأصلية بدرجة كبيرة، حتى إنها لا تعود جزءًا أصيلًا من تلك الثقافة. وسواءٌ أكانت تلك التغييرات متعمدة أم تتم دون تفكير، فإن العواقب تظل واحدة. وفي البلاد التي لا يوجد بها بنية أساسية قوية لأدب الأطفال، أو التي يتحدث سكانها بأكثر من لغة — كما هو الحال في أجزاء من أمريكا الجنوبية وأفريقيا والهند — فقد تمنع المشكلات الاقتصادية واللوجستية بعض المجموعات من المشاركة في تأليف أدب قصصي للأطفال. وغالبًا ما يكون الأعضاء المنتمون إلى الثقافة السائدة في أي بلد هم الحراسَ الرئيسيين للبوابات المؤدية إلى عالم أدب الأطفال — كمؤلفين وناشرين ومعلمين وأمناء مكتبات وأولياء أمور — وما يختارون أن يقدموه سوف يتأثر قطعًا بفهمهم الخاص للطفولة والأدب، وطموحاتهم بشأن كليهما. بالنسبة للكثير من الأطفال والشباب اليوم، ربما توفر شبكة الإنترنت طريقة لتخطي عدد كبير من هؤلاء الحراس، ويعد التجسيد الأحدث والأوسع نطاقًا للمدى الذي وصل إليه هذا التخطي — عبر سنوات القرن الماضي — هو أن جزءًا كبيرًا بشكل متزايد من مرحلة النمو قد تضمن استخدام الوسائط الجديدة وتقنيات المعلومات. ويلقي الفصل الثالث نظرة تفصيلية على التغييرات التي تُحدثها هذه الوسائل على ممارسات القراءة والكتابة، ولكن أي دراسة تاريخية لأدب الأطفال لن تكون مكتملة دون بعض المناقشات حول كيف، وإلى أي مدًى تعامل الكتاب والناشرون مع الطرق الجديدة لسرد القصص وتأليف النصوص، والتي أتاحتها التقنيات الجديدة المتعاقبة. قصص الأطفال المعاصرة والوسائط الجديدة أحد الجوانب المهمة في التاريخ الطويل لأدب الأطفال يتعلق بالكيفية التي جرب بها المؤلفون والرسامون والناشرون بانتظام طرقًا جديدة لإنتاج أدب الأطفال بأسلوب جذاب وزهيد التكلفة. ومنذ الأيام التي كانت فيها الرسومات تُلوَّن يدويًّا، ووصولًا إلى الكتب المصوَّرة العصرية المليئة بالرسومات، فإن أحد طموحات ناشري كتب الأطفال على مر العصور هو إنتاج كتب جذابة وغنية بالألوان قدر الإمكان، وفي نفس الوقت زهيدة الثمن و(مربحة) قدر المستطاع؛ وهذا يعني أن أدب الأطفال كان دومًا سبَّاقًا إلى تجربة تقنيات الطباعة الجديدة، والابتكارات في هندسة تصنيع الأوراق من أجل إنتاج كتب مبتكرة مثل المطويات المصورة، والكتب المجسمة، وغيرها من الكتب ذات الأجزاء المتحركة. والخط الفاصل بين الكتب والدُّمَى والألعاب كان دائمًا خطًّا رفيعًا، وعلاوةً على أن هذا الأمر قد أدى إلى اكتشاف طرق جديدة لتقديم المواد المطبوعة إلى الأطفال، فقد أثر أيضًا على طريقة سرد القصص، ويظهر هذا التأثير بوضوح في سلسلة كتب الألعاب «اختر قصص المغامرات الخاصة بك» التي اشتُهرت لفترة وجيزة في ثمانينيات القرن العشرين، والتي استفادت كثيرًا من صيغ وقصص ألعاب تقمُّص الأدوار، مثل «سجون وتنانين». وقد قدَّمت هذه الكتب البسيطة للقراء العديد من الحبكات والنتائج المحتملة، والتي تتحدد من خلال مزيج من الحظ (رمية النرد)، والاعتماد على استراتيجية في اللعب. كان لظهور وسائط جديدة تأثير أيضًا على القوالب والصيغ وتقنيات السرد الخاصة بالكتابة للأطفال. وقد تمت معالجة قصص الأطفال لتناولها في الأعمال السينمائية والتليفزيونية، وكُتبت لكي تُقرأ عبر الإذاعة، وسُجلت على أسطوانات وشرائط كاسيت وأقراص مضغوطة، وتم التعامل معها على أنها أدب قصصي إلكتروني أو مسجل على أقراص مدمجة أو منشور عبر الإنترنت. وكان لكل وسيطة جديدة تأثيرها على كيفية كتابة القصص، وكيف وأين يمكن العثور عليها، بل وحتى ما يعنيه قراءتها. وديناميكيات هذه العلاقة هي موضوع الفصل الثالث، ولكن من الضروري أن ننهي هذه المراجعة التاريخية بإيضاح نقطتين: الأولى هي أن العاملين في مجال أدب الأطفال قد وسَّعوا لبعض الوقت نطاق اهتماماتهم لكي يشمل كل الصيغ التي يصادف الشباب من خلالها السرد القصصي، سواءٌ على صفحة كتاب، أو على الشاشات، أو على المسرح، أو في كلمات أغنية، أو من مصادر شفوية، أو عبر أي أداة أو وسيطة أخرى. والنقطة الثانية تتعلق بدور الأطفال في إنتاج أدب الأطفال. وكما أوضحت هذه الدراسة التاريخية الموجزة، فقد كان أدب الأطفال يكتبه بشكل تقليدي الكبار من أجل جمهور من الأطفال، ومن المعتاد في مجال نقد أدب الأطفال — على العكس من أشكال الكتابة الأخرى — أنَّ الجمهور هو من يحدد ويُعرِّف أدب الأطفال؛ إذ لا يتم تعريفه من خلال خصائص مثل الجنس الأدبي أو الفترة الزمنية أو الأسلوب أو المؤلف. وتاريخيًّا، لم يكتب الأطفال المواد التي «نُشرت» كأدب للأطفال؛ لأنه لم تتح لهم إمكانية كبيرة للوصول إلى الأدوات الضرورية للقيام بذلك، وحتى في الوقت الذي وصل فيه تقدير قدرة الأطفال على التخيل إلى ذروته، كان هناك افتراض عام بأن الأطفال لا يمتلكون خبرة كافية بهذا العالَم أو بحرفة الكتابة لكي يكون لديهم ما يقولونه، أو لكي يقولوا ما يدور برءوسهم بطريقة مثيرة للاهتمام. وفي الواقع، لقد كان الأطفال دائمًا «منتجين» للقصص والألغاز والشعر والنكات وغيرها من المواد الأدبية (بما في ذلك الروايات والقصائد والمسرحيات وغيرها من الأعمال الأدبية الأكثر وضوحًا)، وفي عصر النشر المكتبي، والروايات التي يؤلفها المعجبون، وغيرها من أشكال المنشورات عبر الإنترنت، فإن الأطفال والشباب صاروا يعثرون على طرق للكتابة لجمهور يتخطى نطاق عائلاتهم وأصدقائهم وأقرانهم، وما زال الوقت مبكرًا لكي نحدد نوع التأثير الذي سيتركه هذا الأمر على فهمنا للعناصر التي تشكِّل أدب الأطفال، ولكنه قد يلعب دورًا مهمًّا في إعادة النظر في مدى فائدة مسمى أدب الأطفال، على الأقل فيما يخص الدراسة الأكاديمية للكتابة الموجهة للأطفال. الكتابة للأطفال وفي سياق وصف نوع المادة الأدبية التي اعْتُبِرت أدبًا للأطفال في أزمنة مختلفة وكيف تغير هذا التوصيف، فقد اتضحت بعض الخصائص المقترنة بالكتابة للأطفال والشباب، وقبل المضي قدمًا ودراسة التطورات الأخرى التي طرأت على هذا المجال، حريٌّ بنا أن ننظر إلى بعض النزعات المسيطرة في القصص الخاصة بالأطفال والشباب، وكيف ترتبط تلك النزعات بصور الأطفال وفترة الطفولة وفترة المراهقة. وبالرغم من التغيرات المحيطة بأدب الأطفال وقُرَّائه، فقد كان هناك — على مر السنوات — اتفاق هائل حول المقومات التي تجعل أحد النصوص «مخصصًا للأطفال» على مستوى الأسلوب والمحتوى. وبعد أن حللت باربرا وول (١٩٩١) الطريقة التي يؤسس بها عدد من كُتَّاب روايات الأطفال الكلاسيكية المؤثرين العلاقةَ بين الراوي والقراء، توصَّلت إلى أن الطريقة التي يخاطب بها الكُتَّابُ الكبارُ القراءَ من الأطفال مشابِهة للطريقة التي يتحدث بها الكبار إلى الأطفال، وتؤثر على نبرة الصوت والمفردات واختيار الكلمات وكَمِّ التفاصيل المتضمَّنة في التوصيفات والتفسيرات. وتحدد باربرا وول ثلاثة أساليب استُخدمت على نحو تقليدي في الكتابة للأطفال: الأسلوب الأول هو المخاطبة المزدوجة، والتي يتنقل الراوي فيها بين مخاطبة القراء الأطفال ومخاطبة الكبار الذين من المفترض أنهم يقرءون بصحبتهم، أو يراقبون عملية القراءة، وعادة ما يظهر الراوي متحدثًا بلغة تفوق مستوى استيعاب الأطفال، ومتواطئًا مع الكبار. إن المخاطبة الفردية تخاطب القارئ الطفل فحسب، بينما تنجح المخاطبة المزدوجة في مخاطبة القراء من الأطفال والكبار في وقت واحد وبقدر متساوٍ؛ مما ينتج عنه تجربة قراءة ممتعة ومرضية لكليهما. ومراعاة تصنيفات باربرا وول لأنواع المخاطبة قد يكون مفيدًا في تحديد إلى أي مدًى يَفترض الكتاب أن قاعدة القراء من الأطفال، ويساعد في تتبع التغيرات التي تطرأ على علاقات الكبار والأطفال في النصوص الأدبية بمرور الوقت. وكما رأينا في بعض الأمثلة التاريخية التي ناقشناها من قبل، فقد كانت الكتابة المبكرة تميل إلى استخدام المخاطبة المزدوجة، حتى وصل الأمر إلى إدراج أقسام مخصصة للكبار في كتب الأطفال. وبداية من القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، سيطرت المخاطبة الفردية على الكتابة للأطفال الذين يقرءون الكتب باستقلالية تامة. أما الكتب المصورة — والتي عادة ما يقرؤها الكبار للأطفال — فقد استَخدمت في الغالب المخاطبة الثنائية أو المزدوجة، في حين أن المخاطبة الثنائية تعد سمة مميزة للكتابات مختلطة الجمهور. ولا يمثل أسلوب المخاطبة الاختلاف الوحيد بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار؛ ففي مقارنة بين الأسلوبين، كثيرًا ما يتم اقتباسها، توصَّلَ مايلز ماكدويل إلى أن: كتب الأطفال عادةً ما تكون أقصر، وتميل إلى تفضيل المعالجة النشطة وليس السلبية، مع وجود حوار وأحداث بدلًا من الوصف وسبر أغوار النفس؛ فأبطال القصص من الأطفال هم المسيطرون، وتستخدم الأعراف والتقاليد بكثرة، والقصة تتطور بداخل بنية أخلاقية واضحة … وتميل كتب الأطفال إلى أن تكون تفاؤلية وليست كئيبة، واللغة موجهة للأطفال، وتتميز الحبكات الدرامية بترتيب متميز، والاحتمالية غالبًا ما تكون مستبعدة، وقد يستمر المرء في الحديث عن السحر والخيال والبساطة والمغامرة إلى ما لا نهاية. والدليل الذي يدعم الملخص الذي قدمه ماكدويل قدمه الباحث الدانماركي توربن فاينريش (٢٠٠٠)، الذي أوضح أن عملية تعديل نصوص الكبار لتناسب الأطفال تتطلب جعْل تلك النصوص أقصر وأبسط، وإضافة رسومات إليها في أغلب الأحيان. وقد اختتم بيري نودلمان الفصل الأول من تحليله المفصل لأدب الأطفال، والمُعَنوَن «الكبير الخفي: تعريف أدب الأطفال» (٢٠٠٨)، بقائمة أطول، ولكن شديدة الشبه بالقائمة التي أعدها ماكدويل. وكما يستفيض نودلمان قائلًا إنه من المهم أن نفرِّق بين الكتابة البسيطة والكتابة المفرطة في التبسيط؛ وذلك لأن الكثير من كتب الأطفال التي تبدو بسيطة تتحدث عن أشياء مثيرة للتفكير ببساطة راقية، بل وأحيانًا خادعة. على سبيل المثال، تناقش روايتا «شبكة شارلوت» (١٩٥٢) لإي بي وايت، و«الرجل» (١٩٩٢) لرايموند بريجز — إلى جانب قضايا أخرى — قضيتَي الموت والتهميش على التوالي (انظر الشكل رقم ٦-٢) بمهارة وأسلوب فلسفي. وكذلك، فليست كل كتب الأطفال مكتوبة ببساطة؛ فروايات مثل «الفأر وطفله» (١٩٦٧) لراسل هوبان، و«كودي» (١٩٩٤) لويليام ماين، و«الكاذب» (٢٠٠٩) لجاستن لاربالستيير، تتسم بصعوبة الأسلوب بالنسبة للقراء من أي سن أو مستوًى ثقافي. وحتى أواخر القرن العشرين، كان هناك نوع من الاتفاق غير المكتوب بألا تشتمل كتب الأطفال على الجنس أو اللغة البذيئة أو العنف غير المبرر، على أساس أن الكتابة للأطفال هي جزء من عملية التربية الاجتماعية؛ ولذا يجب أن تُقدِّم نماذج طيبة، وتساعد القراء على تعلم السلوكيات المقبولة، التي ستساعدهم — على الأرجح — على عيش حياة ناجحة ومُرضِية. كما كانت هناك نزعة لتجنب النهايات الكئيبة، على افتراض أن الصغار يحتاجون للشعور بالثقة في المستقبل، وفي قدرتهم على التغلب على العقبات. ومع تغير الأفكار المتعلقة بالطفولة، انهار الإجماع على هذه الخصائص بشكل كبير، ولا سيما بالنسبة للقراء الأكبر سنًّا الذين لم يُعتبروا في معظم فترات تاريخ أدب الأطفال جزءًا من الجمهور الذي يستهدفه هذا النوع من الكتب. وقد مثَّل دمج الكتابة للمراهقين داخل أدب الأطفال تحديًا للكثير من الافتراضات المتعلقة بأدب الأطفال، والتي ظلت سائدة لفترة طويلة؛ ونتيجة لذلك، يوجد الآن عدد كبير من كتب الأطفال المعقدة من ناحية الأسلوب، والتي تتضمن تلميحات جنسية وسبابًا وعنفًا عشوائيًّا، والتي تنتهي نهاية كئيبة. ومع تحرك النطاق العمري الذي يستهدفه أدب الأطفال بانتظام إلى أعلى، وبعد أن أصبحت القصص مختلطة الجمهور أكثر شيوعًا، أصبح مسمى «أدب الأطفال» إشكاليًّا بشكل متزايد. وما يساهم في زيادة إشكالية أدب الأطفال هو حقيقة أن الكتابات الجديدة تتواجد جنبًا إلى جنب مع الكتابات المتراكمة المخصصة لصغار القراء. على سبيل المثال، الكثير من ناشري كتب الأطفال لديهم قوائم ضخمة بالكتب القديمة، والتي عادةً ما تتضمن أعمالًا «كلاسيكية» مثل «أطفال الغابة الجديدة» (١٨٤٧)، و«نساء صغيرات» (١٨٦٨)، و«بينوكيو» (١٨٨٣)، و«الحديقة السرية» (١٩١١)، والتي تم تأليفها عندما كانت الأفكار المتعلقة بالطفولة مختلفة للغاية. ولا تتعلق الاختلافات فقط بالكيفية التي نفهم بها الأطفال؛ فبالنسبة للأعين المعاصرة، عادةً ما تبدو الطريقة التي كُتب بها الكثير من الأعمال القديمة — والتي تدرج عادةً في الدارسات التاريخية لكتب الأطفال — بعيدةً كل البُعد عن أن تكون قصيرة وبسيطة وحيوية وموجهة للأطفال، والأمثلة الواضحة على ذلك هي تلك الكتب التي أضافها الأطفال إلى قائمة قراءاتهم عندما لم يكن أمامهم الكثير من الروايات الأخرى لكي يقرءوها، كتب مثل «رحلة الحاج»، أو «رحلات جاليفر»، أو «الفارس الأسود» (١٨١٩). والكتب التي كُتبت «خصوصًا» للأطفال وكانت شديدة الرواج بين القراء الصغار في وقت نشرها تعقد الصورة بشكل أكبر، ومثال على ذلك رواية «عالم واسع، واسع جدًّا» (١٨٥٠) لإليزابيث ويذريل، والتي تعد عملًا ذا أبعاد ملحمية وأسلوب ديني مذهل. وحقيقة أن الكثير من هذه الأعمال لم تعد تُقرأ اليوم إلا في المناهج الجامعية حصريًّا — هذا إن كانت تُقرأ من الأساس — قد فتحت الباب للجدل حول ما إذا كان لا يزال من الجائز أن نعتبرها جزءًا من أدب الأطفال أم لا. وعلى الجانب الآخر، فإن محاولات ضمان أن النصوص الموجهة للأطفال مناسبة على أساس بساطة اللغة والأسلوب قد باءت بفشل متكرر، فما الذي يمكن أن تفعله أو تقوله عن رواية بياتريكس بوتر، «حكاية الأرنب بيتر» (١٩٠٢) التي لا تزال محبوبة بشدة، والتي «تناشد» فيها العصافيرُ الأرنبَ بيتر بأن «يخلِّص» نفسه بعد أن تعلقت أزرار قميصه في شبكة نبات عنب الثعلب الخاصة بالسيد ماكريجور؟ (وقد قيَّم بعض التربويين الأمريكان المفردات المستخدمة في رواية بياتريكس بوتر بأنها مناسبة لأولئك الذين يدرسون بالمرحلة الإعدادية وحتى الجامعة). ويعد طول الكتاب أيضًا إشكاليًّا بالقدر نفسه؛ ففي حين أن الكثير من كتب الأطفال الآن أقصر من تلك التي صدرت في الماضي، فإن شعبية سلسلة روايات «هاري بوتر» — التي يزيد طول كل مجلد منها في المعتاد عن ٤٠٠ صفحة (المجلد النهائي وصل إلى ٩٠٠ صفحة) — قد فتحت الباب للكثير من سلاسل الروايات الخيالية الطويلة المخصصة للأطفال. وبالنظر إلى نطاق المواد التي صُنِّفت كأدب للأطفال طوال تاريخ ذلك الأدب، فليس من المفاجئ أنه قد ثبت مدى استحالة الوصول إلى طريقة مُتَّسقة لوصف ذلك الأدب وتعيين حدوده. وفي النهاية، فإن كثيرًا من العاملين في هذا المجال يتفقون مع جون رو تاونسند — الناقد الأدبي ومؤلف كتب الأطفال — الذي توصل في عام ١٩٧١ إلى أن «التعريف العملي الوحيد لكتاب الأطفال في هذه الأيام، هو أنه ذلك الكتاب الذي يظهر في قائمة كتب الأطفال الخاصة بأحد الناشرين». لكن هذا الأسلوب البراجماتي لم يعد مجديًا بالقدر نفسه الآن؛ لأن الكتب ربما تظهر في قوائم كتب الكبار والأطفال في الوقت نفسه، كما حدث مع رواية سلمان رشدي «هارون وبحر القصص» (١٩٩٠)، ورواية إيان ماكيوان «الحالم في النهار» (١٩٩٤)، ومعظم روايات جاين جاردام، وبالطبع الروايات مختلطة الجمهور لكلٍّ من جي كيه رولينج وفيليب بولمان ومارك هادون، والتي ذكرناها من قبل. ويبدو أنه إذا كنا سنتوصل لتعريف لأدب الأطفال، فربما يعتمد ذلك التعريف على الطريقة التي كُتِب بها النص والموضوع الذي يناقشه، بدرجة أقل من اعتماده على علاقته بالأطفال والطفولة وطريقة صياغته لكلٍّ منهما. هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه بيري نودلمان الذي يذكرنا بأن الأطفال والكبار مختلفون، وأنه مثلما يتوجب على الأطباء وعلماء النفس والمعلمين والمهندسين المعماريين ومصممي الأزياء أن يضعوا احتياجات الأطفال في اعتبارهم، كذلك يتطلب الأطفال أشياءَ مختلفةً فيما يقرءونه. ومع ذلك، فإن ما يتطلبه الأطفال يحدده الكبار استنادًا إلى ذكرياتهم عن الأطفال والطفولة، وملاحظتهم عنهما والتفاعل معهما، ومجموعة من المعلومات السابقة والآراء المستقاة والصور عنهما. الطفل داخل الكتاب وخارجه رغم أن مصطلحات «الطفل» و«الطفولة» و«الأطفال» و«المراهقة» تُستخدم بانتظام فيما يتعلق بأدب الأطفال، فإنه لا توجد نسخة موحدة من أيٍّ من هذه المصطلحات، ولا رؤية واحدة للطفولة خلف أدب الأطفال. وبينما كان لتأثير الحركة الرومانسية أثر عميق ومستمر على كثير من جوانب الطفولة في القصص الخاصة بالأطفال، وظهرت سيطرة بعض السمات (مثل إظهار الأطفال كمخلوقات بريئة ومحبوبة وقابلة للتعليم ومتحضرة)، فقد كان هناك أيضًا شخصيات أطفال شريرة وقاسية ومتوحشة وغير قابلة للإصلاح. ويتضمن كل جانب من جوانب أدب الأطفال مجموعات متعددة من الأطفال والشباب؛ بداية من شخصيات الأطفال في النصوص الأدبية إلى القراء الأطفال الضمنيين (المتخيَّلين) ووصولًا إلى القراء الحقيقيين من الأطفال. وفي حين أن الشخصيات والقراء الضمنيين ربما يكونون ثابتين على نحوٍ ما، فإن القراء الحقيقيين يتغيرون باستمرار؛ ولذلك فعندما نتعامل مع كتاب من الماضي، فإن مصطلح أدب الأطفال يشمل القراء الذين قرءوه في وقت نشره، وأولئك الذين يقرءونه حاليًّا، وكل القراء بين هاتين الفترتين. وكما أشرنا من قبل، فقد اخْتُزل الآن مصطلح أدب الأطفال في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في الكتابة الموجهة للقراء من سن صفر وحتى ١٦ عامًا (أي منذ لحظة الولادة وحتى السن التي يحق للشخص فيها ترك المدرسة بصورة قانونية)، ولكن هذا الأمر يختلف من دولة لأخرى، وقد تغير أيضًا بمرور الزمن؛ فهؤلاء الأطفال يأتون من خلفيات متعددة، وسوف يكون لديهم — كأفراد وأعضاء في مجموعات — مجموعة من الاحتياجات والقدرات والخبرات، إذنْ، فكما كان من المستحيل تحديد مجموعة واحدة من السمات الثابتة الشائعة في الكتابة للأطفال، فإنه من المستحيل أيضًا تحديد الطفل في أدب الأطفال. ومع ذلك، فإن القصص الموجهة للأطفال تخاطب أشكالًا من الطفولة وتكوِّنها، وفي أثناء ذلك، فإنها تؤثر على كيفية فهم الأطفال والطفولة، وبخاصةٍ من قِبَل الصغار. ومن بين العناصر المحورية لهذه العملية حقيقة أن الكبار هم من يؤلفون أدب الأطفال، وهم يفعلون ذلك طبقًا لتوقعاتهم لما يجب أن تكون عليه الطفولة. وبينما قد تتفاوت هذه التوقعات تفاوتًا كبيرًا من وقت لآخر، ومن مكان لآخر، ومن شخص لآخر، فحقيقةُ أن الأطفال في أدب الأطفال هم شخصيات رسم ملامحها الكبار قادت ماريا نيكولاييفا (٢٠٠٩) إلى أن تستنج أنه يوجد على الأقل شيء واحد ثابت في أدب الأطفال؛ ما تطلق عليه اسم «معيارية الكبار»، أو الطريقة التي تحكمت بها معايير الكبار في أنماط أدب الأطفال، منذ نشأته وحتى يومنا الحالي. وعلاقة القوة ربما تكون صحيحة، ولكن معايير الكبار ليست أكثر ثباتًا من تلك المعايير المحيطة بالطفولة؛ ومن ثم فإن ملاحظة نيكولاييفا تعد أكثر قيمة بسبب مجموعات الأسئلة التي تتمخض عنها من قيمتها كسمة مميزة لأدب الأطفال. وأيًّا كانت طريقة تحديدها، فإن الفوائد المكتسبة من دراسة الكتابة للأطفال — سواء كأدب للأطفال أو كجزء من المعارف المتخصصة الأخرى — كثيرة للغاية. ولتوضيح هذا القول، ستتفرغ الفصول المتبقية من هذه «المقدمة القصيرة جدًّا» بعد مناقشة بعض المناهج التي تُستَخدَم باستمرار في دراسة أدب الأطفال، لتقديم أمثلة للمجالات التي يثير فيها البحث في أدب الأطفال نقاشات أكاديمية أو يزيد منها. هوامش (1) Private collection/The Bridgeman Art Library. (2) Courtesy of the Lilly Library, Indiana University, Bloomington, Indiana. (3) Private collection/photo: Gen Larose. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
الفصل الثاني لماذا تدرَس كتب الأطفال وكيف؟ يلخص أدب الأطفال نطاقًا من الروايات التي تشكل أدب «الكبار» القصصي ويوسعه ويعدله، ولكن لا يستخدم دارسو أدب الأطفال المناهج النقدية والنظرية نفسها فحسب، بل يعدلونها ويضيفون عليها أيضًا؛ فهناك — على سبيل المثال — مناهج تركِّز على الجمهور المستهدَف، ومناهج أخرى تنشأ عن دراسة الطفولة، وأخرى تراعي التفاعل بين الصورة والنص. ومع ذلك فبوجه عام، تُدرَس الكتابة للأطفال بالطرق نفسها التي تُدرَس بها النصوص الأخرى، رغم حقيقة أن كتب الأطفال تُصنَّف على أساس الفئة العمرية أكثر من الفترة، أو الجنس الأدبي، أو مؤلفيها، أو غيرها من أسس التصنيف المحتملة تعني النزعة لاستخدام بعض المناهج أكثر من غيرها. يتناول هذا الفصل النقاد والمناهج التي أثبتت فائدتها لدراسة أدب الأطفال بالتحديد أيًّا كانت أعمار القراء وأيًّا كانت الصيغة أو الوسيلة التي يصل من خلالها الأدب إليهم. لكن قبل تناول كيفية دراسة أدب الأطفال، يستحق الأمر أن نلقي نظرة على ما تقدمه هذه النوعية من الأدب للباحثين، وما يمكن تعلُّمه من قصص الأطفال في الماضي والحاضر. الكبار يقرءون الكتابة المخصصة للأطفال عندما يقرأ الكبار الكتابات المخصصة للأطفال لأغراض الأبحاث والتدريس، يمكن أن تكون النصوص المخصصة للأطفال تنويرية على عدة مستويات؛ فحيث إن كل الكبار كانوا أطفالًا في مرحلة من حياتهم، وإن كتب الأطفال تخاطب القراء من الأطفال وعادةً ما تتضمن صورًا للطفولة، فيمكن لكتب الأطفال على المستوى الشخصي أن تعيد إنشاء الصلة بين الكبار وأنفسهم في مرحلة الطفولة. وقد يزداد تأثير هذه العملية إذا ما كانت النصوص التي يقرءونها هي نفسها التي قرءوها خلال طفولتهم، فالكثير من الناس يشعرون بشيء من الإثارة عندما يقع بين أيديهم النسخة نفسها من كتاب كانوا يقرءونه خلال طفولتهم. وعلى الرغم من أن العودة إلى الكتب التي كنا نقرؤها ونحن صغار قد تثير في البداية بعض ردود الأفعال العاطفية والحنين للماضي، فإن أغلب الكبار يتغلبون على هذه المشاعر بردود فعل انتقادية مدروسة أكثر، وقد تصيبهم بعض النصوص بالإحباط بسبب أسلوبها الركيك أو تفاهتها. وفي حين أن هذه النصوص قد تحتوي على بعض المعلومات الثقافية الشائقة، فقد تتسبب أيضًا في إثارة الشك في أن الاهتمام بالكتابة للأطفال أمر طفولي في حد ذاته، وأن أدب الأطفال هو أمر يجب التخلي عنه عند الكبر وتركه كجزء من الماضي بدلًا من أن يكون أمرًا يستحق الدراسة الجادة. لكن لا يقتصر أسلوب الكتابة الركيك أو التفاهة على أدب الأطفال، وليس من الغريب على الكبار أن ينتجوا كتابات رجعية أو طفولية عن الأطفال وإليهم. وهذا هو الاتهام الذي وجهه تي إس إليوت لاستحضار هنري فون لذكريات الطفولة، حيث قال: … يمكننا — إذا ما اخترنا أن «نسترخي إلى هذا الحد» — أن «نغرق» في «ترف» ذكريات الطفولة، ولكن إن كنا وصلنا لمرحلة النضج والإدراك، فإننا سنرفض أن ننغمس في هذا الضعف لدرجة الكتابة أو نظم الشعر عنه. إننا نعلم أن الطفولة أمر يجب دفنه ونسيانه، رغم أن جثمانها يمتلك العزيمة لأن يظهر على السطح من وقت لآخر. قد يكون تصوير إليوت للطفولة على أنها جثمان مدفون صادمًا، ولكن إدراكه أن هذا الجثمان يمكنه أن يجد طريقه للظهور بصورة دورية يمثل اعترافًا منه بأن طفولتنا تستمر في الوجود داخلنا حتى بعد النضج، وهو سبب وجيه لإعادة فحصها، وكذلك لاستخدام المناهج النقدية القائمة على التحليل النفسي باستمرار في قراءة الكتابات المخصصة للأطفال. ويتمثل أحد طرق العودة للطفولة في قراءة الكتب والقصص المصورة والمجلات وغيرها من الأعمال الأدبية التي قرأناها آنذاك، ولكن هذا لا يعني أن نحاول قراءتها من المنظور الذي كنا نقرؤها منه ونحن أطفال؛ فلا شك أن دراسات أدب الأطفال تعمد إلى تجنب هذا النوع من الترف الانتكاسي تحديدًا. إن من ينظرون إلى أنفسهم أو إلى أطفال آخرين كأمثلة للقراء من الأطفال، إنما يفعلون هذا في محاولة منهم لاكتشاف سبب أن بعض الكتابات تكون ذات تأثير كبير في مرحلة الطفولة وما يمكن لهذا الأمر أن يكشفه؛ فكتاب «الصيادون المسحورون» (٢٠١٠) لماريا تاتار — على سبيل المثال — يهتم بالطريقة التي ينسى بها الأطفال أنفسهم أثناء قراءة الكتب، فما الذي يميز الأطفال كقراء والكتب المعدة للأطفال والشباب لدرجة تجعلها شديدة الفاعلية في جعل الأطفال يهيمون بعيدًا عن العالم من حولهم؟ في كتاب «الطفل الذي ربَّته الكتب» (٢٠٠٢)، يكشف فرانسيس سبوفورد — وهو يسترجع ذكريات طفولته، وهو طفل محب للقراءة — عن أنه كان تحديدًا من نوعية القراء من الأطفال الذين يثيرون اهتمام الكاتبة تاتار؛ فهو يتذكر أنه كان «ينغلق عن العالم الخارجي حتى تتمكن (ذاته القارئة) من الانفتاح على العالم الداخلي»؛ مما تمخض عمَّا يطلِق عليه هو اسم «القراءة الفصامية». وفي حين يهتم كلٌّ من تاتار وسبوفورد بتأثير الكتابات على القراء الصغار منفردين، فإن أغلب من يعملون في هذا المجال — باستثناء بعض التربويين (انظر الجزء الخاص بنقد استجابة القارئ فيما يلي) — يهتمون أكثر بما تكشفه هذه النصوص للأطفال عن موعد أو مكان أو جهة إصدارها. وقد يعني هذا إلقاء الضوء — على سبيل المثال — على المواقف من حركة الاستكشاف والاستعمار في قصص المغامرات التي نُشرت بالقرن التاسع عشر، أو اشتراك شخصين من نفس الجنس في تربية الأطفال في الكتب المصورة في القرن الحادي والعشرين. وكما أظهرت النظرة التاريخية الشاملة في الفصل الأول، يمكن للنصوص الموجهة للأطفال أن تساعد على نشر أفكار عن «طفولة» الدول بالقدر نفسه الذي تنشر فيه أفكار عن الطفولة الفردية. وفي حقيقة الأمر، بعض خصائص أدب الأطفال التي حُددت أثناء مناقشة ماهيته (خاصة في الفترة السابقة للمراهقة) — تحيُّزه تجاه البنى البسيطة نسبيًّا، وكذلك صلته بنظام التعليم على سبيل المثال — تعني أن المواقف الأيديولوجية والأجندات الخاصة عادة ما تكون أكثر صراحة ووضوحًا مما هي عليه في النصوص الموجهة للكبار. وهذا من شأنه أن يجعل الكتابة للأطفال مصدرًا للمعلومات التاريخية عن كل شيء، بدايةً من الحياة اليومية — إذ تدور أحداث الكثير من كتب الأطفال وأشعارهم وقصصهم في المنازل ودور الحضانة والمدارس، وتتضمن تلك الأنشطة البسيطة مثل التسوق والقيام بالأعمال اليومية الروتينية — ووصولًا إلى الجدل حول أمرٍ ما في أي وقت؛ ومن ثَمَّ، فإن دراسة كتب الأطفال يمكن أن تكون طريقة للتأمل في شخصياتنا أثناء الطفولة أو حتى ماضٍ جماعي لفترة ما، ولكن هذه فقط بعضٌ من الأسباب التي تجعل دراسة أدب الأطفال مثمرةً ومجزيةً للغاية. إرساء المعايير وخرقها نظرًا لأن الوسيلة الرئيسية للكتابة للأطفال هي اللغة، وحيث إن الأطفال خلال مشوار تعلم القراءة يكتسبون الكثير من المفردات والمفاهيم التي يستخدمونها للتفكير في أنفسهم وفي العالم من حولهم، فإن الكتابة للأطفال لديها إمكانية كبيرة للتأثير على ما يعتبره القراء المستهدفون أمرًا طبيعيًّا أو جيدًا أو مقبولًا أو مهمًّا أو غير عادل أو يجب الخوف منه. وهذا من شأنه أن يجعل كتابات الأطفال مصدرًا قيمًا للمهتمين بالتحولات الأيديولوجية والتغيرات الثقافية. على الرغم من أنه في النصف الثاني من القرن الماضي تَسبَّب دور أدب الأطفال في تثبيت الأنماط التقليدية الخاصة بالجنس والمنزلة الاجتماعية والعرق في إثارة جدل محتدم وحملات قوية لمقاومة هذه النزعات، فإن المدى الذي يمكن لأدب الأطفال أن يصل إليه في تشكيل شخصيات الأطفال عقليًّا واجتماعيًّا غالبًا غير معترف به. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُستغل فيها الكتابة للأطفال في مساندة حملات متطرفة النزعة. ونظرًا لأن الطبيعة التشكيلية لأدب الأطفال غير معترف بها أو يتم التغاضي عنها خارج الفصول الدراسية؛ فإن لديها القدرة على العمل بعيدًا عن أجهزة الاستشعار الثقافية والشخصية. وهذه مفارقة؛ فمن ناحية، يتسم أدب الأطفال بالتنظيم الشديد؛ حيث إن المشاركين في جعل الأطفال يهتمون بالكتابات المخصصة لهم عادةً ما يكونون حذرين فيما يتعلق بالكثير من مظاهر الكتابة للأطفال؛ مما يؤدي إلى فرض نوع من القوانين الذاتية المتعلقة باللغة والمحتوى الذي سبق وناقشناه. وعندما يعتقد الأشخاص والمجموعات أن أحد النصوص قد تخطى الحدود المقبولة، يمكنهم أن يعارضوه بشدة، كما اكتشفت الكاتبة الأمريكية جودي بلوم؛ فقد استفز الكثيرُ من كتب بلوم من عينوا أنفسهم أوصياء على أدب الأطفال، ولكن كانت روايتها «للأبد» (١٩٧٥) — التي صوَّرت فيها مراهقَيْن يمارسان الجنس، وعملية إجهاض، ومحاولة انتحار فاشلة قام بها أحد أشخاص الرواية خوفًا من أنه شاذ جنسيًّا (جميعها أمور غير مترابطة) — هي ما تسبب في كون بلوم واحدة من أكثر المؤلفين المحظورين في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد تحدت رواية «للأبد» التقاليد بوضوح؛ حيث إن كتب الأطفال عادةً ما تكون أقل صراحة في الطريقة التي تطرح بها أسئلة هدامة عن الثقافة وتستكشف بها القضايا والسلوكيات والرغبات التي قد لا تعتبر مناسبة للأطفال. أحيانًا قد لا يكون المؤلفون و/أو الرسامون أنفسهم مدركين لما يقترحونه؛ وكان هذا صحيحًا على وجه الخصوص قبل أن يحدد سيجموند فرويد مفردات لوصف النفس. وقد أشار الكثير من القراءات لنصوص كلاسيكية مثل «أليس في بلاد العجائب» و«بيتر بان»، أن المؤلفين شعروا أنهم قادرون على استكشاف جوانب من أنفسهم أثناء الكتابة للأطفال ما كانوا ليدرجوها في كتاباتهم للكبار. وبدلًا من ذلك، قد يسعى المؤلفون تحديدًا إلى مخاطبة الجمهور اليافع؛ لأنهم يرغبون في تشكيل الجيل الصاعد من خلال تشجيعهم على رؤية الأمور من منظور جديد خارج عن الثقافة السائدة، أو لغرس طرق جديدة للتفكير والتصرف مقبولة رسميًّا. وقد استخدم المؤلفون في القرن السابع عشر كتب الأطفال لنشر أفكار معينة عن الدين والسلوك والحياة الاجتماعية، وفي القرن الثامن عشر نُشرت الأفكار العلمية والسياسية الجديدة بين الصغار من خلال كتبهم ومجلاتهم التي تصدر بشكل دوري، كما شجع الإصلاحيون في العصر الفيكتوري القيم الدينية والاعتدال والتبرع للأطفال الفقراء من خلال نشر صفحات من القصص الخيالية للأطفال، ولكن خلال الحقبة المكارثية في الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح أدب الأطفال مجالًا يستطيع من خلاله بعض المعارضين للمجتمع المحافظ تنمية الرؤى التقدمية للمجتمع. اتساع مجال دراسات أدب الأطفال على الرغم من أن جميع المناهج النقدية والنظرية الملائمة لدراسة النصوص يمكن استخدامها لتحليل الأعمال المخصصة للصغار، فإن بعضها قد أثبت فاعلية أكثر من غيره، وسيلقي الجزء المتبقي من هذا الفصل الضوء على أكثر تلك المناهج تأثيرًا. ومن الجدير بالذكر أنه في تسعينيات القرن العشرين لم يكن هناك الكثير من الدراسات النقدية عن أدب الأطفال، وقبل هذه الفترة كان من الممكن مناقشة بعض النصوص النقدية الفردية. وبحلول القرن الحادي والعشرين، وانعكاسًا لزيادة الاهتمام بدراسات أدب الأطفال وارتفاع منزلتها ونشاطها، ازداد عدد المنشورات في هذا المجال؛ مما جعلها أكثر تركيزًا على التوجهات في المقام الأول لا على الأعمال الفردية. ويعد النشاط الجم في الدراسات البحثية عن أدب الأطفال دليلًا على عوامل جاذبيته، ليس أقلها حقيقة أنه يقدم مجالًا جديدًا لم يتطرق إليه أحد من قبل؛ فهناك الكثير من الكتاب والنصوص والصيغ ومجموعات الأعمال وحتى الفترات التي لم تحظَ بسِوَى قدر ضئيل — أو لم تحظَ بأي قدر — من الاهتمام. هناك أيضًا الكثير من العمل الذي يجب القيام به عن التاريخ الببليوجرافي لأدب الأطفال. ويظهر جانب من ثرائه كمصدر من خلال فحص النصوص النقدية والتوجهات الرئيسية في دراسات أدب الأطفال. شكل ٢-١: هذه القصة تستخدم نصًّا بسيطًا ودمية ورقية لتعليم القراء من الأطفال فضائل الطاعة والتواضع.1 المناهج المبكرة بدأت الاستجابات النقدية لأدب الأطفال في الظهور بانتظام خلال القرن التاسع عشر. وكانت مجلة «حارس التعليم» هي أولى المطبوعات التي تنشر مراجعات جادة لكتب الأطفال، وقد تأسست عام ١٨٠٢ على يد السيدة المهيبة سارة تريمر، وهي والدة لاثني عشر طفلًا، وكاتبة وناقدة وعالمة تربوية. وكما يوحي اسمها، فقد اهتمت مجلة «حارس التعليم» بحماية الأطفال من خلال التأكد من أن التعليم الذي يتلقونه مفيد لهم. ويعكس وجود مثل هذه المجلة اهتمامًا بالطبيعة المهمة والمتقلبة للقراءة التي تزايدت خلال القرن التاسع عشر. فهؤلاء الذين كانوا يتمتعون بآليات التذوق الجيد ويتحلون بالتحكم في النفس (وكانوا جميعهم تقريبًا رجالًا كبارًا من الأثرياء وعلى درجة جيدة من التعليم) قد سُمح لهم بالقراءة بحرية، ولكن ساد اعتقاد بأن الفقراء والنساء والأطفال — خاصة الفتيات — يجب تنظيم قراءاتهم. أوضحت السيدة تريمر في العدد الثاني من مجلتها أهمية التأكد من أن الأطفال يقرءون ما يوافق عليه الكبار المسئولون عنهم: يجب ألا يُسمح للأطفال بالاختيار بأنفسهم، أو أن يقرءوا أي كتب تقع بين أيديهم بالصدفة، أو تقدَّم إليهم لمطالعتها؛ بل يجب أن يتعلموا أنه من «واجبهم» أن يستشيروا والديهم في هذه المسألة الخطيرة. وحقيقة أن امرأة هي التي نصَّبت نفسها مرجعًا في أدب الأطفال أمر له أهميته؛ حيث إنها أثارت الشكوك حول أحد المعتقدات المهيمنة على دراسات أدب الأطفال، ألا وهو أن الرجال كانوا هم المسيطرين على الأعوام الأولى من النشر الموجَّه للأطفال. وقد كان من السائد اعتبار الآباء المؤسسين لهذا النوع من الدراسات هما جون لوك وجان جاك روسو، اللذَين سيطرت نظرياتهما عن الأطفال والتعليم والحضارة — لا سيما كما رسماها في كتابيهما «بعض الآراء حول التربية» (١٦٩٣) و«إميل» (١٧٦٢) على التوالي — على تنشئة الأطفال وتعليمهم على مدار جزء كبير من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ فضلًا عن جون نيوبيري الذي يُنسب له فضل قيادة الناشرين التجاريين إلى مجال أدب الأطفال الجديد. ولكن تجاهلت هذه النسخة من ولادة أدب الأطفال الكثير من النساء اللاتي لعبن دورًا رئيسيًّا في تأليف مواد القراءة الأولى، وقد أشار الفصل الأول إلى إسهامات ماري كوبر وجين جونسون، وهناك أيضًا مؤلفات من النساء على غرار سارة فيلدينج، مؤلفة ما يُعتقد أنه القصة المدرسية الأولى، ألا وهي «المربية» (١٧٤٩)، وماريا إدجورث، التي صدر عملها الأول المخصص للأطفال، «مساعد الآباء»، عام ١٧٩٦. ومن ثَمَّ، ليست سارة تريمر سوى واحدة فقط من نساء عديدات شكَّلن مجال النشر للأطفال في سنواته الأولى، وفي هذه الحالة من خلال عملها كناقدة. وقد استُخدِمت آراء تريمر القوية المعارضة للقصص الخرافية والمناصرة للعقلانية المسيحية لإظهارها في صورة الشخصية القاسية التي ترغم الأطفال على قراءة المواد المملة؛ مما ساهم في تثبيت مفهوم آخر خاطئ وواسع الانتشار، وهو: أن النساء اللاتي كُنَّ يكتبن أو يدرسن أدب الأطفال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كُنَّ عبارة عن «كتيبة من الوحوش» يسعَيْنَ لقتل السعادة في نفوس الأطفال ولا يتمتعن بقدرة كبيرة على رواية القصص المسلية، في حين كان الرجال — أمثال إدوارد لير وتشارلز كينجسلي ولويس كارول وجورج ماكدونالد — يقودون الأطفال للتمتع بمتع الخيال والهراء والروايات المحببة للأطفال. وكما أوضحنا مرارًا وتكرارًا (انظر الأقسام المتعلقة بالمناهج التاريخية والقائمة على النوع فيما يلي)، فإن هذا الوصف الذي يوضح تطور أدب الأطفال قد أساء إلى نساء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وكتاباتهن. وبصفة عامة، كانت التعليقات المبكرة توجَّه إلى الآباء باعتبارهم المشترين المحتمَلين للكتب التي سيقرؤها أطفالهم، والذين كانوا يميلون — بما يتماشى مع منهج تريمر — إلى التركيز على ما إذا كان ما يُنشر من أجل الأطفال قد ينفعهم (على سبيل المثال، يعلمهم الأخلاق والسلوكيات الفاضلة) أو يضرهم. وكانت النصائح المتعلقة بتحديد ماهية الكتب الضارة تميل لأنْ تكون أكثر تعقيدًا من تلك النصائح المتعلقة باختيار الكتب المفيدة. كان النقاد الأوائل يفترضون بوجه عام أنهم يخاطبون جمهورًا من الطبقة الوسطى (ويمكن القول إن هذا الوضع لا يزال ينطبق على العصر الحالي)، وأن نوع المادة التي يعتبرونها ضارة يختلف باختلاف الطبقة وجنس القارئ؛ لذا، فقد كانوا يعتقدون أن براءة الفتيات يمكن أن تتضرر بسبب الكتب ذات الفكر الدنيوي، في حين تساعد هذه النوعية من الكتب على إعداد الصبية لمواجهة مخاطر الحياة واتخاذ القرارات التي يستتبعها كونهم ذكورًا. وقد كانت هناك مخاوف من أن انغماس أطفال الطبقة العاملة في القراءة قد يلهيهم عن القيام بأعمالهم، وربما يطلعهم على أفكار تجعلهم لا يتماشون مع وضعهم في المجتمع. وعلى النقيض، كان من شأن الكتب التي تتم الموافقة على قراءتهم لها — وهي بصفة أساسية الإنجيل والدعاية الدينية، ولاحقًا بعض أنواع الروايات التي أنتجتها دور النشر الدينية — أن ترشدهم نحو الآراء المناسبة وتشجعهم على المحافظة على الوضع الراهن. وعمومًا، اتفق النقاد الأوائل لأدب الأطفال على أن مرحلتَي الطفولة والمراهقة تمثلان الفترة التي يُحصِّل فيها المرء أكبر قدر من التعلم، والتي تتشكل فيها الشخصية؛ ومن ثَمَّ فإنه — كما قال إدوارد سالمون في كتابه «أدب الصغار كما هو» (١٨٨٨) — من المستحيل «أن نبالغ في تقدير أهمية أدب الصغار» على الشخصية القومية والثقافة. اتفق نقاد القرن التاسع عشر على أهمية أدب الأطفال، ولكن كانت المحاولة الأولى المثبتة لاعتبار أدب الأطفال كيانًا من الأعمال الأدبية هي كتاب «كتب الأطفال في إنجلترا: خمسة قرون من الحياة الاجتماعية» (١٩٣٢) لمؤلفه إف جيه هارفي دارتون. فقد حوَّل دارتون بؤرة تركيز النقد من الآباء إلى هؤلاء الذين لديهم اهتمامات بحثية في مجال النشر للأطفال في تاريخ تدعمه التفاصيل الببليوجرافية وتنظمه التصنيفات. ويرى دارتون أيضًا تطور أدب الأطفال على أنه تطور بدأ بتعلم جافٍّ وذي نزعة مسيطرة لم ترتخِ قيوده إلا بصدور كتاب لويس كارول «أليس في بلاد العجائب» (١٨٦٥)، الذي ناصر فكرة «حرية الفكر». وقد استمر النمط والبنى التي حددها دارتون في التأثير على فهم تطور أدب الأطفال، إلا أنه في ستينيات القرن العشرين، ظهر انقسام بين المهتمين بتحليل النصوص، غالبًا باستخدام النظرية النقدية التي كان يتم إثراؤها باستمرار، والتي كانت تُدرَّس وتُطبق في الدوائر الأكاديمية، وبين أولئك الذين كانوا يركزون على الببليوجرافيا الخالصة. وعندما أصبحت دراسات أدب الأطفال جزءًا مهمًّا من التدريس والبحث الأكاديمي، سرعان ما تزايد عدد التحليلات والمسارد النقدية المتعلقة به وأنواعها. ولسنا هنا في مقام سرد أعمال كل فرد من الأشخاص الذين رسموا خريطة تطور فن الكتابة للأطفال، ولكن من الأهمية بمكان ملاحظة أن هذا الأمر قد نفذه عدد من هواة جمع الكتب وبائعيها وأمناء المكتبات والمعلمين والناشرين والكتَّاب والرسامين والمتحمسين — لبعض الكتاب وأساليب الكتابة على نحو خاص — وبعض الأكاديميين الأفراد الذين لم يحظَ اهتمامهم بهذا المجال بتقدير من زملائهم أو مؤسساتهم. وقد طور هؤلاء فيما بينهم بنية تحتية لدراسة أدب الأطفال، خاصة في صورة مجموعات ومنشورات ومعارض. إذا كان دارتون هو رائد منهج دراسة أدب الأطفال الذي يتمحور حول الكتب، فإن بول هازارد — أستاذ الأدب المقارن بكلية كوليج دو فرانس — قد أخرج إلى النور المنهج الذي يتمحور حول الأطفال، حيث ألقى استطلاعه عن أدب الأطفال في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية — الذي يحمل اسم «الكتب والأطفال والإنسان» (١٩٣٢، وتُرجم إلى الإنجليزية عام ١٩٤٤) — الضوء على الاستثمار في خيال الأطفال كقوى متجددة، والذي ظهر في بدايات القرن العشرين، وأمل انتصار «دولة الطفولة العالمية» على الولاء القومي. وقد رأى هازارد أن كتب الأطفال هي محور هذه العملية، مُدَّعيًا أنه إذا تعرَّف الأطفال بعضهم على بعضٍ من خلال قراءة بعضهم كتب بعض، فهذا من شأنه أن يخلق تفاهمًا عالميًّا، بل — حسبما كان يأمل — من شأنه أن يضع نهاية للصراعات. وعلى الرغم من أن الكثير من المشاركين مهنيًّا في تحقيق التقارب والألفة بين الأطفال والكتب وضعوا رؤية هازارد في اعتبارهم، كما أن بعض المنظمات الرئيسية (المجلس الدولي لكتب اليافعين)، والمؤسسات (مكتبة الشباب الدولية بميونخ)، والجوائز الكبرى (جائزة أدب السلام للأطفال) قد خلَّدت أفكاره ومُثُله من حيث كيفية دراسة أدب الأطفال اليوم؛ فإن تراثه الأعظم يتمثل في مجال أدب الأطفال المقارن، الذي أرسى قواعده. وحقيقة أن هذا المجال ما هو إلا مجال محدود يلقى اهتمامًا أكبر في الدول التي لا تتحدث الإنجليزية تشير إلى طريق من اتجاه واحد لحركة كتب الأطفال بين الدول. وفي حين أنه لطالما كان من المعتاد ترجمة الكثير من كتب الأطفال المؤلفة باللغة الإنجليزية إلى لغات أخرى، فقد أصبح هذا النمط أكثر وضوحًا في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استشرى بهذا الشكل بفضل انتشار اللغة الإنجليزية. وعلى الرغم من أن هذه الدراسة لا تلقي الضوء على أيٍّ من التفاصيل المتعلقة بطريقة فحص أدب الأطفال من قِبَل المشاركين في عملية تعليم الأطفال، خاصة خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ففي الغالب كان المعلمون والقائمون على تدريبهم هم أكثر الناس يقظة للجودة العالية والابتكار في الكتابة للأطفال وبعض إخفاقاتها. وقد تجسد الترابط والإثراء المتبادل بين المناهج الأدبية والتعليمية والنظرية، وكذلك الارتباط بين الأبحاث العلمية في إنجلترا وأمريكا الشمالية، في صدور مجلة «أدب الأطفال في التعليم». وتحتوي هذه المجلة — التي أُسست في عام ١٩٧٠ وحُررت تحريرًا مشتركًا بين أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة — على أمثلة لجميع المناهج النظرية التي سنتعرض لها بالنقاش في بقية هذا الفصل. مناهج التحليل النفسي والمناهج النفسية من بين الاستخدامات الأولى للنظرية التي تُطبَّق بوعي على أدب الأطفال كانت تلك التي ركزت على العالم الداخلي للطفل؛ فبينما كانت نظرية التحليل النفسي وحدها هي التي تستخدم في نقد أدب الكبار، فإن الكتابة للأطفال قد استندت بشكل متكرر إلى نماذج ورؤًى من كلٍّ من التحليل النفسي وعلم نفس الأطفال. ويعود وجه الشبه بين هذين المنهجين وبين أدب الأطفال إلى العادة القديمة المتمثلة في استخدام القصص لمساعدة الأطفال على فهم أنفسهم وفهم المحيطين بهم. فتاريخ أدب الأطفال يزخر بالقصص المتعلقة بمخاوف الأطفال وما يقلقهم وردود أفعالهم الغاضبة و«سلوكهم السيئ»، والتي تقدم النصح حول كيفية التحكم بهم. على سبيل المثال، يبدأ كتاب «المربية» (١٧٤٩) — لمؤلفته سارة فيلدينج — بشجار بين الفتيات في أكاديمية السيدة تيتشام للفتيات الصغيرات؛ فيتعلمن أن يتغلبن على مواطن ضعفهن الفردية ورغباتهن الجامحة، وأن يعشن سويًّا في وئام عندما تقص كل واحدة منهن قصة اعترافية للأخريات. إن الطريقة التي يكشف بها هذا الكتاب الجوانب الخفية للنفس ويضفي عليها شكلًا قصصيًّا تشبه إلى حدٍّ كبير أسلوب التحليل النفسي، رغم أن النقاشات التي استخدمت في قصة فيلدينج مُتضَمَّنة في المخاوف المعاصرة آنذاك، على غرار التحكم بالنفس والواجب المسيحي. وبعد مرور أكثر من قرن، ولكن قبل تطور المفردات العلمية ومجموعة المفاهيم الخاصة بالتحدث عن النفس، أظهرت قصص الأطفال التي كتبتها ماري لويزا مولسورث فهمًا عميقًا لسبب تصرف الأطفال بالطريقة التي يتصرفون بها. فعلى سبيل المثال، تتناول قصة «ساعة الوقواق» (١٨٧٧) تأثير الحرمان والوحدة والملل على الحياة الخيالية للفتاة جريسيلدا؛ في حين تتناول قصة «لغز شيلا» (١٨٩٥) قضية تنافُس شديدة بين الأشقاء. وبحلول منتصف القرن العشرين، اعتمد الكثير من الكتابات الموجهة للأطفال على فهم نفسية الطفل وعقله وعالمه الداخلي، كما فسرها علماء نفس الطفل. وفي بعض الأحيان — كما في حالة كاثرين ستور — كان مؤلفو كتب الأطفال من علماء النفس الممارسين. وقد ظهر مدى تضافر الاهتمامات الإبداعية والتشخيصية في كتاب «الشبكة الرائعة» (١٩٧٧)، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي جمعت آراء الكتاب والرسامين والنقاد الأدبيين وعلماء النفس وأمناء المكتبات والتربويين. وقد أضاف كتاب «الطفل والكتاب: استكشاف نفسي وأدبي» (١٩٨١) لعالِم النفس التربوي نيكولاس تاكر إلى هذا المنهج روابط محددة لنظريات تطور الطفل التي قدمها جان بياجيه. وبحلول القرن الحادي والعشرين، تجمع عدد هائل من التحليلات التي كانت في بعض الأحيان شديدة التخصص، والتي وظفت توليفة من أسلوبَي التحليل النفسي وعلم النفس. وقد وضع بعضًا من هذه التحليلات ممارسون متخصصون، مثل الكتاب الذي ألفه طبيبا الأطفال النفسيان مارجريت ومايكل راستن تحت عنوان «قصص عن الحب والخسارة» (١٩٨٧، وتمت مراجعته في ٢٠٠١)، والبعض الآخر وضعه متخصصون بالأدب، مثل كتاب كارن كوتس «نظارات الرؤية والأراضي الخرافية» (٢٠٠٤)، والتي تطبق نظريات جاك لاكان على عدد من النصوص الأدبية للأطفال. وقد اهتم كلا المنهجين في النهاية بمدى قدرة الكتابة للأطفال على تشكيل الذات واستكشاف الهوية النفسية، وأثناء ذلك يساعد الأطفال على فهم أنفسهم. يمكن قول الشيء نفسه عن بعض النصوص الأدبية الأولى التي شكلت بوعي بعض القصص عن مشكلات الأطفال النفسية ومشكلات التطور. ومن بين الأمثلة الرئيسية على ذلك قصة كاثرين ستور «أحلام ماريان» (١٩٥٨)، وقصة موريس سينداك «أينما توجد الأشياء البرية» (١٩٦٣)، وقصة نيل جايمان، «كورالاين» (٢٠٠٢). ومن المثير للاهتمام أنه في كلٍّ من هذه القصص يدخل أبطال القصة عالم الأحلام/العوالم الثانوية؛ حيث يواجهون الشخصيات والسيناريوهات المخيفة المستقاة من المشكلات التي يواجهونها في حياتهم اليومية ويتغلبون عليها. وتمثل أهمية استحضار مخاوف الأطفال في القصص الخيالية التي يقرءونها وبعْث الطمأنينة في أنفسهم بأنهم سوف يتغلبون عليها محورَ إحدى أهم الدراسات حول علاقة الأطفال بالقراءة؛ ألا وهي دراسة برونو بتلهايم التي تحمل عنوان «استخدامات السحر: معنى القصص الخرافية وأهميتها» (١٩٧٨). وقد تبع بتلهايم خطوات فرويد عن كثب؛ حيث ركزت تحليلاته عن القصص الخرافية الشهيرة على الرمزية والدور الرئيسي الذي تلعبه الدراما الأوديبية في تطورهم النفسي-الجنسي. ورغم أن دراسته قد لاقت نقدًا بسبب تطبيقها المختزل لنظرية فرويد، وكذلك فشلها في الانتباه إلى السياق التاريخي أو تاريخ القصص الفردية التي حللها، فإن قوله بأن الأطفال بحاجة إلى قصص تُظهر لهم مخاوفهم — من بينها المخاوف من أن تتملكهم مشاعر العدائية والرغبة القوية التي تستعر بداخلهم — كان له تأثير كبير على من يدرسون أدب الأطفال ومن يؤلفونه. لقد تغلغلت أفكار فرويد عبر الثقافة؛ وعلى النقيض، فإن أفكار زميله وصديقه كارل يونج في بعض الأحيان أقل انتشارًا. ومع ذلك، فمن المزعوم أن لتلك الأفكار تأثيرًا أكبر على كتابة أدب الأطفال ونقده؛ ولا سيما اعتقاد يونج بأن الأطفال يولدون وداخلهم إحساس بالكمال يفقدونه على مدار المرور بأشياء كثيرة على غرار تحديد النوع وتعلم اللغة والتحكم الجسدي والذاتية — جميع المعايير الرئيسية للتطور الاجتماعي. وتؤكد آراء يونج عن التطور الشخصي على الحاجة إلى الانفصال والفردية كجزء من عملية النضج، ولكنه يرى أن هذا جزء من السعي لاستعادة الكمال النفسي. وقد اعتمد الكثير من الكتاب — خاصة كتاب روايات الصغار الخيالية — بشكل أساسي على نماذج يونج الأساسية — الرموز التي كان يؤمن أن الوعي واللاوعي يتواصلان من خلالها — والفكرة بأن النفس السليمة توازن بين الجوانب الذكورية والأنثوية. لن يكتمل أي نقاش حول هذا الموضوع دون ذكر كتاب جاكلين روز «قضية بيتر بان: أو استحالة القصص الخيالية للأطفال» (١٩٨٤). يضرب عمل روز بجذوره في إعادة قراءة عمل فرويد الذي قدمه المحلل النفسي والطبيب النفسي الفرنسي جاك لاكان؛ حيث إنها تَعتبر أدب الأطفال ذا أهمية كبيرة في بناء الهوية الشخصية؛ إذ إن الذات نتاج اللغة، واللغة هي وسيلة الخيال؛ ومن ثَمَّ، فإن الأطفال أثناء القراءة يتعلمون ويجربون اللغة ويبنون هوياتهم في الوقت ذاته. ولكن الجانب من عملها الذي كان له عظيم الأثر هو تأكيدها بأن جذور البنى الخيالية للطفولة ترجع إلى احتياجات الكبار ورغباتهم. وقد أدى هذا إلى تصوير الطفولة على أنها رمز لمجموعة من رغبات الكبار — الرغبة في البراءة والتماسك والتوازن النفسي — التي لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأطفال والطفولة. وقد حملت كلٌّ من كارن ليسنيك-أوبرشتاين (١٩٩٤) وكارن كوتس (٢٠٠٤) راية الاهتمام بمنهج لاكان واللغة والذاتية من بعد روز. المناهج اللغوية والسردية والأسلوبية من بين أولى الدراسات التي حاولت تحليل أدب الأطفال على أساس خصائصه الأسلوبية دراسة «قواعد أدب الأطفال» (١٩٨٦) لزوهار شافيت، والتي تلقي الضوء على كيف وأين يتواجد أدب الأطفال داخل ما تشير إليه على أنه النظام التعددي للأدب، أو الأنظمة المتداخلة والهرمية بشكل مختلف التي تنظم النصوص الأدبية على مستويات ثقافية وعالمية وتحدد شكلها. وقد تبنَّى آخرون بعض أفكار شافيت، ولكن قرارها بأن تستخدم أمثلة كنسية من تاريخ أدب الأطفال تسبب في مشكلات لتحليلها؛ إذ إن الكثير من النصوص الأدبية التي ناقشتها لم تكن موجهة في الأساس إلى الأطفال. وفي كتاب «صوت الراوي: معضلة القصص الخيالية للأطفال» (١٩٩١)، قدمت باربرا وول أيضًا نظرة تاريخية شاملة لمساعدتها على تحديد المعايير الأسلوبية التي يمكن من خلالها تمييز كتب الأطفال عن غيرها من الكتابات الأخرى. وقد كانت جميع النصوص الأدبية التي ناقشتها باربرا وول مكتوبة خصوصًا من أجل الأطفال، وكانت تقصد بذلك القراء الذين تقل أعمارهم عن ١٢ عامًا. وقد خلصت إلى أن أغلب الكتابات الأولى التي أُدرجت في الدراسات التاريخية لقصص الأطفال الخيالية لم تكن في حقيقة الأمر تَمُتُّ بأية صلة لأدب الأطفال؛ لأنها لم تُكتَب بطريقة صُممت خصوصًا لتروق الأطفال (انظر المناقشة عن المخاطبة الفردية والثنائية والمزدوجة في الفصل الأول). وطبقًا لكتاب «صوت الراوي»، فإن أدب الأطفال ككيان أدبي مميز يمكن تحديده فقط عندما يطور الكاتب أساليب محددة لمخاطبة القراء من الأطفال؛ وهذا في حد ذاته يعتمد على وجود فهم متسق لماهية الطفل وكيف أن الأطفال يختلفون عن الكبار على المستويات الإدراكية والعاطفية والجسدية. وتخلُص وول إلى أن أدب الأطفال — إلى جانب أنه يستقي صورة وفهمًا ناشئين للطفولة — يعزز ويساعد في رسم ملامح صورة الطفل الذي يخاطبه. أما العمل الرئيسي التالي الذي يركز على اللغة والأسلوب — وهو كتاب «اللغة والأيديولوجية في القصص الخيالية للأطفال» (١٩٩٢) لجون ستيفنز — فيطبق تقنيات تراوحت ما بين النقد السردي واللغوي (القصة وأحداثها، ووجهة النظر، وبؤرة الأحداث، وصوت الرواية، وختام القصة) جنبًا إلى جنب مع عدد من المناهج النقدية لنصوص الأطفال في القرن العشرين. وقد توصل ستيفنز إلى استنتاجات واسعة النطاق، ولكن ربما يكون أكثرها تأثيرًا هو إثباته أن الكتب التي يقرؤها الأطفال والشباب مؤثرة أيديولوجيًّا وتميل إلى مناصرة القيم الإنسانية المتحررة. المناهج القائمة على الجنس والنوع هناك قطاع كبير من الكتابة النقدية عن أدب الأطفال يتناول القضايا المتعلقة بالتوجهات النوعية والجنسية، وقد كان له أثر واضح على كتابة أدب الأطفال وشكله وتسويقه. وخلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أصبح مدى اشتراك أدب الأطفال في تخليد الصور النمطية عن النوع قضيةً ساخنةً مثيرةً للجدل الشديد؛ ففي البداية، ركزت المخاوف على تصوير الفتيات وكيف كانت النصوص تميل إلى الالتزام بالمثاليات النسائية التي قللت من قدرهن، حيث كانت تشير إلى أن الفتيات أقل ذكاءً وحيوية ومهارة من الصبية. وقد شرع الكتَّاب والناشرون في التعامل مع هذه المشكلة، من خلال وضع إرشادات وكتابة أعمال تهدف إلى مناهضة التمييز على أساس الجنس. وفي نهاية المطاف، أثمرت تلك الحملة عن مجموعة ضخمة ومتنوعة من النصوص التي قدمت الكثير من طرق تحقيق النجاح والمخصصة للفتيات. وقد تضمن جزء من هذه العملية إدراك أن توزيع القوى بين الجنسين لن يحرز أي تقدم بدون علاج مشكلة التصوير الذكوري؛ حيث بدأ كلٌّ من النقاد والكتاب في تلك المرحلة التركيز على مشكلات الصور النمطية الذكورية. وقد وقع بعضٌ من أكثر المناقشات المحتدمة حول الذكورة في أستراليا، والتي ظهر فيها أيضًا عدد من روايات أدب الشباب، والتي قدمت نماذج جديدة للذكور. وتعتبر مجموعة جون ستيفنز القصصية المنقحة والصادرة تحت عنوان «خصائص الذكورة: تصوير الذكورة في أدب وأفلام الأطفال»، العمل النقدي الأول والأكثر تأثيرًا الذي يتناول هذا الأمر، والذي ظهر عام ٢٠٠٢. وبينما طرأت — بلا شك — تطورات في عدد ونوعية النصوص التي تقاوم تحديد الصور النمطية للنوع على مدار نصف القرن المنصرم، فمن الجدير بالذكر أن القرن الحادي والعشرين قد شهد إعادة إحياء للأدب الذي يستهدف قُرَّاءً من جنس معين، والذي يبدو أنه يعيد إحياء الأفكار السابقة عن طبيعة الذكور والإناث وقدراتهم؛ حيث كانت الكتب الموجهة إلى «الفتيات» وردية اللون، ومزينة بالحوريات للفتيات الصغيرات أو إكسسوارات الموضة للفتيات الأكبر سنًّا، وعادةً ما تفترض ضمنيًّا أن القارئات الصغيرات لا يهتممن بسِوَى مظهرهن وأن يَرُقْنَ الفتيان. أما كتب «الفتيان» فتكون عن الجنود أو الجواسيس الصغار أو أيٍّ من الشخصيات المشابهة مفتولة العضلات التي لا تُظهر الكثير من العاطفة وتركز فقط على تطوير المهارات البدنية التي تمنحها التفوق والسيطرة في أغلب المواقف. وتمتلئ صفحات تلك الكتب بالمعارك والآلات ومشاهد من الحياة في الهواء الطلق والشجاعة منقطعة النظير. وقد حدثت هذه العودة إلى الأفكار القديمة رغم النشاط النقدي المستمر (انظر — على سبيل المثال — كيري ماليان، ٢٠٠٩)، والاهتمام المتزايد بنظرية تحرر الجنس (ماريا نيكولاييفا، ٢٠٠٩). وفي حين قد يبدو تصوير النوع رجعيًّا في بعض جوانب النشر للأطفال، فإن الوضع يختلف تمام الاختلاف عندما يتعلق بالتوجهات الجنسية. فهناك عدد متزايد باطراد من الأعمال الرئيسية والثانوية التي تؤيد وتحتفل بحياة الشواذ من الذكور والإناث ومزدوجي الرغبة الجنسية والمتحولين جنسيًّا من الشخصيات والقراء. وتشجع الكتب التي تقدم شخصيات غير محبة للجنس الآخر قراءها على تقمُّص توجه جنسي بديل خلال وقت القراءة — بالضبط كما يُطلب ممن لا يكونون من محبي الجنس الآخر أن يفعلوا — مما يشجع على فهم أن جميع الميول الجنسية يمكن تغييرها، وأن نظم التصنيف الحالية بدائية. علاوةً على ذلك، فإن رؤية العالم من خلال وجهة نظر شخصية تختلف ميولها الجنسية عن ميول القارئ بإمكانها أن تشجع التعاطف والتقمص العاطفي بطرقٍ نادرًا ما تنجح المعلومات المباشرة وتدريبات زيادة الوعي في فعلها. وهذه هي الاستراتيجية التي وظفها ديفيد ليفيثان في رواية «صبي يقابل صبيًّا» (٢٠٠٣)، والتي تدور أحداثها في مدينة فاضلة للشواذ ويرويها بطل القصة مِثْلِيُّ الجنس. المناهج التاريخية منذ عصر هارفي دارتون وحتى عصرنا الحاضر، كانت نسبة هائلة من الأبحاث المتعلقة بأدب الأطفال تاريخية، وقد ينقل هذا دراسة الكتب أو المخطوطات أو غيرها من المواد المطبوعة من الماضي من مستوى أغراض مادية تم إنتاجها في لحظة تاريخية بعينها، أو تحليل المناقشات المتنافسة حول قوة الخيال في الماضي، أو تأمل كيف كوَّن كتاب الماضي صورًا عن الطفولة مثلًا أو الأبوة أو النوع أو الحرب، أو دراسة كيفية إنتاج الكتب أو بيعها أو تلقيها. ولكن بصفة عامة، كانت الأبحاث التاريخية باستخدام نصوص الأطفال تقارب إلى حدٍّ كبير الأبحاث التي أُجريت على النصوص الأدبية للكبار، ولكن بسبب أن القيود المفروضة حول ما يمكن اعتباره أدب الأطفال واسعة للغاية ومسامية، فقد نتج عن هذا بعض الاختلافات. إن العمل على أدب الكبار يميل إلى دراسة الأدب في صورة النصوص المطبوعة فقط تقريبًا؛ فإعداد النصوص لتحويلها إلى مسرحيات أو أفلام يُنظر إليه على أنه تخصص، إن لم يكن مجالًا منفصلًا تمامًا للدراسة، ويندر أن ينشب الجدل — إذا كان هناك جدل على الإطلاق — حول ما يشكل أدب الكبار. أما بالنسبة لأدب الأطفال، فهناك عدد من المعضلات، ينبع معظمها من الفشل في الاتفاق على تعريف واحد لماهية أدب الأطفال. عند تناول أعمال من الماضي، يمكن أن يقودنا هذا للتساؤل عن مدى صحة اعتبار نص مثل «رحلة الحاج» مثالًا على أدب الأطفال، حيث إنه لم يُكتب من أجل الأطفال، وعلى مدار قرن كامل من الزمان، نادرًا ما كان يقرؤه الأطفال (وبعد ذلك كان يُقرأ دائمًا في نسخ معدة خصوصًا للصغار). هل لا يزال يعتبر من أدب الأطفال؟ أو ماذا عن الكثير من الألعاب التي كانت تأخذ — ولا تزال — شكل الكتب مثل الدُّمَى الورقية ومسارح العرائس والكتب ذات الرسومات ثلاثية الأبعاد على سبيل المثال، أو ألعاب الورق والطاولة والألغاز واللعب وغيرها من الأغراض المؤقتة التي تستند فكرتها إلى الكتب؟ كل هذه الأشياء توجد في مجموعات كتب الأطفال التاريخية، والتي يمكن الكتابة عنها تحت عنوان عام هو «أدب الأطفال». وهناك اختلاف أخير بين دراسة أعمال الماضي للكبار وللأطفال يتعين علينا أن نأتي على ذكره هنا؛ وهو يرتبط بصورة الطفل. يتفق مؤرخو أدب الأطفال على أهمية أن نظل يقظين إلى كيفية تكوين النصوص لصور الطفولة وكيفية اتصالها بمناقشات أكبر وتجارب حقيقية لأطفال حقيقيين وقت كتابة النص الأدبي. إن الحاجة لإدراك المعاني الرمزية والثقافية للطفولة في أي وقت محدد ما هي إلا مطلب إضافي ممن كانوا يعملون مع النصوص الأدبية للأطفال في الماضي. وفي حين أن بعض مؤرخي أدب الكبار يهتمون بقرائهم، فلا يوجد أي معنًى في تحديد صورة مشابهة لمرحلة النضج بما يتجاوز بعض أساسيات الجنس والطبقة والعرق. مناهج مرحلة ما بعد الاستعمار تعني حقيقة أن هذه الدراسة تتمحور حول أدب الأطفال في الدول المتحدثة باللغة الإنجليزية أنها تؤرخ لميراث من الأنشطة الاستعمارية. ونظرًا لأن كلًّا من بريطانيا وأمريكا الشمالية تتشاركان تاريخ الغزو والاستعمار (بما في ذلك الغزو البريطاني للكثير من أنحاء أمريكا الشمالية)؛ فلن يكون من المفاجئ أن هناك تاريخًا طويلًا من الكتابة المخصصة للأطفال عن تجربة الاستعمار. خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تخلل هذا التاريخ الإمبريالي أجناس أدبية رئيسية، مثل قصص المغامرات والاستكشاف، والتي تتضمن كلًّا من المؤلفات التي تصطبغ بالصبغة الواقعية التي ألفها جي إيه هنتي، والمؤلفات الخيالية مثل رواية «جزيرة الكنز» لستيفنسون. وعلى الرغم من وفرة المواد الأدبية الأساسية، فإن تطبيق نظرية ما بعد الاستعمار على أدب الأطفال محدود نسبيًّا حاليًّا. ومن بين الأمثلة الأولى مقال بيري نودلمان «الآخر: الاستشراق والاستعمار وأدب الأطفال» (١٩٩٢)؛ حيث طبق نودلمان أفكارًا من كتاب «الاستشراق» للكاتب إدوارد سعيد عن العلاقة بين الكبار والأطفال التي تظهر في نصوص الأطفال الأدبية، ويشير إلى أن أدب الأطفال ما هو إلا أدب استعماري يستعمر فيه الكبار الطفولة. ومِن بين مَن شككوا في بعض استنتاجات نودلمان، تعد كلير برادفورد الأكثر انخراطًا في تطبيق نظرية ما بعد الاستعمار على النصوص الأدبية للأطفال. فقد عملت برادفورد — على سبيل المثال — على نصوص أدبية للأطفال من إنتاج سكان أستراليا الأصليين — في الماضي والحاضر — للمساعدة على تحديد سمات رواية القصة والرسم التوضيحي لديهم وتفسيرها. وفي خضم عملها، توضح كيف أنهم يعملون خارج إطار أنظمة المعارف والقيم التي يتسم بها الأوروبيون الغربيون الذين استعمروا أستراليا. وفي تحليلاتها للأعمال القصصية للمستوطنين، كشفت عن الاستراتيجيات السردية التي علَّمت القراء البريطانيين والأستراليين الشباب أنهم أعلى منزلة من السكان الأصليين، وأضفت شرعية على السلطة التي يمارسونها عليهم. وكما توضح برادفورد، فإن الكتابة للأطفال — بما تتسم به غالبًا من طرح أيديولوجيات واضحة ونزعة إلى إدراج مواد رسومية بها — يمكن أن تكون بؤرة تركيز مثمرة للغاية لتطبيق نظرية ما بعد الاستعمار. نظريات استجابة وتلقي القارئ نظرًا لأن أدب الأطفال يستقي تعريفه بصورة جوهرية من قاعدة قرائه، فلا عجب في أن تكون نظرية استجابة القارئ قد جذبت بعض الذين يدرسون الكتابة للأطفال. وقد شهد هذا المجال نشاطًا ملحوظًا من قِبَل التربويين — نظرًا لقدرتهم على التواصل مع أطفال حقيقيين كقراء وحاجتهم لذلك — سواءٌ أكانوا يسعون إلى فهم كيفية تطور الأطفال كقراء، أو الاستراتيجيات التي يوظفونها لجعل النصوص الأدبية ذات معنًى، أو كيف يمكن أن تؤثر النصوص الأدبية على فهم الأفكار والممارسات الاجتماعية. ويتسع نطاق الآراء حول استجابة الأطفال ليشمل كل شيء بدءًا من قراءة الأطفال للكتب المصورة إلى طريقة تفاعلهم عند «قراءة» ألعاب الكمبيوتر. مبدئيًّا، قام عدد من الباحثين البارزين مثل لويز روزنبلات (١٩٣٨)، ودي دبليو هاردينج (١٩٦٢)، ونورمان هولاند (١٩٧٥)، وولفجانج إيزر (١٩٧٨)، وستانلي فيش (١٩٨٠)، بتطوير الأبحاث عن استجابة القارئ التي تطبق على مفاهيم ومنهجيات القراء من الأطفال من خلال العمل مع الكبار. وعلى غرار أعمال استجابة القارئ في حالة الكبار، فقد نتج عن هذا العمل أيضًا انقسام بين الذين يضعون كيفية قراءة الأطفال للنصوص الأدبية واستخراج المعاني منها على رأس أولوياتهم، وأولئك الذين يركزون على الكيفية التي تشكِّل بها النصوص الأدبية شخصيات القراء وتسعى إلى إثارة استجابات بعينها. تتركز أماكن الاستكشاف الرئيسية على كيفية عمل مفهوم القارئ الضمني في الكتابة للأطفال، وما الذي يضيفه الأطفال للنصوص الأدبية، وكيف يكملونها، وما الذي يمنحهم السعادة، وكيفية عمل المجتمعات التفسيرية للطفولة. هناك عامل واحد ينفرد به عمل نظرية استجابة القارئ مع الأطفال ألا وهو السن؛ كيف أن المدى العمري الواسع لهؤلاء الذين صنفوا على أنهم قراء لأدب الأطفال يجعل من الممكن ملاحظة كيفية تطور الاستجابات للقصص من الطفولة إلى المراهقة، وما نوعية الاختلافات الموجودة بين القراء من الأطفال والكبار. أما بالنسبة لإضافات الأطفال للنصوص الأدبية — كيف يسهمون في معناها — فستكون مختلفة عن إضافات الكبار؛ لأنهم يمتلكون خبرة أقل عن الحياة، كما أنهم على الأرجح يعرفون عددًا أقل من النصوص الأدبية، كما أن النصوص التي يعرفونها — والتي تتضمن المواد على غرار القصص المصورة والبرامج التليفزيونية وقراءات المدرسة — ستكون مختلفة على الأرجح (على سبيل المثال، في نسبة الصور التي تحتويها) عن تلك التي يقرؤها الكبار عادةً. بالإضافة إلى هذا، ستؤثر خبراتهم المختلفة عن النصوص الأدبية على طبيعة الإشارات بين النصوص التي يستجيب لها القراء على الأرجح. وبالطبع، مع تقدم الأطفال في العمر، سيبدءون في إظهار استراتيجيات القراءة التي يتسم بها الكبار، ولكن أظهرت الدراسات كذلك وجود اختلافات جلية بين استجابات الكبار والأطفال حتى مع انتقال الأطفال إلى مرحلة المراهقة. لم يتعلم الأطفال الصغار القراءة بعدُ؛ لذا فإن محاولتهم لفك شفرات الكلمات والصور تختلف تمامًا عن القراء الأكبر سنًّا الذين تعلموا كيفية البحث عن المعاني الخفية والتقنيات السردية. يُظهر الكثير من استجابات القراء أن القراء الصغار شديدو الابتكار والفاعلية في تكوين المعاني، لا أنهم عاجزون بسبب عدم تلقي التدريب. وبمجرد أن يتعلم الأطفال القراءة، عادةً ما يُطلب منهم القراءة في سياقات رسمية أو تحت إشراف الكبار، وغالبًا ما يكون ذلك استجابة لبروتوكولات محددة نادرًا ما يتقيد بها الكبار. تؤثر جميع هذه العوامل على الاستجابة، كما تفعل بعض العوامل العامة الأخرى مثل الطبقة الاجتماعية والجنس ودرجة التعليم. وقد أطلقت هذه الأبعاد الاجتماعية الخاصة بكيفية قيام القراء الصغار بتكوين المعاني مشروعاتٍ تسعى إلى فهم كيفية استجابة القراء الصغار للمشكلات الاجتماعية التي تناقشها الأعمال التي يقرءونها والتأثير عليها. وقد كان هذا النوع من الدراسات نشطًا في مجالين، وهما الموقف من المساواة الجنسية (كما في كتاب «معضلات النوع» (٢٠٠٩) لكيري ماليان)، والعنصرية (انظر كتاب «بأعين مَنْ؟ استكشاف العنصرية: القارئ والنص والسياق» (١٩٩٢) لبيفرلي نايدو). ومن بين التطبيقات الأولى والأكثر تأثيرًا لنظرية استجابة القارئ فيما يتعلق بأدب الأطفال كان مقال «القارئ في الكتاب» (١٩٧٧) لأيدن تشامبرز، وهو المقال الذي يطبق أفكار لولفجانج إيزر ليوضح أن كتب الأطفال تشكل قراءً ضمنيين من خلال إنشاء علاقة خاصة مع الراوي، والذي يكون «شخصًا ودودًا من الكبار يعرف كيف يسلي الأطفال، وفي الوقت نفسه يبقيهم في الوضع المخصص لهم». ويؤكد تشامبرز على هذا من خلال المقارنة بين نسختين من إحدى قصص رولد دال: الأولى هي «بطل العالم» (١٩٥٩)، وهي قصة قصيرة للكبار، والثانية هي «داني: بطل العالم» (١٩٧٥)، وهي رواية للأطفال. وفي العديد من الجوانب، يعتبر عمل تشامبرز سابقًا لأعمال كلٍّ من شافيت وَوول؛ إذ إن تحليله يشير إلى أن طبيعة العلاقة بين الراوي والمتلقي تعتمد على الفهم المهيمن للطفولة في وقت كتابة النص الأدبي. ويشير كلٌّ من شافيت وَوول إلى أن تطور أسلوب محدد لمخاطبة القراء من الأطفال يمثل جزءًا مهمًّا لتطوير ما يمكن أن يقال عنه إنه كيان منفصل من الكتابة الخاصة بالأطفال. كانت النبرة الأبوية المتحكمة التي وصفها تشامبرز مشابهة لصوت الراوي الذي يربطه كلٌّ من شافيت وَوول بالكتابة التي تكون خالصة للأطفال. ولكن هناك تفسيرات أخرى للعلاقة بين الراوي والمتلقي في أدب الأطفال. فعلى سبيل المثال، يفترض كلٌّ من تشامبرز وشافيت وَوول أن النص الأدبي يشكل قارئًا ضمنيًّا على أساس فكرة مسبقة عن الطفولة، ولكن من الممكن أيضًا أن نقول بأن النصوص الأدبية تشكل قراءها؛ ومن ثَمَّ فإنها تمتلك القدرة على التأثير على تلك الفكرة. ويمكن رؤية تنفيذ هذه العملية في مناقشة المناهج التاريخية والأيديولوجية لدراسة أدب الأطفال التي ناقشناها آنفًا. النظريات المتمركزة حول الطفل … من يهتم منا بأدب الأطفال يحتاج إلى أن يحذر من الفخ الذي نصبه لنا مفهوم «الأدب»، ومعايير أدب [الكبار] التي تدعي أنها (أو تطمح أن تكون) مسيطرة … إذا كنا نقدر [الأطفال كقراء يمكنهم صنع معنًى للنصوص الأدبية]، فعلينا أن نراهم يقومون بهذا في سياق ثقافتهم الخاصة. هكذا يقول بيتر هانت، الناقد الذي جادل على نحو مقنع بأن نقد أدب الأطفال يحتاج إلى تجنب إصدار الأحكام بالنيابة عن الأطفال، بل يجب أن يتضمن آراء الأطفال. وتتصل رؤية هانت لما يطلق عليه «النقد من منظور الأطفال» اتصالًا وثيقًا باستجابة القراء، ولكنه يركز تحديدًا على الأطفال كقراء، وكذلك بوصفهم قراءً للصور. ويمثل النقد من منظور الأطفال إلى حدٍّ ما محاولة لمعالجة ما يعتبره البعض نقطة ضعف في دراسات أدب الأطفال، ألا وهي: النزعة لاستخدام نظريات من فروع معرفية أخرى بدلًا من ابتكار مناهج خاصة بها. ويعد هذا الأمر نقطة ضعف فقط إذا ما تم فصل أدب الأطفال عن الاتجاه السائد في الأدب، بدلًا من النظر إليه على أنه يهتم بكيفية مخاطبة الأدب للقراء الصغار، وفي هذه الحالة فإنه لا توجد حاجة لاستخدام مناهج نقدية منفصلة غير تلك القائمة على السن. يمكن مقارنة النقد من منظور الأطفال بفرع من فروع النقد النسائي يُعرف باسم «أسلوب الكتابة النسائي»، والذي كان يهدف إلى التخفيف من حدة اللغة التي «صنعها الذكور» من خلال تطوير طرق مخصصة للنساء لاستخدام اللغة، لا سيما في الكتابة. ويحاول نقد الأطفال — إلى حدٍّ ما — علاج طبيعة أدب الأطفال التي «صنعها الكبار»، ولكن التشابه بين الحالتين ليس تشابهًا تامًّا؛ حيث إن الأطفال ليسوا هم من يكتبون أدب الأطفال أو من يُجرون الدراسات النقدية عليه. وهذا يعني أنه بدلًا من اعتبار الأطفال كتابًا أو السعي لصبغ الكتابة بصبغة السكنى في جسد و/أو نفس طفل (في الواقع، هذه الممارسات هي ما شغل بعض كتَّاب أدب الكبار مثل هنري جيمس وجيمس جويس وفيرجينيا وولف)، يركز النقد من منظور الأطفال على تحديد سمات معينة في الأطفال كقراء لكلٍّ من النصوص والصور واستكشافها. لقد ألهمت روح النقد من منظور الأطفال العديد من المجالات الرئيسية في دراسات أدب الأطفال، من بينها محاولات فهم كيف استخدم الأطفال واستجابوا للنصوص في الماضي (جالبريث ١٩٩٧، وجرينبي ٢٠٠٩)، ومدى تأثير الألفة مع ألعاب الكمبيوتر على الطريقة التي يقرأ بها الأطفال الكتب المصورة (ماكي ٢٠٠٢). وعلى أي حال، فإن النقد من منظور الأطفال — في نهاية المطاف — يعتبر أقرب إلى كونه موقفًا من كونه منهجية في حد ذاته، فضلًا عن أنه يواجه باستمرار صعوبات نابعة من حقيقة أن الوسيط من الكبار مطلوب منه حتمًا أن يثير ردود أفعال الأطفال وسلوكياتهم ويحللها ويعرضها. ورغم أن مدى تدخل الكبار يقل بصفة عامة مع تقدم الأطفال في السن، فإن أغلب الروايات المتاحة للاستجابات النقدية للأطفال والشباب على النصوص الأدبية تتم إدارتها واستنباط معانيها من قِبَل الكبار. طوَّر بيتر هانت هذا المصطلح وحاول أن يوضح كيف يمكن أن ينجح النقد من منظور الأطفال، ولكن كان الكاتب والناقد البريطاني أيدن تشامبرز هو أول من دعا إلى «أسلوب نقدي يضع في اعتباره الطفل على أنه قارئ». ويشجع تشامبرز الأطفال على الحديث عن الكتب بأسلوب نقدي من خلال تكوين مجتمعات للقراءة يتشارك فيها القراء الحماسة ويناقشون الأمور التي يجدونها مثيرة للحيرة، ويحددون أنماط الكتابة ويربطون بين الكتب وبعضها. وقد أكد تشامبرز — بعد أن حظي بفرصة للاطلاع على تفسيرات الأطفال لبعض الكتب — أنه في حين أن الأطفال قد يقرءون بطريقة تختلف عن الكبار، إلا أنهم قادرون على تكوين استجابات مدروسة وثاقبة للنصوص الأدبية، شأنهم في ذلك شأن الكبار، وهذه الاستجابات هي محور اهتمام النقد من منظور الأطفال. وبالنسبة لتشامبرز، فإن الاختلافات بين تفسيرات الكبار والأطفال غالبًا ما تكون متصلة بالنظام التعليمي؛ حيث إن الأطفال قبل أن يتعلموا الجوانب التي يقدرها المعلمون والمراقبون غالبًا ما يستجيبون لجوانب من النصوص مختلفة عن تلك التي يستجيب لها النقاد من الكبار. وهناك أمر آخر متعلق بهذه الملاحظة، ألا وهو الإشارة إلى أن القراء من الصغار — بصفتهم قراءً جددًا نسبيًّا لم يتقنوا الكثير من استراتيجيات القراءة مثل الكبار — ينغمسون في النصوص التي يقرءونها أكثر من الكبار. فإنهم يقرءون أنفسهم بالقدر الذي يقرءون به النصوص الأدبية، وهو ما يفسر جزءًا من ذلك الشعور بالانغماس والرضاء الذي يشعرون به عند قراءة نص قد يعتبره أحد الكبار تافهًا. وهناك دراسة أخرى بها الكثير من القواسم المشتركة مع نظرية النقد من منظور الأطفال، وهي دراسة «علامات الطفولة في كتب الأطفال» (١٩٩٧) للكاتب بيتر هوليندال، والتي أشار فيها إلى أن كلًّا من الأطفال والكبار على حدٍّ سواء لديهم قدرة على الوصول إلى ما يطلق عليه «الطفولة» أو «سمة الطفولة». وتتميز هذه السمة بالقدرة على الاستجابة للتغيرات بطريقة غالبًا ما نفقدها أو نتجاهلها في مرحلة النضج. ويوضح فيليب بولمان أمرًا مشابهًا بطريقة أدبية، وذلك من خلال ابتكاره للشياطين في روايته «مواده المظلمة»، حيث يعرض شياطين الأطفال دائمة التغير، في حين أن شياطين الكبار ثابتة باستمرار. ويشير هوليندال إلى أن كتب الأطفال تخلق مساحة حيث يمكن للطفولة والنضج أن يلتقيا ويمتزجا، حيث يعيد الكبار تنشيط بعض جوانب الطفولة في أنفسهم — لا سيما إمكانات الطفولة والقدرة على التغير — في حين تتاح للأطفال فرصة الاطلاع على بعض جوانب الكبر. وقد لخص طبيعة هذه الديناميكية مؤلف كتب الأطفال والرسام سي والتر هودجز عندما أبدى ملاحظة يقول فيها إنه «إذا كان هناك داخل كل طفل شخص كبير يحاول الخروج، فإنه بالمثل هناك داخل كل شخص كبير طفل يحاول أن يعود به للطفولة. وفي نقطة التقاء هاتين الشخصيتين، نجد الأرضية المشتركة بينهما». وتشكل هذه الأرضية المشتركة سمة الطفولة، ولكن تختلف خبرة الطفولة بين كلتا المجموعتين، حيث لا يزال الأطفال يختبرون فترتَي الطفولة والشباب، في حين يستجمع الكبار ذكريات فترة الطفولة ويستجيبون إلى الأوامر التي يتلقونها من الأطفال الذين كانوا عليهم في الماضي والذين لا يزالون متواجدين عاطفيًّا في داخلهم. وعلى عكس تي إس إليوت وغيره ممن يعتبرون قراءة أدب الأطفال في مرحلة الكبر نوعًا من الارتداد، وأن قراءته في مرحلة الطفولة ما هي إلا استعداد لقراءة الكتب «الحقيقية» وأنهم سيتوقفون عن قراءته عندما يكبرون، فإن هوليندال يمنح أدب الأطفال قيمة كبيرة. وبالنسبة لهوليندال، يكمن جزء كبير من هذه القيمة في الخصائص الأدبية والاستراتيجيات السردية التي توظف في النصوص الأدبية، وينتج عن هذا اختلاف واضح في التأكيد والممارسات النقدية للنقد من منظور الأطفال؛ حيث لم يكن هوليندال مهتمًّا بالأطفال كقراء كاهتمامه بنصوص الأطفال ذاتها. وقد اهتم كثير من النقاد الآخرين بالتبادل المشترك بين الكبار والأطفال الذي يقدمه أدب الأطفال. فعلى سبيل المثال، درس بيري نودلمان (١٩٩٨) كيف أن عددًا كبيرًا من كتب الأطفال والشباب يقدم متعة جمالية لمن يطلق عليه القارئ «الكبير الخفي». ويقدم كلٌّ من يو سي نوبفلامشير ومتزي مايرز في نقاشهما حول «الكتابة المتقاطعة» فهمًا مختلفًا لشخصية «الكبير الخفي»، حيث بدآ بالاعتراف بأنه أثناء الكتابة للأطفال يُجري المؤلفون «حوارًا لا يمكن تجنبه بين أنفسهم في الماضي والحاضر» (أي أنفسهم وهم أطفال في الماضي وأنفسهم وهم كبار في الحاضر)، ولكن عادةً ما يجري تجاهل صوت الكبير أو عدم تبنيه؛ ومن ثَمَّ فإنه يصبح خفيًّا. كما استكشفت ماريا تاتار أيضًا العلاقة بين الشخصيات في الماضي والحاضر في كتابها «الصيادون المسحورون» (٢٠٠٩)؛ حيث اهتمت تاتار بالطريقة التي تؤثر بها النصوص الأدبية عن الطفولة على القراء، بما في ذلك الطريقة التي يتذكر بها الكبار تجربة القراءة في الطفولة والاختلافات بين تجربة القراءة في الكبر والقراءة في مرحلة الطفولة. وقد جمع البحث الذي أجرته ماريا تاتار بين ذكريات القراء الكبار عن تجارب القراءة أثناء مرحلة الطفولة وانطباعاتهم عنها، وكانت النتائج التي توصلت إليها ذات حدين. ففي حين أن هذا يمثل — في الكثير من الجوانب — احتفاءً بالقوة التخيلية لأدب الأطفال، فإنه يدور أيضًا حول حساسية القراء الأطفال الذين يجدون أنفسهم خاضعين للكتب وما يفقدونه بمجرد أن يصبحوا قراءً كبارًا. ويعبر عنوان الكتاب عن هذه الرؤية، حيث إن اسم «الصيادون المسحورون» هو أيضًا اسم الفندق الذي يغوي فيه همبرت همبرت — الشخصية التي ابتكرها الأديب الروسي فلاديمير نابوكوف — الطفلة لوليتا؛ مما يؤدي إلى تغيير علاقتها بشخصيتها الطفولية شديدة الفضول تغييرًا حادًّا. إن دراسة أدب الأطفال من منظور القارئ الطفل تفتح المجال أمام بعض المناقشات الفلسفية والأخلاقية المثيرة للاهتمام حول العلاقة بين الكبار والأطفال داخل وخارج نطاق النصوص الأدبية. وهناك منطقة في أدب الأطفال عادة ما تثير أسئلة معقدة، ألا وهي دمج الأعمال الأدبية التي تضم عنصرًا بصريًّا بارزًا، لا سيما الكتب المصورة والروايات الرسومية. وعلى مدار فترة طويلة في الغرب، كانت هذه أيضًا هي مجموعات الأعمال التي يمكن تمييزها بسهولة عن القصص الخيالية للكبار، والتي أصبحت الآن خالية من الصور رغم أن شعبية الروايات الرسومية تزداد بين القراء من الكبار. ولكن، لا يزال أدب الأطفال هو المجال الذي تنتج فيه النصوص المصورة على نحو واسع. قراءة النصوص المصورة معظم الأعمال النقدية التي تناولت النصوص المصورة ركزت على الكتب المصورة التي تُكرِّر فيها الكلماتُ والصورُ وغيرها من العناصر البصرية المعلوماتِ إلى حدٍّ بعيد، والكتب المصورة التي تكون فيها الكلمات والعناصر البصرية معتمدة بعضها على بعض (ولم توضع ضوابط للتمييز بين النوعين إلا مؤخرًا). وتحديدًا في الكتب المصورة، يكون التفاعل بين الكلمات والصور معقدًا ويحتاج إلى تحليل متأنٍّ — حتى عندما تكون الكلمات ضمنية — كما في الكتب المصورة التي لا تحتوي على نصوص مكتوبة. وكان ويليام موبيوس (١٩٨٦) من أوائل الباحثين الذين تناولوا موضوع تعقيدات قراءة الصور في أدب الأطفال؛ حيث ابتكر مجموعة من القوانين لتحليل الصور في الكتب المصورة المترابطة تدرس جميع جوانب الكتاب: من الرسومات على الورقة الأخيرة إلى حجم ووضع الرسومات الشخصية من خلال الإشارات الضمنية بين النصوص والرمزية إلى العلاقة بين الكلمات والصور. يهتم موبيوس بكيفية تأثير جميع أوجه التصميم — المنظور واللون والعلاقات بين الصور، وحتى سُمك الخطوط في الرسومات، والطريقة التي يؤثر بها التصميم، وتقليب الصفحات على سرعة الإيقاع — على المعنى. وهناك اهتمام مماثل للعناصر المادية والجمالية للنص الأدبي يثري أعمال بيري نودلمان، الذي يقدم كتابه «كلمات عن الصور: الفن السردي لكتب الأطفال المصورة» (١٩٨٨) تفسيرات تفصيلية للنصوص الفردية تسير على خطًى مشابهة لخطى موبيوس، إلا أن نطاق تناوله للموضوع كان أكثر اتساعًا. ويقدم نودلمان أيضًا رأيًا عامًّا حول العلاقة بين الكلمة والصورة في الكتب المصورة المترابطة؛ فمن وجهة نظره، أن هذا الأمر ساخر بصورة حتمية. وسواءٌ أكان هذا الأمر ينطبق على «جميع» الكتب المصورة أم لا، فإنه ينطبق على معظم الكتب المصورة المترابطة، لا سيما الكثير من الأعمال الأدبية التي تعرض نزعات ما بعد الحداثة. وقد شكلت هذه الافتراضات الأساس الذي بُني عليه كتاب «قراءة الكتب المصورة المعاصرة: تصوير النصوص» (٢٠٠١) لديفيد لويس، والذي يحدد ويوضح فيه مدى وقوة العلاقة بين الكتب المصورة المترابطة وحقبة ما بعد الحداثة، ومن خلال الدراسات المتأنية لمجموعة كبيرة من الكتب المصورة المترابطة الأكثر تعقيدًا التي أُنتجت في القرن العشرين، والتي أكدت افتراضات كلٍّ من موبيوس ونودلمان عن تعقيد تلك الصيغة الأدبية ولفتت الانتباه إلى نزعتها المرحة المتأصلة فيها. شكل ٢-٢: «الظلمة تغمرك» من كتاب «الشجرة الحمراء» (٢٠٠١) لشون تان. إن التفاعل بين الكم الضئيل من النصوص وسلسلة الصور المعبرة التي يستخدمها شون تان يساعد القراء من جميع الأعمار على استكشاف مشاعر اليأس والعزلة.2 إن تحليل الكتب المصورة المترابطة يمثل مجالًا رئيسيًّا لا يتصل فيه أدب الأطفال بالأعمال الأدبية المتواجدة المخصصة للكبار، ومن الضرورة بمكان أن نتذكر أن أدب الأطفال يتضمن أنواعًا أخرى كثيرة من النصوص المصورة: القصص الخيالية الموضَّحة بالرسومات، والروايات الرسومية والقصص المصورة والمانجا (القصص المصورة اليابانية)، وكذلك — وبشكل متزايد — الروايات الإلكترونية منها تلك التي تكون في صورة ألعاب الكمبيوتر. وهناك دراسات متخصصة عن كلٍّ من هذه المجالات، وتم إجراء بعض الدراسات لتقديم مصطلحات فنية لمناقشة هذه النصوص الأدبية. ويعرض كتاب «كيف تعمل الكتب المصورة» (٢٠٠١) من تأليف ماريا نيكولاييفا وكارول سكوت مفردات محددة لدراسة الكتب المصورة المترابطة، ويوضح كيف أنها تتجاوز الحدود الدولية والثقافية، في حين يقدم كتاب «فهم القصص المصورة: الفن الخفي» (١٩٩٣) لسكوت ماكلاود دليلًا إرشاديًّا مفصلًا لتفسير أسس الرسوم الهزلية. أما كتاب «دراسة الرسوم الهزلية على شبكة الإنترنت: سرد نقدي ملخص ومفسر» فيقدم — كما يتضح من اسمه — سردًا نقديًّا للأعمال المرتبطة بالرسوم الهزلية بأشمل معانيها. بالإضافة إلى هذا، يقدم القسم الذي يتناول «رواية القصص وخشبة المسرح وشاشة التليفزيون» في مجموعة كتب جانيت مايبن ونيكولا واتسون المنقحة «أدب الأطفال: المناهج والمجالات» (٢٠٠٩)؛ نظرة شاملة وينصح بقراءة نوعيات النصوص الأدبية المصورة التي تشكل الأداء. ويعد البحث الذي أجرته مارجريت ماكي (٢٠٠٧) عن ألعاب وقصص الكمبيوتر العملَ الأكثر نضجًا واكتمالًا في هذا المجال، خاصة فيما يتعلق بأدب الأطفال. دراسة أدب الأطفال في المستقبل إن الأفكار المتكررة في هذا الفصل تمثل الطبيعة المتنوعة لأدب الأطفال والطريقة التي يتجاوز بها نطاق أدب «الكبار». فانتقائية عناصره الأولية تمخضت عن كلٍّ من مواطن القوة (الشمولية والتنوع والفضول)، ومواطن الضعف (اتساع التفكير بدلًا من عمقه وافتقاد التخصص وقصور المعرفة السياقية) لدراسات أدب الأطفال في الوقت الحالي. والآن، بعد أن أصبح أدب الأطفال مجالًا بحثيًّا ودراسيًّا معترفًا به في التعليم العالي، يمكن أن نتوقف عن اعتباره مجالًا قائمًا بذاته، وأن ندمجه في إطار التصنيفات المتعددة التي تُطبق على أدب «الكبار». إن وضع دراسات أدب الأطفال ضمن السياقات البحثية مكتملة الأركان المتصلة بفترات و/أو أجناس أدبية و/أو كتَّاب و/أو ممارسات نشر و/أو مناهج نقدية بعينها من شأنه تعزيز حالة النصوص الأدبية للأطفال ومؤلفيها وإعادتها من محيط الدراسات الأكاديمية. وهناك بعض الفوائد الأخرى المحتملة التي يمكن الحصول عليها من هذا التغيير؛ ففي الوقت الحالي، مطلوب من معظم «المتخصصين» في أدب الأطفال أن يكون لديهم نطاق اهتمامات واسع؛ إذ تمتد أغلب المسارات الأدبية على مدار فترات تاريخية هائلة، وتشمل الكثير من الأجناس الأدبية، وبالمثل، تحاول معظم الأعمال المرجعية تغطية جميع المجالات والجوانب المصنفة حاليًّا على أنها من أدب الأطفال. ويمكن أن يكون هذا الموقف ضد عمق المواد الأدبية والاستكشاف المستمر لها. وهناك حركة قائمة بالفعل في هذا الاتجاه، لا سيما بين هؤلاء الذين يدرسون المواد الأدبية من عصور سابقة، ولا سيما دراسات العصور الوسطى وعصر النهضة والقرن الثامن عشر. وعلى الرغم من وجود الكثير من الفوائد التي يمكن الحصول عليها من إدراج أدب الأطفال في التيار الرئيسي للدراسات الأدبية، فهناك أيضًا خسائر محتملة؛ حيث إن البحث الجيد في مجال أدب الأطفال يتطلب دراية جيدة بتاريخه ونصوصه الأدبية وأنواعه الأدبية واستخدامه للعناصر البصرية وتكوين فترة الطفولة عبر مختلِف الثقافات والحقب، علاوةً على عناصر الأسلوب التي تطورت خصوصًا كاستجابة لمهمة الكتابة من أجل الأطفال. وفي الوقت الحالي، يبدو أن هذه الحركة لم تنضج تمامًا؛ لا سيما أن الكتابة للأطفال — كما يعرض الفصل التالي — قد تتحرر من بعض قيودها مع الكتابة للكبار. هوامش (1) By permission of the Rare Book and Texana Collections, University of North Texas Libraries, Denton, Texas. (2) Reproduced with permission from The Red Tree, by Shaun Tan. Lothian Children’s Books, an imprint of Hachette Australia, 2001. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
الفصل الثالث تحويل نصوص الطفولة يتعرف كل جيل جديد على التقاليد الأدبية بعدة طرق مختلفة. وتتضمن هذه العملية — على الأرجح — قصصًا متناقلة شفويًّا، سواءٌ أكانت مرتجلة أم مقروءة بصوت مرتفع. وهذه العملية — بلا ريب — تعتبر جزءًا من عملية تعلم القراءة؛ حيث إن القراءة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم وتقترن بحزمة ثقافية ضخمة تتعلق بدورها بالمكانة المميزة للنصوص والأجناس الأدبية، ومهارات تعلم القراءة والتفسير، وقيمة القصص في نقل المعلومات المتعلقة بالمجتمع. واليوم، يتعرف العديد من الأطفال على القصص عبر مجموعة مختلفة من الوسائل والعروض، وتهتم الدراسات التي تتناول أدب الأطفال بجميع هذه الوسائل والعروض، وبالطريقة التي تتفاعل بها بعضها مع بعض. فعلى سبيل المثال، قد يتعرف طفل يشاهد برنامجًا شهيرًا مثل «سي بيبيز» الذي تعرضه شبكة بي بي سي على مسرحية «حلم ليلة صيف» لويليام شكسبير لأول مرة أثناء مشاهدته لهذا البرنامج، ولكن يمكنه بعد ذلك زيارة الموقع الإلكتروني للبرنامج ليقرأ عنها وكذلك يقرأ الكتاب الرقمي، وفي الوقت المناسب يمكنه استكشافها مرة أخرى من خلال نسخة من كتاب الرسوم الهزلية (مسرحيات السيد ويليام شكسبير، ١٩٩٨) لمارشيا ويليامز. وبمرور الوقت، قد يستمتع ذلك القارئ الصغير نفسه بنسخة روائية رسومية (سلسلة «تصَوَّر هذا»، ٢٠٠٥)، أو نسخة نثرية معدلة للمسرحية من إعداد ليون جارفيلد (١٩٨٥)، أو فيلم مقتبس عن المسرحية كالفيلم الذي أخرجه مايكل هوفمان عام ١٩٩٩ وشارك فيه العديد من النجوم السينمائيين، أو إعادة صياغة حديثة للمسرحية معدة من أجل العرض التليفزيوني — ربما الحلقات المتعلقة بالمسرحية من سلسلة «إعادة سرد أعمال شكسبير» (إنتاج شبكة بي بي سي، ٢٠٠٥) لجون بوكر — علاوةً على مشاهدة عرض مسرحي تقليدي للمسرحية وقراءة نص شكسبير الأصلي. هناك العديد من الطرق التي يمكن للطفل من خلالها أن يتعرف على القصص الروائية، ولكن يمثل هذا الأمر جزءًا أساسيًّا من الانخراط في المجتمع؛ حيث إن — وكما يقول الخبير الإعلامي هنري جنكنز — «تمثيل وإعادة سرد وتعديل عناصر القصص القديمة يعد جزءًا قيِّمًا وحيويًّا من العملية التي يُنمِّي الأطفال من خلالها معرفتهم الثقافية». إن التعرف على التقليد الأدبي — المخزون المتراكم من القصص — يعد أمرًا محوريًّا لفهم الثقافة، ولكن القصص السابقة ما هي إلا جزء من هذه العملية. وذلك المخزون من القصص ليس راكدًا، بل إنه يتجدد باستمرار ويزداد؛ ومن ثَمَّ يتلقى كل جيل من الأطفال قصصًا جديدة تخاطب الاحتياجات والاهتمامات والمخاوف الحالية. إن الإلمام بالحكايات والقصص الجديدة يعد كذلك جزءًا من المعرفة الثقافية. وفي بعض الأحيان، تخرج القصص الجديدة إلى الوجود من خلال إعادة صياغة النسخ القديمة، كما رأينا في حالة مسرحية «حلم ليلة صيف»، وفي بعض الأحيان الأخرى تكون القصص جديدة تمامًا ومتناسبة مع العصر الحديث، وفي كلتا الحالتين، تكون القصص الجديدة غالبًا نتاجًا للتفاعل مع الوسائل الجديدة. أدب الأطفال وتطور الصيغ يتمثل أحد أوجه الاختلاف بين أدب الأطفال والأدب المنشور للكبار في اللهفة التي يحتضن بها الأول التطورات التكنولوجية والوسائط الحديثة. وهذا الأمر ينعكس في حقيقة أنه في الوقت الذي تميل فيه دراسات أدب الكبار إلى اعتبار القصص الروائية التي كُتبَت من أجل الوسائط الحديثة وتعديل النصوص الموجودة بالفعل لتتناسب مع الوسائط المختلفة أمرين ثانويين بالنسبة لدراسة النصوص الأدبية، فإنهما يعدان جزءًا لا يتجزأ من دراسات أدب الأطفال. فمنذ فجر النشر التجاري لا ينفك الناشرون والمطابع عن محاولة اكتشاف طرق جديدة لجعل الكتب والمطبوعات الأخرى جذابة للأطفال. وغالبًا ما يعتمد هذا على التطورات الصناعية والتكنولوجية التي تؤدي إلى ابتكار طرق جديدة أو مُحسَّنة لتقديم النصوص. وفي القرن التاسع عشر، تضمنت هذه التطورات طرقًا لإنتاج واستخدام ورق أقل تكلفة، وإدراج المزيد من الصور بنفقات أقل، واكتشاف طرق اقتصادية للطباعة بالألوان، وطباعة أغلفة منخفضة التكلفة، وطرقًا يسيرة التكلفة لتضمين سمات جديدة مثل الكتب ذات الأشكال والرسومات ثلاثية الأبعاد، والمطويات، وعجلات الرسوم البيانية، وأشكال أخرى من هندسة الورق. وخلال القرن العشرين، امتد نطاق عمل إعادة تقديم النصوص الأدبية إلى تقنيات الوسائط الجديدة وتكنولوجيا المعلومات؛ ومن ثَمَّ أصبح من الممكن تقديم القصص في صور سمعية وسمعية بصرية متطورة. ومنذ نهاية القرن الماضي، جرى استخدام الوسائط الرقمية بشكل متزايد لتقديم القصص الروائية في شكل ألعاب كمبيوتر ونصوص على الإنترنت مثل القصص التي يؤلفها المعجبون أو كتابة القصص باستخدام تقنية النص التشعبي. وقد عمل هذا على زيادة القدرة التفاعلية لصيغ العرض القديمة بشكل هائل، ولا يزال الدافع لزيادة هذا النشاط التفاعلي يشكل أساس العديد من جوانب النشر الرقمي. ومع ذلك، ولفترةٍ ما رفض أحد قطاعات السوق الرقمية إغراءات النشاط التفاعلي؛ فحتى وقت قريب، لم تكن الكتب الإلكترونية في الأساس سوى كتب مطبوعة تعرض على شاشة. ويتمثل أحد أسباب هذا الانتقال الذي يفتقر إلى الإبداع الأسلوبي من الكتاب المطبوع إلى الشاشة في التكلفة؛ حيث إن تحويل النصوص المتوافرة في شكل كلمات فقط إلى نصوص رقمية وتصنيع برامج قراءة الكتب الإلكترونية بوظيفة محدودة وهي قراءة الكتب الإلكترونية غير مكلف نسبيًّا. كما يتبلور سبب آخر لهذا الانتقال في حقيقة أن أول جمهور بارز للكتب الإلكترونية كان يتشكل من القراء الكبار — وهو أمر غير معتاد؛ إذ إن الجمهور الأصغر سنًّا عادةً هو الذي يكون أكثر احتضانًا لصيغ الوسائط الجديدة في ظهورها الأول — الذين أرادوا سمة سهولة النقل التي يتمتع بها الكتاب الإلكتروني مع الاحتفاظ بالسمات المألوفة للكتاب المطبوع الثابت. إن القدرة المحدودة على تخزين المواد الزاخرة بالرسوم، وحقيقة أن الأجهزة في بداية الأمر كانت ضعيفة إلى حدٍّ ما والشاشات كانت أصغر من أن تناسب عرض النصوص ذات المحتويات المرئية عالية المستوى، جعلت الأجيال الأولى من الكتب الإلكترونية غير ملائمة للقراء الأصغر سنًّا. ولكن مؤخرًا أصبحت التكنولوجيا اللازمة لتوفير شاشات أكبر وأعلى جودة أقل تكلفة، وحتى الأطفال الأصغر سنًّا بدءوا يصبحون موضعًا لاهتمام هذه التكنولوجيا. وقد أدى ذلك إلى تغير طبيعة النصوص لإبراز إمكانات الوسيطة التي تُعرض باستخدامها. ونظرًا لأن الكتب الإلكترونية موجَّهة إلى سوق القراء من الشباب؛ فإنها تقدم محتوًى مرئيًّا فائقًا ومستويات أعلى من التفاعل. فكتب الأطفال الإلكترونية المصممة لأجهزة مثل آي باد تستجيب للَّمس والحركة؛ فعند قراءة النسخة الإلكترونية من رواية «أليس في بلاد العجائب» والمخصصة لأجهزة آي باد — على سبيل المثال — تؤدي إمالة الشاشة إلى نمو حجم «أليس» أو تقلصه، بينما يؤدي هز الجهاز إلى تحريك رءوس شخصيات الرواية. كما تحتوي الكتب الإلكترونية لأجهزة آي باد غالبًا ألعابًا وأنشطة وفرصًا للقراء لتسجيل أصواتهم وهم يقرءون الكتاب، مما يغير تمامًا من مؤشرات النصوص ومن معنى «القراءة لنفسك». ظاهريًّا، قد يبدو الأمر كما لو أن الدعوات للتلاعب بالنصوص التي توفرها أحدث أجيال الكتب الإلكترونية مجرد زخارف إلكترونية للإمكانات التحويلية التي تقدمها الأجزاء المتحركة في النصوص الورقية التقليدية؛ ولكنها في الواقع تمثل جزءًا من تغيير هائل في طبيعة السرد الروائي. وفي الوقت الراهن، يكون هذا التغيير في أبرز صوره في مجالين: النُّسخ الحديثة للقصص التقليدية، وسلاسل الروايات مختلطة الجمهور، والتي هي نفسها تضم عناصر مستعارة من الخرافات والأساطير والقصص الملحمية والحكايات الشعبية والخيالية، بل وتعدل فيها كذلك. إن إجراء هذه المعالجات الحديثة على أقدم أشكال الأدب يُعَد تذكرة بأنه من خلال القصص سوف يتعرف الأطفال في الوقت نفسه على التراث الأدبي ويتعلمون المهارات التي تجعلهم مثقفين بمقاييس عصرهم. الإلمام بالوسائط المختلفة، والتعالق النصي، والتحول في وقت من الأوقات، كانت المعرفة تركز على القدرة على القراءة والكتابة، وكانت تتمحور على نحو أساسي حول المطبوعات الثابتة والوسائط الورقية. ولكن في القرن الحادي والعشرين أصبح من الضروري أن نفكر في الأمر من ناحية الإلمام بالوسائط المختلفة — المعرفة التي تتنقل بين الوسائط المختلفة والتي لم تعد قائمة على النصوص بشكل حصري. فالاطلاع على النصوص التقليدية في عدة نسخ مختلفة — بما في ذلك الوسائط المتعددة — يعتبر طريقة فعالة للتشجيع على المعرفة الثقافية والمعرفة المرتبطة بالنصوص. وبالطبع، الإلمام بالوسائط المختلفة ليس حكرًا على الأطفال؛ فالكثير من الكبار أصبحوا ملمين بالوسائط المختلفة بعد وقت طويل من تعلمهم القراءة والكتابة لأول مرة، وربما لا يشعرون بارتياح شديد في التنقل بين الوسائط المختلفة. والكبار الذين يشاركون الأطفال في النصوص الإلكترونية غالبًا ما يحسِّنون من معرفتهم بالوسائط المختلفة أثناء هذه المشاركة (يعد تطوير المعرفة لدى الكبار — في كثير من الأحيان — قيمة مضافة لأدب الأطفال). وغالبًا ما يجري تشجيع التنقل بين الوسائط من خلال استراتيجيات المعالجة (التي يشار إليها كذلك بعملية نقل النصوص لتقديمها من خلال وسائط جديدة)، التي تشير إلى الطريقة التي تحاول بها الوسائط الجديدة أن تتقرب إلى الجمهور من خلال الإشارة إلى الوسائط القديمة المعروفة أو محاكاتها أو حتى تضمينها. ونظرًا لأن المطبوعات تعتبر إحدى أشهر وسائط تقديم القصص؛ فإنها تكون في كثير من الأحيان الشكل الافتراضي للمعالجة. وهذا ينطبق بصورة خاصة على القصص الروائية للأطفال؛ نظرًا لأن الطفولة هي الوقت الذي يتعلم فيه معظم الناس القراءة. ويتضح الاتحاد بين خصائص المطبوعات (والتي تكون عادةً في شكل كتب) والوسائط الجديدة في عدد من الأمثلة التي تبدأ بأفلام ديزني المأخوذة عن الحكايات الخيالية الكلاسيكية — والتي تبدأ دائمًا بكتاب يُفتح لتنطلق منه القصة — وحتى الأسطوانات المدمجة والكتب الإلكترونية التي تحاكي حركة قلب الصفحات. إن المعالجة ليست مجرد محاولة لاسترضاء هؤلاء الذين اعتادوا على الطرق القديمة لتلقي النصوص؛ حيث إن لها تأثيرات جمالية قد تكون محافظة؛ نظرًا لأن المنتجين والمصممين والفنيين من الكبار قد نشَئُوا كذلك على تلك الوسائط القديمة. وحتى الأشخاص الذين يتمتعون بالمعرفة الفنية الجيدة بإمكانيات الوسائط الجديدة ستكون لديهم أفكار باطنة حول كيفية عمل القصص في الوسائط التي يعرفونها جيدًا، وهذه الأفكار من شأنها أن تحد من مدى قدرتهم على تجربة إمكانات الوسيطة الجديدة في سرد القصص واستغلالها. وكقاعدة عامة، فإن هؤلاء الذين تعرَّفوا على الوسيطة الجديدة لأول مرة في صغرهم هم الأكثر جرأة وطموحًا بشأن استخدامها حين يصبحون بدورهم منتجين للنصوص ومديرين للوسائط. علاوةً على ذلك، ونظرًا لأن قدرة الوسائط الجديدة على سرد القصص تُستكشف تمامًا — في الغالب — في المواد الموجَّهة للصغار، حتى لو كانت المحاولات الأولى لتقديم القصص عبر وسيطة جديدة قد بدت بدائية لاحقًا مع إلمامنا الكامل بجوانب هذه الوسائط؛ فإن نصوص أدب الأطفال يمكن أن تكون نقطة انطلاق للابتكار. وقد ثبتت صحة ذلك بصورة خاصة مع التحول إلى الوسائط المتعددة؛ حيث لا يجمع سرد القصص بين الأنواع المختلفة للوسائط (السمعية، والبصرية، والصور الثابتة، والمطبوعات) في نص واحد فحسب، ولكنه منتشر كذلك في عدة أشكال (الكتاب، والفيلم، والرواية المصورة، والرسوم الهزلية، وأفلام الرسوم المتحركة، وألعاب الكمبيوتر)، في الغالب كجزء من ترخيص حقوق الملكية الفكرية للوسائط المختلفة. حتى يومنا هذا، تعتبر القصص الروائية متعددة النسخ الأكثر تطورًا هي تلك التي أُنتجت للأطفال. ومن أوائل هذه القصص التي لفتت انتباه العامة تلك القصص التي نشأت من ظاهرة بوكيمون التي بدأت في تسعينيات القرن العشرين. وفيما يتعلق بأهداف هذه المناقشة، فإن القصص نفسها أقل إثارة للاهتمام من العلاقات بين الأجزاء التي بنيت منها، ومما تكشفه عن الكيفية التي تؤثر بها النسخ المتعددة للقصة عبر الوسائل المختلفة على طبيعة النص الأصلي، وكيف يتم تشجيع الجيل الصاعد على إدراك أهمية القراءة. شبكات السرد هناك تاريخ طويل لإنتاج نسخ متعددة من النصوص المعدة للأطفال. وحتى وقتنا هذا، تميل كل تجربة مع الفن القصصي إلى الاتسام بالتميز والاستقلالية. على سبيل المثال، في حين أن الأفلام القائمة على الكتب والكتب القائمة على الأفلام عادة ما يكون لهما الجمهور نفسه، فإن كلتا النسختين مستقلتان بذاتيهما وتعملان بمقاييس الوسيطة التي تُقدَّمان من خلالها. وهذا يعني أن المنتجات المختلفة التي تقوم على قصةٍ ما تتنافس بعضها مع بعض؛ نظرًا لأنه ليس كل الأطفال سيشاهدون ويستمعون ويقرءون النسخ المختلفة من النص نفسه، وأن النسخ المختلفة للنص كانت تقارَن بضعها ببعض وتُقيَّم بناءً على ذلك. وبالطبع، كان تركيز عملية التنقل بين الوسائط المختلفة منصبًّا على توسيع القاعدة الجماهيرية، وعادةً ما كان ذلك يحدث بالدخول إلى أسواق الجماهير الأصغر سنًّا. وهناك تغير واضح يحدث في العلاقة بين النسخ المتعددة للنصوص التي تقدم عبر وسائط مختلفة و/أو عبر صيغ مختلفة في وسيطة واحدة. وهذا التغيير يؤثر على كلٍّ من طبيعة النصوص متعددة النسخ وجمهورها. وبينما يولد أطفال اليوم في بيئة متعددة الوسائط، فإن النصوص والصيغ الأقدم لم تختفِ؛ لذلك فإن فرصة تجربة العديد من النسخ المختلفة لقصة واحدة لا تزال قائمة، ولكنَّ هناك بُعدًا جديدًا لهذه العملية. من الناحية التاريخية، تميل النسخ الجديدة من النصوص إلى اتخاذ شكل الاقتباسات — أي تحويل قصة من وسيطة إلى أخرى بطريقة يُقصد منها خلق تجربة جمالية مُرضية في حد ذاتها. تولَّد نسخ متعددة للنصوص بصورة متزايدة كأجزاء من شبكات متصلة ومتناسقة تشكلت بفعل اندماج الوسائط المختلفة. وفي شبكات السرد عبر الوسائط المتعددة هذه، تنتشر القصة الأساسية وتُقدَّم عبر عدد من الوسائط المختلفة ومجموعة من الصيغ المتنوعة. على سبيل المثال، ككتاب و/أو فيلم و/أو رواية مصورة و/أو لعبة كمبيوتر و/أو جملة من النصوص الأدبية التي يصيغها معجبو هذه القصة حولها. وبدلًا من إنتاج سلسلة من الصور المتتابعة المستقلة لقصةٍ ما لشرائح عمرية مختلفة كما رأينا في حالة مسرحية «حلم ليلة صيف»، تترابط النسخ المتعددة للنصوص، والمعروضة عبر وسائط مختلفة بطرق تشبه سرد المسلسلات، بحيث يقدم كل عنصر معلومة ورؤية جديدة للجمهور نفسه تقريبًا. ولم تعد المنتجات المختلفة القائمة على القصة نفسها تتنافس بعضها مع بعض، بل أصبحت ديناميكية ومكملة بعضها لبعض بصورة متزايدة، وهي حقيقة تقرها عملية مشاركة الأصول. إذنْ فعبر شبكات الوسائط المتعددة، قد تجد — على سبيل المثال — أن لعبة كمبيوتر تتضمن مشهدًا من الفيلم، بينما سيشير الفيلم إلى طريقة ممارسة اللعبة، وإذا ما كانت هناك طبعات جديدة تصدر من النص المطبوع — كما هو الحال على الأرجح إذا كانت السلسلة مأخوذة عن سلسلة حديثة من الروايات — فإن الكتب الجديدة سوف تستفيد، أو تقر، بالطريقة التي طورت بها عناصر الوسائط الأخرى في الشبكة من الشخصيات والحبكة والزمان والمكان. من جانب، يتمحور هذا الأمر حول إثارة أنماط استهلاكية جديدة؛ حيث إن كل جزء من الشبكة يعد منتجًا كذلك ومن الممكن أن يخرج من رَحِمه منتج جديد، ولكنه في الوقت نفسه يؤثر على طبيعة النص السردي. ودائمًا ما تدور معظم شبكات السرد عبر الوسائط المتعددة المشهورة في فلك الروايات الخيالية التي تحقق أعلى مبيعات. وسلسلة روايات «هاري بوتر» للمؤلفة جيه كيه رولينج تضرب مثلًا لهذه الشبكات، وتحدد أدب الأطفال بأنه عنصر أساسي في تطوير ما يطلِق عليه هنري جنكينز «ثقافة التقارب»، والتي يقصد بها: تدفُّق المحتوى عبر منابر إعلامية متعددة، والتعاون بين مجالات إعلامية متعددة، وسلوك الترحال الذي يمارسه جمهور وسائل الإعلام الذين سيذهبون إلى أي مكان تقريبًا بحثًا عن تجارب التسلية التي يرغبون فيها. وفي القراءات المتقاربة، تصبح القصص مزيجًا من كل الوسائط المتاحة يعتمد على حواس متعددة؛ فأنت تقرأها وتلعبها وتشاهدها وتسمعها. والأمر المثير للاهتمام على وجه الخصوص في سلسلة روايات «هاري بوتر» هو أنها بدأت ككتب مطبوعة تقليدية للأطفال، ولكن على مدار الوقت الذي كانت رولينج تكتب فيه باقي قصص السلسلة، كانت القصص قد تحولت إلى شبكة سرد عبر الوسائط المتعددة. وتتكون شبكة «هاري بوتر» الرئيسية من كتب وتسجيلات صوتية وأفلام وألعاب كمبيوتر وألعاب على شبكة الإنترنت ونصوص صاغها القراء المعجبون بالعمل، ومواقع ومدونات (هناك العديد من المنتجات والأحداث الأخرى التي استمدت وحيها من قصص «هاري بوتر» والتي تتفاعل مع الشبكة، ولكنها لا تطور في القصة؛ ومن ثَمَّ فهي خارج نطاق مناقشتنا). ومع نمو الشبكة، كانت كل نسخة مضافة تخلق فرصًا جديدة لاستكشاف عالم «هاري بوتر»، وتملأ فجوات الكتب، وتقدم وجهات نظر جديدة. وهناك شواهد كذلك على أن الكتب اللاحقة في السلسلة تُظهر تأثر أسلوب المؤلفة رولينج والحبكة الدرامية التي تصنعها بوعيها بالنسخ والملحقات الأخرى لكتبها، والتي كان جمهورها المخلص يستخدمها؛ مما أدى إلى وضع أجزاء وحبكات مثل خريطة مارودر التي تنقلك بسهولة إلى النسخ الأخرى من الكتب في شبكة السرد عبر الوسائط المتعددة. تميل التحليلات التي تتناول هذه الظاهرة إلى افتراض أن الكتب هي الأصل أو النصوص التي تمثل المصدر، وأن كل الطرق الأخرى لتناول القصة المتطورة للفتى الساحر وسعيه لهزيمة الشر المتمثل في شخصية «فولدمورت» تنحصر في إعادة سرد القصة في نسخ مختزلة. وهذه هي الحجة التي جاء بها أندرو برن (٢٠٠٤–٢٠٠٦) عند مقارنة المشهد نفسه في ثلاث نسخ لرواية «هاري بوتر وحجرة الأسرار». يوضح برن أنه خلال تحويل القصة من كتاب (رولينج، ١٩٩٨) إلى فيلم (إنتاج شركة كولومبس ٢٠٠٢) إلى لعبة كمبيوتر (من تصميم شركة إلكترونيك آرتس ٢٠٠٢)، ليس هناك تفاصيل مفقودة إلى حدٍّ واضح فحسب، بل أيضًا أصبحت شخصية هاري بوتر أكثر تركيزًا على الحركة وبطولية وأقل تضاربًا بشكل مثير للاهتمام، في حين أن رفاقه باتوا أقل أهمية لنجاحه وسلامته وتطوره الشخصي. ورغم أن الحقائق هي كما قدمها برن، فإن تحليلاته نسبية، تركز على ردود الأفعال إزاء كل نسخة على حدة؛ ومن ثَمَّ فإنها لا تأخذ في الاعتبار العلاقة بين الأجزاء والكل في شبكة السرد عبر الوسائط المتعددة أو الأسلوب التعاوني للقراءة الذي تسعى إلى إثارته. ويوضح جنكينز قائلًا: من أجل التواجد الكامل داخل أي عالم قصصي، ينبغي أن يلعب المستهلكون دور الصيادين والجامعين؛ حيث يطاردون أجزاء القصة عبر قنوات الوسائط الإعلامية، ويقارنون بين ملاحظاتهم عبر مجموعات نقاشية على الإنترنت، ويتعاونون لضمان أن كل مَن يستثمر وقته وجهده سوف يخرج بتجربة مسلية أكثر ثراءً. إن الرغبة في استخدام الإنترنت لجمع المعلومات ومناقشة حلول محتملة للألغاز التي زرعتها رولينج في كل قصة لَهِيَ سلوك يرتبط في الأساس بألعاب الكمبيوتر، ويدل على انهيار الحواجز بين وسائل الإعلام والنسخ المختلفة من النصوص. وفي حين أن القراءة كانت تعتبر في يومٍ ما تجربة فردية شديدة الخصوصية — حيث كانت تحدث كاستجابة للنص المطبوع في عقل القارئ وبإيقاعه الخاص، كما كانت نوعية الاستجابات التي تثيرها عملية القراءة تدين بالكثير لحياة القارئ الشخصية وتاريخه مع القراءة — فإن هؤلاء الذين نشَئُوا في بيئة متعددة الوسائط يتوقعون على نحوٍ متزايد أن تتضمن عملية القراءة أشخاصًا آخرين ونسخًا أخرى من النصوص، والتي تحدد لهم أدوارًا مختلفة كمشاهدين ولاعبين وقراء ومنتجي نصوص. ونظرًا لأن الشبكة عبر الوسائط المتعددة كتلك التي تشكلت حول سلسلة روايات «هاري بوتر» سوف تتضمن إسهامات من أعداد ضخمة من القراء والمشاهدين واللاعبين والكتاب الذين يتشاركون المعلومات والآراء والحلول والتأملات؛ فإن هؤلاء الذين يميلون إلى المشاركة فيها لم يعودوا يعتبرون الكتب مستقلة بذاتها، ولكن يعتبرونها جزءًا من كيان أضخم وأعقد كثيرًا من أن يُقدَّم عبر وسيطة واحدة. إن شبكات السرد عبر الوسائط المتعددة المتطورة بالكامل قليلة جدًّا في الوقت الحالي، وهي حتى الآن تميل إلى التركيز على النصوص التي تجمع بين المغامرة والبحث والخيال؛ ومع ذلك، فإن الطريقة التي تميل بها هذه الشبكات إلى بناء القصص تؤثر على سمات الكتابة للأطفال، وكذا على قراءة الأطفال أنفسهم للنصوص بطرق يمكن تمييزها بوضوح. تعتبر كتب المؤلف باتريك كارمان التي تصدَّرت قوائم أكثر الكتب بيعًا — على سبيل المثال — شبكات سرد مصغرة عبر الوسائط المتعددة. فَقُرَّاء سلسلة «المتعقبون» (٢٠١٠– ) يصلون إلى نقاط في النص المطبوع تحيلهم إلى الإنترنت لمشاهدة مقاطع الفيديو ولعب الألعاب التي تمدهم بمعلومات ضرورية بالنسبة للحبكة الدرامية للنص. وعلى الرغم من حقيقة أن هناك قلقًا من أن القصص السردية عبر الوسائط المتعددة تشكل تهديدًا لقراءة الوسائط المطبوعة التقليدية — كما هو الحال مع كل الوسائط الجديدة عند ظهورها للمرة الأولى — فإن بعض الطرق التي تتأثر بها عملية القراءة لديها القدرة على تعميق فهم الكيفية التي يعمل بها النص السردي. على سبيل المثال، تساعد هذه الطرق هؤلاء الذين لا يجدون متعة في قراءة الروايات المطبوعة للاستفادة بمهاراتهم في مجالات المعرفة الأخرى التي يكونون أكثر براعة فيها. كما أن انصهار الوسائط المختلفة يتيح كذلك طرقًا للكتابة تولِّد بدورها ألوانًا جديدة من القصص، قصص تعكس تجارب النشأة في كنف تقنيات معلومات متنوعة أكثر من أي وقت مضى. عناصر السرد عبر الوسائط المتعددة: التفاعلية والتواصل الشخصي والانغماس عادةً ما يبدأ اللقاء الأول للأطفال بالقصص — باعتبارها جزءًا من سلسلة السرد عبر الوسائط المتعددة — بمشاهدة البرامج التليفزيونية مثل «عالم سمسم» أو «بوب البناء» أو «حديقة المرح». وهذه البرامج تعرِّف الأطفال على شخصيات وأزمنة وأماكن ومجموعات مختارة من القصص، وتمتد هذه البرامج إلى المواقع الإلكترونية التي تقدم أنشطة تتضمن قراءة القصص، والتي تشبه إلى حدٍّ كبير الكتب المصورة التقليدية؛ حيث يستطيع الأطفال الاستماع إلى القصة ورؤية النص المطبوع كذلك، والذي يتغير لونه مع نُطق كلماته. وعلى الرغم من أنها تشبه الكتب المصورة، فإن هذه الإصدارات التي تُعرَض على شاشات الأجهزة الإلكترونية المختلفة تتضمن رسومًا متحركة وأصواتًا وبعض روابط النص التشعبي، والتي تتيح للأطفال التفاعل مع النص من خلال اللمس أو النقر. وتتضمن الشبكات مجموعة مختلفة من المنتجات، بما في ذلك أقراص الفيديو الرقمية للبرامج التليفزيونية والأفلام المصنوعة خصوصًا لتكون جزءًا من هذه الشبكة، والكتب التفاعلية، وألعاب الكمبيوتر، والدُّمَى. وفي حين أنه من الممكن الاستمتاع بكل جزء من هذه الشبكة على حدة، فإن العديد منها قد صُمم خصوصًا ليُستخدَم جنبًا إلى جنب مع باقي أجزاء الشبكة؛ مما يزيد من احتمالية التفاعل بينما تُستحدَث محفزات لشراء المزيد من منتجات الشبكة. لذا، فعلى سبيل المثال، قد تتضمن دمية «بوب البناء» جهاز تحكم يرتبط بكتاب «بوب البناء»، بحيث يدفع الضغط على رقمٍ ما بوب إلى التلفظ بعبارات تكمل الصفحة التي تحمل ذلك الرقم في الكتاب. وحجم الطلب على شبكات السرد عبر الوسائط المتعددة هذه يوضح كيف أن مهارات التعلم التقليدية باتت تمتزج بأشكال التعلم والتسلية الأخرى. فمثلًا، بالإضافة إلى تدريس مثل هذه المهارات المألوفة كالتعرف على الأرقام والحروف والألوان، فإن متجر بوتون ساوند بوكس — المنتج لعدد كبير من كتب «بوب البناء» والمنتجات المرتبطة به — يَعِد بأن مستخدمي منتجاته من الأطفال سوف «يتعلمون كيفية استخدام الميكروفون، والكاميرا، والعزف على البيانو والجيتار»! توضح شبكات السرد عبر الوسائط المتعددة الأولية هذه عنصرين أساسيين عن عملية السرد عبر الوسائط المتعددة، ألا وهما: أنها تفاعلية؛ وذلك لأن الأطفال يحتاجون مساعدة الكبار في العديد من الجوانب المختلفة فيما يتعلق بالوصول إلى النصوص واستخدامها، كما أن لها بُعدًا اجتماعيًّا فطريًّا. ويمتد التواصل بين الأشخاص في حالة اشتراك أكثر من طفل واحد في النشاط، ويوضح ماكي (٢٠١٠) أن الأطفال يستطيعون العمل معًا على مثل هذه النصوص، حيث يتبادلون مهارات تفسير الرموز وحل المشكلات التي يتعلمونها من الكتب المصورة وألعاب الكمبيوتر بين الوسيطتين. وبالنسبة للأطفال الأكبر سنًّا، فإنهم يختبرون عنصر التواصل بين الأشخاص عبر الألعاب الإلكترونية ومنتديات الإنترنت التي أُنشئت خصوصًا للمستخدمين المتعددين. أما العنصر الثالث لشبكات السرد عبر الوسائط المتعددة، فهو الانغماس، وهو تعبير دائمًا ما يُستخدم لوصف مستوى انخراط شخصٍ ما في لعب ألعاب الكمبيوتر. كذلك يمكن استخدام تعبير الانغماس لوصف تجربة «الاستغراق في الكتاب»، ودراسة الطرق التي قد تدعم بها سلاسل السرد عبر الوسائط المتعددة الانغماس أو تحول دونه تُظهِر مدى قدرة هذه السلاسل على أن تكون مكملًا لقراءة المواد المطبوعة التقليدية. إن الانغماس التام في قراءة كتاب أو مشاهدة فيلم أو لعب لعبة إلكترونية أمر ممتع، ولكنه غالبًا ما يُعد حالة تتوقف فيها القدرات النقدية عن العمل. إن أول لقاء بالنص في شبكة السرد عبر الوسائط المتعددة ينتج على الأرجح درجة عالية من الانغماس، ولكن ما إن يبدأ «القراء» في التنقل عبر باقي أجزاء الشبكة والمشاركة في المناقشات الدائرة حول الصور المختلفة التي ظهر بها النص، حتى يأتي الشعور بالرِّضَى الذي ينبع من الدراسة، وطرح الأسئلة، وفحص الأجزاء المختلفة من الشبكة ومحاولة التوصل إلى اكتشافات تعمق الفهم، بدلًا من الكفاح من أجل الوصول إلى درجات أعلى من الانغماس. وهذا الأمر يثير بعض المقارنات المثيرة للاهتمام بأهداف تدريس الأدب والاستراتيجيات المستخدمة في ذلك. مع تقدم الأطفال في مسار النظام التعليمي، يصبحون مطالَبين بفهم القراءة كعملية تفسيرية؛ حيث إن القصص التي يتعلمونها تعمل على أكثر من مستوًى؛ ومن ثَمَّ فهي في حاجة إلى التفسير. وهناك شكوى شائعة تتمثل في أن القصص التي تُقرأ في المدارس تُدمَّر بفعل المطالبة المستمرة للطلاب بالنظر إلى عمق النص وليس سطحه، وتركيز الانتباه على أشياء من قبيل الجنس الأدبي، والمنظور السردي، والاستطرادات، وتغير الأزمنة، وعناصر الأسلوب، والحاجة إلى سد الثغرات في السرد. والمثير للاهتمام أن العديد من هذه السمات يكون موضحًا في عملية قراءة النصوص عبر الوسائط المختلفة، سواءٌ أكان ذلك يتضمن جمع دلائل تتعلق بالأحداث، أم الأفعال، أم رسم الشخصيات، أم الزمان والمكان، أم محاولة اكتشاف المنظور السردي. وتتطلب ألعاب الكمبيوتر التفاعلية على وجه الخصوص حل المشكلات التي تُحوِّل الاستراتيجيات التفسيرية إلى أنشطة فعلية. فممارسة لعبة كمبيوتر قائمة على إحدى روايات «هاري بوتر» — على سبيل المثال — قد تجعل من الممكن تغيير المنظور السردي للقصة من خلال تغيير الصور الكرتونية، في حين أن طبيعة الاستطرادات وسبب تضمنها تغييرًا في الأزمنة لا يمثلان إشكالية بالنسبة للاعب ينشِّط رابط نص تشعبي ويعيش أحد أحداث النص أثناء وقوعه، والذي يلقي الضوء على سمة من سمات الحبكة أو الدافع كانت خفية من قبل. ومع تطور الألعاب الإلكترونية، فإنها توظف بشكل متزايد قصصًا معقدة ومدروسة بعناية ومكتوبة بإتقان، وتقدمها من خلال مزيج من المواد المطبوعة؛ فالحاجة إلى قراءة الكتب، والخطابات، والرسائل، والمفكرات اليومية، وأنواع مختلفة من المستندات للحصول على معلومات حيوية تعتبر سمة من سمات الألعاب الإلكترونية. والأمثلة على الاهتمام بكتابة قصص ألعاب الكمبيوتر هي لعبة «أساسنز كريد» (٢٠٠٨)، و«أساسنز كريد ٢» (٢٠٠٩)، اللتين تدور أحداثهما وسط مناظر تجسيدية موسعة ومفصلة للغاية للأرض المقدسة في حقبة الحملات الصليبية وفي إيطاليا القرن الخامس عشر على التوالي. وتعتبر هذه السلسلة قصص مغامرات تاريخية بقدر ما هي ألعاب إلكترونية، وقدرتها على التحفيز على الانغماس تُعزَى إلى الخلفية الدرامية مكتملة التطور، والتي نتعرف عليها من خلال الحوار ومستندات تصميم اللعبة، والتي أدَّت إلى خلق محيط زماني ومكاني واقعي إلى حدٍّ مدهش. وتتضح أهمية القصة بالنسبة لهاتين اللعبتين من حقيقة تعيين أومبيرتو إيكو — الباحث في تاريخ العصور الوسطى والروائي إلى جانب أشياء أخرى — مستشارًا لذلك المشروع. ونظرًا لاهتمام إيكو بخلق أدوار للقراء، بحيث يطلب منهم حل الألغاز التي غالبًا ما تستند إلى نصوص أخرى وإلى نشاط القراءة، وكذلك جعل النصوص مفتوحة للعديد من التفسيرات؛ فإن حماسه للنص الروائي للألعاب الإلكترونية قد يكون غير مثير للدهشة. إن مهارات إيكو كمؤرخ وكاتب تشكل سلسلة ألعاب «أساسنز كريد»، ولكن العلاقة التأثيرية بين الألعاب والروايات ليست ذات اتجاه واحد، علاوةً على أن كُتاب أدب الأطفال ينجذبون انجذابًا متزايدًا إلى السمات المرتبطة بالألعاب لإنتاج أنواع جديدة من القصص وطرق جديدة لسردها. «إعادة إنتاج كتاب»: تقاليد جديدة للروايات القديمة تعتبر رواية «هيكسوود» (١٩٩٣) للكاتبة ديانا وين جونز أحد الكتب التي تستخدم تقاليد سردية ترتبط بألعاب الكمبيوتر من أجل خلق نهايات أدبية مبتكرة. تبدأ هذه الرواية المعقدة الثرية بسلسلة من الفصول القصيرة جدًّا، والتي تبدو أنها تكرر الأحداث نفسها من وجهات نظر أو مراحل زمنية مختلفة. ثم يتضح بالتدريج السبب وراء التكرار والربط بين الأحداث؛ فالأحداث جزء من لعبة تقمص أدوار واقعية افتراضية كونية تُستخدم لاختيار حكام المجرة، وبنية الكتاب نفسها تقوم على أساس هذه اللعبة. ومثلما تنطلق رسالة «انتهت اللعبة» عدة مرات في تتابع سريع حين يرتكب اللاعبون الجدد أخطاء، أو يتسببون في مقتل شخصية اللعبة، ويُضطَرون للبدء من جديد وهم يستكشفون مساحة اللعبة، كذلك يبدأ قارئ «هيكسوود» القراءة من جديد مع شخصية آن، التي تلعب دور الشخصية الكرتونية للقارئ. وبمجرد دخول الشخصيات في بيئة اللعبة، تفقد إحساسها بهويتها (بعبارة أخرى، تنغمس في اللعبة)، وتندمج مع الصور الكرتونية المحددة لها. وكل الصور الكرتونية عبارة عن شخصيات أسطورية، تتضمن الملك آرثر والساحر مرلين، وعددًا من فرسان المائدة المستديرة، وقاتل التنين في أسطورة بيوولف؛ باختصار، إنه «فريق الأحلام» الأدبي. ونظرًا لأن سلوك الشخصيات متأصل في تجسداتهم الأدبية؛ فإن العلاقة بين الكتب والألعاب تتضح أنها علاقة تكميلية. في الواقع، هذه العلاقة هي ما يحرك الحبكة، على الرغم من أن الحبكة في رواية «هيكسوود» ثانوية بالنسبة للسرد. وقد استُخدِمت عناصر التفاعل مع اللعبة من أجل تنظيم بنية الرواية وتطوير شخصياتها. على سبيل المثال، الانغماس، وإمكانية إعادة اللعب، وخلق عالم بديل قائم على مزيج من الأجناس الأدبية المذهلة، والمعركة بين الخير والشر للسيطرة على العالم، واستخدام الصور الكرتونية. وتكتسب الصور الكرتونية أهمية خاصة في هذه الرواية، حيث يتضح بالتدريج أن الاتفاق بين الهويات الأدبية الأصلية للشخصيات وصورهم الكرتونية قد خُلِق بعناية ويقدم لنا تلميحات بشأن ماضي الشخصيات، وطبائعهم، وقدراتهم. هناك العديد من الطرق الأخرى التي يستفيد بها النص من خصائص ألعاب الكمبيوتر، ولكن رواية «هيكسوود» تعتبر مثيرة للاهتمام لهذه المناقشة؛ لأن ديانا وين جونز مزجت فيها أنماطًا وشخصيات ونماذج وحبكات درامية من الخرافات والأساطير والحكايات الشعبية والخيالية بسمات ألعاب الحاسب لخلق قصة وأسلوب جديدين من رحم تلك المكونات المألوفة. وقد فعل سلمان رشدي شيئًا مشابهًا في روايته «لوقا ونيران الحياة» (٢٠١٠)، وهي تتمة لرواية «هارون وبحر القصص» (١٩٩٠). وتدور أحداث رواية «لوقا ونيران الحياة» حول ابنٍ آخر من أبناء رشيد راوي القصص، والذي عليه أن ينقذ والده. في هذه المرة، استسلم رشيد لتعويذة غامضة أُلقيت عليه فأسلمته إلى نوم طويل، فانطلق لوقا يبحث عن نيران الحياة التي يأمل أن توقظ والده ليسترجع مهاراته في سرد القصص. وعلى غرار وين جونز، يُجرِي سلمان رشدي — الذي أصبح خبيرًا في ألعاب الكمبيوتر خلال سنوات الفتوى بإهدار دمه — مقارنات بين أسلوب السعي وراء الأهداف في ألعاب الكمبيوتر وفي الحكايات القديمة، بما في ذلك القصة الخيالية التي يكتبها في رواية لوقا. وتعتبر فكرة الفناء موضوعًا رئيسيًّا في هذا الكتاب، وتتمثل إحدى طرق استكشاف ذلك في المقارنة بين القيم المختلفة التي تكتسبها فكرة الحياة في الألعاب الإلكترونية، حيث تمتلك الشخصيات/اللاعبون عددًا لا يُحصى من الحيوات (وهو ما يشبه أسلوب إعادة التشغيل الذي استخدمته وين جونز في رواية «هيكسوود»)، وفي الحياة الواقعية، حيث يتقدم العمر برشيد ويواجه لوقا حقيقة أن والده لن يتمكن من النجاة إلى الأبد. إن المزيج الذي يصنعه رشدي بين الألعاب الإلكترونية والحكايات التقليدية يتمحور في الأساس حول قابلية النص السردي للتكيف وأهمية ذلك لكل الثقافات (وهو يستخدم مجموعة كبيرة مختلفة من تقاليد السرد الروائي في رواية «لوقا»). تشارك رواية «هيكسوود» كذلك هذه المخاوف وتؤكد على قدرة القصص على التعليق على أحوال المجتمع، وفي هذه الحالة، تعلق القصة على مغريات أهل السلطة للتلاعب بالقواعد. وقد ظهرت فكرة مشابهة لهذه في رواية «ملحمة» (٢٠٠٤) للكاتب كونر كوستيك، وهي قصة تدور أحداثها في المستقبل على كوكبٍ ما حيث تُستخدم لعبة تقمص أدوار متعددة اللاعبين — تسمى الملحمة — لإدارة المجتمع بنية تجنب النزاعات. ولكنْ، هناك عصبة من الفاسدين أمسكوا سرًّا بزمام اللعبة لجمع ثروة وتحصين أنفسهم، وتدور قصة الرواية حول محاولات استعادة السيطرة المشروعة على زمام اللعبة. وللقيام بذلك، كان على السكان أولًا أن يدركوا أن هناك تلاعبًا في اللعبة. ولكن من الصعب القيام بذلك؛ نظرًا لأنهم منغمسون تمامًا في اللعبة. وتعمل فكرة الاستغراق في تلك اللعبة كاستعارة للأيديولوجية؛ حيث يجد المستعمرون أنه من المستحيل أن يدركوا أن الطريقة التي يعيشون بها ليست محتومة. يأتي التغيير حين يتخلى إيريك — وهو لاعب صغير في اللعبة — فجأة عن الصورة الكرتونية التي يستخدمها طوال حياته — وهي تشبهه للغاية — ليجرب شيئًا مختلفًا تمامًا. فأتاح له الواقع الافتراضي أن يتقمص شخصية سينديلا قاتلة التنانين؛ وهي فتاة جذابة تستعين بالسحر عوضًا عن المهارات القتالية. وتعد القدرة على إعادة ابتكار الذات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني والواقع الافتراضي مصدرًا للقلق في بعض الأحيان، إلا أن تصحيح الوضع يولِّد منظورًا جديدًا أو أكثر. مع اتخاذه لسينديلا كصورة كرتونية له، بدأت طرق جديدة للتفكير في اللعبة والحياة اليومية تطرأ على ذهن إيريك؛ مما مكَّنه هو ورفاقه من إكمال لعبة الملحمة، والإطاحة بالزمرة الحاكمة، واستعادة الحكم العادل لأهل الكوكب. وعلى غرار روايتي «هيكسوود» و«لوقا ونيران الحياة»، توظف رواية «الملحمة» بنية السعي وراء تحقيق هدف محدد، بما في ذلك المحاولات والحاجة إلى إحراز تقدم عبر مستويات مختلفة من خلال هزيمة مجموعة متنوعة من الوحوش. كما أن جزءًا كبيرًا من نص هذه الرواية مكتوب كلعبة إلكترونية؛ ومن ثَمَّ يقرأ القراء الأوامر التي يعطيها إيريك لسينديلا، ثم يكتشفون ما يحدث عندما تنفذها. وفي حين أن كلًّا من روايتَي وين جونز وسلمان رشدي تتعقب شخصية وحيدة بشكل أساسي وهي تجتاز المستويات المختلفة لعالم اللعبة، فإن الفوز في لعبة «الملحمة» يتحقق عندما يتعاون إيريك مع أصدقائه وعائلته والأفراد الأساسيين في المجتمع؛ حيث يبنون ثقافة تقارب في مجتمعهم. وكل فرد من هؤلاء يشارك في اللحظات الحرجة، حيث يوحدون مهاراتهم ويتعاونون في حل مشكلاتهم. ومن ثَمَّ، فإن هذه الرواية التي تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، تؤكد على قيمة أساليب وتقاليد ألعاب الكمبيوتر ومجتمعات الإنترنت وتوظفها، حيث تمزجها بعناصر من القصص التقليدية من أجل ابتكار طرق جديدة لسرد القصص، والتي تَطرح كذلك طرقًا جديدة للتفكير بشأن كيفية تنظيم المجتمع وإدارته. توضح الأمثلة الثلاثة السابقة كيف تتأثر النصوص المطبوعة بمبدأ السرد عبر الوسائط المتعددة. ورغم أن أيًّا من هذه الروايات الثلاث ليست جزءًا من شبكات سرد عبر الوسائط المتعددة، فإنها نصوص تفاعلية، حيث إنها تمزج بين سمات الألعاب الإلكترونية، والسرد الروائي، وتطورات الوسائط الجديدة، كما أنها جزء من عملية تعديل توقعات صغار القراء بشأن ماهية الرواية ووظيفتها. كما أنها تبين السبب وراء أن تحليل الروايات للأطفال يتطلب من الأكاديميين — على نحوٍ متزايد — النظر إلى ما وراء المناهج النقدية التقليدية إلى تلك الطرق التي تُطَوَّر لمناقشة التقنيات الجديدة. فالنصوص التفاعلية للأطفال تمهد الطريق لاتجاهات مستقبلية للرواية. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
الفصل الرابع الأجناس الأدبية والأجيال: القصة العائلية مثالًا في بعض الأحيان، يُشار إلى أدب الأطفال بوصفه جنسًا أدبيًّا مستقلًّا على أساس أنه صِنف متميز من النشر له تقاليده المميزة التي ترسخ توقعات محددة لدى قرائه. وإحدى مشكلات هذا المنظور هي أن أدب الأطفال «يتضمن» كذلك كل الأجناس الأدبية والأجناس الأدبية الفرعية التي تُستخدَم في تصنيف أجناس الكتابة، بدءًا من المصطلحات القديمة والقائمة على نطاق واسع مثل التراجيديا، والكوميديا، والملحمة، والشعر، والدراما، ووصولًا إلى التسميات الحديثة والأكثر تخصصًا مثل «أدب المراهقات». وفي الواقع، فإن التركيز على الأجناس الأدبية المترسخة والأدب القصصي الشعبي شديد في مجال النشر للأطفال مقارنةً بالنشر للكبار، ويعكس ذلك العديد من الدراسات التاريخية والمقدمات والأعمال المرجعية المخصصة لأدب الأطفال. فالغالبية العظمى منها تغطي موضوعات أساسية مثل قصص المغامرات، وقصص العائلات، وقصص المدارس، وقصص الحيوانات، وربما كذلك روايات الفانتازيا، والروايات الواقعية، والشعرية، والتاريخية وروايات الحروب. ووفقًا لطبيعة العمل، فقد تتناول هذه الأجناس الأدبية موضوعات أكثر تخصصًا تمتلك مع ذلك أعرافًا محددة وثابتة بوضوح مثل قصص الخيول، أو القصص الأخلاقية. وليس مقدار الأدب القصصي الذي يحدده الجنس الأدبي وحده هو ما يميز الكتابة للأطفال عن الكتابة للكبار، لكنَّ الطرق التي يُستخدم بها، والأجناس الأدبية الأكثر هيمنة داخله، وتأثيرات الكتابة في تقاليد الأجناس الأدبية يمكن أن تكون أيضًا مختلفة تمامًا. جاذبية الأدب القصصي الشعبي للصغار ومكانته ترجع تسمية «الأدب القصصي الشعبي» إلى حقيقة أن هذا النوع من الكتابة يجذب أعدادًا كبيرةً من القراء عن طريق تقديم تجارب قراءة مألوفة. وهو ينزع إلى القيام بذلك عبر الالتزام بالتقاليد، وتوظيف الصور النمطية، واتباع صيغ معينة، وربما اللجوء إلى التعبيرات المبتكرة. وقد يفسر المستوى الرفيع للأدب القصصي الشعبي الذي يشكل أدب الأطفال تفسيرًا جزئيًّا السبب في أنه — كقالب أدبي — غالبًا ما ينبذ لأنه لا يتطلب كثيرًا من المهارة، ولأنه شيء ينبغي التخلي عنه عند الكبر. ومع ذلك، فإن هذا التوجه نحو الأدب القصصي الشعبي، سواءٌ أكان للكبار أم للأطفال، يعجز عن الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الأدب القصصي الشعبي يتمحور حول التقاليد — التي لا تسفر في حد ذاتها عن كتابة مبتذلة أو خيال فقير — أكثر مما يتعلق بالأسلوب. وفي الواقع، قد تكون قيود التقاليد في حد ذاتها عاملًا محفزًا للابتكار؛ حيث تستفز الكُتاب لاستكشاف احتمالات الامتثال بالتوقعات المرجوَّة من الجنس الأدبي وتجاوزها في آنٍ واحد. فكثيرًا ما يأتي فيليب بولمان بابتكارات عبر وضع الجنس الأدبي تحت التجربة؛ فروايته رباعية الأجزاء «سالي لوكهارت» (١٩٨٥–١٩٩٤) تُحيي نمط روايات التشويق التي سادت إبان العصر الفيكتوري؛ أما روايته «كنت جرذًا» (١٩٩٩)، فتتلاعب بتقاليد القصة الخيالية، في حين أن روايته «الرجل الصالح يسوع والمسيح الشرير» (٢٠١٠) — وهي ليست كتابًا للأطفال — تعيد سرد أجزاء من الأناجيل الأربعة. من المهم أن تضع نصب عينيك أنه في حين أن المؤلفين قد يكتبون في إطار الأجناس الأدبية التقليدية، فإن هذه النصوص بالنسبة لمعظم القراء الأطفال تمثل تجاربهم الأولى مع الأجناس الأدبية المتفردة؛ ومن ثَمَّ لن يجدوها مألوفة أو متوقعة. وعلى الرغم من أن صغار القراء قد يكونون على دراية بأن أنواعًا معينة من الكتب توجد في أماكن مخصصة لها في المكتبات العامة أو متاجر الكتب، فإنهم يستغرقون وقتًا على الأرجح ليفهموا التقاليد التي تحكمها أو ليدركوا أنهم أنفسهم لديهم توقعات حول نوع تجربة القراءة التي تقدمها مجموعات معينة من الكتب. إن التعرف على تقاليد الأجناس الأدبية جانب مهم من تعلم القراءة. فالقدرة على توقع ما يدور يمكن أن تساعد على تنمية الثقة في القدرة على القراءة، والقدرات العقلية، والشعور بالرِّضَى، بينما يعد التعرف على سمات الأجناس الأدبية خطوة أولى أساسية في تمكين القراء من الاستجابة لأساليب معينة من الكتابة مثل المحاكاة الساخرة أو بعض جوانب التناص. ونظرًا لأن العديد من الروايات التي يصادفها الأطفال تكون في أشكال غير مطبوعة؛ فقد ينتهي بهم الحال إلى فهم الأجناس الأدبية جزئيًّا من خلال استقاء المعلومات من وسائط أخرى. على سبيل المثال، الخصائص المحيطة بالنص — مثل أغلفة الكتب — دائمًا ما تشير إلى الأجواء، والنبرات، وأنماط الخطوط، والصور الخاصة بالأفلام، مما يبرز تقاليد الجنس الأدبي التي ربما بدأ التعرف عليها من خلال الشاشة. وتقدم لنا طريقة تقديم سلسلة الروايات الشهيرة «قمة الرعب» — التي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين — مثالًا جيدًا على هذا النوع من نقل المعلومات. فقد استخدمت هذه السلسلة شعارًا منمقًا وأغلفة داكنة وكئيبة، والتي كان من الواضح أنها مستلهمة من الأفكار التقليدية التي طُورت للدعاية لأفلام الرعب؛ وذلك للإيحاء بتقديم تجربة قراءة على القدر نفسه من الرعب. ومؤخرًا، استخدم غلاف رواية «الشفق» للكاتبة ستيفاني ماير (٢٠٠٥) خلفية سوداء قوية لتمثل إطارًا لصورة تتألف من أيادٍ بيضاء تنشب أظافرها في تفاحة حمراء زاهية. وكانت الألوان والخط والصورة تثير طابعًا قوطيًّا وتقدم الفكرة المحورية القوطية المميزة المتعلقة بالحب الممنوع والشهوات المحرمة. أما العروق المرئية بوضوح في الأرسُغ الموضحة بالصورة، فهي تبرز ضعف اللحم البشري، وتمهد الطريق أمام مصاص الدماء العاشق (وهي سمة أخرى شائعة من سمات الفن الروائي القوطي) ليكون في مركز الحبكة. ونظرًا لأن القراء الضمنيين الأصليين لرواية «الشفق» كانوا على الأرجح يعرفون المسلسل التليفزيوني «بافي، قاتلة مصاصي الدماء» (١٩٩٧–٢٠٠٣)؛ فإن دافع مصاص الدماء المراهق كعاشق نبيل سيكون مألوفًا، مثلما سيكون مألوفًا أيضًا ذلك الالتواء العاطفي المفاجئ للعرف السائد في روايات الرعب التقليدية بأن ينال مصاص الدماء من الفتاة الطيبة. إن الأيقونية التي نُسِجَت حول سلسلة الكتب (٢٠٠٥–٢٠٠٨) والأفلام (٢٠٠٨– ) التي شكلت ملحمة «الشفق»؛ قد قدمت بدورها الأساس لوفرة من الروايات القوطية المقلدة للمراهقين والتي أفرزتها سلسلة روايات ماير، موضحة كيف أن تعريف القراء الصغار بتقاليد الجنس الأدبي، وكما هو الحال مع كل ما يتصل بأدب الأطفال، يمد الجسور بين الوسائط المختلفة ويخلط بينها. كما أن ذلك يعد مؤشرًا على كيف أن تفضيل بعض الأجناس الأدبية على غيرها يختلف ما بين أدب الكبار وأدب الأطفال في وقت بعينه. أوقات متغيرة وأجناس أدبية متغيرة معظم الأجناس الأدبية تمتد ما بين كلٍّ من أدب الكبار وأدب الأطفال، ولكن بعض هذه الأجناس أكثر تطورًا في الكتابات الموجهة للأطفال، وتأتي قصص الحيوان والمدارس في المقام الأول بين تلك الأجناس الأدبية. وليس من الصعب تفسير السبب وراء كون هذه الأجناس الأدبية (التي يتسع نطاقها لدرجة أنها تتضمن أنواعًا أدبية فرعية متطورة تمامًا؛ مثل قصص الخيول وقصص المدرسة الخاصة بالفتيات) ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأدب الأطفال. في حالة قصص المدرسة، فإن كل الأطفال تقريبًا يذهبون إلى المدرسة؛ ومن ثَمَّ، فإن الظروف ونوعية الأحداث المرتبطة بالمدرسة — على الأرجح — ذات جاذبية فورية بالنسبة لهم وعلى علاقة مباشرة بهم. وعلاوةً على ذلك، ونظرًا لأن خبرة الأطفال بالحياة محدودة للغاية بطبيعة الحال؛ فإن عالم المدرسة الصغير يتيح استكشاف مجموعة مختلفة من الموضوعات والقضايا في سياق وعلى مستوًى يفهمونه بسهولة؛ حيث إن الحديث عن سياسات البرلمان قد تكون محيرة بالنسبة للأطفال وغريبة عن عالمهم، ولكن سياسات فناء المدرسة شديدة الارتباط بهم وينبغي مناقشتها. وليس من المثير للدهشة في شيء إذنْ أن قصة المدرسة واحدة من أقدم الأجناس الأدبية المرتبطة بأدب الأطفال وأكثرها تطورًا. شكل ٤-١: رواية «حياة وجولات فأر» (١٧٨٣ تقريبًا) للكاتبة دوروثي كيلنر. كانت دوروثي كيلنر واحدة من كاتبات القرن الثامن عشر الكثيرات اللاتي اكتشفن طرقًا جديدة لجذب اهتمام القارئ الصغير من خلال إجراء العديد من التجارب على المنظور الروائي والصوت السردي؛ وفي هذه الحالة، راوي القصة فأر.1 أما قصص الحيوان، فهي أطول وأكثر تنوعًا. وقد كانت «خرافات أيسوب» من بين أوائل الكتب التي طبعها كاكستون، كما أن هناك العديد من الحيوانات في القصص الشعبية والخيالية والنصوص الدينية. وقد استخدم كتَّاب القرن الثامن العشر الحيوانات لتعليم الأطفال المسئولية تجاه الاعتناء بالعالم الذي يعيشون فيه — كما هو الحال في قصة «تاريخ عائلة طائر أبو الحناء» (١٧٨٦) للكاتبة سارة تريمر — وكذلك واجباتهم كأطفال ورعايا في القصص الأخلاقية كما في قصة «حياة وجولات فأر» (١٧٨٣) للكاتبة دوروثي كيلنر. لقد كانت قصة كيلنر نقطة الانطلاق لتقليد جعل الحيوان يروي أحداث حياته بنفسه؛ مما أدى إلى ظهور جنس أدبي فرعي انحدرت منه بعض الأعمال البارزة مثل قصة «الجمال الأسود» (١٨٧٧) لآنا سويل، وقصة «بن وأنا: جانب من الحياة الرائعة لبنجامين فرانكلين مع فأره الطيب آموس» (١٩٣٧) لروبرت لاوسون. وهناك قصص الحيوان الطبيعية مثل رواية الكاتب جاك لندن «نداء البرية» (١٩٠٣)، والقصص التي تخلع على أبطالها من الحيوانات صفات بشرية إلى حدٍّ بالغ، مثل رواية «الريح في أشجار الصفصاف» (١٩٠٨) لكينيث جراهام، وقصص الحيوان الخيالية مثل قصة «النمر، النمر» (١٩٩٦) لميلفن بيرجس، والتي تدور أحداثها حول أنثى نمر تمتلك قدرات خارقة للطبيعة تحمي نوعها من الانقراض من خلال تحويل صبي صغير إلى نمر ذكر يتزاوج معها. وكما توضح الأمثلة السابقة، فإن كُتَّاب قصص الحيوان يجعلون الحدود بين الحقيقة والخيال ضبابية بصورة حتمية تقريبًا؛ وذلك نظرًا لأن هذا النوع القصصي يتطلب منهم تقديم أفكار الحيوانات بلغة البشر. في المراحل الأولى من النشر التجاري على وجه الخصوص، كان هناك شعور بالقلق بشأن مثل هذه الأساليب الخيالية على أساس أنها قد تصعِّب على الأطفال التمييز بين الحقيقة والخيال. وبالرغم من اعتماد قصص الحيوان على أسلوب الحيوانات المتكلمة الخيالي، فإنها تعتبر جنسًا أدبيًّا أساسيًّا في أدب الأطفال منذ القرن الثامن عشر. لقد طُرِحَ العديد من الأسباب للاستخدام الشائع للحيوانات في أدب الأطفال. على سبيل المثال، يشير النقاد إلى أوجه التشابه في المنزلة بين الأطفال والحيوانات، والتي تجعل من الحيوانات نقاط تطابق فعالة بالنسبة للقارئ الصغير. والحيوانات المستأنسة على وجه التحديد قد تشارك الأطفال بعض أوجه الشبه؛ حيث إنها ضعيفة نسبيًّا، ولا يمكنها التعبير عن نفسها، ومغلوبة على أمرها مقارنةً بالكبار. في حين أن هناك رأيًا آخر يرى أن الظهور المتكرر للحيوانات في قصص الأطفال والصغار يُعزَى إلى أن نقل الموضوعات التي قد تكون مزعجة — مثل الموت والجنس والعنف وسوء المعاملة — من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان يجعل التعامل معها أكثر سهولة. وهذه النوعية من الفصل يمكن أن تعمل بأشكال شتى. فعلى سبيل المثال، منح الحيوانات قدرة الإنسان على الكلام وعقلانيته يمثل مرآة تعكس سلوكياتنا؛ مما يمكِّن القراء الصغار من فهم أساليب مثل الهجاء أو استيعاب النقد السياسي. وتقدم فكرة الشياطين من الحيوانات في رواية «مواده المظلمة» لفيليب بولمان وجهًا مختلفًا لهذه الوظيفة للحيوانات في أدب الأطفال؛ حيث تُظهر جوانب من الطبيعة الداخلية لشخصيات الرواية. وفي حين أن الشياطين التي تظهر في صورة إنسان ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنوع والميول الجنسية، فإن الشخصيات الحيوانية تُستخدم غالبًا بدقة لتقليص الحاجة إلى الإسهاب في موضوعات مثل السن والنوع والطبقة والانتماءات العرقية. هذه الوظيفة يمكن أن تكون مفيدة على وجه الخصوص بالنسبة للرسامين الذين يرغبون في تجنب توضيح هذه المعلومات. من المهم أن تتذكر أن تصوير العلاقة بين الأطفال والحيوانات خارج كتب الأطفال غالبًا ما يكون مختلفًا تمامًا عن ذلك الموجود في قصص الحيوان الموجهة للأطفال. فهناك — على سبيل المثال — القليل من الإحساس بالتعاطف بين الأطفال والحيوانات في رواية ويليام هوجارث المؤثرة «المرحلة الأولى من القسوة» (١٧٥١)، وحتى معظم أدب الأطفال في القرن التاسع عشر يتضمن توجيهات بعدم إيذاء الحيوانات أو سرقة البيض من عشش الطيور خاصة لأن ذلك كان سلوكًا شائعًا بين الأطفال. كما أن أوجه التغير الاجتماعي التي حولت الموقف من الحيوانات أثرت أيضًا على مكانة الأجناس الأدبية. فنسبة كبيرة مما يُعرَف الآن بأدب الأطفال يتألف من الأجناس الأدبية التي كانت يومًا ما من أساسيات الكتابة للكبار، ولكنها باتت الآن موجهة للأطفال بشكل أكبر، ومن بين هذه الأنواع القصصية الخرافات والأساطير والقصص الشعبية والخيالية وأدب الهراء. ووفقًا لجاكلين روز، يُتهم أدب الأطفال بالاهتمام بأشكال أقدم من النصوص الأدبية كوسيلة للحفاظ على قيم تُعتَبر على «شفا الانهيار» في الثقافة المعاصرة واستعادتها. إن حقيقة أن أدب الأطفال يعمل كمستودع للأنواع الأدبية لا يعني أن هذه الأنواع تضمر أو تصبح طفولية بمجرد دخولها إلى مجال أدب الصغار. في الواقع، في كتابي «أدب الأطفال الراديكالي: رؤًى مستقبلية وتحولات جمالية» (٢٠٠٧)، أقول بأنه حين تنتقل الأجناس الأدبية من أدب الكبار إلى أدب الأطفال، فإنها لا تُحفَظ فحسب، ولكنها تتجدد وتستعيد رونقها أيضًا. ويمكن رؤية أمثلة على مثل هذا النوع من التجديد في النسخ النسائية المنقحة للقصص الخيالية، واستخدام أدب الهراء من قِبَل كُتَّاب ما بعد الحداثة مثل سلمان رشدي، وخلط الحكايات التقليدية لخلق أساليب لغوية ورسائل جديدة في الأفلام مختلطة الجمهور مثل «سلسلة أفلام شريك» (٢٠٠١، ٢٠٠٤، ٢٠٠٧، ٢٠١٠). إن الأجناس الأدبية لأدب الأطفال حساسة من الناحية الثقافية؛ فهي تتغير أو تُعَدل استجابةً لمخاوف المجتمع، وفي بعض الأحيان تكون حساسة لتطورات الكتابة للكبار. لذا، فعلى سبيل المثال، ارتبطت قصص مغامرات الأطفال في الأساس بفترات الاستعمار، والاستكشافات، والصراعات وازدهرت فيها، كما أنها كانت تميل لأن تُستخدَم في دعم الخطاب القومي/الوطني، وغالبًا ما تمتزج بنظرة ذكورية للعالم. والأشكال أو الفرص الجديدة لمثل هذه الأنشطة — استكشاف الفضاء واستعماره، على سبيل المثال — تثير أشكالًا جديدة من قصص المغامرات. ولكن لكي تعتبر هذه الأنواع من القصص قصصَ مغامرات، يتعين عليها أن تحتفظ بالعديد من العناصر التقليدية، مثل بطل صالح يتعرض لابتلاءات، ورحلة إلى أماكن بعيدة، وصراعات مع الأشرار/الأعداء/المنافسين، ونهاية ناجحة، ودائمًا ما تتضمن العودة إلى الديار. وبالمثل، حين تكون التقاليد المرتبطة بجنس أدبي معين مستمدة من أسلوب حياة أو مجموعة من السلوكيات التي أصبحت أقل وضوحًا وتأثيرًا في المجتمع، فإن هذا الجنس الأدبي سيتقلص أو يخمل. وتعتبر القصة الدينية مثالًا على الأجناس الأدبية التي تضمحل. فكما تبين النظرة العامة التاريخية التي أوردناها في الفصل الأول، تكمن الجذور الأولى لأدب الأطفال في هذه المنطقة، ولكن خلال القرن العشرين، حين أصبحت المجتمعات الغربية أكثر علمانية، فإن الشخصيات والتقاليد المرتبطة بصورة تقليدية بالقصص الدينية — الأطفال الأتقياء، والهداية الدينية، والمبشرين، والميتات الهانئة لهؤلاء الذين عاشوا حياة تقية — باتت تعتبر عتيقة الطراز واختفت إلى حدٍّ كبير. في الواقع، أصبحت القصص الدينية موضوعًا للسخرية، وباتت الشخصيات الدينية تجسد أدوار الشر في العديد من الأجناس الأدبية الأخرى، بدءًا من رجال الدين الزائفين في رواية جون ماسفيلد الخيالية «صندوق المسرات» (١٩٣٥)، وحتى الشخصية المؤذية التي تُعرف باسم «المتنبئ» في رواية «المختار» (٢٠١٠) لكارول لينش ويليامز، وهي رواية واقعية حول النشأة وسط طائفة دينية أصولية. ومع دنو القرن الحادي والعشرين، أثارت ظاهرتين — تزايد ظاهرة السكان متعددي الثقافات في الكثير من البلدان وظهور الأصولية — إحياءً لتقليد كتابات الأطفال التي يلعب فيها الدين دورًا محوريًّا. وكما يتضح من مناقشة سلسلة كتب «المنبوذين» (١٩٩٨– ) للمؤلفَين تيم لاهاي وجيري بي جنكينز الواردة في الفصل السادس، فإن هناك مؤشرات لنشاط جديد في هذا المجال من النشر للأطفال. ومع ذلك، ونظرًا لأن العديد من السمات الرئيسية لهذا الجنس الأدبي قد تلاشت أو تغيرت تغيرًا جذريًّا، ومعظمها بات يدمج الحبكات التي تنطوي على ملامح دينية بعناصر من الأجناس الأدبية الأخرى (القصة العائلية، وروايات المشكلات، وقصص الحرب، والقصص البوليسية، وقصص المغامرات)؛ فقد يثبت أن الاهتمام الذي تجدد بالكتابة الدينية إنما يتعلق بتطوير موضوع رئيسي أكثر مما يتعلق بإحياء لجنس أدبي مندثر. يمكن تعلم الكثير حول ما يكشفه أدب الأطفال للأطفال حول الكيفية التي يسير بها العالم من حولهم من خلال تعقب ظهور واندثار الأجناس الأدبية المختلفة، ولكن قد يكون اكتشاف المزيد من خلال ملاحظة كيف تحتفظ الأجناس الأدبية المختلفة بسمات جوهرية بينما تتكيف مع الظروف المتغيرة. وتعد القصة العائلية أحد أقدم الأجناس الأدبية وأكثرها ديناميكية؛ مما يجعلها وسيلة جيدة لاستكشاف التغيرات الرئيسية في أدب الأطفال على مدار الوقت. وكما سيتضح، فإن القصة العائلية كما تُروى في نصوص الأطفال تعد مصدرًا مهمًّا للمعلومات عن المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شكلت مؤسسة الأسرة منذ أن بدأ النشر التجاري للأطفال في القرن الثامن عشر. والأكثر من ذلك، أن القصة العائلية تبرز كواحدة من وسائل ضبط وتنظيم فهم ماهية الأسرة وكيف تؤدي وظيفتها. ولتمييز التغيير، من الضروري أن نبدأ بالنظر إلى جذور وتراث القصة العائلية. الروايات العائلية و… بالنسبة لمعظم الأطفال، تدور أحداث فترة الطفولة في كنف الأسرة، ويهيمن تواجد الأسرة على أدب الأطفال؛ بدءًا من نماذج آباء الطبقة المتوسطة الحذرين الذين تناولهم كُتَّاب القرن الثامن عشر وحتى الآباء المهملين وغير المتحضرين والحمقى في رواية «ماتيلدا» (١٩٨٨) للمؤلف رولد دال. تشير الغالبية العظمى من كتب الأطفال إلى حيوات الشخصيات الأسرية والمنزلية بدرجة ما. والعائلة في القصص التي يتشكل منها هذا الجنس الأدبي — الذي يشار إليه في بعض الأحيان بالقصة المنزلية — لا تقدم سياق الأحداث فحسب، بل وموضوع الرواية كذلك. وعلى أحد المستويات، يسهل هذا من تمييز القصص العائلية؛ حيث إنها تركز على الأفراد الذين يشكلون العائلة المركزية والعلاقات القائمة بينهم. وبطبيعة الحال، العائلة محل النقاش تبدأ كعائلة نواة محبة ومتكاملة تتكون من أبوين وتحيا حياة سعيدة ومريحة. ودائمًا ما توضح هذه القصص ما يحدث حين يتعكر صفو حياة الأسرة — على سبيل المثال — بغياب أو وفاة أحد الوالدين أو كليهما، أو بفعل أزمة مالية، أو الحاجة إلى الانتقال إلى بيت جديد في مكان بعيد (وفي الغالب، تتضافر هذه العوامل الثلاثة معًا). وتعد رواية «نساء صغيرات» (١٨٦٨) للويزا ماي ألكوت واحدة من أشهر القصص العائلية وأكثرها تأثيرًا؛ فهي تبدأ — على نحو مميز — بغياب السيد مارش عن عائلته (حيث يقوم على خدمة ورعاية الجنود إبان الحرب الأهلية الأمريكية). وعلى الرغم من أن عائلة مارش من الطبقة المتوسطة في التعليم والقيم والدور الاجتماعي، فإن دخلها قد تقلص إلى حدٍّ كبير؛ مما تسبب — بالإضافة إلى غياب السيد مارش — في أن تواجه العائلة التي تتكون من إناث أزمةً ماليةً. وتتحرك البنية بين الفصول التي تركز على المسرات والأزمات التي تمر بالحياة الأسرية، والفصول التي تتابع كل أخت من الأخوات على حدة وهي مضطرة إلى مواجهة مغرياتها الخاصة. وفي النهاية، يجتمع شمل العائلة، وعند تلك النقطة، يصبح من المؤكد أن الفتيات قد أصبحن النساء الصغيرات اللاتي كان والدهن يتمنى أن يُصْبِحنَ عليه لدى عودته. فقد تعلمن أن يؤثرن الآخرين على أنفسهن، وأن العمل يأتي قبل اللهو، وقد تشربن الرسائل المسيحية المرتبطة بكتاب «رحلة الحاج»، حيث تزخر الرواية باقتباسات من هذا الكتاب الذي يمثل العمود الفقري السردي لها. إن نضج فتيات السيد مارش يُعزَى إلى حدٍّ كبير إلى التربية الجيدة؛ فالأم مارمي كانت متواجدة دائمًا، تراقب وتستجيب لاحتياجات بناتها، في حين أن غياب السيد مارش وتوقعاته بشأن ما سيجد عند عودته تدعم من طرف خفي سلطته وتأثيره. وفي خضم العمل على الارتقاء إلى مستوى توقعات الأب، تعامل الفتيات والدهن كأنه صوت الضمير — الأنا العليا الأبوية — ومن ثَمَّ يتمكنَّ من التحكم في تصرفاتهن. وتتمثل إحدى الرسائل الدائمة للقصص العائلية في أن المسافة والاضطرابات لا تقسمان العائلة أبدًا، بل تلقيان على عاتقها بواجبات قد تمثل مصدر قوة لها. يتكرر بنية ونمط رواية «نساء صغيرات» في العديد من القصص العائلية الأخرى. فنجد في محور سلسلة الروايات التي تتناول حياة عائلة بيبر (١٨٨١–١٩٦١)، للمؤلفة مارجريت سيدني (هارييت إم لوثروب)، شخصية مامسي، وهي أم أرملة على طراز شخصية مارمي، ساعدها اجتهادها وشخصيتها القوية القويمة على الحفاظ على تماسك العائلة وإخراج أفضل ما بداخل أبنائها الخمسة الصغار. يقضي القراء بعض الوقت مع كل ابن من الأبناء الصغار على حدة قبل أن تُكافأ الأسرة على فضائلها حين يأخذ رجل خيِّر ثريٌّ أفرادَ العائلة ليعيشوا بمنزله ويعولهم. كذلك تلتزم قصص الكاتبة إي نيسبيت بهذا التقليد: عائلات سعيدة تمر بأوقات عصيبة، وموت الأمهات، وغياب الآباء، ثم تستعيد الأسرة سيرتها الأولى. وتعتبر القصص العائلية لنيسبيت كذلك مثالًا نموذجيًّا على هذا الجنس الأدبي من حيث الطريقة التي تضع بها قصصها شخصية كل طفل في مركز مغامرة معينة، والتي تلقن درسًا محددًا في السلوكيات. ولكنها، مع ذلك، تشير إلى تغير جدير بالملاحظة، ألا وهو: غياب الرسالة الدينية الضمنية التي كانت تميز القصص العائلية الأولى. وقد اقترن هذا التغير بتقلص أهمية الوالدين باعتبارهما مرشدَين وموجهَين للأبناء. أصبحت العلمانية وما صاحبها من تقزيم لسلطة الوالدين السمتين الأساسيتين للقصص العائلية طوال القرن العشرين. فعلى الرغم من أن والد الكاتبة نويل ستريتفيلد كان أسقفًا، فلم يَرِد ذكْر للرب أو لعقيدة دينية في القصص العائلية التي كتبتها ما بين عامَي ١٩٣٦ و١٩٦٨، وكان الآباء أو أولياء الأمور الآخرون يتسمون في الغالب بالسذاجة والافتقار إلى المهارات العملية، مما يعني أنه يجب على الأطفال تدبر أحوالهم بأنفسهم، بل وفي بعض الأحيان يعولون أنفسهم. ليس الفنانون وحدهم من يمكن أن يكونوا غامضين على المستوى الأسري؛ فالأبوان العالمان العبقريان في سلسلة كتب مادلين لانجل حول عائلة موري (١٩٦٢–١٩٧٣) يعتمدان كذلك على أبنائهما الأكْفَاء، الذين يزرعون الحديقة، ويعدون المشروبات الدافئة في منتصف الليل، وينقذون أبويهم وبعضهم بعضًا من قوى الشر التي أخرجتها تجارب العلماء إلى النور. (تتجلى عقيدة لانجل المسيحية في كتاباتها، إلا أن أفراد عائلة موري لم يصوروا كمسيحيين ورعين.) الأمر نفسه ينطبق على عائلة كاسون في سلسلة كتب «هيلاري ماكاي» (٢٠٠١–٢٠٠٧)، والتي تدور حول أربعة أطفال لأبوين فنانين يعيشان منفصلين، وكلٌّ منهما مستغرق في لوحاته؛ فيعيش الأطفال مع أمهم الحنون، ولكنها مشتتة الذهن؛ ومن ثَمَّ فإنهم يرعون بعضهم البعض إلى حدٍّ كبير ويديرون شئون المنزل. تطرح الأمثلة السابقة بعض الطرق التي استجابت بها القصص العائلية إلى التغيرات الاجتماعية والثقافية في طبيعية العائلة، ولكنها لا تُظهِر إلى أي مدًى حلت الأسر التي تمثل بصورة أكبر الأسر الواقعية في المجتمع محل الأسرة البيضاء من الطبقة المتوسطة التي تمثل نواة المجتمع التي طالما هيمنت على أدب الأطفال حتى وقت متأخر من القرن العشرين. ومنذ ستينيات القرن العشرين، ظهرت عائلات الطبقة العاملة، والعائلات ذات الخلفيات العنصرية والعرقية المختلفة، والعائلات التي لا يرأسها والدان من جنسين متقابلين في القصص العائلية. إلا أن تضمين أنواع أكثر من العائلات لم يؤثر بالضرورة على الخصائص الأساسية للقصة العائلية. فتلتزم روايات ميلدريد دي تايلور حول عائلة لوجان — وهي عائلة من السود من الجنوب الأمريكي تعيش في ثلاثينيات القرن العشرين — بتقاليد هذا الجنس الأدبي الذي وضعته رواية «نساء صغيرات». فيقوم على تربية أفراد عائلة لوجان أبوان قويان ميولهما الجنسية سوية وماهران وجديران بالاحترام، وكل طفل في العائلة عليه التعامل مع المشكلات، ويواجه أفراد العائلة أزمة معًا؛ مما يوطد من أواصر علاقتهم أكثر وأكثر. ويتمثل الاختلاف عن تقاليد القصة العائلية في رواية عائلة لوجان في أنها عائلة من السود، وفي أن الرواية تناقش قضية العنصرية التي تؤثر على الكيفية التي تحيا بها العائلة. وهذا يعني أن رواية «يا دوي الرعد، اسمع صراخي» تولي تفاعلات العائلة مع العالم الواسع اهتمامًا أكبر مما تفعل العديد من القصص العائلية الأخرى. في الحقيقة، هناك خيط يمر في ثنايا هذا الجنس الأدبي يتضمن العائلات التي تعيش بعيدًا جدًّا عن المجتمع لدرجة تندر معها مثل تلك التفاعلات، هذا إن وُجدت من الأساس. فبدايةً من رواية «عائلة روبنسون كروزو» للكاتب السويسري جوهان ديفيد وايس (تُرجمت إلى الإنجليزية عام ١٨١٤، وتُعرف الآن على نطاق واسع باسم «عائلة روبنسون السويسرية») ومرورًا بقصص رحلات عائلة إينجالس عبر أراضي الولايات المتحدة الممتدة، والتي ترويها لورا إينجالس وايلدر (١٩٣٢–١٩٤٣)، أدى أدب الأطفال إلى ظهور جنس أدبي فرعي مكتمل التطور من القصص التي تدور حول العائلات المغامرة والمكتفية ذاتيًّا. فلقد بدأت كلٌّ من عائلتَي روبنسون وإينجالس رحلتيهما لتحسين ظروفهما المعيشية، مما يشير إلى أحد العوامل الأقل وضوحًا ولكن الأقوى تأثيرًا في القصة العائلية، وهو: دور العائلة كوحدة اقتصادية. تزامن مع بداية النشر التجاري لكتب الأطفال ظهور العائلة البرجوازية، وهيمنة الرأسمالية، وهما قوتان مؤثرتان تشكلان الطريقة التي تصور بها العائلات في روايات الأطفال. (أومالي ٢٠٠٣؛ رينولدز ٢٠٠٧). وفي عصرنا الحالي الذي يتسم بالأسفار السريعة، وطرق التواصل الفورية، يمكن أن تجتمع العائلة فعليًّا أو افتراضيًّا عند الضرورة في الغالب، ولكن القصص العائلية للأطفال ظلت لوقت طويل من تاريخها تعكس واقعًا مختلفًا. فبدايةً من القرن الثامن عشر وحتى العقود الأولى من القرن العشرين، كان تاريخ العائلة في الغالب زاخرًا بالفراق الطويل، سواء بدافع الحاجة إلى ملاحقة فرص العمل، أو الحالة الاقتصادية في أوقات الاستعمار، أو متطلبات بناء الإمبراطورية، أو التقلبات السياسية، أو ما تمليه الحياة العسكرية والإدارية والدينية من أوامر؛ وقد يفسر هذا الإصرار على أهمية وحدة الأسرة في القصص العائلية من ناحية، وكذلك قدرة أفراد العائلة على أن يزدادوا قوة بالافتراق من ناحية أخرى. قد تكون وحدة العائلة فكرة مثالية، ووهمًا نتمنى تحققه؛ فحقيقة الفراق يشار إليها بشكل مباشر في ظاهرة غياب أحد الأبوين المتوطنة وفي القصص العديدة عن الأطفال الذين يُرسَلون للعيش مع الأقارب. في الأساس، كانت مثل هذه القصص تميل إلى تصوير الأطفال الأيتام؛ أما اليوم، فقد أصبح تغيير العائلة على الأرجح نتيجة للطلاق والزواج مرة أخرى. وسواءٌ أكان التغيير الناتج عن العلاقات الأبوية الجديدة مُرحَّبًا به ويشكل مصدرًا للبهجة — كما هو الحال في رواية «الاستحواذ» (١٩٨٢) للكاتبة مارجريت ماهي — أو يبدأ بالرفض ثم ينتهي الصراع نهاية سعيدة — كما في رواية «عينان جاحظتان» (١٩٨٩) للكاتبة آن فاين، ورواية «الغول بالطابق السفلي» (١٩٧٤) لديانا وين جونز — أو كان سببًا في شعور الطفل بعدم القدرة على البقاء في المنزل فيبحث عن ملاذ لدى أقاربه — كما هو الحال في رواية ميج روزوف «كيف أعيش الآن» (٢٠٠٤) — فإنه غالبًا ما يسلط الضوء على المزايا المرتبطة بالعائلات في القصص العائلية التقليدية. النزاعات العائلية تستجيب القصص العائلية دائمًا للنظريات المتغيرة حول الأطفال والطفولة، إلى جانب أنها تتشكل بفعل العوامل العامة مثل التوجهات الاقتصادية والدينية. بعدما أصبح علم نفس الأطفال فرعًا علميًّا معترفًا به، فإن رؤاه العميقة — على سبيل المثال — بشأن العوالم الداخلية للأطفال وتطورهم الإدراكي واحتياجاتهم العاطفية، غزت أدب الأطفال بشكل عام وأثرت بقوة على القصة العائلية بشكل خاص. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في فيض القصص العائلية للأطفال الصغار، والتي — بعيدًا عن تسليط الضوء على غياب الأبوين والعائلات التي تُجتَث من أصولها أو تُبتَلى بأزمات — تؤكد على الاستقرار والروتين المنزلي. وتتمثل الأمثلة النموذجية على هذه الرؤية في قصص دوروثي إدواردز «أختي الصغيرة الشقية» (١٩٥٢–١٩٧٤) وروايات بيفرلي كليري التي تدور حول بيزوس كويمبي وشقيقتها الصغرى رامونا (١٩٦٨–١٩٩٩). وعلى الرغم من اسمَي الأختين كويمبي الغريبين وصفة «الشقية» التي تصف بها الأختُ الكبرى — وهي الراوية — أختَها الصغيرة في قصص إدواردز، فليس هناك شيء غير معتاد يقع في أيٍّ من هذه القصص. وإنما تظهر العوالم الداخلية للأطفال ودراما الحياة اليومية في إطار العائلة. وفي حين أن أبطال هذه القصص مألوفون من واقع القصص العائلية التقليدية، فإن البناء السردي التقليدي الذي يعكس الاضطراب — حيث تُبتلى العائلات بمحن ثم تنتصر — غائب إلى حدٍّ بعيد عن هذه القصص. وهذه القصص تستهدف قراءً أصغر سنًّا إلى حدٍّ كبير من هؤلاء الذين استهدفتهم القصص العائلية السابقة، كما أنها — في السياق نفسه — تتكون من سلسلة من الحلقات المنفصلة بدلًا من تطوير بناء سردي مطول. شكل ٤-٢: رسم شيرلي هيوز لقصة «في الحفل»، إحدى قصص مجموعة «أختي الصغيرة الشقية» (١٩٥٢)؛ حيث يصور الأخت الصغيرة الشقية وهاري السيئ وهما يأكلان خفية كل الحلوى في حفل عيد الميلاد لينتهي بهما الحال بألم في معدتيهما.2 يمكن الزعم بأن معظم القصص العائلية اليوم موجهة للقراء الأصغر سنًّا. وتتشابه قصص فرانشيسكا سايمون العديدة بعنوان «هنري المروع» (١٩٩٤– ) — والتي دائمًا ما تأتي في مجموعات قصصية متنوعة — في طبيعتها مع كتب إدواردز وكليري، بَيْدَ أن الجمهور يمكنه متابعة حظ هنري المروع في صيغ عدة. أما التغيير الأكثر جذرية الذي طرأ على الشكل، فهو فكرة القصة العائلية ككتاب مصوَّر. من الصعب على الكتاب المصوَّر بصورة فردية أن يخلق الإحساس بحميمية الأسرة الذي كان يميز القصص العائلية التقليدية. ومع ذلك، فإن القصص المترابطة مثل كتب شيرلي هيوز التي تدور حول لوسي وتوم (١٩٦٠– ) أو ألفي وآني روز (١٩٨١– ) تتعقب أحداث حياة العائلة على مدار الزمن وعبر مجموعة متنوعة من الأحداث اليومية والدراما العائلية البسيطة. وربما تكون لورين تشايلد أول مؤيدي فكرة القصة العائلية ككتاب مصوَّر، وتوضح أعمالها كيف تغيرت العائلات، وكذا طريقة تمثيلها في كتب الأطفال بمرور الوقت. فعلى سبيل المثال، مقارنةً بالروتين الهادئ الذي يسهل توقعه والذي يميز قصص لوسي وتوم، يبدو منزل كلاريس بين فوضويًّا. ومن بين الجوانب المهمة كذلك، أن لورين تشايلد تجعل كلاريس تروي قصصها بنفسها (١٩٩٩– )، وهكذا يختبر القارئ اضطرابات حياتها العائلية من منظورها الزاخر بالمشاعر؛ ومن ثَمَّ تختلف عن الوصف الدقيق الذي يأتينا بضمير الغائب، والذي يوضح كيف يقضي لوسي وتوم يومهما مع أمهما. ويعد تفضيل صوت الطفل ومنظوره تطورًا منطقيًّا للاهتمام بشأن العالم الداخلي للطفل الذي طُرِح في القرن الماضي، ويظهر كيف أن السياسات العائلية قد تغيرت بعمق بمرور الوقت. ويمكن رؤية ذلك بوضوح شديد في الطريقة التي تعالج بها المشادات بين الإخوة في القصص العائلية. فحين يتشاجر أطفال فيرتشايلد على دمية في رواية ماري مارثا شيروود «تاريخ عائلة فيرتشايلد» (١٨١٨)، يُضرَبون بالعصا على أيديهم ويُعاقَبون بالوقوف في أحد الأركان طوال الصباح بدون تناول الإفطار، وفي المساء يُصحَبون لرؤية المشنقة التي تتدلى منها جثة رجل قتل أخيه فحُكِم عليه بالإعدام. ويوضح النص أن الأبوين فيرتشايلد يفعلان ما بوسعهما لأنهما يحبان أبناءهما، ويؤمنان أنه من واجبهما معاقبتهم أملًا في منعهم من أن يلقوا مصير الإخوة الذين لم يُعاقَبوا على شجارهم معًا. أما العقاب الذي يتبع الشجار الذي نشب بين جو وآمي مارش بعدما حرقت آمي بدافع من الحقد النسخةَ الوحيدةَ من الكتاب الذي كانت تكتبه جو، فهو عقاب ذو طبيعة أخرى، ولكنه صادم بالقدر نفسه، ويعتبر كذلك أن التنافس بين الإخوة أمر آثم ومهلك. ولشدة غضبها، لم تُحذِّر جو أختها آمي من أن الجليد في المنطقة التي تتزلج بها ليس آمنًا، فكادت آمي أن تغرق. ويتضح شعور جو بالندم حين تقر بأفعالها ومشاعرها لمارمي؛ ومن ثَمَّ لم تكن هناك حاجة لعقاب آخر. وتظهر شجارات الإخوة بصفة منتظمة في روايات «كلاريس بين» لحياتها العائلية. فكلاريس دائمًا ما تتشاجر مع أخيها الأصغر مينال — ولكن بعيدًا عن الإشارة إلى أي نزعة شريرة فطرية أو الانزلاق إلى منحدر الهلاك — فإن سلوكهما يعتبر جزءًا طبيعيًّا من الطفولة والحياة العائلية المعاصرة. وفي رواية «كلاريس بين، هذه أنا» (١٩٩٩)، عوقبت كلاريس على قيامها بقلب طبق من المكرونة الإسباجيتي على رأس مينال أثناء مشاجرة لهما، ولكن بدلًا من التأكيد على أهمية الإجراء التأديبي، أفسدت لورين تشايلد العقاب. وعلى مدار الكتاب، كانت كلاريس تتوق للحصول على بعض الهدوء والسكينة بعيدًا عن عائلتها؛ ومن ثمَّ فإنها تستمتع تمامًا بالثلاث ساعات الهادئة التي تقضيها في حجرتها كعقاب. كلٌّ من الكتب الثلاثة السابقة يشيد بحب الأسرة، ولكن سلوك كلٍّ منها تجاه المشاجرات التي تنشب بين الأطفال وأشكال العقاب تُظهر بوضوح الطرق التي تغير بها التفكير على مدار القرون. شكل ٤-٣: من رواية لورين تشايلد «كلاريس بين، هذه أنا» (١٩٩٩). غرفة نوم كلاريس، توضح الطريقة التي تحاول بها كلاريس الفصل بين الجزء الخاص بها وذلك الخاص بأخيها من غرفة نومهما المشتركة في محاولة منها للحصول على مساحة شخصية لها في حياتها العائلية الصاخبة.3 وبينما قد تستخف كتب الأطفال بالخلافات بين أفراد العائلة، فبالنسبة للقراء الأكبر سنًّا، مثل هذه الخلافات لا تزال تظهر كشيء مضر. بدأت القصص العائلية للقراء الأكبر سنًّا تعكس الوعي بالنظريات الجديدة التي تُنسج حول العائلة مثل تلك المرتبطة بالطبيب النفسي آر دي لينج [أحد نشطاء حركة مكافحة الطب النفسي]. لقد كان لينج ناقدًا قويًّا للمؤسسة الأسرية، حيث كان يتهمها بأنها كيان قمعي يمنع الأفراد من استخدام مواهبهم، وبأنها أصل كل الأمراض العقلية. ومنذ ستينيات القرن العشرين، أصبحت روايات صغار الشباب تتضمن قصصًا عائلية مثل رواية إس إي هينتون «السمكة رامبل» (١٩٧٥)، ورواية روبرت كورماير «إننا جميعنا نسقط» (١٩٩١)، حيث تصور العائلة على أنها تهمل أفرادها وتستغلهم وتسيء معاملتهم وتخذلهم؛ ومن ثم تخذل المجتمع بشكل عام، وليست كيانًا لتقديم التوجيه والحماية والمساعدة على النمو. العائلات والأصدقاء بدأت هذه النظرة الشاملة بالإشارة إلى صمود القصة العائلية، رغم العديد من الضغوط التي مورست عليها مع اختلاف شكل العائلة على مدار الوقت. يتضح هذا الصمود في عدد من الروايات التي تبدو ظاهريًّا أنها حادت عن تقاليد القصة العائلية. على سبيل المثال، تحكي رواية جاكلين ويلسون «فتيات عائلة دايموند» (٢٠٠٤) قصةً عن عائلة مكونة من أم عزباء وخمس بنات كلٌّ منهن من أب مختلف. وشخصية سو دايموند نموذج مختلف تمامًا عن شخصية مارمي التي تتميز بالحكمة والتحكم في النفس: فسو تعيش على الإعانات التي تمنحها لها الدولة، ولا يبدو أنها قادرة على رعاية شئون المنزل، ولا تهتم بإطعام أطفالها على نحوٍ صحي أو التأكد من ذهابهم إلى المدرسة. وعلى الرغم من إخفاقاتها وحقيقة أن بناتها بدأن يكررن نفس أخطائها (حيث حملت إحداهن بنهاية الرواية)، فإن بناتها يحببنها ويحببن بعضهن بعضًا، ووفقًا لمعايير هذه الرواية العائلية، فإن هذا يجعلها أمًّا صالحة، ويجعل عائلة دايموند عائلة ناجحة. ورغم أن هذه الرواية مبهمة وترسل رسائل مختلطة حول سمات العائلة الصالحة في القرن الحادي والعشرين، فإنها تلتزم بالعديد من تقاليد القصة العائلية، وربما يكون ذلك في أوضح صوره في الطريقة التي تنتهي بجمع شمل أفراد الأسرة معًا والتأكيد على أن علاقتهم قد توطدت بفضل المشكلات التي واجهوها. وعلى صعيد آخر، تعتبر رواية «ويتزي بات» (١٩٨٩) لفرانشيسكا ليا بلوك، نسخة مختلفة تمامًا للقصة العائلية المعاصرة. تنتمي رواية «ويتزي بات» إلى تيار داخل القصة العائلية يهتم بالعائلات المكونة من خلال الاختيار الحر وليس بفعل الاختيار البيولوجي. مثل هذه القصص تستجيب إلى نقد فكرة العائلة النواة من قِبل أنصار الحركة النسائية والمنظرين غريبي الأطوار الذين يرونها كيانًا ذكوريًّا هرميًّا غير ديمقراطي. وتسعى هذه القصص العائلية الجديدة إلى تطوير روح الاعتماد المتبادل بين الأشخاص، والتي تقوم على أساس المساواة وليست مستمدة من هياكل القوى التي تقوم على النوع والسن وتتحكم فيها قوى قانونية و/أو دينية. وفي رواية بلوك، يرث كلٌّ من ويتزي وصديقها المثلي ديرك — اللذين تركا الدراسة بالمرحلة الثانوية — منزلًا ويكوِّنان عائلة تتشكل من شريك حياة ويتزي، وشريك حياة ديرك، وطفلة ويتزي، التي حملت فيها بمساعدة الرجلين المثليين، وطفل شريك حياة ويتزي من علاقة سابقة غير موفقة. وهذه العائلة حديثة الطراز المكونة من الأصدقاء — أو «العائلة المختارة» — أصبحت قاعدة ثابتة قائمة على العواطف في عالم فوضوي عقيم. على الرغم من أن بنيان العائلة في رواية «ويتزي بات» جديد، فإن القيم والقواعد ليست كذلك. فعلى سبيل المثال، وفقًا للقصة العائلية التقليدية، فإن العائلة في هذه الرواية هي موضوع الكتاب، وكل شخصية تُفرَد لها مساحة خاصة. ويرتكب أفراد العائلة أخطاءً، ويتعاملون معها معًا، ولا يترتب على هذه الأخطاء أي نتائج مدمرة. ويكمن الاختلاف الرئيسي هنا في أن ويتزي وأصدقاءها يشكلون عائلتهم كما يريدونها أن تكون، وليس وفقًا للتعريف القانوني أو الديني أو البيولوجي للعائلة. تمثل رواية «ويتزي بات» وغيرها من الروايات التي تسلط الضوء على العائلات المختارة أعراض نزعة راديكالية ناشئة متعلقة بمفهوم العائلة التي يعكسها ويطورها هذا التيار من القصة العائلية الحديثة. وفي حين أن الروايات غير التقليدية التي تركز على الحياة العائلية تحتفظ ببعض العناصر الأساسية للقصة العائلية التقليدية — لا سيما تركيزها على الأحداث التي يُبتلَى بها أفراد العائلة الذين يجمعهم الحب والوفاء — فإنها تحث القارئ أيضًا على تأمل آثار تغير طبيعة العائلة وهيكل القوة الخاص بها على الأفراد والمجتمع. وبذلك، فإن مثل هذه القصص تطرح بعض الجوانب القمعية والموروثات (عقدة أوديب، على سبيل المثال) المرتبطة بالنشأة في عائلة تقليدية، أو قد تنجح في محوها أو إزالة جوانبها السامة أو إعادة التوازن إليها. وكما يتضح من روايتَي «ويتزي بات» و«فتيات عائلة دايموند»، تستمر القصة العائلية في التطور، دون أن تتأثر قدرتها على الصمود. تبين قضية القصة العائلية أن الوضوح الشديد للجنس الأدبي وقصص الجنس الأدبي في أدب الأطفال لا يشير إلى التحفظ الأدبي أو التبعية الإبداعية. أما الفصل التالي، على النقيض، فيدرس ما يحدث حين يدخل أحد أنواع أدب الأطفال في مرحلة الاحتضار. هوامش (1) The Bodleian Library, University of Oxford (Harding A236 (1787 edition), p. 48). (2) From My Naughty Little Sister, by Dorothy Edwards. Text copyright © Dorothy Edwards 1952. Illustration copyright © Shirley Hughes 1952. Published by Egmont UK Ltd. London and used with permission. (3) First published in the UK by Orchard Books, an imprint of Hachette Children’s Books, 338 Euston Road, London NW1 3BH2. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
