Document stringlengths 40 198k |
|---|
اللعب بورق موسوم
قال ميليش في الصباح الباكر لأحد الأيام مُحدِّثًا المقامر المحترف بوني رويل: «يزعجني أمر ذلك الشاب اليافع.»
«لماذا؟»
«إنه يأتي إلى هنا الليلة تلو الأخرى، وأرى أنه يَخسر من المال أكثر مما يُمكنه أن يتحمَّل. ولا دخلَ لديه — حسبما استطعتُ أن أجمع من معلوماتٍ عنه — إلا ما يَتقاضاه كراتب ... |
تَودُّد الملاكم
فيما كان الملاكِم الشَّمالي يجلس في كرسيه في الزاوية وهناك مَنْ يُهوِّي عليه، قرَّر أنه سيُنهي القتال في الجولة التالية. كانت مهارة خصمه الفائقة تكاد تغلبه، وعلى الرغم من أنه كان شابًّا يتمتَّع بقوة كبيرة، فإنَّ يقظة يوركشير تشيكن وبراعته حتى تلك اللحظة أصابتاه بالحيرة، ومَنَعَتاه من تنفيذ إحدى ض... |
مداهمة ميليش
تختلف بعضُ الجرائد عن غيرها. وإحدى الخصال الغريبة بشأن جريدة آرجوس هو وتيرة تغيُّر الرجال فيها. كان رئيسو التحرير يأتون من أجل إحداث ثورة في العالَم وبالتبعية في جريدة آرجوس، لكنهم كانوا يَختفون ويفسحون المجالَ لغيرهم الذين اختفوا أيضًا بدورهم. ولم يكن الصحفيون في ذلك الجزء من البلاد ليظنُّوا في أنفس... |
ردُّ الصاع
كان جورج ستريتر في باريس لكونه كان يأمُل أن يَلتقيَ بألفريد ديفيسون هناك وينتظر أن يحدث ذلك. كان يعلم أنَّ ديفيسون سيمكث في باريس لمدة أسبوعين على الأقل، وكان يَرغب في لقائه في شوارع تلك المدينة وليس في شوارع لندن لسببٍ معين.
كان ستريتر مؤلِّفًا شابًّا نُشِرت له عِدَّة كتب، وكان يمضي في ذلك بأف... |
قرار كراندال
جلسَ جون كراندال إلى مكتبه وفكَّر في الموقف. كان الجميع قد غادَرُوا وبقيَ هو في المكتب وحيدًا. كان كراندال يَشعُر بالتعب والنعاس؛ ولذا فقد كان ميالًا لأن يرى الأمور بنظرةٍ متشائمة وكئيبة. ولم يكن ذلك لوجود مشكلةٍ ما في عمله؛ إذ كانت أعماله في الواقع في حالة جيدة حتى هذه اللحظة، لكنها لم تمضِ قُدُمًا... |
الخوف
كان البحر قد اكتفَى منه. وكان هو قد كافحَ بكل ما أُوتي من جهد لينقذ نفسه، لكن الإجهاد تمكَّن منه في النهاية، وبعد أن أدرك عبثية المزيد من النضال، استسلم وتخلَّى عن المقاومة. فجاءت أعلى موجة في البحر — وهي الموجة الأعتى في ذلك التسلسُل الصاخِب العنيف الذي ينطلق من الحطام وحتى الشاطئ — وأخذته في قبضتها القاسي... |
خِذْلان برادلي
يضحك المتزلِّج بخفة وينزلق، غير مدرك أنَّ تحت الجليد، الذي ينحت فيه بزلاجته، جثةً متجمِّدةً ترقد في صمتٍ وتنزلق. ••• تحدِّق الجثة إليه وهو يتزلج فوقها، وأصابعها الزرقاء الباردة المتيبِّسة تتحرَّك في إثره وتتبعه. تَهيم بقربه وتهيم بعيدًا.
قصيدة مجهولة
قال برادلي: «لو أني أمتلك الشجاعة.» بينما كان ي... |
تحوُّل رينجامي
جلسَ السيد جون رينجامي — المؤلِّف — في مكتبته يحدِّق في تراخٍ وفُتور إلى خارج النافذة. كان المنظرُ أمامه مبهجًا للغاية وباعثًا على السرور، وأبرزت شمسُ الصباح الباكر خضرة الأشجار الوارفة على نحو لافتٍ للغاية. كان السيد رينجامي رجلًا كثير الانشغال فيما مضى، أما الآن، فلعله يأخذ الحياة على مَحْمَلٍ هي... |
نزيلٌ غامض
عندما نزلَ جون أرمسترونج من القطار في محطة يونيون في تورنتو بكندا وسار إلى خارجها، اقتربَ منه صبيٌّ صغير.
«أتريد أن أحمل حقيبة سفرك عنك يا سيدي؟»
قال السيد أرمسترونج: «لا، شكرًا لك.»
«هل أحملها مقابل عشر سنتات يا سيدي؟»
«لا.»
«هل أحملها مقابل خمس سنتات يا سيدي؟»
... |
المقعد السادس
كانت هي جادَّة ومُخلِصة، ولم يكن هو كذلك. وفي ظل هذا الوضع القائم، يُمكن أن يحدث أيُّ شيء. ربما كان ما حدث اعتياديًّا، أو هزليًّا، أو مأساويًّا، يتوقَّف ذلك على طباع المرأة وخبراتها. وفي هذه الحالة، لم يكن ما حدث سوى لقاء بينهما، التزم كلٌّ منهما بحضوره.