الفصل الخامس رؤًى للمستقبل لطالما كانت إحدى وظائف أدب الأطفال تتمثل في إعداد قُرَّائه ليكونوا الجيل التالي من الكبار من خلال تعريفهم على أفكار حول كيفية تنظيم المجتمع من حولهم، وكيف يتلاءم هذا المجتمع مع المنظورات القومية والعالمية، وكيف قد يؤدي دوره في المستقبل. ولهذا السبب، غالبًا ما يشير نقاد أدب الأطفال إليه على أنه أدب التثاقف؛ إذ إنه يُعرِّف القراء على عادات وقيم وأنظمة المجتمعات التي ينشَئُون فيها. ولكن يمكن أن يكون أدب الأطفال كذلك أدب الجدال؛ حيث إنه يقدم رؤًى بديلة، ويوفر نوعية المعلومات والمناهج التي من شأنها أن تثير طرق تفكير جديدة فيما يتعلق بالعالم وكيف يمكن تشكيله بطرق مختلفة، ربما تكون أفضل. تركز خطط تغيير العالم بشكل عام على المستقبل، ويفترض أن تكون الكتابة عن المستقبل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأدب الأطفال؛ نظرًا لأن الأطفال لا علاقة لهم بالماضي، وإنما بالنسبة لمعظمهم، فإن الأحداث المهمة والرئيسية في حيواتهم لا تزال تنتظرهم في المستقبل. في الواقع، هناك ميل إلى معاملة فكرة المستقبل في أدب الأطفال بتناقض ملحوظ؛ فبعض أشهر أعمال أدب الأطفال — بما في ذلك «أليس في بلاد العجائب»، و«بيتر بان»، و«ويني الدبدوب» — كثيرًا ما تبدو وكأنها ترثي حاجة الأطفال إلى النمو والانتقال إلى المستقبل. والنتيجة هي رسالة رثائية تكشف أن هذه الأعمال تتمحور حول حنين الكبار إلى الطفولة أكثر مما تركز على تجربة الأطفال مع العالم من حولهم. وتعتبر مقاومة الدخول في مرحلة النضج واحدة من ضمن الطرق المتعددة التي يتجسد بها التناقض في التعامل مع فكرة المستقبل في أدب الأطفال. وتكشف مقارنة الطرق التي مثَّل بها أدب الأطفال المستقبل على مدار الوقت الكثير تغير المواقف تجاه الصغار وتطلعاتهم للمجتمع. والأمر المثير للاهتمام — وربما للقلق — بصورة خاصة هو طريقة تقديم المستقبل في كتابات الأطفال والشباب على مدار الخمسين سنة الأخيرة. فخلال هذه الفترة، اكتسب الأطفال حقوقًا قانونية أكثر وسلطة إنفاق أكبر من أي وقت مضى، وصارت خطوط الأزياء والتسلية ووسائل الإعلام موجهة إلى الصغار بصورة متزايدة. ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بالكتابة عن المستقبل، فإن الأدب الموجه للصغار حاليًّا — خاصةً المراهقين — كثيرًا ما يعمل بطرق من المحتمل أن تُثبِّط من عزائمهم، وكذا يعمل من طرف خفي على إضعافهم. ولكن لم يكن الحال على هذا المنوال دائمًا. الإشارات إلى الفناء لقد نشأ أدب الأطفال الديني في القرن السابع عشر على خلفية مجتمع يتغير ببطء ويشيع فيه الموت بين الأطفال. فكانت معظم الكتابات التي تدور حول المستقبل لا تهتم بالشكل الذي سيصبح عليه عالمنا هذا، وإنما بالشكل الذي قد تكون عليه الحياة في العالم الآخر. وكانت فكرة الموت مفهومة في سياق مسيحي؛ مما يعني أن الموت في فترة الطفولة كان يُرى على أنه إيجابي وتحريري بطرق قد تبدو غريبة بالنسبة لمفاهيم القرن الحادي والعشرين. وكان الموت المبكر يعني أن الطفل قد مات قبل أن تتاح له فرص ارتكاب خطايا خطيرة أو متكررة، وهكذا كان من المعتقد أن مصيره على الأرجح سيكون الجنة. وكانت فرش الموت النموذجية تصور أطفالًا صالحين يتصرفون بجَلَد فيكون جزاؤهم رؤية لمحة من المستقبل في شكل رؤية للمسيح أو أحد الأقارب المحبوبين يكون قد تُوُفِّيَ من قبلهم، مما يعزز الاعتقاد في الحياة الآخرة، ويغذي الأمل في الالتقاء مستقبلًا بهؤلاء الذين رحلوا عنهم. شكل ٥-١: كتاب «دليل للأطفال» لجيمس جانواي (١٦٧١-١٦٧٢). يشير هذا الرسم الموجود في صدر الكتاب إلى أن الأطفال الذين يدرسون كتبًا كالتي يؤلفها جانواي سيحصلون على مكافأتهم بمكان في الجنة.1 يمكن رؤية شيوع هذا التقليد وصموده في ثلاثة أمثلة نموذجية، ولْنبدأْ بجزء مقتطف من كتاب جيمس جانواي، «دليل للأطفال» (١٦٧١-١٦٧٢)؛ فأول موت نموذجي يصفه جانواي في الرواية هو موت سارة هولي التي — بعد أن اكتشفت وجود الإله وهي في حوالي الثامنة من عمرها — قضت معظم حياتها القصيرة تتعبد، وفي اللحظات الأخيرة من حياتها، ترى يسوع وتردد قائلة: «إنه رائع الجمال، إنه رائع الجمال، إنه رائع الجمال!» وتلفظ الفتاة أنفاسها الأخيرة ما إن تقر مباهج الجنة قائلة: «يا إلهي! كم أنا سعيدة بأنني ذاهبة إلى النعيم الأبدي! إنني لن أعود مرة أخرى لهذا الكون» (الفقرة ٧). وبالمثل، يشار إلى موت الصغيرة إيفا في رواية «كوخ العم توم» (١٨٥٢) حين «ترتسم على وجهها ابتسامة مشرقة ومتألقة، وتقول في صوت متقطع: «أوه! الحب، السعادة، السكينة!» وفي حين أن موت إيفا السعيد كان متوقعًا، فإن موت همفري دنكومب الصغير في قصة فلورنس مونتجمري بعنوان «سوء الفهم» (١٨٦٩) يأتي بشكل مفاجئ؛ وذلك لأنه — على عكس الأطفال الآخرين الذين يموتون بالشكل اللائق في روايات الأطفال حتى ذلك الحين — لم يكن واهنًا أو متدينًا، ولم تكن هناك أي إشارات واضحة على أنه سيموت صغيرًا. فيظن والد همفري الذي فقد زوجته مؤخرًا أن ابنه غير مبالٍ بوفاة والدته، في حين أن القارئ يعرف أن عمق مشاعر الطفل يفوق قدرته على التعبير، وهذا هو سوء الفهم الذي يشير إليه العنوان. وحين يصاب همفري إصابة قاتلة وهو ينقذ أخاه الأصغر من الغرق، تتبدى طبيعته النبيلة لوالده. وللتأكيد على طبيعة همفري الخيِّرة، يستخدم مونتجمري كافة تقاليد الميتات الصالحة، وهكذا يحظى همفري أثناء احتضاره برؤية والدته وهي في انتظاره لاصطحابه إلى الجنة. بالنسبة للأطفال الثلاثة، فإن حقيقة أنهم صغار وأبرياء تعني أن المستقبل قد قُدِّم تقديمًا إيجابيًّا تمامًا. فالجنة هي المكان الذي نلقى فيه الله ويجتمع شملنا بمن نحبهم، حيث تتوقف المشكلات والمعاناة، ونستعيد عافيتنا. أما المستقبل المتوقع للأطفال سيئي الطباع، فبالطبع مختلف تمامًا، وكما هو موضح في الفصل الأول، هناك العديد من الأعمال التي تُحذِّر مثل هؤلاء الأطفال من العذاب المقيم الذي ينتظرهم. ومع اتجاه المجتمع إلى العلمانية بدرجة أكبر، وانحصار ظاهرة الموت بين الأطفال، بات تصوير ميتات الأطفال الجميلة والسيئة أقل شيوعًا. وفي ذلك الوقت، أدى تكرار تصوير لحظات موت الأطفال بنبرتها المفرطة في العاطفية إلى جعْلها موضوعًا للسخرية في أعمال مشهورة مثل كتاب «بيتر الأشعث» (١٨٤٥، وتُرجمت للإنجليزية في عام ١٨٤٨) للكاتب الألماني هينريش هوفمان، وفي بعض الشعر التحذيري للكاتب هيلاري بيلوك (١٩٠٧). ويدل هذا التحول في النبرة إلى حقيقة أن المستقبل يزداد ارتباطًا بأحداث تقع في عالمنا هذا، وأن مسئولية تحقيق النجاح المستقبلي تقع على عاتق الأفراد والعائلات والأمم وليس الإله. وعلى الرغم من استمرار جزء من النبرة المسيحية في الكتابات الموجهة للأطفال في القرن العشرين، فإنه مع توجه المجتمع إلى العلمانية بصورة أكبر، تراجعت تلك النبرة حتى اختفت بالكامل تقريبًا في وقتنا هذا. ويمكن رؤية تأثير هذا التحول في العلاقة بين الموت والمستقبل بوضوح في عملين حديثين. تجسد رواية جيني دونهام «قبل أن أموت» (٢٠٠٧)، منهج القرن الحادي والعشرين لموضوع الموت في الطفولة. كما هو الحال في «دليل للأطفال» و«كوخ العم توم»، يعرف القراء أن المراهِقة تيسا — الشخصية المحورية في رواية دونهام — سوف تموت بمرض السرطان. فتعتزم تيسا خوض أكبر عدد ممكن لها من التجارب — قانونية أو غير قانونية، صحية أو غير صحية، نبيلة كانت أو أنانية — في الوقت المتبقي لها وهي على قيد الحياة. ولكن حتمًا ينتصر المرض، وكما هو الحال في رواية «سوء فهم»، تتابع الصفحات الأخيرة من الرواية أحداث موتها. ولكن وجه التشابه ينتهي هنا، حيث إنه في حين يرى همفري لمحة من المستقبل ويتيقن من أنه سيعيش حياة الخلود بصحبة المسيح ووالدته، ليس هناك أي مواساة دينية لأيٍّ من شخصيات دونهام؛ فقد كانت أفكار تيسا الأخيرة عشوائية. ونجد أنها تركز على جمال آخر المشاهد التي تراها والأصوات التي تسمعها في هذا العالم؛ ليست هناك لمحات عن المستقبل المحتمل. يعتبر مشهد موت تيسا النسخة العلمانية للميتة الحسنة؛ فهي صغيرة، ولكنها عاشت حياة زاخرة، وتبادلت مشاعر الحب، ثم الآن يصيبها المرض وتستعد للموت. إن الرسالة الواضحة التي تحملها رواية «قبل أن أموت» هي أن المستقبل في هذا العالم. والأمر ذاته ينطبق على رواية «المُطارَد» (٢٠٠٥)، للكاتب ألكسندر شيرر. شكل : رواية هينريش هوفمان «بيتر الأشعث» (١٨٤٥). إن مصير هارييت التي تلعب بأعواد الثقاب مختلف تمامًا في النبرة والمعنى عن الموت التراجيدي لأوجستا نوبل في سلسلة «تاريخ عائلة فيرتشايلد» (١٨١٨) للسيدة ماري مارثا شيروود. فأوجستا تعاقب على غرورها بالموت محترقة حين أمسكت بشمعة للنظر إلى نفسها في المرآة.2 تعتبر رواية «المُطارَد» ردًّا حادًّا لوهم الطفولة الدائمة في «بيتر بان». تروي القصة — التي تدور أحداثها في وقتٍ ما من المستقبل، حين تكون الأدوية الطبية فعالة جدًّا لدرجة أن البشر يعيشون إلى سن ٢٠٠ عام أو تزيد، ولكنهم يصابون بالعقم نتيجة ذلك — حكايةَ تارين، وهو أحد الأطفال النادرين لوالدين رفضا تناول أدوية مكافحة الشيخوخة. ويتم تأجير تارين من قِبل الكبار الذين يرغبون في تجربة الشعور بالأمومة والأبوة لساعة أو ساعتين، ولكن عندما يدنو من سن البلوغ، ويوشك أن يفقد جاذبيته، يجد أن عليه اتخاذ القرار بشأن ما إذا كان سيخضع للعملية الجراحية التي يطلقون عليها (بيتر بان)، والتي ستجعله يبدو طفلًا إلى الأبد. ويتجلى الوجه المخيف لهذا المستقبل حين يدخل تارين إلى حانة يتجمع بها كل الذين خضعوا لعملية (بيتر بان)، ويرى كائنات تبدو في الثانية عشرة من العمر على الأكثر يحتسون الخمر، ويسبون، ويشتهون بعضهم بعضًا. لقد حُكِم عليهم أن يكونوا أشخاصًا بالغين في أجساد أطفال مدى الحياة. لا تتضمن رواية «المُطارَد» أي إشارة إلى الحياة الآخرة، وليس هناك بين شخوص الرواية من يشعر بالأسف على عدم وجودها؛ فهؤلاء الذين يلوح لهم الموت في الأفق أخيرًا يكونون مستعدين لختام حياتهم. في حين يجعل العلم من حلم كبار السن بالشباب الدائم أمرًا ممكنًا، تحث رواية «المطارَد» القراء على التفكر بشأن العلاقات بين الموت والسن والأبدية بطرق مثيرة للاهتمام، وتوضح كذلك إلى أي مدًى حادَ أدب الأطفال المعاصر عن الرؤى المسيحية للمستقبل، والتي شكَّلت ملامحه لأكثر من ثلاثة قرون. هل نتخلى عن المستقبل؟ إن التحول عن الاعتقاد في المستقبل الذي يتحكم إلهٌ في مقدراته إلى المستقبل الذي يصنعه البشر ويتحكمون فيه قد أشير إليه في إحدى أشهَر رؤى المستقبل في السنوات الأولى من القرن العشرين في أدب الأطفال: رواية «قصة التميمة» (١٩٠٦) للكاتبة إي نيسبيت، وهي قصة حول أربعة إخوة يكتشفون نصف تميمة قديمة في محل خردة. وهكذا ينقلهم هذا الجزء من التميمة إلى مراحل زمنية مختلفة؛ بحثًا عن النصف الآخر منها. وتدور معظم الرواية حول رحلاتهم إلى الماضي، ولكن في المغامرة الأخيرة يذهبون إلى المستقبل، حيث يجدون كل شيء أفضل إلى حدٍّ كبير. ففي المستقبل، الهواء نظيف، وليس هناك فقر، وتم علاج الكثير من الأمراض، وأصبح الأطفال يحبون المدرسة (حيث أصبحت المناهج منطقية ومناسبة)، وأصبحت هناك مساواة بين الجنسين، وصارت الأزياء صحية ومريحة، وأصبحت وسائل النقل نظيفة وسهلة، والأفضل من ذلك أن الناس أصبحوا لا تساورهم أي مخاوف أو قلق، ويستمتعون بالعمل النافع الذي يعود بالفائدة على الجميع. وبعد جولتهم في لندن المستقبل هذه، تتحدث الطفلة الصغرى جين باسم الجميع حين تقول متعجبة: «أتمنى لو أننا نعيش في المستقبل!» ولكن، رأي جين هذا لا يوجد حاليًّا في الكتابات الموجهة للأطفال؛ فجميع الأعمال القصصية تقريبًا تفترض أن الحياة ستصبح أكثر صعوبة وتقييدًا مما هي عليه اليوم. ونظرًا لأن القراء الصغار الذين تُوجَّه إليهم هذه الأعمال القصصية سوف يصبحون بدورهم مسئولين عن إدارة المستقبل القريب؛ فإن الإشارات الضمنية لهذا التحول من التفاؤل والإثارة إلى التشاؤم واليأس جديرة بالتأمل. كانت نيسبيت تضيف إلى تقليدٍ راسخٍ في الكتابة للأطفال يقدر الأمل والتفاؤل لقدرتيهما على تحفيز القراء، وافترضت أنه إذا ما تم إعداد هؤلاء القراء جيدًا في صغرهم، فإنهم سيتمكنون في كبرهم من تحقيق تغيير اجتماعي إيجابي. وقد سعى العديد من كتب ودوريات الأطفال التي نُشرَت في العقود الأولى من القرن الماضي إلى إثارة اهتمام قرائها بالابتكارات العلمية والتكنولوجية؛ فكان القراء الصغار يشعرون بالإثارة لفكرة السفر فائق السرعة برًّ وجوًّا، وتطلعوا لاختراعات ميكانيكية من شأنها أن تقلل من الكدح وتجعل الحياة أكثر متعةً، وتأملوا احتمال أن تتاح فرصة تجربة خوض المغامرات في الفضاء الخارجي للصغار. وبدءًا من روايات الفانتازيا كأعمال نيسبيت وحتى رواية «أقواس ضد البارونات» (١٩٣٤) للكاتب جيفري تريس — وهي إعادة سرد يسارية لقصة «روبن هود»، والتي تتطلع إلى وقت ما في المستقبل حين «يملك العوام ضِعف ما يملكون الآن، ولن يكون هناك مزيد من الجوع أو الفقر في الأرض — وَعَدَ أدب الأطفال قراءه بأن المستقبل سيكون أفضل بكثير وأكثر إثارة إلى حدٍّ كبير من الحاضر. بالإضافة إلى الوعد بمستقبل أفضل، عمل أدب الأطفال على خلق جيل قادر على صنع هذا المستقبل. فقد شهدت ثلاثينيات القرن العشرين صدور العديد من المطبوعات للأطفال التي تخبرهم صراحة بأنهم مطالبون بإصلاح العالم الذي سيرثونه، وأنهم لكي يفعلوا هذا عليهم أن يكونوا خبراء اقتصاديين، وعلماء، ومهندسين، وفنانين، ومعماريين، وفلاسفة من الطراز الأول. ويُعد كتاب «مخطط تمهيدي للصبية والفتيات وآبائهم» (١٩٣٢) الذي حررته الكاتبة ناعومي ميتشيسون مثالًا نموذجيًّا على هذه المحاولة. وفي حين أن هذا الكتاب ليس عملًا قصصيًّا بالمعنى الحرفي، فإن هذا الكتاب يتضمن العديد من القطع التأملية التي تدخل في مجال الخيال العلمي والفانتازيا في رؤيتهما للمستقبل. كما أنه يُعد تذكِرةً لحقيقة أن الفن القصصي لم يكن يهيمن على النشر الموجَّه للأطفال إلى الحد الذي عليه الأمر اليوم. مثل هذه الإصدارات لم تعد موجودة الآن؛ مما يجعل دراسة كيف دمجت ميتشيسون والمساهمون معها التفكير الإبداعي في بنية واقعية لتحفيز القراء الصغار على التفكير بشأن ما قد يبدو عليه المستقبل أمرًا يستحق العناء. ويثير القيام بهذا الأمر أسئلة حول الأسباب التي لا تقف فحسب وراء توقف نشر هذا النوع والطابع من الإصدارات، وإنما محوه كذلك من تواريخ الكتابة للأطفال على نطاق واسع (وقد بدأ بعض العمل على مادة أمريكية منذ ذلك الوقت — انظر ميكينبرج ٢٠٠٦، ميكينبرج ونيل ٢٠٠٨). يشرح تمهيد ميتشيسون أن هذا الكتاب يهدف إلى «جعل الأشخاص الذين سيمسكون بزمام الأمور في العشرين عامًا القادمة على وعي بشتى أنواع المعرفة والقيم» التي يحتاجون إليها لتصحيح أخطاء الماضي وبناء المستقبل بذكاء. وقد كلفتْ بعضًا من أفضل المفكرين في ذلك الوقت للكتابة للأطفال حول مجالات خبراتهم، وشجعتْ القراء على القراءة في الفنون والعلوم والسياسة على قدم المساواة لأنه «لكي تكون مواطنًا صالحًا، سواء من أجل بلادك أو من أجل العالم، عليك أن تفهم كيف يتم تنظيم القوة والمعرفة والنظام معًا، وكيف يمكن تغيير هذه المنظومة». إن كتاب «مخطط تمهيدي للصبية والفتيات وآبائهم» مكرسٌ لإمداد الجيل الصاعد بالمهارات الفكرية والأيديولوجية والعملية الضرورية لإدراك ذلك العالم المجسد في رواية «قصة التميمة». لقد كان تقدميًّا في سياساته على نحو جريء، وتناول التنمية في روسيا — وخاصة الخطة الخمسية — كنموذج سوف يُبنى عليه مستقبل ناجح. شكل ٥-٣: صورة من رواية أليكس ويدينج وجون هارتفيلد «إيدي والغجر» (١٩٣٥). هذه الصورة التي تعبر عن الصداقة التي تتجاوز الفروق الطبقية والعرقية تعد نمطية في كتب الأطفال التقدمية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.3 وقد ظهر العديد من الكتب التثقيفية المثيرة للتفكير المماثلة في سنوات ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن بينها رواية «إيدي والغجر» (١٩٣٥، مترجَمة عن النسخة الألمانية التي ظهرت عام ١٩٣٢) للكاتب أليكس ويدينج (الاسم المستعار لجريت وايسكوف). وتدور أحداث هذه القصة التي تتناول صداقات الطفولة بين المجموعات العرقية في حي للطبقة العاملة في برلين، وتتضمن صورًا فوتوغرافية بعدسة جون هارتفيلد (اسمه الحقيقي هيلموت هيرزفيلد، ويُعرَف بصوره المركبة المعادية للفاشية). وعلى غرار رواية «إيدي والغجر»، وتماشيًا مع سياسة التعاون الدولي التي ميزت السياسات والفنون التقدمية في ذلك الوقت، غالبًا ما كانت هذه الكتب تظهر خارج المملكة المتحدة والولايات المتحدة. إن اختفاء الكتب التي تهدف إلى صقل مهارات القراء وتحفزهم على الحراك السياسي، إنما يدل على التغيرات التي طرأت على الكيفية التي يطالب بها أدب الأطفال القراء الصغار بالتفكير في أدوارهم ومسئولياتهم في العالم الذي سيمسكون بزمام أمره حين يكبرون. وفي كتاب «ملعب ما بين المجرات» (٢٠٠٩)، تتبع فرح ميندلسون الانتقال من نصوص ما قبل ستينيات القرن العشرين — التي تسعى إلى خلق كفاءة عملية وفكرية لدى قرائها، وتتضمن مناقشات ثرية وتفصيلية لكيفية عمل الأدوات والأفكار — إلى نصوص ما بعد ستينيات القرن العشرين — التي تركز على الذكاء العاطفي، وتتعامل مع الأنواع الأخرى من المعلومات على أنها إما دون المستوى أو مبهمة. ورغم أن ميندلسون تكتب عن الخيال العلمي، فإن النمط الذي تحدده ينطبق كذلك على الأعمال القصصية الشبابية بصورة أعم (فالأعمال الموجهة للصغار أقل تأثرًا بهذا النمط). مستقبل يملؤه الذعر لا يعد التغيير الذي طرأ في النصف الثاني من القرن العشرين، من الثقة والإثارة بشأن المستقبل إلى التشاؤم منه، بالأمر المثير للدهشة بعد أن شهد العالم حربين عالميتين، والهولوكوست، وتصنيع الأسلحة الذرية واستخدامها، والقلق العام من التلوث والمبيدات بعد نشر كتاب «الربيع الصامت» (١٩٦٢) لراشيل كارسون. وعلى الرغم من حقيقة أنه وفقًا لمقياس نيسبيت، فإن عقود ما بعد الحرب شهدت تحسنًا هائلًا في الطريقة التي يعيش بها الغرب، بدءًا من منتصف القرن العشرين فصاعدًا، كانت هناك مخاوف شديدة بشأن الكوارث المحتملة المرتبطة بالتحديد بنوعيات الاختراعات التكنولوجية التي نُسب لها من قبلُ الفضل في تحسين أسلوب الحياة. ومن ستينيات إلى ثمانينيات القرن العشرين، كان أدب الأطفال يصوِّر بانتظام سيناريوهات معركة هرمجدون التي خلقتها كوارث الحرب النووية وسيطرة الماكينات على حياة البشر، وتتمثل أبرز الأمثلة على ذلك في رواية «زكريا» (١٩٧٣) للكاتب روبرت سي أوبراين، ورواية «أخي في الأرض» (١٩٨٤)، للكاتب روبرت سويندلز، ورواية «أطفال الغبار» (١٩٨٥) للويس لورانس. ومن حين إلى آخر، تتعرض هذه الرؤية للمعارضة كما هو الحال في ثلاثية بيتر ديكنسون «التغيرات» (١٩٦٨–١٩٧٠). تدور أحداث رواية ديكنسون في وقت غير محدد من المستقبل، على الرغم من أنه يمكن معذرة القراء لظنهم أن الأحداث تدور في ماضٍ بديل، حيث إن المستقبل الذي تُصوره هذه الثلاثية هو مستقبل رفض التكنولوجيا وعاد إلى أسلوب حياة العصور الوسطى القائم على الزراعة. إن ثلاثية «التغيرات» تنتمي إلى جنس أدبي فرعي يفترض أن عالم المستقبل سوف يرتد بالضرورة إلى طريقة العيش هذه. ومع ذلك، فإن هذا الجنس الأدبي غريب من حيث إن أي جاذبية سطحية قد تنطوي عليها إعادة صياغة المستقبل في صورة الماضي ستتلاشى بإظهار هذا المستقبل في صورة عالم كئيب يسوده القمع والجهل والمحاباة والخوف. ومن خلال إحياء أساليب العيش القديمة في المستقبل، تطالب ثلاثية «التغيرات» بأن يدرك القارئ أن الماضي ليس زمانًا أفضل للعيش فيه، وأن الحياة العصرية بوجه عام في أكثر البلدان تقدمًا أكثر راحة وليبرالية على المستوى السياسي من أي وقت مضى. لكن ما ينقص ثلاثية ديكنسون هو الإحساس بكيف يمكن تحقيق مستقبل أفضل، وإشارة لما قد يبدو عليه هذا المستقبل. إن هذا الصمت إنما يدل على فقدان ذلك التفاؤل — والذي بدأ مبكرًا في النصف الثاني من القرن المنصرم — والرؤية اللذين كانا فيما سبق يمثلان أساس قصص الأطفال التي تتحدث عن المستقبل. فبدلًا من النهايات السعيدة التي تأتي في شكل تصورات إيجابية محتملة للمستقبل، أصبح القراء الصغار منذ ستينيات القرن العشرين يُمنحون جرعات من التكهنات الكئيبة التي تحمل بين طياتها الكوارث والدمار؛ مما يجعل من الروايات المستقبلية الخاصة بالصغار جزءًا جوهريًّا ومؤثرًا من الجنس الأدبي المسمى ﺑ «المآسي البيئية» الذي أنشأه كلٌّ من الخبيرين الاستراتيجيين البيئيين تيد نوردهاوس ومايكل شيلينبرجر. في الدراسة التي أجراها نوردهاوس وشيلينبرجر عن الحالة الراهنة للسياسات البيئية، والتي تحمل عنوان «طفرة: من نهاية حماية البيئة إلى سياسات الاحتمال» (٢٠٠٧)، يوضح الكاتبان أن النماذج العلمية والسياسية الحالية «غير ملائمة إطلاقًا لفهم الاحترار العالمي والأزمات البيئية الأخرى والتعامل معها». ومع ذلك، فإنها لا تزال تتحكم في التفكير والسياسات والسلوكيات. ويتعقب الكاتبان التأثير المستمر للنماذج الفكرية والسياسية والاجتماعية عتيقة الطراز على نوعيات القصص التي نرويها عن أنفسنا، والكيفية التي نعيش بها وننظم بها المجتمع من حولنا، وكذلك — بوجه خاص — علاقتنا بالطبيعة. ومن خلال التركيز حصريًّا على الطرق السلبية التي أثر بها الناس على الكوكب، فإن المآسي البيئية — كما يزعمان — «تثير النزعات الجبرية والمحافِظة والبقائية». مثل هذه النصوص لا تتجاهل التقدم فحسب، بل ابتكرت كذلك قصصًا مأساوية بيئية تصر على أن البشر لن يكون لديهم مستقبل إلا إذا رفضوا التطورات الجديدة في العلوم والتكنولوجيا وعادوا إلى أساليب العيش في الماضي. وقد حددت ثلاثية «التغيرات» مشكلات هذا السيناريو، ولكن يبدو أن النسيان قد طوى ما حملته من دروس في الأعمال القصصية الحديثة عن المستقبل الموجهة للصغار. المستقبل المأسوي للبيئة هناك مجموعتان من القصص المستقبلية المحبوبة، والتي تتمتع بقاعدة عريضة من القراء من إنتاج العقد الماضي، تجسد الاتجاهات المأسوية البيئية في الكتابة للصغار. تدور أحداث سلسلة «حكايات المدينة الجائعة» (٢٠٠١–٢٠٠٦)، للكاتب فيليب ريف، في المستقبل البعيد، بعد ألف عام من حرب الستين دقيقة التي نُسف فيها العالم الذي نعرفه بأسلحة فتاكة لدرجة أن كوكب الأرض يُدمَّر تمامًا وإلى الأبد. يعيش معظم الناس في مجتمعات حضرية هرمية بالمعنى الحرفي للكلمة؛ حيث يعيش الأغنياء والأقوياء في أعلى المستويات ويتمتعون بهواء نظيف وإمكانية تناول الطعام الطازج ورؤية الخضرة، في حين تعيش الطبقات الأدنى تحتهم في مستويات تزداد ظلمة وبؤسًا. هذه المدن الجديدة تعمل وفقًا لآليات نسخة متطرفة من النظام الرأسمالي تُعرف باسم الداروينية المحلية؛ أي مدن «تأكل» مدنًا أخرى من أجل البقاء، والمهارات التقنية التي نعتبرها اليوم من المسلمات هي محض أساطير. وبالرغم من موروث الكوارث التكنولوجية، فإن البشرية في الديستوبيا التي يصورها فيليب ريف لم تصبح أكثر حكمة — فقد أعيد اكتشاف ونشر عناصر ابتكار الأسلحة نفسها التي دمرت العالم من البداية بنهاية الكتاب الأول. ولكن بنهاية السلسلة، تُفعَّل طريقة بديلة للعيش بعد أن يُقتل عُشر السكان عمدًا ويعاد البقية إلى الطبيعة مرة أخرى. تُصوِّر رباعية «القبحاء» (٢٠٠٥–٢٠٠٧) للكاتب سكوت ويسترفيلد مستقبلًا يلي ثبوت أنَّ اعتماد البشر على الوقود الحفري غير مستدام، وفيه تقوم مجموعة قوية — ولكنها سرية إلى حدٍّ كبير — بتجريد العامة من حقوقهم. فقد ابتكرت هذه المجموعة طريقة للتحكم في الناس تتضمن جراحة شاملة في سن السادسة عشرة، وذلك — ظاهريًّا — لجعل كل شخص نموذجًا بشريًّا مثاليًّا على المستوى الجسدي، والفائدة المقترنة بصفة «الجمال» هي نمط حياة خالٍ من العمل والحاجة والقلق. ولكن، ما لا يعرفه هؤلاء «الحسان» هو أن الجراحين الذين أجروا لهم الجراحة قد أجروا كذلك تغييرات في أدمغتهم بهدف السيطرة على عقولهم، والتي من شأنها أن تحبسهم في مرحلة النرجسية والاهتمام بالأقران من سن المراهقة، والتي يمثل فيها الخوف من عدم الانتماء والتمتع بالمظهر الجيد في حد ذاته قوةً مؤثرةً للسيطرة على المجتمع وتحقيق الامتثال بتقاليد المجتمع. إن تحديد مرحلة الشباب كأكثر الأوقات فاعلية للتدخل بغرض السيطرة طويلة المدى على المجتمع، وإظهار الشباب في تلك المرحلة كأشخاص يتصفون بالصبيانية، يضع قصة «الحسان» ضمن مجموعة متنامية من روايات المستقبل التي تقدم مجتمعات تستخدم طرقًا متطرفةً للسيطرة على المراهقين وتقلل من أعدادهم. وبغض النظر عن الطريقة التي تُقرأ بها مثل هذه الروايات، فإنها تتوقع أن المستقبل سيكون فترة عصيبة لصغار السن. قد تكون الصعوبة حافزًا على التغيير والعمل، وفي كلٍّ من «القبحاء» و«حكايات المدينة الجائعة»، تبدأ بعض الشخصيات الشابة في مقاومة السلطات من خلال عدد من أنشطة العصابات، ولكن لم تعرض أيٌّ من السلسلتين رؤية جديدة، سواء أولية أو تأملية، لتحل محل النماذج الفاشلة التي تنتقدها. وبعيدًا عن التفكير الموسع الذي ميز الكتابات عن المستقبل للأطفال في القرن العشرين، تؤكد قصص المآسي البيئية المعاصرة على المشكلات والأخطاء والعواقب في حين تقدم القليل فيما يتعلق بالأفكار والمحفزات للتعامل مع هذه المشكلات. إن المسار السردي لقصص المآسي البيئية الحديثة ينتهي دائمًا بدرس إدراك أخطاء الحياة العصرية والتحول إلى طرق العيش القديمة على الأرض، ويُعاقَب الغالبية العظمى من الناس — حيث يُجبرون على العيش في مستويات مماثلة لأدنى مستويات عالم المستقبل لدى ريف — أو يبادون. يكرس كلٌّ من نوردهاوس وشيلينبرجر الكثير من الوقت لإظهار أن القصص التي تعيد تخيل شكل المجتمعات تعتبر محورية في جلب التغيير لهذه المجتمعات. فإذا كانا مُحقَّين في هذا الشأن، فإن القصص التي أُلِّفت للصغار الذين سيكون عليهم العيش في المستقبل القريب سوف تلعب دورًا مهمًّا في تحديد الشكل الذي سيكون عليه هذا المستقبل. إن هناك وفرة في القصص التحذيرية من الوضع الذي نعيشه الآن، وبالمثل هناك مخزون وفير من القصص المستقبلية التأديبية التي تعاني فيها البشرية بسبب أخطاء الماضي، ولكن نادرة هي القصص التي ترسم للصغار مستقبلًا يطمحون في الوصول إليه، وتدفعهم إلى التفكير بشأن سبل جعل هذا المستقبل حقيقة. حكايات جديدة للغد تبدأ بعض روايات المستقبل الإيجابية الحالمة في الظهور. على سبيل المثال، تُجرِي رواية «اليوميات الكربونية ٢٠١٧» (٢٠١٠) للروائية ساسي لويد بعضَ التعديلات الأولية الهامة على تقاليد قصص المآسي البيئية. هناك حاليًّا نسختان من رواية «اليوميات الكربونية» «كتبتهما» لورا براون، التي تخطُّ ما حدث لحياتها كطالبة جامعية في عام ٢٠١٥، حين غمر الفيضان لندن نتيجة للاحترار العالمي، ونشبت حروب على المياه بين دول الشرق الأوسط، وبدأت الحكومة في التطبيق الصارم لتشريعات قمعية. يعتبر السيناريو مألوفًا في قصص المآسي التقليدية، كما يحتفظ الكتاب بتقاليد أخرى من قصص المآسي البيئية. على سبيل المثال، مع انهيار الاقتصاد ومعه دولة الرفاهية، يهجر الناس المدن زاحفين إلى الريف حيث يمكنهم أن يزرعوا غذاءهم بأنفسهم. ولكن عند هذه النقطة تبدأ رواية «اليوميات الكربونية ٢٠١٧» في مراجعة القصة التحذيرية المألوفة. فبدلًا من أن يعمل كل فرد على النجاة بنفسه والرضوخ للقوى القمعية للدولة، يتجمع الناس في وحدات مبدعة وفعالة وينظمون احتجاجات ناجحة. فهذه القصة لا تتمحور حول البشرية المهزومة الأنانية المنهارة، وإنما حول قدرة البشر على التكيف، والعمل معًا، والاهتمام بشأن مَن هم أكثر بؤسًا. إن تاريخ البشر الطويل في حل المشكلات هو بالضبط ما تم إقصاؤه من الروايات المأساوية البيئية. إن المجموعات ذاتية التنظيم تعرف أنها لا تستطيع أن تفكر على المستوى المحلي فحسب؛ فهناك مستوًى مسلَّمٌ به من الوعي والدعم العالميَّين يتدفق طوال رواية «اليوميات الكربونية ٢٠١٧». وجزء كبير من هذا الدعم ينظمه الشباب الذين يشكلون دائرة أصدقاء لورا براون؛ مما يعني أنه بدلًا من تصوير المراهقين كمجموعة من الحمقى المهووسين بأنفسهم، تتيح رواية «اليوميات الكربونية ٢٠١٧» للمراهقين أن ينموا في ظل وعي سياسي مع القدرة على التصرف والعمل مع أشخاص من أعمار مختلفة. وكجزء من هذه العملية، يستخدم كلٌّ من نسختي هذه الرواية أشكالًا وصيغًا سردية جديدة تلائم الثقافة الشبابية، حيث تدمج ما بين الرسائل النصية والمحتويات الرقمية الأخرى، وهو ما يعد أمرًا ذا أهمية في حد ذاته. إن القدرة على التواصل عبر مسافات شاسعة تعزز من الإحساس بالتواصل مع ما هو خارج المجموعة المباشرة، ويؤكد على الحاجة إلى العمل الجماعي. تظهر رواية «اليوميات الكربونية ٢٠١٧» ثقافة الالتقاء في العمل، كما يقدم تقديرها للتكنولوجيا عنصرًا آخر يحررها من قالب القصة المأساوية البيئية. تشير رواية «اليوميات الكربونية» إلى ظهور اهتمام بإعادة وصف ورواية المستقبل بطرق منشطة وتحفيزية بدلًا من تلك الطرق العدمية الاستهجانية. وفي حين أن الكتابين يمثلان نقطة انطلاق قيِّمة، فإن أيًّا منهما لا يفعل الكثير لتطوير الكفاءات الفعلية أو حتى يقترح المهارات التي ستكون لازمة في المستقبل. وعلى هذا الصعيد، بوسع أدب الأطفال القيام بالكثير والكثير. هوامش (1) The Bodleian Library, University of Oxford (1419 g.248, frontispiece and title page). (2) The Bodleian Library, University of Oxford (25210 d.1215, pp. 6–7). (3) The Bodleian Library, University of Oxford (27842 e.444, plate facing p. 121); © The Heartfield Community of Heirs/V. G. Bild-Kunst, Bonn and DACS, London 2011. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
الفصل السادس الجدل الأخلاقي في أدب الأطفال إحدى مناطق الاختلاف الواضح بين أدب الأطفال وأدب الكبار هي طبيعة ومدى الاهتمام بما يمكن وصفه على نحوٍ واسع بالقضايا الأخلاقية، سواءٌ أكانت هذه القضايا تركز على الطريقة التي تتكون بها العلاقة بين المؤلفين والقراء، أم القضايا التي يجري تناولها، أم أخلاقيات الإنتاج (هل من المقبول أن يُنتَج كتاب للأطفال بواسطة أطفال آخرين يكدحون في العمل في دار نشر استغلالية، أو أن تُدمَّر البيئة في أثناء إنتاج هذا الكتاب؟) ويبدو أن مناقشة التعقيدات الأخلاقية المرتبطة بأدب الأطفال خصوصًا تعد طريقة مناسبة لختم هذه «المقدمة القصيرة جدًّا»؛ لأنها توضح كيف تؤثر حداثة سن الجمهور وعدم خبرته على الإنتاج الأدبي، وكيف يمكن لدراسة أدب الأطفال أن تلقي الضوء على جوانب الثقافة بصورة أعم. على مدار تاريخ أدب الأطفال، استخدم الكبار أدب الأطفال كوسيلة لتحفيز القراء على التفكير بطرق معينة، ولتقدير سلوكيات وأنشطة معينة، والابتعاد عن أشخاص معينين. ونظرًا لأن هذا النوع موجَّه إلى جمهور شديد التأثر وفي مرحلة تكوين الشخصية؛ فمن الضروري الانتباه إلى الطبقات المتعددة — والمتعارضة أحيانًا — للنشاط والتفكير الأخلاقيَّين اللذين تتم في أجوائهما عملية الكتابة للأطفال والشباب، علاوةً على حقيقة أن الأطفال لديهم الآن أكثر من أي وقت مضى إمكانية الوصول إلى العديد من مصادر المعلومات والأفكار. تغير المعلومات المستقاة من شبكة الإنترنت والقنوات التليفزيونية الفضائية وألعاب الكمبيوتر ما يعرفه الأطفال على الأرجح — أو مرُّوا به — عن أمورٍ مثل العنف والجنس وإيذاء النفس والتنمر؛ مما يؤثر على نوعية الموضوعات التي يقدمها الكاتب للقراء وطريقة عرض وتقديم وتناول الموضوعات. أدب الأطفال كوسيلة دعاية لطالما أشار النقاد وغيرهم من الكبار المهتمين بأدب الأطفال إلى أهمية أن ينتبه من يكتبون للأطفال إلى أن لديهم واجب رعاية تجاه قرائهم، بمعنى أن يحرصوا على عدم إيذاء الأطفال عاطفيًّا (مثل تخويفهم بشدة أو حرمانهم من الأمل)، أو تعليميًّا (مثل تجنب تقديم معلومات خاطئة أو الوقوع في أخطاء نحوية ولغوية)، وهذا القلق يذكرنا بأنه في أدب الأطفال لا تكون العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة طرفين متساويين؛ بل إنها أيضًا علاقة بين شخص بالغ وطفل. وقد يتضمن واجب «الرعاية» هذا للقارئ ممارسة التحكم بطرق لا تخدم مصلحة القراء الصغار. فمثلًا، تُقدِّم جاكلين روز (١٩٨٤) رؤية لعلاقة الكبار بالأطفال في أدب الأطفال بأنها علاقة يغوي فيها الكتَّابُ القراءَ الصغار ويوقعونهم في شراك بطرق تقلل من احتمالات تحديهم لسلطة الكبار. وعند التفكير في روايات الشباب تحديدًا، تقول روبرتا سيلنجر ترايتس (٢٠٠٠) أيضًا بأن أدب الأطفال يحاول احتواء قوة واستقلال الشباب من خلال التأكيد على خطورة تحدي الوضع القائم. وتشير ماريا نيكولاييفا (٢٠٠٩) إلى الطريقة التي يميل من خلالها أدب الأطفال إلى جعل فترة البلوغ هي العرف السائد الذي يتمرد عليه الأطفال بأنها طريقة غير سوية. وسواءٌ أكانت هناك نسخة قياسية للنضج خلف الكتابة للأطفال أم لا، فلا شك أن الكبار قد استخدموا أدب الأطفال مرارًا وتكرارًا لنشر معلومات وترسيخ قيم لأسباب متعددة. وقد أدركت الأنظمة الشمولية الإمكانات الهائلة لأدب الأطفال. على سبيل المثال، تماشيًا مع التزام موسوليني بغرس بذور الفاشية في الشباب الإيطالي، كتب المنظِّر المستقبلي فيليبو توماسو مارينيتي «بيان حول أدب الأطفال» يحدد فيه كتاب الأطفال المثالي بأنه ذلك الكتاب الذي ينقل رسالة البطولة المطلقة والوفاء للأمة، ويروج للشجاعة الجسدية والعمل الدءوب وروح الحداثة والديناميكية وفقًا لمبادئ الحركة المستقبلية. وبالمثل، رأى ماو تسي تونج أن أدب الأطفال وسيلة مهمة لترويج الفكر الشيوعي، وفي عام ١٩٣٨، كتب بيانًا مؤثرًا في الجريدة الجديدة «أطفال المناطق الحدودية»، حث فيه الشباب على «النهوض» لتحرير أنفسهم من القمع الياباني وأن يتحولوا ليصبحوا «قادة العصر الجديد». وكذلك استُخدِم أدب الأطفال المكتوب بالإنجليزية في عمليات الدعاية؛ فكما حدث في إيطاليا والصين، وجد الشيوعيون في الولايات المتحدة أن الأطفال جمهور مهم بالنسبة لهم. ففي المجموعة القصصية «كتاب الرائد الجديد القصصي» (١٩٣٥) نجد أن المقدمة التي كتبها ماكس بيداخت — الذي كان آنذاك الأمين العام للتنظيم العالمي للعمال — تقول إن أدب الأطفال لديه القدرة على تغيير حياة الأفراد وثقافات بأكملها: إن قراءة هذه القصص ستساعدكم على فهم الحياة التي تنتظركم. وعندما تتعلمون أن تفهموا الحياة، ستتعلمون كيف يمكنكم تشكيل حياتكم. ولن تكونوا مجرد بيادق شطرنج يحركها القدر بأصابعه، بل ستصبحون أسياد أقداركم. لن تكونوا جزءًا من التاريخ فحسب، بل ستصنعون التاريخ بأنفسكم. عند تأمل هذه الكتابات من منظور عصرنا الحالي، قد تبدو لنا بسيطة وبدائية، لكن هذه الأمثلة توضح كيف استُخدِم أدب الأطفال كوسيلة لتحدي الوضع الراهن وكذلك لإعادة إنتاجه. بَيْدَ أن استخدام أدب الأطفال للدعاية ليس أمرًا مقصورًا على الماضي فحسب. فنجد أن السلسلة الشاملة «المتروكون: الأطفال» (١٩٩٨– ) بقلم جيري بي جنكينز وتيم لاهاي نموذج لذلك. فهذه السلسلة التي تبيع ملايين من النسخ تعد دعاية واضحة للحركة الإنجيلية. وتقص السلسلة قصة مجموعة من المراهقين الذين يُتركون في الأرض بعد صعود المختارين إلى السماء — وهو الوقت الذي يتوقع فيه المسيحيون أن يتجمعوا للقاء المسيح العائد. وعندما يدرك هؤلاء المراهقون أخطاء حياتهم السابقة، فإنهم يكونون «قوة شباب المحنة» — وهي مجموعة مقاومة سرية إنجيلية مسيحية، وخلال سنوات المحنة السبع التي يجتاح فيها الأرضَ الوباءُ والبلاءُ والمصائبُ الأخرى التي تكون المحنة التالية، يقاوم هؤلاء الشباب المسيح الدجال من خلال نشر تعاليم الأناجيل. والقراء الضمنيون لهذه النصوص هم شباب صغار يُربَّون وفقًا للمبادئ الإنجيلية، وتشير الإهداءات المكتوبة في النسخ المستخدمة من تلك الكتب إلى أنها أهديت للصغار من قِبل أقاربهم الذين يعتبرون تلك الكتب حقيقية وتتنبأ بالمستقبل؛ ومن ثَمَّ فإن هذه الكتب تقدم موعظة لأشخاص متدينين. وهذه الأعمال التي تروج لأفكار على نحو واضح تعد أقل تعقيدًا على المستوى الأخلاقي؛ لأن الأثر الذي تسعى لتركه على القراء يعد واضحًا مقارنةً بالأعمال الأخرى التي تروج لأفكارها ترويجًا خفيًّا. ويمكن مقارنة تلك السلسلة بسلسلة روايات «سجلات نارنيا» (١٩٥٠–١٩٥٦) التي يحاول فيها سي إس لويس إعادة تخيل القصة المسيحية بطرق يعتقد أنها ستروق القراء من الأطفال. وينجح لويس بوضوح في جذب انتباه القراء الصغار؛ إذ أصبحت «سلسلة نارنيا» جزءًا من تراث أدب الأطفال، واستمتعت بها أجيال متلاحقة من الأطفال. وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية؛ إذ إنه لا يفهم كل أصدقاء نارنيا الرسائل المسيحية عند قراءة السلسلة وهم أطفال. ورغم أن لويس قال إن القصص ليست إسقاطات، ولكنها تتوافق بسلاسة مع الأحداث المذكورة في الكتاب المقدس، وإنها تعتمد على مصادر أخرى للأساطير والخرافات، فإنه لديه أجندة مسيحية متنكرة بصورة مناسبة لتبرير الاتهامات بالتبشير بصورة خفية. قد تكون أخلاقيات إخفاء الموقف الأيديولوجي بهذه الطريقة مثيرة للإزعاج، لكن لا يوجد نص أدبي يخلو من الأيديولوجية، ويمكن عمل دراسة توضح أن أعمال لويس تنجح غالبًا في مساعدة الأطفال ليصبحوا فيما بعد قراءً قادرين على نقد النصوص بكفاءة — بما فيها سلسلة نارنيا عند قراءتها مرة أخرى في كبرهم. فإذا صح هذا المنطق، يصبح اللغز الأخلاقي هو: هل الغاية تبرر الوسيلة حقًّا؟ وعند التفكير في القضايا الأخلاقية الناجمة عن المحاولات المتعمدة للتأثير على القراء من الأطفال، من المهم ألا نغض الطرف عن الأعمال الأدبية الكثيرة التي تهدف بالأساس إلى تشجيع الأطفال على التفكير باستقلالية وعلى أساس مستنير قدر الإمكان تجاه قضايا مثل العدل والحرية والصواب والخطأ ومعنى السلوك القويم. وتقف هذه الأعمال على طرف نقيض من الأعمال الدعائية، ويحفل التاريخ بعدد هائل من الكتابات التي تسعى إلى تحفيز القراء وتدريبهم على تحليل وتقييم مزايا ومسئوليات مناصب معينة سعيًا وراء تحقيق الوعي الأخلاقي. ومما لا شك فيه أنه حتى الكتابات التي تحاول تعليم الأطفال جمع الأدلة من قراءاتهم وإخضاعها للفحص هي في حقيقة الأمر تتبنَّى موقفًا أيديولوجيًّا عن قيمة هذا النوع من النشاط؛ ومن ثَمَّ لا يسع أيديولوجيات المؤلفين إلا تشكيل إنتاجهم الأدبي. وعلى أي حال، وكما توضح الأمثلة التالية، فإن كتب الأطفال تطرح العديد من الأسئلة الأخلاقية المعقدة، والتي قد تساعد القراء على اكتساب مهارات تحليلية فضلًا عن اختبار ردود أفعالهم مقارنةً بردود أفعال الآخرين. أخلاقيات السلطة هناك تاريخ طويل من الكتابة عن العبودية للأطفال، بل إنه في بعض الأوقات تم اعتبار الأطفال أنفسهم عبيدًا أو خدمًا (وكثيرون منهم لم يكن وضعهم أفضل من وضع العبيد بكثير). ونشأت هذه المقارنة في القرن الثامن عشر على أساس أن الأطفال كانوا مغلوبين على أمرهم إلى حدٍّ كبير وخاضعين لسلطة معظم من حولهم؛ مما كان يعني أن القراء الصغار كان لديهم أسباب تجعلهم يستشعرون جيدًا ظلم العبودية. وبالفعل، فقد شجعهم العديد من النصوص الداعية إلى إلغاء العبودية على ذلك. ومن أبرز الأعمال الأدبية المقدمة للأطفال في تلك الفترة، والتي تتناول قضية العبودية، روايةُ الكاتب توماس داي بعنوان «سانفورد وميرتون» (وقد نُشرت هذه الرواية في ثلاثة أجزاء في أعوام ١٧٨٣، و١٧٨٧، و١٧٨٩). وقد قاد توماس داي حملات ضد التأثير الفاسد لتجارة العبيد على الحياة البريطانية. ومن بين الطرق التي قام بها بذلك تقديم الشاب تومي ميرتون — الذي ترصد القصة مرحلة تعليمه — إلى عبد سابق يعيش في إنجلترا. حتى سن السادسة، كان تومي يعيش حياة مدللة في مزرعة والديه في جامايكا، حيث تعلم أن يعتبر نفسه أفضل من العبيد الذين كانوا في خدمته. ومن خلال تعرفه على الزنجي (كما يشار إليه)، يدرك تومي أن نظام امتلاك العبيد — الذي كان يعتبره في السابق أمرًا طبيعيًّا — هو في الواقع أمر بغيض. بل والأشهر منها على مستوى الدعوة إلى إلغاء العبودية الرواية الأكثر بيعًا «كوخ العم توم» (١٨٥١-١٨٥٢)، للكاتبة هارييت بيتشر ستو. ومن خلال شخصية إيفا سانت كلير، تقدم الكاتبة مثالًا على قدرة الصغار على تغيير تفكير مَن حولهم مِن خلال عناية إيفا بعبيد عائلتها وعطفها عليهم. شكل ٦-١: كانت رواية «كوخ العم توم» من القصص التي يعاد سردها كثيرًا على مسامع الأطفال. وقد ساعدت صور مثل هذه — والتي تُظهِر التفريق بين الأم وولدها — على إثارة التعاطف مع قضية إلغاء العبودية.1 وتنقل رواية هارييت بيتشر ستو تركيزنا على أدب الأطفال المتعلق بالعبودية إلى الولايات المتحدة، التي استمرت فيها العبودية لما يزيد عن نصف قرن بعد حظرها في بريطانيا. شكليًّا، لم يعد الأمريكيون من أصول أفريقية عبيدًا منذ نهاية الحرب الأهلية الأمريكية (١٨٦٥)، لكن ميراث العبودية كان لا يزال يخيم على المجتمع، وقدم أدب الأطفال بعض الأعمال القوية التي عملت على مداواة آثار الوحشية والفظائع السابقة، وأشادت بإسهامات الأمريكيين الأفارقة في الثقافة الأمريكية، وتحدت الأفكار النمطية السائدة من خلال تمثيل تجربة السود وثقافتهم كجزء مميز من الحياة الأمريكية العادية. وخلال سبعينيات القرن العشرين، وبعد الفوز في المعارك الرئيسية للحقوق المدنية للسود، تحول تركيز أدب الأطفال بشكل كبير من تناول مساوئ العبودية إلى تناول الحاجة إلى مواجهة العنصرية عند تأليف كتب الأطفال. ورغم ذلك استمرت الكتابات والرسوم المقدمة للأطفال في تناول قضية العبودية كما في سلسلة الرسوم القوية والمثيرة للإعجاب التي تعكس الظروف على متن سفينة لتجارة العبيد في رواية «الممر الأوسط: سفينة بيضاء/شحنة سوداء» (١٩٩٥) للكاتب توم فيلينج. وتأتي ثنائية «أوكتيفيان ناثينج» (٢٠٠٦–٢٠٠٨) للكاتب إم تي أندرسون — التي تختلف مكانيًّا ووظيفيًّا — لتعرض حياة ولد أفريقي في مستعمرة بوسطن، حيث نشأ الولد كجزء من تجربة في عصر التنوير لإثبات أن السود أقل شأنًا من البيض. ورغم أن الكتابين يركزان بالأساس على الظلم الذي تسببه العبودية، فإنهما في الوقت نفسه يثيران تساؤلات حول أحداث وتوجهات في القرن الحادي والعشرين بطرق تشجع التفكير الأخلاقي عن الحاضر. فعلى سبيل المثال، تُعقد مقارنات بين سياسات أمريكا في حرب الاستقلال، والعبودية، والحرب على الإرهاب بما في ذلك تعذيب الجنود الأمريكيين للسجناء في سجن أبو غريب بالعراق. ويقدم الجزء الأول من الثنائية بعنوان «حفل الجدري» إمكانية مقارنة طريقة تفكير «الموت أو الشفاء» التي اعتنقها أوائل من وافقوا على التطعيم ضد الجدري بالمراهقين الشواذ اليوم والذين يخاطرون ويمارسون الجنس غير الآمن على أساس أن القلق المصاحب لانتظار الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية أسوأ من الإصابة به بالفعل. الإنصاف إن التمييز بين الصواب والخطأ في المواقف المختلفة يلمس موضوعًا مألوفًا طالما انشغلت به مرحلة الطفولة: ألا وهو الإنصاف. فكل من يتعامل مع الأطفال يواجه دائمًا شكواهم الغاضبة من الظلم. وتعد رواية «هنري هاجينز» (١٩٥٠) للكاتبة بيفرلي كليري نموذجًا لقصص الأطفال البسيطة التي بحثت هذا الموضوع بعمق، فهي تروي قصة واقعية حدثت في بلدة أمريكية صغيرة. تحكي القصة علاقة الصداقة القوية التي تنشأ بين هنري وكلب يظن أنه ضال يسمى ريبسي، لكن الحقيقة هي أن هذا الكلب ليس كلبًا ضالًّا، بل ضائع من صاحبه الذي يحبه كثيرًا. والولد الآخر لطيف تمامًا مثل هنري، ويحب الكلب كثيرًا مثله. وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب، يتفق الولدان على أن ريبسي يجب أن يختار صاحبه. وفي نهاية يسودها التوتر، يقف الولدان على مسافة متساوية من الكلب ويناديان عليه في الوقت نفسه، وبعد مرور بضع دقائق خيم فيها التوتر على الجميع بسبب التردد، يختار ريبسي أن يبقى مع هنري. وهذه النهاية حزينة وسعيدة في الوقت نفسه؛ لأن القراء قد شهدوا علاقة هنري مع ريبسي وأرادوا أن يكونا معًا، لكن هذه السعادة تسبب الألم للولد الآخر. وتحاول كليري خفية أن تجعل القراء يتأملون إذا ما كان هذا هو القرار الأفضل والعادل، وأن يتساءلوا إذا ما كان بإمكانهم التوصل لحل أفضل لهذه المشكلة، وأن يتعاطفوا مع الخاسر في الوقت نفسه الذي يشاركون فيه هنري سعادته. وتوضح رواية «هنري هاجينز» الأطفال وهم يتخذون قرارات عادلة دون تدخل الكبار، ويلتزمون بميثاق الشرف المفترض وجوده في أعمال أدب الأطفال. وفي هذه الحالة، فإن هذه القوانين تعني قبول عدم الغش وعدم الرجوع في القرارات وعدم التراشق بالاتهامات. وأحيانًا يتم إعلان طبيعة هذه القوانين، فمثلًا تحتوي القصص المدرسية على مواقف تقال فيها هذه القوانين للتلاميذ الجدد أو المخطئين، أما في رواية «كتب الأدغال» (١٨٩٤-١٨٩٥)، للكاتب روديارد كيبلينج، فنجد أن الذين لا يلتزمون بقانون الغابة يُوَبَّخون علانية. وتعد رواية «لعبة إندر» (كُتبت في ١٩٨٥، وتمت مراجعتها في ١٩٩١) للكاتب أورسون سكوت كارد من روايات الأطفال التي تختبر مبادئ شرف الطفولة غير المكتوبة في أدب الأطفال إلى أقصى حد. وتدور أحداث هذه الرواية مختلطة الجمهور (إذ إنها لم تُكتب في الأصل للأطفال لكنها جذبت قاعدة عريضة من القراء الشباب حتى إنه تم تحويلها إلى كتاب للأطفال) في المستقبل بعد أن تعرضت الأرض مرتين لغزو المخلوقات الفضائية. وتتناول الرواية تطور طالب المدرسة أندرو ويجين — أو «إندر» — خلال «معركة المدرسة» التي صممت لتحديد القادة العسكريين المحتملين استعدادًا لمواجهة الهجوم الثالث المحتمل من المخلوقات الفضائية. ورغم جو المنافسة الشديدة، نجد أن الأطفال يعلمون القوانين ويلتزمون بها؛ كما يعرف الكبار الذين يتلاعبون بهم من خلف الأستار أنهم سيلتزمون بتلك القوانين. ويعد «عدم التسلل» جزءًا راسخًا من هذه القوانين، والذي يتم التلاعب به بطريقة ساخرة في رواية «لعبة إندر»؛ لأن القراء يعلمون أن الأولاد خاضعون باستمرار لمراقبة الكبار الذين لا يتدخلون حتى في حالة إصابة أحد الأولاد إصابةً بالغة تكاد تودي بحياته؛ لأنهم يرون أن الوحشية من السمات الأساسية للقائد القادر على هزيمة المخلوقات الفضائية. ومن أول الاختبارات الأخلاقية التي يواجهها القراء هو تحديد ما إذا كان سلوك الكبار مبرَّرًا أخلاقيًّا أم لا، ورغم ذلك نجد أن الأزمة الأخلاقية في هذا الكتاب تكمن في قضية أخرى. يتكون تدريب الأطفال على القيادة إلى حدٍّ كبير من ممارسة الألعاب، وقتال بعضهم البعض أحيانًا، وأحيانًا يتقاتلون عبر الكمبيوتر في بيئة محاكاة واقعية ومعقدة تحاكي هجوم المخلوقات الفضائية إلى حدٍّ كبير. وعندما ينتصر إندر وفريقه في المحاكاة التي تختبر تكتيكاتهم ومهاراتهم وقدرتهم على التحمل في تجربة تفوق أي شيء شهدوه في حياتهم، يتضح أن ذلك لم يكن ممارسة لعبة بل كانوا يشنون حربًا. ونظرًا لأن النصر تحقق من خلال تدمير كوكب المخلوقات الفضائية؛ فقد تمت إبادة عرق بأكمله. ومع هذا الاكتشاف علموا أن المخلوقات الفضائية — بعد أن أدركوا أن البشر نوع من أشكال الحياة الواعية — كانت قد قررت عدم محاولة احتلال الأرض وأرادت السلام. إن عدد ومدى تعقيد القضايا الأخلاقية التي تعج بها رواية «لعبة إندر» هائلان؛ فهل من الصواب السماح للأطفال بالاقتتال إذا كان هذا من الممكن أن ينقذ البشرية؟ هل هناك ما يبرر للكبار قيامهم بالضغط على الأطفال ذهنيًّا وبدنيًّا وعاطفيًّا مهما كان السبب؟ هل من الصواب السماح لأي شخص بتنفيذ خطة إبادة جماعية تحت ستار ممارسة لعبة؟ هل هناك حدود للولاء؟ وحقيقة أن الأطفال قد اهتموا بقراءة رواية «لعبة إندر» إلى هذا الحد تدل على أن هذه الأسئلة تشغل بالهم، وأنهم يرون أن تلك الكتب وسيلة لاستكشافها. كلا الجانبين الآن ترجع المشكلات الكثيرة التي أثارتها رواية «لعبة إندر» إلى كونها قصة عن الحرب إلى جانب كونها قصة مدرسية. وبينما كانت قصص الحروب في الماضي تقدم أحداثًا وطنية وواضحة مثل تلك الموجودة في روايات جي إيه هنتي (١٨٣٢–١٩٠٢)، نجد أن هذا الجنس الأدبي خرج من رحمه الكثير من أقوى الأعمال الأدبية المقدمة للأطفال في العقود الأخيرة وأكثرها تحديًا على المستوى الأخلاقي. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، لم تَعُد قصص الحرب تُروَى من منظور المنتصر كما كان الحال على مدار الجزء الأكبر من تاريخ أدب الأطفال، وغالبًا ما كانت الحدود بين الصديق والعدو صعبة التمييز. تحكي رواية «أنا ديفيد» (١٩٦٣) للكاتبة آن هولم، عن ولد يهرب من أحد معسكرات الاعتقال التي نشأ فيها، وقد تُرجمت هذه الرواية من اللغة الدانماركية إلى اللغة الإنجليزية في عام ١٩٦٥، ومنذ ذلك الحين، أنتج أدب الأطفال عددًا من الكتب التي تتناول أهوال الحرب ولا سيما محرقة الهولوكوست. وقد أثارت الأعمال الأدبية التي تناولت محرقة الهولوكوست تحديدًا جدلًا كبيرًا؛ فتساءل بعض النقاد حول ما إذا كان من المناسب الكتابة عن مثل هذا الموضوع لجمهور من الصغار أم لا، لعدة أسباب منها أن فهم هذا الموضوع يتطلب تبسيطًا شديدًا حتى إن النصوص يجب أن تحرف الأحداث، كما أن مواجهة الأطفال بهذه الوحشية قد يكون أمرًا مضرًّا لهم. وذهب البعض الآخر إلى قول أنه ليس مبكرًا على الإطلاق رواية قصة الهولوكوست للأطفال؛ لأن هناك دافعًا أخلاقيًّا لإخبارهم بما حدث كوسيلة لمنع تكرار هذه الوحشية في المستقبل، وإحياءً لذكرى ضحايا الهولوكوست. ويعتبر الكتاب المصوَّر الذي كتبه المؤلف الإيطالي روبرتو إينوسينتي تحت عنوان «روز بلانش» (١٩٨٥، وتحتوي النسخة البريطانية منه على نص أعاد سرده إيان ماكيوان؛ أما النسخة الأمريكية (وهي أفضل من البريطانية) فقد تُرجمت من الإيطالية على يد مارثا كوفينتري وريتشارد كراليا) من أوائل الأعمال التي استخدمت وجهة نظر طفل يتمتع بالبراءة وتداخل الألفاظ والصور لخلق نص سردي بليغ. وهناك الكثير من الفجوات بين ما يُقال وما يُفهم من تلك القصة التي تحكي عن فتاة ألمانية تكتشف معسكر موت على أطراف قريتها، وتفعل ما في وسعها لمساعدة السجناء قبل أن تلقى حتفها خطأً برصاص القوات المنسحبة. لا تبسط رواية «روز بلانش» الأمور مطلقًا، بدءًا من حقيقة أن البطلة فتاة ألمانية طيبة، وأن مكافأتها على إنسانيتها ونكرانها لذاتها وشجاعتها هو الموت. ونجد أيضًا أن الموت هو الثمن الذي يدفعه برونو — الشخصية المحورية في رواية «الولد ذو البيجامة المخططة» (٢٠٠٦) للكاتب جون بوين — مقابل صداقته لولد يدعى شمويل، وهو سجين في معسكر الموت الذي يديره والد برونو. وبينما يؤكد إينوسنتي على براءة روز بلانش وشجاعتها ليؤكد أن هناك ألمانًا طيبين، يبرز بوين افتقار برونو للمعرفة وعجزه عن فهم الأمور التي يراها ويسمعها ليوضح أن كثيرًا من الألمان كانوا مثله غير مدركين لما يحدث. والعنوان الفرعي لرواية «الولد ذو البيجامة المخططة» يقول إنها قصة خيالية، ربما ليلتمس العذر لعدم دقة الحقائق المذكورة والأحداث التي لا تُصدَّق، والنهاية الغامضة. وفي الرواية نجد أن برونو — الذي لم يتصرف دائمًا بنبل — يتمكن من زيارة شمويل على الجانب الآخر من السياج السلكي الذي كان يفصل بينهما حتى ذلك الوقت، وينتهي به الأمر بالذهاب مع شمويل إلى غرفة الغاز. فهل تكون لحظة موته هي أكثر اللحظات التي تصرَّف فيها بحماقة، أم أكثر اللحظات التي أحسن فيها التصرف؟ إن موت برونو يدمر أسرته، لكن هل يجعله ذلك نوعًا من العدالة أو يمثل تعويضًا لمئات الآلاف من اليهود الذين أُبيدوا في المعسكر؟ هذا الكتاب أيضًا شديد التعقيد من الناحية الأخلاقية. المتاهة الأخلاقية في أدب الأطفال تنتمي روايتا «روز بلانش» و«الولد ذو البيجامة المخططة» إلى فرع متنامٍ من أدب الأطفال، والذي يُظهِر إلى أي مدًى قد يكون الصغار ضحايا للأعمال الوحشية وشهودًا عليها، وفي بعض الحالات تكون تلك الأعمال الوحشية من صنع أيديهم. رغم أن أفكار الصراع والإبادة الجماعية من الموضوعات القديمة، فإنها لا تزال حاضرة في الجدل الأخلاقي؛ والأمر نفسه ينطبق على المعرفة المحرمة. فمنذ أساطير بروميثيوس وأسطورة السقوط في جنة عدن وحتى رواية «فرانكنشتاين» (١٨١٨)، للكاتبة ماري شيلي، وما انحدر من نسلها من أعمال مماثلة، نجد أن القصص التي تحكي عواقب امتلاك البشر لمعرفة لا يمكنهم فهمها فهمًا كاملًا أو السيطرة عليها تمامًا هي عناصر أساسية في التراث الأدبي الذي نحكيه باستمرار للأطفال. ومن الأمور الحديثة التي تركز عليها هذه القصص علم الاستنساخ، وقد ظهر في أدب الأطفال جنس أدبي فرعي لا ينفك عن النمو يتحدث عن قصص الاستنساخ، ويستكشف بعض التحديات الأخلاقية التي يطرحها هذا الجانب العلمي سريع التطور. شكل ٦-٢: من رواية «الرجل» (١٩٩٢) للكاتب رايموند بريجز. يقرر الرجل دقيق الحجم الذي يقدمه بريجز ألا يتم تجاهله أو الحكم عليه بطريقة نمطية سلبية بسبب صغر حجمه. تواجه القصة أيضًا الأفكار النمطية السائدة عن النوع وتمكن الولد من اعتبار التربية والعناية سمة مشروعة من سمات الرجولة.2 وباستشراف المستقبل في الوقت الذي يمكن فيه استنساخ البشر بالكامل، ستهتم كتب الأطفال بطرح سؤالين متصلين ببعضهما؛ السؤال الأول هو: إلى أي مدًى يعتبر هذا المستنسَخ شخصًا حقيقيًّا؟ أما السؤال الثاني فهو: هل من الصواب عمل شخص مستنسخ من أجل الحصول على أعضاء وأجزاء الجسم منه لإصلاح و/أو تجديد الأعضاء والأجزاء الأصلية التي استُنسِخ منها؟ تعمد مصطلحات مثل «الحصول على أعضاء» إلى اعتبار المستنسَخ شخصًا أقل من البشر، لكن النصوص الأدبية كثيرًا ما تحاول إضفاء صفة بشرية على المستنسخ بجعله شخصية محورية. وقد يُقدَّم المستنسخ على أنه نسخة من الشخص الأصلي ليس أكثر، لكن القراء يتعرفون عليه كفرد مستقل له ذكرياته وتجاربه الخاصة. ومن هذا المنظور، يعتبر المستنسخ شبيهًا بأخ توأم أو جزء من مجموعة أجِنَّة تكوَّنت من بويضة واحدة، بدلًا من اعتباره نسخة من أصل، وطريقة التفكير هذه تشجع على التعاطف مع المستنسخ. وقد ينبع الارتباط بشخصية المستنسخ من حقيقة أنه أصغر سنًّا من الشخص الأصلي؛ ومن ثَمَّ فإنه يكون دائمًا شخصية قريبة من الأطفال. كما تتناول الروايات المعاصرة للأطفال والشباب أيضًا قضايا أقرب إلى تجربتهم وما يشغل بالهم من قضية الاستنساخ. فتشتمل الكتب للمراهقين الأكبر سنًّا الآن على قصص حول أشكال جديدة من التنمر عبر الإنترنت؛ فمثلًا نجد أن رواية «فتيات طيبات» (٢٠٠٦) للكاتبة لورا روبي، تحكي عن فتاة صوَّرتها زميلتها سرًّا وهي تمارس الجنس الفموي مع رفيقها. وانتشرت الصور عبر الإنترنت ورآها والداها ومدرسوها. في حين نجد أن شخصية المدرس هي المشكلة في رواية «الولد اللعبة» (٢٠٠٧) للكاتبة باري ليجا، والتي تحكي عن الصبي جوش الذي تعرض للإيذاء الجنسي من مدرسته وهو صغير، ويُضطَر إلى مواجهة إحساسه بالذنب والخوف عندما تخرج تلك المُدرِّسة من السجن. وعلى صعيد آخر، ينتهي الحال ببطلة رواية «البحث عن جيه جيه» (٢٠٠٥) للكاتبة آن كاسيدي — وهي الطالبة جيه جيه — في السجن بعد أن قتلت صديقتها المقربة عندما كانتا في سن العاشرة، في حين يفلت زميل ميليندا الذي اغتصبها في الحفل من العقاب في رواية «تحدثي» (١٩٩٩) للكاتبة لوري هالس أندرسون؛ لأن ميليندا تخشى فضح أمره. وفي رواية «الفتاة الميتة الحية» (٢٠٠٩) للكاتبة إليزابيث سكوت، نجد أن السجن هو مصير مختطف أليس الذي ظل يعتدي عليها على مدار خمس سنوات وهو يهددها بقتل أسرتها إذا لم تخضع لأوامره — التي من بينها إحضار فتاة أخرى صغيرة له بعد أن بدأ جسمها يدخل في مرحلة النضج — ومن ثَمَّ لا تجد أليس مهربًا منه سوى الموت. وفي رواية «برسبوليس» — وهي رواية مصورة للكاتبة مارجان ساترابي، تُرجمت في عام ٢٠٠٣ — تجد مارجان نفسها بين خيارين؛ ألا وهما موت والديها أو إلقاء القبض عليهما، فتتركهما في إيران وتبدأ حياة جديدة في أوروبا. وفي رواية «الرجل»، يستخدم الكاتب رايموند بريجز صيغة قصصية مشابهة لاستكشاف قضايا أخلاقية متعلقة بالحجم والجنس والتهميش. وتتساءل الكاتبة سوزان كولينز في ثلاثية «ألعاب الجوع» (٢٠٠٨–٢٠١٠)، عما إذا كان من المقبول قتل المنافسين من أجل أن تعيش وتعول أسرتك؟ يبدو أنه ليست هناك حدود لنوعية المعضلات الأخلاقية التي يطرحها أدب الأطفال المعاصر، أو للطرق المختلفة التي تطالب القراء بالتمييز بين ما يرغبون في فعله، وما يستطيعون فعله، وما يجب عليهم فعله. قد تشير القضايا التي يتناولها أدب الأطفال المعاصر إلى أن الفوارق التي تفصل بين الكتابة للكبار والكتابة للأطفال قليلة؛ فالفرق لا يكمن في الموضوع الذي يتم تناوله، بل في طريقة سرد القصص. وكقاعدة عامة، تميل كتب الأطفال والشباب إلى الغموض عند الإشارة إلى أفعال أو أحداث مزعجة، ويمكن للقراء ملء الفراغات وإضافة التفاصيل قدر استطاعتهم أو رغبتهم، لكن لا يُطلب منهم إطلاقًا مواجهة أمور وحشية أو إباحية. وهذه الحساسية تعد جزءًا من فهم مستمر بين المؤلفين والقراء، وبين أهل ومُدرِّسي هؤلاء القراء: ألا وهي أن أدب الأطفال سيقدم طريقة آمنة لاستكشاف الأفكار والمشكلات. من بين أول الموضوعات التي نوقشت في هذه «المقدمة القصيرة جدًّا» هو ما الذي يجعل أحد النصوص «مخصصًا» للأطفال؛ فربما تكون هذه الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بالقراء الصغار الذين ليس لديهم خبرة إلى حدٍّ ما، هي المعيار الذي يحدد ما إذا كان هذا العمل ينتمي إلى مجال أدب الأطفال أم لا. هوامش (1) © Bettmann/Corbis. (2) Published by Julia Macrae. Used by permission of the Random House Group Ltd. أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا
أنفٌ للملك في أرض كوريا ذات الصباحات الهادئة، وفي الآونة التي استحقَّت فيها بكل جدارةٍ اسمَها القديم «تشو-سون» الذي يعني السلام والسكينة، عاش سياسيٌّ اسمه «يي تشين هو». كان رجلًا متعدِّدَ المواهب، وربما لم يكن أسوأَ من باقي ساسة العالم، ولكن مَن يدري على أيِّ حال؟ غير أنه، على عكس إخوانه في البُلدان الأخرى، كان يي تشين هو يقبع في السجن. ولم يكن ذلك لأنه اختلس من المال العام؛ بل لأنه اختلس منه الكثيرَ للغاية. فالإفراط يجلب على صاحبه الأسى في جميع الأمور، حتى في الاحتيال، وإفراط يي تشين هو قد أنزل به ضائقةً شديدة ومؤسفة. كان يَدين للحكومة بعشَرة آلافٍ من العملة المحلية، وقد سُجِنَ في انتظار تنفيذ حكم الإعدام. كانت هناك ميزةٌ واحدة لهذا الموقف، وهي أنه حظيَ بالكثير من الوقت للتفكير. وقد أحسَن فيه التفكير. ونادى على السَّجَّان. شرَع قائلًا: «أيها السيد المحترم، يقف أمامك الآن رجلٌ من أتعس الرجال. بالرغم من ذلك، ستُصبح كلُّ أموري على ما يُرام إذا سمحتَ لي بالخروج من السجن هذه الليلةَ لساعة واحدة وجيزة. أمورك كلها أيضًا ستصبح على ما يُرام؛ لأنني سأحرص على أن تترقَّى في المناصب على مَر السنين حتى تصل أخيرًا إلى إدارة جميع سجون تشو-سون.» سأله السَّجَّان قائلًا: «ماذا تعني؟ ما هذه الحماقة التي تتحدث عنها؟ تريد الخروج لساعة وجيزة وأنت تقبع هنا في انتظارِ أن يُقطع رأسُك! وتريدني أن أسمح لك بذلك، بما لي من أمٍّ مُسنَّة أُجِلُّها، ناهيك عن زوجةٍ وعدَّة أطفال صغار! تبًّا لك من وغدٍ لعين!» رد يي تشين قائلًا: «ما من مكانٍ يمكنني الاختباءُ فيه؛ من «المدينة المقدسة» إلى جميع أطراف السواحل الثمانية. إنني رجل حكيم، ولكن ما قيمة حِكمتي هنا في السجن؟ لو أنني كنتُ حرًّا، فأنا متأكد من أنني كنت سأستطيع البحث والحصول على مالٍ يكفي لرد المبلغ اللازم إلى الحكومة. إنني أعرف أنفًا سيُنقذني من كل الصعوبات التي أعانيها.» صاح السَّجَّان قائلًا: «أنف!» أجاب يي تشين قائلًا: «أجل، أنف، أنف مميزٌ إذا جاز التعبير، أنف مميز للغاية.» لوَّح السَّجَّان بيدَيه في يأس. وضحك قائلًا: «آه، يا لك من بارع مضحك! وما أعجبَ أن ينتهيَ الحال بذكائك الرائع هذا على مِقصَلة الإعدام!» وبقوله هذا، استدار السَّجَّان عنه وابتعد. لكنه، في نهاية المطاف، ساذجٌ ورقيق القلب؛ فلمَّا أوغل الليل سمَح السَّجان ليي تشين هو بالذهاب. ذهب مباشرة إلى الحاكم ووجده وحده، فاستغلَّ ذلك وأيقظه من نومه. صاح الحاكم قائلًا: «هيهات أن تكون يي تشين هو؛ وإلا فلستُ بالحاكم! ماذا أنت فاعل هنا بينما ينبغي أن تكون في السجن تنتظر مقصلة الإعدام!» قال يي تشين هو وهو يجلس القُرفُصاء بجانب السرير ويُشعِل غليونه من الموقد: «أرجوك يا صاحبَ السعادة أن تستمع إليَّ. الرجل الميت لا قيمة له. هذا صحيح، أنا كرجل ميت لا قيمة لي بالنسبة إلى الحكومة، أو إلى معاليك، أو إلى نفسي. لكن، إذا افترضنا أنَّ معاليك ستمنحني حريتي …» صاح الحاكم قائلًا: «مستحيل! علاوةً على ذلك، أنت محكوم عليك بالإعدام.» استطرد يي تشين هو: «تعلم معاليك جيدًا أنني إذا تمكنتُ من سداد المبلغ الضخم الذي أَدين به، فستعفو الحكومة عني. لذا، كما أقول، إذا سمحتَ معاليك — وأنت رجل فهيم — بمنحي حريتي بضعةَ أيام، فسأدفع حينئذٍ ما أدين به للحكومة وسأكون في وضع يسمح لي أن أكون في خدمة معاليك. أعتقد أنني سأكون حينها ذا نفعٍ كبير لمعاليك.» سأله الحاكم: «هل لديك خُطة تأمُل بموجبها في الحصول على هذه الأموال؟» رد يي تشين هو: «أجل.» «فلتعرِضْها عليَّ إذن مساءَ غد؛ أما الآن فسأعود إلى النوم»، هكذا قال الحاكم واستكمل شخيره من حيث قوطِع. في الليلة التالية، وبعد أن حصل مرةً أخرى على إذنٍ بالخروج من السجان، حضر يي تشين هو، ووقف إلى جانب سرير الحاكم. سأله الحاكم: «أهذا أنت يا يي تشين هو؟ وهل لديك الخُطة؟» أجاب يي تشين هو: «أجل يا صاحب السعادة، والخطة معي.» قال الحاكم آمرًا: «تكلَّم!» كرَّر يي تشين هو: «الخطة هنا، هنا في يدي.» جلس الحاكم وفتح عينيه، وقدَّم إليه يي تشين هو ورقةً كانت في يده. فحملها الحاكم إلى النور كي يراها. قوال: «لا يوجد شيء سوى أنف.» قال يي تشين هو: «أجل، أنفٌ مقروصٌ قليلًا هنا وهناك، يا صاحب السعادة.» قال الحاكم: «أجل، مقروص قليلًا هنا وهناك، كما تقول.» تابع يي تشين هو قائلًا: «إنه أنفٌ سمين للغاية كذلك، ومن ثمَّ، فإنه كامل من كل شيء. مهما بحثتم سيادتكم عن هذا الأنف في كل حدب وصوب، ومهما استغرق بحثكم، فلن تجدوه.» أقرَّ الحاكم قائلًا: «إنه أنفٌ غير عادي.» قال يي تشين هو: «يوجد أيضًا ثُؤلولٌ عليه.» قال الحاكم: «إنه أنف غير عادي بحق. لم أرَ مثله من قبل. ولكن ماذا ستفعل بهذا الأنف يا يي تشين هو؟» قال يي تشين هو: «أبحث عنه لإعادة الأموال إلى الحكومة. أبحث عنه كي أكون في خدمة معاليكم، وأبحث عنه لإنقاذ رأسي الذي لا قيمة له. علاوة على ذلك، فأنا أطلب من معاليكم وضع ختمكم الكريم على هذه الصورة للأنف.» ضحك الحاكم ووضع ختم الدولة على صورة الأنف، وغادر يي تشين هو. قطع يي تشين هو طريقَ الملك المؤدِّيَ إلى شاطئ البحر الشرقي في شهرٍ ويوم، وحين وصل في ليلةٍ ما عند بوابةِ أكبرِ قصر في إحدى المدن الغنية، طرَق على بوابته بصوت عالٍ طالبًا الدخول. قال بعنف للخدم الخائفين: «لن أقابل سوى سيد المنزل. إنني مسافر في مهمة تخصُّ الملك.» اقتيدَ في الحال إلى غرفةٍ داخلية، وأوقِظَ سيد المنزل من نومه ليقابل زائره ووقف أمامه في ذهول. قال يي تشين هو بنبرة اتهام شديد: «أنت «باك تشونج تشانج» رئيس هذه المدينة. وأنا في مهمة تخص الملك.» ارتجف باك تشونج تشانج. كان يعلم جيدًا أن المهام المتعلقة بالملك دائمًا ما تكون فظيعة. ارتعدَت أوصاله، وكاد يجثوَ على ركبتيه خوفًا. قال بصوت مرتعش: «الوقت متأخر. ألم يكن من الجيد أن …» «ما يخص الملكَ لا ينتظر أبدًا!»، هكذا صاح يي تشين هو. وأردف: «أريد الحديث معك على انفراد، تعالَ معي بسرعة. لديَّ مسألة سريعة ينبغي أن أناقشها معك.» وأضاف بشراسة أكبر: «إنها مسألة تخص الملك»، فسقط غليونُ باك تشونج تشانج الفضِّيُّ من أصابعه المتوترة، ووقع على الأرض مقعقعًا. قال يي تشين هو بعدما صارا على انفراد: «لا بد أن تعرف أن الملك يعاني من محنة صحية، محنة صحية رهيبة للغاية. لقد فشل طبيبُ البلاط في علاجه، فلم يكن جزاؤه سوى قطع رأسه. أتى الأطباء من كل المقاطعات الثماني لرعاية الملك. أجرى الأطباء مشاورات حكيمة، وقرَّروا أن المطلوب لعلاجه أنفٌ لا غير، لكنه أنف من نوع خاص، من نوع خاص جدًّا. لقد استدعاني معالي رئيس الوزراء نفسه. وسلَّمني ورقةً في يدي. مرسوم على هذه الورقة أنفٌ شديد الغرابة رسَمه أطباء المقاطعات الثماني، وعليه ختمُ الدولة. «اذهب»، هكذا قال لي معالي رئيس الوزراء. «ابحث عن هذا الأنف؛ لأن محنة الملك موجعة. وحيثما تجد رجلًا له هذا الأنف، فاقطعه على الفور وأحضِره على وجه السرعة إلى البلاط، إذ لا بد أن يُشفَى الملك. اذهب ولا تعُد حتى تجد المنشود.» وهكذا انطلقتُ في رحلة البحث. لقد سافرت بحثًا إلى أبعدِ أطراف المملكة، وقطعتُ الطرق الثمانية الرئيسية، وبحثتُ في المقاطعات الثماني، وأبحرتُ في بحار السواحل الثمانية. وها أنا ذا.» بزهوٍ كبير، أخرج ورقةً من حزامه، وفتحها بينما صدَرَت عنها أصواتُ طقطقة، ودفعها أمام وجه باك تشونج تشانج. كانت صورة الأنف مرسومةً على الورقة. حدَّق باك تشونج تشانج فيها بعيون منتفخة. وقال: «لم أرَ مثل هذا الأنف من قبل.» قال يي تشين هو: «يوجد ثؤلول عليه.» كرر باك تشونج تشانج كلامه مرة أخرى: «لم أرَ قط …» قاطعه يي تشين هو بصرامة وقال: «أحضِر والدك أمامي.» قال باك تشونج تشانج: «إن أبي العجوز المبجَّل نائم.» قال يي تشين هو: «لِمَ تُخفي الحقيقة؟ إنك تعلم أنه أنف والدك. أحضره أمامي لأقطع أنفَه وأرحل. أسْرِع، وإلا فضحتُ أمرك.» بكى باك تشونج تشانج وهو يجثو على ركبتيه قائلًا: «الرحمة! هذا مستحيل! مستحيل! لا يمكنك أن تقطع أنف أبي. لا يمكن أن يُدفن في قبره دون أنفه. سيصبح أضحوكةً ومضربًا للأمثال، وستكون حياتي جحيمًا. أرجوك أن تفكر مَليًّا! قُلْ إنك لم تجد مثل هذا الأنف في رحلاتك. أنت أيضًا لديك أب.» أمسك باك تشونج تشانج بركبتَي يي تشين هو وخَرَّ باكيًا على خُفَّيه. قال يي تشين هو: «لقد رَقَّ قلبي لبكائك بشكل غريب. أنا أيضًا أعرف معنى بر الوالدين واحترامهما. ولكن …»، تردد يي تشين هو، ثم أضاف كما لو كان يفكر بصوت عالٍ: «إن أنفه يساوي قيمة رأسي.» سأل باك تشونج تشانج بصوت رفيع خفيض: «كم يُساوي رأسُك؟» قال يي تشين هو: «إنه رأس غير مهم. غير مهم على نحو سخيف! ولكن حماقتي الكبيرة تجعلني لا أقدِّر قيمته بأقلَّ من مائة ألف بالعملة المعدنية المحلية.» قال باك تشونج تشانج وهو يقف على قدميه: «فليكن كذلك.» قال يي تشين هو: «سأحتاج إلى خيولٍ لحمل الكنز، ورجالٍ لحراسته جيدًا في أثناء سفري عبر الجبال. يوجد لصوصٌ في كل مكان في البلاد.» قال باك تشونج تشانج بحزن: «أجل، يوجد لصوص في كل مكان في البلاد. ولكن لك ما طلبت، ما دام أبي العجوز المبجَّل لن يفقد أنفه.» قال يي تشين هو: «لا تقل شيئًا لأي شخص عما حدث، وإلا فسيُرسلون خدامًا آخرين وأكثرَ ولاءً مني لقطع أنف والدك.» انطلق يي تشين هو في طريقه عبر الجبال، وسار مبتهجَ القلب يغني بسعادة بينما يستمع إلى صلصلة أجراس الخيول التي تجرُّ العربات المحملة بكنوزه. لكن قصتنا لم تنتهِ بعد. ازدهر يي تشين هو، ولمع نجمه على مرِّ السنين. وبجهوده وصل السجان أخيرًا إلى منصب إدارة جميع سجون «تشو-سون»، ونجح الحاكم في الوصول إلى «المدينة المقدسة» ليكون رئيس وزراء الملك، بينما أصبح يي تشين هو رفيقَ الملك المقرب ونديمَه حتى آخرِ حياته السمينة المترَفة. أما باك تشونج تشانج، فقد حلَّت به الكآبة، وكان كلما نظر إلى أنف والده العجوز المبجَّل الباهظِ الثمن، هزَّ رأسه حزنًا والدموع في عينيه. أنف للملك
كلمة لا بد منها لأول مرة أُحِسُّ بأنني أُقدِّم شيئًا نفيسًا للقارئ العربي. ولأول مرة أجدُني فخورًا بتقديم هذا السِّفْر الثمين الرائع. ولعل القارئ يُدرِك لأول وهلةٍ مقدار الجهد الذي بذلتُه في نقل هذا التراث الخالد من لغته الأصلية نقلًا لا يرقى إليه الشك، في ثوبٍ لا يقل عن ثوبه الأصيل جمالًا وروعة. ولكم يُسعِدني أن أكون أوَّل مصري، بل أوَّل عربي، قد أوفى هوميروس، ذلك الشاعر الفريد، حقَّه علينا، بأن ترجمتُ له ملحمتَيه الأزليتَين السرمديتَين! ومما لا شك فيه أن كُلَّ من سَبَق له أن قرأ «الإلياذة» مترجمةً عن النص اليوناني ضمن «مطبوعات كتابي» المشهورة، لَيتحرَّق شوقًا إلى قراءة «الأوديسة» أيضًا مترجمة عن مصادرها الأصلية وعن اللغة التي كتبَها بها هوميروس، فَلْتةُ زمانه وكلِّ زمان حتى هذا الأوان. ولستُ مُكبرًا أو مُعظمًا هذا المجهود بدون وجه حقٍّ أو استحقاق، ولكنني أُدرِك ما أقول، وأستبين خطورةَ ما أجاهر به من أن ترجمتي لإلياذة هوميروس فيما مضى، ثم ترجمتي اليوم للأوديسة لنفس هذا الشاعر الجبَّار لتُعَد في حدِّ ذاتها ووحدها، في تاريخ المكتبة العربية والنهضة الفكرية الشرقية، حدثًا جللًا خطيرًا لا يمكن لأحد أن يغُضَّ الطرف عنه أو أن يدَعَه يمُر عليه مَرَّ الكرام. وليس هوميروس الشاعر، كسائر الشعراء، ولا هو كأيٍّ من الأدباء أو القصصيين، بل يفوقهم الكثير، ويفوقهم بما هو أكثر من الكثير. ولئن كان هوميروس يحتل بين الشعراء المكانة الأُولى منذ الأزل حتى اليوم، فإن ملحمتَيه «الإلياذة» و«الأوديسة» لتحتلَّان كذلك الصدارة من دون ما وصلَنا حتى عصرنا من ملاحمَ وقصصٍ رائعة. هذه إذن «أوديسة» هوميروس، ملحمة هذا الشاعر الفطحل، وهي قصةٌ شعرية بل ملحمةٌ قصصية راسخةٌ متينة البنيان، مكينة الأركان، تُصوِّر لنا أمورًا لها العجب العجاب، وترسم لنا أحداثًا يشيب لهولها الولدان، وتحمل إلينا أجواءً مفعمة بالعجائب والغرائب تبهرنا بروعتها، فتُزهق أرواحنا حينًا، وتبعث الأنفاس فينا طورًا. البطل أوديسيوس أوديسيوس. طوفان من الوقائع والروائع في خِضَمٍّ من الأحداث الممتعة الشيقة يقوم بها بطلٌ من أمجد أبطال الإغريق، ومن أكثرهم براعةً في الأعمال وجسارةً في القتال ومهارةً في الخداع والاحتيال. هذا هو «أوديسيوس» Odysseus أو «أولوسيس» Ulysseus أو «أوليكسيس» Ulyxes أو «أوليكسيس» Ulixes، ابن لايرتيس Laertes ملك «إيثاكا» Ithaka و«أنتيكليا» Anticlea الذي تزوَّج بينيلوبي Penelope وأنجب منها ابنًا اسمه تيليماخوس Telemachus. نعم، هذا هو أوديسيوس — كما كان يُحب الأغارقة أن يُسمُّوه — أشهرُ أبطال الإغريق الصناديد؛ لأنه كان يفوقُهم في الصيت وبُعد الشهرة. إصابة أوديسيوس ولأوديسيوس هذا — في شبابه — حكاية؛ فقد حدث أن التقى بخنزيرٍ بَرِّي أثناء الصيد الذي اشترك فيه ذات يومٍ عند زيارة جدَّيه في بارناسوس Parnassus فجرحه الخنزير في ركبته أثناء صراعه معه، فترك هذا أثرًا في جسمه. قوس أوديسيوس أوديسيوس يحمل قوسه المشهور. واشتُهر أوديسيوس أيضًا بقوس له قصة، كان أبوه قد أرسله إلى لاكيدايمون Lecedaemon في سفارة، فأهداه صديقه المُضيف «إيفيتوس» Iphitus قوس «يوروتوس» Eurytus المشهور الذي ساعدَه في مناسبات طيبة. وبعد مُضي عدة سنواتٍ قام أوديسيوس برحلةٍ ثانية ليحصُل من ورائها على سُمٍّ لسهامه، طاف فيها حتى وصل «بافوس» Paphos لأن صديقًا له يُدعى «إلوس» Ilus كان يسكُن عن قرب، رفض الظعن خوفًا من الآلهة. دور أوديسيوس في زواج هيلينا وكان أدويسيوس في ذلك الحين، أو قُبيل ذلك، قد انضم إلى جماعة خُطَّاب «هيلينا» Helen الذين وافقوا جميعًا على فكرة أوديسيوس بأن يتركوا لهيلينا، أفتَنِ نساء عصرها، حريةَ اختيار زوجها، وأن يَحْموها في المستقبل وقتَ الحاجة. ولكم تَمنَّى أوديسيوس أن يتزوَّج هيلينا هذه؛ فقد كانت في عيونه حلوةً كالشهد، بيد أنه لم يُوفَّق كما لم يُوفَّق غيره من المتقدمين للزواج منها، ولكنه عزَّى نفسه بزواجه السابق من بينيلوبي اللبيبة الغنية. وإلى هذا كان عليه أن يجنح إلى حياةٍ سهلةٍ خالية من الهموم، فكان سعيدًا وملكًا قادرًا شهيرًا معروفًا بكرمه واحترامه للآلهة وخاصة زوس، كبير الآلهة، وأثينا، ربة الحكمة. زوجة أوديسوس كانت بينيلوبي، إذن زوجة أوديسيوس بطل الأبطال، فمن هي بينيلوبي هذه؟! كانت بينيلوبي ابنة «إيكاريوس» Icarius والحورية «بيريبويا» Periboea، أنجبَت بعد زواجها من أوديسيوس ولدًا اسمه «تيليماخوس». كان قد تقدم الكثيرون إلى بينيلوبي وهي عَذْراءُ يطلبون يدها، ولكن والدها رفض أن يُزوِّجَها إلا لمن يفوز في سباقٍ على الأقدام، ففاز أوديسيوس إلا أن إيكاريوس أراد أن يحنث في وعده، فاقترح أوديسيوس أن يُترك الأمر لبينيلوبي تفصل فيه، فأبدت رغبتها في أن تذهب معه بعد أن أخفَت حُمرة الخجل تحت النصيف. وعندما سافر أوديسيوس إلى الحرب الطروادية كانت بينيلوبي لا تزال فتاة في ريعان الصبا، كما كان تيليماخوس طفلًا، فانتظَرتْه عشرين عامًا استغرقَت الحرب منها عشر سنين، وكان يتجوَّل أوديسيوس في العشر سنين الأخرى. العشاق ينهبون وبينيلوبي تخدعهم وليس غريبًا أن يكون قد التفَّ حول منزل بينيلوبي، إبَّان غياب بعلها، كثيرٌ من طالبي يدها وراغبي الزواج منها، ثم راحوا يُجرِّدونها من أملاكها، ويُنغِّصون عليها عيشتها، قائمين في منزلها ليلَ نهارَ آكلين وشاربين، ينتظرون كلمتها ورضوخها للزواج من أحدهم. تيليماخوس مع أمه بينيلوبي بجوار المنسج. وقد أفلحت بينيلوبي، المخلصة في مراوغتهم ثلاث سنوات بأن احتجت بأنها لا بد وأن تنسج كفنًا للايرتيس والد أوديسيوس العجوز، ثم تَفصِل في الأمر بعد أن يتم، ولكنها كانت تحلُّ بالليل ما تنسجُه بالنهار. وأخيرًا وشى بها خدامها وأطلعوا راغبي الزواج على حيلتها، وتحرَّجَت الحال لآخر درجة، حتى عاد أوديسيوس في ثوبِ سائلٍ، فتعرَّفَت عليه زوجته مستعينةً بعدة علامات، وابتهجَت بعودة أوديسيوس ورجوع سعادتها وهنائها. كيف صوَّر الشاعر زوجة البطل؟ كانت بينيلوبي إذن تُعتبَر مثال الزوجة المخلصة التقية، الصالحة الوفية التي صوَّرها هوميروس في الأوديسة كامرأةٍ رائعة الجمال حميدة الخصال، كريمةٍ ذكية فطنة وفية، محبة لزوجها وابنها مُحتَرمة في بيتها، ماهرة في الفنون التربيبية، تتحمل المصائب بجلد وروية، رقيقة الإحساس مُوقَّرة بين الناس. أوديسيوس يتظاهر بالجنون هيلينا وباريس. نعود الآن إلى المغوار أوديسيوس لنذكُر لك شيئًا عن مغامراته وأحاييله. لما خطَف «باريس» Paris «هيلينا» من زوجها «مينيلاوس» Menelaus، قامت الحرب الطروادية. وبالرغم من محاولات أوديسيوس السابقة لحماية مصالح هيلينا وزوجها، كان غيرَ راغبٍ في الذهاب إلى الحرب، فتظاهَر بالجنون وصار يحرُث مع الحيوانات التي لا يمكن وضع النِّير فوق أعناقها، وأخذ يبذر الملح كأنه يبذر بذورًا، ولكن «بالاميديس» Palamedes أحد أبطال الإغريق، أدرك هذه الحيلة واتهم أوديسيوس بادعاء الجنون، وبرهَن على صحة قوله بأن وضَع تيليماخوس — ابنه الوحيد — في طريق المحراث ليرى هل سيتفادى أوديسيوس ابنه. وترتب على ذلك أن ذهَب أوديسيوس إلى الحرب تطنُّ في آذانه النبوءة المحزنة القائلة بأنه سوف لا يرجع إلى بلده إلا بعد عشرين عامًا، ويكون وحيدًا مُعوِزًا مجهول الشخصية فاقدًا جميعَ سُفنه ورفاقه. حرب طروادة والآن، ما الدور الذي لعبه أوديسيوس في تلك الحرب الضروس التي قامت في «طروادة» Troy واستَمرَّت عشر سنواتٍ من أجل الملعونة هيلينا؟! عندما احتشدَت السفن بالقرب من طروادة كانت سُفنُ أوديسيوس الاثنتا عشرة في وسط الصف عند الشاطئ حيث كان مركز القيادة العامة. وكان أوديسيوس أحد الرؤساء العظام في هذه الحرب الذين اتصفوا بالقوة والإقدام وسرعة العَدْو. وكان أشهَر رجلٍ في استخدام القوس بعد «فيلوكتيتيس» Philoetetes، وكان هو المسئول عن النصر والدفاع العنيف ساعة اليأس، وبالأخص في المشورة؛ إذ كان أحكَم الجميع في وضع الخطط، وأكثرهم فصاحةً وقوة إقناع؛ ولذا كان سفيرًا جديرًا ورجلًا عظيمًا يقضي على الخلافات ويُسوِّي الأمور التي تنشب بين الإغريق بدهائه وقوة تفكيره؛ فهو الذي أعاد خروسايس Chryseis ثانيةً إلى أبيها بناءً على رغبة «أجاممنون» Agammemnon أكبرِ قادة الإغريق. أوديسيوس يتدثَّر في ملابس النساء وقبل أن ينضم «أخيل» Achilles إلى قوات طروادة كان من مهام أوديسيوس البحث عن أخيل وحثُّه على المجيء بعد أن كان مختفيًا في قصر «اللوكوميديس» Lycomedes متنكرًا في ملابس النساء تبعًا للخطة التي دبَّرتْها أمه كي تحول بينه وبين الموت الذي ينتظره في طروادة، فاخترق أوديسيوس باب القصر في زيِّ بائعٍ وعرض على السيدات أسلحةً بين السلع الأخرى التي تجذب رغبة النساء، فأُعجب أخيل بالأسلحة، وبذا كشف عن شخصه، واضطرَّ إلى مصاحبة أوديسيوس مع «أجاكس التيلاموني» Ajax the Telamonian للحصول على درع أخيل ففاز به. البطل هرقل. كما أحضر «نيوبتوليموس» Neoptolemus بن أخيل إلى الحرب ليعمل محل أبيه، وأقنع «فيلوكتيتيس» أن يدخل الحرب بعد أن صار معلومًا أنه لا يمكن الاستيلاء على طروادة إلا بسهام هرقل Hercules التي في حوزته، فتنكَّر أوديسيوس في ثوبٍ بالٍ لأحد العبيد، ودخل طروادة مع ديوميديس Diomedes كجاسوس، ونجح في حمل البالاديوم Palladium، وكان تمثالًا لأثينا. حصان طروادة حصان طروادة. وإلى أوديسيوس يرجع الفضل في بقاء المدينة يُخيِّم عليها السلام طُول مدة إقامته فيها. كما يرجع إليه الفضل أيضًا في سقوط المدينة أخيرًا؛ إذ هو الذي وضع خطة الحصان الخشبي، وقاد بنفسه جماعة المحاربين المختبئين داخله، وساعد في الاستيلاء على هيلينا وأفلح في إرجاعها دون أن يلحقها أدنى ضرر، إلى مينيلاوس. عودة أوديسيوس من حرب طروادة بولوفيموس العملاق وحيد العين. أوديسيوس أسفل الكبش. وهكذا انقضَت عشر سنين على غياب أوديسيوس عن وطنه، وبعد ذلك ابتدأَت العودة إلى إيثاكا Ithaka التي اتخذها هوميروس موضوعًا لأوديسته Odyssey، فكانت أعظَم وأوَّل الأشعار الحماسية مكانة. رسا أسطول أوديسيوس في أول الأمر تكتنفه الرياح والأعاصير عند «إسماروس» Ismarus مدينة «الكيكونيين» Ciconians الذين قتلوا عددًا من رجاله دفاعًا عن أنفسهم من النهب والسلب. وبعد ذلك هبَّت ريحٌ شمالية عاتية استمرَّت عدة أيامٍ، فدفعَت الأسطولَ بعيدًا إلى بلاد قومٍ يأكلون اللوتس، وبمجرَّد رسُوِّهم أرسل أوديسيوس إلى السكان ثلاثةَ سُفراءَ من رجاله. فاستقبلوهم بكل حفاوة وقدَّموا إليهم طعامًا من اللوتس كان تأثيره عليهم أن أفقدَهم كل حنينٍ إلى الأهل والوطن، فلما لاحظ أوديسيوس الخطر المُحدِق به وبرجاله أمرهم أن يتعلَّقوا بالسفن ثانية، فأبحروا حيث وصلوا إلى بلاد «الكوكلوبيس» Cyclopes، وهم عمالقة ليس لهم إلا عينٌ واحدة، يقطنون المغارات ويَرعَون الأغنام، فرسَا على شاطئهم وخرج هو واثنا عشر رجلًا من زملائه الأشداء يجوسون خلال البلاد، فوجدوا كهفًا لأحد الكوكلوبيس يُدعى بولوفيموس Polyphemus الذي عندما رآهم في كهفه أمسك باثنَين منهم، وطرحهما أرضًا وابتلعَهُما، وحبس البقية في الكهف، ووضع حجرًا ضخمًا على مدخله ليمنع خروجهم، ولكن أوديسيوس تغلَّب عليه بدهائه، فأعطاه جرعاتٍ كبيرة من خمرٍ شديدة التأثير كان قد أحضَرها معه. ولما نام من فعل الخمر وضع أوديسيوس قضيبًا هائلًا في النار حتى استعر، وفقأ به عين بولوفيموس الذي هام على وجهه يصرخ داخل الكهف وهو في سكرة الموت مناديًا زملاءه لنجدته، فلما لبَّوا نداءه وسألوه عما أصابه أجابهم أن نومان Noman يقتله (ومعنى نومان «لا أحد») إذ كان أوديسيوس أخبره بأن اسمه «نومان» فتركوه وانصرفوا قائلين إذا كان لا أحد يقتلك فلا بُد وأن يكون ذلك فِعْل الآلهة، وهذه هي النهاية آتية من عند زوس. ولما قاد بولوفيموس الأعمى أغنامه في الصباح، ربط أوديسيوس زملاءه تحت بطونها وهرب هو شخصيًّا بأن اختبأ تحت جسم كبشٍ كبير، وبذلك أفلَت هو وزملاؤه من العملاق الذي كان يتحسَّس ظهور جميع الأغنام وهي خارجة من باب الكهف. ولمَّا ركبوا سفنهم أخذوا يُجدِّفون بسرعة، ولكن أوديسيوس لم يُطِق كتمان شخصيته عن العملاق فنادى بأعلى صوته وأعلن اسمه الحقيقي للعملاق، فتَميَّز الكوكلوب من شدة الغيظ، وألقى بصخرةٍ هائلة نحو السفينة فأخطأها. لعنة الكوكلوب تنزل على أوديسيوس بوسايدون (إله البحر). الساحرة كيركي والخنازير. هيرميس (رسول الآلهة). السيرينيس. فصلَّى الكوكلوب الأعمى إلى أبيه بوسايدون Poseidon، رب البحر، أن يعاقب أوديسيوس فلا يعيده إلى وطنه، وإن سمح له بالرجوع إلى وطنه، فليَصِل وحده وبعد كل مشقةٍ وعناء، وتُلاقيه صعابٌ هناك. اقترب أوديسيوس بأسطوله من جزيرة أيولوس Aeolus، ملك الرياح، الذي أكرمهم عنده شهرًا. وعند رحيلهم سلط عليهم ريحًا مواتية لتشُق طريقَهم إلى الوطن، بينما حجز جميع الرياح والزوابع المضادَّة في حقيبة من الجلد، وأعطاها لأوديسيوس ليحتفظ بها حتى يصل إلى وطنه. ولمَّا صاروا قاب قوسَين أو أدنى من أرض الوطن فتح البحَّارة الحقيبة في أثناء نوم أوديسيوس، فجرفَتْهم الأعاصير إلى أيولوس ثانية، فلم يستقبلهم هذه المرة. فأبحروا بصعوبة حتى وصلوا إلى بلاد اللايستروجونيين Laestrygonians التي جذَب ميناؤها إحدى عشرةَ سفينةً فوَلجَتْه. أما أوديسيوس فقد ظل خارج الميناء، وكان حرصه هذا سببًا في نجاته؛ لأن السكان المتوحشين آكلي لحوم البشر أغرقوا جميع السفن الأخرى، وقتلوا رجالها، فنجا أوديسيوس بسفينته. فلما وصل إلى جزيرة إيايا Aeaea حيث كانت تَحكُم الساحرة كيركي Circe أرسل أوديسيوس رجاله لاستكشاف الجزيرة، فحوَّلَتهم كيركي إلى خنازير، ولكن قائدهم يورولوخوس Eurolochus شك في أمرها فلم يذُق طعامها السحري، وبذا نجا وأخبر أوديسيوس بالأمر، فخَفَّ في الحال لنجدة رفقائه، فقابله هيرميس Hermes، رسول الآلهة، في الطريق وأعطاه نباتًا واقيًا من السحر، فتحصَّن به وذهب لمقابلة كيركي شاهرًا سيفه وهدَّدها بالموت إن لم تُطلِق سراح رجاله، ففعلت ذلك وما هو أكثر من ذلك؛ إذ استقبلَتْهم جميعًا. وبهذا استمالت أوديسيوس فظل بجوارها عامًا. وأخيرًا حضَّه زملاؤه على الرحيل أولًا لزيارة بلاد الكيمبريين Cimbri وهي جزء من مملكة بلوتو Pluto، رب الجحيم، لاستشارة النبي تيريسياس Teirisias عن مستقبله. وكان عليه أن يركب البحر كي يقوم بهذا، وأن يترك سفينَته تحت رحمة الرياح تسوقُها أينما شاءت. فعل ذلك وحَطَّ رحاله، وحفر خندقًا يجري فيه دم الحيوانات التي نَحرها ذبيحةً للآلهة، فتجمَّعَت أرواح الموتى لتشرب من الماء، فسمح أوديسيوس لتيريسياس أن يشرب فاسترجع قدرته على الحديث وتَفوَّه بالنصائح والمعلومات المطلوبة، ثم شربَت والدة أوديسيوس حتى صارت قادرةً على إطلاعه على حالة الوطن السيئة، كما تكلم معه كثيرٌ من أولئك القُوَّاد الأبطال الذين ماتوا في حرب طروادة؛ ومن ثَمَّ عاد أوديسيوس إلى كيركي، وأقلع إلى وطنه هو وجميع رفاقه، فسار بمركَبه حِذاءَ الساحل حيث غنَّت السيرينيس Serines تُغوي الرجال إلى هلاكهم، فأراد أن يستمع إلى أغنياتهن رغم تحذير كيركي جميع رجاله، إلا أن أوديسيوس أغلق آذانهم بالشمع وأمرهم أن يُجدِّفوا عَبْر السيرينيس، ورغم أنها جذَبَتْه كثيرًا كما جذَبَت الرجال الآخرين إلا أنه نجا. أوديسيوس وسط وحوش البحر أوديسيوس وسكولا. هيليوس (إله الشمس). بلوتو (رب الجحيم). أما المغامرة التالية فقد أودت به خلال مضيقٍ يقوم على أحد جانبَيه حيوانٌ مخيف يُسمَّى خاروبديس Charybdes، غاطسًا في البحر ثلاثة أيامٍ بالقرب منه وفوق ظهره جميع السفن. كما تقوم على الجانب الآخر سكولا Scylla التي لا تقلُّ بشاعةً عن الوحش، وكانت تبتلعُ كل من يصل إليها برءوسها الكثيرة، فتتبَّع أوديسيوس تعليمات كيركي، وبذلك صان مركبته من خاروبديس، ولكنه أبحر بالقرب من سكولا كثيرًا، ففقَد ستةً من رجاله استطاع الوحش أن يمسك بهم أمام عينَي رأسه. ووصلوا بعد ذلك إلى ثريناكيا Thrinacia حيث كانت تَحجز ماشيةُ هيليوس Helius الشمس. وكان أوديسيوس على وشك الرحيل لو لم تُحذِّره كيركي وتيريسياس بأنه إذا قتل هذه الحيوانات المقدسة يجلب على نفسه عقابًا قاسيًا، ولكن رجاله طلبوا أن يستريحوا فترةً؛ إذ كانوا في حالة يُرثَى لها من شدة الإعياء والتعب، ووعدوه ألا يمسُّوا شيئًا منها، فوافق أوديسيوس. غير أن الرياح المضادة حالت بينهم وبين الإبحار مدةً طويلة حتى نفدَت مئونتهم، فانتهزوا فرصة نوم أوديسيوس ذات يومٍ وذبحوا بعضًا من الماشية وأقاموا وليمة، فتألَّم هيليوس من هذا التصرُّف واشتكى إلى زوس أمام الآلهة وطلب إنزال العقوبة بهم، فلما ظعن أوديسيوس في النهاية، أرسل زوس عليهم ريحًا صرصرًا عاتية حطَّمَت المركب، وأغرقت جميع الرجال ما خلا أوديسيوس لبراءته، فأمسك بحُطام السفينة وحملَتْه الأمواج إلى خاروبديس مرةً ثانية، غير أنه استطاع النجاة من شره بصعوبةٍ بأن تعلَّق بشجرة عند حافة الماء ثم جدَّف بيدَيه مستندًا إلى كتلةٍ خشبية، وبعد أيامٍ قذفَتْه الأمواج إلى ساحل أوجوجيا Ogygia جزيرة كالوبسو Calypso، فاستقبلَتْه الحورية بكل ترحاب، ثم هامت بحُبه وأبقَتْه معها مدةً تزيد على سبع سنوات، ثم اشتاق إلى وطنه وكانت تنقصه السفينة والملاحون، فحاولَت هي أن تَثنيَه عن عزمه بأن وعدَتْه الخلود والشباب الأبدي إن بقي معها، ولكن لم يُجدِ ذلك فتيلًا. وأخيرًا تشفَّعَت له أثينا عند زوس فأرسل هيرميس يأمر كالوبسو بمساعدته في الرحيل، فاشتركَت معه في بناء زورقٍ سطحي، وأمدَّتْه بالمؤن اللازمة للرحلة، فظل يُبحِر عدة أيام حتى لمحه بوسايدون من بعيد وأحدث زوبعةً هشَّمَت زورقه. وفي هذه المحنة قدَّمَت إليه ليوكوثيا Leocothea حورية البحر، وشاحًا لفَّه حول وسطه فساعده كثيرًا؛ إذ استطاع أن يسبح به ثلاثة أيام تقريبًا حتى وصل أخيرًا إلى شواطئ سخوريا Schyria، أرض الفياكيس Phaeaces. وكان هذا الشعب المسالم القريب الوصول إلى الآلهة، شعبًا مهنته الإبحار وديدنه فنون البحر، وكانت لسفنه سرعة الطيور ولا تحتاج إلى مُرشدٍ يقودها؛ إذ إن السفن نفسها لم تنقصها الفطنة. ناوسيكا تنقذ أوديسيوس استلقى أوديسيوس منهوك القوى من جرَّاء كفاحه العنيف مع الأمواج، فوق كَومةٍ من أوراق الأشجار بين الأعشاب، فجاءت في ذلك الوقت ناوسيكا Nausica ابنة الملك إلى الشاطئ تصحبها خادمتها كي تغسل ملابسها، وكانت أثينا قد أمرتها في حُلمٍ أن تذهب هناك؛ لأنها أرادت منها مساعدة أوديسيوس، فأقلق حديثُهن أوديسيوس وتقدَّم إليهن يطلب المساعدة، فأزعجهن منظره، ولكن توسلاته حرَّكَت ناوسيكا فوعدته بحماية والدها، وأعطته ملابس جديدة استقبله بها الملك ألكينوس Alcinous، وبعد أن عَرضَ أمام الملك شجاعته الرياضية في المباريات، عاد إلى القصر ثانيةً واستمع إلى أنشودة ديمودوكوس Demodocus المُغنِّي الأعمى الذي ظل يتغنى بحصان طروادة الخشبي، فحرَّكَت الأغنية مشاعر أوديسيوس، فبكى أوديسيوس وأطلعَهم على اسمه الذي كان معروفًا لهم منذ زمنٍ طويل، وبناءً على رغبة الملك أعاد أوديسيوس على مسامعه ذكريات مغامراته، وتحقيقًا لتوسلاته الملحَّة أُرسِل إلى وطنه على ظهر سفينة وقفت به عند إيثاكا ثم أبحرت، ولكن بوسايدون في ثورة غضبه حوَّلَها إلى حجرٍ وثبَّتَها في البحر كجزيرةٍ صخرية. عودة أوديسيوس إلى وطنه يوروكليا تغسل قدمي أوديسيوس. وهكذا بعد مرور عشرين عامًا عاد أوديسيوس ثانية إلى وطنه الأصلي، بَيْد أن مخاطراته لم تكن قد انتهت بعدُ، فلما استيقظ جاءت إليه أثينا وحذَّرتْه بأن كثيرًا من شبان الوطن المتقدمين للزواج من بينيلوبي، يقومون بإدارة الوطن في بيته بدلًا من بينيلوبي نفسها وابنها تيليماخوس، ثم حوَّلَت الربَّة شكلَه إلى شحَّاذٍ يلبس أسمالًا بالية لكي تحميه، فذهب في زيِّه هذا إلى كوخ يومايوس Eumaeus راعي خنازيره الأمين، فاستقبله ولو أنه لم يتعرف عليه. وعند ذلك جاء تيليماخوس عائدًا من رحلته الطويلة التي كان يبحث فيها عن معلوماتٍ عن والده، فكشف أوديسيوس القناع عن حقيقة شخصه، ووضعَا معًا الخطة التي يمكن بها استرجاع الحكم. وفي اليوم التالي ذهب في حُلَّته البالية إلى بيته حيث لم يتعرَّف عليه أحد غير كلبه العجوز «أرجوس» Argos الذي مات من الفرح عند مقابلة سيده. أما المتقدِّمون للزواج من بينيلوبي فسخروا منه، ولكن بينيلوبي أحسنَت استقباله، وأمرت خادمتها المُسنَّة يوروكليا Euryclia أن تغسل قدمَي الغريب. وفي أثناء قيامها بغسل قدمَيه اكتشفَت العلامة القديمة التي كان الخنزير الوحشي قد تركَها فيه منذ عدة سنوات، وبذلك تعرَّفَت عليه. مباراة تنقلب إلى مذبحة يوروكليا تتعرف على أوديسيوس. وبأمرٍ من أثينا اقترحت بينيلوبي إقامة مباراة بين طالبي الزواج منها، وجعلَت من حق الفائز أن يتزوجها؛ لأنها ظنَّت كما ظن الناس جميعًا أن أوديسيوس قد لقي حتفه؛ لأنها حتى هذه الآونة كانت تُنحِّيهم بنسيجها؛ إذ اتفقت أن تتزوج بعد أن تنتهي من ذلك النسيج. وكانت تنسج بالنهار قليلًا ثم تعود بالليل فتحُل ما نسجَتْه. وفي النهاية اكتشف المتقدمون للزواج منها حيلتها، فاقترحت عليهم أخيرًا أن يحاول كل واحدٍ منهم شد وتَر قوسِ أوديسيوس الشهيرة ثم يطلق به سهمًا خلال اثنتَي عشرة حلقةً متراصة في صفٍّ واحد، فوافق الجميع إلا أنه لم يتمكَّن أحد من تركيب الوتر للقوس، فأعطى تيليماخوس الشحَّاذ فرصةً كي يُجرِّب حظه وسط ضحك وسخرية المتقدمين للزواج، فإذا بأوديسيوس يُركِّب الوتر بمنتهى السهولة إلى قوسه ويقذف بالسهم خلال الحلقات، ثم انتقى سريعًا هدفًا آخر وسدَّد سهمًا إلى أكثر المتقدمين للزواج سفاهةً فأرداه قتيلًا، فأسرع الجميع يبحثون عن أقواسهم وعُدَّتهم التي سبق أن أخفاها تيليماخوس، ثم حاولوا الهروب، بيد أن الأبواب كانت مُغلَقة. وبذلك تمكن أوديسيوس وتيليماخوس وراعي الخنازير بمساعدة أثينا من قتل جميع المتقدمين للزواج، ولكن بينيلوبي حتى هذه اللحظة لم تكن تثق بأنه هو أوديسيوس حتى تبيَّنَت شخصيته تمامًا عندما قَصَّ عليها أسرارًا كانت تعرفها هي وحدها. وواجه أوديسيوس حربًا أخرى عندما جاء أقارب المتقدمين للزواج كي ينتقموا منه فهزمهم وأقام صرح السلام. ولو كان لنا أن نؤمن بقول تيريسياس فإن أوديسيوس عُمِّر طويلًا، ومات أخيرًا في وطنه في هدوء وسلام. ••• هذه كلمةٌ جامعة لهذا العمل الذي بين يدَيك، وعُجالة تكشف لك دعامات القصة التي أنت بصدد قراءتها، مع تصويرٍ لأبرز أحداثها. ••• بيد أنه لا تثريب عليَّ لو وجدتَني أنتقل من هذه العُجالة إلى موضوعٍ آخر، إلى هوميروس نفسه، إلى الشاعر الذي ترجمنا لك أشعاره في لذةٍ تفوق الوصف؛ فمما لا شك فيه أنه جديرٌ بعنايتنا وبالغ اهتمامنا. الأوديسة
مولد هوميروس تُواجهنا صعوبةٌ في تحديد التاريخ والعصر اللذَين عاش فيهما هوميروس. وفي الواقع ليست هناك أيةُ تواريخَ محدَّدة لمولده أو لمماته. والسبب في ذلك يرجع إلى افتقارنا الشديد إلى تاريخٍ ثابت حقيقي جاء ذكره في أيٍّ من ملحمتَيه أو في أي مؤلَّفٍ من مؤلَّفات معاصريه، ولأن باحثي الآثار كذلك لم يتركوا لنا ما يشير إلى هذه التواريخ؛ إذ أغفَلوا ذكر البيانات الزمنية التي يمكننا أن نستند إليها؛ ولذا فأيةُ محاولةٍ منا لتحديد العصر الذي عاش فيه هوميروس لا بد وأن تكون محاولةً قائمة على عنصر التخمين والحدْس لا تعطي القارئ نتيجةً حتمية بل نتيجة تقريبية. هوميروس. ومع ذلك فهناك حقيقةٌ سافرة وهي أن تاريخ هوميروس يمكننا أن نربطه بتاريخ شاعرٍ آخر يُدعى هسيود Hesiod يقول البعض إنه عاش قبل هوميروس، كما يقول فريقٌ آخر مثل هيرودتس Herodotus المؤرخ اليوناني الشهير إنه وهوميروس عاشا في عصرٍ واحد؛ أي إنهما متعاصران. بيد أن هناك من يقول إن هسيود عاش في عصر يلي عصر هوميروس. وأصحاب هذا الرأي الأخير من أمثال فيلوخوروس Philochorus وإكسينيفون Xenephon وبوسيدونيوس Posidonius يؤيِّدون رأي النقاد الإسكندريين، فأيهم يحق لنا أن نُصدِّق؟ أما الذين يعتقدون بأن هسيود عاش في عصرٍ سابق لعصر هوميروس فيؤيدون وجهة نظرهم قائلين إن هسيود عاش في بداية حكم الملك أركسيبوس Arxippos في حين أن هوميروس عاش في نهاية حكم هذا الملك، وبذا يضعون هسيود قبل هوميروس بثلاثين عامًا تقريبًا، ولكنَّ هناك دليلًا قاطعًا يُثبِت خطأ رأي هذا الفريق؛ إذ كيف يُحدِّثنا هسيود في منظومته «الأعمال والأيام» Works and Days عن عصر الأبطال، ذلك العصر الذي جاء ذكره فقط في منظومتَي هوميروس؟ كيف تأتَّى له أن يذكُر لنا ذلك العصر بالتفصيل فيُشوِّه بذلك حلقة العصور كما حاول أن يُصوِّرها هو لنا، فيُحدِّثنا عن عصر الأبطال الذي أبدع هوميروس في الحديث عنه؟ أما الذين يميلون إلى الاعتقاد بأن هوميروس عاش في عصرٍ سبق عصر هسيود فمنهم من يرى أنه عاش قبله بقرنٍ واحد من الزمان، وبذا يُحدِّد له عام ٨٥٠ إلى ٨٣٥ق.م.، ويؤيد هذا الرأي العالم كروازيه Croiset بقوله: إنه من المستحيل أن يكون هوميروس قد عاش بعد عام ٨٥٠ق.م. ويدعم رأيه قائلًا: إن أثَر الأشعار الهومرية كان واسعًا شاسعًا، وشهرتها كانت قد وصلت الآفاق البعيدة في الوقت الذي كانت فيه المنظومات الهسيودية لا تزال في دور الوضع أو قد شارفَت النهاية؛ ولذا لا يمكن إزاء هذا أن يكون هسيود قد عاش بأية حالٍ قبل نهاية العصر الهومري. ولئن أخذنا برأي الذين يُخبرون بمعاصرة هسيود لهوميروس، لاستطعنا أن نُحدِّد لكليهما تاريخًا معينًا، فهيرودتس أحد الذين يدينون بهذا الرأي يقول: إن هوميروس وهسيود عاشا في عصرٍ يسبق عصره بأربعمائة سنة تمامًا. ولمَّا كان هيرودتس قد وُلد عام ٤٨٤ق.م.، ومات عام ٤٣٠ق.م.، إذن فلا بد وأن شاعرَيْنا قد عاشا في الفترة بين ٨٨٤ و٨٣٠ق.م.؛ أي ما يمكن لنا أن نُحدِّده بعام ٨٥٠ق.م. تقريبًا. وهذا تاريخ يُنسَب عادة إلى هوميروس ويُعضِّده الأديبان الإنجليزيان ألن Allen وبيرن Burn. موقف هوميروس الأدبي لعب هوميروس دورًا عظيمًا في تسجيل أحداث زمانه، والترنُّم بشجاعة رجاله وأبطاله، والإشادة بجسارة المحاربين الذين تفانَوا في الدفاع عن سمعة وطنهم وشَرف نسائهم. وكان هوميروس يُعتبَر معلمًا ولكنه — بخلاف هسيود، وريث عرش الشعر من بعده — معلمٌ غير مباشر؛ إذ كان دائمًا خياليًّا في فنه وتصويره، حتى لَنصدُق إن قلنا إنه علَّم الشعراء الآخرين كيف يُتقِنون فن الأكاذيب كما يجب، فضلًا عن أنه راح يُعلِّم بني جنسه الشئون الحربية. إذن كان الإغريق القدماء يعتبرون هوميروس شاعرهم التربوي، وملقنهم الأوحد، ورائدهم الأعظم؛ ولذلك انتشَرت أشعاره في نطاقٍ واسع. ورغم اعتبار كلٍّ من هوميروس وهسيود مُعلمَي العصور القديمة، ورغم استعمالهما لهجةً واحدة وأسلوبًا واحدًا، إلا أن هوميروس غير هسيود، ومعلومات الأول غير معلومات الثاني، فالفرق بينهما شاسع بلا شك؛ إذ لا يخاطب هوميروس غير الأشراف وطبقة الأرستقراطيين، ولا يكترث بطبقات العوام ولا يلتفت إليها، بينما لم يهتم هسيود لغيرِ طبقة العوام، فالأخير بلا شك لسانُ حال هذه الطبقة. الصخرة التي لم تستطع أمواج الزمان أن تحطمها. فلا تُكرِّم إلياذة هوميروس وأوديسته غيرَ طبقة الأشراف ولم يُوجِّه صاحبهما نظره قَط إلى طبقة العامة؛ إذ يرى المرء أن هذه الطبقة لا تتطلب من المرء أي اهتمام لما يصدر منها من نشاط، فلم يحفل بها ولم يعبأ بشئونها، فليس من شئون الفلاح أو الجندي العادي الذي حارب أمام أسوار طروادة أن يتدخل في العلاقة بين الآلهة والبشر. كان هوميروس فوق ذلك أشبه بالخيال أو الطيف، يكتنفه الغموض وتتضاربُ حول شخصه الأقوال، لا يُحاول قَط أن يُحدِّثك عن أية شخصية، ولا حتى عن شخصيته هو، فلم يذكر اسمه إطلاقًا في أي سطرٍ من سطور منظومتَيه الشهيرتَين. ويتناول هوميروس في أشعاره الروايات التاريخية والمغامرات والمواضيع المسلِّية، كما أنه يتغلغل في نفوس النساء فيحاول أن يُصوِّر ما ينتابهن من مشاعر وإحساسات، فبدت أشعاره صورةً رائعة تعجُّ فيها الجاذبية ويَسبَح بين سطورها الغرام. كان هوميروس مغرمًا بالأبطال، فأمراؤه أبطال وكذا زعماؤه وقُوَّاده وإلا لما ابتكر عصر الأبطال الذي تشبه أبطالُه أنصافَ الآلهة. ونلمس في هوميروس إحساساتٍ مملوءة بالعاطفة واختلاجاتٍ مفعمة بالمشاعر، هي سندنا في حكمنا عليه بأنه شاعرٌ متفائل. وتتجلى عظمة هوميروس فيما بلغ إليه من صيتٍ عريض، لدرجة أن سبع مدن كانت تتنازع عليه كلٌّ تريد أن تستأثر به لنفسها دون غيرها. ومن أشهر المدن التي تنافسَت على شخصية هوميروس هما مدينتا خيوس Chios وسمورنا Smyrna؛ إذ دأبت كلتاهما على الادعاء بأن هوميروس هذا ملكها، وقد وُلِد في ربوعها ونشأ في أحضانها وتَربَّى على خيراتها. أما المدن الأخرى التي ادَّعَت بانتماء هوميروس إليها فهي رودوس Rhodus وكولوفون Colophon وسلاميس Salamis وأرجوس Argos وأثينا Athenae. ومما لا يرقى إليه الشك أن أشعار هوميروس كانت الأساس المكين الذي نَهضَت عليه الآداب والتعاليم الإغريقية. ويرجع الفضل أيضًا إلى المنشدين في المحافظة على أشعار هذا الشاعر الفطحل؛ فمن المعروف أن هوميروس عاش في عصرٍ لم تكن الكتابة تُزاوَل فيه إلا قليلًا جدًّا إن لم يكن نادرًا. وصولون Solon هو أوَّل من لفَت نظر مواطنيه إلى ما في ملحمتَي هوميروس من وحدة وترابُط، أما بيزستراتوس Peisistratus فأوَّل من جمع أشعار هوميروس المشتَّتة وأمر بتدوينها كتابة. هذا ويَنسِبُ الأقدمون إلى هوميروس أشعارًا أخرى — عدا الإلياذة والأوديسة. ولعل أشهر هذه المنظومات الهومرية المنظومة المُسمَّاة «معركة الضفادع والفيران» Batrachom yomachia وهي موجودة، وكذلك «المارجيتيس» Margites وهذه مفقودة، وتسخر من رجلٍ قيل إنه يعرف أشياءَ كثيرة ولكن بطريقةٍ سيئة لا تدُل على أنه يعرف شيئًا. وكما حاول الكثيرون الطعن في هوميروس كمؤلِّفٍ لملحمتَي الإلياذة والأوديسة، طعنُوا فيه أيضًا كمؤلِّفٍ لأي منظوماتٍ شعرية أخرى. فقد بدت هذه الأعمال الأدبية في نظرهم فوق مقدور رجلٍ واحد وعقلٍ واحد، ولكن مما لا شك فيه أن هوميروس بن مايون Maeon، الشاعر الضرير هو ذلك العملاق الذي كتب بملحمتَيه صفحاتِ الخلود بحروفٍ من نارٍ ونورٍ، فكان الشاعر الخالد والصخرة التي لم تستطع أمواج الزمان أن تُحطِّمها ولا معاولُ القدَر أن تُفتِّتها، ولا حتى عقول البشر أن تسمو إليها، أو إلى سماكها الأعلى. الأوديسة
الأنشودة الرابعة وصول تيليماخوس إلى بيت مينيلاوس وصل الفتيان إلى بلاد لاكيدايمون Lacedaemon الفسيحة، ذات الوديان العديدة الضيقة، وساقا جواديهما إلى قصر مينيلاوس المجيد فوجداه يقيم وليمة عرس لأقربائه الكثيرين من أجل ابنه النبيل وابنته، داخل قصره. أما ابنته فكان سيُرسلها إلى ابن أخيل، محطم صفوف الرجال؛ إذ وعد وأقسم في أرض طروادة، أن يعطيها له، والآن كان الآلهة ينفذون زواجهما. وهكذا كان يُرسِلها بالجياد والعربات، في طريقها إلى مدينة المورميدون العظيمة، التي كان سيدها ملكًا عليها. وأما ابنه فكان سيُزوِّجه من ابنة أليكتور Alector، فكان يُحضِرها إلى بيته من إسبرطة؛ لأجل ابنه ميجابينثيس Megapenthes الجريء، وفلذة كبده الحبيب الذي أنجبته أمه؛ إذ لم تمنح الآلهة هيلينا، ذريةً أكثر من هيرميوني Hermione، وليدتها الأولى الحسناء الفاتنة، التي كانت في جمال أفروديتي١ الذهبية. وهكذا كانوا يُولِمون في البهو ذي السقف المرتفع، جيران مينيلاوس المجيد، وأقاربه، وكانوا يمرحون، ويغني وسطهم منشدٌ مقدس، على قيثارة. بينما راح «بهلوانان» يتشقلبان وسط الحشد بمجرد أن بدأ المغني أناشيده. ثم قامت فاغتسلَت، وصعِدَت إلى غرفتها تُصلي إلى أثينا. خادم مينيلاوس يرى الضيفَين عندئذٍ تقدم الأمير تيليماخوس وابن نسطور المجيد، ووقفا كلاهما عند باب القصر، ومعهما جواداهما، فأقبل السيد إيتيونيوس Eteoneus، الخادم النشيط لمينيلاوس المجيد، ونظر إليهما، ثم دخل إلى القاعة يحمل الأنباء إلى راعي الشعب، فاقترب منه، وتحدَّث إليه بعباراتٍ مُجنحَة،٢ قائلًا: «أي مينيلاوس، يا ربيب زوس، بالباب رجلان غريبان، يشبهان نسل زوس العظيم، ولكن قل لي هل تسمح بأن نُخلِّي عن جوادَيهما السريعَين، أم نردُّهما ليذهبا إلى مُضيفٍ آخر، يستطيع إكرامهما؟» مينيلاوس يرحب بالغريبين استشاط مينيلاوس الجميل الشعر، غضبًا، وثار في خادمه، قائلًا: «ماذا دهاك يا إيتيونيوس؟ لم تكن فيما مضى بهذا الحمق، يا ابن بويثوس Boethous. إنك لتتكلم الآن كما لو كنت طفلًا ينطق حمقًا. حقًّا، لقد أكلنا معًا حتى الشبع، في ضيافة غيرنا، قبل أن نجيء إلى هنا، أملًا في أن يهَبَنا زوس بعد ذلك راحةً من أحزاننا. نعم، فُكَّ النِّير عن جوادَي الغريبين، وأَحضِرهما بسرعة إلى القصر كي ينالا كفايتهما من الوليمة.» مينيلاوس يبالغ في تكريم الغريبَين هكذا تكلَّم مينيلاوس، فأسرع خادمه عَبْر القاعة، وأمر غيره من الخدم، الذين كانوا مشغولين بأعمالهم، أن يتبعوه، فخلَّوا عن الجوادَين المُتفصِّدَين عرقًا، من تحت النِّير وربطوهما في حظيرة الجياد، ووضعوا أمامهما القرطم مخلوطًا بالشعير الأبيض، ثم أسندوا العربة إلى حائط المدخل المتألق، وصحبوا الرجلَين إلى القصر المقدس. وبينما كان الضيفان يمران وسط قصر الملك، ربيب زوس، ذُهلا ودُهشا؛ إذ كان هناك ضوءٌ كضوء الشمس أو نور القمر، فوق منزل مينيلاوس المجيد، المرتفع السقف، فأخذا ينظران في عجبٍ ويُمتِّعان أنظارهما بذلك القصر البديع، ثم دخلا إلى الحمامات اللامعة، واغتسلا، وبعد أن غسلتهما الإماء، ودهَنَّ جسمَيهما بالزيت، وألبسنهما عبايتَين ورداءَين من الصوف، جلسا على مقعدَين بجانب مينيلاوس بن أتريوس. بعد ذلك جاءت أمَةٌ بماء في جرَّةٍ جميلة من الذهب ليغسلا أيديهما، وصبَّتْه في طستٍ من الفضة، وأتت بخوانٍ وضعته بجوارهما. وأحضَرتْ ربة البيت الموفرة الخبز ووضعَتْه أمامهما، ومعه الكثير من أطايب الأطعمة التي أحضرتها بسخاء من خزينتها. وجاء الخادم بصحافٍ عديدة مملوءة بشتى ألوان اللحوم وحطَّها أمامهما، كما وضع جوارهما كئوسًا ذهبية، ثم حيَّا مينيلاوس ذو الشَّعر الجميل، ضيفَيه، بقوله: «تناولا الطعام، وانشرحا صدرًا. وبعد أن تنتهيا من العشاء، سنسألكما عن شخصيتكما، مَن من البشر أنتما؛ فلم يَضِع فيكما نسل آبائكما، بل أنتم نسل قوم، ملوكٍ ذوي صوالجة، منحدرين من زوس؛ إذ لا يمكن للصعاليك أن ينجبوا أبناءً مثلكما.» قال هذا، وأمسك بيدَيه قِطعًا من الشواء، ووضعها أمامهما، حتى قِطَع سلسلة الظهر الدسمة التي كانوا قد وضعوها أمامه تبجيلًا له، قدَّمها لهما. وهكذا أكل الضيفان من الطعام الشهي الموضوع أمامهما. وبعد أن أكلا وشربا كفايتهما، تكلَّم تيليماخوس، مخاطبًا ابن نسطور، بعد أن قرَّبَ رأسه إليه حتى لا يسمع الآخرون حديثهما، فقال: «أيا ابن نسطور، يا أيها العزيز على قلبي، انظر إلى البرونز المتألق في سائر أنحاء هذه القاعات الفسيحة، وإلى لألاء الذهب، والإليكتروم،٣ واللجيَن، والعاج، لا أظن أن داخل ساحة زوس الأوليمبي إلا من هذه المواد. إني لأرى ثراءً عريضًا ليس في الإمكان وصفه. إن الدهشة والعجب ليُسيطِران على نفسي وأنا أُقلِّب ناظريَّ في هذا البذخ.»٤ مينيلاوس يستعرض مصادر ثرائه بيد أن مينيلاوس، ذا الشعر الجميل، سمع ذلك الحديث، فخاطبهما بكلماتٍ مجنحة قائلًا: «أي أطفالي الأعزاء، حقًّا لا يستطيع أي مخلوقٍ بشري أن ينحدر من زوس؛ إذ إن ساحاته وممتلكاته خالدة. أما البشر، فليس في مقدور أحدٍ منهم أن يتحدَّاني في الثروة أو قد يقدر؛ فإنني وايم الحق، ما حصلتُ على ثروتي هذه، إلا بعد رحلاتٍ وتجوالاتٍ طويلة، وآلامٍ كثيرة، ثم أحضرتُها في سفني عائدًا إلى وطني في العام الثامن، عَبْر قبرص Cyprus وفينيقيا Phoenicia، كما وتجوَّلتُ خلال مصر، وذهبتُ إلى بلاد الإثيوبيين السيدونيين Sidonians والإيرمبيين Erembi، وإلى ليبيا Libya حيث الحملان تُولَد ولها قرونٌ منذ أول يوم ترى فيه الدنيا؛٥ إذ تلد النعاج هناك ثلاث مراتٍ كل عام؛ وعلى ذلك فما من سيد ولا راعٍ هناك يشعر بأية حاجة إلى الجبن أو إلى اللحم، أو إلى اللبن الحلو؛ لأن القطعان تعطي ألبانها باستمرار، عندما يحلبونها خلال سائر أيام السنة. وبينما كنتُ أتجوَّل في تلك البلاد، جامعًا الكثير من الرزق، قتل رجلٌ أخي غدرًا، وعلى حين غِرة، بتدبيرٍ من زوجته اللعينة. وهكذا يمكنكما أن تريا عدم بهجتي بكوني سيدًا على جميع هذه الثروة، وربما تكونان قد سمعتما هذا من آبائكما، مهما كانوا؛ فقد قاسيتُ كثيرًا جدًّا، وأنزلتُ الدمار بمنزلٍ فسيح كان مملوءًا بكنوزٍ كثيرة بالغة. كم كنتُ أتمنى أن أعيش في ساحاتي بثلث هذه الثروة، ولم يهلك أولئك الرجال الذين ماتوا في ذلك الوقت في أرض طروادة الواسعة الفلا، والنائية كثيرًا عن أرجوس، مرعى الجياد. الحق أنني كثيرًا ما جلستُ في ساحاتي هذه وبكيتُهم وحزنتُ عليهم جميعًا — وفي بعض الأحايين، حقًّا كنتُ أُهدِّئ من رُوعي بالبكاء، ثم أعود فأكُف عنه؛ لأن البشر سرعان ما سينالون نصيبهم من النحيب المثبِّت للعزائم — ومع ذلك فإن حزني عليهم جميعًا لم يبلغ مبلغ كمدي على أحدهم؛ إذ يقُضُّ مضجعي ويجعلني أمقت الطعام والنوم وأنا أفكِّر فيه؛ إذ ما من أحدٍ من الآخيين قد عانى ما عاناه أوديسيوس، ذلك البطل الذي لم يكن نصيبه، كما يبدو غير الهم والنصب، وإن حزني عليه لا يمكن نسيانه؛ حيث قد رحل منذ أمدٍ بعيد، ولسنا نعرف عنه شيئًا، هل هو لا يزال على قيد الحياة، أم هو في عداد الأموات. وإني لأعتقد أن هناك من يَبْكيه، العجوز لايرتيس، وبينيلوبي الوفية، وتيليماخوس الذي تركه طفلًا حديث المولد في قصره.» تيليماخوس يبكي … ومينيلاوس يرمقه ما أن قال هذا، حتى أثار رغبة تيليماخوس في البكاء حزنًا على أبيه، فترك العبرات تتساقط من مآقيه إلى الأرض، عندما سمع اسم أبيه، فرفع طرف عبايته الأرجوانية بكلتا يدَيه ووضعه على عينَيه، فلاحظ مينيلاوس ذلك، وفكَّر في عقله وقلبه، ما إذا كان يجب عليه أن يتركه يتكلَّم بنفسه عن أبيه، أو يبادره بالسؤال عنه. وفي كلتا الحالَين لا بد له أن يعرف الحقيقة. زوجة مينيلاوس تتعرف على تيليماخوس وبينما هو يفكِّر في الأمر في عقله وقلبه، خرجَت هيلينا من حجرتها العبجة العالية السقف، كأنها أرتيميس Artemis٦ ذات السهام الذهبية وكان بصحبتها أدراستي Adraste، فوضَعَت لها مقعدًا جميل الصنع، وأحضرت ألكيبي Alcippe طنفسة من الصوف الناعم، وجاءت فولو phylo بسفطٍ من الفضة كانت ألكاندري Alcandre قد أعطته لها، وتلك هي زوجة بولوبوس Polybus، الذي كان يعيش في طيبة بمصر حيث يُوجَد في منازل البشر كنوزٌ لا حصر لها، مكدَّسة هناك تكديسًا. لقد أهداها مينيلاوس حمامَين من اللجَين، وركيزتَين وعشرة تالنتات من الذهب. وفوق كل ذلك قدَّمَت لها زوجته هدايا ثمينةً جميلة؛ قضيبًا مذهبًا للغزل، وسلةً ذات عجلاتٍ من تحتها، وسلة من الفضة ذات حافاتٍ مطلية بالذهب، فأحضَرتْها الخادمة فولو، ووضعَتْها إلى جانبها، مملوءة بالصوف الناعم المغزول، وكان بها القضيب الذهبي، ملفوف عليه الصوف البنفسجي القاتم، فجلست هيلينا فوق المقعد، تضع قدمَيها على مسندٍ للأقدام، وفي الحال سألَت زوجها عن كل موضوع، ثم قالت: «هل تعرف، يا مينيلاوس، يا ربيب زوس، من يكون هذان الرجلان، هذان الضيفان اللذان شرَّفا منزلنا؟ هل أُخفي ما يجول بخاطري أم أقول الحق؟ كلا، لن أسكت؛ فإن قلبي ليأمرني بالتكلُّم. لم يحدُث قَط أن رأيت شخصًا شديد الشبه بآخر، سواء أكان رجلًا أو امرأة — إن العجب ليتملكني، وأنا أمعن النظر — ما أعظم شبه هذا الرجل بابن أوديسيوس العظيم القلب! إنه دون شك تيليماخوس، الذي تَركَه ذلك المحارب طفلًا حديث الولادة في بيته، عندما قَدِمتُم، معشر الآخيين، من أجلي أنا السيد غير الحيية، أسفل حوائط طروادة، وقد انتويتم في قلوبكم إشعال نار الحرب الضروس.» مينيلاوس يؤيد كلام زوجته عندئذٍ أجابها مينيلاوس الجميل الشعر، قائلًا: «وأنا نفسي أيضًا، ألاحظ هذا الأمر الآن، يا زوجتي. ألاحظ الشبه الذي لاحظتِه أنتِ؛ فهكذا كانت قدماه، وهكذا كانت يداه، ونظرات عينَيه، ورأسه بشعره ذاك. وزيادةً على ذلك، فما إن ذكرتُ الآن أوديسيوس، وقصصتُ جميع المحن والمتاعب التي قاساها من أجلي، حتى ذرف هذا الشابُّ دموع الحزن من تحت حاجبَيه، رافعًا عباءته الأرجوانية أمام عينَيه.» بايسيستراتوس يكشف عن شخصية أوديسيوس فقال بايسيستراتوس بن نسطور: «أي مينيلاوس، يا ابن أتريوس، وربيب زوس، يا قائد الجيوش، حقًّا إن هذا الشاب لهو ابنه حقًّا كما تقول. غير أنه شابٌّ حصيف، ويخجله أن يبدأ الكلام عن نفسه في حضرتك ولا سيما في أول مقابلة. وإننا لنُسَرُّ من صوته كما لو كان صوتَ إله. وقد أرسلني معه، الفارس، نسطور الجيريني، لأُرشِدَه في المجيء إلى هنا؛ لأنه كان مشتاقًا لأن يراك، عسى أن تطمئنه بكلمة أو بعمل؛ فما أعظم أحزان الابنِ في ساحاته عندما يرحل والده، وعندما لا يجد له مساعدًا آخر، كما هو الحال الآن مع تيليماخوس؛ فقد ذهب والده ولم يرجع، وليس هناك بين الناس من يمكنه أن يدفع عنه الخراب.» مينيلاوس يُظهِر حبه لأوديسيوس فرَدَّ عليه مينيلاوس، الجميل الشعر، بقوله: «يا لغرابة الصدف! فها قد شرَّف منزلي ابنُ أخٍ حبيب كل الحب، من تحمل من أجلي مشاقَّ بالغة. وكنتُ أظن أنه لو عاد لأكرمتُه أكثر من سائر الأرجوسيين الآخرين، إن كان زوس الأوليمبي، الذي يحمل صوته نائيًا، قد منحنا نحن الاثنَين في سفننا السريعة، عَبْر البحر، ولأعطيتُه مدينةً في أرجوس يقطن فيها، ولشيَّدتُ له قصرًا، عندما أنقله من إيثاكا، هو وممتلكاته وابنه وجميع شعبه، طاردًا سكان إحدى المدن القريبة التي تخضع لسلطاني هنا، ولالتقينا سويًّا، وعشنا معًا هنا، لا يمكن لأي شيء أن يُفرِّق بيننا، وكلٌّ منا يبدي محبته للآخر، ومتعته المتبادلة، إلى أن تطوينا سحابة الموت القاتمة. ومع ذلك، فلا بد حسب اعتقادي، أن يكون ذلك الإله، الذي أبى أن يمنح هذا الرجل المسكين دون سواه سلامة العودة، قد ألهبَت الغَيْرة فؤاده، وتأجَّج الحقد في نفسه.»٧ ليس البكاء على الأموات عارًا ما إن قال هذا حتى تحرَّكَت الرغبة في سائر الحاضرين إلى البكاء، فبكت هيلينا الأرجوسية، ابنة زوس، وبكى تيليماخوس، ومينيلاوس بن أتريوس، ولم يستطع ابن نسطور أن يحبس دمعةً ترقرقَت في عينه؛ إذ كان يفكِّر في قلبه في أنتيلوخوس Antilochus، المنقطع النظير، الذي كان قد قتلَه ابن الفجر٨ اللامع، المجيد، وبينما هو يفكِّر فيه، تكلَّم بعباراتٍ مُجنحة، فقال: «يا ابن أتريوس، إن نسطور العجوز يقول دائمًا إنك تسمو على سائر البشر بحكمتك، ويُكرِّر هذا كلما ورد ذكرك بيننا في ساحاته ونحن نتحدث، كل واحدٍ إلى الآخر، ولكن مهما كان الأمر فأصغِ إليَّ الآن؛ إذ لا يروقني البكاء في وقت العشاء،٩ وزيادةً على هذا فإن الفجر الباكر سرعان ما سيكون هنا.١٠ ولئن أردتَ الحق، فإني لا أعتبر البكاء على من مات من الأحياء ولقي حتفَه عارًا؛ لأن هذا هو الدَّين الوحيد الذي يجب أن ندفعه لأولئك البشر المساكين، فنقطع الشعر، وندع العبرات تتساقط من فوق الخدود؛ فقد مات أخٌ لي أيضًا، فبكيتُه رغم أنه أحقر الأرجوسيين، ولربما كنتَ تعرفه حق المعرفة. أما أنا فلم أقابله قَط، ولم أرَهُ، غير أن الناس يقولون إن أنتيلوخوس كان يفوق كل مَن سِواه في سرعة القدم، وفي القتال.» مينيلاوس يرجو الكَفَّ عن البكاء فأجاب مينيلاوس، الجميل الشعر، بقوله: «حقًّا يا صديقي، لقد نطقتَ بكل ما يمكن الرجل العاقل أن يقول أو يفعل، وتكلَّمتَ بكلام من يكبرك سنًّا؛ لأنك نشأت من مثل ذلك الأب؛ ولذلك أراك تتكلَّم بحكمة، فما أسهَلَ علينا أن نعرف نسل ذلك الرجل الذي يغزل له ابن كرونوس خيط الحظ السعيد عند الزواج وعند الميلاد! فهكذا قُدِّر على نسطور في سائر أيام حياته وإلى الأبد، أن يصل هو نفسه إلى شيخوخةٍ موفورة الصحة في ساحاته، وأن يصبح أبناؤه، حكماءَ وذوي جُرأة في استخدام الرمح. والآن، هلُم بنا نكُف عن البكاء الذي لم يبدأ سوى الآن، وهيا بنا نعود ثانيةً فنفكِّر في عشائنا، وندعهم يصُبُّون الماء على أيدينا، حتى إذا ما أصبح الصباح، أخذتُ أقُصُّ على تيليماخوس كثيرًا من القصص، كما أنه سيروي لي ما فيه الكفاية.» ما إن انتهى مينيلاوس من حديثه هذا، حتى تقدَّم أسفاليون Asphalion، وصب الماء على أيديهم، وهو خادمٌ نشيط من خدَم مينيلاوس المجيد. وبعد ذلك مدُّوا أيديهم يتناولون الطعام الشهي الموضوع أمامهم. هيلينا تُعدِّد مناقب أوديسيوس عقب هذا، عمدَت هيلينا ابنة زوس، إلى وسيلةٍ أخرى؛ فقد قامت في الحال ووضعَت عقارًا في الخمر التي كانوا يشربونها، ليُهدِّئ أعصابهم من كل ألم وتعب، ويجعلهم ينسون جميع أحزانهم. وبعد أن يمزج هذا في الطاس، فإن كل من يشربه إلى جوفه، لن يذرف دمعةً قَط على خدَّيه طول ذلك اليوم. كلا لن يبكي حتى ولو مات أبوه وأمه، أو حتى إذا قتل الناس شقيقه أو ابنه العزيز بالسيف البتَّار أمام عينَيه؛ فمثل هذه العقاقير الخادعة، كانت في حوزة ابنة زوس، العقاقير الشافية التي أعطَتْها إياها بولودامنا Polydamna، زوجة ثون Thon، وهي سيدةٌ مصرية؛ إذ إن أرض مصر، واهبة الحب، تُنبِت أعظم كميةٍ من العقاقير، إذا مُزِج الكثير منها كان شافيًا، كما أن الكثير منها ضار، وكل رجلٍ في مصر طبيب، حكيم يفوق سائر الجنس البشري؛ لأنهم من جنس بايون Paeeon. والآن، بعد أن وضَعَت العقار أصدَرتْ أمرها بصب الخمر في الأقداح، وتكلَّمَت ثانية، فقالت: «أي مينيلاوس يا ابن أتريوس، يا سليل زوس، وأنتم أيها الحاضرون هنا، يا أبناء النبلاء إن زوس يهب الخير والشر، تارة لهذا وطورًا لذاك؛ لأنه يستطيع أن يفعل كل شيء. اجلسوا الآن في هذه الساحات، وأولِموا، وتمتَّعوا برواية القصص؛ فإنني سأقُص على مسامعكم ما يناسب المقام. ليس في مقدوري أن أحكي أو أروي كل شيء، جميع أعمال أوديسيوس، ذي القلب الجريء الراسخ، ولكن ما فعله ذلك الرجل العتيد وقاساه في أرض الطرواديين، حيث عانيتم، أنتم أيها الآخيون، الأهوال! فشوَّه جسمه بكدماتٍ وحشية، وألقى حول كتفَيه عباءةً بالية، وعلى هذه الصورة دخل مدينة الأعداء الفسيحة الطرقات في هيئة عبد، ثم تنكَّر في صورة شخصٍ آخر، شحَّاذ، ولم يكن هو بمثل تلك الصورة في سفن الآخيين. في مثل هذه الهيئة دخل مدينة الطرواديين، ولم يكونوا جميعًا سوى أطفال. وكنت أنا الوحيدة، التي عَرفَته في ذلك التنكُّر، وسألْتُه الخبر، بيد أنه حاول أن يتحاشاني بدهائه. ومع ذلك كنتُ أغسل جسمه وأدهنه بالزيت، وبعد أن ألبستُه الرداء، وأقسمتُ يمينًا لا حنث فيها ألا أكشف أمره بين الطرواديين على أنه أوديسيوس، قبل أن يصل إلى السفن السريعة والأكواخ، وعندئذٍ أخبرني أخيرًا بغرض الآخيين كله. وبعد أن قتل كثيرًا من الطرواديين بسيفه الطويل، عاد إلى حشد الأرجوسيين يحمل إليهم أنباءً كثيرة. وبعد ذلك شَرعَت السيدات الطرواديات الأخريات ينتحبن ويُولوِلن عاليًا، غير أن روحي كانت سعيدة؛ إذ كان قلبي يتلهَّف إلى العودة إلى وطني، وتأوَّهتُ نادمةً على العمى الذي أعطَتْنيه أفروديتي عندما قادَتْني من وطني العزيز إلى طروادة، تاركةً طفلي، وهاجرةً حجرة عرسي، وزوجي الذي لم ينقصه شيء، سواء في الحكمة أو في الجمال.» مينيلاوس يُدلي بمزيدٍ من الأقوال الطيبة عندئذٍ ردَّ عليها مينيلاوس، ذو الشعر الجميل، بقوله: «حقًّا، إن كل ما قُلتِه صحيح يا زوجتي؛ فمنذ حينٍ حضرتُ لاستشارة كثيرٍ من المحاربين ومعرفة أفكارهم، ثم سافرتُ خلال تلك الأرض الواسعة الفلا، ورأيتُ الكثير من الرجال، إلا أنني لم يقع بصري على رجلٍ قَط مثل أوديسيوس، الراسخ القلب، ماذا فعل، وماذا قاسى، ذلك الرجل العتيد، في داخل الحصان المنحوت،١١ الذي كنا نجلس فيه، نحن جميع رؤساء الأرجوسيين، حاملين الموت وسوء المصير للطرواديين! وبعد ذلك جئتِ إلينا، ولا بد أن يكون ذلك بأمر إلهٍ ما، ممن أرادوا أن يمنحوا المجد للطرواديين، وكان دايفوبوس Deiphobus،١٢ الشبيه بالإله، يتبعُكِ في طريقك، فدُرتِ ثلاث مراتٍ حول الكمين الأجوف، وأخذتِ تُعجمين عُوده بلمستك، ورحتِ تنادين بصوتٍ جَهْوري رؤساء الدانيين بأسمائهم، محاكيةً صوت زوجات جميع الأرجوسيين. وكنتُ جالسًا أنا وابن توديوس وأوديسيوس العظيم في الوسط، وسَمِعنا نداءكِ، وكنا، نحن الاثنين، تواقَين للنهوض والتقدُّم، أو بالأحرى لأن نُجيب عليكِ فورًا من الداخل، غير أن أوديسيوس منعنا وأوقفنا بالرغم من لهفتنا إلى ذلك؛ عندئذٍ لزم جميعُ الآخيين الآخرين الصمت، ما عدا أنتيكلوس Anticlus وحده؛ إذ كان يتوق إلى الكلام والرد عليك، ولكن أوديسيوس، أغلق فمه بشدةٍ بيدَيه القويتَين، وبذا أنقذ جميع الآخيين، وظل ممسكًا به هكذا، إلى أن جاءت بالاس أثينا وأخذَتكِ بعيدًا.» تيليماخوس يبدي رغبته في النوم فقال تيليماخوس الحكيم: «أي مينيلاوس يا ابن أتريوس، ويا سليل زوس، وقائد الجيوش، إنه لأشد إيلامًا، أن شيئًا من هذا كله لم يمنع عنه الهلاك المُحزِن، بحالٍ من الأحوال، رغم أن قلبه في داخل جسمه كان من حديد. والآن، هلُم، ابعث بنا إلى الفراش، حتى إذا ما داعب النوم اللذيذ عيوننا، استطعنا أن نستريح ونأخذ متعتنا.» هكذا تكلَّم، فأَمرتْ هيلينا الأرجوسية خادماتها بأن يضعن أَسِرَّة تحت الشرفة، ويفرشنها بالملاءات الأرجوانية، ويبسُطن فوقها الألحفة، ثم يضعن فوق هذه عباياتٍ من الصوف كي يلبسها الضيفان، فانصرفت الإماء من القاعة، يحملن المشاعل في أيديهن، وأعددن الفراش، ثم قاد خادم الضيفَين إلى مكان الفراش،١٣ حيث ناما هناك في ساحة القصر الأمامية، الأمير تيليماخوس وابن نسطور المجيد. أما ابن أتريوس فقد رقد في الحجرة الداخلية من قصره المنيف، وإلى جواره رقدَت هيلينا، ذات الرداء الطويل، والمنقطعة النظير بين النساء. مينيلاوس يسأل تيليماخوس عما يطلب ما إن لمع الفجر، الوردي الأنامل، مبكرًا في أفق السماء، حتى استيقظ مينيلاوس، الماهر في صيحة الحرب، ونهض من فراشه، فارتدى ملابسه، وعلَّق حُسامه البتار على كتفه، ولبس صندلَيه الجميلَين في قدمَيه البراقتَين، وخرج من حجرته يتلألأ أشبه بإلهٍ للناظرين، ثم أخذ مجلسه بجانب تيليماخوس، وبدأ الحديث، مخاطبًا إياه بقوله: «أيها الأمير تيليماخوس، أي حاجةٍ جاءت بك إلى هنا، إلى لاكيدايمون العظيمة، عَبْر ظهر البحر الفسيح؟ ألموضوعٍ عامٍّ قَدِمْت، أم لأمرٍ خاص بك؟ صارحني القول وأخبرني بالحقيقة.» تيليماخوس يسأل عن أبيه عندئذٍ ردَّ عليه تيليماخوس العاقل، قائلًا: «أي مينيلاوس؛ يا ابن أتريوس، ويا سليل زوس، وقائد الجيوش، اعلم أنني قَدِمتُ إلى هنا، عسى أن تستطيع إخباري بما تعلمه من أنباء والدي. إن بيتي لَيُسلب، وضياعي الغنية لَتُخرَّب، وإن منزلي لَيعجُّ بجمعٍ من الرجال الأعداء لا يَكُفون أبدًا عن ذبح أغنامي الكثيرة، ونحر أبقاري السمينة، ذات المشية المتثاقلة. إنهم يغازلون والدتي بغطرسة وعجرفة وصفاقة؛ ومِن ثَمَّ جئتُ الآن إليك، متوسلًا إلى ركبتَيك، علَّك تكون على استعدادٍ لأن تُنبئني عن مصيره المحزن، والميتة المشئومة التي لاقاها، سواء رأيتها مصادفة بعيني رأسك، أو تكون قد سمعتَ بها من شخصٍ آخر، يعرف قصة تجوالاته؛ فقد حزنَت عليه أمه حزنًا لم تَحزنه أم على ابنها من قبلُ. ولا تأخذنَّك شفقة ولا عطف فتلجأ إلى العبارات المُطمْئِنة المهدِّئة، بل قل الحقيقة كيف استطعتَ أن تراه. إنني أتوسل إليك وأستحلفك بأبي أوديسيوس النبيل، عسى أن يكون قد وعدَك بشيء، سواء كان قولًا أو عملًا، وبَرَّ بوعده لك في أرض الطرواديين حيث لقيتُم الأحزان، أيها الآخيون، إلا ما قلتَ لي الحقيقة، متذكرًا ذلك الشيء الذي حقَّقه لك.» مينيلاوس يُدلي بمعلوماته عندئذٍ تحدث إليه مينيلاوس، الجميل الشعر، وقد انتابَتْه حالة من السخط الشديد، فقال: «تبًّا لهم؛ لأنهم يتوقون إلى الرقاد في فراش رجلٍ جريء القلب حقًّا، وإنهم لجبناءُ رعاديد، شأنهم في ذلك شأن الظبية، تذهب إلى عرين الأسد في الغابة، لكي تتخذ منه فراشًا لنوم صغارها الحديثي المولد، وتنطلق ترتفع فوق المنحدرات الجبلية الوديان المعشوشبة بحثًا عن المرعى، فيعود الهِزَبْر إلى عرينه ويفتك بصغيرَيها١٤ شَر فَتْك. هكذا أيضًا سوف يفتك أوديسيوس بأولئك الرجال فتكًا ذريعًا. أتمنى، أيها الأب زوس، ويا أثينا، ويا أبولُّو، أن يأتي أوديسيوس بمثل القوة التي كان عليها ذات مرة في ليسبوس البديعة التأسيس، عندما قام وصارع فيلوميلايديس Philomeleides في مباراة، فطرحه أرضًا في عنفٍ بالغ فسُرَّ لذلك جميع الآخيين، فيقف وسط أولئك العشاق المغازلين، وعندئذٍ سوف يجدون هلاكًا سريعًا ومرارة في مغازلتهم. أما فيما يختص بالأمر الذي سألتَني عنه وتوسلت إليَّ فيه، فلن أقول سوى الحق، ولن أحيد عنه، ولن أتحدث بغير الواقع، كما أنني لن أخدعك، بل سأخبرك بكل ما أخبَرني به عجوز البحر، لا أخفي أو أخبئ عنك منه شيئًا واحدًا. في مصر،١٥ تلك البلاد التي أشتاق إلى الرحلة فيها، ولكن الآلهة منعَتْني الذهاب إليها؛ لأنني لم أُقدِّم لها ذبائحَ مئوية تُحقق الغرض، بينما ترغب الآلهة في أن يتذكَّر البشر مطالبهم دائمًا. هناك جزيرة في البحر الصاخب، تجاه مصر، يُطلِق عليها الناس اسم فاروس Pharos، تبعُد بقدر ما تسيره السفينة السريعة في يومٍ كامل، عندما تهُبُّ من خلفها ريحٌ قوية. هناك في الداخل ميناء ذو مرسًى بديع، منه يُنزِل الرجال السفن الرائعة الصنع إلى البحر، بعد أن يكونوا قد أخذوا مئونتهم من الماء الأسود.١٦ هناك احتجزتني الآلهة مدة عشرين يومًا، ولم تتحرك، بحالٍ ما، الرياح التي تهب فوق ظهر البحر العريض. والآن كان لا بد من انتهاء جميع مؤنتي، وكذا قوة رجالي، لولا أن أحد الآلهة أشفق عليَّ وأنقذني، ذلك الإله هو أيدوثيا Eidothea، ابنة عجوز البحر العتيد بروتيوس Proteus؛١٧ إذ تَحرَّكَت الشفقة في قلبها نحوي، أكثر من أي إلهٍ آخر، فالتقت بي وأنا أتجوَّل وحدي بعيدًا عن رفاقي، الذين كانوا يهيمون على وجوههم باستمرار في الجزيرة يصطادون السمك بالصنانير المعقوفة؛ إذ برَّح الجوع ببطونهم، فاقتربَت مني، وتحدَّثَت إليَّ قائلة: «ألستَ، أيها الغريب غايةً في الحمق، وخمول الفهم، أم أنك تتلكَّأ قصدًا، بمحض إرادتك، وتجد لذة في مقاساة الآلام؟ إن لك مدةً طويلة جدًّا، وأنت محجوز في هذه الجزيرة لا تستطيع أن تجد أي مخرجٍ للخلاص،١٨ بينما تزداد قلوب أصحابك وهنًا على وهن.» هكذا تكلَّمت، فأجبتها قائلًا: سوف أُفصح وأُخبرك مهما كانت درجتك بين الربات؛ فإنني لست محبوسًا هنا، بمحض رغبتي قَط، بيد أنني لا بد أن أكون قد أخطأتُ في حق الخالدين، الذين يحتلُّون السماء الفسيحة الأجواز، ولكن هل يُمكنكِ أن تخبريني؛ لأن الآلهة تعرف كل شيء من الآلهة يُقيِّدني هنا، وقد منعني المضي في طريقي؟ وحدِّثيني عن عودتي، وكيف يمكنني أن أعبر ذلك الخضم الزاخر. هكذا، قلتُ لها، وفي الحال أجابت الربة الفاتنة، بقولها: إذا كان الأمر كذلك، فحقًّا، سأُخبرك، أيها الغريب، في صراحة، بكل شيء. هناك رغبة في أن يأتي إلى هنا عجوز البحر المعصوم من الخطأ، الخالد بروتيوس المصري، الذي يعرف قرار كل بحر، وخادم بوسايدون. إنه كما يقولون، أبي الذي أنجبني، فإذا أمكنكَ، بطريقةٍ ما، أن تكمُن له وتقبض عليه، فإنه سوف يُخبرك عن طريقك، وعن طول المسافة التي ستقطَعها في رحلتك، وعن عودتك، وكيف تستطيع الإبحار عَبْر الخِضَم الزاخر، كما أنه سوف يُخبرك، يا سليل زوس، لو شئتَ، عما حدث في ساحاتك من خير أو شر، وأنت غائب في طريقك الطويل المفجع. هكذا تكلَّمَت الربة، فأجبتُها بقولي: وهل تتفضَّلين الآن، بأن تضعي لي خطةً أكمُن بها في انتظار ذلك العجوز المقدس، خشية أن يراني قبل أن أُمسك به، أو ينتبه لغرضي فيتحاشاني؛ إذ من الصعب على إنسان أن يسيطر على إله. ما إن قلتُ هذا، حتى قالت الربة الجميلة: إذن، حقًّا، أيها الغريب، أقول لك كل شيء في صراحة. عندما تصل الشمس إلى كبد السماء، يتلهَّف عجوز البحر، المعصوم من الخطأ، إلى الخروج من البحر عندما تهُبُّ الريح الغربية، مختفيًا وسط الأمواج القائمة، وعندما يظهر، يستلقي في الكهوف الخاوية لينام، ومن حوله تنام عجول البحر، سلالة ابنة البحر الحسناء، في جموعٍ كثيرة بعد أن تخرج من المياه السنجابية. وما أمَرَّ الرائحة التي تتنفَّسها هذه من أعماق البحر! فعندما يبزغ الفجر، سآتي وأقودكم إلى هنا، وأجعلكم ترقدون جميعًا في صف؛ لأنه يجب عليك أن تختار ثلاثةً من رفاقك، وتنتقيهم بعناية، من خيرة من تختارهم في سفنك المتينة المقاعد. وسوف أخبرك بجميع حيل ذلك العجوز السحرية. في أول نزوله إلى الجزيرة، سوف يعُد العجول، ويُحصيها، وعندما يأمرها بالانصراف جميعًا، خمسة خمسة، ثم ينظر إليها وهي تأخذ أماكنها، يذهب وسطها ويرقد، كأنه راعٍ وسط قطعان الأغنام، فما إن تبصرونه قد رقد ليستريح حتى تتشجَّعوا وتملئوا قلوبكم بالقوة والجرأة، فتنقَضُّوا عليه، وتُمسِكوا به هناك، رغم مقاومته وما يبذله من جهدٍ جهيد للفرار؛ لأنه سوف يحاول الإفلات منكم، وسوف يتشكل بهيئة جميع الأشياء التي تتحرك على ظهر البسيطة، وفي الماء، وبهيئة النار المستعرة العجيبة، ولكن بالرغم من كل ذلك، يجب عليكم أن تُمسِكوا به دون أي تراخٍ، وتُضاعفوا من قبضتكم عليه أكثر فأكثر. وأخيرًا، عندما يبدأ الكلام من تلقاء نفسه، وهو في الصورة التي رأيتَه عليها وهو راقد ليستريح، ويسألك ماذا تريد، عندئذٍ، أيها البطل، كُفَّ عن القبض عليه، وأَطلِق سراحه، واسأله عمن من الآلهة غاضب منك، وكذا عن طريق عودتك، وكيف يمكنك أن تُبحِر عَبْر اليم الفسيح. ما أن انتهت الربة من حديثها ذاك حتى قَفزتْ تحت أمواج البحر الصاخب، أما أنا فذهبتُ إلى حيث كانت تقف سفني فوق الرمال، وأخذ عقلي يفكِّر في أمورٍ كثيرة غامضة، في أثناء ذهابي إلى هناك. غير أنه بعد أن هبطتُ إلى السفينة، وإلى البحر، وأعددنا عشاءنا، ولفَّنا الليل السرمدي، استلقينا لنستريح فوق شاطئ البحر، وما كاد الفجر المبكر الوردي الأنامل يهتك حجاب الظلام،١٩ حتى انطلقتُ أسير بطول شاطئ البحر، الفسيح الطرقات، وأنا أُصلي إلى الآلهة في حماس، وقد صحبتُ ثلاثةً من رفاقي، كنتُ أثق بهم غاية الثقة في كل مغامرة. في ذلك الوقت قفَزت الربة الفاتنة من تحت البحر الفسيح، وأحضَرتْ من الأعماق جلود أربعة عجول، وجميعها كانت حديثة السلخ، وأحكَمَت خطةً ضد أبيها، وحفَرتْ مكامن في رمل البحر، ثم جلست في الانتظار، فذهبنا بالقرب جدًّا منها، فجعلَتْنا نرقُد في صف، وألقت فوق كل واحدٍ منا أحد الجلود، وعندئذٍ ثبت لنا أن كميننا بالغ الروعة؛ لأن الرائحة الفظيعة، رائحة عجول البحر التي رُبِّيَت في الماء الملح، راحت تُضايقنا أشد مضايقة — فمن يمكنه أن يرقد بجانب وحش بحري؟ — ولكنها أنقذَتْنا من تلك المضايقة، من تلقاء نفسها، ومنحَتْنا منحةً عظيمة، فقد أحضَرتْ أمبروسيا٢٠ ذات رائحةٍ جميلة جدًّا، ووضَعَت جزءًا منها تحت أنف كل رجل، وبذلك قضت على رائحة الوحش البحري؛ ومِن ثَمَّ ظللنا طوال الصباح ننتظر بقلبٍ مكين، حتى أقبلَت العجول من البحر في جماعات، ثم رقدَت في صفوفٍ بحذاء ساحل البحر، وعند الظهيرة خرج الرجل العجوز من البحر، ووجد العجول السمينة ومَرَّ عليها جميعًا وأحصى عددها. وأحصى عددنا أولًا بين العجول، غير مدركٍ أن هناك خديعةً ما، وبعد ذلك استلقى هو أيضًا. وعندئذٍ هجمنا عليه صائحين، وطوَّقْناه بسواعدنا القوية، ولم ينسَ ذلك العجوز حيلة الماكرة، فتحول أولًا إلى صورة أسدٍ ذي لبدة، ثم إلى هيئة ثعبان، وإلى نمرٍ أرقط، ودُبٍّ ضخم الجثة، ثم تحوَّل إلى ماءٍ متدفق، وإلى شجرةٍ باسقة مورقة، ولكننا ظللنا ممسكين به بقوةٍ دون تراخ. وأخيرًا، عندما حل التعب بذلك الرجل العجوز، الماهر في أفانين السحر، سأَلني قائلًا: «وأيا ابن أتريوس، مَن من الآلهة أشار عليك بأن تكمن في انتظاري، وتقبض عليَّ ضد إرادتي؟ وما هي حاجتك؟» هكذا قال عجوز البحر، فأجبتُه بقولي: إنك تعرف أيها العجوز — لماذا تحاول مماطلتي بهذا السؤال؟ — كم من مدةٍ طويلة بقيتُ أنا محبوسًا في هذه الجزيرة، ولا أجد دليلًا قط على الخلاص، وظل قلبي يزداد ضعفًا في جوفي، فهل لك أن تخبرني — لأن الآلهة تعرف كل شيء — مَن من الآلهة يُقيِّدني هنا، وقد حال بيني وبين طريقي؟ كذا أريد أن تُحدِّثني عن عودتي، وكيف أستطيع أن أجتاز ذلك الخضم المترامي الأطراف. قلتُ هذا، وفي الحال ردَّ عليَّ قائلًا: وكان يجبُ عليك حقًّا أن تُقدِّم الذبائح الطيبة لزوس والآلهة الآخرين قبل الإقلاع بسفنك، فلو فعلتَ لكان في مقدورك أن تصل إلى بلدك بمنتهى السرعة، متخذًا طريقك عَبْر البحر القاتم كالخمر؛ لأنه مكتوب لك ألا ترى أصدقاءك، أو تصل إلى منزلك المحكم البناء، أو إلى وطنك، إلا بعد أن تكون قد ذهبتَ مرةً أخرى إلى مياه أيجوبتوس، ذلك النهر السماوي الغذاء، وتكون قد نحرتَ ذبائح مئوية مقدَّسة إلى الآلهة الخالدين، الذين يحتلون السماء الفسيحة؛ فبعدئذٍ فقط، سوف تمنحك الآلهة الرحلة التي تشتهيها. هذا ما قاله، وعندئذٍ تحطَّمَت روحي في داخل جسمي؛ لأنه أمرني بالذهاب مرةً أخرى عَبْر اليم المظلم إلى أيجوبتوس، في طريقٍ طويل شاق. ومع كلٍّ، فرغم ذلك أجبته قائلًا: سمعًا وطاعة، أيها العجوز، سأقوم بكل هذا، كما تأمر، تمامًا. والآن هل لك أن تُخبرني، وتُصارحني القول بصدق، هل عاد الآخيون في سفنهم، دون أن يصيبهم أذى، جميع أولئك الذين تركتهم أنا ونسطور، عندما أقلعنا من طروادة؟ أم هل لاقى أحدٌ منهم ميتةً قاسية فوق ظهر سفينته، أو بين سواعد أصدقائه، بعد أن وضعَت الحرب أوزارها؟ هكذا قلتُ له، فأجاب من فوره بقوله: يا ابن أتريوس، لِمَ تسألُني عن هذا؟ فما ينبغي بحالٍ من الأحوال أن تعرف، أو تعلم مكنون صدري، وإني لأعتقد، أن الأحزان والبكاء سيحُلَّان بك لفترةٍ طويلة، إذا أخبرتك بكل شيء على حقيقته؛ إذ قُتل كثيرٌ منهم وبقي الكثير أيضًا، ولكن اثنَين من رؤساء الآخيين المتدثِّرين بالبرونز هلكا وهما في طريقهما إلى الوطن، أما عن القتال، فقد كنت هناك أنت نفسك، وأظن أن هناك واحدًا، لا يزال حيًّا، ومحجوزًا فوق سطح البحر البعيد الأجواز. لقد هلك أياس Aias، حقًّا، وسط سفنه ذات المجاذيف الطويلة، على صخور جوراي Gyrae الضخمة؛ إذ دفعه بوسايدون، في بادئ الأمر، ولكنه أنقذه من البحر، وكاد أن ينجو من حتفه، رغم كراهية أثينا له، لو أنه لم ينطق بكلمةٍ متغطرسة، لِعَمى قلبه البالغ. لقد أعلن أنه قد نجا من هوة البحر السحيقة، رغم أنف الآلهة، فسمع بوسايدون زهوه وعجرفته، وفي الحال، أمسك رمحه ذا الشعاب الثلاث، في يدَيه القويتَين، وضرب به صخرة جواري، فشقَّها نصفَين، فبقي جزءٌ منها في مكانه، أما الجزء المفصول فسقط في البحر، وكان هذا هو الجزء الذي جلس عليه أياس في بادئ الأمر عندما أُصيب قلبه بالعمى الشديد، فغاصت به الصخرة إلى اليم الصاخب، حيث هلك؛ إذ شرب الماء الملح. أما أخوك فقد نجا من الهلاك حقًّا واجتنبه بسفنه الواسعة؛ إذ أنقذته هيرا الجليلة. بيد أنه عندما صار وشيك بلوغ قمة ماليا Malea الشديدة الانحدار، أمسكَت به الريح العاصفة، وطوَّحَت به فوق الخِضَم الزاخر وهو يئن بشدة، وحملَتْه إلى حافة البلاد،٢١ التي كان يقيم فيها من قبلُ ثويستيس Thyestes، والتي يقطن فيها الآن أيجيسثوس بن ثويستيس. غير أنه لما بدا له بريق أمل في العودة بسلام، وحوَّلَت الآلهة مجرى الريح، فأخذَت تهُبُّ في رفق، حتى بلغ الوطن. والحق يُقال، إن أجاممنون، وضع قدمه الآن فوق أرض وطنه، مسرورًا، واحتضَن التربة وقبَّلَها، فانهمَرت الدموع الحارة غزيرةً من مقلتَيه؛ إذ كان يتوق شغفًا إلى رؤية بلاده؛ عندئذٍ من موضع المراقبة، أبصر به الحارس الذي كان أيجيسثوس الماكر قد وضَعه هناك، ووعدَه بأن يمنحه تالنتَين من الذهب جائزةً له، فظل هذا الحارس في مكان المراقبة عامًا كاملًا، خشية أن يمر به أجاممنون دون أن يراه، ويتذكَّر قسوته البالغة. وعلى ذلك أسرع إلى القصر كي يحمل النبأ إلى راعي الشعب، وفي الحال وضع أيجيسثوس خطةً غادرة، فاختار عشرين رجلًا من خيرة رجالات البلاد، وأمرهم بأن يكمُنوا في انتظاره، بينما أمر بإعداد وليمة كبيرة في أقصى جوانب الساحة، ثم انطلق في عربةٍ تجُرُّها الجياد، لكي يدعو أجاممنون، راعي الشعب، بينما يفكر عقله في العمل الخسيس. وهكذا استدرجه وهو غافلٌ تمامًا عما يحيط به من خطر، وبعد أن تناول الطعام في تلك الوليمة، ذبحه كما يذبح المرء ثورًا في الخطيرة. ولم يترك أحدًا من رفاق ابن أتريوس، من جميع أولئك الذين تبعوه، ولا واحدا قط من رجال أيجيسثوس، بل قتلهم جميعًا في الساحات. ما إن قال ذلك القول، حتى تحطَّمَت روحي في داخلي، وطفِقتُ أبكي وأنا جالسٌ فوق الرمال، ولم تعُد لقلبي رغبة في البقاء على ظهر الدنيا ورؤية ضوء الشمس. وبعد أن بكيتُ كفايتي، وشبعتُ نحيبًا، قال لي عجوز البحر المعصوم من الخطأ: «يا ابن أتريوس، لا تسترسلنَّ في البكاء هكذا طويلًا بغير انقطاع؛ إذ هذا لا يجدي بحالٍ ما. كلا لا فائدة منه قَط، بل الأجدر بك أن تُكافِح بكلِّ ما يمكنك من سرعة، إلى أن تصل إلى وطنك؛ لأنك إما أن تجد أيجيسثوس على قيد الحياة، وإما أن يكون أوريستيس، قد سبقك إليه وقتله، وربما أدركت وليمة جنازته.» هكذا تحدَّث العجوز، وإذا بقلبي وروحي ينشطان من جديد في صدري رغم جميع أحزاني، فتكلَّمتُ وخاطبتُه بكلماتٍ مُجنحة،٢٢ فقلتُ: إنني أعرف هذين الرجلَين، ولكن ألا يُمكنُك أن تسمى الثالث، ذلك الذي لا يزال حيًّا، والذي هو محجوز وراء البحر العريض؟ أم أنه مات؟ إنني لأتلهَّف إلى سماع خبره رغم أحزاني. ما إن خاطبته هكذا، حتى أجاب من فوره قائلًا: إنه ابن لايرتيس، الذي موطنه إيثاكا. لقد شاهدتُه في جزيرة يسكب الدموع السخينة الغزيرة، في ساحات الحورية كالوبسو، تلك التي تحتجزه عندها رغم كرهه البقاء هناك.٢٣ إنه لا يستطيع الذهاب إلى وطنه؛ إذ لا يملك سفنًا ذات مجاذيف، ولا أي رفيق يبعث به عَبْر ظهر البحر الفسيح. أما أنت نفسك، يا مينيلاوس، يا سليل زوس، فليس مرسومًا لك أن تموت وتلقى حتفك في أرجوس، مرعى الجياد، بل سوف يحملك الخالدون إلى السهل الإلوسي Elysian plain وإلى بطاح الأرض، حيث يقيم رادامانثوس Rhadamanthus،٢٤ ذو الشعر الجميل، وحيث الحياة هناك أسهلُ ما تكون للبشر، حيث لا جليد، ولا عواصف عاتية، ولا أي مطر، ولكن المحيط يرسل دائمًا لفحاتٍ عالية من هبات الريح الغربية العاتية، حتى تحمل البرد إلى البشر؛ لأنك تتخذ من هيلينا زوجة لك، وأنت في أعينهم زوج ابنة زوس. ما إن قال هذا، حتى قفز وسط اللُّجَج الصاخبة، أما أنا فذهبتُ إلى سفني مع رفقائي شبيهي الآلهة، بينما راح قلبي يفكِّر في أمورٍ كثيرة، ولكن عندما نزلنا إلى السفينة وإلى البحر، وأعددنا طعام العشاء وتناولناه، وأقبل الليل السرمدي بدياجيره، رقدنا لنستريح فوق شاطئ البحر. وما إن لمع الفجر الوردي الأنامل مبكرًا في دجى الظلام، حتى بدأنا نُنزِل سفننا إلى البحر اللامع، وأقمنا الصواري والأشرعة في السفن الجميلة، وذهب الرجال أيضًا، فوق ظهور المراكب وجلَسوا على المقاعد، واعتدَلوا في أماكنهم استعدادًا لأن يضربوا البحر السنجابي بمجاذيفهم، فأقلعوا عائدين من جديد إلى مياه أيجوبتوس، ذلك النهر الذي تُغذِّيه السماء، وهناك ألقينا مراسي السفن، وقدَّمتُ الذبائح المئوية التي كنت أرجو ثمارها. وبعد أن أرضيتُ الآلهة الخالدين، واجتنبتُ غضبهم، صنعتُ كَومةً لأجاممنون تُخلِّد شهرتُه خلودًا لا تخمدُ جذوتُه. وعندما انتهيتُ من هذا، وهبَني الخالدون ريحًا مواتية، حملَتْني بسرعة إلى وطني العزيز. والآن، امكُث عندنا في ساحاتي، إلى أن يأتي اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر، وعندئذٍ أُرسلك موقَّرًا، وأعطيك هدايا رائعة؛ ثلاثة جياد، وعربةً بديعة الطلاء، فضلًا عن كأسٍ جميلة تستطيع أن تسكُب منها السكائب للآلهة الخالدين، وتذكُرني جميع أيام حياتك.» تيليماخوس يقبل هدايا مينيلاوس ويسأله الرحيل عندئذٍ رد عليه تيليماخوس الحكيم قائلًا: «يا ابن أتريوس، لا تحجزني هنا مدةً طويلة؛ فإنني، والحق يُقال، أُسَر للبقاء في قصرك عامًا دون أن أتوق إلى رؤية بيتي ووالدي؛ إذ أجد لذةً عجيبة في سماع حكاياتك وحديثك، ولكن رفاقي ينتظرونني في بولوس المقدسة، بينما أنت تحجزني هنا مدةً طويلة. أما الهدايا التي تُزمِع تقديمها لي، فلتكن كنوزًا، وأما الجياد فلن آخذها إلى إيثاكا، بل سأتركها لك هنا لتتمتع بها؛ فأنت سيد هذا السهل الفسيح، الزاخر باللوتس، والخلنجان والقمح والشوفان، والشعير الأبيض العريض السنابل، أما في إيثاكا، فليس هناك ممرات ولا طرقٌ فسيحة تتسع لها، ولا أية مروج؛ فهي مرعى المعيز أكثر منها مرعى للجياد؛ فما من جزيرةٍ وسط البحر تصلح لتربية الخيول، ولا يمكن أن تكون غنية بالمروج، ولا سيما إيثاكا التي هي أقلها جميعًا.» هكذا تكلَّم، فابتسم مينيلاوس، الماهر في صيحة الحرب، وربَّت عليه بيده، وخاطبه قائلًا: «حقًّا إنك لمن دمٍ نبيل، أيها الطفل العزيز؛ إذ أراك تتكلم بهذه الطريقة؛ وعلى ذلك سأُغير هذه الهدايا التي سأُعطيكها؛ فهذا في مقدوري؛ فمن بين سائر الهدايا المخزونة في بيتي ككنوز، سأُعطيك أجملها وأغلاها، أعطيك طاسًا لمزج الخمر، رائع الصنع. إنه من الفضة الخالصة، وحافاته مطلية بالذهب، صنعة هيفايستوس Hepheastus،٢٥ وأعطانيه المحارب فايديموس Phaedimus، … Sidoniar عندما آواني بمنزله لما جئتُ إلى هنا، والآن عقدت …» هكذا طَفِقا يتبادلان الحديث، وفي ذلك الوقت أقبل المدعوون إلى قصر الملك المبجَّل، يسوقون أمامهم خرافًا، ويُحضرون معهم خمرًا مُقوِّية، وأرسلَت لهم زوجاتهم ذوات الخمار الجميلة، خبزًا؛ وعلى ذلك كانوا ينعمون بالوليمة في ساحات القصر. العُشَّاق ينزعجون لرحيل تيليماخوس أما العُشَّاق المغازلون، فكانوا يمرحون أمام قصر أوديسيوس، يقذفون الجلَّة والرمح في مكانٍ مُستوٍ، كما اعتادوا أن يفعلوا في سماجةٍ وعجرفةٍ نابعَين من القلب. وكان بينهم أنتينوس ويوروماخوس، شبيها الآلهة، وزعيما أولئك العشاق، اللذان يفوقانهم شجاعة وإقدامًا، فاقترب منهما نويمون Noemon، ابن فرونيوس Phronius، وسأل أنتينوس بقوله: «أيا أنتينوس، هل تعلم عن يقينٍ أم تُراك لا تعلم أبدًا متى يعود تيليماخوس من بولوس الرملية؟ لقد رحل، في إحدى سفني، وأنا أحتاج إليها الآن لأَعبُر بها البحر إلى إليس Elis الفسيحة؛ حيث لي اثنتا عشر فرسًا ولودًا، تَرضَع أثداءها بغالٌ قوية لم تُستخدَم بعدُ، فأريد أن أُحضِر واحدًا منها إلى هنا وأستخدمه.» ما إن قال هذا، حتى دُهش الزعيمان في فؤادَيهما؛ إذ لم يدُرْ بخلدهما قط، أن تيليماخوس قد ذهب إلى بولوس النيلية Neleian Pylos، بل ظنًّا أنه بمكانٍ ما في ضياعه، وسط القطعان، أو مع راعي الخنازير. فقال أنتينوس بن يوبايثيس: «قل الحق يا هذا، متى رحل، وأي شبانٍ ذهبوا معه؟ أهم من شباب إيثاكا المختارين، أم مأجورون، أم من عبيده؟ وهل استطاع أن يقوم حتى بهذا؟ وصارحني القول بصدق، كي أعرف كل شيءٍ تمامًا، هل استطاع أن يأخذ سفينتَك بالقوة وعلى غير إرادتك، تلك السفينة السوداء، أم أعطيتَها له طائعًا مختارًا بمحض إرادتك عندما توسل إليك؟» فأجاب نويمون بن فرونيوس، قائلًا: «لقد أعطيتُها له، بنفسي، طائعًا مختارًا، فهل يستطيع أحدٌ أن يفعل غير ما فعلتُه عندما يرجوه رجلٌ مثله، قد أثقلَت الهموم قلبه؟ كان من العسير رفض الهدية. وإن الشبان الذين صَحِبوه في الرحلة لأنبلُ مَن في البلاد بعدنا، وقد لاحظت بينهم واحدًا على ظهر السفينة، كقائدٍ لهم، يشبه مينتور، أو كأنه إلهٌ يشبه مينتور تمام الشبه. وما أعجب له، هو أنني رأيتُ مينتور العظيم هنا في فجر أمس الباكر، ولكنه في ذلك الوقت ركب سفينته قاصدًا بولوس.» ما إن أتم حديثه ذاك، حتى انصرفَ إلى بيت أبيه. أما قلبا هذَين الشامخَين فقد استشاطا غضبًا، وأمرا العُشَّاق المغازلين في الحال، بأن يكفُّوا عن مبارياتهم ويجلسوا، وقام أنتينوس بن يوبايثيس، مستاءً يتحدَّث وسطهم، وقد تملَّك الحنق من قلبه الأسود حتى الثُّمالة، والشرر يتطاير من عينَيه، فقال: «ويلٌ له، الحق أن تيليماخوس يُزمع القيام بعملٍ من أعمال الوقاحة، في رحلته تلك، التي ما كنا نحسب أنه سيستطيع إتمامها؛ فرغم كوننا هنا جميعًا، رحل ذلك الصبي في هدوء، مُنزلًا السفينة إلى الماء، ومنتقيًا خير ما في البلاد من رجال. لقد بدأ شيئًا فشيئًا، يكون مجلبةً للشر، وإنني لأتمنى أن يُحطِّم زوس قُوَّتَه قبل أن يبلُغ مبالغ الرجال. والآن هيَّا، أعطوني سفينةً سريعة وعشرين رجلًا، حتى يُمكِنني أن أكمُن له وهو يمر في المضيق الواقع بين إيثاكا وساموس الوَعْرة، وبهذا تنتهي الرحلة التي قام بها بحثًا عن أبيه شر نهاية.» هكذا تكلَّم، فنالت كلماته تقريظ الجميع، الذين طلبوا منه أن يُنجز فورًا ما انتَواه. وفي الحال نهضوا جميعًا وذهبوا إلى منزل أوديسيوس. بينيلوبي تعلم بخطَّة العشاق ضد ابنها لم تَمضِ مدةٌ طويلة حتى علِمَت بينيلوبي بالخطَط التي كان يحكيها العشاق في قرارة قلوبهم؛ فإن الرسول ميدون Medon، الذي كان يسمع مؤامراتهم وهو يقف خارج الساحة، وهم في داخلها يُدبِّرون خطتهم، كان يُسِر إليها بكل شيء؛ ومِن ثَمَّ ولج الساحة كي يحمل الأنباء إلى بينيلوبي، فما إن خطا عتبة الباب، حتى تحدَّثَت إليه بقولها: «أيها الرسول، لِمَ بعث بك المغازلون الأمجاد؟ هل لتأمر خادمات أوديسيوس الجليل بالكَفِّ عن أشغالهن، ويبدأن لهؤلاء بإعداد وليمة؟ لا مغازلة بعد ذلك، ولا أي زواج في مكانٍ آخر، فهل لهم الآن أن يأدبوا هنا مأدبتهم الأخيرة، وحتى أنتم يا من تحتشدون هنا وتُبدِّدون أموالًا طائلة، من ثروة تيليماخوس العاقل. لا شك أنكم لم تسمعوا أبدًا، في سالف الأزمان، عندما كنتم أطفالًا، وعندما كان يحكي آباؤكم أي لونٍ من الرجال كان أوديسيوس بين أولئك الذين أنجبوكم، وأنه لم يقترف إثمًا أو خطأً قَط في حق أي فرد من مواطني البلاد، سواء بالقول أو بالفعل، كما كانت عادة الملوك الأجلاء، يكرهون رجلًا، ويحبون آخر، ولكنه لم يظلم أي رجل على الإطلاق، وإنما عقولكم وأفعالكم غير المشروعة، هي الواضحة كل الوضوح للعيان، ولن يُقدِّم أي فردٍ ثناءً على أية أعمالٍ حسنة لكم.» هدف الخطة قتل تيليماخوس فأجابها ميدون، ذو القلب الحكيم، بقوله: «أرجو، أيتها الملكة، أن يكون هذا هو أقصى ما ابتُليتِ به من شَر؛ لأن هناك أمورًا أخرى أمر وأدهى وأكثر إيلامًا من هذه، يحيكها العُشَّاق المغازلون، أمورًا أتمنَّى ألا يُكلِّلها ابن كرونوس بالنجاح. لقد بيَّتوا النية على قتل تيليماخوس بحد السيف البتار وهو في طريق عودته إلى الوطن؛ لأنه ذهب يستقي الأخبار عن أبيه، إلى بولوس المقدسة، وإلى لاكيدايمون العظيمة.» ما إن قال هذا، حتى وهنَت ركبتاها وهي جالسة، وغاص قلبها، وصمتَت مدةً طويلة، وترقرقَت الدموع في مقلتَيها واحتبس صوتها، ثم تكلَّمَت أخيرًا قائلة: «أيها الرسول، لِمَ ذهب ابني؟ لم تكن به حاجة للسفر فوق ظهور السفن العريضة السريعة، التي يستخدمها البشر مطية البحر، وتعبُر اليم المترامي الأطراف. ألم يكن لاسمه أن يظل باقيًا وسط الرجال؟» فأجابها ميدون، الحكيم القلب، يقول: «لستُ أعلم، يا سيدتي، ما إذا كان قد اضطَره إلى ذلك إلهٌ ما، أم أنه ذهب من تلقاء نفسه إلى بولوس، ليستطلع الأنباء عن عودة أبيه، أو عن المصير الذي لاقاه.» بينيلوبي تلوم خادماتها هكذا تكلَّم وانصرف من منزل أوديسيوس، فغمرها الحزن بلواعجه، ذلك الحزن الذي يفتك بالروح، ولم تستطع الجلوس بعد ذلك على أيٍّ من المقاعد الكثيرة بالحجرة، بل ارتمَت خائرة القوى فوق عتبة حجرتها الجميلة البناء، وهي تتأوَّه كمدًا، فراحت خادماتها ينتحبن حولها، كلُّ من في البيت، من فتياتٍ وعجائز، فقالت بينيلوبي وهي تبكي: «أي صديقاتي، اسمعن ما أقول؛ فقد قدَّر لي الأوليمبي أن أقاسي الأحزان أكثر من جميع لِدَاتي، اللواتي ربين ووُلِدن معي. منذ زمنٍ بعيد فقدتُ زوجي النبيل، ذا قلب الأسد، المتفوق في كل ما يرفع من قيمة المرء بين الدانيين، زوجي النبيل، الذي طبَّقَت شهرته أنحاء هيلاس، وخلال أرجوس. وها هي ذي الرياح العاتية تجرف ولدي الحبيب بعيدًا عن قصرنا دون أن نعلم عنه شيئًا أو عن رحيله. ما أقساكن! ألم تفكِّر واحدةٌ منكن في أن تُوقظني من فراشي؛ حيث إنكن تعلمن حق العلم، متى رحل فوق ظهر السفينة السوداء الوسيعة؟ فلو علمتُ بإزماعه الرحيل، لما غادر هذا البيت مهما كان تلهُّفُه إلى السفر، وإلا لتركني فاقدة الحياة في هذا القصر. والآن، لتسرع إحداكن فتستدعي إليَّ دوليوس Dolius، خادمي العجوز، الذي أعطانيه أبي يوم جئتُ إلى هنا، والذي يقوم بحراسة حديقتي الوافرة الأشجار، كي ينطلق من فوره إلى لايرتيس ويخبره بجميع هذه الأحداث؛ فربما استطاع لايرتيس أن يُدبِّر في قلبه أمرًا، ويتوسل باكيًا إلى الشعب الذي ينتوي أن يقضي على جنسه، وعلى جنس أوديسيوس شبيه الإله.» اعتراف يوروكليا بذنبها عندئذٍ أجابتها المربية الجليلة يوروكليا بقولها: «سيدتي العزيزة، يحق لك أن تقتليني بالسيف، عديم الرحمة، أو تدَعيني أبقى بالمنزل؛ فلن أُخفي عنك شيئًا. كنت أعرف كل هذا، وأعطيتُه كل ما أمرني به، من خبز وخمرٍ حلوة، ولكنه أخذ عليَّ عهودًا ومواثيقَ شديدة، ألا أخبرك حتى يحل اليوم الثاني عشر على الأقل، أو إذا افتقدتِه أنت من تلقاء نفسك، أو سمعتِ برحيله، وذلك كيلا تُشوِّهي بشرتك الناعمة بالبكاء. والآن، هيا استحمي والبسي رداءً نظيفًا، ثم اصعدي إلى غرفتك العليا مع خادماتك وصلي لأثينا، ابنة زوس، حامل الترس، لتنقذه من الموت. ولا تُزعجي عجوزًا مثقلًا بالهموم؛ فعلى ما أظن، ليس معشر ابن أركايسيوس Arceisius ممقوتًا لدى الآلهة المباركة، بل سيظل هناك واحد، يقبض على زمام القصور ذات السقوف المرتفعة، والحقول الغنية النائية.» بينيلوبي تصلي والعشاق يصخبون ما إن قالت هذا، حتى هدأَت ثائرة بينيلوبي، وكفكَفَت دموعها، ثم قامت فاغتسلَت، وتسربلَت برداءٍ نظيف، وصَعِدَت إلى حجرتها العليا مع خادماتها، وبعد أن وضعَت بعض حبات من الشعير في سفطٍ، راحت تُصلي إلى أثينا بقولها: «يا ابنة زوس، حامل الترس، أصغي إلى صلاتي، يا من لا يتطرق التعب إلى جسمك، بحقِّ ما أحرقَه لك أوديسيوس الكثير الحيل، في ساحاته، من قِطع أفخاذِ عِجلةٍ أو نعجةٍ سمينة، أتوسَّل إليكِ أن تتذكَّري هذه الأشياء الآن، وتهُبِّي لنجدة ولَدي العزيز، وجنِّبيه شر مؤامرة المغازلين.» هكذا تكلَّمَت، وأرسلَت الصيحة المقدسة، فسَمِعَت الربة صلاتها. بيد أن العُشَّاق انفجروا صاخبين في سائر أنحاء القاعات الظليلة، فقال أحد الشبان المتغطرسين: «حقًّا إن الملكة التي يُغازِلها الكثيرون، تتأهَّب لزواجنا، ولا تعرف على الإطلاق أن الموت في انتظار ولدها.» وهكذا كان أحدهم يتكلَّم، غير أنهم لم يعرفوا كيف ستسير تلك الأمور، فخاطب أنتينوس جمعهم قائلًا: «أيها السادة الأمجاد، كُفُّوا عن عبارات الزهو، أيًّا كان نوعها، خشية أن ينقل شخصٌ ما حديثكم إلى داخل البيت. هلُموا ننطلق في صمت، ونقوم بتنفيذ خطَّتنا، التي أدخلت السرور إلى قلوبنا جميعًا.» العُشَّاق يُعدُّون سفينة وبينيلوبي في حجرتها حزينة هكذا تكلَّم، واختار عشرين رجلًا، من خيرة الجمع، وانطلقوا في طريقهم إلى شاطئ البحر حيث السفينة السريعة؛ فأول عملٍ قاموا به، هو أن سحبوا السفينة إلى اليم العميق، ورفعوا الصاري، وثبَّتوا الشراع في السفينة السوداء، وربَطوا المجاذيف فيها بسيور من الجلد، في نظامٍ بديع، ونشروا الشراع الأبيض. وأحضر لهم السادة المتغطرسون أسلحتهم، وأنزلوا السفينة وربطوها في المرسى ثم تركوها هم أنفسهم، وذهبوا يتناولون طعام العشاء، وانتظروا حتى أقبل المساء. أما بينيلوبي الحكيمة، فرقَدَت في حجرتها العليا دون أن تذوق أي طعام، سواء أكان لحمًا أو شرابًا، وكان جل فكرها منحصرًا في ولدها، هل سينجو من الموت، أم سيقتله العشاق الوقحون، فكانت كأسدٍ وقع في وسط جمعٍ من الرجال فظل نهبًا للخوف، وهم يُضيِّقون عليه الخناق. هكذا كانت مُبلبلة الأفكار عندما داعب النوم اللذيذ عينَيها، فارتمت إلى الوراء ونامت، وارتخت جميع أطرافها. أثينا تزور بينيلوبي في صورة طيف بعد ذلك، انتقلَت الربة، أثينا ذات العينَين المتألقتَين، إلى خطةٍ أخرى، فصنعَت طيفًا في صورة امرأة كأنه إفثيمي Iphthime، ابنة إيكاريوس العظيم القلب، زوجة يوميلوس Eumelus الذي كان يسكن في فيراي، ثم أرسلت ذلك الطيف إلى قصر أوديسيوس، إلى بييلوبي وسط بكائها ونحيبها، ليأمرها بالكَفِّ عن البكاء وذَرْف الدموع، فدخل إلى الحجرة من ثقب المفتاح، ووقف إلى جانب رأسها، وتحدَّث إليها بقوله: «يا بينيلوبي، أتنامين حزينة القلب؟ كلا، إن الآلهة التي تعيش في رخاء، لن تُحمِّلكِ مشقة البكاء، ولن تجعلك تعيسة؛ لأن ابنك سيعود إليك؛ إذ هو بريءٌ أمام الآلهة من كل إثم.» بييلوبي تُبدي مخاوفها للطيف ثم أرسلَت ذلك الطيف إلى قصر أوديسيوس، إلى بينيلوبي وسط بكائها ونحييها. عندئذٍ ردَّت عليه بينيلوبي الحكيمة، وهي تنعم بنومٍ لذيذ جدًّا، على أبواب الأحلام، فقالت: «لِمَ أتيتِ إلى هنا، يا أختاه؟ لم يسبق أن قدمتِ قبل الآن إلى منزلنا؛ لأنك تسكُنين بعيدًا عنا، وإنك لتأمرينني بأن أكُفَّ عن البكاء والأحزان وكلِّ ما يكدر صفو عقلي وقلبي. لقد مضت مدةٌ طويلة منذ أن فقدتُ زوجي النبيل، ذا قلب الأسد، المُبرِّز في كل عمل يزين المرء وسط الدانيين، زوجي النبيل الذي بلغ صيتُه هيلاس، وأنحاء أرجوس. وها هو ذا ابني الحبيب، يرحل في سفينةٍ واسعة، وهو لا يعدو أن يكون طفلًا، لا يعرف شيئًا عن مشاقِّ السفر ولا ما يقاسيه الرجال؛ لذا تجدينني حزينة، أكثر من حزني على زوجي،٢٦ وإن قلبي لينفظر من أجله، وأخاف أن يصيبه مكروه، سواء في بلاد القوم الذين ذهب إليهم أو في عرض البحر؛ لأن هناك أعداءً كثيرين يحيكون المؤامرات لاغتياله، ويتحرَّقون شوقًا إلى قتله قبل أن يعود إلى وطنه.» والطيف يُشجِّعها ثم ينصرف فأجاب الطيف القاتم، قائلًا: «تشجَّعي ولا تفكِّري في أي خوف، طالما أن مرشدةً كبالاس أثينا، تقف إلى جانبه، تلك التي كثيرًا ما توسَّل الرجال إليها لكي تقف إلى جانبهم، وإنها لتُشفقُ عليكِ من ذلك الحزن، فأرسلَتني لأُخبركِ بهذا.» فقالت بينيلوبي الحكيمة: «إن كنتِ حقًّا إلهة، وأصغيتِ إلى صوت إله، تعالي، خبِّريني، كذلك عن ذلك التعيس، ألا يزال حيًّا يرى ضوء الشمس، أم قد مات وذهب إلى بيت هاديس؟» فأجابها الطيف القاتم، بقوله: «كلا، لن أُحدِّثك عن هذا بكلمةٍ واحدة، سواء أكان حيًّا أم في عداد الأموات. إنه لإثمٌ أن أقول كلامًا لا جدوى منه، كالريح.» قال الطيف هذا وانسحب خارجًا من ثقب الباب إلى مهب الرياح، فاستيقظَت ابنة إيكاريوس من نومها، وقد هدأ قلبها مطمئنًّا؛ إذ رأت تلك الرؤيا الواضحة، وهي في ظلمة الليل.٢٧ العشاق يتربصون ليتليماخوس أما العشاق فنزلوا إلى السفن، وأقلعوا فوق البحر، وهم يُضمِرون في قلبهم اغتيال تيليماخوس، فكمنوا له فوق جزيرةٍ صخرية وسط البحر، في منتصف الطريق ما بين إيثاكا وساموس الوعرة المسالك، هي جزيرة أستيريس Asteris، الصغيرة الرقعة، حيث يوجد ميناءٌ صالح لرسُو السفن، له مدخل على كلتا ناحيتَيه. في ذلك الميناء تلكَّأ الآخيون وكمنُوا في انتظار تيليماخوس. ١ ربة الحب والجمال عند الإغريق. ٢ أي «سريعة». ٣ ربما كان المعدن المقصود هنا، سبيكة من الذهب والفضة. ٤ يكتفي النص اليوناني بقوله: «إن الدهشة لتتملَّكُني وأنا أُمعن النظر.» ٥ هكذا فهم أرسطو النص، بيد أن هيرودوتوس، على النقيض فسَّر المعنى بقوله: «سرعان ما تبدأ في إظهار القرون.» ويتفق يوستاثيوس Eustathius، مع هيرودوتوس في هذا المعنى «منذ أن تُولد». ٦ هي ربَّة الصيد وعذراء الصيادين المتردِّدة على الغابات والتلال والسهول. ٧ توخَّينا إضافة عبارة «وتأجَّج الحقد في نفسه» رغم عدم تواجُدها بالنص اليوناني لعدم إخلالها بالمضمون الهومري؛ فما هي إلا تكرارٌ لمدلول العبارة السابقة لها. ٨ أي ميمنون Memnon، قائد الإثيوبيين. ٩ يترجمها البعض: «بعد العشاء». ١٠ من المحتمل أن يكون المعنى، «سيكفي لذلك». ١١ أي حصان طروادة الخشبي. ١٢ أحد قادة الطرواديين، ومن المفضَّلين عند هكتور. تزوَّج هيلينا بعد موت باريس، ولكن هيلينا قادت مينيلاوس بعد سقوط طروادة إلى حجرة دايفوبوس، وبذلك خانَتْه ليُعذَّب ويُقتل. ١٣ يُفهَم من سياق الكلام أن الخادم قاد الضيفَين إلى مكان الفراش، بيد أن النص اليوناني يخلو من العبارة: «إلى مكان الفراش». ١٤ يوحي إليك النص اليوناني أن كان للظبية صغيران. ١٥ أو من المحتمل «نهر أيجوبتوس» Aegyptus؛ إذ لم يكن لدى هوميروس اسمٌ آخر لنهر النيل. ١٦ تستخدم الصفة «أسود» للمياه في الأماكن العميقة، حيث لا يستطيع الضوء أن يصل إليها، وللمياه التي تتساقط فوق صخرةٍ مغطَّاة بالطحالب. ١٧ رجلٌ مسن من رجال البحر خاضع لبوسايدون، وحارس لقطعانه من عجول البحر، وله موهبة التنجيم والقدرة على التشكُّل بأي شكلٍ يختارة ومن بينها النار. ١٨ الترجمة الحرفية: «نهاية محددة». ١٩ الترجمة الحرفية: «يظهر». ٢٠ أي طعام الآلهة. ٢١ إلى أن نقبل العرف الذي يجعل وطن ثويستيس (وأيجيسثوس) في كوثيرا Cythera (رغم أن أجيسثوس كان في ذلك الوقت في موكيناي Mycenae) يجب أن نفهم هذه العبارة على أنها تعني «الرأس الأرجولي» والرأس هنا جبل داخل في البحر. ٢٢ أي «بعباراتٍ حازمة». ٢٣ الترجمة الحرفية: عنوة. ٢٤ ابن زوس وشقيق مينوس. يُرمز إليه في بعض القصص كمساعدٍ خاضع للملك مينوس في كريت، وفي بعضها الآخر كملكٍ على جزر البحر. ويُصوَّر على الدوام كمؤسس للقوانين والإجراءات الشرعية، وكقاضٍ عادل. وقد عُين قاضيًا في العالم السفلي بعد وفاته أو ربما دون أن يذوق سكرات الموت. ٢٥ أحد آلهة أوليمبوس العظام، هو رب النار وابن زوس وهيرا. ٢٦ الترجمة الحرفية: «على ذلك الآخر». ٢٧ الكلمة هنا مشكوك في معناها وغير موثوق من تركيبها اللغوي اليوناني. الأوديسة
الأنشودة الخامسة زوس والآلهة يتشاورون لمع الفجر من مرقده بجوار تيثونوس Tithonus١ النبيل، لكي يحمل الضوء إلى الخالدين والبشر. وكان الآلهة جالسين يتشاورون فيما بينهم، وفي وسطهم زوس الذي يُرعِد عاليًا، ذو القوة الفائقة. وكانت أثينا تُحصي لهم محن أوديسيوس العديدة، وهي تستعيدها في ذاكرتها؛ لأنه كان مما أزعجها، أنه يقيم في مسكن الحورية، فقالت: وكانت تنمو حول الكهف غابةٌ جميلة، غنية بأشجار الحور والسرو الذكي الرائحة … «أبي زوس، ويا أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، حذار، من الآن فصاعدًا، أن تبُثُّوا الشفقة والرحمة في قلب ملكٍ ذي صولجان، إياكم أن تجعلوه يلزم جانب العدل في فؤاده، بل اجعلوه قاسي القلب، ظالمًا على الدوام؛ فما من رجل يتذكر أوديسيوس الجليل، من بين الشعب الذي كان سيدًا عليه، رغم أنه كان لهم كوالدٍ يعطف عليهم. إنه الآن يقيم في جزيرة، يقاسي آلامًا مُبرِّحة، في قصر الحورية كالوبسو، التي تحتجزه كرهًا، وهو لا يستطيع العودة إلى وطنه؛ لأنه لا يملك سفنًا ذات مجاذيف، ولا زملاء يُرافِقونه في سفره فوق ظهر البحر الفسيح. والآن قد دبَّروا أمرهم على قتل ابنه الحبيب، وهو في طريقه إلى الوطن؛ لأنه ذهب إلى بولوس المقدسة، وإلى لاكيدايمون العظيمة، يستطلع الأخبار عن والده.» فأجابها زوس، جامع السحب، قائلًا: «طفلتي، ما هذه الكلمة التي أفلتَت من بين شفتَيك! ألم تتدبَّري، أنتِ نفسك، هذه الخطة، حتى يستطيع أوديسيوس أن ينتقم من أولئك الرجال عند عودته؟ أما تيليماخوس، فيُمكنكِ إرشاده بحكمتك كي يصل سالمًا إلى وطنه، ويعود المغازلون في سفنهم مدحورين.» هكذا تكلَّم ثم قال لهيرميس، ابنه العزيز: «أي هيرميس، بما أنكَ كنتَ رسولنا من قبلُ، فلتذهب الآن وتُعلِن قرارنا للحورية الجميلة الجدائل، ألا وهو عودة أوديسيوس ذي القلب الثابت، ليس بمعونة الآلهة أو البشر، بل على ظهر طَوفٍ متين، مقاسيًا الأهوال، فيصل في اليوم العشرين إلى سخيريا Scheria الخصبة،٢ أرض الفياكيين Phaeacians، أقرباء الآلهة. وسيُبدي هؤلاء له كل تبجيل كما لو كان إلهًا. وسوف يبعثون به في سفينة إلى وطنه العزيز، بعد أن يعطوه كثيرًا من البرونز والذهب والملابس، يفوق ما كان يغنمه أوديسيوس لنفسه من طروادة لو عاد سالمًا واحتفظ بنصيبه من الغنائم؛ فهكذا قُدِّر له، أن يرى أصدقاءه، ويصل إلى بيته ذي السقف المرتفع، وإلى وطنه.» هيرميس يطير إلى كالوبسو ما إن قال هذا حتى لبَّى الرسول، أرجايفونتيس،٣ أمره، فلبس في الحال في قدمَيه صندلَيه الجميلَين، الخالدَين الذهبيَّين، اللذَين طالما حملاه عَبْر مياه البحر، وخلال البلاد المترامية الأطراف، في سرعةٍ دونها هبَّات الرياح. وتناول العصا التي يُنيم بها عيون من يشاء، كما يُوقِظ بها آخرين من النوم أيضًا، فطار أرجايفونتيس القوي، وهذه في يده، فوق بييريا Pieria، هابطًا من الفضاء العلوي، وانحدَر هاويًا إلى البحر، مسرعًا فوق اللُّجَج الصاخبة أشبه بغُراب البحر، الذي يُبلِّل ريشه السميك بالماء والملح وهو يبحث عن السمك فوق الدوَّامات الهائلة لليمِّ الزاخر، فركب هيرميس الأمواج العديدة، في صورته هذه. ولمَّا بلغ الجزيرة النائية، خرج لِتوِّه من البحر البنفسجي إلى البَر، وانطلَق في سبيله حتى وصل إلى كهفٍ كبير، كانت تُقيم فيه الحورية الجميلة الغدائر، فوجدها في داخله تشعل نارًا تتأجج في المدفأة، وكان يفوح من بعيد أريج نبات السدر والعرعر، المقطوعَين وهما يحترقان. أما الحورية فكانت في داخل الكهف تُغنِّي بصوتٍ رخيم، وهي تذَرع المكان جيئة وذهابًا أمام المنول، تنسج بمكوكٍ ذهبي. وكانت تنمو حول الكهف غابةٌ جميلة، غنيةٌ بأشجار الحور والسرو الذكي الرائحة، حيث اعتادت جوارح٤ الطير أن تبني عشاشها، من بوم وصقور، وغربان البحر ذات الألسنة الثرثارة، التي لا تنفك تعمل فوق البحر. وحول الكهف كَرمٌ كثيف مُحمَّل بالعناقيد الكثيرة في ريعان كبريائه. وكانت هناك أربع نافوراتٍ في صَفٍّ واحد، واحدة بقرب الأخرى، ينبثق منها الماء صافيًا. كما كانت هناك مروجٌ ناضرة من النرجس والعرعر فوق ذلك الخالد، الذي تصادَف مجيئه في تلك الآونة، مشدوهًا مدهوشًا مبتهجًا. هناك وقف الرسول أرجايفونتيس، يتعجَّب، وبعد أن أبدى تعجُّبه من كل شيء في قرارة نفسه خطا في الحال داخل الكهف الفسيح، ولم تعجز الربة الجميلة، كالوبسو عن معرفته عندما أبصرته وجهًا لوجه؛ لأن الآلهة تعرف بعضها البعض الآخر، مهما كان مسكن أحدهما قصيًّا، ولكنه لم يجد أوديسيوس، العظيم القلب بالداخل؛ لأنه كان جالسًا يبكي فوق الشاطئ، كما كانت عادته، مُعذِّبًا روحه بالدموع والأنين والأحزان، وكان يتطلع إلى البحر الصاخب وهو يذرف الدموع السواجم. وبعد أن أجلَسَت كالوبسو، الربَّة الفاتنة، هيرميس فوق كرسيٍّ لامع برَّاق، سألَتْه قائلة: «أي هيرميس، يا ذا الصولجان الذهبي، ما سبب مجيئك، أيها الضيف النبيل الذي نُرحِّب بمَقدمِه؟ فلم يسبق أن جئتنا من قبلُ، هاتِ ما عندك؛ فإنني على استعداد لتنفيذه، إن كان في حدود مقدوري، وإذا كان أمرًا ممكن التنفيذ. والآن هيا معي، حتى أُقدِّم لك وليمة.» كالوبسو تستضيف هيرميس وصل أوديسيوس إلى كهفٍ كبير كانت تقيم فيه الحورية الجميلة الغدائر. قالت الربَّة هذا، ثم وضعَت أمامه مائدةً حافلة بالأمبروسيا، ومزجت النكتار٥ الوردي. وهكذا شرب الرسول أرجايفونتيس، وأكل. وبعد أن تناول كفايته من الطعام، ردَّ عليها وخاطبها بقوله: «إنك أيتها الربة تسألينني، أنا الإله، عن سبب مجيئي إليك، وعلى ذلك سأقضي إليك بالحقيقة، وأكون صريحًا معك، طالما قد طلَبتِ مني ذلك. إنه زوس الذي أمرني بالمجيء إلى هنا ضد رغبتي؛ فمن ذا الذي يستطيع بمحض إرادته أن يسرع عَبْر هذا الخِضَم الفسيح من ماء البحر الملح، الذي يفوق الوصف؟ كما أنه ليست هناك مدينةٌ قريبة للبشر، يُقدِّمون فيها للآلهة الذبائح والنذور المئوية المنتقاة. غير أنه ليس لأي إلهٍ آخر أن يعصي أوامر زوس أو يُخيِّب رجاءه، فيقول زوس، حامل الترس، إن لديكِ هنا رجلًا بائسًا أشد البؤس وأمضَّه، أكثر من أي محاربٍ ممن قاتلوا لمدة تسع سنين حول مدينة بريام، وفي السنة العاشرة نهبوا المدينة ورحلوا عائدين إلى الوطن. بيد أنهم في أثناء الطريق، اقترفوا إثمًا ضد أثينا، فأرسلت ضدهم ريحًا صرصرًا عاتية، وأمواجًا صاخبة،٦ فهلَك بقية رفقائه العظام، أما هو فقد حملته الريح والأمواج وقذفت به إلى هنا. إن زوس يأمركِ الآن بأن تُخلِّي سبيله، وتُرسليه في طريقه بمنتهى السرعة؛ فليس مكتوبًا له أن يَهلِك هنا بعيدًا عن أصدقائه، ولكن ما زال من نصيبه أن يرى أصدقاءه، ويبلغ منزله ذا السقف المرتفع ويصل إلى وطنه.» كالوبسو تُعدِّد مثالب الآلهة ما إن أفضى إليها بهذا الكلام، حتى ارتعدَت، تلك الربة الفاتنة كالوبسو، وخاطَبتْه بعباراتٍ مجنحة، قائلة: «ما أقساكم، أيها الآلهة، وما أسرع حسدكم أكثر من غيركم! حيث إنكم تحقدون على الربَّات عندما يرغبن في الزواج من البشر علانية، وعندما تتخذ إحداهن رجلًا كرفيقٍ لها في فراشها العزيز، فلما اتخذَت ربَّة الفجر، الوردية الأنامل، أوريون٧ زوجًا لها، حَقَدتُم عليها، أنتم معشر الآلهة الذين تَحْيَون في كامل الهناءة، فهاجمَتْه أرتيميس في أروتوجيا Ortygia، تلك الربة ذات العرش الذهبي، بساهمها الرقيقة٨ وقتلَتْه. كذلك عندما استسلَمَت ديميتير Demeter،٩ ذات الغدائر الفاتنة، لعواطفها، واضطجَعَت مع أياسيون Iasion،١٠ في الأرض المحروثة ثلاثَ مرات، لم يَمضِ وقتٌ طويل حتى علم زوس بذلك، فضربه بصاعقته اللامعة وقتلَه. وهنا أنتم الآن، أيها الآلهة، من جديدٍ تحقدون عليَّ؛ لبقاء رجلٍ من البشر في جزيرتي. لقد أنقذتُه عندما جُرف من السفينة؛ إذ ضرب زوس سفينتَه السريعة بصاعقته المتألقة، فحطَّمها وسط ظلمة البحر القاتم كالخمر. هناك باد جميع زملائه العظام، أما هو فقد حملَتْه الرياح والأمواج وجاءت به إلى هنا، فرحَّبتُ بمقدمِه، وقدَّمتُ له الطعام، وقلتُ له إنني سأجعله خالدًا، لا يعرف الشيخوخة طوال جميع أيامه. غير أنه طالما لا يستطيع قَط أي إلهٍ أن يَعصِي أوامر زوس، الذي يحمل الترس، أو يُخيِّب رجاءه، فلينصرف هذا الرجل في سبيله عَبْر البحر الصاخب، إذا كان زوس قد أمر بذلك، ولكني لست أنا، التي تقوم بحراسته؛ إذ لا أملك سفنًا ذات مجاذيف، ولا رجالًا يُرسِلونه في طريقه عَبْر ظهر البحر الفسيح. بيد أنني بُنَيةٌ خالصة، سأُقدِّم له المشورة، ولن أُخفي عنه شيئًا، حتى يمكنه أن يعود إلى وطنه بسلام.» عندئذٍ رد عليها الرسول، أرجايفونتيس، من جديد، بقوله: «إذن، فلتُرسليه الآن فورًا، ولتحذري غضَب زوس، لئلا يستشيط غيظًا، وينفذ غضبه فيكِ فيما بعدُ.» إفراج كالوبسو عن أوديسيوس ما إن قال أجايفونتيس القوي هذا الكلام، حتى انصرف، فانطلقَت الحورية الجليلة إلى أوديسيوس العظيم القلب، بعد أن عَلِمَت برسالة زوس، فوجدَت أوديسيوس١١ جالسًا على الشاطئ، يَذرِف الدموع من عينَيه بلا انقطاع، وقد أخذَت حياته الحلوة تذوي؛ إذ كان يتحرق شوقًا للرجوع إلى وطنه؛ لأن الحورية، لم تكن بأية حال موضعَ غبطة ناظرَيه. وكان عليه أن ينام بالليل إلى جوار الحورية الراغبة في الكهوف الفسيحة، رغمًا منه وضد إرادته، أما بالنهار فكان يجلس فوق الصخور والرمال، مُعذِّبًا نفسه بالعَبرات والأنين والهموم، وكان يتطلع إلى البحر الصاخب، ويتحسَّر١٢ ذارفًا الدموع؛ عندئذٍ اقتربَت منه الربة الفاتنة، وقالت له: «يا هذا الرجل الشقي، ما عاد لك أن تغتَم بعد الآن، بربك وما عاد لحياتك أن تذوي ههنا؛ لأنني سأبعث بك الآن، بقلبٍ راضٍ في سبيلك. تعال الآن، واقطع بالفأس كتلًا خشبية طويلة، واصنع لك طَوفًا عريضًا، وثبِّت عليه ألواحًا خشبية بعَرضه، كي تكون مطيةً قوية تحملكَ عَبْر البحر الداجي.١٣ ولسوف أضع لك عليه خبزًا وماءً وخمرًا صهباء تُشبع قلبك، وتدرأ عنك غائلة الجوع. كما أنني سأُمدُّك بالكساء، وأُرسل لك ريحًا هادئة تدفع الطوف١٤ من خلف، ليُمكِنك العودة إلى وطنك سالمًا، كما هي إرادة الآلهة الذين يحتلُّون السماء المترامية الأجواز؛ لأنهم أقوى مني في كلٍّ من الغاية وتحقيقها.» أوديسيوس … في شك هكذا قالت، فارتجف أوديسيوس العظيم، الذي يتحمل كثيرًا، وخاطبها بألفاظٍ مُجنحة، قائلًا: «لا بد أن يكون هناك شيءٌ آخر تدبرينه، أيتها الربة، وليس رحيلي؛ إذ أراك تأمرينني بعُبورِ هوة البحر السحيق فوق طوف، ذلك الخِضَم الزاخر الصاخب، الذي لا تستطيع حتى السفن الجميلة، السريعة السير، أن تعبُره بسرور في رياح زوس، ولكني لن أضع قدمي فوق طوفٍ رغمًا منك، إلا إذا أقسمتِ أيتها الربة بأنكِ لن تُدبِّري ضدي أية محنٍ جديدة.» وكالوبسو تطمئنه بعد أن قال هذا، ابتسمَت الربة الحسناء، كالوبسو، وربَّتَت عليه بيدها، وقالت: «حقًّا، إنك لخبيث، ولست بحالٍ ما عاجزًا عن الفهم والإدراك؛ لأنني أراك قد فكَّرت في النطق بهذه العبارة. إذن فلتكن الأرض، والسماء الفسيحة في العلا، ومياه الستوكس Styx١٥ المتدفِّقة إلى أسفل، شهيدةً على قولي، هذه التي هي أعظمُ وأرهبُ قسمٍ للآلهة المباركين، بأنني لن أحيك ضدك أي سوءٍ جديد فيه إيذاء لك. كلا؛ فليس في نيتي مثل هذه الأفكار، بل على عكس، سأُمِدُّك بالنصائح كما لو كانت لنفسي، إذا ما حاقت بي مثل هذه المصائب؛ إذ إنني ذات عقلٍ راجح، وقلبي الكامن في صدري زاخر بالرحمة والشفقة، ولم يُقَدَّ من حديد.» عبارات الوداع بين الحبيبَين ما إن قالت الربَّة الحسناء هذا، حتى انطلَقتْ في الطريق بسرعةٍ وراح هو يتبع خطواتها، حتى وصلا إلى الكهف الفسيح، الربة والرجل، وجلسا فوق المقعد الذي غادره هيرميس، ثم وضعَت الحورية أمامه جميع ألوان الطعام ليأكل ويشرب، من صنوف الأطعمة التي يأكل منها البشر. أما كالوبسو نفسها، فجلَستْ قبالة أوديسيوس الجليل، وقدَّمَت لها الإماء الأمبروسيا والنكتار. وهكذا مدَّا أيديهما إلى الطعام الشهي الموضوع أمامهما، وبعد أن تناولا كفايتهما من الطعام والشراب، كانت كالوبسو، الربة الفاتنة، هي البادئة بالحديث فقالت: «يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، الآن قد آن لك أن تُبحر فورًا إلى بيتك، وإلى وطنك العزيز. وستُبحر إلى هناك سالمًا. بيد أنه لو عَرفَ قلبك ما ينتظرك من عذاب، مُقدَّر لك أن تقاسيه قبل بلوغ وطنك، لآثرتَ البقاء هنا، ولزمتَ كهفي هذا معي، وأصبحتَ من الخالدين إلا أن رغبةً جامحة ملحة تتملكك، لرؤيتك زوجتك التي تتوق إليها يومًا بعد يوم. وإنني لأُعلن عن نفسي، أنني لست بحالٍ ما، دونها جمالًا ولا قوامًا؛ إذ لا يليق قَط أن تتحدَّى نساءُ البشر الخالداتِ في الهيئة والفتنة.» عندئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أيتها الربة القوية، أرجو ألا تغضبي مني لأجل هذا؛ فإنني أنا نفسي أعرف تمامًا أن بينيلوبي الحكيمة أقل منك فتنة وقوامًا؛ لأنها من البشر وأنت خالدة لا تصيبك الشيخوخة، ولكني بالرغم من هذا، أتوق إلى بلوغ بيتي، ويوم عودتي، لحظة بعد لحظة. وإذا حدث أن إلهًا ما، ضربَني وأنا في طريقي وسط البحر القاتم كالخمر، احتملتُ الضربة راضيًا، طالما كان في صدري قلبٌ يتحمل الآلام؛ فقد سبق أن قاسيتُ الكثير، وجاهدتُ وسط اللجج وفي ساحة القتال،١٦ فلنُضِف ما سيحدث إلى ما سبق حدوثه.» بعد أن قال هذا، غَربَت الشمس وخيَّمَت الظلمة، فذهب كلاهما إلى أقصى مخبأ في الكهف الفسيح، وتمتَّعا بكئوس الحب مترعة، فرقَد كلٌّ منهما بجانب الآخر. خطة رحيل أوديسيوس ما إن هتك الفجر المبكر الوردي الأنامل حُجُب الظلام، حتى أسرع أوديسيوس فارتدى قميصًا وعباءة، وتسربلَت الحورية في ثوبٍ فَضفاضٍ أبيضَ أنيقٍ قد أُحكِم نسجه، وشدَّت خصرها النحيل بحزامٍ جميل من الذهب الإبريز، ووضَعَت على وجهها خمارًا. بعد ذلك شَرعَت في وضعِ خطة رحيل أوديسيوس، العظيم القلب، فأعطته فأسًا كبيرة تُناسب يدَيه كل المناسبة، فأسًا من البرونز، حادَّة الطرفَين، ذات مقبضٍ جميل من خشب الزيتون، قد ثُبِّت إليها وثيقًا، ثم أعطته كذلك معزقةً مشحوذةً لامعة. وبعدها، سارت في طريقها إلى تخوم الجزيرة، حيث تقوم الأشجار الباسقة، أشجار الحور والشربين، شامخةً برءوسها نحو السماء، طويلةً جافة، ومجفَّفة من عصيرها الخلوي، وبذا يمكنها أن تطفو بخفَّة على سطح الماء،١٧ من أجله. وما إن دلَّتْه كالوبسو، الربة الجميلة على موضع الأشجار السامقة، حتى عادت أدراجها إلى بيتها، بينما أخذ أوديسيوس يقطع الأخشاب، حتى تقدَّم في عمله هذا بسرعة، فقطع عشرين شجرةً كاملة، وشذَّبها وسوَّاها بالفأس. بعد ذلك راح يصقُلها بمهارة، ويُسوِّيها حتى غدت مستقيمةً تمامًا. وفي تلك الأثناء، أحضَرتْ إليه الربة كالوبسو الحسناء أزاميل، شرع يَحفِر بها قِطع الأخشاب ويُثبِّت كل واحدةٍ منها بالأخرى. كما راح يصلها ببعضها بواسطة الأسافين والتعشيق، وبالطَّرق كان يضمُّها سويًّا. وكالرجل الماهر في فن النجارة، الذي يُحدِّد انحناء هيكلِ سفينةِ نقل، ذات اتساعٍ عريض، أخذ أوديسيوس يصنع طَوفه عريضًا، ثم ثَبَّت قوائم ظهر الطَّوف، مُعشِّقًا إياها في الدعامات المتراصَّة المتقاربة. وهكذا طَفِق يشتغل بجِد، حتى انتهى من الطوف الطويل الحافات. بعد ذلك ثبَّتَ في الطوف صاريًا ودعامةً مستعرضة تُمسِك الصاري، وزيادةً على ذلك صنع لنفسه مِجذافًا مُوجهًا يستطيع بواسطته أن يقود الطوف. وبعد هذا أحاط الجميع من الجؤجؤ إلى المؤخرة، بحاجزٍ من أغصان الصفصاف لتدرأ عنه الأمواج، وفرشَه بكميةٍ كبيرة من أوراق الأشجار.١٨ كما أحضَرتْ له كالوبسو، الربة الجميلة، منسوجًا ليصنع لنفسه منه شراعًا، فصَنَع هذا بمهارة أيضًا، وثبَّتَ الطوف بالأربطة والحبال والألواح، ثم أنزله إلى البحر اللامع بواسطة الروافع.١٩ أوديسيوس في البحر ثانية أقبل اليوم الرابع، وقد أتَمَّ أوديسيوس عمله. وفي اليوم الخامس أرسلَته كالوبسو الفاتنة في طريقه من الجزيرة، بعد أن غسَّلَته وألبسَتْه ثوبًا عَبِق الرائحة، ووضَعَت الربة فوق الطوف قِربةً من الخمر الصهباء القاتمة، وقِربةً أخرى كبيرةً من الماء القُراح، وكيسًا مملوءًا بالزاد، به كميةٌ وافرة من الأطعمة الشهية حتى لا يجوع، كما أرسلَت خلفه ريحًا رقيقة دافئة. وهكذا بَسَط أوديسيوس العظيم شراعه للنسيم مغتطبًا، فجلس يقود طَوفه بمهارة بمجذاف القيادة، ولم يُداعب النوم جَفنَيه وهو يراقب البلاياديس Pleiads،٢٠وبوتيس Bootes، التي تأفُل متأخرًا، والدب Bear الذي يُطلِق عليه الناس اسم الوين Wain، الدائم الدوران في مكانه وهو يُراقب أوريون، والذي هو الوحيد، عديم النصيب في حمامات المحيط؛ فقد أخفَت كالوبسو، الربة الحسناء، هذا النجم، ليلزم الجانب الأيسر، وأوديسيوس يشُقُّ طريقه وسَط العُباب، فظل سبعة عشر يومًا يُبحر فوق سطح اليَم، حتى إذا كان اليوم الثامنَ عشَر ظَهرتْ أمامه الجبال الظليلة لبلاد الفياكيين؛ إذ كانت أقرب ما تكون منه، فبدَت وسط البحر الكثيف الضباب، كأنها ترس. بوسايدون يثير الأمواج ضده بيد أن مزلزل الأرض المجيد، كان عائدًا من لدُن الإثيوبيين، فأبصره من بعيد، من جبال سولومي Solymi؛ إذ شاهَد أوديسيوس وسط البحر،٢١ فغلا مرجلُ غيظه في روحه أكثر وأكثر، وهَزَّ رأسه، وقال في قلبه: «تبًّا لهم، لا بد أن الآلهة قد غيَّرتْ رأيها بخصوص أوديسيوس، بينما كنتُ أنا عند الإثيوبيين، ويا للعجب! إنه قريبٌ من جزيرة الفياكيين، حيث كُتب له أن ينجو من القيود الضخمة للَّعنة التي نزلَت به. كلا، فإنني على ما أظن سوف أقوده إلى طوفان من الشر.» قال هذا وجمَع السحب، وأمسك شَوكَته ذات الشعاب الثلاث في يدَيه، وعكَّر بها صفو البحر، وأثار جميع هبَّات مختلف الرياح جميعًا، وبالسُّحُب أخفى البَر والبحر على السواء، فهجَمَت جحافل الليل هابطة من السماء، فانقضَّت الريح الشرقية والريح الجنوبية، والريح الغربية العاصفة الهبوب والريح الشمالية، المولودة في السماء اللامعة، وأخذَت جميعها تُرسل أمامه لجَّةً عاتية؛ عندئذٍ ارتخت ركبتا أوديسيوس وذاب قلبه، وإذ أُثير حنَقه إثارةً بالغة، خاطب روحه القوية، فقال: «ويحي، أنا التعيس! ماذا عساه يقع لي أخيرًا؟ إن أَخوَف ما أخافه حقًّا أن يكون جميع ما قالته الربة صحيحًا؛ إذ أعلنَت لي أنني سأُلاقي ذؤابة الأهوال في البحر قبل أن أصل إلى وطني، وللعجب، يتحقق كل ذلك الآن. بمثل هذه الطريقة، ملأ زوس السماء الفسيحة بالسحب، وأثار هياج البحر،٢٢ وهبَّات جميع أنواع الرياح ضدي، والآن لا مفر لي من هلاكٍ شامل. لقد بُورك الدانيون ثلاثة مرات، نعم بُوركوا أربع مرات. أولئك الذين هلكوا من قبلُ في أرض طروادة الفسيحة، من أجل مَسَرة أبناء أتريوس. ليتني هلكتُ كذلك، ولقيتُ حتفي في ذلك اليوم الذي أمطرتني فيه حشود الطرواديين وابلًا من الرماح البرونزية السنان، وهم يقاتلون حول جثة ابن بيليوس Peleus؛٢٣ عندئذٍ كنتُ قد حظِيتُ بالمراسم الجنائزية، وكان الآخيون قد طيَّروا صيتي في جميع الآفاق، أما الآن فقد كُتب عليَّ أن تكون نهايتي هذه الميتة البائسة.» طوف أوديسيوس يتحطم وبينما كان يقول لنفسه هذا، ضربته الموجة الضخمة من فوق، وانقضَّت عليه بعنفٍ بالغ، فدار به الطوف، وارتمى من فوقه، وأُسقِط مجذاف القيادة من يده، ومن شدة هبَّات الرياح العاصفة العديدة، تُحطِّم الصاري نصفَين، وسقَط الشراع والدعامة بعيدًا في البحر. أما أوديسيوس نفسه،٢٤ فقد أبقَته اللُّجَّة في الأعماق طويلًا. ولم يستطع أن ينهض من فَورِه من تحت هجمة الموجة القوية؛ إذ كانت الملابس التي زوَّدَته بها كالوبس الفاتنة، ثقيلة تحمله إلى أسفل. وأخيرًا ظهر إلى سطح البحر، وأخرج من فمه المياه الملحَة المُرَّة التي كانت تتدفَّق من رأسه في سيول، ولكنه مع ذلك لم ينس طوفه، رغم ما كان فيه من الأهوال، بل أسرع خلفه وسط الأمواج، وأمسك به، ووثَب عليه وجلس في وسطه، محاولًا النجاة من مصير الموت، بينما كانت لجَّةٌ عاتية تحمل الطوف هنا وهناك، وكما تحمل الريح الشمالية، في الخريف، عناقيد الحَسَك وسط السهل، فيتعلَّق بعضها بالبعض الآخر، هكذا أيضًا طَفِقَت الرياح تحمل الطوف وتقذفُ به إلى هذا الجانب وذاك فوق رقعة البحر،٢٥ فتارةً كانت الريح الجنوبية تُطوِّح به إلى الريح الشمالية، قاذفةً إياه إلى الأمام، وطورًا تُسلمُه الريح الشرقية من جديدٍ إلى الريح الغربية لتقذف به، وهكذا دوالَيك.٢٦ أوديسيوس ينجو بخمار ولكن إينو Ino.٢٧ ابنة كادموس Cadmus،٢٨ الجميلة العقبَين، شاهدَتْه، إنها ليوكوثيا Leucothea،٢٩ التي كانت فيما مضى من البشر وتنطق بكلامهم، أما الآن فقد ذهبَت إلى أعماق البحر، وفازت من الآلهة بنصيب من المجد، فأحسَّت بالشفقة نحو أوديسيوس وهو يناضل وسط اللُّجَج بجهدٍ جهيد، فخرجَت من اليمِّ في صورة طائر النَّورس البحري باسطًا جناحَيه، وجلَسَت فوق الطوف المشدود القطع بإحكام، وخاطَبْته بقولها: «أيها الرجل التعيس، كيف أضمر بوسايدون، مزلزل الأرض، لك مثل هذا الحقد الدفين؛ إذ يبذر لك بذور شُرورٍّ عديدة؟ ولكنه، وايم الحق، بالرغم من ذلك الحقد، لن يستطيع إهلاكك. كلا، اعمل ما سأُخبرك به، وإنك على ما أظن لا ينقصك الفهم، اخلع عنكَ هذه الملابس، واترك طوفكَ تدفعه الأمواج، ثم اسبح بيدَيك مكافحًا وسط الأمواج حتى تبلغ أرض الفياكيين، حيث كُتبَت لك النجاة. هاك هذا الخمار، خذه ثم ابسُطه تحت صدرك. إنه خالد، ولا خوف عليك من المصائب أو الهلاك وهو معك. ومتى لمستَ البَر بيدَيك، اخلَعه عنك واقذف به في البحر القاتم كالخمر، بعيدًا عن اليابسة، مُولِّيًا ظهركَ نحو المكان الذي تقذفه فيه.»٣٠ قالت الربة هذا، وأعطته الخمار، ثم وثبت هي نفسها إلى البحر الصاخب في هيئة النورس البحري، فلفَّتها الأمواج الدكناء بين طياتها،٣١ فحار أوديسيوس العظيم كثير الاحتمال في أمره؛ إذ أُثيرت روحه العتيدة بعنف، فتحدث إلى نفسه يقول: «ويحي! لِمَ لا يكون أحدُ الخالدين يُدبِّر لي من جديدٍ مكيدةً جديدة؟ فهي تأمرني بمغادرة الطوف. كلا لن أطيع قولها على الفور؛ فالبَر الذي تأمرني بالسباحة إليه بعيدٌ عن عيوني، قصي. وإني لأرى أنه من الأفضل التشبُّث بالطوف طالما كانت أجزاؤه متماسكة، حيث سأقاسي الآلام والعذاب، حتى إذا ما هشَّمَتْه الموجة إربًا، سبَحتُ، طالما لا تكون ثَمَةَّ طريقةٌ أفضل.» بوسايدون يمضي في المطاردة وبينما هو في حَيْرته عقلًا وقلبًا، سلَّط عليه بوسايدون مزلزل الأرض، موجةً عاتية، فارتفَعَت إلى أعلى، ثم هوت مُنقضَّةً عليه. وكما تهُبُّ الريح العاتية على كَومة القشِّ الجاف فيتناثر بعضه هنا، والبعض الآخر هناك، هكذا أيضًا، فرَّقَت الموجة شمل ألواح الطوف الطويلة. بيد أن أوديسيوس اعتلى ظهر أحد الألواح كما لو كان يمتطي صهوة جواد، ونزع عن جسده الملابس التي كانت أعطَتْه إياها كالوبسو الفاتنة، وفي الحال بَسَط الخمار تحت صدره، وقذَف بنفسه وسط اللُّجج، ناشرًا ذراعَيه تأهبًا للعوم، فأبصر به السيد مزلزل الأرض، وهَزَّ رأسه وخاطب نفسه قائلًا: «طالما قد قاسيتَ الكثير من المتاعب، فلتذهب الآن هائمًا وسط هذا الخِصَم، حتى تصل إلى قومٍ يُبجِّلهم زوس. ومع ذلك فلستُ أعتقد أنك ستَسخر من آلامك بأية حال.» ما إن قال هذا حتى ضرب بالسوط جياده ذات الأعراف الجميلة، فبلغ إيجاي Aegae حيث يُوجد قصره الباذخ. ظهور أثينا فجأة أما أثينا ابنة زوس، فقد دبَّرتْ خطةً أخرى، فعرقلَت مسير الرياح الأخرى، وأمرَتْها جميعًا بالكَف عن الهبوب، وبالنوم لتستريح، ما عدا الريح الشمالية السريعة فقد أثارتها، فحطَّمتْ هذه الأمواج أمام أوديسيوس، سليل زوس كي يستطيع أن يصل إلى الفياكيين،٣٢ المغرمين بالتجذيف، وقد نجا من الموت ومن صروف المقادير. ظل أوديسيوس يومَين وليلتَين مندفعًا فوق سطح الأمواج العالية العاتية٣٣ وطالما توقَّع الهلاك في قرارة نفسه. غير أنه ما إن بزغ الفجر الجميل الجدائل منبئًا بمولد اليوم الثالث، حتى هدأَت الريح. وشَملَ البحرَ سكونٌ رقيق، فوقع بَصَر أوديسيوس على الشاطئ قريبًا، وهو يُلقي نظرةً عاجلة أمامه. وقد ارتفَعَت به موجةٌ عالية إلى فوق. وكما يُرحِّب الأطفال بنجاة أبيهم، الراقد في فراش المرض٣٤ يُقاسي أشد الآلام، وقد أنهك المرض جسمه لمدةٍ طويلة بسبب مهاجمة أحد الآلهة القساة له، غير أنه إكرامًا لخاطرهم تُنقِذه الآلهة من محنته. هكذا أيضًا كانت اليابسة موضع ترحيبِ أوديسيوس وغبطته، فأخذ يجد في السباحة متلهفًا إلى أن يطأ البَر بقدمه. غير أنه ما إن صار على مدى الصوت من الشاطئ، عندما يصيح المرء، وسمع دوي البحر وهو يرتطم بالصخور — إذ كانت الموجة العظيمة تزأر فوق اليابسة، مُنقضَّةً فوقها بصورةٍ فظيعة مُروِّعة، ولفَّ زبَد البحر كل شيء؛ إذ لم تكن هناك موانئ يُمكِن للسفن أن تَلِجها ولا طرق، بل مرتفعاتٌ ناتئة داخل البحر، وصخور وجروف — عندئذٍ وهنَت ركبتا أوديسيوس وذاب قلبه، وإذ بلغَت روحه التراقي، تكلَّم مخاطبًا نفسه العتيدة بقوله: «ويل لي، ما أتعسني! أعندما يمن عليَّ زوس أخيرًا، بأن أرى اليابسة، بعد أن فقدتُ كل أمل، وتغلَّبتُ على جميع الصعاب، فشقَقتُ طريقي خارجًا من تلك الهوة، لا يبدو لي في أي مكان، سبيلٌ إلى الخروج من هذا البحر السنجابي؟ فمِن الخارج الصخور حادةٌ صلبة، ومِن حولها تزأر اللُّجَّة وتُزبد، وتقف الصخرة عموديةً شامخة والمياه قريبة جدًّا من الشاطئ. حتى إنه ليتعذَّر عليكَ أن تقف ثابتًا بكلتا قدمَيكَ ناجيًا من الهلاك، فلو سعيتُ قاصدًا البَر، لأمسكَت بي موجةٌ عاتية وهشَّمَتني فوق الصخور الحادة، فيضيع كفاحي هكذا أدراج الرياح، ولكني إذا سبحتُ إلى مسافةٍ أبعد، أملًا في العثور على شواطئَ منحدرة،٣٥ وموانئ بحرية، خشيتُ أن تلحق بي الريح العاصفة ثانية، وتحملني وأنا أئن فوق اليم الزاخر أنينًا شديدًا، أو أن إلهًا ما قد يُسلِّط عليَّ وحشًا ضخمًا من جوف البحر — وإن أمفيتريتي Amphitrite٣٦ المجيدة لَتلدُ كثيرًا من أمثال هذه الوحوش — لأنني أعلم يقينًا أن مزلزل الأرض المجيد، يحقد عليَّ حقدًا بالغًا.» أوديسيوس يتعلق بصخرة وبينما هو مُتحيِّر هكذا، في عقله وقلبه، حملَتْه موجةٌ هائلة نحو الشاطئ الوَعْر. هناك كاد جلده يتسلَّخ، وعظامه تتحطَّم، لولا أن الربة، أثينا ذات العينَين النجلاوَين، وجَّهَت عقله وأملَت عليه خطَّة، فأسرع إلى الأمام يمسك بالصخرة بكلتا يدَيه، متعلقًا بها وهو يئن، إلى أن مرت الموجة العظيمة. وهكذا نجا من تلك اللُّجَّة، ولكنها وهي عائدة انقضَّت عليه مرةً أخرى، وجرفته بعيدًا إلى البحر. وكما يحدث إلى سمك السبيط عندما يُجرف من جحره، يتعلق بممصَّاته كثيرٌ من الحصباء، هكذا أيضًا تسلَّخَت من يديه قِطعٌ من الجلد على الصخور، وغطَّته الموجة الهائلة. وعندئذٍ حقًّا كاد أوديسيوس يقضي نحبه قبل أوانه، لو لم تُعطِه أثينا المتألقة الناظرَين سواء البصيرة، فشَقَّ طريقه بعيدًا عن الموجة حيث تدفَّقَت بقوة على الشاطئ، سابحًا إلى الخارج، متجهًا ببصره نحو البحر أملًا في أن يجد شواطئَ منحدرة، وموانئ بحرية، فوصل إلى مَصَبِّ نهرٍ معتدل الجريان؛ إذ بدا له أنه خير مكانٍ يناسبه؛ لأنه كان أملس الصخور، وبمنأًى عن مهب الرياح، فعَرفَ أوديسيوس النهر وهو يجري مُتدفقًا، وصلى له في قلبه قائلًا: «استمع إليَّ، أيها الملك، كائنًا من كنتَ، فها أنا ذا أقصدك كمن أتلهَّف إلى لقائه،٣٧ ساعيًا إلى النجاة من جوف البحر، من وعيد بوسايدون. وإن الرجل الذي يأتيك ضالًّا، لمحترمٌ أيضًا في عيون الآلهة الخالدين، كما أجيء إليك الآن، إلى مجراك وإلى ركبتَيك، بعد أهوالٍ عديدة ومشاقَّ كثيرة. هيا، اعطِف عليَّ، أيها الملك، فها أنا ذا أُعلن أنني أتضرَّع إليك.» البحر يهدأ … بالصلاة هكذا قال أوديسيوس، وفي الحال أوقَف ذلك الرب مجراه، وأمواجه، وجعل أمامه هدوءًا، وبعَث به إلى مصب النهر في سلام. كما جعل ركبتَيه تنثنيان، ويدَيه القويتَين ترتخيان؛ إذ كان البحر قد حطَّم روحه. وتورَّم جميع لحمه، وتدفَّقَت مياه البحر غزيرةً من فمه وفتحتَي أنفه. وهكذا رقد أوديسيوس مبهور الأنفاس غير قادرٍ على الكلام، لا يكاد يجد القوة على التحرك؛ إذ قد حل به تعبٌ رهيب. بيد أنه عندما أحَسَّ بانتعاش روحه، وعادت أنفاسه إلى صدره، من جديد، خلع عن صدره خمار الربة، وتركَه يسقُط في النهر الذي كان يُزمجر صوب البحر، فحملَته الموجة العظيمة عائدةً به إلى البحر. وفي الحال، تلقَّفَته إينو بيدَيها. أما أوديسيوس، فبعد أن عاد من النهر، خرج واستلقى بين عيدان الغاب، وقبَّل التربة مانحة الغلال، وإذ اعتَملَت في نفسه العاطفة الشديدة، خاطب نفسه العتيدة بقوله: «ويحي! ويلي! ماذا سيحُل بي بعد ذلك؟ ماذا عساه أن يُصيبني في آخر الأمر؟ فإذا كان لي أن أبقى هنا، في مجرى النهر، متيقظًا طوال الليل المُتعِب، فإنني أخشى أن يقهرني الصقيع القارس والندى الحديث، في نفس الوقت الذي استَردَدتُ فيه روحي من بين ذلك الضعف، والنسيم يهُبُّ باردًا من النهر، في الصباح الباكر. أما إذا تسلَّقتُ المنحدر إلى الغابة الظليلة، واستلقَيتُ لأستريح وسط الأحراش الكثيفة، عسى أن أنفُض عني البرد والتعَب، وحط عليَّ النوم اللذيذ، فإنني أخاف أن أُصبح فريسةً ولقمةً سائغة للوحوش الضارية.» أوديسيوس يرقد ليستريح وبينما هو في تفكيره، رأى من الأفق أن يشق طريقه إلى الغابة، فوجدها قريبة من الماء في الخلاء الفسيح، فأخذ يزحَف تحت شُجيرتَين كانتا ناميتَين في بقعةٍ واحدة؛ إحداهما شُجيرة حَسَك، والأخرى شُجيرة زيتون. وخلال هاتَين لم يكن في مقدور الرياح البليلة أن تهُب، ولا أشعة الشمس أن تنفُذ بينهما، ولا الأمطار أن تتسلَّل خلالهما؛ إذ كانتا متلاصقتَين تمامًا، متشابكتَي الأغصان، فزحف أوديسيوس تحت هاتَين، وجمع بيدَيه في الحال فراشًا عريضًا؛ لأن الأوراق الساقطة كانت وفيرةً هناك، تكفي لإيواء رجلَين أو ثلاثة، في فصل الشتاء، مهما كان الطقس قاسيًا، فأبصر بهما أوديسيوس، الكثير الاحتمال، واغتبط ورقَد في الوسط، وغطَّى نفسه بالأوراق الساقطة. وكما يُغطِّي المرء جذوة نار بالرماد القاتم في حقلٍ منعزل، حيث لا يوجد حوالَيه جيران، فيدَّخر تلك الجذوة حتى لا يُضطَر إلى الحصول على النار من مصدرٍ آخر، هكذا أيضًا غطَّى أوديسيوس نفسه بالأوراق. وسَكبَت أثينا النوم فوق جفنَيه لكي يستطيع إقفالهما، فيتخلَّص من تعبه المُضني. ١ ابن ملك طروادة. كان جميلًا «يافعًا» فأحبَّتْه ربة الفجر وأنجبَت منه ولدَين. ٢ الترجمة الحرفية: العميقة التربة. ٣ لقب لهيرميس، رسول الآلهة. ٤ يقول النص: «الطير طويلة الأجنحة». ٥ شراب الآلهة. ٦ الترجمة الحرفية: ريحًا شريرة وأمواجًا طويلة. ٧ عملاقُ قوي وصيادٌ رائع الجمال. يُقال إنه اكتسب من والده القدرةَ على السير عَبْر البحر. ٨ المقصود هنا أن الميتة كانت بلا ألم. ولقد استُخدم هذا التركيب في هذه الفقرة تعبيرًا عن الموت المرسل من لدُنْ إله أو إلهةٍ حانقة. ٩ هي ربة البقول والفاكهة والبذر والحصد، بل الزراعة عامة. ولمَّا كانت الزراعة مهد المدينة اعتُبرتْ أيضًا ربَّة القانون والنظام والزواج. ١٠ ابن زوس. أحبَّتْه ديميتير فأنجب منها بلوتوس، فقتله زوس لذلك بإحدى صواعقه. ١١ الترجمة الحرفية: «فوجدته». ١٢ لا وجود لهذه الكلمة بالنص اليوناني. ١٣ الترجمة الحرفية: عَبْر الأعماق الكثيفة الضباب. ١٤ لا وجود لعبارة: «تدفع الطيف» بالنص اليوناني فأضفناها لأن المعنى يتطلب ذلك. ١٥ نهر رئيسي في العالم السفلي. وكان اسمه مقدسًا عند الآلهة أنفسهم، حتى إنهم كانوا يستخدمونه عند حلفان اليمين. ١٦ الترجمة الحرفية: وفي الحرب. ١٧ الترجمة الحرفية: وبذا يمكنها أن تطفو بخفَّة. ١٨ معنى هذه العبارة غير معروف بالضبط. وقد افترض المعلقون أن معناها هو: «ألقى حصًى كثيرًا»، ولكن يبدو أن هذا غير معقول. وهناك من يعتقد أن المقصود لم يكن إلا لتزويد أوديسيوس بفراشٍ وثير. ١٩ من المحتمل: «أسطوانات خشبية متدحرجة» لنقل الأثقال فوقها. ٢٠ بنات أطلس، عددهن سبع، وقد كن زميلاتِ ربة الصيد في كل صيدٍ، حوَّلَهن زوس إلى يماماتٍ ثم وضعهن بين النجوم. ٢١ الترجمة الحرفية: إذ شُوهِد أوديسيوس بواسطته مبحرًا وسط البحر. ٢٢ الترجمة الحرفية: وأثار البحر. ٢٣ أي أخيل. ٢٤ الترجمة الحرفية: أما هو نفسه. ٢٥ الترجمة الحرفية: فوق البحر. ٢٦ أضفنا عبارة: «وهكذا دواليك» من عندنا، فالنص اليوناني لا يذكرها. ٢٧ ابنة كادموس وهارمونيا من طيبة. وقد جلَبتْ على نفسها حقد وكراهية هيرا زوجة زوس كبير الآلهة. ٢٨ عندما حمل زوس بوروبا أرسل أبوها أخاها كادموس ليبحث عنها، وأمره ألا يرجع بدونها. ولمَّا بحث طويلًا دون جدوى لجأ إلى استشارة الكاهن، فأخبره أن يتبع بقرة سيقابلها، وأن يبني مدينة في المكان الذي تقف فيه. وسريعًا ما وجد كادموس البقرة، فقادته إلى بيوتيا. ولمَّا استعد لتقديمها ذبيحة أرسل رجاله إلى نبع ماءٍ قريب فلم يرجع منهم أحد، فذهب بنفسه يستطلع الخبر فوجد أن ثعبانًا ضخمًا قتل جميع الرجال. ولمَّا كان يجهل أن الثعبان من نسل الآلهة قتل الأفعوان بعد قتالٍ عنيف ساعدَتْه فيه الربَّة أثينا، ثم زرع أسنان الثعبان بإرشاد أثينا فبرز في الحال رجالٌ مسلحون تطاحنوا فيما بينهم حتى قُتلوا جميعًا، ما عدا خمسةً منهم ساعدوا كادموس في بناء كادميا Cadmia قلعة طيبة الحصينة الحديثة. ٢٩ اسم إينو بعد أن صارت ربة البحر، ومن خصائصها أنها كانت تساعد المسافرين بحرًا في أوقات الخطر. ولمَّا أشرف أوديسيوس على الهلاك بحرًا، أعطته زنَّارًا يحزمه تحت صدره كي يظل عائمًا لو حدث وتحطَّمَت سفينته. ٣٠ الترجمة الحرفية: «موليًا ظهرك». ٣١ الترجمة الحرفية: «فأخفتها الموجة الداكنة». ٣٢ الترجمة الحرفية: كي يستطيع أن يصل الفياكيين. ٣٣ الترجمة الحرفية: الأمواج المتضخمة. ٣٤ الترجمة الحرفية: الراقد في علَّة. ٣٥ يُحتمل أن يكون المقصود بها: «شواطئ تتلقى الأمواج بانحراف». ٣٦ زوجة بوسايدون أي ملكة البحر. ويُقال إنها انزعجَت من غزل بوسايدون وهربَت، ولكن بوسايدون أرسل دلفينًا يبحث عنها ويُحضرها إليه ثانيةً كي تعيش معه كزوجة. ٣٧ أو: «كمن تُقدَّم له الصلوات الكثيرة». الأوديسة