جاءَ هيكتور ماكلين إلى باريس بقرار عصا... |
هيئات جونسون التنكرية
قضيتُ بضعة أسابيع في مدينةٍ جميلة في تيرول والتي يُمكِن أن أسمِّيَها شويندلبورج. لا أريد أن أذكر اسمها الحقيقي؛ لأنها تفرض ما يُسمَّى بضريبة زائر، وهي ضريبة باهظة، وقد حُصِّلت منِّي هذه الضريبة عن طريق فاتورة الفندق. كما أنَّ هذه المدينة جعلَتْني أدفع مقابل الاستماع إلى الفرقة الرائعة التي ... |
إصلاح جو هولندز
كانت الحانات في طريق بورويل — وهي كثيرة ومُمتدة على طول الطريق — تَفخَر بجو هولندز. كان نموذجًا مثاليًّا للأشخاص الذين تفرزهم بيئة الحانات. كان جو على الأرجح هو السكِّير الأكثر مثابرةً على طول هذا الطريق، وكان مشهد الشرطة وهي تُلقي القبض عليه هو أحد المشاهد المألوفة في الشارع. كان الكثير من مرتادي... |
خطاب الآلة الكاتبة
حين يكون المرءُ في صراعٍ مع الفقر طيلة حياته، حين يخشى الفقر وهو يحاربه، حين يشعر أنه يخنق الفقر من رقبته الصغيرة، ويخشى طيلة الوقت أن تأتيَ اللحظة التي يتغلب فيها الفقر عليه ويخنقه، فقد نتخيَّل حين يعلم هذا المرء أنه أصبح ثريًّا أنه سيتلقى الخبر بمرح بالغ. عندما أدرك ريتشارد دينهام أنه أصبح... |
هلاك لندن
(١) خُيَلاء القرن العشرين
أثق بأنَّني ممتنٌّ كثيرًا أن طال بي العمرُ حتى أشهد أروع حقبة في تاريخ العالم، وهي حقبة منتصف القرن العشرين. ولا فائدة لأيِّ إنسان في أن يَنتقِص من قدر الإنجازات الهائلة التي تحقَّقَت في الخمسين عامًا المُنصرِمة، وعندما أقدِم على لفت الانتباه إلى الحقيقة، التي من الواضح أنها أ... |
مأزق دي بلونفيل
تَختلِف هذه القصة عن الأخريات في أنها تحوي مجموعة متنوِّعة من الدروس الأخلاقية. ولمُعظَم القصص درسٌ أخلاقي واحد، أما هنا فهناك العديد منها. ويظهر الدرس الأخلاقي عادةً في نهاية القصة، ولكن في هذه القصة تُذكَر بضعة دروس في البداية، حتى نوليها اهتمامًا أكبر بينما نتقدَّم في قراءة القصة. أولًا: حريٌّ... |
مادة متفجِّرة جديدة
جلسَ وزيرُ الحربية الفرنسي في كرسيه الوثير في مكتبِه الرسمي الخاص، وراحَ يفكِّر في أمر خطابٍ كان قد تسلَّمه. ولكونه وزير الحربية، كان الرجل بطبيعة الحال الأكثر دماثة وإنسانية والأقل عدوانية بين أعضاء مجلس الوزراء. يتلقَّى وزير الحربية الكثير من الخطابات التي يكون مصيرها — بالطبع — في سلة الم... |
لغز بيجرام الكبير
(مع الاعتذار إلى الدكتور كونان دويل وصديقنا المشترك الراحل شيرلوك هولمز.)
مررتُ بصديقي شيرلو كومبس لأسمع منه رأيه حول لغز بيجرام، كما أُطلقَ عليه في الصحف. وقد وجدته يَعزف على آلة الكمان وقد علَت وجهَه أمارات الهدوء والسكينة، وهذا شيء لم ألحظه من قبل على مُحيَّا مَن كانُوا على مَسْمَع من... |
الفصل الأول
في البهو ذي الأرضية الرخامية لفندق متروبوليتان جراند بمدينة بافالو، كان البروفيسور ستيلسون رينمارك واقفًا يتلفَّت حوله بقلقِ شخصٍ لم يَعتَد تلك الفخامةَ الصارخة التي اكتسَت بها دار الضيافة الأمريكية العصرية. كان البروفيسور قد توقَّف في منتصَف الطريق بين الباب والمِنْضَدة الرخامية؛ لأنَّه بدأ يخشى أن ... |
الفصل الثاني
كانت غرفة السماء، كما وصَفَها ييتس، تُطلُّ على منظرٍ شاسع جدًّا بلا شك. ويقع تحتها مباشَرة عدد هائل من الأسطح. وعلى مسافة أبعد، توجد مسارات السكك الحديدية التي أبدى ييتس استياءه منها، وصفٌّ من الصواري ومداخن مَراوح السفن ميَّز تعرُّجات مسار نهر بافالو الذي ارتفعَت على ضفتَيه عدَّة صوامع قمحٍ شاهِقة، ... |
الفصل الحادي عشر
ربما يدَّعي الأشخاص الذين لا يَملكون سوى معرفة سطحية بالحياة والأوقات التي تُقضَى هنا أنَّ متجر البقالة، وليس ورشة الحِدادة، كان هو النادي الريفي الحقيقي؛ أي المكان الذي تُناقَش فيه سياسات البلدة، وتُمتدَح فيه أفعال كبار المسئولين أو تُستنكَر، وتُنتقَد فيه الحكومة. صحيح أنَّ متجر البقالة كان نا... |
الفصل الثاني عشر
لم تُقابل مارجريت في حياتها رجلًا مولعًا بالكتب كالبروفيسور رينمارك، سوى والدها. فمعارفها من الشبان كانوا نادرًا ما يَقرءون أيَّ شيء سوى الصحف الأسبوعية، وكانوا يُبدُون بعض الاهتمام بمطالعة الكتيب الأصفر، الذي كان يُوزَّع مجانًا ويَحمل اسم البقَّال مطبوعًا على ظهره. صحيح أنَّ العلاجات العجيبة الم... |
الفصل الثالث عشر
كان أيُّ شخص يمرُّ بمنطقة كورنرز في ذلك المساء سرعان ما سيدرك أنَّ ثمة شيئًا مهمًّا يحدث. فقد كانت مركباتٌ من كل الأنواع مصطفَّة على الطريق، حيث سُحِبَت ناحية السياج الذي كانت خيولها مربوطة بقضبانه. وكان واضحًا أنَّ البعض أتى من مناطقَ بعيدة؛ لأنَّ القسَّ المَعني بتجديد الروح الدينية كان ذائع ال... |
الفصل الرابع عشر
حين تجمع الأقدارُ غريبين، نادرًا ما تظلُّ العلاقة المتبادلة بينهما على حالها، لا سيَّما إن كانا صغيرين. فتنجرف نحو القبول أو النفور، وقد عُرِفَت بعض حالات تطورت فيها العلاقة إلى حُب أو كراهية.
كانت الصداقة بين ستيلسون رينمارك ومارجريت هوارد صداقةً أقلَّ ما يُقال عنها أنها قوية جدًّا. وكا... |
الفصل الخامس عشر
قبل حلول الليل، عثر ثلاثة سعاة آخرين على ييتس وأسهمت نِثَار ثلاث برقيات ممزَّقة أخرى في تغطية أرضية الغابة. ظلَّت معنويات الصحفي — التي عادةً ما تكون مرتفعة — تنهار شيئًا فشيئًا تحت وطأة هذه الزيارات المتكررة. ولم يتفوَّه حتى بأيِّ ألفاظ نابية بعد نهاية هذه الزيارات، وهذا، في حالة ييتس، دائمًا ... |
الفصل السادس عشر
شعرَ الفينيانيون بأنهم مضطرون إلى الظهور بأفضل صورة مُمكنة أمام أسيريهما؛ لذا حاولوا في البداية أن يلتزموا بشيء أشبه بالنظام الإيقاعي العسكري في مسيرتهم عبر الغابة. ولكن سرعان ما اكتشفوا صعوبة ذلك. فلم تكن الغابات الكندية تُشذَّب وتُنمَّق باستمرار كالحدائق الإنجليزية. كان تيم يتقدمهم حاملًا الم... |
الفصل السابع عشر
حين صار الأسيران، مع آسريهما الثلاثة، على مرمى البصر من المتطوِّعين الكنديين، رأوا مشهدًا ذا طابع أشد عسكرية بكثير من مشهد المعسكر الفينياني. أوقفتهم سَريةُ طوارئ خارجية فورًا واستجوبتهم قبل وصولهم إلى الوحدة العسكرية الرئيسة، وكان الحارس على درايةٍ كافية ليسألهم عن الإشارة السرية قبل أن يُطلق أي... |
الفصل الثامن عشر
من المفارقات أنَّ الرجل الذي أراد رؤية المعركة لم يرها، والرجل الذي لم يُرِد رؤيتها قد رآها. فقد وصل ييتس إلى ميدان القتال بعدما وضعت المعركة أوزارها، فيما وجد رينمارك رحى القتال تستعر من حوله قبل أن يُدرك حتى أنَّ الموقف قد تأزَّم.
حين وصل ييتس إلى الخيمة، وجدها فارغة وممزقة بالرصاص. كانت... |
الفصل التاسع عشر
كانت حصيلةُ ضحايا المعركة أشبه في الواقع بحصيلة ضحايا حادث قطار أمريكي من الدرجة الأولى. فقد قُتِل ضابط وخمسة مجندين من صفوف القوات الكندية، وفُقِد رجل، وأُصيب الكثيرون. أمَّا عدد قتلى الفينيانيين، فلن يُعرَف أبدًا على الأرجح. فقد دُفن العديد منهم في ساحة المعركة، فيما استطاع أفراد لواء الجنرال أ... |
الفصل العشرون
تحدَّثت مارجريت بملاطفة إلى حصانها حين فتحت باب الحظيرة، ورَدَّ عليها جيبسي بذاك الصهيل المبحوح الخافت الحنون، الذي يصفه الأسكتلنديون ﺑ «الصهيل الرقيق»، ذلك الوصف الذي يحمل صورة واضحة حيَّة. ربَّتت برفق على الحيوان الصغير، ورغم أن جيبسي قد تفاجأ بأنَّها تضع عليه السرج واللجام في هذه الساعة المتأخِّ... |
الفصل الثالث
سأل ضابط الجمارك القوي البنيان ذو الوجه المحمرِّ بعض الشيء عند المعبر الحُدودي في مدينة فورت إيري: «ما كل هذه المُعدات؟»
قال ييتس: «هذه خيمة، مع أعمدة وأوتاد تخصُّ الشيء المذكور سلفًا. وهذا عددٌ من عبوات التبغ، التي سأُضطرُّ بالتأكيد إلى دفع رسومٍ عليها إلى خزانة جلالة الملكة. وتلك جرَّة لحم... |
الفصل الحادي والعشرون
رفض ييتس بكلِّ إصرار التخلِّي عن سعيه إلى الراحة والهدوء بالرغم من مشقَّة العيش في خيمة مثقوبة ومُمزقة من كثرة الرصاصات التي اخترقتها. وأعرب عن ندمِه على أنَّه لم يُخيِّم من البداية في وسط برودواي، معتبرًا إيَّاه مكانًا أهدأ وأقل اضطرابًا من المكان الذي اختارَه، ولكن أما وقد كان هذا اختياره... |
الفصل الثاني والعشرون
سار ييتس مُبتهجًا على الطريق وهو يُصفِّر لحنَ أغنية «لمسَ جيتاره ببهجة.» ربما لا توجد لحظة في حياة الرجل يكون فيها أعمق شعورًا ببهجة الحياة من اللحظة التي يَذهب فيها إلى فتاة لعرض الزواج عليها وهو متيقِّن بدرجة كبيرة من موافقتِها، إلَّا إذا كان في هذه اللحظة يهجر حبيبة أخرى مقبولة لقلبه. ... |
الفصل الثالث والعشرون
وقف ييتس لحظةً متأملًا حالة صديقه المُحبَطة.
صاح قائلًا: «أيا أيها الرجل العجوز! لم أرَ في حياتي مَن هو أشبه بالمتشائم الذي يشعر باقتراب أجله مثلك. ما الخطب؟»
رفع رينمارك ناظرَيه نحوه.
«أوه، أهذا أنت حقًّا؟»
«بالطبع. أكنت تتوقَّع مجيء أي شخص آخر؟»
«لا. بل كن... |
الفصل الرابع
ظل بارتليت صامتًا لفترة طويلة، ولكن كان من الواضح أنه يفكر في شيءٍ ما؛ إذ كان يناجي نفسه سرًّا، وظل صوت تمتماته يعلو شيئًا فشيئًا حتى كسر السكون، ثم ضرب الحصانين بالسوط وشد لجاميهما، وبدأ مناجاة نفسه مرةً أخرى. وأخيرًا قال فجأة للبروفيسور:
«ما تلك الثورة التي تحدَّث عنها؟»
«إنها حرب الاس... |
الفصل الخامس
صاح ييتس في نعاسٍ في صباح اليوم التالي حين استيقظ على طرقٍ شديد متواصِل على بابه: «ماذا جرى؟ ماذا جرى؟»
«حسنًا، أنت لم تنهض بعد.» فأدرك أنَّه صوت هيرام الصغير. «الفطور جاهز. لقد استيقظ البروفيسور منذ ساعة.»
قال ييتس متثائبًا: «حسنًا، سأنزل حالًا»، ثم أضاف في قرارة نفسه: «تبًّا للبروفيسو... |
الفصل السادس
كانت مارجريت هوارد تقف عند طاولة المطبخ وهي تعجن العجين. كانت الغرفة تُسمَّى بالمطبخ، لكنها لم تكن كذلك، إلَّا في فصل الشتاء. فقد كان الموقد يُنقَل منها في فصل الربيع إلى كوخٍ مُلاصق للبيت يُمكِن الوصول إليه بسهولة عبر الباب المفتوح المؤدي إلى شرفة المطبخ.
وحين كان الموقد يُدخَل إلى الغرفة أو ي... |
الفصل السابع
كان ييتس ينوي المرور بمنزل آل بارتليت ومرافقة رينمارك للعودة إلى الغابة، ولكن حين خرج، نسي وجود البروفيسور، وتجوَّل هائمًا بعض الشيء عبر الطريق الجانبي، ضاربًا بعصاه على الأعشاب التي دائمًا ما تنمو بغزارة على طول المصارف الواقعة على جانبَي أي طريق ريفي كندي. كان النهار مُشمسًا ودافئًا، وبينما كان ي... |
الفصل الثامن
قال ييتس بعد واقعة الصابون ببضعة أيام وهو يتأرجَح في أرجوحته الشبكية في المخيم: «أقول لك شيئًا يا ريني، إنني أتعلم شيئًا جديدًا كل يوم.»
سأله البروفيسور متفاجئًا: «حقًّا؟».