الأنشودة السادسة بيد أن ابنة ألكينوس، هي وحدها التي بَقِيَت ثابتة في مكانها لم تهرب. أثينا تزور ناوسيكا في مخدعها ومِن ثَمَّ رقد أوديسيوس العظيم الكثير الاحتمال، وقد أنهَكَه التعب وغلبه النوم. أما أثينا فذهبَت إلى أرض الفياكيين١ ومدينتهم. وكان هؤلاء قد استوطنوا منذ القِدَم في هوبيريا Hypereia الفسيحة، بالقرب من الكوكلوبيس، أولئك القوم الذي بلغَت بهم الغطرسة نهايتها، فكانوا يغيرون باستمرار على الفياكيين، ويسلبونهم أموالهم، وكانوا أعتى منهم، فقد نقلهم ناوسيثوس Nausithous٢ شبيه الإله، وظل يقودهم حتى استقَر بهم في سخيريا Scheria النائية عمن يعيشون بعرق جبينهم، فأقام حائطًا حول المدينة، وشَيَّد بيوتًا ومعابد للآلهة، وقسَّم الحقول، غير أنه لقي حتفه، قبل الآن، ورحل إلى بيت هاديس، فخلَفه الملك ألكينوس Alcinous، وجعلَته الآلهة حكيمًا سديد النصح والمشورة، فذهبَت الربة أثينا ذات العينَين النجلاوَين إلى بيته، لتدبر أمر عودة أوديسيوس الجريء القلب، فدخلَت إلى حجرةٍ بديعة البناء، حيث كانت ترقُد العذراء ناوسيكا Nausicaa٣ ذات الجمال البارع الفتان، ابنة ألكينوس الباسل، أشبه ما تكون بالربات الخالدات، هيئة وحسنًا وروعة، وكانت تنام بالقرب منها خادمتان فاتنتان، وهبَتْهما الجمال ربَّاتُ الحسن Graces؛ كل واحدةٍ منهما إلى أحد جانبَي قائمِ بابِ مخدَع الأميرة، وكانت الأبواب المصقولة مغلقة. بيد أن الربَّة نفذَت إلى مخدَع الأميرة العذراء، كهبَّة من الهواء، ووقفَت إلى جانب رأسَها من فوق، وتحدَّثَت إليها في صورة ابنة دوماس Dymas،٤ الذائع الصيت بسُفنه، وكانت ابنتُه فتاةً في نفس سن ناوسيكا، ومن المقرَّبات إلى قلبها. وبعد أن اتخذَت الربة صورتها، تحدَّثَت أثينا البَرَّاقة العينَين، إليها بقولها: «يا ناوسيكا، كيف أنجبَتْك أمكِ فتاةً مستهترة، عديمة الاكتراث بشيء؟ إن ثوبك البَرَّاق مُلقًى بإهمال، مع أنكِ على أبواب الزواج، وستجدين نفسك مضطرة إلى ارتداء أجمل ثيابك، كما يجب أن تُلبِسي تابعاتك ثيابًا جميلة أيضًا. إن مثل هذه الأمور، كما تعلمين، مصدرُ ذيوع الصيت الجميل بين الناس، كما تشرح صدر الأب والأم المبجَّلة. هيا يا فتاتي، تعالي، هلُم بنا عند مطلع الفجر ننطلق لنَغسِل الملابس، وسأكون في صحبتكِ لأساعدك، حتى تستطيعي تجهيز نفسكِ بسرعة؛ فإنك لن تظلي عَذراءَ طويلًا. وها هم مغازلوك كثيرون في طول البلاد وعَرْضها، من أشرف سائر الفياكيين الذين تنحدر منهم سلسلةُ نسبك. هيا، أيقظي أباكِ النبيل مبكرًا هذا الصباح، كي يُعِد لك العربة والبغال، لتحمل الأحزمة والأثواب والأغطية الزاهية. كما أنه لا يليق بكِ أن تذهبي ماشيةً على قدمَيك؛ لأن أحواض الغسيل نائية جدًّا عن المدينة.» ما إن قالت الربة، أثينا البَرَّاقة العينَين، ذلك الكلام، حتى انطلَقَت عائدةً إلى أوليمبوس موطن الآلهة، الذي يقولون إنه راسخ في موضعه إلى الأبد، فلا تهزه الرياح، ولا تُبلِّله الأمطار، ولا يسقط الثلج فوقه، بل يحيط به الهواء صافيًا، خاليًا من الغيوم والسحب، ويلفُّه سناء لآلاء، يمرح فيه الآلهة المباركون طيلة أيامهم، فإلى هناك ذهبَت الربة المتألِّقة العينَين بعد أن أفضَت إلى الفتاةِ بكامل أقوالها. ناوسيكا تعمل بمشورة أثينا سرعان ما انبثَق الفجر الجميل العرش، وأيقظ ناوسيكا الجميلة الهندام، فتذكَّرتْ حُلْمها في الحال، وعَجبَت منه فانطلقَت وسط القصر لتُخبر أبوَيْها؛ والدها العزيز وأمها، فوجدَتْهما هناك داخل البيت. كانت أمها جالسةً أمام الوطيس مع خادماتها، تغزل صوفًا أرجواني اللون. أما أبوها فقد التقت به وهو في طريقه إلى المجلس ليجتمع بالملوك الأمجاد، حيث قد استدعاه الفياكيون، فاقتربَت من أبيها العزيز وابتدَرتْه بقولها: «أبتاه العزيز، ألا يمكن أن تُعِد لي عربة، متينة، عالية العجلات، لأذهب إلى النهر كي أغسل ثوبي المُلْقى هنا قذرًا؟ وإنه لأَليَق بك أيضًا وأنت بين الأمراء في المجلس أن تكون ملابسك نظيفة، كما أن لك خمسةَ أبناء يعيشون في ساحاتك — منهما اثنان متزوجان، وثلاثةٌ عزبٌ أقوياء — فهؤلاء يرغبون دائمًا في ارتداء أنظف الثياب المغسولة حديثًا، عندما يذهبون إلى المراقص. إذن وجب عليَّ أن أفكر في إعداد كل ذلك.» هكذا قالت الفتاة الحسناء؛٥ إذ خَجلَت من ذكر موضوع الزواج المفرح٦ لأبيها، بيد أنه فهم كل شيء، ورد عليها بقوله: «ليست البغال بعزيزة عليك، يا طفلتي، ولا أي شيءٍ آخر. دونكِ وما أزمعتِ القيام به، فسيُعِد لك الخدم عربة، متينة العجلات عاليتها، مزوَّدةً بصندوق فوقها.» ناوسيكا تغسل الملابس مع الوصيفات ما إن قال الملك هذا،٧ حتى نادى الخدَم، فلبَّوا النداء، وهُرعوا إلى خارج القصر يُعِدُّون عربةً تجرُّها بغالٌ سريعة الجري، وجاءوا بالبغال فربطوها إلى العربة، وأحضَرت الفتاة ثوبها المتألق من حجرتها، فوضَعَته فوق عربتها اللامعة، بينما أعدَّت أمها صندوقًا ملأته بجميع صنوف الطعام حتى لا تشعر ابنتها بالجوع. لقد وضَعَت به أشهى وألذَّ الأطعمة، وملأَت قِربةً من جلد الماعز بالخمر، وعندئذٍ صَعِدَت العَذْراء إلى ظهر العربة. كما أعطَتْها أمها قارورةً من الذهب مليئةً بزيت الزيتون الخالص، كي تستعمله ابنتُها وخادماتُها في الاستحمام، فأمسكَت ناوسيكا بالأعنَّة البَرَّاقة، وبالسوط، وألهبَت به ظهور البغال، فانطلقَت بالعربة، تعدُو بأقصى سرعتها، مُحدثةً صليلًا في أثناء عدوها، وهي تجُر العربة التي تحمل الثوب والعذراء. ولم تكُن الفتاة وحدها، بل كانت بصحبة خادماتها. ظَلَّ الركب في طريقه حتى بلغ تيَّارات النهر الجميلة، حيث كانت أحواض الغسيل التي لم ينضُب معينها قط — إذ كانت المياه الصافية الرقراقة تتدفَّق غزيرة، مندفعة إلى أعلى، فتعمل على نظافة الثياب، مهما كانت قذرة — هناك خلَّت الخادمات عن البغال، وسرن بحذاء النهر ذي الدوَّامات، حيث تركنها ترعى الحشائش المائية التي كانت كالعسل حلاوة، وأخذن الثوب من العربة في أيديهن، وحمَلْنه إلى الماء القاتم، فغمَسْنه في الأخاديد، وقد انهمكَت كلٌّ منهن تُنافس الأخرى. وبعد أن فرغن من غسل الأثواب، ونظَّفْنها من جميع الأوساخ، بسَطْنها في صفوف على شاطئ البحر، حيث كانت الأمواج ترتطم باليابسة فتجعل الحصى نظيفًا غاية النظافة، ثم اغتسلن وتعَطَّرن جيدًا بالزيت، وبعد ذلك تناولن الطعام على ضفَّة النهار، وانتظرن حتى تجف الملابس في أشعة الشمس الساطعة. وبعد أن نلن قسطًا وافرًا من الطعام، الأميرة وخادماتها، خلعن عذارهن، وشرعن يلعبن بالكُرة. وكانت ناوسيكا الناصعة الذراعيين، رائدتهن في الغناء.٨ وكانت أرتيميس القواسة تجوس خلال الجبال، بحذاء حافات تاوجيتوس Taygetus الشاهقة، أو إرومانثوس Erymanthus، مسرورة بمطاردة الخنازير البرية والظباء السريعة، وكان يصحبها في رياضتها هذه حوريات الغابة، بنات زوس، حامل الترس، وليتو٩ مسرورة القلب — وكانت هامة أرتيميس وجبينها يعلوان فوقهن جميعًا؛ ولذا كان يمكن التعرُّف عليها في سهولة، رغم فَرْط جمالهن كلهن — ومِن ثَمَّ وقفَت العذراء، غير المتزوجة، تتلألأ بهاءً وسط خادماتها. أوديسيوس يستيقظ على صرخات الوصيفات ما إن همَّت الفتاة تربط البغال إلى العربة، وتطوي الثوب الرائع، لتعود إلى قصرها، حتى فكَّرت الربة، أثينا ذات العينَين الساطعتَين، في خطَّةٍ أخرى، وهي أن تُوقِظ أوديسيوس، فيرى العذراء الفاتنة المُحيَّا، التي ستقوده إلى مدينة الفياكيين. وعندئذٍ قذفَت الأميرة الكرة إلى إحدى وصيفاتها، فإذا بها تُخطئ طريقها، فلا تصل إلى الوصيفة، بل إلى الدوامة العميقة، فصَرخَت الفتيات جميعًا بصوتٍ مرتفع، فاستيفظ أوديسيوس العظيم، واعتدل جالسًا، وحار في فكره وقلبه قائلًا لنفسه: «ويحي! إلى بلاد مَن من البشر قد ساقَتْني المقادير؟ أهم قساة، مُتوحِّشون ظالمون؟ أم أنهم يُحبون الأغراب ويخافون الآلهة في قرارة أنفسهم؟ لقد رنَّت في أذني صيحة، يُخيَّل إليَّ أنها لِعذارى، أو لحورياتٍ من اللواتي يسكُنَّ قمم الجبال الشامخة، والينابيع التي تُغذِّي الأنهار بمائها، والمروج المعشوشبة! أمن المعقول أنني في مكانٍ قريب من قوم يتحدَّثون كما يتحدَّث البشر؟ كلا، فلأقومن بنفسي، وأحاول استطلاع الأمر.» أول حديث لأوديسيوس مع ناوسيكا خرج أوديسيوس من تحت الشُّجيرتَين ثم خطا إلى الأمام أشبه بأسد. ما إن قال أوديسيوس العظيم هذا لنفسه، حتى خرج من تحت الشُّجيرتَين، وكسر بيده القوية غصنًا من أغصان الغابة الكثيفة، غُصنًا كثير الأوراق، ليضعه حول وسطه ويستر به عورته، ثم خطا إلى الأمام أشبه بأسدٍ جبلي المنبَت، مُعتمدٍ على قُوَّته، يتقدَّم وسط هطول الأمطار وهبوب العواصف، غير عابئ بها، بل تقدح عيناه بالشرر، فيَهْجُم على قطيع الأبقار أو الأغنام، أو على الغزال البري، ملبيًا نداء بطنه، مقتحمًا حتى الحظيرة المتينة البناء ليُغير على القطعان. هكذا كانت حال أوديسيوس، وهو يُوشِك على الدخول وسط جماعة العذارى ذوات الغدائر الجميلة، رغم عُريه؛ إذ كان مدفوعًا بباعث الحاجة. وكان منظره أمامهن مُروِّعًا، مُلطَّخًا بالماء المِلْح، فانكمَشْن مذعورات، واحدة هنا، وواحدة هناك، بجوار أكوام الرمال الناتئة. بيد أن ابنة ألكينوس، هي وحدها التي بَقِيَت ثابتةً في مكانها لم تهرب؛ لأن أثينا بثَّت الشجاعة في قلبها، ونَزعَت الخوف من أطرافها، فلم تُطلق العنان لقدمَيها كغيرها١٠ بل وقفَت في مواجهته، فحار أدويسيوس ماذا يفعل! أيمسك بركبتَي الفتاة الحسناء، ويتوسل إليها، أم يتوسَّل برقيق الألفاظ وهو واقف مكانه، عسى أن تدُلَّه على المدينة وتُعطيه ثوبًا. وبينما هو في تفكيره، رأى من الأفضل أن يقف بعيدًا، ويتضرع إليها بعباراتٍ لطيفة، لئلا يغضب عليه قلب الفتاة إذا أمسك بركبتَيها، ولِتوِّه خاطبها بعباراتٍ رقيقة خدَّاعة، فقال: «عفوًا، سيدتي الملكة، أأنتِ ربَّة، أم أمن البشر؟ فإن كنتِ ربةً من اللواتي مسكنُهن السماء الفسيحة، فإني أُشبِّهك بأرتيميس، ابنة زوس العظيم، فإنكِ تُشبِهينها تمام الشبه، جمالًا وقدًّا واعتدالًا. أما إذا كنتِ من البشر الذين يسكنون الأرض المترامية الأطراف، فمباركٌ أبوكِ ثلاث مرات، وكذا أمك الوقورة، ومباركٌ ثلاث مراتٍ إخوتُك؛ فإني لأعتقد أن هناك على الدوام قلوبًا زاخرة بالسرور من أجلك، مغتبطة برؤيتك تدخُلين حلقة الرقص، زهرةً يانعةً باهرة. غير أن المبارك أكثر من هؤلاء، هو ذلك الذي سيغلب بهداياه من الوصول إلى قلبكِ ويأخذكِ إلى بيته؛ فلم يسبق لعيني أن رأتا إنسانًا مثلك رجلًا كان أم امرأة، إن الدهشة لتتملكني وأنا أنظر إلى طلعتكِ البهية. ولئن أردتِ الحق، فإنني رأيتُ ذات مرة، في ديلوس Delos، شيئًا كهذا، غصنًا في نخلة، ينمو بجوار مذبح أبولُّو — فقد ذهبتُ إلى هناك، أيضًا، وتَبِعَني قومٌ كثير، في تلك الرحلة التي كُتب لي فيها الشقاء الجَم والمِحنُ العصيبة — هكذا عندما رأيتُ ذلك الفنن، عجبتُ في قلبي فترةً طويلة؛ إذ لم يسبق لي أن رأيتُ مثل ذلك النبت يخرج من الأرض. كذا يتملَّكُني العجَب من مرآكِ، يا سيدتي، وأخاف غاية الخوف أن ألمس ركبتَيك. لقد انتابتني الأحزان والهموم البالغة؛ فأمس، في اليوم العشرين، هربتُ من البحر القاتم بلون الخمر، وحملَتْني الأمواج والرياح السريعة من جزيرة أوجوجيا Ogygia، فقذف بي القدَر الآن إلى هذا الشاطئ، كي أقاسي الآلام هنا أيضًا؛ فإنني أعتقد أن متاعبي لن تكُفَّ بعدُ، بل ستُذيقُني الآلهة مزيدًا منها. أشفقي عليَّ، أيتها المليكة، فقد جئتُ إليكِ الآنَ بعدَ متاعبَ جمةٍ مرهقة؛ إذ لستُ أعرف أحدًا ممن يملكون هذه المدينة والحقول. أريني المدينة، وأعطيني ثوبًا ما، أستُر به جسدي، إذا كان لديكِ ما يتدثَّر به المرء عندما جئتِ إلى هذا المكان. وإني لأتوسل إلى الآلهة أن تمنحكِ زوجًا وبيتًا، ووحدة في القلب — هدية عظيمة — فما من شيءٍ أعظم من أن يعيش الرجل وزوجته في منزل متَّحدَين متحابَّين، فيكون هذا كمدًا لأعدائهما، وفرحًا لأصدقائها، أما هما فيعرف كلٌّ منها صاحبه حق المعرفة.» ناوسيكا تعطف على أوديسيوس عندئذٍ ردَّت عليه ناوسيكا الناصعة الذراعَين بقولها: «أيها الغريب، ما دُمتَ لا تبدو رجلًا شريرًا، ولا جاهلًا، وزوس الأوليمبي نفسه هو الذي يمنح السعادة للبشر، لكلٍّ من الأخيار والأشرار، فيمنح كل امرئٍ ما يشاء، وهكذا قد منحك أيضًا هذا الحظ، إذن فلتَتحمَّل ما قُدِّر لك. أما الآن، فحيث إنك قد جئتَ إلى مدينتنا وإلى بلادنا، فلن تفتقر إلى اللباس أو إلى أي شيءٍ مما يحتاجه المتضرع الذي لاقى المحن والتجارب في طريقه إلينا؛ فسأقودك إلى المدينة، وأخبرك باسم الشعب؛ فهذه المدينة يملكُها الفياكيون، وكذا هذه البلاد. وإنني ابنة ألكينوس، العظيم القلب، الذي يتوقَّف عليه عضُد وقوة الفياكيين.» قالت ناوسيكا هذا، ونادت خادماتها الجميلات الغدائر، وأمرَتْهن بقولها: «قفن يا وصيفاتي، إلى أين فراركن عند رؤية رجل؟ لا شك أنكنَّ خائفاتٌ من أن يكون عدوًّا! كلا، فلا يُوجد ولن يعيش، من يأتي بلاد الفياكيين كعدو؛ لأننا أعزَّاء جدًّا على الخالدين، بمنأًى عن سائر الدنيا، نقطن في البحر الصاخب، في أقصى بقعة عن البشر، ولا علاقة قَط لأي فردٍ آخر بنا. أما هذا الرجل فضالٌّ مسكين، ساقَتْه الأقدار إلى هذا المكان. علينا الآن أن نرعاه؛ لأن جميع أبناء السبيل والشحَّاذين، يُرسِلهم زوس، ويجب الترحيب بأية هديةٍ مهما صغُرتْ. هيا، إذن يا وصيفاتي، قدِّمن لهذا الغريب طعامًا وشرابًا، واغسِلْنه في النهر، في بُقعةٍ بها مأوًى من الريح.» أوديسيوس يغتسل بأمر ناوسيكا ما إن قالت هذا، حتى وقفَت الخادمات، ونادت كلٌّ منهن الأخرى، وصَحِبن أوديسيوس إلى مكانٍ بعيد عن مهب الريح،١١ كما أمرَتْهن ناوسيكا ابنة ألكينوس العظيم القلب، ووضَعن إلى جواره عباءةً ورداءً ليتدثَّر بهما، وأعطَيْنه قارورةً ذهبية بها زيت زيتونٍ صافٍ، وأمرنَه أن يستحم في مجرى النهر، فقال أوديسيوس العظيم وقد التفَّت حوله الخادمات: «أيتها الوصيفات، قفن هنا بعيدًا عني، حتى أستطيع أن أُزيل بنفسي، ما علق بمنكبي من الماء المالح، وأدهن نفسي بزيت الزيتون؛ لأنه بحقٍّ لم يمسَّ الزيت جلدي منذ أمدٍ بعيد. لا يمكنني أن أستحم في حضرتكن؛ إذ يُخجلني أن أتعرَّى أمام العذراوات الجميلات الجدائل.» هكذا قال، فانصرفَت الخادمات، وأخبرن الأميرة، وعندئذٍ أزال أوديسيوس العظيم من فوق الجلد بماء النهر ما علق بظهره وكتفَيه العريضتَين من آثار الماء المالح، وغسل عن رأسه زبَد البحر الصاخب. وبعد أن غسل سائر جسمه، ودهن جسدَه بالزيت، وارتدى الملابس التي جادت بها العذراء الفاتنة، جعلَته أثينا، ابنة زوس، أطول في ناظرِ مَن يتطلَّع إليه، وأشد قوة، وجعلَت خُصَل الشعر المتدلِّية من رأسه، أشبه بزهرة الأقحوان. وكما يُجيد تلاميذ١٢ هيفايستوس الماهرون، ومن علَّمَتْهم أثينا جميع أفانين المهن، تطعيم الفضة بالذهب، فيبدو عملهم رائعًا جميلًا. هكذا أيضًا سكبَت الربَّة حسنًا وبهاءً على رأسه وكتفَيه بعد ذلك، ذهب أوديسيوس وجلس بعيدًا على شاطئ البحر، يتألَّق حسنًا وجمالًا، فدُهشَت العذراء المرآة، وتحدَّثَت إلى وصيفاتها ذوات الشعور الجميلة، بقولها: «أصغين، أيتها العذراوات، الناصعات الأذرع، كي أقول لكن شيئًا. لم يأتِ هذا الرجل، إلى الفياكيين الشبيهي الآلهة، دون إرادة الأرباب الساكنين أوليمبوس؛ فقد كان يبدو لي أوَّل ما رأيتُه، صعلوكًا، أما الآن فإنه يشبه الآلهة، الذين يحتلُّون السماء الفسيحة. ليت رجلًا مثله يتزوَّجُني، ويسكُن هنا، ويسُره البقاء في بلادنا. هيا يا وصيفاتي، قدِّمن لهذا الغريب الطعام والشراب.» هكذا قالت، فلبَّت الخادمات أمرها في الحال، وقدِّمن إلى أوديسيوس طعامًا وشرابًا. وعندئذٍ شرب أوديسيوس العظيم التحمُّل، ما طاب له أن يشرب، وأكل ملء بطنه؛ إذ كان قد مضى عليه وقتٌ طويل، لم يذق فيه طعامًا. ناوسيكا ترشد أوديسيوس أما ناوسيكا الناصعة الساعدَين، فاهتمَّت بعملٍ آخر؛ إذ طوت الملابس، ووضعَتْها في العربة الجميلة، وشدَّت البغال القوية الحوافر إلى النِّير، واعتلَت بنفسها العَربَة. وبعدئذٍ التفتَت إلى أوديسيوس، وحيَّتْه، وخاطبَتْه بقولها: «انهض الآن، أيها الغريب، كي تذهب إلى المدينة، وأدُلَّك على بيت أبي الحكيم، حيث أُطمئِنك بأنك ستعرف جميع أشراف الفياكيين. اعمل حسب إرشادي، ولا أخالك مفتقرًا إلى الإدراك. طيلة مرورنا خلال الريف وحقول القوم المفلوحة، سِرْ أنت بسرعة، مع الوصيفات خلف العربة والبغال، بينما أقود أنا الطريق، حتى إذا ما أوشكنا على بلوغ المدينة، التي يحيط بها سورٌ شاهق، تخلَّف عنا. هناك ميناءٌ جميل يقع إلى جانب المدينة، به مدخلٌ ضيق، والسفن المعقوفة قد سُحبَت بحذاء الطريق؛ لأن هناك مواقفَ لسفن الجميع. كل رجلٍ له موقفٌ خاص بسفنه، كما أن هناك أيضًا مكانًا يحتشدون فيه حول معبد بوسايدون الجميل، الراسخ عميقًا بصخورٍ وُضعَت في الأرض إلى عمقٍ كبير. هناك تجد الرجال منهمكين في حبال سفنهم السوداء، وفي المراسي والقلاع، كما أنهم يصنعون هناك صفحات المجاذيف الرقيقة؛ إذ لا يهتم الفياكيون بالقوس، ولا بجعبة السهام، بل بالصواري ومجاذيف السفن، وبالسفن الجميلة، التي يجدون فيها لذَّتَهم، ويعبُرون بها البحر الرمادي. إنني أتحاشى انتقادهم، لئلا يُعيِّرني شخصٌ ما، فيما بعدُ؛ إذ يُوجد بالبلاد قومٌ صلفون حقًّا، فلو التقى بنا رجل من السفلة لقال: «من هذا الذي يتبع ناوسيكا، إنه لرجلٌ فارع الطول، لطيف المنظر، وإنه لغريب؟ أين عثَرتْ عليه؟ إنه سيُصبح زوجها دون شك. ربما كان هذا أحد مَن يجوسون بسفنهم خلال البحر، من قومٍ يسكنون بلادًا نائية — فما من أحدٍ قريب منا — وما من إله، طال التوسُّل إليه، قد هبَط من السماء استجابة لتوسُّلاتها، ولسوف تتخذه زوجًا لها طوال حياتها. كان من الأفضل لو أنها ذهبَت بنفسها إلى بلادٍ بعيدة، واختارت زوجًا من شعبٍ آخر؛ فإنها، والحق يُقال، تحتقر الفياكيين هنا في هذه البلاد؛ إذ هام بها عُشاق وأشرافٌ كثيرون!» هكذا سوف يقولون، ويكون هذا مَعْيرةً لي. إنني أنا نفسي، ألوم أيةَ عذراءَ أخرى، تفعل مثل هذا الأمر، رغم وجود أبيها وأمها العزيزَين على قيد الحياة، أن تتصل برجل آخر قبل يوم زواجها العلني. كلا أيها الغريب، أصغِ بسرعة إلى حديثي، حتى يمكنكَ أن تحصل من أبي على رفيقٍ يوصلكَ إلى وطنك. ستجد بالقرب من الطريق كهفًا كبيرًا للربة أثينا، كهفًا من أشجار الصفصاف، ينبثق بداخله ينبوع، وحوله مَرْج. هناك حديقة والدي، وكَرمته المثمرة، وتبعُدان عن المدينة مسافة مدى صوت الإنسان عندما يصيح. اجلس هناك، وانتظر قليلًا ريثما نصل نحن إلى المدينة ونبلغ قصر أبي، فإذا ما اعتقدتَ أننا نكون قد بلغنا المنزل، انهض وتوجَّه إلى مدينة الفياكيين، واسأل عن قصر والدي، ألكينوس، العظيم القلب. إن الاهتداء إليه لمن السهولة بمكان؛ إذ يستطيع صبي حتى ولو كان محض طفل، أن يرشدك عنه؛ فهو مشيدٌ بطريقة تختلف تمامًا عن بقية منازل الفياكيين، فإذا ما صرتَ بداخل القصر، والجناح الملكي، سِر قدمًا عبر القائمة الكبرى، إلى أن تصل عند أمي، التي تجلس في ضوء النار بالقرب من المدفأة، تحيك منسوجًا أرجوانيًّا، أعجوبةً للناظرين، متكئة على عمود، وتجلس وصيفاتها خلفها، ويتكئ على نفس العمود، عرش أبي، حيث يجلس ويعب الخمر، كأنه أحد الخالدين. تجاوز أبي، واتجه بسرعة نحو أمي، وضع يدَيك حول ركبتَيها، لكي تستطيع أن ترى بسرعةٍ يوم عودتك، رغم أنك لم تقدم من مكانٍ بعيد؛ فلو أمكنك أن تحوز رضاها، لكان لك أملٌ في أن ترى أصدقاءكَ وتعود إلى وطنك وإلى بيتك الراسخ البناء.» أوديسيوس يصل لأثينا ما إن قالت ناوسيكا١٣ هذا، حتى ألهبَت متون البغال بالسوط اللامع، وأسرعَت تاركة وراءها مجرى النهر، فأخذَت البغال تتبختر بمهارة، وبمهارة راحت تعمل أقدامها السريعة، وراحت الأميرة تسوق العربة بطريقة لا تُرهق الوصيفات وأوديسيوس، وهم يَتْبعونها سيرًا على الأقدام، وكانت تستخدم السوط بحكمة. ولمَّا غابت الشمس، وصَلُوا إلى الكهف المجيد، المقدس لأثينا، فجلس أوديسيوس هناك، وراح من فَورِه يتوسَّل إلى ابنة زوس العظيم قائلًا: «أصغي إليَّ يا ابنة زوس، حامل الترس، ذلك الذي لا يكَل. أصغي إلى صلاتي، ما دمتِ لم تصغي إليَّ من قبلُ، يوم أن ضُربتُ، عندما ضربني مزلزل الأرض المجيد. سَهِّلي عليَّ الوصول إلى أرض الفياكيين، كي أُقابَل بالترحيب، وألقى عطف القوم وشفقَتهم.» هكذا صلَّى أوديسيوس، فاستمعَت إليه بالاس أثينا، ولكنها لم تظهر أمامه وجهًا لوجه؛ إذ كانت تخشى غضبَ شقيقِ أبيها، الذي ثار بحميةٍ ضد أوديسيوس، الشبيه بالإله، إلى أن وصل أخيرًا إلى وطنه. ١ شعبٌ خرافي يعيش في جزيرة سخيريا، وقد هاجر إليها من بييريا عندما طرده منه الكوكلوبيس، وكان شعبًا ذا حظوة وبركة، كثير الخير يعيش في سعادة بعيدًا عن الحروب. وكانت تزوره الآلهة بأشخاصها. واشتُهر هؤلاء القوم بالمهارة في الملاحة. وكانت لسفنهم سرعة الطيور ولا تحتاج إلى ربَّانٍ يقودها؛ إذ تعرف الطريق من تلقاء نفسها وتقطعه بغاية السرعة حتى تصل إلى هدفها. وكان البحَّارة يعتمدون على مساعدة الفياكيين وقت الخطر وتحطيم السفن. وقد استقبل ملكهم ألكينوس أوديسيوس بترحاب وأكرمه، كما قامت بالترحيب به زوجته وابنته ناوسيكا، فلما قَصَّ عليه مخاطراته أعطَوه مركبًا حملَه بسلام إلى أتيكا. ٢ ابن بوسايدون. كان ملك الفياكيين الذين قادهم من هوبيريا إلى سخيريا. وكان والد ألكينوس. ٣ ابنةٌ جميلة لألكينوس ملك الفياكيين، كانت أول من قابل أوديسيوس بعد أن تحطَّمَت سفينته على الساحل الفياكي. هبطَت إلى النهر مع خادماتها لتغسل ملابسها، وكانت ترقص وتلعب بكُرتها عندما ظهر لهن أوديسيوس فجأة من بين الأعشاب، فانزعج الجميع ما عدا ناوسيكا التي سَمِعَت حُجَّته في طلب المعونة. أشارت إلى خادماتها أن يُقدِّمن له طعامًا وشرابًا وملبسًا، ثم قادته إلى المدينة حيث أَمرتْه أن يشُقَّ طريقه بنفسه إلى داخل القصر؛ إذ ليس من المعقول أن تقود فتاةً صغيرة غريبًا مثله إلى منزلها. ٤ ملك فروجيا، ووالد أسيوس وهيكوبا. ٥ الترجمة الحرفية: هكذا قالت. ٦ محتمل: «المثمر». ٧ الترجمة الحرفية: ما إن قال هذا. ٨ كن يُنشِدن الأغاني في أثناء تقاذُفهِن بالكرة. ٩ والدة أبولُّو وأرتيميس من زوس. ١٠ أضفناها من عندنا. ١١ الترجمة الحرفية: إلى مكانٍ مستور. ١٢ الترجمة الحرفية: «عمال». ١٣ الترجمة الحرفية: ما إن قالت هذا. الأوديسة
الأنشودة السابعة ناوسيكا في عقر دارها هكذا صلَّى هناك أوديسيوس العظيم، البالغ المعاناة، بينما كان البغلان القويان يجُرَّان العذارى إلى المدينة، فلما بلغَت ناوسيكا قصر أبيها الباذخ، أوقفَت البغال أمام الباب الخارجي، واحتشَد أشقاؤها حولها، رجال أشبه بالخالدين، فخلُّوا عن البغال، من العربة، وحملوا الملابس إلى الداخل، فانطلقَت هي إلى حجرتها، فأوقدَت النار لها وصيفتُها يوروميدوسا Eurymedusa، السيدة العجوزة الأبايرية Aperié، تلك التي جلبتها السفن المعقوفة من أبايري، واختارها القوم من بين الغنائم، جائزة شرف للملك ألكينوس، الذي كان عاهل سائر الفياكيين، وكان القوم يأتمرون بأمره كما لو كانوا يأتمرون بأمر إله. وهي التي قامت بتربية ناوسيكا الناصعة الذراعَين، واضطلَعتْ بتنشئتها في القصر، فأوقدَت لها النار. وأعدَّت لها عَشاءَها في مقصورتها. أي طفلتي، ألا يمكنكِ أن تدُلِّيني على منزل مَن يُسمُّونه ألكينوس؟ أوديسيوس وسط الغمام في ذلك الحين، نهض أوديسيوس ليذهب إلى المدينة، وألقت أثينا، حوله غمامةً كثيفة، بنيةٍ خالصة، كي لا يتحدَّث إليه أحدٌ من الفياكيين، العظيمي القلوب، إذا ما التفُّوا به، أو يسخروا منه، ويسألوه من يكون، فلما أوشك على دخول المدينة العظيمة الجميلة، قابلَتْه الربة أثينا، ذات العينَين النجلاوَين، متنكرةً في زي فتاةٍ يافعة تحمل جرَّة، ووقفَت أمامه فسألها أوديسيوس العظيم بقوله: سأُريكَ القصر، كما تريد أيها الغريب. «أي طفلتي، ألا يمكنكِ أن تدُلِّيني على منزل مَن يُسمُّونه ألكينوس، ذلك الذي يحكم هنا كملكٍ على هذا القوم؟١ لأنني قَدِمتُ إلى هنا، غريبًا، من بلادٍ قصية، ومُنهكًا غاية الإنهاك؛ ولذا لستُ أعلم أي قومٍ يملكون هذه المدينة، وهذه البلاد.» عندئذٍ أجابته الربة، أثينا المتألقة الناظرَين، قائلة: «إذن فسأُريك القصر، كما تريد، أيها الغريب. إنه قريب من بيت أبي الشريف. كلُّ ما عليك هو أن تمشي معي في هدوء بينما أُرشدك إلى الطريق. بيد أنه يجب ألا تلتفت بعيونك نحو أي رجل، وألا تسأل أحدًا؛ لأن القوم هنا لا يحتملون رؤية الأغراب، ولا يُرحِّبون بمن يأتي من بلدٍ آخر. إنهم والحقُّ يُقال يثقون في سرعة سفنهم الماخرة، ويعبُرون بها هوة البحر العظيمة؛ لأن هذا هو ما وهَبهُم إياه مزلزل الأرض، وسفنهم تسير بسرعةٍ بالغة كأنها طائرٌ يبسُط جناحَيه، أو فكرة تمر في سرعة.»٢ قالت بالاس أثينا هذا، وشقَّت الطريق بسرعة، بينما سار أوديسيوس٣ في أعقاب الربَّة. وبينما كان أوديسيوس يسير بين الفياكيين خلال المدينة، لم يُعِره القوم المشهورون بسفنهم أي التفات؛ لأن أثينا الربَّة المهوبة، ذات الغدائر الفاتنة، لم تكن لتحتمل هذا، وعلى ذلك أحاطَتْه بغمامةٍ عجيبة؛ إذ كان قلبها يعطف عليه. ودُهش أوديسيوس لفخامة الموانئ، والسفن الرائعة الواقفة عند مكان الاجتماع، حيث كان الأبطال أنفسهم محتشدين. كما أُعجب بالحوائط الطويلة الشاهقة التي تعلوها الطرق البديعة نزهةً للرائين، فلما بلغا قصر الملك المنيف، بادَرتْه أثينا، اللامعة الطرف، بقولها: «هنا، يا سيدي الغريب، البيت الذي طلَبتَ مني أن أدُلَّك عليه، ستجد الملوك، نسل زوس، جالسين إلى المائدة يولمون، ادخل٤ بقلبٍ جريء، ولا تخشَ شيئًا؛ لأن الرجل المقدام مُفضَّل في كل شيء، حتى ولو كان غريبًا من بلدٍ آخر. اقتَربْ أولًا من الملكة أريتي Arete،٥ في القصر؛ فهذا اسمها الذي تُدعى به، وإنها لتنحدر من نفس سلسلة نسب الملك ألكينوس. كانت ناوسيثوس Nausithous، في البدء ابنة لبوسايدون، مزلزل الأرض وبيريبويا Periboea، عظمى النساء فتنة وجمالًا، وصغرى بنات يوروميدون Eurymedon العظيم القلب، الذي كان فيما مضى ملكًا على العمالقة المتغطرسين، ولكنه جَرَّ الخراب على قومه، وتحطَّم هو نفسه، فاضطَجَع بوسايدون مع بيرويبويا، وأنجب ابنة ناوسيثوس المقدام، الذي حكم الفياكيين، وأنجب ناوسيثوس، بدوره، ريكسينور Rhexenor، وألكينوس. ولمَّا لم ينجب ريكسينور، حتى الآن أية أولاد، ضَربَه أبولُّو ذو القوس الفضية في ساحته، رغم أنه كان حديث الزواج، وخلَّف ابنةً واحدة فقط، هي أريتي، فتزوَّجها ألكينوس، وأمعَن في إكرامها بما لم تُكرم به امرأةٌ قط على وجه الأرض، من سائر أولئك اللواتي كن يُهيمِنَّ، في تلك الأيام، على شئون بيوتهن ويرضَخن لأزواجهن، فأُكرمَت غاية الإكرام، وظلَّت دائمًا مكرَّمة، من أولادها، ومن ألكينوس نفسه، ومن الشعب الذي كان يعتبرها كربَّة،٦ ويُحيِّيها كلما مشت خلال المدينة؛ إذ كانت بالذات وبلا شكٍّ ذاتَ فطنةٍ وحكمة وإدراكٍ سليم، وكانت تفصل بحكمة بين النساء المتنازعات، فتضع حدًّا لمنازعاتهن حتى ولو كانت المنازعات مع أزواجهن، فلو نلتَ الرضى في عينَيها، لكان هناك أمل، أي أمل في أن ترى أصدقاءك، وتعود إلى منزلكَ العالي السقف، وإلى وطنك.» أوديسيوس أمام قصر الملك المنيف قالت أثينا المتألقة الطرف هذا، وانصرفَت عَبْر البحر الصاخب، تاركة سخيريا Scheria الجميلة. ذهبَت إلى ماراثون Marathon وأثينا٧  الفسيحة الطرقات، ودخلَت بيت إريخثيوس Erechtheus٨ المتين البناء، أما أوديسيوس فاتجه نحو قصر ألكينوس الباذخ. وقف هناك يُفكِّر في نفسه، وأطال التفكير قبل أن يبلُغ العتبة البرونزية؛ إذ كان يتألق هناك شعاعٌ كأنه من أشعة الشمس أو القمر، فوق منزل ألكينوس الباسل، ذي السقف الشامخ. أما الحوائط فكانت من البرونز، وتمتد على كلا جانبَي العتبة حتى المقصورة الداخلية، بإطارٍ سفلي من الميناء الزرقاء.٩ وكانت الأبواب التي تحكُم إقفال ذلك المنزل المتين البناء، من الذهب الإبريز، ومثبَّتةً في قوائم من اللجَيْن فوق عَتبةٍ برونزية. كما كانت القواعد العليا للنوافذ من اللجَيْن كذلك. أما مقابض النوافذ والأبواب فكانت من العسجد. وتقف على جانبَي الباب كلاب من الذهب والفضة، صاغها هيفايستوس بمهارةٍ فنية، لتحرس قصر ألكينوس المقدام. لقد كانت تلك الكلاب خالدة لا تعرف الشيخوخة طوال حياتها.١٠ أما في الداخل فكانت المقاعد بطول جانبَي الحائط، ابتداءً من العتبة حتى أقصى القاعة الداخلية، وقد أُلقيَت فوقها أثوابٌ من المنسوج الناعم، قد حاكَتْه النساء بأيديها بمهارة.١١ واعتاد قادة الفياكيين أن يجلسوا على هذه المقاعد ليشربوا ويأكلوا؛ إذ كانوا يمتلكون خزينًا لا ينضب. كما كانت تقف هناك تماثيلُ ذهبية لغلمانٍ تحمل المشاعل المضيئة، في أيديها لتُنير المكان ليلًا للمدعُوِّين في القاعة، وتقف على قواعدَ راسخة. وبالقصر خمسون أَمَة؛ بعضهن يطحنَّ الحب الأصفر بالرحى، أخريات ينسجن الأقمشة، أو يلففن خيوط الغزل وهن جالسات، كأنهم أوراق١٢ شجرة صفصافٍ باسقة، ويتساقط من الكتَّان الضيق النسج، زيت الزيتون الصافي؛١٣ فكما كان الرجال الفياكيون ماهرين في قيادة السفن السريعة فوق صفحة البحر، كذلك كانت السيدات عاملاتٍ ماهرات على المنول؛ إذ وهبَتْهن أثينا، دون غيرهن، حِذق الأشغال اليدوية، والقلب المدرك. وخارج البهو، بقرب باب القصر مزرعة كرومٍ هائلة تبلغ مساحتها أربع مقطوعيات١٤ ويُحيط بها مرتفعٌ تنمو فيه أشجارٌ فاخرة باسقة، أشجار الكمَّثْرى والرمان والتفاح، قطوفها دانية تتلألأ، وأشجار التين الحلو، والزيتون الجيد. ولم تكن ثمار هذه الأشجار لتنقطع أبدًا، سواء في الشتاء أو في الصيف، بل كانت دائمة الإثمار طَوال العام. وتُساعِد الريح الغربية بهبوبها الدائم على سرعة نضج الثمار، فتنضج الكمثرى واحدةً بعد الأخرى، والتفاحة إثر التفاحة، وعنقود العنب بعد العنقود، والتينة وراء الأخرى. أما مزرعة الكروم للثمرة فكان بها منطقةٌ دافئة، بأحد أجزائها تمتد على أرضٍ منبسطة، حيث يُجفَّف العنب في الشمس، بينما يجمع الرجال العنب الطازج، ويعصرونه. كان في أول الكرمة أعنابٌ فجَّة تُظلِّل النوار، بينما البعض الآخر قد تحوَّل لونه إلى الأرجواني. وهناك أيضًا بجانبِ آخرِ صف للكروم، أحواضٌ لنباتات الأزهار المختلفة، من شتى الأنواع، تنمو وتُزهر طول العام. وبداخل الحديقة ينبوعان، يتدفَّق ماء أحدهما خلال الروض فيرويه بأكمله، بينما تتدفَّق مياه الآخر أسفل عتَبة البهو صوب القصر المنيف. من هذا الينبوع يستقي أهل المدينة. تلك كانت هدايا الآلهة المجيدة في ألكينوس. وقف أوديسيوس العظيم، الكثير الاحتمال، مدهوشًا أمام هذه العجائب، وبعد أن نال كل شيء إعجاب قلبه، مَرَّ مسرعًا من العتبة إلى داخل القصر، فوجد قادة الفياكيين ومستشاريهم يسكبون السكائب من كئوسهم، لأرجايفونتيس الحاد البصر، الذي اعتادوا أن يسكبوا له الخمر، بعد الانتهاء من أعمالهم، واعتزامهم الذهاب لينعموا بالراحة. أوديسيوس يتضرع إلى زوجة ألكينوس دخل أوديسيوس العظيم، البالغ المقاساة، إلى القاعة تلفُّه الغمامة الكثيفة التي أرسلَتها أثينا حوله، حتى بلغ مكان أريتي والملك ألكينوس، فألقى يدَيه حول ركبتَي أريتي، وفي التو انقشَعَت الغمامة العجيبة من حوله، وشاع السكون على سائر من كانوا بالقاعة عندما أبصروا ذلك الرجل، وامتلأت نفوسهم عجبًا وهم يتجهون بأبصارهم نحوه، ولكن أوديسيوس شرع يتوسل قائلًا: «هيا أريتي، يا ابنة ريكسينور الشبيه بالإله، إنني أجيء إلى زوجك وإلى ركبتَيك بعد مشاقَّ عديدة. نعم، وإلى هؤلاء الضيوف، الذين أرجو أن تهبهم الآلهة السعادة في الحياة، وكلٌّ منهم يُخلِّف لأطفاله، ثروته الموجودة بساحاته، وفروض المجد التي منحه إياها الشعب. إنني أتوسل إليك أن تعجلي بإرسالي إلى وطني، بسرعة؛ إذ ظللتُ مدةً طويلة أُقاسي المحن بعيدًا عن أصدقائي.» إخينيوس يكرم أوديسيوس ما إن قال أوديسيوس هذا، حتى جلس فوق المدفأة، على الرماد بجانب النار، بينما خيم الصمت على الجميع. وأخيرًا تكلَّم في وسطهم السيد العجوز إخينيوس Echeneus، وكان يكبر الفياكيين سنًّا، ذا لسانٍ لافظ، ويعرف سائر حِكم القدماء، فقال بضميرٍ خالص، مخاطبًا المجلس: «أي ألكينوس، للعجب أن هذه ليست طريقةً مثلى؛ فلا يليق أن يجلس غريبٌ فوق الأرض على المدفأة وسط الرماد، بينما يقف أتباعك أولاء ينتظرون كلمتَك. مُر الغريب أن ينهض، ودَعْه يجلس فوق مقعدٍ مُطعَّم باللجَيْن، ومُر الخدم أن يمزجوا الخمر، حتى يمكننا أن نسكب السكائب لزوس أيضًا، ذلك الذي يقذف بالصاعقة؛ لأنه يشرف دائمًا على المتضرعين الموقرين، وعلى ربة البيت أن تُقدِّم لهذا الغريب١٥ عَشاءً من خزين دارها.» مظاهر الترحيب بأودويسيوس عندما سمع ألكينوس القوي العتيد هذا، أمسك بيد أوديسيوس، العاقل والداهية، وأنهضَه من فوق المدفأة وأجلسه على كرسي يتلألأ، أمر ابنه لاوداماس Laodamas الجسور١٦ أن ينهض من فوقه ويُخلِّيه١٧ له؛ إذ كان يجلس إلى جانبه، وكان خير أحبائه. بعد ذلك أحضَرتْ إحدى الإماء جرَّة بها ماء ليغسل يدَيه، جرة من الذهب، وأفرغَت الماء في طستٍ من الفضة، ثم أحضَرتْ أمامه منضدةً مصقولة. وعندئذٍ جاءت ربة البيت الحكيمة، ووضَعَت أمامه الخبز، ومعه كثيرٌ من طيبات الطعام، لا حصر لها، وجادت بسخاء من خزينها. وهكذا شرب أوديسيوس العظيم، البالغ التحمل، وأكل، ثم خاطب ألكينوس العتيد الخادم، قائلًا: «امزج الطاس، يا بونتونوس Pontonous، وقدِّم الخمر لجميع مَن بالقاعة، حتى يمكننا أن نسكب السكائب أيضًا لزوس، الذي يقذف بالصاعقة؛ لأن يهيمن دائمًا على المتوسِّلين الوقورين.» قال هذا، ومزج بونتونوس الخمر العسلية المذاق، وسقى الجميع، ساكبًا أولًا بعض نقط في الكئوس للسكيبة. وبعد أن سكبوا السكائب، واحتسَوا الخمر حتى الثمالة، نهض ألكينوس وسط الحشد، وتكلم مخاطبًا إياهم قائلًا: «أصغوا إليَّ، يا قادة ومستشاري الفياكيين، كي أتحدث إليكم بما يجول في قلبي وصدري. أما وقد انتهيتم الآن من وليمتكم، فليذهب كلٌّ منكم إلى بيته ليستريح، وعندما يطلُع الصباح سندعو مزيدًا من القادة إلى الاجتماع، كما ندعو الغريب في ساحاتنا، ونُقدِّم ذبائحَ عظيمة للآلهة. وبعد ذلك نُفكِّر في إرساله إلى وطنه، كي يستطيع بمعونتنا أن يصل إلى بلاده دون جهد ولا مشقة، ويبلغها بسرعة وغبطة، رغم أنه لا يأتينا من مكانً قصي على الإطلاق، ولن يتكبد في نفس الوقت أي أذًى أو ضرر، حتى يطأ أرض وطنه بقدمَيه، ولو أنه بعد ذلك سيعاني ما حاكه له القدر Fate والغزالات Spinners١٨ المفزعات بخيطهن عند مولده، يوم أن حملَت فيه أمه. أما إذا كان هذا الغريب، واحدًا من الخالدين الهابطين من السماء، فإنه شيءٌ جديد كل الجدَّة، تحيكه لنا الآلهة؛ إذ كانت عادتهم فيما مضى أن يظهروا لنا في صورةٍ واضحة، عندما كنا نُقدِّم لهم ذبائحَ مجيدة من مائة ثور، فيُولِموا بيننا، ويجلسوا حيث نجلس. نعم، وحتى إذا التقى بهم أحدنا مصادفة، ما كانوا يختفون؛ لأننا مقَّربون جدًّا منهم، قرب الكوكلوبيس Cyclopes،١٩ وقبائل العمالقة Giants المتوحشين.» أوديسيوس يروي قصة متاعبه عندئذٍ رد عليه أوديسيوس الكثير الحيل بقوله: «لتبعد عنك هذه الفكرة، يا ألكينوس؛ فلستُ شبيهًا بالخالدين، الذين يحتلُّون السماء الفسيحة، لا شكلًا، ولا قوامًا ولكني أشبه البشر؛ فأي فردٍ من البشر تعرف أنه قاسى أهوالًا جمَّة، فإنني أُشبِّه نفسي به في أحزاني. نعم ويمكنني أن أسرد لك أطول قصة، عن جميع الويلات التي لاقيتُها بمحض إرادة الآلهة. إنك تُعذِّبني الآن بأن آكل رغم حزني، فيَّ من شيء أشد عارًا من البطن المقيت، الذي يُجبر المرء على التفكير فيه مرغمًا. ليتك لا تغتم أو تحمل ما أحمله في قلبي من غَم وأحزان، ومع ذلك فإن أحشائي تأمرني دائمًا بأن آكل وأشرب، وتجعلني بذلك أنسى كل ما لاقيته، كما تأمرني بأن آكل كفايتي، فهل لك أن تُسرِع عند الفجر، بأن تضعني أنا الشقي، فوق تربة وطني، بعد سائرِ ما عانيتُ من ويلاتٍ جسام، فلتَهجُر الحياة جسمي بعد أن أكون قد رأيتُ، مرةً أخرى، ممتلكاتي، وعبيدي، وبيتي الشاهق السقف.» الملكة تطارح أوديسيوس الأحاديث هكذا تكلَّم، فاستحسن الجميع قوله، ووافقوا على إرسال ذلك الغريب في طريقه، ما دام قد راعى اللياقة في حديثه، وبعد أن سكبوا السكائب، وشربوا كفايتهم، انصرف كل رجلٍ لبيته ليخلُد إلى الراحة، تاركين أوديسيوس العظيم في ساحة ألكينوس، وإلى جواره جلست أريتي وألكينوس الشبيه بالإله، بينما أخذت الجواري يحملن الصحاف من على مائدة الوليمة. وبعد ذلك كانت أريتي الناصعة الساعدَين أول من تكلَّم؛ لأنها ما إن أبصرته، حتى عَرفَت لتَوِّها الرداء الجميل، العباءة والمعطف، اللذَين صنعَتْهما بيدَيها مع وصيفاتها، فوجَّهَت إليه حديثها في عباراتٍ رزينة،٢٠ قائلة: «أيها الغريب، سأوجِّه إليك سؤالًا شخصيًّا؛ أولًا: من تكون بين البشر، ومن أي مكانٍ أنت؟ ومن أعطاك هذا اللباس؟ ألا تقول إنكَ جئت إلى هنا جائلًا فوق صفحة البحر؟» فأجابها أوديسيوس الكثير الدهاء، بقوله: «كان من الصعب، يا مليكتي، أروي خاتمة محنتي؛ إذ كثيرةٌ هي المحن التي أعطَتْنيها آلهة السماء، ومع ذلك فأُخبركِ بما تسألينني عنه وتستجوبينني من أجله. تُوجد في منطقةٍ نائية من البحر جزيرة أوجوجيا، التي تسكنها ابنة أطلس Atlas، الجميلة الغدائر، كالوبسو الماكرة، تلك الربَّة المخوفة، التي لا شأن لأحدٍ من الآلهة أو البشر معها، ولكن أبى القدر إلا يزيد في تعاستي، فبعث بي، بمفردي إلى مدفأتها؛ إذ ضرب زوس سفينتي السريعة، بصاعقته البَراقة فحطَّمَها وسط البحر القاتم قتمة الخمر. هناك هلك سائر بقية مَن كنتُ أثق بهم من رفاقي، أما أنا فأمسكت بقاع سفينتي المعقوفة وتعلَّقتُ به، وهكذا بقيت طافيًا على سطح البحر تسعة أيام، وفي الليلة العاشرة الداجية، قذفَت بي الآلهة إلى جزيرة أوجوجيا، حيث تقطن كالوبسو الفاتنة الشعر، الربة المهوبة، فصَحِبتْني إلى منزلها، وأكرمَت وفادتي، وقدَّمتْ لي طعامًا، وقالت إنها ستجعلني خالدًا، لا تتطرق الشيخوخة إلى جسمي قَط، بيد إنها لم تستطع إغراء قلبي وسط صدري. بقيتُ معها هناك سبع سنوات، أُبلِّل ثوبي كل يومٍ بدموعي، ذلك الثوب الخالد الذي أعطَتْنيه كالوبسو. حتى إذا ما هلَّت السنة الثامنة، وأخذَت تسير في مجراها الزمني، أَمرَتْني بالعودة إلى وطني، إما بسبب رسالة من زوس، وإما لأن عقلها قد تغيَّر من تلقاء نفسه، فأرسلَتني في طريقي، فوق رمثٍ من أخشاب الأشجار المربوطة إلى بعضها بإحكام، وزوَّدَتني بكمياتٍ وفيرة من الخبز والخمر الحلوة، وألبسَتْني ثوبًا خالدًا، وبعثت إليَّ بريحٍ رقيقة دافئة؛ ومِن ثَمَّ بقيتُ سبعة عشر يومًا أُبحر فوق الخضم، وفي اليوم الثامن عشر، لاحت لي من بعدُ جبال بلادك الظليلة فسُرَّ لمرآها قلبي، وكنتُ سيئ الحظ؛ لأنني بحقٍّ كنتُ لا أزال رفيق محنةٍ هائلة، أرسلَها ضدي بوسايدون، مزلزل الأرض؛ فقد أثار الرياح ضدي لتعوق طريقي، وأهاج البحر الصاخب بصورة عجيبة، فقذفَتني الموجة بعيدًا عن طوفي، وأنا أئنُّ دون انقطاع. لقد حطمَّت العاصفة الطوفَ أيَّ تحطيم، فركنتُ إلى السباحة وشققتُ طريقي وسط أخطار٢١ البحر، حتى جاءت بي الريح والأمواج، وهي تحملني إلى شواطئك، ولو أني أسرعتُ إلى البر هناك، لقذفَت بي اللُّجَج على الشاطئ، فوق الصخور الضخمة في مكانٍ شديد الخطر، ولكنَّني عدتُ أدراجي وسبحتُ حتى بلغت نهرًا، بدا لي أنه خير مكانٍ ألجأ إليه؛ إذ كانت صخوره ملساء، وعلاوةً على ذلك فقد كان بعيدًا عن مهَّب الريح؛ عندئذٍ ظللتُ أتعثَّر سابحًا إلى الأمام، وغطستُ وأنا أشهق ولا أكاد أتنفَّس إلا بصعوبة، حتى خيم عليَّ الليل الخالد، وبعد ذلك خرجتُ من النهر الذي تُغذِّيه السماء، واستلقيتُ على الأرض لأنام بين الأدغال، جامعًا حولي أوراق الشجر، وسكب عليَّ أحد الآلهة نومًا بالغًا،٢٢ فنمتُ هناك وسط الأوراق وقلبي متعَبٌ غاية التعب، طَوالَ الليل كله، وإلى الصباح، وإلى الظهر، حتى استدارت الشمس مؤذنةً بالمغيب، والنوم اللذيذ لم يزل قابعًا فوق جفنَي، ثم استيقظتُ فإذا بي أرى خادمات ابنتكِ، يلعبن على الشاطئ وفي وسطهن الأميرة٢٣ الحسناء، أشبه بالربة، فتضرَّعتُ إليها، وإذا بها، بإدراكها السليم، لا تتوانى قط في أن تفعل ما لا يدور بخلدكِ أن فتاةً في مثل سنها الصغيرة قد تفعله عند لقائك؛ لأن الشباب الصغير عديم التفكير دائمًا. لقد أعطتني مقدارًا وافرًا من الخبز، وخمرًا صهباء، وجعلَتني أستحم في النهر، وأعطَتني هذا الثوب. وهكذا، أُخبركِ بالحقيقة، رغم جميع أحزاني.» اشتراك ألكينوس في الحديث فرَدَّ عليه ألكينوس بدوره يقول: «أيها الغريب، حقًّا، إن ابنتي لم تُصِب تمامًا، في كونها لم تصحبك إلى بيتنا مع وصيفاتها؛ لأنك توسَّلتَ إليها أولًا.» فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أيها الأمير، بربك، لا تلُم ابنتكَ في هذا الأمر، لقد أَمرتْني فعلًا أن أتبعها مع وصيفاتها، ولكني لم أفعل، بسبب الخوف والخجل، لئلا يستشيط قلبُك غضبًا عندما ترى الأمر؛ فإنا نحن قبائل البشر، القاطنين الأرض، سريعو الغضب.» فرَدَّ عليه ألكينوس ثانية، وقال: «يا هذا الغريب، ليس على النحو، قلبي الكائن في داخل صدري، أن يملأه الغضب بدون داعٍ، وإن الواجب اللائق لأفضل في كل شيء. وبحق أبينا زوس، وأثينا، وأبولُّو، إنني لأتمنَّى أن مثلك، أيها الرجل العظيم، الذي يَعدِلني عقلًا، يتخذ ابنتي زوجة، وتُسمَّى ابني، وتبقى هنا، ولو طاب لكَ البقاء هنا، لأعطيتك بيتًا وممتلكات، ولكن لن يحتفظ بك أحدٌ من الفياكيين ضد رغبتك، ولن يسمح بهذا، الأب زوس. أما عن موضوع إرسالك إلى وطنك، فلكي يطمئن قلبك وتتأكد منه، فإنني سأُحدد له موعدًا، وليكن غدًا؛ عندئذٍ تنام ملء جفنَيك، بينما يُجدِّف الرجال من أجلك، عَبْر البحر الهادئ، حتى تبلُغ بلدكَ وبيتك، أو إلى أي مكانٍ تريده، مهما كان نائيًا، حتى ولو كان وراء يوبويا Euboea، حتى يقول من شاهدها من قومنا، عندما حملوا رادامانثوس Rhadamanthus،٢٤ الجميل الشعور، لزيارة تيتيوس Tityus ابن جيا Gaea،٢٥ إنها أقصى بلد. لقد ذهبوا إلى هناك، وأتموا رحلتهم بغير مشقةٍ ولا نصَب، ثم عادوا إلى الوطن في نفس اليوم. ولسوف تعرف أنتَ أيضًا، في قرارة نفسك، أن سفني هي خير سفن، ورجالي خيرة الشباب في شق البحر بنصل المجذاف.» قال هذا، فسُر أوديسيوس العظيم، البالغ التحمُّل وتوسَّل إليه قائلًا: «أبتاه زوس، فلتُحقِّق كل ما قاله ألكينوس. وعلى ذلك لا تُخمد صِيتَه فوق الأرض، مانحة الغلال، ولتجعلني أصل إلى وطني.» الجميع ينامون وكذا أوديسيوس هكذا تكلَّم كلٌّ منهما إلى الآخر، وأمرتْ أريتي البيضاء الساعدَين، وصيفاتها بإعداد فراشٍ تحت سقف الرواق، وبأن يضعن فوقه ملاءاتٍ جميلة من الأرجوان، وفوقها أغطية، ومن فوق هذه عباءات من الصوف يلبسنها. وهكذا خرجن من الساحة، يحملن المشاعل في أيديهن. ولما أعددن الفراش الفاخر، استدعين أوديسيوس وقلن له: «انهض الآن، أيها الغريب، كي تذهب إلى راحتك؛ فقد أُعد فراشك.» ما إن سمع أوديسيوس كلامهن، حتى رحَّب بالنوم؛ ومِن ثَمَّ رقد أوديسيوس العظيم، الكثير المعاناة، فوق الفراش المكوَّن من الحبال المشدودة تحت الرواق المُدوِّي. بينما رقد ألكينوس في مخدعه الداخلي بالقصر الباذخ، ورقدَت إلى جواره السيدة زوجه، التي أعدَّت الفراش. ١ الترجمة الحرفية: «الذي هو صيد القوم هنا». ٢ الكلمات: «تمر في سرعة» مضافة ولا وجود لها بالنص اليوناني. ٣ الترجمة الحرفية: «هو». ٤ الترجمة الحرفية: «امرق إلى الداخل». ٥ زوجة ألكينوس ووالدة ناوسيكا. رحَّبَت هي وزوجها بمقدم أوديسيوس، وأكرما وفادته، ووعدا بمساعدته ليعود إلى وطنه. ٦ الترجمة الحرفية: الذي كان ينظر إليها نظرته إلى ربة. ٧ أثينا المدينة. ٨ في غابر الأزمان كان فوق أكروبول مدينة أثينا معبد مُكرَّس للربة أثينا وإريخثيوس. ٩ وُجدَت كِسَر من هذه الميناء في تيرونز Tiryns. ١٠ رغم كون الكلاب من الذهب والفضة، كانوا يظنُّونها حية؛ إذ كان الفياكيون يعيشون في أرض الخرافات. ١١ الترجمة الحرفية: من المنسوج الناعم، المنسوج بمهارة، صنَعتْه النساء بأيديها. ١٢ هذه إشارة إلى نشاطهن المستمر. ١٣ من المحتمل أن تكون الكلمة هنا إشارة إلى لمعان الكتَّان، ويٌفسِّرها آخرون بأن نسج الكتان كان ضيقًا لدرجة لا تسمح للزفت أن يقطر منه. ١٤ يبدو أن الكلمة هنا معناها مساحةٌ تستغرق في الحرث أربعة أيام. ١٥ الترجمة الحرفية: للغريب. ١٦ وقد يُترجَم اللفظ اليوناني المرادف بكلمة: «الطيب». ١٧ أضفنا هذه العبارة من عندنا حيث لا ضرر من ذلك ولا إخلال بالنص مطلقًا. ١٨ يسميهن الرومان باركاي Parcae أو فاتا Fata. ويختلفون في عددهن ولكن يقولون إن عددهن ثلاث؛ كلوثر Clotho التي تنسج خيط الحياة، ولاخيسيس Lachesis التي تُحدِّد طوله وأتروبوس Atropos التي تقطعه. وهن بنات زوس وثيميس، وشقيقات الهواري (الساعات)، ولو أنهم يقولون أحيانًا إنهن بنات نوكس (الليل) وشقيقات ربات الموت (الكيريس). كمن يراقبن القضاء المقدَّر للإنسان ومتى يتم وينقضي، وليس لأي امرئٍ أن ينجو أن يغير ما فَرضْن عليه. ولمَّا كان الميلاد والموت هما اللحظتان الرئيسيتان المحددتان للحظ في الحياة، فقد كن يُعتبَرن كذلك ربات الميلاد والموت خاصة، وكان من المستطاع التوسل إليهن في حالاتٍ هامة كالزواج أو القيام بمشروعٍ جديد. وكن يُصوَّرن أحيانًا كنساءٍ بشعات الخلقة، وكن يُصوَّرن أحيانًا كعذارى سَمحاتِ الخلقة يلبسن ملابسَ طويلة. وكان المنسج من مستلزمات كلوثر، والكرة (أو البكرة) مستلزمات لاخيسيس، أما أتروبوس فإن كفَّتَي الميزان من مستلزماتها. ١٩ هم أبناء أورانوس (السماء) والأرض. كانوا ثلاثة وكانوا عمالقة لكل واحدٍ منهم عينٌ واحدة، وهم أقوياءُ للغاية أوتوا مهارةً إلهية عظيمة. ٢٠ يقول النص: «في كلماتٍ مجنحة». ٢١ الترجمة الحرفية، هاوية. ٢٢ الترجمة الحرفية: «لا حد له». ٢٣ الترجمة الحرفية: «وفي وسطهن كانت هي، حسناء أشبه بالربَّات». ٢٤ ابن زوس. يُرمز إليه في بعض القصص كمساعدٍ خاضع لذلك للملك مينوس في كريت، وفي بعضها الآخر كملكٍ على جزر البحر. ويُصوَّر على الدوام كمؤسس للقوانين والإجراءات الشرعية، وكقاضٍ عادل. ٢٥ هي الأرض ووالدة السماء والبحر. الأوديسة
الأنشودة الثامنة ألكينوس يخطب في حشد الفياكيين ما إن بزغ الفجر الوردي الأنامل مبكرًا في أفق السماء، حتى نهض ألكينوس القوي العتيد من مخدعه، كما استيقظ أيضًا أوديسيوس سليل زوس، ومُخرِّب المدن. وتقدَّم ألكينوس، القوي العتيد، يقود ضيفه إلى مكان اجتماع الفياكيين، الذي كان قد بُني لهم بالقرب من سفنهم، فبلغا المكان، وجلسا فوق الأحجار المصقولة، كلٌّ منهما بقرب الآخر، بينما انطلقَت بالاس أثينا، تسير خلال المدينة، في صورة رسول ألكينوس الحكيم، تُدبِّر أمر عودة أوديسيوس الجسور، فكانت تقترب من كل رجلٍ وتقول له: «هيا الآن، يا قادة ومستشاري الفياكيين، هلُموا إلى مكان الاجتماع، حتى تعرفوا خبر الغريب الذي جاء حديثًا إلى قصر ألكينوس الحكيم، بعد تجواله عَبْر البحر، وفي صورةٍ أشبه بالخالدين.» وأمسك بجلَّة أكبر وأغلظَ من سائر الجلَل. هكذا كانت تقول، فأثارت روح وقلب كل رجل، وما هي إلا فترةٌ قصيرة حتى عج مكان الحشد، وامتلأَت المقاعد بالرجال الذين اجتمعوا هناك. وقد عجب كثيرون من منظر ابن لايرتيس الحكيم؛ إذ سكبَت أثينا على رأسه ومنكبَيه جمالًا رائعًا عجيبًا، كما جعلَته يبدو أطول وأقوى أمام ناظر الرائين، كي يُرحِّب برؤيته سائر الفياكيين، ويحظى باحترامهم وتوقيرهم، وكي يستطيع إنجاز الأعمال الجسيمة العديدة التي اختبره بها الفياكيون. وبعد أن احتشدوا، واجتمعوا معًا، قام ألكينوس في وسطهم، وخاطب جمعهم بقوله: «أصغوا إليَّ، يا قادة ومستشاري الفياكيين، حتى أُلقي على مسامعكم ما يأمرني به قلبي من وسط صدري. قدِم إلى قصري هذا الغريب — ولستُ أدري من هو — ضمن تجوالاته، سواء أكان من أقوام الشرق، أو من سكان الغرب. إنه يرجوني في أن أبعث به إلى وطنه، ويُلِحُّ في التوسل. هيا من جانبنا، كما هي عادتنا منذ غابر الأزمان، أن نُسرِع في إرساله؛ فما من رجل، أيًّا كان، ممن يأتون إلى قصري، يبقى هنا حزينًا لمدةٍ طويلة، من جرَّاء عدم إجابة طلبه في العودة إلى بلده. هلموا بنا، نُنزل سفينة سوداء إلى البحر اللامع؛ لتقوم بأول رحلاتها، ولينتخب الرجال من بينهم اثنَين وخمسين شابًّا، من خِيرة القوم نشاطًا وقوة. وبعد أن تُعِدوا المجاذيف كما يجب في فتحاتها،١ اذهبوا إلى الشاطئ، ثم خذوا طريقكم إلى قَصري، وأعِدُّوا وليمةً بسرعة، ولسوف أُقدِّم لكم الوليمة بسخاء للجميع. هذا هو ما آمر به الشبان، كما أرجو سائر الآخرين، من الملوك ذوي الصولجان، أن يتفضَّلوا بتشريف قصري الجميل، حتى نستطيع دعوة هذا الغريب في ساحاتنا، لنحتفل بمقدمه، ولستُ أقبل من أي أحد رفض دعوتي هذه، واستدعوا إلينا المنشد المقدس، ديمودوكوس Demedocus؛ إذ حباه الرب، دون سائر غيره، بالمهارة في الغناء، كي يُطرِب الناس بالفن الذي تجود به روحه، وتدفع به إلى الغناء.» هكذا تكلَّم، وتقدَّم الجمع في الطريق، يتبعه الملوك ذوو الصولجان، بينما انطلَق أحد الرسل لاستدعاء المنشد المبجَّل. وذهب اثنان وخمسون من الشباب المختار إلى شاطئ البحر الصاخب كما أمر ألكينوس٢ فأنزلوا السفينة السوداء، إلى المياه العميقة، وبعد أن ركبوها، والبحر، ثبَّتوا الصاري في السفينة السوداء، ووضَعوا الشراع في مكانه بالسارية، وربطوا المجاذيف إلى فتحاتها بالسيور الجلدية، كلها في تنسيقٍ بديع، ونشروا الشراع الأبيض. وهكذا بمهارةٍ بالغةٍ في أفانين البحر، أنزلوا السفينة إلى اليم، ثم انطلَقوا يشُقُّون طريقهم إلى قصر ألكينوس الحكيم، المنيف. لقد كانت الأروقة والساحات والقاعات زاخرةً كلها بالرجال المحتشدين؛ إذ كانوا كثيري العدد، شيوخًا وشبانًا. لقد نحر لهم ألكينوس، اثنَي عشر خروفًا، وثمانية خنازير برية، بيض الأنياب، وثورَين سمينَين متثاقلَي المشية، فسلخوا هذه وأعدُّوها، وصنعوا منها وليمةً فاخرة. المنشِد يُغنِّي والقوم يُولِمون بعد ذلك اقترب الرسول بصحبة المُنشِد المجيد، الذي كانت تُحبه ربَّات الشعر أعظم حُب دون سائر الرجال، ووهَبْنه الخير والشر معًا؛ إذ جرَّدنه من بصره، ومنَحنَه موهبة الغناء الشجي، فوضع بونتونوس Pontonous، الرسول له كرسيًّا مطعمًا باللجَين، وسط المدعوين، وأسنده إلى عمودٍ طويل، وعلَّق قيثارته الواضحة النغمات على مشجبٍ قريب فوق رأسه، وأراه كيف يصل إليها بيدَيه. كما وضع إلى جواره منضدةً جميلة، وسفطًا، وكأسًا مليئة بالصهباء، كي يتناولها متى طاب له الشرب. وهكذا مدُّوا أيديهم إلى الطعام الشهي الموضوع أمامهم. حتى إذا ما انتهَوا من الطعام والشراب، دفعَت ربة الشعر المنشد إلى الغناء، فتغنى بأعمال المحاربين المجيدة، تلك الأنشودة التي بلغ صيتها وقتذاك إلى عَنان السماء الفسيحة، العراك بين أوديسيوس وأخيل Achilles ابن بيليوس Pejeus، وكيف تنازعا ذات يومٍ بألفاظٍ ثائرة في وليمة فاخرة للآلهة، فسُر أجاممنون، ملك البشر، في قرارة نفسه، من شجار خيرة الآخيين؛ فهكذا أخبره فويبوس أبولُّو، أن هذا لا بد أن يحدث في بوثو Pytho المقدسة، عندما مر فوق العتبة الصخرية ليستفتي الوحي؛ لأن بداية المحن كانت تنصب حينئذٍ نحو الطرواديين، والدانيين، تبعًا لإرادة زوس العظيم. أناشيد المغني تبكي أوديسيوس تلك كانت الأغنية التي أنشدها المغني الذائع الصيت، وعندئذٍ أمسك أوديسيوس بعباءته الفاخرة، الأرجوانية، بيدَيه القويتَين، وجذَبها إلى أسفل فوق رأسه، مخفيًا وجهه الجميل؛ لأنه أحس بالخجل أن تتساقط دموعه من تحت حاجبَيه أمام للفياكيين، وكلما كان المنشد المبجَّل يكُف عن الغناء، كان أوديسيوس يُزيح العباءة من فوق رأسه، ويمسح دموعه، ثم يتناول الكأس ذات اليدَين، ويصُب السكائب للآلهة. وعندما يأمر نبلاء الفياكيين المغني بالإنشاد، كان أوديسيوس يعود فيُغطِّي رأسه وينتحب، مخفيًا دموعه عن سائر غيره من الحاضرين، بيد أن ألكينوس وحده، هو الذي لاحظ ذلك وتَنبَّه إليه؛ لأنه كان يجلس إلى جواره، وسمعه يئنُّ بشدة، وفي الحال نهض وسط الفياكيين، مُحبي المجاذيف، وتحدَّث إليهم قائلًا: «أصغوا إلي، يا قادة ومستشاري الفياكيين، محبي المجاذيف، لقد أشبعنا قلوبنا بالوليمة الطيبة وبالقيثارة، رفيقة الوليمة الممتعة. دعونا الآن نخرج إلى الخلاء لنقوم بجميع صنوف المباريات، حتى إذا ما عاد هذا الغريب إلى وطنه، روى لأصدقائه، إلى أي حدٍّ نبُذُّ نحن غيرنا في الملاكمة والمصارعة، وفي القفز وسرعة الجري.»٣ دعوة الأبطال إلى المباريات قال هذا ونهض يقودهم إلى الخارج، وتَبِعه الحاضرون، وتناول الرسول القيثارة العذبة الأنغام من على المشجب، وأمسك بيد ديمودوكوس، وقاده خارج الساحة، سائرًا معه في نفس الطريق التي سار فيها الآخرون، من أشراف الفياكيين، لمشاهدة المباريات. لقد انطلقوا إلى مكان الاجتماع، يتبعهم حشدٌ عظيم لا يُحصيه عد، وقام كثيرٌ من شباب النبلاء؛ أكرونيوس Acroneüs، وأوكوالوس Ocyalus، وإلاتريوس Elatreus، وناوتيوس Nauteus، وبرومنيوس Prymneus، وأنخيالوس Anchialus، وإريتميوس Eretmeus، وبونتيوس Ponteus، وبروربوس Proreus، وثوون Thoon، وأنابيسينيوس Anabesineüs، وأمفيالوس Amphialus، ابن بولونيوس Polyneüs، ابن تيكتون Tecton، كما نهض أيضًا يوروالوس Euryalus، نظير أريس Ares قاهر البشر، ابن ناوبولوس Naubolus، الذي كان يفوق سائر الفياكيين جمالًا وقوامًا بعد لاوداماس Laodamas المنقطع النظير، ونهض أبناء النبيل ألكينوس الثلاثة، لاوداماس وهاليوس Halius، وكلوتونيوس Clytoneüs، الشبيه بالإله، فكان هؤلاء أول من اشترك في سباق الجري بالأقدام، فحُدِّد لهم طريق من نقطة الدوران، فانطلقوا جميعًا في سرعةٍ بالغة مثيرين غبار السهل، وكان النبيل كلوتونيوس أفضلهم في سرعة العدو، فسبقهم جميعًا بمسافةٍ تبلغ طول صفٍّ من مائة بغل، واحدًا وراء الآخر، فتقدمهم بهذه المسافة ووصل قبلَهم إلى الحشد، تاركًا زملاءه خلفه. بعد ذلك قاموا بمبارة المصارعة المتعبة، وفي هذه فاز يوروالوس على جميع الأمراء. وفي القفز كان أمفيالوس خير المتبارين جميعًا. أما في قذف الجلَّة فتفوق إلاتريوس على الجميع، وفي الملاكمة لاوادماس الكريم، ابن ألكينوس، وبعد أن متَّع الحاضرون أنفسهم بمشاهدة المباريات، قام لاوداماس بن ألكينوس، وتكلم وسطهم، قائلًا: «أيها الأصدقاء، لنسأل هذا الغريب، عما يعرفه من المباريات؛ فلا شك في أنه ليس ضعيف البنية، وإنه لقوي الفخذَين وبطن الساق، والساعدَين، وإن عنقه لغليظ، وقوته هائلة، فلا يفتقر بأية حال إلى شيءٍ من قوة الشباب، ولكن أضنته المتاعب الجمة؛ فلا شيء في رأيي أسوأ من أن يُربك البحر المرء، ولا سيما إذا لم يكن جم القوة.» فقام يوروالوس بدوره يردُّ عليه بقوله: «لقد نطقتَ بمنتهى الصواب، يا لاوداماس، فلتذهب إليه بنفسك وتتحداه، مجاهرًا بقولك أمام الجميع.» فلما سمع ابن ألكينوس الكريم هذا، تقدَّم ووقف في الوسط وتحدَّث إلى أوديسيوس قائلًا: «وأنت سيدي الغريب، ألا تُجرب حظك في المباريات، إن كنت تُجيد شيئًا منها؟ لا بد أنك تعرف المباريات؛ فلا شيء يزيد المرء مجدًا في حياته أكثر من ربحه بيدَيه وقدمَيه. تعال يا سيدي، جرب واطرد الهم عن قلبك، فلن تتأخر رحلتك بعد الآن طويلًا. كلا؛ فقد أنزلتُ سفينتك إلى اليم، والبحارة مستعدون.» عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «لِمَ تسخر مني، يا لاوداماس بهذا التحدي؟ إن الحزن ليملأ قلبي أكثر من المباريات؛ حيث إنني، فيما مضى عانيتُ الأهوال، وقاسيت الكثير، والآن أجلس في وسط هذا الملأ، متلهفًا إلى عودتي لوطني، متوسلًا إلى الملك، وإلى جميع الشعب.» فما كان من يوروالوس، الآن، إلا أن عيَّره في وجهه، قائلًا: «أيها الغريب، إنني لا أُشبِّهك، حقًّا، بالرجل الماهر في المباريات، كمن يُشتهَرون بين الرجال، ولكن بمن يسير جيئة وذهابًا بسفينته ذات المقاعد، ونعتبره ربَّانًا على البحارة التجار، ذلك الذي يفكر في بضائعه، ولا يهتم إلا بالسلع التي يحملها إلى وطنه، وبأرباحٍ جشعة، لا يبدو عليك أي شبهٍ بالرجل الرياضي.» أوديسيوس يشترك في المباريات قطَّب أوديسيوس كثير الحيل ما بين حاجبَيه وحَدجَه بنظرةٍ غاضبة، قائلًا: «أيها الغريب، إنك لم تُحسن القول، وأشبه ما تكون بالأعمى في حماقته. لا شك أن الآلهة لا تقسم المواهب بالعدل بين الناس، لا في الهيئة، ولا العقل، ولا الفصاحة؛ فقد يكون الرجل أقل من غيره جمالًا، فيضع الرب على نطقه تاجًا٤ من الجمال، فيروق في نظر الناس، ويعلو قَدْره وهو يتكلم بينهم بلا خطأ، وبتواضعٍ مقبول، فتشرئب إليه أعناق الملأ الحاضر، وكلما سار خلال المدينة تطلَّع إليه القوم كما يتطلَّعون إلى إله. كما أن هناك رجلًا يشبه الخالدين جمالًا، ولا تتحلى ألفاظه بتاجٍ من الجمال. هذا حالك؛ فإنك رائع الحسن، بحيث لا يستطيع أي إله أن يُصلح فيه شيئًا، ولكنك خامل العقل. لقد أفزعتَ روحي في صدري، بعدم لياقتك في الحديث. إنه لا تُعوِزني المهارة في المباريات كما تقول. وأعتقد أنني كنتُ من الأوائل في أيام شبابي وقوة يدي. بيد أن الأهوال والآلام قيَّدَتني الآن؛ إذ عانيتُ كثيرًا بالاشتراك طويلًا في حروب الرجال، وبمقاومة اللُّجَج العتيدة. بيد أنه رغم أنني قد تكبَّدتُ الكثير، فسأُجرِّب حظي في المباريات؛ لأن كلمتك هذه قد وخَزَتْني في قلبي، وأثارني حديثك.» فوز أوديسيوس في رمي الجلة ما إن قال أوديسيوس هذا، حتى وثب من مكانه، وهو ملتفٌّ بعباءته كما كان، وأمسك بجلَّةٍ أكبر وأغلظ من سائر الجلَل، ولا تقل بحالٍ ما، عن أعظم ثقلٍ اعتاد الفياكيون أن يتنافسوا بقذفه، فيما بينهم. أمسك تلك الجلَّة، وبرميةٍ أرسل بها بعيدًا، من يده القوية، فأحدثَت الصخرة دويًّا وهي تطير فوق رءوس الجمع، حتى إنهم انبطحوا أرضًا؛ انبطح الفياكيون ذوو المجاذيف الطويلة، أولئك الرجال المشهورون بسفنهم، تحت هجمة الصخرة. وإلى أبعد من مدى الجميع، طارت مسرعةً بخفة من يده، وجاءت أثينا في صورة رجل، ووضعت علامة المدى بيدها، وخاطبَتْه بقولها: «حتى الأعمى، أيها الغريب يستطيع أن يُميِّز هذه العلامة، وهو يبحث عنها، متحسسًا إياها بيدَيه؛ لأنها ليست بأية حالٍ قريبة من علامات الآخرين، بل هي أبعدُ منها جميعًا، بمراحل. إذن فلا أقل من أن تطيب خاطرًا بهذا الفوز؛ إذ لن يصل أي فرد من الفياكيين إلى هذا المدى، أو يقذف إلى أبعدَ منه.» وأمسك بجلَّة أكبر وأغلظ من سائل الجلَل. هكذا تكلَّمَت، فسُر أوديسيوس العظيم، الكثير التحمل، واغتبط إذ رأى لديه صديقًا صدوقًا، وعلى ذلك تكلَّم وسط الفياكيين بقلبٍ أخفَّ عبئًا: «أيها الشبان، من استطاع منكم أن يقذف إلى هذا المدى فليفعل، وعندئذٍ أعتقد أنني سأرسل غيرها إلى نفس البُعد أو أبعد. إن كان هناك من بين الباقين من يُحدِّثه قلبه بمباراتي، فليتقدم ويجرب — لأنكم أغضبتموني غاية الغضب — وليكن في الملاكمة أو في المصارعة، أو في الجري؛ فأنا لا أبالي؛ ليتقدم أي واحدٍ من الفياكيين أجمعين، ما عدا لاوداماس فقط؛ لأنه مضيفي، ومن ذا الذي يتعارك مع من أكرمه؟ إذن لكان أحمقَ ومن سقَط المتاع، من تحدَّى في مباراة مضيفه الذي رحَّب بمقدمه في أرضٍ غريبة. إنه لا يضر إلا بحظوظه، أما سائر الباقين، فلن أرفض تحدِّي أحد، ولا أستخف بأحد، ولكني أُرحِّب بمعرفتهم، وأُجرِّب حظي معهم، رجلًا في مواجهة رجل؛ فلستُ ضعيفًا في أي شيء، من شتى ألوان المباريات التي يمارسها الأقوام؛ فبمهارةٍ أستطيع استخدام القوس المصقولة، وأنا الأول دائمًا في ضرب وإصابة رجلي بين جموع الأعداء، رغم أن زملائي يقفون إلى جانبي ويُصوِّبون نحو الرجال، ولم يبُذَّني أحدٌ قَط سوى فيلوكتيتيس Philoctetes، في القوس بأرض الطرواديين، يوم أن حاربنا نحن معشر الآخيين، وها أنا ذا أعلن أنني المُبرز على سائر الباقين، من جميع البشر الذين يعيشون الآن على ظهر البسيطة، ويأكلون الخبز، ولكني لن أسعى إلى منافسة رجالات الأيام الغابرة، لا مع هرقل Heracles، ولا مع يوروتوس Eurytus، أو مع أويخاليا Oechalia، الذي ناضل حتى مع الخالدين في الرماية بالقوس. وقد مات يوروتوس العظيم بسرعة، دون أن تبلُغه الشيخوخة في ساحاته؛ لأن أبولُّو استشاط غيظًا، فقتله؛ إذ تحدَّاه في مباراة بالقوس. وفي مقدوري أن أقذف الرمح أبعدَ من أي رجلٍ يمكنه أن يصيب بالسهم، أما في سباق الجري بالأقدام. فأخشى فقط، أن يتفوق عليَّ فيه أحد من الفياكيين؛ إذ أُصبتُ بوحشية وسط الأمواج الصاخبة العديدة، حيث لم يكن بسفينتي أيةُ مئونة. وعلى ذلك تجدون أطرافي مرتخية.» ألكينوس يدعو الراقصين إلى الرقص هكذا تكلَّم أوديسيوس، فلزم الجميع الصمت، ولكن ألكينوس وحده قال: «أيها الغريب، ما دمتَ لم تنطق بقبحٍ وسطنا، ولكنك تعتزم إظهار بسالتك التي تتمتع بها، غاضبًا من أن ذلك قد ذهب إليك وعيَّرك بطريقةٍ غير لائقة، وإن من يعرف كيف يزن أقواله لا يمكن أن يستخف ببطولتك، هيا الآن، وأصغ إلى ما أقول، حتى تستطيع أن تقُصَّ لبطلٍ آخر، عندما تكون في ساحاتك تُولِم مع زوجك وأولادك، وتتذكَّر مهارتنا، أيَّ ولائم قد حبانا بها زوس منذ أيام آبائنا إلى يومنا هذا؛ لأننا لسنا معصومين من الخطأ في الملاكمة أو المصارعة، ولكننا في سباق العَدْو نجري بسرعة، كما أننا خير بَحَّارة في العالم، ونُغرم دائمًا بالمائدة والقيثارة والرقص، وتغيير الملابس، والحمامات الدافئة، والمخادع. هيا الآن يا خيرة الراقصين الفياكيين، استعرضوا رقصاتكم حتى يمكن لهذا الغريب أن يحكي لأصدقائه عندما يبلُغ وطنه، كيف نفوقُ سائر غيرنا في أفانين البحر، وفي سرعة القدم، وفي الرقص والغناء. وليذهب أحدكم فورًا فيُحضر لديمودوكوس، القيثارة العذبة الألحان، المعلَّقة بأحد الأمكنة في ساحاتنا.» الرقص على أنغام القيثارة هكذا تكلَّم ألكينوس، الشبيه بالإله، ونهض الرسول ليُحضر القيثارة الجوفاء من قصر الملك، بعد ذلك نهض أبطال الرقص، وكانوا تسعة رجالٍ مختارين من بين الشعب، اعتادوا على تنظيم كل شيءٍ وسط الجموع، على أكمل وجه، فسوَّوا مكانًا للرقص، وحدَّدوا حلقةً مناسبة الاتساع واقترب الرسول، يحمل إلى ديمودوكوس، قيثارته الشجية الأنغام. وبعد ذلك انتقل إلى وسط الحلبة، والتفَّ حوله صبيانُ في ميعة الصبا، يجيدون الرقص بمهارةٍ أي مهارة، وراحوا يضربون أرض الرقص العظيمة بأقدامهم، فبُهت أوديسيوس وهو يُحملِق في ومضاتِ أقدامهم، ودُهش في قرارة نفسه. أما المغني فأخذ يُوقِّع الأنغام على أوتار القيثارة بما يتمشَّى مع أنشودته العذبة، فتغنى بحب أريس٥ وأفروديتي ذات التاج الجميل، وكيف في البدء، رقدَا سويًّا، في بيت هيفايستوس، سرًّا، وأعطاها أريس هدايا عديدة، ودنَّس بالعار فراش السيد هيفايستوس. غير أن هيليوس طيَّر إليه النبأ في الحال؛ إذ كان قد أبصر بهما وهما يرقدان معًا في عشق، فلما بلغَت الغُصَّة المؤلمة مسامع هيفايستوس، ذهب، وهو في طريقه إلى مكان حدادته، يُدبِّر شرًّا في نفسه، وصنع قيودًا على السندان الهائل، قيودًا لا يُمكن تحطيمها أو فكُّها، حتى يستطيع بها تكبيل العاشقَين حيث كانَا. وبعد أن صنع، وهو في غضبه من أريس، ذلك الفخ، ذهب إلى مقصورته حيث يُوجد الفراش، ونثَر القيود في كل مكان حول قوائم الفراش، كما علَّق فوقه قيودًا كثيرة، تتدلَّى من قوائم السقف الخشبية، وكانت دقيقة جدًّا، أشبه بخيوط العنكبوت، كي لا يمكن لأحد، حتى من الآمة المباركين، أن يراها؛ إذ كانت مصنوعةً بمهارة تفوقُ الحد، وبعد أن نثَر فِخاخه كلها حول المخدع، تظاهر بالرحيل إلى ليمنوس Lemnos، القلعة المتينة البناء، التي كانت عزيزة على نفسه أكثر من جميع البلاد. ولم يكن أريس، ذو العنان العسجدي، أعمى في ملاحظته هيفايستوس؛ فعندما رأى هيفايستوس الذائع الصيت بمهارة يدَيه، يرحل، انطلَق في طريقه إلى منزل هيفايستوس الشهير، مشتاقًا إلى غرام كوثيريا Cytherea،٦ الجميلة التاج، وكانت قد حَضَرتْ لِتوِّها من بيت أبيها، ابن كرونوس، العتيد، واستوت جالسة، فدخل أريس المنزل، وأمسك بيدها، وتحدث إليها بقوله: «تعالي يا حبيبتي، هيا إلى الفراش لنأخذ متعتنا، مضطجعَين معًا؛ لأن هيفايستوس لا يُوجَد الآن بهذه البلاد، بل رحل منذ برهة، كما أعتقد، إلى ليمنوس، لزيارة السنتيين Sintians، المتعجرفي الحديث.» هكذا قال، فبدا لها أن الاضطجاع معه أمرٌ لذيذ مرغوب فيه؛ ومِن ثَمَّ انطلقا إلى الفراش، واستلقيا ليناما، فأطبقَت عليهما قيود هيفايستوس الحكيم الخادعة، ولم يستطيعا، بأية حالٍ من الأحوال أن يُحركا أطرافهما، ليفلتا منها. وعندئذٍ عرفا يقينًا أنْ لا منجاة منها، فاقترب منهما الرب الذائع الصيت، ذو الساعدَين المفتولَين،٧ عائدًا قبل أن يصل إلى بلاد ليمنوس؛ إذ كان هيليوس يقوم بالحراسة من أجله، وأخطره في الحال بالأمر؛ ومِن ثَمَّ انطلق إلى بيته، بقلبٍ مثقل بالأحزان، ووقف عند الباب وقد استشاط غضبًا وحَنقًا، وبقوةٍ صاح ينادي جميع الآلهة بقوله: «أبتاه زوس، وأنتم أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، تعالَوا إلى هنا كي تُشاهِدوا أمرًا مضحكًا مُزريًا، كيف تسخر مني أفروديتي، ابنة زوس، بسبب عرجي، وتُغرم بهوى أريس المُخرِّب، بسبب جماله وقوة أطرافه، بينما قد وُلِدتُ أنا مُشوَّهًا. ومع كلٍّ، فلن يُلام على هذا سوى أبويَّ — ليتهما لم ينجباني أبدًا! إنكم ستَرون بأنفسكم كيف صَعِد هذان الاثنان إلى فراشي، واضطجعا معًا في عشق، وإن هذا المنظر ليزعجني. ومع كلٍّ، فإنهما لا يشتهيان، كما أعتقد أن يضطجعا هكذا مدةً أطول من ذلك، كلا، ولا حتى لحظة واحدة، ما أجملهما هكذا! سرعان ما سيفقد كلاهما الرغبة في النوم، وقد أمسَكَت القيود والفخاخ بتلابيبهما، إلى أن يرُدَّ لي أبوها، جميع هدايا الغَزل التي أعطيتُه إياها، من أجل ابنته عديمة الحياء؛ فإن ابنتَه جميلة، ولكنها لا تستطيع أن تُمسِك زِمامَ شهوتها.»٨ هكذا تكلَّم وتجمَّعَت الآلهة في البيت ذي العتبة البرونزية. جاء بوسايدون مُطوِّق الأرض، وجاء المساعد هيرميس، والسيد أبولُّو، الرب القوَّاس.٩ أما الربَّات فقد منعَهن الحياء من المجيء، بل بقِيَت كلٌّ منهن في بيتها. وأما الآلهة، مانحو الخيرات، فوقَفوا عند الباب، وثارت عاصفةٌ لا تخمد من الضحك، وسط الآلهة المباركين، عندما أبصروا مهارة هيفايستوس الحكيم، فنظر أحدهم إلى جاره وتحدَّث إليه بقوله: «لن تزدهر الأعمال الشريرة؛ فالبطيء يمسك السريع، كما تفوَّق هيفايستوس الآن، رغم بطئه، على أريس، بالرغم من كونه أسرع الآلهة الذين يحتلُّون أوليمبوس؛ فمع كونه أعرج، أمسَكَه بمهارته، وعلى ذلك، فإن أريس يستحق غرامة الزاني.» هكذا راح الآلهة يتكلُّمون فيما بينهم، أما السيد أبولُّو بن زوس، فقال لهيرميس: «أي هيرميس بن زوس، أيها الرسول، يا مانح الخيرات، ألستَ بربك مستعدًّا، حتى ولو كنتَ مقيدًا بالأصفاد المكينة، أن ترقد فوق فراشي، إلى جانب أفروديتي الذهبية؟» عندئذٍ أجابه الرسول، أرجايفونتيس، بقوله: «ليت هذا يحدُث، يا سيدي أبولُّو، أيها الرب القوَّاس. ليتني أُطوَّق بثلاثةِ أمثالِ هذه الأصفاد المكينة، بينما أنتم الآلهة، وجميع الإلاهات أيضًا تبصرونني، لقاء أن أرقُد إلى جانب أفروديتي الذهبية.» ما إن قال هذا، حتى انفجر الآلهة الخالدون ضاحكين، ولكن رغم ذلك لم يضحك بوسايدون، بل طَفِق يتوسَّل إلى هيفايستوس، الصانع الذائع الصيت، أن يُطلِق سراح أريس، قائلًا بعباراتٍ مجنحة:١٠ «أطلق سراحه، وأعدك، كما تطلب مني، بأنه سوف يدفع لك كل ما يجب، في حضرة الآلهة الخالدين.» عندئذٍ أجابه الرب الذائع الصيت، ذو السواعد المفتولة، بقوله: «أما هذا، فلا تطلب مني، يا بوسايدون، يا مُطوِّق الأرض، يجب التأكُّد أولًا، من أن ذلك الوغد نادم حقًّا. وكيف أضعك في القيود وسط الآلهة الخالدين، لو أن أريس رفض سداد الدَّين أو العودة إلى القيود، وانصرف؟» فَردَّ عليه بوسايدون، مزلزل الأرض، بقوله: «أيا هيفايستوس، حتى إذا امتنع أريس عن الدَّين وهرب، فأنا على استعداد لأدفعه لك.» فقال الرب، الذائع الصيت القوي الساعدَين: «لا يصح، بعدئذٍ أن أرفض مطلبك، كما أن هذا لا يليق.» قال هيفايستوس القوي هذا وفك القيود، وما أطلق سراح الاثنَين، حتى قفزا في الحال، وانطلقا، فرحل أريس إلى تراقيا Thrace، أما أفروديتي، محبة المرح، فانطلقَت إلى قبرص Cyprus إلى بافوس Paphos، حيث يُوجد مذبحها الجميل العبق. وهُرِعَت ربَّات الحسن Graces،١١ يغسلنها ويدهنَّ جسمها بالزيت الخالد، كذلك الزيت الذي يتلألأ على الآلهة الخالدين، ودثَّرنَها بملابسَ جميلة، أعجوبة للرائين. أنشد المغني الذائع الصيت هذه الأنشودة، فسُر أوديسيوس في قلبه وهو يُصغي. كما ابتهج أيضًا الفياكيون ذوو المجاذيف الطويلة، أولئك الرجال المشهورون بسفنهم. انفراد راقصَين برقصة الكرة بعد ذلك، أمر ألكينوس، هاليوس Halius، ولاوداماس أن يرقصا وحدهما؛ إذ لم يكن في استطاعة أي فردٍ أن يتحدَّاهما، فتناولا في أيديهما كأس الأرجوان، تلك الكرة الرائعة الجميلة التي كان بولوبوس Polybos العظيم قد صنَعها لهما، وشرع أحدهما ينحني إلى الوراء، ويقذف بها نحو السحب الظاهرة، وعندئذٍ ينبري الآخر، فيقفز عاليًا، من فوق الأرض، ويلقفها بمهارة قبل أن تلمس أقدامُه الأرضَ ثانية. وبعد أن عرضا مهارتهما في قذف الكرة عاليًا، أخذا١٢ يرقصان فوق الأرض الفسيحة، بينما يقذفان بالكرة غُدوًّا ورواحًا، ووقف الشبان الآخرون يُصفِّقون لهما على الوحدة فينبعث لذلك ضجيجٌ أيُّ ضجيج. بعد ذلك تحدَّث أوديسيوس العظيم إلى ألكينوس، قائلًا: «سيدي ألكينوس، أيها المشهور أكثر من سائر الرجالات،١٣ لقد زهوتَ بأن راقصَيك أفضل راقصَين، وحق لك ذلك؛ إذ تتملَّكُني الدهشة وأنا أنظر إلى روعة رقصهما.»١٤ ألكينوس يُشيد بأوديسيوس سُر ألكينوس القوي العتيد، لذلك القول، فنهض وسط الفياكيين، مُحبي المجذاف، وخاطَبهم بقوله: «أصغوا إليَّ، يا قادة ومستشاري الفياكيين، يبدو لي، بحق، أن هذا الغريب رجلٌ سامي الإدراك، هيا إذن نُقدِّم له هدايا صداقة، تليق به. إن في بلادنا اثنَي عشر ملكًا عظيمًا يقبضون على زمام الملك، وأنا الثالث عشر، فهل لكم أيها الاثنا عشر ملكًا، هل لكل واحدٍ منكم أن يُحضر عباءة ومعطفًا حديثَي الغسل، وتالنتًا من الذهب البَرَّاق، ولنحضر هذا، كلنا معًا، حتى يمكن للغريب، بعد أن يتناول هدايانا بيدَيه، أن يذهب إلى عَشائه مسرورًا، في قرارة نفسه. أما يوروالوس، فليُصلِح ذات البين مع هذا الغريب، بالقول وبالهدية؛ إذ انفلتَت من بين شفتَيه كلمة، لم تكن بأية حالٍ لائقة.» هكذا تكلَّم، وأثنَى الجميع على رأيه، وقرَّروا أن ذلك عين الصواب، وبعث كلٌّ منهم رسولًا ليُحضِر الهدايا وقام يوروالوس، وقال: «سيدي ألكينوس، يا من يفوق صيتك، شهرة سائر الناس، إنني على أتم استعدادٍ لإصلاح ذات البين مع هذا الغريب، كما أمرت؛ فسأعطيه هذا السيف، المصنوع كله من البرونز الخالص، ومقبضه من اللجَين، وغِمده المحيط به، من العاج المنحوت حديثًا، وعندئذٍ سيكون له شيئًا عظيم القيمة.» أوديسيوس يتلقى هدايا كثيرة قال هذا، وقدَّم السيف المرصَّع بالفضة، بين يدَي أوديسيوس العظيم، وتحدَّث إليه بعباراتٍ مجنحة،١٥ فقال: «مرحبًا بك، أيها السيد الغريب، أرجو، إذا كان لكلماتي وقعٌ عنيف، أن تذهب بها الرياح الهوج في الحال، فتطير بها سريعًا وتحملها بعيدًا، أما أنت فهل للآلهة أن تمنحك رؤيةَ زوجك، وبلوغَ وطنك؛ إذ قد عانيتَ الأهوال مدةً طويلة بعيدًا عن أصدقائك؟» فأجابه أوديسيوس، الكثير الحيل، بقوله: «لك السلام، كل السلام أيضًا، أيها الصديق، وإني لأطلب من الآلهة أن تهبك السعادة. وهل لك، من الآن فصاعدًا، ألا تنسى هذه العبارة الرقيقة التي أصلحتَ بها الأمور بيني وبينك؟» ما إن انتهى من حديثه هذا، حتى علَّق السيف المرصَّع بالفضَّة، فوق كتفَيه، وعندئذٍ غَربَت الشمس، وأُحضرتْ إليه الهدايا المجيدة، وهذه حملَها الرسل المبجَّلون إلى قصر ألكينوس، فأخذ أبناء ألكينوس المنقطع النظير الهدايا الجميلة، ووضَعوها أمام والدتهم الموقَّرة. وتقدَّم ألكينوس القوي العتيد، الجمع إلى داره، فدخلوا واستوَوا فوق المقاعد العالية. وبعد ذلك تحدَّث ألكينوس العتيد إلى أريتي بقوله: «أي زوجتي، أحضري إلى هنا، صندوقًا ضخمًا، أفضل صندوقٍ لديك، وضعي فيه بنفسكِ عباءة ومعطفًا حديثي الغسل، وهل تتفضَّلي بأن تضَعي للغريب، قِدْرًا مملوءة بالماء فوق النار، حتى يكون لديه ماءٌ ساخن يستحم به، فيرى، وهو مُتزيٍّ بأجمل الثياب، جميع الهدايا التي جاء بها إلى هنا الفياكيون النبلاء، وعندئذٍ يتمتع بالوليمة، وبسماع شَدْو الأغاني العذبة. وسأُقدِّم له هذه الكأس الجميلة المصنوعة من الذهب الإبريز، كي يتذكَّر طوال أيام حياته، وهو يسكب السكائب في ساحاته، لزوس وللآلهة الآخرين.» أوديسيوس يحفظ الهدايا في صندوقٍ مكين ما إن أتم ألكينوس كلامه، حتى أمرت أريتي خادماتها بأن يضعن قِدْرًا ضخمةً فوق النار، بسرعة، فأذعنَت الإماء، ووضعنَ القِدْر فوق النار المشتعلة، لملء الحمام، وصبَبْن الماء في القِدْر، ووضعن كتلًا من الخشب في النار تحتها؛ عندئذٍ اندَلعَت ألسنة اللهَب تلعب حول بطن القِدْر، وسَخنَّ الماء، وفي نفس الوقت أحضَرتْ أريتي للغريب صندوقًا جميلًا، من حجرة النفائس ووضَعَت فيه الهدايا العظيمة، من ثيابٍ وذهب، التي قدَّمها إله الفياكيون، كما وضَعَت داخله، بنفسها، عباءة ومعطفًا جميلَين، ثم خاطبَت أوديسيوس بكلماتٍ مجنحة، قائلة: «تولَّ بنفسك الآن إحكام غطاء الصندوق، وبسرعة اربط حوله حبلًا متينًا لئلا يسلبكَ أحدٌ هداياك في أثناء الطريق، وأنت مستغرق، فيما بعدُ، في النوم اللذيذ، وسط السفينة السوداء.» عندما سمع أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، هذه الكلمات، قام في الحال وأحكم تثبيت الغطاء، وبسرعة لَفَّ حبلًا حوله، بعقدةٍ خفية، كانت كيركي١٦ الجليلة قد علَّمَته إياها ذات يوم. وبعد ذلك أَمرتْه ربة البيت، أن يُسرع بالذهاب إلى الحمام ليغتسل، سُر قلبه عندما أبصرَ الحمام الدافئ؛ إذ لم يعتَدْ مثل هذه العناية منذ أن ترك منزل كالوبسو، ذات الشعر الفتَّان؛ لأنه حتى ذلك الحين، كان يلقى الرعاية باستمرار، كما لو كان إلهًا. ناوسيكا تُودِّع أوديسيوس وبعد أن غسَّلَته الإماء، ودعَكْن جسمه بالزيت، ودثَّرنَه بعباءة ومعطفٍ جميلَين، خرج من الحمام، وذهب لينضم إلى جميع الرجال في خمرهم. ووقفَت ناوسيكا، التي حبتها الآلهة بفتنة وجمالٍ رائعين بجانب قائم باب القاعة المكينة البناء، وأُعجبَت بأوديسيوس، وهي ترمقه بنظراتها، وخاطَبتْه بعباراتٍ مجنحة، قائلة: «وداعًا أيها الغريب، وأرجو أن تتذكَّرني، وأنت في وطنك؛ لأنك تدين لي، أولًا، بثمن حياتك.» فأجابها أوديسوس الكثير الحيل بقوله: «هيا ناوسيكا، يا ابنة ألكينوس العظيم القلب، ليت زوس، زوج هيرا، العالي الرعد، يهبُني بلوغ وطني، والتمتُّع بيوم عودتي؛ عندئذٍ سأظل هناك أُصلي لك، كما أُصلي لإله، طوال أيامي؛ فإنك، أنت يا سيدتي التي أَعطيتِني الحياة.» أوديسيوس يغمر المنشد بعطفه قال أوديسيوس هذا وجلس فوق مقعدٍ بجانب الملك ألكينوس. وكان المجتمعون آنئذٍ يُوزِّعون قِطع اللحم ويخلطون الخمر، فاقترب الرسول، يقودُ المنشد الكريم، ديمودوكوس الذي يُجلُّه الشعب، وأَجلِسه وسط المدعوِّين، مسندًا مقعده إلى عمودٍ مرتفع. وعندئذٍ قطع أوديسيوس الكثير الحيل، قِطعة من سلسلة ظهر خنزيرٍ بريٍّ أبيض الناب، من بين كثيرٍ من القِطع وكانت غزيرة الدهن من كلا جانبَيها، وأعطاها الرسول، قائلًا: «أيها الرسول، خذ هذا الجزء وقدِّمه لديمودوكوس، ليأكله، وسوف أقوم بتحيته رغم أحزاني؛ فإن المنشدين يحظَون بالمجد والاحترام بين سائر الناس الذين يسكنون الغبراء؛ لأن ربة الشعر علَّمتْهم طرق الغناء، وتُحب معشر المنشدين.» ما إن قال هذا حتى تناول الرسول القطعة ووضعها في يدَي السيد ديمودوكوس، فتناولها هذا مسرور القلب. وهكذا شرع القوم يأكلون من أطايب الطعام الشهي الموضوع أمامهم. وبعد أن نالوا كفايتهم من الطعام والشراب، خاطب أوديسيوس، الكثير الحيل، ديمودوكوس بقوله: «أيا ديمودوكوس، إنني والحق يُقال؛ لَأثني عليك أكثر من سائر البشر، سواء أكان الذي علَّمك الغناء هي ربة الشعر ابنة زوس، أو أبولُّو؛ لأنك تتغنَّى صادقًا وحيدًا، بمصير الآخيين، كل ما صنعوه ولاقَوه، وجميع المشاق التي قاسَوْها، كما لو كانت حاضرًا معهم بنفسك، بمحض الصدفة، أو سمعت القصة من شخصٍ آخر. والآن هيا غيِّر أغنيتك، وأنشدنا عن الجواد الخشبي، الذي صنعه إيبيوس Epeius، بمساعدة أثينا، الجواد الذي ساقه أوديسيوس، ذات مرة إلى داخل القلعة، كضربٍ من الخداع، بعد أن ملأه بالرجال الذين خرَّبوا إليوس، فلو تغنَّيتَ بحقٍّ عن هذه القصة؛ لأعلنتُ على الملأ أن الرب قد منحك، بقلبٍ رضيٍّ، موهبةَ الغناء المقدس.» أوديسيوس يطلب سماع قصة الحصان الخشبي ما إن انتهى أوديسيوس من حديثه هذا، حتى شرع المغني، يدفعه الرب، يُرسل أنشودته لتصل إلى الأسماع، متناولًا القصة حيث كان الأرجوسيون، قد ركبوا سفنهم ذات المقاعد، وأبحروا بعيدًا، بعد إلقاء النار على أكواخهم، بينما كان الذين يقودهم أوديسيوس المجيد يجلسون في مكانِ اجتماع الطرواديين، مختبئين داخل الحصان، الذي سحَبه الطرواديون أنفسهم إلى القلعة، فبقي واقفًا هناك، بينما جلس القوم حوله، وشرعوا يتكلَّمون طويلًا، ولم يستطيعوا الوصول إلى قرار. لقد حظيت ثلاثة آراءٍ باستحسانهم؛ إما أن يشُقُّوا الخشب الأجوف بالبرونز القاسي، أو يرفعوا الحصان إلى عُلوٍّ شاهق، ويُلقوا به من فوق الصخور، أو يتركوه حيث هو كتقدمةٍ عظيمة تليقُ بمقام الآلهة. كما قَرَّ قرارهم في النهاية؛ إذ كان مصيرهم أن يَهلِكوا بعد أن تحتوي مدينتهم الحصان الخشبي الهائل، الذي كان يجلس بداخله أفاضل الأرجوسيين، يحملون الموت والقدَر للطرواديين. كما أنشَد كيف تدفَّق أبناء الآخيين من الحصان، تاركين كمينهم الأجوف، وخرَّبوا المدينة. أما الآخرون فقد أنشَد كيف انطلقوا في مختلف الطرق يُخربون المدينة الشامخة. وأما عن أوديسيوس فذكر كيف أنه مثل أريس، ذهب إلى بيت دايفوبوس Deiphobus بصحبة مينيلاوس، الشبيه بالإله. هناك كما قال، تعرَّض أوديسيوس لأقسى ضروب القتال، ولكنه تَغلَّب في النهاية بمعونة أثينا العظيمة القلب. بكاء أوديسيوس يثير فضول ألكينوس أنشَد المغني الذي طبَّقَت شُهرته الآفاق، هذه الأغنية، بينما ذاب قلب أوديسيوس، وبلَّلَت الدموع وجنتَيه من تحت حاجبَيه، وكما تنتحب المرأة، وتُمزِّق نفسها حول زوجها العزيز، المجنون أمام مدينته وشعبه، ساعيًا إلى أن يصُد عن مدينته وأطفاله يوم الكريهة القاسي، وعندما تراه يُحتضَر ويلفظ أنفاسه، تتعلَّق به ويعلو صراخها، بينما الأعداء من خلفها، يضربون ظهرها وكتفَيها برماحهم، ويقودونها بعيدًا في الأسر، لتُقاسي الآلامَ والمشاقَّ، فتذوي وجنتاها تحت وطأة الحزن المُمِض. هكذا أيضًا ترك أوديسيوس دموعه السواجم تنهمر من تحت حاجبَيه، وأخفى تلك العبارات التي ذرفها، عن الجميع. بيد أن ألكينوس وحده لاحظه والتفَت إليه؛ إذ كان يجلس بجواره، وسمع أنينه العنيف، فنهض في الحال، يتكلم وسط الفياكيين، محبي المجاذيف، قائلًا: «أصغوا إليَّ، يا قادة ومستشاري الفياكيين، دَعُوا ديمودوكوس يُوقف الآن قيثارته الصافية اللحن، فإنه لا يقسم السرور بهذه الأغنية على الجميع سواسية؛ فمنذ أن بدأنا نتعشَّى، وانساب المغني في الإنشاد، لم يكُفَّ هذا الغريب عن البكاء قَط. إنني لأعتقد بحقٍّ، أن الحزن لا بد قد بخَع قلبه، فليكُف المغني الآن، كي نمرح جميعًا ضيوفًا ومُضيفين على حدٍّ سواء، طالما أن هذا أفضلُ بكثير، فمن العجيب أننا أعدَدنا كل هذه الأشياء من أجل الغريب المُبجَّل، إرساله، وهدايا الصداقة التي نُقدِّمها بمحض حبنا؛ فهذا الغريب المتضرع، قد أعززناه كأخ، وإنه لذو إدراكٍ ليس بالقليل. لا تُخفِ بعد الآن في نفسك ما سأسألك عنه؛ فالصراحة أجدى بكثير. خبِّرني عن الاسم الذي اعتاد القوم أن ينادوك به في وطنك، أمك وأبوك وجيرانك، وأهل بلدتك، والسكان المحيطون بها؛ إذ لا أحد من البشر بغير اسم، سواء أكان وضيعًا أم نبيلًا؛ حيث إنه قد وُلِدَ في يومٍ من الأيام؛ لأن الآباء يهَبون الأسماء للجميع عندما يُنجبونهم. كذلك خبِّرني عن بلادكَ وشعبكَ ومدينتك، حتى تستطيع سفننا أن تحملك إلى هناك، تشق طريقها بمهارة؛ إذ ليس للفياكيين بحَّارة، ولا دفَّات كما للسفن الأخرى، ولكن سفنهم تفهم آراء وعقول البشر، من تلقاء نفسها، وتعرف مدن سائر الأقوام وحقولهم الخصبة، وبمنتهى السرعة تشُق عُباب اليم، مختفيةً وسط الضباب والسحب، لا تخشى الأذى أو التحطيم إطلاقًا. ومع كلٍّ فقد سمعتُ، ذات مرة قصةً يرويها أبي ناوسيثوس Nausithous؛ إذ اعتاد أن يقول إن بوسايدون كان غاضبًا منَّا، لأننا نُهيِّئ لجميع الناس سفرًا آمنًا. لقد ذكر أنه سيأتي يوم، بينما تكون إحدى سفن الفياكيين المتينة البناء عائدةً من رحلة عَبْر الخِضَم المظلم، سيضربها بوسايدون، ويشُق جبلًا شاهقًا حول مدينتنا.١٧ هذا ما قاله ذلك الرجل العجوز، ولكن الرب إما أن يُحقِّق ذلك الأمر، وإما أن يتركه دون أن يتحقَّق، تبعًا لمشيئته الكريمة. هيا الآن، وخبِّرني عن هذا صراحة إلى أين رحلت، وإلى أي بلدان البشر ذهبَت، واروِ لي ما تعرفه عن أولئك الأقوام، وعن مدنهم المتينة البناء، من منهم قساةٌ ظالمون متوحشون، ومن منهم يُحبون الغرباء ويخشَون الآلهة في قلوبهم؟ وأفصح لي عن سبب بكائك ونحيبك، عند سماع مصير الدانيين الأرجوسيين وإليوس، هذا صُنع الآلهة الذين حاكوا خيوط الدمار للبشر كي يمكن أن تكون هناك أغنيةٌ لمن هم على وشك الولادة. هل سقط أحد ذوي قُرباكِ أمام إليوس، رجل طيب القلب صادق القول، أو زوج ابنتك، أو حموك، فهؤلاء هم أقرب الأقرباء للمرء من أبناء جلدته ودمه؟ أو هل هو صديقٌ عزيز على قلبك، كريمٌ صادق؟ فلا أسوأ من أن يفقد المرء أخًا رفيقًا، ذا قلبٍ فطين.» ١ أو: «مقاعد التجذيف». ٢ الترجمة: كما أمر. ٣ الترجمة الحرفية: وسرعة الجري بالأقدام. ٤ إن اللفظ اليوناني المستعمل ليس معناه «تاجًا»، ولكن المعنى المفهوم هنا لا يمكن التعبير عنه بغير كلمة «تاج». ٥ أحد آلهة أوليمبوس وابن زوس وهيرا. وكان إله الحرب فينشرح صدره بضوضاء وضجيج القتال، وكذا برؤية الدماء والقتل. ٦ لقب من ألقاب أفروديتي، ربَّة الحب والجمال. ٧ تترجم أحيانًا: «الأعرج الساقين». ٨ وأحيانًا تُترجم: «ولكنها تفتقر إلى الحصافة». ٩ ويُحتمل أن يكون المعنى هنا «مانع الشرور» أو «الذي يعمل من بعيد». ١٠ أي: حماسية. ١١ كن ثلاث. ١٢ الترجمة الحرفية: أخذ الاثنان. ١٣ أو: «الأناسي». ١٤ يقول النص اليوناني: وأنا أنظر إليهما. ١٥ أي: حماسية. ١٦ ساحرة تقطُن جزيرة إيايا التي وصل إليها أوديسيوس في أثناء جولاته. ١٧ أي لكي يفصلهم عن البحر. الأوديسة
الأنشودة التاسعة أوديسيوس يحكي مغامراته عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «سيدي ألكينوس، يا من طار صِيتُه أسرع من صيت الناس، ما أجمل الإصغاء إلى مُنشدٍ كهذا الرجل، الذي يشبه الآلهة صوتًا! أما عن نفسي، فإنني أعلن أن أعظم مسَرة لي هي ما تنتظم سائر الشعب، والمدعوون يجلسون في الساحات يستمعون إلى المنشد، وقد انتظموا في ترتيبٍ مناسب، وإلى جوارهم موائدُ زاخرة بالخبز واللحم، والساقي يملأ كئوس الخمر من الطاس ويدور بها هنا وهناك. هذا أجمل شيءٍ في الوجود يروق لناظري. بيد أن قلبك يميل إلى السؤال عن مِحَني المفجعة، كي يزداد بكائي وأنيني. ولست أدري بأي المحن أبدأ، ولا بأيها أنتهي؛ فكثيرة هي المصائب التي حبَتْني بها آلهة السماء. وسأبدأ الآن بإخبارك عن اسمي، حتى تعرفه أنت أيضًا، وكي أُصبح فيما بعدُ، عندما أنجو من يوم القدَر المشئوم، مُضيفَك، رغم أنني أقطن في بلادٍ نائية. إنني أوديسيوس بن لايرتيس، المشهور بين البشر بجميع طرق الحيل، وتبلغ شهرتي السماء، وموطني إيثاكا، الواضحة للعين؛ حيث يُوجد جبل نيريتون Neriton، المكسو بالغابات المائجة؛ إذ يُنظر إليه من بُعد، ومن حوله جُزرٌ عدة متقاربة، الواحدة بجانب الأخرى، دوليخيوم Dulichium، وسامي Same، وزاكونثوس Zacyunthus الكثيرة الغابات. أما إيثاكا نفسها فبقرب الأرض الرئيسية١ في أقصى الظلام،٢ وأما الجزر الأخرى فتقع منفصلة صوب الفجر والشمس. إنها جزيرة وَعْرة، ولكنها مربيةٌ كريمة للشباب، أما بالنسبة لي، فليس هناك ما يمكن أن أراه أحلى من وطني. حقيقة، حاولَت الربة الفاتنة كالوبسو، أن تَحجزَني إلى جوارها في كهوفها الواسعة، تواقةً إلى أن أغدو زوجها، وكذلك كانت تتلهف كيركي إلى الاحتفاظ بي في ساحاتها، كيركي سيدة أيايا Aeaea المحتالة، وكانت تتوق أيضًا إلى الزواج بي، ولكنهما لم تستطيعا إغراء قلبي بين ضلوعي. حقًّا، إنه ما من شيءٍ ألذ من وطن المرء ووالدَيه، حتى ولو كان في بيت الثراء، بعيدًا قصيًّا، في بلدٍ غريب، نائيًا عن والدَيه. دعني أُخبرك أيضًا بخبر عودتي المؤلمة إلى الوطن، التي أنزلها بي زوس، وأنا عائد من طروادة. وتحدَّثْتُ إليه، وأنا أُمسِك في يدي طاسًا من الخشب، مملوءًا بالخمر. مغامرة أوديسيوس مع الكيكونيس حملتني الرياح من إليوس، وساقَتني إلى الكيكونيس Cicones،٣ إلى إسماروس Ismarus. هناك نهبتُ المدينة، وقتلتُ رجالها، ومن المدينة أخذنا زوجاتهم، وغنمنا كمياتٍ كبيرة من الكنوز، قسمناها فيما بيننا، واضعًا نُصْب عيني ألا يُظلَم أحد، بل تكون الأنصبة عادلةً بينهم على السواء. بعد ذلك أمرتُ الرجال، بأن نُطلِق العِنان لأقدامنا هاربين، ولكنهم لفرط غبائهم لم يسمعوا أمري، فأخذوا يحتسون الكثير من الخمر، وذبحوا خرافًا جمَّة بجوار الشاطئ، وأبقارًا ملساءَ سمينة، متثاقلة المشية. وفي تلك الأثناء، انطلق الكيكونيس واستنجدوا بكيكونيس آخرين من جيرانهم، فتجمع عددٌ أكبر وأشجعُ منهم، من الرجال القاطنين بعيدًا عن البحر، وكانوا ماهرين في القتال من عرباتهم، ضد الأعداء، حتى إذا ما لزم الأمر، هبَطوا منها وقاتَلوا على الأقدام، فما أصبح الصباح حتى هجم علينا جمعٌ منهم٤ في عِداد أوراق الأشجار أو الأزهار النابتة في موسمها، وعندئذٍ نزل بنا مصيرٌ مشئوم من لدن زوس، فأصابنا نحن التعساء، كي نكابد المحن العديدة. لقد قاتلوا في نظام، وحاربونا بالسفن السريعة. وراح كل جانبٍ يقذف الآخر بالرماح البرونزية الأسنة. ولمَّا كان الوقت لم يزل إذ ذاك صباحًا، وكان النهار المقدس يتضاءل، ونحن نصُد هجماتهم، ونطردهم بعيدًا، رغم تفوُّقهم علينا في العدد. غير أنه عندما أخذَت الشمس تؤذن بحل النِّير عن الثيران، تَفوَّق علينا الكيكونيس، وهزَموا الآخيين، وهلَك ستةٌ من رفاقي، المدرَّعين جيدًا، من كل سفينة، أما بقيتنا، فقد نجونا من الموت والقدَر. معركة أوديسيوس مع الأمواج والأعاصير أسرعنا بالإبحار من هناك، محزوني القلوب، ومسرورين بنجاتنا من الموت، رغم فقدنا زملاءنا الأعزاء، ولم أسمح لسفني بأن تبتعد مسافةً كبيرة، حتى نادينا ثلاث مرات على كل واحدٍ من الرفاق التعساء، الذين جندَلهم الكيكونيس فوق أرض السهل. وعندئذٍ أثار زوس، جامع السحب، الريح الشمالية، ضد سُفُننا، فهاجت بعاصفةٍ عجيبة، وأخفى البَر والبحر معًا بالغمام، ثم هجم الليل الداجي هابطًا من السماء، فأخذت السفن تجري بسرعة، وتمزَّقَت أوصال أشرعتها إربًا من جرَّاء عنف الريح؛ وعلى ذلك أنزلنا الأشرعة وخَزنَّاها بعيدًا خشية الموت، ورحنا نُجذِّف بالسف في سرعةٍ بالغة صوب البَر. هناك استغرقنا في الرقاد طيلة ليلتَين ويومَين، وقد ذابت قلوبنا تعبًا وأسًى، غير أنه ما إن أعلن الجميل الغدائر مولد اليوم الثالث، حتى رفعنا الصواري ونشرنا الأشرعة البيضاء، واتخذنا مقاعدَنا، وطفق البحارة والرياح يُسيِّرون السفن. وحينئذٍ كدتُ أبلغ وطني سليمًا، لولا أن الأمواج والتيار والريح الشمالية، عادت تكيل لي الضربات، وأنا أدور حول ماليا Malea، ودفعَتْني خارج طريقي، بعيدًا عن كوثيرا Cythera. أوديسيوس في بلاد آكلة اللوتس بقينا مدة تسعة أيام، منذ ذلك الحين، تحملنا الرياح الهُوج عبر الخِضَم الزاخر، حتى إذا ما أقبل اليوم العاشر، وطئَت أقدامنا أرض بلاد آكلي اللوتس Lotus-eaters، الذين غذاؤهم الأزهار، فنزلنا إلى البر، واستقينا الماء، وفي الحال تناوَل رفاقي طعامهم بجانب السفن السريعة. وبعد أن أكلنا وشربنا أرسلتُ بعضًا من رفقائي ليستطلعوا ماهية أولئك القوم الذين أكلوا خبزًا فوق تلك اليابسة، فاخترتُ اثنَين من رفاقي، وأرسلتُ معهم رجلًا ثالثًا كرسول … وعلى ذلك انطلَقوا في الحال واختلطوا بآكلي اللوتس، ولم يَسعَ آكلوا اللوتس إلى قتل زملائي، بل قدَّموا لهم شيئًا من اللوتس ليتذوَّقوه، وما من واحدٍ منهم أكل ثمرة اللوتس، التي تعدل الشهد حلاوة، إلا وفقد الرغبة في العودة أو إحضار نبأٍ عن رفيقه، بل طاب لهم البقاء هناك بين آكلي اللوتس، متخذين اللوتس غذاءً لهم وناسين طريقهم إلى الوطن، ولكني أرجعتُ هؤلاء الرجال بالقوة إلى السفن، وهم يبكون، وحملتُهم إلى أسفل المقاعد، وأحكمتُ قَيدَهم إلى السفن الواسعة، آمرًا بقية ملائي الأوفياء، أن يُسرعوا بركوب السفن السريعة، لئلا يأكل أي فردٍ منهم اللوتس خطأ، فينسى رحلته إلى الوطن، فأذعن الرجال للأمر، واعتلَوا السفن من فَورِهم، وجلسوا فوق المقاعد، وما إن استَوَوا في أماكنهم، حتى شرعوا يضربون البحر السنجابي بالمجاذيف. أوديسيوس في بلاد العمالقة وهكذا أبحرنا من هناك، والحزن يملأ قلوبنا، وبلغنا بلاد الكوكلوبيس، أولئك القوم المتغطرسين الذين لا يخضعون لأي قانون، بل جلُّ اعتمادهم على الآلهة الخالدين، لا يغرسون بأيديهم نبتًا، ولا يحرثون أرضًا، بل تنمو كل مزروعاتهم دون بَذْر ولا حَرْث، القمح والشعير والكروم الحاملة لعناقيد الخمر الغنية، كما يهبُهم زوس المزيد بأمطاره. إنهم لا يعقدون اجتماعاتٍ للتشاور، ولا يتبعون قوانينَ محدودة، بل يعيشون فوق ذؤابات الجبال الشامخة، في كهوفٍ واسعة، وكلٌّ منهم يسنُّ القوانين لأطفاله وزوجاته، ولا يسلب أحدهم الآخر شيئًا. والجزيرة هناك مستوية٥ تمتد خارج الميناء بانحراف، وليست قريبة من أرض الكوكلوبيس، كما أنها ليست بعيدةً عنها. إنها جزيرةٌ كثيرة الغابات، تكثُر فيها المعيز المتوحشة التي لا حصر لها؛ إذ لا يُخيفها سير الناس ولا يُبعدها عنهم، كما أن الصيادين لا يذهبون إلى هناك، أولئك الرجال الذين يتجشَّمون المتاعب خلال الغابات، وهم يشُقُّون طريقهم فوق قمم الجبال، وإنها غير محتلة بقطعان الماشية، وليست مفلوحة، بل تظل غير مزروعة ولا مفلوحة طوال الأيام، لا تعرف شيئًا عن البشر، ولكنها تطعم المعيز الناغية؛ لأن الكوكلوبيس لا يملكون أية سُفنٍ قرمزية الخدود.٦ كما أن بلادهم خاليةٌ تمامًا من صانعي السفن الذين يبنون السفن المكينة المقاعد، التي تُنجز لهم سائر مطالبهم، وهم ينتقلون إلى مدن أقوامٍ آخرين، كما يحدث عندما يعبُر الناسُ البحر على متون السفن للتزاور — الصنَّاع القادرون أن يجعلوا من تلك الجزيرة موطنًا جميلًا — فإن الجزيرة ليست بأي حالٍ فقيرة، ولكنها تؤتي كل شيء في أوانه؛ فبها مروجٌ بجانب شواطئ البحر السنجابي، مروجٌ جيدة الري ناعمة، حيث لا تكُف الكروم عن النمو، وبها أرضُ حرثٍ مستوية، يستطيعون منها أن يحصدوا الغلَّات الوفيرة من موسم إلى موسم؛ إذ إن التربة أسفل السطح خصبةٌ كل الخصب، وكذلك بها ميناءٌ يُسهِّل إرساء السفن بها في أمان، دون حاجة إلى المراسي، إما بإلقاء مرساة من البحر، أو بتثبيت الكوثل بالحبال، فيمكن للمرء إرسال سفينته على الشاطئ وينتظر حتى ينتوي البحارة الإقلاع، وتهُب الريح المعتدلة. وينبثق من الأرض عند رأس الميناء عينُ ماءٍ نمير، من تحت كهف، وتنمو حوله أشجار الحور، فأبحرنا إلى هناك. وقد أرشدنا أحد الآلهة خلال الليل الداجي؛ إذ لم يكن يُرى هناك أي ضوء، بل كانت تحُط على السفن غمامةٌ كثيفة، ولم يُرسِل القمر أي نورٍ من السماء، بل بقي محتجبًا خلف السحب؛ ولذلك لم تبصر عين أي رجلٍ تلك الجزيرة، ولم نشاهد اللُّجَج الطويلة وهي ترتطم بالشاطئ إلا بعد أن سحبنا سفننا القوية المقاعد فوق الساحل. وبعد أن أخذناها فوق الشاطئ، خفَضْنا سائر الأشرعة، ونزلنا بأنفسنا فوق شاطئ البحر، حيث استسلمنا إلى النوم وانتظرنا مقدم الفجر اللامع. ما إن هتك الفجر المبكر الوردي الأنامل حُجُب الظلام، حتى شرعنا نجوسُ خلال الجزيرة وقد عجبنا منها، وقامت الحوريات بنات زوس، حامل الترس، بإثارة معيز الجبل، كي يستطيع زملائي أن يأخذوا منها ما يُعِدُّون به طعامهم. وفي الحال تناولنا قسِيَّنا المعقوفة، وسهامنا الطويلة من السفن، وبعد أن انتظمنا في ثلاثِ فِرق، أنشأنا نضرب، وسرعان منا وهبَنا الرب فرائس تُشبع جوعنا. كانت السفن التي تتبَعُني اثنتَي عشرة سفينة، فسقط لكلٍّ منها تسع عنزات، قسمناها بالاقتراع، أما أنا فكان نصيبي عشر عنزاتٍ انتقَوها لي. وهكذا مكثنا اليوم بطوله حتى غربَت الشمس، جالسين هناك نُولم على لحمٍ وفير وخمرٍ لذيذة؛ إذ لم تكن الخمر الصهباء قد نفدَت من سفننا بعدُ، بل كان لا يزال منها لدينا بقية؛ لأننا كنا قد وضعنا منها خزينًا وافرًا في قُدور، لكل فريقٍ من الملاحين، يوم أن استولَينا على قلعة الكيكونيس المقدسة، ثم اتجهنا بأبصارنا إلى بلاد الكوكلوبيس، القاطنين بقربنا، ولاحظنا الدخان، وصوت الرجال والخراف، والماعز. ولمَّا اختفَت الشمس وراء الأفق، وخيَّم الظلام على الكون، استلقَينا فوق شاطئ البحر طلبًا للراحة. وما كاد الفجر الباكر الوردي الأنامل يلوح في أفق السماء، حتى ناديت رجالي، وجمعتهم سويًّا، وتحدثت في وسطهم جميعًا، فقلت: «انتظروا هنا الآن، يا جميع الباقين، يا زملائي الأوفياء، بينما أنطلق بسفينتي وبحَّارتي، إلى أولئك القوم، لأستطلع من يكونون، وهل هم من الأفظاظ، المتوحشين الظالمين، أم ممن يحبون الغرباء، ويتَّقون الآلهة في قرارة نفوسهم.» وبعد أن أتممتُ حديثي ذاك، صَعِدتُ إلى ظهر السفينة، وأمرتُ رفاقي بالصعود كذلك، وبحل حبال الكوثل، فأذعنوا للأمر، وامتطَوا صَهوتَها فورًا، واستَووْا في مقاعدهم. وبعد أن اعتدلوا في مجالسهم بنظام، وأخذوا يضربون البحر السنجابي بالمجاذيف، فلما بلغنا المكان، وكان قريبًا جدًّا من البحر، أبصرنا كهفًا شاهقًا، مسقوفًا بفروع أشجار الغار. ورأينا هناك كثيرًا من قطعان الأغنام، والماعز، كانت نائمة معًا في حظيرةٍ واحدة. ومن حول الكهف ساحةٌ عالية، مشيدة في الصخور المغروسة عميقًا في الأرض، والمُدعمَة بأشجار الصنَوبَر الباسقة، وأشجار البلُّوط ذوات القمم الشاهقة. وكان هناك رجلٌ ضخم عملاق، ينام في ذلك الكهف، وكان يرعى قطعانه بمفرده في مكانٍ قصي، ولم يكن يختلط بغيره، بل يعيش في عزلة، يؤمن في قلبه بعصيان القانون؛ لأنه كان قد خُلق وحشًا غريبًا، ولم يشبه الإنسان آكل الخبز، بل كان أشبه بقمةٍ شامخة لجبلٍ ضخم، كثيرة الغابات، تعلو بارزةً وحدها أمام الناظرين، ومنفصلةً عن غيرها من الذؤابات الشامخات. عندئذٍ أمرتُ بقية رفاقي الأوفياء، أن يبقَوا بجانب السفينة لحراستها، واخترتُ اثنَي عشر رجلًا من خير رفاقي وانطلقتُ في طريقي، وملأتُ قِربةً من جلد الماعز بالخمر الصهباء الحلوة المذاق، كان قد أعطانيها مارو Maro، ابن يوانثيس Euanthes، كاهن أبولُّو، الرب المكلف بحراسة إسماروس Ismarus، أعطانيه لأننا قمنا بحمايته، هو وزوجه وطفله، من قبيل التبجيل؛ إذ كان يعيش في كهفٍ خشبي لفويبوس أبولُّو Phoebus Apollo. كذلك أهداني هدايا رائعة؛ فمن الذهب المصنوع بمهارة، قدَّم لي سبع تالنتات، وأعطاني طاسًا من اللجَين، وعلاوةً على ذلك أعطاني خمرًا، ملء اثنتَي عشرة قِدرًا، خمرًا حلوةً نقية، غير مخلوطة، شرابًا مقدسًا، دون علم أي فردٍ من عبيده أو خادماته، بل كان يعلم به هو نفسه وزوجه العزيزة، وإحدى خادمات المنزل، ليس غير. وكانوا كلما شربوا من تلك الخمر التي في حلاوة العسل، ملئوا كأسًا واحدة، وسكبوها في عشرين كأسًا من الماء، فتنبعث من الطاس رائحةٌ طيبة ذكية، وعندئذٍ كان يحق للمرء ألا يكُف عن الاحتساء، فملأتُ قِربةً من جلد الماعز بهذه الخمر، وكانت قربةً كبيرة الحجم، وكذلك ملأت كيسًا بالمئونة؛ إذ كان يتملَّكُني إحساس، في داخل نفسي، بأنه سرعان ما سيأتي إليَّ رجلٌ عتيد القوة، مُتوحِّش لا يعرف شيئًا عن العدالة أو القانون.٧ أوديسيوس في كهف العملاق بولوفيموس سرعان ما بلغنا الكهف، فلم نجد العملاق بداخله؛ إذ كان يرعى قطعانه السمينة في الحقول؛ ومِن ثَمَّ دخلنا الكهف وطُفنا نتعجَّب من كل شيءٍ وقَع عليه بصرنا هناك. كانت السلال مملوءة بالجُبن، والحظائر تَعجُّ بالحِملان والجداء. كل نوعٍ بمفرده داخل سياج؛ الحملان غير البالغة وحدها، وكذلك الحملان البالغة في مكانٍ آخر وحدها، وأيضًا الحديثة المولد. وكانت الجرار الحديثة الصنع مملوءة بالشرش، وكذلك الدلاء والطسوت التي يُحلب فيها اللبن، فلما رأى رفاقي ذلك، أشاروا عليَّ بأخذ بعضٍ من الجبن، والانصراف، ثم أُسرع في قيادة الجداء والحملان داخل الحظائر إلى السفينة السريعة؛ ومِن ثَمَّ نُبحر عَبْر الماء الملح. بيد أنني لم أستمع لنصحهم — ويا ليتني فعلت؛ إذ كان هذا خيرًا لنا، أي خير — رغبةً في رؤية الرجل نفسه، وطمعًا فيما عسى أن يُعطيَنيه من هدايا التكريم. غير أن ظهوره، كما حدَث، لم يكن منه أي غبطة لزملائي. بعد ذلك أشعلنا نارًا، وقدَّمنا ذبيحة، وتناولنا، نحن أنفسنا من الجبن، فأكلنا، ثم جلسنا ننتظر العملاق داخل الكهف، حتى عاد يسوق قطعانه. وكان يحمل مقدارًا ضخمًا من الخشب الجاف؛ ليستخدمه في إعداد عَشائه، وقذَف به من فوق ظهره، إلى داخل الكهف، مُحدثًا صوتًا مدويًا، فاستَبدَّ بنا الفزع، وانكمشنا في إحدى زوايا الكهف، بينما كان يدفع قطعانه السمينة إلى داخل المغارة الواسعة؛ سائر الإناث التي كان يحلبها. أما الذكور — الكباش والماعز — فقد تركَها خارج صحن الكهف المترامي الأطراف. وبعد ذلك رفع صخرة الباب الضخمة، ووضعها في مكانها، ويا لها من صخرة بالغة الكبر، تنوء برفعها عن الأرض اثنتان وعشرون عربةً ذات أربع عجلات، من العربات المتينة! إنها كتلةٌ هائلة من الصخر، تلك التي وضَعها أمام المدخل. وبعد ذلك جلس يحلب النعاج والماعز الثاغية، كلًّا بدوره، ووضع تحت كل أنثى صغيرها. وفي الحال خثَّر نصف اللبن الناصع البياض، ووضَعه في سلال من غصون الصفصاف، وحملها بعيدًا. أما النصف الآخر فوضَعه في أوعية ليتمتع بأن يعُبَّ منه في عَشائه. وهكذا شُغل بإنجاز مهامه ثم عاد يُشعل النار، فوقع بصره علينا، فسألنا قائلًا: المعركة الكلامية بين العملاق وأوديسيوس «من أنتم أيها الغرباء؟ ومن أين قدمتم بحرًا عَبْر المسلك المائية؟ ألغرضٍ بعينه جئتم، أم مجرد تجوالٍ تقومون به فوق صفحة اليم كما يجوس القراصنة، مغامرين بحياتهم لجلب الأذى على أقوام البلاد الأخرى؟» قال هذا، فبلغَت أرواحُنا التراقي، من داخل صدورنا، فزعًا وهلعًا من صوته المنكَر وحجمه المهُول، ولكن رغم ذلك، أجبتُه بقولي: «يجب أن تعلم أننا من طروادة، وأننا من القوم الآخيين، ساقتنا جميع صنوف الرياح عَبْر هوة البحر العظيمة، ونحن نَجِدُّ في العودة إلى وطننا، فسلكنا طريقًا غير طريقنا، وأبحرنا عَبْر ممراتٍ غير ممراتنا، وفي اعتقادي، أن زوس كان مسرورًا من خطته تلك. كما أُعلن أننا رجال أجاممنون بن أتريوس Atreus، الذي طبَّقَت شُهرته الآفاق، وغدت أقوى شهرة تحت السماء، ويا لها من مدينةٍ عظيمة تلك التي خرَّبها، وجندَل قومًا كثيرين! أما نحن، فإذ نزوركَ هكذا، قد جئنا كمتضرعين إلى ركبتَيك، أملًا في أن نحظى بكرمك، أو بالأحرى، أن تُقدِّم لنا هديةً ما عملًا بواجب ضيافة الغرباء. هيا، أيها البالغ القوة، بجل الآلهة؛ فنحن طالبو عطفك، وإن زوس هو المنتقم للمتضرعين والأغراب — زوس، إله الغرباء — الذي يتولى على الدوام خدمة الأغراب المُبجَّلين.» ما إن قلتُ هذا، حتى أجابني بفظاظة وغلظة قلب، فقال: «أأنتَ أحمق أيها الغريب، أم أنك قدمتَ من بلدٍ قصي؛ إذ أراك تأمرني، إما بالخوف وإما باجتناب غضب الآلهة؟ إن الكوكلوبيس لا يهابون زوس، حامل الترس، ولا الآلهة الخالدين؛ إذ إننا أفضلُ منهم بكثير؛ وعلى ذلك فلن تفلتَ مني، أنت ولا أيٌّ من رفاقك، لكي أتحاشى غضب زوس، إلا إذا أمرني قلبي، ولكن خبِّرني: أين أرسيت سفينتك المتينة الصنع عندما قدِمتَ إلى هنا؟ أكان ذلك مصادفةً عند مكان قصي من البلاد، أم في موضعٍ قريب؟ إن لي رغبة في معرفة ذلك.» هكذا تكلَّم، قاصدًا إغرائي، بيد أنه لم يُوقع بي، بسبب دهائي العظيم، فأجبتُه ثانية، بألفاظٍ ماكرة، قائلًا: «إن سفينتي، قد حطَّمها بوسايدون، مزلزل الأرض، إلى أشلاء، قاذفًا بها إلى فوق الصخور عند تُخوم بلادك؛ إذ دفع بها قريبًا من اليابسة، وجرفَتْها الريح من البحر إلى الداخل، غير أنني نجوتُ، مع هؤلاء الرجال، من الهلاك الشامل.» العملاق يتعشَّى باثنين من رجال أوديسيوس قلتُ هذا، ولكنه لم يُجب، من قسوة قلبه، وإنما وثَب، وانقَضَّ على رفاقي، وأمسك في الحال اثنَين منهم، وقذف بهما إلى الأرض كالدمى، فتدفَّق المخ خارج رأسَيْهما على الأرض فبلَّلها، ثم قطَّعَهما جزءًا جزءًا، وأعدَّ منهما عشاءه. وهكذا التهمهما كما لو كان أسدًا يسكن الجبال، غير تارك منهما شيئًا — فقد التهم الأحشاء، واللحم، والعظام ذات النخاع — فلما رأينا عمله البشع ذاك، بكينا ورفعنا أيدينا إلى زوس، واستولى الفزع٨ على نفوسنا. وبعد أن ملأ الكوكلوب معدته الضخمة، بالتهام لحوم البشر، وَعَب اللبن الصافي، استلقى داخل الكهف، مُمددًا وسط الخراف. وعندئذٍ فكَّرتُ في قرارة نفسي، أن أتسلَّل إلى جواره وأستل سيفي البتار من جانب فخذي، وأهوي به على صدره، حيث يقع الكبد داخل عضلة الحجاب الحاجز، متحسسًا الموضع بيدي، غير أن فكرةً ثانية منعَتْني من تنفيذ هذه الخطة؛ إذ لا بد بعد ذلك أن نَهلِك نحن أيضًا؛ فليس في مقدورنا أن نُزيح الصخرة الضخمة بأيدينا من أمام الباب، تلك الصخرة التي وضعها هناك؛ وعلى ذلك بقينا ننتحبُ منتظرين الفجر اللامع. العملاق يفطر برجلَين آخرين ما كاد الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، يلوح حتى نهض العملاق، وأشعل النار، وحلَب قطعانه العظيمة، كلًّا بدوره، ووضع صغير كل أنثى تحتها. وبعد أن انتهى من إنجاز أعماله تلك، انبرى، وأمسك من جديدٍ برجلَين، وأعدَّ منهما وجبتَه في الحال. وبعد أن فرغ من طعامه، ساق قطعانه السمينة إلى خارج المغارة، وأزاح صخرة الباب الضخمة في يسر، ثم أعادها مكانها ثانية، كما يضع المرء الغطاء فوق الجعبة. وبصفيرٍ مُدوٍّ، ذهب الكوكلوب بقطعانه السمينة صوب الجبل، بينما بقيتُ أنا هنا في الكهف، أُدبِّر الشر في قرارة نفسي، حتى أنتقم منه بأية وسيلة، وقد منحَتْني أثينا المجد. خطة أوديسيوس للقضاء على العملاق والآن خطَرتْ لي فكرة، بدت لي أفضل مما عداها. كان بجانب إحدى حظائر الخراف، هراوةٌ ضخمة لذلك الكوكلوب، عبارة عن عصًا غليظة من خشب الزيتون الأخضر، كان قد قطعها وحملها معه لتجف هناك، فلمَّا وقَع بصرنا عليها؛ خلناها سارية سفينةٍ سوداء ذات عشرين مجذافًا، سفينة تجارية عريضة القوائم، من السفن عابرات الهُوَّة السحيقة. لقد كانت قضيبًا بالغ الطول والسمك، فأمسكتها، وقطعتُ منها جزءًا في طول القامة،٩ وأعطيتُه زملائي، وأمرتُهم بتسويته، وصقله. ورحتُ وأنا واقف إلى جوارهم، أُدبِّب الطرف، ثم حملتُه بسرعة، وجعلتُه صلبًا في النار المستعرة، ثم أخفيتُه بعناية بعيدًا، تحت روث الأغنام الموجودة بكثرة في أكوامٍ هائلة في نواحي الكهف. وطلبتُ من رفاقي أن يقترعوا فيما بينهم، عمَّن يرفع معي ذلك الوتد، ويديره داخل عين العملاق عندما يأخذ الكرى اللذيذ بمعاقد أجفانه، فوقعَت القرعة على مَن كنتُ أتوق، أنا نفسي، إلى اختيارهم، وكانوا أربعة، وأنا خامسهم، فلما أقبل المساء عاد يسوقُ قطعانه العظيمة الجزات، وأسرع بإدخال قطعانه السمينة إلى الكهف الفسيح، ولم يترك واحدًا منها خارج صحن المغارة المترامي الأطراف؛ إما من باب الحيطة، وإما أن يكون أحدُ الأرباب قد أمره بذلك، ثم رفع الصخرة عاليًا، ووضعها في مكانه، صخرة الباب الضخمة. وما كاد يجلس حتى حلب نعاجه ومعيزه الثاغية، كلًّا بدوره، ووضع تحت كل أنثى صغيرها. وبعد أن انتهى من عمله، تناول رجلَين آخرَين، وأعدَّ منهما عَشاءه. بعدئذٍ اقتربتُ من الكوكلوب، وتحدَّثتُ إليه، وأنا أُمسِك في يدي طاسًا من خشب الإتل، مملوءًا بالخمر القاتمة، وقلت: أوديسيوس يثمل العملاق أيها الكوكلوب، خذ هذه الخمر. «أيها الكوكلوب، خذ هذه الخمر، واشربها بعدَ وجبتك من لحم البشر، لتعرف أي لونٍ من الشراب، هذا الذي احتوته سفينتنا. لقد أحضرتُ هذا الشراب، خصيصًا لك، كشراب تقدمة، عسى أن تأخذك الشفقة بي، وتُرسلني في طريقي إلى الوطن، بيد أنك تثور بطريقة تفوق كل ما يمكن احتماله. أيها الرجل الفظ، كيف يستطيع أي رجل، من سائر جموع الناس، أن يأتيك بعد الآن؟ لأنني أراك قد صنعتَ ما يُخالف القوانين.» هكذا قلتُ، فأمسَكَ الكأس، وأفرغَها في جوفه، وابتهج كثيرًا؛ إذ تناول الشراب الحلو، وسألني المزيد منه مرةً أخرى، قائلًا: «زدني من هذا، ثانيةً، بقلبٍ رضي، وأخبرني في الحال عن اسمك، حتى يمكنني أن أُعطيكَ هدية ضيف؛ ليبتهج بها قلبك؛ لأن أرض الكوكلوبيس، واهبة الغلال، تحمل عناقيد العنب الغنية بالعصير، وأمطار زوس تمنحها المزيد، غير أن هذه ليست سوى جرعة من الأمبروسيا والنكتار.» ما إن قال هذا حتى ناولتُه الخمر المُستعرة. ثلاث مراتٍ أصبها له وأُعطيه، وثلاث مراتٍ يفرغ الشراب بحمق في جوفه. وبعد أن سلبَت الخمر لب الكوكلوب، خاطبتُه بعباراتٍ رقيقة، قائلًا: «تسألني عن اسمي المجيد، أيها الكوكلوب، وعلى ذلك سأذكره لك، حتى تُعطيني هدية الضيف، كما وعدتَني، إن اسمي هو «لا أحد» فهكذا يُسمِّيني أبي وأمي، وجميع رفقائي أيضًا.» هكذا قلتُ له، فأجابني في الحال بقلبٍ لا يعرف الرحمة، قائلًا: «سوف آكل «لا أحد» بعد سائر رفقائه، وآكلهم جميعًا قبله، وهذه ستكون هديتي.» الخمر تلعب بعقل العملاق ما إن قال هذا، حتى سقط مستلقيًا على قفاه، وانحنى عنقه الغليظ مائلًا، وقد تملَّك منه النوم، الذي يقهر الجميع، ومن حَلقِه تدفَّقَت الخمر وقِطعٌ من الحم البشر؛ إذ تقيأ في نومه الثمل. عندئذٍ وضعتُ الوتدَ تحت الرماد العميق، حتى حمي الوتدُ وغدا شديد السخونة، وشجَّعتُ جميع رفاقي بألفاظٍ مفرحة، حتى لا يرتجف أحدهم ذُعرًا وهلعًا. وما كاد وتد خشب الزيتون يشتعل؛ لأنه كان أخضر، وبدأ يتوهَّج بعنف، حتى اقتربتُ وأخرجتُه من النار، ووقف زملائي إلى جانبي، وبَثَّ فينا أحد الأرباب شجاعةً بالغة. لقد أمسكوا بوتد الزيتون المدبَّب الطرف، ودفَعوه في عينه، بينما ارتميتُ أنا بثقلي عند طَرفه، وأخذتُ أُديره، وكما يثقب المرء أخشاب السفينة بالمثقاب، بينما يحافظ مَن يمسكون بالمثقاب من أسفل بواسطة السير، على استمرار دورانه، ويظل المثقب يدور دون توقُّف. هكذا أمسكنا بالوتد الناري الطرف، وأدرناه في عينه، وتدفَّق الدم حول القضيب المحمي، وألهبت النيران جفنَيه وحاجبيه من حول المقلة المُحترقة، التي طقطَقَت جذورها في النار. وكما يغمس الحداد فأسًا ضخمة أو بلطةً في الماء البارد، وسط الفحيح العالي، ليُقسِّيها — إذ بهذه الطريقة يستمد الحديد قُوَّته — هكذا أيضًا راحت عينه تفحُّ حول وتد خشب الزيتون، فأخذ العملاق يطلق الصراخ عاليًا مدويًا بفظاعة، وطنَّ الصخر من كل جانب، وإذ استولى علينا الفزع والذعر، وانكمشنا في ناحية، بينما أخرج هو الوتد من عينه، وكان ملطخًا كله بالدم، وقذف به بعيدًا وصار يُلوِّح بذراعَيه بوحشية. وبعد ذلك أخذ ينادي الكوكلوبيس القاطنين حوله في الكهوف وسط المرتفعات الشديدة الرياح، فسمعوا صياحه وهبُّوا لنجدته من كل حدب وصوب، ووقفوا حول كهفه يسألونه ماذا يؤلمه بقولهم: «ماذا يؤلمك يا بولوفيموس Polyphemus، حتى تصرخ هكذا عاليًا في بهيم الليل الخالد، وتقُضَّ مضاجعنا؟ أتَجاسَر إنسانٌ ما على أن يسرق قطعانك، ويأخذها بعيدًا ضد إرادتك، أم يقتلك بالحيلة، أو بالقوة؟» فأجابهم بولوفيموس العتيد، من داخل المغارة، بقوله: «يا أصدقائي لا أحد يقتلُني بالحيلة ولا بالقوة.» فردُّوا عليه جميعًا، بعباراتٍ قاسية،١٠ فقالوا: «طالما لا أحد يستعمل معك القوة في وحدتك، فإن المرض الآتي من لدن زوس العظيم، لا سبيل لك إلى الفرار منه. إذن يجب أن تُصلي إلى أبينا، السيد بوسايدون.» قالوا ذلك القول وانصرفوا إلى حال سبيلهم، بينما ضحك قلبي في داخلي؛ إذ خَدعَهم اسمي وخطَّتي الموضوعة بمكر ودهاء، إلى ذلك الحد. بعد ذلك صار الكوكلوب يتلمس حوائط الكهف بيديه، وهو يتأوَّه ويتوجَّع حتى بلغ الباب، فأزاح الصخرة، وجلس بنفسه عند الباب باسطًا ذراعَيه، أملًا في أن أي واحدٍ منا قد يُحاول الخروج مع الخراف — بمنتهى الغباء — لأنه في الحقيقة، كان يأمُل في قرارة نفسه أن يعثر عليَّ، ولكني دبَّرتُ خطةً لإنجاز كل شيءٍ على أتم وجه، راجيًا أن أُوفَّق إلى خطةٍ ما للهرب من الموت، أنا وزملائي، فأخذتُ أقدح الفكر سعيًا وراء كل سبل الحيلة والرأي السديد، كما يفعل المرء إزاء مسألة حياة أو موت؛ لأن الشر المحدق بنا كان عظيمًا، فوُفِّقْتُ إلى خطَّة، بدت لي خير فكرة. كانت هناك كباشٌ سمينة غليظة الجزَّة، حيواناتٌ رائعة وكبيرة، ذات صوفٍ أدكن كالبنفسج، فربطتُ هذه مع بعضها، في سكون، بأغصان الصفصاف المجدولة، التي كان ينام عليها الكوكلوب، ذلك الوحش ذو القلب المؤمن بالتمرُّد والعصيان، فكنتُ أربط كل ثلاثة كباشٍ سويًّا، يحمل أوسطها رجلًا، بينما يسير الكبشان الجانبيان، كل واحدٍ منها إلى جانب، منقذين رفقائي. وهكذا حمل كل ثلاثة خرافٍ رجلًا، أما فيما يختص بنفسي، فقد كان هناك كبشٌ ضخم، هو خيرُ ما في القطيع كله، فأمسكتُه من ظهره، وبسطتُ نفسي أسفل بطنه الأشعث، جاعلًا وجهي إلى فوق، وبقلبٍ ثابتٍ جريء، تعلَّقتُ بشدةٍ بيديَّ في جزَّته العجيبة، وهكذا بقينا، بالنحيب ننتظر قدوم الفجر اللامع. هروب أوديسيوس بخديعة الكباش ما إن لاح الفكر الباكر، ذو الأنامل الوردية، حتى أَسرعَت ذكور القطيع خارجةً لترعى، بينما شَرعَت الإناث تثغو حول الحظائر دون أن يحلبها أحد؛ إذ كانت ضروعها منتفخة، وسيدها يتلظَّى حزنًا بآلامه المُبرِّحة، فراح يتحسَّس ظهور جميع الخراف وهي تمر أمامه، ولكن لحماقته، لم ينتبه إلى أن رجالي كانوا مربوطين أسفل صدور كباشه الغزيرة الصوف. وآخر جميع القطيع، خرج الكبش المحمَّل بثقل جزَّته، وبشخصي الماكر، فلما تحسَّس بولوفيموس ظهره تحدَّث إليه قائلًا: «يا هذا الكبش الكريم، لماذا بربك تخرج هكذا من الكهف آخر القطيع؟ ما كان من عادتك أن تُبطئ في الخروج وراء سائر الخراف، بل كنتَ دائمًا أول من يرعى النبت الغض من الحشائش، سائرًا بخطًى واسعة، وكنتَ أول من يصل إلى مجرى النهر المائي، وأسبق من كان يتوقَّد لهفة إلى العودة إلى الحظيرة في المساء. أما الآن فإنك آخر الجميع. لا شك أنك حزينٌ على عين سيدك، التي أعماها رجلٌ شرير، هو وأعوانه الأشقياء، بعد أن تغلَّب على حصافتي بالخمر، إنه لا أحد، الذي أؤكِّد لك أنه لم ينجُ بعد من الهلاك. آه! لو كنتَ فقط، تستطيع أن تُحس كما أُحس، أو لك القدرة على الكلام لتُخبرني أين يتوارى هو من غضبي، إذن لحطَّمتُ مخه، وجعلتُه يتدفَّق على الأرض في كل مكان هنا وهناك، في شتى أنحاء الكهف بعد أن أُشبعه ضربًا. وعندئذٍ كانت تزول المحن التي أنزلها بي هذا اللاأحد، العديم النفع، وتخفُّ عن قلبي.» بعد أن انتهى الكوكلوب من كلامه ذاك، نحَّى عنه الكبش. وما إن ابتعدنا قليلًا عن الكهف وصَحنه، حتى خلَّيتُ نفسي أولًا عن الكبش، ثم فكَكتُ زملائي وأطلقتُ سراحهم، وبسرعةٍ سقنا تلك الأغنام الطويلة السيقان والممتلئة بالدهن، ونحن نتلفَّت كثيرًا حولنا، حتى وصلنا إلى السفينة. كانت رؤيتنا موضع ترحيب من زملائنا الأعزاء الذين سَرَّهم أن يرَوْنا وقد نجَوْنا من الموت، ولكنهم بكَوا على فقد الآخرين. غير أنني لم أدَعْهم طويلًا في البكاء، بل أمرتُ كل رجل، وأنا مقطَّب الأسارير أن يُسرِع بوضع الأغنام على ظهر السفينة، تلك الخراف الكثيرة العدد، ذات الجزَّات العظيمة، حتى نُسرِع بالإبحار عَبْر الماء الملح؛ وعلى ذلك صَعِدوا بسرعة، وبعد أن أخذوا مجالسهم في نظام، شَرعوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. وما إن صرتُ على مدى سماع صوت المرء وهو يصرخ، صحتُ إلى الكوكلوب بألفاظٍ ساخرة أقول: «أيها الكوكلوب، يبدو أن ذلك الرجل لم يكن ضعيفًا، هذا الذي كان في نيتك أن تلتهم رفقاءه بالقوة الغاشمة في كهفك الفسيح. ما من شَكٍّ في أن أعمالك الشريرة قد حاقت بك ونزلَت فوق رأسك أيها الشقي الفَظ، الذي لم تَتورَّع في أن تأكُل ضيوفك داخل بيتك؛ ولذلك فقد انتقم منك زوس والآلهة الآخرون.» العملاق يهاجم أوديسيوس بصخرةٍ هائلة هكذا قلتُ، فزاد حنقًا في قلبه، وكَسَر قمة جبلٍ شامخ، وطوَّح به نجونا، فسقطَت أمام السفينة القاتمة الحيزوم. وماج البحر من جراء سقوط تلك الصخرة، وكان ارتداد الماء المزاح أشبه بفيضانٍ من الأعماق، فحمل السفينة بسرعةٍ وجرفَها نحو البَر فوق الشاطئ. بيد أنني أمسكتُ بقضيبٍ طويل، ودفعتُ السفينة بعيدًا عن الشاطئ وبحذائه، ثم أومأتُ برأسي إلى رفقائي، وأمرتُهم أن يُعمِلوا التجذيف كي نستطيع النجاة من تلك المحنة الماحقة الشريرة، فانحَنَوا على مجاذيفهم وجذَّفوا بعنف. وما إن صرنا فوق صفحة البحر، وابتعَدْنا عن البَر بمسافةٍ ضعف الأولى، تاقت نفسي إلى أن أصرُخ إلى الكوكلوب، رغم أن زملائي، حولي قد حاولوا منعي، الواحد بعد الآخر، ناصحين إياي بكلماتٍ رقيقة، قائلين: «أيها الطائش، لماذا تثير حنق رجلٍ متوحش؟ لقد رمى حجرًا إلى البحر العميق فدفع سفينتنا إلى الوراء نحو البَر، حتى خلنا، أننا حقًّا قد هلكنا. ولو سمع واحدًا منا يُخرج صوتًا أو يتكلم؛ لأمسك بصخرة مسنَّنة الأطراف، ولرمى بها محطمًا رءوسنا وأخشاب سفينتنا؛ إذ إنه يقذف بقوةٍ هائلة.» هكذا تكَّلموا، ولكنهم لم يستطيعوا التأثير على نفسي الجريئة، فقلتُ ثانيةً بقلبٍ غاضب: «أيها الكوكلوب، إنْ سألَك سائلٌ من البشر عمَّن سبَّب عمى عينَيك المخجل، فقل إنه أوديسيوس، مُخرِّب المدن، هو الذي أعماها. إنه لابن لايرتيس، الذي موطنه إيثاكا.» ما إن قلتُ هذا حتى تأوَّه وأجابَني بقوله: «يا لها من حسرةٍ بالغة! حقًّا، إن نبوءةً قيلت منذ زمنٍ بعيد، قد حاقت بي؛ إذ كان يعيش هنا عرَّاف، رجلٌ كريم فارع الطول وهو تيليموس Telemus ابن يوروموس Euruymus، ذلك الذي تفرَّق في العرَّافة على سائر البشر، وبلغ من الكبر عتيًّا كعرَّاف بين قوم الكوكلوبيس. لقد أخبرني أن سائر هذه الأمور سوف تحدُث في الأيام القادمة، وقال إنني سأفقد بصري على يدَي أوديسيوس. بيد أنني كنتُ أتوقع على الدوام أن أرى رجلًا طويلًا مليح الوجه، يأتي إلى هنا، متسربلًا في قوةٍ بالغة. أما الآن، فإنه شخصٌ تافه، رجل لا حول له ولا طول، ذلك الذي أعمى عيني، بعد أن سيطر عليَّ بالخمر. ومع ذلك فتعال إلى هنا يا أوديسيوس، حتى أمنحك هدايا التكريم، وكي أُعجِّل بإرسالك من هنا، ليهَبَك العودة مزلزل الأرض المجيد؛ فإنني ابنه، وهو يعترف بأنه أبي، ولسوف يشفيني هو نفسه، لو راقَ له هذا، ولكن لن يفعل ذلك أحدٌ سواه، من الآلهة المباركين، أو من البشر.» هكذا قال الكوكلوب، فأجبته بقولي: «ليتني كنتُ قادرًا على أن أسلبكَ روحكَ وحياتك، وأن أُرسلك إلى بيت هاديس Hades، حيث من المحقَّق، أن مزلزل الأرض لن يستطيع شفاء عينك إطلاقًا.» العملاق يطالب بوسايدون الانتقام من أوديسيوس قلتُ هذا، فصلَّى الكوكلوب لبوسايدون، باسطًا ذراعَيه كلتَيهما، إلى السماء ذات النجوم، يقول: «استمع إليَّ يا بوسايدون، يا مُطوِّق الأرض، أيها الرب ذو الشعر الأدكن، فلو أنني كنتُ ابنك حقًّا، وأعلنتَ أنت نفسكَ أنكَ أبي، لا تجعل أوديسيوس مُخرِّب المدن يصل أبدًا إلى وطنه، أوديسيوس بن لايرتيس، الذي موطنه إيثاكا، أما إذا كان مقدرًا له أن يرى أهله، ويصل إلى منزله المتين البناء، ووطنه، فليكن وصولُه متأخرًا، وفي حالةٍ يُرثَى لها، بعد أن يفقد سائر رفقائه ويعود في سفينة لرجلٍ آخر، وليُعانِ المحن في بيته.» هكذا قال في صلاته، وسمعه الرب الأدكن الشعر. أما الكوكلوب، فقد رفع إلى فوق، من جديد، صخرةً أخرى، أضخم بكثير من السابقة، ولوَّح بها في الهواء، ثم قذَفها، واضعًا في رميته قوةً لا حد لها. لقد رمى بها خلف السفينة الدكناء الجؤجؤ، فسقطَت بقربها، وأخطأ الدفَّة بمسافةٍ بسيطة أو ما كادت، فهاج البحر تحت قوة سقوط الصخرة، وحملَت اللجة السفينة إلى الأمام، وجرفتها إلى الشاطئ. وصلنا عندئذٍ إلى الجزيرة حيث كانت ترسو جميع سفننا الأخرى، ذات المقاعد المكينة، وقد جلس حولها رفقاؤنا، ينتظرون عودتنا، وهم يبكون. وعندما وصلنا إلى هناك، أرسينا سفينتنا فوق الرمال، ونزلنا، نحن أنفسنا إلى شاطئ البحر. بعد ذلك أنزلنا من السفينة الواسعة قطعان الكوكلوب، وقسمناها، بقَدْر ما كان في مقدوري أن أقسم، حتى لا يُحرم أي رجل من نصيبه العادل. أما الكبش الكبير، فقد تركه لي زملائي، فأعطَوه لي وحدي، كجائزةٍ منفصلة، عندما قسمتُ القطعان، فنحرتُه فوق الشاطئ ذبيحة لزوس بن كرونوس، رب السحب القاتمة، وسيد الجميع، وأحرقتُ قِطع الأفخاذ، ولكنه مع ذلك لم يكن ليهتَم بذبيحتي، بل كان يُدبِّر كيف تتحطَّم جميع سُفني المتينة المقاعد، وكذا زملائي الأعزاء الأوفياء. ومِن ثَمَّ، طفقنا طوال اليوم كله، إلى أن أغربت الشمس، جالسين نولم على لحمٍ وفير وخمرٍ لذيذة. ولمَّا احتجَبَت الشمس وراء الأفق، وخيَّم الظلام على الكون، رقدنا لنستريح فوق شاطئ البحر، وما كاد الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، يظهر في السماء، حتى أيقظتُ رفاقي، وأمرتُهم بالصعود إلى السفن، وحل حبال الكوثل، فصَعِدوا في الحال، وجلَسوا فوق المقاعد، وبعد أن استَووْا في مقاعدهم بنظام، أخذوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. من هناكَ أبحرنا بقلوبٍ مثقَلة بالأحزان، ولكننا كنا مسرورين لنجاتنا من الموت، بالرغم من أننا فقدنا زملاءنا الأعزاء. ١ لا يجوز استعمال كلمة «منخفض» هنا لعدم صحتها؛ فإن ترجمة الفقرة كلها تجعل وصف هوميروس متفقًا والوقائع الحقيقة. إنها تتفق والرأي القائل بأن إيثاكا هوميروس لا يمكن تشبيهها بثياكي Thiaki، بل بليوكاس Leucas. ومن المسلَّم به أن هذه السطور تُوصِم الشاعر بالجهل بجغرافية غرب بلاد الإغريق. ٢ أي من وجهة نظر الملاح، جاعلًا طريقه بحذاء الساحل صوب الظلمات والمنطقة المجهولة شمالًا وغربًا. ٣ شعب من شعوب تراقيا هاجم أوديسيوس وأنصاره؛ لأنه سلبهم بلدتهم، فقتلوا ستة من كل سفينة. وكان ذلك هو المكان الذي أخذ منه أوديسيوس الخمر التي أثمل بها العملاق بولوفيموس. ٤ الترجمة الحرفية: «وفي الصباح هجموا علينا». ٥ نظرًا إلى الشك الذي يكتنف المعنى الحقيقي للكلمة اليونانية، فإن البعض يترجمها «عميقة التربة»، والبعض الآخر «جرداء». ٦ أي ذات مقدماتٍ مطلية باللون الأحمر. ٧ يورد النص اليوناني هاتَين الكلمتَين في صيغة الجمع، وربما كان المعنى المقصود هو: «مراسيم العدالة وأحكام القوانين التقليدية». ٨ الترجمة الحرفية «اليأس» أو «القنوط». ٩ ستة أقدام. ١٠ الترجمة الحرفية: «بكلماتٍ مجنحة». الأوديسة
الأنشودة العاشرة أوديسيوس في ضيافة حارس الرياح فصاحت كيركي صيحةً بالغة، وارتمت على الأرض تبكي. بعد ذلك وصلنا إلى الجزيرة الأيولية Aeolian، حيث كان يقيم أيولوس Aeolus،١ ابن هيبوتاس Hippotas، الذي تُعِزُّه الآلهة الخالدة، في جزيرةٍ طافية، يحيط بها كلها سُورٌ من البرونز لا يمكن اختراقه، ويتصاعد منها الجبل شامخًا شديد الانحدار. وكان له من الذرية اثنا عشر، يقيمون هناك في ساحاته، ست بنات وستة أبناءٍ أشدَّاء، وقد زوج بناتِه لأولاده. إذن كان هؤلاء يُولِمون دائمًا إلى جانب أبيهم العزيز وأمهم الكريمة، ويُوضَع أمامهم أشهى ألوان الأطعمة وأغزرها. وكان القصر وهو مملوء برائحة الطعام، يُدوِّي من كل جانب حتى الفناء الخارجي، في أثناء النهار،٢ أما بالليل فكانوا ينامون بجانب زوجاتهم الفاتنات فوق بطاطين وأَسِرة من الحبال. إذن فقد ذهبنا إلى مدينتهم، وتوجَّهنا إلى قصرهم الجميل، فأكرم وفادتي وضافَني مدة شَهرٍ كامل، وسألني عن كل شيء؛ عن إليوس، وسفن الأرجوسيين، وعودة الآخيين، فأخبرتُه بالقصة كلها، بالترتيب اللازم. وعندما أزمعتُ الرحيل، طلبتُ منه أن يسمح لي بالعودة، وأن يبعث بي في طريقي، فلم يُنكِر حقي في شيء، بل حبَّذ رحيلي، وأعطاني كيسًا مصنوعًا من جلد ثورٍ عمره تسعُ سنواتٍ كان قد سلَخه. وقيَّد ممرات الرياح الهوج، ووضعها داخل الكيس؛ لأن ابن كرونوس عيَّنه حارسًا على الرياح، له أن يُثير منها ما يشاء، ويُوقف منها ما يريد. وفي سفينتي الواسعة ربط الكيس بإحكام، بحبلٍ من الفضة اللامعة، حتى لا تستطيع نسمةٌ واحدة أن تهرب، مهما كانت بالغة الصغر، ولكي يساعدني في سفري، أرسل نسيم الرياح الغربية لتهُب على البحر، كي تستطيع أن تحمل السفن والركاب في طريقها. ومع كلٍّ فلم يكن هذا ليتم؛ إذ أصابنا الضلال من جرَّاء حماقتنا. أوديسيوس يقترب من وطنه بقينا نُبحر مدة تسعة أيام، ليلًا ونهارًا، دون انقطاع حتى إذا كان اليوم العاشر، لاح لنا الوطن أمام أبصارنا، والعجيبُ أننا كنا قريبين منه جدًّا لدرجة أننا شاهدنا رجالًا يحرسون نيران المنارة.٣ وعندئذٍ كان التعب قد بلغ مني مبلغًا عظيمًا، فحل عليَّ النوم اللذيذ؛ إذ لم أترك حبل السفينة من يدي منذ خروجنا من هناك، ولم أُسلمْه لأي فردٍ من زملائي، حتى نستطيع بلوغ وطننا بسرعةٍ أكثر. بيد أن رفقائي أخذوا يتحدثون فيما بينهم، قائلين إنني أُحضر معي إلى وطني كمياتٍ كبيرة من الذهب والفضة، هدية من أيولوس بن هيبوتاس، العظيم القلب، فقال أحدهم وهو ينظر إلى جاره: بحارة أوديسيوس يفتحون الكيس «ويحه! ما أعظم حب وتكريم الناس لهذا الرجل أينما ذهب! إنه يحمل معه كنزًا ضخمًا من أرض طروادة، أخذه من الغنائم، بينما نحن، الذين قمنا بنفس الرحلة معه، قد عدنا بأيدٍ خالية. وها هو ذا أيولوس قد أعطاه هذه الهدايا، بمحض المودة والمحبة، هيا أيها الرفاق، أسرعوا بنا لنرى ما بهذا الكيس، ماذا يحوي من الذهب والفضة.» هكذا قال الرفاق فيما بينهم، وتَمَّ لهم ما دبَّروا من خطَّةٍ شريرة، فما إن حلُّوا رباط الكيس، حتى انطلقَت سائر الرياح من عقالها، واكتسحَتْهم ثانية إلى البحر بعيدًا عن الوطن. أما أنا فاستيقظتُ من نومي، وفكرتُ في قلبي العظيم هل أُلقي بنفسي من السفينة وأَهلِك في البحر، أم أقاسي الويلات في صمت، وأظل باقيًا على قيد الحياة. وعلى أية حال، فقد كظمتُ غيظي وبقيت، ثم غطَّيتُ رأسي وظللتُ راقدًا في السفينة. بيد أنه هبَّت على السفن ريحٌ عاتية هوجاء، حملَتها جميعًا وعادت بها إلى الجزيرة الأيولية، فراح رفقائي يعَضُّون بنان الندم ويئنُّون. أيولوس لا يُرحِّب بأوديسيوس ثانية سِرنا بحذاء الشاطئ هناك، وأخذنا كفايتنا من الماء، وفي الحال تناوَل زملائي طعامهم بجانب السفن السريعة. وبعد أن تناولنا الطعام والشراب، صحبتُ معي رسولًا ورفيقًا واحدًا، وذهبنا إلى قصر أيولوس المجيد، فوجدناه يولم بجانب زوجته وأولاده، فدخلنا القصر، وجلسنا بجانب قوائم الباب، فوق العتبة، فعَجبوا لرجوعنا، وبُهِتوا في قرارة نفوسهم، وسألونا قائلين: «كيف جئتَ إلى هنا يا أوديسيوس؟ أي ربٍّ شرير هاجمك؟ لا شك أننا قد بعثنا بك مُعززًا مكرمًا، لكي تصل إلى وطنك ومنزلك أو إلى أي مكان تريد.» قالوا هذا فأجبتهم بقلبٍ ملؤه الحزن والكمد، فقلتُ: «خطأٌ شرير اقترفه زملائي الأشرار في حقي، وكذلك النوم اللعين، وأرجو أن تُصلِحوا أيها الأصدقاء، ما أفسد هؤلاء؛ لأن القوة معكم.» وصول أوديسيوس إلى بلاد اللايستروجونيين قلتُ هذا، وتحدَّثتُ إليهم في عباراتٍ رقيقة، غير أنهم لزموا الصمت، ثم أجاب أبوهم قائلًا: «ارحلوا عن جزيرتنا بسرعة، يا أشَر مَن على ظهر البسيطة. لا أستطيع بأي حالٍ أن أمُد يد المساعدة لرجلٍ تمقُته الآلهة المباركة، أو أُرسله في طريقه. إليكم عنا؛ فإنما قد حضَرتم إلى هنا، قومًا يكرههم الخالدون.» قال ذلك القول، وطردني من البيت، وأنا أكاد أنفجر من شدة الغيظ، فأبحرنا من هناك بقلوبٍ مثقلة بالأحزان، وقد أُنهِكَت أرواح الرجال تعبًا من التجذيف الفظيع، بسبب حماقتنا؛ لأنه لم تهُبَّ على السفن أيةُ نسمةٍ قَط، لتحملها في طريقها. وهكذا بقينا نبحر ستة أيام، ليلَ نهار، حتى إذا كان اليوم السابع، بلَغنا قلعة لاموس Lamus الشاهقة، إلى تيليبولوس Telepylus أرض اللايستروجونيين Laestrygonians، حيث ينادي الراعي على الراعي، وهو يسوق قطيعه، ويردُّ عليه الآخر وهو يدفع قطيعه إلى الأمام. يستطيع من لا ينام أبدًا، أن يربح هناك أجرًا مضاعفًا، من رعي الماشية، والأغنام البيضاء؛ لأن رحيل الليل والنهار متقاربان،٤ فلما جئنا إلى هذا المكان، إلى داخل الميناء العظيم، القائم على كل جانبٍ من جانبَيه طَودٌ شامخ، ورأس من الأرض يبرز في اتجاهَين متضادَّين ممتدًّا عند المصب، جاعلًا المدخل ضيقًا، قاد جميع رجالي سفنهم المعقوفة إلى الداخل، فأرسينا السفن داخل الميناء الفسيح، واحدة بجانب الأخرى؛ إذ لم تكن الأمواج لتتضخم داخل الميناء، سواء أكانت اللجة كبيرة أم صغيرة، بل كان كل شيءٍ يحيط بنا هناك، هادئًا لامعًا. أما أنا، فأرسيتُ بنفسي، سفينتي السوداء خارج الثغر، بجانب حدود الشاطئ، وربطتها بالحبال إلى الصخر، ثم تسلَّقتُ إلى علوٍّ شاهق وَعْر المسالك، واتخذتُ وقفتي في نقطة الاستكشاف هذه، وأخذتُ أُسرِّح الطرف هنا وهناك، فلم تُبصر عيناي أي عملٍ للثيران أو للبشر، ولكن الدخان فقط، كان يتصاعد من الأرض هناك؛ عندئذٍ أرسلتُ بعض رفاقي، ليذهبوا ويستطلعوا من هم أولئك القوم الذين يَحيَون٥ فوق تلك الأرض — منتخبًا رجلَين، وأرسلتُ معهما ثالثًا كرسول — فلما انطلقوا في طريقهم بمحاذاة الساحل، ساروا في طريقٍ ممهَّدة، اعتادت العربات أن تسير فيها، حاملة الأخشاب من الجبال الشاهقة إلى المدينة. وقبل بلوغهم المدينة التقَوا بفتاةٍ تستقي الماء، هي ابنة أنتيفاتيس Antiphates اللايستروجوني الطيبة،٦ وكانت قد ذهبَت إلى نبع أرتاكيا Artacia الجميل التدفُّق، الذي اعتادت الفتيات أن يستقين منه الماء ويَحمِلْنه إلى المدينة، فلما التقَوا بها، تحدَّثوا إليها يسألونها عن ملك ذلك الشعب، ومن هم رعيَّته، فأشارت لهم في الحال إلى بيت أبيها المرتفع السقف، فلما دخلوا البيت المجيد، ألْفَوا هناك زوجةً بدينة، كأنها قمة جبل، فبُهتوا لمرآها، فاستدعت من تَوِّها زوجها أنتيفاتيس المجيد، وكان بمكان الاجتماع، فدبَّر لهم هلاكًا فظيعًا فأسرع ممسكًا بأحد الرجال وأعدَّ منه طعامه، وعندئذٍ أطلق الرجلان الآخران العِنان لأقدامهما، وعادا هاربين إلى السفن. بعد ذلك أطلق الملك صيحةً مُدوِّية خلال المدينة، فلما سمعها اللايستروجونيون الأشدَّاء، جاءوا في جموعٍ غفيرة من كل حَدبٍ وصوب، وكانوا جمعًا لا عداد له، ليسوا أشبه بالرجال، بل بالعمالقة، فأخذوا يقذفوننا بقِطعٍ ضخمة من الصخور، من الجبال، بقَدْر ما يستطيع الإنسان أن يحمل، فارتفع في الحال، من السفن في كل مكان، طنينٌ مخيف، كأنه صادر من رجالٍ يموتون ومن سفنٍ تتحطم. وأخذوا يطعنون الرجال بالرماح ويصيدونهم كما تُصاد الأسماك، وحملوهم إلى مدينتهم، طعامًا تعافه النفس. وبينما كان هؤلاء القوم يُعمِلون التقتيل في أولئك الذين كانوا داخل الميناء العميق، سلَلتُ سيفي البتار من جوار فخذي، وقطعتُ به حبال سفينتي ذات الحيزوم القاتم، وعجَّلتُ باستدعاء رجالي، وأمرتُهم بأن يُسرعوا إلى مجاذيفهم؛ كي نستطيع النجاة من الكارثة الشريرة التي حاقت بنا، فراح جميعهم يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم، خشية الموت، وبسرور انطلقنا نحو البحر، بعيدًا عن الصخور الناتئة، فأسرعَت السفينة تمخُر العُباب، بينما فُقدَت جميع السفن التي كانت بداخل الميناء هناك. وقوع أوديسيوس في قبضة كيركي أبحرنا من هناك بقلوبٍ مهمومة، وإنما كنا مسرورين لنجاتنا من الموت، رغم أننا كنا قد فقدنا زملاءنا الأعزاء، ووصلنا إلى جزيرة أيايا Aeaea، حيث كانت تعيش كيركي Circe ذات الجدائل الفاتنة، وهي ربَّةٌ مفزعة، تتكلم كلام البشر، هي شقيقة أييتيس Aeetes، ذي العقل المؤذي، وكلاهما أنجبه هيليوس Helius، الذي يعطي الضوء للبشر، وبيرسي Perse، أمهما، ابنة أوقيانوس Oceanus، فأرسينا سفينتنا على الشاطئ هناك في صمت، داخل الميناء، حيث يمكن للسفن أن ترسو، وقادنا أحد الآلهة، فهبَطنا، ورقَدنا هناك يومَين وليلتَين؛ إذ كان التعب قد أخذ منا كل مأخذ، وبخَع الحزن نفوسنا. غير أنه عندما أنجب الفجر الجميل الغدائر، اليوم الثالث، امتشقتُ حسامي البتَّار ورمحي، وانطلقتُ بسرعة إلى مكانٍ ناءٍ من السفينة، على مدى البصر، أملًا في استطلاع أعمال البشر هناك، وسماع أصواتهم، فتسلَّقتُ مرتفعًا شديد الانحدار، وَعْر المسلك، ووقفتُ هناك أرى من بُعد، وأستشرف ما حولي، فرأيتُ دخانًا يتصاعد من الأرض الفسيحة الطرقات، في ساحات كيركي، خلال الأدغال الكثيفة والغابة، وأخذتُ أُعمِل تفكيري، هل أذهب وأبحث بعد أن رأيت الدخان المتأجج. وبينما أنا في حَيْرة التفكير، طرأ على بالي رأي، بدا لي أفضل الآراء، أن أعود أولًا إلى السفينة على شاطئ البحر، وأعطي رفاقي طعامهم، ثم أرسلهم إلى هناك ليقوموا هم بالبحث. وبينما أنا أشُق طريقي إليهم، وكنتُ على مسافةٍ قريبة من السفينة المعقوفة، أشفَق عليَّ أحد الآلهة، وأنا في وحدتي، فأرسل إليَّ ظبيًا ضخمًا طويل القرون، جاء في طريقي بالذات. لقد كان آتيًا من مرعاه في الغابة، وهابطًا إلى النهر ليشرب؛ إذ برَّحَت به حرارة الشمس، وبينما هو خارج هويتُ برمحي على منتصف سلسلة ظهره، فنفَذ الرمح البرونزي في جسمه، وسقط يتخبَّط في الثرى وهو يئن، وغادرَتْ روحه الجسد. بعدئذٍ وضعتُ قدمي فوقه، وجذبتُ الرمح البرونزي من الجرح، وتركتُه هناك راقدًا فوق الأرض، ثم قطفتُ أغصانًا وعيدان نباتاتٍ متسلقة، وصنعتُ منها حبلًا طوله ست أقدام، وفتَلتُه جيدًا حتى طرفَيه وربطتُ قدمَي الحيوان الضخم معًا، وسرت في طريقي إلى السفينة السوداء، حاملًا الظبي فوق ظهري ومتكئًا على رمحي؛ إذ لم يكن في مقدوري، بأية حال، أن أحمله على كتفي بيدٍ واحدة؛ لأنه كان حيوانًا بالغ القوة، ثم ألقيتُ به عن ظهري أمام السفينة، وطفِقتُ أُشجِّع رفقائي بعباراتٍ رقيقة، ذاهبًا إلى كل رجل، بدوره، فقلتُ لهم: «أيها الأصدقاء، لم يَحِن موعد هبوطنا إلى بيت هاديس بعدُ، رغم ما نحن عليه من آلام؛ إذ لم يحلَّ علينا يوم القضاء. هلموا بنا، طالما لا يزال هناك طعام وشراب في سفينتنا السريعة، نفكر في طعامنا، حتى لا نذوي من الجوع.» هكذا قلتُ لهم، فأصغَوا بانتباه إلى كلامي، وأزاحوا العباءات عن وجوههم،٧ وتعجَّبوا من الظبي المُلقَى فوق شاطئ البحر الصاخب؛ لأنه كان حيوانًا ضخمًا جدًّا. وبعد أن أشبعوا عيونهم من النظر إليه، غسَلوا أيديهم، وأعدُّوا منه وليمةً مجيدة. وهكذا ظلَلْنا جالسين طول اليوم كله، حتى غروب الشمس، نأكل من لحمٍ وفير، ونحتسي خمرًا لذيذة. بيد أنه ما إن غَربَت الشمس وشملَت الظلمة الكون، حتى رقَدنا فوق ساحل البحر لنستريح. ولمَّا لاح الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، ناديتُ رجالي سويًّا، وتحدَّثتُ في وسطهم جميعًا قائلًا: «هيا اسمعوا، أيها الرفاق، وأَصغُوا إلى كلامي، لنتدبَّر كارثتنا الشريرة. الشمس، مانحة الضوء للبشر، نحت الأرض، ولا أين تُشرق، فهيا نُفكِّر الآن مليًّا، إذا كان لا يزال لدينا أفكارٌ باقية، ونجد منفذًا للخلاص.٨ أما أنا فلستُ أظن أن هناك شيئًا من هذا، فقد صَعِدتُ إلى مكانٍ مرتفع للاستطلاع، فرأيتُ الجزيرة أشبه بتاجٍ يحيط بها الخِضَم اللانهائي. وتقع الجزيرة نفسها منخفضة، وأبصَرتْ عيناي في وسطها، الدخان يتصاعد وسط الغابة والأعشاب الكثيفة.» هكذا تكلَّمتُ، فتحطَّمتُ أرواحهم في داخل أجسادهم، وقد استعادوا في مُخيِّلتهم ما فعله أنتيفاتيس اللايستروجوني، وقسوة الكوكلوب المُتحجِّر القلب، من أكل لحوم البشر، فأخذوا يبكون عاليًا، وذرفوا الدموع السواجم، ولكن ذلك لم يُجدِهم نفعًا. رجال أوديسيوس ينمسخون خنازير عندئذٍ، قسمت رجالي المدرَّعين جيدًا، إلى فرقتَين، وعيَّنتُ منهم قائدًا لكل فريق، فتولَّيتُ أنا رئاسة فريقٍ منهما، بينما رأس الفريق الآخر يورولوخوس Eurylochus شبيه الإله، ثم اقتسمنا بسرعةٍ بالأزلام، في خوذةٍ برونزية، فخرج زلَم يورولوخوس الباسل؛ وعلى ذلك انطلق يصحبه اثنان وعشرون رفيقًا، وكلهم يبكون، وتركونا وراءهم، وهم ينتحبون، فعثروا على منزل كيركي، وسط وديان الغابة، مصنوعًا من الصخر المصقول، في مكانٍ فسيح مكشوف، وكان حول البيت كثيرٌ من الذئاب الجبلية والأُسود، كانت كيركي نفسها قد مسخَتْها، بأن أعطت الرجال عقاقيرَ ضارة. غير أن تلك الحيوانات لم تُهاجم رجالي، ولكنها زمجَرتْ نحوهم مُكشِّرة، وهي تهزُّ ذيولها الطويلة. وكما يحدُث عندما تنبَح كلاب الصيد حول صاحبها وهو آتٍ من مأدبة، إذا لم يحضر لها أي شيء من قِطع اللحم ليُهدِّئ من غضبها، هكذا أيضًا عوَت الذئاب القوية المخالب، والأسود، حولهم، فتملَّكَهم الفزع لرؤية تلك الوحوش الكاسرة؛ ولذلك وقفوا عند باب الربة ذات الغدائر الجميلة، فسمعوا في الداخل صوت كيركي تُغنِّي بصوتٍ شجي، وهي تَذْرع أرض ساحتها جيئة وذهابًا، أمام نسيجٍ عظيم لا يفنى، نسيجٍ أشبه ما يكون بعمل الربات، منسوجٍ ببراعةٍ فائقة، فغدا باهرًا جميلًا مجيدًا؛ عندئذٍ تحدَّث إليهم قائد الرجال بوليتيس Polites، أعز رفقائي على نفسي، وأخلصهم لي، فقال: «أيها الأصدقاء، إن بالداخل شخصًا يروح ويجيء أمام نسيجٍ فخم، يشدو بصوتٍ رخيم، لدرجة أن الأرض كلها تُدوِّي بصدى غنائه، لا بد أن يكون هذا الشخص ربةً ما، أو سيدةً من السيدات، هلُموا بنا، نُسرِع بالنداء عليها.» ما إن أتم كلامه ذاك، حتى صاح الرفاق، منادين الربة، وفي الحال فُتحَت الأبواب المتألقة، وخرجَت الربة إليهم، وأمرتهم بالدخول، ولحماقتهم جميعًا ذهبوا معها، ما خلا يورولوخوس؛ إذ ارتاب في أن يكون في الأمر كمين. أدخلَتهم، وأجلستهم فوق مقاعد وأرائك، وأعدَّت لهم جرعةً من الجبن ودقيق الشعير والعسل الذهبي، والنبيذ البرامني Pramnian، ولكنها مزجت الطعام بعقاقيرَ ضارة، كي ينسُوا وطنهم النسيانَ كلَّه، فلما قدَّمَت لهم الجرعة، وشربوها، أسرعَت فضربَتْهم بصولجانها، وحبسَتْهم في حظائر الخنازير. وكان لهم رءوسٌ وصوتٌ وشَعرٌ وهيئة الخنازير البريَّة، أما عقولهم فقد ظلَّت كما كانت من قبلُ دون أن يطرأ عليها أي تغيُّر. وهكذا حُبسوا هناك وهم يبكون، وألقت كيركي أمامهم ثمار البلوط، وثمار العوسج، ليأكلوها، ومثل هذه الأشياء تتغذَّى بها الخنازير الصارخة. أوديسيوس يستمع إلى محنة رفقائه أسرع يورولوخوس، من فَوْره، بالعودة إلى السفينة السوداء السريعة، لينقل إلينا خبر رفقائه، ومصيرهم المخزي. لقد ألجم الحزنُ لسانه فلم يستطع أن ينطق بكلمةٍ واحدة، رغم تلهُّفه إلى الإفضاء بما وراءه من الأخبار. وقد اغرورقَت عيناه بالدموع، وانصبَّت روحه على النحيب، فلما سألناه مدهوشين، قَصَّ علينا ما نال الآخرين من أصدقائه من مصير، قائلًا: «انطلقنا خلال الأدغال، كما أمرتَنا أيها النبيل أوديسيوس، فوجَدْنا في ممرات الغابة مكانًا جميلًا، مشيدًا من الصخور المصقولة، في مكانٍ رحب. وكان هناك شخصٌ يغدو ويروح أمام نسيجٍ هائل، يغني بصوتٍ واضح، ربَّةٌ ما، أو امرأة، فصاحوا عاليًا ونادَوْها، فخرجَت من فورها وفتحَت الأبواب اللامعة، وأَمرتْهم بالدخول، فدخلوا معها جميعًا بحماقتهم. أما أنا فتخلَّفتُ وبقيتُ في الخارج؛ لأنني شككتُ في أن يكون هناك كمين. بعد ذلك اختفَوا كلهم، ولم يظهر منهم أحدٌ ثانية، رغم أنني انتظرتُ جالسًا في الخارج مدةً طويلة، وظللتُ أُراقب.» أوديسيوس يهمُّ لنجدَة رفقائه عندما سمعتُ كلامه هذا، وضعتُ سيفي المرصَّع بالفضة حول كتفي، وكان سيفًا ضخمًا من البرونز، وعلَّقتُ قوسي حول جسمي، وأمرتُ يورولوخوس بأن يقودني، عائدًا من نفس الطريق. بيد أنه أمسكَني بكلتا يدَيه، وأخذ يتوسَّل إليَّ واضعًا يدَيه على ركبتَي، وكلَّمني وهو يبكي بكلماتٍ حماسية، فقال: «لا تقُدني إلى هناك، بالرغم مني، يا سليل زوس، ولكن اتركني هنا فإنني أعلم يقينًا، إما أنك لن تعود ثانية، أنت نفسك، وإما أنك لن تُحضِر أي واحدٍ من الزملاء، دعنا نهرب بمن معنا هنا. بأقصى سرعة، طالما يُمكِننا أن ننجو من اليوم الشرير.» هكذا تكلَّم، ولكني أجبتُه بقولي: «يا يورولوخوس، يمكنك أن تبقى هنا في هذا المكان، تأكل وتشرب بجانب السفينة الواسعة السوداء، أما أنا فإني ذاهب؛ إذ تقع ضرورةٌ مُلِحة على عاتقي.» هيرميس يخفُّ لمساعدة أوديسيوس ما إن قلتُ هذا، حتى انطلقتُ من السفينة، والبحر. بيد أنني، وأنا أجتاز الممرات المقدسة، وأوشكتُ على بلوغ منزل الساحرة كيركي، المنيف، قابلني هيرميس، ذو الصولجان الذهبي، التقى بي وأنا ذاهب إلى المنزل، في صورة شابٍّ يافع يتألق وجهه كأنه الفجر الباكر، ويتجلى في مُحيَّاه سحر الشباب بأجمل مظاهره، فأمسك بيدي، وخاطبني بقوله: «إلى أين أنت ذاهبٌ ثانية، أيها الرجل التعيس؟ أهكذا تسير وحدك وسط التلال، دون أن تعرف عن البلاد شيئًا؟ يؤسفني أن رفقاءك، هناك في كيركي، محبوسون في الحظائر المتقاربة القضبان، في هيئة خنازير، فهل أتيتَ لتُخلِّصهم؟ إنني أُخبرك، بأنك لن تعودَ ثانية، أنتَ نفسك، ولكنكَ ستبقى هناك مع الآخرين، ولكن تعالَ؛ فإني سأُنقذكَ من الأذى وأُنجِّيك. دونكَ هذا العشب القوي، وانطلق إلى بيت كيركي، فإنه سوف يُجنِّب رأسك لليوم المشئوم. هيا، استمع إليَّ، فسأُخبرك بجميع حيل كيركي المؤذية. إنها ستخلط لك شرابًا، وتضع في الطعام عقاقير، ولكنها بالرغم من ذلك لن تستطيع أن تَسحَرك؛ لأن العشب القوي الذي سأُعطيكه، لن يتأثَّر بتلك العقاقير. وسوف أُخبركَ بكل شيء، فعندما تضربك كيركي بصولجانها الطويل، استلَّ سيفكَ الحاد من جانب فخذك، واهجُم عليها، كما لو كنتَ ستقتلها؛ عندئذٍ سيتملَّكُها الخوفُ منك، وتأمركَ بالرقاد معها. بعد ذلك إياك أن ترفُض الرقاد في مخدع الربة، لكي تُطلِق سراح زملائك، وتُقدِّم لك الضيافة، ولكن مُرها بأن تقسم يمينًا عظيمة بالآلهة المباركين، أنها لن تُدبِّر لك أي أذًى من جديد، أو تَحيكَ ضدك ما يؤذيك، خشية أنها — وقد جعلتكَ عُريان — قد صيَّرتكَ ضعيفًا عديم الرجولة.» قال أرجايفونتيس، ذلك القول، وأعطاني العشب، وقد نزَعَه من الأرض، مبينًا لي خصائصه. كان أسودَ من جهة الجذر، ولكن زهرتَه كانت ناصعةً كاللبن. إنه النبات الواقي من السحر؛ فهكذا يُسمِّيه الآلهة، ومن العسير على البشر أن ينزعوه من الأرض، غير أن كل شيءٍ مستطاع لدى الآلهة. بعد ذلك انصرف هيرميس إلى أوليمبوس الشامخ، خلال الجزيرة ذات الغابات، فانطلقتُ في طريقي إلى قصر كيركي، بينما راح قلبي يُفكِّر في أمورٍ كثيرة، متشائمًا وأنا ذاهب؛ ومِن ثَمَّ وقفتُ عند أبواب الربة الجميلة الجدائل، وقفتُ هناك وناديت، فسمِعَت الربة صوتي وفي الحال أقبلَت، وفتحَت الأبواب اللامعة، وأَمرتْني بالدخول، فذهبتُ معها، وقلبي مضطربٌ غاية الاضطراب. أدخلَتْني وأجلَستْني فوق كرسيٍّ مُرصَّع بالفضة، كرسي جميل، بديع الصنع، ومن أسفله كرسيٌّ صغير للقدمَين. وأعدَّت لي الجرعة في كأسٍ ذهبية، كي أشربها، ووضعَت فيها عقارًا، وهي تُضمِر السوء في قلبها، غير أنه عندما تناولْتُها منها، وشربتُها، لم أُسحَر، فضربَتْني بصولجانها، وهي تقولي: «انطلق الآن إلى الحظيرة، وارقد مع بقية زملائك.» أوديسيوس يقهر كيركي قالت هذا، ولكني سلَلتُ حسامي البتَّار من جوار فخذي، وهجمتُ على كيركي، كما لو كنتُ سأقتُلُها. بيد أنها صاحت صيحةً بالغة، وارتمت على الأرض، ممسكةً بركبتي، وأخذَت تتحدَّث إليَّ بعباراتٍ حماسية، وهي تبكي، فقالت: «مَن تكونُ يا هذا بين البشر، ومن أين قَدِمت؟ أين تقع مدينتُك، وأين أبواك! إنني لأعجبُ من أنك تجرَّعتَ تلك الكأس المسحورة، ولم تؤثِّر فيك بحالٍ ما؛ فما من رجل كائنًا من كان، استطاع مقاومة هذه الرُّقْية بمجرد أن يشربها وتمر من بين شفتَيه. كلا، إن قلبك، الكائن في صدرك، ليس من النوع الذي يُخدع. لا رَيْب أنك أوديسيوس، الحاضر الحيلة، الذي كثيرًا ما أخبرني أرجايفونتيس، ذو الصولجان الذهبي، أنه سيأتي إلى هنا، وهو في طريقه إلى الوطن، قادمًا من طروادة، في سفينته السريعة السوداء. خلِّ عنك، وضع سيفَكَ في غمده، وهيَّا بنا نصعد إلى فراشي، حتى إذا ما ضمَّنا الفراش معًا في عشق، استطاع كلٌّ منا أن يثق بالآخر.» وسلَلتُ حسامي البتَّار، وهجمتُ على كيركي. هكذا تكلَّمَت الربة، ولكني أجبتُها بقولي: «أي كيركي، كيف تأمرينني بأن أكون رقيقًا معك، أنت يا من حوَّلتِ رفاقي إلى خنازيرَ في ساحاتك، والآن تحتفظين بي هنا، وبنيةٍ خدَّاعة تأمرينني بالذهاب إلى حجرتك، والصعود معك إلى فراشك، حتى إذا تجردتُ من سلاحي وملابسي، أمكنكِ أن تجعليني ضعيفًا مخنَّثًا؟ كلا أيتها الربَّة؛ فما أنا بالشخص الذي يتوق بحقٍّ إلى الصعود إلى فراشك، إلا إذا وافقتِ أيتها الربة، على أن تُقسمي يمينًا لا حِنث فيها، أنكِ لن تحيكي ضدي أي أذًى جديد ضارٍّ بي.» كيركي تَعِد أوديسيوس بالأمان هكذا قلتُ لها، فأقسمَت في الحال أنها لن تُنزل بي أي ضرر، كما أمرتُها، وبعد أن حلفَت اليمين، وانتهت منها، صَعِدت إلى فراشها الجميل، فراش الربة كيركي. كانت وصيفاتها، في تلك الأثناء، مشغولات في الساحات. إنهن خادماتها الأربع، اللواتي كن يعشن معها في ذلك البيت. إنهن بنات الينابيع والكهوف والأنهار المقدسة التي تتدفَّق وتصُب في البحر، فشَرعَت إحداهن تضع فوق الكراسي طنافسَ جميلة من الأرجوان، وفرشَت من تحتها قماشًا من الكتَّان، وجاءت أخرى بمناضدَ من الفضة وضعَتْها أمام المقاعد، ووضعَت فوقها أسفاطًا من الذهب، بينما راحت ثالثةٌ تخلط الخمر الحلوة العسلية في طاسٍ من اللجَين، وأخذَت تُقدِّم كئوسًا من العسجد، بينما أحضَرت الرابعة ماءً، وأوقدَت نارًا عظيمة تحت قِدْرٍ كبيرة، فصار الماء يسخن. ولمَّا غلى الماء في البرونز اللامع أدخلَتْني إلى الحمام، وغسَّلَتْني بالماء من القِدْر الكبيرة، وكانت تمزجه بالماء البارد ليصير مناسبًا لاحتمالي، فطَفِقَت تَسكُبه فوق رأسي وكتفي، حتى أزالت التعب المُهلِك للروح، من أطرافي. وبعد أن انتهى الاستحمام، ودعَكَت جسمي جيدًا بالزيت، ودثَّرتني في عباءةٍ جميلة ومعطف، قادَتْني إلى البهو، وأجلَستْني فوق كرسيٍّ مرصَّع بالفضة — كرسي جميل بديع الصنع عند أسفله كرسيٌّ صغير للقدمَين. بعد ذلك جاءت إحدى الإماء بماء لغسيل الأيدي، في إبريقٍ بديع من الذهب، وسكَبَته في طستٍ من اللجَين، كي أغسل يدي، ودفعَت إلى جانبي منضدةً لامعة، ثم جاءت ربَّة البيت القاسية، ووضعَت أمامي خبزًا، ولحمًا كثيرًا، واهبةً ذلك بكرم، من خزينها. وبعدئذٍ أَمرتْني بتناول الطعام، غير أن قلبي لم يكن ميالًا إلى ذلك؛ فبالحري، جلستُ وقد انتابتني الأفكار، وأنذرَتْني روحي بشر. لاحظَت كيركي ما يُخالج نفسي وأنا جالس هكذا، لا أمد يدي إلى الطعام، بل يبدو على وجهي أنني مُثقَل بالأحزان والغم الشديد، فاقتربَت مني، وتحدَّثَت إليَّ بكلماتٍ سريعة،٩ قائلة: «لِم تجلس هكذا، يا أوديسيوس، أشبه بشخصٍ أبكم، تُذيب قلبك همًّا وحزنًا، دون أن تمَسَّ أي طعام أو شراب؟ هل تقدح ذهنك تفكيرًا في حيلةٍ أخرى؟ كلا، لستَ بحاجةٍ لأن تخاف شيئًا ما، بأية حال من الأحوال، طالما أنني قد أقسمتُ لك تلك اليمين، التي لا حِنث فيها قط، بألا أوذيك.» هكذا قالت، ولكني أجبتُ بقولي: «أيا كيركي، أي رجلٍ سليم العقل، يمكنه إجبار نفسه على تذوُّق الطعام أو الشراب، قبل أن يُطلَق سراح زملائه، ويُبصِر بهم أمام وجهه؟ فإذا كنتِ بنيةٍ خالصة، تأمرينني بتناول الطعام، والشراب، فهيا أطلقي سراحَهم كي تُشاهِد عيناي رفقائي الأوفياء.» الخنازير تنمسخ رجالًا كما كانوا كان هذا حديثي إليها، فانطلقَت كيركي عَبْر البهو، تحمل في يدها صولجانها، وفتحَت أبواب الحظيرة، وأخرجَتْهم في صورة خنازير سنُّها تسع سنوات، فوقفوا أمامها هناك على تلك الهيئة، وذهبَت هي في وسطهم، وأخذَت تدهن كل رجلٍ بجرعةٍ سحرية أخرى، فطَفِق الشعر يتساقَط من أطرافهم، ذلك الشعر الذي نما عليها بتأثير العقار الضار، الذي كانت أعطتهم إياه كيركي الجليلة. وهكذا صاروا رجالًا من جديد، أقرب إلى الشباب مما كانوا من قبلُ، وأبهى منظرًا وأطول قامة، للرائين. لقد عرفوني، فتعلَّق كل رجلٍ منهم بيدي، وتشنَّجَت أطرافهم من فَرْط فرحهم، ودوَّى المنزل من حولهم بالأعاجيب، حتى إن الربة نفسها، ثارت فيها عاطفة الشفقة. بعد ذلك اقتربَت الربة الفاتنة مني، وقالت: «يا ابن لايرتيس، يا سليل زوس، أي أوديسيوس، الواسع الحيلة، انطلق الآن إلى سفينتك السريعة، وإلى ساحل البحر، وابدأ أولًا، وقبل كل شيء، بسحب السفينة فوق البَر، واخزن أمتعتكَ وسائر حاجياتكَ وحبال سفينتك في الكهوف، ثم ارجع إلى هنا، أنتَ نفسكَ، وأحضِر معك زملاءكَ المخلصين.» أوديسيوس ورفاقه يقيمون لدى كيركي ما إن قالت هذا حتى وافق قلبي العظيم، فانطلقتُ من فوري، أشُق طريقي إلى السفينة السريعة، وشاطئ البحر، فألفيتُ رفقائي المخلصين هناك، بجوار السفينة السريعة، يبكون أمَضَّ البكاء وآلمه، ذارفين الدموع الغِزار. وكما يحدُث عندما تلعب العجول في القرية حول قطعان البقر العائدة إلى الفِناء، بعد أن رعت ما شاء الله أن ترعى — فتذهب كلها سويًّا، وتمرح أمامها، فلا تعود الحظائر تحتويها، ولكنها تخور خوارًا مستمرًّا وتجري حول أمهاتها — هكذا فعل أولئك الرجال، بمجرد أن أبصَرتْني عيونهم؛ إذ التفُّوا حولي يبكون، وفَرِحَت قلوبهم، كما لو كانوا قد بلغوا أرض وطنهم، وقلب مدينة إيثاكا الوَعْرة، حيث نشَئوا وتَرعْرعوا، وبالنحيب خاطبوني بكلماتٍ مجنحة،١٠ قائلين: «ما أعظم سُرورَنا لعودتك، أيها المنحدر من زوس، كما لو كنا قد عدنا إلى وطننا، إيثاكا! هيا، قُص علينا ما حدث لبقية الرفاق.» هكذا قالوا، فأجبتُهم برقيق الألفاظ، قائلًا: «هيا بنا، أولًا وقبل كل شيء نسحب السفينة فوق اليابسة، ونخزن أشياءنا وجميع الحبال في الكهوف، ثم ننطلق جميعًا، لكي تَروْا زملاءكم في ساحات كيركي المقدسة يشربون ويأكلون، وأمامهم خزينٌ لا ينضُب معينه.» ما إن قلتُ لهم هذا، حتى صدَعوا بالأمر. وكان يورولوخوس وحده هو الذي حاول أن يمنع جميع الزملاء من تلبية أمري؛ إذ خاطبهم بعباراتٍ حماسية، فقال: «ويحكم أيها الرجال الأشقياء! إلى أين نحن ذاهبون؟ لماذا أنتم مُغرمون بهذه المحن هكذا؟ كأن تذهبوا إلى منزل كيركي، التي سوف تُحوِّلُنا جميعًا إلى خنازير، أو إلى ذئاب أو أسود، لتُرغمنا على حراسة بيتها بالقوة! هكذا فعل الكوكلوب أيضًا. عندما ذهب زملاؤنا إلى كهفه، بصحبة هذا الطائش أوديسيوس؛ لأنه من جرَّاء تهوُّر هذا الرجل هلَكُوا هم أيضًا.» كان هذا قوله، فاحتار قلبي، ما أفعل، هل أستل سيفي الطويل من جانب فخذي المسكين، فأحزُّ به رأسه، ليتدحرج على الأرض، بالرغم من أنه يمتُّ إليَّ بصلة النسب من ناحية الزواج؟! غير أن رفقائي، حاولوا، واحدًا بعد آخر، أن يمنعوني، برقيق الألفاظ، قائلين: «أيها المنحدر من زوس، إننا طَوعُ أمرك، فلو أمرتنا لتركنا هذا الرجل هنا بجانب السفينة، لكي يحرسها، أما نحنُ فلكَ أن تقودنا إلى بيت كيركي المقدس.» قالوا هذا، وخرجوا من السفينة والبحر. ولم نترك يورولوخوس بجانب السفينة الواسعة، بل ذهب معنا؛ إذ خَشِي لَوْمي اللاذع. عندما بلَغْنا ساحاتِ كيركي، غسَّلَت باقي زملائي في اهتمامٍ بالغ، ودهنَتهم جيدًا بالزيت، ودثَّرتْهم في عباياتٍ من الصوف ومعاطف، ووجَدْنا رفاقنا جميعًا يُولِمون في الساحات، ملء بطونهم، فلمَّا رأَوا الآخرين، وتَعرَّف كلٌّ منهم على الآخر، وجهًا لوجه، بكَوا وانتحَبوا ودوَّى البيت من حولهم بالبكاء، فاقتربَت مني الربة الحسناء، وقالت: «كُفُّوا بعد الآن عن هذا النحيب المرير؛ فإنني، أنا نفسي على علمٍ بجميع المحن التي تكبَّدْتموها وسط الخِضَم الزاخر، وكل المصائب التي أنزلَها بكم أولئك الأقوامُ الأفظاظُ فوق سطح الأرض. هلُموا، إلى تناول الطعام والشراب والخمر، إلى أن تستردُّوا من جديدٍ أرواحكم إلى داخل صدوركم، كما كنتم في البدء عند رحيلكم من وطنكم إيثاكا الوعرة؛ فإنكم الآن قد ذَوَيْتم، وخارت قواكم، من جرَّاء تفكيركم في الرحلات الشاقَّة، ولم تدخل السعادة قلوبكم قط؛ إذ في الحقيقة، قد تكبَّدتُم الكثير.» كيركي توافق على رحيل أوديسيوس هكذا قالت كيركي، فوافقَت قلوبنا العالية؛ ومِن ثَمَّ بقينا هناك، يومًا بعد يوم، لمدة عامٍ كامل، نُولِم على لحمٍ وفيرٍ، وخمرٍ لذيذة، فلمَّا انقضَت السنة ومرَّت الفصول، بتعاقُب الشهور، ومرور الأيام الطويلة في مجراها، استدعاني زملائي الأوفياء، وقالوا لي: «أيها الرجل الغريب، أما آن لكَ أن تُفكِّر الآن، أخيرًا في وطنك إذا كان مكتوبًا لك أن تنجو، وأن تصل إلى بيتك السامق السطح؟» هكذا تكلَّموا فوافق قلبي السامي، وبقينا اليوم بطوله، حتى غروب الشمس، جالسين إلى موائدَ زاخرة باللحم الكثير والخمر اللذيذة، فلمَّا اختفَت الشمس وراء الأفق، وجاءت الظلمة، رقَدوا في الساحات الظليلة لينعموا بالنوم، بينما صَعِدتُ أنا إلى فراش كيركي الوثير، وتوسَّلتُ إليها، جاثيًا عند ركبتَيها، فسمِعَت الربة تضرُّعي، وتكلَّمتُ مخاطبًا إياها بعباراتٍ سريعة، فقلت: «هيا كيركي، حَقِّقي لي الوعد الذي قَطعتِه على نفسك، بأن تبعثي بي إلى الوطن؛ فإن روحي تتوق الآن إلى الرحيل، وكذلك أرواح زملائي، الذين يُذيبون قلبي. وهم يجلسون من حولي يبكون، كلما تصادف أن تكوني بمنأًى عنهم.» أوديسيوس يذهب إلى هاديس ما إن قلتُ لها ذلك القول، حتى أجابَتْني الربة الفاتنة في الحال، بقولها: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، لن تبقى بعد الآن مدةً أطول من تلك في بيتي ضد رغبتك، بيد أنه لك أولًا، أن تُتِم رحلةً أخرى، وتذهب إلى بيت هاديس، وبيرسيفوني١١ الرهيبة، بحثًا عن عرَّافة روح تايريسياس Teiresias الطيبي، ذلك العرَّاف الضرير، الثابت الجنان؛ فقد منحَتْه بيرسيفوني سدادَ الرأي، حتى بعد موته، لكي يكون هو وحده صاحب الإدراك، بينما يتخبَّط الآخرون هنا وهناك كالأشباح.» هكذا قالت الربة، فتداعت روحي داخل صدري، وشرعتُ أبكي وأنا اجلس فوق الفراش، ولم يعُد لقلبي أية رغبةٍ في الحياة ورؤية ضوء الشمس، وبعد أن بكيتُ ما شئتُ أن أبكي وأُولوِل، أجبتُ كيركي، متحدثًا إليها بقولي: «أي كيركي، مَن ذلك الذي سيقودنا في هذه الرحلة؟ فلم يسبق لبشرٍ أن ذهب قَط إلى هاديس في سفينةٍ سوداء.» ما إن قلتُ هذا، حتى أجابتني الربة الجميلة، في الحال، بقولها: «يا ابن لايرتيس، يا أيها المنحدر من زوس، أي أوديسيوس البالغ الحيلة، لا تُفكِّرن في نفسك، بمن سيكون الدليل ليقود سفينتك، وإنما ارفع الصاري، وانشُر الشراع الأبيض، واجلس، وعندئذٍ ستدفعها نسمة الريح الشمالية في طريقها، وبعد أن تكون قد قطعتَ بسفينتك، مجرى الأوقيانوس، حيث يُوجد ساحلٌ مستوٍ، وحيث تُوجد مغارات بيرسيفوني — تحيط بها أشجار حورٍ باسقة، وصفصافٍ دانية القطوف — ارسُ بسفينتكَ هناك، بجانب أوقيانوس العميق الدوَّامات، ثم انطَلِق بنفسك إلى بيت هاديس الرطب. هناك، إلى داخل أخيرون Acheron١٢ يتدفَّق بيريفليجيثون Periphleglethon وكوكوتوس Cocytus، المتفرع من مياه ستوكس Styx، وهناك صخرة، ومكان اجتماع النهرَين الصاخبَين. اقترِب من هناك، أيها الأمير، كما آمرك، واحفِر حفرةً طولها ذراعٌ من هنا إلى هناك، واسكُب سكيبةً حولها لجميع الموتى، أولًا من اللبن والعسل، ثم من الخمر الحلوة، وثالثَ مرةٍ من الماء، وانثُر فوقها حَفنةً من الشعير الأبيض. ويجب عليك أن تستعطف بشدةٍ رءوس الموتى، عديمة القوة، وانذر أنك عندما تبلُغ إيثاكا، تنحَر في ساحاتك عِجلةً عاقرًا، تكون خير ما عندك من العجول، وأن تملأ المذبح بالهدايا القيمة، وأن تذبح لتايريسياس وحده كبشًا، أَسوَد كله، أعظم كبشٍ في قطيعك. وبعد أن تتوسَّل متضرعًا إلى قبائل الموتى المجيدة، اذبح كبشًا ونعجة سوداء، مديرًا رأسَيهما صوب إيريبوس Erebus، بينما تتجه أنت نفسك إلى الخلف، ووجهُك إلى مجاري النهر؛ عندئذٍ ستأتي إليك أشباح كثيرٍ من الموتى، فنادِ بعد ذلك رفقاءك، ومُرهم بأن يسْلَخوا ويُحرقوا الخراف الملقاة هنا وهناك، مذبوحة بالبرونز القاسي، وصلُّوا إلى هاديس العتيد، وإلى بيرسيفوني المهوبة. أما أنت فاستلَّ حسامك البتَّار من جانب فخذك، واجلس هناك، لتُبعد رءوس الموتى، المجرَّدة من القوة، عن الدم إلى أن تنتهي من استجواب تايريسياس. سيأتيك العرَّاف، قائد البشر، فورًا، ويُخبرك بالطريق التي تسلكها وأطوالها، وعن كيفية عودتك، وكيف تستطيع الإبحار وسط اليمِّ الصاخب.» هكذا قالت، وفي الحال، لاح الفجر الذهبي العرش، فألقت حولي عباءة ومعطفًا، وتدثَّرت الحورية في ثوبٍ طويل أبيض، دقيق النسيج جميل، وشدَّت وسطها بزنَّارٍ بديع من الذهب، وألقت فوق رأسها خمارًا، فسِرتُ عَبْر الساحات، وأيقظتُ رجالي برقيق الألفاظ، متجهًا نحو كل رجلٍ بدوره أقول لهم: «لا تناموا بعد الآن، ولا تستغرقوا في الكرى اللذيذ، بل هلُموا بنا ننطلق؛ فلِلعجَب، أن كيركي الجليلة قد أفضَت إليَّ بكل شيء!» إلبينور يبقى مع كيركي لما قلتُ لهم هذا، وافقَت قلوبهم الشامخة. بيد أنه لم يكن في مقدوري، أن أقود رجالي سالمين، حتى من هنا؛ فقد كان هناك إلبينور Elpenor، أصغر الجميع ولم يكن شجاعًا في الحرب، ولا سليم الإدراك، إنه آثر أن يتخلَّف عن رفقائه في بيت كيركي المقدس، طلبًا للهواء الرطب؛ إذ كان مُثقلًا بالخمر، فسمع الضوضاء التي أحدثَها زملاؤه وهم يتَحركون هنا وهناك، فوثب فجأة ناسيًا أن يتجه نحو السلم الطويل ليهبط، وعندئذٍ سقط من السطح، فانكسر عنقه منفصلًا عن سلسلة ظهره، فهَبطَت روحه إلى بيت هاديس. وبينما كان رجالي في طريقهم خاطبتُهم بقولي: «إنكم تظنُّون أنكم ذاهبون بحقٍّ إلى وطنكم العزيز، ولكن كيركي قد عيَّنَت لنا رحلةً أخرى، إلى بيت هاديس وبيرسيفوني المهوبة، لنستشير روح تايريسياس الطيبى.» ما إن أخبرتُهم بهذا حتى جزعَت أرواحهم في داخلهم، ولمَّا اعتلَوا في مجلسهم حيث كانوا، أخذوا يبكون، وشدُّوا شعورهم، بيد أن بكاءهم لم يُجدِهم نفعًا. وبينما نحن في طريقنا إلى السفينة السريعة، وإلى شاطئ البحر، محزوني الفؤاد، نَذرِف الدموع السواجم، كانت كيركي، في نفس الوقت، قد سبقَتْنا إلى هناك، ووضَعَت إلى جانب السفينة السوداء كبشًا ونَعجةً سوداء؛ إذ كان من اليسير عليها أن تذهَب قبلنا إلى هناك. ومن ذا الذي يستطيع بعيونه رؤيةَ رب، ضد رغبته، سواء أكان غاديًا أم رائحًا؟ ١ ملك الرياح. ٢ المقصود هنا أن رائحة وصوت الوليمة يمكن ملاحظتهما حتى قبل أن يدخل الإنسان القصر تمامًا. ٣ أو ربما كان المقصود هنا «نيران الرعاة». ٤ يبدو أن المقصود بالمعنى هنا، هو أن الفترة بين سقوط الليل والفجر قصيرة جدًّا لدرجة أن الراعي العائد من عمل النهار يقابل زميله وهو يخرج بقطيعه في اليوم التالي. وهكذا يستطيع الشخص الذي يمكنه أن يعمل دون نوم، أن يكسب أجرًا مضاعفًا. ٥ يقول النص: «يأكلون خبزًا». ٦ يقول النص: «البدينة» أو «الشجاعة» ولكن المترجمين اتفقوا على «الطيبة». ٧ كان الأغارقة يحجُبون وجوههم تحت ضغط الحزن الميئوس منه. ٨ هذه العبارة لا مقابل لها في النص اليوناني، وإنما أوردتها زيادة في الإيضاح. ٩ الترجمة الحرفية: «بكلماتٍ مجنحة». ١٠ أي سريعة أو حماسية. ١١ زوجة رب الحجيم. ١٢ نهر الآلام في العالم السفلي حيث كانت تأوي أرواح الموتى ليحملها خارون عَبْر البحر. الأوديسة