«نعم، حقًّا. كنت أعرف أن هذا سيذهلك. إن سعادتي الكبرى في الحياة أيها البروفيسور هي إدهاشك. أحيانًا ما أتساءل لماذ... |
الفصل التاسع
سار رينمارك عبر الغابة ثم عبر الحقول حتى وصَل إلى الطريق. تجنَّب مساكن البشر قدر المستطاع؛ لأنه لم يكن ذا نزعة اجتماعية قوية ولا كثير الجوع كرفيقِه. سار بخطًى واسعة على طول الطريق غير مُبالٍ بالوجهة التي يقود إليها. وكان كلُّ مَن يُقابله يتمنَّى له «يومًا طيبًا»، وفقَ عادات أهل الريف الودية. أمَّا م... |
الفصل العاشر
«أيا أنت! أنت! استيقظ! الفطووووور! كنت أعرف أنَّ هذا ما سيُوقظُك. يا إلهي! ليتني كنت أشغل وظيفتك مقابل دولار في اليوم!»
فرك ييتس عينيه، وجلس مُنتصبًا في الأرجوحة الشبكية. شعر للوهلة الأولى بأن الغابة تتداعى من حوله، ولكن حين استجمع تركيزه، لم يرَ سوى أنَّ بارتليت الصغير هو مَن جاء بصخبٍ عبر ... |
الكتاب الأول على ضِفاف لافلي كريك
١
فتح كلود ويلر عينَيه قبل أن ترتفع الشمس في كبد السماء، وهزَّ شقيقَه الأصغر بقوة؛ إذ كان يُناصِفه السرير الذي ينام عليه.
«رالف، رالف، استيقِظ! قُم وساعِدْني في غَسلِ السيارة.»
«ولماذا تغسل السيارة؟»
«عجبًا، ألن نذهب إلى السِّيرك اليوم؟»
«السيارة نظيفة.... |
الكتاب الثاني إنيد
١
في عصر أحد أيام ذلك الربيع، كان كلود يجلس على مجموعة درجات السُّلم الطويلة المصنوعة من الجرانيت التي تؤدي إلى مبنى المجلس التشريعي في دنفر. كان يُلقي نظرةً على بقايا ساكني الجروف الموجودة في هذا المبنى؛ وعندما خرج تحت أشعة الشمس، اخترقت الرائحة الخافتة للحشائش الحديثة الجَزِّ أنفَه وأقنعَتْه... |
الكتاب الثالث شروق الشمس في البراري
١
نوى كلود أن يستمرَّ في الزراعة مع والده؛ وبعد عودته من رحلة الزواج، انغمس في العمل من فوره. كان المحصول وفيرًا تقريبًا مثل الصيف السابق، وكان ينهمك في العمل ستة أيام في الأسبوع.
في عصر أحَد أيام شهر أغسطس، رجع إلى المنزل مع فريق الخيل الخاص به، ثم سقاه وأطعمَه على مهَل... |
الكتاب الرابع رحلة السفينة أنخيسيس
١
قطارٌ طويل، عرَباته مُكتظَّة بالركَّاب الذين ينتمون إلى الجنس نفسِه والسنِّ نفسها تقريبًا، وجميعهم يرتدون الزيَّ نفسه والقبعاتِ نفسَها، كان يمشي مُتباطئًا بين المُروج البحرية الخضراء في عصر أحد أيام الصيف. في العربات، لم يتوقَّف الركاب عن تمديد سيقانهم المُتشنِّجة، وتحريك أكت... |
الكتاب الخامس «الرِّهان على استمرار تحليق نسور الغرب»
١
في ظهيرة ذلك اليوم، وجد كلود نفسَه في شارع به متاجرُ صغيرة، مُحترٌّ ومتعرِّق، حائرٌ تمامًا ولا يعرف وِجهته. أخذ سائقو الشاحنات وصِبيةٌ على درَّاجات هوائية بدون أجراس يَصيحون فيه بسخط وغضب. استظلَّ بظل شُجَيرة دُلب ووقف عند جِذعها، كأنما يُمكن أن تحميَه. على... |
جريمة اللورد سافيل
١
كانت هذه آخر حفلة استقبال تقيمها الليدي وندرمير قبل عيد الفصح، وكان قصر بنتنك أكثر ازدحامًا من المعتاد، وقد أقبل ستة من أعضاء الوزارة من حفلة رئيس مجلس العموم في حلل رسمية مزدانة بالأوشحة والنياشين. وكانت النساء الجميلات في أبهى زينة وأرشق ثياب، ووقفت الأميرة صوفيا أوف كارلسروه — وهي سيدة تتر... |
مقدمة
سيَظلُّ عمل «حكايات هانس أندرسن» يُقرَأ في المدارس والبيوت، ما دام هناك أطفالٌ يحبون القراءة. فليس هناك من يضاهي المؤلِّفَ بصفته راويَ قصص أطفال في قدرته على الاستحواذ على مخيلة الصغار، والتحليق بها في آفاق طبيعية وصحية. وقدرته على أَسْر الألباب والارتقاء بها تجري كشيءٍ حي في أي شيء يكتبه. ولقد نجحَت قصصه ... |
شجرة التنُّوب
في مكان بعيد في الغابة حيث هيَّأَت الشمس الدافئة والهواء المنعش مكانًا جميلًا للراحة، نبتَت شجرةُ تَنُّوب قصيرةٌ جميلة. ورغم أن الوضع كان أجمل ما يكون، فالشجرة لم تكن سعيدة؛ فقد تمنَّت بشدة أن تكون مثل رفيقاتها الطويلات، أشجار الصَّنَوبر والتنُّوب النابتة حولها.
كانت الشمس تسطع، ونسمات ال... |
الحبيبان
كان يوجد في أحد الأدراج بلبل دوار (أو ما يُطلَق عليه نحلة)، وكرة قريبان بعضهما من بعض ضمن لُعَب أخرى. ذات يوم قال البلبل الدوار للكرة: «لمَ لا نكون حبيبَين ما دمنا نقضي وقتًا طويلًا معًا؟»
لكن لما كانت الكرة مصنوعة من جلد الماعز المدبوغ، فقد كانت تظن نفسها سيدة من سلالة عريقة جدًّا، ولذا رفضت هذ... |
مباراة القفز
ذات يوم أراد البرغوث والجندب والضفدع أن يعرفوا أيهم يستطيع القفز أعلى من الآخرين، فأقاموا مسابقة، ودعوا العالم بأجمعه وكل من ود المجيء ومشاهدة الحدث العظيم. وقد كانوا ثلاثة متبارين مشهورين، كما قال عنهم الجميع، حين التقوا في الحجرة.
قال الملك: «سوف أهَبُ ابنتي لمن سيقفز أعلى من الآخرين؛ فليس... |
الأسرة السعيدة
إن أكبر ورقة خضراء في هذا البلد هي بالتأكيد ورقة نبات الأرقطيون. ضع واحدة أمام خصرك، وستجد أنها ستُصبح مثل المئزر؛ أما إذا وضعت واحدة فوق رأسك، فستبدو تمامًا مثل المظلة؛ فهي عريضة جدًّا.
لا ينمو نبات الأرقطيون بمفرده قط؛ فأينما وجدت واحدًا منه تأكد من نمو آخرين من نفس النوع قريبًا جدًّا من... |
الكائنات الخضراء الصغيرة
انتصبت خارج النافذة شجرة ورد، كانت منذ وقت قصير خضراء ويانعة، أما الآن فتبدو سقيمة، إنها معتلة الصحة بلا شك. فقد سكنها سرب كامل من الحشرات وأخذ يلتهمها، لكن رغم هذه الشراهة الظاهرة، فقد كان السرب في غاية اللياقة والاحترام. وكان أفراده يرتدون زيًّا موحدًا من اللون الأخضر الزاهي. وقد تحد... |
أول لوك اوي، رب الأحلام
لا يوجد في العالم كله من يعرف عددًا كبيرًا من الحكايات أو يستطيع أن يحكيَها بأسلوب شائق جدًّا مثل أول لوك اوي.
حين يحل المساء ويكون الأطفال جالسين إلى مائدة الشاي أو على مقاعدهم الصغيرة، تراه يصعد الدرج في هدوء شديد، فهو يسير مرتديًا جوربًا. ثم يفتح الباب دون أن يُحدِث أدنى ضجة، و... |
الحصالة
في إحدى دور الحضانة حيث كانت مجموعة من اللُّعَب مبعثرة، وقفت حصالة فوق خزانة عالية جدًّا. كانت الحصالة قد ابتِيعَت من أحد بائعي الفخار؛ فهي مصنوعة من الفخار على شكل خنزير، وكان في ظهره فتحة، وقد وُسِّعت بسكين حتى يُمكن أن تنزلق من خلالها الدولارات، أو حتى الكرونات؛ وقد كان بداخلها اثنان منها بالفعل، بج... |
شجرة البيلسان الأم
في يوم من الأيام كان هناك صبي صغير أصابته نوبة برد لأنه خرج من منزله وبلَّ قدمَيه. لم يستطع أحد معرفة كيف حدث هذا له؛ فالجو كان جافًّا تمامًا. وما كان من أمه إلا أن خلعت عنه ملابسه ووضعته في الفراش، ثم جاءت بإبريق الشاي لتُعِد له كوبًا طيبًا من شاي زهور البيلسان الذي يُعطي شعورًا قويًّا بالد... |
ملكة الثلج
القصة الأولى المرآة وأجزاؤها المكسورة
لا بد أن تنتبه جيدًا لبداية هذه القصة؛ فحين نصل إلى النهاية سنعرف أكثر مما نعرف الآن حول جنِّي شرير جدًّا، كان الأكثرَ شقاوةً بين كل الجن؛ فقد كان شيطانًا بحق.
ذات يوم حين كان في مزاج جيد صنع مرآة قادرة على جعل كل شيء حسنٍ أو جميل ينعكس فيها يتقلص حتى يختف... |
الورود والعصافير
كان يبدو حقًّا أن شيئًا هامًّا جدًّا يجري بالقرب من بحيرة البط، لكن لم يكن الأمر كذلك.
قبل هذا بدقائق قليلة، كان كل البط ساكنًا في الماء أو واقفًا على رأسه — فهو يستطيع أن يفعل ذلك — ثم سبح كله في صخب إلى الشاطئ. كان يُمكن رؤية آثار أقدامه على الأرض المبتلة، وسماع صياحه من بعد. أما المي... |
المنزل القديم
كان ذات يوم في أحد الشوارع منزل شديد القدم قائم بين عدة منازل أخرى جديدة ونظيفة تمامًا. كان يمكن قراءة تاريخ بنائه الذي كان منحوتًا على إحدى العوارض وقد أحاطت به زخارف حلزونية على شكل زهور توليب وفروع نبات حشيشة الدينار؛ وكان عمر المنزل آنذاك حسب هذا التاريخ يبلغ نحو ثلاثمائة عام. كذلك كُتبت أبيا... |
تاك الصغير
تاك الصغير! اسم غريب بلا شك! إلا أنه لم يكن الاسمَ الحقيقي للصبي الصغير. إنما كان اسمه الحقيقي كارل؛ لكنه حين كان صغيرًا جدًّا ولا يستطيع نطق الكلام بوضوح، اعتاد أن يُسمِّي نفسه تاك. من الصعب معرفة السبب؛ فهو ليس مثل اسم كارل مطلقًا، لكنه يفي بالغرض، ما دمت تعرفه.
تُرِك تاك الصغير في المنزل ... |
فرع شجرة التفاح المغرور
في شهر مايو كانت الرياح لا تزال تهب باردة، لكن تَردَّد من كل شجيرة وشجرة، وكل حقل وزهرة، صوتٌ يُرحِّب ويقول: «جاءنا الربيع.»
غطت الزهور البرية أسيجة الأشجار بوفرة. وبدا الربيع مشغولًا أسفل شجرة التفاح الصغيرة، وكان يحكي قصته من أحد الفروع، الذي تدلى نضرًا وغضًّا مكسيًّا بزهور وردي... |
فرخ البط القبيح
كانت الأجواء جميلة في القرية؛ إذ كان الوقت فصلَ الصيف، وكانت حقولُ القمح بلون الذهب، وكان الشوفان أخضر، فيما كُدِّس القشُّ في أكوام هائلة في المروج الخضراء. وأخذ طائر اللقلق يتبختر وسطها بساقَيه الطويلتَين الحمراوَين، وهو يُثرثِر بكلامٍ باللغة المصرية، وهي اللغة التي تعلمها من أمه.
أحاطت... |
زهور آيدا الصغيرة
قالت آيدا الصغيرة: «زهوري المسكينة ذابلة تمامًا! أمس مساءً كانت جميلة للغاية، والآن كل أوراقها صارت مرتخية.» ثم سألت الطالب الذي كان جالسًا على الأريكة: «لماذا تبدو هكذا؟» كان الطالب محبَّبًا جدًّا لديها؛ لأنه اعتاد أن يقص عليها أجمل القصص ويصنع لها من الورق أشكالًا غاية في الروعة؛ قلوب بداخل... |
الجندي الصفيح الصامد
كان هناك ذات يوم خمسة وعشرون جنديًّا من الصفيح. كانوا أشقَّاء؛ فقد صنعوا جميعًا من نفس الملعقة الصفيح القديمة. وكانوا كلهم يحملون حِرابهم على أكتافهم، ويقفون مُنتصِبين، ويَشْخصون ببصرهم للأمام. كان زِيُّهم أنيقًا جدًّا — أحمر في أزرق — وبديعًا للغاية. أول شيء سمعوه، حين أُزيحَ الغِطاء عن ا... |
عقلة الإصبع
كان هناك امرأة تتوق كثيرًا إلى أن تُرزَق بطفل صغير، فذهبت إلى ساحرة وقالت لها: «لشد ما أتمنى أن يصير لديَّ طفلٌ صغير. هل تستطيعين إخباري أين يمكنني أن أجد واحدًا؟»
قالت الساحرة: «أوه، ذلك أمر يسهل تدبره. ها هي حبة شعير، لكنها ليست من نفس النوع الذي ينمو في حقول المزارعين، والذي يأكله الدجاج. ... |
قصص الشمس
قال الريح: «سوف أحكي قصة.»