الأنشودة الحادية عشرة وصول أوديسيوس إلى أوقيانوس نزلنا إلى البحر وامتطَينا ظهر السفينة، بعد أن سحبناها أولًا إلى البحر اللامع، وثبَّتْنا الصاري والشراع في السفينة السوداء، وحمَلْنا الخراف إلى سطح السفينة، ثم صَعِدنا نحن أنفسنا محزوني الأفئدة، نذرفُ الدموع الغِزار. وقد أُرسلَت ريحٌ معتدلة؛ لتساعدنا في أن تمخُر سفينتنا الدكناء الحيزوم عُباب اليم، فملأَت الشراع، وكانت لنا رفيقًا عظيمًا، وأرسلَتها لنا كيركي الجميلة الجدائل، تلك الربة المرهوبة الجانب، التي تتكلَّم لغة البشر. وهكذا بعد أن ثبَّتْنا سائر الحبال في مختلف أجزاء السفينة، جلسنا، وتولَّت الريح، وقائد الدفَّة، تسييرها لتشُق طريقها قُدمًا؛ فطوال اليوم كله، كان الشراع منبسطًا، وهي تجري على صفحة الماء، ثم غابت الشمس، وغدَت جميع السبل مظلمة. وأخذتُ أستعطفُ بحرارةٍ رءوسَ الموتى المجردة من القوة. وصلت السفينة إلى أوقيانوس العميق المجرى، والذي يحدُّ الأرض، حيث بلاد ومدينة الكيميريين Cimmirians،١ الملتفَّة بالضباب والغيوم، لا تُشرِق عليها الشمس بأشعَّتها، لا عندما ترتفع في كبد السماء ذات النجوم، ولا عندما تعود ثانيةً إلى الأرض من السماء، وإنما ينتشر الليل الضار، بظلامه الدامس فوق رءوس البشر التعساء، فوصلنا إلى هناك، وأرسَينا سفينتنا، وأنزلنا الخراف، وذهبنا نحن أنفسنا إلى جوارِ مجرى أوقيانوس حتى بلَغْنا المكان الذي حدَّثَتْنا عنه كيركي. أوديسيوس ينحر الذبائح للموتى بينما سحبتُ أنا سيفي الحادَّ وحَفرتُ حُفرةً طولُها ذراع. في ذلك المكان أمسك بيريميديس Perimedes ويورولوخوس الذبائح، بينما سحبتُ أنا سيفي من جوار فخذي، وحفرتُ حفرةً طولُها ذراعٌ من هنا وذراعٌ من هنا، وسكبتُ حولها سكيبةً لجميع الموتى، بادئًا باللبن والعسَل، ثم بالخمر اللذيذة، وفي المرة الثالثة بالماء، ثم نثرتُ فوقها مطحون الشعير الأبيض، وأخذتُ أستعطف بحرارةٍ رءوسَ الموتى المجردة من القوة، ونذَرتُ أنني عندما أبلُغ إيثاكا، أذبح في ساحاتي عِجلةً بكرًا، تكون خيرَ ما عندي من العجول، وأُكدِّس الهدايا العظيمة فوق مذبحي، وأنحر لتايريسياس وحده كبشًا، أسودَ كله، يكون أعظم كبشٍ في قطعاني. وبعد أن تضرَّعتُ إلى قبائل الموتى بالنذور والتوسُّل، وأمسكتُ الخراف، ونحرتُ حُلوقها فوق الحفرة، فتدفَّق منها الدم القاتم. بعد ذلك، احتشَدَت هناك، من داخل إيريبوس Erebus٢ أرواحُ مَن ماتوا، من عرسانٍ وشبابٍ أعزب، وشيوخٍ أنهكَتهم المتاعب، وعذارى رقيقاتٍ ذوات قلوبٍ حديثة العهد بالأحزان، وكذلك أرواحُ كثيرين ممن أصابتهم الرماح البرونزية الأطراف بالجراح، أولئك الرجال الذي خرُّوا صرعى في القتال، وهم مُرتَدُون عُدَدهم الحربية الملطَّخة بالدماء. أسرع هؤلاء يتهافتون في جموعٍ غفيرة حول الحفرة من كل صوب، يصيحون صيحاتٍ عجيبة، فتملَّكَني الرعب المُسبِّب شُحوبَ اللون. بعدئذٍ ناديتُ زملائي وأمرتُهم بأن يسلَخوا أو يُحرقوا الخراف الملقاة هناكَ بعد أن ذُبحَتْ بالبرونز القاسي، وبأن يقوموا بالصلاة إلى الآلهة، إلى هاديس العتيد، وإلى بيرسيفوني المرهوبة. أما أنا نفسي، فقد سلَلتُ حسامي البتَّار من جوار فخذي، وجلستُ هناك، ولم أسمح لرءوس الموتى المجرَّدة من القوة بأن تقترب من الدم إلا بعد أن استجوبتُ تايريسياس. أوديسيوس يلتقي بروح إلبينور كان رُوحُ رفيقي إلبينور هو أوَّل من جاء؛ فلم يكن قد دُفن بعدُ تحت الأرض الفسيحة الطرقات؛ لأننا كنا قد تركنا جثَّته وراءنا في ساحة كيركي، دون أن يَبكيَها أحد، ودون أن تُدفَن؛ حيث قد شُغلنا في ذلك الوقت بمهمةٍ أخرى كانت تدفعُنا إلى الإسراع في طريقنا،٣ فما إن أبصرتُه حتى بكَيتُ، وتحرَّكَ قلبي بالعطف عليه، فتحدَّثتُ إليه وخاطبتُه بكلماتٍ مجنحة،٤ قائلًا: «كيف جئتَ تحت جنحِ الظلام الدامس، يا إلبينور؟ إن مجيئك على القدمَين، قد سبقَني وأنا قادم في سفينتي السوداء.» هكذا قلتُ له، فأجابني بقوله: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، إن مصيرًا شريرًا، من أحد الآلهة، كان فيه هلاكي، إنها الخمر الغزيرة؛ فعندما استلقيتُ لأنام في بيت كيركي لم أُفكِّر في اتخاذ السلم الطويل لكي أهبط من جديد، ولكني قفزتُ من السطح، فدُقَّت رقبتي وانفصلَت عن سلسلة ظهري، فهبطَت روحي إلى بيت هاديس. والآن أتوسَّل إليك بحق أولئك الذين خلَّفناهم وراءنا، الذين ليسوا معنا هنا، وبزوجتك وبأبيك الذي ربَّاك منذ عهد الطفولة، وبابنك تيليماخوس الذي تَركْتَه صبيًّا وحيدًا في ساحاتك؛ لأنني أعلم أنكَ عندما تنصرف من هنا، من بيت هاديس، ستمُر بسفينتك المتينة البناء، على الجزيرة الإيايية، أطلُب منك، أيها الأمير، أن تتذكَّرني هناك. لا تتركني وراءك دون أن تَبكيني، ودون أن تَدفِنني، وأنت راحلٌ من هناك، ولا تُولِّني ظهرك، خائفًا أن أجلب عليك غضب الآلهة، بل أَحرِقني في حُلَّتي الحربية وهي كل ما أملك، وكَوِّم لي رابية فوق ساحل البحر السنجابي، تخليدًا لذكرى رجلٍ شقي، كي يعلم من سوف يُولَدون بعدُ، شيئًا عني. حقِّق لي هذا الرجاء، وأقِم فوق الرابية، مجذافي الذي كنتُ أُجذِّف به في حياتي، عندما كنتُ بين زملائي.» قال هذا، فردَدتُ عليه بقولي: «سوف أفعل لك كل هذا، أيها الرجل البائس.» هكذا جلسنا، كلانا، وتحدَّث كلٌّ منا إلى الآخر أحاديث الحزن، أنا على جانب، وسيفي قائمٌ بيدي فوق الدم، بينما هو على الجانب الآخر، وكان طيفُ رفيقي هذا يتكلم بإسهاب. أوديسيوس يبكي على روح أمه بعد ذلك أقبلَت روح أمي الميتة، أنتيكليا Anticleia، ابنة أوتولوكوس Autolycus المقدام، الذي خلَّفتُه ورائي حيًّا عندما رحلتُ إلى إليوس المقدَّسة، فعندما رأيتُها بكَيتُ، وأحَسَّ قلبي بالشفَقة نحوها، ولكني رغم ذلك لم أدَعْها تقترب من الدم، مع كل ما في قلبي من حزنٍ بالغ، إلا بعد أن استجوبتُ تايريسياس. أوديسيوس يلتقي بروح العرَّاف بعدئذٍ جاءت روح تايريسياس٥ الطيبي، وهو يحمل صولجانه الذهبي في يدَيه، فعرفَني وخاطَبني بقوله: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، ما خطبُك الآن، أيها الرجل التعيس؟ لماذا تركتَ ضوء الشمس وقدِمتَ إلى هنا، لترى الموتى، ومنطقة لا مرح فيها؟ لا تقف هكذا، ابتعد عن الدم، وأَدِرْ سيفَكَ الحادَّ إلى الوراء، حتى أشرب من الدمِ وأُخبرك بالحقيقة.» هكذا تكلَّم، فابتعدتُ وأغمدتُ سيفي المرصَّع بالفضة في غمده، وبعد أن عَبَّ من الدم القاني، تكلَّم العرَّاف العديم اللوم، وخاطَبني بقوله: تايريسياس يُدْلي بعرافته لأوديسيوس إنك تَستفهِم عن عودتك الحلوة كالعسل، يا أوديسيوس الرائع، ولكنَّ أحد الآلهة سيجعل هذا الأمر شيئًا ثقيلًا على نَفسِك، فإنني أعتقِد أنك ستُفلِت من حبائل مزلزل الأرض، الذي يَزخَر بالغضب منك؛ إذ يَتقِد غضبًا من أنكَ أعميتَ ابنه العزيز، ولكن بالرغم من كل هذا، قد تصل إلى وطنك، ولو كان وصولك في محنةٍ شريرة، إذا ما كبحتَ جماحَ نفسك، وجماحَ رفقائك، بمجرد أن تصل بسفينتك المكينة البناء إلى جزيرة ثريناكيا Thrinacia، هاربًا من البحر البنفسجي، فتجد هناك أبقار وقطعان هيليوس العظيمة، ترعى الكلأ، هيليوس الذي يرى ويسمع كل شيء، فلو تركتَ هذه القطعان دون أن تمسَّها بأذى، واهتمَمتَ برحلتك إلى وطنك، فلا شك في أنك بالغ إيثاكا، ولو في محنةٍ شريرة. أما إذا تعرَّضتَ لها بالأذى، فإني أتنبَّأ بالخراب لسفينتك ولرفقائك، وحتى إذا نجوتَ أنتَ نفسك، فإنكَ سوف تصل متأخرًا إلى وطنك، وفي حالةٍ مزرية، بعد أن تفقدَ سائر زملائك، وتبلُغه في سفينة لرجلٍ آخر، وسوف تُقابل محناتٍ في بيتك؛ فإن في بيتك رجالًا متغطرسين، يلتهمون زادك، ويغازلون زوجتك شبيهة الآلهة، ويُقدِّمون هدايا المغازلة، ولكنك مع ذلك، ستنتقم حقًّا، من أعمالهم التعسُّفية عند وصولك، وبعد أن تقتُل المغازلين في ساحاتك، سواء بالحيلة، أو علانيةً بالسيف البتار، ستنطلق بمجذافٍ جميل، حتى تصل إلى قوم لا يعرفون شيئًا عن البحر، ولا يأكلون أي طعامٍ به ملح،٦ إنهم لا يعرفون شيئًا عن السفن القرمزية الوجنات، ولا عن المجاذيف المصقولة، التي هي بمثابة الأجنحة للسفن، وسأُخبرك بعلامةٍ واضحة كل الوضوح، لن يفوتك إدراكها، فإذا التقى بك عابرُ سبيلٍ آخر وسألَك عما إذا كان لديكَ مِذراةٌ فوق كتفك القوية، فاغرس في الأرض مجذافك الجميل، وقدِّم الذبائح العظيمة للسيد بوسايدون — كبشًا، وثورًا وخنزيرًا بريًّا يكون قد لقَّح إناث الخنازير — وارحل إلى وطنك حيث تقوم بتقديم الذبائح المئوية المقدسة للآلهة الخالدين الذين يحتلُّون السماء الفسيحة، لكل واحدٍ بدوره ما يليق به. أما الموت فلن يأتيكَ أنتَ نفسك، إلا بعيدًا عن البحر؛ إذ تلقى ميتةً في غاية الرقة، تتغلَّب عليكَ إذ تقهرك الشيخوخة الناعمة،٧ وسوف يعيش قومُكَ حولكَ في بحبوحةٍ من العز، بهذا أخبرتْكَ العرافة. هكذا قال العرَّاف، فأجَبْته قائلًا: «أي تايريسياس، أعتقد أن الآلهة أنفسها قد نَسجَت خيط مصيري من كل هذا، ولكن خبِّرني بهذا الذي سأطلُبه منك، وأَعلن الحقيقة لي. إنني أرى هنا روح أمي الميتة، إنها تجلس في صمتٍ بالقرب من الدم، ولا تتناول بالنظر إلى وجه ابنها أو التحدُّث إليه. خبِّرني، أيها الأمير، كيف يمكنها أن تُلاحِظ أنني ابنها. ما إن قلتُ له هذا، حتى أجاب في الحال، بقوله: «ما أَيسَر الكلامَ الذي سأُفضي إليكِ به، ولتضَعه نُصب عينَيك. أي فَردٍ من أولئك الذين ماتوا ورحَلوا، سمحتُ له بالاقتراب من الدم، أَخبرك بنبوءةٍ وكل من منعتُه عاد من غير شك.» أوديسيوس يتكلم مع روح أمه ما إن أفضى الأمير تايريسياس، إليَّ بذلك الحديث، حتى عادت روحه إلى بيت هاديس، بعد أن أخبرني بتنبُّؤاته، بيد أنني بقيتُ هناك، ثابتًا في مكاني، حتى أقبلَت أمي، وشَرِبَت من الدم القاني، وفي الحال عرفَتْني، وبالنحيب كلَّمتْني بعباراتٍ حماسية، قائلة: «أي بني، كيف جئتَ إلى هناك تحت جنح الظلام الدامس، وأنت ما زلت حيًّا؟ إذ من الصعب على الأحياء أن يَروْا هذه الممالك، فبينهم وبينها أنهارٌ عظيمة ومجاري مياهٍ مفزعة، فهناك أولًا أوقيانوس، الذي لا يستطيع أي فَردٍ أن يعبُره على قدمَيه بأية حالٍ من الأحوال، بلْ إذا كان يملك سفينةً مكينة البناء، أجئتَ الآن فقط إلى هنا من طروادة بعد تجوالاتٍ طويلة بسفينتك ورفقائك؟ أولَم تصل إلى إيثاكا، ولم تَرَ زوجتك في ساحاتك؟» هكذا قالت، فأجبتُها بقولي: «أماه، إنها الضرورة التي أنزلَتْني إلى بيت هاديس، بحثًا عن تنبؤاتٍ روح تايريسياس الطيبي؛ لأنني لم أصِل بعدُ إلى ساحل آخايا Achaea، ولم تطأ قدمي أرض وطني، بل بقيتُ هائمًا على وجهي، أُكابد المحن، منذ أول يومٍ رحلتُ فيه مع أجاممنون العظيم إلى إليوس الشهيرة بجيادها، لأُقاتل الطرواديين، هيا خبِّريني، واصدُقيني القول، فيما سأسألكِ عنه. أي قَدرٍ من الموت المؤسف قد تغلَّب عليك؟ أكان مرضًا طويل الأمد، أم هي القوَّاسة أرتيميس،٨ قد أصابتكَ بسهامها الرقيقة، فقتلَتك؟ كذلك أعلميني عن أبي، وعن ابني، اللذَين خلَّفتُهما ورائي. أما زالا في الشرف الذي كان لي، أم يحظى به الآن رجلٌ آخر، وهل يعتقدون أنني لن أعود إليهم ثانية؟ كما أرجو أن تُخبريني عن زوجتي التي اقترنتُ بها، عن هدفها وعن تفكيرها. ألا تزال باقيةً مع ابنها، وتحافظ على سلامة كل شيء؟ أم هل تزوَّجَها رجلٌ ما، يكون أفضل الآخيين؟» قلتُ هذا، فأجابَتْني والدتي الموقرة، في الحال بقولها: «الحقيقة، إنها تمكث في ساحاتك بإيمانٍ ثابت، وتقضي الليالي والأيام في حزنٍ دائم، لا تنقطع عن البكاء. أما الشرف السامي الذي كان لك فلم يستحوذ عليه أحدٌ بعدُ، بل يحتل تيليماخوس أراضيكَ دون منازع، ويُولِم على موائدَ مناسبة، كما يليق بالرجل الذي يتوخَّى العدالة، وكل الناس يدعونه إلى الموائد. أما أبوك فإنه يعيش في الأرض المفلوحة، لا يذهب إلى المدينة، وليس عنده للنوم، فِراشٌ ولا عباءاتٌ أو أغطيةٌ لامعة، بل يقضي الشتاء ينام في المنزل، حيث ينام العبيد، في الرماد بجانب النار، ويلبَس على جسمه ثوبًا حقيرًا. حتى إذا ما أقبل الصيف والخريف الغَني، امتدَّت أسِرته المنخفضة، حول منحدَر مزرعة كرومه، وقد تكوَّنَت من أوراق الشجر المتساقطة. هناك يرقُد كئيبًا، منطويًا على أحزان قلبه البالغة، وهو يتلهَّف شوقًا إلى عودتك، وقد حطَّت عليه الشيخوخة الثقيلة. هكذا هلكتُ أنا أيضًا، ولقيتُ حتفي. ولم تُهاجمني الربة القوَّاسة الثاقبة النظر، ولم يُصبني أي مرض، كما يحدُث عادةً، أن يسلبَ التعبُ الشديد الروحَ من الأطراف؛ كلا، لم يصبني شيء من ذاك، بل هو الشوق إليك، وإلى مشوراتك، يا أوديسيوس العظيم، والحنين إلى رقة قلبك، هو الذي سلَبني حياتي الحلوة كالشَّهد.» أوديسيوس يفشل في احتضان أمه هكذا قالت، فتحيَّرتُ في قلبي، وتاقت نفسي إلى أن تُمسِك بروح أمي الميتة، فوثَبتُ نحوها ثلاث مرات، وأَمرني قلبي بأن أُمسِكَها، وثلاث مراتٍ أفلتَت من ذراعي أشبه بالشبح أو الحُلم، فزاد الألم حدةً في قلبي، وتحدَّثتُ إليها، مخاطبًا إياها في عباراتٍ حماسية، قائلًا: «أماه، لِمَ لا تمكُثين من أجلي، أنا الذي أتلهَّف إلى الإمساك بك كي نستطيع، حتى في بيت هاديس، أن يلُقي كلٌّ منا ذراعه حول الآخر، ونستسلم إلى البكاء العنيف. أهذا الذي أَرسلتِه إلى بيرسيفوني الجليلة، محضُ طيف، كي تزيد في بكائي وأنيني؟» ما إن قلتُ هذا، حتى أسرعَت أمي المبجَّلة، تُجيبني بقولها: «ويل لي، يا بني، يا أكثر البشر تعاسةً وسوءَ حظ! إن بيرسيفوني٩ ابنة زوس، لا تخدعكَ بحالٍ ما، ولكن هذه هي الطريقة المتبعة مع البشر عندما يموتون؛ فما عادت الأعصاب تربط اللحم بالعظام، ولكن قوة النار المتأججة القوية، تُحطِّم هذه، بمجرد أن تترك الحياةُ العظامَ البيضاء، وتنطلق الروح، أشبه بحلم، فتحوم هنا وهناك، ولكن أسرع الآن إلى النور بكلِّ ما أُوتيتَ من سرعة، واحفظ كل هذا في عقلك، كي تستطيع فيما بعدُ، أن تُخبر به زوجتك.» أوديسيوس يلتقي بأرواحٍ أخرى هكذا تحدَّث كلٌّ منا إلى الآخر، وجاءت النسوة؛ إذ أرسلَتْهن بيرسيفوني المهوبة، جميع من كن زوجاتٍ وبناتٍ للرؤساء. احتشَد هؤلاء جميعًا، زُرافاتٍ حول الدم القاني، وأخذتُ أفكر كيف يمكنني أن أسأل كل واحدةٍ منهن، فوُفِّقتُ إلى ما بدا لي خير طريقة، سلَلتُ سيفي الطويل من جوار فخذي القوي، ولم أسمح لهن بأن يشربن كلهن، من الدم القاني مرةً واحدة، بل اقتربن منه، واحدةً بعد أخرى، وكل واحدةٍ منهن أخبرَتْني بنسَبها، وهكذا أمكنَني أن أستجوبهن جميعًا. روح تورو تتحدث إلى أوديسيوس كانت تورو Tyro، النبيلة المَحتِد، هي أول من رأيتُ منهن، فقالت إنها كانت ابنة سالمونيوس Salmoneus الشريف، وإنها كانت زوجة كريثيوس Cretheus، ابن أيولوس. وقد هام بها النهر، إنيبيوس Enipeus المقدس، الذي هو أجمل الأنهار طرًّا، التي تنساب مجاريها فوق الأرض، وكانت تتردَّد على مياه إنيبيوس الجميلة. غير أن مُطوِّق الأرض ومُزلزِها، اتخذ شكله واضطجع معها عند مصبَّات النهر ذي الدوَّامات، وانتصبَت اللجة الدكناء حولهما كالطود الشامخ، وانحنَت فوقهما، تستُر الرب والمرأة البشرية، فحل زِنَّارها العذري وسكَب النوم فوق جفنَيها. وبعد أن أنجز ذلك الرب مهمة الحب، أمسكَ بيدها، وتحدَّث إليها، مخاطبًا إياها بقوله: «فلتسعدي، أيتها المرأة، بحُبنا هذا، وبمرور السنة في دورانها، ستُنجبين أطفالًا أمجادًا؛ فما أحضان الرب بضعيفة ولا واهنة، وقومي برعاية هؤلاء وتربيتهم. أما الآن فانطلقي إلى منزلكِ، وحافظي على سلامكِ، وحذارِ أن تُخبري أحدًا بما حدث واعلمي أنني أنا بوسايدون، مزلزل الأرض.» ما إن أتمَّت حديثها ذاك، حتى قفَزت تحت البحر الصاخب. أما هي فقد حبلَت وأنجبَت بيلياس Pelias، ونيليوس Neleus، اللذَين صارا، كلاهما، خادمَين عتيدَين لزوس العظيم، وعاش بيلياس في إيولكوس Iolcus الفسيحة، وكان غنيًّا بقطعانه، أما الآخر فعاش في بولوس Pylos الرملية. وأما أطفالها الآخرون، فقد ولدَتْهم تلك الملكة بين النساء، لكريثيوس، وهم أيسون Aason، وفيريس Pheres، وأموثاون Amythaon، الذي كان شغوفًا بالقتال من العربات.١٠ لقاء أوديسيوس بأنتيوبي بعد ذلك رأيتُ أنتيوبي Antiope، ابنة أسوبوس Asopus، التي كانت تزهو بنومها في أحضان١١ زوس، فأنجبَت ولدَين؛ هما أمفيون Amphion، وزيثوس Zethus، الذي كان أول من شيد مقعد طيبة، ذات الأبواب السبعة، وأقام حولها سورًا؛ إذ لم يستطيعوا أن يعيشوا في طيبة الفسيحة بدون سور، مهما كانوا أقوياء. ثم بألكميني وميجارا وأخريات وبعدها رأيتُ ألكميني Alcmene، زوجة أمفيتروون Amphitryon، التي رقدَت بين ساعدَي زوس العظيم، وأنجبَت هرقل Heracles، العتيد في القتال، قلب الأسد. وميجارا Megara، شاهدتها أيضًا، وهي ابنة كريون Creon، السامي النفس، التي اتخذها زوجة له، ابن أمفيتروون، الدائم العناد في العنف. وأبصرت أم أوديبوديس Oedipodes، إبيكاستي Epicaste الفاتنة، التي قامت بعملٍ وحشي في جهالة من التفكير؛ إذ قد تزوَّجَت ابنها، بعد أن قتل أباه، فتزوَّجَها، ولكن الآلهة كشفَت هذه الأمور للبشر في الحال، ولكنه مع ذلك ظل سيدًا على الكادميين Cadmeans في طيبة الجميلة، يعاني المحن بسبب خطَط الآلهة الضارة. أما هي، فقد هبطَت إلى بيت هاديس، الحارس القوى. لقد علَّقَت أنشوطةً في قضيبٍ عالٍ، وقد استبد بها الحزن، وشنقَت نفسها، وخلَّفَت وراءها محنًا لا حصر لها. كل ذلك تقوم به ربَّات الانتقام Erinues من أجل أم. كذلك رأيتُ خلوريس Chloris الحسناء، التي تزوجها نيليوس من أجل جمالها، بعد أن قدَّم لها هدايا عرسٍ لا عداد لها. وكانت صُغرى بنات أمفيون Amphion، وابن إياسوس Iasus، الذي قبض على زمام الحكم في أورخومينوس بمينواي Orchomenus of Minyae، بيدٍ من حديد. وكانت هي ملكةً على يوبوس، وأنجبت لزوجها من الأطفال الأمجاد، نسطور Nestor وخروميوس Chromius، وبيريكلومينوس Periclymenus المجيد، كما أنجبت زيادة على هؤلاء، النبيل بيرو Pero، الذي كان أعجوبةً للناس. وكان جميع الساكنين حولها يَسعَون إلى الزواج منها، بيد أن نيليوس لم يكن ليُزوِّجها لأي رجل، إلا إذا استطاع أن يسوق من فولاكي Phylace أبقار إفيكليس Iphicles العتيد الملساء، ذات الجباه العريضة، وكان من العسير أن تُساق. هذه الأبقار، تعهَّد العرَّاف، دون سواء بأن يسوقها، بيد أن قضاءً محزنًا من لدُن الآلهة، أوقَعَه في الشَّرَك، في قيودٍ مكينة، مع رعاة الحقول. ومع ذلك فلمَّا توالت الأيام، وتعاقبَت الشهور بمرور العام، وجاءت الفصول، أطلَق سراحه إفيكليس العتيد، بعد أن تنبَّأ له بكل شيء، وبذلك تحقَّقَت إرادة زوس. ورأيتُ ليدي Lede زوجة تونداريوس Tyndareus، التي أنجبت له ولدَين، جريئَي القلب، هما كاستور Castor مُروِّض الجياد، وبولوديوكيس Polydeuces الملاكم. وإن الأرض مانحة الحياة، لتُغطِّي هذَين كلَيهما، بالرغم من كونهما على قيد الحياة، وحتى في العالم السفلي؛ فإنهما يحظيان بتبجيل زوس؛ ففي يومٍ يعيشان بالتناوب، وفي يومٍ آخر ماتا، فنالا مجدًا أشبه بمجد الآلهة. وبعدها شاهدتُ إفيميديا Iphimedeia، زوجة ألويوس Aloeus، التي اعترفَت باضطجاعها مع بوسايدون، فأنجبَت ولدَين، ولكنهما كانا قَصيرَي الأجل، هما أوتوس Otus، الشبيه بالإله، وإفيالتيس Epbiates الذائع الصيت، وهما الرجلان اللذان قامت الأرض بتربيتهما، هذه التي تمنح الغلال، فجعلَتهما يفوقان الجميع طولًا، وجمالًا، بعد أوريون Orion الشهير؛ لأنهما، وهما في التاسعة من عمرهما، قد بلغا تسع أذرعٍ عرضًا وتسع قاماتٍ ارتفاعًا، وهدَّدا بإشعال نار الحرب الطاحنة ضد الخالدين في أوليمبوس. وقد كانا متلهِّفَين إلى تكويم أوسا Ossa فوق أوليمبوس، وكذلك بيليون Pelion، بغاباتها المائجة، فوق أوسا، حتى يستطيعا أن يرقيا أسباب السماء، وكانا سيفعلان هذا، لو أنهما بلغا مبالغ الرجال، ولكن ابن زوس، الذي أنجبته ليتو Leto الجميلة الشعور، قتلَتهما، قبل أن ينبُتَ الزغب تحت جبهتَيهما ويُغطي ذَقنَيهما بلحيةٍ كاملة النمو. ورأيتُ فايدرا Phaedra وبروكرس Procris١٢ وأريادني Ariadne الفاتنة، ابنة مينوس Minos، ذي العقل الشرير، تلك التي تَحرَّق ثيسيوس Theseus، شوقًا إلى أن يأخذها ذات مرة من كريت إلى تل أثينا المقدس، بيد أنه لم يتمتَّع بها؛ إذ قبل أن يتم ذلك قتلَتْها أرتيميس في ديا Dia المحاطة بالبحر، بسبب شهادة ديونيسيوس.١٣ وشاهدتُ مايرا Maera وكلوميني Clymene،١٤ وإريفولي Eriphyle الممقوتة، التي قَبِلَت الذهب النفيس ثمنًا لحياة زوجها. وإنه ليتعذَّر عليَّ أن أسرد أو أسمِّي جميع زوجات وبنات الأبطال اللواتي رأيتُهن؛ فقبل أن أنتهي من ذلك سيُدركنا الليل الخالد. لقد حان الآن موعد النوم، سواء ذهبتُ إلى السفينة السريعة والبحارة، أو بقيتُ هنا. إن أمر إرسالي سيبقَى مع الآلهة، ومعكم.» أريتي تتمشدق بأوديسيوس هذا ما قاله، فلزموا الصمت جميعًا، وانعقدَت ألسنتهم في الساحات الظليلة، ولكن أريتي Arete، البيضاء الساعدَين، تحدَّثَت أولًا في وسطهم، فقالت: «أيها الفياكيون، كيف يبدو هذا الرجلُ أمامكم من حيث الجمال والقوام، ومن حيث روحه الداخلية المتزنة؟ وزيادةً على ذلك، فهو ضيفي، رغم أن كل واحدٍ منكم له نصيب في هذا الشرف؛ ومِن ثَمَّ لا تتعجَّلوا بإرساله في طريقه، ولا تجعلوا هداياكم لرجلٍ في مثل هذه الحاجة؛ إذ كثيرةٌ هي الكنوز المخزونة في ساحاتكم بفضل الآلهة.» بعد ذلك قام وسطهم السيد العجوز إخينيوس Echeneus، أكبر الفياكيين سنًّا، وتحدَّث وسطهم بقوله: «أيها الأصدقاء، حقيقةً إن كلمات مَلكتِنا الحكيمة لجديرة بالاهتمام والتفكير، فهل لكم أن تُولُوها عنايتكم؟ ومع ذلك فإن القول والتنفيذ ليتوقَّفان هنا على ألكينوس.» ألكينوس وأوديسيوس يتطارحان أحاديث الود فأجاب ألكينوس١٥ قائلًا: «حقًّا، إن كلمتها هذه، ستُنفَّذ، طالما أنا حي وسيد على الفياكيين، محبي المجاذيف، ولكن دعوا ضيفنا، رغم عظيم تلهُّفه إلى العودة، يتحمل البقاء معنا إلى غدٍ، حتى أتحقَّق من أن جميع هدايانا كاملة. إن أمر إرساله إلى وطنه سيتولاه سائر الرجال، ولا سيما أنا نفسي، أكثر من الجميع؛ إذ لي السيادة في البلاد.» عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «سيدي ألكينوس، يا من يعلو صِيتك فوق سائر البشر، إنني طوع أمرك، حتى ولو أمرتَني بالبقاء هنا لمدة عام وأجَّلتَ إرسالي إلى بلدي، وأعطيتَني هدايا مجيدة، وأكون راضيًا به، وأعتَبر وصولي إلى وطني العزيز بيدٍ أكثر امتلاءً، أفضلَ بكثير، لكي أحظى باحترامٍ أكثر، وحُبٍّ بالغ من جميع الذين يَرونَني عندما أعود إلى إيثاكا.» فعاد ألكينوس يُجيب بقوله: «أي أوديسيوس، إننا ونحن ننظر إليك، لا نُقدِّر، بأية حال، أنك غشاش أو مخادع، كالكثيرين الذين ترعاهم الأرض المظلمة، وينتشرون هنا وهناك، أولئك الذين يختلقون الأكاذيب، مما لا يمكن لأحدٍ أن يراه؛ فإن لك عذب الألفاظ، وبداخلك قلبٌ حكيم، وقد رَوَيتَ قصتك بمهارة، كما يُنشِد المغني أناشيده، حتى المحن المؤلمة التي أصابت الأرجوسيين، وأصابتكَ أنتَ نفسك. والآن هيا أخبرني بالحقيقة، هل رأيتَ أيًّا من رفاقك أشباه الآلهة، الذين رحلوا معك إلى إليوس، ولقُوا حتفهم هناك؟ ما زال الليل أمامنا طويلًا، وطويلًا جدًّا، ولم يَحِن موعد النوم في الساحة بعدُ. استمر، بربك، في سرد قصة تلك الأعمال العجيبة. الحق أن في استطاعتي أن أبقى حتى يلوح الفجر المتألق، فعسى أن تقُصَّ علينا في الساحة، ما لاقيتَه من المحن.» فأجاب أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «سيدي ألكينوس، يا من طار صيتك أكثر من سائر البشر، هناك وقتٌ للكلام الكثير، كما أن هناك وقتًا للنوم كذلك. أما إذا كنتَ لا تزال تواقًا لسماع قصتي، فلن أحرمكَ من أن أَرويَ لك أشياءَ أخرى، أشد إيلامًا للنفس من تلك، محن زملائي، الذين ماتوا فيما بعدُ، والذين نَجَوا من صَيْحة الطرواديين في الحرب المفزعة، وإنما هلكوا عند عودتهم بإرادة امرأةٍ شريرة. أوديسيوس يلتقي بروح أجاممنون عندما نثَرتْ بيرسيفوني المقدَّسة، أرواح النساء، هنا وهناك، أقبلَت روح أجاممنون بن أتريوس، كئيبة، ومِن حوله احتشدَت أرواح الذين قُتلوا معه في بيت أيجيسثوس Aegisthus،١٦ ولقُوا حتفَهم. لقد عَرفَني لِتوِّه، بعد أن شرب الدم القاني، وبكى بصوتٍ مرتفع، ساكبًا الدموع الغِزار فمدَّ يده نحوي يريد الوصول إليَّ، بيد أنه لم تكن لديه القوة أو الشدة التي كانت قديمًا بأطرافه الرخْصَة. ما إن رأيتُه حتى غلبَتْني العَبرات، وتَحرَّك قلبي بالشفَقة عليه، فخاطبتُه بكلماتٍ مجنحة،١٧ وقلتُ: «هيا ابن أتريوس المجيد، أي ملك البشر، يا أجاممنون، أي مصيرٍ للموت المحزن حاق بك؟ أضربَكَ بوسايدون فوق ظهر سُفنِك، بعد أن أثار حولك عاصفةً هوجاء من الرياح العاتية؟ أم هل آذاك الأعداء فوق الأرض، بينما كنتَ تذبحُ ماشيتهم وقطعان أغنامهم الرائعة، أم كنتَ تقاتل طمعًا في الفوز بمدينتهم وبنسائهم؟» قُلتُ هذا، فأجابني في الحال بقوله: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، إن بوسايدون لم يضربني فوق ظهر سفينتي، بعد أن أثار زوبعةً عنيفة من الرياح الصرصر، كما أن يد أعدائي لم تَمتدَّ نحوي بالأذى فوق اليابسة، ولكن أيجيسثوس هو الذي دبَّر لي الموتَ والقدَر، وقتَلَني بمساعدة زوجتي اللعينة، وبعد أن دعاني إلى الحضور في بيته، وأقام لي وليمةً أشبه بمن يَقتُل ثورًا في الحظيرة، هكذا كانت ميتتي في غاية الفظاعة، ومن حَوْلي قُتل بقية زملائي، بغير انقطاع، كما تُقتل الخنازير البيض الأنياب، التي تُذبح في بيت رجلٍ ثري عظيم القوة، في حَفْل زواج، أو في وليمةٍ عامة، أو حفل سُكرٍ فخم. لقد حَضَرتُ قبل ذلك مقتل رجالٍ عديدين، في معاركَ فردية، أو في صخب الحرب، ولكنكَ لو رأيتَ ذلك المنظر، لشعرتَ بمنتهى الحزن في قلبك، كيف كنا نرقُد في الساحة بين طاسات مَزْج الخمر والموائد الحافلة بالأطعمة، حتى سَبحَت الأرض كلها في الدماء. وكانت أكثر الصيحات إيلامًا للنفس، هي صيحة كاساندرا Cassandra ابنة بريام Priam، التي قتلَتها كلوتمنيسترا Clytemnestra الغادرة، إلى جواري،١٨ وحاولتُ أن أرفع يدي وأضربَ القاتلة رغم أنني كنتُ في عِداد الأموات، مطعونًا بالسيف، ولكن عديمة الحياء تلك أشاحت بظهرها نحوي، وبالرغم من أنني كنتُ في طريقي إلى بيت هاديس، فإنها لم تُبدِ أي عطفٍ نحوي بأن تُسبل جفنَي بأناملها، أو بأن تُغلق فمي. لا شك إطلاقًا في أنه ما من شيءٍ أكثر فظاعة، وأشد تجرُّدًا من الحياء، من تلك المرأة التي تُفكِّر في قلبها بمثل هاته الأعمال، هذا إذا كانت هي أيضًا قد حاكت أمرًا مفزعًا، بأن دبَّرت الموت لبَعْلها الذي تزوَّجَته. كنتُ أحسب حقًّا، أنني سأعود إلى بيتي فيُرحِّب بي أولادي وعبيدي، ولكنها، تلك التي طُبع قلبها على النذالة التامة، قد لطَّخَت نفسها بالعار، كما وصمَت بالعار سيدات المستقبل، ومن تُقيم العدالة.» هكذا تحدَّث إليَّ فأجبتُه بقولي: «تبًّا لها! إن زوس الذي يحمل صوته بعيدًا، قد حاك كراهيةً عجيبة ضد شعب أتريوس، منذ البدء، بسبب خطَط النساء؛ فقد هلَك الكثيرون من أجل هيلينا، ودبَّرت كلوتايمنيسترا مكيدةً ضدك وأنت بعيدٌ عنها.» ما إن قلتُ هذا، حتى أجابني في الحال قائلًا: «وعلى ذلك فإني أنصحُك بألا تكون رقيقًا مع زوجتك، لا تبُحْ لها بكلِّ ما يجولُ بخاطرك، بل قل لها شيئًا ما، واكتم عنها شيئًا آخر. ومع كلٍّ فلن يأتيك الموت يا أوديسيوس من فعل زوجتك؛ لأنها بالغة الحكمة، ذات قلبٍ مدرك، بينيلوبي العاقلة، ابنة إيكاريوس Icarius. لقد تركناها بحقٍّ عروسًا حديثة الزواج، عندما ذهبنا إلى الحرب، وكان على صدرها صبي، طفل، أعتقد أنه الآن قد بلغ مبالغ الرجال، وسعيد بأنه سيرى أباه عندما يجيء، وعندئذٍ يقوم بالتحية اللائقة بأبيه. أما زوجتي أنا فقد حَرمَت عيوني رؤية ابني، وقبل ذلك قتلَتْني أنا، زوجها. كذلك سأُخبركَ بأمرٍ آخر، عسى أن تحفظَه في قلبك. عليك أن تذهب بسفينتك سرًّا إلى ساحل وطنك العزيز، وليس علنًا؛ لأنه لم تعُد هناك ثقةٌ بعد الآن في النساء، ولكن خبِّرني عن هذا بالحقيقة واصدُقني القول، ألم تسمع مصادفةً عن ابني الذي ربما يكون لا يزال على قيد الحياة في أورخومينوس، أو في بولوس الرملية، أو حتى مع مينيلاوس في إسبرطة الفسيحة؟ لأن أوريستيس Orsetes العظيم لم يَهلِك بعدُ فوق الأرض.» هكذا تكلَّم، فأجبتُه بقولي: «يا ابن أتريوس، لِمَ تسألني عن هذا؟ لستُ أعرف، إطلاقًا، ما إذا كان حيًّا أو ميتًا. وإنه لقبيحٌ بي أن أتحدَّث إليكَ بعباراتٍ لا فائدة منها؛ إذ تكون باطلة كالريح.» أخيل يتحدث إلى أوديسيوس هكذا وقفنا كلانا، وتبادلنا الأحاديث المحزنة، مكتئبَين نذرف الدموع السواجم، وعندئذٍ أقبلَت روح أخيل Achilles ابن بيليوس، وأرواح باتروكلوس Patroclus، وأنتيلوخوس Antilochus المنقطع النظير، وأياس Aias، الذي كان يفوق سائر الدانيين جمالًا وشكلًا، بعد ابن بيليوس، الذي لا يدانيه أحد. كذلك تعرَّفتُ على روح أياكوس Aeacus السريع القدمَين، وتحدَّث إليَّ، باكيًا، بعباراتٍ مُجنحة، فقال: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أيا أوديسيوس، الكثير الحيل، أيها المتهور، أي عملٍ أعظمُ من هذا سوف تُدبِّره في قلبك؟ كيف بلغَتْ بك الجُرأة أن تهبط إلى هاديس حيث يسكن الموتى، غير عابئ بأشباح الناس الرثَّة؟»١٩ هكذا تكلَّم فأجبتُ قائلًا: «أي أخيل، ابن بيليوس، يا من تفوق في عُتوِّك سائر الآخيين، لقد جئتُ بسبب الحاجة إلى تايريسياس، عسى أن يُخبرني عن خطَّةٍ ما أستطيع بها الوصول إلى إيثاكا الوَعْرة؛ لأنني لم أقترب بعدُ من أرض أخايا، ولم تطأ قدمي، حتى الآن، أرضَ وطني، بل ما أزال أُقاسي الأهوال على الدوام، وإنه لم يكن هناك في سابق الأيام من هو أكثرُ بركةً منك، يا أخيل، ولن يأتي فيما بعدُ أبدًا؛ فعندما كنتَ حيًّا فيما مضى، بجَّلناك، نحن معشر الأرجوسيين، كالآلهة تمامًا، والآن وأنتَ هنا، تحكُم بشدة بين الموتى؛ وعلى ذلك لا تحزن بحالٍ ما، على موتك، يا أخيل.» قلتُ هذا، فأجابني في الحال بقوله: «كلا، يا أوديسيوس المجيد، لا تُحاول أن تُحبِّذ لي الموت، كنتُ أُفضِّل أن أعيش فوق الأرض، وأن أشتغل أجيرًا في خدمة رجلٍ آخر، مهما كان حقيرًا، ضئيلَ الرزق، على أن أكون الآن سيدًا على جميع الموتى الذين هلَكُوا، ولكن خبِّرني عن ابني ذلك الشاب المجيد، هل سار إلى الحرب ليكون قائدًا، أم لم ينخرط في الجيش؟ كذلك خبِّرني عن بيليوس النبيل، إذا كنتَ قد سمعتَ شيئًا، أما زال ذا مجدٍ وسط قوم المورميدون Myrmidons، أم انقطع تبجيل الناس له في سائر أنحاء هيلاس Hellas وفثيا Phthia، بسبب الشيخوخة التي شلَّت يدَيه وقدمَيه؟ لأنني لستُ هناك لأُقدِّم له المعونة، تحت أشعَّة الشمس، بمثل القوة التي كانت لي ذات يومٍ في طروادة الفسيحة، عندما قتلتُ خير ما في الجيش دفاعًا عن الأرجوسيين؛ فلو كان بإمكاني، أن أذهب فقط إلى بيت أبي ولو لمدة ساعة، وأنا بمثل تلك القوة، لأعطيتُ الكثيرين، ممن يؤذونه ويُبعِدونه عن مجده درسًا يجعلُهم يَرهَبون قُوَّتي، ويدَيَّ اللتَين لا تُقهران.» هكذا قال، فأجبتُه بقولي: «الحقيقة، أنني لم أسمع شيئًا عن بيليوس النبيل، أما فيما يتعلق بابنكَ العزيز، نيوبتوليموس Neoptolemus فسأُخبركَ عنه بكل صدقٍ كما طلبتَ مني. إنني أنا نفسي الذي أحضرتُه من سكورس Scyros، في سفينتي الجميلة الواسعة، لِيلحَق بجيش الآخيين المدرَّعين جيدًا. والحقيقة، أنه كلما طاب لنا أن نتشاور في أمر مدينة طروادة، كان هو دائمًا أول من يُبدي برأيه، ولم يخطئ في الرأي أو الحديث. إنه نسطور الشبيه بالإله، ولم يكن هناك من يبُذُّه غيري أنا وحدي. وعندما كنا نتقاتل بالبرونز الحادِّ فوق السهل الطروادي، لم يتخلف هو قط عن حشود أو ضغط الرجال، بل كان يُسرع دائمًا إلى المقدمة، وفي قوته لم يكن ليستسلم لأحد، وقد جندل كثيرًا من الرجال في قتالٍ مرير، ولستُ بحالٍ ما قادرًا على ذكر أو تسمية جميع أولئك الذين صَرعَهم في دفاعه عن الأرجوسيين، وكم كان شجاعًا ذلك المحارب، الأمير يوروبولوس Eurypylus بن تيليفوس Telephus، الذي قتله بسيفه! نعم كما جندل كثيرًا من رفاقه الكريتيين، من حوله بسبب هدايا اشتهَتها٢٠ امرأة. لقد كان بحقٍّ أجملَ رجلٍ وقعَت عليه عيناي، بعد ميمنون Memnon٢١ العظيم. وفي مرةٍ أخرى عندما كنا نحن، خيرة الأرجوسيين، على وشَك الدخول في الحصان الذي صنعه إيبيوس Epeus، وعهدوا إليَّ برئاسة كل شيء، أن أفتح وأغلق بابَ مكمننا المتين الصنع، وكان القادة والمستشارون الآخرون، يمسحون الدموع وقتئذٍ من عيونهم، وكان كل رجل يرتجف فرائصَ وأعضاء، ولكن لم تُبصِر عيناي وجهه يُمتقَع إطلاقًا، ولا أن رأته يمسح دمعةً من فوق خدَّيه، بل كان متلهفًا في حماس، وتوسَّل إليَّ أن أسمح له بالذهاب مع الحصان، وظل ممسكًا بقائم سيفه ورمحه المثقل بالبرونز؛ إذ كان تواقًا إلى إنزال الضر بالطرواديين. وبعد أن اقتحمنا مدينة بريام الشامخة، ركب ظهر سفينته ومعه نصيبه من الغنائم وجائزته العظيمة، سالمًا تمامًا، لم يُصِبه رمحٌ حاد، ولم يُجرح في قتالٍ متشابك، كما يحدث كثيرًا في الحرب؛ لأن أريس يثور محدثًا فوضى.» ما إن قلتُ هذا، حتى رحلَت روحُ ابن أياكوس عَبْر حقل البروق Asphodel، مغتبطًا بأن سمع مني أن ابنه كان مُبرزًا. الأرواح تسأل أوديسيوس عن أحبائها وأرواحٌ كثيرة أخرى، لمن ماتوا ومضَوا، وقفَت مكتئبة، تسألني كلٌّ منها عن أعزَّائها، ومن بينهم جميعًا، وقفَت روح أياس بن تيلامون Telamon،٢٢ بعيدًا، وهي لا تزال حانقة بسبب النصر الذي أحرزتُه عندما تفوقتُ عليه في المسابقة بالسفن على أسلحة أخيل، التي قدَّمَتها أمه المبجَّلة، كجائزة للفائز، وكان الحكام في ذلك أبناء الطرواديين، وبالاس أثينا، ليتني لم أنزل في المباراة بمثل تلك الجائزة؛ فقد أطبقَت الأرضُ على مثل ذلك الرأس النبيل، بسبب تلك الأسلحة، أطبقَت على رأس أياس، الذي بذَّ سائر غيره من الدانيين في الجمال وفي ضروب القتال، بعد ابن بيليوس المنقطع النظير، فتحدَّثتُ إليه بعباراتٍ ملطفة، قائلًا: «أي أياس بن تيلامون، المنقطع النظير. أما حان لك أن تنسى غضبكَ مني بسبب تلك الأسلحة اللعينة، حتى بعد وفاتك؟ الحقيقة، إن الآلهة قدَّمَتها لنجلب الأذى على الأرجوسيين. لقد فقدوا بفقدك، مثل هذا الحصن من القوة، وإنا نحن الآخيين، لا نكُف قط عن الحزن من أجلك، بعد موتك، كما كنا نحزن تمامًا على حياة أخيل بن بيليوس. ومع ذلك فليس الملوم في ذلك غير زوس، الذي حمَل الكراهية الفظيعة ضد جيش الرمَّاحين الدانيين، وعاجلك بمصيرك. وهلُم إليَّ هنا أيها الأمير، حتى تستطيع الإصغاء إلى حديثي، وتُخضع غَضبَك وروحك الشامخة.» هكذا قلتُ، بيد أنه لم يُجبني ببِنتِ شفَة، بل انصرف في طريقه إلى إيريبوس لينضم إلى بقية الأرواح الأخرى، أرواح مَن ماتوا ومضَوا. ويا ليته، رغم ذلك، قد تحدَّث إليَّ، مع كل غضبه، أو تحدَّثتُ أنا إليه! وكان قلبي الكائن في صدري تواقًا لرؤية أرواح أولئك الآخرين الذين ماتوا. أوديسيوس يرى أرواحًا تتعذب ورأيتُ هناك مينوس Minos المجيد، ابن زوس، ممسكًا بالصولجان الذهبي في يده، يحكُم بين الموتى وهو جالس في مقعده، بينما هم قيامٌ حول الملك وقعود، في بيت هاديس المتسع الباب يطلبون منه الحُكم. ومن بعده شاهدتُ أوريون الهائل، يسوق الوحوش الكاسرة، عَبْر حقل البروق، تلك الوحوش التي قتلها، هو نفسه، فوق التلال الموحشة، وهو يمسك في يديه هراوةً كلها من البرونز، غير قابلة للكسر. كذلك أبصرتُ تيتيوس Tityos٢٣ ابن جيا Gaea، المجيد، مستلقيًا على الأرض، ممددًا فوق تسع نتوءاتٍ صخرية، بينما يقبع نسران؛ واحد عن كل جانب، ينهشان كبده ويمُدَّان منقارَيْهما في أحشائه، وهو لا يملك من نفسه دفعًا لهما بيدَيه، وذلك بسبب استخدامه العنف مع ليتو، زوجة زوس المجيدة، بينما كانت ذاهبة صوب بوثو Pytho خلال بانوبيوس Panopeus، ذات المروج الخلابة. كما رأيتُ تانتالوس Tantalus،٢٤ يعاني أمَرَّ العذاب وأمَضَّه، واقفًا في مستنقع والمياه تبلُغ الزُّبى. وكان بالرغم من ذلك يشكو، ولا يستطيع أن يتناول من الماء القريب من فمه ويشرب؛ فكلما انحنَى ذلك الرجل العجوز، متلهفًا إلى إطفاء ظمئته، انحسر الماء واختفى، وظهرت الأرض السوداء عند قدمَيه؛ إذ كان أحدُ الآلهة يجعل كل شيءٍ جافًّا، كما كانت الأشجار الباسقة المونقة دانية القطوف فوق رأسه، أشجار الكمَّثرى والرمان والتفاح، بثمارها اليانعة اللامعة، وتينها الحلو، وزيتونها الغزير، ولكن ذلك الكهل المسن، كلما هم بالوصول إليها ليُمسِكها بيدَيه، هبَّت عليها الرياح ودفعَتْها إلى السحب الظليلة. ورأيتُ سيسوفوس Sisyphus،٢٥ في عذابٍ مرير، يُحاول أن يرفع صخرةً مائلة بكلتا يدَيه، ملقيًا بها فوق قمَّة تل، بيد أنه كلما أوشك أن يقذف بها فوق القمة، ردَّها الثقل إلى الوراء، ثم إلى أسفل من جديد، فتسقُط تلك الصخرة العاتية متدحرجة فوق السهل، فيُعاود المحاولة من جديد، ويقذف بها ثانية، والعرق يتصبَّب من أطرافه، والغبار يتصاعد من رأسه. أوديسيوس يرى هرقل ويُحادثه ومن بعده أبصرتُ هرقل العتيد — شبحه — إذ كان هو نفسه وسط الآلهة الخالدين يحظى بالتمتُّع بالوليمة، وكانت زوجته هيبي Hebe٢٦ الفاتنة العقبَين، ابنة زوس العظيم وهيرى Here٢٧ ذات النعال الذهبية. وكان يتصاعد من حوله ضجيج الموتى، أشبه بصخب الطيور التي تُحلِّق مذعورة في كل مكان، وهو أشبه بالليل الداجي، مثبتًا سهمه العاري فوق الوتر، وأخذ يتطلَّع حوالَيه بفظاعة، كما لو كان مُزمِعًا التسديد. وما كان أعظَم الحزام الذي تمنطَق به حول وسطه، دَرقَة من العسجد، نُقشَت عليها تصاويرُ عجيبة، دببة وخنازيرُ برية ضارية، وأسودٌ بَرَّاقة العيون، ومشاجرات ومعارك، وقتلٌ ونحرٌ للرجال! ليت الذي جادت قريحتُه بتصميم رسوم ذلك الحزام، لم يُصمِّمه قط، كما نرجو ألا يُصمِّم غيره مثله. أما هو فقد عَرفَني بدوره بمجرد أن أبصَرتْني عيناه، فتكلَّم إليَّ بعبارات حماسية٢٨ وهو يبكي فقال: «يا ابن لايرتيس، يا سليل زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، آه لك! أيها الرجل الشقي، أكذلك أنت منحوس الطالع سيئ الحظ، تعاني آلامًا كالتي كابدتُها أنا تحت أشعة الشمس؟ إنني ابن زوس بن كرونوس، وقاسيتُ محنًا يُخطئها الحصر؛ إذ كنتُ عبدًا لرجلٍ يفوقني سوءًا فرض عليَّ أعمالًا شاقة؛ فذات مرة أرسلَني من هنا لأُحضِر كلب هاديس؛ لأنه لم يستطع أن يُدبِّر لي عمرًا آخر أشد وعُورة من ذاك، فحمَلتُ الكلب، وقُدتُه بعيدًا عن بيت هاديس، وكان هيرميس هو قائدي وكذلك أثينا ذات العينَين النجلاوَين.» ما إن قال هذا، حتى انبرى عائدًا في طريقه إلى بيت هاديس. أما أنا فبقيتُ هناك ثابتًا في مكاني، أملًا في أن تجيء قوةٌ أخرى من الأبطال المحاربين الذين ماتوا في غابر الأزمنة. كما أنني استطعتُ أن أرى آخرين من رجالات الأزمان الماضية، الذين كنتُ أتوق إلى مشاهدتهم، ثيسيوس Theseus وبايريثوس Peirithous، وهما ابنا الآلهة المجيدين، وقبل ذلك كانت ملايينُ من قبائل الموتى قد أقبلَت متدفِّقة في صُراخٍ عجيب، فألمَّ بي الخوف الشاحب، خشية أن تُرسل إليَّ بيرسيفوني الجليلة، من داخل بيت هاديس، رأسَ الجورجون Gorgon،٢٩ ذلك الوحش المرهوب. أوديسيوس يبارح العالم السفلي بعد ذلك انطلقتُ في الحال إلى السفينة، وأمرتُ رجالي بأن يعتلوا ظهرها، هم أنفسُهم، ويُسرعوا بحل الحبال المتينة؛ ومِن ثَمَّ صَعِدوا إلى ظهر السفينة في سرعة، واستَوَوْا فوق المقاعد، فحمل الفيضان الضخم السفينة إلى مجرى أوقيانوس، أوَّل الأمر بواسطة تجذيفنا، ثم فيما بعدُ بواسطة ريحٍ معتدلة. ١ شعبٌ خرافي يقيم في أقصى الغرب إلى جوار أوقيانوس، في بلاد كلها ضباب وسحاب، لا تبصر الشمس في شروقها أو غروبها. ٢ يُمثِّل الظلمة وعلى الأخص ظُلمة باطن الأرض التي لا يمكن اختراقها؛ ولذلك يُستخدَم اسمه عادةً إشارةً إلى العالم السفلي نفسه. ٣ هذه العبارة الأخيرة لا وجود لها في النص اليوناني، أوردناها زيادةً في الإيضاح. ٤ أي: «حارة». ٥ هو ابن الحورية خاريكلو ووالد ابنةٍ واحدة تُدعى مانتو. كان تايريسياس طيبيًّا، ومن أشهر المنجِّمين والعرَّافين الذائعي الصيت. اكتسب قدرته على التنجيم بطريقةٍ غريبة، بينما كان يسير فوق جبل كيثايرون ضرب بعصاه ثعبانَين رآهما يختفيان، فتحوَّل هو في الحال إلى امرأة. وبعد مُضي سبعِ سنين قابَل هذه الحالة مرةً أخرى فتحوَّل إلى رجل. ويقول البعض إن هذه الأمور تمَّت بمساعدة أبولو. سأله زوس أن يفُضَّ نزاعًا نشأ بينه وبين هيرا عن أيهما أكثر تمتعًا بالحب الرجل أم المرأة، فقال تايريسياس إنها المرأة، فأيَّد بذلك رأي زوس، فاعتَبرتْ هيرا ذلك إهانةً لها وعاقَبتْه بأن سلبَتْه بصره، فسَرَّى عنه زوس بأن أعطاه موهبة التنجيم والحياة سبعةَ أجيال، كما وعده بأن يحتفظ في هاديس حتى بعد الموت بملَكَاته دونًا عن غيره. ٦ الترجمة الحرفية: ممزوج بملح. ٧ أي وسط الثراء والراحة. ٨ هي ديانا عند الرومان. كانت ابنة زوس وليتو وشقيقة توءم لأبولُّو، إله الشمس، كما كانت تحظى بمرتبةٍ رفيعة بين آلهة أوليمبوس، وتُعتبر عادةً ربة الصيد، وعذراء الصيادين المُتردِّدة على الغابات والتلال والسهول. ٩ زوجة بلوتو، رب الجحيم. ١٠ يترجمها البعض: «الذي كانت مَسَرَّته في العربات». ١١ الترجمة الحرفية: بين ساعدَي زوس. ١٢ ابنة الملك مينوس ملك كريت. أحبَّت ثيسيوس عندما حضر إلى كريت ومعه الفتيات والعذارى اللواتي أرسلَتْهن أثينا كضريبةٍ لمينوس. ١٣ إله الخمر أو بالأحرى إخصاب الطبيعة، كما هو ممثَّل في الكَرمة. ١٤ ابنة أوقيانوس وتيثوس، ووالدة أطلس. ١٥ الترجمة الحرفية: فعاد ألكينوس يجيب بقوله. ١٦ قد تخلَّصَت الأم منه غير أن بعض الرعاة عثر عليه، فلما عاد بعدئذٍ نشأ على أنه ابن أتريوس الذي تزوَّجَته أمه، حدث في أثناء غياب أجاممنون في طروادة أن عَشِق أيجيسثوس زوجته كلوتايمنيسترا، فلما رجع أجاممنون قتَلاه أثناء عودته؛ ومِن ثَمَّ حكم أيجيسثوس في موكيناي سبع سنين حتى قتلَه ابن أجاممنون. ١٧ أي سريعة. ١٨ أو: «وهي متشبثة بي». ١٩ أو ربما: «الذين فَرغوا من مشاقِّ الحياة». ٢٠ يشير هنا إلى الكَرمة الذهبية التي قدَّمها بريام الأستيوخي Astyoche، لزوجة تيليفوس، تلك الهدية التي جعلَتها تُرسل ابنها يوريبيلوس لمساعدة الطرواديين. ٢١ ملك إيثيوبيا. وقد اغتصب العرش منه أخوه، ولكن هرقل أعاده إليه. وقد ذهب بعد موت هكتور لمساعدة بريام. ٢٢ ملك جزيرة سلاميس. ٢٣ ابن جيا (الأرض). كان يُعتبر أحيانًا ابن زوس وإيلارا Elara. تقول الرواية إن زوس خشي حقد هيرا، فخبَّأ إيلارا تحت الأرض فماتت قبل أن تلد تيتيوس، ولكن جيا ولدَته بعد ذلك. كان تيتيوس عملاقًا ضخمًا لاقى حتفه؛ إما عند محاولته سلبَ عِرض ليتو بالقوة مدفوعًا من هيرا؛ لأن ليتو كانت إحدى عشيقات زوس. وإما بسبب محاولته هذا الأمر مع أرتيميس. قتله زوس أو ربما أبولُّو. وصار يُضربُ به المثل في الأدب لكل من يستحق العقاب اللائق. ٢٤ كان تانتالوس ملكًا في ليديا ذا قوةٍ عظيمة وثروةٍ هائلة وصاحب حظٍّ كبير؛ لأنه كان يُدعى إلى مآدب ومجالس الآلهة. أثبتَت الأيام أن نعمه كانت أكثر من اللازم وأنها أدَّت إلى سقوطه. ٢٥ يُرمز إليه في بعض القَصص على أنه الوالد الشرعي لأوديسيوس، وكان ملك كورنثة وابنه أمكر البشر. ٢٦ هي ربة الشباب وابنة زوس وهيرا. كانت تعمل خادمة عند آلهة أوليمبوس، تُعِد عربة هيرا، وتُضمِّد جراح أريس، وتملأ أكواب الآلهة بالنكتار قبل أن يصبح جاتوميديس حامل الأكواب. ٢٧ هي هيرا، زوجة زوس، كبير الآلهة. ٢٨ النص اليوناني يقول: «مجنحة». ٢٩ هي ميدوسا أبشع الجورجونات الثلاثة منظرًا، مَن ينظر إليها يتحوَّل في الحال إلى حجر. الأوديسة
الأنشودة الثانية عشرة ثم ربطوني في السفينة، يدًا وقدمًا عند أسفل السارية. أوديسيوس يدفن جثة إلبينور بعد أن خرجَت سفينتنا من مجرى نهر أوقيانوس، ووصلَت إلى أمواج البحر الشاسع، والجزيرة الأيابية، حيث يسكن الفجر الباكر ومُروجه الراقصة، وإشراقات الشمس، فلما بلغناها أرسينا سفينتَنا فوق الرمال، ونزلنا نحن أنفسنا إلى شاطئ البحر، حيث استغرقنا في النوم، وانتظرنا مطلع الفجر اللامع. ما إن لاح الفجر، الوردي الأنامل، حتى أرسلتُ رفاقي إلى بيت كيركي، ليُحضِروا جثة إلبينور الميت، وفي الحال احتطبنا قِطعًا من الخشب، ودفنَّاه في أقصى نقطة للرأس داخل البحر، وقد استولى علينا الحزن، وذرفنا دموعًا غزارًا. وبعد أن أحرقنا جثة الميت، وكذلك حُلَّته الحربية، صنعنا رابيةً وأقمنا فوقها عمودًا، وغَرسْنا مجذافه الجميل على قمة الرابية. شُغلنا بهذه المهام العديدة، ولم تكن كيركي غير عالمة بعودتنا من بيت هاديس، فأعدَّت نفسها في الحال، وجاءت إلينا، ومعها وصيفاتها يحملن كمياتٍ كافية من الخبز واللحم، وخمرًا صهباء بلون اللهب، ووقفَت الربة الفاتنة وسطنا، وتحدَّثَت إلينا قائلة: «أيها الرجال المتهورون، الذين هبطتم أحياءً إلى بيت هاديس لمقابلة الموت مرتَين، بينما لا يموت غيركم من الرجال إلا مرةً واحدة، هيا كلوا طعامًا واشربوا خمرًا هنا طوال هذا اليوم كله، حتى إذا ما أقبل الفجر، أبحرتم، بعد أن أُحدِّد لكم الطرق، وأُخبركم بكل شيء، حتى لا تُعانوا ألمًا ولا محنًا من جرَّاء سوء التدبير المؤسف، سواء أكان في البحر أو على اليابسة.» أوديسيوس يروي قصته لكيركي هكذا تكلَّمت الربة، ووافقَت قلوبنا المزهوة؛ ومِن ثَمَّ ظللنا اليوم بطوله حتى غروب الشمس، جالسين نُولم على لحمٍ وفير وخمرٍ حلوة. وما إن غَربَت الشمس وخيَّم الظلام، رقَد الرجال ليستريحوا بجانب حبال السفينة المكينة، أما كيركي فقد أخذَتني من يدي، وقادَتْني بعيدًا عن رفاقي الأعزاء، وجعلَتْني أجلس، ورقدَت هي نفسها بقربي، وطلبَت مني أن أُخبرها بالقصة كاملة، فرويتُ لها كل شيء في ترتيبه اللائق، بعد ذلك حدَّثَتني كيركي الجليلة، قائلة: المخاطر التي ستواجه أوديسيوس «هكذا انتهى كل شيء، والآن، أصغِ إلى ما سأُخبرك به، وسيجعلُك إلهٌ تستوعبه في فكرك، ستذهب أولًا إلى السيرينيس Sirenes،١ اللائي يخدعن كل من يذهب إليهن من الرجال؛ فكل رجلٍ أعماه الجهل، واقترب منهن وسمع صوت أولئك السيرينيس، فلن يعود قَط، لتقف زوجته وأطفاله الصغار إلى جانبه والغبطة تملؤهم؛ لأن السيرينيس يخدَعْنه بأناشيدهن العذبة النغمات، وهن جالسات في المرج، يحيط بهن كومٌ كبير من عظام الرجال البالية، التي يرتجف الجلد من حولها. أما أنت فيجب أن تجد في التجذيف مارًّا بهن، وتسُد آذان زملائك بالشمع الحلو، التي تكون قد أعدَدتَه أنت بنفسك، خشية أن يسمع أحد هؤلاء الرجال صوتهن. أما إذا رغبتَ أنت نفسك في أن تسمع أغنياتهن، فدع رفاقك يربطوك إلى سارية السفينة السريعة، يدًا وقدمًا، ودَعْهم يربطوا قيودَ الأطراف في الشراع نفسه، حتى يمكنك أن تُصغي بسرورٍ إلى صوت السيرينيتَين كلتَيهما، ومُر رجالك، بأنه إذا توسَّلتَ إليهم عندئذٍ أو أمرتَهم بأن يحلُّوا قيودك، أن يزيدوا قيودك إحكامًا. ومتى جذَّف رفقاؤك واجتازوهما، فلن أقول لك في صراحة، على أي جانبٍ يقع طريقك بعد ذلك، بلى يجب عليك أن تُفكِّر في عقلك أنت نفسك، وسأُخبرك بالطريقَين؛ فهناك على أحد الجانبَين شقوقٌ ناتئة، تَهدر عليها أمواجٌ عاتية لأمفيتريتي Amphitrite ذات العينَين السوداوَين، وهذه يُطلق عليها الآلهة المباركون اسم البلانكتاي Planctae.٢ من هناك لا يمكن لأي شيء، ولا حتى الكائنات المُجنحة أن تمُر، كلا ولا اليمام المرهوب الذي يحمل الأمبروسيا إلى الأب زوس، فإن الصخرة الملساء تخطف دائمًا واحدة، حتى من هذه، فيرسل الأب واحدةً أخرى ليُتمِّم العدد. من هناك، لم يسبق أن نجت سفينةٌ لأي من البشر، تكون قد ذهبَت إلى هناك، بل تدور ألواح السفن وجثث الرجال، بغير نظام، بواسطة أمواج البحر ولفحات النار المؤذية. لم تمر من هناك سوى سفينةٍ واحدة كانت مسافرة، تلك هي الأرجو Argo،٣ أشهر السفن قاطبة، وكانت في رحلتها من أييتيس Aeetes، وحتى هذه كادت اللجَّة أن تقذفها بسرعة على الصخرة الهائلة، لولا أن هيرا٤ أبعدَتْها لكي تمرق؛ إذ كان جاسون Jason٥ عزيزًا عليها. أما الطريق الآخر فعلى جانبَيه طَودان شاهقان، يصل أحدهما بقمَّته المدبَّبة إلى السماء الفسيحة، وتُحيط به غمامةٌ دكناء، هذه السحابة لا تنقشع قَط، ولا يمكن للسماء الصافية أن تُحيط أبدًا بتلك الغمامة صيفًا أو في موسم الحصاد. لم يسبق لأي إنسانٍ أن يعبُرها أو يطأ القمة برجله، حتى ولو كان له عشرون يدًا وقدمًا؛ لأن الصخرة ملساء، كما لو كانت قد صُقلَت، وفي وسط الطَّود كهفٌ مظلم ينتحي ناحية الغرب، في اتجاه إيريبوس. هناك سوف تُبحِر بسفينتك الواسعة، أيها المجيد أوديسيوس وليس في مكنة أي رجلٍ بالغ القوة أن يُسدِّد سهمًا من السفينة الواسعة، فيُصيب ذلك الكهف المُقبِّي. هناك تقطُن سكولا Scylla، التي تصيح صياحًا مفزعًا حقًّا، إن صوتها ليشبه صوت الجرو الحديث المولد، أما هي نفسها، فوحشٌ شِرير، لا يَسُر منظرها العين، حتى ولو كان المتطلَّع إليها إلهًا؛ فهي ذات اثنتَي عشرة قدمًا، مُشوَّهة الشكل كلها، وستة أعناق، بالغة الطول، وعلى كل عُنقٍ رأسٌ مهول، بداخله ثلاثة صفوفٍ من الأسنان الغليظة المتراصَّة، السوداء. تظل سكولا هذه مختفيةً حتى منتصفها داخل الكهف الفسيح، وتُطِل برأسها فيما وراء الأخدود المروِّع، حيث تصطاد باحثةً في شوق، حول الصخرة، عن الدلافنة وكلاب البحر أو أي حيوانٍ آخر أكبر منها تستطيع أن تقبض عليه أمثال المخلوقات التي تُربِّيها أمفيتريتي العميقة الحزن في أعدادٍ غفيرة لا يمكن أن تُحصى. ولا يستطيع أيُّ بحَّارٍ أن يتباهى بأنه مَرَّ من جانبها سالمًا بسفينته؛ لأنها تمُد رءوسها وتخطَف بكل رأسٍ رجلًا، تقبض عليه به من السفينة السوداء الحيزوم. وأما إذا رغبتَ في أن تسمع أغنياتهم، فدَع رفاقكَ يربطونكَ إلى سارية السفينة. أما الطود الآخر، يا أوديسيوس، فسوف تَتبيَّن أنه أكثر انخفاضًا من الأول — إنهما متقاربان، الواحد من الآخر، بدرجة أنك تستطيع أن ترمي عَبْرهما سهمًا — وبأعلاه شجرةُ تينٍ باسقة، كثيفة الأوراق، بيد أن تحت هذه، خاروبديس٦ المقدسة Charybdis، تمتص الماء الأسود. ثلاثَ مراتٍ تقذفه من جوفها، وثلاث مرات تبتلعه في بطنها. وإنه ليُسعِدك الحظ إذا لم تكن هناك وهي تبتلعه؛ لأنه عندئذٍ لن يكون في مُكنة أحدٍ أن يُنقِذك من الدمار، كلا، ولا حتى مزلزل الأرض. اقترِب قَدْر طاقتك من طَود سكولا،٧ مسرعًا أمامها بسفينتك؛ لأنه من الأفضل بكثير أن تبكي ستةً من الرفاق بسفينتك، من أن تبكيهم جميعًا في وقتٍ واحد.» نصائح كيركي لأوديسيوس هكذا قالت الربة، فأجبتُها بقولي: «تعالي، بربك، أيتها الربة، واصدُقيني الخبر عن حقيقة كل شيء، وهل سأنجو، بأية حالٍ من الأحوال، من قبضة خاروبديس، وأُفلِت من تلك الأخرى، عندما تُنزل الأذى برفاقي.» قلتُ هذا، فأجابتني الربة الحسناء بقولها: «عجبًا لك! أيها المتهور، ها هو ذا قلبك ينتحي من جديدٍ ناحية أعمال الحرب والنصب. ألا يمكنك أن تستسلم أبدًا للآلهة الخالدين. إنها ليست البشر، بل أذًى خالد، مرعبة، وفظيعة، وعنيفة، وليس بالإمكان مقاتلتها؛ فما هناك سبيل للدفاع. إن أشجع عملٍ يقوم به المرء هو الفرار منها؛ لأنكَ إذا توانيتَ في تسليح نفسك بجانب الطَّود، أخشى أنها قد تُعيد الكَرَّة، وتُهاجمك بأكبر عددٍ من الرءوس، وتقبض على أكبر عددٍ مستطاع من الرجال، كما فعلَت من قبلُ. جَذِّف قبالتَها بكل ما لديكَ من قوة عنف، ونادِ على كراتايس Crataiis، أم سكولا، التي أنجبَتْها لتكون مجلبةً للشقاء على البشر؛ فعندئذٍ تمنعها أمُّها من معاودة الانطلاق نحوكم من جديد. تحذير أوديسيوس من أغنام هيليوس ولسوف تذهب إلى جزيرة ثريناكيا Thrinacia؛ حيث ترعى أبقار هيليوس وقطعانه العظيمة، في أعدادٍ غفيرة، سبعة قطعانٍ من الأبقار، وأكبر عددٍ ممكن من قطعان الخراف الجميلة، يضم كل قطيع خمسين رأسًا. هذه لا تُنجب أي صغار، ولا تموت أبدًا، وتقوم الربات أنفسهن برعيها، أولئك الحوريات الحسناوات الغدائر، فايثوسا Phaethusa ولامبيتي Lampetie، التي أنجبَتْها نيايرا Neaera الفاتنة، لهيليوس هوبيريون، فلمَّا أنجبَت هذَين أمُّهما المبجَّلة وربَّتْهما، أرسلَتْهما إلى جزيرة ثريناكيا ليعيشا هناك بعيدًا، ويرعيا قطعان أبيهما وأبقاره الملساء، فإذا تركتَ هذَين، ولم تمسَّهُما بالأذى، موليًا اهتمامك بطريقك إلى الوطن، فإنك ولا شك بالغ إيثاكا، رغم أنك تصلها في محنةٍ شريرة. أما إذا امتدَّت أيديكم إليهما بالأذى، فإني أتنبَّأ بالدمار لسفينتك ولرفاقك، وحتى إذا ما نجوتَ أنتَ نفسك، فإنك سوف تصل إلى الوطن فيما بعدُ، في حالةٍ مزرية، بعد أن تفقد جميع زملائك.» أوديسيوس يبحر عند الفجر هكذا قالت الربة، وفي الحال أقبل الفجر ذو العرش العسجدي، فانصَرفَت الربة الحسناء من الجزيرة. أما أنا فذهبتُ إلى السفينة وأيقظتُ رفاقي أنفسهم كي يركبوا السفينة ويفُكُّوا الحبال المتينة. وهكذا صَعِدوا إلى ظهر السفينة فورًا، واستَووْا فوق المقاعد، وبعد أن انتظموا في أماكنهم، شرعوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. ولمعاونتنا في أن تمخُر سفينتُنا الدكناء الحيزوم عُباب اليم، أُرسلَت ريحٌ معتدلة ملأَت الشراع، فكانت رفيقًا كريمًا، بواسطة كيركي الفاتنة الجدائل، تلك الربة المرهوبة التي تنطق بكلام البشر. وبعد أن ثبَّتْنا بسرعة جميع حبال السفينة في شتى أنحائها، جلسنا، وقد أخذَت الريح ورجال المرساة يقودون السفينة. أوديسيوس يصارح رجاله بالمخاطر المقبلة بعدئذٍ تحدَّثتُ إلى رفقائي، وأنا حزين القلب، فقلتُ: «أيها الرفاق، بما أنه لا يجوز أن يعرف أحدنا أو اثنان منا فقط النبوءات التي أخبرَتْني بها كيركي، الربة الجميلة، فإنني سأُفضي إليكم بها، حتى إذا ما وعَيْتموها، كان لنا إما أن نموت، أو بتحاشينا الموت والقدَر، ننجو؛ فأولًا أمَرتْني أن أتجنَّب صوت السيرينيس العجيبات، ومَرحَهن الزاهر. وقد أَمرتْني أنا وحدي أن أُصغي إلى صوتهن، على شرط أن تُقيِّدوني بقيودٍ ثقيلة، حتى أظلَّ مُثبتًا حيث أنا، إلى أسفل السارية، واربطوا أطراف الحبال بإحكام في الصاري نفسه، ولو توسَّلتُ إليكم وطلبتُ منكم أن تفُكُّوا قيودي، فما عليكم إلا أن تربطوني عندئذٍ بإحكام، بمزيد من القيود أيضًا.» أوديسيوس يصل إلى جزيرة السيرينيس هكذا أعدتُ كل تلك الأمور على مسامع زملائي وأخبرتُهم بها. وفي الوقت عينه، كانت السفينة المكينة البناء، قد وصلَت بسرعة إلى جزيرة السيرينيتَين الاثنتَين؛ إذ ساقَتْها إلى الأمام في طريقها ريحٌ معتدلة رقيقة. بعد ذلك كفَّت الريح في الحال وخيَّم سكونٌ لا ريح فيه، وأنامَ أحدُ الآلهة الأمواج، فنهض رفاقي ونشَروا الشراع، وبسَطوه في السفينة الواسعة، ثم اتخذوا أماكنهم عند المجاذيف وأثاروا الزبَد على وجه الماء بمجاذيفهم المصقولة، المصنوعة من خشب الشربين. أما أنا نفسي، فنهضتُ وأمسكتُ سيفي الحاد، وقطعتُ به قُرصًا من الشمع إلى قِطعٍ صغيرة، وعَجنتُ القطع بيدَيَّ القويتَين، فلان الشمع في الحال من الحرارة والضغط الشديد وأشعَّة السيد هيليوس هوبيريون. وبعد ذلك سدَدتُ آذان رفقائي بهذا الشمع، كل واحدٍ بدوره، ثم ربطوني في السفينة يدًا وقدمًا، منتصبًا عند أسفل السارية، وربطوا أطراف الحبال في الصاري نفسه، ثم جلسوا، بعد ذلك، هم أنفسهم، يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. ولمَّا صِرنا على مدى سماع صياح المرء إذ يصيح، نشُق طريقنا بسرعة وسط الماء، لم يفُت السيرينيتَين رؤية السفينة السريعة وهي تقترب، فأخذَتا تغنيان أغنيتَهما الواضحة النغمات، قائلتَين: «تعالَ إلى هنا، وأنت تُبحر، يا أوديسيوس الذائع الصيت، يا مجد الآخيين العظيم. أوقف سفينتك كي تُصغي إلى صوتنا، نحن الاثنتَين؛ لأنه لم يسبق لأي رجلٍ قَط، أن جذَّف مارًّا بهذه الجزيرة في سفينته السوداء، إلا إذا سمع الصوت الرخيم من شفاهنا. إنه ليجد فيه لذة، ويمضي في طريقه وقد اكتسَب حكمة؛ لأننا نعرف جميع المشاقِّ التي حدثَت في طروادة الفسيحة، والتي قاساها الأرجوسيون والطرواديون بإرادة الآلهة، كما أننا سنعرف كل الأمور التي سوف تحدُث فوق الأرض المثمرة.» هكذا أنشدَتا، مُرسِلتَين صوتَيهما الرخيمَين، وتاق قلبي إلى الإصغاء، فأمرتُ زملائي بأن يفُكُّوا قيودي، مشيرًا إليهم بحاجبي، ولكنهم انهمَكوا في مجاذيفهم وراحوا يُجذِّفون بجِد. وفي الحال نهض بيريميدس Perimedes ويورولوخوس Eurylochus، وقيَّداني بمزيدٍ من القيود، وأحكما ربطها. وبعد أن جَدَّ الرجال في التجذيف، واجتزنا جزيرة السيرينيس، ولم يكن في مقدورنا بعد ذلك أن نسمع صوتَيهما أو غناءهما، قام زملائي الأوفياء، وفي الحال أزالوا الشمع الذي كنتُ قد سدَدتُ به آذانهم، وفكُّوا قيودي. سكولا تهاجم أوديسيوس ورجاله وبعد أن تركنا الجزيرة، أبصرتُ في الحال دخانًا وموجةً هائلة، وسمعتُ صخبًا؛ عندئذٍ فزع الرجال، وسقطَت المجاذيف من أيديهم، وهم يرتجفون ذعرًا، وأحدثَت رشاشًا في الدوامة، وتوقفَت السفينة وثبتَت في مكانها، عندما كفُّوا وقتئذ عن استخدام المجاذيف الرقيقة بأيديهم، ولكني جُستُ خلال سائر أنحاء السفينة وأخذتُ أُشجِّع رجالي بعباراتٍ رقيقة، متجهًا إلى كل رجلٍ بدوره، فأقول له: «أيها الأصدقاء، إليَّ هنا، لسنا بحالٍ ما جاهلين بالحزن؛ فإن هذا الشر الذي سنُواجهه الآن ليس بأعظم من الشر الذي واجهناه عندما حبسنا الكوكلوب في كهفه الفسيح بقوةٍ وحشية، ومع ذلك فقد نجونا ولا نزال ننجو بواسطة شجاعتي ومشورتي وسَعة حيلتي، كذلك هذا الخطر المُحدِق بنا سيَمُر أيضًا، وسوف نتذكَّره ذات يوم. والآن هيا بنا نفعل كما آمر، هلُم بنا جميعًا نُصلي. بعد ذلك يجب أن تلزموا أماكنكم فوق المقاعد، وتضربوا أمواج البحر الهائلة بمجاذيفكم آملين أن يتحنَّن علينا زوس، فيمنحنا النجاة وتحاشي هذه الميتة، وأنت يا ماسكَ الدفَّة إليك هذا الأمر، افهمه جيدًا وضَعْه في قلبك؛ حيث إنك قابضٌ على زمام دفَّة السفينة الواسعة. ضع نُصب عينَيك أن تبتعد بالسفينة تمامًا عن هذا الدخان والرشَاش الكثيف، والزم جانب الصخرة، لئلا تنجرف السفينة قبل أن تعرفها، وتُسحَب إلى الجانب الآخر، فترمي بنا إلى التهلُكة.» هكذا تكلَّمتُ، وسرعان ما أصغَوا إلى كلماتي. أما عن سكولا، فلم أُحدِّثهم شيئًا، ذلك الخطر الداهم الذي لا علاج له، خشيةَ أن يستبد الذعر برفاقي، فيكُفوا عن التجذيف وينكمشوا في قاع السفينة. الحقيقة أنني عندئذٍ نسيت أمر كيركي الصارم؛ إذ أَمرتْني ألا أُسلِّح نفسي بأية حال، ولكني بعد أن ارتديتُ حُلَّتي الحربية المجيدة، وأمسكتُ في يدَيَّ رمحَين طويلَين ذهبتُ إلى جؤجؤ السفينة حيث اعتقدتُ أن بالإمكان رؤية سكولا أولًا من الصخرة، تلك التي لا بُد أن تَجلب الخراب لزملائي. بيد أنني لم أتمكن بحالٍ ما، من اكتشافها في أي مكان، وقد تَعِبَت عيناي من إمعان النظر في كل مكان، وأنا أُحملِق صوب الصخرة المظلمة. بعد ذلك شقَقْنا طريقنا عبر المضيق الضيق، وقد انفَطَرت قلوبنا نحيبًا؛ إذ كانت سكولا قابعة على أحد الجانبَين، وعلى الآخر خاروبديس المقدَّسة، غاطسةً بشكلٍ فظيع تحت ماء البحر المِلْح. والحق أنها كلما قذفَت بالماء أشبه بقِدْر تغلي فوق نارٍ هائلة، فتعلو الفقاقيع في اضطرابٍ شامل، وفوق الرءوس كان يسقط الرشاش على قمتَي الصخرتَين. وكلما غطَسَت تحت ماء البحر الملح، كان بالإمكان رؤيتها في الداخل كلها، وهي تُحدث اضطرابًا شاملًا، والصخرة تُدوِّي من حولها في فظاعةٍ بالغة، بينما كانت الأرض تظهر تحتها سوداء بالرمال، فامتُقعَت وجوه رجالي خوفًا وهلعًا، فتطلَّعنا إليها وخفْنا الهلاك، عند ذلك تمامًا، التقطَت سكولا، من داخل السفينة ستة من رجالي، وكانوا أعظمهم قوة وبأسًا. وعندما اتجهَت عيناي إلى السفينة السريعة وإلى جماعة رجالي، أبصرتُ في الهواء أقدامهم وأيديهم، وقد رُفِعوا إلى فوق، وكانوا يصيحون بأعلى صوتهم، ينادونَني باسمي لآخر مرة والعذاب في قلوبهم. وأشبه بصائدِ السمك الجالس فوق صخرةٍ بارزة، عندما يُلقي طُعمه ليصيد الأسماء الصغيرة، فيُلقي في البحر قرن ثورٍ صلبًا أجوف، يتدلى من قصبته الطويلة. وبعد ذلك عندما يُمسك بسمكة يَجذبها فتتلوَّى فوق الشاطئ، هكذا أيضًا سُحِب الرجال وهم يتلوَّون عاليًا صوب الصخرتَين. بعد ذلك ابتلَعتْهم وهم يصرخون ويشيرون إليَّ بأيديهم في صراعهم المرير مع الموت. كانت عيناي تُشاهدان ذلك الأمر، الذي تحمَّلتُه بمشقةٍ أعظم من أي شيءٍ آخر كابدتُه أثناء رحيلي خلال طُرق البِحَار. وصول أوديسيوس إلى جزيرة الأغنام المحرمة والآن وقد نَجونا من الصخرتَين، وكذا من خاروبديس المفزعة ومن سكولا، بلغنا في الحال جزيرة الرب الجميلة، حيث ترعى الأبقار الرائعة، ذات الجباه العريضة، وقطعان هيليوس هوبيريون العظيمة العديدة. وبينما نحن لا نزال في البحر، في سفينتي السوداء سمعتُ خُوار الماشية التي كانت داخل الحظائر، وثُغاء الأغنام، فاستعدتُ في مُخيِّلتي أقوال العَرَّاف الأعمى، تايريسياس الطيبي، وكيركي الإيايية؛ إذ أمراني صراحةً بأن أتحاشى جزيرة هيليوس، جالب الغبطة للبشر. الحقيقة أنني عندئذٍ نهضتُ وسط رجالي، وخاطبتُهم والحزن يحزُّ في قلبي، فقلتُ: «أيها الرفاق أصغوا إلى ما سأقوله لكم، رغم كل محنتكم الشريرة، حتى أُخبركم بنبوءات تايريسياس وكيركي الإيايية، اللذَين أمراني في صراحةٍ أن أتجنَّب جزيرة هيليوس، مانح الغبطة للبشر، قائلين إن هناك يكمُن أعظمُ الأضرار هولًا لنا. كلا، لا تذهبوا إليها، بل جذِّفوا وأبحروا بالسفينة السوداء، مجتازين هذه الجزيرة.» هكذا قلتُ لهم، ولكن أرواحهم تذمَّرتْ في داخلهم، فنهض في الحال يورولوخوس، وخاطبني بعباراتٍ بغيضة قائلًا: «ما أشَدَّ قسوتَكَ يا أوديسيوس! إنك لذو قوةٍ تفوق سائر غيرك من الرجال، وأطرافك لا تعرف التعب قَط. حقًّا، إنك مصنوعٌ كلك من الحديد، حيث إنك لا تسمح لرفاقك الذين أنهكهم الإعياء والإغماء، بأن تطأ أقدامهم الشاطئ، حيث يمكننا مرة ثانيةً أن نُعِد عَشاءً شهيًّا فوق أرض هذه الجزيرة التي يُحيط بها البحر، بل تأمرنا بأن نُواصل السير دون انقطاع هذه الجزيرة التي يحيط بها البحر، بل تأمرنا بأن نُواصل السير دون انقطاعٍ وسط البحر، في بهيم الليل، وأن نبتعد عن الجزيرة إلى الخِضَم الداجي. إنه لمن الليل تُولَد الرياح الهوج العاتية محطِّمة السفن. كيف يستطيع المرء أن يهرب من الهلاك الشامل، لو حدث أن هبَّت الريح الجنوبية، فجأة، أو الريح الغربية الصاخبة، التي طالما حطَّمَت السفن بالرغم من الآلهة الحاكمة؟ كلا، الحق أنه يجب عليك أن تدَعَنا هذه المرة نستسلم للَّيل البهيم، ونُعِد عَشاءنا، جالسين بالقرب من السفينة السريعة، حتى إذا ما أصبح الصباح ركبنا ظهر السفينة، وأبحرنا وسط اليم الفسيح.» هكذا قال يورولوخوس، وأيَّده بقية الرفاق؛ عندئذٍ أيقنتُ أن أحد الآلهة لا بُد يَحيك ضدنا شرًّا، فخاطبتُه بعباراتٍ مجنحة، قائلًا: «الحق أنك تُضيِّق عليَّ يا يورولوخوس، عليَّ أنا الذي أقف بمفردي. هلُموا الآن جميعًا، وأَقسِموا لي قسمًا لا حِنث فيه، أنه إذا تصادف ووجدنا قطيعًا من الأبقار أو قطيعًا كبيرًا من الأغنام، ألا يَذبحَ أحدٌ بقرةً أو خروفًا في حماقة عقله الأعمى، بل يكتفي بتناول الطعام الذي أعطتنا إياه كيركي الخالدة.» رفاق أوديسيوس يُقْسِمون بعدم ذبح الأبقار ما إن قلتُ هذا، حتى أقسموا بأنهم لن يمَسُّوا شيئًا تمامًا كما أمرتُهم. وبعد أن أقسموا، وانتهَوا من اليمين، أرسَينا سفينتنا المتينة البناء في الميناء الفسيح بالقرب من عين ماءٍ عذبة، وخرج رفاقنا من السفينة، وأعدُّوا عَشاءهم بمهارة. وبعد أن تناولوا كفايتهم من الطعام والشراب انخرطوا في البكاء، عندما تذكَّروا رفقاءهم الذين خطفَتْهم سكولا من داخل السفينة الواسعة وابتلعَتْهم، فحَطَّ عليهم النوم اللذيذ وهم يبكُون. بيد أنه عندما أقبلَت حراسة الليل الثالثة، وحوَّلَت النجوم مجراها، أثار زوس جامع السحب ضدنا ريحًا عاتية في عاصفةٍ عجيبة، وأخفى البَر والبحر معًا وراء السحب، فهجَم الليل من السماء. وما كاد يظهر الفجر الباكر ذو الأنامل الوردية، حتى سحَبنا سفينتنا، وربطناها في كهفٍ فسيح، حيث كانت الأرضيات الجميلة الراقصة، ومقاعد الحوريات؛ عندئذٍ ناديتُ رجالي وتحدَّثتُ وسطهم قائلًا: «أصدقائي، إن في سفينتنا السريعة لحمًا وشرابًا؛ ولذا يجب أن نُمسك أيديَنَا عن تلك الأبقار لئلا يُصيبنا الضر. إنها أبقارٌ جسيمة وخرافٌ عظيمة يملكها إلهٌ فظيع، هو هيليوس، الذي يرى كل شيء، ويَسترِق السمع إلى كل شيء.» هكذا قلتُ لهم، فوافقَت قلوبهم الشمَّاء، وظلَّت الريح الجنوبية تهُب بلا انقطاع، ولم تهُب أية ريحٍ أخرى سوى الريح الشرقية والريح الجنوبية. وطالما كان لدى رجالي غلالٌ وخمرٌ صهباء، فإنهم ظلوا ممسكين أيديهم عن الأبقار؛ إذ كانوا راغبين في النجاة بحياتهم. بيد أنه عندما كان مدَّخرًا في السفينة، واضطُروا إلى أن يجوسوا هنا وهناك بحثًا عن الفرائس، والأسماك والطيور، وكل ما يمكن أن يقع في أيديهم — وكان يصيدون بالصنانير المعقوفة؛ لأن الجوع كان قد برَّح ببطونهم — عندئذٍ سِرتُ وحدي خلال الجزيرة كي أتوسَّل إلى الآلهة عسى أن يُرشِدني أحدُهم إلى سبيلٍ أسلُكه. وبينما أنا سائر خلال الجزيرة، مبتعدًا عن رفاقي غسلتُ يدي في مكانٍ بمأوى من الرياح، وشَرعتُ أُصلي إلى جميع الآلهة الذين يحتلُّون أوليمبوس، بيد أنهم سكَبوا النوم اللذيذ على جَفْني، وفي الوقت نفسه بدأ يورولوخوس يبُثُّ في رفاقي مشورته الشريرة، فقال لهم: رفاقُ أوديسيوس يَحنثون بوَعدِهم «أصغوا إلى حديثي أيها الزملاء، رغم كل محنتكم القاسية. يمقت البشر المساكين جميع صور الموت، غير أن الموت جوعًا، حيث يلقى المرء حتفَه جائعًا، أكثرها ألمًا. هيا بنا نسوق بعيدًا خير أبقار هيليوس ونُقدِّم ذبيحةً للخالدين الذين يحتلُّون السماء الفسيحة. وإذا قُدِّر لنا أن نبلغ وطننا، إيثاكا، شيَّدنا في الحال معبدًا فاخرًا لهيليوس هوبيريون، ووضَعْنا فيه كثيرًا من التقدمات الهائلة. ولو حدَث أن هيليوس غضب بأيةِ صورةٍ بسبب أبقاره ذات القرون المستقيمة، وصمَّم على أن يُحطِّم سفينتنا، ووافق الآلهةُ الآخرون على ذلك، فإني أُوثِر أن أفقد حياتي دفعةً واحدة بالوثب في لجَّة البحر، على أن أَذْوي ببطء في جزيرةٍ موحشة.» هكذا قال يورولوخوس، فوافَقه على رأيه بقية الرفاق. وفي الحال ساقوا بعيدًا خير أبقار هيليوس التي كانت قريبةً وفي متناول أيديهم؛ لأن تلك الأبقار الجميلة الملساء، ذات الجباه العريضة، لم تكن ترعى بعيدًا عن السفينة القاتمة الحيزوم، فوقَفوا حول هذه وصلَّوا للآلهة، وقطَفوا الأوراق الرقيقة من شجرة بلوطٍ باسقة٨ القمة؛ إذ لم يكن لديهم شعيرٌ أبيض على ظهر السفينة المكينة المقاعد، وبعد أن انتهَوا من الصلاة وقَطعِ أعناق الأبقار وسَلخِها، قَطعوا قِطع الأفخاذ وغطَّوها بطبقتَين من الدهن ووضَعوا فوقها لحمًا نيئًا. لم يكن لديهم خمرٌ ليَسكُبوها فوق الذبيحة المتأججة، فعَمِلوا السكائب بالماء، وشَوَوْا جميع الأمعاء على النار، فلما احترقَت سائر الفِخاذ وتذوَّقوا الأجزاء الداخلية، قَطعوا الباقي وسَفَّدوه. بعد ذلك تصادَف هروب النوم اللذيذ من فوق جَفْنَي، فانطلَقتُ في طريقي إلى السفينة السريعة وإلى شاطئ البحر. غير أنني ما إن اقتربتُ وأنا ذاهب، من السفينة المقبية، حتى كانت رائحة الدهن الساخن تحوم حولي، فتأوَّهتُ وصرختُ عاليًا للآلهة الخالدين قائلًا: «أبتاه زوس، وأنتم أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، إنه لمن أجل تحطيمي حقًّا أنكم أنعستموني في نومٍ عديم الرحمة، بينما قام رفقائي الذين تخلَّفوا عني بعملٍ وحشي.» إله الشمس يصُب جام غضبه على أوديسيوس عندئذٍ انطلَقتْ لامبيتي ذات الأثواب الطويلة، في سرعة إلى هيليوس هوبيريون، تحمل إليه نبأ ذَبْحنا أبقاره، فتكلَّم من فوره وسط الخالدين، والحنقُ يملأ قلبه، فقال: «أبي زوس، وأنتم أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، لتنتقموا الآن من زملاء أوديسيوس بن لايرتيس، الذين اعتدَوا بالذبح على أبقاري في صفاقة، تلك الأبقار التي أجد فيها لذَّتي باستمرار، حين أذهب إلى السماء ذات النجوم وعندما أعود من السماء ثانيةً إلى الأرض. وإذا لم يدفعوا لي كفارةً لائقة عن تلك الأبقار، فإنني سوف أهبط إلى هاديس وأُشرق هناك بين الموتى.» زوس يُهدِّد بنسف سفينة أوديسيوس عندئذٍ أجابه زوس، جامع السحب، بقوله: «أي هيليوس، هل لكَ أن تشرق حقًّا وسط الخالدين، والبشر فوق الأرض، واهبة الغلال. أما أولئك الرجال فسرعان ما سأضرب سفينَتهم السريعة بصاعقتي اللامعة، فأُمزِّقها إربًا وسط البحر القاتم كالخمر.» سمعتُ هذا من كالوبسو ذات الشعور الفاتنة؛ إذ قالت إنها سمعَتْه بنفسها من الرسول هيرميس. وعندما نزلتُ إلى السفينة وإلى البحر، أنحيتُ على رجالي بالتوبيخ، متجهًا إلى كل رجل بدوره، بيد أننا لم نستطع أن نجد لذلك الأمر علاجًا — فإن الأبقار كانت قد ذُبحَت. وفي الحال أظهَرَت الآلهة علامات النحس لرجالي؛ فقد زحفَت الجلود، وأما اللحم، المشوي منه والنيئ، فطَفِق يئنُّ فوق السفافيد، وصار هناك خُوارٌ أشبه بخوار الأبقار. إذن فقد ظل رفقائي المخلصون ستة أيام يُولِمون على خير أبقار هيليوس التي كانوا قد ساقُوها بعيدًا. غير أنه عندما جلب علينا زوس بن كرونوس، اليوم السابع، كفَّت الريحُ عن أن تهُب في إعصار، وفي الحال صَعِدنا إلى ظهر السفينة، وشقَقْنا طريقنا عَبْر البحر الفسيح بعد أن رفعنا الصاري ونشَرنا الشراع الأبيض. الرياح تعصف بسفينة أوديسيوس ولكن عندما غادرنا تلك الجزيرة لم تَبدُ لنا أي أرضٍ أخرى، بل ما كنا نرى إلا السماء والبحر ليس غير، وعندئذٍ حقًّا نَشر ابن كرونوس غمامةً دكناء فوق السفينة الواسعة، فعمَّت الظلمة البحر من تحتها، ولم تَجرِ السفينة بعد ذلك لمدةٍ طويلة؛ لأنه في الحال جاءت الريح الغربية العاتية، تهُب في إعصارٍ هائج، وإذا بهبَّة الريح تُطيح بدعاماتِ الصاري الأمامية، حتى إن السارية سقطَت إلى الوراء وتناثَرت جميع حبالها في جوف السفينة. وفوق كوثل السفينة سقَط الصاري على رأس الربَّان فحطَّم سائر عظام جُمجُمته في الحال، فسقط من فوق ظهر السفينة كما لو كان غوَّاصًا وفارقَت روحه الشامخة عظامه؛ عندئذٍ أرعَد زوس وقذَف صاعقتَه فوق السفينة، فأخذَت تضطرب من الجؤجؤ إلى الكوثل، وقد أصابَتْها صاعقة زوس، وامتلأَت بدخانٍ كبريتي، وانجرف زملائي من السفينة. وأشبه بغربان البحر حُمِلوا فوق اللُّجَج حول السفينة السوداء، وسلبَهم الرب عودتَهم. أما أنا فقد ظللتُ أسير فوق السفينة هنا وهناك إلى أن فصلَت الموجة جانبَي السفينة عن قاعها، وحملتَها اللُّجَّة مجرَّدة من كل شيء ومُفكَّكة الأوصال وقذفَت بالصاري بعيدًا عن القاعدة، وفوق السارية طارت الدعامة الخلفية المصنوعة من جلد الثور، فربَطت الاثنَين معًا بهذه، القاع والسارية معًا، وإذا جلستُ فوق هذَين حملَتني الرياح العاتية. أوديسيوس يقفز طلبًا للنجاة بعد ذلك كفَّت الريح الغربية حقًّا عن الهبوب في عاصفة، وسرعان ما أقبلت الريح الجنوبية، جالبةً الحزن على قلبي؛ ذلك أنه يجب عليَّ أن أجتازَ من جديدٍ الطريق إلى خاروبديس المؤذية. بقيتُ الليل بطوله محمولًا، وعند شروق الشمس بلغتُ صخرة سكولا وإلى خاروبديس المُروِّعة. لقد ابتلعتُ حقًّا مياه البحر الملحة، ولكني قفزتُ إلى فوق وتعلَّقتُ بشجرة التين العالية، ممسكًا بها، وبقيتُ متشبثًا بها أشبه بالخفاش، ومع ذلك لم أستطع بحالٍ ما، أن أُثبِّتَ قدمَيَّ أو أتسلَّق الشجرة؛ لأن جذورها كانت متشعبةً عميقًا إلى أسفل وأغصانها بعيدة عن متناول يدَيَّ من فوق، طويلة وعظيمة، وكانت تُظلِّل خاروبديس. بقيتُ متشبثًا بالشجرة هناك حتى تقذف خاروبديس بالصاري والقاع من جديد، وكم كان سروري عندما أقبلا أخيرًا! وعند الساعة التي ينهَض فيها المرء من اجتماعٍ لكي يتناول عَشاءَه، ذلك المرء الذي يفصل في المنازعات العديدة بينَ من يحتكم إليه من الشبان، في تلك الساعة نفسها ظهر الصاري والقاع من داخل جوف خاروبديس، فأطلقتُ يدَيَّ وقدمَيَّ وهبطتُ من فوق وغطستُ في المياه بعيدًا إلى أبعدَ من موضع السارية والقاع الطويلَين، وبعد أن جلستُ فوق هذَين رُحتُ أجذِّف إلى الأمام بيدَي. أما سكولا، فلم يَسْمح لها أبو الآلهة والبشر بأن تراني وإلا ما نجوتُ قَط من الهلاك الشامل. عودة أوديسيوس إلى كالوبسو «ومن ذلك الحين بقيتُ محمولًا تسعة أيام. وفي الليلة العاشرة جاءت بي الآلهة إلى أوجوجيا Ogygia، حيث تقيم كالوبسو الجميلة الجدائل، تلك الربة المهولة التي تتكلم بلغة البشر، التي رحَّبتْ بي وقدَّمتْ لي المعونة والرعاية، ولكن لماذا أروي لك هذه القصة؟ فقد سَردتُها في ساحتك بالأمس فقط، لكَ أنتَ نفسكَ ولزوجتكَ النبيلة. وإنه لمتعبٌ حقًّا، كما يبدو، أن أعودَ فأقُص حكايةً سبق أن رويتُها.» ١ كان يُظَن أن لهاته الأخوات الخرافيات وكن اثنتَين أو ثلاثًا، مركزًا فوق حاجزٍ خطير وسط البحر حيث يَجذِبن البشر من المسافرين بأناشيدهن اللطيفة المدهشة الحلوة إذا ما وصلَت أنغامها إلى آذانهم، وبذلك يسُقْنهم إلى الموت. ٢ أي: «الهائمة» أو ربما كان معناها «الصخور المصطدمة». ٣ سفينة سُميت باسم بانيها أرجوس، أبحر بحَّارتها بقيادة جاسون للبحث عن الجزَّة الذهبية. ويُقال إن أثينا أشرفَت على بناء هذه السفينة، وإنها وضعَت فيها كتلة قُطعَت من شجرة بلوط لها القدرة على الكلام والتنبُّؤ، بعد الإبحار كرَّس جاسون الأرجو إلى بوسايدون. ٤ زوجة زوس، كبير الآلهة. ٥ ابن أيسون ملك إيولكوس في تساليا، طُرد أبوه بواسطة صنوه بيلياس وترك جاسون في رعاية القنطور خيرون. ولمَّا كبر وترعرع رحل إلى إيولكوس يطلب استرجاع مملكة أبيه، وساعد في طريقه امرأةً عجوزًا اتضح فيما بعدُ أنها هيرا، وأراد أن يعبُر مجرًى صعبًا، وفي أثناء كفاحه مع التيار فقَد أحد نعلَيه، فلما وصل إلى أيولكوس ظهر في حضرة بيلياس وعرض مطلبه، فلما لاحظ بيلياس أن القادم لا يرتدي في قدمَيه إلا نعلًا واحدًا تذكَّر تحذير الكاهن له من رجلٍ يلبس نعلًا واحدًا، وقبل أن يجيب مطلبه لو أحضر له الجزَّة الذهبية من مملكة أييتيس في كولخيس. ولمَّا كان جاسون محبًّا للمغامرات فإنه قَبِل الشرط وأعدَّ العدة للقيام بحملةِ بحارة سفينة الأرجو التي اشترك فيها كثيرٌ من أشهر أبطال الإغريق تحت إمرته، فأبحروا تحت رعاية هيرا وبمساعدة أثينا في الأرجو إلى رحلةٍ ملؤها الأخطار والمغامرات، فلما وصلوا إلى ليمنوس حيث قتلَت النساء كثيرًا من الرجال، استُقبل رجال سفينة الأرجو كأزواج، وحملَت ملكتُهم من جاسون ولدَين. ٦ ابنة بوسايدون وجيا. وقد عاشت أسفل الصخرة الضخمة التي تحمل اسمها في الجانب الصقلي للمضايق بين صقلية وإيطاليا وفي الجهة المضادة لسكولا. ألقى بها زوس في البحر تحت الصخرة بصاعقةٍ من صواعقه لأنها سَرقَت بعض ماشية هرقل. وكانت تسير على سياسة الجشع في هذا المكان حتى إنها كانت تبتلع فيضانًا هائلًا من الماء ثلاث مراتٍ يوميًّا ثم تُفرغه ثانية، وبذلك سبَّبَت الدوَّامات الخطرة على الملَّاحين، وابتلعَت سفينة أوديسيوس بعد تحطيمها، غير أن البطل أمسك بشجرة التين التي كانت فوقه، وظل معلَّقًا بها إلى أن ظهرت المركب من جديدٍ عندما لفظَتها فركبها بسلام. ٧ كانت في الأصل حوريةً جميلة هام بحبها إله البحر جلاوكوس، فلما أخفق في اكتساب قلبها استشار كيركي كي تُخبره عن طريقةٍ ينال بها عطفها وحُبها، ولكن كيركي نفسها هامت بحب جلاوكوس ولشدة مقتها لمنافستها سكولا لم تُقدِّم إليها شراب الحب، بل خلطَت بعض الأعشاب القوية التأثير بالمياه التي كانت تستخدم فيها سكولا فانقلَبتْ إلى وحشٍ ضارٍ، وقد حدث مثل هذا الانقلاب لأمفيتريتي التي يختلفون كثيرًا في تصويرها، ولكنها كانت تبدو في الغالب في جسد امرأةٍ وسيقان ثعبانٍ وذيل سمكة، وكانت تُحيط بها رءوسُ ستة كلاب فوق أعناقٍ طويلة، كما تُرى أحيانًا بأجنحةٍ بها روح مفترس، وكانت تقطن كهفًا عند المضيق الموجود بين إيطاليا وصقلية؛ ولذا كانت تقبع وتنتظر السفن المارة فتهاجمها وتخطَف الرجال. ولما مَر أوديسيوس من ذلك الطريق خطفَت ستة من رجاله؛ إذ لم تكن لديه القوة التي تكفي للمقاومة. وكانت تُوجد في الضفة المقابلة خاروبديس، التي هي دوامةٌ مخيفة تبتلع السفن ابتلاعًا، وكان الإبحار بينهما والهروب منهما من أشقِّ الأمور. ٨ كانت أوراق الأشجار الخضراء تُستخدم عوضًا عن حبات الشعير التي كانت تُستعمل عادةً في الذبائح. الأوديسة
الأنشودة الثالثة عشرة فاقتَربَت منه أثينا في صورة شابٍّ يافع راعي أغنام، وكانت ترتدي عباءةً وصندلًا في قدمَيها اللامعتَين. ألكينوس يكرم أوديسيوس ورفاقه هكذا تكلَّم أوديسيوس وخيَّم الصمتُ عليهم جميعًا، وانعَقدَت ألسنتهم في شتَّى أنحاء الساحات الظليلة، ومن جديدٍ ردَّ عليه ألكينوس بقوله: «أي أدويسيوس، ما دمتَ قد جئتَ إلى بيتي العالي السقف ذي الأرضية البرونزية، فإن في اعتقادي، أنك لن تعودَ أدراجك، وترجعَ دون أن تنالَ مأربك، رغم كثرة المحن التي عانيتَها. وإلى كل رجلٍ منكم أيها الحاضرون في ساحاتي تَوَّاقِين دائمًا إلى شُرب خمر الشيوخ الصهباء، وإلى سماع أناشيد المُغنِّي، أتكلَّم وأُدلي بهذه الوصية. إن في الصندوق البَرَّاق المصنوع من الذهب بطريقةٍ عجيبة، ملابسَ للغريب، وهدايا أخرى عديدةً أحضرها إلى هنا مستشارو الفياكيين. والآن، هيا بنا، نُقدِّم له ركيزةً عظيمة، وقَدْرًا كبيرًا كل رجلٍ منا، ونحن بدورنا سوف نجمع الثمن من الناس، ونُوفي بذلك أنفسنا؛ فإنه لمن العسير على رجلٍ واحد أن يعطي بسخاء، دون تعويض.» هكذا قال ألكينوس، فأدخلَت كلماته السرور على نفوسهم، انصرف بعد ذلك كل رجلٍ إلى منزله، كي يستريح، حتى إذا ما لاح الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، أسرعوا إلى السفينة، وأحضَروا البرونز الذي يُمِد الرجال بالقوة. وذهب ألكينوس القوي العتيد إلى السفينة، فاعتلاها، ووزَّع الهدايا بعنايةٍ تحت المقاعد، حتى لا تعوق حركة أيَّ واحدٍ من البحَّارة أثناء التجذيف، عندما ينهمكون في استخدام المجاذيف. وبعد ذلك انطلَقوا إلى منزل ألكينوس، وأعدُّوا وليمة. أوديسيوس يُودِّع ألكينوس شاكرًا ذبَح ألكينوس القوي العتيد من أجلهم ثورًا لزوس بن كرونوس، رب السُّحُب القائمة، وسيد الجميع، فلما انتهَوا، بعد ذلك، من إحراق قِطع الفِخاذ أدبُوا مأدبةً رائعة، وطَرِبوا، وفي وسطهم أنشَد المُنشِد المقدَّس ديمودوكوس Demodocus، الذي يُجلُّه الشعب، بالتوقيع على القيثارة. أما أوديسيوس فكان يتجه دائمًا برأسه نحو الشمس الساطعة، متلهفًا إلى أن يراها تغيب؛ إذ كان يتوقُ بحقِّ إلى العودة إلى وطنه. وكما يتوق المرء إلى العَشاء، ذلك الذي من أجله يظل زوجٌ من الثيران القاتمة كالخمر، طوال اليوم كلِّه، يجُرَّان المحراث ذا المفاصل خلال الأرض البور، ولأجل مَن يغيب ضوء الشمس، كي يتمتَّع بعَشائه، وتشعُر ركبتاه بالتعب وهو ذاهب إلى بيته، هكذا أيضًا، لأجل غبطة أوديسيوس احتجَب ضوء الشمس، فنهض عندئذٍ في الحال، وتكلَّم وسط الفياكيين، مُحبي المجذاف، وأعلن كلمتَه إلى ألكينوس بصفةٍ خاصة، قائلًا: «أيها السيد ألكينوس، يا أشهر الخلق طُرًّا، صُبَّ السكائب الآن، وأرسلني في طريقي بسلام، وأنتم أيضًا. وداعًا! فقد تحقَّق الآن كل ما كان يتوق إليه قلبي؛ حراسة وهدايا صداقة، فهل لآلهة السماء أن تُبارِكها لي، وعند عودَتي أجد زوجتي المنقطعة النظير مع سائرِ مَن أُحبهم في بيتي سالمين؟ وهل لكم من جديدٍ، وأنتم باقون هنا، أن تُدخلوا السرور على زوجاتكم اللواتي عُقِد لكم عليهن وأطفالكم؟ وهل للآلهة أن تمنحكم جميع ألوان الرخاء، ولا يتعرض شعبكم لأي أذًى؟» ألكينوس يناشد الشعب الصلاة من أجل أوديسيوس قال هذا أوديسيوس، فأثنى الجميع على قوله، وأَمروا بإرسال الغريب في طريقه، طالما أنه قد تكلَّم بلياقة؛ عندئذٍ تحدَّث ألكينوس العتيد إلى الرسول، بقوله: «أي بونتونوس Pontonous، امزج الطاس، وقدِّم الخمر في الساحة للجميع، حتى إذا ما صلَّينا للأب زوس، استطعنا أن نُرسل الغريب إلى وطنه.» ما إن قال هذا حتى مزَج بونتونوس الخمر العسلية وسقى منها الجميع، متجهًا إلى كل واحدٍ بدوره، وسكَبوا السكائب للآلهة الخالدين، الذين يحتلُّون السماء الفسيحة من حيث كانوا يجلسون. بيد أن أوديسيوس العظيم نهض، ووضع الكأس ذا المقبضَين في يد أريتي Aerte،١ وتكلم مخاطبًا إياها بكلماتٍ حماسية، قائلًا: «وداعًا أيتها الملكة، طَوالَ جميع الأعوام، إلى أن تُوافيكِ الشيخوخة والموت اللذان من حظ البشر. أما عن نفسي، فإنني سأنطلق في طريقي. وهل لكِ أن تتمتَّعي في هذا المنزل بأولادكِ وبشعبكِ وبالملك ألكينوس؟» أوديسيوس يُبحِر في ظروفٍ ملائمة هكذا تكلَّم أوديسيوس العظيم وخطا عَبْر العتَبة، فأرسل ألكينوس العتيد، معه رسولًا ليرشده إلى السفينة السريعة وشاطئ البحر. وأرسلت معه أريتي، نساءً إماءً، تحمل إحداهن عَباءةً مغسولة حديثًا وجلبابًا، كما أمرت أَمةً أخرى أيضًا بأن تتبعها لتحمل الصندوق المتين، وكذلك حملَت أَمةٌ ثالثة خبزًا وخمرًا صهباء. فلمَّا هبَط الجميع إلى السفينة وإلى البحر، أسرع الشباب المبجَّل الذين سيُرافقونه فحمَلوا من فَورِهم تلك الأشياء، وخَزنُوها في السفينة الواسعة، حتى الطعام والشراب كله، ثم فَرشُوا بعد ذلك من أجل أوديسيوس بساطًا وملاءةً من الكتَّان فوق ظَهرِ السفينة الواسعة جهة الكوثل كي يستطيع أن ينام ملء جفنَيه، أما هو فذَهب إلى ظهر السفينة ورقَد في صمت. بعد ذلك جلَس الشبان فوق المقاعد، كلٌّ في ترتيبه، وحلُّوا الحبل من الصخرة المثقوبة. وما إن انحنَوا بظهورهم إلى الوراء، وضربوا الماء المِلح بنصال مجاذيفهم حتى سقط النوم الهني على جفنَيه، نومٌ لا يستيقظ منه، غاية في الحلاوة، أشبه ما يكون بالموت. وكما تقفز إلى الإمام فوق السهل أربعةُ جيادٍ مربوطة جميعًا معًا تحت ضربات السوط، وبقفزها عاليًا تشُق طريقها في سرعةٍ بالغة، هكذا أيضًا راح كوثل تلك السفينة يَثِب إلى فوق، وفي تقدُّمه أزبدَت موجة البحر الصاخب القاتمة أيَّ إزباد، فأسرعَت السفينة تشُق طريقها في سلام وثبات، لدرجة أن الصقر الطوَّاف، الذي هو أسرعُ ذواتِ الأجنحة، لم يستطع أن يُباريها في سُرعتها. وهكذا طَفِقَت تشُق طريقها إلى الأمام بسرعة وتمخُر عُباب البحر، تحمل فوق ظهرها رجلًا هو نظير الآلهة في المشورة، ذلك الذي قاسى كثيرًا من الأهوال فيما مضى في القلب يخوضُ غِمار حروب الرجال واللُّجَج العاتية، غير أنه الآن قد نام في سلام، ناسيًا كل ذلك الذي قاساه. والآن عندما ظَهرتْ أكثر النجوم تألقًا، تلك التي تأتي دائمًا لتعلن نور الفجر الباكر، اقتربَت السفينة ماخرة البحر، الآن فقط من الجزيرة. وصول أوديسيوس إلى إيثاكا وغضب بوسايدون يُوجد في بلاد إيثاكا ميناءٌ خاص لفوركوس Phorcys، عجوز البحر، وعند مدخل الميناء يبرز عموديًّا من اليابسة لسانان ناتئان صَوبَ الميناء. هذان اللسانان يصُدَّان الأمواج العاتية التي تُثيرها الرياح الهوج من الخارج. أما في داخل الميناء فتقفُ السفنُ ذوات المقاعد دون أن تُربط متى بلغَت المَرسَى. وتُوجد على رأس الميناء شجرةُ زيتونٍ طويلة الأوراق، وبالقرب منها كهفٌ جميل مقدَّس وارفُ الظلال، مُكرَّس للحوريات اللائي يُسمِّين النياديس Naiads.٢ وتُوجد في داخل الكهف طاساتُ مزج الخمر وجرارٌ من الحجَر، وهناك أيضًا يدَّخِر النحل عسلَه. وفي الكهف أنوالٌ طويلة من الصخر تَنسج عليها الحوريات منسوجاتٍ أرجوانية اللون، أعجوبةً للناظرين، كما أن بداخله أيضًا ينابيعَ دائمة التدفُّق. وللكهف بابان؛ واحدٌ تجاه الريح الشمالية يدخل منه البشر، أما الآخر فتجاه الريح الجنوبية وهو مقدَّس، فلا يدخل منه الناس، إنه طريق الخالدين. في ذلك المكان جذَّف الشباب إلى الداخل، وكانوا يعرفون الموضع من قبلُ، وجرت السفينة مندفعة في مجراها السريع فوق الشاطئ إلى نصف طولها؛ إذ دفعَتْها إلى تلك المسافة سواعد المجذِّفين. بعد ذلك قفَزوا من السفينة ذات المقاعد إلى البَر، وبدءوا برفع أوديسيوس خارج السفينة الواسعة فوق الملاءة الكتَّانية والبساط اللامع كما كان، وأرقدوه فوق الرمل، ولا يزال النوم يغلبه على أمره. وأخرجوا الهدايا التي كان الفياكيون الأمجاد قد أعطَوْه إياها، وهو راحل إلى وطنه، بفضل أثينا عظيمة القلب، فوضعوا هذه كلها سويًّا بالقرب من جذع شجرة الزيتون، بعيدًا عن الطريق خشية أن يعثُر عليها عابر سبيلٍ ما، قبل أن يسقط أوديسيوس، فيعبَث بها. بعد ذلك رجعوا أدراجهم هم أنفسهم إلى الوطن ثانية. بيد أن مُزلزِل الأرض لم يَنسَ التهديدات التي كان قد تَوعَّد بها من قبلُ أوديسيوس شبيه الإله، وهكذا استعلَم عن مأرب زوس، قائلًا: «أبتاه زوس، لن أكون أنا نفسي مبجَّلًا بعد الآن، وسط الآلهة الخالدين، ما دام البشر لا يُبجِّلونني قط — فحتى الفياكيون، الذين هم، كما تعرف، من سلسلة نسبي — لأنني أعلنتُ قبل الآن أنه لا بد لأوديسيوس أن يقاسي أهوالًا عديدة قبل أن يصل إلى وطنه، رغم أنني لم أُحرِّم عليه العودة كلية؛ إذ إنكَ وعَدتَه بذلك يومًا ما وأكَّدتَ الأمر بانحناءة من رأسك، ولكن رغم ذلك قد حملَه أولئك الرجال نائمًا في سفينةٍ سريعة عَبْر البحر وأنزلوه في إيثاكا، وأعطَوه هدايا تفوق الحصر، خزينًا من البرونز والعسجد والثياب المنسوجة، أكثر مما كان يستطيع أوديسيوس أن يحصل لنفسه من طروادة، لو كان قد عاد سالمًا بنصيبه القانوني من الغنيمة.» فأجابه زوس، جامع السحب، بقوله: «آه لي! يا مزلزل الأرض يا واسع الملك، ما هذا الذي نطقت به؟! إن الآلهة لا تَحُط من تبجيلك، ومن الصعب حقًّا أن نهاجم بدون تبجيل أكبرنا سنًّا وأحسننا. أما البشر، فلو قصَّر أي واحدٍ منهم، معتمدًا على قوته وجبروته، في أن يُوفيكَ حقَّك من التبجيل في أي شيء، لحُق لك أن تنتقم دائمًا، حتى فيما بعدُ. إذن فافعل ما يحلو لك، وكما تجد فيه مسرَّتكَ العظمى.» عندئذٍ أجابه بوسايدون، مزلزل الأرض، بقوله: «كان من الواجب أن أفعل في الحال كما تقول، يا رب السحب الدكناء، ولكنني أخشى غضبك دائمًا وأتحاشاه. أما الآن فإنني مُزمعٌ أن أضرب سفينة الفياكيين الجميلة، وهي عائدةٌ من مهمتها عَبْر اليم الكثير الضباب، حتى يكُفُّوا من الآن فصاعدًا ويمتنعوا عن حراسة الناس، وعلى ذلك سأُقيم جبلًا ضخمًا حول مدينتهم.» فَردَّ عليه زوس، جامع السحب، قائلًا: «أيها الخامل، أصغِ إلى ما أعتبره في نظري خير الأمور. عندما يتطلع الناس جميعًا إليها من المدينة، وهي مسرعة في طريقها، حَوِّلها إلى صخرة بالقرب من الشاطئ — صخرة في صورة سفينةٍ سريعة — كي يملأ العَجبُ سائر الناس، وهل لك أن تُطوِّق مدينتهم بجبلٍ ضخم؟» انتقام بوسايدون والآن عندما سمع بوسايدون مزلزل الأرض، هذا، شَقَّ طريقه إلى سخيريا Scheria، حيث كان يقطن الفياكيون، وانتظر هناك، فلما اقتربَت السفينة ماخرة البحار، من الشاطئ، تجري مسرعة في طريقها؛ عندئذٍ اقترب منها مزلزل الأرض وحوَّلها إلى صخر، وثبَّتَها بإحكامٍ من تحت بضربةٍ من راحة يده، ثم انصرف. عندئذٍ شرع الفياكيون ذوو المجاذيف الطويلة، أولئك الرجال المشهورون بسفنهم، يتحدث بعضهم إلى البعض الآخر بكلماتٍ مجنحة، وهكذا كان الواحد منهم يقول، وهو ينظر إلى جاره: «ويحنا الآن، من ذا الذي قيَّد سفينتَنا السريعة الآن في البحر وهي في طريقها إلى الوطن؟ العجيب أنها كانت في مدى الرؤية الواضحة!» هكذا كان الواحد منهم يتكلَّم، ولكنهم لم يعرفوا كيف تمَّت تلك الأمور؛ عندئذٍ تكلَّم ألكينوس مخاطبًا جماعتهم بقوله: «انظروا الآن. حقًّا إن النبوءات، التي نطَق بها أبي منذُ أمدٍ بعيد، قد حاقت بي الآن. كان يقول دائمًا إن بوسايدون غاضبٌ علينا لأننا نعطي الحراسة الآمنة لجميع الناس. قال إنه سيأتي يوم، بينما تعود إحدى سفن الفياكيين الجميلة من رحلةِ حراسةٍ عَبْر اليم الكثير الضباب؛ إذ يضربها بوسايدون، كما أنه سوف يُقيم طودًا أشَمَّ حول مدينتنا. هكذا قال ذلك الرجل العجوز، والغريب أن كل ما قاله قد تحقَّق الآن. هلُموا بنا الآن، نفعل جميعًا ما أُمرنا به ونُطِعه. كُفُّوا عن حراسة البشر، عندما يجيء أحدٌ إلى مدينتنا، ولنُقدِّم ذبيحةً إلى بوسايدون من اثنَي عشر ثورًا مُنتقًى، عسى أن يعطف علينا ولا يقيم جبلًا شامخًا حول مدينتنا.» أوديسيوس غريب في وطنه قال هذا فتملَّكَهم الخوف وأعدُّوا الثيران، ثم شَرع قادة الفياكيين ومستشاروهم، يُصلُّون إلى السيد بوسايدون، وهم واقفون حول المذبح. أما أوديسيوس فقد استيقظ من نومه في وطنه، ولكنه لم يكن يدري ذلك بعد غيابه الطويل؛ لأن الربة، بالاس أثينا، نشَرتْ حوله سَحَابة، أثينا ابنة زوس، حتى لا يتعرَّف عليه أحد، وتُخبره بكل شيء، فلا تعرفه زوجته، ولا أهل بلده، ولا أصدقاؤه، إلا بعد أن يدفَع المغازلون ثمنَ ما قدَّمتْ أيديهم من اعتداءات؛ ومِن ثَمَّ بدت سائر الأمور غريبةً على سيدهم، الممرَّات الطويلة، والخلجان التي تُستعمل كمَراسٍ آمنة، والصخور الحادة الناتئة والأشجار المورقة، فانتصَب واقفًا يُطل على وطنه، ثم تأوَّه وضرب فخذَيه براحتَي يديه، وقال وهو ينتحب: «ويحيى! إلى أي بلدٍ من بلاد البشر قد وصلتُ الآن؟ أأهلُها قساة، وشرسون، وظالمون؟ أم أنهم يُحبُّون الغرباء ويخشَون الآلهة في قلوبهم؟ وإلى أين أحمل كل هذه الثروة، بل إلى أين أذهب أنا نفسي هائمًا على وجهي؟ ليتني بقيتُ هناك وسط الفياكيين، ثم ذهبتُ إلى ملكٍ آخر من الملوك الأشداء، الذين كانوا يُرحِّبون بي ويُرسِلونني إلى وطني. أما الآن فلستُ أدري على من أجود بهذه الثروة، ومع ذلك فلن أتركها هنا، لئلَّا تُصبح غنيمةً سائغة للغير على حسابي. لعنة الله عليهم، ما كان قادة الفياكيين ومستشاروهم الذين جاءوا بي إلى بلدٍ غريب، كما يبدو، بحكماء أو مُنصِفين. حقًّا إنهم وعدوا بأن يذهَبوا بي إلى إيثاكا الواضحة المعالم، ولكنهم لم يُوفوا بوعدهم، فهل لزوس، رب المتضرِّعين، الذي يرى ما يفعل جميع البشر، ويُعاقِب المذنب، أن يُجازيَهم؟ ومع ذلك فسأُحصي بضاعتي وأعدُّها، خشية أن يكون أولئك الرجال قد عادُوا بشيءٍ معهم على حسابي في سفينتهم الواسعة.» أوديسيوس يلتقي أثينا في هيئة راعي أغنام بعد أن أتم أوديسيوس حديثه ذاك، شَرع يُعِد الركائز الجميلة، والقدور، والذهب والثياب البديعة الصنع، فلم يَجد شيئًا ناقصًا من كل هذا. بعد ذلك وقد برَّح به الحنين إلى وطنه، راح يسير، حزينًا، بحذاء الشاطئ البحر الصاخب، يبكي بكاءً مُرًّا، فاقتَربَت منه أثينا في صورة شابٍّ يافع، راعي أغنام، في غاية الرقة، أشبه ما يكون بأبناء الأمراء. وكانت ترتدي عباءةً جميلة الصنع، أسدلَتها على كتفَيها مثنيةً في طيَّتَين، وصندلًا في قدمَيها اللامعتَين، وأمسكَت في يدها رمحًا، فما أن وقعت عين أوديسيوس عليها حتى انشرح صدرًا، وتقدَّم لمقابلتها، وخاطبها بكلماتٍ مجنحة٣ قائلًا: «أيها الصديق، مرحبًا بك، يا أولَ من قابلتُ في هذه البلاد، أرجو أن تقابلني بقلبٍ لا يُضمِر أي سوء. أنقذ هذا الكنز، وأنقذني؛ فإني أتوسَّل إليك، توسُّلي إلى أحد الآلهة، وهذا وها أنا ذا أتقدم إلى ركبتَيك العزيزتَين. أخبرني بما أريدُ معرفته بالصدق، كي أعرف حق المعرفة، أي بلدٍ هذا، وأي شعبٍ هؤلاء؟ أي الأقوام يقطنون هنا؟ أهي جزيرةٌ تبدو للعين، أم شاطئ أرضٍ عميقة التربة ممتد إلى جانب البحر؟» أوديسيوس يعلم من أثينا أنه في إيثاكا عندئذٍ أجابته الربة، أثينا ذات العينَين النجلاوَيْن، بقولها: «أيها الغريب، إما أن تكون أحمق، أو قد أتيتَ من بلدٍ قصي، إن كنتَ تسأل حقًّا عن هذه البلاد، لا ريب في أنها ليست بأية حالٍ من الأحوال، عديمة الاسم، ولكنَّ الكثيرين يعرفونها، كل أولئك الذي يقطنون تجاه الفجر والشمس، وأولئك الذين من ورائهم يُواجهون الظلام الدامس. وإنها جزيرةٌ وَعْرة، وليست صالحة لقيادة الجياد، ولكنها مع ذلك ليست في فقرٍ مدقع رغم أنها رقعةٌ صغيرة فحسب؛ فالقمح ينمو فيها مزدهرًا، وكذلك أعناب الخمور، ولا ينقطع الغيثُ عنها ولا الندى الغزير. إنها بلدٌ صالح لرعي الماعز والأبقار، هناك أشجارٌ من كل نوع، كما أن بها غدرانًا للري لا ينضُب مَعينُها طول العام. ومع كلٍّ، أيها الغريب، فإن اسم إيثاكا قد وصل حتى إلى بلاد طروادة، التي كما يُقال، تبعُد كثيرًا عن بلاد آخايا Achaea٤ هذه.» أوديسيوس يخدع الراعي بالأكاذيب هكذا قالت، فسُر أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، واغتبَط في بلده، بلد آبائه، عندما سمع قول بالاس أثينا، ابنة زوس، حامل الترس، فتحدَّث إليها، يُخاطبها بكلماتٍ مجنحة، ولكنه مع ذلك لم يقل الحق، بل كان يزن اللفظ قبل النطق به، مُرددًا في صَدرِه أفكارًا بالغة الدهاء، فقال: «لقد سمعتُ عن إيثاكا، حتى وأنا في كريت الفسيحة، النائية عبر البحر، وها أنا ذا الآن قد جئتُ بنفسي إلى هنا مع بضائعي هذه. ولقد تركتُ ورائي ما يفوقها عددًا مع أطفالي، هاربًا من البلاد، بعد أن قتلتُ ابن إيدومينيوس Idomeneus٥ العزيز، أورسيلوخوس Orsilochus السريع القدمَين، الذي تفوَّق في السرعة بكريت على سائر الرجال الذين يعيشون بعَرق جبينهم. وكان سيسلبني من كل غنائم طروادة تلك، التي من أجلها قاسيتُ الحزن في قلبي، مناضلًا في الحروب مع البشر والأمواج العاتية؛ ذلك لأنني لم أُحابِ أباه، ولم أخدمه في بلاد الطرواديين كأحد أتباعه، بل كان تحت إمرتي رجالٌ آخرون؛ وعلى ذلك ضربتُه برمحي البرونزي الطرف وهو عائد من الحقل إلى داره، بعد أن كَمنتُ له في الطريق مع أحد رجالي. وكان الليل الداجي يحجُب السماء، فلم يَفطِن أحد إلينا، بل سلبتُه حياته دون أن يراني أحد. وبعد أن أجهزتُ عليه برمحي الحاد، انطلقتُ في الحال إلى سفينة، وتوسَّلتُ إلى الفينيقيين Phoenicians الأمجاد، واهبًا إياهم شيئًا من الغنائم لأُشبع قلوبهم. وطلبتُ منهم أن ينقلوني بعيدًا، ويضعوني فوق اليابسة في بولوس Pylos،٦ أو في إليس Elis العظيمة، حيث يحكم الإيبيون Epaens، ولكن قوة الريح جرفتهم بعيدًا من هناك، في عنفٍ بالغ ضد رغبتهم، ولم يكونوا يقصدون الغدر بي، فوصلنا إلى هنا ليلًا بعد أن طَفِقنا هائمين من هناك تدفَعنا الريح. وبسرعةٍ أخذنا نُجذِّف بهمَّة حتى بلغنا داخل الميناء، لا نفكر في تناول عَشائنا، رغم حاجتنا الشديدة إليه، بل خرجنا على الطوى من السفينة ورقَدنا، كلنا. وقد حَطَّ عليَّ نومٌ لذيذ فنمتُ ملء جفنَي وأنا منهوك القوى، فحملوا بضائعي من السفينة الواسعة ووضعوها حيث كنتُ أرقُد أنا نفسي فوق الرمال. أما هم فصَعِدوا إلى ظهر السفينة، ورحلوا إلى بلاد سيدون Sidon٧ بلاد خيرة الأقوام، وتركوني هنا، بقلبٍ منزعج غاية الانزعاج.» أثينا تكشف لأوديسيوس عن شخصيتها هكذا تكلَّم أوديسيوس فابتسمَت الربة، أثينا المتألقة العينَين، وربَّتَتْ عليه بيدها، وحوَّلَت نفسها إلى صورة امرأة، حسناء فارعة الطول، ماهرة في الأشغال اليدوية المجيدة، وخاطَبتْه بكلماتٍ مجنحة،٨ قائلة: «لا يستطيع أن يتفوَّق عليك في كل ضروب الخداع، إلا من يكون ماكرًا أو خبيثًا، رغم أن الذي التقى بك إله، أيها الرجل الجريء، ذو المشورة الماكرة، والكثير الخداع، فلن تكُف عن الخداع، حتى في وطنك، كما يبدو، بل تحيك القصص الخدَّاعة، التي تميل إليها من أعماق قلبك. والآن، لا تتكلَّم عن هذا بعد ذلك، ما دمنا كلانا ماهرَيْن في نفس المهنة، وما دمتَ أنت تبُذُّ سائر الناس في المشورة وفي الحديث، وأنا مشهورة بالحكمة والمهارة بين جميع الآلهة. ورغم ذلك فإنك لم تعرفني أنا بالاس أثينا، ابنة زوس، التي أقف دائمًا إلى جوارك، وأحرسُك في جميع٩ متاعبك. نعم وقد جعلتُك محبوبًا لدى سائر الفياكيين. والآن ها أنا ذا قد جئتُ إلى هنا، لأُدبِّر معك خطَّة، ولأُخفي كل كنزك، الذي أعطاكه الفياكيون الأمجاد بمشورتي وإرادتي، عندما رحلتَ إلى الوطن، ولكي أُخبرك بسائر المحن التي يجب أن تُقاسيها في بيتك المكين البناء، ولكن هل لك أن تكون قويًّا؟ لأنه يجب عليك أن تتحمل تلك الأمور، ولا تخبرن أي رجلٍ منهم جميعًا ولا أية امرأةٍ بأنك قد عُدتَ من تجوالاتك، بل تحمل أحزانك العديدة في صمت، وارضَخ لعنف البشر.» أوديسيوس يشيد بأفضال أثينا عليه بعدئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «إنه ليتعذَّر على المرء، أن يعرفكِ، أيتها الربة، عندما يلتقي بك، مهما بلغ من الحكمة؛ لأنك تتخذين أي شكلٍ تريدين. إنني أعلم هذا حق العلم؛ فإنك تعطفين عليَّ منذ قديم الزمان، طوال المدة التي كنا نحارب فيها، نحن معشر الآخيين، في أرض طروادة. حتى إذا ما سلبنا مدينة بريام الشاهقة، ثم رحلنا عنها في سفننا، وبدَّد إلهٌ شمل الآخيين، لم أعُد أراكِ أبدًا منذ ذلك الحين، يا ابنة زوس، ولم ألاحظك آتية على ظهر سفينتي كي تبعدي الأحزان عني. كلا، لقد ظللتُ أتجول دائمًا، حاملًا في صدري قلبًا مصابًا، إلى أن خلَّصَتني الآلهة من الشر، حتى أدخلتِ السرور إلى قلبي في بلاد الفياكيين الخصيبة بكلماتك، وأرشَدتِني بنفسك إلى مدينتهم. أما الآن، فإنني أتوسَّل إليك بأبيك — لأنني لا أصدق أنني قد جئت إلى إيثاكا الواضحة للعيان، كلا، لا بد أن هذا البلد الذي أجوس فوق أرضه، بلدٌ آخر، وأعتقد، أنكِ إنما تتكلَّمين هكذا ساخرةً مني لتخدعي قلبي — خبِّريني هل بلغتُ حقيقةً وطني العزيز؟» أثينا المحبة تطمئن أوديسيوس بأنه في وطنه عندما أجابته الربة، أثينا البَرَّاقة العينَين، فقالت: «هذه الفكرة دائمًا في صدري، وعلى ذلك فلا أستطيع أن أتركك إلى أحزانك؛ لأنك رقيقُ الحديث، حادُّ الفطنة وحصيف. كان ما يعمله أي رجلٍ آخر عند عودته من رحلاته أن يُسرِع في شوقٍ ليرى زوجتَه وأولاده في داره، ولكنك لم ترغب في أن تعرف أو تعلَم أي شيء، إلا بعدَ أن تتأكَّد من زوجتك، وما إذا كانت لا تزال محافظةً على سابق عَهدِها في ساحاتك، وما إذا كانت تقضي الليالي والأيام حزينةً باكية، أما أنا، فلم أشُكَّ قَط في عودتك، بل كنتُ أعلم تمامًا في قلبي، أنكَ ستعودُ إلى وطنكَ بعد أن تفقدَ سائر رُفقائِك، ومع ذلك، فيجب أن تعرف، أنه لم يكُن في نيَّتي الوقوف في وجه بوسايدون، شقيق أبي، الذي غَرسَ الغضب ضدَّك في قلبه، حانقًا عليكَ لأنك أعميتَ ابنه العزيز، والآن، هيا، لأُريكَ أرض إيثاكا، كي تتأكَّد. هذا هو ثَغر فوركوس، عجوز البحر، وهنا عند رأس الميناء تُوجد شجرة الزيتون الطويلة الأوراق، وبالقُرب منها الكَهْف المُبهِج الظليل، المقدَّس للحُوريات اللوائي يُعرفن باسم النياديس. يجب أن تعرف، أن هذا هو الكهف المُقبي الذي اعتَدتَ أن تُقدِّم فيه للحوريات ذبائحَ مئوية عديدة تُحقِّق مأربكَ، وها هو ذا هناكَ جبلُ نيريتون Neriton، الذي تكسُوه الغابات.» أوديسيوس يتوسل إلى النياديس قالت الربة هذا، وبدَّدَت السحابة، فطَهرتِ الأرض. إذن سُرَّ أوديسيوس العظيم، البالغ التحمُّل، سرورًا أي سرور إذ غدا في وطنه، وقَبَّل التربة، مانحة الغلال. وفي الحال بسَط ذراعَيه يتَضرَّع إلى الحوريات، بقوله: «أيتها الحوريات النياديس، يا بنات زوس، لم يخطُر ببالي قَط أنني سوف أراكُن ثانية، أما الآن فإنني أُحييكنَّ بتوسلاتٍ جميلة. نعم سوف أُقدِّم لكنَّ الهدايا أيضًا، كسابقِ عهدي، لو أن ابنة زوس، تلكَ التي تقودُ الغنيمة، سوف تمنحُني، مُتحنِّنةً، أن أعيش، حتى أُربِّي ابني العزيز إلى أن يبلُغ سن الرجولة.» أثينا تساعد أوديسيوس بالخطَط النافعة فردَّت عليه ثانيةً الربة، أثينا ذات العينَين المتألقتَين، بقولها: «فلتَقرَّ عينًا ولا تدَع هذه الأمور تُحزن قلبك. هلم بنا، الآن، نضع بضائعك في الحال، في أقصى أركان الكهف العجيب، حيث يمكن أن تبقى لك في أمان، ولنُفكِّر نحن أنفسنا في الكيفية التي يتم بها كل شيءٍ على خير وجه.» ما إن قالت الربة هذا حتى دخلَت إلى الكهف الظليل تبحث مخابئه. وحمَل أوديسيوس الكَنز جميعه إلى هناك، الذهب والبرونز العنيد والثياب الجميلة الصنع، التي كان الفياكيون قد أعطَوه إياها، فأخفى كل هذه الأشياء بعناية، ووضعَت بالاس أثينا، ابنة زوس، حامل الترس، صخرة عند الباب. بعد ذلك جلَس كلاهما بجوار جذع شجرة الزيتون المقدسة، وأخذا يحيكان الموت للمُغازِلين الوقحين. وكانت الربة، أثينا النجلاء العينَين، هي أول من تكلَّم، فقالت: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، هيا أوديسيوس الكثير الحيل، فكِّر جيدًا في الطريقة التي تستطيع بها أن تضع يدك على المُغازِلين الرُّقَعاء، الذين لهم الآن ثلاث سنواتٍ يتسكَّعون في ساحاتك، ويُغازِلون زوجتك الشبيهة بالآلهة، ويعرضون عليها هدايا المُغازِلين. وهي إذ تنتظر مجيئك باكية، تُعلِّل الجميع بالآمال، وتُمنِّي كل رجلٍ بالوعود، فتُرسِل إليهم الرسل بينما عقلُها مُركِّز في أمورٍ أُخر.» عندئذٍ أجابها أوديسيوس، الكثير الحيل، قائلًا: «ويحي! لا شك أنه كان من المحتمل أن أَهلِك في ساحاتي بسبب سوء حظ أجاممنون بن أتريوس لو لم تُفضِي إليَّ، أيتُها الربة بكل شيء. هيا الآن، ودَبِّري خطةً ما أتمكَّن بها من مجازاتهم، وقفي أنتِ نفسكِ إلى جانبي، وامنحيني شجاعةً جريئة كتلك التي كانت لي عندما فكَكْنا تاج طروادة اللامع، فلو وَقَفتِ فقط إلى جواري، أيتها البَرَّاقة العينَين، بقَدْر ما كُنتِ مُتحمِّسة في ذلك الحين، لقاتلتُ حتى في مواجهةِ ثلاثمائةِ رجل، معكِ، أيتها الربة العتيدة، لو أنكِ بقلبٍ مستعدٍّ وَهَبتِني المساعدة.» أوديسيوس يوافق أثينا على مسخه فأجابَتْه عندئذٍ الربة، أثينا اللامعة العينَين، بقولها: «نعم، سأكون معك حقًّا ولن أنساك عندما تكون منهمكًا في ذلك العمل، وإنني لأعتقد أن الكثيرين من أولئك المغازلين الذين يُبدِّدون أموالك، سوف يُلطِّخون التربة الفسيحة بدمائهم وأمخاخهم. والآن، هيا لأُغيِّر هيئتكَ كيلا يعرفك سائر البشر، فسأُجعِّد الجلد الأملس فوق أطرافك اللدنة، وأقضي على الشعر الكتَّاني فوق رأسك، وأُلبِسك ثوبًا مهلهلًا، حتى ليشمئزُّ المرء من النظر إلى أي رجلٍ يلبَسُه، وسوف أُعتِم عينَيك اللتَين كانتا من قبلُ في غاية الجمال، كي تبدو حقيرًا في نظر جميع المُغازِلين، ونظر زوجتك، وابنك، الذي تركتَه في ساحاتك. أما أنت نفسك، فلتذهب أولًا، وبادئَ ذي بَدء، إلى راعي الخنازير الذي يَحرس خنازيرك، ويُكِن لك كلَّ عطفٍ وحنانٍ في قرارة قلبه، ويُحب ولدَكَ وبينيلوبي الثابتة. ستجدُه قابعًا بجوار الخنازير وهي ترعى بجانب صخرة كوراكس Corax وينبوع أريثوسا Arethwsa،١٠ تأكُل ثمار البلُّوط ملء بطونها وتشرب المياه السوداء، وهي الأشياء التي تُسمِّن لحم الخنازير الدسم. انتظر هناك، وبعد أن تجلس إلى جواره سَلْه عن كل شيء، بينما أنطلق أنا إلى إسبرطة، أرض النساء الفاتنات، لأستدعي من هناك تيليماخوس، ابنك العزيز، يا أوديسيوس، الذي سافر إلى لاكيدايمون الفسيحة إلى بيت مينيلاوس ليستطلعَ أخبارك، ويعلمَ ما إذا كنتَ على قيد الحياة في أي مكان.» أثينا تُطمئِن أوديسيوس على مصير ولده فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «لماذا لم تخبريني، إذن، بربك، يا من يعرف عقلُكِ كل شيء؟ كلا، أكان مُقدَّرًا له كذلك أن يُقاسي أهوالًا، وهو يجوس خلال البحر الصاخب، وأن يأكل الآخرون أمواله؟» عندئذٍ أجابَتْه الربة، أثينا المتألِّقة العينَين، وقالت: «كلا، فلن ينزعج قلبك عليه كثيرًا. إنني أنا التي أرشدتُه، إلى السفر إلى هناك، كي يحظى بأخبارٍ حسنة، دون أن يُعاني أي تعب، بل يجلس آمنًا في قصر ابن أتريوس، مسرورًا بما يفوق الوصف. حقيقةً، هناك شبانٌ يكمُنون في انتظاره، في سفينةٍ سوداء، متلهِّفين إلى الفتكِ به قبل أن يبلُغ وطنه، ولكني أعتقد أنهم لن ينالوا بُغيتَهم. قبل ذلك ستضُم الأرض كثيرًا من المغازلين الذين يأكلون أموالك.» ثم تمسخه بصولجانها وترحل ما إن أتمَّت أثينا حديثها ذاك حتى لمسَتْه بصولجانها، فأذْوَت جلده الناعم فوق أطرافه اللدنة، وأتت على الشعَر الكتَّاني فوق رأسه، ووضعَت جلد رجلٍ عجوز حول جميع أطرافه، وعتمَت عينَيه اللتَين كانتا رائعتَي الجمال من قبلُ، وألبَسَتْه عبايةً وجلبابًا مُهلهلَين قذرَين، أسمالًا باليةً وسخة، يُجلِّلها الدخانُ القَذِر. وألقت حوله جلدًا هائلًا لغزالةٍ سريعة، منزوعة الشعَر، وأعطَتْه عُكَّازًا وكيسًا حقيرًا، كلُّه ثقوب، معلقًا بحبلٍ مفتول. وبعد أن استقَر كلاهما على ذلك الرأي، انفصَلا، وفي الحال انطلَقَت الربة إلى لاكيدايمون العظيمة لإحضار ابن أوديسيوس. ١ زوجة ألكينوس، ملك الفياكيين، ووالدة ناوسيكا. ٢ بنات زوس، حوريات يُشرِفن على الينابيع والنافورات ومجاري المياه والآبار والبُحَيرات. مخلوقاتٌ مرحة دائمة البشاشة، لكثير منهن القدرة على الشفاء والتنجيم ومَنحِ هذه البركات لكل من يشربُ من مياههن. ٣ أي حماسية. ٤ هي الساحل الشمالي لشبه جزيرة البيلوبونيزوس Peloponnesus يَحدُّها شمالًا الخليج الكورنثي والبحر الأيوني وجنوبًا إليس Elis وأركاديا، كما يحدها غربًا البحر الأيوني وشرقًا سيكيونيا Sicyonia. ٥ ملك كريت، ابن ديوكاليون الكريتي، كان أحد المحاربين البواسل في طروادة. وقد أقسم لبوسايدون أن يُقدِّم له أول شيءٍ يقابله ذبيحةً إن أعاده إلى وطنه سالمًا أثناء هبوب زوبعةٍ عاتية، فقابل ابنه، فلم يحنَث بوعده، وتلت ذلك مجاعة، فطَرده الكريتيون، فعَبَر إلى إيطاليا وعاش في كالابريا. ٦ اسم يُطلَق على ثلاث مدن في الساحل الغربي لشبه جزيرة البيلوبونيزوس. ولقد كُتب لبولوس الخلود إبَّان الحروب البيلوبونيزية يومَ أن كانت جحافل الأثينيين تحت قيادة ديموسثينيس. ٧ إحدى مدن فينيقيا القوية. كانت لهم أفضل السفن وأجودها صنعًا ومتانة إبَّان حملة إكسركسيس Xerxes ضد بلاد الإغريق. ٨ حماسية. ٩ جماعية. ١٠ نافورة في أورتوجيا Ortygia الجزيرة الرابضة في ميناء سيرا كوزة Syracuse. تَحكي الأساطير أن إله النهر ألفيوس Alpheus وقع في غرام حوريةٍ اسمها أريثوسا عندما رآها تَسبَح في مجرى مياهه، فولَّت أريثوسا الأدبار منه حتى وصلَت أورتوجيا وهناك مسخَتْها الربة أرتيميس نافورة. غير أن ألفيوس لم ييأس، بل عدا تحت البحر إلى أن لحق بالنافورة وربَط مجراه بمجراها مُوحدًا بينهما؛ ومِن ثَمَّ كان هناك فيما مضى اعتقادٌ سائد بوجود رباطٍ حقيقي بين النهر والينبوع. الأوديسة
القيمة الأدبية للملاحم الهومرية نفوذ الإلياذة والأوديسة يبدأ الأدب اليوناني بالإلياذة والأوديسة للشاعر هوميروس الذي كان له تأثيرٌ بالغ في التربية والتعليم عند اليونانيين جميعًا، والذي استمر أثَره حتى العصر البيزنطي، فكان الأغارقة المثقَّفون يحفظون أجزاءً كثيرة من الإلياذة والأوديسة، ثم انتقل الميل إلى الرومان ومنهم إلى بلاد الغرب في أوروبا. وبذلك لا تزال المسألة الهومرية باقيةً على حالها حتى الوقت الحاضر، ونعني بها أصل هذه القصائد الهومرية وتكوينها بحيث تُعَد من أعقد المسائل التي يهتم المثقَّفون بحلها والإحاطة بها، والصوت الذي انبعَث ليؤدِّي رسالةَ حضارة البحر الأبيض المتوسط هو صوت الشاعر هوميروس؛ لأن الشعوب التي تسكن وادي النيل وما بين النهرَين لم تكن شعوبًا بَحْرية، أما كريت فلدينا عنها نصوصٌ كثيرة لم تُحل طلاسمها بعدُ، وكذلك لم يُترك لنا أي أثرٍ يدل على رحلات الإغريق التي قاموا بها في البحر الأبيض أو في خارجه، إلا إذا اعتقدنا أنه كان للأوديسة أساسٌ يرتكز على قصةٍ روت وقائعَ رحلةٍ فينيقية، كما يفترض هذا الفرضَ العالمُ الفرنسي فكتور بيرار Victor Berard. بيد أن هذا الفرض بعيد الاحتمال، وحتى في هذه الحالة تكون أخبار هذه الرحلة قد وصلَتْنا عن الشعر القصصي عند الأغارقة. تُعتبَر القصائد الهومرية قصائدَ قوميةً لها الصبغة القومية عند اليونان؛ القدماء منهم والمحدَثون، ولكنها لا تذكُر لفظ «الإغريق» ولا نعثُر على كلمةٍ تدل عليها، وبصفةٍ خاصة لا نجد كلمة Hellas التي تسمَّى بها اليونانُ إلا في القصائد التي يعتبرها النقاد المحدَثون مضافةً إلى الإلياذة والأوديسة. أما هوميروس فلا يتحدَّث إلا عن أجداد اليونان وأسلافهم وهم الآخيون، فهي بذلك تغوص بأصولها في الماضي البعيد؛ لذلك يجب أن ننظر إليها كأنها بداية للأدب اليوناني، كما يجب اعتبارها نهايةً لتقاليدَ مجيدة وخاتمةً لمجهودٍ عظيم يرمي إلى التغيير والتحوير والتنظيم. أسلوب الإلياذة والأوديسة واللغة هي التي تُوقِفنا على ما تتميَّز به هذه القصائد. إن أهم صفةٍ لهذه القصائد هي كونها على جانبٍ كبير من الروعة في الفن والجمال والأسلوب؛ فهي ليست قصائدَ بدائية أو أولية وإنما اللغة فيها لغة الأدباء والمثقَّفين أو من أخذوا بجانبٍ كبير من الأدب والثقافة، هذا فضلًا عن أنه لا يمكن لأحد أن يكتب بهذه اللغة إلا العلماء أو الأدباء أو الشعراء؛ فهي لغة الخاصة لا لغة العامة. إنها مزيجٌ من لهجاتٍ مختلفة تغلب عليها اللهجة الأيونية التي ترتكز على أساس من اللهجة الأيولية. كما أن الوزن فيها هو المسمَّى بالوزن السداسي Hexameter Dactylic، وهو الذي يحتوي فيه بيت الشعر على ستة أقدامٍ بكل قدمٍ حركةٌ طويلة وحركتان قصيرتان. وليس هذا الوزن من مستلزمات اللغة اليونانية كما برهن على ذلك العلامة اللغوي الفرنسي المشهور ميلي Meillee في كتابه عن تاريخ اللغة اليونانية. وليس هذا الوزن أيضًا من مستلزمات اللغة اللاتينية؛ فقد استعاره الرومان أنفسهم من اليونان، وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد. ومن المحتمل أن يكون اليونان أنفسهم قد أخذوه عن لغةٍ تُسمَّى اللغة الإيجية التي كانت سائدة في بحر إيجة. لهذا السبب احتفظَت اللهجة الأيونية التي استعملها هوميروس في قصائده بالحرف «ديجاما Y» الذي زال من اللغة اليونانية فيما بعدُ، ولكن بقي لهذا الحرف تأثيره على بقية بيت الشعر الذي كان يُستعمل فيه من حيث الوزن، فوجدوه مثلًا يؤدي إلى حذف أحرفٍ أخرى أو إدغام حروفٍ أخرى غيرها. ولقد احتفظَت هذه القصائد أيضًا بأشكالٍ عتيقة وكلماتٍ قديمة افتقَدنا معناها الأصلي، وكذلك احتفظَت بهذا الأسلوب الذي يغلب عليه ميلُه إلى استعمال الألفاظ الفخمة والرنانة. وكان هناك ميل في القرن التاسع عشر في أوروبا؛ أي في الوقت الذي ساد فيه المذهب الرومانتيكي في الأدب الأوروبي إلى إيجاد نوعٍ من المقارنة بين هذه القصائد وبين القصائد الشعبية الجرمانية أو الاسكندنافية. وقد ظهر هذا الرأي على الأخص عند علماء اللغة من الألمان. وتبع الألمانَ بعضُ العلماء من الفرنسيين، وعلى الأخص العالم الفرنسي فكتور بيرار. ونُلاحظ نفس الملاحظة عندما نُقبل على دراسة الوقائع والحوادث التي تشتمل عليها هذه القصائد وعلى الأخص الإلياذة كالأدوات التي يستعملها الإنسان أو المساكن التي يقطن فيها، وبالجملة مظاهر الحياة أو الحياة نفسها. وإذا كان علماء اليونان الذين قاموا بحفائر في موكيناي وكورينث وطروادة قد كشفوا عن آثارٍ دلَّت على أنه كانت هناك حضارة ميسينية Missenian Civilization قبل الغزوات التي قامت بها القبائل الدورية Dorians؛ من أجل ذلك مال الناسُ في ذلك الوقت؛ أي في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي عُملَت فيه هذه الحفائر، إلى الأخذ بالرأي القائل بأن هذه القصائد احتوت على وصفٍ شامل لمظاهر تلك الحضارة الميسينية الباهرة. ويبدو هذا الرأي واضحًا جدًّا فيما كتبه العالمان الألمانيان هلبنج Helbing وولف Wolf. وفي كُتب هذَين المؤلِّفَين ملاحظاتٌ هامة دقيقة. أما في الوقت الحاضر فقد قل أتباعُ هذا الرأي، وأصبح المؤرخون لا يميلون إليه كليةً، كما يدُل على ذلك ما كتبه المؤرخ الألماني شميدت. وبالرغم من هذا الرأي الذي ينكر كل أثرٍ من آثار الحضارة الميسينية في قصائد هوميروس، فما زال هناك نفَرٌ من المؤرخين يقول بأنه في الإمكان العثور على آثارٍ كثيرة تدُل على هذه الحضارة في قصائد هوميروس. وهي تلك الحضارة التي كانت مزدهرةً قبلها بوقتٍ طويل أو قصير. أما المؤرخ الألماني إدوارد ماير Edward Meyer فيقول في كتابه «عن تاريخ العالم القديم» Histoire de l Antiquié إن هوميروس حينما يتكلَّم في قصائده عن مدينة طيبة Thebes إنما يعني بها تلك المدينة التي كانت مزدهرة في عهد الأُسرتَين التاسعة عشرة والعشرين، ولا يقصد بها في رأيه تلك المدينة التي كانت في عهد الملك شيشونج Scheshong وهي التي كانت تُعاصِر هوميروس، والتي قال عنها هوميروس في الإلياذة في الأنشودة التاسعة في الأبيات ٣٨١-٣٨٢ ما يأتي: طيبة ذات الأبواب المائة التي يهجم من كل بابٍ منها مائتا مُحاربٍ بالجياد والعربات. وهذا الوصف في رأي ماير وصفٌ لمدينة طيبة في عهد الأُسْرتَين التاسعة عشرة والعشرين، وهي التي عَرفَها أحد اليونان وهم الآخيون. وكان بين هؤلاء الآخيين وبين ملوك هاتَين الأُسرتَين صلاتٌ وعلاقاتٌ وثيقة جدًّا، كما دلَّت على ذلك الهدايا المختلفة التي تُبودِلَت بين ملوك مصر وملوك الميسينيين أو الآخيين. وحقيقة الأمر أن أحدًا لم يذكُر شيئًا عن حفر السور العظيم المحيط بمدينة طيبة الذي به مائة باب؛ لذلك فإن الأبيات التي أوردَها هوميروس عن طيبة لا تدل على شيء، ولا تدُل على أنه يقصد بها طيبة في الأُسرتَين التاسعة عشرة والعشرين أو في عهد شيشونج، وإنما هي من نوع أدب اليونان، فيُقال طيبة ذات الأبواب المائة، دون تحديدٍ على وجه الدقة. الأوديسة
الأنشودة الرابعة عشرة أوديسيوس يعثر على راعي خنازيره ذهب أوديسيوس من الميناء خلال الممر الوَعْر صاعدًا عَبْر الغابة ووسط المرتفعات إلى المكان الذي أوجبَت عليه أثينا أن يبحث فيه عن راعي الخنازير العظيم، والذي كان يرعى أمواله دون سائر العبيد الذين كان يمتلكهم أوديسيوس العظيم. وجده جالسًا في رَدهةِ منزله الأمامية، حيث قد أُقيم هناك السور مرتفعًا في مكانٍ يُطل على منظرٍ متسع، ساحة عظيمة رائعة، تُحيط بها بقعة خلاء. وكان راعي الخنازير قد شيَّد هذا السور بنفسه لخنازير سيده، الذي رحل دون علم سيدته والعجوز لايرتيس، فبَناه بالحجارة الضخمة وغطَّاه من فوق بالأشواك. وبطوله كله، من الخارج، دفَع أوتادًا، هناك وهناك، أوتادًا ضخمة، متراصَّة أحدها بجانب الآخر، صنعَها بأن شَق شجرة بلُّوط حتى قلبها الأسود،١ وشيَّد خلف السور اثنتَي عشرة حظيرة، كلٌّ منها بجانب الأخرى، كفِراشٍ للخنازير، وقد حجز في كل حظيرة خمسين خنزيرةً تتمرَّغ على أرضها، أنثى للنسل، أما ذكور الخنازير فكانت تنام خارج الحظائر. وكانت هذه أقل عددًا من الإناث بكثير؛ إذ كان المغازلون شبيهو الآلهة يُولِمون عليها، فقلَّلوا من عددها؛ لأن راعي الخنازير كان يُقدِّم دائمًا أحسن جميع الخنازير المسمَّنة، التي كانت تربو على الثلاثمائة والستين. وكانت تنام بجانب هذه باستمرار، أربعةُ كلابٍ متوحشة كالحيوانات الضارية، كان قد ربَّاها راعي الخنازير، قائد البشر. أما هو نفسه فكان يلبس حول قدمَيه حذاءً طويلًا، يصنعه بقطع جلد ثورٍ جميل اللون، بينما يرحل الآخرون ثلاثتهم؛ واحدٌ هنا، والآخر هناك، والثالث مع قطعان الخنازير. أما الرابع فيرسله إلى المدينة يسوق خنزيرًا ذكرًا بالقوة، إلى المغازلين الوقحين، ليذبحوه، ويملئوا بطونهم باللحم. وبينما أوديسيوس يسير إذ أبصَرتْه الكلاب النابحة فجأة، فهجمَت عليه … وأَسقَط أوديسيوس العُكَّاز من يده. راعي الخنازير يدفع عن أوديسيوس الكلاب النابحة وبينما أوديسيوس يسير إذ أبصَرتْه الكلاب النابحة فجأة، فهجمَت عليه وهي تنبح نُباحًا عاليًا، غير أن أوديسيوس جلَس بدهائه وأسقط العكاز من يده. وعندئذٍ حتى في مزرعته، كان عليه أن يقاسي جرحًا بالغًا، ولكن راعي الخنازير جرى خلفها بسرعة، وهُرِع خلال الباب، فسقَط الجلد من يده. وصاح في الكلاب عاليًا، وطردها بعيدًا بسيلٍ من الأحجار، وخاطب سيده بقوله: «أيها العجوز لقد كادت الكلاب، حقًّا، أن تُمزِّقكَ إربًا على حين غِرة، وعندئذٍ كنت تُنحي عليَّ باللائمة. نعم، وكانت الآلهة تبتليني بأحزان وهمومٍ أخرى. إنني لأحزن وأبكي من أجل سيدٍ شبيه بالإلهة، طُولَ إقامتي هنا، أرعى خنازيره السمينة ليأكلها رجالٌ آخرون، بينما ربما كان هو في حاجة إلى الطعام وهو يطوفُ خلال أرض ومدينة قوم غريبي اللسان، لو كان حقًّا على قيد الحياة ويرى ضوء الشمس. هيا معي، دَعْنا نذهب إلى الكوخ، أيها العجوز، حتى إذا ما ملأتَ بطنك بالطعام والخمر، أخبرتَني من أين قدِمتَ وجميع الأهوال التي قاسيتَها.» راعي الخنازير يستقبل أوديسيوس في كوخه ما إن قال راعي الخنازير الطيب هذا الكلام حتى قاده إلى الكوخ، وأدخلَه، وأجلَسه، وفرشَ له أغصانًا غليظة كانت مقطوعة، وبسَط فوقها جلد ماعزٍ بري أشعث، كبيرٍ كَثِّ الشعر، كان من عادته أن ينام فوقه، فسُرَّ أوديسيوس من الترحيب بهذه الطريقة، وتكلَّم قائلًا: «أيها الغريب، إني لأطلُب من زوس والآلهة الآخرين الخالدين أن يمنحوك أقصى ما تشتهي؛ حيث إنك قد رحَّبتَ بي بقلبٍ رضي.» فأجابه يومايوس Eumaeus راعي الخنازير بقوله: «أيها الغريب، لا يحق لي أن أستهينَ بغريب، مهما كان، حتى ولو كان شخصًا أكثر منك وضاعة؛ لأن جميع الغرباء والسائلين من زوس، والهدية، مهما صغُرتْ، يُرحِّب بها أمثالُنا؛ حيث إنها نصيب العبيد، الذين يعيشون في خوفٍ دائم متى تَسلَّط عليهم سادتُهم أشباه الملوك — سادةٌ صغار كسادتنا — لأن الآلهة، بحقٍّ قد منعَت عودة ذلك الذي كان يُحبُّني ويعطف عليَّ العطف كله، ويهبُني أنا نفسي ممتلكاتٍ، منزلًا وقطعة أرض، وزوجة، تَقدَّم إليها كثيرٌ من المغازلين، ومثل تلك الأشياء التي يمنحها السيد الرحيم عبده الذي يتعب كثيرًا من أجله، والذي يُكلِّل الرب سائر أعماله بالفلاح، كما ينجح هذا العمل، الذي أُعيره كل اهتمامي؛ وعلى ذلك ليت سيدي قد طعَن هنا في السن، في منزله، وعندئذٍ كان يكافئني بسخاء، ولكنه هلك — كما أظن أن جميع أقارب هيلينا Helen٢ قد هلَكُوا في خرابٍ شامل؛ إذ إنها أرخَت رُكَب محاربين عديدين. ولقد رحل هو أيضًا إلى إليوس لكسب التعويض لأجاممنون، ليقاتل الطرواديين في إليوس الشهيرة بجيادها.» يومايوس يُكرم أوديسيوس ويُحدِّثه عن سيده الغائب ما إن قال هذا حتى شدَّ مدرعتَه بحزامه في سرعة، وذهب إلى الحظائر، حيث كانت قطعان الخنازير محبوسة. وبعد أن انتقى منها خنزيرَين، أحضرهما إلى الداخل ونحرهما كلَيهما، وهو يُغني، وقطع أجزاءهما، ووضعها في السفُّود وبعد أن نضج الشواء، حملَه كله ووضَعه أمام أوديسيوس ساخنًا فوق السفافيد، ونثر فوقَها مطحون الشعير الأبيض. وبعد ذلك خلط في طاس من خشب العليق خمرًا في حلاوة العسل، وجلس هو نفسه قبالة أوديسيوس، يأمره بتناول الطعام، قائلًا: «تفضَّل الآن، أيها الغريب بتناول هذا الطعام الذي يُقدِّمه الخدم، لحم الخنانيص؛ إذ إن الخنازير المسمَّنة يأكلها المغازلون الذي لا يتَّقون غضب الآلهة في قرارة نفوسهم، وليس في قلوبهم أي عطف. حقًّا إن الآلهة المباركة لا تُحب أعمال الرعونة، بل تُبجل العدالة وأعمال البشر العادلة. أما الأعداء القساة الذين يطئون بأقدامهم أرض غيرهم، ويُعطيهم زوس الغنيمة، فيملئون سُفنهم ويرحلون إلى أوطانهم — ولكن على قلوب هؤلاء ينزل خوفٌ عظيم من غضب الآلهة — ولكن هؤلاء الرجال هنا، يُشاهِدونك ويعرفون شيئًا ما، وقد سمعوا صوت بعض الآلهة فيما يختص بميتةِ سيدي المؤسفة، حيث إنهم لا يغازلون بأيِّ حق، ولن يعودوا إلى بيوتهم بل يُطلِقون لأنفسهم الحبل على الغارب فيُبدِّدون أموالنا بطريقةٍ وقحة، فلا يبقى هناك أي فائض. وكل يومٍ وليلةٍ يأتيان من لدن زوس، لا يُقدِّمون فيهما ذبيحةً واحدة ولا اثنتَين فقط، بل يأخذون الخمر، ويُسرِفون في شربها بصفةٍ وقحة. لقد كانت أموال سيدي بحقٍّ تفوق الحصر، وما كان لديه لم يكن لدى سيدٍ آخر، لا فوق اليابسة المظلمة، ولا في إيثاكا نفسها، كلا، فلم يملك، حتى عشرون رجلًا معًا ثروةً عظيمة كتلك. وللعجب، أنني سوف أروي لك القصة، فكان له اثنا عشر قطيعًا من الأبقار فوق اليابسة، وقطعانٌ كثيرة من الأغنام، وقطعانٌ عديدة من الخنازير، وكثيرٌ من قطعان الماعز بقَدْر ما يستطيع الرعاة أن يرعَوا، سواء أكانوا من الأجانب أو من أبناء شعبه. وهنا أيضًا ترعى قطعانٌ هائمة من الماعز فوق حدود الجزيرة، تعدادها أحد عشر قطيعًا، يقوم بحراستها رجالٌ ثقات. وكل رجل من هؤلاء يأخذ باستمرار، يومًا بعد يوم عنزًا من قطيعه إلى المغازلين، خير ما عنده من المعيز المسمَّنة. أما أنا، فأحرس وأرعى هذه الخنازير، وأنتقي بعناية خيرَ الخنازير الذكور فأُرسِله إليهم.» أوديسيوس يسأل الراعي مزيدًا من المعلومات عن سيده هكذا قال، بينما كان أوديسيوس يلتهم اللحم في شغف٣ ويشرب الخمر، بنهمٍ وهو صامت، يُدبِّر الشر للمغازلين،٤ فلما فرغ من الطعام، وملأ بطنه،٥ أخذ راعي الخنازير الكأس التي كان من عادته أن يشرب فيها، وملأها خمرًا، وقدَّمها لأوديسيوس مملوءة بالخمر حتى نهايتها، فتناولها، وسُر في قلبه، وتكلَّم، يخاطبه بعباراتٍ مجنحة،٦ قائلًا: «أي صديقي، من ذا الذي اشتراك بأمواله، أهو رجل في غاية الثراء والقوة، كما تصف؟ قلتَ إنه مات ليكسب التعويض لأجاممنون، أخبرني باسمه، فربما عرفتُه، إذا كان هو بذلك الوصف؛ لأنه في اعتقادي، أن زوس والآلهة الخالدين الآخرين يعلمون ما إذا كنتُ قد رأيتُه، وأستطيع أن أُخبرك عنه شيئًا؛ لأنني تجوَّلتُ في بلادٍ بعيدة.» يومايوس يشيد بسيده وبشوقه إلى رؤيته فَردَّ عليه بعد ذلك راعي الخنازير، قائد البشر، فقال: «أيها العجوز، ما من جائلٍ قد جاء بنبأ عنه واستطاع أن يجعل زوجته وابنه العزيز يُصدِّقانه، كلا، إن أخبارهم كلامٌ عابر كيفما اتفَق، فإذا ما احتاج أبناء السبيل إلى من يدعوهم إلى داره، ويكرمهم، جلسوا وليس في نيتهم أن يقولوا الحقيقة. وكل من أتى في رحلاته إلى بلاد إيثاكا، ذهب إلى سيدتي وقَصَّ على مسامعها حكايةً خدَّاعة. وإذ تستقبله بكرم، تُقدِّم له وليمة وتسأله عن كل شيء، فتَذرِف العبرات من مقلتَيها، وهي تبكي كما هو سبيل المرأة، عندما يموت زوجها بعيدًا، وما أسرعَكَ أنت أيضًا، أيها العجوز، أن تَحيكَ قصة، لو أن أحدًا أعطاك عباءة وجلبابًا ترتديها! أما عن سيدي، فمن المحتمل أن تكون الكلاب والطيور السريعة قد مزَّقَت اللحم من عظامه وفارقَتْه روحه، أو أن الأسماك قد أكلَته في البحر، وعظامه ملقاةٌ على أحد الشواطئ، يُغطِّيها الرمل العميق. هكذا بادَ هو هناك، وقُدِّر الحزن لأهله في الأيام المقبلة، للجميع، بل لي أنا بصفةٍ خاصة؛ لأنني لن أجد قَط سيدًا بتلك الطيبة، مهما بعُد المكان الذي أذهب إليه، ولا حتى إذا عُدتُ ثانيةً إلى بيت أبي وأمي، حيث وُلِدتُ منذ البدء، وقاما أنفسهما بتنشئتي. ومع ذلك فلن أبكيهما هكذا كثيرًا منذ الآن، رغم اشتياقي إلى أن تراهما عيناي وإلى أن أكون في وطني، كلا، فلا يتملَّكُني الشوق إلا إلى أوديسيوس، الراحل. إنني أذكر اسمه بالاحترام، أيها الغريب، بالرغم من غيابه؛ لأنه كان يحبني حبًّا جمًّا، وكان يهتم بي في قلبه غاية الاهتمام، وإنني لأدعوه مولاي المحبوب، رغم عدم وجوده هنا.» أوديسيوس يُقسِم للراعي بأن سيده سيعود عندئذٍ أجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، قائلًا: «أيها الصديق، ما دُمتَ تُنكِر نكرانًا باتًّا، وتعلن أن أوديسيوس لن يعود ثانية، وقلبك دائمًا عديم الإيمان، إذن فسأخبرك ليس مجرد إخبارٍ كيفما اتفق ولكن بالقَسَم، أن أوديسيوس سيعود. ودعني أنل جائزةً على أنني قد حملتُ لك نبأً مفرحًا؛ فبمجرد مجيئه، ووصوله إلى البيت، عليكَ أن تُلبسَني عباءةً وجلبابًا، من الملابس الأنيقة، ولكني لن أقبل شيئًا قبل ذلك، مهما كانت حاجتي شديدة؛ لأنني أمقت ذلك الرجل، الذي، وقد استسلم لضغط الفقر، فأخذ يقُص حكاياتٍ خدَّاعة، بقَدْر مقتي لأبواب هاديس. والآن، كن شاهدي يا زوس، يا من تعلو على جميع الآلهة، وأنتِ أيتها المائدةُ المضيافة، ويا مدفأة أوديسيوس النبيل التي قد جئتُ إليها، بأنه ستتحقَّق كل هذه الأشياء التي سأُخبرك بها. في خلال نفس هذا اليوم،٧ سيأتي أوديسيوس إلى هنا، بمجرد أن يأفُل القمر القديم ويظهر القمر الجديد. إنه سيعود وينتقم من جميع أولئك الذين هنا لا يُبجِّلون زوجته ولا ابنه المجيد.» يومايوس لا يُصدِّق كلام أوديسيوس فرددتَ عليه إذن، يا يومايوس راعي الخنازير فقلتَ: «أيها العجوز، يبدو أنني لن أمنحك هذه الجائزة على الإتيان بالبشرى المفرحة، كما أن أوديسيوس لن يعود قَط إلى بيته، كلا يا سيدي اشرب في سلام، ودعنا نفكِّر في أشياءَ أخرى، ولا تُعِد إلى ذهني هذه الذكرى؛ إذ يتملَّك الحزن قلبي الكائن في صدري كلما ذكر أحدٌ شيئًا عن سيدي الطيب. أما قسمك، فلنتركه كما هو، ومع ذلك فإنني أتمنى أن يجيء أوديسيوس، كما أشتهي أنا وبينيلوبي، والعجوز لايريتس، وتيليماخوس الشبيه بالإله. وها أنا ذا الآن لا أكُف عن الحزن، من أجل تيليماخوس الذي أنجبه أوديسيوس؛ فعندما جعلَته الآلهة بنُموٍّ فارع الطول أشبه بعود الزان، ظننتُ أنه لن يكون بين البشر، بأية حال، أقلَّ من أبيه العزيز، رائع المنظر والقوام، ولكنَّ أحد الخالدين شوه روحه الحكيمة في داخله، أو ربما كان شخصًا ما، فذهب إلى بولوس المقدسة يستقي الأخبار عن والده، فإن المغازلين الأمجاد ليكمنون له وهو عائد من رحلته إلى الوطن، كي يَهلِك نسل أركايسيوس Arceisius الشبيه بالإله ويبيدوا من إيثاكا، فلا يبقى له اسم. بيد أننا ولا ريب سنُبقيه؛ فقد يُؤسَر، أو قد يهرب، وعندئذٍ يمُد ابن كرونوس يده ليحميَه، ولكن، هيا الآن، أيها الرجل العجوز، أخبرني عن همومك، وأعلنها لي في صراحة، كي أكون على علمٍ تام بكل شيء، من أنت بين البشر، ومن أين قَدِمتَ؟ أين مدينتك، وأين والداك؟ على أي نوعٍ من السفن أتيت، وكيف جاء بك البحارة إلى إيثاكا؟ وما جنسيتهم التي أخبروك بها؟ لأنه، حسب اعتقادي، لم تأتِ، بأية حال من الأحوال، ماشيًا على قدمَيك إلى هنا.» أوديسيوس يصارح الراعي بكل شيء عن نفسه عندئذٍ أجابه أوديسيوس، الكثير الحيل، بقوله: «إذن فلأَرْوين لك حقًّا كل شيء في صراحة. ليتنا الآن نحن الاثنَين نتناول الطعام والخمر العذبة في الحال، كي نُولِم هنا في كوخكَ في هدوء بينما ينصرف الآخرون هنا وهناك إلى أعمالهم؛ فعندئذٍ يكون من السهل أن أقُصَّ عليك حكايتي وأستمر في سردها سنةً كاملة، ومع ذلك فلن أنتهي من قصة المحن التي كابدَتها روحي؛ جميع المهام التي تحمَّلتُها بإرادة الآلهة. لقد أتيتُ من كريت الفسيحة، وإنني بالنسب، ابن رجلٍ ثري. وقد وُلِد ونشأ له أبناءٌ كثيرون غيري في ساحاته، أبناءٌ حقيقيون من زوجةٍ شرعية، ولكن الأم التي أنجبَتْني اشتُريت، لقد كانت خليلة. ومع ذلك فإن كاستور Castor، ابن هولاكوس Hylax الذي أُعلن أنني أنحدر منه، قد بجَّلَني تمامًا كأبنائه الحقيقيي المولد. وكان هو في ذلك الوقت مُبجَّلًا كإلهٍ وسط الكريتيين في البلاد من أجل ضَيعته العظيمة وثروته، وأبنائه الأمجاد. غير أن مقادير الموت حملَتْه بعيدًا إلى بيت هاديس، واقتسم أبناؤه المتغطرسون ثروتَه فيما بينهم، مقترعين عليها. أما أنا فأعطَوني حصةً ضئيلة وخصُّوني بمسكن، فاتخذتُ لي زوجة من بيتٍ ثري واسع الممتلكات؛ إذ حظيتُ بها بشجاعتي؛ لأنني لم أكن آنئذٍ ضعيفًا، ولا رعديدًا في القتال. والآن قد غادَرتْني كل تلك القوة، ومع ذلك فبالرغم من هذا، تستطيع إذا ما نظرتَ إلى حُطامي الباقي، أن تحكُم، حسب اعتقادي، بما كان لي من قوة؛ فالمصائب تُحيط بي، حقًّا، بأقصى درجة. غير أن أريس وأثينا، منحاني الشجاعة وقتئذٍ والقوة التي تُحطِّم صفوف الرجال، وكلما نصبتُ كمينًا لمن أختاره من خيرة المحاربين، باذرًا لعدوي بذور الشر، ما كانت روحي الشامخة ترهَب الردى، بل كنتُ البادئ بالانقضاض على العدو، وقَتلِه برمحي، وهو يُطلِق العنان لقدمَيه فرارًا من أمامي.٨ هكذا كنتُ أنا في الحرب، أما العمل في الحقل فلم يكن حبيبًا إلى نفسي إطلاقًا، ولا الاهتمام بشئون البيت، التي تُنشئ خير الأطفال، بل كنتُ أميل دائمًا إلى السفن ذات المجاذيف، شغوفًا بالحروب، والرماح المصقولة، والسهام، أدوات الجد، التي كان من عادة غيري أن يرتعد منها، ولكن تلك الأشياء، كما أعتقد، كانت عزيزة عندي؛ إذ وضَعَها الرب في قلبي؛ لأن مختلف الرجال يجدون متعةَ في شتى الأعمال؛ فقبل أن تطأ أقدام أبناء الآخيين أرض طروادة، كنتُ تسع مراتٍ قد اضطلعتُ بقيادة محاربين وسفنٍ سريعة الإبحار ضد أقوامٍ أجانب، وسقطَت في يدي الغنائم الهائلة في كل مرة، فكنتُ أختار منها ما يروقني، كما كنتُ أنال كثيرًا منها بالاقتراع. بهذه الطريقة أُثري منزلي بسرعة، وصرتُ فيما بعدُ رجلًا يُخشى بأسُه ومُبجَّلًا وسط الكريتيين. بيدَ أنه عندما دبَّر زوس، الذي يحمل صوته نائيًا تلك الرحلة الممقوتة التي أرخَت رُكَب كثيرٍ من المحاربين؛ عندئذٍ أمروني، أنا وإيدومينوس المجيد بأن نتولى قيادة السفن إلى إليوس، ولم يكن هناك سبيل لأن نرفض؛ إذ أخذ صوتُ الشعب يضغط علينا بشدة، فحاربنا هناك، نحن أبناء الآخيين، لمدة تسعِ سنوات، وفي السنة العاشرة سلَبنا مدينة بريام، ورحلنا في السفن إلى وطننا، وبدَّد أحد الآلهة شمل الآخيين. أما أنا الرجل الشقي، فقد دبَّر لي الشر، زوس، المستشار. بقيتُ في سرور مع أولادي، لمدة شهرٍ واحد، ومع زوجتي الشرعية، وسط ثروتي، غير أن روحي أمَرتْني بعد ذلك بالسفر إلى مصر مع رفقائي الشبيهي بالآلهة، بعد أن زوَّدتُ سفني جيدًا بالمعدَّات، تسع سفنٍ أعددتُها، وتجمَّع الجيش في سرعة. راح زملائي الأوفياء، بعد ذلك، يُولِمون لمدة ستة أيام، وأعطيتُهم كثيرًا من الذبائح، كي يُقدِّموها للآلهة، ويُعِدُّوا وليمة لأنفسهم، وفي اليوم السابع ركبنا السفن وأقلعنا من كريت الفسيحة، بينما تهُب الريح الشمالية رقيقةً ومعتدلة، وأخذنا نشُق طريقنا في سرعة وسهولة كأننا مع التيار. ولم تُصَبْ أية سفينة من سفني بضررٍ ما، بل كنا نجلس في مُنحنًى من الشر والمرض، وطفِقَت الريح ومدير الدفَّة يقودان السفن. وصلنا في اليوم الخامس إلى أيجوبتوس Aegyptus الهادئ الجريان، فأرسَيتُ سُفني المقبية في نهر أيجوبتوس؛ عندئذٍ أمرتُ زملائي المخلصين بالبقاء هناك بجوار السفن، وبحراستها، وأرسلتُ العيون إلى أماكن الاستطلاع. غير أن رفقائي، وقد خلعوا عذارهم للشهوة، مدفوعين بما لديهم من قوة، راحوا من فَورِهم يُخربون حقول رجال مصر الجميلة، وخطفوا النساء وصغار الأطفال، وقتلوا الرجال، فبلغ الصراخُ بسرعةٍ المدينة، فلما سمع أهلُها الصياح، هُرع الناس مع الفجر، وامتلأ السهل كله بالمُشاة، وبالعربات وببريق البرونز، ولكن زوس، الذي يقذف بالصاعقة، ألقى ذعرًا رهيبًا على رفاقي، ولم تعُد لدى أي واحدٍ منهم الشجاعة للثبات ومواجهة العدو؛ إذ أحاط بنا الأذى من كل ناحية؛ وعلى ذلك قتَلوا منا بالبرونز الحادِّ نفرًا كثيرًا، وأسروا آخرين إلى مدينتهم، ليُسخِّروهم بالقوة في أعمالهم، أما أنا فقد ألهمَني زوس هذه الفكرة — وليتني مت ولقيتُ حتفي هناك في مصر؛ إذ كان الحزن يُرحِّب بي وقتئذٍ، — فأسرعتُ بخلع خوذتي الجيدة الصنع عن رأسي، وألقيتُ بالترس عن كتفي، وتركتُ الرمح يسقُط من يدي، وانطلقتُ نحو جياد عربة الملك، وعندئذٍ أمسكتُ ركبتَيه، وقبَّلتُها فأعتقَني وأشفق عليَّ، فأركبَني في عربته وأخذني، وأنا أبكي إلى منزله. والحق أن كثيرين منهم هجموا عليَّ برماحهم الدردارية، قاصدين قتلي؛ إذ كانوا يتميَّزون حنقًا، ولكنه أبعدَهم، محترمًا غضب زوس، ربِّ الغرباء، الذي يحتقر الأعمال الشريرة أكثر من جميع الآخرين. بقيتُ هناك سبعَ سنوات، جمعتُ في خلالها ثروةً طائلة من المصريين؛ إذ قدَّم لي الجميع الهدايا. بيد أنه عندما وافت السنة الثانية الدوَّارة، أقبل رجلٌ من فينيقيا Phoenicia،٩ على شيءٍ كثير من البراعة في الخداع، خبيث وطماع، فحاك لي الشر العظيم وسط الناس. لقد بذَّني في دهائه، وصَحِبني معه حتى بلغنا فينيقيا، حيث يُوجد بيته وممتلكاته، ومكثت معه في هذا المكان سنةً كاملة. وما إن اكتملَت الشهور والأيام أخيرًا، بمرور العام، وأقبلت الفصول، حتى وضعَني على ظهر سفينةٍ عابرة للبحار متجهةٍ نحو ليبيا،١٠ بعد أن ادَّعى كاذبًا أنني سأحمل له شحنة إلى هناك، ولكنه كان يقصد أن يبيعني بثمنٍ مرتفع؛ وعلى ذلك ركبتُ معه السفينة، وأنا أشُكُّ في نيته وخداعه، ولكن لم تكن لي حيلة، فأخذَت السفينة تمخُر عُباب اليم أمام الريح الشمالية التي كانت تهُب عليلةً هادئة، متخذة طريقها وسط البحر نحو ريح كريت، ودبَّر زوس الهلاك للرجال. وعندما غادرنا كريت، وابتعَدنا عن اليابسة فلم نعُد نراها، بل ما كنا نبصر غير السماء والبحر، أرسل ابن كرونوس غمامةً سوداء فوق السفينة الواسعة، فشمل الظلام البحر أسفلَها، وعندئذٍ أرعد زوس، وقذف صاعقتَه على السفينة، فترنَّحتْ من حيزومها إلى كوثلها، وقد أصابتها صاعقة زوس، فامتلأَت بدخان الكبريت، ووقع جميع البحارة خارج السفينة، فحملَتهم الأمواج حول السفينة السوداء، كأنهم غربان، وسلبهم الرب عودتهم. أما أنا فقد تحنَّن عليَّ زوس عندما فاض قلبي بالمحن، فوضَع في يدي صاري السفينة الدكناء المقدمة المتموِّج١١ كي أستطيع النجاة مرةً أخرى من الهلاك، فتشبَّثتُ به، وحملَتني الرياح العاتية. وهكذا بقيتُ محمولًا تسعة أيام حتى كانت الليلة العاشرة الظلماء حملتني اللجَّة المتدحرجة إلى بلاد الثيسبروتيس Thesprotians، فأخذَني السيد فايدون Pheidon ملك الثيسبروتيس، ولم يطلب مني فدية؛ إذ وجدَني ابنُه العزيز، وقد برَّح بي القَر والتعَب، فرفعَني من يدي، وقادني حتى بلغتُ قصر أبيه، وألبسَني معطفًا وعباءةً يستران جسدي.١٢ هناك سمعتُ عن أوديسيوس؛ لأن الملك قال إنه أكرم وفادته، ورحَّب به وهو في طريقه إلى وطنه، وأراني جميع الكنوز التي جمعَها أوديسيوس، من البرونز والذهب والحديد، مصنوعة بمهارة، والحق يُقال إنها لتكفي إطعام أطفاله حتى الجيل العاشر من بعده؛ فلقد كانت الثروة الموضوعة في ساحات الملك محفوظةً له، عظيمةً بالغة، ولكنه قال، إن أوديسيوس قد رحل إلى دودونا Dodona،١٣ ليعرف مشيئة زوس من شجرة بلُّوط الرب الشامخة، وكيف يستطيع العودة إلى أرض إيثاكا الخصبة بعد مثل ذلك الغياب الطويل، سواء عرف ذلك جهرًا أو سرًّا. وزيادةً على ذلك فقد أقسم في حضوري، وهو يصُب السكائب في بيته، أن السفينة قد أُنزلَت إلى الماء واستعد الرجال الذين كان عليهم أن يحملوه إلى وطنه العزيز غير أنه أرسلني أنا أولًا؛ إذ تصادَف أن كانت إحدى سفن الثيسبروتيس راحلة إلى دوليخيوم Dulichium، محمَّلةً قمحًا، فأمرهم أن ينقلوني إلى هناك في عنايةٍ كريمة، إلى الملك أكاستوس Acastus،١٤ بيد أن رأيًا شريرًا لقي الحَظْوة في قلوبهم، لكي ينالني أنا أيضًا شقاءٌ شامل؛ فما إن ابتعدَت السفينة ماخرةً البحار عن اليابسة، حتى سعَوا إلى أن يدفعوني من فورهم إلى يوم العبودية، فجرَّدوني من ملابسي، معطفي وعباءتي، وألبسوني ملابسَ أخرى، معطفًا وعباءة حقيرَين مهلهلَين، هي هذه الأسمال البالية التي تراها أمام عينَيك، ولما أقبل المساء بلغوا حقول إيثاكا المفلوحة البادية للناظرين. فقيدوني بعد ذلك بحبلٍ مفتول، وربطوني في السفينة ذات المقاعد، ونزلوا هم أنفسهم إلى الشاطئ، وأسرعوا يتناولون عَشاءهم بجوار شاطئ البحر. أما أنا فقد حلَّت الآلهة أنفسها قيودي في سهولةٍ تامة، وبعد أن لففتُ العباءة المهلهلة حول رأسي، انزلقتُ أسفل الدفَّة١٥ الملساء، متجهًا بصدري نحو البحر، ثم أخذتُ أضربُ الماء بكلتا يدَي، وسبحتُ، وبغاية السرعة كنتُ خارج اليم، بعيدًا عنهم. بعد ذلك صَعِدتُ إلى مكانٍ دغل من الأشجار الكثيفة الأوراق، حيث بقيتُ مختبئًا. فأخذوا يبحثون عني هنا وهناك وهم يُرسِلون الصيحات عالية، ولكن لمَّا بدا لهم عدم جدوى التوغُّل في البحث، عادوا أدراجهم إلى ظهر سفينتهم الواسعة. وكانت الآلهة أنفسها قد أخفَتْني في سهولة، وأحضَرتْني بقيادتها إلى صنيعة رجلٍ حكيم؛ لأنه كان لا يزال من حظي أن أعيش.» يومايوس لا يُصدِّق رواية أوديسيوس فأجبتَه إذن يا راعي الخنازير يومايوس، وقلتَ: «يا لكَ من رجلٍ غريبٍ تعيس! لقد أثَّرتَ حقًّا في قلبي، تأثيرًا عميقًا، بسردك كل قصة متاعبك وتجوالاتك، ولكنك في هذا، حسب اعتقادي، لم تذكُر الحقيقة، كما أنك لن تجعلني بها أُصدِّق ما رويتَه عن أوديسيوس، لماذا تبقى أنت، يا من عانيتَ مثل هذه الأهوال، بدون قصد؟ كلا، فإنني من تلقاء نفسي أعرف جيدًا ما يتعلق بعودة سيدي، إنه كان ممقوتًا أشد المقت لدى جميع الآلهة؛ ولذلك لم يقتلوه وسط الطرواديين، أو بين سواعد أصدقائه، عندما انتهى من معمعان القتال؛ عندئذٍ كان سائر جيش الآخيين قد أقاموا له قبرًا، وكان ينال ابنه كذلك بالغ المجد في الأيام المقبلة، ولكن الذي حدث أن أرواح العاصفة جرفَتْه بعيدًا، ولم تترك عنه أي خبر. وأنا من ناحيتي، أعيش هنا منعزلًا مع خنازيري، لا أذهب إلى المدينة، إلا إذا تصادَفَ أن أَمرتْني بينيلوبي العاقلة بالتوجُّه إليها، عندما يصلها نبأٌ من أي مكان؛ عندئذٍ يجلس الناس حول مَن أتى بالأخبار، ويسألونه عن قرب، أولئك الذين يحزنون من أجل سيدهم، الذي رحل منذ مدةٍ طويلة، ومن يغتبطون وهم يأكلون أمواله بدون كفَّارة. أما أنا فلا أهتم بالسؤال أو الاستفسار، منذ أن خدعَني رجل إيتوليٌّ بقصة، رجل كان قد قتل شخصًا آخر، وبعد أن هام على وجهه عَبْر الأرض الفسيحة جاء إلى منزلي، فأحسنتُ استقباله والترحيب به، قال إنه رأى أوديسيوس وسط الكريتيين في قصر إيدومينيوس، يُرمِّم سفنه التي حطَّمَتها الأعاصير، وأخبَرنا أن أوديسيوس سيجيء إما صيفًا وإما في فصل الحصاد، يحمل معه كنزًا عظيمًا مع رفقائه الشبيهي الآلهة. كذلك أنت، أيها الرجل العجوز، يا من قاسيتَ كثيرًا من الأحزان، فطالما أن أحد الآلهة قد أحضركَ إليَّ، فلا تُحاول أن تكسب رضاي بالأكاذيب، ولا أن تتملَّقني بأية حالٍ من الأحوال، فلن أُبدي احترامي لك أو العطف نحوكَ بسبب تلك المختلَقات، وإنما خوفًا من أوديسيوس، إله الغريب، وشفقةً بك.» أوديسيوس والراعي يعقدان ميثاق اتفاق عندئذٍ أجابه أوديسيوس ذو الحيل العديدة، قائلًا: «حقًّا يا لكَ من رجل في صدره قلبٌ بطيء الإيمان! إذ إنني، وقد أقسمتُ لك هكذا، لم أُقنِعك ولم أُحرِّك فيك ساكنًا، ولكن هلُم بنا الآن، دعنا نعقد ميثاقًا فيما بيننا، ولسوف تكون الآلهة التي تحتل أوليمبوس شهيدةً على كلَينا مستقبلًا. إذا عاد سيدك إلى هذا المنزل، أن تُلبسني معطفًا وعباءة، وتُرسلني في طريقي إلى دوليخيوم، حيث يطيب لي المقام. أما إذا لم يأتِ سيدك كما أقول، فأطلِق العبيد عليَّ، واقذف بي من فوق صخرةٍ ضخمة، حتى أكون عِبرة لشحَّاذٍ آخر فلا يلجأ إلى الخداع.» فردَّ عليه راعي الخنازير العظيم، وقال: «ليكن هذا، أيها الغريب، وعندئذٍ حقًّا أستطيع الفوز بالصيت الجميل بين البشر الآن وفيما بعدُ؛ إذ إنني أنا الذي آويتك في كوخي، وقدَّمتُ لك القِرى، قتلتُك، وسلبتُك، حياتك الغالية. إذن يحق لي أن أُصلي بقلبٍ مستعد إلى زوس بن كرونوس. والآن، ها قد حان موعد العَشاء، وسيأتي زملائي إلى هنا سريعًا، فيمكننا إذن أن نُعِد في الكوخ عشاءً شهيًّا.» يومايوس يقيم وليمة لأوديسيوس هكذا قال كلٌّ منهما للآخر، ثم اقتربَت الخنازير ورُعاتها، فأقفلوا على الخنازير حظائرها المعتادة لكي تنام، فأخذَت تُطلق صيحاتٍ عجيبة، وهي تُحبس في الحظائر، ثم نادى راعي الخنازير الطيب رفاقه، قائلًا: «إيتوني بخيرِ ما لديكم من ذكور الخنازير كي أذبحه لهذا الضيف الغريب القادم من بلادٍ نائية، كما أننا أيضًا سوف ننال منه شيئًا، نحن الذين طالما تحمَّلنا العناء والتعب من أجل هذه الخنازير ذات الأنياب البيض بينما يأكل آخرون ثمرةَ جهودنا بدونِ وجهِ حق.» ما إن قال هذا حتى أخذ يشُق بعض الأخشابِ بالبرونز القاسي، وجاء الآخرون بخنزيرٍ مسمَّن ذي خمس سنوات، ووضَعوه بجانب الوطيس. ولم ينسَ راعي الخنازير الخالدين؛ إذ كان ذا قلبٍ مدرك، فرمى في النار شَعرًا خشنًا من رأس الخنزير الأبيض النابَين كتَقدمةٍ أولى، وصلَّى لجميع الآلهة طالبًا عودةَ أوديسيوس العاقل إلى منزله ثم نهض، وهوى على الخنزير بقطعةٍ من شخب البلُّوط، كان قد تركَها وهو يشُق الأخشاب، فغادَرتْ رُوحُ الخنزير جسَده، فقطع الآخرون رقبة الخنزير، وفصَلوها وبسرعةٍ قَطعوه إلى أجزاء، وكتقدمةٍ أُولى أخذ راعي الخنازير قِطعًا من اللحم النيِّئ من جميع أطرافه، ولفَّها بشيءٍ كثير من الدهن. وهذه ألقاها في النار بعد أن نثَر فوقها طحين الشعير، أما ما بقي من الخنزير فقطَّعوه وسفَّدوه، وبعد أن أتقنوا شِواءَه، أخرجوه جميعه من النار، وجعلوه أكوامًا في قَصعاتٍ. بعد ذلك وقَف راعي الخنازير ليقطع؛ إذ كان ماهرًا في التوزيع بالعدل، فأخذ الجذع وقَطعَه وقَسمَه إلى سبعة أنصبة، وضع أحدها جانبًا وهو يُصلي من أجل الحوريات وهيرميس بن ميا Maia،١٦ ثم وزَّع الباقي على كل فرد. وقد أكرم أوديسيوس فخصَّه بالسلسلة الطويلة لظهر الخنزير ذي النابَين الناصعَي البياض، فأدخل بذلك السرور إلى نفس سيده، فخاطبه أوديسيوس، ذو الحيل الكثيرة، قائلًا: «أيا يومايوس، أرجو أن تكون عزيزًا لدى الأب زوس بقَدْر ما أنت عزيزٌ لديَّ، حيث إنكَ قد خصَصْتَني بنصيبٍ طيب، رغم كوني في مثل هذه المسغبة.» إذن أجبتَه يا يومايوس، يا راعي الخنازير، فقلتَ: «تفضَّل،١٧ أيها الضيفُ الشقي، وتمتَّع بما هنا من طعام. إنه الرب الذي يُعطي رجلًا شيئًا ويمنعه آخر. كما يبدو حسنًا لفؤاده؛ إذ هو قادر على كل شيء.» هكذا قال ثم قدَّم الأطراف كتقدمةٍ للآلهة الخالدين، وبعد أن صب السكائب من الخمر الصهباء، وضع الكأس في يدَي أوديسيوس، مخرب المدن، ثم استوى في مجلسه بجانب نصيبه. وقدَّم ميساوليوس Mesaulius، الذي حصل عليه راعي الخنازير لنفسه وحده، الخبز، وقد اشترى الراعي ذلك العبدَ من التافيين بأمواله دون علم سيدته أو العجوز لايرتيس. وهكذا مدُّوا أَيديَهم إلى الخير الشهي الموضوع أمامهم. وبعد أن تناولوا من الطعام والشراب ملء بطونهم، رفع ميساوليوس الطعام، وعندئذٍ رغبوا في الذهاب إلى راحتهم، بعد أن شَبِعوا من الخبز واللحم. أوديسيوس يُعجم عُود راعي الخنازير عندئذٍ أقبل الليل، دامسًا بدون قمر، وأمطر زوس طوال الليل كله. وهبَّت الريح الغربية، الدائمة الأمطار، في عنفٍ بالغ، فتحدَّث أوديسيوس في وسطهم، عاجمًا عود راعي الخنازير، ليرى ما إذا كان يُمكِنه أن يخلع عباءته ويُعطيه إياها، أو إذا كان سيأمر شخصًا آخر من رفاقه بأن يفعل ذلك، حيث إنه كان يحتفي به احتفاءً بالغًا فقال: «استمع إليَّ الآن، يا يومايوس، وأنتم يا سائر رجاله جميعًا، فسأقُص عليكم حكايةً من تلقاء نفسي؛ إذ تأمرني بذلك الخمر الدنسة، التي تدفع المرء، مهما كان حكيمًا، إلى الاسترسال في الغناء والضحك، وتُزيِّن له أن ينهضَ فيرقص، نعم وتُخرج من بين شفتَيه ألفاظًا، من الحكمة الإمساك بها. ومع ذلك، فبما أنني قد صارحتُكم القول من قبل، فلن أخفي الآن شيئًا. ليتني كنتُ شابًّا في قُوتي المكينة التي كانت لي عندما أعددنا الكمين، وأحكمنا إعداده تحت أسوار طروادة. كان قادة ذلك هم أوديسيوس ومينيلاوس بن أتريوس، وأنا ثالثهم؛ لأنهما هكذا دبَّرا الأمر بأنفسهما. وعندئذٍ لما بلغنا المدينة وحائطها الشديد الانحدار، الذي يُطوِّق المدينة، فرقَدنا في الغابة الكثيفة بين القصب والأرض المُوحِلة، مُحتجبين بسواعدنا، ثم أقبل الليل، داجيًا عندما هبَّت الريح الشمالية، وكانت شديدة البرودة، وهطَل الثلج علينا من فوقنا، فغطانا كأنه الصقيع، البالغ البرودة، وتراكَم الثلج فوق دروعنا. كان لدى الجميع معاطف وعباءات، فناموا في سلام، واضعين دروعَهم فوق أكتافهم، ولكنني، عندما ظعنتُ، كنتُ قد تركتُ عباءتي ورائي، مع رفاقي في حماقتي؛ لأنني لم أكن أتصوَّر أن سيبلُغ بي القَر تلك الدرجة، وجئتُ بدرعي فقط وبخوذتي اللامعة. بيد أنه عندما كان الهزيع الثالث من الليل، وقد دارت النجوم في فلَكها، تحدَّثتُ إلى أوديسيوس الذي كان قريبًا مني، واكزًا إياه بمرفقي، فأصغى إليَّ من فوره، وقلت له: «يا ابن لايرتيس، يا سليل زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، العجيب، إنني لن أكون الآن بين الأحياء. كلا، فإن الزمهرير لَيقتلني، لعدم وجود عباءة معي؛ فإن أحد الآلهة قد خدَعني فارتديتُ عباءتي ليس غير، والآن ليس هناك أي مجالٍ للنجاة.» هكذا قلتُ، وبعد ذلك دبَّر الخطة التالية في فؤاده؛ إذ كان داهية في وضع الخطط وفي القتال، فتكلم بصوتٍ منخفض، وقال لي: «صه الآن، خشية أن يسمعك شخصٌ آخر من الآخيين.» بهذا رفع رأسه فوق مرفقه، وتحدَّث، قائلًا: «أصغوا إليَّ، يا أصدقائي، لقد جاءني حلم، من لدن الآلهة، في نومي. وا عجباه! لقد وصلنا بعيدًا جدًّا عن السفن، وكنت أتمنى أن يكون هناك من يحمل كلمة إلى أجاممنون بن أتريوس، قائد الجيش، عسى أن يأمر عددًا أكبر من الرجال بأن يحضر من السفن.» هكذا قال، فقفز ثواس Thoas١٨ ابن أندرايمون Andraemon، ناهضًا في سرعة وخلع عنه عباءته الأرجوانية وشَرع يجري إلى السفن، فأخذتُ رداءه، ورقدتُ فيه مسرورًا بعد ذلك، ثم لاح الفجر الذهبي العرش. كم أتمنى أن أكون شابًّا يافعًا كما كنتُ في ذلك الوقت، في قوتي البالغة؛ عندئذٍ كان أحد رعاة الخنازير في هذه الضيعة يُعطيني عباءته بدافع الشفَقة وبدافع تبجيل محاربٍ مقدام، ولكنهم يحتقرونني، كما هو الحال؛ لأنني أرتدي أسمالًا بالية.» يومايوس يفوز بثقة أوديسيوس إذن رددتَ عليه يا يومايوس، يا راعي الخنازير، فقلتَ: «ما أجمل القصة التي رويتَها، أيها الرجل العجوز! وحتى الآن لم تنطق بشيءٍ خارج أو عديم الجدوى؛ ومِن ثَمَّ فلن يفتقر مُتضرِّع في شدة التعب، إلى ملبسٍ أو إلى أي شيءٍ آخر، عندما يقابل امرأً — لهذه الليلة على الأقل. أما في الصباح فسوف تخلع عنك هذه الملابس الرثة؛ إذ ليس هنا عباءاتٌ كثيرة أو معاطفُ يمكنك أن ترتديها، ولكن لكل رجلٍ عباءةٌ واحدة فقط. وعندما يجيء ابن أوديسيوس العزيز، سيعطيكَ أنت نفسك معطفًا وعباءة تلبسُهما، وسيُرسِلكَ إلى أي مكانٍ يريد قلبه وروحه أن يُرسلاك إليه.» ما إن قال هذا، حتى نهض وأعد فراشًا لأوديسيوس، بالقرب من الوطيس، ووضع فوقه جلود الأغنام والماعز، فرقَد أوديسيوس هناك، وغطَّاه راعي الخنازير بعباءةٍ عظيمة سميكة، كان يحتفظ بها كرداءٍ له إذا ما هبَّت ريحٌ عاتية. وهكذا نام أوديسيوس هناك، ونام إلى جانبه الرجال الشبان. أما راعي الخنازير فلم يكن يروقُه فِراشٌ في ذلك المكان؛ إذ لا يَودُّ أن يرقُد بعيدًا عن الخنازير وعلى ذلك تأهب للخروج، فسُر أوديسيوس أنه كان يعتني كثيرًا بأموال سيده في أثناء غيابه، فبدأ يومايوس بأن علَّق سيفه الحاد فوق كتفَيه القويتَين، ثم الْتفَّ بعباءةٍ كثيفة، تدرأ عنه الريح، والتقط جزَّة ماعزٍ كبيرة مُسمَّنة جيدًا، وتناول رمحًا حادًّا ليدفع به الكلاب والرجال، ثم ذهب ليرقُد حيث كانت الخنازير ذات الأنياب البيض ترقُد أسفل صخرةٍ ضخمة، في مكانٍ لا تصل إليه الريح الشمالية. ١ ويترجمها البعض: «بشق اللحاء الأسود». ٢ أجمل نساء عصرها، وابنة زوس وليدا، وزوجة مينيلاوس ملك لاكيدايمون الذي أنجبَت منه هيرميوني. وأحبها باريس الطروادي الذي خطفها بحرًا إلى طروادة، فنَشبَت بسببها الحرب الطروادية المشهورة. ٣ وفي كل مكانٍ آخر تبدو هذه الكلمة بمعنى: «بِرِقَّة»، ولكن تركيب الكلمة اليوناني غير مؤكَّد. ٤ الترجمة الحرفية: يبذر حبوب الشر للمغازلين. ٥ حرفيًّا: بالطعام. ٦ أي حماسية. ٧ رأَينا أن نأخذ برأي بعض الدارسين الذين ترجموا هذه الكلمة اليونانية: «بيوم» بدلًا من «عام»، وعلى رأسهم العلامة مونرو. ٨ أو: «كل من كان أقل مني في سرعة القدمَين». ٩ قطاعٌ جبلي بطول شاطئ سوريا ما بين البحر الأبيض المتوسط ولبنان. من المحتمل أن يكون أصل الاسم إغريقيًّا بمعنى «أحمر كالدم»، وفي هذا إشارة إلى الأرجوان الذي كان الفينيقيون يُتاجرون فيه. ١٠ إنها الاسم الإغريقي لقارة أفريقيا. ١١ الترجمة الحرفية «الثائر»، ولكن هناك من يترجمها «الضخم» أو «البالغ الطول». ١٢ الترجمة الحرفية: «ككساء». ١٣ كاهن زوس وهو من أقدم كهنة بلاد الإغريق. كان يعطي إجاباته بواسطة حفيف أشجار البلُّوط والزان الصادر عن هبوب الريح. وكانت تُعلَّق أوانٍ نحاسية فوق الأشجار حتى يُصبح الصوت قويًّا عندما تصطدم الواحدة بالأخرى. ١٤ ابن الملك بيلياس، ملك إيولكوس. لعب دورًا خطيرًا في حملة الأرجو وفي الصيد الكالودوني، وقد اتهمَته زوجته عند أكاستوس بسوء السلوك وذلك لحبها لبيليوس وزجره لها، فجرد أكاستوس بيليوس من سيفة أثناء الصيد بينما كان يغُط في نومٍ عميق حتى لا يُحرك ساكنًا أمام القنطوري، ولكن القنطور خيرون أنقذ حياته. ١٥ هذه الكلمة مشكوك في ترجمتها، فمونرو Monro يقترح المترجمة التي أخذنا بها هنا في حين يترجمها يوستاثيوس Eustathius وأنصاره «المجذاف الموجة». ١٦ ابنة أطلس وأكبر وأجمل البلاياديس، ووالدة هيرميس من زوس الذي أنجبته في كهف على جبل كوليني Cyllene. ١٧ الترجمة الحرفية: «كُلْ». ١٨ أحد العاشقين العديدين لهيلينا؛ ولذا ذهب إلى الحرب الطروادية قائدًا أسطولًا مكونًا من أربعين سفينة. كانوا يرمزون إليه كمحاربٍ جسور وخطيبٍ مفوه في القتال عند طروادة. كان أحد الأبطال الذين خُبِّئوا داخل الحصان الخشبي. الأوديسة
الأنشودة الخامسة عشرة أثينا تنصح تيليماخوس بالعودة إلى الوطن أما بالاس أثينا فتوجَّهَت إلى لاكيدايموس الفسيحة لتُذكِّر الابن المجيد لأوديسيوس العظيم القلب بأَمر عودته، وتُعجِّل قدومه، فوجدَت تيليماخوس وابن نسطور المجيد راقدَين في البهو الأمامي بقصر مينيلاوس المجيد. وكان النوم الرقيق يسيطر على ابن نسطور، بينما الكرى اللذيذ لم يتمكن من تيليماخوس، بل نفَت الأفكار القلقة المُتعلِّقة بأبيه النوم عن عينَيه طَوالَ الليلِ الخالدِ كله، فوقفَت أثينا ذات العينَين النجلاوَيْن بالقرب منه، وقالت: كذلك أنا أُقدِّم لك هذه الهدية، يا ولدي العزيز، ذكرى من يدَي هيلينا. «أي تيليماخوس، إنك لا تُحسن صنعًا بالتجوُّل بعيدًا عن بيتك أكثر من ذلك، تاركًا وراءك في دارك ثروتَكَ ورجالًا على أقصى ما يكون من الصفاقة؛ فقد يُخشى أن يقتسموا جمع ممتلكاتك ويبتلعوها؛ وعندئذٍ تكون رحلتُك عبثًا. هيا، أَنهِض مينيلاوس الماهر في صيحة الحرب، بغاية السرعة ليبعث بك في طريقك، حتى تستطيع أن تجد أن أُمك النبيلة ما زالت في بيتها؛ لأن أباها الآن وإخوتها يأمرونها بالزواج من يوروماخوس Eurymachus،١ الذي تفوق على سائر المغازلين في هداياه، وقد زاد في هداياه الغزلية، فكن حذرًا لئلا تحمل بعيدًا عن ساحاتك كنزًا ما ضد إرادتك؛ فأنت تعرف أي نوعٍ من الروح يُوجد في صدر المرأة. إنها تضع نصب عينَيها أن تزيد في منزل الرجل الذي يتزوجها، ولكنها لا تفكِّر في أطفالها السابقين وفي سيد شبابها، إذا حدث ومات ذات يوم، ولا تهتم فيها بعد ذلك. هيا انطلق وضَع بنفسك جميع ممتلكاتك في عُهدة أي خادمٍ تراه خيرهم جميعًا، وإلى أن تُوفِّقك الآلهة إلى عروسٍ نبيلة. وسأقول لك شيئًا آخر، يجب أن تضعه في قلبك. إن خير الرجال المغازلين يكمُن لك مع سَبق الإصرار في المضيق الواقع بين إيثاكا وساموس٢ الوَعْرة، متلهفًا إلى اغتيالكَ قبل أن تصل إلى وطنك، ولكني أعتقد أن هذا لن يحدث؛ إذ قبل ذلك سوف تُغطِّي الأرض الكثيرين من المغازلين الذين يُبدِّدون أموالك، فابتعد دائمًا بسفينتك المكينة البناء عن الجُزر، مبحرًا ليلًا ونهارًا، وهل لذلك الخالد الذي يرعاك ويحرسك، أن يرسل نسيمًا معتدلًا عقب إبحار سفينتك؟ ومتى بلَغتَ أقرب شواطئ إيثاكا، أرسل سفينتك وجميع رفقائك إلى المدينة، وأَسرِع أنت نفسك بالذهاب إلى راعي الخنازير الذي يحرُس الخنازير، ويُكِن لك في صدره كل عطف. اقضِ الليل هناك، ومُره بالذهاب إلى المدينة ليحمل كلمةً إلى بينيلوبي الحكيمة أن تُحافظ على سلامتك، وأنك قد عُدتَ من بولوس.» بايسيستراتوس ينصح يتليماخوس بالتريث ما إن أفضَت إليه بذلك القول حتى انصرفَت إلى أوليمبوس الشامخ. أما تيليماخوس فأيقَظ ابن نسطور من النوم اللذيذ، ونبَّهه بأن أمسك بعقبه، وتحدَّث إليه قائلًا: «استيقِظ، يا بايسيستراتوس Peisisratus،٣ يا ابن نسطور، وأحضر جيادك المتلهبة الحوافر،٤ واربطها إلى النِّير بالعربة، كي يمكننا أن نُسرِع في طريقنا.» فأجابه بايسيستراتوس بن نسطور، بعد ذلك بقوله: «أي تيليماخوس، لا نستطيع بأية حال من الأحوال أن نركب خلال الليل الدامس، مهما كان تلهُّفنا إلى الرحيل، وسرعان ما سيأتي الفجر. إذن انتظر، إلى أن يُحضِر مينيلاوس، المشهور برمحه، ابن أتريوس، الهدايا ونضعها في العربة، ويُرسل بنا في طريقنا بعباراتِ الوداع الرقيقة؛ فإن الضيف ليذكُر في جميع أيامه، ذلك المضيف الذي يُبدي له العطف.» مينيلاوس يُبدي استعداده لمساعدة تيليماخوس هكذا قال، وفي الحال أقبل الفجر الذهبي العرش؛ وعندئذٍ أقبل إليهما مينيلاوس، الرائع في صيحة الحرب، ناهضًا من عربته من جانب هيلينا الجميلة الغدائر، فما إن أبصر به الأمير العزيز ابن أوديسيوس، حتى أسرع يرتدي مدرعتَه البَراقة، ويضع فوق كتفَيه القويتَين عباءتَه العظيمة، وذهب قُدمًا، ثم تقدم تيليماخوس العزيز، ابن أوديسيوس المقدس، من مينيلاوس وخاطبه بقوله: «أي مينيلاوس، يا ابن أتريوس، يا ربيب زوس، يا قائد الجيوشن هيا ابعث بي الآن ثانية إلى وطني العزيز؛ فإن قلبي يتوق الآن للعودة إلى الوطن.» عندئذٍ أجابه مينيلاوس، الرائع في صيحة الحرب، بقوله: «هيا تيليماخوس، الحق أنني لن أحتفظ بك هنا مدةً طويلة، ما دمتَ تواقًا إلى العودة. كلا، فلا بد أن ألوم غيري، من المضيفين، الذين يتفانَون في الحب والكراهية أكثر من القَدْر اللازم؛ فخير الأمور أواسطها في كل شيء. كما أنه من الخطأ كذلك أن يعمل المرء برحيل ضيفٍ غير راغب في الانصراف، أو أن يمنع ذهاب ضيفٍ يتوق إلى الرحيل. على المرء أن يُرحِّب بالضيف الحاضر، ويبعث بمن يريد أن يرحل، ولكن تمهل الآن حتى أجيء بالهدايا الجميلة وأضعَها في عربتك، وتراها عيناك، وحتى آمر النساء بإعداد وليمة في البهو من الخزين المتوفِّر بالداخل. إنها لنعمةٌ مزدوجة — مجلبة للشرف والمجد، والربح كذلك — فيجب إطعام المسافر قبل إبحاره عَبْر اليم الفسيح المترامي الأطراف. وإذا كنتَ تواقًا إلى السفر عَبْر هيلاس وخلال أرجوس، فليكن كما تريد، على شرط أن أتمكن أنا نفسي من الذهاب في مصاحبتك، ولسوف أضع النِّير فوق الجياد من أجلك، وأقودك إلى مدن البشر؛ فلن يتركنا أحد نذهب من عنده خاليي الأيدي، بل يعطينا بعضهم شيئًا على الأقل لنحمله معنا، ركيزةً برونزية بديعة أو قِدرًا، أو زوجًا من البغال، أو كأسًا ذهبية.» بعد ذلك ردَّ عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «مينيلاوس بن أتريوس، يا ربيب زوس، ويا قائد الجيوش، إنني لأُوثِر أن أرحل الآن إلى بيتي؛ لأنني عندما انصرفتُ من هنالك، لم أترك ورائي أحدًا يرعى ممتلكاتي. إنني أتمنَّى وأنا أبحث عن أبي شبيه الإله ألا أهلِك أنا نفسي، أو أن بعضًا من كنزي العظيم يضيع من ساحاتي.» مينيلاوس وهيلينا يعطيان تيليماخوس هدايا ثمينة والآن إذ سمع مينيلاوس، الماهر في القتال، هذا الكلام، أمر في الحال زوجته وخادماته بأن يُعْدِدن في الساحة وليمةً من الخزين الوفير الموجود بالدار،٥ وعندئذٍ جاء إتيونيوس Eteoneus ابن بويثوس Boethous، وقد نهض لفوره من فراشه؛ إذ لم يكن يقطُن بعيدًا عنه، فأمره مينيلاوس الرائع في صيحة الحرب، بأن يُوقد نارًا ويَشوي لحمًا، فأطاع وأذعَن بالأمر. ونَزلَ مينيلاوس نفسه إلى حجرة الخزائن المقبية.٦ ولم يذهب إليها وحده، بل كانت معه هيلينا وميجابينثيس Megapenthes،٧ فلما بلغوا المكان الذي كانت تُحفظ فيه الكنوز، تناول ابن أتريوس كأسًا ذات يدَين، وأمر ابنه ميجابينثيس بأن يحمل طاسَ مزجٍ من الفضة. وتقدَّمتْ هيلينا من الصناديق التي كانت بها الثياب البديعة الوشْي، التي كانت صنعَتْها هي نفسها، فأمسكت السيدة الجميلة هيلينا، أحد تلك الأثواب، وحملَته بعيدًا، ثوبًا كان أجمل الأثواب وشيًا وأوسعها. كان كالنجم بريقًا، وموضوعًا أسفل سائر الثياب جميعًا، ثم خرجوا بعد ذلك، وساروا عَبْر المنزل إلى أن وصلوا إلى تيليماخوس، فقال له مينيلاوس، الجميل الشعور: «أيا تيليماخوس، ليت زوس، زوج هيري Here٨ العالي الرعد، أن يُحقِّق لك عودتكَ بحق، كما يشتهي قلبك ويتوق. ومن بين الهدايا التي أحتفظ بها في قصري، أُقدِّم لك هذه الهدية، التي هي أجمل كنوزي وأغلاها. سأعطيك طاسَ مزجٍ بديع الصنعة، كله من الفضة، وحافاته مَكسُوَّة بالذهب، من صنع هيفايستوس،٩ كان قد أعطانيها المحارب فايمدموس Phaedimus، ملك السيدونيين، عندما آواني منزله وأنا قادم إلى هنا، وإنني لأعتزم الآن أن أمنحكَ إياها.» ما إن قال المحارب، ابن أتريوس، هذا، حتى وضَع الكأس ذات المقبضَين في يدَيه، وأحضر ميجابينثيس العتيد طاس المزج الفضي ووضَعه أمامه، وأقبلت هيلينا الفاتنة الوجنتَين بالثوب في يدَيها، وخاطبَتْه بقولها: «كذلك أنا أُقدِّم لك هذه الهدية، يا ولدي العزيز، ذكرى من يدَي هيلينا، كي ترتديه زوجتك، في يوم زواجك المشتهى، ولكن يجب أن تعهدَ به إلى والدتك العزيزة لتحفظه لكَ حتى ذلك اليوم. وإنني لأتمنى لك، أنتَ نفسَك، أن تصل مغتبطًا إلى منزلكَ المكين البناء وإلى وطنك.» مينيلاوس يقيم وليمةً فاخرة قبل رحلة الوداع ما إن أتمَّت حديثها ذاك حتى وضعَت الثوب بين يدَيه، فتناولَه منها في سرور. وأخذ الأمير بايسيستراتوس الهدايا، ووضعها في صندوق العربة، وأخذ ينظر إليها نظرات الإعجاب من قلبه. بعد ذاك قادهما مينيلاوس الجميل الشعور إلى المنزل، وجلس كلاهما على الكراسي والمقاعد المرتفعة. وجاءت إحدى الإمام بماءٍ للأيدي في إبريق من الذهب بديع الشكل، وصبَّتْه لهما في طستٍ ليغتسلا، وسحبَت إلى جوارهما نضدًا مصقولًا وأحضَرتْ ربة البيت الرزينة الخبز ووضَعتْه أمامهما، ومعه كمية وافرة من اللحوم، مانحة من خزينها بغير حساب. واقترب ابن بويثوس، وأخذ يُقطِّع اللحم، ويقسم الأنصبة، وصَبَّ ابن مينيلاوس المجيد الخمر. وهكذا أخذوا يتناولون من الطعام الفاخر الذي أُعِد ووُضِع أمامهم. وبعد أن ملئوا بطونهم من الطعام والشراب، وضَع تيليماخوس وابن نسطور المجيد النير على أعناق الجياد وركبا العربة المطعَّمة، وانطلقا خارج البوابة والرواق الفسيح، فذهب وراءهما مينيلاوس الجميل الشعر، ابن أتريوس، يحمل في يده اليمنى الخمر العذبة في كأسٍ من الذهب، كي يستطيعا أن يسكُبا السكائب قبل رحيلهما، فوقف أمام الجياد وتحدَّث إلى الشابَّين، قائلًا: «وداعًا أيها الشابَّان، واحملا السلام إلى نسطور، راعي الجيوش؛ فالحق أنه كان يعطف عليَّ كوالد، بينما كنا نُحارب، نحن الآخيين في أرض طروادة.» عندئذٍ أجابه تيليماخوس بقوله: «إي وعَمر الحق، أيها الملك، يا ربيب زوس، سنُخبره بكل هذا عند وصلنا، كما تأمر. وإني لأتمنى، عندما أعود إلى إيثاكا، أن أجد أوديسيوس يقينا، في منزله، لأخبره كيف استقبلتَني بالحفاوة والإكرام، قبل رحيلي، وأنني أُحضِر معي كنوزًا عديدة ورائعة.» هيلينا تُدلي بنبوءةٍ سارة عن أوديسيوس ما إن قال هذا حتى حلَّق طائر على اليمين، صقر، يحمل بين مخالبه إوزةً كبيرة ناصعة البياض، وهي طائرٌ مستأنس خطَفه من الفناء، بينما يتبعه الرجال والنساء بالصياح، فاقترب الصقر منهم، وطار بعيدًا جهة اليمين أمام الجياد، فانشرحَت صدورهم لرؤيته، واغتبطَت قلوب الجميع داخل الصدور. وعندئذٍ تكلَّم من بينهم بايسيستراتوس بن نسطور، أولًا، فقال: «تأمَّل يا مينيلاوس، يا ربيب زوس، وقائد الجيوش، ألنا أظهر الرب هذا الفأل، أم لك أنت نفسك؟» قال هذا، فحار مينيلاوس العزيز لدى أريس كيف يستطيع بحكمته تفسير تلك العلامة تفسيرًا صحيحًا، بيد أن هيلينا ذات الثوب الفَضفاض، سبقَتْه إلى الكلام، فقالت: «أصغوا إليَّ، فسأُفسِّر هذا الفأل كما يُلهِمني الخالدون في قلبي، كما أعتقد أنه عين ما سيحدث. بما أن هذا الصقر قد جاء من الجبل، حيث تُوجد عشيرته وحيث وُلِد، وخطف الإوزَّة التي نشأَت في المنزل، فهكذا سيعود أوديسيوس إلى بيته بعد متاعبَ جمة وتجوُّلاتٍ عديدة، وسوف ينتقم، وربما كان الآن في داره، يَبذرُ بذور الشر لجميع المغازلين.» تيليماخوس ينطلق بجواده مسرورًا فتكلَّم تيليماخوس الحكيم ثانيةً بعد ذلك وقال: «لو أن زوس زوج هيري الذي يُرعِد عاليًا يمنح هذا، لصلَّيتُ لكِ هناك باستمرار كما أُصلي لإله.» قال هذا وألهب الجواديَن بالسوط، فانطلقا بسرعةٍ صوب السهل، ينهبان الطريق بلهفةٍ بالغة عَبْر المدينة. وهكذا ظلَّا طوالَ اليوم كله يهزَّان النير الموضوع فوق عنقَيهما، ثم غابت الشمس وخيَّم الظلام على جميع الطرقات، فلما بلغ فيراي Pherae، ذهبا إلى بيت ديوكليس Diocles، ابن أورتيلوخوس Ortilochus، الذي أنجبه ألفيوس Alpheus،١٠ حيث قضيا الليل وقدَّم لهما ما يليق بالغرباء من قِرًى. وصول تيليماخوس إلى قلعة بولوس ما إن ظهر الفجر الباكر ذو الأنامل الوردية، حتى وضَعوا النِّير فوق عنقَي الجوادَين، واعتلى الشابَّان العربة المطعَّمة، وانطلقا من البوابة والرواق الفسيح. وعندئذٍ ألهب بايسيستراتوس الجياد بالسوط ليحُثَّهما على الإسراع، فانطلَقا لا يقف في طريقهما شيء وسرعان ما بلغا قلعة بولوس الرأسية الانحدار، فتحدَّث تيليماخوس إلى ابن نسطور، قائلًا: «يا ابن نسطور، هل لكَ أن تُعاهدني الآن، وتُوفي بالعهد، كما أطلب منك؟ أننا نُسمِّي أنفسنا أصدقاء قدماء بسبب صداقة أبوَيْنا، هذا فضلًا عن أننا من نفس السن، ولسوف تُوطِّد هذه الرحلة الصداقة بيننا وتربط بين قلبَيْنا. لا تصحبني بعد أن أركب سفينتي، يا ربيب زوس، بل اتركني هنا، خشية أن يُبقيني هذا الرجل العجوز هنا ضد إرادتي في منزله، بدافع إظهار الشفقة نحوي، بينما أنا في أشد الحاجة إلى الذهاب إلى الوطن.» قال هذا فأخذ ابن نسطور يُشاوِر قلبه، كيف يمكنه أن يرتبط بالعهد ويُحقِّقه كما يجب، وبينما هو يفكِّر هداه التفكير إلى طريقةٍ بدت له خير الطرق، فأدار جوادَيه ناحية السفينة السريعة وشاطئ البحر، ومكان المراقبة، ووضع الهدايا الجميلة في حيزوم السفينة، الثوب والذهب، الذي قدَّمه له مينيلاوس، وحث تيليماخوس على الإسراع، مخاطبًا إياه بكلماتٍ حماسية، فقال: «أسرع الآن بركوب متن سفينتك، ومُر جميع رفاقك بأن يحذُوا حَذْوَك، قبل أن أصل إلى الوطن وأُحضِر كلمة إلى الرجل العجوز؛ لأنني أعلم حق العلم في قرارة نفسي وعقلي، أن روحه لتتغلَّب على كل فردٍ ولن يدعك ترحل، بل سيأتي إلى هنا بنفسه ليأمركَ بالذهاب إلى منزله، وإني لأؤكِّد لك أنه لن يعود بدونك؛ إذ سيكون غاضبًا أشد الغضب، رغم كل شيء.» ما إن قال هذا حتى قاد جياده الجميلة الأعراف عائدًا إلى مدينة البوليين Pylians، فسرعان ما بلغ القصر. أما تيليماخوس فنادى على رجاله وأصدر إليهم الأمر، قائلًا: «ضعوا جميع الحبال بنظام، في السفينة السوداء، وهلُموا بنا نحن أنفسنا نعتلي ظهرها، كي يمكننا الإسراع في طريقنا.» ما إن قال هذا، حتى أذعَنوا له وصدَعوا في الحال بالأمر، فركبوا السفينة من فورهم، واستَوَوْا فوق المقاعد. تيليماخوس يُصلي ويُقدِّم الذبائح لأثينا هكذا كان تيليماخوس مشغولًا حقًّا، وكان يُصلي ويُقدِّم الذبائح لأثينا عند حيزوم السفينة، وعندئذٍ اقترب منه رجل من بلادٍ نائية، شخصٌ جاء هاربًا من أرجوس لأنه قتل رجلًا آخر، وكان عرَّافًا، وتبعًا لسلسلة نسبه كان ينحدر من ميلامبوس Melampus،١١ الذي كان فيما مضى يُقيم في بولوس، أُم القطعان. وكان واسع الشراء يملك منزلًا كثير الخيرات بين البوليين، بيد أنه لجأ بعد ذلك إلى بلادٍ أجنبية هاربًا من بلده ومن نيليوس Neleus العظيم القلب، أكبر سادة البشر الأحياء، الذي ظل مُغتصِبًا ثروته البالغة لمدة عامٍ كامل بالقوة.١٢ وفي ذلك الوقت كان ميلامبوس يرسُف في أغلالٍ قاسية في ساحات فولاكوس Phylacus،١٣ يعاني آلامًا مُبرِّحة من أجل ابنة نيليوس، وعمى القلب المفزع الذي أنزلَتْه به الربة،  إرينوس Erinys،١٤ جالبةً الخراب على البيوت.١٥ ولكنه رغم ذلك نجا من مصيره وساق الأبقار العميقة الخوار من فولاكي إلى بولوس، وانتقم لذلك العمل القاسي من نيليوس الشبيه بالإله، وأحضر الفتاة إلى وطنه لتكون زوجةَ أخيه. أما هو فانطلق إلى بلاد قومٍ آخرين، إلى أرجوس Argos مرعى الخيول؛ إذ كان مُحدَّدًا له أن يقيم هناك، ويتولى زمام الحكم على كثيرٍ من الأرجوسيين، فاتخذ له زوجةً فيها وشيَّد لنفسه قصرًا سامق البنيان، وأنجب أنتيفاتيس Antiphates،١٦ ومانتيوس Mantius، وكانا صبيَّين بالغَي القوة، ثم أنجب أنتيفاتيس أويكليس Oicles الشجاع، وأنجب أويكليس أمفياراوس Amphiaraus، مفزع الجيش، الذي أحبَّه زوس حامل الترس، وأبولُّو، حبًّا أيَّ حُبٍّ من قلبَيْهما. ومع ذلك فلم يقترب من عتبة الشيخوخة، بل وافته المنية في طيبة، بسبب هدايا سيدة، فوُلِد له الابنان ألكمايون Alcmaeon وأمفيلوخوس Amphilchus، أما مانتيوس فقد أنجب بولوفايديس Polypheides، وكلايتوس Cleitus، بيد أن الفجر ذا العرش الذهبي خطف كلايتوس لفتنته وجماله، وحملَه بعيدًا كي يستطيع الحياة مع الخالدين، وأما بولوفايديس، ذو الهمة العالية، فقد جعله أبولُّو عرَّافًا، يفوق بكثيرٍ سائر البشر، ثم مات أمفياراوس بعد ذلك، انتقل إلى هوبيريسيا Hyperesia، وهو بالغ الغضب مع أبيه، فاستوطن هناك وراح يتَنبَّأ لجميع الناس. ثيوكلومينوس يسأل وتيليماخوس يرد كان ابنه، المسمى ثيوكلومينوس Theoclymenus، هو الذي جاء الآن ووقف بجوار تيليماخوس، وهو يصُب السكائب ويُصلي بجانب سفينته السريعة السوداء، فتحدَّث إليه وخاطبه بكلماتٍ مجنحة،١٧ قائلًا: «أيها الصديق، طالما أنت تُقدِّم الذبائح المحترقة في هذا المكان، فإني أتوسل إليك بتقدماتك وبالإله، نعم وبحياتك أنت نفسك، وحياة رفقائك الذين يتبعونك، إلا ما أخبرتني بحقيقة ما أسألك عنه ولا تُخفِ عني شيئًا، من أنت بين البشر، ومن أي مكانٍ قدمت؟ أين بلدك، وأين أبواك؟» فأجابه تيليماخوس الحكيم بقوله: «إذن فسأخبرك حقًّا، أيها الغريب، بكل شيء في صراحة. إن مسقط رأسي هو إيثاكا، وأبي أوديسيوس، وإني لأؤكِّد لك تمام التأكيد أنه كان هناك مثل هذا الرجل، إلا أنه الآن لقي حتفه بمصيرٍ مؤسف؛ ولذلك صَحبتُ رفاقي هؤلاء، وركبنا سفينةً سوداء، وجئتُ إلى هنا لأستطلع الأخبار عن والدي، الذي رحل منذ أمدٍ بعيد.» عندئذٍ أجابه ثيوكلومينوس شبيه الإله، قائلًا: «كذلك أنا، أيضًا، جئتُ هاربًا من بلدي؛ لأنني قتلتُ رجلًا من أقربائي، ويُوجَد له إخوة وأقاربُ عديدون هناك في أرجوس مرعى الجياد، ويقبضون على زمان الحكم بقوة على الآخيين. بيد أنني لأتقي الموت والمصير المظلم على أيديهم، هربتُ لأنه حسب اعتقادي من نصيبي أن أهيم على وجهي بين البشر، فهل لك أن تأخذني في سفينتك؛ إذ إنني أتضرع إليك وأنا هارب، حتى لا يقتلوني؛ لأنني أعتقد أنهم يقتَفون أثري.» فردَّ عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «ما دام الأمر كذلك، فلن أُنزلكَ من سفينتي الجميلة بأية حال من الأحوال، طالما تتوق إلى المجيء معنا. هيا اتبعنا، وستلقى من التكريم في منزلنا مثل الذي لقيناه.» ثيوكلومينوس يبحر مع تيليماخوس في سفينةٍ واحدة ما إن قال هذا حتى تناول منه رمحه البرونزي، ووضَعه أخيرًا فوق ظهر السفينة المقبية، ثم ركب هو نفسه ظهر السفينة ماخرة البحار. وبعد ذلك جلس في كوثلها وأجلس ثيوكلومينوس إلى جواره، فحل رجاله حبال مؤخرة السفينة. ونادى تيليماخوس على رجاله وأمرهم بأن يمسكوا بالحبال، فصدَعوا بالأمر في الحال. ورفَعوا الصاري المصنوع من خشب الشربين وأقاموه في حفرته الواسعة، وثبتوه من الأمام بدعامات، ثم رفعوا الشراع الأبيض بسيورٍ مجدولة من جلود الثيران. وأرسلَت إليهم أثينا ذات العينَين النجلاوَيْن ريحًا مواتية، تهُب بشدةٍ وسط السماء، حتى تستطيع السفينة، وهي تسرع فوق صفحة الماء، أن تمخر طريقها وسط ماء البحر المِلْح. وهكذا ساروا عَبْر كروني Crouni وخالكيس Chalcis، ذات الجداول الرائعة. والآن غابت الشمس وراء الأفق وخيَّمَت الظلمة فوق جميع الطرق، واقتربت السفينة من فياي Pheae، تعجل بها ريح زوس، ومرت على إليس Elis العظيمة حيث يحكم الإيبيون Epeans، ثم سار بسفينته ثانيةً إلى الجزر الحادَّة،١٨ وقد غلبَتْ عليه الشكوك، هل سينجو من الموت أم يُقبض عليه. أوديسيوس ينتوي زيارة المغازلين في بيته كان أوديسيوس وراعى الخنازير الطيب، يتناولون معًا، طعام العشاء في الكوخ، وكان يتعشَّى معهما بقية الرجال الآخرين، فلما أصابوا من الطعام والشراب ملء بطونهم، تكلَّم أوديسيوس في وسطهم، يجسُّ نبض راعي الخنازير ليرى ما إذا كان سيلقى منه كرم الضيافة بعد ذلك فيأمره بالبقاء هناك عند الحظيرة، أم سيُرسله إلى المدينة بعيدًا، فقال: «أصغ إليَّ الآن يا يومايوس، وأنتم يا جميع الرجال الآخرين، إنني عازم على الذهاب في الصباح إلى المدينة كي أستجدي القوم، حتى لا أكون سببًا في خرابك أنت ورجالك. إذن فلتُسدِ إليَّ الآن بنصيحتك الطيبة، وأرسل معي شخصًا موثوقًا به يرشدني إلى هناك. أما عَبْر المدينة، فسأتجول أنا حسبَ قوتي، أملًا في أن يجود عليَّ أحدهم بكوبٍ من الماء ورغيف. كما أنني سوف أذهب إلى بيت أوديسيوس الشبيه بالإله وأحمل الأنباء إلى بينيلوبي الحكيمة، وأنضَم إلى جماعة المغازلين البالغي الصفاقة، عسى أن يُقدِّموا لي وليمة، ما دام عندهم خيرٌ وفير. وفي الحال أقوم بينهم بخدمةٍ كريمة ملبيًا طلباتهم في كل ما يريدون؛ لأنني سأُخبرك، فأصغ إليَّ جيدًا؛ فبفضل هيرميس، الرسول، الذي يمنح الجمال والمجد لأعمال جميع البشر، إنني أجيد القيام بالخدمات فيما لا يستطيع امرؤ سواي أن يتحدَّاني في تكويم النار جيدًا، وفي قطع الأحطاب الجافة بما يناسب النار، وفي إعداد اللحم وشوائه، وفي صب الخمر؛ في جميع الأمور التي يقوم وضعاء القوم بها لخدمة الأشراف.» يومايوس يحذر أوديسيوس من مغبة هذه الزيارة فلما أثَّرت فيك هذا الألفاظ تأثيرًا بالغًا، يا يومايوس، يا راعي الخنازير أجبتَه بقولك: «ويحي! أيها الغريب، لِمَ تطرأ مثل هذه الأفكار على مُخيِّلتِك؟ حقًّا إنك لتريد الهلاك هناك تمامًا، إذا دخلتَ حشد المغازلين، الذين تصل شهوتهم وعنفهم إلى عنان السماء الحديدية. إن خدمهم لا يشبهونك في شيء، كلا بل إنهم شبانٌ يلتفُّون جيدًا بالعباءات والجلابيب، ويحتفظون برءوسهم ووجوههم لامعةً باستمرار، ويُراعون دائمًا أن تكون الموائد المصقولة محملة بالخبز، وباللحم وبالخمر. امكث معنا هنا؛ فإن وجودك لا يضايق أحدًا منا، لا أنا ولا أي فردٍ آخر من الرجال الذين معي. وعندما يأتي السيد العزيز ابن أوديسيوس، فإنه سيمنحك هو نفسه، عباءة وجلبابًا تستُر بهما جسمك، وسوف يبعث بكَ إلى أي مكانٍ يتوق قلبك وروحك إلى الذهاب إليه.» عندئذٍ أجابه أوديسيوس العظيم البالغ التحمل، قائلًا: «هيا يومايوس، أسأل الأب زوس أن تكون عزيزًا لديه كما أنت عزيزٌ لديَّ؛ لأنك أغنَيتَني عن التجوُّل وتَكبُّد المشاقِّ المفجعة، فلا شيء أكثر شرًّا للبشر من التجوُّل، ولكن الناس يتحمَّلون المحن الشريرة من أجل بطونهم، عندما يُضطَرون إلى التطواف والحزن والألم. أما الآن فما دُمتَ مُصممًا على الاحتفاظ بي هنا، وتأمرني بانتظار سيدك. تعال، خبرني عن والدة أوديسيوس الشبيه بالإله، وعن أبيه، الذي تركه على حافة الشيخوخة، عندما رحل. ألا يزالون على قيد الحياة يعيشان تحت أشعة الشمس؟ أم وافتهما المنية ورحلا إلى بيت هاديس؟» يومايوس يقُص على أوديسيوس شيئًا عن أيام الطفولة فأجابه راعي الخنازير قائد البشر، بقوله: «إذن، فلأُخبِرنك بالصراحة والحقيقة، أيها الغريب. إن لايرتيس لا يزال حيًّا، ولكنه يُصلي دائمًا لزوس أن تُغادر روحه أطرافه داخل ساحاته؛ لأنه حزينٌ أشد الحزن على ابنه الذي رحل، وعلى السيدة الحكيمة، زوجته الشرعية، التي آلمه موتها أكثر من كل شيء والتي زجَّت به إلى الشيخوخة قبل الأوان. لقد ماتت كمدًا على ابنها المجيد، ميتةً تعيسة، لا أتمنى أن يموتها أي إنسانٍ ممن يقطنون هنا، ويكون صديقًا لي وأَحسَن معاملتي. كان يسُرني دائمًا أن أسأل وأستعلم عنها، طيلةَ أن كانت على قيد الحياة، ولو أن حياتها كانت مليئة بالأحزان؛ لأنها هي نفسها، كانت قد ربَّتْني مع كتيميني Ctimene ذات الثوب الفضفاض، ابنتها الشريفة وصغرى أطفالها. لقد نشأتُ معها وترعرعتُ، وبجَّلَتني تلك السيدة كتبجيلها أولادَها، أو أقلَّ منهم بقَدٍرٍ ضئيل، فلما بلغنا كلانا مبالغ الشباب المنتظرة، أرسلوها إلى سامي Same لتتزوج، وحصلوا لأنفسهم على هدايا زواج لا حصر لها. أما أنا فقد ألبسَتْني سيدتي عباءةً وجلبابًا، ملابس في غاية الروعة وأعطتني نعالًا لقدمي، وأرسلَتْني إلى الحقل، وكانت تُكِن لي في قلبها حبًّا جمًّا. أما الآن فإنني أفتقر إلى كل هذا، رغم أن الآلهة المباركة تتولَّى بالتوفيق ما أقوم به من عمل. كنتُ آكلُ وأشربُ من ذلك، وأعطي الأغراب المحترمين ولكني لا أسمع أي شيءٍ سارٍّ من سيدتي، سواء أكان ذلك الشيء كلمة أو عملًا؛ إذ حلت بالمنزل كارثة أي كارثة، عبارة عن رجال متغطرسين. ومع ذلك فكثيرًا ما يرغَب الخدم في التحدُّث أمام سيدتهم، والوقوف على كل شيء، وتناول الطعام والشراب، ثم يحملون بعد ذلك معهم شيئًا إلى الحقول، من الأشياء التي تجعل قلب الخادم يفيض بالدفء دائمًا.» عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «يا للعجب! لا شك أنك عندما كنت محض طفل، يا يومايوس، يا راعي الخنازير، لم تتجوَّل بعيدًا عن بلدك ووالدَيك، ولكن خبرني، الآن، وأعلن لي قولك في صراحة. ألم تسلَب مدينة قوم فسيحة الطرقات، كان يعيش فيها أبوك وأمك المبجَّلة؟ أم أنه عندما كنتَ صبيًّا ووحيدًا مع أغنامك أو ماشيتك خطفَك الأعداء وحملوك في سفنهم ليبيعوك إلى بيت سيدك هذا، الذي دفع فيك سعرًا طيبًا؟» فأجابه راعي الخنازير قائد الرجال، بقوله: «أيها الغريب، ما دمت تسألني وتستفهم مني عن هذا، فأصغِ إليَّ الآن في صمتٍ وتمتَّع بالغبطة، واحتسِ الخمر، وأنت جالس هنا. إن هذه الليالي لعجيبة الطول؛ فهناك وقت للنوم، كما أن هناك وقتًا للتمتُّع بسماع القصص، ولا حاجة بي إلى الرقاد حتى يحين الوقت، وهناك تعَبٌ حتى في النوم الزائد على الحد. أما الباقون، فإذا رغبَ قلبُ وروحُ أي واحدٍ منهم في الذهاب إلى النوم، فدَعه يذهب لينام، حتى إذا ما لاح الفجر، فدَعه يأكل، ثم يرعى خنازير سيدنا. أما نحن فنُولم ونشرب كلانا في الكوخ، ويتمتع كلٌّ منا بسماع قصة محن الآخر الشديدة، ونحن نستعيدها إلى الأذهان؛ فإن من قاسى الكثير من الأهوال، يجد لذة في الوقوف على محن غيره. وها أنا ذا سأروي لك ما كُنتَ تسألني عنه. هناك جزيرة اسمها سوريا Syria، لو تصادف أنكَ سمعتَ عنها فوق أورتوجيا Ortygia، حيث تُوجَد أمكنة تحوُّل الشمس، ليست تلك الجزيرة مزدحمةً كثيرًا بالسكان، ولكنها بلادٌ طيبة، حافلة بالقطعان، غنية بالماشية، زاخرة بالخمر، مليئة بالقمح. لا تعرف المجاعة طريقها إلى البلاد إطلاقًا، ولا يصيب البشر التعساء أي مرضٍ بغيض، بيد أنه عندما تشيخ قبائل البشر في شتى أنحاء المدينة، يأتي أبولُّو ذو القوس الفضية، مع أرتيميس، فيُهاجمهم بسهامه الرقيقة ويقتلهم. وجميع أرض الجزيرة مقسَّمة إلى مدينتَين، ويحكُم أبي كلتا المدينتَين كملك، إنه كتيسيوس Ctesius ابن أرومينوس Ormenus الشبيه بالخالدين. جاء الفينيقيون إلى تلك الجزيرة، وهم قوم يُشتَهرون بسفنهم وبأنهم أوغادٌ جشعون، فأحضروا معهم تحفًا لا عداد لها في سفينتهم السوداء. وكانت في بيت أبي وقتئذٍ سيدةٌ فينيقية، فارعة الطول على قَدْرٍ كبير من الجمال، وماهرة في الأشغال اليدوية الرائعة، فخدعها الفينيقيون الماكرون؛ فعندما رأَوها أولًا وهي تغسل الملابس، اضطجَع معها أحدهم في عشقٍ بجوار السفينة الواسعة؛ لأن هذا الأمر يلعب بعقول النساء، مهما كانت السيدة مستقيمة، ثم سألها من تكون ومن أين جاءت، فأرشدَتْه من تَوِّها إلى بيت أبي العالي السقف، قائلة: «إنني قَدِمتُ من سيدون Sidon، الغنية بالبرونز، وأنا ابنة أروباس Arybas الواسع الثراء الذي كانت تتدفَّق الأموال عليه مِدرارًا. بيد أنني، وأنا قادمة من الحقول، قبَضَ عليَّ قراصنةٌ من تافيا Taphia، وأحضروني إلى هنا، وباعوني إلى بيت ذلك الرجل، الذي دفع من أجلي ثمنًا بالغًا.» عندئذٍ قال لها الرجل الذي كان قد اضطجع معها سرًّا: «أترغبين في العودة معنا ثانية إلى وطنك، وفي رؤية منزل والدَيكِ العالي السقف، وفي رؤيتها أيضًا؟ لأنهما يعيشان حقيقة، ويُعتبَران بحقٍّ ثريَّين.» فأجابته السيدة، بقولها: «بكل سرور، إذا أخذتم أيها البحارة العهد على أنفسكم، وأقسمتم بأن تذهبوا بي سالمة إلى وطني.» قالت هذا فأقسَم البحارة جميعًا كما أَمرتْهم. وبعد أن انتهَوا من القسم، تحدَّثَت المرأة إليهم ثانية فقالت: «اصمتوا الآن، ولا يتحدث إليَّ أيٌّ من رفاقك، إذا قابلني في الطريق أو عند البئر، خشية أن يرانا أحد فيذهب إلى القصر ويخبر الملك العجوز، فيثير شكوكه وعندئذٍ يُقيِّدني بقيودٍ قاسية، ويُدبِّر أمر موتكم، فضعوا كلماتي هذه نُصْب عيونكم،١٩ وعَجِّلوا بالمقايضة على سلعكم، حتى إذا ما شُحنَت سفينتكم بالبضائع، ابعثوا إليَّ برسولٍ يجيئني بسرعة في القصر؛ لأنني سأحمل معي أيضًا أي ذهب يقع تحت يدي. وسأُعطي بسرور شيئًا آخر في نظير نقلي. هناك طفل لسيدي النبيل، أُعتبر أنا مُربِّيتَه في القصر، وهو طفلٌ على قَدْرٍ عظيم من الدهاء، يصحبني دائمًا إلى خارج القصر. سأحضره معي على ظهر السفينة، فيمكنكم أن تأخذوا عنه ثمنًا باهظًا، في أي مكانٍ تبيعونه فيه إلى قومٍ يتحدثون لغةً أجنبية.» ما إن أفضت إليهم بذلك الكلام حتى انصرفَت إلى القصر الجميل، وبقُوا هناك في بلادنا سنة كاملة، وحصَلوا من التجارة على مالٍ وفير في سفينتهم الواسعة لعودتهم، وعندئذٍ بعثوا برسول إلى القصر ليحمل الأخبار إلى السيدة، فجاء إلى منزل أبي رجلٌ ماهر جدًّا في الخداع، يحمل معه قلادة من الذهب تتوسَّطها خرزاتٌ من الكهرمان. تناولَت الفتيات القلادة في أيديهن، وأخذَتْها أمي المبجَّلة، وصرن يتطلَّعن إليها بإعجاب، ويَعرِضن الأثمان على الرجل، بيد أنه هز رأسه للمرأة في صمت. وبعد أن هَزَّ رأسه لها، انصَرفَ في طريقه إلى السفينة الواسعة، فأخذَتني من يدي، وقادَتْني خارج المنزل. وعندما بلغنا ساحة القصر الأمامية وجدَت الكئوس، وموائد المدعوين، الذين كانوا يقومون بخدمة أبي؛ إذ كانوا قد ذهَبوا إلى المجلس، ومكان المناقشة، فأسرعَت وأخفَت في صدرها ثلاثَ كئوس، وخرجَت بها، فتبِعتُها وأنا خالي الذهن من كل شيء. بعد ذلك غابت الشمس، وخيَّمت الظلمة على جميع الطرقات، فأسرعنا حتى بلغنا الميناء العظيم، حيث كانت سفينة الفينيقيين السريعة. وعندئذٍ اعتلَوا ظهرها، وحملوا كلَينا على ظهرها أيضًا، وأقلعوا مبحرين عَبْر الطرق المائية، وأرسل لهم زوس ريحًا مواتية. سارت بنا السفينة ستة أيام، ليلَ نهار، فلما جلَب علينا زوس بن كرونوس، اليوم السابع، ضربَت أرتيميس، القوَّاسة المرأة، فسقَطَت في جوف السفينة مُحدِثةً صوتًا، كما يغطس أي طائرٍ بحري، فألقَوا بها في اليم لتكون فريسة لكلاب البحر والأسماك، أما أنا فتُركتُ هناك، كسير القلب، وعندئذٍ ذهبَت بهم الريح، تحملُهم على صفحة الماء، وكذا الموجة، إلى إيثاكا، حيث اشتراني لايرتيس بأمواله. وهكذا حدَث أن رأت عيناي هذه البلاد.» فأجابه أوديسيوس، نسل زوس، بقوله: «أيا يومايوس، لقد أثَّرتَ بحق القلب الكائن في صَدْري بذكر قصة حُزنك الذي كابدتَه في قلبك. وفي حالتكَ هذه، إن أردتَ الحق فإن زوس أعطى الخير والشر جنبًا إلى جنب ما دمتَ بعد كل جهادكَ قد جئتَ إلى منزل رجلٍ كريم، يعطيك طعامًا وشرابًا، في عطف وحنان، وأنت تحيا حياةً طيبة. أما في حالتي، فإنني بعد تجوالي خلال مدن البشر العديدة، قد أتيتُ إلى هنا.» تيليماخوس يصل إلى وطنه بهذا تحدَّث كلٌّ منهما إلى الآخر، ثم رقَدا ليناما، ليس لوقتٍ طويل، بل لفترةٍ وجيزة؛ إذ سرعان ما أقبل الفجر الجميل العرش. أما رفقاء تيليماخوس، فما إن اقتربوا من الشاطئ حتى طَوَوا الشراع، وأسرعوا بإنزال الصاري، وأخذوا يُجذِّفون بالسفينة حتى أرسَوْها بمجاذيفهم إلى مرساها، ثم رَمَوا أحجار المراسي وربطوا حبال الكوثل، ونزلوا هم أنفسهم إلى شاطئ البحر، وأعدَّوا طعامهم وخلَطوا الخمر الصهباء، وما إن أشبعوا جوعهم من الطعام والشراب، حتى نهض تيليماخوس الحكيم يتحدَّث في وسطهم أولًا، فقال: «هل لكم الآن أن تُبحِروا بالسفينة السوداء، وتُجذِّفوا حتى المدينة، أما أنا فأعتزم زيارة الحقول والرعاة، وفي المساء سأذهب إلى المدينة بعد أن أكون قد أشرفتُ على أراضيَّ. وعندما يُصبح الصباح سأُقدِّم لكم وليمة طيبة من اللحم والخمر العذبة، جزاء تعبكم.» عندئذٍ تحدَّث إليه ثيوكلومينوس شبيه الإله، بقوله: «إلى أين أذهب أنا، يا طفلي العزيز؟ إلى بيت مَن مِمن يحكمون في إيثاكا الصخرية، سألتجئ؟ أم هل أذهب مباشرةً إلى منزل والدتك ومنزلك؟» فأجابه تيليماخوس العاقل، وقال: «لو أن الأمور كانت على غير ذلك، لأمرتُكَ بالذهاب حتى إلى منزلنا، حيث لا ينقُص شيء لتكريم الغرباء، ولكن الأمر بالنسبة لك أنت شخصيًّا قد يكون جدَّ سيئ، حيث إنني سأكون بعيدًا، ولن تُقابلك والدتي؛ لأنها لا تظهر كثيرًا أمام المغازلين في البيت، بل تمكُث بمنأًى عنهم تنسجُ على منوالها في حُجرةٍ عليا، ولكني سأُخبرك عن رجل آخر تستطيع أن تذهب إليه، إنه يوروماخوس المجيد ابن بولوبوس Polybus الحكيم، الذي ينظر إليه رجال إيثاكا الآن كأنه إله؛ إذ هو خيرُ رجلٍ في المدينة يفوق غيره بمراحل، ويتلهَّف غاية التلهُّف إلى الزواج بوالدتي والفوز بمجد أوديسيوس. ومع ذلك فإن زوس الأوليمبي، الذي يقطن في السماء يعرف، هل سيُحقِّق لهم اليوم الشرير قبل الزواج، أو لا يُحقِّقه.» ثيوكلومينوس يُطَمئِن قلب تيليماخوس وبينما هو يتكلَّم حلَّق طائر على اليمين، وكان صقرًا، رسول أبولُّو السريع، يُمسِك في مخالبه يمامة، وكان ينزع ريشها، ويُلقي بالريش فوق الأرض وسَط الطريق بين السفينة وتيليماخوس نفسه؛ عندئذٍ ناداه ثيوكلومينوس بعيدًا عن زملائه، وأمسك يده، وتحدَّث إليه، بقوله: «أي تيليماخوس، لا شك أن هذا الطائر لم يُحلِّق على يميننا بدون إذن أحد الآلهة؛ لأنني بمجرد أن نظرتُ إليه عرفتُ أنه طائرُ فأل، لا بيت في أرض إيثاكا غير بيتك، هو أكثرُ مجدًا وأعظم سيادة، إنك دائمًا أبدًا مُتفوِّق.» فَردَّ عليه تيليماخوس الحكيم ثانية، فقال: «آه! أيها الغريب، كم أتمنى أن تتحقَّق كلمتك هذه؛ عندئذٍ تنال مني في الحال شفقةً وهدايا كثيرة، كي يصفَك كلُّ من يقابلكَ بأنكَ مُبارَك.» تيليماخوس يُوصي بتكريم ثيوكلومينوس ثم تحدَّث تيليماخوس إلى بايرايوس Peiraeus رفيقه الموثوق به، فقال: «أيا بايرايوس، يا ابن كلوتيوس Clytius، إنك أنتَ الذي اعتدتَ أن تُصغي إلى حديثي دون سائر الرفقاء، الذين رافقوني إلى بولوس؛ ومِن ثَمَّ فإنني، أتوسَّل إليك الآن، أن تأخذ هذا الغريب، وتُكرِم وفادته في منزلك، وتُبدي له التمجيد، إلى أن أجيء.» فأجابه بايرايوس الرمَّاح الشهير، قائلًا: «أي تيليماخوس، بالرغم من أنه لا ينبغي لك أن تبقى هنا طويلًا، فإنني سأُكرِمه، ولن يفتقر قَط إلى ما هو واجبٌ للغرباء.» تيليماخوس يسرع إلى حظيرة الخنازير ما إن قال هذا حتى صَعِد إلى ظهر السفينة، وأمر زملاءه أنفسهم بالصعود وحل حبال الكوثل. وهكذا ركبوا السفينة في الحال، واستَووْا فوق المقاعد. أما تيليماخوس فربط في قدمَيه صندلَه الجميل، وأخذ رُمحَه المتين، المدبَّب بالبرونز الحاد، من فوق ظهر السفينة. بعد ذلك حل الرجال حبال الكوثل، وبعد أن ثبَّتوا السارية، أبحروا إلى المدينة، كما أمرهم تيليماخوس العزيز ابن أوديسيوس المقدس. أما تيليماخوس نفسه فقد حملَته قدماه بسرعة، وهو يخطو إلى الأمام، إلى أن وصل إلى الحظيرة التي كان له بها ما لا يُحصى من الخنازير، والتي نام في وسطها راعي الخنازير النبيل ذو القلب الحافل بالوفاء لأسياده. ١ ابن بولوبوس الذي كان أحد المعجبين والمحبين البارزين لبينيلوبي. وهو الذي احتقر أوديسيوس عندما أتى متنكرًا في زي شحَّاذ، واعتراه خجلٌ عظيم عندما عجز عن ثَنْي قوس أوديسيوس، وقد قتلَه أوديسيوس. ٢ جزيرة في البحر الإيجي تقع في الجزء الذي يُسمَّى بالبحر الإيكاري، بعيدًا على ساحل إيونيا. ٣ أصغر أبناء نسطور وأناكسيبيا. وقد رافق تيليماخوس إلى إسبرطة ليستقصي الأخبار عن أوديسيوس من مينيلاوس — ومن اسمه اشتَق طاغية أثينا لقبه. ٤ معنى هذه الكلمة غامض، ولكن الرأي السائد الآن أن لها علاقة بالأصل «متلهف»، ومع ذلك فإن البعض يفضل المعنى «ذات الحوافر الصلبة». ٥ الترجمة الحرفية: بالداخل. ٦ يجوز أن يكون المعنى: «العبقة النكهة». ٧ ابن مينيلاوس من أمة، تزوج يوم عرس أخته هيرميوني من ابنة إليكتور الإسبرطي فحُرم من أن يرث العرش لسبب ميلاده الغير الشرعي. ولما مات مينيلاوس أَجبَر هو وأخوه هيلينا على الهروب إلى رودس. ٨ أو هيرا. هي جونو عند الرومان شقيقة وزوجة زوس. كانت ملكة الآلهة تجلس مع زوس على العرش ويُبجِّلها جميع آلهة أوليمبوس. من مستلزماتها الرمانة والطاووس والبقرة والصولجان ووشاح الزواج. ٩ يُسمِّيه الرومان فولوكانوس. أحد آلهة أوليمبوس العظام. هو رب النار وابن زوس وهيري. تزوج أفروديتي. كان تشخيصًا للنار نفسها ولكنه كان أيضًا حاكم النار القوي، يستعملها سلاحًا وقت القتال ووسيلةً من وسائل للتطهير وصهر المعادن؛ لذلك كان يُعتبَر حدَّاد الآلهة والفنَّان الأول في صناعة المعادن. ١٠ إله نهر. أحب أرتيميس، حبًّا جنونيًّا، فلما صدَّته هدَّد باستعمال القوة والعنف معها، ولكن أرتيميس استطاعت أن تتحاشاه بأن لطخَت وجهها بالطين فلم تَظهَر ملامحها. ١١ ابن أيدوميني، وشقيق بياس. يدين بملكة النبوءة العظيمة التي يملكها إلى ثعابينَ صغيرة كانت تُنظِّف آذانه بألسنتها، فوهبَتْه القدرة على أن يسمع ويفهم أصوات الطيور والحيوانات. ١٢ كان لنيليوس بن بوسايدون، ابنة تدعى بيرو Pero، تفوق سائر النساء فتنة، فاعتزم ألا يُزوِّجها إلا لمن يأتي من فولاكي Phylace بأبقار إفيكلوس Iphiclus، فاضطلع ميلامبوس بتلك المهمة نيابةً عن أخيه بياس Bias، غير أنه وقع في الأسر وظل مسجونًا عامًا كاملًا؛ إذ أَسَره إفيكلوس، فوضع نيليوس يده إبَّان هذه المدة على ممتلكات ميلامبوس، ولكن هذا الأخير تمكَّن بعرافته من الفوز بحريته، فساق الأبقار إلى بولوس، ثم انتقم لنفسه بعد ذلك من نيليوس، وزوَّج بيرو لبياس. ١٣ والد إفيكلوس وألكيميدي، من كلوميني. هدَّد مرة إفيكلوس بسكين، فلما هرب الابن غرس السكين في شجرةٍ فظلت السكين في مكانها إلى أن وصل إفيكلوس إلى سن الرجولة، وعندما جاء المنجم ميلامبوس ليحصُل على ماشية فولاكوس لأخيه بياس، شُفي إفيكلوس من عقمه بمزيج من الخمر، وصدأ السكين فكافأه على ذلك بأن أعطاه ماشيته. ١٤ واحدة من الإيرينويس، ربات الانتقام وعددهن ثلاث. ١٥ يترجمها البعض: «التي تضرب بعنف». ١٦ ملك العمالقة أكلة لحوم البشر في صقلية، حطم جميع سفن أوديسيوس ما عدا واحدة. ١٧ أي حماسية. ١٨ ليس هناك من تفسيرٍ مقبول لهذه الصفة الغامضة. ومن المحتمل أن الصفة اللائقة بالسفينة التي تشُق طريقها بسرعة أمام الجزر قد استُعيرت للجُزر نفسها. ١٩ الترجمة الحرفية: في عقولكم. الأوديسة