فبادرت الأمطار: «أستميحك عذرًا، لكن هذا دوري أنا. ألم تظل تعوي طويلًا في الجوار، بأقصى طاقتك؟»
قال الريح: «هل هذا عِرفانكِ لي بالجميل؟ أنا الذي أقلب كل المظلات، بل أكسرها، إكرامًا لكِ، حين يحاول الناس تحاشيَكِ بكل ما أُوتوا من سبل.»
هنا قالت الشمس: «أنا ... |
إبرة الرفو
كانت هناك في يوم من الأيام إبرة رفو تعتقد أنها رفيعة جدًّا، حتى انتهى بها الأمر أن تعتقد أنها صالحةٌ للتطريز.
قالت للأصابع التي التقطتها: «فلتحرصوا على الإمساك بي جيدًا. لا تدَعوني أضيع رجاءً. إن سقطتُ على الأرض، فسوف أضيع حتمًا؛ فإنني رفيعة للغاية.»
قالت الأصابع وهم يُمسكون بها بقوة من... |
بائعة أعواد الثقاب الصغيرة
كان البرد قارسًا؛ إذ كانت الثلوج تتساقط سريعًا، والظلام وشيكًا، مع دخول المساء؛ المساء الأخير في العام. في هذا البرد والظلام، سارت فتاة صغيرة مسكينة في الشارع، حاسرة الرأس وحافية القدَمَين. صحيح أنها حين غادرت المنزل كانت منتعلة خفَّين؛ إلا أنهما كانا كبيرَين جدًّا على قدمَيها؛ إذ ظل... |
مقدمة المترجم
نقلتُ للكاتب الألماني الكبير إميل لودفيغ غيرَ كتابٍ في تراجم الرجال، وللنابغة الغربيِّ هذا كتاب «النيل» وكتابُ «البحر المتوسط» ترجم فيهما للنهر وللبحر كما ترجم للعظماء، فأكسبهما من الحياة ما يُخيَّل إلى القارئ معه أن الجماد من بني الإنسان، و«النيلُ» هو الذي أعرِضه الآنَ على القراء.
بدا الن... |
مقدمة المؤلف
كتبتُ وترجمتُ، وكلما كتبتُ سيرة رجل وترجمت عنه١ تَمَثَّل لي مجرى نهرٍ ومصيرُه، ولم يبدُ لي وجود نصيب بشري لنهر وصورة إنسان له غيرَ مرةٍ واحدة، فلما أبصرتُ سد أسوان العظيم للمرة الأولى في نهاية سنة ١٩٢٤ كان للمعنى الرمزيِّ الذي فَرَضَه عليَّ من السلطان الكبير ما ظننتُني معه هنالك، في ذلك المحلِّ الفاص... |
الفصل الأول
هدرٌ يُبَشِّر بنهر، وحول صخر جزيرةٍ حَجيرة١ تُبصِر شريطًا جبَّارًا صَخَّابًا أزرقَ سماويًّا أزهَرَ بهيًّا يُلقي نفسه من عَلٍ في مسقطٍ مُضاعف فيؤدِّي إلى دُردُورٍ٢ يغشاه زَبَدٌ ضارب إلى خُضْرَة كالذي يعلو اللبن فيدفع هذا الزبد إلى ما ينتظره من مصير مجهول، فبين هذا الضجيج يُولد النيل.
وبالقرب من ه... |
الفصل الثاني
لم يجرؤ أحدٌ بعد على قَهْر منبع النيل، ولا على الإنشاء والتنظيم فوق ضِفافه مع أن عِدَّة خِططٍ وُضعت حول ذلك الجزء الأفريقي من قِبل مهندسين كثيرين، ومع ذلك نصب جسرٌ حديديٌّ أسمرُ على النهر في أوائل حياته؛ أي بالقرب من مجراه التحتانيِّ، فيَصِلُ به قطارٌ بين بحيرة فيكتورية والمحيط الهندي، أو يَصِل به... |
الفصل الحادي عشر
يعود النهارُ، والنهار إذا ما عاد جُرَّ النهر إلى الصراع الذي بُدِئَ في الليل بين الأرض والماء، ويدخل النيل مِنطقة المناقع التي تُعَيِّن مصيره وتقرِّر مصير البلد بأسره، ويكاد النيل يكون من الدرجة الخامسة إلى الدرجة العاشرة شمالًا شريانًا أساسيًّا لغَدِيرٍ أكثرَ من أن يكون نهرًا.
وما كان ... |
الفصل الرابع والعشرون
إذن، استقرَّ الإنكليز بوادي النيل، واستلهموا الرومانَ أكثر من استلهامهم اليونان؛ وذلك مع كونهم أحسنَ تسلُّحًا من أسلافهم الذين كانوا قد استولوا على الدِّلتا خُطوةً خُطوةً بالحديد والنار. أجل، إنهم بَدَوْا أقلَّ اطِّلابًا، فلا يَزْعُمون أنهم سادةُ وادي النيل، ولا يَرْفَعُون العَلَم البريطان... |
الفصل الخامس والعشرون
إذا ما خاطر البطلُ القوميُّ المنسيُّ الفقيرُ — عرابي — بنفسه فَذَهَبَ إلى شوارع الأحياء الجديدةِ الأنيقة بالقاهرة لَقِيَ عربةً فَخْمَةً يَجُرُّها حصانان مُطَهَّمَان راشحان عَرَقًا ومزخرفان بالذهب ويَرْكَبُها رجلٌ من لِدَاتِه١ يعرفه الجميع ويَخْشَوْنَه، وكان هذا الرجل الذي لم يكلِّمه في سنوا... |
الفصل السادس والعشرون
يُعَيِّن النِّضَالُ في سبيل الذهب وفي سبيل الحرية مصيرَ مصرَ منذ صارت قبضةَ بريطانية العظمى. وكلا الأمرين يُرَدُّ إلى مبادئ الإنسان، وإن لم يكونا قديميْن قِدَمَ النيل، ولم يجاهد قدماءُ المصريين في سبيل الحرية قَطُّ، ولم يَعْرِفُوا الثورات. والانقلاباتُ الكبيرة في المراتبِ الاجتماعية — لا ا... |
الفصل السابع والعشرون
لا يكاد النيل في شهر يونيو يُسمَع من فوق جسر الجزيرة الذي هو جِسْرُ القاهرة الضخم، والذي لا يَعدِل غيرَ ثلث جسر الخرطوم طولًا، ويُتِمُّ النيلُ في العاصمة آخرَ جَوَلانٍ له فيَظهَر جليلًا وقورًا وتَقطَعه جزيرتان، ولا يُنْعِم على عاصمته الألفية — القاهرة — بمظهرِ قدرته، وتَبْدُو الجسور الثما... |
الفصل الثامن والعشرون
الدِّلتا خضراء كوادي النيل، ولكن بما أنها ليست أرضًا ضيِّقةً، ولا واحةً، ولكن بما أنها سهلٌ يمتد على مَدَى البصر، فإن لَوْنَ الصحراء الأصفرَ لا يَبْدُو في غير أطرافها البعيدة. وإذا كانت مصرُ العليا تَنِمُّ على انسجامٍ بين الأخضر والأصفر والأزرق فإن الدلتا الواقعةَ تحت سماءٍ شاحبة تَنِمُّ ب... |
الفصل التاسع والعشرون
هذه هي المدن، وهذه هي حركتها، وهنالك معامل، ولكن مع قليلِ مغازلَ في بلد القطن ذلك، ولا تَصْنَعُ تلك المعاملُ غيرَ واحدٍ في المائة من الإنتاج، وفي البلد قليلٌ من مصانع التَّبْغ مع أنه يُنْتِج أحسنَ تَبْغٍ في العالم، وفي بلدِ السكر ذلك قليلٌ من معامل السكر، فلا يقوم ما يُنْتِجه منه باحتياجا... |
الفصل الثلاثون
يجلس القُرفُصَاء على أرض الدلتا نساءٌ وأولادٌ في الخريف، وعلى مَدَى البصر، فيقتطفون القطن، وثيابُ هؤلاء الخَدَم سُودٌ، والمَلِك أبيضُ، ويَعُوم عليه غَمَامٌ خفيف، ويلوح كلُّ شيءٍ فيه خفيفًا وغيرَ حقيقيٍّ، ويُفَكَّر في لَعِب طائرٍ وحُلُم صَبِيٍّ.