الأنشودة السادسة عشرة بهذا، لمسَتْه أثينا بصولجانها الذهبي. وألقَت حول صدره، أولًا، عباءةً، وجلبابًا مغسولَين حديثًا. يومايوس يُرحِّبُ بعودة تيليماخوس في نفس ذلك الوقت أشعل أوديسيوس وراعي الخنازير العظيم، نارًا في وسط الكوخ، وراحا عند مطلع الفجر يُعِدَّان طعام الإفطار، وكان قد بعثا بالرعاة مع قطعان الخنازير، ولكن الكلاب النابحة كانت تحوم حول تيليماخوس، دون أن تَهرَّ وهو يقترب منها. ولاحظ أوديسيوس العظيم حومان الكلاب، وسمع وَقْع الأقدام يطنُّ في أذنَيه، فقال في الحال ليومايوس بعباراتٍ حماسية:١ «أيا يومايوس، لا شك أن رفيقًا من رفاقك قادم إليك، أو على الأقل هو رجل تعرفه؛ لأن الكلاب لا تَهر، بل تحومُ حوله، وإنني لأسمع كذلك وقع أقدام.» ما كاد أوديسيوس ينطق بآخر لفظٍ من كلامه، حتى كان ابنه العزيز واقفًا عند الباب، فهَبَّ راعي الخنازير واقفًا مبهوتًا، وسقَطَت من يدَيه الآنية التي كان مشغولًا بخلط الخمر الصهباء فيها. وهُرِع إلى لقاء سيده، فقبَّل رأسه وكلتا عينَيه الجميلتَين، ويدَيه وانحدَرتْ من عينه عَبْرةٌ كبيرة. وكما يُرحِّب الأب المحب ابنه العزيز، الذي يأتي إليه من بلدٍ قصي في السنة العاشرة — ابنه الوحيد والمحبوب غاية الحب، الذي قاسى من أجله الحزن البالغ — هكذا أيضًا أمسك راعي الخنازير العظيم تيليماخوس الشبيه بالإله بين ساعدَيه، وأخذ يُوسِعه تقبيلًا في كل جزءٍ من جسمه كما لو كان قد نجا من هلاك، ثم تحدَّث إليه بكلماتٍ حماسية٢ وهو يبكي، فقال: «ها أنت ذا قد جئتَ يا تيليماخوس يا نور عينَي الحلو. لقد خُيل إليَّ أنني لن أراك إطلاقًا بعد أن رحلتَ إلى بولوس في سفينتك. هيَّا، ادخل يا طفلي العزيز، حتى أُمتِّع قلبي بالنظر إليكِ هنا في منزلي، يا من جئتَ حديثًا من بلادٍ غريبة؛ لأنك لا تزور دائمًا الحقل ولا الرعاة، بل تظل باستمرار في المدينة، فأعتقد أنه هكذا تراءى لكَ أنه من الخير لقلبكَ أن تُلقي نظرةً على حشد المغازلين المخرِّبين.» يومايوس يُطمئِن تيليماخوس على أمه عندئذٍ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «هكذا سيتم الأمر، يا أبتاه. لقد جئتُ إلى هنا من أجلك؛ لأراك بعينَي رأسي، ولكي أستعلم منك عما إذا كانت أمي لم تزل باقية في القصر، أم قد تزوَّجَت الآن رجلًا آخر، بينما يبقى فِراش أوديسيوس متلهفًا إلى من يرقد فيه، مُغطًّى بنسيج العنكبوت الفاسد.» فأجابه راعي الخنازير قائد البشر، يقول: «كلا، فإنها ما زالت باقية في القصر بقلبٍ ثابت، وفي حزنٍ لازب تقضي الليالي والأيام في بكاءٍ مستمر.» ما إن أتم حديثه هذا حتى تناول منه الرمح البرونزي، ودخل تيليماخوس مارًّا فوق العتبة الصخرية. وما إن اقترب، حتى نهض أبوه، أوديسيوس، من مقعده وأعطاه مكانه، بيد أن تيليماخوس من جانبه منَعه من ذلك، قائلًا: «اجلس أيها الغريب، وسنجد مقعدًا في مكانٍ آخر في حظيرتنا؛ فها هنا رجلٌ سوف يُعِد لنا مقعدًا.» يومايوس يُقدِّم الطعام لأوديسيوس وتيليماخوس هكذا تكلَّم فعاد أوديسيوس يجلس ثانيةً في مكانه، وبسط راعي الخنازير من أجل تيليماخوس حشيشًا أخضر من تحت وفوقه جزَّة من الصوف، فجلس عليها ابن أوديسيوس العزيز؛ بعدئذٍ وضع راعي الخنازير أمامها قَصعاتٍ من اللحم المشوي، كانا قد تركاها من وجبة اليوم السابق، وبسرعة وضع الخبز في الأسفاط، وخلط في طاسٍ من خشب العليق خمرًا في حلاوة العسل، ثم اتخذ هو نفسه مجلسه قبالة أوديسيوس المقدس؛ ومِن ثَمَّ مدوا أيديهم إلى الطعام الشهي الموضوع أمامهم مُعدًّا، فما إن تناولوا ملء بطونهم من الطعام والشراب، حتى تحدَّث تيليماخوس إلى راعي الخنازير العظيم، بقوله: «أبتاه، من أين جاءك هذا الغريب؟ كيف جاء به البحَّارة إلى إيثاكا؟ ومن أعلنوا أنهم يكونون؟ إذ في اعتقادي، أنه يستحيل أن هذا الغريب قد جاء سائرًا على قدمَيه.» إذن أجبتَه يا يوماس يا راعي الخنازير، فقلتَ: «إذن، يا ولدي، فلأُخبرنك بالحقيقة كلها، إنه يعلن أنه من مواليد كريت الفسيحة، ويقول إنه جاس متجولًا خلال الكثير من مدائن البشر، وهكذا دبَّر أحد الآلهة هذا النصيب. أما الآن، فقد هرب من سفينة للثيسبروتيين Thesprotians ولجأ إلى حظيرتي، وسأضعه بين يدَيك، فافعل به ما تشاء. إنه يعلن أنه مستجير بك.» تيليماخوس يُطوِّق الغريب بعطفه عندئذٍ من جديد ردَّ عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «أيا يومايوس، حقًّا لقد حزَّ قولك هذا في نفسي ووخَزني في قلبي؛ إذ كيف يتأتَّى لي أن أقوم بتكريم هذا الغريب في منزلي؛ فإنني شخصيًّا لم أزل صغيرًا وليست لي ثقةٌ بعدُ في قوتي للدفاع عن نفسي لحماية رجل، عندما يُثير المرء المتاعب من غيرِ ما سبب. أما والدتي، فإن قلبها الكائن في صدرها ليخفق إلى هذا الجانب وذاك، حائرةً هل تبقى معي هنا وتُحافظ على المنزل، محترمةً فِراش زوجها وصوت الشعب، أم مع خيرِ رجلٍ بين الآخيين الآن الذي يُغازِلها في القصر، ويُقدِّم لها أكبر عددٍ من هدايا الإعجاب. أما فيما يتعلق بهذا الغريب حقًّا، فحيث إنه قد جاء إلى منزلك فسأكسوه عباءةً وجلبابًا، يكونان لباسًا جميلًا له، وأعطيه سيفًا ذا حدَّين، وصندلًا لقدمَيه، وأُرسلُه إلى حيث يريد قلبه وروحه. أو لو طاب لكَ، أن تُبقِيَه هنا في الحظيرة، وتعتني بأمره، فسوف أُرسل الثياب إلى هنا، وما يلزم من الطعام لمأكله، حتى لا يكون سببًا في خرابكَ وخراب رجالك، ولكني لن أُحمِّله مشقَّة الذهاب إلى هناك، لينضم إلى حشد المغازلين؛ إذ يفيضون صفاقةً وضيعة، خشية أن يسخروا منه، فيحل عليَّ حزنٌ أي حزن. ومن الصعب على رجلٍ واحد أن يبلغ شيئًا بين قومٍ عديدين، مهما كان قويًّا؛ لأنهم يتفَوَّقون عليه حقًّا، أي تفوُّق.» الغريب يُبدي استعداده لمقاتلة المغازلين عندئذٍ أجابه أوديسيوس العظيم البالغ التحمُّل، فقال: «أيها الصديق، طالما يقضي الواجب عليَّ حقًّا أن أَردَّ — فالحق أن قلبي ليتمزق وأنا أسمع حديثك؛ إذ تقول إن أولئك المغازلين يقترفون مثل هذه العربدة في القصر بالرغم منك، أيها الرجل الطيب — خبِّرني، أتُقاسي أنت ذلك الظلم برغبتك؟ أم أن القوم في البلد يكرهونك، طاعةً لصوت الرب؟ أم هل لديك سبب لتُنحي باللائمة على إخوتك، الذين يعتمد عليهم المرء في القتال إذا ما جَد الجِد. ليتَني كنتُ صغيرًا مثلك، وأنا في خلقي الحاضر، وكنتُ ابنَ أوديسيوس عديم اللوم، أو أوديسيوس نفسه. إذن فليقطع غريبٌ ما رأسي ويفصله عن عنقي في الحال، إذا لم أُبرهن على أنني صعب المراس عليهم جميعًا إذا ما وصلتُ إلى قصر أوديسيوس بن لايرتيس. أما إذا هزموني بسبب كثرة عددهم، وأنا وحدي كما أنا، فخليقٌ بي أن أموت قتيلًا في ساحاتي، ولا أرى بعيني استمرار هذه الأعمال المخزية من أغرابٍ تُساء معاملتهم، ورجالٍ يسوقون الإماء بطريقةٍ مخجلة عَبْر الساحات الجميلة، والخمر تُبدَّد، والرجال يلتهمون خبزي في غيرِ ما اكتراث، وبغير حساب، وبدون أن تكون للأمر نهاية.» تيليماخوس يستغيث بيومايوس فردَّ عليه تيليماخوس الحكيم بقوله: «إذن أيها الغريب، لأُخبرنَّك بكل شيءٍ في صراحة، فلا يحمل الناس لي حقًّا أية ضغينة أو كراهية، وليس لديَّ أي مُبرِّر لكي ألوم إخوتي، الذين يعتمد عليهم المرء في القتال، إذا ما نَشِبَ صراعٌ مرير؛ لأن ابن كرونوس قد جعل منزلنا يسير على هذه الطريقة في خطٍّ منفرد. لقد أنجب أركايسيوس Arceisius لايرتيس، كابنٍ وحيد له، وكذلك أنجب لايرتيس ابنًا وحيدًا هو أوديسيوس، كما أنجبني أوديسيوس ابنًا وحيدًا له أيضًا، وتركَني في قصره، ولم تَقَرَّ بي عيناه. وفي قصرنا الآن أعداءٌ يفوقون الحصر؛ لأن جميع الأمراء الذين يحكمون في الجزر — دوليخيوم وسامي وزاكونثوس ذات الأحراش — وأولئك الذين يتولَّون الحكم على إيثاكا الصخرية، يُغازِلون جميعًا والدتي ويعيثون فسادًا بمنزلي. وإنها غير قادرة على رفض الزواج المقيت، وليس في إمكانها وضع حد لذلك الأمر، بل هم يُبدِّدون أموالي بالولائم، وعما قريب سيجُرُّونني أيضًا إلى الخراب. ومع ذلك فإن هذه الأمور تقع حقًّا عند رُكَب الآلهة، ولكن هل لك يا أبتاه أن تذهب بسرعة وتخبر بينيلوبي الثابتة الجنان بأنني في أمان، وأنني قد رجعتُ من بولوس؟ أما أنا فسأبقى هنا، وهل لك أن تعود إلى هنا ثانية، بعد أن تُفضِي إليها وحدها بقصتي، ولا تَدَع أحدًا آخر من بقية الآخيين يعلم بهذا الأمر؛ لأن من يُدبِّرون لي الشر كثيرون هناك.» إذن أجبتَه، يا يومايوس يا راعي الخنازير، بقولك: «فهمتُ، وأصغيتُ، إنك لتأمر بهذا رجلًا ذا فهم. والآن هيا خبِّرني بهذا، وأَعلِنه لي بالصدق، هل أُفضي بذلك الأمر أيضًا إلى لايرتيس، ذلك الرجل البائس، الذي لحينٍ من الدهر، رغم حزنه الشديد على أوديسيوس، ظل يأمل في إلقاء نظرة على الحقول، ويأكل ويشرب مع العبيد في المنزل، كما كان يأمره قلبه الكائن في صدره؟ أما الآن فمنذ ذلك اليوم الذي رحلتَ فيه إلى بولوس في سفينتك يقولون إنه لم يعُد يأكل ويشرب كسابق عهده، ولم تُبصِر عيناه الحقول، بل يقضي وقته جالسًا يبكي ويقول، واللحم يذوي فوق عظامه.» فأجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «إن هذا لأدعى إلى مزيد من الحزن، ومع ذلك فلندَعْه وشأنه، رغم أحزاننا؛ لأنه إذا كان في مقدور البشر، بأية حال من الأحوال أن يحصلوا على أمنياتهم لاخترنا أولًا وقبل كل شيء يوم عودة أبي. هيا انطلق ثم ارجع بعد أن تقوم برسالتك، ولا تتجول عَبْر الحقول بحثًا عن لايرتيس، واطلب من والدتي أن تُرسل بسرعةٍ خادمتَها، مُدبِّرة شئون البيت سرًّا، فتحمل كلمةً إلى الرجل العجوز.» أثينا تظهر لأوديسيوس وتأمره بوضع خطة مع ابنه بهذا نهض راعي الخنازير وتناول نعلَيه في يدَيه، وربطهما إلى قدمَيه ثم انطلق ذاهبًا إلى المدينة. ولم تكن أثينا غير عالمة بأن يومايوس راعي الخنازير قد غادر الحظيرة، فاقتربَت في صورة سيدة، حسناء فارعة الطول، وماهرة في الأشغال اليدوية الرائعة. ووقفَت أمام باب الكوخ، وأظهَرتْ نفسها لأوديسيوس، بينما لم يُبصِرها تيليماخوس وهي أمامه، ولم يلاحظها، لأن الآلهة لا تبدو بأية حال من الأحوال في صورة يراها الجميع، ولكن أوديسيوس شاهدَها، ولم تنبَح الكلاب، بل وهي تَهر تسلَّلتْ في خوف إلى أقصى بقعة في الضيعة. بعد ذلك أشارت له بحاجبَيها، فلاحظ أوديسيوس الإشارة وخرج من الساحة، مارًّا بسور الفناء العظيم، ووقف أمامها، فتحدَّثَت إليه أثينا، بقولها: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، أفصح الآن لابنك بالكلام، ولا تُخفِ الأمر عنه، حتى إذا ما وضعتُما خطة الموت والمصير المشئوم للمغازلين، استطعتَ أن تذهب إلى المدينة الشهيرة. ولن أكون أنا نفسي بعيدة عنك؛ لأنني توَّاقة إلى خوض غمار المعركة.» بهذا لمسَتْه أثينا بصولجانها الذهبي، وألقت حول صدره، أولًا عباءةً وجلبابًا مغسولَين حديثًا، زادت في حجمه وفي نضرة شبابه، ومن جديدٍ اسمَرَّ لونه، وامتلأَت أوداجه، ونمت اللحية السوداء حول ذَقنه. وبعد أن قامت بهذا العمل، انصرفَت فدخل أوديسيوس الكوخ، فذُهل ابنه العزيز وإذ استولى عليه الذعر، أدار عينَيه جانبًا، خشية أن يكون ذلك إلهًا، ثم تحدَّث إليه، وخاطبه بكلماتٍ حماسية،٣ قائلًا: «أيها الغريب، إنك لتبدو لي الآن من لون آخر، غير الذي كنتً عليه منذ لحظة، وكذلك الملابس التي عليك غير الأولى، وما عاد لونك كما كان من قبلُ. حقًّا إنك إله، أحد أولئك الذين يحتلُّون السماء الفسيحة. إذن رحماك، حتى نُقدِّم لك ذبائحَ مقبولة وهدايا ذهبية، بديعة الصنع، حتى يتسنَّى لك أن تعفو عنا.» أوديسيوس يميط اللثام عن نفسه لابنه عندئذٍ أجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل بقوله: «ثق بأنني لستُ إلهًا، لماذا تُشبِّهني بالخالدين؟ إنني أبوك الذي من أجله تحمَّلتَ الكثير من الأحزان باكيًا، وخضعتَ لأعمال البشر العنيفة.» قال هذا وقبَّل ابنه، فسقطَت من وجنتَيه دمعة فوق الأرض، ولكنه قبل أن يتمكَّن من كفكَفتها بحزم، تحدَّث إليه تيليماخوس ثانية — إذ لم يعتقد بعدُ أنه أبوه — فخاطبه بقوله: «الحق أنكَ لست أبي أوديسيوس، ولكنكَ أحد الآلهة يخدَعني، كي أبكي وأنتحب أكثر من ذي قبل؛ لأنه ليس في مُكنة أي رجل، بحالٍ ما، أن يفعل هذا بذكائه الشخصي إلا إذا جاءه إلهٌ بنفسه، فيجعله شابًّا أو كهلًا بسهولة حسب إرادته. لقد كنت حقًّا منذ لحظة رجلًا عجوزًا رثَّ الثياب، ولكنك الآن أشبهُ بالآلهة الذين يحتلُّون السماء الفسيحة.» أوديسيوس يؤكد لابنه أنه أبوه فَردَّ عليه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أي تيليماخوس، يجدُر بك ألا تعجب هكذا كثيرًا، ولا يُدهشَنَّك ذلك، أن أباك قد عاد إلى المنزل؛ لأنه يمكنك أن تثق من أنه لن يجيء إلى هنا أي أوديسيوس آخر، ولكني أنا هنا، أنا كما تراني، قد جئتُ إلى وطني بعد عشرين سنة، كلُّها تجولاتٌ عديدة ومتاعبُ جمة. ويجب أن تعرف أن هذا من عمل أثينا التي تسوق الغنائم، والتي تمنحني كما تشتهي — لأن لها القدرة — فتجعلني الآن شحاذًّا، ومرةً أخرى شابًّا يافعًا، وشخصًا جميل الهندام؛ إذ من اليسير على الآلهة، التي تحتل السماء المترامية الأجواز، أن تُمجِّد إنسانًا وأن تُحقِّره.» أوديسيوس وتيليماخوس يتعانقان ويبكيان مدرارًا ما إن قال هذا حتى جلس، فطوق تيليماخوس أباه النبيل بذراعَيه وأخذ يبكي ويذرف الدموع، فتحرَّك الشوق في قلبَيْهما للبكاء، فأَعولَا بصوتٍ مرتفع وبقوة دونها قوة الطيور، وصقور البحور أو النسور ذات المخالب المعقوفة، عندما يسلبُها امرؤٌ صغارَها زغب الحواصل من عشاشها، بمثل هذه الكيفية المؤثِّرة ذَرَفا الدموع السواجم من تحت حواجبهما. وكاد ضوء الشمس يغيب وهما لا يزالان يبكيان، لو لم يتكلَّم تيليماخوس إلى أبيه فجأة، ويقول: «أبي العزيز، في أي نوعٍ من السفن أحضرك البحارة إلى هنا في إيثاكا؟ ومن أعلَنوا أنهم يكونون؟ إذ أعتقد أنه من المستحيل أن تكون قد جئتَ إلى هنا ماشيًا على قدمَيك.» أوديسيوس يسأل ابنه عن المغازلين وعددهم فأجابه أوديسيوس العظيم كثير التحمل قائلًا: «إذن يا ولدي، فلأُخبرنك حقًّا بجلية الأمر. لقد جاء بي إلى هنا الفياكيون، أولئك القوم المشهورون بسفنهم، والذين يُوصلون غيرهم من الأقوام إلى حيث يريدون، كل من يجيء إليهم. لقد أحضروني نائمًا في سفينةٍ سريعة عبر البحر، وأنزلوني في إيثاكا، وأعطَوني هدايا رائعة، خزينًا من البرونز والذهب والثياب المنسوجة. إن هذه الكنوز موضوعة في الكهف بفضل الآلهة. وها أنا ذا قد جئتُ الآن بأمر أثينا، كي نتشاور في موضوع مقتل أعدائنا. هيا الآن، وأخبرني عن عدد المغازلين، وقُص عليَّ قصتهم، كي أعرف عددهم وأي نوعٍ من الرجال هم، حتى أُفكِّر في قلبي النبيل، وأُقرِّر ما إذا كنا نستطيع السيطرة على ناصية الأمور، وتكون لنا الغلبة عليهم وحدنا دون مساعدة آخرين، أم يقتضي الأمر أن نبحث عن آخرين.» تيليماخوس يُبدِي مخاوفه من قوة المغازلين وكثرتهم عندئذٍ أجابه تيليماخوس العاقل، بقوله: «أبتاه، لئن أردتَ الحق، إنني كثيرًا ما سمعتُ عن شهرتك العظيمة، لقد كنتَ ذائع الصيتِ كمحاربٍ في قوة اليد وفي سداد الرأي، ولكن هذا الذي تقول عظيمٌ للغاية، وإن العجب ليتملَّكني؛ إذ كيف يتسنَّى لرجلَين أن يقاتلا ضد رجالٍ عديدين أشدَّاء؛ فليس هناك من أولئك المغازلين عشرة فحسب، وليسوا عشرين، بل أكثر من ذلك بمراحل، وستعلم في الحال عددهم الآن ونحن هنا. هناك اثنان وخمسون شابًّا مختارًا من دوليخيوم، وستة خدم لخدمتهم، وجاء من سامي أربعة وعشرون رجلًا، وهناك من زاكونثوس عشرون شابًّا من الآخيين واثنا عشر رجلًا من إيثاكا نفسها، جميعهم من الأشراف، ومعهم ميدون، الرسول، والمنشد المقدَّس، وخادمان ماهران في قطع اللحوم، فلو واجهنا كل هؤلاء داخل الساحات، فإن مجيئك، كما أخشى، سيكون مريرًا ضارًّا حتى تنتقم بالعنف. كلا، هل لك أن تفكِّر — إذا كنت تستطيع التفكير في أي مساعد — في شخصٍ يمكنه أن يساعدنا كلَينا عن طيب خاطر.» فأجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، قائلًا: «حسنًا، إذن، فسأُخبرك، فأصغِ تمامًا إلى كلماتي، وفَكِّر هل يكفي أن يكون معنا نحن الاثنين، أثينا والأب زوس، أم هل لي أن أُفكِّر في مساعدٍ ما آخر.» عندئذٍ أجابه تيليماخوس الحكيم، فقال: «حسنًا، إن كنتَ واثقًا من اشتراك هذَين المساعدَين اللذَين تذكُرهما، رغم أنهما يقطنان عاليًا في السحب ويسيطران على جميع البشر وكذا الآلهة الخالدين على حدٍّ سواء.» أوديسيوس يَرسمُ لابنه خطَّة العمل فقال أوديسيوس العظيم الكثير الحيل: «من المؤكَّد أن هذَين لن يكونا بعيدَين عن ميدان المعركة الطاحنة مدةً طويلة، عندما تُوضع قوة أريس في موضع الاختبار بيننا وبين المغازلين في ساحاتي. أما الآن، فانصرف عند مطلع الفجر إلى منزلك، وانضَم إلى جماعة المغازلين الرقعاء. وأما أنا فسيأخذني راعي الخنازير بعد ذلك إلى المدينة في هيئة شحَّاذٍ بائس وكبير السن. ومهما سخروا مني في المنزل أو احتقروني، فلا تدَعْ قلبك يثور في داخل صدرك وأنا أُسام أسوأ معاملة، حتى ولو سحَبوني من قدَميَّ خلال المنزل إلى الباب، أو قذَفوا بي في الخارج أو ضربوني، بل يجب أن تتحمَّل رؤية ذلك. حقًّا، إنك سوف تأمرهم بالكف عن حماقتهم، محاولًا منعهم برقيق الألفاظ، ومع ذلك فلن يكترثوا لقولك بأية حال؛ إذ اقتربَ يومُ حتفهم. كذلك سأُخبرك بشيءٍ آخر، ويجب أن تضعه في قلبك. عندما تضع أثينا العظيمة النصح مشورتها في ذهني، سأهزُّ لك رأسي، فيجب أن تُلاحظ ذلك في الحال، فتقوم بجمع سائر أسلحة القتال الموجودة في ساحاتك، وتُخفيها كلها في مخبأٍ بعيد في المخزن الواسع. وإذا ما افتقد المغازلون الأسلحة وسألوك عنها، فلتُراوِغهم بعباراتٍ رقيقة خدَّاعة، فتقول لهم: «لقد وضعتُها بعيدًا عن الدخان،٤ حيث إنها لم تعُد كما تركَها أوديسيوس في القِدم عندما ذهب إلى طروادة، بل تراكَمَت عليها الأقذار بقَدْر ما عَلقَ بها من أنفاس النار. وزيادةً على ذلك فقد وضع ابن كرونوس في قلبي هذا الخوف الأعظم؛ إذ أخشى أنه متى لَعِبَت الخمر برءوسكم، أقمتُم الشجار فيما بينكم، وجرح بعضكم البعض الآخر، وبذا تُفسِدون وليمتكم ومغازلتكم؛ لأن الحديد من تلقاء نفسه يجذب إليه الإنسان.» أما لكلَينا وحدنا فلتترك سيفَين ورمحَين، وترسَين من جلد الثور لنحملها، حتى نستطيع الانقضاض بينهم وإلقاء القبض عليهم، بينما تخدع بالاس أثينا وزوس، المستشار، أولئك المغازلين. وسأخبرك بأمرٍ آخر، يجب أن تضعه في قلبك. إن كنتَ حقًّا ابني ومن دمي، فلا تجعلن أحدًا يسمع بأن أوديسيوس في المنزل، ولا تدَعن لايرتيس يعلم ذلك ولا راعي الخنازير، ولا أي فردٍ من خدَم المنزل، ولا بينيلوبي نفسها؛ فإننا نعرف تمامًا طبيعة السيدات. نعم، وكذلك سوف نبتلي الكثير من الخدم، فنعرف من منهم يُكِن لنا الاحترام ويخشانا في قلبه، ومن منهم لا يكترث بنا ويحتقرك، وأنت ذلك الرجل العظيم».» فأجابه ابنه الرائع يقول: «أبتاه، ستعرف، كما أعتقد، روحي من الآن فصاعدًا؛ فما من تراجُعٍ عما أعتزم عليه يسيطر على نفسي، ولكني لا أعتقد أن هذه الخطة ستكون ذات نفعٍ لكلَينا؛ ومِن ثَمَّ فإني أطلب منك أن تفكِّر في الأمر. ستظل مدةً طويلة تذهب هنا وهناك دون جدوى، تختبر كل رجلٍ وأنت تزور الحقول، بينما يُنفِق أولئك الآخرون أموالك حسب أهوائهم بصفاقة، فما تبقَّى هناك أي مدَّخر. ومع ذلك ففيما يتعلق بالسيدات، فإني أقترح عليك أن تعرف أيهن لا تُبجِّلُك، ومن منهن البريئة. وأما أولئك الرجال في الضياع، فلست أرى أن تُعجم عودهم، بل نترك معالجةَ ذلك إلى ما بعدُ، إذا كنتَ حقيقةً تعرف علامةً ما من زوس، الذي يحمل الترس.» بينيلوبي تعلم بوصول تيليماخوس هكذا تكلَّم كل واحدٍ منهما إلى الآخر، وفي ذلك الوقت كانت السفينة المكينة البناء التي أقلَّت تيليماخوس وجميع رفاقه من بولوس، قد رست داخل إيثاكا، فعندما جاءوا إلى الميناء العميق، ورسَوا سحَبوا السفينة السوداء فوق الشاطئ، بينما حمل الخدَم حُللَهم الحربية مزهوِّين، وفي الحال نقلوا الهدايا الجميلة إلى منزل كلوتيوس، فأرسلوا رسولًا إلى منزل أوديسيوس ليُخبر بينيلوبي الحكيمة بأن تيليماخوس في الحقل، وقد أمر السفينة بمواصلة الإبحار إلى المدينة، خشية أن يُساوِر القلق الملكة النبيلة فتُطلِق العِنان لدموعها المستديرة فتتساقط؛ وعلى ذلك التقى الاثنان، الرسول وراعي الخنازير العظيم، لنفس المهمة، مهمة حمل النبأ إلى السيدة، فلما بلغا قصر الملك الشبيه بالإله، أعلن الرسول في وسط الخادمات، قائلًا: «الآن فقط، يا مليكتي قد عاد ابنُكِ من بولوس.» اقترب راعي الخنازير من بينيلوبي وأفضى إليها بكل ما طلب منه ابنها العزيز أن يقوله. وبعد أن أخبرها بكل ما أُمر به، قفل راجعًا إلى الخنازير وتركَ الفِناء والساحة. المغازلون يتناقشون فيما بينهم بيد أن المغازلين قنَطوا وتخاذلَت أرواحهم، وخرجوا من الساحة عَبْر سور الفِناء العظيم، وجلَسوا أمام الأبواب، ثم قام بعد ذلك يوروماخوس بن يولوبوس، في وسطهم وتكلَّم أولهم، فقال: «أيها الأصدقاء، الحق أن عملًا عظيمًا قد تَمَّ بوقاحة على يد تيليماخوس، ذلك هو الرحلة، التي كنا نظن أنه لن يُحقِّقها. إذن هلُمُّوا بنا، نُنزل إلى البحر سفينةً سوداء، خير ما عندنا من السفن، ودعونا نجمع بحارةً مُجذِّفين حتى يستطيعوا في الحال أن يحملوا الأخبار إلى أولئك الآخرين بسرعةٍ لكي يرجعوا إلى الوطن.» ما كاد ينتهي هذا من كلماته، حتى استدار أمفينوموس Amphinomus في مكانه، فرأى سفينة في الميناء العميق، ورجالًا يَطْوون الشراع، وفي أيديهم المجاذيف، فضحك ملء شِدقَيه، وقال وسط رفقائه: «إذن فلا تبعثوا برسالة بعد الآن؛ فها هم في الوطن. إما أن أحد الآلهة قد أخبرهم بهذا، وإما أنهم رأَوا بأنفسهم مركب تيليماخوس وهو مارٌّ بهم، ولكنهم لم يستطيعوا اللحاق به.» ما إن قال هذا، حتى نهضوا وذهبوا إلى ساحل البحر، وبسرعةٍ سحب الرجال السفينة السوداء فوق الشاطئ، وحمل الخدَم المزهوُّون أسلحتَهم. أما هم فذهبوا في الوقت نفسه جميعًا إلى مكان الاجتماع، ولم يسمحوا لأحدٍ بالجلوس معهم، سواء أكان شابًّا يافعًا أو عجوزًا كهلًا، فقام في وسطهم بعد ذلك أنتينوس Antinous، ابن يوبايثيس Eupeithes، وخاطبَهم بقوله: «ويحكم! انظروا الآن كيف خلَّصَت الآلهة هذا الرجل من الهلاك. لقد ظل المراقبون يجلسون فوق المرتفعات ذات الرياح يومًا بعد يوم، الحارس يتلوه الحارس باستمرار، ولم نذهب إلى الشاطئ قَط عند غروب الشمس، بل كنا دائمي الإبحار بسفينتنا السريعة عَبْر الخِضَم الواسع حتى مطلع الفجر اللامع، منتظرين تيليماخوس، حتى يمكننا أن نقبض عليه ونقتله، ولكن في الوقت نفسه جاء به أحد الآلهة إلى الوطن، فلا يسعنا إذن، إلا أن نُدبِّر له ميتةً شنيعة، ولا نَدعَه يُفلتُ من أيدينا؛ إذ حسب اعتقادي لن ننجح في عملنا هذا طالما هو على قيد الحياة؛ لأن هو نفسه سديد الرأي في المشورة والحكمة، ولن يُبدي القوم لنا أي رضًى بعد الآن، فهيا، تعالوا قبل أن يجمع الآخيين في مكان الاجتماع؛ إذ أعتقد أنه لن يُبطئ في العمل بأية حالٍ من الأحوال، ولكنه وقلبه يفيض غضبًا، سيقف وسطهم ويُعلن لهم كيف أننا دبَّرنا له الهلاك الشامل، بيد أننا لم نتمكن من القبض عليه، فإذا ما أُحيطوا علمًا بأعمالنا الشريرة ساءت سُمعتُنا لديهم، خذوا حذركم إذن، لئلا يُدبِّروا لنا ضررًا ما ويطردونا من مدينتنا، فنلجأ إلى بلاد الأغراب. هلموا بنا، إلى العمل أولًا، لنقبض عليه في الحقول بعيدًا عن المدينة، أو في الطريق. ولنحتفظ نحن أنفسنا بأمواله، وكذا ثروته، ونقتسمها بالعدل فيما بيننا، ولو أننا سنُعطي البيت لوالدته ملكًا لها، ولمن يتزوَّجها. ومع ذلك فإن كانت لا تروقكم هذه الخطَّة، بل تُفضِّلون أن يظل حيًّا ويحتفظ بكل ثروة آبائه، فلنَستمرَّ في ازدراد خزينةٍ من أطايب الأشياء ونحن نجتمع سويًّا هنا، وليُغازلها كل رجل من ساحته بهداياه ويُحاول الفوز بها، ولها بعد ذلك أن تتزوج من يُقدِّم أحسن شيء، ومن كان من حظه أن يصبح سيِّدَها المقدَّر.» أمفينوموس يُعارض خطَّة قتل تيليماخوس هكذا تكلَّم. وخيم الصمت عليهم أجمعين، ثم قام أمفينوموس وسطهم، وخاطَب حشدهم. لقد كان هو الابن المجيد للأمير نيسوس Nisus، ابن أريتياس Aretias، وقاد المغازلين الذين قَدِموا من دوليخيوم، الغنية بالقمح والحشائش، ودون سائر الجميع قد أدخل السرور بكلامه على نفس بينيلوبي؛ إذ كان ذا قلبٍ مدرك، فقام بنيةٍ سليمة، وخاطب حشدَهم، وتحدَّث في وسطهم، قائلًا: «أيها الأصدقاء، لا ريب في أنني لا أرى أن نقتل تيليماخوس؛ فما أفظع أن نقتل شخصًا من أصلٍ ملكي. كلا هلُموا بنا أولًا نحاول معرفة إرادة الآلهة؛ فلو وافق على ذلك وحي زوس العظيم، لقتلتُه أنا نفسي، ولأمرتُ سائر الآخرين بعمل ذلك، أما إذا جعلَتْنا الآهلة نعدل عن هذا العمل، فإني آمركم بالعدول عنه.» هكذا تكلَّم أمفينوموس، فسُر الجميع من كلامه؛ وعلى ذلك نهضوا من فورهم وذهَبوا إلى بيت أوديسيوس، ما إن دخلوا، حتى جلَسوا على المقاعد المصقولة. بينيلوبي تظهر أمام العاشقين بعدئذٍ اتخذَت بينيلوبي الحكيمة رأيًا آخر، أن تُظهِر نفسها للعاشقين، السُّكَعاء اللُّكَعاء؛ إذ كانت قد عَلِمَت بما يُهدِّد ابنها في ساحاتها من ميتة؛ فقد أخبرها بذلك الرسول ميدون، الذي كان قد سَمِع تآمرهم؛ ومِن ثَمَّ ذهبَت في طريقها إلى الساحة مع وصيفاتها. وما إن وصلَت السيدة الفاتنة إلى مكان المغازلين حتى وقفَت بجانب باب الساحة المكينة الميناء وأمسكَت خمارها البَراق أمام وجهها، وأَنحَتْ باللوم على أنتينوس، وخاطبَتْه بقولها: «أيا أنتينوس، أيها المملوء بالوقاحة، ويا مُدبِّر الشر! يقول الناس عنكَ إنك تفوق سائر أترابك في بلاد إيثاكا مشورةً وحديثًا، ولكن يبدو أنكَ لستَ ذلك الرجل، أيها المأفون! لماذا تُدبِّر الموت والقضاء ليتليماخوس، ولا تكترث بالمتضرِّعين، الذين يُعتَبر زوس شاهدهم. ليس من التقوى أن يُدبِّر أحدكم الشر للآخر. ألا تذكُر الوقت الذي جاء فيه أبوك إلى هذا المنزل مستجيرًا وفي هلعٍ من الشعب؟ الحق أن الشعب كان غاضبًا عليه أشد الغضب؛ إذ انضم إلى قراصنة تافيين ونهبوا الثيسبروتيين، حلفاءنا. لقد كانوا يريدون قتله وقتئذٍ، وسلب حياته بالقوة، وابتلاع حياته العظيمة السارَّة ابتلاعًا شاملًا، ولكن أوديسيوس منعهم، وأوقفَهم رغم ثورتهم. إن بيته هو هذا الذي تستهلكون ما فيه الآن بدون وجه حق، وتُغازِلون زوجته، وتُحاوِلون قتل ابنه، فتجلبون على قلبي حزنًا بالغًا. كلا تريَّثوا، إنني آمركم، وآمر غيركم بالتريُّث.» يوروماخوس يُهدِّئ من رُوعِ بينيلوبي عندئذٍ أجابها يوروماخوس بن بولوبوس، بقوله: «يا ابنة إيكاريوس، يا بينيلوبي الحكيمة، انشرحي صدرًا ولا تدَعي هذه الأمور تعكِّر صفو قلبك. لا يعيش، ولن يعيش ولن يُولَد قط، من يضع يدَيه على ابنك تيليماخوس طالما أنا حي وأرى النور فوق الأرض. هكذا أقولُ لك، وهذا ما سوف يحدث حقًّا؛ فلسوف تجري بسرعةٍ دماء ذلك الرجل السوداء حول رمحي؛ لأنكِ إن أردتِ الحق، فكثيرًا أيضًا، ما جثا أوديسيوس مخرب المدن على ركبتَيه، ووضع لحمًا مشويًّا في يدي، وحمل إلى شفَتَيَّ خمرًا صهباء؛ لذلك كان تيليماخوس أعزَّ جميع الناس عندي، وإني لآمره ألا يهاب الموت، على الأقل بيد المغازلين، أما إن كان من لدن الآلهة فلن يستطيع أحد أن يتحاشاه.» تكلَّم هكذا ليُرضيَها، ولكنه في الحقيقة كان يُدبِّر قتل ذلك الابن، ومِن ثَمَّ صَعِدَت إلى حجرتها العليا المتألقة، وطَفِقَت تبكي أوديسيوس، زوجها العزيز، إلى أن ألقت أثينا، ذات العينَين النجلاوَيْن، النوم اللذيذ على جفنَيها. أثينا تُحوِّل أوديسيوس إلى شحَّاذٍ عجوز عندما أقبل المساء عاد راعي الخنازير الطيب إلى أوديسيوس وابنه وكانا منهمكَين في إعداد عَشائهما؛ إذ نحرا خنزيرًا حوليًّا. وبعد ذلك اقتربت أثينا من أوديسيوس بن لايرتيس، فضربَتْه بصولجانها فغدا من جديدٍ رجلًا عجوزًا، ووضَعَت حول جسمه أسمالًا رثَّة، لئلا يُحدِّق فيه راعي الخنازير ببصره فيعرفه. وقد ينطلق لينقل البشرى إلى بينيلوبي الثابتة الجنان، ولا يكتُم السر في قلبه. بادر تيليماخوس راعي الخنازير بقوله: «ها أنتَ قد جئتَ يا يومايوس الطيب، ما أخبار المدينة؟ أوصل المغازلون المتغطرسون الآن إلى المنزل من كَمينهم، أم لم يزالوا في انتظاري حيث هم؛ ليغتالوني وأنا في طريقي إلى الوطن؟» إذن رددتَ عليه، يا راعي الخنازير يومايوس، فقلتَ: «لم أكن أُزمع التجوُّل في المدينة، لأسأل وأستعلم عن هذا، فقد أمرني قلبي بأن أرجع إلى هنا بغاية السرعة بعد أن أُبلغ رسالتي. بيد أن رسولًا، سبقَني ونمى الخبر إلى والدتك، رسولًا سريعًا من رفقائك. إنني لعلى يقين من هذا الأمر؛ لأنني أبصرتُه بعينَي رأسي. وكنتُ في ذلك الوقت فوق مرتفعٍ يُطل على المدينة، حيث يُوجَد تل هيرميس، وأنا ذاهب في طريقي، فإذا بي أرى سفينة سريعة تدخل ميناءنا، وكان بداخلها رجالٌ عديدون، كما كانت أيضًا محمَّلةً بالدروع والرماح ذات الأسنة المدبَّبة المزدوجة، فخُيل إليَّ أنهم أولئك الرجال، ولكن لم أكن ذا علمٍ أكيد.» هكذا قال يومايوس، وابتسم تيليماخوس القوي العتيد، وحَدجَ أباه بنظره ولكنه تحاشى عينَي راعي الخنازير. وبعد أن انتهَوا من عملهم وأعدُّوا الطعام، انكبُّوا يأكلون، ولم تفتقر قلوبهم إلى شيء من الوليمة الفاخرة. حتى إذا ما ملئوا بطونهم وشَبِعوا من الطعام والشراب، فكَّروا في الراحة، فناموا ملء جفونهم.٥ ١ الأصل: مجنحة. ٢ الأصل: مجنحة. ٣ الأصل: مجنحة. ٤ لم يكن للبيت الهومري مدخنة، ومن الطبيعي أن الحوائط التي عُلِّقتْ عليها الأسلحة قد تلوَّنَت بالسناج المتصاعد من النيران التي كانت تُشعَل في وسط الساحة. ٥ الترجمة الحرفية: أخذوا قسطهم من هدية النوم. الأوديسة
الأنشودة السابعة عشرة اقتربا من المدينة، ووصلا إلى نافورةٍ بديعة الصنعة، رائعة التدفُّق. تيليماخوس يُوصِي الراعي بالغريب ما كاد يلوح الفجر الباكر، ذوا الأنامل الوردية، حتى لبس تيليماخوس العزيز، ابن أوديسيوس المقدس، صندلَه البديع في قدمَيه وتناول رمحه القوي، الذي كان يتفق وقبضة يده، وأسرع إلى المدينة، وخاطب راعي الخنازير بقوله: «أبتاه، إنني ذاهب حقًّا إلى المدينة، حتى تستطيع والدتي أن تشاهدني؛ إذ أعتقد أنها لن تكُف عن البكاء المحزن والنحيب الدامع إلا بعد أن تراني شخصيًّا. وإنني لأعهد إليك بهذه المهمة. أرشد هذا الغريب البائس إلى المدينة، ليُمكِنه أن يستجدي طعامه هناك، فيَجد من يجود عليه برغيفٍ وقدح من الماء. أما أنا شخصيًّا فلا يمكنني بأية حال أن أُثقِل على نفسي، بمراعاة مصالح جميع الناس؛ إذ بقلبي ما يكفي من الحزن. ولو أغضب الغريب هذا، فإنه سيكون وبالًا عليه أيَّ وبال. فالحقيقة أنني أُحب أن أقول الصدق». بعد ذلك أجاب أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «أي صديقي، كن واثقًا بأنني أنا نفسي غير توَّاقٍ إلى أن أُترك هنا؛ إذ من الخير للسائل أن يستجدي الناس طعامه في المدينة، أكثر مما يستجديه في الحقول، فمن كان لديه شيء أعطانيه؛ فما عُدتُ في السن التي تسمح لي بالبقاء في الضياع لأطيع في كل شيءٍ أوامر المتكهِّنين. كلا انطلق في طريقك، فإن هذا الرجل الذي تأمُره سيقودني إلى المدينة بمجرد أن أَصطلي النار فأُدفئ نفسي، وتُضحي الشمس حاميةً لأن الملابس التي تسترني في غاية البؤس، وأخشى أن يقهرني صقيع الصباح، وإنك لَتقولُ إن المسافة إلى المدينة بعيدة.» تيليماخوس يبلُغ قصر أمه هكذا تكلَّم، وانطلَق تيليماخوس يشُق طريقه عَبْر الضيعة بخطًى واسعة، وكان يبذر بذور الشر للمغازلين، فما إن بلغ القصر الفسيح الأرجاء، حتى وضع رمحه في مكانه، وأسنده إلى قائمٍ مرتفع، ثم دخل هو نفسه مجتازًا العتَبة الحجرية. كانت المربية يوروكليا Eurycleia، أوَّلَ من أبصره وهو يفرش الفراء الصوفية فوق المقاعد الفاخرة الصنع، فهُرِعَت إليه وهي تجهش بالبكاء، واجتَمعَت سائر الإماء الباقيات حولهما، إماء أوديسيوس الراسخ القلب، وأخذن يُوسِعْنه تقبيلًا في رأسه وكتفَيه مُرحِّباتٍ به ترحيبَ المحبة. بينيلوبي تستقبل ابنها بالبكاء والقبلات عندئذٍ خرجَت بينيلوبي الحكيمة من مقصورتها، أشبه ما تكون بأرتيميس أو بأفروديتي الذهبية، وانخرطَت في البكاء وطوَّقَت ابنها العزيز بذراعَيها، وقبَّلَت رأسه وكلتا عينَيه الجميلتَين، وتحدَّثَت إليه بكلماتٍ مجنحة، وهي تبكي فقالت: «ها أنت ذا قد جئتَ، يا تيليماخوس، يا نور عيني الحلو، لقد ظننت أنني لن أراك إطلاقًا بعد أن رحلتَ في سفينتكَ إلى بولوس — سرًّا ورغمًا مني — لتستقي الأخبار عن أبيك العزيز. هيا إذن خبِّرني عن الحال التي شاهَدتَه عليها.» فأجابها تيليماخوس الحكيم، قائلًا: «لا تُثيريني إلى البكاء، يا أماه، أتوسَّل إليك، ولا تُهيجي قلبي في داخل صدري، ما دمتُ قد نجوتُ من الهلاك الشامل. هيا، استحِمي وارتدي ثوبًا نظيفًا فوق جسمكِ، ثم اصعدي إلى مقصورتك العليا مع إمائك، وأَقسِمي لجميع الآلهة بأنكِ سوف تُقدِّمين ذبيحة من مائة ثور تُحقِّق الرجاء، أملًا في أن زوس يُحقِّق أعمال الأخذ بالثأر العادل يومًا ما. أما أنا فسأذهب إلى مكان الاجتماع كي أدعو إلى منزلنا غريبًا حضر معي من بولوس وأنا في طريقي إلى هنا. لقد جعلتُه يسبقني مع رفقائي الشبيهين بالآلهة، وطلبتُ من بايرايوس أن يصحبه إلى منزله ويُقدِّم له الِقرى اللائق، ويُظهِر له الاحترام إلى أن أجيء.» هكذا تكلَّم، ولكن كلمتها بقِيَت بغير جناح،١ وبعد ذلك اغتسلَت، وأخذَت لباسًا نظيفًا لجسمها، وأقسمَت لجميع الآلهة بأن تُقدِّم ذبيحة من مائة ثور تُحقِّق الرجاء، على أمل أن زوس في يومٍ من الأيام يُحقِّق أعمال الانتقام العادل. تيليماخوس يلتقي بالمغازلين أما تيليماخوس فانطلق بعد ذلك مخترقًا الساحة وهو يحمل رمحه في يده، وتَبِعَه كلبان سريعان. وما أعظم الجمال الذي سكَبتْه أثينا عليه! حتى إنه أثار عجب الناس جميعًا عندما أقبل، فاجتمع حوله المغازلون الرقعاء، وأخذوا يتحدَّثون إليه بمعسول الألفاظ، بينما هم يفكِّرون بالشر في أعماق قلوبهم. ومع ذلك فإنه تحاشى جمع الرجال الكبير، وقصَد إلى المكان الذي كان يجلس فيه مينتور Mentor، وأنتيفوس Antiphus، وهاليثيرسيس Halitherses، الذين كانوا أصدقاءَ بيت أبيه منذ القِدَم، حيث اتخذ مجلسه، فسألوه عن كل شيء. وبعد ذلك اقترب الرمَّاح الشهير بايرايوس، يقود الغريب خلال المدينة إلى مكان الاجتماع، ولم ينأَ تيليماخوس مدةً طويلة عن ضيفه، بل تقدَّم نحوه، وعندئذٍ بدأه بايرايوس بالحديث، قائلًا: «يا تيليماخوس، أسرع بإرسال نساءٍ إلى بيتي، كي أبعث إليك بالهدايا التي قدَّمها لك مينيلاوس.» عندئذٍ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «أي بايرايوس، لسنا نعرف كيف ستتطوَّر الأمور بعد، فلو قتلني المغازلون المتغطرسون سرًّا في ساحتي لاقتسموا جميع ممتلكات آبائي فيما بينهم، فأرجو أن تحتفظ بهذه الأشياء؛ إذ أُفضِّل أن تتمتع بها أنتَ نفسكَ من أن يتمتع بها واحد من هؤلاء. أما إذا استطعتُ أن أبذر لهم بذور الموت والقدَر، فأَحضِر عندئذٍ كل شيء إلى منزلي بسرور، وعندئذٍ سأكون مغتبطًا.» تيليماخوس يقُص على أمه أخبار رحلته ما إن قال هذا، حتى قاد الغريب الذي بلغ به التعب غايته، إلى المنزل، فلما وصلا إلى البيت الفسيح، وضعا عباءتَيْهما فوق الكراسي والمقاعد العالية، ودخلا الحمامات اللامعة واغتسلا. وبعد أن غسلَتهما الخادمات ودَهنَّ جسمَيْهما بالزيت، وألقين فوقهما جلبابَين وعباءتَين من الصوف، خرجا من الحمامات وجلسا فوق الكراسي. بعد ذلك أحضَرت خادمةٌ ماءً للأيدي في إبريقٍ بديع من الذهب، وسكَبتْه في طستٍ من اللجَين حتى يستطيعا أن يغسلا أيديهما، وجاءت إلى جوارهما بخوانٍ مصقول، فأحضَرتْ ربة البيت الصارمة خبزًا وضعَتْه أمامهما، ومعه لحم بكميةٍ وفيرة، مانحة من خزينها بسخاء. وجلَسَت والدة تيليماخوس قبالتَه بجوار قائم باب الساحة، متكئةً على كرسي تَغزِل خيوطًا رفيعة من الكتَّان. وهكذا مدَّا أَيديَهما إلى الطعام الشهي الذي أُعِد ووُضِع أمامها، فلما ملآ بطنيهما من الطعام والشراب، بدأَتهما بينيلوبي الحكيمة بالحديث، فقالت: «أي تيليماخوس، الحق أنني سأَصعَد إلى مقصورتي العليا وأستلقي فوق فِراشي، الذي غدا بالنسبة لي فِراش البكاء، أُبلِّله بدموعي دائمًا، منذ ذلك اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس إلى إليوس مع أبناء أتريوس، ولكنك لا تهتم، قبل أن يدخل المغازلون السكعاء إلى هذا المنزل، أن تُخبرني بصراحة عن عودة أبيك، إذا كنتَ قد سمعتَ شيئًا.» فأجابها تيليماخوس الحكيم، قائلًا: «إذن حقًّا يا أماه، سأُخبرك بالحقيقة كلها. لقد ذهبنا إلى بولوس عند نسطور، راعي الشعب، فأحسن استقبالي في منزله الشاهق وقدَّم لي الضيافة الطيبة، مُرحبًا بي ترحيب الأب بابنه الذي جاءه من تَوِّه بعد غيابٍ طويل في مكانٍ قصي. لقد أكرم وفادتي مع أبنائه الأمجاد بمثل هذه الطيبة، ومع ذلك، فقد قال إنه لم يسمع شيئًا عن أوديسيوس الراسخ القلب، سواء أكان على قيد الحياة أم في عِداد الأموات، من أي إنسانٍ على وجه الأرض، ولكنه بعث بي في عربةٍ ذات مفاصل تجُرُّها الخيول إلى مينيلاوس بن أتروبوس الرمَّاح المشهور. وهناك شاهدتُ هيلينا الأرجوسية، التي قاسى الأرجوسيون والطرواديون كثيرًا من المشاقِّ من أجلها بإرادة الآلهة. وفي الحال سألني مينيلاوس الرائع في صيحة الحرب، مستعلمًا عن السبب الذي من أجله جئتُ إلى لاكيدايمون العظيمة، فأخبرتُه بالحقيقة كلها. بعد ذلك أجابني، وقال: «سُحقًا لهم! لأنهم حقًّا كانوا يتوقون إلى الاضطجاع في فراش رجلٍ جريء القلب، أولئك الجبناء الرعاديد. كما يحدث تمامًا أن غزالة ترقُد في عرين الليث لتُنيم صغارها الرضَّع الحديثة المولد، ثم تخرج فتجوس فوق منحدرات الجبال وفي الوديان الخضراء بحثًا عن المراعي، وبعدئذٍ يأتي الليث إلى عرينه فيُنزِل بالصغار مصيرًا قاسيًا. هكذا سوف يُنزِل أوديسيوس مصيرًا قاسيًا بأولئك الرجال. وإنني لأطلب منكَ يا أبتاه زوس، وأنتِ يا أثينا، ويا أبولُّو، أنه بمثل تلك القوة كما حدث مرة في ليسبوس Lesbos البديعة الإنشاء عندما نهض وتصارع في جولةٍ مع فيلوميلايديس Philomeleides٢ فألقاه بعنف، وابتهج جميع الآخيين، بمثل تلك القوة أتمنَّى أن يهجُم أوديسيوس وسط المغازلين، وليتهم جميعًا يلاقون هلاكًا سريعًا ومرارةً في مغازلتهم. أما عن هذا الأمر الذي تتوسَّل إليَّ وتسألني عنه، فالحق أنني سأُخبرك به ولن أخرج عنه بحرفٍ واحد لأتكلم في أمورٍ أخرى، كما أنني لن أغشَّك، ولكنني لن أُخفي شيئًا واحدًا، أو أكتُمه، مما أخبرني به عجوز البحر الذي لا يُخطئ قَط. قال إنه رأى أوديسيوس في جزيرة حزينًا أشدَّ الحزن وأمضَّه، في ساحات الحورية كالوبسو، التي تحجزُه عندها بالقوة. وإنه غير مستطيع العودة إلى وطنه؛ إذ ليس عنده سفنٌ ذات مجاذيف ولا رفاق ليأخذوه في طريقه عَبْر ظهر البحر الفسيح.» هذا ما قاله مينيلاوس بن أتريوس، الرمَّاح الذائع الصيت. ولما انتهيتُ من كل هذا أقلعتُ إلى وطني، ووهبني الخالدون ريحًا معتدلة وأحضروني بسرعة إلى وطني العزيز.» ثيوكلومينوس يتنبأ بأن أوديسيوس موجود في وطنه هكذا تكلَّم تيليماخوس وأثار القلب في صدر أمه، ثم نهض وسطهما ثيوكلومينوس٣ الشبيه بالإله وتحدَّث إليهما قائلًا: «يا زوجة أوديسيوس بن لايريتس، المبجَّلة، الحق أنه ليس واضح الإدراك، ولكن هل لك أن تُصغي إلى كلماتي؛ لأنني سأتنبأ لكِ بمعرفةٍ أكيدة، ولن أُخفي عنك شيئًا، فكن شاهدي يا زوس فوق جميع الآلهة، ولتشهد عليَّ هذه المائدة المضيافة ومدفأة أوديسيوس النبيل الذي إليه جئتُ. إن أوديسيوس موجودٌ الآن حقًّا في وطنه، مستريحًا، أو متحركًا على علمٍ تام بهذه الأعمال الشريرة، وإنه ليبذر بذور الشر للمغازلين؛ ففي غاية الوضوح أبصرتُ طائرَ فألٍ وأنا جالسٌ فوق السفينة ذات المقاعد، وأعلنتُ الأمر لتيليماخوس.» فأجابَتْه بينيلوبي الحكيمة، قائلة: «آه! أيها الغريب، ليت كلمتك هذه تتحقَّق، إذن لعَرفتَ العطفَ مني بسرعة ونلتَ هدايا كثيرة، حتى إذا ما قابلكَ شخصٌ سمَّاك المحظوظ.» ميدون يدعو المغازلين إلى تناول الطعام هكذا تحدَّث كل واحدٍ إلى الآخر. أما المغازلون ففي الوقت نفسه كانوا يَطْربون أمام قصر أوديسيوس، يقذفون الجلَّة والرمح في مكانٍ مستوٍ، بصفاقة قلب، كما كانت عادتهم. بيد أنه عندما أقبل المساء وحان موعد العشاء، وعادَت القطعان من سائر أنحاء الحقول، وجاء بها الرجال الذين كانوا يقودونها دائمًا، تحدَّث إليهم ميدون، الذي دوَّن جميع الرعاة، كان محببًا إلى قلوبهم غاية الحب، وكان دائم الحضور إلى ولائمهم، فقال: «أيها الشباب، أما وقد أدخلتم الآن السرورَ إلى قلوبكم جميعًا بالرياضة، فهلُموا بنا إلى المنزل لكي نُعِد مأدبة؛ فليس من المرذول أن يتناول المرءُ طعامَه في موعده». ما إن قال هذا حتى نهضوا منصرفين، وأطاعوا قوله، فلما بلغوا البيت الفسيح الأرجاء وضعوا عباءاتهم فوق الكراسي والمقاعد العالية، وشَرع الرجال يَذبَحون الكباش الضخمة والمعيز السمينة، نعم والخنازير المسمنة، وعِجلة من القطيع، حتى أعدُّوا الوليمة. وفي تلك الأثناء كان أوديسيوس وراعي الخنازير الطيب يُسرِعان ليذهبا من الحقل إلى المدينة، وبدأ راعي الخنازير قائد الرجال، يتحدَّث أولًا، فقال: «أيها الغريب، طالما أنك تتوقُ إلى الذهاب إلى المدينة اليوم، كما أمر سيدي — رغم أنني شخصيًّا أُوثِر أن أترككِ هنا لتحرُس الضَّيعة، غير أنني أحترمه وأخشاه، لئلا يلومني فيما بعدُ، وأن تعنيف السادة لَبالغ القسوة — فهيا الآن، هلُم بنا نذهب حيث إن اليوم قد مضى منه أكثره، وسرعان ما سيكون أشدَّ بردًا عندما يُقبِل المساء.» يومايوس يقودُ أوديسيوس إلى قصر أمه عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «أرى ذلك، وأعمل حسابه، وإنك لتأمرُ بهذا شخصًا ذا إدراك. تعال، دعنا نذهب، وكن مرشدي طوال الطريق، ولكن أعرني عكازةً أتوكَّأ عليها، لو كان لديكَ عصًا مقطوعة في أيِّ مكان، فإنكَ قلتَ إن الطريق حقًّا مملوءة بالغَدْر.» قال هذا، وألقى حول كتفَيه جرابه المهَلهَل، الكثير الثقوب، معلَّقًا بحبلٍ مجدول، وأعطاه يومايوس عصًا كما أراد. وهكذا انصَرفَا يسيران قدمًا في طريقهما، بينما بَقِيَت الكلاب والرعاة وراءهما هناك لحراسة الضَّيعة، فقاد راعي الخنازير سيِّده إلى المدينة في هيئة شحَّاذٍ عجوز بائس، يتكئ عكازته، ويرتدي أسمالًا بالية فوق بدنه. بعد أن مشى الاثنان بحذاء الطريق الوَعْر، اقتربا من المدينة، ووصلا إلى نافورةٍ بديعة الصنعة، رائعة التدفُّق، كان القوم يستقون الماء منها كان قد صنعها إيثاكوس Ithacus ونيريتوس Neritus وبولوكتور Polyctor، وكان هناك حولها غابةٌ من أشجار الصفصاف، التي كانت تنمو بجانب المياه، تُحيط بها من كل جانب، وكانت المياه الباردة تتدفَّق من الصخرة أعلاها منحدرة إلى أسفل، وقد شُيد في القمة مذبحٌ للحوريات حيث يُقدِّم التقْدماتِ كل مارٍّ — فقابلَهما هناك ميلانثوس Melanthus، ابن دوليوس Dolius، بينما كان يسوق نعاجه، خير نعاجٍ كانت في سائر القطعان، ليُعِد منها المغازلون ولائمهم، ويتبَعه راعيان، فلما أبصرهما تحدَّث إليهما وخاطَبهَما، بكلماتِ التحدي غير اللائقة الفظيعة، مثيرًا بذلك قلب أوديسيوس إذ قال: «يا للعجب! ها هو ذا الآن، الشر يقود الشر حقًّا، كما هي العادة دائمًا، أن يجمع الله الشبيهَين معًا. إلى أين، بربِّك، تقودُ هذا البائس القَذِر،٤ يا راعي الخنازير التعيس، هذا الشحَّاذ المقلق لتُكدِّر علينا صفو ولائمنا؟ إنه لرجلٌ جدير بأن يقفَ ويحُكَّ كتفَيه في كثيرٍ من الأبواب، يستجدي الناس الفتات، وليس جديرًا بالسيوف والقُدور،٥ ولو أعطَيْتَني هذا الرفيق ليحرُس ضَيعتي، فيُنظِّف الحظائر ويحمل الأغصان اللدنة إلى الجداء، وعندئذٍ بشُربه مصل اللبن (الشرش) يقوى فخذُه، ولكن بما أنه لم يتعلَّم سوى أعمال الشر، فلن يهتَم بأن يشغَل نفسه بالعمل، بل يُؤثِر التسكُّع عَبْر البلدان، كي يستطيع بالاستجداء أن يملأ بطنه الذي لا يشبع. غير أنني سأُصارِحك القول، وسوف يتحقَّق ما أقول بالفعل، لو ذهب إلى قصر أوديسيوس المقدس، لانهالت حول رأسه مقاعدُ كثيرة، بيد أولئك الذين هم بالحق رجال، وتتحطَّم فوق ضلوعه،٦ وهو يُسلَخ في وسط المنزل.» قال هذا، وبينما هو يسير ركَل أوديسيوس في حقوَيْه، فما أحمقَه! ومع ذلك فإنه لم يستطع أن يدفعَه بعيدًا عن الطريق، بل ثبت في مكانه. وحار أوديسيوس ماذا يفعل، أينقَضُّ عليه بعصاه فيَسلبُه حياته، أم يقبض عليه ويُطوِّقه بذراعَيه ثم يرفعه إلى فوق ويهوي به على الأرض فيُحطِّم رأسه. بيد أنه كظَم غيظه، وأمسَكَ نفسه عن مأربه. وحَدجَ راعي الخنازير الرجل بنظرة في وجهه، ووبَّخه، ثم رفع يدَيه وصلَّى بصوتٍ مرتفع قائلًا: «أيا حوريات النافورة، يا بنات زوس، لو كان أوديسيوس قد أحرقَ فوق مذابحك قِطعًا من فِخاذَ الحملان أو الجداء، ملفوفةً بالدهن الكثير، فحقِّقن لي هذا الرجاء، قيِّضْن لسيدي أن يعود، وأن يُرشِده أحد الآلهة. وعندئذٍ يُزيل عنكَ كل هذه المظاهر التي تزهو بها وترتديها الآن بصفاقة، هائمًا أبدًا حول المدينة، بينما يُحطِّم الرعاة الأشرار القطيع.» عندئذٍ أجابه ميلانثيوس، راعي المعيز، بقوله: «تبًّا لكَ الآن، كيف يتكلَّم هذا القَذِر وعقلُه زاخر بالشرور، فلآخذنَّه ذات يومٍ في سفينةٍ سوداء ذات مقاعدَ بعيدًا عن إيثاكا، لأنال عنه ثروةً طائلة. ليت أبولُّو، ذا القوس الفضية، يضرب تيليماخوس اليوم في الساحات، أو أن يقتله المغازلون. إنه من المؤكَّد أن يوم العودة قد ضاع على أوديسيوس في بلدٍ قصي.» أوديسيوس ويومايوس يتبادلان الرأي قال هذا، وتركَهُما هناك يسيران وئيدًا بينما هو نفسه خطا إلى الأمام فبلغ قصر الملك بسرعة. ودخل من فوره وجلس وسط المغازلين في قبالة يوروماخوس؛ إذ كان يميل إليه أكثر من سائر الباقين. وإلى جواره وضَع أولئك الذين كانوا يخدمون قطعةً من اللحم، وأحضَرت ربة البيت الصارمة خبزًا وضعَتْه أمامه لكي يأكل. أما أوديسيوس وراعي الخنازير الطيب فلما اقتربا، وقفا ومن حولهما كان صوت القيثارة الجوفاء يملأ الجو؛ لأن فيميوس Phemius كان يضرب الأوتار ليُغنِّي أمام المغازلين؛ بعدئذٍ أمسك أوديسيوس بيد راعي الخنازير وقال له: «يومايوس، حقًّا إن هذا لمنزل أوديسيوس الجميل، من السهل معرفته، رغم وجوده وسط بيوتٍ كثيرة. هناك بناءٌ فوق بناء، والفِناء ذو سُور ودعامات، والبوابتان المزدوجتان مُسوَّرتان بإحكامٍ بحيث لا يجد المرء فيهما عيبًا. وإني لأُلاحظ أن بالمنزل نفسه رجالًا كثيرين يُولِمون؛ إذ تتصاعد منه رائحة الشواء، ويُدوِّي معها صوت القيثارة، التي جعلَتْها الآلهة رقيقة المآدب.» عندئذٍ أجبتَه، يا راعي الخنازير يومايوس، وقلتَ: «لقد عرفتَه بسهولة؛ لأنك سريع البديهة في كل شيء، ولكن هيا بنا نفكِّر فيما سنفعله، وكيف نُدبِّر أمورنا فإما أن تدخل أنت أولًا إلى القصر المنيف، وتدخل على جماعة المغازلين وأبقى أنا هنا، أو تبقى أنتَ هنا، إذا شئتَ بينما أذهب أنا قبلك، بحيث ألا تتأخر مدةً طويلة، لئلا يراك شخصٌ ما في الخارج ويسلَخ جلدك أو يضربك. إنني آمرك بأن تحذَر هذا الأمر.» فأجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، قائلًا: «أرى هذا وأُعيره اهتمامًا. إنك تأمر بهذا أمرًا ذا إدراك، فاذهب أنت قبلي، بينما أتخلَّف أنا هنا؛ لأنني لست بحالٍ ما غير مُتعوِّد الشتم والسلخ. وإن قلبي لجسور؛ إذ قاسيتُ كثيرًا من الشرور العظيمة وسط اللجَج وفي ميدان الوغى، فدع هذا أيضًا يُضَف إلى ما سبق أن مضى، ولكن البطن الجائع لا يمكن للمرء أن يُخفيه، ذلك الطاعون اللعين يجلب شرورًا بالغة على بني الإنسان! بسببه أُعدِّت السفن ذات المقاعد، التي تحمل الويلات للأعداء عَبْر البحر الصاخب.» أوديسيوس يبكي كلبه والكلب يراه فيموت هكذا تكلَّم كلٌّ منهما إلى الآخر، وكان هناك كلبٌ راقد، فرفَع رأسه ومدَّ أذنَيه، ذلك هو أرجوس Argos، كلب أوديسيوس، الثابت الجنان، الذي كان قد ربَّاه قديمًا هو نفسه، ولكنه لم يتمتع به؛ إذ قبل أن تبتهج به نفسه سافر إلى إليوس المقدسة؛ ففيما مضى من الزمان كان من عادة الشبان أن يَصحَبوا الكلاب معهم لصيد المعيز الوحشية، والغزلان، والأرانب البرية، غير أنه الآن يقبع مُهمَلًا، بعد أن رحل سيدُه غارقًا في روثِ البغال والماشية العميق، المتراكم في أكوام أمام الأبواب، إلى أن يأتي عبيد أوديسيوس فينقلوه ليُسمِّدوا به حقوله الواسعة. هناك رقد الكلب أرجوس، مُلوَّثًا كله بالأقذار، بيد أنه ما إن أبصر أوديسيوس واقفًا الآن بالقرب منه، حتى حرك ذيلَه وأرخى أذنَيه، ولكن أنَّى له بالقوة التي تُمكِّنه من الحركة ليقترب أكثر من سيده. وعندئذٍ أدار أوديسيوس وجهه جانبًا ومسح عَبْرة، مُخفيًا عن يومايوس ما فعله في سهولة، وفي الحال سأله، بقوله: «يا يومايوس، من الغريب حقًّا أن يرقُد هذا الكلب هنا في الروث. إنه جميل المنظر، ولكني لستُ أعرف تمامًا ما إذا كان لديه سرعة في الإقدام تتناسب وهذا الجمال أم إنه ليس سوى كلبٍ كبقية كلاب الموائد، التي يحتفظ بها سادتها من أجل منظرها.» فردَدتَ عليه إذن، يا راعي الخنازير يومايوس، فقلت: «كلا في الحقيقة إن هذا كلب رجلٍ مات في بلدٍ قصي، ولو كان على ما كان عليه من النشاط والمنظر الذي تركه عليهما أوديسيوس عندما رحل إلى طروادة، لذُهلتَ لِتوِّك عندما ترى سرعته وقوته؛ فما من مخلوق طاردَه في أعماق الغابة استطاع أن ينجو منه، كما أنه كان حادَّ الشم في اقتفاء الأثَر. أما الآن فإنه يعاني محنةً شريرة؛ إذ مات سيده بعيدًا عن وطنه، ولم تُعِرْه السيدات المهمِلات أي اهتمام؛ فمتى فقَد السادة قوتهم، ما عادت للخدم رغبةٌ في القيام بالخدمة بإخلاص؛ لأن زوس، الذي يحمل صوته نائيًا يسلب الرجل نصف قيمته، إذا ما حل يوم استعباده.» يومايوس ينضم إلى حشد المغازلين ما إن قال هذا حتى دخل المنزل الفسيح وانطلَق من فوره إلى الساحة لينضم إلى حشد المغازلين الأمجاد. أما أرجوس، فقد حل به مصير الموت الأسود بمجرد أن رأى أوديسيوس بعد عشرين سنة. وبينما كان راعي الخنازير يسير الآن خلال الساحة كان تيليماخوس شبيه الإله أوَّلَ من رآه، فأسرع يستدعيه إلى جانبه بإيماءةٍ من رأسه، فتطلع يومايوس حوالَيه وتناول مقعد أقدامٍ بقربه، كان من عادة نادلِ قَطعِ اللحوم أن يجلس فوقه عندما يقطَع شرائح اللحم الوافرة للمغازلين، وهم يُولِمون في الساحة، فأخذ ذلك المقعد ووضَعه عند مائدة تيليماخوس، قبالتَه، ثم جلس هو نفسه، فتناول أحدُ الخدم شريحة لحمٍ ووضَعها أمامه، وكذلك خبزًا من السفط. أوديسيوس يدخل قصر أمه في هيئة شحاذ بعد هذا بقليلٍ دخل أوديسيوس القصر في هيئةِ شحَّاذٍ بائس فتَّت في عضُده السنون، يتوكَّأ على عصًا، ومرتديًا أسمالًا مهلهلةً فوق جسده، فجلس على العتبة الحافلة بالرماد من داخل الباب، مُسنِدًا ظهره إلى قائم الباب الخشبي، الذي صقلَه فيما مضى بالمسحج نجارٌ ماهر، وسوَّاه كالخط المستقيم. بعد ذلك استدعى راعي الخنازير تيليماخوس إلى جانبه، وتناول رغيفًا كاملًا من السفط الجميل، وكل ما تستطيع يداه أن تأخذاه بقبضتَيهما من اللحم، ثم تحدَّث إليه قائلًا: «خذ هذا الطعام وأعطِه ذلك الشحَّاذ، ومُره بأن يدور بنفسه على المغازلين ويستَجديَهم فردًا فردًا؛ فليس من الخجل بالصاحب الملائم لمن كان ذا مسغَبة.» تيليماخوس يُطعِم أوديسيوس والأخير يستجدي المغازلين هكذا قال فذهب راعي الخنازير، عندما سمع ذلك الكلام، وما إن تقدَّم نحو أوديسيوس، حتى خاطبه بعباراتٍ مجنحة،٧ قائلًا: «أيها الغريب، إن تيليماخوس يُعطيكَ هذا، ويأمُرك بأن تدور على المغازلين وتستجديَهم فردًا فردًا؛ فالخجل كما يقول غير جديرٍ بابن السبيل.» عندئذٍ أجابه أوديسيوس المتعدِّد الحيل، فقال: «أيها الملك زوس، هب، أتوسَّل إليكَ أن يصبح تيليماخوس مباركًا بين الناس، وينال كل ما يشتهيه قلبه.» قال هذا وتناول الطعام في كلتا يدَيه ووضَعه أمام قدمَيه فوق جرابه المهَلهَل، ثم طَفِق يأكل طوال أن كان المنشد يُغنِّي في الساحات. وبعد أن تعشَّى، وكَفَّ المغني المقدس عن الإنشاد، انفجر المغازلون في ضجيج في شتى أنحاء الساحات، وعندئذٍ اقتربَتْ أثينا من أوديسيوس بن لايرتيس، وحثَّتْه على أن يذهب وسط المغازلين ويجمع قطع الخبز، ويعرف مَن منهم المخلص وأيهم المتمرد. ومع ذلك فإنها لم تكن تبغي إنقاذ أي واحدٍ منهم من الهلاك؛ ومِن ثَمَّ شرع أوديسيوس يستجدي كل رجل، بادئًا من اليمين، وباسطًا يده في كل جانب، كما لو كان شحَّاذًا عريقًا في التسوُّل، فأشفَقوا عليه وأعطَوه، وتعجَّبوا منه، متسائلين فيما بينهم عمن يكون هذا ومن أين جاء. المغازلون يتذمَّرون من وجود الشحَّاذ بينهم فنهض عندئذٍ ميلانثيوس، راعي المعيز وسطهم، وقال: «استمعوا إليَّ، يا مغازلي الملكة المجيدة، فيما يختص بهذا الشحَّاذ؛ لأنني رأيتُه حقًّا من قبل. إن راعي الخنازير هو الذي قاده حقًّا إلى هنا، أما الرجل نفسه فلستُ أعلم على وجه التحقيق من أي مكانٍ يعلن مولده.» هكذا تكلَّم، وعيَّر أنتينوس راعي الخنازير، قائلًا: «يا راعي الخنازير يا سيئ السمعة، لماذا بربك أحضرتَ هذا الرجل إلى المدينة؟ أليس لدينا ما يكفي من المُتسكِّعين غيره، ومضايقات من الشحاذين لتُعكِّر صفو ولائمنا؟ ألا تعتقد أنه يكفي أنهم يحتشدون هنا ويلتهمون أموال سيدك، حتى تجيء إلينا بهذا الرفيق أيضًا؟» إذن رددتَ عليه يا يومايوس يا راعي الخنازير، فقلتَ: «أيا أنتينوس، ما هذه الكلمات التي تفوَّهتَ بها بالعبارات الجميلة، رغم أنك نبيل؟ من ذا بربك يحاول من تلقاء نفسه ألا يُرحِّب بغريبٍ قادم من بلدٍ آخر، إلا إذا كان الغريب من السادة ذوي المهن العامة، كأن يكون نبيًّا، أو طبيبًا يداوي الأمراض، أو بنَّاء، نعم أو منشدًا مقدسًا، يُدخل السرور على النفوس بغنائه؟ لأن مثل هؤلاء الرجال يُرحَّب بهم في جميع أنحاء الأرض الفسيحة. ومع ذلك فما من أحد يعتبر الشحَّاذ عبئًا عليه، بيد أنك قاسٍ دائمًا من دون سائر المغازلين على خدم أوديسيوس، ولا سيما عليَّ، ولكني لن أكترثَ لذلك، طالما تعيش سيدتي بينيلوبي الحازمة، في الساحة، وكذلك تيليماخوس شبيه الإله.» عندئذٍ ردَّ عليه تليماخوس الحكيم، بقوله: «صه، فإني آمرك بأن تلزم الصمت، ولا تردَّ على هذا الرجل بكلامٍ كثير؛ لأن أنتينوس مُتعوِّد دائمًا أن يُثير الغضب بخبث، بالألفاظ الخشنة، نعم، ويحُث غيره أيضًا على ذلك.» تيليماخوس يناشد المغازلين مساعدة الشحَّاذ الغريب ثم خاطب أنتينوس بكلماتٍ حادة، قائلًا: «أنتينوس حقًّا إنك لتهتم تمامًا، كما يهتم الوالد بولده؛ إذ تأمرني بطرد هذا الغريب من الساحة بكلماتٍ محتمة. ليت الرب لا يُحقِّق مثل هذا الشيء قَط، كلا خذ وأعطه شيئًا ما. إنني لا أحمل لكَ أية ضغينة، بل بالحريِّ آمرك شخصيًّا بأن تُقدِّم له شيئًا، ولا تعمل حساب والدتي في هذا الشأن، ولا أي واحدٍ من العبيد الموجودين بمنزل أوديسيوس المقدَّس، ولكن ما أقصده حقًّا في دخيلة نفسي يختلف تمام الاختلاف؛ لأنك تتلهَّف كثيرًا إلى أن تأكل، دون أن تعطي شيئًا ما لشخصٍ آخر.» فأجابه أنتينوس، يقول: «يا تيليماخوس، أيها المقوال، الذي لا حد لجرأته، ما هذا الذي قلت؟! لو أعطاه سائر المغازلين بقَدْر ما أعطيتُه، لضاق هذا البيت بعد ثلاثة أشهر عما يجمعه.» أوديسيوس يستجدي أنتينوس هكذا تكلَّم، وأمسك بمقعد الأقدام الذي كان من عادته أن يريح قدمَيه عليه وهو جالس إلى المائدة يولم، وأخرجه من تحت الخوان، حيث كان موضوعًا. أما جميع الباقين فقدَّموا له هدايا، فملئوا الجراب بالخبز وقطع اللحم. وعندئذٍ كان أوديسيوس يميل الآن إلى أن يعود إلى موضعه عند مدخل الباب، وعَجْم عود الآخيين بدون ثمن،٨ فوقف إلى جوار أنتينوس، وتحدَّث إليه، قائلًا: «أيها الصديق، أعطني هديةً ما؛ فإنك لا تبدو في ناظري أحط الآخيين، بل بالأحرى أعرقَهم نبلًا؛ إذ أنت أشبه بملك؛ ومِن ثَمَّ فإنه لجدير بك أن تُعطيني على الأقل كسرة من الخبز أكثر مما يعطيه الباقون، وبذا تجعل صيتك ذائعًا في جميع أرجاء الأرض الفسيحة؛ لأنني أنا أيضًا كنتُ أسكنُ ذات مرة في مسكنٍ ملكي وسط رجال، فكنتُ امرأً واسع الثراء في منزلٍ ثري، وكثيرًا ما أعطيت هدايا لأبناء السبيل، مهما كانوا هم ومهما كانت الحاجة التي أتوا من أجلها. كما كان عندي من العبيد ما يفوق الحصر، وكذلك من جميع الأشياء الأخرى كمياتٌ وفيرة، من الأشياء التي يعيش بها الرجال عيشة البذَخ ويُشتهرون بها بأنهم أثرياء، ولكن زوس بن كرونوس، أنهى كل شيء إلى لا شيءl — فهكذا على ما أعتقد كانت مَسَرَّته الكبرى — فقد بعث بي بعيدًا إلى مصر مع بعض القراصنة الجوَّابين، في رحلةٍ نائية؛ كي أقابل هلاكي، فأرست سُفني المعقوفة في نهر أيجوبتوس، ثم أمرت زملائي الأوفياء أن يبقوا هناك لحراسة السفن، وبجوارها، وأرسلتُ العيون إلى أماكن الاستطلاع هناك. بيد أن رفقائي استسلموا لشهواتهم بمحض قوتهم، فشَرعوا في الحال يُخربون حقول شعب مصر الجميلة، وخطَفوا النساء والأطفال الصغار، وقتلوا الرجال، وسرعان ما طار الصياح إلى المدينة، فلما سمع أهلها الصراخ هُرِع الناس عند الفجر، وعَجَّ السهل كله بالمشاة والعربات والبرونز البراق. وعندئذٍ أنزل زوس، الذي يقذف بالصاعقة، ذعرًا شريرًا على رفاقي، فلم تكن لدى أي واحدٍ منهم الشجاعة ليثبت في مكانه ويواجه العدو؛ إذ أحاطت بنا المصائب من كل جانب. وبعد ذلك قتلوا كثيرًا منا بالبرونز الحاد، وأسَروا آخرين أحياءً وقادوهم إلى مدينتهم ليُسخِّروهم في أعمالهم بالقوة. أما أنا فعَهدوا بي إلى صديقٍ قابلَهم ليأخذني إلى قبرص إلى دميتور Dmetor ابن إياسوس Iasus٩ الذي كان يحكُم بقسوةٍ على قبرص، ومن هناك جئتُ إلى هنا، كاسف البال.» أنتينوس يعتدي على الشحَّاذ بالضرب فأجابه أنتينوس، بقوله: «أي ربٍّ جلب هذا الشر إلى هنا ليُكدِّر علينا صفو وليمتنا؟ ابتعد هناك إلى الوسط، وقف بعيدًا عن مائدتي، لئلا تكون قد جئتَ إلى مصر أكثر مرارة وإلى قبرص أشد إيلامًا؛ فإنني أرى أنك شحَّاذٌ جريء عديم الحياء، لقد طفتَ بكل رجل بدوره، وأعطَوك بطيش؛ فما من رادعٍ يكبح المرء عندما يجود بأموال غيره، طالما كان بجوار كل رجلٍ ما يكفيه.» عندئذٍ تراجع أوديسيوس الكثير الحيل إلى الخلف، وردَّ عليه بقوله: «عجبًا! الآن يبدو أنه ليست لديكَ على الأقل تلك الحصافة التي تُناسِب جمالك. حقًّا، ما كنتَ لتُعطيني شيئًا من مالك الخاص، ولا حتى ذرَّة من المِلح تجودُ بها على من يتضرَّع إليك، أنت يا مَن الآن، وقد جلستَ إلى مائدة غيرك، لا تجد القلب لأن تُعطيني شيئًا من الخبز، مع أنه يُوجَد هنا في متناول يدك كمياتٌ وفيرة منه.» ما إن قال هذا، حتى استشاط أنتينوس غيظًا في قلبه، وحَدجَه بنظرة غضبٍ مُقطبًا حاجبَيه، ثم تحدَّث إليه بكلماتٍ حماسية،١٠ قائلًا: «الآن، حقًّا، أعتقد، أنك لن تنصرف بعد الآن من الساحة في صورةٍ لائقة، ما دمتَ قد اجترأتَ على النطق أيضًا بعبارات التحدي.» قال هذا وتناول مقعد القدمين فقذف به أوديسيوس فأصابه أسفل كتفه اليمنى، في موضع اتصالها بالظهر، غير أنه وقف ثابتًا في مكانه كالصخرة، ولم تُزحزِحه قذيفة أنتينوس، بل هزَّ رأسه في صمت، مدبرًا الشر في أعماق قلبه. بعد ذلك عاد أدراجه إلى مدخل الباب حيث اتخذ جلسته، ووضع جرابه المملوء لحافته بجانبه على الأرض، وتحدَّث وسط المغازلين فقال: «أصغوا إليَّ، يا مغازلي الملكة المجيدة، كي أقول ما يأمرني به القلب الكائن في صدري. الحق، أن المرء ما ضُرب وهو يقاتل من أجل ممتلكاته، سواء أكان من أجل ماشيته أو من أجل أغنامه البيضاء، فإن ذلك الضرب لا يُولِّد أية ضغينةٍ في قلبه ولا حزنًا في نفسه، ولكن أنتينوس قد ضَربنَي من أجل بطني التعيس، ذلك الطاعون المقيت الذي يجلب شرورًا جمَّة على بني الإنسان، آه! لو كان الشحاذون آلهةً ومنتقمين، لتمنَّيتُ أن ينزل بأنتينوس قضاءُ الموت قبل زواجه.» عندئذٍ أجابه أنتينوس بن يوبايثيس Eupeithes، بقوله: «اجلس في صمت وتناول طعامك، أيها الغريب أو انطلق إلى مكانٍ آخر، لئلا يجُركَ الرجل الفتي من يدك أو من قدمك عَبْر المنزل من أجل عباراتٍ كهذه، ويُجرِّدكَ من كل جلدك.» مغازل يلوم أنتينوس على تصرُّفه الأحمق هكذا تكلَّم، فامتعضوا جميعًا غاية الامتعاض، فقام واحد من الشبان المتغطرسين وخاطبه، قائلًا: «لم تُحسن صنعًا بضربك ابن السبيل البائس، يا أنتينوس. ملعونٌ أنت بين الرجال، ماذا لو تصادف أن كان هذا ربًّا ما، هبط من السماء! نعم، فالآلهة يتخذون صورًا شتى، في زي الأغراب، ويزورون المدن ليطَّلعوا على قَسوة البشر وعَدلهم.» هكذا كان يتحدث المغازلون، بيد أن أنتينوس لم يكترث لحديثهم. أما تيليماخوس فحَزِن في قرارة قلبه أشدَّ الحزن وأمضَّه بسبب تلك الضربة، رغم أنه لم يدَع عَبرةً واحدة تسقُط من جفنَيه إلى الأرض، ولكنه هَزَّ رأسه في صمتٍ مدبرًا شرًّا في أعماق قلبه. بينيلوبي تخاطب وصيفاتها ولما سَمِعَت بينيلوبي أن الرجل قد ضُرب في الساحة، تكلَّمتْ وسط وصيفاتها، وقالت: «هكذا أيضًا، ليت أبولُّو، القوَّاس الشهير، يضرب روحكَ نفسها.» فقالت لها يورونومي Eurynome، مُدبِّرة المنزل: «ليت صلواتِنا تتحقَّق، وبذلك لا يبلغ واحدٌ من هؤلاء الرجال الفجر ذا العرش الجميل.» فتحدَّثَت إليها بينيلوبي الحكيمة وقالت: «يا مُربِّيتي، إنهم جميعًا أعداء؛ لأنهم يَحيكون الشر، ولكن أنتينوس يُشبه القضاء الأسود أكثر من الجميع. هذا غريبٌ مسكين كان يسير خلال المنزل يطلب صدقة من الرجال؛ إذ تُجبره الحاجة على ذلك، وقد أعطاه سائر الآخرين هدايا، وملئوا جرابه، ولكن أنتينوس أخذ مقعد قدمَين، وقذَفه به فأصابه أسفل كتفه اليمنى.» بينيلوبي تُبدي رغبتها في الترحيب بالشحَّاذ الغريب هكذا تكلَّمتْ وسط وصيفاتها، وهي جالسة في مقصورتها، بينما كان أوديسيوس العظيم يأكل اللحم، ثم استدعت إليها راعي الخنازير الطيب، وقالت له: «اذهب يا يومايوس الطيب، ومُر الغريب بالمجيء إلى هنا لأُرحِّب به، واسأله عما إذا كان قد سمع شيئًا عن أوديسيوس الراسخ القلب، أو قد رآه بعينَيه؛ إذ يبدو أنه كمن جاب بلادًا بعيدة.» إذن، أجبتَها، يا راعي الخنازير يومايوس، فقلتَ: «أتمنى، أيتها الملكة أن الآخيين يلزمون الصمت؛ لأنه ينطقُ بعباراتٍ تُبهِج نفسك. لقد حظِيتُ به إلى جواري ثلاثِ ليال، واحتفَظتُ به في كوخي ثلاثة أيام؛ إذ قَدِم إليَّ أولًا عندما جاء هاربًا من سفينة، ولكنه حتى هذه الساعة لم يختم قصة متاعبه؛ فكما يُحملِق المرء في منشدٍ يُغنِّي للبشَر أغاني مُشوِّقة قد علَّمتْه الآلهة إياها، وبكل جوارحهم يُصْغون إليه بشوقٍ لا نهاية له، كلما غنَّى، بمثل هذه الصورة سحَرني وهو جالسٌ في بهوي. أخبرني أنه صديقٌ قديم لأوديسيوس، وأنه يسكُن في كريت، حيث يُقيم شعب مينوس Minos.١١ وقد جاء من هناك الآن في هذه الرحلة إلى هنا، بعد أن قاسى كثيرًا من المِحَن وهو يجول هنا وهناك. إنه يؤكِّد أنه سمع نبأً عن أوديسيوس وأنه قريب في أرض الثيسبروتيين الغنية، وأنه لا يزال على قيد الحياة، وسيحُضر معه كثيرًا من الكنوز إلى وطنه.» عندئذٍ ردَّت عليه بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «اذهبنَّ، واستدعِيَنَّه إلى هنا، كي يُخبرني أنا شخصيًّا. أما بخصوص أولئك الرجال، فدعهم يتبارَوْا وهم جلوس عند المدخل أو هنا في المنزل، طالما أن قلوبهم مرحة، فإن أموالهم الشخصية باقية في بيوتهم لا تُمس، الخبز والخمر الحلوة، ويتغذَّى منها خدَمُهم. أما هم أنفسهم فيملئون منزلنا يومًا بعد يوم، ويذبحون ثيراننا وأغنامنا، ومعيزنا السمينة، ويَطْربون ويشربون الخمر الصهباء في نَزَق، وتحل الفوضى بجميع ثروتنا؛ إذ لا يُوجَد هنا رجلٌ مثل أوديسيوس ليدفع الخراب عن المنزل. أما إذا أتى أوديسيوس وعاد إلى وطنه فسرعان ما سينتقم هو وابنُه من أولئك الرجال بسبب أعمالهم العنيفة.» هكذا قالت، وعَطسَ تيليماخوس عُطاسًا عاليًا، ودوَّت الحجرة من جميع أركانها بطريقةٍ عجيبة، وضحكت بينيلوبي، وفي الحال كلَّمتْ يومايوس بعباراتٍ حماسية،١٢ قائلة: «اذهب بربك واستدعِ الغريب إلى هنا أمامي. ألم تلاحظ أن ابني قد عطَس عندما أفضيتُ بكل كلامي؛ وعلى ذلك أتمنى أن يَحيق الموت الشامل بجميع المغازلين فردًا فردًا، ولا ينجو منهم أي فرد، من الموت والقدَر. وسأُخبركَ بشيءٍ آخر، فاحفظه في قلبك. إذا وجدتُه يقول الصدق في كل شيء ألبَسْتُه عبايةً وجلبابًا من الثياب الجميلة.» أوديسيوس يُلبِّي دعوة بينيلوبي مع الحذر قالت هذا، فانصرف راعي الخنازير عندما سمع قولها ذاك، فلما بلغ مكان أوديسيوس، تحدَّث إليه بكلماتٍ حماسية، قائلًا: «سيدي الغريب، إن بينيلوبي الحكيمة، والدة تيليماخوس، تستدعيك، ويأمرها قلبها بأن تتحرى عن زوجها، بالرغم من أنها قد عانت محنًا جمَّة. حتى إذا ما رأت أنك تقولُ الصدق في كل شيء، ألبسَتْك عباءة وجلبابًا، وهذا ما أنتَ في مسيس الحاجة إليه. أما طعامك فسوف تَستجديه من أنحاء البلاد، لتُطعِم بطنك وممن قد يُعطيك إياه.» فأجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، وقال: «يا يومايوس، سرعان من سأقول الحقيقة لابنة إيكاريوس، بينيلوبي الحكيمة؛ لأنني أعرف أوديسيوس حق المعرفة، وكلانا قد قاسى الأهوال. بيد أنني أخشى هذا الجمع من المغازلين القُساة، الذين تصل شَهوتُهم وعُنفُهم إلى السماء الحديدية؛ فحتى الآن، ولم أقترف أي ذنب وأنا أدور خلال الساحة، ضربَني ذلك الرجل وأصابَني، ولم يُحرِّك تيليماخوس ولا أي فردٍ آخر ساكنًا ليمنعا عني الضربة. والآن أخبر بينيلوبي أن تنتظرني في الساحات، إلى أن تغيب الشمس، رغم تلهُّفها، وبعدئذٍ فلتسألني عن زوجها ويوم عودته، ولتُعطِني مقعدًا أكثر قربًا من النار؛ إذ إن ثيابي للأسف حقيرة، وإنك لتعرف ذلك أنتَ نفسك، فإليكَ توسلتُ أولًا.» هذا ما قاله، فانطلق راعي الخنازير بعد أن سمع منه هذه الكلام. وبينما هو يخطو فوق العتبة، قالت له بينيلوبي: «إنكَ لم تأتِ به يا يومايوس. ماذا يعني الشحَّاذ بهذا؟ أيخاف شخصًا ما خوفًا لا حد له، أم يشعر بالخجل في المنزل؟ لا يليق بالسائل أن يشعر بالخجل.» وإليها إذن يا راعي الخنازير يومايوس، أجبتَ، وقلتَ: «إن بيده الحق فيما قال، كما قد يفعل أي رجلٍ آخر، ساعيًا وراء اجتناب وقاحة الرجال المتعجرفين، ولكنه يطلب منك أن تنتظري حتى مغيب الشمس. أما عنكِ أنتِ نفسك، أيضًا، فإنه لأكثر لياقةً بك، أيتها الملكة، أن تتحدَّثي إلى الغريب وحده، وتُنصتي إلى كلماته.» عندئذٍ أجابته بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «لا يخلو هذا الغريب من الحكمة؛ إنه يعمل للشيء حسابه؛ فليس هناك رجال، كما أعتقد، أكثر حماقةً في شهواتهم من هؤلاء.» يومايوس ينصرف والمغازلون يمرحون ويرقصون هكذا تكلَّمتْ، وذهب راعي الخنازير الطيب إلى حشد المغازلين بعد أن أخبرها بكل شيء. وفي الحال تحدَّث إلى تيليماخوس بكلماتٍ حماسية، مقتربًا منه حتى لا يسمعه الآخرون، فقال: «أي صديقي، إنني ذاهب لأحرس الخنازير وجميع الأشياء التي هناك، ومنها معاشك ومعاشي، فلتتولَّ مراقبة كل شيءٍ هنا، مراعيًا سلامة نفسك قبل كل شيء، وخذ حِذركَ خشية أن يُصيبك مكروه؛ لأن آخيين كثيرين يُدبِّرون لك الشر، أولئك الذين أتمنى أن يُهلِكَهم زوس هلاكًا تامًّا قبل أن ينزل بنا أي أذًى.» فَردَّ عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «سيكون هذا، يا أبتاه، اذهب في طريقك بعد أن تتناول عَشاءك. حتى إذا ما أصبح الصباح أَحضِر معك ضحايا طيبة. أما سائر الأمور هنا فستكون موضع اهتمامي واهتمام الخالدين.» قال هذا، وجلس راعي الخنازير ثانيةً فوق المقعد المصقول، وبعد أن تناول ملء بطنه من اللحم والشراب، انطلق في طريقه إلى الخنازير، تاركًا القصر والساحة يعجَّان بالمدعوِّين، وكانوا يمرحون رقصًا وغناء؛ إذ كان المساء قد خيَّم على الكون وقتذَاك. ١ أي إنها لم تُجب، ولم تُخرج الألفاظَ من فمها. ٢ ملك ليسبوس الذي كان يَضْطَر المسافرين أن يقاتلوه. وقد قتلَه أخيرًا أوديسيوس. ٣ مُنجِّم عاش في العصر الهومري. ابن المنجم بولوفايديس سليل بيت ميلامبوس. اضطُر إلى الفرار من بيته في أرجوس حيث قتل أحد المواطنين، فلما ذهب إلى بولوس قابل تيليماخوس يبحث عن أخبار والده أوديسيوس وطلب حمايته. أخذه تيليماخوس معه إلى إيثاكا حيث أطلع ثيوكلومينوس بينيلوبي بدهائه أن أوديسيوس في بلده، وتنبأ مرة أخرى لمغازلي بينيلوبي عن مصيرهم، ولكنهم قابلوا نبوءته بالازدراء والسخرية. ٤ معنى هذه الكلمة غيرُ موثوقٍ منه، ولكنها تُترجم دائمًا: «نهم أو جشع». ٥ أي لمثلِ تلكِ الهدايا التي كانت تُقدَّم عادةً للضيوف الأمراء. ٦ أو: «سوف تطن حول رأسه وفوق ضلوعه». ٧ أي: «سريعة». ٨ أي: يختبر جودهم بنفسٍ متسامحة، ويترجمها آخرون: «كان على وشك أن يتذوَّق كرم الآخيين». ٩ ابن زوس وإليكترا. أحبَّته ديميتير فأنجب منها بلوتوس، فقتَلَه زوس لذلك بإحدى صواعقه. ١٠ الأصل: مجنحة. ١١ ملك كريت وابن زوس ويوروبا. صار ملك كريت الوحيد بعد أن هزم شقيقَيه رادامانثوس وساربيدون. ادعى أنه حاكمٌ عادل فتوسل إلى بوسايدون كي يرسل إليه ثورًا يُقدِّمه ذبيحة، فأجاب الإله طلبه، غير أن الثور الذي خرج من البحر كان جميلًا للغاية، فاستعاض عنه مينوس بثورٍ آخر واحتفظ بثور بوسايدون، فعاقبه الإله على ذلك بأن أوقع زوجتَه باسيفاي في غرام الثور. ١٢ الأصل: مجنحة. الأوديسة
الأنشودة الثامنة عشرة أما أوديسيوس فضربه على عُنقه أسفل أُذنه، وحطَّم العظام، وفي الحال تدفَّق الدم القاني من فيه. معركةٌ كلامية بين أوديسيوس وأرنايوس الشحَّاذ والآن جاء شحَّاذ معروف اعتاد الاستجداء في نواحي مدينة إيثاكا، وكان مشهورًا بالبطن الجشِع، يلتهم الطعام والشراب بغير حد. ولم يكن على شيءٍ من القوة أو العافية، أما في ضخامة الجسم فكان طريرًا للناظرين. ذلك هو أرنايوس Arnaeus، فهذا هو الاسم الذي منحته إياه أمه المبجلة عند مولده؛ بيد أن جميع الشبان كانوا يُطلِقون عليه اسم إيروس Irus، إذ كان من عادته أن يقوم ببعض المهام،١ التي يُكلِّفه بها غيره. جاء الآن، وكاد يطرد أوديسيوس من منزله، وبدأ يتحداه، خاطبه بكلماتٍ حماسية،٢ قائلًا: «ابتعد، أيها الرجل العجوز، عن المدخل، لئلا أُجرجركَ في الحال من قدمك. ألا ترى جميع الرجال يشيرون إليَّ، ويأمرونَني بأن أُخرجك، ولكنني، أنا شخصيًّا، أجد من العار أن أفعل ذلك، فهيا انهض، خشية أن يتطوَّر نزاعنا إلى اللكَمات.» قطَّب أوديسيوس الكثيرُ الحيل ما بين حاجبَيه غضبًا، وقال له: «أيها الرفيق الطيب، إنني لم أتعرَّض لك بالأذى، سواء بالفعل أو بالقول، ولستُ أحقدُ عليكَ إن أعطاك أي رجل، أيه قطعةٍ مهما كانت كبيرة. وإن هذا المدخل ليتسع لكَلينا، ولا حاجة بك لأن تغار من حاجيات غيرك. يبدو لي أنك متشرد، مثلي تمامًا. أما الحظ السعيد، فإن الآلهة هي التي يحلو لها أن تُعطينا إياه.٣ ولكن لا تستفزَّني بقبضتَي يدَيك أكثر من اللازم، لئلا تُثير غَضَبي، فأُلطِّخ صدرك وشفتَيك بالدم؛ بالرغم من أنني قد بلغتُ من الكبر عِتيًّا؛ وعلى ذلك أؤمل في أن أحظى بالسلام الأعظم غدًا؛ إذ أعتقد أنكَ لن تعود مرةً أخرى إلى ساحة أوديسيوس بن لايرتيس.» عندئذٍ، استشاط المتشرِّد إيروس حنقًا، وقال: «انظروا الآن إلى فصاحة اللسان التي يتكلَّم بها هذا التعيس القَذِر، كما لو كان طاهيةَ عجوز، ولكني سأُدبِّر له الشر، فأَضرِبه ذات الشمال وذات اليمين، وأنثُر أسنانه جميعًا من فكَّيه فوق الأرض، كما لو كان خنزيرًا بريًّا يُخرب القمح. شمِّر عن ساعدَيك الآن، كي يشهد جميع هؤلاء الرجال قتالنا أيضًا، ولكن كيف تستطيع مقاتلة رجلٍ أصغر منك؟» المغازلون يستمتعون بمشاهدة الشحَّاذين يتعاركان وهكذا طَفِق كلاهما، فوق العتبة المصقولة أمام الأبواب الشاهقة، يثيران حنق بعضهما البعض الآخر بمنتهى العنف، ثم سمعا أنتينوس القوي العتيد، يُقهقِه ضاحكًا ملء شِدقَيه طربًا، وتحدث وسط المغازلين، يقول: «أيها الأصدقاء، لم يسبق قَط أن رأينا أمرًا مثل هذا يحدُث؛ أن قد جلَب أحد الآلهة مباراةً مثل هذه إلى هذا المنزل. إن كلًّا من هذا الغريب وإيروس يستفز الآخر إلى تبادُل الضربات. هيا بنا نعجل بهما إلى ذلك.» هكذا تكلَّم، فنهَضُوا جميعهم وهم يضحكون واحتَشدوا حول الشحَّاذين الثرثارين. وتَحدَّث أنتينوس بن يوبايثيس، في وسطهم؛ قائلًا: «استَمِعوا إليَّ أيها المُغازِلون المزهوُّون، فسأقول لكم شيئًا ما. لقد وضعنا كروش الماعز بجانب الوطيس، لنُعِدَّها لعَشائنا، بعد أن ملأناها بالدهن والدم، فأي هذَين يتفوَّق على الآخر ويُبرهِن على أنه أفضل، دعوه ينهض ويَختَر لنفسه ما يروقهُ منها. وزيادةً على ذلك فلنسمح له بأن يُولِم معنا دائمًا، ولن نسمح لأي سائلٍ آخر بأن ينضَم إلى جماعتنا ويستجدينا.» هذا ما قاله أنتينوس، فسُر الجميع من كلامه. وعندئذٍ قام وسطهم أوديسيوس الكثير الحيل، وتكلَّم بخبث، قائلًا: «أصدقائي، إنه لمن المستحيل على رجل عجوزٍ بخَعتْه النوائب أن يقاتل رجلًا أصغر منه. ومع ذلك فإن بطني، الآمر بالسوء، يحثُّني، على أن أُهزم بلكماته. هلُموا الآن، وأَقسِموا جميعًا أمامي قسمًا لا حِنث فيه، ألا تمتدَّ يد أحدكم عليَّ بلكمةٍ غادرة بيدٍ ثقيلة، محابيًا إيروس، لئلا يُخضِعني بالقوة لهذا الزميل.» ما إن قال هذا، حتى أقسَموا جميعًا ألا يضربوه، كما أمرهم تمامًا، ولكن بعد أن حلفوا اليمين وانتهَوا من القسم، قام تيليماخوس القوي العتيد، وتحدَّث في وسطهم ثانية، فقال: «أيها الغريب، إذا كان قلبك وروحك الشامخة يأمرانك بضرب هذا الرجل، إذن فلا تخشَ أي رجلٍ من الآخيين؛ لأن من يضربك عليه أن يقاتل من هو أكثرُ منك. إنني مُضيفُك، والأميران أنتينوس ويوروماخوس، يوافقان على هذا، وكلٌّ منهما رجلٌ حصيف.» قال هذا، فامتدح الجميع قوله. وعندئذٍ ربط أوديسيوس أسمالَه حول عَورته مظهرًا فخذَيه، جميلَين وعظيمَين، وبانت كتفاه العريضتان، وكذا صدره وساعداه القويان. واقتربَت أثينا فجعلَت أعضاء راعي الشعب أعظم مما كانت. وعندئذٍ عجب سائر المغازلين غاية العجب، فقال أحدهم وهو ينظر إلى جاره: «سرعان ما سيجني إيروس، عديم التبصُّر، على نفسه؛ فمثل هذا الفخذ يُظهِره ذلك الرجل العجوز من تحت أسماله.» أنتينوس يُعيِّر الشحاذ إيروس ويُهدِّده هكذا كانوا يتكلَّمون، وذُعر عقل إيروس بصورةٍ فظيعة؛ ومع ذلك فقد منطقه الخدم، وساقُوه بالقوة وهو مملوءٌ كله بالهلع، وارتعَد فرائصَ وأعضاء. وعندئذٍ عيَّره أنتينوس، فخاطبه، بقوله: «خيرٌ لك الآن، أيها الثرثار، ألا تكون حيًّا، أو أنك لم تُولَد بعدُ، إذا كنتَ ترتعد إلى هذا الحد، وتخاف رجلًا عجوزًا كهذا — قَهرتْه المحن التي حاقت به — ولكني سأُكلِّمكَ بكل صراحة، وسيُنفَّذ كلامي حقًّا. إذا غلبك هذا الرجل وبرهَن على تفوُّقه عليك، فلسوف أقذف بك في سفينةٍ سوداء وأبعث بك إلى مملكة الملك إخيتوس Echetus مُشوِّه جميع الرجال، الذي سوف يجدع أنفكَ وأُذنيكَ بالبرونز القاسي، ويُخرج أعضاءكَ الحيوية ويُلقي بها نيئةً للكلاب، لتُمزِّقها.» أوديسيوس يقهر إيروس ويُلقي به خارج القصر هكذا قال، وارتعدَت أطراف الآخر فَرقًا، وساقُوه إلى الحلبة فرفع كلٌّ من الرجلَين يده. وعندئذٍ حار أوديسيوس في عقله، هل يضربه حتى تهجُره الحياة وهو يسقط هناك، أو يكيل له ضربةً خفيفة فيطرحه أرضًا. وبينما هو متحير، رأى أن من الأفضل أن يُنزِل به ضربةً خفيفة فيُلقيه على الأرض، كيلا يجذب أفكار الآخيين إليه. وعندئذٍ، لما رفعا أيديهما، هوى إيروس بقبضته على كتفه اليمنى، أما أوديسيوس فضربه على عنقه أسفل أذنه وحطَّم العظام. وفي الحال تدفَّق الدم القاني من فيه، وسقَط يتخبَّط في التراب ويئن، واصطكَّت أسنانه، وركَل الأرض بقدمَيه. وعندئذٍ رفع السادة المغازلون أيديهم، وكادوا يموتون من كثرة الضحك. بعد ذلك أمسكه أوديسيوس من قدمه، وجرَّه بعيدًا خارج الباب إلى أن وصل به إلى الفِناء وبوابات الرواق، ثم وضَعه هناك وأسندَه إلى حائط الفِناء، وألقى عصاه في يده وتحدَّث إليه وخاطَبه بكلماتٍ حماسية، قائلًا: «ارقُد هناك الآن، وخوِّف الخنازير والكلاب، ولا تكن سيد الأغراب والشحَّاذين، وأنت مسكين إلى هذا الحد، لئلا تلتقي بمن هو أسوأ فتجني شرًّا من هذا أيضًا.» المغازلون يشكرون أوديسيوس ويُحيُّونه قال هذا وألقى جرابه الرث المملوء بالثقوب، حول كتفَيه، وعلَّقه بحبلٍ مجدول. وبعد ذلك رجع إلى عتبة الباب فجلس، ودخل المغازلون، يضحكون مبتهجين، وحيَّوه، بقولهم: «نتمنى، أيها الغريب، أن يمنحك زوس، وكذا سائر الآلهة الخالدة ما تصبو إليه وتُفضِّله على كل شيء، وأغلى أمنيةٍ يتطلع إليها قلبك؛ حيث إنكَ كفيتَ البلاد استجداءَ ذلك الرجل الذي لا يشبع؛ لأننا سنحمله بسرعة بعد ذلك إلى مملكة الملك إخيتوس، مُشوِّه جميع البشر.» هكذا كانوا يقولون، وسُر أوديسيوس العظيم من ذلك الفأل ووضع أنتينوس أمامه الكَرش الضخم، مملوءًا بالدهن والدم، وتناول أمفينوموس Amphinomus رغيفَين من السفط ووضعَهما أمامه، ووعدَه بكأسٍ من الذهب، وقال: «مرحبًا، يا سيدي الغريب، أتمنى أن يكون الحظ السعيد حليفَكَ في الأيام المقبلة، رغم أنك الآن نهبٌ لأحزانٍ عديدة.» أوديسيوس يُحذِّر أمفينوموس من زوج بينيلوبي عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أي أمفينوموس، حقًّا إنك لتبدو لي رجلًا حازمًا، وكذلك أيضًا، كان أبوك؛ فكثيرًا ما سمعتُ عن صيته الحسن؛ إذ كان نيسوس القاطن بدوليخيوم رجلًا مقدامًا ذا يسار. ويقولون، إنكَ انحدرتَ منه، ويبدو أنك رجلٌ رقيق الألفاظ؛ وعلى ذلك سأُخبرك بأمر، يجب أن تُعيره اهتمامك وتُصغي إليه. لا شيء تُغذِّيه الأرض أضعف من الإنسان، دون سائر المخلوقات التي تتنفَّس وتتحرك فوق الأرض؛ لأنه يعتقد أنه لن يعاني الشر قط في أيامه القادمة، طالما تهَبُه الآلهة الرخاء وركبتاه سريعتان. حتى إذا ما عاد الخالدون وكتبوا له الحزن، احتمله أيضًا بامتعاضٍ بالغ وهو راسخ القلب؛ لأن روح البشر وهم فوق الأرض هي تمامًا مثلها في اليوم الذي يجلبه عليها أبو الآلهة والبشر؛ فإنني، أيضًا، كنتُ في ذات يوم، ممن كُتب لهم الرخاء وسط الناس، غير أنني استرسلتُ كثيرًا في أعمال الشهوة، معتمدًا على قُوَّتي وعنفي، وعلى أبي وإخوتي؛ ومِن ثَمَّ لا تدع أي رجلٍ مهما كان يخرج على القانون في أي وقت، بل يجب أن يرعى صامتًا أي نعمةٍ تهبه الآلهة إياها. هذا حق؛ فإنني أرى المغازلين يخلعون عذارهم للشهوة، مُبذِّرين الثروة ومحتقرين زوجَ ذلك الرجل الذي، دعني أخبرك، بأنه لن يظل بعيدًا عن أصدقائه ووطنه مدةً طويلة، كلا؛ فإنه قريب جدًّا، ولكني أتمنى أن يقودك أحد الآلهة بعيدًا عن هنا إلى منزلك. وليتك لا تلتقي به وهو قادم إلى بيته وإلى وطنه العزيز؛ لأنه، حسب اعتقادي، لن ينفصل ذلك الرجل عن المغازلين بدون سفك دماء إذا ما عاد يومًا تحت سقف داره.» هكذا تكلَّم، ثم سكب سكيبة، وشرب من الخمر العسلية المذاق، وأعاد الكأس إلى يدَي قائد الشعب. بيد أن أمفينوموس ذهب خلال الساحة بقلبٍ مثقل، مطأطئًا رأسه؛ إذ تنبأَت روحه بالشر، ولكنه بالرغم من هذا لم يهرب من مصيره، ولكنه هو، أيضًا، قيَّدته أثينا بالأغلال كي يُقتل في الحال على يدَي تليماخوس وبرمحه؛ ولذلك جلس من جديدٍ فوق الكرسي الذي كان قد نهض من فوقه. بينيلوبي تُبدي رغبتها في الظهور أمام المغازلين بعد ذلك حثَّت الربة، أثينا المتألقة العينَين، قلب ابنة إيكاريوس، بينيلوبي الحكيمة، أن تُظهِر نفسها للمغازلين، كي تدفع قلوبهم إلى الخفَقان وتكسب تمجيدًا من زوجها وابنها أكثر من ذي قبلُ، فضحكت ضحكةً لا معنى لها، وتكلَّمتْ، مخاطبة المُربية بقولها: «إن قلبي ليتلهَّف، يا يورونومي، ولو أنه لم يتلهَّف قَط من قبلُ، إلى إظهار نفسي للمغازلين، بالرغم من شدَّة مقتي لهم. وكذلك أريدُ أن أقول كلمةً لابني ذات نفعٍ له، أعني، أنه لا يجب عليه أن يختلط بالمغازلين المتعجرفين، الذين يُكلِّمونه برقيق الألفاظ بينما يضمرون له الشر فيما بعدُ.» فقالت لها المربية، يورونومي: «نعم، الحق معك، يا طفلتي؛ فإني أرى، أن كل ما قُلتِه صحيح. اذهبي، إذن، وقولي كلمتَك لابنكِ ولا تُخفيها؛ ولكن اغسلي جسدكِ أولًا وادهني وجهك بالزيت، ولا تذهبي كما أنت بوجنتَين مبلَّلتَين بالدموع. اذهبي؛ فلا يليق أن تسترسلي في الحزن دون انقطاع، فتأملي، الآن، ها هو ذا ابنُكِ قد بلغ مبالغ الرجال، وكان جل صلاتك للخالدين أن تَريْه رجلًا قد طرَّت لحيتُه.» عندئذٍ أجابتها بينيلوبي الحكيمة من جديد، بقولها: «أي يورونومي، لا تخدعيني هكذا من أجل رغبتكِ في أن تغسلي جسمي وتدهنيني بالزيت. لقد دمَّرت الآلهة جمالي كله، أولئك الذين يحتلُّون أوليمبوس، منذ ذلك اليوم الذي رحل فيه زوجي في السفن الواسعة. أخبري أوتونوي Eutonoe وهيبوداميا Hippodameia، بالمجيء إليَّ كي تقفا إلى جانبي في الساحة؛ فلن أذهب وحدي وسط الرجال؛ إذ يتملَّكُني الخجل.» هكذا تكلَّمتْ، وانطلقَت السيدة العجوز عَبْر الحُجرة لتحمل النبأ إلى المرأتَين وتأمرهما بالمجيء. أثينا تُضفي على بينيلوبي مزيدًا من الفتنة والجمال بعد ذلك اتخذَت الربة، أثينا البَراقة العينَين، رأيًا آخر من جديد، فسكَبتْ نومًا لذيذًا على ابنة إيكاريوس؛ فانحنَت هذه إلى الوراء واستلقَت على سريرها، وقد ارتخت جميع مفاصلها. وفي الوقت نفسه كانت الربة الفاتنة تمنحُها هِباتٍ خالدات، كي يُدهَش لمرآها الآخيون، فجمَّلَت وجهها أولًا ببلسم.٤ بلسم أمبروسي.٥ كالذي تدهن به كوثيريا Cytherea ذات التاج البديع، نفسَها عندما تدخل إلى الرقص المحبَّب لدى ربَّات الحسن، وجعلَتْها أطول قامة، وكذلك، أضخم جسمًا أمام الرائين، وصيَّرتْها أنصع بياضًا من العاج المقطوع حديثًا. وبعد أن أنجزت الربة الحسناء هذه الأمور. انصرفَت، وجاءت الوصيفات الناصعات السواعد من المقصورة واقتربن يتحدَّثن بصوتٍ مسموع. وعندئذٍ ترك النوم اللذيذ بينيلوبي، فدعكَت وجنتَيها بيدَيها، وقالت: «ويحي، لقد اجتاحني النوم الرقيق في تعاستي الشاملة. كم أتمنى الآن أن تُعطيني أرتيميس الطاهرة ميتةً رقيقة بتلك الصورة، حتى لا أُبدِّد حياتي بعد الآن والحزن يملأ قلبي، مشوقةً إلى براعة زوجي العزيز المزدوجة؛ إذ كان مُبرِّزًا وسط الآخيين.» بينيلوبي تلوم تيليماخوس على ما حدث للشحَّاذ الغريب قالت هذا وهبطَت من المقصورة العليا المتلألئة، ولم تكن وحدها؛ إذ كانت تتبعها وصيفتان، فلما وصلَت السيدة الفاتنة الآن إلى المغازلين وقفَت بجوار قائم باب الساحة المكينة البناء، وقد وضعَت النصيف المتألق أمام وجهها، ووقفت إلى كل جانبٍ من جانبَيها وصيفةٌ مخلصة، فما إن أبصرها المغازلون حتى ارتخت رُكبُهم وابتهجَت قلوبهم بالحب، وراحوا جميعًا يتوسَّلون إليها، وكل واحدٍ يتوق إلى البقاء إلى جوارها، ولكنها تحدَّثَت إلى تيليماخوس، ابنها العزيز، قائلة: «أي تيليماخوس، لم يعُد عقلك وأفكارك رزينة كما كانت من قبلُ؛ فعندما كنت مجرد طفلٍ كنت تُدبِّر في عقلك أفكارًا أكثر دهاء. أما الآن وقد كَبرتَ وبلغتَ مبالغ الرجال، وإن من ينظر إلى قوامك وجمالك ليقول إنك ابن رجلٍ ثري؛ حيث إنه هو نفسه غريبٌ أتى من بلدٍ قصي، فإن عقلك وأفكارك لم تعُد صائبةً كما كانت من قبل. ماذا فعلتَ في هذه الساحة، حتى تسمح بإساءة معاملةِ هذا الغريب! وماذا الآن، لو تعرَّض الغريب، وهو جالسٌ هكذا في منزلنا، لبعض الأذى من جرَّاء المعاملة المُحزنة؟ إذن، لوقع عليك اللوم وجلَّلكَ العار بين الناس.» فأجابها تيليماخوس الحكيم، قائلًا: «أماه، بخصوص ذلك الأمر لا أُسيء فهم سبب غضبك الجم. ومع ذلك فإنني أعرف في قلبي وأُدرك كل شيء، الخير والشر، في حين أنني لم أكن من قبلُ إلا محض طفل. بيد أنني لست قادرًا على تدبير كل شيء بحكمة؛ لأن هؤلاء الرجال هنا يُثبِّطون عزيمتي، ويلازمونني، الواحد من هذا الجانب والآخر من الجانب الآخر، بنيةٍ سيئة، ولا أجد لي مساعدًا. ومع ذلك، فإن في استطاعتي أن أُخبركِ بأن هذه المعركة التي نَشِبَت بين الغريب وإيروس لم تغب عن بال المغازلين، وقد أثبتَ الغريب تفوُّقه عليه. أتمنى؛ يا أبي زوس، ويا أثينا، ويا أبولُّو، أن يهدأ المغازلون كما فعلوا الآن في ساحاتنا، يُطِلُّون برءوسهم، البعض في الفِناء والبعض الآخر في البهو، وأن ترتخي أطراف كل رجل، تمامًا كما يجلس الآن إيروس هناك بجانب باب الفِناء، مطأطئًا رأسه أشبه برجلٍ سِكِّير، ولا يستطيع أن ينتصب فوق قدمَيه، أو أن يذهب إلى أي مكان يرغب في الذهاب إليه؛ إذ ارتخت أطرافُه.» بينيلوبي تستعيد ذكرى كلمات أوديسيوس يوم رحيله من الوطن هكذا كان يتحدَّث كلٌّ منهما إلى الآخر، ولكن يوروماخوس خاطب بينيلوبي، بقوله: «يا ابنة إيكاريوس، أي بينيلوبي الحكيمة، لو رآكِ جميع الآخيين في شتى أنحاء أرجوس الإياسيونية Iasian Argos، لأصبح هنا مغازلون أكثر يُولِمون في ساحاتك من الغد فصاعدًا؛ لأنك تبُذِّين سائر النساء، فتنةً وقوامًا، وفي حكمة القلب الكائن بصدرك.» عندئذٍ أجابته بينيلوبي الحكيمة، قائلة: «أيا يوروماخوس، لقد حطَّم الخالدون روعتي كلها، سواء في الجمال أو في القد، في اليوم الذي رحل فيه الأرجوسيون إلى إليوس، وذهب معهم زوجي أوديسيوس؛ فلو أتى وأَشرفَ على حياتي هذه فقط، لصارت شُهرتي أعظم وأجمل. ولكنني الآن في حزن، وكثيرةٌ هي الهموم التي حطَّها على أحد الآلهة. حقًّا، إنه عندما رحل وغادر وطنه، أمسكَ بيدي اليمنى من الرسغ، وقال: «يا زوجتي، لستُ أعتقد أن الآخيين المُدرَّعين تمامًا سيعودون جميعًا من طروادة سالمين آمنين؛ لأن الطرواديين، كما يقول الناس، قومُ حرب، ماهرون في قذف الرمح، وجذب القوس، وقيادة الجياد السريعة، التي تُقرِّر بسرعةٍ نتيجة صراع الحرب المتعادلة؛ وعلى ذلك لستُ أدري ما إذا كان الرب سيُعيدني، أم سوف أُعزل هناك في أرض طروادة. ومِن ثَمَّ أشرفي على كل شيء هنا. وتذكَّري أبي وأمي في الساحات بنفس الطريقة التي تَرعَينَهما بها الآن، أو ربما أكثر، في أثناء غيابي، حتى إذا ما رأيتِ ابني رجلًا قد طَرَّت لحيتُه، تزوَّجي من تشائين واتركي منزلك.» هكذا تكلَّم زوجي، والآن قد حدَث كل ذلك. سيأتي الليل عندما يكون الزواج المَقيتُ من حظي أنا الملعونة، التي سلبها زوس سعادتها. وحل الحزن المرير في داخلي في قلبي وروحي؛ إذ إنكم تسلكون طريقًا لم يسلكه أي واحدٍ من المغازلين قبلكم، أولئك الذين يتوقون إلى مغازلة سيدةٍ كريمة، وابنة رجلٍ ثري، فيتنافسون فيما بينهم من أجلها، وهؤلاء يُحضِرون من تلقاء أنفسهم ماشيةً وأغنامًا كثيرة، ليُولِم عليها أصدقاء العروس، ويُقدِّمون إليها هدايا مجيدة، ولكنهم لا يأكلون أموال شخصٍ آخر فيما بينهم بالباطل.» هكذا تكلَّمتْ، وسُر أوديسيوس العظيم البالغ التحمُّل؛ لأنها سحبَت منهم هدايا، وخدَعَت أرواحهم بمعسول الألفاظ، بينما كانت تُضمِر في نفسها أمورًا أخرى. المغازلون يُحضِرون الهدايا لبينيلوبي ثم تحدَّث إليها أنتينوس بن يوبايثيس، ثانية، فقال: «يا ابنة إيكاريوس، يا بينيلوبي الحكيمة، أما الهدايا، فلو أزمع أي رجلٍ من الآخيين أن يُحضِرها إلى هنا، فيجب أن تقبليها؛ لأنه لا يليق أن ترفُضي هدية. أما نحن فلن نذهب إلى بلادنا ولا إلى مكانٍ آخر، إلا بعد أن تتزوَّجي من الرجل الذي تعتبرينه خير الآخيين.» قال هذا أنتينوس، فسُرُّوا من كلمته، وبعث كل رجلٍ رسولًا ليُحضِر هداياه، فأحضر أنتينوس ثوبًا فضفاضًا جميلًا، مُطرَّزًا كثير الوَشْي، ذا مشابكَ من الذهب، تبلغ في مجموعها اثنَي عشر مشبكًا، مُثبَّتة بخطاطيفَ معقوفة. وأحضر آخر في الحال إلى يوروماخوس سلسلةً من الذهب، مصنوعةً بمهارة، مُرصَّعة بفصوصٍ من الكهرمان، تتألَّق كأنَّها الشمس. كما أحضر خدَم يوروداماس، إليه زوجًا من الأقراط، بثلاثة فصوصٍ على شكل عنقود،٦ وينعكس منها بريق لألاء. وأحضر خادم السيد بايساندر Peisander، ابن بولوكتور Polyctor، إلى داخل المنزل، قلادةً، بها دُرَّةٌ فائقة الروعة. وهكذا أحضر كل واحدٍ من الآخيين هديةً جميلة، وأحضر غيره أخرى. أما السيدة الجميلة، فصَعِدَت إلى مقصورتها العليا. وحملَت لها الوصيفتان الهدايا الرائعة. وأما المغازلون فشَرعُوا في الرقص والغناء والمرح، وطَرِبوا، وانتظروا مجيء المساء. وبينما هم في مرحهم خيَّم فوقهم المساء الدامس. وفي الحال أوقَدوا ثلاثة مواقد في الساحة لتضيء لهم، ووضَعوا حولها حطبًا جافًّا، مضت عليه مدةٌ طويلة منذ أن قُطع وتصلَّب، وشُقَّ بالفئوس حديثًا، ووُضِعَت المشاعل في مواضع الشقوق؛ وأخذَت وصيفات أوديسيوس، الثابت القلب، يتناوبن إشعال النار. بعد ذلك تكلم أوديسيوس، المنحدر من زوس والكثير الحيل، من تلقاء نفسه وسط العذارى، فقال: «يا خادمات أوديسيوس، الذي رحل منذ زمانٍ بعيد، انصرفن إلى الحجرات حيث تمكُث مليكتكُن المبجَّلة، واغزِلن القطن بجوارها، وأدخلن السرور على قلبها، وأنتن جالسات في مقصورتها، أو مَشِّطن الصوف بأيديكن، وأنا أتولَّى إشعال النار لجميع هؤلاء الرجال؛ لأنهم إذا أرادوا الانتظار حتى مطلع الفجر الجميل العرش، فلن يُباروني بأية حال من الأحوال. إني امرؤٌ أستطيع أن أتحمَّل كثيرًا.» ميلانثو الخادمة تسُب الشحَّاذ أوديسيوس ما إن قال هذا، حتى انفجَرتِ الخادمات يضحكن، وراحت كل واحدةٍ منهن تنظر إلى الأخرى، وأنحت عليه ميلانثو Melantho الجميلة الوجنتَين، بعبارات التحقير، ميلانثو، التي أنجبها دوليوس Dolius،٧ وربَّتْها بينيلوبي واعتنَت برعايتها كما لو كانت ابنتها، وأعطتها كثيرًا من الدُّمى لتَسُر قلبها. غير أنها بالرغم من ذلك لم تكن تشعر في قلبها بأي رثاء لحال بينيلوبي، بل كانت تهيم بحُب يوروماخوس، وتتحرَّق شوقًا إلى الاضطجاع معه، فوجَّهتْ بعد ذلك إلى أوديسيوس عبارات السب، فقالت: «أيها الغريب الحقير، ما أنت سوى رجلٍ مأفون، لا تريد أن تذهب إلى حدَّادٍ لتبيت عنده، أو إلى مسكنٍ عام لتنام فيه، بل تتسكَّع هنا باستمرار، ولا تخجل من وجودك بين حشد السادة العديدين، غير هيَّاب في قلبكَ ولا خائف. حقًّا، إن الخمر قد سيطَرتْ على ذهنِك، وإلا فإن عقلكَ هكذا دائمًا، حتى إنك تَهذي بهذا الهُراء. أَخرجتَ عن طوركَ لأنك غلَبتَ ذلك المتسول إيروس؟ حذارِ، خشية أن يأتيك الآن من هو أفضل من إيروس فيضربك بقبضته الثقيلة على أم رأسك، فيُضرِّجكَ بالدماء، ويطردكَ من المنزل.» عندئذٍ نظر إليها أوديسيوس بغضبٍ مُقطبًا حاجبَيه، وقال لها «سرعان ما سأذهب إلى هناك، أيتها العديمة الحياء، وأُخبر تيليماخوس؛ حيث إنكِ تتكلَّمين بهذه الوقاحة، كي يُمزِّق في الحال جسدكِ إربًا إربًا.» ما إن قال هذا حتى تفرَّقَت النساء، وهربن خلال البهو، وارتخت أطراف كل واحدةٍ منهن تحتها ذعرًا؛ لأنهن اعتقَدن أنه جادٌّ في قوله. أما أوديسيوس فوقف بجوار المواقد المشتعلة ليُمِدَّهم بالضوء، ويُلقي نظرةً على جميع الرجال، ولكن قلبه في داخله كان يفكِّر في أمورٍ أخرى؛ أمور لم تكن لتذهب دون إتمامٍ أو تنفيذ. يوروماخوس يسخر من الشحَّاذ أوديسيوس ولكن أثينا ما كانت لتسمح للمغازلين بالإحجام عن الاعتداء المرير بحالٍ ما، كي يحزَّ الألمُ في قلب أوديسيوس بن لايرتيس، إلى ما هو أعمق؛ ومِن ثَمَّ بدأ يوروماخوس بن بولوبوس، يتكلَّم ساخرًا من أوديسيوس، ليُضحِك زملاءه، فقال: «أصغوا إليَّ، يا مغازلي الملكة المجيدة، حتى أخبركم بما يُحدِّثني به قلبي الكائن في صدري. لم يأتِ هذا الرجل إلى قصر أوديسيوس بدون إرادة الآلهة؛ فعلى أية حال إن وميض المشاعل لَينبعثُ منه — من رأسه — إذ ليس به أي شَعر، ولا أثَر لشَعره.»٨ ما إن أدلى بهذه العبارة حتى استدعى أوديسيوس، سالبَ المدن، وقال له: «أيها الغريب، أتُشاوِر عقلك في أن تشتغل مقابل أجر، لو ألحقتُك بخدمتي في حقلٍ بعيد — إن أجرك سيكون حتمًا لك — جمعَ الأحجار للحوائط، وغرسَ الأشجار الباسقة؟ ولسوف أُمِدُّك هناك بالطعام طوال العام كله، وأكسوك لباسًا ونعالًا لقدمَيك، ولكن ما دمت قد تعلَّمتَ أعمال الشر فقط، فلن تهتم بأن تشغل نفسك بالعمل، بل بالحريِّ قد عوَّلتَ على التسكُّع خلال البلدان، كي تستطيع الحصول على ما يسُد نهَم بطنك الشَّرِه.» أوديسيوس يتهم يوروماخوس بالوقاحة والضعف عندئذٍ أجابه أوديسيوس العديد الحيل، قائلًا: «أي يوروماخوس، أتمنى لو تباريتُ معك في العمل في فصل الربيع، عندما يطول النهار، وقتَ حصد الأعشاب، فأُمسك أنا في يدي بمنجلٍ معقوف وأنت بمثله، وتكون الأعشاب كثيرةً حتى يمكننا أن نختبر مقدرتَيْنا على العمل، صائمين إلى ساعةٍ متأخرة من المساء. أو أتمنى أيضًا أن يكون هناك ثَوْران لنَقودَهما — خير ما هنالك من الثيران، ضخمان قد لفحَتْهما الشمس، وقد عُلِفَ كلاهما جيدًا بالأعشاب، من نفس السن ونفس القوة ليحملا النِّير، لا يتعبان من بذل الجهد — وأن يكون هناك حقلٌ مساحته أربعة أفدنة، ونعمل على شق التربة أمام المحراث؛ عندئذٍ كنتَ ترى، ما إذا كنتُ أستطيع أن أشُق أخدودًا مستقيمًا إلى نهاية الحقل أو لا أستطيع. أو أتمنى من جديدٍ أن ابن كرونوس يجلب علينا الحرب من حيث يستطيع في يومنا هذا، ويكون لي ترسٌ ورمحان وخوذةٌ كلها من البرونز، تُناسب تمامًا صِدغَي، إذن لرأيتَني بين محاربي المقدمة، وما كنتَ، لتُعيِّرني ببطني هذا. أما أنت فوقحٌ غاية الوقاحة، وقلبك قاسٍ، ولا شك في أنك تعتقد في قرارة نفسك أنك امرؤٌ على شيءٍ من العظمة والقوة؛ لأنك تختلط بحفنةٍ من الرجال الضعفاء. ولو رجع أوديسيوس فقَط، وعاد إلى وطنه، لأَثبتَت هذه الأبوابُ في الحال، رغم أنها مفتوحة على مصاريعها، أنها ضيقةٌ جدًّا أمامك لتهرب خارج المدخل.» يوروماخوس يقذف أوديسيوس بمقعدٍ صغير فيخطئه عندما قال هذا، زاد غيظ يوروماخوس في قلبه، ونظر إليه شزْرًا من تحت حاجبَيه، وخاطبه بكلماتٍ مجنحة.٩ قائلًا: «أيها النذل، لأُصيبنَّك بالشر في الحال، طالما أنت تُثرثر بهذه الطريقة، غير خائفٍ في قلبك. لا شك أن الخمر قد لَعبَت بلُبِّك، أو أن عقلك هكذا دائمًا، تَهذي بتلك الخرافات. هل خرجتَ عن طَورِكَ وركبتَ رأسكَ لأنك غلبتَ ذلك المتسول إيروس؟» قال هذا وأمسك مقعد قدمَين وقذَفه نحوه، ولكن أوديسيوس جلس على الأرض عند ركبتَي أمفينوموس الآتي من دوليخيوم، خوفًا من يوروماخوس، فأصاب المقعد ساقيًا في يده اليمنى، فسقط منه إبريق الخمر على الأرض مُحدثًا رنينًا. وتأوَّه الساقي، وسقط إلى الخلف فوق الثرى؛ عندئذٍ سادت الضوضاء بين المغازلين في شتى أنحاء الساحة الظليلة، وهكذا كان أحدهم ينظر إلى جاره، ويقول له: «ليت هذا الغريب هلك في مكانٍ آخر أثناء تجولاته أو أنه لم يأتِ إلى هنا قَط، إذن لما جلب علينا كل هذه الضوضاء. أما الآن فنحن نتشاجر من أجل أبناء السبيل، ولن تكون هناك بهجةٌ لوليمتنا الفاخرة، ما دامت تسودُ أمورٌ أسوأ.» تيليماخوس يناشد المغازلين الانصراف إلى بيوتهم للراحة عند ذلك تحدَّث تيليماخوس القوي العتيد وسطهم، فقال: «أيها السادة الغريبو الأطوار، إنكم لمعتوهون، ولا تُنكِرون بعد الآن أنكم قد أكلتُم وشربتُم، لا شك أن أحد الآلهة يُثيركم إلى هذا؛ فما دمتم قد أولمتُم جيدًا، فاذهبوا إلى بيوتِكُم واستريحوا، إذا ما طاب لأرواحكم أن تستريح. ومع ذلك فإنني لا أطرد أحدًا إلى الخارج.» هكذا تكلَّم، فعضُّوا على شفاههم جميعًا، وتعجَّبوا من أن تيليماخوس، يتحدَّث بهذه الجرأة. غير أن أمفينوموس تكلَّم، وخاطبهم — وهو ابن الأمير النبيل نيسوس بن أريتياس Aretias — فقال: «أصدقائي، لا يجدُر بأي رجلٍ إذا ما أراد أن يُجيب بحكمةٍ على ما قيل، أن يتهوَّر ويردَّ بعباراتٍ عدائية. لا تسُبُّوا هذا الغريب بعد الآن، ولا أيَّ خادمٍ ممن في بيت أوديسيوس المقدس. كلا، هيا، دعوا الساقي يصُب نُقطًا كسكيبةٍ في الكئوس، حتى نتمكَّن من صب السكيبات، ثم ننصرف إلى بيوتنا لنأخذ راحتنا. أما هذا الغريب، فلنترُكْه في ساحات أوديسيوس ليهتَم بأموره تيليماخوس؛ لأنه قد جاء إلى داره.» هكذا قال، فسُر الجميع من قوله. بعد ذلك خلَط السيد موليوس Mulius، الآتي من دوليخيوم، رسول وخادم أمفينوموس، طاسًا من الخمر، ووزَّع على الجميع، ذاهبًا إلى كل واحد بدوره، وقدَّموا سكيباتٍ للآلهة المباركة، فشَرِبوا من الخمر التي كالعسل حلاوة. وبعد أن انتهَوا من السكيبات وشربوا حتى شبعوا، انصرف كل رجلٍ منهم إلى منزله، ليستريح. ١ وعلى ذلك يُقارَن بإيريس Iris، رسول أوليمبوس. ٢ الأصل بَجِحة. ٣ الفكرة هي: كلانا متشرد، مهما حظي أحدنا بمركزٍ أسعد في الحياة، فهذا أمرٌ موكول للآلهة الذين يتحكَّمون في الحظوظ. ٤ يبدو أن هذا الاسم كان يُستعمل مجازًا، بمعنى بعض أنواع الطلاءات أو المراهم. ٥ اسم لأفروديتي، ربة الحب والجمال. ٦ قد يكون المقصود بهذا المعنى «موضوعة بجانب بعضها، وينعكس عليها وهجُ خشب الصنَوبر المُحترِق في الوطيس، فيعطي بريقًا». ٧ عبدٌ أمين وبستاني لبينيلوبي زوجة أوديسيوس، أعطاه لها والدها يوم زفافها. وهو الذي رحَّب بأوديسيوس عند عودته ووقف بجانبه مسلحًا ليُقاتل أقارب طالبي الزواج من بينيلوبي في الوقت الذي هاجموا فيه أوديسيوس. ٨ أُفسِّر هذه الفِقرة الصعبة على أن معناها: «في هذا الرجل شيءٌ ما مقدس؛ لأن شعاعًا يُشرق منه». وهذه الفكرة على كل حال، سرعان ما تحوَّلَت إلى دعابة. وصار الشعاع وهو وميض المشاعل فقط المنعكس على رأس الغريب الأصلع. ٩ أي: حماسية. الأوديسة
الأنشودة التاسعة عشرة أوديسيوس يرسم لتيليماخوس خطة مقتل المغازلين وهكذا تُرك أوديسيوس العظيم في الساحة وحدَه، يُدبِّر مقتل المغازلين بمساعدة أثينا، وفي الحال تكلَّم بعباراتٍ حماسية،١ فقال لتيليماخوس: عَرفَت السيدة العجوز هذه العلامة، عندما أمسكَت ساقه في راحتَي يدَيها، باللمس. «أي تيليماخوس، يجب أن تنقل جميع أسلحة الحرب إلى الداخل بعيدًا، وعندما يفتقدها المغازلون ويسألونك عنها، يجب أن تخدعهم بكلماتٍ رقيقة، فتقول: لقد وضعتُها بعيدًا عن الدخان، طالما أنها لم تعُد كما تركَها أوديسيوس العجوز عندما رحل إلى طروادة، بل غدت ملطَّخةً كلها؛ إذ قد وصل إليها لهيب النار. وزيادةً على ذلك فإن خوفًا عظيمًا قد وضَعه أحدُ الآلهة في قلبي؛ لأنني أخشى، عندما تُلهبكم الخمر، أن تُقيموا شجارًا فيما بينكم، فيجرح بعضكم البعض الآخر، فتُعكِّروا صَفو وليمتكم وصَفو مغازلتكم.٢ لأن الحديد يجذب المرء إليه من تلقاء نفسه.» يوروكليا تستجيب لنداء تيليماخوس هكذا تكلَّم، فأنصت تيليماخوس إلى قول أبيه العزيز، ثم نادى المربية يوروكليا، وقال لها: «أيتها المربية: إنني آمركِ بأن تجيئي الآن، احبسي النساء في حجراتهن، ريثما أضع أسلحة أبي في حجرة الخزين، الأسلحة العظيمة التي بإهمالها جميعًا قد علاها الدخان في الساحة منذ أن رحل أبي، وأنا طفلٌ عند ذاك. وإنني أعتزم الآن أن أضعها بعيدًا، في مكانٍ لا يصل إليها لهب النار.» بعد ذلك أجابته المربية العزيزة يوروكليا، قائلة: «نعم، يا ولدي، أتمنى أن تُفكِّر دائمًا في الاهتمام بأمر المنزل وحراسة كل ثروته. ولكن تعال، من ذا الذي يذهب ويحضر سراجًا ويحملُه لك، ما دمت لم تسمح للفتيات، اللواتي كان في استطاعتهن إعطاء النور، بالذهاب أمامك؟» فأجابها تيليماخوس الحكيم، بقوله: «هذا الغريب هنا؛ لأنني لن أسمح لأحد بالكسل، كل من يلمس مكيالًا من الدقيق،٣ حتى ولو كان قادمًا من بعيد.» أوديسيوس وتيليماخوس يُخفيان أسلحة الحرب المعلَّقة قال هذا، بيد أنها لم تَردَّ على قوله،٤ وإنما أغلقَت أبواب الساحة الرحبة. بعدئذٍ نهض كلاهما، أوديسيوس وابنه المجيد، وشرعا ينقلان إلى الداخل الخوذات والتروس والدروع المرصَّعة والرماح المدبَّبة الأسنَّة، وأمامهما بالاس أثينا، تحمل مشعلًا عسجديًّا، ينبثق منه ضوءٌ ساطع في غاية الروعة. بعد ذلك تحدَّث تيليماخوس فجأةً إلى أبيه، وقال: «أبتاه، حقًّا إن هذه لأعجوبةٌ عظيمة، تلك التي تراها عيناي؛ لا شك أن جدران البيت وأخشابه الرائعة٥ والكتل التي من خشب الحور، والأعمدة البالغة الارتفاع، تُرسل سناءً يتألَّق في عَينَيَّ كما لو كانت تتوهَّج بلهب النار المتأججة. لا ريب أن هنا أحد الآلهة، أحد أولئك الذين يحتلُّون السماء الفسيحة.» فردَّ عليه أوديسيوس الكثير الحيل، بعد ذلك، بقوله: «صه، أَبعِد عنكَ هذه الفكرة. ولا تسأل أي سؤال. هذا، كما أقول لك، هو طريق الآلهة التي تحتل أوليمبوس. ولكن يجب أن تذهب الآن وتستريح وسأبقى أنا هنا، كي أُثير عقول الفتيات وأمك، التي بالبكاء سوف تسألني عن كل شيءٍ على حِدة.» تيليماخوس يذهب لينام وبينيلوبي تخرج من مقصورتها ما إن قال هذا، حتى انصرف تيليماخوس عَبْر الساحة على ضوء المشاعل المستعرة لكي يذهب إلى حجرته لينام؛ حيث كان من عادته السابقة أن ينام، متى يداعبه النوم اللذيذ، فرقَد هناك منتظرًا ضوء الفجر. أما أوديسيوس العظيم فبقي في البهو، يُدبِّر بمعونة أثينا مقتل المغازلين. بعد ذلك خرجَت بينيلوبي الحكيمة من مقصورتها كأنها أرتيميس أو أفروديتي الذهبية، ومن أجلها وضعوا بجانب النار، في المكان الذي اعتادت الجلوس فيه، كرسيًّا مُرصَّعًا بزخارف العاج والفضة، كان قد صنعه قديمًا إكماليوس Icmalius الصانع، ووضعوا أسفله كرسيًّا للقدمين، كان جزءًا من الكرسي، وفوقه فَروة من الصوف واعتادوا وَضْعها عليه، فجلسَت بينيلوبي الحكيمة فوق هذا، وخرجت العذراوات الناصعات السواعد من بهو السيدات، فأنشأ هؤلاء في رفع الطعام الوفير، والمناضد والكئوس التي كان يشرب منها السادة، وأَلقينَ رماد المواقد فوق الأرض، ووضَعن في المواقد أخشابًا جديدة بكميةٍ وفيرة، كي تُعطي النور والدفء. أوديسيوس يُحذِّر ميلانثو من المستقبل بيد أن ميلانثو بدأَت مرةً ثانية تسخر من أوديسيوس، فقالت: «أيها الغريب، أسوف تظل وباءً علينا طَوال الليل، تتجوَّل خلال المنزل، وتتجسَّس على النساء؟ كلا، اخرج، أيها الوضيع، واكتفِ بعَشائك، وإلا ضُربتَ في الحال بمشعل، وعندئذٍ تخرج.» قطَّب أوديسيوس الكثير الحيل ما بين حاجبَيه، ونظر إليها بغضب، وقال: «أيتها السيدة الطيبة، لِم، بربك، تهاجمينني هكذا بقلبٍ حانق؟ لأنني قَذِرٌ وأرتدي ملابسَ مُهلهلَةً على جسمي، وأستجدي في طرقات المدينة؟ هذا لأن الحاجة تَضطَرني إلى ذلك، فهكذا هم الشحَّاذون وأبناء السبيل. لقد مرت بي أيامٌ كنتُ أحيا في قصرٍ ملكي وسط الرجال، فكنتُ رجلًا ثريًّا في منزل ثري، وكثيرًا ما أخرجتُ الصدقات لأبناء السبيل، مهما كانوا، ومهما كانت الحاجات التي جاءوا من أجلها. وكان لي عبيدٌ يفوقون الحصر، وبوفرةٍ كانت عندي جميع الأشياء الأخرى التي يعيش بها الرجال عِيشةَ الترف ويشتهرون بالثراء. غير أن زوس بن كرونوس، أنهى كل شيء إلى لا شيء؛ فهكذا، كما أعتقد، كانت مَسرَّته العظمى؛ ومِن ثَمَّ، حذاركِ، أيتها المرأة، خشية أن تفقدي في يوم من الأيام كل المجد الذي تَحظَين به الآن رائعة وسَط الوصيفات؛ وخشية أن تحقد عليك سيدتُكِ مصادفةً وتغضب عليك، أو أن يعود أوديسيوس إلى البيت؛ لأنه لا يزال هناك مجال للأمل. وحتى، لو كان، كما يبدو، قد مات ولن يعود أبدًا، فإن هناك الآن ابنه، تليماخوس، الذي بفضل أبولُّو، لا يغفُل عنه لو أن أي واحدةٍ من النساء تفعل بالساحة ما يحلو لها؛ لأنه لم يعُد بعدُ ذلك الطفل الذي كانه.» بينيلوبي تنهر خادمتها قال هذا، وسمعَتْه بينيلوبي الحكيمة، فنهَرت الخادمة، وخاطبَتْها، بقولها: «ثقي أيتها الجريئة العديمة الحياء، أن عملك الطائش ذاك ليس خافيًا عني بأية حالٍ من الأحوال، وسوف تُزيلين برأسك بقعته نفسها. إنكِ تعرفين حق العلم؛ إذ سمعتِ من شفتَيَّ، أنني معتزمة سؤال ذلك الغريب في ساحاتي عن زوجي؛ لأنني في غاية الكمَد.» بهذا تكلَّمتْ أيضًا إلى المربية يورونومي Eurynome، وقالت: «أحضري، يا يورونومي، هنا كرسيًّا وفَروةً من الصوف فوقه، كي يجلس الغريب ويحكي قصته ويُصغي إليَّ؛ لأنني متلهِّفة إلى سؤاله عن كل شيء.» بينيلوبي وأوديسيوس ينخرطان في حوارٍ ممتع ما إن قالت هذا، حتى أسرعَت يورونومي فأحضَرتْ كرسيًّا مصقولًا ووضعَتْه في مكانه، ووضعَت فوقه فروة من الصوف. بعد ذلك جلس عليه أوديسيوس العظيم البالغ التحمُّل، وبدأته بينيلوبي الحكيمة بالكلام، فقالت: «سأُلقي عليك هذا السؤال أولًا، أيها الغريب، من أنت من بين البشر، ومن أين، وأين مدينتك، وأين والداك؟» عندئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «سيدتي، لا يستطيع أي فرد من البشر على ظهر الأرض الواسعة الفلا أن يتمسَّك عليك بخطأ؛ إذ بلغَتْ شُهرتكِ عَنان السماء الواسعة الأجواز، كما تنتشر شهرة مَلِكٍ لا غُبار على تصرُّفاته، يخشى الآلهة في قلبه، ويكون سيدًا على رجالٍ عديدين ذوي قوة، ويُراعي جانب العدالة، فتُنتج التربة السوداء القمح والشعير، وتغدو الأشجار مثقلةً بالثمار، وتظل الأغنام تلد الحملان بغير انقطاع، ويُخرج البحر أسماكًا، كل ذلك من قيادته الرشيدة، ويلمس الناس الرخاء في عصره، ومِن ثَمَّ سليني الآن في منزلك عن أي شيءٍ تُريدين، إلا عن جنسي ووطني، لئلا تزيدي قلبي آلامًا على آلام، وأنا أفكِّر في ذلك؛ لأنني رجلٌ قاسى كثيرًا من الأحزان. وزيادةً على ذلك فلا يليق بي أن أجلس وأبكي وأنتحب في بيت رجلٍ آخر؛ إذ لا يجدر أن أظل في الغم دون انقطاع. لا يُعجبني أن تغضب مني إحدى خادماتك أو أنتِ نفسك، وتقول إنني أسبَح في الدموع لأن عقلي مثقلٌ بالخمر.» فردَّت عليه بينيلوبي الحكيمة بقولها: «أيها الغريب، إن بهائي كله، سواء في الجمال أو في القد، قد حطَّمه الخالدون في اليوم الذي أبحر فيه الأرجوسيون إلى إليوس، وصَحبَهم زوجي، أوديسيوس؛ فلو أنه أتى فقَط، وأشرفَ على حياتي هذه، لغدا صيتي أعظم وأعطر، ولكنني الآن مهمومة الفؤاد، خصَّني أحد الآلهة بأرزاءٍ عديدة؛ لأن جميع الأمراء الذين يسوسون الجُزُر — دليخيوم وسامي وزاكونثوس الكثيرة الغابات — وأولئك الذين يُقيمون حول إيثاكا الواضحة للعين نفسها، كل هؤلاء يغازلونني على كُرهٍ مني ومضَض، ويُخربون بيتي؛ ولذلك فإنني لا أُعير أي اهتمامٍ لأي غريب أو متضرع أو رسول، ذلك الذي مِهنتُه عامة، بل أُذيب قلبي دون جدوى من فَرْط شوقي إلى أوديسيوس؛ ومِن ثَمَّ فإن أولئك الرجال يُلِحُّون في طلب الزواج مني، وإنني أراوغهم وأُدبِّر لهم شتى الحيل؛ فأولًا أوحى إليَّ أحد الآلهة بفكرةٍ وضَعها في قلبي وهي أن أُقيم نسيجًا كبيرًا في ساحاتي وأنهمك في نسيج ثوب — وكان النسيج من الخيط الرائع ومتسعًا جدًّا — وفي الحال تكلَّمتُ وسطهم، قائلة: «أيها الشبان، الذين تغازلونني، ما دام أوديسيوس العظيم قد مات، فاصبروا، رغم اشتياقي إلى الزواج، حتى أنتهيَ من نسج هذا الثوب — ولا أودُّ أن يُسفر نسجي عنْ لا شيء — بل أصنع كفنًا للسيد لايرتيس للوقت الذي يسقُط عليه فيه مصير الموت المحزن فيصرعه؛ لئلا تغضب مني أيَّة واحدةٍ من السيدات الآخيات، لو أنه رقَد بدون كفن، ذلك الذي اقتنى ممتلكات هائلة.» هكذا قلتُ، ووافقَت قلوبهم المتغطرسة، وبعد ذلك بقيتُ أنسجُ في المنسوج الهائل يومًا بعد يوم، غير أنني كنتُ أحلُّ بالليل ما نسجتُه، بعد أن أضع المشاعل إلى جواري. وهكذا بقيتُ على تلك الحال ثلاث سنواتٍ دون أن يعرف الآخيون جلية الأمر؛ إذ خدعتُهم. بيد أنه لما جاءت السنة الرابعة، بمرور الفصول، وذبلَت الشهور، وتوالت الأيام العديدة، جاءوا بمساعدةِ خادماتي، أولئك المخلوقات العديمات الحياء والطائشات، وأمسكوني وأنا أحلُّه وعيَّروني بصوتٍ مرتفع؛ وعلى ذلك أنهيتُ النسيج ضد رغبتي بالقوة. أما الآن فلستُ بمستطيعة الهروب من الزواج ولا يُمكِنني أن أُدبِّر خطَّة بعد ذلك، ويضغَط عليَّ والداي في أن أتزوَّج، وأما ابني فإنه يستشيط غيظًا، بينما يلتهم أولئك الرجال أمواله، وهو يراقب الأمر كله؛ إذ قد غدا الآن رجلًا، وصار في مقدوره الاضطلاع تمامًا بشئون المنزل الذي يمنحه المجد زوس. ولكن خبِّرني عن نسبكَ ومن أين أنت؛ لأنك لستَ مُنحدرًا من شجرة بلُّوط عتيقة، ولا من حجر.»٦ أوديسيوس يروي الأكاذيب عن نسبه عندئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «يا زوجة أوديسيوس المبجَّلة، ابن لايرتيس، ألا تكُفِّي قَط عن أن تسأليني عن سلسلة نسبي؟ حسنًا، فلأُخبرنك؛ رغم أنكِ ستُسلمينني حقًّا لآلام أكثر من تلك التي أُقاسيها الآن وتستولي عليَّ؛ لأن الأمر هكذا دائمًا عندما يكون المرء بعيدًا عن وطنه كما هو الحال معي الآن، أتجوَّل خلال بلاد الناس العديدة في حزنٍ عميق. ومع ذلك فسأُخبرك عما تسألين وتستعلمين عنه. هناك بلدٌ اسمه كريت، في وسط البحر القاتم كالخمر، وهو أرضٌ جميلة خصيبة، يُحيط بها الماء، وسكانها عديدون، لا يقعون تحت حصر، وبها تِسعون مدينة. ولا يتكلمون جميعًا نفس اللغة، بل خليطًا من اللغات. هناك يقطن الآخيون، وهناك الكريتيون الشجعان، وهناك الكودونيون Cydonians. والدوريون Dorians ذوو الرياض المتموِّجة، والبيلاسجيون Pelasgians العظام. وهناك وسط بلدانهم مدينة كنوسوس Cnosus العظيمة، التي حكم فيها مينوس عندما كنت سنه تسع سنوات،٧ وهو الذي تحدَّث مع زوس العظيم، وكان والد أبي، ديوكاليون Deucalion العظيم القلب. وقد أنجبَني ديوكاليون، وكذلك أنجب الأمير إيدومينيوس Idomeneus. وقد رحل إيدومينيوس في سفنه ذوات الحيازيم إلى إليوس مع أبناء أتريوس. وأما اسمي الذي أُشتهَر به فهو أيثون Aethon؛ وكنتُ أنا أصغر منه مولدًا بينما كان هو الأكبر والأفضل. هناك رأيتُ أوديسيوس وأعطيتُه هدايا ضيافة؛ إذ كانت قوة الريح قد جرفَته كذلك إلى كريت، وكان يسعى إلى أرض طروادة، فدفعَتْه بعيدًا عن طريقه عَبْر ماليا Malea؛ ومِن ثَمَّ أرسى سفنه عند أمنيسوس Amnisus، حيث يوجد كهف إيليثويا Eilithyia، في ميناءٍ وَعْر، ولم ينجُ من العاصفة إلا بشِق الأنفس. وبعد ذلك قصد المدينة في الحال وسأل عن إيدومينيوس؛ لأنه أذاع أنه صديقه، المحبوب والمبجَّل، ولكن ها قد مضى الآن الفجر العاشر أو الحادي عشر منذ أن أبحر إيدومينيوس في سفنه ذوات الحيازيم إلى إليوس، فصَحِبتُه إلى المنزل، وقدَّمتُ له القِرى بترحيبٍ كريم من الخزين الغزير الذي كان بالمنزل، وإلى بقية رفقائه وأتباعه الذي صحبوه جمعتُ وقدَّمتُ، من الخزين العام، وجبة من الشعير والخمر المستعرة وثيرانًا كذبائح، كي تشبع قلوبهم. هناك تلكَّأ الآخيون العظماء اثنَي عشر يومًا؛ لأن الريح الشمالية العاتية حجَزتْهم هناك، ولم تسمح لهم بالوقوف على أقدامهم فوق اليابسة؛ إذ قد أثارها أحدُ الآلهة الغاضبين. حتى إذا ما أقبل اليومُ الثالث عشر هدأَت الريح فأقلعوا عَبْر البحر.» بينيلوبي تبكي وتنتحب من شدة الحزن هكذا تكلَّم، وجعل الأكاذيب الكثيرة من روايته تبدو أشبه بالحقيقة، وبينما هي تُصغي إليه انهمَرتْ دموعها وذاب وجهها كما يذوب الثلج فوق شوامخ الجبال، الثلج الذي تُذيبه الريح الشرقية عندما تنشُره الريح الغربية، وبمجرد أن يذوب تمتلئ به مجاري الأنهار حتى حافاتها. هكذا ذابت خدودها الناعمة وهي تبكي وتنتحب حزنًا على زوجها، الذي كان في تلك اللحظة جالسًا إلى جوارها. وتحرك قلب أوديسيوس بالشفقة على زوجته الباكية، بيد أن عينَيه ظلتا جامدتَين بين أجفانه كما لو كانتا من مادة القرون أو الحديد، وبالخداع أخفى دموعه، فلما انتهت من البكاء ونالت منه قسطًا وافرًا دامعًا، تحدَّثتْ إليه من جديد، فقالت: «الآن حقًّا، أيها الغريب، قد اعتزمتُ أن أختبرك، لأعرف ما إذا كنتَ حقيقةً قد أكرمتَ في ساحاتك زوجي مع رفقائه أشباه الآلهة، كما كنتَ تقول، أم لم تكرمهم. خبِّرني عن نوع الملبس الذي كان يرتديه فوق جسمه، وأي لونٍ من الرجال كان هو نفسه؛ وأخبرني عن الرفاق الذين تَبِعوه.» أوديسيوس يعطي بينيلوبي علاماتٍ أكيدة عن زوجها عندئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «سيدتي، من العسير على المرء أن يُخبركِ عن هذا بعد أن مضى عليه مثل هذه المدة الطويلة السحيقة؛ إذ قد انقضى الآن العام العشرون منذ أن رحل من هناك، وغادر من بلدي. ومع ذلك فسأُخبركِ بقَدْرِ ما يُصوِّره لي عقلي. كان أوديسيوس العظيم يرتدي عباءةً أرجوانية من الصوف، عباءة مزدوجة الثنايا، بها دبُّوسٌ مصنوع من الذهب ذو مشبكٍ مزدوج، بعيد الصنعة عجيبها من الأمام، مرسومٌ عليه كلب صيد يُمسِك بمخالبه الأمامية غزالًا أرقَط، وأنشَب فيه أنيابه وهو يتلوَّى. وقد دُهِش جميع الناس، كيف، والصورة من الذهب، كان الكلب يُنشِب أنيابه في الغزال ويخنقُه، والغزال يُناضل بأقدامه ويُحاول الفرار. كلك لاحظتُ أن المدرعة كانت تتألَّق كلها حول جسمه، كما تتألَّق قشرة البصلة الجافة، وكانت ناعمةً جدًّا، وتشعُّ بريقًا كبريق الشمس. الحق أن نسوةً كثيرات كن يُحملِقن فيه متعجبات. وسأخبرك بشيءٍ آخر. أرجو أن تحفظيه في قلبك. لست أعرف ما إذا كان هذا لباس أوديسيوس في بيته، أم أن أحد زملائه أعطاه إياه عندما ركب ظهر السفينة السريعة، أو ربما أخذه من أحد الأغراب؛ إذ كان أوديسيوس عزيزًا على رجالٍ كثيرين؛ فقلَّما كان له نظيرٌ بين الآخيين. وأنا، نفسي،٨ أعطيتُه سيفًا من البرونز، وعباءةً جميلة أرجوانية مزدوجة الطيات، ومدرعةً مُوشَّاة الحافة، وشيَّعتُه مكرمًا فوق ظهر سفينته ذات المقاعد. وزيادةً على ذلك، فقد كان يقوم على خدمته خادمٌ أكبر منه سنًّا، سأخبرك عنه أيضًا، ومن أي نوعٍ من الرجال كان. لقد كان مستدير الكتفَين، أسمر البشرة. أجعد الشعر، يُدعى يوروباتيس Eurybates، وكان أوديسيوس يُجلُّه أكثر من سائر الرفاق الآخرين؛ لأنه كان يشبهه حكمة.» أوديسيوس يناشد بينيلوبي الكَفَّ عن البكاء هكذا قال، فتحركَت في قلبها الرغبة في البكاء أكثر من ذي قبل، عندما لاحظَت العلامات الأكيدة التي ذكرها لها أوديسيوس. وبعد أن بكت، ما شاءت أن تبكي، ردَّت عليه بقولها: «الآن، حقًّا، أيها الغريب، بالرغم من أنك من قبلُ موضع عطف، فستكون مُعزَّزًا ومُبجَّلًا في ساحاتي، لأنني أنا التي أعطيتُه ذلك الرداء، الذي تصفه هكذا، وقد طويتُه، وأحضرتُه من حجرة الخزين، ووضعتُ به الدبُّوس البرَّاق ليكون مبعثَ غبطةٍ له. أما زوجي فلن أُرحِّب به ثانية، وهو عائد إلى وطنه العزيز وإلى قصره؛ وعلى ذلك لقد كان بمصيرٍ شرير أن ذهب أوديسيوس في السفينة الواسعة ليرى إليوس الشريرة، التي لا يجب أن يذكُر الإنسان اسمهما إطلاقًا.» فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل بقوله: «يا زوجة أوديسيوس بن لايرتيس، المبجَّلة، لا تُشوِّهي وجهك الفتَّان أكثر من ذلك، ولا تُذيبي قلبك كليةً بالبكاء على زوجك. إنني حقًّا لا ألومُكِ على هذا؛ فهذا طريق كل امرأة أن تبكي عندما تفقد زوجها الشرعي، الذي أنجبَت له أطفالًا في حبها، مهما كان شخصًا آخر غير أوديسيوس، الذي كما يقولون، أشبه بالآلهة. ومع ذلك، يجب أن تكُفِّي عن البكاء، وتُصغي إلى كلامي؛ لأنني سأصارحك بالحقيقة الأكيدة، ولن أخفي شيئًا، كيف أنني من وقتٍ قريب جدًّا سمعت عن عودة أوديسيوس. إنه قريب من هنا في أرض الثيسبروتيين الخصبة، حي يُرزَق، ويُحضِر معه كنوزًا عديدة نفيسة، بينما كان يستجدي في البلاد، ولكنه فقد رفقاءه المخلصين وسفينته الواسعة فوق صفحة البحر القاتم كالخمر، وهو مسافر من جزيرة ثريناكيا لأن زوس وهيليوس Helius غضبًا منه لأن رفقاءه قتلوا أبقار هيليوس؛ وعلى ذلك هلكوا جميعًا في البحر الصاخب، أما هو فتعلَّق بقاع سفينته إلى أن قذفَت به الأمواج على الشاطئ، فوق أرض الفياكيين، الذين هم أقرباء الآلهة. وبحماسٍ أبدى له هؤلاء كل إجلال، كما لو كان إلهًا، وقدَّموا له هدايا عديدة، وكانوا يتوقون هم أنفسهم إلى أن يُوصِلوه إلى بيته سالمًا. نعم، وكان يجب أن يكون أوديسيوس هنا منذ مدةٍ طويلة، إلا أنه وجد بحكمته أن من الخير له أن يجمع ثروة بالتجول عَبْر الأرض الفسيحة؛ فهكذا حقًّا كان أوديسيوس يعرف طرقًا كثيرة مريحة أكثر من سائر البشر، ولم يكن في مقدور أي إنسانٍ أن يتحداه. هكذا أخبرني فايدون Pheidon، ملك الثيسبروتيين، بالقصة. كذلك، أقسَم أمامي، وهو يصُب السكيبات في ساحاته، أن السفينة أُنزلَت إلى البحر، وأن الرجال الذين كان عليهم أن يُوصلوه إلى وطنه، كانوا على أُهبة الإبحار. أما أنا، فقد أرسلني أولًا؛ إذ تصادف أن إحدى سفن الثيسبروتيين كانت ذاهبة إلى دوليخيوم، الغنية بالقمح. وأراني جميع الكنوز التي جمعها أوديسيوس، والحق يُقال إنها تكفي لإطعام ذريته من بعده إلى الجيل العاشر؛ إذ كانت الثروة المدخرة له في ساحات الملك غاية في العظمة. ولكن أوديسيوس، هكذا قال الملك، ذهب إلى دودونا ليستمع إلى إرادة زوس من شجرة البلُّوط الشامخة التي للرب هناك، فيعرف كيف يمكنه أن يعود إلى وطنه بعد ذلك الغياب الطويل، وهل يعود سرًّا أو جهرًا. وعلى ذلك، إنه، كما أُخبركِ، سالم، وسيأتي حالًا؛ إنه قريب جدًّا، ولن يمضي وقتٌ طويل وهو بعيد عن أهله وعن وطنه. وزيادةً على ذلك، فسأُقسِم لك قسَمًا. ليكن زوس شاهدي الأول، ذلك الرب الذي هو أرفع وأحسن الآلهة، وموقد أوديسيوس النبيل الذي أجيء إليه، أن هذه الأمور التي سأُخبرك بها سوف، وايم الحق، تتم كما أُخبرك. في خلال هذا الشهر بالذات سيكون أوديسيوس هنا، بمجرد أن يأفُل القمر القديم ويظهر القمر الجديد.» بينيلوبي تأمر بتكريم الشحَّاذ الغريب عندئذٍ أجابته بينيلوبي الحكيمة، فقالت: «آه، أيها الغريب، ليت كلمتك هذه تتحقَّق؛ عندئذٍ ستلقى مني عطفًا بالغًا وهدايا كثيرة، حتى إن من يلقاكَ لَيقول إنكَ محظوظ، ولكن قلبي يحدِّثني بأن هذا سيكون؛ أن أوديسيوس لن يعود بعد الآن إلى بيته، ولن تحصُل أنت على من يُوصِلك من هنا إلى بلدك؛ حيث إنه لا يُوجَد بمنزله الآن رجالٌ سادة مثلما كان أوديسيوس وسط الرجال — فمما لا ريب فيه أنه كان هناك مثل هذا الرجل — ليبعثوا بالغرباء الأمجاد إلى أوطانهم، وليُرحِّبوا بهم، ولكن بالرغم من ذلك، ستغسل وصيفاتي، أقدام الغريب، ويُعدِدن له فِراشه — السرير والعبايات والأغطية اللامعة — لكي يبلغ الفجرُ الذهبي العرشَ في دفء وراحة. وفي الصباح الباكر يغسلنه ويدهنه، حتى يستطيع وهو في بيتنا إلى جوار تيليماخوس أن يتناول الطعام وهو جالس في البهو. وسيكون وبالًا على أي رجلٍ منهم أن يغيظ روح هذا الرجل ويُسبِّب لها الألم؛ فلن يقوم بأي شيء هنا بعد ذلك، مهما كان مبلغ غضبه عنيفًا؛ لأنك سوف تعرف عني، أيها الغريب، ما إذا كنتُ أتفوَّق على سائر السيدات الأخريات في الحصافة وسداد الرأي، إذا ما جلستَ إلى مائدة الطعام في ساحاتي، غير ممشوط الشعر ومرتديًا ملابسَ حقيرة. إنما الرجال أعمارُهم قصيرة، فإذا ما كان أحدهم صارمًا هو نفسه، وكان ذا قلبٍ صارم، إذن لأَنزلَ عليه جميع البشر المحن في المستقبل، وهو لا يزال على قيد الحياة، وعندما يموت يسخر منه سائر الناس، أما إذا كان المرء خاليًا من اللوم وذا قلبٍ لا غُبار عليه، حمل الأغرابُ صيتَه بعيدًا بين جميع الناس، وقال عنه الكثيرون إنه رجلٌ حقيقي.» أوديسيوس يرفض ثم يقبل بشروط عندئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «يا زوجة أوديسيوس بن لايرتيس، المبجَّلة، الحق أن العباءات والأغطية اللامعة صارت مقيتة إلى عيني، منذ اليوم الذي تركتُ ورائي فيه جبال كريت الجليدية، عندما أبحرتُ على ظهر سفينتي ذات المجاذيف الطويلة. كلا، إنني سأرقُد كما تعوَّدتُ أن أنامَ في الماضي خلال الليالي المؤرقة؛ فكم من ليالٍ قضيتُها مُسهَّدًا على فراشٍ قذر أنتظر الفجر المتألق العرش. نعم، وكذلك حماماتُ الأقدام لا تُدخل السرور إلى قلبي، ولن تلمس أي فتاةٍ قدمي من جميع خادماتك اللواتي في ساحتك، إلا إذا كان هناك سيدةٌ عجوز، مخلصة قاست في قلبها محنًا كثيرة كالتي قاسيتُها؛ إذن فلن أمنعَ مثل هذه السيدة من أن تمَس قدَمي.» بينيلوبي تأمر يوروكليا بغسل قدمَي الغريب فأجابته ثانيةً بينيلوبي الحكيمة، وقالت: «أيها الغريب العزيز، لم يحدُث قَط أن رجلًا حازمًا مثلك، من أولئك الغرباء القادمين من بلادٍ نائية، قد جاء إلى منزلي كضيفٍ مُرحَّب به أكثر من غيره، وكانت كلماتُه جميعها حكيمةً وحصيفة ككلماتك. عندي سيدةٌ عجوز ذات قلبٍ مدرك في صدرها، قامت بتربية زوجي المسكين بكل محبة، وحملَته في ذراعَيها يوم ولَدتْه أمه. هذه ستغسل قدمَيك، رغم أن السن قد أضعفها. تعالي الآن، يا يوروكليا الحكيمة، انهضي واغسلي قدمَي رجل من نفس عمر سيدك. وللمصادفة، أقدامه تشبه أقدام أوديسيوس، وكذا يداه؛ إذ سرعان ما يشيخ الرجال من جرَّاء الحظ الشرِّير.» يوروكليا تستجيب لأمر سيدتها قالت هذا، فأخفت السيدة العجوز وجهها في يدَيها وتركَت الدموع السواجم تتساقط، وهي تتحدَّث وسط النحيب، قائلة: «ويحي! الويل لي، يا ولدي، لأنني لا أستطيع أن أعمل شيئًا من أجلك. حقًّا إن زوس لَيمقتُك أكثر من سائر البشر، رغم أن لك قلبًا يخاف الرب؛ إذ لم يسبق قَط أن أحرقَ أي إنسان، لزوس، الذي يقذف الصاعقة، قِطعًا من الفِخاذ الدسمة العديدة أو كثيرًا من الذبائح المئوية المنتقاة كما فعلتَ أنتَ له، مع توسُّلاتك بأن تبلُغ الشيخوخة الناعمة وتُربِّي ابنكَ المجيد، ولكن للعجب، وقد منعَ عنكَ أنتَ وحدك يوم عودتكَ كلية. هكذا، كما أعتقد، طَفِقَت النسوة يسخرن منه أيضًا،٩ في بلدٍ غريب بعيد، عندما جاء إلى منزل رجلٍ مجيد، كما يسخر منك هنا جميع هؤلاء المخلوقات العديمي الحياء؛ فإنك لتتحاشى الإهانة منهن الآن، وتَجتنِب تعنيفاتهن الكثيرة، لم تسمح لهن بأن يَغسِلن لك قدمَيك، أما أنا، التي ليست شيئًا متذمرًا، فقد أمرتْني، بينيلوبي الحكيمة، ابنة إيكاريوس، بأن أغسل لك قدمَيك؛ وعلى ذلك سأغسلهما، إكرامًا لخاطر بينيلوبي وخاطرك؛ لأن الأحزانَ تُثير قلبي في داخلي. والآن، هيا استمع إلى ما سأقوله لك. إن غرباء كثيرين مثقَلين بالمحن قد جاءوا إلى هنا، ولكني أعلن أنني لم أَرَ قَط رجلًا من قبلُ يشبه غيره مثلما تشبه أنت أوديسيوس، شكلًا وصوتًا، وأقدامًا.» فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «يا سيدتي العجوز، هكذا قال سائرُ مَن وقعَت عيونهم علينا؛ إذ قرَّروا أنني وأوديسيوس يُشبِه أحدُنا الآخر، تمام الشبه، كما لاحظتِ أنتِ وقلتِ.» يوروكليا تحكي طرفًا عن طفولة أوديسيوس هكذا تكلَّم، فتناولَت السيدة العجوز القِدْر اللامعة المملوءة بالماء الذي ستغسل منه قدمَيه، فسَكبتْ كميةً وافرة من الماء البارد، وأضافت إليه ماءً دافئًا، ولكن أوديسيوس جلس بعيدًا عن الموقد وأَسرعَ فاستدار نحو الظلام؛ لأنه أَحسَّ في قلبه في الحال إحساسًا يُنبئ بما سيحدث، أنها، وهي تلمَسه، قد تُلاحِظ علامة، وتنجلي الحقيقة. وعندئذٍ اقتَربتْ منه وبدأَت تغسل قدمَي سيدها، ولكنها في الحال عرفَت الجرح الذي من زمنٍ بعيد أصابه به خنزيرٌ بري بنابه الأبيض، عندما ذهب أوديسيوس إلى بارناسوس Parnassus١٠ لزيارة أوتولوكوس Autolycus١١ وأبناء أوتولوكوس، أبي أمه النبيل، الذي كان يفوق سائر الرجال في السرقة وفي حلف اليمين. إنه الإله هيرميس الذي أعطاه بنفسه هذه المهارة، إذ كان من عادته أن يُحرق له ذبائحَ مقبولة من فِخاذ الحملان والجداء؛ ومِن ثَمَّ صادقه هيرميس بقلبٍ خالص. وذات مرة عندما جاء أوتولوكوس، إلى أرض إيثاكا الخصبة، وجد ابن ابنته طفلًا حديث المولد، وبينما كان يتناول عَشاءَه؛ وضعَت يوروكليا الطفل فوق ركبتَيه، وتكلَّمتْ، وخاطبَتْه، بقولها: «أيا أوتولوكوس، أوجد بنفسك الآن اسمًا لتُطلِقه على ابنك الذي أنجبتَه من صلبك؛ وثق بأنه قد صلى من أجله طويلًا.» عندئذٍ أجابها أوتولوكوس، وقال: «إن زوج ابنتي وابنتي، سيُعطيانه أي اسمٍ أقوله. وبما أنني قد جئتُ إلى هنا كشخصٍ غاضب من كثيرين، من الرجال والنساء، الذين يعيشون فوق ظهر الأرض المثمرة؛ وعلى ذلك فليكن الاسم الذي نُطلِقه على الطفل هو أوديسيوس.١٢ أما أنا، فعندما يترعرع الطفل ويبلُغ مبالغ الرجال ويصل إلى البيت العظيم لقريبِ أمه في بارناسوس، حيث تُوجد ممتلكاتي فسوف أمنحه منها وأُرسِله في طريقه مغتبطًا.» لذلك جاء أوديسيوس، كي يعطيه أوتولوكوس الهدايا الرائعة، فرحَّب به أوتولوكوس وأبناء أوتولوكوس وأمسكوا يدَيه وحيَّوه بكلماتٍ رقيقة، وأخذَت أمفيثيا Amphithea، والدة أمه، أوديسيوس في ساعدَيها وقبَّلَت رأسه وكلتا عينَيه الجميلتَين. أما أوتولوكوس فأمر أبناءه الأمجاد بإعداد الطعام، فلبَّوا أمره. وفي الحال أحضروا ثورًا، عمره خمس سنوات، وسلَخوه ونظَّفوه وقَطعوا جميع أطرافه. وبعد ذلك قطَّعوا تلك الأجزاء بمهارة إلى شرائح، وغرسوا فيها السفافيد، وشَوَوها ببراعة ووزَّعوا القِطع؛ ومِن ثَمَّ، ظلُّوا يُولِمون، طوال اليوم كله حتى مغرب الشمس، ولم ينقص قلوبَهُم شيءٌ من الوليمة العادلة. وعندما غَربت الشمس وخيَّم الظلام رقدوا ليستريحوا وأخذوا نعمة النوم. وما كاد يلوح الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، حتى خرجوا للصيد، الكلاب وأبناء أوتولوكوس أيضًا، وذهب معهم أوديسيوس العظيم، فتسلَّقوا جبل بارناسوس الشاهق، الذي تكسوه الغابات، وسرعان ما بلَغوا مغاراته ذات الرياح. كانت الشمس وقتئذٍ ترسل أشعَّتها على الحقول، وهي تبزُغ من أوقيانوس Oceanus١٣ الرقيق الجريان العميق التدفُّق، عندما وصل الصيادون إلى أحد الممرات. وكانت الكلاب في المقدمة، تَشم الأثَر، ومن خلفها أبناء أوتولوكس يتوسَّطهم أوديسيوس العظيم، مقتربًا في أعقاب الكلاب مباشرة، يُلوِّح برمحه الطويل، وكان هناك يرقبه خنزيرٌ بري يرقد في مكمنٍ كثيف الأحراش لدرجة أن قوة الرياح البليلة لا تستطيع أن تهُبَّ خلاله ولا يمكن لأشعة الشمس المتألقة أن تنفُذ داخله، وليس في مقدور المطر أن يشُق طريقه إليه؛ إذ كان كثيفًا جدًّا، وكان هناك كثيرٌ من أوراق الشجر المتساقطة بكميةٍ كبيرة. ارتفع ضجيج أقدام الرجال والكلاب حول الخنزير وهي تهجُم في المطاردة، فاندفع هو من مكمنه خارجًا نحوهم بظهرٍ كث الشعر وعينَين تقدحان نارًا، ثم وقف أمامهم هناك عن كثَب؛ عندئذٍ كان أوديسيوس أول من هجم عليه، شاهرًا رمحه الطويل في يده القوية، قاصدًا إصابته، بيد أن الخنزير كان أسرع منه، إذ عاجله بضربةٍ فوق ركبته، منقضًّا عليه من الجنب، فأحدث بنابه جرحًا طويلًا في لحمه، ولكنه لم يصل إلى عظم الرجل، ولكن أوديسيوس أصابه بضربةٍ محكمة فوق كتفه اليمنى، فمزَّق طرف الرمح اللامع إلى الداخل تمامًا، وسقط الخنزير في التراب يصرخ، وهَربَت منه روحه. بعد ذلك انهمك أبناء أوتولوكوس الأعزَّاء بجثة الخنزير، وأما جرح أوديسيوس النبيل الشبيه بالإله فقد ضمَّدوه ببراعة، وأوقفوا الدم الأسود بتعويذة، ثم أسرعوا في الحال عائدين إلى منزل أبيهم العزيز. ولمَّا عالجه أوتولوكوس وأبناء أوتولوكوس حتى شُفي تمامًا، وأعطَوه هدايا رائعة، أرسلوه بسرعة عائدًا إلى وطنه مسرورًا، إلى إيثاكا؛ عندئذٍ اغتبط أبوه وأمه المبجَّلة لعودته، واستعلما منه عن القصة كلها، كيف أُصيب بذلك الجرح؛ فأخبرهما بالحقيقة كاملة، كيف، وهو يصطاد، ضربه خنزيرٌ بري بنابه الأبيض عندما ذهب إلى بارناسوس مع أبناء أوتولوكوس. يوروكليا تتعرف على أوديسيوس من جرحٍ بساقه عَرفَت السيدة العجوز هذه العلامة، عندما أمسَكَت ساقه في راحتَي يدَيها، باللمس، فتركَت قدمه تسقط. وقعت الساق في الطست، فرن الوعاء البرونزي، ومال على الأرض، وانسكب الماء فوق الأرض. وبعد ذلك شمل رُوحَها السرورُ والحزن في لحظةٍ واحدة، واغرورقَت عيناها بالدموع وانحبس صوتها. ولكنها أمسكتْ ذَقن أوديسيوس، وقالت: «حقًّا إنك أوديسيوس، أيها الطفل العزيز، ولم أعرفكَ، إلا بعد أن تحسَّستُ بدَن سيدي كله.» أوديسيوس يأمر يوروكليا بالسكوت قالت هذا، وتطلَّعتْ إلى بينيلوبي بعينَيها، تريد أن تُظهِر لها أن زوجها العزيز بالبيت. غير أن عين بينيلوبي لم تستطع أن تلتقي بنظرتها ولم تفهمها؛ لأن أثينا حوَّلَت تفكيرها إلى ناحيةٍ أخرى. أما أوديسيوس، فتحسَّس حلق المرأة، وأمسَكه بيده اليمنى، وباليد الأخرى سحبَها قريبًا منه، وقال: «أماه، لماذا ترغبين في تحطيمي؟ لقد ربيتِني بنفسك على صدرك هذا، والآن بعد أن كابدتُ متاعبَ محزنة جمة. قد جئتُ في السنة العشرين إلى وطني. وطالما أنكِ قد عثَرتِ علي، ووضع إلهٌ هذا في قلبك، فسكاتٌ لئلا يعلم بذلك أي شخصٍ آخر في الساحات؛ لأن ما سأقوله لك، هو ما سيحدُث فعلًا. إذا أخضع أحد الآلهة المغازلين السادة إلى سيطرتي، فلن أُعتقكِ، بالرغم من أنك مُربيتي، عندما أقتل الخادمات الأخريات في ساحاتي.» يوروكليا تَعِد أوديسيوس بكتمان السر ما إن قال هذا، حتى أجابَتْه يوروكليا الحكيمة، بقولها: «أي بني، ما هذه العبارة التي فلتَت من بين حاجز أسنانك! إنك تعرف مدى ثبات روحي وعدم استسلامي. سأكتم الأمر أشبه بالصخر الجلمود أو الحديد. وسأُخبركَ بأمرٍ آخر يجب أن تضعه في قلبك. إذا أخضع لك أحد الآلهة السادة المغازلين، فهل لي عندئذٍ أن أذكُر لك أسماء النساء اللواتي في ساحاتك، وأخبرك بأيهن لا يُخلِصن لك، وأيهن البريئات؟» فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «يا أماه، لماذا، بربك، تُخبرينني بهن؟ لا حاجة بك إلى ذلك إطلاقًا. سوف أتبيَّنُهن من تلقاء نفسي جيدًا، وسأعرف كل واحدةٍ منهن. كلا، احتفظي بالأمر لنفسك، واتركي النتيجة للآلهة.» هكذا تكلَّم، وخرجَت السيدة العجوز عَبْر البهو لتُحضِر الماء لقدمَيه؛ إذ انسكب الماء الأول كله. وبعد أن غَسلتْه، ودهنَتْه جيدًا بالزيت، سحب أوديسيوس كرسيه من جديد واقترب أكثر من النار ليُدفئ نفسه، وأخفى أثَر الجرح بأسماله. بينيلوبي تطلب من الغريب تفسيرًا لحلم رأته كانت بينيلوبي الحكيمة أول من تكلم، فقالت: «أيها الغريب، سأسألك هذا السؤال البسيط بالإضافة إلى ما سبق؛ لأنه سرعان ما ستحين ساعة الراحة اللذيذة، على الأقل لمن يحُط عليه النوم اللذيذ رغم يقظته. أما أنا فقد أعطاني ربٌّ حزنًا يفوق الحد؛ إذ أجد مَسرَّتي يومًا بعد يومٍ في الحزن والبكاء، بينما أُشرف على أعمالي المنزلية وأعمال نسائي في المنزل، حتى إذا ما أقبل الليل وسيطر النوم على الجميع، استلقيتُ على فراشي، فتتزاحم الهموم الحادة حول قلبي الخافق، وتُقلِق راحتي، بينما أبكي. وكما تُغنِّي بصوتها الرخيم ابنة بانداريوس Pandareus،١٤ عندليب الغابة الخضراء،١٥ عندما يهل الربيع حديثًا، فتحُط جالسة على أفنان الشجر الكثيف الأوراق، وبأنغامٍ كثيرة متذبذبة تُطلِق صوتها العذب منتحبةً على صغيرها إيتولوس Itylus١٦ العزيز، الذي قتلتُه ذات يومٍ بالسيف عن غير قصد، إيتوليوس، ابن الملك زيثوس Zethus؛١٧ هكذا يتأرجح قلبي إلى هذا الجانب وذاك في ارتياب، لستُ أدري هل أبقى مع ابني واحتفظ بكل شيء سالمًا، ممتلكاتي، وعبيدي، ومنزلي الرائع، المرتفع السقف، محترمة فراش زوجي وصوت الشعب، أم أذهب الآن مع من يكون خير الآخيين، ممن يُغازِلونني في الساحة، ويُقدِّم لي هدايا زواج تفوق الحصر. هذا فضلًا عن أن ابني، عندما كان طفلًا ضعيف الإدراك، لم يسمح لي بالزواج وترك منزل زوجي، أما الآن فقد كبر وبلغ مبالغ الرجال، والعجيب، إنه أيضًا يرجوني في أن أغادر هذه الساحات، وقد غاظه أن الآخيين يلتهمون أمواله على حسابه، ولكن، هيا، اسمع الآن هذا الحُلم الذي رأيتُه، وفَسِّره لي. لديَّ بمنزلي عشرون إوزَّة تعود من الماء وتأكل القمح، فيمتلئ قلبي سرورًا وأنا أُراقبها. بيد أنه خرج من الجبل نسرٌ ضخم معقوف المنقار وكسر جميع أعناقها وقتلَها، فتناثَرت ملقاةً على أرض الساحة في كومة، بينما صَعِد هو مرتفعًا إلى السماء اللامعة. أما أنا فبكيتُ وأعولت، بالرغم من كونه حُلمًا، فاجتمعَت النسوة الآخيات الجميلات الغدائر حولي، وأنا مكتئبة حزنًا على إوزَّاتي التي قتلَها النسر، ثم عاد من جديد وحَطَّ على إحدى كتل السقف البارزة، وتكلَّم بصوت البشر ومنعَني من البكاء، قائلًا: «ابتهجي، يا ابنة إيكاريوس الذائع الصيت؛ ما هذا بحُلم، بل رؤيا صادقة لخيرٍ سوف يتحقق أكيدًا. إن الإوزَّات هي المغازلون، وأنا الذي كنتُ فيما مضى نسرًا، قد عُدتُ الآن ثانيةً كزوجك، الذي سوف يُطلِق مصيرًا قاسيًا على جميع المغازلين.» هكذا تكلَّم، وحرَّرني النوم اللذيذ، ولما تطلعتُ حولي أبصرتُ الإوز في ساحاتي، يلتقط القمح بجوار الحوض، الذي تعوَّد أن يأكل منه من قبلُ.» بعدئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «سيدتي، يستحيل أن يكون في الإمكان إهمال هذا الحلم وتأويله بمعنًى آخر، ما دام أوديسيوس نفسه قد أوضح لك حقيقة كيف سيُحقِّقه؛ لأن هلاك المغازلين أمرٌ جلي، للجميع؛ فلن ينجو واحدٌ منهم من الموت والأقدار.» بينيلوبي تكشف للغريب بعض نواياها فأجابته ثانيةً بينيلوبي الحكيمة، وقالت: «أيها الغريب، الحق أن الأحلام غامضةٌ محيِّرة وغير واضحة المعنى، ولا تتحقق في جميع الأمور للبشر بأية حال من الأحوال؛ لأن أبواب الأحلام الخيالية اثنان، أحدهما مصنوع من مادة القرون والآخر من العاج، فالأحلام التي تمر خلال الباب المصنوع من العاج المقطوع بالمنشار تخدع الناس، وتتضمن ألفاظًا لا سبيل إلى تحقيقها. أما تلك التي تنطلق عَبْر البوابة المصنوعة من مادة القرون المصقولة فتأتي بنتائجَ صحيحة تتحقق، متى رآها أي فرد من البشر. أما في حالتي هذه، فحسب اعتقادي، لم يأتِ حُلمي الغريب من هناك. وإلا كان عندئذٍ موضع ترحيبي وترحيب ابني، ولكنَّ هناك شيئًا آخر سأُخبرك به. وهل لك أن تحتفظ به في قلبك؟ الآن أيضًا سيأتي هذا الصباح ذو الاسم الشرير الذي يفصلني عن منزل أوديسيوس؛ لأنني عندئذٍ سأُعين للمباراة تلك الفئوس التي اعتاد أن يضعها في خطٍّ مستقيم في ساحاته، كما لو كانت عوارضَ سفينة في سبيل البناء، اثنتَي عشرة فأسًا في مجموعها، وكان يقف بعيدًا ويُطلِق سهمًا خلالها.١٨ إذن سأقيم هذه المباراة اليوم أمام المغازلين: ومن يستطيع أن يضَع الوتر بسهولة في القوس بيدَيه، ويُطلِق سهمًا خلال الفئوس الاثنتَي عشرة، فسأذهب معه وأهجر هذا المنزل، منزل حياتي الزوجية، وإنه لبيتٌ في غاية الروعة والجمال وحافل بالرزق، الذي، كما أعتقد، سوف أتذكَّره باستمرار حتى في أحلامي.» بعدئذٍ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «يا زوجة أوديسيوس بن لايرتيس، المبجَّلة، اليوم سوف تُقيمين هذه المباراة في ساحاتك؛ لأنه، كما أُخبرك، سيكون أوديسيوس الكثير الحيل هنا، قبل أن يتمكَّن هؤلاء الرجال، من وضع الوتَر في هذه القوس المصقولة، وإطلاق سهمٍ خلال الحديد.» بينيلوبي تنصرف مع وصيفاتها بغية النوم فردَّت عليه بينيلوبي الحكيمة بعد ذلك، قائلة: «إذا رغبتَ، أيها الغريب، في أن تجلس ها هنا في ساحاتي، وتُدخل السرور إلى نفسي، فإن النوم لن ينسكب إطلاقًا فوق جفني. بيد أنه ليس من المستطاع أبدًا أن يستغني البشر عن النوم باستمرار؛ إذ عيَّن الخالدون وقتًا مناسبًا لكل شيء على الأرض، مانحة الغلال. أما أنا فسأذهب حقًّا إلى مقصورتي العُليا وأرقُد فوق سريري، الذي غدا لي فِراش النحيب، أُبلِّله دائمًا بدموعي، منذ اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس ليرى إليوس اللعينة، التي لا يجب على المرء أن يذكُر اسمها على الإطلاق. سأرقد هناك، أما أنتَ فهل لك أن ترقُد هنا في الساحة، ما دمتَ قد أعددتَ فراشًا فوق الأرض؟ أو دعِ الإماءَ يُقمن لك فراشًا.» ما إن قالت هذا، حتى صَعِدتْ إلى مقصورتها العليا المتألقة. ولم تذهب بمفردها؛ لأن الخادمات ذهبن معها أيضًا. وبعد أن صَعِدتْ إلى مقصورتها العليا مع خادماتها، شَرعَت تبكي حزنًا على أوديسيوس، زوجها العزيز إلى أن ألقت أثينا، ذات العينَين النجلاوَيْن، النوم اللذيذ على جفنَيها. ١ الترجمة الحرفية: بكلماتٍ مجنحة. ٢ الترجمة الحرفية: فتجلبوا العار على وليمتكم وعلى المغازلين. ٣ حوالي ٥ فترات، وكان هذا هو جراية العبد، في اليوم، من القمح أو من الدقيق. ٤ الترجمة الحرفية: بيد أن كلمتها بَقِيَت غير مجنحة. ٥ المعنى هنا غامض ولكن أرسطو فسَّره بأنه «المسافات بين الأعمدة»، بينما فسَّره آخرون على أنه «المسافات بين الكتل». ٦ يبدو أن العبارة مقتبَسة من شِعرٍ شعبي قديم. والمعنى هنا هو: «ليس لك أصلٌ واضح، كما لو كنتَ مُنحدرًا من شجرة بلوط أو من قطعة حجر. إن لك أسلافًا من البشر، فخبِّرني عنهم.» ٧ يجعل البعض الترجمة أقل دقة: «لتسع سنوات» أو «خلال فتراتٍ مدتها تسع سنوات». ٨ الأصل يقول «أيضًا». ٩ خاطبَت المربية العجوز أوديسيوس الغائب أولًا، ثم اتجهَت بعد ذلك إلى الغريب الماثل أمامها. ١٠ جبلٌ مقدس لأبولُّو وربات الفن، قريب من دلفي. ١١ ابن هيرميس ووالد أنتيلكيا والدة أوديسيوس. ذاع صيته كلِصٍّ ماهر. كان قادرًا على إخفاء نفسه وبضائعه. وتولَّى إرشاد هرقل في المصارعة. ١٢ أو «طفل الغضب». ١٣ ابن أورانوس وجيا ووالد حوريات المحيط، وربات الأنهار. نشأ أوقيانوس من جميع البحار والبحيرات والأنهار والينابيع. ١٤ ابن لوكاوون. وقد كان مفضَّلًا عند أبولُّو فوهبه المهارة في الرماية بالسهام، فأكسبه هذا امتيازًا عندما حارب ضد الإغريق في طروادة. ١٥ يفسر آخرون الكلمة على أنها لون الطائر نفسه. ١٦ تقول الروايات إنه ابن زيثوس وأيدون. حقدَت أيدون على «عديلتها» نيوبي لأنها أنجبت أبناءً أكثر منها فدبَّرتْ خطة لقتل أماليوس بن نيوبي الأكبر، وهو يغُط في نومه مع إيتولوس. ولكنَّها أخطأتْ وقتلَت إيتولوس، فاقتفى زيثوس آثارها، ولكنها تحوَّلَت إلى عندليبٍ دائم النحيب على ابنها. ١٧ ابن زوس وأنتيوبي وشقيق توءم لأمفيون. وقد اشترك في جميع مخاطر أخيه أمفيون ولكنه لم تكن له براعته الموسيقية. وبعد أن استولى الأخوان على طيبة وحصَّناها بالأسوار. كان أمفيون يحرك الأحجار إلى مكانها بأصوات موسيقاه بينما كان يعتمد زيثوس على قوته الشخصية. ١٨ يجب أن نفهم أولًا، أنه كان يقيم اثنتَي عشرة فأسًا في خندقٍ ضحل محفور في الأرض المتربة، في صفٍّ مستقيم واحد، وكان منظرها يوحي بأنها دعائم قاع السفينة التي في طور البناء، وفضلًا عن ذلك فإن الفئوس كانت تُوضع بحيث إن الثقوب الموجودة في رءوسها تكون في خط مستقيم واحد (مثل هذه الفئوس باقٍ فعلًا من العصر الموكيني Mycenaean) وكان القوَّاس الماهر هو من يُطلِق سهمًا يمر خلال جميع تلك الثقوب دون أن يحيد عنها، فكانت تُصف بما يشبه الأنبوبة. الأوديسة
الأنشودة العشرون وخرج تيليماخوس عَبْر الساحة يُمسِك رمحه في يده، ويتبعه كلبا صيدٍ سريعان. أوديسيوس يستعصي عليه النوم أما أوديسيوس العظيم فرقَد في ساحة البيت الأمامية لينام، فبسط فوق الأرض جلد ثورٍ غير مدبوغ وفوقَه كثيرٌ من فِراء الأغنام، التي كان من عادة الآخيين أن يذبحوها، وألقت يورونومي فوقه عباءة، بعد أن رقد. استلقى أوديسيوس هناك ولكن النوم لم يقترب من جفنَيه، بل بقي يفكِّر شرًّا في قلبه للمغازلين. وخرجَت النساء من الساحة، أولئك اللواتي اعتدن من قبلُ أن يجلسن مع المغازلين، يُرفِّهن عنهم بالضحك والمرح، فتحركَت الحمية في قلبه داخل صدره، وكثيرًا ما تنازع في عقله وقلبه أمران، هل يهجُم عليهن ويكيل الموت لكل واحدة، أم يسمح لهن بالبقاء مع المغازلين الوقحين للمرة الأخيرة، وأخذ قلبه يهرُّ في داخله. وكما تقفُ الكلبة على جِرائها الغضَّة، وتهرُّ عندما ترى إنسانًا لا تعرفه، وتتحرق إلى القتال، هكذا أيضًا هَرَّ قلبه في باطنه غاضبًا من أعمالهن الشريرة؛ ولكنه ضَرب صدره، ونهَر قلبه، قائلًا: «تحمَّل، يا قلبي، لقد تحمَّلتَ شيئًا أسوأ من هذا في ذلك اليوم الذي التهم فيه الكوكلوبس الذي لا حد لجرأته، زملائي الأشداء، وقد تحمَّلتَ إلى أن أخرجَتْك الحيلة من الكهف الذي ظننتَ أنكَ ستلقى فيه حتفَك.» أوديسيوس يشكو لأثينا همومه هكذا تكلَّم، مؤنبًا قلبه الكائن في صدره، وبقي قلبه مكبولًا في باطنه ليتحمل بثبات، أما هو نفسه فقد رقَد يتقلَّب على هذا الجانب وذاك. وكما يُحرِّك المرء كتلة من الدهن والدم أمام نارٍ كبيرة تلتهبُ في سرعة، إلى هذا الجانب وذاك، وهو يتوق إلى أن يشويها بسرعة، هكذا أيضًا راح أوديسيوس يتحرك من جنب إلى جنب، يُفكِّر في عقله كيف يستطيع أن يضع يدَيه على المغازلين المتبجحين، رجلٌ واحد بمفرده ضد جمعٍ غفير كهذا. بعد ذلك هبطَت أثينا من السماء واقتربَت منه في صورة امرأة، ووقفَت بجانب رأسه، وتحدَّثَت إليه، قائلة: «لِم أنتَ متيقظٌ الآن ثانية، أيها الرجل المنكود الحظ أكثر من سائر النساء؟ ويحكَ! ها بيتك، وهنا في داخله زوجتك وابنك، وإنه لرجل، كما أعتقد، كذلك الابن الذي يصلي كل رجل ليكون له ابنٌ مثله.» فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «نعم، أيتها الربة، إن كل ما قلته لهو عين الصدق، ولكن قلبي في صدري يفكِّر في الكيفية، التي أستطيع بها أن أضع يدي على المغازلين الذين لا يخشون العار، أنا وحدي كما تَرين، بينما هم عُصبةٌ في المنزل دائمًا. وفضلًا عن هذا، فهناك أمرٌ أشدُّ عناءً يشغل بالي؛ فحتى لو تمكَّنتُ من قتلهم بإرادة زوس وإرادتك، فكيف أنجو بعدئذٍ من الأذى؟ إنني أطلب منكِ أن تلاحظي هذا.» أثينا تجلب النوم اللذيذ على أوديسيوس بعد ذلك أجابته الربة، أثينا المتألِّقة العينَين، بقولها: «أيها العنيد، كثير من الرجال يضعون ثقتهم حتى في صديقٍ أضعف مني، في رجلٍ من البشر، ليس له من الحكمة مثل حكمتي، أما أنا فربَّة، أحرسكَ في جميع أعمالك حتى النهاية. وإنني لأُخبرك بصراحة، فحتى لو اجتمع حولنا خمسون عصبةً من الرجال، يريدون قتالنا في معركة، وحتى لو كانت معهم ماشيتهم وكباشهم الضخمة، لأمكنكَ أن تدفعهم جميعًا وتقهرهم. كلا، دعِ النوم يحل عليك الآن. كما أن هناك تعبًا في بقائك مستيقظًا طوال الليل كله، ومع ذلك فحتى الآن سوف تخرج من مخاطرك.» هكذا تكلَّمتْ، وسَكبَت النوم فوق جفنَيه، أما الربة الفاتنة نفسها، فعادت إلى أوليمبوس. وصيفة بينيلوبي تُصلي لأرتيميس وبينما هو نائم ملء جفنَيه، يُخفِّف النوم هموم قلبه، ذلك النوم الذي يُرخي أطراف البشر، استيقظَت زوجتُه الصادقة القلب، فبكت، وهي جالسة على فراشها الوثير، فلما بكت ما شاء أن تبكي، صلت أجمل سائر السيدات، أولًا لأرتيميس، فقالت: «أي أرتيميس، أيتها الربة الشديدة البأس، يا ابنة زوس، ليتَكِ الآن تُثبتين سهمكِ في صدري وتَسلبينني حياتي في هذه الساعة؛ أو أن ريحًا عاتية تأتي وتحملُني من هنا فوق الطرق الداجية، وتقذفُ بي هناك بعيدًا عند مَصَبِّ أوقيانوس المتدفق الجريان إلى الحلف، كما حدث تمامًا في وقت ما إن حملَت الرياح القوية بنات بانداريوس Pandareus.١ فقد قتلَت الآلهة أبوهن، وتُركن يتيمات في الساحات، فأمدَّتْهن أفروديتي الجميلة بالجبن، والعسل الحلو، والخمر اللذيذة. وأعطتْهن هيري الجمال والحكمة أكثر من سائر النساء، ومنحَتْهن أرتيميس الطاهرة قَوامًا، وعلَّمَتْهن أثينا المهارة في الأشغال اليدوية. غير أنه بينما كانت أفروديتي الجميلة صاعدةً إلى أوليمبوس الشاهق لتطلب إتمام زواج العذارى السعيد — ذاهبة إلى زوس الذي يقذف الصاعقة، لأنه يعرف كل شيءٍ حق المعرفة، مما فيه سعادة وشقاء البشر — كانت أرواح العاصفة الهوجاء قد خطفَت الفتيات وسلَّمتْهن إلى الإرينويس Erinyes٢ المقيتات ليكُنَّ خادماتٍ لهن. ليت أولئك الذين لهم مساكن فوق أوليمبوس يطمسونني كذلك من أمام الأنظار، أو أن أرتيميس ذات الأثواب الجميلة تضربُني، حتى أمُر تحت الأرض البغيضة وأوديسيوس في مُخيِّلتي، بدلًا من أن أُبهِج قلب رجلٍ وضيع، بأية حالٍ من الأحوال. ومع ذلك فإذا ما بكى المرء نهارًا بقلبٍ مُفعَم بالقنوط، ثم حَطَّ عليه النوم ليلًا، جلَب هذا معه شرًّا يستطيع احتمالُه تمامًا — لأن النوم يُنسي المرء كل شيء، الخير والشر، بمجرد أن يُرخي الأجفان — بيد أن أحد الأرباب يُرسِل إليَّ أحلامًا شريرة أيضًا. كما أن هذه الليلة رقَد إلى جانبي شخصٌ يشبهه، تمام الشبه، عندما رحل مع الجيش، فسُر قلبي، لأنني ظننتُ أني لم أكن حالمة، غير أن الحقيقة تجلَّت في النهاية.» أوديسيوس يستيقظ ثم يُصلي لزوس هكذا تكلَّمتْ، وبسرعةٍ أقبل الفجر ذو العرش الذهبي وما إن بكت حتى سمع أوديسيوس العظيم صوتها، وتناوَبَته الأفكار في الحال، وبدا لقلبه أنها تعرفُه وأنها كانت تقف إلى جانب رأسه. وبعد ذلك حمل العباءة والفِراء التي كان يرقُد عليها ووضَعها في الساحة فوق كرسي، أما جلد الثَّور فوضَعه خارج الأبواب؛ ثم رفع يدَيه وصلَّى لزوس، قائلًا: «أبتاه زوس، إذا كنتم، أيها الآلهة، قد أحضَرتموني إلى وطني عَبْر البَر والبحر عن طيب خاطر، بعد أن أذقتموني العذاب الشديد، فلتجعلوا أحدًا في الداخل يُحدِّثني بفأل، وليُظهِر زوس علامة في الخارج أيضًا.» زوس يُرعِد وامرأة تتنبَّأ هكذا قال في صلاته، وسمعه زوس المستشار. وفي الحال أرعَد من أوليمبوس البَرَّاق، من العُلا من داخل السحب، فسُر أوديسيوس العظيم. كما أن امرأةً كانت تطحن في طاحونة، داخل المنزل القريب، فنطقَت بكلمة نبوءة في المنزل الذي فيه طواحين راعي الشعب. وكان من عادة اثنتَي عشرة امرأة أن يقُمن بأعمالهن عند هذه الطواحين، يصنعن دقيقًا من الشعير والقمح، الذي هو نُخاع البشر. وكانت الأخريات نائمات في ذلك الوقت؛ إذ كُن قد طحَنَّ قمحهن، أما هي فلم تكن قد انتهت من الطحين لأنها كانت أضعفهن جميعًا. لقد أوقفَت طاحونتها الآن، وتنبَّأت بكلمة، فأل لسيدها، فقالت: «أبي زوس، أيها السيد على الآلهة والبشر، حقًّا لقد أَرعدتَ عاليًا من السماء ذات النجوم، ومع ذلك فلا يُوجد في أي مكانٍ سُحبٌ ما؛ حقًّا إن هذه العلامة تبديها لامرئٍ ما. إذن فلتُحقِّق لي الآن أَيضًا، أنا التعيسة ما سأطلُبه. ليت المغازلين يقيمون اليوم لآخر مرة ولائمهم السارة في ساحات أوديسيوس، أولئك الذين أنهكوا أطرافي بالعمل الشاق، وأنا أطحن لهم دقيق الشعير، وليتَ عَشاء اليوم يكون عَشاءهم الأخير.» هكذا تكلَّمتْ، وسُر أوديسيوس العظيم من ذلك الفأل ومن رعد زوس؛ لأنه اعتقد أنه قد نال الانتقام من المذنبين. تيليماخوس يسأل يوروكليا عن الغريب في تلك الآونة اجتمعَت النساء الأخريات في قصر أوديسيوس الجميل، وكن يُشعِلن نارًا لا تكُف فوق الموقد. وينهض تيليماخوس من فراشه، أشبه بالإله، وارتدى ملابسه. وعلَّق سيفه على كتفه، ولبس صندلَه البديع في قدمَيه البرَّاقتَين؛ وتناول رمحه القوي المدبَّب بالبرونز الحاد، وذهب ووقف عند العتبة، وتحدَّث إلى يوروكليا، قائلًا: «أي مُربيتي العزيزة، هل أكرمتِ الغريب في منزلنا بفراشٍ وطعام، أم هل رقَد دون أن يهتم به أحدٌ قَط؟ لأن هذه هي عادة أمي، بالرغم من كونها حكيمة؛ تكرم واحدًا من البشر بطريقةٍ عجيبة، وإن كان أردأهم، بينما تترك أفضلَهم بعيدًا دون تكريم.» عندئذٍ أجابته يوروكليا الحكيمة، بقولها: «لا يجب عليك أن تلومها في هذا الشأن، يا ولدي؛ فلا لوم عليها. لقد جلس هنا وشرب خمرًا ما شاء له أن يشرب. وأما من حيث الطعام فقد قال إنه لا يُحس بالجوع؛ إذ سألَتْه، ولكنه أراد أن يرتاح وينام؛ ولذلك أَمرَت الخادمات بأن يُعدِدن له فِراشة. بيد أنه، كشخصٍ بالغ البؤس واليأس، ما كان لينام على فراشٍ وتحت أغطية، بل نام على جلدِ ثورٍ غير مدبوغ وفِراءِ أغنامٍ في الساحة الأمامية، فوضَعنا فوقه عباءة.» تيليماخوس ينطلق إلى مكان الاجتماع قالت هذا، وخرج تيليماخوس عَبْر الساحة يمسك رمحه في يده، ويتبعه كلبا صيدٍ سريعان، فانطلق في طريقه إلى مكان الاجتماع لينضم إلى حشد الآخيين المدرَّعين جيدًا، أما السيدة العظيمة، يوروكليا ابنة أوبس Ops،٣ ابن بايسينور peisenor، فنادت وصيفاتها، وقالت لهن: «هيا، ليكنس بعضكن الساحة باعتناء ويرشَّها بالماء، ولتضَعن أغطيةً من الأرجوان فوق المقاعد الفاخرة، ولتمسح أخرياتٌ جميع الأخونة بالإسفنج وتُنظِّفن طاسات المزج والأقداح المزدوجة الجيدة الصنع، ولتذهب أخرياتٌ إلى النبع لإحضار الماء بسرعة إلى هنا؛ فلن يغيب المغازلون طويلًا عن الساحة، بل سيعودون مبكرًا جدًّا؛ لأن هذا يوم عيدٍ لجميع البشر.» ما إن قالت هذا، حتى صدعن بالأمر في الحال وأطعن. وذهبَت عشرون خادمةً منهن إلى نبع الماء المظلم، بينما انهمكَت أخرياتٌ هناك في المنزل بمهارة. أوديسيوس ويومايوس يتبادلان الحديث بعد ذلك دخل خدَم الآخيين، الذين شقُّوا فيما بعدُ كتلًا من الخشب ببراعة، وعادت النسوة من النبع، ثم جاء راعي الخنازير، يسوق ثلاثةَ خنازير كانت خيرَ ما في قطيعه كله، فتركها تأكل في الأفنية الجميلة، أما هو فتحدَّث إلى أوديسيوس بكلماتٍ رقيقة، فقال: «أيها الغريب، هل أبدى لك الآخيون إجلالًا أعظم، أم أنهم لم يحترموك في الساحات كما فعلوا من قبل؟» فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «آه، يا يومايوس، أتمنى أن تنتقم الآلهة لانتهاك الحرمات، الذي يقوم به أولئك الرجال في فجورهم بحماقةٍ شريرة، في منزل رجلٍ آخر، غير مُرتدعين.» ميلانثيوس يخاطب أوديسيوس بكلمات التحقير هكذا أخذ يتحدث كلٌّ منهما إلى الآخر، فاقترب منهما ميلانثيوس راعي المعيز، يقود نعجاتٍ هي خيرُ ما في القطعان، ليُقيم وليمةً للمغازلين، يتبعه راعيان، فساق المعيز وربطها تحت الرواق الفسيح، وخاطب هو نفسه أوديسيوس بكلمات التحقير، قائلًا: «أيها الغريب، هل ستبقى حتى الآن وباءً علينا في هذه الساحة، تستجدي أكُف الرجال، ولا تنصرف؟ من الجلي، على ما أعتقد، أننا نحن الاثنَين لن نفترق إلا بعد أن يكيل كل واحدٍ منا اللكمات للآخر؛ فليس تسوُّلُك متزنًا قَط. كما أن ولائم الآخيين ليست في هذا المكان.» قال هذا، غير أن أوديسيوس الكثير الحيل لم يرُدَّ عليه، بل هزَّ رأسه في صمت، منتويًا للشر في أعماق قلبه. فيلويتيوس يتحدث إلى كلٍّ من يومايوس وأوديسوس وإلى هذَين انضم رجلٌ ثالث، هو فيلويتيوس Philoetius قائد البشر، يقود للمغازلين عِجلةً بكرًا ونعاجًا سمينة. أحضر هذه من البلاد، البحَّارة، الذين ينقلون الرجال الآخرين، أيضًا، كل من جاء إليهم، إلى حيث يريدون، فساق الحيوانات وربطَها بعناية تحت الرواق الفسيح، أما هو نفسه فاقترب من راعي الخنازير وسأله، قائلًا: «من هذا الغريب، يا راعي الخنازير، الذي قَدِم حديثًا إلى منزلنا؟ من أي الأقوام يُعلن أنه انحدر؟ أين يُوجد أهلُه وحقولُ وطنه؟ يا له من بائس! ورغم هذا فحقًّا إنه ليشبه في هيئته أميرًا ملكيًّا. ومع ذلك فإن الآلهة تدفع إلى الشقاء رجالًا يتجوَّلون إلى جهاتٍ نائية، كلما حاكوا لهم خيوط الإزعاج، حتى ولو كانوا ملوكًا.» بهذا اقترب من أوديسيوس، ومد إليه يده اليمنى مصافحًا، وتحدَّث إليه بكلماتٍ مجنحة، قائلًا: «مرحبًا بك، أيها السيد الغريب، أتمنى لك حظًّا سعيدًا في المستقبل، رغم كونك الآن غرضًا لكثير من السهام! أبتاه زوس، ما من إلهٍ آخر أكثر منك أذًى، إنك لا تُكِن للبشر أية رحمة عندما أعطيتهم الميلاد بنفسك، بل تدفعهم إلى البؤس والآلام المبرِّحة. لقد تصبَّبتُ عرقًا عندما أبصرتُ هذا الرجل، واغرورقَت عيناي بالدموع إذ تذكَّرتُ أوديسيوس؛ لأنه أيضًا، على ما أعتقد، يلبس مثل هذه الأسمال جائلًا وسط الأقوام، لو أنه حقًّا لا يزال على قيد الحياة ويرى ضوء الشمس. أما إذا كان قد مات وفي بيت هاديس،٤ فالويل لي إذن من أجل أوديسيوس الخالي من اللؤم، الذي أقامني راعيًا على ماشيته، وأنا في ميعة الصبا، في بلاد الكيفالينيين Cephallenians.٥ وقد نمت لك الماشية وكَبرت الآن بصورةٍ تفوق الوصف، ولم يكن في مقدور نسل الماشية العريضة الجباه أن تُعطي زيادةً أكثر٦ للبشَر غير الخالدين، ولكن الأغراب يأمرونني بأن أقودَها لهم الآن ليأكلُوها، غير مكترثين بشيءٍ للابن الموجود في هذا المنزل، كما أنهم لا يخشَون غضب الآلهة، لأنهم يريدون تقسيم ممتلكاتِ سيدنا، الذي طال غيابه، فيما بينهم. أما عني شخصيًّا، فإن قلبي الكائن في صدري يظل يفكِّر في هذا الأمر. إنه شيءٌ شرير جدًّا، بينما الابن على قيد الحياة، أن أنصرف بماشيتي وأذهب بها إلى أرض الأغراب، إلى قومٍ غرباء، بينما هو أكثر سوءًا كذلك، أن أبقى هنا وأُقاسي المِحَن في رَعْي الماشية التي تُعطي لآخرين. حقًّا، لقد كان يليق بي أن أهرب من هنا من مدةٍ طويلة، وأذهَب إلى شخصٍ آخر من الملوك الفخورين؛ إذ أصبحَت الأمور الآن فوقَ ما يحتمل المرء، ولكني بالرغم من ذلك أُفكِّر في ذلك البائس، لو قُيِّض له أن يعود ثانية، ولستُ أدري متى يكون هذا، ويُشتِّت المُغازِلين القابعين في منزله.» الغريب يُدلي بنبوءة عن أوديسيوس عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «أيها الراعي، ما دمتَ لا تبدو كرجلٍ شِرير ولا عديم التفكير، فإنني أرى بنفسي أن لكَ قلبًا مدركًا؛ ومِن ثَمَّ فسأُعلن جهرًا وأُقسِم قَسمًا عظيمًا لأُبرهن على صِدْق قولي. والآن كُن شاهدي يا زوس فوق جميع الآلهة، وهذه المائدة المضيافة، ومِدفأة أوديسيوس النبيل التي جئتُ إليها، إنه حقًّا، مذبحة العُشَّاق، الذين يحكُمون هنا.» فأجابه راعي الماشية بقوله: «آه، أيها الغريب، أتمنَّى أن يُحقِّق ابن كرونوس كلمتكَ هذه! إذن لعرفتَ أي نوعٍ من القوة عندي، وكيف تُطيعني يداي.» وكذلك صلى يومايوس بالطريقة عَينها لجميع الآلهة أن يعود أوديسيوس الحكيم إلى بيته. المغازلون يُدبِّرون الموت لتيليماخوس هكذا أخذ كلٌّ منهم يتحدَّث إلى الآخر، أما العُشَّاق فكانوا في الوقت نفسه يُدبِّرون الموت والحتف لتيليماخوس، ولكنَّ طائرًا جاءهم من على يسارهم، نسرٌ عالي الطيران، يَقبِض بمخالبه على يمامةٍ مرتجفة. وعندئذٍ تكلَّم أمفينوموس وسط حشدَهم، قائلًا: «أصدقائي، لن تسير خطَّتنا هذه حسب ما نبغي، حتى مقتل تيليماخوس. كلا، دعونا نُفكِّر في الوليمة.» ما إن قال أمفينوموس، ذلك، حتى سُرُّوا من كلامه وانشرحَت صدورهم. بعد ذلك، وقد دخلوا بيت أوديسيوس الشبيه بالإله، وضَعوا عباياتهم فوق الكراسي والمقاعد العالية، وشَرع الرجالُ في ذبح الخراف الكبيرة والمعيز السمينة، نعم، والخنازير المسمَّنة، وعِجلة القطيع. وبعد ذلك شَوَوا الأمعاء وقدَّموها، وخلَطوا الخمر في الطاسات، ووزَّع راعي الخنازير الأقداح. وقدَّم لهم فيلويتيوس، قائد البشر، الخبز في سفطٍ جميل، وصَبَّ لهم ميلانثيوس الخمر. وهكذا مدُّوا أيديهم إلى الطعام الشهي الموضوع مُعدًّا أمامهم. تيليماخوس ينتوي الدفاع عن الغريب أما تيليماخوس، فبفكرٍ صائب، جعل أوديسيوس يجلس داخل البهو المكين البناء بجوار العتبة الصخرية. ووضَع له كرسي قدمٍ متواضعًا ونَضدًا صغيرًا. ووضع إلى جواره قطعًا من الأمعاء المشوية، وصب له خمرًا في كأسٍ ذهبية، وقال له: «تفضَّل واجلس ههنا وسط السادة واشرب خمرك، أما سخرية ولطمات المُغازِلين فسأرفعُها عنك، أنا نفسي؛ فليس هذا ملجأً عامًّا، بل هو بيت أوديسيوس، كسبه من أجلي. وأما أنتم، أيها المغازلون، فامنعوا عقولكم من السخرية والضربات، لئلا يَنشَب صراعٌ أو عراك.» المغازلون يعجبون من جرأة تيليماخوس هكذا تكلَّم، فعَضُّوا على شفاههم جميعًا وعجبوا من تليمياخوس إذ كان يتكلم بجرأة، فتحدث أنتينوسن بن يوبايثوس، في وسطهم، قائلًا: «رغم أنه يشُق علينا هذا الأمر، أيها الآخيون، فلنقبل كلمة تيليماخوس، ولو أنه يُهدِّدنا بجرأة بكلامه؛ لأن زوس بن كرونوس، لم يسمح له، وإلا لأخرسناه قبل الآن في الساحات، مهما كان متحدثًا واضح النبرات.» هكذا قال أنتينوس، بيد أن تيليماخوس لم يُعِر كلماته التفاتًا، وفي الوقت نفسه كان الخدم يسوقون خلال المدينة الذبيحة المقدَّسة المكونة من مائة ثورٍ للآلهة، واحتشَد الآخيون الطويلو الشعور معًا تحت كهفٍ ظليل لأبولُّو، الربِّ القوَّاس. وما إن شَوَوا اللحم الخارجي وسحبوه من السفافيد، حتى قسَّموا الأجزاء وأدبوا مأدبةً مجيدة. وإلى جوار أوديسيوس وضع الذين كانوا يخدمون قطعةً مساوية القطع التي أخذوها هم أنفسهم؛ إذ أمر بهذا تيليماخوس، الابن العزيز لأوديسيوس المقدَّس. كتيسيبوس يحاول الاعتداء على الغريب بيد أن أثينا لم تكن لتسمح للمغازلين المتغطرسين بأية حال من الأحوال أن يكُفوا عن الشغْب المرير، حتى يكون الألم عميقًا أكثر وأكثر في قلب أوديسيوس بن لايرتيس، فكان من بين العُشَّاق رجلٌ ذو قلبٍ جُبل على التمرد اسمه كتيسيبوس Ctesippus، يسكن في سامي Same ذلك الذي من فَرْط ثقته بثرائه الواسع، غازل زوجة أوديسيوس، الذي رحل من زمنٍ بعيد، فقام يتحدث الآن وسط المغازلين المتغطرسين، فقال: «استمعوا إليَّ أيها العُشَّاق المزهوُّون، فسأقول لكم شيئًا ما. منذ مدةٍ طويلة تناول الغريب قطعةً مناسبة، كما يتفق؛ لأنه ليس حسنًا ولا من العدل أن نسلب ضيوف تيليماخوس حقَّهم، مهما كانت شخصية الذي جاء إلى هذا المنزل. هيا، تعالَوا، فأنا أيضًا سأمنحه هدية غريب، لكي يُقدِّم هو بدوره هديةً لخادمة الحمام أو لأي فردٍ آخر من العبيد الموجودين في منزل أوديسيوس الشبيه بالإله.» ما إن قال هذا، حتى طوَّح بيده القوية ظلف ثَور، أخذه من السفط الذي كان موضوعًا فيه، ولكن أوديسيوس تحاشاه بانحناءةٍ سريعة من رأسه، وابتسم في قرارة نفسه ابتسامة في غاية الصرامة والمرارة، فأصاب ظلفُ الثور الحائطَ المكين البناء. بعد ذلك أنَّب تيليماخوس كتيسيبوس، بقوله: «يا كتيسيبوس. حقًّا لقد سقط هذا الشيء من صالح نفسك أكثر من غيرك. إنك لم تُصِب الغريب؛ لأنه هو نفسه قد اجتنَب قذيفتك، وإلا لكنتُ قد ضربتُك حقًّا برمحي الحاد في وسط جسمك، وبدلًا من وليمة الزواج كان أبوك قد انشغل بوليمةٍ جنائزية في هذه البلاد؛ ومِن ثَمَّ، حذارِ أن تدع أحدًا، فهكذا أُحذِّرك، أن يُظهر شجاعتَه في منزلي؛ فها أنا ذا الآن أراقب وأفهم كل شيء، الخير والشر، رغم أنني لم أكن فيما مضى إلا صبيًّا. ومع ذلك، فما زلنا نحتمل رؤية هذه الأعمال بيننا، فالخراف تُذبَح، والخمر تُشرب، والخبز يُستهلَك؛ لأنه من العسير على المرء أن يكبح جماح الكثيرين. ومع كلٍّ، فاسمَع مني، إياكَ أن تؤذيني بعد الآن بإضمارك الشر. أما إذا كان في نيتك حتى الآن أن تقتلني أنا نفسي بالسيف، فإنني أُرحِّب بهذا أيضًا؛ فخيرٌ لي أن أموت من أن أرى باستمرارٍ هذه الأعمال المخزية؛ فهؤلاء أغرابٌ تُساء معاملتهم، وأولئك رجالٌ يجرُّون الخادمات بطريقةٍ مخجلة، عَبْر الساحات الجميلة.» أجيلاوس يُناشِد تيليماخوس حَثَّ أمه على الزواج هكذا تكلَّم، وشملهم جميعًا الصمت، وأخيرًا تكلَّم أجيلاوس Agelaus، ابن داماستور Damastor، في وسطهم، فقال: «أيها الأصدقاء، لا يستطيع أحدٌ أن يُجيب على ما قيل بحقٍّ وعدلٍ ويغضب أو يرُد بكلماتٍ جافة. لا تسيئوا القول للغريب أو لأي فردٍ من عبيد منزل أوديسيوس المقدس. أما أنا فسأقول كلمةً رقيقة لتيليماخوس ووالدته، لعلها تحظى بالرضى من عقلَيهما كلَيهما. طالما أن قلبَيْكما الكائنَين في صدرَيْكما يأملان في عودة أوديسيوس الحكيم إلى بيته، ولا تثريب عليكما في كونكما انتظرتما، وأبقيتُما المُغازِلين في ساحاتكما؛ إذ كان هذا أفضل إجراء، لو أن أوديسيوس عاد ورجع إلى منزله، ولكن من الجلي الآن أنه لن يعود بعد ذلك. هلُم، إذن، واجلس بجوار أُمك وأخبرها بأنه يجب عليها أن تتزوج مَن كان خير رجل، ومن يُقدِّم لها أكبر عدد من الهدايا؛ حتى يمكنك أن تتمتَّع بكل ميراثِ آبائكَ في سلام، آكلًا وشاربًا، وحتى يمكنها هي أن تدير منزل رجلٍ آخر.» تيليماخوس لا يعارض زواج بينيلوبي ممن تحبه عندئذٍ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «كلا، يا أجيلاوس، بحق زوس، وبحق محن أبي، الذي مات أو يتجول فيمكان ما بمنأًى من إيثاكا، إنني لا أقف في طريق زواج أمي، بل آمرها بأن تتزوج أي رجلٍ تحبه، وأُقدِّم إلى جانب هذا هدايا تفوق الحصر، ولكني أخجل أن أطردها من الساحة ضد رغبتها وأضغط عليها بالقول. لا سمح الله أن يحدث مثل هذا الأمر.» أثينا تُضفي على المغازلين موجة من الضحك الشديد هكذا تكلَّم تيليماخوس، وأثارت بالاس أثينا الضحك وسط المغازلين، وغشَّت على عقولهم، فراحوا يضحكون ملء أشداقهم بشفاهٍ متباعدة، وتلطَّخ جميع اللحم الذي أكلوه بالدم،٧ واغرورقَت عيونهم بالدموع وشَرعَت أرواحهم تُولوِل. وعندئذٍ تكلَّم وسطهم ثيوكلومينوس Theoclymenus الشبيه بالإله، يقول: «تبًّا لكم، أيها الرجال التعساء، ما هذا الشر الذي تُعانُونه؟ فقد كَفَّن الليل الداجي رءوسَكم ووجوهَكم وأرجُلَكُم من تحتكم. وقد أشعل صوت النحيب، وسَبحَت خدودكم في الدموع، وتضرَّجَت الحوائط وكتل السقف البديعة بالدماء. وملأَت الأشباح المدخل، وعجَّ القصر بالأشباح المسرعة بالهبوط إلى إيريبوس Erebus٨ تحت جنح الظلام، واختفت الشمس من السماء وخيَّم الضباب الشرير فوق كل شيء.» هكذا قال، غير أنهم جميعًا سخروا منه مرحين، وتحدَّث وسطهم يوروماخوس بن بولوبوس، أولًا، فقال: «ما أعظم جنونَ ذلك الغريب الذي جاء حديثًا من بعيد! أسرعوا، أيها الفتيان، بحمله خارج الأبواب ليذهبَ في طريقه إلى مكان الاجتماع، طالما أنه لم يجد الأمر هنا أشبه بالليل.» ثيوكلومينوس يتوجس شرًّا مقبلًا عندئذٍ أجابه ثيوكلومينوس الشبيه بالإله: «يا يوروماخوس لستُ آمرك بحالٍ ما أن تعطيني مَن يهديني إلى الطريق؛ فليست عيناي وأذناي وقدماي وعقلي الكائن في صدري سقيمة التكوين بأية حالٍ من الأحوال. سأنطلق بهذه خارج الأبواب؛ لأنني أرى شرًّا مقبلًا عليكم لا يمكن لأي فردٍ من العُشَّاق أن ينجو منه أو يتحاشاه، أي واحدٍ منكم جميعًا أيها الموجودون في منزل أوديسيوس الشبيه بالإله وتهينون الرجال، وتُدبِّرون حماقةً شريرة.» العُشَّاق يسخرون من تيليماخوس وهو لا يبالي ما إن قال هذا حتى خرج من الساحات الفسيحة وقصد إلى بيرايوس Piraeus، استقبله بقلبٍ رضي. أما سائر العشاق، فنظر بعضهم إلى البعض الآخر، وشرعوا يُثيرون تيليماخوس بالسخرية من ضيوفه. فقال أحد الشبان المتبجحين: «أي تيليماخوس، ما من أحدٍ أسوأ حظًّا في ضيوفه منك؛ إذ أراك تحتفظ بصعلوكٍ قَذرٍ كهذا الرجل الموجود هنا، المتعطش باستمرار إلى الخبز والخمر، مع كونه لا يجيد أعمال السلم ولا أمور الحرب، بل هو عبءٌ ثقيل على الأرض. ومثل ذلك الشخص الآخر الذي وقف يتنبَّأ أيضًا. كلا، فلو أصغيت لي، لكان خيرًا لك بكثير. دعنا نقذف بأولئك الغرباء على ظهر سفينةٍ ذات مقاعد، ونُرسل بهم إلى الصقليين، حيث تنال عنهم ثمنًا مناسبًا.» هكذا تكلَّم المغازلون، غير أنه لم يأبه لكلامهم، بل أخذ يراقب أباه في صمت، في انتظارٍ دائم إلى أن يمُد يدَيه إلى العُشَّاق العديمي الحياء. بينيلوبي تُنصِت إلى العشاق وهم يُولِمون أما بينيلوبي الحكيمة، ابنة إيكاريوس، فوضعت مقعدها الجميل قبالتهم، وأنصتَت إلى كلام كل رجلٍ في الساحة؛ إذ كانوا يُولِمون وسط المرح والضحك، وليمةً لذيذة، تُشبع شهوة القلب؛ لأنهم كانوا قد ذبَحوا كثيرًا من الحيوانات، بيد أنه لم تكن هناك وليمةٌ أفخر من تلك التي سرعان ما ستُقدِّمها أمامهم ربةٌ ورجلٌ قوي؛ إذ كانوا يقترفون أعمالًا مخزية دون أن يثيرهم أحد. ١ ابن ميرويس الميليتي من حورية، وروح هارموثوي، ووالد أيدون وكليوثيرا وميروبي. سرق كلبًا ذهبيًّا للحراسة كان يملكه زوس وأعطاه إلى تانتالوس ليحتفظ به، ولكن هيرميس عثَر على الكلب وعوقب تانتالوس. وفي الوقت ذاته هرب بانداريوس مع زوجته وبناته إلى صقلية حيث عاقبه زوس هو وهارموثوي بالموت. ٢ ربَّات الانتقام. ويُسمَّون أيضًا اليومينيديس. هنَّ بنات جيا من دماء أورانوس وعددهن ثلاث، ويُصوَّرن كعذارى مجنحات لهن شُعور من الثعابين، تُحيط بأجسادهن الأفعوانات ويحملن المشاعل والسياط والمناجل. ٣ ربة إيطالية قديمة للإخصاب والإثمار. وهي عند الإغريق الربة ريا. كانت زوجة ثانورنوس ووالدة جوبيتر. ٤ أي الخفي. ويُسمى أيضًا بلوتو. شقيق زوس وبوسايدون وهيري. عندما ترك لزوس مقالَيد حكم السماء والأرض، ولبوسايدون حكم المياه بأَسْرها، كان العالم السفلي من نصيب هاديس؛ لذلك كان يُنظر إليه كإلهٍ يحكم عالم الأموات مجردًا من الشفقة نحو سائر المخلوقات. ٥ أكبر جزر البحر الأيوني لا يفصلها عن إيثاكا غير ممرٍّ ضيق. ٦ تشير الكلمة الإغريقية إلى الغلال الناضجة. ٧ الفألان المذكوران هنا القائل أحدهما بأن ذلك حدث بتدخل بالاس أثينا — وذلك الذي رُؤي فيما شاهدَه ثيوكلومينوس في رؤيته التنبؤية — قريبا الشبه من الأهازيج والأزجال الشعبية لكثيرٍ من الأقوام التي تدُل على الموت والهلاك. ٨ ابن خاوس ووالد أيثر وهيمبرا من أخته نوكس. يُمثِّل إيريبوس الظلمة وعلى الأخص ظلمة باطن الأرض التي لا يمكن اختراقُها؛ ولذلك يُستخدم اسمه عادةً إشارةً إلى العالم السفلي نفسه. الأوديسة
الأنشودة الحادية والعشرون بينيلوبي تُحضِر قوس أوديسيوس وتُعلِن شرط الزواج منها هكذا أيضًا ثبَّت أوديسيوس الوتَر بدون عَناءٍ في القوس العظيمة. وضعَت الربة أثينا ذات العينَين البَرَّاقتَين، في قلب بينيلوبي الحكيمة، ابنة إيكاريوس، أن تأتي أمام العشاق في ساحات أوديسيوس بالقوس والحديد الرمادي، لتكون بمثابة مباراةٍ وبداية للموت، فصَعِدَت السلَّم العالي إلى مقصورتها، وأمسكَت المفتاح المقوس بيدها القوية؛ المفتاح البرونزي القوي، وكانت له يدٌ من العاج. وذهبَت في طريقها مع خادماتها إلى حجرة الخزين، البعيدة جدًّا، حيث تُوجد كنوز سيدها، من البرونز والذهب والحديد، المشغولة بتعب، فوجدَت هناك القوس المعقوفة الظهر وكنانة السهام. وكان بها سهامٌ كثيرة، محمَّلة بالآلام، وكانت هدايا من صديق قدَّمها لأوديسيوس عندما التقى به ذات يومٍ في لاكيدايمون، هو إيفيتوس Iphitus،١ ابن يوروتوس Eurytus،٢ ذلك الرجل الشبيه بالخالدين. وكان كلاهما قد التقيا، كلٌّ منهما بالآخر في ميسيني Messene٣ في منزل أورتيلوخوس Ortilochus الحكيم. وكان أوديسييوس قد ذهب حقيقةً إلى هناك ليُحصِّل دينًا له عند كافة القوم؛ لأن أهل ميسيني كانوا قد حملوا من إيثاكا في سفنهم ذات المقاعد ثلثمائة خروفٍ ومعها رعاتُها، فرحل أوديسيوس في هذه الرحلة البعيدة ذات يومٍ طلبًا لذلك الدَّين، ولم يكن وقتئذٍ إلا شابًّا فتيًّا، أرسله أبوه والشيوخ الآخرون إلى ذلك المكان القصي. أما إيفيتوس، فقد ذهب يبحث عن أفراسه الاثنتَي عشرة الأصيلة التي فقدَها، ومعها بغالٌ قوية ترضع، ولكنها جلبَت عليه الموت والهلاك بعد ذلك. عندما ذهب إلى ابن زوس القوي القلب، الرجل هرقل،٤ الذي كان ملمًّا تمام الإلمام بأعمال الجرأة؛٥ لأن هرقل قتلَه، رغم أنه كان ضيفه، في بيته، بتهوُّر، ولم يكترث لغضب الآلهة أو للمائدة التي بسطَها أمامه، بل قتل الرجل بعد ذلك، واحتفظ لنفسه بالأفراس المتينة الحوافر في ساحاته. وكان في أثناء مطالبته بهذه أن التقى إيفيتوس بأوديسيوس، وأعطاه القوس التي اعتاد يوروتوس العظيم فيما مضى أن يحملها، ثم تركها عند موته لابنه في بيته الشاهق. أما أوديسيوس فأعطى إيفيتوس سيفًا بتارًا ورمحًا قويًّا، كعربونٍ للصداقة الحبيبة، ومع ذلك فلم يعرف أحدهما الآخر قَط عند المائدة؛ فربما كان ابن زوس قد قتل إيفيتوس بن يوروتوس، قبل ذلك، وهو رجل أشبه بالخالدين، أعطى أوديسيوس القوس. وما كان أوديسيوس العظيم ليصحب معه تلك القوس إذا ما ذهب إلى الحرب، فوق السفن السوداء، بل يتركها في ساحاته بالمنزل كتذكار من صديقٍ عزيز، وحملَها إلى وطنه نفسه. والآن عندما بلغت السيدة الحسناء حجرة الخزين، واجتازت العتبة البلُّوطية، التي سوَّاها النجَّار قديمًا بمهارة وجعلها مستويةً كالخط المستقيم — والتي ثُبِّتتْ فوقها أيضًا قوائم الباب، وركِّبَت فيها أبوابٌ مصقولة — أَسرعَت في الحال فأرخَت سير المزلاج٦ بعد أن حلَّته من المقبض وأدخلَت المفتاح، ودفعَت المزاليج إلى الوراء بإحكام. وكما يخور الثور وهو يرعى في المرج، هكذا أيضًا جأَرت الأبواب البديعة، عندما ضربَت بالمفتاح، وانفتحَت أمامها بسرعة. بعد ذلك خطَت السيدة فوق المصطبة، التي كانت فوقها الصناديق التي خزنَت فيها الملابس الفضفاضة، ومدَّت يدها وتناولَت القوس من هناك من فوق المِشجَب ومعها جرابُها اللامع الذي كان يُحيط بها. ثم جلسَت هناك ووضعَت الجراب فوق ركبتَيها وانتحبَت عاليًا، وهي تُخرِج قوس زوجها. وبعد أن نالت كفايتها من البكاء الدامع، عادت أدراجها إلى الساحة، إلى جماعة المغازلين الأمجاد، تحمل في يديها القوس المعقوفة الظهر والكنانة التي كانت تحفظ السهام، وكان بها سهامٌ عديدة، محمَّلة بالآلام. وإلى جوارها حملَت الوصيفات صندوقًا، كانت فيه كميةٌ كبيرة من الحديد والبرونز، عُدَّة سيدها الحربية. ولمَّا وصلَت الغادة الفاتنة الآن إلى المغازلين، وقفَت بجوار قائم الباب بجانب الحائط القوي البنيان، تضع أمام وجهها خمارها البراق؛ ووقفَت إلى كل جانبٍ من جانبَيها أَمةٌ وفية. وبعد ذلك تحدَّثتْ وسط المغازلين، قائلة: «أصغوا إليَّ، أيها المغازلون المتغطرسون، يا من استغلَلتم هذا المنزل لتأكلوا وتشربوا إلى الأبد بغير نهاية، منذ أن رحل عنه سيده من زمنٍ بعيد، ولم تستطيعوا أن تجدوا ذريعةً تحتجُّون بها، سوى رغبتكم في الزواج مني واتخاذي زوجة. هيا، تعالَوا الآن، أيها المغازلون؛ إذ إن هذه ستكون جائزتكم.٧ سأضع أمامكم أكبر قوسٍ لأوديسيوس المقدس، ومن أمكَنه أن يشُد وتر القوس بيدَيه بمنتهى السهولة، ويُطلِق سهمًا خلال اثنتَي عشرة فأسًا، ذهبتُ معه، وهجرتُ منزل حياتي الزوجية هذا، المنزل البالغ الجمال والحافل بالرزق، الذي، أعتقد، أنني سوف أذكره دائمًا ولو في أحلامي.» أنتينوس يُوبِّخ يومايوس ويُشيد بالقوس ما إن قالت هذا، حتى أمرت يومايوس، راعي الخنازير العظيم، بأن يضع أمام المغازلين القوس والحديد الرمادي. ولمَّا انخرط في البكاء، أخذ يومايوس القوس والحديد ووضعها، وفي مكانٍ آخر بكى الراعي، عندما أبصَر قوس سيده، وعندئذٍ وبَّخهما أنتينوس، وخاطبهما، قائلًا: «يا هذان الغبيان الأحمقان، اللذان لا تفكران إلا في أمور اليوم! أيها التعيسان، لِم تذرفان الدموع الآن، وتُزعجان روح السيدة الكائنة في صدرها، تلك التي يُثقِل الهم قلبها؛ إذ ترى أنها فقدَت زوجها العزيز؟ كلا، اجلسا وأَولِما في صمت، أو اذهبا بعيدًا وانتحبا هناك، واتركا القوس خلفكما هنا كمباراةٍ حاسمة٨ للمغازلين؛ لأنه ليس بالأمر الهيِّن، كما أعتقد، إمكانُ جذب وتَر هذه القوس المصقولة؛ فما من رجلٍ هنا بين كافَّة هؤلاء يشبه أوديسيوس، ولقد أبصرتُه بعينَي رأسي؛ لأنني أتذكَّره، رغم أنني لم أكن وقتذاكَ إلا طفلًا.» هكذا تكلَّم، ولكن قلبه في صدره كان يأمل في أن يستطيع شدَّ وتَر القوس ويُطلِق سهما خلال الحديد، غير أنه مع ذلك كان أوَّل من ذاق طعمَ سهمٍ من يدَي أوديسيوس المجيد، الذي كان وهو جالس وقتئذٍ في البهو لا يُبجِّله، ويُحمِّس سائر زملائه. تيليماخوس يحاول جذب القوس ثم يتراجع بعدئذٍ تكلَّم وسطهم تيليماخوس القوي العتيد، فقال: «ويحي الآن! لقد جعلني زوس بن كرونوس، عديم الذكاء حقيقة؛ فها هي ذي أمي العزيزة، بكل ما هي عليه من الحكمة، تُعلِن أنها ستتبع سيدًا آخر، وتهجُر هذا المنزل، ولكن بالرغم من ذلك أضحك، وأبتهج لغباوتي. هلُموا، إذن، أيها المغازلون، طالما يبدو أن في هذا جائزتكم، سيدة، لا شبيه لها الآن في بلاد الآخيين، لا في بولوس Pylos المقدسة، ولا في أرجوس Argos، ولا في موكيني Mycene،٩ ولا حتى في إيثاكا نفسها، ولا على ظهر اليابسة القاتمة. كلا، وإنكم أنفسكم تعرفون هذا — فما حاجة بي إذن لإطراء محاسن والدتي! هيَّا، تعالَوا الآن، لا تُحجموا عن هذا الأمر منتحلين الأعذار، ولا تَحيدوا طويلًا بعد الآن عن جذب القوس، لكي نرى النتيجة. نعم، وسأُحاول أنا شخصيًّا شد تلك القوس. فلو جذبتُ وترها وأطلقتُ سهمًا خلال الحديد، فلن يغيظني إذن أن تَهجُر أمي المبجَّلة هذا المنزل وتذهب مع رجلٍ آخر، طالما ستتركني هنا قادرًا على استعمال عُدة أبي الحربية العظيمة.» بهذا ألقى العباية الأرجوانية عن ظهره، ووثب منتصبًا، كما خلع سيفه الحاد عن كتفَية، ثم بدأ بإقامة الفئوس، بعد أن حفَر خندقًا، خندقًا واحدًا طويلًا لجميعها، وجعله في خط مستقيم، وشرع يدوس فوق التربة حولها. وتملَّكَت الدهشة من سائر الذين شاهدوه؛ إذ وضعها في ترتيبٍ رائع، رغم أنه لم يسبق أن رآها من قبلُ إطلاقًا. بعد ذلك ابتعد ووقف عند العتبة، وبدأ يُعجِم عود القوس. ثلاث مراتٍ جعلها ترتَجفُ في شوقه إلى جذبها، وثلاث مراتٍ يتخلى عن مجهوده، رغم أن قلبه كان يتحرق لهفةً إلى جذب وتَر القوس وإطلاق سهمٍ خلال الحديد. وأخيرًا كاد يشُد الوتر بقوته؛ إذ إنه في المرة الرابعة اعتزم على أن يجذب الوتر. لولا أن أوديسيوس هَزَّ رأسه علامةً على عدم الموافقة وإثنائه عما تحمَّس له. وبعد ذلك تحدَّث إليهم تيليماخوس القوي العتيد من جديد، فقال: «ويحي، ما أجبنَني وأضعفَني، حتى في أيامي المقبلة! أم ذلك لأنني لا بد صغيرٌ جدًّا، ولا ثقة لي في قوتي للدفاع عن نفسي ضد رجل، عندما يُثير أحدهم الغضب بدون داعٍ. هلُموا، تعالوا الآن، يا من أنتم أقوى مني، حاوِلوا استعمال القوس، حتى نُنهي المباراة.» ما إن قال هذا حتى تخلى عن القوس ووضَعها فوق الأرض، وأسنَدَها إلى الباب المصقول، ذي المفصَّلات، وبالقرب منها أسنَد السهم السريع على طَرف القوس الجميلة، ثم عاد فجلس على المقعد الذي كان قد نهَض منه. بعد ذلك تكلَّم أنتينوس بن يوبايثيس وسطهم. فقال: «فلننهض جميعًا، واحدًا واحدًا، بالترتيب من اليسار إلى اليمين، بادئين من المكان الذي يصُب فيه الخمر حاملُ الكأس.» لايوديس يعجز عن شد القوس هكذا قال أنتينوس، فسُر الجميع من كلامه، فنهض أولًا لايوديس Leiodes، ابن أوينوبس Oenops، الذي كان عرَّافَهم، وكان يجلس دائمًا بجوار طاسِ مزج الخمر الجميل في أقصى مكانٍ من الساحة، وكان هو وحده الذي يمقُت أعمال الحماقة الطائشة، وكان يحتقر سائر المغازلين. لقد كان هذا أول من تناول القوس والسهم السريع وقتذاك، وذهب ووقف فوق العتبة، وأخذ يُحاول بالقوس، بيد أنه لم يستطع تثبيت الوتَر فيها؛ فربما أنهك التعب يدَيه قبل أن يشُد الوتَر، فتَعبَت تلك اليدان الرقيقتان اللتان لم تتعبا قَط، وعندئذٍ تكلَّم وسط المغازلين قائلًا: «أيها الأصدقاء، لستُ أنا بالشخص الذي يستطيع تثبيت الوتر؛ فليتناول القوس رجلٌ آخر، فستسلب هذه القوسُ أمراءَ كثيرين أرواحهم وحياتهم؛ إذ من الأفضل حقًّا أن يموت المرء، بدلًا من أن يحيا ويفشل في ذلك الذي من أجله نحتشِد نحن هنا، منتظرين تَحْدونا الآمال يومًا بعد يوم. والآن، يأمل كثيرٌ من الرجال في قلوبهم ويتَحرَّقون شوقًا إلى الزواج من بينيلوبي، زوجة أوديسيوس، غير أنه ما إن يحاول عَجْم عود هذه القوس، ويرى النتيجة، حتى يُفضِّل أن يغازل سيدةً أخرى من نساء الآخيين ذوات الثياب الجميلة، باعثًا إليها بهداياه لكي يفوز بها. وبعد ذلك تتزوج بينيلوبي من ذلك الرجل الذي يُقدِّم لها هدايا أكثر من غيره، ذلك الذي سيُحدِّده القدَر سيدًا لها.» أنتينوس يسخر من لايوديس هكذا تكلَّم، وتخلى عن القوس، وأسندَها إلى الباب اللامع ذي المفصلات، وإلى جوارها أسند السهم السريع على طَرفِ القوس الجميلة، ثم ذهب بعد ذلك وجلس على المقعد الذي نهض منه. غير أن أنتينوس أنَّبه، وخاطبه بقوله: «أي لايوديس، ما هذه العبارة التي أفلتَت من بين صفَّي أسنانك، عبارةٌ مفزعة ومحزنة. لقد أثارت الغضب في نفسي إذ سمعتها، إذا كانت هذه القوس سوف تسلبُ الأمراء أرواحهم وحياتهم حقًّا؛ لأنك لم تستطع تثبيت الوتَر فيها؛ وعلى ذلك، اسمح لي أن أقول لك إن أمك المبجلة لم تُنجبْك بالقوة التي تُؤهِّلكَ لجذب القوس وإطلاق السهام، أما غيرك من المغازلين الأمجاد فسرعان ما سيُثبِّتون الوتَر فيها.» ميلانثيوس يعالج القوس بالنار والدهن هكذا تكلَّم، واستدعى إليه ميلانثيوس، راعي الخنازير، وقال له: «هيا، أشعل الآن نارًا في الساحة يا ميلانثيوس، وضع بجوارها مقعدًا ضخمًا فوقه فروةٌ من الصوف، وأَحضِر بسرعة كتلةً كبيرة من الدهن حتى يمكننا نحن الشبان أن نُدفئ القوس، ونَطْليها بالدهن، وبذلك نُجرب عجم عودها؛ ونُنهي المباراة.» ما إن قال هذا، حتى أسرع ميلانثيوس في الحال فأشعل النار التي لا تكِل ولا تمَل، وأحضرها ووضع بجانبها مقعدًا كبيرًا فوقه فروةٌ من الصوف، كما أحضر كتلة كبيرة من الدهن كانت بالداخل. فأدفأ بها الشبان القوس وجرَّبوها، بيد أنهم لم يستطيعوا أن يُثبِّتوا فيها الوتر؛ إذ كانت تُعوِزهم القوة أيما إعواز. الغريب يطلب من الراعيَين تحديد موقفهما من أوديسيوس كان أنتينوس لا يزال مُصرًّا وكذلك يوروماخوس الشبيه بالإله، اللذان كانا زعيمَي المغازلين، وكانا أعظمهم جميعًا في الجرأة؛ وعند ذلك خرج كلٌّ من الراعي وراعي خنازير أوديسيوس المقدس من الساحة؛ خرجا فخرج وراءهما أوديسيوس نفسه من المنزل، فلما صاروا بعيدًا عن الأبواب والساحة، تحدَّث إليهما، وخاطبهما بكلماتٍ رقيقة، قائلًا: «أيها الراعي، وكذلك أنت يا راعي الخنازير، أتسمحان لي بأن أقول لكما شيئًا أم أحتفظ به في قرارة نفسي؟ كلا، إن روحي تأمُرني بأن أُفضي به «أي نوعٍ من الرجال ستكونان في الدفاع عن أوديسيوس، إذا جاء فجأة من مكانٍ ما، وأعاده أحد الآلهة؟ هل تُقدِّمان المعونة للمغازلين أم تهُبَّان لنصرة أوديسيوس؟ تكلَّما صراحةً كما يأمركما قلباكما وروحاكما».» عندئذٍ أجابه راعي الماشية، وقال: «أبتاه زوس، ليتكَ تُحقِّق هذه الأمنية! لتكن مشيئتُكَ أن يعود ذلك الرجل، وأن يُرشده إلى طريقه ربٌّ ما؛ عندئذٍ ستعرف أي لون من القوة أَمتلكها، وكيف تطيعني يداي.» وكذلك تضرَّع يومايوس إلى جميع الآلهة أن يعود أوديسيوس الحكيم إلى بيته. الغريب يكشف للراعيَين حقيقةَ شخصيته فلمَّا وَثِق تمامًا وتأكَّد من وفاء هذَين، أجابهما وتكلَّم إليهما ثانية، بقوله: «ها أنا ذا الآن أمامكما حقًّا في بيتي، أنا بنفسي. بعد مشاقَّ عديدةٍ محزنة قد جئتُ في العام العشرين إلى وطني. وإني لعلى يقينٍ من أنكما وحدكما، دون سائر عبيدي، مشتاقان إلى عودتي، أما الآخرون، فلم أسمع من أي واحدٍ منهم صلاةً بأن أعود ثانيةً إلى منزلي؛ وعلى ذلك سأقول لكما الحقيقة كما ستكون. إذا أخضع الرب لي المغازلين الأمجاد، أحضرتُ لكل واحدٍ منكما زوجة وأعطيتكما ممتلكات ومنزلًا مبنيًّا بالقرب من منزلي، وبعد ذلك ستكونان كلاكما في عيني صديقيَّ وأَخوَي تيليماخوس. ولزيادة التأكُّد من صدق قولي، سأريكما أيضًا علامة لا تخطئ كي تعرفاني جيدًا وتتأكَّدا في قلبيكما، أثَر الجرح الذي أصابني به منذ زمنٍ بعيد خنزيرٌ بري بنابه الأبيض، عندما صَعِدتُ إلى بارناسوس مع أبناء أوتولوكوس.» الراعيان يُرحِّبان بأوديسيوس بالأحضان والقبلات ما إن قال هذا حتى أزاح الأسمال البالية عن أثَر الجرح الكبير، فلما رآه كلاهما، وأبصرا كل شيء تمامًا، طوَّقا أوديسيوس الحكيم بسواعدهما، وبكيا، وقبَّلا رأسه وكتفَيه في ترحيبٍ محبَّب. وكذلك قبَّل أوديسيوس رأسَيْهما وأَيديَهما. والآن كاد ضوء الشمس يغيب وهما لا يزالان يبكيان، لولا أن أوديسيوس نفسه، نهَرهما بقوله: «كُفَّا الآن عن البكاء والعويل، خشية أن يخرج أحدٌ ما من الساحة ويرانا، فيطلع على جلية الأمر أيضًا، فادخلا إلى المنزل واحدًا بعد آخر، ولا تدخلا معًا، أنا أولًا، ثم أنتما من بعدي، ولتكن هذه علامةً بيننا. أما جميع الباقين، بقَدْر ما هنالك من المغازلين الأمجاد، فلن يتحملوا عبء القوس ورعدَتَها إذا ما أُعطيَت لي، ولكن هل لك، يا يومايوس العظيم، أن تحمل القوس عَبْر الساحات، وتضعها في يدي، وتأمر النساء بأن يُغلِقن أبواب ساحتهن المحكمة الإغلاق. وإذا سَمِعَت أية واحدةٍ منهن أنين الرجال أو صخبهم داخل حوائطنا، فلا تخرج أية واحدةٍ إلى الخارج، بل يبقَين حيث هُن في صمتٍ مُنكبَّاتٍ على أعمالهن. أما أنت يا فيلويتيوس، فأضع على كاهلك أن تُغلِق باب الساحة بمزلاج، وتُسرِع بربطه بحبل.» ما إن قال هذا حتى دخل البيت المنيف، وذهب وجلس فوق المقعد الذي كان قد نهض من فوقه، ثم دخل بعد ذلك عبدا أوديسيوس المقدس أيضًا. يوروماخوس يفشل أيضًا في شد القوس كان يوروماخوس وقتئذٍ ممسكًا بالقوس في يده، ويُسخِّنها فوق لهب النار على هذا الجانب وذاك، بيد أنه بالرغم من ذلك لم يستطع تثبيت الوتَر فيها، فتأوَّه في قلبه النبيل، وفي سَوْرة غضبه، خاطبهم قائلًا: «تبًّا لي! الحق أنني حزينٌ على نفسي وعليكم جميعًا. لا أبكي هكذا بشدةٍ من أجل الزواج بأية حالٍ من الأحوال، رغم اكتئابي؛ لأن هناك سيداتٍ أخريات عديدات من الآخيات، بعضُهن في إيثاكا نفسها التي يُحيط بها البحر، وبعضُهن الآخر في مدنٍ أخرى، وإنما يُبكيني أننا حقًّا أقل قوة من أوديسيوس الشبيه بالإله؛ إذ أرى أنه لن يكون بمقدورنا أن نُثبِّت الوتَر في القوس. هذا تعنيفٌ لأولئك الرجال الذين ما زلنا سنسمع عنهم.» أنتينوس يُهوِّن الامر على يوروماخوس ويرجئ شد القوس إلى الغد بعدئذٍ أجابه أنتينوس بن يوبايثيس، قائلًا: «لن يكون الأمر هكذا، يا يوروماخوس، وإنك لتعرف هذا من تلقاء نفسك أيضًا؛ فاليوم عيد الرب١٠ في شتى أنحاء البلاد، وهو عيدٌ مقدس. إذن فمن يستطيع أن يَحني قوسًا؟ كلا، ضعها جانبًا في هدوء؛ أما الفئوس، فماذا لو تركناها جميعًا في مكانها كما هي؟ فما من أحد، كما أعتقد، سيأتي إلى ساحة أوديسيوس بن لايرتيس، ويحملها من مكانها. كلا، تعالَ، دَعْ حامل الطاس يصُب نقطًا كسكيبة في الكئوس، حتى يكون في مقدورنا أن نصُب السكائب، أما القوس المعقوفة فضعها جانبًا. وإذا ما أصبح الصباح فمُر ملانثيوس، راعي المعيز، أن يُحضِر من العنزات، خيرَ ما في جميع القطعان، كي نستطيع أن نضع قِطع الفِخاذ فوق مذبح أبولُّو، القوَّاس المشهور، ثم بعد ذلك نُعجم عُود تلك القوس، ونُنهي المباراة …» هكذا قال أنتينوس، وأدخلَت كلِمتُه السرور عليهم. وبعد ذلك صَب الخدم الماء على أيديهم، وملأ الشبان الطاسات حتى حافاتها، وقدَّموا الشراب للجميع، فصَبوا أولًا بعض نُقطٍ في الكئوس لأجل السكيبة. وبعد أن سكبوا السكائب، وشربوا ما شاء لقلوبهم أن تشرب، تكلم أوديسيوس الواسع الحيلة، وسطهم بضميرٍ خبيث، فقال: «أصغوا إليَّ، يا مُغازِلي الملكة المجيدة، كي أقول ما يُوحيه إلى القلب الكائن في صدري. إنني أتوسَّل إلى يوروماخوس أكثر من الجميع، وإلى أنتينوس الشبيه بالإله؛ إذ إن تلك الكلمة التي التي قالها لَهي عين الصواب، أعني أنكم تكُفُّون الآن عن محاولة عَجم عُود القوس، ونترك النتيجة مع الآلهة، وفي الصباح يُعطي الرب النصر لمن يشاء، ولكن هيا، أَعطُوني القَوس المصقولة، كي أستطيع اختيار يدي وقُوَّتي وسطكم، لأعرف ما إذا كانت قُوَّتي السابقة لم تزل في أطرافي الغضَّة، أم قد حطَّمها الآن، تجوالي وافتقاري إلى الطعام.» أنتينوس ينهَر الغريب بكلامٍ شديد القسوة ما إن قال هذا، حتى استشاطوا جميعًا بالغيظ البالغ، خشية أن يكون في مُكنَته تثبيت الوتر في القوس المصقول. ونهَره أنتينوس، بقوله: «ويحك، أيها الغريب الحقير؛ فليس عندك ذرةٌ واحدة من الذكاء. ألستَ قانعًا بأن تُولِم في جمعنا المتغطرس دون أن يُزعجك أحد، ولا تفتقر إلى شيء من الوليمة، وتسمع كلامنا وحديثنا، بينما لا يحظى بسماعه أي غريبٍ أو شحَّاذٍ آخر؟ إنها الخمر التي تلعب بك، الخمر التي في حلاوة العسل، التي تُسيء إلى الآخرين أيضًا، إذا ما احتسى المرء منها جرعاتٍ كبيرة، ويشرب أكثر من القدر اللازم. إنها الخمر كذلك التي جعلَت القنطور، يوروتيون Eurytion١١ المجيد، أحمق، في ساحة بايريثوس Peirithous١٢ العظيم القلب، عندما ذهب إلى لابيثاي Lapithae،١٣ فلمَّا لَعِبَت الخمر بقلبه، اقترف شرًّا في جنونه بمنزل بايريثوس. بعد ذلك غضب الأبطال، فقفزوا وأخرجوه بعيدًا من البوابة، بعد أن قطَعوا أُذنَيه وجدَعوا مِنخارَيه بالبرونز العديم الرحمة، وبعد أن سخر منه، ذهب في طريقه، يحمل معه لعنة إثمه بسبب حماقة قلبه؛ لذلك نَشِب العراك بين القنطاور والبشر، ولكنه أنزل الشر بنفسه أولًا؛ إذ كان مثقلًا بالخمر. هكذا أيضًا أُحذِّركَ من أذًى بالغٍ يصيبك، إذا استطعتُ تركيب الوتر في القوس؛ إذ عندئذٍ ستلتقي بيدَي أي واحدٍ في بلادنا بغير رحمة، ونُرسِلُك فورًا في سفينةٍ سوداء إلى الملك إيخيتوس Echetus، الذي يُشوِّه كافَّة البشر، ذلك الذي لن تُفلِت من بين يدَيه حيًّا بأية حالٍ من الأحوال. كلا، إذن، فلتَلزم السكون، ولتَشربْ خمرك، ولا تُصارِع رجالًا يصغرونك سنًّا.» بينيلوبي لا تمانع في أن يُجرِّب الغريب حظَّه عندئذٍ قالت بينيلوبي الحكيمة: «يا أنتينوس، ليس من الجميل ولا من العدل أن تسلبَ ضيوف تيليماخوس حقوقَهم، مهما كان ذلك الذي يأتي إلى هذا البيت. ألا تعتقد أنه إذا استطاع هذا الغريب أن يُثبِّت الوتَر في قوس أوديسيوس العظيم، قادَني إلى بيته واتخذَني زوجته؟ كلا، إنه شخصيًّا، كما أعتقد، لا يفكِّر في هذا الأمل في صدره؛ وعلى هذا الاعتبار، لا يجلسن أحدكُم هنا حزينًا في قلبه على مائدة الطعام؛ فحقًّا، إن ذلك لا يليق إطلاقًا.» فأجابها يوروماخوس بن بولوبوس، بقوله: «يا ابنة إيكاريوس، بينيلوبي الحكيمة، ليس هذا لأننا نعتقد أن الرجل سيقودُكِ إلى بيته — فإن هذا لا يليق حقًّا — بل لأننا نخشى أقاويل الرجال والنساء، لئلا يقول شخصٌ وضيع ما فيما بعدُ وسط الآخيين: «لا شك أنهم رجالٌ في غاية الضعف، أولئك الذين يُغازِلون زوجة الرجل النبيل، ولا يستطيعون أن يُثبِّتوا الوتَر في قوسه المصقولة، ولكنَّ شحاذًا آخر، جاء متجولًا، أمكَنه أن يُركِّب الوتَر في القوس؛ وأحكَم الإصابة وسط الحديد.» هكذا سيقول الناس، ويكون لنا توبيخًا.» بينيلوبي تَعِد الغريب بمكافأة لو نجح فردَّت عليه بينيلوبي الحكيمة ثانية، فقالت: «يا بوروماخوس، لا يمكن أن يحظى مَن يستهلكون أموال أمير ولا يحترمون منزله بسمعةٍ طيبة في البلاد، فلماذا، إذن تجعل من هذا الأمر١٤ توبيخًا؟ إن هذا الغريب فارع الطول وقوي البنية، ويقول عن نفسه إنه أنجب ابنًا لأبٍ عظيم. كلا، هيا، أعطِه القوسَ المصقولةَ لنرى؛ لأنني أقولُ لكَ بصراحة، ولا بد أن أُنفِّذ كلمتي، إذا أمكَنه تثبيت الوتر في القوس، ومَنحَه أبولُّو المجد، فسأكسوه عباءة وجلبابًا، من الثياب الجميلة، وأُعطيه مزرافًا حادًّا يُبعِد به الكلاب والناس، وسيفًا ذا حدَّين، وأهبه صندلًا يلبسه في قدمَيه، وأبعث به إلى أي مكانٍ يأمر قلبه وروحه أن يذهب إليه.» تيليماخوس يعلن أنه وحده السيد الموقف عندئذٍ خاطبها تيليماخوس الحكيم، قائلًا: «أماه، أما القوس، فلا أحد من الآخيين له الحق في التحكُّم فيها أكثر مني؛ فأنا الذي أعطيها أو أحرمها من أشاء — كلا، ولا أي فرد ممن يسيطرون على إيثاكا الصخرية، أو على الجزر تجاه إليس Elis مرعى الخيول. لا أحد من بين هؤلاء يستطيع أن يمنعَني من تنفيذ إرادتي ضد رغبتي، حتى ولو رغبتُ في أن أعطي هذه القوس في الحال للغريب ليأخذها معه، فهل لك أن تذهبي إلى مقصورتك، وتَشغَلي نفسك بأعمالك الخاصة، المنوال والفرناس، وتأمري وصيفاتك بأن ينهمكن في أعمالهن؟ فستكون القوس للرجال جميعًا، ولكن قبل أي فردٍ ستكون لي؛ إذ إن لي السيادة في هذا المنزل.» عَجبَت بينيلوبي من كلام ابنها، فقفلَت راجعة إلى مقصورتها؛ لأنها وضعَت في قلبها كلام ابنها الحكيم، فصَعِدتْ إلى مقصورتها العليا مع وصيفاتها، وبعد ذلك أخذَت تبكي أوديسيوس، زوجها العزيز، إلى أن ألقت أثينا ذات العينَين النجلاوَيْن النوم اللذيذ فوق جفنَيها. راعي الخنازير يحمل القوس إلى الغريب والآن كان راعي الخنازير العظيم قد تناول القوس المعقوفة وحملها، بيد أن كافة المغازلين صاحوا في الساحات، فتحدَّث إليه أحد الشبان المتعجرفين، وخاطبه بقوله: «إلى أين بربك، تحمل القوس المعقوفة، يا راعي الخنازير الحقير، أيها الرجل الشارد الفكر؟ سرعان ما ستبتلعُك الكلابُ — وأنت بمفردك وبعيدًا عن الناس — الكلابُ التي ربَّيتَها أنت نفسك، إذا كان أبولو كريمًا معنا، وكذا الآلهة الآخرون الخالدون.» هكذا كانوا يتكلَّمون، فوضع الراعي القوس، وهو يحملها، في نفس ذلك المكان الذي رفعها منه، وقد تملَّكَه الذعر لأن رجالًا عديدين كانوا يصيحون عاليًا في الساحات. بيد أن تيليماخوس صاح من الجانب الآخر يُهدِّده، فقال: «احمل القوس، يا أبتاه — سرعان ما سوف تندم إذا ما اهتمَمتَ بصياح هذا الجمع — خشية، أن أجُرَّك إلى الحقل، ولو أنني أصغرُ منك، وأرجمكَ بالحجارة؛ لأنني أفوقك قوة. وكم كنتُ أتمنى أن أتفوَّق في القوة وشدة البأس على جميع هؤلاء المغازلين الموجودين بمنزلنا! إذن لأمكنني أن أطرد الكثيرين بسرعةٍ من منزلنا ليذهبوا إلى حال سبيلهم في حالةٍ يُرثى لها؛ لأنهم يُدبِّرون الشرور.» ما إن أتَمَّ حديثه ذاك، حتى ضحك جميع المغازلين وسخروا منه مرحين، وهكذا خفَّفوا من حدة غضبهم ضد تيليماخوس. ومع كلٍّ فقد حمل راعي الخنازير القوس عَبْر الساحة، وتوجَّه إلى أوديسيوس الحكيم، ووضعَها بين يدَيه. بعد ذلك استدعى الراعي المربية يوروكليا، وقال لها: «إن تيليماخوس يأمرك، أيتها القافلة يوروكليا، أن تقفلي أبواب الساحة المحكمة الإغلاق، وإذا سمِعَت أي واحدةٍ من النساء في الداخل تأوُّهات أو ضجيجَ الرجال داخل ساحاتنا، فلا تسمحي لهن بالانطلاق إلى الخارج مُسرعات، بل يجب أن يبقَيْن حيث هن في سكونٍ منهمكاتٍ في أعمالهن.» هكذا قال لها، بيد أنها لم تنطق بكلمةٍ واحدة، وأقفلَت أبواب الساحات الرائعة. قوة الغريب ومهارته تُثيران دهشة المغازلين أما فيلويتيوس فانطلَق في سكونٍ خارج المنزل، وأسرع بإغلاق بوابات الفِناء المُسوَّر جيدًا. وكان هناك وقتئذٍ أسفل الرواق قاعُ سفينةٍ مقوس، مصنوع من الخشب الفينيقي، فأحكم به إغلاق البوابات، ثم ذهب هو نفسه بعد ذلك إلى الداخل. وجلس فوق المقعد الذي كان قد نهض منه، وثبَّت بصره على أوديسيوس، وكان وقتئذٍ يحمل القوس في يدَيه، يُقلِّبها في يدَيه إلى هذا الجانب وذاك ويُعجم عودها في هذا الاتجاه وذلك، خشية أن تكون الديدان قد أصابَت أطرافها، إبَّان غياب سيدها؛ وعلى ذلك كان كل واحدٍ من المغازلين ينظر إليه ويتحدَّث إلى جاره قائلًا: «حقًّا، إن له عينًا فاحصة، كما أنه وغدٌ مكَّار ذلك الذي يُمسِك القوس. ربما كان لديه أمثال هذه الأقواس محفوظة هناك في بيته، أو ربما كان يُزمِع أن يصنع واحدة؛ إذ أراه يُقلِّبها هكذا في هذا الاتجاه وفي ذاك بين يدَيه، ذلك المتسول ذو الأسمال البالية.» كذلك كان يقول شابٌّ آخر من الشبان المتغطرسين: «ليتَ هذا الرجل يجد فائدةً في مثل هذا الإجراء، فيُبرهِن على مقدرته في تركيب الوتَر بهذه القوس.» المغازلون في فزع بينما أوديسيوس وولده في فرح هكذا كان يقول المغازلون، بيد أن أوديسيوس الواسع الحيلة، ما إن رفع القوس الضخمة ووزنها من كل جانب — شأنه شأن الرجل البالغ المهارة في العزف على القيثارة والغناء عندما يشُد الوتر بسهولة حول مفتاحٍ جديد ويُثبِّت كلًّا من طرفَي وتَر أمعاء الخراف المبروم — هكذا أيضًا ثبَّت أوديسيوس الوتر بدون عَناءٍ في القوس العظيمة، ثم رفعه في يده اليمنى، وعجَم عُود الوتَر، الذي أصدر نغْمةً عذبة عندما لمسَه، كما لو كان عصفور الجنة يُغرِّد. أما المغازلون فاكتأبوا اكتئابًا بالغًا، وامتُقعَت وجوههم، وأرعَد زوس عاليًا، معلنًا دلائله. وعندئذٍ ابتهج قلب أوديسيوس العظيم، الكثير التحمل، من أن ابن كرونوس ذا المشورة الملتوية قد أرسل إليه فألًا، فالتقط سهمًا سريعًا، كان موضوعًا عاريًا إلى جواره فوق المائدة، بينما كانت السهام الأخرى مكدَّسةً بداخل الكنانة الواسعة، تلك السهام التي كان على الآخيين أن يتذوَّقوا طعمها سريعًا، فتَناوَل أوديسيوس هذا السهم، ووضعَه في سُرَّة القوس، ومن فوق الكرسي الذي كان يجلس عليه جذب وتَر القوس والسهم المشحوذ، وتَركَ السهم يطير بإصابةٍ محكمة، ولم يخطئ طرف يدٍ واحدة من أيدي الفئوس، بل انطلق السهم داخلها وخرج من النهاية الأخرى محملًا بالبرونز، ثم تحدث إلى تيليماخوس، قائلًا: «أي تيليماخوس، إن الغريب الجالس في ساحاتك لا يجلب عليك العار، ولم أُخطئ الهدف بأية حال، ولم أبذل جهدًا طويلًا في تثبيت الوتَر في القوس؛ وما زالت قوتي سليمة — وليست كما يسخر مني المغازلون. أما الآن فقد آن أوان إعداد العشاء للآخيين، بينما لا يزال النور موجودًا، وبعدَ ذلك يجب أن تُقام مباراةٌ أخرى بالغناء والقيثارة؛ لأن مثل هذه الأشياء مما يصاحب الوليمة.» قال هذا، وأشار بحاجبَيه، فإذا بتيليماخوس، الابن العزيز لأوديسيوس المقدس، يتمنطق بسيفه البتار، ويُمسِك برمحه في قبضته، ويُسرع بالوقوف إلى جوار الكرسي بجانب أبيه، مسلحًا بالبرونز البَرَّاق. ١ ابن يوروتوس من أويخاليا Oechalia وشقيق إبولي. ورث قوس يوروتوس الشهيرة وأعطاها لأوديسيوس الذي قتل بها المتقدمين للزواج من بينيلوبي. وقد قتله هرقل عندما هاجم البطل يوروتوس بمجرد أن رفض إعطاءه إيبولي، أو كما تقول رواية أخرى، عندما كان يبحث إيفيتوس عن بعض الخيول المفقودة جاء إلى هرقل على أنه اللص. ٢ ملك أويخاليا، ابن مينيلاوس ووالد إبولي وإيفيتوس. علَّم بوروتوس القذف بالسهم تحت إشراف أبولُّو وصار من المهارة بمكان حتى إنه تحدى الإله في مبارزة، فأغضب ذلك أبولُّو فأماته قبل أوانه. ٣ بلد في البيلوبونيسوس. ٤ ابن زوس وألكمينا وزوج أمفيتريون الطيبي. لما علمَت هيري بخيانة زوس بدأت. اضطهاداتها في الحال، «أجَّلَت ميلاد الصبي وبعد أن وُلِد ببضعة شهور أرسلَت ثعبانَين إلى مهده ليقتلاه، فخنق الطفلُ الثعبانَين بيديه … ٥ ويُفسِّرها آخرون بأنه كان شريكًا في أعمالٍ وحشية. ٦ كان بداخل الباب من الخلف قضيبٌ أو مزلاجٌ مربوط بسيرٍ من الجلد. وكان هذا السير يمُر من ثقب الباب، فعندما يُغلق الباب من الخارج، كان ذلك السير كأداةٍ تسحب المزلاج لتضعه في مكانه الذي يقفل الباب من الداخل؛ ثم يُربط السير إلى خطَّاف أو مقبض خارج الباب. ولفتح الباب من الخارج كان يُحل السير أولًا، ثم يُدفع المزلاج بالمفتاح إلى الخلف، الذي ربما كان يوافق فتحاتِ المزلاج تمامًا، ومن هذا استُعمل المصطلح «بتصويبٍ محكم» أو «بإحكام». ٧ تعني نفسها، وليس القوس. ٨ يترجمها آخرون «مروعة» أو «مفزعة». ٩ مدينة قديمة في أرجولس، على بعد تسعة أميال من تيرونس Tiryns شُيدَت على ما يُعتقد في العصور القديمة لحماية الطرق التجارية إلى الخليج الكورينثي. ١٠ عبد أبولُّو، الرب القوَّاس. ١١ القنطور الذي حاول أن يمسك بالعروس في حفلة زواج بايريثوس، فنَشِب بذلك القتال بين القنطوري واللابيثاي. ١٢ ابن ديا من زوس، وملك اللابيثاي … لمَّا تقابل هو وتيسيوس في القتال، أُعجب كلٌّ منهما بالآخر إعجابًا شديدًا حتى إنهما طرحا ما كان بينهما من عداء جانبًا وأقسما يمين الصداقة الأبدية. ١٣ شعبٌ خرافي في تساليا. وقد شَن القنطوري ضدهم حربًا وهزموهم مُدَّعين أن لهم نصيبًا في مملكتهم. ودعا بايريثوس ملك اللابيثاي إبَّان وقت السلم الذي تلا ذلك، القنطوري إلى حفلة زواجه من هيبوداميا. غير أن القنطوري حاولوا خطف العروس وبعض النساء الأخريات وهم سكارى فنَشِب نزاعٌ خطير كان النصر فيه حليف اللابيثاي. ١٤ أي أن الغريب يُجرِّب حظه بالقوس. الأوديسة
الأنشودة الثانية والعشرون أوديسيوس يبُثُّ الذعر وسط المغازلين خلع أوديسيوس الكثير الحيل عنه أسماله البالية وقفز إلى عتبة الباب العظيمة ومعه القوس والجعبة مملوءة بالسهام، ونثَر السهام السريعة أمام أقدامه تمامًا وتحدَّث وسط المغازلين، قائلًا: «يا للعجب! لقد انتهت هذه المباراة الحاسمة أخيرًا. والآن، سأُجرِّب لأعرف١ ما إذا كنتُ أستطيع إصابة هدفٍ آخر، لم يَعتوِرْه أي رجلٍ آخر من قبل، ولتمنحني المجد يا أبولُّو.» قذَف أوديسيوس، الحكيم الداهية، وجماعته رماحهم الحادَّة. قال هذا وسدَّد سهمًا مريرًا نحو أنتينوس. وكان هذا الآن على وشك أن يرفع إلى شفتَيه كأسًا بديعة، كأسًا من الذهب ذات مقبضَين، وكان يحملها وقتئذٍ في يده، لكي يحتسي الخمر، ولم يكن الردى يطرأ على مُخيِّلته، فمَن من أولئك الرجال الذين كانوا جالسين يتناولون اللحم، كان يتصوَّر أن رجلًا واحدًا وسط كثيرين، مهما أُوتي من القوة، يمكن أن يجلب على نفسه الموت الشرير والحتْف الأسود؟ ولكن أوديسيوس سدَّد إصابته، وضربه بسهمٍ في حَلْقه، وإذا بطرف السهم ينفُذ خلال العنق الرقيق تمامًا، فترنَّح إلى جانب، وسقطَت الكأس من يده عندما أصابه السهم. وفي الحالة تصاعدَت إلى مِنخرَيه كتلٌ سميكة من الدم البشري، ولِتوِّه أبعد المائدة عنه بركلةٍ من قدمه، فانتثر كل الطعام فوق الأرض، وتلطَّخ الخبز واللحم المشوي. بعد ذلك دب الهَرْج والمَرْج بين المغازلين في شتى أنحاء الساحات، وأبصَروا الرجل مجندلًا، فوثَبوا من فوق مقاعدهم العالية، يُهروِلون في الساحة مرتاعين ملتاعين، يُحملِقون في كل مكانٍ بطول الحوائط المكينة البنيان. بيد أنه لم يكن هناك في أي مكانٍ أي درعٍ أو رمحٍ قوي يمكنهم أن يتسلَّحوا به، ولكنهم أمطروا أوديسيوس سيلًا من الشتائم،٢ قائلين: «أيها الغريب، إلى حتفك تسعى بالتصويب نحو الرجال؛ فلن تشترك قَط ثانيةً في مبارياتٍ أخرى؛ فها هو ذا هلاكك الشامل يتحقَّق الآن. نعم، لأنكَ قتلتَ الآن رجلًا يفوق كثيرًا سائر الشباب في إيثاكا؛ وعلى ذلك فسوف تنهَش جوارحُ الطير جسمكَ هنا.» أوديسيوس يتوعَّد المغازلين بالموت الزؤام هكذا قال٣ كلُّ رجل؛ لأنه خُيِّل إليهم أنه حقًّا لم يقتل الرجل متعمدًا، وفي حماقتهم، لم يُدرِكوا أن حبال الهلاك قد ثُبِّتَت بإحكامٍ عليهم هم أنفسهم جميعًا. بعدئذٍ قطَّب أوديسيوس الكثير الحيل حاجبَيه وبنظرةٍ غاضبة ردَّ عليهم، بقوله: «أيها الكلاب، لقد حسبتم أنني لن أعود أبدًا من بلاد طروادة إلى منزلي؛ لأنني أراكم قد خرَّبتُم بيتي، واضطَجعتُم مع الوصيفات عَنْوة، وبينما أنا ما زلت على قيد الحياة، رحتُم تُغازِلون زوجتي خلسة، دون خوفٍ من الآلهة الذين يحتلُّون السماء الفسيحة، أو احترامٍ للبشر، الآتين إلى هنا من بعد. والآن، قد ثُبِّتَت عليكم جميعًا حبال الهلاك.» يوروماخوس يَستدِرُّ عطف أوديسيوس ما إن قال هذا، حتى استولى٤ عليهم جميعًا الخوف الشاحب، فأخذ كل رجلٍ يتطلَّع حوالَيه علَّه يجد مهربًا من الهلاك الشامل، ولكن يوروماخوس وحدَه ردَّ عليه، قائلًا: «إذا كنتَ أنت أوديسيوس إيثاكا حقيقة، وقد عُدتَ إلى منزلك ثانية، إذن فهذا الذي تقولُه هو عين كافة ما فعله الآخيون — كثيرًا من أعمال الحماقة الطائشة في ساحاتك وكثيرًا منها في حقولك. بيد أن الملوم على كل هذا، يرقُد الآن ميتًا، إنه أنتينوس؛ فهو الذي تسبَّب في هذه الأعمال، لا بدافع الرغبة في الزواج أو الحاجة إليه، بل لغرضٍ آخر كان يسعى إليه، ولم يُحقِّقه له ابن كرونوس؛ ذلك أنه كان يُريد أن ينصب نفسه ملكًا على أرض إيثاكا الآهلة بالسكان، وكان يرغب في أن يكمُن لابنك ويقتُله، فها هو ذا الآن مُلقًى صريعًا، جزاءً وفاقًا، ولكن هل لك أن تُبقي على الآخرين الذين هم أتباعك؟ وبعد ذلك سنطوفُ البلاد ونأتي لك بتعويضٍ مقابل جميع ما شُرب وأُكل في ساحاتك، ويُحضِر لكَ كل رجلٍ تعويضًا يوازي قيمة عشرين ثورًا، ويُسدِّد لك بالبرونز والذهب إلى أن يرضى قلبك، ولكن حتى هذا الحين لا يمكن لأي فردٍ أن يلومك على غضبك.» أوديسيوس يتوعَّد المغازلين جميعًا بالموت عندئذٍ نظر إليه أوديسيوس الواسع الحيلة نظرة غضبٍ من أسفل حاجبَيه، وقال له: «كلا، يا يوروماخوس، حتى ولو أعطيتَني كافَّة ما ترك لك آباؤك، تعويضًا لي، جميع ما تمتلكه الآن، وتضيف إليه ثروةً أخرى من أي مكانٍ تستطيع الحصول عليها منه، ولا حتى هكذا يُمكنني أن أكُفَّ يدي عن القتل إلى أن يدفع المغازلون ثَمن جميع اعتداءاتهم كاملًا. وليس أمامكم الآن إلا أن تقاتلوا في قتالٍ سافر، أو تُولُّوا الأدبار هاربين، إذا استطاع أي رجلٍ أن يتحاشى المنية والحتوف، غير أن كثيرين، حسبما أعتقد، لن يهربوا من الهلاك الشامل.» يوروماخوس يناشد المغازلين مهاجمة أوديسيوس هكذا تكلَّم، وإذا برُكَبهِم ترتخي حيث كانوا واقفين، وذابت قلوبهم؛ وتحدَّث يوروماخوس في وسطهم من جديدٍ مرةً أخرى، فقال: «أصدقائي، بما أنكم تَرونَ أن هذا الرجل لن يكُف يدَيه اللتَين لا يمكن قهرهما، وبما أنه يمسك الآن بالقوس المصقولة وجعبة السهام، فإنه سيظل يُطلِق من العتبة الناعمة إلى أن يصرعنا جميعًا، هلموا بنا، نُفكِّر في النزال. استلُّوا سيوفكم، وضَعوا الموائد أمامكم وقايةً لكم من السهام التي تجلب الموت السريع، ولننقَضَّ عليه جميعًا كتلةً واحدة، عسى أن نستطيع زحزحته من العتبة والبوابة، فينطلق خلال المدينة، وبذا يزول الخطر بسرعة. وهكذا يكون هذا الرجل قد أطلق سريعًا آخر طلقةٍ له.» يوروماخوس يلقى حتفه ما إن قال هذا حتى استل سيفه الحاد المصنوع من البرونز، السيف ذا الحدَّين، وقفز نحو أوديسيوس بصيحةٍ مفزعة، وفي نفس ذلك الوقت كان أوديسيوس العظيم قد أطلق في الفضاء سهمًا، فأصابه في صدره بجانب حلمةِ ثديه، وثبت النصل السريع في كبده، فترك يوروماخوس السيف يسقط من يده على الأرض، وإذ انحنى فوق المائدة مال وسقط، وأوقع على الأرض الطعامَ والكأسَ ذات المقبضَين، ثم راح يضرب الأرض بحاجبه من فَرْط عذاب روحه، وصار يرفُس بكلتا قدمَيه ويهزُّ المقاعد، ثم إذا بغمامةٍ من الضباب تغشى عينَيه. تيليماخوس يقتل أمفينوموس بعد ذلك انقَضَّ أمفينوموس على أوديسيوس المجيد، بسرعة، شاهرًا سيفه الحاد، أملًا في أن يخرج أوديسيوس أمامه من الباب، ولكن تيليماخوس كان أسرع منه؛ إذ عاجله بضربةٍ من الخلف برمحه البرونزي الطرف فيما بين كتفَيه، ودفعَه خلال صدره، فسقط بهدَّة، وضرب الأرض بعرض جبينه. أما تيليماخوس فقفز إلى الوراء، تاركًا الرمح الطويل حيث هو، في ظهر أمفينوموس؛ لأنه كان يخشى إذا حاول سحب الرمح الطويل، أن يهجم عليه أحد الآخيين، ويطعنه بسيفه، أو يُسدِّد نحوه ضربة وهو ينحني على الجثة؛ ومِن ثَمَّ، جرى بسرعة نحو أبيه العزيز، وما إن وقف إلى جانبه حتى خاطبة بكلماتٍ حماسية٥ قائلًا: «سأُحضِر لك، يا أبتاه، ترسًا ورمحَين وخوذةً من البرونز الخالص، تُثبَّت جيدًا بالجبين، وبعد أن أعود ثانية أسلِّح نفسي، كما أنني سأُعطي عُدةً حربية كذلك لراعي الخنازير ولذلك الراعي؛ لأنه من الخير لنا أن نلبس العُدَد الحربية.» تيليماخوس يُحضر ترسًا ورمحًا لأوديسيوس عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أسرع، وأحضرها، بينما لا يزال عندي رماحٌ أذود بها عن نفسي، خشية أن يدفعوني من الباب، وأنا هكذا وحدي.» ما إن قال هذا، حتى صدع تليمياخوس بأمر أبيه العزيز، وانطلق في طريقه إلى حجرة الخزين حيث كانت الأسلحة المجيدة مخزونة، فتناول من هناك أربعة تروسٍ وثمانية رماحٍ وأربع خوذاتٍ من البرونز، ذات رياشٍ سميكة من شعر الخيول، وحملها، وبسرعةٍ هُرِع إلى أبيه العزيز. وعندئذٍ تَمنطَق هو أولًا بالبرونز حول جسده، وكذلك لبس العبدان حُلتَين حربيتَين جميلَتين ثم وقفا على جانبَي أوديسيوس، ذلك الرجل الحكيم الداهية. المُغازِلون يتساقطون أمام سهام أوديسيوس أما هو، فطالما كانت لديه سهامٌ يدافع بها عن نفسه؛ فقد استمر يُطلِق، ويُجندل المغازلين واحدًا بعد آخر في منزله، وراحوا يسقطون بكثرة وبسرعة. حتى إذا ما نَفِدَت السهام من الأمير، وهو يُطلِق، أسنَد القوس إلى قائم باب الساحة المكينة البنيان وتركها مستندةً إلى حائط المدخل المتألِّق. أما هو شخصيًّا، فقد وضع حول كتفَيه درعًا ذاتَ أربعِ طبقات، ولَبِس فوق رأسه العتيد خوذةً مكينة الصنع ذات ريشةٍ من شَعر الخيل، كانت تهتز بشدة فوق رأسه، كما تناول رمحَين متينَين، مُدبَّبَين بالبرونز. المغازلون في حَيْرة من أمرهم ولمَّا كان هناك في الحائط القوي البنيان بابٌ سري٦ مُعيَّن مُرتفِع، وكان في أعلى منسوب عتبة الساحة المكينة البنيان طريقٌ يؤدي إلى ممَر، وكانت تُغلقه أبوابٌ محكمة الإقفال، فقد أمر أوديسيوس راعي الخنازير العظيم بمراقبة هذا الباب الخلفي، متخذًا وقفتَه إلى جواره؛ لأنه كان هناك طريقٌ واحد للوصول إليه؛ عندئذٍ تكلم أجيلاوس وسط المغازلين. وأعلن كلمته للجميع، فقال: «أصدقائي، ألا يصعدُ أحدكم إلى الباب السري، ويُخبر الناس، حتى يمكن لمثل هذا الإزعاج أن يزول بسرعة؟ وعندئذٍ يكون هذا الرجل قد ضرب بسرعةٍ ضربتَه الأخيرة.» عندئذٍ ردَّ عليه ميلانثيوس، راعي المعيز، بقوله: «لا يمكن هذا يا أجيلاوس، يا ربيب زوس؛ لأن باب القلعة الجميل قريب جدًّا، كما أن فتحة الممر وَعْرة. إن في مكنة رجلٍ واحد أن يسُد الطريق أمام الجميع، إذا كان جريئًا، ولكن تعالَ، دَعْني أُحضِر لك من حجرة الخزين أسلحةً ترتديها؛ لأنها في الداخل، كما أعتقد، فلم يضعها أوديسيوس وابنه المجيد في أي مكانٍ آخر.» المغازلون يحصلون على تروس ورماح ما إن قال هذا، حتى صعد ميلانثيوس، راعي المعيز، درجات سُلَّم٧ الساحة إلى مخازن أوديسيوس، فأخذ منها اثنَي عشر ترسًا، وعددًا كبيرًا من الرماح، وأكبر عددٍ ممكن من الخوذات البرونزية ذات الرياش السميكة من شَعر الخيول، وعاد في طريقه، وأسرع فأحضرها وأعطاها للمغازلين؛ عندئذٍ ارتخت رُكبَتا أوديسيوس وذاب قلبه، عندما أبصرهم مُتدثِّرين بالحُلل الحربية ويُلوِّحون برماحٍ طويلة في أيديهم، وبدت المهمة شاقَّةً أمامه، فخاطب تيليماخوس بكلماتٍ حماسية،٨ قائلًا: «لا شك أن إحدى النساء في الساحات تُثير ضدَّنا معركةً شريرة، أو ربما كان هو ميلانثيوس.» عندئذٍ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «إنني أنا نفسي الذي أخطأتُ في هذا، يا أبتاه، ولا ينصَبُّ اللوم على أحدٍ غيري؛ لأنني تركتُ باب حجرة الخزين المُحكَم الإغلاق مفتوحًا، وكان رقيبهم خيرًا مني. والآن اذهب، أيها العظيم يومايوس، وأغلق باب حجرة الخزين، وتأكَّد مما إذا كانت هي إحدى النساء التي فعلَت هذا، أم هو ميلانثيوس بن دوليوس، كما أتوقَّع.» أوديسيوس يأمر بحبس ميلانثيوس الخائن هكذا تحدَّث كل واحدٍ منهما إلى الآخر، ولكن ميلانثيوس، راعي المعيز، ذهب ثانيةً إلى حجرة الخزين لكي يُحضِر حُلَّةً حربية جميلة، فلمحه راعي الخنازير، وفي الحال تحدَّث إلى أوديسيوس الذي كان قريبًا منه، قائلًا: «يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، أَيْ أوديسيوس الواسع الحيلة، ها هو ذا ثانيةً ذلك الشخص الموبوء، الذي كنا نشُك فيه نحن أنفسنا، ذاهب إلى حجرة الخزين، فهل لك أن تُخبرني ماذا أفعل حقيقة، أأقتُله، لو أثبتُّ أنني أفضل منه، أم أُحضره إليك هنا، كي يلقى هذا الرجل جزاء الجرائم العديدة التي اقترفَها في منزلك؟» فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «سنحتفظ أنا وتيليماخوس حقًّا بالمغازلين الأمجاد في داخل البهو، مهما بلغوا من القوة، أما أنتما فهل لكما أن تشُدا وثاق قدمَيه إلى الخلف وذراعَيه إلى أعلى، وتُلقيا به في حجرة الخزين، وتربطا خلف ظهره ألواحًا؛ وتربطاه بحبلٍ مجدول، وترفعاه إلى فوق في العمود الطويل، إلى أن يصل إلى قرب ألواح السقف، كي يظل حيًّا مدةً طويلة، ويُعاني عذابًا مؤلمًا؟» ما إن قال هذا، حتى أطاعا أمره في الحال، فانطلقا إلى حجرة الخزين، دون أن يراهما وقد كان بداخلها. لقد كان في الحقيقة يبحث عن حُلةٍ حربية في أقصى أنحاء حجرة الخزين، فكمَن له الاثنان ينتظرانه، واقفَين على جانبَي قائمَي الباب. وما كاد ميلانثيوس، راعي المعيز، يجتاز عتبة الباب، حاملًا في إحدى يدَيه خوذةً طيبة، وفي الأخرى ترسًا عريضًا عتيقًا، مخططًا بالصدأ — ترس السيد لايرتيس، الذي كان يحمله وهو في ريعان شبابه ولكنه كان الآن متروكًا جانبًا مهملًا، وكانت سيور أحزمته محلولة — عندئذٍ انقضَّا عليه، كلاهما، وأمسكا به، وجذباه من شعره، وألقياه فوق الأرض في هلعٍ شديد، وأحكما شَدَّ وثاق قدمَيه ويدَيه بقيودٍ عنيفة، رابطَين إيَّاها بإحكامٍ وراء ظهره، كما أمرهما ابن لايرتيس، الكثير التحمل، أوديسيوس العظيم، وربطا جسمه بحبلٍ مفتول، ورفعاه عاليًا فوق عمودٍ طويل، إلى أن أوصلاه إلى قرب ألواح السقف. وعندئذٍ سخر منه، يومايوس راعي الخنازير، قائلًا: «الآن حقًّا، يا ميلانثيوس، ستبقى الليل بطولة ساهرًا، راقدًا فوق فراشٍ وثير، كما يليق بك، ولن يفوتك أن تنتظر مجيء الفجر الباكر، الذهبي العرش، بمجرد مجيئه من مجاري أوقيانوس، في الوقت الذي اعتدتَ أن تقود فيه عنزاتك للمغازلين، لكي يُعِدُّوا الوليمة في الساحات.» أثينا تظهر لأوديسيوس في صورة مينتور هكذا تُرك هناك، ممددًا في القيد الأليم، أما الاثنان فارتدَيا حُلَّتَيهما الحربيتَين، وأغلقا الباب اللامع، وذهبا إلى أوديسيوس، الحكيم الداهية، فوقفا هناك، يتنفَّسان بحماس، فكان أولئك الواقفون عند العتبة أربعةً ليس غير، بينما كان الذين بداخل القاعة كثيرين شجعانًا. وعندئذٍ اقتربت منهم أثينا ابنة زوس، في صورة مينتور شكلًا وصوتًا، فرآها أوديسيوس، وابتهج، وتكلَّم، قائلًا: «أبعد الخراب، يا مينتور، وتذكُرني، يا صديقي العزيز، أنا الذي طالما صادقتُك؟ إنك في نفس عمري.» هكذا تكلَّم، معتقدًا أنها أثينا، مثيرة الجيوش. أما المغازلون في الجانب الآخر فراحوا يصيحون في الساحة بصوتٍ مرتفع، وفي البدء زجر أجيلاوس، ابن داماستور Damastor، أثينا، قائلًا: «أي مينتور، لا يخدعنَّك أوديسيوس بكلامه لتقاتل ضد المغازلين وتساعده هو نفسه؛ فبهذه الطريقة، على ما أعتقد، سوف تُثير إرادتنا؛ فبعد أن نقتل هذَين الرجلَين، الأب وابنه، سنقتُلكَ أنتَ أيضًا معهم، فلو أزمعتَ القيام بمثل هذه الأعمال في الساحات، لدفعتَ الثمن برأسك. ومتى جرَّدناك من قوَّتكَ بحد السيف، أضفنا جميع الممتلكات التي في حوزتك داخل الأبواب وفي الحقول إلى ممتلكات أوديسيوس، ولن نسمح لأبنائك أو لبناتك بالإقامة في ساحاتك، كما أن زوجتك المخلصة لن تحظى بطيب العيش في مدينة إيثاكا.» أثينا تلوم أوديسيوس وتثير حميته هكذا تكلَّم، فأثارت أثينا حماس أوديسيوس، وأغضبَت قلبه، ونهَرتْه بكلماتٍ مثيرة، قائلة: «أي أوديسيوس، لقد فارقَتْك قُوَّتك الثابتة وشجاعتك، اللتان كانتا لك يومَ أن قاتلت من أجل هيلين العالية المولد، ذات الساعدَين الناصعَي البياض لمدة تسع سنوات دون انقطاع ضد الطرواديين، وقتلتَ عددًا كبيرًا من الرجال في صراعٍ مرير، وبمشورتك سقطَت مدينة بريام٩ الفسيحة الطرقات، فكيف يحدُث الآن، وقد عُدتَ إلى بيتك وممتلكاتك، أن تنكمش باكيًا بدلًا من أن تقوم بدور الرجال، ضد المغازلين؟ كلا، أيها الصديق، هلُم إليَّ هنا، وقِف بجانبي وشاهِد أعمالي، لكي تعرف أي نوعٍ من الرجال هو مينتور بن ألكيموس، وكيف يردُّ الجميل وسط الأعداء.» هكذا تكلَّمتْ، ولكنها لم تمنَحْه قوةً شاملة ليُحوِّل مجرى المعركة، بل رغبَت في عَجمِ عود قوة وجرأة أوديسيوس وابنه المجيد. وأما فيما يتعلَّق بها هي نفسها، فإنها طارت عاليًا إلى سقف الساحة المملوءة بالدخان. وجلسَت هناك في هيئة عصفور الجنة، وراحت تُشاهد المعركة. أجيلاوس يأمر المغازلين بالهجوم عندئذٍ حُث المغازلون بواسطة أجيلاوس بن داماستور، وبواسطة يورونوموس Eәrynomus، وأمفيميدون Amphimedon، وديموبتوليموس Demoptolemus، وبايساندر Peisander، ابن بلوكتور Polyctor وبولوبوس Polybus الحكيم؛ إذ كان هؤلاء أعظم جرأة من سائر المغازلين الذين كانوا على قيد الحياة وقتذاكَ يقاتلون من أجل أرواحهم. أما الباقون فقد جندلَتهم القوس والسهام السريعة السقوط فافترشوا الأرض. بيد أن أجيلاوس تكلَّم وسطهم، وأعلن كلمته للجميع. قائلًا: «أيها الأصدقاء، سوف يُوقِف هذا الرجل يدَيه اللتَين لا تُقهران أخيرًا. تبًّا له، لقد انصرف عنه مينتور، دون أن يعمل شيئًا غير كلمات الفخر الجوفاء، وها هم أولاء قد تُرِكوا وحدهم عند الأبواب الخارجية؛ وعلى ذلك لا تقذفوا الآن جميع رماحكم الطويلة نحوهم دفعةً واحدة، بل هلُموا، أنتم الستة أولًا فاقذفوا عسى أن يمنحكم زوس إصابة أوديسيوس، وأن نفوز نحن بالمجد. أما الباقون فلا أهمية لهم، إذا ما سقط هذا.» ما إن قال هذا القول، حتى قذفوا جميعًا رماحهم، كما أمرهم، في حماس. بيد أن أثينا أحبطَت عملهم، فأصاب واحدٌ منهم قائم باب الساحة المكينة البنيان، وأصاب غيره الباب المحكم الإغلاق، أما الرمح الدرداري، المثقَل بالبرونز، لرجلٍ آخر، فأصاب الحائط. وبعد أن تحاشَوا رماح المغازلين، تكلَّم أوديسيوس العظيم الكثير التحمل وسطهم أولًا، فقال: «أصدقائي، أرجو الآن أن نقذف نحن رماحنا إلى عصبة المغازلين، الذين أبَوْا إلا قتلنا، بالإضافة إلى آثامهم السابقة.» أوديسيوس وأعوانه يتمنَّونها حربًا شعواء قال هذا، فإذا بهم جميعًا يُطلِقون رماحهم الحادة بإصابةٍ محكمة، فأصاب أوديسيوس ديموبتوليموس، وتليمياخوس يورياديس Euryades، وراعي الخنازير إلاتوس Elatus، بينما انبرى راعي الماشية فقتَل بايساندر، وهكذا ضرب هؤلاء جميعًا الأرض بأسنانهم في لحظةٍ واحدة، فانسحَب المُغازِلون إلى أقصى نقطةٍ داخل الساحة الفسيحة. أما الآخرون فوثَبوا إلى الأمام وجذَبوا رماحهم من جُثث الموتى. أثينا تُخذِّل المغازلين وتُناصِر أوديسيوس ورفاقه بعد ذلك عاد المغازلون فرمَوا رماحهم الحادة في حماس، وعادت أثينا فجلَّلتْ مسعاهم بالفشل، رغم كثرة رماحهم التي قذفوها، فأصاب رجلٌ منهم قائم باب الساحة القوية البنيان، وأصاب آخرُ البابَ المحكم الإغلاق، بينما أصاب الرمح الدرداري، المثقل بالبرونز، لرجلٍ آخر، الجدار، ولكن أمفيميدون أصاب تيليماخوس في رسغ يده، ضربةً خادشة، فمزَّق البرونز سطح الجلد. أما كتيسيبوس فخدَش برمحه الطويل كتف يومايوس أعلى ذراعه، بيد أن الرمح انطلَق إلى فوق وسقط على الأرض. وفي تلك الآونة قذف أوديسيوس، الحكيم الداهية، وجماعته رماحهم الحادة مرةً أخرى وسط حشد المغازلين، ومن جديد جندل أوديسيوس، سالب المدن، ثانيةً يوروداماس، وصرع تيليماخوس أمفيميدون، وأصاب راعي الخنازير يولوبوس، وبعد ذلك أطلَق راعي الماشية رمحًا فأصاب كتيسيبوس في صدره، وزها فوقَه، قائلًا: «يا ابن بولوثيرسيس Polytherses، يا محب السباب، إياك بعد الآن أن تملأ شدقَيك فخرًا، مستسلمًا لحماقتك، بل دَع الأمر للآلهة، أولئك الذين هم أقوى منك بكثير. هذه جائزة ترحيبك الأخير بأوديسيوس الشبيه بالإله؛ إذ أعطيتَه ركلةً عندما دار يستجدي الأكُف خلال المنزل.» أثينا تبُثُّ الذعر في قلوب المغازلين هكذا تحدَّث راعي الماشية الملساء، ولكن أوديسيوس جرح ابن داماستور في قتالٍ قريب بطعنة من رمحه الطويل، وجرح تيليماخوس لايوكريتوس Leiocritus، ابن إيفينور Evenor، بطعنةِ رمحٍ نجلاء في منطقةٍ حقْويه، وغيَّب البرونز تمامًا في داخله، فسقَط لتوِّه يضرب الأرض بجبينه كله؛ عندئذٍ حملَت أثينا ترسها، جلَّاب الخراب على البشر، عاليًا من السقف، فدَب الذعر في نفوس المغازلين، وأطلقوا العِنان لأقدامهم فرارًا خلال الساحات، كأنهم قطيعٌ من الأبقار انقضَّت عليه الذبابة اللاسعة فدفعَتْه أمامها في فصل الربيع، عندما تُقبل الأيام الطوال. أو أشبه بجوارح الطير ذات المخالب المعقوفة والمناقير المقوَّسة التي تهبط من الجبال وتَنْقَض على صغار العصافير، الحائمة في السهل، في طيرانٍ منخفض تحت السحب، فتَنْقَض عليها الطيور الجارحة وتقتُلها، وهي لا تجد أمامها سبيلًا للدفاع أو للفِرار، ويبتهج الناس بمنظر المطاردة؛ هكذا أيضًا كان أولئك الآخرون عندما هجَموا على المغازلين وأعمَلوا فيهم التقتيل ذاتَ الشمال وذاتَ اليمين في شتى أنحاء الساحة. وكان يرتفع من هناك أنينٌ مخيف كلما ضُربَت الرءوس، وسَبحَت الأرض في الدماء. لايوديس يتوسل إلى أوديسيوس أن يرحمه عندئذٍ اندفَع لايوديس Leiodes إلى الأمام وأمسك برُكبتَي أوديسيوس، وراح يتوسَّل إليه، وكلمه بعباراتٍ رقيقة،١٠ فقال: «أتوسَّل إليك بركبتَيك، يا أوديسيوس، عسى أن تحترمني وتُشفِق عليَّ؛ لأنني أُعلن لكَ أنني لم أتقدَّم بأذًى قط إلى أيٍّ من النساء في ساحاتك سواء بكلمة أو بعمل طائش. كلا، بل كنتُ أسعى إلى كبح جماح المغازلين الآخرين، كلما هَمَّ أحدهم بإتيان مثل هذه الأعمال. غير أنهم لم يكترثوا لقولي فيمنعوا أيديَهم من الشر، وعلى ذلك لاقَوا حتفهم قاسيًا بسبب حماقتهم الطائشة. ومع ذلك فإنني، لستُ إلا عرَّافًا بينهم، لم أقترف إثمًا، وسأُقتل مثلهم تمامًا. إذن فلا شكر حقيقةً في الأيام المقبلة على القيام بصالح الأعمال.» أوديسيوس يقتل لايودوس بلا رحمة عند ذلك نظر إليه أوديسيوس الواسع الحيلة بنظرةٍ غاضبة من تحت حاجبَيه وردَّ عليه، بقوله: «إذا كنتَ حقًّا عرَّافًا وسط أولئك الرجال، كما تُعلن عن نفسك، فأعتقد، أنك كثيرًا ما صليت في الساحات لتُبعِد عني نتيجة العودة السارَّة، وأن تذهَب معك زوجتي العزيزة وتُنجبَ منك أطفالًا؛ ومن ثم فلن تنجو من الموت المحزن.» قال هذا وتناول بيده القوية سيفًا كان ملقًى بقُربه، كان قد تركه أجيلاس يسقط من يده إلى الأرض أثناء مصرعه، فهوى بهذا وضربه فوق عنقه. وبينما كان لا يزال يتكلم، تخبَّط رأسه في الثرى. فيميوس يطلب من أوديسيوس أن يرحمه في تلك الآونة كان ابن تيربيس Terpes، المنشد، لا يزال يبحث عن مهرب من المنية السوداء، إنه فيميوس، الذي أرغمه المغازلون على أن يُنشِد بالقوة وسطهم. فوقف بقيثارته الصافية الألحان في يدَيه بالقرب من الباب السري، حائرًا لا يدري ماذا يفعل، أيزحف من الساحة ويجلس بجانب مذبح زوس العظيم، الحسن البناء، مذبح رب القاعة، حيث كان لايرتيس وأوديسيوس قد أحرقا كثيرًا من فِخاذ الثيران، أم يندفع إلى الأمام ويُمسِك برُكبتَي أوديسيوس متوسلًا. وبينما هو في حيرته تلك إذ هداه تفكيره إلى وسيلةٍ أفضل، وهي أن يُمسِك ركبتَي أوديسيوس بن لايرتيس؛ ومِن ثَمَّ وضع قيثارته الجوفاء على الأرض بين طاس المزج والمقعد المطعَّم بالفضة، وانطلق هو نفسه فأمسك أوديسيوس من ركبتَيه، وشرع يتوسَّل إليه، متحدثًا إليه بكلماتٍ رقيقة،١١ قائلًا: «أتوسل إليك بركبتيك، يا أوديسيوس، راجيًا أن تحترمَني وترحمَني؛ فلو قتلتَ المُنشِد، لحل عليك الأسفُ فيما بعدُ، أنا الذي يُنشِد للآلهة والبشر. لقد علَّمتُ نفسي بنفسي، وبثَّ الرب في قلبي جميع صنوف الأغاني، وإنه لجدير بي أن أُنشِد لك إنشادي لأحد الآلهة، وعلى ذلك لا تتلهَّف إلى ضَربِ عنقي. كلا، ولسوف يكون تيليماخوس، ابنك العزيز، شاهدًا كذلك على هذا، كيف أنني اعتدتُ المجيء إلى منزلك، ليس بدافع أية رغبةٍ أو إرادةٍ مني، لكي أُغني للمغازلين في ولائمهم، ولكنهم؛ إذ كانوا أقوى مني وأعتى، كانوا يسوقونني إلى هنا كرهًا.» تيليماخوس يطلب من أبيه ألا يقتل فيميوس وميدون هكذا تكلَّم، وسمعه تيليماخوس القوي العتيد، فأسرع يقول لأبيه الذي كان قريبًا منه: «أوقف يدك، ولا تجرح هذا الرجل البريء بالسيف. نعم، ولنُنقِذ كذلك الرسول، ميدون، الذي كان يهتم بي دائمًا في منزلنا، عندما كنتُ طفلًا، إلا إذا كان فيلويتيوس قد قتله صُدفة، أو راعي الخنازير، أو أنه جاء في طريقك وأنت ثائرٌ في أنحاء المنزل.» هكذا قال، وسمعه ميدون، الحكيم القلب؛ لأنه كان مختبئًا تحت أحد المقاعد، يلفُّ نفسه في جلد ثورٍ، مسلوخٍ حديثًا، محاولًا اجتناب حتفه الأسود، فنهض في الحال من أسفل الكرسي وخلَع عنه جلد الثور، وجرى مسرعًا وأمسك بركبتَي تيليماخوس، وراح يتوسَّل إليه، وخاطبه بعبارةٍ رقيقة،١٢ قائلًا: «أيها الصديق، ها أنا ذا آتٍ إليك، كُف يدك، واطلب من أبيك أن يكُف يده، خوفًا من أن يؤذيني بالبرونز الحاد وهو في عنفوان قوته غاضبًا من المغازلين، الذين بدَّدوا ممتلكاته في الساحات، وفي حماقتهم لم يُظهِروا لك فرض التبجيل إطلاقًا.» أوديسيوس يستجيب لنداء ولده بيد أن أوديسيوس الكثير الحيل ابتسم، وقال له: «فلتنعم بالًا؛ إذ قد أعتقَك وخلَّصكَ، كي تعرف في قلبك وتقول لغيرك أيضًا، إن عمل الخير لأفضل بكثيرٍ من عمل السوء. وإنما يجب أن تخرج من الساحات وتجلس في الخارج في القاعة بعيدًا عن المجزرة، أنت ومنشد الأغاني الكثيرة، إلى أن أنتهي من سائر الأعمال التي يجب أن أقوم بها في المنزل.» هكذا تكلَّم، فانطلق الاثنان خارجَين بعيدًا عن الساحة وجلسا بجوار مذبحِ زوس العظيم، يتطلعان إلى ما حولهما، مُتوقعَين الموت دائمًا. كما أن أوديسيوس أخذ يتطلع إلى كل شيءٍ في منزله ليرى ما إذا كان لا يزال هناك أي رجلٍ على قيد الحياة، مختبئًا هناك، في محاولة لاجتناب المصير الأسود، غير أنه وجدَهم جميعًا صرعى غارقين في الدم والتراب — كافة عُصبتهم — أشبه بالأسماك التي أمسك بها الصيادون في عيون شبكاتهم من البحر السنجابي ووضَعوها على الشاطئ المنحني، فتظل كلها مُكوَّمة فوق الرمل، توَّاقة إلى أمواج البحر، وعندئذٍ تسلبها الشمس المتألقة حياتها؛ هكذا تمامًا كان المغازلون وقتئذٍ يرقدون في كَومةٍ بعضهم فوق البعض الآخر، ثم خاطب أوديسيوس الكثير الحيل تيليماخوس، بقوله: «أي تيليماخوس، اذهب الآن واستدعِ لي المربية يوروكليا، كي أُخبرها بما يجول بخاطري.» تيليماخوس ينادي يوروكليا ما إن قال هذا، حتى أطاع تيليماخوس أمر أبيه العزيز، فطرق الباب وقال ليوروكليا: «انهضي وأسرعي إلى هنا، أيتها الزوجة العجوز، يا من عهدتُ إليك مسئولية جميع خادماتنا في الساحات. هلُمي؛ فإن أبي يُناديك، ليُخبركِ بشيء.» هكذا تكلَّم، فلم تُجبه بشيء، بل فتحت أبواب الساحة الفخمة، آتية، وسار تيليماخوس أمامها. وهناك وجدَت أوديسيوس وسط جثث القتلى، المضرَّجة كلها بالدماء والملطخة بالأوساخ، أشبه بليثٍ أتى من الضيعة بعد أن أتى على ثورٍ فيها، فغدا صدره وخدَّاه من الجانبَين ملطخة بالدم، ومنظره مفزعًا؛ هكذا كان أوديسيوس أيضًا، ملوَّث القدمَين واليدَين من فوق. فلما أبصَرت الجثث وبركة الدم الكبيرة، همَّتْ بإطلاق صيحات الفرح العالية؛ إذ شاهدَت العمل العظيم الذي قام به، ولكن أوديسيوس منعها وكبح جماح حماسها، فخاطبها بكلماتٍ مجنحة،١٣ قائلًا: «اغتبطي قلبًا، أيتها السيدة العجوز، وإنما تمالكي نفسك ولا تصيحي عاليًا؛ فليس أمرًا مقدسًا أن تفخري على رجالٍ مجندلين. لقد حظي هؤلاء الرجال بنصيب الآلهة المحطمين وأعمالهم الطائشة؛ لأنهم لم يعملوا حسابًا لأي فرد من البشر فوق ظهر الأرض، سواء أكان شريرًا أم خيرًا، مهما كان ذلك الذي يأتي إليهم؛ وعلى هذا جلبوا على أنفسهم ميتةً شائنة من فَرْط حماقتهم الطائشة. والآن، هيا، أخبريني عن أسماء النساء في الساحات، وأيهن لا تُكِن لي الاحترام. وأيهن بريئات.» يوروكليا تُخبر أوديسيوس عن خادمات السوء بالقصر فأجابته المربية العزيزة يوروكليا، وقالت: «إذن، فلأُخبرنك بالحقيقة كلها يا ولدي. لديك خمسون خادمًا في ساحتك، نساء درَّبناهن على القيام بأعمالهن، من مشط الصوف وحمل جراية العبيد. من هؤلاء اثنتا عشرة، هن كل من سِرن بأقدامهن في طريق العار، ولم يُبدين الاحترام لي ولا لبينيلوبي نفسها. ولم يبلغ تيليماخوس مبالغ الرجال إلا حديثًا، ولم تسمح له والدتُه بالسيطرة على الخادمات. والآن، دعني أصعَد إلى المقصورة المتألقة العليا لأحمل النبأ إلى زوجتك، التي أنزل عليها أحد الآلهة نومًا.» فقال أوديسيوس الكثير الحيل: «لم يأتِ الأوانُ لإيقاظها بعدُ، ولكن مري النساء بالمجيء إلى هنا، اللواتي قمن فيما مضى بأعمالٍ مخزية.» هكذا تكلَّم، وذهبَت السيدة العجوز عَبْر الساحة لتحمل النبأ إلى النساء، وتأمُرهن بالمجيء، أما أوديسيوس فاستدعى إليه تيليماخوس والراعي وراعي الخنازير وتحدَّث إليهم بكلماتٍ حماسية، قائلًا: «ابدءوا الآن بحمل جثث القتلى ومُروا النساء بمساعدتكم، ثم نظَّفوا المقاعد الجميلة والموائد بالماء والإسفنج المسامي. وبعد ترتيب المنزل كله بنظام، خذوا النساء بعيدًا عن الساحة المكينة البنيان إلى مكان بين القبة١٤ وسُور الفناء العظيم، وعندئذٍ اضربوا أعناقهن هناك بسيوفكم الطويلة، حتى تسلبوهن الحياة جميعًا، وينسَين العِشق الذي نِلنه بأمر المغازلين، عندما اضطجعن معهم سرًّا.» الخادمات يبكين ويأتمرن بأمر أوديسيوس هكذا تكلَّم وأقبلَت النساء مجتمعاتٍ معًا، باكياتٍ بكاءً شديدًا ودموعهن تنهمر غزيرة، فبدأن بحمل جثث القتلى بعيدًا ووضعنها أسفل رواق الفِناء القوي السياج، وأسندن كل جثة في مقابل الأخرى، بينما كان أوديسيوس نفسه يصدر إليهن الأوامر ويجعلهن في العمل، حتى نقلن الجثث بعيدًا بالقوة. بعد ذلك طَفِقن يُنظِّفن المقاعد الجميلة العالية والموائد بالماء والإسفنج المسامي. أما تيليماخوس وراعي البقر وراعي الخنازير فشرعوا يَكحَتون أرض المنزل المكين البنيان، وحملَت النساء الطبقة المكحوتة بعيدًا وألقينَها خارج الأبواب. وبعد أن رتَّبوا كل الساحة، ساقوا النساء بعيدًا عن الساحة المكينة البنيان إلى موضع بين القبة وسور الفِناء العظيم، وحبسوهن في مكانٍ ضيق يتعذَّر الفرار منه بأية حالة من الأحوال. بعدئذٍ كان تيليماخوس الحكيم أول من تكلَّم إلى الآخرين، قائلًا: «فلأَسلبنَّ هؤلاء النسوة حياتهن في ميتةٍ غير نظيفة، هؤلاء اللواتي طالما صبَبن التأنيبات على رأسي وعلى أمي، وتمادَين في الاضطجاع مع المغازلين.» الخادمات الفاسقات يلقَين حتفَهن هكذا تكلَّم، وربط حبلًا سميكًا لسفينةٍ دكناء الحيزوم إلى عمودٍ ضخم، وقذف به حول القبة، باسطًا إياه إلى مسافةٍ عالية حتى لا تستطيع إحداهن أن تصل إلى الأرض بأقدامها. وكما يحدث عندما يقع الكروان الطويل الأجنحة أو اليمام في فخٍّ أُقيم وسط الأحراش، وهو يبحث عن مكانٍ يرقد فيه، وممقوت هو الفِراش الذي يُرحِّب به، هكذا أيضًا رَفعَت النسوة رءوسهن في صف، والتفَّت الأُنشوطات حول أعناقهن جميعًا لكي يلقَين ميتةً محزنة أبلغ الحزن. وبعد ذلك صرن يترنحن قليلًا بأقدامهن، ولكن ذلك لم يكن لمدةٍ طويلة. بعد ذلك قادوا ميلانثيوس عَبْر الباب والفناء، وجدَعوا مِنخَرَيه وقطَعوا أُذنَيه بالبرونز العديم الرحمة، وأخرجوا أحشاءه للكلاب لكي تأكلها نيِّئة، ثم قطَعوا يدَيه ورجلَيه في غضبهم الثائر. أوديسيوس يتطهر من دم القتلى المسفوك بعد أن أتموا ذلك، غسلوا أيديهم وأقدامهم، وذهبوا إلى المنزل عند أوديسيوس، وكان العمل قد تم، ولكن أوديسيوس تحدَّث إلى المربية العزيزة يوروكليا، وقال: «أحضري الكبريت، أيتها السيدة العجوز، لأتطهَّر من الدنس، وكذلك أحضري لي نارًا، كي أُطهِّر الساحة، كما أرجو أن تُخبري بينيلوبي بالمجيء إلى هنا مع وصيفاتها، وكذلك تأمري جميع النساء اللواتي في المنزل بالمجيء أيضًا.» عندئذٍ أجابته المربية العزيزة يوروكليا، قائلة: «نعم، كل هذا، الذي قلتَه صواب، يا ولدي، ولكن تعالَ، دعني أُحضِر لك عباية وجلبابًا يسترانك، ولا تقف هكذا في الساحات بكتفَيك العريضتَين مغطاتَين بالأسمال؛ وكان هذا مدعاة إلى اللوم.» فأجابها أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «أولًا وقبل كل شيء أوقدي لنا نارًا في الساحة.» هكذا تكلَّم. ولم تخالف المربية العزيزة يوروكليا أمره، بل أحضَرت النار والكبريت. أما أوديسيوس فطهَّر الساحة والمنزل والفِناء تمامًا. نساء القصر يُحطن أوديسيوس بمظاهر الحب والترحيب بعد ذلك رجعَت السيدة العجوز إلى داخل بيت أوديسيوس الجميل لتحمل النبأ إلى النساء وتأمرهن بالمجيء؛ فأقبلن من ساحتهن يحملن المشاعل في أيديهن. لقد اجتمعن حول أوديسيوس واحتضَنَّه، وأمسكنه وقبَّلن رأسه وكتفَيه ويدَيه في ترحيب ينم عن الحب، وعندئذٍ استبد به الشوق العذب للبكاء والنحيب؛ لأنه كان يعرفهن جميعًا في قلبه حق المعرفة. ١ أو: «سأُطلق على هدفٍ آخر». ٢ الترجمة الحرفية: سيلًا من الكلمات الغاضبة. ٣ أو «هكذا خمَّن». ٤ أو: «أمسك بأطرافهم جميعًا تحتهم». ونفس هذا الغموض يُوجد في فقراتٍ أخرى. ٥ في الأصل: مجنحة. ٦ يبدو أن هذا كان بابًا في أقصى الطرف الداخلي للساحة، ويرتفع عن مستوى أرض الساحة العظيمة؛ ولذا سُمي بالباب المرتفع. وكانوا يصلون إليه بسُلِّم من عدة درجات. ولم يكن من المستطاع رؤية هذا الباب من المكان الذي كان فيه أوديسيوس. وكان يفتح إلى طريقٍ يوصل إلى ممرٍّ لا حاجة هنا إلى وصفه، وكان القصر يضم عِدَّة أبنيةٍ أخرى غير الساحة الرئيسية. ويجوز أنه كان بينها كثيرٌ من أمثال هذه الممَرات. ويُفهَم من التعبير الإغريقي الغامض أن الأرض كانت ترتفع قليلًا من الأمام إلى الخلف بينما كانت أرض الساحة فيها مستوية. وبذا يكون أساس الحائط منخفضًا عند العتبة من الأمام ومرتفعًا مع الأرض في الخلف. وهذا يُفهَم من وجود الباب المرتفع الذي يفتح إلى طريقٍ في الخارج مرتفعٍ عن أرض الساحة نفسها؛ ولذا كانوا يصلون إليه بسُلَّم. إذن فلم يكن أساس الحائط مستويًا بل كان يتبع ارتفاع الأرض. ٧ انظر الملحوظة السابقة. ويُفسِّر آخرون درجات السلم بأنها كانت فتحاتٍ في الحائط. وكان الباب نفسه إحداها يستطيع المرء تسلُّقها إلى فوق، ولكن من المحقَّق أن حجرة الخزين كانت بالدور الأرضي. ٨ في الأصل: مجنحة. ٩ كان بريام (برياموس) ملك طروادة العجوز إبَّان الحرب الطروادية. ١٠ في الأصل: مجنحة. ١١ في الأصل: مجنحة. ١٢ في الأصل: بكلماتٍ مجنحة. ١٣ أي: حماسية. ١٤ لا يمكن معرفة معنى الكلمة الإغريقية بالضبط، إلا أنها تعني بناءً يُشبِه القبة داخل الساحة. الأوديسة
الأنشودة الثالثة والعشرون وألقت ذراعَيها حول عنق أوديسيوس، وقبَّلَت رأسه. يوروكليا تَزفُّ إلى سيدتها بشرى عودة أوديسيوس فلا تُصدِّقها بعد ذلك صَعِدَت السيدة العجوز إلى المقصورة العليا، وهي تضحك ملء شِدقَيها بصوتٍ مرتفع، لتخبر سيدتها أن زوجها العزيز في البيت. كانت ركبتاها تتحركان في خفة بينما قدَماها تزحفان قفزًا من تحتهما؛١ فوقفَت عند رأس سيدتها، وتحدَّثتْ إليها، قائلة: «استيقظي، يا بنيليوبي، يا طفلتي العزيزة لكي تَريْ بعينَي رأسكِ ما اشتَهيتِه طَوال أيامك. إن أوديسيوس هنا، وقد جاء إلى المنزل، رغم أن مجيئه متأخر، وقد قتل المغازلين المتغطرسين الذين كدَّروا صفو داره، وأكلوا أمواله واضطهدوا ابنه.» فأجابتها بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «أي مربيتي العزيزة، لقد جعلَتكِ الآلهة مخبولة، أولئك الذين في استطاعتهم أن يخبلوا من كان في منتهى العقل، ويدفعوا بسطاء العقول إلى حسن الإدراك. إنهم هم الذين أفسَدوا حصافتك، مع أنكِ قبل ذلك كنتِ ذات عقلٍ سليم. ماذا دهاكِ لتسخري مني، وقلبي مفعم بالأحزان، فتقصي على هذه الرواية الخيالية، وتوقظيني من نعاسي، ذلك النعاس الحلو الذي استولى عليَّ وأطبق جفني؟ لأنه لم يسبق لي قَط أن استسلمتُ للكرى العميق هكذا منذ ذلك اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس ليرى إليوس اللعينة التي لا يجب أن يذكر المرء اسمها. كلا، هيا الآن، انطلقي عائدة إلى ساحة النساء؛ فلو كانت إحدى النساء الأخريات اللواتي عندي هي التي جاءتني بهذا النبأ، وأيقظَتني من النوم، لكنتُ طردتُها فورًا لتعود أدراجها مكتئبة إلى الساحة، أما أنتِ فإن شيخوختكِ قد منحَتك هذه الفائدة.» يوروكليا تقُصُّ على سيدتها أخبار مجزرة المغازلين عندئذٍ أجابتها المربية العزيزة يوروكليا، قائلة: «ما أنا بساخرة، يا طفلتي العزيزة، ولكن بالحق إن أوديسيوس هنا، قد جاء إلى داره، كما أقول لك. إنه ذلك الغريب الذي لم يحترمه الجميع في الساحات، ولكن تيليماخوس كان يعرف منذ مدةٍ طويلة أنه هنا، بيد أنه لذكائه أخفى هدف أبيه، إلى أن ينتقم من شرور الرجال المتعجرفين.» ما إن قالت هذا، حتى طارت بينيلوبي فرحًا، ووثَبتْ من سريرها وطوَّقَت السيدة العجوز بذراعَيها وأطلقَت العِنان لدموعها تسقط من جفنَيها، وتكلَّمتْ، وخاطبَتْها بكلماتٍ حماسية،٢ قائلة: «تعالَي الآن، أيتها المربية العزيزة، أتوسل إليك إلا ما صَدقتِني القول، فخبِّريني إذا كان قد جاء حقًّا إلى المنزل، كما تقولين، وكيف وضع يدَيه على المغازلين الوقحين، جميعًا وهو بمفرده كما كان، بينما هم مُتكتِّلون معًا في المنزل كما كانوا دائمًا.» فأجابتها يوروكليا المربية العزيزة، قائلة «لم أبصر شيئًا، ولم أسأل سؤالًا، ولكني سمعتُ فقط أنَّات الرجال الذين قُتلوا. أما نحن النساء، فقد جلسنا نرتجف ذعرًا في أقصى جزءٍ من مقصوراتنا المكينة البنيان، وكانت الأبواب المحكمة الإغلاق تحبسنا في الداخل، إلى أن جاءت الساعة التي استدعاني فيها ابنك تيليماخوس من الساحة؛ لأن أباه بعث به ليستدعيني. وعندئذٍ شاهدتُ أوديسيوس واقفًا وسط جثث القتلى، وكانوا وهم ممدَّدون من حوله فوق الأرض الصلبة يرقدون الواحد فوق الآخر، فكان منظرًا يبعث الدفء في قلبك غبطةً وابتهاجًا. أما الآن فقد جُمعَت الجثث كلها معًا عند أبواب الِفناء، وإن أوديسيوس الآن يُطهِّر المنزل الجميل بالكبريت، وأشعل نارًا عظيمة، وأرسلني لأُناديك. هلمي، تعالَي معي، كي يدخل السرور إلى قلبَيكما، كلَيكما؛ لأنكما تحمَّلتُما محنًا كثيرة. وها هو ذا يتحقق أخيرًا ذلك الذي كنتِ تتوقين إليه بلهفة. لقد جاء هو نفسه، حيًّا إلى مدفأته، وقد وجدَكِ ووجد ابنه في الساحات. أما بالنسبة لأولئك، المغازلين، الذين افترقوا الشرور في حقه، فقد انتقم منهم، الواحد والجميع في منزله.» يوروكليا تؤكِّد لبينيلوبي عودة أوديسيوس بعد ذلك قالت بينيلوبي الحكيمة: «أي مربيتي الزيزة، لا تملئي شِدقَيك فخرًا وأنت تضحكين هكذا عاليًا. إنكِ تعرفين كيف يُرحِّب الجميع برؤيته في الساحات، ولا سيما أنا وولده، المولود منا نحن الاثنَين، دون سائر الجميع، ولكن هذه القصة التي تروينها ليست حقيقية، كما تحكينها. كلا، لا بد أن أحدًا ما من الخالدين هو الذي قتل المغازلين الأمجاد غاضبًا من وقاحتهم المحزنة وأعمالهم الشريرة؛ إذ إنهم ما كانوا ليحترموا أي فرد من البشر على ظهر الأرض، سواء أكان صالحًا أم طالحًا، كل من جاء في وسطهم؛ وعلى ذلك لقوا الشر جزاء حماقتهم الطائشة. أما أوديسيوس، ففي مكانٍ ناءٍ فقد عودتَه إلى أرض آخيا Achaәa،٣ وفُقد هو نفسه.» عندئذٍ أجابتها المربية العزيزة يوروكليا، تقول: «أي طفلتي، ما هذه الكلمة التي أفلتَت من بين حاجز أسنانك؛ إذ تقولين إن زوجك، الذي هو الآن هنا، عند مدفأته، لن يعود إطلاقًا؟! إن قلبك لعديم الإيمان دائمًا. كلا، تعالَي، سأخبرك بعلامةٍ أكيدة بالإضافة إلى هذا، إنها أثَر الجرح الذي أصابه به الخنزير البري منذ أمدٍ بعيد بنابه الأبيض. لقد لاحظت هذه العلامة بينما كنتُ أغسل قدمَيه، وكنت أتوق إلى إخبارك بها، أنت أيضًا، ولكنه وضع يده على فمي، وبحكمة قلبه العظيمة، لم يسمح لي بالكلام؛ ومن ثَمَّ تعالي معي، فلأُهلِكنَّ نفسي، إن كنتُ أخدعك، ولكِ أن تقتليني بأشنع ميتةٍ يُرثى لها.» فردَّت عليها بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «يا مربيتي العزيزة، إنه ليصعُب عليك أن تُدركي سر مشورة الآلهة الخالدين، مهما كنتِ عاقلةً طول حياتك. والآن هيا بنا نذهب إلى ولدي، كي أرى المغازلين قتلى وأرى ذلك الذي قتلَهم.» تيليماخوس يُعنِّف أمه بأقسى الكلمات ما إن قالت هذا حتى هبطَت من مقصورتها العليا وكأن قلبها حيران لا تدري هل تقف بعيدًا وتسأل زوجها العزيز، أم تتوجَّه إليه، وتمسك وتُقبِّل رأسَه ويدَيه. بيد أنها ما إن دخلَت واجتازت العتبة الحجرية، حتى جلسَت في مواجهة زوجها أوديسيوس في ضوء النار المجاورة للحائط البعيد، ولكنه كان جالسًا بجوار عمودٍ طويل، ينظر إلى أسفل، وينتظر ما إذا كانت زوجتُه النبيلة ستقول له شيئًا، عندما تُبصِره عيناها. غير أنها جلسَت ملتزمة الصمت مدةً طويلة، وحلَّت الدهشة على روحها، وكانت تارةً تُركِّز عينَيها على وجهه تمامًا، وتارةً أخرى لا تستطيع التعرُّف عليه؛ لأنه كان مرتديًا أسمالًا حقيرة. وعندئذٍ لامها تيليماخوس، وخاطبها قائلًا: «أماه، أيتها الأم القاسية، ذات القلب المتشبِّث، ما الذي يُوقفكِ هكذا بعيدًا عن أبي، ولا تجلسين إلى جواره وتسألينه وتستعلمين منه؟ ما من سيدةٍ أخرى قد تحجَّر قلبها مثلك، فتقف بعيدًا عن زوجها، الذي عاد إليها وإلى وطنه بعد غياب عشرين عامًا، مُقاسيًا المشاق الكثيرة المحزنة! بيد أن قلبك دائمًا أصلب من الصخر.» عندئذٍ أجابته بينيلوبي الحكيمة، فقالت: «أي بني، لقد ضاع القلب الكائن في صدري من شدة العجَب، ولا قدرة لي على الكلام إطلاقًا، ولا أن أسأل سؤالًا، أو أنظر إليه في وجهه، ولكن إذا كان هو أوديسيوس حقًّا، وقد جاء إلى البيت، فإن كلًّا منا سيعرف الآخر يقينًا؛ لأن لدينا علاماتٍ لا يعرفها سوانا، علاماتٍ مخفية عن الآخرين.» أوديسيوس يُطيِّب خاطر تيليماخوس هكذا تكلَّمتْ، وابتسم أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، وخاطب تيليماخوس في الحال بكلماتٍ حماسية،٤ قائلًا: «أي تيليماخوس، فلتَتكفَّل أمك بفحصي في الساحات، وفي الحال سوف تحظى بمعرفةٍ أكثر تأكيدًا. أما الآن فإنها تحتقرني؛ لأنني مُلوَّث بالأقذار، وألبس على جسمي ثيابًا زرية، ولا تعترف بعدُ بأنني هو زوجها. أما نحن، فلنفكر كيف يمكن لكل شيءٍ أن يتم على خير وجه؛ لأنه ما من شخصٍ قتل رجلًا واحدًا في بلد، حتى ولو لم يترك ذلك الرجل وراءه ذريةً تأخذ بثأره إلا وذهب ذلك الشخص إلى المنفى، تاركًا أهله ووطنه، فكيف الحال بنا وقد قتلنا أولئك الذين كانوا وجوه المدينة وأعيانها، خير شباب إيثاكا. وإني لآمرك أن تُمعن التفكير في هذا الأمر.» فأجابه تيليماخوس الحكيم، قائلًا: «هذا لكَ يجب أن تفكِّر فيه أنت نفسك، يا أبتاه العزيز؛ فإن رأيك، كما يقولون، أعظم الآراء سدادًا بين البشر، وليس في مُكنة أي فردٍ من الناس أن يتحدَّاك. وأما نحن، فسوف نتبعك في حماس، ولستُ أعتقد أننا نفتقر إلى الشجاعة، طالما كانت لدينا القوة.» أوديسيوس يأمر والجميع يصدع عندئذٍ رد عليه أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «إذن فلأُخبرنك بما يبدو لي خيرَ وسيلة. أولًا استَحمُّوا، ثم البَسوا عباياتكم ومُروا الوصيفات اللواتي في الساحات أن يرتدين خير ملابسهن. ودَعِ المنشد المقدس يكن قائدنا في الرقص المفرح بقيثارته الواضحة النبرات في يده، حتى إذا ما سمع أحد الصوت في الخارج، سواء أكان عابر طريق أو أحد الذين يسكنون حولنا، ظنَّها وليمة عرس؛ وعندئذٍ لا ينتشر خبر قتل المغازلين في شتى أنحاء المدينة قبل أن نخرج إلى مزرعتنا الكثيرة الغابات. وهناك نتدبَّر فيما بعدُ الصالح الذي يُوحي إلينا به الأوليمبي.»٥ هكذا تكلَّم، فصدع الجميع لأمره وأطاعوا قوله. وفي البدء اغتسَلوا وارتدَوا عباءاتهم، وأعدَّت النسوة أنفسهن، وأمسك المنشد المقدَّس القيثارة الجوفاء وأثار فيهم الرغبة في الغناء الشجي والرقص العظيم؛ ومِن ثَمَّ صَدحَت القاعة الكبرى من كل جانب بوقع أقدام الرجال وهم يرقصون والنساء الجميلة الزنَّار. وهكذا قال أحد الذين سمعوا الضوضاء خارج المنزل: «ما هذا؟ حقًّا إن أحدًا ما لا بد قد تزوج الملكة التي كان يهيم بحُبها الكثيرون. ما أقساها! إنها لا تملك القلب الذي يجعلها تحتفظ بالمنزل العظيم الذي هو منزل زوجها المقترن بها، حتى النهاية، إلى أن يعود.» أوديسيوس يظهر في أبهى صورة أمام بينيلوبي هكذا كانوا يقولون، ولكنهم لم يعلموا جلية الأمور. وفي الوقت نفسه غسلَت مُدبِّرة البيت يورونومي أوديسيوس العظيم القلب في منزله، ودهنَته بالزيت، وألقت حوله عباءةً جميلة وجلبابًا. وسكبت أثينا فوق رأسه جمالًا بالغًا، فجعلَته يبدو أطول وأقوى للرائين، وجعلَت خصلاتٍ من الشعر تتدلى من رأسه مجعَّدة أشبه بزهرة الخزامى. وكما يُطعِّم المرء الفضة بالذهب، ويكون صانعًا ماهرًا تدَرب على يد هيفايستوس٦ وبالاس أثينا حتى حذق جميع طرق المهنة، فيخرج العمل من يده باهرًا جميلًا، هكذا أيضًا بمثل هذا سَكبَت الربة جمالًا فوق رأسه وكتفَيه، فخرج من الحمَّام، في صورة أشبه بالخالدين. وجلس بعدئذٍ من جديد فوق الكرسي الذي كان قد نهض منه، قبالة زوجته، وتحدَّث إليها، قائلًا: «ما أغرب أطوارك، أيتها السيدة! لقد وهبك القاطنون فوق أوليمبوس، دون سائر النساء، قلبًا لا تلين قناته؛ فما من امرأةٍ غيرك كانت تُقسِّي قلبها كما تفعلين، وتقف بعيدًا عن زوجها الذي جاء إليها وإلى وطنه في العام العشرين بعد أن كابد الأهوال العديدة المحزنة. كلا، تعالَي، أيتها المربية، وابسطي لي فراشًا، كي أستطيع أن أرقد وحدي؛ إذ إن القلب الذي في صدرها حقًّا من الحديد.» بينيلوبي تُعجم عود زوجها عندئذٍ أجابته بينيلوبي الحكيمة «بقولها: «أيها السيد الغريب الأطوار، لستُ متكبرة بأية حال من الأحوال، كما أنني لا أحتقرك، ولستُ بحالٍ ما قد تتملكني الدهشة كثيرًا، ولكنني أعرف جيدًا حالتك التي كنتَ عليها عندما رحلتَ من إيثاكا فوق سفينتكَ ذات المجاذيف الطويلة. ومع ذلك، تعالي، يا يوروكليا، وابسطي له الفراش المكين خارج حجرة الزواج المكينة البنيان التي أقامها هو بنفسه، فأحضري إلى هناك له السرير المتين، وضعي فوقه فرشًا، وفراءً من الصوف وعباءاتٍ وأغطيةً لامعة.» هكذا تكلَّمتْ، تُعجم عود زوجها. بيد أن أوديسيوس، في حَمْأة غضبه، خاطب زوجته الصادقة القلب، فقال: «أيتها السيدة، ما أعظمَ مرارة هذه الكلمة التي تفوَّهتِ بها! من ذا الذي أقام سريري في مكانٍ آخر؟ إنه ليتعذَّر على أي فرد، لم يكد بتلك المهارة، إلا إذا كان أحد الآلهة هو الذي يجيء بنفسه ويقيمه بسهولة في مكانٍ آخر. أما البشر فلا يُوجد بينهم من الأحياء، مهما كان شابًّا وقويًّا، من يستطيع أن ينقله من مكانه في سهولة؛ لأن هناك علامةً عظيمة مصنوعة في ذلك السرير الذي كوَّنتُه؛ إذ إنني أنا الذي صنعتُه ولا أحد سواي. كانت تنمو بداخل الفِناء شجيرةُ زيتون طويلة الأوراق، وكانت قويةً وصلبة، وفي علوها أشبه بالعمود، فبنيت مقصورتي حول هذه، حتى أتممتُ بناءها، بأحجارٍ مرصوصة متقاربة، وأقمتُ أعلاها سقفًا متينًا، وزوَّدتها بأبوابٍ ذات مفاصل، تُغلق بإحكام. بعد ذلك قطعتُ الأغصان المُورِقة من شجيرة الزيتون الطويلة الأوراق، وبعد أن قطعتُ الجذع من فوق الجذور تمامًا، صَقلتُه جيدًا بفأس وبمهارة، وقوَّمتُه مستقيمًا، وهكذا كوَّنتُ منه قائم السرير، وثقَبتُه كله بالمثقاب. وإذ بدأتُ بهذا صقلتُ سريري، إلى أن أتممتُه، وطعَّمتُه بالعسجد واللجَين والعاج، وبسطتُ فوقه سيورًا من جلد الثور، تتألَّق بالأرجوان. وهكذا أُعلن لك هذه العلامة، ولكني لستُ أعلم، أيتها المرأة، ما إذا كان سريري لايزال قائمًا في مكانه أم قطَعه الآن رجلٌ ما من أسفل جذع شُجيرة الزيتون.» بينيلوبي تعانق أوديسيوس وتُقدِّم عُذرها الشديد ما إن قال هذا، حتى ارتخت ركبتاها حيث كانت تجلس، وذاب قلبها؛ إذ كانت تعرف العلامات الأكيدة التي أخبرها بها أوديسيوس؛ ومِن ثَمَّ انطلقَت تجري نحوه والدموع تنهمر غزيرةً من مُقلتَيها، وألقت ذراعَيها حول عُنق أوديسيوس، وقبَّلتْ رأسه، وتحدَّثتْ إليه، بقولها: «لا تكن مَغيظًا مني، يا أوديسيوس؛ لأنك كنتَ في كل شيءٍ آخر أحكم الرجال دائمًا. إنها الآلهة التي أعطتنا الأحزان، تلك الآلهة التي حَقدَت علينا أن يبقى كلٌّ منا مع الآخر ونتمتَّع بشبابنا، حتى نصل إلى عتبة الشيخوخة. والآن لا تكن غاضبًا مني لهذا الأمر، ولا تكن مُفعمًا بالازدراء؛ لأنني عندما رأيتُك، أولًا، لم أُرحِّب بك؛ لأن القلب الكائن في صدري كان يتوجس دائمًا خيفة، خشية أن يأتي رجلٌ ما ويخدعني بقوله؛٧ إذ إن هناك كثيرين يُدبِّرون خطَط الشر. كلا، ولا حتى هيلين الأرجوسية، ابنة زوس، كانت لترقد في حب مع رجل من قومٍ آخرين، لو كانت تعرف أن أبناء الآخيين الحربيين سوف يُحضرونها إلى بيتها ثانيةً إلى وطنها العزيز. ومع ذلك فإن في حالتها قد حفزها حقًّا أحد الآلهة على أن تقوم بعملٍ مشين، فلم تضع في عقلها حتى تلك الآونة فكرة هذه الحماقة، الحماقة المؤسفة التي كانت سببًا منذ البدء في أن يحل علينا الحزن أيضًا. أما الآن، ما دمتُ قد أيقنتُ بالعلامات الظاهرة في سريرنا، التي لم يحدُث أن رآها أي بشرٍ سواك وسواي وعدا خادمة واحدة فقط، هي ابنة أكتور Actor، التي أعطانيها أبي منذ أن جئتُ إلى هنا، إنها هي التي كانت تحافظ على أبواب حُجرة عُرسنا القوية، وللعجب، أنك تُقنِع قلبي، الذي لا تلين قناته كما ترى!» أوديسيوس يحتضن زوجته وهو يبكي بحرقة هكذا قالت، ومع ذلك فقد أثارت في قلبه رغبةً أكثر إلى البكاء، فبكى، وهو يحتضن زوجته العزيزة الصادقة القلب بين ذراعَيه. وكما يُرحِّب الرجال الذي يَسْبحون برؤية اليابسة، أولئك الرجال الذين حطَّم بوسايدون سفينتهم المحكمة البناء في البحر بعد أن جرفَتها الرياح والأمواج الضخمة، وقد فاز قليلون من البحر السنجابي بالسباحة إلى الشاطئ، وقد جمدَت أبدانهم بشدة من ماء البحر المِلح، فوطئوا البَر بأقدامهم مسرورين ونَجوا من مصيرهم الشرير، هكذا أيضًا رحَّبتْ هي بزوجها، وهي تحدجُه بنظراتها، ولا تستطيع بأية حالٍ من الأحوال أن تُخلي ساعدَيها الناصعي البياض عن عُنقه. وكاد الفجر الوردي الأنامل يلوح وهما ما زالا يبكيان، لولا أن الربة، أثينا ذات العينَين النجلاوَيْن، قد تدبَّرت الأمر برأيٍ آخر، فأمسكَت بالليل الطويل في نهاية مجراه، وشدَّت كذلك بالفجر الذهبي العرش عند مجاري أوقيانوس، ولم تسمح له بوضع النِّير فوق أعناق جياده السريعة الأقدام التي تأتي بالنور إلى البشر، لامبوس Lampus وفايثون Phaethon، وهما المُهْران اللذان يحملان الفجر. أوديسيوس ينشد المتعة والراحة مع بينيلوبي عندئذٍ تحدَّث أوديسيوس الواسع الحيلة إلى زوجته، قائلًا: «أي زوجتي، لم نصل بعدُ إلى نهاية جميع محاولاتنا، ولكن لا يزال هناك عملٌ لا حد له يجب القيام به فيما بعدُ، عملٌ طويل وعسير، يجب أن أُتمَّه حتى نهايته؛ لأن روح تايريسياس Teiresias٨ قد أخبرَتْني بهذا في اليوم الذي هبطتُ فيه إلى بيت هاديس لأستفهم عن أمر عودتي وعودة زملائي. والآن، هلُمي بنا، يا زوجتي، لنصعد إلى الفراش، حتى إذا ما تمتَّعْنا الآن بالنُّعاس العذب، أمكننا أن نحظى بمتعة الراحة.» فأجابَتْه بينيلوبي الحكيمة عندئذٍ، بقولها: «سيكون سريرك مُعدًّا لكَ متى شاء قلبك، طالما أن الآلهة قد تسبَّبتْ حقًّا في أن تعود إلى منزلك المكين البنيان وإلى وطنك. غير أنه طالما أنك قد فَكرَّتَ في هذا، ووضع أحد الآلهة هذا في قلبك، تعال، خبِّرني عن هذه المحاولة؛ إذ أعتقد، أنني في المستقبل سوف أعلم بها، وإذ عرفتُها الآن فلن يزيد ذلك الأمر سوءًا بأية حال.» أوديسيوس يُخبر بينيلوبي بنبوءة العراف فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «أيتها السيدة الغريبة الأطوار! لِمَ تأمُرينني الآن بإلحاحٍ بالغ بأن أُخبركِ بها؟ ومع ذلك فسأُعلنها، ولن أُخفي عنك شيئًا. الحق أن قلبكِ لن يحظى بأي سُرورٍ منها، مثلي تمامًا إذ لا أُحس بأي سُرورٍ منها؛ فقد أمرني تايريسياس أن أرحل إلى مدنٍ كثيرة جدًّا، حاملًا مجذافًا بديعًا في يدي، إلى أن أبلُغ بلد قومٍ لا يعرفون شيئًا عن البحر، ولا يأكلون طعامًا ممزوجًا بالملح، كلا، ولا يعلمون شيئًا عن السفن ذات الوجنات الأرجوانية، أو عن المجاذيف التي هي للسفن بمثابة الأجنحة. وأخبَرني عن هذه العلامات، بمنتهى الوضوح، ولن أخفيها عنك؛ فعندما يقول لي عابرُ سبيلٍ آخر، عندما يلتقي بي، إنني أحمل مذراةً فوق كتفي القوية، عندئذٍ، كما أمرني، أغرس مجذافي الأرض، وأُقدِّم تقدماتٍ عظيمة للسيد بوسايدون — كبشًا وثورًا وخنزيرًا بريًّا، قد سافَح خنزيرات — ثم أنصرف إلى بيتي وأُقدِّم ذبائحَ مقدَّسة من مائة ثور للآلهة الخالدين، الذين يحتلُّون السماء الفسيحة الأجواز، لكل واحدٍ منهم في الترتيب اللائق به. ولسوف يأتي الموت على نفسي بعيدًا عن البحر، ميتة في غاية الرقة، سوف تصرعُني عندما تقهرني الشيخوخة الناعمة، ولسوف يعيش قومي حولي في رخاء. كل هذا، كما قال، سوف أراه يتحقَّق.» عندئذٍ أجابَتْه بينيلوبي الحكيمة، قائلة: «إذا كان الآلهة ستجلب عليك حقًّا شيخوخةً أكثر سعادة، إذن فهناك أملٌ في أن تجد مخرجًا من الشر.» أوديسيوس وبينيلوبي ينامان سويًّا هكذا راحا يتجاذبان أطراف الحديث، وفي الوقت نفسه كانت يورونومي والمربية يُعِدَّان الفراش ذا الأغطية الوثيرة على ضَوء المشاعل المستعرة. وبعد أن انتهتا من فرش السرير المكين البناء، عادت المربية العجوز إلى مقصورتها لتنام، وقادتهما يورونومي، خادمة حجرة النوم، في طريقهما إلى الفراش وهي تحمل مشعلًا في يدَيها. وبعد أن أوصلَتهما إلى مقصورة زواجهما، عادت أدراجها. وبعد ذلك ذهبا مسرورين إلى مكان الفراش الذي كان لهما من قديم الزمان. أما تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير فأوقفوا أقدامهم عن الرقص، وكذلك أوقفوا النساء، واستلقَوا ليناموا في أنحاء الساحات الظليلة. حديث الغرام بين أوديسيوس وبينيلوبي وبعد أن أخذا حظهما من نعمة الحب، استمتعا بالحكايات، فأخذ كلٌّ منهما يتحدث إلى الآخر، فأخبرته السيدة الحسناء بكل ما قاسته في الساحات، وهي تنظر إلى حشد أولئك المغازلين المُخرِّبين، الذين ذبَحوا من أجلها كثيرًا من المواشي، من الأبقار والكباش الضخمة، واستهلكوا كمياتٍ كبيرة من الخمر أخذوها من الزقاق. أما أوديسيوس المولود من زوس فأخذ يقُص عليها كافة المحن التي أنزلها بالناس، وجميع الشدائد التي كان عليه أن يتحملها في ألمه، وكان يلَذُّ لها أن تُصغي إلى حديثه، ولم يداعب النوم اللذيذ جفنَيها إلا بعد أن أخبرها بالقصة كاملة. فبدأ يُخبرها كيف تغلب في البدء على الكيكونيس، ثم كيف وصل إلى بلاد آكلي اللوتس الغنية، وجميع ما فعله الكولوبيس، وكيف جعلَه يدفع الثمن عن رفقائه الأشداء، الذين ازدَردَهم الكوكلوبيس، دون أن يُبدي نحوهم أية رحمة. ثم كيف جاء إلى أيولوس Aeolus،٩ الذي رحَّب به بقلبٍ كريم، ثم بعث به في طريقه؛ بيد أن حظه في المجيء إلى وطنه العزيز لم يكن قد حان بعدُ، كلا؛ فلقد لحِقَت به الريح العاصفة مرةً أخرى، وحملَته بعيدًا فوق صفحة اليمِّ المزدحم، وهو يئنُّ أنينًا عاليًا عنيفًا. وكيف وصل بعد ذلك إلى تيليبولوس Telepylus حيث اللايستر وجونيس Laestrygones،١٠ الذين حطَّموا سفنه وجميع زملائه المدرعين أجود تدريع، ولم ينجُ منهم غير أوديسيوس وحده في سفينته السوداء، ثم أخبرها بعد ذلك عن جميع حيل وأحابيل كيركي، وكيف رحل في سفينته ذات المقاعد إلى بيت هاديس الرطب لاستشارة روح تايريسياس الطيبي، وأنه قد أبصر جميع رفقائه وأمه التي ولَدَته ونشَّأَته، عندما كان طفلًا. وكيف سمع صوت السيرينيس، اللواتي يُغنِّين دون انقطاع، وكيف وصل إلى الصخور المُتجوِّلة وإلى خاروبديس المفزعة وإلى سكولا، التي لم يسبق أن نجا منها أي إنسانٍ قَط. ثم كيف قتل رجالُه أبقار هيليوس، وكيف ضرب زوس، الذي يرعد عاليًا، سفينته السريعة بصاعقةٍ ملتهبة، فهلك جميع رجاله العظام سويًّا، بينما نجا هو وحده من المصير المشئوم. وكيف وصل إلى جزيرة أوجوجيا وإلى الحورية كالوبسو، التي احتجَزتْه هناك في مغاراتها الواسعة، توَّاقةً إلى أن يُصبِح زوجها، وكيف قامت على خدمته، وقالت إنها ستجعله خالدًا لا تتطرق إليه الشيخوخة قَط طوال أيامه، بيد أنها لم تستطع على الإطلاق أن تُغري قلبه الكائن في صدره. ثم كيف أنه جاء بعد مجهودٍ شاقٍّ طويل إلى الفياكيين، الذين أظهروا له كل احترام، كما لو كان أحد الآلهة، وأنهم أرسلوه في سفينة إلى وطنه العزيز، بعد أن أهدوه خزينًا من البرونز والذهب والثياب. وهكذا كان هذا هو نهاية القصة التي رواها، عندما أقبل عليه النوم اللذيذ الذي يُرخي أطراف الرجال، مُحررًا إياه من هموم قلبه. أوديسيوس يعطي زوجته تعليماتٍ هامة في تلك الآونة فكَّرت الربة، أثينا المتألقة العينَين، في رأيٍ آخر، فلما أصدَرتْ حُكْمها وقرَّرتْ بأن قلب أوديسيوس قد نال كفايتَه من التمتع بزَوجتِه وبالنوم، أطلقَت في الحال سَراحَ الفجر الذهبي العرش من أوقيانوس ليجلب النور للبشر. وعندئذٍ نهض أوديسيوس من فِراشِه الوثير، وأسلَم أمور بيته إلى زوجته، قائلًا: «أيا زوجتي، الآن وقد نِلْنا كفايتنا من المِحن الكثيرة، أنتِ وأنا، أنت هنا، تبكين على رحلتي إلى الوطن المحفوفة بالمتاعب والأخطار، بينما أنا، قد قيَّدني زوس والآلهة الآخرون في المآسي بقيودٍ صعبة بعيدًا عن وطني، وقلبي مُفعَم بالشوق إلى العودة. أما الآن وقد صَعِدنا سويًّا إلى فراش رغبتنا، فهل لك أن تهتمِّي بأمر ثَروتي في داخل الساحات. أما القطعان التي بدَّدها المُغازِلون الوقحون، فسوف أحصُل بنفسي على كثيرٍ منها كغنائم، كما سوف يُعطيني الآخيون أخرى، إلى أن يملئوا حظائري، ولكني سأذهب حقًّا إلى مَزرعَتي الكثيرة الغابات لمشاهدة أبي النبيل، الذي بخَعَه الحزن من أجلي، وإني لأنصحُك بهذا، رغم ما أنتِ عليه من حكمة. ما إن تشرق الشمس حتى يطير الخبر في الحال وينتشر معلنًا أمر المُغازِلين الذين قتلتُهم في ساحاتي؛ وعلى ذلك اصعدي إلى مقصورتك العليا مع وصيفاتك، وامكثي هناك. لا تقابلي أي رجل، ولا تسألي سؤالًا قَط.» أثينا تُخفي أوديسيوس ورفاقه عن الأنظار ما إن قال هذا حتى تدثَّر بحُلَّته الحربية الجميلة حول كتفَيه، وأيقظ تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير، وأمرهم جميعًا بأن يحملوا في أيديهم أسلحة القتال، فلم يخالفوا أمره، بل لَبِسوا البرونز، وفتَحوا الأبواب، وخرجوا، يقودهم أوديسيوس في الطريق. ورغم أن النور كان يملأ الدنيا فوق الأرض، فإن أثينا أخفَتْهم في ليلٍ داجٍ، وبسرعةٍ قادتهم بعيدًا عن المدينة. ١ يجب اقتباس معنى هذه العبارة من سياق الكلام؛ فإن الشاعر يريد أن يُصوِّر بوضوحٍ شوق المربية الجارف ولهفتها، وضعفها الشديد الناتج عن الشيخوخة. ٢ في الأصل: مجنحة. ٣ الساحل الشمالي لشبه جزيرة البيلوبونيسوس. ٤ في الأصل: مجنحة. ٥ أي زوس، رب الأرباب والبشر. ٦ إله النار وحدَّاد كبير الآلهة. ٧ الترجمة الحرفية: بكلماته. ٨ طيبي وهو أشهر المنجمين والعرَّافين الذائعي الصيت. ٩ ملك الرياح. كان قد توسَّل إليه أوديسيوس بلا طائل، بعد أن فتح زملاؤه الحقيبة الجلدية التي كان يحبس فيها الرياح المضادة أثناء نوم أوديسيوس. ١٠ سلالة بوسايدون، وهم طائفة من العمالقة آكلي اللحوم البشرية. الأوديسة
أدب ما قبل العصر الهومري ولا تشتمل القصائد الهومرية على الناحية المادية فقط، وإنما تتحدَّث عما ورثَتْه من الحضارة الإنسانية عن الآخيين؛ فهي تُحدِّثنا مثلًا عن العادات والأخلاق التي كانت سائدة بين أجداد اليونان، كالعادات المتَّبَعة في حفلات عقد الزواج. ومن كل هذا نستنتج أن هذا الشعر الهومري قد سبقه شعرٌ آخر؛ لذلك يجب أن نفترض وجود أدبٍ سابق على الأدب الهومري، ولكن ما هو هذا الأدب؟ من العسير علينا معرفة ماهية هذا الأدب من الناحية الإيجابية، ولكن من السهل معرفته من الناحية السلبية؛ فقد تصوَّر العالم القديم وجود أدبٍ قبل العصر الهومري. وليس هذا التصوُّر من التاريخ في شيء وإنما يدخل في باب الخرافات؛ فمثلًا الخرافة التي حيكَت حول الشاعر أورفيوس Orpheus إنما نبتَت في عهدٍ متأخر وظَهرتْ في أثينا في القرن السادس قبل الميلاد في عهد بيزستراتوس، وهي تُمثِّل ردَّ الفعل الذي حدَث في ذلك العهد ضد شعر هوميروس الذي كان يرى الأثينيون في ذلك الوقت أنه شعرٌ مخالف للأخلاق لسبب بسيطٍ جدًّا، وهو أن الآلهة التي ورد ذكرها في الإلياذة والأوديسة لم تهتم كثيرًا بالأخلاق؛ لذلك تصوَّروا هذه الخرافة التي ترتكز على أساسٍ كبير من الأخلاق. وكان أوَّل من بدأ ذلك الميل الأخلاقي هو الشاعر الإغريقي هسيود الذي عاش في ذلك الوقت تقريبًا أو بعده بقليل. وقد كان حول الطاغية بيزستراتوس طائفةٌ كبيرة من الشعراء والأدباء منهم الشاعر المشهور أونوما كريت Onomacrite الذي قام بدور يشبه الدور الذي يقوم به وزير الثقافة أو وزير التربية والتعليم في عصرنا الحاضر، في الإشراف على الأدب والثقافة العامة وكل ما يمُتُّ إلى الأدب بصلةٍ قريبة أو بعيدة. إذن فقد انتشَرت الخرافة التي حيكَت حول أورفيوس، وكثر أتباع هذا المذهب الأخلاقي. وكان هذا الانتشار عظيمًا جدًّا في القرن السادس في جنوب إيطاليا وبلاد اليونان، وكان له تأثير عظيم جدًّا في شعراء القرن الخامس قبل الميلاد. ••• نعود فنتساءل عن ماهية الأدب الذي كان يسبق أدب هوميروس. يُحدِّثنا هوميروس عن الشعراء «المنشدين» الذين يُنشِدون الأشعار في قصور الملوك وهم يقطنون فيها، ويُغنُّون على الموائد التي تقيمها تلك الشخصيات الكبيرة، منشدين لهم الكثير من أعمال البطولة التي قام بها أبطال اليونان السابقون، وذلك على نغمات القيثارة. ومن هؤلاء الشعراء المنشدين الذين اتخذوا قصور الملوك مسكنًا لهم الشاعر الذي تركه وراءه الملك أجاممنون كي يرفه عن زوجته كلومينيسترا Clymenestra، ويُوحي إليها بالعواطف السامية إبَّان غياب زوجها، وكذلك الشاعر الذي كان في جزيرة إيثاكا ويدعى فيميوس Phemius، والذي كان يُنشد أشعارًا جميلة يُطيِّب بها خاطر الشخص الذي كان يُطالِب بعرش هذه الجزيرة، والذي عفا عنه أوديسيوس عند عودته من رحلته التي ضلَّ فيها. ومِن هؤلاء الشعراء مَن كان يهيم على وجهه متنقلًا من قصر إلى آخر يُنشِد في المناسبات والفرص والأعياد. ومنهم من جمع بين هذا وذاك كالشاعر ديمودوكوس Demodocus الذي كان يُغنِّي في قصر الملك ألكينوس، ولكن هذا الشاعر لم يقطن في هذا القصر دائمًا، بل كان يخرج من قصر ألكينوس ليتنقَّل من مكان إلى مكان؛ ومن ثَمَّ فهو وسط بين الشاعر المقيم والشاعر الرحَّال. الشعر الغنائي ما الذي كان يُغنِّيه هؤلاء الشعراء؟ كانوا يُغنُّون شعرًا غنائيًّا شعبيًّا. ولا شك في هذا لأن جميع الآداب القديمة ابتدأَت أولًا بهذا الشعر الغنائي الذي يُغنَّى للشعب ويفهمه الشعب. كانوا يُغنُّون بصفةٍ خاصة أشعارًا تُمجِّد أعمال الفروسية التي قام بها أبطال اليونان، فالشاعر ديمودوكوس كان يبدأ إنشاده عادةً بالأشعار التي تقُص الحب الذي كان بين أريس Ares وأفروديتي Aphrodite وتفاصيل هذا الحب، من تدخل الإله هيفايستوس Hephaestus بينهما وإخضاعه لهما وحبسه إياهما وتقييدهما بالأغلال. وكان تغلب على هذه الأشعار روح السخرية والتهكم كما كان ذلك غالبًا على جميع القصص الواردة في الأدب الأيوني، كما ورد ذلك في كلام هيرودتس في القرن الخامس. ومن المحقق أيضًا أن هذه الأشعار لم تكن طويلة كالإلياذة والأوديسة؛ لأنها لو كانت طويلة لما اتسعَت لها تلك المآدبُ التي كانت تُنشَد فيها. وهنا يخطر على بالنا السؤال: «هل كانت القصائد مستقلة، أو تكون وحدةً خاصة بذاتها، أو تكون جزءًا من كلٍّ يُقتطَع ويُغنَّى ويُنشَد في الفرص والمناسبات المختلفة، كما كان يفعل أولئك المُغنُّون المُسمَّون Rhapsodes والذين كانوا يُغنُّون أجزاءً من الإلياذة والأوديسة؟» أدب بلاد ما بين النهرين وللإجابة على هذا السؤال، يجب أولًا أن نُلقي نظرةً على الآداب القديمة الأخرى التي أنتجَت هي الأخرى أشعارًا قصصيةً طويلة كالقصائد التي وصلَتْنا مما أنتجَتْه بلادُ ما بين النهرين. ومن بين هذه قصيدة تُشبِه الإلياذة تُسمَّى الجلجانيش Gilganesch ويرجع عهد هذه الخرافة إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ولكنها تضخَّمَت بمرور الزمن بإضافة قصصٍ جديدة عليها تقُص حوادثَ جديدة؛ لذلك كانت هناك ثلاثةُ أنواع؛ النوع الأول وينتمي إلى الألف الثالث قبل الميلاد. والنوع الثاني وينتمي إلى العهد السومري. والنوع الثالث وينتمي إلى عهد آشور بانيبال وهو ملك آشور من ٦٦٧–٦٢٦ق.م. وهذا النوع الثالث أحدثُها، وكان في مكتبة هذا الملك منقوشًا على اثنتَي عشرة لوحة، فهل حدث شيءٌ يقارب ذلك فيما يتعلق بالعهد الذي سبق عصر الإلياذة والأوديسة. وللإجابة على هذا السؤال يجب تحقيق مسألتَين هامتَين؛ أولاهما، ما هذا الذي نسميه الإلياذة والأوديسة، أو ما هي ماهية هذه القصائد وما طبيعتها، ومن أي شيء تتكوَّن؟ فإذا أوضحنا هذه النقطة وحدَّدنا طبيعتها وعَرفْنا ما هي، تعرَّضْنا للمسألة الثانية وهي كيف نُقلَت إلينا هذه القصائد. وللإجابة على هاتَين المسألتَين أيضًا يجب الرجوع إلى الإلياذة والأوديسة كما نُقلتا إلينا كي نُحلِّلَهما ونفهم أولًا مضمونَهما. الأوديسة
الأنشودة الرابعة والعشرون هيرميس يقود أرواح المغازلين لبَّيكَ، يا أبتاه، ها أنا ذا أمامك، أنا بنفسي. في نفس ذلك الوقت نادى هيرميس الكوليني Cylenian Hermes١ أرواح المغازلين. وكان يحمل عصاه في يدَيه، تلك العصا الجميلة المصنوعة من الذهب، التي يُنيم بها عيونَ كافَّة من يشاء، بينما يُوقِظ بها أيضًا آخرين من رقادهم، فكان يُوقِظ ويقودُ الأرواح بها، فكانت تتبعه وهي تُتمتِم. وكما يحدث في أقصى فجوةٍ في الكهف العجيب أن تحوم الخفافيش مرفرفةً هنا وهناك وهي تطن، عندما يسقُط أحدها من فوق الصخرة منفصلًا عن السلسلة التي يتعلَّق بها كل واحدٍ منها بالآخرة، هكذا أيضًا ذهبَت هذه معه وهي تُتمتِم وقادها هيرميس، المساعد، مجتازًا الطرق الرطبة، فذهبَت خلال مجاري أوقيانوس، عَبْر صخرة ليوكاس Leucas، مجتازة أبواب الشمس وأرض الأحلام، وبسرعة وصلَت إلى مرج حقل البروق، حيث تقطن الأرواح، أشباح الناس الذين هلكوا في القتال. وهناك وجدوا روح أخيل٢ ابن بيليوس، وروح باتروكلوس،٣ وأنتيلوخوس٤ المنقطع النظير، وأياس،٥ الذي كان خير جميع الدانيين من بعد ابن بيليوس عديم المثيل. أرواح المغازلين تتكلم وكان هناك زحامٌ حول روح أخيل، وبالقرب منهم دنت روح أجاممنون بن أتريوس، حزينة، ومن حولها احتشدَت أخريات، أرواح أولئك الذين قُتلوا معه في منزل أيجيسثوس، ولقُوا حتفهم. وكانت روح ابن بيليوس هي أول من تكلَّم وخاطبَتْه، بقولها: «يا ابن أتريوس، كما نعتقد أنكَ من دون سائر الأبطال كنتَ طَوالَ أيام حياتك عزيزًا لدى زوس، الذي يقذف الصاعقة؛ لأنكَ كنتَ سيدًا على كثيرٍ من الرجال الأشدَّاء في أرض الطرواديين، حيث كابدنا الأهوال نحن الآخيين. بيد أنه حقًّا كان للمنية المفزعة أن تنزل عليك، أنتَ أيضًا، مبكرًا هكذا، تلك المنية التي لا يستطيع أن يفر منها كل ابن أنثى٦ آه! ليتك في خُيلاء ذلك المجد الذي كنتَ له سيدًا، قابلتَ الموت والمصير في بلاد الطرواديين. إذن لكان جيش الآخيين كله قد أقام لك رمسًا، ولكنتَ قد كسبتَ أيضًا، مجدًا عظيمًا في الأيام المقبلة يتمتع به ابنك. غير أنه، كما يبدو، قد تقرر الآن أنه يجب عليكَ أن تفارق الحياة بميتة هي أعظم ميتةٍ يُرثى لها.» عندئذٍ أجابَتْه روح ابن أتريوس، بقولها: «يا ابن بيليوس المحظوظ، يا أخيل الشبيه بالآلهة، يا من قُتلتَ في بلاد طروادة بعيدًا عن أرجوس، وتَجندَل حولك آخرون، هم خيرةُ أبناء الطرواديين والآخيين، وهم يتقاتلون من أجل جثتك، بينما كنتَ أنتَ راقدًا في دائرةٍ عميقة من الثرى عتيدًا في جبروتك، ناسيًا فروسيتك. أما نحن من جانبنا فكنا نتقاتل طوال اليوم كله، وما كنا لنكُف عن الصراع، لولا أن زوس قد أوقفَنا بعاصفة. غير أنه بعد أن حملناك من ساحة الوغى إلى السفن، أرقدناك فوق نعش، ونظَّفنا جلدك الجميل بالماء الدافئ وبالزيت، وذرف الدانيون من حولك كثيرًا من الدموع السخينة، وقَطعُوا شعورهم. ثم أقبلَت والدتك من الخِضَم بصحبة حوريات البحر الخالدات، عندما بلغها ذلك النبأ، فارتفعَت صيحةٌ مُدوِّية عجيبة فوق الخِضَم العميق، وعندئذٍ ارتعد الآخيون جميعًا فرائصَ وأعضاء. وفي تلك الآونة كاد الجميع يقفزون مندفعين نحو السفن الواسعة، لو لم يمنعهم رجلٌ، عاقلٌ على قَدْرٍ كبير من الحكمة القديمة، ذلك هو نسطور، الذي ثبت أن مشورتَه هي الأفضل سدادًا عما قبلها. فتحدَّث إلى حشدهم بنيةٍ حسنة، وخاطبَهم، قائلًا: «مكانَكُم، أيها الأرجوسيون؛ لا تهربوا، يا معشر شباب الآخيين. إنها والدتُه، هذه التي جاءت إلى هنا خارجةً من البحر بصحبة حوريات البحر الخالدات، لتشاهد وجه ابنها الميت.» هكذا تكلَّم، وتوقَّف الآخيون ذوو الجرأة عن فرارهم. بعد ذلك وقفَت حولكَ بنات عجوز البحر يبكين في حزنٍ بالغ، ودثَّرن كل جسدك في لباسٍ خالد. أما ربات الفن،٧ وهن تسع، فقد قمن بقيادة المرثاة، وبعضهن يردُّ على البعض الآخر بأصواتٍ عذبة. وما كنتَ لتستطيع أن تبصر أرجوسيًّا واحدًا إلا وهو يبكي؛ فقد حرَّكَت ربات الفن الرخيمات الصوت قلوبهم. وهكذا بقينا نبكيك باستمرارٍ لمدة سبعة عشر يومًا ليلَ نهار، الآلهة الخالدون والبشر، حتى إذا كان اليوم الثامن عشر قدَّمناك للنار، وذبحنا كثيرًا من الكباش السمينة جدًّا حولك وأبقارًا ناعمة. وهكذا أُحرِقتَ في ملابس الآلهة وفي وفرة من المراهم والعسل الحلو، وسار جمعٌ غفير من المحاربين الآخيين في حُلَلِهم الحربية حول كَومة الحطب، بينما كنتَ تحترق، من المشاة وراكبي العجلات، وتصاعَد صخبٌ عظيم. بيد أنه عندما وضَعتْ نارُ هيفايستوس نهايتك، جمَعنا في الصباح عظامك البيضاء، يا أخيل، ووضعناها في خمرٍ غير ممزوجة وفي الدهون. وكانت أمك قد أحضَرتْ وعاءً من الذهب ذا مقبضَين، وقالت إنه هدية من ديونيسوس، وأنه من صنع هيفايستوس الذائع الصيت، فوضعنا عظامك البيضاء، يا أخيل المجيد، في ذلك الوعاء، ووضعنا معها عظام باتروكلوس الميت، ابن مينويتيوس، مختلطةً بها، أما عظام أنتيلوخوس، الذي كنتَ تُبجِّله أكثر من جميع بقية رفقائك بعد باتروكلوس الميت، فقد كانت موضوعةً على انفصال. وكوَّمْنا فوقها مقبرةً هائلة عظيمة، نحن جماعة الرمَّاحين الأقوياء في جيش الآخيين، فوق لسانٍ بارز من الأرض بجوار الهيليسبونت الفسيح، كي يستطيع جميع الناس الذين يعيشون الآن والذين سيُولَدون فيما بعدُ أن يروها من بعيدٍ من على سطح البحر. أما والدتُكَ فطلَبتْ من الآلهة هدايا جميلة، ووضعَتْها في وسط قوائم هدايا رؤساء الآخيين. وإنك قد شاهدتَ قبل الآن مبارياتٍ جنائزية لرجالٍ عديدين كانوا محاربين، عندما كان موت ملكٍ يجعل الشبان أنفسهم يتمنطقون ويُعِدُّون المباريات، ولكنكَ إذا شاهدتَ ذلك المنظر لعجبتَ في قلبكَ أشد العجب؛ فما أجمل تلك الجوائز التي قدَّمتْها الربة، ثيتيس Thetis٨ ذات القدمَين الفضيتَين، هناك تبجيلًا لك، لأنكَ كنتَ عزيزًا جدًّا لدى الآلهة. وهكذا لم تفقد اسمك حتى في موتك، ولكنك سوف تحظى دائمًا بحُسن الأُحدوثة بين سائر البشر، يا أخيل. أما عن نفسي، فأي فائدةٍ عادت عليَّ من كوني أشعلتُ نار الحرب؟ إذ قد حاك لي زوس ميتةً شنيعة على أيدي أيجيسثوس وزوجتي اللعينة.» هكذا تحدَّث كل واحدٍ منهما إلى الآخر، بيد أن الرسول أرجايفونتيس، اقترب، يقود أرواح المغازلين الذين قتلهم أوديسيوس؛ فإذا بهذَين الاثنَين، وقد اعتَرتْهما الدهشة، ذهبا فورًا نحوهم بمجرد أن رأَوهم. ولاحظَت روح أجاممنون بن أتريوس، ذلك الابن العزيز لميلانوس، أمفيميدون المجيد، الذي كان مُضِيفه، أيام أن كان يقطن في إيثاكا. وعندئذٍ بادَرتْه روح ابن أتريوس بالكلام أولًا، فقالت له: «هيا أمفيميدون، ماذا دهاكم حتى هبطتم تحت الأرض المظلمة، وكلكم رجالٌ مختارون ومن نفس العمر؟ لا يمكن للمرء أن يختار شيئًا آخر، لو كان للإنسان أن ينتقي خير رجالٍ في المدينة. هل ضربكم بوسايدون وأنتم على ظهور سُفنكم، عندما أثار الرياح العاتية والأمواج الطويلة؟ أم هل أصابكم سوءٌ على يد الأعداء فوق اليابسة، بينما كنتم تسلبونهم ماشيتهم وقطعان أغنامهم الجميلة، أو بينما كانوا يُقاتِلون للذود عن مدينتهم ونسائهم؟ أخبرني عما أسأل؛ لأنني أُعلن أنني صديق منزلك. أولا تذكُر إذ جئتُ إلى هناك إلى منزلك بصحبة مينيلاوس الشبيه بالإله لأحُث أوديسيوس على الرحيل معنا إلى إليوس فوق ظهور السفن ذات المقاعد؟ لقد استغرقَت الرحلة منا شهرًا كاملًا لعبور البحر المترامي الأطراف؛ لأنه كان من الصعب علينا أن نضم إلينا أوديسيوس، سلاب المدن.» عندئذٍ أجابته روح أمفيميدون، بقولها: «يا ابن أتريوس الأعظم مجدًا، يا ملك البشر، ويا أجاممنون، إنني أذكُر كل هذه الأمور، كما ترويها تمامًا، يا من هو ربيب زوس، ومن جانبي سأُصارِحك القول صادقًا وأقول لك كل الحق، عن الكيفية التي نزلَت علينا بها خاتمة الموت الشريرة. لقد غازلنا زوجة أوديسيوس، الذي كان قد رحل منذ زمنٍ بعيد، ولم ترفض الزواج البغيض، ولم تبُتَّ في الأمر إطلاقًا، بل دبَّرتْ لنا الموت والمصير الأسود. كلا، كما أنها قد حاكت في قلبها ذلك الأمر الخدَّاع أيضًا؛ لقد أقامت في ساحاتها منوالًا هائلًا، وانهمكت في النسج — لقد كان النسيج من الخيط البديع، وكان في غاية الاتساع — وعندئذٍ قامت في الحال وتكلَّمتْ وسطنا، قائلة: «أيها الشبان، عُشَّاقي، ما دام أوديسيوس العظيم قد مات، فاصبروا، رغم تلهُّفكم على الزواج مني، إلى أن أُتم هذا الثوب — لأنني لا أبتغي أن يُسفِر نسجي عن لا شيء — إنه كفن السيد لايرتيس للوقت الذي يصرعه فيه المصير القاسي للموت المحزن، خشية أن تحقد عليَّ أية سيدة من النساء الآخيات في البلاد، إذا ما رقَد بدون كفن، وهو ذلك الذي كسب ممتلكاتٍ هائلة.» هكذا تكلَّمتْ، فوافقَت قلوبنا المتعجرفة. وبعد ذلك شَرعَت تنسج في النسيج العظيم يومًا بعد يوم، غير أنها كانت تحلُّ بالليل ما صنعَتْه، بعد أن تضع المشاعل إلى جوارها. وهكذا ظلت على تلك الحال مدة ثلاث سنوات، جعلَت فيها الآخيين جهلاء بمهارتها، وقد خدعَتهم. بيد أنه عندما جاء العام الرابع، بمرور الفصول، وبعد أن خبت الشهور وجرت الأيام العديدة في مجراها، أخبرتنا إحدى النساء اللواتي كن على علمٍ بكل شيء، فأمسكنا بها وهي تحلُّ النسيج الرائع؛ وعلى ذلك اضطُرت إلى إتمامه بالقوة ضد رغبتها. والآن عندما أرتنا الثوب، بعد أن نسجَت النسيج العظيم وغسلَته، فتلألأ يسطع كأنه الشمس والقمر؛ عندئذٍ أحضر أحد الآلهة القساة أوديسيوس من مكانٍ ما إلى حدود البلاد، حيث كان يقطن راعي الخنازير. وإلى هناك أيضًا ذهب الابن العزيز لأوديسيوس المقدس بعد أن رجع من بولوس الرملية في سفينته السوداء. وبعد أن دبَّر هذان الاثنان ميتةً شريرة للمغازلين، توجَّها إلى المدينة الشهيرة، وقد حضر أوديسيوس متأخرًا حقًّا، ولكن تيليماخوس سبقه في طريقه. وجاء راعي الخنازير بسيده، يرتدي أسمالًا رثَّة، في صورة شحَّاذٍ عجوز كثير الهموم، يتوكأ على عصا، وكان الثوب الذي يستر به جسمه حقيرًا، فلم يستطع أي واحد منا أن يعرف أنه هو، عندما جاء هكذا على حين غرة، كلا، ولا حتى أولئك الذين كانوا أكبر سنًّا، بل هاجمناه بعباراتٍ شريرة وقذفناه بعدة أشياء. ومع ذلك فقد تحمَّل بقلبٍ ثابت إلى فترة من الوقت أن يُرجم ويُشتم في داخل ساحاته. بيد أنه عندما أثارته أخيرًا إرادة زوس، الذي يحمل الترس، أخذ جميع الأسلحة الجميلة بمساعدة تيليماخوس ووضعها بعيدًا في حجرة الخزين وأغلقها بالمزاليج، ثم أمر زوجته بدهائه البالغ أن تضع أمام المغازلين قوسه والحديد السنجابي لتكون هناك مباراةٌ بيننا نحن الرجال المنكودي الطالع وتغدو بداية الموت، فلم يكن في مقدور أي واحدٍ منا أن يشُد وتر القوس القوية. كلا، لقد كنا أضعف بكثير من أن تكون لنا تلك القوة. غير أنه لما وصلَت القوس العظيمة في يدَي أوديسيوس، صحنا جميعًا بصوتٍ مرتفع معارضين في إعطائه القوس، مهما تكلم ومهما ألح في الكلام، ولكن تيليماخوس وحده هو الذي حثَّه على أن يُجرِّب استعمال القوس، وأمره بأن يأخذها. عند ذلك تناول، أوديسيوس العظيم، الكثير التحمُّل، القوس في يده، وبغاية السهولة شد الوتر وأطلق سهمًا مر من الحديد، ثم ذهب ووقف عند العتبة، وأطلق سيلًا من السهام السريعة، متلفتًا حوله بفظاعة، فأصاب الملك أنتينوس. وبعد ذلك أخذ يُسدِّد سهامه ويتركها تطير نحو الآخرين بإصابته المحكمة، محملة بالآلام، فشرع الرجال يسقطون بكثرة وفي سرعة. عندئذٍ عرفنا أن إلهًا ما كان يُعضِّدهم؛ لأنهم في الحال انقَضُّوا عَبْر الساحات في حماسهم وراحوا يصرعون الرجال ذات اليمين وذات الشمال، وتصاعدَت أنَّاتهم مخيفة، بينما الرءوس تُقطع والأرض كلها تسبح في الدماء. هكذا كان هلاكنا، يا أجاممنون، وحتى الآن لا تزال أجسامنا ملقاةً بإهمال في ساحات أوديسيوس؛ لأن أهلنا الموجودين في منزل كل رجلٍ منا لا يعرفون شيئًا حتى الآن — أهلنا الذين ربما يغسلون الدم الأسود من جراحنا ويدفنون جثثنا بالنحيب؛ لأن هذا هو حق الأموات.» عندئذٍ أجابته روح ابن أتريوس، قائلة: «ما أسعدك يا ابن لايرتيس، يا أوديسيوس الواسع الحيلة! الحق أن الزوجة التي فُزتَ بها لَتتصفُ بكل ما هو رائع، وإنها لرائعة جدًّا في الإدراك بينيلوبي المنقطعة النظير، ابنة إيكاريوس؛ لأنها ظلَّت ذاكرةً أوديسيوس في ولاء، زوجها الذي عُقد له عليها؛ ومِن ثَمَّ فإن شهرة عفتها لن تبلى على الإطلاق، بل سيؤلف الخالدون وسط البشر ساكني الأرض أنشودةً بهيجة تُشيد بذكر بينيلوبي الوفية. وعلى نقيضها كانت ابنة تونداريوس Tyndareus٩ التي حاكت أعمالًا شريرة وقتلَت زوجها الذي اقترنَت به بعقد، ولسوف تكون مقيتةً تلك الأغنية التي ستؤلَّف في قصتها وسط البشر، وما أسوأ السمعة التي ستجلبها على جميع النساء، حتى على من كانت منهن خيرة!» هكذا تحدَّث كلٌّ منهما إلى الآخر، وهما واقفان في بيت هاديس تحت أعماق الأرض. أوديسيوس يختبر أباه أما أوديسيوس وأتباعه فعندما انصرفوا من المدينة، وصلوا بسرعة إلى مزرعة لايرتيس الجميلة الجيدة التنسيق، التي كسبها لنفسه في الأيام الخوالي، والتي كَدَّ من أجلها كثيرًا.١٠ كان هناك منزله، ومِن حَوله الحظائر التي فيها ينام ويأكل ويجلس الخدَم الذين كانوا عبيده، وكان هذا ما يدخل السرور إلى نفسه. أما في داخل البيت فكانت هناك سيدةٌ صقلية عجوز، كانت تقوم بخدمة الرجل المُسِنِّ في عنايةٍ كريمة في ضيعته، بعيدًا عن المدينة؛ عندئذٍ خاطب أوديسيوس الخدَم وابنَه، قائلًا: «هل لكم أن تدخلوا الآن إلى داخل البيت المكين البنيان، وتذبحوا في الحال خير الخنازير لأجل العشاء؟ أما أنا فسأختبر أبي، وأرى ما إذا كان سيتبيَّنني ويعرفني بالنظر، أم أنه لن يستطيع التعرُّف عليَّ؛ لأنني قد رحلت منذ مدةٍ طويلة جدًّا.» ما إن قال هذا حتى أعطى العبدَين عُدَّته الحربية، فذهبوا بسرعة بعد ذلك إلى داخل المنزل. أما أوديسيوس فاقترب من حقل الكرم باحثًا عن بغيته. ولمَّا هبط إلى مزرعة الفواكه الكبيرة لم يجد دوليوس، ولا أي واحد من عبيده أو أبنائه، بل كانوا قد ذهبوا مصادفةً ليجمعوا أحجارًا يقيمون بها سور حقل الكرم، يقودُهم الرجل العجوز. وإنما وجد أباه بمفرده في حقل الكرم البديع التنسيق، يَحفِر حول نبتة، وكان مشتملًا بعباءةٍ قذرة، مرقَّعة ورثَّة، وقد ربط حول ساقَيه درعَين مصنوعتَين من جلود الثيران لتحمياه من الاحتكاك، ولبس قفازًا في يدَيه يدرأ عنه الأشواك وعلى رأسه قبعةٌ من جلد الماعز، منطويًا على أحزانه، فلما أبصره أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، منهكًا بالشيخوخة ومثقلًا بالحزن العميق في قلبه، وقف صامتًا تحت شجرة كُمَّثْرى عالية، وأخذ يذرف العبرات. بعد ذلك فكَّر في عقله وقلبه هل يُقبِّل والده ويعانقه، ويُخبره بكل شيء، كيف أنه عاد ووصل أخيرًا إلى وطنه، أم يستعلم منه أولًا، ويختبره في كل شيء. وبينما هو يأخذ ويردُّ في عقله، هداه التفكير إلى أن أحسن فكرة، هي أن يختبره أولًا بعبارات التهكم؛ وعلى ذلك انطلق أوديسيوس العظيم نحوه فورًا وهو يُفكِّر في ذلك الرأي. وكان الرجل حقًّا قد أحنى رأسه إلى أسفل، يَحفِر نبتة، فأقبل نحوه ابنه العظيم، وخاطبه بقوله: «أيها العجوز، لستَ بحالٍ ما مفتقرًا إلى المهارة اللازمة لرعاية حديقة، كلا؛ فإن عنايتك بالحديقة لحسنة، وليس هناك أي شيءٍ قط، سواء أكان نبتة أو شجرة تين، أو كرمة، كلا، ولا زيتونة، أو كمثرى، أو أي عملٍ من أعمال الحدائق في الحقل كله تنقُصه الرعاية، ولكني سأقول لك أمرًا آخر، وأرجو أن تكتم غضبك في قلبك. إنك أنت نفسك لا تتمتع بالعناية الحسنة، ولكنك تحمل الشيخوخة المؤلمة، ومهما كان مظهرك قذرًا وثيابك غير مرتبة، وترتدي ملابسَ حقيرة، فحقًّا إن ذلك ليس مرده إلى أي كسلٍ من جانبك لأن سيدك لا يهتم بك، ومع ذلك فإنك لا تبدو بأية حالٍ أشبه بعبد حتى إنه لينظر إليك هذه النظرة، لا في الشكل ولا في القوام؛ بل تبدو أشبه بالملك، أشبه بالرجل الذي، إذا ما استحم وأكل، كان جديرًا به أن ينام نومًا رقيقًا؛ لأن هذه الطريقة التي تليق بالشيوخ، ولكن تعالَ، خبِّرني بهذا، واصدُقني القول في صراحة، في خدمة من أنت، ومزرعة كَرْم مَن هذه التي تقوم برعايتها؟ لأنني أرجو أن تُخبرني بهذا أيضًا والحقيقة، كي أعلم يقينًا، هل هذه البلدة هي إيثاكا حقيقة، تلك التي جئنا إليها الآن، كما أخبَرني بذلك رجلٌ هناك، قابلَني الآن فقط وأنا في طريقي إلى هنا. لا شك في أنه كان في غاية الذكاء والحرص؛ لأنه أبى أن يُخبرني عن كل شيء، أو أن يُصغي حتى إلى قولي عندما سألتُه عن صديق لي، هل ما زال على قيد الحياة أم أنه قضى نحبه وهو الآن في بيت هاديس؛ لأنني سأقص عليك هذا، وهل لك أن تلتفت وتُصغي إليَّ. ذات مرة استضفتُ في وطني العزيز رجلًا كان قد جاء إلى منزلنا، ولم يحدُث قط أن جاء رجل من الأغراب القاطنين في بلادٍ نائية ونزل ضيفًا على منزلي، وكان مُرحَّبًا به أكثر من ذلك الضيف. لقد أعلن لي أنه من حيث سلسلة النسب قد أقبل من إيثاكا، وقال إنه ابن لايرتيس، ابن أركايسيوس Arceisius؛ وعلى ذلك صحبتُه إلى منزلي وأكرمتُ وفادته ورحَّبتُ به غاية الترحيب وقدَّمتُ له من الخزين الوافر الذي كان بداخل داري، وأعطيتُه هدايا الصداقة، هدايا تليق به، فأعطيُته من الذهب المصنوع بمهارة سبع تالنتات، وطاسَ مزج كله من الفضة، مزينًا بالزهور، واثنتَي عشرة عباية مفردة الطيَّات، وأكبر عددٍ ممكن من الأغطية، وأكثر ما في مُكنتي من الأردية، وعددًا كبيرًا من الجلابيب أيضًا، وزيادةً على ذلك أعطيتُه من النساء الماهرات في الأعمال اليدوية الرائعة، أربع سيداتٍ فاتنات، كان هو نفسه قد اعتزم أن يختارهن.» والد أوديسيوس يتحدث عن ابنه بالحزن والأسى عندئذٍ أجابه أبوه، وهو يبكي، فقال: «أيها الغريب، حقًّا إنك قد جئتَ إلى البلد، الذي تقصده، لكنه الآن في حوزة أناسٍ لا هَمَّ لهم إلا ملذَّاتهم وطَيشهم. ولقد أعطيتَه تلك الهدايا بغير ما طائل، تلك الهدايا التي تفوقُ الحصر التي قدَّمتَها؛ لأنك إذا لم تَجدْه بعدُ حيًّا في بلاد إيثاكا، أكان يستطيع أن يُودِّعكَ وأنت راحلٌ بتعويضٍ عظيم من الهدايا والتكريم الحسن؟ لأن هذا واجبٌ لمن كان أسبق بالعمل الكريم، ولكن تعالَ، خبِّرني عن هذا، وأَعلنه لي بالصدق، كم عامًا مضى على إكرامك وفادة ذلك الضيف، الضيف المنحوس الطالع، ابني — إذ من المؤكد أنه كان يُوجد مثل هذا الرجل — ابني المنكود الحظ، الذي ربما تكون الأسماك قد ابتلعَتْه في أعماق اليم بعيدًا عن أهله، أو صار نهبًا على اليابسة للوحوش والطيور؟ كما أن أمه لم تُعِدَّه للدفن ولم تَبكِه، ولا أبوه أيضًا، نحن اللذَين أنجباه، كلا، ولا زوجته، التي غُوزلَت بالهدايا الكثيرة،١١ بينيلوبي الحازمة، استطاعت أن تبكي فوق نعش زوجها، عندما نلتقي، وهي تُغمِض عينَيه في موته، رغم أن هذا واجبٌ للميت. كذلك خبِّرني بهذا أيضًا في صدق، كي أعلم علم اليقين، من أنت من بين الرجال، ومن أين؟ وأين مدينتك وأين والدك؟ وأين ترسو السفينة السريعة التي أحضَرتكَ إلى هنا مع رفقائك أشباه الآلهة؟ أم أنكَ جئتَ كأحد ركَّاب سفينةٍ أخرى، وهل رحَلوا بعد أن تركوك فوق اليابسة؟» عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «إذن سأقول لك كل شيء في صراحة. لقد جئتُ من ألوباس Alybas،١٢ حيث أملك منزلًا عظيمًا، وإنني ابن أفايداس Apheidas، ابن السيد بولوبيمون Polypemon، أما اسمي فهو إبيريتوس Eperitus. بيد أن أحد الآلهة جرفَني من سيكانيا Sicanio لكي أجيء إلى هنا ضد رغبتي، وإن سفينَتي لراسيةٌ هناك على مسافةٍ طويلة من البَر المحروث بعيدًا عن المدينة. أما بخصوص أوديسيوس، فهذه هي السنة الخامسة منذ أن رحل من هناك، وغادر بلدي، فيا له من رجلٍ مسكين! ومع ذلك فقد كانت له طيور الفأل الحسَن، عندما سافر، طيورٌ كانت على يمينه؛ وعلى ذلك سُرِرتُ منها، وأنا أُودِّعه ليذهب في طريقه. وانصرف هو مبتهجًا، وأمل قلبانا في أن نلتقي فيما بعدُ كمضيفٍ وضيف، ويُعطي أحدنا الآخر هدايا مجيدة.» أوديسيوس يُعانق أباه ويُريه علامة هكذا تكلَّم، فأحاطت بلايرتيس سحابةٌ قاتمة من الحزن، وتناول التراب القاتم بكلتا يدَيه ونثره فوق رأسه الرمادي بأنينٍ لا يكُف؛ عندئذٍ ثارت ثائرة قلب أوديسيوس، وتصاعدَت في خياشيمه١٣ غصَّةٌ حادة، عندما أبصر أباه العزيز فوثَب نحوه، وطوَّقه بذراعيه، وقبَّله، قائلًا: «لبَّيكَ، يا أبتاه، ها أنا ذا أمامك، أنا بنفسي، أنا ذلكَ الرجل الذي تسأل عنه. لقد جئتُ في السنة العشرين إلى وطني، وإنما أرجو أن تكُف عن الحزن والعويل الدامع؛ لأنني سأُخبرك بكل شيءٍ، بالرغم من كوني في مسيس الحاجة إلى الإسراع. لقد قتلتُ المغازلين في ساحاتنا، وثأرتُ لنفسي من وقاحتهم المحزنة وأعمالهم الشريرة.» عندئذٍ رد عليه لايرتيس ثانيةً، فقال: «لو كنت حقًّا أنت أوديسيوس، ولدي، يا هذا الذي جئتَ إلى هنا، فأخبرني الآن بعلامةٍ واضحة حتى أكون على يقين.» فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «هاكَ أثَر الجرح تراه بعينَيك أولًا، أثَر الجرح الذي أصابني به خنزيرٌ بري بنابه الأبيض فوق بارناسوس.» عندما ذهبتُ إلى هناك. لقد كنتَ أنتَ الذي أرسلتَني إلى هناك، أنتَ ووالدتي المبجَّلة، إلى أوتولوكوس Autolycus والد أمي، كي أُحضِر الهدايا التي وعَد وقَبِل أن يُعطينيها عندما قَدِم إلى هنا. وزيادةً على ذلك، سأُخبرك أيضًا عن عدد الأشجار التي في الحديقة المحكمة التنسيق التي أعطيتَنيها ذات يوم، عندما تبعتُك خلال الحديقة وأخذتُ أسألك عن هذا وذاك، وأنا لم أكن سوى طفل. لقد مررنا خلال تلك الأشجار عينها، فذكرتَ لي اسمها، وأخبرتَني عن كل شجرة منها. ثلاث عشرة شجرة كمَّثْرى أعطيتنيها، وعشر شجراتِ تفَّاح وأربعين شجرةَ تين. كما وعَدتَ أن تهبَني صفوفًا من الكروم أيضًا، وهي كما أقول، خمسون كَرمة، كانت تنضَج عدة مراتٍ في أوقاتٍ مختلفة — تحمل عناقيدَ من كل نوع — كلما أنزلَتْها من فوقُ فصولُ زوس.»١٤ لايرتبس يُغمى عليه من صدمة اللقاء هكذا تكلَّم وارتخت رُكبتا أبيه في مكانه حيث كان يقف، وذاب قلبه، عندما عرف الأمارات الأكيدة التي أخبَره بها أوديسيوس، فألقى ساعدَيه حول ابنه العزيز، وأمسك به أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل إذ أُغمي عليه، فلما أفاق، وعادت روحه إلى صدره ثانية، تحدَّث إليه من جديد، وتكلَّم، قائلًا: «أبتاه، زوس، حقًّا إنكم ما زلتم أيها الآلهة تُسيطرون على أوليمبوس الشامخ، لو أن المغازلين قد دفعوا بحقٍّ ثمنَ حماقتهم الطائشة. بيد أنه يتملَّكني الآن خوفٌ عجيب في قلبي، خشية أن ينقَضَّ علينا هنا في الحال رجال إيثاكا، ويبعثوا الرسل في كل مكانٍ إلى مدن الكيفالينيين.» فأجابه أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «طب نفسًا ولا تشغل قلبك بهذه الأمور. والآن هلُم بنا إلى المنزل القريب من مزرعة الكرم، لأنني أرسلتُ تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير إلى هناك، كي يُعِدُّوا لنا الوليمة بمنتهى السرعة.» هكذا كانا يتكلَّمان، وذهبا في طريقهما إلى المنزل العظيم، فلما بلغا المنزل الفخم، وجدا تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير يُقطِّعون لحمًا في كمياتٍ وفيرة، ويخلطون الخمر الصهباء. أثينا تُضفي جمالًا وقوة على لايرتيس وفي أثناء تلك الآونة غسلَت الخادمة الصقلية لايرتيس الجريء في منزله ودهنَته بالزيت، وألقت حول جسمه عبايةً بديعة. وعندئذٍ اقتربَت أثينا وضخَّمتْ أطراف راعي الشعب، وجعلَته يبدو للناظرين أطول وأقوى مما كان. وبعد ذلك خرج من الحمام، واستولَت الدهشة على ابنه العزيز؛ إذ رآه في حضرته أشبه بالآلهة الخالدين. فتكلَّم وخاطبه بكلماتٍ حماسية، قائلًا: «أبتاه، لا بد أن أحد الآلهة الخالدين قد جعلكَ أبهى منظرًا للرائين في الجمال وفي القوام.» فردَّ عليه لايرتيس الحكيم، وقال: «لم أتمنَّ، يا أبتاه زوس، ويا أثينا، ويا أبولُّو، أن أكون في مثل تلك القوة التي كانت لي عندما استوليتُ على نيريكوس Nericus، القلعة المكينة البنيان فوق شاطئ اليابسة، يوم أن كنتُ سيدًا على الكيفالينيين؛ فبتلك القوة كان يجب أن أقف إلى جانبكَ أمس في منزلنا مرتديًا حُلَّتي الحربية فوق كتفيَّ، وأُنزل الضربات بالمغازلين. هكذا كان لا بد لي أن أُرخي رُكب الكثيرين منهم في الساحات، وعندئذٍ كان لقلبك أن ينعم بالسرور في باطنك.» أوديسيوس على مائدة العشاء مع أبيه هكذا تحدَّث كلٌّ منهما إلى الآخر، فلما انتهى الآخرون من عملهم، وأعَدُّوا الوليمة، جلسوا في ترتيب فوق الكراسي والمقاعد الغالية. وما كادوا يمُدُّون أيديهم إلى الطعام، حتى اقترب دوليوس العجوز، ومعه أبناؤه، وقد أنهكَهم العمل في الحقول؛ لأن والدتهم، السيدة العجوز الصقلية، كانت قد خرجَت إليهم واستدعتهم، وهي التي تهتم بطعامهم وتقوم برعاية الرجل العجوز في عنايةٍ كريمة، وقد بلغ وقتئذٍ من الكبر عتيًّا، فما إن أبصر بأوديسيوس، وتبيَّنوه في أذهانهم، حتى وقفوا في الساحات مشدوهين عجبًا، بيد أن أوديسيوس خاطبهم بكلماتٍ رقيقة، فقال: «تفضل بالجلوس إلى العشاء، أيها الرجل العجوز، وهل لك أن تنسى عجبك تمامًا؟ فقد انتظرنا مدةً طويلة في الساحات، رغم تلهُّفنا إلى مد أيدينا إلى الطعام، وبقينا هكذا في انتظار قدومك.» دوليوس يُرحِّب بعودة أوديسيوس هكذا قال، فانطلق دوليوس من فوره يعدو نحوه باسطًا يدَيه، وأمسك بيد أوديسيوس وقبَّلها من فوق رسغها، وتحدَّث إليه وخاطبه بكلماتٍ حماسية،١٥ فقال: «أي سيدي العزيز، بما أنكَ قد عُدتَ إلينا، يا من كنا نشتاقك غاية الشوق، وما كنا نُفكِّر في أننا سنراك، والآلهة أنفسهم هم الذين جاءوا بك — فمرحبًا بك — وإنا لنُرحِّب بقدومك من كل قلوبنا، ونطلب من الآلهة أن تمنحك السعادة، ولكن خبِّرني بهذا بالصدق، كي أعلَمه حق العلم. هل تعرف بينيلوبي الحكيمة أكيدًا أنك قد عُدتَ إلى هنا، أم نبعث إليها برسول؟» عندئذٍ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلًا: «إنها تعرف، أيها الرجل العجوز، ولماذا تشغل نفسك بهذا الأمر؟» ما إن قال هذا، حتى جلس الآخر ثانية فوق الكرسي المصقول. وكذلك احتشَد أبناء دوليوس حول أوديسيوس المجيد ورحَّبوا به بالكلام، وصافحوه بالأيدي، ثم جلسوا في ترتيب، بجانب أبيهم، دوليوس. رومور يعلن في المدينة مصير المغازلين الرهيب وهكذا انهمكوا في طعامهم في الساحات، بيد أنه في نفس ذلك الوقت كان الرسول رومور Rumour، يطوف بسرعة خلال المدينة في جميع أنحائها، يُذيع نبأ الميتة الرهيبة ومصير المغازلين، فسمع الناس كلهم بالأمر في الحال، واحتشَدوا آتين من كل صوبٍ يبكون ويُولوِلون أمام قصر أوديسيوس. ومن داخل الساحات أحضَر كل واحدٍ منهم من مات له، ودفنوهم. أما أولئك القادمون من المدن الأخرى فأرسلوهم كل واحد إلى منزله، واضعين إياهم فوق ظهور سُفنٍ سريعة كي يحملهم البحَّارة، وأما هم أنفسهم فانطلَقوا سويًّا إلى مكان الاجتماع، محزوني الأفئدة، فلما احتشدوا والتقَوا معًا نهض يوبايثيس وتكلَّم في وسطهم؛ إذ حل في قلبه حزنٌ ثقيل مُمِض من أجل موت ابنه، أنتينوس، أول رجل صَرعَه أوديسيوس. فخطَب في حشدهم وهو يبكي ابنه، فقال: «أصدقائي، حقًّا لقد حاك ذلك الرجل عملًا وحشيًّا ضد الآخيين؛ إذ قاد البعض في سُفنِه، رجالًا كثيرين وعظماء، وفقد سُفنَه الواسعة، كما فقد رجاله عن بكرة أبيهم، ثم إذا به من جديد يقتل آخرين عند عودته، وهؤلاء أفضل الكيفالينيين بمراحل. كلا، هيا بنا إذن، قبل أن يذهب الرجل بسرعة إلى بولوس أو إلى إليس العظيمة، حيث يسود الإيبيون Epeans، دعونا نخرج إليه؛ حتى لا يكون هذا عارًا يصمُنا باستمرارٍ طيلةَ الأيام المقبلة، فإذا لم ننتقم من قاتلي أبنائنا وإخوتنا، صار هذا عارًا على كل من سمع به من الرجال الموجودين. أما بالنسبة لي فلن أستسيغ الحياة بعد الآن، بل يجدُر بي أن أموت في الحال وأُصبح بين الموتى. كلا، هيا بنا نخرج إليهم، لئلا يكونوا أسرع منا، ويعبُروا البحر.» ميدون يدلي بشهادةٍ طيبة هكذا تكلَّم، وهو يبكي، فتَحركَت عاطفة الشفقة من جميع الآخيين. بعد ذلك اقترب منهم ميدون والمنشد المقدَّس آتيَين من ساحات أوديسيوس؛ لأن النوم كان قد حررهما، فاتخذا وقفتَيهما في الوسط، ودُهِش كل رجل؛ عندئذٍ تكلَّم ميدون، الحكيم القلب، في وسطهم، قائلًا: «استمعوا إليَّ الآن، يا رجال إيثاكا، فالحق أن أوديسيوس لم يقُم بذلك العمل دون إرادة الآلهة الخالدين. كلا، لقد رأيتُ أنا نفسي إلهًا خالدًا وقف بجانب أوديسيوس، وكان يبدو في كل شيءٍ أشبه بمينتور، ولكنه كان أشبه بربٍّ خالد أمام أوديسيوس يظهر تارة، مُشجعًا إياه، وتارةً أخرى كان يثور عَبْر الساحة، يُطارِد المغازلين، فكانوا يسقطون بكثرة وفي سرعة.» هاليثيرسيس يتهم رجال إيثاكا بالجبن هكذا تكلَّم، وعندئذٍ استبد بهم جميعًا الخوف الشاحب. وبعد ذلك قام وسطهم السيد العجوز هاليثيرسيس Halitherses، ابن ماستور Mastor؛ إذ كان وحده يرى مقدمًا ومؤخرًا فخاطب جمعهم بنيةٍ حسنة، فقال: «أصغوا إليَّ الآن، يا رجال إيثاكا، واستمعوا إلى الكلمة التي سأقولها. لقد تمَّت هذه الأعمال بسبب جبنكم أيها الأصدقاء؛ لأنكم أبيتم إطاعة أمري، وأمر مينتور راعي الشعب، فتُوقفوا أبناءكم عن حماقتهم. لقد اقترفوا عملًا وحشيًّا في عماهم وإثمهم الشرير، مُبدِّدين ثروة أمير وغير مُراعين حرمة زوجته؛ إذ اعتقدوا، أنه لن يعود بعد ذاك. إذن فليكن الأمر الآن هكذا؛ فأصغوا إليَّ، كما آمركم. هلُموا بنا ننصرف، لئلا يجد الكثيرُ منا أنه قد جلب المصيبة على نفسه.» رجال إيثاكا يتسلَّحون بقيادة يوبايثيس هكذا خاطبهم ولكنهم نهضوا يصيحون عاليًا، أكثر من نصف عددهم، أما الباقون فقد مكثوا معًا في أماكنهم؛ لأن كلامه لم يَرُق في نفوسهم، وإنما أصغَوا إلى كلام يوبايثيس، فانطلقوا بسرعة نحو أسلحتهم. وبعد أن تدثَّروا بالبرونز البراق، احتشدوا سويًّا أمام المدينة الفسيحة. وقادهم يوبايثيس في حماقته؛ إذ كان يفكر في أن يثأر لمقتل ابنه، غير أنه لم يكن ليعود هو نفسه، وإنما كان عليه أن يلقى حتفه هناك. زوس يَعِد بمساعدة أوديسيوس حتى النهاية أما أثينا فتحدَّثَت إلى زوس بن كرونوس، قائلة: «يا أبانا كلنا، يا ابن كرونوس، يا من تفُوق كافة الأسياد، خبِّرني، أي هدفٍ يُخبِّئه عقلكَ الآن في باطنك. هل تنتوي إشعال نار الحرب الشريرة ووطيس المعركة المفزع. أم ستقيم الصداقة بين الفريقَين؟» عندئذٍ أجابها زوس، جامع السحب، فقال: «أي طفلتي، لِم تسألينني وتستعلمي عن هذا؟ ألم ترسمي بنفسك خطَّة انتقام أوديسيوس من أولئك الرجال عند مجيئه؟ افعلي ما يحلو لك، وسأُخبرك بما يليق. الآن وقد انتقم أوديسيوس العظيم من المغازلين. دعيهم يُقسِموا قسمًا مقدسًا، ولتجعليه ملكًا طوال أيامه، وأما نحن من جانبنا فلنُسبِل عليهم نسيان مقتل أبنائهم وإخوتهم؛ وانشُري الود والوئام بينهم كسابق عهدهم، وأَغدقي عليهم الثروة والسلام.» ما إن قال هذا، حتى نهضَت أثينا، التي كانت بالغة الحماس، وانطلقَت هابطةً من مرتفعات أوليمبوس. أوديسيوس يخرج لمقابلة المتسلحين وما إن انتهَوا من الطعام العسلي المذاق، حتى كان أوديسيوس العظيم الكثير التحمل أول من تكلَّم وسط جماعته، قائلًا: «ليذهب أحدكم وينظر ما إذا كانوا يقتربون الآن.» هكذا قال، فانطلق أحد أبناء دوليوس، كما أمر، فلما غادر المكان حتى وقف على العتبة، ورآهم جميعًا يقتربون، أسرع في الحال وقال لأوديسيوس في عباراتٍ حماسية: «ها هم أولاء يقتربون. أسرع، هلُموا نتسلَّح.» ما إن قال هذا، حتى نهضوا وأعدُّوا أنفسهم في عُددهم الحربية. كان أوديسيوس ورجاله أربعة، وكان أبناء دوليوس ستة، وكان في وسطهم لايرتيس ودوليوس يرتديان حُلَّتَيْهما الحربيتَين، رغم أن رأسَيْهما كانا رماديين، هذان المحاربان القويان. وبعد أن حصَّنوا أجسامهم بالبرونز البَرَّاق، فتحوا الأبواب وخرجوا، يتقدَّمهم أوديسيوس. تيليماخوس يَعِد أوديسيوس بكل عملٍ جريء عندئذٍ اقتربَت أثينا ابنة زوس، منهم، في صورة مينتور شكلًا وصوتًا، فسُر لرؤياها أوديسيوس العظيم الكثير التحمُّل، وفي الحال كلَّم ابنه العزيز، تيليماخوس، قائلًا: «أي تيليماخوس، ستعلم الآن هذا — وقد جئتَ بنفسكَ إلى مكان الوغى، حيث يُعجَم عود خيرة المحاربين — فلا تجلب العار على منزل آبائك؛ إذ كانت لنا اليد الطُّولى دائمًا في القوة والشجاعة على سائر البشر فوق ظهر الأرض.» فأجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «ستجدني، إذا شئتَ، يا أبي العزيز، في حالتي الحاضرة، غير جلابٍ للعار على منزلك، كما تقول تمامًا.» هكذا قال، وسُر لايرتيس، فتكلَّم، قائلًا: «أعظِم بهذا اليوم لي! أيتها الآلهة الطيبة، حقًّا إن السرور ليغمُر فؤادي؛ فإن ولدي وولد ولدي يتنافسان فيما بينهما على الجرأة.» أثينا تظهر وأوديسيوس يهجُم على المقاتلين فاقتربَت منه أثينا، ذات العينَين النجلاوَيْن، في تلك الأثناء، وقالت: «يا ابن أركايسيوس، يا أعز سائر أصدقائي، صَلِّ للعذراء المتألقة العينَين وإلى الأب زوس، وفي الحال ارفع إلى فوق رمحكَ الطويل، وأَطلِقه.» هكذا تكلَّمتْ بالاس أثينا، ونفثَت فيه قوةً عظيمة، فصلى لايرتيس لابنة زوس العظيم، وفي الحال رفع رمحه الطويل عاليًا، وقذف به، فأصاب يوبايثيس خلال خوذته البرونزية الجانبَين، فلم يمنع البرونز مرور الرمح، بل اخترق البرونز الخوذة، فسقط محدثًا صوتًا، وجلجلَت حُلَّتُه الحربية من حوله. بعد ذلك هجم أوديسيوس وابنه المجيد على مقاتلي المقدمة، وأعملا فيهم الطعن بالسيوف والرماح المدبَّبة الأسنَّة. وكادا يُفنيانهم جميعًا، ويحرمانهم عودتهم، لولا أن أثينا ابنة زوس، حامل الترس، صاحت بصوتٍ جَهْوَري، وأوقفَت الجيش كله؛ إذ قالت: «كُفُّوا، عن الحرب المفجعة، يا رجال إيثاكا، لكي تفترقوا بكل سرعة، دون إراقة دماء.» السلام يسود أوديسيوس والمحاربين بأمر الآلهة هكذا تكلَّمتْ أثينا، فاعتراهم خوفٌ شاحب. وإذ استبد بهم الذعر، طارت الأسلحة من أيديهم بعد ذلك وسقطَت كلها على الأرض، بمجرد أن أرسلَت الربة صوتها، فانطلَقوا متجهين شطر المدينة. توَّاقين إلى إنقاذ حياتهم. وعندئذٍ صاح أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، بفظاعة، وبعد أن استجمع قواه انقَضَّ عليهم كأنه نسرٌ عالي الطيران، وفي تلك اللحظة قذف ابن كرونوس صاعقةً ملتهبة، فسقطَت أمام ابنة الرب العتيد، أثينا البَراقة العينَين، فتكلَّمتْ بعدئذٍ أثينا النجلاء العينَين تُخاطب أوديسيوس، قائلة: «يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الواسع الحيلة، كُفَّ يدك، وأوقف نضال الحرب المتعادلة،١٦ لئلا يغضب منك ابن كرونوس، زوس، الذي يحمل صوته نائيًا.» هكذا قالت أثينا فصدَع بأمرها، واغتبَط في قرارة فؤاده. وبعد ذلك عُقد الصلح والسلام الدائم بين الفريقَين بواسطة بالاس أثينا ابنة زوس، حامل الترس، وهي في صورة مينتور شكلًا وصوتًا. ١ ولد هيرميس في كهفٍ فوق جبل كوليني ولدًا كان يُسمَّى أحيانًا كولينيوس أو هيرميس الكوليني. ٢ ابن الملك بيليوس. كان أوَّل أبطال الحرب الطروادية. ٣ ابن مينويثيوس. قتل وهو صبي ابن أمنياداماس عفوًا فترك لوكريس وذهب إلى بيليوس في فثيا حيث نشأ مع أخيل فتولَّدتْ بينهما صداقةٌ كانت مضرب الأمثال. ٤ ابن نسطور. استطاع أن يُشهِر نفسه في الحرب الطروادية بما أبداه من شجاعة وسرعة ودهاء وجمال. ٥ هو أجاكس، ابن الملك تيلامون، ملك سلاميس، أحد القواد الإغريق الذين حاربوا في طروادة، وكان يلي أخيل في المرتبة. أتى بمعجزات هي آية في الشجاعة والقوة. ٦ الترجمة الحرفية: كل من يولد. ٧ الموسيات Muses. ٨ ربة البحر، قامت هيرا بتربيتها وتزوَّجتْ بيليوس الذي كان بشرًا، وصارت والدة أخيل العتيد. ٩ ابن أويبالوس ملك إسبرطة والحورية بانيا. طرده أخوه هيبوكون وهرب إلى ثيستيوس في أيوليا الذي زوَّجَه ابنته ليدا. أعاده هرقل فيما بعدُ إلى عرش إسبرطة فأنجبَت له ليدا كاستور وكلوتايمنيسترا، كما أنجبَت لزوس بولوكس وهيلينا. ١٠ يشير النص إلى كد العمل الذي حصَل به على تلك الأرض، ولكنا قد نفكِّر كذلك في جواز إعطاء تلك الضيعة إلى لايرتيس كنصيبه من الأسلاب، وفي هذه الحالة يكون المقصود هنا «كد الحرب». ١١ يجوز «التي قُدِّم لها صداقٌ باهظ»، ولكن البعض يعتبرها فقط «ضخمة» إذ إن اللفظ الإغريقي لم يُستعمل إلا في هذه الجملة فقط. ١٢ جميع أسماء الأعلام هنا خيالية ولكنها ذات معنًى هام، فيجوز أن يكون المقصود من «أليباس» هو «التجول» أو «الهذيان»، وهذان يشيران إلى تجوالات أوديسيوس ومحنه. ومعنى «أفيداس» هو «عديم الرحمة»، ومعنى «بولوبيمون» هو «الواسع الممتلكات»، ومعنى «إبيريتوس» هو «النضال». ومن الجلي أن هذه تُشيرُ إلى معنى اسم «أوديسيوس» وهو «رجل الغضب». ١٣ لقد افترض الجميع أن هذه العبارة تشير إلى الشعور الطبيعي الذي يسبق انهمار الدموع، ولكني أميل إلى اعتبار هذه الجملة دالة على الوجدان بأوسع معانيه. واقتُبس هذا التعبير من تمدُّد خياشيم الحصان أو الثور الهائج الغاضب. ١٤ أي تثقُل أغصانها بالثمر فتهبط إلى أسفل. ١٥ في الأصل: مجنحة. ١٦ قد يكون المقصود: «المبيدة». الأوديسة
تحليل الإلياذة الأنشودة الأولى تدور الأشعار فيها حول فكرةٍ معيَّنة وثيقة الاتصال بغضب أخيل، وهذه الفكرة هي التي تُكوِّن وحدة هذه الأنشودة وتربط بين أجزائها؛ ذلك أنه كان قد عرض أجاممنون أن يعطي ابنته خروسايس إلى كاهن أبولو Apolo ويُدعى خروسيس Chryses غير أنه في مقابل ذلك يُطالب أجاممنون بأن يعطي بريسايس Briseis إحدى أسيرات أخيل، إلا أن أخيل يعتبر هذا الطلب مَسبَّة وعارًا له فيغضب ويرفض الاشتراك في القتال، ثم يذهب إلى خيمته ويقبع فيها، يؤيده في ذلك الربُّ زوس الذي كان يُشجِّعه على هذا المسلَك. الأنشودة الثانية وفيها يأتي زوس إلى أجاممنون في نومه، ويخبره بأن هناك أحداثًا جسامًا ستقع؛ ومن ثَمَّ يعقد أجاممنون العزم على القتال ويجمع الملوك والرؤساء للتشاور في هذا الأمر. وبعد هذا المجلس الصغير يُعقَد المجلس الكبير الذي هو مجلس الشعب المكوَّن من جميع المحاربين البالغين سنًّا معيَّنة لا تقل عن العشرين. يتظاهر أجاممنون بادئ ذي بدءٍ برغبته في الرحيل، ويؤيده الجميع في هذه الرغبة ويُبدون استعدادهم لذلك ويُعدُّون العُدة للرحيل. وبينما هم على هذا العزم إذ يجيئهم أوديسيوس فيشُد من عزائمهم ويُشجِّعهم ويُقدِّم لهم النصائح، ويحثُّهم على القتال فيُغيِّر من رأيهم ويحملهم على مواصلة القتال. وفي هذه الأنشودة يَسردُ الشاعر أسماء الزعماء والملوك والرؤساء من اليونان، وكذلك الشعوب اليونانية المختلفة. كما أنه يَسردُ أسماء ملوك الطرف الثاني الذي مع طروادة. الأنشودة الثالثة وفيها يستفز باريس الآخيين ويحملُهم على القتال، ولكنه يفر أمام مينيلاوس ملك إسبرطة فيؤنِّبه هكتور Hector ويُوجِّه إليه اللوم على هروبه، فيتفقان على أن تكون هيلينا من نصيب المنتصر، وتتقدَّم هيلينا على حصون طروادة، وهوميروس في وصفه لها وهي تتقدم فوق الحصون قد وصفها وصفًا بليغًا بلغ في ذلك آيةً كبيرة من الفن، وتشرع هيلينا في عد أسماء الملوك والزعماء والرؤساء اليونانيين لبريام Priam والد باريس وهكتور. ويبدأ القتال، ولكن ربَّة الجمال أفروديتي تأتي وتخطَف باريس من بين براثن الموت مؤنبةً امرأته هيلينا على ذلك. غير أنها من فرط حبها له تنسى هذا التوبيخ وترضى عنه، وتعود إلى الوفاق معه. أما أجاممنون فيطالب بتنفيذ المعاهدة. الأنشودة الرابعة وفيها يذكر الشاعر أن الربة هيرا Hera تحصُل على موافقة زوجها زوس برجوع حالة الحرب بين اليونان وطروادة، وتقترح الربَّة أثينا على بنداروس Pendarus أن يصوب سهمًا نحو ديوميديس Diomedes ملك إسبرطة، فيصيبه السهم ويجرحه ولكنه لا يموت من آثار الجرح. أما أجاممنون فيحُض جنوده على القتال الذي يعود إلى ما كان عليه. الأنشودة الخامسة يقص الشاعر فيها أعمال البطولة التي قام بها ديوميديس بن توديوس Tydeus، وبالرغم من جراحه التي أُصيب بها فإنه يواصل القتال في حماسٍ عظيم بفضل مساعدة أثينا، ويتمكَّن من قتل بنداروس ويَجرح إنيوس Eneus فتأتي أفروديتي وتنقذ ابنها إنيوس، بيد أنها تُجرح هي الأخرى فتصعد إلى جبل أوليمبوس، وعندئذٍ يظهر أبولُّو ويُنقذ إنيوس ويَشفيه من جراحه. أما ديوميديس فإن أثينا تَحثُّه على القتال حتى يتمكَّن من جرح أريس. الأنشودة السادسة فيها يأخذ أهل طروادة في التقهقُر والتراجُع، ويترك هكتور ميدان القتال بعد أن ينصحه بذلك هيلينوس Hellenus، ثم يذهب هيكتور لينصح أمه هيكوبي Hecupe ويتوسَّل إليها أن تذهب إلى الربة أثينا للحصول على مساعدتها، ثم يُحرِّض هيكتور باريس ويدفعه إلى ميدان القتال ليحارب هناك، ثم يُودِّع هكتور زوجته أندروماخي Andromache الوداع الأخير. وفي هذه الأنشودة فضلًا عن ذلك قِطعٌ جميلة جدًّا منها وصف المحادثات التي دارت بين هكتور وأمه هيكوبي، وكذلك بين هكتور وباريس، ثم بينه وبين زوجته أندروماخي. الأنشودة السابعة فيها يستفز هكتور أشجع شجعان اليونان ويُدعى أجاكس Ajax فتنشأ بينهما معركةٌ لا تنتهي إلى النتيجة، ولكن على أثَرها يعقد الطرفان هدنةً لدفن الموتى، ثم يأخذ اليونان في تحصين معسكرهم فيحصنونه بسورٍ وخندق، ثم يأتي الليل مصطحبًا معه حوادث جسامًا. الأنشودة الثامنة فيها يُهزم الآخيون؛ ذلك أن زوس أكبر آلهة اليونان يُحرِّض الآلهة جميعًا على عدم التدخُّل بين الطرفَين المتعاركَين، ويدعوهم إلى التزام الحياد في هذا القتال. أو هو يعود إلى مكانه فوق جبل إيدا Ida ويصعد إليه ليرى من فوقه الجيشَين المتحاربَين. وكان القتال بينهما سجالًا في بادئ الأمر، ثم انتهى بنتيجةٍ إيجابية وهي انتصارُ جيش طروادة، فاضطُر اليونان بعد هزيمتهم إلى التراجُع نحو تحصيناتهم، كما حاول أجاممنون إلى أن يشُد من أَزْر جنوده وتقوية روحهم المعنوية، بيد أن هكتور ظل منتصرًا؛ ومن ثَمَّ حاولَت الربَّة هيرا والربة أثينا التدخل في القتال فمنعَهما زوس، ولمَّا أقبل الليل فصَل بين المتحاربَين وعَسكَر الطرواديون في السهل. الأنشودة التاسعة يجمع أجاممنون الزعماء ويعقد مجلسًا ليأخذ رأيهم، ثم يقترح عليهم الرحيل ومغادرة أرض طروادة، ولكن يُعارِضه في هذا الرأي كلٌّ من ديوميديس وأوديسيوس، ثم يقترح نسطور Nestor أن تُبذل الجهود لعقد الصلح مع أخيل، فيقبل أجاممنون هذا الاقتراح ويعلن استعداده إلى رد بريسايس التي كان قد أخذها من أخيل على أن يعطيه بعض التعويضات لإرضائه. ويُقرِّر المجلس إرسال سُفراءَ إلى أخيل فأحسَن مقابلتهم، ولكنه رفض الاشتراك في القتال في جانب الأغارقة. الأنشودة العاشرة تُعتبر هذه الأنشودة عند معظم النقاد من الأناشيد المضافة إلى الإلياذة، وهناك بعض المؤرخين القدامى يأخذون بهذا الرأي أيضًا. يظهر الخوف بصورةٍ واضحة من جانب زعماء اليونان ورؤسائهم في هذه الأنشودة؛ لذلك يعقدون مجلسًا جديدًا ويقترح البطلان ديوميديس وأوديسيوس في هذا المجلس أن يأخذا على عاتقهما مهمة الذهاب إلى معسكر جيش الطرواديين للتجسُّس على ما يقوم به ذلك الجيش من استعدادات حربية، ولكنَّ هذَين البطلَين يقابلان رجلًا من جيش طروادة اسمه دولون Dolon أَرسلَه هكتور للتجسُّس على جيش اليونان ونقل أخباره إلى الطرواديين، فيخاف هذا الجاسوس على حياته عند مقابلته للبطلَين اليونانيين؛ ومن ثَمَّ يكشف عن أسرار جيش طروادة أملًا في النجاة بحياته من الخطر المُحدِق به، ومع ذلك يقتله ديوميديس ثم يعود البطلان إلى معسكر اليونان. الأنشودة الحادية عشرة وهي عبارة عن سرد لمخاطرات أجاممنون. وتدور كلها حول الفكرة الرئيسية المسيطرة على الإلياذة؛ لذلك فإن مكانها الحقيقي بعد الغناء الأول؛ لأن نُقادًا كثيرين يقولون بأن الأناشيد الواقعة ما بين الأنشودة الأولى والحادية عشرة كلها مضافة إلى الإلياذة. كما أن موضوع هذه الأنشودة متصلٌ جدَّ الاتصالِ بموضوع الأنشودة الأُولى، ولكن لا يجب علينا أن نأخذ بهذه النظرية القائلة بأن الأناشيد السابقة مضافة إلى الإلياذة. يُحاول هوميروس في هذه الأنشودة أن يعطينا صورةً واضحة عن الهزيمة التي مُني بها الآخيون. ولهذا نراه يسرد الهزائم المتتابعة التي لحِقَت بالبطل اليوناني مينيلاوس، وكذلك أجاكس وديوميديس، كما يسرد لنا الهزيمة التي لَحِقَت حاليًّا بالزعيم الأكبر أجاممنون. وتدور المعركة من جديد بين الجيشَين. وفي هذه المعركة يُظهِر أجاممنون كثيرًا من الشجاعة حتى يضْطَر أهل طروادة إلى التراجُع إلى تحصيناتهم، ولكن أجاممنون يُجرح ويصبح غير قادرٍ على مواصلة القتال؛ لذلك ينتصر أهل طروادةَ من جديد ويُجرح أوديسيوس وديوميديس. وأخيرًا يرسل الملك نسطور بتروكلوس Patroclus أعزَّ أصدقاءِ أخيل إلى هذا الأخير ليوقفه على الهزائم التي نزلَت باليونانيين، آملًا من وراء ذلك أن تأخذه الشفقة باليونانيين، فيعطف عليهم ويعود إليهم ليُناصرهم ويُساعدهم في هذا القتال العنيف. الأنشودة الثانية عشرة وكلها عن الموقعة الحربية التي وقعَت بجوار أسوار المدينة. يقترب الجيش الطروادي من تحصينات الجيش اليوناني، ويستعد لعبور الخندق، ولكنه يفشل في أول الأمر، ثم يتمكَّن أخيرًا من فتح ثغرة في الأسوار، بالرغم من دفاع اليونانيين المستميت، وخصوصًا دفاع البطلَين أجاكس وأوديسيوس. وكان يقود الطرواديين ساربيدون Sarpedon وجلاوكوس Glaucus ثم يتمكَّن البطل العظيم هكتور من اختراق معكسر اليونانيين، ويتبعه الطرواديون حتى يصلوا إلى داخل معسكر الأغارقة نفسه. الأنشودة الثالثة عشرة كلها سردٌ للمعركة التي نَشبَت بجانب الأسطول، وفي هذه الأنشودة ينصرف الرب زوس انصرافًا مؤقتًا عن الحرب؛ لذلك ينتهز الرب بوسايدون هذه الفرصة، ويهبط من أعلى قمم جبال أوليمبوس لمساعدة اليونانيين في محنتهم هذه. وبعدئذٍ تدور معركةٌ بحرية كان فيها الجناح الأيسر للأسطول اليوناني تحت قيادة إيدومينيوس Idomeneus والقلب بقيادة أجاكس. وتدور رحى موقعةٍ بحرية عنيفة تسيل فيها دماء الطرفَين. وأخيرًا يتقهقر الجيش الطروادي قليلًا، ولكن هكتور يجمع الرؤساء والزعماء ويستشيرهم في هذا الموقف العصيب، ويُقرِّر بعد أخذ رأيهم مواصلةَ القتال ثم يتحدى أجاكس هكتور، وتبدأ المعركة من جديدٍ أشدَّ هولًا مما كانت عليه. الأنشودة الرابعة عشرة تدور حوادثها الرئيسية حول الحب الذي بين كبير الآلهة وهيرا، ومن الجائز حذفُ هذا الغناء من الإلياذة دون أن يصيب وحدة الموضوع أدنى ضرر. وعلى كل حال فإن وجوده لا يضُر مطلقًا. في هذه الأنشودة أيضًا يُوافِق اليونانيون على رأي ديوميديس القاضي بمتابعة القتال، ولكن هيرا تأخذ في تجميل نفسها؛ لأنها تُريد أن تَفتِن كبيرَ الآلهةِ فتستعير من أفروديتي ربة الجمال الزنَّار الذي تربط به خصرها وتستدعي إله النوم من جزيرة ليمنوس Lemnos، وتقترح عليه تنويم كبير الآلهة، فينام زوس ويغفُل عن الحرب، فينتهز بوسايدون هذه الفرصة ويُساعِد اليونانيين مساعدةً جدية حتى ينقلب الموقف في صالحهم، ويتمكَّن أجاكس من جرح هكتور. أما الطرواديون فيتقَهقَرون ويدفعهم اليونانيون بعيدًا عن الأسطول بقيادة البطل أجاكس. الأنشودة الخامسة عشرة فيها يستيقظ زوس من نومه، ويحتد على هيرا، ويرسل أيريس Iris وأبولو لمساعدة جيش طروادة؛ عندئذٍ يترك الإله بوسايدون ميدان القتال فيخلو الجو أمام أبولُّو ويتمكَّن من شفاء هكتور وبَثِّ روح الثقة بين الطرواديين، وإدخال الرعب والفزع في قلوب اليونان، وتشجيع جيش طروادة حتى يتمكن من الوصول إلى داخل المعسكر اليوناني، ثم يذهب بتروكلوس لمقابلة أخيل كي يرجوه أن يساعد إخوانه في الجنس واللغة والدين، ثم يدافع اليونانيون عن معسكرهم دفاعَ المستميت، وفي هذه الأثناء يستعد هكتور لإيقاد النيران في سفينة بروتيسيلاوس Protisilaus. الأنشودة السادسة عشرة فيها يعطي أخيل بتروكلوس حُلَّته الحربية لإدخال الرعب والفزع في قلب جيش طروادة بشرط ألا يستخدمها في المعركة، بل يكتفي بالظهور بها لِبَثِّ الرعب والخوف، ولكن بتروكلوس ينسى وعده في أثناء المعمعة، ويُقدِم على مهاجمة الطرواديين هجومًا بالغ العنف، فيتقهقر جيش طروادة على أثَره، وينجح بتروكلوس في قتل ساربيدون، ثم يغريه هذا النجاح على التقدُّم في الهجوم آملًا في أن يستولي على طروادة، ولكن أبولُّو ينتزع منه السلاح الذي كان قد أعطاه إياه أخيل، فيتمكَّن يوفوربوس Euphorbus من جَرْح بتروكلوس، ثم يتقدم هكتور ويُجهِز عليه تمامًا. الأنشودة السابعة عشرة يرغب يوفوربوس في الاستيلاء على أسلحة بتروكلوس، ولكن مينيلاوس يُدافع عن جثة بتروكلوس ويستدعي أجاكس ليساعده في هذه المهمة. يتراجع هكتور في بادئ الأمر ثم يعود بعد ذلك، وتستمر المعركة سجالًا بين الطرفين، ثم تَفْزع خيول أخيل، ولكن زوس يُهدِّئ من رُوعِها ويعود بها إلى ميدان القتال. وعندئذٍ يحاول هكتور ومعه إنيوس الاستيلاء على هذه الخيول، وتستمر الحرب في صالح جيش طروادة، ثم يُضطَر مينيلاوس إلى أن يبعث رسولًا إلى أخيل ليُبلِغه نبأ موت صديقه بتروكلوس والهزيمة التي لحِقَت باليونانيين، ثم يتمكَّن مينيلاوس وميريونيس Meriones من حمل الجُثَّة، ويتراجعان في حماية البطل أجاكس. الأنشودة الثامنة عشرة ييأس أخيل عندما يعلم بخبر موت بتروكلوس، ولكن أمه ثيتيس Thetis تُعزِّيه في مُصابه وتَعِدُه أن تُحضِر له أسلحةً جديدة تُعوِّضه بها عن الأسلحة التي سبق أن أعطاها لبتروكلوس، كما تَعِده بأنها ستُساعده على خصمه العنيد هكتور على أن يتم ذلك بعد يوم، ثم تذهب إلى جبل أوليمبوس وترجو هيفايستوس أن يصنع لها هذه الأسلحة، ثم يخرج أخيل من خيمته وهو يصيح عاليًا ومنظره غاية في الرعب حتى خاف أهل طروادة على أنفسهم فولَّوا الأدبار، ثم يقضي اليونانيون تلك الليلة في معسكرهم باكين نائحين حول جثة بتروكلوس. ويلي ذلك وصف الشاعر لدرع أخيل التي بلغَت درجة عظيمة جدًّا من الإتقان الفني، ثم تنتهي هذه الأنشودة بوصول ثيتيس من جبل أوليمبوس ومعها الأسلحة التي وعدَت بها ابنها أخيل. الأنشودة التاسعة عشرة تدول حول صُلح أخيل مع اليونانيين، فيعقدون مجلس الشعب وهو عبارة عن جميع رجال الجيش في ذلك الوقت، ثم يقف أمامه أخيل ويُعلن على أسماع جميع أعضاء هذا المجلس نياته الطيبة وحسن استعداده لخدمة إخوانه الآخيين، ثم يخلُفه في دور الخطابة أجاممنون الزعيم الأكبر، ويعترف الأخير علانية بالأخطاء والذنوب التي سبق أن ارتكبها في بادئ هذه الحملة، ثم يتقدم نحو أخيل ويُربِّت على كتفَيه، ويعرض عليه هدايا ثمينة جدًّا، ولكن أخيل يرفضها رفضًا باتًّا في إباءٍ وشمم. وعندئذٍ يتقدَّم إليه أوديسيوس ويُلحُّ عليه بشدة في أن يقبلها، فيُضطر أخيل إلى أن يقبلها، ثم نرى بريسايس تعود إلى سفينة أخيل باكية، ويشاركها في هذا البكاء صديقها أخيل، وكلاهما يبكي على هذا المصاب الفادح بفقدهما العزيز بتروكلوس، ثم تُعلِن إلى أخيل نبوءةً بأنه سيموت قريبًا غير أنه لا يهتم بهذه النبوءة؛ لأنه كان قد صمَّم على الانتقام لصديقه بتروكلوس ويريد إشباع نهم هذه الرغبة وهي تُحتِّم عليه أن يقتل أشد خصومه البطل هكتور، مع علمه بأنه سيموت يقينيًّا في القريب العاجل. الأنشودة العشرون وفيها يسمح زوس للآلهة بالاشتراك في هذه الحرب فتنقسم الآلهة قسمَين؛ فريق مع اليونانيين وفريق مع الطرواديين. كان مع الآخيين هيرا وأثينا وهيرميس، وكان مع الطرواديين أريس وأرتيميس Artemes وأبولُّو وأفروديتي. يتقدَّم أبولُّو بالنصيحة إلى أهل طروادة ويُشجِّع إنيوس على مبارزة أخيل، كما أنه ينصح هكتور بعدم مبارزة أخيل أو مقاتلته، فيركن هكتور إلى نوعٍ ما من الهدوء، ولكن أخيل يقتل أصغر إخوته واسمه بولودوروس Polydorus أصغر أبناء بريام ملك طروادة، فيتحمَّس هكتور من جديد ويريد أن يثأر لأخيه، وبينما هو يستعد يسرع إليه أبولُّو أملًا في إنقاذه من الخطر الذي يكاد يتعرض له هكتور، ثم يُمعِن أخيل في قتل عددٍ كبير جدًّا من جيش طروادة. الأنشودة الحادية والعشرون تتجلى فيها هزيمة الطرواديين، وتأخذ الربَّة أثينا في تشجيع البطل أخيل غير أن الخطر يُحدِق به، فتتقدَّم هيرا وتُرسل هيفايستوس لإنقاذه من براثن الموت، ثم تأخذ الآلهة في محاربة بعضها البعض الآخر، وبعد ذلك تعود جميعها إلى جبل أوليمبوس، وتترك أبولُّو وحده، فيتمكَّن الأخير بمكره وخداعه من مساعدة أهل طروادة وإنقاذهم من الخطر الذي أشرفوا عليه. والظاهر أن هذه الأنشودة قد أُضيفَت إلى الإلياذة؛ ومن ثَمَّ فمن المستطاع حذفُها دون أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بوحدة الإلياذة أو توازنها أو إنقاص أي شيءٍ مهم عن الشخصيات البارزة المختلفة. الأنشودة الثانية والعشرون وهي عن موت البطل هكتور. فيها يعود أخيل ويقترب من أسوار مدينة طروادة، ويتقابل مع البطل هكتور الذي يعتمل في دخيلة نفسه حُب منافسة البطل أخيل، ثم يقترب أخيل من هكتور ويظل يقترب رويدًا رويدًا، إلا أن منظر أخيل كان غاية في الهول والرعب، فيخاف هكتور على نفسه عندما يرى غريمه ويهرب مسرعًا، ولكن أخيل يعود وراءه، ويستمر الاثنان في هذا العَدْو حول أسوار المدينة ثلاث مرات. وأخيرًا يزن الإله زوس مصير البطل هكتور في كفَّة من كفَّتَي الميزان ومصير أخيل في الكفَّة الأخرى ويوازن بين الكفَّتَين. وأخيرًا يُصمِّم زوس على التخلي عن هكتور، ويُلقي به إلى الربة أثينا؛ لذلك يُفلِح أخيل بعد تخلي زوس عن هكتور من قتل هذا الأخير، ونزع الملابس التي كان يرتديها، ويبدأ في جَرِّ الجثة حتى يصل بها إلى الأسطول. أما أهل طروادة وخصوصًا أُسْرة هكتور وهم أبوه بريام وأمه هيكوبا وزوجته أندروماخي فإنهم يَبْكون عليه بكاءً مُرًّا. الأنشودة الثالثة والعشرون فيها يحتفل الآخيون بجنازة بتروكلوس، فيُشعلون النيران، ويضعون فوقها جثة بتروكلوس، ثم يذبحون الذبائح ويقدمونها للآلهة. وفي هذه الساعة المحزنة الرهيبة يتقدَّم أخيل ويُودِّع جثَّة صديقه العزيز الوداع الأخير، وينتظر بُرهةً حتى تنطفئ النار، فيستخرج منها بعد ذلك البقية الباقية لصديقه العزيز، ثم يُقيم الشعب الذي ينتمي إليه بتروكلوس وهم جماعة المورميدون Myrmidones مقبرةً لبتروكلوس مكان النيران المشتعلة، وبعد ذلك تُقام المباريات الرياضية وتُعيَّن الجوائز الكثيرة للفائزين في هذه الألعاب؛ كسباق العربات، والملاكمة، والمصارعة، والعَدْو على الأقدام، والنزال بين الجنود المسلَّحين وبين رماة السهام والأقواس والأقراص. الأنشودة الرابعة والعشرون يُخيِّم اليأس على أخيل من فَرْط حزنه على فقد صديقه العزيز الذي كان يُحبه حبًّا جمًّا؛ لذلك كان يريد أن يُشبع غريزة الانتقام المتولِّدة فيه، فلا يكتفي بقتل هكتور بل يريد أن يمثل بجثته تمثيلًا شنيعًا؛ لذلك نراه يجُر جثة هكتور ويطوف بها مرارًا حول مقبرة بتروكلوس، ولكن كبير الآلهة زوس يتدخل من جديدٍ في صالح أهل طروادة، ويأمر أخيل بإعادة جثة هكتور إلى أهله وأبناء عشيرته وإرجاعها إلى أبيه بريام، ثم يبعث الرسل إلى بريام ليُبلِغه الخبر ويطلب الرسل منه أن يذهب لشراء ما بقي من جثَّة ابنه، فيذهب بريام متنكرًا إلى أخيل دون أن يعلم أهله وعشيرته شيئًا عن هذا السعي؛ إذ يذهب بريام بإرشاد هيرميس فيتقابل مع أخيل الذي يوافق أخيرًا على أن يُسلِّم الأب جثة ابنه هكتور ويعود بها إلى طروادة. يلي هذا ذلك المنظر المحزن الذي تبكي فيه أُسرة هكتور عليه بكاءً مرًّا، فإذا بالنساء وزوجته المخلصة وأمه هيلينا يبكينه بكاءً يُفتِّت الأكباد، ثم وصف جنازة هكتور والاحتفال بدفنه احتفالًا رهيبًا جدًّا. إلى هنا تنتهي الإلياذة وينتهي تحليل الإلياذة؛ ولذلك يحسن أن نقف قليلًا لنسترجع ما علقَ بأذهاننا من قراءة الإلياذة. جليٌّ أن الإلياذة تغلب عليها الوحدة، وأنها كُتبَت حسب خطةٍ موضوعة سبق للشاعر أن درسها وفكَّر فيها تفكيرًا عميقًا جدًّا، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن هناك بعض الأغاني يشعر المرء حين قراءتها بأنها أُضيفَت إلى الإلياذة؛ مثل القائمة التي سَردَت أسماء السفن المحاربة، ومثل الغناء الذي وصف فيه الشاعر نزاع الآلهة، بحيث يمكننا أن نتصور هذه القصائد كأنها أدراجُ الصوان إذا أُخرج درجٌ فهذا لا يؤثِّر عليه في قليل أو كثير؛ ذلك أن فكرة الإلياذة نبتَت حين جال بخاطر الشاعر أن يجمع كل هذه القصص حول فكرةٍ أساسية هي غضب البطل أخيل، ولكن من ذا الذي جال بخاطره هذه الفكرة؟ هل هو شاعر كتب في هذا الموضوع قصيدةً طويلة، ثم أُضيفَت إليها قصصٌ أخرى فيما بعدُ عن أحداثٍ جديدة أم هو رجل من الأجيال المتأخرة بعد جيل الإلياذة، له موهبة التنظيم والترتيب عَمِل على أن يجمع قصائدَ منفصلة حول فكرةٍ واحدة؟ أم هو شاعرٌ استعار هذه الحوادث من خرافاتٍ قديمة أخرى؟ هذه كلها فروضٌ تجول بخاطر الناقد، ولكن لا يجد لها جوابًا شافيًا. ••• يجدر بنا الآن الاتجاه إلى الأوديسة لنأخذ فكرة عنها: عندما نبدأ في قراءة الأوديسة في أُولى أشعارها يتبادر إلى ذهننا أن هذه الأشعار والقصائد لا تختلف كثيرًا عن أشعار الإلياذة من حيث الأسلوب والفن الشعري؛ فكلها من مرتبةٍ شعرية واحدة، الفن الشعري فيها واحد، وكذا الأسلوب واحد؛ أي إن كل ما يتصل بالشعر في الأوديسة لا يختلف في أصله عن شعر الإلياذة، ولا أدلَّ على ذلك من أن القصيدة في الأوديسة تبتدئ بالتوسُّل إلى ربَّة الشعر كالإلياذة تمامًا، ولكن بالرغم من هذه الوحدة الفنية الأدبية تلاحظ بعد مواصلة القراءة في الأوديسة أننا نجد أنفسنا في عالمٍ جديد يختلف كل الاختلاف عن عالم الإلياذة، وذلك لأن موضوع الأوديسة يختلف تمام الاختلاف عن موضوع الإلياذة. كانت فكرة الإلياذة الأساسية هي غضب البطل أخيل وخلافه مع كبير ملوك اليونان أجاممنون. أما الأوديسة فتدور فكرتها حول عودة البطل أوديسيوس من حرب طروادة، فهي تسرد مخاطراته التي قابلَتْه أثناء رحلته في عودته إلى بلاده، فالأوديسة عبارة عن قصيدةٍ طويلة أُنشدَت حول البحر، وما أعظم القصائد التي أُنشدَت عن البحر! ولربما كانت أهم فضائل العالم الفرنسي فكتور إبرازه لنا هذه الفكرة وتوضيحه إياها وكشفه عنها. وحقيقة الأمر أن فكتور لم يكشفها لأن أي قارئٍ عادي مُجرَّد من الثقافة الكلاسيكية يستطيع أن يلاحظ منذ البداية أن القصة تدور كلها حول البحر، ولكن فكتور بيرار ترجم الأوديسة ترجمةً شائقة وعلَّق عليها تعليقاتٍ مهمة واضحة كل الوضوح. وكل ذلك بأسلوبٍ فني رائع جعلَنا نشعر معه بأن البحر هو الموضوع الأساسي الذي دارت حوله الأوديسة، والبحر المقصود هنا هو البحر الأبيض المتوسط؛ إذ لا يمكن فصل البحر الأبيض المتوسط عن الأوديسة ولا فصل الأوديسة عنه، كما فعل بعض العلماء والنقاد الذين ذهب بعضهم إلى القول بأن المقصود بالبحر هنا هو الخليج الفارسي، وبعضهم الآخر بأنه البحر الأسود. وهذا كله غير صحيح لأننا نَشتَم رائحة البحر الأبيض في ثنايا هذه الأشعار من أولها إلى آخرها ولا نستنشق غير عبيره منذ بداية الأوديسة؛ لذلك حاول بعض العلماء البحث عن الأماكن والبلاد التي تكلَّمَت عنها الأوديسة وتحقيق مواضعها في الوقت الحاضر. وقد سار النُّقَّاد في هذا السبيل أثَر فكتور بيرار الذي طاف حول البحر الأبيض المتوسط وأخذ يجوب أطرافه المختلفة باحثًا ومنقبًا عن الطريق الذي سلكه البطل أوديسيوس في قديم الزمان. ولقد تهكَّم عليه الناس وسخروا منه كل السخرية، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا كل الخطأ؛ إذ من الجائز أن يكون فكتور قد بالغ في تحقيقاته الجغرافية؛ فهناك من المؤرخين الألمان مثل شميدت الذي يقول بأن جغرافية الأوديسة ترتكز في كثيرٍ من الأحيان على جزءٍ عظيم من الخرافات والأباطيل والخيالات والأوهام. ومن الجائز أن يكون في قولهم هذا شيء من الصحة؛ لأننا نرى فكتور بيرار يخطئ عندما يقول إن بلاد الكوكلوبيس (أي أصحاب العيون المستديرة) هي البلاد الواقعة عند خليج نابولي، وإن بلاد اللايستروجونيين تُوجد في جزيرة سردينيا أو على ساحل شبه جزيرة سيبيريا، ولكن فكتور بيرار لم يُخطئ دائمًا إذ نجد في كلامه وتحقيقاته الجغرافية كثيرًا من الصحة؛ إذ ليس هناك شك في أن الشاعر كان يتكلم عن علم ودراية، وفي أن خيال الشاعر هوميروس كان يدور حول بلادٍ حقيقية ومراكز تاريخيةٍ صحيحة. وليس هناك شك في أن الكثير من معلوماته الجغرافية كانت دقيقة كل الدقة بحيث تدعو إلى الإعجاب. وهذا لا يناقض القول القائل بأن في شعره كثيرًا من الخرافات التي لا تقوم على أساسٍ صحيح. وليست هذه المناظر وحدها أو الوصف البديع لهذه المناظر الطبيعية هي التي تجعل الأوديسة تختلف كل الاختلاف عن الإلياذة في الموضوع. وليست أيضًا هذه المناظر فحسب هي التي تجعلنا نقول بأن البحر الأبيض المتوسط هو المقصود في الأوديسة. أما الخرافات الشعبية folk-lore الموجودة في الأوديسة فإنما هي خرافاتٌ لشعوبٍ بَحرية تسكُن حول البحر الأبيض المتوسط. والأوديسة مملوءة بهذه الخرافات، كخرافة الكوكلوبيس وكالوبسو وكيركي وسكولا. كل هذه تنتمي إلى خرافاتٍ شعبية أقدم بكثير من حرب طروادة؛ إذ تجد لها آثارًا فيما تبقَّى من آثار الحضارة المينوية. وتختلف الأوديسة عن الإلياذة في العادات التي تُوصف فيها؛ ذلك أن الآراء قد تهذَّبتْ وأصبحتْ تتعلَّق بالجنس البشري بحيث لم نعُد نرى أبطالًا يتصفون بالقوة والوحشية وحب إراقة الدماء. نرى هذه التغيُّرات في أفكار الناس عن الآلهة؛ فالآلهة في الأوديسة تُعتبَر كالبشر لها عواطف ونوازع، كما أن الناس ابتدءوا ينظرون إليهم كحُماةٍ يُدافعون عن هذه القوانين السائدة في المجتمع، كما يدُل على هذا الكثير من الفقرات المتعلقة بهذا الموضوع. الأوديسة
الأوديسة من تحليل الأوديسة نجد أنها تتشابه مع الإلياذة في الوحدة إذا استثنَينا آخر الأنشودة الثالة والعشرين والأنشودة الرابعة والعشرين كلها. غير أن هذا لا يمنعنا من أن نقول إن هناك قِطعًا كبيرة قد أُضيفَت إلى الأوديسة؛ لأنها في الواقع تختلف عن باقي الأوديسة. وهذه نقطة الاختلاف؛ ذلك أن القِطَع المضافة إلى الأوديسة أكثرُ منها في الإلياذة، ومن الثابت أنها أُضيفَت إلى الأوديسة في زمنٍ متأخر، وبتأليف من بعض الشعراء المتوسطين الذين لا يملكون موهبة الشاعر الأصلي. وهكذا اختلط الأدب المتوسِّط بالأدب الرفيع الذي بالأوديسة في عدة مواضعَ مختلفة. تبدأ الأوديسة بأربعة أناشيد تعوَّد النقاد تسميتها بالأناشيد التيليماخية؛ لأن البطل الذي يَرِد اسمه في معظمها هو تيليماخوس بن أوديسيوس. وهذا موضوعٌ أساسي في القصة لا يمكن للشاعر أن يُغفِله أو يُهمِله؛ لأن موضوع القصة مكوَّن من فكرتَين مرتبطتَين سويًّا هما فكرة عودة أوديسيوس إلى وطنه وتعرُّف أفراد أُسرته عليه، والثانية هي فكرة الانتقام من مختلف الأمراء الذين حالوا في أثناء غيابه أن يفصلوا زوجته بينيلوبي عنه؛ إذ إن كلًّا من هؤلاء الأمراء قد حاول الزواج من بينيلوبي، بينما كانت الأخيرة تخدع كل واحدٍ منهم. وقد نجحَت في هذا إلى حدٍّ كبير؛ لأنها كانت لا تزال على إخلاصها الشديد لزوجها الذي غاب عنها سنينَ طويلة، ولأنه كان هناك في فؤادها شيءٌ يقول لها إن زوجها لا شك عائد إليها بعد غيابه الطويل عنها. وهذا لونٌ من القصص المعروف باسم عودة الأبطال. والأوديسة تَسردُ لنا الخطوات التي خطاها البطل أوديسيوس في طريق عودته إلى بلاده؛ ومن ثَمَّ فإنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسلسلة الشعر القصصي أو القصص الشعري الذي يدور حول طروادة؛ ذلك لأن هناك سلاسلَ أخرى من أهمها سلسلة القصص الذي يدورُ حول مدينة طيبة عاصمة مقاطعة بيوشيا Beotia بجوار مقاطعة أتيكا. وهذا القصص يدور حول أُسرة حكَمَت في طيبة تُسمَّى «اللبداكيون» Les Labdacedes. ولقد تناول الشعراءُ الدراماتيكيون الأثينيون حُكامَ هذه الأُسرة بالنقد والتحليل في مختلف المسرحيات التي ألَّفوها، ومن أهمهم الملك أوديبوس Oedipus وذلك في القرن الخامس ق.م.، قبل عصر بركليس Pericles وإبَّان عصره وبعد عصره بقليل. إن وجود شخصية تيليماخوس في الأوديسة ضروري جدًّا؛ لأن في الأوديسة أفكارًا رئيسية ثلاثًا هي: أولًا: عودة أوديسيوس. ثانيًا: تعرُّف أفراد أسرته عليه. ثالثًا: انتقام أوديسيوس من الأمراء الذين تجرءوا على الاقتراب من زوجته إبَّان غيابه. ولقد حاول الشاعر أن يربط بين هذه الأفكار الرئيسية ربطًا مكينًا حتى خرجَت الأوديسة محكمةً إحكامًا رائعًا لا يمكن لشاعرٍ آخر أن يُجاريَه في هذا المضمار. يمكن تلخيص هذه الأفكارِ الثلاثِ مرةً أخرى هكذا: الفكرة الأولى: بحث تيليماخوس عن أبيه ورحلته إلى بلادٍ مختلفة لهذا الغرض. الفكرة الثانية: مخاطرات أوديسيوس في أثناءِ رحلته في طريقه إلى بلاده عائدًا بعد انتهاء حرب طروادة، ثم عودته إلى وطنه وتعرُّف أفراد أُسرته عليه. الفكرة الثالثة: هي انتقام هذا البطل من أعدائه الذين نهبوا منزله، وأراد كل واحدٍ منهم أن يتزوَّج من زوجته في أثناء غيابه. الأوديسة
تحليل الأوديسة الأنشودة الأولى حول مجلس الآلهة، فيها يجتمع الآلهة ويعقدون مجلسًا فيما بينهم يُقرِّرون فيه ضرورةَ عودة أوديسيوس إلى أهل عشيرته. وكان أوديسيوس في ذلك الوقت عند كالوبسو ربة البحر محجوزًا في جزيرتها تُرغِمه على عدم مبارحة البلاد؛ لأنها كَلفَت به وأحبَّته حبًّا جمًّا؛ وبناء على هذا القرار تُرسل الآلهة الربة أثينا إلى تيليماخوس غير أنها تخافُ لو ذهبَت كما هي أن يَتعرَّف عليها تيليماخوس؛ ومن ثم تتنكَّر وتذهب في صورة مينتيس Mentes حاكم جزيرة تافوس وتُقابلُه في الجزيرة التي كان أبوه ملكًا عليها وهي إيثاكا، وتتحدَّث معه حديثًا وديًّا للغاية يُظهِر خلاله تيليماخوس ما اتصف به من أدبٍ جم ولطفٍ كثير. كانت هذه المحادثة تصطبغ بحسن الأدب والذوق والتربية العالية من الطرفَين. استقبل تليماخوس الربة أثينا استقبالًا وديًّا. وأشارت عليه بأن يذهب للبحث عن أبيه، ووضع حدٍّ لعَبثِ هؤلاء الأمراء والزعماء الذين أسرفوا في النهب والسلب والذين تمادَوْا في جسارتهم حتى تقدَّموا بطلب يد أمه بينيلوبي، وبعدئذٍ تطير أثينا كأحد طيور البحر وتختفي. يستريح تيليماخوس لهذه النصيحة ويتشجَّع ويذهب إلى مجلس الأمراء وكانوا يمدون أمامهم سماطًا عظيمًا عليه كلُّ ما لذَّ وطاب من مأكل ومشرب ويتمتعون بغناء شاعرٍ منشد اسمه فيميوس Phemius؛ عندئذٍ يُوجِّه إليهم تيليماخوس كلامًا شديدًا بلهجة الآمر الناهي صاحب السلطة والسيادة في الجزيرة والقصر؛ لأنه ابن البطل أوديسيوس، فيتَهجَّم عليه شخص اسمه أنتينوس Antinous، ويتعرَّض له ويُنكِر عليه الحق في أن يكون ملكًا على جزيرة إيثاكا، كما يُنكِر عليه أية مقدرة في الاضطلاع بمهام الملك؛ لأنه طفل صغير، ولكن تيليماخوس لا يهتم بهذا الكلام الذي كلُّه قحةٌ وخروج عن الأدب والذوق السليم، ثم ينذرهم إنذارًا فيه سلطةُ شخصٍ يريد أن يُظهِر شخصيته، ومضمون هذا الإنذار ذلك أنه سيُواجههم في اليوم التالي، وسيطلب منهم مطلبًا عادلًا في نظره وذلك أمام المجلس الذي سيعقده الشعب، سيطلب منهم مغادرة قصر أبيه. إن ذكرى أوديسيوس تملأ هذه الأنشودة من أولها إلى آخرها. إن الشاعر هنا يتحدث عن أوديسيوس وذكراه ورحلاته، ولكنه لا يذكر اسمه. إن تركيب هذا الغناء بسيط، عبارة عن مجموعة من الصور الفنية الرائعة التي قدَّم الشاعر لنا عنها وصفًا جميلًا للغاية. ولقد أُخذَت هذه الصور في قصرٍ من قصور أحد الملوك الميسينيين الذي قد خيَّم عليه الحزن بسبب غياب الملك عنه. الأنشودة الثانية عن مجلس الشعب في جزيرة إيثاكا؛ حيث يجتمع فيتقدَّم إليه تيليماخوس بشكوى ضد هؤلاء الذين يطالبون بالزواج من أمه، فيُجيبه أنتينوس إجابة فيها شيءٌ كبير من الإهانة، ثم يسرد على الحاضرين قصة بينيلوبي وقصة الثوب الذي تَحيكه، وفي ذلك الوقت تدور حول المجلس نسورٌ ظَهرتْ فجأة. وإذ كان بالمجلس عراف فقد فسَّر هذه الأعجوبة بقوله بأنها تنم عن فألٍ حسن، وذلك أن أوديسيوس سيعود إلى وطنه قريبًا، ثم ينفَضُّ المجلس دون الوصول إلى نتيجةٍ معينة، ويخرج تيليماخوس من المجلس متجهًا صوب ساحر البحر، وهو يبكي بكاءً مرًّا؛ لأن هؤلاء الأمراء قد أهانوه وأذلُّوه دون أن يُمكِنه الردُّ عليهم أو يصدهم كما يجب. وبينما هو حزين بهذا الشكل تنزل إليه الربَّة أثينا من عليائها، وتتنكر هذه المرة في زي مينتور Mentor صديق أوديسيوس الحميم. وكان تيليماخوس يعرف عنه أنه من خير أصدقاء أبيه الأوفياء، ومرشد من خير المرشدين، فتُحاول أثينا في هذه المرة أن تُعزِّيَه في حُزنه وتَعِده وعدًا أكيدًا بأنها ستصحبه إلى مدينة بولوس Pylos كما تَعِده أيضًا بأنها ستُعيده إلى إسبرطة. ويُعِد تيليماخوس كل ما سيحتاج إليه من طعام ومؤن لهذه الرحلة الطويلة المضنية دون أن يُطلِع أمه على شيء من هذا. وما إن يتم إعداد السفينة بالقرب من الشاطئ حتى يعتليَها تيليماخوس، وأقبلَت الربة أثينا في زي مينتور تُساعِده في كل هذا. الأنشودة الثالثة لقد نُظمَت هذه الأنشودة لتمجيد ذكرى أُسرة حَكَمتْ في مدينة بآسيا الصغرى هي أُسرة نيلياديس Neleiades؛ لذلك تَغلبُ على هذه الأنشودة الصبغة الخاصة بهذه المدينة. يصل تيليماخوس إلى جزيرة بولوس فيستقبله ملكها نسطور استقبالًا حسنًا. ولنسطور هذا ابن يسمى بيزستراتوس Peisistratus على اسم طاغية أثينا في القرن السادس. ويرى بعض النقاد في ذكر هذا تحريفًا مقصودًا، كما يقولون إن هذه الأنشودة قد أُضيفَت إلى الأوديسة للتودُّد إلى بيزستراتوس الذي كان مشهورًا في القرن السادس. في هذه الأنشودة يُولِم نسطور مأدبة لضيوفه. وبعد ذلك يسأل تيليماخوس نسطور عما حدث له في أثناء عودته، فيحكي له أخبارًا أخرى كثيرة، ويصور له كيف ساءت العلاقة أخيرًا بين أجاممنون ومينيلاوس كما يُخبِره بموت أجاممنون. وهنا يشير نسطور إلى ابن أجاممنون المسمى أوريستيس Orestes ويمدحه مدحًا عظيمًا جدًّا لأنه انتقم لأبيه، ثم يَسرِد على تيليماخوس رحلاتِ مينيلاوس ومنها رحلته إلى مصر، وهو بذلك يُشيرُ على تيليماخوس بالذهاب إلى إسبرطة حيث يمكنه مقابلة مينيلاوس هذا وسؤاله عن أبيه، ثم يقضي تيليماخوس الليلة في القصر وعند الصباح يرحل إلى إسبرطة وفي صحبته بيزستراتوس. الأنشودة الرابعة يذهب تيليماخوس إلى إسبرطة وهناك يجد مينيلاوس وقد أقام مأدبةً هائلة لزواج أبنائه. كانت المأدبة غايةً في الفخامة وكذا القصر؛ لذلك ينصرف تيليماخوس عن المأدبة ليُشبع إعجابه بالتطلُّع إلى القصر ويُشارِكه الشاعر إعجابه هذا؛ ومن ثَمَّ تَرِد أبياتٌ كثيرة في وصف القصر الذي كان يملكه أحد ملوك ذلك الوقت، ثم يشترك الضيفان في المأدبة ويبدآن في تناول الطعام. وبعد أن يأكلا ملء بطنَيهما يبدأ تيليماخوس بسؤال مينيلاوس عن أبيه، فيرُدُّ عليه مينيلاوس ردًّا غامضًا يذكر فيه اسم أوديسيوس عَرَضًا، فيبكي تيليماخوس بكاءً مرًّا ظنًّا منه أن أباه قد مات، وعندئذٍ تدخل هيلينا زوجة مينيلاوس فتحزن لحزن تيليماخوس، وتَودُّ لو تُسرِّي عن هذا الطفل الذي يبكي على أبيه فكيف السبيل إلى ذلك؟ تصنع هيلينا الكأس التي كان يشرب منها تيليماخوس مخدرًا كانت قد أحَضَرتْه معها من مصر من سيدةٍ مصرية اسمها بولودامي. وكان الغرض من هذا المخدر هو أن ينسي تيليماخوس الحزن الذي يكتنف حياته، ثم تأخذ في تلاوة مغامرات أوديسيوس وتقُصُّ عليه الشجاعة الفائقة والجسارة الممتازة التي أظهَرها هذا البطل عندما أرسلَ في مهمةٍ استكشافية في حرب طروادة للتجسُّس على الأعداء، ثم يحكي مينيلاوس بدوره قصة حصار طروادة، ويصف ليتليماخوس كل ما يعرفه عن مقدرة أبيه الحربية وقدرته على تحمُّل النكبات والمصائب. وفي اليوم التالي يخبره بنبوءةٍ تنبَّأ بها عجوز البحر برويتوس Proetus بالقرب من جزيرة فاروس pharus عند الإسكندرية؛ إذ تنبَّأ بأن أوديسيوس موجود عند كالوبسو التي أحبَّته ومَنعَته من مبارحة المدينة. وفي هذه الأنشودة أيضًا يعرف الأمراء في أتيكا خبر رحيل تيليماخوس للبحث عن أبيه، فتثور ثائرتهم ويفكرون في مؤامرةٍ لقتل تيليماخوس يتزعَّمهم في ذلك أنتينوس فيبحث عن سفينة لكي يذهب إلى مكمنٍ يختبئ فيه في البحر حيث ينتظر عودة تيليماخوس لينقض عليه ويقتله، ثم يصل نبأ هذه المؤامرة إلى بينيلوبي فتجزع ويتعذَّر عليها النوم الهانئ، فتأتيها الربة أثينا في المنام وتُواسيها كي تتحمل وتصبر. هذه هي الأناشيد الأربعة الأولى الخاصة بتيليماخوس، والتي أُطلِق عليها الأناشيد التيليماخية. ينقلنا الشاعر بعد ذلك إلى الجزيرة التي تعيش فيها كالوبسو. وهنا تبدأ الأنشودة الخامسة. الأنشودة الخامسة يعتقد البعض أنها أُضيفَت لتذكير القارئ بالأنشودة الأولى، ويقول هذا البعض بأن الأناشيد الأربعة التيليماخية أُضيفَت فيما بعدُ للأوديسة حيث إن أوائل القرن الخامس ق.م. يجعل هذا الغرض محتملًا جدًّا. في هذه الأناشيد يأمر زوس، كبير الآلهة، هيرميس بالذهاب إلى كالوبسو ليُطلِعها على رغبته في أن يعود أوديسيوس إلى وطنه. ولقد كشف زوس لهيرميس عن وجود أوديسيوس هناك عند كالوبسو، وأنه لا يزال أمامه عشرون يومًا يقاسي فيها الشيء الكثير قبل أن يصل إلى شعب الفياكيين Phaeacians في ألبانيا، فتستقبل كالوبسو هيرميس في احتفالٍ عظيم، ثم يُبلغها الأخير رسالة كبير الآلهة، ويرجوها أن تُطلِق سراح أوديسيوس، فتغضب كالوبسو وتثور ضد ظلم الآلهة الذين يريدون أن ينتزعوا من بين أحضانها أوديسيوس حبيبها، وتدعي بأن الآلهة تحقد عليها. غير أنها بالرغم من هذه الثورة تخضع لأمر كبير الآلهة، وتذهب بعد ذلك إلى شاطئ البحر حيث يُوجد أوديسيوس وتخبره بأنها لم تعُد تعارض في رحيله. وهنا تُحدِّثه كالوبسو حديثًا كله رقة ودعة، حديث الحبيبة إلى حبيبها؛ ولذلك يجدر أن نلاحظ ما يتصف به سيدات البحر من أدبٍ جم، ومن هؤلاء السيدات كالوبسو وكيركي، ثم تعود كالوبسو إلى كهفها ومعها أوديسيوس، وهناك يتبادلان من جديد عواطف الحب. وهنا يهتم الشاعر بوصف هذا المنظر فيرينا كيف يتبادلان القبلات، ثم كيف يحتضن كلٌّ منهما الآخر. بعد ذلك يبرح أوديسيوس الجزيرة فوق رمثٍ أعدَّه لهذا الغرض. بيد أن بوسايدون — عدُوه — يثير عاصفةً شديدة تُهدِّد أوديسيوس بالغرق فتُنقِذه الآلهة من الغرق، ويصل بعد هذا إلى البَر بعد جهودٍ عنيفة ثم يلجأ إلى مخبأٍ قريب. الأنشودة السادسة حول جزيرة الفياكيين وهم شعبٌ بحَّارة وأغلبهم ملاحون، وكان ملكهم يسمى ألكينوس، وكانت له ابنة اسمها ناوسيكا حضَرتْ إليها الربَّة أثينا في صورة ابنة تاجرِ أسلحة يُسمَّى دوماس Dumas وأوحت إليها في نومها بأن تذهب لتغسل ملابسها عند شاطئ النهر استعدادًا للاحتفال بزواجها القريب. وفي الصباح تستيقظ الفتاة وتذهب إلى النهر وهناك تجد البنات مجتمعاتٍ يغسلن ملابسهن فتُشرِف ناوسيكا عليهن. وبينما هن كذلك إذ ترمي الربَّة أثينا بحجر في النهر فتصيح البنات، ويكون هذا داعيًا لإيقاظ أوديسيوس من نومه، وكان نائمًا بين الأعشاب بالقرب من النهر، فلما يرى هؤلاء الفتيات يتردَّد أولًا ولا يعرف ما هو مُقدِم عليه، فيخرج من وسط الأعشاب وينزع عنه ملابسه وينزل إلى النهر ليستحم، فتراه البنات بهذه الصورة فيستولي عليهن الحياء، ثم ينتهي هذا المنظر الذي كله روعةٌ وجمال، ويتبعه منظرٌ آخر فيه يتقدم أوديسيوس إلى البنت ناوسيكا متضرعًا متوسلًا لتستمع إليه وترأف بحاله وتعطف عليه عطفًا كبيرًا، وتقول إنها اشتمَّت فيه رائحة الملوك. وتُشير عليه بما يجب عمله فيتبعها مترجلًا حتى أبواب المدينة. وهناك ينتظر حتى تعود إليه، وعندئذٍ يدخل أوديسيوس المدينة ويسأل عن الطريق، وتأمر ناوسيكا خادماتها بمعاملته معاملة الضيف، ثم يعرج أوديسيوس إلى معبد الربة أثينا ويقوم بفروض العبادة لها. الأنشودة السابعة تتقدم الربة أثينا من أوديسيوس متنكرةً في زي إحدى بنات شعب الفياكيين، وتأخذ بيد أوديسيوس وتقوده إلى قصر الملك الحاكم على الجزيرة، ويطلب إليه أن يستضيفه فيجيبه إلى طلبه. وبعد ذلك يقُص أوديسيوس على مسامع الملك مخاطراته إبَّان رحلاته، فيَعِده ألكينوس بالعمل على عوده إلى وطنه. الأنشودة الثامنة يجتمع مجلس الشعب ويعرض الملك ألكينوس عليه موضوع أوديسيوس، ويوافق المجلس على عودته إلى جزيرة إيثاكا، ثم تُقام مأدبةٌ عند الملك ألكينوس يُغنِّي فيها الشاعر ديمودوكوس قصة النزاع الذي وقع بين أوديسيوس وأخيل، فلمَّا سمع أوديسيوس هذا الغناء راح يبكي، فلاحظه ألكينوس ولكنه لم يقل شيئًا، ثم يأمر الناس بالانتقال إلى سوق المدينة لإقامة الألعاب والمباريات والمسابقات الرياضية المختلفة. وهنا يسأل الملك أوديسيوس عن نوع المباريات التي يميل إليها، وعندئذٍ يتقدَّم شخص ويتهكَّم على أوديسيوس ويسخر منه ويقول إنه يشك في قدرة أوديسيوس على القيام بأية لعبة. غير أن أوديسيوس يجيب في سكونٍ أنه يُفضِّل لعبة القرص، ويتقدَّم إلى الميدان ويُحرز قصب السبق. يتلو ذلك الرقص، وبعد هذا يُنشِد ديمودوكوس قصة الحب بين أريس وأفروديتي. ويتبع هذا تقديم الهدايا لأوديسيوس بمناسبة رحيله، وتتقدَّم ناوسيكا إليه بهداياها العظيمة. هذه الأنشودة مفكَّكة وضعيفة ينتقل فيها المرء من قصة إلى قصة؛ ولذا فمن المحتمل جدًّا أنها أُضيفَت إلى الأوديسة. الأنشودة التاسعة فيما تُمدُّ مأدبةٌ يحدُث فيها ما حدث في المأدبة السابقة. وفي هذه الأنشودة يرمي أوديسيوس قطعة من اللحم إلى الشاعر المغني ديمودوكوس، ويطلب منه أن يغني قصة حصار طروادة فيجيبه المنشد إلى مطلبه، وعندما يسمع أوديسيوس الغناء يأخذ في البكاء، ثم يسرد بعد ذلك قصة مخاطراته، قصة رحيله من طروادة أولًا، ثم وصولًا إلى جماعة الكوكونيس؛ حيث دارت بينه وبينهم رحى معركة فقد فيها أوديسيوس ستة أشخاصٍ من رفاقه، ثم تهب زوبعة تجعلهم يرسُون في أرضٍ مجهولة ويبقَون فيها يومَين، ثم يذهبون بعد ذلك إلى شبه جزيرة البلوبونيز، وهناك تهب عاصفةٌ أخرى شديدة تجعل من المستحيل عليهم أن يُطوِّقوا شبه الجزيرة، فتذهب بهم الرياح إلى بلدٍ يحب أهلها أكل اللوتس. ويرحل أوديسيوس بعد ذلك من هذه البلاد إلى بلاد الكوكلوبيس. وهناك يستولي أوديسيوس وأصدقاؤه على عددٍ من الماعز يأخذ أوديسيوس لنفسه منها عشرة ويعطي كلًّا من أصدقائه تسعة ثم يقيمون مأدبة وينامون حتى الصباح. وفي الصباح يركب هو وأصحابه سفينةً صغيرة لاكتشاف بلاد الكوكلوبيس. ويهتم في هذه الرحلة بأخذ النبيذ الذي أعطاه له مارون Maron قسيس الإله أبولُّو، ثم يدخل بعد ذلك كهف بولوفيموس، وبعد ذلك يتمكن من الهرب من هذا الكهف هو وأصدقاؤه، ويعود إلى جزيرة قبرص حيث يقيمون مأدبةً عظيمة. الأنشودة العاشرة يذهب أوديسيوس إلى جزيرةٍ تابعة لإيون Ion، ويعطي إيون أوديسيوس قربةً تحتوي على رياحٍ مختلفة ولكن أصدقاءه يفتحون القربة لظنهم أنها تحتوي على ثروةٍ عظيمة، فإذا بها تجُر عليهم عاصفةً هوجاء، ويغضب إيون لفتح القربة غضبًا شديدًا ويطردهم جميعًا، فيذهبون بعد ذلك إلى بلاد اللايستروجونيين عند ساحل جزيرة سردينيا، ويُعرف أنهم يأكلون لحم البشر. ويأخذ هؤلاء في قتل عددٍ كبير من أصدقاء أوديسيوس، ومن تبقى منهم يذهبون إلى جزيرة كيركي. وهناك تتمكَّن هذه الساحرة من تغيير أصدقاء أوديسيوس وتحويلهم إلى خنازيرَ صغيرةٍ ما عدا أوديسيوس الذي ينجو من هذا المصير، وينجح في إقناع هذه الساحرة بإرجاع أصدقائه إلى شكلهم الأول فتجيبه إلى طلبه، وبعد ذلك تنصح أوديسيوس وأصدقاءه بالذهاب إلى عالم الأموات. الأنشودة الحادية عشرة يذهب أوديسيوس إلى بلاد الأموات عند الكيميريين Cimmerians في شمال البحر الأسود، وهناك يقوم أوديسيوس بالمراسيم التي نصحَتْه كيركي بأن يقوم بها فتظهر له أشباحٌ مختلفة منها أشباح إلبينور Elpinor وتيريسياس، ويخبره الأخير بالحوادث التي ستحدث له في مستقل حياته. ويظهر له أيضًا شبح أمه أنتيكليا Anticlea فيُوقفه على ما حدث في جزيرة إيثاكا بعد رحيله منها، كما تظهر له أيضًا أشباح أصدقائه أجاممنون وأخيل وبتروكلوس وأنتيلوخوس وأجاكس، ثم يرى أوديسيوس القاضي مينوس والصياد أوريون Orion ويعود بعد ذلك إلى سفينته، ويغادر بلاد الأموات. الأنشودة الثانية عشرة تُقدِّم كيركي بعض النصائح والتوصيات لأوديسيوس، وبفضلها يفلح أوديسيوس في التخلُّص من السيرينيس، وكذا المرور بين خاروبديس وسكولا في سلام. يصل أوديسيوس بعد ذلك إلى جزيرة ثريناكيا Thrainacia حيث يهجُم أصدقاؤه على أغنام الشمس فيعاقبهم الإله زوس على أعمالهم هذه. وفوق قطعةٍ باقية من سفينته يُحمل أوديسيوس إلى جزيرة أوجوجيا، ثم يعود إلى خاروبديس ويصل منها إلى كالوبسو بعد تسعة أيام، وهو المكان المعروف بجبل طارق. الأنشودة الثالثة عشرة بعد ذلك يصل أوديسيوس إلى جزيرة إيثاكا بمساعدة الفياكيين الذين سيعاقبهم الرب بوسايدون لأن الأخير عدو أوديسيوس. ويضعونه على الساحل وهو نائم، وعندما يستيقظ يستولي عليه اليأس؛ لأنه لا يعرف في أي مكان هو، وتأتي إليه الربة أثينا وتخبره وهي مُتنكِّرة بأنه موجود الآن في جزيرة إثياكا، وأن الهدايا التي معه هي ما تبقَّى له من الأسلاب والمغانم التي اكتسبها في حرب طروادة. يلي ذلك منظرٌ بديع يظهر فيه الإنسان في منظرٍ كله ثقةٌ وودٌّ وصداقة، ثم يتفقان على أن يتنكر هو أيضًا في صورة شحَّاذ حتى لا يعرفه أصدقاؤه أنفسهم، ثم يذهب إلى راعي خنازير يُدعى يومايوس Eumaeus وفي الوقت نفسه تذهب أثينا لمقابلة ابنه تيليماخوس. الأنشودة الرابعة عشرة يستقبل راعي الخنازير أوديسيوس ويُعِد له الطعام ويذبح له خنزيرًا رغم أنه لا يعرفه. ويسأله الراعي عن شخصه فيسرد عليه أوديسيوس قصةً كلها أكاذيب وخرافات، فيقول له إنه من جزيرة كريت وقد أخذَه ملكُ الجزيرة إلى طروادة ليشترك في الحرب ويُعيِّنه أميرالًا للأسطول، ثم يعود إلى وطنه بعد انتهاء الحرب، وبينما هو كذلك يذهب على رأس حملةٍ للنهب والسلب متجهًا إلى مصر في صحبة رجلٍ فينيقى. ويذهب الاثنان بعد ذلك إلى ليبيا حيث يستولي عليه الفينيقي ويبيعه كعبد، وبعدئذٍ تهبُّ عاصفةٌ هوجاء يغرق فيها البعض. وبعد هذه الحادثة يجد أوديسيوس نفسه في مكان لا يعرفه، وهناك يتحدث مع ابن الملك فيطرده الملك بعد ذلك، ويعهد به إلى بحارة يأتون به إلى جزيرة إيثاكا، فيهرب منهم ويجيء إلى راعي الخنازير. ولكن يومايوس لا يُصدِّق شيئًا من هذا الذي قاله الغريب. ومع ذلك يأمر بذبح خنزيرٍ ليأكلوه، كما يُعِد لأوديسيوس المتنكِّر فِراشًا للنوم، ويخرج بعد ذلك مسلحًا لحراسة الخنازير. الأنشودة الخامسة عشرة تصل أثينا إلى إسبرطة وتظهر لتيليماخوس في منامه، وتأمره بأن يرجع إلى أثينا والذهاب رأسًا إلى يومايوس، فما إن يستيقظ حتى يترك قصر الملك مينيلاوس محملًا بالهدايا الكثيرة التي جاد بها عليه وزوجته هيلينا. ويعود تيليماخوس إلى بولوس، ومن هناك يُبحِر على سفينته مصطحبًا معه رجلًا اسمه ثيوكلومينوس Theoclymenus كان قد نُفي من أرجوس؛ لأنه قتل رجلًا، ثم يعود إلى إيثاكا في سرعةٍ عجيبة وقد بيَّت العزم على تجنُّب رؤية المتآمرين عليه فيتحاشاهم ويسلك طريقًا آخر حتى يصل إلى إيثاكا، في الوقت الذي كادت تنتهي فيه الوليمة التي أقامها يومايوس لأوديسيوس. الأنشودة السادسة عشرة يرسل تيليماخوس يومايوس كي يخبر أمه بأنه قد عاد إلى الوطن، فيبقى بمفرده مع أوديسيوس حيث يتمكَّن من التعرُّف عليه، وعندئذٍ يتفق الأب والابن على الخطة التي يجب عليهما اتِّباعها، فيتَّفقان على ألا يذكُر تيليماخوس شيئًا عن أبيه. وفي هذا الوقت يصل إلى المتآمرين نبأ عودة تيليماخوس إلى إسبرطة فيغضبون غضبًا شديدًا، ويُظهِر أنتينوس رغبته في قتل تيليماخوس وفي إعداد مؤامرة لقتله، فيعارضه في ذلك بعض الأشخاص. ويصل خبر كل هذا إلى بينيلوبي فتنزل إلى المتآمرين، وتُوجِّه اللوم إلى أنتينوس لرغبته في قتل ابنها. أما عند يومايوس فتنتهي الوليمة وينام الجميع. الأنشودة السابعة عشرة فيها يخرج تيليماخوس في صحبة الراعي، ويذهب أوديسيوس متنكرًا في هيئة شحَّاذ. وهناك يحدث نزاعٌ بينه وبين أنتينوس يُظهِر فيه الأخير كثيرًا من القسوة والعنف، ولكن بينيلوبي تهبط من مقصورتها وتهتم بهذا الرجل الشحَّاذ، وتُبدي رغبتها في التحدُّث إليه حديثًا خاصًّا. الأنشودة الثامنة عشرة فيها يحدُث شجار بين أوديسيوس المتنكر في صورة شحَّاذ وبين شحَّاذٍ آخر يُدعى إيروس Irus، فيُسَر المتآمرون كل السرور لهذا المنظر، ولكن الشحاذ أوديسيوس يتغلب على الشحاذ الآخر بضربةٍ قاضية ويلقي به في الخارج. بعد ذلك ترغب بينيلوبي في النزول إلى ساحة القصر بحُجة التحدُّث إلى تيليماخوس، ولكن أثينا تجعلها تنام وتخلع عليها ثوبًا من الجمال، ثم تنزل أخيرًا وتُوجِّه اللوم إلى تيليماخوس للمعاملة القاسية التي عُومل بها الضيف، وتقصد بذلك أوديسيوس. ثم تصعد بينيلوبي إلى جناحها الخاص، ثم ينشب شِجارٌ في الدور الأول من القصر بين أوديسيوس وبين الخادمة ميلانثو Melantho تسُب فيه الأخيرة أوديسيوس، وتُوجِّه إليه قارع القول، فيتدخَّل يورونومي Eurynome حبيب ميلانثو، ويؤيد الخادمة ضد أوديسيوس ويُلوِّح له بيده. يحدُث عقب ذلك هَرْج ومَرْج ثم منظرٌ آخر فيه يأمر أوديسيوس ابنه تيليماخوس بإدخال الأسلحة وحبس الخادم، ثم ينتهي اليوم بسلامٍ بالرغم من الحوادث السابقة. الأنشودة التاسعة عشرة يبقى أوديسيوس في الساحة ومعه تيليماخوس، ثم يُخفي أوديسيوس الأسلحة في القصر. وتنزل بينيلوبي من جناحها للتحدُّث مع هذا الضيف، وتسأله عن شخصه فيجيبها إجابةً كاذبة؛ إذ يقول لها إنه شقيق الملك إيدومينيوس الذي يحكُم في جزيرة كريت، والذي استقبلَه في كريت وكان قد ذهب إلى هذه الجزيرة لرؤية إيدومينيوس، وكان الأخير على وشك السفر إلى حرب طروادة. وتبكي بينيلوبي بكاءً مرًّا وتسأله عن أوديسيوس، ثم تأمر بإعداد حمَّامٍ ساخن لغسل قدمَي هذا الشحَّاذ. وبينما خادمتها يوروكليا تقوم بغسل قدمَي أوديسيوس، تعثُر على آثار جروح كان يُعرف بها أوديسيوس، فتَتعرَّف الخادمة عليه بواسطة هذه الجروح، وتُخبر سيَّدتها بأن هذا الشخص الجالس أمامها هو أوديسيوس بعينه، فتفرح بينيلوبي فرحًا جمًّا، ثم يقترح أوديسيوس على زوجته الخطة الواجب اتباعها، ويُعِدَّان العدة في اليوم التالي، ويتفقان على إقامةِ مسابقةٍ بين المتآمرين. الأنشودة العشرون فيها تُمَد مأدبةٌ عظيمة، ويعلن العَرَّاف ثيوكلومينوس نبوءةً تقول بأنه يرى أشباحًا تدور حول المطالبين بالزواج من بينيلوبي، فيضحك هؤلاء ويسخرون من النبوءة ويطردونه شر طردة. الأنشودة الحادية والعشرون تظهر بينيلوبي وتَعِد بأنها ستتزوج من الشخص الذي يستطيع إحراز قصَب السبق في المسابقة التي تَودُّ إقامتها، وهي رمي السهام بالقوس، وتشترط كذلك استخدام قوس أوديسيوس نفسه، ولكن لا أحد ينجح في هذه المسابقة، ولا يتمكَّن أحد من استخدام هذا القوس، فيتقدم أوديسيوس ويطلب الاشتراك في المسابقة فيسخر منه المتآمرون، ولكن تيليماخوس يعطيه القوس وينجح أوديسيوس في استخدامها نجاحًا عظيمًا. الأنشودة الثانية والعشرون عندئذٍ يعلن أوديسيوس عن نفسه، ويقتل جميع المتآمرين، ولا يستثني منهم غير الشاعر فيميوس والبطل ميدون. الأنشودة الثالثة والعشرون تقف بينيلوبي على جميع هذه الحوادث، ويتخذ أوديسيوس جميع التدابير اللازمة. الأنشودة الرابعة والعشرون هي ختام الأوديسة وهي أنشودةٌ ضعيفة، وأغلب الظن أنها أُضيفَت إلى الأوديسة، وبذا تتم الأناشيد ويُصبِح عددُها معادلًا لأناشيد الإلياذة تمامًا. ••• من هذا يتبيَّن أن الأوديسة عبارةٌ عن التأليف والتنسيق المحكم بين ثلاثِ أفكارٍ تتلخص في التليماخية، وفيها لا يظهر البطل أوديسيوس ولا يتحدث ولا يتكلم، وإنما يُذكَر عرضًا بحيث تكون ذكراه هي السائدة في الأغاني الأربعة الأولى، وفي مخاطرات أوديسيوس، ثم في انتقام الأخير من مغازلي زوجته. وكل ما يمكننا استنتاجه من تحليل كلٍّ من الإلياذة والأوديسة هو: أولًا: وحدة الموضوع واحدة في المنظومتَين. ثانيًا: وجود قِطعٍ طويلة شيقةٍ ممتعة أحيانًا، وغير ذلك في حينٍ آخر، ويمكن حذفُها دون أن يؤثِّر هذا الحذف على وحدة الموضوع في الكثير أو القليل. بل ربما كان هذا الحذف مفيدًا جدًّا، ومما لا شك فيه أن عددًا من هذه القِطَع قد أُضيفَ إلى الأوديسة بصورةٍ أكثرَ منها في الإلياذة. ومن ثم فإن هذه القِطَع غيرُ ضروريةٍ في الإلياذة والأوديسة. ثالثًا: نستطيع أن نُميِّز في الإلياذة والأوديسة وخصوصًا في الأولى بين العصور المختلفة. وهذا التمييز يظهر جليًّا في اللغة ووصف الشخصيات والحقائق التاريخية. إذن كيف يمكن تفسيرُ جميع هذه الحوادث المختلفة حول الفكرة الأساسية للإلياذة، وهي فكرة غضب أخيل، وحول الفكرة الأساسية للأوديسة، وهي فكرة عودة أوديسيوس وانتقامه لنفسه؟ يفترض العلماء المحقِّقون فرضَين أساسيَّين؛ أحدهما يقول بوجود نواةٍ أوَّلية، وهذا الفرض يُسمَّى Monyan Primitif، ومعنى ذلك أن شاعرًا عبقريًّا ألَّف نوعًا من الإلياذة والأوديسة، ثم حدثَت بعض التغييرات، وأُضيفت إليهما بعضُ الإضافات إبان العصور التالية. ولقد ظهر هذا الفرض على الأخص منذ عام ١٨٢٤م. وممن أخذ بهذا الفرض من العلماء هيرمون Hermonn عام ١٨٣١م، وكايسر Kayser عام ١٨٣٥–١٨٤٥م، وجروت Grote عام ١٨٤٩م. والأخير يقول بوجود قصةٍ أصلية تدور حول أخيل تُسمَّى L’Achilléide ثم أخذ الشاعر نفسه الذي ألَّف القصة البسيطة في بادئ الأمر يضيف إليها حتى أصبَحَت طويلةً جدًّا. ومما يُؤيِّد هذا الفرض في زعمِ هؤلاء العلماء ما حدَث في القصائد التي ظَهرتْ فيما بين النهرَين، ولكن الإضافات والتغييرات التي حدثَت بالإلياذة والأوديسة أقل بكثير من التي حدثَت في قصائد Gilganesch ومن المستحيل أن تكون هذه النواة الأصلية قد وُجدَت قبل هجرات الآخيين، ومن المستحيل أن تكون الإلياذة قد أُلِّفتْ هي والأوديسة قبل حرب طروادة. والآن من هم أبطال حرب طروادة؟ هناك النظرية الألمانية، وهي تقول إن هؤلاء الأبطال كانوا آلهةً في أول الأمر، ثم أصبحوا بشرًا بمرور الزمن. وقد عارض هذه النظريةَ العالمُ الفرنسي بول فوكار Paul Foucart في رسالةٍ ألَّفَها عن عبادة الأبطال عند اليونان. إذن كان أجاممنون وأخيل ومينيلاوس آلهة تُعبد في بلاد اليونان، ثم مر زمنٌ طويل حتى أصبحوا بشرًا جمعَتْهم الخرافات حول حصار طروادة. والذي يجب أن نتذكره أن أهمية طروادة القصصية لم تَزِد إلا في أوساط آسيا الصغرى حتى جاءت إليها سلالة أولئك الأبطال يقيمون بها. أما النظرية العكسية فهي نظرية بول فوكار التي تقول إن هؤلاء الأبطال كانوا بشرًا في أول الأمر ثم ارتفعوا بعد ذلك إلى درجة الآلهة؛ فإن أجاممنون وأخيل ومينيلاوس كانوا رجالًا وربما كانوا من رجال الخرافات الذين ابتدعَتْهم الخرافات، وربما كانوا أيضًا شخصياتٍ تاريخية لها وجودٌ تاريخي صحيح. وهذا الاعتبار الأخير أميل إلى الصحة؛ لأن مكتشفات الحفائر في البلاد الشرقية تدعونا إلى أن نأخذ بالرأي القائل بأن هذه الشخصيات وُجدَت حقًّا وعاشت حقًّا، وكان لها ما كان من الأثَر في حرب طروادة، وهم أبطالٌ آخيون ما عدا البطل أوديسيوس الذي اسمه يوناني. كان هذا الاسم هو أوليكسيس Olixces أو Ulixces وقد وصل هذا الاسم إلى إيطاليا بهذه الصورة قبل أن يكون هناك أوديسة ثم أصبح أوديسيوس Odysseus ومعناه «الرجل الذي يتَحمَّل غضب الآلهة» وهو مُشتَقٌّ من الفعل اليوناني Odussomai. وكان ذلك جاريًا في التقاليد بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، ثم نُقل بعد ذلك إلى القصائد الهومرية. ومن المحتمل جدًّا أن تكون هناك قصائدُ إيجية مينوية تابعة للحضارة الكريتية اعتمد عليها الشعراء من الآخيين، واقتبسوا منها الشيء الكثير، ولكننا لا نستطيع أن نعرف هذه القصائد الإيجية بأية حال فهي مجهولة لنا تمامًا؛ لأنه لم يَبقَ منها آثارٌ تدل عليها بالنسبة إلى أن اللهجات الآخية انعدمَت، ولم يَبقَ منها إلا بعض الكلمات البسيطة. هذا ما عندنا عن الفرض الأول. أما الفرض الثاني فهو القائل بوجود أغانٍ بسيطة في أول الأمر منفصلة الواحدة عن الأخرى وتُسمَّى بالألمانية «ليدر Lieder». وتقول هذه النظرية الألمانية بأن هذه الأغاني المنفصلة تتحدَّث كلٌّ منها عن حوادثَ خاصة من حوادث الخرافات ويُنشِدها الشعراء المغنون. ومن المحتمل جدًّا أن يكون هناك شاعرٌ عبقري قد حاول أن يختار من هذه الأغاني، وأن يجمع منها كلَّ ما يتصل بفكرةٍ واحدة، كالفكرة التي تدور حول غضب أخيل أو عودة أوديسيوس وانتقامه. هذا ما أخذ به القس الفرنسي D’Aubignac في القرن السابع عشر. وجاء بعده بمدة العالم الألماني وولف Wolf الذي أخذ بهذه النظرية أيضًا في مؤلفه المشهور المُسمَّى Prolegomene. وقد انتهى وولف إلى مثل ما انتهى إليه العالم الفرنسي بعد دراساته الطويلة بالحوادث التي كانت في مخطوطٍ يُسمَّى Veenetus ونشرها عالم فرنسي اسمه De Villoisin عام ١٧٨٨م. وقد أيَّد هذه النظرية مع بعض الاختلاف البسيط لأخمان Lachmann وهين Heyne وكيرشوف Kirchhoff الذي يقول إن الإلياذة والأوديسة ليستا عبارة عن أغانٍ صغيرة بسيطة، إنما قصائدُ طويلة من الشعر القصصي. وقد أيد كيرشوف فيما يخص بالإلياذة عالمٌ آخر مشهور جدًّا اسمه فيلاموفتس Wilamowtz. هذه بيداءُ من الآراء المختلفة، من الجائز أن يضل الإنسان فيها؛ لذلك نكتفي ببعض الملاحظات لتحديد أوجه هذه المشكلة، ولكن قبل أن نبدأ في ذكره هذه الملاحظات يجب علينا أولًا أن نذكُر كيف نُشرتْ هذه الأشعار الهومرية، ونتكلم أولًا عن كيفية انتقال هذه القصائد إلى أيونيا في آسيا الصغرى. نستطيع ان نقول إن الشعر كانت له مكانةٌ عظيمة في المجتمع الآخي والأيوني والأيولي؛ إذ كان الشعراء والمغنون يُنشِدون في المآدب التي يقيمها كبار القوم مثل فيميوس وديمودوكوس وألكينوس. كانت الأغاني التي يختارها هؤلاء الشعراء المغنون تدور حول حوادثَ خاصة بحياة الأبطال. يظهر لنا من أول وهلة أن هذه الأغاني كانت أغانيَ قصيرة؛ لأنه من المستحيل على الشاعر أن يُغنِّي أغانيَ طويلة كالإلياذة والأوديسة، خصوصًا إذا أخذنا أن الكتابة لم تكن قد ظهرت بعدُ. بناءً على هذه النظرية يمكن استنتاج أن هذه القصائد لم تكن طويلة، وأنها نُقلَت عن طريق الحفظ والسماع إلى أيونيا، ولكننا نشُك في هذا الكلام لوجود فكرة في هوميروس تُثبِت وجود كتابة في هذه الفترة. كان من الجائز أن نأخذ بهذه الفكرة لو لم تُوجد الحفائر. أما الآن فإننا نعرف عن طريق الحفائر أن اليونان لم يأخذوا الحروف الهجائية عن الفينيقيين في القرن الثامن أو التاسع؛ لأن الكتابة كانت معروفة منذ زمنٍ طويل في قرنٍ أقدم من القرنَين الثامن والتاسع، وكانت الكتابة معروفة في العالم الذي وصل إليه الآخيون؛ لذلك يمكننا أن نأخذ بالرأي القائل بأنه كان هناك نوع من الإلياذة والأوديسة موجود ومكتوب باللغة اليونانية وفي هذا العصر القديم بالذات؛ لأن علم اللغات قد أثبت لنا بطريقةٍ قاطعة أن هناك فاصلًا بين القصائد الهومرية وبين الأدب الآخي الذي سبق هذه القصائد والحروب. ليس هناك من شكٍّ في أن هذا مهمٌّ من الناحية التاريخية والأدبية؛ لأنه يُثبِت لنا الأهمية العظمى للشعوب المتكلمة باللغة اليونانية مثل الأيونيون والأيوليون وهم متصلون بالآخيين بصلة القرابة، وبالذين جاءوا إلى بلاد اليونان بعد هجرات الآخيين وقبل هجرات الدوريين. ثم صارت لهم السيادة بعد أن استَتبُّوا ببلاد اليونان أو بعد هجراتهم إلى آسيا الصغرى، وكانت هذه الهجرات نتيجة للغزوات الدورية. ولقد سارت القصائد الهومرية في نفس الطريق الذي سارت فيه القصائد الأيونية ثم انتقلَت إلى أيونيا بواسطة الكتابة. أما الآخيون فلم يقبلوا أن يكون لهم آداب، فقلدوا الأدب الفريجي المينوي، ثم كان هناك فنٌّ ميسينيٌّ قلَّدوه من الأسلحة والأواني الفخارية. فالقصائد الهومرية إذن قصائدُ هومرية بحتة لا نجد فيها كلماتٍ إيجية إلا عددًا قليلًا جدًّا يكاد لا يُذكر، وهي قصائدُ تسير على نهج القصائد الأيولية، ولكنها اتخذت الشكل الأيوني. والآن نتحدث عن الكيفية التي نُقلَت بها هذه القصائد إلى بلاد اليونان. لقد انتقلَت بإحدى هاتَين الطريقتَين أو بالاثنَين معًا. أولًا: بالطريقة الشفوية، وذلك بواسطة المنشدين المغنين الذين كان من عادتهم الانتقال من مدينة إلى أخرى، والتقدُّم إلى المسابقات العامة لنيل الجوائز الكبرى كتاجٍ من الذهب مكافأةً على إنشادهم أشعار هوميروس. وكان من عادتهم أن يصعدوا فوق منبرٍ عالٍ ويأخذوا في إلقاء هذه القصائد بصوتٍ جهوري واضح النبرات. وكانوا يعقدون جلساتٍ طويلة على أيامٍ متتالية كي تكفي هذه الجلسات الطويلة لإنشاد الإلياذة والأوديسة كلها. وكان هؤلاء المنشدون يلبسون ملابسَ فاخرة ذات ألوانٍ زاهية باهرة حمراء عندما يُنشِدون الإلياذة وأخرى أرجوانية متى ينشدون الأوديسة، وذلك حسب ما قال به كل من الخطيبَين سقراط وأفلاطون؛ فقد قال كلاهما إن هؤلاء المنشدين كانوا يذهبون إلى الأعياد التي تُقام فيها المسابقات العامة كالأعياد البانأثينية الكبرى Grandes Panathéneés ويحدثنا الشاعر بندار Pindar أيضًا عن وجود جماعةٍ تُسمَّى Les Homérides وهؤلاء الهومريون يُنشِدون هذه القصائد. والمرجَّح أنهم كانوا في بادئ الأمر عبارةً عن جمعية تضم جميع مُغنِّي الإلياذة والأوديسة. كانوا يدَّعون لأنفسهم حق الانتساب إلى هوميروس ويقولون إنهم من سلالة هوميروس. وكان من بين الهومريين كثيرون في جزيرة خيوس Chios نسب إليهم فكتور بيرار جمع الأغاني المختلفة التي تتكوَّن منها الأوديسة، وذلك في بداية القرن السابع قبل الميلاد. وهذه الأغاني مجتمعة قد وصلَت إلينا اليوم كما كانت عليه في ذلك القرن. وهذا ما يأخذ به أصحاب الأغاني المستقلَّة المسماة «ليدر» الذين يقولون بوجودِ شُعراءَ عباقرة جمعوا هذه الأناشيد في إلياذةٍ عامة أو أوديسةٍ عامة. ثانيًا: بالطريقة الكتابية؛ لأنه كان بين أيدي المنشدين نُسخٌ مكتوبة. ولقد قال المؤرخ إيفور Ephore في القرن الرابع قبل الميلاد في إحدى رواياته إن المشرع الإسبرطي لوكورجوس Lycurgus قد عمل على استحضار نسخةٍ من جزيرة ساموس أو خيوس أو من كريت إلى إسبرطة، ولكن حقيقة الأمر أن هذا المشرِّع خُرافيٌّ ولا وجود له في التاريخ. ولكن هناك روايةٌ أخرى تقول إن الطاغية بيزستراتوس الذي حكم في أثينا إبَّان القرن السادس قبل الميلاد قد عمل على جمع هذه الأناشيد الهومرية، وكانت حتى عصره مشتَّتةً مبعثرة، كما أنه يجب ألا يغيب عنا أنه في عصر بيزستراتوس هذا تَقرَّر إنشاد القصائد الهومرية في الأعياد البانأثينية الكبرى في أثينا. وقد استغل هذه الرواية أصحابُ نظرية الأغاني المستقلة ابتداءً من وولف؛ ففي رأي القائلين بهذه النظرية أن أثينا لعبت دورًا مهمًّا في تكوين الإلياذة والأوديسة. ومن رأيهم أيضًا أن الشعراءَ العباقرة الذين عملوا على وضع الإلياذة والأوديسة في صورتها الأخيرة هم أعضاء اللجنة التي ألَّفَها بيزستراتوس للإشراف على أمور التعليم والثقافة والعلوم المختلفة في أثينا في القرن السادس قبل الميلاد. وتتألَّف هذه اللجنة من الأشخاص الثلاثة الآتية أسماؤهم Zopyres d’Héraclée, Onomaci d’Athènes, Orphée de Grotone، ولكن الرواية الأخيرة بعيدة عن الصحة؛ إذ إنها لا تتعدَّى القرن الأول قبل الميلاد، والذي رواها هو أسكليبياديس؛ Asclépiades ومن ثَمَّ فهي ليست قديمة. والمؤرخون الذين ظهروا في نيجارا هم أوَّل من نسَب إلى بيزستراتوس إدخال بيتَين من الشعر لإثبات حقوق أثينا على جزيرة سلاميس؛ ومن هنا نشأَت الخرافة القائلة بوجود اللجنة التي عيَّنها بيزستراتوس والتي تكلَّمنا عنها. وهي الخرافة التي وصلَت النحوي أسكاليبياديس ومنه إلى شيشترون Cicero وعن الأخير عرفها المحدَثون. وواقع الأمر أنه كانت هناك نُسخٌ لهوميروس تُسمَّى «نسخ المدن» وهي النسخ الحكومية التي تضعها الدولة للمدارس والأعياد العامة. وقد وُجدَ كثيرٌ من هذه النسخ في أثينا وغيرها. ومن المحتمل أن تكون هذه النسخ الحكومية هي كل ما يمكن نسبته إلى صولون وبيزستراتوس. وقد تحدَّث البعض فقال إن أشعار هوميروس كُتبَت في أثينا بلهجةٍ أتيكية. واستندوا في ذلك على الإضافات التي زُجَّت في النسخة الأصلية كالبيتَين المتعلقَين بجزيرة سلاميس وكالأشعار المتعلقة بالأبطال الأثينيِّين كالبطل مينيسثيوس Menestheus وأريخثيوس Erectheus وهم في هذا غير مُحقِّين؛ لأنه لا يُوجد ما يدعو إلى افتراض وجود هذه الفروض ونسبتها إلى الساسة الأثينيين لشرح الدور الذي قام به الأبطال الإثينيون في الإلياذة؛ لأن علم الآثار أثبت لنا بطريقةٍ قاطعة أنه كانت هناك أثينا وأتيكا أيام الحضارة الميسينية. بيد أن هناك آخرين يقولون إن النص الأصلي كان باللهجة الأيونية ثم نُقل إلى الأتيكية القديمة وذلك بعد عام ٤٠٥ق.م. وهذا الرأي بعيد عن الصحة؛ لأن الإلياذة والأوديسة وصلَتا إلى أثينا باللهجة الأيونية، ومن غير المعقول أن تُستبعد هذه اللهجة الحسنة وتُفضَّل عليها اللهجة الأتيكية. إذن فلا يحتمل العقل هذه الفروض بل ما يُصدِّقه هو أن بلاد اليونان في القرن الخامس والرابع (أي في العصر الكلاسيكي) كانت تقرأ هوميروس كما نقرؤه اليوم. ويكاد النص يكون هو النص الذي بين أيدينا. وطبيعي أن تكون الطبقات المختلفة في هوميروس متباينة فيما بينها؛ ومن ثم لا يجب أن نُعنى بالإضافات والتغييرات إلا لمجرد حب التغيُّر والإضافة، أو بقصد الكسب والمنفعة. والواقع أن الإلياذة والأوديسة اللتَين وصلَتا إلى علماء فقه اللغة من السكندريين لا تختلفان عن الإلياذة والأوديسة اللتَين بين أيدينا، صحيحٌ أن بين هؤلاء العلماء من غيَّر فيهما مثل زينودوت Zenodote الذي بلغَت به الجرأة فحذف الكثير من الأشعار التي لا تتفق مع الإلياذة والأوديسة. الواقع إذن أن جميع هذه الاعتبارات لا تحُل هذه المشكلة حلًّا مقنعًا؛ لأننا نتردَّد بين الفرض الأول القائل بوجود نواةٍ أولية، والفرض الثاني القائل بوجود أغانٍ بسيطة تُسمَّى «ليدر»، ولا ندري أيهما نُفضِّل على الآخر. وربما كان أفضل شيء هو أن نُبدي رأينا الشخصي بهذا الصدد. إن الإلياذة تتناسب مع الفرض الأول؛ إذ يمكن شرح الإلياذة بهذه النظرية؛ فالإلياذة لا تخلو من قِطعٍ كثيرة أُضيفَت إليها، ويمكن حذفها دون أن يؤدي هذا الحذف إلى أدنى تغيير في الهيكل الأساسي الذي تتركب منه؛ مثل تعداد السفن، أو القائمة التي أتت بتعداد السفن Catalegue des Vaisseaux في الأنشودة الثانية؛ إذ واضح جدًّا أن هذه القائمة بأسماء السفن قد أُضيفت إلى الإلياذة رغم أن هذه القائمة تُناسِب العصر؛ إذ تعطينا فكرة عن جغرافية البلاد إبَّان الحضارة الميسينية. ولقد أخذ النقاد بهذا الرأي وأجمعوا عليه. كما أن الإلياذة لا تخلو من قِطَعٍ مكرَّرة حتى تكاد تكون متشابهة، ولكن رغم هذه الإضافة وهذا التشابه لا تزال تُوجد سلسلة من الحوادث الأساسية هي التي تُكوِّن الهيكل الأساسي للإلياذة كغضب أخيل، وكالمعركة التي خسرها اليونانيون، والوفد الذي ذهب إلى أخيل ليعود به إلى القتال، والمعركة التي دارت رحاها بجوار الأسطول، وكالأناشيد التي تدور حول باتروكلوس وتسمى Patroclice، ومثل عودة أخيل إلى الحرب، وموت البطل هكتور في نهاية القصة. أما إذا أخذنا بالفرض الثاني المسمَّى «ليدر» فثابتٌ أنه يمكن الاعتراض عليه بعدة اعتراضات، منها الاعتراض الخاص بالتساؤل عن الزمن الذي حدث فيه الجمع والتصنيف بين هذه الأغاني؛ إذ لا يمكن أن يكون قد تم الجمع والتصنيف في عهد الشعراء المنشدين؛ لأن طبيعة مهنتهم لا تساعدهم على ذلك. كما أنه لا يمكن أن يكون هذا العمل قد تم في عهد الطاغية بيزستراتوس؛ لأن العمل المنسوب إليه يفترض وجود إلياذة؛ ومن ثَمَّ فإن هذه النظرية بعيدة الاحتمال والصواب. الراجح إذن أنه كانت تُوجد قبل إلياذة هوميروس إلياذةٌ أيولية أخرى ولكنها أقل رقيًّا وتقدمًا من إلياذة هوميروس؛ إذ يغلب عليها نوعٌ من التأخر والوحشية في العادات تتناسب مع العصور البدائية التي كانت في ذلك الوقت، ثم تغيرت اللهجة الأيولية إلى الأيونية، وفي الوقت نفسه تلطَّفتْ وتهذَّبتْ وتحسَّنتْ وأُضيفَت إليها بعض حوادثَ جديدة. والأوديسة هي الأخرى تقبل مثل هذا التفسير كما تقبل النظرية الأولى التي نُفضِّلها؛ فهيكلها الأساسي واضح كل الوضوح؛ لأنها تتألف من ثلاثة أقسامٍ واضحة متميزة بعضها عن بعض، ولكنها مرتبطة فيما بينها برباطٍ متين وثيق. ومع هذا فإن الأناشيد التي أُضيفَت إلى الأوديسة أكثر بكثير من الأناشيد التي أُضيفَت إلى الإلياذة. وليس هناك سبيلٌ إلى القول بوجود أوديسة أيولية كالإلياذة الأيولية؛ ذلك لأن البطل أوديسيوس ليس أيوليًّا بل من أبطال شعوب البحر الأبيض المتوسط. وبالرغم من هذه الوحدة الغالبة على كلٍّ من القصيدتَين الكبيرتَين لا نستطيع أن نقول إن لهما تاريخًا محددًا؛ لأن هذه القصائد تُصوِّر لنا سلسلةً طويلة متصلة من القرون والعصور. كما يجب أن يغيب عن بالنا أنهما ليستا من الآداب الشعبية بل هما مثل الشعر الراقي الرفيع الذي ألَّفَه شاعرٌ مثقَّف على جانبٍ كبير من العلم والثقافة أراد أن يُصوِّر لنا عصر الأبطال القديم. ونستطيع أن نقول أيضًا إن في كلٍّ من الإلياذة والأوديسة أجزاءً قديمة وأخرى أحدث منها. ونقول أيضًا إنهما انتهَتا جميعًا في القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد في عصر انتقالٍ بدأ فيه المجتمع ينتقل من الحكم الملكي إلى الحكم الأرستقراطي الذي كانت مظاهره آخذةً في النمو والازدهار بسرعة. الأوديسة