ولذلك النباتِ طبعٌ تابعٌ لهواه، ويقاوِم ذلك الن... |
الفصل الحادي والثلاثون
تمر جماعةٌ من النُّحَام١ فوق قُبَّةِ البُرْصة آتيةٌ من رشيد، وتَتَّجِه طائرةً مع ازْوِرَارٍ نحوَ الجنوب الغربيِّ؛ وذلك لأنها تَجِدُ على شواطئ بحيرة مريوط وفي مناقع مصبِّ النيل ألوفًا من إخوانها، هي ورديةٌ كالشَّفَق، هي تُخْفِي عُنُقَها الرائعَ تحت أجنحتها، هي تَقِفُ على أرجلها السُّود، هي... |
الفصل الثاني عشر
مِنطقة الضَّحَاضح النيلية منعزلةٌ، ولا يَدْنُو الإنسان من النهر إلا في أماكنَ نادرةٍ حيث تكون الضِّفة جافةً تمامًا، وهذه المياه الجارية الراكدة لا تُزعج بعضَ جماعات الحيوان وبعضَ أنواع الحيوان في عاداتهما، وتستمر هذه الجماعاتُ والأنواع على العَيْش في تلك المياه، فتَجِد الأسماكُ والطيورُ والزَّ... |
الفصل الثالث عشر
يَقِفُ أولئك الناس كالطيور، ويُكَيِّف أولئك الناس أنفسَهم منذ قرون وَفْقَ مقتضيات المحيط كطيور الغدير، وأولئك الناس كاللقالق١ صغار الرءوس نِحَاف الأعضاء طويلو الأفخاذ فَيَظَلُّون عدة ساعاتٍ وقوفًا في البطائح منفردين واضعين فخذًا على ركبة الفخذ الأخرى.
ومن هو الزِّنجيُّ؟ أو يمكن أن يُسأل: م... |
الفصل الرابع عشر
لم تكد عاداتُ زنوج النيل تتغيَّر مع الاتصال بالبيض والأحباش، وبتلك العاداتِ نَنْفُذُ في غابة المشاعر البشرية البكر، ومن غير استبعادٍ لتناقضها باسم الأخلاق نرى هذا التناقضَ هو من تَعَذُّر التفسير كالتناقض في أخلاق الإنسان الأبيض.
وهم إذا ما عَزَوْا إلى عجوز تصرفًا سيئًا نَزَعُوا المَرَارَة... |
الفصل الخامس عشر
من ينظر إلى أجسامهم يَعرِف هل هم من الرعاة أو من الفلاحين، والأبيضُ بجانب الفتى الشِّلُّكي يبدو ثقيلًا بليدًا على الدوام، وارْجِعِ البصر إلى الشلكي تجده يذكِّرك بتمثال باخوس١ البرونزي بجماله وإغوائه كمراهقٍ إغريقيٍّ ومدِّه ساقيه الدقيقتين الطويلتين وسكونه وزهوِه وعُرْيِه ووضعه جلدَ حيوانٍ على كتف... |
الفصل السادس عشر
يقطن المُرَّاد١ في المناقع، وهم لا يَبعدون من الأقزام أكثرَ من بعد نِيُويُورك من وَشِنغتُن أو بعد زُورِيخَ من مِيلَان، وهم يَظهرون على ضفة النيل اليسرى بالقرب من بحر الغزال، ويَنزِلون على الضِّفة اليمنى حتى الدرجةِ الثانيةَ عشرةَ، ولكن المستنقع وحدَه هو الذي يجعل لوجودهم معنى، وكما أن أقزام رُوِن... |
الفصل السابع عشر
وفي أقصى شمال المناقع، ونحو الدرجة العاشرة من العَرض، يمتدُّ هَوْرٌ١ واسعٌ مماثل للأهوار الأخرى، ولكن من غير أن تُبصَر غايتُه، وذلك الهَور هو بحيرةُ نو التي هي نقطةُ انطلاقٍ جديدة للنيل، والنيل بذلك يَبلُغ الحدَّ الغربي من مجراه في الدرجة الثلاثين من الطول الشرقيِّ التي تُبلَغ مرةً أخرى بالشلال ا... |
الفصل الثامن عشر
قُطعت المنطقة الاستوائية، وانقضت مغامراتُ الشباب، ويسير نهرٌ متَّزِنٌ كهلٌ إلى مصيره.
ولدى النهر فيما بعد من الوقت ما يَذكُر فيه مباغتاتِه من بحيراتٍ ومساقطَ ودوافعَ ومخاطرَ من كلِّ نوعٍ من المناقع وكفاحٍ ضد الأهوار، هو ليس عميقًا، هو يَبْلُغ من العُمْق خمسةَ أمتار على العموم، ومترين في ... |
الفصل التاسع عشر
يظهر الإله الجديد من بين الأقواس المَغرِبية ويدنو من النيل، والعابدُ في طريقه إلى الشرق وقبل عبوره النهر يَركَع على العشب الأخضر لابسًا ثوبًا أبيض وعِمَامَةً بيضاء، ثم يَغسِل رجليه في النيل، فيبدو وحيدًا أمام هذا المنظر الصحراويِّ الأصفرِ والأزرق الذي يُمَيَّز بوضوحٍ في الهواء الشَّفَّاف الصاف... |
الفصل الأول
الرياح سَبَبُه! ومن أين يأتي المطر لولا وجودُ الرياح الموسمية ولولا وصولها في الوقت المناسب وفي الاتجاه المُرتَقَب؟ والنيلُ الأزرق وليدُ المطر والجبل، وما مَصدَرُ معجزة هذا النيل الثاني إلا تنازعُ العناصر والبراكين وما عليها من سحاب مزدحم، ولولا جبالُ الحَبَشَة الشواهق — ولو لم تكن هذه الشواهق براكين... |
الفصل الثالث
يهدأ النيل الشاب على مسافة ستين كيلومترًا من مجراه بعد منبعه، ويتعرَّفُ النيل الشاب ببطائنه، ويَنزِل مائتي متر بين المساقط والدوافع، ويُحيط ببضع جُزَيراتٍ كثيرة الغابات، ويُبصِر أناسًا عراةً أنشئوا أكواخًا لصيد السمك وتجفيفه وتدخينه.
والنيل عندما يغادر الدوافعَ ويَتَّسع ويَسلُك سبيلَ الحكمة يبا... |
الفصل الثاني
يخرج النيل الأزرق من بحيرةٍ كأخيه الرزين، ولكن من المحقَّق أنه ينصبُّ في تلك البحيرة كنهرٍ قصير ويجاوزها، وأنه يحقُّ للأَبَّاي الأصغر أن يُكَنَّى ﺑ «أمِّ النيل الأزرق»، ومنبع الأبَّاي في جبالٍ عالية، وهذا هو أول توافقِ أصواتٍ من بعض الوجوه.
ويقع ذلك المنبع في جنوب بحيرة طانة بوادي غِيش على ارت... |
الفصل الثالث
هنالك، في العُدوة، تَسقِي الحيوانَ مئاتُ الجداول والأنهارِ قبل أن تَضِيعَ في المجاري العميقة التي تأتي بها إلى النيل، وفي ذلك الصُّقْع المُمَزَّق يَحبِس البِرذَوْن١ عن الإنسان خِدَمَه، فيُضطَرُّ الرائد إلى الهبوط والصعود ١٢٠٠ متر لدراسة مجرى أحد الأنهار الأسفل، ويكون النيلُ في الغالب غائبًا عن الأبصار... |
الفصل الرابع
في ذلك الدور تزَّيَّن أجمل ملكات إثيوبية وأشهرهن بالذهب والحجارة الكريمة لتزورَ أورشليم (القدس) وتتعرَّفَ بالأمير الذي يملك هنالك فيَعدِلها جمالًا وصيتًا. ومن الحق أن كانت ملكة البلد الذي حمل بعد زمنٍ اسم اليمن، ومن أورشليم جاء تجارٌ إلى اليمن ليشروا منها حجارةَ بناءٍ رائعةً بأيِّ ثمن كان وليأتوا ... |
الفصل الخامس
رُئِيَ في بدء الأمر أن الحَبَشَة هي الفردوس في الأرض، وعَدَّ يوسفُ١ النيلَ أحد النهرين التورائِيَّيْن، وفي الحبشة بحث الناس عن الذهب والعبيد منذ إخراج آدم وحواء من الجنة وتوجيه الذهب والسلطان للرجال في أعمالهم. وللحبشة مَنَعَةٌ بجبالها ومطرها، مع أن مغازي الفاتحين في سهوب السودان أسفرت عن قَهْرِ الأُ... |
الفصل السادس
جَعَلَت الجبالُ من الحَبَشِيِّ محاربًا، وكان المطر يَقْطَع كلَّ حربٍ منذ ألوف السنين، ولا تُؤتِي البغضاء أُكُلَها إلا بين أكتوبر ومايو، ولذَيْنِك العنصرين لم يُغْلَب هؤلاء القومُ الذين هم من شباه الهَمَج تجاه أساليب الحروب الحديثة، بل انتصروا في سنة ١٨٧٠ وسنة ١٨٩٠ على شعبين ذَوَيْ أسلحةٍ جديدة وطَر... |
الفصل السابع
رجلان يسيران في مَرتَجٍ١ على طول نهرٍ نصفِ جافٍّ، وكلا الرجلين على سفر، والذي يتقدم الاثنين هو الرسول بطرس المشابهُ الذي يبدو على فسيفساء رافنة،٢ فهو ذو رأسٍ أسمر يحيط به شعرٌ طويلٌ ولحيةٌ قصيرةٌ سوداء، وهو ذو عَمْرَةٍ٣ لا شكلَ لها ولا لون، وهو أسودُ العينين حاملٌ بيده سيفًا مجردًا ذا مقبضٍ على صورة ا... |
الفصل الثامن
ضِيقُ الرَّتائِج،١ وظاهرة الأمطار، واتساعُ البلد الذي هو أكبر من فرنسة وإيطالية مجتمعتَيْن، وتَعَذُّر مراقبته في مجموعه، ومشكلةُ حكومةٍ في قُطرٍ يَأبَى المركزية وعاطلٍ من أيِّ شعورٍ بالتضامن الاجتماعيِّ كما في سويسرة، والغزوات التي تعرقل الصناعة، وجمهورُ القساوسة الذين يخشون العمل، واستبداد السلطة ... |
الفصل التاسع
وكيف يُدَاوِم شعبٌ يُرسِل في كلِّ سنة ألوفَ الحَجِيجِ إلى القدس على السَّكَن مع الأنعام في أكواخٍ مصنوعة من سوق الشجر ومن العَوْسَج١ والعشب والبعر؛ أي يأتي أمرًا لا يُطِيقُه معظم الزنوج؟ وفي كلِّ يومٍ، وباللاسلكي، تَتَّصِل العاصمة بأوروبة، ويصل العاصمة بالبحر خطٌّ حديديٌّ، ولا ترى — مع ذلك — طريقًا ... |
الفصل العاشر
ونوحٌ هو مصدر الخطأ، ولا رَيْبَ في أنه كان نَشْوَانَ حين لَعَنَ ابنه حامًا وحَكَمَ عليه بأن يخدم إخوته، فصار جميع تجار الرقيق يستشهدون به، ولم يعرف ماذا كان يفعل، فما كان حامٌ شرًّا من سام، ولم يقلَّ ما أتاه اللاحاميون من ظلمٍ عما أتاه اللاساميون. ومهما يكن الأمر — وعلى ما كان من اضطهاد اليهود — ف... |
الفصل الحادي عشر
كان يجوب أوروبة كردينالٌ، حواليْ سنة ١٨٨٠، فينطق بمواعظَ ناريةٍ ضدَّ الرِّقِّ، ويتبارى سادةُ الدنيا في تنظيم الولائم وفي إلقاءِ الخُطَب، ولكنهم لم يغيِّروا شيئًا تقريبًا، ولم يُلْغَ الرق في روسية وفي الولايات المتحدة إلا منذ عشرين عامًا قبل ذلك التاريخ، ويستفحل الأمر، ويتريَّب العالَم النصراني ... |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.