الأنشودة الأولى قاد أثينا نفسها، وأجلسها فوق مقعد، وعند أسفله كرسي صغير للأقدام … دعاء إلى ابنة زوس حدثيني، أيتها الربَّة، عن الرجل الكثير الحِيَل الذي أخذ يجول في كثيرٍ من مناكب الأرض بعد أن دمَّر قلعة طروادة المقدسة؛ فقد شاهد بلاد رجالٍ كثيرين وتعلم آراءهم. نعم، وكثيرة هي الويلات التي عاناها في قلبه وسط البحار، ساعيًا إلى النجاة بحياته وعودة رفقائه. بيد أنه مع هذا لم يُنقِذ أولئك الرفاق، رغم شدة لهفته إلى ذلك؛ إذ هلكوا بسبب حماقتهم العمياء — فما أحمق من أكلوا أبقار! هيليوس هوبيريون Helios Hyperion؛١ إذ حرمهم سلامةَ عودتهم. تحدَّثي إلينا، أيتها الربة، يا ابنة زوس،٢ عن هذه الأمور، وابدئي من حيث يحلو لكِ أن تبدئي. بوسايدون ثائر ضد أوديسيوس والآن، أصبح في أوطانهم جميع الآخرين، الذين نجَوا من الهلاك المحقَّق، سالمين من أذى الحرب والبحر، ولكن أوديسيوس٣ وحده، الشديد اللهفة إلى الرجوع لوطنه، وإلى زوجته، قد احتجَزتْه الحورية الجليلة والربَّة البرَّاقة كالوبسو Calypso،٤ في كهوفها الواسعة، أملًا في أن تتخذه زوجًا. غير أنه، ما إن أهل — بمرور الفصول — ذلك العام الذي حدَّدتْه الآلهة لكي يعود فيه وأوديسيوس إلى وطنه إيثاكا Ithaca، حتى كان هناك، ولكنه لم يكن خاليًا من المهام، حتى بين قومه. وقد أشفَقَت عليه جميع الآلهة خلا بوسايدون Poseidon،٥ الذي مضى في ثورته المستمرة ضد أوديسيوس، شبيه الإله، حتى وصل أخيرًا إلى أرضه. بيد أن بوسايدون انطلق إلى الإثيوبيين Ethiopians البعيدين؛ الإثيوبيين، الذين يقطنون بمنأى عن البشر، في شطرَين منفصلَين، بعضهم حيث يَغرُب هوبيريون، والبعض الآخر حيث يُشرِق ليتلقى ذبيحةً مئوية من الثيران والكباش. وكان يتمتَّع هناك بملذَّاته، جالسًا أمام الوليمة، بينما كان الآلهة الآخرون مجتمعين في ساحات زوس الأوليمبي Olympian Zous، وقد كان أبو الآلهة والبشر هو أول من تكلَّم بينهم؛ إذ كان يُفكِّر في قرارة قلبه في أيجيسثوس Aegisthus٦ النبيل، الذي قتله أوريستيس Orestes،٧ الذائع الصيت، ابن أجاممنون Agamemnon٨ فتكلَّم وسط الخالدين وهو يُفكِّر فيه، فقال: «اسمعوا يا هؤلاء، الآن سأُبيِّن لكم كيف أن البشر مستعدون ليُنحوا على الآلهة باللوم. إنهم ليقولون: إن الشرور تأتي منَّا. غير أنهم ينالون أحزانًا تفوق ما قُدِّر لهم، بسبب حماقتهم العمياء؛ فقد تخطَّى أيجيسثوس ما قُدِّر له، فاغتصب لنفسه زوجة ابن أتريوس Atreus،٩ وقتله عند عودته، رغم أنه كان على يقينٍ من الهلاك المحقق؛ إذ سبق أن تحدَّثنا إليه، وأرسلنا هيرميس Hermes،١٠  أرجايفونتيس Argeiphontes١١ الثاقب البصر، ينهاه عن قتل الرجل وعن مغازلة زوجته؛ لأن الانتقام لابن أتريوس، سوف يأتي من أوريستيس يوم يبلغ هذا مبالغ الرجال، ويتوق إلى وطنه، فأخبره هيرميس بهذا، ولكنه رغم حسن نيته، لم يُوفَّق في التغلُّب على قلب أيجيسثوس، والآن ها هو قد دفع ثمن كل شيء.» عندئذٍ ردَّت عليه الربة، البرَّاقة العينَين،١٢ قائلة: «أبانا كلنا، يا ابن كرونوس،١٣ يا أسمى جميع السادة. حقًّا، إن ذلك الرجل ليعيش ذليلًا في تهلُكةٍ يستحقها، كما نرجو أن يلقى مثل هذا المصير، كل شخصٍ آخر يفعل مثل تلك الفِعال، ولكن قلبي يتمزق من أجل أوديسيوس الحكيم، ذلك الرجل التعيس، الذي ظل بعيدًا عن أصدقائه، يقاسي الأهوال طويلًا، في جزيرة وسط البحر تحوطها المياه من كل صوب. إنها لجزيرة كثيرة الغابات، حيث تعيش ربَّة هي ابنة أطلس Atlas،١٤ ذي العقل الفتَّاك، الذي يعرف أعماق كل بحر، ويحمل هو نفسه، العمد الطويلة التي تفصل السماء عن الأرض. إن ابنته هذه هي التي تحتفظ بذلك الرجل التعيس، الحزين، وتدأب في خداعه بمعسول الألفاظ كي ينسى إيثاكا، ولكن أوديسيوس، من فرط شوقه إلى رؤية، ولو الدخان المتصاعد من بلاده، يتوق إلى الموت. ومع ذلك، فإن قلبك لا يهتم بهذا، أيها الأوليمبي.١٥ ألم يُقدِّم لك أوديسيوس ذبيحةً لا حصر لها، بجوار سفن الأرجوسيين Argives، في أرض طروادة الفسيحة؟ لماذا تُكِنُّ إذن، مثل هذا الغضب ضده، يا زوس؟» زوس يُحرِّض الآلهة ضد بوسايدون فأجاب زوس، جامع السحب، بقوله: «طفلتي، ما هذه الكلمة التي فلتَت من بين شفتَيك؟ كيف أستطيع، إذن نسيان أوديسيوس، شبيه الإله، الذي يفوق سائر البشر حكمة، والذي قدَّم للآلهة الخالدين الذين يحتلُّون السماء الفسيحة، ذبيحةً أعظم مما قدَّمه الجميع؟ كلا، فإن بوسايدون، مُطوِّق الأرض، هو الذي يتملَّكه على الدوام غضبٌ عنيد ضده، بسبب بولوفيموس Polyphemus١٦ الذي أعمى أوديسيوس عينه، ذلك الكوكلوب Cyclops، شبيه الإله، أعظم جميع الكوكلوبيس Cyclopes قوة، والذي أنجبته ثُئوسا Thoosa، ابنة فوركوس Phorcys، المسيطر على البحر الدائم الحركة؛ إذ اضطجَعت هذه مع بوسايدون في الكهوف الفسيحة، فمنذ تلك اللحظة بالضبط، عوَّل بوسايدون، مزلزل الأرض، على ألا يقتل أوديسيوس، بل يُشرِّده عن وطنه. والآن هَلُمَّ بنا جميعًا، نحن الحاضرين هنا، نُفكِّر في أمر عودته إلى وطنه، وعندئذٍ يُضطَر بوسايدون إلى أن يصرف غضبه؛ لأنه لن يستطيع المُضي في الصراع وحده، بأية حالٍ من الأحوال، رغم معارضة جميع الآلهة الخالدين.» وأحضَرت ربَّة البيت الخبز وكمياتٍ وافرةً من الأطعمة اللذيذة … أثينا تذهب إلى إيثاكا فردَّت عليه الربَّة، أثينا البَرَّاقة العينَين، بقولها: «أبانا جميعًا، يا ابن كرونوس، يا أسمى جميع السادة، إن كان مما يسُر الآلهة المبارَكين الآن، أن يعود أوديسيوس الحكيم إلى وطنه، فهيا نبعث هيرميس، الرسول، أرجايفونتيس، إلى جزيرة أوجوجيا، حتى يمكنه الانطلاق بأقصى سرعة، ويُعلِن الحوريةَ ذاتَ الغدائرِ الفاتنة، بأننا قرَّرنا نهائيًّا، أن يعود أوديسيوس، الثابت القلب، إلى وطنه. أما أنا، فسأذهب إلى إيثاكا، عسى أن أتمكَّن من إثارة حماس ابنه، وأبُثَّ الشجاعة في قلبه، كي يدعو الآخيين Achaeans الآخيين الطويلي الشعور إلى اجتماع، ويعلن كلمته إلى جميع العُشَّاق، الذين ينحرون باستمرار، خرافه المجتمعة، وأبقاره الملساء١٧ ذات المشية المتثاقلة. ولسوف أقوده إلى إسبرطة Sparta، وإلى بولوس Pylos الرملية ليتَسمَّع أنباء عودة أبيه العزيز؛ فلو ساعدَه الحظ في أن يحظى بها، ربما كانت هناك أنباءٌ طيِّبة بين الرجال.» أثينا تتنكَّر في صورة قائد هكذا تكلَّمَت، ثم ربطَت في قدمَيها صندلَيها الجميلَين، الخالدَين الذهبيَّين، اللذَين اعتادا أن يحملاها فوق مياه البحر، وفوق الأرض الشاسعة، في سرعة الريح. وتناولَت رمحها القوي المدبَّب بالبرونز الحاد، الثقيل، الضخم، المتين، الذي تفني به صفوف المحاربين من الرجال، الجديرة بهم، بصفتها ابنةَ السيد الأعظم. وبعد ذلك، انقضَّت هابطةً من مرتفعات أوليمبوس Olympus واتخذَت وقفتَها في أرض إيثاكا عند باب أوديسيوس الخارجي، عند عتبة الساحة، ممسكة في يدَيها رمحها البرونزي، متخذة صورة أحد الغرباء، مينتيس Mentes١٨ قائد التافيين Taphians، فوجدَت هناك العُشَّاق المتغطرسين يتسلَّون بلعبة الضامة، وقد جلَسوا أمام الأبواب فوق جلود الثيران التي ذبَحوها هم أنفسهم. أما الرسل،١٩ والأتباع المشغولون، فكان بعضهم يمزُج لهم الخمر بالماء في الطاسات، والبعض الآخر يغسل من جديدٍ الأَخوِنة بالإسفنج الكثير المسامِّ، ويعدُّونها، بينما يُقسِّم آخرون اللحم في كمياتٍ وافرة. تيليماخوس يُرحِّب بأثينا كان تيليماخوس Telemachus،٢٠ الشبيه بالإله، هو أول من رآها؛ فقد كان جالسًا وسط العُشَّاق، حزين القلب، يُفكِّر مليًّا في أبيه النبيل، عسى أن يعود من مكانٍ ما، بمحض الصدفة، فيُغرِق أولئك العُشَّاق الرابضين في القصر، فيفوز هو نفسه بالمجد، ويسوس بيته؛ فبينما كان يُفكِّر في تلك الأمور، وهو جالس بين العُشَّاق؛ إذ وقع بصره على أثينا Athene، فانطلق من توِّه إلى الباب الخارجي؛ إذ كان في قرارة نفسه يَعتبِر من العار أن يترك الغريب ينتظر طويلًا عند الأبواب فلما اقترب منها أمسك يدها اليمنى، وتناوَل منه الرمح البرونزي، وخاطبها بكلماتٍ مُجنحَة٢١ قائلًا: «مرحبًا بك، أيها الغريب، سوف تحظى في بيتنا بكرم الضيافة. وبعد ذلك، عندما تذوق طعامنا، تُخبرنا بما أنت في حاجة إليه.» ما إن قال هذا حتى قاد الطريق، وتبعته بالاس أثينا Pailas Athene،٢٢ فلما صار داخل القصر المنيف، حمل الرمح وأسنده إلى عمودٍ مرتفع في حامل الرماح مصقول، حيث أسندَت عدة رماحٍ حتى تلك الخاصة بأوديسيوس الجريء القلب. قاد أثينا نفسها، وأجلسها فوق مقعد، بعد أن فرش لها قِطعةً من منسوج الكتَّان. لقد كان مقعدًا جميلًا، فاخر الصنعة، وعند أسفله كرسيٌّ صغير للأقدام. وإلى جواره وضع مقعدًا لنفسه، مُطعَّمًا، بعيدًا عن الآخرين، العُشَّاق، خشيةَ أن يستاء الغريب من ضوضائهم، فيعاف الطعام عندما يرى نفسه بين قومٍ متعجرفين، وكذلك لكي يستطيع أن يسأله عن أبيه الغائب، ثم جاءت أمه بماءٍ لغسيل الأيدي، في جرَّةٍ جميلة من الذهب، وسكَبتْه لهما فوق طستٍ من الفضَّة، لكي يغتسلا، وسحبَت إلى جوارهما خوانًا لامعًا، وأحضرت ربَّة البيت الموقَّرة الخبز، فوضَعتْه أمامها، ومعه كمياتٌ وفيرة من الأطعمة اللذيذة، وكانت سخيةً في إخراجها من مخزنها. وكان نادل٢٣ يرفع الصِّحاف ويضع غيرها مليئةً بسائر أنواع اللحوم، ووضع إلى جوارهما كئوسًا ذهبية، بينما كان الساقي يذْرع المكان جيئةً وذهابًا، يسكُب لهما الخمر. بعد ذلك، دخل العشاق المتغطرسون، وجلسوا صفوفًا فوق الكراسي والمقاعد العالية. وراحوا الخدم يصبُّون الماء فوق أيديهم، وأخذَت الإماء يُكوِّمن الخبز أمامهم في أسفاط، والشبان يملئون الطاسات بالشراب حتى الثمالة، فمدُّوا أيديهم إلى المباهج الطيبة الموضوعة أمامهم. والآن بعد أن أشبع العشاق رغبتَهم من الطعام والشراب، تحوَّلَت قلوبهم إلى أمورٍ أخرى، إلى الغناء وإلى الرقص؛ إذ إن هذه الأشياء هي ما يُتوِّج الوليمة. وجاء خادم فوضع القيثارة الجميلة في يدَي فيميوس Phemius،٢٤ الذي راح يُغنِّي على كُره منه وسط العشاق، وأخذ يضرب الأوتار بما يتفق ونغمة أناشيده وصوته العذب. تيليماخوس والغريب … في حديث أما تيليماخوس، فتحدَّث إلى أثينا، ذات العينَين اللامعتَين، وقد اقترب منها برأسه، حتى لا يسمعه الآخرون، فقال: «أيها الغريب العزيز، هل تغضب مني بسبب ما سأقوله لك؟ يهتم هؤلاء الرجال بمثل هذه الأشياء، القيثارة والغناء، اهتمامًا بالغًا، طالما أنهم يلتهمون طعام غيرهم سحتًا، طعام رجل، ربما كانت عظامه البيضاء متعفنة في الأمطار، وهي ملقاة فوق اليابسة، أو تُدحرِجها الأمواج في البحر. ولو أبصروا به عائدًا إلى إيثاكا، لتمنى كل واحدٍ منهم أن يكون أكثر سرعة في الهرب، منه في الثراء بالذهب واللباس. بيد أنه ها قد هلك الآن بقدرٍ مشئوم، ولا سبيل لنا إلى أية راحة. كلا، حتى ولو قال رجلٌ ما، على ظهر الأرض، إنه سيحضر، لقد فات يوم عودته. أما الآن، فتعال، أخبرني، وصارحني الصدق في القول، مَن مِن الناس أنت، ومن أين قَدِمت؟ أين بلدُك، وأين أبوك؟ على أية سفينةٍ حضرت، وكيف جاء بك الملاحون إلى إيثاكا؟ ماذا أخبروك عن أنفسهم؟ فما أظنك، قد أتيتَ إلى هنا ماشيًا على قدمَيك بحالٍ ما. وأخبرني بالصدق عن هذا أيضًا، كي أعلم يقينًا، هل هذا هو أول مجيءٍ لك إلى هنا، أم أنك، بحق، صديقٌ قديم لبيت أبي؟ فإن أغرابًا كثيرين قد جاءوا إلى بيتنا؛ لأن أبي كذلك كان قد ذهب إلى هنا وإلى هناك بين الناس.» عندئذٍ ردَّت عليه الربة، أثينا ذات العينَين النجلاوَين، بقولها: «إذن بالحق سأُخبرك صراحةً بكل شيء. إنني مينتيس بن أنخيالوس Anchialus الحكيم، وإنني سيدٌ على التافيين Taphians محبي المجاذيف. ها أنا ذا قد جئتُ الآن إلى هنا، كما ترى، بسفينة وملاحين، وإبَّان سفري عَبْر البحر القاتم كالخمر، مررتُ بقومٍ غريبي اللغة، وأنا في طريقي إلى تيميسي Temese بحثًا عن النحاس، وها أنا ذا أحمل معي بعض الحديد البَرَّاق. إن سفينتي راسية هناك بجانب الحقول بعيدًا عن المدينة، في ميناء رايثرون Rheithron، أسفل نايون Neion الكثيقة الغابات. إننا لنعتبر أنفسنا صديقَين، كما كان آباؤنا أصدقاءَ منذ القدم. نعم، ولو أردت، فاذهب واسأل المحارب العجوز، لايرتيس Laertes،٢٥ الذي يقولون إنه لن يأتي بعد الآن إلى المدينة، بل يظل بعيدًا في الحقول يقاسي الآلام، وتخدمه كأَمةٍ عجوزٌ شمطاء، تُقدم له الطعام والشراب، بعد أن يتملَّك التعَب من أطرافه، وهو يحبو خلال أرض كرومه. والآن، ها أنا ذا قد جئت؛ إذ يقول الناس بصدقٍ إن أباك كان بين قومه، ولكن للأسف، إن الآلهة هي التي تقف في طريق عودته؛ لأن أوديسيوس العظيم لم يهلِك بعدُ على سطح الأرض، ولكنه، كما أعتقد، لا يزال حيًّا محجوزًا فوق البحر الفسيح في جزيرة يحوطها البحر، ويحتجزه قومٌ قساة، متوحشون، ويمنعونه من المجيء، ربما ضد رغبته الشديدة. بيد أنني أتنبأ لك الآن، حيث قد وضع الخالدون النبوءة في قلبي، وكما أعتقد أنه سيحدث، رغم كوني لست قطعًا بعراف ولست خبيرًا في التطيُّر، أن أباك لن يغيب طويلًا عن وطنه العزيز، حتى لو قُيِّد بأصفادٍ من الحديد. إنه سيُدبِّر طريق عودته؛ إذ إنه كثير الحِيَل، ولكن تعال، أخبرني بما سأسألك عنه، وكن صادقًا في قولك، كما أنت طويلٌ هذا الطول الفارع. هل أنت حقيقةً ابن أوديسيوس نفسه؟ إن هناك شبهًا عجيبًا بين رأسِك وعينَيك الجميلتَين، وبين والدك؛ فقد كنا نلتقي سويًّا، كثيرًا، قبل رحيله إلى بلاد طروادة، التي ذهب إليها أيضًا، أشجعُ الأرجوسيين في سفنهم الواسعة. غير أنني لم أرَ أوديسيوس منذ ذلك اليوم، كما أنه لم يرني أيضًا.» فأجابها تيليماخوس الحكيم، بقوله: «إذن، بالحق سأصارحك القول بكل شيء، أيها الغريب. تقول أمي إنني ابنه، ولكني لستُ أعرف هذا، فما من إنسان، حتى الآن، قد عرف سلسلة نسبه من تلقاء نفسه. آه، يا سيدي، ليتني كنتُ ابن رجلٍ ما مبارك، قد وافَته الشيخوخة ضمن ممتلكاته الخاصة، ولكن حيث إنكَ تسألني الآن عن نسبي، فإنني تبعًا لما يقول الناس، قد انحدرتُ من أتعس رجل بين البشر.» فقالت الربَّة، أثينا ذات العينَين المتألقتَين: «إذن، فمن المؤكد أن الآلهة قد عينَت لك نسبًا غير خامل لتنحدر منه؛ إذ أرى أن بينيلوبي penelope٢٦ قد ولدَتْك بهذه الصورة التي أنت عليها، ولكن تعال، أخبرني عن هذا، وكن صادقًا في قولك، أي وليمةٍ هذه؟ وأي حشدٍ هؤلاء؟ ما حاجتك إلى هذا كله، أهو حفلُ شراب، أم وليمةُ عرس؟ لأنه من الجلي أن هذه ليست وليمةً قد اشترك فيها كل فردٍ بنصيب، يبدو لي أنهم يُولِمون في ساحاتك بعربدةٍ وعجرفةٍ بالغتَين. لا بد أن المرء يغضب إذ يرى كل هذه الأعمال المخجلة، وكذلك كل رجلٍ ذي شعورٍ يجد نفسه وسط هؤلاء.» فأجابها تيليماخوس العاقل، قائلًا: «أيها الغريب، بما أنكَ تسألني حقيقة عن هذا الأمر، فاعلم أن منزلنا كان يومًا ما واسع الثراء والمجد، طيلة مدةِ وجود ذلك الرجل بين أهله. أما الآن فإن الآلهة قد أرادت شيئًا آخر بتدبيرها الشرير؛ حيث قد أرغَمتْه على الاختفاء عن الأنظار، وحده من دون الرجال أجمعين؛ فما كنت أحزن لموته، لو أنه قُتل وسط رفاقه في بلاد الطرواديين، أو لو أنه مات بين أيدي أصدقائه، عندما أشعل نار الحرب؛ عندئذٍ، كان جميع جيش الآخيين قد أقام له قبرًا، وكان أيضًا قد كسب مجدًا لابنه يُشرِّفه في الأيام المقبلة، ولكن الواقع، أن أرواح العاصفة٢٧ قد اكتَسحَته بعيدًا ولم تترك أية أخبار. لقد اختفى عن البصر، وعن السمع، تاركًا لي العذاب والبكاء، ولكني لستُ، بحالٍ ما، أبكيه وحده؛ إذ جلبَتْ عليَّ الآلهة متاعبَ أليمةً أخرى؛ فإن جميع الأمراء الذي يتولَّون مقاليد الحكم في الجزر — ودوليخيوم Dulichium وسامي Same وزاكونثوس Zacynthus الكثيرة الغابات — والذين يحكمون إيثاكا الصخرية، كل هؤلاء يغازلون أمي ويعيثون فسادًا في بيتي، وإنها لا تستطيع رفض الزواج البغيض، ولا تَقدِر أن تضع حدًّا لهذا. أما هؤلاء فإنهم بالولائم يستهلكون مواردي، ولن يمضي وقتٌ طويل حتى يَجُرُّوا الخراب عليَّ أيضًا.» فثارت ثائرة بالاس أثينا، وتحدَّثَت إليه بقولها: «ويحهم! ما أحوجكَ، حقًّا، إلى أوديسيوس الذي رحل، كي يقبض بيدَيه على العُشَّاق الصُّفقاء! ليته يأتي الآن، ويقف عند الباب الخارجي للمنزل، بخوذةٍ وترسٍ ورمحَين، بصورته التي كان عليها عندما رأيتُه لأول مرة في منزلنا يشرب ويمرح، عند عودته من إفوري Ephyre، من بيت إيلوس Ilus، ابن ميرميروس Mermerus؛ فقد ذهب أوديسيوس إلى هناك أيضًا في سفينته السريعة، بحثًا عن عقارٍ مميت، كي يدهنَ به سهامَه البرونزية الأطراف، بيد أن إيلوس لم يُعطِه ذلك العقار؛ إذ كان يخاف الآلهة الخالدين، ولكن أبي أعطاه؛ إذ كان عزيزًا لديه بصورةٍ عجيبة. وإنني أقول، ليت أوديسيوس يحضُر في مثل تلك القوة، ويقف بين هؤلاء المغازلين، وعندئذٍ يجدون جميعًا في مغازلتهم هلاكًا سريعًا، ومرارة. وعلى أية حال، فإن هذه الأمور تقع حقًّا على عاتق الآلهة، سواءٌ أكان سيعود ويصبُّ جام نقمته في ساحاته، أو أنه لن يعود. أما أنت يا بني، فإني آمرك أن تُفكِّر في طريقة تطرد بها أولئك العُشَّاق من الساحة. هيا الآن، هبني أذنك، واستمع إلى كلماتي. ادع سادة الآخيين، إلى الاجتماع غدًا، وأعلن كلمتك للجميع، ودعِ الآلهة تكون شهودك. أما العُشَّاق، فمُرهم أن يتفرقوا، كل واحد إلى بيته. وأما والدتك، فإن كان قلبها يأمرها بالزواج، فدعها تعود ثانيةً إلى ساحة قصر أبيها العتيد؛ حيث يُمكِنهم هناك إعداد وليمة العرس، ويُجهِّزون الهدايا العديدة٢٨ — كما يفعل كلُّ من يجري وراء ابنةٍ يهيم بها غاية الهُيام. إنني أُقدِّم لك نصيحتي الحكيمة، لو أصغيتَ إليَّ، جَهِّز خير سفينةٍ لديك بعشرين مجدفًا، واذهب وابحث عن أنباء أبيك، الذي رحل منذ أمدٍ بعيد؛ فقد تشاء الصُّدَف أن يستطيع إنسانٌ ما أن يخبرك عنه شيئًا، أو تسمع صوتًا من زوس، الذي كثيرًا ما يجلب الأنباء إلى البشر. ابدأ أولًا بالذهاب إلى بولوس Pylos زوس، واستجوب نسطور Nestor٢٩ العظيم، ثم اذهب من هناك إلى إسبرطة، إلى مينيلاوس٣٠ الجميل الشعر؛ لأنه كان آخر من وصل إلى وطن الآخيين المتدثِّرين بالبرونز، فلو قُيض لك أن تسمع أن أباك لا يزال حيًّا، وأنه في طريقه إلى الوطن، فعندئذٍ حقًّا، رغم كدرك الشديد، لن تستطيع احتمال عامٍ آخر. أما إذا سمعتَ أنه مات ومضى، فعُد إلى وطنك العزيز، واصنع له كَومة، وأقم فوقها المراسيم الجنائزية، الكثيرة كما يجب، ثم هَبْ أمك لزوج، وبعد أن تُنجز كل هذا وتنتهي منه، فَكِّر مليًّا في عقلك وقلبك في كيفية قتل أولئك المغازلين في ساحاتك، سواءٌ بالخديعة أو علنًا؛ لأنه لا يليق بك الالتجاء إلى الأعمال الصبيانية، ما دُمتَ لستَ في سن الطفولة. ألم تسمع عن الصيت الذي ناله أوريستيس العظيم بين سائر البشر عندما أخذ بالثأر من قاتل أبيه، أيجيسثوس الغادر، الذي قتل أباه المجيد؟ هكذا أنت أيضًا، يا صديقي؛ لأنني أراك لطيفًا وفارع الطول. كن شجاعًا، كي يتغنَّى بالثناء عليك كلُّ واحدٍ من الجيل القادم. أما الآن، فإنني ذاهب إلى سفينتي السريعة وإلى زملائي، الذين — على ما أعتقد — هم غاضبون أشد الغضب من انتظارهم إياي. وأما أنت، فاهتَم بما قلتُه لك، وأَصغِ إليه جيدًا.» عندئذٍ ردَّ عليها تيليماخوس الحكيم، قائلًا: «أيها الغريب، حقًّا إنك تسدي إليَّ هذا النصح بنفسٍ طيبة، كوالدٍ لابنه، ولن أنساه قط، ولكن تعالَ الآن، تمهَّل، رغم لهفتك إلى الانصراف حتى إذا ما استحممتَ وأشبعتَ قلبك حتى نهاية رغبته، تستطيع أن تذهب إلى سفينتك مسرور الفؤاد، وحاملًا هديةً ثمينة في غاية الروعة، ستكون لك مني متاعًا موروثًا، أشبه بهدية صديقٍ عزيز إلى صديقٍ عزيز.» فأجابَتْه الربَّة أثينا البَرَّاقة الناظرَين، قائلة: «لا تبقيني الآن أكثر من هذا، عندما أكون توَّاقًا إلى الرحيل، وأية هديةٍ يأمرك قلبك بأن تُعطيَني إياها، فأعطنيها عندما أعود، كي أحملَها إلى بيتي، متخيرًا الهدية اللائقة الجميلة، وإنها لسوف تعودُ عليكَ بما تستحقُّه قيمتها.» انصراف أثينا هكذا قالت الربَّة أثينا ذات العينَين النجلاوَين، وانصرفَت طائرةً إلى أعلى كما لو كانت طائرًا، وقد بثَّت في قلبه القوة والجرأة، وجعلَته يُفكِّر في أبيه أكثر من أي وقتٍ مضى، فلاحظها تيليماخوس في عقله، وتعجَّب إذ خالها إلهًا، وفي الحال انطلق بين المغازلين، رجلًا شبيهًا بالآلهة. أنشودة طروادة لا تروق بينيلوبي كان المغني المشهور يُغنِّي لهم، وهم جالسون صامتين يُصْغون إليه، وكان يغني أنشودة عودة الآخيين — العودة المؤلمة من طروادة، التي فرضَتْها عليهم بالاس أثينا. سَمِعَت بينيلوبي العاقلة، ابنة إيكاريوس Icarius، الأغنية الرائعة من غُرفتها العليا، فهبطَت من مقصورتها، نازلةً من الدرجات المرتفعة، ولم تكن وحدها، بل كان معها أَمَتان، تخدمانها، فلما وصلَت السيدة الفاتنة إلى العُشَّاق، وقفَت بجانب مدخل الساحة المتينة البناء، وقد أسدَلَت خمارها اللامع على وجهها، ووقفَت أمةٌ مخلصة على كل جانبٍ من جانبَيْها، ثم انخرطَت في البكاء، وخاطبَت المغني المقدس قائلة: «أي فيميوس، إنك تعرف أغانيَ أخرى كثيرة تَسحَر بها أفئدة البشر، عن أعمال الآلهة والبشر التي يتغنى بذكرها المغنُّون، أنشدهم إحداها وأنت جالس هنا، ودعهم يشربون خمرهم في صمت. أما هذه الأغنية المحزنة، التي تُذيب قلبي في صدري، فكُف عنها؛ إذ حل بي دون سائر النساء حزنٌ لا يمكن نسيانه. إنه لرأسٌ عزيز جدًّا ذلك الذي أتذكَّره بشوق، إنه زوجي، الذي طبَّقَت شهرته الواسعة أرجاء هيلاس Hellas،٣١ وخلال أرجوس Argos.»٣٢ تيليماخوس ينهر أمه فردَّ عليها تيليماخوس الحكيم بقوله: «أماه، لِمَ تنهرين المغني الطيب على تقديمه البهجة بالطريقة التي يتأثَّر بها قلبه؟ لا يقع اللوم على المُغنِّين، ولكني أعتقد أن زوس هو الملوم؛ إذ هو الذي يعطي كل فردٍ من البشر الذين يعيشون بعرق جبينهم، ما يشاء. ليس في مقدور أحد أن يغضب من هذا الرجل إذا تغنَّى بما لاقاه الدانيون Danaans،٣٣ من مصيرٍ مشئوم؛ فإن البشَر يتلذَّذون أكثر لسماع الأغاني الجديدة على آذانهم كل الجدَّة. أما أنتِ، فدعي قلبكِ وروحكِ تتحملان الإصغاء، فليس أوديسيوس وحده هو الذي فُقد في طروادة يوم عودته، وإنما هلَك كثيرون غيره مثله. هيا، اذهبي إلى مقصورتك، وأشغلي نفسك بأعمالك، المنوال والمغزل. وأصدري أمركِ إلى خادمتَيكِ بالمثابرة على أعمالهما. أما الكلام فهو من شأن الرجال، لهم جميعًا، وبصفةٍ خاصة لي أنا، طالما لي السلطة في البيت.» بينيلوبي تبكي وابنها يخاطب العُشَّاق أما وقد تملَّكَها العجب، فقد عادت إلى مقصورتها؛ إذ أدركَت في قرارة نفسها القول الحكيم الذي تفوَّه به ابنها، فصَعِدَت إلى مقصورتها العليا مع أمَتَيها، ثم أخذَت تبكي أوديسيوس، زوجها العزيز، إلى أن ألقت أثينا، المتألقة العينَين، النوم اللذيذ فوق جفنَيها. بيد أن المغازلين انفَجَروا في صخبٍ خلال الساحات الظليلة، وصلى كل واحدٍ منهم، جميعًا، أنه يرقد إلى جوار تلك السيدة، ولكن تيليماخوس العاقل كان هو البادئ بالكلام فقال: «أيا عُشَّاق أمي، أيها المنغمسون في وقاحتكم، دعونا نتمتع الآن بلذة الوليمة، ولا حاجة إلى النزاع؛ فإن سماع مغنٍّ كهذا الرجل الشبيه بالآلهة في صوته لشيءٌ عظيم، فإذا ما انبلج الصبح، هيا بنا إلى الاجتماع حيث نتبوأ مقاعدنا، كل فردٍ منا، كي أعلن لكم كلمتي، لترحلوا فورًا من هذه الساحات. أعِدُّوا لأنفسكم ولائمَ أخرى وكلوا من أطعمتكم، وانتَقِلوا من بيت إلى بيت. أما إذا راق عيونكم، ووجدتكم من الأفضل والأعظم ربحًا لكم أن تُبدِّدوا موارد رجلٍ آخر دون رادع، فأسرفوا في تبديدها، ولكني سأستنجد بالآلهة الخالدين، عسى أن يتفضل زوس بالانتقام لهذه الأفعال، وعندئذٍ تهلِكون داخل ساحاتي دون كفَّارة.» هكذا تكلَّم، وعَضَّ الجميع على شفاههم، ودُهِشوا لجرأة تيليماخوس في قوله ذاك. معركةٌ كلامية بين تيليماخوس وعُشَّاق أمه فَردَّ عليه أنتينوس Antinous، ابن يوبايثيس Eupeithes قائلًا: «أي تيليماخوس، حقًّا، إن الآلهة أنفسهم يُعلِّمونك كيف تكون رجلًا سليط اللسان، وأن تتكلم بجرأة. ليت ابن كرونوس لا يسمح قَط بأن يجعلك ملكًا على إيثاكا المحاطة بالبحر، الأمر الذي تَرِثُه بحق مولدك.» فقال تيليماخوس العاقل ردًّا على قوله: «أي أنتينوس، أيمكن أن تغضب مني لهذه الكلمة التي سأقولها؟ فإني أقبل، حتى هذا بنفسٍ راضية، من يد زوس. أتعتقد حقًّا أن هذا أسوأ مصير بين البشر؟ كلا. ليس بسيئ، أن تكون ملكًا؛ فما أسرع ما يُثري بيت المرء، ويحظى بمجد أعظم! وعلى أية حال، هناك كثير جدًّا من الملوك الآخرين الآخيين، في إيثاكا المحاطة بالبحر، شبان وشيوخ؛ فربما نال هذا المكان أحد هؤلاء، طالما قد مات أوديسيوس العظيم. أما أنا فسأكون سيدًا على بيتي وعلى العبيد الذين ربحهم لي أوديسيوس العظيم.» عندئذٍ أجابه يوروماخوس Eurymachus، ابن بولوبوس Polybus، بقوله: «هيا تيليماخوس، حقًّا، إن هذا الأمر ليقع على كاهل الآلهة؛ فهم الذين سيُقرِّرون مَن مِن الآخيين سوف يُصبح ملكًا على إيثاكا التي يُطوِّقها البحر. أما ممتلكاتك، فلك أن تحتفظ بها لنفسك، ولك أن تكون سيدًا في بيتك. ليته لا يأتي ذلك الرجل، الذي يغتصب منك ممتلكاتك بالقوة ورغمًا منك، بينما لا يزال هناك رجال يعيشون في إيثاكا، ولكني، يا سيدي العزيز، أتوق إلى سؤالك عن ذلك الغريب، ومتى أتى، وما هو البلد الذي قال إنه ينتمي إليه؟ أين يُوجد أقاربه وحقول وطنه؟ هل آتي بنبأٍ عن مجيء أبيك، أم حضر إلى هنا لقاءَ أمرٍ خاص به؟ كيف نهض، وانصرف فورًا؟! إنه لم ينتظر حتى يعرفه أحد، ومع ذلك فلا يبدو عليه أنه كان رجلًا زري المنظر.» فقال تيليماخوس العاقل: «أيا يوروماخوس، لا شك أن الأمل في مجيء أبي إلى الوطن قد ضاع وانقضى. لن أصدق بعد الآن أية أخبار، مهما كان مصدرها، ولن أكترث لأية نبوءة قد تعلمها أمي مصادفةً من عرَّاف عندما تستدعيه إلى الساحة. أما هذا الغريب، فصديقٌ لبيت أبي من تافوس Taphos؛ فهو يقول إنه مينتيس، ابن أنخيالوس Anchialus الحكيم، وهو سيد على التافيين المُغرَمين بالتجذيف.» هكذا تكلَّم تيليماخوس، ولكنه في قرارة نفسه، كان يعرف الربَّة الخالدة. العشاق يرقصون وتيليماخوس ينام انبرى العشاق الآن إلى الرقص وإلى الغناء المرح، وانغمسوا في سرورهم منتظرين مجيء المساء، وبينما هم في مرحهم، إذ حل عليهم المساء الداجي، وعندئذٍ انصرف كل رجل إلى بيته، ليستريح. أما تيليماخوس، فلما كان مخدعه مشيدًا في الساحة الجميلة، في مكانٍ مرتفع يُطل على موضعٍ فسيح، فقد ذهب إلى هناك، إلى فراشه، يُفكِّر في جملة أمورٍ شغل بها عقله، وذهبَت معه يوروكليا Eurycleia٣٤ المخلصة، ابنة أوبس Ops، ابن بايسينور Peisenor، تحمل مشعلًا مضيئًا. وكان لايرتيس قد اشتراها بأمواله منذ أمدٍ بعيد، وكانت وقتذاك في مُقتَبل شبابها، فدفع فيها ما يعادل عشرين ثورًا، ويجلُّها تمامًا في الساحات كما يُبجِّل زوجته المخلصة، ولكنه لم يضطجع معها قَط في حُب؛ إذ كان يتحاشى غضب زوجته. كانت هذه هي التي تحمل المشاعل المضيئة لتيليماخوس؛ إذ كانت من دون سائر الإماء، تُحبه حبًّا جمًّا، وكانت تَخدمُه منذ أن كان طفلًا. فتح أبواب مخدعه المتين البناء، وجلس على سريره، وخلع عنه عبايته الناعمة، ووضعها في يدَي السيدة العجوز الحكيمة، فطوت هذه العباءة، ومرَّت عليها بيدَيها، وعلَّقَتها على مِشجَب بجانب السرير المثبَّت بالحبال،٣٥ ثم خرجَت من الحجرة، وأغلقَت الباب وراءها بأن جذَبتْه من مقبضه الفضي، ودفعَت المزلاج إلى موضعه بالسير، فبات الليل بطوله هناك، وهو مُلتفٌّ بجرَّة من الصوف، يُفكِّر في عقله، في الرحلة التي رسمَتْها له أثينا. ١ يطلق عليه الرومان اسم سول Sol أي رب الشمس، يخلط بينه وبين أبولُّو. كان هيليوس بتعبيرٍ أدق، إلهًا للشمس عند شروقها أكثر من أبولُّو، ثم تتحرك في فلكها فتغرب عندما يكون أبولُّو إلهًا للشمس عند غروبها، فكان أبولو يختص بالشمس عندما يغيب ضوءُها ولا شأن له بها أثناء رحلته اليومية عبر السموات.كان يشرق هيليوس، ابن هوبيريون، كل صباح من أوقيانوس شرقًا، ثم يقود عَربَته بجيادها الأربعة في طريقها خلال السموات، ويغرُب في المساء عند أوقيانوس غربًا. كان له في كلٍّ من مكانَي الشروق والغروب قصرٌ فخم متين يستجمُّ ويستريح فيه هو وخيوله. ٢ حاكم العالم ورئيس سائر الآلهة والبشر. ٣ ابن ملك إيثاكا، تزوَّج بينيلوبي وأنجب منها ابنًا اسمه تيليماخوس. وتذهب بعض الروايات إلى أنها أنجبت له أبناءً آخرين، وأنها أثناء غيابه في سياحاته أنجبَت كيركي وكالوبسو، وبعض نساءٍ أخريات أنجبن له أطفالًا. كان أوديسيوس أشهر أبطال الإغريق؛ إذ فاقهم في الصيت وبُعد الشهرة. وقد قتل في شبابه خنزيرًا أثناء الصيد الذي اشترك فيه عند زيارة جدَّيه في بارناسوس، فجرحه الخنزير في ركبته أثناء صراعه معه، فترك أثرًا في جسمه. وقد أرسله أبوه لايرتيس إلى لاكيدايمون في سفارةٍ حيث أهداه صديقُه المضيف قوس يوروتوس المشهور الذي ساعده كثيرًا في مناسباتٍ طيبة. وبعد مضي عدة سنوات قام برحلةٍ ثانية ليحصل من ورائها على سُمٍّ لسهامه، طاف فيها حتى وصل بافوس؛ لأن صديقًا له يُدعى إلوس كان يسكن عن قرب، رفض الظعن خوفًا من الآلهة. وكان في ذلك الحين أو قُبيلَ ذلك أن انضم أوديسيوس إلى جماعةِ خُطاب هيلينا الذين وافقوا جميعًا على فكرة أوديسيوس بأن يتركوا لهيلينا حرية اختيار زوجها، وأن يحموها في المستقبل وقت الحاجة. لم يكن أوديسيوس مُوفَّقًا من بين المتقدمين للزواج منها، ولكنه عزَّى نفسه بزواجه السابق من بينيلوبي اللبيبة الغنية. وإلى هذا كان عليه أن يجنح إلى حياةٍ سهلة خالية من الهموم. كان سعيدًا وملكًا قادرًا شهيرًا معروفًا بكرمه واحترامه للآلهة وخاصة زوس وأثينا. ولقد وُلِدَ له ابن يُدعى تيليماخوس. (انظر المقدمة). ٤ عروس الماء في جزيرة أوجوجيا Ogygia حيث تحطَّمتْ سفينة أوديسيوس. أحبَّت أوديسيوس ووعدَتْه أن تمنحه الخلود إذا مكث معها، فاحتفظَت به سبع سنين، ثم أطلقَت سراحه بأمرٍ من زوس؛ ومن ثَمَّ ساعدَتْه في بناء سفينةٍ أخرى وأمدَّتْه بالمؤن وأرسلَتْه في طريقه. ٥ رب البحر، له سلطان على العواصف والرياح، ويُرسِل الخراب أو يهَب السلامة للملاحين، ويُشرِف على جميع العمليات البحرية كالصيد والتجارة والبحرية. ٦ في أثناء غياب أجاممنون في طروادة عشق أيجيسثوس زوجته كلتايمنيسترا، فلما رجع أجاممنون قتلاه أثناء عودته؛ ومن ثَمَّ حكم أيجيسثوس في موكيناي سبع سنين حتى قتله أوريستس بن أجاممنون. ٧ ابن أجاممنون وكلوتايمنيسترا، كان طفلًا عندما قُتل والده بيد كلوتايمنيسترا وعشيقها إيجيسثوس، كما كانت أمه على وشك أن تقتل أوريستيس لو لم تخطَفه الخادمة من يدها. ولمَّا أشرف أوريستيس على العشرين نصحه أبولُّو بالانتقام لمقتل أبيه، فعاد إلى موكيناي وقتل أجيسثوس وكلوتايمنيسترا. ٨ والد أوريستيس من كلوتايمنيسترا. عاد أجاممنون إلى موكيناي بعد طرده منها، واسترجع عرشه وصار أشد ملوك بلاد اليونان بطشًا. ٩ كان يملك حملًا ذهبيًّا يُفسَّر بأنه دليلٌ على قوة من يملكه، وكان قد أعطاه له هيرميس، رسول الآلهة، كوسيلةٍ من وسائل الانتقام لموت ابنه الذي قتله بيلوبس. ١٠ ابن زوس وأحد آلهة أوليمبوس العظام، تختلف وظائفه كثيرًا عن وظائف باقي الآلهة؛ فهو إله الريح وله سرعتها، ومنادي زوس والآلهة الآخرين، ورب الألعاب الرياضية، ورب الخداع واللصوص، وإله الحظ؛ ومن ثَمَّ كان إله المقامرين، ورب التجارة والسوق، ورب المسافرين في البر والبحر، وإله الحديث وطلاقة اللسان، ومخترع الحروف الأبجدية والأعداد ومبتكر الذبائح وعلم الفلك، والعود والمزمار، وراعي الصحة وإخصاب الحيوانات والنباتات. كما أنه رب الرعاة وجالب النوم والأحلام، ومرشد أرواح الموتى إلى العالم السفلي. ١١ من الأفضل اعتبار هذه الصفة اسم علم، للمحافظة على دقة الترجمة. ولا شك في أن الكلمة معناها «سريع الظهور». ولا يمكن استخدام المعنى «قاتل أرجوس»؛ إذ لا أثر لأسطورة أرجوس Argus في هوميروس. ١٢ أو «الرمادية العينين» كما يقول فريقٌ من المحققين. بيد أنه لو كان المقصود هو لون العيون لتحتَّم أن يكون لونها أزرق وليس رماديًّا. ١٣ كرونوس هو رب الحصاد في الأصل ويحكم العصر الذهبي في هذه الحياة الدنيا عندما كانت الأرض تعطي غلتها دون عناءٍ للإنسان، وعندما كان السلام والعدل والبراءة تُخيِّم على جميع أنحاء الأرض. كان من نتيجة الخلط بين الكلمة الإغريقية «خرونوس» أي «الوقت»، أن اعتُبر كرونوس شخصيةً تمثل الوقت. وابنه المقصود هنا هو «زوس». ١٤ حارب مع التيتان Titans ضد الآلهة. ولمَّا هُزِم وُضِع في المغرب الأقصى، وكُلِّف أن يحمل السموات فوق كتفَيه. ١٥ زوس. ١٦ ابن بوسايدون وأحد الكوكلوبيس والعمالقة ذوي العين الواحدة الذين يقطنون الكهوف المجاورة للبحر، ويقتاتون على تربية الأغنام والماعز. وقد كان بولوفيموس أكثرهم قوة، يحسن استعمال هراوة بطول الصاري، ويستطيع إلقاء قمم الجبال في البحر. ولمَّا رسا أوديسيوس عند جزيرته ودخل هو وزملاؤه كهف بولوفيموس، حبسَهم الأخير في كهفه. وكان يضع على مدخله صخرةً ضخمة لمنعهم من الهروب، وقد قَتل بعضَهم وأكلَهم، ثم خرج في الصباح يسوق قطعانه أمامه، وترك أوديسيوس وباقي زملائه في الكهف بعد أن وضع الحجر الضخم على بابه، فدبَّر أوديسيوس خطةً يهرب بها مع زملائه. وعندما عاد بولوفيموس في المساء إلى كهفه أسكره أوديسيوس بالخمر القوية التي كان قد أحضرها معه، ثم أحمى سيخًا كبيرًا في النار وأمسَكَه هو وزملاؤه وفقئوا به عينَ العملاق الوحيدة. وفي الصباح التالي دحرج بولوفيموس الحجر عن باب الكهف ليُسرح أغنامه، ولكنه وقف عند المدخل يتحسَّس ظهور الأغنام وجوانبها وهي تمُر كي يتأكَّد من أن الرجال لم يتسلَّلوا معها، ولكن أوديسيوس كان قد ربط كل ثلاثةِ كباشٍ مع بعضها حتى يتمكَّن الرجال من التعلُّق تحت بطن الكبش الأوسط لكل مجموعةٍ ثلاثية، فلما هربوا جميعهم بتلك الطريقة وعادوا إلى السفينة صرخ أوديسيوس على بولوفيموس يُعنِّفه، فتَتبَّع الأخير الصوت، وجاء إلى الشاطئ وألقى في البحر عدة صخورٍ هائلة وراء السفينة جعلها تتأرجح وسط اللُّجَج التي أحدثَتْها الصخور وكادت تغرق. ١٧ أو «السوداء» كما يرى بعض الأقدمين. ١٨ صديق أوديسيوس. لقد تنكَّرت أثينا في هيئته عندما ذهبَت إلى بيت أوديسيوس لتشجيع تيليماخوس أثناء غياب أبيه. ١٩ المقصود بهم الخدم. ٢٠ ابن أوديسيوس وبينيلوبي الوحيد. تركَه أبوه طفلًا ورحل للاشتراك في الحرب الطروادية، فقدَّمَت له أثينا المساعدة؛ ومن ثَمَّ ذهب يستطلع أخبار أبيه أوديسيوس، فذهب أولًا إلى نسطور في بولوس ثم عَرجَ إلى مينيلاوس في إسبرطة، فعلم أن أباه موجود في جزيرة كالوبسو. وفي أثناء غيابه دبَّر المتقدمون للزواج من بينيلوبي خطَّة للغَدرِ به. ٢١ كأنما الكلمات تشُقُّ طريقها، طائرة، من المتكلم إلى المخاطب. ٢٢ ابنة زوس والربَّة العذراء، وإحدى ربَّات أوليمبوس العظيمات، كان لها مع زوس سلطانٌ على الرياح والأعاصير وكانت ترتدي الترس ميدوسا Medusa القبيح. وكانت ربَّة الحرب، تُحارب دائمًا حامية ومدافعة، ولرباطة جأشها انتصرت على أريس المتهور، كما كانت دائمًا ربَّة النصر. ٢٣ أي «سفرجي». ٢٤ مُنشِد غنَّى أمام المتقدمين للزواج من بينيلوبي. ٢٥ ملك إيثاكا، والد أوديسيوس من زوجته أنتيكليا. اشترك في حملة سفينة الأرجو Argo، وعاش في أثناء غياب ابنه الطويل عيشة العدَم منعزلًا في الريف تقوم زوجة دوليوس بخدمته. كان على قيد الحياة عندما عاد أوديبوس، وهو الذي أعادت إليه أثينا شبابه فاشترك في القتال ضد أقارب المتقدمين للزواج من بينيلوبي الذين قتلهم أوديسيوس. ٢٦ زوجة أوديسيوس ووالدة تيليماخوس. ٢٧ أي الخاطفات، أو رياح العاصفة. ٢٨ كانت العادة أن يُقدِّم الخطيب الهدايا بانتظام إلى والدَي العروس. ٢٩ ملك بولوس وأصغر أبناء نيليوس. كان الوحيد الذي نجا من بين اثنَي عشر، من الموت على يد هرقل. تزوج يوروديكي فأنجبَت له سبع بنين وبنتَين. كسب في شبابه شهرةً في الحرب. ٣٠ شقيق أجاممنون. أصبح ملكًا على إسبرطة حيث عاش في سعادة ورخاء مع زوجته هيلينا إلى أن جاءهم باريس، فاستقبلَه مينيلاوس بما فُطر عليه من كرمٍ وحُسنِ ضيافة، فكان من نتائج حُسن صنيعه معه أن سرق باريس هيلينا وهرب بها، كما سرق كثيرًا من أموال مينيلاوس وفر إلى طروادة. ٣١ أي بلاد الإغريق. ٣٢ ربما كانت هذه العبارة لا تعني أكثر من «خلال بلاد الإغريق طولًا وعرضًا». ٣٣ هم الإغريق. ٣٤ خادمة أوديسيوس التي عَرفَته وهو متنكر في ثياب شحَّاذ عندما عاد بعد غيابٍ دام عشرين عامًا. ٣٥ أو «المعشَّق». الأوديسة
الأنشودة الثانية تيليماخوس يحتل مقعد أبيه ما إن لاح الفجر الوردي الأنامل مبكرًا، حتى نهض ابن أوديسيوس العزيز من فراشه، وارتدى ملابسه، فعلَّق حسامه البتار حول كتفه، وربط صندلَيه الجميلَين في قدمَيه البراقتَين، وخرج من مقصورته أشبه بالإله للناظرين. وفي الحال أمر الرسل الجَهْوريِّي الأصوات بأن يدْعوا الآخيين الطويلي الشعور إلى الاجتماع. وقام الرسل بالنداءات، وسرعان ما احتشَد الآخيون، فلما اجتمعوا معًا، سار تيليماخوس في طريقه إلى مكان الاجتماع، ممسكًا في يده رمحًا من البرونز. ولم يكن بمفرده؛ إذ كان يتبعه كلبان سريعان، وكان الجمال الذي أضفَتْه أثينا عليه رائعًا، فلما حضر تعجَّب سائر الحاضرين منه. أما هو فجلس في مقعد أبيه، وأفسح له الشيوخ مكانًا. فاقتربت منه أثينا في صورة مينتور، هيئة وصوتًا. أيجوبتيوس الحزين يتكلم وعندئذٍ كان أوَّل من تكلَّم بينهم هو السيد أيجوبتيوس Aegyptius، ذلك الرجل الذي قوَّسَت الشيخوخة ظهره وكان على مبلغٍ من الحكمة لا يمكن وصفها. قام يتكلم الآن؛ لأن ابنه العزيز، المحارب أنتيفوس Antiphus، كان قد ذهب إلى إليوس،١ المشهورة بجيادها، في السفن الواسعة مع أوديسيوس الشبيه بالإله، ولكن الكوكلوب المتوحش قتلَه في كهفه الفسيح، جاعلًا منه وجبته الأخيرة. وكان له ثلاثة أولاد آخرون، أحدهم يورنوموس Eurynomus، تحالف مع المغازلين، والاثنان الآخران ظلَّا يرعيان حقل أبيهما. بيد أنه بالرغم من هؤلاء، لم يستطع نسيان ذلك الابن، فأخذ يخاطب الجمع، وهو يَبْكيه وقد بخع الحزن نفسه، فقال وسطهم: «أصغوا إليَّ الآن، يا رجال إيثاكا، واسمعوا الكلمة التي سأقولها منذ اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس العظيم، في سفنه الواسعة، لم نعقد اجتماعًا قَط. والآن مَن ذا الذي جمعنا معًا، مَن هذا الذي اضطَرته الحاجة إلى جمعنا، أهو من الشبان أم من الأكبر سنًّا؟ هل بلغه خبرٌ ما عن عودة٢ الجيش، فربما سيُذيعه علينا جهارًا؛ إذ كان أول من علم به؟ أم أن هناك موضوعًا عامًّا آخر يريد أن يتكلم عنه ويخاطبنا فيه؟ إنه يبدو لعيني رجلًا طيبًا، رجلًا مباركًا، ليت زوس يُحقِّق له بعض الخير، كل ما يبتغيه في قلبه.» تيليماخوس يبُثُّ المجتمعين شكواه هكذا تكلَّم، فسُر أوديسيوس العزيز من كلمة الفأل الحسن، ولم يُطِق الجلوس بعد ذلك، بل تاق إلى الحديث، فاتخذ وقفتَه بين الجمع، ووضع الرسول بايسينور Peisenor، ذو المشورة الحكيمة، الصولجان في يدَيه، ثم تكلم، مخاطبًا الرجل العجوز أولًا فقال: «أيها السيد العجوز، ليس ذلك الرجل الذي دعا الجميع سويًّا ببعيد، كما ستعلم حالًا بنفسك. إنه أنا؛ إذ قد خصني الحزن البالغ دون سائر الآخرين، فما سمعتُ خبرًا ما عن عودة الجيش حتى أُذيعه جهارًا، بصفتي أوَّل من علِم به شخصيًّا، وليس ثَمَّةَ أي موضوعٍ عام أريد أن أتحدَّث فيه وأُكلِّمكم عنه. كلا، ليس هناك سوى حاجتي أنا؛ فقد حل الشر بمنزلي بصورةٍ مضاعفة؛ إذ فقدتُ أولًا سيدي٣ الشريف الذي كان ملكًا وسطكم يومًا ما هنا، وكان لطيف كوالد. والآن يَحيق بي شرٌّ أعظم بكثير، شَر سيُخرب بيتي تمامًا، في الوقت الحاضر، ويحطم حياتي. إن هناك عشاقًا يغازلون أمي ضد رغبتها. إنهم أبناء هؤلاء الرجال الذي هم هنا أشرف الناس. إنهم يمتنعون عن الذهاب إلى بيت أبيها إيكاريوس،٤ حتى يُمكِنه أن يأخذ منهم هدايا الزواج لابنته، ويعطيها لمن يشاء منهم، لمن ينال الحظوة لديه، بل يزحمون منزلنا يومًا بعد يوم، ويذبحون ثيراننا وخرافنا وعنزاتنا السمينة. ويعربدون، ويحتسون الخمر الصهباء بطيش، فيحل الخراب بكل هذه الثروة؛ لأنه لا يُوجد هنا رجل، يعادل أوديسيوس، ليدرأ الخراب عن المنزل. أما أنا شخصيًّا فلست مثله كي أدرأه. كلا، قَط، فلو حاولت منع الخراب لألفيتموني ضعيفًا، وشخصًا لا يعرف الشجاعة إطلاقًا. ومع كلٍّ، فسأدافع عن نفسي حقًّا، إن كانت لي القوة، فما عادت هذه الأعمال سهلة الاحتمال بحالٍ، وحُطِّم منزلي فوق ما يُطيق المرء. ألا تخجلون من أنفسكم، وتُراعون جيرانكم الذين يقطنون حولكم، وتخافون غضب الآلهة، لئلا ينقلبوا عليكم، غاضبين من شروركم؟٥ إنني أستحلفكم بزوس الأوليمبي، وبثيميس Themis،٦ التي تفُضُّ جموع البشر وتجمعُهم، احتملوا، يا أصدقائي،٧ واتركوني وشأني، أُعاني أحزاني المريرة. إلا إذا كان أبي، أوديسيوس العظيم، قد اقترف الأذى حقدًا على الآخيين المُدرَّعين جيدًا؛ ولذا أنتم تنتقمون مني، حقدًا عليَّ، بإغراءٍ من هؤلاء الرجال. أما أنا فكنتُ أُفضِّل أن تأكلوا، أنتم أنفسكم، قطعاني وأموالي، فلو كنتم أنتم الذين أكلتموها، لطمعتُ في التعويض عنها يومًا ما، ولطُفتُ بالمدينة هنا وهناك، مطالبًا، ومُلحًّا في الطب بردِّ ممتلكاتي، حتى أستعيد كل شيء. أما الآن، فلا سبيل إلى علاج الكوارث التي تُثْقلون بها قلبي.» أنتينوس يواجه تيليماخوس بخديعة أمه هكذا تكلَّم في غضب، ثم ألقى عصاه على الأرض، وانخرط في البكاء، فتحرَّكَت الشفقة في قلوب جميع الناس. ولزم سائر الآخرين الصمت، ولم يكن لدى أيهم الجرأة ليرد على تيليماخوس بكلماتٍ حانقة. بيد أن أنتينوس Antinous وحده قام يردُّ عليه، فقال: «أي تيليماخوس، أيها المتبجح، أيها المغالي في جرأته، أي شيء هذا الذي تحدثتَ به، جالبًا العار علينا، ومنتحيًا علينا باللائمة؟! كلا، دعني أقول لك، إن العشاق الآخيين ليسوا مخطئين بأية حال من الأحوال. إنما المخطئ أمك العزيزة؛ إذ تفوق سائر النسوة دهاء؛ فهذه هي السنة الثالثة، وسرعان ما ستنقضي الرابعة، منذ أن بدأَت تخدع قلوب الآخيين في صدورهم. إنها تُمنِّي الجميع بالآمال، وتمدُّ كل رجلٍ بالوعود وتُرسل لهم الرسل، بينما يهتم عقلها بأشياءَ أخرى. وقد حاكت تلك الخديعة أيضًا بقلبها؛ فقد أقامت في ساحاتها نسيجًا كبيرًا وانهمكَت في النسج، كان النسيج من الخيط الرفيع، وكان غاية في الاتساع، وعندئذٍ تحدثَت إلينا قائلة: «أيها الشبان، يا من تهيمون بي حبًّا، بما أن أوديسيوس العظيم قد مات، فاصبروا، رغم لهفتكم على الزواج بي حتى أنتهي من نسج هذا الثوب — فلست أريد أن يسفر نَسجي عن لا شيء — إنه كفن للسيد لايرتيس، استعدادًا لليوم الذي يُوافيه فيه أجله المفجع لئلا تغضب مني في البلاد إحدى السيدات الآخيات، لو أنه رقَد رقدتَه الأخيرة بدون كفن، وهو الذي كسب الممتلكات العظيمة.» هكذا قالت، فوافقت قلوبنا المزهوة. وبعد ذلك، كانت تدأَب كل يوم على نسج الرداء العظيم، حتى إذا ما أرخى الليل سدوله، انبرت تفُكُّ ما نسجَته بالنهار، بعد أن تضع المشاعل إلى جوارها. وهكذا ظلت الحال ثلاث سنوات، استطاعت خلالها، بدهائها، أن تحرم الآخيين معرفة جلية الأمر، وخدعَتْهم. بيد أنه ما إن تعاقبَت الفصول وحلَّت السنة الرابعة، حتى أخبرتْنا إحدى نسائها، وكانت على علمٍ بكل شيء، فقبضنا عليها وهي متلبسة بفك النسيج الرائع؛ ومِن ثَمَّ أتمَّتْه على كُرهٍ منها، بالقوة؛ لذلك يجيب عليك العشاق هكذا، كي تستطيع إدراك الأمر في نفسك، ويعلمه سائر الآخيين. اطرد أمك، ومرها بالزواج ممن ينشدُه لها والدها، ومن ترتاح نفسها إليه. أما إذا ظلت لمدة طويلة، تثير حفيظة أبناء الآخيين، وتعلم بهذا في قلبها، حيث إن أثينا قد حبَتْها وحدها دون سائر النسوة الأخريات، بمعرفة الأشغال اليدوية البديعة، وبالذكاء المفرط، وبالحيل، مما لم يسبق أن عرفنا أن أية امرأة في الزمان الخالي قد علِمَته، من أولئك الآخيات الجميلات الغدائر، منذ وقت بعيد، أمثال — تورو Tyro، وألكميني Alcmene، وموكيني Mycene، ذات التاج البديع — أولئك اللواتي لم تبلغ إحداهن ما بلغَتْه بينيلوبي من الخديعة والدهاء. ومع كلٍّ فإنها لم تُحكِم تدبير هذا على الأقل؛ إذ سيظل الرجال يلتهمون زادك وممتلكاتك، ما ظلت هي في احتفاظها بالمشورة التي وضعَتْها الآلهة الآن في قلبها. إنها تجلب لنفسها صيتًا عظيمًا، أما أنت فوا أَسفَا على ثروتك الطائلة! وأما نحن، فإننا لن ننصرف إلى أراضينا، ولا إلى أي مكانٍ آخر، إلا بعد أن تتزوج من الآخيين ذلك الرجل الذي سترضى به.» ولاء تيليماخوس لأمه فأجابه تيليماخوس العاقل بقوله: «أي أنتينوس، لا يمكنني بأية حالٍ من الأحول أن أطرُدَ من أنجَبَتْني وربَّتْني، من البيت. أما أبي، فهو في بلدٍ آخر، سواء أكان حيًّا أو ميتًا. إنه ليشُقُّ على نفسي أن أدفعَ ذلك الثمن العظيم لإيكاريوس، كما يتحتم عليَّ، لو أنني طردتُ أمي، بمحض إرادتي؛ عندئذٍ يلحقُني شرٌّ بالغ على يد أبيها، وتصُبُّ عليَّ السماء لعناتٍ أُخَر؛ لأن أمي وهي تغادر البيت ستتضرع إلى ربَّات الانتقام المفزعات، كما أن البشر سوف ينحَون عليَّ باللائمة؛ وعلى ذلك فلن تخرُج من شفَتيَّ مثل هذه الألفاظ. أما أنتم فإن أغضبكم هذا، فلتخرجوا من ساحاتي، وتُعِدُّوا لأنفسكم ولائمَ أخرى، آكلين أطعمتكم، ومنتقلين من بيت إلى بيت. وإذا بدا لناظركم أنه من الأفضل والأجدى أن تُحطِّموا حياة شخصٍ دون رادع، فدونكم وما أنت فاعلون، ولكني سأستنجد بالآلهة الخالدين، عسى أن يوافق زوس على الأخذ بالثأر ومجازاتكم بما فعلتم. وعندئذٍ فلا بد أنكم هالكون داخل ساحاتي بلا كفَّارة.» زوس يعضد تيليماخوس بطريقته الخاصة هذا ما قاله تيليماخوس، وكردٍّ على قوله، أرسل زوس، الذي يحمل صوته بعيدًا،٨ صقرَين يطيران من ارتفاعٍ شاهق، من فوق قمة جبل، فانطلقا بسرعة الريح يطيران جنبًا إلى جنب، لفترة من الوقت، باسطَين أجنحتَهما، غير أنهما ما إن صارا فوق قلب الحشد الصاخب، حتى أخذا يدوران هنا وهناك، يُرفرِفان بأجنحتهما بعنف وسرعة، وراحا يُحدجان رءوس الحشد بنظرات يتجلَّى فيها الموت. وبعد ذلك شرع كلٌّ منهما يُمزِّق وجنات وعنق الآخر بمخالبه، ثم انطلقا بعيدًا جهة اليمين وسط البيوت ومدينة الرجال، فدُهِش القوم من ذَينك الطائرَين بمجرد أن أبصروهما، وأخذوا يفكِّرون في قلوبهم فيما يتوقَّعون حدوثه، ثم نهض السيد العجوز هاليثيرسيس Halitherses، ابن ماستور Mastor، وتكلم وسطهم؛ لأنه كان يفوقُ رجال عصره أجمعين في معرفة الطيور، وتفسير معاني الحظ، فقام بنِيةٍ حَسَنة وخاطب حشدهم قائلًا: «يا رجال إيثاكا، أصغوا الآن إليَّ، واسمعوا ما سوف أقوله لكم، ولا سيما إلى العشاق، أعلن وأذيع هذه العبارات؛ إذ ستُقبل عليهم نائبةٌ عظمى؛ لأن أوديسيوس لن يغيب طويلًا عن أصدقائه، وعلى ما أعتقد إنه الآن قريب، وسوف يبذرُ الموت والقدَر لهؤلاء الرجال أجمعين. نعم، وأيضًا لكثيرين منا غيرهم، ممن يقطنون في إيثاكا الواضحة المعالم، سيكون وبالًا بالغًا، ولكن قبل أن يحدث هذا بوقتٍ طويل، دعونا نفكر في الكيفية التي نضع بها حدًّا لهذه الأمور، أو على الأصح، ندعهم هم أنفسهم، يضعون حدًّا لها؛ إذ هذا هو أفضل طريق لهم الآن. إنني لا أتنبأ كرجلٍ غير مجرب، وإنما بمعرفةٍ أكيدة؛ فإن جميع ما أعلنتُه لأوديسيوس سيتحقق تمامًا كما أخبرته عندما أبحر الأرجوسيون إلى إليوس يصحبهم أوديسيوس الكثير الحيل. لقد أعلنتُ أنه بعد أن يتحمل أوديسيوس متاعبَ جمة، ويفقد جميع رفقائه، سيعود إلى الوطن في العام العشرين، مجهولًا لكل فرد، وللعجب، هذا كله يتحقق الآن.» يوروماخوس يتحدى ويتنبأ وعندئذٍ أجابه يوروماخوس بن بولوبوس، قائلًا: «أيها العجوز، قم الآن، وانصرف إلى بيتك وتنبأ لأولادك، حتى لا يعانوا المتاعب في المستقبل. إنني في هذا المضمار أفوقك في التنبؤ. هناك طيورٌ كثيرة، تطير تحت أشعة الشمس جيئةً وذهابًا، وليست كلها علامة نحس. أما أوديسيوس، فقد هلَك في مكانٍ قصي، كما أتمنى لو أنكَ مثله هلكتَ معه، فهل لكَ ألا تُثرثر هكذا كثيرًا عند إنشادك الأغاني، أو تحُث تيليماخوس وهو غاضب، علَّه يعطيك هديةً ما لبيتك. بيد أنني سأصارحك القول، وسأُنفِّذ ما أقول حقيقة. إذا كنتَ حكيمًا في حكمة الشيوخ، وخدعتَ بقولكَ رجلًا أصغر منكَ سنًّا، ودفعتَه إلى الغضب، فإن الأمر بالنسبة له سيكون جِدَّ مفجع. ولن يستطيع بحالٍ ما، أن يفعل شيئًا بسبب وجود هؤلاء الرجال هنا. أما أنت، أيها العجوز، فسنفرض عليك غرامةً يؤلمك أن تدفعها، وعندئذٍ سيكون حزنك مريرًا. وإني لأتقدم بنفسي بهذه النصيحة إلى تيليماخوس، أمام سائر الجمع. عليه أن يأمر والدته بالعودة إلى منزل أبيها، حيث سوف يُعِدُّون وليمة زواج، ويُجهِّزون الهدايا العديدة. نعم، كل هذا يجب أن يَحدُث من أجل ابنةٍ يهيم بها الناس غاية الهيام. وفي اعتقادي أن أبناء الآخيين، قبل هذا، لن يكُفُّوا عن مغازلهم المؤلمة، طالما أننا لا نخاف أي رجلٍ مهما كانت الظروف — كلا، ولا تيليماخوس رغم كل ما قاله — كما أننا لن نُلقي بالًا إلى أي تنبُّؤٍ تُعلِنه أيها الرجل العجوز، فلن يتحقق منه شيء. وسوف تغدو مكروهًا أكثر من ذي قبل. نعم، وسوف تلتهم ممتلكات هذا الشاب بطريقةٍ شريرة، ولن يكون لها تعويضٌ قَط، حيث إنها تقف حائلًا أما الآخيين في موضوع الزواج من تلك السيدة. أما نحن، المنتظرين هنا، يومًا بعد يوم فنتنافس بدورنا من جرَّاء ما هي عليه من تفوُّق، ولا نجري وراء سيداتٍ أخريات، من اللواتي يَلِقنَ للزواج بنا.» تيليماخوس يطالب بالبحث عن أبيه عندئذٍ رد عليه تيليماخوس العاقل بقوله: «أيا يوروماخوس، ويا هؤلاء المغازلون الآخرون الأماجد، لن أتوسَّل إليكم بعد ذلك بخصوصِ هذا الأمر، ولن أُحدِّثكم عنه بعد الآن؛ لأن الآلهة تعلَمه الآن، وكذا جميع الآخيين. وإنما أريد منكم أن تُعطوني سفينةً سريعة وعشرين رفيقًا يقومون بالرحلة من أجلي، ذهابًا وإيابًا؛ لأنني سأذهب إلى إسبرطة وإلى بولوس Pylos الرملية، لكي أتنسم الأخبار عن عودة أبي الذي رحل منذ أمدٍ بعيد؛ فقد يكون هناك شخصٌ ما يستطيع أن يُخبرني عنه شيئًا، أو قد أسمع صوتًا من زوس، الذي كثيرًا جدًّا ما يجلب الأخبار للبشر، فإذا سمعتُ أن أبي لا يزال حيًّا، وأنه في طريقه إلى الوطن، حُق لي إذن، رغم عذابي الشديد، أن أتحمَّل سنةً أخرى. أما إذا بلغَني أنه لقي حتفَه ومضى، عُدتُ إلى وطني العزيز، وأقمتُ له كَومة، وأدَّيتُ فوقها الطقوس الجنائزية الكثيرة التي تليق به، ثم أعطيتُ والدتي لزوج.» مينتور يهاجم العشاق والمجلس ما إن أتم حديثه هذا حتى جلس، ونهض في وسطهم مينتور Mentor الذي كان زميلًا لأوديسيوس النبيل، وعندما رحل بسُفُنه، عهد إليه بمنزله كله، لكي يطيع الجميع هذا الرجل العجوز، وأن يُحافِظ على كل شيءٍ سليمًا، فخاطب حشدَهم بحسن نية، وتكلَّم وسطهم قائلًا: «اسمعوا الآن، يا رجال إيثاكا، وأصغوا إليَّ وإلى كلمتي التي سأتحدث إليكم بها. من الآنَ فصاعدًا، إياكم أن تجعلوا أي ملكٍ ذي صولجان، أن يكون رحيمًا ورقيقًا بقلبٍ مستعد، ولا تجعلوه يهتم بالعدالة في قلبه، بل دعوه يكون صارمًا باستمرار، وينشر الظلم والجور، طالما لا يُوجَد بينكم من يتذكر أوديسيوس، الذي كانت تُقدِّسه رعيته كسيدها؛ إذ كان لهم كأبٍ رحيم. وإنني والحق يُقال، لا أحقد على العُشَّاق المتغطرِسين، لقيامهم بالأعمال العنيفة التي تُوحي بها عقولهم المملوءة بالشرور، فإنهم يُعرِّضون أرواحهم للخطر؛ إذ يلتهمون بنهمٍ مواردَ بيتِ أوديسيوس، الذي كما يقولون، لن يعود بعد الآن. نعم إن ما أغضبُ له أكثرُ من أي شيءٍ آخر هو بقية القوم الذي يلزمون الصمت وهم جالسون هكذا، ولا ينطقون بكلمةِ لومٍ واحدة تجعل العشاق يكُفُّون، رغم كثرتهم، وقلة عدد هؤلاء.» ليوكريتوس يفُضُّ المجلس فأجاب ليوكريتوس Leocritus، ابن يوينور Euenor، يقول: «هيا مينتور، أيها المغموس في شروره، يا من تَجول بأفكارك إلى مدًى بعيد، هذا الذي قلت؛ لتأمر القوم بأن يُوقفونا؟ نعم، صعب عليك أن تخوضَ معركةً حول وليمةٍ مع أُناسٍ أكثرَ منكَ عددًا، فلو جاء أوديسيوس الإيثاكي٩ نفسه، وتاقت روحه أن يطرد السادة العُشَّاق من ساحته، هؤلاء الذين يُولِمون في بيته، لما أحسَّت زوجتُه بالسرور لِمَقدمِه، رغم لهفتها الشديدة إليه، ولكنه سيلاقي هنا ميتةً بشعة، لو حدَّثَته نفسه بمقاتلة رجالٍ يفوقونه عددًا. ما قُلتَ صوابًا يا هذا. والآن هيا، أيها الرجال، فليتفرق كل واحدٍ منكم إلى أرضه. أما هذا الشاب فإن مينتور وهاليثيرسيس سيعجلان برحلته؛ لأنهما صديقا منزل أبيه من قديم الزمان. غير أنني أعتقد أنه لن يقوم بهذه الرحلة، بل سيبقى هنا مدةً طويلة، ويتلقَّى الأنباء في إيثاكا.» هكذا تكلَّم، وفَضَّ الاجتماع بسرعة، فتفرق الجمع، كل واحدٍ إلى بيته، وذهب العُشَّاق إلى منزل أوديسيوس المُبجَّل. أثينا تسجيب لصلاة تيليماخوس أما تيليماخوس، فذهب بمفرده إلى شاطئ البحر، وما إن غسل يدَيه في مياه البحر السنجابية، حتى صلى لأثينا قائلًا: «أصغي إليَّ، يا من جئتِ أمس إلى منزلنا كإله، وأَمرتِني بالإبحار في سفينة عَبْر اليم الكثير الضباب بحثًا عن أخبار عودة أبي، الذي رحل منذ زمنٍ بعيد. إن الآخيين يحُولون دون كل هذا، ولا سيما المغازلون منهم في وقاحةٍ شريرة.» إنني من أوفى أصدقاء بيت أبيك، وسأُجهِّز لك بنفسي سفينةً سريعة، كما سأذهب معك أنا بنفسي. قال هذا متوسلًا، فاقتربت منه أثينا، في صورة مينتور، هيئة وصوتًا، وخاطبَتْه بألفاظٍ مُجنحَة، فقالت: «أي تيليماخوس، لن تغدو بعد الآن رجلًا وضيعًا أو خامل الذهن، لو أن شيئًا من روح أبيك المجيدة قد غُرس في دمك؛ إذ كان رجلَ قولٍ وعمل؛ وعلى ذلك، لن تكون رحلتك هذه دون جدوى، ولا دون أن تتحقَّق. أما إذا لم تكن ابنه، ولا ابن بينيلوبي، فلا آمل قَط في أنك ستُحقِّق رغبتك. حقًّا، إن القليل من الأبناء يُشبِهون آباءهم. كثيرون هم الأسوأ من آبائهم، أما الأفضل فقليلون، ولكن بما أنك، من الآن فصاعدًا، لن تكون رجلًا وضيعًا أو خامل الذهن، كما أنه لن تنقُصك حكمة أوديسيوس كُلية، فلا بد أن يكون هناك أملٌ في إنجازك هذا العمل. والآن، فلتكُن إرادة ومشورة العشاق، أولئك الحمقى؛ لأنهم ليسوا، بحالٍ ما، حُكماءَ أو عادلين، كما أنهم لا يعرفون شيئًا عن الموت أو الحتف القاتم، القريب منهم حقًّا، ولا عن أنهم سيهلكون جميعًا في يوم واحد. أما أنت، فإن الرحلة التي تنوي القيام بها، لن تتأخر طويلًا. إنني من أوفَى أصدقاء بيتِ أبيك، وسأُجهِّز لك بنفسي سفينةً سريعة، كما سأذهب معك أنا نفسي. أما الآن فانطلِق إلى بيتك، وانضَمَّ إلى زمرة المغازلين، وجهِّز الخزين، وضع كل شيءٍ في أوعية — الخمر في قدور، ودقيق الشعير، الذي هو أهم شيءٍ للبشر في أكياسٍ متينة من الجلد — أما أنا، فسأجوس خلال المدينة، وأجمع بسرعةٍ الرفاقَ الذين يصحبونك بمحضِ إرادتهم. وأما السفن فهي كثيرةٌ جدًّا في إيثاكا المحاطة بالبحر، جديدةٌ وعتيقة، وسأنتقي لك أحسنها، ولسوف نُعِدُّها بسرعة، ونُنزِلها إلى الخِضَم الفسيح.» أنتينوس يسخر من تيليماخوس ما إن أتمَّت أثينا، ابنة زوس، حديثها، حتى هُرع تيليماخوس، بعد أن سمع صوت الربَّة، وسار في طريقه إلى البيت وقد أثقلَت الهموم قلبه في صدره، فألفى المغازلين المتعجرفين هناك، يملئون الساحات، يسلَخون الماعز ويَشْوون الخنازير في القاعة. وما هي إلا هنيهةٌ حتى أقبل أنتينوس، يضحك إلى تيليماخوس، وأمسك بيده، وتحدَّث إليه مخاطبًا إياه قائلًا: «هيا تيليماخوس، أيها المُتبجِّح، أيها المنطلق في جسارته، اصرف من قلبك كل عملٍ أو كلامٍ شرير، وإني لآمركَ أن تأكل وتشرب كما كنتَ قبلًا تمامًا. إن الآخيين سوف يُمدُّونك، حقًّا، بكل هذه الأشياء — السفينة، والمجدِّفين المنتقَين — كي تستطيع الإبحار إلى بولوس المقدَّسة، لتستطلع أخبار والدك النبيل.» تيليماخوس يتوعَّد العشاق عندئذٍ أجابه تيليماخوس العاقل بقوله: «أي أنتينوس، لا تظُنَّن أنني سأجلس بحالٍ إلى المائدة وسط زمرتك السُّكَعاء، كي أتناول الطعام بهدوء، وأبتهج مرتاح البال. ألا يكفيكم، أيها المغازلون، أنكم بدَّدتم فيما مضى ممتلكاتي الكثيرة العظيمة، وقت أن كنتُ صبيًّا؟ أما الآن، وقد بلغتُ مبالغ الرجال، واكتسبتُ المعرفة من وصايا ونصائح غيري، ونمَت روحي في داخل جسدي، فإنني سأُحاول أن أُلقي عليكم حُتوفًا شريرة، سواءٌ ذهبتُ إلى بولوس، أو بقيتُ هنا في هذه الأراضي، فها أنا ذا راحل، ولن تكون الرحلة التي أتحدَّث عنها عبثًا، رغم إبحاري في سفينة رجلٍ آخر، فلا يمكنني أن أكون صاحب سفينةٍ أو مجدِّفين. وهكذا، أعتقد أنه بدا لك أن الأمر قد أصبح في صالحك أكثر.» العُشَّاق يُولِمون ويتهكَّمون قال تيليماخوس هذا، وجذَب يدَه من يد أنتينوس دون كبير عناء، بينما كان العُشَّاق مشغولين بالوليمة في شتى أنحاء القاعة، كانوا يَسخَرون منه ويتهكَّمون عليه في حديثهم، فقد كان أحد الشبان المتغطرسين يقول: «حقًّا، إن تيليماخوس ليضَع الخطط لقَتلِنا. إنه سيُحضِر رجالًا من بولوس الرملية، أو حتى من إسبرطة، لمساعدته. إنه يُصِر على ذلك إصرارًا، أو لعله يُزمِع الذهاب إلى إفوري Ephyre، تلك الأرض الغنية، ليُحضِر العقاقير القاتلة من هناك؛ ليضعها في طاس الخمر، فيقضي علينا جميعًا.» ثم انبرى شابٌّ غرٌّ آخر يقول: «لا يدري أحدٌ سواه، أنه ربما وهو في سفينته الواسعة، يمخُر عُباب اليم، يَهلِك في تجواله بعيدًا عن أصدقائه، كما فعل أوديسيوس تمامًا؛ ومِن ثَمَّ يُسبِّب لنا متاعبَ أكثر؛ إذ سيكون علينا القيام بتقسيم جميع ممتلكاته، فنعطي بيته لأمه ليصبح ملكًا لها ولمن سيتزوَّجها.» تيليماخوس يتفَّقد خزائن أبيه هكذا كانوا يقولون، أما تيليماخوس فهبط إلى خزانة أبيه العالية السقف، وهي حجرةٌ فسيحة بها أكوامٌ من الذهب والبرونز، وصناديقُ مملوءة بالثياب، وخزينٌ من الزيت ذي النكهة العطرة. كما كانت بها قدورٌ ضخمة من الخمر، المعتَّقة الحلوة، بها شرابٌ مقدس غير ممزوج، ومُرتَّبة في نظام بطول الحائط، مُعدَّة لمَقْدِم أوديسيوس؛ إذ قُيِّض له أن يعود إلى بيته بعد إنجاز مهامه العديدة المُحزِنة. وقد كانت الأبواب المزدوجة، مقفلةً بإحكام، وكانت تقيم هناك، ليل نهار، خادمةٌ تحرس كل شيء بحكمة عقلها، هي يوروكليا Eurycleia، ابنة أوبس بن بايسينور Peisenor، فاستدعاها تيليماخوس في الحال إلى الخِزانة، وكلَّمها قائلًا: «يا مُربِّيَتي، أخرجي لي خمرًا في قدور، خمرًا حلوة منتقاة، من أفضل صنفٍ يلي ما تحفظينه، وأنت دائمة التفكير، لمقدم ذلك الرجل المنكود الحظ، عسى أن يأتي أوديسيوس، سليل زوس، ولست أدري متى، ناجيًا من الموت والأقدار. املئي اثنتَي عشرة قِدْرًا، وأحكمي سدَّها، جميعًا، بالأغطية وعَبِّئي لي دقيق الشعير، في أكياسٍ من الجلد مخيطةٍ جيدًا، ولتكن عشرين مكيالًا من طحين الشعير، وليكن عِلمُ ذلك لكِ وحدك. وأعدِّي هذه الأشياء كلها سويًّا؛ لأنني سآتي لآخذها عندما يُقبِل المساء، عندما تذهب أمي إلى مقصورتها العليا، وتُفكِّر في الراحة، فإنني ذاهب إلى إسبرطة وإلى بولوس الرملية؛ لأبحث عن أخبار عودة والدي العزيز، عسى أن أتمكَّن من سماع أيِّ نبأ.» محاولة يوروكليا إثناء سيدها عن الرحيل هكذا تكلَّم، وأرسلت المربية العزيزة يوروكليا، صرخةً حادة، وتحدَّثَت إليه بكلماتٍ مُجنحَة، والدموع تنحدر من مقلتَيها، فقالت: «آه يا طفلي العزيز، كيف خطرت هذه الفكرة إلى بالك؟ إلى أين تُزمِع الذهاب عَبْر الأرض الفسيحة، يا من لست غير ابن وحيدٍ محبوبٍ غاية الحب؟ لقد هلك أوديسيوس، سليل زوس بعيدًا عن وطنه في أرضٍ غريبة، وبمجرد أن ترحل، سيَحيكُ هؤلاء الرجال الشر لكَ، كي تَهلِك بالخديعة، ويُقسِّمون كل هذه الممتلكات فيما بينهم. كلا، لا تذهب. ابقَ هنا وارعَ ما هو لك؛ لا حاجة بك إلى احتمال المشاقِّ بالتجوُّل عَبْر البحر المضطرب.» والدة تيليماخوس لن تعلم فرد عليها تيليماخوس الحكيم بقوله: «تَشجَّعي يا مُربِّيتي؛ فليست خطَّتي هذه بغير إذن إله. والآن أَقسِمي ألا تتفوَّهي بشيءٍ من هذا إلى والدتي العزيزة، حتى يأتي اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر، أو بعد أن تفتقدني هي شخصيًّا وتعلم أنني رحلت؛ لئلا تُشوِّه بشرتها الجميلة بالبكاء.» قال هذا، فأقسمَت السيدة العجوز بالآلهة، قسمًا لا حِنث فيه، ألا تقول شيئًا. وبعد أن أقسمَت وانتهت من القسم أخرجَت له في الحال خمرًا في جِرار، وعبَّأَت دقيق الشعير في أكياسٍ من الجلد محكمة الخياطة، وبعد ذلك، ذهب تيليماخوس إلى الساحة وانضَم إلى جماعة المغازلين. أثينا تنمسخ تيليماخوس بعد ذلك، قامت الربة، أثينا ذات العينَين النجلاوَين، بعملٍ آخر، فذهبَت في صورة تيليماخوس، إلى كل مكان بالمدينة، وأخذَت تقترب من كل رجلٍ وتقول كلمتها، فتأمره بالاجتماع مع غيره في هدوء بجانب السفينة السريعة. وزيادةً على ذلك فقد طلبَت من نويمون Noemon ابن فرونيوس Phronius المجيد، سفينةً سريعة، فوعدها بها بنفسٍ راضية. والآن غَربَت الشمس، وخيَّم الظلام على جميع الطرقات، فسحَبَت السفينة السريعة إلى البحر، ووضَعَت فيها سائر المعدَّات التي تحملها السفن المؤثَّثة جيدًا بالمقاعد، وربطَتْها عند مدخل الميناء، فاحتشَد حولها الجمع العظيم، وراحت الربة تُشجِّع كل رجل. ثم مينتور أيضًا بعد ذلك قامت الربة، أثينا اللامعة العينَين، بعملٍ آخر، انطلَقَت في طريقها إلى بيت أوديسيوس المقدس حيث بدأَت تسكب النوم اللذيذ على عيون المغازلين، وجعلتهم يتعثَّرون في سكرهم، ثم راحت تُسقِط الكئوس من أيديهم، فلم يسعهم إلا أن ينهضوا وينصرفوا إلى مضاجعهم في أنحاء المدينة، ولم يستطيعوا البقاء هناك مدةً طويلة؛ إذ كان النعاس يُداعب جفونهم. وعندئذٍ تكلَّمَت أثينا اللامة العينَين إلى تيليماخوس، واستَدعَتْه إلى القاعة الملكية، بعد أن اتخذَت صورة مينتور، هيئة وصوتًا، فقالت له: «أي تيليماخوس، إن زملاءك المدرَّعين جيدًا، لَيجلسون بجانب المجاذيف، انتظارًا لإقلاعك. هلُمَّ بنا نذهب إليهم، حتى لا نؤخر رحلتهم كثيرًا.» ما إن قالت بالاس أثينا هذا حتى قادت الطريق بسرعة، وتبعها تيليماخوس خطوةً خطوة، فلما هبطا إلى السفينة وإلى البحر، وجدا الرفاق الطويلي الشعور، عند الشاطئ، فتحدث إليهم تيليماخوس القوي١٠ العتيد قائلًا: «هيا بنا، أيها الأصدقاء، نُحضر المؤن؛ إذ كلها مُعدَّة الآن في الساحة. وإن والدتي لا تعلم عنها شيئًا، ولا حتى الخادمات، ما عدا واحدة فقَط هي التي سَمِعَت كلامي.» تيليماخوس يركب البحر في رحلته الغامضة ما إن قال هذا، حتى قاد الطريق، وذهب الجميع معه، فأحضروا المؤن، وخزَّنوا كل شيءٍ في السفينة المكينة المقاعد، كما أمرهم ابن أوديسيوس العزيز، ثم اعتلى تيليماخوس ظهر السفينة، وذهبَت أثينا أمامه وجلَسَت في كوثل المركب. وجلس تيليماخوس إلى جانبها، بينما انبرى الرجال يحلُّون الحبال عن كوثل السفينة، ثم ذهبوا إلى ظهرها، وجلسوا فوق مقاعدها. وعندئذٍ أرسلَت لهم أثينا البَرَّاقة العينَين، ريحًا مواتية، أرسلَت ريحًا غربية شديدة الهبوب، راحت تزمجر فوق البحر القاتم كالخمر. ونادى تيليماخوس رجاله، وأمرهم بأن يُمسِكوا حبال السفينة، فلبَّوا أمره، فرفعوا الصاري المصنوع من خشب الصفصاف، وثبَّتُوه في الفتحة الواسعة، بدعاماتٍ أمامية، وعلَّقوا الشراع الأبيض بحبالٍ مجدولة من جلود الثيران، فملأت الرياح بطن الشراع، وزمجرت اللجَّة القائمة عاليًا حول جؤجؤ السفينة وهي تمضي، فأسرعَت السفينة تشُق طريقها. وبعد أن انتَهَوا من تثبيت الحبال في السفينة السوداء السريعة، وضَعوا الطاسات مملوءة حتى حافاتها بالصهباء، وسكبوا السكائب للآلهة الخالدين السرمديين، وفي مقدمتهم ابنة زوس النجلاء العينَين؛ ومِن ثَمَّ أخذَت السفينة تسير في طريقها الليلَ بطوله، وطول الفجر. ١ هي طروادة. ٢ أو ربما «فيما يتعلق بجيشٍ فاتح». ٣ أي أوديسيوس. ٤ والد بينيلوبي. ٥ أو ربما: «خشية أنهم في غضبهم، يجعلون أعمالكم الشريرة تقع على رءوسكم.» ٦ هي رمز القانون والنظام والعدالة، تزوَّجها زوس وأجلسها بجواره على عرشه كي ينتفع بمشورتها. ٧ من الجلي أن هذه العبارات موجَّهة إلى جموع رجال إيثاكا كلهم، وليس إلى المغازلين وحدهم. ٨ وأحيانًا تُترجم «الثاقب النظر». ٩ نسبة إلى إيثاكا. ١٠ لا يمكن الجزم تمامًا بالمعنى الأصلي المقصود بالصفة «قوي». الأوديسة
الأنشودة الثالثة تيليماخوس يصل إلى بولوس ما إن تركَت الشمس الأفق البديع، حتى ارتفعَت في السماء البرونزية، لتَهَب الضوءَ للخالدين والبشر على سطح الأرض، مانحة الحب، فوصلوا إلى بولوس، قلعة نيليوس Neleus المتينة البناء. وهنا كان القوم فوق شاطئ البحر يُقدِّمون ذبيحةً من الثيران السوداء إلى مُزلزِل الأرض١ الأدكن الشعور. كان هناك تِسْعَ جماعات، يجلس في كل جماعة خمسمائة رجل، وتمسك كلٌّ منها بتسعة ثيرانٍ مُعدَّة للذبح. وعندما فرغوا من تذوُّق الأجزاء الداخلية، وكانوا يحرقون قطع الأفخاذ للإله، نزل الآخرون فورًا إلى البر، ورفعوا شراع السفينة الجميلة وطوَوْه، وأرسَوْها، ثم غادروها. كذلك خرج تيليماخوس من السفينة، وقادت أثينا الطريق، وتكلَّمتْ إليه الربة، أثينا ذات العينَين البراقتَين، أولًا، فقالت: «أي تيليماخوس، لا داعي بعد الآن إلى الخجل قَط؛ فقد أقلَعتَ عَبْر البحر بقصد البحث عن أخبار أبيك، أين طوته الأرض، وأي مصيرٍ لاقى. هلُمَّ الآن، وانطلِق فورًا إلى نسطور مستأنس الجياد. دعنا نسأله عن الأخبار التي يحتفظ بها في مكنون صدره. عليك أن تتوسَّل إليه بنفسك كي يُخبرك عن الحقيقة كلها. إنه لا يقول كذبًا على الإطلاق؛ لأنه رجلٌ عاقل حقًّا.» وألبسَتْه بولوكاستي عباءةً جميلة ومعطفًا. فأجابها تيليماخوس بقوله: «أي مينتور، كيف أذهب إليه، وكيف أذهب إليه، وكيف أبدؤه بالتحية؟ إنني ما زلتُ حتى الآن غير فصيحٍ في عذب الألفاظ. وفضلًا عن هذا، فإن الشاب اليافع ليخجل من سؤال من يكبره.» عندئذٍ ردَّت عليه الربة أثينا ذات العينَين المتألقتَين، قائلة: «يا تيليماخوس، إن بعض الكلام ستتدَبره أنت بنفسك، والبعض الآخر ستُلقِّنك إياه السماء؛ لأنك، كما أعتقد لم تُولَد وتنشأ بغير مساعدة الآلهة.» ابن نسطور يُرحِّب بالغريبَين هكذا تكلَّمَت بالاس أثينا، وقادت الطريق بسرعة، ومشى تيليماخوس في أعقاب الربة، حتى بلغا حشد رجال بولوس، وكان نسطور جالسًا هناك مع أبنائه، وشعبه حوله يُعِدُّون الوليمة، فيَشْوون بعض قطع اللحم، بينما يضعون قطعًا أخرى في السفُّود. بيد أنهم ما إن أبصروا الغريبين، حتى التفُّوا جميعًا حولهما وأمسَكوا أيديَهما يُحيُّونهما، وطلبوا إليهما أن يجلسا، فقد اقترب أولًا بيزستراتوس Pelsistratus، ابن نسطور، وأخذ كلًّا منهما من يدَيه، وأجلسهما إلى المائدة، فوق الفراءِ الناعمة على رمال البحر، بجانب شقيقه ثراسوميديس Thrasymedes وأبيه، وقدَّم لهما قِطعًا من اللحم الداخلي، وسكب خمرًا في كأسٍ ذهبية، وبعد أن شرب نخب بالاس أثينا ابنة زوس، حاملة الترس، تكلَّم بقوله: «والآن، هيا، صَلِّ أيها الغريب، للسيد بوسايدون؛ فهذا عيده الذي تصادَف وقدمتَ فيه إلى هنا. وبعد أن تسكُب السكائب، وتُصلِّي، كما يجب، أَعطِ صديقك أيضًا كأس الخمر التي في حلاوة الشهد، حتى يستطيع أن يُقدِّم سكيبة للخالدين؛ إذ إنه كما أعتقد، يُصلِّي لهم أيضًا؛ لأن جميع البشر محتاجون إلى الآلهة. ومع كلٍّ فهو أصغر منك سنًّا، نظيري في العمر، وعلى ذلك سأُقدِّم لك الكأس الذهبية أولًا.» أثينا تصلي لبوسايدون هكذا تكلَّم، ثم وضع في يدها كأس الخمر العذبة، أما بالاس أثينا، فقد سُرَّت من حكمة الرجل وحسن حكمته، وفي الحال قدَّم لها الكأس الذهبية أولًا، فقامت من فورها وصلَّت بحماسٍ للسيد بوسايدون، قائلة: «أصغ إليَّ، يا بوسايدون، يا مُطوِّق الأرض، ولا تتذمَّر من أن تُجيب على صلاتنا بأن تخرج هذه الأعمال إلى حيِّز التنفيذ. امنح الشهرة لنسطور أولًا، ولأبنائه، ثم امنح الباقين جزاءً حسنًا من أجل هذه الذبيحة المئوية المجيدة، لسائر رجال بولوس، ولتتفَضَّل أيضًا فتسمَح بعودتي مع تيليماخوس، بعد أن تُنجِز جميع الأمور التي جئنا إلى هنا من أجلها بسفينتنا السوداء السريعة.» وتيليماخوس أيضًا يصلي هكذا صلَّت أثينا، وكانت تُحقِّق كل شيء بنفسها، ثم قدَّمَت الكأس الجميلة ذات المقبضَين، إلى تيليماخوس، فقام ابن أوديسيوس العزيز هذا وصلَّى مثلها. وبعد أن انتهى الرجال من شواء اللحم الخارجي، وأخرجوه من السفَّود، قسَّموا الأنصبة، ثم أدبوا مأدبةً فاخرة. وما إن فرغوا من تناول الطعام والشراب، حتى نهض الفارس، نسطور الجيريني Nestor of Gerenia،٢ وتكلم وسطهم أولًا، فقال: «الآن ولا شك أنسبُ وقتٍ يحق لنا فيه أن نسأل الغريبَين عمن يكونان، طالما أنهما الآن قد نالا كفايتهما من الطعام، فمن أنتما إذن، أيهما الغريبان؟ ومن أين قدَّمتُما عَبْر ذلك الخِضَم الواسع؟ أجئتما بمهمةٍ معينة، أم أنكما تهيمان عَبْر البحر كيفما اتفق؟ أكقرصانَين تتجوَّلان مغامرَين بحياتَيكما، ومُحدثَين الأذى لأقوام البلاد الأخرى؟» تيليماخوس يرُدُّ على أسئلة نسطور عندئذٍ تَشجَّع تيليماخوس العاقل، وأجاب على أسئلة نسطور؛ لأن أثينا نفثَت الشجاعة في قلبه بنفسها، كي يسأل عن أبيه، الذي رحل، عسى أن يجد خبرًا سارًّا لدى أولئك القوم، فقال: «أي نسطور، يا ابن نيليوس، يا مجد الآخيين العظيم، إنكَ تسألنا من أين قَدِمنا، ولا شك في أننا مخبروك. لقد جئنا من إيثاكا الواقعة خلف نايون Neion، ولكن الأمر الذي سأتكلَّم عنه، يعنيني دون سواي ولا علاقة للناس به. لقد أتيتُ أتتبَّع صيت أبي الواسع الانتشار، علَّني أسمع شيئًا عن أوديسيوس العظيم الثابت القلب، الذي كما يقول القوم، قاتل إلى جانبك يومًا ما، ونهب مدينة الطرواديين Trojans؛ لأننا نعلم أين مات كل رجلٍ ممن حاربوا الطرواديين، ميتته التعيسة، كلهم، ما عدا أوديسيوس، الذي جعل ابن كرونوس ميتته وراء العلم؛ إذ ما من شخصٍ يستطيع أن يُحدِّد بالتأكيد أين مات، هل قهره الأعداء فوق اليابسة، أم في البحر وسط أمواج أمفيتريتي Amphitrite؟٣ ومن ثم أجيء أنا الآن، عند ركبتَيك، عسى أن تتفضَّل بإخباري عن ميتته التعيسة، سواءٌ كنتَ قد شاهدتها عيانًا، أو سَمِعتَ من شخصٍ آخر عن قصَّة تجوالاته؛ فإنه دون سائر الرجال قد أنجبَتْه أمه للأحزان. كما أرجو ألا تأخذنَّك الشفقة بي، بحالٍ ما، فتُطمئنني ببعض الألفاظ، بل أريد أن تُخبرني بالحقيقة، كيف تصادَف لك أن شاهَدتَه. إنني أتوسَّل إليك، لو أن أبي أوديسيوس النبيل، كان قد عهد إليك ببعض الكلام أو العمل وحقَّقْتَه في أرض الطرواديين، حيث قد قاسيتم الآلام، أيها الآخيون، فلتَتذكَّره بربك الآن. وقل لي الحقيقة بعينها.» نسطور يستعيد ذكرى ويلات حرب طروادة عندئذٍ أجابه الفارس، نسطور الجيريني، قائلًا: تقدَّمت بولوكاستي الفاتنة، وغسَّلَت تيليماخوس ودهنَت جسمه بزيت الزيتون. «أي صديقي، لقد أعدتَ إلى ذهني الهموم والآلام التي كابدناها، نحن أبناء الآخيين، في تلك البلاد، مع فَرْط جرأتنا — كل ذلك قاسيناه على ظهر السفينة ونحن نسعى وراء الغنائم عَبْر اليم الكثيف الضباب، حيث كان يقودنا أخيل، وجميع معاركنا حول مدينة الملك بريام٤ العظيمة — إن الاسف ليملأ الفؤاد؛ فهناك قُتل أفضلنا كلنا. هناك يرقد أياس Aias٥ المحارب، وهناك أخيل٦ وباتروكلوس Patroclus٧ نظير الآلهة في المشورة، وهناك ابني العزيز، الذي يعادله في القوة، والمنقطع النظير، أنتيلوخوس Antilochus،٨ المُبرِّز في سرعة القدم وكمقاتل، كما قاسينا شرورًا أخرى علاوةً على هذه، مَن مِن البشر الفانين يستطيع أن يرويها كلها؟ لا أحد؛ فلو بقيتَ هنا خمس سنوات أو ستًّا، وسألتَ عن جميع الآلام التي عاناها الآخيون الأمجاد هناك، لسئمتَ قبل أن ننتهي من سردها، ورجعتَ ثانية إلى وطنك. ظلَلْنا مدة تسع سنواتٍ مشغولين في تدبير خطط خرابهم بشتى ألوان الحيل، ولكن ابن كرونوس لم يكتُب لها التوفيق. ولم يجرؤ أي رجلٍ على أن يتحداه في الرأي؛ إذ كان أوديسيوس العظيم يبُذُّ الجميع في شتى صنوف الحيل — إنه أبوك، لو كنتَ ابنه حقًّا. إن الدهشة لتتملكني وأنا أنظر إليك؛ لأن حديثك، والحق يُقال، يشبه حديثه، وما كان أحد يتصور أن شابًّا قد يتكلم أمام المجلس هكذا مثله. وإن طيلة المدة التي كنا فيها هناك، لم يتكلم أوديسيوس العظيم بكلامٍ يُخالِف ما تكلَّمتَ به، كما أنه لم يختلف عني في الرأي أو في المشورة؛ إذ كنا ذوي عقلٍ واحد، وكنا ننصح الأرجوسيين Argives بالحكمة والمشورة الحازمة، في الكيفية التي يتم بها كل شيء على خير وجه. بيد أنه بعد أن خرَّبْنا مدينة بريام الشامخة، ورحلنا في سفننا بعيدًا، وجاء إله وشتَّت شمل الآخيين؛ عندئذٍ، وعندئذٍ فقط، دبَّر زوس في قلبه عودةً مؤلمة للأرجوسيين؛ لأن الجميع لم يكونوا كلهم حازمين ولا عادلين؛ ولذلك لقي كثيرون منهم مصيرًا مشئومًا من جرَّاء غضب الربة، ذات العينَين البراقتَين، ابنة السيد٩ القوي؛ لأنها تسبَّبَت في الشجار بين ولدَي أتريوس Atreus. وعندئذٍ طلب هذان الاثنان اجتماع سائر الآخيين، دون روية ولا نظام، وقت غروب الشمس — فجاء أبناء الآخيين مثقلين بالخمر — وقالوا كلمتهم، وقالوا لماذا جمعوا الجيش سويًّا. بعد ذلك أمر مينيلاوس جميع الآخيين أن يُفكِّروا في عودتهم عَبْر ظهر البحر الفسيح، بيد أنه لم يسرَّ أجاممنون بأيه حال من الأحوال؛ لأنه كان يتوق إلى تأخير الجيش كي يُقدِّم الذبائح المئوية المقدسة، حتى يُهدِّئ من غضب أثينا البالغ، فما أحمقه! إذ لم يكن يعلم أنها لن تتنازل عن غضبها؛ فليس من السهل تحويل عقل الآلهة الخالدين بسرعة؛ ومن ثَمَّ وقف هذان يتراشقان بالألفاظ الجافة. غير أن الآخيين المدرَّعين جيدًا قفزوا بصخبٍ عجيب، وراقهما خططٌ مزدوجة الفعل، فخلدنا تلك الليلة إلى الراحة، وأخذ كل فريقٍ يفكر بدهاء في أذى الفريق الآخر؛ لأن زوس كان يجلب علينا مصيرًا مشئومًا. ولما أصبح الصباح، أنزل بعضُنا سفننا إلى البحر المتألق، ووضَعوا فوق ظهورها الأمتعة والنساء ذوات الحزام المنخفض. والحقيقة أن نصف الجيش امتنع وبقي هناك مع أجاممنون بن أتريوس، راعي الجيش، بينما ركب النصف الآخر السفن وجدَّف مبتعدًا، فسرعان ما أبحرت السفن؛ لأن إلهًا ما هدَّأ البحر المضطرب. وعندما بلغنا تينيدوس Tenedos قدَّمنا ذبيحة للآلهة، متلهفين إلى بلوغ منازلنا، ولكن مع ذلك، لم يُزمِع زوس عودتنا، فيا له من ربٍّ عنيد، ذلك الذي أثار الصراع الشرير للمرة الثانية. بعد ذلك استدار بعضهم بسفنهم المقوَّسة ورحلوا، وكذلك السيد أوديسيوس الراجح العقل، الحكيم، مع جماعته، أظهروا تأييدهم لأجاممنون بن أتريوس مرةً أخرى، غير أنني هربتُ مع سائر حشد السفن التي تَبعَتْني؛ إذ كنتُ أعلم أن الرب يُدبِّر شرًّا. كذلك هرب ابن توديوس Tydeus١٠ المحب للقتال وحثَّ رجاله. وبعد فترة جاء مينيلاوس، الجميل الشعور، متأخرًا، يقتفي أثرنا، فلَحِق بنا في ليسبوس Lesbos، بينما كنا نتناقش في الرحلة الطويلة، هل نرحل صوب بحر خيوس Chios الوعْرة إلى جزيرة بسوريا Psyria، جاعلين خيوس نفسها١١ على يسارنا، أو صوب أرض خيوس عَبْر ميماس Mimas الكثيرة الرياح؛ ومِن ثَمَّ طلبنا من الرب أن يرينا علامة، فأرانا إياها، وأمرنا أن نشق طريقنا وسط البحر إلى يوبويا Euboea، حتى يمكننا النجاة بأقصى سرعة من البلاء. وبدأَت ريحٌ عاتية تهب، فجرت السفن بسرعة فوق الطرق المزدحمة، وعندما أقبل الليل، وصلَت إلى جيرايستوس Geraestus. وهناك وضعنا كثيرًا من أفخاذ الثيران فوق مذبح بوسايدون، تعبيرًا عن شكرنا لسلامة اجتيازنا البحر العظيم. ولم يكن إلا في اليوم الرابع، أن أوقف في أرجوس، جمع ديوميديس Diomedes١٢ ابن توديوس، مُستأنِس الجياد، سُفنَهم الجميلة، ولكني مضيتُ في طريقي صوب بولوس، ولم تكُفَّ الريح لحظةً واحدة منذ أن بعث بها الرب أولًا.» هكذا جئتَ يا ولدي العزيز، بدون أنباء، ودون أن أعرف شيئًا عن الآخرين؛ أيُّ الآخيين نجا، وأيهم مات. غير أن هناك أنباءً سمعتُها وأنا في ساحاتنا، سوف تسمعها مني، كما يقتضي الواجب، ولن أُخفيها عنك؛ إذ يقال إن المورميدون Myrmidons،١٣ الذين يثورون بالرماح، جاءوا بسلام، أولئك الذين كان يقودهم البطل الشهير ابن أخيل العظيم الشجاعة، وسالمًا أيضًا جاء فيلوكتيتيس المجيد Philoctetes ابن بوياس Poias. كما أحضر إيدومينوس Idomeneus١٤ جميعَ رفاقه إلى كريت، جميع الذين نَجَوا من الحرب، ولم يَسلبْه البحر أحدًا منهم. أما ابن أتريوس، فقد سمعتَ بنفسك، رغم أنك بعيدٌ جدًّا، كيف جاء وكيف دبَّر له أيجيسثوس Aegisthus مصيرًا مؤلمًا، ولكنه ولا ريب دفع الثمن فظيعًا. إنه لجميل أن يترك الرجل ابنًا عند وفاته، إذا كان ذلك الابن ينتقمُ لموت أبيه العظيم من قاتله الغادر، أيجيسثوس. هكذا أنتَ أيضًا، يا صديقي فإنني أراك رجلًا بمعنى الكلمة، فارع الطول، فكن شجاعًا حتى يمتدحك كل من يُولَد من الرجال.» رغبة تيليماخوس في الانتقام من العُشَّاق فأجاب تيليماخوس الحكيم بقوله: «أي نسطور، يا ابن نيليوس، يا مجد الآخيين العظيم، نعم لقد انتقم ذلك الابن حقًّا، ولسوف يطير الآخيون بشهرته بعيدًا، كي يعلم بها من سيأتي من البشر، ليت الآلهة تُسربلُني بمثل هذه القوة، كي أستطيع الانتقام من أولئك العشاق جزاء إثمهم المشين، أولئك الذين بسبب طيشهم يُدبِّرون لي شرًا، غير أن الآلهة، والأسف ملء الفؤاد، لم تخلع عليَّ مثل هذه السعادة، ولا حتى على أبي؛ وعلى ذلك ينبغي لي أن أحتمل مهما كانت الظروف.» نسطور يشُدُّ أزر تيليماخوس فقال الفارس، نسطور الجيريني: «يا صديقي، طالما أنك تُعيد هذا إلى ذاكرتي، وتتكلَّم عنه، فإنهم يقولون إن هناك مغازلين عديدين يطلبون يد والدتك، وهؤلاء يحيكون الشرور في ساحاتك رغم إرادتك. أخبرني، هل تُستباح ممتلكاتك بمحض إرادتك، أم أن القوم يكرهونك في كل مكانٍ إطاعة لرغبة إله؟ من يدري، إذا كان أوديسيوس سيأتي ذات يوم وينتقم منهم على إهانتهم القاسية إما وحده، أو من الجائز مع سائر جموع الآخيين؟ ليت أثينا، الربَّة المتألقة العينَين تختار أن تُوليك محبتها، كما اهتمت كثيرًا، في ذلك الحين بأوديسيوس المجيد في بلاد الطرواديين، حيث قاسينا الآلام، نحن معشر الآخيين؛ لأنه لم يسبق لي أن رأيتُ الآلهة تُبدي حبها سافرًا بتلك الصورة، كما فعلَت بالاس أثينا معه؛ إذ وقفت إلى جانبه علنًا، فلو سرَّها أن تُحبك بنفس الطريقة، واهتمَّت بك من كل قلبها، إذن لنَسِي كل فردٍ منهم الزواج كُليَّة.» إعجاب تيليماخوس بكلمات مضيفه عندئذٍ قال تيليماخوس العاقل: «أيها السيد العجوز، لا أعتقد بأية حال أن كلمتك هذه ستتحقق. إن ما تقوله لشيءٌ بالغ العظمة؛ لذا تتملَّكُني الدهشة، ولا أمل عندي في أنه سيتحقَّق، حتى ولو أزمعَت الآلهة ذلك.» أثينا تُذكِّر تيليماخوس بقدرة الآلهة على كل شيء فتكلَّمَت الربة، أثينا ذات العينَين النجلاوَين وقالت: «أي تيليماخوس، ما هذه العبارة التي أفلتَت من بين شفتَيك؟ من السهل على الإله الذي انتوى ذلك أن يُعيد شخصًا إلى وطنه سالمًا، مهما كانت بعيدًا. أما أنا، فإنني أُفضِّل شخصيًّا، أن أتحمَّل مشاقَّ جمَّة عسيرة قبل أن أبلغ وطني وأتمتع بيوم عودتي، على أن أُقتل إثر عودتي عند الوطيس، كما قتل أجاممنون بتدبير أيجيسثوس وزوجته. والحقيقة أن الآلهة أنفسهم، لا يستطيعون درء الموت، المقدَّر لكل فرد، عن شخصٍ يُحبُّونه، متى حان للمنية المُفجعة أن تَصرعَه.» تيليماخوس يستجوب مضيفه عن مقتل أجاممنون فرَدَّ عليها تيليماخوس العاقل بقوله: «أيا مينتور، فلتكُفَّ عن الحديث في هذه الأشياء رغم ما نحن عليه من حزن، فلا يمكن أن تتم له أي عودة على الإطلاق، كلا؛ فقبل هذا دبَّر له الخالدون ميتةً ومصيرًا أسودَين. والآن يجب أن أتحرَّى فأستخير نسطور عن أمرٍ آخر، طالما أنه يعرف الحكمة وكيف يحكم على الشيء، أكثر من جميع الآخرين؛ لأنه كما يقول الناس كان ملكًا، ثلاث مرات، على جيل من البشر، وإنه ليتراءى لناظري أشبه بخالد. أي نسطور، يا ابن نيليوس، هل تتفَضَّل بإخباري بالصدق: كيف قَتل أجاممنون الواسع السلطان ابن أتريوس؟ أين كان مينيلاوس؟ وأي ميتةٍ دبرها أيجيسثوس المخادع للملك، حيث إنه قتل رجلًا يفوقه قوةً بمراحل؟ ألم يكن مينيلاوس في أرجوس الآخية، أم أنه كان يتجوَّل في مكانٍ آخر وسط القوم، حتى إن أيجيسثوس تشجَّع ونفَّذ جريمة القتل؟» نسطور يرد على ضيفه ردًّا شافيًا فأجاب الفارس، نسطور الجيريني قائلًا: «إذن فسأخبرك بالحقيقة، يا طفلي. ها أنت ذا من تلقاء نفسك تُخمِّن كيف حدث ذلك الأمر، فإذا كان ابن أتريوس مينيلاوس الجميل الشعور، قد وجد، عند عودته من طروادة، أيجيسثوس حيًّا في ساحاته، إذن لَما كوَّموا له رابيةً، حتى لو كان قد مات، بل كانت الكلاب والطيور قد مزَّقَته وهو راقد فوق السهل بعيدًا عن المدينة، ولَما بكته سيدةٌ ما من الآخيات؛ إذ ما أبشع العمل الذي حاك خيوطه! أما نحن من جهتنا، فقد بقينا هناك في طروادة ننجز مهامنا العديدة، ولكنه دأب على خداع زوجة أجاممنون بمعسول الألفاظ، في مكانٍ منعزل في أرجوس، مرعى الخيول؛ ففي أول الأمر تخلَّصَت كلوتيمنيسترا Clytemnestra١٥ الفاتنة، من العمل غير اللائق؛ إذ كان لها قلبٌ مدرك؛ وعلاوةً على ذلك، فقد كان معها أحد المغنين، أحسن ابن أتريوس اختياره لحراسة زوجته، عندما أقلَع إلى أرض طروادة. بيد أنه عندما جاء أخيرًا قضاء الآلهة، أن تغلب على أمرها، صحب أيجيسثوس المُغنِّي إلى جزيرةٍ مهجورة حيث تركه ليكون فريسة للطيور. أما هي، فكما كان قد بيَّت النية، أخذَها إلى بيته. وأحرق كثيرًا من قِطَع لحم الأفخاذ على مذابح الآلهة المقدَّسة، كما علَّق لهم كثيرًا من التقدمات، من مصنوعات النسيج والأشياء الذهبية، لقيامه بعملٍ جريء يفوق كل ما كان يرجوه قلبه. كنا نُبحِر سويًّا في طريقنا من طروادة، وكنتُ أنا وابن أتريوس صديقَين حميمَين، وعندما بلغنا سونيوم Sunium المقدسة، رأس مدينة أثينا، هاجمَنا هناك فويبوس أبولُّو١٦ بسهام الرقيقة،١٧ وقتل حارس دفَّة مينيلاوس، وهو ممسكٌ في يدَيه المجذاف الذي يُوجِّه السفينة المسرعة، ذلك الحارس هو فرونتيس Phrontis، ابن أونيتور Onetor، الذي كان يبُذُّ سائر قبائل البشر في قيادة السفن عندما يشتد هبوب الرياح العاصفة؛ وعلى ذلك بقي مينيلاوس هناك، رغم أنه كان متلهفًا للرحيل؛ لكي يستطيع أن يدفن زميله ويقوم نحوه بالطقوس الجنائزية. بيد أنه عندما وصل بدَوْره، وهو يخترق البحر القاتم كالخمر، في السفن الواسعة، في مجرًى سريع، إلى قمة ماليا Malea المنحدرة، حاك له زوس الذي يحمل صوته بعيدًا، طريقًا مقيتًا، وأرسل عليه هبَّاتٍ عنيفات من الرياح العاتيات، فارتفعت اللُّجَج كالطَّوْد الشامخ. وعندئذٍ قسم سُفنَه إلى قسمَين، وأحضر بعضها إلى كريت حيث كان الكودونيون Cydonians يعيشون حول مجاري الإياردانوس Iardanus، وحيث يُوجد الآن جرفٌ أملس ينحدر رأسًا نحو البحر، على حدود جورتون Gortyn في اليم الكثيف الضباب، حيث تدفع الريح الجنوبية الغربية الأمواج العاتية على الرأس البارز في البحر، على اليسار صَوْب فايستوس Phaestus، فتردُّها صخرةٌ صغيرة على أعقابها، فإلى ذلك المكان وصلَت بعض سفنه، وبعد عناءٍ كبير، نجا الرجال من الهلاك. ومع كلٍّ فقد حطمت الرياح السفن على سلسلة الصخور، وتركَتْها أشلاء. أما الخمس سفنٍ الأخرى القاتمة الحيزوم، فقد حملتها الرياح، وجاءت بها الأمواج إلى مصر؛ ومِن ثَمَّ كان يهيم هناك بسُفنِه وسط قومٍ غرباء اللسان، وجمع رزقًا عظيمًا وذهبًا، غير أن أيجيسثوس دبَّر ذلك العمل المؤسف في نفس هذا الوقت، في وطنه. لقد حكم سبع سنوات على موكيناي Mycenae الغنية بالذهب بعد أن قتل ابن أتريوس، فخضع الناس لسلطانه. بيد أنه في السنة الثامنة، عاد أوريستيس Orestes العظيم من أثينا، وقتل قاتل أبيه، أيجيسثوس المخادع، الذي قتل أباه المجيد. وبعد أن قتله أقام وليمةً جنائزية للأرجوسيين، على أمه المقيتة وأيجيسثوس الرعديد. وفي نفس اليوم قدم إليه مينيلاوس، الماهر في صيحة الحرب، جالبًا مع كنوزًا كثيرة، بقَدْر ما استطاعت جميع سفنه أن تحمل. لذلك يا صديقي، لا تُطوِّف طويلًا بعيدًا عن وطنك، تاركًا ثروتك خلفك، وفي بيتك رجالًا آنذاك بتلك الصورة؛ لئلا يقسموا ثروتك جميعها فيما بينهم، ويلتهموها، فتغدو رحلتك غير ذات جدوى، بيد أني أشير عليك بالتوجه إلى مينيلاوس؛ لأنه جاء أخيرًا من بلدٍ غريب، من لدُنْ قومٍ لا يمكن لأحد أن يأمل في قلبه أن يعود من عندهم، أولئك الذين شرَّدَتهم الأعاصير ذات يومٍ في بحرٍ عظيم الاتساع، لا تجتازه الطيور في مدة سنة، ذلك الخِضَم الواسع المُروِّع، فاذهب الآن في طريقك، بسفينتك ورفقائك. أما إذا رغبتَ في الذهاب بطريق البر، فها هي عرباتٌ وجيادٌ تحت أمرك، وهاك أبنائي في خدمتك، يرشدونك إلى لاكيدايمون Lacedaemon١٨ العظيمة، حيث يقطن مينيلاوس الجميل الشعور. وأنصحك أن تتوسَّل إليه بنفسك كي يروي لك الحقيقة بعينها. إنه لا يقول الكذب؛ لأنه عاقل حقًّا.» أثينا تطالب بتقديم الذبائح هكذا قال، وغَربَت الشمس، وأقبلَت جحافل الظلام، فتحدثت وسطهم الربة، أثينا ذات العينَين المتألقتَين، فقالت: «أيها الرجل العجوز، ما أَصدَقكَ في رواية هذه القصة تمامًا! هلُم اقطع ألسنة الذبائح، واخلط الخمر، حتى بعد أن تنتهي من سكب السكائب لبوسايدون والخالدين الآخرين، يمكننا أن نفكر في النوم؛ إذ قد حان وقته؛ فها هو النور اختفى الآن وراء الظلمة، وليس من اللائق أن نجلس طويلًا في وليمة الآلهة، بل ننطلق في طريقنا.» نسطور يمنع ضيفيه من الانصراف ما إن أتمَّت ابنة زوس حديثها، وأصغى الجميع إلى صوتها، حتى سكب الخدمُ الماء فوق أيديهم، وراح الفتيان يملئون الطاسات بالشراب إلى حافاتِها، وقدَّموا لسائر الموجودين ساكبين أولًا بعض قطرات في الكئوس كسكيبة، ثم وضعوا الألسنة فوق النار، وقاموا يسكبون السكيبات فوقها، وبعد أن سكبوا السكائب، واحتَسَوا كفايتهم من الخمر، تاقت نفس كلٍّ من أثينا وتيليماخوس، الشبيه بالإله، إلى أن يعودا إلى السفينة الواسعة، بيد أن نسطور حاول أن يُبقيهما، وتحدَّث إليهما قائلًا: «هل لزوس أن يمنع هذا، وكذا غيره من الآلهة الخالدين، أن تنصرفا إلى سفينتكما السريعة كأنما تنصرفان من لدُنْ شخصٍ بلا أمتعة ومُعدمٍ غاية العدم، شخص ليس لديه كمياتٌ وافرة من العبايات والأغطية في منزله، حيث يستطيع أن ينام هو وضيوفه عليها بغاية الراحة؟ كلا، إن في بيتي لعباءاتٍ وأغطيةً كثيرة جميلة، يستحيل أن ينام ابن أوديسيوس العزيز هذا فوق سطح سفينة وأنا لا أزال على قيد الحياة، وهناك أطفال من بعدي يُرحِّبون في ساحاتي بمن يأتي من الأغراب إلى منزلي.» تيليماخوس ينام في ساحة نسطور عندئذٍ ردَّت عليه الربة، أثينا البَرَّاقة العينَين بقولها: «حسنًا تحدَّثتَ في هذا، أيها الصديق العجوز، وكان يجدر بتيليماخوس أن يُصغي إليك، طالما أن هذا أفضل شيء. غير أنه بينما يتبعك هو لينام في ساحاتك، سأذهب أنا إلى السفينة السوداء، كي أشجع رفاقي وأقص عليهم كل شيء؛ إذ أُقر بأنني العجوز حقًّا بينهم، ومن يتبعون في الصداقة أصغر مني، جميعهم في سن تشبه سن تيليماخوس العظيم القلب. سأرقد هناك بجوار السفينة السوداء الواسعة، هذه الليلة، حتى إذا ما أصبح الصباح ذهبتُ إلى الكاوكونيين Cauconians، العظيمي الهمة، حيث يُوجد لي دَينٌ مستحق، ليس بالجديد ولا بالقليل. وهل لك أن تُرسِل هذا الرجل إلى بغيته مع ابنك في عربة؛ حيث إنه قصد منزلك، وتعطيه جيادًا، من أسرع جيادك في العدو، وأفضلها في القوة؟» نسطور يتعرف على الربة أثينا هكذا قالت الربة، أثينا ذات العينَين اللامعتَين، وانصرفَت من الحضرة في صورة نسرٍ بحري، فذُهل الجميع، ودُهِشوا لهذا المنظر، وتعجَّب الرجل المسنُّ عندما أبصَرتْ عيناه ما حدث، فأمسك بيد تيليماخوس، وخاطبه بقوله: «هيا صديقي، لا أظن أنك ستُبرهن على أنك رجلٌ وضيع أو جبان؛ إذ وأنت لا تزال في صغر سنك تتبعُك الآلهة كمرشد لك. الحق يُقال، ليست هذه الربة، من سائر أولئك الذين يحتلون مواطنهم فوق أوليمبوس، غير ابنة زوس، تريتوجينيا Tritogeneia،١٩ العذراء السامية الأمجاد، تلك التي بجَّلَت كذلك أباك النبيل وسط الأرجوسيين. كلا أيتها الملكة، كوني رحيمة، وامنحيني الصيت الحسن، وامنحيه أيضًا لأولادي، وزوجتي المبجَّلة، وفي مقابل ذلك سأذبح عجلةً ملساء، عريضة الجبهة، سليمة، لم يسبق لرجلٍ أن وضع على رقبتها النِّير حتى الآن. سأنحرها لك هنا، وأُزيِّن قرونها بالذهب.» نسطور وأبناؤه يُصلُّون للربة أثينا هكذا تكلَّم نسطور الجيريني، في صلاته، وسمِعَته بالاس أثينا، ثم قام الفارس وقادهم إلى قصره الجميل، قاد أبناءه وأزواج بناته، إلى قصره الجميل، فلما بلغوا قصر الملك المنيف، اصطَفوا فوق الكراسي والمقاعد العالية، وعند حضورهم خلط لهم الرجل المسنُّ طاسًا من الخمر الحلوة، المعتَّقة لمدة إحدى عشرة سنة بمعرفة ربة الدار، ففتحَتْها بأن فكت الرباط المثبِّت للغطاء، فأمر السيد العجوز بأن يُملأ طاس من هذه الخمر، وصلَّى بحرارة، وهو يصُبُّ السكيبة لأثينا ابنة زوس، حامل الترس. الضيف والمضيف ينامان غير أنهم بعد أن صبُّوا السكائب، وشربوا قَدْر كفايتهم، انصرف كل واحدٍ منهم إلى بيته، ليستريح. أما الفارس، نسطور الجيريني، فطلب من تيليماخوس العزيز، ابن أوديسيوس المقدس، أن ينام هناك على سرير من الحبال المجدولة أسفل البهو الفسيح، وإلى جواره بايسيستراتوس، ذو الرمح الدرداري المتين، وقائد البشر، وكان هو الوحيد في القصر أعزب دون سائر أبنائه. ونام نسطور نفسه في الغرفة الداخلية من القصر السامق، بجواره السيدة زوجته، التي كانت قد أعدَّت له الفراش. نسطور يدلي بأوامره في الصباح وعندما لمع الفجر، الوردي الأنامل، في أفق السماء، مبكرًا، نهض الفارس، نسطور الجيريني، من فراشه، وخرج فجلس فوق الأحجار المصقولة أمام أبواب قصره الشامخ، تلك الأحجار الناصعة البياض، والشديدة اللمعان كأنما قد طُليَت بالزيت.٢٠ لقد اعتاد نيليوس، نظير الآلهة في المشورة، أن يجلس في قديم الزمان فوق هذه الأحجار، ولكنه قبل الآن أصابه حتفُه، فذهب إلى بيت هاديس Hades،٢١ فأصبح نسطور الجيريني، حامي حمى الآخيين، يجلس الآن فوقها بدلًا منه، ممسكًا الصولجان في يده، وقد احتشَد أبناؤه حوله في جماعة عندما خرجوا من حجراتهم؛ إخيفرون Echephron، وستراتيوس Stratius، وبيرسيوس Perseus، وأريتوس Aretus، وثراسوميديس Thrasymedes شبيه الإله، ثم انضم إلى هؤلاء بعد ذلك السيد بايسيستراتوس، ليكون سادسهم. وصحبوا تيليماخوس الشبيه بالإله، وأجلسوه إلى جوارهم، وكان الفارس، نسطور الجيريني، هو أول مَن تكلم وسطهم، فقال: «يا أطفالي الأعزاء، هيا أسرعوا، وحقِّقوا رغبتي، حتى يمكنني أن أسترضي أثينا قبل جميع الآلهة، هذه التي جاءت بنفسها واضحةً جلية، وجلست إلى وليمة الإله الفاخرة. هلُمُّوا الآن، ليذهب أحدكم إلى السهل، ويبحث عن عجلة، كي يحضرها بسرعة، ويسوقها الراعي. وليذهب أحدنا إلى سفينة تيليماخوس الجريء القلب، هذه السفينة السوداء، ويدع سائر رفقائه، تاركًا رجلَين فقط. كما يذهب آخرُ إلى الصائغ لايركيس Laerces، ويأمره بالحضور إلى هنا، ليكسو قرون العجلة بالذهب. أما الآخرون فليبقوا هنا معنا، ومروا الإماء، داخل القصر بأن يُعدِدْن وليمة في ساحتنا المجيدة، ويُحضرن المقاعد، وأخشابًا لتوضع إلى جانبَي المذبح، كما يُحضرن ماءً صافيًا.» نسطور يعد عجلة ذبيحة لأثينا ما إن أتم نسطور الجيريني كلامه، حتى أذعن الجميع، كل واحد في العمل الذي وُكِل إليه، فأُحضِرت العجلة من السهل، وجاء زملاء تيليماخوس الجريء القلب من السفينة السريعة الجميلة، وأقبل الصائغ، يحمل في يدَيه عُدَّتَه البرونزية، أدوات مهنته، وهي عبارة عن سندان ومطرقة وكتيفة متينة الصنع، وراح يصوغ بها الذهب. وأتت أثينا لتتقبَّل الذبيحة. وبعد ذلك جاء نسطور العجوز، سائق العربات، وأعطاه الذهب، فجهَّزه الصائغ وكسا به قرون العجلة، كي تبتهج الربة وهي ترى الذبيحة. وساق ستراتيوس وإخيفرون العظيم العِجْلة من قُرونها، وأقبل أريتوس من الحجرة، وأحضر لهم الماء كي يغسلوا أيديهم، في حوضٍ مزيَّن بالأزهار، وكان يحمل في يده الأخرى سلةً بها حبوب الشعير، ووقف ثراسوميديس، الثابت في القتال، قريبًا منهم ممسكًا في يدَيه فأسًا حادة، لينحر العِجْلة، وحمل بيرسيوس الطاس لأجل الدم. بعد ذلك، بدأ الرجل العجوز، نسطور، سائق العربات، المراسيم الافتتاحية لغسل الأيدي ونَثْر حبَّات الشعير، وصلى لأثينا بحرارة، وقص الشعر من الرأس، كتقدمةٍ أولى، وألقاه في النار. ابن نسطور ينحر العِجْلة وبعد أن فرغوا من الصلاة، ونَثْر حبوب الشعير، قام في الحال ابن نسطور، ثراسوميديس، الجريء القلب، وذبح العجلة، بضربة من الفأس قطَعَت عروق العنق، وأرخت قوى العِجلة ثم صرخت السيدات الصرخة المقدسة، بنات نسطور، وزوجات أبنائه وزوجته المبجَّلة يوروديكي Eurydice، كبرى بنات كلومينوس Clymenus، ورفع الرجال رأس العِجلة من فوق الأرض الفسيحة الطرقات، وحملوها، وقطع بايسيستراتوس، قائد الرجال، حَلْقها. وبعد أن تدفَّق منها الدم الأسود، وغادرت الروح العظام، أسرع الرجال بتقطيع جسمها، ففصلوا قطع الأفخاذ كلها في ترتيبٍ بديع، وغطَّوها بطبقتَين من الدهن، ووضعوا فوقها لحمًا نيئًا، ثم تقدَّم الرجل العجوز وأحرقها فوق قِطَع من الخشب، وسكب فوقها خمرًا صهباء، وأمسك الفتيان حوله بشوكاتٍ خماسية الشعاب. وعندما نضجَت الأفخاذ تمامًا، وتذوَّقوا الأجزاء الداخلية قطعوا بقية الأجزاء، ووضعوها في السفافيد وشوَوْها، وهم يمسكون السفافيد المدبَّبة الأطراف بأيديهم. ابنة نسطور تغسل تيليماخوس وتدهنه بالزيوت وفي نفس الوقت، تقدَّمت بولوكاستي Polycaste الفاتنة، صغرى بنات نسطور بن نيليوس، وغسلَت تيليماخوس ودهنَت جسمه بزيت الزيتون، وألبسَتْه عباءةً جميلة ومعطفًا، وفي الحال خرج من الحمام في صورةٍ أشبه بالخالدين، وذهب وجلس إلى جوار نسطور، راعي الشعب. وبعد أن انتهَوا من شواء اللحم الخارجي، وأخرجوه من السفافيد جلسوا وأولموا، فشرع رجال ذوو مكانةٍ عالية يخدمونهم، ويصبُّون لهم الخمر في كئوس من الذهب. وعندما أكلوا كفايتهم من الطعام والشراب، قام الفارس، نسطور الجيريني، وتكلم أولًا، فقال: «أبنائي، انهضوا الآن، وشُدُّوا إلى العربة جيادًا جميلة الأعراف، من أجل تيليماخوس، كي يستطيع القيام برحلته.» نسطور يمنح ضيفه عربة وجيادًا ومؤنًا عندئذٍ أذعن الأبناء لأمر أبيهم، وفي الحال أحضروا الجياد السريعة، وشدوها إلى نِير العربة. وجاءت ربة البيت فوضعَت في العربة خبزًا وخمرًا وطعامًا طيبًا، مما يأكله الملوك المنحدرون من زوس، ثم اعتلى تيليماخوس العربة الجميلة، وركب إلى جواره بايسيستراتوس بن نسطور، قائد الرجال، وأمسك الأعنَّة في يديه، وضرب الجوادَين بالسوط، ليبدآ السير، فانطلقا يُسرعان الجري إلى السهل، تاركَين قلعة بولوس الشديدة الانحدار. وهكذا ظلا اليوم كله يجُرَّان العربة ويهزَّان النير الموضوع فوق رقبتَيْهما. تيليماخوس يرحل بصحبة بايسيستراتوس ولما آذنَت الشمس بالمغيب، وبدأ الليل ينسكب في جميع الطرقات، وصل الركب إلى فيراي Pherae. وبلغ بيت ديوكليس Diocles ابن أروتيلوخوس Ortilochus، المنحدر من ألفيوس Alpheus، حيث أمضيا الليل، وجلسا إلى وليمةٍ تليق بالضيوف. وما كاد الفجر يلمع في أفق السماء، حتى وضع النير فوق عُنقَي الجوادَين، وركب الفتيان العربة المزخرفة، وانطلقا بها من الأبواب والرُّواق الفسيح. وأخذ بايسيستراتوس السوط ولمس به ظَهرَي الجوادَين ليَحُثَّهما على بدء السير، فأسرعا في طريقهما. وهكذا وصلا إلى السهل الزاخر بالقمح، وبعد ذلك بلغا خاتمة الرحلة وقد حملَتْهم جيادهم السريعة قدمًا على أتم وجه، ثم آذنَت الشمس بالمغيب، وبدأ الليل ينسكب في جميع الطرقات. ١ أي بوسايدون، رب البحر. ٢ المعنى الدقيق لهذه الصفة غير معروف تمامًا بعد. ٣ زوجة بوسايدون، أي ملكة البحر. ٤ ملك طروادة العجوز إبَّان الحرب الطروادية. ٥ أحد المحاربين الإغريق عند طروادة. ٦ كان أول أبطال الحرب الطروادية، غطَّسَته أمه وهو طفل في مياه نهر الستوكس Styx ليكون غير قابلٍ للجرح، ولكن المياه لم تصل إلى عقبَيه إذ كانت تُمسِكه أمه منهما. ٧ نشأ مع أخيل فتولَّدَت بينهما صداقة كانت مضرب الأمثال. ٨ ابن نسطور، استطاع أن يشهر نفسه في الحرب الطروادية بما أبداه من شجاعة وسرعة ودهاء وجمال. كان من أنصار أخيل المحبوبين الذي حمل إليه نبأ وفاة باتروكلوس والذي شاركَه في النحيب والعويل. ٩ أي زوس، رب الأرباب والبشر. ١٠ ملك كالودون، عندما بلغ سن الرشد قتل أخاه فاضطُر أن يهجر وطنه. ١١ ويحتمل أيضًا: «جاعلين جزيرة بسوريا على يسارنا». ١٢ ابن توديوس. قاد ثمانين مركبًا ضد طروادة. وهناك استطاع أن يُميِّز نفسه عن الباقين كأشجع أبطال الإغريق بعد أخيل وذلك تحت حماية أثينا. ١٣ شعب يسكن جزيرة أيجينا Aegina، خلقه زوس من النمل ليقطن الجزيرة تلبيةً لرجاء أياكوس ملك الجزيرة، ثم هاجروا من ذلك المكان إلى تساليا. ويُستعمَل هذا الاسم عادةً للمحاربين الذين قاتلوا تحت قيادة أخيل في طروادة. ١٤ ملك كريت. كان أحد المحاربين البواسل في طروادة. ١٥ زوجة أجاممنون. ١٦ إله الشمس. ١٧ كان يُعتقد أن الميتة التي تُسبِّبها سهام أبولو، ميتةٌ رقيقة عديمة الألم. ١٨ أي إسبرطة. ١٩ أي المولودة في تريتون Triton. ويُحتمل أن تكون هذه إشارة إلى مجرى ماءٍ حقيقي يحمل هذا الاسم، ويُوجد في بيوتنا Boeotia أو تساليا Thessaly. ٢٠ يعتقد آخرون أن الأحجار كانت مُغطَّاة بطلاء أو بمعجون المرمر. ٢١ هو الإله الذي يحكُم عالم الأموات المجرد من الشفقة نحو سائر المخلوقات. الأوديسة
أنت سابق نفسك أنت سابق نفسك يا صاح، وما الأبراج التي أقمتها في حياتك سوى أساس لذاتك الجبارة، وهذه الذات في حينها ستكون أساسًا لغيرها. وأنا مثلك سابقُ نفسي؛ لأن الظل المنبسط أمامي عند شروق الشمس سيتقلص تحت قدمي عند الظهيرة، وسيعقب هذا الشروقَ شروقٌ آخر؛ فيُحدث ظلًّا ثانيًا أمامي، ولكن هذا الظل عينه سيتقلص تحتَ قدمي أيضًا في ظهيرة أخرى. منذ البدء ونحن سابقو نفوسِنا، وسنبقى سابقي نفوسنا إلى الأبد، وليس ما حشدنا ونحشدُ في حياتنا سوى بذور نُعدُّها لحقول لم تُفلَح بعد. نحن الحقول ونحن الزارعون، نحن الأثمار ونحن المستثمرون. عندما كنتَ يا صاح فكرةً هائمةً في الضباب كنتُ هنالك فكرة هائمة مثلك؛ فنشدتك ونشدتني؛ فكانت من تشوُّقاتنا الأحلام، والأحلام كانت زمانًا بلا قيود، والأحلام كانت فضاء بلا حدود. وعندما كنتَ كلمة صامتة بين شفتي الحياة المرتعشتين، كنتُ أنا مثلك هنالك كلمة صامتة، وما تلفَّظت الحياة بنا حتى برزنا إلى الوجود وقلبانا يخفقان بتذكارات الأمس والحنين إلى الغد. وما الأمس سوى الموت مطرودًا ولا الغد سوى الميلاد مقصودًا. وها نحن الآن في يَدَيِ الله، فأنت شمسٌ منيرةٌ في يُمناه، وأنا أرض مستنيرة في يُسراه، ولكن قوتك إلى الإنارة ليست بأفضل من قوتي على الاستنارة. وما نحن — الشمس والأرض — إلا بداءة لشمس أعظم وأرض أعظم، وسنبقى بداءة إلى الأبد. أنت سابق نفسك أيها الغريب العابر بباب حديقتي، وأنا مثلك سابق نفسي، ولو كنت أجلس في ظلال أشجاري وأبدو ساكنًا هادئًا. السابق
البهلول جاء في قديم الزمان رجل من البادية إلى مدينة الشريعة العظيمة، وكان بهلولًا خياليًّا، ولم يكن له من متاع سوى ثوبه وعصاه. فكان يطوف في شوارع المدينة ويتأمل هياكلها وأبراجها وقصورها بإعجاب وإجلال؛ لأن مدينة الشريعة كانت في غاية من الجمال. وكان بين الآونة والأخرى يخاطب العابرين به مستفهمًا عن مدينتهم وغرائبها، فلم يفهموا لغته كما أنه لم يفهم لغة أحد منهم. وعند انتصاف النهار وقف أمام فندق فسيح الأرجاء، بديع الهندسة والإتقان، وكان الناس يدخلون إليه ويخرجون منه من غير اعتراض. فقال البهلول في ذاته: «لا شكَّ أن هذا مزار مقدَّس»، ودخل مع الداخلين. وشدَّ ما كانت حيرته عندما وجد نفسه في بهوٍ عظيم، وكبراء القوم من رجال ونساء جالسون إلى كثيرٍ من الموائد الأنيقة، يأكلون ويشربون، والموسيقيون يُشَنِّفون آذانَهم بأطربِ العزْف والغناء. فقال البهلول إذ ذاك في ذاته: «قد ضللت، فما هذه بالعبادة التي توهَّمت، بل هذه مأدُبة أعدَّها الأمير لشعبه تذكارًا لحدث جلل.» وفي تلك الدقيقة دنا منه رجل، خُيِّل إليه أنه عبد الأمير، وسأله أن يجلس مع الجالسين؛ فجلس؛ فقُدِّمت إليه اللحوم والخمور والحلوى، أفخرها وأشهاها؛ فأكل هنيئًا وشرب مَرِيئًا. وعندما بلغ كفافه همَّ بالانصراف، ولكنه ما وصل إلى الباب حتى دنا منه رجل بادنٌ متأنق اللباس فأوقفه. فقال البهلول في نفسه: «لا شك أن هذا هو الأمير بعينه»؛ فانحنى أمامَه وحيَّاهُ باحترام، وشكره بلغة قبيلته. أما الرجل البادن فخاطبه بلغة المدينة قائلًا له: «يا سيِّدي، إنك لم تدفع بعدُ ثمنَ غدائك.» فلم يفهم البهلول شيئًا، ولكنه شكره ثانيةً من صميم قلبه؛ فتأمله الرجل البادن جيِّدًا. وبعد أن أنعم النظر في وجهه مليًّا أدرك أنه غريب عن المدينة، وعرف من ثيابه الرَّثَّة أنه فقير الحال وليس له ما يدفعه ثمن غدائه؛ فصفَّق مناديًا؛ فجاء على الفور أربعة من حراس المدينة ومثلوا بين يديه؛ فقصَّ عليهم قصة البهلول؛ فألقوا القبض عليه في الحال، ومشَوْا به اثنين اثنين إلى جانبيه. أما البهلول فكان يتأمَّل ملابسهم المزركشة وهو يكاد يطير فرحًا قائلًا في سره: «لا شك في أن هؤلاء من أشراف المدينة.» فسار الحراس به إلى أن بلغوا دار القضاء، فدخلوا إلى قاعة المحاكمة؛ فرأى البهلول أمامَه في صدر تلك القاعة رجلًا جليلًا جالسًا على مِنَصَّة عالية، تُجَلِّله المهابة، وتَزِيده لِحْيَتُه البيضاءُ المسترسلةُ على صدره هيبةً ووقارًا، فخُيِّل إليه أنه الملك بعينه، وطارت نفسه فرحًا لمثوله أمامَه. ثمَّ بسط الحراس دعواهم إلى القاضي؛ فعيَّن القاضي محامِيَيْنِ، واحدًا ليدَّعي على البهلول، وآخر ليتولى الدفاع عنه؛ فنهض المحامِيَان، الواحدُ تِلْوَ الآخَرِ، وأدلى كُلٌّ بحُجَجِه. أما البهلول فظنَّ أنهما يرحبان به باسم الملك؛ فامتلأ قلبه بعواطف الْمِنَّة ومعرفة الجميل للملك وللأمير على كل ما جرى له. وعند انتهاء المحاكمة حكم القاضي بما يأتي على البهلول: «يجب أن تُكتَب جريمته على لوحة، وتُعلَّق على صدره، ثمَّ يركب حصانًا عاريًا، ويُطاف به في المدينة، ويسير المزمِّرون والمطبِّلون أمامَه.» فنُفِّذ الحكم في الحال، وأُركب البهلولُ حصانًا عاريًا، وطيف به في شوارع المدينة، وسار المزمِّرون والمطبِّلون أمامَه. وكان سكان المدينة يتراكضون على سماع الأصوات؛ فينظرون إليه وهو على تلك الحالة، ويُغْرِبونَ في الضحك أفرادًا وجماعاتٍ. وكان الأولاد يركضون وراءَه من شارع إلى شارع زَرافات زَرافات. أما البهلول فكان ينظر إليهم بعينين مشرقتين فرحًا، والدَّهَش آخِذٌ منه مَأْخَذَهُ؛ لأنه كان يعتقد أن اللوحة المعلقة على صدره إنما هي وسام قدَّمه له الملك عَرْبُونَ بَرَكَتِهِ ورَضاهُ عن زيارته، وإن ذلك الموكب ما سار إلا احتفاءً بحضرته. وحدث أنه فيما هو راكب والجمع يحشده رأى بينهم بَدَوِيًّا من قبيلته؛ فاختلَج قلبُه طربًا، وهتف به بأعلى صوته قائلًا: «بربِّك يا صاح! أين نحن الآن؟ أليست هذه المدينة التي يسمِّيها شيوخُنا مدينةَ رغائب القلب، وشعبها الْأَرْيَحِيُّونَ الفيَّاضون، الذين يَحْتَفُونَ بعابر السبيل في قُصورهم، ويرافقه أمراؤهم، ويشرِّف مَلِكُهم صَدْرَهُ بالنياشين، فاتحًا له أبوابَ مدينته الهابطة من السماء؟» فلم يَقُلِ البدويُّ الثاني كلمةً قَطُّ، ولكنه تبَسَّم وهزَّ رأسه. أما الموكب فاستمرَّ في سيره، وكان وجه البهلول مرتفعًا أبدًا، والنور يَفِيض من عينيه. السابق
الشعراء كان أربعة من الشعراء جالسين إلى خِوَان، وكان على الْخِوَان إناءٌ من الخمر. فقال الشاعر الأول: «يُخيَّلُ إليَّ أني أرى عبير هذا الخمر مرفرفًا في الفضاء، كسحابة من الطيور في غاب مسحور.» فرفع الشاعر الثاني رأسه وقال: «أما أنا فإني أسمع بأذني الباطنة هذه الطيور تغرِّد؛ فتأخذ ألحانها بمجامع قلبي؛ فتأسره كما تأسر الزَّنْبَقَةُ النحلةَ بين وريقاتها.» فأغمض الشاعر الثالث عينيه ورفع ذراعَه وقال: «أما أنا فإني أكاد ألامسها بيدي، أشعر بحفيف أجنحتها يهبُّ في وجهي كأنه لهاثُ جنية نائمة.» فنهض الشاعر الرابع إذ ذاك، ورفع الإناء بيديه وقال: «عفوَكم أيها الإخوان! فإني ضعيف البصر، ثقيل السمع، كَلِيل اللمس، فليس في طاقتي أن أرى عبير هذه الخمرة، ولا أن أسمع غناءها، ولا أن أشعر برفرفة أجنحتها. أوَّاه! إنني لا أشعر بغير الخمرة ذاتها؛ ولذلك يجب أن أشربَها لِتُوقِظَ حواسِّي الخاملة، وتُشعل روحي بنار بَرَكتكم العلوية ووحيكم الطَّهُور.» ثمَّ وضع إناء الخمر على شفتيه وأتى على آخر نقطة فيه. أما الشعراء الثلاثة رفقاؤه، فكانوا ينظرون إليه بدهشة، فاتحين أشداقهم، وفي عُيونهم غُلَّةٌ لا تُروى لهبتها وبِغْضَة لا تخمد حِدَّتُها. السابق
دوارة الريح قالت دوَّارة الريح للريح: «قبَّحكِ الله، ما أثقلَكِ وما أملَّكِ! أليس في وُسْعِكِ أن تَهُبِّي في وجهٍ غيرِ وجهي؟ ألا تعلمين أنك بعملِكِ هذا إنما تُعَكِّرِينَ صَفْوَ ثباتي الذي أعطانيه الله؟» فلم تُجِبِ الريحُ بكلمةٍ قَطُّ، ولكنها ضَحِكَتْ في الفضاء. السابق
ملك أردوسة مَثُلَ شيوخُ مدينة «أردوسة» مرة في حضرة الملك، والتمسوا منه أمرًا يقضي بمنع الْمُسْكِرَات في مدينتهم. فلم يُجِبِ الملكُ سُؤْلَهم، بل ولَّاهم ظَهْرَه وتركهم ومضى، ضاحكًا منهم في سرِّه. فانصرف الشيوخ من حضرته قانطين. ولما بلغوا باب القصر رَأَوُا وزير الملك، وكان هذا الوزير داهيةً؛ فلحظ اضطرابهم وعرف قصتهم. فقال لهم: «أوَّاه أيها الأصحاب! فإن الحظ لم يسعدْكم لأنكم لو أتيتم إلينا عندما يكون مَلِكُنا سَكْرانَ لكنتم حصلتم في الحال على ما طلبتم!» السابق
طائر إيماني من أعماق قلبي هبَّ طائرٌ وصعد محلِّقًا في الفضاء، وكان كلما حلَّق في الجو أكثر فأكثر يزدادُ كِبْرًا فكِبْرًا، فبدا أولًا كالخطاف، ثمَّ صار كالقُبَّرَة، فكالنسر، إلى أن أصبح كسحابة الربيع اتِّساعًا؛ فملأ السماوات المرصعة بالنجوم. من أعماق قلبي هبَّ، وحلق في الفضاء، وكان يزداد حجمُه كلما طار. ومع ذلك فإنه ظلَّ ساكنًا في أعماق قلبي. فيا إيماني، يا معرفتي الجامحة القديرة. كيف أبلغ سُمُوَّك، فأرى وإياك ذات الإنسان الفضلَى المرسومة على أَدِيم السماء؟ كيف أحوِّل هذا البحر الذي في أعماق نفسي إلى ضباب كثيف، وأَهِيم وإياكَ في فضاء اللانهاية؟ أَوَهَلْ يستطيع السجين في ظلمات الهيكل أن يرى قِبابَ الهيكل المذَهَّبة؟ أم هل للنواة أن تتمدَّد فتغلف الثمر كما كان يغلفها من ذي قبل؟ أجلْ يا إيماني الحليم! أجلْ، فإني مقيَّد بالسلاسل الحديدية في غيابات هذا السجن المحدود، تفصلني عنك هذه الحواجز المصنوعة من اللحم والعظم، وليس لي أن أطير معك الآن إلى عالم اللاحدود. بَيْدَ أنك من قلبي تنبثق محلِّقًا في الفضاء الواسع، وأنت لا تزال قاطنًا في أعماق قلبي الوجيع، وإني بذلك لراضٍ مستسلم قَنُوع. السابق
الخلافات حدث عندما كانت ملكة «عيشانا» في فراش مَخاضها، والملك وعُيون بلاطه يترقَّبون نَجاتها من آلامها الشديدة، وهم جالسون على أَحَرِّ مِنَ الْجَمْرِ في قاعة الثيران المجنحة١ أن دخل عليهم فجأة رسولٌ مستعجل، وركع عند قدمي الملك وقال: «أيها الملك المُعظَّم، إنني أحمل لكم بشائر الفرح، وللملكة، ولعبيد الملك أجمعين، وذلك أن محراب «الجائر» عدوك اللدود، ملك «البترون» قد قَضَى نَحْبَه.» فلما سمع الملك وكبار رجال دولته هذه البشرى نهضوا منتصبين على أقدامهم، وهللوا فرِحين؛ لأنه لو طال أجَلُ محراب الجبار سنةً واحدة، لغزا أرض «عيشانا» وقاد سُكَّانها عبيدًا إلى بلاده. وفي تلك اللحظة دخل طبيب البلاد إلى قاعة الثيران المجنحة، ودخلت وراءَه قابِلَةُ الملكة؛ فانحنى الطبيب احترامًا للملك وقال له: «ليعش سيِّدي الملك إلى الأبد، فها قد رزقك اللهُ طفلًا ذكرًا، سيخلفك على العرش، ويخلد حكمك على شعوب «عيشانا» عديد السنين!» فتهلل الملك، وطارت روحه فرحًا؛ لأنه في اللحظة الواحدة هلك عدوُّه وتأصَّلت الخلافة في نسله. وكان في مدينة «عيشانا» في ذلك العهد نبيٌّ حقٌّ، ولكنه كان فتًى جريئًا باسل الروح، فأمر الملك أن يُحْضَرَ النبي بين يديه في تلك الليلة، فأُحضرَ في الحال. فقال له الملك: «تنبأ أيها النبي، وقل لنا كيف سيكون مستقبل ابني الذي وُلِدَ الآنَ للمملكة.» فأجابه النبي على الفور قائلًا: «أَصْغِ أيها الملك فأنبئك الصدق عن مستقبل ابنك الذي وُلِدَ لك اليوم؛ فإن رُوح عدوك — عدوك اللدود الملك محراب — الذي مات في مساء أمس، لم تلبث على متن الأرياح سوى ليلةٍ واحدة، وقد هبطت إلى الأرض ثانيةً تطلب جسدًا تَأْوِي إليه، فلم ترَ أفضل مِنْ جَسَدِ ابنِك هذا الذي وُلِدَ لك اليوم فتقَمَّصَتْه.» فاستشاط الملك غَيْظًا، واستلَّ سيفَه، وقطع رأسَ النبي بيده، والزَّبَدُ يخرج من فمه غضبًا. وها قد مرَّت الأيَّام، وتصرَّمت حِبَالُ السنين على تلك الحادثة، وحكماء «عيشانا» يُسِرُّون واحدُهم للآخر قائلين: «أما قيل لنا في القِدم، وأثبتت الأيامُ ذلك القول، إن «عيشانا» يحكمها عَدُوُّها؟» ١ كان عند قدماء الآشوريين إلهٌ له رأسُ إنسان وجسمُ ثَوْر وأجنحة طائر، وكانوا يرمزون برأسه عن الفكر، وبجسمه عن العزم، وبأجنحته عن الخيال، وهذا ما عناه المؤلف بقوله «قاعة الثيران المجنحة.» السابق
المعرفة ونصف المعرفة جلس أربع ضفادع على قُرْمَة حطب عائمة على حافَة نهر كبير، فجاءت موجة هوجاء واختطفت القرمة إلى وسط النهر؛ فحملتها المياه، وسارت بها ببطء مع مجرى النهر؛ فرقصت الضفادع فرحًا بهذه السياحةِ اللطيفة فوقَ المياه؛ لأنه لم يَسْبِقْ لهنَّ أن أبحرْنَ بعيدًا مِنْ ذي قَبْل. وبعد هُنَيْهَة صرخت الضِّفْدَعة الأولى قائلةً: يا لها من قرمة عجيبة غريبة! تأمَّلن أيتها الرفيقات كيف تسير مثل سائر الأحياء، واللهِ إنني لم أسمعْ قَطُّ بمثلها.» فأجابتها الضفدعة الثانية وقالت: «إن هذه القرمة لا تمشي ولا تتحرك أيتها الصديقة، وهي ليست عجيبة غريبة كما توهَّمْت، ولكن مياه النهر المنحدرة بطبيعتها إلى البحر تحمل هذه القرمة معها، وتحملنا نحن أيضًا بانحدارها.» فقالت الضِّفْدَعة الثالثة: «لا لَعَمْرِي، فقد أخطأتما أيتها الرفيقتان في خيالكما الغريب؛ فإن القرمة لا تتحرك والنهر أيضًا لا يتحرك، وإنما الحقيقة أن فكرنا هو المتحرك فينا، وهو الذي يقودنا إلى الاعتقاد بحركة الأجسام الجامدة.» وتناظرت الضفادع الثلاث في ما هو متحرك بالحقيقة، وحَمِيَ وَطِيسُ الجدال وعَلَا الصُّراخُ بينَهن ولم يَتَّفِقْنَ على رأي واحد. ثمَّ التفتن إلى الضِّفْدَعة الرابعة التي كانت إلى تلك الساعة هادئة صامتة تُصْغِي إليهنَّ بانتباه واستيعاب، وسألْنَها رأيَها في الموضوع. فقالت لهن: «كلكن مُحِقَّات أيتها الرفيقات، ولا واحدة منكن على ضلال؛ فإن الحركة كائنة في القرمة وفي النهر وفي فكرنا في وقت واحد.» فلم يَرُقْهُنَّ ذلك الكلام؛ لأن كل واحدة منهن كانت تعتقد أنها وَحْدَها المُصيبة وأن رفيقاتها لَفِي ضلال مبين. وما أغربَ ما حدث بعد ذلك! فإن الضفادعَ الثلاثَ تَسالَمْنَ بعد العداء، وتجمَّعْنَ فَرَمَيْنَ بالضِّفْدَعَة الرابعة من على القرمة إلى النهر. السابق
الصحيفة البيضاء قالت صحيفة ورق بيضاء كالثلج: «قد بُرئت نقية طاهرة، وسأظل نقية إلى الأبد. وإنني لَأُوثِرُ أن أُحرَقَ وأتحوَّلَ إلى رَماد أبيض على أنْ آذَنَ للظلمة فتدنوَ مني وللأقذار فتلامِسَني.» فسمعت قِنِّينَةُ الحبر قولها وضحكت في قلبها القاتم المظلم، ولكنها خافت ولم تَدْنُ منها. وسمعتْها الأقلامُ أيضًا على اختلاف ألوانها ولم تَقْرَبْها قَطُّ. وهكذا ظلَّت صحيفة الورق البيضاء كالثلج — نقية طاهرة — ولكن … فارغة. السابق
العالم والشاعر قالت الحية للحسون: «ما أجملَ طيرانك أيها الحسون! ولكن حبذا لو أنك تستطيع أن تنسلَّ إلى ثقوب الأرض وأوكارها، حيث تختلج عصارة الحياة في هدوء وسكون!» فأجابها الحسون وقال: «إي وربي! إنكِ واسعةُ المعرفة بَعِيدَتُها، بل أنتِ أحكم جميع المخلوقات، ولكن حبذا لو أنك تطيرين.» فقالت الحية كأنها لم تسمع شيئًا: «مِسْكِينٌ أنت أيها الحسون! فإنك لا تستطيع أن تُبصِرَ أسرار العمق مثلي، ولا تقدر أن تتخطر في خزائن الممالك الخفية، فترى أسرارها ومحتوياتها. أما أنا فلا أبعد بك؛ فقد كنت في الأمس متكئة في كهف من الياقوت الأحمر أشبه بقلب رمانة ناضجة، وأضأل الأشعة تحوِّلها إلى وردة من نور، فمن أُعطيَ سواي في هذا العالم أن يرى مثل هذه الغرائب؟» فقال لها الحسون: «بالصواب قد حكمْتِ أيتها الحكيمة، فلا أحد إلَّاكِ يستطيع أن يفترش ما تبلور من تذكارات العصور، وآثار الدهور، ولكن وا أسفاه، فإنك لا تغرِّدين!» فقالت الحية: «إنني أعرف نباتًا تمتد جذوره إلى أحشاء الأرض، وكل من يأكل من تلك الجذور يصير أجمل من «عشتروت».» فأجابها الحسون قائلًا: «لا أحد، لا أحد إلَّاكِ قد اهتدى إلى حسر القناع عن فكر الأرض السحري، ولكن وا أسفاه، فإنكِ لا تطيرين!» فقالت الحية: «وأعرف جدولًا أرجوانيًّا يجري تحت جبل عظيم، وكل من يشرب من هذا الجدول يصير خالدًا خلود الآلهة، وليس بين الطير أو الحيوان من اهتدى إلى ذلك الجدول سواي.» فأجاب الحسون وقال: «بلى واللهِ، فإن في منالك أن تكوني خالدة مثل الآلهة لو شئت، ولكن وا أسفاه، فإنك لا تغرِّدين!» فقالت الحية: «وأعرف هيكلًا مطمورًا تحت تراب الأرض، لم يَهْتَدِ إليه باحثٌ أو مُنقِّبٌ بعدُ، أزوره مرةً في الشهر. وهو من بِناء جبابرة الأزمنة الغابرة، وقد نُقِشَت على جدرانه أسرار جميع الأزمنة والأمكنة، وكل من يقرؤها ويفهمها يوازي الآلهة في العقل والمعرفة.» فأجابها الحسون قائلًا: «بلى أيتها الحكيمة العزيزة، فإنك لو شئتِ لاستطعْتِ أن تكتنفي بلِينِ جسدِك جميعَ معارف الأجيال، ولكنك وا أسفاه لا تقدرين أن تطيري!» فاشمأزت الحية إذ ذاك من حديثه، وارتدَّت عنه إلى وَكْرِها، وهي تُبَرْبِرُ في ذاتها قائلةً: «قبَّحه الله من غِرِّيدٍ فارغِ الرأس!» أما الحسون فطار وهو يغني بأعلى صوته قائلًا: «وا أسفاه، إنك لا تغرِّدين! وا أسفاه، وا أسفاه يا حكيمتي، إنك لا تطيرين!» السابق
الأثمان كان رجل يحفر في حقله، وفيما هو يحفر عثر على تمثال بديع من المرمر الجميل؛ فأخذه ومضى به إلى رجل كان شديد الولع بالآثار والعاديات وعرضه عليه،؛ فاشتراه منه بأبهظ الأثمان، ومضى كل منهما في سبيله. وبينما كان البائع راجعًا إلى بيته أخذ يفكِّر في ذاته قائلًا: «ما أكثر ما في هذا المال من القوة والحياة! إنه بالحقيقة ليدهشني كيف أن رجلًا عاقلًا ينفق مالًا هذا مقداره لقاءَ صخرٍ أَصَمَّ فاقدِ الحركة، كان مدفونًا في الأرض منذ ألف سنة ولم يحلمْ به أحد.» وفي الساعة عينها كان المشتري يتأمل التمثال مفكِّرًا وقائلًا في ذاته: «تَبارَكَ ما فيك من الجمال! تَبارَكَ ما فيك من الحياة! حُلْمُ أيَّةِ نفْسٍ عُلْوِيَّة أنت؟ هذه بالحقيقة نضارةٌ أُعْطِيتَها من نَوْمِ ألفِ سنةٍ في سكينة الأرض! إنني واللهِ لا أفهم كيف يمكن الإنسان أن يبيعَ مثل هذه الطُّرْفة النادرة بمالٍ جامدٍ زائل.» السابق
البحار الأخرى قالت سمكة لأختها: «يوجَدُ فوق بحرنا هذا بحرٌ آخر، وفيه مخلوقات متنوعة تعيش وتسبح هنالك كما نعيش نحن ها هنا ونَسْبَح.» فأجابتها أختها وقالت: «تلك أوهام! تلك أوهام! ألا تعلمين أيتها العزيزة أن كل مخلوق يترك بحرنا قِيدَ قِيراطٍ واحد، ويبقى خارجًا عنه، يموت في الحال؟ إذن فما هي حُجَّتُكِ على وجود أحياء أخرى في بحار أخرى؟» السابق
المحبة يقولون إن ابن آوَى يشرب من الجدول الواحد الذي يشرب منه الأسد، ويقولون إن النسر والشوحة ينقدان الجيفة الواحدة وهما متفقان متسالمان. فيا أيتها المحبة العادلة، ويا من كَبَحْتِ جِماحَ رغائبي بيدِك الفقيرة، وحوَّلتِ مجاعتي وعطشي إلى إباءٍ وشَمَم، لا تَأْذني للقويِّ الْعَزُومِ فيَّ أنْ يأكلَ الخبز، أو يشربَ الخمر، اللذين يَستهويان ذاتي الضعيفة. ذريني بالأحرى فأَقْضِي جوعًا بل دَعِي قلبي يتلَهَّب عطشًا. واتركيني أموت وأفنَى، قبلَ أنْ أَمُدَّ يدي لِقَدَحٍ لم تَمْلَئِيهِ أو كأسٍ لم تُباركيها. السابق
التوبة دخل رجلٌ في ليلة ظلماء إلى حديقة جاره؛ فسرق أكبر بِطِّيخَة وصلت إليها يدُه وحملها وجاء بها إلى بيته. وعندما كسرها وجد أنها عَجْراءُ لم تبلغ بعدُ نُمُوَّها؛ فتحرك ضميرُه في داخله وأوسعه تأنيبًا؛ فنَدِمَ على أنه سرق البِطِّيخة … السابق
المحتضر والشوحة مهلًا ولا تلجِّي يا أختاه، مهلًا! فعمَّا قريبٍ أترك لك هذه البقيةَ التلفة؛ فإنها تستفرغ صبرك بطول نزاعها. إنني أضِنُّ بجوعك أن يترقَّب تصرم هذه الْهُنَيْهات؛ لأن هذه القيود وإن كانت من اللهاث، فإن كسرها لعسير. إن رغبتي في الموت، وهي أبعد رغائبي، مقيَّدة بسلاسل رغبتي في الحياة، وهي أدنى رغائبي. عفوَك أيتها الرفيقة، فإنني متماهلٌ بطيء. هي الذكرى تُمْسِك بِرُوحي فتعيد إليها تذكارات مضت فتريها مواكب الأيام الذاهبة. ومرأى شباب غابر قضيته في حلم. وتشخص أمامي وجهًا يأمر أجفاني بألا تغمض. وتعيد إلى مسمعي صوتًا لا يزال صداه متردِّدًا في أُذُني. ويدًا تلامس يدي ولا أراها. عفوكِ أيتها الرفيقة، فقد طال انتظارك. ولكن ها قد دنت الساعة، وكل شيء عابر زائل: الوجه والعينان واليدان، والضباب الذي جاء بها. ها قد حُلَّت العقدة. قد تقطَّع الحبل. وذلك الذي ليس بالطعام ولا بالشراب قد تنحَّى وراح. تقدَّمي يا رفيقتي الجائعة، تقدَّمي فقد أُعِدَّت المائدة، والطعام حقير يسير، ولكنه يُقدَّم بمحبة. هلمِّي واغرزي مِنْقارك في جنبي الأيسر، وأخرجي من بين قضبان قفصه هذا الطائر الأصغر، الذي لن يُرَفْرِف جِناحاه فيما بعد. بربِّك خُذيه وحلِّقي به في رحاب الفضاء. هلمَّي، هلمَّي إليَّ يا صديقتي؛ فأنا مُضيفكِ الليلة، وأنتِ ضيفي العزيز، فأهلًا ومرحبًا! السابق
وراء وحدتي إن وراء وحدتي وحدة أبعد وأقصى. وما انفرادي للمعتزل فيها سوى ساحة تغصُّ بالمزدحمين، وما سكوني للساكنين فيها سوى جلبةٍ وضجيج. إنني حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الوحدة القاصية؟ إن ألحان ذلك الوادي تتموَّج في أذنيَّ، وظلاله السوداء تحجب الطريق عن عينيَّ، فكيف أسير إلى تلك الوحدة العلوية؟ إن وراء هذه الأودية والتلال غابة حب وافتتان، وما سكوني لمن فيها سوى عاصفة هوجاء صماء، وما افتتاني لعاشقيها سوى انخداع وغرور. ••• إنني حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الغابة القدسية؟ فإن طعم الدماء لا يزال في فمي، وقوس أبي ونُشَّابه ما بَرِحا في يدي، فكيف أسير إلى تلك الوحدة العلوية؟ ••• إن لي وراء هذه الذات السجينة ذاتًا حُرَّة طليقة، وما أحلامي في عقيدتها سوى حرب في ظلام، وما رغائبي تجاه رغائبها سوى قرقعة عظام. ••• إنني حدث مهان ذليل بعد، فكيف أكوِّن ذاتي الحرة الطليقة؟ أجل، كيف أكوِّن ذاتي الحرة الطليقة قبل أن أثأر لنفسي؛ فأذبح جميع ذواتي المستعبدة، أو قبل أن يصير جميع الناس أحرارًا طُلَقاء؟ إذ كيف تطير أوراقي مترنمة فوق الريح قبل أن تذوي جذوري في ظلام الأرض؟ بل كيف يحلِّق نسر روحي طائرًا أمام وجه الشمس قبل أن تترك فراخي عُشَّها الذي بنيته لها بعرق وجهي؟ السابق
اليقظة الأخيرة في غلس الليل العميق، وقد هبَّ النسيم معطَّرًا بأنفاس الفجر الأولى، نهض «السابق» — وهو صدى الصوت الذي لم تَسمعْ به أذنٌ بعد — فترك مقصورته وصعد إلى سطح بيته. وبعد أن وقف هناك طويلًا ينظر إلى المدينة الهاجعة في سكون الليل، رفع رأسه، وكأنما قد تجمَّع حَوَالَيْهِ أرواحُ أولئك النائمين المستيقظة، وفتح فاهُ وخاطبهم قائلًا: «يا إخوتي وجيراني، ويا أيها المارُّون ببابي في كل يوم، إنني أودُّ أن أناجيَكم في نومكم، وفي وادي أحلامكم، أودُّ أن أمشيَ مُطلَقًا عاريًا، فإن ساعات يقظتكم أشد غفلة من نومكم، وآذانكم المثقلة بالضجيج كَلِيلة صَمَّاء. لقد أحببتكم كثيرًا وفوق الكثير. قد أحببت الواحد منكم كما لو كان كلكم، وأحببتكم جميعًا كما لو كنتم واحدًا. ففي ربيع قلبي كنت أترنَّم في جنَّاتكم، وفي صيف قلبي كنت أحرس بَيَادِرَكم. أجل، قد أحببتكم جميعكم، جَبَّارَكم وصُعْلوكَكم، أَبْرَصَكم وصحيحَكم. وأحببت من يتلمَّس منكم سبيلَه في الظلام، كمن يرقصه أيامه على الجبال والآكام. أحببتك أيها القوي، مع أن آثار حوافرك الحديدية لا تزال ظاهرة في لحمي. وأحببتك أيها الضعيف على رغم أنَّك جففت إيماني، وعطَّلت عليَّ صبري. أحببتك أيها الغني، في حين أنَّ عسلك كان عَلْقَمًا في فمي. وأحببتك أيها الفقير، مع أنك عرفْتَ عَوَزِي وفراغَ ذات يدي. أحببتك أيها الشاعر المقلِّد، الذي يستعير قِيثارَةَ جاره ليضربَ عليها بأصابعه العمياء، أحببتك كَرَمًا ولُطفًا. وأحببتك أيها العالم الدائب عمرَه في جمع الأكفان الرَّثَّة من حقل الخزَّاف الممقوت. أحببتك أيها الكاهن الجالس في سُكون أمسه متسائلًا عن مصير غده. وأحببتكَ أيها العابد الذي يتَّخذ له من أشباح رغائبه آلهة يعبدها. أحببتكِ أيتها المرأة، المتعطشة وكأسها مملوءة أبدًا؛ لأنني عرفت سِرَّك. وأحببتك أيتها المرأة الساهرة لياليَها، مشفقًا عليك. أحببتك أيها الثَّرْثَار قائلًا في نفسي: «إن للحياة كثيرًا فتقوله.» وأحببتك أيها الأبكم قائلًا في سري: «حبَّذا لو أسمع نطقًا يعبر عمَّا في صمته.» أحببتك أيها القاضي والناقد، ولكنكما عندما رأيتموني مصلوبًا قلتُما: «ما ألطف نزف دمائه من عروقه، وما أجمل الخطوط التي ترسمها في مسيلها على جلده الناصع!» أجل، أحببتكم جميعكم، فتاكم وشيخكم، وأحببت قصبتكم المرتجفة كسنديانتكم الجبارة الراسخة، ولكن وا أسفاه، فإن قلبي الطافح بحبكم قد حوَّل قلوبكم عني، لأن في وُسعكم أن ترتشفوا خمرة المحبة من القدح الصغير، ولكنكم لا تَقْوُونَ على شربها من النهر الفياض. إنكم تستطيعون أن تسمعوا صوت المحبة عندما تهمس في آذانكم، ولكنكم تُصِمُّون آذانَكم عندما تَصِيح المحبةُ مهلِّلة بأعلى صوتها. وعندما رأيتم أنني قد أحببتُكم جميعكم بالسَّوِيَّة، تَهَكَّمْتُمْ قائلين: «ما أسهل انقياد قلبه، وما أبعد الفطنة عن مسالكه! إن محبته هذه محبة متسول جائع، قد تعوَّد التقاط الْفُتات، ولو كان جالسًا إلى موائد الملوك، بل هي محبة ضعيف حقير؛ لأن القوي لا يحب إلا الأقوياء.» وعندما رأيتم أنني أحببتكم حُبًّا مُفرِطًا قلتم: «إن محبته هذه محبة أعمى لا يميز بين جمال الواحد وبشاعة الآخر، بل هي محبة عديم الذوق، الذي يشرب الخل كأنه يشرب الخمر. بل إنما هي محبة فضولي مُدَّعٍ؛ إذ أي غريب يستطيع أن يحبَّنا كأبينا وأمِّنا وأختنا وأخينا؟» وهذه أقوالكم وغيرها كثير؛ لأنكم طالما أشرتم إليَّ بأصابعكم في شوارع المدينة وساحاتها، وقلتم بعضكم لبعض ساخرين: «بربكم انظروا الصغير الكبير، الذي لا يعبأ بالفصول والسنين؛ فهو عند الظهيرة يلاعب أولادنا، وعند المساء يجالس شيوخنا مدَّعيًا الحكمة والفهم.» أما أنا فكنت أقول في قلبي: «لا بأس في ذلك؛ فإني سأحبهم أكثر فأكثر، ولكني سوف أُسْدِلُ على محبتي سِتارًا من البغض، وأَسْتُر عطفي بشديد كُرْهِي، وسأَتَبَرْقَعُ بِبُرْقُعٍ من حديد، ولا أسعى وراءَهم إلا مُسلَّحًا مُدرَّعًا.» وبعد ذلك ألقيتُ يدًا ثقيلةً على رُضوضكم وجراحكم. وكما تعصف العاصفة في الليل رعدتُ في آذانكم. ومن على السطوح قد أذعتكم للملأ فرِّيسيين مُرائين خداعين، وفقاقيع أرض كاذبة فارغة. قد لعنت قاصري النظر فيكم كما تُلعن الخفافيش العمياء، وشبَّهت الملتصقين بالأرض والأدنياءَ منكم بالْمَناجِذ (جمع خُلْد) العادمة النفوس. أما الفصحاء والبلَغاء بينَكم فدعوتهم متشعبي الألسنة، ودعوت الصامتَ الساكن فيكم متحجر القلب والشفتين، وقلت في البسيط الساذج: «إن الأموات لا يملُّون من الموت.» قد حكمت على الساعِينَ وراءَ المعرفة البشرية منكم ومن أبنائكم كمُجَدِّفين على الرُّوح القدس. وحكمت أيضًا على المأخوذين والمجذوبين بحب الأرواح وما وراء الطبيعة كمصطادي أشباح، يَرْمُونَ شِبَاكهم في مياه راكدة، ولا يَصطادون سوى ظلالِهم البليدة. كذا شهرتكم بشفتي، ولكن قلبي، والدماء تنزف منه، كان يدعوكم بأرق الأسماء وأحلاها. أجل أيها الأصحاب والجيران، فإن المحبة قد خاطبتْكم مَسُوقةً بسياط ذاتها. والكبرياء قد رقصت أمامَكم متعفِّرة بِغُبار خيبتها مذبوحة بآلامها، وتعطشي لمحبتكم قد ثار ثائرُه على السطوح، ولكن محبتي كانت تسألكم صَفْحًا وهي راكعة صامتة. ولكن إليكم المعجزة يا قوم: إن تستُّري قد فتح عُيونكم، وبُغضي قد أيقظ قلوبكم. والآن أنتم تحبونني! إنكم لا تحبُّون سوى السيوفِ التي تطعن قلوبكم، والسهامِ التي تخرِق صدوركم، لأنَّكم لا تتعزُّون إلا بجراحكم، ولا تسكرون إلا بخمرة دمائكم. وكما يتجمَّع الفَراش حولَ اللهيب، ساعيًا وراءَ حَتْفِه، تجتمعون أنتم كلَّ يوم في حديقتي، وبوجوه مرتفعة، وعيون شاخصة، تراقبونني وأنا أمزِّق نسيج أيامكم؛ فتتهامسون فيما بينكم قائلين: «إنه يُبصِر بنور الله، ويتكلم كأنبياء المتقدمين؛ فيحسر القناع عن نفوسنا، ويحطِّم أقفال قلوبنا. وكما يعرف النسر مسالك الثعالب، يعرف هو أيضًا طُرُقَنا ومسالِكَنا.» بلى، فإني بالحقيقة أعرف طرقكم، ولكن كما يعرف النسر طرق فراخه، وإنني — بِمَسَرَّةِ قلبٍ — قد كشفت لكم سِرِّي، ولكنني لحاجة بي إلى قربكم أتظاهر بالجفاء، وخوفًا مني على دُنُوِّ قضاء محبتكم أقوم على حراسة سدود محبتي.» وبعد أن فرغ السابق من كلامه غطَّى وجهه بيديه وبكى بُكاءً مُرًّا؛ لأنه أدرك في قلبه أن المحبة المحتقَرة في عُريها لَأعظمُ من المحبة التي تَنْشُدُ الظَّفَر في تَسَتُّرِها وتنَكُّرِها، وخَجِلَ إذ ذاك من ذاته. ثمَّ رفع رأسَه بَغْتَةً، وكأنه أفاق من نوم عميق، وبسط ذراعيه وقال: «ها قد ولَّى الليل، ونحنُ أولاد الليل، يجب أن نموتَ عندما يأتي الفجر متوكِّئًا على التلال، وستُبعث من رَمادنا محبةٌ أقوى من محبَّتنا، وستضحك في نور الشمس، وستكون خالدة.» السابق
الملك الناسك خُبِّرْتُ أن فتًى يعيش في غابة بين الجبال، وأنه كان فيما مضى ملكًا على بلاد واسعة الأرجاء في عبر النهرين، وقيل لي أيضًا إن هذا الفتى قد تخلَّى بملء اختياره عن عرشه وعن أرض أمجاده؛ وجاء ليستوطن القفار. فقلت في نفسي: لأسعَيَنَّ إلى ذلك الرجلِ سَعْيًا، وأقف على ما في قلبه من أسرار؛ لأنه من يتنزَّل عن الْمُلك فهو بلا شك أعظمُ من المُلك! فذهبتُ على الفور إلى الغابة حَيْثُما كان قاطنًا؛ فوجدتُه جالسًا في ظلال سَرْوَةٍ بيضاءَ، وبيده قَصَبَةٌ كان ممسكًا بها كأنما هي صَوْلَجَانُهُ؛ فحَيَّيْتُه تحيةَ الملوك، وبعد أن ردَّ التحية التفتَ إليَّ وقال بلطف: «ما عساك تبتغي في هذا الغاب الأعزلِ يا صاحبي؟ أجئتَ تَنْشُدُ ذاتًا ضائعةً في الظلال الخضراء، أم هي عودةٌ إلى مَسْقَطِ رأسِك عندَ انقضاءِ شُغْلِ النَّهار؟» فأجبته قائلًا: «إنني ما نَشَدْتُ إلَّاكَ، ولا شاقني إلا الوقوف على ما حَدَا بِكَ إلى استبدال مملكتك الكبيرة بهذه الغابةِ الحقيرة!» فقال: «وجيزةٌ هي قصتي؛ فقد انطفأتْ فقاقيعُ غُرورِي فجأةً، وإليك حكايتي: بينما كنت جالسًا إلى نافذةٍ في قصري، كان وزيري يتمشَّى مع سفيرٍ أجنبيٍّ في حديقتي، وعندما صارا على مَقْرُبة من نافذتي سمعْتُ الوزيرَ يتكلم عن نفسه قائلًا: «أنا مثل الملك أتعطش للخمرة المعَتَّقة، وأعشق جميع ضُروب المقامرة، ويثور بي ثائرُ الغضب كسيِّدي الملك.» ثمَّ توارى الوزير والسفير بين الأشجار، ولكنهما ما لَبِثَا أن عادا بعدَ بُرْهة، وإذا بالوزير يتكلمُ عني في هذه المرة قائلًا: «إن سيِّدي الملك مثلي يحسن الرماية، ويتعشق الألحان، وهو مثلي يستحم ثلاثًا في النهار.» وسكت لحظة ثمَّ زاد قائلًا: «في عَشِيَّةِ ذلك اليومِ تركتُ بلاطي، ولا شيءَ معي سوى عباءتي؛ لأني لم أشأ بعد ذلك أن أكون ملكًا على قوم يدَّعون نقائصي لأنفسهم ويَعْزُونَ فضائلَهم إليَّ.» فقلت: «ما أغربَ قصَّتَكَ، وما أعجبَ أمرَك!» فأجابني قائلًا: «ليس هنالك من غرابةٍ يا صاحبي؛ فقد قرعت أبواب سكينتي طامعًا منها بالكثير، فلم يكن لك منها سوى اليسير. بربِّك قُلْ لي، مَنْ لا يستبدلُ مملكةً بغابةٍ تترَنَّمُ فيها الْفُصولُ، وترقص طروبًا أبدًا؟ كثيرون هم الذين تركوا ممالكَهم ليستبدلوا بها أدنى مراتبِ الوحدة والتمتُّع بحياة العزلة السعيدة، وكم هنالك من نُسور هبطتْ من جَوِّها الأعلى لتعيشَ مع الْمَناجِذ في أنفاقها الصامتة؛ فتتفهَّمَ أسرارَ الْغَبْراء! بل ما أكثرَ الذين يعتزلونَ مملكةَ الأحلامِ لِئَلَّا يُظْهِروا للناس أنهم بعيدونَ عَمَّنْ لا أحلامَ في نُفوسِهم، والذين يعتزلون مملكةَ الْعُرْيِ، ساترينَ عُرْيَ نُفوسِهم، حتى لا يستحي الأحرارُ من النظر إلى الحقِّ عاريًا والتأمُّلِ بالجمال سافِرًا. وأعظمُ مِنْ هؤلاء جميعِهم ذاكَ الذي يعتزلُ مملكةَ الْحُزْنِ، لكي لا يَظْهَرَ للناس مُعْجَبًا مُفاخِرًا بِكآبَتِهِ.» ثمَّ نهض متوكِّئًا على قَصَبته وقال: «ارْجِعِ الآنَ إلى المدينة العظمَى، وقِفْ بأبوابها مراقبًا جميعَ الداخلين والخارجين منها. واعْنَ بأنْ تَجِدَ الرجلَ الذي على رغم أنه وُلِدَ ملكًا فهو بدونِ مملكة، والرجلَ الذي على رغم أنه مَسُودٌ بجسدِه فهو سائدٌ بِرُوحِه، ولكنه لا يدري بذلك ولا رعاياهُ يَدْرُونَ بسيادته، والرجلَ الذي يَبْدُو لِلْعَيَانِ حاكمًا ولكنه في الحقيقة عَبْدٌ لعبيدِ عبيدِه.» وبعد أن فرغ من كلامه نظر إليَّ، فلاحَتْ لي منه ابتسامةٌ خِلْتُها ألفَ فَجْرٍ وفَجْر. ثمَّ تحوَّل عني متغلغلًا في قلب الغابة. أما أنا فرجعت إلى المدينة، ووقفتُ بأبوابها أراقب العابرين بي، على نحو ما قالي لي. وما أكثرَ الملوكَ الذين مَرَّتْ ظِلالُهم فَوْقِي، منذ ذلك اليومِ حتى الساعةِ، وأقَلَّ الرعايا الذين مَرَّ فوقَهم ظِلِّي! السابق
بنت الأسد وقف أربعةُ عبيدٍ يروِّحون بمراوحِهم لملكة حَيْزَبُون كانت نائمةً على عرشها تغطُّ غطيطًا غليظًا، وكان في حِضْن الملكة هِرَّةٌ مُتَّكِئَةٌ تَمُوءُ وهي تنظر إلى العبيد نظرةَ كُرْهٍ واشمئزاز. فقال العبد الأول لرفقائه: «ما أبشعَ هذه الحَيْزَبون النائمة! انظروا كيف تراخَتْ شَفَتاها، وهي تُصَعِّد أنفاسها كأنما الشيطان آخِذٌ بِخِنَاقِها.» فمَاءَتِ الْهِرَّةُ قائلةً: «إن بشاعتَها في رَقْدَتِها ليست جزءًا من بشاعتِكم في عُبوديتكم وأنتم مستيقظون.» ثمَّ قال العبد الثاني: «ومن الغريب أن النوم لم يلطِّف ملامح وجهها، بل زادها تجعُّدًا، فهي ولا شك حالمة حُلمًا شرِّيرًا راعبًا.» فماءت الهرة قائلةً لهم: «حبَّذا لو تنامون أنتم وتحلمون بحريتكم!» فقال العبد الثالث لرفقائه أيضًا: «يَلُوحُ لي أنها ترَى في منامها موكبَ جميعِ ضحاياها الذين قَتَلَتْهُمْ ظُلْمًا وعُدْوانًا.» فمَاءَتِ الهرة قائلةً: «نعم، فهي ترى مواكبَ أجدادِكم وحَفَدَتِكُمْ.» ثمَّ قال العبد الرابع: «ما أغباكم! تتحدثون عن هذه الملكةِ وهي نائمة، وماذا يُجْدِيكم الحديثُ نفعًا أو يُجدِيني؟ ألعلَّه يخفِّف عني نصيبي في وُقوفي وعنائي في ترويحي لها؟» فقالت الهرة وهي تموء: «أجل، إنكم ستروِّحون إلى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ؛ لأنه كما على الأرض كذلك في السماء.» وفي تلك اللحظة تحركت الملكة في نومها فسقط تاجُها على الأرض؛ فقال واحدٌ من العبيد: «إن في ذلك لشؤمًا!» فماءت الهرة وقالت: «مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ.» فقال العبد الثاني: «ماذا يحلُّ بنا إذا أفاقت الآن من نومها ورأت تاجها ساقطًا على الأرض؟ واللهِ إنها تذبحنا جميعًا!» فماءت الهرة قائلةً: «قد كانت تذبحكم منذ ميلادِكم أيها الأغبياء وأنتم لا تعلمون.» وقال العبد الثالث: «إنها ولا شَكَّ تذبحنا، وتعتبر أنها بعملها هذا إنما تقرِّب عبادةً لآلهتها.» فماءَتِ الْهِرَّةُ قائلةً: «لا يُضحِّي للآلهة إلا الضعفاء.» أما العبد الرابع فأسكت رُفقاءه عن الكلام، والْتقطَ التاجَ بِتَأَنٍّ ووضعه على رأس الملكة من غَيْرِ أن يوقِظَها. فماءت الهرَّة وقالت بصوت عالٍ: «الحقَّ أقولُ لكم، إنه لا يلتقط التِّيجانَ المتدحرجةَ سوى العبيدِ.» وبعد هُنَيْهَةٍ استيقظت الملكة، وتلَفَّتَتْ حَوَالَيْهَا مُتَثائبةً ثمَّ قالت لعبيدها: «يُخيَّلُ إليَّ أني حلمت بأني رأيت أربع حشرات يطاردها عقرب حول جذع سنديانة جبارة. قبَّحه الله من حلم مزعج!» وأطبقت عينيها؛ فنامت ثانيةً بعد أن مَلأت القاعةَ بِغَطِيطِها؛ فطَفِقَ العبيدُ الأربعة يروِّحون لها على جاري عادتهم. أما الهرَّة فماءت قائلةً: «روِّحوا، روِّحوا أيها الْعُمْيان والأغبياء؛ فأنتم لا تروِّحون إلا نارًا تلتهم وجودكم!» السابق
القديس زُرت في حداثتي قدِّيسًا في صومعته الهادئة، القائمة بين التلال، وفيما كُنَّا نبحث ماهية الفضيلة أطلَّ عليها لص وهو يتعرَّج على الجانبين فوق الروابي، والتعب قد أَعْياهُ. وعندما وصل إلى الصومعة جَثَا على رُكْبَتَيْهِ أمامَ القدِّيس، وقال له: «أيها القديسُ الشفيق، قد جئتك طالبًا تَعزيَةً؛ فإن آثامي قد تَعالَتْ فوقَ رأسي.» فأجابه القديس قائلًا: «يا بني، إن آثامي أنا أيضًا قد تعالت فوق رأسي.» فقال له اللص: «عفوك يا سيِّدي! فأنا سارق، وقاطع طريق، ويستحيل أن تكون مثلي.» فأجابه القديس: «إنَّك واهمٌ يا بني؛ فإنني بالحقيقة مثلك سارق وقاطع طريق.» فقال له اللص: «ماذا تقول يا سيِّدي؟ فأنا قاتل، ودماء الكثيرين من الناس تصرخ في أذني.» فأجابه القديس: «وأنا أيضًا قاتل يا ابني، وفي أذني تصرخ دماء الكثيرين.» فقال له اللص: «يا سيِّدي، أنا قد ارتكبت شرورًا لا تُحصى، وجرائمَ لا عِداد لها، فكيف تُساوي نفسك بي وأنت رجل الله البار؟» فأجابه القديس وقال: «لو أنك عرفتَ كثرة شروري لما ذكرتَ شرورك.» فانتصب اللص إذ ذاك وحدَّق إلى القديس طويلًا، وملء عينيه دهشة وغرابة، ومضى من غير أن ينبسَ بِبِنْتِ شَفَة. أما أنا فكنت صامتًا إلى تلك الدقيقة؛ فالتفتُّ آنَئِذٍ إلى القديس وسألتُه قائلًا: «ما دعاك إلى أن تنسب لنفسك شرورًا لم ترتكبْها قَطُّ يا سيِّدي؟ ألا ترى أن هذا الرجل قد مضى ولم يَعُدْ من المصدِّقين بدعوتك، والمؤمنين ببشارتك؟» فأجاب القديس وقال: «أجلْ يا بُنَيَّ، فإنك بالصواب حكمْتَ، بأنه لم يَعُدْ من المصدِّقين بدعوتي، ولكن الحق أقول لك إنه قد انصرف والعزاء يملأ فؤاده.» وفي تلك اللحظة سمعنا اللص يغني من بعيد، وكانت الأودية تردِّد صدَى صوتِه الممتلئ بالمسرَّة والتعزية. السابق
الطمع رأيت في جَوَلاني في الأرض وَحْشًا على جزيرة جرداء له رأس بشري وحوافر من حديد. وكان يأكل من الأرض ويشرب من البحر بلا انقطاع، فوقفت أراقبه رَدَحًا، ثمَّ دنوت منه وسألتُه قائلًا: «ألم تبلغْ كَفافَك بَعْدُ؟ أليس لِجُوعِكَ مِنْ شِبَعٍ أو لِظَمأكَ من ارتواء؟» فأجابني وقال: «نعم، نعم، قد بلغت كفافي، بل قد مللت الأكل والشرب، ولكنني أخاف ألَّا تبقى إلى غدٍ أرضٌ لِآكُلَ منها وبحرٌ لأرتويَ من مائه.» السابق
الذات العظمَى حدث بعد تتويج نُفسيبعل، ملك جبيل، أنه انصرف إلى مقصورته، وهي الغرفة التي بناها له عرَّافو الجبل النُّسَّاك؛ فنزع تاجه، وخلع «برفيره» ووقف في وسط المقصورة، مفكِّرًا في عظمته المتناهية، كملك جبيل الواسع السلطان في ذلك الزمان. وكان في صدر تلك المقصورة مرآة مفضَّضة الإطار، أهدَتْها إليه أمُّه؛ فالتفت إليها بَغْتَةً، وإذا برجل عارٍ قد خرج منها وتقدَّم إليه. فأخذ الرعب بمجامع قلبه، وصرخ بالرجل قائلًا: «ماذا تريد أيها الرجل؟» فأجابه الرجل وقال: «أودُّ شيئًا واحدًا أيها الملك، وهو أن تخبرَني لماذا توَّجوك ملكًا على هذه البلاد؟» فقال له الملك: «قد توِّجوني مليكًا عليهم لأنني أنبل رجل بينهم.» فقال له الرجل: «واللهِ لو كنتَ أنبلَ مما أنت لَمَا قَبِلْتَ المُلك.» فأجابه الملك: «بل إنما توَّجوني لأنني أشدهم بأسًا وقدرةً.» فقال له الرجل: «لو كنتَ بالحقيقة أشدَّهم بأسًا لَمَا قَبِلْتَ أن تكون مليكًا عليهم.» فقال له الملك: «ألا إنما توَّجني شعبي لأنني أوفرهم حكمة.» فأجابه الرجل قائلًا: «واللهِ لو كنت أوفر حكمة مما أنت الآن لما اخترتَ أن تكون ملكًا.» فسقط الملك حينئذٍ على الأرض وبكى بُكاءً مُرًّا، أما الرجل العاري فكان ينظر إليه بشفقة وحنان آسفًا على جهله وغروره. ثمَّ تناول تاجَ الملكِ المتدحرجَ على الأرض ووضعه بلطف على رأسه المنحني، وعاد فدخل في المرآة كما خرج وهو ينظر إلى الملك بِرِقَّة وحسرة. أما الملك فنهض بَغْتَةً إلى المرآة، وتأمَّلَها جيِّدًا فلم يَرَ هنالك أحدًا إلَّاه وتاجه على رأسه. السابق
الحرب والأمم الصغيرة كان في أحد المروج نَعْجَةٌ وحَمَلٌ يَرْعَيَانِ، وكان فوقَهما في الجوِّ نَسْرٌ يَحوم ناظرًا إلى الحمَل بعين جائعة يبغي افتراسَه. وبينما هو يهمُّ بالهبوط لاقتناص فريسته، جاء نسرٌ آخر وبدأ يرفرف فوقَ النعجة وصغيرِها وفي أعماقه جشَعُ زميلِه. فتلاقيا وتقاتلا حتى ملأ صراخُهما الوحشيُّ أطرافَ الفضاء؛ فرفعت النعجة نظرها إليهما منذهلة، والتفتت إلى حمَلها وقالت: «تأملْ يا ولدي، ما أغرب قتال هذين الطائرين الكريمين! أوَليس من العار عليهما أن يتقاتلا، وهذا الجو الواسع كافٍ لكليهما أن يعيشا متسالمين؟ ولكن صلِّ يا صغيري، صلِّ في قلبك إلى الله؛ لكي يرسل سلامًا إلى أخويك المجنحَيْنِ!» فصلَّى الحمَلُ من أعماق قلبه! السابق
الناقدون في عشية أحد الأيام كان المسافر راكبًا حِصانه وسائرًا إلى الساحل؛ فوصل في طريقه إلى فندق؛ فتَرَجَّلَ وربط حِصانه إلى شجرة أمام الباب؛ لأنه كان واثقًا بالليل وبالناس، شأن أقرانه المسافرين إلى السواحل، ثمَّ دخل إلى الفندق مع الداخلين. وعند انتصاف الليل كان جميعُ مَنْ في الفندق نيامًا؛ فجاء لص وسرق حِصان المسافر فلم يَدْرِ به أحد. وفي الصباح نهض المسافر من نومه، وجاء على الفور إلى حيث ربط حصانه فلم يجدْهُ. وبعد أن فتَّشَ عنه جيِّدًا عرف أن لصًّا سرقه في تلك الليلة؛ فتأثَّر كثيرًا على فقد حصانه، ولكنه حَزِنَ بالأكثر على أن بين الناس من يُغريه الشر فيَعْمِد إلى السرقة. وعندما عرف رفقاؤه المسافرون بما جرى له تجمَّعوا حَوَالَيْهِ، وبدءوا ينحون عليه باللائمة معنِّفين إيَّاه. فقال الأول: «ما أحمقَك أيها الرجل! لماذا ربطْتَ حِصانك خارجَ الإصطبل؟» ثمَّ قال له الثاني: «إنني أستغرب كيف أنك لم تحجل (تقيِّد) الحصان عندما ربطتْهَ، فما أوفرَ جهلك؟» فقال الثالث لرفيقيه: «إن السفر إلى البحر على ظهور الخيول غباوةٌ من أساسه.» فقال الرابع: «أما أنا فأعتقد أنه لا يقتني الخيول إلا كل بليد بطيء الخُطَى.» فدهش المسافر لبلاغتهم وفصاحتهم في الوعظ والإرشاد بعد فوات الأوان، ثمَّ قال لهم وهو يتميز غيظًا: «أيها الأصحاب، عندما سُرِقَ حُصاني جاءتكم الفصاحة عفوًا؛ فأسرعتم الواحد تِلْوَ الآخر تُعَدِّدون هفواتي وزلَّاتي، ولكن يدهشني كيف أنكم مع ما أوتيتم من قوة البيان، لم يَقُلْ أحدٌ منكم كلمة عمَّن سرق الحِصان!» السابق
تقديم إنَّ صلة الأستاذ الدكتور عبد الغفار مكاوي بالشعر قديمة، فقد كان يقرض الشعر وهو حدث صغير، ثم أقلع عن ذلك بعد تخرجه في كلية الآداب وانشغاله بالدراسات الفلسفية ومؤلفاته وإبداعاته في فن القصة والمسرحية، وإن لم يفقد اهتمامه بالشعر والشعراء، فكان يقدم من وقت إلى آخر ترجمة لبعض القصائد، ويقوم بدراسة لها ولمبدعها، فقدَّم أشعار سافو اليونانية، ولاوتس الصيني، وبرشت الألماني، كذلك قام بتقديم الكثير من شعر جوته، وهلدرلين، وغيرهما من أدباء الغرب. ولعل صلته الحميمة بالكثير من شعراء العصر جاءت نتيجة لذلك، أو لعل هذه الصلة هي التي جعلته يهتم بهذه الدراسات والترجمات، وليس أدل على ذلك من كتابه ثورة الشعر الحديث الذي صدر في جزءين، وجاء نتيجة لاتفاقه مع صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي على أن يقوم كل منهما بتقديم شعراء أوروبا للقارئ العربي، ثم تبيَّن بعد فراغه من عمله بأنَّهما لم يوفقا إلى الوفاء بما اتفق عليه، فكان أن نشر ما قام بدراسته هو، وهذا يذكرنا بالاتفاق الذي تم بين دكتور طه حسين ودكتور عبد الحميد العبادي والأستاذ أحمد أمين على أن يقوموا بدراسة الحياة والأدب العربي في عصورهما المختلفة، ولم ينفذ الاتفاق إلا الأستاذ أحمد أمين الذي أصدر مجموعة فجر الإسلام وظهر الإسلام وضحاه. وقد التزم الدكتور عبد الغفار مكاوي في ترجمته للشعر بما يراه من أننا لا نستطيع أن نعزل أنفسنا عن التَّجارب الشِّعرية عند الأمم المختلفة، وأننا لا يمكن أن نرجو لشعرنا العربي أن ينمو ويتجدد ويستجيب لعقولنا وأذواقنا وهمومنا إذا ظل بعيدًا عن التطور الهائل في الشعر العالمي الحديث، على الرغم من اعترافه بأن الشعر لا يكاد يترجم، فالترجمة عنده ضرورة نلجأ إليها اضطرارًا، مجرد جسر نعبر عليه من شاطئ لآخر، وسرعان ما ننسى الجسر ومَنْ مَدَّه بعد أن نضع أرجلنا على بر الأمان … (راجع مقدمة ثورة الشعر)، وهو هنا يتعرض لنص من النصوص السامية القديمة التي تُرْجِمَت إلى الكثير من اللغات الأوروبية وسبق ترجمتها أحيانًا إلى العربية، وهو نص ملحمة جلجاميش التي حاول البعض ترجمتها شعرًا أيضًا، ولعل من أفضل هذه الترجمات ترجمة شميكل Schmökel وترجمة شوت schott. وقد سعدت كثيرًا حين طلب مني الأخ الصديق عبد الغفار مكاوي مراجعة ترجمته على النص الأصلي، إذ إن ملحمة جلجامش هي أكبر وأجمل شعر بابلي اكتُشِفَ بمنطقة دجلة والفرات، وهي إحدى الملاحم البطولية للعالم القديم، ولا يوجد نظير لها بأي لغة قديمة بالشرق الأوسط، سواء بالمصرية القديمة أو العربية أو غيرها، ويمكن أن يُطْلَقَ عليها الأوديسة البابلية، وقد أثارت اهتمامًا كبيرًا في العالم الغربي منذ أن اكتُشِفَت، بل لقد تقدم أحد الدارسين الأمريكيين ويُدْعَى Hope Nash Wolff برسالة دكتوراه في قسم الأدب المقارن بجامعة هارفارد قارن فيها بين ملحمة جلجامش والأوديسة وبيوفولف A Study in the narrative structure of three epic poems Gilgamesh, the Odyssey, Beowulf. اكتشفت معظم مواد الملحمة التي تتكون من اثنتي عشرة لوحة تشتمل كل منها على ما يقرب من ثلاثمائة سطر، باستثناء اللوحة الثانية عشرة التي لا تشتمل على حوالي نصف هذا العدد، في ركام بمنطقة دجلة والفرات واكتشفها الأثريون: أوستن لايارد وراسيم وسميث Austan H. Layard, Hormuzd Rassam, George Smith. حوالي منتصف القرن الماضي ضمن خرائب مكتبة معبد الإله نابو Nabu (بالبابلية Nebo) ومكتبة قصر الملك الآشوري آشور بانيبال (٦٦٨–٦٢٧ تقريبًا ق.م) وكلاهما كان في نينوى آخر عاصمة للإمبراطورية الآشورية. ومنذ ذلك الوقت اكتُشِفَت عدة لوحات أخرى تتصل بملحمة جلجامش، وفي مطلع القرن العشرين اشترى برونو مايسنر Bruno Meissner شظايا كثيرة من تاجر في بغداد تتصل بالملحمة وُجِدَت في خرائب سبار Sippar القديمة (أبو حبة الآن)، وهي تشتمل على جزء كبير من اللوحة العاشرة، وفي عام ١٩١٤م اشترت جامعة بنسلفانيا من تاجر عاديات مجموعة كبيرة من الشظايا، وهي تكوِّن ستة ألواح تقريبًا تشتمل على اللوحة الثانية البابلية، وفي الوقت نفسه اقتنت جامعة ييل Yale شراءً من نفس التاجر لوحة تكمل ما حصلت عليه جامعة بنسلفانيا، وتكمل اللوحة الثالثة. وفي عام ١٩١٤م وجدت البعثة الألمانية في آشور — عاصمة آشور القديمة — كمية من الشظايا للنسخة الآشورية، تشتمل على اللوحة السادسة. وفي عام ١٩٢٨-١٩٢٩م اكتشف الأثريون الألمان في أوروك Uruk قطعتين صغيرتين يرجح أنهما تنتميان للوحة الرابعة، كما اكتشفت عدة شظايا بالسومارية لملحمة جلجامش في ركام مدينة نبور Nippur ومدينة كيش Kish ومدينة أور Ur، وقد تبين أن القدر الذي يتصل منها باللوحة الثانية عشرة يتفق تمامًا مع النسخة السامية، على حين أن البعض الآخر لا ينتفع به في الترجمة الحالية للملحمة وتختلف كلية عن الترجمة السامية، وأخيرًا اكتشفت في مدينة خاتوساس Hattusas الحيثية (بوغاز كوى الآن) عاصمة الحيثيين القديمة شظايا بابلية تشتمل على ترجمة مختصرة للوحة الخامسة والسادسة، وحوالي اثنتي عشرة شظية ونصف بالحيثية وقليل من القطع بالحوريانية Hurrian، وبالرغم من هذا كله فما زالت بعض المواضع غير واضحة وغير تامة. وقد قام جورج سميث George Smith بأول ترتيب وترجمة للوحات التي اكتُشِفَت في خرائب نينوى، وقدم ذلك في دراسة قرأها في ٣/ ١٢/ ١٨٧٢م أمام جمعية آثار الكتاب المقدس Society of Biblical Archaeology بعنوان: التفسير الكلداني للطوفان The Chaldean Account of the Deluge وقدَّم ترجمة ومناقشة لعدد من الشظايا الخاصة بملحمة جلجامش — وبخاصة الجزء المتعلق بالفيضان — مما خلق اهتمامًا شديدًا بالدراسات المسمارية بوجه عام في أوروبا Published in the Transactions of the Society of Biblical Archaeology II 1873، وقد أشار سير هنري راولنسون Henry Rawlinson أيضًا إلى احتمال أن يكون ما وجد في سفر التكوين يرجع إلى أصول بابلية، وقام بالمشاركة في الترجمة والنشر أيضًا فوكس تالبوت Fox Talbot وبسكوفن St. Chod Boscowen ولينورمنت François Lenormant. وفي عام ١٨٧٥م نشر هنري راولنسون وجورج سميث اللوحات السادسة إلى الحادية عشرة، ثم أعيد عام ١٨٩١م نشرها حيث حل بنش T. G. Pinches محل جورج سميث. ونشر ديلتز Delizch في النصوص الآشورية Assyr. Lesestücke. في طبعته الثالثة عام ١٨٨٥م نص اللوحة الحادية عشرة ثم طبعه، كاملة من باول هاوبت Paul Haupt عام ١٨٨٤–١٨٩١م ملحمة النمرود البابلية Das Babylobische Nimrodepos وكان يُطلق على جلجامش اسم النمرود (سفر التكوين ١٠:  ٨–١٠ دون تدليل على هذا) مع لوحة ثانية عشرة في Beitrăge zur Assyriologie/1890، ونشر ياسترو Jastrow ترجمة في «ديانة بابل وآشور» Religion of Babylonia and Assyria عام ١٩٠٥–١٩١٢م، وكذلك أرنولت Muss. Arnolt عام ١٩٠١م في مجلة Assyr. and Babyl. Lit. ثم ظهرت بعد ذلك ترجمة بيتر ينسن Peter Jensen التي قدَّمها مع الكتابة بالحروف اللاتينية لنصوص الملحمة المعروفة آنذاك مع شرح تفصيلي وتعليق عليها في مجلة أساطير وملاحم آشورية وبابلية Assyrisch-Babylonische Mythen und Epen/Berlin 1900 ويعد هذا العمل خطوة واسعة بالنسبة لكل الأعمال السابقة، وما زال يشتمل على معلومات يُعتدُّ بها حتى الآن. وظهر عام ١٩٠٢م النص الذي قدمه مايسنر Meissner للملحمة وترجمة دورم Dhorme عام ١٩٠٧م Choix de Textes، وظهرت شظية جديدة من النص الآشوري نشرها كنج King عام ١٩١٤م في Suppt. Kauyujik Catalogue، ومن الأعمال الهامة أيضًا في هذه الأيام المبكرة التي تحل شفرة ملحمة جلجامش ما قدمه العالمان: آرثر أونجناد Arthur Ungnad وهوجو Hugo بجوتنجن عام ١٩١١م بعنوان ملحمة جلجاميش Das Gilgamesh Epos وفي رسالته Kulturfragen، وهي تشتمل على ترجمة للملحمة ومناقشة تفصيلية لمحتوياتها. وظهر لوحان آخران (الثاني والثالث): الثاني بملحوظات بويبل Poebel نشره لانجدون Langdon وأعاد ياسترو Clay Jastrow طبعه. ثم ظهرت نسخة من الملحمة السومارية بواسطة تسمرن Zimmern تشتمل على أسماء جلجامش وعشتر وأنكيدو في Summer. Kultlieche عام ١٩١٣م. وثمة جزازات أخرى مشابهة عن الطوفان تحكي قصة الطوفان في البابلية القديمة لا تتصل بالطوفان، وتذكر نوح باسم أترومخاسيس Atromhasis. كذلك ظهر في الأناضول نصوص لملحمة جلجامش الحقيقية بالحيثية وُجِدَت في بوغاز كيوى Boghaz Keui، ووجد الألمان جزازات ترجع إلى القرن الثالث قبل آشور بانيبال. ولعل أحدث طبعة بالخط المسماري للنص هي ما قدمها كامبل تومبسون R. Campbell Thompson بعنوان The Epic of Gilgamish/Oxford 1930 وهو لا يُقدِّم النص المسماري للنسخة الآشورية فحسب، بل يقدم أيضًا النص مكتوبًا بالحروف اللاتينية لكل المواد السامية عن جلجامش المعروفة في وقته. وكل ما قدم بعد ذلك من ترجمات للنص إنما يعتمد على هذا النص الذي قدَّمه تومبسون ما لم ينص المترجم على غير ذلك. ويقدم إيريش إيبلنج Erich Ebeling عام ١٩٢٦م ترجمة لهذا النص في نشريات: Gressmann, Altorientalische Texte zum Alten Testament Berlin/Leipzig 1926. كذلك يقدم تومبسون Thompson: The Epic of Gilgamish/London 1928. وقدم ألبرت شوت Albert Schott ترجمة بعنوان: Das Gilgamesh Epos/Leipzig 1934. كما قدم كونتينو G. Contenau ترجمة بعنوان: L’Epopée de Gilgamesh/Paris 1939. وليونارد W. E. Leonard ترجمة بعنوان: Gilgamesh Epic of old Babylonia/New York 1934. وملحمة جلجاميش من الأعمال الأدبية الأكدية الجميلة التي أحب دائمًا أن أقدمها لطلاب الدراسات السامية وأن أقوم بتدريسها لهم، وبخاصة أن النص من نصوص الشعر الأكدي المتميز باعتماده على النبر، فكل بيت يشتمل على أربع نبرات مرتفعة؛ اثنان في كل شطرة وبينها من نبرة إلى ثلاث نبرات هابطة، وإلى جوار ذلك توجد أحيانًا أبيات تشتمل على نبرتين وثلاثة أو ثلاثة ونبرتين مرتفعة وبينها النبرات الهابطة، وتنتهي الأسطر الشعرية — بلا استثناء — نهايات مؤنثة، وغالبًا ما لا تتناسب أسماء الأعلام وافتتاحيات جمل القول مع وزن الشعر، وكثيرًا ما يقابل القارئ الأسطر المقفاة. والملحمة مقسمة إلى مقطوعات كل منها به أربعة أسطر مثل: أغنية إشتر Ischtar، وقد تكون من عدة أسطر بكلِّ منها ثلاثة مقاطع منبورة يتلوها سطر من خمسة مقاطع منبورة. وهي في هذا لا تختلف أيضًا عن الشعر الحماسي الأكدي الذي يوجد بجوار القصائد ذات المقاطع الأربعة نصف مقطوعات كل منها يحتوي على سطرين فقط، أما الأبيات المفردة فلا توجد إلا نادرًا، وبخاصة في الشعر القديم، وإن كان فون سودن يرى أنه لا يمكن التأكد منها؛ لأن عدد النبرات الموجودة في البيت غير مؤكدة، حيث إن الكلمات ليست منغمة، كما أن الكلمات القصيرة مثل حروف الجر والأدوات والأسماء في حالة الإضافة لم تكن بالضرورة مقاطع غير منبورة، كذلك يمكن أن نجد بصيغ الأفعال المسندة إلى الضمائر أكثر من مقطع منبور، وقد أثبت كارل هيكر Karl Hecker — في بحثه الذي طُبِعَ عام ١٩٧٤ — أن السطر في الشعر الأكدي ينقسم إلى مجموعة من النبرات المرتفعة والمنخفضة، عدد الأوائل منها محدد على حين أن الأخيرة غير محددة العدد. وقد رجعت في مراجعتي للترجمة العربية للنص الأكدي وترجماته السامية الذي نشره كامبل تومبسون Campbell Thompson بعنوان The Epic of Gilgamish الذي صدر باكسفورد عام ١٩٣٠. وأفدت من الترجمات والمؤلفات التالية مقارنًا إياها بترجمة شوت التي يقدمها الأستاذ دكتور عبد الغفار مكاوي بالعربية: Alexander Heidel: The Gilgamesh Epic and Old Testament Parallels. The University Of Chicago Press 1949, 1965. Hope Nash Wolff: A Study in the Narrative Structure of Three Epic Poems Gilgamesh, The Odyssey, Beowulf New York/London 1987. Hartmut Schmŏkel: Das Gilgamesh Epos. Stuttgart/Berlin/Kŏln/Mainz 1966/1974. Karl Oberhuber: Das Gilgamesch-Epos. Wissenschaftliche Buchgesellschaft/Darmstadt 1977. وبخاصة عندما يكون الأصل الأكدي مطموسًا أو غير واضح. (والله الموفق وبه نستعين.) ملحمة جلجاميش
تمهيد (١) من أصعب الأمور على الكاتب أن يحدِّث قارئه — الذي ينتمي مثله إلى حضارة هذه المنطقة من العالم — عن درة ساطعة في تاج هذه الحضارة، ودرَّة الدرر التي أعنيها هي ملحمة جلجاميش، والحضارة التي أقصدها هي حضارة وادي الرافدين القديمة، ومع أن الفجوة الزمنية التي تفصلنا عنها منذ اكتمال نسختها الأخيرة في العصر الآشوري الحديث (على عهد آخر الملوك الآشوريين العظام وهو آشور بانيبال من ٦٦٨ إلى ٦٢٧ق.م) تزيد عن ألفين وخمسمائة عام، ولا تقل منذ بداية تدوين أجزاء منها في العصر البابلي القديم (من ١٩٨٤–١٥٩٥ق.م) عما يقرب من أربعة آلاف سنة، بالإضافة إلى ما تراكم على الوعي بعد غروب شمس هذه الحضارة بانهيار الدولة الآشورية (٦٠٩ق.م) والدولة البابلية مع انتهاء السلالة الكلدانية (٥٣٩ق.م) من طبقات كونتها شعوب ونظم ودول أخرى مختلفة تعاقَبَ حكمها على أرض النهرين حتى الفتح الإسلامي (من الفرس الأخيمينيين ٥٣٨–٣٣١ق.م، إلى المقدونيين والسلوقيين ٣٣٠–١٢٥ق.م، إلى الأزراسيين أو الفرثيين من حوالي ٢٥٠ق.م إلى حوالي ٢٢٨ب.م، إلى الساسانيين من ٢٢٤ب.م إلى ٦٥١ب.م) فإن ذلك كله لم يمنع تلك الملحمة من التأثير على ثقافات الشرق الأدنى القديم والانتشار وراء حدوده، ولم يمنع كذلك — بعد اكتشاف نصها السابق الذكر في منتصف القرن الماضي — من أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من الأدب العالمي، وعنصرًا من أهم العناصر المكونة للوعي المثقف، ومادة للبحث والدراسة والترجمة إلى كل اللغات، ومنبعًا لا ينضب لإلهام المبدعين في الأدب والفن …١ والعمل الذي بين يديك محاولة لترجمة هذه الملحمة الجليلة الجميلة ترجمة يتذوقها القارئ العصري المتطلع لاستيعاب كنوز التراث الإنساني والاغتراف من منابع تراثه الحضاري والأدبي، ولا بُدَّ قبل الكلام عنه من نبذة مختصرة بقدر الإمكان عن النص الأصلي العريق من جوانبه المختلفة: قصة تدوينه ونسخه، وشذرات ألواحه المسمارية المشتتة في متاحف العالم، وملحمة اكتشافه وترجمته إلى اللغات القديمة والحديثة، وأصوله السومرية التي يحتمل أن يكون الكاتب أو الكُتَّاب البابليون قد اعتمدوا عليها — بجانب التراث الشفاهي القديم — في نسج ملحمتهم الخالدة، ثم مكانة جلجاميش من الأدب العالمي وأهميتها للوعي والوجدان العربي الحاضر الذي لم تصل إليه ولم يتواصل معها بالقدر الكافي … (٢) لم يكن القصيد الشعري الكبير الذي اشتهر باسم «ملحمة جلجاميش» أو باسم أوَّل بيت فيه وهو: «هو الذي رأى كل شيء» هو التشكيل الوحيد للأساطير وقصص المغامرات والحكايات الشعبية التي دارت حول شخصية جلجاميش، وتناقلتها الأفواه قبل تدوينها بمئات السنين؛ ذلك أنَّ جذور هذه الملحمة البابلية الأصيلة ممتدة في عروق الثقافة السومرية،٢ ولها تاريخ سابق يقوم على عدد من القصص السومرية التي تمكن العلماء من جمع شذراتها وحل معظم ألفاظها خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، وسوف نعرض لهذه القصص بعد الحديث عن حياة جلجاميش الذي يتفق العلماء اليوم على أنه قد عاش في الحقيقة والواقع، على الرغم من تأليه الكهنوت السومري له في زمن مبكر — شأنه في ذلك شأن ملوك سومر الذين جمعوا بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية — ومن رفعه إلى مصاف الآلهة بعد موته وتنصيبه قاضيًا لأرواح الموتى في العالم السفلي … كان جلجاميش ملكًا لدولة مدينة هي «أوروك» في جنوب بابل.٣ ويذكر ثَبَتُ الملوك السومريين — المدوَّن في بداية الألف الثانية قبل الميلاد — أنه الملك الخامس في ترتيب حكام هذه المدينة التي كانت من أهم المدن السومرية التي «نزلت عليها نظم الملكية من السماء» بعد الطوفان، وآلت إليها السيادة على سائر المدن السومرية بعد انتصارها على مدينة «كيش»، وإن لم يتوقف الصراع بعد ذلك بينهما … وقد نُسِبَ إليه بناء سورها العظيم الذي أشادت بذكره الملحمة في بدايتها وخاتمتها بوصفه أحد أمجاده التي كفلت له نوعًا من الخلود المتاح للبشر الفانين بعد إخفاقه المأسوي في التوصل للخلود الذي تمناه وسعى إليه، واقتناعه في النهاية بأن الآلهة قد استأثرت به دون البشر … وقد رجح العلماء — بعد فحص الأطلال الباقية من هذا السور والاطلاع على المأثور الغني عن شخصية جلجاميش — أنه قد عاش بين سنتي ٢٧٥٠ و٢٦٠٠ق.م وأنه كان من أقوى الملوك السومريين في فترة حافلة بالصراعات الدامية بين دول المدينة التي أسسوها، وبالصراع بعد ذلك مع الأكديين الساميين الذين كانوا قد استقروا في شمال وادي النهرين قبل أن يتمكنوا بقيادة سرجون العظيم (من حوالي ٢٣٣٤ إلى حوالي ٢٢٧٩ق.م) وحفيده نارام سين (٢٢٥٤–٢٢١٨ق.م) من توحيد البلاد بأسرها تحت حكمهم. تراكم حول شخصية جلجاميش مأثور ضخم من القصص والحكايات العجيبة عن طغيانه واستبداده بشعبه، وصداقته النادرة المؤثرة ﻟ «وحش البرية» أنكيدو، ومغامراته معه وأسفاره التي انطلق إليها بعد موته بحثًا عن سر الحياة والموت والخلود، ثم رجوعه إلى موطنه ومسقط رأسه بعد أن أضاع «نبتة» الخلود الشائكة «فتطهر» واقتنع بالحدود التي لا يجوز لإنسان أن يتخطاها، مهما صورت له نفسه أو صور له الكهنوت أن «ثلثيه إلهي والثلث الباقي بشري فانٍ» … ويبدو أنَّ هذا المأثور الذي اختلطت فيه العناصر الأسطورية بالتاريخية قد نشأ في عصر مبكر، وربما سبق اكتشاف السومريين للكتابة بالخط المسماري على الألواح الطينية بزمن طويل؛ ولذلك يحتمل أن يكون الناس قد تناقلوه شفاهًا وعمل على صياغة وجدانهم قبل البدء في تدوينه في العصر البابلي القديم خلال القرون الأولى من الألف الثانية قبل الميلاد. ولما كانت الشواهد القليلة المتبقية من الأدب السومري قبل سنة ٢١٠٠ق.م شديدة الغموض والتشوه، فلا نكاد نعرف شيئًا عن المأثور السابق على هذا التاريخ الأخير، غير أنَّ هنالك ما يدل على نهضة متأخرة للثقافة السومرية في حدود هذا التاريخ؛ أي في عهد ملوك سلالة أور الثالثة (من حوالي ٢١١٢ إلى حوالي ٢٠٠٤ق.م)، كما يدل على نوع من الرخاء الاقتصادي الذي شجَّع على نمو هذه النهضة التي أثمرت معظم الأشكال الشعرية والأسطورية التي وصلتنا من أدب السومريين، وبدأ نسخها وتدوينها بلغتها الأصلية أو في ترجمتها الأكدية البابلية قبل سنة ١٧٠٠ قبل الميلاد وبعدها، وقد كانت «جلجاميش» أشبه بواسطة العقد في هذا المأثور المجهول المؤلف، شأنها في ذلك شأن معظم ما وصلنا من التراث السومري والبابلي، والذي يهمنا من هذا المأثور هي القصص السومرية الخمس التي تدور حول شخصية جلجاميش،٤ واستطاع عالم السومريات صمويل كريمر — بمساعدة عدد من زملائه وتلاميذه مثل فلكنشتين وجاكوبسين — أن يجلو غوامضها ويترجم معظم شذراتها التي وضع لها هذه العناوين: جلجاميش وأرض الأحياء، جلجاميش وثور السماء، جلجاميش و«أجا» حاكم كيش، جلجاميش وأنكيدو والعالم السفلي، ثم موت جلجاميش، ومع أن العبقرية البابلية قد نسجت من هذه القصص المتفرقة ومن مأثورات أخرى عملًا مبدعًا متكاملًا كما سبق القول، فإن هذا لا يقلل من تأثيرها على كاتب الملحمة الشهيرة أو كُتَّابها الذين أفادوا بغير شك من بعضها (وبخاصة القصص الأولى والثانية والرابعة) وأغفلوا الثالثة والخامسة إغفالًا تامًّا، ولا بُدَّ أنهم قد أخذوا أيضًا من مأثورات سومرية أخرى لا نكاد نعرف عنها شيئًا أو من مأثورات وصلتنا في صورة مشوهة، كما فعلوا مع قصة الطوفان التي تؤلف اللوح الحادي عشر وأقحموها على الملحمة، ومع اللوح الثاني عشر الذي لا يخرج عن كونه ترجمة حرفية لجزء من إحدى القصص التي ذكرناها، وهي قصة جلجاميش وأنكيدو والعالم السفلي … وأيًّا كان الأمر فقد حان وقت التعريف القصير بمضمون القصص الثلاث التي تعد من الأصول الهامة التي تقوم عليها الملحمة … (٣) تبدأ القصة الأولى — وهي جلجاميش وأرض الأحياء — بالقرار الذي اتخذه بطلنا المغامر بالسفر إلى أرض الخالدين أو أرض الأحياء «ليصنع له اسمًا عظيمًا» ويحدث «خادمه» أنكيدو — الذي أصبح في الملحمة البابلية رفيق دربه وأعز أصدقائه بل صديقه الأوحد! — برغبته التي صمم عليها، فينصحه بأن يتوجه بالصلاة والدعاء لإله تلك الأرض وهو إله الشمس أوتو (الذي سيصبح إله الشمس والعدل البابلي شمش)، ويقدم جلجاميش التضحية للإله ويتضرع إليه أن يعينه في سفره ويشد أزره في الصراع المقبل عليه، ويبتهل إليه أن يساعده على أن يصنع لنفسه اسمًا يخلد ذكره وينتشله من الفناء المحتوم على البشر، ويوافق «أوتو» ويعده بحبس «الأبطال السبعة» الذين يحرسون تلك البلاد النائية في الكهوف، ويختار جلجاميش خمسين رجلًا من شباب مدينته المتطوعين لمرافقته في رحلته، بعد أن يشترط عليهم ألا يكونوا قد كونوا أسرًا بعد … ويبدأ البطل مغامرته بعد التزود من الحداد بالسلاح الضروري، وبعد اجتياز سبعة جبال وعرة يطوقه النوم العميق فلا يوقظه أنكيدو إلا بعد جهد جهيد، ويقسم جلجاميش بأمه «نينسون» وبأبيه «لوجال بندا» أنه لن يرجع أدراجه قبل قتل «الرجل»، ويحذره أنكيدو من سحر ذلك الرَّجل وقوته الشَّيطانيَّة، ويلح عليه أن يرجع إلى وطنه، لكن جلجاميش يصر على القرار الذي صمم عليه، ولا يلبث حواوا (وهو نفسه المارد خمبابا الموكل بحراسة غابة الأرز في الملحمة) أن يلمح المتطفلين على أرض الأحياء، غير أنه لا يتخذ أي خطوة جادة لمنعهم من قطع أشجاره … ويفرغ الرجال الخمسون من قطع أشجار الأرز وإعدادها للنقل، ثم يصل جلجاميش إلى «حجرة» حواوا أو مأواه الذي يختبئ فيه ويطلق منه تضرعاته لجلجاميش بأن يبقي على حياته، ويبدي هذا استعداده — كما في الملحمة تمامًا — للاستجابة شفقة عليه، غير أن أنكيدو يحذره من شر «نمتار» — وهو شيطان أو إله من العالم السفلي مختص بالأوبئة — الذي يمكن أن يصيبهم أذاه، عندئذٍ يسب حواوا «الخادم» أنكيدو ويصفه بأنه مرتزق أجير، وأنه قد تكلم ضده بالشر: «وعندما قال هذا قطعا رأسه، وحملا جثته للإله «إنليل» الذي أقامه حارسًا على أرضه ولزوجته ننليل.» (وإنليل هو إله العواصف الغضوب ورب مدينة نيبور أو نفر السومرية القديمة التي عُثِرَ فيها على بعض ألواح الملحمة …) هنا يتوقف النص الأصلي لهذه القصة التي عبث الزمن بالألواح التي نُقِشَت عليها وملأها بالثغرات والفجوات، والملاحظ على سبيل المقارنة أن الملحمة البابلية تروي قصة الحملة على أرض الأحياء وغابة الأرز بمزيد من التفصيل في الثالث والرابع والخامس من ألواحها التي لم يرحمها الزمن كذلك من التشوه! ولا شكَّ أن كاتب الملحمة قد تأثر بهذه القصة وبغيرها، وطوَّر عناصرها في بناء مُحْكَم، وأبرز أهم هذه العناصر — وهو حرص جلجاميش على الشهرة وخلود الاسم — في أكثر من موضع، وذلك قبل أن ينتقل من الدوران حول الأنا إلى الاهتمام بالنحن، وقبل العثور على «نبتة» الخلود التي عبر عن رغبته في أن يشاركه شعب مدينته أوروك وشيوخها في الأكل منها لتجديد الشباب والحياة، حتى إذا اختطفتها منه الحية وجددت بها جلدها، صورت لنا الملحمة بأسه وضياعه الذي تحول — بعد اقترابه من مشارف مدينته ورؤية سورها وأبراجها — إلى نوع من الفرح والتصميم على مشاركة شعبه في العمل والبناء … (٤) وتأتي القصة السومرية الثانية التي يناظر مضمونها في خطوطه العريضة مضمون اللوح السادس من الملحمة البابلية، ومن المؤسف أن النص الأصلي قد وصلنا في حالة تشوه شديد، بحيث لا نملك إلا الحدس بمضمون البقية الباقية التي تبدأ سطورها بعد فجوة كبيرة يبدو من سياق النص، ومن الملحمة أيضًا أنها كانت تدور حول العرض الذي تقدمت به ربة الحب والحرب إلى جلجاميش ليكون زوجها وزينة بيتها وعربتها المزدانة بالذهب واللازورد … وما إن تشرع إينانا (وهي نفسها ربة الحب السومرية التي سماها البابليون عشتار) في وصف المنح والهدايا التي تعرضها على جلجاميش مقابل الزواج منها حتى ينقطع النص مرة أخرى ويمتلئ بالثغرات، ولا نجد شيئًا يدل دلالة واضحة على رفض جلجاميش للعرض المغري، ولذلك تتجه إلى أبيها آنو إله السماء لتشكو إليه وتلح عليه أن يسلمها الثور السماوي لتنتقم من جلجاميش، ونفهم من النص أن الأب يرفض طلبها، وأنها ستلجأ لكبار الآلهة في مجمعهم الخالد إن لم يستجب لدعائها، عندئذٍ ينتابه الخوف (ولا نعرف من النص إن كان قد أشفق على مصير سكان أوروك من الثور الهائل كما نجد في الملحمة أم على مصير الكون كله …) ويسمح لها بتسلم الثور والهبوط به إلى الأرض، فترسله إلى أوروك التي يلحق بها أفظع الكوارث (كالموت والقحط والجفاف التي اقترنت باسمه في تفسير بعض الباحثين) … وقد بقيت من النص أجزاء شحيحة، من أهمها قطعة تسجل جانبًا من حديث أنكيدو مع جلجاميش، ولا شك أن القصة الأصلية قد روت مصرع الثور على يد البطلين، ولكننا لا نعلم إن كانت قد انتهت بهذا الخبر أو استمرت في رواية الأحداث التي نعرفها، والمرجح أن القصة لم تذكر الشتائم المهينة التي صبَّها كاتب الملحمة — على لسان جلجاميش — على رأس الربة الجميلة، كما أنها — فيما يبدو — لم تتطرق لغضب الألهة — بخاصة إنليل — على أنكيدو لتجديفه في حقهم، ولا لجرحه المهلك الذي تسبب في موته، وعبَّر بذلك عن عقدة الحبكة الدرامية التي أطلقت مأساة البطل المفزوع من «حظ البشر المحتوم»، ودفعته للبحث عن الخلود لنفسه ثم للبشر المساكين … (٥) ونصل إلى القصة الرابعة التي أثرت تأثيرًا واضحًا على اللوح الثاني عشر الذي يُجْمِع العلماء على أنه مقحم على الملحمة ولا ينتمي إليها انتماءً عضويًّا كما نقول اليوم، وعنوان هذه القصة هو «جلجاميش وأنكيدو والعالم السفلي» وهي تبدأ — شأنها شأن كثير من القصص الشعرية والأساطير السومرية القديمة — بالتذكير بأسطورة الخلق أو التكوين السومرية، إذ نجدها تتحدث في البداية عن فصل السماء عن الأرض بقوة إله السماء آنو وإله الرياح إنليل، كما تتطرق باختصار للصراع بين إله المياه العذبة «إنكي» وإله العالم السفلي أو وحشه المخيف كور، ثم تحكي بعد ذلك عن شجرة ضخمة هي شجرة الخولويبو، ولعلها كانت شجرة صفصاف على شاطئ الفرات، وكيف أوشك الطوفان والعواصف أن يقتلعاها من جذورها، ويتصادف مرور إلهة الحب إينانا بهذا المكان، فتشفق على الشجرة وتحملها معها لكي تغرسها في بستانها المقدس في مدينة أوروك، وتُعْنَى الإلهة العطوف بالشجرة وتتعهدها بالرعاية، على أمل أن تصنع منها في المستقبل سريرًا تنام عليه وكرسيًّا يليق بها. أن الأيام لم تشأ أن تحقق حلمها الجميل، إذ نمت الشجرة وصارت جذوعها مأوى لحية عظيمة لم ينفع السحر في إخراجها منه، كما أصبحت أطراف فروعها مسكنًا لطائر العاصفة الإلهي «بدزو» الذي بنى عُشَّه فوقها، وغدت ساقها القوية بيتًا للشيطانة أو الروح الشريرة ليليت، تعذر إذن على إلهة الحب الرقيقة أن تقطع الشجرة فراحت تبكي بكاءً مرًّا وتبث شقيقها إله الشمس أوتو حزنها وتروي له المصير الذي آلت إليه شجرتها، ويبدو أن جلجاميش سمع شكاتها وقرَّر أن يمد لها يد العون، فأمر بتجهيز درع زنته خمسون رطلًا، وبلطة زنتها أربعمائة رطلًا، وهجم على الحية الجبارة التي تربض في جذع الشجرة فقتلها، وكان أن طار طير العاصفة وهربت الشيطانة مذعورين، وتمكن جلجاميش وأتباعه من قطع الشجرة وتسليمها لإينانا لتصنع من خشبها الكرسي والسرير، وأرادت الإلهة المحبة أن تكافئ جلجاميش على صنيعه، فأعدت له طبلة وعصا أو عودًا يدق بها عليها، (ويبدو أن البطل قد أساء استعمالهما — كما يعلمنا الكاتب البابلي — في استغلال شعب أوروك في أعمال السخرة وتأكيد سطوته عليهم، كما نرى في اللوح الثاني من ألواح الملحمة سطر ١٤٣ وبعده، وفي بداية اللوح الثاني عشر من سطر ١–٢٠)، ثم تأتي هذه العبارة الدالة التي لا نشك في أن الشاعر البابلي قد اعتمد عليها في تصوير طغيان جلجاميش قبل أن «يتحول» بعد موت صديقه ذلك التحول الذي أدى به كما قلنا إلى «التطهر» في نهاية الملحمة: «وبسبب صراخ البنات الصغيرات سقطت الطبلة والعصا إلى العالم السفلي»، والبنات الصغيرات هن اللائي دأب جلجاميش على اختطافهن من آبائهن والدخول عليهن قبل أزواجهن … يتفق العلماء الذين درسوا الملحمة على أن كاتبها قد ترجم القسم الثاني من هذه القصة عن السومرية ترجمة شبه حرفية وألحقها بالنسخة الأخيرة للملحمة لتكون هي اللوح الثاني عشر فيها (وهي المعروفة بنسخة نينوى — العاصمة الآشورية الثانية — ووُجِدَت كما سبق القول في مكتبة قصر الملك آشور بانيبال)، ويبدأ هذا القسم في نصه الأصلي بشكوى جلجاميش من ضياع الطبلة والعصا (أو البوكو والموكو …) ومحاولته استدعاء روح أنكيدو الذي كان قد هبط إلى العالم السفلي استجابة لأمر سيده بإحضارهما له فأطلقت عليه «صرخة الأرض» أو ذلك العالم، وتخرج الروح من ثغرة في هذا العالم لتحدثه عن أهواله وظلماته وعن مصير أرواح الموتى فيه … والمهم أن نهاية القصة السومرية لم تصل إلينا، ولم يخبرنا كاتبها بشيء عن نجاح جلجاميش أو فشله في استرداد آداتي جبروته واستبداده العزيزتين على قلبه … لهذا لا أستبعد كما قلت من قبل أن يكون قد رجع إلى مسقط رأسه وقد تطهر من أوهام مجده وأنانيته الفردية، وعقد العزم على مشاركة شعبه في صنع الخلود الوحيد المتاح للبشر على هذه الأرض، ألا وهو بناء الحضارة وتأسيس ما ينفع الناس ويمكث في الأرض … (٦) وأخيرًا فلا بُدَّ من كلمة قصيرة عن بقية القصص التي أغفلها الكاتب البابلي، فالقصة الثالثة «جلجاميش وأجا حاكم كيش»٥ تدور حول النزاع الذي ثار بين هذه المدينة وبين مدينة أوروك وأوشك أن يؤدي إلى اشتعال الحرب بينهما، وخلاصتها أن «أجا ابن أنميباراجاسي» بعث برسله إلى أوروك طالبًا منها الاستسلام، وناقش جلجاميش هذا الطلب مع «مجلس» شيوخ المدينة وختم كلامه بقوله: «لا نريد الخضوع لبيت كيش، بل سنسحقه بقوة السلاح»، ولكن الشيوخ لم يوافقوه على رأيه، وأعلنوا أنهم يفضلون الإذعان للحاكم المستفز على اللجوء للحرب … ولم يقتنع جلجاميش برأي «مجلس الشيوخ»، فاتجه إلى مجلس الشباب القادر على حمل السلاح (مما يدل على وجود نوع من الديموقراطية يستحق منا اليوم أن نتحسر عليه ونتمناه!) قائلًا لهم: «لا تخضعوا لبيت كيش، فنحن نريد أن نسحقه بالسلاح»، وأقره الشباب على عزمه ففرح قلبه، وأمر أنكيدو أن يقلده أسلحته، مؤكدًا أنه (أي أجا)، سيفزع منه بمجرد رؤيته، بحيث يضطرب فعله ويذهب عقله! ولم تمر عشرة أيام حتى زحف أجا بجيشه نحو أوروك التي اضطربت أمورها، فأخذ جلجاميش يبحث عن محارب يتطوع لقتال «أجا» أمام أسوار المدينة، مما يرجح أن الحروب في تلك العهود كانت تبدأ بالمبارزة بين الملوك والحكام أو من ينوب عنهم، وأعلن رجل اسمه «بيرشور نوري» عن استعداده لمواجهة «أجا» ومضى في طريقه واثقًا من النصر، ولم يكد يغادر بوابة المدينة حتى أحاط به جنود العدو وأوسعوه ضربًا وساقوه إلى قائدهم، وشاهد محارب آخر من فوق السور ما جرى لزميله، وسمع الكلمات التي قالها لأجا وأدت إلى تكرار ضربه ضربًا مبرحًا … ويبدو أن الخبر انتشر بين جنود جلجاميش فأصابهم الذعر، مما اضطره للصعود بنفسه فوق السور، كما يبدو أن أجا قرر رفع الحصار عن المدينة إذا اعترف له جلجاميش بالتفوق والسيادة والرئاسة … ويلهج جلجاميش بشكر المعتدي على صنيعه، وتختتم القصة بالثناء على ملك أوروك المسالم وفارسها الحكيم … والواضح من النص أنه يصور واقعة تاريخية مجردة من كل ثوب أسطوري، فشخصية جلجاميش فيها شخصية ملك «إنساني» عاقل، كما أنَّ الآلهة لا تقوم فيها بأي دور، ولعل كاتب القصة أو ناسخها الذي سجل اعتراف جلجاميش بسيادة كيش قد حرص على تصوير هذه الواقعة المهينة في صورة لا تقلل من شهرة بطل أوروك ولا من مجد مدينته ذات الأسوار المنيعة … والحقيقة أن القتال بين المدن السومرية كان أمرًا معروفًا، كما أن بكاء شعرائها على مدنهم المخربة بأيدي أبناء المدن المجاورة أو غيرهم من الشعوب والقبائل الغازية يعد من أهم الأنواع الأدبية في التراث السومري،٦ ومن أعمقها تأثيرًا على قلب القارئ العربي المعاصر الذي يشهد خراب مدنه بأيدي العرب أنفسهم … (٧) أما القصة الخامسة — وهي «موت جلجاميش» — فقد وصلت إلينا في حالة من التشوه يرثى لها، ويبدو من بقايا النص المبتور أنه يبدأ بالكلام عن سعي جلجاميش إلى الحياة الخالدة، ثم يبيِّن له إله لم يذكر اسمه أن إله الرياح إنليل لم يقدَّر له الخلود، وربما فعل ذلك تفسيرًا لأحد الأحلام الكثيرة التي ظلت تعاود جلجاميش وتتدخل في تحريك الأحداث، ومع ذلك يطمئنه الإله المجهول — كما سيفعل أنكيدو في مواضع عديدة من الملحمة — أن ذلك ليس مدعاة للحزن أو اليأس، إذ ضمن له الإله الملك والمجد والانتصار على عدوه مدى الحياة، ثم لا نلبث أن نرى جلجاميش على فراش المرض الذي لن يقوم منه، ويموت الملك وترتفع أصوات النواح عليه، ثم تفغر فاها الواسع فجوة كبيرة في النص فنجد أنفسنا في العالم السفلي، كما نفهم أن جلجاميش رُفِعَ إلى صفوف الملوك الذين يحكمون ذلك العالم، وأصبح واحدًا من آلهته الذين يسمون «الآنوناكي» ويقضون قضاءهم في أرواح الموتى، وأخيرًا يذكر النص أسماء أتباع جلجاميش وأفراد عائلته، والهدايا التي يقدمها باسمهم لآلهة العالم السفلي، ثم يختتم النص بترتيلة تتردد فيها أصوات البكاء على جلجاميش والثناء عليه، ويبدو من الحفائر التي قام بها «ليونارد وولي» في «أور» وكشفت عن كنوز مقبرتها الشهيرة أن معظم الملوك السومريين في تلك الفترة من منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد كانوا يصطحبون حاشيتهم معهم إلى مقرهم الأخير، ولا يستبعد أن يكون أتباعهم قد تطوعوا في بعض الأحوال على الأقل بدفن أنفسهم معهم أحياءً وفقًا لطقوس الموت، ومع ذلك فربما تأتي الأيام بالشواهد الأثرية واللغوية التي تؤيد هذا الاحتمال المخيف — الذي لا أفتي فيه عن غير علم! — أو تنفيه … (٨) أما عن قصة الطوفان السومرية التي يستند إليها اللوح الحادي عشر من الملحمة فقد وصلت إلينا في حالة لا تسمح حتى الآن بفهم سياقها المتكامل، كما أن صيغة القصة نفسها من العهد البابلي القديم لا تساعد أيضًا على ذلك، وتبدأ القطع الخمس المتبقية من النص بحديث أحد الآلهة عن الخدمات المفروضة على البشر تجاه الآلهة، ثم تستطرد إلى الكلام عن خلق البشر بواسطة الآلهة الكبار «آنو وإنليل وإنكي والإلهة الأم ننخور ساج»، وإلى نزول الملكية من السماء وتأسيس أقدم المدن في وادي الرافدين (مثل أريدو، أبو شهرين، ولاراك وسيبار بجانب مدينة الطوفان شوروباك التي تُعْرَف باسم فارة). ويبدو أن القصة الأصلية ذكرت قرار الآلهة بإفناء البشر بسبب إزعاجهم لهم، إذ نفهم من بعض سطورها الباقية أن بعض الآلهة قد أسفوا على اتخاذ هذا القرار، وراحوا يدبرون الحيل للوقوف بجانب البشر … ثم يَرِد ذكر بطل الطوفان السومري، وهو زيوسودرا — أي الذي رأى الحياة — ملك مدينة شوروباك الذي يسر إليه أحد الآلهة (ولعله أن يكون هو إله الماء والحكمة إينكي الذي أصبح اسمه أيا عند البابليين، كما قام بنفس الدور في الملحمة) بخطة الآلهة في خطابه الهامس للجدار، ولا بد أن الفجوات الكثيرة في النص قد سردت قصة بناء الفلك وانهمار الأمطار من السماء، إذ توحي السطور التي جاءت بعدها بهبوب الأعاصير المدمرة وإغراق الطوفان للأرض سبعة أيامٍ وسبع ليالٍ «ثم طلع إله الشمس أوتو وغمر بنوره السماء والأرض، وفتح زيوسودرا نافذة — أو كوَّة — في السفينة الجبارة التي أضاءها البطل أوتو، وركع الملك زيوسودرا أمام أوتو، وذبح ثورًا وخروفًا» … وبعد فجوة أخرى كبيرة نفاجأ بأن الإلهين آنو وإنليل قد ندما على ما فعلا، وأشفقا على البشر فأرسلا عليهم ريحًا سماوية وأخرى أرضية بعثتا الحياة في مملكة النبات، ويلقي بطل الطوفان بنفسه أمام الإلهين اللذين يمنحانه الحياة الخالدة، ويقرران له العيش في جزيرة الخلود ديلمون (أو تيلمون)٧ التي تصوَّر السومريون أنها تقع شرقي وادي النهرين وربما كانت هي «البحرين» الحالية، وينتهي نص القصة عند هذا الحد، وهو يكفي على كلِّ حال لبيان مدى استفادة الشاعر البابلي منه ومن النص البابلي القديم الذي لم يكن أحسن حالًا. ولا شك أن هذا الشاعر الموهوب قد أضاف تفصيلات أخرى من خياله الخلَّاق أو من مأثورات شفاهية لم تبلغ إلى عالمنا حتى الآن في صورةٍ مدونة، وربما تكشف عنها الحفائر في مستقبل الأيام، ثم صنع من هذه الخيوط كلها نسيجًا عبقريًّا أصيلًا هو الذي يُعْرَف اليوم باسم ملحمة جلجاميش أو باسم أول سطر في أول لوح فيها وهو «هو الذي رأى» … (٩) لم تكن هذه القصص السومرية هي المصدر الوحيد الذي غزل منه البابليون ملحمتهم الفريدة، فمنذ أن تولى الأكاديون الساميون زمام السلطة في بلاد الرافدين ووحدوها تحت قيادتهم واختلطوا بالسومريين، أخذوا عنهم معظم تراثهم الثقافي، وشرعوا في العصر البابلي القديم٨ (أي منذ حوالي سنة ١٨٠٠ق.م) في نسخه وترجمة بعض أجزائه إلى الأكدية قبل أن يصوغوه بعد ذلك في أشكال جديدة ناضجة، ولا بُد أنهم عرفوا الكثير من القصص والأساطير التي دارت حول حياة جلجاميش ومغامراته مما لا نعرفه اليوم، وإن كانت المعلومات القليلة التي لدينا عن الأدب البابلي في تلك الفترة — وبخاصة من القرن الثامن عشر إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد — لا تسمح بالقول بأنهم تمكنوا في ذلك الوقت من صياغة الملحمة في بناءٍ موحِّد متكامل، ومع ذلك فقد عُثِرَ على كسر ألواح مختلفة ترجع للعهد البابلي القديم وعليها أجزاء متفرقة مما سُمِّيَ بعد ذلك بقصيدة جلجاميش أو ملحمته، وهي ألواح عُثِرَ عليها في أماكن مختلفة، وأصابها التلف الذي شوَّه الكثير من سطورها، وإن لم يمنع هذا معظم مترجمي الملحمة من الاستعانة بشذراتها لتكملة نواقص أحدث النصوص عهدًا وأكملها، وهو النص الآشوري الذي عُثِرَ عليه في نينوى كما سبق القول.٩ مهما يكن الأمر فقد استطاع شاعر موهوب عاش حوالي سنة ١٢٠٠ق.م أن يبدع هذا العمل الأدبي الرائع الذي نسميه جلجاميش، معتمدًا على ما سبق أن ذكرناه من التراث السومري والبابلي القديم ومتحررًا منه في آنٍ واحدٍ … وقد حفظ لنا أحد المأثورات المتأخرة التي لم تتأكد صحتها اسم هذا الشاعر، وهو «سين-ليكي-أونيني»، ولا نكاد نعرف عنه إلا أن إحدى الأسر التي كانت تشتغل بالكهنوت في وقت متأخر في مدينة أوروك قد ذكرت اسمه كأحد أسلافها، ومع ذلك يظل الاسم أمرًا غير ذي بال؛ لأن الشعراء والكُتَّاب السومريين لم يحرصوا أبدًا على ذكر أسمائهم، ولم يهتموا بأنفسهم كما نفعل اليوم للأسف إلى حد مرضي فظيع؛ لأن موهبة هذا الشاعر أَقْدَر على التعريف به وتخليده من كل الأسماء (التي لا تعدو أن تكون ضجيجًا ودخانًا يحجب وهج السماء، على حد تعبير «جوتة» على لسان فاوست). وجملة القول: أنَّ جميع النسخ المتسقة أو المجتزأة التي وصلتنا من الملحمة ترجع إلى ما بعد القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ولكن القدر الأكبر من النص يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد، وقد عُثِرَ عليه كما ذكرت أكثر من مرة بين الألوف المؤلفة من الألواح الطينية التي اكتُشِفَت في مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال، هذا الملك العجيب الذي نهب مصر وخرَّب سوسة (عاصمة مملكة عيلام القديمة في الجنوب الغربي من إيران)، وجسَّد التناقض الصارخ بين حرص العالم المثقف على جمع تراث أجداده، وقسوة الوحش الفظيع على أعدائه (إذ كان يتسلى بتقطيع أطرافهم وصلم آذانهم وسمل عيونهم أثناء استمتاعه بالأكل والرقص والغناء والموسيقى! …) ومن حسن حظ الأدب والمعرفة والتاريخ أنه أرسل رسله إلى كل مراكز الثقافة القديمة في وادي الرافدين (مثل أوروك وبابل ونيبور وسييار)؛ لينسخوا القصائد والتراتيل والوثائق التاريخية والمدونات «العلمية» والقواميس … إلخ، ويترجموا كل ما استطاعوا ترجمته من السومرية إلى الأكدية السامية، ويحفظوا الألوف من ألواحها في مكتبة قصره في العاصمة الآشورية المتأخرة نينوى١٠ … وقد كان من بينها الألواح التي تضم هذا القصيد الملحمي الذي دُوِّنَ وفق الأصل وجُمِعَ في قصر آشور بانيبال، «ملك العالم، وملك آشور»، وهو القصيد الذي نسميه اليوم ملحمة جلجاميش، والذي ما زال العلماء من مختلف بلاد العالم يتبارون في دراسته وملء فجواته وتفسير إشاراته ولمحاته ودلالاته من كل الجوانب والأبعاد، وترجمة ما يجدُّ اكتشافه من ألواح أو كسر تتصل به، كما يتنافس الأدباء في استلهامه وصياغته في أشكال أدبية وفنية متنوعة … (١٠) انتشر تأثير الملحمة منذ العصور القديمة وما يزال حيًّا وفعالًا إلى يومنا الحاضر، ولا يرجع هذا فحسب إلى القيم الجمالية والدينية والتاريخية والاجتماعية … إلخ التي تنطوي عليها، وإنما يرجع إلى أنها تخاطب «الإنسان» فينا قبل كلِّ شيء، وتذكي نيران أسئلته الكبرى التي لا يجد عنها إجابة شافية ولا يملك مع ذلك — على حد تعبير كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م) في مقدمته لنقد العقل الخالص — أن يسكت عنها أو يتوقف عن طرحها، ولا نريد أن ندخل في تفصيلات التأثير والتأثر — التي لم تزل موضع التخمين والجدل والخلاف الشديد بين العلماء المجتهدين — إذ يكفي أن نشير إلى بعض مظاهر الاهتمام بترجمتها إلى اللغات القديمة والحديثة، ومحاولات صياغتها واستلهامها، واحتمالات التشابه بين بعض «ثيماتها» أو موضوعاتها الأساسية وشخصياتها وبين نظائرها في الأدب القديم والوسيط، بشرط أن تتذكر أن مكتبة جلجاميش والأدبيات التي أُلِّفَت عنه قد أصبحت تفوق الحصر وفجرت أمواجها المتلاحقة كل الحدود … فقد تُرْجِمَت أجزاء من النص — كما ذكرنا في هامش سابق — إلى أربع لغات كانت تُكْتَب بالخط المسماري في الفترة الزمنية الواقعة بين القرنين الواحد والعشرين والقرن السادس قبل الميلاد، وفي حدود المنطقة الواقعة بين جنوب بابل في أرض النهرين وبين عاصمة الحيثيين في آسيا الصغرى، وتغلغل المأثور الشفاهي عن جلجاميش إلى ما وراء تلك الحدود، فانتشرت بعض موضوعاته وتشكلت على صور مختلفة في أساطير وحكايات شعبية، وقصص عجائب وخوارق أثرت من العصور القديمة حتى العصر الحديث على شعوب وثقافات أخرى عديدة، وأصبح بعضها جزءًا من الأدب العالمي (ويرجح بعض الباحثين أن تكون بعض «موتيفات» جلجاميش قد تسربت إلى عدد من الحكايات الشعبية الفارسية، مثلما حدث الشيء نفسه مع بعض الحكايات الخرافية البابلية على لسان الحيوان والنبات، وثبت أنها أثرت تأثيرًا واضحًا على بعض الحكايات الخرافية الفارسية وبعض حكايات أيزوب، وربما يعود أحد أسباب ذلك إلى أن الفُرْسَ ظلوا يستعملون الخط المسماري في كتابتهم لفترة طويلة بعد إهماله في بلاده نفسها). وما برحت الآراء متأرجحة بين مؤيد ومعارض لتأثير اللوح الحادي عشر من الملحمة (الذي تروي فيه قصة الطوفان) على سِفْر التكوين في العهد القديم بجانب تأثير بعض نصوص أدب الحكمة البابلي على سفر الجامعة أو سفر أيوب والمزامير، وتأثر شاعر الإلياذة والأوديسة١١ أو شعرائها بالتراث الشفهي المأثور عن جلجاميش، وانعكاسه بصورة غير مباشرة على تصوير شخصياتهما التي تتشابه صفاتها من بعض الوجوه مع بعض شخصيات الملحمة البابلية (ففي أخيل وهيكتور وأوديسيوس ملامح من جلجاميش، وفي الساحرة كيريكه في الأوديسة قسمات من وجه عشتار وعنف حبها وغضبها، وربما أمكن التقريب بين مينيلاوس الذي أُرْسِلَ إلى جنات الإليزيوم ليعيش مع أبطال الإغريق العظام وبين أوتنابشتيم البعيد الخالد في جزيرة الأحياء، وكذلك بين بعض أبطال الأساطير اليونانية المشهورين بمغامراتهم وانتصاراتهم على القوى الخارقة — مثل هرقل وبرسيوس وثيسيوس — وبين جلجاميش في صراعه مع الأسود والمردة والثور السماوي)، وإذا كان جلجاميش قد ذكر عند بعض الكُتَّاب الإغريق المتأخرين (مثل إليانوس من أواخر القرن الثاني بعد الميلاد وأوائل الثالث في كتابه عن طبائع الحيوان وحكاياته، الكتاب الثاني عشر، الفصل الحادي والعشرين) فيحتمل كذلك أن تكون قصته (أي جلجاميش) قد تسرَّبت إلى شعوب البحر الأبيض المتوسط مثلها مثل العديد من عناصر السحر والتنجيم والفلك البابلي (وبخاصة الكلداني) والآشوري التي دخلت في مذاهب الغنوص الروحانية وفي الأفلاطونية الجديدة أو المحدثة (نسبة إلى أفلوطين المصري السكندري آخر فلاسفة اليونان العظام ومجدد الأفلاطونية (عاش من سنة ٢٠٥ بعد الميلاد إلى سنة ٢٧٠م)). وهنالك احتمالات أخرى — تحتاج إلى دراسات مقارنة مستفيضة لم يبلغ إلى علمي شيء منها — عن تأثير شخصية جلجاميش على الروايات الشعبية العربية عن النمرود وذي القرنين — كما وردت في كتاب التيجان وأخبار ملوك اليمن لعبيد بن شريه الجرهمي — وحكايات العجائب والخوارق التي اقترنت بمولد الإسكندر الأكبر، وعلى شخصيات كثيرة من الملاحم الأوروبية في العصور الوسطى وروايات الفرسان في أواخرها، وربما تستحق مسألة تأثيره الممكن على بعض أبطال السير الشعبية العربية أو على بعض حكايات ألف ليلة وليلة شيئًا من عناية الباحثين في الأدب الشعبي العربي وعلاقته بالآداب السامية القديمة … أضف إلى هذا أن مؤرخي الفن لم يغفلوا عن النقوش التي صورت جلجاميش في صراعه مع الثيران والأسود والوحوش الكاسرة على الأختام الأسطوانية، ولا عن مجسماته بالنحت البارز في قصور الملوك الآشوريين وبخاصة قصر خورساباد … وأما عن الترجمات والاستلهامات الأدبية فأكتفي بذكر ما اطلعت عليه منها أو قرأت أجزاء منه فيما قرأت من دراسات، وهو قليل من كثير، فمن الترجمات ما حافظ على روح الملحمة وهيكلها دون التقيد بالترجمة الحرفية التي تشوبها كثرة الثغرات والفجوات بما يتعذر معه متابعة السياق، مثل ترجمة فيلهيلم قندلانت (برلين ١٩٢٧م) وجورج بورخارت (فرانكفورت ١٩٥٨م) والأستاذة ن. ك. ساندرز (سلسلة بنجوين ١٩٧٢م، ولها ترجمة عربية للأستاذين؛ محمد نبيل نوفل وفاروق حافظ القاضي، القاهرة دار المعارف ١٩٧٠م)، ومنها ما التزم بالترجمة الدقيقة مع استكمال الفجوات الأصلية من الشذرات البابلية القديمة أو الترجمات الحيثية، مثل ترجمة ألبيرت شوت التي اعتمدت عليها، وترجمات ألكزندر هايديل، شيكاغو ١٩٦٣م، وأ. ا. شيايزر ضمن كتاب بريتشارد المعروف نصوص من الشرق الأدنى القديم في ارتباطها بالعهد القديم، برينستون ١٩٥٥، ١٩٧٥م والترجمتين العربيتين عن الأكدية للمرحوم الأستاذ طه باقر، بغداد ١٩٨٠م، والدكتور سامي سعيد الأحمد، بيروت وبغداد ١٩٨٤م، وترجمة الأستاذ فراس السواح التي وفقت بين ترجمات إنجليزية مختلفة، دمشق ١٩٨٧م، والترجمة الشعرية للشاعر والباحث العراقي المعروف عبد الحق فاضل بعنوان «هو الذي رأى» بيروت ١٩٧٢م، وكل ذلك بجانب نصوص من الملحمة وردت في دراسات قيِّمة من أهمها في العربية كتاب هنري فرانكفورت وزملائه «ما قبل الفلسفة، الإنسان في مغامرته الفكرية الأولى» من ترجمة الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، بيروت ١٩٨٠م، والأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، دراسة في ملحمة جلجاميش، للدكتور محمد خليفة حسن أحمد، بغداد ١٩٨٨م؛ حتى إذا تركت حقل الدراسات العلمية والأكاديمية وبحوث علماء الآشوريات في كتبهم ومقالاتهم في مجلة «سومر» وغيرها من الدوريات المتخصصة؛ أحزنك ألا تجد في العربية عملًا روائيًّا أو مسرحيًّا واحدًا استوحى هذا الأثر الخالد باستثناء مسرحية شعرية متواضعة للشاعر العراقي يوسف أمين قصير، بعنوان «جلجاميش في العالم السفلي»، بغداد ١٩٧٣م، ومعالجة مسرحية شائقة من نوع «المونودراما» للعرائس التي يحركها وينطقها ممثل واحد هو الفنان العراقي سعدي يونس (وقد أسعدني الحظ بمشاهدتها ولم يسعدني بالاطلاع على نصها)، ولا شك أن هذا دليل كافٍ على أن الملحمة لم تصل بعدُ إلى الوعي العام، ولم تحرك بصورة كافية وجدان المبدع العربي، وهو أولى الناس بالاهتمام بإرثه وامتلاك ميراثه، لعله أن يتصرف فيه تصرف الحر، ويدرك مدى تغلغل «نموذجه الأصلي» في شعوره ولا شعوره الفردي والجمعي عبر العصور والأجيال …١٢ ••• (١١) كانت هذه المقدمة ضرورة لا غنى عنها للتعريف بأثر خالد من آثار تراثنا الثقافي والحضاري من ناحية، وجزء لا يتجزأ من الأدب العالمي لا تزال الدراسات العلمية والأدبية تتوالى عنه من مختلف أبعاده من ناحية أخرى، مع الحرص على عدم الدخول فيما لا نهاية له من التفصيلات والتفسيرات التي لا يحتملها هذا التقديم، والواقع أن دوري في هذه الترجمة هو دور «ساعي البريد الأمين» الذي أخذ على عاتقه توصيل «رسالة» سحيقة القدم إلى القارئ، أي «ترجمتها» بالمعنى الأعمق والأشمل لهذه الكلمة، بحيث ينصهر فيها أفق الكتاب الأصلي مع أفق مترجمه وقارئه المعاصر، ويتم بينهما التقارب والتجاوب والتعاطف، مع توخي الدقة التامة في النقل، وإدراك أوجه التباين بين الرؤى والأزمنة والتراكيب والسياقات التاريخية والحضارية والاجتماعية واللغوية والدلالية (كما يفيض في ذلك أصحاب فلسفة التفسير أو التأويل للنصوص المختلفة — الهيرمينويطيقا — وبخاصة الفيلسوف هانز جورج جادامر)، وسوف أؤجل الحديث عن هذا الدور قليلًا لأقدم بعض الملاحظات التي أرجو أن تلقي الضوء على مكانة «جلجاميش» من التراث الإنساني ومن تراثنا القديم، دون أدنى رغبة في التفاخر أو الزهو (وإن كان الزهو بعيون التراث حقًّا مشروعًا لأبنائه، كما هو سند نفسي لهم في أوقات المحن والشدائد التي يشعرون فيها بالحاجة الملحَّة لسماع صوت «رسالته» الموجهة لهم)، ولعلي ألخص هذه الملاحظات في النقاط التالية: (أ) إذا لم يكن جلجاميش هو أول بطل إنساني، فهو على التحقيق أول بطل مأساوي في تاريخ الأدب العالمي، وإذا كانت مأساته تكمن في فشله النهائي في التوصل للخلود الذي شقي شقاءً لا يوصف في السعي إليه، فإن هذا الفشل نفسه هو سر بطولته وإنسانيته التي تجعله أقرب إلينا من كثير من أبطال المآسي القديمة والحديثة، ومع أن شاعر الملحمة قد جارى الكهنوت والتقاليد الدينية والأسطورية القديمة في تصوير جماله وقوته في صورة خارقة للمقاييس البشرية، وصرَّح أكثر من مرة بأن ثلثيه إلهي والثلث الباقي بشري فانٍ، فقد حرص — في تصوري على الأقل — على تأكيد إنسانيته وفرديته، وإبراز ضعفه وتردده في كثير من مواقفه وهواجس رؤاه وأحلامه، وعلى تتبع «تطهره» التدريجي من تألهه وتجبره وتسلطه على شعبه، بل من تمرده المؤلم والعقيم على قوانين الموت والفراق المحتوم، حتى وصوله إلى مرحلة الوعي بالوضع البشري وقانون اللحظة العابرة والواقع هنا والآن، والاقتناع بأن الخلود الوحيد المتاح للبشر إنما يكون في إنجاز أعمال حضارية من نوع السور الذي يثني عليه ثناءً حارًّا وهو في الطريق إلى موطنه ومسقط رأسه، والحق أن بنية الملحمة نفسها توحي بأنها نوع من القص الإنساني أو «العلماني» كما نقول اليوم، فلم يثبت للعلماء أنها كانت تُتْلَى مع الطقوس الدينية، كما كان الحال مع قصيدة الخلق البابلية «إينوما ايليش» (عندما في الأعالي)، وبقيت قصة إنسانية على الرغم من إطارها الأسطوري وتدخل الآلهة — وبخاصة إله الشمس والعدل شمش — في كثير من أحداثها، أضف إلى هذا أن موت صديقه أنكيدو كان ضربة ساحقة لألوهيته المزعومة، فجَّرت فيه بشريته المذعورة من «حظ البشر»، وأطلقت بحثه اللاهث وسؤاله المحموم عن الخلود لنفسه أولًا ثم لشعبه بعد ذلك، ولا ننسى أخيرًا أن مأساويته ترجع في جانب منها إلى التشاؤم القاتم الذي طبع منذ القدم وجود الإنسان في أرض النهرين، بسبب قلقه الدائم من قوى الطبيعة المدمرة، وهجمات المدن والشعوب المجاورة، وغزوات القبائل البدوية وغاراتها المفاجئة، وخوفه المقيم من مصيره التعس بعد الموت في عالم لا عودة منه، عالم سفلي خال من النور والأمل، كُتِبَ فيه على أرواح الموتى أن تعيش كالطيور الصامتة على التراب، وأن تقتات من الطين، وتتعذب خلف الأبواب السبعة المغلقة في قبضة الملكة المخيفة أريشكيجال وزوجها نيرجال وحراسهما وزبانيتهما الأشداء … (ب) وإذا كان الغربيون يؤكدون أن «أوديب» هو أول فرد حاول أن يخرج من حصار الأسطورة والملحمة، ويستقل بنفسه عن روح الجماعة ويحررها من نسيج تقاليدها وأساطيرها وكهنوتها، وإذا كانوا يفتخرون بأن سقراط هو أول من طبق حكمة معبد دلفي والحكماء السبعة «اعرف نفسك» بصورة أخلاقية عقلية، وأول من تمثَّلت فيه «الذاتية» الوجودية الحقة بكل تمزقها بين النهائي واللانهائي، وبين المحدود والمطلق (على نحو ما صورها كيركجارد في رسالته المبكرة عن مفهوم الدعابة مع التركيز المستمر على سقراط)، فمن حق أبناء حضارة هذه المنطقة من العالم أن يردوا عليهم بأن «جلجاميش» قد سبق «أوديب» في إصراره على فرديته مهما كلَّفه ذلك من الاغتراب عن وطنه وشعبه، والمغامرة في اقتحام المخاطر والمهالك، وأنه لا يقل عن سقراط في «الذاتية» الفردية التي قادته على الطريق الوعر، طريق معرفة النفس وحدودها ومكانها من العالم وعلاقتها بالآلهة والبشر، وطريق البحث الشائك عن معنى الحياة والموت والخلود … والدليل على هذا أن ملحمته التي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد ما زالت تحرك عقولنا وقلوبنا في أواخر القرن العشرين، وما فتئت تثيرنا ببساطتها وعفويتها، دون أن يقلل من استمتاعنا بها أسلوب الاستطراد والتكرار والتقرير والارتجال الذي يطبع الأدب الشعبي والقصص الشعبي بوجه عام … (جـ) انتقد بعض فلاسفة الغرب (مثل فيلسوفي مدرسة فرانكفورت ومؤسسي النظرية النقدية الجدلية وهما: ماكس هوركهيمر وتيودور أدورنو في كتابهما المشترك عن جدل التنوير الذي صدر عام ١٩٤٧م)،١٣ انتقدا حركة التنوير العقلي الأوروبي، وأكدا أن التنوير ظل طوال تاريخه الطويل متداخلًا مع الأسطورة التي كان ينتزع نفسه منها لكي يرتد إليها من جديد بصورة أبشع (كما حدث للعقل الذي سقط في اللاعقلانية المروعة مع كارثة قيام الأسطورة النازية وتحطمها …) والمعروف أن التنوير الأوروبي قد بلغ ذروته في القرنين: السابع عشر والثامن عشر، وأن أقطابه قد أكدوا سلطة العقل النقدي الذي تقاس عليه كل سلطة أخرى، بما في ذلك سلطة التراث الديني، وعرَّفه كانط — رأس المثالية الألمانية الحديثة — بأنه هو خروج الإنسان من الوصاية وبلوغه مرحلة الرشد؛ أي مرحلة معرفة الذات والتحرر من الخرافة والإقطاع والتعصب، والاتجاه — على هدي النزعة الإنسانية والفلسفة العقلانية وتطور العلوم الطبيعية — إلى توحيد البشرية العاقلة تحت لواء التسامح والتقدم والاستنارة … والذي يهمنا في هذا المقام أن الفيلسوفين السابقي الذكر قد أرجعا التنوير إلى جذوره الأولى في التاريخ الغربي، وزعما أن «أوديسيوس» — بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس — هو أول «مستنير» أوروبي استطاع بخبثه وذكائه التخلص من سحر الأسطورة ومن كيد بعض الآلهة والعمالقة له ولرفاقه في رحلته الخطرة، وبصرف النظر عن مدى صحة هذا الرأي، وعن تأرجح التنوير الغربي منذ ذلك الحين بين التقدم والتراجع، ففي تقديري أن جلجاميش كان أسبق إلى التنور أو الاستنارة من أوديسيوس بألف وخمسمائة عام على الأقل … فقد كانت مغامراته تحديًا مستمرًّا للأساطير المسئولة إلى حد كبير عن تألهه وجبروته واستعباده لشعبه ولهاثه المضني وراء حلم الخلود المستحيل، وظل يخرج من أساطيره وأحلامه بالتدريج ويتحول عنها خطوة بعد خطوة، حتى يئس منها بعد ضياع نبتة الخلود من يديه وانخراطه في البكاء على تعاسته وانهياره وانكساره، ثم تطهر من تلك الأساطير والأحلام — أو هذا على الأقل هو تفسيري لخاتمة الملحمة! — مع عودته إلى مسقط رأسه في أوروك، وعزمه — الذي نستشفه من فرحته الغامرة برؤية سورها وأبراجها من بعيد! — على وضع يده في يد شعبه لتحقيق الخلود الوحيد المتاح للبشر أثناء حياتهم المتناهية على الأرض، وهو — كما قلت — بناء الحضارة وإيثار ما ينفع الناس ويمكث في الأرض على الشهر الكاذبة والتسلط الأناني والمجد الشخصي الزائف، ومع ذلك فربما ينظر إليَّ القارئ نظرة المتشكك الساخر وهو يسأل: إلى أين أوصلهم التنوير الذي بدأ مع أوديسيوس؟ وإلى أين وصلنا بالتنوير الذي بدأه جلجاميش بطل أوديسة الرافدين القديم؟! وله وحده أترك الإجابة على هذا السؤال على ضوء محنتنا الراهنة أو بالأحرى في غياهب ظلماتها … (١٢) ليس القدم وحده هو الذي يضفي على جلجاميش وملحمته هالة الجلال والصدق والجمال؛ لأن أشعة هذه القيم الباقية تنبعث من تكوينها الفني ومضمونها الفكري، والدلالات التي يوحي بها شعرها وأحداثها وشخصياتها على مأساة الإنسان في وجوده القلق، وبحثه عن المعنى والمعرفة، وسؤاله عن سر الحياة والموت، بجانب دلالتها على النموذج الأصلي أو النمط الأولي — على حد تعبير عالم النفس السويسري كارل جوستاف يونج — للشخصية الشرقية المستبدة في بعدها الأسطوري والتاريخي، ومدى ما بقي منها من رواسب فاعلة في لاوعينا الجمعي (وإن كان جلجاميش — في تفسير بعض الباحثين والتفسير الذي ارتضيته — يقدم مثلًا نادرًا في تاريخ القهر والقمع الطويل لهذه المنطقة من العالم على الحاكم الذي تطهر من طغيانه وتسلطه واستبداده)؛١٤ ولذلك فإن جلجاميش وعاء أثري وفني يحتوي على مزيج مأسوي مدهش من مغامرة الإنسان بحثًا عن نفسه وصراعه الأخلاقي مع الشر، ورؤاه ومواقفه الوجودية التي تتذبذب بين الاستغراق في نبع اللحظة الراهنة واغتراف كل ممكناتها، والتصميم على تحقيق أمل «يوتوبي» يبدو في حكم المستحيل، أضف إلى هذا أهم ما اشتهر به جلجاميش وضمن له الشمول والحضور وراء حدود المكان والزمان، وهو سعيه الدائب إلى الخلود الذي يمكنه من الإفلات من «حظ البشر»، ويعينه على مواجهة الموت القابع في مخدعه، وتخطي أسوار الفناء الذي يشل خطاه ويحاصر حياته في كل لحظة، ويلتهم كل أعماله وأتعابه وما بَنَتْ يداه … ثم إنها تخاطبنا اليوم أيضًا — كغيرها من أمهات النصوص في تراثنا الأدبي والحضاري — في سعينا الدائب لمعرفة هويتنا وتحقيقها، وتطلعنا لإرساء الأساس الأول المفتقد لوجودنا وتقدمنا على درب التحضر والتنور والتطور، ألا وهو الحرية، وهل ثمة سبيل يقربنا من هويتنا مثل تفهم نصوص تراثنا، وتتبع مسار تحولاتها التاريخية في مختلف السياقات والأبنية الاجتماعية والسياسية والثقافية … إلخ وتجديد حضورها في وعينا، وجعلها معاصرة لنفسها ولنا في وقتٍ واحدٍ (على حد التعبير الجميل الذي يوجه بحوث المفكر العربي محمد عابد الجابري في التراث العربي والإسلامي وتجده في مقدمة كتابه نحن والتراث)؟! (١٣) تزخر الملحمة بشواهد عديدة على التفكير السومري والبابلي القديم وأوضاعه التاريخية والنفسية والاجتماعية والثقافية والطبقية … إلخ، ومواقفه من البيئة المحيطة به ومن العالم السفلي الذي لا رجاء فيه ولا عودة منه (بالأكدية: ايرصة لاتاري أو أشار لاتاري …)، وتقاليده وحكمته وأحلامه ورؤاه التي تتنبأ بسلوكه وتوجهه كما تكشف عن رعبه من أرض اللاعودة وأسرارها، وحياته اليومية المنغصة بالسخرة والقهر والطاعة المطلقة للحاكم الإلهي أو المتأله (الإنسي) والكهنوت ومجمع الآلهة الرهيب الذي يحكم الكون والمدن ويُعيِّن مندوبين عنه من صغار الآلهة لحكم البيوت والعائلات أيضًا … وهي تدلنا كذلك على علاقاته السياسية والاقتصادية بجيرانه (فالرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى غابة الأرز في جبل لبنان تُبيِّن حاجته إلى الخشب والمعادن الشحيحة في بلده)، وعلى صلته بالآلهة الذين يخشى غضبهم وانتقامهم (مثل إنليل رب العواصف) والآلهة الذين يتضرع إليهم وينعم بعطفهم وتعاطفهم (مثل أيا وشمش) وتمتعه بنوع من الديموقراطية البدائية التي تجلَّت في وجود مجلسَين للشورى من الشيوخ والشباب، وبدايات زحف الحضارة (ممثلة في جلجاميش وبغي المعبد) بترفها وفسادها على البداوة (ممثلة في أنكيدو وحش البرية) بقيمها الفطرية النقية … إلى آخر الشواهد الدالة على تصور الرافدي القديم للعالم والبشر والحياة والموت، والقيم المختلفة كالشجاعة والحب والإيثار والعفو والخير وأضداها من الضعف والأنانية والتسلط والاستبداد والتهالك على الملذات الفاحشة، بجانب لمحات قليلة عن «علوم» الحكمة العملية في تلك العهود كالسحر والتنبؤ وتفسير الأحلام وطقوس التطهير من الأرواح الشريرة … إلخ. لن يتسع المجال المحدود للخوض في هذه الموضوعات التي يمكن الرجوع فيها إلى الكتب المتخصصة؛ ولذلك أستأذن القارئ في الاكتفاء بالمعلومات الضرورية التي قدمتها، وتسجيل بعض الملاحظات عن علاقتي بالملحمة وبطلها الشهير، ومحاولتي المتواضعة في قراءتها وتفسيرها من منظور ذاتي وتاريخي، ومبررات هذه الترجمة العربية الجديدة التي أتمنى أن تصل إلى الوعي المثقف، وتفتح عيون وجدانه الفردي والجمعي على آلام الماضي الممتدة في الحاضر، لعله أن يجرب تراثه ويحاول تجاوزه … (١٤) يرجع حبي واهتمامي بهذه الملحمة إلى سنوات الطلب، كنت قد اطلعت عليها لأول مرة في ترجمة الأديب الألماني جورج بوخارت التي سبقت الإشارة إليها، وخطر لي في ذلك الحين — أوائل الستينيات — أن أستلهمها في عمل أدبي لا أذكر معالمه على وجه التحديد (وإن كنت قد عثرت قبل شهور قليلة على مسودته المدفونة مع غيرها من المسودات والمشروعات الموئودة في توابيت الأدراج ومقبرة الذاكرة …) ولا بُدَّ أنني استبعدت ذلك الخاطر النزق الذي ظل يتقلب كالشوكة في أغوار الوجدان مع غيره من الأشواك التي لا يتوقف وخزها المؤلم البطيء … كانت التجربة فوق طاقتي المحدودة، ولم تكن قد نضجت إلى الدرجة التي تكفي لتحريك الشوكة فيتحرك القلم! ومَنْ أنا حتى أتجاسر على الاقتراب من كنزٍ أدبيٍّ خالد، لا يسبر أغواره إلا مَنْ يقدر على الغوص في بحار عالم حضاري كامل، عالم أقف أمامه وقفة التلميذ البائس البليد، فلا أنا أعرف اللغة الأصلية التي كُتِبَ بها، ولا لديَّ فكرة عن علم الآشوريات وأسراره المحجوبة إلا عن أهل الاختصاص! ثم لمن أقدِّم هذه التجربة وجلجاميش غائب عن وعي القارئ العام، وبيننا وبينه فجوة زمنية سحيقة لا تقل عن خمسة آلاف عام؟! وشاءت تحولات الأيام والأعمال أن أعكف طوال السنوات الثلاث الماضية على قراءة نصوص أدب الحكمة البابلية (مثل أيوب البابلي لدلول — بيل نيميقي — أو لأمتدحن رب الحكمة والمعذب والصديق وحوار السيد والعبد وغيرها من الأمثال والحكم والتراتيل والحكايات الشعبية البابلية …) لم يفارقني الوعي التام بمدى قصوري العلمي، وجهلي باللغتين: السومرية والأكدية جهلًا فات أوان تداركه وإصلاحه … لكن الانجذاب إلى حكمة هذه الحضارة، ومحاولة قراءتها وتفسيرها من «داخلها» بعيدًا عن حكمة «اللوجوس» الذي تحكم في مسيرة ذلك النسق العقلي والمنهجي المترابط الذي نسميه الفلسفة منذ الإغريق إلى اليوم، ثم طموحي أو غروري الذي صوَّر لي من خلال تلك النصوص القديمة التي تشبه اللآلئ الساطعة التي تقطر بدماء الشكوى والأنين من الظلم والتسلط واضطهاد البررة الصالحين، كما تردد أصوات الاحتجاج والتمرد المحبط على نظم القهر والطغيان الكهنوتي والاجتماعي؛ كل ذلك صور لي — بحدس الأديب لا بيقين العالم! — أنني قد لمست جذور المحن والمآسي العربية المتكررة في تراثنا التاريخي — وبخاصة في عصور التدهور والإنحطاط — بما يشبه القوانين التي تتحكم في الدورات الطبيعية والكونية … ورست رحلة القارب الصغير على الشاطئ ومعها كتاب سيئ الحظ عن «حكمة بابل» ربما يقدَّر له الظهور في وقت غير بعيد، ومسرحيتان قصيرتان هما كل الصيد من تلك الرحلة الخطرة إلى الأعماق المجهولة١٥ … وكان من الطبيعي أن أعاود قراءة جلجاميش في ترجماتها وصيغها المتاحة (وفي مقدمتها ترجمة شوت مع مراجعة فون سودن، وترجمة شبايزر في كتاب بريتشارد السابق الذكر، والترجمتين الأدبيتين للأستاذ ساندرز والأستاذ بوخارت، والترجمتين العربيتين للمرحوم طه باقر والأستاذ فراس السواح …) وتحركت الشوكة القديمة وجددت وخزاتها الأليمة … وتمخضت التجربة عن قراءة درامية للملحمة العريقة، أتاحت لي المزيد من التعمق في استكناه أحداثها ومواقفها وصورها العفوية المعجزة ببساطتها وقوة دلالتها، والتعاطف مع شخصياتها ومحاولة «إحضارها» إلى بؤرة الوعي الحاضر وتحريكها على خشبة الواقع العربي المشحون بالمآسي والهزائم والآلام، والمفعم أيضًا بالأشواق والتطلعات والأحلام … وتجسدت التجربة (أو الترجمة الدرامية بالمعنى الأصلي لكلمة الترجمة!) في مسرحية ملحمية تحمل عنوان: «هو الذي طغى … محاكمة جلجاميش» ويعلم الله وحده إن كان القُرَّاء سيحكمون لها أو عليها١٦ … خرجت من هذه التجربة — التي لم تكن أقل خطرًا ومعاناة من أسفار جلجاميش ومعاناته التي نقشها على لوحٍ حجري! — بضرورة إنجاز ترجمة عربية جديدة، وبأفكار وانطباعات أخرى أعرضها على القارئ قبل الحديث عن مبررات هذه الترجمة، راجيًا أن يتذكر ما قلته من قبل من أنها انطباعات على وجدان أديب متعاطف، وليست أفكار عالم محقق؛ ولذلك تقع خارج مجال الصدق واليقين العلمي أو وراء حدوده … (١٥) يبدو لي من قراءة الملحمة ومعايشتها — وربما أكون مخطئًا في هذا الرأي! — أن شخصية جلجاميش قد مرت بتغيرات حاسمة جعلتها تتحول من «الأنا» إلى «النحن»، ومن التسلط إلى التطهر، ومن اللهفة المحمومة على الخلود الإلهي إلى الخضوع للوضع البشري والتسليم به والاتجاه بهدوء إلى مشاركة «الناس» في أعمالهم وهمومهم، وبذلك تحررت من الذعر من الموت وآمنت بقانون اللحظة الواعية الفاعلة، لحظة العمل الخلَّاق مع الآخرين ومن أجلهم، ويكاد يتملكني حدس غلاب بأن جلجاميش قد تطهر من استبداده الأناني ولهاثه العقيم إلى الشهرة وخلود الاسم بعد تحسره على ضياع «النبتة» في جوف الأفعى وبكائه بكاءً مفجعًا على الجهد الذي ذهب سدًى، وسنوات الشباب التي تبددت في الغربة عن الوطن وعن الشعب الذي رجع إليه صفر اليدين من كلِّ أمل. ومع ذلك فربما تكون نجمة هذا الأمل قد أرسلت شعاعًا رحيمًا إلى عقله وعينيه مع اقترابه من أسوار أوروك ورؤية شبح السور العظيم الذي اقترن باسمه إلى اليوم، وظلال الأبراج (الزقورات) والمعابد التي شيدها — قبل القيام برحلته — لإله السماء «آنو» وإلهة الحب «إينانا»، وربما يكون هذا الشعاع الرحيم قد أوحى إليه بهذا الخاطر الإنساني حقًّا: إن الخلود الوحيد المتاح للبشر الفانين على الأرض الفانية يكمن في مثل هذا «العمل»، لا في ذلك الحلم المستحيل أو ذلك «الوهم» الذي ساقه للاغتراب عن وطنه وشعبه، كما ساق غيره من الجبابرة والطغاة من بعده وراء أوهامهم الزائفة وشطحاتهم المدمرة … ومَن يدري؟ فلعله أن يكون قد أحس في لحظات الندم والتطهر المأسوية بالذنب تجاه شعبه الذي طالما سخَّره واغتصب بناته وساق أبناءه إلى الموت أو إلى الذبح في مغامراته الفاشلة (ومن أسف أن الكاتب أو الناسخ البابلي لم يلتقط الخيط الذي قدَّمه له سلفه السومري عندما ذكر في إحدى القصص الخمسة التي لخصناها من قبل أن جلجاميش أخذ معه خمسين من خيرة شباب أوروك، واشترط فيهم أن يكونوا غير متزوجين! …) وليس أدل على هذا كله — في تقديري على الأقل — من الفرحة التي لم يستطع شاعر الملحمة أن يخفيها عندما انتقل فجأة في خاتمة الملحمة إلى ترديد هتاف جلجاميش برفيق رحلته الملَّاح أورشنابي أن انظر يا أورشنابي إلى سور أوروك، اصعد عليه وتفحص لبناته … إلخ! ربما يساعد هذا على اعتبار جلجاميش صورة مبكرة جدًّا من صور «الرواية التربوية» والتعليمية التي ازدهرت في الأدب الغربي منذ أوائل القرن التاسع عشر، وهي روايات تتابع تطور البطل في معرفته بنفسه وبالعالم والمجتمع، وتحوله من الاغتراب عن الذات إلى الانتماء إليها، ومن التبدد والضياع إلى معرفة النفس وتحديد دورها وواجبها في العالم والواقع، فهل يمكننا القول بأن كاتب جلجاميش أو كُتَّابها قد قصدوا إلى هذه المهمة التعليمية والتربوية غير المباشرة بطبيعة الحال، فأرادوا أن يصححوا نموذج المستبد الشرقي العريق باختيار أشهر ممثليه في هذه الحضارة وإصلاح انحرافه وفساده بحيث يكون عبرة لغيره من مسوخ الطغاة المتتابعين، وأمثولة تقول لكلِّ مستبدٍّ نرجسي وانتهازي مثله: قد كنت كذلك وطغيت، لكني الآن تطهرت؟! هل حاولوا — بالأسلوب الشعبي البسيط الهادئ الذي يكتفي بالتلميح دون التصريح — أن يعبروا كذلك عن تحول جلجاميش من أحلامه المستحيلة المشوشة إلى الحلم الواقعي بإقامة «وطن الإنسان» الدافئ بالحرية والعدل والبناء، الزاخر بالمشكلات «الحقيقية» التي تؤرق الناس في حياتهم «هنا والآن» دون التوقف عن متابعة الحلم وتدعيم أسس ذلك الوطن المأمول؟ أليس هذا أمرًا ممكنًا وجزءًا من مضمون «الرسالة» التي يبلغها هذا العمل إلينا، كما بلغها لمستمعيه وقرائه الأقدمين؟! (١٦) يخيل إليَّ كذلك أن «جلجاميش» تعبر عن أول صورة من صور الاعتراف «باللحظة الخصبة الممتلئة» (كما أشار إليها بندار في أناشيده البيتية وكما سماها جوته ونيتشه وأفاض مؤخرًا في وصفها الفيلسوف الماركسي إرنست بلوخ في كتابه الأكبر مبدأ الأمل)، لقد شبهها القديس أوغسطين (٣٥٤–٤٣٠م) بالقوس المتوتر بين لحظة ماضية ذهبت بغير عودة وإن بقيت ذكراها في الذاكرة، ولحظة لم تأتِ بعدُ ولم يزل القوس مشرعًا عليها بكل ما فيه من طاقة الحلم والتوقع والتأهب. هذه اللحظة الممتلئة المظلومة دائمًا؛ لأنَّها زائلة ولا وجود لها في حساب الزَّمن الفلكي والموضوعي، هي في الحقيقة لحظة الوعي والفعل وحقل الإنتاج والإبداع الإنساني الوحيد، وكل «مُفارقة» الوجود الإنساني تكمن في هذه اللحظة التي نهملها عادة ونتركها تفلت من أيدينا ولا ننتبه إليها — إن فعلنا على الإطلاق! — إلا في المواقف الحاسمة في حياتنا الفردية والجماعية حين نمسك بها ونصب فيها عرقنا ودمنا، ونحرك حقلها بجهدنا وتعبنا، وبذلك نحقق معنى وجودنا و«ذواتنا» الفردية والجماعية، ونواجه هاوية الموت الحتمي و«خرونوس» الفاغر فاه لابتلاعنا ونحن نصيح به: ها نحن قد استطعنا أن نتحداك ونترك وراءنا «خلودنا الصغير» الذي حاولنا به مقاومتك! (لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تصور أساطير الإغريق البديعة الذكية تلك اللحظة المواتية العابرة — «الكايروس» — في صورة ربة جميلة ينبت في قدميها جناحان وتمسك في يدها سكينًا أحد وأمضى من الريح، وتتدلى من جبهتها خصلة شعر يتحتم على من يجدها أن يقبض عليها من فوره؛ لأنها إذا فاتته فلن يستطيع أن يمسك بها أبدًا مهما جرى وراءها — إذ أن رأسها من الخلف صلعاء! — ولن تترك له إلا الحسرة والندم والخذلان …)١٧ ولعل إشراقة اليقين بمسئولية هذه اللحظة الموجودة والمعدومة في وقتٍ واحدٍ — لأن وجودها أو عدمها، وتحقيقها أو التفريط فيها رهن بمدى شعورنا بحريتنا ومدى وعينا بالواجب الذي تفرضه علينا — لعلها قد أشرقت في نفس جلجاميش — التي اغتسلت بدموع الندم — لحظة أن وقعت عيناه على السور والأبراج البعيدة، وربما يكون قد صمم في تلك اللحظة ذاتها على أن يضع يده في يد شعبه ليعاهده على المزيد من البناء والتأسيس؛ أي على الشكل الأسمى للإبداع في ذلك الزمان، والاحتمال غير مستبعد وإن لم تجد علينا يد الزمان ولا أيدي علماء الآثار والحفريات بالشواهد والأسانيد التي تعززه من خلال أعماله وتفاصيل حياته بعد رجوعه إلى مسقط رأسه. ومع ذلك فلا بُدَّ أن نسأل أنفسنا: ألا يمكن أن يكون رفض جلجاميش لكأس اللحظة واللذة العابرة من يد ساقية الحان سيد ورى، ثم ثورته على الحياة الخاملة التي يعيشها جده «الخالد» أو تنابشتيم، نوعًا من رفض الحياة بلا خلود، والثورة على الخلود الممل بلا حياة، أي نوعًا من الاقتراب من الوعي بلحظة الخلود أو باللحظة الخالدة١٨ التي وصفناها باللحظة الخصبة الممتلئة؟! (١٧) وأخيرًا فقد ذكرت من قبل أنني أتصور جلجاميش في صورة «النموذج الأول» أو «النمط الأصلي» الكامن في أغوار اللاوعي الجمعي للمستبد الشرقي بوجه عام والعربي السامي بوجه أخص. تغلغل هذا النموذج في أقدم طبقات الوعي كالعنكبوت أو الأخطبوط الذي يلتف حول نواته منذ أقدم العصور، استقرَّ فيه وتمكن منه وأقام عرشه المرعب، وراح يجدده بمختلف وسائل القمع والتخويف والتعذيب والإرهاب التي تجددت كذلك أشكالها ونظمها وفنونها عبر العصور. وإذا كان كُتَّاب جلجاميش — إذا صح الفرض الذي قدمته — قد حاولوا تصحيح هذا النموذج وتقديم أمثولة المستبد المتطهر لتتعلم منها الأجيال اللاحقة معاني الثورية الصادقة، فلم يزل العنكبوت-الأخطبوط ينسج خيوطه اللعينة في ظلمات اللاوعي الفردي والجمعي وفي ضوء الوعي أيضًا، ولم يزل ينفث حمم مصائبه ولعناته وأهواله المشئومة كلما تصورنا أننا اقتربنا من تثبيت أقدامنا على درب التحرر والتقدم والاستنارة، وبعيدًا عن لغة المجاز أقول باختصار: إن هذه هي قضية القضايا في حياتنا الراهنة، وليس ثمة قضية أخرى أولى منها بالتفكير والكتابة والتحليل والعلاج، خصوصًا بعد محنة عربية لم يكتف فيها الأخطبوط-العنكبوت المتجدد بتدمير بلدين عربيين، وسَوْق عشرات الألوف إلى المذبحة، وتمريغ تراث حضاري كامل في الوحل، بل ما يزال ينسج خيوطه ويدبر لمحنٍ أخرى ربما تكون أدهى وأَمَر. ولا بُدَّ أن يثير النموذج القديم المتجدد أسئلة من هذا النوع: إلى أي حدٍّ يمكن القول بأن تراث الماضي يؤثر على الحاضر والمستقبل، وأن بعض رواسبه من أقدم العهود ما تزال فعالة إلى يومنا الراهن (لا سيما تلك الرواسب التي تتمثل في صوره اللا إنسانية القبيحة وقيمه السلبية لا في جوانبه الحضارية والإنسانية الحية المشرقة؟) وإذا كان التراث — كما تدل التسمية نفسها — هو فعل البشر وإنجازهم في الزمان والتاريخ، فمتى ندرك أن التراث متجدد، وأنه يطالبنا دائمًا بمراجعته ونقده وتجاوزه بصنع تراث آخر له قيم أخرى، تحول القديم وتغيره، ثم لا تلبث أن تصب في النهر الكبير المتدفق الذي صنعه الموتى ويواصل الأحياء صنعه؟ متى نعلم أن «التراث» بمعناه الحقيقي هو ثورة الأقدمين الذين ذهبوا، وأن الثورة والتقدم والنهضة والاستنارة هي تراث الحاضرين والقادمين الذين لم يأتوا بعد؟ وإذا كنا قد ورثنا ركامًا ضخمًا من التقاليد — أو الرذائل الموروثة! — وأنماط التفكير والشعور والسلوك المتخلِّفة بكل المقاييس الإنسانية والعلمية، فمتى نلقي بها في متاحف التاريخ أو مزابله؟ ومتى تصح عزيمتنا على التغيير الذي أثبتت أقسى التجارب في تاريخنا — وآخرها المحنة الأخيرة — أننا عاجزون عنه أو خائفون منه أو رافضون له؟ وإذا كنا قد وصلنا إلى حضيض التناقض الرهيب الذي يتمثل — كما قلت في موضوع آخر — في التدمير الذاتي أو الانتحار الجماعي المتزامن مع التطلع المستمر للتحرر والتحضر والتقدم … إلخ، فإلى متى نصبر على تسلُّط بعضنا على بعض، وأكل الأخ منا لحم أخيه، والوقوع في شبكة تدميرنا لأنفسنا بأنفسنا كما تفعل حيوانات شرسة آن أوان انقراضها، بينما «الصيَّاد» الجشع الحقود يتلذذ بالتفرج علينا ويعمل على تصفية وجودنا المادي والمعنوي وإقامة دولته الكبرى على أشلائنا وبقايانا؟ وإذا كان التسلط والاستبداد وسائر ما يقترن بهما١٩ ويتداخل معهما من اللا قيم أمورًا ملازمة لكل تجمع بشري، ألا يكون السؤال الأسبق هو كيف تصبح ممكنة؟ وما الذي جعلها ويجعلها ممكنة؟ وفي داخل أي سياق أو أي نظام أو بالأحرى لا نظام؟ ومتى تجتمع الإرادة والوعي بالحاضر الذي هو جنين المستقبل على تحرير الشخص العربي في ظلِّ نظام عربي حر، ومن خلال تربية ديموقراطية وعلمية حرة ربما يطول دربها ولكنه هو الدرب الوحيد والمأمون والأكيد؟ وأخيرًا كيف نحقق ذلك كله بالأفعال لا بالأقوال والأصوات المرتفعة التي أصمَّت الآذان وأعمت العقول طوال نصف القرن الأخير على ألسنة عدد كبير من المعذِّبين في الأرض (بتشديد الذال وكسرها!) من أشباه المثقفين وأشباه الثوريين؟! حسب «جلجاميش» إذن أن يثير مثل هذه الأسئلة وغيرها كثير، وإذا كان من الظلم — بطبيعة الحال — أن نحمِّل الملحمة وبطلها مسئولية تراث ثقيل ممتد من القهر والتسلط والطغيان والاستبداد، فقد أَثَرْتُ قضية «النموذج الأولى» للمستبد الشرقي كما أَثَرْتُ غيرها من القضايا والأسئلة؛ لكي أؤكد أن معايشة النص القديم (والوسيط والحديث) من داخله ومحاولة قراءته وتفسيره من وجهة نظر ذاتية–تاريخية تجعله يحتمل قراءات وتفسيرات ويثير أسئلة لا حصر لها، والمهم أن يكون التفسير مقنعًا ومتسقًا وإن عجز عن أن يكون ملزمًا من الناحية العلمية، والأهم من ذلك أن ينطلق من الحاضر — بعيدًا عن أي إسقاط فج؛ لأن رؤية الماضي في الحاضر أو الحاضر في الماضي أمر مشروع من حيث المبدأ عند من يأخذون بذلك المنحى في القراءة والتفسير، أو إن شئت في «الترجمة» بالمعنى الذي أشرت إليه، وبخاصة في الأحوال التي نتصدى فيها لفهم وترجمة نص قديم ينتمي لحضارة قديمة كادت أن تنقطع بيننا وبينها أسباب التواصل والاتصال … وربما يكون من مآثر هذه «الترجمة» وأمثالها أن تجدد حضور هذه الحضارة في وعينا، وأن تخرجها من دائرة «الظلام» و«الموت» التي ألقاها فيها بعض كبار علمائها «الآخرين» من الباحثين الغربيين،٢٠ وأن تتيح لنا النظر في بعض مشكلاتنا وقضايانا التي تمتد جذورها المأساوية في تربة الماضي السحيق، وتفرش ظلالها وأشواكها دروب الحاضر المرتبك والمستقبل المجهول، وإذا كانت تُحفَر للعرب اليوم حفرة كبيرة، يشاركون هم أنفسهم بالدور الأكبر في تعميقها، فإن جلجاميش يشير لهم من بعيد إلى سبيل النجاة الوحيد: إلى العمل والبناء والإبداع الحضاري … (١٨) هل بقيت ثَمَّ مبررات لهذه الترجمة الجديدة؟ أجل، فالأعمال الأدبية الكبرى تعرف ترجمات عديدة في كلِّ اللغات الحية الحديثة والقديمة (التي نصفها ظلمًا بأنها لغات ميتة!) ومن هذه الأعمال ما يجب ترجمته من حين إلى حين، تبعًا لتطور فهمه وتفسيره واكتشاف المزيد من أبعاده ودلالاته و«أسراره» على ضوء المعطيات المستجدة، وجلجاميش بالذات تستحق أن تُتَرْجَم أكثر من مرة في أي لغة من اللغات الحية، لا لأنها درة أدبية لا يسطع بريق جوهرها الأصيل إلا بلمسات عدد كبير من الصائغين، مثلها في ذلك مثل ملحمتَي: هوميروس وأوديب وهاملت وفاوست … وغيرها من الروائع الغربية والشرقية، ولكن لسببٍ آخر أهم، وهو أن الحفريات الأثرية لا تفتأ تظهر من طوايا الأرض والبلى والنسيان كسرات جديدة من ألواح الملحمة أو من ترجماتها القديمة، مما يساعد على إكمال الفجوات الناقصة وإصلاح السياق المضطرب؛ ولذلك كانت من الأعمال التي تفرض ترجمتها أو على الأقل مراجعة الترجمات المتوفرة، كلما اكتُشِفَت رقم أو لقي أثرية جديدة تحمل شواهد لغوية أو معلومات تاريخية لم تُعْرَف من قبل … ويكفي أن نعلم أن لها في الإنجليزية مثلًا أكثر من عشر ترجمات يلتزم بعضها بالأمانة العلمية الدقيقة، ويميل بعضها الآخر إلى التصرف الأدبي الحر، مع التفاوت بينها في مستوى الرصانة والتقيد بالأصل الأكدي، أو في درجة الحساسية والمرونة وشاعرية التعبير، ويصدق هذا أيضًا على الترجمات العربية المتاحة التي سننظر فيها بعد قليل. (١٩) والواقع أن ترجمة جلجاميش تواجه المتصدي لها بكل ما تحمله النصوص الشعرية العظيمة من مسئوليات وإشكالات يصعب حلها حتى على العارفين بلغتها الأصلية القديمة (وربما على هؤلاء أكثر من غيرهم!) إنها «ليست ترجمة لكلمات، بل لحياة نص نابض، محبة له وتفاعل واتحاد معه»؛٢١ ذلك لأن مترجم الشعر لا بُدَّ أن يكون مبدعًا لنص سبق إبداعه، وأن تكون غايته هي تحقيق نص جديد مكافئ بقدر الطاقة لروح الأصل وأنفاسه وإيقاعه وبنيته الداخلية ومناخه الثقافي العام، على الرغم مما تحتمه الترجمة — عند العبور بنظام صوتي ونحوي ودلالي إلى شاطئ نظام آخر — من ضياع الجرس الموسيقي المرتبط باللفظ الأصلي وضياع غيره من الجماليات الشكلية المرتبطة بجماليات المعنى والصورة٢٢ … إلخ، ناهيك عن ضرورة «التحام» أفق المترجم بأفق المؤلف الأصلي بكل ما يضمه من علاقات وإيحاءات ودلالات نفسية واجتماعية وثقافية وحضارية، مع الوعي المستمر بخصوصية النص الأصلي وعوامل اختلافه وجوانب أصالته التي لا يمكن نقلها وينبغي الاجتهاد في المحافظة عليها … وإذا التفتنا إلى الترجمات العربية المتاحة لجلجاميش وجب علينا أن نُرجع الفضل في أول محاولة رائدة لترجمتها للمرحوم العلَّامة طه باقر، وقد قام بها لأول مرة مع زميله الأستاذ بشير فرنسيس ونُشِرَت في مجلة «سومر» سنة ١٩٥٠م قبل أن تُنْشَر في طبعتها الرابعة سنة ١٩٧٤م، والحق أنها هي أيسر الترجمات وأقربها للقارئ وأجدرها بأن توصف بأنها أدبية وعلمية في وقتٍ واحد، فقد اعتمد فيها على الأصل الأكدي بجانب ترجمتَي: شبايزر وألكزندر هايديل، ولم يدَّخر وسعًا في الرجوع إلى ترجمة شوت الألمانية في كثيرٍ من المواضع، وذلك بالإضافة إلى المقدمة النافعة القيِّمة والتعليقات المفيدة الرصينة، غير أنها قد عدلت عن التقسيم الأصلي للملحمة إلى ألواح متتالية، واستعاضت عنه بتقسيمها إلى أربعة فصول فأضرَّت ببنيتها الأصلية، كما عمدت في كثيرٍ من المواضع المليئة بالفجوات والتشوهات إلى التلخيص وإدماج بعض السطور في بعضها وحذف بعضها الآخر وإلغاء التكرار الذي يميز هذه الملحمة والأدب الشعبي بعامة، ولا شك أن العالم المترجم قد أراد بذلك التيسير على القارئ بتقديم سياق متصل، ولكنه أفقده قدرًا كبيرًا من تكامله ووحدته الداخلية والشكلية، كما ضيَّع جانبًا من أصالته وجلاله القديم المرتبط بنقاطه وفجواته وفراغاته الكثيرة٢٣ … وأما عن ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد فهي جهد كبير لتحقيق ترجمة علمية شديدة الأمانة إلى حدِّ الوقوع في الحرفية وإغفال المعنى والسياق الكلي، وتقديم أعمدة بل ألواح كاملة في حالة يُرثى لها من التفكك والاضطراب بحيث لا يخرج منها القارئ بشيءٍ، ويبدو أن العالم الكبير في اللغة الأكدية والتاريخ القديم قد تصوَّر أن الترجمة «العلمية» هي الترجمة الحرفية الدقيقة، وأن هذه الدقة تتنافى مع الاجتهاد في حدس المعنى واقتراح البدائل الممكنة، والاهتداء بالمحاولات الأخرى في اللغات الحديثة؛ ولذلك تقتصر فائدة ترجمته على الدارسين للنص الأكدي، إذ تجشَّم المترجم الفاضل مشقة كتابته بالحروف العربية وشرحه شرحًا مفصلًا بالغ الدقة والاستقصاء، أما بالنسبة للقارئ العام فتُعَد هذه الترجمة — في تقديري — مأساة حقيقية … وأخيرًا فإن أحدث الترجمات للأستاذ فراس السواح قد تلافت معظم الأخطاء التي وقعت فيها الترجمتان السابقتان، كما بذلت جهدًا فائقًا في الرجوع إلى الترجمات الإنجليزية مع الاعتماد على ترجمة هايديل، وزودت القارئ بنص بالغ الحساسية والشاعرية — وذلك على حساب التركيب العربي الصحيح في بعض الأحيان! — مع مقدمة وتعليق رائعين يدلان على الاستبصار العميق والمكابدة الباطنة لروح النص وعلاقاته المتشابكة … (٢٠) ولقد شجعني على الإقدام على هذه الترجمة أمور ثلاثة: أولها أنني وجدت أن ترجمة شوت — بمراجعة العلامة فولفرام فون سودن — هي أَكْمَل الترجمات التي تيسَّر لي الاطلاع عليها وأكثرها اتساقًا وترابطًا في ترتيب الألواح، وقد بذل المترجم والمراجع غاية جهدهما في إكمال النسخة الآشورية ومحاولة سد ثغراتها والاجتهاد في تعويض نقصها بالاستعانة بالترجمتين: الحيثية والحورية وبالأصول السومرية، مع الحرص في كل الأحوال على تقديم نص دقيق ومقروء في آنٍ واحدٍ؛ ولذلك اعتمدت عليها وتقيدت بها مع تسجيل القراءات الأخرى الممكنة التي بَدَتْ لي أكثر معقولية وأقرب إلى المعنى الكلي، ولما كنت غير مختص في الآشوريات — كما اعترفت بذلك أكثر من مرة — فقد اكتفيت بهذه الترجمة التي ثبت لي أنها قد أضافت عشرات من السطور التي لم أجد لها أثرًا في أيِّ ترجمة أخرى، واجتهدت في تكملة عدد كبير من الكلمات والجمل والسطور التي أغفلتها تلك الترجمات أو تركتها ناقصة، وتجد كل هذه الاجتهادات المؤقتة في الكلمات والجمل والسطور التي كُتِبَت بالخط الأسود المكثَّف، أما النقط الموضوعة بين قوسين منكسرين […] فتُشِير إلى كلمات أو جمل تشوَّهت تمامًا بحيث استحال إصلاحها، وأما الكلمات القليلة التي وُضِعَت بين حاصرتين أو قوسين منحنيين (…) فهي زيادات أضفتها من عندي؛ بغية التوضيح والتيسير على القارئ، علاوة على الهوامش التي شرحت فيها ما وجب شرحه من الأساطير والقصص والأحداث وأسماء الآلهة والأشخاص والأماكن، ولست أدري إن كان البحث الحديث في علوم الآشوريات قد اهتدى إلى ألواح أو كسر من ألواح جديدة تعوض بعض النقص الملحوظ في مواضع عديدة من الملحمة، ولكن الذي أدريه أن الترجمات السابقة الذِّكر كانت نعم الرفيق والدليل الهادي طوال رحلتي المتواضعة مع هذه الترجمة؛ ولذلك يطيب لي أن أوجِّه لأصحابها — باسم القُرَّاء وباسمي — أصدق آيات الشكر والعرفان والتقدير … (٢١) والأمر الثاني الذي شجَّعني على الإقدام على المحاولة الخطرة أن صديق العمر الأستاذ الدكتور عوني عبد الرءوف العالم في فقه اللغات السامية القديمة قد أبدى استعداده لمراجعة الترجمة على الأصل الأكدي (ومبلغ علمي أنه هو العالم المصري الوحيد الذي يتقن هذه اللغة، ويقوم بتعليمها في كلية الألسن التابعة لجامعة عين شمس)، وإني لأتقدم إليه بصادق الامتنان والعرفان، كما أعبر عن سعادتي بالاشتراك معه في هذا العمل … والأمر الثالث والأخير: إن تجربة الترجمة كانت ضرورة اقتضتها تجربة أسبق منها، وهي كتابة الملحمة في عشر لوحات درامية تضمها مسرحية ملحمية بعنوان: «هو الذي طغى: محاكمة جلجاميش»، وقد خطر لي أن القارئ الذي اطلع على هذه المسرحية ربما يشعر بالحاجة إلى الرجوع للملحمة الأصلية على سبيل الائتناس بها أو المقارنة معها … والله أسأل أن لا أكون في الحالين قد حمَّلت «جلجاميش» أكثر مما يحتمل من شجون زماننا وهمومه، كما أتمنى أن ينبهني الإخوة والزملاء المختصون إلى الأخطاء التي وقعت فيها، وأرجو ألا تكون أخطاء جسيمة! … أشكره سبحانه إن كنت قد وُفِّقْتُ، وأستغفره إن كنت قد قصَّرت، فمنه وحده الهدى والسداد، وإليه ألجأ وإليه المصير. القاهرة في ١٢ أكتوبر ١٩٩١معبد الغفار مكاوي هوامش (١) تحظى دراسة جلجاميش باهتمام ملحوظ من علماء الآشوريات على اختلاف حقول تخصصهم، ويكفي القول بأنهم عقدوا لها وحدها مؤتمرهم السابع في باريس سنة ١٩٥٨، ونُشِرَت بحوثهم عنها في كتاب بعنوان: جلجاميش وحكايته الخارقة، جمعه بول جاريللي، ونُشِرَ في باريس سنة ١٩٦٠ بمناسبة اللقاء الدولي للآشوريات.Gilgamesh et sa legende. Etudes receuillies à L’occasion de la VII Rencontre Assyriologique Intrernationale (Paris, 1958) Paris, 1960, par Garelli. (٢) يُشكِّل السومريون والأكاديون الساميون الأرضية الحقيقية لحضارة ما بين النهرين، والسومريون شعب هاجر إلى أرض الرافدين بعد مغادرة موطنه الأصلي الذي لم يُعْرَف ولم يحدَّد موضعه حتى اليوم، والمنطقة التي استقروا فيها تعادل ثلثي المنطقة الواقعة جنوبي بغداد، والمحصورة بين مجرى نهر الفرات ودجلة، وقد سُمِّيَت سومر أو شومر. اختلط هذا الشعب الفذ بالسكان الأصليين منذ هجرته إلى أرض الرافدين حوالي منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، وبقي تأثيره الحضاري والثقافي من حيث اللغة والدين والكتابة المسمارية (أو الأسفينية التي يرجع له الفضل في اختراعها) مستمرًّا خلال جميع العصور التاريخية حتى ساعة انطفاء الومضة الأخيرة من حضارة الكتابة المسمارية في الشرق القديم. والمهم أن السومريين قدَّموا النموذج الحضاري والثقافي الذي بقي حيًّا مؤثرًا بعد زوال دولهم وتخريب مدنهم وانقراض شعوبهم، وأن البابليين والآشوريين قد أخذوا عنهم — بجانب الكتابة المسمارية على الألواح الطينية — الكثير من نماذج التفكير والتدين والحكم والعمل، ومن أشكالهم الفنية وأجناسهم الأدبية، ثم طوروها بعد ذلك في أعمال أنضج وأكمل، وأَشْهَر الأمثلة على ذلك هي ملحمة جلجاميش نفسها التي تقوم في جزء منها على الأقل على أصول قصصية سومرية سنعرفها بعد قليل … (٣) كانت أوروك — التي أطلق عليها العرب اسم الوركاء الذي تُعْرَف به في الوقت الحاضر — تقع على شاطئ الفرات بين خطي العرض ٣١ و٢٠ شمالًا وخطي الطول ٤٥ و٤٠ شرقًا، وتوجد أطلالها في الصحراء على بعد عشرين كيلومترًا من نهر الفرات بالقرب من بلدة الخضر، وقد كشفت عن هذه الأطلال ودرستها بعثة ألمانية من العلماء الأثريين الذين بدءوا حفائرهم وبحوثهم بين عامَي ١٩١٣ و١٩١٤م، ثم استأنفوها بين عامَي ١٩٢٨ و١٩٣٩م، وواصلوها سنة ١٩٥٣م، ونشروا تقريرهم المؤقت عن أطلالها ضمن بحوث الأكاديمية البروسية للعلوم بين سنتَيْ ١٩٣٠ و١٩٤٠م. (٤) تجد الترجمة الإنجليزية الكاملة لهذه القصص في الكتاب المعروف: نصوص من الشرق الأدنى القديم في ارتباطها بالعهد القديم، الطبعة الثانية، برينستون ١٩٥٥م للأستاذ ج. بريتشارد وزملائه، كما تجدها كذلك للمترجم نفسه، وهو كريمر في كتابه عن الأساطير السومرية، نيويورك، ١٩٦١م، ص٣٣–٤١، وجدير بالملاحظة أن اسم جلجاميش في السومرية معناه المحارب الذي في المقدمة أو الرجل الذي سينبت شجرة أي سيكوِّن أسرة. (٥) هي إحدى المدن السومرية القديمة، تُعْرَف في الوقت الحاضر باسم تل الأحيمر، وتقع على بُعْدِ حوالي خمسة عشر كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من بابل … (٦) استوحيت إحدى هذه البكائيات على المدن السومرية (وهي مدينة أور) في مسرحية قصيرة «رؤيا ننجال» أو «أبدًا لن تسقط أور» راجع [تمهيد: هامش رقم ١٥]. (٧) وصفت جنة ديلمون في أحد الألواح التي عثر عليها في مدينة نيبور — أو نفر — السومرية القديمة (التي ظلت مركزًا للنشاط الثقافي منذ العصور السومرية المبكرة حتى منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، واشتهرت بعبادة الإله إنليل وبمعبده المعروف باسم «إيكور» أو بيت الجبل، ووُجِدَ فيها أكثر ما نعرفه من ألواح الأدب السومري) وُصِفَت بهذه العبارات الجميلة: «لا يُسْمَع فيها نعيب الغراب، ولا صرخة طائر الموت، ولا يلتهم الأسد والذئب الحمل الضعيف، ولا تنوح الحمامة، ويختفي منها الترمُّل واليتم والمرض والشيخوخة والشكوى والبكاء …» الحق أنَّ هذه الصُّور عن عالم بريء ربما وُجِدَ في أيام الخلق الأولى لا تتطابق مع صورة «جزيرة الحياة» التي يحيا فيها أو ثنابشتيم البعيد — أو نوح البابلي — وزوجته حياة أبدية خالدة، ويكفي أن نوح الملحمة البابلية رجل خامل مستلق على ظهره كأنه جثة مخدرة … (٨) امتدَّ حكم الدولة أو السلالة الأكدية الأولى من حوالي سنة ٢٣٣٤ إلى حوالي سنة ٢١٥٤ق.م ومؤسسها هو سرجون العظيم (٢٣٣٤–٢٢٧٩) الذي سبق ذكره، واقترنت بمولده قصص خارقة تشبه تلك التي اقترنت بمولد الإسكندر الأكبر … أما الدولة أو السلالة البابلية الأولى أو القديمة فقد امتد حكمها المجيد من حوالي سنة ١٨٩٤ إلى حوالي سنة ١٥٩٥ق.م، ولمع فيها اسم أعظم ملوكها حمورابي صاحب الشريعة المشهورة (من ١٧٩٢ق.م إلى ١٧٥٠ق.م). (٩) من أهم هذه الشذرات الباقية من العصر البابلي القديم: (١) شذرة ترجع كتابتها لحوالي سنة ١٨٠٠ق.م. وتوجد في متحف برلين، وهي معروفة باسم شذرة ميسنر، نسبة للعالم الذي نشرها لأول مرة سنة ١٩٠٢م، ويبدو أن القصة التي ترويها قد أضيفت إلى اللوح العاشر من الملحمة بعد تغيير مضمونها. (٢) شذرتان أحدث من السابقة بحوالي مائة عام، وتُعْرَفان باسم لوح بنسيلفانيا ولوح بيل نسبة إلى متحف الجامعتين الأمريكيتين اللتين تحتفظان بهما، ويظهر مضمونهما — بعد اختصاره وتغييره — في الأجزاء الأخيرة من اللوحين الأول والثاني وفي بداية اللوح الأول من الملحمة المتداولة اليوم (٣) لوح في متحف بغداد يبدو أنه كان من ألواح التدريب على الكتابة بالخط المسماري الذي كان يتمرن عليه التلاميذ، وهو يروي أحد أحلام جلجاميش التي تذكرنا بالأحلام الثلاثة الواردة في اللوح الخامس من الملحمة، وقد استعان المترجم الألماني ألبيرت شوت بنص هذه الشذرة في استكمال الخروم والفجوات التي وجدها في النص الآشوري الحديث. (٤) شذرة نشر نصها العالم ن. باور سنة ١٩٥٧م في مجلة دراسات الشرق الأدنى، وعليها قصة قتل المارد خمبايا حارس غابة الأرز، وهي تقابل الجزء الأخير من اللوح الخامس من الملحمة وإن لم تتطابق معه، وتختلف نصوص الشذرات السابقة الذكر اختلافًا كبيرًا عن نصوص القصص السومرية التي لخصناها، مما يدل على أن الصياغة البابلية للملحمة كانت قد بدأت بالفعل قبل أن تكتمل وتتوحد على الصورة المعروفة، وقد عُثِرَ بين وثائق الملوك الحيثيين التي وُجِدَت في أطلال عاصمتهم حاتتوشاش — التي كانت تقع قديمًا على نهر الهاليس (قزيل إيرخق الحالي) بالقرب من قرية «بوغاز كوى» التركية في آسيا الوسطى — على شذرات أخرى أحدث من السابقة بما يقرب من أربعة قرون، وقد كُتِبَ أحد ألواحها باللغة الأكدية، واستكمل به العلماء نواقص العمود الثاني من اللوح الخامس للملحمة، كما ضاهوا بعض أجزائه على اللوح السادس، وأما بقية الشذرات فقد كُتِبَت باللغة الحيثية ونَشَرَ معظمها العالم الألماني يوليوس فريدريش في مجلة الآشوريات؛ المجلد ٣٩ لسنة ١٩٣٠، واستعانت بها الترجمة الألمانية التي اعتمدت عليها في تكملة فجوات النص الآشوري في بداية اللوحين: الأول والسابع، والأعمدة من الثالث إلى الخامس من اللوح الخامس … وأخيرًا وُجِدَت شذرات أخرى في «سلطان تبه» بجنوب تركيا، كما وُجِدَت في بوغاز كوى بعض شذرات باللغة الحورية ولم يتمكن العلماء إلى اليوم من فك جميع رموزها، وعُثِرَ في أطلال مدينة «مجيدو» الفلسطينية القديمة على شذرة تحتوي على أجزاء من اللوح السابع عن موت أنكيدو، وربما تشير — كما تقول الأستاذة ساندرز في مقدمة ترجمتها الأدبية — إلى احتمال وجود نسخة كنعانية متأخرة من الملحمة أو أجزاء منها كانت معروفة أو على الأقل قريبة من مؤلفي الأسفار الأولى للعهد القديم، وعلى كلِّ حال فإن هذه الشذرة ترجع إلى نفس الفترة الزمنية التي دُوِّنَت فيها الشذرات السابقة على عهد الملوك الحيثيين الذين عاصروا الفرعون أمينوفيس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة (١٤٠٥–١٣٨٠ق.م) وابنه أمينوفيس الرابع (وهو إخناتون الشهير من ١٣٧٠–١٣٥٢ق.م) وتبادلوا معها رسائل مدونة بالخط المسماري عُثِرَ عليها في تل العمارنة وسُمِّيَت باسم عاصمة الموحد العظيم، أي رسائل تل العمارنة …وجدير بالذكر أن بعثة الآثار الألمانية قد عثرت في مدينة أوروك نفسها — وهي مدينة جلجاميش أو الوركاء حاليًّا والورقاء كما سماها العرب وتقع أطلالها اليوم قرب خضر الدراجي في محافظة المثنى — على شذرتين مدونتين باللغة الأكدية، ويرجَّح أنهما يرجعان للقرن السادس قبل الميلاد، ووُجِدَت شذرات أصغر حجمًا في أطلال العاصمة الآشورية القديمة آشور على نهر دجلة، وكذلك على تل «سلطان تبة» جنوبي تركيا بالقرب من مدينة حرَّان، وقد توفَّر بعض علماء الآشوريات — مثل فلكنشتين وايبيلنج وجورني وهايدل — على نشر هذه الشذرات، وأفاد منها مترجمو الملحمة في إصلاح وتكملة أجزاء عن بعض ألواحها (كالثاني والرابع والسابع والثامن) ومحاولة التنسيق بين مختلف أجزائها في وحدة متجانسة، وذلك على الرغم من الفروق الكثيرة التي تفصل بين الأصول الأكدية والترجمات الحيثية، كما تباعد بين الأماكن والأزمان التي وُجِدَت فيها تلك الشذرات … (راجع مقدمة ألبرت شوت لترجمته للملحمة ومراجعة العلَّامة فون سودن، اشتوتجارت، ركلام ١٩٥٨م، ص٨–١٣.)Das Gilgamesch Epos-Neu ubersetzt und mit Anmerkungen versehen von Albert Schott. Durchgesehen und ergänzt von Wolfram von Soden Stuttgart, Reclam-veriag, 1958, s. 8–16. (١٠) كشف الأثري الإنجليزي «أوستين هنري لايارد» سنة ١٨٣٩م عن مدينتَي: نينوى ونمرود ومكتبة القصر الملكي بألواحها الطينية التي حملها إلى المتحف البريطاني وزادت عن الخمسة والعشرين ألف لوح … ثم كشف مساعده «رسام» سنة ١٨٥٣م عن ذلك الجزء من المكتبة التي دُوِّنَت عليه أشعار الملحمة في نسختها الآشورية الأخيرة، وبدأ العالم الإنجليزي هنري رولينصون عملية فك رموز الخط المسماري، ثم قدَّم العالم جورج سميث في ديسمبر سنة ١٨٧٢م تقريرًا عن اللوح الحادي عشر الذي يروي قصة الطوفان مع مختصر لقصة جلجاميش أمام جمعية آثار الكتاب المقدس، وأخرج بول هلويت في سنة ١٨٩٤-١٨٩٥م نصوصها المسمارية لأول مرة، وتتابع اكتشاف ألواح الملحمة في نينوى ونيبور (نفر القريبة من عفك بمحافظة القادسية) بإشراف جون بينيت بيترز وبعثة جامعة بنسلفانيا في سنة ١٨٨٩م، وتوزعت هذه الألواح على متاحف العالم المختلفة في إسطنبول وفيلادلفيا ولندن وبغداد، حتى تم تجميع ألواح الملحمة وحل رموزها وتحقيق نصوصها الأكدية بالخط المسماري ونشرها نشرة علمية بين سنتي: ١٩٢٨ و١٩٣٠م بفضل العالم الإنجليزي ي. س. طومسون، ثم توالت بعد ذلك محاولات ترجمتها إلى اللغات العالمية الحديثة، وكذلك محاولات استلهامها في صور وأشكال أدبية وفنية مختلفة … (١١) تقول الأستاذة ساندرز (ص٤٦ من صياغتها الأدبية لملحمة جلجاميش، طبعة بنجوين، ١٩٧٢): إنه ليس من المستحيل أن يكون هوميروس قد سمع عن قصة جلجاميش من أحد الملاحين الإغريق الذين كانوا يبحرون من آيونيا في آسيا الصغرى، ومن الجزر اليونانية في بحر إيجه إلى الساحل السومري ويتصلون بالآشوريين.ولا يستبعد أن يكون آشور بانيبال قد سمع شيئًا من الإلياذة من أحد المنشدين الإغريق، إذ ليس ذلك أيضًا بمستحيل … والمهم أن الجو العام السائد من القرنين الثامن والسابع إلى القرن الخامس قبل الميلاد يرجح احتمالات التأثير أو التأثر بين الإغريق وغيرهم من شعوب الشرق الأدنى القديم في الفلسفة والعلم الطبيعي والرياضي والأدب والاقتصاد، وإن لم تتوفر الأدلة والشواهد الأثرية التي تؤكد ذلك على نحو قاطع … ومع ذلك فهناك عدد كبير من بحوث الأدب المقارن التي تقرب بعض أبطال الأوديسة والإلياذة والأساطير الإغريقية من جلجاميش، فمغامرة أوديسيوس وجلجاميش وأسفارهما تنتهي بعودتهما إلى مسقط رأسهما، وكلاهما رفض طلبًا من ربة للزواج منه، وتكلم مع صديقه الذي سبقه إلى عالم الموتى، وكما حملت الربة تيتيس أخيل ورعته فإن جلجاميش هو ابن الربة الحكيمة نينسون، والعلاقة الحميمة بين أخيل وباتروكليس في الإلياذة تشبه علاقة المحبة والوفاء النادرة بين جلجاميش وأنكيدو، وكلاهما بكى صديقه بكاءً مفجعًا … وكما كان بوزايدون إله البحر هو الإله الوحيد الذي تآمر على أوديسيوس ودبر لهلاكه، فقد كان إنليل هو الرب الوحيد في مجمع الأرباب السومريين الذي رفض إنقاذ أوتنابشتيم من الطوفان وصمَّم على موت أنكيدو … وإذا كان الأرباب هم الذين بنوا أسوار طروادة، فإن الحكماء السبعة الأسطوريين هم الذين أسسوا سور أوروك الذي يتغنى به شاعر الملحمة وبطلها في البداية والنهاية، وربما كان التشابه بين هرقل وجلجاميش أكثر وضوحًا، سواء نظرنا إلى أعمالهما البطولية وصراعهما مع الوحوش الضارية، أو إلى أصولهما الإلهية، أو صداقتهما المؤثرة لأيولوس وأنكيدو على الترتيب، أو مواقفهما من الآلهة المحبة (ديانيرا وعشتار)، أو عثورهما على عشب الخلود … (سامي سعيد الأحمد، ملحمة جلجاميش، بيروت وبغداد ١٩٨٤م، ص٢٤–٢٦.) (١٢) علمت بعد الاطلاع على ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد للملحمة عن الأكدية — بيروت وبغداد ١٩٨٤م — بوجود ثلاث ترجمات شعرية لا تزال مخطوطة للأستاذة عبد الكريم محمود الشيخ علي والمرحوم مهدي جاسم وإبراهيم نصر، بالإضافة إلى مسرحية شعرية للمرحوم حازم سعيد أحمد نُشِرَت في «الكتاب» بين سنتَي ١٩٧٤م و١٩٧٥م (ملحمة جلجاميش، ص٦) وتوحي المقاطع المقتبسة منها بأنها أراجيز أو منظومات موزونة ومقفاة، مثل منظومة الشاعر عبد الحق الفاضل، وليست إبداعات شعرية حقيقية … (١٣) قارن للمؤلفين المذكورين: جدل التنوير، شذرات فلسفية، فرانكفورت، ١٩٨٨م فيشر، الملحق ١ (أوديسيوس أو الأسطورة والتنوير) ص٥٠–٨٧. (١٤) انظر لكاتب هذه السطور: «جلجاميش وجذور الطغيان»، قراءة في نص قديم، وأسئلة تفرضها المحنة، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، العدد الثاني والأربعون، شتاء ١٩٩٣م، جامعة الكويت. (١٥) نُشِرَت هاتان المسرحيتان وهي السيد والعبد ورؤيا نينجال (أو أبدًا لن تسقط أور) ضمن كتاب «القيصر الأصفر ومسرحيات أخرى شرقية»، كتاب الهلال يونيو ١٩٨٩م، أما «حكمة بابل» فقد ظهرت تحت عنوان «جذور الاستبداد، قراءة في أدب قديم» في سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد ديسمبر ١٩٩٤م. (١٦) ظهرت المسرحية في كتاب الهلال، القاهرة، عدد شهر فبراير ١٩٩٢م، تحت عنوان: «هو الذي طغى: محاكمة جلجاميش». (١٧) راجع صورة هذا النحت البارز من القرن الثالث قبل الميلاد، والقصيدة المعبرة عنه في كتابي: «قصيدة وصورة: الشعر والتصوير عبر العصور»، الكويت، عالم المعرفة، العدد ١١٩، تشرين الثاني ١٩٨٧م. (١٨) أدين بهذه اللفتة إلى اللحظة الخالدة للأستاذ فراس السواح الذي نسب أبيات الشاعر الإغريقي بندار سهوًا إلى طاغور: آه يا روحي … لا تطمحي إلى الخلود، بل استنفدي حدود الممكن (انظر ترجمته للملحمة صفحة ٧ و١٥). (١٩) لا شك في وجود فروق دقيقة بين مفاهيم التسلط والاستبداد والطغيان وما يقترن بها ويتداخل معها من مفاهيم القمع والعدوان والإرهاب والتعذيب، باختلاف مستوياتها وزوايا النظر إليها في إطار البنى والسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية المختلفة، وأعتقد أنه ليست هناك خدمة للأجيال الحاضرة والمقبلة أَجَل ولا أولى من عكوف أصحاب العقول والأقلام الجادة — من كُتَّاب وفنانين وباحثين — على هذا الموضوع الذي هو قضية القضايا في تاريخنا وحياتنا الشعورية والسلوكية والثقافية، ومبلغ علمي على كل حال أن من رواد البحث النفسي والاجتماعي والتاريخي في هذه القضية الكبرى الأساتذة والدكاترة: لويس كامل مليكة وعبد الستار إبراهيم وخلدون حسن النقيب ومحمود إسماعيل (وربما تكون قد غابت عني بعض الأسماء الجديرة بكلِّ التقدير والاحترام)، أما في الأدب والفن فلعلي لا أبالغ إذا قلت: إن أصدق الأصوات وأعمقها وأكثرها جدية وأمانة قد ارتفعت في وجه الأخطبوط العجوز الذي لم يزل يتجدد — كما قلت — بأشكال مختلفة، وكأنما يتغذى خفية على نبتة الخلود الشائكة التي حُرِمَ منها جلجاميش في النهاية … ولا ننسى أخيرًا ملايين الصابرين العاملين في صمت في مختلف ميادين الفكر والبحث العلمي والحياة العملية واليومية الذين زهدوا في أضواء المسرح وترفعوا عن الثرثرة ورفع الشعارات الملتبسة بينما الجميع في حندس يتصادم على حد تعبير شيخ المعرة … (٢٠) يكفي أن أذكر هنا عنواني كتابين من أهم الكتب التي وضعها عالمان كبيران من علماء الآشوريات (السومريات والأكديات) وهما: توركيلد جاكوبسن في كتابه «كنوز الظلام» (مطبعة جامعية بيل، نيوهافين، ١٩٧٦م)، وأ. ليو أوينهايم في كتابه «بلاد النهرين القديمة: صورة حضارة ميتة» (شيكاغو، ١٩٦٤م). (٢١) فراس السواح، كنوز الأعماق: قراءة في ملحمة جلجاميش، دمشق، العربي للطباعة والنشر، ١٩٨٧م، ص١٤. (٢٢) راجع لكاتب هذه السطور: ترجمة الشعر، مع نماذج من شعرنا الجديد بالألمانية، مجلة فصول، القاهرة، المجلد الثامن، ديسمبر ١٩٨٩م، ص١٧٩–٢٠٠. (٢٣) راجع مناقشة فراس السواح لهذه الترجمة ولترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد في مقدمة ترجمته السابقة الذكر (كنوز الأعماق، من ص٦٠–٦٤ ومن صفحة ٦٤–٧٢)، وهناك ترجمات عربية أخرى لم أتمكن للأسف من التوصل إليها مثل ترجمة المرحوم الدكتور نجيب ميخائيل إبراهيم في كتابه «حضارة العراق القديمة»، وترجمة الدكتور أنيس فريحة في كتابه ملاحم وأساطير من الأدب السامي القديم، وترجمة الأستاذ عزيز حداد عن النص الروسي للأستاذين: دياكونوف وبرافيموف، وترجمة الأستاذين: محمد نبيل نوفل وفاروق حافظ القاضي عن الصياغة الأدبية للعالمة الأثرية ن. ك. ساندرز. ملحمة جلجاميش
اللوح الأول العمود الأول (١) هو الذي رأى كلَّ شيءٍ في تخوم البلاد،١ (٢) عرف البحار، وأحاط علمًا بكلِّ شيءٍ، (٣) كما نفذ ببصره إلى أشد الأسرار غموضًا. (٤) امتلك الحكمة والمعرفة بجميع الأشياء، (٥) واطلع كذلك على المكنون، وكشف عن الأمور الخافية. (٦) جلب معه أخبار (العهود السابقة) على الطوفان، (٧) وقطع طريقًا بعيدًا، حتى أصابه التعب (ونال منه) الإرهاق، (٨) ونقش على نصب حجري كل ما عاناه. (٩) أمر ببناء سور أوروك (الفيحاء)،٢ (١٠) حول معبد إيانا المقدس، وحرمها السني. (١١) انظرْ إلى (جدار) سوره الذي تتألق أفاريزه، كأنما صُنِعَت من نحاس! (١٢) تأمَّلْ قاعدته! فليس لها (في أعمال البشر) شبيه! (١٣) وتلمَّسِ العتبة الحجرية — الموجودة في مكانها من أقدم الأزمان! (١٤) اقترِبْ من إيانا، مقام عشتار، (١٥) الذي لا يماثله عمل ملك لاحق ولا (يدانيه عمل) إنسان، (١٦) واعتلِ كذلك سور أوروك، تَمشَّ عليه. (١٧) اختبر أسسه، تفحص لبناته. (١٨) أَوَلم تصنع من آجر مفخور؟٣ (١٩) أَوَلم يضع الحكماء السبعة أسسه؟٤ … [ثغرة صغيرة.]٥ … (٣) لمَّا خُلِقَ جلجاميش،٦ (٤) أكمل بطل الآلهة هيئته، (٥) اشترك الآلهة في صنع صورته؛ (٦) فأضفى عليه الجمال شمش السماوي، وحباه أدد٧ البطولة. (٧) على أروع صورة خلق الآلهة العظام جلجاميش: بلغ طول قامته أحد عشر ذراعًا، (٨) وعرض صدره تسعة أشبار.٨ العمود الثاني (١) ثلثاه إلهي، والثلث (الباقي) بشري! (٢) وهيئة جسمه شامخة.٩،  ١٠ …١١ *** (٨) كالثور الوحشي مهيبة خطاه، (٩) وبأس سلاحه ليس له نظير.١٢ (١٠) على (دقات) الطبول تستيقظ رعيته.١٣ (١١) (وكم) ثار أهل أوروك ساخطين: … (١٢) «جلجاميش» لا يترك الابن لأبيه. (١٣) يقهر الشعب بالليل وفي وضح النهار، (١٤) (مع أن) جلجاميش هو راعي حمى أوروك، (١٥) (وهو) الفائق القوة والجمال، والخبير الحكيم. (١٦) إن جلجاميش لا يترك العذراء لحبيبها، (١٧) (ولا) ابنة البطل، ولا زوجة المحارب. (١٨) سمع شكواهم الآلهة العظام. (١٩) فنادت آلهة السماء «آنو» سيد أوروك:١٤ (٢٠) ألم تكن أنت الذي خلق الثور الوحشي العنيد؟١٥ (٢١) إن بأس سلاحه ليس له مثيل. (٢٢) على (أصوات) الطبول يوقظ رعاياه. (٢٣) جلجاميش لا يترك الابن لأبيه. يقهر شعبه بالليل وفي وضح النهار! (٢٤) وهو الراعي لحمى أوروك، (٢٥) هو راعيهم، وهو مع ذلك قاهرهم الظلوم! (٢٦) فائق القوة والجمال، وهو الخبير الحكيم! (٢٧) لا يترك جلجاميش العذراء لحبيبها، (٢٨) ولا ابنة البطل، ولا زوجة المحارب. (٢٩) سمع شكواهم آنو الجليل. (٣٠) ونادوا «آرورو»١٦ العظيمة (قائلين): «أنت يا مَن خلقت ما أمر به آنو! (٣١) اخلقي الآن ما يأمر به، وليكن له ندًّا يضارعه في جموح الفؤاد! (٣٢) ليتنافسا في الصراع، فتستريح أوروك!» (٣٣) ما إن سمعَتْ «آرورو» هذا (النداء)، حتى سوت في قلبها ما أمر به آنو.١٧ (٣٤) غسلت آرورو يديها. أخذت (قبضة) من الطين ورمتها في البرية.١٨ (٣٥) خلقت أنكيدو الجبار، بطلًا وربيب سكون الليل. حباه القوة «نينورتا».١٩ (٣٦) بشعر (كثيف) يكسو جسده كله. وشعر رأسه كشعر امرأة: (٣٧) جدائل شعر رأسه نامية كجدائل شعر «نصابا»،٢٠ (٣٨) وهو كذلك لا يعرف البلاد ولا الناس: ويلبس (من الثياب) مثلما يلبس «سموقان».٢١ (٣٩) يرعى الكلأ مع الغزلان، (٤٠) ويتدافع إلى موارد الماء مع الحيوان، (٤١) ويفرح قلبه بتزاحم القطعان على الماء. (٤٢) (تصادف) أن رآه عند موارد الماء صياد قنَّاص، (٤٤) واجهه يومًا، ويومًا ثانيًا، وثالثًا عند موارد الماء. (٤٥) لما رآه الصياد تجمَّد وجهه (من الخوف)، (٤٦) فدخل مع حيواناته إلى بيته. (٤٧) أصابه الهلع، ثم سكنت حركته وشُلَّ (لسانه). (٤٨) اضطرب قلبه، واكتأب محياه، (٤٩) ونفذ الغم إلى أعماقه، (٥٠) حتى صار وجهه أشبه بوجه مسافر جاب الدروب البعيدة. العمود الثالث (١) فتح الصياد فمه وقال لأبيه: (٢) «يا أبتِ لقد هبط رجل من الجبال، (٣) هو أقوى من في البلاد، وبأسه شديد، (٤) تشبه قوته الجبارة قبضة آنو، (٥) وهو لا ينفك يجوب الجبال (والتلال)، (٦) ويلتهم العشب مع الحيوان، (٧) وتتوقف قدماه عند موارد الماء، (٨) منعني الخوف فلم أَقْوَ على الاقتراب منه. (٩) ردم الحفر التي حفرت، (١٠) وقطع شباكي التي نصبت. (١١) جعل الوحش وحيوان البرية تفلت من بين يدي، (١٢) وصيد البرية حرَّمه عليَّ!» (١٣) فتح الأب فمه وقال للصياد: (١٤) «اعلم يا بني أن أوروك يعيش فيها جلجاميش، (١٥) ما من أحد فاقه في قوته؛ (١٦) فقوته الجبَّارة تشبه قبضة آنو. (١٧) يمِّمْ وجهَك شطر (هذا) الملك، (١٨) أنبئه بنبأ الرجل القوي (الجبار)، (١٩) وَلْيعطِك بغيًّا٢٢ تصحبها معك إلى البرية،٢٣ (٢٠) ولتتمكن المرأة منه بقوتها التي تفوق قوة الرجل، (٢١) وعندما (يأتي) مع الوحوش ليَرِدَ الماء، (٢٢)دعها تخلع ثوبها لينجذب إلى فتنتها؛٢٤ (٢٣) فسوف يتقرب منها، بمجرد أن يراها، (٢٤) لكن ستنكره حيواناته التي تربت معه في البرية!» (٢٥) عمل الصياد بمشورة أبيه، (٢٦) وانطلق في طريقه إلى جلجاميش، (٢٧) أخذ يغذُّ السير (حتى) استقر به المقام في أوروك: (٢٨) «استمع إليَّ يا جلجاميش، وجُدْ عليَّ بالنصيحة. (٢٩) هناك رجل متفرد هبط من الجبال، (٣٠) هو أقوى من في البلاد، وبأسه شديد، (٣١) قوته الجبارة تشبه قبضة آنو، (٣٢) وهو لا ينفك يجوب الجبال (والتلال)، (٣٣) ويلتهم العشب مع الحيوان، (٣٤) وتتوقف قدماه عند موارد الماء، (٣٥) وقد منعني الخوف من الاقتراب منه. (٣٦) ردم الحفر التي حفرتها، (٣٧) قطع الشباك التي نصبتها، (٣٨) جعل الوحش وحيوان البر يهرب من يدي، (٣٩) وحرَّم عليَّ القنص في البرية.» (٤٠) قال له جلجاميش، قال للصياد: (٤١) «اذهب يا صياد، وخذ معك بغيًّا. (خذ معك) المومس، (٤٢) فإذا ما اقترب الوحش البري ليرد الماء، (٤٣) فاجعلها تخلع ثوبها، وتكشف عن فتنتها، (٤٤) وما إن يقع عليها بصره، حتى يقترب منها، (٤٥) لكن حيواناته ستنكره، وهي التي تربت معه في البرية.» (٤٦) مضى الصياد مصطحبًا معه البغي، (مصطحبًا معه) المومس، (٤٧) وانطلقا قُدُمًا على الطريق الصحيح.٢٥ (٤٨) في اليوم الثالث بلغا الموضع المقصود، (٤٩) وقبع الصياد والبَغِي في مخبَئِهما. (٥٠) مكثا اليوم الأول، واليوم الثاني تجاه مورد الماء، وجاء حيوان البر وشرب من الماء. العمود الرابع (١) ورد الحيوان الماء فطاب فؤاده، (٢) أما أنكيدو، الذي كان موطنه في الجبال، (٣) والذي يأكل العشب مع الغزلان، (٤) ويَرِد الماء مع الحيوان، (٥) فقد طاب فؤاده مع حيوان البر عند الماء. (٦) رأته البغي، رأت الرجل الوحش، (٧) الرجل الجبار الآتي من أعماق البرية. (٨) «ها هو ذا، أيتها البغي! فاكشفي عن نهديك، (٩) افتحي حجرك لينغمس في التلذذ بك!٢٦ (١٠) لا تخجلي، بل خذي منه زفراته؛ (١١) فإنه متى ما رآك تقرَّب منك. (١٢) انشري ثوبك، كي ينطرح عليك، (١٣) وعلِّميه — وهو الوحش — صنعة المرأة، (١٤) وسوف تنكره حيواناته التي تربت معه في البرية. (١٥) ويطَؤُك فتحسي زخم (عاطفته).»٢٧ (١٦) كشفت البغي عن نهديها، فتحت حجرها،٢٨  فانغمس في التلذذ بمفاتنها. (١٧) لم يمنعها الخجل، فراحت تتلقى زفراته، (١٨) نشرت ثوبها لكي ينطرح عليها، (١٩) علَّمته — وهو الوحش (الفطري) — صنعة المرأة. (٢٠) (وأخذ يواقعها) فأحسَّتْ وطأته عليها.٢٩ (٢١) أنكيدو لبث متيقظًا ستة أيام وسبع ليال، قضاها في مضاجعة البغي. (٢٢) لما شبع من التمتع (بمفاتنها)، (٤٥) كان قد نسي المكان الذي وُلِدَ فيه.٣٠ (٢٣) توجَّهَ إلى إلفه من حيوان (البر)، (٢٤) فما إن رأته الظباء حتى وثبت ولاذت بالفرار، (٢٥) وهربت من الاقتراب من جسده حيوانات الفلاة. (٢٦) عاق أنكيدو عن الحركة (وأثقله) جسده النظيف.٣١ (٢٧) خذلته ركبتاه (عن اللحاق) بحيواناته الهاربة، (٢٨) وخارت قواه، ولم تَعُد مشيته كما كانت من قبل، (٢٩) غير أنه اكتسب الفهم، وصار واسع الحس. (٣٠) قفل راجعًا وجلس عند قدمي البَغِي، (٣١) راح يتأمل وجهها، وجه البَغِي، (٣٢) وتصيغ أذناه السمع إلى كلامها. (٣٣) قالت له البَغِي، قالت لأنكيدو: (٣٤) «حكيم أنت، يا أنكيدو، وشبيه بإله! (٣٥) فلماذا ترعى في البرية مع قطعان الحيوان؟ (٣٦) تعالى آخذك إلى أوروك ذات الأسوار،٣٢ (٣٧) إلى المعبد (الطاهر) السني، مقام آنو وعشتار؛ (٣٨) حيث يعيش جلجاميش الكامل القوة (والبأس)، (٣٩) الذي يجرب — كالثور الوحشي — قوته العاتية على الناس!» (٤٠) لما تكلمت إليه، وقع كلامها من نفسه موقع القبول (والاستحسان)؛ (٤١) فالفطن الحس يبحث عن صديق. (٤٢) قال لها أنكيدو، قال للبغي: (٤٣) «هلمي أيتها البغي، خذيني معك (٤٤) إلى المعبد السني، مقام آنو وعشتار، (٤٥) حيث يعيش جلجامش الكامل القوة (والبأس)، (٤٦) الذي يجرب — كالثور الوحشي — قوته الطاغية على الناس!٣٣ (٤٧) وأنا الذي سأطلبه وأكلمه بنفسي، وأعنفه في القول. العمود الخامس (١) سأهتف مناديًا في أوروك: «القوي هو أنا! (٢) متى دخلت (مكانًا)، غيَّرت فيه المصائر، (٣) إن المولود في البراري، لَذو قوة (وبأس عظيم)!»» (٤) – «تعالَ، هيا بنا نذهب (إليه)، وَلْيَرَ وجهك. (٥) سأدلك على جلجاميش، فأنا أعلم (أين) مكانه. (٦) هلمَّ بنا ندخل أوروك الحمى يا أنكيدو؛ (٧) حيث يزهو الرجال بأروع الأحزمة،٣٤ (٨) وكل يوم هناك يحتفل بعيد … (٩) حيث الغلمان يتنافسون في جلب الفرح (والمتعة)،٣٥،  ٣٦ (١٠) والبغايا (المقدسات) يفتن الأبصار كما ينتظر منهن، (١١) تغمرهن البهجة، ويمتلئن بالشهوة والنشوة. *** (١٣) أنكيدو، يا من لا تعرف الحياة، (١٤) سأريك جلجاميش المختلف في طبعه عنك!٣٧ (١٥) انظر إليه، تطلع إلى وجهه، (١٦) (تَرَه) رائع الرجولة، مكتمل القوة، (١٧) والبهجة تغمر جسده كله. (١٨) أنه يفوقك في قوته الجبارة، (١٩) (قَلِق) لا يهدأ ليلَ نهارَ. (٢٠) أنكيدو، تخلَّ عن غرورك؛٣٨ (٢١) فجلجاميش قد شمله شمش بعطفه (ورعايته)، (٢٢) كما حباه آنو وإنليل وإيا سعةَ الفهم.٣٩ (٢٣) وقبل أن تأتي أنت من ذلك الجبل، (٢٤) طفت بأحلامه (التي رآها)،٤٠ في أوروك: (٢٥) استيقظ جلجاميش (من نومه) وأخذ يقص رؤياه، على أمه وهو يقول: (٢٦) «أماه، لقد رأيت الليلةَ حلمًا: (٤) كنت أمشي بين الناس مزهوًّا بقوتي،٤١، ٤٢ (٦) عندما (أبصرت) نجوم السماء تحتشد من حولي، (٢٨) وهوى واحد منها عليَّ وكأنه قبضة آنو.٤٣ (٨) أردت أن أرفعه، فثقل عليَّ،٤٤ (٩) حاولت أن أحركه، ولكني لم أستطع أن أزحزحه! (١٠) تجمع حوله أهل أوروك. (١١) قبَّل رجالي قدميه، (١٢) عندما انحنيت عليه، (١٤) (حتى تمكنت) بمعاونتهم من رفعه وحمله إليك.» (١٥) ردَّت أم جلجاميش٤٥ الخبيرة بكلِّ شيء، قائلة له: (١٧) «ربما وُلِدَ لك نظير (١٨) في البراري يا جلجاميش، (١٩) وربته الجبال (والتلال) في الفلاة، (٢٠) إذا رأيته فسوف يفرح به فؤادك، (٢١) ويقبِّل الأبطال قدميه، (٢٢) وسوف تحتضنه، وتأتي به إليَّ.٤٦ العمود السادس (١) إنه أنكيدو القوي، الرفيق الذي يعين صديقه (في وقت) الشدة! (٢) وهو أقوى مَنْ في البلاد، بأسه شديد، (٣) وعزمه الجبار مثل قبضة آنو! (٤) لقد انحنيت عليه كما تنحني على امرأة، (٥) … ولكنه سينقذك المرة بعد المرة.» (٢٤) أخلد إلى النوم ورأى حلمًا آخر، (٢٥) قال لأمه: (٢٦) «أماه، لقد رأيت حلمًا آخر، (٢٧) … بحثت على الطريق في سوق أوروك، (٢٩) كانت ثمة فأس مطروحة، تجمع الناس حولها، (١٢) وتزاحم الشعب عليها. (٣١) بدا منظر هذه الفأس فظيعًا! (٣٢) ولما أبصرتها، شعرت بالفرح، (٣٣) وأحسست نحوها بالحب، فانحنيت عليها كما أنحني على امرأة، (٣٥) وتناولتها ووضعتها بجانبي.» (١٦) نينسون الحكيمة، العارفة بكلِّ شيء، قالت لابنها: (١٧) نينسون الحكيمة، العارفة بكلِّ شيء، قالت لجلجاميش: (١٨) «إنَّ الفأس التي رأيتها رجل، (١٩) سوف تنحني عليه كما تنحني على امرأة، (٢٠) وسوف أجعله ندًّا لك. (٢١) ثم إنه هو أنكيدو القوي، وهو الرفيق الذي يعين صديقه عند الشدة! (٢٢) إنه أقوى مَنْ في البلاد، وذو بأس شديد، (٢٣) وقوته الجبارة شبيهة بقبضة آنو!» (٢٤) عاد جلجاميش يقول لأمه: (٢٥) «عسى أن أنال هذا الحظ العظيم، (٢٦) فلَكَم أتمنى أن يكون لي صديق، (أو يكون لي) رفيق!» …٤٧ *** (٢٨) وأخذ جلجاميش يقص رؤاه.٤٨ (٦٢) هلمَّ بنا، انهض من على … الأرض!»٤٩ (٢٩) هكذا قالت البَغِي، وهي تكلم أنكيدو. (٣٠) وكانا وحدهما عند مورد الماء. هوامش (١) هذه هي الترجمة الآشورية التي نقلها طومبسون R. Campell Thompson. [المراجع] (٢) الكلمة الأصلية — في ترجمة «ألبيرت شوت» الألمانية التي نعتمد عليها بصورة أساسية بعد مراجعة العلامة «قولفرام فوق سودن» لها، واستكمالها من النسخ الأخرى والشذرات المختلفة المتبقية من ألواح الملحمة — تصف مدينة أوروك خلال النص كله بروض أوروك Uruk-Gart، وقد رأيت التصرف في الكلمة على هذا النحو، مع استخدام صفة أوروك الحمى في بعض الأحيان. (٣) كان الآجر المفخور أو المحروق (الطابوق) أعلى قيمة من الطين العادي المجفف، وكثيرًا ما كان يُغلَّف به الأخير. (٤) شاع بين السومريين أن الحكماء السبعة هم الذين وضعوا أصول الحضارة في بلادهم، وأسسوا مدنهم السبع القديمة قبل الطوفان بوحي من الآلهة والشرائع السماوية المنزلة أو من حكمتهم الفائقة، وهم بطبيعة الحال غير الحكماء السبعة الإغريق (طاليس وصولون وزملائهما المعروفين) وأقدم منهم بما يزيد على الألفي عام … (٥) يمكن تحديد هذه الثغرة بحوالي ثلاثين سطرًا مفقودة قياسًا باللوحات الأخرى، ولكن يمكن تحديد بعض السطور كما يلي بالاستعانة بمقدمة الترجمة الحيثية التي يمكن قراءتها بعد السطرين الأولين المشوشين تمامًا كما يلي. [المراجع] (٦) من ٤–٦ غير مذكورة لدى طومبسون. [المراجع] (٧) شمش السماوي هو إله الشمس، ورب العدل، وصديق البشر العطوف الذي يهدي الحائرين والتائهين في الفيافي والجبال، أما أدد فهو إله الرعود والعواصف والأمطار … (٨) ٩ وطول … كان ثلاث …١٠ والآن … التفت هنا وهناك ليرى البلاد.١١ وجاء إلى مدينة أوروك.وهنا ينقطع النص ويبدأ مع العمود الثاني تكملة لوصف جلجاميش وبعد هذا تبدأ الترجمة الحيثية في وصف جلجاميش. [المراجع] (٩) أو قوامه شامخ مهيب … (١٠) لا يبار بها أحد. [المراجع] (١١) من ٣–٧ لا يمكن قراءتها إطلاقًا لتلفها. [المراجع] (١٢) أي ليس له ند يصده ويصمد له، أو ليس لفتكه من نظير (راجع ترجمتي طه باقر وفراس السواح) … (١٣) أو أصحابه ورفاقه في السلاح، كأنما يستنفرون للقتال … (١٤) أو رب أوروك (الوركاء)، وآنو هو إله السماء وكبير الآلهة، وكانت أوروك هي مركز عبادته … (١٥) أو المخيف الجبار، والهائج الجامح. (١٦) هي إحدى الآلهات الموكلة بالخلْق … (١٧) أي إنها صورته في فؤادها وتخيلته على صورة آنو … (١٨) هكذا جاء هذا السطر في ترجمة طه باقر، أما المترجم الألماني، فيضع كلمة «في الخارج» التي يثبتها بالحروف المائلة كما فعل مع الكلمات والجمل التي لم تتأكد صحة ترجمتها بعدُ وطبعناها بالحبر الأسود المكثَّف … وفي ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد: وقرصت الطين (و) رمته على السهل (ص٥١). (١٩) «نينورتا» (سيد الأرض) هو إله الخصب، وإله الحرب والصيد، وابن «إنليل» إله الهواء والعواصف المدمرة … (٢٠) نصابا أو نيسابا هي إلهة الغلة والحبوب، وكانت جدائل شعرها تنساب على كتفيها كسنابل القمح الذهبية … (٢١) سموقان هو إله الرعي والماشية، والمقصود أن أنكيدو «وحش البرية» كان يرتدي جلود الحيوان. (٢٢) محظية أو غانية. [المراجع] (٢٣) هي إحدى بغايا المعبد اللائي كن يمارسن طقوس الدعارة المقدسة في معبد عشتار إلهة الحب والخصب والحرب … وقد كانت «شمخات» التي صحبها الصياد لإغراء «أنكيدو وحش البرية» بالحضور إلى أوروك وإعادة القانون والنظام إليها هي إحدى هذه البغايا، وصدق الأستاذ فراس السواح عندما أطلق عليها اسم «كاهنة الحب» … (٢٤) أو ينغمس في لذائذ الشهوة والاستمتاع بمفاتن الجسد … (٢٥) وانطلقا قُدُمًا، واختارا الطريق الأيمن. [المراجع] (٢٦)   في بعض الترجمات الأخرى: افتحي ساقيك، واكشفي عورتك، لينال من مفاتن جسدك أو ليقطف ثمرك … وقد تقيدت بالترجمة الألمانية مع الحد الأدنى من التصرف، وفي ترجمة سامي سعيد الأحمد: افتحي جسمك العاري وليتمتع بمفاتنك (ص٨٠). (٢٧) تصرفت في هذا السطر المشكوك في بعض كلماته للتوفيق بين الترجمة الألمانية وترجمة طه باقر التي تقول بعد السطر السابق مباشرة: إذا حفى بك وانعطف حبه إليك، وفي ترجمة سامي سعيد الأحمد: وسيضغط صدره بقوة على ظهرك (وكذلك السطر ٢٠). (٢٨) راجع الهامش السابق رقم ٢٤. (٢٩) يُفْهَم من هذا النص أن البغي أحست أثناء الجماع بوطأة الجسد وزخم الشهوة والعاطفة التي احتوتها، ومعظم الترجمات الأخرى تؤدي المعنى بطرق تقريبية بالإضافة إلى وجود كلمتين غير مؤكدتين في هذا السطر … ولذلك تصرفت في دائرة الدلالة المحتملة بقدر الإمكان … (٣٠) هذا السطر غائب عن الترجمات التي تحت يدي، ولعل المترجم الألماني أو المراجع قد أضافاه اعتمادًا على الألواح والشذرات المتبقية من الأصل البابلي القديم أو من إحدى الترجمتين الحيثية أو الحورية … وقد أبقيت عليه لإحساسي بأنه لا ينبو عن السياق، ولتقيدي بالترجمة التي أنقل عنها كما سبق القول … وذلك على الرغم من وضعه تحت رقم مختلف عن ترتيب السطور (وهو رقم ٤٥) … (٣١) هذه هي الترجمة الحرفية، وعند سامي سعيد الأحمد: فصار أنكيدو يسرع (وراءها) ضعيف جسمه، والمقصود أن جسمه ثقل عليه وعاقه عن اللحاق برفاقه من الدواب والحيوان، وربما أوحت صفة «النظافة» — والكلمة التي تدل عليها ما تزال غير مؤكدة — أن رائحة جسده قد عافتها حاسة الحيوان وأنكرتها عليه بعد أن امتزجت برائحة الأنثى وبدأت تفوح منها روائح الإنسان … ولذلك يبدو أن بداية تحول أنكيدو من الوحشية البدائية إلى الإنسانية كان نوعًا من الرجس في نظر الحيوان، ونوعًا من التطهر «والنظافة» من وجهة نظر الإنسان … وطبيعي أن تكون «بؤرة» هذه الدلالات الموحية ومنبعها هي «كاهنة الحب» شمخت التي يرجع إليها الفضل في هذا التحول، والمعنى على كل حال أن جسد أنكيدو ثقل عليه بعد ممارسة العشق المسئول عن تحوله الجذري من الحيوانية الفطرية أو البهيمية إلى الإنسانية الرحيمة المستنيرة، والثائرة أيضًا للحق والقانون … (٣٢) في ترجمات أخرى: أوروك الحمى، وأوروك المنيعة ذات الأسوار … راجع اللوح الأول، هامش رقم ٢. (٣٣) أي يتسلط عليهم ويقهرهم ويسخرهم كما ذُكِرَ بالتفصيل في العمود الثاني من اللوح الأول … (٣٤) هكذا في الأصل الذي أنقل عنه، وإن كانت معظم الترجمات تضع أبهى الحُلل أو حلل في موضع الأحزمة … (٣٥) من ٩–١٢ مشوهة للغاية في الأصل. [المراجع] (٣٦) ربما تكون هذه إشارة إلى طقوس اللواط المقدس وإلى اللوطيين الذين كانت تعج بهم أطراف معبد عشتار (انظر ترجمة فراس السواح للملحمة، ص١٠١، هامش والسطور من ٩–١١ مهمشة وتتعذر قراءتها). (٣٧) تتفق معظم الترجمات العربية على وصف جلجاميش في هذا السطر بأنه المبتهج بالحياة، والحقيقة أن المعنى الحرفي — كما تؤديه الترجمة الألمانية — يمكن التعبير عنه بالفرح المتألم أو المبتهج المشتاق، وهذا هو الذي يؤكده السطر السابع عشر … (٣٨) تحتمل الكلمة الأخيرة معاني مختلفة، منها الغرور والغلواء والتبجح والعبث … (٣٩) آنو هو إله السماء وكبير مجمع الآلهة السومرية كما سبق القول، وإنليل هو إله العواصف الغضوب، وإيا هو إله الحكمة والمياه العذبة العميقة والشفوق على البشر كما سنرى بعد … (٤٠) التي رآك فيها. [المراجع] (٤١) الناس هنا وفي سائر السطور يمكن أن تؤدى بالأبطال والرفاق والصحاب والرجال … إلخ. (٤٢) ٤، ٦، ٨، مخالفة للأصل وهو:٢٧ كان بالسموات نجوم،٢٨ كأنها مخيفو السماء، وقع أحدها فوقي … [المراجع] (٤٣) في ترجمتَي: طه باقر وفراس السواح: شهاب آنو (الثاقب) وفي ترجمة سامي سعيد الأحمد: قد سقطت على ظهري مثل جنود الرب آنو. (٤٤) من ٨–٢٢ = ٢٩–٤٧. [المراجع] (٤٥) هي ننسون الحكيمة (أم جلجاميش). [المراجع] (٤٦) ٨–٢٢ = ٢٩–٤٧ بنفس المعنى تقريبًا. [المراجع] (٤٧) ٢٧ مشوَّه بالأصل. [المراجع] (٤٨) مخالفة لترجمة هيدل حيث جاء لديه بدلًا من ٢٨–٣٠:٢٨ بينما يقص جلجاميش رؤاه،٢٩ قالت المحظية لأنكيدو:٣٠ … الاثنان.٣١ [أنكيدو واقفًا] أمامها.٣٢ [إنه هو الذي رأى كلَّ شيءٍ داخل حدود] البلاد،٣٣ … … الذي يثق في ننليل.٣٤ … آشور. [المراجع] (٤٩) تضيف الترجمتان السابقتان: الأرض فراش الراعي، أو سرير الرعاة، وقد كان البابليون يطلقون على الأرض اسم سرير الراعي؛ لأنه يستلقي عليها صيفًا وشتاءً … ملحمة جلجاميش
اللوح الثاني (٤٣) جلس أنكيدو أمام البغي،١ (٤٤) وراح كلاهما يداعب الآخر. (٦٤) استمع إلى كلماتها، أصغى إلى حديثها، (٦٥) ونصيحة المرأة وقعت من قلبه موضع الرضى (والقبول). (٦٧) خلعت عنها الثوب (وشقته نصفين)؛ فكسته بنصف، (٦٩) واحتفظت بالنصف الآخر. (٧١) أخذته من يده كأنه طفل صغير (٧٣) إلى مائدة الرعاة، إلى موضع الحظائر، (٧٥) وتجمع الرعاة حوله، (٧٦) لكن أنكيدو الذي أَلِف سكنى الجبال، (٧٧) قد شبَّ كذلك على أكل العشب مع الظباء (والغزلان). *** (٨١) تعوَّد أن يرضع لبن الحيوانات البرية. (٨٣) وضعوا أمامه طعامًا، فارتبك ونفر منه، أخذ ينظر إليه ويحدق فيه؛ (٨٦) فأنكيدو لا يعرف كيف يؤكل الخبز، (٨٨) ولا يفهم كيف يُشرب الشراب المُسكر! (٩٠) فتحت البغي فمها وقالت لأنكيدو: (٩٢) «كُل الخبز يا أنكيدو، فهو (زاد) الحياة، (٩٤) واشرب من الشراب المسكر، فهذه عادة البلاد.» (٩٥) أكل أنكيدو من الخبز حتى شبع، (٩٧) شرب من الشراب المسكر سبع جرار!٢ (٩٩) انتشت روحه وفرحت، (١٠٠) وابتهج قلبه وأشرق محيَّاه! (١٠٢) غسل بالماء جسده المشعر، (١٠٤) دهن نفسه بالزيت وغدا إنسانًا. (١٠٦) ارتدى ثوبًا، فبدا كالرجال. (١٠٨) أخذ سلاحه وانطلق يهاجم الأسود، (١١٠) (فاستطاع) الرعاة أن يناموا الليل! (١١١) صرع الذئاب، وطارد الأسود، (١١٣) فاستراح رعاة (الماشية) العجائز؛ (١١٤) (أضحى) أنكيدو حارسهم، (١١٥) (وهو) الإنسان اليقظ، الرجل الأوحد. [فجوة من أربعة عشر سطرًا، أنكيدو مع البغي.] (١٣١) أخذته النشوة والبهجة. (١٣٢) لما رفع عينيه، لمح رجلًا! (١٣٤) قال للبغي: (١٣٥) «دعي الرجل يمضي، أيتها البغي!٣ (١٣٦) لماذا جاء (إلى هنا)؟ أريد أن أدعوه باسمه!» (١٤٢) فتح الرجل فمه وقال لأنكيدو: (١٤٤) «أريد أن أقودك إلى بيت العائلة!٤ (١٤٥) قُدِّر على الناس (أن يستأثر جلجاميش) باختيار العروس،٥ (١٤٧) وأن يفرض على المدينة حمل السلال (المملوءة) بالآجر. (١٤٨) إن (عبء) إطعام المدينة يقع على النساء المرحات (؟)، (١٤٩) وقد فتحت لجلجاميش، ملك أوروك ذات الأسواق، شباك الناس. (١٥١) لجلجاميش، ملك أوروك ذات الأسواق، (١٥٢) فتحت شباك الناس ليكون أول من يدخل (على العروس)، (١٥٤) فيضاجعها ويدخل عليها، (١٥٥) قبل أن يدخل عليها زوجها (الذي خُصِّصت له). (١٥٧) (وهم يقولون): إن هذه هي إرادة الآلهة ومشورتهم، (١٥٨) وإنهم منذ أن قطع حبله السري قد قدروه له.» (١٦٠) لما سمع (أنكيدو) كلام الرجل، (١٦١) امتقع وجهه … [فجوة من تسعة أسطر.] (١٧١) سار أنكيدو في المقدمة، ومن خلفه البغي. (١٧٣) لما دخل أوروك ذات الأسواق، (١٧٤) تجمَّع الناس حوله، (١٧٥) وعندما وقف على الطريق في أوروك ذات الأسواق، (١٧٧) احتشد الناس كذلك حوله وأخذوا يقولون: (١٧٩) «إنه يُشبه جلجاميش في بنيته، (١٨٠) وإن يكن أقصر قامة منه، وأقوى عظامًا. (١٨٢) وحيث وُلِد الرجل، (اعتاد) أن يأكل أوراق الربيع، (١٨٤) ويرضع لبن الحيوانات البرية.»٦ (١٨٦) كانت الأضاحي تُقدَّم في أوروك بغير انقطاع،٧ (١٨٧) والرجال الأبطال يتطهرون، العمود الثاني (٤٢) ويقبِّلون قدميه كالأطفال الضعاف، (١٨٨) وضع إناء للبطل الذي وجهه … (١٩٠) لجلجاميش وضعت الحاجيات المناسبة كما لو كان إلهًا، (١٩٢) وتم إعداد الفراش لأشتارا؛٨ (١٩٤) (إذ) تعود جلجاميش أن يتصل بالآلهة ليلًا. (١٩٦) ولما اقترب وقف أنكيدو في الطريق، (١٩٨) يريد أن يسدَّه عليه، (٢٠٠) ويمنعه من الدخول إلى المخدع. *** (٢٠٩) رأى جلجاميش أنكيدو الهائج، (٢١٠) الذي وُلِدَ في البرية، بشعر رأسه الغزير. (٢١٢) نصب قامته وتقدَّم إليه. (٢١٤) تصادما في (المكان الذي يقام فيه) سوق البلاد. (٢١٥) سد أنكيدو الباب بقدمه، (٢١٧) ومنع جلجاميش من الدخول. (٢١٨) هنالك أمسك كل منهما بالآخر، وتصارعا كثورين، (٢٢٠) حطما عمود الباب، وارتجَّ الجدار! (٢٢٢) جلجاميش وأنكيدو (٢٢٣) أمسك كلٌّ منهما بالآخر، تصارعا مثل ثورين، (٢٢٥) حطما عمود الباب، وارتجَّ الجدار! (٢٢٧) وعندما ثنى جلجاميش ركبته، وقدمه ثابتة في الأرض، (٢٢٩) انفثأت (سورة) غضبه، وأدار صدره. (٢٣١) وما إن أدار صدره، (٢٣٢) حتى كلَّمه أنكيدو، كلَّم جلجاميش: (٢٣٤) يا لك من (بطل) فذٍّ ولدتك أمك، (٢٣٦) أمك نينسونا، بقرة أوروك الوحشية! (٢٣٨) رأسك مرفوع فوق رءوس الأبطال، (٢٣٩) وقدَّر لك إنليل الملك على الناس، (٢٤١) وبقوتك تفوقت على أمراء العالم. [فجوة من حوالي عشرة سطور.] (١٩) قبَّلا بعضهما وعقدا (أواصر) الصداقة (بينهما) …٩ [فجوة من تسعة عشر سطرًا يبدو أن الملحمة تروي قرب نهايتها كيف قدَّم جلجاميش لأمه الحكيمة صديقه أنكيدو، بينما أخذ يتحدث عنه قائلًا]: العمود الثالث (٤٣) «إنه أقوى مَنْ في البلاد، وبأسه شديد، (٤٤) وقوته جبارة مثل قبضة آنو! (٥٨) ما من أحد يصمد له! اشمليه أنتِ برعايتك!» (٤٦) قالت أم جلجاميش لابنها، (٤٨) نينسون، البقرة الوحشية، قالت لجلجاميش: (٤٩) «يا بني … (٥٠) بمرارة …» *** [يبدو أن نينسون قد عبرت عن دهشتها من منظر أنكيدو، ويحتمل أن تكون السطور التالية هي ردُّ جلجاميش على أمه.] العمود الرابع (٤) يشكو بمرارة … (٥) «ليس لأنكيدو أب ولا أم، (٦) شعر رأسه الطليق لم يُحْلَق أبدًا. في البرية وُلِد، فلم يربِّه أحد.» (٨) هناك وقف أنكيدو وسمع كلامه، (٧٢) امتلأت عيناه بالدموع، (٧٣) شعر بالأسى، فأطلق زفرة أليمة. (٧٥) امتلأت عينا أنكيدو بالدموع، (٧٦) شعر بالأسى … راح يعاني. (٧٨) أحنى جلجاميش رأسه، (١٢) أمسك كل منهما بالآخر، وجلسا سويًّا، (١٣) ويداهما متشابكتان كالعشاق، (٧٩) وقال جلجاميش لأنكيدو: (٨٠) «يا صديقي، لماذا امتلأت عيناك بالدموع، (٨٢) وشعرت بالأسى … والمعاناة؟» (٨٤) فتح أنكيدو فمه وقال لجلجاميش: (٨٦) «إن الحزن يخنقني يا صديقي؛ (٨٨) تراخى ذراعاي، ووهنت قواي.» (٩٠) فتح جلجاميش فمه وقال لأنكيدو: *** (٩٦) «في الغابة يسكن خمبابا الرهيب، (٩٧) فلنقتله أنا وأنت، (٩٨) ونمحو كلَّ شر من البلاد. (٩٩) دعنا نقطع شجرة الأرز.» *** (١٠٣) فتح أنكيدو فمه وقال لجلجاميش: (١٠٥) «لقد عرفت، يا صديقي، (عندما كنت أعيش) في الجبال والمرتفعات، (١٠٦) وأتجول هنا وهناك مع حيوانات البرية، (١٠٧) أن الغابة تمتد (مسافة) عشرة آلاف ساعة مضاعفة! (١٠٨) مَنْ ذا الذي (يجرؤ) على التوغل في أعماقها؟ (١٠٩) وخمبابا — زئيره الطوفان، (١١٠) (ينفث) مِن فِيهِ النار، ونفسه الموت (الزؤام)! (١١٢) ماذا يدفعك لأن تفعل هذا؟ (١١٤) لن يقوى أحد على الهجوم على مسكن خمبابا.» (١١٦) فتح جلجاميش فمه وقال لأنكيدو: (١١٨) «أشجار الأرز، لقد عزمت على أن أرتقي جبلها، (١١٩) الذي يقع وسط الغابة الهائلة! (١٢٢) أريد أن أمضي إلى الغابة، مسكن خمبابا، (١٢٤) وستكفيني فأس أستعين بها في القتال، (١٢٥) أما أنت فَلْتبقَ هنا، وسأنطلق (إليه) وحدي.» (١٢٧) فتح أنكيدو فمه وقال لجلجاميش: «كيف يمكننا الذهاب … إلى غابة الأرز؟ إن حارسها هوقير،١٠ … وهو قوي، لا يغمض له جفن أبدًا. خمبابا … إن قير معه، أداد … العمود الخامس (٥) عيَّنه إنليل لحماية أشجار الأرز، وجعله يبعث الرعب في (قلوب) الناس، (٦) ومَن يوغل في الغابة يطبق عليه الشلل!» (١٣٨) فتح جلجاميش فمه وقال لأنكيدو: (١٤٠) «مَنْ ذا الذي يستطيع، يا صديقي، أن يصعد للسماء؟ (١٤١) إن الآلهة وحدهم مخلَّدون على عروشهم مع شمش، (١٤٢) (أما) أيام البشر فمعدودة، (١٤٣) وكل ما يعملون ريح باطلة.١١ (١٤٤) إنك تخشى الموت وما زلنا هنا، (١٤٥) فماذا دهى قوة بطولتك؟ (١٤٦) لهذا عقدت العزم على أن أتقدمك، (١٤٧) وَلْينادني فمك عندئذٍ: «تقدَّم! لا تخف!» (١٤٨) وإذا سقطت فقد رفعت اسمي، (١٤٩) سيقول الناس: «لقد تجرأ جلجاميش على منازلة خمبابا الرهيب.» *** (١٥٨) أريد أن أمدَّ يدي، وأقطع أشجار الأرز، (١٦٠) وأصنع لنفسي اسمًا خالدًا! (١٦١) الآن، يا صديقي، سأسرع إلى صانع السلاح، (١٦٢) (وسأطلب منه) أن يصب البلطات أمامنا.» (١٦٣) أمسك كل منهما بالآخر، وأسرعا إلى صانعي السلاح. (١٦٤) كانوا هناك مجتمعين للتشاور (بينهم)، (١٦٥) صبوا بلطات عظيمة، (١٦٦) صبوا فئوسًا زنتها ثلاث طالنتات،١٢ (١٦٧) صبوا سيوفًا عظيمة، (١٦٨) نصل (الواحد منها) يزن طالنتين، (١٦٩) ومقابضها ثلاثون رطلًا. (١٧٠) صبوا سيوفًا من ذهب زنتها ثلاثون رطلًا! (١٧١) وتسلَّح كل من جلجاميش وأنكيدو (بأسلحة) تزن عشر طالنتات! (١٧٢) توجَّه الناس إلى بوابة أوروك ذات المزاليج السبعة، (١٧٣) وهناك احتشد الخلق. (١٧٤) فرح الناس وابتهجوا في شوارع أوروك ذات الأسواق، (١٧٥) ورأى جلجاميش فرحة الشعب في شوارع أوروك ذات الأسواق. (١٧٧) عندئذٍ شَرَعَ يتكلم بينما جلس الشعب أمامه. (١٧٨) جلجاميش قال لشعب أوروك ذات الأسواق: (١٨٠) «أريد أن أرحل للقاء خمبابا الرهيب. (١٨١) أريد، أنا جلجاميش، أن أرى مَنْ يتحدثون عنه، (١٨٢) ذلك الذي تردد الأفواه اسمه في البلاد، (١٨٣) أريد أن أصرعه في غابة الأرز! (١٨٤) إن ابن أوروك قوي (وشجاع)، (١٨٥) هذا ما أريد أن تسمعه البلاد! (١٨٦) سأمد يدي وأقطع أشجار الأرز، (١٨٧) وأسجل لنفسي اسمًا خالدًا!» (١٨٨) رد شيوخ أوروك ذات الأسواق (١٨٩) على جلجاميش قائلين: (١٩٠) «لأنك، يا جلجاميش، لم تزل شابًّا؛ فقد حملك قلبك بعيدًا. (١٩١) إنك لا تدري ماذا تصنع! (١٩٢) لقد سمعنا عن خمبابا أن منظره مخيف؛ (١٩٣) مَنْ ذا الذي يقوى على الصمود لأسلحته؟ (١٩٤) الغابة تمتد عشرة آلاف ساعة مضاعفة؛ (١٩٥) مَنْ ذا الذي يجرؤ على التوغل في أعماقها؟ (١٩٦) خمبابا؛ إن زئيره هو الطوفان، (١٩٧) ينفث فمه النار ونفسه الموت؛ (١٩٨) فما الذي يدفعك على هذا الفعل؟ (١٩٩) ما من أحد هاجم مسكن خمبابا وانتصر عليه.» (٢٠٠) ما إن سمع جلجاميش كلمة ناصحيه، (٢٠١) حتى نظر إلى صديقه وهو يبتسم: «الآن، يا صديقي، أجيب قائلًا:١٣ …» [فجوة من تسعة أسطر.] (٢١٢) «ﻓﻟ… إلهك الحامي، ويهديك (٢١٤) على الطريق (الذي يعيدك) إلى أوروك ذات الأسواق.» (٢١٥) وبعد أن ركع جلجاميش، رفع يديه (قائلًا): (٢١٦) «فلتستجب (مشيئتك) لدعائهم.١٤ (٢١٧) سأمضي الآن يا شمش! وإليك أرفع يدي (بالدعاء)، (٢١٨) لتحفظ عليَّ روحي (وتضمن) لها النجاة، (٢١٩) وترجعني (سالمًا) إلى (أوروك) ذات الأسوار المنيعة! (٢٢٠) ابسط أنت عليَّ ظل (رعايتك)!» (٢٢١) ثم نادى جلجاميش صديقه، (٢٢٢) واستطلع فأله معه.١٥ *** (٢٢٩) جرت الدموع من عيني جلجاميش: (٢٣٠) «طريق … لم أسلكه في حياتي، (٢٣١) وكذلك لا أعرف يا ربي أخطاره؛١٦ (٢٣٢) فإذا حفظت روحي (وقدرت) لها النجاة، (٢٣٣) فسوف أبذل لك الحب كما يشتهي فؤادي، (٢٣٤) وأشبع (نفسي) من بيت مباهجك، (٢٣٥) وأجلسك على العروش.»١٧ (٢٣٦) ثم أحضر الخدم أسلحته: (٢٣٧) السيوف العظيمة والقوس والكنانة. (٢٣٩) … سلموها له، أخذ البلطات، (٢٤١) وعلق كنانته، وقوس أنشان،١٨ (٢٤٣) وثبت السيف في حزامه. (٢٤٤) تقدموا على الطريق، (٢٤٥) … أحضروا: «جلجاميش، (٢٤٥) … أعده إلى المدينة!»١٩ هوامش (١) في الأصل الآشوري الذي رجعت إليه لا يمكن تبين شيء مفهوم من نص العمود الأول، وقد رجع هيدل للنص البابلي القديم الموجود بجامعة بنسلفانيا الذي يتعلق الجزء الأول منه بإعادة لما ورد بالعمود الخامس باللوحة الأولى سطر ٢٥ وما بعده ٤٣، ٤٤ = عمود ٢، ٢، ٣، ٦٤ = عمود ٢، ٢٤–٢٦، ٨١–١١٥ عمود ٣، ١–٣٧. [المراجع] (٢) هكذا في النص الذي أعتمد عليه، وتضع الترجمات السابقة كلمة الأقداح بدلًا من كلمة الجرار التي لم تتأكد صحتها بعد؛ ولذلك أُثْبِتَت بالحبر الأسود … (٣) هكذا في النص، ولعل الترجمات السابقة أن تكون أقرب إلى معنى السياق، إذ جاء هذا السطر فيها كما يلي: فقال آتيني بالرجل يا بغي، أحضري الرجل إليَّ أيتها الكاهنة، يا محظية اجلبي الرجل. (٤) أو بيت الاجتماع وبيت الزواج وبيت الرجال وبيت العرائس وبيت الأمة كما جاء في الترجمات الأخرى، وعلى الرغم من غموض هذا السطر، فالأرجح أن يكون الرجل قد أسرع بالمجيء إلى أنكيدو ليخبره بمظالم جلجاميش وقهره لشعبه وتدنيسه للحرمات، وربما يكون أهل أوروك قد أرسلوه إليه ليثأر لهم منه أو يوقفه عند حده على أقل تقدير، والملاحظ أن جلجاميش كان يستأثر «بالحق في الليلة الأولى Jus Primae noctis الذي كان يخول بعض الحكام والملوك والنبلاء في العصور القديمة والوسيطة حق الدخول على العروس قبل أن يدخل عليها زوجها الشرعي راجع ترجمة ألبيرت شوت، ص٣٠، هامش رقم ١، وكذلك ترجمة طه باقر، ص٧٠ هامش رقم ٧٣-٧٤». (٥) ربما يوضح هذا السطر بالإضافة إلى السطر رقم ١٤٩ ما غمض من السطر السابق الذي يوحي بتجمع الناس واحتجاجهم على استبداد جلجاميش وتسخيره لشعبه وانتهاك حرماته، كما سيرد في السطور التالية التي ما يزال الغموض يحيط بمفرداتها وتراكيبها … ولذلك اضطررت هنا للجوء للترجمة الشارحة وإضافة ما بين الحاصرتين، والسطور من ١٤٩–١٥٢ تؤديها ترجمة سامي سعيد الأحمد على النحو التالي: «الساحة العامة والطبل، مهيأة إلى ملك أوروك من أجل أن يتصل بالعروس، الساحة العامة والطبل، مهيأة إلى (كلكاميش ملك أوروك) كيما يأخذ العروسة، المرأة التي حتم له القدر أن يضطجع معها» … (٦) حتى هنا يتفق مع النص البابلي القديم بالعمود الخامس سطر ٢١. [المراجع] (٧) من هنا حتى ٢٤١ اختلاف في ترتيب السطور وإعادة لبعضها مع الحفاظ على المعنى = اللوحة الثانية، العمود الخامس ٣١. [المراجع] (٨) إشتار أو إيشخارا إلهة ربما تربطها صلة القرابة بإلهة الحب والخصب الشهيرة عشتار، وربما تكون شكلًا من أشكالها، وهذا السطر يشير إلى طقس الزواج المقدس الذي كان يقضي باتصال الملك السومري بالآلهة عشتار، رمز الخصب والرخاء، ممثلة في كاهنة المعبد أو البغي المقدسة، في المخدع المعد لذلك في إحدى حجرات المعبد. (٩) هنا تبدأ اللوحة الثالثة بالترجمتين البابلية: القديمة والآشورية، وتوجد البابلية بجامعة بيل، وتشتمل على نفس القصة الموجودة بلوحة جامعة بنسلفانيا، وتوجد بهما بقايا من السطور ١٣–١٨، ولكنها لا تفيد معنى يمكن أن يُفْهَم. [المراجع] (١٠) ور أو ورور: هو أحد آلهة الطقس، ويرجح بعض العلماء أن ور أو مر هو أحد مسميات إله الطقس أدد (حدد في الأوغاريتية والآرامية) أو هو التسمية الشعبية الشائعة للإله أدد، والغريب أن ترجمة سامي سعيد الأحمد لهذه السطور المهشمة تأتي مناقضة للمعنى والسياق العام فتقول: فتح أنكيدو فاه (و) قال لكلكامش: كيف تذهب إلى غابة الأرز، حارسها كلكامش المحارب … إلخ. (١١) قارن سفر الجامعة، الإصحاح الأول ٢–٤، ١٥: «باطل الأباطيل قال الجامعة باطل الأباطيل الكل باطل، ما الفائدة للإنسان من كلِّ تعبه الذي يتعبه تحت الشمس» … «رأيت كل الأعمال التي عُمِلَت تحت الشمس فإذا الكل باطل وقبض الريح» … (١٢) أو ثلاث وزنات، والوزنة البابلية (أو الطالنت) تساوي ستين رطلًا … (١٣) من المؤسف أن كلام جلجاميش لصديقه قد ضاع بأكمله تقريبًا، ومن الواضح أن الجزء التالي يرد على لسان الشيوخ … (١٤) حرفيًّا: فليتم ما نطقوا به … (١٥) يبدو أن طالعه لم يكن كما تمناه … راجع السطور التالية من ٢٢٩ إلى ٢٣٥ التي يتضرع فيها إلى جلجاميش وهو يذرف الدموع … (١٦) أو لا أعرف أحواله وتقلباته وتحولاته … (١٧) يلاحظ أن السطور الستة الأخيرة مخرومة ومشوهة، وقد أسقطتها معظم الترجمات باستثناء هذه الترجمة التي لم تيأس من محاولة رتقها ورأب صدوعها كما فعلت مع مقاطع وسطور أخرى عديدة … (١٨) هي في مملكة عيلام القديمة، كانت مشهورة بصناعة الأقواس، وتقع اليوم في عربستان أو خوزستان في غرب إيران بين حسين أباد وكرمنشاه … (١٩) ربما يُفْهَم من السطور الثلاثة الأخيرة التي شُوِّهَت تشويهًا بالغًا أن أهل أوروك بدءوا ينصرفون بعد توديع الملك، تدل على ذلك الكلمات الأخيرة التي توحي بأنهم قدموا له بعض الهدايا وتمنوا له قرب العودة، أو طلبوا من صديقه أنكيدو أن يحافظ عليه ويعيده سالمًا إلى أوروك — الحمى … أما حديث الشيوخ ونصائحهم للبطل الذي صمم على المغامرة فترد مع بداية اللوح الثالث … ملحمة جلجاميش
اللوح الحادي عشر (١) قال له جلجاميش، قال لأوتنابشتيم البعيد: (٢) «إذا نظرت إليك يا أوتنابشتيم، (٣) (وجدت) هيئتك غير مختلفة؛ فأنت مثلي!١ (٤) بل إنك لا تختلف (عني)؛ فأنت مثلي! (٥) كان قلبي متأهبًا (تمام التأهب) للصراع معك، (٦) غير أن ذراعي لا يحرك ساكنًا (ضدك)!٢ (٧) قل لي (إذن): كيف دخلت في زمرة الآلهة ونلت الحياة (الخالدة)؟» (٨) قال له أوتنابشتيم، قال لجلجاميش: (٩) «سأكشف لك، يا جلجاميش، عن أمر خفي، (١٠) سأطلعك على سر (من أسرار) الآلهة. (١١) شروباك،٣ المدينة التي تعرفها،٤ (١٢) الواقعة على شاطئ الفرات. (١٣) كانت هذه المدينة قد شاخت، (كما شاخ) الآلهة (المقيمون؟) فيها، (١٤) والآلهة العظام حثتهم قلوبهم على إرسال الطوفان؛ (١٥) فتشاوروا٥ (في الأمر) بينهم: أبوهم «آنو»، (١٦) و«إنليل» البطل، مستشارهم، (١٧،  ١٨) و«نينورتا» وزيرهم، وإينوجي نائبهم (المشرف على السدود)، (١٩) ونينبحيكو — إيا الذي كان حاضرًا معهم، (٢٠) ونقل كلامهم إلى كوخ القصب (وقال): (٢١) «كوخ القصب! يا كوخ القصب! أيها الجدار! أنت يا جدار! (٢٢) اسمع يا كوخ القصب، وافهم يا جدار!٦ (٢٣) يا رجل شروباك، يا ابن أوبار-توتو!٧ (٢٤) اهدم دارك، ابن سفينة. (٢٥) اترك الثروة، واسع إلى الحياة (الخالدة؟). (٢٦) تخلَّ عما تملك، وانج بنفسك، (٢٧) واحفظ في السفينة كل (أنواع) البذور الحية؛ (٢٨) السفينة التي عليك أن تبنيها، (٢٩) وينبغي أن تضبط مقاييسها، (٣٠) ويكون عرضها مساويًا لطولها، (٣١) وأن تجعل سطحها مثل (سطح) «الآبسو».»٨ (٣٢) لما فهمت ما قال، خاطبت ربي «إيا» بقولي: (٣٣) «أمرك، يا سيدي، الذي وجهته إليَّ، (٣٤) قد وعيته وسوف أطيعه، (٣٥) لكن ماذا أقول للمدينة، كيف أرد (على أسئلة) الناس والشيوخ؟»٩ (٣٦) فتح فمه للكلام، (٣٧) وقال لي، قال لعبده: (٣٨) «أنت يا رجل، عليك أن تقول لهم: (٣٩) يبدو أن إنليل لا يطيقني،١٠ (٤٠) فلا يجوز لي العيش في مدينتكم بعد اليوم، (٤١) ولا أن أضع قدمي أبدًا على أرض إنليل، (٤٢) لهذا أنوي النزول إلى «الآبسو»، والعيش مع سيدي «إيا». (٤٣) أما أنتم فسيمطركم خيرًا وفيرًا، (٤٤) أسرابًا من الطيور، و… من الأسماك، (٤٥) سوف يجود عليكم بالحصاد الوافر، (٤٦) وينزل عليكم في الصباح بقولًا، (٤٧) وفي المساء يرسل عليكم مطرًا من الحنطة.» (٤٨) لم تكد تلوح أضواء الصباح، (٤٩) حتى تجمَّع (أهل) البلد من حولي، (٥٠) حمل بعضهم الأضاحي من الأغنام المنتقاة، (٥١) والبعض الآخر جلب (معه) الأضاحي من أغنام البراري.١١ (٥٢) … الرجال … (٥٣) … السر. (٥٤) أحضر الأطفال القار، (٥٥) وأحضر الأقوياء … المئونة (الضرورية). (٥٦) في اليوم الخامس صممت هيكلها.١٢ (٥٧) كانت مساحة أرضيتها (حقلًا) واحدًا،١٣ وارتفاع جدرانها مائة وعشرين ذراعًا، (٥٨) وطول كل جانب من جوانب سطحها الأربعة مائة وعشرين ذراعًا. (٥٩) حددت شكلها الخارجي على الصورة التالية: (٦٠) جعلت فيها ست أرضيات، (٦١) وقسمتها إلى سبعة طوابق. (٦٢) قسمت بنيتها تسعة أقسام،١٤ (٦٣) وغرزت في وسطها أوتاد الماء.١٥ (٦٤) حرصت على (وضع) المراد فيها، وخزنت فيها المؤن:١٦ (٦٥) ست وزنات من القار سكبتها في الكور،١٧ (٦٦) وثلاث وزنات من القطران، (٦٧) وجلب حاملو السلال ثلاث وزنات من الزيت، (٦٨) فضلًا عن وزنة زيت استهلكها عجن الدقيق، (٦٩) ووزنتين من الزيت قام ملاح السفينة بتخزينهما. (٧٠) نحرت عجولًا للناس،١٨ (٧١) وذبحت الأغنام كل يوم، (٧٢) سقيت الصناع عصير العنب ونبيذ السمسم، (٧٣) والزيت والخمر؛ فشربوا كأنهم يشربون ماء النهر، (٧٤) واحتفلوا كأنهم في عيد رأس السنة! …١٩ (٧٦) تم بناء السفينة في اليوم السابع مع غروب الشمس، (٧٧) وكان من الصعب … (٧٨) وكان عليهم … من أعلى ومن أسفل، (٧٩) حتى غاصت السفينة إلى ثلثيها في الماء. (٨٠) كل ما كنت أملك حملته فيها، (٨١) كل ما كنت أملك من فضة حملته فيها، (٨٢) كل ما كنت أملك من ذهب حملته فيها، (٨٣) كل ما كنت أملك من بذور الحياة حملته فيها، (٨٤) أركبت في السفينة كل أهلي وعشيرتي، (٨٥) أركبت فيها حيوان البر وحيوان الحقل، وتركت جميع الصناع يركبونها، (٨٦) كان شمش قد حدَّد لي المهلة على هذه الصورة:٢٠ (٨٧) «في الصباح سأرسل بقولًا٢١ وفي المساء أمطر حنطة، (٨٨) وعندها ادخل السفينة وأغلق (عليك) بابك.» (٨٩) حلَّ الموعد المضروب (لهذه المهلة)؛ (٩٠) ففي الصباح نزلت البقول،٢٢ وفي المساء أمطرت حنطة. (٩١) تأملت حالة الجو؛ (٩٢) كان منظره مخيفًا، (٩٣) دخلت السفينة وأغلقت بابي، (٩٤) وللملاح «بوزور-آموري» الذي قام بطلاء السفينة بالقار، أسلمت قياد القصر بكلِّ ما فيه من متاع.٢٣ (٩٦) ما إن لاحت أنوار الصباح، (٩٧) حتى صعدت من قاع السماء سحب سوداء. (٩٨) أرعد في داخلها (الإله) أدد،٢٤ (٩٩) يتقدمه «شلات»٢٥ و«خانيش»،٢٦ (١٠٠) (اللذان) يطلقان النذير في الجبال والسهول. (١٠١) انتزع إيراجال عمود السفينة، (١٠٢) وتبعه «نينورتا» (ففتح السدود) لتنهمر المياه من حوض الماء.٢٧ (١٠٣) رفع «الآنوناكي» المشاعل، (١٠٤) ليحرقوا الأرض بوهجها المخيف، (١٠٥) وانقبضت السماوات من (رعود) أدد، (١٠٦) فأحالت كل نور إلى ظلام، (١٠٧) وتحطمت الأرض الشاسعة (كما تتحطم) آنية من فخار. (١٠٨) هبَّت عاصفة الجنوب يومًا كاملًا … (١٠٩) وتعاظمت شدتها حتى غطت الجبال بالماء،٢٨ (١١٠) وأهلكت البشر كأنها الحرب (الضروس). (١١١) (صار) الأخ لا يرى أخاه،٢٩ (١١٢) وبات البشر لا تتعرف عليهم السماء. (١١٣) ذعر الآلهة من هذا الطوفان، (١١٤) فولَّوا هاربين إلى سماء آنو؛ (١١٥) أفعى الآلهة كالكلاب خارج الجدار. (١١٦) صرخت عشتار٣٠ كامرأة في المخاض، (١١٧) ناحت سيدة الآلهة وصاحبة الصوت العذب: (١١٨) «ليت ذلك اليوم تحول إلى طين،٣١ (١١٩) لما أمرت بالشر في مجمع الآلهة. (١٢٠) كيف طاوعتني نفسي أن آمر بالشر في مجمع الآلهة، (١٢١) وتسليط الحرب على أبنائي البشر لتهلكهم؟ (١٢٢) أنا التي ولدت أبنائي البشر الأحباء، (١٢٣) وها هم يملئون البحر كصغار الأسماك!» (١٢٤) ناحت معها آلهة الآنوناكي. (١٢٥) جلسوا يبكون مُنكَّسِي الرءوس، (١٢٦) وبشفاه متيبسة ينتحبون. (١٢٧) ستة أيام وسبع ليال، (١٢٨) والريح تعصف، والطوفان (يسيل)، والزوابع تهب من الجنوب وتغطي البلاد. (١٢٩) ولما طلع نهار اليوم السابع، هدأت زوابع الجنوب وغيض الطوفان وخفت وطأة القتال، (١٣٠) بعد أن اشتدت ضرباتها كامرأة في المخاض. (١٣١) هدأ البحر وسكنت (أمواجه)، وتوقف الإعصار (وتراجع) الطوفان. (١٣٢) فتحت الطاقة، سقط الضوء على وجهي، (١٣٣) وتطلعت إلى اليابسة: الصمت حولي، (١٣٤) وجنس البشر بأجمعه تحول إلى طين، (١٣٥) والوادي مستوٍ كسطح (البيوت)؛٣٢ (١٣٦) عندئذٍ سجدت٣٣ وبكيت،٣٤ (١٣٧) وعلى وجهي انسابت الدموع. (١٣٨) تطلعت إلى البحر (بحثًا عن) السواحل، (١٣٩) (فأبصرت) جزيرة ترتفع مائة وأربعة وأربعين ذراعًا، (١٤٠) وأخذت السفينة تقترب من جبل نصير.٣٥ (١٤١) أمسك جبل نصير بالسفينة، ومنعها من الاهتزاز. (١٤٢) ومضى يوم، ويوم ثان، والجبل ممسك بالسفينة، يمنعها من الاهتزاز. (١٤٣) ومضى يوم ثالث ورابع والجبل ممسك بالسفينة، يمنعها من الاهتزاز. (١٤٤) ويوم خامس وسادس والجبل ممسك بالسفينة، يمنعها من الاهتزاز. (١٤٥) حتى إذا أَقْبَل اليوم السابع، (١٤٦) (أتيت) بحمامة وأطلقتها،٣٦ (١٤٧) وطارت الحمامة (بعيدًا)، ثم رجعت؛ (١٤٨) لم تقع عينها على مكان تحط فيه، فاستدارت راجعة. (١٤٩) (أتيت) بسنونو وأطلقتها، (١٥٠) طارت السنونو بعيدًا، ثم رجعت؛ (١٥١) لم تقع عينها على مكان تحطُّ فيه، فاستدارت راجعة. (١٥٢) (أتيت) بغراب وأطلقته: (١٥٣) طار الغراب كذلك بعيدًا، ولما رأى المياه انحسرت، (١٥٤) أخذ يأكل، ويحوم وينعق، ولم يرجع. (١٥٥) عند ذاك تركتهم يخرجون إلى الرياح الأربع،٣٧ وقدمت أضحية، (١٥٦) وقرَّبت قربانًا على قمة الجبل:٣٨ (١٥٧) وضعت سبع قدور (للسكائب) وسبعًا، (١٥٨) ألقيت في أوعيتها القصب، وخشب الأرز، والآس. (١٥٩) تشممت الآلهة شذاها. (١٦٠) أجل تشممت شذاها العطر، (١٦١) فتزاحمت كالذباب على مقرب القربان، (١٦٢) وما إن أقبلت «ماخ»،٣٩ (١٦٣) حتى رفعت عقد الجواهر الذي صنعه «آنو» لإرضائها: (١٦٤) «أيها الآلهة المجتمعون هنا، كما أنني لا أنسى، هذا العقد اللازوردي (الذي يطوق) جيدي، (١٦٥) فسأظل أذكر هذه الأيام ولن أنساها أبدًا، (١٦٦) ليتقدم الآلهة إلى القربان، (١٦٧) إلا إنليل فليس له أن يقترب منه؛ (١٦٨) لأنه أرسل الطوفان بغير تروٍّ، (١٦٩) وأسلم (خلقي) من البشر إلى الهلاك.» (١٧٠) وما إن جاء إنليل، (١٧١) وأبصر السفينة حتى (اشتد) غضبه، (١٧٢) وامتلأ حنقًا على آلهة (الإيجيجي):٤٠ (١٧٣) «كيف نجت نفس واحدة، وقد (قضيت) بألَّا ينجو أحد من الهلاك؟!» (١٧٤) فتح (نينورتا)٤١ فمه للكلام وقال لإنليل البطل: (١٧٥) «ومَنْ ذا الذي يدبِّر شيئًا غير «إيا»؟٤٢ (١٧٦) كذلك يعرف «إيا» كل ما يتم صنعه.»٤٣ (١٧٧) فتح «إيا» فاه للكلام وقال لإنليل البطل: (١٧٨) «أيها البطل، أنت يا أكثر الآلهة فطنةً (وذكاءً)، (١٧٩) آه! كيف أحدثت الطوفان بغير تروٍّ؟ (١٨٠) حمِّل المخطئ (ذنب) خطيئته، والمعتدي (إثم) عدوانه. (١٨١) وأرخِ (الخيط) حتى لا ينقطع، وتشدد، حتى لا …٤٤ (١٨٢) بدلًا من أن ترسل طوفانًا، دَعْ أسدًا ينقص عدد الناس! (١٨٣) بدلًا من أن ترسل طوفانًا، دَعْ ذئبًا ينقص عدد الناس! (١٨٤) بدلًا من أن ترسل طوفانًا، لتنزل بالبلاد مجاعة تفتك بها! (١٨٥) بدلًا من أن ترسل طوفانًا، لينهض «إيرا» ويخنق البشر!٤٥ (١٨٦) أمَّا أنا فلم أفشِ سر الآلهة العظام، (١٨٧) (بل) جعلت الحكيم (اللبيب) يرى حلمًا (في المنام)،٤٦ فأدرك سر الآلهة. (١٨٨) والآن أشر في أمره!» (١٨٩) عندئذٍ صعد «إنليل» إلى السفينة، (١٩٠) أخذ بيدي وأركبني فيها، (١٩١) وأركب زوجتي وجعلها تركع بجواري، (١٩٢) ولمس جبهتينا، وهو واقف بيننا، وباركنا (قائلًا): (١٩٣) «لم يكن أوتنابشتيم من قبلُ سوى واحد من أبناء البشر، (١٩٤) فليشبهنا نحن الآلهة من الآن؛ أوتنابشتيم وزوجه! (١٩٥) وليسكن أوتنابشتيم بعيدًا عند فم الأنهار!» (١٩٦) ثم أخذوني وأسكنوني بعيدًا عند فم الأنهار، (١٩٧) لكن من يجمع لك (شمل) الآلهة الآن، (١٩٨) لتعثر على الحياة (الخالدة) التي تبحث عنها؟٤٧ (١٩٩) هيا أَسْلِم نفسك للنوم، ستة أيامٍ وليالٍ سبع!» (٢٠٠) لما جلس على الأرض، (٢٠١) لمسه النوم (لمس) الضباب. (٢٠٢) قال لها أوتنابشتيم، قال لزوجته: (٢٠٣) «انظري إلى الرجل الذي طلب الحياة (الخالدة)! (٢٠٤) إن النوم يلمسه (لمس) الضباب!» (٢٠٥) قالت له زوجته، قالت لأوتنابشتيم: (٢٠٦) «المس الرجل لكي يستيقظ، (٢٠٧) ليرجع بسلامٍ على الطريق الذي جاء منه، (٢٠٨) وليعد إلى وطنه ويدخل من الباب الذي خرج منه!» (٢٠٩) قال لها أوتنابشتيم، قال لزوجته: (٢١٠) «خداعون هم البشر، وسوف يخدعك أنت أيضًا، (٢١١) هيا انهضي، اخبزي له أرغفة (و) ضعيها عند رأسه، (٢١٢) والأيام التي نامها، أشري علامتها على الجدار.» (٢١٣) خبزت له أرغفة، وضعتها عند رأسه، (٢١٤) والأيام التي نامها (أثبتت) علامتها على الجدار. (٢١٥) صار رغيفه الأول يابسًا، (٢١٦) وانكمش الثاني، وبقي الثالث رطبًا، (٢١٧) والرابع أبيض (لونه)، (وهو) رغيفه المحمر، (وأما) الخامس فقد حال لونه، والسادس قد خُبِزَ لتوِّه، (٢١٨) ومع السابع، لمسه فاستيقظ (من نومه). (٢١٩) قال له جلجاميش، قال لأوتنابشتيم البعيد: (٢٢٠) «لم يكد النوم ينسكب٤٨ عليَّ، (٢٢١) حتى عاجلتني بلمسة أقضَّت مضجعي!» (٢٢٢) قال له أوتنابشتيم، قال لجلجاميش: (٢٢٣) «تعال وعُدَّ يا جلجاميش، عُدَّ أرغفتك، (٢٢٤) ولتعرفك العلامات المرسومة على الجدار!٤٩ (٢٢٥) إن رغيفك الأول قد تيبس، (٢٢٦) والثاني انكمش، والثالث لم يزل رطبًا، والرابع، وهو رغيفك المحمر، قد ابيضَّت (قشرته)، (٢٢٧) والخامس حال لونه، والسادس خُبِزَ لتوه، (٢٢٨) ومع السابع، استيقظ (من النوم).» (٢٢٩) قال له جلجاميش، قال لأوتنابشتيم: (٢٣٠) «آه! ماذا أعمل؟ وإلى أين أوجه وجهي؟ (٢٣١) (والمختطف) الثاكل طوق أعماقي (وتمكن مني)؟٥٠ (٢٣٢) في مخدعي يقيم الموت، (٢٣٣) وحيث وضعت القدم، يواجهني الموت!»٥١ (٢٣٤) قال له أوتنابشتيم، قال لأورشنابي الملاح: (٢٣٥) «أورشنابي! فينبذك المرسى وليزدريك موضع العبور! (٢٣٦) ولتزهد فيك (وتبرأ منك)، السواحل التي تمشيت عليها.٥٢ (٢٣٧) (أما) الرجل الذي جئت به إلى هنا، فجسده مغطًّى بالأوساخ، (٢٣٨) وجمال أعضائه قد شوَّهته جلود الحيوان. (٢٣٩) خذه يا أورشنابي، قُدْه إلى موضع الاغتسال، (٢٤٠) حتى ينظف وسخه بالماء، (ويصبح) كالثلج، (٢٤١) وينفض عنه جلود الحيوان فيحملها البحر (بعيدًا). دَعْه يبلِّل جسده الجميل، (٢٤٢) ويجدِّد عصابة رأسه، (٢٤٣) وليرتد ثوبًا يستر عُرْيه، (٢٤٤) وإلى أن يرجع لمدينته، (٢٤٥) ويهتدي إلى طريقه، (٢٤٦) ليبق ثوبه جديدًا، ليبق جديدًا ولا يناله البلى.» (٢٤٧) أخذه أورشنابي وقاده إلى موضع الاغتسال، (٢٤٨) غسل أوساخه بالماء، (فأصبح نظيفًا) كالثلج، (٢٤٩) خلع عنه جلد الحيوان ليحمله البحر بعيدًا، (٢٥٠) وبلل جسده الجميل. (٢٥١) استبدل بعصابة رأسه عصابة جديدة، (٢٥٢) وارتدى ثوبًا يستر عُرْيه، (٢٥٣) وإلى أن يرجع لمدينته، (٢٥٤) ويهتدي إلى طريقه، (٢٥٥) ينبغي أن لا يبلى وأن يبقى جديدًا، جديدًا. (٢٥٦) ركب جلجاميش وأورشنابي السفينة، (٢٥٧) أنزلاها فوق الأمواج ومضيا (في طريقهما)، (٢٥٨) (وعندها) قالت له زوجته، قالت لأتنابشتيم البعيد: (٢٦٠) «ماذا تراك ستعطيه (ليحمله معه) وهو عائد إلى وطنه؟» (٢٦١) كان جلجاميش قد رفع المجداف،٥٣ (٢٦٢) وقرب السفينة من الشاطئ، (٢٦٣) فقال له أوتنابشتيم، قال لجلجاميش: (٢٦٤) «لقد جئت إلى هنا يا جلجاميش وأضنيت نفسك وأتعبتها، (٢٦٥) فماذا أعطيك (لتعود به) إلى وطنك؟ (٢٦٦) سأكشف لك، يا جلجاميش، عن (سر) خفي، (٢٦٧) وسأنبئك بأمر مجهول؛ (٢٦٨) هنالك نبتة تشبه الشوك، (٢٦٩) وهي كالوردة يخز شوكها يدك، (٢٧٠) إذا توصلت يداك لهذه النبتة، وجدت الحياة (الخالدة)!» (٢٧١) ما إن سمع جلجاميش هذا القول … (٢٧٢) حتى ربط بقدميه أحجارًا ثقيلة، (٢٧٣) ولما شدته إلى الآبسو،٥٤ (٢٧٤) أخذ النبتة التي وخزت يده، (٢٧٥) وفك قدميه من الأحجار الثقيلة، (٢٧٦) فألقاه اليمُّ على الشاطئ. (٢٧٧) قال له جلجاميش، قال لأورشنابي الملاح: (٢٧٨) «هذه النبتة تشفي من الاضطراب،٥٥ (٢٧٩) وبفضلها يستعيد الإنسان حياته. (٢٨٠) سأحملها معي إلى أوروك الحمى، وأعطيها (للناس) ليأكلوا منها، وبذلك أجربها. (٢٨١) إن اسمها هو «عودة الشيخ إلى شبابه»، (٢٨٢) ولسوف آكل منها ليرجع إليَّ شبابي.»٥٦ (٢٨٣) بعد عشرين ساعة مضاعفة تناولا القليل من الزاد، (٢٨٤) وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا لقضاء الليل، (٢٨٥) وعندما رأى جلجاميش بئرًا باردة بالماء، (٢٨٦) نزل فيها ليغتسل (بالماء). (٢٨٧) شمت أفعى شذا النبتة، (٢٨٨) فتسلَّلت خارجة من الماء وأخذتها، (٢٨٩) وعند عودتها غيَّرت جلدها. (٢٩٠) هنالك جلس جلجاميش وأخذ يبكي، (٢٩١) جرت الدموع على وجهه، (٢٩٢) وكلَّم أورشنابي الملاح قائلًا: (٢٩٣) «لمن، يا أورشنابي، كَلَّ ذراعي؟ (٢٩٤) ولمن قد نزف القلب دماه؟ (٢٩٥) لم أجن لنفسي خيرًا، (٢٩٦) بل قدمت الخير لأسد الترب!٥٧ (٢٩٧) الآن يرتفع اليم مسافة عشرين ساعة مضاعفة، (٢٩٨) وقد تركت الأداة (؟) تسقط (مني) عندما فتحت قناة صغيرة، (٢٩٩) فكيف لي بمثلها، لأضعها إلى جانبي؟ ليتني انسحبت وتركت السفينة على الشاطئ!»٥٨ (٣٠٠) بعد عشرين ساعة مضاعفة تناولا القليل من الزاد، (٣٠١) وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا لقضاء الليل، ولما وصلا إلى أوروك المنيعة، (٣٠٢) قال له جلجاميش، قال لأورشنابي الملاح: (٣٠٣) «أي أورشنابي! اصعد سور أوروك، تمشَّ عليه، (٣٠٤) تفحص قواعده وانظر إلى لبناته. أَوَلم تُصْنَع من آجر مفخور؟ (٣٠٥) أَوَلم يضع الحكماء السبعة أسسه؟ (٣٠٦) شار واحد للمدينة، وشار واحد لبساتين النخل، وشار لسهل الري،٥٩ بالإضافة إلى المكان (المقدس) لمعبد عشتار؛ (٣٠٧) بهذا يضم (السور) ثلاثة شارات، بجانب الموقع (المقدس) لأوروك.» تذييل: اللوح الحادي عشر من «هو الذي رأى كلَّ شيءٍ.» من سلسلة جلجاميش، تم نسخه طبق الأصل وحقق: مكتبة (قصر) آشور بانيبال، ملك العالم، ملك آشور. هوامش (١) حرفيًّا: وجدت مقاييسك غير مختلفة، أي قوامك أو شكلك وهيئتك وملامحك … (٢) في ترجمات أخرى، ولعلها أصح وأوضح، فإذا بي أجدك (ضعيفًا) مضطجعًا على جنبك أو قفاك. (٣) شيروباك. [المراجع] (٤) شروباك (وتُعْرَف أطلالها اليوم باسم تل فارة) مدينة سومرية قديمة، تقع إلى الشمال الغربي من مدينة أوروك (الوركاء)، وتبعد عنها قرابة ثلاثين كيلومترًا (١٨ ميلًا)، وقد كانت موطن «نوح السومري» زيوسودرا، ثم موطن نوح البابلي أو رجل الطوفان أوتنابشتيم الذي يروي قصته المخيفة في هذا اللوح الشهير من ألواح الملحمة الذي يرجح العلماء أن يكون قد أثر تأثيرًا كبيرًا على سفر التكوين في التوراة (سفر التكوين، من الإصحاح السادس إلى الإصحاح التاسع)، وقد ذكرت في أثبات الملوك السومريين من بين المدن الخمس التي حكمتها سلالات ما قبل الطوفان، وهي على الترتيب: أريدو (أبو شهرين جنوب الناصرية)، وبادتبيرا (تل صفر في محافظة ذي قار) ولراك وسيار (أبو حبة قرب اليوسفية)، ثم شيروباك (فارة)، وقد كان السومريون والبابليون من بعدهم، يعتقدون أن نظام الملكية — شأنه في ذلك شأن الشرائع والقوانين — قد أُنْزِلَ من السماء قبل الطوفان، ثم صعد إلى السماء بعد وقوع كارثة الطوفان قبل أن يرجع إلى الأرض بعد ذلك، وكانت سلالة كيش (موطن أتانا الراعي الذي سبق ذكر حكاية صعوده إلى السماء — قارن الهامشين: رقم ١٣ باللوح السابع، ورقم ١ باللوح التاسع) هي أول سلالة حكمت بعد الطوفان … (٥) فتشاوروا (كلهم) مع أبيهم آنو. [المراجع] (٦) واضح أن «إيا» — إله المياه العذبة وإله الحكمة عند البابليين، وكان اسمه إنكي عند السومريين — يوجه خطابه على سبيل المجاز إلى كوخ القصب وجدران البيت الذي يسكنه رجل الطوفان نفسه وهو أوتنابشتيم! … (٧) اعتقد البابليون أن «أوبار-توتو» هو الملك الوحيد الذي حكم شروباك، وقد كانوا أسخياء كعادتهم في حساب مدة حكمه، إذ حكم في تقديرهم ثماني عشرة ألف وستمائة سنة … (٨) تصور البابليون أن «الآبسو» مستودع هائل للمياه السفلية أو الجوفية العذبة التي تتدفق منها كل مياه الدنيا، وقد كانت للمعابد نماذج مصغرة من هذا المستودع، تستمد منها ما تحتاج إليه للشرب وإقامة الطقوس وسائر أغراض الحياة، ويبدو أن شكل هذا المستودع أو الآبسو المصغر كان يشبه شكل «فلك نوح» البابلي؛ أي على هيئة مكعب منتظم، حدده كاتب الملحمة أو كتابها المتعاقبون بصورة رياضية وهندسية دقيقة لا نستبعدها على العقل البابلي المتفوق في الرياضيات والفلك! … (٩) يبدو أن هذه هي صحوة الضمير وعلامة الشعور بالذنب نحو الناس بسبب الكذب عليهم كما سنرى … (١٠) أو لا يريد أن يعرف شيئًا عني، والمعنى أن إنليل يكرهه ويريده على ترك المدينة حتى لا يكون لعنة عليها، لاحظ أن نجاة أوتنابشتيم تعتمد في النهاية على «إثم» أو «ذنب» وقع فيه بإيحاء من «إيا»، وسوف تكشف السطور التالية عن اعتراف «نوح البابلي» بأنه كذب على الناس، وضلَّل سكان المدينة أكثر من مرة، فهل يوحي إلينا هذا «بمأساوية» قصة الطوفان بأكملها، لا سيما إذا عرفنا أن الإلهة عشتار التي تحمَّست لإغراق البشر وإهلاكهم ستندم أيما ندم على فعلتها الشنيعة في حق البشر المساكين الذين كانت وراء وجودهم على الأرض … (١١) حرفيًّا: حمل أحدهم … والآخر جلب معه … إلخ. (١٢) أو بنيتها — ويؤكد المرحوم الأستاذ طه باقر أن الكلمة البابلية «بنية» تَرِد هنا بمعناها نفسه في العربية (صفحة ١٣٥، هامش ١٣٩ من ترجمته). (١٣) وبلغة مقاييس المساحة البابلية «إيكو» واحدًا؛ أي ما يعادل نحو ٣٦٠٠ مترًا مربعًا، وربما أن ارتفاع السفينة يبلغ ستين مترًا (أي مائة وعشرين ذراعًا) فيكون شكلها مكعبًا منتظمًا وسعتها نحو ٢١٦٠٠٠ مترًا مكعبًا (عن طه باقر، ص١٣٥، هامش ١٤٠، وشوت ص٨٨، هامش ٧). (١٤) أو معلمها أو بناءها الكلي، أما في ترجمة طه باقر فهي «أرضيتها» … (١٥) أوتاد الماء تُسْتَعْمَل في بناء السفن بغرز حشوات خشبية في الفواصل ما بين الألواح لمنع الماء من النفاذ إليها، وفي الأصل البابلي سكك أو سكات بالجمع (عن طه باقر، ص١٣٦، هامش ١٤٢، وسامي سعيد الأحمد ص٥٢١، سطر ١٣). (١٦) عن المردي وجمعها مرادي، راجع اللوح العاشر، هامش رقم ٣٢. (١٧) أوست «شارات» أو سارات، والشار البابلي كيل أو قياس حجم بالإضافة إلى أنه مساحة سطحية، ويعادل ٣٦٠٠ لترًا. (١٨) أي للعُمَّال على ظهر السفينة. (١٩) تضع ترجمة طه باقر في مكان هذا السطر الذي أسقطه شوت: ومسحت يدي بسَمن الزيت، أما ترجمة فراس السواح فتضع هذا السطر الناقص: … الدهون، غمست يدي، وأما ترجمة سامي سعد الأحمد فتقول: فتحت ووضعت يداي الزيت. (٢٠) السطور السابقة من ٣٦–٤٧ تنسب الأحداث المنتظرة أثناء الطوفان للإله «إيا»، على حين أن هذا السطر يظهر شمش على المسرح! فهل نفهم من هذا التضارب أن هناك صيغتين للملحمة؟ لاحظ لجوء الكاتب في هذا الموضع وما سبقه إلى التورية والالتباس في المعنى أو الازدواجية، فمطر القمح يعني في رأي بعض الدارسين مطر البلية والكارثة … (٢١) سأمطر عدسًا. [المراجع] (٢٢) نزل العدس. [المراجع] (٢٣) القصر هنا كناية عن هيكل السفينة أو عن السفينة بأكملها … (٢٤) أضض. [المراجع] (٢٥) شوللات. [المراجع] (٢٦) «أدد» هو إله الرعود، «وشلات» و«خانيش» من رسله … (٢٧) «إيراجال» هو أحد آلهة العالم السفلي أو أحد أسماء الإله «نرجال» إله هذا العالم، ولعل المقصود بعمود السفينة أو دعامتها هي دعامة بوابات مستودع المياه السفلية أو دعائمها (ترجمة فراس السواح، ص٢١٠، هامش ٢) أو لعله هو دفة الكون أو مجدافه؟ وفي ترجمة سامي سعيد الأحمد: وسحب إيراكال الصواري (ص٥٢٣، سطر ١٠١). (٢٨) أو أغرقتها في الماء، قارن سفر التكوين، الإصحاح السابع، ٢٠. (٢٩) حرفيًا: صار الواحد منهم لا يرى الآخر … (٣٠) عشتر. [المراجع] (٣١) أي ليت ذلك اليوم الذي أمرت فيه بالشر وإهلاك البشر لم يكن أبدًا. (٣٢) أي إن المروج والوديان سُوِّيَت بالأرض فصارت كأسطح البيوت الطينية منذ القدم في مصر وبلاد النهرين … (٣٣) ركعت. [المراجع] (٣٤) حرفيًّا: عندما سجدت وعلى الأرض بكيت. (٣٥) يقع هذا الجبل على بُعْد حوالي ٤٥٠ كيلومترًا إلى الشمال من مدينة شروباك (تل فارة) في كردستان الحالية، ويرجح الأستاذ طه باقر أن يكون معنى الاسم هو جبل الخلاص، كما يذكر أنه ورد في أخبار الملك الآشوري «آشور-ناصر بال» الثاني (٨٨٣–٨٥٩ق.م) وأنه يقع بموجب هذه الأخبار جنوبي وادي الزاب الصغير، وعينه بعض الباحثين بجبل بيره مكرون بالقرب من السليمانية، قارن سفر التكوين حيث استقرت سفينة نوح على جبل أراراط، وهو الاسم القديم لأرمينية «أورارطو»: «واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط» (الإصحاح الثامن، ٤) (وترجمة طه باقر للملحمة ص١٤١ هامش ١٦٠). (٣٦) حول الطيور التي أطلقها نوح. قارن سفر التكوين، الإصحاح ٨: ٦–١٢. (٣٧) أي ترك كلَّ ركاب السفينة يذهبون إلى الجهات الأربع … (٣٨) قارن سفر التكوين (٨: ٢٠–٢٢): «وبنى نوح مذبحًا للرب، وأخذ من كلِّ البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا.» (٣٩) ماخ هو الاسم السومري لسيدة الآلهة، وفي ترجمات أخرى يذكر اسم عشتار (طه باقر وفراس السواح وسامي سعيد الأحمد). (٤٠) «الإيجيجي» هم آلهة السماء أو آلهة العلويون في مقابل «الآنوناكي» آلهة العالم السفلي. (٤١) هو ابن إنليل، وهو إله حرب وصيد، ولكنه قبل ذلك إله الخصب الذي يجسد الريح الجنوبية، كانت مدينة لجش هي مركز عبادته، ورمزه النسر، ويمثل أحيانًا برأس أسد. (٤٢) هو ابن إنليل ورسول الآلهة إلى البشر. انظر السطر ١٧ في هذا اللوح. (٤٣) ربما كان هذا التعبير من قبيل السخرية؛ لأن «إيا» يُكنَّى بلقب «صانع كل شيء» كما كان إله الصناع وأرباب الحرف … (٤٤) هكذا في ترجمة «شوت»، وفي ترجمات أخرى: «ولكن أرحم (في العقاب) لئلا يهلك» (طه باقر) و«أمهله فلا يهلك ولا تهمل فيسقط» (السواح) وتساهل حتى لا يهلك، وتشدد حتى لا يطغى (سامي سعيد الأحمد)، والمعنى واحد في كل الأحوال … (٤٥) هو إله الطاعون والأوبئة الفتاكة، ويبدو أنه كان مساعد نرجال إله العالم السفلي أو شبيهه في أهم وظائفه، وهو نشر الأوبئة والحروب الأهلية بين المدن والبلاد، وكل ألوان الشر والغدر العريقة الجذور في الشرق الأدنى! (٤٦) تذكر بعض الترجمات الكلمة الأكادية الأصلية وهي «أترا-حاسيس» التي تعني الحكيم المفرط في الفهم والحس، وكلها صفات تنطبق على أوتنابشتيم بطل الطوفان البابلي، وقد تابعت «شوت» في تجنب ذكر الكلمة الأصلية حتى لا تختلط في ذهن القارئ بملحمة بابلية شهيرة عُرِفَت باسم «أتراحاسيس» الذي يقوم بنفس الدور الذي يقوم به أوتنابشتيم، إذ يتمكن بمؤازرة إنكي (وهو نفسه أيا البابلي إله الحكمة والمياه الجوفية العذبة) من النجاة من الطوفان الذي أرسله إنليل لإفناء البشر، بعد أن أزعجوه بضجيجهم ولم يفلح الطاعون ولا القحط اللذان أنزلهما عليهم في تأديبهم! وقد عمل «أتراحاسيس» بنصيحة إنكي، وقام ببناء سفينة حفظ فيها أرواح «نماذج أولية» لجميع الكائنات الحية … (٤٧) يبدو أن الأمر هنا يتعلق بأضحية أو قربان يمكن جلجاميش من جمع الآلهة لتباركه وتهبه حياة الخلود كما فعلت مع جده أوتنابشتيم وزوجته (المظلومة معه!) فالقربان الذي قدَّمه أوتنابشتيم هو الذي جذب الآلهة التي تزاحمت على روائح أضحياته الزكية قبل أن تنعم عليه وعلى زوجته بالخلود و«تحبسهما» بعيدًا عن البشر والحياة الطبيعية في جزيرة الحياة والأحياء أو جنتهم المملَّة الجرداء! … أما أن يتعرض جلجاميش الذي حاول أن يقاوم الموت ويتحداه لامتحان يصعب على بشريته المتناهية أن تنجح فيه، وهو القدرة على الامتناع عن النوم عدة أيام تكشف في الحقيقة عن استغراقه فيه، فإن ذلك كان أمرًا لا يستبعد على البابلي القديم الذي أدرك وجه التشابه بين النوم والموت، وسجل هذا على لسان أدبائه وفي ملحمة جلجاميش نفسها في أكثر من موضع (راجع على سبيل المثال حديث أوتنابشتيم لجلجاميش في نهاية اللوح العاشر، العمود السادس، السطر الثالث والثلاثون …) والواقع أن ما جرى لجلجاميش في هذا الامتحان العسير يشبه ما ترويه علينا «حكايات الخوارق» عن الأولياء والقديسين والصالحين الذين ناموا عشرات السنين أو مئاتها (مثل أهل الكهف وغيرهم) وظنوا بعد أن فتحوا أعينهم أنها كانت غفوة لحظة واحدة! (٤٨) ينتشر. [المراجع] (٤٩) أي تعرفك بعدد الأيام التي غلبك فيها النوم. (٥٠) المختطف والثاكل كناية عن الموت الذي طالما وصفه مأثورنا الشعبي بهادم اللذات ومفرق الجماعات! والكلمة الأصلية وضعها شوت بالخط المائل وكتبتها بالحبر الأسود تعبيرًا عن عدم التأكد بعدُ من معناها الدقيق، شأنها في هذا الشأن كل الكلمات والسطور التي كُتِبَت بالخط الأسود الكثيف كما سبقت الإشارة إلى ذلك … (٥١) حرفيًّا: حيثما وضعت قدمي يكون الموت، تأمل تصوير الكاتب البابلي لحضور الموت وشموله، وتعبيره غير المباشر عن ضرورة مواجهته وتحديه، والتصميم على انتزاع «اللحظة الحية الخالدة» من بين براثنه، مثلما نجد في كثير من الكتابات الوجودية المعاصرة، وفي شواهد أخرى عديدة من الأدب العالمي والقومي يضيق المجال عن ذكرها … (٥٢) ليس من العسير استكناه المعنى من هذا البيت العسير! فالجد الخالد يتبرأ من ملاحه ويطرده من خدمته، ويبدو أن في ترجمة شوت شيئًا من الخلل أو من التعقيد غير الضروري، إذ تؤدي السطر هكذا: ليستغن عن سواحله من تمشيت على سواحله … أي لتتبرأ منك سواحل البحر وشواطئه التي طالما تمشيت عليها، ولعل الترجمات الأخرى أن تكون أوضح وأقرب: عسى أن لا يرحب بك المرفأ ويبرأ منك موضع العبور ولتذهب مطرودًا من الشاطئ (طه باقر، ص١٤٧) فلينبذك المرفأ يا أورشنابي، وليكرهك المعبر، وليبرأ منك الشاطئ الذي تمشي عليه (فراس السواح، ص٢٢٠)، وعسى أن لا يفرح بك الميناء ويكرهك مكان العبور، فالذي يتجول على الشاطئ يُطْرَد منه (سامي سعيد الأحمد)، وقد حاولت التوفيق بين الصيغ المختلفة بما لا يخل بالسياق … (٥٣) أو المردي كما سبقت الإشارة، وهو الذي يُغْرَز في الماء وتُدْفَع به السفينة في حركتها للأمام أو الوراء (راجع اللوح العاشر، الهامشين رقم ٣٢ و٣٣). (٥٤) هو المياه العذبة العميقة (راجع اللوح الحادي عشر، هامش رقم ٨). (٥٥) أو القلق، ولم أشأ استخدام هذه الكلمة لكثافة الدلالات النفسية والاجتماعية والفكرية والميتافيزيقية التي ارتبطت بها في عصرنا الحديثة … والكلمة على كلِّ حال غير مؤكدة، ويترجمها الدكتور سامي سعيد الأحمد على النحو التالي: «يا أورشانابي هذه النبتة (هي) النبتة المجيدة (الموصى بها) حتى يحصل الرجل في نفسه قوته الجنسية» (ص٥٣١، سطر ٢٧٨-٢٧٩). (٥٦) وذلك بفضل القوة السحرية الكامنة في هذه النبتة التي تجدد الشباب، وتُرْجِع الشيخ إلى صباه وتجعل الأفعى تغير جلدها كل عام … لاحظ تحوُّل جلجاميش قرب نهاية الملحمة والمغامرة كلها من «الأنا» الحريصة على شهرتها وخلود اسمها إلى «النحن» الممثلة في شعب أوروك الذي أراد أن يشركه معه في تجديد الشباب … وهو تحوُّل هام ربما يشهد على «تطهر» جلجاميش من تسلطه وأنانيته، بعد تأكده من إخفاقه في التوصل إلى الخلود، وسوف يتجلَّى هذا التحول بصورة نهائية في السطور الأخيرة للملحمة التي تدل على إيمانه بأن الخلود الوحيد المتاح للفانين؛ هو العمل للمجموع وبناء الحضارة وتأسيس ما يبقى … لأن الخلود لا يأتي أبدًا من «الأنانة» التي تتلذذ بالنظر في مرآتها ودق الطبول لنفسها و«الفرقعة» والنجومية والتسلطية وإثبات الأهمية وسائر أمراض المعذبين (بتشديد الذال وكسرها) في الأرض! (٥٧) أسد التراب صفة كان يُطلِقها البابليون على الأفعى … (٥٨) السطور الثلاثة الأخيرة غامضة ومضطربة في كلِّ الترجمات التي رجعت إليها، ويبدو أنها تشير إلى أمر حدث لجلجاميش أثناء نزوله إلى الأعماق السفلى بحثًا عن نبتة الخلود، فقد فتح مجرى أو قناة صغيرة ينفذ منها إلى قاع «الآبسو» أو مستودع المياه العذبة بحثًا عن تلك النبتة، ثم سقط منه شيء في الماء كما يظهر من ترجمة شوت، شيء لا ندريه ولم تحدده أي ترجمة أخرى، وربما تبين له بعد ضياع النبتة — أو ضياع الأمل المستحيل! — أنه كان نذيرًا له بأن يترك السفينة ويقطع المسافة الباقية إلى أوروك على قدميه مع رفيق رحلته الملاح أورشنابي الذي طرده سيده من خدمته، بذلك الْتَأم شمل «المنحوس وخائب الرجا» لكي يتحديا الفشل ويعلنا — على لسان جلجاميش في السطور الأخيرة من الملحمة التي تكرر بدايتها — أن الخلود ممكن على هذه الأرض، مهما تصورنا أنه مناقض لطبيعة البشر وتناهيهم، وهذا الخلود — كما سبق القول — لا يتحقق إلا بالعمل النافع من أجل المجموع؛ أي بالعمل الحضاري الذي يمكن أن يقاوم الموت ولو إلى حين، والمهم على كل حال أن السطور السابقة لا تسمح بفهمها ولا تفسيرها، كما أن كاتب الملحمة قد عمد كعادته إلى الإيجاز والتكثيف، وكلها من سمات الأسلوب في الأدب الشعبي … وترد السطور السابقة في ترجمة سامي سعيد الأحمد على الصورة التالية: «عندما فتحت قربة الماء … العدة، لقد وجدت ما قُرر لي وسأتراجع «ولكن» هل أتمكن أن لا أرجع إلا بالبحر؟» (٥٩) الشار أو السار: مقياس مساحي يساوي نحو ٣٥ مترًا مربعًا. (راجع اللوح الحادي عشر، هامش رقم ١٧) وسهل الري هنا تقابله أراضي ضاحية معبد عشتار غير المزروعة (كما يُترجمها سامي سعيد الأحمد، ص٥٣٢). ملحمة جلجاميش
اللوح الثاني عشر [من المرجح أن تكون الصيغة الأصلية للملحمة قد تمت مع ختام اللوح الحادي عشر الذي تستعيد نهايته بداية اللوح الأول — قارن السطور من ١٦ إلى ١٩ في اللوح الأول مع السطور من ٣٠٣ إلى ٣٠٥ من اللوح الحادي عشر — وإذا صح هذا الفرض يكون اللوح الثاني عشر في صورته الحالية قد أضيف إلى الملحمة على هيئة «ملحق» لا يتصل بها اتصالًا عضويًّا، لا من حيث المبنى ولا من حيث المعنى، بل إن بدايته التي نفهم منها أن أنكيدو لا يزال حيًّا تتناقض مع اللوح السابع الذي عرفنا منه قصة مرضه وموته … ثم إن أنكيدو يموت في اللوح السابع الذي عرفنا منه قصة مرضه وموته … ثم إن أنكيدو يموت في اللوح السابع كما يموت سائر البشر، فتبلغ الملحمة ذروتها المأسوية بثورة جلجاميش على الموت ورعبه منه، وانطلاقه بحثًا عن الخلود المستحيل، أما في اللوح الثاني عشر فيحكم عليه بالبقاء في عالم الموتى السفلي بسبب خروجه على نظمه ومحرماته بعد أن نزل إليه حيًّا لإحضار أداتي سيده جلجاميش اللتين سقطتا فيه وهما البوكو والموكو؛ أي الطبلة والعصا أو المضرب الذي تدق به، ويؤكد ذلك الفرض أيضًا أن اللوح الثاني عشر لا يخرج عن كونه ترجمة أكدية شبه حرفية للقسم الأخير من إحدى القصص السومرية التي تُرْوَى عن مغامرات جلجاميش وأنكيدو كما عرضناها في «التمهيد»، وهي قصة جلجاميش وأنكيدو والعالم السفلي، فضلًا عن أن أنكيدو يقوم فيه بدور التابع والخادم لا بدور الصديق والأخ الوفي الذي شاهدناه على مدار الملحمة، مما حدا ببعض الترجمات الحديثة أن تستبعد هذا اللوح تمامًا! … وربما يساعد على تأكيد الفرض أن ألواح الملحمة الإحدى عشر لم تُتَرْجَم عن أصول سومرية، وإنما هي خلق بابلي مستقل وأصيل؛ ولذلك يصعب حتى الآن أن نعثر على إجابة شافية عن هذين السؤالين: لماذا أضيف هذا اللوح إلى الملحمة ومتى أضيف؟ وهل يكفي أن يصور اللوح السابع أهوال العالم السفلي وأحوال الموتى فيه (انظر العمود الرابع من هذا اللوح) ليسوغ ذلك إضافة اللوح الثاني عشر للملحمة، وكأنه نوع من التوضيح لمصير أنكيدو بعد موته ونزوله إلى أرض اللاعودة (بالأكدية: ارصه – اشار – لاتارى)، أم أن قلق جلجاميش من الموت وانشغاله المهموم بمصيره يبرر الإسهاب في وصف العالم السفلي الذي سينتهي إليه، ومن ثم إضافة هذا اللوح؟! ويزيد الأمر تعقيدًا كما يزيدنا حيرة أن حذف القسم الأول من القصة السومرية التي ذكرناها قد ضاعف من صعوبة فهم هذا اللوح، وإن كان بعض العلماء (مثل شوت وفون سودين) لا يستبعدون أن تكون الأجزاء الناقصة أو المشوَّهة من الملحمة قد ذكرت نبأ «البوكو والموكو» المفقودين، بحيث كان المستمع البابلي الذي تُرْوَى عليه الملحمة على علم بالأجزاء الناقصة من النسخ والشذرات التي بين أيدينا اليوم، وفي هذه الحالة أيضًا لا ينسجم مضمون هذا اللوح المحير مع مضمون الملحمة وسياقها العام، ولا مع مضمون اللوح السابع بوجه خاص! وأيًّا كان الأمر فلا غنى عن تقديم هذا اللوح، والقارئ حر في أن يعدَّه جزءًا مكملًا للملحمة أو إضافة غير ضرورية إليها …] (١) «ليتني تركت الطبلة (البوكو) في بيت النجار، (٢) (إذن لكانت) زوجة النجار التي هي مثل أمي … (٣) وابنة النجار التي هي مثل أختي الصغرى … (٤) مَن يحضر لي الآن طبلتي من الأرض؟ (٥) مَن يحضر لي مضرب طبلتي (الموكو) من العالم السفلي؟» (٦،  ٧) قال له خادمه أنكيدو: (٨) «سيدي، ماذا يبكيك، ولماذا يتوجع قلبك؟ (٩) اليوم سآتيك بطبلتك من الأرض، (١٠) وسآتيك بمضرب طبلتك من العالم السفلي.» (١١) قال له جلجاميش، قال لخادمه أنكيدو:١ (١٢) «إذا أردت أن تنزل إلى العالم السفلي، (١٣) فعليك أن تأخذ بنصيحتي جيدًا:٢ (١٤) لا تلبس ثوبًا نظيفًا، (١٥) وإلا عرفوا٣ أنك غريب (هناك). (١٦) لا تضمخ (جسدك) بالزيت الطيب (من العلبة)، (١٧) وإلا تجمعوا حولك بمجرد أن يشموا (رائحته). (١٨) لا ترم العصا (الخشبية) على الأرض، (١٩) وإلا تحلَّق حولك الذين ضربوا بها. (٢٠) لا تحمل في يدك هراوة، (٢١) وإلا ارتجفت الأرواح أمامك. (٢٢) لا تضع نعلًا في قدميك. (٢٣) لا تُحْدِث جلبة في العالم السفلي. (٢٤) لا تقبِّل زوجتك التي أحببت، (٢٥) ولا تضرب زوجتك التي كرهت. (٢٦) لا تقبِّل طفلك الذي أحببته، (٢٧) ولا تضرب طفلك الذي سخطت عليه، (٢٨) حتى لا يطبق عليك عويل الأرض.٤ (٢٩) إن تلك التي تضطجع هناك، أم (الإله) نينازو التي تضطجع هناك، (٣٠) لا يُغطي كتفيها الناصعين رداء، (٣١) وثدياها عاريان مثل وعائين (مجوفين).»٥ (٣٢) لم يأخذ أنكيدو نصيحة سيده مأخذ الجد؛ (٣٣) ارتدى ثوبًا نظيفًا؛ (٣٤) فعرف (الموتى) أنه غريب هناك. (٣٥) ضمخ نفسه بالزيت الطيب (من العلبة)؛ (٣٦) فتزاحموا حوله بمجرد أنْ شموا رائحته. (٣٧أ) رمى العصا الخشبية على الأرض؛ (٣٨) فتجمع حوله الذين ضربوا (بهذه) العصا. (٣٩) حمل هراوة في يده؛ (٣٧ب) فارتجفت الأرواح أمامه. (٤٠) وضع نعلين في قدميه، (٤١) وأحدث جلبة في العالم السفلي. (٤٢) قبَّل زوجته التي أحبها، (٤٣) وضرب زوجته التي كرهها، (٤٤) قبَّل طفله الذي أحب، (٤٥) وضرب طفله الذي سخط عليه؛ (٤٦) عندئذٍ أطبق عليه عويل الأرض، (٤٧) تلك المضطجعة هناك، أم (الإله) نينازو، المضطجعة هناك، (٤٨) التي لا يغطي كتفيها العاريتين٦ رداء. (٤٩) وثدياها عاريان، مثل وعائين (مجوفين). (٥٠) (في ذلك الزمن القديم) لم يرجع أنكيدو من الأرض (السفلى)، (٥١) لم يمسك به نمتار، ولم يمسك بها أساكو،٧ (وإنما) أمسكت به الأرض. (٥٢) لم يطبق عليه حارس نيرجال القاسي،٨ وإنما أطبقت عليه الأرض. (٥٣) لم يسقط في ساحة المعركة كما يسقط الرجال، وإنما أطبقت عليه الأرض. (٥٤) (في ذلك الزمن القديم) انطلق ابن نينسون٩ (بعيدًا)، وهو يبكي خادمه أنكيدو. (٥٥) ذهب وحده إلى «الإيكور»، معبد إنليل، (وقال):١٠ (٥٦) «يا أبت إنليل اليوم سقطت (مني) الطبلة في الأرض، (٥٧) وعصا الطبلة سقطت مني في الأرض. (٥٨) أنكيدو الذي ذهب ليحضرها لي، قد أطبقت عليه الأرض. (٥٩) لم يطبق عليه نمتار، لم يطبق عليه أساكو، بل أطبقت عليه الأرض. (٦٠) لم يطبق عليه زبانية (رسل) نرجال القساة، بل أطبقت عليه الأرض. (٦١) لم يسقط في ساحة المعركة كما يسقط الرجال، بل أطبقت عليه الأرض.» (٦٢) لم يرد عليه إنليل بكلمة (واحدة)، ذهب وحده إلى معبد (سين):١١ (٦٣) «يا أبتي سين! اليوم سقطت (مني) الطبلة في الأرض. (٦٤) (و) عصا الطبلة سقطت مني في الأرض. (٦٥) أنكيدو الذي ذهب ليحضرها لي، قد أطبقت عليه الأرض. (٦٦) لم يطبق عليه نمتار، لم يطبق عليه أساكو، بل أطبقت عليه الأرض. (٦٧) لم يطبق عليه زبانية نرجال القساة، بل أطبقت عليه الأرض. (٦٨) لم يسقط في ساحة المعركة كما يسقط الرجال، بل أطبقت عليه الأرض.» (٦٩) لم يرد عليه الأب «سين» بكلمة (واحدة). (٧٠) ذهب وحيدًا إلى معبد «إيا»:١٢ «يا أبتي «إيا»! اليوم سقطت مني الطبلة في الأرض، (٧١) وعصا الطبلة سقطت مني في الأرض. (٧٢) أنكيدو، الذي ذهب ليحضرها لي، قد أطبقت عليه الأرض. (٧٣) لم يطبق عليه «نمتار»، لم يطبق عليه «أساكو»، بل أطبقت عليه الأرض. (٧٤) لم يطبق عليه زبانية (رسل) نرجال القساة، بل أطبقت عليه الأرض. (٧٥) لم يسقط في ساحة المعركة كما يسقط الرجال، بل أطبقت عليه الأرض.» (٧٦) ما إن سمع الأب «إيا» هذا (الكلام)، (٧٧) حتى خاطب نرجال البطل الفحل بقوله: (٧٨) ««نرجال»، أيها البطل الفحل، استمع إليَّ: (٧٩) أناشدك أن تفتح ثقبًا في الأرض، (٨٠) كي تتسلل منه روح أنكيدو، (٨١) وينبئ أخاه عن نظام الأرض.» (٨٢) امتثل «نرجال» البطل الفحل لطلب «إيا»، (٨٣) ولم يكد يفتح ثقبًا في الأرض، (٨٤) حتى تسللت روح أنكيدو من الأرض كالريح. (٨٥) تعانقا وجلسا معًا، (٨٦) وأخذا يتشاوران ويعذبان نفسهما (بهذا الحديث؟): (٨٧) «قل لي يا صديق، قل لي يا صديق. (٨٨) خبِّرني عن نظام الأرض التي شاهدتها!»١٣ (٨٩) – «لن أخبرك بشيء عنها يا صديق، لن أخبرك بشيء عنها! (٩٠) فلو أخبرتك (بشيء) عن نظام الأرض التي شاهدتها؛ (٩١) لوجب عليك أن تجلس وتبكي.» (٩٢) – «ها أنا ذا أجلس وأبكي!» (٩٣) – «جسدي الذي كنت تلمسه وقلبك مبتهج يا صديق، (٩٤) تلتهمه الحشرات كثوب بالٍ. (٩٥) جسدي الذي كنت تلمسه وقلبك مبتهج، (٩٦) شوَّهه التعفن (والفساد)، وملأه التراب!» (٩٧) عندئذٍ قال جلجاميش، وهو مُقْعٍ١٤ في التراب، (٩٨) عندئذٍ قال الملك جلجاميش، وهو مُقْعٍ في التراب:١٥ (٩٩) «هل رأيت الذي أنجب ولدًا واحدًا؟»١٦ – «نعم رأيته: (١٠٠،  ١٠١) يبكي عليه …» (١٠٢) – «هل رأيت الذي أنجب ولدين؟» – «نعم رأيته: (١٠٣) يأكل الخبز.» (١٠٤) – «هل رأيت الذي أنجب ثلاثة أولاد؟» – «نعم رأيته: (١٠٥) … يشرب الماء.» (١٠٦) – «هل رأيت الذي أنجب أربعة أولاد؟» – «نعم رأيته: (١٠٧) إن قلبه فرح.» (١٠٨) – «هل رأيت الذي أنجب خمسة أولاد؟» – «نعم رأيته: (١٠٩) مثل … طيب … جنبه عار،١٧ (١١٠) … يدخل القصر.» (١١١) – «هل رأيت الذي أنجب ستة أولاد؟» – «نعم رأيته: …» (١١٤) – «هل رأيت الذي أنجب سبعة أولاد؟» – «نعم رأيته: …» (١١٧) – «… الذي … هل رأيته؟» – «نعم رأيته: (١١٨) كشعار إلهي جميل مفعم بالخير …»١٨ [فجوة من حوالي ستة وعشرين سطرًا.] (١٤٥) – «هل رأيت الذي ضربته صارية سفينة؟» – «نعم رأيته: (١٤٦) وما إن هبط إلى العالم السفلي، عن طريق المنزوع …»١٩ (١٤٧) – «هل رأيت الذي مات ميتة …؟»٢٠ – «نعم رأيته: (١٤٨) إنه يرقد في مضجعه الليلي ويشرب ماء «صافيًا».» (١٤٩) – «هل رأيت الذي قتل في المعركة؟» – «نعم رأيته: (١٥٠) إن أباه وأمه يسندان رأسه، وزوجته محنية عليه.»٢١ (١٥١) – «هل رأيت الذي رُمِيَت جثته في البرية؟» – «نعم رأيته: (١٥٢) إن روحه تهيم قلقة في الأرض.» (١٥٣) – «هل رأيت الذي تركت روحه بلا راعٍ (يرعاها)؟»٢٢ – «نعم رأيته: (١٥٤) لقد كُتِبَ عليه أن يأكل فضلات الصحون، وكسرات الخبز الملقاة في الطريق.» (تم بحمد الله وتوفيقه.) هوامش (١) السطور من ٢ إلى ٧ ناقصة في النص الأكدي، وقد أكملها «شوت» هي وغيرها من نص القصة السومرية «جلجاميش وأنكيدو والعالم السفلي» التي ترجمها مع بقية القصص الأخرى عن جلجاميش عالِم السومريات صمويل نوح كريمر (راجع التمهيد لهذا الكتاب). (٢) حرفيًّا: فعليك أن تضع نصيحتي في قلبك … (٣) أي الموتى في العالم السفلي … (٤) أي عويل الموتى في العالم السفلي أو صراخهم … (٥) يترجمها فراس السواح (عن جاردنر): وصدرها: كطاس حجري، لا يستره غطاء، ولم ترد كلمة حجري في النص الذي اعتمد عليه، وإن كانت دلالة التشبيه في الحالين لا تحتاج لتوضيح، وأم نينازو هي إلهة العالم السفلي والأموات أريشكيجال، أما نينازو نفسه فهو أحد آلهة ذلك العالم المظلم المخيف، ويعني اسمه في السومرية «السيد الطبيب»، وعلى الرغم من انتسابه لآلهة. العالم السفلي التي ارتبطت في الأذهان بالموت والأوبئة الفتاكة والعذاب والتعذيب، فقد كان نينازو يوصف بصفات حميدة مثل إله الشفاء والاغتسال في العالم السفلي … (راجع قاموس الآلهة والأساطير في بلاد الرافدين وفي الحضارة السورية، تأليف د. أ. ادزارد وم. ﻫ. بوب، ف. رولينغ، وتعريب الأستاذ محمد وحيد خياطة، حلب، السليمانية، ١٩٨٧م، ص١٣٦.) (٦) كتفيها المقدستين. [المراجع] (٧) نمتاز وأساكو من زبانية الجحيم وشياطين الأمراض والأوبئة … ويضع سامي سعيد الأحمد «الحمى» في موضع أساكو … (٨) هو — كما سبق — إله الجحيم البابلي وزوج آلهته الرهيبة أريشكيجال (التي لم يجرؤ الكاتب على ذكر اسمها في السطور السابقة واكتفى بوصفها بأم نينازو). (٩) أي جلجاميش، وقد ورد ذكر أمه الإلهية الحكيمة في الملحمة أكثر من مرة وفي أكثر من موقف … (١٠) الإيكور (بيت الجبل) هو المعبد الرئيسي لإنليل إله العواصف في مدينة نيبور (حاليًّا نفر قرب عفك بمحافظة القادسية) التي بقيت منذ العصر السومري مدينة دينية مقدسة … (١١) «سين» في الأكادية هو إله القمر، ويُسمَّى في السومرية «نانا»، وهو ابن الإلهين: إنليل وننليل، وزوجته هي الإلهة نينجال، وأولادهما هما إلها السماء عشتار (أنانا السومرية) إلهة الحب والحرب وكوب الزهرة أيضًا، وشمش (أوتو في السومرية) إله الشمس والعدل، كان مركز عبادته في مدينة أور وسُمِّي معبده فيها أكيشنوجال، وفي معبد آخر في حران شمالي بلاد الرافدين، حيث كان يعبد إله الضوء والنار «نوسكو» بوصفه ابن إله القمر، وقد حافظت حران على عبادتها لإله القمر حتى العصور العربية الإسلامية، وكان إله القمر سين يُصوَّر على شكل هلال بقرنين بارزين على الأختام الأسطوانية وعلى منحوتات أحجار الحدود (قاموس الآلهة والأساطير، ص٤٧-٤٨). (١٢) الإله إيا (واسمه في السومرية إنكي ويعني سيد الأرض أو سيد الأسفل) وهو كما ورد في هوامش سابقة إله الحكمة والتعاويذ والمتحكم في قوى الوجود ونواميسه (المه) وسيد الآبسو … أو محيط المياه العذبة في جوف الأرض (راجع اللوح الحادي عشر، الهامشين رقم ٦، ٨)، كانت أهم مراكز عبادته في مدينة أربدو (أبو شهرين) ويُطلق على معبده الرئيسي فيها اسم «بيت آبسو» أو «بيت أنجور» والاسمان متماثلان، والمعروف من الأساطير والقصص السومرية والأكدية العديدة ومن هذه الملحمة أيضًا أنه إله خير عطوف على البشر، وقد كان وراء إنقاذ «نوح» السومري (زيوسودرا) والبابلي (أوتنابشتيم) والحياة نفسها من الطوفان. (١٣) هكذا في ترجمة شوت، أو مسالك العالم السفلي (السواح، ص٢٣٢) وحالة العالم الأسفل (سامي سعيد الأحمد، ص٥٥٤، السطر ٨٨). (١٤) وقد ألقى نفسه في التراب. [المراجع] (١٥) وقد ألقى نفسه في التراب. [المراجع] (١٦) تتكون خاتمة اللوح الثاني عشر من مجموعة من الأسئلة والإجابات بأسلوب منمط ورتيب عُرِفَ به الأدب السومري، ويحتمل أن تكون قد بلغت في جملتها أربعة وعشرين سؤالًا وجوابًا، ضاع منها — على الأقل حتى ترجمة هذه الملحمة ثم مراجعتها في سنة ١٩٥٨م — حوالي أحد عشر سؤالًا وجوابًا، وقد أكمل المراجع السبعة الأولى منها من النص السومري الذي نشره عالم السومريات صمويل نوح كريمر، والسطور من ١٠١ إلى ١١٧ أسقطتها ترجمة سامي سعيد الأحمد. (١٧) في ترجمة طه باقر وفراس السواح: «يده مبسوطة كالكاتب الطيب» (ص١٦١، ص٢٣٢). (١٨) وفي ترجمة السواح: أنه كراية جميلة (ص٢٣٤). (١٩) في ترجمة السواح: … الذي سقط من الصارية، إنه لتوه … عند مربط الحبال (ص٢٣٥) وسامي سعيد الأحمد: الذي وقع من صاري السفينة … نادرة مسحوب الأوتاد (ص٥٥٥)، السطران ١٤٥-١٤٦. (٢٠) لعلها كانت ميتة فجائية كما جاء في ترجمة السواح وسامي سعيد الأحمد. (٢١) وزوجة تبكيه (السواح وسامي سعيد الأحمد). (٢٢) أي يُقدم لها الأضحيات ويُقيم شعائر الطقوس على قبرها … ملحمة جلجاميش